منهج الصالحين
فتاوى
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثاني
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيمة لما تضمّ من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإنّ فكر السيد الوالد(قدس) يضمّ جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصبّ في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء المؤمنين وبإشراف مباشر منّا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشعّ شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أنّ كلّ كتاب له(قدس) لا يضمّ مقدمة لنا فهو ليس صادراً عنّا على أن يكون المخوّل من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطّياً منّا.
مقتدى الصدر
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الأول
النية
(مسألة 1) يشترط في صحة الصوم النيّة على وجه القربة كغيره من العبادات. ولا يكفي مجرد الإمساك عن المفطرات سواء كان اختيارياً أو عن عجزه عن التناول أو لوجود الصارف النفساني عنها. ما لم يقترن بالنية. نعم، خرج بالدليل كفاية صوم النائم الناوي قبل نومه. فلو نوى الصوم ليلاً ثم غلبه النوم قبل الفجر أو نام اختياراً حتى دخل الليل صح صومه. وكذلك لو نام عدة أيام بنية مسبقة.
(مسألة 2) لا يلحق بالنوم السكر والإغماء على الأحوط وجوباً.
(مسألة 3) لا يجب قصد الوجوب والندب ولا الأداء والقضاء، فيما إذا كان الصوم متعيناً شرعاً كصوم شهر رمضان أو النذر المعين. وعندئذ يكفي القصد إلى المأمور به عن أمره، أو نية القربة. وأما إذا كان الصوم مردداً فلا بد من تعيينه. كالصوم المستحب مع القضاء في سعة الوقت.
(مسألة 4) يعتبر في القضاء عن غيره قصد امتثال الأمر المتوجه إليه بالنيابة عن الغير لا الأمر المتوجه إلى الآخر، على ما تقدم في النيابة في الصلاة. كما أن فعله عن نفسه يتوقف على امتثال الأمر المتوجه إليه بالصوم عن نفسه. ويكفي في المقامين القصد الإجمالي.
(مسألة 5) لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، بل إذا قصد الصوم عن المفطرات إجمالاً كفى. بل لا دخل لعنوان المفطرات في صحة النية. فلو قصد الإتيان بالعبادة المشروعة في هذا الوقت كفى أيضاً.
ــــــ[7]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 6) لا يقع في شهر رمضان صوم غيره وإن لم يكن مكلفاً بالصوم، كالمسافر، فإن نوى غيره بطل. إلا أن يكون جاهلاً به أو ناسياً له. فيجزي عن رمضان لا عمّا نواه.
(مسألة 7) يكفي في صحة صوم شهر رمضان القصد إليه ولو إجمالاً. فإذا نوى الصوم المشروع في غد، وكان من رمضان أجزأ منه. أما إذا قصد صوم غد دون وصفه بالمشروع ونحوه لم يجز. وكذا الحكم في سائر أنواع الصوم من النذر أو الكفارة أو القضاء. فما لم يقصد المعين لا يصح. نعم، إذا قصد ما في ذمته وكان واحداً أجزأ عنه. ويكفي في صحة الصوم المندوب المطلق نية صوم غد قربة إلى الله تعالى إذا لم يكن عليه صوم واجب على الأحوط وجوباً في قضاء نفس السنة والأحوط استحباباً في قضاء ما قبلها. ولو كان الغد من الأيام البيض مثلاً، فإن قصد الطبيعة الخاصة صح لها وإلا صح مندوباً مطلقاً. وكذا لو قصد الطبيعة المهملة المنطبقة على الخاص والمطلق. على الأظهر.
(مسألة 8) وقت النية في الواجب المعين ولو بالعارض كالنذر يكون عند طلوع الفجر الصادق، بحيث يحدث الصوم حينئذ مقارناً للنية. وفي الواجب غير المعين يمتد وقتها إلى الزوال وإن تضيق وقته. فإذا أصبح ناوياً للإفطار وبدا له قبل الزوال أن يصوم واجباً فنوى الصوم أجزأه. ما لم يتناول المفطر أو يكون إفطاره في أول النهار تقييدياً على الأحوط. وأما تجديد النية بعد الزوال فغير مجز. وفي المندوب يمتد وقتها إلى أن يبقى من النهار ما يمكن فيه تجديد النية.
(مسألة 9) يجتزأ في شهر رمضان كله بنية واحدة إذا حصلت بعد الهلال. والظاهر كفاية ذلك في غيره أيضاً مما يشترط فيه التتابع في الأصل كصوم الكفارة أو بالعارض. وأما في غيرها فالأحوط تجديد النية في كل ليلة يراد الصيام في غدها، أو عند الفجر أو قبل الزوال.
(مسألة 10) إذا لم ينوِ الصوم في شهر رمضان لنسيان الحكم أو الموضوع أو للجهل بهما ولم يستعمل مفطراً،، ففي جواز الاجتزاء بتجديد نيته إذا تذكر أو علم
ــــــ[8]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
قبل الزوال إشكال. وإن كان الأظهر الصحة. والأحوط له استحباباً القضاء أيضاً.
(مسألة 11) إذا صام يوم الشك بنية شعبان ندباً أو قضاء أو نذراً أو بنية رجاء المطلوبية أو ما في الذمة أو بقصد الواقع أجزأ عن شهر رمضان إن كان، وإذا تبين له أنه من رمضان قبل الزوال أو بعده جدد نية الوجوب. وإن صامه بنية رمضان بطل، وإن صامه على أنه إن كان من شعبان كان ندباً وإن كان من رمضان كان وجوباً فالظاهر البطلان.
(مسألة 12) إذا أصبح في يوم الشك ناوياً للإفطار، فتبين أنه من رمضان قبل تناول المفطر، فإن كان قبل الزوال جدد النية واجتزأ به وإن كان الأحوط ضم القضاء إليه. وإن كان بعده أمسك نهاره وعليه قضاؤه. وإن كان الأقوى أن الإمساك على وجه الاحتياط الاستحبابي.
(مسألة 13) يجوز تناول المفطر في يوم الشك ما لم يثبت دخول شهر رمضان. ويجب الصوم يوم الثلاثين ما لم يثبت العيد.
(مسألة 14) تجب استدامة النية إلى آخر النهار. فإذا نوى القطع فعلاً أو تردد عن قناعة لا عن وسواس، بطل صومه. وكذا إذا نوى القطع فيما يأتي أو تردد فيه أو نوى تناول المفطر مع العلم بمفطريته. وإذا تردد للشك في صحة صومه فالظاهر الصحة. هذا في الواجب المعين. أما الواجب غير المعين فلا يقدح شيء من ذلك فيه إذا رجع إلى نيته قبل الزوال. وكذلك في شهر رمضان. وإن كان الأحوط استحباباً ضم القضاء إليه.
(مسألة 15) يصح العدول في النية من صوم إلى صوم على إشكال إلا إذا فات وقت نية الصوم المعدول إليه فمن أمثلة الصحة: أن ينوي تناول المفطر في الواجب المعين قبل الزوال فيبطل صومه – كما سبق – فيجدد نية صوم غير معين. وكذلك لو نوى المفطر في غير المعين بعد الزوال، فيبطل صومه، جاز أن ينوي الصوم المستحب.
ــــــ[9]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل الثاني
المفطرات
وهي أمور:
الأول والثاني: الأكل والشرب مطلقاً، ولو كانا قليلين أو غير معتادين. بل كل ما يدخل المعدة ولو عن غير الطريق المعتاد.
الثالث: الجماع قبلاً ودبراً فاعلاً ومفعول به حياً وميتاً حتى البهيمة على الأحوط وجوباً. ولو قصد الجماع وشك في الدخول أو بلوغ مقدار الحشفة بطل صومه، ولكن لم تجب عليه الكفارة. ولا يبطل الصوم إذا قصد التفخيذ – مثلاً – فدخل غفلة في أحد الفرجين.
(مسألة 16) ما قلناه الآن عن الجماع مبطل للصوم أنزل أم لم ينزل. وكذلك إن تعمد الإنزال أو تعمد سببه التام أو المعتاد بطل حتى بدون جماع. فإن تعمد السبب ولم ينزل بطل صومه، ولم تجب عليه الكفارة.
(مسألة 17) لا يختلف إبطال الصوم بالجماع أو تعمد الإنزال أو تعمد سببه بين أن يكون حلالاً أو حراماً بالأصل.
الرابع: الكذب على الله تعالى أو على رسول الله أو على الأئمة .
ولو على أحدهم فضلاً عن الأكثر. بل الأحوط إلحاق الأنبياء عليهم السلام بهم.
وأما إلحاق أوصيائهم وغيرهم من خيار الخلق ولو من غير البشر كالملائكة، فهو مبني على الاحتياط الاستحبابي. وذلك مبطل من غير فرق بين أن يكون في أمر ديني أو دنيوي وسواء كان كفراً أو لم يكن. وإذا قصد الصدق فكان كذباً فلا
ــــــ[10]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بأس. وإذا قصد الكذب فكان صدقاً كان من قصد المفطر مع العلم بالحكم. وقد تقدم البطلان به.
(مسألة 18) إذا تكلم بالكذب غير موجه خطابه إلى أحد، ولم يكن هناك من يسمعه. أو كان موجهاً إلى من لا يفهم كالحيوان أو الميت، ففي بطلان صومه إشكال. والأظهر الصحة إذا أحرز عدم سماع من يفهم فإن أحرز وجوده أو شك فيه فالأحوط القضاء.
الخامس: رمس تمام الرأس في الماء ولو بدون العنق. من دون فرق بين الدفعة والتدريج. ولا يقدح رمس أجزائه على التعاقب وإن استغرقه وكذا إذا ارتمس، وقد لبس ما يمنع وصول الماء إلى البدن كما يصنع الغواصون.
والأحوط الاقتصار على الحكم بالصحة على ما إذا كان الماء بعيداً عن رأسه، كما لو لبس على رأسه كرة زجاجية أو نحوها. وأما بدون ذلك فيصدق عرفاً غمس الرأس فيكون الحكم بالصحة مشكلاً إلا أن الأقوى مع ذلك كون القضاء مبنياً على الاحتياط الاستحبابي.
(مسألة 19) في إلحاق الماء المضاف بالمطلق إشكال. والأظهر عدم الإلحاق. وإن كان الأحوط إلحاقه.
(مسألة20) إذا ارتمس الصائم عمداً ناوياً الاغتسال، فإن كان ناسياً لصومه صح صومه وغسله. وأما إذا كان ذاكراً له. فإن كان في شهر رمضان بطل صومه وغسله. وأما في الواجب المعين غير شهر رمضان. فيبطل صومه بنية الارتماس ويمكن الحكم بصحة غسله خاصة إذا كان ملتفتاً حال غسله إلى بطلان صومه. وأما بخلافه فالأحوط بطلان الغسل. وأما في غير ذلك من أنواع الصوم الواجب أو المستحب، فلا ينبغي الإشكال في صحة غسله وإن بطل صومه.
السادس: إيصال الغبار الغليظ إلى جوفه عمداً. بل الأحوط إلحاق غير الغليظ به إذا كان معتداً به. لا يفرق فيه بين التراب وغيره مما له أجزاء صلبة
ــــــ[11]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كغبار الطحين ونشارة الخشب. ولا فرق بين ما يعسر التحرز عنه وغيره ما دام غليظاً إلا إذا خرج عن الاختيار. والأحوط استحباباً إلحاق الدخان والبخار به. ولا بأس به مع النسيان أو الغفلة أو القهر أو تخيل عدم الوصول. إلا إذا أصبح في فمه طيناً فابتلعه متعمداً.
السابع: تعمد البقاء على جنابة حتى يطلع الفجر من شهر رمضان وقضائه.
أما في غيرهما من الصوم الواجب ففيه إشكال. أما الصوم المندوب فلا يقدح فيه ذلك.
(مسألة 21) الأقوى عدم البطلان بالإصباح جنباً لا عن عمد كالنوم والنسيان والإكراه في صوم رمضان وغيره من الصوم الواجب المعيّن، إلا قضاء رمضان، فلا يصح معه على الأحوط استحباباً.
(مسألة 22) لا يبطل الصوم واجباً كان أو مندوباً معيناً أو غيره، بالاحتلام في أثناء النهار، كما لا يبطل بالبقاء على حدث مس الميت عمداً حتى يطلع الفجر ولا بالمس خلال النهار ولو عمداً.
(مسألة 23) إذا أجنب عمداً ليلاً، في وقت لا يسع الغسل ولا التيمم ملتفتاً إلى ذلك. فهو من تعمد البقاء على الجنابة. نعم إذا تمكن من التيمم وجب عليه التيمم والصوم. وصح صومه وإن كان الأحوط القضاء. وإن ترك التيمم عمداً وجب عليه القضاء والكفارة.
(مسألة 24) إذا نسي غسل الجنابة ليلاً، حتى مضى يوم أو أيام من شهر رمضان، صح صومه، والأحوط استحباباً القضاء. وكذلك الحال في الصوم الواجب معيناً أو غير معين. والأقوى عدم إلحاق غسل الحيض والنفاس إذا نسيته المرأة بالجنابة، بل الأقوى صحة الصوم حتى مع تعمد الترك.
(مسألة 25) إذا كان المجنب لا يتمكن من الغسل لمرض ونحوه، وجب عليه التيمم قبل الفجر. فإن تركه بطل صومه. وإن تيمم لم يجب أن يبقى
ــــــ[12]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
مستيقظاً حتى الفجر، وإن كان أحوط.
(مسألة 26) إذا ظن سعة الوقت للغسل فأجنب، فبان الخلاف فلا شيء عليه مع المراعاة. أما بدونها فالأحوط القضاء.
(مسألة 27) الأحوط كون حدث الحيض والنفاس كالجنابة في أن تعمد البقاء عليهما مبطل للصوم، إلا أن الأقوى كونه احتياطاً استحبابياً. وإذا حصل النقاء في وقت لا يسع الغسل ولا التيمم، أولم تعلم بنقائها حتى طلع الفجر صح صومها، مع تجديد النية.
(مسألة 28) المستحاضة الكثيرة، يشترط في صحة صومها الغسل لصلاة الصبح، وكذا للظهرين. بل لليلة الماضية والليلة الآتية أيضاً على الأحوط استحباباً. فإذا تركت إحداها بطل صومها، ولا يجب تقديم غسل الصبح على الفجر، بل لا يجزي لصلاة الصبح إلا مع وصلها به بحيث لم ينزل دم أو لم يناف الموالاة العرفية وإذا اغتسلت لصلاة الليل لم تجتزئ به للصبح ولو مع عدم الفصل المشار إليه.
(مسألة 29) إذا أجنب في شهر رمضان – ليلاً – ونام حتى أصبح. فإن نام ناوياً لترك الغسل أو متردداً فيه أو مهملاً له لحقه حكم تعمد البقاء على الجنابة. وإن نام ناوياً للغسل أو غافلاً عنه. فإن كان في النومة الأُولى صح صومه. وإن كان في النومة الثانية، بأن نام بعد العلم بالجنابة ثم أفاق وتذكر جنابته ثم نام ثانياً غير عازم على تركه حتى أصبح. وجب عليه القضاء دون الكفارة على الأقوى. وكذا إذا كان بعد النومة الثانية، وإن كان الأحوط استحباباً وجوب الكفارة أيضاً.
بل الأحوط ذلك في النوم الثاني بل كذا في الأُولى إذا لم يكن معتاد الانتباه. ونام مع الالتفات إلى ذلك، بل بدونه أيضاً.
(مسألة 30) يجوز النوم الأول والثاني مع احتمال الاستيقاظ وكونه معتاد الانتباه. والأحوط استحباباً تركه إذا لم يكن معتاد الانتباه. وأما النوم الثالث
ــــــ[13]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فالأَولى تركه مطلقاً وخاصة مع إحراز ضيق الوقت.
(مسألة 31) إذا احتلم في نهار شهر رمضان لا تجب المبادرة إلى الغسل منه ويجوز له الاستبراء بالبول وإن علم ببقاء شيء من المني في المجرى. لا يفرق فيه بين ما إذا كان بوله قبل الغسل أو بعده بحيث وجبت عليه إعادته. وإن كان الأحوط خلافه.
(مسألة 32) لا يعد النوم الذي احتلم فيه ليلاً من النوم الأول. بل إذا أفاق ثم نام كان نومه بعد الإفاقة هو النوم الأول.
(مسألة 33) الظاهر إلحاق النوم الرابع والخامس بالثالث. وهذا الترقيم إنما هو للنوم الطبيعي لا الذي يستيقظ وينام لحظة بعد أخرى.
الثامن: من المفطرات. إنزال المني نهاراً بفعل ما يؤدي إلى نزوله أو كان سبباً معتاداً له. مع احتمال ذلك احتمالاً معتداً به، بل مطلقاً على الأحوط وأما إذا كان واثقاً بالعدم فنزل المني اتفاقاً، أو سبقه المني بلا فعل شيء لم يبطل صومه.
التاسع: الاحتقان بالمائع، ولا بأس بالجامد، كما لا بأس بما يصل إلى الجوف من غير طريق تناول الطعام طبيعياً كان أم غيره مما لا يسمى أكلاً ولا شرباً. كما إذا صب دواءاً في جرحه أو في أذنه أو في إحليله أوعينه فوصل إلى جوفه. وكذا إذا طعن برمح أو سكين فوصل إلى جوفه. ونحو ذلك. نعم إذا فرض إحداث منفذ لوصول الغذاء إلى الجوف من غير طريق الحلق، كما يحكى عن بعض أهل زماننا، فلا يبعد صدق الأكل والشرب حينئذ إذا أصبح معتاداً فيفطر به. بل حتى لو لم يصبح معتاداً على الأحوط. كما لا يبعد ذلك أيضاً إذا كان بنحو الاستنشاق عن طريق الأنف، وذهب إلى الجوف.
(مسألة 34) إدخال الطعام أو الدواء بالإبرة إلى المعدة مفطر. وأما إدخاله بالإبرة في اليد أو الفخذ أو نحوهما فإن كان من قسم (المغذي) فالأحوط كونه
ــــــ[14]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
مفطراً. وإن كان دواء فلا بأس به. وكذا تقطير الدواء في العين والأذن.
(مسألة 35) استعمال (البخاخ) لضيق النفس ونحوه مفطر إذا أحرز أن له مواد إضافية تدخل الجوف. وأما إذا شك في ذلك أو أحرز كونه مجرد الهواء أو الأوكسجين، لم يكن مفطراً.
(مسألة 36) الظاهر جواز ابتلاع ما يخرج من الصدر من الأخلاط إذا لم يصل فضاء الفم. وكذا ما ينزل من الرأس. وأما إذا وصل إليه فلا يجوز تعمد ابتلاعه.
(مسألة 37) لا بأس بابتلاع البصاق المجتمع في الفم وإن كان كثيراً، ولو كان اجتماعه باختياره كتذكر الحامض مثلاً. بل حتى لو كان ملامساً لما علق بالأسنان من الأطعمة إذا لم تنزل معه.
العاشر: تعمد القيء وإن كان لضرورة من علاج مرض ونحوه، ولا بأس بما كان بلا اختيار.
(مسألة 38) إذا خرج مع التجشؤ شيء ثم نزل من غير اختيار لم يكن مبطلاً. وإذا وصل إلى فضاء الفم فابتلعه اختياراً بطل صومه وعليه الكفارة على الأحوط.
(مسألة 39) إذا ابتلع في الليل ما يتعين قيؤه في النهار بطل صومه مع الالتفات إلى النتيجة وإن لم يقئه، وإلا فلا يبطل صومه على الأظهر من غير فرق في ذلك بين الواجب المعين وغير المعين. كما أنه لا فرق بين ما إذا انحصر إخراج ما ابتلعه بالقيء وعدم الانحصار به.
(مسألة 40) ليس من المفطرات مص الخاتم ومضغ الطعام للصبي. وذوق المرق ونحوها مما لا يتعدى إلى الحلق أو تعدى من غير قصد أو نسياناً للصوم.
أما ما يتعدى عمداً فمبطل وإن قل. وكذا لا بأس بمضغ العلك وإن وجد له طعماً
ــــــ[15]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
في ريقه ما لم يكن الطعم لتفتت أجزائه. ولا بأس بمص لسان الزوج والزوجة والأحوط الاقتصار على صورة ما إذا لم تكن عليه رطوبة.
(مسألة 41) المفطرات المذكورة إنما تفسد الصوم إذا وقعت على وجه العمد. ولا فرق بين العالم بالحكم والموضوع والعالم بالحكم مع الجهل بالموضوع أو الجاهل بالحكم سواء جهل الموضوع أو علمه على الأحوط.
والظاهر عدم الفرق في الجاهل بين القاصر والمقصر. بل الظاهر فساد الصوم بارتكاب المفطر حتى مع الاعتقاد بأنه حلال وليس بمفطر، إلا أنه يجب عليه القضاء على الأحوط دون الكفارة.
(مسألة 42) إذا وقعت هذه المفطرات منه على غير وجه العمد، كما إذا اعتقد أن هذا المائع الخارجي مضاف فارتمس فيه فتبين أنه ماء. أو أخبر عن الله ما يعتقد صحته فتبين كذبه لم يبطل صومه، وكذلك لا يبطل الصوم إذا كان ناسياً للصوم فاستعمل المفطر أو أدخل في جوفه شيء بدون اختياره.
(مسألة 43) إذا أفطر مكرهاً بطل صومه. إذا كان المفطر هو الأكل أو الشرب أو الجماع دون غيرها، وكذا إذا كان تناوله لتقية. سواء كانت التقية في ترك الصوم، كما إذا أفطر في عيدهم تقية، أم كانت في أداء الصوم، كالإفطار قبل الغروب.
(مسألة 44) إذا غلب على الصائم العطش وخاف الضرر من الصبر عليه أو كان حرجاً جاز له أن يشرب بمقدار الضرورة، إلا أن في فساد صومه إشكال إن كان في شهر رمضان، فيجب عليه الإمساك بقية النهار ولينوِ به الصوم رجاء المطلوبية والأحوط القضاء بعد ذلك برجاء المطلوبية أيضاً. وأما في غير صوم شهر رمضان من الواجب الموسع أو المعيّن، فلا يجب الإمساك.
(مسألة 45) يكره للصائم ملامسة النساء وتقبيلها وملاعبتها إذا لم يكن بقصد الإنزال ولا كان من عادته. وإن قصد الإنزال كان من قصد المفطر سواء كان من
ــــــ[16]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
عادته ذلك أو لم يكن. ويكره له الاكتحال بما يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق كالعنبر والمسك. وكذا دخول الحمام إذا خشي الضعف، وإخراج الدم المضعف. والسعوط مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق، وإلا ففيه إشكال، وشم كل نبات طيب الريح وبل الثوب على الجسد، وجلوس المرأة في الماء والحقنة بالجامد. وقلع الضرس بل مطلق إدماء الفم، والسواك بالعود الرطب والمضمضة عبثاً، وإنشاد الشعر إلا في مراثي الأئمة ومدائحهم.
(مسألة 46) في بعض الأخبار: إِذَا صُمْتُمْ فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنِ الْكَذِبِ وغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ ولَا تَنَازَعُوا ولَا تَحَاسَدُوا ولَا تَغْتَابُوا ولَا تَمَارَوْا ولَا تَكْذِبُوا ولَا تُبَاشِرُوا ولَا تُخَالِفُوا ولَا تَغْضَبُوا ولَا تَسَابُّوا ولَا تَشَاتَمُوا ولَا تَنَابَزُوا ولَا تُجَادِلُوا ولَا تُبَاذُوا ولَا تَظْلِمُوا ولَا تُسَافهوا ولَا تَزَاجَرُوا ولَا تَغْفُلُوا عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعالى وعَنِ الصَّلَاةِ والتَزِمُوا الصَّمْتَ والسُّكُوتَ والْحِلْمَ والصَّبْرَ والصِّدْقَ ومُجَانَبَةَ أَهْلِ الشَّرِّ. واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ والْكَذِبَ والمِرَاءَ والخُصُومَةَ وظَنَّ السُّوءِ والْغِيبَةَ والنَّمِيمَةَ، وكُونُوا مُشْرِفِينَ عَلَى الْآخِرَةِ مُنْتَظِرِينَ لِأيّامِكُمْ، مُنْتَظِرِينَ لِمَا وَعَدَكُمْ اللهُ، مُتَزَوِّدِينَ لِلِقَاءِ اللهِ. وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ والْوَقَارَ والخُشُوعَ والخُضُوعَ وذُلَّ الْعَبْدِ الخَائِفِ مِنْ مَوْلَاهُ، رَاجِينَ خَائِفِينَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، قَدْ طَهَّرْتُمُ الْقُلُوبَ مِنَ الْعُيُوبِ وتَقَدَّسَتْ سَرَائِرُكُمْ مِنَ الْخِبِّ ونَظَّفْتَ الْجِسْمَ مِنَ الْقَاذُورَاتِ. تَبْرَأ إِلَى اللهِ مِنْ عَدَاهُ. ووَالَيْتَ اللهَ فِي صَوْمِكَ وبِالصَّمْتِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ مِمَّا قَدْ نَهَاكَ اللهُ عَنْهُ فِي السِّرِّ والْعَلَانِيَةِ وخَشِيتَ اللهَ حَقَّ خَشْيَتِهِ فِي السِّرِّ والْعَلَانِيَةِ، ووَهَبْتَ نَفْسَكَ للهِ فِي أَيَّامِ صَوْمِكَ وفَرَّغْتَ قَلْبَكَ لَهُ فِيمَا أَمَرَكَ ودَعَاكَ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَأَنْتَ صَائِمٌ للهِ بِحَقِيقَةِ صَوْمِهِ صَانِعٌ لِمَا أَمَرَكَ. وكُلَّمَا نَقَصْتَ عَنْهَا شَيْئاً مِمَّا بَيَّنْتُ لَكَ فَقَدْ نَقَصَ مِنْ صَوْمِكَ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، الحديث. أقول: أن هذه الصفات مطلوبة في كل الأحوال سواء في الصوم أو غيره، كما لا يختلف الصوم بين كونه واجباً أو مستحباً وسواء كان أداء أم قضاء أم كفارة أم غير ذلك.
ــــــ[17]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 47) إذا طلب الأخ في الإيمان من الصائم صوماً مستحباً تناول المفطر استحب له ذلك. سواء كان الآخر عالماً بصومه أم جاهلاً، بل الظاهر شمول الحكم لكل صوم يجوز نقضه وإن كان واجباً، كما في الإفطار قبل الزوال للنذر غير المعين وغيره، غير أن هذا لا يعني أن طلب الإفطار من الصائم راجح بل هو مرجوح بلا إشكال.
(مسألة 48) يستحب تقديم صلاتي المغرب والعشاء على الإفطار ليلاً، إلا لمن دعي إلى الإفطار من قوم آخرين أو نازعته نفسه إليه بحيث لا يستطيع أداء الصلاة بحدودها الصحيحة. وفي الخبر ما مضمونه: أنه من صلى قبل الإفطار كانت له صلاة صائم.
ــــــ[18]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل الثالث
كفارة الصوم
تجب الكفارة بتعمد أي شيء من المفطرات، إذا كان الصوم مما تجب فيه الكفارة كشهر رمضان وقضائه بعد الزوال والصوم المنذور المعين. والظاهر اختصاص وجوب الكفارة بمن كان عالماً بكون ما يرتكبه مفطراً. وأما إذا كان جاهلاً به أو كان يرى أنه غير مفطر، فلا تجب الكفارة، حتى إذا كان مقصراً ولم يكن معذوراً في جهله، نعم. إذا كان ملتفتاً متردداً فالأحوط له ثبوت الكفارة. وكذلك إذا كان عالماً بحرمة ما يرتكبه كالكذب على الله سبحانه، وإن كان جاهلاً بمفطريته، إلا أن الأقوى أن هذا مبني على الاحتياط الاستحبابي.
(مسألة 49) كفارة إفطار يوم من شهر رمضان مخيرة بين عتق رقبة وصوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد وهو يساوي ثلاثة أرباع الكيلو، وكفارة إفطار قضاء شهر رمضان بعد الزوال إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد، فإن لم يتمكن صام ثلاثة أيام. وكفارة إفطار الصوم المنذور المعين كفارة يمين. وهي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين لكل واحد مد أو كسوة عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام، والأحوط وجوباً أن يكون بدل المد وجبة طعام مشبعة.
(مسألة 50) تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في يومين لا في يوم واحد إلا في الجماع والاستمناء على الأحوط فإنها تتكرر بتكررهما ومن عجز عن الخصال الثلاث فالأحوط أن يستغفر وجوباً والأحوط استحباباً أن يتصدق بما يطيق.
ــــــ[19]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ويلزمه التكفير عند التمكن على الأحوط إلا أن في كونه احتياطاً وجوبياً إشكال.
(مسألة 51) يجب في الإفطار على الحرام، كالخمر ولحم الخنزير والزنا والاستمناء المحرم، كفارة الجمع بين الخصال المتقدمة على الأحوط.
(مسألة 52) إذا أكره زوجته على الجماع في صوم شهر رمضان فالأحوط أن عليه كفارتين وتعزيرين، خمسين سوطاً. فيتحمل عنها الكفارة والتعزير، ولا فرق في الزوجة بين الدائمة والمنقطعة. ولا تلحق بها الأمة. أما إلحاق الزوجة للزوج إذا أكرهته فهو مبني على الاحتياط.
(مسألة 53) إذا علم أنه أتى بما يوجب فساد الصوم، وتردد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفارة معه لم تجب عليه. وإذا علم أنه أفطر أياماً ولم يدرِ عددها اقتصر في القضاء والكفارة على العدد المعلوم، وإذا شك أنه أفطر بالمحلل أو المحرم كفاه أحد الخصال. وإذا شك في أن اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه وقد أفطر قبل الزوال لم تجب عليه الكفارة.
وإن كان أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكين.
(مسألة 54) إذا فطر جاهلاً بوجوب الكفارة لم تسقط عنه وأما إذا أفطر جاهلاً بحرمة الإفطار مطلقاً أو في بعض الموارد، كالذي يريد السفر فيفطر قبل خروجه أو يتوهم جواز الإفطار في السفر بعد الزوال ونحو ذلك، فالظاهر في الجاهل القاصر، عدم وجوب الكفارة، وثبوتها للجاهل المقصر على الأحوط كما هو الأغلب.
(مسألة 55) إذا أفطر عمداً ثم انتقض صومه بعذر شرعي كما لو حاضت المرأة أو تنفست، أو سافر قبل الزوال سواء كان عازماً على السفر حين الإفطار أم لم يكن، وجبت الكفارة.
(مسألة 56) إذا كان الزوج مفطراً لعذر، فأكره زوجته الصائمة على الجماع لم يتحمل عنها الكفارة، وإن كان آثماً بذلك، ولا تجب الكفارة عليها ولكن
ــــــ[20]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يجب القضاء على الأحوط.
(مسألة 57) قد تكون الزوجة مكرهة في الابتداء ثم يحصل منها الرضا لغلبة الشهوة أو لأي سبب، فإن كان قبل الإيلاج اعتبرت راضية غير مكرهة. وإن كان بعده فهي بحكم المكرهة.
(مسألة 58) إذا تنازل الزوج عن إكراهه قبل الإيلاج بقيت على صومها.
وأي منهما كان صائماً وقصد ذلك اختياراً، فهو ممن قصد المفطر، وقد سبق حكمه.
(مسألة 59) يجوز التبرع بالكفارة عن الميت صوماً كانت أو غيره. وفي جوازه عن الحي إشكال والأقوى الجواز في غير الصوم.
(مسألة 60) وجوب الكفارة موسع، وإن كان الأحوط المبادرة مع الإمكان، ولكن لا يجوز التأخير إلى حد يعد تسامحاً في أداء الواجب.
(مسألة 61) مصرف كفارة الإطعام الفقراء أما بإحضارهم وإشباعهم وأما بالتسليم إليهم ما يكفي لذلك أو قيمته مع الاشتراط عليهم بصرفها في ذلك وإن كان يمكن القول بجواز صرفها في مطلق الحاجة الشخصية ما دامت مدفوعة بنية الكفارة.
(مسألة 62) يجوز إعطاء الكفارة والفدية من الهاشمي وغيره إلى الهاشمي وغيره.
(مسألة 63) لا يجزي في الكفارة مع الإمكان إشباع شخص واحد مرتين أو أكثر أو إعطائه مُدّين أو أكثر. بل لا بد من ستين نفساً إلا مع تعذر العدد، فيجوز ويجزي التكرار.
(مسألة 64) إذا كان للفقير عيال فقراء جاز إعطاؤهم بعددهم إذا كان ولياً عليهم أو وكيلاً عنهم في القبض. فإذا قبض شيئاً من ذلك كان ملكاً لهم، ولا يجوز التصرف فيه إلا بإذنهم إذا كانوا كباراً وإن كانوا صغاراً صرفه في إطعامهم.
وإذا لم يكن الفقير ولياً ولا وكيلاً، وكان ثقة جاز أن يكون وكيلاً عن الدافع في
ــــــ[21]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
صرف المال على الآخرين وهذا لا يختص به رب العائلة. بل ولا الفقير إذا صرفه على الفقراء.
(مسألة 65) الفقير الشرعي هو من لا يملك قوت سنته لا قوة ولا فعلاً له ولمن يعوله سواء كانوا واجبي النفقة أم لا بحيث لا يناسبه طردهم أو إيكالهم إلى الغير.
(مسألة 66) كل من يعوله الفقير الشرعي فهو فقير شرعي عادة كما أن كل من يعوله الغني الشرعي فهو غني شرعي عادة. ونعني بالعادة ما إذا كانوا يعيشون حالة عائلية متقاربة نسبياً. لا يختلف في ذلك الزوجة عن الذرية عن غيرهم كالوالدين. نعم، إذا اختص أحدهم بوارد خاص أمكن أن يكون غنياً بين فقراء أو إذا اختص بحاجات إضافية كالتداوي أمكن أن يكون فقيراً بين أغنياء.
(مسألة 67) تبرأ ذمة المكفر بمجرد ملك المسكين، ولا تتوقف البراءة على أكله الطعام، فيجوز له بيعه عليه وعلى غيره.
(مسألة 68) في التكفير بنحو التمليك يعطي الصغير والكبير سواء كل واحد مد. أو بمقدار الإشباع لمتوسط الناس، كما قلنا أنه الأحوط وجوباً.
(مسألة 69) يجب القضاء دون الكفارة في موارد:
الأول: نوم الجنب حتى يُصبح على تفصيل سابق.
الثاني: إذا أبطل صومه بالإخلال بالنية من دون استعمال المفطر.
الثالث: إذا نسى غسل الجنابة ومضى عليه يوم أو أيام على الأحوط استحباباً.
الرابع: إذا استعمل المفطر بعد طلوع الفجر بدون مراعاة، ولا حجة على طلوعه. أما إذا قامت حجة على طلوعه وجب القضاء والكفارة، ما لم يثبت الخلاف بعد ذلك. وإذا كان مع المراعاة، واعتقاد بقاء الليل، فلا قضاء ولا
ــــــ[22]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كفارة. سواء أخبر مخبر ببقاء الليل أم أخبر بطلوع الفجر واعتقد سخريته، هذا إذا كان صوم رمضان وفي إلحاق الواجب المعين به إشكال، والأحوط الإتمام والقضاء وفي غيره من أنواع الصوم الواجب والمندوب البطلان، إلا إذا كان مورداً لاستصحاب بقاء الليل.
الخامس: الإفطار قبل دخول الليل، لظلمة ظن منها دخوله ولم يكن في السماء غيم. والأحوط وجوب الكفارة ما لم يكن واثقاً بدخول الليل أو متيقناً به. نعم إذا كان غيم فلا قضاء ولا كفارة، بل يستمر على صومه، وكذلك أية علة أخرى في السماء على الأقوى.
(مسألة 70) إذا شك في دخول الليل لم يجز له الإفطار. وإذا أفطر أثم وكان عليه القضاء والكفارة. إلا إذا تبين أنه كان بعد دخول الليل، وكذا الحكم إذا قامت حجة على عدم دخوله فأفطر، وتبين دخوله. أما إذ أقامت الحجة على دخوله أو قطع بدخوله فأفطر، فلا إثم ولا كفارة، ،ولكن يجب عليه القضاء إذا تبين عدم الدخول. وإذا شك في طلوع الفجر جاز له استعمال المفطر ظاهراً، وإذا تبين الخطأ بعد استعمال المفطر فقد تقدم حكمه، في المورد الرابع من هذه الموارد السبعة.
السادس: إدخال الماء بمضمضة وغيرها إلى الفم لاستحباب شرعي، أو غيره فيسبق ويدخل الجوف. فإنه يوجب القضاء، دون الكفارة، وإن نسي فابتلعه فلا قضاء ولا كفارة.
(مسألة 71) الظاهر عموم الحكم المذكور لشهر رمضان وغيره من أنواع الصوم.
السابع: سبق المني بالملاعبة ونحوها إذا لم يكن قاصداً ولا من عادته، سواء احتمل ذلك احتمالاً معتداً به أم لا. فإن الأحوط وجوباً القضاء ولا كفارة فيه. وأما إذا كان واثقاً من نفسه بعدم الخروج فسبقه المني اتفاقاً، فالظاهر عدم وجوب القضاء أيضاً.
ــــــ[23]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل الرابع
شرائط صحة الصوم
وهي أمور:
الأول: الإسلام. فلا يصح الصوم من غير المسلم. وإن وجب عليه بناء على ما هو الصحيح من تكليف الكفار بالفروع.
الثاني: الإيمان. فلا يصح من غير المؤمن.
الثالث: العقل، فلا يصح من المجنون الذي لا يعقل أوقات الصلاة.
الرابع: الخلو من الحيض والنفاس طول اليوم، فلو كانت محدثة بأحدهما خلال اليوم ولو لحظة لم يجب ولم يصح.
(مسألة 72) إذا أسلم أو عقل أثناء النهار لم يجب عليه الإمساك بقية النهار. وكذا إذا طهرت الحائض والنفساء. نعم إذا استبصر المخالف أثناء النهار ولو بعد الزوال، أتم صومه وأجزأه، وإذا حدث الكفر أو الجنون أو الحيض أو النفاس، قبل الغروب بطل الصوم.
الخامس: عدم الإصباح جنباً عالماً عامداً. وفي إلحاق حدث الحيض والنفاس به وجه سبق الحديث عنه.
السادس: أن لا يكون مسافراً سفراً يوجب قصر الصلاة، مع العلم بالحكم في الصوم الواجب. إلا في ثلاثة مواضع.
أحدها: الثلاثة أيام، التي هي بعض العشرة التي تكون بدل هدي التمتع لمن
ــــــ[24]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
عجز عنه.
ثانيها: صوم الثمانية عشر يوماً، التي هي بدل البدنة، كفارة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب.
ثالثها: صوم النذر المشروط إيقاعه في السفر. وإن كان هذا لا يخلو من إشكال، فإن حصل فليكن برجاء المطلوبية.
(مسألة 73) الأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر، إلا ثلاثة أيام للحاجة في المدينة، والأحوط استحباباً أن يكون ذلك في يوم الأربعاء والخميس والجمعة.
(مسألة 74) يصح الصوم من المسافر الذي حكمه التمام واجباً كان الصوم أم مستحباً كناوي الإقامة والمسافر سفر معصية والذي عمله السفر أو عمله في السفر وغير ذلك.
السابع: من شرائط صحة الصوم. الصحة من المرض المنافي مع الصوم ولو احتمالاً معتداً به. وتحصل المنافاة بالتضرر من المرض خلال الصوم إما لإيجابه شدته أو بطء برئه أو شدة ألمه أو منافاته لاستعمال الدواء نهاراً. ولا فرق بين حصول اليقين بذلك والظن والاحتمال الموجب لصدق الخوف وكذا لا يصح من الصحيح إذا خاف حدوث المرض فضلاً عما إذا علم بذلك. أما المريض الذي لا يتضرر من الصوم، فيجب عليه ويصح منه.
