أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
ما وراء الفقه / ج10

ما وراء الفقه الجزء العاشر
يحتوي على مفاهيم واستدلالات
وحسابات تدور حول مسائل فقهية كثيرة.
يصلح للثقافة الفقهية العامة المعمقة.
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بإشراف مقتدى السيد محمد الصدر

الجزء العاشر

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر

النجف الأشرف

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429

المستدرك
تم فيه ذكر جملة من الفصول والموضوعات
التي أغفلت في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب
ــــــــــــــــــــ[8]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل الساعة
قال ابن منظور: الساعة جزء من أجزاء الليل والنهار. والجمع ساعات وساع قال القطامي:
وكنا كالحريق لدى كفاح
فيخبو ساعة ويهب ساعا

قال ابن بري: المشهور في صدر البيت.
وكنا كالحريق أصاب غابا
أقول: وهذا يعني ان العرب في الجاهلية شاهدوا حرائق الغابات على الرغم من عدم وجودها في الجزيرة العربية فيبقى السؤال عن المناطق التي كانوا فيها وشاهدوها. ويكفينا كشاهد حسي بأن ابن منظور كتب ذلك في كتابه: (لسان العرب) قبل ما يقرب من ألف سنة.
كما أنني اعتقد إن قوله في البيت المذكور: ويهب ساعا. مفرد وليس جمعاً. كما يريد أن يستشهد عليه، فكأنه قال: فيخبو ساعة ويهب ساعة.
وأضاف ابن منظور قائلا: وتصغيره سويعة. والليل والنهار معاً أربع وعشرون ساعة. وإذا اعتدلا فكل واحد منهما اثنتا عشر ساعة.
ثم قال: والساعة في الأصل تطلق بمعنيين: احدهما: عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءاً من مجموع اليوم والليلة. والثاني: ان تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل. يقال: جلست عندك ساعة من النهار أي وقتاً
ــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
قليلا منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة.
قال الزجّاج: معنى الساعة في كل القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة. ويريد أنها ساعة حقيقية يحدث فيها أمر عظيم. فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعة.
وظاهر عبارة ابن منظور: إن اليوم والليلة إذا لم يعتدلا لم يكن كل منهما اثنتا عشر ساعة. بل كان الطويل منهما أكثر في ساعاته من القصير.
وهو أمر مطبق في عصورنا الحاضرة ومفهوم لدينا إلا انه يبدو انه كان مفهوماً من عصر قديم.
غير إن التقسيم المتساوي للساعات حيث انه لم يكن معروفاً، فأما أنهم يأخذون مدة الساعة أمراً تقريبياً، أو كانوا يحددون ذلك باعتبار أوقات الليل والنهار. ويسمونها ساعات بالرغم من اختلافها في الطول.
ويمكننا أن نجد ذلك في التقسيم الديني التقليدي القديم للساعات حيث نسمع المؤلف في (مفاتيح الجنان)(1) يقول: اعلم ان الشيخ الطوسي والسيد ابن باقي والشيخ الكفعمي قد قسموا اليوم إلى اثنتي عشر ساعة ونسبوا كلاً منهما إلى إمام من الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين. وذكروا لكل منها دعاء التوسل بمن نسبت إليه تلك الساعة. وهم وان لم يرووا في هذا الموضوع حديثاً عن المعصوم. ولكنهم – كما هو معلوم من شأنهم – لم يصدر منهم ذلك ما لم يقفوا على رواية تدل عليه. ونحن نقتصر في هذه الرسالة على ما ذكره في مصباح المتهجد.
أقول: ثم صار المؤلف  بصدد تعداد الساعات وذكر أدعيتها. والمهم لنا الآن هو ذكر الساعات كما يلي:
ــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر ص173 وما بعدها.
الساعة الأولى: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
الساعة الثانية: من طلوع الشمس إلى ذهاب الحمرة.
الساعة الثالثة: من ذهاب الشعاع (يعني انتشاره) إلى ارتفاع النهار.
الساعة الرابعة: من ارتفاع النهار إلى زوال الشمس.
الساعة الخامسة: من زوال الشمس إلى أربع ركعات من الزوال.
الساعة السادسة: من مقدار أربع ركعات من الزوال إلى صلاة الظهر.
الساعة السابعة: وهي من صلاة الظهر إلى مقدار أربع ركعات قبل العصر (يعني قبل صلاة العصر).
الساعة الثامنة: وهي من مقدار أربع ركعات بعد الظهر إلى صلاة العصر.
الساعة التاسعة: من صلاة العصر إلى ان تمضي ساعتان.
الساعة العاشرة: من ساعتين بعد صلاة العصر إلى قبل اصفرار الشمس.
الساعة الحادية عشر: من قبل اصفرار الشمس إلى اصفرارها.
الساعة الثانية عشر: من اصفرار الشمس إلى غروبها.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
أولا: إن هذا التنظيم ونحوه من الساعات يناسب الأيام الطويلة والقصيرة معاً. ولا يختص بالمعتدلة كما هو واضح. على خلاف ما ذكره ابن منظور مما سمعناه.
ثانياً: إن هذا تقسيم لساعات النهار دون ساعات الليل. ومن هنا ينبغي – في حدود هذا الفهم – ان تبقى ساعات الليل مجهولة. ولعل ذلك لقلة أهميتها بعد قضاء أكثرها في النوم.
ــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثالثاً: إن هذه الساعات ليست بحجم واحد. ولعل أطولها الساعة الأولى منها واقصرها الساعة الحادية عشر. فانه ليس مما قبل اصفرار الشمس إلى الاصفرار أي مقدار من الزمان حقيقة.
رابعاً: إن عددا من الساعات تم تعيينها باعتبار ركعات الصلاة. فكأنها ساعات لخصوص المتشرعة من المسلمين دون سواهم! !
خامساً: من الملاحظ إن النصف الأول من النهار يحتوي منها على أربع ساعات والنصف الثاني على ثمان ساعات.
سادساً: إنهم استعملوا معنى الساعات في تحديد الساعات، كما سمعناه حين قال عن الساعة التاسعة: إنها من صلاة العصر إلى أن تمضي ساعتان، فبأي مقدار هذه الساعتان. وهي ليست من الاثنتي عشرة بطبيعة الحال. ولو أضفناهما إليها لكانت أربع عشرة ساعة.
سابعاً: ان استعمال مفهوم الساعة في تعريف الساعة وبيانه، يحتوي على ما يسمى بالدور في المنطق. ونتيجته أننا نبقى عاجزين عن تحديد معنى الساعة. بعد توقف فهم مفهومها على فهم مفهومها نفسه.
وبعد أن تفتق الذهن البشري عن تحديد ساعات الليل والنهار إلى أربع وعشرين ساعة متساوية. كانت هناك مشكلة ينبغي مواجهتها وحلها. وهي تحديد اللحظة التي يبدأ بها العد. إذ في الإمكان جعل أي (منطقة) من هذا الوقت الطويل هي ساعة الصفر التي يبدأ العد بها.
وقد كان المجتمع لدى (المتشرعة) يعيش قروناً عديدة على أساس ان (ساعة الصفر) تلك هي غروب الشمس أو قل: سقوط القرص. بحيث انه إذا ساوى آخر أجزاء قرص الشمس مع أول أجزاء الأفق كانت هي الساعة الثانية عشر ويبدأ العد من جديد.
ــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ومن هنا كنا نسميها الساعة الغروبية لأن وقت تحديدها وبدايتها هو غروب الشمس. وقد تسمى بالساعة (العربية) في مقابل الساعة الأخرى الواردة إلينا من الفكر الأوربي الغربي.
ومن خصائص الساعة الغروبية إن وقت الغروب والمغرب ثابت فيها طول السنة بالرغم من طول الأيام وقصرها. لأنه يعتبر نقطة البداية. ومن الواضح إنها لا تختلف ما دامت الدورة هي أربع وعشرين ساعة بالضبط.
إذن، فمؤشر الساعة سوف يعود إلى نفس المكان في نفس الوقت. وهذا ما ندركه بالبرهان الرياضي. إلا إذا قضى الله سبحانه أن تطول هذه الدورة أو تقصر ولم نحس بذلك إلى الآن على أي حال.
ولكن حين وردت إلينا الساعة (الغربية) وهي السائدة الآن. والتي سميت بالساعة الزوالية. عندئذ تساءل الناس عن نقطة بدايتها أو (نقطة الصفر) فيها، فأجابوا: إنها زوال الشمس. باعتبار أنها تسمى (زوالية). فعند زوال الشمس تحديداً تكون الساعة الثانية عشر.
إلا إن هذا لم يكن صحيحاً لعدة أمور:
الأمر الأول: إن الساعة تحتاج إلى نقطة بداية واضحة عرفاً، يفهمها الناس. وأما نقطة الزوال الحقيقية، فهي صعبة الإدراك لغالب الناس. كما هو معلوم.
الأمر الثاني: إن نفس معنى الزوال الذي يقع في وسط النهار فيه ترديد واحتمالات كما أوضحنا في فصل أوقات الصلاة من كتابنا هذا(1) وان المراد من الزوال هل هو زحزحة مركز قرص الشمس عن دائرة نصف النهار أو خروج القرص كله منها. وهذا الفرق قد يشكل دقيقتين أو ثلاث، فيؤثر على نقطة
ــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر: الجزء الأول، القسم الثاني ص24.
البداية، ومن ثم على التوقيت كله.
الأمر الثالث: انه يلزم بوضوح من هذا التوقيت ان يكون الزوال في الساعة الثانية عشر على مدار السنة، كما كان الغروب في الثانية عشر على مدار السنة في التوقيت الآخر، كما سمعنا. وقد أدرك الناس ذلك حينها (قبل حوالي أربعين سنة) فأصبحوا يصلون بعد الثانية عشر بقليل من هذا التوقيت، باعتبار دخول وقت صلاة الظهر عندئذ. واعتبروا أن من جملة فوائد هذه الساعة هو تحديد وقت الزوال. غير ان هذا مما ثبتت عدم صحته كما سنسمع.
الأمر الرابع: إن مقتضى الفهم الدقيق أن لا يكون موعد تحديد هذه الساعة هو الزوال، بل هو نصف النهار تماماً ويحصل الزوال بعد الساعة الثانية عشر بقليل. وهذا ينافي ما عرفه الناس من أن موعد تحديدها هو الزوال. وكان ذلك هو مقتضى تسميتها أيضا.
وعلى أي حال، فحينما تزايدت التجربة على هذه الساعة المستحدثة، تغير الفهم الذي ذكرناه في الأمر الثالث، وأصبح الزوال يحصل في الشتاء قبل الثانية عشر إلى حد قد يصل قبلها بربع ساعة. ويحصل في الصيف بعد الثانية عشر بحوالي ربع ساعة أيضا. وأصبحنا نقول: انه لا بأس بذلك لأن نصف النهار الطويل أطول من نصف النهار القصير. فالنصف القصير في الشتاء يتم قبل الثانية عشر والنصف الطويل يبقى بعدها. وهذا الفهم إنما هو (تعذير) للواقع وليس دقيقاً كما هو معلوم.
وعندما ازدادت التجارب على هذه الساعة المستحدثة، أصبح الزوال يميل إلى الاتجاه بعد الثانية عشر طيلة فصول السنة، فهو يتراوح مما قبلها بدقيقتين أو ثلاث شتاء إلى ما بعدها حوالي عشرين دقيقة صيفاً. وقد (يتحرك) هذه الحركة مرتين في السنة. (فانظر ماذا ترى) ؟
وهذا كله مما أحسسناه وواكبناه خلال الأربعين سنة الأخيرة. وهذه الساعة
ــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المستحدثة لم يمض على دخولها إلى الشرق المسلم أكثر من ذلك. فلم تحض بمحصل طيلة المدة.
حتى ان بعضهم كان يجيب عن سبب هذا الاختلاف بأنه ناشئ من التقصير والإهمال في توقيت ساعة (بك بن) التي هي أساس هذا التوقيت في عالم اليوم، فإنها ان صادف إنها وقفت أو قصّرت أو عطبت، تم توقيتها من قبل المشرف عليها طبقاً لساعته الخاصة وليس بالدقة كما ينبغي أن يكون. وقد تكون ساعته بدورها ذات شجون.
ويكفينا من ذلك إن (الغرب) بسلطته على سطح الأرض استطاع أن يفرض على كل الشعوب أموراً عديدة منها هذا التوقيت المستحدث. وان يجعل الأساس فيه ساعة (بك بن) الموجودة في لندن. وان يجعل خط الطول (الصفر) هو المار على مدينة لندن نفسها. باعتبار إن بريطانيا كانت تسمى (عظمى) في يوم من الأيام. ولكنهم بدل ان يسموا الخط: خط لندن سموه بخط (غرنج) وتوقيت (غرنج). وكان هذا نحو من أنحاء التستر على هذا المخطط الطويل الأمد. ثم قالوا: إنهم اخترعوا (الساعة الذرية) وان هذه الساعة غير قابلة للغلط إلا ثانية واحدة في كل عدة آلاف من السنين. وهو أمر غير معتد به ولا ملفت للنظر.
وهي على أي حال خطوة جيدة، وهي تمنع ما عليه تذبذب الساعات الآلية واختلافاتها في التوقيت اختلافاً مزعجاً. ولكن هذه الخطوة لا تمنع أياً من الإشكالات التي سمعناها في الأمور السابقة، كما هو غير خفي على القارئ اللبيب.
ثم انه ثبت أخيراً في علم الفلك، كما ذكرنا في كتاب الصلاة من كتابنا هذا(1): ان لمركز الأرض حركة معينة تجعل القطبين الشمالي والجنوبي
ــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر ص345 الجزء الأول القسم الثاني.
يتحركان في حركة دائرة مسننة بطيئة يقدّر قطرها بحوالي عشر درجات، وليته يعود إلى نفس المكان الذي كان فيه قبل سنوات، لا. ولكنه -في الواقع – يدور في دائرة لولبية مفتوحة وغير متعينة إلا في علم الله سبحانه .
وهذه الحركة الدائرية تؤثر على مختلف بقاع الأرض، وعلى خطوط الطول والعرض فيها، وعلى طول وقصر الليل والنهار، وعلى الأوقات والساعات فيهما، كما عرفنا في المحل المذكور من كتاب الصلاة.
وهذه الفكرة في الحقيقة تشكل إشكالا مهماً ضد أي توقيت لأي ساعة. يعني بالنسبة إلى التوقيتين الغروبي والزوالي. غير انه من المؤكد أن تأثيره وضرره بالنسبة إلى التوقيت الزوالي أكثر بكثير، حتى انه قد أثر كما رأينا على نقطة بدايتها تأثيراً بليغاً فضلاً عن غيرها من الأوقات.
وأما الساعة في التوقيت الغروبي فلا يمكن أن يؤثر على نقطة بدايتها تأثيراً ملحوظاً على اعتبار أن خطوط الطول هي الأقل تأثراً من تلك الحركة، ومن المعلوم أن الشروق والغروب إنما يتحدد بتلك الخطوط.
مضافاً إلى وضوح إن أياً من الإشكالات السابقة التي أوردناها على التوقيت الزوالي، فإنها لا ترد على التوقيت الغروبي. ويمكن للقارئ بسهولة تطبيق ذلك في لحظات. هذا ومن المحتمل أن يتأثر التوقيت على وجه الأرض بمركز الأرض ونسبتها إلى الشمس والقمر، ومقدار قطر دورانها حول الشمس ومحيطه وسرعته، وجاذبيات الكواكب السيارة وغيرها كثير مما هو معلوم فلكياً، وأما تأثره بسرعة دوران الأرض حول نفسها فهو أكيد.
وهناك نظرية تقول بتباطؤ دوران الأرض حول نفسها كل عام بمقدار ثانية أو ثانيتين في العام، وهذا مما يؤثر على سائر الأوقات اليومية، غير إن صحة هذه النظرية، محل نظر.
ــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الساعة المثالية :
لو نظرنا إلى خطوط الطول خارج الدائرتين القطبيتين، وهو اغلب سطح الأرض، لأمكننا أن نسلسل الساعات والدقائق بوضوح، باعتبار تلك الخطوط. كما ان حركة الشمس والليل والنهار باعتبارها أيضا. وإذا مشينا بهذا التسلسل، فهو ما نعبر عنه بالساعة المثالية.
والوجه في كونها مثالية، كونها غير مطبقة عملياً على سطح الأرض، بل تأخذ كل دولة توقيت عاصمتها وان اختلفت عن التوقيت الحقيقي، حتى يمكن ان تكون الساعة عند الزوال في مثل ذلك في الحادية عشر والنصف أو الحادية عشر تماماً أو الواحدة تماماً. طبقاً لبعد المنطقة عن العاصمة.
وهذا الأسلوب وان كان فيه توحيداً للدوام الرسمي في الدولة، لأنه يجعل كل الموظفين يخرجون إلى دوائرهم في نفس الوقت ويخرجون منها كذلك أيضا. وهي مصلحة لا تخلو من أهمية، إلا إنها أوجبت التضحية بالساعة المثالية، الأمر الذي اوجب عدة مضاعفات، منها:
أولاً: ما اشرنا إليه من اختلاف التوقيت في ساعات النهار فبدلا من أن يكون الزوال في الساعة الثانية عشر، فسوف يكون في الحادية عشر مثلا.
ثانياً: قد يحصل أن دولتين على خط طول متشابه تقريباً، تجعل التوقيت بينهما مختلفا ساعة أو نصف ساعة. كأن الأمر في ذلك اختياري وليس خلقياً تكوينياً !!
ثالثاً: انك إذا وصلت إلى (الحدود) بين أي دولتين فسوف تعجب من اختلاف التوقيت أكثر، لأنك تجد هناك منطقتين متقاربتين لا يكاد يصلهما كيلو متر واحد، ومع ذلك فان الفرق بين ساعاتهما هو ساعة كاملة. باعتبار تبعية كل منطقة إلى عاصمتها.
ــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
رابعاً: حصول الشك والاشتباه في انه أي بلد تنطبق عليه (الساعة المثالية) المطابقة بالضبط مع خطوط الطول وأي بلد ليس كذلك، وذلك بالنسبة إلى جميع الناس ما عدا الأوحدي المتعمق بالفكر منهم.
واني لا زلت أتذكر انه كانت تأتي خرائط لكرات أرضية مصغرة ذات محور واحد. قد وضعوا على القطب الشمالي منها قرصاً محدداً للساعات والدقائق. وليس عليك إذا أردت ان تعرف الساعة في أي بلد، إلا أن تضبط الساعة على خط الطول من بلدك لتعرف الساعة آنياً في كل سطح الكرة الأرضية.
فهذه هي الساعة المثالية، التي ألغت الدول أثر العمل بها، كما قلنا. وأصبحت أطالس الخرائط ترسم خريطة معينة للساعات لا تطابق خطوط الطول بحال. وكنت أود إلحاقها بهذا الفصل لولا أنها لا تحتوي على اثر شرعي كبير. فان المهم شرعاً هو الأوقات التكوينية، كالشروق والزوال والغروب، في أية ساعة كان حصولها.

الحكم الشرعي للساعات :
عرفنا ونعرف أن هذه الساعات المتعارفة لدينا إنما هي قد أصبحت كذلك في زمن متأخر عن عصر المعصومين . ولا نعلم ماذا كان يحمل المجتمع في صدر الإسلام عن معنى الساعات الأربع والعشرين التي ذكرها ابن منظور في كتابه كما سمعنا.
والقدر المتيقن من حال المجتمع يومئذ هو أنّ المراد من الساعات لديه معانيها اللغوية وليس أكثر من ذلك. ومعه فهذا هو ما ينبغي أن نفهمه فيما إذا ورد اللفظ في الكتاب أو السنة الشريفين.
كما لا نستطيع أن نقول بإمضاء المعصومين للسيرة القائمة على هذه
ــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الساعات المتعارفة، مهما كان توقيتها، لأنها سيرة متأخرة على أي حال، ولا اقل من احتمال ذلك.
ولكن مع ذلك، فان هذه الساعات المعروفة لها عدة نتائج شرعية يمكن الالتفات إليها بوضوح، مما يسهل الأمر على المكلفين الذين يريدون طاعة الله سبحانه في حياتهم.
وذلك في عدة أمور نذكر أهمها:
أولاً: إن وقت الصلاة كالزوال مثلا، إذا لم يكن مرئياً في يوم من الأيام أو في عدة أيام لغيم أو ضباب أو غبار ونحوها، أمكن قياسه على السابق الذي كان مرئياً فيه باعتبار الساعات والدقائق.
ثانياً: تمييز طول النهار وقصره وكذلك الليل بالساعات، المتعارفة.
ثالثاً: قياس مقدار تأخر الهلال عن الغروب في أول يوم من أيام الشهر. فانه كلما كان أكبر كان باقياً في الأفق زماناً أطول.
رابعاً: قياس مدة ما بين الطلوعين.
خامساً: قياس مدة بقاء الحمرة المشرقية لدى الطلوع.
سادساً: قياس مدة بقاء الحمرة المشرقية لدى الغروب.
سابعاً: قياس مدة بقاء الحمرة المغربية بعد الغروب.
ثامناً: تمييز وقت نصف النهار بالساعات.
تاسعاً: تمييز وقت نصف الليل بالساعات.
عاشراً: تمييز الفرق بين يومين مختلفي الطول، لتحديد ساعات الصوم، ليجد الإنسان ما إذا كان الصوم يضره أم لا – مثلا-.
ــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
إلى غير ذلك من النتائج.

تفاصيل أخرى :
أولاً: ألمحنا فيما سبق إلى انه يمكن نظرياً جعل نقطة البداية للساعة أي وقت محدد من آناء الليل والنهار، كالفجر أو الشروق أو الغروب أو الزوال أو غيرها. غير إن العمل على ما هو المشهور بين الناس أولى.
ثانياً: انه بعد أن فشل جعل الزوال كنقطة بداية للتوقيت الزوالي، -كما سبق- قالوا: إن أصله هو نصف الليل وليس الزوال.
وهذا يرد عليه عدة إشكالات منها:
1- إن نصف الليل غير محدد حقيقة. وأوضح ترديد فيه كونه من الغروب إلى الشروق أو إلى الفجر.
2- إن نصف المجموع لا يمكن أن يختلف. إذن فمن الزوال إلى نصف الليل إنما هو بمقدار العكس. وهذا مما لم يحصل إذا اختلف الزوال.
3- انه كما يمكن أن يضطرب الزوال ويتحرك، كذلك يمكن لنصف الليل ان يتحرك ومن ثم تزول نقطة البداية بالمرة للساعة الزوالية.
ثالثاً: انه بينما نرى طبقاً للتوقيت الزوالي ان النهار والليل يتقلصان ويمتدان من الطرفين، أي من طرفي الزوال أو نصف الليل، نجد أن التقلص والامتداد في التوقيت الغروبي من جانب واحد. ومن ثم يمكن أن يحسب طوله للفرد الاعتيادي بوضوح. لأنه لا يتوسط أي من الليل والنهار الساعة الثانية عشر بناء على هذا التوقيت. مع العلم أن توسطها فيهما، كما في التوقيت الزوالي، يضر باتضاح عدد ساعات الليل والنهار للفرد الاعتيادي. لأن الساعة الواحدة تبدأ في النصف الثاني من النهار ومن الليل. وهذا ما لا يحصل في التوقيت الآخر.
ــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
رابعاً: إن الأصل في أي توقيت هو الساعة المنقسمة إلى أربع وعشرين ساعة، وليس إلى اثنتي عشرة ساعة. كما هو معلوم لمن يدقق في الحال. ومعه تكون نقطة البداية للتوقيت الغروبي هو الغروب ونقطة البداية للتوقيت الزوالي هو نصف الليل. بدليل أنهم يعتبرون ما بعد الثانية عشر يوماً جديداً. في حين يعتبر بداية اليوم الجديد في التوقيت الغروبي من أول الليل. وهذا كله إنما هو بالاعتبار والتسالم الاجتماعي ولا ربط له بالخلقة الأصلية، لما سمعناه من الإشكالات والأفكار.
خامساً: وجدت شكوى شرعية من أوقات الصلاة في المناطق المسكونة قرب الدائرة القطبية، من حيث ان الليل إذا أصبح قصيراً فان الفجر يبزغ حال وجود الحمرة المغربية في الأفق. فلا يوجد هناك من الليل قسم يسمى بأنه (بعد الحمرة المغربية) لكي يصلون صلاة العشاء الواجبة في ذلك الحين في نظرهم. يعني انه ينعدم وقت صلاة العشاء تماماً. فما هو الحكم في ذلك؟
ومن المعلوم أن من يرى في اجتهاده جواز التتابع بين الفرائض في غنى عن هذا الإشكال تماماً. لأنه يمكنه ان يؤدي صلاة العشاء بعد انتهاء الوقت المختص بصلاة المغرب فقط، (وهو مقدار ثلاث ركعات بعد زوال الحمرة المشرقية). ولو كانت الحمرة المغربية لا تزال موجودة.
وهذا هو الجواب الصحيح على هذا السؤال.
ــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فصل: الاستبراء

هو من البراءة من الشيء وعنه، وهي العافية والتنزه والابتعاد عن ذلك الأمر. ومنه البرء من المرض والبراءة من الذنب والبراءة من شخص معين ومنه قوله تعالى: بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ. ومفرده بريء ويجمع على براء بالكسر ككريم وكرام. وعلى برءاء مثل فقيه وفقهاء. وقد ورد بهذه الصيغة في التنزيل المجيد.
والاستبراء طلب البراءة والتسبب إليها، كما سيأتي. وهو اشتقاق يستعمل لغة في طلب الشيء كالاستحداث والاستكبار والاستدبار وغيرها.
يعني الطلب والتسبيب إلى حدوث هذه الأمور.
وتستعمل هذه المادة في الفقه في موارد عديدة:
أولا: الاستبراء من البول بالخرطات.
ثانياً: الاستبراء من المني بالبول.
ثالثاً: استبراء الحيوان الجلال لتطهيره.
رابعاً: الاستبراء من ماء الزاني قبل الزواج بغيره وهو بمنزلة العدة.
خامساً: استبراء الأمة المباعة قبل ان يطأها المشتري.
ــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
سادساً: المبارأة بين الزوجين بأن يبرأ احدهما من الآخر، بما يشبه الطلاق الخلعي. غاية الفرق بينهما ان الكراهة تكون في الخلع من طرف المرأة وفي المبارأة من الطرفين.
سابعاً: الاستبراء من وطئ الشبهة. سواء كانت الموطوءة متزوجة، توخياً ان يأتيها زوجها بعد الاستبراء، أو ان الاستبراء للزواج من جديد. وهو أيضاً بمنزلة العدة.
ثامناً: يمكن القول ان كثيراً من موارد وجوب العدة على الطلاق أو الوفاة إنما هو للاستبراء إذا كانت تعيش مع الزوج إلى حين حصول ذلك. ويقرّب ذلك ويدل عليه. انه مع اليقين ببراءة الرحم من الحمل فلا عدة شرعاً، كما في طلاق الصغيرة واليائس.
وأما القول بأن وجوب عدة الوفاة على أمثال هؤلاء ينافي ذلك. فجوابه ان عدة الوفاة ليست للاستبراء، وإنما شرعت لاحترام الزوج المتوفى، في ما ندركه من علل الأحكام.
تاسعاً: يوجد اصطلاح براءة الذمة في مقابل اشتغالها بمال أو مالي، وهذا يرد في موارد كثيرة، من موارد احتمال الضمان كقولهم: الأمين بريء بدون تعد ولا تفريط، يعني لا تشتغل ذمته بضمان التالف.
عاشرا: تكون براءة الذمة من الذنب أيضاً, باليمين على البراءة في المرافعة الشرعية القضائية.
حادي عشر: تكون براءة الذمة من الذنب أيضاً بالتوبة وقد ورد: “ان التائب من الذنب كمن لا ذنب له”. غير ان هذا جانب أخلاقي قبل ان يكون فقهياً.
ثاني عشر: ان هناك جانباً أخلاقياً آخر، وهو ان التوبة قد تستلزم إذابة اللحم الذي نما على الحرام لكي ينمو في محله لحم على الحلال. وهو يحمل
ــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
نفس فكرة استبراء الحيوان الجلال، غير انه يستعمل في مدارج التوبة العليا. لأن الجانب الفقهي فيه ضعيف، لأن اللحم الذي نما على الحرام لا يحتمل ان يكون حراماً فقهياً وإنما هو حرام أخلاقي.
وقد نجد موارد غير هذه الاثني عشر مما تستعمل فيه هذه المادة (البراءة) أو الاستبراء في الفقه والقانون.
وقد لاحظنا انه مع حصول النتيجة المطلوبة تسمى البراءة. كبراءة الذمة. ومع التسبيب إلى حصولها تسمى الاستبراء. والتسبيب إلى براءة الذمة يكون بدفع ما اشتغلت به ولا يصطلح عليه بالاستبراء. وحين يكون الاستبراء ذو مصطلح معين في الكتاب والسنة (كالعدة) فانه يكون هو المتبع. وهي مأخوذة من العدد، باعتبار تعدد الأيام أو الأشهر. قال سبحانه: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وقال:فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا. والمقصود ان هذا العدد المعين من الأيام يوجب العلم ببراءة الرحم من الحمل.
ويحسن بنا الآن ان نتكلم عن ثلاثة أمور من تلك المعاني العديدة هي: الاستبراء بالخرطات. واستبراء الحيوان الجلال. والاستبراء من وطئ الشبهة، كل في عنوان مستقل.

الاستبراء بالخرطات :
قال عنه الفقهاء -كما هو معروف -: ان يمسح من المقعد إلى أصل القضيب ثلاثاً ومن أصل القضيب إلى رأسه ثلاثاً ثم ينتره أو يعصره ثلاثاً. وبذلك تسمى بالخرطات التسع تغليباً.
وأود هنا القول بأن المسح ينبغي ان يكون بضغط نسبي لا بمجرد الملامسة. فان المهم هو تفريغ القناة البولية التي تحت الجلد من قطرات البول الباقية. وهو لا يكون بمجرد المسح.
ــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
كما أن البدء يكون من حلقة الدبر لا مما بعدها، لأن تلك القناة أوجدها الله في كل ذلك الموضع. وحينئذ يتعين ان يكون المرور عليها كلها, من اجل الحصول على هذه النتيجة.
كما ينبغي ان نلاحظ اتصال منطقة المسح السفلى بمنطقة المسح العليا، لا ان يترك الفرد مساحة غير ممسوحة من جسمه، ولو بعنوان ان الخصيتين تحتلان مكاناً فاصلا بين المنطقتين المشار إليهما. بل ينبغي مرور المسح في داخل منطقة الخصيتين، لكي يمر الإصبع على طول القناة البولية كلها.
كما ينبغي ان نلاحظ ان أياً من المسحات قد لا تتيسر بجرة واحدة للمنطقة كلها. أو أننا نكتفي بجرة واحدة ولو اقتصرت على الأقل من تلك المنطقة. فان هذا يعني أننا لم نمسح القناة كلها. بل قد يتعين ان نمسح أي مسحة بجرتين أو أكثر. والمهم في المسحة الواحدة هو استيعاب جر المسح في المنطقة كلها. فان حصل بجرة واحدة، فهو المطلوب وإلا لزم التعدد.
كما ينبغي لنا خلال الخرطات ان نلاحظ الترتيب الذي قاله الفقهاء في هذه الخرطات التسع. فإنها عبارة عن ثلاث مجموعات:
الأولى: المسح في المنطقة السفلى وهو ما بين المقعدة إلى الخصيتين ثلاث مرات.
الثانية: المسح في المنطقة العليا، وهو مسح الجانب الأسفل من القضيب، ثلاث مرات.
الثالثة: نتر أو عصر رأس القضيب ثلاثاً.
والمهم الآن هو أننا لو سرنا على الوتيرة المعلومة كنا قد حصلنا على نقاء القناة البولية، بخلاف ما لو خالفنا هذا الترتيب. كما لو قدمنا المجموعة الثانية على الأولى، أو الثالثة على الثانية. فان ذاك النقاء سوف لن يحصل كما هو
ــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
واضح لمن يتأمل. وكذلك لو خالفنا بين كل أعداد المسحات بغض النظر عن المجموعات التي اشرنا إليها. فان حصلت هناك مخالفة وجب تكرار العمل بما يحصل به الترتيب المشروع ليحصل النقاء المطلوب.
وقد قال الفقهاء أيضا ان الانتظار زماناً معتداً به أو البقاء تلقائياً كذلك، إلى حد يحصل العلم العرفي بجفاف المجرى يكون بمنزلة حصول الاستبراء. فان المهم هو نقاء المجرى وهو القناة البولية. وهو ما حصل. إلا أنهم لم يسموه استبراء لعدم وجود التسبيب الفعلي إلى تحصيل البراءة وهو النقاء.
كما أشار الفقهاء ان هذا الأسلوب في الاستبراء خاص بالرجل وغير شامل للمرأة. وأما المرأة فلا استبراء لها، بمعنى انه لا يترتب على استبرائها حكم. وإنما إذا أرادت الاستبراء ولو لحصول الاطمئنان بالنقاء فإنها تعصره عرضاً.
أقول: وبذلك تكون قد أنقت بعض القناة وهو جانب نهايتها، دون الجانب الداخلي منها، بخلاف الرجل، فان مسحه يمر على منطقة طويلة من تلك القناة.
والسر في ذلك هو ان خلقة المرأة جسمياً غير خلقة الرجل من هذه الناحية. ولذا لم يرد لها في الأدلة المعتبرة لها استبراء محدد بحيث تكون له نتائج حكمية كما في الرجل. ومن هنا يكفي تطبيق القواعد العامة على مورد المرأة، اعني في الحكم بطهارة الرطوبة المشتبهة، حتى بدون حصول الاستبراء.
غير انه يمكن القول بأن ما سميناه بالمنطقة السفلى للرجل وهي التي يمسح عليها المجموعة الأولى من المسحات، هي منطقة مشتركة الوجود بين الجنسين. يعني أنها يوجد مثلها في المرأة. فالقناة البولية تمر من المقعدة إلى (القبل) كما في الرجل. كل ما في الأمر إنها تنتهي بالخصية لدى الرجل وبالقبل لدى المرأة.
ــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وهذا يعني إنها إذا أرادت الاستبراء الكامل فان عليها ان تمسح تلك المنطقة ثلاث مرات، ثم تعصره ثلاث مرات, عرضاً. وهذا يعني ان المجموعتين الأولى والثالثة ثابتة لها. وأما المجموعة الثانية فهي ساقطة عنها لأنها خاصة بالقضيب.
وهذا واضح ان أرادت الاستبراء الكامل. ولا شك انه أحوط ولو استحباباً. غير ان القول بلزومه إنما يكون مع صحة وتمام الدليل عليه، وهو غير موجود. وتجريد مورد الرجل عن الخصوصية ليشمل المرأة، غير ممكن عرفاً مع احتمال الفرق. إذن، تبقى المرأة مشمولة للقواعد العامة الأخرى, كما سبق.
هذا، ولا ينبغي لنا أن نهمل خلال الحديث عن الاستبراء، الحديث عن الشعور الجنسي الذي قد يكتنفه أحياناً، وخاصة لدى عهد الشباب. فان تحريك الأعضاء الجنسية قد يوجب ذلك، بل قد يوجب الإنزال. والأدهى من ذلك شرعاً هو انه قد يوجب الالتفات إلى العادة السرية. وقد يوجب الإدمان عليها أيضا، ممن لا ورع له في دينه وخاصة في غير المتزوجين.
وفي الحقيقة إن هذا ونحوه أمر راجع إلى وجدان كل شخص بحياله. من حيث أن المسألة لا تخلو من ثلاث حالات حسب فهمي:
الحالة الأولى: إن كُلاً من الجهة الجسمية والنفسية خلال الاستبراء بعيدة عادة عن الجهة الجنسية، كما هو الغالب. فان الجهة الجنسية تحتاج إلى الالتفات وتركيز من ناحيتها، وفي إمكان الفرد ان يفكر في حاله الحاضرة أو في أي شيء آخر ليطرد من ذهنه الجهة النفسية.
الحالة الثانية: انه قد توجد الجهة الجنسية عنده رغماً عنه. ولكن إيجاد الإحساس الجنسي أو إثارة الشهوة بمجردها ليست بحرام. مع العلم انه لا يتصرف ذلك التصرف من اجل هذا الهدف. بل من اجل القيام بالوظيفة
ــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الشرعية الاستحبابية وهي الاستبراء. ومعه فلا يكون محلا للإشكال إذا اقتصر الأمر على هذا المقدار.
الحالة الثالثة: أن يجد المرء في إحساسه النفسي انه يسير باتجاه الإنزال، بمعنى انه لو استبرأ أو انه استمر بالاستبراء لحصل الإنزال أكيداً. وهذه حالة نادرة ولكنها ان حصلت وجب الكف عن الاستبراء. لوقوع التزاحم بين المستحب والحرام، والحرام أهم شرعاً بطبيعة الحال فيجب اجتنابه. مضافاً إلى سقوط فائدة الاستبراء مع حصول الإنزال. كما هو معلوم.
إذن، فكل متورع يخاف الله سبحانه، يجب أن يتجنب هذه النتيجة. ويكفي الالتفات إلى انه إنما اختار حصول الاستبراء من اجل الله سبحانه باعتبار معرفته باستحبابه، فكيف يجعله سبباً إلى ما هو حرام. فضلا عن تكرار ذلك والاعتياد عليه. أعاذنا الله وجميع المؤمنين من كل سوء.
فهذا هو مجمل الكلام عن الاستبراء بالخرطات.

استبراء الحيوان الجلال :
الحيوان الجلال هو الحيوان الأهلي الذي عاش على تناول العذرة عدة أيام، حتى نمت بعض الخلايا في جسمه نتيجة للتغذية بالنجس.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أمور:
الأمر الأول: أن الحيوان الجلال ليس كل حيوان على الإطلاق سواء كانت مأكولة اللحم أم لا. وسواء كانت برية أم بحرية وسواء كانت طائرة أم ماشية. بل هي خصوص حيوانات معينة مذكورة في النصوص المعتبرة من حيوانات أهلية مأكولة اللحم كالبقرة والبطة والدجاجة وغيرها. أما الحيوانات الأخرى كالوحوش والطيور، وخاصة من غير مأكول اللحم، فلا مورد للحكم شرعاً
ــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
بكونها جلالة. وحتى السمك المأكول اللحم على إشكال.
الأمر الثاني: أن صفة الجلل لا تحصل بأكل مطلق النجاسة كالميتة والخمر والدم ونحوها، بل تحصل بأكل خصوص عذرة الإنسان. لا مطلق العذرة النجسة كعذرة الحيوان غير مأكول اللحم. ولو كان الحال هكذا لوجب اعتبار سائر الوحوش جلالة سواء كانت أرضية كالنمور والذئاب والأسود أو طائرة كالنسر والعقاب والصقر. فإنها جميعاً تقتل الحيوانات وتأكلها، فإذا قتلتها أصبحت ميتة فان أكلتها دخل لحم الميتة في جوفها فأصبحت جلالة. وأثر ذلك فقهياً هو سقوط قابليتها للتذكية ، مع ان كل ذلك غير محتمل فقهياً.
الأمر الثالث: أن صفة الجلل بأكل العذرة صفة تعبدية شرعية، لأن مقتضى القاعدة لولا ذلك هو القول بالطهارة. لأكثر من قاعدة شرعية:
منها: الاستحالة، فان العذرة إنما أوجبت نمو اللحم بعد أن استحالت على مواد أخرى وتحللت في جسم الحيوان. والاستحالة من المطهرات في الفقه.
ومنها: استصحاب الطهارة. فان هذا الحيوان كان طاهراً قبل أكل العذرة فهل أصبح نجساً بعدها؟ فنستصحب طهارته. ومن تطبيقات ذلك ما لو أكل الحيوان قليلا من العذرة وشككنا بحصول صفة الجلل له. فنستصحب الطهارة.
ومنها: قاعدة الطهارة، وهي ان كل شيء طاهر حتى نعلم بنجاسته. والمفروض إننا شككنا بنجاسة الجلال لولا الدليل التعبدي على النجاسة. فيكون مورداً لقاعدة الطهارة.
وهذه القواعد هي نفسها التي تجري في غير مورد التعبد الذي ذكرناه. وهو أكل الحيوان الأهلي عذرة الإنسان. فان الموارد الأخرى تكون صالحة للحكم بالطهارة بالقواعد السابقة. نذكر لها بعض الأمثلة للإيضاح:
أولاً: ما إذا أكلت الوحوش الميتة كما ذكرنا.
ــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثانياً: ما إذا أكلت الحيوان المأكولة اللحم من غير المنصوص عليه كالغزال والوعل والبقر الوحشي وغيرها، عذرة الإنسان.
ثالثاً: ما إذا أكلت الحيوانات المنصوص عليها كالدجاج والبط عذرة نجسة من غير الإنسان لحيوان غير مأكول اللحم.
رابعاً: ما إذا أكلت هذه الحيوانات غير العذرة من النجاسات كالميتة والدم والخمر ونحوها.
خامساً: ما إذا أكل السمك المأكول اللحم غير عذرة الإنسان من النجاسات.
سادساً: ما إذا أكل السمك المأكول اللحم عذرة الإنسان، على إشكال في هذه الصورة لا يترك معه الاحتياط بالاجتناب.
إلى غير ذلك من الصور.
الأمر الرابع: لا يشمل الحكم بصفة الجلل غير العذرة مما يخرج من الإنسان، سواء كان طاهراً كالمخاط والقيء أو نجساً كالبول. وكذا لو حكمت شرعاً بنجاسته باعتبار أمر آخر، كقيء المشرك أو سؤره. فان كل ذلك لا يوجب حصول الجلل.
الأمر الخامس: من جملة الأمور التي قد يخطر في الذهن كونه موجباً للجلل هو الحليب النجس، كلبن المشركة ولبن الكلبة والخنزيرة. وهذا يكون على أشكال مختلفة. واحد منها لابد من الحكم فيه بالنجاسة لورود نص معتبر فيه سواء سميناه جلالا أم لا. وهو ما إذا ارتضع صغير الغنم بلبن خنزيرة. وأما غير ذلك من الصور فكلها مشمولة للقواعد المقتضية للطهارة والتي اشرنا إلى المهم منها.
ونذكر بعض الأمثلة للإيضاح:
ــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أولا: ما إذا ارتضع رضيع البقر أو الإبل أو أي حيوان مأكول اللحم على لبن خنزيرة، فان الحكم بالنجاسة خاص بالغنم.
ثانياً: ما إذا ارتضع رضيع الغنم أو غيره على لبن كلبة.
ثالثاً: ما إذا ارتضع ذلك على لبن مشركة.
رابعاً: ما إذا شرب أي واحد من هذه الحيوانات خمراً.
خامساً: ما إذا ارتضع رضيع المسلم بلبن خنزيرة أو كلبة.
سادساً: ما إذا ارتضع رضيع المسلم بلبن امرأة مشركة.
وهذا الأخير وان كان سيئاً من الناحية الأخلاقية جداً، وله نتائج نفسية غير محمودة دينياً. إلا انه من غير المحتمل فقهياً، إمكان الفتوى بنجاسة جسم الرضيع المسلم.
الأمر السادس: انه إذا حصلت النجاسة بوصف الجلل في موردها، كما لو عاشت الدجاجة على العذرة عدة أيام. فان حصول الطهارة بارتفاع صفة الجلل أيضا أمر تعبدي تبعاً للدليل. لأننا لو سلمنا بحصول النجاسة يكون مقتضى القاعدة بقاؤها، بالاستصحاب، لولا ذلك الدليل. وخاصة ونحن نعلم ان تلك الخلايا التي نمت في جسمه نتيجة للنجاسة لا زالت موجودة.
غير أن الدليل المعتبر دل على الطهارة بإطعام الحيوان طعاماً طاهراً لعدة أيام كثلاثة أيام أو خمسة ونحوها، مما هو مذكور في الفقه. وهي لا تكفي، بطبيعة الحال لتحول طبيعة جسمه، وخاصة فيما إذا كان قد عاش على النجاسة زمناً طويلاً غير أن الحكم بالطهارة باعتبار الرحمة الإلهية والعفو الإلهي. والمصلحة التي تدركها في ذلك هو عدم التبذير الاقتصادي في الحيوان الجلال إذا لم يمكن تطهيره. إذ من اللازم عندئذ الاستغناء عنه وعدم جواز أكله وبيعه، ومن ثم حفظت فيه ماليته، واستقامت الجهة الاقتصادية فيه.
ــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الأمر السابع: هناك عدة أصناف من هذه الحيوانات الأهلية القابلة للإتصاف بالجلل. فالدجاج له أصناف كثيرة والبط والبقر وغيرها. ولا ينبغي التأمل إن كل هذه الأصناف، كما هو مأكولة اللحم، كذلك هي قابلة للاتصاف بالجلل.
غير انه ينبغي الالتفات إلى أن المصطلحات العلمية غير التسميات العرفية، فقد يكون شيء مشمولا للمصطلح العلمي، وغير مشمول للاسم العرفي، ومن ذلك ان (علم الحيوان) قد يصطلح على بعض الأصناف بأنه دجاج أو بط، وليس كذلك عرفاً. والمدار في الجهة الشرعية هو الصدق العرفي دون العلمي.
ومن تطبيقات ذلك في محل الكلام إن علم الحيوان يعتبر الوعول والغزلان من جنس الأبقار. في حين انه غير محتمل عرفاً. ومن ثم لا يكون ذلك مشمولا لحكم الجلل، ما لم نقل بعموم حكم الجلل لعدد من الصور السابقة التي نفيناها.

الاستبراء من وطئ الشبهة :
وطئ الشبهة: مصطلح فقهي يراد به الجماع الناتج من الاشتباه يعني أن يتخيل الحلية الشرعية في حين أن تلك الحلية الموهومة غير متحققة واقعاً.
ونحن بعد ان نلتفت إلى أمرين:
أحدهما: معنى الحليلة وهي تلك المرأة التي يحل وطؤها بالعنوان الأولي والأصلي، وهي في الشريعة ثلاثة: الزوجة الدائمة والزوجة المنقطعة وملك اليمين. ويلحق بملك اليمين من يحللها مالكها لشخص ما أو يعقدهما عليه بأحد الشكلين.
ثانيهما: معنى المرأة المحرمة: وهي كل امرأة ليست حليلة، مما سبق. وهي قد تكون محرماً كالأم والأخت وقد لا تكون، كما قد تكون متزوجة وقد
ــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
لا تكون، وقد تكون مسلمة وقد لا تكون. وقد تكون حرة وقد لا تكون: كما قد يكون الرجل الواطئ بالشبهة حاصلا على بعض تلك الأقسام أيضا. إذ يمكن أن يكون مسلماً أو غيره حراً أو غيره محرماً أو غيره وهكذا.
فوطئ الشبهة يكون بتخيل الحلية أو أن المرأة حليلة وليست محرمة. أما لاشتباه تطبيقي وهو ما يسمى في علم الأصول بالشبهة الموضوعية، كما لو تخيل امرأة إنها زوجته فجامعها في حين كانت أجنبية أو محرماً كأخته أو بنته. وقد تكون متزوجة كما قلنا وقد لا تكون.
وأما أن يكون وطئ الشبهة لاشتباه في الحكم وهو ما يسمى بالشبهة الحكمية. كما لو توهم أن الزواج بالربيبة جائز فتزوجها ووطأها ثم بانت له الحرمة. وكما لو توهم أن الزواج بالمعاطاة نافذ وصحيح ثم أفتاه المجتهد بالبطلان. وهكذا.
ويمكن أن يجتمع كِلا الاشتباهين الموضوعي والحكمي. كما لو عقد على إحدى محارمه أو على امرأة متزوجة بالمعاطاة، ثم بانت له الحرمة من كلتا الجهتين، وكما لو عقد على امرأة بالمعاطاة ولكنه اشتبه ودخل بأخرى على أنها هي تلك المعقود عليها. وهكذا.
ووطئ الشبهة كما هو معلوم من لفظه خاص بالجماع، فلو اشتبه الرجل ببعض الأعمال الجنسية الأخرى كاللمس أو التقبيل. كان عمله جائزاً باعتبار الاشتباه وعدم تعمد العصيان. ولكن لا اثر له من لزوم الاستبراء وغيره.
كما ان وطئ الشبهة إنما يكون مع الاشتباه والغفلة، كما هو معلوم من لفظه أيضا، كما لو اعتقد الرجل ان امرأة هي زوجته فوطأها.
ويكون بخلاف ذلك أمران:
الأمر الأول: أن يعلم الرجل إن هذه المرأة محرمة عليه. ومع ذلك فهو
ــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يطؤها. فهذا هو الزنا المحرم.
الأمر الثاني: أن يلتفت إلى احتمال الحرمة. ومع ذلك يهمله ولا يعتني به، ويدخل في المرأة. فهذا منوط بواقع العلاقة بينهما، فان لم تكن زوجته كان زنا أيضا. لأن عليه أن يعلم قبل أن يعمل ويفحص قبل أن يتورط، فان لم يفحص كان زانياً.
كما أن وطئ الشبهة إنما يكون مع الإنزال بالجماع. وعندئذ تترتب عليه الأحكام الآتية: أما بدونه فلا تترتب بل يكون من قبيل الأعمال الجنسية الأخرى التي اشرنا إليها.
ووطئ الشبهة كما يكون من الرجل يكون من المرأة أيضا. فلو كان كل منهما مشتبهاً، فهو الفرد الواضح من وطئ الشبهة. وأما لو كان احدهما مشتبهاً والآخر عالماً. كان العمل من قبيل وطئ الشبهة من طرف المشتبه وزنا من طرف العالم. لا يختلف في ذلك الرجل والمرأة. فلو أوقعت المرأة رجلا بالاشتباه وحملته على جماعها، كانت زانية مع كونه واطئاً بالشبهة، وهكذا.
والحكم الآن الذي نحن بصدده هو الاستبراء من وطئ الشبهة. ويكون بمقدار عدة الطلاق في من تجب عليها العدة وهي في الأمة حيضتان وفي الحرة ثلاث. وأما من لا تجب عليها العدة فلا يجب عليها الاستبراء كالصغيرة واليائس. ومن هنا كان هذا الاستبراء مماثلا للعدة في المورد وفي العدد.
وينبغي أن يكون واضحاً إن المهم فيه هو اشتباه المرأة التي تكون هي المكلفة شرعاً بالعدة. سواء كان الرجل مشتبهاً أم زانياً على التفصيل السابق، بخلاف العكس.
ولكن هذا الاستبراء يختلف عن عدة الطلاق بعدة أمور:
الأمر الأول: وجوبه بدون حصول الطلاق بل لمجرد الوطء بالاشتباه.
ــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الأمر الثاني: وجوبه على المرأة المتزوجة لو حصل لها وطئ الشبهة من قبل شخص آخر. فإنها لا تحل لزوجها إلا به. اعني من ناحية مباشرتها دون الأحكام الأخرى.
الأمر الثالث: وجوبه على المرأة غير المتزوجة أيضا. لو أرادت أن تتزوج.
الأمر الرابع: أن المرأة خلال عدة الطلاق لا يصح زواجها من آخر، بخلاف مدة الاستبراء. فان العقد يقع صحيحاً ولكن لا يجوز أن يأتيها إلا بعد نهايته.
الأمر الخامس: أن الاستبراء أشبه بالعدة البائن من حيث عدم إمكان الرجعة للزوج فيه. إذ لا مورد لذلك في الاستبراء، بخلاف العدة الرجعية.
الأمر السادس: أن الاستبراء أشبه بالعدة الرجعية, دون البائن من جهة أخرى، وهي ما إذا حصل حمل للمرأة(1) . فانه خلال العدة الرجعية يحسب على المطلق، وخلال الاستبراء يحسب على الواطئ المشتبه. بخلاف العدة البائن إلا مع حصول الاطمئنان بانتسابه إلى المطلق أو تعين اعتبار مدة الحمل فيه.
وعلى أي حال، فالعدة أو الاستبراء إنما تكون لغير الرجل ذي العلاقة كما لو أرادت أن تتزوج غيره. فلا يكون لها ذلك إلا بعد انتهاء المدة أو العدة، وأما الرجل ذي العلاقة فلا عدة لها ولا مدة. ولهذا عدة أمثلة:
الأول: العدة الرجعية، فلزوجها ان يرجع بها متى شاء.
الثاني: العدة الخلعية فان للزوجة أن ترجع بالبدل وعندئذ يمكن للزوج
ــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) مع احتمال حصول ابتداء الحمل خلال مدة الاستبراء، أو العدة أو حصوله من الوطء السابق.
الرجوع بزوجته. قبل انتهاء العدة.
الثالث: العدة الخلعية نفسها إذا أراد الزوجان إبقاء حكم الطلاق الخلعي، مع تجديد العقد بينهما. فان ذلك ممكن خلال العدة وبعدها.
الرابع: المرأة غير المتزوجة مع حصول وطئ الشبهة. إذا أراد الواطئ نفسه ان يتزوجها في مدة الاستبراء. فان ذلك جائز له. بخلاف ما لو أراد أن يتزوجها غيره، فانه منوط بانتهاء المدة. ولكن توجد في الشريعة موارد أخرى، تكون العدة ضد الرجل صاحب العلاقة أيضا. وله عدة أمثلة:
الأول: المطلقة ثلاثاً: فانه لا يستطيع المطلق أن يرجع ولا أن يعقد من جديد خلال العدة ولا بعدها. ما لم يتم التحليل برجل آخر.
الثاني: المطلقة تسعاً فإنها تحرم على المطلق مؤبداً.
الثالث: الموطوءة بالشبهة إذا كانت متزوجة. فإنها تحرم على الواطئ بطبيعة الحال ولا سبيل له عليها. كما أنها تحرم على زوجها من ناحية الجماع إلى انتهاء العدة.
نعم لو لم يكن مدخولا بها من قبل الزوج، وكانت موطوءة شبهة. وطلقها زوجها خلال مدة الاستبراء، أمكن للواطئ الزواج منها فوراً. أما من ناحية الطلاق فانه لا عدة فيه. وأما من ناحية الاستبراء فإنها لا عدة لها تجاه الواطئ. ولكن عليها العدة إذا أرادت ان تتزوج بغيره، بما فيها الزوج المطلق.
ولا يبعد القول بصحة العقد على غير الواطئ خلال مدة الاستبراء، لكن يتوقف صحة الدخول على انتهائها. بخلاف عدة الطلاق بمختلف أشكالها.
ــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل علامات الموت

قال الفقهاء عموماً بما مؤداه بأنه يستحب تعجيل تجهيز الميت ودفنه، لما في ذلك من الراحة له والراحة منه، بالنسبة إلى الأحياء وستر حالته الجسدية التي حصلت بالموت والتي هي في الحقيقة (عورة) وكل عورة يجب سترها. ومن هنا قال عنها في القرآن الكريم: فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي.
إلا أن هذا إنما يشرع ويكون مستحباً مع حصول العلم بالموت. وأما مع الشك به فلا يجوز دفنه ما لم يحصل العلم ويرتفع الشك. إذ لعل هناك مئات من المدفونين إنما دفنوا قبل موتهم. فلربما تعود له الحياة فيجد نفسه في باطن قبره حيث لا منقذ ولا مغيث. وهو بلاء عظيم جداً على هذا المسكين. بحيث يبقى إلى أن يموت مرة ثانية من الألم والجوع والعطش والمرض. وغالب هؤلاء انه لا يعرف اتجاهه فسوف يتمدد على خلاف القبلة. لأنه يتحرك بعد وعيه فتشتبه عليه القبلة، أو لا يتذكرها إطلاقا، فيكون دفنه بعد موته الحقيقي على خلاف القبلة، يعني بالصورة غير المشروعة. وكم صادف أن نبشت بعض القبور فوجدوا الميت ممدداً إلى غير القبلة. وليس هناك من سبب غير وعيه وانتباهه بعد دفنه.
والمهم الآن, انه من الضروري للأحياء أن يجنبوا الميت مثل هذه الحالة ويرحموه من هذه الناحية، فلا يدفنونه إلا بعد أن يتأكدوا مئة بالمئة من موته.
ــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
بحصول العلم العرفي الكامل بحصول موته.
وأما سبب حصول العلم بالموت فهو أمران رئيسيان: علامات الموت ومضي المدة. فان حصلت علامات الموت وأنتجت العلم, فهو المطلوب. وإلا فلا بد من الانتظار مدة كافية يحصل فيها العلم بموته كثلاثة أيام ونحوها.
ومن هنا تحصل أهمية التعرف على علامات الموت. إذ قد يكون الفرد المشرف على موت الآخر، ليس بطبيب وليس لديه إمكان الرجوع إلى الطبيب. فعندئذ يضطر أن يحكم بحسب اطلاعه القليل. ومن هنا ينبغي أن يكون له هذا المقدار من الثقافة الفقهية، باطلاعه على علامات الموت. لتكون هذه الثقافة منقذاً له في تلك اللحظة.
وعلامات الموت عديدة، يأخذها الأطباء بنظر الاعتبار منذ القدم إلى العصر الحاضر، إلا أنني وجدت أن هناك اختلافاً جذرياً بين فهم الأطباء القدماء والأطباء المعاصرين في ذلك. على ما سوف نوضح.
فالأطباء المعاصرين، حسب العلم التجريبي الحديث، لا تزيد عندهم علامات الموت على ثلاثة: متى اجتمعت للفرد اعتبروه ميتاً فعلاً. وهي كما يلي:
أولا: توقف ضربات القلب.
ثانياً: انقطاع التنفس.
ثالثاً: سكون حدقة العين عن الاتساع أو التضيق للضوء.
وكل هذه الأمور نشاطات غير اختيارية للإنسان كما هو واضح، فانقطاعها أيضا غير اختياري، فيكون دالا على الموت. ويحصل بذلك وثوق كامل به.
نعم، إذا حصلت بعض تلك العلامات دون بعض، كان لا بد من الانتظار
ــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
إلى حين حصول الباقي، إذ لعل المانع من ضربات القلب مثلا، مرض معين، وليس الوفاة.
ولا احسب أن الأطباء القدماء لم يكونوا يأخذون هذه العلامات بنظر الاعتبار. وخاصة ضربات القلب أو التنفس، فإنها مشهورة معلومة. كل ما في الأمر أن الأطباء المحدثين لديهم آلات يمكن التعرف بها على صفة الفرد من ذلك بدقة أكثر من الأطباء السابقين.
ومن هنا إننا نسمع قصصاً في المشتبه بموتهم يقال فيها: إنني وضعت زجاجة على فم المحتضر دقائق فلم أجد عليها رطوبة فعلمت بموته. أو يقال: إنني وضعت قماشاً خفيفاً ابيض على فمه. أو يقال: إنني وضعت زجاجة فوجدت عليها سواد خفيف فعلمت بموته، وهكذا.
هذا مضافاً إلى أمور أخرى يمكن أن تذكر بهذا الصدد:
أولاً: عدم سيطرة الفرد على أعضائه إطلاقا. فإذا حركها آخر لم يستطع إرجاعها إلى حالها الأول. بل تبقى ثابتة في محلها.
ثانياً: تيبس مفاصل أطرافه كالركبة والكوع والأصابع. وهذا ما قد يحدث عند الوفاة مباشرة، وان لم يكن هو الأغلب. ومن نتائج ذلك أنها إذا كانت ملتوية لم يمكن فتحها إلا بصعوبة أو لم يمكن إطلاقا.
ثالثاً: عدم انفزاعه من الصوت الضخم، فلو كان حياً لتحرك رأسه أو أعطى أي علامة لفزعه أو انزعاجه. في حين انه لم تصدر منه أية حركة تدل على ذلك.
رابعاً: وقوف تردد حدقة عينيه عن الحركة يميناً وشمالاً، كما هو متحقق في الأحياء. ومن هنا قالوا: وقفت عينه بالحق. يعني بسبب الموت.
خامساً: وقوف أجفانه عن الاضطراب. كما هو الغالب في الأحياء.
ــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
سادساً: خدش أو حك باطن قدميه أو باطن كفيه، بشكل معتد به. فان كان حياً وكانت أعصابه نشطة، فان قدمه أو كفه سيتحرك ولو قليلاً، فان لم يتحرك إطلاقا، كان ذلك من أدلة حصول الوفاة.
سابعاً: خروج سائل اسود أو قريب من السواد، يكون غليظ القوام غالباً من فمه، وهذا ما رأيته شخصياً.
أقول: غير أن هذه العلامات السبعة ونحوها فيها نقطتان من الضعف:
الأولى: إنها غير منتجة للعلم إلا مع اجتماع عدد منها، وليست واحدة منها كذلك بطبيعة الحال. إذ لعل المانع يكون خيراً على ما يعبرون.
الثانية: إن أية واحدة منها لا تحصل لكل الموتى، وإنما يحصل بعضها دون بعض. نعم، لو تصورنا حصول عدد منها أو أكثرها، أمكن القول بحصولها في الأغلب أو الجميع.
هذا، ولا ينبغي أن ننسى العلاقة الرئيسية وهي تغير الريح إلى العفونة، فإنها علامة قطعية على الوفاة. إلا إنها لا تحصل معجلا، وإنما يحتاج حصولها إلى زمن معتد به كيومين أو ثلاثة أو أكثر، وخاصة في الزمن البارد أو البلد البارد.
ونحن بعد أن التفتنا إلى كل ذلك، نسمع من الفقهاء أموراً أخرى ليس فيها شيء مما سبق، يعتبرونها من علامات الموت. وهي – كما سترى- صحيحة في الجملة. إلا إنها حاصلة بالتأكيد، على النقطتين من الضعف التي اشرنا إليهما أخيراً كما هو واضح للقارئ اللبيب.
قال في شرح اللمعة(1) عن علامات الموت: كانخساف صدغيه وميل انفه
ــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر: ج1 ص402، ط الجامعة الدينية، النجف.
وامتداد جلدة وجهه، وانخلاع كفه من ذراعه واسترخاء قدميه وتقلص أنثييه إلى فوق مع تدلي الجلدة.
ونشرح ذلك فيما يلي باختصار:
أولا: انخساف الصدغين. والصدغ – في اللغة- ما بين العين والأذن في جانبي الوجه. قالوا: ويسمى الشعر المتدلي عليه صدغاً. يقال: صدغ معقرب. وتسميه العامة: زلفاً وهو لفظ دخيل.
أقول: يكون عظم الجمجمة في منطقة الصدغ أدنى مستوى من غيره. بحيث يمثل (حفرة) نسبية لدى الكثير من الناس. ويكون لدى بعضهم واضحاً لا يغطيها الجلد الذي فوقه. بل يكون الجلد نازلا تبعاً للعظم الذي تحته. غير ان الأغلب استواء الجلد فهو يخفي تلك الحفرة. فان لم يخفها الجلد أخفاها الشعر المتدلي فوقه.
والمهم الآن ان الجلد سوف يظهر انخسافه لدى الموت لأنه يكون مترهلا لا تحله الحياة، فينزل بمقدار نزول العظم الذي تحته. فيكون دليلا احتماليا على حصول الوفاة.
ثانياً: ميل الأنف إلى احد الجانبين. وهذا إنما يحصل في الأنوف المستدقة في قطرها والعالية في ارتفاعها. فإذا مات صاحبها ارتخت. ومع الارتخاء يحصل الميلان.
ثالثاً: امتداد جلدة الوجه. يعني ترهلها وارتخاءها، بحيث تبدو، وكأنها منفصلة عن اللحم أو العظم الذي تحتها.
رابعاً: انخلاع الكف عن الذراع. لفقدان السيطرة عليه إطلاقا بعد الوفاة. وليس المراد الانخلاع الحقيقي بل مجرد عدم وجود السيطرة والتحريك. وإلا فان الحال لا يختلف في الحي عن الميت. فانك إذا أمسكت ذراع شخص آخر
ــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وحركته بشدة تحرك كفه حركات آلية كأنه منخلع عن الذراع، وخاصة إذا كان قد أراد إرخاء كفه وعدم تشديدها، وهذا هو فرق الحي عن الميت، فبينما الحي يستطيع تشديد مفصله ويشعر بعدم الراحة من هذا الاهتزاز العنيف، فان الميت غائب عن ذلك كله.
خامساً: استرخاء القدمين، وهو ناتج من رخاوة مفاصله وموت أعصابه. إذ بينما يكون الحي المستلقي على ظهره قادراً على إقامة قدمه عالياً، يكون الميت عاجزاً عن ذلك بطبيعة الحال، فيسقط القدمان على الجانبين.
سادساً: تقلص الأنثيين، وهما الخصيتان إلى الأعلى مع تدلي الجلدة. وإنما ينسبان إلى الأنثى باعتبار مشاركتها بإنزال المني. ويبدو ان هذا كان معلوماً للأطباء القدماء وليس للمتأخرين فقط.
غير أن هذه العلامة الموصوفة هنا، غير واضحة الثبوت لدى الوفاة. فإنها متكونة من أمرين:
الأمر الأول: تدلي الجلدة الظاهرية للخصية. وهذا ينبغي ان يكون واضحاً، بعد استرخاء الجلد عموماً وتهدله بالموت.
الأمر الثاني: تقلص وانقباض البيضتين الداخليتين إلى أعلى. وهذا ليس له تفسير معتد به إلا بأن نتصور: ان الفرد إذا كان في تشنج جسدي حصل له ذلك مع أمور أخرى في أطرافه. ولا شك ان المحتضر يحصل له التشنج نتيجة لخروج روحه، إذن فسوف يحصل له ذلك.
وهذه الفكرة وان كانت راجحة، إلا أن هذا التشنج سيزول بالموت ويحصل الارتخاء مرة أخرى. ولا يبدو لاستمرار التشنج سبب معقول.
هذا، ولا يخفى أن هذا المؤلف الذي عدد لنا هذه العلامات تصور الميت شخصاً متقدماً بالعمر قد أنهكه المرض إلى أن أدى به إلى الوفاة. إذن سيكون
ــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
حصول هذه العلامات لديه راجحاً.
غير أن الموت – كما يعبرون- لا يعرف الصغير من الكبير والمريض من السليم والغني من الفقير والطفل من البالغ، والذكر من الأنثى. ومن الواضح ان شيئاً من هذه العلامات قد لا يحدث فيما إذا كان الميت شاباً أو طفلا أو مقتولا بحادث، ونحو ذلك.
ولذا قال الفقهاء – ومعهم الحق-: إن هذه العلامات إنما تكون معتبرة وحجة شرعاً فيما إذا أوجبت العلم بحصول الوفاة. وأما بدون ذلك فلا حجية فيها حتى لو حصلت جميعاً. ويعنون بالعلامات، هذه الست الأخيرة. إلا أن الأمر بحسب القاعدة العامة شامل لكل العلامات إطلاقا. غير انه بحسب الإنصاف أن العلامات الثلاث الأولى. هي أسرع العلامات سبباً لحصول العلم، ثم العلامات السبع التي ذكرناها بعدها، أما الست الأخيرة فهي أدناه من حيث المستوى. والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل الاحتضار

وهو من معنى ومادة (الحضور) ويعني الحمل على الحضور والقهر عليه، فيكون معناه (الإحضار). كل ما في الأمر أن الإحضار قد يكون بقناعة من تحضره ورأيه. وأما هذا فهو قهري لا رأي للفرد فيه. ومن هنا كان الوجه في زيادة التاء في الاحتضار كالاختصار والاقتصار والاقتسار وغيرها. مما لا فعل للطرف الآخر فيها ولا إرادة له بها.
ويكون الحضور هنا على معان متعددة كلها معنوية روحية وليست دنيوية مرئية. وتختلف هذه المعاني إلى شقين، لأننا إما أن نتصور إن الفرد هو الحاضر لدى غيره أو نتصور ان غيره حاضر عنده. فهو أما زائر أو مزور، لو صح التعبير.
فإذا تصورنا الفرد حاضراً، فهنا عدة وجوه:
الوجه الأول: أن يكون الفرد حاضراً عند الله. فانه سبحانه إليه المنتهى واليه الرجعى واليه راجعون. يوم يقوم الناس لرب العالمين، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.
الوجه الثاني: أن يكون الفرد حاضراً عند الموت. يعني انه وصل إلى الموت. لا ان الموت وصل إليه.
ــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الوجه الثالث: أن يكون الفرد حاضراً للآخرة أو البرزخ. يعني مقهوراً على الذهاب إليها.
وإذا تصورنا الفرد هو المزور، وان شيئاً يحضر عنده. فهنا أيضا عدة وجوه:
الوجه الأول: أن الموت حاضر لدى الفرد. وهو الذي وصل إليه، لا ان الفرد وصل إلى الموت. عكس الوجه السابق. وكلاهما صادق مجازاً على أي حال. بعد حصول اللقاء بين الميت وموته. وإنما يختلف الوجهان باللحاظ.
الوجه الثاني: ان ملك الموت حاضر لديه. يعني جاءه لقبض روحه كما نص على ذلك القرآن الكريم.
الوجه الثالث: ان بعض المعصومين سلام الله عليهم حاضرون عنده، كعلي . كما هو المعروف في مذهبنا. ويدل عليه الشعر المنسوب إلى علي حيث يقول:
يا حار همدان من يمت يرني
من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه واعرفه
بوصفه واسمه وما فعلا