الثامن: عدم وجود العسر والحرج في الصوم. كالضعف المفرط ولو لم يكن مفرطاً لم يجز الإفطار. وكذا إذا أدى الضعف إلى العجز اللازم للمعاش مع عدم التمكن من تركه ولا إبداله، فإنه يجوز الإفطار عندئذ. أو كان العامل بحيث لا يتمكن من الاستمرار على الصوم لغلبة العطش والأحوط استحباباً فيهم وأدباً لشهر رمضان الاقتصار في الأكل والشرب على مقدار الضرورة والإمساك عن الزائد ويجب بعد ذلك القضاء وإذا استمر على حاله ذلك طول السنة سقط
ــــــ[25]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
القضاء. وأما ملاحظة القضاء في سنوات متأخرة أو دفع الفدية فهو مبني على ضرب من الاحتياط.
(مسألة 75) إذا صام لاعتقاد عدم الضرر، فبان مضراً. ففي صحة صومه إشكال، يكون الأحوط معه القضاء. وإذا صام باعتقاد الضرر أو خوفه بطل. إلا إذا كان قد حصل منه قصد القربة وبان بعد ذلك عدم الضرر، فإنه لا يبعد الحكم بالصحة.
(مسألة 76) قول الطبيب إذا كان يوجب الظن بالضرر أو خوفه، وجب لأجله الإفطار. وكذلك إذا كان حاذقاً وثقة إذا لم يكن مطمئناً بخطئه. ولا يجوز الإفطار بقوله في غير هاتين الصورتين وإذا قال الطبيب لا ضرر في الصوم وكان المكلف خائفاً منه أو ظاناً ضرره وجب الإفطار، وإن كان الطبيب ثقة.
(مسألة 77) إذا برئ المريض قبل الزوال ولم يتناول المفطر لم يجب عليه تجديد النية والاستمرار بالصوم، وإن لم يكن عاصياً بإمساكه وفي جواز ذلك منه بحيث لو فعله صح صومه إشكال يكون الأحوط معه القضاء. وعلى أي حال فالأحوط له استحباباً أن يمسك بقية النهار.
(مسألة 78) إذا صام متحملاً العسر والحرج غير المرض. كالعامل صح منه وأجزأه، ما لم يكن ضرراً بليغاً. وله أن يمسك في أول النهار خلال شهر رمضان لرجاء احتمال الاستمرار في الصوم. فإن ارتفع عذره قبل الزوال جدد النية وأجزأه.
(مسألة 79) إذا أمكن للعامل قطع العمل أو تبديله خلال الصوم وجب فإن لم يفعل عمداً وجب عليه الصوم في حاله تلك ما لم يكن ضرره بليغاً وأجزأه.
وإن كان الأحوط معه القضاء.
التاسع: من الشرائط: البلوغ فلا يجب قبله ولو كان الصبي مميزاً نعم يصح منه كغيره من العبادات.
ــــــ[26]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 80) لو صام الصبي تطوعاً وبلغ في الأثناء، ولو بعد الزوال، لم يجب عليه الإتمام وإن كان أحوط استحباباً، بل هو مستحب فعلاً.
(مسألة 81) يشترط في وجوب الصوم، البلوغ والعقل والحضر وعدم الإغماء وعدم المرض المنافي للصوم والخلو من الحيض والنفاس وكلها أيضاً شرائط للصحة عدا البلوغ والحضر في مستثنيات الصوم في السفر، مما سبق، وباقي الشرائط الأخرى للصحة فقط، يعني يجب عليه الصوم ويجب إيجاد الشرط مقدمة للصوم مع الإمكان على تفصيل سبق.
(مسألة 82) لا يجب تحصيل شرائط الوجوب، بل يجوز إيجادها عمداً ولو هرباً من الصوم كإيجاد السفر أو الحيض أو النفاس.
(مسألة 83) لا يجوز التطوع بالصوم لمن عليه صوم قضاء رمضان وإن كان موسعاً أو أي صوم واجب مضيق. وأما إذا كان في ذمته صوم واجب آخر موسع فالأقوى صحة التطوع منه.
(مسألة 84) إذا سافر قبل الزوال، وكان ناوياً للسفر من الليل وجب عليه الإفطار والقضاء. بل الأقوى ذلك وإن لم يكن ناوياً ليلاً. ويكون وجوب إتمام صومه يومه ذاك مبنياً على الاحتياط الاستحبابي. وإن كان السفر بعد الزوال وجب إتمام الصيام وصح منه.
(مسألة 85) إذا كان مسافراً فدخل بلده أو بلداً يتم فيه الصلاة لنية الإقامة أو غيرها. فإن كان قبل الزوال، ولم يتناول المفطر، وجب عليه الصيام وأجزأه. وإن كان بعد الزوال، بل عند الزوال أو تناول المفطر في السفر بقي على الإفطار. نعم، يستحب الإمساك إلى الغروب.
(مسألة 86) الظاهر أن المناط في الشروع في السفر قبل الزوال وبعده وكذا في الرجوع منه، هو البلد لا حد الترخص. نعم، لا يجوز الإفطار للمسافر لدى الخروج من بلد يجب فيه الإتمام إلا بعد الوصول إلى حد الترخص. فلو أفطر
ــــــ[27]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
قبله عالماً بالحكم أو جاهلاً به، وجبت الكفارة.
(مسألة 87) يجوز السفر في شهر رمضان اختياراً ولو للفرار من الصوم، ولكنه مكروه، إلا في حج أو عمرة أو غزو في سبيل الله أو مال يخاف تلفه، أو إنسان يخاف هلاكه، أو يكون بعد مضي ثلاث وعشرين ليلة وإذا كان على المكلف صوم واجب معين جاز له السفر وإن فات الواجب، وإن كان في السفر لم تجب عليه الإقامة لأدائه. نعم، إذا كان الصوم الواجب إيجاراً مضيقاً حرمت عليه الأجرة.
(مسألة 88) يجوز لأي مفطر جوازاً أو وجوباً في شهر رمضان وغيره من مسافر وغيره، ممن لا يجب عليه الإمساك بقية النهار، يجوز له التملي من الطعام والشراب. وكذا الجماع في النهار على كراهية في الجميع، والأحوط استحباباً الترك، ولا سيما في الجماع بل مطلق الإنزال. بل الحكم جوازاً واحتياطاً شامل حتى للمفطر دون عذر بعد انتقاض صومه بتناول المفطر. نعم، الأقوى والأحوط عدم كفاية نية الإفطار في ذلك كما أن الأحوط عدم كفاية غير الطعام والشراب والجماع والاستمناء في ذلك. فلو غمس رأسه في الماء أو كذب على الله عمداً حرم عليه الطعام احتياطاً وجوبياً.
ــــــ[28]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل الخامس
ترخيص الإفطار
وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص. منهم الشيخ والشيخة وذو العطاش إذا تعذر عليهم الصوم أو كان حرجاً، وكان عليهم الفدية عن كل يوم بمد من طعام على الأحوط. والأفضل كونها من الحنطة بل كونها مُدّين بل هو أحوط استحباباً. والظاهر عدم وجوب القضاء عليهم وإن كان أحوط. ومنهم الحامل المقرب التي يضر بها الصوم أو يضر حملها والمرضعة القليلة اللبن إذا أضر بها الصوم أو أضر بالولد. وعليهما القضاء بعد ذلك. كما أن عليهما مع القضاء الفدية فيما إذا كان الضرر على الحمل أو الولد، ولا يجزي الإشباع عن المد في الفدية من غير فرق بين مواردها.
(مسألة 89) لا فرق في المرضعة بين أن يكون الولد لها أو أن يكون لغيرها والأحوط استحباباً الاقتصار على صورة عدم التمكن من إرضاع غيرها للولد.
ــــــ[29]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل السادس
ثبوت الهلال
يثبت الهلال بعدة طرق:
أولاً: العلم الحاصل من الرؤية.
ثانياً: العلم أو الاطمئنان الحاصل من التواتر، يعني تواتر رؤية الهلال من قبل الآخرين.
ثالثاً: الاطمئنان من الشياع الحاصل بين الناس بنفس المضمون السابق.
رابعاً: شهادة رجلين عادلين بالرؤية.
خامساً: مضيُّ ثلاثين يوماً من خلال الشهر السابق. فإن كان هو شعبان فيثبت هلال رمضان وإن كان هو رمضان، فيثبت هلال شوال.
(مسألة 90) هذه أسباب شرعية لثبوت الهلال في أي شهر. ولا تختص بالأشهر الثلاثة المشار إليها وهناك طرق أخرى أدق منها لا حاجة إلى ذكرها.
(مسألة 91) في ثبوت الهلال بحكم الحاكم الذي لا يعلم بخطئه ولا خطأ مستنده إشكال بل منع.
(مسألة 92) لا يثبت الهلال بشهادة النساء ولا بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين، ولا الثقة كذلك، ما لم يحصل الاطمئنان في أي من هذه الموارد.
(مسألة 93) لا يثبت الهلال بقول المنجمين، ولا بحسابهم ولا بغيبوبة الشفق ليدل على أنه لليلة السابقة، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية. ولا
ــــــ[30]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
برؤية الهلال قبل الزوال ليكون هو اليوم الأول ولا بتطوق الهلال ليدل على أنه لليلة السابقة. نعم، إذا حصل الاطمئنان في شيء من ذلك أو غيره كان حجة.
(مسألة 94) لا تختص حجية البينة أو غيرها من الأسباب السابقة بالقيام عند الحاكم، بل كل من علم بشهادة البينة عوّل عليها.
(مسألة 95) إذا رؤي الهلال في بلد أو منطقة من الأرض كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الأفق عرفاً، بل وكذلك مع اشتراكهما في خط الطول. وبخلافه: فإن ثبوت الهلال في أي منطقة كاف للثبوت فيما يكون على غربها من المناطق ولا يكفي لما يكون على شرقها إلا بعد مضي برهة معتد بها كعشرين ساعة أو نحوها من الزمن.
ــــــ[31]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل السابع
أحكام قضاء شهر رمضان
(مسألة 96) لا يجب قضاء ما فات في زمان الصبا أو الجنون أو الإغماء أو الكفر الأصلي ويجب قضاء ما فات في غير ذلك من ارتداد أو حيض أو نفاس أو نوم أو سكر أو مرض أو خلاف للحق. نعم إذا صام المخالف على وفق مذهبه أو مذهبنا لم يجب عليه القضاء.
(مسألة 97) إذا شك في أداء الصوم في اليوم الماضي بنى على الأداء. وإذا شك في عدد الفائت بنى على الأقل.
(مسألة 98) لا يجب الفور في القضاء. وإن كان الأحوط استحباباً مؤكداً عدم تأخير قضاء شهر رمضان عن رمضان الثاني.
وإن أخره عمداً أو تسامحاً قضى ودفع الفدية. بخلاف ما لو كان مريضاً أو مضطراً فإنه يقضي ولا يفدي.
ولو لم يستطع القضاء طول العام ودفع الفدية سقط وجوب القضاء على الأقوى.
(مسألة 99) إذا فاتته أيام من شهر واحد لا يجب عليه التعيين، ولا الترتيب. وكذا إذا كان عليه قضاء من رمضان سابق ومن لاحق. وإن كان الأحوط استحباباً تقديم قضاء اللاحق مع ضيق وقته بمجيء رمضان الثالث. وإن نوى السابق حينئذ صح صومه ووجبت عليه الفدية.
(مسألة 100) لا ترتيب بين صوم القضاء وغيره من أقسام الصوم الواجب، كالكفارة والنذر غير المعين، فله تقديم أيهما شاء.
(مسألة 101) إذا فاته أيام من شهر رمضان بمرض ومات قبل أن يبرأ لم
ــــــ[32]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يجب القضاء عنه، سواء مات خلال شهر رمضان أو بعده. وكذلك إذا مضى العام على مرضه ودفع الفدية ثم مات. وأما لو استطاع القضاء خلال العام ولم يصم، أولم يستطع ولم يدفع الفدية، فالأحوط القضاء عنه.
(مسألة 102) إذا فاتها صوم شهر رمضان بحيض أو نفاس، ثم ماتت قبل مضي زمان يمكن القضاء فيه، لم يجب القضاء. لكن هذا يحسب بالأيام. فإن فاتتها عشرة أيام مثلاً، وأمكنها قضاء خمسة منها ولم تقضها وماتت، وجب قضاء الخمسة دون الزائد.
(مسألة 103) إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض، واستمر به المرض إلى رمضان الثاني، تصدق عن كل يوم بمد، وهو ثلاثة أرباع الكيلو من الطعام. وسقط القضاء. وأما لو لم يدفع الفدية ففي سقوط القضاء مع إمكانه بعد ذلك إشكال. ولا يجزي القضاء عن التصدق. والأحوط استحباباً الجمع بينهما.
(مسألة 104) إذا فاته شهر رمضان بعذر غير المرض، كالسفر، وجب القضاء، وتجب الفدية على الأحوط. ولا يسقط بدفعها القضاء في العام الذي يليه على الأحوط. وخاصة مع الفوت سفراً لا الفوت اضطراراً مع بقاء نفس العذر طول العام أو التسامح فيه. وأما إذا تعذر القضاء لمرض وفدى سقط القضاء.
(مسألة 105) إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر أو عمد، وأخر القضاء إلى رمضان الثاني، مع تمكنه منه، عازماً على التأخير أو متسامحاً فيه ومتهاوناً وجب القضاء والفدية معاً. وإن كان عازماً على القضاء قبل مجيء رمضان الثاني، فاتفق طرو العذر وجب القضاء، بل الفدية أيضاً. ولا فرق بين المرض وغيره من الأعذار إلا في صورة استمرار المرض من أول رمضان إلى أول رمضان الذي بعده مع دفع الفدية، فإنه يسقط القضاء. وكذا لو كان سقوط القضاء بمرض وسقوط الأداء بغيره، كما سبق.
ــــــ[33]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 106) إذا أفطر عمداً في شهر رمضان بعضه أوكله وأخر القضاء عمداً إلى رمضان الذي يليه، وجبت الفدية والكفارة معاً.
(مسألة 107) إذا استمر المرض ثلاثة رمضانات وجبت الفدية مرة للأول ومرة للثاني. وهكذا إن استمر إلى أربعة رمضانات، فتجب مرة ثالثة للثالث، وهكذا لا تتكرر للشهر الواحد، وإنما تجب لغيره.
(مسألة 108) يجوز إعطاء فدية أيام عديدة من شهر واحد ومن شهور إلى شخص واحد.
(مسألة 109) لا تجب فدية شخص على شخص آخر وإن وجبت نفقته، كالزوجة والابن والعبد. ولكن يجوز دفعها عن الغير وإبراء ذمته منها بل هذا الجواز ثابت حتى مع نهي المدفوع عنه إلا مع عنوان ثانوي مانع.
(مسألة 110) لا تجزي القيمة في الفدية مع الإمكان على الأحوط. بل لا بد من دفع العين وهو الطعام. وكذا الحكم في الكفارات. ولكن يجوز أن يعطي القيمة إلى فقير ثقة ليصرفها في الطعام. ومع عدم الإمكان فالأحوط دفع القيمة وإن كان الوجه عندئذ هو السقوط.
(مسألة 111) يجوز الإفطار في الصوم المندوب إلى الغروب ولا يجوز في قضاء صوم شهر رمضان بعد الزوال إذا كان القضاء عن نفسه، بل تقدم أن عليه الكفارة. أما قبل الزوال فيجوز. وأما الواجب الموسع غير قضاء شهر رمضان فالظاهر جواز الإفطار فيه مطلقاً. وإن كان ترك الإفطار بعد الزوال أحوط.
(مسألة 112) لا يلحق القاضي عن غيره بالقاضي عن نفسه في الحرمة والكفارة. وإن كان الأحوط استحباباً الإلحاق.
(مسألة 113) يجب على ولي الميت، وهو الولد الأكبر الذكر حال الموت أن يقضي ما فات أباه من الصوم لعذر إذا وجب عليه قضاؤه، والأحوط استحباباً
ــــــ[34]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
إلحاق الأكبر الذكر في جميع طبقات المواريث على الترتيب في الإرث وإن كان الأقوى عدمه. وأما ما فاته عمداً أو أتى به فاسداً عن جهل مع التقصير، ففي إلحاقه بما فات عن عذر إشكال وإن كان أحوط. ونحوه الاحتياط في إلحاق الأم بالأب. وإن فاته ما لا يجب عليه قضاؤه، كما لو مات في مرضه لم يجب القضاء.
(فروع في وجوب تتابع الصوم)
(مسألة 114) يجب التتابع في صوم الشهرين من كفارة الجمع وكفارة التخيير. ويكفي في حصوله صوم الشهر الأول ويوم من الشهر الثاني متتابعاً.
والأحوط وجوبه في صوم الثمانية عشر يوماً بدل الشهرين والثلاثة أيام بدل الهدي فلا يفصل بينها بغير العيد. وأما التتابع في سائر الكفارات، فهو أحوط استحباباً.
(مسألة 115) كل ما يشترط فيه التتابع إذا أفطر لعذر اضطر إليه بنى على ما مضى عند ارتفاعه، وإن كان العذر بفعل المكلف إذا كان مضطراً إليه، وأما إذا لم يكن عن الاضطرار وجب الاستيناف. ومن العذر ما إذا نسي النية إلى ما بعد الزوال أو نسي فنوى صوماً آخر ولم يتذكر إلى ما بعد الزوال. ومنه ما إذا نذر قبل تعلق الكفارة صوم كل خميس، فإن تخلله في الأثناء لا يضر في التتابع، بل ينحسب من الكفارة أيضاً إذا تعلق النذر بمطلق الصوم يوم الخميس. ولا يجب عليه الانتقال إلى غير الصوم من الخصال.
(مسألة 116) إذا نذر صوم شهرين متتابعين جرى عليه الحكم المذكور على الأحوط. إلا أن يقصد تتابع جميع أيامها فيجب. أو يقصد شيئاً آخر فعلى قصده.
(مسألة 117) إذا وجب عليه صوم متتابع لا يجوز له أن يشرع فيه في زمان يعلم أنه لا يسلم بتخلل يوم يحرم صومه كأحد العيدين أو يجب إفطاره كالنذر
ــــــ[35]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المعين لسفر الزيارة. فيجب أن يشرع فيه في زمان يحرز حصول التتابع المطلوب شرعاً. نعم إذا كان غافلاً صح صومه أما إذا كان شاكاً فالأظهر البطلان.
(مسألة 118) يستثنى من المسألة السابقة كفارة القتل في الأشهر الحرم. فإنه لا يضره تخلل العيد على الأظهر. كما يستثنى منها الثلاثة أيام بدل الهدي. إذا شرع فيها يوم التروية ويوم عرفة، فإن له أن يأتي بالثالث بعد العيد بلا فصل أو بعد أيام التشريق لمن كان بمنى، أما إذا شرع يوم عرفة وجب الاستئناف.
(مسألة 119) إذا نذر أن يصوم شهراً أو أياماً معدودة لم يجب التتابع إلا مع اشتراط التتابع أو الانصراف إليه على وجه يرجع إلى التقييد.
(مسألة 120) إذا فاته الصوم المنذور المشروط فيه التتابع فالأحوط إيجاد التتابع في قضائه غير أن قضاءه مبني على الاستحباب أو الاحتياط الاستحبابي.
(فروع في غير الصوم الواجب)
(مسألة 121) الصوم من المستحبات المؤكدة. وقد ورد أنه جنة من النار، وزكاة الأبدان، وبه يدخل العبد الجنة. وأن صوم الصائم عبادة ونفسه وصمته تسبيح، وعمله متقبل ودعاؤه مستجاب وخلوف فمه عند الله أطيب من رائحة المسك، وتدعو له الملائكة حتى يفطر. وله فرحتان فرحة عند الإفطار وفرحة حين يلقى الله تعالى.
(مسألة 122) أفراد الصوم المستحب كثيرة. والمؤكد منه: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل في كيفيتها: أول خميس من الشهر وآخر خميس منه وأول أربعاء من العشر الأواسط. وصوم يوم الغدير، فإنه يعدل ماءة حجة وماءة عمرة مبرورات متقبلات. ويوم مولد النبي ويوم مبعثه ويوم دحو الأرض وهو الخامس والعشرون من ذي القعدة، ويوم عرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء وعدم الشك في الهلال. ولكن يكفي قيام الحجة الشرعية عليه وصوم يوم المباهلة وهو
ــــــ[36]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الرابع والعشرون من ذي الحجة. وصوم جميع أيام شهر رجب وجميع أيام شهر شعبان. وبعض كل منهما على اختلاف الأبعاض في مراتب الفضل. ويوم النوروز، وأول يوم من محرم وثالثه وسابعه، وكل خميس وكل جمعة، إذا لم يصادفا عيداً أو سفراً واجباً ولو بالنذر.
(مسألة 123) يكره الصوم في موارد منها: الصوم يوم عرفة لمن خاف أن يضعفه عن الدعاء. والصوم فيه مع الشك في الهلال بحيث يحتمل كونه يوم عيد الأضحى. وصوم الضيف نافلة بدون إذن مضيفه وكذا مع النهي وإن كان الأحوط تركه حينئذ. والولد من غير إذن والده، فضلاً عن نهيه ما لم يكن في ذلك إيذاء له ولو من حيث الشفقة فيحرم. والأَولى إجراء نفس الحكم للوالدة أيضاً.
(مسألة 124) يحرم صوم العيدين: عيد الفطر وهو الأول من شوال في كل عام وعيد الأضحى وهو العاشر من ذي الحجة في كل عام. ويحرم صوم أيام التشريق لمن كان بمنى ناسكاً كان أم لم يكن وهي الثلاثة أيام التي تلي عيد الأضحى. ويحرم صوم يوم الشك على أنه من شهر رمضان. ونذر المعصية بأن ينذر الصوم على تقدير فعل الحرام شكراً، أما زجراً فلا بأس به، وصوم الوصال، وهو إدخال جزء من الليل مع النهار في نية الصوم أو الليل كله. ولا بأس بتأخير الإفطار ولو إلى الليلة الثانية، إذا لم يكن عن نية الصوم وإن كان الأحوط اجتنابه.
(مسألة 125) الأحوط عدم صوم الزوجة والمملوك تطوعاً، بدون إذن الزوج والسيد. وإن كان الأقوى الجواز في الزوجة إذا لم يمنع عن حقه ولا يترك الاحتياط بتركها الصوم إذا نهاها زوجها عنه. وكذا العبد مع سيده.
ــــــ[37]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ــــــ[38]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كتاب الاعتكاف
ــــــ[39]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ــــــ[40]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل الأول
في الاعتكاف
وهو اللبث في المسجد. والأحوط أن يكون بقصد فعل العبادة فيه من صلاة ودعاء وغيرهما أو لإيجاد الوظيفة الشرعية المعينة المسماة بالاعتكاف. ويصح في كل وقت يصح فيه الصوم. والأفضل شهر رمضان. وأفضله العشر الأواخر.
(مسألة 126) يشترط في صحته مضافاً إلى العقل والإيمان أمور:
الأول: نية القربة، كما في غيره من العبادات. وتجب مقارنتها لأوله. بمعنى وجوب إيقاعه من أوله إلى آخرة عن النية. وحينئذ يشكل الاكتفاء بتبييت النية إذا قصد الشروع فيه في أول يوم. نعم لو قصد الشروع فيه وقت النية في أول الليل كفى.
(مسألة 127) لا يجوز العدول من اعتكاف إلى آخر، اتفقا في الوجوب والندب أو اختلفا. كما لا يجوز على الأحوط العدول عن نيابة شخص إلى نيابة عن شخص آخر، ولا نيابة عن غيره إلى نفسه وبالعكس.
الثاني: الصوم. فلا يصح بدونه: فلو كان المكلف ممن لا يصح منه الصوم لسفر أو غيره، لم يصح منه الاعتكاف.
الثالث: العدد، فلا يصح أقل من ثلاثة أيام، ويصح الأزيد منها، وإن كان يوماً أو بعضه أو ليلة أو بعضها. وتدخل فيه الليلة الأُولى والمتوسطتان دون الأخيرة. وإن جاز إدخالها بالنية. فلو نذره كان أقل ما يمتثل به ثلاثة، ولو نذره أقل لم ينعقد. وكذا لو نذره ثلاثة معينة فاتفق أن الثالث عيد لم ينعقد. ولو نذر
ــــــ[41]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
اعتكاف خمسة فإن نواها بشرط لا عن الزيادة والنقيصة بطل وإن نواها بشرط لا عن الزيادة ولا بشرط عن النقيصة، وجب عليه اعتكاف ثلاثة أيام فقط. وإن نواها بشرط لا عن النقيصة ولا بشرط من جهة الزيادة ضم يوماً سادساً إليها.
الرابع: أن يكون الاعتكاف في مسجد جامع في البلد. والأحوط استحباباً بل الأفضل كونه في أحد المساجد الأربعة: المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد الكوفة ومسجد البصرة. أو أي مسجد صلى فيه نبي أو وصي نبي. لو شك في توفر هذا الشرط، كان له الاعتكاف برجاء المطلوبية. ولو نوى بالنية الجزمية حرم.
(مسألة 128) لو اعتكف في مسجد معين فاتفق مانع عن البقاء فيه، بطل ولم يجز اللبث في مسجد آخر وعليه قضاؤه على الأحوط إن كان واجباً في مسجد آخر أو في ذلك المسجد بعد ارتفاع المانع.
(مسألة 129) يدخل في المسجد سطحه وسردابه، كبيت الطشت في مسجد الكوفة وكذا منبره ومحرابه. والإضافات الملحقة به مع صدق المسجدية عليها.
(مسألة 130) إذا قصد الاعتكاف في مكان معين من المسجد دون غيره.
فإن كان بشرط لا عن غيره بطل اعتكافه على الأحوط. وإلا لغى قصده وصح في المسجد كله.
الخامس: إذن من يعتبر إذنه في جوازه، كالسيد بالنسبة إلى مملوكه والزوج إلى زوجته إذا كان منافياً لحقه، بل بدونه مع نهيه كما سبق في الصوم. وكذا الوالدين بالنسبة إلى ولدهما، في مورد وجوب الطاعة وهو ما إذا كان العصيان احتقاراً لهما. وأما بدون النهي فالاستئذان منهما مبنى على الاحتياط الاستحبابي.
السادس: استدامة اللبث في المسجد الذي شرع به فيه طول مدة الاعتكاف، فلو خرج لغير الأسباب المسوغة للخروج بطل من غير فرق بين العالم بالحكم
ــــــ[42]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
والجاهل. ولا يبعد البطلان في الخروج نسياناً أيضاً. بخلاف ما لو خرج عن اضطرار أو إكراه أو لحاجة لا بد منها من بول أو غائط أو غسل جنابة أو استحاضة، أو مس ميت. وإن كان السبب باختياره.
(مسألة 131) يجوز الخروج لتشييع الجنائز والصلاة عليها وتغسيلها وتكفينها ودفنها، وأي واحد من هذه الأمور على حدة فضلاً عن الأكثر. كما يجوز الخروج لعيادة المريض وإقامة الشهادة أمام القاضي الشرعي العادل أما تشييع المؤمن وتحمل الشهادة وغير ذلك من الأمور الراجحة، ففي جوازها إشكال، والأظهر الجواز فيما إذا عد من الضرورات عرفاً.
(مسألة 132) الأحوط استحباباً عند الخروج جواز مراعاة أقرب الطرق. ولا تجوز زيادة المكث عن قدر الحاجة. أما التشاغل على وجه تنمحي به صورة الاعتكاف فهو مبطل وإن كان عن إكراه أو اضطرار. إلا أن الظاهر أن هذا إنما يحسب بعد الانتهاء عرفاً من أحد الأعمال المذكورة في أول المسألة السابقة. ويحسب في غيرها مطلقاً.
(مسألة 133) الأحوط استحباباً مؤكداً ترك الجلوس في الخارج، ولو اضطر إليه اجتنب الظلال مع الإمكان على الأحوط وجوباً.
(مسألة 134) إذا أمكنه أن يغتسل في المسجد فالظاهر عدم جواز الخروج لأجله. إذا كان الحدث لا يمنع من المكث في المسجد كمس الميت.
ــــــ[43]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل الثاني
في وجوب الاعتكاف
الاعتكاف في نفسه مندوب، ويجب بالعارض من نذر وشبهه. فإن كان واجباً معيناً فلا إشكال في وجوبه قبل الشروع فضلاً عما بعده، وإن كان واجباً مطلقاً أو مندوباً فالأقوى عدم وجوبه بالشروع وإن كان في الأول هو الأحوط استحباباً. نعم، يجب بعد مضي يومين منه فيجب الثالث إلا إذا اشترط حال النية الرجوع لعارض، فاتفق حصوله بعد يومين، فله الرجوع عنه حينئذ ولا عبرة بالشرط إذا لم يكن مقارناً للنية سواء أكان قبلها أم بعد الشروع فيه.
(مسألة 135) الظاهر أنه يجوز اشتراط الرجوع متى شاء وإن لم يكن لعارض.
(مسألة 136) إذا اشترط الرجوع حال النية، ثم أسقط شرطه بعد ذلك، فالظاهر عدم سقوط حكمه.
(مسألة 137) إذا نذر الاعتكاف وشرط في نذره الرجوع فيه. ففي جواز الرجوع إذا لم يشترطه في نية الاعتكاف إشكال. والأظهر الجواز. ولو كان نذره مطلقاً من حيث الرجوع. فإن كان معيناً من حيث الزمان لم تجز نية الرجوع عند نية الاعتكاف. ولو نواه بطل، وإن كان النذر غير معين جازت النية وصحت فإن أبطله وجب عليه الاعتكاف في وقت آخر.
(مسألة 138) إذا جلس في المسجد على فراش مغصوب لم يقدح ذلك في الاعتكاف. وإن سبق شخص إلى مكان في المسجد، فأزاله المعتكف من مكانه وجلس فيه، ففي البطلان تأمل، بل الأظهر الصحة، وإن أثم.
ــــــ[44]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل الثالث
في أحكام الاعتكاف
لا بد للمعتكف من ترك أمور:
منها: مباشرة النساء بالجماع. والأَولى والأحوط استحباباً إلحاق اللمس والتقبيل بشهوة به. ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.
ومنها: الاستمناء على الأحوط وجوباً.
ومنها: شم الطيب والريحان مع التلذذ. ولا أثر له إذا كان فاقداً لحاسة الشم.
ومنها: البيع والشراء بل مطلق التجارة، على الأحوط استحباباً إذا لم يلزم منه الخروج عن المسجد وإلا حرم. ولا بأس بالاشتغال بالأمور الدنيوية من المباحات حتى الخياطة والنساجة ونحوهما. وإن كان الأحوط استحباباً الاجتناب، وإذا اضطر إلى البيع والشراء لأجل الأكل والشرب، مما تمس الحاجة إليه، ولم يمكن التوكيل فيه فعله، وإن كان خارج المسجد.
ومنها: المماراة في أمر ديني أو دنيوي بداعي إثبات الغلبة وإظهار الفضيلة، لا بداعي إظهار الحق ورد الخصم عن الخطأ، فإنه من أفضل العبادات والمدار على القصد. ولو قصدهما كانت الغلبة للأغلب.
(مسألة 139) الأحوط استحباباً للمعتكف الاجتناب عما يحرم على المحرم. وإن كان الأقوى خلافه في بعضها، ولا سيما في لبس المخيط وإزالة الشعر وأكل الصيد وعقد النكاح، فإن جميعها جائز له.
ــــــ[45]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 140) الظاهر أن المحرمات المذكورة مفسدة للاعتكاف من دون فرق بين وقوعها في الليل أو في النهار. وفي حرمتها تكليفاً إذا لم يكن واجباً معيناً، ولو لأجل انقضاء يومين منه إشكال. والظاهر كونه مبني على الاحتياط الاستحبابي في غير الجماع.
(مسألة 141) إذا صدر منه أحد المحرمات المذكورة سهواً، ففي عدم قدحه إشكال ولا سيما في الجماع.
(مسألة 142) إذا أفسد اعتكافه بأحد المفسدات. فإن كان واجباً معيناً وجب قضاؤه على الأحوط. وإن كان واجباً غير معين وجب استئنافه. وكذا إن كان مندوباً وكان الإفساد بعد يومين. وأما إذا كان قبلهما فلا شيء عليه. ولا يجب الفور في القضاء.
(مسألة 143) إذا باع أو اشترى في أيام الاعتكاف لم يبطل بيعه أو شراؤه، وإن بطل اعتكافه. وذلك في حدود ما سبق من القول بحرمته.
(مسألة 144) إذا فسد الاعتكاف الواجب بالجماع، ولو ليلاً وجبت الكفارة. والأقوى عدم وجوبها بالإفساد بغير الجماع. وإن كان أحوط استحباباً. والأحوط أن تكون كفارته مثل كفارة الظهار.
(مسألة 145) إذا كان الاعتكاف في شهر رمضان وأفسده بالجماع نهاراً وجبت كفارتان. إحداهما لإفطار شهر رمضان والأخرى لإفساد الاعتكاف. وكذا إذا كان في قضاء شهر رمضان بعد الزوال، وإن كان الاعتكاف منذوراً معيناً وجبت عليه كفارة ثالثة لمخالفة النذر. وإذا كان الجماع لامرأته الصائمة وقد أكرهها وهي معتكفة في شهر رمضان أو قضائه بعد الزوال. وجبت عليه كفارتان أخريان على الأحوط. ولو كان النذر لهما كان عليه كفارتان عن النذر أيضاً على الأحوط استحباباً.
والحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ــــــ[46]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كتاب الزكاة
ــــــ[47]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ــــــ[48]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فريضة الزكاة هي إحدى الأركان التي بني عليها الإسلام، ووجوبها من ضروريات الدين. ومنكرها مع العلم بها كافر. بل في جملة من الأخبار أن مانع الزكاة كافر. والكلام فيها يستدعي مقاصد:
المقصد الأول
شرائط وجوب الزكاة
وهي أمور:
الأول: البلوغ، فلا تجب على غير البالغ ولا على وليه إذا كان كذلك في زمان التعلق أو في أثناء الحول. إذا كان المال مما يعتبر فيه الحول بل لا بد من استئناف الحول بعد البلوغ.
الثاني: العقل، فلا تجب على غير العاقل ولا على وليه. إذا كان كذلك في زمان التعلق أو في أثناء الحول، إذا كان المال مما يعتبر فيه الحول. بل لا بد من استئناف الحول بعد ارتفاع المانع.
الثالث: الحرية، فلا تجب على العبد وإن قلنا أنه يملك. كما لا تجب على مالكه. إذا كان عبداً في زمان التعلق أو في أثناء الحول إذا كان المال مما يعتبر فيه الحول، بل لا بد من استئناف الحول بعد عتقه.
(مسألة 146) لا فرق في الجنون المانع عن الزكاة بين الإطباقي والأدواري.
كما لا فرق في الرقية المانعة بين القن والمكاتب والمدبر والمشقص وأم الولد.
(مسألة 147) إذا كان مبعضاً وجبت الزكاة على ما يملكه بجزئه الحر، إذا ــــــ[49]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
اجتمعت بقية الشرائط. وإن كان الظاهر أن ذلك مبني على ضرب من الاحتياط.
الرابع: الملك عند زمان التعلق أو في تمام الحول، فلا زكاة على المال الموهوب والمدفوع قرضاً قبل إرجاعه إلى المالك. وكذلك المال الموصى به قبل وفاة الموصي.
الخامس: التمكن من التصرف واعتباره على نحو ما سبق. والمراد به القدرة على التصرف فيه بالإتلاف له أو لبدله بدون ضمان. فلا زكاة في المسروق والمجحود والمدفون في مكان منسي، بل المنسي المكان مطلقاً. وكذلك الموقوف وإن كان على الذرية. والغائب الذي لم يصل إليه ولا إلى وكيله، ولا في الدين وإن تمكن من استيفائه، ولم يقبضه. وكذلك المنذور التصدق بعينه قبل تعلق الوجوب.
(مسألة 148) لا تجب الزكاة في نماء الوقف إذا كان مجعولاً على نحو المصرف. وتجب إذا كان مجعولاً على نحو الملك، من دون فرق بين الوقف العام والوقف الخاص. فإذا جعل بستانه وقفاً على أن يصرف نماؤها على ذريته أو على علماء البلد لم تجب الزكاة فيه. وإذا جعلها على أن يكون نماؤها ملكاً لذريته أو لعلماء البلد وجبت الزكاة على كل واحد منهم إذا بلغت النصاب لديه.
وإذا جعلها وقفاً على أن يكون نماؤها ملكاً للعنوان كالفقراء أو العلماء، لم تجب الزكاة على الفرد منهم وإن بلغت مقدار النصاب.
(مسألة 149) إذا كانت الأعيان الزكوية مشتركة بين اثنين أو أكثر، اعتبر في وجوب الزكاة على بعضهم بلوغ حصته النصاب ولا يكفي في الوجوب بلوغ المجموع النصاب.
(مسألة 150) ثبوت خيار الشرط لغير المالك غير مانع من التمكن من التصرف، وكذلك سائر الخيارات.
(مسألة 151) الإغماء والسكر حال التعلق أو في أثناء الحول، لا يمنعان عن
ــــــ[50]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
وجوب الزكاة.
(مسألة 152) إذا عرض عدم التمكن من التصرف بعد تعلق الزكاة أو مضي الحول متمكناً منه، فقد استقر الوجوب، فيجب الأداء إذا تمكن بعد ذلك. فإن كان مقصراً كان ضامناً، وإلا فلا.
(مسألة 153) زكاة القرض على المقترض بعد قبضة لا على المقرض (المالك). فلو اقترض نصاباً من الأعيان الزكوية، وبقي عنده سنة وجبت عليه الزكاة. وإن كان قد اشترط في عقد القرض على المقرض أن يؤدي الزكاة عنه.
نعم إذا أدى المقرض عنه صح وسقطت الزكاة عن المقترض. ويصح مع عدم الشرط أن يتبرع المقرض عنه بأداء الزكاة كما يصح تبرع الأجنبي. وأما مع الشرط فالظاهر أنها تجب في كلا الذمتين على وجه البدلية، وأي منهما دفع سقط عن الآخر.
(مسألة 154) يستحب لولي الصبي والمجنون إخراج زكاة مال التجارة – إذا اتجر بمالهما – لهما. ويستحب أيضاً لولي الصبي إخراج زكاة غلاته، بل هو الأحوط وفي استحباب إخراجها من مواشيه وجه.
(مسألة 155) إذا علم البلوغ والتعلق، ولم يعلم السابق منهما لم تجب الزكاة، سواء علم تاريخ التعلق وجهل تاريخ البلوغ أم علم تاريخ البلوغ وجهل تاريخ التعلق أم جهل كلا التاريخين. وكذا الحكم في المجنون إذا كان جنونه سابقاً وطرأ العقل. أما إذا كان عقله سابقاً وطرأ الجنون وجبت الزكاة إن علم تاريخ التعلق دون بقية الصور.
(مسألة 156) الإسلام ليس شرطاً في وجوب الزكاة. فتجب على الكافر كغيرها من الواجبات. وإن كانت لا تصح عنه بل تؤخذ منه قهراً. فإذا أسلم سقطت الزكاة إلا إذا كانت العين موجودة إلى حين إسلامه لم تسقط. وإذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب وجب على المشتري إخراج زكاته. والأحوط
ــــــ[51]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ذلك إذا اشترى بعضه وتجب عندئذ بالنسبة.
(مسألة 157) إذا استطاع الحج بتمام النصاب أخرج الزكاة إذا كان تعلقها قبل تعلق الحج، ولم يجب الحج، إن نقص المال عن مقدار الاستطاعة وإن كان تعلقها بعد تعلق الحج وجب الحج وسقطت الزكاة إن كان وقوع الحج يتوقف على صرف عين النصاب أو بعضه. أما إذا أمكن وقوع الحج ولو مع تلف النصاب أو تبديله فقد وجبا معاً: الحج والزكاة.
ــــــ[52]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المقصد الثاني
فيما تجب فيه الزكاة
تجب الزكاة في الأنعام الثلاثة: الإبل والبقر والغنم. والغلات الأربع: الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وفي النقدين: الذهب والفضة. ولا تجب فيما عدا ذلك. نعم، تستحب في غيرها من الحبوب التي تنبت في الأرض كالسمسم والرز والدخن والحمص والعدس والماش والذرة وغيرها. ولا تستحب في الخضروات مثل البقل والقثاء والبطيخ ونحوها. وتستحب أيضاً في مال التجارة، وفي الخيل الإناث دون الذكور، ودون الحمير والبغال.
والكلام في التسعة الأول التي تجب فيها الزكاة يقع في مباحث:
المبحث الأول: الأنعام الثلاثة
وشرائط وجوبها، مضافاً إلى الشرائط العامة المتقدمة، أربعة:
الشرط الأول: النصاب.
وفي الإبل إثنى عشر نصاباً:
الأول: خمس من الإبل، وفيها: شاة، وهو يعني غالباً أنثى الضأن فالأحوط الدفع منه. وإن كان الأظهر جواز الدفع من المعز. نعم الأحوط أن تكون أنثى لا ذكراً، وأن لا يقل عمرها عن ثمانية أشهر هلالية.
الثاني: عشر من الإبل، وفيها: شاتان.
ــــــ[53]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الثالث: خمس عشرة منها، وفيها: ثلاث شياه.
الرابع: عشرون منها، وفيها: أربع شياه.
الخامس: خمس وعشرون، وفيها: خمس شياه.
السادس: ست وعشرون، وفيها: بنت مخاض، وهي من الإبل أنثى أتمت سنة ودخلت في الثانية.
السابع: ست وثلاثون من الإبل، وفيها: بنت لبون، وهي من الإبل أنثى أتمت عامين ودخلت في السنة الثالثة.
الثامن: ست وأربعون، وفيها: حقة، وهي من الإبل أنثى أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة.
التاسع: إحدى وستون، وفيها: جذعة، وهي من الإبل أنثى أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة.
العاشر: ست وسبعون، وفيها: بنتا لبون، وقد سبق تعريفها.
الحادي عشر: إحدى وتسعون، وفيها: حقتان، وقد سبق تعريفها.
الثاني عشر: ماءة وإحدى وعشرون، وفيها: في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون. فإن كان العدد مطابقاً للأربعين ينقسم عليه بدون باق كالماءة والستين عمل على الأربعين. وإن كان مطابقاً للخمسين كذلك عمل على الخمسين، كالماءة والخمسين. وإن كان مطابقاً لكل منهما، بحيث ينقسم عليهما معاً بدون باقٍ. كالمائتين، تخير المالك في العد بين الأربعين والخمسين. وإن كان مطابقاً لهما معاً كالمأتين والستين وجب العمل عليهما معاً، فيحسب خمسينين وأربع أربيعنات. وعلى أي حال، فيجب أن يختار القسمة التي تبقي أقل مقدار ممكن من الباقي. وعلى هذا فلا عفو إلا فيما دون العشرة.
(مسألة 158) إذا لم يكن عنده بنت مخاض أجزأ عنها ابن لبون. وإذا لم
ــــــ[54]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يكن عنده تخير في شراء أيهما شاء.
هذا وفي البقر نصابان:
الأول: ثلاثون من البقر، وفيها: تبيع أو تبيعة، وهو من البقر، ما أتم سنة ودخل في السنة الثانية.
الثاني: أربعون من البقر، وفيها: مسنة، وهي أنثى من البقر أتمت السنتين ودخلت في الثالثة. وفيما زاد على هذا الحساب. ويتعين العد بالعدد المطابق الذي لا عفو فيه. فإن طابق الثلاثين، لا غير، كالستين عد بها. وإن طابق الأربعين فقط، كالثمانين عد بها. وإن طابقهما معاً كالسبعين، عد بهما معاً. وإن طابق كلاً منهما كالماءة والعشرين، يتخير بين العد بالثلاثين وبالأربعين، وما بين الأربعين والستين عفو. وكذا ما دون الثلاثين، وما زاد عن النصاب من الآحاد إلى التسعة.
وفي الغنم، خمسة نصب:
الأول: أربعون من الغنم، وفيها: شاة واحدة، وقد تكلمنا عن معناها.
الثاني: ماءة وإحدى وعشرون منها، وفيها: شاتان.
الثالث: مائتان وواحدة منها، وفيها: ثلاث شياه.
الرابع: ثلاثماءة وواحدة منها، وفيها: أربع شياه.
الخامس: أربعماءة منها، ففي كل ماءة شاة بالغاً ما بلغ. ولا شيء فيما نقص عن النصاب الأول، ولا فيما بين النصابين.
(مسألة 159) الجاموس والبقر الأهلي والبقر الوحشي جنس واحد، ولا فرق في الإبل بين العراب والبخاتي وذي السنامين. ويلحق بها على الأحوط حيوان اللاما وهو الجمل الأمريكي. كما لا فرق في الغنم بين المعز والضأن ولا بين الذكر والأنثى والخنثى من الجميع.
ــــــ[55]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 160) المال المشترك، إذا بلغ نصيب كل واحد منهم النصاب، وجبت الزكاة على كل منهم. وإن بلغ نصيب بعضهم النصاب دون بعض، وجبت على من يبلغ نصيبه دون شريكه. وإن لم يبلغ النصاب نصيب أي منهم لم تجب الزكاة، وإن بلغ المجموع النصاب.
(مسألة 161) إذا كان مال المالك الواحد متفرقاً بعضه عن بعض. فإن كان المجموع بالغاً النصاب وجبت الزكاة، ولا يلاحظ كل واحد على حدة.
(مسألة 162) الأحوط استحباباً في الشاة التي تجب في نصب الإبل والغنم أن يكمل لها سنة قمرية، وتدخل في الثانية إن كانت من الضأن أو يكمل لها سنتان وتدخل في الثالثة، إن كانت من المعز ويتخير المالك بين دفعها من النصاب وغيره. كما يجوز الدفع من النقدين وما بحكمهما من الأثمان كالأوراق النقدية، وإن كان دفع العين أفضل وأحوط. وهذا معنى يشمل الأنعام الثلاثة كلها.
(مسألة 163) المدار على القيمة وقت الدفع لا وقت الوجوب وعلى بلد النصاب لا بلد الدفع، وإن كان الأحوط دفع أعلى القيمتين.
(مسألة 164) إذا كان مالكاً للنصاب لا أزيد، كأربعين شاه مثلاً، فحال عليه أحوال فإن أخرج زكاته من غيره تكررت لعدم نقصانه حينئذ عن النصاب. ولو أخرجها منه أولم يخرج أصلاً لم تجب إلا زكاة سنة واحدة لنقصانه حينئذ عنه. ولو كان عنده أزيد من النصاب، كما لو كان عنده خمسون شاة، وحال عليه أحوال لم يؤدِ زكاتها وجبت عليه الزكاة بمقدار ما مضى من السنين إلى أن ينقص عن النصاب.
(مسألة 165) إذا كان جميع النصاب من الذكور، لم يكلف دفع الأنثى من غيرها وإن كان أحوط، فيما إذا كان المأمور به دفعها كالشاة من الغنم والحقة من الإبل والمسنة من البقر. وأما إذا كان الجميع من الإناث، فلا إشكال في الدفع
ــــــ[56]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
منها، أما من غيرها فعلى القاعدة السابقة من تعين الأنثى أو التخيير، باختلاف الموارد.
(مسألة 166) إذا كان النصاب كله من الضأن جاز دفع المعز، وبالعكس.
وكذا الحال في البقر والجاموس، وكذلك الإبل العراب والبخاتي. حتى لو كان الحيوان المدفوع أرخص قيمة من سائر النصاب، ما دام يصدق عليه العنوان المطلوب.
(مسألة 167) لا فرق بين الصحيح والمريض، ولا بين السليم والمعيب ولا بين الشاب والهرم، في العد من النصاب. كما لا فرق في ذلك بين الذكور والإناث والخناثى، ولا بين المقتنى وغيره ولا بين السمين والهزيل.
(مسألة 168) إذا كان النصاب كله صحيحاً، لا يجوز دفع المريض، وإذا كانت كلها سليمة لا يجوز دفع المعيب، وإذا كانت كلها شابة لا يجوز دفع الهرم وإذا كانت كلها سمينة لا يجوز دفع الهزيل. وكذا إذا كان النصاب ملفقاً من الصنفين على الأحوط إن لم يكن أقوى. نعم، إذا كانت كلها مريضة أو هرمة أو معيبة، أو كان الأعم الأغلب منها كذلك، جاز الإخراج منها.
الشرط الثاني: السوم
وهو الرعي في الأرض المباحة من دون أن يطعمها أحد علفاً مملوكاً. ويعتبر السوم طول الحول. فإذا كانت معلوفة ولو في بعض الحول، لم تجب الزكاة فيها. نعم في انقطاع السوم بعلف اليوم واليومين والثلاثة إشكال. والأحوط إن لم يكن أقوى عدم الانقطاع بل لو أعلفها ثلاثة أيام من كل شهر لم ينقطع. هذا والأحوط استحباباً أكيداً عدم اشتراط السوم في وجوب زكاة الأنعام وإن كان شرطاً مشهورياً.
(مسألة 169) لا فرق في منع الأعلاف عن وجوب الزكاة، بين أن يكون
ــــــ[57]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بالاختيار أو بالاضطرار، ولا بين أن تكون من مال المالك وغيره، ولا بين أن يعلفها غيره بإذنه أو بدونه، كما لا فرق بين أن يطعمها علفاً يشتريه من السوق أو ينبت في أرضه، سواء قطعه وأعلفها أم أرسلها لتأكل منه. فإنها في كل هذه الصور معلوفة غير سائمة.
الشرط الثالث: أن لا تكون عوامل
وهي التي تسخر للعمل من تحميل أوكري أو حرث أو نقل مسافرين، أو غير ذلك. فلو كانت عاملة في بعض الحول لم تجب الزكاة فيها. وفي قدح العمل يوماً أو يومين أو ثلاثة إشكال، والأحوط بل الأقوى عدم القدح كما تقدم في السوم.
(مسألة 170) لا فرق في هذا الشرط، بل كل الشروط بين أنواع الأنعام التي سبقت وأصنافها وذكرها وأنثاها. فالإبل بكل أصنافها يمكن أن تكون عاملة. وكذلك البقر، غير أن افتراض ذلك من الغنم بعيد عرفاً.
الشرط الرابع: مضي الحول
بحيث يمضي عليها عام قمري كامل وإن كان الأحوط استقرار الوجوب في دخول الشهر الثاني عشر فلا يضر فَقْد بعض الشرائط قبل تمامه غير أن الأقوى إخلاله بالوجوب. والشهر الثاني عشر على أي حال محسوب من الحول الأول ولا يكون ابتداء الحول الثاني إلا بعد تمامه.
(مسألة 171) إذا اختل بعض الشروط بطل الحول كما إذا نقصت عن النصاب أولم يتمكن من التصرف فيها أو أبدلها بجنسها أو بغير جنسها ولو كان زكوياً. ولا فرق أن يكون التبديل بقصد الفرار من الزكاة وعدمه وإن كان الأحوط ثبوتها مع قصد الفرار.
ــــــ[58]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 172) إذا حصل لمالك النصاب في أثناء الحول ملك جديد بنتاج أو شراء أو نحوهما فهنا عدة صور:
الصورة الأُولى: أن يكون الجديد بمقدار العفو كما إذا كان عنده أربعون من الغنم وفي أثناء الحول ولدت أربعين فلا شيء عليه إلا ما وجبت في الأول وهو شاة في المثال.
الصورة الثانية: أن يكون الجديد نصاباً مستقلاً كما إذا كان عنده خمس من الإبل فولدت في أثناء الحول خمساً أخرى. كان لكل منهما حول بانفراده ووجبت عليه فريضة كل منهما عند انتهاء حوله.
الصورة الثالثة: أن يكون الجديد نصاباً مستقلاً ومكملاً للنصاب اللاحق كما إذا كان عنده عشرون من الإبل وفي أثناء الحول ولدت ستة جرى على الستة حول مستقل ووجب في العشرين الأُولى أربع شياه وفي الستة الأخيرة شاة واحدة.
الصورة الرابعة: ما إذا كان الملك الجديد مكملاً للنصاب وليس نصاباً مستقلاً كما إذا كان عنده ثلاثون من البقر وولدت في أثناء الحول إحدى عشر وجب عند انتهاء الحول الأول استئناف حول جديد لهما معاً.
(مسألة 173) ابتداء حول السخال من حين النتاج إذا كانت أمها سائمة بل وكذا إذا كانت معلوفة على الأحوط.
(مسألة 174) إذا أراد المكلف تأخير موعد عامه الزكوي أمكن ذلك بإذن الحاكم الشرعي ولكن لا يمكن تقديمه بأي حال.
ــــــ[59]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الثاني: زكاة النقدين
يشترط في زكاة النقدين مضافاً إلى الشرائط العامة السابقة أمور:
الشرط الأول: النصاب وهو في الذهب عشرون ديناراً وفيه نصف دينار والدينار ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي فيكون مقداره خمسة عشر مثقالاً صيرفياً يدفع منه ثلاثة أجزاء من ثمانية أجزاء من المثقال وهو مقدار نصف الدينار.
(مسألة 175) لا زكاة فيما دون العشرين ولا فيما زاد عليها حتى يبلغ أربعة دنانير وهي ثلاث مثاقيل صيرفية وفيها أيضاً ربع عشرها أي مقدار عشر الدينار الواحد وهو جزء من أربعين جزء من النصاب الثاني ووزنها ثلاثة أجزاء من عشرة من المثقال. وهكذا كلما زاد أربعة دنانير وجب ربع عشرها.
(مسألة 176) نصاب الفضة مئتا درهم وفيها خمسة دراهم ثم أربعون درهماً وفيها درهم واحد. وهكذا كلما زاد أربعون كان فيها درهم. ووزن عشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية وخمسة مثاقيل صيرفية وربع فالدرهم نصف مثقال صيرفي وربع عشره فيكون وزن المئتي درهم ماءة وخمسة مثاقيل يدفع منها مثقالان وخمسة أجزاء من ثمانية أجزاء من المثقال. والضابط في زكاة النقدين من الذهب والفضة ربع العشر بعد حصول النصاب الأول ولكنه قد يزيد على القدر الواجب إذا لم يستثن منه مقدار العفو الذي بين النصابين.
الشرط الثاني: أن يكونا مسكوكين بسكة المعاملة. سواء كان بسكة الإسلام أو الكفر، بكتابة أو بغيرها، بقيت السكة أو مسحت بالعارض. أما الممسوح بالأصل فالأحوط وجوب الزكاة فيه إذا عومل به، بل هو الأقوى.
(مسألة 177) المسكوك الذي جرت العادة به ثم هجرت. إن كانت الصفة الغالبة لمادته هو أحد النقدين: الذهب أو الفضة فالأظهر وجوب زكاته وإن كان مغشوشاً قليلاً، وأما إذا كان الغش هو الغالب فلا زكاة عليه.
ــــــ[60]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 178) إذا اتخذ المسكوك للزينة، فإن كانت المعاملة به باقية وجبت فيه على الأحوط. وإلا فالأظهر عدم الوجوب. ولا تجب الزكاة في الحلي والسبائك وقطع الذهب والفضة.
الشرط الثالث: الحول. وهو مضي عام على ملكيته، على نحو ما تقدم في الأنعام، كما تقدم أيضاً حكم اختلال بعض الشرائط وغير ذلك والمقامان من باب واحد.
(مسألة 179) لا فرق في الذهب والفضة بين الجيد والرديء. ولا يجوز الإعطاء من الرديء، إذا كان تمام النصاب من الجيد، بل إذا كان غالبه كذلك أيضاً.
(مسألة 180) تجب الزكاة في الدراهم والدنانير المغشوشة إذا بلغ خالصها النصاب، وكانت متداولة سوقياً. بل إذا لم يبلغ خالصها النصاب على الأحوط. وإذا كان الغش كثيراً بحيث لم يصدق الذهب والفضة عليه. فإن كانت متداولة سوقياً وجبت الزكاة على الأحوط. وإلا فلا.
(مسألة 181) إذا شك في بلوغ النصاب من السكة المغشوشة، غير المتداولة فالظاهر عدم وجوب الزكاة. وفي وجوب الاختبار إشكال أظهره العدم، وإن كان أحوط.
(مسألة 182) إذا كان عنده أموال زكوية من أجناس مختلفة اعتبر بلوغ النصاب في كل واحد منها مستقلاً، ولا يضم بعضها إلى بعض. فإذا كان عنده تسعة عشر ديناراً وتسعون درهماً لم تجب الزكاة في أي منهما. وإذا كانا من جنس واحد، كما إذا كان عنده ليرة ذهب عثمانية وليرة ذهب إنكليزية، ضم بعضها إلى بعض في بلوغ النصاب. وكذا إذا كان عنده من الفضة، روبية إنكليزية وقران إيراني.
ــــــ[61]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الثالث: زكاة الغلات
يشترط في وجوب الزكاة في الغلات الأربع أمران:
الأمر الأول: بلوغ النصاب. ويمكن تعيين مقداره على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: بالوزن القديم الذي كان سائداً في عصر صدر الإسلام. وهو خمسة أوسق، كل وسق ستون صاعاً وكل صاع أربعة أمداد فيكون النصاب ثلاثماءة صاع أو ألف ومائتا مد. ويساوي بالرطل المدني ألفاً وثمانمائة رطل. وبالرطل المكي ألفاً وثلاثماءة وخمسون رطلاً. وبالرطل العراقي ألفان وسبعماءة رطل.
المستوى الثاني: تعيين النصاب بالوزن الذي كان سائداً عندنا في عهد قريب، ثم سيطر عليه وزن الكيلو. وهو نوعان: أحدهما: ما يسمى بالحقة البقالية، والآخر: ما يسمى بالحقة العطارية،، والحقة البقالية ثلاث حقق ونصف عطارية، وكذلك الحال في أجزائها ومضاعفاتها في الوزن. أما بحساب الحقة البقالية فالنصاب يكون ماءة وتسعة وسبعون حقة، وأربعماءة وخمس وتسعين بالألف منها أي حوالي نصف حقة . لأن الوسق المشار إليه سابقاً يساوي تسع وثلاثين ونصف حقه بقالية تقريباً، فيكون النصاب وهو خمسة اوسق بالغاً الناتج الذي قلناه. وأما بحسب الحقة العطارية فالنصاب ستماءة وثمان وخمسون وربع حق ة. لأن الوسق يساوي حوالي ماءة وإحدى وثلاثين حقة ونصف، فيكون النصاب خمسة أضعافه وهو الناتج المشار إليه.
المستوى الثالث: تعين النصاب بالوزن السائد في العصر الحاضر. وهو نوعان: أحدهما: الكيلو الفرنسي والآخر: الباوند الإنكليزي أما بحساب الكيلو فالنصاب يساوي تسعماءة كيلو. لأن الصاع ثلاث كيلوات والوسق ستون صاعاً فيكون الوسق ماءة وثمانون كيلو. وحيث أن النصاب خمسة اوسق فيكون الناتج ما ذكرناه. وأما بحساب الباوند فالباوند أقل من نصف الكيلو إذ يساوي أربعماءة
ــــــ[62]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
وثلاث وخمسين بالألف منه. وحيث أن النصاب تسعماءة كيلو فيكون النصاب ألفاً وتسعماءة وست وثمانون باوند وسبعماءة وأربع وخمسون بالألف أي حوالي ثلاثة أرباع الباوند.
الأمر الثاني: لشرط وجوب زكاة الغلات: الملك في وقت تعلق الوجوب، سواء أكان بالزرع أم بالشراء أم بالإرث أم بغيرها من أسباب الملك.
(مسألة 183) المشهور أن وقت تعلق الزكاة عند اشتداد الحَب في الحنطة والشعير، وعند الاحمرار والاصفرار في ثمر النخل وعند انعقاده حصرماً في ثمر الكرم، لكن الظاهر أن وقته إذا صدق أنه حنطة أو شعير أو تمر أو عنب.
(مسألة 184) المدار في قدر النصاب هو الرطب عند انتهاء القطف والتصفية. في الأجناس الثلاثة التمر والحنطة والشعير. فلو كان عندئذ نصاباً، ونقص مع الجفاف بقي وجوب الزكاة. وهذا بخلاف العنب، فإنه لا يجب دفع الزكاة في العنب بل في الزبيب وهو العنب الجاف ويمكن حسابه على أنه جاف ولو خرصاً أو تقديراً وإن وجب دفعه رطباً على الأحوط.
(مسألة 185) وقت وجوب الإخراج حين تصفية الغلة واجتذاذ الثمر وقطف العنب على النحو المتعارف. فإذا أخر المالك الدفع عن ذلك الوقت بدون عذر. ضمن مع وجود المستحق. بمعنى أنه يجب عليه أن يدفع حصة مجددة للزكاة. ولا يجوز للساعي المطالبة قبله، نعم يجوز الإخراج قبل ذلك بعد تعلق الوجوب، لكن يجب دفع الحصة بوزن الناضج ولو تقديراً. ويجب على الساعي القبول.
(مسألة 186) لا تتكرر الزكاة في الغلات بتكرر السنين، فإذا أعطى زكاة الحنطة، وبقيت العين عنده عدة سنين، لم تجب فيها زكاة الغلات. وهكذا غيرها. ولكن قد يجب فيها أمر آخر كالخمس.
(مسألة 187) المقدار الواجب إخراجه في زكاة الغلات العشر إذا سقي
ــــــ[63]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
سيحاً كفيضان النهر عليه، أو بالمطر أو بمص عروقه من ماء الأرض. ويجب نصف العشر إذا سقي بالدلاء والماكنة والناعور ونحو ذلك من العلاجات وعلى العموم فإذا غرم المالك أجوراً للسقي وجب نصف العشر وإن سقي طبيعياً مجاناً وجب العشر. وإذا تبرع له غيره بالأجور لم يعتبر مجاناً.
(مسألة 188) المدار في التفصيل المتقدم على الثمر لا على الشجر. فإذا كان الشجر حين غرسه يسقى بالدلاء، ولكنه عند أول ثمره يسقى سيحاً وجب فيه العشر. ولو كان بالعكس، وجب فيه نصف العشر.
(مسألة 189) الأمطار المعتادة في السنة لا تخرج ما يسقى بالدوالي عن حكمه، إلا إذا كثرت بحيث يستغنى عن الدوالي فيجب حينئذ العشر. أو كانت بحيث توجب صدق الاشتراك في السقي فيجب التوزيع بالنسبة.
(مسألة 190) المهم في طريقة سقي الغلات هو دفع الأجور وعدمه. سواء اتحد شكل السقي أم اختلف ما دام متحداً في إحدى الصفتين. فلو كان سقيه بدون أجور ولكنه تارة على المطر وأخرى على السيح وثالثة على المياه الباطنية، وجب دفع العشر. ولو كان سقيه بأجور لكنها تارة في حفر ساقية وأخرى في حفر بئر وثالثة في أجور ناعورة أو مضخة ماء ورابعة لنقل الماء إلى المزرعة عن طريق السيارات أو الحيوانات، وجب نصف العشر.
(مسألة 191) لو كان سبب السقي مما حصل بالأجر في نبات سابق. ولكنه في هذا العام أصبح سبباً للسقي مجاناً، كما لو فاضت العين المحفورة أوجرت الساقية طبيعياً، وجب العشر.
(مسألة 192) إذا أخرج شخص الماء بالدوالي عبثاً أو لغرض فسقى به آخر زرعه. فالظاهر وجوب العشر إن بقي الماء بعد إخراجه من المباحات العامة ووصل إلى الزرع بنفسه بدون تَعَمُّل. وإلا وجب نصف العشر. وكذا إذا أخرجه هو عبثاً أو لغرض آخر، ثم بدا له فسقى به زرعه. وأما إذا أخرجه لزرع فبدا له
ــــــ[64]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فيه وسقى به زرعاً آخر أو زاد الماء فسقى به غيره، فالظاهر وجوب نصف العشر.
(مسألة 193) ما يأخذه السلطان من الحاصل، بأي عنوان أو سبب، لا يجب إخراج زكاته. ويعتبر حصول النصاب بعد دفعه. فلو كان نصاباً ولكنه أصبح أقل بعد دفع هذه الحصة لم تجب الزكاة فيه.
(مسألة 194) المشهور استثناء المؤن التي يحتاج إليها الزرع والثمر، من أجرة الفلاح والحارث والساقي والعوامل التي يستأجرها للزرع، وأجرة الأرض ولو غصباً، ونحو ذلك مما يحتاج إليه الزرع أو الثمر، ومنها ما يأخذه السلطان من النقد المضروب على الزرع المسمى بالخراج. ولكن الأحوط عدم استثناء المؤن جميعاً إلا حصة السلطان المأخوذة بسبب الزكاة أو النبات الزكوي.
(مسألة 195) يمكن احتساب المؤن التي تتعلق بالزرع أو الثمر على الزكاة، بالنسبة، مع أخذ الإذن من الحاكم الشرعي.
(مسألة 196) يضم النخل بعضه إلى بعض، وإن كان في أمكنة متباعدة وتفاوتت في الإدراك، بعد أن كانت الثمرتان لعام واحد. وإن كان بينهما شهر أو أكثر. وكذا الحكم في الزروع المتباعدة فيلحظ النصاب في المجموع. فإذا بلغ المجموع النصاب وجب الزكاة. وإن لم يبلغه كل واحد منها. وأما إذا كان النخل يثمر في العام مرتين، ففي الضم إشكال، وإن كان هو الأحوط وجوباً.
(مسألة 197) يجوز دفع القيمة عن الزكاة من النقدين وما بحكمهما من الأثمان، والأوراق النقدية. وأما دفع أعيان أخرى بدلها فهو منوط بإذن الحاكم الشرعي.
(مسألة 198) إذا مات المالك بعد تعلق الوجوب، وجب على الوارث إخراج الزكاة. وأما لو مات قبله وانتقل إلى الوارث فإذا بلغ نصيب كل واحد النصاب وجبت على كل واحد منهم زكاة نصيبه. وإن كان النصاب في حصص
ــــــ[65]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
البعض وجبت عليه دون الباقين. وإن لم يبلغ نصيب أي منهم لم تجب أصلاً. وكذا إذا كان الانتقال بغير الإرث كالشراء والهبة.
(مسألة 199) إذا ملك النبات الزكوي بإرث أو هبة، وجبت الحصة، باعتبار السقي الذي فعله المالك السابق. فإن كان بأجور دفع المالك الثاني نصف العشر، وإن كان بدونها دفع العشر.
(مسألة 200) إذا اختلفت أنواع الغلة الواحدة، جاز دفع الجيد عن الأجود والأردأ عن الرديء وفي جواز دفع الرديء عن الجيد إشكال، أحوطه العدم.
(مسألة 201) لا يضم بعض النبات الزكوي إلى بعض. وإنما يعتبر النصاب في كل منها مستقلاً. فلو كان التمر والعنب معاً نصاباً أو الحنطة والشعير لم تجب الزكاة في أي منها.
(مسألة 202) المدار هو صدق العنوان عرفاً وهي التسميات الأربعة: التمر والزبيب والحنطة والشعير. وهذا له عدة نتائج:
أولاً: ما قلناه من عدم وجوب الزكاة قبل صدقها على النبات حال تكونه.
ثانياً: عدم وجوب الزكاة على ما يشك في إلحاقه بذلك من النبات.
ثالثاً: عدم وجوب الزكاة على ما خالط هذه النباتات من الأدغال وإن كانت مشابهة لها كالدنان والسلت والعلس.
رابعاً: وجوب الزكاة على الأنواع المختلفة من أي قسم، فيضم أقسام الحنطة إلى بعضها البعض، وتعتبر نصاباً واحداً، وكذا النباتات الثلاثة الأخرى.
خامساً: أنه لا فرق في وجوب الزكاة في عمر الثمرة أو الغلة، ما دام العنوان صادقاً. فمثلاً تجب في ثمرة النخل سواء كانت بسراً
ــــــ[66]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(خلالاً) أو منصّفاً أو رطباً أو جافاً أو مكبوساً أو غيره. وإذا لم يدفع في حال وجب عليه الدفع في الحال الأخرى. وكذا الحال في الحنطة والشعير. ويستثنى من ذلك ثمرة الكرم فإن العنوان المأخوذ في وجوب الزكاة هو الزبيب لا العنب كما سبق.
(مسألة 203) الأقوى أن الزكاة حق متعلق بالعين، على نحو الشركة في المالية على وجه الإشاعة. فالأحوط أنه لا يجوز التصرف في النصاب ولا ببعضه المعين قبل إخراج الزكاة بدون إذن الحاكم الشرعي. لا يختلف في ذلك التصرف المعاملي كالبيع أو غيره كالنقل. وأما التصرف المعاملي بالكسر المشاع الذي لا يشمل الحصة الزكوية، فلا إشكال فيه، فلو باع النصف المشاع جاز ودفع الحصة من الباقي، لكن لا يجوز تسليمه إلى المشتري إلا بعد دفع الحصة أو إجازة الحاكم الشرعي. وأما نية تعيينها في النصف الآخر، فلا حجية فيه حتى بإذن الحاكم الشرعي على الأحوط.
(مسألة 204) لو باع المال الزكوي بإذن الحاكم الشرعي. انتقل كله إلى المشتري، وكانت الزكاة في الثمن. وإن كان بدون إذنه انتقل إلى المشتري ما زاد عن الحصة الزكوية فيه. فيجب أن يدفعها البائع قبل التسليم، وإلا فتجب على المشتري، ولا يجوز احتساب الثمن بأزائها.
(مسألة 205) لا يجوز التأخير في دفع الزكاة من دون عذر فإن أخره لعذر كطلب المستحق، فتلف المال قبل الوصول إليه لم يضمن وإن أخره مع العلم بوجود المستحق وإمكان دفعه إليه ضمن.
(مسألة 206) لا حجية في عزل المالك للحصة الزكوية، بل يبقى حكم النصاب وحكمها واحداً ما لم يقبضها المستحق. نعم، لا يبعد أن يكون العزل في طريق الدفع حجة فيشمله حكم المعزول من عدم الضمان مع التلف بدون تأخير ولا تفريط سواء كان المال المعزول من العين أو من مال آخر، وجد
ــــــ[67]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المستحق أم لم يوجد، تأخر الدفع أم تنجز. والمهم أن يكون العزل في طريق الدفع عرفاً. ولو اقتضى الحال التأخير الزائد لغير ضرورة أو حرج كشهر أو شهرين لم يجز إلا بإذن الحاكم الشرعي.
(مسألة 207) نماء الزكاة تابع لها في المصرف، قل أو كثر ولا يجوز للمالك إبدالها بعد العزل، إلا بإذن الحاكم الشرعي.
(مسألة 208) إذا باع الزرع أو الثمر، وشك في أن البيع كان بعد تعلق الزكاة حتى تكون عليه، أو قبله حتى تكون على المشتري لم يجب عليه شيء إلا إذا علم زمان التعلق وشك في زمان البيع فتجب عليه. وإن كان الشاك هو المشتري فإن احتمل أداء البائع للزكاة على تقدير كون البيع بعد التعلق لم يجب عليه إخراجها. وإن علم بعدم دفعها من قبل البائع على هذا التقدير وجب عليه الدفع.
(مسألة 209) يجوز للحاكم الشرعي أو وكيله خرص ثمر النخل والكرم على المالك. بشرط أن يكون الخارص من أهل الخبرة، وأن يكون الخرص قبل القطف والاختراف. وإلا لم يكن حجة. وفائدته تعيين مقدار الزكاة، وجواز تصرف المالك في الباقي. وأما خرص المالك لنفسه، فلا يخلو من إشكال حتى لو كان الخارص خبيراً.
ــــــ[68]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المقصد الثالث
المستحقون للزكاة
ويقع الكلام في أصنافهم تارة وفي أوصافهم أخرى فهنا مبحثان:
المبحث الأول: أصناف المستحقين
وهي ثمانية أصناف:
الأول والثاني: الفقير والمسكين. وكلاهما من لا يملك مؤنة سنته اللائقة بحاله له ولعياله لا قوة ولا فعلاً، والمراد بالعيال من يعولهم عادة سواء كان على نحو الوجوب أم غيره بل يشمل حتى الضيوف إذا كانت زيارتهم له مناسبة لحالته الاجتماعية. والغني بخلافه، وهو من يملك قوت سنته فعلاً بأن يكون له مال يكفي لسنة كاملة، أو قوة بأن يكون له حرفة أو تجارة يكفيه ربحها للمؤونة بالمقدار المناسب لحاله.
(مسألة 210) ليس للفرق بين الفقير والمسكين أو عدمه أي دخل في هذا الباب فقهياً. وما ذكروه من أن المسكين أجهد من الفقير لا يناسب سياق الآية الكريمة لتقديم ذكر الفقير الصادق على المسكين أيضاً. نعم لو ذكرا في الآية بالعكس لكان لهذا التفسير وجه، وهو عدم اختصاص الاستحقاق بالأجهد. بل الصحيح في الفرق هو أن المسكنة هي الذلة، ولم يؤخذ في مضمونها الفقر أصلاً. غير أن الغالب أن الذلة تؤدي إلى الفقر وبالعكس، وأن أكثر أسباب الفقر هو الذلة. ومن الواضح إمكان أن يكون الذليل أو المسكين غنياً، كما يمكن أن يكون فقيراً. إلا أن التمسك بإطلاق الآية من هذه الناحية غير محتمل فقهياً.
ــــــ[69]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فيكون مؤدى الآية الكريمة استحقاق الفقير للزكاة سواء لم يكن ذليلاً وهو الفقير أو كان فقيراً وذليلاً وهو المسكين. وهو أمر معنوي لا دخل للحكم الفقهي فيه كما سبق، كما يمكن أن نفهم منه معنى (الأجهد) الذي قال المشهور لضم الذلة إلى الفقر وليس لكونه أجهد اقتصادياً.
(مسألة 211) إذا كان قادراً على الاكتساب وتركه تكاسلاً أو تسامحاً، فالأحوط عدم استحقاقه للزكاة. نعم، إذا كان لتكسبه وقت معين وخرج وقته ولم يكتسب جاز له الأخذ.
(مسألة 212) قلنا أن الغني من يملك قوت سنته قوة أو فعلاً. فهنا يمكن أن نلتفت إلى أنه يملك الفرد قوت سنته كلها قوة فقط أو فعلاً فقط. أو قوة وفعلاً معاً ويعتبر بهما غنياً شرعياً أيضاً.
(مسألة 213) يراد من ملك قوت السنة بالقوة: أن يكون له أرباح تدريجية كافية تأتي إليه من عمله أو أملاكه ونحو ذلك. ولا تشمل الأموال الواردة على سبيل الصدفة وإن كفت لقوت السنة أو زادت، كتواتر الهبات عليه أو دفع الحقوق الشرعية إليه، أو موت عديدين يكون هو وارثهم، بحيث تكفي مجموع حصصهم له لقوت السنة. ففي أمثال ذلك لا يكون غنياً شرعياً.
(مسألة 214) إذا كان له رأس مال لا يكفي ربحه لمؤونة سنته، جاز له أخذ الزكاة، وكذا إذا كان صاحب صنعة تقوم آلاتها بمؤنته أو صاحب ضيعة أو دار أو خان أو نحوهما تقوم قيمتها بمؤنته، ولكن لا يكفيه الحاصل منها. فإن له إبقاؤها وأخذ المؤنة من الزكاة.
(مسألة 215) دار السكن والخادم وفرس الركوب أو أية واسطة نقل مناسبة لحاله، ولو لكونه من أهل الشرف، لا تمنع من أخذ الزكاة. وكذا ما يحتاج إليه من الثياب والألبسة الصيفية والشتوية. والكتب العلمية، وأثاث البيت من الظروف والفرش والأواني وسائر ما يحتاج إليه، نعم إذا كان عنده من
ــــــ[70]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المذكورات أكثر مقدار من حاجته، وكانت هذه الزيادة كافية في مؤونته لم يجز له الأخذ. بل إذا كان له دار تندفع حاجته بأقل منها قيمة، وكان الفرق بين الدارين يكفيه لمؤنته لم يجز له الأخذ من الزكاة على الأحوط وجوباً إن لم يكن أقوى.
وكذا الحكم في الفرس والسيارة والعبد والجارية وغيرها من أعيان المؤن إذا كانت عنده وكان يكفي الأقل منها، وكان الفرق كافلاً لمؤنة سنته.
(مسألة 216) إذا كان قادراً على التكسب، لكنه ينافي شأنه اجتماعياً جاز له الأخذ. وكذا إذا كان قادراً على الصنعة، ولكنها تنافي شأنه أو كان فاقداً لآلاتها.
(مسألة 217) إذا كان قادراً على تعلم صنعة أو حرفة فأما أن يكون لتعلمها وقت محدد طبيعياً كالمواسم الزراعية أو اجتماعياً كالمواسم الدراسية أولم يكن لهما وقت محدد. وعلى كل التقديرين فأما أن يكون متماهلاً في التعلم ومهملاً له أو أن يكون مهتماً به لكن يؤجله لعجز أو اضطرار. فهنا صور عديدة:
الصورة الأُولى: أن يكون للتعلم وقت محدد وهو حاصل فعلاً، إلا أن الفرد متسامح في التعلم. فلا يجوز له أخذ الزكاة.
الصورة الثانية: نفس الأُولى إلا أن الفرد مضطر إلى التأجيل، فيجوز له أخذ الزكاة.
الصورة الثالثة: نفس الصورة الأُولى. لكن الوقت قد انتهى ولم يتعلم سواء كان تركة إهمالاً أم اضطراراً. فيجوز له أخذ الزكاة ولا يكفي في صدق الغنى القدرة على التعلم في الوقت اللاحق، إذا كان بعيداً، بل حتى إذا كان قريباً كيوم أو يومين، فيجوز له الأخذ ما لم يتعلم.
الصورة الرابعة: ألا يكون للتعلم وقت معين، بل هو متوفر دائماً، وهو مهمل له، لم يجز له أخذ الزكاة.
الصورة الخامسة: نفس الصورة السابقة، مع كونه مضطراً إلى تركه، فيجوز
ــــــ[71]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
له الأخذ. وعلى أي حال لا يعتبر الفرد قادراً على الاكتساب إلا بعد انتهاء تعلمه.
(مسألة 218) طالب العلم الديني الذي لا يملك فعلاً ما يكفيه يجوز له أخذ الزكاة إذا كان طلب العلم واجباً عليه، ولو بنحو الواجب الكفائي،، كما هو الأغلب. وإلا فإن كان قادراً على الاكتساب، وكان يليق بشأنه لم يجز له أخذ الزكاة وإن لم يكن قادراً على الاكتساب لفقد رأس المال أو غيره من المعدات للكسب، أو كان لا يليق بحاله، كما هو الغالب في هذا الزمان أو كان يريد التفرغ لهذا المسلك وجوباً أو استحباباً، جاز له الأخذ. هذا بالنسبة إلى سهم الفقراء. وأما سهم سبيل الله تعالى، فيجوز له الأخذ منه إذا كان يترتب على اشتغاله مصلحة محبوبة لله تعالى وإن لم يكن المشتغل ناوياً القربة، نعم، إذا كان ناوياً للحرام، كالإضرار بالدين أو بالمؤمنين أو قاصداً الرياسة المحرمة لم يجز له الأخذ.