فهذه ستة وجوه لتفسير الحضور. وقد يخطر في البال غيرها على أي حال، وكلها يمكن ان تكون صادقة. أما حقيقة أو مجازاً. ولا تنافي بينهما على أي حال.
ويكون الميت طبقاً لها (محتضراً) أو (حاضراً) أو (محضّراً) أو (محضوراً لديه) على اختلاف الوجوه. فان الثلاثة الأولى تقتضي معنى اسم الفاعل للميت. والثلاثة الأخيرة تقتضي معنى اسم المفعول له. ويكون الاحتضار معنى شاملا لكلا الفهمين.
ــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
على انه من المحتمل في اللغة: ان يكون الاحتضار موضوعاً لهذه الحالة التي تكون سبباً للموت أو سابقة على الموت. بغض النظر عن مناشئها اللغوية أو مادتها. وهذا أمر صحيح وخاصة في اصطلاح الفقهاء غير إن غض النظر عن أسسها اللغوية، يحتوي على ضحالة في التفكير، وقد حاولنا تجاوز ذلك بالوجوه الستة السابقة.
بقي إننا لا ينبغي أن نهمل الإشارة إلى عدة أمور:
الأمر الأول: انه قد يقال: إن حالة الاحتضار خاصة بقسم من الناس. ولا تشمل أولئك الذين يموتون بحوادث سريعة القتل نسبياً ولا الذين يموتون فجأة ونحو ذلك. فان هؤلاء ليس لهم حالة الاحتضار.
وهذا الفهم مبني على تصور معين، وهو ان حالة الاحتضار، ينبغي أن يكون لها زمان ملحوظ ومعتد به. فلو لم يكن هذا متوفراً، بل مات الفرد سريعاً لم يكن له احتضار. وهذا إن نظرناه من ناحية التسامح العرفي، نجده صحيحاً. فان الناظر العرفي إليه ينفي حالة احتضاره لا محالة. ولكننا ينبغي أن نتعمق إلى المستوى الروحي لديه، وعندئذ فسوف تجد أنّ تلك المرحلة ضرورية لكل الموتى. كل ما في الأمر أن بعضهم تحصل عندهم خلال زمان طويل وبعضهم تحصل عندهم خلال زمان قصير. ومثل هذا الفرق غير فارق في أصل الفكرة كما هو واضح.
الأمر الثاني: أن المشهور بين المتشرعة إن حالة الاحتضار هي زمان سحب الروح من البدن. وقد قال الناس: ان ملك الموت يسحب الروح من طرف الرأس فأول ما يخلو من الروح الرجلين ثم يصعد الموت في البدن إلى جهة الرأس. وآخر ما يموت الرأس. فيبدأ الموت بالفم واللسان، ثم يصل إلى العينين ثم يصل إلى الأذنين ثم يصل إلى المخ. ثم تخرج الروح كلها من البدن.
ــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وهذا التدرج في الموت، يوجد ما يدل عليه في السنة الشريفة وفي بعض خطب (نهج البلاغة) ما يشير إليه. حتى ان الرجلين يموتان قبل اليدين والبطن قبل الصدر وهكذا. وعلى أي حال، فانه من الواضح هنا اختصاص ذلك بغير من يموت بحادث سريع التأثير.
وهذا التدرج إذا سلمناه فلا نسلم انه يكون بسبب سحب الروح من طرف الرأس. فان معنى ذلك صعود الروح التي في الرجلين إلى الجسد وصعود روح الجسد إلى الرأس ونحو ذلك. وهذا باطل أكيداً، لأن الروح الخاصة بالعضو لا يمكنها الكون في عضو آخر، ولن تؤثر في إدامة حياته.
وإنما الموت هو انفصال الروح عن الجسد، بمعنى أنها كانت حال الحياة قادرة على التأثير في الجسد وتحريكه. وكانت قادرة على التأثر به ومن خلاله. فهي تحس به وتتفاعل مع الآخرين عن طريقه. وبالتالي كانت هناك علاقة خاصة ومتقابلة بين الروح والجسد. فيكون الموت هو قطع تلك العلاقة.
وهذا القطع كما قد يكون دفعة واحدة، كما في الحوادث السريعة التأثير، قد يكون تدريجياً، كما في الاحتضار المتعارف. فيمكن ان تنقطع العلاقة مع الرجلين أولا ثم مع اليدين ثم مع الرأس وهكذا. ولا يلازم ذلك صعود الروح الخاصة بالرجلين إلى الجسد أو صعود الروح الخاصة بالجسد إلى الرأس. كما لا يلازم انسحاب الروح من طرف الرأس. وإنما ينبغي ان نعبر بانسحاب الروح من طرف الرجلين. يعني بدء الموت والانفصال من هناك. والمسألة في ذلك مبنية على التعبير اللغوي لا أكثر.
وهذا التدرج في الموت، وان كان وارداً في السنة وواضحاً في اغلب الناس. إلا انه ليس قاعدة غير قابلة للاستثناء، كما عرفنا. فمضافاً إلى الحوادث، يكون موت الفجأة خالياً منه أيضا. حيث يكون الانفصال من كل أجزاء البدن في وقت واحد.
ــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يبقى سؤال واحد (طبي) لابد من ذكره. هو أن هذا التدرج متى حصل كان معناه موت القلب قبل الرأس. يعني يبقى الفرد قادراً على الكلام والسمع والبصر. مع توقف قلبه. وهو غير ممكن طبياً.
وبتعبير آخر: إن الموت طبياً ليس إلا توقف القلب. فإذا حصل ذلك توقف الدم عن الجريان والدوران. وعندئذ حصل الموت، وتعذر استعمال أية حاسة أخرى كالسمع والبصر، فضلا عن الكلام. مع العلم إن ما دل على التدرج في السنة الشريفة وخطب (نهج البلاغة)، دال على خلاف ذلك ضمناً.
ويمكن الجواب على ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: انه ليس المفروض في تدرج زهاق الروح التدرج البطيء بل الأمر قد لا يتعدى بضع دقائق. ومن الأكيد إن الهمود الكامل في الجسم يستدعي مثل هذا الوقت طبياً.
المستوى الثاني: إننا ذكرنا في بعض أبحاثنا السابقة ان تعريف الموت يختلف بحسب الحقل الذي يخوض فيه الفرد والمستوى الذي ينطلق منه. بل ان فهم كل شيء على هذا الغرار. فبينما نجد ان تعريف الموت طبياً هو توقف القلب، نجد ان تعريفه العرفي هو الهمود الحاصل في الجسم, وتعريفه المتشرعي هو انفصال الروح كلياً عن الجسد. فما دامت متعلقة به ولو جزئياً فالموت لم يحصل. فتكون قابلية ممارسة النشاط الحيوي متحققة.
المستوى الثالث: إن كل شيء في قدرة الله ممكن. ونحن في حدود فهمنا الظاهري أو بحسب القوانين المادية قد نجد معنى معيناً. ولكنه لن يكون صحيحاً طبقاً لقوانين ما فوق المادة، وهي تحكم المادة وغيرها، من حيث نعلم أو لا نعلم.
وقد حصل لكاتب هذه الحروف أكثر من مرة انه رأى اللحم المأخوذ من
ــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
السوق والمقطع بالسكين يتحرك وينبض على غرار نبضات القلب. يعني يبقى في نظام نبضاته زماناً فهل يمكن القول بأن هذا اللحم قد مات موتاً كاملاً؟ وهل من الممكن القول بأنه يحس بالألم إذا قطعناه بالسكين؟
الأمر الثالث: مما ينبغي التنبيه عليه في هذا الصدد.
إن الفكرة العامة للاحتضار من ناحية وللموت من ناحية، وان كانت واحدة أو مشتركة. إلا أنني لا اعتقد انه يمر على الأفراد جميعاً بشكل متشابه تماماً. بل ان كل واحد منهم يحتضر ويموت بشكل مختلف عن صاحبه.
وهذا مما وردت الإشارة إليه في السنة الشريفة مضافاً إلى التجربة في النظر إلى حال المحتضرين من حيث طول المدة وقصرها، ومن حيث حصول الألم وعدمه. ومن حيث حصول بعض التشنجات والحركات وعدمها. ومن حيث الانطباعات السائدة على الوجه إلى غير ذلك كثير.
والسنة الشريفة الواردة في التمييز بين سهولة الموت للمؤمن بل الالتذاذ به، وصعوبة الموت على الكافر والفاسق والآلام الجسمية والنفسية والروحية التي يمر بها. واضحة ومتميزة ومتوفرة. فالصعوبة الجسمية هي الآلام التي يحس بها عند النزع. والصعوبة النفسية هي صعوبة فراق ما كان يحبه ويحنو عليه من المال والولد. وبالتالي صعوبة فراق الدنيا. والصعوبات الروحية هي الآلام التي يحس بها في الجانب غير الدنيوي كهول رؤيته لملك الموت وهول المطلع, واليأس بعد انقطاع العمل وغيرها.
الأمر الرابع: مما ينبغي التنبيه عليه بهذا الصدد.
إن اغلب استعمالاتنا اللغوية مبني على إن الموت هو الوفاة والوفاة هي الموت. فهما لفظان يعبران عن معنى واحد، إلا إن هذا جزاف من القول وتصور ضحل تكذبه استعمالات القرآن الكريم نفسه كما سنسمع.
ــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فاستعمال الموت ناشئ من تصور انقطاع الحركة بعد النشاط والعجز بعد القدرة. وهذا المعنى شامل للإنسان والحيوان والنبات. بل هو شامل بمعنى مجازي حتى للجمادات كالأجهزة العاطلة والأدوية التالفة. ومن هنا يعبر بلغة العوام عن بعض ذلك بقولهم (لشة) يعني لا شيء، من حيث إنها أصبحت لا شيء بعد أن كانت شيئاً.
وأما استعمال لفظ الوفاة. فهو باعتبار الموافاة، وهي الملاقاة والمقابلة مع الغير, يقال: وافيته. ويقال: وافيته بكذا. أي بهدية أو أمانة أو خبر، ونحوها.
والمقابلة أو الملاقاة عند الموت تكون لله سبحانه أو للعالم الآخر. قال سبحانه: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا.
والتوفي هو الحمل على هذه المقابلة والتسبيب إليها. ومنه قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ. يعني أنهم سببوا إلى الوفاة، ومن ثم إلى الملاقاة.
إذن، يتحصل لدينا إن حيثية وجهة استعمال لفظ الموت غير جهة استعمال لفظ الوفاة. وليس بين المفهومين – كما نتصور- نسبة التساوي بل يمكن القول إن بينهما نسبة العموم والخصوص من وجه. يعني أنهما قد يحصلان معاً وذلك في اغلب صور الموت الطبيعي، فهو موت ووفاة في نفس الوقت. وقد يحصل احدهما بدون الآخر، كما سنذكر.
أما حصول الوفاة بدون موت، فيمكن أن نشير إلى وجوده في القرآن الكريم في موضعين:
احدهما: انه سمى النوم وفاة ولم يسمه موتاً. فقال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا. يعني وهو يتوفى الأنفس التي
ــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
لم تمت في منامها. فهو يتوفى الأنفس لدى منامها. فالنوم -إذن- وفاة وان لم يكن موتاً.
ثانيهما: إننا نعتقد ان النبي عيسى بن مريم على نبينا وعليه السلام حي لم يمت. وهذا ما عليه إجماع الفريقين من المسلمين. ونطقت به الكثير من الروايات. ومع ذلك فقد نص القرآن على حصول الوفاة له. وهي غير الموت. قال سبحانه: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ. فقد توفاه الله حال حياته وقبل موته.
فهذان موردان تحصل فيهما الوفاة ولم يحصل الموت.
وأما حصول الموت بدون الوفاة. يعني أن يحصل له الموت الطبيعي ولكن لا تحصل له الوفاة بالمعنى الذي شرحناه. يعني لا يوافيه الله سبحانه من الجهة الروحية المعنوية، بل يكون محروماً من رحماته الخاصة وفيوضاته العليا. فمن ذلك قوله تعالى: وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخرة أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً. وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ.
ومن هنا نعرف إن قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ينبغي أن نفهمه بشكل دقيق.
فإما أن نقول: إنه عموم قابل للتقييد، وهو مقيد بالآيات السابقة التي تؤكد على عدم موافاة الله سبحانه.
أو نقول: إن عمومها ثابت لكنها تتحدث من حيث علم الله سبحانه لا من حيث علم العبد، فالله سبحانه يعلم إن الميت قد وافاه إلا إن الميت لا يعلم ذلك بل هو أعمى ومحجوب عن النظر إلى تلك الأنوار العليا، ومن ثم ففي حدود فهمه: انه لم تحصل له الموافاة ومن ثم لم تحصل له الوفاة. بالرغم من انه قد مات.
الأمر الخامس: اشرنا قبل صفحات ان الموت يتخذ تعريفات مختلفة باختلاف الأهداف التي سبقت هذه التعريفات من اجلها، وحسب الحقل الذي نتحدث فيه من حقول المعرفة البشرية.
ــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ومن هنا يمكن أن نسوق له عدة تعريفات نذكر أهمها فيما يلي، مع العلم أنها غير متكاذبة، كل ما في الأمر أنها غير متساوية الصدق مئة بالمئة لو أردنا أن ندقق في الأمر.
فالموت هو فراق الدنيا والأهل والمال والولد والسكن. والموت هو مقدمة الآخرة أو بابها أو سببها. والموت هو سكون الحركة والصوت والإحساس الذي كان له. والموت هو الإعداد للقبر، والموت هو لقاء الله سبحانه. والموت هو الوفاة. والموت هو توقف القلب ودوران الدم والموت هو توقف النشاطات العضوية عامة في الإنسان. والموت هو انفصال الروح عن الجسد. والموت هو فعل ملك الموت الموكل به. إلى غير ذلك من التعريفات.
وينبغي أن يكون من الواضح أن للموت بكل من هذه التعريفات نتائجه التي تختلف بها عن التعريف الآخر. وليست النتائج مشتركة، وان كانت كلها حاصلة بعد صدق التعريفات جميعها.
فمثلا: نتيجة الفراق هو الحرمان من الدنيا. ونتيجة التسبيب للآخرة الدخول فيها أو هول المطلع. ونتيجة لقاء الله الوقوف بين يديه معنوياً ومواجهة الحساب. ونتيجة توقف القلب والدم فقد السيطرة على الحركة. إلى غير ذلك من الأمور.
الأمر السادس: قسموا الموت إلى طبيعي ومعنوي. فالموت الطبيعي هو هذا الذي نشاهده في البشر وغيرهم. والموت المعنوي هو المتعلق بالنفس أو الروح لا البدن. وهو قد يحصل مع عدم حصول الموت الطبيعي يعني خلال وجود الفرد في هذه الحياة الدنيا.
وهو على قسمين عالي وسافل. فمن حيث أن الموت هو توقف النشاط توقفاً تاماً لا أمل فيه من الحركة. فهذا التوقف، إما أن يصيب جانب الخير
ــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فيه. بحيث لا يكون الأمل في التوبة والاستغفار أملاً معتداً به، بل ينغمس الفرد في الملذات والشهوات وتكون الدنيا أقصى همه ومبلغ علمه، فهذا هو الموت السافل.
وقد يكون التوقف لجانب السوء والشر الذي تتصف به النفس الأمارة بالسوء. وهو موت الشهوات والنزوات والأهداف الرخيصة الدُنيا. بحيث لا يبقى في القلب أي حب للدنيا وما فيها وأي التفات إليها، ويكون الفرد قد كرس وجوده كله لرضاء الله سبحانه. فهذا هو الموت العالي.
ولكننا ينبغي أن نلاحظ أن كلا هذين النوعين من الموت المعنوي لا ينافيان الاختيار. فيبقى الإنسان -من الناحية النظرية- مختاراً قابلا للتحول والرجوع إلى الجانب الآخر – لو صح التعبير- وذلك ما دام الفرد في هذه الدنيا والنفس يصعد وينزل. وليس حاله حال الموت الطبيعي الذي لا رجعة فيه إطلاقاً.
وعلى أي حال، ففي كلا هذين الموتين، حالة احتضار خاصة به. وهي حالة عدم نضج النتيجة في الفرد. بل لا زال في مقدماتها وأسبابها. وبتعبير آخر: ان الفرد قد تحصل له الصفة بشكل تكون ملكة راسخة غير قابلة للتحول عادة, يكون شأنها شأن الذكاء للذكي والغباء للغبي ونحو ذلك. فهذه هي درجة الموت التي تحدثنا عنها.
ولكن يسبق ذلك حالة حركة وتذبذب وتلوين -كما يعبرون – وهو ما يسمى (بالحال) وكل حال قابل للزوال، وليس راسخاً كالملكة ما لم يصبح ملكة بدوره. فهذا الحال هو بمنزلة الاحتضار للموت المعنوي.
وأنا اعتقد أن لكل من الموتين حاله المناسب له والمسبب له. على الرغم من أن الاصطلاح عندهم بالحال على تلك الصفات التي يمر بها الفرد مقدمة للموت المعنوي العالي. ولا يشمل الصفات التي يمر بها الفرد مقدمة للموت الداني أو السافل. وهذا ينتج ان أهل الدنيا فاقدين للحال. وهذا صحيح،
ــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
بمعنى إنهم فاقدون للحال العالي بالتأكيد. إلا إن هذا لا يعني عدم إتصافهم بالحال السافل أو الداني، فان الفرد قد يكون في حالة تذبذب بين الصلاح والفساد إلى وقت يتم فيه الفساد ويترسخ فيه. فتلك الحال للموت المعنوي السافل. أو قل: هي حالة الاحتضار المناسب له.
الأمر السادس: يدفن الإنسان إذا مات في القبر، فأين تدفن الحيوانات؟
لعل هذا سؤال غريب لم يصدر من أحد قبل ذلك. ولكننا يمكن أن نشعر بأهميته إذا التفتنا إلى عدة حقائق:
الحقيقة الأولى: كثرة الحيوانات على وجه الأرض. ــ مضافاً إلى البحر والجو ــ بشكل متزايد جداً قد تصل إلى مئات الملايين, إذا أخذنا بنظر الاعتبار كبار الحيوان وصغارها. ولا حاجة الآن إلى التعرض إلى الحشرات والميكروبات، وإلا لتضاعف العدد أضعافاً مضاعفة.
الحقيقة الثانية: ان كل حيوان فهو صائر إلى الموت لا محالة، فان قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، لا يختص بالإنسان بل يشمل كل نفس.
الحقيقة الثالثة: ان هذه الملايين في موتها التدريجي تشكل نسبة عالية من الجثث الملقاة في مختلف الأماكن والبقاع. فان عدد الأحياء كلما زاد تزداد النسبة أو قل: ازداد عدد الولادات فيها والوفيات أيضا. وهذا لا يختلف فيه الإنسان عن الحيوان أيضا. بل الحيوان أولى بمواجهة الموت للظروف الصعبة التي يعيشها كثير من الحيوانات سواء من الناحية الطبيعية أو لاعتداء بعضهم على بعض.
الحقيقة الرابعة: ان نتيجة ذلك أننا ينبغي ان نجد في كل يوم مئات الجثث الملقاة على الشوارع من الكلاب والقطط والطيور والفئران وغيرها كثير. مما يكلف إزالتها تكليفاً اقتصادياً عالياً. وإلا أوجبت فساد للبيئة والتسبيب إلى
ــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
تدهور الصحة العامة.
الحقيقة الخامسة: إننا لا نجد – بكل تأكيد- شيئاً من تلك الجثث الملقات أصلا، لا في الشوارع ولا في المزابل. بل ولا في البراري ولا في الغابات. فأين يمكن أن تذهب جثث الحيوانات الميتة, ومن هنا تظهر أهمية السؤال الذي طرحناه أولا، أين تدفن الحيوانات؟
اعتقد أن الطريقة الوحيدة لمشاهدة أية جثة إنما هو مراقبتها عند الموت. وذلك يكون بأحد أشكال:
أولا: الموت الطبيعي للإنسان حتف انفه.
ثانيا: موت الإنسان بحادث.
ثالثا: موت الحيوان بحادث.
رابعاً: موت الحيوان بتسلط الإنسان عليه، كذبح الغنم والبقر، أو قتل الحيوان المعتدي ونحو ذلك.
خامساً: اعتداء حيوان على حيوان بحيث يؤدي إلى موته، ويكون ذلك تحت مراقبة ومشاهدة الناس – ولو واحداً- إذن ستكون جثته باقية هناك.
أما إذا مات الحيوان بدون مراقبة ومشاهدة احد، فسوف لن يشاهد الإنسان جثته. واعتقد أن ذلك عام للحيوانات الأرضية والبحرية والجوية وهذا ثابت بحسن توفيق الله سبحانه حيث كفى شر جثث الحيوانات المتكدسة. أما كيف يتم ذلك وأين تذهب تلك الجثث. فهو سؤال معروض أمام العلم الحديث. لعله يجد إلى جوابه سبيلا، فان لم يجد فقد وجدنا الطريق إلى معرفة لطف الله وسعة قدرته وتدبيره.
ــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل ولاية عدول المؤمنين

تحدثنا بمناسبات مختلفة في كتابنا هذا، عن بعض أقسام الولاية كولاية الفقيه (في كتاب القضاء) والولاية على القاصر (في كتاب النيابة). وقد وعدنا هناك(1) بالحديث عن ولاية عدول المؤمنين، ولم ننجزها فيما سبق، يحسن بنا الآن ان نخوض غمارها بالمقدار المناسب مع هذا الكتاب.
وقد اثبت مشهور الفقهاء هذه الولاية لدى انعدام الولايتين السابقتين. فإن الأصل الأولي في القاصر مثلا هو ولاية أبيه وجده لأبيه عليه. فان لم يوجد أي منهما فالوصي هو الولي. فان لم يوجد فالحاكم الشرعي الذي يمثل ولاية الفقيه العارف. والى هنا لا مجال لولاية عدول المؤمنين.
وإنما تنبثق الحاجة إلى هذه الولاية مع انعدام الحاكم الشرعي، في أي مكان أو زمان. فان مصالح القاصرين لا ينبغي أن تذهب أدراج الرياح، وان يعتدي عليها المعتدون، وحينئذ لا يوجد من يأخذ بمصالحهم إلا عدول المؤمنين.
بل توسع فيها البعض أكثر، من قبيل أن يقال: انه لا دليل على حجية ولاية الحاكم الشرعي. بل ولايته إنما هي تطبيق ومصداق من ولاية عدول
ــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر ج5 ص67.
المؤمنين، فانه القدر المتيقن والفرد الأوضح منهم. فلو تم هذا الكلام، كانت ولاية الفقيه مستندة إلى ولايتهم، إلا أنها ثابتة بدليل مستقل. وسيأتي الحديث عن تفاصيل ذلك.
ولابد أولا من إثبات المسألة اعني ولاية عدول المؤمنين بشكل إجمالي، لكي ندخل بعدها في التفاصيل، مثل احتمال اختصاصها بحال الضرورة أو عدم ذلك. واختصاصها بعدم الحاكم الشرعي واختصاصها بالعدول دون غيرهم. إلى غير ذلك من التفاصيل.

الثبوت الإجمالي:
يمكن أن ينطلق الثبوت الإجمالي لولاية عدول المؤمنين من عدة منطلقات محتملة فقهياً. يمثل كل منطلق أسلوبا في الاستدلال عليه:
الأسلوب الأول: الاستدلال بالإجماع على ثبوت هذه الولاية. إلا انه غير تام. لعدم ثبوت الإجماع لا محصلا ولا منقولا.
الأسلوب الثاني: الشهرة القائمة على ثبوتها. إلا انه غير تام لعدة وجوه:
منها: الطعن في حجية الشهرة لإثبات الحكم الشرعي أساسا.
ومنها: إنكار وجود الشهرة هنا، لأن هذا الحكم وان كان مشهوراً بين المتوسطين والمتأخرين من الفقهاء، إلا انه لم تثبت وجود الشهرة بين المتقدمين. بل لم يبحثوا هذه المسألة لكي نعرف آراءهم فيها.
الأسلوب الثالث: ما ذكره الشيخ الأنصاري  في (المكاسب) (1) من انه من المعروف يعني: إن تصرف عدول المؤمنين في أموال القاصر ونحوه من المعروف، وهو كل أمر حسن. والأمر الحسن مأمور به في الشريعة، إذن
ــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الصفحة 155. ط الحجر.
فولاية عدول المؤمنين مأمور بها شرعاً.
واستشهد لقضية رجحان كل معروف وحسن في الشرع بعدة نصوص إسلامية، كقوله تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى، وقول المعصوم: “والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”، وقوله: “كل معروف صدقة”.
إلا انه يمكن القول باختصاص نتيجة هذا الوجه بصورة ما إذا كان تصرف المؤمن في أموال القاصر من المعروف، وهي صورة الضرورة بحيث يكون ترك التصرف موجباً لضرر فادح. وهذا صحيح إلا انه يمثل دليلا آخر سيأتي الحديث عنه. أما التوسع أكثر من ذلك، لمجرد كون التصرف من المعروف فالأمر لا يخلو من إشكال لعدة وجوه منها:
أولا: المناقشة في اسناد الروايات التي سردها، كدليل على ذلك، فإنها مما لم تثبت اعتبارها على أي حال.
ثانياً: إن المطلوب في ولاية عدول المؤمنين تأسيس الجهة الوضعية فيها أكثر من الجهة التكليفية، فإننا إذا تجاوزنا المناقشة في الجهة التكليفية، وقلنا بالجواز أو الاستحباب. بقيت الجهة الوضعية محتاجة إلى دليل، يعني صحة المعاملات التي يقوم بها الفرد من عدول المؤمنين عن القاصر ونحوه. وهذا مما لا تدل عليه هذه النصوص جزماً، لا الآية الكريمة ولا تلك الروايات. بل غايته إنها تتكفل بيان الجواز التكليفي، وهو لا يكفي بهذا الصدد.
الأسلوب الرابع: الضرورة. حيث قد يعود حال الفرد القاصر ونحوه، إلى الضياع والاضمحلال والبلاء لولا التدخل لإنقاذه.
إلا أن ذلك لا يخلو من مناقشة:
أولا: انه يتحدد بحدود الضرورة، مع ان المطلوب فقهياً التوسع في ولاية
ــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
عدول المؤمنين أكثر من ذلك بكثير كما سنسمع.
ثانيا: ان حال الضرورة، قد ينتج جواز التصرف بل وجوبه. وهذا صحيح، إلا انه لا ينتج الجهة الوضعية، كما قلنا في الأسلوب السابق، اعني صحة المعاملات الواقعة حال الضرورة من قبل الغير.
ثالثا: ان المطلوب فقهياً ليس هو الجانب التكليفي فقط، بل إثبات عنوان الولاية، بحيث يكون الفرد العادل ولياً كحال الأب لولده أو الحاكم الشرعي. ومن الواضح ان حال الضرورة لا يثبت ذلك.
الأسلوب الخامس: الاستدلال بالقواعد الواردة شرعاً للعناوين الثانوية كقوله تعالى: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ, وقوله : “لا ضرر ولا ضرار” وغيرها. باعتبار ان ترك التصرف المشار إليه يؤدي إلى الحرج والضرر فيتعين. وهو – من هذه الناحية- أفضل من الدليل السابق. لوجود النصوص المطلقة التي تدعمه بخلاف حال الضرورة. فانه مورد إجماع ونحوه، وهو دليل لبي لا إطلاق فيه. لا ان هذا الدليل مع ذلك، قابل للمناقشة بعدة وجوه:
أولا: إن مورد جواز التصرف إنما يتعدد في حدود صدق تلك العناوين، يعني في مورد وجود الضرر والحرج. مع أن المفروض، كما قلنا، إثبات هذه الولاية فقهياً أوسع من ذلك.
ثانياً: إن هذه الأدلة وان كانت مطلقة، إلا أن إطلاقها كما لا يكفي للشمول خارج العناوين المأخوذة فيها، وهي الضرر والحرج، كذلك لا يكفي إلا لإثبات الجهة التكليفية، وهي الجواز دون الوضعية، وهي صحة المعاملات، فضلا عن إثبات عنوان الولاية التي يراد إثباتها بهذا الصدد.
ثالثاً: إن غاية ما قيل في هذا الدليل: إن ترك التصرف يؤدي إلى الضرر والحرج، فيتعين التصرف. في حين إن ترك التصرف أمر عدمي، والأمر
ــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
العدمي لا يؤثر في وجود الأمر الوجودي، على أن الضرر والحرج ناتج من علله الخاصة به، وإنما يراد إثبات وجوب رفعه عن الغير بمثل هذا الدليل، وعمومه لمثل ذلك محل إشكال. لانصرافه إلى خصوص الضرر والحرج الشخصي، أي الوارد على الفرد نفسه. مضافاً إلى انصرافه إلى رفع التكليف الضرري، لا رفع الموضوع الضرري، كما في المقام. فان عاد الحال إلى الضرورة، كان المورد مندرجاً في الدليل السابق، وقد ناقشناه.
الأسلوب السادس: ما نقل عن بعض متأخري العامة(1) من ان قيام عدول المؤمنين بهذه المصالح أهم من ترك تلك الأموال بأيدي الظلمة يأكلونها بغير حقها ويصرفونها إلى غير مستحقها… فيتعين صرفه في مصارفه لما في إبقائه من التغرير وحرمان مستحقيه من تعجيل أخذه مع مسيس حاجتهم إليه.
إلا ان هذه مجرد استنتاجات عامة إستحسانية، ليس لها مضمون دقيق. وإلا فمع التدقيق أما ان يعود هذا الوجه إلى احد الوجوه السابقة كالضرر أو المعروف أو الضرورة أو غيرها، وقد ناقشناها جميعاً، فتعود أجوبتها التي سردناها إلى جواب هذا الوجه أيضا. وان لم يكن هناك شيء من ذلك، فهذا يعني انه لا يوجد ضرر ولا ضرورة في ذلك. إذن، لا تكون تلك الوجوه فضلا عن هذا الوجه منتجاً أصلاً. ويكون التصرف الذي أشار إليه هذا الوجه وهو تصرف الظالم بأموال القاصر، حراماً على الظالم نفسه، والمفروض – هنا- انه ليس مؤدياً إلى جعل القاصر في ضرر أو ضرورة.
الأسلوب السابع: الاستدلال بالروايات التي هي العمدة في هذا الباب. ففي صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع(2). قال: “مات رجل من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصيّر عبد الحميد القيم بماله. وكان
ــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر والصفحة.
(2) الوسائل: ج12 كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه باب16 حديث2.
الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري. فباع عبد الحميد المتاع. فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن إذ لم يكن الميت صيّر إليه وصيته. وكان قيامه فيها بأمر القاضي، لأنهن فروج. قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر . وقلت له: رجل يموت من أصحابنا ولا يوصي إلى احد ويخلف جواري. فيقيم القاضي رجلا منا فيبيعهن أو قال: يقوم بذلك رجل منا. فيضعف قلبه لأنهن فروج. فما ترى في ذلك. قال: فقال: إذا كان القيم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس”.
وصحيحة علي بن رئاب(1) قال: “سألت أبا الحسن موسى  عن رجل بيني وبينه قرابة. مات وترك أولاداً صغاراً وترك مماليك له غلماناً وجواري، ولم يوص، فما ترى في من يشتري منهم الجارية، فيتخذها أم ولد. وما ترى في بيعهم، فقال: إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم كان مأجوراً فيهم. قلت: فما ترى في من يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم. وليس لهم أن يرجعوا عما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم”.
وموثقة سماعة(2)،قال: “سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية، وله خدم ومماليك وعقد، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله، فلا بأس”.
وصحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري(3): قال: “سألت الرضا  عن رجل مات بغير وصية وترك أولاداً غلماناً صغاراً وترك جواري ومماليك، هل يستقيم ان تباع الجواري؟ قال: نعم. وعن الرجل يموت بغير وصية، وله ولد
ــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر: ج13 كتاب الوصايا باب88 حديث1. وانظر أبواب عقد البيع باب15 حديث1.
(2) المصدر: كتاب الوصايا باب88 حديث2.
(3) المصدر: ج12 كتاب التجارة، أبواب عقد البيع باب16 حديث1.
صغار وكبار أيحل شراء شيء من خدمه ومتاعه، من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك. فان تراضوا به ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع، فلا بأس، إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك”.
وكل هذه الروايات معتبرة السند وواضحة في الجملة في أصل المطلوب. وهو تخويل عدول المؤمنين في بعض الأمور بغض النظر عن التفاصيل.
والموضوع فيها وان كان واحداً وهو الإشراف على القاصرين من اليتامى. لكن يمكن إجراء نحو من التجريد عن الخصوصية للشمول لكل القاصرين سواء كانوا يتامى أم غيرهم، بل لكل مصلحة للغير إذا لم يكن لها ولي شرعي سواء في طرف القاصرين أو في أي طرف من المجتمع.
وهذا النحو من التجريد معقول ومفهوم. إذ لا يوجد احتمال معتد به عرفاً بإزاء مورد الروايات. وإنما هي بمنزلة المثال. بحيث نعلم إن مراد الإمام  في جوابه هو الأمر الشامل وغير مختص بالمورد.
وأما المحمول أو الحكم المذكور في هذه الروايات، فيستفاد من عبارات في هذه الروايات كقوله: “إذا كان القيم به مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس”. وقوله: “لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم”. وقوله: “إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله، فلا بأس”.
وقوله: (لا بأس)، يدل على جواز العمل والتصرف، بل على صحة المعاملات التي يوقعها القيم. ولو كان ذلك بدون وصاية مسبقة ولا وكالة ولا تخويل. وهذا معناه انه له ولاية بصفته احد ثقاة المؤمنين، ومعه لا يحتاج إلى وكالة أو تخويل، بل التخويل موجود من قبل الشارع المقدس نفسه.
بل الأمر أكثر من ذلك، من حيث أن صحيحة علي بن رئاب واضحة في
ــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
لزوم المعاملات التي يقوم بها هذا الرجل، وذلك انه يقول: “وليس لهم أن يرجعوا عما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم”.
إذ قد يخطر في ذهن بعض الورثة فيما إذا زال قصوره وأصبح رجلا رشيداً ان ينقض ما قام به القيم بعنوان بطلان معاملاته وعدم ولايته. فجوابه هو هذا القول نفسه ومفاده القول بلزوم المعاملات التي تكون في مصلحة الورثة القاصرين. ومعنى لزومها عدم إمكان نقضها من قبل أي شخص حتى لو كان من الورثة أنفسهم.

شروط الولاية :
ينبغي لنا الآن أن ننظر في الشروط المحتملة التي يمكن أن تقال بالنسبة إلى ولاية المؤمنين، مع العلم إن أي شرط شككنا في ثبوته، فان استفدنا من هذه النصوص وجوده أو عدمه، فهو المطلوب. وإلا سبّب ذلك الشك في وجود الولاية مع عدمه، والشك في ثبوت الولاية يعني نفيها. وإنما تثبت بمقدار ما دل الدليل وتعبدنا الشارع الإسلامي المقدس به. ولا يجزي هنا أصل عدم الاشتراط باعتباره اسبق رتبة من الحكم بالولاية، لأن هذا الأصل إنما يثبت بعد التسليم بأصل الولاية، ومع الشك فيها ينتفي هذا التسليم لا محالة.
إذن، فالشروط الثابتة فيما يلي إذا لم تجتمع، لم يمكن القول بالولاية وإذا اجتمعت أمكن القول بتعديها إلى سائر موارد وجود المصلحة.
وما يحتمل أن يكون شرطاً في هذا الصدد عدة أمور:
الأمر الأول: عدم وجود ولي آخر شرعي خاص بالمورد كالأب والجد والوصي وغيرهم كمتولي الوقف ونحوه.
وهذا الأمر هو مورد كل تلك الروايات، وواضح منها كقوله: (ولم يوصِ).
ــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أو قوله: (من غير وصية). يعني من غير وصاية. بمعنى عدم جعل الوصي. ولازم ذلك انه إذا كان قد جعل الوصي فلا مورد لولاية غيره، ولا اقل من الشك المنتج للعدم.
الأمر الثاني: عدم وجود الحاكم الشرعي.
وتقريبه: انه مع وجوده فهو الولي، وقد عرفنا انه مع وجود الولي، فلا ولاية لعدول المؤمنين.
وهذا مبني على التسليم بولاية الفقيه العارف، كما سبق أن بحثناه ولا نناقش فيه الآن، غير أن استفادة هذا الشرط خلاف إطلاق هذه الروايات، لوضوح أنها لم تقيد بعدم وجود الحاكم الشرعي.
بل الأمر أوضح من ذلك فيها، لفرض وجود المعصومين أنفسهم في زمن السؤال، وهم لهم الولاية أو قل: إن الواحد منهم حاكم شرعي، فكيف صحت ولاية عدول المؤمنين؟ مع إن الروايات واضحة في تصحيحها.
فإن قلت: إنهم أصبحوا وكلاء للإمام بمقتضى قوله: (لا بأس).
قلنا: كلا. فإن السؤال جاء بعد عدد من التصرفات التي كان قد قام بها القيم. ولم يكن قد سأل الإمام أو توكل عنه. وهذا واضح من سياق الرواية.
إذن، فبالرغم من وجود الإمام بنفسه، فقد اعتبرهم الإمام بنفسه أولياء على الأموال ومعاملاتهم صحيحة ولازمة.
غير انه ينبغي الالتفات إلى ان هذا المورد يتصف بكونه مما لم يرجع به احد إلى الإمام نفسه من أول الأمر، وانه كان مغفولاً من هذه الجهة. كما ان الإمام لم ينه عنه أو يأمر بخلافه. فنعرف انه في مورد تصدي الإمام نفسه للأمر أو نهيه لفرد أو أفراد عن العمل، لا يكون داخلا في مورد ولاية المؤمنين بخلاف غيره من الموارد، تمسكاً بإطلاق الرواية.
ــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وقد يقال: إن ولاية الحاكم الشرعي أهم وارسخ من ولاية الولي الخاص، وقد عرفنا عدم وجود الولاية للمؤمنين في مورد ولاية الولي الخاص، فكيف بولاية الحاكم الشرعي الأهم منها.
وخاصة إذا التفتنا واحتملنا إن القسم السابق من المعاملات على السؤال من الإمام  إنما سكت عنه الإمام وأمضاه لا باعتبار ولاية القيم، بل باعتبار وجود المصلحة من هذا الإمضاء المؤقت. وأما المعاملات اللاحقة للسؤال منه ، فهو بمنزلة الوكالة عنه .
إلا أن هذا ليس بصحيح على إطلاقه، لوضوح الروايات بما هو أكثر منه، وخاصة الحكم بلزوم المعاملات كما سبق أن سمعنا. فان الإمام  كان في غنى عن بيانه لو كان الأمر لمجرد المصلحة الوقتية.
نعم، لو ثبتت ولاية الفقيه العارف بنحو واسع، بحيث ينفي ولاية عدول المؤمنين ونحوها. أمكن استنتاج اشتراط عدمه في ولايتهم. إلا أن مثل هذه السعة محل إشكال وان كانت مظنونة. حتى أمكن لبعضهم أن يقول: إن ولاية الفقيه إنما هي مصداق من ولاية عدول المؤمنين وليس أكثر. وعلى أي حال، فان كانت أكثر، فلا اقل أن يكون دليلها نافياً لها. كما قربنا قبل قليل. وان كان يبقى للاحتياط مورده.
الأمر الثالث: من شرائط ولاية المؤمنين.
كونهم مسلمين ومؤمنين، فلا ولاية لغير المسلم وغير المؤمن على احد، بهذا المعنى، ما لم تكن ولاية خاصة كالأب والجد للأب والوصي ومتولي الوقف.
وهذا الشرط واضح من قوله: “إذا كان القيم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس. فإنهما معاً مسلمين مؤمنين”.
ــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وأما بخلاف ذلك، يعني ما إذا لم يكن القيم مثل هذين المؤمنين، فان مفهوم الشرط يدل على نفي الولاية. مضافاً إلى أصالة عدم حجية الولاية مع الشك في عدمها.
الأمر الرابع: الوثاقة: وهذا واضح من قوله: “إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله. وبمفهومه النافـي لولاية غير الثقة تقيد اطلاقات الروايات الأخرى”.
مضافاً إلى الاطمئنان بعدم رضاء الشارع المقدس بتسلط غير الثقة على أموال القاصرين وغيرهم، بحيث يكون له تخويل شرعي في ذلك. مضافاً إلى أن الشك يكفي للنفي، كما سبق في سائر الشروط.
الأمر الخامس: العدالة.
ويمكن الاستدلال لها بقوله في صحيحة الأشعري: إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك. فانه واضح في اشتراط عدالة القيم وينفي بالمفهوم عدالة غيره. لأنه مفهوم الشرط. مضافاً إلى ما قلناه في غيره من الشروط أننا إذا شككنا في العدالة كفى ذلك في نفيها، وهنا لا شك بوجود الشك في ولاية غير العادل.
وإذا ثبت ذلك أمكن تقييد سائر النصوص به. فنضيف شرط العدالة إلى سائر الشروط من الإيمان والوثاقة وغيرهما. وإلا فانه سوف لن يكون ولياً.
إلا انه يمكن المناقشة فيه بعدة أمور، منها أمران رئيسيان:
المناقشة الأولى: مناقشة في الدلالة، فانه يقول: “إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك”. فقد أنفذ سائر التصرفات بشرطين مقترنين لا بشرط واحد. هما رضاء الورثة وقيام العدل. وليس الثاني فقط كما هو محل الشاهد.
ــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
واقتران الشرطين يفسد على المشهور استدلاله، لأن المفروض أن يكون هذا الولي المؤمن أولى بالقاصرين من الورثة أنفسهم. لأن المشهور لا يقول بولاية الأم والأخ والعم وأضرابهم، ولكنه يقول بولاية المؤمن. فتكون ولايته ارسخ من ولاية هؤلاء. بخلاف ما إذا تمسكنا بحرفية هذه الرواية. فان ولايته تكون منوطة برضاء الورثة، لأنه هو مقتضى اقتران الشرطين لإنتاج الحكم الواحد. وهو خلاف المشهور.
المناقشة الثانية: مناقشة من حيث السند، فان الحر العاملي في (الوسائل)(1) يروي نفس الروايات في موضع آخر، من كتابه خالية من هذه العبارة، مع العلم أنها بنفس السند وبالأعم الأغلب من ألفاظها.
فإذا ضممنا إلى هذا التعدد في النقل والاطمئنان بوحدة الرواية سقط اللفظ المستدل به وهو (العدل) عن صحة السند. إذ لعله مزاد سهواً أو نسياناً أو انه نقل بالمعنى وغير ذلك.
هذا مضافاً إلى مناقشات أخرى كما لو التفتنا إلى أن اصطلاح العدل والعدالة إنما هو معنى متأخر في لغة الفقهاء، وكل معنى متأخر لا يمكن أن تحمل عليه النصوص المتقدمة عليه. إذن فلابد ان نحمل العدل هنا على معناه اللغوي، فلا يكون المراد منه أكثر من وجود العدالة.
الأمر السادس والأمر السابع: من صفات الولي المؤمن.
البلوغ والرشد، فلا ولاية لغير البالغ ولا لغير الرشيد.
وهذا مما ينبغي أن يكون واضحاً في ضرورة الفقه والعرف. وهو المستفاد من قوله في صحيحة ابن بزيع: “إذا كان القيم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس”. فان مفهوم الشرط ينفي ولاية من لا يكون مثلهما. ومن الواضح
ــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر الوسائل. كتاب الوصايا باب88 حديث3.
اتصافهما بالبلوغ والرشد، مضافاً إلى ما اشرنا إليه من أن الشك في الولاية كاف للجزم بعدمها، الذي هو معنى أصالة عدم الولاية في مورد الشك. كما هو الشك في ولاية غير البالغ وغير الرشيد وحجية تصرفهما.
مضافاً إلى انه قد تم لدينا اشتراط كون القيم ثقة. ومن الواضح إن غير الرشيد وغير البالغ ليس بثقة. أما لكونه مهملا لهذا الجانب، وأما لكونه عاجزاً عنه. فان الوثاقة تحتاج إلى مرتبة من التعقل والرشد والكياسة غير متوفرة خلقياً لا في غير البالغ ولا في غير الرشيد.
وإذا تم لنا ذلك كان اشتراط وجود العقل أوضح، بمعنى عدم إمكان القول بولاية المجنون بطريق أولى.
الأمر الثامن: وجود المصلحة في التصرف، بحيث أن المعاملات التي يقوم بها القيم المؤمن، موافقة لمصلحة القاصرين.
وذلك بعد الالتفات إلى أن هذا الجانب يحتوي على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: وجود الولاية المطلقة سواء حصلت مصلحة من التصرف أو لم تحصل. وكذلك سواء حصلت مفسدة منه أم لا. فيكون مقتضى إطلاق الولاية وحجيتها نفوذها حتى في مورد المفاسد. ونريد بها المفاسد الشخصية لا الدينية بطبيعة الحال. يعني التي تكون موجبة للضرر على الفرد.
المرحلة الثانية: وجود الولاية في غير وجود المفسدة والضرر. سواء ترتبت هناك مصلحة أم لا.
المرحلة الثالثة: وجود الولاية في خصوص ما إذا ترتبت على التصرف مصلحة للقاصرين. وأما إذا لم تترتب المصلحة فلا ولاية له، سواء ترتبت المفسدة أم لم تترتب.
والفتوى المشهورة بين الفقهاء تصنيف الأولياء من هذه الجهة إلى أصناف
ــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
متعددة. فولاية عدول المؤمنين خاصة بوجود المصلحة، وكذلك ولاية الوصي المنصوب من قبل الأب أو الجد. وأما ولاية الأب والجد للأب فهي منوطة بعدم المفسدة لا بوجود المصلحة. أي إنها من قبيل المرحلة الثانية السابقة. وأما ولاية الحاكم الشرعي فهي نافذة حتى في صورة وجود المفسدة والضرر الشخصي وكذلك حكم القاضي. يعني انه من المرحلة الأولى السابقة. والحكمة فيه كون ولاية هؤلاء منوطة بالمصلحة العامة دون الخاصة.
فأي هذه المراحل تمثل ولاية عدول المؤمنين بحسب ما يستفاد من الدليل، وهل تتخذ ولايتهم فيما فيه مفسدة، فضلا عما ليس فيه مصلحة.
الظاهر ان الحق مع المشهور، في اشتراط ولايتهم بوجود المصلحة، وذلك بعد ضم مقدمتين:
المقدمة الأولى: ان ما سبق ان سمعناه من الروايات ينص على وجود الولاية في صورة المصلحة الخاصة. كقوله في صحيحة علي بن رئاب: “لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم، وليس لهم ان يرجعوا عما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم”.
المقدمة الثانية: إننا لو شككنا في وجود الولاية خارج هذا النطاق، كان مقتضى القاعدة هو عدمها. ما لم يدل الدليل على وجودها، والدليل خاص – كما عرفنا في المقدمة الأولى- بخصوص صورة وجود المصلحة.
فإن قيل: أن صحيحة علي بن رئاب وان كانت خاصة بذلك، إلا أن الصحاح باقية عامة، فيمكن التمسك بعمومها لحجية الولاية في غير مورد وجود المصلحة.
قلنا: كلا. فإنها قابلة للتقييد بصحيحة علي بن رئاب. فإذا قيدناها، كانت النتيجة إلى جانب المقيد لا إلى جانب العام. يعني تقييد الولاية بخصوص
ــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
صورة وجود المصلحة.
وقد يخطر في الذهن: ان صحيحة علي بن رئاب تدل على لزوم نصب القيم من قبل جهة أعلى منه شرعاً كالإمام أو الحاكم الشرعي، فتكون بذلك أجنبية عن الدلالة على ولاية عدول المؤمنين، كما هو محل الحديث. لأنها تقول: “إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم”. فقد اخذ قيد القيمومة سلفاً في جواز البيع. وبذلك يتم تقييد سائر المطلقات ان وجدت.
وجواب ذلك: أن المراد بالقيم هنا القيم العرفي لا القيم الشرعي. فان كان القيم العرفي جامعاً للشرائط كان قيماً شرعياً ونفذت تصرفاته. وإلا فلا. والمراد به من تصدى للتصرف من قبل نفسه أو من قبل جهة غير دينية كالقاضي الدنيوي. لأن هذه الأعمال لا يطيقها كل احد. فمن تصدى لها كان بمنزلة القيم عليها عرفاً وتكويناً. وهذا يكفي لصدق عنوان القيم، في المرتبة السابقة على الإقرار الشرعي له. وتمام الكلام في الفقه.
نتج من كل ذلك أن الولاية تثبت ضمن الأوصاف التالية: وهي أن يكون الفرد مسلماً مؤمناً عاقلا بالغاً رشيداً ثقة يتصرف في حدود المصلحة. وليس شرطاً أن يكون عادلا ولا أن يكون الحاكم الشرعي مفقوداً، وان كان أحوط. خلافاً لمشهور الفقهاء حيث اثبت كلا الصفتين.
وأما احتمال كونه رجلا في مقابل إمكان ان يكون المتولي امرأة جامعة لتلك الشرائط. باعتبار التمسك بقوله: “إذا كان مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس”. وهم رجال بطبيعة الحال. فتجري أصالة عدم الولاية في جانب المرأة.
وهذا، وان كان لا يخلو من وجاهة، وهو أوفق بالاحتياط إلا انه يمكن القول: إن المراد بالمثل في الرواية التماثل من حيث تلك الصفات الأساسية التي تثبت بها الأمانة وتنقطع بها الخيانة أو سوء التصرف. وهو معنى يمكن ثبوته في الرجل والمرأة معاً. وليس المراد المماثلة حتى من حيث كونهم رجالاً
ــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أو أنثاً. وان كان ذلك هو القدر المتيقن على أي حال.
كما أن احتمال كون المتولي قريباً للقاصر ومن أرحامه كعمه وأخيه، غير محتمل في مورد كل الروايات السابقة، لأنها نص في خلاف ذلك، كما هو واضح لمن يراجعها.
فهذه هي نهاية الحديث عن الشرائط. وينبغي الالتفات إلى أننا حيث اخترنا عدم اشتراط العدالة، كان التعبير بولاية عدول المؤمنين، كما عنونا به هذا الفصل. بلا موجب وان عبر به مشهور الفقهاء، بل الأفضل التعبير بولاية ثقاة المؤمنين. لأننا اخترنا اشتراط وجود الوثاقة.

النتائج :
بقي الكلام عن نتائج ولاية ثقاة المؤمنين، يعني التساؤل عن الأعمال التي يمكنهم القيام بها بهذه الصفة. فإنها ذات أقسام وحقول متعددة، تثبت كلها أو كثير منها، للحاكم الشرعي. فهل تثبت أيضا لثقاة المؤمنين أم لا؟ وبتعبير آخر: هل ان هذه الولاية للمؤمنين واسعة بمقدار سعة ولاية الحاكم الفقيه العارف أم اقل؟
ويمكن الجواب على ذلك مع المقارنة في الصلاحيات الشرعية، بين الطرفين، فان لم يثبت التساوي بينهما عرفنا قيمة القول الذي سمعناه في غضون هذا الفصل من ان الحاكم الشرعي لا ولاية له إلا بصفته احد عدول المؤمنين. وان وجهة النظر هذه خاطئة تماماً.
وذلك: فان الفقيه العارف، كما عرفنا في كتاب القضاء من كتابنا هذا يستطيع التصرف في عدة موارد وحقول من المجتمع. نستعرض الآن أهمها لأجل معرفة ثبوتها لثقاة المؤمنين. على ضوء الأدلة السابقة:
ــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المورد الأول: الفتوى بالأمور الشرعية وهذا غير ثابت لثقاة المؤمنين قطعاً. لوجود شرائط في المفتي غير متوفرة فيهم، أو غير مفروضة الوجود عندهم، أهمها الاجتهاد.
المورد الثاني: إقامة صلاة الجماعة، وهذه الصفة تثبت لهم إن قلنا بعدالتهم، لوضوح اشتراط أن يكون إمام الجماعة عادلاً، شرعاً. ولكننا لم نقل بذلك. ومن المعلوم أن غير العادل ليس له إقامة الجماعة وان كان ثقة.
المورد الثالث: القضاء، وهو غير ثابت للمؤمنين قطعاً سواء اشترطنا وثاقتهم أو عدالتهم. للوضوح الفقهي باشتراط الاجتهاد في القاضي. وليس المفروض في ثقاة المؤمنين ان يكونوا مجتهدين.
بل الأمر كذلك حتى في ما يسمى بقاضي التحكيم، وهو الذي يختاره المتخاصمان ممن لم ينصبه الولي العام. فان الصحيح هو لزوم ان يكون مجتهداً أيضا، وليس لأحد من المتخاصمين اختيار غير المجتهد.
نعم، لو تعذر استرجاع الحق إلا على قضائهم، اعني ثقاة المؤمنين أو عدولهم، أمكن ذلك. فان المشهور يفتي في مثل هذه الصورة على إمكان الرجوع إلى المحاكم الدنيوية، فضلا عن عدول المؤمنين، إلا أن الأحوط أكيداً في مثل ذلك أن يكونوا عدولا، لا ثقاة فقط.
المورد الرابع: القيمومة على القاصرين، فانه من موارد صلاحيات الحاكم الشرعي، والمراد بالقاصرين هنا من كان دون البلوغ من الأطفال الفاقدين للولي الأصلي كالأب والجد للأب.
وهذا هو مورد ثبوت الولاية للمؤمنين أيضا، لأنه مورد نص الروايات السابقة كلها.
ويمكن أن يلحق بذلك الولاية على السفيه والمجنون والمعوق ونحوهم،
ــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
بشكل من أشكال التجريد عن الخصوصية العرفية.
المورد الخامس: القيمومة أو الولاية عن الغائب والممتنع. وهذا إنما يمكن الاستدلال على ثبوته لثقاة المؤمنين. بعد إمكان التجريد عن الخصوصية من المورد الرابع السابق. وهو متعذر عرفاً. ولكن لا يبعد ثبوته مع وجود الضرر من الترك مع انحصار الحال بالثقات وعدم وجود الحاكم.
المورد السادس: قبض وتوزيع الحقوق الشرعية. كحق الإمام وغيره. فانه مما ثبتت صحته للحاكم الشرعي، وأما ثبوته لثقات المؤمنين أو عدولهم، مع توفر الحاكم الشرعي ووجوده فمشكل، لأصالة عدم ولايتهم مع الشك في ثبوتها.
نعم، إذا لم يكن الحاكم الشرعي موجوداً لم يكن من المعقول شرعاً توقف هذه المصلحة الأساسية الشرعية في المجتمع، فيمكن أن يتكفلها ثقاة المؤمنين. وبتعبير آخر: إننا لا نحرز رضا الإمام  في تصرفهم بسهمه. إلا في مثل هذا المورد.
المورد السابع: انجاز بعض المصالح العامة، كبناء المساجد والمدارس والقناطر وتأسيس المصارف والجمعيات وتعيين القضاة وغير ذلك. وهذا ثابت للحاكم الشرعي بصفته مماثلا في الصفة للحاكم العرفي، طبقاً لما فهمناه من مقبولة عمر بن حنظلة التي يقول فيها: “فإني قد جعلته حاكماً”. أي حاكماً بالمعنى العرفي. ولا شك أن الحاكم العرفي يقوم بكل ذلك. فما ثبت له، ثبت له.
إلا أن كل ذلك مما لا يمكن القول بثبوته لثقاة المؤمنين. ولا اقل من الشك في ولايتهم على ذلك إلى جنب ولاية الحاكم الشرعي. المنتج لجريان أصالة عدم الولاية، كما سبق في أمثاله.
ــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
نعم، لو لم يكن الحاكم الشرعي موجوداً وأدى الحال في ترك بعض المصالح إلى الضرر، فلا يبعد القول بثبوته لهم إجمالا ولا حاجة الآن إلى الدخول في تفاصيله.
المورد الثامن: إعلان الحرب ضد الكفار.
وقد قسم مشهور الفقهاء هذه الحرب إلى هجومية ودفاعية. فأما الهجومية فقد استشكلوا في ثبوتها للحاكم الشرعي في عصر الهدنة. وأما الدفاعية فقد قالوا بوجوبها حتى مع عدمه، ما دام هناك أمل في إمكان الدفاع.
وإذا تم ذلك فقهياً، ثبت أيضا لثقات المؤمنين، بمعنى أنهم يماثلون الحاكم الشرعي في ثبوت الحرب الدفاعية وعدم ثبوت الهجومية. بل ان الحرب الدفاعية ضرورية للثقات وغير الثقات. ولا شك انه يثبت من عدمها الضرر، فتثبت لهم مع عدم الحاكم الشرعي، كما استدللنا في أمثاله مما سبق.
نعم، لو قلنا بمشروعية كلا الحربين للحاكم الشرعي، لم نستطع القول بثبوتها لثقات المؤمنين. بل تختص صلاحيتهم بالدفاع فقط. بل الأمر قد يكون أردأ من ذلك بالنسبة إليهم. لانتفاء الحرب الهجومية عنهم كما قلنا، وانتفاء الحرب الدفاعية عنهم أيضا. باعتبار عدم اختصاصهم بالثقات والعدول، بل شمولها لكل شرائح المجتمع. فلا يكون لهم من الناحية النظرية أي دخل في أي من الحربين.
وعلى أي حال، فقد اتضح من هذه الموارد الثمانية، انه مع وجود الحاكم الشرعي لابد من القول بضيق الصلاحيات الشرعية لثقات المؤمنين، فلا يكون لهم إلا القيمومة على القاصرين الأيتام على إشكال فيه أيضا لا مجال له الآن.
وأما مع عدم الحاكم الشرعي، فلا بد من القول بتوسيع صلاحياتهم لعدد من الموارد السابقة. وخاصة تلك التي ينتج الضرر من تركها وإهمالها عامة.
ــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
جواز النقض :
لعل هذا الأمر من أهم ما هو أساسي في ولاية ثقات المؤمنين، وهو عدم إمكان نقض ما فعله احدهم باعتبار كونه حجة شرعية في فعله. فان كانت معاملاته وتصرفاته صحيحة فلا يمكن نقضها.
وفي مقابل ذلك انه يحتمل إنها تكون قابلة للنقض شرعاً من قبل جهات ثلاثة، بعضها أو كلها:
الجهة الأولى: الورثة للميت نفسه الذي تصرّف الثقة المؤمن في أمواله. وهذا ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الورثة الكبار الموجودين إلى جنب هؤلاء القاصرين. فقد يكون لهم الحق في نقض ما فعله صاحبهم.
القسم الثاني: الورثة الصغار الذين تم التصرف في أموالهم، كبيعها أو إيجارها، فقد يكون لهم الحق في النقض فيما إذا بلغوا أو رشدوا، ولم يوافقوا على تلك التصرفات.
الجهة الثانية: الحاكم الشرعي، فانه أوسع وأوكد في مقام الولاية الشرعية، كما عرفنا من عدول المؤمنين، فقد يكون له حق النقض بالنسبة إلى ما فعلوه من أعمال ومعاملات.
الجهة الثالثة: ثقاة المؤمنين أنفسهم، بالنسبة إلى بعضهم البعض. باعتبار ان هذه الولاية ثابتة لهم جميعاً على قدم المساواة. وليس لأحدهم أفضلية على الآخر، فإذا فعل احدهم شيئاً بالولاية، كان للآخر نقضه بالولاية أيضا.
وينبغي لنا أولاً أن نلتفت إلى أن مقتضى القاعدة هنا، هو عدم جواز النقض لأي من الجهات السابقة، تمسكاً بقوله في صحيحة علي بن رئاب: “وليس لهم أن يرجعوا عما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم”. مضافاً إلى
ــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
اليقين بأن الشارع المقدس إنما جعل ولاية ثقاة المؤمنين لأجل جلب المنفعة ودفع الضرر، فإذا جاز نقض تصرفاتهم عموماً، كان ذلك ضد هذا الهدف جزماً، فيكون حراماً.
إذن، فمقتضى القاعدة هو عدم جواز النقض، إلا ما خرج بدليل مقيد. غير انه يمكن القول أن عدداً من الجهات الثلاثة السابقة قد خرجت بدليل فعلا، فيجوز لها النقض لتصرفات ثقاة المؤمنين.
وينبغي النظر إلى ذلك باختصار ضمن النواحي الآتية من الكلام:
الناحية الأولى: في جواز نقض الورثة الكبار الموجودين حال ولاية الثقة المؤمن على القاصرين.
وهذا ما قد يستدل عليه بقوله  في صحيحة الأشعري: “إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس”. باعتبار إعطائهم الصلاحية لهم في ذلك. وبه يتقيد أي إطلاق موجود في دليل آخر.
إلا أن هذا قابل للمناقشة من عدة وجوه نذكر أهمها:
الوجه الأول: إن هذا الكلام مستأنف في الرواية بلا شك. لأننا نفرض المورد في صورة ما إذا لم يكن هناك ورثة كبار أصلا. مضافا إلى أن هؤلاء الورثة لو كانوا لصحت لهم ولاية ثقاة المؤمنين بأنفسهم. ولم يحتج إلى متول آخر. على إننا استفدنا – كما سبق- من قوله في صحيحة علي بن رئاب: (ولم يوصِ) عدم الوصاية وليس للوصية فقط. إذن، فليس احد الورثة يعتبر وصياً عن الميت. فكيف يكون له حق التصرف في أمواله؟
الوجه الثاني: إن صحيحة الأشعري، غاية ما يستفاد منها عدم صحة التصرفات من قبل المتولي ما لم ينضم رأي الورثة الكبار إليه. ولكنها لم تدل على جواز النقض بالنسبة إليهم لو وقع تصرفه على الوجه الشرعي. كما هو
ــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
محل الكلام.
الوجه الثالث: إن مقتضى إطلاق قوله: “وليس لهم أن يرجعوا عما صنع القيم لهم”، هو المنع عن ذلك. مضافا إلى إمكان التمسك بالأصول اللفظية والعملية المنتجة لهذا المنع.
الناحية الثانية: في جواز نقض الورثة الصغار لما فعل المتولي، بعد بلوغهم ورشدهم.
وهذا هو القدر المتيقن من العبارة السابقة في صحيحة علي بن رئاب: “وليس لهم أن يرجعوا عما صنع القيم لهم”. فإن الضمير في قوله: (ليس لهم)، يعود إلى هؤلاء الورثة. وليس هناك ما ينافي ذلك أو يعارضه في سائر الروايات.
الناحية الثالثة: في جواز نقض الحاكم الشرعي لتصرف المتولي.
والعمدة في الاستدلال عليه هو التمسك بإطلاق جعل الولاية في مثل قوله  في مقبولة عمر بن حنظلة: “فإني قد جعلته حاكماً”، الشامل لكل مورد فيه مصلحة أو لم تكن فيه مفسدة.
وجواب ذلك من عدة وجوه نذكر أهمها:
الوجه الأول: الإشكال في وجود المقتضي، بمعنى أن يكون المراد من الإطلاق المشار إليه ما يشمل جواز نقض المعاملات الموجودة على الوجه الشرعي. فان هذا مما لا يكاد يكون محتملاً فقهياً، ولم يقل احد بثبوته للحاكم الشرعي مطلقاً.
الوجه الثاني: الإشكال من حيث وجود المانع، فإننا لو تنزلنا وقبلنا ذلك، فانه, إنما يثبت في ما فيه مصلحة أو ليس فيه ضرر. ولا شك أن نقض أفعال المتولي فيه ضرر وليس فيه مصلحة، كما سبق أن شرحنا.
ــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الناحية الرابعة: في جواز النقض لثقاة المؤمنين أنفسهم بالنسبة إلى أفعال بعضهم تجاه بعض.
واهم ما يمكن الاستدلال به على ذلك هو التمسك بإطلاق دليل ولاية المؤمنين المستفاد من الروايات الصحاح السابقة.
إلا انه يمكن الإجابة على ذلك من عدة وجوه أهمها:
الوجه الأول: الإشكال في وجود المقتضى لمثل هذه الولاية. يعني الطعن بشمول ما دل عليها لصورة جواز نقض المعاملات التامة على الوجه الشرعي. فانه في الإمكان القول بأنه ليس شيء مما ورد في تلك الروايات، ما هو دال على ذلك أو شامل له. والتجريد عن الخصوصية من مورد الروايات، هو الابتداء بالمعاملات، إلى محل الكلام، وهو نقض المعاملات، متعذر مع احتمال الخصوصية، بل مع اليقين بوجودها.
الوجه الثاني: الإشكال من ناحية وجود المانع. فانه في الإمكان القول: بأن قوله: (وليس لهم أن يرجعوا)، ليس الضمير فيه خاصاً بالورثة بل شامل لكل احد. فينتج انه لا يجوز لأي احد الرجوع أو النقض للمعاملات السابقة.
إلا أن ذلك لا يخلو من إشكال لوضوح رجوع الضمير إلى خصوص الورثة، لأنه يقول في الصحيحة: “وليس لهم أن يرجعوا عما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم”. بعد وضوح رجوع كل الضمائر إلى مرجع واحد، وهو الورثة دون سواهم.
نعم، يمكن القول بإمكان التجريد عن الخصوصية، باعتبار: انه لو ثبت جواز النقض لأحد لثبت لهؤلاء الورثة، فحين انتفى عنهم بنص الرواية، انتفى عن غيرهم بطريق أولى.
وعلى أي حال، فالعمدة في نفي هذه الولاية على جواز النقض هو عدم
ــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الدليل عليه، مع جريان أصالة عدمها لدى الشك فيها.
ومعه فليس لثقاة المؤمنين أن ينقض بعضهم أفعال بعض فيما فعله بالولاية من المعاملات الشرعية وغيرها.
نعم، يمكن للآخرين إثبات أن هذا التصرف أو ذاك غير جامع للشرائط، أما لقصور فاعله عن الشرائط، كما لو لم يكن ثقة، أو لقصور المورد كما لو لم يكن ذا مصلحة. إذن، لا تكون المعاملة صحيحة. ومع الشك في صحتها تكون مجرى للأصول النافية للصحة كاستصحاب عدم انتقال المال عن مالكه الأول ونحوه.
ولا يعارضه أو يتقدم عليه التمسك بعمومات التجارة كقوله: (تجارة عن تراض منكم)، أو قوله: (أحل الله البيع)، وهذا منه فيكون صحيحاً، فليس لنا أن نحكم ببطلانه.
إلا أن هذا لا يتم لوضوح تقييد هذه المعلومات بدليل ارتكازي واضح بصدورها من المالك أو جهته كوكيله أو وليه. وأما إذا صدرت من غيره فلا تكون مشمولة لهذه العمومات جزماً، ومع الشك في ذلك يكون المورد من قبيل الشبهة المصداقية التي لا يمكن التمسك فيها بالعام.
وفي محل كلامنا إن ثبت أن المورد غير جامع للشرائط، فهو غير مشمول لهذه العمومات جزماً. بل يبقى على أصالة عدم الولاية. وان شككنا فيه، كان من قبيل الشبهة المصداقية للعموم، فيكون مجرى للأصول النافية للصحة، مما سبق أن ذكرناه.
ــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فصل اختلاف المقوّمين

قد يحصل أننا نسأل في السوق شخصاً عن قيمة شيء من الأشياء فيقول انه بدينار مثلا، ثم نسأل شخصاً آخر عن قيمته نفسه، فيقول انه بدينارين. فهذا هو اختلاف المقومين. والمقوم هو من يعرب عن القيمة ويبينها، والتقويم والتقييم، هنا بمعنى واحد.

وجه الحاجة إلى ذلك :
ونحتاج إلى ذلك فقهياً لإحراز مقدار ما اشتغلت به ذمة شخص لشخص آخر، من قيمة بعض الأعيان التالفة أو المنافع المستوفاة ونحوها.
فإننا لدى الشك لابد لنا من إقامة حجة كافية على القيمة كما لو أقمنا بينة كاملة (شخصين عادلين) تشهد بها. أو خبر ثقة كذلك، لو اكتفينا به في الشبهات الموضوعية.
فان اتفقت الآراء على القيمة عملنا عليها بلا إشكال. وان اختلفت، كان ذاك من اختلاف المقومين. ومن أوضحها أن بينة كاملة تشهد على هذه القيمة، وبينة كاملة تشهد على القيمة الأخرى.
وتعن الحاجة إلى ذلك، في صور اختلاف الأماكن والأزمان في التقييم. فإذا علمنا أن القيمة المطلوبة تارة واحدة وتارة قيمتين، وان الدال على ذلك من
ــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الحجج والبينات تارة واحداً وتارة أكثر، كانت الصور في ذلك عديدة، ناتجة من ضرب الاحتمالات بعضها ببعض.
فمن أمثلة الاختلاف في القيمة الواحدة:
أولا: أن تقوم البينة على أن قيمته في مكان كذا دينار وتقوم البينة على ان قيمته في مكان آخر بدينارين.
ثانياً: أن تقوم البينة على أن قيمته في زمان كذا بدينار وفي زمان آخر بدينارين. كما لو كان الزمانان هما زمان يوم القبض وزمان يوم التلف، أو زمان يوم القبض ويوم الأداء، أو زمان يوم التلف وزمان أعلى القيم، وهكذا.
ثالثاً: أن تقوم بينة على أن قيمة هذا الشيء سالماً كذا ومعيباً كذا.
رابعاً: أن تقوم بينة على أن قيمة هذا الشيء معيباً بعيب واحد قيمته كذا ومعيباً بعيبين كذا.
ومن أمثلة الاختلاف في القيمتين:
أولا: أن تقوم بينة على أن قيمته صحيحاً كذا ومعيباً كذا. وتقوم بينة أخرى على رقمين آخرين حال الصحة وحال العيب. كما لو كان الرقمان الأولان عشرة وثمانية والرقمان الآخران تسعة وسبعة وهكذا.
ثانياً: أن تقوم بينة على أن قيمته بعيب واحد كذا وبعيبين كذا، وتقوم بينة أخرى على رقمين آخرين. وهكذا.
ثالثاً: أن تقوم بينة على أن قيمته في نفسه كذا، وقيمته بعد زيادته المتصلة (كالسمن) كذا. وتقوم بينة أخرى على رقمين آخرين في نفس هذين الموردين.
ــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فإذا عطفنا بعض هذه الوجوه على بعض، فقد يحصل لنا الشك والتردد في أربع قيم تتردد بين احتمالات كما يلي:
أ. قيمته سالماً في مكان.
ب. قيمته معيباً في مكان آخر.
ج. قيمته معيباً في المكان الأول.
د. قيمته معيباً في المكان الثاني.
أو باعتبار تعدد الأزمان:
أ. قيمته سليماً في زمان يوم القبض.
ب. قيمته سليماً في زمان يوم التلف.
ج. قيمته معيباً في زمان يوم القبض.
د. قيمته معيباً في زمان يوم التلف.
فإذا عطفنا على ذلك اختلاف المقومين أو تضارب آرائهم، كانت الاحتمالات أكثر، كما لو فرض قيام بينتين متضاربتين على كل واحد من هذه الاحتمالات الأربعة في الأمكنة أو في الأزمنة. فتكون الاحتمالات ثمانية. لأننا يمكن أن نلتفت إلى أن الاحتمالات الأربعة، يمكن أن تعرب عنها بينة واحدة بدون تعارض، كما يمكن أن تقوم عليها أكثر من بينة، قد تكون اثنتين وقد تكون أكثر أيضا.
غير إن السؤال فقهياً لابد أن يفرض نفسه على الذهن من حيث الحاجة شرعاً إلى معرفة تعدد القيم. فهلّا سألنا عن قيمة واحدة في مكان محدد وزمان
ــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
محدد وحال محدد. وقلنا بضمان تلك القيمة، بحيث لا نحتاج إلى السؤال مرة أخرى، فما هو الدافع فقهياً إلى كثرة السؤال؟ لنتورط بكثرة الجواب.
ولذلك تبريراته ومسبباته الفقهية بطبيعة الحال.
أما اختلاف المكان، فكما لو اقترض شخص من آخر طعاماً في (بغداد)، ثم أراد ان يدفع إليه قيمته في (البصرة). فهل يدفعه بقيمة (بغداد) التي هي مكان الاقتراض، أو بقيمة (البصرة) التي هي مكان الأداء. مع افتراض اختلاف القيمة بين المكانين.
وأما اختلاف الزمان، فكما لو اقترض شخص طعاماً في شهر وأراد أداء قيمته في شهر آخر. وكانت القيمة السوقية قد اختلفت صعوداً أو هبوطاً في قيمة تلك المادة. فهل يؤدي القيمة باعتبار حالها في الشهر الأول الذي هو يوم القبض أو باعتبار حالها في الشهر الآخر الذي هو زمان الأداء.
وأما اختلاف الحال اعني من حيث السلامة من العيوب أو الاتصاف بها. فهذا مما نحتاج إليه فقهياً في تحديد ما يسمى بالارش وهو الفرق بين كون الشيء صحيحاً وكونه معيباً. فلابد من السؤال عن القيمتين وإقامة حجة شرعية (كالبينة) على كل منها. فان كانت البينتان متفقتين على القيمتين، فهو المطلوب بأن يكون الارش هو الفرق بينهما المعروف من طرح الأقل من الأكثر بوضوح.
وأما إذا اختلفنا في تسعير الصحيح والمعيب، فسوف تحصل مشكلة فقهية، لذا عقدنا هذا الفصل من اجلها، وستأتي تفاصيلها بمقدار ما هو المناسب لمستوى هذا الكتاب.
إلا إن السؤال قد يعن عما إذا كان من الضروري أن نسأل بينتين عن القيمتين. فلو سألنا بينة واحدة لما حدثت أية مشكلة فقهية.
والواقع انه لا يوجد أي مبرر فقهي لسؤال المتعددين، بحيث يكون هذا
ــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
السؤال ضرورياً أو واجباً فقهياً، فان المطلوب هو إقامة الحجة على قيمة الصحيح وقيمة المعيب. وهذا مما يحصل بوجود البينة الواحدة. غير أن وجود البينتين قد يحصل على أي حال، أما صدفة – كما يعبرون- وأما تعمداً من قبل البينة الثانية، وأما لأجل كثرة التأكد من قبل الشخص السائل، فبدلا من أن يحظى بزيادة التأكيد عن نفس القيمة، إذا به يواجه الاختلاف بين البينتين.
وعلى أي حال، فتعدد البينات واختلافها، ليس له مبرر فقهي أصلي. وإنما نتكلم هنا على تقدير حصوله، من باب انه ثبت فقهياً انه (ما من واقعة إلا ولها حكم) فان حصلت هذه الواقعة فماذا سيكون الحكم؟
وكذلك الحال فان ما اشرنا إليه من الاختلاف في الأزمان والأماكن في التقييم، أيضا لا مبرر له أو لا مبرر بالاعتناء به فقهياً. من حيث انه تابع للفتوى أو القاعدة العامة التي يفتي به الفقيه. فان قال بضمان قيمة يوم القبض كفاه السؤال عن قيمتها. وان قال بضمان قيمة يوم التلف كفاه السؤال عن قيمتها ولا حاجة إلى السؤال عن القيمة الأخرى.
وكذلك الحال في الأمكنة، فان قال الفقيه بضمان قيمة مكان التسليم كفته تلك القيمة، وان قال بضمان قيمة مكان القبض كفته تلك بدورها، ولا حاجة معه إلى السؤال عن كلتا القيمتين.
ومن هنا يتضح الفرق بين الارش وغيره من صور التقييم بقيمتين، ففي غير الارش، يكفينا ان نحدد القيمة التي تقول بها فتوائياً، بدون ان ننظر إلى القيمة الأخرى. بخلاف فكرة الارش، فإنها بنفسها تحتوي على النسبة بين قيمتين. وهي الفرق بين الصحيح والفاسد أو السليم والمعيب. فنحتاج إلى السؤال عن قيمتين أساساً.
إلا ان الاختلاف والتعارض بين المقومين أو قل: بين أدلة الأقيام موجود على أي حال، كما لو تعارضنا في مكان معين أو في زمان معين أو في صحيح
ــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أو في معيب. مما يحدث المشكلة الفقهية من جديد.
من حيث إننا هل نأخذ إحدى البينتين المتعارضتين دون الأخرى، أو نتخير بينهما، أو ان الأمر يصير إلى التعارض والتساقط، أو نصير إلى المعدل بينهما؟
غاية الأمر انه في صورة اختلاف الأمكنة والأزمنة سنحتاج إلى اخذ المعدل بين قيمتين فقط. وأما في صورة تعيين الارش فسوف نحتاج إلى اخذ المعدل بين أربعة قيم: وهو ما عقدنا لأجله هذا الفصل.
فان اخذ المعدل هو الأصح فقهياً على أي حال. لأن الاحتمالات الأخرى غير صحيحة، لأن اختيار إحدى البينتين اختياراً ترجيح بلا مرجح. حتى لو اختلفت بالعدد أو بالوثاقة، بعد كون الحجية متساوية فقهياً بينهما. كما أن الحكم بالتخيير فقهياً، مما لا دليل عليه، بعد شمول أدلة الحجية لكل منهما في نفسه. كما أن المصير إلى التعارض والتساقط، غير منتج، لأننا نكون بمنزلة من لم تقم لديه أية بينة. فنرجع إلى الحيرة من جديد. إذن، فخير الطرق في مثل ذلك هو المصير إلى اخذ المعدل. بعد التسليم بأن أدلة الحجية والصحة الفقهية شاملة لكلا الدليلين أو البينتين.
وبمقدار ما يكون استحصال المعدل سهلا في الرياضيات الحديثة، يكون مشكلة فقهية ورياضية في لغة الفقهاء القدماء من عدة جهات:
أولا: من حيث طريقة استنتاجهم للمعدل، بالطرق الرياضية القديمة، وأشهر من استخدمها من متأخري الفقهاء هو الشيخ الأنصاري(1) في (المكاسب)، في هذه المسألة بالذات. وهو أمر قد يؤدي إلى الغلط في الحساب لكثرة التفريعات والكسور بحيث لا يكاد يكون اخذ الناتج صحيحاً كاملاً، أمراً ممكناً.
ــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر: ص273 وما بعدها.
ثانياً: من حيث الفتوى بصحة الطريقة، كما سيأتي، فمثلا هل أن الأصح هو أن نستخرج المعدل بين المعدلين. بأن نأخذ معدل القيمتين للصحيح ومعدل القيمتين للمعيب ونخرج المعدل من المعدل.
أو أن الأصح أن نأخذ المعدل بين قيمتي الصحيح على حدة وقيمتي المعيب على حدة، ثم نخرج المعدل بين هذين المعدلين.
وهذا مما لا تختلف فيها الرياضيات القديمة عن الحديثة. كل ما في الأمر انه لابد من إقامة الدليل على صحة إحدى الطريقتين. لما سنجد من الاختلاف بين نتائجها أحياناً.
ثالثاً: باعتبار اختلاف الصور المفروضة في اختلاف التقييم. من حيث إن صور قيام البينتين على الصحيح والمعيب أربعة:
الصورة الأولى: اتفاقهما على قيمتي الصحيح وقيمتي المعيب. فيكون الارش في الفرق بينهما، وليست هذه الصورة من صور الاختلاف. وإنما يحصل الاختلاف في الصور الثلاثة التالية.
الصورة الثانية: اتفاق البينتين على قيمتي الصحيح واختلافهما في قيمتي المعيب. كما لو قالا إن الصحيح بعشرة وقالت إحداهما: إن المعيب بثمانية وقالت الأخرى انه بستة.
الصورة الثالثة: اتفاقهما على قيمتي المعيب مع اختلافهما في الصحيح كما لو قالا إن المعيب بخمسة، وقالت إحداهما إن الصحيح بثمانية وقالت الأخرى انه بعشرة.
الصورة الرابعة: اختلافهما في أقيام الصحيح والمعيب معاً. كما لو قالت إحداهما: إن الصحيح بعشرة والمعيب بثمانية وقالت الأخرى: إن الصحيح بثمانية والمعيب بستة، وهكذا.
ــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فكيف يكون اخذ المعدل بين هذه الاحتمالات؟
والعمدة في الكلام هو الصورة الرابعة، ومضمونها اختلاف كلتا البينتين في كلتا القيمتين. فينبغي تقديمها في الكلام، وبعد أن يتم إيضاحها، كما يلي، نتحدث عن تطبيق القواعد التي عرفناها فيها على غيرها من الصور.
كما أن المهم هو الجهة الثانية من هذه الجهات الثلاثة الأخيرة، دون الجهة الأولى. لأن الأخذ من هذه الناحية بالرياضيات القديمة أسلوب محير وغير منتج للنتيجة المطلوبة. فينبغي إهماله تماماً في هذا الصدد.