(مسألة 219) المدعي للفقر إن علم صدقه أو كذبه عومل به وإن جهل ذلك لم يجز إعطاؤه إلا إذا حصل الوثوق بفقره أو كانت حالته السابقة هي الفقر.
(مسألة 220) إذا كان له دَين على الفقير جاز احتسابه من الزكاة حياً كان أم ميتاً. نعم يشترط في الميت أن لا يكون له تركة تفي بدينه وإلا لم يجز إلا إذا تلف المال على وجه لا يمكن استيفاؤه. إما لكونه غير مضمون وإما لكون متلفه معدماً أو مفقوداً أو ظالماً ونحو ذلك. وإذا امتنع الورثة عن الوفاء ففي جواز الاحتساب إشكال وإن كان أظهر. وكذا إذا غصب التركة غاصب لا يمكن أخذها منه. فإن ذهبت كل التركة أمكن احتساب كل الدين، وإلا أمكن احتساب ما نقص.
(مسألة 221) لا يجب إعلام الفقير بأن المدفوع إليه الزكاة، بل يجوز الإعطاء على نحو يتخيل الفقير أنه هدية.
ــــــ[73]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 222) يجوز أن تصرف الزكاة في مصلحة الفقير، كما إذا قدم له ثمر الصدقة فأكله، أو أن يوفي بها دينه وإن لم يعلم. وأما إذا دفعت له فالأحوط أن تدخل في ملكه بقصد التملك. ولو ارتكازاً. والظاهر حصوله ما لم يقصد المنافي.
(مسألة 223) إذا دفع الزكاة باعتقاد الفقر، فبان كون المدفوع إليه غنياً. فإذا كانت متعينة بالعزل وجب عليه استرجاعها وصرفها في مصرفها. إذا كانت عينها باقية، وإن كانت تالفة، فإن كان الدفع اعتماداً على حجة شرعية لم تكن مضمونة للدافع وإلا ضمنها. وأما ضمان الآخذ فموقوف على التعدي والتفريط والإتلاف بالاستهلاك والنقل المعاملي من التفريط وإذا ضمنها الدافع ودفعها إلى مستحقها فله الرجوع على القابض إذا كان بدوره ضامناً. وكذا الحكم إذا تبين كون المدفوع إليه ليس مصرفاً للزكاة من غير جهة الغنى، مثل أن يكون ممن تجب نفقته أو أن يكون هاشمياً إذا كان الدافع غير هاشمي أو غير ذلك.
الثالث: من أصناف المستحقين للزكاة، العاملون عليها:
وهم المنصوبون من قبل الإمام أو نائبه الخاص أو العام لأخذ الزكاة وضبطها وحسابها وحفظها وإيصالها إلى الإمام أو نائبه أو إلى مستحقيها.
الرابع: المؤلفة قلوبهم: وهم المسلمون الذين يضعف اعتقادهم بالمعارف الدينية، يعني أصول الدين، فيعطون من الزكاة ليحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم. أو الكفار الذين يوجب إعطاؤهم الزكاة. ميلهم إلى الإسلام أو معاونة المسلمين في الدفاع أو الجهاد ضد الكفار.
الخامس: الرقاب: وهم العبيد المكاتبون العاجزون عن أداء مال الكتابة مطلقة أو مشروطة فيعطون من الزكاة ليؤدوا ما عليهم من المال، لا بنحو التمليك على الأحوط بل بنحو إفراغ ذمة العبد، وكذلك العبيد الذين هم تحت الشدة فيشترون ويعتقون، بل مطلق عتق العبد إذا لم يوجد المستحق للزكاة.
ــــــ[74]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
السادس: الغارمون: وهم الذين ركبتهم الديون وعجزوا عن أدائها. وإن كانوا مالكين قوت سنتهم وقادرين على الوفاء منها. بشرط أن لا يكون الدين مصروفاً في المعصية.
(مسألة 224) لو كان على الغارم دين لمن عليه الزكاة جاز احتسابه عليه زكاة. بل يجوز أن يحتسب ما عنده من الزكاة للمدين إذا كان مأذوناً منه أو وكيلاً عنه، فيكون له، ثم يأخذه مقاصة يعني وفاء لما عليه من الدين.
(مسألة 225) إذا كان الدين لغير من عليه الزكاة، يجوز له وفاؤه عنه بما عنده منها ولو بدون إطلاع الغارم. ولو كان الغارم ممن تجب نفقته على من تجب عليه الزكاة، جاز له إعطاؤه لوفاء دينه أو الوفاء عنه، وإن لم يجز إعطاؤه لنفقته.
السابع: سبيل الله تعالى: وهو جميع سبل الخير، كبناء القناطر والمدارس والمساجد وإصلاح ذات البين، ورفع الفساد، والإعانة على الطاعات والظاهر جواز دفع هذا السهم في كل طاعة، مع عدم تمكن المدفوع إليه من فعلها بدونه، بل مع تمكنه إذا لم يكن مقدماً عليه إلا بها. فإن عاد النفع عليه وعلى غيره، فلا إشكال وإلا كان دفعها إلى الغني لمجرد حثه على الطاعة مخالفاً للاحتياط.
الثامن: ابن السبيل: وهو الذي نفدت نفقته أو قلّت عن حاجته بحيث لا يقدر على الذهاب إلى بلده. فيدفع له ما يكفيه لذلك. بشرط أن لا يكون سفره في معصية. سواء كان قادراً على الاستدانة أم لا، وسواء كان قادراً على بيع ماله الذي في بلده أم لا. وإن كان الأحوط خلافه في الصورتين.
المبحث الثاني: أوصاف المستحقين
وهي أمور:
الأول: الإيمان: فلا يعطى الكافر ولا المخالف من سهم الفقراء ولا غيره على الأحوط. إلا سهم المؤلفة قلوبهم وسهم سبيل الله إن كانوا مندرجين فيه.
ــــــ[74]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 226) تعطى الزكاة لأطفال المؤمنين ومجانينهم، ويقبضها وليهم. والمهم قبضه عنهم لا قبوله اللفظي، وإن كان أحوط استحباباً.
(مسألة 227) إذا أعطى المخالف زكاته أهل نحلته، ثم استبصر أعادها، وإن كان قد أعطاها المؤمن أجزأ.
الثاني: أن لا يكون من أهل المعاصي، بحيث يصرف الزكاة في المعاصي أو يكون الدفع إليه إعانة على الإثم أو يكون حرمانه منها ردعاً له. والأحوط عدم إعطاء الزكاة لتارك الصلاة أو شارب الخمر أو المتجاهر بالفسق أو المعتاد على السرقة أو الزنا أو المتساهل في دينه.
الثالث: أن لا يكون ممن تجب نفقته على المعطي.
كالأبوين والأجداد وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا من الذكور والإناث والزوجة الدائمة، إذا لم تسقط نفقتها والمنقطعة إذا اشترطت النفقة. والمملوك. غير أن الأبوين والأولاد لا تجب نفقتهم دائماً، بل إذا كان المنفق متمكناً وهم معدمون، أما إذا كان كلاهما معدماً لم تجب النفقة، وكذا لوكانا ميسورين حتى الأطفال إذا كانوا يملكون ما يكفيهم جاز الصرف عليهم من أموالهم. ولو كان دافع الزكاة فقيراً والمدفوع إليه ميسوراً لم تجب النفقة، فجاز له الدفع من هذه الناحية، نعم، الزوجة والمملوك يستحقان النفقة وإن كانا ميسورين. غير أن نفقة الزوجة دين في ذمة زوجها، وأما نفقة الآخرين فهو حكم تكليفي خاصة وعلى أي حال، لا يجوز إعطاء الزكاة لمن تجب نفقته.
(مسألة 228) يجوز إعطاء هؤلاء من الزكاة لحاجة لا تجب على المنفق، كما إذا كان للوالد أو الولد زوجة أو مملوك أو كان عليه دين يجب وفاؤه أو كان عليه عمل يجب أداؤه بإجارة وكان موقوفاً على المال. وأما إعطاؤهم للتوسعة زائداً على النفقة الواجبة، فهو جائز ما دام مناسباً لشأنه الاجتماعي أعني القابض.
(مسألة 229) يجوز لمن وجبت نفقته على غيره أن يأخذ الزكاة ممن تجب
ــــــ[75]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
عليه، إذا لم يكن المنفق قادراً على الإنفاق أولم يكن باذلاً أولم يكن موسعاً أو كان باذلاً مع منة غير قابلة للتحمل عادة. وأما إذا كان المنفق قد جعل الآخر بمنزلة الغني الشرعي فالأحوط منعه من الزكاة والأحوط اعتبار كل من تجب نفقته على غني غنياً، واعتبار كل من تجب نفقته على فقير فقيراً.
(مسألة 230) الأقوى سقوط وجوب النفقة في غير الزوجة، مع توفر الزكاة. وأما الزوجة فلا تسقط نفقتها. ويجوز للزوجة أن تأخذ من الزكاة، حتى مع بذل زوجها للنفقة، إذا كان فقيراً شرعياً.
(مسألة 231) يجوز دفع الزكاة إلى الزوجة المتمتع بها، إذا لم تشترط نفقتها، سواء كان الدافع الزوج أم غيره. وكذا الدائمة إذا سقطت نفقتها بالشرط أو بالنشوز.
(مسألة 232) يجوز للزوجة دفع زكاتها إلى زوجها ولو كان للإنفاق عليها، إلا إذا أصبح واجب النفقة عليها. كما إذا أصبح عاجزاً ونحوه.
(مسألة 233) إذا عال بأحد تبرعاً، جاز للمعيل ولغيره دفع الزكاة إليه، من غير فرق بين القريب والأجنبي. هذا إذا كان على وجه الجواز أو الاستحباب، وأما إذا كان مصداقاً للوجوب الكفائي ففيه إشكال.
(مسألة 234) يجوز لمن وجبت النفقة عليه أن يعطي زكاته لمن تجب عليه نفقته إذا كان عاجزاً عن الإنفاق عليه. وإن كان الأحوط استحباباً الترك فيما إذا أخذها للإنفاق عليه.
الرابع: أن لا يكن هاشمياً إذا كانت من غير هاشمي. فالهاشمي لا تجوز له زكاة غير الهاشمي، ولكن يجوز أن يعطي الهاشمي لغير الهاشمي. فالهاشمي يعطي لكلا الصنفين بدون تعيين الانتساب بخلاف غير الهاشمي.
(مسألة 235) لا فرق في الحرمة بين سهم الفقراء وسائر السهام على
ــــــ[76]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الأحوط، حتى سهم العاملين وسبيل الله. نعم لا بأس بتصرفهم في الأوقاف العامة إذا كانت من الزكاة مثل المساجد والمدارس ومنازل الزوار والكتب وغيرها.
(مسألة 236) يجوز للهاشمي أن يأخذ زكاة الهاشمي، وإن كان الأحوط خلافه. من دون فرق بين السهام أيضاً. كما يجوز له أخذ زكاة غير الهاشمي مع الاضطرار. وفي تحديد الاضطرار إشكال. والأحوط تحديده بوجبة من الطعام وباللباس الذي تحت الضرورة فإن زاد وجب إرجاعه.
(مسألة 237) الهاشمي هو المنتسب شرعاً إلى هاشم بالأب دون الأم، وإن كان حراماً بالعرض كالحيض والإحرام والظهار وغيرها. وأما إذا كان منتسباً إليه بالزنا، فيشكل إعطاؤه من الزكاة ويجوز إعطاؤه من الخمس، وإن كان الأحوط خلافه.
(مسألة 238) ما هو المحرم من صدقات غير الهاشمي هو زكاة المال وزكاة الفطرة. أما الصدقات المندوبة فليست محرمة. بل كذلك الصدقات الواجبة كالكفارات ورد المظالم ومجهول المالك واللقطة والفدية ومنذور الصدقة والموصى به للفقراء أو العلماء ويكون منهم فضلاً عن الموقوف كذلك.
(مسألة 239) يثبت كون الفرد هاشمياً بالعلم والبينة وبالشياع الموجب للاطمئنان. ولا يكفي مجرد الدعوى، وفي براءة ذمة المالك إذا دفع إليه الزكاة حينئذ، إشكال لا يترك معه الاحتياط.
(مسألة 240) المهم في المنع عن أخذ الزكاة واستحقاق الخمس هو كون الفرد منتسباً إلى هاشم، من أي فرع من فروع ذريته وإن لم يكن علوياً. دون انتسابه إلى من فوقه من الأجداد كقصي أو فهر أو النضر الذي يعني كونه قرشياً غير هاشمي. ومعه فهو كسائر غير الهاشميين فضلاً عن أن يكون عدنانياً أو قحطانياً خارج هذه الذرية.
ــــــ[77]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الثالث: في بقية أحكام الزكاة
(مسألة 241) لا يجب البسط على الأصناف الثمانية على الأقوى ولا على أفراد صنف واحد ولا مراعاة أقل الجمع، وهو ثلاثة. فيجوز إعطاؤها لشخص واحد من صنف واحد.
(مسألة 242) إذا اعتقد وجوب الزكاة فأعطاها، ثم بان العدم، جاز له استرجاعها. وإن كانت تالفة استرجع البدل. إذا كان الفقير عالماً بالحال، وإلا لم يجز الاسترجاع.
(مسألة 243) إذا نذر أن يعطي زكاته فقيراً معيناً انعقد نذره، فإن سها فأعطاها فقيراً آخر أجزأ. ولا يجوز استردادها وإن كانت العين باقية. وإذا أعطاها غيره، معتمداً، فالظاهر الإجزاء وإن كان الاحتياط الأكيد بخلافه. وأما حصول الحنث به ووجوب الكفارة عليه فمسلّم، بل الأحوط دفعها في صورة السهو والنسيان أيضاً ولو من مال آخر.
(مسألة 244) يجوز نقل الزكاة من بلد إلى غيره، ولو مع وجود المستحق فيه. لكن إذا كان المستحق موجوداً في البلد كانت مؤونة النقل عليه، وإن تلفت بالنقل يضمن حتى لو كان بغير تفريط على الأحوط بخلاف ما لو نقلها بإذن الفقيه فإنه لا يضمن إلا بالتفريط. وأما مع عدم وجود المستحق في البلد فأجرة النقل يمكن أن تكون من الزكاة نفسها، ولا ضمان إلا مع التفريط حتى لو لم يراجع الفقيه.
(مسألة 245) إذا كان له مال في غير بلد الزكاة، جاز له دفعه عما عليه في بلده. ولو مع وجود المستحق فيه. وكذا إذا كان له دين في ذمة شخص في بلد آخر جاز احتسابه عليه من الزكاة إذا كان فقيراً، ولا إشكال في شيء من ذلك.
(مسألة 246) إذا قبض الفقيه الزكاة بعنوان الولاية العامة، أو قبضها المالك بالوكالة عنه كذلك، أو قبضها وكيل الفقيه كذلك برئت ذمة المالك. وإن تلفت بعد ذلك بتفريط أو بدونه، أو دفعها إلى غير المستحق.
(مسألة 247) لا يجوز تأخير دفع الزكاة حتى مع العزل، بحيث يؤدي إلى التسامح. وليس منه انتظار المستحق أو مستحق معين. وإن كان الأحوط المبادرة مطلقاً. وإذا تلفت بالتأخير مع وجود المستحق ضمن كما تقدم.
ــــــ[78]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 248) يجوز عزل الزكاة وهي الحصة الزكوية التي يجب دفعها إلى المستحق. وأثره حليّة باقي المال وجواز التصرف فيه. وكذلك عدم الضمان لو تلف بدون تعد ولا تفريط سواء كان التالف كله أو بعضه بخلاف ما لو لم يكن معزولاً كما سيأتي في المسالة الآتية. ولكن لا تبرأ ذمته بالعزل إلا بالقبض أو التلف بدون تفريط. والمراد من القبض قبض المستحق أو وكيله أو وليه الخاص أو العام وهو الفقيه، أو أن يقبضها المالك بالوكالة عن المستحق أو عن الفقيه. ويجب عليه دفعها إلى من قبضها عنه.
(مسألة 249) مع عدم العزل لا يجوز التصرف بالمال كله ولا بجزء منه. لا بنقل معاملي كالبيع ولا مكاني كالسفر به. لأنه تصرف في الحق الزكوي بدون إذن، ولو تلف المال قبل العزل. فإن كان عن تفريط وتعمد وجب دفع الزكاة كاملة من بقية المال إن وجدت أو من غيره. وإن لم يكن عن تفريط سقط من الزكاة بنسبة التالف. والتأخير المؤدي إلى الإهمال بل مطلق عدم العذر فيه من التفريط.
(مسألة 250) لو تصرف بالمال قبل دفع الزكاة أو عزلها تصرفاً معاملياً كالبيع. بطل البيع في نسبة الحصة الزكوية ووجب دفعها إلى المستحق من قبل البائع أو المشتري. ولم يستحق البائع ما يقابلها من الثمن. نعم، يجوز البيع أو غيره من التصرفات بإذن الحاكم الشرعي وتكون الزكاة في الثمن. وهل له إمضاء البيع بعد وقوعه الظاهر ذلك. وإن كان الأحوط خلافه.
(مسألة 251) لا يجوز تقديم الزكاة قبل تعلق الوجوب. نعم يجوز أن يعطي الفقير قرضاً قبل وقت الوجوب، لا بعنوان الزكاة بل بعنوان القرض، فإذا جاء الوقت احتسبه زكاة بشرط بقائه على صفة الاستحقاق، وبقاء النصاب على صفة الوجوب كما يجوز له أن لا يحتسبه زكاة، بل يدفعها إلى غيره. ويبقى في ذمة
ــــــ[79]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفقير قرضاً. وإذا أعطاه قرضاً فزاد عند المقترض زيادة متصلة، فهي له لا للمالك، وكذلك النقص عليه إذا نقص. ويجوز احتساب الكامل عندئذ. ولا يتعين في ذلك دفع القرض. لكي يحتسب زكاة، بل يمكن ذلك في أي قرض، مع اجتماع باقي الشروط.
(مسألة 252) إذا أتلف الزكاة المعزولة أو النصاب متلف. فإن كان مع عدم التأخير الموجب للضمان، فالضمان يكون على المتلف دون المالك، وإن كان مع التأخير الموجب للضمان، فكلاهما ضامن وللحاكم الرجوع على أيهما شاء. فإن رجع على المالك رجع هو على المتلف وإن رجع على المتلف لم يرجع على المالك.
(مسألة 253) دفع الزكاة من العبادات، فلا يصح إلا مع نية القربة والتعيين وغيرهما مما يعتبر في صحة العبادة. وإن دفعها بلا نية القربة بطل الدفع وبقيت على ملك المالك. غير أن النية الإرتكازية كافية كما في سائر الموارد وتجوز النية بعد قبض المستحق ما دامت العين موجودة. فإن تلفت بلا ضمان القابض وجب الدفع ثانياً. وإن تلفت مع الضمان أمكن احتساب ما في الذمة زكاة، مع بقائه على شرائط الاستحقاق. ويجوز إبقاء ذلك ديناً عليه، ودفع الزكاة إلى فقير آخر.
(مسألة 254) يجوز للمالك التوكيل في أداء الزكاة. فينوي الوكيل حين الدفع إلى الفقير. كما يجوز التوكيل في إيصال الزكاة إلى الفقير. فينوي المالك القربة وكون المدفوع زكاة حين الدفع إلى الوكيل أو حين دفع الوكيل إلى الفقير.
والأحوط استمرار النية من حين الدفع إلى الوكيل إلى حين الدفع إلى الفقير. بمعنى عدم تبديلها بنية أخرى.
(مسألة 255) يجوز للفقير أن يوكل شخصاً في أن يقبض عنه الزكاة من شخص أو أن يوكله مطلقاً بحيث يشمل مورد القبض. وتبرأ ذمة المالك بالدفع إلى الوكيل وإن تلفت في يده.
ــــــ[80]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 256) الأقوى عدم وجوب دفع الزكاة إلى الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة. وإن كان الأحوط الأفضل. نعم، إذا طلبها على وجه الإيجاب بأن كان هناك ما يقتضي وجوب صرفها فيه، وجب على مقلديه الدفع إليه، بل على غيرهم أيضاً، على الأحوط.
(مسألة 257) تجب الوصية بأداء ما عليه من الزكاة، إذا أدركته الوفاة، مع الإمكان، وكذا الخمس، وسائر الحقوق الواجبة. وإذا كان الوارث مستحقاً جاز للوصي احتسابها عليه. وإن كان واجب النفقة على الميت حال حياته.
(مسألة 258) الأحوط استحباباً عدم نقصان ما يعطى الفقير من الزكاة عما يجب في النصاب الأول من الفضة في الفضة، وهو خمسة دراهم وعما يجب في النصاب الأول من الذهب في الذهب. وهو نصف دينار.
(مسألة 259) يستحب لمن يأخذ الزكاة الدعاء للمالك، سواء كان الآخذ الفقيه أم وكيله أم العامل أم الفقير، بل هو الأحوط في غير الأخير.
(مسألة 260) يستحب تخصيص أهل الفضل من المستحقين بزيادة النصيب. وتفضيل من لا يسأل على من يسأل، وصرف صدقة المواشي على أهل التجمل وصرف زكاة الذهب والفضة والحبوب إلى الفقراء المدقعين وهذه مرجحات قد يزاحمها مرجحات أهم وأرجح.
(مسألة 261) يكره لرّب المال طلب تملك ما أخرجه في الصدقة الواجبة والمندوبة سواء كان مجاناً أو بثمن بيعاً كان أم غيره كثمن الإيجار. نعم إذا أراد الفقير بيعه بعد تقويمه فالمالك أحق به، ولا كراهة. كما لا كراهة في بقائه على ملكه إذا ملكه بسبب قهري من ميراث أو غيره. وليس عليه أن يطلب من الفقير تبديله لو جعله مصداقاً لثمن كلي.
ــــــ[81]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المقصد الرابع
زكاة الفطرة
وفيه فصول:
الفصل الأول: في حقيقتها
يشترط في وجوبها التكليف والحرية. إلا إذا كان مكاتباً مطلقاً قد دفع بعض ما عليه من المال، فيدفع منها بمقدار نسبة حريته. والأحوط استحباباً أن يدفعها كاملة، كما أن الأحوط استحباباً ذلك لكل مكاتب. ويشترط فيها الغنى أيضاً. فهي إذن لا تجب على الصبي والمملوك والمجنون والفقير الذي لا يملك قوت سنة فعلاً ولا قوة. كما تقدم في زكاة الأموال. وفي اشتراط الوجوب بعدم الإغماء إشكال والأحوط عدم الاشتراط والمشهور اعتبار اجتماع الشرائط آناً ما قبل الغروب ليلة العيد إلى أن يتحقق الغروب. فإذا فقد بعضها قبل الغروب بلحظة أو مقارناً للغروب لم تجب. والمراد بالغروب سقوط القرص، أي دخول آخر جزء من قرص الشمس تحت الأفق. وأما إذا كانت الشرائط مفقودة فاجتمعت بعد الغروب أو ليلاً أو في يوم العيد، فالأحوط إخراجها مع تحقق الشرائط مقارنة للغروب، بخلاف ما لو تحققت بعده مطلقاً. فإن الاحتياط عندئذ استحبابي.
(مسألة 262) يستحب للفقير إخراجها. وإذا لم يكن عنده إلا صاع تصدق به على بعض عياله ثم هو على آخر يديرونها بينهم. ثم بعد انتهاء الدور يتصدق بها على أجنبي. ولا يجزي في أداء هذه الوظيفة أقل من صاع أو قيمته. وإذا كان
ــــــ[82]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فيهم صغير أو مجنون قبضه الولي عنه، ويؤدي عنه. وتجزي هذه الوظيفة عن عائلة واحدة ذات خوان واحد. ولا تجزي عن الأكثر، ولو واحداً.
(مسألة 263) إذا أسلم الكافر بعد الهلال سقطت الزكاة عنه ولا تسقط عن المخالف إذا استبصر. وتجب فيها النية على النهج المعتبر في العبادات. وأشرنا فيما سبق إلى كفاية النية الإرتكازية.
(مسألة 264) يجب على من جمع الشرائط أن يخرجها عن نفسه وعن كل من يعول به، واجب النفقة أم غيره، قريباً أم بعيداً، مسلماً أم كافراً، صغيراً أم كبيراً، بل الظاهر الوجوب ولو كان أحد منضماً إلى عياله في وقت يسير كالضيف إذا نزل عنده قبل الهلال وبقي عنده ليلة العيد، وكان المناسب له اجتماعياً أن يأكل عنده وإن لم يأكل فعلاً. أما إذا دعا شخصاً إلى الإفطار ليلة العيد لم يكن من العيال ولم تجب فطرته على من دعاه.
(مسألة 265) إذا بذل لغيره ما لا يكفيه في نفقته، لم يكف ذلك في صدق كونه عيالاً له. وإن كان أحوط. وإنما يعتبر في العيال الصدق العرفي ولا يبعد ذلك عندما يكونون بمنزلة الأسرة الواحدة.
(مسألة 266) من وجبت فطرته على غيره سقطت عنه. وإن كان الأحوط وجوباً عدم السقوط مع كونه جامعاً للشرائط ولم يدفعها الآخر عصياناً أو نسياناً أو نحوه. وإذا كان المعيل فقيراً وجبت على العيال إذا اجتمعت شرائط الوجوب.
(مسألة 267) إذا ولد له قبل الغروب أو ملك مملوكاً أو تزوج امرأة، فإن كانوا عيالاً وجبت عليه فطرتهم، وإلا فعلى من عال بهم. وإن لم يوجد من يعيلهم، وجبت على من تجب عليه نفقتهم على الأحوط. وخاصة الزوجة، وإن اجتمعت فيها شرائط الوجوب.
(مسألة 268) إذا ولد له ولد بعد الغروب أو ملك مملوكاً أو تزوج امرأة، لم ــــــ[83]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
تجب عليه فطرتهم، وإن وجد بعض السبب قبله والآخر بعده. كما لو خرج نصف المولود أو وقع الإيجاب دون القبول في بيع أو نكاح قبل الغروب. وحصل الجزء الآخر بعده.
(مسألة 269) المهم هو اجتماع الشرائط عند الغروب لا عند رؤية الهلال.
حتى وإن لم يمكن رؤيته عند الغروب تماماً.
(مسألة 270) إذا كان شخص عيالاً لاثنين وجبت عليهما فطرته بالنسبة. وكذلك لو تعدد المنفقون أو المنفق عليهم، ومع فقر أحد المنفقين تسقط عنه. والأظهر عدم سقوط حصة الآخر. ومع فقرهما تسقط عنهما. وإنما تجب على العائل إن جمع الشرائط.
(مسألة 271) الضابط في جنس زكاة الفطرة ما كان قوتاً لغالب الناس، كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والأرز والذرة والأقط بل حتى لو كان سائلاً كالحليب واللبن الخاثر.. والأحوط استحباباً الاقتصار على الأربعة الأُولى إذا كانت هي القوت الغالب أو قيمتها من النقدين أو ما قام مقامهما على الأحوط. والأفضل إخراج التمر ثم الزبيب.
(مسألة 272) يعتبر في المدفوع فطرة أن يكون صحيحاً، فلا يجزي المعيب. كما لا يجزي الممزوج بما لا يتسامح به.
(مسألة 273) المدار هو كون الطعام قوتاً غالباً في البلد وإن لم يكن كذلك في بلد آخر. كما أن المدار في القيمة وقت الأداء لا وقت الوجوب وبلد الإخراج لا بلد المكلف.
(مسألة 274) المقدار الواجب دفعه في زكاة الفطرة عن الفرد الواحد يمكن تعيين مقداره على ثلاثة مستويات، كما فعلنا في زكاة المال.
المستوى الأول: في الأوزان القديمة التي كانت شائعة في العصر الأول
ــــــ[84]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
للإسلام. وهو صاع واحد ويساوي أربعة أمداد.
المستوى الثاني: في الأوزان السائدة عندنا إلى عصر قريب ثم سيطر عليها استعمال الكيلو، وهو نوعان:
النوع الأول: الحقة البقالية. فيجب دفع نصف حقة ونصف أوقية وواحد وثلاثين مثقالاً إلا مقدار حمصتين، وإن دفع ثلثي حقة زاد مقدار مثاقيل.
النوع الثاني: الحقة العارية. فيجب دفع حقتين وثلاثة أرباع الأوقية و مثقالان إلا ربع مثقال.
المستوى الثالث: في الأوزان السائدة في الوقت الحاضر، وهو نوعان:
النوع الأول: الكيلوغرام. وهو فرنسي بالأصل. فيجب دفع ثلاث كيلوغرامات تماماً.
النوع الثاني: الباوند الإنكليزي. فيجب دفع ستة باوند و0.622 بالألف منه. وهو أكثر من النصف قليلاً. فإن دفع سبعة كان مجزياً ومغنياً.
(مسألة 275) لا يجزي ما دون الصاع من الجيد. وإن كانت قيمته تساوي قيمة الصاع من غير الجيد. كما لا يجزي على الأحوط الصاع الملفق من جنسين، ولا يشترط اتحاد ما يخرجه عن نفسه، مع ما يخرجه عن عياله، ولا اتحاد ما يخرجه عن بعضهم مع ما يخرجه عن البعض الآخر.
الفصل الثاني: وقت الإخراج
وقت وجوب هذه الزكاة ليلة الفطر عند الغروب. ووقت إخراجها يوم الفطر من طلوع الشمس إلى الزوال. وإن كان الظاهر أن دفعها في الليل مجز.
والأحوط إخراجها أو عزلها قبل صلاة العيد، وإن لم يصلها امتد الوقت إلى
ــــــ[85]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الزوال ولا يؤخرها عنه على الأحوط وجوباً. وإذا عزلها جاز له التأخير في الدفع إذا كان التأخير لغرض عقلائي كانتظار المستحق أو التعسر المتوقع زواله، فإن لم يدفع ولم يعزل حتى زالت الشمس من يوم الفطر، فالأحوط لزوماً، الإتيان بها بقصد الرجاء أو ما في الذمة أو القربة المطلقة. ويمتد هذا الاحتياط طول يوم الفطر بل طول السنة. بل طول العمر.
(مسألة 276) الظاهر جواز تقديمها في شهر رمضان، وإن كان الأحوط التقديم بعنوان القرض. بل لا يترك.
(مسألة 277) يجوز عزلها في مال مخصوص من تلك الأجناس أو نحوها أو من النقود بقيمتها. والظاهر عدم كفاية عزلها في ماله على نحو الإشاعة أو الكلي في المعين. وكذا عزلها في المال المشترك بينه وبين غيره على نحو الإشاعة، على الأحوط وجوباً. وكذا عزلها من مال غيره وإن أحرز رضاه ما لم يملكه بشراء أو هبة أو إرث أو غيرها.
(مسألة 278) إذا عزلها تعينت. فلا يجوز له تبديلها. وإن أخرها ضمنها إذا تلفت مع إمكان الدفع إلى المستحق. والظاهر جواز التبديل بإذن الحاكم الشرعي. وجوازه ما دام زوال يوم الفطر غير متحقق.
(مسألة 279) يجوز نقلها إلى غير بلد التكليف مع عدم المستحق. أما مع وجوده فالأحوط وجوباً ترك النقل. ودفعها إلى المستحق في البلد. وإذا سافر من بلد التكليف إلى غيره. فإن تلفت ضمنها وإلا جاز له دفعها في البلد الآخر.
(مسألة 280) لا تجب هذه الزكاة إلا مع قيام الحجة الشرعية بالهلال، إما ليلة الثلاثين من شهر رمضان بالرؤية وإما الليلة التي بعدها بإكمال العدة. ولو دفعها قبل تحقق الحجة الشرعية، كان قد دفعها قبل وقتها. كما تقدم في المسألة (276).
ــــــ[86]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفصل الثالث: مصرفها
وهو مصرف الزكاة من الأصناف الثمانية على الشرائط المتقدمة.
(مسألة 281) تحرم فطرة غير الهاشمي على الهاشمي، وتحل فطرة الهاشمي على الهاشمي وغيره. والعبرة في ذلك فيمن يملكها عند الدفع سواء كان عائلاً أم معيلاً.
(مسألة 282) يجوز إعطاؤها إلى المستضعف من أهل الخلاف. عند عدم القدرة على المؤمن. ولا يجوز دفعها إلى الناصبي ومن حكم بكفره.
(مسألة 283) يجوز للمالك دفعها إلى الفقراء بنفسه. والأحوط والأفضل دفعها إلى الفقيه. فإن الفقهاء أبصر بمواقعها.
(مسألة 284) الأحوط وجوباً أن لا يدفع إلى الفقير أقل من صاع، إلا إذا اجتمع جماعة لا تسعهم. ويجوز أن يعطي الواحد أصواعاً بل ما يغنيه دفعة واحدة.
(مسألة 285) يستحب تقديم الأرحام. ثم الجيران. وينبغي الترجيح بالعلم والدين والفضل.
ــــــ[87]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ــــــ[88]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كتاب الخمس
وفيه بحثان
ــــــ[89]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ــــــ[90]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الأول
فيما يجب فيه
وهي أمور:
الأول: الغنائم
المنقولة المأخوذة بالقتال من الكفار الذين يحل قتالهم إذا كان بإذن الإمام عليه السلام بل الحكم كذلك فيما إذا لم يكن بإذنه. سواء كان القتال بنحو الغزو للدعاء إلى الإسلام أم كان دفاعاً لهم عند هجومهم على المسلمين.
(مسألة 286) ما يؤخذ من الكفار الحربيين بغير قتال من غيلة أو سرقة أو ربا أو دعوى باطلة. فليس فيه خمس الغنيمة، بل خمس الفائدة إذا كان أخذها مشروعاً بل مطلقاً.
(مسألة 287) المال المأخوذ من الكفار الحربيين على نحوين: ما يعتقده الفرد منهم محل استحقاق للمسلم وما لا يعتقده كذلك. فالأول يجوز أخذه ولو لم يكن مستحقاً في شرعنا كما لو كان فائدة ربوية. وفيه خمس الفائدة كما سبق. وأما الثاني فيتوقف جوازه على إذن الحاكم الشرعي. وبالنسبة إلينا فنحن نمنع عن ذلك لوجود مفاسد اجتماعية مهمة فيه.
(مسألة 288) لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنيمة بلوغها عشرين ديناراً على الأصح. نعم يعتبر فيها ألا تكون غصباً من مسلم أو غيره، ممن هو محترم المال كالذمي، وإلا وجب ردها على مالكها. أما إذا كان في أيديهم مال للحربي بطريق الغصب أو الأمانة أو نحوها، جرى عليها ما ذكرناه من الحكم في المسألة
ــــــ[91]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
السابقة.
(مسألة 289) ما قلناه في المسألتين السابقتين في أموال الكفار الحربيين يأتي في أموال المسلمين المحكوم بكفرهم والنواصب والخوارج وأضرابهم. فإن أخذ بشكل مشروع وجب فيه الخمس من باب الفائدة وإن أخذ بالحرب كان الخمس من باب الغنيمة. وعلى أي حال يجب الخمس بغض النظر عن سببه.
الثاني: المعدن
كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والعقيق والفيروز والياقوت والكحل والملح والقير والنفط والكبريت ونحوها. والمهم صدق المعدن سواء كان سائلاً أم جامداً وسواء كان على سطح الأرض أم في باطنها وسواء أخذ من أرض مملوكة أو من أرض مباحة. والأحوط استحباباً إلحاق مثل الجص والنورة يعني ترابهما ولو قبل الطبخ وحجر الرحى وطين الغسل، ونحوها مما يصدق عليه اسم الأرض، وكان له خصوصية في الانتفاع به.
(مسألة 290) لا فرق في المعدن بين أن يكون المخرج مسلماً أم كافراً صبياً أم بالغاً عاقلاً أم مجنوناً ذكراً أم أنثى حراً أم مملوكاً.
(مسألة 291) يشترط في وجوب الخمس في المعدن النصاب وهو قيمة عشرين ديناراً. والدينار مثقال شرعي من الذهب المسكوك وهو ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي الذي يتكون من أربع وعشرين حبة. سواء كان المعدن ذهباً أم فضة أم غيرهما. والأحوط إن لم يكن أقوى كفاية بلوغ المقدار المذكور، ولو قبل استثناء مؤنة الإخراج والتصفية. فإذا بلغ ذلك أخرج الخمس من الباقي بعد استثناء المؤنة. والأحوط استحباباً أن يكون النصاب ديناراً واحداً، كما أن الأحوط استحباباً دفع الخمس منه مطلقاً.
(مسألة 292) يعتبر في بلوغ النصاب وحدة العمل على إخراج المعدن. فإذا
ــــــ[92]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
أخرجه دفعات في عمل واحد عرفاً ليوم أو لشهر أو لموسم أو لسنوات كفى بلوغ المجموع النصاب. نعم إذا أهمل العمل مدة طويلة على نحو يتعدد الإخراج عرفاً، لا يضم اللاحق إلى السابق. ولو لم يؤثر إعراضه في وحدة العمل أو الإخراج، كفى بلوغ المجموع النصاب.
(مسألة 293) إذا اشترك جماعة في إخراج المعدن اختلف الحكم باختلاف القصد في نية التملك. فإن قصد الكل نية التملك لواحد بعينه. وجب عليه الخمس دون سواه مع توفر النصاب. وإن قصد كل واحد التملك لنفسه معزولاً عن غيره. اعتبر النصاب في نصيب كل واحد منهم. وإن قصد كل واحد التملك بنحو الاشتراك مع غيره في ملكية المعدن. فالأحوط اعتبار النصاب في مجموع الحصص. ومنه يظهر الحكم فيما إذا اختلفت هذه القصود لدى العاملين في المعدن.
(مسألة 294) المعدن في الأرض المملوكة إذا كان من توابعها عرفاً، فهو ملك لمالك الأرض وإن أخرجه غيره بدون إذنه وعليه الخمس والأحوط فيما إذا نوى الآخر التملك لنفسه مراعاة الاحتياط بالمصالحة وخاصة فيما إذا لم يكن الإخراج بكراهة من المالك.
(مسألة 295) إذا كان المعدن في الأرض المفتوحة عنوة التي هي ملك للمسلمين ملكه المخرج إذا أخرجه بإذن ولي المسلمين على الأحوط وجوباً، وفيه الخمس، وكذلك ما كان في الأرض الموات حال الفتح. بدون حاجة إلى الإذن.
(مسألة 296) إنما يجب الخمس على المخرج فيما إذا قصد التملك لنفسه ولو ارتكازاً. فإن قصد ملكية غيره بعمل مجاني أو بأجره دخل في ملكية من قصده وعليه الخمس. وإن لم يقصد ملكية أحد بقي على إباحته العامة ولا يجب الخمس على أحد قبل الحيازة.
ــــــ[93]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 297) إذا شك في بلوغ النصاب، فالأحوط استحباباً الاختبار مع الإمكان ومع عدمه لا يجب عليه شيء. وكذا إذا اختبره فلم يحصل له الوثوق بوجود النصاب. وإن كان الأحوط تخميسه مطلقاً.
الثالث: الكنز
وهو المال المذخور في موضع، أرضاً كان أم جداراً أم غيرهما فإنه لواجده وعليه الخمس. والأحوط شمول الحكم لكل معدن وإن لم يكن من الذهب والفضة المسكوكين. سواء وجده في دار الحرب أم دار الإسلام، مواتاً كانت الأرض حال الفتح أم عامرة أم خربة باد أهلها، وسواء كان عليه أثر الإسلام أم لم يكن. إلا أن يعلم أنه ملك لمسلم فيجب عندئذ دفعه لمالكه بالبحث عنه أو عن ورثته. وإن لم يجد فالوارث الإمام عليه السلام أو وكيله الخاص أو العام.
(مسألة 298) يشترط في وجوب الخمس في الكنز بلوغ النصاب. وهو في الذهب: النصاب الأول للذهب وهو عشرون ديناراً أو قيمتها. وفي الفضة: نصابها الأول وهو أربعون درهماً أو قيمتها وفي غيرهما: بلوغ قيمة النصاب الأول للذهب. وإن كان الأحوط مراعاة أقل النصابين: الذهب أو الفضة، من حيث القيمة. وإن بلغ النصاب وجب في الزائد قل أو كثر.
(مسألة 299) لا فرق بين الإخراج دفعة أو دفعات. ولا يعتبر هنا وحدة العمل كما قلنا في المعدن. بل يعتبر للكنز قيمة واحدة لمجموعه. نعم، يجري هنا استثناء المؤونة وحكم بلوغ النصاب قبل استثنائها، وحكم اشتراك جماعة فيه إذا بلغ المجموع النصاب وكذلك قصد التملك لنفسه أو غيره. كما تقدم في المعدن.
(مسألة 300) إن لم يعلم أن للكنز مالكاً، كما لو كان يحتمل أن يكون من المباحات العامة. وهو مذخور صدفة أو بفعل حيوان مثلاً. فلا إشكال في جواز
ــــــ[94]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
تملكه بعد دفع الخمس. وكذا لو علم أنه ملك لمن لا حرمة لماله كالكافر الحربي، ويلحق به ما كان عليه علامة سابقة على الإسلام. أو دالة على أن مالكه مشرك في أي زمن كان. وكذا لو كان ملكاً لشخص من الملل المحكوم بكفرها من منتحلة الإسلام. نعم لو علم أن للمالك من هؤلاء وارثاً أو أكثر من المسلمين وجب البحث عنهم. ويكون الكنز بمنزلة ما كان في ملك المسلم.
(مسألة 301) إذا علم أن الكنز لمسلم، بأي سبب حصل له العلم بذلك، فإن كان موجوداً معروفاً له، وبيَّن صفته دفعه إليه، وإن كان له ورثة كذلك دفعه إليهم. وإن جهل ذلك فالأحوط التعريف به إلى حين حصول اليأس، فإن لم يعرف المالك بعد التعريف أو كان المال مما لا يمكن التعريف به. أمكنه أن يطبق عليه ثلاث خصال: أما دفعه إلى الحاكم الشرعي أو التصدق به بإذنه أو تملكه بنية الضمان. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المسلم قديماً أو حديثاً وإن كان الأحوط استحباباً على أي حال إجراء حكم ميراث من لا وارث له عليه.
(مسألة 302) إذا وجد الكنز في الأرض المملوكة له فإن ملكها بالإحياء كان الكنز له وعليه الخمس، إلا أن يعلم أنه لمسلم موجود أو قديم، فتجري عليه الأحكام المتقدمة. وإن ملكها بالشراء ونحوه فالأحوط أن يعرّفه المالك السابق واحداً كان أم متعدداً فإن عرفه دفعه إليه وإلا عرفه الأسبق منه. مع العلم بوجوده في ملكه أو الظن كذلك بمقدار معتد به. وهكذا فإن لم يعرفه الجميع فهو لواجده. إذا لم يعلم أنه لمسلم موجود أو قديم، وإلا جرت عليه الأحكام المتقدمة. وكذا إذا وجده في ملك غيره سواء كان تحت يده أو تحت يد مالكه أو يد ثالث. ولا يفرق فيما تحت يده أو غيره ما كان بشكل مشروع كالإجارة أو غير مشروع كالغصب، فإنه يعرفه المالك وذو اليد ويدفعه لمن عرفه. والأحوط وجوباً أن يعرفه السابق من مالك أو ذي يد مع العلم بوجوده في ملكه أو الظن بذلك بمقدار معتد به. وهكذا. فإن لم يعرفه الجميع فهو لواجده. إلا أن يعلم
ــــــ[95]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
أنه لمسلم موجود أو قديم، فيجري عليه حكم ما تقدم.
(مسألة 303) الأحوط بل الأقوى إلحاق الذمي بالمسلم من حيث الأحكام السابقة، فيما لو علم أو ظن سبق تملكه للكنز.
(مسألة 304) إذا اشترى دابة فوجد في جوفها مالاً عرفه البائع. فإن لم يعرفه كان له. وكذا الحكم في أي حيوان غير الدابة مما كان تحت يد البائع.
وكذا لو انتقل الحيوان إليه بمعاملة أخرى كالهبة أو عوض الإيجار وغير ذلك.
(مسألة 305) إذا اشترى سمكة ووجد في جوفها مالاً فهو له، من دون تعريف. ولا يجب فيما وجده في الدابة أو في السمكة ونحوها الخمس بعنوان الكنز، بل يجري عليه حكم الفائدة والربح.
الرابع: الغوص
وهو ما أُخرج من البحر بالغوص مما كان فيه بالخلقة من غير الحيوان، ولا ما يكون وجوده في البحر كوجوده على الأرض. كالصخر والحجر المرجاني.
فالحيوان مطلقاً وجزؤه لا غوص فيه وإن أُخرج بالغوص. كما أن الساقط في البحر من خارجه كالخاتم والسوار لا يشمله هذا الحكم وإن أُخرج به. كما أن إخراج الصخور والأتربة أو النباتات البحرية ليس من الغوص أيضاً. كما أن ما يؤخذ من ماء البحر بالتحليل ليس غوصاً وإن أخرجوا الماء من القعر بسبب الغوص.
(مسألة 306) إذا كان شيء موجود في البحر بالخلقة، ولكنه يوجد على سطح الماء لا في قعره. فإنه لا يشمله حكم الغوص. بخلاف ما لو كان الشيء موجوداً في القعر عادة ولكنه وجده على السطح صدفة، فأخذه من دون غوص.
فالأحوط وجوباً جريان حكم الغوص عليه.
(مسألة 307) الأحوط أن الأنهار العظيمة حكمها حكم البحر بالنسبة إلى ما
ــــــ[96]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يخرج منها بالغوص.
(مسألة 308) الأحوط وجوب الخمس في الغوص وإن لم يبلغ ديناراً يعني أنه لا نصاب له، بل يجب خمسه قلّ أو كثر. بعد إخراج المؤن.
(مسألة 309) لا إشكال في وجوب الخمس في العنبر إن أُخرج بالغوص. والأحوط وجوبه فيه إن أُخذ من وجه الماء أو الساحل.
الخامس: الأرض التي اشتراها الذمي من مسلم
فإنه يجب فيها الخمس على الأحوط. ولا فرق بين الأرض الخالية إذا كانت مملوكة. وأرض الزرع وأرض الدار. وغيرها. ولا يختص الحكم بصورة وقوع البيع على الأرض، بل إذا وقع على مثل الدار أو الحمام أو الدكان وجب الخمس في الأرض كما أنه لا يختص الحكم بالشراء بل يجري في سائر المعاملات الاختيارية حتى المجاني منها، كالهبة والصلح وأما شمول الحكم لسائر الانتقالات الاختيارية كوقوعها عوض ضمان القرض أو ضمان الإتلاف ونحوها، فشمول الحكم لها مبني على الاحتياط الاستحبابي.
(مسألة 310) إذا كان الانتقال قهرياً كالإرث، إذا قلنا بملكية الوارث من حين الوفاة وأسلم قبل القسمة، بحيث ينكشف ملكية الكافر لها بالميراث من حينه كما لا يبعد. ونحوه حكم القاضي الشرعي بالملكية قهراً، أو الولي الشرعي العام أيضاً بها. فما دام الانتقال قهرياً لم يشمله، وجوب الخمس من هذه الناحية.
(مسألة 311) إذا اشترى الأرض ثم أسلم لم يسقط الخمس، وكذا إذا باعها إلى مسلم. فإذا اشتراها منه مسلم ثانية، وجب خمس آخر. فإن كان الخمس الأول قد دفعه من العين، كان الخمس الثاني خمس الأربعة أخماس الباقية.
وأقل عدد يصح منه ذلك خمس وعشرون يدفع في الخمس الأول خمساً وفي
ــــــ[97]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الثاني أربعاً. وإن كان قد دفع الخمس الأول من غير العين، كان الخمس الثاني من تمام العين. فإذا باعها الذمي على مسلم من الشيعة جاز له التصرف بها من دون إخراج الخمس.
(مسألة 312) يختص هذا الحكم بالذمي، ولا يشمل مطلق الكافر سواء كان كتابياً أم غيره، مرتداً أم أصلياً أم محكوماً بكفره. وإن كان الأحوط جريانه على مطلق الكافر الأصلي وبخاصة الكتابي وإن لم يكن ذمياً.
(مسألة 313) يتعلق الخمس برقبة الأرض المشتراة، ويتخير الذمي بين دفع خمس العين ودفع القيمة فلو دفع أحدهما وجب القبول. وإن لم يدفع الخمس كان للحاكم الشرعي إجباره على ذلك مع الإمكان.
(مسألة 314) الأحوط توسيط قبض الحاكم الشرعي في دفع هذا الخمس إلى مستحقيه وهو الذي يتولى النية. وإن كان المالك هو الدافع.
(مسألة 315) إذا كانت الأرض مشغولة بشجر أو بناء. فإن اشتراها الذمي على أن تبقى مشغولة فيها بأجرة أو مجاناً، قوم خمسها كذلك. وإن اشتراها على أن يقلع ما فيها قوم أيضاً كذلك. وإن اشترى الأرض وما عليها، قومت الأرض كذلك، ولم يجب الخمس فيما عليها من هذه الناحية.
(مسألة 316) إذا اشترى الذمي الأرض وشرط على البائع المسلم أن يكون الخمس عليه. فإن كان المراد هذا القسم من الخمس صح الشرط، واستحق البائع مجموع الثمن، وتكفل هو بدفع الخمس عن المشتري. وإن كان المراد به الخمس بعنوان آخر بطل الشرط. أو رجع إلى أن المبيع أربعة أخماس الأرض، فيجب الخمس فيه دون غيره.
(مسألة 317) إذا اشترط المشتري الذمي في العقد، أن لا يكون في الأرض الخمس، أو أن يسقطه الحاكم الشرعي عن ذمته بطل الشرط.
ــــــ[98]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
السادس: المال الحلال المختلط بالحرام
بحيث لم يميز ولم يعرف مقداره، ولا صاحبه. فإنه يحل بإخراج خمسه بنية الخمس. والأحوط استحباباً قصد الأعم من رد المظالم والخمس. على أن يدفعه لمن ينطبق عليه كِلا العنوانين للاستحقاق. وأما لو علم المقدار ولم يعلم المالك، فعليه التصدق به عنه سواء كان الحرام بمقدار الخمس أم كان أقل منه أم كان أكثر منه. والأحوط وجوباً أن يكون بإذن الحاكم الشرعي. وله أن يقسطه عليه أو يعفيه من بعضه إن وجد في ذلك مصلحة وإن علم المالك وجهل المقدار تراضياً بالصلح. وإن لم يرض المالك بالصلح جاز الاقتصار على دفع الأقل إليه، والأحوط استحباباً دفع أكثر المحتملات إليه. والأحوط مع ذلك الرجوع إلى الحاكم الشرعي لحسم الدعوى. وإن علم المكلف بالمالك والمقدار وجب دفعه إليه. ويكون التعيين بالقرعة أو التراضي.
(مسألة 318) إذا علم قدر المال الحرام ولم يعلم صاحبه بعينه، بل علمه في عدد محصور. فالأحوط التخلص من الجميع باسترضائهم فإن لم يمكن ففي المسألة وجوه.
الوجه الأول: أن يتعذر السؤال منهم جميعاً لوجود ضرر في ذلك، أو لغيبتهم جميعاً وغير ذلك. فالحكم في مثله بيد الحاكم الشرعي.
الوجه الثاني: إن تعذر السؤال من بعضهم دون بعض. فمن أمكن سؤاله تحلل منه ومن لم يمكن فكالسابق.
الوجه الثالث: أن يكون هؤلاء جاهلين بملكيتهم للمال أو منكرين لها، أو يوجد موانع لهم دون قبضها أو أنهم ممتنعون اختياراً عن ذلك. ففي الصورتين الأوليتين يتصدق بالمال عن أصحابه الواقعيين. وفي الصورتين الأخيرتين يتحلل منهم فإن أبوا تعين الرجوع إلى الحاكم الشرعي.
ــــــ[99]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الوجه الرابع: أن يكون بعضهم على النحو المشار إليه في الوجه السابق.
فيطبق عليه حكمه، ويدفع المال إلى من لا يتوفر فيه ذلك.
الوجه الخامس: أن يعلم أن هؤلاء جميعاً مالكين وليس بعضهم، فالحكم فيهم أيضاً ما تقدم.
الوجه السادس: أن يحتمل ملكية البعض دون الجميع، فإن أمكن استرضاء الجميع وجب، وإن لم يمكن عمل بالقرعة. وخاصة في مورد يعرف منهم المطالبة على تقدير الملكية.
(مسألة 319) لا فرق في الوجوه الثلاثة الأُولى السابقة بين الواحد والمتعدد.
(مسألة 320) إن علم المالك في عدد غير محصور تصدق به عنه، والأحوط وجوباً أن يكون بإذن الحاكم الشرعي.
(مسألة 321) إذا علم إجمالاً أن الحرام أكثر من مقدار الخمس لم يشرع الخمس في تحليله على الأحوط إذا لم يعلم المالك. بل يكون في الذمة كرد للمظالم. وكذا لو علم أن الحرام أقل من الخمس.
(مسألة 322) إذا كان في ذمته مال حرام فلا محل للخمس. ولكن تارة يعلم جنسه ومقداره وأخرى لا يعلم. وتارة يعلم مالكه في واحد أو في عدد محصور وأخرى لا يعلم. فهنا صور:
الصورة الأُولى: إذا علم جنس المال ومقداره وعرف صاحبه واحداً كان أو متعدداً. وجب رده إليه أو إلى ورثته.
الصورة الثانية: إذا علم جنس المال ومقداره، وعرف صاحبه في عدد محصور. فالأحوط وجوباً استرضاء الجميع مع الإمكان. وإلا أخذ بالظن الراجح في تعيين المالك. فإن تساوى الظن عمل بالقرعة ومع إمكان استرضاء
ــــــ[100]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
البعض دون البعض فالأحوط إنجازه.
الصورة الثالثة: أن يعلم جنس المال ومقداره ويشتبه مالكه في عدد غير محصور. فهو مجهول المالك يطبق عليه حكمه. والأهم فيه هو أخذ الإذن من الحاكم الشرعي.
الصورة الرابعة: إذا علم جنس المال وجهل مقداره، وعرف مالكه واحداً كان أم متعدداً. جاز له دفع الأقل لإبراء ذمته. ويكون دفع الباقي مبنياً على الاحتياط الاستحبابي.
الصورة الخامسة: إذا جهل مقدار المال وجهل المالك على أنه يعلم به في عدد محصور. ففيها ما قلناه في الصورة الثانية ولكن يدفع إليهم المقدار الأقل من احتمالات المبلغ. ولا يجب دفع الزائد.
الصورة السادسة: إذا جهل مقدار المال وجهل المالك بمعنى تردده في عدد غير محصور فهو من قبيل مجهول المالك إن كان عيناً ورد المظالم إن كان في الذمة. وعلى أي حال لا يجب عليه دفع الزائد على المقدار الأقل إلا بنحو الاحتياط الاستحبابي.
الصورة السابعة: أن يجهل جنس المال ومقداره. وكان المال قيمياً، وكانت قيمته في الذمة، فالحكم فيه كما لو عرف جنسه. في تفاصيل الصور الثلاث السابقة.
الصورة الثامنة: أن يجهل جنس المال ومقداره، وكان المال مثلياً فإن أمكنت المصالحة مع المالك تعين ذلك، وإلا فلا يبعد العمل بالقرعة بين الأجناس. هذا وأما في أسواقنا الحالية، فالعمل على القيمة فقط. فيكون دفعها مجزياً، مع الاقتصار على الأقل. ويكون دفع الزائد احتياطاً استحبابياً، كما يكون العمل بالقرعة بين الأجناس كذلك.
ــــــ[101]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 323) إذا تبين المالك بعد دفع الخمس، في مورد أجزائه، فالظاهر عدم الضمان له.
(مسألة 324) إذا تبين المالك بعد دفع رد المظالم أو التصدق بالمال. فإن كان ذلك بإذن الحاكم الشرعي فلا إشكال في عدم الضمان وإن لم يكن بإذنه فالأحوط استرضاء المالك. وإن كان الأحوط وجوباً للمالك العفو.
(مسألة 325) إذا علم بعد دفع الخمس أن الحرام أكثر من الخمس وجب عليه دفع الزائد أيضاً. وإن علم أنه أنقص لم يجز له استرداد الزائد على مقدار الحرام.
(مسألة 326) إذا كان المال المختلط من الخمس أو الزكاة أو الوقف العام أو الخاص، يعني يكون الفرد قد اختلط أحد هذه الأموال مع أمواله. فإنه لا يحل بإخراج الخمس بل يجري عليه حكم معلوم المالك، فيراجع ولي الخمس أو الزكاة أو الوقف العام أو الوقف الخاص، على أحد الوجوه السابقة.
(مسألة 327) إذا كان الحلال المختلط بالحرام قد تعلق به الخمس وجب تخميسه مرتين بتقديم الخمس المحلل للحرام ثم دفع الخمس الآخر ولا يجوز العكس إلا بإذن الحاكم الشرعي، كما لا يجوز الاقتصار على خمس واحد.
(مسألة 328) إذا تصرف في المال المختلط بالحرام قبل إخراج خمسه، بالإتلاف لم يسقط الخمس. بل يكون في ذمته يدفعه إلى مستحقه وكذا الحال في مجهول المالك إن تصرف فيه بالإتلاف فإنه يكون في ذمته كرد للمظالم، فإن عرف قدره دفعه، وإلا كان له الاقتصار على المقدار الأقل ويبقى دفع الباقي مبنياً على الاحتياط الاستحبابي.
السابع: مما يجب فيه الخمس: ما يفضل عن مؤونة سنته
مما صرفه لنفسه وعياله، من فوائد الصناعات والزراعات والتجارات ــــــ[102]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
والإجارات وحيازة المباحات. بل الأحوط الأقوى تعلقه بكل فائدة مملوكة له كالهبة والهدية والجائزة والمال الموصى به ونماء الوقف الخاص والعام والميراث الذي لا يحتسب وعوض الخلع وإنما يجب الخمس على تقدير الملك بالقبض في عدد من هذه العناوين. ولا يجب الخمس في المهر ولا في الإرث المحتسب وهو ميراث الوالدين والزوجين والإخوة والأولاد. ويعتبر الباقي ميراثاً غير محتسب كميراث الجد والحفيد والعم والخال.
(مسألة 329) الأحوط إن لم يكن أقوى، إخراج خمس ما زاد على مؤنته مما ملكه بالخمس أو الزكاة أو الكفارات أو رد المظالم أو غيرها. وأما ما لم يملكه كحق الإمام عليه السلام، فتخميسه مبني على ضرب من الاحتياط. والظاهر أن حق الإمام عليه السلام قابل للتملك مع القصد إليه إذا كان الفرد محلاً له.
(مسألة 330) إذا كان عنده من الأعيان التي لم يتعلق بها الخمس أو تعلق بها وأداه. فنمت وزادت. فهذه الزيادة يمكن أن تكون على أنحاء:
النحو الأول: الزيادة المنفصلة أو ما بحكمها عرفاً. كالولد والثمر واللبن والصوف مما كان منفصلاً بطبعه وإن لم ينفصل فعلاً. فالظاهر وجوب الخمس في الزيادة ما لم يستعمل في مؤونة السنة، ممن له حق تأجيل الخمس إلى سنة.
النحو الثاني: الزيادة المتصلة كنمو الشجرة وسمن الشاة، فحكمها حكم النحو الأول إذا كانت زيادة معتد بها عرفاً.
النحو الثالث: زيادة القيمة السوقية، بلا زيادة عينية، وكان قد أعد البضاعة للتجارة، ولا زال من قصده ذلك. فيجب الخمس في الارتفاع المذكور.
النحو الرابع: زيادة القيمة السوقية، ولكنه أعده للمؤونة من حين أو قبل حصول الزيادة فلا يجب فيها الخمس.
النحو الخامس: زيادة القيمة السوقية، وقد أعده للمؤونة. لكنه فضل عنها
ــــــ[103]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
في رأس سنته المالية، فيجب تقييمه ودفع خمسه. ولا يفرق في هذه الأنحاء الخمسة بين أن يبيعه أو لا. فإن وجب الخمس قبل البيع وجب بعده، وإن لم يجب قبله لم يجب بعده، ما عدا النحو الرابع على الأحوط.
(مسألة 331) الظاهر أن جعل رأس السنة مصلحة للمكلف بعنوان الولاية فلا يجوز الزيادة على السنة، يعني تأجيل دفع الخمس أكثر إلا بإذن الولي. وأما دفعه قبل ذلك فلا مانع منه.
(مسألة 332) المال الموروث لا يجب فيه الخمس بشرطين:
الشرط الأول: أن لا يكون متعلقاً للخمس في حياة المورث. كما لو كان خمسه مدفوعاً، أو كان إرثاً أو مهراً لا يجب تخميسه.
الشرط الثاني: أن يكون من الميراث المحتسب.
فمع توفر هذين الشرطين لا يجب الخمس في المال الموروث.
(مسألة 333) مع عدم توفر الشرطين المذكورين في المال الموروث يجب دفع خمسه. وله صور:
الصورة الأُولى: أن يكون ميراثاً محتسباً ولكنه متعلق للخمس منذ حياة المورث فيجب تخميسه قبل التوزيع بين الورثة. وإن لم يخمس وجب على الوارث تخميس ما وصل إليه.
الصورة الثانية: أن يكون ميراثاً غير محتسب، ولكنه غير متعلق للخمس في حياة المورث. فيجب على الوارث تخميس ما وصل إليه.
الصورة الثالثة: بأن يكون ميراثاً غير محتسب وكان متعلقاً، لوجوب الخمس في حياة المورث، ففي مثله يجب التخميس مرتين: الأُولى: عن ذمة الميت قبل التقسيم. والأخرى عن ذمة الوارث فيما وصل إليه.
(مسألة 334) الذين يملكون الغنم يجب عليهم في آخر السنة إخراج خمس
ــــــ[104]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الباقي بعد مؤونتهم من نماء الغنم من الصوف والسمن واللبن والسخال المتولدة منها. وإذا بيع شيء منها في أثناء السنة وبقي شيء من ثمنه وجب إخراج خمسه أيضاً. وكذلك الحكم في سائر الحيوانات فإنه يجب تخميس ما يتولد منها إذا كان باقياً في آخر السنة بنفسه أو بثمنه.
(مسألة 335) يمكن أن يجتمع الخمس والزكاة في مال واحد بمعنى وجوب دفعهما، في زمان واحد أو زمانين، كما لو كان عنده نحواً من ستين رأساً من الغنم مما يقصد به التجارة والاسترباح. فإذا مضى عليها عام وجبت زكاتها ووجب خمسها. ولو دفع الخمس لم ينقص نصاب الزكاة ولو دفع الزكاة لم يسقط الخمس، والأحوط البدء بدفع الخمس لتكون حصة الزكاة مخمسة.
ويمكن أن يجب الخمس دون الزكاة وإن كان النصاب زكوياً. وذلك لأنه ينقص بدفع الخمس عن النصاب فلا تجب الزكاة. وقد تجب الزكاة دون الخمس، كما لو كان رأس سنتها أسبق من سنة الخمس، فيدفع الزكاة، ويخمس الباقي مع حصول وقته.
(فروع في تحديد مؤونة السنة)
(مسألة 336) المؤونة المستثناة من الأرباح والتي لا يجب فيها الخمس أمران:
الأمر الأول: مؤنة تحصيل الربح. وهي كل مال يصرفه الإنسان في سبيل الحصول عل الربح كأجور النقل والدلال والكاتب والحارس والدكان وضرائب السلطان. وغير ذلك. فإن جميع هذه الأمور تخرج من الربح ثم يخمس الباقي. ومن هذا القبيل ما ينقص من ماله في سبيل الحصول على الربح، كالمصانع والسيارات وآلات الصناعة والخياطة والزراعة وغير ذلك. فإن ما يرد على هذه
ــــــ[105]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الأمور من النقص أو العطل باستعمالها في أثناء السنة يتدارك من الربح، وأما أثمان هذه الآلات أنفسها فإن كان قد اشتراها بمال لا يستحق الخمس ولم تزد قيمتها السوقية لم يجب دفع خمسها رأس السنة. وإن كان قد اشتراها بمال غير مخمس ولم تزد قيمتها، وجب دفع خمس قيمة الشراء خاصة. وإن زادت قيمتها السوقية، وجب تخميس الزائد. فإن كان أصل ثمنها غير مخمس وجب تخميس الجميع. أعني مجموع القيمة.
الأمر الثاني: مؤونة العيال. وهي كل ما يصرفه في سنته في معاش نفسه وعياله على النحو اللائق بحاله، وفي صدقاته وزياراته وهداياه وجوائزه المناسبة له وكذلك ما يصرفه في ضيافة أضيافه وإن زادوا على المناسب لحاله، إذا لم يكن وجودهم بتسبيب منه وأما المقدار المناسب منهم لحاله، فلا يعتبر فيه ذلك.
وكذلك يعتبر من المؤونة وفاؤه بالحقوق اللازمة له بنذر أو كفارة أو أداء دين أو أرش جناية أو غرامة ما أتلفه عمداً أو خطأ. أو فيما يحتاج إليه مما هو مناسب لحاله من دابة أو سيارة أو أكثر، أو جارية أو خادم. وكتب وأثاث. أو في ختان أولاده وتزويجهم ذكوراً أم إناثاً. ولا يختلف الحال في المؤونة بين أن يكون الصرف على نحو الوجوب كالحج الواجب أم الاستحباب كالزيارة أم الإباحة أم الكراهة ما لم يكن الصرف محرماً، أو يكون متعلقه محرماً فيجب الخمس فيما صرفه. بخلاف ما لو كان موضوعه محرماً كإتلاف مال الغير بدون إذنه، فإن العوض يدخل في المؤونة.
(مسألة 337) لا تصدق المؤونة إلا فيما صرف فعلاً من المال، لا على المال المذخور للصرف. فيجب الخمس بعد مصروف السنة وإن كان الباقي مالاً مذخوراً للصرف.
(مسألة 338) إذا تبرع له متبرع بنفقته أو بعضها، لا يستثنى ذلك من أرباحه، بل يحسب ما يقابله من الربح من المال الذي لم يصرف في المؤونة. فيجب عليه
ــــــ[106]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
تخميسه.
(مسألة 339) يجب أن يكون الصرف على نحو المتعارف المناسب لحاله، عرفاً واجتماعياً، فإذا زاد الصرف على ذلك وجب خمس التفاوت، وكذلك إذا كان الصرف سفهاً أو تبذيراً. ولكن إذا صرف أقل من المقدار المناسب له، وجب الخمس في الزائد كله.
(مسألة 340) الظاهر أن المصرف إذا كان راجحاً شرعاً لم يجب فيه الخمس، وإن زاد عن المتعارف، كالزيادة في الصدقات والمبرات وقضاء حاجات المحتاجين وعمارة المساجد وسائر الأمور النافعة للآخرين من المؤمنين.
(مسألة 341) رأس سنة المؤونة لمن ليس له سنة مالية هو يوم البدء بالعمل ويمكن حسابها من يوم ظهور الربح ومن الراجح بل الواجب أن لا يهمل الفرد نفسه من هذه الناحية فيجعل لنفسه رأس سنة منذ أول حياته العملية. فعند البدء بالعمل التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو التعليم أو الطب، أو أي عمل محلل آخر يكون أول سنته المالية الشرعية، ويمكن، كما قلنا. تأجيل الحساب إلى أول يوم يظهر فيه الربح أو يقبض الراتب. فإذا مضت على ذلك سنة صرف فيها ما يناسب حاله من المؤونة. فإن بقي لديه زائد وجب فيه الخمس قل أو كثر. سواء كان من الأثمان أو العروض مما ينقل أو مما لا ينقل.
(مسألة 342) يجوز للفرد أن يجعل لكل نوع من أنواع العمل بخصوصه رأس سنة. فيخمس ما زاد عن مؤونته منه في آخر تلك السنة.
(مسألة 343) المهم هو صدق السنة عرفاً بأي تقويم كان كالهجري أو الميلادي أو غيرهما أو بدون أي تقويم كعدد الأيام أو الأسابيع مثلاً.
(مسألة 344) ليس تعيين رأس السنة اختيارياً للمكلف في أول حصوله بل يتعين عند البدء بالعمل كما مر، وسيأتي أن من لم يعين له رأس سنة فسيكون
ــــــ[107]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ذلك له في يوم دفع أول أقساط الخمس لماله، كما أن هذا التعيين لم تثبت ولاية الفقيه عليه، بحيث يختار رأس السنة للمكلفين. فإنه من الأمور الموضوعية المربوطة بأسبابها الواقعية، كما أشرنا. نعم، يكون له ذلك فيما فقد السبب الواقعي.
(مسألة 345) إذا لم يكن للفرد عمل، بأن كان يعيش على نفقة شخص آخر كأبيه أو ابنه أو على التبرعات أو الوجوه المالية الشرعية أو نحو ذلك. كان أول سنته أول يوم يقبض فيه أول دفعة من المال، فإن لم يكن قد عين له رأس سنة.
كان رأس سنته هو يوم دفع أول مبلغ من الخمس فإن لم يكن له زيادة يدفعها خمساً لم يكن له رأس سنة حتى تحصل تلك الزيادة. ويجب المبادرة عندئذ إلى دفع الخمس. ومع عدمها فالأحوط له استحباباً اختيار يوم معين لجعله رأس سنة له بالاتفاق مع الحاكم الشرعي.
(مسألة 346) كل من بدأ العمل قبل مدة كسنة أو سنتين ولم يدفع خمساً ولم يجعل لنفسه رأس سنة. فهؤلاء يختلفون على أشكال:
الشكل الأول: أن يكون له استرباح تجاري من مكسب أو زراعة أو صناعة أو حيوان أو نحو ذلك. فالواجب أن يحسب كل ممتلكاته على الإطلاق. ثم يحسب ما هو داخل في المؤونة، بالمعنى الذي سمعناه، وما هو خارج عنها.
فأما ما هو داخل فيها فيجب أن يدفع خمس قيمته التي دفعها في شرائه إن كانت مما يستحق الخمس ولم يخمسه. وأما إذا لم تكن تستحق الخمس كالميراث المحتسب والمال المخمس لم يحسبها أصلاً. وأما ما هو خارج من المؤونة فرأس المال الأساسي إن كان مما لا يجب فيه الخمس أسقطه أيضاً عن الحساب وإلا وجب حسابه. وأما الأرباح فيجب حسابها كلها. والأغلب من ذوي الأعمال لم يدفع الخمس من رأس المال ولا من الأرباح فيجب حسابه كله. لا يختلف في ذلك النقد الموجود أو المخزون في البنوك أو العروض المعد للبيع أو
ــــــ[108]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المعروض في المحل أو الحيوانات كذلك بأنواعها أو الآلات المستعملة للاسترباح كالميزان والسيارات بأنواعها والشفلات بأنواعها. بل حتى ما لا ينقل من الأملاك مما هو معد للاسترباح كالفندق والمزرعة والبيوت المؤجرة والمستشفى الشخصي والمدرسة كذلك وغير ذلك كثير فإنه يجب دفع خمسها بقيمة يوم الدفع وإن كان الأحوط استحباباً اختيار أعلى القيمتين من يوم الشراء ويوم الدفع، والأحوط منه اختيار أعلى القيم التي مرت خلال هذه الفترة.
الشكل الثاني: أن يكون له وارد غير تجاري كراتب الموظف أو العامل، أو المدرس أو الطبيب أو وارد هؤلاء من خارج الراتب كالعيادة الطبية والمحاضرات الخارجية والعمل الجسدي بدون رأس مال كالحمال والبناء وعامل الفندق والمطعم وأضرابهم. فهؤلاء على قسمين:
القسم الأول: من يقبض راتباً من الدولة أو أي مؤسسة حكومية أو جهة غير مطبقة للشريعة بحيث لا تدفع الخمس أو أن أموالها مختلطة بالحرام. فهذا الراتب يجب أن يقبض بإذن الحاكم الشرعي على تفصيل يأتي، فإن قصد حل له وإلا كان في ذمته على شكل رد المظالم وإن صرفه في المؤونة. فيجب دفع مقدار ما اشتغلت به الذمة كاملاً إلى الحاكم الشرعي، وللحاكم مساعدة المكلف ببعض الطرق التي يرى مناسبتها وشرعيتها. مضافاً إلى دفع الخمس بما تبقى لديه زائداً على المؤونة ويكون يوم الدفع هذا هو رأس سنته، أو يوم دفع القسط إن سمح له بالتقسيط.
القسم الثاني: من يعيش على كد يده كالحمال والبناء، وكذلك بالنسبة إلى من يقبض الراتب إذا كان له عمل غير تجاري خارج الراتب، كما سبق. فإنه يجب عليه أن يحسب كل ما عنده مما هو داخل تحت المؤونة أو خارج عنها.
فإن كان داخلاً فيها حسب قيمة يوم الشراء وإن كان خارجاً عنها حسب قيمة يوم الدفع أو أعلى القيمتين من يوم الشراء ويوم الدفع، كما سبق ويدفع خمس
ــــــ[109]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المجموع. ويكون يوم الدفع أول سنته.
الشكل الثالث: أن يعيش الفرد على حيازة المباحات العامة، كالرمل والتراب والجص وطين الرأس والحشيش والحطب وكذلك من يعيش على استخراج المعادن كالذهب والفضة والنفط والملح وغيرها والمراد من يستخرجها بشكل شخصي، لا أن يكون موظفاً في شركة عاملة لذلك، فإنه مندرج عندئذ في الشكل الثاني السابق. وهذا الشكل من الاسترباح على قسمين:
القسم الأول: من يعيش على المباحات العامة التي لا يجب الخمس لدى تصفيتها كالتراب والصخر والحطب والحشيش وأنواع أخرى فحكمه في الخمس حكم القسم الثاني من الشكل الثاني الذي سمعناه.
القسم الثاني: من يعيش على المباحات العامة التي يجب فيها الخمس بعد التصفية كالمعادن والغوص، فإن كان قد دفع خمسها عندئذ. لم يجب عليه خمس آخر. وإن كان الأحوط استحباباً مؤكداً أن يدفع خمس فاضل مؤنته منها أيضاً. بل لا يترك. ومن هذه الناحية تكون أول سنته يوم ظهور الربح من المعدن وإلا فاليوم الذي يدفع فيه الخمس لأول مرة أو قسطاً منه إن سمح له بالتقسيط.
(مسألة 347) من كان له أكثر من شكل واحد من الأعمال المذكورة في المسألة السابقة، كان لكل واحد حكمه. حتى لو اقتضى أن يكون لكل عمل عام مالي مستقل.
(مسألة 348) من كان بحاجة إلى رأس مال لإعاشة نفسه وعياله، فحصل على مال لا يزيد على مؤونة سنته، بحيث لو صرفه فيها لم يزد عليها، ولكنه اشتغل به للتجارة، فالظاهر أنه ليس من المؤونة ما لم يصرف فيها أو قسم منه فعلاً، فيجب إخراج خمسه في بدء العمل، وإلا ففي رأس السنة، مضافاً إلى خمس أرباحه بعد استثناء المؤونة. وإذا نقص رأس المال خلال السنة بخسارة تجارية أمكن جبره من الربح، بخلاف ما لو نقص بالصرف في المؤونة فإنه لا
ــــــ[110]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يجبر من الربح. ويكون الجبر من أرباح نفس السنة لا من السنين الآتية على الأحوط استحباباً.
(مسألة 349) لا فرق في مؤنة السنة بين ما يصرف عينه، مثل المأكول والمشروب، وما ينتفع به مع بقاء عينه كالدار والفرش والأواني ونحوها من الآلات المحتاج إليها. فيجوز استثناؤها إذا اشتراها من الربح. وإن بقيت للسنين الآتية، ما لم تهمل لمدة عام فإنها تخرج عن المؤونة.
(مسألة 350) يدخل في مؤنة السنة ما يتم استعماله، كما أشرنا وما لا يتم استعماله ولكن ملكيته مناسبة لحاله الاجتماعي، كشيء من الحلي للمرأة ومن الكتب لرجل الدين أو للمثقف أو شيء من المعروضات والصور المناسبة لحاله. وكذلك يدخل فيها الآلات المدخرة لاستعمالات محتملة بالمقدار المناسب لحاله، وإن لم تستعمل فعلاً كآلة الإطفاء للحريق والفرش والأواني المذخورة للضيوف المحتمل ورودهم، وكذلك لو كانت سيارة مدخرة لنقل الضيوف أو فسطاطاً مدخر لجلوسهم أو أي شيء يناسب حاله. فإنه يدخل في المؤونة وإن لم يستعمل. نعم، إذا كان المدخر زائداً عن حاله الاجتماعي أو عن احتمال حاجته وجب فيه الخمس.
(مسألة 351) يجوز إخراج المؤنة من الربح، وإن كان له مال غير مال التجارة، وجب فيه الخمس أو لم يجب. فلا يجب إخراجها من ذلك المال ولا التوزيع عليهما.
(مسألة 352) إذا زاد ما اشتراه للمؤونة من الحنطة والشعير والسمن والسكر والشاي وغيرها، وجب إخراج خمسها على الأحوط وأما المؤن التي يحتاج إليها عادة مع بقاء عينها. فهي على قسمين:
القسم الأول: ما انتفت الحاجة إليه خلال السنة المالية نفسها، كالحلي الذي تستغني عنه المرأة في عصر الشيب أو الثياب التي زال التعارف للبسها أو الآلات التي استغنى عن استعمالها لانتفاء الحاجة إليها أو حصوله على ما هو أفضل إليها
ــــــ[111]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فالأحوط تخميس كل ذلك لصدق كونه فاضلاً عن المؤونة. هذا إذا كان الاستغناء عن الحاجة دائمياً وأما إذا كان مؤقتاً كثياب الصيف والشتاء التي لا تستعمل في الموسم الآخر أو ما يدخر للضيوف مع عدم توفرهم فعلاً. كما سبق، فهو داخل في المؤونة.
القسم الثاني: ما انتفت الحاجة إليه من الأمور السابقة وغيرها خلال أكثر من سنة، بحيث مر عليه عام كامل، وهو خارج عن المؤونة. فلا إشكال في وجوب تخميسه.
(مسألة 353) إذا اشترى بعين الربح شيئاً، فتبين الاستغناء عنه، وجب إخراج خمسه. والأحوط مع نزول القيمة عن رأس المال مراعاة رأس المال وكذا إذا اشتراه عالماً بعدم الاحتياج إليه كبعض الفرش الزائدة والجواهر أو الحلي المدخرة لوقت الحاجة في السنين اللاحقة، أو المواد التي يؤجل بيعها، وكذلك البساتين والدور التي يقصد الاستفادة من نمائها وأرباحها، فإنه لا يراعي في الخمس رأس مالها بل قيمتها رأس السنة وإن كانت أقل منه ما لم يكن رأس المال غير مخمس فيجب الاحتياط بحساب أعلى القيمتين والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين ما يشتريه بعين الأرباح أو بالذمة ثم وفاه من الأرباح.
(مسألة 354) إذا مات المكتسب في أثناء السنة بعد حصول الربح، فالواجب على الولي دفع الخمس قبل التقسيم بين الورثة. مع استثناء المؤونة إلى حين الموت لإتمام السنة.