طرق الاستخراج :
وطرق الاستخراج المحتملة في الصورة الرئيسية التي ذكرناها عديدة أهمها طريقتان:
الطريقة الأولى: ما عليه المشهور ومال إليه الشهيد الثاني في (الروضة)(1) والشيخ الأنصاري في (المكاسب)(2) وقالوا – واللفظ للشهيد الثاني في الروضة -: ان تجمع القيم الصحيحة على حدة والمعيبة كذلك، وتنسب إحداهما إلى الأخرى ويؤخذ بتلك النسبة.
أقول: ففي مثال الصورة الرابعة السابقة نجمع قيمتي الصحيح:
10 + 8 = 18
ونجمع قيمتي المعيب 8 + 6 = 14
ثم نعمل كسراً نجعل في بسطه العدد الأقل الذي هو قيمة المعيب.
ــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الروضة: ج3 ص476.
(2) نفس المصدر السابق والصفحة.
ونجعل في مقامه العدد الأكثر الذي هو قيمة الصحيح.
هكذا وبالاختصار فيكون الارش بمقدار كسر القيمة المسماة في العقد، فلو كانت تلك القيمة ثلاث وستون ضربناها بهذا الكسر وعملنا بالناتج.
63 × = 49 وهو المطلوب.
الطريقة الثانية: وهي تنسب إلى الشهيد الأول كما في (الروضة)(1) و(المكاسب)، وان لم تثبت له هذه النسبة، كما صرحوا في هذين المصدرين أيضا.
وحاصلها: – بلفظ (الروضة)(2) أيضا-: أن يُنسب معيب كل قيمة إلى صحيحها ويجمع قدر النسبة ويؤخذ من المجتمع بنسبتها.
وتطبيقها على نفس المثال: أن نجمع قيمة الصحيح مع قيمة المعيب، وهما القيمتان اللتان أعربت عنهما إحدى البينتين.
10 + 8 = 18
ونجمع قيمتي الصحيح والمعيب التي أعربت عنهما البينة الثانية:
8 + 6 = 14
ثم نعمل كسراً منهما كما سبق وتكون النتيجة هي السابقة نفسها.
كل ما في الأمر أننا ينبغي أن نلتفت إلى أن النتيجة هنا يمكن أن تكون كسراً ويمكن أن تكون عدداً صحيحاً، وذلك باختلاف الموارد المختلف عليها، كما في الموردين الآتيين:
ــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر المصدر السابق والصفحة.
(2)الصفحة 478.
المورد الأول: أن يكون الاختلاف في القيمة السوقية المضمونة للغاصب مثلا، حيث غصب شيئاً واستعمله فقلَّت قيمته، فيجب عليه ضمان الارش، فعندئذ نحتاج إلى تسعيره بالقيمة السوقية كرقم صحيح، لا نحتاج معه إلى كسر.
فنرجع في المثال إلى معدل النتيجتين السابقتين، لاستخراجه.
هكذا: 18 + 14 = 32 ثم نقول:
32 ÷ 2 = 16 وهو المطلوب.
المورد الثاني: أن يكون الاختلاف في المقدار المضمون من الثمن المسمى في العقد، وهو المثال المتعارف لدى الفقهاء.
فلابد لنا عندئذ أن نستخرج كسراً يمثل نسبة القيمة السوقية، ثم نطبق هذا الكسر على الثمن المسمى في العقد. كما سبق أن عملناه.
واختلاف هذين الموردين يجعل الفكرة مجملة في أذهان شُرّاح ومدرسي المتون الفقهية الأصلية، حيث يكون الأمر مذبذباً بين الكسر والعدد الصحيح.
وقال في الروضة(1): وفي الأكثر يتحد الطريقان. وقد يختلفان في يسير، كما لو قالت إحدى البينتين أن قيمته اثني عشر صحيحاً وعشرة معيباً والأخرى ثمانية صحيحاً وخمسة معيباً. إلى آخر ما قال.
أقول: أما صور الاتحاد بين الطريقين فقد سبق مثاله. وهذا مثال صور الاختلاف: فإذا طبقنا الطريقة الأولى جمعنا قيمتي الصحيح:
12 + 8 = 20
وقيمتي المعيب 10 + 5 = 15
ــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الصفحة 480.
فان أردنا المورد الأول للنتيجة أخذنا المعدل بين الناتجين:
20 + 15 = 35
35 ÷ 2 = 17.5 وهو المطلوب.
وان أردنا المورد الثاني للنتيجة عملنا كسراً منهما وطبقناهما على القيمة المسماة في العقد. هكذا:
= فإذا كان الثمن اثنى عشر ضربناه بها.
12 × = 9 من القيمة المسماة وهو المطلوب.
وأما على الطريقة الثانية: فنجمع قيمتي الصحيح والمعيب معاً:
12 + 10 = 22
و 8 + 5 = 13
فان أردنا نتيجة المورد الأول عملناها:
22 + 13 = 35
35 ÷ 2 = 17.5 وهو المطلوب.
إذن، فالطريقتان متحدتان في النتائج على المورد الأول. وليس كما أشار الشهيد الثاني من وجود الاختلاف. وإنما نظرة إلى الاختلاف في المورد الثاني.
فإننا إذا نظرنا إلى المورد الثاني عملنا كسراً من الناتجين:
فإذا كان الثمن المسمى في العقد اثني عشر، ضربناه بهذا الكسر:
12 × = 57.090 وهي نتيجة مختلفة عما سبق بحوالي (2) عددين صحيحين.
ــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثم قال في الروضة: ولو كانت ثلاثاً فقالت إحداهما كالأول والثانية: عشرة صحيحاً وثمانية معيباً، والثالثة: ثمانية صحيحاً، وستة معيباً… إلى آخر ما قال.
فطبقاً للطريقة الأولى نجمع الأقيام الصحيحة الثلاثة وهي: 12، 10، 8 فيكون المجموع ثلاثون، كما نجمع الأقيام المعيبة كلها وهي: 10، 8، 6 فيكون المجموع أربع وعشرون، ثم طبقاً للمورد الأول نأخذ المعدل بين الناتجين24 + 30 = 54، 54 ÷3 =
1/3 21 وطبقاً للمورد الثاني نجعل كسراً كما يلي = .
وإما طبقاً للطريقة الثانية، فنجمع كل صحيح إلى معيبه:
12 + 10 = 22
و 10 + 8 = 18
و 8 + 6 = 14
وعندئذ ففي المورد الأول نجمعها ونأخذ المعدل منها:
22 + 18 + 14 = 54، 54 ÷ 3 = 18.
وأما في المورد الثاني فلا يمكن الاستخراج لوجود عدة أرقام، لا رقمين لنعمل منهما كسراً يمثل النسبة. وبهذا تفضل طريقة المشهور على طريقة الشهيد الأول. مع العلم إن الحاجة إلى المورد الثاني أكثر، ونظر المشهور إليه أكثر، وقد رأينا انه على الطريقة المشار إليها لا تنتج أية نتيجة. وأولى منه بالبطلان ما إذا تعددت البينات في التفاصيل الآتية.
في حين رأينا على الطريقة الأولى، يكون كلا الموردين صحيحين وناجحين، مهما كان عدد البينات.
ــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
هذا مختصر التوضيح فيما إذا اختلفت البينتان في الصحيح والمعيب معاً. وينبغي أن يقع الكلام فيما يلي في ما إذا اتفقت البينتان على قيمة الصحيح واختلفتا في قيمة المعيب. ثم نتكلم عن صورة العكس، وهو ما إذا اتفقتا على قيمة المعيب واختلفتا في قيمة الصحيح، مع محاولة تطبيق الطرق والموارد السابقة بنفسها.
قال في الروضة(1): ولو اتفقت (يعني البينتين) على الصحيحة كاثني عشر دون المعيبة، فقالت إحداهما: عشرة وقالت الأخرى: ستة. إلى آخر ما قال. فهنا عندنا رقم أكيد تتفق عليه البينتان وهو قيمة الصحيح، لا نحتاج فيه إلى استخراج معدله. وإنما يختلفان في قيمة المعيب فقط.
فإذا أردنا تطبيق الطريقة الأولى المشهورية أمكن لها أسلوبان:
الأسلوب الأول: جمع القيمتين المعيبتين، مع مضاعفة قيمة الصحيح.
12 + 12 = 24 لقيمة الصحيح.
10 + 6 = 16 لقيمة المعيب.
فان أردنا المورد الأول أخذنا معدل النتيجتين، هكذا:
24 + 16 = 40، 40 ÷ 2 = 20 وهو المطلوب.
وان أردنا المورد الثاني عملنا الكسر الاعتيادي فيكون بالاختصار . فيرجع بثلثي الثَمن فان كان الثَمن اثني عشر 12 × = 8وان كان الثمن ستين
60 × = 40 وهكذا.
الأسلوب الثاني: إخراج معدل القيمتين المعيبتين، وملاحظتها مع قيمة
ــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الصفحة: 490.
الصحيح بدون تضعيف، كالذي سبق.
10 + 6= 16، 16 ÷ 2 = 8 وهو معدل قيمة المعيب.
فان أردنا المورد الأول أخذنا معدل النتيجة مع الرقم الصحيح.
هكذا: 12 + 8 = 20
20 ÷ 2 = 10.
وان أردنا المورد الثاني عملنا الكسر الاعتيادي منهما: فيكون بالاختصار , وهو نفس النتيجة طبقاً للأسلوب الأول.
إلا ان المورد الأول يختلف في الأسلوبين.
هذا كله إذا مشينا على الطريقة الأولى المشهورية.
أما الطريقة الثانية المنسوبة إلى الشهيد الأول، فنجمع قيمتي الصحيح والمعيب بغض النظر عن اختلافهما.
12 + 10 =22
12 + 6 = 18
فان أردنا نتيجة المورد الأول، أمكننا استخراج المعدل من هاتين النتيجتين هكذا:
22 + 18 = 40 ، 40 ÷ 2 = 20 وهو المطلوب.
وان أردنا نتيجة المورد الثاني عملنا الكسر الاعتيادي من نتيجتي العمليتين السابقتين: وبالاختصار يساوي وهو أكثر من الثلثين اللذين نتجا عن الطريقة المشهورية السابقة.
:
ــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وهذا يعني بوضوح ان النتيجة هنا تختلف عن الطريقة الأولى بكِلا أسلوبيها.
ثم قال في الروضة(1): ولو انعكس بأن اتفقتا على الستة معيباً وقالت إحداهما: ثمانية صحيحاً والأخرى عشرة إلى آخر ما قال.
فان أردنا تطبيق الطريقة الأولى، كان لذلك أسلوبان أيضا:
الأسلوب الأول: من سنخ الأسلوب الأول السابق: بأن نجمع الرقمين المختلف فيهما ونضاعف الرقم المتفق عليه.
6 × 2 = 12
10 + 8 = 18
فان أردنا نتيجة المورد الأول أمكننا أيضا استخراج المعدل من هذين الرقمين: 18 + 12 = 30
30 ÷ 2 = 15 وهو المطلوب.
وان أردنا نتيجة المورد الثاني عملنا منهما كسراً. هكذا:
=
الأسلوب الثاني: سنخ الأسلوب الثاني السابق. اعني بإخراج معدل القيمتين المختلف فيهما وهما هنا قيمة الصحيح.
8 + 10 = 18، 18 ÷ 2 = 9
فان أردنا نتيجة الأسلوب الأول استخرجنا المعدل بين هذه النتيجة والرقم المعيب المتفق عليه.
ــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الصفحة: 493.
6 + 9 = 15
15 ÷ 2 = 7.5
وان أردنا نتيجة الأسلوب الثاني عملنا الكسر كما سبق.
=
وان أردنا تطبيق الطريقة الثانية المنسوبة إلى الشهيد الأول، جمعنا قيمتي الصحيح والمعيب بالرغم من اختلافهما.
8 + 6 = 14
10 + 6 = 16
فان أردنا الأسلوب الأول عملنا المعدل لهما:
14 + 16 = 30
30 ÷ 2 = 15 وهو المطلوب.
وان أردنا الأسلوب الثاني عملنا كسراً منهما:
=
وهو يختلف عن نتيجة الأسلوب الثاني للطريقة السابقة.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أن الكسور التي تحصل لدى تطبيق الأسلوب الثاني بأي شكل أو طريقة من الطرق السابقة. يمكن أن يراد به احد أمرين من حيث إننا قلنا فيما سبق أن هذا الكسر ينبغي تطبيقه على القيمة المسماة في العقد، فيؤخذ منها على غراره أو يسترجع البائع من المشتري بمقداره.
إلا أن هذه العبارة قابلة لتفسيرين، من حيث أن هذا الكسر الناتج هل يمثل ملكية البائع أو ملكية المشتري. يعني هل هو المقدار الذي ينبغي أن يبقى عند
ــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
البائع ويأخذ المشتري الباقي عنه، أو هو الذي يأخذه المشتري ويبقى الباقي لدى البائع.
وقد سبق أن قلنا أن القيمة المسماة لو كانت (12) ديناراً مثلا فنقسمها على الكسر الناتج. وقد رأينا انه أحياناً و أحياناً ونحو ذلك.
12 × = 9 أو 12 × = 8 وهكذا.
وعلى أي حال سنكون مسؤولين عن استخراج الباقي أما بهذا الطريقة:
= –
12 × = 3 12 × = 4
أو بهذه الطريقة:
12 – 9 =3 أو 12 – 8 = 4.
والنتيجة هي نفسها على أي حال.
ومن الظاهر أن النتيجة الحاصلة من الأسلوب الأول هي من استحقاق البائع ويكون ارش العيب الذي هو استحقاق المشتري متمثلا بالفرق بين مجموع القيمة وهذا الكسر. أي أن المشتري يرجع على البائع بربعها لا بثلاثة أرباعها. أو بثلثها لا بثلثيها. إلى غير ذلك من الأمثلة.
يبقى الكلام في ما ينبغي أن يختاره الفرد عندما تكون الطرق السابقة مختلفة في نتائجها. فإنها إن اتحدت في النتائج أوجبت الاطمئنان بالصحة، وأما إذا اختلفت، فسيحصل هناك شك وتردد في إتباع أي من النتيجتين أو النتائج. وقد يذهب بهذا الفرق مال كثير. وقد يحصل اختلاف بين الفردين المتنازعين من حيث أن كلا منهما يريد النتيجة التي تكون أصلح له مالياً. ــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وهكذا. وهذا ما لم يتعرض له الفقهاء أصلا في ما حصلت عليه من المصادر.
إذن، فلابد من تعيين الأسلوب الفقهي الذي يفض به هذا النزاع.
ويتلخص ذلك في احد وجوه:
الوجه الأول: أن نعمل بإحدى الطريقتين دون الأخرى، وذلك بتفضيل الطريقة المشهورية والإعراض عن الطريقة الثانية، لما رأيناه فيها من الضيق والتخلف عن كل صورة المسألة واحتياجاتها.
وعندئذ نقول: إن الطريقة الواحدة ليس فيها نتائج متعارضة، بل نتائجها واحدة لا محالة، فيرتفع الإشكال.
وجواب ذلك من وجوه أهمها:
أولا: إن هذا التفضيل إن كان لمجرد تخلف الطريقة الثانية عن بعض الصور، فهذا غير كاف في الإقرار بصحتها فيما يمكن جريانها فيه من المسائل. ما لم يعد الإعراض عنها إلى وجه آخر آت.
ثانياً: انه يمكن القول إن الاختلاف ثابت حتى في الطريقة الواحدة. وذلك: إننا عرفنا موردين لتطبيق كل طريقة من الطريقتين ومن المعلوم اختلاف نتيجة كل مورد عن الآخر، بحيث يمكن القول بتهافتهما إذا قارنا بينهما بالدقة.
ويكفي أن نلتفت إلى أن الناتج في المثال الرئيسي السابق كان في المورد الأول 17.5 في حين كان في المورد الثاني 9.
إلا أن هذا بمجرده ليس وجهاً للاختلاف حقيقة، لما سبق من افتراض أن يكون الثمن (12) فنتج الرقم (9). ولو كان الثمن رقماً آخر، لكان الناتج شيئاً آخر، وهذا لا يضر بصدق نفس القاعدة الرياضية.
الوجه الثاني: تفضيل الطريقة المشهورية، باعتبار كونها اقرب إلى الفهم
ــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
العرفي. باعتبار ملاحظتها للقيمة الصحيحة مستقلا أو معزولا عن القيمة المعيبة. سواء في صورة اختلاف البينتين أو اتحادهما في إحداهما. وهو أفضل عرفاً من دمج القيمتين الصحيحة والمعيبة وجمعهما في عملية رياضية واحدة.
غير إن هذا الوجه قابل للمناقشة من حيث عدم وضوح التفضيل العرفي في الذهن. مضافا إلى ان الاستخراجات الرياضية هي أمور دقية دائماً لا يمكن السؤال من العرف عنها أصلا. نعم، لو كان للعرف مجال فيه لكانت الطريقة الأولى اقرب إلى ذوقه، كما لا يبعد.
الوجه الثالث: استغفال المتخاصمين وبيان إحدى الطريقتين لهما دون الأخرى، بحيث يحسبان أنها هي الوحيدة، فلا يحصل التخاصم بعد ظهور النتائج.
إلا إن هذا الوجه لا يتم أيضا، لأن إخفاء الطريقة، لا يعني عدم استحقاق الطرق لنتائجها بينه و بين الله سبحانه. فان كان الذي تسبب إلى إخفائها وغفلة الثاني عنها هو احد المتخاصمين. إذن، فقد غشه في الخصومة، فيكون ضامناً للفرق إن وجد، وان كان يغره فقد كان غاراً لهما وضامناً لما يفوت عليهما.
الوجه الرابع: التراضي بينهما على احد الطريقتين أو الطرق الموصلة إلى النتائج قبل محاولة الاستخراج منها. وهذا يؤدي إلى أن الطريقة الأخرى إن كانت شاغلة للذمة. فان الخصم يسقط ما في ذمة صاحبه من هذا الشغل، أياً كان مقداره أمام الله سبحانه.
وهذا وجه لطيف، إلا انه موقوف على حصول التراضي على أي حال، فيبقى مورد عدم حصوله مفتوحاً للمشكلة ذاتها. ومع حصول التراضي لا يختلف الحال بين حصوله قبل الاستخراج أو بعده. وان كان حصوله قبل الاستخراج. اعني مع الجهل بالنتائج أسهل من الناحية النفسية.
ــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الوجه الخامس: إهمال الفرق بين نتيجتي الطريقتين باعتبار كونه بسيطاً جداً لا يعدو كونه كسراً بسيطاً يقبح ذكره اقتصادياً فضلا عن التخاصم عليه، بحيث لو تنازل الآخر ودفعه لم يكن خاسراً عرفاً.
وهذا وجه لطيف أيضا، لو كانت النتائج على هذا الغرار. إلا أن الفروق قد لا تكون أحياناً قليلة، بل قد تصعد إلى آلاف أو ملايين الدنانير. كما هو المفروض عند عرض السؤال، حين قلنا انه قد تذهب به أموال كثيرة ويستمر بها التخاصم.
الوجه السادس: إخراج المعدل الرياضي بين نتيجتي الطريقتين مع استمرار التخاصم بين الخصمين. فإنها جميعاً مبنية على استخراج المعدلات بين الأرقام المتعددة المشكوكة، بحيث نفهم ان أي رقمين مشكوكين لابد من استخراج معدلهما. إذن، فقد أصبحت نتائج الطرق الآن مشكوكة، فلا حل لها إلا بإخراج معدلاتها.
وهذا هو الطريق المنحصر، مع عجز الوجوه السابقة عن التأثير. نعم، لو تم بعضها كاختيار إحدى الطريقتين عقلاً أو عرفاً أو تراضياً، لم يلزم الوصول في الحل إلى هذا الوجه كما هو واضح.

طرق أخرى :
لا ينبغي لنا، ونحن بهذا الصدد أن نقتصر على ذكر ذينك الطريقتين المشهورتين للاستخراج، حيث ذكرنا في أول الفصل أن هناك طرقاً عديدة محتملة، فالآن نذكر أهم ما هو محتمل بشيء من الاختصار مع محاولة تطبيق النتائج على ما سبق من أمثالها.
ونذكرها الآن بنفس الترقيم السابق:
ــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الطريقة الثالثة: طرح الصحيح من المعيب في كلا البينتين المتعارضتين، ثم استخراج النسبة بين النتيجتين. ونطبق ذلك على المثال السابق المشترك بين الطريقتين السابقتين. وهو ما إذا قالت إحدى البينتين عشرة وثمانية وقالت الأخرى ثمانية وخمسة هكذا.
10 – 8 = 2 ، 8 – 5 =3
فيكون الكسر أو نستخرج المعدل بينهما:
2 + 3 = 5 ، 5 ÷ 2= 2.5
حسب الحاجة إلى الاستخراج في الموردين السابقين.
الطريقة الرابعة: أن تجعل من الرقمين الصحيح والمعيب الواقعين في لسان بينة واحدة، كسراً، ثم نستخرج المعدل بين الكسرين:
هكذا:
، ثم نوحد المقامين: ،
= + ثم نقسم النتيجة على اثنين أو نضربهما في هكذا:
÷ 2 =
ثم نطرح هذا الكسر من العدد الصحيح:
= – = وهو المطلوب
الطريقة الخامسة: أن نفهم طريقة الشهيد الأول فهماً آخر لأنه قال عنها في الروضة(1): أن ينسب معيب كل قيمة إلى صحيحها ويجمع قدر النسبة ويؤخذ
ــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) ص478.
من المجتمِع بنسبتها.
فنجعل من كل صحيح مع معيبه كسراً ثم نجمع الكسرين ويكون هو الكسر المطلوب نفسه. هكذا:
= + = + وبالاختصار
وهو كسر لفظي يتحول إلى عدد كسري = 1
الطريقة السادسة: أن نقدم فهما آخر لنفس الطريقة: بأن نطرح الكسرين المشار إليهما من بعضهما البعض، ويكون الناتج هو الكسر المطلوب. هكذا:
= = –
وواضح من كل الطرق اختلافات النتائج اختلافاً عظيماً، وضيق إمكانية التصرف والتفكير فيها. كما لو أردنا استخراج كلا الموردين السابقين مما استخرجناه على الطريقتين الأوليتين.
ولا شك انه تبقى للطريقتين الأوليتين قدمتهما وأهميتهما وبخاصة الطريقة الأولى المشهورية، التي رأيناها تستوعب كل الحاجات والموارد. ويمكن استخراج أدنى الكسور الضئيلة المختلف عليها بها. مضافا إلى عدم وضوح الدليل فقهياً ورياضياً على أمثال هذه الأساليب المذكورة في الصور الأخيرة.
ــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فصل الشعر فقهياً

يستعمل لفظ الشعر ويراد به الكلام الموزون المقفى، ولا شك أن هذا هو المعنى المتسالم على صحته منذ عدة قرون من السنين.
غير أن الأصل في ذلك هو أن هذا الكلام هو النظم، حيث يقال: نظمت الشعر ونظمت الخرز أي جمعتها في السلك، ويراد به ترتيب الكلام طبقاً للوزن والقافية، والنظام والتنظيم هو التأليف والترتيب. فإن ألّف بين الكلمات ورتبها فقد نظمها، ومن هنا أُطلق التأليف على كتابة الكتب وعلى كتابة الشعر أيضا في اللغة الحديثة.
أما الشعر فهو من الشعور وهو الإحساس. يقال: شعرت به واستشعرت به إذا أحسست به، وكل كلام يعبر عن الشعور والأحاسيس النفسية أو يكون سبباً لإثارتها، فهو شعر. سواء كان منظوماً أو منثوراً. ومن هنا قالوا: الشعر المنثور، فانه شعر من زاوية كونه ممثلا للشعور والأحاسيس.
ومن هنا نعلم إننا لماذا نقول: نظمت الشعر؟ أي إنني أخذت الكلام المعبر عن الأحاسيس والشعور فجعلته منظوماً يعني موزوناً ومقفى. فأصبح الكلام متصفاً بكِلا الناحيتين اعني الوزن والأحاسيس معاً.
ومن هنا يمكننا أن نلتفت إن بين مفهوم النظم ومفهوم الشعر نسبة العموم من وجه. من حيث أن المورد يمكن تقسيمه إلى أربعة أقسام:
ــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
القسم الأول: ما يكون منظوماً يعني موزوناً ومقفى، مع كونه معبراً عن الأحاسيس والشعور النفسي. فهو الشعر المنظوم.
القسم الثاني: ما يكون منظوماً بالوزن والقافية، إلا انه لا يعبر عن الأحاسيس بل عن بعض الجهات العلمية ونحوها، كالتاريخ أو النحو أو غيرهما. وهو النظم وليس هو بشعر لفقدانه جانب الشعور. وان سميناه شعراً. إلا إن هذا الاستعمال مجاز في الأصل. وان أصبح حقيقة بعد ذلك.
القسم الثالث: ما كان معبراً عن الأحاسيس من دون نظم وقافية، وهو الشعر المنثور أو النص الأدبي ونحوه. وهو ليس في مصطلح الناس بشعر. إلا انه في اللغة الأصلية كذلك.
القسم الرابع: ما كان فاقداً لكلا الجهتين يعني الإحساس والوزن. وهو كل كلام اعتيادي بليغاً كان أم اعتيادياً.
ومن هنا نعرف أن الاستعمال الأعمق للشعر يتبع الشعور سواء كان منظوماً أم لا. والاستعمال الأعمق للنظم يتبع الوزن والقافية سواء كان فيه شعور أم لا. إلا أن الاستعمال الغالب للشعر هو في النظم عموماً. وان كان لا يخلو من تسامح على أي حال.
قال ابن منظور(1): والشعر منظوم القول. غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية. وان كان كل علم شعراً. من حيث غلب الفقه على علم الشرع والعود على المنجل، والنجم على الثريا. ومثل ذلك كثير. وربما سموا البيت الواحد شعراً حكاه الاخفش. قال: ابن سيدة: وهذا ليس بقوي إلا أن يكون على تسمية الجزء باسم الكل كقولك الماء للجزء من الماء والهواء للطائفة من الهواء والأرض للقطعة من الأرض.
ــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر: لسان العرب. مادة شعر.
وقال الأزهري: الشعر القريض المحدود بعلامات لا يجاوزها والجمع أشعار، وقائله شاعر، لأنه يشعر ما لا يشعر غيره، أي يعلم. ورجل شاعر والجمع شعراء.
وقال أيضا(1): والقريض الشعر، وهو الاسم كالقصيد. والتقريض صناعته. وقيل: في قول عبيد بن الأبرص: حال الجريض دون القريض. الجريض الغصص والقريض الشعر. وهذا المثل لعبيد بن الأبرص قاله للمنذر حين أراد قتله فقال له: أنشدني من قولك. فقال له عند ذلك: حال الجريض دون القريض.
ولم يبين ابن منظور سبب تسميته بالقريض. فكأنه من المشترك اللفظي من حيث وضع المادة للقطع تارة، ومنه المقراض وهو المقص. وللدّين أخرى ومنه قوله تعالى: إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، وللتجارة أخرى وهو القراض والمقانصة وهي المضاربة. وللشعر رابعة. وهو القريض.
غير ان المظنون ان جميعها بنحو الاشتراك المعنوي، واصلها من القرض بمعنى القطع. فان اقتطعت من أموالك شيئاً وأعطيته لغيرك ليعمل به فهو القراض وهو المضاربة. وان أعطيته لغيرك بإزاء اشتغال الذمة به، فهو القرض وهو الدين. وان اقتطعت من كلامك قطعة فجعلتها موزونة مقفاة فهو القريض وهو الشعر. كما أن لو اقتطع الفأر قطعة من الثوب أو من الطعام فأكلها فقد قرضها. وهكذا.
والشعر أيضا اصطلاح في علم المنطق باعتباره إحدى الصناعات الخمس هناك وهي: صناعة البرهان وصناعة الخطابة وصناعة المغالظة وصناعة الجدل وصناعة الشعر، وهي ليست شعراً بالمعنى المفهوم، وإنما سميت بذلك لكونه
ــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر المصدر: مادة قرض.
مكوناً من مقدمات وقضايا مثيرة للعاطفة والشعور، كالحزن أو الفرح أو الغضب أو الرضا أو غيرها. وعلى أي حال فهي خارجة عن محل الكلام وإنما اشرنا إليها للتنبيه فقط.
مرجوحية الشعر :
هناك من الأدلة الشرعية ما يدل على مرجوحية الشعر، وكراهته والتنفير منه. ويمكن الاستشهاد على ذلك من الكتاب الكريم والسنة الشريفة.
أما من الكتاب الكريم فقوله تعالى في سورة الشعراء(1): هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ(227).
ويمكن الاستدلال بهذه الآية من عدة جهات على المطلوب:
الجهة الأولى: قوله تعالى: وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. من حيث ان الغواية ضد الهداية. ومن يتبعه الغاوي فهو أولى بالغواية واشد فيها. وحيث ان (الشعراء يتبعهم الغاوون). إذن، فالشعراء اشد من الغاوين في غوايتهم. وليس لهم صفة تكون سبباً لذلك إلا كونهم شعراء. إذ لو كانت صفة أخرى هي السبب لذكرها، مع إن هذه هي الصفة الوحيدة المذكورة.
وهذا أهم استدلال بالآية الكريمة على ذم الشعر وكراهته. ولكن يمكن المناقشة فيه من عدة وجوه نذكر أهمها:
ــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الشعراء: 221-227.
الوجه الأول: إن موضوع الذم في الآية هم الشعراء. فان كان المراد منهم من ينظم الشعر، ثم الاستدلال من هذه الناحية. ولكننا عرفنا قبل قليل: إن الاستعمال الغالب للفظ الشاعر والشعراء، وان كان كذلك، إلا أن الواقع إن الشعر ما يرجع إلى العواطف النفسية والخلجات القلبية، سواء كان الكلام منظوماً أم منثوراً. ولا ربط له بالنظم ربطاً حقيقياً. إذن، فيختص موضوع الآية بمن يكثر شعوره النفسي لا من يكثر نظمه للشعر.
فإن قيل: إن اغلب الشعر مليء بالشعور النفسي، فيكون مصداقاً من الآية ومشمولا للذم.
قلنا: كلا، لأن العمدة في هذا الجواب إن النظم بما هو نظم ليس هو موضوع الآية بل الشعور النفسي سواء كان منظوماً أم منثوراً، بل حتى لو كان داخل النفس ولم يبينه صاحبه بأي كلام، وهذا معنى غير معنى الشعر المتعارف.
فإن قيل: إن الأحاسيس النفسية والخلجات القلبية ليست كلها مذمومة بل فيها ما هو حق وصحيح. فلماذا تكون مذمومة في الآية.
قلنا: لا. فان المذموم فيها ما هو باطل، لا ما هو حق بدليل قوله تعالى: يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. وغير ذلك. حتى لو كان لها شمول وإطلاق لكلا القسمين أمكن إخراج العواطف المحقة من تحت الذم باليقين بحسب أدلتها التي تخصص إطلاق الآية الكريمة.
الوجه الثاني: إن الغواية وان كانت في اللغة ضد الهداية، إلا أننا يمكن أن نحمل معناها على معنى العواطف الجياشة والحماس المتزايد لأي أمر من أمور الدنيا والآخرة. فلا يتعين إرادة الضلال منها. بل لا اقل من أن يكون هناك إطلاق شامل لكلا الشكلين من العاطفة، كالإطلاق الذي ذكرناه من الشعراء نفسه. بل سيكون لفظ الشعراء بمنزلة القرينة المتصلة على هذا الفهم.
ومن المعلوم أن ذوي العواطف الضالة يتبع بعضهم بعضاً وذوي العواطف
ــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المحقة يتبع بعضهم بعضا. ولا يتعين في الآية مجرد الإتباع على الضلال.
الوجه الثالث: إننا لو تنزلنا وقبلنا اختصاص الغواية بالضلال، فهذا لا يلازم أن الشعراء يكونون اشد غواية ممن يتبعهم من الغاوين كما ذكرنا في أصل الاستدلال من هذه الجهة.
وما ذنب الفرد إذا اتبعه شخص ضال؟ فان الآية بالتأكيد خالية من الإشارة إلى إن اتباع الغاوين للشعراء إنما هو على الغواية والضلال. بل ظاهرها اتباعهم على الشعر وهو العاطفة، وقد عرفنا انه شامل للعاطفة الصحيحة والعاطفة الباطلة، وغير مختص بالباطلة لا محالة.
الجهة الثانية: من الاستدلال بالآية الكريمة للمطلوب. قوله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) الخ.
فقد ألحقت الآية فعل الشعراء بالشياطين ونسبته إلى الافك والإثم والكذب. وحسب الشعراء مسبة بذلك.
ويمكن الجواب على ذلك بوجوه نذكر أهمها:
الوجه الأول: انه يمكن التأكيد بوضوح على عدم ارتباط هذه الفقرة السابقة على (الشعراء) بالشعراء أنفسهم. بل هو حديث مستقل عن الشياطين وأتباعهم من الآثمين. ثم يبدأ حديث جديد مستقل عن الشعراء وأتباعهم من الغاوين. ولا ربط لصدر الآية بذيلها.
الجواب الثاني: إننا حيث عرفنا ونعرف: أن الشعر سواء أردنا به النظم أو العاطفة، فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل. فمن المعلوم أن الشياطين لا تتنزل إلا على ما هو باطل دون ما هو حق. وانه ليس الحق منه إثماً ولا إفكاً ولا كذباً. فمن الممكن بل اللازم تقييد الآية الكريمة بغير ذلك.
ــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الجهة الثالثة: من الاستدلال بالآية الكريمة: قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ , وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ.
فقد نسبت إلى الشعراء أمورا باطلة يفعلونها غالباً أو عادة. واستدلت لوجودها بالوجدان، حين قالت: (ألم تر)، يعني أن هذا أمر مرئي ومشاهد وجداناً من كل الشعراء.
والمهم منها أمران:
الأمر الأول: أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. والمراد من الوديان وديان الأفكار والمعاني وليس الوديان الأرضية. وتلك الوديان إما ان يراد بها خصوص الوديان الباطلة أو ما يشمل الحق والباطل. وكلاهما فعل باطل. إذ لا يحق للفرد ان يفكر تفكيراً باطلا لا قليلا ولا كثيراً.
الأمر الثاني: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ. وهذه المفارقة بين القول والفعل من المآثم والمفاسد، ولا شك أن الفضيلة في ضدها وهو اتحاد مضمون القول مع الفعل.
والجواب على الاستدلال بهذه الجهة أمور، نذكر أهمها:
الوجه الأول: إن ظاهر الوديان هو الوديان الأرضية وليس الوديان الذهنية، فان الأول حقيقة والآخر مجاز. ويتعين حمل اللفظ على المعنى الحقيقي.
إذن، فهم يهيمون في الوديان الأرضية. وليس هذا بأمر باطل على أي حال، بل لا شك أن وجوهاً عديدة من هذا الهيام حق أو اقرب إلى الحق، نذكر منها ما يلي:
أولا: إنهم كانوا يهيمون من اجل التفكير والتنزه عن المشاكل والضيق، لأجل أن ينفتح لهم الوحي بنظم الشعر. أياً كان مضمونه.
ــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثانيا: أن الهيام قد يكون لأجل الاعتزال عن الناس نظراً إلى انغماسهم في المعاصي وارتكابهم للآثام. زهداً بالمجتمع والدنيا.
ثالثاً: أن الهيام قد يكون لأجل عاطفة الحب. فان الدرجة القوية منها تحمل على الهيام كما هو معروف، وقد حصل لعدد من الأشخاص خلال التاريخ المنظور. وأشهرهم: مجنون ليلى. والحب كما يمكن أن يكون لبعض البشر، يمكن أن يكون إلهياً خالصاً مخلصاً.
الوجه الثاني: إننا لو تنزلنا عن الوجه الأول وسلمنا أن المراد من الوديان بالآية: الوديان الفكرية أو الذهنية. فلا اقل من أن لها إطلاق أو شمول لكل أشكال هذه الوديان. وهي تنص على ذلك: فِي كُلِّ وَادٍ. وعندئذ يمكن إخراج الوديان الحقة عن الذم والمرجوحية، واختصاص الوديان الباطلة بها.
الوجه الثالث: انه يمكن القول: بعد التسليم بكون الوديان هي الأفكار الضالة: إن مجرد خطور الفكرة الضالة على الذهن أو محاولة جلبها أو استعمالها الذهني، ليس باطلا ولا ضلالا. إذ لعل ذلك يكون طريقاً إلى الحق والى استنتاج ما هو صحيح. وإنما الباطل هو الإيمان بالفكرة الضالة والقناعة بها، أو محاولة إقناع الآخرين بها، كما هو معلوم. وكل ذلك غير مفروض في الآية.
الوجه الرابع: من ناحية أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ. فان ذلك قد لا يكون رذيلة مضادة للفضيلة، بل يمكن ان تكون له وجوه عديدة من الصحة:
أولا: أنهم يقولون الباطل ولا يفعلونه.
ثانياً: أنهم يقولون الحق ولا يفعلونه لأنهم خارجون عنه موضوعاً. أو لا يحتاجونه في حياتهم الخاصة، كمن يعرف وجوب الحج للمستطيع مع انه ليس بمستطيع. فلا يشمله وجوب الحج الذي يتكلم عنه.
ــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثالثاً: أنهم يقولون الحق ولا يفعلونه، لأنهم لا يحتاجون إليه باعتبار أنهم أعلى مستوى أو أدنى مستوى في مقامهم الإيماني من مقدار بيانهم وقولهم. وإنما ينفع قولهم من يناسب مقامه الإيماني. وهم إنما ينفعهم أمر آخر غير ما يقولونه.
الجهة الرابعة: من الاستدلال لهذا الفرض بالآية الكريمة. قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا.
فان السياق مشعر بأن هؤلاء الممدوحين في هذه الفقرة، هم غير الشعراء الذين سبق ذكرهم في الآية. إذن، فالشعراء ليسوا من الممدوحين. وإنما يكون منهم إذا اعرضوا عن صفتهم تلك وتابوا عنها وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا.
وجواب ذلك: إننا عرفنا إن للشعراء شمولا وإطلاقاً لجانبي الحق والباطل. فتكون هذه الفقرة التي ذكرناها الآن بمنزلة القرينة المتصلة المقيدة، لذلك الإطلاق. وهو ما يدعم نفس الفكرة التي كررناها في الجهات السابقة، من أن الذم مختص بالباطل، ولا يحتمل أن يكون شاملا للحق.
وينبغي هنا أن نلتفت إلى أن الآية لم تقل أن الشعراء إنما يكونون مؤمنين وذاكرين لله كثيراً، إذا اعرضوا عن الشعر ولم يكونوا شعراء بل يمكن في الشعر أن يكون مع الإيمان وذكر الله وعمل الصالحات. بل هو يكون ذكراً لله ومن عمل الصالحات. فلا يمكن أن يكون مذموماً. سواء فهمنا من الشعر النظم أو العاطفة، على التفصيل السابق.
على أننا يمكن أن نفهم من قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا … الاستثناء المنقطع، يعني المنفصل عن الحديث السابق في الآية الكريمة، بحيث يحتوي على مدح المؤمنين والذاكرين الله، بغض النظر عن وجود مفهوم يتضمن التعريض بغيرهم وذمهم، لو سلمنا وجوده في صدر الآية الكريمة.
ــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
هذا وقد ورد في السنة الشريفة ما يفسر هذه الآية الكريمة، بحيث يكون معنى الشعراء فيها خاصاً بأهل الباطل أو مقيداً بهم. كتفسير قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. أي في كل مذهب يذهبون. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ. وهم الذين غصبوا آل محمد حقهم(1).
وفي رواية أخرى(2) عن أبي الحسن سالم البراد، “قال: لما نزلت: والشعراء. الآية، جاء عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت (وهم شعراء العصر النبوي) وهم يبكون فقالوا: يا رسول الله لقد انزل الله هذه الآية وهو يعلم إنا شعراء أهلكنا؟ فانزل الله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فدعاهم رسول الله فتلاها عليهم.
فهذا الكلام حول الآية الشريفة.
وأما ما ورد في السنة الشريفة مما يدل على مرجوحية الشعر وذمه، فهو على ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: ذم الشعر بقول مطلق يعني بغض النظر عن كونه حقاً أم باطلاً. وهو ما ورد من طرق الفريقين عن النبي قال: (3) “بينما نحن نسير مع رسول الله  إذ عرض شاعر ينشد. فقال النبي: لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً”.
الطائفة الثانية: ذم الشعر بقول مطلق، حتى ما كان حقاً بحيث يكون هذا واضحاً من الرواية نفسها. من حيث ما ورد(4) عن حماد بن عثمان قال: “سمعت أبا عبد الله  يقول: يكره رواية الشعر للصائم وللمحرم وفي الحرم
ــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) تفسير الميزان ج15 ص337.
(2) المصدر ص338.
(3) الميزان ج5 ص337.
(4) انظر وسائل الشيعة ج7 كتاب الصوم أبواب آداب الصائم باب13 حديث1-2.
وفي الجمعة وان يروى بالليل. قال: قلت: وان كان شعر حق؟ قال: وان كان شعر حق”. وعن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله  قال: “لا ينشد الشعر بالليل، ولا ينشد في شهر رمضان بليل ولا نهار. فقال له إسماعيل: يا أبتاه فانه فينا، قال: وإن كان فينا”.
الطائفة الثالثة: ما ورد من ذم الشعر وإنشاده في المساجد. وذلك ما روي عن علي بن الحسين  قال(1): “قال رسول الله: من سمعتموه ينشد الشعر في المسجد (المساجد) فقولوا: فض الله فاك إنما نصبت المساجد للقرآن”.
والجواب عن الطائفة الأولى من وجوه أهمها:
أولا: إن المراد أساسا من الشعر في الرواية هو الشعر الباطل أو أي باطل. وليس الشعر الحق أو ما يرتبط بالحق.
ثانياً: انه لو كان للرواية إطلاق للحق والباطل، أمكن إخراج جانب الحق وتخصيصها بالباطل، بالأدلة المقيدة.
ثالثاً: إن هذه الرواية تعرب عن قضية معينة، وهي الشاعر الذي كان ينشد الشعر. فلعله في ذلك الحين كان ينشد شعراً باطلا في مضمونه. ولا نستطيع أن نزعم أن لها إطلاقا لصورة المضمون الحق والاحتمال دافع للاستدلال.
رابعاً: إن امتلاء جوف الإنسان قيحاً، وان كان مضراً في الدنيا إلا انه غير مضر في الآخرة، بل هو نافع وسبب مهم للثواب هناك.
ومن هنا يصدق قوله: “لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ
ــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) وسائل الشيعة ج3 أبواب أحكام المساجد باب14 حديث1.
شعراً”. فان امتلائه بالشعر لا يتعين أن يكون سبباً للثواب، ولكن يتعين ذلك في الحالة الأخرى. إذن، فهي (خير له) كما قال.
خامساً: الطعن في سند الرواية، فإنها ضعيفة السند.
سادساً: إنها لا تدل على الحرمة بحال، لأن ما يدل على الحرمة إنما هو النهي أو ما جرى مجراه، بخلاف سنخ بيان الرواية. فغايته ان يحمل على الكراهة دون الحرمة.
وأما عن مناقشة الطائفة الثانية، فمن وجوه أهمها:
أولا: الطعن في السند، فإنها ضعيفة ومرسلة.
ثانياً: إنها غير محتملة الصحة بالمضمون الذي تقوله. فربما كانت مدسوسة عمداً أو سهواً. لما سوف يأتي من رجحان القول الحق بالشعر وغيره، بحيث يكاد ان يكون من ضرورة الدين.
ثالثاً: إنها لا تدل على الحرمة، فغايته الحمل على الكراهة.
وأما من مناقشة الطائفة الثالثة:
أولا: إنها غير دالة على الحرمة، فغايته الحمل على الكراهة فان الدعاء على من ينشد الشعر لا يدل على كونه حراماً.
ثانياً: إنها خاصة بالمسجد والمفروض أننا نستدل على الفكرة الأوسع وهي مرجوحية كل شعر. فلعل للمسجد خصوصية واحترام منافي مع إنشاد الشعر فيه.
ثالثاً: ان هذه الرواية وكذلك الأولى تدلان على مرجوحية إنشاد الشعر وليس على مرجوحية نظمه وكتابته، فيبقى النظم خالياً من الدليل على المرجوحية، من هذه الناحية.
ــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
رابعاً: إنها قابلة للتقييد بما يدل على جواز بل مطلوبية ما دل بمضمونه على الحق من الشعر، كما سيأتي. فيختص النهي بالباطل منه.
خامساً: معارضتها برواية في موردها تدل على الجواز. وهي أقوى سنداً عن علي بن جعفر عن أخيه موسى  قال(1): “سألته عن الشعر أيصلح أن ينشد في المسجد؟ فقال: لا بأس”.
رجحان الشعر:
يمكن أن يستدل لرجحان الشعر نظماً وإنشاداً بعدة أدلة كلها من السنة المباركة أو ما هو بمنزلتها. مع ملاحظة أن الراجح هو الشعر الحق خاصة، وأما ما لم يكن حقاً ولا باطلاً، فيكفي في الدليل على جوازه أصالة البراءة عن الحرمة مع السيرة المستمرة على نظمه منذ عصر المعصومين ، فيكون مقراً به من قبلهم وان كان لا تخلو كثير من الأشعار من الحكمة والموعظة، قلّت أو كثرت من حيث يعلم قائلها أو لا يعلم.
أما الاستدلال على رجحان الشعر الباطل الذي لا يمكن أن يتصف بكونه حقاً، فهو من الجزاف الذي لا طائل تحته.
والاستدلال على رجحان الشعر الحق يكون بأدلة عديدة:
منها: ما عن ابن مسعود عن النبي قال(2): “إن من الشعر حكماً وان من البيان سحراً”. أقول: والمشهور لدى الناس بهذا النص: “ان من الشعر لحكمة وان من البيان لسحراً”.
ــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الوسائل: ج3 أبواب أحكام المساجد باب14 حديث12.
(2) تفسير الميزان ج19 ص337.
ومنها: ما عن كعب بن مالك قال(1): “يا رسول الله ماذا تقول في الشعراء؟ قال: إن المؤمن مجاهد بسيفه ولسانه. والذي نفسي بيده لكأنما تنضخونهم بالنبل”.
قال الطبرسي(2): “وقال النبي لحسان بن ثابت: اهجهم أو هاجهم وروح القدس معك”. رواه البخاري ومسلم في الصحيحين.
أقول: والهجاء إنما هو الذم بالشعر، أو هو منصرف إلى خصوص ذلك. ولو بقرينة كون المخاطب شاعراً.
ومنها: ما عن زيد الشحام قال(3): “كنا عند أبي عبد الله  ونحن جماعة من الكوفيين فدخل جعفر بن عثمان على أبي عبد الله  فقربه وأدناه، ثم قال:
يا جعفر. قال: لبيك جعلني الله فداك. قال: بلغني انك تقول الشعر في الحسين  وتجيد. قال: نعم. قال: قل فانشد، فانشده. فبكى ومن حوله حتى سالت الدموع على وجهه ولحيته. ثم قال: يا جعفر، والله لقد شهدك ملائكة الله المقربون ههنا يسمعون قولك، في الحسين . ولقد بكوا كما بكينا وأكثر. ولقد اوجب الله لك يا جعفر في ساعتك الجنة بأسرها وغفر لك. فقال: ألا أزيدك. قال: نعم يا سيدي. قال: ما من احد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به، إلا اوجب الله له الجنة وغفر له”.
وعن عقبة بن بشير(4) عن الكميت بن زيد (وهو صاحب القصائد السبع الهاشميات المشهورة) قال: “دخلت على أبي جعفر  فقال: والله يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك منه، ولكن لك ما قال رسول الله  لحسان: لا
ــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر والصفحة.
(2) المصدر والصفحة.
(3) الوسائل: ج10 كتاب الحج أبواب المزار باب 104 حديث1.
(4) المصدر حديث2.
يزال معك روح القدس ما ذببت عنا”.
وعن أبي هارون المكفوف، قال(1): “قال لي أبو عبد الله : يا أبا هارون أنشدني في الحسين  فأنشدته. فقال: أنشدني كما تنشدون، يعني بالرقة. قال: فأنشدته:
امرر على جدث (جسد) الحسين وقل لأعظمه الزكية
قال: فبكى. ثم قال: زدني. فأنشدته القصيدة الأخرى. قال: فبكى. فسمعت بكاء من خلف الستر. فلما فرغت، قال: يا أبا هارون من انشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى عشرة كتبت لهم الجنة. ومن انشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى خمسة كتبت لهم الجنة. ومن انشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كتبت لهما الجنة. ومن ذكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدمع مقدار جناح الذبابة كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنة”.
وعن عبد الله بن الفضل الهاشمي “قال(2): قال أبو عبد الله : من قال فينا بيت شعر بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة”.
وعن علي بن سالم(3) عن أبيه عن أبي عبد الله  قال: “ما قال فينا قائل بيت شعر حتى يؤيد بروح القدس”.
وعن الحسن بن الجهم(4) قال: سمعت الرضا  يقول: “ما قال فينا مؤمن شعراً يمدحنا به إلا بنى الله له في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرات. يزوره فيها كل ملك مقرب وكل نبي مرسل”.
ــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر حديث3.
(2) المصدر باب105 حديث1.
(3) المصدر حديث2.
(4) المصدر حديث3.
وعن عبيدة بن زرارة(1) عن أبيه قال: “دخل الكميت بن زيد على أبي جعفر  وأنا عنده، فانشده: من لقلب متيم مستهام. فلما فرغ منها قال للكميت: لا تزال مؤيداً بروح القدس ما دمت تقول فينا”.
وعن أبي طالب القمي(2) قال: “كتبت إلى أبي جعفر  بأبيات شعر وذكرت فيها أباه، وسألته ان يأذن لي في ان أقول فيه، فقطع الشعر وحبسه. وكتب في صدر ما بقي من القرطاس: قد أحسنت جزاك الله خيراً”.
أقول: حبسه، يعني أبقاه عنده حرصاً عليه.
وعن خلف بن حماد قال(3): “قلت للرضا : إن أصحابنا يروون عن آبائك : إن الشعر ليلة الجمعة ويوم الجمعة وفي شهر رمضان وفي الليل مكروه. وقد هممت أن ارثي أبا الحسن (في ليلة الجمعة) وهذا شهر رمضان. فقال لي: ارث أبا الحسن في ليلة الجمعة وفي شهر رمضان وفي سائر الأيام. فان الله يكافيك على ذلك”.
يضاف إلى ذلك عدد من النقول التاريخية الموثوقة، والتي يصل مجموعها إلى حد الاستفاضة بل التواتر، في استماع الأئمة المعصومين  إلى الشعر وإجازتهم له بل وإنشادهم له ونظمهم له. وذلك في موارد كثيرة نشير إلى المهم منها:
أولا: الديوان المنسوب إلى الإمام أمير المؤمنين .
ثانياً: نسب قول الشعر ونظمه إلى الإمامين الحسن والحسين  في عدد من المصادر، وكذلك بعض الأئمة الآخرين.
ــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر حديث4.
(2) المصدر حديث6.
(3) المصدر: حديث8.
ثالثاً: أن رجال الحسين  بما فيهم من الهاشميين والأصحاب في واقعة الطف كانوا يرتجزون الشعر تحدياً للأعداء وتأكيداً على الهدف الذي يؤمنون به.
رابعاً: قصيدة الفرزدق المشهورة التي تلاها في المسجد الحرام في مدح الإمام السجاد، في محضره ومحضر الخليفة الأموي هشام بن الحكم. وهي مروية في مصادر الفريقين. والتي تبدأ بقوله:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم

خامساً: قصيدة دعبل الخزاعي التائية المشهورة، والمروية أيضا في مصادر الفريقين، والتي تلاها بحضرة الإمام علي بن موسى الرضا ، والتي تبدأ بقوله:
منازل آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات

ويروى ان الإمام الرضا أضاف لها بيتاً من الشعر ينعى فيه نفسه، ويدل فيه على مدفنه، بقوله:
وقبر بطوس يا لها من مصيبة
ألحت على الأحشاء بالزفرات

سادساً: ما روي في مصادر الفريقين أيضا عن المتوكل العباسي انه كبس منزل الإمام علي بن محمد الهادي  وأقدمه على مجلسه وكان مجلس شراب وخمر. وفيه طلب المتوكل من الإمام  ان ينشده ولم يقبل منه الاعتذار. فانشده القصيدة الحكمية المعروفة التي تبدأ بقوله:
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم
غلب الرجال فلم تنفعهم القلل

أما شعر حسان بن ثابت أمام رسول الله وشعر الكميت بن زيد الاسدي
ــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أمام الإمام الباقر . فقد سبقت الإشارة إليه من خلال الروايات. وكذلك مدح زهير بن أبي سلمى للنبي وإنشاده أمامه. فانه معروف في التاريخ.
بل يمكن ان نخطو خطوة أخرى مهمة، وهي ان القرآن الكريم نفسه، وان كان ظاهره خالياً من الشعر، إلا ان في جملة من آياته ما يكون مطابقاً للميزان الشعري حتى نظم فيه جملة من الشعراء. ولو كان الشعر حراماً أو مرجوحاً لم يوجد في القرآن.
ومن ذلك قول القائل:
إذا سألوني عن حالتي
وحاولت عذراً فلم يمكن

أقول: بخير ولكنه
كلام يدور على الألسن

وربك يعلم ما في الصدور
ويعلم خائنة الأعين

وكذلك قول القائل:
قل لقوم لا يتوبون
وعلى الإثم يصرون

خففوا ثقل المعاصي
افلح القوم المخفّون

(لن تنالوا البر
حتى تنفقوا مما تحبون)

وكذلك فان قوله تعالى: وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ. يمثل بيتاً كاملاً من الشعر. وأما: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، فهو يمثل شطر بيت، كما قال القائل:
وقل هو الله احد
عقيدتي إلى الأبد

إلى غير ذلك من الأمثلة.
وقد يخطر في البال: أن القرآن نفسه يقول عن النبي: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ، وعدم تعليم الشعر له يستلزم أمرين: الأول: عدم
ــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
نظمه وإنشاده للشعر. الثاني: عدم وجود الشعر في القرآن الكريم لأنه  كان يعلم المعاني الحقيقية والأساسية للقرآن، وقد علمه الله إياها. فإذا احتوى القرآن على الشعر إذن، فقد علمه الله الشعر ولو في ضمن القرآن نفسه. مع العلم أن القرآن نفسه ينص على انه  غير متعلم للشعر. إذن، فالقرآن غير محتو على الشعر.
ولكن يمكن ان نجيب على ذلك من وجوه أهمها:
الوجه الأول: إن المراد بالشعر في قوله: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْر ، ليس الشعر المنظوم بل الباطل والضلال، كما سبق أن قربنا ذلك في فهم الآية الكريمة الأخرى: وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ.
وإذا تم ذلك لم يلزم منه كلا الأمرين السابقين. بل أمكن أن ننسب الشعر بمعنى الكلام الموزون إلى القرآن والى النبي أيضا بنفسه، كما نسب إليه انه قال في عمه حمزة بن عبد المطلب (سلام الله عليه) بعد أن قتل وقطعت إصبعه:
ما أنت إلا إصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت

الوجه الثاني: ان المراد بالآية عدم تعليم النبي قول الشعر ونظمه وهذا لا يستلزم، عدم وجود الكلام الموزون في القرآن الكريم، لأنه ليس من قول النبي على الحقيقة، ولا يستلزم عدم معرفته بمعاني الشعر سواء كان في القرآن الكريم أم غيره. لأن ذلك غير معنى صدور النظم عنه .
ومن هنا قيل: أن البيت المشار إليه في الوجه الأول السابق، لم يقله النبي على قصد الشعر والنظم بل على وجه النثر، وإنما أصبح شعراً على سبيل الصدفة. كما قيل مثل هذا الوجه بالنسبة إلى ما كان موزوناً من الكلام في القرآن الكريم.
ــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
غير إننا عرفنا في الوجه الثاني إمكان نفي الشعر عن النبي وليس في الإمكان نفيه عن القرآن الكريم. بعد أن وجدناه عياناً. مضافاً إلى قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ. بحيث يشمل حتى الشعر. فلو لم يكن الشعر موجوداً في القرآن لكان ناقصاً من هذه الجهة ولما صدقت هذه الآية الكريمة، ومعه يتعين وجوده فيه. وقد عرفنا أن قوله: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ، لا يكون منافياً له.
هذا، مضافا إلى أدلة أخرى يمكن الاستدلال بها على رجحان الشعر بالحق، وجواز الشعر المطلق:
أولا: الإجماع والسيرة، فان كثيراً من العلماء والفقهاء والمتدينين وأصحاب الكرامات، هم من الشعراء بل من أعاظمهم ومن يشار بالبنان إليه منهم. وذلك من كلا الفريقين في الإسلام، بل من كل مذاهب الإسلام. وهم أكثر من أن يحصوا عدداً أو يحاط بهم علماً إلا علم بارئهم جل جلاله.
من أشهرهم الشريف الرضي والشريف المرتضى والغزالي وابن عربي وابن الفارض والسيد محمد سعيد الحبوبي، وكثير آخرين.
ولم نجد أحداً إطلاقاً من أشار إليهم أو إلى احدهم بأنه يفعل في ذلك منكراً أو يكتسب دائماً. بل كل الألسن طافحة في مدحهم والثناء عليهم سواء في ذلك المتدينين أم سواهم.
وهذا يدل على وجود الإجماع الكامل القطعي، على جواز مطلق الشعر ما لم يكن مضمونه باطلا على ما سوف نشير. وعلى رجحان الشعر الحق ومطلوبيته في الدين والمذهب.
ثانياً: ان الشعر الحق مصداق وتطبيق حقيقي لكثير من القواعد الشرعية الواضحة: كالعمل في سبيل الله، وحتى الجهاد في سبيله. وكذلك إقامة شعائر
ــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الدين. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكذلك الهداية إلى دين الله، كما ورد في الحديث: “لئن يهد الله بك رجلا واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس”. وكذلك تعليم الجاهل وإثارة عاطفة الخامل تجاه ما يرضي الله سبحانه ورسوله.
ومن المعلوم أن كل تلك القواعد لا يفرق في تطبيقها الكلام نثراً أم شعراً، بل الشعر في كثير من الأحيان يكون ابلغ وارسخ ومن ثم يكون أوضح في انطباقه ومصداقيته لتلك القواعد المقدسة.
ثالثا: الاستدلال لرجحان الشعر الحق، بحكم العقل العملي. الذي عرّفوه في علم المنطق بأنه: إدراك ما ينبغي ان يعمل. فان هذا العقل يحكم بحسنه ورجحانه لا محالة. فإذا ضممنا إلى ذلك القاعدة القائلة: بأن ما حكم به العقل حكم به الشرع، ثبت رجحانه الشرعي أيضا.

الشعر الباطل :
ظهر مما قلناه، ان مطلق الشعر ليس فيه حرمة بل ولا كراهة. ما لم يكن إنشاداً في المسجد بسبب دنيوي. وأما غيره فلا كراهة فيه.
وأما الشعر الحق فهو مستحب ومطلوب بل قد يكون واجباً أحياناً، إذا أصبح مقدمة لواجب كالهداية أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو دفع الضرر الكبير، بحيث قد يكون الشعر هو المتعين في أي واحد من ذلك.
إذن، لا يستثنى من الجواز بالمعنى الأعم (اعني الوجوب والاستحباب والإباحة) كحكم لأغلب الشعر، إلا الشعر الباطل فانه مرجوح (بمعنى يشمل الكراهة والحرمة) بل قد يكون حراماً فعلا إذا كان مقدمة لأمر محرم أو تطبيقاً لقاعدة مانعة عنه.
وحسبنا الآن أن نعطي بعض العناوين العامة لما يمكن أن يتصف
ــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
بالمرجوحية أو الحرمة من الشعر. وذلك في عدة وجوه:
الوجه الأول: فيما إذا سبب الشعر إيجاد الضرر المعتد به لنفس قائله أو لماله أو لغيره من المؤمنين. فان كان ذلك الضرر كبيراً حرم لا محالة، وان كان من قبيل الإذلال أو الأذية أو الهتك أو الهجاء أو غيرها.
الوجه الثاني: فيما إذا سبب الشعر الدعاية للباطل بأي قسم من أقسامه، كالأديان الباطلة والمذاهب المنحرفة والأطماع الظالمة. وخاصة إذا اوجب قناعة الآخرين ولو قليلا منهم به وميلهم إليه. فانه يكون إقناعاً لهم بالباطل وارتداداً منهم عن الحق، فيكون حراماً على المرتد وعلى الشاعر الذي سبب ارتداده.
الوجه الثالث: الكذب في الشعر كائناً ما كان مضمونه. وأوضح مصاديقه مدح الشخص بما ليس فيه من صفة أو قول أو عمل. وكذلك رثاء الميت بنحو ذلك. والكذب حرام في الشريعة المقدسة.
الوجه الرابع: الغزل أو التشبيب بالمرأة المعينة المحترمة. بذكر محاسنها أو الميل إليها. سواء كانت من المحارم أم غيرهم وسواء كانت متزوجة أم لم تكن. وسواء كانت في الحياة أم متوفاة.
وهذا لا يعني أن مدح المرأة حرام، بل خصوص هذا الأسلوب في ذكرها حرام.
وقد يخطر في البال: أن الغزل موجود في أشعار كثير من العلماء والمتورعين وهو دال على عدم حرمته.
وجوابه: إننا اشرنا أن الغزل المحرم ما اخذ فيه شرطان:
الأول: كونها امرأة متعينة يعني معروفة ولو إجمالا. وأما إذا كانت وهمية أو خيالية، فلا إشكال في جوازه.
ــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الثاني: أن تكون محترمة، يعني مؤمنة مستورة مصونة الشرف. فلو لم تكن كذلك لعدم إيمانها أو لعدم صيانتها فليس الغزل فيها بحرام.
ومن الواضح إن الأعم الأغلب فيما قيل في الغزل إنما هو في نساء وهميات، غير حقيقيات، فلا يكون حراماً.
الوجه الخامس: الغزل أو التشبيب بالرجل، وهو ذكر محاسنه من الناحية الجنسية. وهو حرام على الرجال أكيداً لأنه لا يكون إلا تطبيقاً للشذوذ الجنسي. أعاذنا الله من كل خطل. وقال عنه الشيخ الأنصاري في المكاسب(1): انه فحش محض وإغراء بالقبيح. وكذلك هو حرام على النساء على إشكال لعلنا ذكرناه في مستقبل هذا البحث.
فإن قلت: فان التشبيب بالرجل حاصل كثيراً من قبل كثير من العلماء والمتورعين، الأمر الذي يدل على جوازه.
قلنا: إن هذا التشبيب منوط بالشرطين اللذين ذكرناهما في جانب المرأة.
وكان أحدهما: أن يكون متعيناً، يعني الغلام المذكور في التشبيب. فلو لم يكن متعيناً، بل كان وهمياً أو غير قابل للتعرف عليه جاز التشبيب. ومن المعلوم إن أكثر القائلين له إنما يقصدون ذلك.
وكان الآخر: أن يكون مصوناً شريفاً ذا عرض محترم. فلو لم يمكن كذلك، فلا إشكال في جواز التشبيب به.
إلا أن هذا الأخير لا يخلو من إشكال، لأنه يكون مصداقاً لتمني الحرام وتمني الحرام حرام، إلا أن يكون التشبيب عن غير قناعة وصحة بل يكون مجازياً لو صح التعبير. وهذا بخلاف التشبيب بالوهمي. فان تمني الحرام من الوهمي غير ممكن. فيكون التشبيب نفسه مجازاً أو وهمياً. فلا يتصف بهذه الحرمة.
ــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) ص24 ط الحجر.
والحال نفسه يمكن أن يقال فيما صدر عن عدد من العلماء والمتورعين من وصف الخمر والتغزل بها. فانه لمجرد التظرف والأدب. أو قل: انه تغزل مجازي أو وهمي لا يراد به تمني الحرام فضلا عن التصدي له.

شعر النساء:
لا يختلف حكم الشعر بين الرجال والنساء، فيما هو واجب أو جائز أو حرام، وقد سبقت الكثير من تفاصيله. والمهم أن المرأة بما هي امرأة، لا يحرم عليها الشعر، بأن يكون جائزاً للرجل حراماً على المرأة. بل هو جائز لهما معاً. ما لم ينطبق على فكرة محرمة، كما سبق.
ولاشك انه يوجد عدد لا يستهان به من النساء المسلمات ممن قُلنَ الشعر أو أنشدنه. وقد تلقى العلماء والمتورعون والسيرة المتشرعية ذلك بالسكوت والقبول، بدون نكير أو رفض. مما يدل على حصول إجماع على الجواز بلا شك. مضافا إلى أصالة البراءة عن الحرمة الجارية في موارد الشك.
مضافا إلى وجود شاعرات في زمن المعصومين . بما فيهم رسول الله، ولم يصدر منه ولا من غيره منع عن ذلك فيكون دالا على الجواز، إلا أن الأشعار المروية عنهن كانت بالحق لا بالباطل.
ولعل أشهر من روي عنه الشعر من النساء اثنتان:
إحداهما: أم سلمة أم المؤمنين (رضوان الله عليها)، حين تلقت رسول الله لدى دخوله إلى المدينة المنورة من الهجرة، بأبيات من الشعر:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا
جئت بالأمر المطاع

ــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثانيتهما: رابعة العدوية العارفة المشهورة التي تقول:
تركت الخلق طراً في هواكا
وايتمت العيال لكي أراكا

فلو قطعتني في الحب إرباً
لما مال الفؤاد إلى سواكا

بقي ان نشير إلى ملحوظة واحدة وهي تشبيب النساء الشاعرات بالرجال. هل هو جائز أم لا. وهو مما لم يحدث حسب علمي خلال التاريخ من النساء المصونات المتورعات. لا بالنسبة إلى رجل وهمي ولا إلى رجل معين.
غير إن مقتضى القاعدة هو كونه مشمولا لنفس حكم تشبيب الرجال بالنساء، فكلا التشبيبين من باب واحد، فيشملهما حكم الجواز أو حكم الحرمة. وقد عرفنا ان الحكم هو الحرمة فيما إذا كانت المرأة المذكورة في التشبيب معروفة ومحترمة. وأما غيره فجائز. فكذلك الحال في جانب المرأة فان تشبيبها سيكون حراماً فيما إذا كان رجلا معروفاً محترماً، دون غيره من الحالات.
نعم، يمكن أن يقال: ان بين تشبيب الرجل الشاعر وتشبيب المرأة الشاعرة، فرقاً عرفياً اجتماعياً. فان المجتمع يعذر الرجل في تشبيبه، إلا انه قد لا يعذر المرأة في ذلك. فقد يكون أحياناً ما تقوله من هذا الشعر سبباً للإضرار بنفسها أو هتك حرمة أسرتها، وان كان الرجل المفروض فيه وهمياً. ومن هنا فقد يمكن الفتوى بحرمته. من ناحية الضرر، وان لم يكن حراماً من تلك الجهة. والظاهر أن هذا هو السبب في إعراض الشاعرات المسلمات عن القول في هذا الحقل من حقول الأدب الشعري.
ــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل القصة فقهياً

قال ابن منظور: القصة الخبر. وهو القَصَص. وقصّ عليّ خبره يقصه قصاً وقصصاً أورده. والقصص: الخبر المقصوص، بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار اغلب عليه. والقِصَص، بكسر القاف جمع القصة التي تكتب.
وقال أيضا: القصة معروفة. ويقال في رأسه قصة يعني الجملة من الكلام، ونحوه قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ أي نبين لك أحسن البيان. والقاص: الذي يأتي بالقصة من قصِّها.
وقال: والقصة الأمر والحديث. واقتصصت الحديث رويته على وجهه. وقص عليه الخبر قصصاً. وفي حديث الرؤيا: لا تقصها إلا على واد (يعني ذي مودة).. والقص البيان والقصص بالفتح: الاسم، والقاص الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها.
وقال الراغب في المفردات: القص تتبع الأثر، يقال: قصصت أثره. والقص الأثر، قال: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً،وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ومنه قيل لما يبقى من الكلأ فيُتَتَبع أثره: قصيص وقصصت ظُفره. والقَصص الأخبار المتتبعة. قال تعالى: لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ، فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ، وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ، نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ، يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاقْصُصِ الْقَصَصَ.
ــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
والقصاص تتبع الدم بالقَود. قال سبحانه: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ – وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ويقال: قص فلان فلاناً، وضربه ضرباً فأقصَّه، أي أدناه من الموت.
أقول: ومن هنا نلاحظ ان الراغب يرجع القصة المعروفة إلى معنى تتبع الأثر، لكونها بالأصل من الأخبار المتتبعة، أي المطلوب بيانها وسماعها. في حين ترى ابن منظور يجعل القصة المعروفة مأخوذة من القصص وهو الخبر أو الكلام الذي في النفس، كما يمكن ان تكون القصة مأخوذة من القص وهو القطع، على اعتبار إنها قطعة من البيان المطلوب. وبهذا المعنى نستعمل المقص وهو آلة القطع.
والعامة تسمي القصة حكاية. ويمكن توجيه ذلك لغوياً كما يلي:
قال ابن منظور: الحكاية: كقولك حكيت فلاناً وحاكيته، فعلت مثل فعله أو قلت مثل قوله سواء لم أجاوزه. وحكيت عنه الحديث حكاية ابن سيده: وحكوت عنه حديثاً في معنى حكيته… يقال: حكاه وحاكاه. وأكثر ما يستعمل في القبيح المحاكاة. والمحاكاة المشابهة. تقول: فلان يحكي الشمس حسناً ويحاكيها بمعنى. وحكيت عنه الكلام حكاية وحكوت لغة حكاها أبو عبيدة… قال: وما احتكى ذلك في صدري أي ما وقع فيه.
أقول: ومن هذا نعرف ان الحكاية بمعنى القصة مأخوذة من المماثلة بين الواقع والكلام. فان كانت كاذبة كانت حكاية مجازية لواقع مفترض وغير مؤكد. واصله انه حكى الكلام الذي قاله غيره أي نقله بدون تحريف وتغيير.
ومنه: الحكاية المصطلحة في علم المنطق وعلم الأصول وغيرهما، حيث قالوا – فيما قالوا- إن الخبر يتضمن الحكاية عن الخارج في حين أن الإنشاء لا يتضمن ذلك.
ــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أقول: وهي المماثلة الاثباتية، أي في التعريف والإظهار، لاستحالة المماثلة الثبوتية، أي في الكنه والحقيقة. لتغاير الكلام عن الواقع في الكنه والحقيقة والمقولة لا محالة.
ومنه تسمية العامة للكلام بالحكي. باعتبار كونه محاكياً ومماثلاً للواقع أو للمعنى المقصود للمتكلم. وقد سمعنا من ابن منظور قوله: وقد حكيت عنه الكلام حكاية. أي نقلته وتكلمت به. وهو بهذا المعنى يكون شاملا للخبر والإنشاء وغير خاص بالخبر بالرغم من اختلافهما اصطلاحاً كما سبق.
ومنه قولهم: ما حاك في صدري وما احتكى فيه. إشارة إلى المعاني التي توجد في النفس، تشبيهاً لها بالكلام الذي يظهره الفم واللسان. فكأن النفس هي التي تحكي وليس اللسان.
فهذا هو ملخص الحديث عن الأصل اللغوي للقصة والحكاية. وإنما عقدنا هذا الفصل لبيان جهاتها الفقهية.
إلا إننا ينبغي أن نلتفت قبل ذلك إلى أنواع القصة. فإنها يمكن أن تنقسم إلى عدة تقسيمات:
التقسيم الأول: انقسامها إلى قصة وأقصوصة. أو قل: قصة طويلة وقصة قصيرة. وهو اصطلاح لدى الأدباء. وقد جعلوا لكل منهما شروطها وأهدافها.
التقسيم الثاني: انقسامها إلى واقعي وخيالي، أو قل: تاريخي وكاذب. والكاذب إما أن يعبر عن تاريخ غير متحقق، أو أن يعبر عن خيال محض كما هو الحال في اغلب القصص.
التقسيم الثالث: انقسامها إلى مسموعة ومرئية. أما المسموعة فهو الأغلب. وأما المرئية. فإما أن يراد بها تحقق الحوادث في واقعها على وجه
ــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
البسيطة. وإما أن يراد بها تحقق الحوادث عن طريق التمثيل السينمائي أو المسرحي.
التقسيم الرابع: انقسامها إلى ملخصة ومبسوطة أو مطوّلة. واقصد بالمطوّلة ما فيها تقابل طويل بالحديث وهو ما يسمى (بالسيناريو) باصطلاحهم. وليست كل القصص كذلك. إلا إذا صيغت بهذا الشكل لأجل انجازها على مسرح التمثيل.
التقسيم الخامس: انقسامها إلى ما كان حديثاً في الماضي. أو حديثاً عن الحاضر أو حديثاً عن المستقبل.
ومن الواضح إن ضرب هذه الانقسامات بعضها ببعض، ينتج أقساماً كثيرة قد تصل إلى نحو ثلاثين قسماً، نوكل تعداد تفاصيلها إلى ذكاء القارئ الكريم.

مرجوحية القصة :
يوجد شعور مرتكز لدى المتشرعة، بأن القصة أمر مرجوح أو مكروه، ما لم يستهدف بها هدف حق، وتكون من ناحية المضمون والأداء والنتيجة سليمة دينياً.
ويمكن أن يستدل لمرجوحية القصة في الدين، وهو المعنى الشامل للكراهة والقبح والحرمة. بعدة أدلة نذكر أهمها:
الدليل الأول: حرمة الكذب، من حيث أن القصة إذا لم تكن معبرة عن واقع صادق، تاريخي أو حاضر، فإنها تكون كذباً، فتكون حراماً بحرمة الكذب. وهي حرمة ثابتة بضرورة الدين وإجماع المسلمين.
لا يختلف في ذلك: التعبير القصصي عن واقع تاريخي مزوّر أو خاطئ، وكذلك ما كان زيادة على التاريخ أو نقيصة منه. وكذلك القصة إذا لم يكن لها
ــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
مطابق تاريخي بل كانت وهمية بكاملها، فإنها بكاملها تكون كاذبة، فانك تقول: ذهب وقال ونحوها. في حين انه لم يقل ولم يذهب.
وكذلك التمثيل الصوتي أو المسرحي، فان فيه كذباً آخر، وهو ادعاء شخصية أخرى، حقيقية كانت أم وهمية ويقول الممثل: ذهبت وقلت وأردت في حين لم يحصل ذلك منه إطلاقاً.
وجواب ذلك: إننا ذكرنا في فصل التمثيل من هذا الكتاب ما حاصله، أن هناك قاعدة عامة في تعيين الصدق من الكذب نافعة في هذا المجال، وهي أن الكلام الكاذب بنفسه يكون حراماً لو بقي على حاله. أما لو اقترن بقرينة أو دلالة واضحة يقيمها المتكلم عمداً على ان كلامه كاذب. لم يكن الكلام كذباً، أو بتعبير آخر لم يكتسب نتيجة الكذب وحكمه. أما نتيجته فإننا نعرف ان ملاك تحريم الكذب هو ما ذكر في الآية الكريمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وهي تشير إلى المضاعفات المؤسفة الممكنة للكذب. فإذا أقام المتكلم دلالة على كذبه، لم تكن له تلك المضاعفات لا محالة. ومن ثم لا يشمله الحكم بالحرمة.
وإذا طبقنا ذلك على محل الكلام، علمنا ان التمثيل ليس كذباً كما ذكرنا في الفصل المشار إليه، لأن فيه نفس هذه الدلالة المشار إليها. فان مجرد وجود الفرد كممثل لا كأصيل يكفي في ذلك.
وكذلك القصة الموهومة، فإنها بطبيعتها كاذبة، والدلالة على ذلك كالصريحة، بلسان الحال ان لم يكن بلسان المقال. فلا يكون مثل هذا الكذب حراماً.
وكذلك الحال في الزيادات على القصص التاريخية أو السيناريو الذي يضاف إليه، إذا كان هناك مثل هذه الدلالة، وهي غالباً حاصلة. لأن الأغلب في أسلوب القصصيين، كونهم يخلطون الواقع بالخيال. فلا تكون كذباً، فلا
ــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
تكون حراماً.
نعم، إذا كان كلام المؤرخ منصباً على أساس ضبط التاريخ فقط، فأزاد فيه أو أنقص. كان كاذباً لا محالة. لا يختلف في ذلك التاريخ الحاضر عن التاريخ السابق، وأي شيء آخر.
وعلى أي حال، فالاتجاه العام للقصة لا يكون مشمولا للحرمة، بعنوان كونها كذباً.
الدليل الثاني: على مرجوحية القصة.
إن كثيراً من حوادث التاريخ ليس لها أسناد ذات حجية واعتبار شرعياً وفقهياً. بل هي منقولات متفرقة على ألسن مختلفة. كما أنها مظنونة وغير مؤكدة. ولئن كان المؤكد منها قليلا أو إجمالياً، فان المظنون منها كثير وفي عدد لا يستهان به من التفاصيل.
كما أن المؤرخين أنفسهم، أو إن عدداً منهم -على الأقل- مشكوكوا الوثاقة وغير معروفين بالصدق والأمانة. يكفينا من ذلك أنهم يتحدثون عن التاريخ كله كأنهم رأوه وسمعوه، في حين انه من اليقين إن المؤرخ لم ير ولم يسمع إلا الجيل الذي عاشه. وأما السابقون عليه، فإنما ورد إليه الخبر كما وردنا، ومع ذلك نراه يرسل صحة ذلك إرسال المسلّمات.
بل ان المؤرخ في جيله نفسه لم ير كل مكان وكل زمان، خلال حياته التي عاشها. فكيف يستطع ان يخبر بالحس والوجدان عن كل ما وقع في تلك الفترة؟ وهل هو ثقة في كل ما ينقل؟
ومن المعلوم فقهياً ان بيان القصصي، أو أي واحد يقص قصة عن التاريخ، لا يكون جائزاً شرعاً. إلا إذا كان بطريق معتبر وحجة شرعاً. وأما إذا لم يكن كذلك، كما هو الحال في أكثر موارد التاريخ لم تكن القصة عنه جائزة
ــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
بأي حال، لأنها أما أن تكون معلومة الكذب وأما أن تكون إعراباً عن أمر لم تقم عليه حجة كاملة، وأما أن تكون من قبيل عرض ما هو مظنون على شكل ما هو معلوم. بحيث تكون حالة المتكلم وطريقته دالة على كونه عالماً بخبره الذي يقوله، في حين انه ليس بعالم.
وإذا كان التاريخ الذي تم وقوعه، إنما هو على هذا الغرار، فكيف بالقصص الخيالية، التي تكون كاذبة كلها جملة وتفصيلا، فإنها بطبيعة الحال، مما لم تقم حجة شرعية صحيحة على صدقها.
وجواب ذلك: إن غاية ما يرجع إليه بيان (ما لم تقم عليه حجة شرعية، من حيث الحرمة) إنما هو الكذب. يعني أن هذا إنما يحرم لكونه كذباً. وكذلك الحال في بيان ما هو مظنون بمنزلة المعلوم أو بصفته معلوماً. إنما يحرم بصفته كذباً. فإذا جازت بعض الأمور والطرق البيانية أو القصصية حتى لو كانت كذباً، كما سبق ان قلنا في مناقشة الدليل السابق، جازت أيضا في حدود أو موضوع هذا الدليل أيضا. لأنه إنما هو راجع إليه ونابع منه، فيكون جوابه نفس الجواب.
هذا، مضافاً إلى أمور أخرى يختص بها هذا الدليل وذلك:
أولا: ان هذا الذي قلناه من عرض الأمر المظنون كأنه معلوم، يمكن تجنبه، بإقامة دلائل واضحة وقرائن متصلة. على كونه مظنوناً وليس بمعلوم. كما لو قال: أظن انه حصل كذا وكذا، وعندئذ يرتفع الإشكال من هذه الناحية.
ثانياً: ان هذا الذي قلناه من عدم جواز النقل عن المؤرخين غير الثقاة، إنما يكون فيما إذا أخذنا الحال عنهم كأنه مسلَّم الصحة. وأما لو جزمنا بالنقل عنهم ولم نجزم بمضمون القصة، فإننا نكون صادقين ولا إشكال في ذلك. كما لو قلنا: قال الطبري أو قال ابن الأثير كذا وكذا. لأن الطبري قد قال ذلك
ــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فعلا، وأما كونه صادقاً أم لا فهذا ما يتحمله هو لا نتحمله نحن أمام الله سبحانه. فنكون صادقين على أي حال. نعم لو نسبنا إلى الطبري ما لم يقله كنا كاذبين، وهذا أمر غير مفروض في المؤرخ الأمين.
هذا، مضافا إلى انه يمكن فقهياً النقل الإجمالي، بدون تسمية احد، كما لو قلنا: روى المؤرخون أو بعض المؤرخين أو نقل في كتب التاريخ ونحو ذلك من التعابير. وكنا صادقين فيما ذكرناه عنها. كان ذلك كافياً في ارتفاع الحرمة. وان كان المضمون كاذباً أو مظنون الكذب.
ويأتي نفس هذا الوجه في القصص الوهمية، فإننا يمكن ان نقول: قال فلان في قصته، أو قص فلان قصة مضمونها كذا. أو سمعت قصة أو قيلت لي ونحو ذلك من وجود التسمية وعدمها. فنكون صادقين وان كان المضمون كاذباً.
الدليل الثالث: على مرجوحية القصة:
كونها مستلزمة غالباً محصول الغيبة المحرمة. فتكون حراماً. والدليل على حرمة الغيبة ذكرناه في الفصل الخاص بها من هذا الكتاب في (كتاب المكاسب المحرمة) فراجع.
وأما استلزامها للغيبة فواضح، باعتبار كونها نقلا قد يكون سيئاً عن أشخاص تاريخيين. ومن الواضح ان حرمة الغيبة لا يختلف فيها الأحياء عن الأموات. بل ان غيبة الأموات أشد من غيبة الأحياء، لإمكان الاستحلال من الحي وتعذره من الموتى.
وجواب ذلك يكون على عدة مستويات:
المستوى الأول: أن القصة الوهمية لا تحتوي على أناس حقيقيين، بل وهميين. وأمثال ذلك لا تحرم غيبتهم.
ــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المستوى الثاني: أن النقل في القصة التاريخية لا يكون سيئاً دائماً، بل قد يكون حسناً، فلا يكون غيبة.
المستوى الثالث: أن النقل وان كان سيئاً أحياناً، إلا انه قد يكون من مستثنيات الغيبة فيكون جائزاً. كنصح المستشير والأمر بالمعروف وغيرها.
المستوى الرابع: ان المذكورين في القصة التاريخية، قد لا يكونون مؤمنين، فلا تكون غيبتهم حراماً. وإنما الحرام هو إرسال الغيبة على المؤمن خاصة.
المستوى الخامس: ان الغيبة تشترط بالنقل الجزمي. وأما إذا كان النقل ظنياً أو احتمالياً لم يكن غيبة. وان كان فيه نحو الأذية. ولكنه ليس بغيبة على أي حال. فضلا عما إذا قال: نقل في المصادر التأريخية أو قال الطبري في تاريخه ونحو ذلك.
إلى غير ذلك من المستويات. نعم، لو كان في القصة التاريخية غيبة جامعة لشرائط الحرمة، كانت حراماً. كما اشرنا إليه من عدم التفريق في حرمتها بين الأحياء والأموات.
الدليل الرابع: على مرجوحية القصة. كونها من الحديث الباطل والخوض في أمور الدنيا، وهو إما حرام أو مكروه شديد الكراهة. وقد وردت الأخبار بالنهي عنه، كما سوف نسمع، فإذا كانت القصة هكذا وهي في الأعم الأغلب كذلك، كانت مشمولة لهذه المرجوحية.
وجواب ذلك يكون على عدة مستويات:
المستوى الأول: أن القصة أحياناً تكون من الحق والهدى، لا من الباطل ولا من الحديث عن أمور الدنيا، فلا تكون مشمولة لحكمها. ويكفي الآن ان القصة ما لم تكن مندرجة في الحديث عن الباطل، فإنها لا تندرج
ــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
في هذا الدليل.
المستوى الثاني: انه يمكن ان يقال: ان الخوض في الحديث عن أمور الدنيا وما فيها من باطل وإسفاف، وان كان مرجوحاً أخلاقيا، إلا انه ليس كذلك فقهياً. لوضوح ان اغلب حياة الناس في ذلك حتى المتورعين والعلماء والصالحين. فلا يحتمل ان يكون مرجوحاً من هذه الناحية، ما لم يندرج في عناوين محرمة حقيقية، كالكذب والغيبة وغير ذلك.
فإذا لم يكن الخوض في أمور الدنيا حراماً أو مرجوحاً، كانت القصة منها على معنى أنها وان كانت خوضا في ذلك، إلا أنها لا تكون مرجوحة من هذه الناحية.
المستوى الثالث: ان هذه المرجوحية خاصة بالمساجد، اعني الخوض في الحديث عن أمور الدنيا فيها. كما أفتى بها الفقهاء ووردت بها بعض الأخبار. وليست عامة لكل مكان وزمان. فالقصة إذا كانت من هذا القبيل إنما تكون مرجوحة في المسجد خاصة لا في كل مكان.
فقد ورد في الحديث عن بعض المعصومين  قال(1): “يأتي في آخر الزمان قوم يأتون المساجد، فيقعدون حلقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا. لا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة”.
ولا فرق في هذا النهي بين أول الزمان وآخره، بل هو مرجوح على كل حال. إلا ان عدم التفريق بين المساجد وغيرها، مما لا يمكن الاحتمال بل التأكد من أهمية المسجد وعظمته في الإسلام. فما يكون مرجوحاً فيه لأنه مخالف لاحترامه، ومنافياً للعبادة فيه، لا يعني كونه مرجوحاً في كل مكان حتى وان لم يكن مسجداً.
ــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الوسائل: ج3 أبواب أحكام المساجد باب14 حديث4.
الدليل الخامس: على مرجوحية القصة.
إن الذي يسرد القصة لا يبالي بما يقول. وقد ورد النهي عن كون الإنسان يكون في كلامه بحيث لا يبالي بما يقول.
فمن ذلك صحيحة عبد الله بن سنان(1) عن أبي عبد الله . قال: قال رسول الله : إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال ولا بما قيل له، فهو شرك شيطان.
وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين  (2) قال: قال رسول الله : ان الله حرم الجنة على كل فحاش بذيء قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له. فانك ان فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان. قيل يا رسول الله. وفي الناس شرك شيطان. فقال رسول الله : أما تقرأ قول الله عز وجل: وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال وَالأَوْلاد.
وعن انس بن محمد عن أبيه جميعاً(3) عن جعفر بن محمد عن آبائه  في وصية النبي لعلي  قال: يا علي حرم الله الجنة على كل فاحش بذيء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له. يا علي طوبى لمن طال عمره وحسن عمله.
وجواب ذلك: إن القصة إن كانت شيئاً من هذا القبيل، كانت مرجوحة بنص هذه الروايات، إلا أنها لا تكون كذلك دائما. وإلا أمكن أن تكون تلاوة آية من القرآن مصداقاً للغيبة أو للإيذاء فتكون حراماً.
وهي اعني القصة لا تكون كذلك إذا كان فيها موعظة أو حكمة أو أية
ــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الوسائل: ج11 أبواب جهاد النفس باب 72 حديث1.
(2) المصدر: حديث2.
(3) المصدر: حديث4.
مصلحة عقلائية دينية أم دنيوية. فإنها عندئذ لا تكون من قبيل الهذر أو عدم المبالاة بما يقول.
الدليل السادس: على مرجوحية القصة. ما ورد من النهي عن ان يكون الفرد قاصاً أو يستمع إلى قاص.
ومن المعلوم ان القاص هو الذي يسرد القصة. فيكون مشمولا إلى ذلك النهي، سواء كان متكلماً بالقصة أو سامعاً لها.
إلا ان الجواب عن ذلك يكون على عدة مستويات:
المستوى الأول: ضعف أسناد هذه الروايات، ولا اقل من احتمال ذلك. والاحتمال مبطل للاستدلال. فلا يمكن القول فقهياً بالحرمة، ما عدا ما ثبتت حرمته بأدلة أخرى، كبعض ما سبق. وأما القول بالكراهة والمرجوحية، فهي مبتنية على التمسك بروايات أخبار (من بلغ) التي تقول: من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له ثواب ذلك العمل وان لم يكن رسول الله  قد قاله مع ضم مقدمة أخرى تقول: ان ترك المكروه مشمول لهذا النص، وان لم يكن الترك فعلا أو عملا وهذا قابل لمناقشة ليس الآن محل سردها.
المستوى الثاني: انه ليس المراد من القاص المذكور في هذه الأخبار كل احد يسرد قصة، بل خصوص أناس معينين سنذكرهم عما قليل. ولا اقل من الانصراف إليهم أو احتمال ذلك، مما يكون مبطلا للاستدلال.
وذلك: انه كان من عادة العرب في الجاهلية وصدر الإسلام ان يجلس الخبير والعالم أمام مجموعة من الناس فيلقي عليهم محاضراته. ولم تكن تلك المحاضرات، إلا بما يناسبهم في ذلك الحين، وهي التمجد بأخبار الماضين وحروبهم وشجاعاتهم ومكارمهم وغير ذلك. فتكون المحاضرات عبارة عن سرد نتف من التاريخ القديم لأجل ان يحفظه الجيل المتأخر.
ــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
والتاريخ عبارة عن مجموعة قصص لا أكثر ولا اقل. فكان ان سمي الواحد من هؤلاء (قاصاً) يعني قصصياً يسرد أخبار الأولين.
ثم اتسع الأمر خلال الخلافة الأموية وغيرها. إلى تعرض القاص إلى أمور أخرى لا ترضي الله سبحانه وتعالى، كوضع الأخبار الملفقة والكذب في نقل التاريخ وإضحاك الناس بالباطل. وربما توصلت الدولة يومئذ إلى استغلال هؤلاء القصاص إلى الدعاية والإعلام في مصلحة الدولة والخليفة, والطعن بالأعداء والمعارضين، فيتحول الكلام إلى كلام مذهبي وسياسي، والى مجموعة مدائح بقوم وطعون وشتائم لآخرين.
فهؤلاء هم القصاص الذين كان المجتمع يعهدهم في تلك الأجيال وهي الأجيال التي عاش الأئمة المعصومون خلالها. وذلك القاص هو الذي ينصرف إليه الذهن ويحصل الاطمئنان والوضوح بقصد النهي عن القصد إليه محاربة من قبل الأئمة  لهذا الوضع النشاز غير المرضي لله عز وجل. إذن، فالقاص المنهي عنه هو ذاك وليس كل احد يسرد القصة. ولا اقل من احتمال ذلك. الأمر الذي يؤدي إلى بطلان الاستدلال.
المستوى الثالث: في مناقشة هذا الدليل السادس.
إننا لو سلمنا شمول هذا النهي لكل قاص، فانه لا يمكن الاعتراف به فقهياً على سعته وإطلاقه، بل لابد من تقييده بكثير من الموارد التي يثبت بها رجحان القصة، بحيث يكون سردها مرضياً لله عز وجل. كالهداية والأمر بالمعروف وذكر مآثر المعصومين والعلماء والصالحين وحفظ التاريخ الإسلامي على الحق وغير ذلك كثير. فان ذلك من أفضل الطاعات ولا يحتمل ان يكون مرجوحاً فضلا عن ان يكون حراماً.

ــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
رجحان القصة :
ولا اقل أن نستدل على عدم مرجوحيتها. بعد أن فشلت الأدلة السابقة على إثباتها. ومن هنا تكون الأدلة الآتية اعم أو أوسع من حيث إثبات الجواز يعني عدم الكراهة أو المرجوحية ومن حيث إثبات الرجحان الذي هو بمعنى الاستحباب أو الوجوب.
ويمكن إثبات ذلك بعدة أدلة:
الدليل الأول: جريان أصالة البراءة عن المرجوحية، فان كل ما شككنا به فالأصل عدمه، ما لم يقم عليه دليل كامل الحجية. وذلك من حيث كون القصة مرجوحة.
وجواب ذلك: ان جريان أصالة البراءة إما عن الكراهة وإما عن الحرمة. أما عن الكراهة، فهي لا تجري جزماً، ولا اقل من حكومة أخبار (من بلغ) عليها. بحيث تكون شاملة للكراهة هنا. وأما عن الحرمة فلوجود قواعد تضبط كل أطرافها، كبعض ما سبق ان تحدثنا عنه ككونها قد تكون كذباً أو باطلا أو غير ذلك مما هو محرم. ومن دون ذلك فالدليل على جوازها واضح إلى حد لا نحتاج معه إلى أصالة البراءة كما سيأتي.
الدليل الثاني: قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فان الأسوة الحسنة به  لا تكون إلا بمعرفة أخباره وطريقة حياته وتاريخ تصرفاته. فإذا حرمت القصة انسد هذا الباب كله وتعذرت هذه المعرفة. إذن يتعين النقل والتعريف بذلك جيلا بعد جيل لكي يكون للمسلمين أسوة حسنة به . فيكون هذا النقل مستحباً لأنه مقدمة لمستحب أو واجباً إذا كان مقدمة لواجب.
الدليل الثالث: ان السنة الشريفة عدل الكتاب، وهي إحدى الأدلة الأربعة
ــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الرئيسية في الدين، وهي الكتاب والسنة والإجماع والعقل. وقد عرّفوا السنة بأنها: قول المعصوم أو فعله أو تقريره.
فإذا علمنا أنها عماد الاستدلال الفقهي وعليها مدار العلم والفتوى، وبدونها ينسد كثير بل الأعم الأغلب من موارد الفقه. وعلمنا أيضا أنها جميعاً من قبيل النقول التاريخية عن المعصومين. فإذا قلنا ان أمثال هذه النقول مرجوحة أو محرمة، انسد هذا الباب شرعاً، ومنه ينسد اغلب استدلالات الفقه والأصول. بل هي مستحبة النقل وراجحة، ما دامت مقدمة للمطلوبات والأحكام الشرعية. بل هي واجبة ما دامت مقدمة لحكم إلزامي: وجوبي أو تحريمي، أما بالعلم التفصيلي أو بالعلم الإجمالي.
الدليل الرابع: لا ينحصر نقل القصة بسيرة رسول الله  والأئمة المعصومين ، بل يعم سيرة سائر الأنبياء والأولياء والصالحين. وحتى النقول عن الملائكة والجن. بل وحتى الحيوان والجماد. الأمر الذي يتضح معه إن تحريم القصة يسد باب التاريخ, ويغلق كل المعلومات وهذا من أعظم الحماقات التي لم يقل بها احد.
الدليل الخامس: ان نفس هذه النقول التاريخية عن الأنبياء والأولياء وغيرهم تحتوي على مواعظ وحكم واستدلالات حقيقية، وغير ذلك، فيكون نقلها وحفظها جيلا بعد جيل راجحاً وصحيحاً. لأنها مقدمة ما هو راجح وصحيح. بل واجبة في كثير من الأحيان.
الدليل السادس: أن القرآن الكريم نفسه، اتخذ في كثير من آياته أسلوب القصة والنقل التاريخي, سواء عن الصالحين أو الظالمين. فلو كان مثل هذا النقل حراماً أو مرجوحاً، لم يفعله القرآن الكريم. وقد قال الله سبحانه فيه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ. فهو الأولى بتطبيق تعاليم نفسه على نفسه. إذن، فنقل القصة جائز بل راجح وواجب في كثير من الأحيان.
ــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ولكننا نلاحظ الآن ان هذه الأدلة الستة، وغيرها مما يمكن سردها، إنما هي خاصة بالنقل التاريخي الصادق. وأما النقل التاريخي الكاذب، فهو حرام بطبيعة الحال، من حيث تحريم الكذب. كما ان بعض أشكال النقل التاريخي الصادق قد يكون حراماً، كما إذا ترتبت عليه مفسدة مهمة، كالخلاف بين مؤمنين أو طائفتين أو ضلال فرد أو جماعة ونحو ذلك، هذا فضلا عن القصة الوهمية أو الكاذبة التي يترتب عليها أمثال ذلك من المفاسد.
أما القصة الوهمية التي لا يترتب عليها شيء من المفسدة، فهي التي ناقشنا في اندراجها في الموارد المحرمة، كما سبق. فتبقى فقهياً تحت الحكم بالجواز، ولا اقل باعتبار جريان أصالة البراءة. مع إمكان الاستدلال بالسيرة والإجماع أيضا على الجواز.
بل يمكن الاستدلال عليها بالقرآن الكريم نفسه، فيما إذا زعمنا كما مال إليه بعض المحدثين، من ان القرآن الكريم قد يروي قصصاً وهمية في سبيل انجاز أهداف اجتماعية وتربوية. فإذا كانت القصة الوهمية مرجوحة أو حراماً لم يفعلها القرآن، فيكون فعله دالا على الجواز.
إلا انه هذا قابل للمناقشة من عدة جهات نذكر منها أمرين:
الأمر الأول: ان الدليل أضيق من المدعي. فان المدعي أو المطلوب هنا هو القول فقهياً بجواز كل قصة وهمية. في حين هذا الدليل خاص بالقصص الوهمية التي يترتب عليها اثر اجتماعي أو تربوي دون غيرها من القصص. ومن المعلوم ان القرآن الكريم لم يورد أية قصة بدون هدف جليل سواء كانت وهمية أو واقعية.
إذن، تبقى القصص الوهمية الأخرى، خارجة عن هذا الدليل، كالتي لا هدف لها أو تكون أهدافها تجارية أو غير عقلائية، أو حتى ظالمة واعتدائية، فإنها لا تكون مندرجة في دليل الجواز.
ــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الأمر الثاني: إن هذا الدليل متوقف على الزعم بأن القرآن الكريم قد روى قصصاً وهمية فعلا. فان لم يكن كذلك لم تتم مقدمات هذا الدليل لأننا نريد استنتاج جواز القصة الوهمية من وجود أمثالها في القرآن، فان لم تكن موجودة هناك يكون هذا الاستنتاج باطلا.
وهذا يفتح لنا باب الحديث عن أمر فرعي يندرج في فصل القصة الذي نتحدث فيه الآن. وهي شبهة مثارة في بعض المصادر، ولا ينبغي لنا الآن ان نتخلى عنها، بل يحسن بنا ان نطرقها ولو بإيجاز وذلك هي:

القصة في القرآن الكريم :
وذلك من ناحية احتمال أن تكون وهمية أحياناً، ومن المعلوم انه إذا أمكن في بعضها ان تكون وهمية أمكن في الجميع ذلك، ما لم يقم دليل خارجي تاريخي أو عقلي على صدقها وصحتها. ولا اقل من العلم الإجمالي بأن بعض تلك القصص وهمية وخيالية، فتسقط كل القصص القرآنية عن إمكان الإثبات التاريخي. وهذا في نفسه على خلاف الإجماع أكيداً كما سوف نشير. على انه لا يوجد لدينا مصدر تاريخي معتد به أقدم من القرآن الكريم.
وما يمكن ان يستدل به على إمكان القصة الوهمية في القرآن الكريم عدة أمور:
الأمر الأول: ان المهم في القصة هو هدفها وهو في القرآن الكريم جهات العبرة والعظة أو الموعظة. وليس المهم فيها منطوقها أو مطابقتها للواقع. فإذا أنجزت القصة القرآنية هدفها، فقد نجحت، ولا حاجة بعد ذلك إلى القول بمطابقتها للواقع.
إلا ان هذا الكلام جزاف لا محالة، فان هدف القصة مهم ومطابقتها للواقع مهم أيضا. وسيأتي الدليل على لزوم مطابقتها للواقع، فيتعين القول به.
ــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وبتعبير آخر: ان نفس الهدف كما يمكن انجازه بقصة وهمية يمكن انجازه بقصة حقيقية. فلماذا يختار القرآن الكريم الفرد الأردأ من القصة، اعني الوهمية. بل يتعين عليه اختيار الحقيقية، لأنه هو الأفضل في كل المجالات.
الأمر الثاني: قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ. يعني أن القرآن الكريم يحتوي على كل شيء على الإطلاق مما هو جيد أو رديء في الكون كله. ومن تلك الأشياء: القصة الوهمية. إذن، فهو يحتوي عليها.
وجواب ذلك يكون من وجوه أهمها:
الوجه الأول: إن قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ. يراد به الأمور التكوينية الحقيقية، ولا يراد به الأمور الكاذبة والوهمية لا محالة، وإلا لأمكن القول أو تعين القول بوجود المحالات العقلية في القرآن الكريم كاجتماع النقيضين أو شريك الباري. وهو غير محتمل. إذن، فمثل هذا النص لا يحتمل ان يكون شاملا للقصة الوهمية.
الوجه الثاني: إننا لو تنزلنا وقبلنا وجود القصة الوهمية فيه، فهذا لا يعني ان قصصه الموجودة فيه وهمية. بل يمكن القول عندئذ بأن كل قصصه واقعية، وإنما نوجه القصة الوهمية في باطن القرآن لا في ظاهره، لأن كثيراً من الأشياء إنما يكون وجودها القرآني كذلك. لوضوح عدم استيعاب ظاهر القرآن لكل الأشياء. ولا اقل من احتمال ذلك الدافع للاستدلال. بل هو المتعين على ما يأتي من الدليل على صحة القصص القرآنية المطابقة لظاهره.
الأمر الثالث: ان الشريعة أنزلت إلى المكلفين من الخلق أو البشر، وأما الله سبحانه وتعالى، فغير مكلف بالشريعة بطبيعة الحال فانه المطاع وليس هو المطيع. ومن هنا يمكن القول بإمكان القصة الوهمية عليه، وان كانت كذباً. سبحانه وتعالى مما يشركون.
ــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وجواب ذلك من عدة وجوه أهمها:
الوجه الأول: إن الكذب منفي عن الله سبحانه وتعالى مطلقاً، اعني في القرآن وغيره، بنص القرآن نفسه، حيث يقول: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً … أي قولا.
الوجه الثاني: إن الكذب منفي عنه سبحانه بدليل العقل الذي ينفي عنه كل نقص كما هو مبحوث عنه في بحوث العقائد الإسلامية من (علم الكلام). وهذا معنى شامل للقرآن وغيره، بعد ان ثبت لدينا كمسلمين ان القرآن الكريم نازل عنه سبحانه. ولا شك ان الكذب نقص مشين وقبيح عقلا. بما في ذلك القصة الوهمية. وان قلنا فيما سبق أنها ليست كذباً بالنسبة إلى العرف الاجتماعي البشري. فإنها على أي حال نقص يجل عنه مقام الله سبحانه وتعالى.
وببطلان الأدلة على جواز أو إمكان القصة الوهمية في القرآن الكريم، يتمهد الدليل على لزوم وتعين أن تكون قصصه كلها حقيقية صادقة. وذلك من عدة أمور أهمها:
الأمر الأول: انه بعد أن ثبت استحالة كون القصة في القرآن كاذبة أو موهومة، تعين كونها صادقة وصحيحة، لوجود التقابل بين الكذب والصدق. فإذا انتفى احدهما ثبت الآخر.
نعم، لهما ضد ثالث وهو السكوت. إلا أن السكوت ضد الكلام. والقرآن من سنخ الكلام وليس سكوتاً. وإذا لاحظنا الكلام، كان أمره دائراً بين الصدق والكذب، كما هو الحال في كل (خبر). ولا مورد للسكوت فيه. فإذا استحال الكذب تعين الصدق وهو المطلوب.
الأمر الثاني: قال الله سبحانه في كتابه الكريم: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ
ــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
قِيلاً، فهو يشهد بصدق كل ما قاله هو سبحانه وتعالى. من وحي وقرآن ونحو ذلك، فيتعين كون القرآن صادقاً.
فإن قيل: إن الكلام الآن في وجود الوهم في القرآن الكريم فكيف نستدل بآياته على ذلك. إذ لعل هذه الآية الكريمة موهومة أيضا.
قلنا: كلا. فان الكلام ليس إلا عن مطابقة القصص القرآنية للواقع التاريخي أو كونها وهمية. وأما وجود الوهم في غير ذلك من آيات القرآن الكريم، فهو خارج عن هذا البحث. وينبغي ان نأخذ مسلَّماً بصفتنا مسلمين ان كل ما يقوله القرآن الكريم فهو حق.
ومن المعلوم ان قوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ليس من القصص القرآني. فيتعين صدقه. فيتم الدليل.
الأمر الثالث: انه ثبت في (علم الأصول) ان ظاهر القرآن حجة. ولا شك ان ظاهر القرآن في قصصه هو مطابقتها للواقع، فتتعين حجيتها من هذه الناحية، ويلزم الإيمان بمطابقتها.
الأمر الرابع: ان القرآن يشهد في عدد معتد به من آياته بمطابقة قصصه للواقع التاريخي. مثل قوله: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ. وقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ. ولا شك ان أحسن القصص هي الواقعية وليس الوهمية.
وكذلك قوله: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. أي خبره وقصته، التي حدثت فعلا. وقوله: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إذ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ. وقوله تعالى: وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إذ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ. وقوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، إلى غير ذلك من أساليب البيان القرآني.
ــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وشهادة القرآن بصحة قصصه، ليست من القصص لكي نحتمل دخول الوهم فيها، كما سبق أن اشرنا، بل يجب أن نأخذ هذه النصوص مسلّمة الصحة.
الأمر الخامس: أن القصة الوهمية تعتبر كذباً، وان قلنا إن هذا النوع من الكذب ليس بمحرم. إلا انه نقص. والله تعالى يجل عن النقص بكل أشكاله. فيتعين عدم وجود الوهم في قصص القرآن.
وقد يخطر في البال: ان ما ثبت في (علم الكلام) هو عدم وجود النقص في ذاته سبحانه وتعالى، باعتبار منافاته مع صفة (واجب الوجود) الثابتة له سبحانه. وهذا غير وجود النقص في أفعاله فانه مما لم يثبت عدم النقص فيها. بل المشاهد من قبل الجميع وجود النقصان في الخلق عموماً. والخلق من فعل الله سبحانه. إذن، ففعل الله يمكن أن يكون ناقصاً، ولا شك إن كلام الله من فعله وليس عين ذاته، فلا يشمله دليل الاستحالة المشار إليه.
وجواب ذلك: ان دليل عدم النقص، كما هو شامل لذاته المقدسة جل جلاله، كذلك هو شامل لأفعاله سبحانه. لأن أفعاله ان كانت ناقصة لزم النقص في ذاته سبحانه.
وملخص الدليل على ذلك: ان النقص الذي يوجده الله سبحانه وتعالى في خلقه لا يخلو من احتمالات كلها باطلة:
أولاً: انه جاهل بكونه نقصاً ويتخيل كونه كمالا.
ثانياً: انه عاجز عن إيجاد الكامل وترك الناقص.
ثالثاً: انه محتاج في ذاته لإيجاد الناقص فهو يوجده لحاجته إليه.
رابعاً: انه مجبور على إيجاد الناقص وترك الكامل.
ــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وحيث ان كل هذه الاحتمالات باطلة. إذن، يتعين إيجاد الكامل في أفعاله وأقواله. لأنه هو مقتضى الحكمة اللامتناهية والقدرة اللامتناهية.
فإن قيل: فكيف نفسر ما أشرنا إليه من وجود النقص فعلا في الخلقة الموجودة، وهل وجود الشيء إلا دليل إمكانه؟ ولو كان ممتنعاً لما كان موجوداً.
قلنا: كلا، ليس في الخلقة أي نقص. وإنما يمكن ان نفسر هذه الظواهر المشهودة بعدة أمور، مضافا إلى أمور لا يعلمها إلا باريها:
الأمر الأول: إننا نتوهم النقص لرغبتنا بخلافه فنحن نرغب بالغنى فنتخيل كون الفقر نقصاً. ونرغب بالصحة فنجد ان المرض نقص، وهكذا. فإنما نتخيل النقص لأنه على خلاف الرغبة والمطلوب من قبل أنفسنا الأمارة بالسوء لا أكثر ولا اقل.
الأمر الثاني: ان عدداً من هذه الأمور التي تحسبها من النقائص هي مطابقة للعدل، فلو كانت على خلاف ذلك لما كانت عدلا. والله سبحانه عادل وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.
وأوضح أسباب الالتفات إلى كونه عدلا كونه من العقوبات المعجلة على ذنوب ومعاصي ارتكبها عدد من الناس. اعني العقاب في الدنيا قبل الآخرة.
الأمر الثالث: ان عدداً من هذه الأمور التي نحسبها من النقائص، إنما هي مطابقة للحكمة، أي للأهداف المتوخاة من خلالها، فلو كانت على خلاف ذلك لكانت على خلاف الحكمة، مع انه يستحيل ان يتصرف الحكيم على خلاف حكمته.
وأوضح أسباب الالتفات إلى كونه حكمة، كونه مناسباً مع مستوى الفرد صاحب العلاقة. بل الأمر كما قيل: ليس في الإمكان خير مما كان. وكذلك
ــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ما ورد بما مضمونه عن الله سبحانه: (انه رُب فقير لو أغنيته لظلم نفسه. ورُب مريض لو صححت جسمه لظلم نفسه وأدى ذلك إلى عصيانه وكفره). وهكذا.
الأمر الرابع: ان عدداً من هذه الأمور التي نحسبها من النقائص، إنما هي مطابقة مع موضوعاتها، لأن الموضوع الناقص أو المحدود، لا يحتمل العطاء غير المحدود. ولاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا. فيتعين ان يكون عطاء المحدود محدوداً.
وكون الموضوع محدوداً ليس نقصاً حقيقياً، وان كان نقصاً عن الكمال اللامتناهي، بل المحدودية متعينة في كل الخلق. لأن اللامتناهي هو الله سبحانه الخالق العظيم. وأما ما سواه فهو محدود ناقص. إلا ان هذا النقص ليس هو محل الإشكال. بل هو النقص الآخر بحيث يكون الموضوع غير موافق للمعقول أو للعدل أو الحكمة. وقد عرفنا الآن استحالة وجوده.
ــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل الذمي

هل فكرت بهذا الاصطلاح الموجود في الفقه الإسلامي. ومتى يكون الإنسان ذمياً، وما هي حقوق وواجبات الذمي في المجتمع المسلم؟
فهذا ونحوه، ما نحاول إيضاحه خلال هذا الفصل.
لا يكون الذمي إلا كافراً كتابياً. أما كونه كافراً فلأنه ليس بمسلم. وأما كونه كتابياً، فلأنه من احد الأديان الكتابية، وهي الأديان السماوية التي أُنزلت عليها الكتب السماوية، والمقدار المتيقن انطباقه على هذا الاسم هو دين اليهود ودين النصارى. ومن ثم فاليهود والنصارى كتابيون يقيناً، والقرآن واضح بإنزال كتاب التوراة على نبي اليهود موسى بن عمران ، وإنزال كتاب الإنجيل على نبي النصارى عيسى بن مريم المسيح .
وهناك اثنان من الأديان، قال عنهما الفقهاء ان لهما شبهة كتاب. يعني احتمال وجود كتاب منقرض وتالف خلال الأجيال. ومن هنا اختلفوا حيث ألحقهم بعضهم بحكم أهل الكتاب وبعضهم نفاهم عنه. وقد نفيناه وليس الآن مجال بحثه.
وأهل الكتاب لهم عدة أحكام في الشريعة نذكر أهمها مختصراً:
أولا: طهارة أهل الكتاب أو نجاستهم حيث ذهب الأكثر إلى نجاستهم
ــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وقلنا مع بعض الفقهاء الآخرين، بطهارتهم.
ثانياً: الزواج مع أهل الكتاب، حيث قال المشهور بمنعه وخاصة إذا كان بالعقد الدائم. وذهبنا مع خلاف المشهور إلى المنع.
ثالثاً: طعام أهل الكتاب، كما قال الله سبحانه: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ. فهل هو خصوص الحنطة والشعير أو يشمل اللحم المذبوح؟ اختلف الفقهاء في ذلك أيضا.
رابعاً: صلاحية الكتابيين إلى شرائط الذمة دون غيرهم من المشركين. فان سائر المشركين مخيرون بين القتل والإسلام، وأما الكتابيون فمخيرون بين الإسلام والقتل وقبول شرائط الذمة، كما سيأتي شرحها. وبذلك اكتسبوا مزية إسلامية أفضل من سائر الكفار جميعاً. وهذه المزية إجماعية بين الفقهاء ومتواترة في الأخبار، وثابتة بين الفريقين.
خامساً: أن هناك دية في قتل الكتابي عمداً أو خطأ، بخلاف سائر الكفار والمشركين، فانه لا دية في قتلهم، والسر في ذلك هو قبول الذمي بشرائط الذمة، فيكون من نتائج ذلك كون قتله محرماً. ويكون من نتائجه أن عليه الدية.
ودية الذمي وان اختلفت عن دية المسلم، كما اختلف دينه، إلا انه مع ذلك له المزية على سائر المشركين في ذلك.
فهذه أهم الأحكام التي اهتم بها الفقهاء في صدد الكتابيين، وقد عقدنا هذا الفصل لخصوص الحديث عن شرائط الذمة، التي يكون بها الكتابي ذمياً.

شرائط الذمة :
عندما يسيطر المجتمع المسلم على مجتمع كتابي، ويدخل تحت سيطرته
ــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وسلطته. فانه تبدأ المحادثات فوراً من اجل إقرار شرائط الذمة بين الطرفين. تجنباً من قبل كلا المجتمعين عما سيحدث من القتل وإراقة الدماء.
لأن الخيار النظري إنما هو بين ثلاثة أمور: الإسلام أو القتل أو قبول شرائط الذمة. فبعد تجنب احتمال القتل يكون كلا الاحتمالين الآخرين حقناً للدم من ناحية، وشكلا من أشكال النصر للإسلام والمسلمين أيضا. سواء اختار المجتمع الكتابي دين الإسلام أو اختار شرائط الذمة.
وننقل فيما يلي ما قلناه بهذا الصدد في كتابنا (منهج الصالحين) (1) ثم نعلق عليه، بما هو المناسب مع هذا الكتاب.
قلنا إن شرائط الذمة ستة:
الأول: الموافقة على دفع الجزية.
الثاني: أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان ضد المسلمين، مثل العزم على حرب المسلمين أو إمداد المشركين بالمال والسلاح.
الثالث: أن لا يؤذوا المسلمين كالزنا بنسائهم واللواط بصبيانهم والسرقة لأموالهم، وإيواء عين المشركين ضدهم.
الرابع: أن لا يتظاهروا بالمنكرات، كشرب الخمر والزنا واكل لحم الخنزير ونكاح المحارم. ومن ذلك أن يحدثوا كنيسة جديدة أو بيعة. أو يضربوا ناقوساً. وما شاكل ذلك.
الخامس: أن يجري عليهم أحكام المسلمين من ناحيتي الولاية والقضاء.
السادس: أن لا يربوا أولادهم بالمنع عن معرفة الدين الإسلامي ولا غير أولادهم ممن يريد ذلك. بل يجب عليهم إعطاؤهم الحرية والاختيار في الدين
ــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر ج2 ص243 وما بعدها.
كمطالعة الكتب الإسلامية وحضور مجالس المسلمين ونحو ذلك. فإنهم بطبيعة الحال سوف يختارون الطريقة الموافقة للفطرة وهي الإسلام. كما ان الدين الإسلامي أعمق وأوضح في العقل مما سواه.
فلو اشترطت عليهم هذه الشرائط أو غيرها، وجب على الكفار الالتزام بها، وان اخلّوا بها مع الشرط، فقد اخلوا بالذمة وخرجوا عن ذمة الإسلام. وأما الشرطان الأولان فحاصلان على كل حال. بمعنى أنهم يخرجون عن الذمة بنقضهما أو احدهما ولو لم يشترطا بصراحة في العهد.
وطرف الذمة من المسلمين هو الإمام أو نائبه وهو المشرف الرئيسي على تطبيق الشروط. وطرفها الآخر هم أهل الكتاب من النصارى واليهود والمجوس دون غيرهم. بل لا يخلو إلحاق المجوس من إشكال، فضلا عن الصابئة. ونتيجتها أنهم إذا التزموا بالشروط يرتفع عنهم القتال والاستعباد ويقرون على أديانهم. ويسمح لهم بالسكنى في دار الإسلام آمنين على أنفسهم وأموالهم. بل يجب ضمان الدفاع عنهم إذا اعتدى عليهم معتد. فان هذا هو معنى دخولهم في ذمة الإسلام، كما يجب عليهم أن يدافعوا عن المسلمين لو حصل الاعتداء عليهم. ولكن لو تركوا ذلك فقط،لم يخلِّو بشرائط الذمة. ما لم يكن مشترطاً عليه في العهد الأصلي.
وقلنا(1) هناك أيضا. أحكام الذمة وشرائطها مشروعة عندما يكون الحرب والجهاد مشروعاً، هجوماً أو دفاعاً، وأما بدونه فلا. ومنه يظهر انه ليس في أيامنا هذه من الكفار ممن هو من أهل الذمة لعدم تحقق هذه الشرائط ولا تلك.
وفي مسألة أخرى قلنا(2): لا يجوز لأهل الذمة إحداث الكنائس والبيع
ــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر السابق ص345.
(2) المصدر ص347.
والصوامع والأديرة وبيوت النيران في بلاد الإسلام، والبلاد الداخلة في ذمة الإسلام. وإذا أحدثوها خرجوا عن الذمة، فلا أمان لهم بعد ذلك. هذا إذا اشترط عدم إحداثها في ضمن العقد وهو العهد الأصلي. وأما إذا لم يشترط لم يخرجوا منها. ولكن لولي الأمر هدمها إذا رأى فيها مصلحة ملزمة.
وأما إذا كانت هذه الأمور موجودة قبل الفتح. فإما أن يشترط إزالتها في العهد الأصلي أو لا. فان اشترط وجب إزالتها وان رفضوا خرجوا عن العهد. وان اشترطوا استمرارها وجب الالتزام لهم. وان لم يشترطوا شيئاً، فان كان بقاؤها منافياً مظاهر الإسلام وشوكته، فعلى ولي الأمر هدمها وإزالتها. وإلا فلا مانع من إقرارهم عليها.
أقول: وأما الجزية الموضوعة على المجتمع الكتابي، والتي تمثل الشرط الأول والأساسي في عهد الذمة، فهي لها جهات ثلاث:
أولا: من حيث توزيعها على الرؤوس أو الأشخاص.
ثانيا: من حيث تقدير كميتها ونوعيتها.
ثالثا: من حيث تقسيطها وتوزيعها على الزمان.
أما عن الأول فقد قلنا(1) في المصدر المشار إليه:
وضع الجزية على الرجال البالغين، وكل من يتجدد بلوغه منهم متعين سواء كان حراً أم عبداً، سفيهاً أم رشيداً، غنياً أم فقيراً، وأما وضعها على النساء والأطفال والمجانين، فهو -على الأقوى- موكول إلى تشخيص الإمام أو نائبه للمصلحة.
وأما عن الثاني فقد قلنا(2):
ــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر: ص346.
(2) المصدر والصفحة.
لا تقدير لمقدار الجزية، بل أمرها إلى الإمام أو نائبه فان ذكرها في أصل المعاهدة لم يجز تعديه. وأما لو أطلق كان له أن يعين ما شاء. ولا يشترط تساوي الجزية لكل أفراد المجتمع، بل يمكن اختلافها،حسب ما يرى الإمام المصلحة فيه.
وأما عن الثالث فقد قلنا(1):
لا تقدير لزمان الجزية، بل أمرها موكول إلى الإمام أو نائبه من ناحيتين:
الناحية الأولى: استمرار دفعها لسنوات محدودة أو مطلقاً.
الناحية الثانية: تقدير المدة بين أقساطها، كشهر أو ستة أشهر أو سنة أو أكثر، وان كان الأشهر والأفضل والأحوط تحديد العام الواحد.
وإذا اسلم الذمي قبل نهاية الحول أو بعدها وقبل الأداء، سقطت الجزية عنه.

الاستنتاج الفقهي:
وعلى أي حال، يمكن أن يستنتج من هذا الاتجاه الفقهي عدة أمور:
الأمر الأول: أن المجتمع المسلم إنما يستطيع أن يفرض هذه الشرائط، إذا حصل على السيطرة الكاملة على المجتمع الكافر، وكان الكفار مغلوبين تماماً، كما يفترض الفقهاء حصوله دائماً. باعتبار أن الجانب المسلم يمثل (الله سبحانه) وكل من يمثل الله لا يخيب. أو باعتبار أن الجانب المسلم متمحض في التوكل على الله سبحانه وكل من كان كذلك لا يخيب. أو باعتبار أن الجانب المسلم أقوى عاطفة وأشجع قلباً من الجانب الكافر، وكل من كان كذلك لا يخيب ولا يفر.
ــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر والصفحة.
وفي الكتاب الكريم ما يدل على ذلك، منها قوله تعالى: لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ. وفي آية أخرى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى. لأنهم إنما يدافعون عن دنياهم، وإنما يدافع المسلمون عن آخرتهم ودينهم. فهدفهم أعمق وأدق وأكثر عدولا وشمولا، فيكون الفوز لهم دائماً.
ومن هنا لم يفترض الفقهاء بالجيش الإسلامي الاندحار أو الفرار. ولا توجد مسألة في (كتاب الجهاد) تعطي الفتوى بأن الحكم عندئذ ماذا سوف يكون. كأن هذا الاحتمال غير معقول في نظرهم إطلاقا، بل الجيش المسلم منتصر ومتقدم لا محالة.
وهذا صحيح تماماً في الجيش المتكامل دنيوياً وأخروياً. اعني ان يكون شعوره الديني وطاعته لله بكل أفراده أو اغلبهم، متكاملة وصحيحة.
أما إذا كانوا مجموعة من الناس العصاة والمصلحيين والمقصرين تجاه الله سبحانه وتجاه دينه، كما هم غير مدركين لهدفهم الدنيوي فضلا عن الأخروي. وإنما تقدموا مثل هذا التقدم لمجرد إطاعة الحكم الشرعي أو لأهداف دنيوية خالصة، فمثل هذا الجيش لا يوجد أي ضمان لفوزه وانتصاره.
ويوجد في الكتاب الكريم ما يدل على ذلك أيضا وهو قوله سبحانه: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. وهذا يعني أن الخطوة الأولى من العبد والثانية من الرب. فيجب أولا: أن يكون العبد ناصراً لله سبحانه لكي يكون الله ناصراً له. ولا ولن يكون العبد كذلك إذا كان ناقصاً في فهمه أو في إطاعته للدين.
الأمر الثاني: إن شرائط الذمة لا يتعين فيها إلا اثنان، وهما الشرطان الأولان من الشرائط الستة السابقة، وأما الشرائط الأخرى، فيتبع في تعيينها وزيادتها ونقصها، وضع المجتمع الفعلي، والمصلحة الوقتية عند وضع الشروط.
ــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وإنما ذكر الفقهاء هذه الشروط كنماذج للشرائط التي تكون غالباً موافقة مع المصلحة العامة.
الأمر الثالث: قد يقال: انه إذا كان المجتمع الكافر ساقطاً بيد المسلمين وخاضعاً لهم، فما الحاجة إلى وضع الشروط وهي لا تزيد بهم عن الحال الذي هم فيه؟ نعم، لو كان فيهم بقية من القوة المحتملة للضرر بالإسلام، كانت الحاجة إلى الشروط ملحة عندئذ.
وجواب ذلك: ان الحاجة إلى هذه الشروط موجودة على أي حال، لعدة أمور نذكر أهمها:
أولا: تحديد وفهم ما ينبغي العمل عليه تجاه المجتمع الكافر بصيغة محددة لا غبار عليها. من حيث ان الإجمال والتشويش في الفكرة من هذه الناحية يحدث مضاعفات غير محمودة. أوضحها استغلال بعض الأطراف مصالحه الشخصية في العلاقة مع ذلك المجتمع.
ثانياً: دفع احتمال تجدد القوة والمكر داخل المجتمع الكافر ضد المسلمين. فإنهم وان كانوا خاضعين وقتياً، إلا أن ذلك قد لا يستمر طويلا، إلا برقابة وحذر واضحين.
ثالثاً: تحديد الحال الذي يكون المجتمع الكافر داخلا تحت ذمة الإسلام بحيث يجب علينا حفظه بل الدفاع عنه كما سبق. من الحال الذي يكون به ذلك المجتمع خارجاً عن ذمة الإسلام ويجب محاربته والقضاء عليه.
وإدراك ذلك أمر حدي ومصيري، ولا يمكن إهماله، ومع إهماله لا يكون أي شيء قابلا للتحديد بعد ذلك. إذن، فهذه الشروط هي التي تكون حداً لذلك.
الأمر الرابع: انه قد يقال: إن الشخص الذي يعتبر نفسه أو يعتبره المجتمع الكافر قائداً له أو ملكاً عليه ونحو ذلك، ليس له ولاية شرعية على المجتمع
ــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
من وجهة النظر الإسلامية، فكيف يستطيع أن يعطي العهد نيابة عنه؟ وكيف يجوز للمجتمع المسلم أو إمامه ان يرضى بمثل هذا الشخص طرفاً في المعاهدة؟
وهذا ما سبق أن اجبنا عنه في (كتاب الصلح) (1) من كتابنا هذا وقلنا بإمكان ذلك، ولو باعتبار رضاء الولي العام المسلم بذلك الطرف(2). الأمر الذي يجعله حجة بينه وبين الله. ومثلَّنا له بأمثلة عديدة، فراجع.
الأمر الخامس: أن المجتمع الكتابي بعد قبوله لشروط الذمة يجب حفظ نفوسه وأمواله عن اعتداء المسلمين وغيرهم أفراداً كانوا أو جماعات. كما يقر على دينه وطقوسه وعاداته. وتكون له حرية نسبية من هذه الجهة. وقد سبق في الشروط ما يحدد حريته في ذلك.
ومن أوضح تطبيقات ذلك: أن الإعلام المسلم يكون منتشراً، في حين لا يجوز انتشار الإعلام الكافر بحيث يصبح سبباً لضرر الفرد المسلم أو المجتمع المسلم أو ارتداد بعض المسلمين عن دينهم، أو منع تربية الأطفال غير المسلمين عن التربية الإسلامية، كما سبق فضلا عن تربية الأطفال المسلمين أنفسهم.
الأمر السادس: انه من نتائج قبول هذه الشرائط، إمكان اختلاط أفراد المجتمعين المسلم والكافر ببعضهم البعض، اختلاطاً غير محدود، من جميع الجهات المنظورة والجائزة في الشرع الإسلامي. وخاصة إذا قلنا بطهارة أهل الكتاب، كما هو مختار المؤلف فقهياً، وقلنا بجواز التزاوج معهم، كما عليه جملة من الفقهاء. فسوف يكون الاختلاط كاملا من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والأسرية كذلك.
ــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر ما وراء الفقه ج5 ص141 وما بعدها.
( ) المصدر ص144.
الأمر السابع: ان كل شخص دخل في الإسلام منهم سقطت عنه الجزية بل خرج تماماً عن صفته طرفاً للعهد الأصلي بكل شروطه. فقد كان بصفته احد الكفار له ما لهم وعليه ما عليهم. والآن أصبح أخاً في الإسلام وفرداً من المسلمين له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. في حين ان هذه الشروط فرضت على الكفار لا على المسلمين. إذن، فبعد دخوله في الإسلام لا يفرض عليه شيء منها.
الأمر الثامن: إن فرض الجزية على المجتمع الكتابي، وهو أوضح شرائط الذمة وأوضح الموارد التي تخل بهذه الشرائط مع عصيانها.
هذا الفرض هو من ضروريات الدين، ونص الكتاب الكريم يمكن أن نفهم له المصالح التالية، بالرغم من إن المصالح في الأحكام الإلهية منوطة بالحكمة الإلهية نفسها، إلا أننا يمكن أن ندرك منها ما يلي:
أولا: دعم الاقتصاد في المجتمع المسلم أفراداً وجماعات، من حيث أن هذه الأموال التي تجتمع بالجزية أموال طائلة، يمكن استخدامها بإخلاص أو توزيعها لقضاء كثير من الحاجات الخاصة والعامة.
ثانيا: إظهار عزة الإسلام وهيمنته على الجانب الكافر، من حيث يشعر الجانب الآخر بالذلة والتصاغر أمام تلك العزة والهيمنة. وهذا منصوص في القرآن الكريم قال الله تعالى: حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. وقال جل جلاله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ. وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يعني لما نزل قبله من الكتب السماوية. وهي كتب (أهل الكتاب) و (الذميين).
ثالثاً: جعل حد أساسي في المصالحة أو المحاربة مع المجتمع الكتابي. وذلك عند دفعه أو عدم دفعه للجزية.
ــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ومن الصحيح إن عدم التزامه بسائر الشروط يكون سبباً لنقضها وانتفاء الصلح. إلا أن للجزية الأثر الأهم في ذلك، لأنها الجزء الأهم في نظر الإسلام من كل تلك الشروط.
هذا ولا يوجد نص في الشريعة ينافي صرف هذه الأموال أو بعضاً منها على المجتمع الكتابي نفسه. فان المهم فيها هو صرفها في مصلحة الدين وبأمر إمام المسلمين. ويمكن ان يكون ذلك في صرفها في المجتمع المسلم كما يمكن أن يكون في صرفها في المجتمع الكتابي أو في أية وجهة أخرى.
الأمر التاسع: كانت الفقرة الخامسة من العهد: أن تجري عليهم (يعني أهل الكتاب) أحكام المسلمين من ناحية الولاية والقضاء.
أقول: انه يمكن تقسيم أحكام المسلمين من هذه الناحية إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الفتوى أو الحكم الشرعي في (فروع الدين) كأحكام الصلاة والزكاة وغيرها. وهذا لا يحتمل شموله للكتابيين قسراً. بعد الذي سمعناه من الشريعة من إمكان إقرارهم على دينهم. ما لم يدخلوا طواعية في الإسلام أفراداً أو جماعات.
بل ان ذاك غير خاص (بفروع الدين) بل شامل حتى (لأصول الدين) فان الكتابيين يختلفون عن المسلمين في عدد منها. وان كان بعضها متفقاً عليه كالتوحيد ويوم القيامة.
القسم الثاني: القضاء. وهو الفصل بين المتخاصمين.
فان مقتضى القاعدة الأولية المنصوصة في القرآن، هو ان يكون القاضي المسلم مخير بين الحكم بين المتخاصمين الكتابيين بحكم الإسلام أو تركهم يترافعون إلى قضائهم ليحكموا بأحكام دينهم نفسه. وهذا من أشكال الحرية التي تمنح لهم في ظل الإسلام. قال الله تعالى: فَاحْكُم بَيْنَهُم أو أَعْرِضْ عَنْهُمْ
ــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً.
إلا إن الإعراض عنهم، لا يعني التحويل الفعلي على قضائهم أو الاعتراف بأحكام دينهم. بل الاعتماد على أنهم يفعلون ذلك تلقائياً, بدون توجيه إسلامي.
كما لا يعني تنصيب قضاة غير مسلمين من قبل إمام المسلمين. حتى وان كان لأجل الحكم بين الكفار أنفسهم.
كما لا يعني أيضا تعين ذلك ولزومه على إمام المسلمين، بل له ان يختار القضاء الإسلامي فيهم. كما له أن يشترط ذلك في العهد الأصلي. وإذا تم هذا الشرط فليس له أن يعرض عنهم بعد ذلك، بل يتعين عليه وعليهم الرضا والتسليم للقضاء الإسلامي.
القسم الثالث: الولاية للولي العام المسلم. فان حكمه بالولاية نافذ في المجتمع المسلم بمقدار ما دل عليه الدليل المعتبر شرعاً. فكذلك سيكون نافذاً في المجتمع الذمي تماماً. ولا يجوز لهم رفض أحكامه تلك. بل تكون ألزم عليهم من أحكام الحكام المجانسين لهم في الدين. لأن حكم الولي العام نافذ عليهم وعلى حكامهم أيضا.
الأمر العاشر: إن تعيين المسؤولين المشرفين على إدارة وحكم المجتمع الكتابي. هل يجب أن يكونوا من المسلمين أم يمكن أن يكونوا من الكتابيين أيضا؟
إن ذلك غير منصوص بوضوح في كلام الفقهاء، لأنه لم ينزل إلى حيز التطبيق خلال الأجيال الإسلامية حتى الآن. ومن هنا قد يغفل الفقهاء عن التفكير فيه.
إلا أن ذلك يمكن تقسيمه إلى عدة مراحل:
ــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المرحلة الأولى: تعيين مسؤولين مسلمين على المجتمع الكتابي، كما إن المسؤول الأهم والأكبر مسلم أيضا. وهو الإمام أو نائبه. وهذا ما يميل إليه مشهور الفقهاء ارتكازاً، وإذا اقتضته المصلحة الإسلامية فلا يجوز تجاوزه إلى غيره، قطعاً. كما لو لم يكن هناك فرد صالح من غير المسلمين لهذه المهمة، أو كان كلهم متعصبون ضد المسلمين.
المرحلة الثانية: تعيين مسؤولين على أي مجتمع كافر، من الكفار أنفسهم، إلا أنهم على غير دينهم، كتعيين اليهود على النصارى أو النصارى على اليهود، في المجتمع المنغلق أو المتمحض في إحدى الديانتين فهذا مما لا يجوز قطعاً وخاصة مع احتمال المفسدة على المسلمين أو على المجتمع الذي يتم فيه التعيين.
المرحلة الثالثة: تعيين مسؤولين على المجتمع الكتابي منه، يعني من نفس المنطقة وبنفس الدين. وهذا لا إشكال فيه مع إحراز أن يكون المسؤول مطبقاً لأحكام الإسلام وغير مضر بمصلحة مجتمعه ومجتمع المسلمين معاً.
نعم، تصرفه هناك بالقضاء والولاية، لا يخلو من إشكال، لاشتراط الإسلام في كل ذلك، وأما من يكون كافراً أو ذمياً فلا يمكن ان يكون قاضياً أو والياً. فهذا ما يميل إليه المشهور أكيداً. إلا انه على أي حال موكول إلى اجتهاد الولي الإسلامي العام نفسه. والى تشخيصه للمصلحة. فقد يكون في نظره إعطاء بعض الصلاحيات لأمثال هؤلاء المسلمين، لأجل حفظ المصالح العامة على أي حال.
ولا شك أننا خلال الكلام في هذا الفصل لم نف بأحكام وتفاصيل الذمة كلها، إلا أننا ينبغي ان نكتفي منها بهذا المقدار. ويمكن للقارئ الكريم ان يرجع بالأمور الأخرى إلى فطنته والى المصادر الفقهية الأخرى. والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل التوبة فقهياً

للتوبة جانبان أخلاقي وفقهي، وليس احدهما معزولا عن الآخر حقيقة، ولكنه معزول عنه وظيفة، يعني من حيث وجهة النظر المنظورة في الأخلاق تارة وفي الفقه أخرى.
ونحن هنا ينبغي أولا أن نحيط علماً بمعنى التوبة وحقيقتها أولا، ثم نتوفر لمعرفة حكمها الفقهي. والجانب الأخلاقي للتوبة هو الذي يعطي للتوبة معناها الحقيقي. وإذا تم ذلك شملها الحكم الفقهي، فمن هنا نعرف أن الجانب الأخلاقي اسبق رتبة في هذه الناحية من الجانب الفقهي.
وينبغي لنا أولا أن نأخذها من الناحية اللغوية:
قال ابن منظور(1): أصل تاب عاد إلى الله ورجع وأناب. وتاب الله عليه أي عاد عليه بالمغفرة. وقوله تعالى: وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعاً أي عودوا إلى طاعته وأنيبوا إليه.
أقول: فيكون الأصل في تاب (المثناة) أن تكون بمعنى ثاب (المثلثة) بمعنى رجع أو عاد. كل ما في الأمر أن الرجوع والعودة تستعمل في الجانب المادي من المكان. وأما التوب والثوب فيستعمل للجانب المعنوي، مع فرق
ــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر لسان العرب.
بينهما بأن الثوب يستعمل للجانب العاطفي، يقال: ثاب إلى الهدوء يعني من حزن أو غضب أو تعب ونحوها. والتوب يستعمل للجانب الأخلاقي أو المسؤولية تجاه الغير من ناحية ما اقترف من مظالم أو ذنوب. وكلها تحتوي على جانب العودة من ناحية معنوية. مثل العودة من الهياج إلى الهدوء ومن الظلم إلى العدل.
وهذا يحتوي ضمناً على اعتبار ان الأصل في الإنسان هو الجانب الصالح، وليس الجانب الآخر إلا عارضاً مؤقتاً. فلو صدر الظلم من الفرد كان على خلاف طبعه. وفيه بعد عن أصله. فإذا تاب ورجع إلى العدل، كان راجعاً إلى طبعه الأصلي وخلقته الأولى. وهي الفطرة الحقة التي خلق الله الإنسان فيها.
ومن هنا قالوا في اللغة(1): التوبة الرجوع من الذنب. وفي الحديث الندم توبة. والتوب مثله. وقال الاخفش: التوب جمع توبة. مثل عزمة وعزم. وتاب إلى الله، يتوب توباً وتوبة ومتاباً: أتاب ورجع من المعصية إلى الطاعة.
ورجع تواب: تائب إلى الله، والله تواب يتوب على عبده. وقوله تعالى: غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ. يجوز أن يكون عنى به المصدر كالقول وان يكون جمع توبة كلوزة ولوز. وهو مذهب المبرد.
واستَتَبْتُ فلاناً: عرضت عليه التوبة مما اقترف. أي الرجوع والندم على ما فرط منه. واستتابه: سأله أن يتوب.
وللراغب في المفردات تحقيق آخر، حيث قال: التوب ترك الذنب على أجمل الوجوه. وهو ابلغ وجوه الاعتذار. فان الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم افعل أو يقول: فعلت لأجل كذا. أو فعلت وأسأت وقد أقلعت. ولا رابع لذلك, وهذا الأخير هو التوبة. والتوبة في الشرع ترك الذنب
ــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) نفس المصدر.
لقيمه والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة. فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كمل شرائط التوبة. وتاب إلى الله تذكر ما يقتضي الإنابة نحو: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً – أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ – ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ .. أي قبل توبته منه. لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ – ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ – فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ.
والتائب: يقال لباذل التوبة والقابل التوبة. فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده. والتواب العبد الكثير التوبة… وقد يقال لله ذلك لكثرة قبوله توبة العباد حالا بعد حال… انه هو التواب الرحيم.
أقول: إننا هنا ينبغي أن نفهم معنى واحداً للتوبة، تنطبق على العبد وربه معاً، بحيث يكون صدقه على الجانبين حقيقياً من المشترك المعنوي، ولو اقتصرنا على ما قاله الراغب لكانت التوبة في الله سبحانه مجازاً. لوضوح اختلاف استعمال حرف الجر فيها. فان العبد يتوب إلى الله والله سبحانه يتوب على عبده. والعود خاص بالعبد الذي اختص بالذنب فما هو الوجه في نسبة التوبة إلى الله سبحانه؟
وجواب ذلك، حسب فهمي: إن الذنب حين يصدر من العبد عصياناً لله سبحانه. فانه يترتب على ذلك بُعدان لا بعداً واحداً:
أولا: بُعد العبد عن ربه من ناحية أخلاقية ومعنوية.
ثانياً: بعد الرب عن عبده، نتيجة لسخطه عليه من ذنبه. والرضا ناف لكلا البُعدين، فكما أن العبد يقترب من ربه بعد أن يكون بعيداً، فيصدق عليه انه تاب. كذلك يقترب الرب من عبده، فيصدق عليه انه تاب، وكلاهما شكل من أشكال الرجوع المعتدى.
ــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وإنما سمي رجوعاً وليس مجرد اقتراب، باعتبار أن الأصل في الخلقة تقارب العبد مع الرب تقارباً معنوياً. فإذا حصل الذنب من العبد تباعدا، فإذا حصل الاستغفار تقاربا ثانية. فيكون هذا التقارب تكراراً للتقارب السابق. وهو معنى العود. يعني إلى المكان الذي كانا فيه أو الحال الذي كانا عليه.
فإن قلت: فان رجوع الرب إلى عبده ليس مكانياً فيكون مجازاً كما فهمنا من كلام الراغب في المفردات.
قلنا:
أولا: إن رجوع العبد إلى ربه أيضا. ليس مكانياً، مع إننا فهمنا منه كونه رجوعاً حقيقياً.
ثانياً: إن معنى الرجوع لا يختص بالمكان لغة، بل يشمل غيره حتماً كالرجوع في الزمان. يقال: ذهب أمس إلى غير رجعة. والرجوع في الحال كالثروة. كمن كان ثرياً ثم افتقر ثم عادت إليه الثروة.
إذن، فمن كان راضياً ثم غضب ثم عاد إليه الرضا كذلك. يعني يصدق عليه الرجوع والعود. ولا نريد به إلا ذلك، لأن ذلك البعد ناتج من الذنب الموجب للغضب، والقرب ناتج من الرضا الناتج من التوبة والاستغفار.
كل ما في الأمر أن هذا الرجوع الذي نتحدث عنه، له سبب ومسبب ونحن قبل قليل تحدثنا عن المسبب وهو القرب الناتج بين العبد وربه. وأما سببه فقرب العبد من ربه ناتج من طهارة القلب الناتج من الاستغفار. فكان الاستغفار سبباً للقرب. فسمي توبة أيضا. فتطلق التوبة على كل من السبب والمسبب من جانب العبد. بل هي على السبب اغلب.
وأما قرب الرب من عبده، معنوياً، فهو ناتج من الرضا الناتج من الرحمة. أو قل: الرضا الناتج من الاستغفار. فانه لولا الاستغفار نفسه لم يحصل الرضا. فكان الاستغفار سبباً لكلا التوبتين. وأما الرحمة فهي الرضا بعينه.
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
والى هنا نكون قد مشينا في الفهم مشياً مشهورياً، وهو ان السبب الأصلي في التوبة هو العبد، باعتبار استغفاره. ولكن بعض العارفين يقولون: ان الله تعالى يتوب أولا ثم يتوب العبد، وليس العكس كما عليه المشهور. فإذا تاب الله تعالى على عبده برحمته جعله يلتفت إلى التوبة، فيتوب بدوره، فإذا تاب من جهته أصبحت توبة الله عليه فعلية بعد أن كانت اقتضائية.
أو قل: ان لله توبتان وللعبد توبة واحدة. فالله يتوب على عبده قبل توبة العبد وبعد توبته. وليس للعبد إلا توبة واحدة. ويكون السبب الحقيقي لها هو الله سبحانه بإلفات عبده إليها وتوفيقه نحوها. وإلا لكان سادراً في غيه مستحقاً للعقاب على ذنبه.
نعم، إذا التفت العبد إلى قبول التوبة من قبل الله سبحانه فانه سوف يزداد خشوعاً ورجوعاً إلى الله ورضا عنه. ليكون ممن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ. وعندئذ يصدق عليه أن له رجوعين إلى الله سبحانه احدهما يؤكد الآخر. كما كان لله سبحانه رجوعان إلى عبده احدهما يؤكد الآخر.
بقي الإلماع إلى ما سبق إن قلنا من اختلاف حرف الجر في التوبتين: فالعبد يتوب إلى ربه والرب يتوب على عبده. فكيف كان هذا الاختلاف مع ان معناهما مشترك في اللغة؟
وجواب ذلك: أننا ينبغي أن نلتفت إلى السبب الأساسي الذي كان سبباً للبعد السابق على هذا القرب الحاصل بالتوبة. وذاك السبب هو الذنب. يقال: تاب العبد عن ذنبه. ويقال: تاب الرب عن عبده، يعني عن ذنب عبده. فأصبح حرف الجر واحداً أو ليس متغايراً.
وقد يخطر في البال: أن التوبة إذا كانت بمعنى الرجوع فيكون الأنسب استعمال حرف (إلى) لا حرف (عن). قلنا: هذا باعتبار تضمن التوبة للإعراض عن الذنب وعدم الالتفات إليه واعتباره كأنه لم يحدث. يقال: اعرض عنه
ــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ورجع عنه.
ثم انه باعتبار ان التوبة متضمنة للرجوع، أخذت حرف (إلى) أيضا. وهو المستعمل في القرآن الكريم مكرراً  أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ . فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً.
فإن قيل: فان هذا الرجوع مشترك الصدق بين العبد وربه. فكل منهما يرجع إلى الآخر. مع ان حرف (إلى) يستعمل في العبد ولا يستعمل في الرب. فلا يقال: تاب إلى عبده بل تاب على عبده. فلماذا حصل هذا الاختلاف؟
وجواب ذلك: إن استعمال حرف (على) يكون بأحد سببين:
أولا: الالتفات إلى الاستعلاء الإلهي على العبد باعتبار الامتنان عليه والرحمة به وغفران ذنبه.
ثانيا: إن (على) مستعملة بمعنى (عن). يعني تاب الله عن عبده، يعني عن ذنب عبده، وهو استعمال صحيح لكلا الحرفين. وقد تستعمل الحروف بعضها بمعنى بعض في موارد كثيرة.
هذا مضافا إلى أننا يمكن أن ننكر عدم صحة استعمال (إلى)، ونقول لا بأس بأن يقال: تاب الله إلى عبده، إذا تضمن معنى الرجوع في عالم المعنى، كما سبق أن قرّبنا. فهو استعمال صحيح وان لم يكن غالباً أو متعارفاً.
ومن هذا ونحوه نفهم أن الارتداع عن الذنب توبة. وليس كل ارتداع توبة حتى وان كان عن المباحات أو عن الواجبات. بل التوبة هو الرجوع بعد البُعد، كما عرفنا. إذن، فيجب أن يكون العمل قد أنتج بعداً ليكون الرجوع صادقاً وحقاً. وهذا العمل ليس إلا الذنب يعني عمل أي مرجوح من حرام أو قبيح أو مكروه أو مستهجن ونحوها.
وأما عمل المباحات فضلا عن الواجبات، فلا يوجب بعداً عن الرب،
ــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ليصدق الرجوع وهو التوبة، بالارتداع عنه، بل يكون الارتداع عنه ذنباً موجباً للعبد بدوره. وتكون التوبة بالرجوع إلى ذلك العمل.

كيف تحصل التوبة؟
تحصل التوبة من العبد، بعدة مراحل متسلسلة يتبع بعضها بعضا، وهي قد تحصل بتسارع، وقد يكون بينها فاصل زماني قليل أو كثير.
فأول تلك المراحل هو الشعور بالذنب, بعد أن يكون العبد قد ارتكبه. وانه قد تعدى حده وفعل ما لا ينبغي له أن يفعله. ولولا هذا الشعور الذي يكون بالتوفيق الإلهي، لما كان للتوبة مجال. لأن معناه القناعة بالعمل واعتباره صواباً أو الغفلة عنه ونسيانه تماماً. وعلى كلا الحالين لا معنى للتوبة.
المرحلة الثانية: الشعور بالمسؤولية الأخلاقية للذنب. وهو حالة ما يسمى بتأنيب الضمير.
المرحلة الثالثة: الشعور والاعتراف باستحقاق العقوبة على الذنب، لو لم تحصل التوبة.
المرحلة الرابعة: الشعور بإمكان إزالة هذا الاستحقاق عن طريق التوبة. وهذا الإمكان هو من الله ورحمته على عباده وانه “من تاب تاب الله عليه”. ومن هنا قال الإمام السجاد  في الدعاء: “أنت فتحت لعبادك باباً سميته التوبة”.
أقول: ولولا فتح هذا الباب لكان العبد يائساً من رحمة ربه، ومتعيناً عليه العقاب. في حين أن الله تعالى قدم رحمته على غضبه. وهو سريع الرضا تواب على عباده. ولم يعطنا من صفاته انه منتقم على كل حال، بل يختص الانتقام بالمعاندين فقط.
ــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المرحلة الخامسة: الشعور بالندم على ما بدر منه من ذنب. وهي حالة نفسية وجدانية، تتضمن التأسف على الفعل السابق.
المرحلة السادسة: الاعتراف بالذنب أمام الله سبحانه. وعرض نفسه كمجرم أمامه.
المرحلة السابعة: الوعد بأن لا يعود إلى الذنب مرة أخرى وهذه مرحلة ضرورية، وإلا كانت التوبة اقرب إلى الاستهزاء منها إلى الصدق كما ورد في الأخبار.
المرحلة الثامنة: الإيمان برحمة الله وعفوه . . أو قل: الإيمان بالمرحلة الرابعة السابقة التي قطعها الله على نفسه بالرحمة لعباده. فيلتفت العبد إلى ذلك، ويتوقعها من ربه.
المرحلة التاسعة: طلب توجيه هذه الرحمة إليه وتنفيذ ذلك الوعد الذي قطعه الله سبحانه على نفسه بقبول التوبة وإبعاد النقمة كما في الدعاء: (اللهم افعل بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله). فما يكون العبد أهلا له هو العقوبة وما يكون الرب سبحانه أهلا له هو العفو.
وهذه المرحلة هي الاستغفار أي طلب المغفرة والرحمة. ويصدق – نظرياً-: الاسترحام وهو طلب الرحمة والاستعفاء وهو طلب العفو. وان لم يكن استعماله غالبياً.
بل تصدق الاستتابة أيضا، وهي طلب التوبة. لأن طلب التوبة قد يكون من فرد إلى فرد، وهو الغالب. وقد يكون من الرب إلى عبده، كقوله تعالى: أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى اللّهِ. وقد يكون من العبد إلى ربه وذلك بالاستغفار.
وقد عرفنا أن العبد يتوب إلى ربه والرب يتوب على عبده. فكذلك كل منهما يطلب التوبة من الآخر.
ــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وإذا تذكرنا ما قلناه من أن التوبة هي الرجوع، فكما يطلب الرب من عبده الرجوع إليه كذلك يطلب العبد من ربه الرجوع إليه والتوبة عليه, كل ما في الأمر ان الفرق بين الرجوعين ثابت. فرجوع العبد إلى ربه رجوع ذلة وخشوع، ورجوع العبد إلى ربه رجوع عزة ورحمة ولطف.
كما عرفنا من مثل قوله: من تاب تاب الله عليه. إن الله سبحانه مستعد لإجابة طلب عبده وراغب بالتوبة عنه والرجوع إليه.
وعندئذ تجتمع الرغبتان وتتوافق الإرادتان في رجوع بعضهما إلى بعض اعني: العبد والرب. فلا يبقى لهذا الرجوع مانع ولا يوجد عنه دافع. فيحصل الرجوع والتقارب المعنوي بين العبد وربه من جديد. وبذلك تكون التوبة قد حصلت وأنجزت.
أقول: فهذه هي المراحل الضرورية لحصول التوبة. ولولا أيّ واحدةٍ منها فإنها منتفية لا محالة. ولا معنى لحصولها.
وقد تقترن التوبة بأمور أخرى راجحة أهمها:
أولا: الخشوع، وهو الشعور بالذل أمام الله سبحانه، ولا أقول بالتذلل، لأنه معنى التصنع في حين أن الذل أمامه تعالى هو الذل الحقيقي والعميق دون غيره.
ثانياً: زيادة الدعاء والتضرع أو الضراعة. وهي حالة نفسية تعبر عن مزيد الشعور بالحاجة إلى المطلوب الموافق مع مزيد الطلب لحصوله والدعاء من اجله.
ثالثاً: البكاء، خوفاً من الذنب أو خوفاً من العقوبة أو خوفاً من الله سبحانه أو طمعاً برحمته وغفرانه أو طمعاً بثوابه أو شوقاً إلى رضوانه. إلى غير ذلك من المقاصد.
ــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
رابعاً: الكون في مظان إجابة الدعاء. فان الدعاء سبب للتوبة، فتكون مظان الإجابة مظاناً للتوبة أيضا.
ومظان الدعاء قد تكون مكانية، كالمساجد والمراقد المقدسة والكعبة الشريفة وغير ذلك.
وقد تكون زمانية كيوم الجمعة أو شهر رمضان أو ليلة القدر أو احد العيدين الفطر والأضحى وغير ذلك.
وقد تكون حالية، يعني من حال الفرد. وهي الشعور بالانقطاع إلى الله عز وجل. وانه لا يستطيع قضاء حاجته احد من الخلق على الإطلاق.
وهذا ينتج من حالة دنيوية وهي زيادة الاضطرار إلى التوبة، نتيجة للضرورة الحاصلة من الفقر أو المرض أو الاغتراب أو غير ذلك. كما ينتج ذلك من حالة أخروية أو معنوية، وهي مقام انتفاء الأسباب والتمحض برب الأرباب.
كما قد تكون مظان الدعاء تكوينية، كوجود عاصفة رملية أو ثلجية أو مزنة من المطر أو زلزلة أو غير ذلك. فإنها توجب الالتفات والتنبه إلى طاعة الله وأهمية الحصول على رحمته ورضاه. ومثل ذلك ما إذا كان الفرد في حال اقرب إلى احتمال الخطر، كما لو كان في سفينة في البحر أو طائرة في الجو أو دابة في الصحراء. فعندئذ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ.

نتائج التوبة:
المفروض في العبد التائب، وهو الراجع إلى الله سبحانه معنوياً، أن يبقى على رجوعه ويثبت في موضعه لا أن يعود إلى الابتعاد عن الله ويتورط في القبائح والذنوب مرة ثانية.
فان العبد إذا تاب تاب الله عليه وإذا رجع إلى الله رجع الله إليه، وإذا ذكر
ــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الله ذكره الله سبحانه فهو تعالى (ذاكر الذاكرين) وإذا شكر الله شكره الله سبحانه، قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ. مع العلم انه تعالى غني عن عباده لا تنفعه طاعة من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه. وإنما كل ذلك من سعة رحمته ولطيف كرمه. وما أخذه الله على نفسه من تقديم رحمته على غضبه.
كما أن العكس صحيح أيضا بالتأكيد، وهو انه إذا ابتعد العبد عن ربه ابتعد ربه عنه، وإذا اعرض عنه اعرض عنه، وإذا انتقده انتقده وإذا غضب عليه غضب عليه، وإذا لم يلب أمره لم يلب أمره. وإذا لم يجب دعوته لم يجب دعوته.. وهكذا.
إذن، فينبغي للعبد ان يحفظ مستواه المعنوي أمام الله سبحانه وذلك من عدة جهات:
أولا: عدم الرجوع إلى الذنب مرة ثانية. فان فيه تورطاً جديداً وبعداً كثيراً. مضافاً إلى انه خيانة الوعد الذي قطعه العبد على نفسه عند التوبة بعدم التكرار، وخيانة الوعد أمام الله سبحانه منتج لأوخم العواقب.
قال الله سبحانه: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ.
فإن قلت: فان العبد لا يعطي وعداً خلال توبته بعدم العود. فلا يكون عوده إلى الذنب خيانة لربه.
قلنا: إذا لم يعط العبد ذلك الوعد، لم تصح توبته أطلاقاً. ومن هنا سبق أن ذكرنا ذلك كمرحلة ضرورية من مراحل حصول التوبة. إذ بدونه يكون حاله ناقصاً كاذباً. لأنه عندئذ لا يكون شاعراً بأهمية مسؤوليته الأخلاقية الرديئة ولا يأسف على ما بدر منه. وإلا لو كان متأسفاً حقاً لكان عازماً عن تنزيه نفسه مما
ــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
تأسف منه. وهذا التنزيه إنما يكون بترك ما جاء به من الذنب وعدم العود إليه. ومقدمة ذلك الوعد بذلك والقصد إليه.
ثانياً: عدم العودة إلى الرضا بالذنب والقناعة بحصوله والرغبة به. وانتفاء الأسف على فعله أو الشعور بالحاجة إلى إنجازه. فان الرضا بالذنب والرغبة به ذنب آخر بل ذنبان احدهما الرضا والآخر الذنب نفسه. فانه يكون كفاعله. كما قيل في الحكمة: (الراضي بفعل قوم كفاعله) فكيف إذا رضي بذنب نفسه؟
وإذا راودته نفسه أو وسوست إليه بالرغبة بالذنب والرضا به، فعلى الفرد كبتها وكبحها وتبكيتها وعصيانها. فإنها الأمارة بالسوء أي بالذنوب. ومنع الشرور ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّه﴾.
وذلك بأن يشعر الفرد تقديم طاعة الله على طاعة نفسه وأهميته على أهميتها، ولذة قربه على لذة قربها ونور طاعته على ظلمة ذنبها. وهل طاعة الله سبحانه إلا خير خالص؟ وهل طاعة النفس إلا شر خالص دنيوياً وأخروياً وعقلا وعقلائياً؟ وفي بعض الأدعية في وصف النفس أنها “تسلك بي سبيل المهالك وتجعلني عندك أهون هالك”.
ثالثاً: عدم الابتعاد المعنوي عن الله سبحانه بعد ان حصل القرب المعنوي منه سبحانه وتعالى بالتوبة والإنابة. بل ينبغي للعبد ان يرغب بزيادة القرب ومضاعفته وشدته، فانه كلما كان أكثر كان أفضل مقاماً وأعلى شأناً وأهم منزلة. وان أعظم القرب هو قرب رسول الله  (قاب قوسين أو أدنى) فهلَّا يطمع العبد ويطمح إلى ما هو قريب من ذلك.
فكيف إذا أهمل ذلك أو غفل عنه وابتعد عن ربه تارة أخرى. بذنوب يتورط بها أو شهوات يطيعها أو مظالم يرتكبها؟
ــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

حكم التوبة فقهياً:
بعد أن عرفنا معنى التوبة بشيء من التفصيل، ينبغي الآن العود إلى النظر إلى حكمها الفقهي، كما هو المناسب لموضوع هذا الكتاب. من حيث احتمال أن تكون واجبة أو مستحبة أو مباحة. ونحو ذلك.
ولعل في بدو النظر يمكن أن نقول: إن حكم التوبة ينقسم إلى الأقسام الخمسة المعروفة. ويكون بالتعاكس مع الفعل نفسه. فالتوبة من الحرام واجبة ومن المكروه مستحبة ومن المباح مباحة ومن المستحب مكروهة ومن الواجب حراماً.
إلا أن هذا مبني على أن تكون التوبة، بمعنى مطلق الترك، الصادق على الأفعال كلها بجميع أحكامها، يعني وان كانت مستحبة أو واجبة. إلا أننا قلنا فيما سبق ان التوبة لا تصدق إلا فيها هو مرجوح. أما الراجح والمباح، فلا تصدق فيه التوبة، سواء المستحب أو الواجب. وان كان قصد ترك المستحب مكروهاً وقصد ترك الواجب حراماً. إلا انه لا يسمى توبة. وكذلك قصد ترك المباح.
وإنما تصدق التوبة في المرجوح الذي هو الحرام والمكروه فقط. والتوبة من الحرام واجبة ومن المكروه مستحبة. إذن، فهي تنقسم إلى هذين الحكمين: الوجوب والاستحباب دون غيرهما من الأحكام الخمسة.
نعم، يمكن شمول موضوعاتها لغير ما هو حرام ومكروه بالمطابقة. مع ضم بعض الأفكار الأخرى كالتي تقول: إن الالتزام بالمكروه حرام وان الالتزام بترك المستحب مكروه أو انه حرام وان الالتزام بترك المباح مكروه أو انه حرام. فتكون هذه المحرمات والمكروهات مشمولة لدليل التوبة أيضا إن صدقت وتم الدليل على صحتها. وتكون التوبة عن ذلك بترك الالتزام بترك المستحب أو المباح أو بفعل المكروه.
ــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ومن هنا أمكن شمول التوبة للمستحبات والمباحات مضافا إلى المكروهات والمحرمات. بل تكون شاملة للواجبات أيضا باعتبار أن ترك الالتزام بالواجبات أو الالتزام بتركها حرام بالتأكيد، فتكون التوبة منه واجبة أيضا.
وهذا الشمول يعني أن موضوعات التوبة تنقسم إلى الأحكام الخمسة، إلا أنها بنفسها لا تنقسم لغير الوجوب والاستحباب. ومن ثم لا تكون إلا راجحة شرعاً، ولا يمكن أن تكون مرجوحة. فإن انتسابها إلى الأفعال الواجبة والمستحبة والمباحة، إنما تكون بهذا الاعتبار أيضا، كما قربنا.
وقد يقال: إن الراجح فقهياً هو إيجاد التوبة بمجردها، أي مع صدقها لغة وعرفاً. من دون لزوم حصول تلك المراحل والمقدمات الكثيرة التي سبق أن تحدثنا عنها كالندم والأسف على ما سبق والعزم على الترك فيما يأتي.
وجوابه: إن هذا وهم عاطل، من أكثر من وجه:
الوجه الأول: إننا قلنا إن التوبة لا تحصل بذلك. ومعناه إن الفرد إذا أراد إيجاد التوبة بمجردها (كما قال السائل) لزمه أن يأتي بكل مقدماتها السابقة. وإلا فهي غير حاصلة.
الوجه الثاني: إننا إذا تنزلنا وفرضنا حصول التوبة بدون بعض المقدمات السابقة أو كلها. إلا انه يمكن القول: إن مجمل تلك المقدمات واجب كالتوبة نفسها، وأوضحها العزم على ترك الحرام فانه واجب وصده حرام بلا إشكال. وان قبلنا حصول عنوان التوبة بدونه على أي حال.
نعم، لا نستطيع أن نقول بالوجوب الفقهي لكل تلك المقدمات، وان كانت كلها واجبة أخلاقيا وجوباً كاملاً. إلا إن الوجوب الفقهي وان كان صحيحاً مع الالتفات إلى أي واحد منهما، يعني من قبل الفرد المذنب. إلا انه
ــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
مع الغفلة أو النسيان، لا يتعين وجوبها، بحيث يجب الفحص عنها ورفع الغفلة عنها. وان كان لا يبعد أن يكون لازماً من الناحية الأخلاقية.