(مسألة 355) من جملة المؤن مصارف الحج واجباً كان أو مستحباً. وإذا استطاع الحج في أثناء السنة من الربح ولم يحج ولو عصياناً، وجب خمس ذلك المقدار ولم يستثن منه. وإذا حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعددة وجب خمس الربح الحاصل في السنين الماضية. فإن بقيت الاستطاعة بعد إخراج الخمس وجب الحج وإلا فلا. أما الربح المتم للاستطاعة في سنة الحج، فلا خمس عليه إلى نهاية العام وإذا لم يحج ولو عصياناً وجب إخراج خمسه.
ــــــ[112]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(فروع في أحكام الأرباح)
(مسألة 356) إذا عمر بستاناً وغرس فيه نخلاً أو شجراً للانتفاع بثمره لا بقصد التجارة، لم يجب إخراج خمسه إذا صرف عليه مالاً لم يتعلق به الخمس كالموروث، أو مالاً قد أخرج خمسه كأرباح السنة السابقة أو مالاً فيه الخمس كأرباح السنة السابقة ولم يخرج خمسه. نعم، يجب عليه إخراج خمس المال نفسه عندئذ، وأما إذا صرف عليه من أرباح نفس السنة، لا بقصد التجارة، فإن أصبح البستان بحاله الجديد أغلى قيمة مما صرف عليه وجب عليه خمس الزائد من رأس السنة بعد استثناء المؤونة. ووجب عليه أيضاً الخمس في نمائه المنفصل أو ما بحكمه من التمر والسعف والأغصان اليابسة المعدة للقطع، بل في نمائه المتصل على ما عرفت. وكذا يجب تخميس الشجر الذي يغرسه جديداً في السنة الثانية، مما هو من نماء البستان نفسه، وإن كان أصله من الشجر المخمس ثمنه مثل (التال) الذي ينبت فيقلعه ويغرسه. وكذا إذا نبت جديداً لا بفعله كالفسيل وغيره إذا كان له مالية. وبالجملة كل ما يحدث جديداً من الأموال التي تدخل في ملكه يجب إخراج خمسه في آخر السنة، بعد استثناء مؤونة سنته. كما يجب الخمس في ارتفاع القيمة إذا زادت على مجموع المصروف على البستان وإن لم يبعه على الأحوط. هذا إذا لم يكن البستان معداً للتجارة. وأما إذا كان تعميره بقصد التجارة، مع كون المال المصروف عليه مما لا يجب فيه الخمس كما سبق. فيجب الخمس في كل أرباحه الزائدة على المقدار المصروف، سواء ما بيع من الأعيان المنفصلة كالأثمار والزروع، أو ثمن البستان نفسه إذا باعه، أو ارتفاع قيمته السوقية إذا لم يبعه بعد استثناء مجموع الكلفة سواء التي عمّر بها البستان أو غيرها كأجور الفلاحين ونقل الماء وغيرها.
(مسألة 357) إذا اشترى عيناً بقصد تجاري، فزادت قيمتها في أثناء السنة،
ــــــ[113]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ولكنه لم يبعها غفلة أو طلباً للزيادة أو لغرض آخر ثم رجعت قيمتها في رأس السنة إلى رأس مالها الأول. فليس عليه خمس تلك الزيادة، نعم، إذا بقيت الزيادة إلى آخر السنة وجب الخمس وإن لم يبعها بل وإن صادف نزول قيمتها بعد ذلك.
(مسألة 358) إذا حصل لديه أرباح تدريجية فاشترى في السنة الأُولى عرصة لبناء الدار، وفي الثانية خشباً وحديداً وفي الثالثة آجراً مثلاً. وهكذا لا يكون ما اشتراه من المؤن المستثناة لتلك السنة، لأنه من المؤن للسنة الآتية التي يحصل فيها السكنى، ومعه فيجب عليه خمس تلك الأعيان. وهذا ثابت بلا إشكال إذا لم تكن الدار من مؤونته وبالاحتياط الوجوبي إذا كانت من المؤونة.
(مسألة 359) إذا أجر نفسه سنين كانت الأجرة الواقعة بإزاء عمله في سنة الإجارة من أرباحها. وأما ما يقع بإزاء العمل، في السنين الآتية، فإن قبضه في هذه السنة كان من أرباحها خاصة. وإن قبض أجرة كل سنة فيها، كانت من أرباح تلك السنين.
(مسألة 360) إذا باع ثمرة بستان سنين وقبض الثمن معجلاً كان الثمن بتمامه من أرباح سنة البيع، ووجب فيه الخمس بعد المؤونة وبعد استثناء ما يجبر به النقص الوارد على البستان من جهة كونه مسلوب المنفعة في المدة الباقية خلال هذه السنة وما بعدها. وإن كان الأحوط وجوباً عدم استثناء خسارات السنين الآتية من أرباح هذه السنة. ومنه يظهر الحال، فيما لو آجر دار أو فندقاً لسنين عديدة.
(مسألة 361) إذا دفع من السهمين أو أحدهما، ثم بعد تمام الحول حسب موجوداته ليخرج خمسها فإن كان ما دفعه من أرباح هذه السنة، لم يجب الخمس فيه لأنه دفعه في الواجب. وإن كان الأحوط خلافه.
(مسألة 362) أداء الدين من المؤونة إذا كان مصروفاً في المؤونة سواء أخذه
ــــــ[114]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بهذا القصد أو بقصد آخر، وسواء كانت الاستدانة في سنة الربح أو فيما قبلها. تمكن من الأداء قبل ذلك أم لا. نعم، إذا لم يؤد دينه إلى أن انقضت السنة وجب الخمس من دون استثناء مقدار وفاء الدين. سواء كان معذوراً في التأجيل أو عاصياً. ويلحق بذلك الدين الشرعي كالخمس والزكاة والنذر والكفارات، وكذا مثل أروش الجنايات وقيم الملتقطات والمتلفات، فإنه إن أداها من الربح لم يجب عليه الخمس فيه، وإن كان حدوثه في السنة السابقة وإن لم يدفعها وجب الخمس سواء كان معذوراً في التأجيل أو عاصياً.
(مسألة 363) إذا استدان للتجارة، أمكن استثناء أدائه من ربح هذه السنة في كل دين يحل موعده فيها، سواء كان أصله فيها أو سابقاً عليها. وكذا ما كان تأجيله إليها عن عذر كالإعسار أو الضرر، ويلحق به ما كان من الدين غير مطالب به بحيث كان تأجيله عن سماح الدائن. فدفعه في هذه السنة، فإن كل ذلك يستثنى من أرباحها. يبقى بعض الأنواع الأخرى من الدين:
النوع الأول: ما كان بدؤه وموعد انتهائه في سنة سابقة. وقد أخره عصياناً، مع عدم إحراز رضا الدائن بالتأخير.
النوع الثاني: ما كان بدؤه في سنة سابقة ولا يوجد موعد لانتهائه كما هو عليه أغلب المعاملات اليوم. مع عدم إحراز رضا المالك بالتأخير.
النوع الثالث: ما كان بدؤه في هذه السنة وانتهاؤه في سنة آتية سواء كان له موعد معين أم لا.
النوع الرابع: الدين الذي صرف في تجارة محرمة كبيع الخمر والخنزير وآلات الطرب وصناعة الصور المجسمة. بغض النظر عن موعد أدائها، فإن كل هذه الأنواع لا تستثنى من أرباح السنة، بل يجب تخميس المجموع.
(مسألة 364) إذا اشترى ما ليس من المؤونة بالذمة أو استدان شيئاً لإضافته إلى رأس ماله ونحو ذلك، مما يكون بدل دَينه موجوداً ولم يكن من المؤونة.
ــــــ[115]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
جاز دفع دَينه من أرباح سنته وإن لم يخمسها. نعم، لو دفع من أرباح سنة سابقة كان اللازم دفعه من مال مخمس أو مال لا يجب دفع خمسه.
(مسألة 365) إذا اتجر برأس ماله المخمس مراراً متعددة في السنة، فخسر في بعض المعاملات وربح في بعض الآخر. فإن كان الخسران بعد الربح أو مقارناً له. فإنه يجبر الخسران بالربح. فإن تساوى الخسران والربح فلا خمس.
وإن زاد الربح وجب الخمس في الزيادة. وإن زاد الخسران على الربح فلا خمس عليه، وصار رأس ماله في السنة اللاحقة أقل مما كان عليه في السنة السابقة.
وكذا يجبر الربح للخسران حتى ما إذا كان بعده بزمان معتد به. بل حتى إذا وزع رأس ماله على تجارات متعددة عرفاً. بل الظاهر الجبران مع اختلاف نوع الكسب، كما إذا اتجر ببعض رأس المال وزرع بالبعض الآخر، فخسر في التجارة وربح في الزراعة، وكذا الحكم فيما إذا تلف بعض رأس ماله أو صرفه في نفقاته، بل إذا أنفق من مال غير مال التجارة قبل حصول الربح، جاز له أن يجبر تلك من ربحه وليس عليه خمس ما يساوي المؤن التي صرفها وإنما عليه صرف خمس الزائد لا غير.
(مسألة 366) ما قلناه في المسألة السابقة ينطبق على أهل المواشي فإنه إذا باع بعضها لمؤنته أو مات بعضها أو سرق، فإنه يجبر جميع ذلك بالنتاج الحاصل له قبل ذلك فضلاً عن الحاصل بعده ففي آخر السنة يضم السخال إلى أرباحه في تلك السنة من الصوف والسمن واللبن وغير ذلك فيجبر النقص ويخمس ما زاد عن الجبر، فإذا لم يحصل الجبر إلا بقيمة جميع السخال، مع أرباحه الأخرى لم يكن عليه خمس في تلك السنة.
(مسألة 367) في فرض المسألتين السابقتين إذا تلف بعض أمواله مما ليس من مال التكسب، كما إذا انهدمت دار غلته، ففي الجبر إشكال، وكذا إذا انهدمت دار سكناه إلا أن يعمرها، فيكون تعميرها من المؤن المستثناة. وكما لو
ــــــ[116]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
تلفت بعض أمواله الأخرى مثل ألبسته أو سيارته.
(مسألة 368) الخمس بجميع أقسامه متعلق بالعين بنحو الكلي في المعين. ويتخير المالك بين دفع العين ودفع القيمة، ولا يجوز له التصرف بعد انتهاء السنة قبل أدائه. وإذا ضمنه في ذمته بإذن الحاكم الشرعي أو عزله بإذنه أيضاً صح. ويسقط الحق عندئذ من العين فيجوز التصرف فيها.
(مسألة 369) إذا أخر دفع الخمس مع وجوبه ترتبت على ذلك آثار باطلة عديدة. منها: حرمة تصرفه في العين أكلاً أو لبساً أو سكنى أو غير ذلك. ومنها: أنه تشتغل ذمته بأجرة المثل لهذا التصرف فيما يقابل الخمس المستحق لذويه. ومنها: أن المعاملات الجارية على الأعيان أو الأثمان المستحقة تكون نافذة في الأربع أخماس وباطلة في مقدار الخمس، وليس له أن يأخذ الثمن بإزائها كاملة، كما أنه ليس له أن يدفع العين إلى مشتريها قبل التخميس ما لم يخبره بذلك ويثق بأنه سوف يقوم بهذه الوظيفة الشرعية. ومنها: أن إنتاج الخمس وأرباحه لذوي الخمس وليس للمالك: ومنها: أنه إذا مات قبل دفع الخمس وجب على ورثته دفع خمس التركة مع الديون، قبل تقسيمها بينهم.
(مسألة 370) إذا اتجر بالعين بعد انتهاء السنة قبل دفع الخمس بطل ما قابل الخمس كما قلنا، إلا إذا أجاز الحاكم الشرعي فإن أجازها انتقل الخمس إلى البدل. ووجب دفع الخمس منه. ولكن إذا اشترى بثمن كلي وطبقه على المال غير المخمس، كان لحلية ما يشتريه وجه مع اشتغال ذمته بخمس الثمن للبائع، لكن الأقوى عدم الفرق بين الثمن الجزئي والثمن الكلي، ما دام المدفوع غير مخمس، لأن العرف يراه عوضاً عنه بمنزلة الجزئي وخاصة إذا كان عازماً على الدفع من المال غير المخمس، كما هو الغالب.
(مسألة 371) لو اشترى ما فيه ربح بنحو بيع الخيار، فصار البيع لازماً، فاستقاله البائع فأقاله، وكان ذلك بعد رأس السنة لم يسقط الخمس.
ــــــ[117]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 372) إذا اتلف المالك أو غيره المال بتعدٍ أو تفريط، ولو من أجل التسامح بالدفع زمناً معتداً به، ضمن المتلف الخمس ورجع عليه الحاكم. وكذا الحكم إذا دفعه المالك إلى غيره وفاءً لدين أو هبة أو عوضاً عن معاملة فإنه ضامن للخمس وجاز للحاكم الرجوع عليه أو على من انتقل إليه المال على إشكال في الأخير إذا كان مؤمناً. وإن رجع الحاكم على الأخير رجع هو على المالك مع جهله بالحال عند قبضه العين.
(مسألة 373) إذا كان ربحه غير المخمس حباً فبذره فصار زرعاً أو إذا كان بيضاً فصار دجاجاً في المؤنة. فإن كان له سنة مالية وجب خمس الحب والبيض لا خمس الناتج. وإن كان الأحوط مع ذلك المصالحة مع الحاكم الشرعي. وإن لم يكن له سنة مالية وجب الخمس في الناتج كله. وإذا كان ربحه أغصاناً غرسها فصارت شجراً وجب عليه خمس الشجر أو كانت فسيلاً فصارت نخلاً، وجب عليه خمس النخل لا خمس الأصل، لأن التحول هنا من قبيل النمو، وفي الصورة الأُولى من قبيل التولد. وفي كون الخمس مستحقاً والناتج على كل حال، وجه وجيه.
(مسألة 374) إذا حسب ربحه فدفع خمسه، ثم انكشف أن ما دفعه كان أكثر مما وجب عليه، جاز له استرداده أو بدله مع علم الفقير بالحال. ولم يجز له احتساب الزائد مما يجب عليه في السنة التالية. نعم، يجوز له التسبب إلى حفظ عينها لدى الفقير أو اعتبارها ديناً عليه إلى السنة الآتية. فإن وجب عليه الخمس عندئذ وبقي الفقير على وجه الاستحقاق جاز احتسابه عندئذ.
(مسألة 375) إذا ربح خلال السنة، فدفع الخمس باعتقاد عدم حصول مؤونة زائدة، فتبين عدم كفاية الربح لتجدد مؤونة لم تكن محتسبة. فقد انكشف أنه لا خمس في ماله أو أن خمسه أقل مما دفعه، كان له أن يرجع به على الفقير مع بقاء عينه، وكذا مع تلفها مع علم الفقير بالحال، يعني بكونها من الخمس.
ــــــ[118]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 376) في جواز تصرف المالك ببعض الربح إشكال، إن كان مقدار الخمس باقياً، والأحوط بل الأظهر عدم الجواز بدون إذن الحاكم.
(مسألة 377) إذا جاء رأس الحول، وكان ناتج بعض الزرع حاصلاً دون بعض. فما حصلت نتيجته يكون من ربح سنته، ويخمس بعد إخراج المؤن. وما لم تحصل نتيجته يكون من أرباح السنة اللاحقة. نعم، إذا كان له أصل موجود له قيمة أخرج خمسه في آخر السنة، ويكون الفرع من أرباح السنة اللاحقة إذا كان له قيمة عرفية معتد بها. فمثلاً: في رأس السنة كان بعض الزرع له سنبل وبعضه قصيل لا سنبل له، وجب إخراج خمس الجميع، وإذا ظهر السنبل في السنة الثانية كان من أرباحها لا من أرباح السنة السابقة.
(مسألة 378) إذا كان الغوص أو إخراج المعدن مكسباً كفاه إخراج خمسها. ولا يجب عليه إخراج خمس آخر من باب أرباح المكاسب، إلا إذا تجدد له نماء تجاري زائد على ذلك.
(مسألة 379) المرأة التي تكتسب يجب عليها الخمس وإن عال بها زوجها ولا يستثنى من أرباحها ما يصرفه زوجها عليها. بل وكذا الحكم إذا لم تكسب، وكانت لها فوائد من زوجها أو غيره، فإنه يجب عليها في آخر السنة إخراج خمسها. وبالجملة يجب على كل مكلف أن يلاحظ ما زاد عنده في آخر السنة من أرباح مكاسبه وغيرها قليلاً كان أو كثيراً ويخرج خمسه، كاسباً كان أم غير كاسب.
(مسألة 380) الظاهر عدم اشتراط البلوغ والعقل والحرية في ثبوت الخمس في كل أنواعه كالكنز والغوص والمال الحلال المختلط بالحرام والأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، كل ما في الأمر أن من كان ساقطاً عن التكليف كالطفل والمجنون يجب على وليه دونه. وبتعبير آخر: أن الخمس يكون مستحقاً في ماله بنحو الحكم الوضعي لا التكليفي بالنسبة إليه.
ــــــ[119]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 381) إذا اشترى من أرباح سنته ما ليس من مؤونته، فارتفعت قيمته كان اللازم إخراج خمسه عيناً أو قيمة. وأما إذا اشترى شيئاً بعد انتهاء سنته ووجوب الخمس في ثمنه. فإن كانت المعاملة شخصية وجب تخميس ذلك المال أيضاً عيناً أو قيمة، إذا وقعت بإذن الحاكم الشرعي، وإن وقعت بدون إذنه، كان الخمس في المبيع ثابتاً، يجب على المشتري دفعه ويرجع به على البائع مع عدم علمه بالحال. وكذلك الحال فيما إذا كان الشراء بالذمة، وكان الوفاء من المال غير المخمس، وخاصة إذا كان عازماً من حين العقد على دفع الثمن من ذلك المال.
(مسألة 382) إذا كان الشخص لا يخرج الخمس من ماله، وقد وهبه إلى شخص آخر، وجب على الموهوب له إخراج خُمسين، خمس جميع مال الهبة فوراً إبراءً لذمة الواهب. وخمس الأربعة أخماس الباقية في آخر السنة إن كانت له سنة مالية وإلا ففوراً أيضاً.
(مسألة 383) إذا ورث مالاً لم يخرج خمسه، فإن كان من الإرث المحتسب، وجب عليه إخراج خمس تمام المال لا غير. وإن كان من الإرث غير المحتسب وجب عليه الخمس في الباقي في رأس السنة إن كانت له سنة مالية، وإلا فيجب دفعه فوراً.
(مسألة 384) إذا أحب من له رأس سنة أن يغير رأس سنته، فإما أن يريد تقديمها، وإما أن يريد تأخيرها. فإن أراد تقديمها أمكنه محاسبة حاله المالي ودفع ما عليه من خمس في الموعد الذي يراه مناسباً. ويكون هو الموعد الجديد لرأس سنته. بدون حاجة إلى مراجعة الحاكم الشرعي. وأما إن أراد تأخيرها احتاج إلى مراجعة الحاكم في تأجيل الدفع إلى ذلك الموعد. فإن أجلّه ودفع ما في ذمته من خمس بحيث يشمل حتى مدة التأجيل. كان الموعد الجديد هو رأس سنته.
(مسألة 385) يجوز جعل السنة بأي تاريخ كان كالهجري والميلادي
ــــــ[120]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
والرومي والفارسي وغيرها. بل يمكن عد السنة بالأيام أو بالأسابيع بغض النظر عن التواريخ جميعاً.
(مسألة 386) تأجيل دفع الخمس إلى سنة إنما هو حكم بالولاية إرفاقاً بحال المكلف. وإلا فيجوز أن يدفع خمس الأرباح فوراً يعني في كل يوم أو في كل أسبوع أو في كل شهر أو في كل ستة أشهر أو عشرة أشهر وهكذا. بعد استثناء مؤونة هذه المدة، وأما جعل الموعد أكثر من سنة كخمسة عشر شهراً أو عشرين ونحوها، فيحتاج إلى إذن الحاكم الشرعي.
(مسألة 387) يجب على كل مكلف في آخر السنة أن يخرج خمس ما زاد من مؤونته مما ادخره في بيته للمؤنة من الأرز والدقيق والحنطة والشعير والسكر والشاي والنفط والحطب والفحم والسمن والحلوى وغير ذلك من أمتعة البيت مما أُعد للمؤونة ولم يستعمل إلى رأس السنة بما فيها الحلي والكتب الزائدة على حاله الاجتماعي والثياب والفرش والأواني الزائدة عن حاجته.
(مسألة 388) إذا كان عليه دين استدانه لمؤونة السنة. وكان مساوياً للزائد عن المؤنة، مما سمعناه في المسألة السابقة، لم يجب الخمس في الزائد. وكذا إذا كان أكثر. أما إذا كان الدين أقل أُخرج خمس مقدار التفاوت لا غير. وإذا بقيت الأعيان المذكورة إلى السنة الآتية فوفى الدين في أثنائها، لم يجب الخمس إلا على ما يزيد منها على مؤونة تلك السنة.
(مسألة 389) إذا اشترى خلال السنة أعياناً لغير المؤونة، كبستان، وكان عليه دين للمؤنة يساويها، فلا يجب إخراج خمسها فإذا وفى الدين في السنة الثانية كانت معدودة من أرباحها، ووجب إخراج خمسها آخر السنة. وإذا اشترى بستاناً مثلاً، بثمن في الذمة مؤجلاً. فجاء رأس السنة قبل أجل الدين أو بعده، لم يجب إخراج خمس البستان. وإن كان هو أحوط استحباباً إذا كان رأس السنة قبل أجل الدين. فإذا وفى الثمن في السنة الثانية كانت البستان من أرباح السنة الثانية
ــــــ[121]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ووجب إخراج خمسها، كما يجب الالتفات إلى وجوب وفاء الدين بمال لا يجب فيه الخمس كالمخمس أو الموروث إرثاً محتسباً. وإذا وفى نصف الثمن في السنة الثانية كان نصف البستان من أرباح تلك السنة ووجب إخراج خمس النصف، وإذا وفى ربع الثمن في السنة الثانية كان ربعها من أرباح تلك السنة وهكذا كلما وفى جزءاً من الثمن كان ما يقابله من البستان من أرباح تلك السنة، بمعنى أنه إذا انتهت هذه السنة الثانية، وجب عليه دفع خمس البستان نفسه إن كان أعده للتجارة، وخمس الباقي من أرباحه إن كان أعده للمؤونة. هذا إذا بقيت البستان إلى رأس السنة الثانية، أما إذا تلفت قبل ذلك فلا خمس فيها. نعم، إذا بقي من أرباحها شيء وجب تخميسه.
(مسألة 390) إذا ربح في سنة ماءة دينار مثلاً، فلم يدفع منها عشرين ديناراً خمساً حتى جاءت السنة الثانية، فدفع عشرين ديناراً من أرباحها، وجب الخمس في الماءة دينار مع بقائها لا مع تلفها بدون تفريط، كما هو الغالب.
(مسألة 391) إذا فرض أنه اشترى داراً للسكنى فسكنها، وبقيت قيمتها في ذمته، ثم وفى في السنة الثانية ثمنها من مال لا يجب فيه الخمس، لم يجب عليه خمس الدار. وكذا إذا وفى في السنة الثانية بعض أجزاء الثمن لم يجب الخمس في الحصة من الدار. ويجري هذا الحكم في كل ما اشتراه من المؤن بالدين.
(مسألة 392) إذا نذر أن يصرف نصف أرباحه السنوية مثلاً، في وجه من وجوه البر، وجب عليه الوفاء بنذره. فإن صرف المال المنذور في الجهة المنذور لها قبل انتهاء السنة، لم يجب عليه تخميس ما صرفه، بل لا يجب عليه الخمس فيما صرفه في وجوه البر وإن لم يمكن منذوراً. وإن لم يصرفه حتى انتهت السنة، وجب عليه إخراج خمسه، ضمن مجموع ما يجب عليه من الخمس بعد إخراج المؤن. نعم، لو كان المنذور عيناً أو مقداراً موجوداً من المال لم يجب خمسه. ولكن لا يجوز صرفه في غير النذر.
ــــــ[122]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 393) إذا كان رأس ماله ألف دينار مثلاً، فاستأجر دكاناً بمئة دينار واشترى آلات للدكان بمئة، وفي آخر السنة وجد ماله ألفاً فقط. كان عليه خمس الآلات فقط على الأحوط. ولا يجب عليه إخراج خمس أجرة الدكان لأنها من مؤونة التجارة وكذا أجرة الحارس والحمال، والضرائب التي يدفعها إلى السلطان والسرقفلية، فإن هذه المؤن مستثناة من الربح، مضافاً إلى مؤن عياله، والخمس إنما يجب فيما زاد عنها. كما سبق. نعم، إذا كانت السرقفلية التي دفعها إلى المالك أو غيره أوجبت له حقاً في أخذها من غيره، أو حق البقاء في المحل أمداً طويلاً، وجب تقويم ذلك الحق في آخر السنة وإخراج خمسه، فربما تزيد قيمته على مقدار ما دفعه من السرقفلية، وربما تنقص وربما تساوي فإن زادت وجب الخمس.
(مسألة 394) إذا حل رأس الحول فلم يدفع خمس الربح، ثم دفعه تدريجياً من ربح السنة الثانية، والدفع التدريجي لا يجوز إلا بإذن الحاكم الشرعي ولكنه إن دفعه كذلك بإذنه أو بدونه، لم يحتسب من المؤن على الأحوط. بل يجب فيه الخمس. وكذا لو صالحه الحاكم على مبلغ في الذمة فإن وفاءه من أرباح السنة الثانية لا يكون من المؤن، بل يجب فيه الخمس على الأحوط. إذا كان مال المصالحة عوضاً عن خمس عين موجودة. وكذا إذا كانت تالفة في غير المؤونة.
أما إذا كانت تالفة في المؤونة، فوفاؤه يحسب من المؤن ولا خمس فيه.
(مسألة 395) إذا حل رأس السنة فوجد بعض أرباحه أو كلها ديناً في ذمم الناس، فإن أمكن استيفاؤه بدون مشقة أو حرج وجب دفع خمسه على الأحوط وإن لم يستوفِ، وإن لم يمكن استيفاؤه تخير بين أن ينتظر استيفاؤه في السنة اللاحقة، فإذا استوفاه أخرج خمسه وكان من أرباح السنة السابقة لا من أرباح سنة الاستيفاء. يعني يجب تخميس أرباح تلك السنة بغض النظر عما استوفاه من هذه الديون، وبين أن يقدر مالية الديون فعلاً، فيدفع خمسها، فإذا استوفاها في السنة
ــــــ[123]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الآتية كان الزائد على ما قدر من أرباح سنة الاستيفاء.
(مسألة 396) إذا أتلف ربح السنة خلالها بشكل غير عقلائي ضمن خمسه، وكذا إذا أهمل الحفاظ عليه فتلف. وكذا إذا أسرف في صرفه زائداً على حاله الاجتماعي، أو وهبه كذلك، وكذا إذا باع أو اشترى على نحو المحاباة، إذا كانت الهبة أو الشراء أو البيع غير لائقة بشأنه. وإذا علم أن الربح ليس من المؤنة إلى آخر السنة، يعني لا يحتمل صرفه فيها. فالأحوط استحباباً، أن يبادر إلى دفع الخمس ولا يؤخره إلى نهاية السنة.
(مسألة 397) إذا مات المكتسب خلال السنة بعد حصول الربح، فالمستثنى هو المؤونة إلى حين الموت لا تمام السنة. كما أنه يجب المبادرة إلى دفع خمسه من قبل الورثة. ولا يجوز تأجيله إلى رأس السنة. بمعنى أن هذا التأجيل يكون ساري المفعول ما دام المالك حياً ولكنه يسقط عن المشروعية والاعتبار إذا مات.
(مسألة 398) إذا علم الوارث أن مورثه لم يؤد خمس ما تركه وجب عليه أداؤه، وإذا علم أنه أتلف مالاً له قد تعلق به الخمس وجب إخراج خمسه من تركته كغيره من الديون.
(مسألة 399) إذا اعتقد أنه قد ربح فدفع الخمس فتبين عدمه، انكشف أنه لا يجب عليه دفع الخمس من ماله. فله أن يرجع على من أعطاه مع بقاء عينه، وكذا مع تلفها إذا كان عالماً بكونها خمساً. سواء كان قد أعطاها إلى الفقير أو إلى الحاكم الشرعي.
(مسألة 400) إذا ربح في أول السنة فدفع الخمس معجلاً باعتقاد عدم حصول مؤونة زائدة، فتبين عدم كفاية الربح أو عدم سيطرته على المؤونة، لتجدد مؤنة لم تكن محتسبة، لم يجز له الرجوع على المعطي له حتى مع بقاء عينه فضلاً عما إذا تلفت.
ــــــ[124]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(فروع في عدم دفع الخمس)
(مسألة 401) ظهر مما سبق أن الخمس بجميع أقسامه وإن كان يتعلق بالعين، إلا أن المالك يتخير بين دفع العين ودفع قيمتها ولا يجوز له التصرف في العين بعد انتهاء السنة قبل أدائه. بل الأحوط وجوباً عدم التصرف في بعضها أيضاً. وإن كان مقدار الخمس باقياً في البقية. وإذا ضمنه في ذمته بإذن الحاكم الشرعي أو عزله كذلك، صح. ويسقط الحق من المال، فيجوز التصرف فيه.
(مسألة 402) لا بأس بالشركة مع من لا يخمس أما لاعتقاده بعدم وجوبه قصوراً أو تقصيراً، أو لعصيانه وعدم مبالاته بالدين ولا يلحقه وزر من قبل شريكه، ويجزيه أن يخرج خمسه من حصته من الربح.
(مسألة 403) إذا أخذ المال مضاربة من شخص لا يخمس، كان رأس المال بمقدار الأربعة أخماس فقط. ولم يجز له التجارة به إلا بعد تخميسه أو بإذن الحاكم الشرعي. وإذا أخذ ديناً من شخص لا يخمس كالقرض أو ثمن مبيع أو إجارة، أو غيرها، كان مقدار أربعة أخماسه مشروعاً، وخمسه مستحقاً لأرباب الخمس. ولم يكن وفاء لما في ذمة المالك. وللقابض أن يدفع خمسه بإذن الحاكم الشرعي، ويرجع به على المالك.
(مسألة 404) إذا كان رب الأسرة لا يخمس، أو كان وارده من مجهول المالك، وهولا يقبضه قبضاً شرعياً، فإن أمكن لأي فرد من الأسرة الاستقلال في الصرف على نفسه وجب. وإن كان مضطراً للبقاء وجبت مراجعة الحاكم الشرعي لتحليل تصرفاته ومصرفه. ومن قبلنا فإنه يجب عليه دفع مبلغ معتد به إما إلى فقراء المؤمنين أو الحاكم الشرعي. فإن كان رب الأسرة عاصياً بالخمس، كان ما يدفعه بمنزلة الخمس، وإن كان ذاك عاصياً بمجهول المالك كان ما يدفعه بمنزلة رد المظالم.
ــــــ[125]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 405) يحرم الإتجار بالعين بعد انتهاء السنة، قبل دفع الخمس أو أخذ الإذن من الحاكم الشرعي بتأجيله أو نقله إلى الذمة، لكنه إذا أتجر بالعين عصياناً أو لغير ذلك، أمكن القول بصحة المعاملة إذا كان طرفها الآخر مؤمناً وكذلك لو وهبه أو باعه بالمحاباة. إلا أن الأحوط وجوباً هو نفوذ المعاملة في أربعة أخماس العوض، كما سبق، ثمناً كان أو مثمناً أو مجانياً.
(فروع في عدم وجوب الخمس)
(مسألة 406) ليس لفاضل المؤونة مما يجب خمسه نصاب أو مقدار، فيجب فيه الخمس قل أو كثر، ما لم يسقط عن المالية كعود ثقاب أو حبة حنطة، أو يسقطه الشارع المقدس عنها كالخمر والخنزير.
(مسألة 407) لا يجب الخمس في التالف بدون تعد ولا تفريط. فإن تلف بعضه وجب خمس الباقي، كما لا يجب الخمس فيما كان بمنزلة التالف وإن كان موجوداً حقيقة، كالمال المفقود أو المحجوز أو الغارق في البحر أو المسروق أو نحو ذلك. فإنه لا يعتبر من أرباح السنة إذا كان للمكلف سنة مالية. وأما إذا لم يكن له سنة مالية، فقد تعلق به الخمس بمجرد ظهوره فالأحوط وجوباً تخميسه، سواء كان عدم السنة المالية إهمالاً وعصياناً أو لأنه يدفع خمس الأرباح أولاً بأول.
(مسألة 408) العرصة من الأرض مهما كان حجمها أو سعتها، لا تدخل في ملك صاحب اليد ما دامت قفراء لم يعمل عليها عملاً، حتى وإن اعتبرت عرفاً أو في (الطابو) ملكاً له. ولذلك عدة نتائج منها: عدم وجوب دفع الخمس عنها، ومنها: أنها لا تذهب إرثاً. ومنها: بطلان المعاملة في بيعها أو هبتها وغيرها. غير أن أخذ ثمنها العرفي يمكن توجيهه فقهياً، كما سيأتي في كتاب البيع إن شاء الله تعالى.
ــــــ[126]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الثاني
مستحق الخمس ومصرفه
نص القرآن الكريم على قسمة الخمس ستة أقسام: لله ولرسوله ولذوي القربى ولليتامى وللمساكين ولأبناء السبيل. غير أنه دل الدليل على أن الثلاثة الأُولى هي للإمام المعصوم وهو في عصورنا الحاضرة، الإمام الحجة المهدي المنتظر عجل الله فرجه. والثلاثة الأخيرة لبني هاشم بنفس العناوين المنصوصة في الآية الكريمة. فما هو راجع إلى الإمام يملكه ملك ولاية أو ملك منصب لا ملك عين، ويسمى في المصطلح الفقهي بحق الإمام أو سهم الإمام ويرجع هذا النصف اليوم إلى نائب الإمام وهو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى ولا يجوز التصرف فيه بدون إذنه على الأحوط. ويرجع النصف الثاني لبني هاشم، وهم من انتسب إلى هاشم بن عبد المناف بالأب، فلو انتسب بالأم لم يجز له أخذ الخمس وحلت له الصدقة على المشهور المنصور.
(مسألة 409) يعتبر الإيمان فضلاً عن الإسلام في بني هاشم وكذلك ما في حكمه مع الصغر والجنون. ولا تعتبر العدالة على الأصح. وإن كان الأَولى ملاحظة الرجحان في الأفراد وأن لا يكون الآخذ متجاهراً بارتكاب الكبائر أو بعضها. بل ولا عاصياً للمهم من أحكام الشريعة كالصلاة في الواجبات والسرقة وشرب الخمر في المحرمات. فإنه لا ينبغي الدفع إليه من الخمس وإن كان هاشمياً. بل يقوى عدم الجواز إذا كان في الدفع إعانة على الإثم أو الإغراء به أو مع العلم بصرفه فيه.
ــــــ[127]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 410) لا فرق في الهاشمي بين العلوي والعقيلي والعباسي. وغيرهم كالحسني والحسيني والموسوي والرضوي. وإن كان الأَولى تقديم العلوي بل الفاطمي، ولا يفرق عندئذ من كان من أفخاذهم.
(مسألة 411) يجب إحراز صحة النسب قبل الدفع إليه، إما بالعلم أو الاطمئنان أو بالبينة الشرعية، وكذلك بالشياع والاشتهار في بلده. بل يكفي فيه الوثوق النوعي بل الشخصي. وإن ظهر الخلاف أو تجدد الشك أمكن أخذه منه مع إنحفاظ العين، بل ومع تلفها مع علمه بالحال وهو كون المدفوع خمساً من حق السادة.
(مسألة 412) مساكين بني هاشم فقراؤهم. وأما الأيتام منهم فالأحوط فيهم اعتبار الفقر، ويكفي في ابن السبيل الفقر في بلد التسليم ولو كان غنياً في بلده. والأحوط وجوباً أن لا يكون سفره معصية، وأن لا يعطى أكثر من قدر ما يوصله إلى بلده إذا كان هناك غنياً، وإلا كان له احتسابه من سهم الفقراء. ولا يعطى ابن السبيل من هذا السهم إذا لم يكن هاشمياً.
(مسألة 413) الأحوط أن لا يعطى الفقير أكثر من مؤونة سنته، دفعة، ولو أعطي تدريجاً حرم عليه الزائد، ويجوز البسط والاقتصار على إعطاء صنف واحد، بل يجوز الاقتصار على إعطاء واحد من أي صنف.
(مسألة 414) لا يجوز إعطاء سهم الفقراء لمن تجب نفقته على المعطي كالزوجة والأبوين والأولاد، بل وكذلك إن كان الوجوب كفائياً على الأحوط.
ولكن الإعطاء زائداً على النفقة الواجبة جائز ما لم يصبح بها غنياً، كما أن الإعطاء من حق الإمام مع وجود المصلحة وإذن الحاكم الشرعي جائز وتسقط بذلك نفقة مقداره في غير الزوجة، وكذلك يجوز الإعطاء لمن كانت نفقته غير واجبة على المعطي وإن إلتزمه في كل مصارفه فضلاً عن بعضها كالضيف.
ــــــ[128]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 415) يجوز استقلال المالك في توزيع نصف الخمس العائد إلى الهاشميين. وإن كان الأحوط استحباباً الدفع إلى الحاكم الشرعي أو استئذانه في الدفع إلى المستحق، ولكن إن طلبه وجب على المالك دفعه إليه.
(مسألة 416) مصرف سهم الإمام الذي يقوم به الفقيه الجامع للشرائط أو غيره مع تعذر الرجوع إليه والاستئذان منه هو ما يوثق برضاه بصرفه، كدفع ضرورات المؤمنين من السادات زادهم الله تعالى شرفاً وغيرهم، والأحوط استحباباً فيه التصدق به عنه. ومن أهم مصارفه في هذا الزمان الذي قل فيه المرشدون والمسترشدون: إقامة دعائم الدين ورفع أعلامه وترويج الشرع المقدس ونشر قواعده وأحكامه ومؤونة أهل العلم الذين يصرفون أوقاتهم في تحصيل العلوم الدينية الباذلين أنفسهم بإخلاص في تعليم الجاهلين وإرشاد الضالين ونصح المؤمنين ووعظهم وإبلاغ الأحكام إليهم وإصلاح ذات بينهم، ونحو ذلك مما يرجع إلى إصلاح دينهم وتكميل نفوسهم.
(مسألة 417) حق الإمام غير مملوك بطبعه لمن يقبضه وإن كان له أن يتصرف فيه بإذن الحاكم الشرعي، ولكنه قابل للتملك بنية التملك بعد إذن الحاكم ولكن يجب على الأحوط ترتيب آثار الملكية عليه، من وجوب الخمس في فاضل المؤونة وحصول الاستطاعة للحج وغير ذلك. وأما سهم السادات، فلا إشكال بملكيته بعد قبضه. وتترتب عليه جميع آثار الملكية.
(مسألة 418) لو مات وفي حيازته من حق الإمام فإن كان قد نوى التملك عليه بشكل مشروع فلا إشكال. وإن لم ينو لم يجز للورثة التصرف فيه أو تقسيمه بينهم إلا بإذن الحاكم الشرعي.
(مسألة 419) يجوز نقل الخمس من بلده إلى غيره مع عدم وجود المستحق، بل مع وجوده إذا لم يكن تساهلاً وتسامحاً في الأداء. نعم يجوز دفعه في البلد إلى وكيل الفقير وإن كان هو في البلد الآخر كما يجوز دفعه إلى وكيل الحاكم الشرعي، وكذا إذا وكّل الحاكم الشرعي المالك فيقبضه بالوكالة عنه ثم
ــــــ[129]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ينقله إليه.
(مسألة 420) الخمس بقسميه أمانة شرعية بيد المالك قبل دفعه، فلا يضمن مع تلفه إلا بتعد أو تفريط سواء سافر فيه أم لا. وكذلك فإن حق الإمام أمانة بيد الوسيط وبيد وكيل الحاكم الشرعي بل الحاكم الشرعي نفسه. لا يضمن أي منهم إلا بعد تلفه بتعد وتفريط.
(مسألة 421) إذا كان المال الذي فيه الخمس في غير بلد المالك. فاللازم عدم التساهل والتسامح في أدائه، والأحوط تحري أقرب الأزمنة في الدفع، سواء أكان بلد المالك أم بلد المال أم غيرهما. وعلى أي حال فسيبقى المكلف ممنوعاً من التصرف في المال ما لم يصل الخمس إلى مستحقيه.
(مسألة 422) في صحة عزل الخمس بحيث يتعين في مال مخصوص إشكال. وعليه، فإذا نقله إلى بلد لعدم وجود المستحق فتلف بلا تفريط يشكل فراغ ذمة المالك. نعم إذا قبضه وكالة عن المستحق أو عن الحكم فرغت ذمته، ولو نقله بعدئذ بإذن موكله فتلف من غير تفريط لم يضمن.
(مسألة 423) إذا كان له دين في ذمة المستحق جاز احتسابه من حق السادة، وإن كان الأحوط استئذان الحاكم فيه. وأما حق الإمام فالأحوط وجوباً استئذانه في الاحتساب المذكور.
(مسألة 424) إذا اشترى المؤمن ما فيه الخمس ممن لا يعتقد وجوبه في دينه أو مذهبه، جاز للمشتري التصرف فيه من دون إخراج الخمس، وذلك من أجل الدليل عليه لا لأجل إخبار التحليل فإنها خاصة بالمناكح وبالمساكن الداخلة في المؤونة، وليس فيها إطلاق لغيرها مما تم منها سنداً. ويشمل هذا الجواز ما كان من أرباح التجارات والمعادن والغوص والمال المختلط بالحرام وغير ذلك.
وهذا بخلاف ما إذا اشترى المؤمن أو غيره ما فيه الخمس ممن يعتقد وجوب الخمس عليه في دينه أو مذهبه، وإن كان جاحداً أو عاصياً فإنه يجب على المشتري إخراجه ما لم يكن من المساكن والمناكح.
ــــــ[130]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 425) إذا اشترى المؤمن ما فيه الخمس ممن لا يعتقد وجوبه كما سبق، سقط خمسه من هذه الناحية، فإذا باعه أو وهبه أو انتقل إلى ورثته، كان بمنزلة المال المخمس. نعم، هذا لا ينافي وجوب الخمس من ناحية أخرى، كما لو كان إرثاً غير محتسب أو كان من فاضل المؤونة.
(مسألة 426) يظهر مما سبق حكم شراء النفط والغاز ومشتقاتهما كالبنزين والقير وغيرها. وكذلك الحال في سائر المعادن كالذهب والفضة والنحاس، وما أُخرج بالغوص كالمرجان الجيد واللؤلؤ والعنبر. فإن كان المستخرج له شركة كافرة لم يجب استخراج الخمس على المؤمن إذا اشتراه من الشركة مباشرة أو كان الشراء عن طريق باعة من المؤمنين. وأما إذا كان الوسيط من غيرهم ممن يعتقد وجوب الخمس في دينه أو مذهبه، فكذلك وإن كان الأحوط خلافه. وأما إذا كان المستخرج شركة مسلمة تعتقد في مذهبها وجوب الخمس في أي مذهب كانت، وجب عليها شرعاً دفع الخمس، فإن لم تدفع وجب على المشتري دفعه قليلاً كان أم كثيراً، إلا المناكح والمساكن للمؤمنين إذا قبضت على هذا الشكل وكان تمويلها الأصلي من ذلك المال. وتشمل المناكح أثمان الإماء ومهور النساء وتشمل المساكن ما دخل تحت المؤونة وجوباً أو استحباباً ولو من باب التصدق بالسكنى على مؤمن. هذا إذا وصل إلى المكلف على هذا الشكل أما إذا وصل إليه من المعدن أو الغوص غير المخمس ما يريد صرفه في هذا السبيل. فيجب عليه تخميسه قبل ذلك.
(مسألة 427) إذا شك المشتري في أن البائع دفع الخمس أم لا، أمكنه حمله على الصحة، وتصحيح المعاملة، ما لم يحصل له وثوق أو اطمئنان بالعدم. وإذا علم أنه لم يدفع الخمس وشك في أنه ممن لا يعتقد وجوب الخمس أو أنه يعتقده للشك في مذهبه أو الشك في فتوى مذهبه، بنى على العدم ووجب إخراج الخمس على المشتري.
ــــــ[131]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
خاتمة
في الأنفال
وهي ما يستحقه الإمام على وجه الخصوص، ولا يجوز التصرف فيها إلا بإذنه الخاص والعام. وقاعدتها العامة هي ملكيته لها بالسلطان والولاية، ما لم يثبت ملكيته الشخصية لبعضها.
وهي أمور:
منها: الأرض التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، يعني التي تم الاستيلاء عليها بدون قتال. سواء انجلى عنها أهلها أو سلموها للمسلمين طوعاً.
ومنها: الأرض الموات التي لا ينتفع بها لتصحرها أو لانقطاع الماء عنها أو استيلائه عليها. أو لغير ذلك. ولم يجر عليها ملك أحد أو جرى فباد. غير أن الظاهر أن قيد عدم إمكان الانتفاع وإن كان مشهورياً، إلا أنه مستأنف.
ومنها: سيف البحار وهي شواطئها ، وشطوط الأنهار. بل كل أرض لا رب لها وإن لم تكن مواتاً، كالجزر التي تظهر في دجلة والفرات.
ومنها: الآجام وهي الغابات. وهي كل أرض مشجرة طبيعياً.
ومنها: بطون الأودية. والوادي هو المنخفض بين جبلين.
ومنها: رؤوس الجبال وما يكون بها مما هو متصل بها من نبات ومعادن وغيرها.
ومنها: ما كان للملوك من قطايع وصفايا. والأُولى مما لا ينقل والثانية مما
ــــــ[132]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ينقل، بما فيها من عبيد وحيوان. وقد يقيد الحكم باستيلاء المسلمين على بلاد الكفر لا مطلقاً.
ومنها: الغنائم التي لم تغنم بإذن الإمام. أولم يكن القتال بإذنه أساساً، فتعود غنائمه كلها له.
ومنها: صفو الغنيمة كفرس وثوب وجارية مما يختاره هو، وقد يقيد بما لا يكون مجحفاً بالآخرين. وهو من قبيل تعيين التكليف الشرعي له. وهو تطاول على مقامه بلا إشكال.
ومنها: إرث من لا وارث له. يعني لا يعرف له وارث إطلاقاً.
ومنها: المعادن قبل استخراجها، من أي نوع كانت.
وما دامت هذه الأمور للإمام، فمقتضى الأصل حرمة التصرف بها إلا بإذنه.
ولكن دل الدليل على جواز التصرف بأمور:
الأمر الأول: إحياء الأراضي البوار فتكون لمن أحياها. والمقصود بالإحياء إيجاد عمل مؤثر فيها كالزراعة والبناء والحفر ونحو ذلك.
الأمر الثاني: استخراج المعادن. فيدفع المستخرج خمسها ويكون له الباقي على التفاصيل التي سبقت.
الأمر الثالث: المال المنتقل إلى المؤمن ممن لا يعتقد وجوب الخمس في دينه أو مذهبه. سواء كان الانتقال بشراء أو بيع أو هبة أو إجارة أو ميراث أو غيرها.
الأمر الرابع: المناكح، وهي الإماء التي يتم شراؤها. فلا يجب دفع الخمس منها، وإن كان البائع معتقداً بالخمس عاصياً له.
الأمر الخامس: المساكن. وهي البيوت التي تكون محل الحاجة
ــــــ[133]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
للسكنى. فتدخل في مؤونة العائلة، فلا يجب خمسها، وكذلك إذا اشترى بيتاً بأموال مخمسة أولا تستحق الخمس، وكان البائع عاصياً لحكم الخمس وكان يجب عليه دفع خمس هذه الدار لكونها خارجة عن حاجة سكناه. إلا أنه لا يجب التخميس على المشتري.
الأمر السادس: حيازة المباحات العامة، كأخذ النبات أو غيره من شواطئ البحار والأنهار والغابات ورؤوس الجبال، وإن كانت في الأصل من الأنفال.
وفي كل هذه الأمور لا يجب أخذ الإذن من الحاكم الشرعي. وإن كان أحوط استحباباً، إلا في إرث من لا وارث له. فإن حكمه حكم (حق الإمام) من الخمس، لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن الحاكم الشرعي على الأحوط وجوباً.
نعم، هناك عناوين أخرى مما سبق حكمها ذلك أيضاً كصفايا الملوك وصفو الغنيمة والغنائم التي تغنم بغير إذن الإمام. إلا أن هذه الأمور لا وجود لها في عصرنا الحاضر. وإنما يكون حكمها ثابتاً لها على تقدير وجودها في أي زمان أو مكان.
ــــــ[134]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كتاب الحج
ــــــ[135]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ــــــ[136]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
وجوب الحج
يجب الحج على كل مكلف جامع للشرائط الآتية ووجوبه ثابت بالكتاب، والسنة القطعية.
والحج ركن من أركان الدين، ووجوبه من الضروريات. وتركه – مع الاعتراف بثبوته – معصية كبيرة. كما أن إنكار أصل الوجوب – إذا لم يكن مستنداً إلى شبهة – كفر.
قال الله تعالى في كتابه المجيد: ((وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)).
وروى الشيخ الكليني – بطريق معتبر – عن أبي عبد الله قال: مَنْ مَاتَ ولَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، ولَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ حَاجَةٌ تُجْحِفُ بِهِ، أَو مَرَضٌ لَا يُطِيقُ مَعَهُ الحَجَّ، أَو سُلْطَانٌ يَمْنَعُهُ فَلْيَمُتْ يَهُودِيّاً أَو نَصْرَانِيّاً.
وهناك روايات كثيرة تدل على وجوب الحج والاهتمام به لم نتعرض لها للاختصار. وفي ما ذكرناه من الآية الكريمة والرواية كفاية للمراد. واعلم أن الحج الواجب على المكلف – في أصل الشرع – إنما هو لمرة واحدة، ويسمى ذلك بـ(حجة الإسلام).
(مسألة 428) وجوب الحج بعد تحقق شرائطه فوري فتجب المبادرة إليه في سنة الاستطاعة. وإن تركه فيها عصياناً أو لعذر كالعسر والحرج وجب في السنة الثانية وهكذا. ولا يبعد أن يكون التأخر من دون عذر من الكبائر، فإن كان المال قد تلف وجب الحج ولو بصعوبة نسبية أو اقتراض ونحوه على الأحوط إلا أن
ــــــ[137]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يكون فيه ضرر أو حرج شديدان.
(مسألة 429) إذا حصلت الاستطاعة وتوقف الإتيان بالحج على مقدمات وتهيئة الوسائل، وجبت المبادرة إلى تحصيلها. ولو تعددت الرفقة، فإن وثق بالإدراك مع التأخير جاز له ذلك، وإلا وجب الخروج من دون تأخير.
(مسألة 430) إذا أمكنه الخروج مع الرفقة الأُولى ولم يخرج معهم لوثوقه بالإدراك مع التأخير ولكن اتفق أنه لم يتمكن من المسير أو أنه لم يدرك الحج لسبب التأخير استقر عليه الحج، وإن كان معذوراً في تأخيره.
شرائط وجوب حجة الإسلام
الشرط الأول: البلوغ.
فلا يجب على غير البالغ، وإن كان مراهقاً، ولو حج الصبي لم يجزئه عن حجة الإسلام، وإن كان حجه صحيحاً على الأظهر.
(مسألة 431) إذا خرج الصبي إلى الحج فبلغ قبل أن يحرم من الميقات، وكان مستطيعاً، فلا إشكال في أن حجه حجة الإسلام، وإذا أحرم فبلغ بعد إحرامه لم يجز له إتمام حجه ندباً، ولا عدوله إلى حجة الإسلام، بل يجب عليه الرجوع إلى أحد المواقيت، والإحرام منه لحجة الإسلام بنية رجاء المطلوبية على الأحوط، فإن لم يتمكن من الرجوع إليه ففي محل إحرامه تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى في حكم من تجاوز الميقات جهلاً أو ناسياً ولم يتمكن من الرجوع إليه.
(مسألة 432) إذا حج ندباً معتقداً بأنه غير بالغ فبان بعد أداء الحج أنه كان بالغاً أجزأه عن حجة الإسلام ما لم يكن القصد تقييدياً.
(مسألة 433) يستحب للصبي المميز أن يحج ولا يشترط في صحته إذن
ــــــ[138]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الولي. لكن مع حفظ حقوق الولي الواجبة والداً أو حاكماً شرعياً أو غيرهما.
(مسألة 434) لا يجوز دخول الصبي للحرم إلا بإحرام ويستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز ذكراً كان أم أنثى، وذلك بأن يلبسه ثوبي الإحرام ويأمره بالتلبية ويلقنه إياها، إن كان قابلاً للتلقين. وإلا لبى عنه، ويجنبه عما يجب على المحرم الاجتناب عنه، ويجوز أن يؤخر تجريده عن الثياب إلى فخ إذا كان سائراً من ذلك الطريق، ويأمره بالإتيان بكل ما يتمكن منه من أفعال الحج، وينوب عنه فيما لا يتمكن، ويطوف به ويسعى به بين الصفا والمروة ويقف به في عرفات والمشعر. ويأمره بالرمي إن قدر عليه، وإلا رمى عنه. وكذلك صلاة الطواف ويحلق رأسه، وكذلك بقية الأعمال.
(مسألة 435) نفقة حج الصبي فيما يزيد على نفقة الحضر على الولي لا على الصبي، نعم إذا كان حفظ الصبي متوقفاً على السفر به، أو كان السفر مصلحة له، جاز الإنفاق عليه من ماله في الزائد على نفقة الحضر.
(مسألة 436) ثمن هدي الصبي على الولي، وكذلك كفارة صيدها وأما الكفارات التي تجب عند الإتيان بموجبها عمداً فالظاهر أنها لا تجب بفعل الصبي لا على الولي ولا في مال الصبي.
الشرط الثاني: العقل.
فلا يجب الحج على المجنون وإن كان إدوارياً، نعم إذا أفاق المجنون في أشهر الحج وكان مستطيعاً ومتمكناً من الإتيان بأعمال الحج وجب عليه، وإن كان مجنوناً في بقية الأوقات.
الشرط الثالث: الحرية.
فلا يجب الحج على المملوك وإن كان مستطيعاً ومأذوناً من قبل المولى.
ــــــ[139]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ولو حج بإذن مولاه صح ولكن لا يجزيه عن حجة الإسلام. فتجب عليه حجة الإسلام إذا كان واجداً للشرائط بعد العتق.
(مسألة 437) إذا أتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحج ما يوجب الكفارة فكفارته على مولاه.
(مسألة 438) إذا حج المملوك بإذن مولاه وانعتق قبل إدراك المشعر أجزأه عن حجة الإسلام بل الظاهر كفاية إدراكه الوقوف بعرفات معتقاً، وإن لم يدرك المشعر، ويعتبر في الإجزاء الاستطاعة حين الانعتاق بمعنى استطاعة إكمال الحج، فإن لم يكن مستطيعاً لم يجزئ حجه عن حجة الإسلام. ولا فرق في الحكم بالإجزاء بين أقسام الحج من الإفراد والقران والتمتع إذا كان المأتي به مطابقاً لوظيفته الواجبة.
(مسألة 439) إذا انعتق العبد قبل المشعر في حج التمتع فهديه عليه، وإن لم يتمكن فعليه أن يصوم بدل الهدي على ما يأتي. وإن لم ينعتق فمولاه بالخيار، فإن شاء ذبح عنه، وإن شاء أمره بالصوم.
الشرط الرابع: الاستطاعة.
ويعتبر فيها أمور:
الأول: السعة في الوقت، ومعنى ذلك وجود القدر الكافي من الوقت للذهاب إلى مكة والقيام بالأعمال الواجبة هناك، وعليه فلا يجب الحج إذا كان حصول المال في وقت لا يسع للذهاب والقيام بالأعمال الواجبة فيها. أو أنه يسع ذلك ولكن بمشقة شديدة لا تحتمل عادةً أو ضرر معتد به، وفي مثل ذلك يجب عليه التحفظ على المال إلى السنة القادمة، فإن بقيت الاستطاعة إليها وجب الحج فيها وإلا لم يجب.
الثاني: الأمن والسلامة، وذلك بأن لا يكون خطراً على النفس أو المال أو ــــــ[140]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
العرض ذهاباً وإياباً وعند القيام بالأعمال. كما أن الحج لا يجب مباشرةً على مستطيع لا يتمكن من قطع المسافة أو القيام بأعمال الحج لهرم أو مرض أو لعذر آخر ولكن تجب عليه الإستنابة على ما سيجيء تفصيله.
(مسألة 440) إذا كان للحج طريقان أحدهما مأمون والآخر غير مأمون لم يسقط وجوب الحج مع اجتماع سائر شرائطه، بل وجوب الذهاب من الطريق المأمون، وإن كان أبعد.
(مسألة 441) إذا كان له في بلده مال معتد به وكان ذهابه إلى الحج مستلزماً لتلفه لم يجب عليه الحج، وكذلك إذا كان هناك ما يمنعه عن الذهاب شرعاً، كما إذا استلزم حجه ترك واجب أهم من الحج، كإنقاذ غريق أو حريق أو وجوب في مصلحة عامة، أو توقف حجه على ارتكاب محرم كان الاجتناب عنه أهم من الحج.
(مسألة 442) إذا حج مع استلزام حجه ترك واجب أهم أو ارتكاب محرم كذلك فهو وإن كان عاصياً من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام إلا أن الظاهر أنه يجزي عن حجة الإسلام إذا كان واجداً لسائر الشرائط وإن كان الأحوط الإعادة برجاء المطلوبية مع تحقق الاستطاعة في عام قادم ولا فرق في ذلك بين من كان الحج مستقراً عليه ومن كان أول سنة استطاعته.
(مسألة 443) إذا كان في الطريق عدو لا يمكن دفعه إلا ببذل مال معتد به، لم يجب بذله ويسقط وجوب الحج سواء كان المال الباقي كافياً لاستمرار الحج أم لا.
(مسألة 444) لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحج، إلا مع خوف الغرق أو المرض احتمالاً معتداً به، ولو حج مع الخوف صح حجه على الأظهر.
الثالث: الزاد والراحلة
ــــــ[141]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ومعنى الزاد هو وجود ما يتقوت به في الطريق من المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه في سفره أو وجود مقدار من المال (النقود وغيرها) يصرفه في سبيل ذلك ذهاباً وإياباً. ومعنى الراحلة هو وجود وسيلة يتمكن بها من قطع المسافة ذهاباً وإياباً، ويلزم في الزاد والراحلة أن يكونا مما يليق بحال المكلف بحيث لا يكون في استعماله خلة وذلة وأما أكثر من ذلك فلا على الأحوط.
(مسألة 445) لا يختص اشتراط وجود الراحلة بصورة الحاجة إليها. بل يشترط مطلقاً ولو مع عدم الحاجة إليها، كما إذا كان قادراً على المشي من دون مشقة ولم يكن منافياً لشرفه.
(مسألة 446) العبرة في الزاد والراحلة بوجودهما فعلاً ولا يجب على من كان قادراً على تحصيلهما بالاكتساب ونحوه ولا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد.
(مسألة 447) الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج إنما هي الاستطاعة من مكانه لا من بلده، فإذا ذهب المكلف إلى المدينة المنورة مثلاً للتجارة أو غيرها وكان له هناك ما يمكن أن يحج به من الزاد والراحلة أو ثمنهما وجب عليه الحج، وإن لم يكن مستطيعاً من بلده.
(مسألة 448) إذا كان للمكلف ملك ولا يوجد من يشتريه بثمن المثل وتوقف الحج على بيعه بأقل منه بمقدار معتد به لم يجب البيع، وأما إذا ارتفعت الأسعار فكان أجرة المركوب مثلاً في سنة الاستطاعة أكثر منها في السنة الآتية فلو علمنا بذلك لم يجز التأخير.
(مسألة 449) إنما يعتبر وجود نفقة الإياب في وجوب الحج فيما إذا أراد المكلف العود إلى وطنه. وأما إذا لم يرد العود وأراد السكنى في بلد آخر غير وطنه، فلا بد من وجود النفقة إلى ذلك البلد، ولا يعتبر وجود مقدار العود إلى وطنه.
ــــــ[142]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
نعم إذا كان البلد الذي يريد السكنى فيه أبعد من وطنه لم يعتبر النفقة إلى ذلك المكان، بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه.
الرابع: الرجوع إلى الكفاية. وهو التمكن بالفعل أو بالقوة من إعاشة نفسه وعائلته بعد الرجوع. وبعبارة واضحة يلزم أن يكون المكلف على حالة لا يخشى معها على نفسه وعائلته العوز والفقر المضرين بالحال بسبب صرف ما عنده من المال في سبيل الحج، وعليه فلا يجب على من يملك مقداراً من المال يفي مصاريف الحج وكان ذلك وسيلة لإعاشته وإعاشة عائلته مع العلم بأنه لا يتمكن من الإعاشة عن طريق آخر يناسب شأنه. فبذلك يظهر أنه لا يجب بيع ما يحتاج إليه في ضروريات معاشه من أمواله فلا يجب بيع دار سكناه اللائقة بحاله وثياب تجمله وأثاث بيته، ولا آلات الصنائع التي يحتاج إليها في معاشه، ونحو ذلك مثل الكتب بالنسبة إلى أهل العلم مما لا بد منه في سبيل تحصيله، وعلى الجملة كل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته وكان صرفه في سبيل الحج موجباً للعسر والحرج لم يجب بيعه. نعم لو زادت الأموال المذكورة عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحج. بل من كان عنده دار قيمتها ألف دينار – مثلاً – ويمكنه بيعها وشراء دار أخرى بأقل منها دون عسر وحرج لزمه ذلك إذا كان الزائد وافياً بمصاريف الحج ذهاباً وإياباً وبنفقة عياله.
(مسألة 450) إذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحج لحاجته إليه، ثم استغنى عنه وجب عليه بيعه لأداء فريضة الحج فمثلاً، إذا كان للمرأة حلي تحتاج إليه ولا بد لها منه ثم استغنت عنه لكبرها أو لأمر آخر وجب عليها بيعه لأداء فريضة الحج.
(مسألة 451) إذا كانت له دار مملوكة وكانت هناك دار أخرى يمكنه السكنى فيها من دون حرج أو خلة اجتماعية عليه كما إذا كانت موقوفة تنطبق عليه وجب عليه بيع الدار المملوكة إذا كانت وافية بمصاريف الحج، ولو بضميمة ما عنده
ــــــ[143]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
من المال. ويجري ذلك في الكتب العلمية وغيرها مما يحتاج إليه في حياته.
(مسألة 452) إذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصاريف الحج وكان بحاجة إلى الزواج أو شراء دار لسكناه أو غير ذلك مما يحتاج إليه فإن كان صرف ذلك المال في الحج موجباً لوقوعه في الحرج والعسر أو الضرر أو الحرام لم يجب عليه الحج، وإلا وجب عليه.
(مسألة 453) إذا كان ما يملكه ديناً في ذمة شخص وكان الدين حالاً وجبت عليه المطالبة فإن كان المدين مماطلاً وجب إجباره على الأداء مع الإمكان وإن توقف تحصيله على الرجوع إلى المحاكم العرفية لزم ذلك على الأحوط، إلا أن يلزم حكمها ضده فيحرم. ولا تجب المطالبة فيما إذا كان الدين مؤجلاً ولكن المدين يؤديه لو طالبه. وأما إذا كان المدين معسراً أو مماطلاً لا يمكن إجباره أو كان الإجبار مستلزماً للحرج، أو كان الدين مؤجلاً والمدين لا يسمح بأداء ذلك قبل الأجل ففي جميع ذلك إن أمكنه بيع الدين بما يفي بمصاريف الحج ولو بضميمة ما عنده من المال ولم يكن في ذلك ضرر ولا حرج وجب البيع، وإلا لم يجب.
(مسألة 454) كل ذي حرفة كالحداد والبناء والنجار وغيرهم ممن يفي كسبهم بنفقتهم ونفقة عوائلهم يجب عليهم الحج إذا حصل لهم مقدار من المال بإرث أو غيره وكان وافياً بالزاد والراحلة ونفقة العيال مدة الذهاب والإياب.
(مسألة 455) من كان يرتزق من الوجوه الشرعية كالخمس والزكاة وغيرهما وكانت نفقاته بحسب العادة مضمونة من دون مشقة لا يبعد وجوب الحج عليه فيما إذا ملك مقداراً من المال يفي بذهابه وإيابه ونفقة عائلته، وكذلك من قام أحد بالإنفاق عليه طيلة حياته، وكذلك كل من لا يتفاوت حاله قبل الحج وبعده من جهة المعيشة إن صرف ما عنده في سبيل الحج. وأما إذا كان المال مما لا يملك أولا يجب تملكه كحق الإمام وخراج الأرض المفتوحة عنوة
ــــــ[144]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فوجوب الحج به مبني على الاحتياط. وإذا حج به وملك مالاً آخر فالأحوط له الحج به أيضاً.
(مسألة 456) لا يعتبر في الاستطاعة الملكية اللازمة بل تكفي الملكية المتزلزلة أيضاً، فلو صالحة شخص بما يفي بمصارف الحج وجعل لنفسه الخيار إلى مدة معينة وجب عليه الحج، وكذلك الحال في موارد الهبة الجائزة.
(مسألة 457) لا يجب على المستطيع أن يحج من ماله، فلو حج متسكعاً أو من مال شخص آخر. أجزأه، نعم إذا كان ثوب طوافه أو ثمن هديه مغصوباً لم يجزئه ذلك.
(مسألة 458) لا يجب على المكلف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب أو غيره، فلو وهبه أحد مالاً يستطيع به لو قبله، لم يلزمه القبول، وكذلك لو طلب منه أن يؤجر نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعاً. ولو كانت الخدمة لائقة بشأنه.
نعم لو أجر نفسه للخدمة في طريق الحج واستطاع بذلك. وجب عليه الحج ولكن لا يجب عليه قبول ذلك لو عرض عليه.
(مسألة 459) إذا أجر نفسه للنيابة عن الغير في الحج واستطاع بمال الإجارة، قدم الحج النيابي إذا كان مقيداً بالسنة الحالية فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة وجب عليه الحج وإلا فلا، ولا يجب المحافظة عليها. وإن لم يكن الحج النيابي مقيداً بالسنة الفعلية قدم الحج عن نفسه ما لم يكن ذلك مفوتاً للحج النيابي بالمرة أو مؤخراً له بعدد من السنين غير متوقع عرفاً فيقدم الحج النيابي عندئذ.
(مسألة 460) إذا اقترض مقداراً من المال يفي بمصارف الحج وكان قادراً على وفائه بعد ذلك وجب عليه الحج.
(مسألة 461) إذا كان عنده ما يفي بنفقات الحج وكان عليه دَين ولم يكن صرف ذلك في الحج منافياً لأداء ذلك الدين وجب عليه الحج، وإلا فلا. ولا
ــــــ[145]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فرق في الدَين بين أن يكون حالاً أو مؤجلاً. ولا بين أن يكون سابقاً على حصول ذلك المال أو بعد حصوله.
(مسألة 462) إذا كان عليه خمس أو زكاة وكان عنده مقدار من المال ولكن لا يفي بمصاريف الحج لو أداهما وجب عليه أداؤهما، ولم يجب عليه الحج، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخمس والزكاة في عين المال أن يكونا في ذمته.
(مسألة 463) إذا وجب عليه الحج وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة لزمه أداؤها ولم يجز له تأخيره لأجل السفر إلى الحج ولو كان ثياب طوافه وثمن هديه من المال الذي قد تعلق به الحق لم يصح حجه.
(مسألة 464) إذا كان عنده مقدار من المال ولكنه لا يعلم بوفائه بنفقات الحج، لم يجب عليه الحج، ولا يجب عليه الفحص، وإن كان الفحص أحوط.
(مسألة 465) إذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحج منفرداً أو منضماً إلى المال الموجود عنده، فإن لم يكن متمكناً من التصرف في ذلك المال ولو بتوكيل من يبيعه هناك، لم يجب عليه الحج وإلا وجب.
(مسألة 466) إذا كان عنده ما يفي بمصاريف الحج وجب عليه الحج ولم يجز له التصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة ولا يمكنه التدارك. ولا فرق في ذلك بين تصرفه بعد التمكن من المسير وتصرفه فيه قبله، بل الظاهر عدم جواز التصرف فيه قبل أشهر الحج أيضاً، نعم إذا تصرف فيه ببيع أو هبة أو عتق أو غير ذلك حكم بصحة التصرف وإن كان آثماً بتفويته الاستطاعة.
(مسألة 467) الظاهر أنه لا يعتبر في الزاد والراحلة ملكيتهما، فلو كان عنده مال يجوز له التصرف فيه وجب عليه الحج إذا كان وافياً بنفقات الحج مع وجدان سائر الشروط.
(مسألة 468) كما يعتبر في وجوب الحج وجود الزاد والراحلة حدوثاً كذلك
ــــــ[146]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يعتبر بقاءاً إلى إتمام الأعمال، بل إلى العود إلى وطنه فإن تلف المال في بلده أو في أثناء الطريق لم يجب عليه الحج وكشف ذلك عن عدم الاستطاعة من أول الأمر، ومثل ذلك ما إذا حدث عليه دين قهري، كما إذا أتلف مال غيره خطأ بنحو شاغل الذمة ولم يمكنه أداء بدله إذا صرف ما عنده في سبيل الحج، نعم الإتلاف العمدي لا يسقط وجوب الحج بل يبقى الحج في ذمته مستقراً فيجب عليه أداؤه ولو متسكعاً، هذا كله في تلف الزاد والراحلة. وأما تلف ما به الكفاية من ماله في بلده فهو لا يكشف عن عدم الاستطاعة من أول الأمر بل يجتزئ حينئذ بحجه، ولا يجب عليه الحج بعد ذلك إذا تلف المال بعد خروجه وجهل حصول التلف، وأما بخلاف ذلك فالأقوى سقوط الاستطاعة.
(مسألة 469) إذا كان عنده ما يفي بمصاريف الحج لكنه معتقد بعدمه، أو كان غافلاً عنه، أو كان غافلاً عن وجوب الحج عليه غفلة عذر، لم يجب عليه الحج، وأما إذا كان شاكاً فيه، أو كان غافلاً عن وجوب الحج عليه غفلة ناشئة عن التقصير ثم علم أو تذكر بعد أن تلف المال فلم يتمكن من الحج، فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجوده.
(مسألة 470) كما تتحقق الاستطاعة بوجدان الزاد والراحلة تتحقق بالبذل إذا لم يكن منافياً لشأنه اجتماعياً أو دينياً، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الباذل واحداً أو متعدداً، وإذا عرض عليه الحج والتزم بزاده وراحلته ونفقة عياله وجب عليه الحج وكذلك لو أُعطي مالاً ليصرفه في الحج وكان وافياً بمصاريف ذهابه وإيابه وعياله. ولا فرق في ذلك بين الإباحة والتمليك، ولا بين بذل العين وثمنها.
(مسألة 471) لو أوصي له بمال ليحج به وجب الحج عليه بعد موت الموصي إذا كان المال وافياً بمصاريف الحج ونفقة عياله، وكذلك لو وقف شخص لمن يحج أو نذر، أو أوصى بذلك وبذل له المتولي أو الناذر أو الوصي
ــــــ[147]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
وجب عليه الحج.
(مسألة 472) لا يجب الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة البذلية نعم لو كان له مال لا يفي بمصارف الحج وبذل له ما يتمم ذلك وجب عليه القبول ولكن يعتبر حينئذ الرجوع إلى الكفاية.
(مسألة 473) إذا أعطى مالاً هبة على أن يحج وجب عليه القبول وأما لو خيره الواهب بين الحج وعدمه، أو أنه وهبه مالاً من دون ذكر الحج لا تعييناً ولا تخييراً لم يجب عليه القبول.
(مسألة 474) لا يمنع الدين من الاستطاعة البذلية نعم إذا كان الدين حالاً وكان الدائن مطالباً والمدين متمكناً من أدائه إن لم يحج، لم يجب عليه الحج.
(مسألة 475) إذا بذل مال لجماعة ليحج أحدهم فإن سبق أحدهم بقبض المال المبذول سقط التكليف عن الآخرين ولو ترك الجميع مع تمكن كل واحد منهم من القبض استقر الحج عليهم جميعهم على الأحوط استحباباً.
(مسألة 476) لا يجب بالبذل إلا الحج الذي هو وظيفة المبذول له على تقدير استطاعته، فلو كانت وظيفته حج التمتع فبذل له حج القران أو الإفراد لم يجب عليه القبول، وبالعكس، وكذلك الحال لو بذل لمن يحج حجة الإسلام وأما من استقرت عليه حجة الإسلام وصار معسراً فبذل له وجب عليه ذلك.
وكذلك من وجب عليه الحج لنذر أو شبهه ولم يتمكن منه.
(مسألة 477) لو بذل له مال ليحج به فتلف المال أثناء الطريق سقط الوجوب، نعم لو كان متمكناً من الاستمرار في السفر من ماله وجب عليه الحج وأجزأه عن حجة الإسلام، إلا أن الوجوب حينئذ مشروط بالرجوع إلى الكفاية.
(مسألة 478) لا يعتبر في وجوب الحج البذل نقداً فلو وكله على أن يقترض عنه ويحج به وجب عليه.
ــــــ[148]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 479) الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل فلو لم يبذله وبذل بقية المصاريف لم يجب الحج على المبذول له إلا إذا كان متمكناً من شرائه من ماله، نعم إذا كان صرف ثمن الهدي فيه موجباً لوقوعه في الحرج لم يجب عليه القبول، وأما الكفارات فالظاهر أنها واجبة على المبذول له دون الباذل.
(مسألة 480) الحج البذلي يجزئ عن حجة الإسلام ولا يجب عليه الحج ثانياً، إذا استطاع بعد ذلك.
(مسألة 481) يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الإحرام أو بعده، ولكن إذا رجع بعد الدخول في الإحرام وجب على المبذول له إتمام الحج إذا كان مستطيعاً فعلاً وعلى الباذل ضمان رجوعه وإذا رجع الباذل في أثناء الطريق وجبت عليه نفقة العود.
(مسألة 482) إذا أعطي من الزكاة من سهم سبيل الله على أن يصرفها في الحج وجب عليه ذلك. وإن أعطي من سهم السادة أو من الزكاة من سهم الفقراء. واشترط عليه أن يصرفه في سبيل الحج لم يصح الشرط فلا يجب عليه الحج من هذه الجهة.
(مسألة 483) إذا بذل له مال يحج به ثم انكشف أنه كان مغصوباً أو مجهول المالك أو لقطة غير معرّفة ونحو ذلك لم يجزئه عن حجة الإسلام. وللمالك أن يرجع إلى الباذل أو إلى المبذول له، لكنه إذا رجع إلى المبذول له رجع هو إلى الباذل إن كان جاهلاً بالحال، وإلا فليس له الرجوع.
(مسألة 484) إذا حج لنفسه أو عن غيره تبرعاً أو إجارة لم يكفه عن حجة الإسلام فيجب عليه الحج إذا استطاع بعد ذلك.
(مسألة 485) إذا اعتقد أنه غير مستطيع فحج ندباً قاصداً امتثال الأمر الفعلي، ثم بان أنه كان مستطيعاً أجزأه ذلك ولا يجب عليه الحج ثانياً.
ــــــ[149]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 486) لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحج إذا كانت مستطيعة، كما لا يجوز للزوج منع زوجته عن الحج الواجب عليها، نعم يجوز له منعها من الخروج في أول الوقت مع سعة الوقت. والمطلقة الرجعية كالزوجة ما دامت في العدة.
(مسألة 487) لا يشترط في وجوب الحج على المرأة وجود المحرم لها إذا كانت مأمونة على نفسها ومع عدم الأمن لزمها استصحاب محرم لها ولو بأجرة إذا تمكنت من ذلك، وإلا لم يجب الحج عليها.
(مسألة 488) إذا نذر أن يزور الحسين في كل يوم عرفة – مثلاً – واستطاع بعد ذلك وجب عليه الحج وانحل نذره لتلك السنة، وكذلك كل نذر يزاحم الحج.
(مسألة 489) يجب على المستطيع الحج بنفسه إذا كان متمكناً من ذلك ولا يجزئ عنه حج غيره تبرعاً أو بإجارة.
(مسألة 490) إذا استقر عليه الحج ولم يتمكن من الحج بنفسه لمرض أو حصر أو هرم، أو كان ذلك حرجاً عليه ولم يرجُ تمكنه من الحج بعد ذلك من دون حرج وجبت عليه الإستنابة، وكذلك من كان موسراً ولم يتمكن من المباشرة، أو كانت حرجية ووجوب الإستنابة كوجوب الحج فوري.
(مسألة 491) إذا حج النائب عمن لم يتمكن من المباشرة فمات المنوب عنه مع بقاء العذر أجزأه حج النائب وإن كان الحج مستقراً عليه. وأما إذا اتفق ارتفاع العذر قبل الموت، فالأحوط أن يحج هو بنفسه عند التمكن والاستطاعة. وإذا كان قد ارتفع العذر بعد أن أحرم النائب وجب على المنوب عنه الحج مباشرة ولا يجب على النائب إتمام عمله.
(مسألة 492) إذا لم يتمكن المعذور من الإستنابة سقط الوجوب ولكن يجب القضاء عنه بعد موته إن كان الحج مستقراً عليه، وإلا لم يجب. ولو أمكنه
ــــــ[150]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الإستنابة ولم يستنب حتى مات وجب القضاء عنه.
(مسألة 493) إذا وجبت الإستنابة ولم يستنب ولكن تبرع متبرع عنه لم يجزئه ذلك على الأحوط، ووجبت عليه الإستنابة.
(مسألة 494) يكفي في الإستنابة الإستنابة من الميقات، ولا تجب الإستنابة من البلد.
(مسألة 495) من استقر عليه الحج إذا مات بعد الإحرام في الحرم أجزأه عن حجة الإسلام، سواء في ذلك حج التمتع والقران والإفراد. وإذا كان موته في أثناء عمرة التمتع أجزأ عن حجه أيضاً ولا يجب القضاء عنه، وإن مات قبل ذلك وجب القضاء حتى إذا كان موته بعد الإحرام وقبل دخول الحرم أو بعد الدخول في الحرم بدون إحرام. والظاهر اختصاص الحكم بحجة الإسلام فلا يجري في الحج الواجب بالنذر ونحوه، بل لا يجري في العمرة المفردة أيضاً.
(مسألة 496) إذا أسلم الكافر المستطيع وجب عليه الحج، وأما لو زالت استطاعته ثم أسلم لم يجب عليه.
(مسألة 497) المرتد يجب عليه الحج ولكن لا يصح منه حال ارتداده، فإن تاب صح منه، وإن كان مرتداً فطرياً على الأقوى.
(مسألة 498) إذا حج المخالف ثم استبصر لا تجب عليه إعادة الحج إذا كان ما أتي به صحيحاً في مذهبه وإن لم يكن صحيحاً في مذهبنا.