مناجاة التائبين:
خير ما نختم به هذا الفصل ذكر نصوص من الأدعية تتعرض للتوبة، وتعرض نماذج من طرق الاتصال بالله والتضرع والتوكل إليه والأمل به. ولعل من أهمها مناجاة التائبين المروية عن الإمام زين العابدين عليه الصلاة والسلام.
فإنه يقول(1): “الهي ألبستني الخطايا ثوب مذلتي وجللني التباعد منك لباس مسكنتي وأمات قلبي عظيم جنايتي. فأحيه بتوبة منك يا أملي وبغيتي ويا سؤلي ومنيتي. فوعزتك ما أجد لذنوبي سواك غافراً ولا أرى لكسري غيرك جابراً. وقد خضعت بالإنابة إليك وعنوت بالاستكانة لديك. فان طردتني من بابك فبمن ألوذ وان رددتني عن جنابك فبمن أعوذ.
فوا أسفاه من خجلتي وافتضاحي ووالهفاه من سوء عملي واجتراحي. أسألك يا غافر الذنب الكبير ويا جابر العظم الكسير ان تهب لي موبقات الجرائر وتستر علي فاضحات السرائر. ولا تخلني في مشهد القيامة من برد عفوك وغفرك. ولا تعرني من جميل صفحك وسترك. الهي ظلل على ذنوبي غمام رحمتك. وأرسل على عيوبي سحاب رأفتك. الهي هل يرجع العبد الآبق إلا إلى مولاه أم هل يجيره من سخطه احد سواه، الهي ان كان الندم على الذنب توبة فاني وعزتك من النادمين. وان كان الاستغفار من الخطيئة حطة، فاني لك من المستغفرين. لك العتبى حتى ترضى. الهي بقدرتك عليّ تب علي وبحلمك عني اعف عني وبعلمك بي إرفق بي.
ــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) مفاتيح الجنان ص118.
الهي أنت الذي فتحت لعبادك باباً إلى عفوك سميته التوبة، فقلت: توبوا إلى الله توبةً نصوحاً. فما عذر من اغفل دخول الباب بعد فتحه. الهي ان كان قبح الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك.
الهي ما أنا بأول من عصاك فتبت عليه وتعرض لمعروفك فجدت عليه، يا مجيب المضطر يا كاشف الضر يا عظيم البر يا عليماً بما في السر يا جميل الستر. استشفعت بجودك وكرمك إليك وتوسلت بجنابك وترحمك لديك. فاستجب دعائي ولا تخيب فيك رجائي. وتقبل توبتي وكفر خطيئتي بمنك ورحمتك يا ارحم الراحمين”.
وللقارئ النبيه ان يستخلص المراحل التسع التي قلناها في أسباب التوبة وطريقة حصولها، من هذا النص المقدس، فانه من أعظم النصوص وألطفها. سلام الله على المعصومين الذي علمونا هذه التعاليم الجليلة.
ــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل قاعدة الميسور

ويريد بها الفقهاء قولهم: (الميسور لا يسقط بالمعسور).
والمقصود منها: انه قد يرد أمر في الشريعة المقدسة بفعل من الأفعال كالصلاة أو الحج أو غيرهما، فان كان الإتيان بذلك الفعل ميسوراً وممكناً، وجب عليه إنجازه، بلا إشكال. وان كان الإتيان به جميعاً، أي بكل أجزائه وشرائطه متعذراً لم يجب الإتيان به بلا إشكال لاستحالة تكليف العاجز.
وإنما محل الكلام فيما تعذرت بعض الأجزاء أو الشرائط وبقي البعض الآخر ممكناً. فهذا هو مورد هذه القاعدة. فانه يراد بها بقاء الأجزاء والشرائط الميسورة الممكنة مأموراً بها بعد سقوط المعسور ويراد بالمعسور احد أمرين:
الأمر الأول: مجموع الواجب. من حيث انه أصبح معسوراً بعد تعذر بعضه. لوضوح أن الواجب هو المجموع، والمجموع لا يصدق مع حذف بعض أجزائه، فإذا تعذر البعض فقد تعذر الكل، لتعذر صدقه والإتيان بمصداقه.
وعندئذ فيقال: انه بالرغم من تعذر الواجب الذي هو المجموع، يكون المقدار الممكن من الأجزاء واجباً في ذمة المكلف، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
ــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الأمر الثاني: الأجزاء التي تعذرت من مجموع الواجب. وهي التي تعذرت حقيقة وبالمطابقة. وأما تعذر المجموع فهو بالعرض.
فإذا تعذر قسم من الواجب بقي الباقي المتيسر واجباً، لأنه (لا يسقط الميسور في المعسور)، طبقاً لمنطوق القاعدة.
وبالرغم من شهرة هذه القاعدة ورسوخها في أذهان الفقهاء، إلا أن الصعوبة الفقهية تكمن في إمكان وصحة الاستدلال عليها. إذ قد يقال: إن هذه القاعدة مما لا دليل عليها. فلا يكون الميسور واجباً بعد سقوط المعسور على القاعدة العامة. إلا أن يدل دليل خاص في أي مورد بعينه.
وينبغي أن يقع الكلام في هذه القاعدة في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: في شرائط ثبوتها، لأجل أن نشخص مورد الدليل على هذه القاعدة، ونحصره في قدره المتيقن. وأما الموارد الزائدة، فنخرجها عن مورد الدليل وان تخيل بعض الفقهاء اندراجها فيها كما سيتضح .
المرحلة الثانية: في سرد الروايات الدالة على منطوق القاعدة. بعد التنازل عن إمكان الاستدلال عليها بالأصول العملية التي ثبت عدم صحتها في محله. ويكون ذكرها مع مناقشتها خارجاً عن مستوى هذا الكتاب. فهنا نقتصر على سرد الروايات التي هي الدليل الأهم في المقام.
المرحلة الثالثة: في موارد انطباق هذه القاعدة، كما في بعض التفاصيل المهمة كشمولها للأحكام الوضعية إلى جانب الأحكام التكليفية، وشمولها للمستحبات إلى جانب شمولها للواجبات. وكذلك شمولها للمحرمات، كما سيتضح.
ونذكر كل واحدة من هذه المراحل تحت عنوان مستقل فيما يلي من هذا الفصل.
ــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
شرائط ثبوت القاعدة:
يمكن تلخيص هذه الشرائط بالأمور التالية، وهي مما قل التفات الفقهاء إليها وتركيزهم عليها:
الأمر الأول: أن ينحصر الدليل على وجوب الباقي بعد تعسر البعض بهذه القاعدة، ولا يوجد دليل آخر يثبته. وخاصة فيما إذا كان أوثق وأوضح منها. بحيث يكون هو المدرك في ذلك. ولا نحتاج معه إلى التمسك بإطلاق هذه القاعدة من اجله.
وأوضح مصاديق ذلك هو الصلاة، فإنها كلما تعذر منها شيء وجب الباقي، طبقاً للإجماع القطعي بأن (الصلاة لا تسقط بحال). وليس الأمر فيها منوطاً بهذه القاعدة. وان كان قد يدعي البعض بأنها من أوضح مصاديقها ومواردها. إلا أنها ليست كذلك. لوضوح وصول الحال إلى وجوب مراتب من الصلاة هي ليست بمنزلة الميسور للمعسور لا عقلا ولا عرفاً. فيكون مقتضى هذه القاعدة عدم وجوبه أصلا، مع العلم انه يجب إنجازه قطعاً.
فقد حصلنا على فرقين من جهة الصلاة عن جريان هذه القاعدة:
أحدها: قوة دليلها في وجوب الباقي بحيث لا نحتاج معه إلى الأخبار الضعيفة الآتية الواردة في قاعدة الميسور.
ثانيهما: ما ذكرناه من أن الواجب أحياناً منها لا يصدق عليه الميسور قطعاً. وكونه ميسوراً تنزيلياً أو تعبدياً، يحتاج إلى استئناف دليل ولا دليل. فيكون مقتضى القاعدة سقوط الأمر عندئذ.
ومن هنا يمكننا أن نلتفت إلى أننا لا يمكن أن نستدل على قاعدة الميسور بالصلاة نفسها أو نجعلها المصداق الأهم منها. لاستغناء الصلاة عنها وعدم ارتباطها بها، وإنما كما اشرنا يجب أن نحذفها عند الحديث عن هذه القاعدة.
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وإنما تبقى بعض الأمثلة في العبادات كمصداق لهذه القاعدة كالطهارات الثلاث.
الأمر الثاني: أن يكون العمل مما يحتمل فيه فقهياً ثبوت الوجوب في الباقي، لكي يثبت بهذه القاعدة. وأما إذا كان ثبوت وجوبه بعد سقوط المتعذر، غير محتمل. بل المعلوم في الشريعة سقوط الوجوب بالتعذر أصلا وعدم وجوب الباقي. فلا يكون ذلك مصداقاً للقاعدة.
ولعل أوضح مصاديقه الحج. فانه إن ثبت سلفاً إن المكلف عاجز عن الإتيان ببعض أعماله كأحد الموقفين بوجوده الاختياري والاضطراري معاً، أو الذبح أو الطواف أو غيرهما، فانه يثبت عدم استطاعته للحج وعدم وجوبه في ذمته، وان أمكنه الإتيان بباقي الأعمال. فيخرج عن كونه مصداقاً للقاعدة.
فإن قلت: فان مثل هذا المورد، ينبغي أن يكون من أوضح مصاديق القاعدة، ومع انتفائه يكون ذلك مخلا بأصل القاعدة، وإشكالا عليها. إذ يقال: انه لو كانت القاعدة حجة، لوجب الباقي من أفعال الحج بعد تعذر البعض، وحيث أنها لا تجب. إذن، فالقاعدة ليست بحجة، لأن مثل هذا المورد مصداق واضح لها.
قلنا: انه وان كان مصداقاً واضحاً، إلا أن خروجه لا يخل بالقاعدة من ناحيته. لأنه يكون من قبيل التخصيص لها بعد أن نعلم بخروجه عنها. وان الشارع لم يكن يريد ذلك من إطلاق دليل القاعدة.
الأمر الثالث: أن يكون الباقي من العمل، بعد عجز المكلف عن بعضه (ميسوراً) بالنسبة إلى المجموع، فلو لم يكن ميسوراً على هذه الصفة فانه لا يكون مصداقاً من هذه القاعدة فلا يمكن الحكم بوجوبه.
وهذا يختلف باختلاف درجة العجز. فإذا كان العجز عن نسبة قليلة من
ــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
العمل كجزء من عشرة أجزاء أو خمسة، كان (ميسوراً) له. وان كان العجز عن نسبة كبيرة عنه لم يكن ميسوراً، فلا يشمله حكم المجموع. لأن القاعدة تقول: الميسور لا يسقط بالمعسور. والميسور ليس هو أي شيء من الباقي مهما قل، بل ينبغي ان يكون له وجود معتد به ليشمله الحكم.
ولكن اختلف الفقهاء في الضابط الذي يصح في اعتبار الباقي ميسوراً من المجموع. وما يحتمل أن يكون ضابطاً لذلك عدة وجوه:
الوجه الأول: الميسور العقلي. بحيث يوافق العقل على ذلك. وهذا بمجرده ينتج ان الميسور صادق على القليل والكثير. لأن القليل بالدقة العقلية ميسور من الكثير. وهو غير محتمل فقهياً. وعلى خلاف هذا الشرط الذي نتكلم عنه في هذا الأمر الثالث. إذن، فالميسور العقلي غير صحيح.
الوجه الثاني: الميسور النسبي – بكسر النون- يعني إذا كان الباقي بعد العجز عن المجموع بنسبة كبيرة، كان ميسوراً وان كان الباقي بنسبة قليلة، لم يكن كذلك. وهذا الأخير يحدث فيما لو كان العجز عن اغلب أجزاء الواجب الأصلي.
إلا أن هذا وحده لا يتم، لأننا سنرى إن الوجه الثالث الآتي وما بعده، ينطبق ويساوق هذا الوجه في اغلب الموارد. وأما مع انفكاكهما فإننا ننكر أن يكون محققاً لصغرى هذه القاعدة، كما لو كان العجز عن النصف أو أكثر قليلا، أو اقل قليلا، فهل يكون الباقي مما يصدق عليه كونه ميسوراً، ليكون مصداقاً للقاعدة؟ ويكفي الشك في ذلك للجزم بعدم شمول القاعدة.
الوجه الثالث: صدق عنوان الميسور عرفاً، فلو كان صادقاً شملته القاعدة، وإلا فلا. وذلك أخذاً بنفس العنوان الوارد في القاعدة.
وهذا الوجه وان كان في نفسه صحيحاً، إلا انه متأخر رتبة عن الوجوه
ــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
التالية، فنأخذ بالمتقدم رتبة لا محالة. لأن السؤال هنا عما هو السبب في صدق الميسور عرفاً. فيكون احد الوجهين التاليين صالحاً للجواب عليه. فيكونان اسبق رتبة.
الوجه الرابع: صدق عنوان العبادة شرعاً. كما لو سمي الباقي بعد العجز عن سائر الأجزاء وضوءاً أو غسلاً. فعندئذ تشمله القاعدة. أي انه بهذه الحيثية يكون ميسوراً. دون ما إذا لم يكن يسمى بذلك.
ومبرر ذلك أمران:
احدهما: القول بوضع العبادات للصحيح. وهذا ما لا نقول به في محله. مضافاً إلى أن الكلام ليس في العبادات على ما سيأتي بل يعم المعاملات وكثير أمور أخرى.
ثانيهما: القول بأن صدق القاعدة يجعل الباقي منزلا بمنزلة المجموع المفقود. وهذا جزاف من القول. لأنه إثبات في طول صدق القاعدة. ونحن نريد الضابط السابق رتبة عنها، لتحقق به موضوعها ولا يكون لها بمنزلة الشبهة المصداقية.
الوجه الخامس: صدق عنوان العبادة عرفا، وخاصة بعد الذي عرفناه من اختيار الوضع الأعم، مضافا إلى ما قلناه من شمول الحال للعبادة وغيرها. فمتى صدق على الباقي عنوان الفائت الذي هو المجموع الذي حصل العجز عنه، كان مصداقاً للقاعدة وإلا فلا. فلو بقي من الوضوء إمكان المسح فقط لم يصدق عليه عرفاً كونه وضوءاً (فلا يكون بمنزلة الميسور له).
وإذا بقي من الوضوء إمكان الغسل اعني الغسلات الثلاث وان تعذرت المسحات. صدق عليه كونه وضوءاً فكان ميسوراً للمجموع المتعذر، فيكون مشمولا للقاعدة. وهذا هو الوجه الصحيح.
ــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وهو يختلف عن الوجوه السابقة، وان اتحد معها في أكثر المصاديق. إلا أننا يمكن أن ننكر مصداقية القاعدة بدونه. عند محل الافتراق في الوجوه الأخرى. لأن المدار في الصدق وفهم الإطلاق من النصوص الشرعية هو العرف دون غيره. فإذا كان المورد مشمولا للإطلاق العرفي فهو المطلوب، وإلا فلا. إذن، فصدق العنوان العرفي هو المطلوب.
الأمر الرابع: أن لا يكون أمر العمل دائراً بين الوجود والعام، فلو كان كذلك لم يكن مصداقاً من قاعدة الميسور. فان صدق الميسور متوقف على وجود شيء منه أو بقية منه لكي نطبق عليه الميسور، وأما إذا زال وجوده بالمرة للعجز عن الجميع أو لدوران أمره بين الوجود والعدم، كما نتكلم الآن. فسيكون من الواضح عدم صدق الميسور. لتشمله القاعدة أو قل: انه ينعدم بالمرة فلا يحتمل أن يكون العدم مشمولا لحكم الوجود أصلا.
وأوضح مثال لذلك في العبادات (الصوم). فان الإمساك فيه لا يتبعض بحسب الارتكاز المتشرعي. فإذا كان عاجزاً عن ترك بعض المفطرات كان عاجزاً عن أصل الصوم. لا انه يصوم عن الباقي. ولا ان صومه عن الباقي يكون بمنزلة الميسور للفائت.
ولا يقال: أن هذا المثال مما يدور أمره بين الوجود والعدم شرعاً لا عقلاً. ونحن نريد مثالا لذلك عقلا.
قلنا: كلا. فإننا إنما ينبغي أن نجد مصداقاً عرفياً لأي قاعدة فإذا دار أمره بين الوجود أو العدم عرفاً أو شرعاً كفى في عدم صدقها. وان لم يكن كذلك عقلاً.
بل الأمر أكثر من ذلك، فانه إذا لم يصدق عقلا ولكنه صدق عرفاً أو شرعاً. فإننا نأخذ بالجهة العرفية والشرعية، وان كانت محالا عقلا. كما حققنا في محله من علم الأصول.
ــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الأمر الخامس: أن لا يكون المتعذر كلياً بل جزئياً. فإننا في بدو النظر يمكن أن نتكلم في موردين:
المورد الأول: فإذا كان المتعذر كلياً والممكن بعض مصاديقه، وإنما تعذرت بعض المصاديق الأخرى. فيكون ما هو الممكن منها بمنزلة الميسور بالنسبة إلى المتعذر، فيكون مشمولاً للقاعدة.
المورد الثاني: ما إذا كان المتعذر جزئياً لا كلياً. وإنما نسبته إلى المجموع نسبة الجزء إلى الكل لا نسبة المصداق إلى الكلي. فيكون الجزء الممكن منه ميسوراً ومصداقاً للقاعدة.
فالشرط في جريان القاعدة في هذا الأمر الخامس هو أن يكون العمل (كلاً) تتعذر بعض أجزائه لا (كلياً) تتعذر بعض مصاديقه. وهذا هو الذي طبقناه في الأمثلة السابقة كالوضوء الذي يتعذر فيه المسح.
وأما إذا كان كلياً يتعذر بعض مصاديقه، وهو المورد الأول. فلا يكون مصداق للقاعدة، باعتبار وجهين:
الوجه الأول: إن وجوب الباقي أي المصاديق الممكنة، سوف لن يكون بإطلاق هذه القاعدة بل يكفي فيه إطلاق دليله الأصلي. كما لو تعذر الوضوء في أول الوقت ولكنه أصبح ممكناً في آخره. فان التمسك لوجوبه وصحته بقاعدة الميسور من خطل القول فقهياً لا محالة.
الوجه الثاني: إمكان المناقشة في صدق (الميسور) في المصاديق الممكنة بالنسبة إلى المعسور، فانه من الممكن القول: بأنه يستفاد من القاعدة نسبة الميسور للمعسور. بحيث يكون هذا ميسوراً عن ذاك المعسور. وهذا لا يصدق في الكلي مع تعذر بعض مصاديقه. وإنما يختص بصدق الجزء مع تعذر الكل.
فإن قلت: فإننا في جانب الكلي نقول: بأن هناك نسبة للمصداق بالنسبة
ــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
إلى الكلي نفسه، وان لم تكن له نسبة إلى المصداق الآخر.
قلنا: نعم، إلا ان الكلي غير متعذر مع إمكان بعض مصاديقه. وإنما المتعذر المصداق فقط. والنسبة إنما تكون بين المتيسر والمتعذر. وكلاهما من قبيل المصاديق وليس احدهما كلياً ليصح ما قاله المستدل.
فإن قلت – من طرف آخر-: إن ما هو وارد في الروايات إنما هو تعذر الكلي بتعذر مصداقه لا تعذر الكل بتعذر أجزائه. فقد خصصنا القاعدة بغير مثالها الوارد في الروايات، وهو خطأ لأن الالتزام إنما يجب أن يكون بها.
وجواب ذلك على مستويين:
المستوى الأول: انه سيأتي إن شاء الله تعالى إن نصوص الروايات عديدة. ونحن تكلمنا هنا عن نص واحد هو المشهور بين الفقهاء وهو قولهم: (الميسور لا يسقط بالمعسور). وأما النص الآخر الذي يحتمل شموله الكلي فهو قوله: “إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم”. وسيأتي الكلام في النسبة بينهما.
المستوى الثاني: إننا لو تنزلنا وقبلنا شمول النصوص كلها للكلي المتعذر. فهنا وجهان:
الوجه الأول: أن تكون النصوص خاصة بالكلي وغير شاملة للجزئي. إذن، فيمكن القول بأنها لا تفيد قاعدة الميسور أصلا. وهذا يستلزم إلغاء القاعدة أساساً. لعدم وجود ما يدل عليها.
وإنما المراد من الروايات الاكتفاء بالمصاديق الممكنة بعد تعذر المصاديق الأخرى. وهو أمر مطابق لإطلاق أدلتها الأولية كما قلنا.
الوجه الثاني: أن نستفيد من الروايات – كما استفاد البعض- معنى جامعاً للكل والكلي معاً. وعندئذ فلابد من إخراج جانب الكلي، والاقتصار على جانب الكل. إذا أمكن وإلا فلابد من إلغاء القاعدة أيضا لأن هذا يعني إلغاء
ــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
جانب الكل والاقتصار على جانب الكلي. وهو يلازم حذف القاعدة.
هذا مضافا إلى ما قلناه في الأمر الأول من شرائط القاعدة، من كون الدليل في المورد مقتصراً عليها ولا يوجد دليل آخر. فإذا كانت الإطلاقات الأصلية كافية عن القاعدة لم يكن هذا الشرط متوفراً.

أدلة القاعدة من السنة الشريفة:
وهي منحصرة – بحسب ما نعلم – بثلاثة نصوص:
النص الأول: ما روي عن النبي  في خطبته في الحج(1):
“أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت . حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم. فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه”.
النص الثاني: ما روي عن أمير المؤمنين  (2): “الميسور لا يسقط بالمعسور”.
النص الثالث: ما روي عنه  أيضا(3): “ما لا يدرك كله لا يترك كله”.
فإن تم شيء من هذه النصوص سنداً ودلالة على مضمون هذه القاعدة التي نتكلم عنها، طبقاً لما قاله مشهور الفقهاء فهو المطلوب. وكذلك لا يفرق بين أن تتم كلها، مع اتحادها بالمضمون. أو يتم بعضها على أي حال. وأما إذا لم
ــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) القواعد الفقهية ج4 ص129.
(2) القواعد الفقهية ج4 ص125.
(3) نفس المصدر ص129.
يتم شيء منها فهذه القاعدة تكون ساقطة تماماً. ولا يمكن الفتوى بها في أي مسألة من مسائل الفقه.
ولا يشفع لذلك وجود الإجماع على المضمون لأن هذا الإجماع إنما نشأ من هذه الروايات، ولا يحتمل وجوده بشكل تعبدي فيكون مدركياً. فيسقط عن الحجية. مضافا إلى أن الإجماع دليل لبي خال من الإطلاق ولابد عندئذ من اخذ القدر المتيقن من مضمونه، فتخرج كثير من الموارد الخارجة عن ذلك المقدار. مما أفتى جملة من الفقهاء بشمول القاعدة له.
وأما كون الإجماع جابراً للسند، بمعنى إن اخذ الفقهاء بها وتسالمهم عليها، بجعلها حجة، ومن ثم يمكن التمسك بإطلاقها. فهذا ما سيأتي الحديث عنه قريباً.
ونقطة الضعف الرئيسية على كل واحد من هذه الروايات أنها جميعاً ضعيفة السند، والخبر الضعيف ليس بحجة. فلا يكون شيء منها حجة، أما النص الأول فهو عامي وأما الأخيرين فهما مراسيل، ولعلها من اشد الروايات إرسالاً.
ولكن يمكن الدفاع عن ذلك بأمرين نذكرهما باختصار:
الأمر الأول: إن الصحة والسقم إنما ينبغي أن يلاحظ في الرواية الواحدة. وأما مع التعدد – كما هو في مورد الحديث- فهذا لا يكون ملحوظاً، بل يكون التعدد جابراً للسند. فيكون حجة.
وجوابه: إن هذا إنما يصح مع حصول الاستفاضة وأما بدونها فلا. لأن الخبر المستفيض يحصل الاطمئنان بصحته فيكون مضمونه معتبراً. وأما ما دون ذلك فلا يحصل الاطمئنان فلا يكون حجة. وضم الضعيف إلى الضعيف لا ينتج إلا الدليل الضعيف.
ــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الأمر الثاني: إن المشهور عمل بهذه الأخبار بل الإجماع على الأخذ بها، فتكون حجة بهذا الاعتبار، وان كانت ضعيفة. لأن عمل المشهور جابر للسند.
وجوابه: إن عمل المشهور غير جابر للسند ما لم يكن إجماعاً أو قريباً من الإجماع. ووجود الإجماع غير محرز في محل الكلام. وإلا لصح دليلا على قاعدة الميسور. وأوضح القرائن على ذلك انه لا يبعد أن يكون الالتفات إلى هذه القاعدة متأخراً غير موجود عند المتقدمين، ولا مذكوراً في مصادرهم. ومعه لا تكون الشهرة حجة، لأن حجية الشهرة أو الإجماع إنما يكون في المتقدمين لا في المتأخرين أو المتوسطين من الفقهاء، كما هو محرر في محله من علم الأصول.

مداليل النصوص :
ينبغي الآن أن نأخذ فكرة كافية عن دلالات منطوق تلك النصوص.
أما النص الأول: وهو قوله: “إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم” فتقريب الاستدلال به على هذه القاعدة كما يلي: وهو أن المراد بالشيء المأمور به: الشيء الجزئي لا الكلي. كما هو الأقرب للظهور العرفي. والمراد من حرف الجر (من) التبعيض. وليس المعاني الأخرى لهذا الحرف، كما ان المراد من الاستطاعة المذكورة القدرة بالمعنى العقلي. فيكون حاصل المراد انه  إذا أمر بشيء جزئي وتعذر قسم منه، فأتوا (وهو أمر ظاهر بالوجوب) بهذا البعض الذي بقي ممكناً منه.
وأما افتراض تعذر قسم منه، فهو وان لم تدل عليه الرواية بالمطابقة، إلا انه قطعي الدلالة عليه، لأنه المستفاد من قوله: (ما استطعتم)، يعني إنكم حين لا تستطيعون على بعضه (فأتوا منه ما استطعتم) يعني بالبعض الآخر. وهو نفس مدلول القاعدة.
ــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ومعه فتقريب الاستدلال هذا، يتوقف على عدة مقدمات. إذا فسد بعضها فسد الاستدلال أو فسدت النتيجة الحاصلة منه. فلابد ان نعرض أهم تلك المقدمات، وسنرى أنها غير تامة وذلك ضمن النواحي التالية:
الناحية الأولى: ان يكون المراد من قوله (بشيء) المأمور به الجزئي لا الكلي. لأنه لو كان المراد به الكلي، خرج عن مضمون القاعدة، كما ذكرنا في الأمر الخامس من شرائط ثبوتها.
والاستدلال بالنص على القاعدة متوقف على فهم الجزئي. في حين أن السياق في النص نفسه واضح في أن المراد به الكلي. لأنه  أمر بالحج الكلي. فسأله الرجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ وهو واضح في أن المراد الإتيان بمصاديق الكلي في كل عام. فنفى ذلك النبي  وإنما أثبته بمقدار ما هو مستطاع.
وقد ذكر بعضهم انه يمكن أن نفهم من السياق المعنى الجامع بين الكلي والجزئي. فيكون من حيث إطلاقه للجزئي موافق لما هو المطلوب من مدلول القاعدة.
وجواب ذلك من وجهين:
الوجه الأول: إننا لو فرضنا اللفظ قابلا لفهم هذا الجامع، فان القرينة المتصلة (وهو مورد السؤال) ينفيه.
فإن قلت: إن المهم في الجواب هو كونه منطبقاً على السؤال ولو بإطلاقه. فإذا فهمنا منه الجامع كان منطبقاً. فلا منافاة بين السؤال والجواب عندئذ.
قلنا: ظاهر كل جواب أن يكون بمقدار السؤال. وأما أن يتبرع المجيب بالتعرض لأمور لم تقع في السؤال، فهذا على خلاف الظاهر العرفي. وما نقوله
ــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
إنما هو من هذا القبيل لأن السؤال عن الكلي. فالتعرض للجزئي يكون تبرعاً محضاً، فلا يكون ظاهراً من السؤال. ولا اقل من الاحتمال الدافع للاستدلال.
الوجه الثاني: إننا يمكن أن ننفي وجود جامع عرفي بين الكلي والجزئي، بل ننفيه من جهة العقل أيضا.
وذلك: لأن الكلي إنما هو جامع بين الجزئيات فلا معنى عرفاً لاقتناص جامع آخر في طوله. وأما عقلا، فلأنه على فرض وجوده فهو جامع انتزاعي والجامع العقلي لا يكون إلا حقيقياً.
إذن، فالمأمور به الجزئي، لا يكون داخلا في مضمون سياق العبارة لتكون دالة على قاعدة الميسور.
الناحية الثانية: إن المراد من حرف الجر: (من) التبعيض. دون غيره من المعاني. وهذا صحيح. إلا انه لا ينفع في الاستدلال على القاعدة. لأنه سواء كان المراد من (شيء) ما هو كلي أو ما هو جزئي يتعين أن يكون مدلول الحرف هو التبعيض، فانه كما أن الجزء بعض الكل، كذلك الجزئي بعض الكلي عرفاً.
نعم، لو كانت الدلالة على التبعيض اقرب ظهوراً إلى الجزئي لكانت قرينة على المطلوب المشهوري، ولكنها ليست كذلك.
الناحية الثالثة: إن المراد من التعذر، تعذر الأجزاء من (الكل) لا تعذر المصاديق من (الكلي). وإذا كانت العبارة دالة على ذلك بوضوح، فإنها تكون قابلة للقرينية على كون المراد من (شيء) الكل وليس الكلي. إلا أن الأمر ليس كذلك. فان هذه الاستفادة في طول تلك الاستفادة. يعني أننا إذا استفدنا من (شيء) الكل، كان التعذر لأجزائه. وإذا استفدنا منه الكلي كان التعذر لجزئياته ومصاديقه. وإذا استفدنا منه الجامع بينهما كان التعذر لهما معاً.
ــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فليس لهذه العبارة المتأخرة في النص قرينة على العبارة المتقدمة، بل العكس هو الصحيح، لأننا استفدنا من (شيء) معنى الكلي وليس معنى الكل، فلا بد أن نحمل التعذر على تعذر المصاديق دون الأجزاء، يعني أن المكلف لم يستطع أن يحج في بعض السنين. فبمقدار ما تعذر عليه يكون ساقطاً عنه.
وهنا أود التنبيه إلى ما لعله أصبح واضحاً للقارئ اللبيب من انه لو تمت هذه الرواية سنداً، كما قرّبه بعضهم ولو باعتبار عمل المشهور بها، لكان اللازم وجوب الحج كلما حصلت الاستطاعة. وإنما يسقط من الحج في كل سنة بمقدار ما يتعذر منه. وإلا لو أمكن الحج كل سنة أو في كثير من السنين لوجب.
وهذا المضمون واضح من السياق. وهو قطعي العدم فقهياً ومتشرعياً. إذ لا يجب الحج بالاستطاعة إلا مرة واحدة في العمر. وحمله على الاستحباب في الرواية غير محتمل أيضا، لوجود قرينتين على الوجوب.
إحداهما: قوله : “لو قلت نعم، لوجب”. مع كون السياق دالا على قوله: (نعم)، فيما استطاع الفرد من مصاديق الحج ولو في عدد من السنين. فيكون كل ذلك واجباً.
ثانيهما: قوله: فأتوا. وهو ظاهر في الوجوب. كما يقال في أمثاله في علم الأصول. فتكون النتيجة انه مع استطاعة الحج عدة مرات. فانه يتعين الإتيان به مكرراً.
وحيث ان هذا غير محتمل فقهياً، فيكون هذا المضمون مسقطاً للرواية سنداً أو مخرجاً لها عن الحجية أساساً. حتى لو كانت تامة السند في نفسها، فكيف ما إذا لم تكن كما هي عليه الآن؟
الناحية الرابعة: وهي بمنزلة النتيجة: لو تنزلنا وقبلنا المقدمات التي
ــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
اختارها المشهور في النواحي الثلاث الأولى. وهي وجوب الإتيان بما بقي ممكناً بعد تعذر الإتيان بالمجموع، المأمور به شرعاً. أي إن المراد من (ما) في قوله (ما استطعتم) الموصول، بمعنى المقدار الذي استطعتم. وليس الظرفية، أو المصدرية ونحوها من معاني هذا الحرف.
وهذا هو الأظهر فعلا من هذا الحرف. فتكون النتيجة بعد التنزل عما سبق صحيحة. غير أننا نريد التنبيه على تعذر الجمع بين حمل الرواية على الاستحباب في طرف (الكلي) وهو تكرار الحج في كل سنة، وحملها على الوجوب في طرف (الكل) الذي هو مفاد قاعدة الميسور.
فإننا ان حملناها على الوجوب في (الكل) تعين ذلك في (الكلي) أيضا. وهو غير محتمل. وان حملنا على الاستحباب في (الكلي) تعين حمله عليه في طرف (الكل) أيضا. فيسقط الاستدلال بالرواية، لأنه يكون دالاً على استحباب الإتيان بالباقي بعد تعذر بعض أجزائه. والمشهور يريد إثبات الوجوب لا الاستحباب.
وهذا واضح باعتبار وحدة السياق في النص كله. أو قل: صيغة الأمر واحدة (فأتوا) في كل من الجانبين الكل والكلي. وخاصة إذا تصورنا جامعاً بينهما. فماذا سوف يكون حكمه هل هو الوجوب أم الاستحباب؟ فيقع الفقيه في تهافت.
هذا مع لزوم الانتباه إلى نكتة أخرى. وهي إن قوله : (فأتوا) ليس بظاهره أمراً استقلالياً كما يميل المشهور إلى فهمه ولو ارتكازاً. لأنهم لم يتعرضوا إلى ذلك، بل هو أمر طريقي. ويكون وجوب الامتثال إنما هو باعتبار الأمر الأول لا هذا الأمر الطريقي الطولي. وهذا واضح من سياق قوله: “إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم”. أي فأتوا به طبقاً للأمر الأصلي أو الأول. لا باعتبار هذا الأمر الثاني.
ــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وتطبيقه على الحج واضح، فانه إنما يجب مكرراً – كما هو ظاهر الرواية على ما سبق- طبقاً للأمر الأصلي بالحج, باعتبار وجوبه في كل عام تحصل الاستطاعة فيه. لا طبقاً لهذا الأمر الطريقي الطولي. وهو قوله (فأتوا).
إلا أن هذا متعذر في جانب فهم المشهور. وهو ان نفهم من (الشيء) المأمور به الكل، لنقول بوجوب الإتيان بالبعض الممكن بعد تعذر البعض الآخر. فان هذا لا يكون بالأمر الأول لوضوح سقوطه بتعذر المجموع. وإنما يكون بالأمر الثاني الطولي وهو قوله (فأتوا). وهذا يعني أن قوله: (فأتوا) أمر استقلالي نفسي وليس طريقياً. إذ لو كان طريقياً لم يصلح للمحركية بعد سقوط أصله.
ويلزم من ذلك انه مع حمل (الشيء) على الكلي يكون هذا الأمر طريقياً، ومع حملة على (الكل) يكون استقلالياً. وهو باطل. لتعذر الجمع بينهما، كما هو مذكور في محله، ولا جامع بينهما, ولو تصورناه فهو ليس أمراً يجب طاعته بل هو مفهوم انتزاعي لا محركية فيه.
فالنتيجة إن المراد بالشيء في هذا النص هو المأمور به الكلي. كالحج المذكور في الرواية. والمراد بالأمر (فأتوا) الأمر الطريقي دون الاستقلالي فلا يتم فهم قاعدة الميسور كما أراد المشهور.
هذا هو الكلام في فهم النص الأول.
وأما النص الثاني: وهو قوله: (الميسور لا يسقط بالمعسور).
فتقريب فهم قاعدة الميسور منه: إن الجزء الميسور والممكن من الواجب لا يسقط بتعذر الجزء الآخر وتعسره، فيجوز ترك ما هو متعذر، ويجب الإتيان بما هو متيسر.
وهذا واضح في أذهان المشهور جداً. حتى أسموا هذه القاعدة باسمه
ــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
واستفادوها من هذا النص بالتعيين. كأنه آية في الكتاب الكريم أو رواية ذات اعتبار.
والاستدلال على هذه الصورة يتوقف على عدة مقدمات. إن تمت كلها صحت القاعدة، وإلا بطلت. نذكر كل واحدة في ناحية من الكلام.
الناحية الأولى: صحة واعتبار سند هذه الرواية. وقد سبق أن قلنا أنها غير معتبرة. وتكلمنا عن بعض المناقشات.
الناحية الثانية: أن يكون المراد بالميسور والمعسور: الجزئي لا الكلي، لوضوح إمكان كِلا الأمرين بدوياً:
أولا: أن نفهم منها (الجزئي) كما هو الموافق مع المشهور يعني إذا تعذر البعض الجزئي من واجب جزئي فيجب الإتيان بالبعض الآخر. وهو مضمون قاعدة الميسور ويتوقف فهمها من النص على خصوص هذا المعنى.
ثانياً: أن نفهم منها (الكلي). يعني إذا كان المأمور به كلياً كالحج أو الصوم أو نحوهما، وتعذرت بعض مصاديقه أو بعض حصصه الكلية. وجب الإتيان بالباقي طبقاً للأمر الأصلي. فان ما يسقط إنما هو باعتبار التعذر فلا موجب لسقوط الحصص الباقية غير المتعذرة.
وإذا دار الأمر بين هذين الفهمين لزم للمشهور أن يستدل على تعين الفهم الأول. لكي يتم فهم القاعدة. إذ مع صحة الفهم الثاني تكون الرواية أجنبية عن ذلك. وكذلك لو تردد الأمر بين الفهمين. إذ تكون الرواية مجملة بالنسبة إلى أي منهما. فلا تكون ظاهرة بالطريق الموصل إلى فهم القاعدة.
نعم، لو فهمنا الجامع بين الكلي والجزئي. كما سبق أن حاوله البعض في النص السابق، أمكن التمسك بإطلاقها للجزئي للدلالة على القاعدة. إلا أننا سبق أن برهنا على تعذر ذلك عرفاً وعقلا. فيتعين الإجمال، أو الحمل على
ــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
خصوص الكلي. وعلى كلا التقديرين لا يبقى مجال لاستفادة القاعدة.
نعم، لو كانت ظاهرة بخصوص الجزئي، لكان الفهم المشهوري متعيناً. إلا أننا يمكن ان ننكر ذلك لأنه لا يكون إلا بتقدير مضاف هكذا: لا يسقط الجزء الميسور بتعذر الجزء المعسور. بحيث تكون هاتان الصفتان صفة للجزء لا لأصل الواجب. بخلاف ما إذا حملناها على الكلي فإنهما تكونان صفة لأصل الواجب.
الناحية الثالثة: أن نفهم من عدم السقوط المذكور في الرواية في قوله (لا يسقط) عدم سقوط الأمر الأصلي, لعدم وجود أمر آخر بالباقي (الميسور) في هذا النص بخلاف النص السابق الذي قال: “فأتوا منه ما استطعتم”. إذن، فلا يجب الإتيان بالباقي إلا باعتبار عدم سقوط الأمر الأصلي.
وهذا أمر غير محتمل كما هو مقرر في علم الأصول. لأن تعذر البعض يلازم تعذر المجموع. وتعذره يعني تعذر المأمور به. ومع تعذره يسقط الأمر لا محالة. لاستحالة بقاء الأمر بعد تعذر متعلقه، لاستحالة توجيه الأمر إلى العاجز والأمر بما لا يطاق.
وقد يخطر في الذهن: بأن هذا وان كان صحيحاً على القاعدة. إلا انه لا ينطبق على محل الكلام. لأننا نستفيد من هذا النص نفسه تنزيل ذلك الأمر الساقط المعدوم منزلة الموجود، لأنه يقول لا يسقط. وفاعله هو الضمير العائد إلى الوجوب. كأنه قال: لا يسقط وجوب الميسور بسقوط وجوب المعسور. فهو يخبرنا عن وجوده. فيكون هذا إثباتاً تعبدياً للوجوب شرعاً. وان اقتضت القاعدة سقوطه.
وجوابه: أن الوجوب الذي أخبرت الرواية بثبوته للميسور بعد سقوط المعسور احد أمرين: إما الوجوب الأصلي – كما سبق- وإما الوجوب الضمني المتعلق بالجزء الميسور. كما هو الأظهر من العبارة، حين يقول بالمعنى: (لا
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يسقط وجوب الجزء الميسور). فقد نسب الوجوب إلى الجزء لا إلى الكل. وكلا الأمرين غير محتمل, فتسقط إفادة الرواية للقاعدة.
أما تعلقه بالوجوب النفسي الأصلي، فخلاف الظاهر لعدة أمور:
الأمر الأول: أن يستفاد من السياق التنزيل، يعني تنزيل الأمر المعدوم منزلة الموجود. وهو خلاف الظاهر، لأن التنزيل مؤونة زائدة تحتاج إلى قرينة واضحة، وهي منتفية.
الأمر الثاني: ما اشرنا إليه قبل قليل من إن الأظهر من سياق الرواية استفادة الأمر الضمني بالجزء لا الأمر الاستقلالي.
الأمر الثالث: ان اصطلاح السقوط بمعنى انعدام الأمر وزواله نتيجة التعذر أو الامتثال، لم يكن موجوداً في صدر الإسلام، ولا يمكن حمل النص المتقدم على المعنى المتأخر.
وإنما يصح معنى السقوط في النص، فيما إذا حملنا (الميسور والمعسور) على معنى الكلي لا على معنى الكل. الذي يريد المشهور فهمه ويتوقف عليه فهم القاعدة. بل سيكون معنى السقوط هنا بمنزلة القرينة المتصلة النافية لفهم القاعدة، والتي تجعل السياق متعيناً بالكلي دون الكل.
وأما تعلق الوجوب بالجزء الميسور، وهو الوجوب الضمني. ويكون المراد من النص بقاؤه بعد سقوط الوجوب الضمني للمعسور. فهذا أسوأ احتمالاً من الآخر لعدة وجوه نذكر منها:
أولا: إن هذا الوجوب مما يثبت في طول الوجوب الأصلي. أو قل: انه من انحلالات الوجوب الأصلي نفسه، وبعد أن نسلم – كما هو مقتضى تسلسل هذه الفكرة – بسقوط الوجوب الأصلي لابد لنا أن نسلم بسقوط انحلالاته أيضا، أو معلولاته.
ــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثانياً: إن الوجوب الضمني لا يحتمل أن يتحول إلى وجوب استقلالي، كما يرغب المشهور. إذ مع بقاء الجزء الميسور وحده، سيكون أمره استقلالياً، على الفرض. وهذا التحول يحتاج إلى قرينة مفقودة. والحمل على التنزيل بهذا المعنى أسوأ حالاً من التنزيل بالمعنى السابق.
فهذا هو حاصل الكلام في فهم النص الثاني.
وأما النص الثالث وهو قوله: “ما لا يدرك كله لا يترك كله”.
فتقريب دلالته على القاعدة طبقاً لفهم المشهور بعد التنزل عن ضعف سندها، مع الالتفات إلى أن اخذ المشهور بها غير جابر لسندها لنكتة خاصة وهي أن المشهور إنما اخذ بالنص الثاني واعتبره هو العمدة في استفادة قاعدة الميسور دون النصين الأول والأخير. فيبقى هذان النصان غير مأخوذ بهما من قبل المشهور.
فان كان هناك اخذ بهما، فإنما هو باعتبار المعنى الإجمالي الموافق لقاعدة الميسور وليس أكثر من ذلك. يعني: ليس أخذاً بهما بوجودهما التفصيلي، لوضوح اختلاف النصوص الثلاثة بكثير من الظواهر. فقد اخذ المشهور من ظواهر النصين المشار إليهما بما يوافق النص الثاني وأهملوا الباقي. ومثل هذا الأخذ لم يثبت كونه جابراً للسند. بعد العلم كونه إجمالياً أو تحليلياً. وان قلنا بأن سقوط البعض عن الحجية لا ينافي بقاء الباقي عليها. إلا أن هذا المورد، عكس ذلك, فان الأخذ بالبعض لا يكون جابراً للمضمون التفصيلي للرواية بأي حال.
وتقريب الدلالة على قاعدة الميسور كما يلي:
أن نفهم من (ما) معنى: الموصولة لا غيرها من معاني الأداة. ونفهم أن المراد منها (الكل) لا الكلي. على ما سبق من معناهما. وهو الواجب الجزئي
ــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الذي يتعذر بعضه فيجب الإتيان بالباقي. وهو معنى (ما لا يدرك كله) أي لا يمكن الإتيان به كله، لتعذر بعض أجزائه.
ولا يقال: إن قوله: (يدرك), ظاهر بالإدراك بمعنى الإحساس. لا (الإمكان) كما هو مقتضى فهم المشهور. فيكون النص بعيداً عن فهم القاعدة.
فإنه يقال: إن هذا غير محتمل لأن الوضع الأصلي له إنما هو لإدراك الغاية الشاردة وهو الوصول إليها والحصول عليها. فيكون ذلك مناسباً مع كلا الشكلين: الإحساس والفعل. فإذا قامت قرينة على احدهما تعين. ويكفي هنا قرينة معينة للفعل دون الإحساس هو قوله: يترك. فانه مقابل الفعل دون الإحساس. فيتعين فهمه.
وقوله: (لا يترك). إما أن يراد به النهي أو النفي. وعلى كلا التقديرين يراد به جعل الوجوب للفعل. أما إذا أريد به النهي فواضح. لأنه نهي عن الترك فيكون أمراً بالفعل عرفاً. وأما إن أريد به النفي، فلأجل ما قيل في علم الأصول من كون الجملة الخبرية أوضح في فهم الوجوب من الأمر أو صيغة افعل فيكون ذلك من هذا القبيل.
وقوله: (كله). يعني كل الأجزاء على الإطلاق بحيث يلازم ترك ما هو ممكن منها أيضا. فيكون هذا منهياً عنه. فيكون المعنى وجوب الإتيان بالممكن، وهذا هو مضمون القاعدة، كما فهمها المشهور.
إلا إن هذا قابل للمناقشة من عدة وجوه:
الوجه الأول: إمكان أن يراد بـ(ما) الموصولة (الكلي) الذي تعذرت بعض مصاديقه، لا (الكل) الذي تعذرت بعض أجزائه، فلا يمكن استفادة القاعدة منه، كما سبق في أمثاله. وخاصة بعد أن منعنا عن إمكان تصور الجامع بين الكلي والكل، كما زعمه بعضهم.
ــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
إلا انه يمكن الجواب على ذلك، بأن في النص نفسه ما يدل على إرادة (الكل) دون الكلي. وهو قرينتان:
إحداهما: قوله: (كله). فان التعبير العرفي بذلك إنما هو عن (الكل) الذي له أجزاء لا عن الكلي الذي له جزئيات ومصاديق. فانه لا يقال عرفاً عن الكلي: كل الكلي إذ إن انبساط الكلي. وشموله لمصاديقه غير مدرك بوضوح في الأذهان العرفية. فلا يرى له (كلاً) لا مجازاً ولا حقيقة. بخلاف المركب الجزئي من عدة أجزاء.
ثانيهما: قوله: (يترك كله). فان الترك إنما هو باعتبار الأجزاء لا باعتبار المصاديق، لأن إطلاق الترك على إهمال بعض المصاديق ليس عرفياً، ولا اقل من أن نزعم إن الآخر أوضح في ذهن العرف بحيث يكون هو المستظهر من العبارة.
الوجه الثاني: ان الاستدلال بالنص يتوقف على ان يكون المراد من ما الموصولة: متعلق الحكم الشرعي أو المأمور به. وأما إذا لم يكن كذلك فتكون خارجة عن حريم الشريعة، فلا تكون دليلا على شيء من القواعد.
ومن المعلوم انه لا نجد في النص دليلاً مطابقياً على ان المراد دخولها في حيز الشريعة، بخلاف النصوص السابقة كالتي يقول فيها: (ما أمرتكم به). أما هذا. فلا.
وقد يجاب على ذلك: انه ثبت في علم الأصول: إن الأصل في كل ما يقوله المعصومون هو التشريع ما لم تقم قرينة على الخلاف. والمورد من جملة ذلك.
الوجه الثالث: إن الاستدلال بالنص يتوقف على أن يكون المراد الحكم الإلزامي لا مطلق الرجحان. والإلزام مما لا يظهر من العبارة. بل لعل الأظهر
ــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
خلافه، لأن العبارة تستقيم أكثر حين نقول في قوله: لا يترك كله انه لا ينبغي أن يترك كله. أو لا يرجح ذلك. فتكون العبارة بمنزلة النص على مطلق الرجحان.
ويمكن أن يجاب على ذلك: بأننا اشرنا في تقريب الدلالة على القاعدة، بأن الظهور في الإلزام ثابت سواء حملنا (لا) على النفي أو النهي. مضافا إلى أن التقدير الذي اشرنا إليه خلاف الأصل ومما لا دليل عليه ولا قرينة فيه.
الوجه الرابع: إن وجوب الميسور يكون بأحد احتمالات ثلاثة لا رابع لها، فإذا بطلت بطلت استفادة القاعدة من الرواية.
الاحتمال الأول: الحكم الأصلي المتعلق بالمجموع. وقد سبق ان تكلمنا في مثله، وقلنا انه ساقط لا محالة. ولا قرينة في السياق على وجود تنزيله بمنزلة الموجود.
الاحتمال الثاني: الحكم الضمني المتعلق بالجزء أو الأجزاء المتيسرة نفسها. وقد سبق أن قلنا بتعذر ذلك لأنها تسقط بسقوط الأمر الأصلي ولا يمكن استمرارها مع سقوطه، لأنها معلولة له أو انحلالية منه، وعلى كلا التقديرين يكون استمراره غير ممكن إما عرفاً أو عقلاً.
الاحتمال الثالث: الحكم المستفاد من هذا النص نفسه. اعني قوله: “ما لا يدرك كله لا يترك كله”. فإذا بطل الاحتمالان السابقان توقف الاستدلال للقاعدة على هذا الاحتمال الثالث. فينبغي للمناقش إبطاله لتسقط استفادة القاعدة تماماً.
إلا أن الإنصاف أنها دالة على ذلك في قوله. لا يترك. يعني لا يجوز ترك الممكن بعد تعذر الباقي. وهو عين منطوق قاعدة الميسور.
إلا أن الكلام في أن هذا الحكم استقلالي أو طريقي يعني إشارة إلى
ــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الحكم الأصلي. كما اشرنا إليه في مثله مما سبق من النصوص.
والاستقلالية، وان كانت هي الأظهر في نفسها. إلا أن الأظهر من قرائن السياق هنا هو الطريقية. يعني: انه لا يترك لأنه واجب بالأصل، وليس ذلك لوجوب جديد مجعول عليه. فإذا علمنا أن ذلك الوجوب يكون ساقطا مع تعذر البعض ولا يستفاد منها التنزيل. إذن، يتعذر كونها دالة على وجوب الميسور، إلا أن نستفيد في طول نفي الاستقلالية واثبات السقوط، شكلا من أشكال التنزيل. وتمام الكلام في محله.
وعلى أي حال، فيكون هذا النص الثالث اقرب إلى مضمون القاعدة من النصين الأولين، حتى الثاني الذي اختاره المشهور وسمى القاعدة به. فان هذا الثالث اظهر منه بعد أن دفعنا عنه سائر الإشكالات أو أكثرها. ولم يمكن ذلك في النص السابق. إلا ان الإشكال الأساسي إنما هو في السند.

أهم موارد تطبيق القاعدة :
سمعنا إن الفقهاء اعتبروا المصداق الأمثل والمثال الأفضل لهذه القاعدة الصلاة باعتبار وضوح وجوب الباقي بعد تعذر بعض الأجزاء. وقد سبق أن ناقشنا في ذلك بما فيه الكفاية، وعلمنا إن الصلاة في غنى عن مثل هذه القاعدة التي لم تثبت بدليل معتبر.
مضافا إلى إشكالات أخرى أهمها: أن المقدار الممكن من الصلاة، إن كان عرفاً ميسوراً من المجموع المتعذر، أمكن اندراجه في القاعدة. ولكنه أحياناً لا يكون كذلك بل يكون على أساليب أخرى ككفاية التسبيحة الواحدة عن الركعة أو كفاية النية القلبية عن اللفظ والحركة، وكل ذلك ليس من سنخه لا عرفاً ولا عقلاً، فلا يكون من قبيل الميسور منه، بكل المعاني السابقة العقلية والعرفية والشرعية. إلا إذا استفدنا من الشرع دليلا على تنزيله منزلة
ــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الكامل. وهذا موجود فعلا، فيكون بنفسه كافياً للحكم بالأجزاء بغض النظر عن هذه القاعدة.
وكذلك الحال في الحج، حيث قلنا بأنه إذا تعذر بعض الحج لم يجب الباقي، وانكشف كون الفرد غير مستطيع في علم الله. سواء كان يعلم بذلك سلفاً أو علم به بعد شروعه. ولو كانت هذه القاعدة كاملة سنداً ودلالة للزم الفقهاء القول بوجوب الميسور من الحج. لفرض شمولها لكل الموارد.
وهذا في الصوم أوضح، فلو تعذر صوم بعض النهار كان مقتضى القاعدة سقوط وجوبه كله، لا وجوب الباقي. بخلاف ما لو كانت هذه القاعدة تامة واستفدنا منها تنزيل الناقص منزلة الكامل. فان النهار وان كان مترابط الأجزاء في الأمر بصومه. إلا أننا في طول التنزيل نعلم بكفاية ترابط الميسور منه عن المعسور.
كما أن ذلك واضح فقهياً في الكفارات والديات والحدود وغيرها، إذ مع تعذر البعض لا يكون الباقي واجباً أو لا يكون مجزياً. ونحوه في شهادة البينة إذ مع تعذر الشاهدين العادلين، لا يكون الواحد كافياً ولا منزلاً منزلة الاثنين.
وكذلك الحال في بعض الطهارات الثلاث، إذ مع تعذر بعض أجزاء الوضوء أو الغسل، ينتقل الحال إلى التيمم، لا انه يجب الباقي أو يكون مجزءاً عنه، وكذلك الحال في التيمم مع تعذر بعضه.
وإنما خص الفقهاء مورد القاعدة من الطهارات الثلاث بموردين:
المورد الأول: ما إذا كان بعض أعضاء الوضوء مقطوعاً، وتعذر غسله من اجل ذلك. فأفتوا بوجوب غسل الباقي، إذا كان عضواً كاملا أو مقداراً معتداً به منه. بخلاف ما لو بقي محل المسح فقط، فانه ليس (ميسوراً) من مجموع الوضوء بكل تعريفاته السابقة.
ــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المورد الثاني: فيما إذا تعذر وضع السدر أو الكافور أو هما معاً في أغسال الميت فانه يغسل بالماء القراح أي الصافي بدلا عنه. تمسكاً بهذه القاعدة.
وكلا الموردين اقرب إلى الصحة في النتيجة. إلا أن في كونهما مصداقين للقاعدة إشكالا واضحاً من الناحية الفقهية الاستدلالية، بل كل منهما ورد في دليل خاص به، لا نحتاج معه إلى القاعدة. وليس هنا محل سرده.
نذكر الآن بشيء من الاختصار بعض الموارد التي وعدنا بذكرها في مقدمة هذا الفصل، مما يكون محتمل الشمول لهذه القاعدة لو تمت وصحت في حين انه خارج القدر المتيقن من موردها كما اشرنا وسنوضحه أيضا.
وذلك في عدة موارد:
المورد الأول: أن الفقهاء يعتقدون أن القدر المتيقن من هذه القاعدة هو العبادات. فهل تكون شاملة للمعاملات أم لا.
ويتم الكلام في ذلك على صعيدين:
الصعيد الأول: انه لا دليل على كون العبادات هي القدر المتيقن من القاعدة. مع أن كل النصوص الثلاثة السابقة يمكن أن تكون مطلقة لها ولغيرها كالمعاملات.
ولكن يمكن تقريب ذلك بأحد شكلين:
الشكل الأول: ورود النص الأول من الثلاثة السابقة في مورد الحج وهو عبادة. فيكون قرينة متصلة على الإطلاق الوارد في نفس الرواية. وقرينة منفصلة على الإطلاق الوارد في النصوص والروايات الأخرى.
وجوابه: إن هذا إن تم بنحو القرينة المتصلة، لا يتم بنحو القرينة المنفصلة. لعدم الدليل على القرينية أصلا في النصين الأخيرين، وإمكان التمسك باطلاقهما.
ــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
بل حتى في مورد نفس الرواية، فإننا لو قصرناها على الحج سقطت بالمرة، لأنها في مورد الحج غير صادقة جزماً كما قلنا، فلا يبقى لها شمول للعبادات فضلا عن المعاملات.
على أن السياق واضح في ضرب القاعدة العامة خارج المورد وهو الحج لأنه يقول: “ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم”. ولا يراد بالشيء خصوص الحج يقيناً. ولا يصلح ذكره للقرينية إطلاقا.
الشكل الثاني: ورود لفظ الأمر بنفس القاعدة لأنه قال: (ما أمرتكم بشيء). والعبادات مأمور بها. وأما المعاملات فغير مأمور بها لعدم وجوب إنجازها بالعنوان الأولي.
وجواب ذلك: إن لفظ الأمر وارد فقط في النص الأول دون النصين الآخرين. فيمكن التمسك باطلاقهما. وخاصة بعد أن عرفنا إن النص الثالث هو الأرجح في استفادة القاعدة، ولا قرينة فيه على الاختصاص بالعبادات.
إذن، فإطلاق القاعدة شامل للعبادات والمعاملات معاً. وليست العبادات هي القدر المتيقن على أي حال. غير إن الإشكال في المعاملات سيأتي من ناحية أخرى.
الصعيد الثاني: عدم إمكان شمول القاعدة للمعاملات بعدة تقريبات، نذكر أهمها:
التقريب الأول: إن هذه القاعدة إنما تشمل الأمر المركب من أجزاء، بحيث إذا تعذر بعضها وجب الباقي. وهذا إنما يتوفر في العبادات المركبة كالطهارات الثلاث.
وأما المعاملات، فهي تنقسم إلى قسمين سبب ومسبب. أما السبب فهو العقد الحاصل بين الطرفين. وأما المسبب فهو نتيجة ذلك العقد كملكية البائع
ــــــــــــــــــــ[206]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
والمشتري ما انتقل إليه من البضاعة، نتيجة لصحة العقد.
أما السبب، فهو مركب إما من جزئين ظاهريين وهما الإيجاب والقبول أو من جزئين نفسيين وهو الرضا المتقابل للطرفين، ونحو ذلك. وهذا وان كان مركبا، إلا أن القاعدة لا تشمله، لعدم احتمال الاجتزاء بواحد مع تعذر الآخر، بحيث يكون العقد إيجاباً بلا قبول أو قبولا بلا إيجاب. فانه عندئذ يكون باطلا جزماً. ولا يحتمل تخريج صحته بقاعدة الميسور.
وأما المسبب وهو الملكية، فهي أمر بسيط واحد ليس بمركب وإنما يدور أمره بين الوجود والعدم. لا بين الصحة والفساد. فليس عندنا ملكية فاسدة، بل إذا فسد العقد زال أثره ولم تترتب عليه الملكية.
وهي من حيث كونها أمراً بسيطاً غير مركب من أجزاء لا يكون مشمولا للقاعدة، لأننا قلنا من أنها تختص بالمركبات.
فإن قلت: إن هنا ملكيتان تترتبان على العقد إحداهما ملكية البائع والأخرى ملكية المشتري، فيمكن أن تشمله القاعدة بهذا الاعتبار.
قلنا: إن في ذلك جهلا بموضوع القاعدة، فان موضوعها هو المركب المترابط كالوضوء والغسل، بحيث إذا نقص جزء منه عمداً بطل المجموع. فماذا إذا نقص عجزاً عنه؟ أما هاتان الملكيتان، فليستا مربوطتان ببعضهما. بل وجود كل منهما مستقل عن الآخر. ولا يحتمل وجود احداهما دون الأخرى إذ لو كان العقد صحيحاً وجدا معاً وان فسد زالتا معاً. وليس انه قد ينال العجز إحداهما وتبقى الأخرى لينالها إطلاق القاعدة. ويكون إحداهما بمنزلة الميسور والآخر بمنزلة المعسور.
التقريب الثاني: إننا قلنا في شرائط القاعدة أنها إنما تكون شاملة وعاملة في صورة احتمال وجود الأثر للباقي. دون ما إذا لم يكن هذا الاحتمال قائماً.
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
والأمر في المعاملات على ذلك إذ لا يحتمل تأثير الباقي بعد العجز عن البعض وإنجازه لأي حكم وضعي أو إجزائه عن أي حكم تكليفي.
فإن قلت: فان الفقهاء طبقوا القاعدة على ما إذا كان البائع اخرس ونحوه. فإنهم اكتفوا منه بما يمكنه من إيقاع العقد، وهو القصد القلبي والإشارة.
قلنا: هذا وان كان موضوعاً للقاعدة من ناحية هذا الشرط، إلا ان شرطاً آخر من شروطها غير متوفر فيه. وذلك أننا قلنا أنها إنما تنفع فيما لا يوجد فيه دليل آخر. وفي بيع الأخرس ونحوه يوجد دليل آخر، فانه منصوص بالسنة الشريفة. مضافاً إلى كونه عقداً عرفياً فيكون مشمولا لقوله تعالى: أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ. وقوله تعالى: تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ. فلا يختص دليله في القاعدة، أو انه ليس مثالا منحصراً لها.
التقريب الثالث: ان شرطاً آخر من الشروط السابقة أيضا، غير متوفر في شمول القاعدة للمعاملات.
وذلك: أننا قلنا انه لا بد أن يكون الباقي بمنزلة الميسور لذلك المجموع الذي أصبح متعذراً بتعذر جزئه.
ففي المعاملات إذا تعذر القبول مثلا، فهل يبقى الإيجاب (ميسوراً) بالنسبة إلى مجموع العقد؟
هذا متوقف على معنى الميسور. وقد أعطينا له عدة معاني. كان أفضلها صدق العنوان السابق على ما هو ممكن كصدق الصلاة على ثلاث ركعات مع تعذر الرابعة. وهذا المعنى غير متوفر في المعاملات. فان الإيجاب وحده ليس (عقداً) أكيداً، لا بنظر العرف ولا بنظر الشارع. فلا يكون مشمولا للقاعدة.
التقريب الرابع: ان شرطاً آخر من الشروط السابقة أيضا، غير متوفر في شمول القاعدة للمعاملات.
ــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وذلك: أننا قلنا أنها لا تجري فيما يدور أمره بين الوجود والعدم، ومثلنا له هناك بالصوم، الذي يوجد مع الإمساك وينعدم مع عدمه، فالمعاملات أيضا على هذا الغرار سواء قصدنا منها جانب السبب وهو العقد أو جانب المسبب والملكية. كما هو واضح لمن يفكر، وقد سبق ما يوجب إيضاحه فلا نكرر.
فإن قلت: فان من جملة الشروط للقاعدة كما سبق: أن يكون المتعذر (كلاً) تتعذر أجزاؤه لا (كلياً) تتعذر مصاديقه، وهو متوفر.
قلنا: إن توفر هذا الشرط وحده لا يكفي في صحة القاعدة ما لم تتوفر سائر الشرائط المنطبقة على شروط غير هذا.
ومن زاوية اشتراط أن لا يكون كلياً تتعذر مصاديقه. لا يمكن أن يقال: إن بعض أفراد العقد إذا تعذرت أمكن إيجاد الباقي وتصح به المعاملة. كما لو عقدنا في زمان آخر أو مكان آخر وهكذا. فإننا عرفنا إن هذا لا يكون مصداقاً تاماً للقاعدة، بل تصح العقود الممكنة هذه، باعتبار الإطلاقات المقتضية للصحة في الشريعة، كقوله: (أوفوا بالعقود) وغيرها. لا باعتبار قاعدة الميسور. كما هو واضح في الفقه.
المورد الثاني: لشمول قاعدة الميسور.
إن القدر المتيقن منها هو الواجبات، فهل تشمل المستحبات؟
وكون القدر المتيقن هو الواجبات واضح، لأن هذه القاعدة إما ان تشمل الواجبات والمستحبات معاً أو تختص بالواجبات. ولا يحتمل اختصاصها بالمستحبات. فشمولها للواجبات جزمي بخلاف المستحبات. وهو معنى القدر المتيقن.
ولا أجد مانعاً عن شمولها للمستحبات بكل نصوصها الثلاثة:
النص الأول: قوله: “إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم”.
فإننا إن حملنا مادة الأمر وصيغته على خصوص الإلزام لم تشمل
ــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المستحبات حتماً. ولكن إن حملناها على جامع المطلوبية، أمكن شمول القاعدة للمستحبات جزماً.
فإن قيل: فان المحقق في علم الأصول هو اختصاص ذلك بالواجبات وعدم دلالته على مطلق المطلوبية. فتكون القاعدة مختصة بالواجبات، وغير شاملة للمستحبات.
قلنا: نعم، هذا ثابت في صيغة الأمر. أما مادة الأمر فمن الأرجح كونها دالة على مطلق المطلوبية. فتشمل المستحبات. وهنا مادة الأمر مستعملة وهي قوله: (إذا أمرتكم بشيء).
فإن قلت: فان صيغة الأمر مستعملة أيضا، وهي قوله: (فأتوا منه) فتكون قرينة على الاختصاص بالواجبات. لعدم احتمال العكس، من حيث أننا إذا حملنا مادة الأمر على المستحبات لزم وجوب الباقي بعد تعذر البعض. وهو غير محتمل، فانه غايته هو الاستحباب أيضا.
قلنا: يمكن أن يجاب ذلك بأحد وجهين:
الوجه الأول: إننا نجعل مادة الأمر قرينة على صيغة الأمر دون العكس، وخاصة وأنها متقدمة في الكلام، وما له الصدارة في الكلام يكون له القرينية فيه. فتأمل.
الوجه الثاني: إن قوله (فأتوا) حكم طريقي كما قلنا وليس استقلالياً، يعني انه تحويل على الأحكام الأصلية المتعلقة بالأفعال. بحيث يلزم منه كما قلنا: إن الإتيان بالباقي يكون امتثالا للأمر الأصلي لا لهذا الأمر وهو قوله: (فأتوا). وقد استشكلنا فيه هناك. إلا أننا نتنزل هنا.
ومعه فلا بد من لحاظ الأوامر الأصلية المتعلقة بالأفعال، فان كانت وجوبية كان هذا وجوبياً، وان كانت استحبابية كان هذا استحبابياً، ولا يلزم من ذلك استعمال صيغة الأمر في معنيين حقيقي ومجازي. باعتبار تعدد موارد
ــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الصدق والتطبيق، فتأمل. وتمام الكلام في محله.
النص الثاني: (الميسور لا يسقط بالمعسور).
حيث لم يؤخذ فيها عنوان معين من الواجب أو المستحب. بل تشمل كل ما كان ميسوراً ومعسوراً. من أي صنف كان.
فإن قلت: فإن قوله: (يسقط) قرينة متصلة على إرادة خصوص الواجب، لأنه هو الذي يسقط وجوبه بالتعذر.
قلنا: إن المستحب أيضا يسقط استحبابه بالتعذر، بل هو أولى بالسقوط. ولا يحتمل بقاؤه بعد العجز.
نعم، لو كان ذلك محتملا، كان للاختصاص بالواجبات وجه، إلا إن الأمر ليس كذلك. وما لا يسقط استحبابه بالعجز عن بعضه بالمرتبة السابقة على هذه القاعدة، يكون في غنى عن جريانها. بل ليس مورداً له لأنه فاقد لأحد شروطه السابقة. كما لا يخفى على فطنة القارئ اللبيب.
النص الثالث: “ما لا يدرك كله لا يترك كله”.
وإطلاقه للواجبات والمستحبات أيضا ثابت. وخاصة بعد ان اعتبرناه هو النص الأفضل في الدلالة على صحة القاعدة، بغض النظر عن السند. فلا يضر معه كون النص الأول أو كِلا النصين الأولين محل إشكال من هذه الناحية.
المورد الثالث: إن القدر المتيقن لقاعدة الميسور هي الواجبات أو قل: هي المطلوبات يعني الأعم من الواجبات والمستحبات. فهل تشمل المحرمات أو المنهيات يعني الأعم من المحرمات والمكروهات أم لا؟
يمكن الإشكال في ذلك بعدة وجوه نذكر أهمها:
الإشكال الأول: إن المطلوبات تتعلق بالفعل والمنهيات تتعلق بالترك.
ــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ومن الواضح أن ظاهر النصوص الثلاثة للقاعدة اختصاصها بالفعل دون الترك، فلا يكون شاملا للمنهيات. فان ما يكون (ميسوراً) أو (يدرك كله) ونحو ذلك إنما هو الفعل دون الترك.
وجوابه: إننا بهذا الصدد نحتاج إلى تعميم معين إن تم شمول القاعدة للمنهيات والمحرمات. وهو تعميم معنى الفعل للترك. فان الفعل وان كان وجودياً عقلا، إلا انه ليس كذلك عرفاً. فيكون الترك مصداقاً للفعل أو حصة منه. وبهذا اللحاظ يمكن أن يكون مشمولا للنصوص، يعني يصدق عليه انه (ميسور) وانه (يدرك كله).
الإشكال الثاني: إن المنهيات فاقدة لشرط من شروط القاعدة. وهو أن يكون المتعلق مركباً. بحيث يتعذر بعضه ويبقى الباقي ممكناً للفاعل. وهذا يحصل في الواجبات. وأما المحرمات فكلها بسيطة غير مركبة. ومعه لا تكون مشمولة للقاعدة.
وجواب ذلك: إن اغلب المحرمات وان كانت بسيطة، إلا أن بعضها يمكن أن يصدق عليه التركيب عرفاً كسرقة مجموعة أشياء أو شرب كمية من الخمر. يمكن أن يكون مشمولا للقاعدة, من هذه الناحية.
الإشكال الثالث: إن المنهيات والمحرمات فاقدة لشرط آخر من شروط القاعدة. وهو إن المورد لا يكون ثابتاً بأمر آخر غيرها، بحيث يكون تاماً في المرتبة السابقة على القاعدة وأوضح فقهياً منها.
والحال في المحرمات ومطلق المنهيات هو ذلك. فان الحال فيها أنها إذا عجز المكلف عن تركها أو عن ترك جزء منها جاز فعله. لاستحالة تكليف العاجز بالنهي. فهو في حالة العجز لا يكون منهياً أو قل: منهياً عنه فيكون فعله جائزاً في المرتبة السابقة على القاعدة. فلا يكون هذا الشرط متوفراً.
ــــــــــــــــــــ[212]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المورد الرابع: لشمول قاعدة الميسور.
إن القدر المتيقن لهذه القاعدة هي الواجبات النفسية أي الواجب في نفسه بغض النظر عن غيره، فهل تشمل الواجبات الغيرية وهي ما تجب مقدمة لغيرها، باعتبار توقف بعض الواجبات النفسية عليها، كالسير إلى الحج أم لا؟
فهنا ينبغي أن يكون واضحاً بالنسبة إلى المقدمات العقلية انه لا معنى لوجوب بعضها بعد تعذر البعض. لأنه مع تعذر البعض يكون ذي المقدمة متعذراً. ومع تعذره لا يترشح منه على الباقي أي وجوب. ولا تصححه قاعدة الميسور، وان صدق عرفاً شمولها له باعتباره ميسوراً، أو لا يدرك كله. إلا إن أساس وجوبه يكون منتفياً.
مثاله: أن يتعذر السير إلى الحج في قسم من الطريق ومعه يكون الوصول إلى الحج متعذراً، فلا يجب السير في الباقي.
وأما المقدمات الشرعية، كالطهارات الثلاث (بل قد تكون هي المثال المنحصر) فهي مشمولة له على إشكال سبقت الإشارة إليه.
ولا تكون مشمولة للإشكال الذي ذكرناه الآن لوجود الإجماع بأن الصلاة لا تسقط بحال. فحتى مع فقدان الطهورين تبقى الصلاة واجبة، فكيف مع إمكان بعض أجزائها؟ فإذا صححنا هذا البعض بقاعدة الميسور أمكن أن يكون مشمولاً للوجوب الغيري الواصل إليه من الوجوب النفسي الذي لم يسقط مع تعذر بعض مقدمته.
إلا أن هذا على أي حال، خاص بالصلاة، لأنه لم يرد في غيرها انه لا يسقط بحال.
وهناك تفاصيل أخرى لقاعدة الميسور، ينبغي الإعراض عنها في هذه العجالة.
ــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل قاعدة الإلزام

يريد بها الفقهاء مضمون النص القائل: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) وحاصله: أن للفرد المؤمن أن يلزم غيره بإقراره على نفسه في دينه بما يلتزم به. فيرتب الأثر الشرعي على ذلك. فيتزوج من مطلقته ويشتري من ملكه ونحو ذلك. وان كان ذلك باطلا في فتوى الفرد المؤمن. كما سيتضح جلياً.

أدلة القاعدة:
أول ما ينبغي التعرض له لدى الحديث عن هذه القاعدة هو مداركها وأدلتها التي تثبت به شرعاً، ثم ينفتح الطريق إلى النظر إلى مضمونها وإطلاقاتها. لكي تعرف بعد ذلك نتائجها وبعض مواردها.
استدل بعضهم(1) على صحة هذه القاعدة بدليلين:
الدليل الأول: الإجماع. فانه ثابت لدى علمائنا المتقدمين والمتأخرين(2)، ثم استشكل عليه بأن هذا ليس هو الإجماع الذي يكون معتبراً، لأنه ليس مما يعلم منه رأي المعصوم.
ــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) القواعد الفقهية 154.
(2) المصدر والصفحة.
وبتعبير منا: إن الإجماع إنما يكون حجة فيما إذا كان تعبدياً قائماً بذاته، لا ما إذا كان معتمداً على دليل آخر. وسنرى إن الدليل الآخر موجود في هذه القاعدة وهو السنة الشريفة. إذن، فالإجماع قائم عليها، وكل من أفتى بالقاعدة إنما اعتمد على السنة. فيكون الإجماع مدركياً وغير معتبر، ويكون الحساب الحقيقي مع مدركه.
غير إن هذا ليس بصحيح في محل الكلام، وان كان مقتضى القاعدة ثبوته، لأننا قلنا في محله: إن الإجماع إذا كانت أهميته بمقدار السنة التي يعتمد عليها، فالأمر كذلك، بمعنى انه لا يكون حجة. وأما إذا كانت أهميته أكثر وأوضح منها واشد رسوخاً في الارتكاز المتشرعي. فانه يكون تعبدياً معتبراً، ولا يبعد أن يكون الإجماع هنا من هذا القبيل. إذن، فهو حجة ومعتبر، في إثبات وتصحيح قاعدة الإلزام.
إلا أننا نعرف في محله من علم الأصول: إن الإجماع دليل لبي لا إطلاق له، فيجب أن يقتصر الفقيه منه على القدر المتيقن. ولا يمكن أن يشمل الموارد المشكوكة للشمول للقاعدة. ومن هنا يسقط هذا الإجماع عن المنفعة، ويكون للسنة دورها الرئيسي هنا، للشمول والتمسك بالإطلاق.
الدليل الثاني: السنة الشريفة.
ويمكن تقسيمها إلى طائفتين، من حيث الدلالة تارة على وجه القاعدة العامة، وأخرى من حيث الدلالة على موارد وتطبيقات خاصة.
الطائفة الأولى: ما دل من السنة على تأسيس القاعدة العامة في المورد وهي عدة روايات:
منها: ما رواه الشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار بإسناده إلى علي
ــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ابن أبي حمزة عن أبي الحسن  انه قال(1): “ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم”.
والظاهر أن الشيخ الطوسي(2) ذكر نصها الكامل في كتاب الطلاق حيث روي بنفس السند “عن أبي الحسن  عن المطلقة على غير السنة أيتزوجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموا به أنفسهم. وتزوجوهن فلا بأس بذلك”.
ثم قال الشيخ بعدها(3) : “قال الحسن بن سماعة: أنه سأل عن امرأة طلقت على غير السنة أَلِيَ أن أتزوجها. فقال: نعم. فقلت له: ألست تعلم إن علي بن حنظلة روى: إياكم والمطلقات ثلاثاً على غير السنة، فإنهن ذوات أزواج. فقال: يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس. قلت: فأي شيء روى. قال: روى علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن  قال: ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم وتزوجوهن فانه لا بأس”.
ونقلها الشيخ الحر(4) في الوسائل مع اختلاف بسيط في السند واللفظ. ومنها: ما رواه الشيخ(5) أيضا في التهذيب بسند معتبر عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ، قال: “سألته عن الأحكام، قال: يجوز على كل ذي دين بما يستحلون”.
وعن الشيخ الصدوق(6) في عيون الأخبار ومعاني الأخبار بسند غير معتبر
ــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) التهذيب ج4 ص322 والاستبصار ج4 ص148.
(2) انظر الاستبصار ج3 ص292. والوسائل كتاب الطلاق. أبواب مقدماته وشرائطه باب30 حديث5 مع بعض الاختلاف في السند.
(3) الاستبصار : نفس الصفحة والجزء.
(4) الوسائل: (المصدر السابق) حديث6.
(5) التهذيب (المصدر السابق).
(6) الوسائل: (المصدر السابق) حديث11.
عن عبد الله بن طاووس، قال: “قلت لأبي الحسن الرضا : إن لي ابن أخ زوجته ابنتي، وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق، فقال: إن كان من إخوانك فلا شيء عليه. وان كان من هؤلاء فابنها منه فانه عنى الفراق. قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبد الله  انه قال: إياكم والمطلقات ثلاثاً في مجلس، فإنهن ذوات أزواج؟ فقال: ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء. انه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم”.
ومنها: ما رواه الشيخ(1) في التهذيب عن عبد الله بن محرز عن أبي عبد الله ، قال: “قلت له: رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه. فقال: المال كله لابنته. وليس للأخت من الأب والأم شيء. فقلت: إنا قد احتجنا إلى هذا. والرجل الميت من هؤلاء الناس وأخته مؤمنة عارفة. قال: فخذ لها النصف. خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنتهم وقضائهم وأحكامهم. قال: فذكرت ذلك لزرارة. فقال: ان على ما جاء به ابن محرز لنورا. خذ بحقك في أحكامهم وسنتهم كما يأخذون منكم فيه”.
الطائفة الثانية: الروايات التي تكون بمنزلة التطبيق لتلك القاعدة العامة، وهي عديدة نذكر بعض النماذج.
منها: معتبرة عبد الله بن سنان. قال(1): “سألته عن رجل طلق امرأته لغير عدة ثم امسك عنها حتى انقضت عدتها. هل يصلح لي أن أتزوجها؟ قال: نعم. لا تترك المرأة بغير زوج”.
ورواية عبد الأعلى(3) عن أبي عبد الله . قال: “سألته عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، قال: ان كان مستخفاً بالطلاق ألزمته ذلك”.
ــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) التهذيب: ج9 ص321-322.
(2) الوسائل: ج15 كتاب الطلاق أبواب مقدماته وشرائطه باب 3 حديث4.
(3) المصدر حديث7.
وعن عبد الله العلوي(1) عن أبيه قال: “سألت أبا الحسن الرضا  عن تزويج المطلقات ثلاثاً. فقال لي: إن طلاقكم (الثلاث) لا يحل لغيركم، وطلاقهم يحل لكم. لأنكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها”.
وعن إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: “كتبت إلى أبي جعفر الثاني  مع بعض أصحابنا، وأتاني الجواب بخطه، (يقول): فهمت ما ذكرت من أمر ابنتك وزوجها فأصلح الله لك ما تحب صلاحه فأما ما ذكرت من حنثه بطلاقها غير مرة. فانظر يرحمك الله. فإن كان ممن يتولانا ويقول بقولنا فلا طلاق عليه لأنه لم يأت شيئاً جهله. وان كان ممن لا يتولانا ولا يقول بقولنا فاختلعها منه. فإنه إنما نوى الفراق بعينه”.
إلى غير ذلك من الروايات.
وكان في ودي أن اذكر التفاصيل المستفادة من هذه الروايات كلها، إلا إن ذلك ينافي مستوى هذا الكتاب أولاً. وثانياً: إننا عقدنا هذا الفصل لأجل استنباط القاعدة نفسها. وليس لأجل الدخول في التفاصيل. إذن، نقتصر على الحديث الطائفة الأولى فقط.

استفادة القاعدة :
وقد سبق في الطائفة الأولى أن سمعنا نصوصاً مختلفة وألسنة متعددة تعرب عن هذه القاعدة. وقد اختار منها الفقهاء واحداً، وهو قوله: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم). إلا أن النصوص غير منحصرة في ذلك فيحسن لنا الآن عرضها مع محاولة استفادة مضامينها، والشروط التي تتضمنها موارد جريان هذه القاعدة.
ــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر حديث 9.
والألسنة التي سبق أن سمعناها عديدة:
أولا: ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.
ثانيا: ألزموهم من ذلك بما ألزموا به أنفسهم.
ثالثا: يجوز على كل ذي دين بما يستحلون.
رابعا: من دان بدين قوم لزمته أحكامهم.
خامسا: خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنتهم وقضائهم وأحكامهم.
سادساً: خذ بحقك في أحكامهم وسنتهم كما يأخذون منكم فيه.
ومن الواضح إن كل اثنين من هذه النصوص الستة، ترجع إلى معنى تقريبي واحد. فتكون بمنزلة الثلاثة، نذكر فيما يلي كلا منها بعنوان مستقل.

النص الأول :
والعمدة فيه هو الأول منهما: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم). ومن الملاحظ فقهياً وجود موضوع فيه وحكم. والموضوع يكون اسبق رتبة من الحكم. فانه يتحدث عن إلزامين، يكون احدهما موضوعاً وهو إلزام أنفسهم بشيء من الأحكام. ويكون الآخر حكما، وهو إلزامهم بذلك من قبل الآخرين. فلابد من الحديث عن موضوع القاعدة مستقلا عن الحديث عن محمولها.
أما الحديث عن الموضوع. وهو إلزام أنفسهم بشيء. فالنقطة الرئيسية فيه هو التساؤل عن منشأ هذا الإلزام. فان فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: أنهم يلزمون به أنفسهم لإلزام دينهم أو مذهبهم فيه. وهذا هو فهم مشهور الفقهاء للقاعدة.
ــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الاحتمال الثاني: أنهم يلزمون به أنفسهم لأجل مناشئ شخصية أو دنيوية أو مصلحية ونحو ذلك.
والظاهر البدوي وان كان هو الثاني، إلا انه لا يكاد يكون محتملا فقهياً لعدة قرائن اطمئنانية.
أولا: إجماع الفقهاء على فهم الاحتمال الأول.
ثانيا: موقف الإمام  من حديثه في كونه من قبيل التشريع من أوله إلى آخره، حتى فيما كان بياناً عن غيره. فتأمل.
ثالثا: إن كل التطبيقات المروية في جميع الروايات إنما هي منسوبة إلى الالتزام الديني لا الالتزام الشخصي بأي حال. ومعه يكون الاحتمال الأول هو المتعين طبقاً للمشهور. ولا يكون للالتزامات الشخصية أي أثر.
نعم، يبقى الكلام في وجود التزامات نوعية غير دينية، وان لم تكن شخصية أو مصلحية. وذلك مثل الالزامات الناشئة من بعض القوانين الداخلية أو الدولية. أو الالتزامات الناشئة من مذاهب أو أديان غير سماوية كالبوذية والماركسية وغيرها. فهل يكون شيء منها مشمولا لقوله: (ما ألزموا به أنفسهم)، أم لا؟ فإذا ضممنا إلى ذلك الاحتمالات الموجودة في داخل الفهم الديني لهذه العبارة كانت الاحتمالات عديدة جداً نذكر أهمها.
أولا: المذاهب الإسلامية التي كانت في عصر المعصومين. دون غيرها من المذاهب والأديان.
ثانيا: المذاهب الإسلامية مطلقاً وان وجدت في عصر متأخر، كالقاديانية والبهرة، دون المذاهب والأديان غير السماوية.
ثالثا: الأديان السماوية بكل أصنافها ومذاهبها، دون غيرها من الملل والنحل.
ــــــــــــــــــــ[220]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
رابعاً: الأديان مطلقاً سماوية كانت أو أرضية، ما دامت تتخذ صفة تشبه عرفاً صفة الدين. وكان هناك بعض المجتمعات المتسالمة على صحتها. هذا دون المذاهب والقوانين الأرضية المحضة.
خامساً: خصوص الأديان السماوية الثلاثة: الإسلام والنصرانية واليهودية دون غيرهم.
سادساً: إلحاق المجوسية والصابئة بالاحتمال السابق.
سابعاً: كل دين أو مذهب سماوي أو ارضي، ما دام متخذاً عنصراً نظرياً عقائدياً. دون المذاهب التي تتبنى جهة القانون فقط. والفرق بينهما كالفرق بين ما نسميه باصطلاح المتشرعة بين (أصول الدين) و (فروع الدين).
ثامناً: كل دين أو مذهب أو مبدأ سماوي أو ارضي نظري أو قانوني، بشرط ان يكون له شمول اجتماعي ولا يكون شخصياً.
تاسعاً: الاختصاص بعد المذاهب (النظرية) بالقوانين الناشئة عن جوانب نظرية كالديمقراطية والاشتراكية, دون غيرها من القوانين، كالتي وضعت من قبل ملك معين أو ديكتاتور. فإنها عندئذ تكون أشبه بالرغبات الشخصية. فلا تكون مشمولة للقاعدة.
إلى غير ذلك من الاحتمالات.
والظاهر أن المشهور يخص القاعدة بالأديان والمذاهب التي كانت في عصر المعصومين. ولعل من الفقهاء من يعمم إلى المذاهب الإسلامية الأخرى وان وجدت في عصر متأخر، ما دامت منتسبة إلى الإسلام، ولعل منهم من يقبل إدراج سائر الأديان المعروفة وان لم يثبت وجودها يومئذ. كالدروز واليزيدية والبهائية وغيرها. مع إخراج سائر المذاهب والاعتقادات الأخرى. وخاصة الأرضي الخالص منها.
ــــــــــــــــــــ[221]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
والاستدلال على اختيار احد هذه الاحتمالات مما يطول. لا يناسب دخولنا فيه من هذا الكتاب. وإنما لابد لنا من الاختيار المجرد عن الاستدلال. والظاهر هو الأخير الذي ذكرناه قبل اسطر تمسكاً بإطلاق العبارة، ما لم يثبت التقييد ببعض النصوص الأخرى. كما لعله تأتي الإشارة إلى بعضها. وان كان الأحوط على أي حال هو الاقتصار على المذاهب الإسلامية والأديان السماوية التي كان لها وجود وشهرة في عصر المعصومين فقط.
هذا من ناحية الفاعل في الإلزام الذي أصبح موضوعاً للقاعدة. يعني قوله: (ألزموا به أنفسهم).
وأما من ناحية (ما) الموصولة فيه وهو قوله: (ما ألزموا به أنفسهم). فهذا مما لا ينبغي أن يكون مشكوكاً لأن لكل مذهب أو دين تعاليمه الخاصة به التي يؤمن بها أهله والمنتسبون إليه. فيكون مقتضى هذه القاعدة، هو جواز تحميل أهل ذلك الدين أو المذهب نتائج تعاليم دينهم أو مذهبهم. سواء كانت موافقة مع ديننا ومذهبنا أم لا. أو قل: انه يجوز لنا الأخذ بها حتى لو كانت مخالفة له.
ولكن ينبغي الالتفات إلى نقطة معينة في هذا الصدد، وهي ان التعاليم المعطاة في أي دين أو مذهب. تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التعاليم التي تكون في مصلحة أهله أو بعضهم بحيث يكون تمسكهم به لأجل جلب النفع لهم.
القسم الثاني: التعاليم التي تكون على خلاف المصالح الشخصية للأفراد كاعتقاد انه مديون أو أن زوجته مطلقة أو أن الإرث لا يصل إليه بل إلى غيره. كل ذلك طبقاً لدينه. وان كان باطلا عندنا.
وإنما نأخذ من هذين القسمين بالثاني دون الأول. لقرينية الإلزام حين
ــــــــــــــــــــ[222]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يقول: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم). فإنهم إنما يلزمون أنفسهم بتعاليمهم التي قد تجر ضرراً شخصياً عليهم. وأما التعاليم النافعة لهم فهم يتبعونها لأجل منفعتها، فهي موافقة مع أنفسهم، وليس لها أي جهة في الإلزام أو التحميل.
فيكون الحال هنا كقوله: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز. فإذا اقر أي شخص انه مديون لي جاز أن آخذ منه الدين وان لم أتذكر سببه، وكان مقتضى أصالة براءة الذمة عدم الدين أيضا. إلا انه يحمل نفسه المسؤولية بالإقرار فيكون من حق الطرف الآخر الأخذ به.
فالحال هنا أيضا كذلك. غاية الفرق: ان الإقرار تحميل على النفس بزعم سبب شخصي أو جزئي في حين ان الإلزام في محل الكلام بزعم سبب ديني يخاف الفرد من تجاوزه.
مع فرق آخر محتمل، وهو إن الإقرار طرفه واحد. في حين إن هذا الإلزام طرفه كثيرون، أو قل: كلي قابل للصدق على كثيرين. غير إن الصحيح إن طرف الإقرار وان كان واحداً بالمطابقة إلا انه كلي بالحقيقة. كالملكية نفسها فإنها منتسبة إلى واحد، إلا انه يجب على كل البشر حفظها لصاحبها وعدم التصرف فيها بدون رضاه. فكذلك الحال في الإقرار، فانه منتج لكون المال المقر به ملك للآخر، فيترتب عليه كل آثار الملكية للجميع.
فهذه فكرة عن موضوع هذه القاعدة.
وأما من ناحية محمولها، وهو قوله: (ألزموهم) الذي يعني جواز ترتيب الأثر الشرعي على معتقدهم وان كان باطلا في الحقيقة.
فالسؤال الرئيسي الذي يفرض نفسه هنا إنما هو عن فاعل هذا الإلزام الذي هو مرجع ضمير الجماعة في قوله: (ألزموهم).
فهل هو عام لكل المذاهب والأديان؟ الأمر الذي ينتج إمكان إلزام بعض
ــــــــــــــــــــ[223]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أفرادها لبعض كائناً من كانوا، أو انه خاص بالمذاهب الإسلامية. الأمر الذي ينتج نفس الشيء بين أفرادها أو انه خاص ببعضها.
الظاهر إن المقصود هو مخاطبة المعصومين سلام الله عليهم أتباعهم ومواليهم بذلك دون غيرهم، الأمر الذي ينتج إن هذه القاعدة خاصة بطرف واحد ولا تعم الطرفين.
بقي لدينا أمر معين وهو أننا ينبغي أن نلتفت إلى أن النص الآخر الذي رويناه لهذه القاعدة يقول: (ألزموهم من ذلك بما ألزموا به أنفسهم).
فقد يقال: إن قوله: من ذلك. مقيد للقاعدة باعتباره إشارة إلى مورد السؤال في الرواية، وهو خصوص المطلقة فلا يشمل الموارد الأخرى. ويكون ذلك قرينة متصلة للسياق في تلك الرواية، وقرينة منفصلة لغيرها.
وجواب ذلك: أننا إذا حملنا قوله (ذلك) على خصوص مورد الرواية، أنتج الاختصاص. إلا أننا يمكن أن نجرد المورد عن الخصوصية ونحمله على المثالية لكل مورد كان في الطرف الآخر شكل من أشكال الإلزام له. سواء كان طلاقاً أم لم يكن. كما جردنا الخصوصية من هذه الأطراف المتنازعة في الرواية إلى كل مذهب إسلامي أو دين سماوي.
فهذا هو الحديث عن النص الأول بقسميه.

النص الثاني:
وقد كان على قسمين أيضا، كما سبق. وما هو الأقرب منهما إلى مضمون قاعدة الإلزام أو قل إلى النص الأول هو القسم الثاني منه. فنقدم الحديث عنه، ثم ننظر نسبته إلى القسم الأول.
والقسم الثاني يقول: (من دان بدين قوم لزمته أحكامهم).
ــــــــــــــــــــ[224]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ومن ناحية قوله: (لزمته)، نعرف قرب مضمونه إلى قاعدة الإلزام. فان الإلزام لغة وعرفاً إنما يكون للأحكام التي تخالف المصلحة الشخصية وتكون تحميلا على الفرد الملزم بها. فيكون وجود هذا اللفظ قرينة على أن المراد ذلك من قوله: (أحكامهم) لا أن يراد بها مطلق الأحكام سواء كانت في جانب المصلحة الشخصية أو ضدها. ومن هنا يقترب مضمونه من قاعدة الالزام.
بقي الالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: إن قوله: (لزمته) مطلق من حيث الفاعل -لو صح التعبير -الذي هو الطرف الآخر للإلزام، أو قل: الملزم. فان الأحكام مادامت في ذمة ومسؤولية الطرف الأول. أمكن لكل الناس مهما كانت صفتهم أن يكونوا طرفاً ثانياً لها، ويحملون عليه مسؤولية إلزامه.
وهذا الإطلاق أمر معقول. إلا أننا من ناحية قاعدة الإلزام سبق إن قلنا: إن المخاطب بها هو خصوص الموالين للمعصومين سلام الله عليهم. فيكون ذلك بمنزلة القرينة المنفصلة لتقييد هذا النص أيضا.
الأمر الثاني: حول قوله: (من دان بدين قوم). فان القدر المتيقن منه هو من يدين بذلك الدين بالأصل يعني كونه مولوداً من أبوين من ذلك القبيل.
وأما من دخل في ذلك الدين من الخارج، كما لو أصبح المسيحي يهودياً أو اليهودي مسيحياً أو المسلم منتمياً إلى إحدى هاتين الديانتين، فهل يكون مشمولا للنص، بمعنى انه يحاسب طبقاً لدينه الجديد لا القديم؟ فيه تفصيل:
من حيث أن هذا الانتقال على أشكال ثلاثة:
الشكل الأول: الانتقال من دين إلى دين ليس احدهما هو الإسلام. وفي مثله يتعين إلزام الفرد بالدين الثاني الذي انتقل إليه والذي يعترف الآن بالانتماء إليه.
ــــــــــــــــــــ[225]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الشكل الثاني: الانتقال من الإسلام إلى احد الأديان الأخرى، فهذا هو (المرتد). ونحن نعرف بضرورة الفقه إن المرتد بحكم المسلم من هذه الناحية أي يجب عليه وعلى غيره تطبيق حكم الإسلام عليه، لا تطبيق حكم دينه الجديد. سواء من تلك الأحكام التي في مصلحته أو التي تخالف مصلحته. فلا يكون مورداً لقاعدة الالزام من حيث كونه مرتداً(1).
الشكل الثالث: الانتقال إلى الإسلام من احد الأديان السماوية، واختيار احد مذاهب الإسلام ديناً له.
فهنا يتعين إلزام هذا الفرد بدينه ومذهبه الجديد وتركه لدينه القديم. فيكون مصداقاً للقاعدة من هذه الناحية.
ولئن كان في هذا النص أو القسم الثاني منه خاصة، وهو ما نتحدث عنه الآن، قد وجد فيه لفظ الإلزام فأصبح قريباً من قاعدة الإلزام. فان هذا اللفظ غير موجود في قسمه الأول الذي يقول: (يجوز على كل ذي دين بما يستحلون). فيكون شاملاً للأحكام المخالفة للمصلحة الشخصية من ذلك الدين والأحكام الموافقة لها منه. وهو غير قاعدة الإلزام.
ويمكن الفحص عن ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: إن هذا النص وان كان مطلقاً إلا انه يمكن تقييده، بالقرائن المنفصلة والألفاظ الموجودة في النصوص الأخرى. بخصوص ما كان مخالفاً للمصلحة الشخصية، فيقترب مضمونه من قاعدة الإلزام.
ولعل في الحديث نفسه ما يدل على ذلك وهو قوله: يجوز، فإنها ليس المراد منها الجواز الاصطلاحي في الفقه جزماً. بل المرور عليهم والاجتياز
ــــــــــــــــــــ[226]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) هذا في المرتد الفطري. يعني الذي يكون أصله مسلماً. وكذلك الحال في المرتد الملي وهو من كان أصله غير مسلم ثم جاء إلى الإسلام ثم ارتد. فانه أيضا بحكم المسلم من هذه الناحية.
بهم. وإنما يكون التعبير بذلك باعتبار مخالفته للمصلحة الشخصية بالنسبة إليهم.
المستوى الثاني: انه إن كان المراد الإطلاق أساساً في هذا الخبر، فان ما يعود إلى المصلحة الشخصية من ذلك الدين غير مربوط بالطرف الآخر بل يؤمن به الطرف الأول بصفته من دينه ويطبقه بصفته من تعاليمه. وإنما يكون مربوطاً بطرف آخر حين يكون تحميلا وإلزاماً للطرف الأول. ومخالفاً لمصلحته الشخصية. فيكون الخبر شاملا لقاعدة الإلزام بالإطلاق. وهو المقدار الذي يستفيد منه الطرف الثاني.
المستوى الثالث: إن كان المراد اختصاص الجواز في قوله (يجوز على كل ذي دين) بالأحكام الملزمة له والمخالفة لمصلحته، فلا إشكال فيه، كما قربنا في المستوى الأول. ولكن إذا كان المراد الإطلاق لكل أحكام ذلك الدين، كان هذا الخبر إقراراً لأهل كل دين على تعاليم دينهم. ومنافياً لما نقوله في الفقه من كون الكفار مكلفون بالفروع يعني بالتعاليم الإسلامية. إذ من غير المحتمل عندئذ أن يكونوا مكلفين بالفروع الإسلامية وغير الإسلامية معاً لوجود التنافي الكثير بينهما. بل هم مكلفون بخصوص الفروع الفقهية الإسلامية، كما هم مكلفون بالدخول إلى الإسلام أيضا.
وإذا كان هذا الخبر معتبر السند عن المعصومين ، كما سبق. كان نافياً لما قاله مشهور الفقهاء من تكليف الكفار بالفروع.
وجواب ذلك من وجهين على الأقل:
الوجه الأول: ان هذا الشمول إنما قلنا به بعد التنزل عن الاحتمال السابق، وهو جعل قوله: يجوز، قرينة على الاختصاص بالأحكام الإلزامية المخالفة للمصلحة الشخصية. وهذا صحيح والتنزل عنه بلا موجب.
ــــــــــــــــــــ[227]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الوجه الثاني: إننا لو تنزلنا عنه، وقع التعارض بين الأدلة الكثيرة للأحكام الإلزامية الإسلامية التي تشمل الكفار. وبين إطلاق هذه الرواية وعندئذ يمكن القول بتقديم تلك الإطلاقات على هذا الإطلاق لكثرتها ووضوحها في أذهان مشهور الفقهاء. ولا نقبل تخصيصها بمثل هذا الخبر فتأمل.
مضافاً إلى قرائن أخرى يمكن فهمها من الحديث للاختصاص بالأحكام التحميلية، مثل حرف الجر (على) في قوله: (يجوز على كل ذي دين). فانه يستعمل للتحميل والمسؤولية لا للتوسعة والجواز. ومثل قوله: (يستحلون)، الظاهر بالأحكام الوضعية عندهم لا الأحكام التكليفية، فيكون السياق دالاً على إمكان اخذ المسلمين بأحكامهم الوضعية. في حين إن المشهور يقول بأنهم مشمولون للأحكام التكليفية الإسلامية. وأما بالأحكام الوضعية والمعاملات فليس هناك اختلاف معتد به فيها بين الأديان لكونها عقلائية عامة.
مضافا إلى إن الإشارة إنما تكون للجانب التحميلي للأحكام الوضعية، يعني يجوز العمل عليها من قبل الآخرين. وتحميلهم تبعاتها ومسؤولياتها. فيعود الحال إلى فهم قاعدة الإلزام. ولو كان النص مطلقاً أمكن فهمها من إطلاقه.
فهذا هو الحديث عن النص الثاني بقسميه.

النص الثالث :
يقول القسم الأول منه: “خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنتهم وقضائهم وأحكامهم”.
وهو واضح بالاختصاص بالأحكام التحميلية الملزمة وذلك لأكثر من قرينة في الحديث :
ــــــــــــــــــــ[228]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أولا: قوله: (خذوا). فان الأخذ من الطرف الآخر يعني التحميل عليه بما يكون مخالفاً لمصلحته الشخصية، وإلا لما كان أخذاً بل عطاءً.
ثانياً: قوله: (يأخذون منكم)، يعني أن هناك تبادلا في الإلزام والتحميل بالحقوق والواجبات بين أفراد سائر المذاهب الإسلامية. ولا معنى لشمول ذلك للأحكام الأخرى.
وأما قوله: (في سنتهم وقضائهم وأحكامهم). فهو يعود إلى قوله: (خذوا منهم) يعني في كل هذه النواحي. (ما يأخذون منكم) في كل هذه النواحي أيضا. فكأنه يقول: خذوا منهم في سنتهم وقضائهم وأحكامهم ما يأخذون منكم في سنتكم وقضائكم وأحكامكم.
وهذا النص واضح الاختصاص بأفراد المذاهب الإسلامية الأخرى التي كانت سائدة في عصر الأئمة . ولا تشمل الأديان الأخرى. ولا يمكن تجريده عن الخصوصية لإنتاج الشمول إليها، لاحتمال الخصوصية للمذاهب عن الأديان لأنها أهم طبعاً واقرب إلى الإسلام.
غير ان هذا الحديث لا ينافي ولا يخصص الأحاديث الأخرى السابقة. انه خال مما يسمى بمفهوم المخالفة. يعني كونه نافياً لما عدا مضمونه أو نافياً للشمول إلى الأديان الأخرى. وإنما هو غير شامل لها وساكت عنها فتكون مشمولة للأخبار الأخرى بلا معارض.
وهذا بهذا المضمون لا يختلف كثيراً عن القسم الثاني من هذا النص الثالث وهو قوله: “خذ بحقك في أحكامهم وسنتهم كما يأخذون منكم فيه”.
فان المخاطبة هنا وان كانت للفرد: (خذ) إلا انه لا يحتمل اختصاصه به. كما إن هذا النص أوضح بالأحكام التحميلية الملزمة من سابقه لأنه يقول: (خُذ بحقك). وما كان حقاً لأحد الطرفين كان (واجباً) وتحميلا على الطرف الآخر.
ــــــــــــــــــــ[229]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فيصلح ان يكون قرينة على القسم الأول من هذا النص، للاطمئنان بكون الحكم الذي يعبر عنه كلا القسمين واحداً. فان فرضنا إطلاق القسم الأول، وتنزلنا عن القرائن التي ذكرناها فيه. كان هذا قرينة عليه. وان لم نتنزل كان هذا زيادة في القرينية. وعلى أي حال يقترب المضمون من ناحية قاعدة الإلزام.

سؤال وجواب؟
قد يمكن التساؤل عن مضمون القاعدة بما إذا كان شاملا لأهل المذهب والدين الواحد، بعد أن كانت عامة للمختلفين في الدين والمذهب، فإذا كانت شاملة للمذهب الديني الواحد، شملت اختلاف الفتاوى بين المجتهدين لمن يلتزم باتباعها اجتهاداً أو تقليداً. وذلك في المجتهدين في أي مذهب معين من المذاهب الإسلامية بما فيها المذاهب الأربعة. وكذلك يشمل الفرق في الدين الواحد كالكاثوليك والبروتستانت والارثودكس وغيرها من الفرق المسيحية، ونحو ذلك. فيكون لكل منهم إلزام الآخر بما يكون تحميلا عليه لصالح الطرف الآخر. أو إن ذلك لا يمكن باعتباره غير مستفاد من النصوص السابقة؟
جواب ذلك يكون على مستويين:
المستوى الأول: في إلزام بعضهم بعضا. وهذا غير مشمول ظاهراً للأخبار السابقة لأكثر من نقطة:
النقطة الأولى: أنهم لا يسألون الحكم من أئمتنا ولا يعتبرون أخبارهم حجة، فالقول بشمولها لهم أمر غير عرفي وان كنا نعتقد كونهم مشمولين لها على أي حال.
النقطة الثانية: إن الخطاب في الأخبار إنما هو لأتباع وموالي الأئمة المعصومين : (ألزموهم). وذلك فيما يجر النفع إليهم مما يكون تحميلا
ــــــــــــــــــــ[230]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وتبعة على غيرهم.
فإن قلت: انه يمكن التجريد عن الخصوصية منهم إلى غيرهم، فيكون النص عاماً.
قلنا: كلا. فان هذا التجريد لا يستقيم إلا مع اليقين بعدم الخصوصية، مع احتمال ان تكون موجودة هنا، لوجود الاهتمام لدى الأئمة سلام الله عليهم بجلب المصلحة لمواليهم وعدم إحراز وجود مثله لديهم في جلب المصلحة للآخرين. وأما جلب المصلحة للآخرين منهم فهو معلوم العدم.
ومعه فلا تشمل تلك النصوص صورة إلزام بعضهم لبعض. كما عرفناه في هذا المستوى.
المستوى الثاني: في إلزام المجتهدين أو مقلديهم بعضهم لبعض في داخل المذهب الواحد. وخاصة فيما إذا تعددت أصنافه كالأصوليين والإخباريين أو الإماميين والإسماعيليين وغير ذلك.
فيمكن نفي هذا المستوى أيضا لعدة وجوه منها:
أولا: إن مرجع الضمير المفعول به في قوله: (ألزموهم)، مجمل المرجع. وليس له ظهور بشيء محدد. ومن هنا ينبغي الاقتصار على قدره المتيقن وهو الاختلاف بين المذاهب والأديان وليس الاختلاف في المذهب الواحد.
أو قل: إن له ظهوراً في هذا القدر المتيقن وليس له ظهور في غيره، فلا يكون شاملا له.
ثانياً: إن قوله: (يجوز على كل ذي دين ما يستحلون). نص في اختلاف الدين. وإذا أمكننا – كما هو الأظهر- اندراج المذهب في معنى الدين هنا. فلا يمكن أن ندرج الاختلاف في المذهب الواحد فيه. فلا يكون هذا الاختلاف مشمولا للقاعدة. فلا يمكن لأحد الطرفين اخذ حقه من الآخر بهذا الاعتبار،
ــــــــــــــــــــ[231]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يعني كونه مشمولا لقاعدة الإلزام.
نعم، يمكن أن يأخذ منه حقه باعتبار قاعدة أخرى وهي الإقرار، من حيث أن: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز أي نافذ. والمفروض إن هذا الطرف يقر على نفسه اجتهاداً أو تقليداً، انه مدين بمال أو طلاق أو غير ذلك، فيمكن للآخر الاستفادة من تبعات هذا الإقرار، وان كان يعتبر طرفه الثاني مخطئاً في فتواه.
ولعل هذا واضح في الأمور المالية والمعاملية، وان الاحتياط في الفروج والدماء بخلافه. وللتفصيل مجال آخر.

نتائج القاعدة:
ينتج من القاعدة كثير من الخيرات والبركات للطرفين اللذين يكونان مشمولين لها. نذكر لها بعض الأمثلة:
أولا: لو طلق شخص زوجته طلاقاً صحيحاً في دينه أو مذهبه. أمكن اعتبارها مطلقة حقيقية، والمبادرة إلى الزواج منها بعد العدة.
ثانياً: ما أشارت إليه إحدى الروايات السابقة، من التوارث بالتعصيب نتيجة لهذه القاعدة، فتأخذ الأخت النصف بالرغم من وجود الأم. باعتبار أن الميت وسائر ورثته غير الأخت ممن يؤمن باستحقاقها للنصف، باعتبار التعصيب.
ثالثاً: لو أوصى شخص بأكثر من الثلث لشخص آخر، لا يؤمن بصحة ذلك، وكان الموصى مؤمناً بصحته. جاز له اخذ المقدار الموصى به.
رابعاً: لو نفى شخص ولايته على قاصر ونحوه باعتبار حكم لا يؤمن به الطرف الآخر. أمكن لهذا الآخر عدم اعتباره ولياً على القاصر، وان كان
ــــــــــــــــــــ[232]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
مقتضى القواعد التي يعرفها هو وجود الولاية.
خامساً: لو اعترف شخص بكونه مديوناً لشخص طبقاً للحكم الموجود في مذهبه أو دينه، كما لو باعه خمراً أو خنزيراً، ولم يكن هذا البيع صحيحاً عندنا. كان للطرف الثاني اخذ هذا المبلغ منه.
سادساً: لو اقر احد بأنه رق لشخص آخر ممن لا يؤمن برقيته، باعتبار أن القواعد الفقهية لا تساعد على ذلك ولكن القواعد الدينية عند الآخر تقتضيها. جاز لهذا الطرف اعتباره رقاً.
وهكذا إلى كثير من الأمثلة.
إلا أن الشرط الأساسي الذي عرفناه هو أن يكون الإقرار تحميلا وضرراً على المقر طبقاً لما يؤمن به من قواعد وأحكام دينه. وأما إذا كان نفعاً له فلا تشمله قاعدة الإلزام التي نتحدث عنها. نذكر لذلك بعض الأمثلة:
أولا: لو تزوج شخص امرأة بعقد صحيح عنده وباطل عندنا. لم يكن هذا مشمولا لقاعدة الإلزام بحيث ينتج حرمة التزويج منها. نعم، هناك قاعدة أخرى شاملة له. وهو إمضاء الدين الإسلامي عقود النكاح لدى سائر الأديان.
ثانياً: مثل ذلك ما لو تزوج شخص بامرأة خامسة أو سادسة وكان يجوز في دينه ذلك.
ثالثاً: لو كان في دينه إني مديون له بشيء من المبالغ، باعتبار سبب يؤمن بصحته ولكنه باطل في ديننا، لم يجب الوفاء له.
رابعاً: لو اعتقد شخص انه وارث لميت باعتبار أحكام دينه، ولم يكن وارثاً في أحكام ديننا، ولو باعتبار كون الميت مسلماً والآخر كافراً. لم يجب بل لم يجز إعطاؤه شيئاً من الميراث.
ــــــــــــــــــــ[233]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
خامساً: لو اعتقد شخص في دينه بصحة معاملة فاسدة في ديننا، كالمعاملة الربوية ونحوها، لم يجب الوفاء له بها.
سادساً: لو حصل من شخص طلاق باطل في دينه، كان له أن يبني على بطلانه. فلو جاء شخص آخر يعتبر هذا الطلاق صحيحاً، ويريد أن يتزوج المطلقة، لم يجز تمكينه منها، حتى بالنسبة إلى المرأة نفسها، إذا كانت تتبع أحكام الطرف الأول.
إلى غير ذلك من الأمثلة.
وبالرغم من أني اعتقد انه بقي في قاعدة الإلزام والأخبار الدالة عليها أمور عديدة لم نتطرق إليها، لا تخلو من أهمية، إلا أن فيها خروجاً عن مستوى هذا الكتاب. فيكون الأحجى الإعراض عنها عاجلاً، وإيكال البحث عنها إلى مجال آخر.
ــــــــــــــــــــ[234]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل القرعة

تقرأ بالضم، وهي من القواعد المشهورة فقهياً وسوقياً. اعني في موارد صحتها، كما سيأتي. وينبغي الحديث عنها في ثلاث مراحل في أدلتها وفي مضمونها، وفي نتائجها. فنعزل كل مرحلة بعنوان مستقل:

أدلة القرعة:
وما قيل أو يمكن أن يقال في أدلة القرعة، عدة أصناف من الأدلة: من الكتاب ومن السنة ومن الإجماع ومن العقل ومن السيرة العقلائية. وبذلك يكون ثبوتها في الجملة من القطعيات التي لا ريب فيها. يعني بغض النظر عن بعض التفاصيل. غير أننا يحسن أن نعطي فكرة كافية عن كل من هذه الأدلة المشار إليها لنجد مقدار دلالته وصحة الاستدلال به.

الاستدلال بالقرآن الكريم:
استدلوا على ذلك في موضعين: احدهما: قوله تعالى: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ. والآخر قوله تعالى: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إذ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ. باعتبار إن في هاتين الآيتين إقراراً لفكرة القرعة نظرياً وإمضاءاً لها، فتكون دليلا على صحتها.
ــــــــــــــــــــ[235]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
والإنصاف أن الآيتين إنما تعربان عن وجود القرعة بصفتها جزءاً من قصة تاريخية قديمة. وليس في السياق ما يدل على الإمضاء من الجهة التشريعية. وليس هذا الإمضاء هو الحكمة المنحصرة لنقل هذه الرواية أو القصة. بل يمكن أن يكون نقلها لأشكال أخرى من العبرة، كما لا ملازمة بين صحة وقوعها في الأديان السابقة وصحة وقوعها في الإسلام. على انه لا دليل على أنهم أوقعوها في كلا الحادثتين بصفتهم متدينين بل بصفتهم سوقيين أو حرفيين، وإنما تابعهم يونس أو زكريا، بهذا الاعتبار أيضا، فلا يكون إقرارهما لها دليلا على صحتها. بل كانا مجبورين عليها، وكانا هما الطرف الأضعف من الناحية الاجتماعية يومئذ. بدليل أن القرعة أوجبت ليونس  إلقاؤه في البحر كما هو مروي في التاريخ، مما لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.

وأما السنة الشريفة:
فهي على طائفتين عامة وخاصة:
الطائفة الأولى: وهي العامة، يعني التي تدل على رجحان حكم القرعة ككل، لا في مورد معين، وهي عديدة نذكر منها بعض النصوص.
فعن دعائم الإسلام بسنده عن أبي عبد الله  انه قال(1): “وأي حكم في الملتبس اثبت من القرعة. أليس هو التفويض إلى الله جل ذكره”.
وفيه عن أمير المؤمنين(2) وأبي جعفر وأبي عبد الله  أنهم أوجبوا الحكم في القرعة فيما أشكل.
وعن الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي جعفر  في حديث. “فقال رسول
ــــــــــــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) القواعد الفقهية ص47.
(2) المصدر والصفحة.
الله(1): ليس من قوم تنازعوا (تقارعوا) ثم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم الحق”. وقوله: (تقارعوا) يعني عملوا بالقرعة.
وعن محاسن البرقي بسنده عن منصور بن حازم قال: “سأل بعض أصحابنا أبا عبد الله عن مسألة، فقال: هذه تخرج في القرعة. ثم قال: فأي قضية اعدل من القرعة، إذا فوضوا أمرهم إلى الله عز وجل. أليس الله يقول: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ.
وأما الطائفة الثانية: وهي الخاصة، يعني التي وردت فيها القرعة في مسائل معينة، فهي كثير جداً، ذكرها الشيخ الحر في الوسائل في كتاب القضاء في الباب الثالث عشر من أبواب كيفية الحكم. وذكر في كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المحرمة باب 30 بعض أحكام القرعة أيضا. ويكون المجموع ستة وعشرين حديثاً وهو أكثر من حد الاستفاضة.
نذكر بعض النماذج منها:
منها: ما عن الحلبي عن أبي عبد الله ، قال(2): “إذا وقع الحر والعبد المشرك على امرأة في طهر واحد وادعوا الولد، اقرع بينهم، وكان الولد للذي يقرع”.
وعن أبي عبد الله  في رجل قال(3): “يقرع بينهم فمن أصابه القرعة اعتق. قال: والقرعة سنة”.
وعنه  (4)في الرجل يكون له المملوكون فيوصي بعتق ثلثهم، قال:
ــــــــــــــــــــ[237]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر ص48.
(2) وسائل الشيعة كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم باب13 حديث1.
(3) المصدر حديث2.
(4) المصدر حديث3.
“كان علي يسهم بينهم”.
إلى غير ذلك من الأخبار.
وما قد يقال: من ضعف أسنادها غالباً، مجبور بالكثرة التي تكاد أن تكون تواتراً. وأما الاستفاضة فيها فمحرزة، مضافاً إلى انه لم يناقش احد في صحة هذه القاعدة. فيكون من قبيل عمل المشهور بهذه الروايات فيكون جابراً لضعف سندها.
فإن قلت: فان هذا متوقف على أن يكون عمل المشهور جابراً للسند ونحن لا نقبله في علم الأصول.
قلنا: نعم. إلا إذا كان هذا المشهور إجماعاً أو قريباً من الإجماع. وهذا في محل كلامنا حاصل.
ثم ان كلتا الطائفتين من الأخبار تدلنا على القاعدة العامة في القرعة. أما الأولى فواضح، لأنها مكرسة لذلك. وأما الثانية فباعتبار تجريدها عن الخصوصية من مواردها الخاصة وحمل المورد على المثالية. وهذا أيضا قطعي. فتكون كل الأخبار دالة على القاعدة العامة في القرعة إجمالا يعني بغض النظر عن الشروط والتفاصيل الآتية.
ومن هنا يظهر إحراز وجود الإجماع، كدليل ثالث على القرعة. وليس هو بمدركي، وان كان على طبق الأخبار لأننا قلنا في مثله إن أهميته أكثر من أهمية الأخبار أو مثلها. وفي مثله لا يسقط عن الحجية.
وأما الدليل من العقل: فلأن مورد القرعة يتصف عادة بأمور على ما سوف يأتي من شروطها:
الأمر الأول: انه مورد حيرة وتردد من حيث موضوع المسألة، ولذا قيل: القرعة لكل أمر مشكل.
الأمر الثاني: انه مورد حيرة وتردد من حيث الحكم.
ــــــــــــــــــــ[238]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الأمر الثالث: انه مورد تنازع بين طرفين. كل واحد منهما يطلب حقه من المورد.
فإذا لم تعمل القرعة بقي التنازع مستمراً، لأنها الدليل الوحيد في المورد. ولا شك ان رفع التنازع وإيصال الحق إلى مستحقه راجح في العقل العملي وهو عدل وحسن في نظره بكل تأكيد. وما دامت القرعة مقدمة لذلك. إذن، فهي عدل وحسن في نظر العقل.
وأما الاستدلال بالسيرة، فهي إما أن تكون السيرة العقلائية وإما أن تكون السيرة المتشرعية.
أما السيرة العقلائية على إيجاد القرعة لكل أمر مشكل ومحير، فهي قطعية الثبوت. وكذلك قطعية الإقرار من قبل المعصومين سلام الله عليهم فتكون حجة.
وأما السيرة المتشرعية، فلا شك في ثبوتها إجمالا من قبل كل المسلمين بكل مذاهبهم.
نعم، قد يقال فيها: بأن السيرة تحتاج إلى كثرة في إنجاز الأفعال التي نتحدث عنها. بحيث تكون محفوظة جيلا بعد جيل، في حين إن إنجاز القرعة قليل جداً بحيث قد لا يصادف في المئة سنة مرة. ومثل هذا العدد لا يشكل سيرة متكاملة.
وجواب ذلك من وجهين:
الوجه الأول: إن السيرة على كل شيء بحسبه، فما كانت موارده كثيرة كانت السيرة عليه مستمرة وكثيرة. وما كانت موارده قليلة، كانت السيرة عليه بمقداره. وهذا لا ينافي وجود السيرة وصدقها.
الوجه الثاني: إننا لو قبلنا الإشكال كفانا الارتكاز المتشرعي على صحة
ــــــــــــــــــــ[239]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
القرعة، وهو حجة وموروث من قبل المعصومين  قطعاً. وان لم يكن متمثلا بالتطبيق الكثير خلال الأجيال.
وبهذا يتم الدليل على صحة القرعة إجمالا. إلا أننا ينبغي ان ننظر في شرائطها لكي نرى تفاصيل هذا الإجمال. وهي بالتأكيد، ليست في كل التفاصيل صحيحة.

شرائط القرعة:
لا شك أن للقرعة شرائط لا تكون معتبرة بدونها لابد من الإطلاع عليها:
الشرط الأول: أن تكون القرعة في الموضوعات لا في الأحكام. إذ لا معنى للاقتراع من اجل معرفة الحكم قطعاً. حتى لو كان الدليل مجملا بغض النظر عن القرعة، أو ضعيفاً أو بأي شكل آخر، فضلا عن الموارد الواضحة. فلو دار أمر الحكم بين الإباحة والوجوب أو الكراهة والحرمة أو الحرمة والوجوب. لم يمكن إنجاز القرعة لمعرفته، ولو فعلناها لم تكن حجة معتبرة.
ولكن ميدانها الصحيح هو الموضوعات ويراد بها الأمور الجزئية الحياتية كالدين والزوجية والحرية والبنوة وغير ذلك من الموارد، بشرط انحفاظ الشرائط التالية فيها أيضا.
الشرط الثاني: أن يكون الموضوع جزئياً لا كلياً، والمورد الجزئي هو القدر المتيقن في الصحة. وهو المورد المعين المختلف فيه. وأما إذا كان المورد كلياً أو مردداً بين الجزئي والكلي، فلا تصح. ولا اقل من عدم الدليل على صحتها، وعدم إمكان استفادة ذلك من الأخبار.
الشرط الثالث: أن يكون الموضوع محل منازعة. لا انه خال منها. ولا اقل من الشك في صحتها في غيرها ولذا ورد مثل هذا الخبر. ولا نحتاج معه
ــــــــــــــــــــ[240]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
إلى صحة السند لأن مقتضى القاعدة هو عدم الحجية في مورد الشك فيها، فتكون عدم حجية القرعة في مثل ذلك، هو مقتضى القاعدة.
وهو ما عن ابن أبي عمير(1) عن جميل قال: “قال الطيار لزرارة. ما تقول عن المساهمة أليس حقاً؟ فقال زرارة: بلى هو حق. فقال الطيار: أليس قد ورد انه يخرج سهم المحق؟ قال: بلى. قال: فتعال حتى ادعي أنا وأنت شيئاً ثم نساهم عليه وننظر هكذا هو. فقال له زرارة إنما جاء الحديث بأنه ليس من قوم فوضوا أمرهم إلى الله ثم اقترعوا إلا خرج السهم المحق. فأما على التجارب فلم يوضع على التجارب.
فقال الطيار: أرأيت ان كانا جميعاً مدعيين ادعيا ما ليس لهما. من أين يخرج سهم احدهما؟ فقال زرارة: إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح، فان كانا ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح”.
الشرط الرابع: أن يكون المورد مما لا يمكن تتميمه بدليل شرعي. فإذا كان مما يمكن تتميمه بأي دليل لم يكن مورداً للقرعة قطعاً. ومن ذلك التردد بين الأقل والأكثر، فينبغي أن يكون تردداً بين المتباينين كأحد العبدين أو الثلاثة أو الاثنين من طرف وثلاثة من طرف بحيث يعود الأمر إلى التباين.
وأما ما قلناه من دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الجزئي، فهو مثل إحراز النذر في هذا الدينار والشك في إلحاق دينار آخر به. فيكون مجرى للبراءة، فلا يكون مجرى للقرعة.
وهذا الشرط هو معنى قولهم: القرعة لكل أمر مشكل، وقد سمعنا ما يشابهه من الأخبار السابقة. وهو القدر المتيقن من الإجماع والسيرة والارتكاز المتشرعي. فان الحيرة والتردد والإشكال إنما يحصل من عدم وجود الدليل في
ــــــــــــــــــــ[241]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) وسائل الشيعة: ج18 كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم باب 13حديث 4.
المورد. وأما إذا كان الدليل موجوداً فلا حيرة ولا تردد. بل يكون الدليل متبعاً دون القرعة.
ولا فرق في وجود الدليل بين أن يكون دليلا على الشبهة الحكمية، يعني معيناً للحكم في المورد، كأصالة البراءة في المثال السابق. أو دليلا في الشبهة الموضوعية كالبينة أو خبر الثقة على احد الاحتمالين، فلا يبقى مورد للقرعة. وكذلك الحال في القضاء ما دام المورد ينحل بالبينات والأيمان، فانه لا تصح فيه القرعة.
نعم، لو كان مورد القضاء لا ينحل حتى بذلك. كان ذلك مورداً للقرعة. كما لو كانت البينة واليمين تصدق على الإجمال، لا على التفصيل فيحتاج التفصيل إلى القرعة.
الشرط الخامس: المحتمل للقاعدة: أن يكون المورد من الشبهات الموضوعية المقرونة بالعلم الإجمالي، كما قال البعض(1) يعني يتردد الحق بين موضوعين نعلم بوجوده في احدهما.
وهذا وان كان صحيحاً، إلا انه راجع إلى شرط آخر هو عدم وجود دليل غير القرعة على المورد كما ذكرنا في الشرط الرابع. لأن مورد العلم الإجمالي يكون حاوياً لهذا الشرط.
وأما الشبهة الموضوعية الخالية عنه فهي حاوية على دليل مرجح. فلا تكون مورداً للقرعة. لأن الحال عندئذ ينحصر بالشبهة البدوية والتردد بين الأقل والأكثر. وكلاهما مجرى لأصالة البراءة.
الشرط السادس: ما ذكره البعض(2) أيضا من أن لا يكون المورد قابلا
ــــــــــــــــــــ[242]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
(1) القواعد الفقهية، ص51.
(2) المصدر والصفحة.
للاحتياط. فلو كان قابلا له لم يكن مورداً للقرعة. ولم يذكر الوجه لصحة هذا الشرط ولم يمثل له أيضا.
وعبارته أميّل للاحتياط الشرعي لا العقلي لأنه قال(1): تعلم بأن الشارع ما أوجب الاحتياط فيها.
ومعه فيمكن الاستدلال له: باعتبار ما قلناه من اشتراط عدم انطباق دليل شرعي على مورد القرعة. فلو كان الشارع قد أوجب الاحتياط. لكان دليلا كافياً في موردها، فلا يكون مورداً للقرعة. إلا انه سيرجع عندئذ إلى ذلك الشرط السابق. ولا يكون شرطاً مستقلاً.
مضافا إلى أننا نعلم إن الشارع لم يأمر بالاحتياط، في الشبهات الموضوعية، ولا أوجب الفحص فيها. بل كان كل ذلك مورد جريان البراءة الشرعية.
إلا أن في عبارته  ما يشعر أيضا برجوع الاحتياط إلى الاحتياط العقلي لأنه عطفه على العلم الإجمالي فقال: في الشبهة الموضوعية المقرونة بالعلم الإجمالي… إلى أن قال: أو نعلم بأن الشارع ما أوجب الاحتياط فيها غير أننا نعلم إن الاحتياط الواجب في طرفي العلم الإجمالي هو احتياط عقلي وليس شرعياً. فيرجع هذا الشرط إلى اشتراط وجود العلم الإجمالي وليس شرطاً مستقلاً.
فإن قيل: إن هذا الاحتياط العقلي كاف في جريانه وتطبيقه كدليل على موارد العلم الإجمالي، فلا تكون هذه الموارد قابلة لتطبيق القرعة. لوجود دليل آخر فيها، وهو الاحتياط العقلي.
قلنا: هذا وان كان صحيحاً، إلا إن موارد العلم الإجمالي على قسمين:
ــــــــــــــــــــ[243]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر والصفحة.
احدهما: العلم الإجمالي القائم في تكليف شخص واحد. كما لو علم إجمالا بنجاسة احد الثوبين أو غصبيتهما.
ثانيهما: العلم الإجمالي القائم بين شخصين كما لو ترددت ملكية الثوب بينهما.
والقسم الأول منهما مجرى للاحتياط العقلي الذي هو تعبير آخر لما يسمى في علم الأصول بمنجزية العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة. وليس مورداً للقرعة بحال. ولم يقل بذلك احد.
والقسم الثاني ليس مورداً للاحتياط والمنجزية، كما اجمع عليه علماء الأصول. لانحلال العلم الإجمالي بأصالة البراءة عند كلا الطرفين. إلا أن ذلك من حيث الحكم التكليفي لا من حيث الحكم الوضعي يعني الملكية أو الزوجية ونحوهما. فلا يكون هذا المورد قابلا للاحتياط، ولا انه مأذون به شرعاً لعدم جريان أصالة البراءة في الأحكام الوضعية ولمطالبة أصحاب الحقوق بحقوقهم.
فرجع الأمر إلى علم إجمالي منجز واجب الاحتياط فيه. ولا معنى للاحتياط هنا إلا إجراء القرعة. ولذا قلنا إن المورد غير قابل للاحتياط، وإنما القرعة هي السبيل الوحيد لذلك، فتكون واجبة لا أنها جائزة أو مستحبة. وبذلك نكون قد دققنا أكثر في موارد وشرائط القرعة.
وعرفنا أن هذا الاحتياط المزعوم ليس بصحيح، لأنه يريد به غير القرعة. وهو غير معقول في المورد.
الشرط السابع: أن يكون كلا الحقين أو الحقوق مطالباً بها، وهذا لا يرجع إلى الشرط الثالث الذي ذكرناه من وجود المنازعة بين طرفين وان شابهه تقريبا. إذ مع وجود النزاع قد لا تحصل المطالبة، بل يمكن لأحدهما التنازل عن حقه.
ــــــــــــــــــــ[244]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وبتعبير آخر: إن التنازع قد يكون عملياً وهو بعينه شرط المطالبة بالحق. وقد يكون نظرياً يعني في عائدية الملكية بغض النظر عن المطالبة الفعلية. وعندئذ لا تصح القرعة إلا مع المطالبة الفعلية لا لمجرد معرفة العائدية بحسب الحكم الشرعي. وان لم تكن هناك قاعدة أخرى للتعيين.
فهذه جملة من الشرائط المحتملة للقرعة.
وأود الآن الالتفات باختصار إلى مضمون معين ورد في بعض فقرات الأخبار. كقوله في رواية سابقة: “أليس ورد انه يخرج سهم المحق، وانه ليس من قوم فوضوا أمرهم إلى الله ثم اقترعوا إلا خرج سهم المحق. وقوله في رواية أخرى: وأي حكم في الملتبس اثبت من القرعة أليس هو التفويض إلى الله جل ذكره”.
فهنا مرحلتان:
المرحلة الأولى: إن في إيجاد القرعة تفويضا إلى الله سبحانه في الحكم بين الخصمين. لأنه جل جلاله قد حكم بوجوب القرعة. وهذا التفويض على غرار التفويض لكل حكم شرعي. وهو مفروض الوجود في نفس أي مسلم وملازم مع الإيمان لا محالة.
المرحلة الثانية: ان في إيجاد القرعة تفويضا إلى الله سبحانه في الحكم بين الخصمين. بمعنى انه تعالى هو الذي سوف يدلنا على الحقين ويميز بينهما فعلا، بتسبيب القرعة نفسها. وهو قوله: (إلا خرج سهم المحق) يعني السهم الواقعي الذي يعلمه الله تعالى. فانه يخرجه ويظهره عن طريق القرعة.
وهذا فيه جهة اعجازية لا محالة، وهي غير بعيدة على قدرة الله سبحانه ولطفه ورحمته. إلا انه غير متعين لحل المشكلة فقهياً. فان المهم في الحل هو نتيجة القرعة، فيكون حلالا للطرفين بحسب الحكم الظاهري سواء كان موافقاً
ــــــــــــــــــــ[245]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
مع الواقع أم مخالفاً له.
بقي التنبيه على أمور:
الأمر الأول: إن في الأخبار دلالة واضحة على ما قلناه من كون المورد غير قابل للشمول لدليل آخر غير القرعة لأنه يقول: (في الملتبس)، ويقول: (فيما أشكل). ونحوه ولا يراد به إلا ذلك.
إلا أننا في غنى عن استفادة ذلك من الأخبار لوضوح أن المورد إن كان مجرى لأدلة وقواعد أخرى، نعين جريانها. ولا معنى للقرعة فيها أجماعاً وعرفاً وعقلائياً، مضافا إلى نطق الأخبار.
ولا يقال: إن استفادة ذلك من الأخبار يتوقف على فهم (مفهوم المخالفة)، يعني عدم جريان القرعة في غير الملتبس, وهذا المفهوم في مورد الكلام من (مفهوم الوصف) الذي ليس بحجة كما ثبت في علم الأصول.
فإنه يقال: أن تلك الاستفادة لا تتوقف على استفادة المفهوم. فانه يكفينا انحصار مورد القرعة في ذلك، مع جريان أصالة عدم الحجية في الموارد الأخرى، لما قلناه من ان الأصل عدم الحجية فيما يشك في حجيته، لا يختلف في ذلك مورد القرعة من غيرها. مضافاً إلى شمول إطلاقات أدلة تلك الموارد النافية لصحة القرعة لا محالة.
الأمر الثاني: قد يوجد في بعض الروايات والأدلة موارد وردت فيها القرعة، غير ما سبق، اعني مما لم يجتمع فيها كل الشرائط السابقة.
فيكون مقتضى القاعدة هو النظر إلى قوة دليله أو صحة سنده أو لا. فان كان غير معتبر أهملناه وان كان معتبراً أخذنا به في مورده، ولا يجوز لنا التعدي عنه لأنه مخالف للقاعدة، وينبغي فيما هو مخالف للقاعدة الاقتصار منه على مورده أو على القدر المتيقن منه، ولا يجوز التعميم إلى غيره.
ــــــــــــــــــــ[246]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فمن ذلك ما عن بحار الأنوار عن عبد الرحيم القصير(1) عن أبي جعفر  قال: “كان علي إذا ورد أمر ما نزل به كتاب ولا سنة قال: رجم فأصاب. قال أبو جعفر: وهي المعضلات”.
وظاهره انه  يستعمل القرعة، فيما لم يرد فيه كتاب ولا سنة من الموارد. وهي المعضلات. وهذا خلاف الشرط الأول الذي ذكرناه من ان القرعة في الموضوعات لا في الأحكام.
وجواب ذلك من عدة وجوه. أهمها:
أولا: المناقشة في السند فإنها بالتأكيد ضعيفة السند، فلا تكون حجة في مدلولها.
ثانيا: إن الشرط الأول الذي ذكرناه قطعي فلا يمكن التنزل عنه برواية واحدة.
ثالثاً: انه لا يوجد في الكتاب والسنة معضلات إطلاقاً فانه ما من واقعة إلا وقد بيّن الله وأولياؤه حكمها بالنصوصية أو بالإطلاق.
رابعا: انه لا يوجد لدى علي  معضلات لوجود العلم الخاص لديه. بل هو لا يحتاج إلى السنة لأن كلامه بنفسه من السنة، فضلا عن ان يحتاج إلى القرعة.
ويشبه ذلك – اعني ما تكون القرعة فيه مخالفة للشروط-: ما ورد عن بريد بن معاوية(2) قال: “سمعت أبا عبد الله  يقول: بعث أمير المؤمنين مصدقاً من الكوفة إلى باديتها فقال له: يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله
ــــــــــــــــــــ[247]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) القواعد الفقهية ج1 ص53.
(2) وسائل الشيعة ج6 كتاب الزكاة. أبواب زكاة الأنعام باب14 حديث1 وانظر حديث6 أيضا.
وحده ولا تؤثرن دنياك على آخرتك. إلى أن يقول: فإذا اثبت ماله فلا تدخله إلا بإذنه، فان أكثره له. فقل: يا عبد الله أتـأذن فـي دخول مالك ، فان أذن لك فلا تدخـله دخـول متسلـط فيـه ولا عنـف بـه -فاصدع المال- وهي الأنعام الثلاثة: صدعين ثم خيره أي الصدعين شاء. فأيها اختار فلا تعرض له. ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله. فإذا بقي ذلك فاقبض حق الله منه. وان استقالك فاقله. ثم اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت أولاً. حتى تأخذ حق الله في ماله”. الحديث.
أقول: فاختيار احد الصنفين لا يجوز أن يكون بالقرعة لعدم وجود الاختلاف بين شخصين فيه، ولم تتعدد فيه الحقوق أيضا. لأن الزكاة كسر ضئيل نسبياً وليس النصف كله زكاة. ولا حجية للقرعة في تعيين الزكاة في هذا النصف دون ذاك. ولكن الرواية أوكلت اختيار النصف إلى إرادة المالك حفظاً لعاطفته على أي حال.
ومن ذلك – اعني ما تكون القرعة فيه مخالفة للشرائط-:
ما روي(1) بسند صحيح “عن الرجل  انه سئل عن رجل نظر إلى راعٍ نزا على شاة. قال: ان عرفها ذبحها واحرقها. وان لم يعرفها قسمها نصفين أبداً حتى يقع السهم بها فتذبح وتحرق وقد نجت سائرها”.
وقوله: (حتى يقع السهم بها)، واضح في وجوب حصول الاقتراع، اعني استعمال القرعة. وقوله: (بها), مطابق لما سمعناه من أن الله تعالى يختار الحق في نتيجة القرعة فيكشفه للفرد المقترع. حتى كان هذه الشاة التي أصابتها القرعة هي فعلا تلك التي نزا عليها الراعي.
ــــــــــــــــــــ[248]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر ج16 كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المحرمة باب20 حديث1 وانظر حديث4.
والمهم الآن هو أن هذه القرعة مخالفة للشروط السابقة لعدم تعدد الحق وعدم وجود التنازع ولا المطالبة بالحق ونحوها من الشروط السابقة. ولكن هذه الرواية معتبرة السند فيجب الالتزام بها في موردها، ولكن لا يجوز التعدي منه إلى غيره كما سبق ان قلنا.
ولعل هناك عدد آخر من الأخبار أو الفتاوى تكون فيها القرعة مخالفة للشروط السابقة، فينبغي ملاحظة ذلك فقهياً.
الأمر الثالث: إن هنا في القرعة سؤالاً أثاره بعضهم(1) من أن القرعة هل هي امارة أم أصل، كما هو اصطلاحهم في علم الأصول.
والمشهور جعل الفرق بين الامارة والأصل: إن الامارة ما كان لها في حد ذاتها كشف ناقص عن الواقع، يعني أنها تقيد الظن عرفاً بمؤداها. والشارع اعتبر هذا الكشف تاماً، أو انه بمنزلة العلم، أو انه أجاز العمل على الظن الناتج منها. على اختلاف تعابيرهم بهذا الصدد.
أما الأصل العملي، فليس فيه جهة كشف أصلا. وإنما هو حكم للجاهل بالتصرف عملا في ظرف جهله, فمن كان جاهلا بالنجاسة جاز له التصرف عملياً على أساس الطهارة طبقاً لأصالة الطهارة, وهذا. من دون أن يكون في أصالة الطهارة أي ظن أو إخبار أو إشعار بأن هذا الشيء طاهر فعلا.
فإذا عملنا بذلك استطعنا أن نفهم كيف أن بعضهم(2) استشعر أن القرعة امارة: أخذاً بمثل قوله في بعض الروايات: “ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم المحق”. وكذلك قوله في ذيل رواية محمد بن حكيم: “كل ما حكم الله به فليس بمخطئ” بعد قول الراوي: أن القرعة تخطئ
ــــــــــــــــــــ[249]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) القواعد الفقهية ج1 ص54.
(2) المصدر والصفحة.
وتصيب.
غير إن هذا الفهم لا يخلو من مناقشة، لأننا إما أن نلاحظ الجانب الإلهي في القرعة، وإما أن نلاحظ الجانب السببي فيها. فان لاحظنا الإلهي كان قطعي الثبوت فلا يكون امارة بل هو يقين. والرواية واضحة في جانب الحق. لا أنها تثبت الظن للقرعة لتكون امارة. وان لاحظنا الجانب السببي فيها، فقد يكون الاحتمال في صحتها ضئيلا جداً، لا يكون من المعقول تتميم كشفه وجعله امارة شرعية. لأن الامارية مبتنية على الظن وهو في المورد غير موجود، بل هو الوهم وهو الظن المرجوح. فلا يصلح أن يكون امارة.
وذلك إن القرعة إن كانت بين أمرين أمكن الظن بصدقها 50% وأما إذا كانت بين عشرة فصدقها ليس أكثر من 10% وإذا كانت بين مئة طرف كان صدقها 1%. وهكذا. وليس فيها ولا مورد واحد يزيد فيه الاحتمال على 50%، لأن اقل أطرافها اثنين وهو لا يزيد على ذلك. مع إن الامارة لابد أن تكون ظناً فعلياً راجحاً. وهذا ليس بظن فلا تكون القرعة امارة. إذن فهي ليست امارة على كلا التقديرين.
فالإنصاف أنها اقرب إلى فكرة الأصل العملي، من باب الوجوب الشرعي أو جوازه في العمل على طبقها في موردها، كما في الأصل العملي تماما.
غاية الفرق بينهما أن القرعة لها أسلوب وشرائط غير موجودة في سائر الأصول العملية. وأوضح فرق بينهما هو أن الأصل يترتب على الموضوع المشكوك رأساً من دون توسط شيء. فما شك في طهارته أمكن الحكم بطهارته. وأما في القرعة فيتوسط بين الشك والعمل على النتيجة: القرعة نفسها، يعني ان ما شككت فيه واقترعت عليه فاعمل عليه.
فإن قلت: فان عدداً من الأصول العملية إلى هذا الغرار. كالاستصحاب: فانه يقال فيه: ان ما شككت فيه، وكان له حالة سابقة فابن عليها، ويقال في
ــــــــــــــــــــ[250]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
قاعدة اليد: ان ما شككت فيه، وكان صاحب اليد مدعياً للملكية فصدقه. وهكذا. فتكون الأصول العملية على شكل القرعة من هذه الناحية.
قلنا: ان الفرق ان للقرعة حكمان وللأصول العملية حكم واحد. أما القرعة فيقال فيها أولا: ان ما شككت فيه جازت فيه القرعة أو وجبت ثم يقال ثانياً: يجب الأخذ بنتيجة القرعة. والحكم الأول متقدم رتبة على الثاني. في حين لا يوجد مثله في الأصول العملية، فان وجود اليد أو وجود الحالة السابقة مأخوذة ابتداء في الحكم الظاهري العملي. من دون أن تكون هي بنفسها أحكاماً. وللتفصيل محل آخر.
وعلى أي حال، فان قلنا إن القرعة حكم قائم بذاته ليس من قبيل الأصول ولا الامارات، كان اقرب إلى الفهم المتشرعي والعرفي.
الأمر الرابع: في الحديث عن القرعة, في الفرق بينهما وبين القسمة وهذا ما يمكن الحديث عنه طويلا لأن أطراف الاحتمال عديدة:
الأول: إنهما لا يتشابهان يعني أنهما متباينان, كما هما كذلك مفهوماً. لأن لكل منهما مفهومه المستقل عن الآخر.
الثاني: أنهما متساويان، أي متطابقان مصداقاً وخارجاً، فكل قسمة هي قرعة أو نحتاج إليها، أو لا تحصل القسمة إلا بها. وكل قرعة هي قسمة، ولا معنى لها بدونها.
الثالث: إن بينهما بالحمل الشايع، يعني بحسب المصداق، عموماً وخصوصاً من وجه. فقد تحقق القسمة بدون حاجة إلى قرعة، كما لو حصل التراضي بين الأطراف بأن يأخذ كل منهم ما وصل إليه عن قناعة وبدون قرعة.
وقد تتحقق القرعة بدون قسمة، كما في الاقتراع بين شيئين مشكوكين أو
ــــــــــــــــــــ[251]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
حتى لو كانوا ثلاثة أو أكثر فيما إذا كان الأطراف المستحقين بعدد الأفراد المشكوكة. فان القسمة لا تصدق ولا نحتاج إليها بحال.
ومن هنا فما يقال من ان القرعة هي قسمة أو نحتاج إليها باستمرار أو أنها منقسمة إلى أقسامها كقسمة الإفراز وقسمة التعديل وقسمة الرد. ونحو ذلك، غير صحيح. وإنما تتبع هذه الأحكام موضوعها وهو القسمة فمتى احتاجت القرعة إلى القسمة لزم تطبيق هذه الأحكام من حيث القسمة لا من حيث القرعة. وأما إذا لم تحتج القرعة إلى القسمة فأوضح في عدم حاجتها إلى أحكامها.
ــــــــــــــــــــ[252]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل العمد

يسألني جملة من المتفقهين عن العمد، وما هو قصد الفقهاء به. والواقع انه ليس في لغتهم واصطلاحهم له تعريف محدد. يكفينا من ذلك انه قد يجعل في مقابل الشك وقد يجعل في مقابل الخطأ, وقد يجعل في مقابل العلم حين يقال: عن علم وعمد. وهكذا. ولو كان له في نظرهم تعريف محدد، لم تصل الحال إلى هذه الدرجة.
فما هو معنى العمد؟ وهل نستطيع تحديد معناه اعتماداً على الأدلة المتوفرة؟ وما هو المنشأ الأساسي لاختلاف كلمات الفقهاء في فهمه؟ ينبغي لنا أولا ان نعرف . . .

معناه في اللغة:
الظاهر إن العمد في اللغة يقوم على أصلين: الإقامة والقصد.
الأصل الأول: الإقامة بمعنى الاعتماد والدعم من شيء لشيء. يقال: عمد الحائط يعمده عمداً: دعمه. والعمود هو الذي تحامل الثقل عليه من فوق كالسقف يُعمد بالأساطين المنصوبة. وعمد الشيء إقامة والعماد ما أقيم به. ومنه قوله تعالى: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. لأنهم كانوا يقيمون بناءهم على الأعمدة. وقيل لأنهم بدو ولهم خيم ذات أعمدة.
ــــــــــــــــــــ[253]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ومنه يقال: رجل طويل العماد، إذا كان مُعمَداً أي طويلاً. وفلان طويل العماد إذا كان منزله مُعلَماً لزائريه. وفي حديث أم زرع: زوجي رفيع العماد، أرادت عماد بيت شرفه.
ومنه يقال: العميد للمريض وهو بمعنى اسم المفعول لأن المريض لا يستطيع الجلوس من مرضه حتى يعمد من جوانبه بالوسائد أي يقام. ومنه قولهم: أعمدتاه رجلاه أي صيرتاه عميداً أي مريضاً لا يستطيع التثبيت على المكان حتى يعمد من جوانبه.
وقد عمده المريض اشتد عليه وفدحه. ومنه اشتق القلب العميد وهو الذي يفدحه ويشتد عليه.
واعتمد على الشيء توكأ، والعمدة ما يعتمد عليه، ومنه: اعتمدت عليه في كذا أي اتكلت عليه.
والعمود العصا والعمود: الخشبة القائمة في وسط الخباء. والجمع أعمدة وعُمد. والعمد أساطين الرخام ومنه قوله تعالى: فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ. قرئت بفتحتين وقرئت بضمتين. ومنه قوله تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا. قيل في تفسيرها أنها بعمد غير مرئية. وقيل: خلقها بغير عُمُد.
وبحسب فهمي فان دعم مقلوب عمد. ولذا يأتي بمعناه يقال: دعم السقف يدعمه ودعم الخيمة ودعمه بالمال والرجال، أي أقام حاله. وهكذا.
ومن هذا الأصل الذي نتحدث عنه ما ورد: “الصلاة عمود الدين”. يعني أنها منه بمنزلة العمود للخيمة. وفي الحديث الصلاة “عماد دينكم”. وفي حديث علي : “أقيموا هذين العمودين وأوقدوا هذين المصباحين”. أراد بالعمودين: الشهادتين وبالمصباحين: الكتاب والسنة.
والعمودان: الآباء وان علو والأبناء وان سفلوا. فكان الفرد يعتمد عليهما
ــــــــــــــــــــ[254]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
في انتسابه. وفي اصطلاح آخر: إن العمودين هما الأب مع جملة أجداده والأم مع جملة أجدادها. فالعمود الثاني: هي الأم دون الأبناء.
وفي وصفه تعالى: أنت عماد السماوات والأرض. أي لا يقومان ولا يتقومان إلا بك. قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا.
ومن هذا الأصل أيضا، عميد القوم وعمودهم أي سيدهم. ومنه قوله: من عميد هذا الجيش؟ أي كبيرهم الذي إليه المرجع. فالعميد هنا بمعنى اسم الفاعل، بخلاف ما كان بمعنى المريض والحزين فانه بمعنى اسم المفعول.
الأصل الثاني: العمد، بمعنى القصد، يقال: عمدت إليه إذا قصدته وقوله: فلان فعل ذلك عمداً أي قصداً. وهو على معنى القصد الذهني لا القصد في الطريق. ومنه القتل العمد، والعمد نقيض الخطأ، لأنه خال من القصد.
ومن هذا الأصل ورد العمد في اللغة بمعنى الغضب من قولهم: عَمِد عليه إذا غضب. وورد بمعنى العَجَب أيضا. ومنه قوله: اعمد من سيد قتله قومه. أي أعجب, وعلى أي حال، فالعجب والغضب يتضمنان نحواً من القصد الذهني للفرد.
وأما وجه الجمع بين هذين الأصلين، فغير مهم في بحثنا هذا، فقد يكون على نحو الاشتراك اللفظي. وقد يكون على وجه الاشتراك المعنوي. إما بإرجاع الثاني إلى الأول على اعتبار إن القصد شكل من أشكال الدعم للنتيجة المطلوبة. وإما بإرجاع الأول إلى الثاني على اعتبار إن الدعم يحتوي على قصد الاعتماد والإقامة على أي حال.
فهذا هو مجمل الكلام عن المعنى اللغوي للعمد. ومنه يتضح إن العمد
ــــــــــــــــــــ[255]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الذي نتحدث عنه إنما هو باعتبار الأصل الثاني للمعنى اللغوي بغض النظر عن الأصل الأول، سواء رجع احدهما إلى الآخر أم لا.
والأساس في العمد هو القصد الذهني أي الالتفات والرغبة والإرادة، سواء اقترن بقصد في الطريق أم لا. وسواء اعتبرنا القصد الذهني مجازاً من المعنى اللغوي للقصد أم حقيقة. والظاهر كونه حقيقياً، لوجوده في اللغة الأصلية.
والعمد الذي نتحدث عنه هو ذهني دائماً، يقال: عمد وتعمد. إذا قصده في ذهنه أو في نفسه. والأساس فيه هو الإرادة المحركة للعضلات. فإنهم ذكروا للأفعال الاختيارية مقدمات طولية يتبع بعضها بعضاً هي: تصور العمل والتصديق بمصلحته والرغبة فيه ثم إرادته، ثم تصبح الإرادة قوية بحيث تحرك العضلات فيحصل العمل. فالأساس في صدق معنى العمد والتعمد هو ذلك يعني الإرادة القوية أو الجزء الأخير من الإرادة، مع الاعتراف بأن الأجزاء الأخرى السابقة عليه مؤثرة فيه لا محالة. إلى حد نستطيع أن نسمي مجموع تلك الأمور عمداً أيضا. فإنها سبب الفعل لا محالة، والعمد هو سببه أيضا. إذن، فهي العمد بعينه.
إلا انه من الواضح انه لولا ارتفاع قوة الإرادة ومع الاقتصار على مقدماتها لا يحصل الفعل لا محالة. ومن هنا كان الأساس والمهم هو هذه القوة والارتفاع. والعمد عنصر أساسي في الفقه والقانون معاً، إلا أننا هنا نتكلم من زاوية فقهية.
وقد استعمله الفقهاء في موارد كثيرة، يمكن أن نعبر عنها بأنها تمثل كل الفقه أو اغلبه. لأن العمدة في الفقه هي العبادات والمعاملات. والعمدة في هذين معا هو القصد فهو في العبادات يسمى النية وفي المعاملات يسمى القصد. وكلاهما بمعنى العمد والإلتفات الذهني والإرادة النفسية.
والعمد قد يكون مؤثراً بوجوده، كما في إيجاد العبادات والمعاملات،
ــــــــــــــــــــ[256]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وكما في العمد إلى الجرائم كالسرقة والقتل والزنا. وقد يكون مؤثراً بعدمه يعني يكون لعدم العمد أثره الفقهي. ومن هنا جعل الفقهاء ضد العمد أموراً متعددة، كالخطأ والنسيان والغفلة والإكراه والاضطرار والشك والسهو. وغير ذلك، على اختلاف تعبيراتهم. وسنعرف ان كلا منها مضاد للعمد من ناحية معينة وان كان مشابهاً له من ناحية أخرى.
وعلى أي حال، فانه لا يمكن حصر المسائل الفقهية، التي يكون العمد مذكوراً فيها. غير أننا فيما يلي لا بدّ أن نحمل عن ذلك فكرة كافية سواء من ناحية وجود العمد أو عدمه.
تعمد إبطال الصلاة – الشك في القبلة- الشك في الركعات- الشك في الأفعال- النسيان لبعض الأفعال -السهو عن بعض الأفعال -الشك في كون الفرد على طهارة-الشك في انه هل فاتته صلاة سابقة أم لا- الشك في انه هل صلى في الوقت أم لا.
تعمد إيجاد المفطرات في الصوم – إيجادها مع الجهل بكونها مفطرة – إيجادها مع الجهل بوجوب الصوم – إيجادها مع الجهل بوجوب الكفارة – إيجادها مع نسيان حال الصوم.
تعمد إبطال الحج بترك جزء منه كأحد الموقفين – الاضطرار إلى تركه -نسيانه – الجهل بوجوبه – الجهل بالوقت لعدم معرفة أول الشهر مثلا – تعمد فعل احد منافيات الإحرام كالتضليل أو لبس المخيط – صورة الاضطرار إليه.
وفي باب المعاملات: المعاملة عن قصد وعلم- المعاملة عن إكراه- المعاملة عن إضرار- المعاملة عن جهل بالملكية- المعاملة عن جهل بالحكم- العقد الفضولي، وهو الصادر عن غير المالك إما عمداً أو جهلاً- التالف بالسوم- الغش- الغبن- خيار العيب- خيار تخلف الشرط.
ــــــــــــــــــــ[257]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وفي باب الجنايات: القتل العمد- القتل شبه العمد- القتل الخطأ المحض- الجناية على الأعضاء عمداً- الجناية عليها خطأ- الجناية إكراها- الجناية اضطراراً- الجناية بالتسبيب- الجناية بأمر الآخرين- الاشتراك في الجناية مع فاعل قاصد- الاشتراك في الجناية مع فاعل غير قاصد- الاشتراك في الجناية مع فاعل غير قاصد كالحيوان. وهذه الجنايات تترتب عليها الحدود تارة والتعزيرات ثانية والديات ثالثة. ولكل واحد منها شروطه وموارده.
ولعلنا الآن قد حملنا فكرة كافية -على اختصارها- عن أهمية العمد وانتشاره في أبواب الفقه، ومن ثم أهميته في المجتمع وفي العلاقات الأساسية بين الناس. ومن ثم يحق لنا الآن الدخول في محاولة تفسيره.

حقيقة العمد :
اشرنا فيما سبق إلى أن الفلاسفة والمتكلمون، قسموا مقدمات الفعل الاختياري إلى عدد من المقدمات، لأن الفعل الاختياري بصفته احد موجودات عالم الإمكان يحتاج إلى علة لوجوده. وقالوا: إن العلة هي الاختيار. وهو معنى باطني أو داخلي يشترك في تكوينه العقل والنفس معاً. فمن العقل تصور العمل الذي يريد الفرد القيام به ثم التصديق بمصلحته له وعدم إضراره به. وهذا لا يكون إلا مع تصور متعلقاته وسائر ارتباطاته. والتصديق بوجود بعضها وعدم الآخر. بحيث يعود الكل في مصلحته بحيث يكون ملتفتاً إلى كل الجهات.
فإذا صدق واقتنع بالمصلحة تترتب على ذلك رغبته في إيجاده. لأن النفس ترغب بإيجاد كل ما فيه مصلحة وفي ترك كل ما فيه مفسدة. ثم تزداد هذه الرغبة وتتحول إلى الإرادة الفاعلة المنجزة للعمل. وهي التي يقال عنها: أنها محركة للعضلات كتحريك الرجل للمشي أو الرأس للالتفات. وقالوا: إن كل
ــــــــــــــــــــ[258]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ذلك يحصل في لحظة واحدة ولا يحتاج إلى طول في الزمان إلا مع التشكك والترديد.
وفي هذه المقدمات تكمن عناصر العمد. لأنها في الحقيقة مقدمات العمد. باعتبارها مقدمات الفعل العمدي ليس إلا.
وفي هذه المقدمات تكمن وتستقر التفاصيل التي سنقولها، مما يتوقف عليها العمد توقفاً كلياً أو جزئياً. وما اختلف الفقهاء في حصوله مع وجود بعض المقدمات أو عدمها.
فان العمد الكامل من جميع الجهات يتوقف على عدة أمور. إن وجدت فهو عمد كامل وهو القدر المتيقن من موارد صدق العمد. وإلا فهو عمد ناقص أو اشتباه أو ليس بعمد إطلاقاً.
إذ يتوقف العمد الكامل على أربعة أصناف من المقدمات:
الصنف الأول: ما يعود إلى صفات الفاعل نفسه.
أولا: العقل. بمعنى عدم الجنون.
ثانيا: الرشد. بمعنى عدم السفه.
ثالثاً: الذكر. بمعنى عدم النسيان بما فيه الغفلة وهي: النسيان المؤقت.
رابعاً: العلم. بمعنى عدم الجهل، إما بالموضوع إما بالحكم.
خامساً: الصفاء. بمعنى عدم التعقيد النفسي أو العقلي.
الصنف الثاني: ما يعود إلى صفات الظرف الذي ينجز به العمل.
أولا: الاختيار. بمعنى عدم الإكراه والتهديد من شخص آخر. وهو أيضا يختلف باختلاف مراتب التهديد واحتمالات تنفيذ التهديد وقدرته عليه.
ــــــــــــــــــــ[259]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثانياً: الاختيار. بمعنى عدم الاضطرار إلى الفعل أو إلى عدمه. فلو كان الحر شديداً أو البرد شديداً أو الفقر شديداً أو المرض شديداً كان مضطراً لا محالة.
الصنف الثالث: ما يعود إلى صفات الفعل الذي يريد إنجازه. وهو أمور:
أولا: الإمكان العقلي. بمعنى أن لا يكون مستحيلا عقلا.
ثانياً: الإمكان الوقوعي. بمعنى أن لا يكون مستحيلاً في القانون الطبيعي. وهذان الأمران لا يختلف فيهما الحال بين وجود الفعل وعدمه. يعني أن يكون وجوده مستحيلا أو عدمه. فإنهم قالوا: انه مع تعين احد الأمرين لا يكون الفاعل قادراً ومن ثم لا يمكن أن يكون عامداً.
ثالثاً: أن لا يكون هناك عسر أو حرج أو شدة في فعله أو في تركه. وهذا راجع إلى اشتراط عدم الاضطرار، إذ لو كان الفعل متصفاً بذلك كان الفاعل مضطراً إلى الوجود أو إلى العدم.
غير إن الفرق بينهما كون الاضطرار هناك منظور من زاوية الفاعل وهنا منظور من ناحية الفعل نفسه.
رابعاً: أن لا تكون في نتائج الفعل مفسدة تعود على الفاعل أو على من يحبه أو على من لا يرغب بإضراره. وكلها راجعة بالنتيجة إلى المفسدة عليه. ولو باعتبار حزنه من ضرر غيره.
خامساً: أن تكون النتائج لهذا الفعل صالحة له ولو بمقدار ضئيل أو لبعض عواطفه أو ملكاته النفسية والعقلية. فما هو صالح للعقل هو التعلم وما هو صالح للشوق هو الحصول عليه. وما هو صالح للغضب هو الانتقام وما هو صالح للخوف هو زوال المخوف منه ولو بالهرب وهكذا. وقد تكون المصلحة من الضآلة بحيث لا تدرك أو لا يحسب لها حساب. كما لو كانت لمجرد
ــــــــــــــــــــ[260]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
قضاء الوقت أو لمجرد التسلي البسيط.
الصنف الرابع: ما يعود إلى التزاحم في المصالح والمفاسد.
فان الفعل لا يكون حسناً لمجرد كونه حسن ولا مرجوحاً لمجرد ذلك. وإنما يجزم العقل بمثل هذه الصفات، فيما إذا لاحظ الفعل وحده. أو لاحظ عدم وجود المزاحم معه. فقد يكون هناك فعل ذو مصلحة، لكنه مزاحم بمفسدة مهمة أو فعل ذي مفسدة ولكنه مزاحم بمصلحة مهمة.
ولحاظ الفعل من قبل الفاعل للفعل وحده غير معقول إلا للسفيه ونحوه، وأما مع التعمق النسبي فلابد من ملاحظة المزاحمات والمعارضات, مما يوجد في الطبيعة أو في العقل أو الأمور الأخرى. فان نتج من كل ذلك كون الفعل الذي ينوي القيام صالحاً، قام به وإلا فلا.
فهذا ما يعود إلى عناصر الفعل الاختياري وعلله الباطنة والظاهرة، حين يكون الاختيار كاملا. فان اجتمعت هذه الشرائط انطبق مفهوم العمد عقلا وعقلائياً وشرعاً، وكان هو القدر المتيقن من سائر الأحكام المترتبة عليه في العقل والفقه والقانون.
أما إذا لم تكن هذه الشرائط مجتمعة فالعمد ليس كاملا بطبيعة الحال. أو نعبر من زاوية فلسفية: إن مقدمات الاختيار ليست كاملة. وإنما صدر الفعل بتسبيب فيه شائبة عدم الاختيار أو عدم العمد. كما لو كان جاهلا بالحكم أو جاهلا بالمصلحة أو ناسياً أو غافلاً أو مكروهاً ولو بتهديد بسيط أو مضطراً ولو باضطرار هين. وهكذا.
ومن المؤكد عقلا وشرعا وعقلائياً. إن الفرد كلما قل عمده واختياره قلت مسؤوليته, وبتعبير آخر قلَّت جريمته وذنبه. فبينما نجد انه مع وجود العمد الكامل فانه يتحمل المسؤولية الكاملة، نجد انه مع زوال العمد بالمرة تزول
ــــــــــــــــــــ[261]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المسؤولية بالمرة. ومع وجود العمد الناقص تكون المسؤولية ثابتة بشكل ناقص، بمقدار يتناسب ومستواه الاختياري، لو صح التعبير أو نسبة العمد عنده لو صح التعبير أيضا، ويكون نقصانها بنقصان العمد لو صح التعبير للمرة الثالثة.
فانه لاشك أن للعمد مراتب متعددة، وهو حقيقة مشككة أي متفاوتة وليست بسيطة ذات رتبة واحدة كما أن المسؤولية الأخلاقية والقانونية حقيقة مشككة أيضا، وهما يتناسبان تناسباً طردياً. فكلما زاد العمد زادت المسؤولية وكلما قل العمد قلت المسؤولية.
وهذا من الناحية الأخلاقية أمام العدل الإلهي مضبوط مئة بالمئة. إلا انه أمام الفقهاء يواجه صعوبتين:
الصعوبة الأولى: تحديد مقدار ما يسمى عمداً وما ينفي عنه صفة العمدية من الأفعال, من ناحية عرفية وعقلائية. أو قل ان العرف والعقلاء لا يميزون في المراحل الناقصة من العمد، هل انه عمداً أو لا؟ وربما سرى هذا الإشكال إلى العقل نفسه لقصوره أحياناً عن إدراك التدقيقات. بل ذاك موكول إلى العلم الإلهي خاصة.
الصعوبة الثانية: إن الفقهاء يتعبدون بظواهر الأدلة المتوفرة لديهم. وهذا جيد، إلا إن موضوعات الأحكام المتوفرة في الأدلة تختلف. فلربما ترتب حكم العمد الكامل على العمد الناقص أو بالعكس.
أو إن ما اعتبر عمداً في موضع من الفقه أو من الأدلة، لم يعتبر عمداً في موضع آخر وهكذا.
وهذا يرجع إلى عدة مناشئ:
المنشأ الأول: إن ظواهر الأدلة ليست كلها مطابقة للواقع، بل بعضها
ــــــــــــــــــــ[262]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
موهوم أحياناً، يتخيله الفقيه حقاً وليس بحق. ومن هنا قد يخطئ اجتهاد المجتهدين.
المنشأ الثاني: إن نظر المعصومين سلام الله عليهم إلى العمد وأضداده، هو ذلك، أي بمقدار ما يستفاد من الأدلة الواردة عنهم. وذلك بالرغم من اختلاف فهمنا عن أفهامهم. فان فهمنا هو القاصر وفهمهم هو النافذ والحق.
المنشأ الثالث: انه لا دليل على صحة المنشأ الثاني إلا بحسب ما فهمناه من اختلاف الأحكام. وهذا كما يمكن ان يكون ناشئاً من المنشأ الثاني، يمكن ان يكون ناشئاً من اختلاف المصالح والمفاسد من الموارد المختلفة حسب علم الله سبحانه وعلم المعصومين. فلعل ان هناك مصلحة لزيادة العقوبة مع قلة العمد أو لقلة العقوبة مع زيادة العمد وهكذا.

العمد فقهياً :
والآن يحسن أن نستعرض عدداً من الفتاوى المشهورة لدى الفقهاء لنجد مقدار تناسب الفتاوى مع درجة العمد. وهل أنها منطبقة على القاعدة العقلية التي قلناها من قلة المسؤولية الأخلاقية مع قلة العمد، أم لا؟
أولا: تبطل الصلاة بزيادة الركن أو نقصانه عمداً أو سهواً.
ومعنى وجود السهو وجود نقصان في مقدمات العمد، فبالرغم من صدور الفعل عنه باختياره وقناعته. إلا انه ليس بعلم محسوس، بأنه تكرار للسجود أو للركوع. ومع ذلك قال المشهور ببطلان الصلاة حتى مع السهو.
ثانياً: لا تبطل الصلاة بزيادة الواجب غير الركني سهواً. وأما إذا زاد عمداً بطلت. وهذا موافق مع المسؤولية العقلية.
ــــــــــــــــــــ[263]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثالثاً: إذا نسي الفعل من أفعال الصلاة وكان في محله أتى به.
رابعاً: إذا شك في انه صلى أم لا. وكان الوقت باقياً وجبت عليه الصلاة.
وهذان حكمان مخالفان لتلك القاعدة. ونحوه ما يلي:
خامسا: إذا شك في انه صلى بطهارة أم لا. وكان محدثاً سابقاً بنى على بطلان صلاته.
سادساً: إذا شك في جهة القبلة صلى إلى أربع جهات.
سابعاً: إذا سها عن بعض الأجزاء والتفت بعد تجاوز محله. سجد سجدتي السهو.
ثامناً: إذا شك في فوات فريضة في وقت سابق لم يجب عليه القضاء. وهذا موافق للقاعدة العقلية السابقة.
تاسعاً: إذا شك بحدوث الخسوف أو الزلزلة لم تجب عليه صلاة الآيات.
عاشراً: إذا علم بوجود احتراق تام في الكسوف أو الخسوف، وجب عليه القضاء. وهذا مخالف للقاعدة العقلية السابقة.
إلا أن الفقهاء في هذه الأمور لا يعملون بالعقل المجرد ولا يستدلون به. بل دليلهم وموئلهم إنما هو الكتاب والسنة الشريفة.
وفي باب الصوم قالوا:
أولا: إن المهم في المفطرات لكي تكون مفطرة ان يأتي بها عمداً. أي عالماً بصومه وعالماً بكونها مفطرة. وإلا لم يفطر.
ثانياً: لو استعمل المفطرات مع الجهل بوجوب الصوم وجب عليه القضاء دون الكفارة.
ــــــــــــــــــــ[264]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثالثاً: لو استعملها مع نسيان حال الصوم بقي على صومه.
رابعاً: لو استعمل المفطرات جهلا بوجوب الكفارة، وجبت الكفارة مع القضاء.
وقالوا في أسباب الضمان: إن ما يسقط بغير العمد من التكاليف هو الحكم التكليفي لا الحكم الوضعي. والضمان حكم وضعي فلا يسقط بغير العمد. فلو أتلف شخص مال شخص إكراهاً أو اضطراراً أو نسياناً أو جهلاً، كان ضامناً فضلا عما إذا أتلفه عمداً. وهذا في نفسه مخالف للقاعدة العقلية السابقة، إذ لا يختلف العذر عقلا بين الأحكام التكليفية والوضعية.
وفي باب المعاملات، قالوا: إن المعاملات الواقعة عن اضطرار صحيحة والواقعة عن إكراه باطلة. والمعاملات الواقعة عن جهل بالملكية باطلة، ما لم يجز المالك.
وأعطى الفقهاء حق الخيار في مقابل النقص الموجود لدى الطرف الآخر، كالغش والغبن والعيب والاشتراط وغير ذلك. إلا أنهم لم يفرقوا بين أن يكون الغش والغبن والعيب موجوداً عن عمد أو عن غير عمد. بل قد لا يعلم بها الطرف الآخر أصلا. ومع ذلك يكون صاحبه مسلطاً على الفسخ. وهذا أيضا مخالف لتلك القاعدة العقلية.
أما في باب الجنايات، فهذا الترتيب المعروف من العمد وشبه العمد والخطأ المحض. ترتيب موافق للقاعدة العقلية، والفقهاء ساروا بنفس الاتجاه وحكموا بعقوبات اقل كلما كان العمد اقل. فقالوا بالقود يعني استحقاق القاتل للقتل في العمد، وبأن الدية على الفاعل في شبه العمد، وعلى العاقلة، وهم بنو الأب وبنو العم في الخطأ المحض.
وهذا وغيره من الفقهاء كما عرفنا ناشئ من اختلاف الأدلة التي يعتمدونها
ــــــــــــــــــــ[265]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
في استنباطهم للأحكام. وأما اختلاف تلك الأدلة فقد عرفنا مبرراته الكافية فيما سبق.

اختلاف اصطلاحات الفقهاء في العمد:
وبهذا نعرف التبرير الأهم لاختلاف اصطلاحات الفقهاء في ما يسمونه بالعمد باختلاف الكتب الفقهية. فتارة يجعلونه ضد الإكراه وأخرى ضد الخطأ وأخرى ضد النسيان وهكذا.
وذلك بعد الالتفات إلى أمرين:
احدهما: إن التقسيم الرئيسي الذي عرفناه هو : العمد الكامل والعمد الناقص. وهذا الأخير هو عمد من ناحية وغير عمد من ناحية. وكل تلك الأمور المضادة للعمد تندرج فيه. فمن حق الفرد أن يجعل أياً منها مضاداً للعمد إذا لاحظ جهة النقص فيه. وهو ملاحظها لا محالة إذا عرض المطلب على واقعه.
ثانيهما: إن الفقهاء ينظرون عادة في كل مسألة إلى محل كلامهم ليس أكثر. ومن هنا تختلف جملة من النتائج النظرية باختلاف محل الكلام. ومحل الكلام يتحدد أولا بموضوع المسألة ويتحدد ثانياً: بالمدارك التي يعتمد عليها الفقيه.
فمن منظوره في الصلاة أن يكون العمد ضد السهو. ومن منظوره في المعاملات أن يكون العمد ضد الإكراه ومن منظوره في الجنايات أن يكون العمد ضد الخطأ. وهكذا. وفي الحقيقة أنها جميعاً مضادة للعمد من تلك الجهة المنظورة. وان كانت موافقة له من جهة أخرى.
وفي الواقع أنها مضادة، لأن الضدين هما الذاتان الوجوديتان اللتان لا
ــــــــــــــــــــ[266]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
تجتمعان. إذن فكل من الضدين أمر وجودي أو أمر موجود. فإذا لاحظنا العمد وأضداده وجدناها جميعاً أموراً وجودية. لا اقل من الناحية العرفية والعقلائية التي هي مدار الفقه غالباً. وان اتصفت بشيء من النقص وهو العدم في بعض جوانبها أو خصائصها.
أما نقيض العمد فهو اللاعمد. أو عدم العمد. وذلك حينما يزول العمد الكامل بالمرة ويحصل العجز الكامل عن الفعل أو عن الترك. فان النقيضان هما الوجود والعدم. فإذا لم يكن للعمد وجود أصلا، كان عدمه فعلياً. وإذا حصل عدم العمد, زالت المسؤولية الأخلاقية والقانونية بالمرة.
ويقرب ذلك أيضا في الجملة,وجود أمرين أحياناً مقابل العمد وهما شبه العمد والخطأ. مع العلم إن النقيض لا يتعدد في حين إن الأضداد قابلة للتعدد. فيتعين أن تكون هذه الأمور من قبيل الأضداد لا من قبيل النقيض.
ــــــــــــــــــــ[267]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فصل الدعاء

أصله في اللغة:
اعتقد إن الأصل الرئيسي في اللغة للدعاء هو النداء. فإذا قلت: يا فلان، فقد ناديته وقد دعوته أيضا ليقبل عليك. غير ان اللغويين فرقوا بين الدعاء والنداء بأن النداء قد يقال ((بيا)) أو ((أيا)) ونحو ذلك من غير ان يضم إليه الاسم. والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو يا فلان. وهذا تفريق غالبي وإلا فالجهة النظرية لهما واحدة.
وعلى أي حال، فهما من الألفاظ المترادفة التي إذا افترقت في اللفظ اجتمعت في المعنى وإذا اجتمعت في اللفظ افترقت في المعنى. ومن اجتماعها لفظاً قوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء.
وكل المعاني المتفرقة للدعاء نابعة من هذا الأصل كما سنرى. وأوضح ذلك الدعوة إلى مناسبة من فرح أو حزن، يعني نداء الناس ليحضروا إليها.
والله تعالى: يدعو إلى الهدى و((يدعو إلى دار السلام)) والأنبياء يدعون الآخرين إلى الهدى  وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، وقوله:  لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ أي لا ينبغي أن يتفوه به احد. لأنه باطل ولا ينبغي لأحد أن
ــــــــــــــــــــ[268]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يتفوه بالباطل.
والنبي  يدعو إلى الهدى والحق ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وقوله تعالى: وَدَاعِياً إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً. والناس يدعو بعضهم بعضاً للمجيء إلى الهدى لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا.
والدعاء إلى الله واضح ومشهور. قالوا: لأننا نقول يا الله ارزقني يا رحمن ارحمني. فهو في حقيقه نداء، ومنه قوله تعالى: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ وقوله: وادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً وقوله: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ.
والدعاء لا يحتوي على الطلب دائماً، بل هو نداء قد يقترن بالطلب وقد لا يقترن. ومن هنا كان الثناء على الله دعاء وان احتوى على التهليل والتمجيد فقط. ومنه قوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا. يعني سواء كان هناك طلب أم غيره.
وقوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ. أي دعوة الناس وندائهم ليقبلوا إلى الحق. أو على معنى الدعوة الحقة أي النداء الحقيقي أو النداء المحق.
وقوله تعالى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ أي يتوقع منه النفع فكأنه دعاه لينفعه. وهو مخطئ في ذلك. ونحوه: وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ إما للحضور في يوم القيامة. وإما للطلب منهم لقضاء الحوائج. وهم – يعني الشركاء – ليسوا على مستوى المسؤولية من كلتا الجهتين. ولذا قالوا: بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئاً.
وقوله تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً وذلك حثاً على تعظيمه لأنهم كانوا ينادونه باسمه المجرد .
والدعاء الاستغاثة، كأنه يدعو الغير ليغيثه ويحل مشكلته ويقضي حاجته،
ــــــــــــــــــــ[269]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وقد لا يجد مغيثاً، ومنه قوله: لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً. وهنا قال اللغويون: هو أن يقول: يا لهفاه يا حسرتاه ونحو ذلك من ألفاظ التأسف.
والدعاة هم الذين يباشرون بالدعاء، قالوا: هم قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة. واحدهم: داع. ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين. أدخلت فيه الهاء للمبالغة. والنبي  داعي إلى الله سبحانه وتعالى. والمؤذن أيضا داعي إليه جل جلاله.
والجن أيضا يدعون إلى الله لأنهم قالوا لقومهم: أجيبوا داعي الله. وهذا فيه احتمالان: احدهما: أنهم يريدون بذلك أنفسهم فهم داعي الله كما فهم اللغويون. والآخر: أنهم يريدون النبي  يعني: أجيبوا النبي  الذي استمعوا إلى قرآنه. وهذا هو الأرجح.
ويقال لكل ميت: دعي فأجاب، فكأن الله سبحانه ناداه ليخرج من دار الدنيا إلى دار الآخرة.
ويقال: دعاني إلى الإحسان إليك إحسانك إلي. أي كأنه ناواني وطلب مني عمل الإحسان، وكل هاجس نفسي يحث على العمل فهو داعي. يقال: وجدت الداعي في نفسي إلى كذا، وكان عمله بلا داعي أي بدون مصلحة تجعل الداعي في النفس. أو هي تدعو إلى ذلك مجازاً.
وأما الادعاء فمادته غير الدعاء. وقد وجدت خلطاً بينهما في كلمات اللغويين. فان الادعاء هو أن تنسب إلى نفسك ما ليس فيك أو أن تنسب إلى أي شخص ما ليس فيه. وليس هو محل كلامنا الآن.
وأما الدعاء لدى علماء البلاغة والمعاني والبديع، فهو الطلب من السافل إلى العالي. ويجعلون الدعاء إلى الله مثاله أو أوضح أمثلته. وقد جعلوا ذلك
ــــــــــــــــــــ[270]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
اصطلاحاً في علومهم. إلا انه لاشك بفساده من أكثر من وجه.
الوجه الأول: ما عرفناه قبل قليل من كون الدعاء هو النداء وليس هو الطلب. ولا شك أنهما مفهومان متباينان مفهوماً. وان كانا مجتمعان في اغلب مصاديقهما عرفاً. ومع التباين مفهوماً، لا يمكن أن نعطي لأحد اللفظين معنى اللفظ الآخر المباين له.
الوجه الثاني: لو قبلنا ذلك فان المصداق الوحيد له هو الطلب إلى الله سبحانه. وأما ان نوافق على انه يصدق على كل طلب من الداني إلى العالي، فلا. لوضوح عدم صدق الدعاء في طلب الفقير من الغني أو المملوك من المالك أو الرعية من الملك ونحو ذلك. فإننا ندعو الله تعالى لا أننا ندعو هؤلاء بكل تأكيد.
مع ان علماء البلاغة صرحوا بالعموم, من حيث أنهم قسموا الطلب أي ما يكون من العالي إلى السافل فهو أمر ومن المساوي إلى المساوي فهو التماس ومن السافل إلى العالي وهو الدعاء. وهو واضح الشمول لكل سافل وعالي, كما في القسمين الآخرين. وهو واضح البطلان.

الدعاء لدى المتشرعة:
اكتسب الدعاء في مفاهيمهم إحدى صيغ ثلاث:
الصيغة الأولى: الطلب إلى الله سبحانه. بأي لفظ كان أو بأي لغة كانت.
الصيغة الثانية: ما ورد عن أئمتنا المعصومين ، من نصوص تفصيلية تحتوي على ذكر الله وتمجيده وتحميده والطلب إليه والضراعة له. فكلها أدعية ما دامت نصوصاً بليغة مروية عن المعصومين .
الصيغة الثالثة: تعميم ذلك لكل النصوص البليغة الواردة عنهم .
ــــــــــــــــــــ[271]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
سواء كان المخاطب بها الله سبحانه أو غيره اعني بعض أوليائه . فيكون الدعاء بهذا المعنى شاملا للنصوص الواردة لزيارة المعصومين  ولذا قد يقال: دعاء الزيارة. في حين ان الأشهر لدى المتشرعة إن الزيارة ليست دعاء. وان النصوص الواردة تنقسم إلى زيارات والى أدعية. وهذا هو مضمون الصيغة الثانية للدعاء. بينما تشمل الثالثة كلا القسمين.
وأما إذا عرضناه على المعنى اللغوي، فكلها يمكن أن تندرج في مفهوم الدعاء. لأن الدعاء ليس إلا النداء. بغض النظر عمن تناديه وعن الأسلوب أو اللغة التي تستعملها في ندائك.
ومعه فان كان المقصود مخاطبة المعصومين ، كان (زيارة) باصطلاح المتشرعة و(دعاء) في اللغة لأنه يحتوي على ندائهم سلام الله عليهم. وهذا لا يفرق فيه الأسلوب واللغة المستعملة, ولا كونه مما ورد في نصوص بليغة وتفصيلية أم لم يرد. بل كان من إنشاء الفرد من نفسه.
وان كان المقصود مخاطبة الله سبحانه، فهو دعاء أيضا سواء كان مما ورد أو مما لم يرد.
هذا، ولكن إذا خلا الكلام من الخطاب لم يكن دعاء في اللغة سواء كان المقصود به الله أو احد أوليائه وسواء كان من النصوص الواردة أم من غيرها.
إلا إن الذي يهون الخطب، فيمكن أن نسمي كل النصوص الواردة أدعية. هو أنها لابد أن تكون بعض مضامينها محتوية على النداء إما للمعصوم وإما لله عز وجل. فيسمى النص الكامل كله دعاء تسمية للكل باسم الجزء. وأما إذا لم يحتو على النداء أصلا. فيمكن أن نقدر له نداء، كما لو قلنا الحمد لله أو شكراً لله. أو انه نداء بلسان الحال وان لم يكن هو بلسان المقال، فيصدق عليه أيضا انه دعاء.
ــــــــــــــــــــ[272]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فوائد الدعاء :
تنقسم فوائد الدعاء إلى أربعة أقسام:
الفائدة الأولى: الفوائد العلمية أو التثقيفية. وهي عديدة ومهمة فيما ورد عن المعصومين سلام الله عليهم من أدعية ونصوص حيث طرقوا فيها عشرات الموضوعات وعرفونا جوانب الحق فيها من الباطل. بل انه يمكن القول: بأنه ما من حقل إنساني يمكن أن يتصوره الذهن من الثقافة البشرية إلا وهو مطروق في الأدعية بقليل أو بكثير. ومن هنا احتوت الأدعية على ثقافة علمية غزيرة جداً على من يريد استقراءها والتأمل فيها.
الفائدة الثانية: الفائدة الأخروية وهي الثواب في الجنان. وهي الفائدة المطلوبة لعامة القارئين للدعاء. وهي وان كانت مهمة إلا أنها بمنزلة المقدمة للفائدة الأولى. لأن الفرد يقرأ الدعاء بقصد الثواب فيحصل على الثقافة والعلوم.
الفائدة الثالثة: ما يسمى بالآثار الوضعية كحل المشاكل والإغناء من الفقر والشفاء من المرض ونحوها. فان الأدعية الواردة غنية بذلك، ومجربة النجاح غالباً.
الفائدة الرابعة: إنها تعتبر بمنزلة السلم للرقي الروحي والتكامل المعنوي للفرد الداعي نحو الكمال الحقيقي المذخور له. وهذا هو الجانب الخاصي أو العرفاني في الأدعية, وينال كل فرد بمقدار ما يستحقه من ذلك. وهي قابلة للتأثير في ذلك على كل المستويات والاستحقاقات.
وكل هذه الفوائد الأربع ثابتة لنفس النصوص وفي نفس الوقت. وينال كل فرد منها حسب استحقاقه، وبمقدار الهدف الذي استهدفه والفهم الذي فهمه.
وبهذه الفوائد الأربع، تكون هذه النصوص الواردة عن المعصومين سلام
ــــــــــــــــــــ[273]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الله عليهم، قد استوعبت فوائد الدنيا وفوائد الآخرة. ودفعت شر الدنيا وشر الآخرة. كما قال في الدعاء أيضا: “أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وخير الآخرة واصرف عني بمسألتي إياك جميع شر الدنيا وشر الآخرة، فانه غير منقوص ما أعطيت وزدني من فضلك يا كريم”.
وكل ذلك مما تحرزه وتنتجه الأدعية، لا محالة بما فيها هذه الزيادة الموعودة في قوله تعالى: وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ. فانه ما من مزيد إلا فوقه مزيد. وما من كمال إلا فوقه كمال وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ويستمر ذلك إلى المدى اللامتناهي.
ومن المستطاع القول: أن كل واحدة من الفوائد الأربع السابقة، تشمل الدنيا والآخرة، وان بدا بعضها خاصاً بالدنيا وبعضها خاصاً بالآخرة.
فالفائدة الأولى وهي التعليم واضحة الشمول لكلا الدارين. من حيث ان العلم كما ينفع في الدنيا ينفع في الآخرة، وهو كمال عقلي يشملهما معاً.
والفائدة الثانية تشملهما أيضا، بعد التسليم بأن الثواب كما قد يكون مؤجلا إلى الآخرة، قد يكون مقدماً في الدار الدنيا أيضا. وكلا الشكلين من الثواب يمكن ان تنتجه هذه الأدعية.
والفائدة الثالثة تشملهما أيضا، بعد التسليم بأن الآثار الوضعية، كما قد تحصل في الدنيا تحصل في الآخرة، وكما قد تفيد هنا تفيد هناك. وان كان الأشهر والأغلب هو وجودها الدنيوي.
والفائدة الرابعة تشمل كلا الدارين أيضا، باعتبار أن التكامل وان كان أخرويا بطبيعته، من حيث انه تكامل روحي. إلا انه يوجد في الدنيا, ويحصل على الفور عند حصول سببه المؤثر. فهو يبدأ في الدنيا وينتهي في الآخرة. فهو مناسب لكل النشأتين وموجود في كلا الدارين.
ــــــــــــــــــــ[274]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الدعاء أخلاقيا :
يختلف التقييم الأخلاقي لمخاطبة الله سبحانه بالدعاء، حسب اختلاف حال ومراحل وتصورات الفرد الأخلاقية. وتتصاعد معه هذه المراحل حسب تطورات كماله. وفي بعضها يكون المستوى واجب الكتمان لأنه من الأسرار الإلهية. فنقتصرها على ما هو الممكن بيانه من تلك المراحل.
المرحلة الأولى: عدم الرغبة في الدعاء لانشغال الفرد في الدنيا أولاً. من حيث إن الدعاء يأخذ وقتاً طويلا يمكن أن يقضيه الفرد في أية مصلحة أخرى تخصه. كما انه يستبعد استجابة دعائه وتأثيره في قضاء الحاجة. فلماذا يقضي عمره فيما لا فائدة فيه !!!
المرحلة الثانية: الرغبة في الدعاء لتحصيل الثواب، من حيث انه ورد الوعد بالثواب على كل الأدعية، إما إجمالا وإما تفصيلا، يعني من قال كذا فله كذا من الثواب. والفرد يطمع من الله سبحانه بتحصيل هذا الثواب، فيقرأ الأدعية من اجل ذلك.
المرحلة الثالثة: الرغبة في الدعاء من حيث تحصيل الآثار الوضعية المقصودة للفرد والتي تمثل بعض مصالحه الدنيوية أو الأخروية.
المرحلة الرابعة: الرغبة بالدعاء، بصفته سبباً في التعرف على الحقائق العليا والتفكير في خلق الله وفي أسماء الله ومعرفة فضائل أولياء الله ونحو ذلك.
المرحلة الخامسة: الرغبة في الدعاء بصفته ذكراً لله جل جلاله. تطبيقاً لقوله تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً, وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً.
المرحلة السادسة: الرغبة في الدعاء بصفته ذكراً للمحبوب و وفاءاً للشوق الموجود إلى الوصول إلى تلك المراحل الإلهية العليا، تطبيقاً لقوله تعالى:
ــــــــــــــــــــ[275]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ.
المرحلة السابعة: الرغبة في الدعاء بصفته سبباً لغفران الذنوب وستر العيوب وتصفية النفس وغسل رين القلوب. كما قال سبحانه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ.
المرحلة الثامنة: عدم الرغبة في الدعاء لشعور الفرد بكونه أكثر ضآلة واقل شأناً من أن يخاطب العظيم جل جلاله.
المرحلة التاسعة: عدم الرغبة في الدعاء لشعور الفرد بأن ذنوبه أعمق وأوسع وأشد من أن تستحق الغفران. على أن لا يصل هذا الشعور إلى حد اليأس من روح الله. فان رحمة الله تقدمت على غضبه على كل حال.
المرحلة العاشرة: عدم الرغبة في الدعاء لأن فيه طلباً لله عز وجل بأمور عديدة، وهو مخالف للأدب أمامه سبحانه. ولو أراد جل جلاله قضاء الحاجة لقضاها كما قالوا: (علمك بحالي يغني عن مقالي).
إلى غير ذلك من المراحل. ولا ينبغي أن يعاتب الفرد في أي مرحلة حسنة يمر بها. وان كان رد فعله وتصرفاته أردأ واقل مما يكون في المرحلة التي تليها، بطبيعة الحال. إلا انه لما كان منسجماً مع مرحلته في الكمال وغير مقصر فيها ولا معتبراً لها أنها هي النهائية، لم يستحق العتاب على أي حال.

الدعاء فقهياً:
يتضمن وينتج الدعاء فقهياً خيراً لا شر فيه وثواباً لا حرمة معه من اجل الحصول على أي من الأهداف الكثيرة السابقة والمضامين المتعددة التي سبق أن عرفناها له. سواء منها المرتبط بالنفس أو المرتبط بالغير. وسواء منها المرتبط بالثواب الظاهري أو بالكمال الباطني.
ــــــــــــــــــــ[276]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
غير انه من باب التفنن الفقهي يحسن أن نلتفت إلى الدعاء أو قل: قراءة الدعاء يمكن أن تتصف بالأحكام الفقهية التكليفية الخمسة: الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والحرمة وان كان الاستحباب هو الجهة الأشهر والأغلب فيها. إلا أنه تبقى علينا تعيين موارد الأحكام الأربعة الأخرى.
أما الدعاء الواجب فيكون في موارد. منها:
أولا: الدعاء المتعلق للنذر أو العهد أو اليمين.
ثانياً: الدعاء المأجور. الذي أصبح طرفاً للإيجار بحيث دفع إليك احدهم مالا على ان تقرأ له الدعاء.
ثالثاً: الدعاء باعتبار أثره الوضعي إذا كان فيه إنقاذاً من تهلكة أو من ضرر شديد.
رابعاً: الدعاء باعتبار تأثيره الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو دخول بعض الكفار في الإسلام ونحو ذلك مما يكون واجباً على المسلم القيام به ضمن شروطه الشرعية.
أما الدعاء المباح، فهو ما لا يكون منه متصفاً بالأحكام الأخرى حتى الاستحباب. وإنما يسقط استحبابه وثوابه إذا كان فيه طلباً للدنيا، كجعله وسيلة لطلب الرزق غير الضروري أو الشفاء غير المهم. لمجرد أن الإنسان يريد الانتقال إلى حال دنيوي أفضل. فلعل الله يرحمه بذلك.
وأما الدعاء المكروه، فيمكن في عدة موارد:
أولا: ما كان في الأزمنة أو الأمكنة المكروهة كالكنائس وبيوت الخمر والدعارة.
ثانياً: الدعاء لطلب كل مكروه أو مرجوح دنيوي لنفسه أو لغيره.
ــــــــــــــــــــ[277]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ثالثاً: الدعاء المنتج بالأثر الوضعي لكل مكروه أو مرجوح دنيوي.
رابعاً: الدعاء المزاحم لمستحب أهم، بحيث يدور أمره بين الدعاء أو زيارة الحسين مثلا، فيتقدم الأهم. ويكون الدعاء مرجوحاً أو مكروهاً. إلى غير ذلك من الموارد.
وأما الدعاء المحرم فيكون في عدة موارد:
أولا: الدعاء الذي يكون أثره الوضعي محرماً، كالقتل أو الضرر البليغ.
ثانياً: الدعاء الذي يكون في سماعه أو في نتائجه أذى أو احتقاراً أو فضيحة للمؤمنين ونحو ذلك.
ثالثاً: الدعاء لطلب المحرم من الله سبحانه، كالدعاء بأن يرزقه خمر ليشربه أو مالا عن طريق السرقة وغير ذلك.
رابعاً: مزاحمة الدعاء مع واجب منجز، كما لو تزاحم الدعاء مع الصلاة في ضيق وقتها. أو قل: في كل وقتها. فانه يكون مفوتاً للواجب، فيكون بهذه الصفة محرماً.
ومن هنا نعرف أن قراءة القرآن أيضا متصفة بنفس هذه الأحكام وان كان الأغلب منها هو الاستحباب.

النية الجزمية في الدعاء :
ومن الأحكام المهمة الفقهية للدعاء، أن الدعاء إنما يجوز قرائته بنية الاستحباب القطعية الكاملة، فيما إذا كان جامعاً للشرائط الشرعية الكاملة. وأهمها أمران:
الأمر الأول: صحة سند الدعاء بمعنى كونه حجة معتبرة شرعاً وفقهياً، بأن يكون صحيح السند أو موثقاً. وأما إذا كان سنده حسناً أو ضعيفاً، فهو مما لا
ــــــــــــــــــــ[278]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يتوفر فيه هذا الشرط.
الأمر الثاني: صحة مضمونه، بمعنى عدم احتوائه على مضامين شاذة و مداليل غير معقولة. فان مثل ذلك يضعف من احتمال صدق رواته وان كانوا في أنفسهم من الثقاة. ومن ثم قد ينزل عن مرتبة الحجية الشرعية.
وإذا وجد فيها مثل ذلك لزم تأويله أو إيكال علمه إلى أهله. وإذا لم يمكن ذلك فالأرجح عدم التصدي لقرائته إطلاقاً.
ومثله ما لو لم يكن الفرد مصداقاً للدعاء. كما لو كان السياق دالا على وجود المكلف في زمان معين كالجمعة أو شهر رمضان وأراد قراءة هذا الدعاء في زمان آخر. وكما لو كان السياق دالا على وجوده في مكان كأحد المشاهد المشرفة وأراد قرائته في محل آخر. وهكذا فان مثل هذه القراءة لا تكون مشروعة.
وان لم يكن الدعاء جامعاً لهذين الشرطين لم يجز قرائته بنية الاستحباب الجزمية، كما لا يمكن للفقيه الجزم باستحباب قرائته فتوائياً، ولئن كان اغلب الأدعية المتوفرة حاصلة على الأمر الثاني، إلا أن اغلبها غير حاصل على الأمر الأول، حتى لعل النادر منها ما هو صحيح السند إلى درجة الاعتبار الفقهي.
وفي مثل ذلك يمكن القيام بأحد أشكال من التصرف:
أولا: قرائته برجاء المطلوبية، يعني باعتبار احتمال كونه صادراً عن المعصومين.
ثانيا: قرائته برجاء الواقع، الذي هو صدوره عنهم .
ثالثاً: قرائته لا باعتبار صدوره، بل لمجرد كونه ذكراً وتمجيداً ودعاء. ولاشك بكونه راجحاً بهذا الاعتبار.
ــــــــــــــــــــ[279]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
رابعاً: الجزم بصحته دلالة وان كان ضعيفاً سنداً، بعد الإطلاع على علو المضامين والحكم التي يحتويها، بحيث نعلم ان مثل هذا البيان وهذه المعاني لا يمكن أن تصدر إلا من إمام معصوم. فيحصل الاطمئنان بصدوره عنهم . والاطمئنان حجة، فيكتسب الدعاء حجيته من هذا الاطمئنان، فتجوز قرائته بالنية القطعية.
وهذا أمر صحيح، ولكنه متوقف على وجود الاطمئنان الشخصي الفعلي، وإلا بقي الأمر مردداً.
على ان هذا لا يثبت صدور النص بكامله بكل كلماته وحروفه، وإنما يثبت صدور اغلبه إجمالا، ولا يدفع احتمال الزيادة والنقيصة فيه بحال، بشكل غير ملفت للنظر. إلا أن يحصل الاطمئنان الفعلي بكل حروفه وكلماته. وهذا مما يندر حصوله. فنعود إلى وجوب القراءة الاحتياطية.
ومما يترتب على وجوب الاحتياط في القراءة، عدم جواز قرائته في الصلاة بقصد النية الجزمية، لكونه مبطلا لها ولو احتمالا. وكذلك لا يجوز بنحو النية الاحتياطية، لأن مقتضى الاحتياط من وجوده خلال الصلاة هو بطلان تلك الصلاة.
ومما يترتب على وجوب الاحتياط في القراءة، عدم جواز قراءة الدعاء خلال نهار الصوم بنية جزمية، لأنه عندئذ يكون مفطراً جزماً، لأنه يكون مصداقاً للكذب على المعصومين وهو نسبة ما لم يثبت انتسابه إليهم وهو حرام، ومفطر للصوم. بخلاف ما لو قرأنا الأدعية بالنية الاحتياطية فإنها عندئذ لا تكون منسوبة إليهم على تقدير ثبوتها فلا تكون موجبة للإفطار.
وقد يقال: إن اثر ذلك في اخذ الأجور على قراءة الأدعية، فان كانت الأدعية معتبرة سنداً جازت الأجرة عليها وإلا حرمت. بعد التسليم فقهياً على جواز الأجر على المستحبات.
ــــــــــــــــــــ[280]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
غير أن ذلك في الواقع يحتوي على شيء من التفصيل. يرجع إلى قصد المؤجر صاحب المال. فان قصد من دفع ماله قراءة الدعاء الصادر من الأئمة  فعلا. فان اعتبار السند ضروري لجواز القراءة، وإلا كانت الأجرة سحتاً حراماً.
وأما إذا قصد صاحب المال دفع ماله بإزاء قراءة هذه الأدعية المشهورة، لا باعتبار كونها صادرة عن المعصومين ، وإنما بنحو الإشارة إلى واقع الدعاء المتعارف بين الناس. كما لو قال: اقرأ لي دعاء كميل بن زياد أو دعاء الحسين يوم عرفة أو زيارة أمين الله أو غير ذلك. فتتعين الأجرة على قراءة ذلك الدعاء المشهور بغض النظر عن السند.
ولكن، القارئ عندئذ ككل قارئ، ينبغي أن يأخذ النية الاحتياطية بنظر الاعتبار. فلو قرأه بنية جزمية كان مبطلا وقراءته باطلة، فتحرم عليه الأجرة. لأنها مدفوعة بإزاء القراءة المشروعة في الدين، وليست هذه القراءة مشروعة.
والحال كذلك في كثير من الصلوات المستحبة غير المعتبرة سنداً، إذا أخذت الأجرة على إنجازها عن بعض الموتى.
وأما قراءة القرآن. فمع وثوق المكلف بصحة قرائته فيمكن فيها النية الاستحبابية الجزمية. لثبوت القراءات السبع بل العشر سنداً، وإقرارها من قبل المعصومين.
غير أن هذا يتوقف على أمرين:
الأمر الأول: حصول الاطمئنان انه يقرأ بأحد القراءات المعتبرة، وبتعبير آخر: حصول الاطمئنان بان هذه القراءة هي فعلا قراءة عاصم أو الكسائي أو ورش أو غيرهم. ومع الشك في ذلك تتعين النية الاحتياطية.
ولعل القراءة الوحيدة المحرزة الانتساب إلى صاحبها، هي القراءة المشهور
ــــــــــــــــــــ[281]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المطبوعة في المصاحف، وهي قراءة حفص عن عاصم، دون سواها.
الأمر الثاني: أن يحرز من نفسه صحة اللفظ وفصاحة القراءة. فان شك في قرائته أو علم إجمالا أو تفصيلا بغلطه. لم تجز النية الجزمية، وتعينت النية الاحتياطية. وهذا المعنى شامل للأدعية والصلوات أيضا.
وعلى كل تقدير ينبغي تنبيه صاحب المال (المستأجر) على ذلك. ما لم يشترط قراءة مشهورة، كقراءة عاصم. وأما إذا اشترط قراءة ورش مثلا. فلا بد من تنبيهه بصعوبة إمكان تعيينها من بين القراءات بنحو الحجية الشرعية المعتبرة.
فان قيل لصاحب المال ذلك اخذ المستأجر المال وقرأ، وإلا لم يجز ذلك, وكانت الأجرة محرمة على أي حال.

الزيادة في الدعاء :
ومن الأحكام المهمة فقهياً في الدعاء هو عدم جواز الزيادة فيه، فانه مما أفتى به المشهور ووردت فيه بعض الروايات.
والمراد من ذلك عدم جواز إلحاق بعض العبارات بما ورد عن المعصومين من الأدعية والثناء. فان في ذلك محذورين بلا إشكال:
المحذور الأول: الكذب على المعصوم الذي تكلم بهذا الدعاء، من حيث نسبة هذه الزيادة إليه زوراً.
المحذور الثاني: زوال الأثر الوضعي المترتب على الدعاء، فان للألفاظ وترتيبها دخلا حتمياً في ذلك الأثر وفي كثير من الآثار الوضعية، فإذا اختلفت الألفاظ اختلف الأثر أو زال، فصار على خلاف قصد القارئ وإنما أعطاه الإمام، بتحديد وحكمة معينة من اجل اثر وضعي معين. وهو مما تضر
ــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
به الزيادة.
مضافا إلى محذورين آخرين عرفنا أسسهما نذكرهما بنفس الترقيم:
المحذور الثالث: فقد الثواب الأخروي المتوقع حصوله من الدعاء، بعد حصول الدس والزيادة فيه.
المحذور الرابع: مخالفة وعصيان الدليلين اللذين عرفنا قيامهما على عدم جواز الزيادة وهما الشهرة والروايات.
ولكن كل هذه المحاذير يمكن المناقشة فيها:
أما المحذور الأول: ففيه جوابان محتملان:
الجواب الأول: انه إنما يصدق مع قصد النسبة إلى المعصومين فيكون حراماً. وأما مع عدم قصد النسبة فلا إشكال في الجواز.
الجواب الثاني: قد يقال: إن الحرمة تثبت مع صحة سند الدعاء وثبوت نسبته إلى المعصوم بحجة شرعية. وأما مع عدمه – كما هو الأغلب – فليس كذلك، إذ يكون حال الزيادة حال غيرها مما لا ينتسب إلى المعصوم بحجة شرعية.
إلا أن هذا لا يتم جزماً لحرمة الزيادة المفروض حصولها من قبلنا سواء كان أصل الدعاء حجة أم لم يكن. وأوضح فرق بينهما: إننا نستطيع أن نقرأ أصل الدعاء بنية الرجاء والاحتياط، في حين لا نستطيع ذلك في الزيادة، لاحتمال انتساب أصل الدعاء إلى المعصوم وعدم احتماله في الزيادة.
وأما المحذور الثاني: ففيه جوابان محتملان أيضا:
الجواب الأول: انه ليست كل الأدعية مما يطلب فيه الداعي نتائجها الوضعية، بل الأغلب على خلاف ذلك، وإنما يطلب الناس بها الثواب ورضاء
ــــــــــــــــــــ[283]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الله سبحانه. فيكون الأثر الوضعي وبطلانه خارجان عن القصد أصلا.
الجواب الثاني: انه ليست كل الآثار الوضعية ذات دقة محتملة في مقدماتها ونتائجها. فقد لا تكون الزيادة مضرة في إنتاج ذلك الأثر. كما هو الأعم الأغلب من تلك الآثار. وخاصة فيما إذا جُعلت الزيادة بقصد رجاء المطلوبية، لا بقصد الجزئية.
وأما المحذور الثالث، فإنما يتم بعد صحة المحاذير الأخرى، وخاصة الرابع وهو عصيان الأدلة الواردة كما سمعنا، فان لم يتم -كما سنناقشه- لم يتم هذا المحذور أيضا.
وأما المحذور الرابع: فلا يتم لأن الدليل فيه أمران: احدهما الشهرة والآخر الروايات.
أما الشهرة فجوابها من وجهين:
الوجه الأول: عدم حجية الشهرة أساسا، وذلك ما نقوله في الفقه في الأحكام الإلزامية فضلا عن غيرها.
الوجه الثاني: انه لا دليل على وجود الشهرة بالمعنى الفقهي المصطلح كل ما في الأمر انه اقرب إلى الارتكاز الفقهي والذوق المتشرعي. ولكن لم يبحثه الفقهاء بوضوح في مؤلفاتهم لكي نستطيع التأكد من وجود الشهرة.
وأما الروايات فمن وجهين:
الوجه الأول: المناقشة سنداً، فإنها جميعاً لاشك في ضعفها. وما قد يقال من عمل المشهور بها فيكون جابراً للسند. قد عرفنا حاله بحال الشهرة، مضافا إلى إنكار ان يكون عمل المشهور جابراً للسند أساسا.
الوجه الثاني: المناقشة دلالة. لأن الروايات المشار إليها ليست إلا اثنان:
ــــــــــــــــــــ[284]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
إحداهما: بمضمون إن الإمام  علم الراوي دعاء فيه قوله: “يا مقلب القلوب. فقال الراوي: يا مقلب القلوب والأبصار. فقال له الإمام: إن الله سبحانه مقلب القلوب والأبصار ولكن قل كما قلت لك”.
ثانيهما: ما عن الكافي عن عبد الرحمن القصير(1) قال: “دخلت على الصادق  فقلت: جعلت فداك إني اخترعت دعاء. فقال: دعني من اختراعك”. الحديث.
وكلتا الروايتين لا يفهم منهما العموم، بل يختص النهي بالمورد. ولا يمكن التعميم بالتجريد عن الخصوصية لأمور منها:
أولا: لاحتمال قصور هؤلاء الواضعين للأدعية عن التصدي لوضعها، فلو لم يكن الفرد قاصراً عن ذلك جاز له.
ثانياً: لاحتمال: أن يكون الأثر الوضعي في ذلك المورد. خاصاً بألفاظ معينة, مع كون الراوي لا يفهم ذلك. ومعه فلا مانع في المورد الذي لا يكون فيه الأثر كذلك أو لا يكون الأثر مطلوباً أصلا، بل المطلوب هو الثواب فقط.
ومعه لم يثبت حرمة ذلك إلا ما لزم منه الدس والكذب على المعصومين . وهو يلزم سواء كانت اسناد الأدعية تامة أم لا. وأما بطلان الأثر الوضعي فهو محتمل على أي حال، إلا أن بطلانه ليس محرماً فقهياً.
ومن هنا ورد في بعض المصادر عن جملة من علمائنا السابقين وضع الأدعية، وهي نصوص هم قالوها ورتبوها ولم ينسبوها إلى المعصومين . فان كان ذلك حراماً لم يفعلوه. وأشهر من وضع مثل ذلك هو السيد بن طاووس في كتابه ((الإقبال)) .
ــــــــــــــــــــ[285]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) انظر مفاتيح الجنان ص434.
إلا ان هذا الوضع أنتج عبرة جليلة وهي الفرق الكبير بين وضع الأئمة  للأدعية ووضع غيرهم وعدم مشابهتها إطلاقاً لا من ناحية المعنى ولا من ناحية اللفظ. بالرغم من جلالة وأهمية واضع الدعاء كالسيد ابن طاووس وأضرابه من كبراء العلماء. فانه يبقى – مع ذلك- كلام المعصومين عالياً وشامخاً وعميقاً، لا يمكن أن يصل إليه وضع الواضعين وإدراك المدركين.

نية القربة في الدعاء :
لا شك فقهياً بان الدعاء عبادة لا تصح إلا بقصد القربة. فلو قرأه الإنسان لا بقصد القربة، بل باعتبار الرياء أو العجب أو التعليم أو أي مقصد دنيوي آخر، لم يحصل على الثواب.
ومن هنا أشكل بعض المؤمنين الأذكياء على قراءة الدعاء بقصد الآثار الوضعية، كالشفاء من المرض أو عود الغائب أو زوال الفقر أو أية أهداف أخرى. وقال: ان ذلك لا يكون عبادة بأية حال، لأنه لم يقصد به القربة، وإنما قصد الغرض الدنيوي.
ويزيد في الطين بلة أمران:
احدهما: وجود ذلك في الروايات، بعدد لا يستهان به. في تعليم الأدعية والأحراز لأصحاب الحاجات.
ثانيهما: إن من جملة الأعمال ذات الآثار الوضعية الدنيوية: صلوات عديدة ذات أشكال مختلفة. ولئن شككنا في كون الأدعية عبادة أو في عدم الإمكان تغيير هذه الصفة منها. فان ذلك غير ممكن في الصلاة، لليقين بكونها عبادة ولا تصح إلا بقصد القربة والخلوص. مع إنها يقوم بها لقضاء حاجته الدنيوية فقط. ومن ثم لا تكون عبادة، فتقع باطلة، وعندئذ يسقط تأثيرها
ــــــــــــــــــــ[286]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الوضعي، باعتبار اشتراطه بالصلاة الصحيحة.
فهذا من الإشكالات التي لابد من عرضها بقوة القلب مع محاولة الجواب عليها بعون الله سبحانه.
والكلام في جواب ذلك: أما من زاوية الأئمة ، حيث علّموا مثل هذه الأدعية والعبادات للآخرين. وأما من زاوية أولئك الذين يعملون هذه الأعمال ويطلبون تلك الحاجات.
أما من زاوية أو من ناحية الأئمة  فهم لم يفعلوا إلا خيراً، من جهة عدة أمور:
الأمر الأول: إنهم  بتعليمهم لهذه الأمور أوضحوا هذه الفكرة بكل جلاء. وهي إن الفرد المحتاج بأي شكل من الحاجات، لا يجوز أن يتوقع قضائها من الخلق ومن الأسباب القاصرة والقوانين القاهرة، وإنما ينبغي أن يتوقع ذلك من الله مباشرة، فهو الوحيد الكفيل بذلك والقادر عليه والمتوقع منه دون سواه كائناً من كان. وهذا لا يكون إلا بالتوجه إليه بالدعاء والصلاة والإنابة والاستغفار.
الأمر الثاني: أنهم  علموا إن الأفراد الذين يعلمونهم مثل هذه الأدعية والعوذات، بل كل من يستعملها خلال أي جيل من الأجيال، يناسب مستواه ذلك من حيث كونه طالباً لحل هذه المشكلة ولزوال هذا البلاء. ولو لم يكن كذلك لما تذمر من مشكلته ولا سأل الإمام  حلها ولا تصدى للعمل لإزالتها.
إذن، فما دام طالباً لذلك، فينبغي أن يجاب طلبه وان تشمله الرحمة والكرم بقضاء حاجته بحسب مستواه المطلوب له.
الأمر الثالث: إننا يمكن أن نفهم من هذه التعليمات مع صحة سند روايتها
ــــــــــــــــــــ[287]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
عدم صحة ما قاله المستشكل من أنها لا تكون عبادة، وإذا لم تكن عبادة لم تصح وإذا لم تصح لم تؤثر أثرها المطلوب, لأن أثرها متوقف على عباديتها.
فإننا باعتبار صحة السند من ناحية وباعتبار التجارب في صحة التأثير من ناحية أخرى. نعلم بان هذه الأعمال مؤثرة ومنتجة. والوجه في ذلك: إننا ينبغي أن نتنازل عن لزوم العبادية الكاملة. ونقتصر على أمور:
أولا: عدم توقع الفرد للثواب الأخروي، مع طلبه وتوقعه للأثر الوضعي الدنيوي.
ثانياً: انه يكفي لترتب الأثر مجرد التوجه إلى الله سبحانه ولو بهذا المقدار, ولا يشترط الإخلاص أكثر من ذلك.
ثالثاً: إننا لو لم نعتبرها عبادة، إذن نعلم إن الأثر الوضعي لا يتوقف على عباديتها، إذ لو توقف لما حصل، وقد حصل منها الشيء الكثير. إذن، فهو لا يتوقف على العبادية.
وليت شعري، فان كثيراً من عبادات الناس حتى في غير الآثار الوضعية هي من هذا القبيل، يعني ليس المراد بها رضاء الله سبحانه محضاً، بل المطلوب للفاعل أيضا أمور أخرى دنيوية ونحوها. وهذا ونحوه من (الشرك الخفي) لا محالة. فمثلا ورد أن صلاة الليل تنتج سعة الرزق أو بياض الوجه وورد أن الصدقة تدفع البلاء وورد أن غسل الجمعة يحفظ الجسد عن التفسخ. وهكذا.
ومن هنا نعرف أننا إن تحدثنا من زاوية الفاعل لهذه العبادات نجد فيه عدة صفات من النقص لا محالة.
أولا: انه فاقد للرضا والتسليم بما اختاره الله له من حال.
ثانيا: انه ناظر للأسباب، وان كانت عبادية، في إزالة المشكلة التي
ــــــــــــــــــــ[288]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يعانيها.
ثالثاً: انه متصف بالشرك الخفي في أعماله العبادية.
رابعاً: انه إنما يذكر الله سبحانه ويتوجه إليه حين الشدة وينساه حين الرخاء. طبقاً للوصف المذكور في القرآن الكريم مكرراً.
إلى غير ذلك من صفات النقص، والأئمة سلام الله عليهم إنما كلموا أمثال هذه الطبقات من الناس، باعتبارهم الأكثرية، وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ طبقاً للنظام القائل كلم الناس على قدر عقولهم. وهم على أي حال ممن ينبغي أن تشملهم الرحمة ويعمهم الكرم الإلهي، كما ألمعنا. فان رحمته وسعت كل شيء.
ولا شك أننا إلى الآن لم نتحدث عن كل شؤون الدعاء. بما فيها أوقات الإجابة وشرائطها وغير ذلك. إلا أننا عقدنا هذا الفصل للجهة الفقهية من الدعاء. وتلك جهات أخلاقية للدعاء ينبغي أن يطلبها الفرد من كتب الأدعية والأخلاق.
ــــــــــــــــــــ[289]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل التشويه الجسدي

وهو ما يقل تعرض الفقهاء له في رسائلهم العملية التقليدية. إلى حد أصبح التعرض له من مستحدثات المسائل، كالذي كتبناه في الجزء الأول من (منهاج الصالحين) في ملحق كتاب الطهارة. مع العلم إن التشويهات الجسدية موجودة في طول عمر البشرية كله.
واهم عذر لهم في ذلك هو كون رسائلهم الفقهية،(عملية) أي تتعرض للفروع الغالبة التي يتعرض لها الناس في المجتمع. وليست هذه التشويهات مما يعم التعرض له أو الابتلاء به.
إلا أن الجواب على ذلك يتم في أكثر من وجه:
الوجه الأول: أن التشويهات ليست كلها نادرة الوقوع. ولئن كانت التشويهات الخلقية الموجودة بالولادة نادرة، فان التشويهات التي تحصل خلال الحياة كثيرة، نتيجة للحوادث والحروب والأمراض وغير ذلك. فيكون التعرض لها ذا درجة من الأهمية وناحية (عملية) لا يعذر الفقيه في تركها.
الوجه الثاني: إن التعرض للفروع النادرة، بما فيها الفروع المرتبطة بالتشويهات، يبرز سعة التصور الفقهي الإسلامي، وجهة الدقة في فهمه. كما قال الفقهاء من انه ((ما من واقعة إلا ولها حكم)).
ــــــــــــــــــــ[290]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الوجه الثالث: إن الذوق وخاصة لبعضهم هو التعرض لفروع نادرة، قد لا يتصور الفرد وقوعها، في عدة أجيال مرة، أو أنها قد تكون بمنزلة المستحيل. وهذا صحيح نظرياً ولا بأس به. إلا انه يسد باب العذر في التعرض إلى مسألة التشويه وفروعه. لأن عدد من تلك الفروع اشد ندرة من فروع التشويه بمقدار معتد به. ومعه لا يبقى هناك عذر معتد به لعدم التعرض إلى فروع التشويه ومسائله.
والتعرض للتشويه في هذا الفصل يتضمن أساساً الاهتمام بأمرين منظمين، عدا ما قد يحصل من أمور إضافية أخرى ضمن سياق الحديث، وهما:
الأمر الأول: محاولة الجواب على الشبهة القائلة أو السؤال المثار عن الحكمة في خلق المشوهين نفسياً أو عقلياً أو جسدياً وأضرابهم. وبيان وجه الحكمة في ذلك. وان الله تعالى يعدل معهم ويرحمهم, كما يفعل مع الآخرين تماماً. وسيأتي بيانه بعونه سبحانه.
الأمر الثاني: الأسس الفقهية التي يبتني عليها الفهم الفقهي للفتاوى الخاصة بالمشوهين. كما سنقول.

حكمة التشويه :
لمحاولة الجواب عن التساؤل عن السبب أو الهدف الذي جعل هؤلاء الأفراد مشوهين.
وهذا السؤال غالباً يختص بالتشويه الخلقي، يعني: لماذا خلق الله المشوه مشوهاً. وهو التشويه الناتج بالولادة أو بالوراثة ونحو ذلك. إلا أننا يحسن أن نعمم الحديث عن هذا أولاً ثم نتحدث عن التشويه العارض الناتج من الحوادث ونحوها مما يحصل خلال الحياة.
ــــــــــــــــــــ[291]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أما الحديث عن التشويه الخلقي، فإنني اعتقد إن الأمر فيه ابسط مما يتصور المستشكلون. وذلك لعدة وجوه:
الوجه الأول: إننا بمجرد أن نعلم إن الله تعالى عادل وحكيم وانه لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ وانه  لَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً وان الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ و لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ. نعرف أن كل ما فعله الله سبحانه وخلقه فهو مطابق للحكمة الواقعية اللامتناهية، التي هي فوق إحساسنا وفوق عقولنا ومداركنا.
فينبغي أن نثق سلفاً بكل أفعاله جل جلاله، وان كنا جاهلين بوجه الحكمة فيه، بل وان بدا لنا على خلاف ذلك. وإنما علينا أن نقدم أمام عظمته جهلنا وقصورنا وتقصيرنا، ونغلق أفواهنا عن إساءة الأدب بالتساؤلات الباطلة عن هذا ونحوه. وخاصة بعد أن نسمع مثل قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ووَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ وانه سبحانه وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ونسمع قول المسيح: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾. وهذا العذاب لا يختلف فيه بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، سواء كان ناشئاً من التشويه أم من غيره.
الوجه الثاني: إن هنا نظاماً أو قانوناً قد سنه الله في خلقه، لأجل مصالح عامة واضحة تعم الخلق أجمعين. وهذه القوانين قد تلتقي مفرداتها ومصاديقها، بل هي في التقاءات دائمة. خذ إليك مثلا: السيارة حيث يلتقي فيها مصاديق من القانون الفيزياوي والقانون الكيمياوي والقانون الميكانيكي. ونحو ذلك.
وقد يحدث أحياناً أن يكون الالتقاء بين هذه المصاديق منتجاً لنتائج غير مستحبة أو غير متوقعة، أو قد تشكل كارثة مهمة، كانفجار مروع أو موت شخص أو أشخاص. وهكذا.
ومن الواضح إن عدداً من القوانين التكوينية والتأثيرات القهرية، شاملة
ــــــــــــــــــــ[292]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
للجنين وهو في داخل رحم أمه. نتيجة لظروف نموه ووراثته وصحة أمه وأمور أخرى كثيرة. فقد يحصل أن يكون التقاء هذه النظم والقوانين موجباً للنمو المشوه للطفل تشويهاً قليلا أو كثيرا.
ومن الواضح أيضا إن تخلف فاعلية هذه القوانين، مما لا يريده الله سبحانه وتعالى، بل جعل تأثيرها عاماً لوجود الحكمة والمصلحة في ذلك، فهي لا يمكن أن تتخلف إلا بنحو المعجزة، والله سبحانه قادر على ذلك إلا إن المورد قد لا يكون مستحقاً لوجود المعجزة كما هو الأعم الأغلب، فيكون محكوماً للقوانين المنتجة للتشويه.
الوجه الثالث: إن الله سبحانه، كما خلق الإنسان المشوه ورزقه وانعم عليه بنعمة الحياة والإحساس وغير ذلك من النعم الكثيرة التي لا تحصى. يعلم كونه مشوهاً بهذا التشويه أو ذاك. ومعه يكون عاذراً له ومنعماً عليه من ناحية تشويهه من عدة جهات أهمها:
أولا: انه يُعذر من ناحية التكليف الشرعي العاجز عن تطبيقه، أياً كان ذلك التكليف.
ثانيا: انه يختص بأحكام تسهيلية تختص به وأمثاله من العاجزين، في حين يكون غير المشوه مسؤولاً عما هو أكثر.
ثالثاً: إن الله تعالى يجزي المشوه في الآخرة بالثواب الجزيل مع حسن الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، ولا شك انه ثواب لا يصل مثله إلى الأسوياء.
الوجه الرابع: انه لا شك إن لتشويه الفرد دخلا في الهدف الذي خلقه الله من اجله، وجاء به إلى دار الدنيا، وهذا الهدف يكون في مصلحة الفرد دائماً. إلا انه هدف ((اقتضائي)) قد يفسده الفرد بسوء تصرفه. ولكن قد يكون في علم الله سبحانه انه إذا خلق سوياً، فانه سوف يسيء التصرف ومن ثم لن يحصل على ذلك الهدف الجليل. في حين لو كان مشوهاً بهذا الشكل فانه سوف
ــــــــــــــــــــ[293]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يحسن التصرف وينال الهدف.
الوجه الخامس: قال جملة من الفلاسفة: إن موجودات عالم الإمكان كلها مترابطة فيما بينها لا يستغني بعضها عن بعض إطلاقاً، وإن كانت متباعدة وغير مترابطة ظاهراً. فالحصاة التي في القمر مرتبطة بالنظارات التي ألبسها عند الكتابة، من حيث وجودها وكمالها، من حيث يعلم العقلاء أم لا.
ويندرج في هذا الترابط، ترابط الصفات أيضا، بحيث لو كان هذا الأبيض اسوداً أو أحمراً أو أخضراً لما كان في الحكمة والمصلحة، إلى غير ذلك من الصفات غير الداخلة تحت الحصر.
ومن هنا يمكن أن نتلفت إلى أن تشويه الفرد أو قل: إن تشويه المشوهين له دخل حقيقي في مصلحة الكون كله. ولولا تشويههم لما حصلت المصالح المطلوبة والحكم المرغوبة، ولتلاشى الكون واندثر.
إذن، فتشويه المشوهين، كما يكون في مصلحتهم، يكون أيضا في مصلحة غيرهم. وكلا المصلحتين منها دنيوية ومنها أخروية. والله تعالى أكرم من أن يفوت شيئاً من المصالح على مستحقيها.
وعلى أي حال فنفس هذه الوجوه الخمسة نقولها في التشويه العارض غير المنتسب إلى الخلقة، كالذي يحصل من حادث أو مرض أو عملية جراحية ونحو ذلك. ونوكل تطبيقها إلى فطنة القارئ الكريم. غير أني أريد إيضاح وجهين من الوجوه السابقة فيما يلي مع إضافة وجه آخر خاص بالمورد:
الوجه الأول: ما قلناه من ان التقاء القوانين الكونية الإلهية في مصاديق مشتركة، قد يحصل منه آثار غير مرغوبة أو غير متوقعة. وهذا بنفسه ينطبق على وجود الحادث الذي حصل أو المرض الذي طرأ وغير ذلك. وهي الأمور التي سببت التشويه أو أدت إليه بشكل وآخر.
الوجه الثاني: ما قلناه من أن الموجودات الإمكانية كلها مترابطة ومشتركة في المصالح والمفاسد. بما فيها الأمور والصفات التي لا نرغب بها أو نحسبها شراً وسوءاً وتشويهاً. ولكنها في الحقيقة مشاركة في مصلحة الكون كله سواء من ذلك التشويه الخلقي أو التشويه العارض.
الوجه الثالث: إن الحوادث العارضة عموماً ذات مناشئ وأسباب تعود إلى
ــــــــــــــــــــ[294]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الفرد المتصف بها نفسه. وذلك من عدة جهات منها:
أولاً: كونها امتحاناً إلهياً له، حيث يُنظر إلى رد فعل الفرد تجاهها هل هو الرضى والتسليم أو السخط والكراهة. والى تطبيقه للواجبات والمحرمات من خلال ظروف تشويهه. وتكون نتيجة تكامله دنيوياً وأخروياً منوطاً برد فعله ذاك.
ثانياً: ان في الحوادث أحياناً أو غالباً إسقاطاً لتكاليف كان المفروض قيام الفرد بها لولا ذلك. فحين حدث الحادث أصبح عاجزاً عن ذلك القيام، فسقط عنه تكليفها. ومن ذلك مثلا: ان (عبد الله بن جعفر) عليه الرحمة كان أعمى فلم يخرج مع الإمام الحسين  في حركته التاريخية الكبرى، ولولا تشويهه ذاك لوجب عليه الخروج.
ثالثاً: ان في الحوادث الطارئة عقوبات وذنوب قد ارتكبها الفرد في حياته. وهذا يكون على نحوين:
النحو الأول: إن الله تعالى يريد حسن العاقبة للفرد فيبتليه بصعوبات الدنيا ليحصل على الثواب الجزيل في الآخرة. أو قل: انه يعجل له العقوبة في الدنيا ليدفعها عنه في الآخرة.
النحو الثاني: إن الذنوب قد تكون من الشدة والأهمية، بحيث لا يكون تأجيل عقابها إلى الآخرة معقولا بل لابد من المبادرة إليه في الدنيا، فينزل عليه العقاب معجلا، متمثلا بأحد الحوادث المؤسفة أو الكوارث المتلفة ومثل هذا الفرد يجتمع عليه عقاب الدنيا وعقاب الآخرة.
ويختلف هذان النحوان باختلاف وجدان الفرد ونفسيته من القرب والبعد عن الله عز وجل. أو قل: الحب والبغض. أو قل: الرضا والسخط بما قضى الله وقدر.
ولا يخفى على القارئ اللبيب، إن بعض ما قلناه هنا في مبررات الحوادث
ــــــــــــــــــــ[295]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الطارئة، شامل أيضا للتشويهات الخلقية الأصلية. بحيث يمكن أن يقال: أنهما من باب واحد، ولا يوجد بينهما في الحكمة الإلهية من فرق أساسي إلا القليل.

الأسس الفقهية لأحكام المشوهين :
للمشوهين أحكامهم الخاصة في الفقه، ناتجة من قواعد أهم منها واشمل. ولعل أهمها كون المشوه عاجزاً والعاجز غير مكلف. ويراد به العجز الناتج عن التشويه، فما يكون عاجزاً عنه فتكليفه من وجوب أو تحريم أو غيره ساقط عنه، وما يكون قادراً عليه فتكليفه لازم له.
والتشويه قد يسبب العجز المطلق، اعني عن كل التكاليف كالجنون. فتسقط كلها، كما قالوا في الحكمة: (أخذَ ما وهب سقط ما وجب). وقد يكون سبباً للعجز عن المعاملات والأحكام الوضعية الناتجة منها فتسقط بدورها. كالسفيه. فلا تصح معاملاته وان كان يجب عليه التكليف بصفته عاقلا غير مجنون، فيجب عليه أن يصلي ويصوم.
كما إن التشويه قد يكون موجباً للاحتياط، ولا تسقط عهدة التكليف المعلوم إلا به. وذلك في موارد أهمها أمران:
الأمر الأول: الخنثى المشكل، وهو الذي لا يتعين كونه ذكراً أو أنثى أو قل: كونه رجلا أو امرأة، وقد تحدثنا عنه في فصل خاص به في كتاب الميراث. والمهم الآن: إن مشهور الفقهاء أوجب عليه الاحتياط في سائر أحكامه، المرددة بين أن يكون متعلقها رجلا أو امرأة. كما في الصلاة وطهاراتها الثلاث والزواج والميراث وغيرها.
الأمر الثاني: من له أعضاء زائدة متماثلة في القوة والأهمية في الخلقة، بحيث لا يتعين فيها الأصلي من الزائد. كالذي له كفان أو يدان من الجانب الأيمن أو الأيسر، أو له أصابع زائدة في يده أو في رجله، وهكذا. فيجب أن
ــــــــــــــــــــ[296]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يغسلهما أو يمسحهما معاً في الوضوء، والأحوط أن يكون غسل كل منهما بنية رجاء المطلوبية.
والتشويه أيضا في الفقه، قد يكون موجباً لشمول الأحكام التسهيلية المعذرة للمكلف عن التطبيق، كجريان أصالة البراءة. كما في الشخص الذي له يدان أو كفان أو أصابع زائدة ولكنها اضعف من الباقي، فيتعين كونها هي الزائدة. ومعه فقد يكون احتمال وجوب غسلها مضافاً إلى غسل الأصلية وارداً. إلا أن هذا الاحتمال مدفوع بأصالة البراءة. فلا يجب على الفرد إلا غسل العضو الأصلي.
بخلاف ما إذا كان الواجب هو الغسل، فان الواجب فيه هو غسل الجسم كله إجمالا، سواء منه الأعضاء الأصلية أو الزائدة.
والتشويه قد يكون موجباً لتعدد التكليف، فيما لو ثبت كون المشوه شخصين وليس شخصاً واحداً. كما لو إن له رأسين على كتف واحد أو وجهين في رأس واحد. أو جسدين على حقو واحد وهكذا. فانه مع ثبوت التعدد يكون كل واحد منهما مشمولا للأحكام الشرعية الممكنة له بشكل مستقل سواء منها الأحكام العبادية أو المعاملية أو الإرث أو غيرهما.
والتشويه كما قد يوجب العجز المطلق عن تطبيق الأحكام كما قلنا في الجنون، قد يوجب العجز عن تطبيق بعضها مع إمكان الباقي، فيسقط ما يعجز عنه، مع تكليفه بالممكن له منها. كالأخرس فانه لا يكلف بقراءة الصلاة أو بإجراء صيغ العقود والمعاملات بما فيها النكاح والطلاق والبيع والشراء.
ومثاله الآخر إن التشويه قد يكون مانعاً عن الركوع الكامل أو عن السجود الكامل أو عن مقاربة الزوجة وهكذا. وهذا كله لا يفرق فيه بين التشويه الأصلي الخلقي أو التشويه العارض لأحد الأسباب.
وأما تفاصيل ذلك، وجملة القواعد التي تنطبق على هذه التشويهات
ــــــــــــــــــــ[297]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وغيرها، فهو موكول إلى محله من الفقه.
ثم انه يحسن التعرض باختصار إلى بعض الأمور:
الأمر الأول: إن الجناية على المشوه إن أدت إلى الوفاة، كان له حكم القتل إما عمداً أو خطأ، لا يختلف في ذلك المشوه من غيره والمشوه بأعضاء زائدة أو المشوه بالنقصان أو المشوه بجهة نفسية أو عقلية.
وان كانت الجناية على عضو أصلي في الجسم أو مشتبه كونه أصلياً كما في العضوين المتساويين في الأهمية. فستكون الدية أو القصاص في الجناية حالها حال الفرد الاعتيادي.
وإنما يبدأ التساؤل عما إذا كانت الجناية على عضو متيقن الزيادة، بحيث لو أمكن للفرد المشوه نفسه لقطعه، فقد قطعه له الجاني من حيث إن قصده الجناية لا الرحمة، فهل يكون القصاص والدية نفسها في الفرد الاعتيادي أم لا؟
وتفصيل ذلك ليس هنا محله. والظاهر أن فيه الحكومة. وهي الغرامة التي يفرضها القاضي الشرعي بدون أن يكون لها مقدار محدد في أصل الشريعة.
الأمر الثاني: إذا أراد الفرد المشوه إزالة التشويه، وكان هذا ممكناً طبياً، كما هو الأغلب، فبأي حكم يتصف هذا الفعل، هل هو الوجوب أو الجواز أو الحرمة.
أما الحرمة فليست عامة أكيداً، وإنما تختص بصورتين:
إحداهما: ما إذا كان الضرر المترتب على الإزالة، أو على أسلوب الإزالة، أعظم من الضرر المتحقق في وجود التشويه.
ثانيهما: أن يكون العمل لإزالة التشويه موجباً للنظر إلى العورة ولم تكن إزالته ضرورية للفرد. كما لو كان التشويه في العورة نفسها أو قريباً منها. وكما
ــــــــــــــــــــ[298]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
لو كان الطبيب القائم بالعمل من الجنس الآخر عن الفرد المشوه.
وأما الوجوب، فغير محتمل، بالعنوان الأولي إلا في صورتين:
إحداهما: أن يكون في بقاء التشويه ضرر بالغ على الفرد موجباً للتهلكة أو قريباً منها. وكان في إزالته نجاة من ذلك فيتعين.
ثانيهما: انه يحتمل وجوب إزالة التشويه من اجل إزالة العجز الناتج عنه للقيام بالواجبات. فهو يزيل التشويه مثلا لكي يصلي صلاة اختيارية بدلا من الصلاة الاضطرارية.
غير إن هذا غير محتمل فقهياً، لأنه من قبيل إيجاد الموضوع، للحكم الشرعي. وهو غير واجب، كما هو محرر في محله.
وعلى أي حال، ففي المحل الذي تكون فيه الحرمة ثابتة أو الوجوب، فهو المطلوب. وإلا فيكون الأمر بالنسبة إليه جائزاً، يعني إزالة التشويه وعدمه بطبعه في حدود إمكانه.
الأمر الثالث: إيجاد التشويه بالفرد السنوي أو زيادة التشويه بالمشوه، حرام على العموم ويكون من قبيل الجنايات الموجبة للقصاص أو الديات. فان أوجدها الفرد على نفسه كان حراماً بدون قصاص ودية. وحرمتها من باب الجناية لا من باب تغيير موضوعات الواجبات التكليفية والوضعية للفرد، فان تغيير الموضوع ورفعه ليس بحرام، كما إن إيجاده ليس بواجب كما سبق.
نعم، قد ترتفع الحرمة، في موارد نادرة حتى في مورد ثبوتها، وهو الجناية، وذلك فيما إذا أصبح مورداً لمصلحة أهم في الشريعة. كتوقف واجب أهم عليه أو ترك حرام أهم. أو توقف بعض المصالح العامة عليه. أو تعلق الأمر الواجب الطاعة به. فانه قد ترتفع الحرمة فيصبح جائزاً أو قد يصبح واجباً أحياناً.
ــــــــــــــــــــ[299]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وعلى أي حال، فنحن الآن نقصد بالتشويه المحرم أو الجائز، إحداث النقص عن المستوى النوعي العام للناس.
وأما إحداث الزيادة، فهو يعمل تشويهاً مؤداه إضافة إصبع زائد أو كف زائدة ونحوها. وأنا اعلم إن هذا متعذر إلى الآن طبياً ولا يفكر فيه احد. وإنما هو من طرائف الخيال العلمي. ولكن هذا لا يعني انه فاقد للحكم الشرعي. بعد ان نعرف شمول الشريعة لكل الاحتمالات اللامتناهية. فماذا يكون الحال لو حصل؟
إن إحداث مثل هذا التشويه غير موجب للقصاص أو الدية، كما لا يجب إزالته بعد حدوثه. كما يكون مشمولا للاحتياطات التي قلناها فيما سبق. وخاصة فيما إذا أصبحت صناعته مضبوطة بحيث لا يتميز فيه الأصلي عن الزائد. إلا إن الاحتياط بغسله هنا استحبابي ولا يمكن فقهياً إن يكون وجوبياً. للتعرف سلفاً على اليد الزائدة، بخلاف الزائدة بالخلقة كما هو واضح.
كما إن هذه الزيادة لا تحرم من حيث كونها تغييراً للموضوع أو زيادته أو نقصه. كما لا تحرم من حيث كونها استعمالا لعضو ميت لأنه سيصبح حياً بحياة الفرد الذي أضيفت إليه. ولا من حيث كونها مأخوذة من كافر أو من عبد. فإنها بإضافتها إلى الفرد تصبح متصفة بصفته من الحرية والإسلام مثلا.
إلا أنها لا يبعد حرمتها بصفتها قطعاً وتشويهاً للميت الذي تؤخذ منه فان لم تكن هناك ضرورة حرمت. ومن المعلوم إن إيجاد هذه الزيادات المفترضة لا ضرورة إليها. بل الضرورة إلى عدمها كما هو الأعم الأغلب، في التفكير السوي من الناس.
نعم، قد تجوز أو تجب مع إمكانها في بعض الأحوال النادرة، كما لو توقف عليها عنوان ثانوي طارئ. كما قلنا في جانب التشويه بالنقيصة. كما لو توقفت مصلحة شخص أهم أو أمر شخص مطاع أو مصلحة عامة للمجتمع.
ــــــــــــــــــــ[300]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل أصول الدين

ما هي أصول الدين؟
أصول الدين وفروع الدين مجموعة مفاهيم يتعلمها الصغار ويؤمن بها الكبار، كأهم نقاط رئيسية في الدين الإسلامي كله.
فكلنا يعرف إن أصول الدين خمسة: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة وميعاد يوم القيامة. وفروع الدين عشرة: الصلاة والزكاة والخمس والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاية لأولياء الله والبراءة من أعدائهم.
والكلام الآن عن أصول الدين، وقد قسمها لنا سلفنا الصالح إلى قسمين:
أحدهما: أصول الإسلام وهي ثلاثة منها هي: التوحيد والنبوة والمعاد. بحيث أن من أنكرها أنكر الإسلام.
وثانيهما: أصول المذهب وهي الباقي من الخمسة من حيث أن من أنكرها أنكر المذهب ولم يخرج عن الإسلام.
وبالرغم من صحة كل هذه المفاهيم الخمسة ودخلها الأساسي في الدين. إلا أنها تواجه بعض الإشكالات الجانبية. مما يحسن أن نعرضه ونحاول الإجابة عليه.
الإشكال الأول: إن هذا الترتيب الخماسي مما لم يرد من الكتاب والسنة
ــــــــــــــــــــ[301]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
إطلاقاً. ولا نعلم انتسابه إلى احد المعصومين سلام الله عليهم. أو إن واضعه هو بعض علمائنا من السلف الصالح.
وكلما لم يرد في الكتاب والسنة، فهو ليس بحجة. وإذا كان صادراً من غير المعصومين، فهو ليس بحجة أيضا.
وجواب ذلك: إن هذا الإشكال لو تم، فإنما هو إسقاط للترتيب الخماسي المعهود. ولا يمكن أن يكون إسقاطاً للمفاهيم نفسها، بعد أن تم البرهان عليها في ((علم الكلام)) وهو علم العقائد الإسلامية، ببرهان صحيح كامل.
والظاهر أن بعض الأذكياء من سلفنا الصالح، أدرج هذه الأمور بهذا الترتيب اللطيف من اجل تسهيل حفظها وإدراكها لأكبر قاعدة واسعة من الناس. وهذا أمر فيه مصلحة وليس فيه مفسدة، وليس لنا إلا أن ندعو له بكل خير.
الإشكال الثاني: إن عدداً من الأساسيات في الدين لم تندرج بوضوح في هذه الخمسة، سواء من أصول الإسلام أو من أصول المذهب. كوجود الله سبحانه وعلمه وقدرته، والنبوة العامة يعني الإيمان بنبوة الأنبياء السابقين. بعد أن يكون المراد من النبوة في الخمسة هو النبوة الخاصة يعني الإيمان بنبوة نبي الإسلام . وكذلك الإيمان بالقرآن الكريم.
وكذلك الإيمان بأهمية فاطمة الزهراء سلام الله عليها، والإيمان بعصمة المعصومين سلام الله عليهم. وبأنهم مصدر التشريع. والإيمان بغيبة الإمام المهدي ، وانه يظهر في المستقبل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وجواب ذلك من وجهين:
الوجه الأول: إن هذا الذي شرحناه وان كان مهماً جداً في الدين أو في المذهب، إلا أن تلك الخمسة أهم منه، أو هي الرئيسية في المجموع المكور.
ــــــــــــــــــــ[302]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وقد اختاروها لتسهيل تناولها وحفظها، وليس فيها إنكار للمفاهيم الأخرى الضرورية، والعياذ بالله. وإنما يجب الإيمان بهذه الخمسة وبغيرها على السواء.
الوجه الثاني: إن كل هذا الذي شرحناه في الإشكال مما لم يتم بيانه في الخمسة، يمكن اندراجه – بشكل وآخر- فيها أنفسها.
فوجود الله سبحانه وتعالى وصفاته يمكن إدراجها في التوحيد والنبوة العامة داخلة تحت مفهوم النبوة. إذ يمكن أن نفهم منها الأعم من النبوة العامة والنبوة الخاصة. يعني الإيمان بسائر الأنبياء بما فيهم نبي الإسلام .
وكذلك يندرج القرآن الكريم، والإيمان به ضمن معنى النبوة، لأنه مما جاء به نبي الإسلام . وكذلك يندرج فيها الإيمان بحب فاطمة الزهراء سلام الله عليها، فإنها بنت النبي المصطفى . أو أنها تندرج في الإمامة من حيث أنها أم الأئمة، وان أهميتها الإلهية لا تقل عنهم. فهي مثل احدهم. ولو لم تكن امرأة لكانت فعلا واحداً منهم. ولكن خلقها الله سبحانه كامرأة لتؤدي دوراً غير الدور الذي يؤديه الرجال.
وأما الإيمان بعصمة المعصومين  فهو يندرج في مفهوم الإمامة أكيداً، كما إن الإيمان بالمهدي يندرج فيها أيضا. لأنه الإمام الثاني عشر منهم سلام الله عليهم.
ومهما يكن من أمر فإننا إن وجدنا الوجه المنطقي لاندراج الأمور الأساسية الأخرى في هذه الخمسة، فهو المطلوب. وإلا كان علينا الإيمان بالجميع، وان زادت على خمسة، كما اشرنا في الوجه الأول.
ويكفينا ما كررنا من أن من جمعها بهذا الشكل إنما أراد الوضوح والتسهيل على الناس لا أكثر ولا اقل. ولم يُرد إنكار العقائد الأخرى. لكن يكون عندئذ
ــــــــــــــــــــ[303]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
من الواجب على المفكرين المتشرعين أن يقوموا بتفهيم ذلك إلى سائر الناس على احد هذين الوجهين.

أصول الدين في القرآن الكريم:
لا أريد الآن الاستدلال على هذه المفاهيم الخمسة، لأنه خارج عن موضوع هذا الكتاب، فليطلبه القارئ من مظانه. وإنما أريد الإشارة إلى بعض ما يحتويه القرآن الكريم من الدلالة عليها.
أولا: التوحيد: قال الله تعالى (1) : شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ.
ونفي الشرك بكل مراتبه. تعالى(2):  يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وقال(3): إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. وقال(4): وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ. إلى غير ذلك كثير.
ثانياً: العدل: قال سبحانه: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ. وقال: فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ. وقال جل جلاله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ , لَوْ أردنا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ , بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فإذا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ وقال جلا وعلا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يَظْلِمُونَ. وقال: إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ
ــــــــــــــــــــ[304]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) آل عمران : 3/ 18.
(2) لقمان: 31/13.
(3) النساء: 4/48 و 116.
(4) يوسف: 12/106.
شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أنفسهم يَظْلِمُونَ.
ثالثاً: النبوة، أما بالنسبة للنبوة العامة، وهي الإيمان بنبوة الأنبياء عموماً. فقد قال الله سبحانه(1):وَإِذْ أخذنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً.
وقال جل جلاله(2):شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.
وقال تبارك اسمه(3): قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
وقال جل وعلا(4):إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
وأما بالنسبة إلى النبوة الخاصة، فهناك آيات كثيرة منها: قوله تعالى(4): مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ. وقوله تعالى(6):وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ. وقوله(7): وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
ــــــــــــــــــــ[305]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الأحزاب: 33/7.
(2) الشورى: 42/13.
(3) آل عمران: 3/84.
(4) البقرة 2/62 وانظر المائدة 5/69.
(5) الفتح: 48/29.
(6) سبأ: 34/28.
(7) الأنبياء: 21/107.
لِّلْعَالَمِينَ. وقوله(1):إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً. وقوله: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. وقوله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ(2) الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ, قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
رابعاً: الإمامة. يعني الإيمان بإمامة الأئمة المعصومين من أهل البيت : وفيها آيات عديدة. منها قوله سبحانه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقوله جل جلاله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. وقوله تبارك وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً وقوله: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وقوله عز من قائل: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
إلى غير ذلك من الآيات. ونعرض الآن عن بيان مضامينها حفظاً للعواطف المذهبية في الدين. فمن أرادها فليرجع بها إلى مصادرها.
خامساً: ميعاد يوم القيامة.
ــــــــــــــــــــ[306]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) فاطر: 35/24.
(2) الأعراف: 7/157-158.
والميعاد ميعادان: عالي وداني، فالعالي هو الرجوع إلى الله في عالم المعنى والروح. قال الله تعالى: إِنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى وَأَنَّ إلى رَبِّكَ الْمُنتَهَى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ.
وأكد جل جلاله على لقائه وذم المكذبين لذلك. قال جل وعلا(1): قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ. وقال: وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ. وقال: يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ. فالمطلوب هو وجود اليقين بلقائه جل جلاله.
وبنحو آخر من البيان يقول الله في كتابه الكريم ان الأمور تكون (عند) الله عز وجل. وهذا المعنى مكرر في القرآن عشرات المرات. إلا أننا نذكر أوضح الآيات الدالة على ذلك. كقوله تعالى: وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ. وقوله تعالى: فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ. وقوله تعالى: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ. وقوله: مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ وقوله: لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وقوله: إِنَّمَا عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.
وبنحو ثالث من البيان إن الحشر يكون إليه جل جلاله. قال تعالى: وَلَئِن مُّتُّمْ أو قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ. وقال: وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وقال: وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وقال: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وَفْداً.
وأما الميعاد الداني، يعني باعتبار طروه على جانب الجسد فهو يوم القيامة. وعليه عدد من الآيات لا يكاد يحصى ويعتبر تكذيبه تكذيباً للدين والقرآن الكريم.
قال تعالى: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدا وقال: وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً
ــــــــــــــــــــ[307]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) يونس: 60/45 وانظر: القصص 28/61.
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وقال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. وقال: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ. وقال: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. وقال: وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وقال: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً وقال: اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ.
وقال في المنع عن تكذيبه: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وقال: الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخرة وقال: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرا وقال: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
فهذا عدد معتد به من الآيات التي تؤكد على أصول الدين الخمسة، أصلا أصلا وفصلا فصلا. والحمد لله رب العالمين.
بقي من كلامنا انه لابد من التعرض هنا إلى عدة أمور:
الأمر الأول: أن هناك سؤالا ملحاً حول الاعتقاد بأصول الدين يلتفت إليه الكثيرون يحسن عرضه والجواب عليه.
وحاصله: ان الفقهاء قالوا: إن التقليد في أصول الدين ممنوع، لأنه منهي عنه بصراحة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى(1):قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.
وقوله عز وجل(2):وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.
ــــــــــــــــــــ[308]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المائدة: 5/104.
( ) البقرة: 2/170.
وقوله(1):إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ. وفي آية أخرى(2):وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ.
وإنما التقليد خاص بفروع الدين، وما يخص الفتاوى العملية. وأما شموله لأصول الدين فلا. بل لابد لكل فرد أن يكون مجتهداً في الاعتقاد بهذه الأصول. فان الاجتهاد ضد التقليد، لأن الفرد إما مجتهد وإما مقلداً ولا ثالث لهما. فإذا حصل المنع من التقليد تعين الاجتهاد.
مع العلم أننا إذا التفتنا إلى الأكثرية الكاثرة في المجتمع من متوسطي الثقافة والعقلية والمتدنين فيها، يستحيل عليهم عادة أن يدركوا أو يستوعبوا البراهين على أصول الدين لكي يكونوا فيها مجتهدين ومحققين. بل هذا متعذر عند الأغلب بأي من مقدماته وتفاصيله ناهيك عن الجميع.
فكيف الحال بمن لا يقرأ ولا يكتب، ولم يمر على القرآن الكريم ولا السنة الشريفة ولا المصادر الرئيسية في الدين. ونحوهم بعض النساء العاطلات اللاتي لا يفهم منهن الكلام ولا يعرف لهن مرام.
ومثل هؤلاء الناس عاجزون جزماً عن الاجتهاد في أصول الدين. وتكليف العاجز مستحيل عقلا. إذن، فتكليفهم بذلك مستحيل. إذن، فكل من الاجتهاد والتقليد في أصول الدين منسد بابه في حقهم. مع العلم أنها واجبة عليهم إجمالا، ولا يحتمل سقوطها عنهم لأن ذلك يعني خروجهم عن الدين وهو ممتنع. فما العمل بعد انسداد كل الاحتمالات.
وجواب ذلك: إن الشيء الذي يمكن التنزل عنه نظرياً في هذا الصدد هو وجوب الاجتهاد مع العجز عنه أكيداً. إلا أن هذا لا يعني جواز التقليد. بل
ــــــــــــــــــــ[309]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الزخرف: 43/22.
(2) الزخرف: 43/23.
يمكن أن ننتقل إلى حالة ثالثة هي الاطمئنان بصحة أصول الدين والاطمئنان حجة كافية ومعتبرة شرعاً. من أي كان سبب حصوله. وأما إذا لم يحصل للفرد الاطمئنان بأصول الدين فهو مما لا سبيل إلى الاعتراف بإسلامه.
فإن قيل: كيف يحصل الاطمئنان للفرد مع عدم وجود المقدمات النظرية الكافية المسببة له. أو قل كيف يحصل ذلك مع عدم الاجتهاد والبحث النظري عن صحة تلك المفاهيم؟
قلنا: إن كان الاجتهاد والبحث النظري ممكناً، فهو المطلوب. ولا يكون الاطمئنان مقبولا ولامجزياً بدونه. إلا أننا نتكلم الآن في فرض العجز عن الاجتهاد. والتكليف مع العجز متعذر. إذن، فالعامي لا يطلب منه الاجتهاد ولا يجزئ منه التقليد، وإنما يجزئ منه الاطمئنان.
وهذا يمكن أن يحصل للعامي بأسلوبين:
الأسلوب الأول: ما يكون من العقائد مقدماته واضحة ووجدانية إلى حد تكون حسية أو قريبة من الحس. فيمكن القول انه لا يعذر فيها احد. ولذا يذم في القرآن الكريم من يكذب بالآيات في عدد معتد به من الآيات القرآنية. والمقصود بالآيات هنا الدلائل الواضحة على أصول الدين كوجود الله وتوحيده، وعدله وكرمه.
وبالرغم من انه يمكن القول أن المقدمات المهمة أو الرئيسية لكل أصول الدين واضحة ووجدانية وليست معقدة. فلا اقل أن نقول: إن المقدمات المهمة لثلاث منها كذلك جزماً وهي أصول الإسلام: التوحيد والنبوة والمعاد.
فوجود الله معلوم بخلقه. وتوحيده معلوم من شهادته به. والنبوة معلومة من إعجاز القرآن وتواتره. والمعاد معلوم بنص القرآن والتواتر أيضا. وهذه العبارات وان كانت نظرية لا يفهمها الأكثر، إلا إن مضمونها العرفي واضح
ــــــــــــــــــــ[310]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وقريب للأذهان.
الأسلوب الثاني: وهو خاص بمن كان في المستوى المتدني بحيث لا يمكنه حقيقة حتى إدراك المستوى الأول الواضح.
عندئذ يمكن الاكتفاء منه بمجرد حصول الاطمئنان. ويمكن أن يحصل الاطمئنان لأي فرد بمجرد الالتفات إلى التسالم على صحة أصول الدين:
أولا: إنها مما آمن به الملايين من الناس جيلا بعد جيل.
ثانياً: إنها مما آمن به الباحثون والمفكرون والعلماء.
ثالثاً: إنها مما آمن به الصالحون من الناس والأتقياء الذين لا نعرف منهم ولم يصدر منهم إلا الخير والصلاح. كالمعصومين  وجملة الصالحين من الناس.
رابعاً: إن الفرد يلتفت إلى إن مفاهيم أصول الدين مبحوثة مفصلا وكثيراً في كل الأجيال في كثير من الكتب. ونتائجه مسلمة الصحة لدى الجميع. إذن، فهو يعلم ولو بالإجمال بصحتها وهو كاف له.
الأمر الثاني: مما ينبغي التعرض إليه حول أصول الدين:
انه قد يخطر في أذهان بعض المفسدين أن يقولوا: إن الإيمان بأصول الدين مناف مع عالمية الدعوة النبوية الإسلامية.
فإننا عرفنا بضرورة الدين عموم الدعوة إلى جميع البشر وفي كل الأجيال منذ الجيل المعاصر للإسلام والى يوم القيامة وفناء البشرية. وهذا معناه أن الإيمان بأصول الدين عام بهذا الشكل الواسع. لأن الإسلام ليس إلا أصول الدين.
وهذا يتوقف على أن تكون أصول الدين سهلة وواضحة وليست معقدة
ــــــــــــــــــــ[311]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ومطولة. فإذا علمنا أنها معقدة علمنا تعذر انتشار هذه الأصول الخمسة بين البشر، وخاصة المتدنون في الثقافة منهم، وهم اغلب البشر، وغير العرب منهم وهم الأكثر منهم، وخاصة تلك اللغات التي لم تترجم إليها الكتب العربية، ولم تصلها الأفكار العربية. ولا ينبغي ان ننسى هنا إن الكتاب والسنة عربيان.
وجواب ذلك يكون على عدة مستويات منها:
المستوى الأول: ما قلناه من وضوح الفهم وتيسيره بالنسبة إلى عامة الناس في أصول الدين. ولذا وجدنا الملايين في غير العرب يفهمونها ويؤمنون بها ويدخلون في دين الله أفواجاً. لا تمنعهم عن ذلك لغتهم ولا تقاليدهم ولا بعدهم عن مركز الرسالة الإسلامية.
المستوى الثاني: إن الإسلام ليس واضحاً من ناحية أصوله فقط، بل من ناحية فروع الدين أيضا. فإنها تعبير آخر عن العدل الإسلامي الكامل والنظام الفاضل الذي يكفل سعادة البشرية كلها. وفي الإسلام وقادته ومفكريه من المميزات ما فاق حد الإحصاء.
المستوى الثالث: إن التبليغ الإسلامي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهداية الناس وكلها عناوين واجبة إجمالا. إن توقفت على الترجمة إلى لغات أخرى وتفهيم غير العرب بها، أو أي شعب من الشعوب أو أي فرد من الأفراد. كانت تلك المقدمات واجبة شرعاً لا محالة. وهذا مما أدركه وقام به كثير من أهل الاهتمام بالدين والهمة إلى هداية الآخرين، خلال الأجيال بما فيها جيلنا الحاضر.
المستوى الرابع: انه من المحرز بوعد الله سبحانه وتعالى حصول ذلك فان كان البشر عاجزون عنه، فالله سبحانه هو القادر عليه. فإن جند الله هم الغالبون وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي
ــــــــــــــــــــ[312]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، وذلك بعد أن نعلم إن (الله لا يخلف الميعاد) وقال: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ.
ولكن يبقى وقت التنفيذ في علم الله وقدرته، ونحن اقل واجهل من أن نعلمه ونقدر عليه. وقد قربت هذه الآية نفسها إلى الأذهان عدم استبعاد الأمر حيث قال جل جلاله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. فإذا كان هذا حاصلا فيما سبق فما البعد في أن يحصل فيما يأتي من الزمان؟ ونحن نعلم انه (لله جند السماوات والأرض) وانهبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وانه إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وان (للبيت رب يحميه).
المستوى الخامس: إن أي فرد أو جماعة انسدت أمامها الأبواب التي عرفناها في المستويات السابقة، وتعذر لها فهم أصول الدين وحقيقة الإسلام تعذراً كاملاً، لأي مانع من الموانع، كالمانع العقلي أو البعد المكاني أو التدني الثقافي أو الانشغال الدنيوي أو الغفلة أو النسيان أو غير ذلك. فانه يكون معذوراً عما عجز عنه، والله تعالى أولى بالعذر لا محالة, ولا يحتمل انه يعاقب عليه يوم القيامة.
الأمر الثالث: مما ينبغي التعرض له حول أصول الدين.
أن هناك علوماً ثلاثة مكرسة في الإسلام للبحث حول أصول الدين وحقيقة الدين هي: علم الكلام والفلسفة والعرفان. وليس علم الكلام فقط. كما هو المتعارف والمشهور.
وقد فرقوا بين علم الكلام والفلسفة، بالرغم من كونهما معاً منحى عقلياً بأن المتكلم (في علم الكلام) يأخذ العقائد الإسلامية ويحاول البرهنة عليها في حين أن الفيلسوف (في الفلسفة) لا يأخذ هذا مسلماً بل يسير إلى حيث يقوده
ــــــــــــــــــــ[313]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
البرهان كائناً ما كانت نتيجته. وان كنا نعتقد كمسلمين إن كل من بحث عن صحة العقائد الإسلامية فانه سيتوصل إلى صحتها. وان كل من توصل إلى غير ذلك فهو متوهم ومبطل.
كما فرقوا بين علم الكلام والفلسفة، بأن علم الكلام خاص عن الحديث عن العقائد الإسلامية، في حين إن الفلسفة أوسع من ذلك، من حيث أن الفيلسوف ينظر إلى الوجود ككل.
أما الفرق بين هذين العلمين من ناحية والعرفان من ناحية ثانية، هو إن هذين العلمين يشتركان بالمنحى العقلي أو الذهني, ولا يمكن أن يتعدياه في حين إن العرفان تعبير آخر عن معرفة حقائق الأشياء بالحس والوجدان وهو ما يعبر عنه في المنطق بالعلم الحضوري. لا يختلف في ذلك عالم الخلق عن عالم الأمر عن عالم اللاهوت عن عالم الأسماء والصفات. إلى غير ذلك.
وقد أشار إليه القرآن الكريم في عدد من آياته. منها قوله سبحانه: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ، يعني بدون حاجة إلى دلالة ومعجزة. وقال سبحانه: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ. وقال جل جلاله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء. يعني إن الخشية الحقيقية لا تحصل ولا يمكن أن تحصل إلا بعد المعرفة الحقيقية.
ومن هنا يمكن القول بأن لأصول الدين ثلاثة مستويات من الإدراك باعتبار هذه العلوم الثلاثة. فإذا أضفنا إليه المستوى العام المتدني للفهم لها، كانت أربعة كما يلي:
المستوى الأول: هو المستوى العام المتدني في الفهم، حيث تكون الفكرة غائمة والبراهين إجمالية كما سبق. في حين إن المستويات التالية كلها واضحة ومعمقة.
ــــــــــــــــــــ[314]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المستوى الثاني: هو المستوى الكلامي، حيث يراد فهم أصول الدين والاستدلال عليها بالعقل من زاوية إدراكه لهذه الأمور.
المستوى الثالث: هو المستوى الفلسفي، حيث يراد فهم أصول الدين والاستدلال عليها بالعقل من زاوية إدراكه المطلق لكل شيء، وعامة عالم الوجود.
المستوى الرابع: هو المستوى العرفاني، حيث يراد فهم أصول الدين والاستدلال عليها بالحس والوجدان المباشر الناشئ من الإطلاع على حقائق الأشياء على واقعها الأصلي، كما أشرنا.
وهنا ناحيتان يحسن الالتفات إليهما:
الناحية الأولى: انه قد يخطر في الذهن: إن المعرفة الحقيقية هي المعرفة الواصلة إلينا عن طريق الكتاب والسنة، وليست هي إحدى هذه المستويات الأربعة إطلاقاً.
وجواب ذلك: أننا إن تحدثنا عن مستويات القادة المعصومين سلام الله عليهم، فمعرفتهم هي أعلى المعارف وأدقها وأوسعها بلا شك. إلا أن تلك من أهم الأسرار الإلهية التي لا يعطونها إلا لأقل القليل. لا أنهم يبينونها من خلال السنة الشريفة.
وان تحدثنا على مستوى ظاهر الكتاب والسنة، فهو ظاهر قابل لاختلاف الفهم ومتعدد المحتملات في الجملة. ومقصودي انه مناسب مع كل المستويات الأربعة على الإطلاق، يأخذ كل واحد منه ما يناسب حاله ويتفق مع فهمه ومستواه. ولا يتعين في واحد منها ولا في غيرها، كما زعم السائل.
ولذا يستدل بها أهل كل من هذه المستويات على فهم وصحة اعتقادهم المناسب – في الحقيقة- مع مستواه الذهني بما فيه المستوى الرابع العرفاني
ــــــــــــــــــــ[315]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
المعمق. إلا إن هذا الفهم من الكتاب والسنة لا يفهمه إلا ذووه. وهم المأهلون لذلك أساساً.
ومن هنا نجد أن كلمات الكتاب والسنة المقدسين، مناسبة مع كل العقول والمستويات وقد أعطت لكل واحد ولكل جماعة ومجتمع ما ينفعه ويهديه. وهي لم تبخل بأعمق الأفكار غير أنها خاطبت كل احد بمقدار عقله وتحمله. فمن لم يكن أهلا للتحمل يكفي أن يبقى غافلا عن الفكرة وغير فاهم لها من ظواهر الكتاب والسنة.
الناحية الثانية: إن أعمق وأوسع الاستدلال على أصول الدين ومطلق العقائد، في القواعد الظاهرية الموروثة إنما هو في الفلسفة الإسلامية التقليدية والتي هي أعمق من علم الكلام وألطف بما لا يقاس من الدرجات. ولئن ورد النهي في بعض الروايات عن الإفاضة في علم الكلام، فانه لم يرد نهي عن الإفاضة في الفلسفة.
غير أنني اعتقد إن المستويين الثالث والرابع ينبغي أن يتعاضدا ويتعاهدا في الإيصال إلى النتائج الواقعية. وقد سبق أن كررت هذا المعنى في عدد من أيام عمري، إن الفلسفة بلا عرفان قشر بلا لب. والعرفان بلا فلسفة لب بلا قشر.
وهذا معناه إن الفاكهة المفضلة، كما خلقها الله سبحانه هي لب وقشر معاً ولا يصلح احدهما من دون الآخر.
أما استفادة الفلسفة من العرفان، فانه يفتح لها حسن الاستدلال وحسن النتائج معاً. ولا يكون سير الفيلسوف سيراً في ظلام، بل تكاملاً في نور. ولا يحس بذلك إلا من جرّبَه.
ولهذا مزج عدد من الفلاسفة فلسفتهم بالعرفان، فأصبحت من هذه الناحية من أفضل الفلسفات واجل المؤلفات، منهم: صدر المتأهلين الشيرازي صاحب
ــــــــــــــــــــ[316]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
كتاب: الأسفار الأربعة. والشيخ ملا هادي السبزواري صاحب المنظومة في الفلسفة وله حاشية جليلة على الأسفار الأربعة نحى فيها المنحى المشار إليه. وهما معاً موفقان في هذا الصدد.
وأما استفادة العرفان من الفلسفة فمن جهات أهمها:
أولا: إنها تصلح أن تكون تعقلا وترتيباً برهانياً للفهم العرفاني الوجداني الساذج.
ثانياً: إنها تصلح أن تكون حجاباً وستراً للأسرار الإلهية العرفانية. فإنها عندئذ يمكن التعرف بها بالثوب الفلسفي المناسب.
وعلى أي حال، فالفلسفة إنما تمنع العرفان من زاوية إثباتية يعني لتعريف الآخرين أو قل: بعض الآخرين بعض صيغ الحقيقة المجردة، وإلا فان كان الفرد موفقاً لكي يكون بعيداً عن الآخرين ولا يشعر بتكليفه الشرعي أو الإنساني لتعليمهم أو هدايتهم، فلا حاجة إلى الفلسفة عنده. بل يكون إطلاعه العرفاني أوسع وأعلى وأصفى لا محالة.
ومن هنا قد نجد أناساً ممن لا خلاق لهم في الظاهر. ممن لا يعرف القراءة والكتابة ولا يفهم الآخرون عنه كلاماً ولا يحترمون له مقاماً. نجده من ألطف العارفين وأعلى الأولياء والمتقين. ولا ضرورة لأمثال هؤلاء إلى أي سطر من الفلسفة.
وإذا رجعنا إلى الكلمة التي قلناها من: إن العرفان بلا فلسفة لب بلا قشر. نجد أن أكل اللب وحده هو الألذ. بل لابد منه لأكل كل فاكهة واكل الفاكهة بقشرها غير مستساغ. وإنما الفلسفة إذا أرادت لنفسها النتيجة الصالحة – لو صح التعبير-، فإنما يجب أن توصل صاحبها إلى العرفان. وأما بدون ذلك، فهي الضلال البعيد، وقديماً قالوا: من تمنطق تزندق. أي بدون الاعتماد على علوم أهل البيت  ومعارفهم الحقيقية.
ــــــــــــــــــــ[317]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر

فصل الكذب

ما هو الكذب؟
الكذب هو عدم التطابق بين أمرين: احدهما ذاتي اعني كونه راجعاً إلى الفرد نفسه. كالقول والفعل والقصد والوعد وغير ذلك مما يأتي.
ويمكن بيان عدم التطابق هذا على مستويات كثيرة جداً:
فالقول الخبري، أو الجملة الخبرية قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة وهذا هو فرق الخبر عن الإنشاء الذي لا يكون قابلا لهذا التقسيم بذاته.
وكذب القول هو عدم مطابقته للخارج. سواء كان الخارج ماضياً أو حاضراً أو مستقبلا. فالكذب عن الماضي هو المعنى المشهور بين الناس كما لو قلت: حصل كذا، ولم يحصل. ومثله الحاضر وكذلك المستقبل كما لو قلت: ستنجح زراعتي أو تجارتي ولم تنجح فيكون كذبا، سواء كان هذا القول بقصد الإخبار أو التفاؤل أو حتى التشاؤم.
ومثل القول في الصدق والكذب ما أغنى عنه عرفاً، كالإشارة وبعض الحركات ذات الدلالة، فإنها إن لم تطابق الواقع كانت كذباً، سواء كانت عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل.
ــــــــــــــــــــ[318]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
ولا فرق لدى الواقع الذي لا يطابقه القول بين أن يكون واقعاً خارجياً أي خارجاً عن الذات أو واقعاً في داخل الذات، كالتعبير عن الاعتقاد أو الرأي أو الحالة النفسية كالفرح أو الغضب مثلا. فان التعبير على خلاف ذلك القول أو الإشارة يكون كذباً.
ولا نريد بالإشارة كونها من أقسام (الفعل) الذي سيأتي انه يصدق عليه الكذب أيضا، وان كانت هي من الأفعال إذ ليست صوتاً أو قولاً وإنما هي من الدوال النائبة مناب القول والقائمة مقامه. بدليل أنها قد تنقسم إلى خبر وإنشاء. فالإشارة المراد بها الخبر خبر، والإشارة المراد بها الإنشاء إنشاء.
وبالرغم من إن الإنشاء يخلو (بذاته) كما قلنا عن معنى الصدق والكذب، وهو فرقة الأساسي عن الخبر، إلا أنهم قالوا بانطباق هذا المفهوم عليه أيضا. بما فيه من دلالة التزامية أو ثانوية. فلو قال أعطني فهو يعني: أنا محتاج وان قال: اعنِّي فهو يعني أنا ضعيف. وان قال: أطعمني فهو يعني: أني جائع وهكذا.
ويمكن تعميم ذلك إلى كل أشكال الإنشاء وليس الأمر وحده كما مثلنا. فلو تمنى من دون قصد التمني أو تعجب بدون قصد التعجب كان كذباً وكذلك لو أوقع عقد البيع أو الإجارة أو الهبة صورياً من دون قصد جدي أو حقيقي إليه، فانه يكون كذبا.
فهذا كله من الكذب بالدلالة القولية، سواء كان صوتاً أو إشارة.
وقد اشرنا إلى أن الإنشاء الذي قلنا بصدق الكذب عليه أحياناً. كما قد يكون بالقول قد يكون بالإشارة أيضا. إذن، فالتقسيم الذي يصدق على القول على سعته، يصدق على الإشارة أيضا.
ــــــــــــــــــــ[319]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
والكذب كما يكون بالدلالة القولية، يكون بالفعل أو بالأعمال أيضا، من باب عدم مطابقتها للقول تارة وللقصد أخرى وللاعتقاد ثالثة وللهدف رابعة فضلا عن عدم مطابقتها للواقع أيضا.
أما عدم مطابقة الفعل للواقع كما لو زرت شخصاً فلم تصادفه في بيته، ولو علمت بذلك لما زرته.
وأما عدم مطابقته للقول فواضح، كما لو قلت: سأسافر غداً ولم تسافر. وأما عدم مطابقته للهدف، كالتاجر الذي يبيع بتسامح مع أن قصده الربح الوفير، وكالمؤمن الذي يتسامح في مزيد الطاعة، مع انه قصد مزيد الثواب.
والقصد إن كان هو الهدف فقد مثلنا له الآن. وان كان غيره كقصد تفهيم أمر معين، لكن يختار المتكلم غيره، فيكون كذباً.
والاعتقاد، يراد به الاعتقاد النظري، كالاعتقاد بالمبادئ العليا والدين ونحوها فان بيان خلافها بالقول أو بالفعل. يكون من الكذب، سواء كانت حقاً، أو باطلا، في حد ذاتها.
فان كانت باطلة، كان القول كذباً من جهتين، من جهة عدم مطابقته للاعتقاد وعدم مطابقته للواقع. وان كانت حقاً، كان القول كذباً من جهة مطابقته للاعتقاد وصدقاً من جهة مطابقته للواقع. وهذا هو الذي ورد عليه قوله تعالى: إذا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)، يعني من حيث عدم المطابقة بين قولهم واعتقادهم.
وكذلك الحال في عدم القول أو الفعل للرأي. فان الرأي إن كان هو
ــــــــــــــــــــ[320]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المنافقون: آية1.
الاعتقاد، فقد تحدثنا عنه. إن كان هو أوسع منه، لأنه يشمل كل القناعات حتى في الأمور البسيطة والتطبيقية. إذن، فسيكون بيان ذلك بالقول على خلاف القاعدة أو العمل على خلاف القناعة كذباً، لا محالة.
ومن هذا كله يمكن أن نخلص إلى إمكان تقسيم الأمور إلى أربعة أقسام رئيسية: قول وفعل وواقع نفسي وواقع خارجي. وإذا وقعت المفارقة أو عدم التطابق بين أي اثنين من هذه الأربعة كان الكذب صادقاً: بين القول والقول أو القول والفعل أو القول والخارج أو القول والباطن أو الواقع النفسي.
وكذلك بين الفعل والقول أو الفعل والفعل الآخر أو الفعل والخارج أو الفعل والباطن.
وليس قولنا: تارة بين القول والفعل وتارة بين الفعل والقول، بمنزلة التكرار، بل هو يختلف باختلاف الألفاظ باعتبار ما نريد وصفه بالكذب تارة من قول وفعل إذ قد يكونان معاً كاذبين مع تطابقهما.
وكذلك: الواقع النفسي مع واقع نفسي آخر، كالجبن مع الشجاعة أو مع القول أو الفعل أو مع الخارج، كما سبقت أمثلته.
وقد يناقش في تسمية عدم المطابقة بين الواقعين الباطني والظاهري كذباً، لانعدام الدلالة عندئذ، والكذب إنما هو من أوصاف الدلالة.
قلنا:
أولا: إن الكذب ليس مع الدلالة فقط بل صادق بلا دلالة كقوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(1).
وثانياً: إن الدلالة في الواقع النفسي قد تكون متحققة. فالعلم يدل على المعلوم والخوف يدل على المخوف منه والغضب على الكراهة وهكذا.
فإن
ــــــــــــــــــــ[321]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الواقعة: 56/2.
لم تكن هذه الأمور مطابقة للواقع كانت كذباً، ويسمى العلم غير المطابق للواقع بالجهل المركب. ويمكن توسيع معنى العلم هنا إلى مطلق القناعة والوثوق والظن الراجح مع عدم المطابقة للواقع الخارجي أو الواقع النفسي.
وقد يستشكل على تعريفنا للكذب بأنه عدم التطابق بين أمرين احدهما ذاتي. في حين إن قوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ليس فيه أمر ذاتي بل هو حاصل سواء كان هناك مدرك أم لا، وسواء كان هناك ناطق أم لا وسواء كانت دلالة أم لا.
ولكن يمكن أن يجاب ذلك بعدة أمور:
أولا: أن الآية الكريمة قد تكون بمعنى أن يوم القيامة حق وكل من يعبر عنه أو يدل عليه دلالة فهو صادق وغير كاذب. فانتفى الإشكال.
ثانيا: انه ربما يكون معناها، إن محاسبة الأعمال يوم القيامة لا يكون بالكذب والافتراء. أي أن ينسب إلى الفرد ما لم يعمله أو لم يقله بل ما قاله وفعله. إذن، فالدلالة على أعمال العباد أيضا موجودة لا كما قال المستشكل.
ثالثا: انه ربما يكون معنى الآية الكريمة أن وقوع الواقعة التي ليس لوقعتها كاذبة. إنما هي لأجل العقوبة على أعمال العباد أو إيقاع البلاء عليهم نتيجة لسوء تصرفهم. فيكون معنى الكذب هنا هو عدم انطباق العقوبة على الذنب بمعنى عقاب غير المذنبين. فإذا لم تكن الواقعة كاذبة، كما صرحت الآية، كان العقاب على المذنبين لا محالة. ولكن الكذب هنا بهذا المعنى مجاز لا حقيقة، باعتبار أن المفارقة هنا تشبه من بعض الجهات مفارقة الكذب فصح استعمالها مجازاً وإنما يكون كذباً حقيقة مع وجود دلالة ذاتية كالقول والفعل والاعتقاد والقصد ونحو ذلك، وكلها ذات دلالة بمعنى وآخر.
ــــــــــــــــــــ[322]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
هذا وهناك استعمال كذّبه بالتشديد وكذب عليه.
وهما متقابلان في أكثر الأحيان. فهذا كذب على ذاك وذاك يكذبه. وعلى أي حال، ففيهما لابد من وجود طرف آخر، هو الذي يكذّب – بالتشديد- أي يعتبر قول الآخر كاذباً، بأحد الأشكال السابقة وان كان الغالب هو اعتباره كاذباً بالمعنى العام أي في مفارقة قوله مع الواقع وكذلك الآخر هو الذي يكذب على صاحبه بأحد الأنحاء السابقة من الكذب وان كان هذا المعنى المشهور هو الغالب. وعلى أي حال، يحتوي هذا العمل على نحو من المكر والخديعة والتغرير. وإلا لما كان للكذب مجال معقول.

استعمالات الكذب في القرآن الكريم:
وحيث عرفنا للكذب أصنافاً مختلفة وتطبيقات متعددة فينبغي لنا أن نطل إطلالة على القرآن الكريم لنجد أي هذه المعاني قد استعملها. وينبغي أن نلتفت هنا إلى أننا نفحص عن (مادة) الكذب أو مفهومه في القرآن الكريم، بأي صيغة أو تعريف كان كالمصدر أو الفعل الماضي أو غيرهما.
كما ينبغي أن نلتفت إن بعض الاستعمالات القرآنية قابلة للحمل أو الفهم في أكثر من معنى من المعاني السابقة، إلا أننا ينبغي أن نحملها على اقرب المعاني العرفية واحداً كان أو متعدداً.
فقوله تعالى: فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ يراد به المفارقة وعدم التطابق بين القول والواقع. وكذلك قوله: فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (1) وكذلك قوله تعالى: وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (2) وقوله سبحانه: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا
ــــــــــــــــــــ[323]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) يوسف: 12/26.
(2) البقرة: 2/10.
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ (1) وقوله عز من قائل: وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ(2).
وأما قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (3) فهو للمفارقة
بين الاعتقاد والقول كما قلنا. وان كان قولهم مطابقاً للواقع بدليل قوله تعالى:
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ (4).
وأما قوله تعالى: بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (5) فهي من الكذب في الوعد. أي المفارقة بين الوعد وتطبيقه. إذا فهمنا من الكذب في هذه الآية، ما ارتبط بالوعد المشار إليه فيها، وإلا كان لها معنى آخر.
وقوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (6) نفي المفارقة بين العلم والمعلوم. وان ما علمه الفؤاد من الأمور والظواهر الكبرى كان مطابقاً للواقع. ولم يكن مخالفاً له.
وقوله تعالى: وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ (7) ظاهره الأولي انه ليس بدم بل صبغ احمر يراد به الإيهام بالدم. ولذا قال: انه ((دم كذب)) للمفارقة بين واقعه وبين المقصود منه للفاعلين. وهو الإيهام بالدم.
ــــــــــــــــــــ[324]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) النحل: 16/116.
(2) غافر: 40/28.
(3) المنافقين: 63/1.
(4) المنافقون: 63/1.
(5) التوبة: 9/77.
(6) النجم: 53/11.
(7) يوسف: 12/18.
ولكن الظاهر من السياق العام للآية في قصة يوسف  ان الإيهام كان هو الإيهام بقتل يوسف وان الدم دمه. في حين كان على القميص دم شاة أو أي حيوان آخر. فالمفارقة التي اقتضت التعبير بالكذب كانت من هذه الجهة.
ويمكن الجمع بين المعنيين من حيث أنهم أوهموا بدم يوسف  بجعل الصبغ على الثوب وليس دماً آخر.
وأما قوله تعالى: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (1) فالناصية تعبير آخر عن الفرد نفسه. والفرد قد يكون كاذباً وخاطئاً فعلا.
وهناك مجموعة من الآيات تدل على المفارقة بين أقوال بعض الأفراد وواقعهم. كقوله تعالى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (2) وقوله تعالى: وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(3) وقوله تعالى: أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(4) وقوله تعالى: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ(5) وهذه الأخيرة للمفارقة بين ظنهم وإحسانهم للظن بأنفسهم، وبين واقعهم المتدني الرديء.
وأما قوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ فقد قلنا أنها محمولة على نحو من الاستعمال المجازي. ويراد بها نفي المفارقة بين واقع يوم القيامة وبين التعبير عنه بالقول أو بالعمل، وإلا فان نسبة الكذب إلى الشيء نفسه بغض النظر عن أي
ــــــــــــــــــــ[325]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) العلق: 96/16.
(2) النور: 24/13.
(3) العنكبوت: 29/12.
(4) الصافات: 37/ 151-152.
(5) المجادلة: 58/18.
دلالة لا يخلو من التسامح.
فهذه نماذج مما ورد في القرآن الكريم من مادة الكذب إلا أن الأعم الأغلب هو ورود مادة التكذيب. ومنه تكذيب الأنبياء، وتكذيب يوم القيامة وتكذيب الآيات وتكذيب الحق وغيرها وقلنا ان مرجع التكذيب اعتبار الطرف الآخر كاذباً.
أما تكذيب الأنبياء فيدل عليه قوله تعالى: وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (1) وكلام الكفار هنا مع الأنبياء. فيدل على اعتبارهم إياهم كاذبين. ومنه قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ  (2) وقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (3)وقوله تعالى: فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ (5) وقوله سبحانه: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (6).
وأما تكذيب يوم القيامة، فهو يحتوي على معنى نفيه واعتباره غير موجود، إما حقيقة واعتقاداً، وإما سلوكاً وتصرفاً وان كان يؤمن به اعتقاداً، وهذا هو الأدهى والأمَر لوضع المسلم الفاسق. ومرجع التكذيب إلى اعتبار المبشرين عنده كالأنبياء كاذبين في إخبارهم عنه، حسب زعم الماديين والكفار.
ومنه قوله تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (7)
ــــــــــــــــــــ[326]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) يس: 36/15.
(2) ق: 50/12.
(3) ص: 38/12.
(4) آل عمران: 3/184.
(5) ق: 50/14.
(6) السجدة: 32/20.
وقوله تعالى: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ(1) وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخرة(2) وقوله: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا(3) وقوله سبحانه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (4) وقوله: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (5) .
وهذا باعتبار أن المراد الأساسي من الدين هو الإدانة وهي تكون عند الحساب وظهور استحقاق العقاب. فيكون المراد به يوم القيامة. وقد وردت آيات مشددة جداً في التحذير من هذا التكذيب. كقوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ (6) وقوله تعالى: أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ (7) وقوله سبحانه: بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ(8) وقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ (9) وقوله سبحانه: فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (10). إلى غير ذلك.
غير إن لمثل هذه الآيات تفسير معنوي وأخلاقي، قد يختلف بقليل أو كثير عن التفسير المشهور.
ــــــــــــــــــــ[327]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الطور: 52/14.
(2) المؤمنون: 23/33.
(3) السجدة: 32/14.
(4) الماعون: 107/1.
(5) المطففين: 83/11.
(6) الأنعام: 6/31.
(7) فصلت: 41/54.
(8) السجدة: 32/10.
(9) الكهف: 18/105.
(10) يونس: 10/11.
وأما التكذيب بالآيات فقد ذكر بشكل موسع في القرآن الكريم وتم التحذير منه ومن نتائجه بشكل مشدد. ومرده إلى احد المعاني:
المعنى الأول: زعم المفارقة بين الآيات وخالقها، أو قل بين الخالق والمخلوق. على اعتبار الزعم بأن ليس وراءها قادر أو مدبر.
المعنى الثاني: زعم المفارقة بين قول القائل بذلك اعني بالمدبر وبين الواقع، على اعتبار أن الواقع يخلو منه.
المعنى الثالث: زعم المفارقة بين نطق الآيات نفسها وواقعها. فان لكل خلق ولكل آية لساناً معنوياً يرشد إلى الخالق ويدل عليه ويدعو إليه فالزعم بأن هذا اللسان وهذا البيان غير مطابق للواقع هو معنى تكذيب الآيات. وخاصة باعتبار نسبة التكذيب إلى الآيات نفسها.
وأما الآيات الواردة في ذلك فكثيرة جداً نذكر بعض النماذج منها قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ (1) وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (2) لأن تكذيب الآيات ينتج إهمال التعليم الحقة ومن ثم الفسق لا محالة. وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ (3) وكذلك قوله تعالى مكرراً في سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (4). إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي لا تخفى على من
ــــــــــــــــــــ[328]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الأنعام: 6/157.
(2) الأنعام: 6/49.
(3) الأعراف: 7/40.
(4) الرحمن: 55/13 وغيرها.
قرأ القرآن الكريم.
ومما ورد في القرآن الكريم من معاني التكذيب: التكذيب بالوعد وهو المفارقة بين جعل الوعد وبين تنفيذه أي يعد ولا يفعل. وقد ورد ذلك في القرآن الكريم عنه مستويات ثلاثة:
المستوى الأول: إن وعد الله سبحانه ليس فيه كذب. يعني انه يأخذ طريقه للتنفيذ لا محالة. كقوله تعالى: ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (1) وقوله سبحانه: أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ (2) وقوله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ (3) إلى غير ذلك من الآيات العديدة.
المستوى الثاني: إن وعود المؤمنين لا يمكن أن تكون كاذبة. وان صدقها من نتائج إيمانهم وارتفاع شأنهم، كقوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ (4) .
المستوى الثالث: إن وعد الكافرين والفاسقين يكون عادة كاذباً. لا يهتمون بتنفيذه وتصديقه: كقوله تعالى: بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ(5).
وقوله سبحانه: أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي(6) ولعل قريباً منه قوله تعالى: وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَاد (7) .
ــــــــــــــــــــ[329]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) هود: 11/65.
(2) يونس: 10/55.
(3) الروم: 30/6.
(4) مريم: 19/54.
(5) التوبة: 9/77.
(6) طه: 20/86.
(7) الأنفال: 8/42.
وكذلك المستوى الرابع: وهو أن الكافرين لا يثقون بالوعد الإلهي بل يكذبون ويطعنون في صدقه. كقوله تعالى: لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(1) وقوله: وَيَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (2) وهو أيضا معنى قوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ(3) لأن الاستفهام عن حقيقة الوعد يحتوي ضمناً على استعجاله.
المستوى الخامس: إن الكافرين والفاسقين يوم القيامة سيرون إن وعد الله حق بعد ما كذبوه في الحياة الدنيا. كقوله تعالى: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ(4) ويشبهه قوله تعالى: بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدا (5) .
ومما ورد في القرآن الكريم من أنحاء الكذب: الكذب على الآخرين فمنهم من يكذب على الله ومنهم من يكذب على رسوله ومنهم من يكذب على نفسه ومنهم من يكذب على أمثاله من الكفار إلى غير ذلك.
فالكذب على الله سبحانه يمكن على مستويات مختلفة منها:
المستوى الأول: الكذب بالوعد الذي سبق أن سمعناه.
المستوى الثاني: الزعم بكمال النفس وصفائها مع أنها ظالمة مظلمة.
المستوى الثالث: الزعم بزيادة الحسنات وأهميتها مع العلم أنها خلاف ذلك.
ــــــــــــــــــــ[330]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) النمل: 27/68.
(2) يونس: 10/48.
(3) الحج: 22/47.
(4) يس: 36/52.
(5) الكهف: 18/48.
المستوى الرابع: الزعم بأن الحسنات والطاعات إنما هي من عمل الفرد بغض النظر عن التوفيق الإلهي.
المستوى الخامس: الزعم بتأثير الأسباب على المسببات بغض النظر عن المسبب الحقيقي لها.
ومن ذلك: جاء القرآن الكريم: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ(1) وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ (2) وقوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذ جَاءهُ(3) وقوله سبحانه: وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ (4) وكذلك قوله تعالى: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ(5) إلى غير ذلك من الآيات العديدة.
وأما الكذب على النفس فيحتوي على احد المستويات الثلاثة الثاني وما بعده من المستويات الخمسة السابقة، يعني ادعاء الكمال وكثرة الطاعة وان الحسنات من الفرد لا من الله. وكلها كما هي كذب على الله كذب على النفس, بمعنى محاولة إقناعها بغير الواقع وكثيراً ما يحصل ذلك بما ذكرناه وبغيره، كأهمية فرد معين أو عمل معين أو هدف معين، من دون أن تكون له تلك الأهمية. بل قد يكون ضرره أكثر من نفعه.
ــــــــــــــــــــ[331]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الزمر: 39/60.
(2) الأنعام: 6/21.
(3) الزمر: 39/32.
(4) طه: 20/61.
(5) التوبة: 9/90.
ومنه قوله تعالى: انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أنفسهم (1) وقوله تعالى: يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ (2) وقوله تعالى: وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ (3) .
وما ورد في القرآن الكريم من معاني الكذب ومفاهيمه، أكثر مما ذكرناه بالتأكيد. ولكنني أجد أننا لا ينبغي أن نتوسع في ذلك لفسح المجال للعناوين الأخرى الآتية لتأخذ محلها من الوجود، ومن وقت القارئ الكريم.

أدلة الحكم الشرعي للكذب:
الكذب حرام في الشريعة الإسلامية بالأدلة الأربعة.
أما دلالة القرآن الكريم عليه فواضح بعد كل الذي سمعناه من الآيات الكريمات، بل عرفنا انه مما وعد عليه بالنار في القرآن الكريم. فيكون من الكبائر دون الصغائر. لا يختلف في كونه كبيرة من الذنوب عن الزنا والسرقة وقتل النفس المحترمة.
بل هو كبيرة باعتبار كل تعاريف الذنوب الكبيرة من حيث أن فيها احتمالات، يندرج الكذب في جميعها، منها:
أولا: إن الذنوب الكبيرة هي ما هدد عليه القرآن الكريم بالنار.
ثانياً: إنها هي التي تم تحريمها في القرآن.
ثالثاً: إنها الذنوب التي هدد عليها بالنار في الكتاب والسنة.
ــــــــــــــــــــ[332]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الأنعام: 6/24.
(2) البقرة: 2/9.
(3) آل عمران: 7/69.
رابعاً: إنها الذنوب الأكثر أهمية في نظر الشارع.
إلى غير ذلك من التعاريف. ونجد أن الكذب يندرج فيها جميعاً، ولا يدخل في الصغائر بأي تعريف منها.
وأما دلالة السنة الشريفة على ذلك، فالاستدلال إما أن يكون بالأخبار أو بالسيرة العقلائية أو بالسيرة المتشرعية أو بالارتكاز المتشرعي.
وأما الأخبار فلا حاجة إلى تجشم سردها بعد وضوحها وتوافرها. فليرجع فيها القارئ إلى مصادرها.
وأما السيرة العقلائية. فان يقال: انه لا شك أن العقلاء بما هم عقلاء يستنكرون الكذب ويستهجنونه، ويعدونه ضرراً على أغراضهم ومقاصدهم ونقطة سوء وضعف في أقوالهم وأفعالهم. وبالتالي فهو من المحرمات أو الممنوعات في نظرهم. وهذه السيرة لا شك أنها كانت في زمن المعصومين سلام الله عليهم. ولا شك أنها ممضاة من قبلهم. إذا لو لم تكن ممضاة لوردنا الخبر بالنهي عنها أو نفي مدلولها، ولو بخبر ضعيف ولم يرد. بل وردت الأخبار والآيات مؤيدة لها وداعية لمضمونها.
وقد يخطر في الذهن: انه كيف نقول: أن الكذب محرم عند العقلاء مع العلم ان الجميع ملتزمون به ومستمرون عليه. بل يعتبر الكذب عصبهم الرئيسي في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية وغيرها. إذن، فالسيرة العقلائية على تحريم الكذب غير متحققة.
وجواب ذلك: إن من الصحيح استمرار الناس على الكذب. إلا أن هذا لا يعني كونه غير محرم في نظرهم، بل هم يرون أنفسهم حين يكذبون أنهم يعملون
ــــــــــــــــــــ[333]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
العمل المرجوح والفعل المحرم. والالتزام بالمحرم ليس ببعيد على النفوس الضعيفة والضمائر الجاهلة.
غير انه من الممكن أن يكون هذا الإشكال مما يغير صيغة الاستدلال، وان كانت النتيجة واحدة. فإننا إن استدللنا بالسيرة العقلائية كسيرة عملية، وجدنا ان سيرتهم العملية على الكذب لا على تركه. ولكن إذا استدللنا بالارتكاز لعقلائنا أو التسعير العقلائي للأشياء. وجدناهم يعطون للكذب سعراً رديئاً ومرجوحاً، بل محرماً. وهذا الارتكاز حجة لإمضائه شرعاً.
وأما الاستدلال بسيرة المتشرعة فواضح، من حيث أن المتشرع بصفته متشرعاً، لا يكذب ولا يأتي بشيء من المحرمات ولا يترك شيئاً من الواجبات. بل من الواضح عندهم إن وجود العدالة لدى أي فرد تتوقف على عدم التزامه بالكذب. كما ان وجود الفسق يتوقف على التزامه به، والعياذ بالله سبحانه.
وأما ارتكاز المتشرعة أو الارتكاز المتشرعي، فأوضح من أن يذكر أو يسطر، لاعتقادهم لا شك بحرمته وقبحه ووضاعة فاعله.
وسيرة المتشرعة حجة، ولا تحتاج، إلى القول بإمضاء المعصومين  لها، كالسيرة العقلائية، لأن السيرة العقلائية ناشئة من غير المنشأ الشرعي، فنحتاج في حجيتها أو انتسابها إلى الشريعة، إلى الإمضاء.
أما السيرة المتشرعية، فهي منتسبة بذاتها إلى المعصومين سلام الله عليهم ولا يمكن ان تحدث بدون تعليمهم وتوجيههم. إذن، فنعلم انتسابها رأساً وأساساً إليهم سلام الله عليهم، وبهذا تكون حجة رأساً. وبخاصة في موضوع واضح ومنصوص عليه في القرآن الكريم، كالكذب الذي نتحدث عنه.
وأما الاستدلال بالإجماع، وهو احد الأدلة الأربعة، فأوضح من أن يذكر
ــــــــــــــــــــ[334]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
أو يسطر أيضا. فانه ثابت قطعاً بين علمائنا بل علماء الإسلام جميعاً، بل في كل دين سماوي على الإطلاق هذا بغض النظر عن بعض المستثنيات التي تأتي بعونه تعالى.
وأما الاستدلال العقلي. فلا شك أن العقل يحكم بقبح الكذب، وانه من أقسام الظلم والقبائح والرذائل. فان قلنا: أن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، كان ذلك كافياً في الاستدلال على حرمته، بغض النظر عن الأدلة الأخرى الكثيرة التي سردناها.
إذن، فالكذب محرم بالأدلة الأربعة.

الكذب موضوعاً:
تساءلنا في أول هذا البحث: ما هو الكذب وأجبنا عليه. والآن لنا أن نتساءل: ما هو الكذب المحرم أو ما الذي يكون موضوعاً لحرمة الكذب؟ هل هو كل الأقسام السابقة التي عرفناها له أو بعضها دون بعض؟
لا شك انه بكل أقسامه مرجوح ورديء أخلاقياً، إلا أن حرمته الشرعية، تتوقف على أن يكون الإطلاق اللغوي عليه حقيقة لا مجازاً، وان يكون الفهم له عرفياً لا دقيقاً معمقاً، مضافاً إلى كونه مما لم يستثن من أدلة التحريم. ومعه فما اندرج من أقسامه تحت الحرمة، فهو المطلوب. وإلا كان حكمه الشرعي مندرجاً تحت الكراهة لا محالة.
وقد عرفنا فيما سبق إن بعض استعمالات الكذب يمكن أن تكون مجازية، ومثلنا بقوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (1) حيث نسبت عدم الكذب إليها من دون
ــــــــــــــــــــ[335]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الواقعة: 56/2.
وجود دلالة، والكذب متوقف على وجود الدلالة كما عرفنا، بأي مستوى من مستوياتها، فاستعماله بدون الدلالة مجاز.
والمجاز صحيح في اللغة، إلا انه لا يندرج تحت الحكم الشرعي بالحرمة، بل لابد من توخي الفرد الحقيقي للكذب موضوعاً لها. ولا يبعد أن تكون كل الأقسام الأخرى التي عرفناها للكذب حقيقة لغة.
ولكن ليس هذا فقط، بل لابد أن يكون الفهم العرفي موافقاً على مصداقيته وانطباقه كما اشرنا، فلو كان شيء ما كذباً حقيقة وليس كذباً عرفاً لم يندرج في الحرمة، بصفته كذباً. وان كان قد يكون مندرجاً في الحرمة بأسباب أخرى، اعني صفته فسقاً أو كفراً أو غير ذلك، وسيأتي إيضاحه.
وأوضح ما يخرج أو يتم استثناؤه بذلك أمور:
الأمر الأول: المفارقة بين الفعل وأمر آخر كالاعتقاد أو الهدف. فإننا قلنا وأوضحنا انه من أقسام الكذب. إلا انه ليس منها عرفاً فلا يكون موضوعاً للحرمة من هذه الجهة.
واعني بالفعل السلوك الحياتي الاعتيادي، لا الفعل الذي يكون له دلالة لغوية كالإشارة. فانه مما يصدق عليه الكذب حقيقة وعرفاً فيكون محرماً جزماً.
الأمر الثاني: خلف الوعد، كما لو قلت: سأفعل كذا ولم تفعل. فانه لا يكون كذباً عرفاً. وأوضح تقريب لذلك هو إن مثل هذا القول يمكنك بالاختيار إن تصدقه وان تكذبه. أي أن تجعله صادقاً بتنفيذك إياه، أو تجعله كاذباً بتركك له. ومثل هذا الملاك لا يعتبر عرفاً ملاكاً كافياً للكذب.
وهذا غير الأخبار عن المستقبل، كما لو قلت: سيحدث كذا، ولم
ــــــــــــــــــــ[336]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
يحدث. فان هذا هو التنبؤ، وهو قابل للاتصاف بالكذب.
وقد أفتى الفقهاء جميعاً بعدم حرمة خلف الوعد، وان قالوا بكراهته الشديدة. ما لم تحدث مصالح أخرى تقتضي حرمته. كأدائه إلى كبيرة من الكبائر أو بعض المفاسد الاجتماعية.
الأمر الثالث: المفارقة بين القول أو الاعتقاد مع كونه موافقاً مع الواقع كقوله المنافقين: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (1) فانه ليس كذباً، من حيث المطابقة مع الواقع، فلا يكون حراماً ولا موجباً لاستحقاق العقاب. وإنما يعاقبون من اجل نفاقهم وعدم اعتقادهم بصدق رسول الإسلام .
نعم، يمكن أن يكون المعتقد عالماً بنفسه كاذباً. كما لو كان يعتقد بحدوث شيء وينفيه، في حين انه لم يحدث فيكون قوله صادقاً كقول المنافقين في الآية الكريمة. لمطابقته للواقع، ولكنه عالم بكذبه. فيكون عمله (تجرّياً) اصطلاحاً يعني: أن يعمل الفرد شيئاً علم بحرمته وليس بمحرم. والتجري، وان لم يكن محرماً واقعاً، إلا انه مستحق للعقوبة على أي حال.
وأما لو حصل عكس ذلك. كما لو كان الفرد يعتقد بحصول الشيء واخبر عن حصوله، كما يعتقد، ولم يكن حاصلا.
فهذا كذب حقيقة وعرفاً، لعدم مطابقته مع الواقع. ولكن الفرد لا يعاقب عليه. لكونه معذوراً عنه، لأن العلم (حجة) شرعية، كافية في إثبات صدقه. فقد كان يرى كونه صادقاً بحجة شرعية، وهذا يكفي في درء العقاب عنه.
الأمر الرابع: مما يخرج عن موضوع الكذب: الكذب بالأمور أو بالأساليب الإنشائية. كما سبق أن أشرنا، وقد مثلنا له: بقوله اعنّي الدال على
ــــــــــــــــــــ[337]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المنافقون: 63/1.
انه ضعيف. أو أعطني الدال على انه فقير. وهكذا. فان مثل هذه الدلالات الإلتزامية ليست كذباً عرفاً وان كانت كذباً حقيقة. فلا تدخل في موضوع الحرمة.
ولكنني لا أقول: إن الكذب بالدلالة الإلتزامية كله جائز. بل إن الكذب بالدلالة الإلتزامية للجملة الخبرية حرام. وخاصة إذا كانت دلالتها المطابقية كذباً أيضا، فيحسب له كذبان لا محالة: احدهما مطابقي والآخر التزامي.
فهذا هو أهم ما يخرج عن موضوع حرمة الكذب، وأما المستثناة منها فهذا ما يحتاج إلى عنوان مستقل آت.

أساليب أخرى للكذب:
يمكن التوصل إلى الكذب اعني إيهام أو إفهام ما هو خلاف الواقع للسامع مع وجود قصد صحيح وصادق في عين الوقت.
وهذا أمر معروف بين المتشرعة كاستعمال المجاز والاستعارة والمبالغة والكناية وغير ذلك. كما لو أتيت بلفظ يحتمل الحقيقة والمجاز، وأنت تقصد احدهما لا محالة، وهو صادق، وتعلم إن السامع سيفهم المعنى الآخر، وهو كاذب.
وكذلك لو استعملت اللفظ المشترك وقصدت احد معنييه، وأنت صادق، وأفهمت السامع المعنى الآخر.
وكذلك الحال في الاستعارة والكناية، حيث تقصد احد المعنيين, وتريد إفهام المعنى الآخر. وكذلك التوقف واخذ النفس أثناء الكلام. وأنت تقصد قطع الذي تقوله عن سابقه في المعنى، ولكن السامع لا يلتفت إلى ذلك.
ــــــــــــــــــــ[338]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
وكذلك لو نطقت بلفظ مفرد لا تريد إلا معناه. ولكن السامع يفهم منه جملة بتقدير مبتدأ أو فعل أو فاعل أو مفعول به. وتكون الجملة عندئذ كاذبة.
ولا حاجة إلى التمثيل إلى ذلك، إذ قد يكون سبباً لتعليم الأمور المرجوحة، أو تعليم للمكر، وكلاهما مرجوح وقد يكون محرماً. مضافا إلى شيوع وكثرة استعماله وأمثلته بين الناس.
والفقهاء يفتون عادة بحلية وجواز كل ذلك، لوجود التطابق بين القول والقصد والواقع، فلا يوجد كذب في البين. كل ما في الأمر أن هناك تعمد لإيقاع السامع في الوهم أو في خلاف الواقع. وهذا بمجرده ليس حراماً ما لم تترتب عليه نتائج محرمة أخرى.

مستثنيات الكذب:
ما يحتمل استثناؤه وإخراجه عن حرمة الكذب عدة أمور:
الأمر الأول: الإصلاح ولعله أوضح وأشهر المستثنيات.
وقد وردت فيه روايات صحيحة وصريحة مضافاً إلى الإجماع منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله . قال: “المصلح ليس بكذاب”(1). وقد استعمل فيها أسلوب (التنزيل) يعني تنزيل الكذب منزلة الصدق. فيكون دليلا على كونه مثله ليس بحرام ولا مستحقاً عليه للعقاب.
والعلة المنصوصة في هذه الصحيحة هي الإصلاح فانه عمل المصلح فقد يقال: ان المصلح كما قد يكون مصلحاً بين فردين أو جماعتين، وهو ما دعوه: بإصلاح ذات البين، كذلك قد يكون في أمور اجتماعية أخرى ليس
ــــــــــــــــــــ[339]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) الوسائل: كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة باب141 حديث3.
سببها العداوة المسبقة.
فان قيل: أن القدر المتيقن من الإصلاح هو ذلك، فلا يجوز أن نأخذ مورد الاستثناء من المحرم أكثر منه.
قلنا: نعم، إلا أن إطلاق الرواية أوسع من ذلك، ومن حقنا أن نأخذ بإطلاقها. لأن عمل المصلح إن كان هو (الصلح) تعين عرفاً بالعمل الذي تسبقه العداوة. ولا مصداق له غير ذلك. وأما إذا كان عمل المصلح هو (الإصلاح) كما هو واضح عرفاً. فان الإصلاح كما يتم في الصلح يتم في غيره من جهات الإصلاح. فيكون كل كذب لأي إصلاح جائزاً.
فإن قلت: إن هذا مقيد في روايات أخرى كخبر عيسى بن حسان(1) قال: “سمعت أبا عبد الله  يقول: كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً إلا كذباً في ثلاثة… إلى أن قال: أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا، يريد بذلك الإصلاح بينهما”.
إذن تكون سائر أنحاء الإصلاح الأخرى خارجة من الاستثناء، وداخلة في الحرمة.
إلا أن جوابه:
أولا: إن هذه الرواية ضعيفة السند فلا تكون حجة لإثبات المدعى.
ثانياً: إنها وان كانت خاصة إلا لا تنافي ثبوت العام بدليل آخر. لأن العام والخاص هنا مثبتان، ومعه يمكن الأخذ بهما معاً مع صحة سندها، وليس بينهما تناف ليحصل التقييد.
ــــــــــــــــــــ[340]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) نفس المصدر: حديث5.
وقد يخطر في البال: إن إصلاح ذات البين كذباً أمر غير منتج عملياً، لأن (حبل الكذب قصير) كما في المثل، وسيأتي زمن يفتضح فيه الكاذب وينكشف الأمر فيعود العداء بعد الصلح.
وهذا الكلام قريب بالنسبة إلى بعض أساليب الكذب، إلا أن المصلح إذا كان ذكياً وعارفاً بواقعه وبنفوس ذوي العداء، سوف يستطيع أن يكذب بشكل لا يؤدي إلى تلك النتيجة. مضافاً إلى أن الطرفين بعد أن (تورطوا) بالصداقة فمن الصعب عليهم أن يعودوا إلى العداء لمجرد انكشاف كذب المصلح، إلا أن يكون الأمر مهماً جداً في نظرهم وتلك حالات نادرة بلا إشكال.
الأمر الثاني: من مستثنيات حرمة الكذب: المكيدة في الحرب.
ففي رواية عن النبي  قال: “ثلاثة يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب الخ”(1).
غير إن هذه الرواية ضعيفة السند، فيبقى الأمر على الحكم بالحرمة ما لم يكتسب مصلحة دينية خاصة تكون هي احد مستثنيات الكذب مستقلا، كما سيأتي.
الأمر الثالث: كذب الوعد على الزوجة. ففي نفس الرواية قال: “وعدتك زوجتك. وفي رواية أخرى: أو رجل وعد أهله شيئاً وهو لا يريد أن يتم لهم”(2).
ويمكن الجواب على ذلك:
ــــــــــــــــــــ[341]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر: حديث2.
(2) المصدر: حديث5.
أولا: بضعف سند هذه الروايات فلا تكون حجة ما لم تضم إليها عمل الأصحاب من حيث أن فقهائنا عملوا بها وأفتوا على طبقها بغض النظر عن الجواب الآتي.
ثانياً: إن هذه الروايات إنما تجيز خلف الوعد على الزوجة. وخلف الوعد جائز على الزوجة وغيرها وليس في المقام حكم جديد.
ولعل السبب في التركيز على ذلك في هذه النصوص هو علمهم سلام الله عليهم بمدى الإحراج الذي يقع به الأزواج أمام زوجاتهم من كثرة الطلب والمطالبة.
ومعه فما عليه المشهور بين الناس من حلية الكذب على الزوجة ليس بصحيح فان الكذب الصريح حرام على كل حال.
الأمر الرابع: من المستثنيات: ما تقتضيه المصلحة العامة الدينية أو الدنيوية من استعمال الكذب. لأن المصالح العامة تكون أهم في نظر الشارع من الأحكام الفردية. غير إن اختصاص ذلك بالضرورات الاجتماعية هو الأرجح. وأما شموله للمصالح العامة غير الضرورية فمحل إشكال بلا إشكال.
ومعه فما يعتقده الناس من جواز الكذب لمصلحة بحيث يشمل حتى المصالح الشخصية، غير صحيح أساساً. لأنه مشكل في المصالح العامة فضلا عن الخاصة. بل هو في المصالح الخاصة حرام صريح. وهل حرمته الشرعية إلا لهذا ونحوه؟
الأمر الخامس: صورة الضرورة فان أدلة رفع التكاليف في موارد الحرج والعسر والضرر والضرورة والتقية شاملة لحرمة الكذب وغيره. فمع وجود مثل هذه الموارد يكون الكذب جائزاً. من دون أن يخدع الفرد نفسه أو يكذب عليها، فيعتبرها في ضرورة وليست كذلك.
ــــــــــــــــــــ[342]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
الأمر السادس: ما يحتمل أن يكون مستثنى من حرمة الكذب هو الكذب في الهزل إذ قد يقال: إن مورد الهزل هين بحيث لا يعتنى به شرعاً فلا يكون الكذب فيه حرام. إلا إن هذا غير صحيح.
أولا: لكون المورد مشمولا لعموم أدلة تحريم الكذب اعني ما دل على أن كل كذب حرام يعني سواء كان في جد أو هزل.
ثانياً: استفاضة الروايات بالنهي عن الكذب في الهزل بنفسه وقد عقد له الحر العاملي في الوسائل باباً كاملاً.
منها: ما عن أبي عبد الله  قال(1): “كان علي بن الحسين يقول لولده: اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل”.
وعن الأصبغ بن نباته(2) قال: “قال أمير المؤمنين : لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده”.
وفي خبر آخر في وصية النبي  لأبي ذر منها: “وان الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس ليضحكهم فيهوي في جهنم ما بين السماء والأرض. يا أبا ذر ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم. ويل له ويل له ويل له”(3).
إذن، فالكذب في الهزل محرم وليس من المستثنيات. أعاذنا الله من كل خطأ وزلل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله أجمعين.
ــــــــــــــــــــ[343]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء العاشر
( ) المصدر: باب140، حديث10.
(2) المصدر: حديث2.
(3) المصدر: حديث4.

الفهرس
المستدرك
فصل: الساعة ………. 9
الساعة المثالية ………. 17
الحكم الشرعي للساعات ………. 18
تفاصيل أخرى ………. 20
فصل: الاستبراء ………. 22
الاستبراء بالخرطات ………. 24
استبراء الحيوان الحلال ………. 28
الاستبراء من وطيء الشبهة ………. 32
فصل: علامات الموت ………. 37
فصل: الاحتضار ………. 44
فصل: ولاية عدول المؤمنين ………. 56
الثبوت الإجمالي ………. 57
شروط الولاية ………. 63
النتائج ………. 71
جواز النقض ………. 75
فصل: اختلاف المقومين ………. 80
وجه الحاجة إلى ذلك ………. 80
طرق الاستخراج ………. 87
طرق أخرى ………. 99
فصل: الشعر فقهياً ………. 102
مرجوحية الشعر ………. 105
رجحان الشعر ………. 114
الشعر الباطل ………. 122
شعر النساء ………. 125
فصل: القصة فقهياً ………. 128
مرجوحية القصة ………. 130
رجحان القصة ………. 140
القصة في القرآن الكريم ………. 143
فصل: الذمي ………. 150
شرائط الذمة ………. 151
الاستنتاج الفقهي ………. 155
فصل: التوبة فقهياً ………. 163
كيف تحصل التوبة؟ ………. 169
نتائج التوبة ………. 172
حكم التوبة فقهياً ………. 175
مناجاة التائبين ………. 177
فصل: قاعدة اليسور ………. 179
شرائط ثبوت القاعدة ………. 181
أدلة القاعدة من السنة الشريفة ………. 188
مداليل النصوص ………. 190
أهم موارد تطبيق القاعدة ………. 203
المورد الأول: شمولها للمعاملات ………. 205
المورد الثاني: شمولها للمستحبات ………. 209
المورد الثالث: شمولها للمحرمات والمكروهات ………. 211
المورد الرابع: شمولها للمقدمات ………. 213
فصل: قاعدة الإلزام ………. 214
أدلة القاعدة ………. 214
استفادة القاعدة ………. 218
النص الأول ………. 219
النص الثاني ………. 224
النص الثالث ………. 228
سؤال وجواب؟ ………. 230
نتائج القاعدة ………. 232
فصل: القرعة ………. 235
أدلة القرعة ………. 235
الاستدلال بالقرآن الكريم ………. 235
وأما السنة الشريفة ………. 236
شرائط القرعة ………. 240
بقي التنبيه على أمور ………. 246
الأمر الأول: الالتباس ………. 246
الأمر الثاني: إنجاز القرعة بدون شرائطها ………. 246
الأمر الثالث: القرعة أمارة أم أصل ………. 249
الأمر الرابع: الفرق بين القرعة والقسمة ………. 251
فصل: العمد ………. 253
معناه في اللغة ………. 253
حقيقة العمد ………. 258
العمد فقهياً ………. 263
اختلاف اصطلاحات الفقهاء في العمد ………. 266
فصل: الدعاء ………. 268
أصله في اللغة ………. 268
الدعاء لدى المتشرعة ………. 271
فوائد الدعاء ………. 273
الدعاء أخلاقياً ………. 275
الدعاء فقهياً ………. 276
النية الجزمية في الدعاء ………. 278
الزيادة في الدعاء ………. 282
نية القربة في الدعاء ………. 286
فصل: التشويه الجسدي ………. 290
حكمة التشويه ………. 291
الأسس الفقهية لأحكام المشوهين ………. 296
فصل: أصول الدين ………. 301
ما هي أصول الدين؟ ………. 301
أصول الدين في القرآن الكريم ………. 304
التعرض إلى أمور ………. 308
الأمر الأول: الاجتهاد في أصول الدين ………. 308
الأمر الثاني: في عالمية أصول الدين ………. 311
الأمر الثالث: مستويات أصول الدين ………. 313
فصل: الكذب ………. 318
ما هو الكذب؟ ………. 318
استعمالات الكذب في القرآن الكريم ………. 323
أدلة الحكم الشرعي للكذب ………. 332
الكذب موضوعاً ………. 335
أساليب أخرى للكذب ………. 338
مستثنيات الكذب ………. 339
الفهرس ………. 345