(مسألة 499) إذا وجب الحج، وأهمل المكلف في أدائه حتى إذا زالت الاستطاعة وجب الإتيان به بأي وجه تمكن ولو متسكعاً، ما لم يبلغ حد العسر والحرج وإذا مات وجب القضاء من تركته، ويصح التبرع عنه بعد موته من دون أجرة.
ــــــ[151]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الوصية بالحج
(مسألة 500) تجب الوصية على من كانت عليه حجة الإسلام وقرب منه الموت، فإن مات تقضى من أصل تركته، وإن لم يوص بذلك، وكذلك إن أوصى بها ولم يقيدها بالثلث، وإن قيدها بالثلث فإن وفى الثلث بها وجب إخراجها منه، وتُقدم على سائر الوصايا، وإن لم يفِ الثلث بها وجب تتميمه من الأصل.
(مسألة 501) من مات وعليه حجة الإسلام وكان له عند شخص وديعة، واحتمل أن الورثة لا يؤدونها إن رد المال إليهم وجب عليه أن يحج بها عنه. فإن زاد المال من أجرة الحج رد الزائد إلى الورثة. ولا فرق بين أن يحج الودعي بنفسه، أو يستأجر شخصاً آخر. ويلحق بالوديعة كل مال للميت عند شخص بعارية أو إجارة أو غصب أو دين أو غير ذلك.
(مسألة 502) من مات وعليه حجة الإسلام وكان عليه دين وخمس وزكاة وقصرت التركة، فإن كان المال المتعلق به الخمس أو الزكاة موجوداً بعينه لزم تقديمهما وإن كانا في الذمة تقدم الحج عليهما، كما يتقدم على الدَين.
(مسألة 503) من مات وعليه حجة الإسلام لم يجز لورثته التصرف في تركته قبل استيجار الحج سواء كان مصرف الحج مستغرقاً للتركة أم لم يكن على الأحوط. نعم إذا كانت التركة واسعة والتزم الوارث بأدائه جاز له التصرف في التركة، كما هو الحال في الدَين.
(مسألة 504) من مات وعليه حجة الإسلام ولم تكن تركته وافية بمصارفها وجب صرفها في الدَين أو الخمس أو الزكاة إن كان عليه شيء من ذلك وإلا فهي للورثة، ولا يجب عليهم تتميمها من مالهم لاستيجار الحج، ولكن يستحب.
(مسألة 505) من مات وعليه حجة الإسلام لا يجب الاستيجار عنه من
ــــــ[152]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
البلد، بل يكفي الاستيجار عنه من الميقات، بل من أقرب المواقيت إلى مكة إن أمكن وإلا من الأقرب فالأقرب. والأحوط الأَولى الاستيجار من البلد إذا وسع المال، لكن الزائد عن أجرة الميقات لا يحسب على الصغار والقاصرين من الورثة.
(مسألة 506) من مات وعليه حجة الإسلام تجب المبادرة إلى الاستيجار عنه في سنة موته، فلو لم يمكن الاستيجار في تلك السنة من الميقات لزم الاستيجار من البلد مع الإمكان، ويخرج بدل الإيجار من الأصل، ولا يجوز التأخير إلى السنة القادمة، ولو مع العلم بإمكان الاستيجار فيها من الميقات، نعم لو أمكن الحج البلدي في السنة الأُولى أو تأخر تهاوناً جاز الحج الميقاتي عندئذ.
(مسألة 507) من مات وعليه حجة الإسلام إذا لم يوجد من يستأجر عنه يجب الاستيجار عنه مع الإمكان ويخرج من الأصل، ولا يجوز التأخير إلى السنة القادمة توفيراً على الورثة وإن كان فيهم الصغار.
(مسألة 508) من مات وأقر بعض ورثته بأن عليه حجة الإسلام، وأنكر الآخرون. فالظاهر أنه يجب على المقر الاستيجار للحج ولو بدفع تمام مصرف الحج من حصته، غاية الأمر أن له إقامة الدعوى على المنكرين ومطالبتهم بحصته من بقية التركة ويجري هذا الحكم في الإقرار بالدَين أيضاً. نعم إذا لم يفِ تمام حصته بمصرف الحج لم يجب عليه الاستيجار بتميمه من ماله الشخصي.
(مسألة 509) من مات وعليه حجة الإسلام وتبرع متبرع عنه بالحج لم يجب على الورثة الاستيجار عنه بل يرجع بدل الاستيجار إلى الورثة، نعم إذا أوصى الميت بإخراج حجة الإسلام من ثلثه وحصل التبرع بدله، لم يعطِ المال إلى الورثة، بل يصرف في وجوه الخير أو يتصدق به عنه. والأحوط استحباباً أن يصرف في حجة مستحبة.
ــــــ[153]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 510) من مات وعليه حجة الإسلام وأوصى بالاستيجار من البلد وجب ذلك، ولكن الزائد على أجرة الميقات يخرج من الثلث، ولو أوصى بالحج ولم يعين شيئاً جاز الاكتفاء بالاستيجار من الميقات، إلا إذا كانت هناك قرينة على إرادة الاستيجار من البلد، كما إذا عين مقدار يناسب الحج البلدي.
(مسألة 511) إذا أوصى بالحج البلدي وكان ممكناً ولكن الوصي أو الوارث استأجر من الميقات بطلت الإجارة، إن كانت الإجارة من مال الميت ولكن ذمة الميت تفرغ من الحج بعمل الأجير.
(مسألة 512) إذا أوصى بالحج البلدي من غير بلده، كما إذا أوصى أن يستأجر من النجف وكان يسكن في غيرها وجب العمل بها ويخرج الزائد عن أجرة الميقاتية من الثلث.
(مسألة 513) إذا أوصى بالاستيجار عنه لحجة الإسلام وعيّن الأجرة لزم العمل بالوصية إن كان مشغول الذمة بحجة الإسلام وإن كان سببه عدم استطاعته في عمره أصلاً لزم نيتها رجاء المطلوبية. وإن كان سببه أنه قد أدى حجة الإسلام وأوصى بها سهواً أو نسياناً نويت مستحبة عنه، وإن كانت واجبة على الأجير. وتخرج من الأصل إن لم تزد على أجرة المثل، وإلا كان الزائد من الثلث.
(مسألة 514) إذا أوصى بالحج بمال معين وعلم الوصي أن المال الموصى به فيه الخمس أو الزكاة وجب عليه إخراجه أولاً، وصرف الباقي في سبيل الحج، فإن لم يفِ الباقي بمصارفه لزم تتميمه من أصل التركة، إن كان الموصى به حجة الإسلام وإلا صرف الباقي في وجوه البر.
(مسألة 515) إذا وجب الاستيجار للحج بوصية أو بغير وصية، وأهمل من يجب عليه الاستيجار فتلف المال ضَمنه، ويجب عليه الاستيجار من ماله.
(مسألة 516) إذا علم استقرار الحج على الميت، وشك في أدائه وجب القضاء عنه، ويخرج من أصل المال.
ــــــ[154]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 517) لا تبرأ ذمة الميت بمجرد الاستيجار فلو علم أن الأجير لم يحج لعذر أو بدونه وجب الاستيجار ثانياً، ويخرج من الأصل. وإن أمكن استرداد الأجرة من الأجير تعين ذلك، إذا كانت الأجرة من مال الميت.
(مسألة 518) إذا تعدد من يمكن استئجاره للحج فالأحوط استحباباً استيجار أقلهم أجرة، إذا كانت الإجارة بثلث الميت، وإن كان الأظهر جواز استيجار المناسب لحال الميت من حيث الفضل والشرف فيجوز استيجاره بالأزيد.
(مسألة 519) العبرة في وجوب الاستيجار من البلد أو الميقات بتقليد الوارث أو اجتهاده لا بتقليد الميت أو اجتهاده. فلو كان الميت يعتقد وجوب الحج البلدي والوارث يعتقد جواز الاستيجار من الميقات لم يلزم على الوارث الاستيجار من البلد.
(مسألة 520) إذا كانت على الميت حجة الإسلام ولم تكن له تركة لم يجب الاستيجار عنه على الوارث. نعم يستحب ذلك على الولي.
(مسألة 521) إذا أوصى بالحج فإن علم أن الموصى به هو حجة الإسلام أُخرج من أصل التركة إلا فيما إذا عيّن إخراجه من الثلث، وأما إذا علم أن الموصى به غير حجة الإسلام، أو شك في ذلك، وجب أن يخرج من الثلث.
(مسألة 522) إذا أوصى بالحج، وعيّن شخصاً معيناً لزم العمل بالوصية، فإن لم يقبل إلا بأزيد من أجرة المثل، أُخرج الزائد من الثلث وإن كان مشغول الذمة بحجة الإسلام أُخرج من الأصل فإن لم يمكن ذلك أيضاً استؤجر غيره بأجرة المثل.
(مسألة 523) إذا أوصى بالحج، وعين أجرة لا يرغب فيها أحد فإن كان الموصى به حجة الإسلام لزم تتميمها من أصل التركة، وإن كان الموصى به غيرها بطلت الوصية، وتصرف الأجرة في وجوه البر. ضمن ثلث الميت لا أكثر.
ــــــ[155]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 524) إذا باع داره بمبلغ – مثلاً – واشترط على المشتري أن يصرفه في الحج عنه بعد موته كان الثمن من التركة، فإن كان الحج حجة الإسلام لزم الشرط ووجب صرفه في أجرة الحج، إن لم يزد على أجرة المثل، وإلا فالزائد يخرج من الثلث، وإن كان الحج غير حجة الإسلام لزم الشرط أيضاً، ويخرج تمامه من الثلث وإن لم يفِ الثلث لم يلزم الشرط في المقدار الزائد.
(مسألة 525) إذا صالحه على داره – مثلاً – على أن يحج عنه بعد موته.
صح ولزم وخرجت الدار عن ملك المصالح الشارط، ولا تحسب من التركة، وإن كان الحج ندبياً، ولا يشملها حكم الوصية. وكذلك الحال إذا ملكه داره بشرط أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحج عنه بعد موته، فجميع ذلك صحيح لازم، وإن كان العمل المشروط عليه ندبياً. ولا يكون للوارث حينئذ حق في الدار، ولو تخلف المشروط عليه عن العمل بالشرط لم ينتقل الخيار إلى الوارث، وليس له إسقاط هذا الخيار الذي هو حق الميت وإنما يثبت الخيار للحاكم الشرعي وبعد فسخه يصرف المال فيما شرط على المفسوخ عليه فإن زاد شيء صُرف في وجوه الخير.
(مسألة 526) لو مات الوصي أو الولي ولم يعلم أنه استأجر للحج قبل موته وجب الاستيجار من أصل التركة، فيما إذا كان الموصى به حجة الإسلام، ومن الثلث إذا كان غيرها. وإذا كان المال قد قبضه الوصي – وكان موجوداً – أخذ، وإن احتمل أن الوصي قد استأجر من مال نفسه وتملك ذلك بدلاً عما أعطاه.
وإن لم يكن المال موجوداً فلا ضمان على الوصي، لاحتمال تلفه عنده بلا تفريط.
(مسألة 527) إذا تلف المال في يد الوصي بلا تفريط لم يضمنه ووجب الاستيجار من بقية التركة، إذا كان الموصى به حجة الإسلام، ومن بقية الثلث إن كان غيرها. فإن كانت البقية موزعة على الورثة استرجع منهم بدل الإيجار
ــــــ[156]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بالنسبة. وكذلك الحال على الأحوط، إن استؤجر أحد للحج ومات قبل الإتيان بالعمل ولم يكن له تركة، أو لم يمكن الأخذ من تركته.
(مسألة 528) إذا تلف المال في يد الوصي قبل الاستيجار، ولم يعلم أن التلف كان عن تفريط لم يجز تغريم الوصي.
(مسألة 529) إذا أوصى بمقدار من المال لحج غير حجة الإسلام، واحتمل أنه زائد عن ثلثه صرف فيه ما لم يثبت أنه زائد عن الثلث بحجة شرعية ولا يجوز صرف الزائد إلا بإذن الورثة.
أقسام العمرة
(مسألة 530) العمرة كالحج، فقد تكون واجبة وقد تكون مندوبة، وقد تكون مفردة، وقد يكون متمتعاً بها.
(مسألة 531) تجب العمرة كالحج على كل مستطيع واجد للشرائط، ووجوبها كوجوب الحج فوري، فمن استطاع لها – ولو لم يستطع للحج – وجبت عليه. نعم الظاهر عدم وجوبها على من كانت وظيفته حج التمتع، ولم يكن مستطيعاًً، ولكنه استطاع لها، وعليه فلا تجب على الأجير للحج بعد فراغه من عمل النيابة، وإن كان مستطيعاً من الإتيان بالعمرة المفردة لكن الإتيان بها أحوط وأما من أتى بحج التمتع فلا يجب عليه الإتيان بالعمرة المفردة جزماً.
(مسألة 532) يستحب الإتيان بالعمرة المفردة مكرراً، والأَولى الإتيان بها في كل شهر، ويجب أن يحسب الفاصل بين العمرتين ثلاثين يوماً على الأحوط إلا مع نية رجاء المطلوبية، ولا يجوز الإتيان بعمرتين في شهر واحد، فيما إذا كانت العمرتان من نفس المعتمر أوهما عن شخص آخر. ولا يعتبر هذا فيما إذا كانت إحدى العمرتين عن نفسه والأخرى عن غيره، أو كانت كلتاهما عن
ــــــ[157]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
شخصين غيره، كما يعتبر هذا الشرط أيضاً بين العمرة المفردة وعمرة التمتع فمن اعتمر عمرة مفردة لم يجز له الإتيان بعمرة التمتع بعدها في نفس الشهر، ويجوز الإتيان بالعمرة المفردة بعد الفراغ من أعمال الحج، ولا يجوز الإتيان بالعمرة المفردة بين عمرة التمتع والحج.
(مسألة 533) كما تجب العمرة المفردة بالاستطاعة كذلك تجب بالنذر أو الحلف أو العهد أو غير ذلك.
(مسألة 534) تشترك العمرة المفردة مع عمرة التمتع في أعمالها. وسيأتي بيان ذلك وتفترق عنها في أمور:
1. أن العمرة المفردة يجب لها طواف النساء ولا يجب ذلك لعمرة التمتع.
2. أن عمرة التمتع لا تقع إلا في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة، وتصح العمرة المفردة في جميع الشهور، وأفضلها شهر رجب وبعده شهر رمضان.
3. ينحصر الخروج عن الإحرام في عمرة التمتع بالتقصير فقط، ولكن الخروج عن الإحرام في العمرة المفردة قد يكون بالتقصير وقد يكون بالحلق.
4. يجب أن تقع عمرة التمتع والحج في سنة واحدة على ما يأتي، وليس كذلك العمرة المفردة فمن كان عليه حج الإفراد جاز له أن يأتي بالحج في سنة والعمرة في سنة أخرى.
5. أن من جامع في العمرة المفردة عالماً عامداً قبل الفراغ من السعي فسدت عمرته بلا شك، ووجبت عليه الإعادة بأن يبقى في مكة إلى الشهر القادم فيعيدها فيه، وأما من جامع في عمرة التمتع ففي فساد عمرته إشكال، والأظهر عدم الفساد كما يأتي.
ــــــ[158]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 535) يجوز الإحرام للعمرة المفردة من نفس المواقيت التي يحرم منها لعمرة التمتع – ويأتي بيانها – وإذا كان المكلف في مكة وأراد الإتيان بالعمرة المفردة جاز له أن يخرج من الحرم ويحرم، ولا يجب عليه الرجوع إلى المواقيت والإحرام منها. والأَولى أن يكون إحرامه من الحديبية أو الجعرانة أو التنعيم.
(مسألة 536) تجب العمرة المفردة لمن أراد أن يدخل مكة، فإنه لا يجوز الدخول فيها إلا محرماً. ويستثنى من ذلك من يتكرر منه الدخول والخروج كالحطاب والحشاش ونحوهما، وكذلك من خرج من مكة بعد إتمامه أعمال الحج أو بعد العمرة المفردة فإنه يجوز العود إليها من دون إحرام قبل مضي الشهر الذي أدى نسكه فيه، ويأتي حكم الخارج مكة بعد عمرة التمتع قبل الحج.
(مسألة 537) من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج وبقي في مكة إلى أو أن الحج جاز له أن يجعلها عمرة التمتع ويأتي بالحج، ولا فرق في ذلك بين الحج الواجب والمندوب.
أقسام الحج
(مسألة 538) أقسام الحج ثلاثة: تمتع وإفراد وقران. والأول فرض من كان خارج الحرم المكي وهو من كان البعد بين أهله والمسجد الحرام أكثر من سبعة وثمانون كيلومتراً وخمسمائة واثنين وخمسين متراً، والآخران فرض من كان أهله حاضري المسجد الحرام، بأن يكون البعد بين أهله والمسجد الحرام أقل من ذلك المقدار.
(مسألة 539) لا بأس للبعيد أن يحج حج الإفراد أو القران ندباً، كما لا بأس للحاضر أن يحج حج التمتع ندباً، ولا يجوز ذلك في الفريضة فلا يجزي حج التمتع عمن وظيفته الإفراد أو القران، وكذلك العكس نعم قد تنقلب وظيفة
ــــــ[159]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المتمتع إلى الإفراد كما يأتي.
(مسألة 540) إذا أقام البعيد في مكة، فإن كانت إقامته بعد استطاعته ووجوب الحج عليه وجب عليه حج التمتع، وأما إذا كانت استطاعته بعد إقامته في مكة وجب عليه حج الإفراد أو القران بعد الدخول في السنة الثالثة، وأما إذا استطاع قبل ذلك وجب عليه حج التمتع. هذا إذا كانت إقامته بقصد المجاورة وأما إذا كانت بقصد التوطن فوظيفته حج الإفراد أو القران من أول الأمر إذا كانت استطاعته بعد ذلك، وأما إذا كانت قبل قصد التوطن في مكة فوظيفته حج التمتع وكذلك الحال فيمن قصد التوطن في غير مكة من الأماكن التي يكون البعد بينها وبين المسجد الحرام أقل من مساحة الحرام التي عرفناها.
(مسألة 541) إذا أقام في مكة وكانت استطاعته في بلده، أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه إلى حج الإفراد أو القران فالأظهر عدم جواز إحرامه من أدنى الحل بل الأحوط أن يخرج إلى أحد المواقيت والإحرام منها لعمرة التمتع، بل الأحوط أن يخرج إلى ميقات أهل بلده.
حج التمتع
(مسألة 542) يتألف هذا الحج من عبادتين تسمى أولاهما بالعمرة، والثانية بالحج: وقد يطلق حج التمتع على الجزء الثاني منهما، ويجب الإتيان بالعمرة فيه قبل الحج.
(مسألة 543) تجب في عمرة التمتع خمسة أمور:
الأمر الأول: الإحرام من أحد المواقيت وستعرف تفصيلها.
الأمر الثاني: الطواف حول البيت.
الأمر الثالث: صلاة الطواف.
ــــــ[160]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الأمر الرابع: السعي بين الصفا والمروة.
الأمر الخامس: التقصير. وهو أخذ شيء من الشعر أو الأظفار، فإن أتى المكلف بهذه الأعمال الخمسة خرج من إحرامه، وحلت له الأمور التي كانت قد حرمت عليه بسبب الإحرام.
(مسألة 544) يجب على المكلف أن يتهيأ لأداء وظائف الحج فيما إذا قرب منه اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام، وواجبات الحج ثلاثة عشر وهي كما يأتي:
1. الإحرام من مكة، على تفصيل يأتي.
2. الوقوف في عرفات بعد مضي ساعة من ظهر اليوم التاسع، أو من نفس الظهر من ذي الحجة الحرام إلى المغرب، وتقع عرفات على بعد أربعة فراسخ من مكة.
3. الوقوف في المزدلفة يوم عيد الأضحى من الفجر إلى طلوع الشمس، وتقع المزدلفة بين عرفات ومكة.
4. رمي جمرة العقبة في منى يوم العيد. ومنى على بعد فرسخ واحد من مكة تقريباً.
5. النحر أو الذبح في منى يوم العيد.
6. الحلق أو أخذ شيء من الشعر أو منه ومن الظفر، في منى، وبذلك يحل له ما يحرم عليه من جهة الإحرام، ما عدا النساء والطيب بل الصيد على الأحوط.
7. طواف الزيارة بعد الرجوع إلى مكة.
8. صلاة طواف.
9. السعي بين الصفا والمروة، وبذلك يحل الطيب والصيد أيضاً.
ــــــ[161]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
10. طواف النساء.
11. صلاة طواف النساء، وبذلك تحل النساء أيضاً.
12. المبيت في منى ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر بل ليلة الثالث عشر في بعض الصور كما سيأتي.
13. رمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر، بل في اليوم الثالث عشر أيضاً فيما إذا بات المكلف هناك على الأحوط.
(مسألة 545) يشترط في حج التمتع أمور:
1. النية بأن يقصد الإتيان بحج التمتع بعنوانه فلو نوى غيره أو تردد في نيته لم يصح حجه.
2. أن يكون مجموع العمرة والحج في أشهر الحج، فلو أتى بجزء من العمرة قبل دخول شوال لم تصح العمرة.
3. أن يكون الحج والعمرة في سنة واحدة فلو أتى بالعمرة وأخر الحج إلى السنة القادمة لم يصح التمتع. ولا فرق في ذلك بين أن يقيم في مكة إلى السنة القادمة أو أن يرجع إلى أهله ثم يعود إليها. كما لا فرق بين أن يحل من إحرامه بالتقصير أو أن يبقى محرماً إلى السنة القادمة.
4. أن يكون إحرام حجه من نفس مكة مع الاختيار وأفضل مواضعه المقام أو الحجر، وإذا لم يمكنه الإحرام من نفس مكة أحرم من أي موضع تمكن منه وليلاحظ الأقرب فالأقرب إلى المسجد على الأحوط.
5. أن يؤدي مجموع عمرته وحجه شخص واحد عن شخص واحد، فلو استأجر اثنين لحج التمتع عن ميت أو حي أحدهما لعمرته والآخر لحجته لم يصح ذلك، وكذلك لو حج شخص وجعل عمرته عن واحد وحجته عن آخر لم يصح.
(مسألة 546) إذا فرغ المكلف من أعمال عمرة التمتع وجب عليه الإتيان
ــــــ[162]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بأعمال الحج، ولا يجوز له الخروج من مكة لغير الحج. إلا أن يكون خروجه لحاجة ضرورية عرفاً ولم يخف فوات أعمال الحج، فيجب – والحالة هذه – أن يحرم للحج من مكة، ويخرج لحاجته، ثم يلزمه أن يرجع إلى مكة بذلك الإحرام ويذهب منها إلى عرفات، وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى مكة ذهب إلى عرفات من مكانه وكذلك لا يجوز لمن أتى بعمرة التمتع أن يترك الحج اختياراً ولو كان الحج استحبابياً، نعم إذا لم يتمكن من الحج فلأحوط أن يجعلها عمرة مفردة ويأتي بطواف النساء.
(مسألة 547) كما لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة بعد تمام عمرته، كذلك لا يجوز له الخروج منها في أثناء العمرة، فلو علم المكلف قبل دخوله مكة باحتياجه إلى الخروج منها، كما هو شأن الحملدارية فله أن يحرم – أولاً – بالعمرة المفردة لدخول مكة فيقضي أعمالها، ثم يخرج لقضاء حوائجه، ويحرم ثانياً لعمرة التمتع، ولكن يعتبر في صحته مضي شهر من عمرته الأُولى على الأحوط.
(مسألة 548) المحرّم من الخروج من مكة بعد الفراغ من أعمال العمرة، وأثنائها إنما هو الخروج عنها إلى محل آخر ولا بأس بالخروج إلى أطرافها وتوابعها، وعليه فلا بأس للحاج أن يكون منزله خارج البلد، فيرجع إلى منزله أثناء العمرة، أو بعد الفراغ عنها.
(مسألة 549) إذا خرج من مكة بعد الفراغ من أعمال العمرة من دون إحرام، وتجاوز الميقات ففيه صورتان:
الأُولى: أن يكون رجوعه قبل مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة يلزمه الرجوع إلى مكة بدون إحرام فيحرم منها للحج، ويخرج إلى عرفات.
الثانية: أن يكون رجوعه بعد مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة تلزمه إعادة العمرة.
(مسألة 550) من كانت وظيفته حج التمتع لم يجز له العدول إلى غيره من
ــــــ[163]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
إفراد أو قران، ويستثنى من ذلك من دخل في عمرة التمتع، ثم ضاق وقته فلم يتمكن من إتمامها وإدراك الحج، فإنه ينقل نيته إلى حج الإفراد ويذهب إلى عرفات بنفس الإحرام ويأتي بالعمرة المفردة بعد الحج، وحدّ الضيق المسوغ لذلك خوف فوات الوقوف الاختياري في عرفات.
(مسألة 551) إذا علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام العمرة، وإدراك الحج قبل أن يدخل في العمرة لم يجز له العدول من الأول، بل وجب عليه تأخير الحج إلى السنة القادمة.
(مسألة 552) إذا أحرم لعمرة التمتع في سعة الوقت. وأخر الطواف والسعي متعمداً إلى زمان لا يمكن الإتيان فيه بهما وإدراك الحج بطلت عمرته، ولا يجوز له العدول إلى الإفراد على الأحوط ويذهب إلى الموقف الاضطراري فإن فاته ذلك فقد فاته الحج.
حج الإفراد
مر عليك أن حج التمتع يتألف من جزأين هما: عمرة التمتع والحج، والجزء الأول منه متصل بالثاني والعمرة تتقدم على الحج.
أما حج الإفراد فهو عمل مستقل في نفسه واجب – كما علمت – على من يكون الفاصل بين منزله وبين مكة أقل من سبعة وثمانين كيلومتراً وخمسمائة واثنين وخمسين متراً. وفيما إذا تمكن مثل هذا المكلف من العمرة المفردة وجبت عليه بنحو الاستقلال أيضاً.
وعليه فإذا تمكن من أحدهما دون الآخر وجب عليه ما يتمكن منه خاصة، وإذا تمكن من أحدهما في زمان ومن الآخر في زمان آخر وجب عليه القيام بما تقتضيه وظيفته في كل وقت، وإذا تمكن منهما في وقت واحد وجب عليه – حينئذ –
ــــــ[164]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الإتيان بهما. والمشهور بين الفقهاء في هذه الصورة وجوب تقديم الحج على العمرة وهو الأحوط.
(مسألة 553) يشترك حج الإفراد مع حج التمتع في جميع أعماله، ويفترق عنه في أمور:
أولاً: يعتبر اتصال العمرة بالحج في حج التمتع ووقوعهما في سنة واحدة – كما مر – ولا يعتبر ذلك في حج الإفراد.
ثانياً: يجب النحر أو الذبح في حج التمتع – كما مر – ولا يعتبر شيء من ذلك في حج الإفراد.
ثالثاً: لا يجوز تقديم الطواف والسعي على الوقوفين في حج التمتع مع الاختيار، ويجوز ذلك في حج الإفراد.
رابعاً: أن إحرام حج التمتع يكون بمكة، وأما الإحرام في حج الإفراد فهو من أحد المواقيت الآتية.
خامساً: يجب تقديم عمرة التمتع على حجه ولا يعتبر ذلك في حج الإفراد بل الأحوط العكس كما سبق.
سادساً: لا يجوز بعد إحرام حج التمتع الطواف المندوب على الأحوط الوجوبي ، ويجوز ذلك في حج الإفراد.
(مسألة 554) إذا أحرم لحج الإفراد – ندباً – جاز له أن يعدل إلى عمرة التمتع، إلا فيما إذا لبى بعد السعي، فليس له العدول – حينئذ – إلى التمتع.
(مسألة 555) إذا أحرم لحج الإفراد ودخل مكة جاز له أن يطوف بالبيت ندباً، ولكن يجب عليه التلبية بعد الفراغ من صلاة الطواف على الأحوط.
ــــــ[165]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
حج القران
(مسألة 556) يتحد هذا العمل مع حج الإفراد في جميع الجهات، غير أن المكلف يصحب معه الهدي وقت الإحرام، وبذلك يجب الهدي عليه. والإحرام في هذا القسم من الحج، كما يكون بالتلبية يكون بالإشعار أو بالتقليد. وإذا أحرم لحج القران لم يجز له العدول إلى حج التمتع.
مواقيت الإحرام
هناك أماكن خصصتها الشريعة الإسلامية المطهرة للإحرام منها ويجب أن يكون الإحرام من تلك الأماكن ويسمى كل منها ميقاتاً، وهي عشرة:
1. مسجد الشجرة: ويقع قريباً من المدينة المنورة وهو ميقات أهل المدينة، وكل من أراد الحج عن طريق المدينة، ويجوز الإحرام من خارج المسجد محاذياً له من اليسار أو اليمين بأن يجعل القبلة أمامه والمسجد إلى حد جانبيه والأحوط الإحرام من نفس المسجد مع الإمكان.
(مسألة 557) لا يجوز تأخير الإحرام من مسجد الشجرة إلى الجحفة إلا لضرورة من مرض أو ضعف أو غيرهما من الموانع.
2. وادي العقيق: وهو ميقات أهل العراق ونجد وكل من مرّ عليه من غيرهم، وهذا الميقات له أجزاء ثلاث (المسلخ) وهو اسم لأوله و(الغمرة) وهو اسم لوسطه و(ذات عرق) وهو اسم لأخره والأحوط الأَولى أن يحرم المكلف قبل أن يصل (ذات عرق)، فيما إذا لم تمنعه من ذلك تقية أو مرض.
(مسألة 558) يجوز الإحرام في حال التقية قبل ذات عرق بالنية سراً من غير نزع الثياب إلى ذات عرق، فإذا وصل ذات عرق نزع ثيابه ولبس ثوبي الإحرام
ــــــ[166]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
هناك.
3. الجحفة: وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب وكل من يمر عليها من غيرهم إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها.
4. يلملم: وهو ميقات أهل اليمن، وكل من يمر من ذلك الطريق، ويلملم اسم لجبل.
5. قرن المنازل: وهو ميقات أهل الطائف وكل من يمر من ذلك الطريق.
ولا يختص بالمسجد فأي مكان يصدق عليه أنه من قرن المنازل جاز له الإحرام منه. فإن لم يتمكن من إحراز ذلك فله أن يتخلص بالإحرام قبلاً بالنذر كما هو جائز اختياراً.
6. مكة: وهي ميقات حج التمتع.
7. المنزل الذي سكنه المكلف: وهو ميقات من كان منزله دون الميقات إلى مكة، فإنه يجوز له الإحرام من منزله ولا يلزم عليه الخروج إلى الميقات.
8. الجعرانة: وهي ميقات أهل مكة لحج القران والإفراد وهو الأفضل والأحوط استحباباً وكذلك الحديبية لهم ولكن يمكنهم الإحرام من داخل مكة أيضاً، وفي حكمهم من جاور مكة بعد السنتين فإنه بمنزلة أهلها، وأما قبل ذلك فحكمه كما تقدم في المسألة (540).
9. محاذاة مسجد الشجرة: فإن من أقام بالمدينة شهراً أو نحوه وهو يريد الحج، ثم بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة، فإذا سار ستة أميال كان محاذياً للمسجد. ويحرم من محل المحاذاة. وفي التعدي عن محاذاة مسجد الشجرة إلى محاذاة غيره من المواقيت بل عن خصوص المورد المذكور إشكال بل الظاهر عدم التعدي إذا كان الفصل كثيراً.
10. أدنى الحل: وهو ما بعد الحرم المكي الذي عرفنا أن نصف قطره
ــــــ[167]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يساوي 87.552 كيلومتراً بالبعد عن الكعبة المشرفة وهو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو الإفراد، بل لكل عمرة مفردة لمن كان بمكة وأراد الإتيان بها، والأفضل أن يكون من الحديبية أو الجعرانة أو التنعيم.
أحكام المواقيت
(مسألة 559) لا يجوز الإحرام قبل الميقات ولا يكفي المرور عليه محرماً، بل لا بد من الإحرام من نفس الميقات. ويستثنى من ذلك أن ينذر الإحرام قبل الميقات، فإنه يصح ولا يلزمه التجديد في الميقات ولا المرور عليه بل يجوز له الذهاب إلى مكة عن طريق لا يمر بشيء من المواقيت، ولا فرق في ذلك بين الحج الواجب والمندوب والعمرة المفردة. نعم إذا كان إحرامه للحج فلا بد من أن يكون إحرامه في أشهر الحج كما تقدم.
(مسألة 560) يجب على المكلف اليقين بوصوله إلى الميقات والإحرام منه، أو يكون ذلك عن اطمئنان أو حجة شرعية ولا يجوز له الإحرام عند الشك في الوصول إلى الميقات.
(مسألة 561) لو نذر الإحرام قبل الميقات وخالف وأحرم من الميقات لم يبطل إحرامه مع توفر قصد القربة ووجبت عليه كفارة مخالفة النذر إذا كان متعمّداً.
(مسألة 562) كما لا يجوز تقديم الإحرام على الميقات لا يجوز تأخيره عنه فلا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة – أو دخول مكة – أن يتجاوز الميقات اختياراً إلا محرماً. حتى إذا كان أمامه ميقات آخر، فلو تجاوز وجب العود إليه مع الإمكان. نعم إذا لم يكن المسافر قاصداً لما ذكر لكن لما وصل حدود الحرم أراد أن يأتي بعمرة مفردة جاز له الإحرام من أدنى الحل.
(مسألة 563) إذا ترك المكلف الإحرام من الميقات عن علم وعمد حتى
ــــــ[168]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
تجاوزه فسد حجه في غير الصورة الأُولى الآتية وأما إذا كان الترك بعذر كالجهل والنسيان والطمث، ففي المسألة صور:
الأُولى: أن يتمكن من الرجوع إلى الميقات ففي هذه الصورة يجب عليه الرجوع والإحرام منه سواء أكان رجوعه من داخل الحرم أم كان من خارجه فإن أتى بذلك صح عمله من دون إشكال.
الثانية: أن يكون المكلف في الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات لكن أمكنه الرجوع إلى خارج الحرم، ففي هذه الصورة يجب عليه الرجوع إلى خارج الحرم، والإحرام من هناك.
الثالثة: أن يكون في الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات أو إلى خارج الحرم ولو من جهة خوفه فوات الحج. وفي هذه الصورة يلزمه الإحرام من مكانه.
الرابعة: أن يكون خارج الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات ففي هذه الصورة يلزمه الإحرام من مكانه أيضاً.
(مسألة 564) إذا تركت الحائض الإحرام من الميقات لجهلها بالحكم إلى أن دخلت الحرم فعليها كغيرها الرجوع إلى الخارج والإحرام منه إذا لم تتمكن من الرجوع إلى الميقات. بل الأحوط لها استحباباً في هذه الصورة أن تبتعد عن الحرم بالمقدار الممكن ثم تحرم. وإن كان الابتعاد إجمالاً مبني على الاحتياط الوجوبي على أن لا يكون ذلك مستلزماً لفوات الحج، وفيما إذا لم يمكنها إنجاز ذلك فهي وغيرها على حد سواء.
(مسألة 565) إذا فسدت العمرة وجبت إعادتها مع التمكن، ومع عدم الإعادة – ولو من جهة ضيق الوقت – يفسد حجه. وعليه الإعادة في سنة أخرى.
(مسألة 566) قال جمع من الفقهاء بصحة العمرة فيما إذا أتى المكلف بها
ــــــ[169]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
من دون إحرام لجهل أو نسيان ولكن هذا القول لا يخلو من إشكال بل هي لاغية تماماً، والأحوط – في هذه الصورة – الإعادة على النحو الذي ذكرناه فيما إذا تمكن منها.
(مسألة 567) قد تقدم أن النائي يجب عليه الإحرام لعمرته في أحد المواقيت الخمسة الأُولى فإن كان طريقه منها فلا إشكال، وإن كان طريقه لا يمر بها كما هو الحال في زماننا هذا، حيث أن الحجاج يصلون جدة ابتداءاً، وهي ليست من المواقيت فلا يجزي الإحرام منها إلا إذا ثبت أنها محاذية لأحد المواقيت، ولكن على الحاج – حينئذ – أن يمضي إلى أحد المواقيت مع الإمكان، أو ينذر الإحرام من بلده أو من جدة نفسها.
(مسألة 568) تقدم أن المتمتع يجب أن يحرم لحجه من مكة فلو أحرم من غيرها – عالماً عامداً – لم يصح إحرامه وإن دخل مكة محرماً، بل وجب عليه الاستئناف من مكة مع الإمكان وإلا بطل حجه.
(مسألة 569) إذا نسي المتمتع الإحرام للحج بمكة وجب عليه العودة مع الإمكان، وإلا أحرم من مكانه – ولو كان في عرفات – وصح حجه وكذا الجاهل بالحكم.
(مسألة 570) لو نسي إحرام الحج لحج التمتع ولم يذكر حتى أتى بجميع أعماله صح حجه، وكذلك الجاهل.
ــــــ[170]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كيفية الإحرام
واجبات الإحرام ثلاثة أمور:
الأمر الأول: النية. ومعنى النية أن يقصد الإتيان بما يجب عليه إجمالاً من الحج أو العمرة متقرباً به إلى الله تعالى. ويعتبر في النية أمور:
1. القربة، كغير الإحرام من العبادات.
2. أن تكون مقارنة للشروع فيه بالتلبية على الأحوط.
3. تعيين أن الإحرام للعمرة أو للحج، وأن الحج تمتع أو قران أو إفراد، وأنه لنفسه أو لغيره وأنه حجة الإسلام أو الحج النذري أو الواجب بالإفساد أو الندبي فلو نوى الإحرام من غير تعيين بطل إحرامه.
(مسألة 571) لا يعتبر في صحة النية التلفظ ولا الإخطار في البال، بل يكفي الداعي كما في غير الإحرام من العبادات.
(مسألة 572) لا يعتبر في صحة الإحرام العزم على ترك محرماته – حدوثاً وبقاءاً – حتى الجماع والاستمناء. نعم لو عزم من أول الإحرام في الحج على أن يجامع زوجته أو يستمني – قبل الوقوف بالمزدلفة – أو تردد في ذلك بطل إحرامه على وجه. وأما لو عزم على الترك من أول الأمر ولم يستمر عزمه، بأن نوى بعد تحقق الإحرام الإتيان بشيء منهما لم يبطل إحرامه.
الأمر الثاني: التلبية، وصورتها بأن يقول: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ).
والأحوط الأَولى إضافة هذه الجملة (إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ) ويجوز إضافة (لك) إلى الملك بأن يقول: (والمُلْكَ لَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ).
ــــــ[171]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 573) على المكلف أن يتعلم ألفاظ التلبية ويحسن أدائها بصورة صحيحة كتكبيرة الإحرام في الصلاة ولو كان ذلك من جهة تلقينه هذه الكلمات من قبل شخص آخر، فإذا لم يتعلم تلك الألفاظ، ولم يتيسر له التلقين يجب عليه التلفظ بها بالمقدار الميسور والأحوط – في هذه الصورة – الجمع بين الإتيان بالمقدار الذي يتمكن منه والإتيان بترجمتها، والإستنابة لذلك.
(مسألة 574) الأخرس يشير إلى التلبية بإصبعه مع تحريك لسانه والأَولى أن يجمع بينها وبين الاستنابة.
(مسألة 575) الصبي غير المميز يلبى عنه.
(مسألة 576) لا ينعقد إحرام حج التمتع، وإحرام عمرته، وإحرام حج الإفراد وإحرام العمرة المفردة إلا بالتلبية. وأما حج القران فكما يتحقق إحرامه بالتلبية يتحقق بالإشعار أو التقليد والإشعار مختص بالبدن والتقليد مشترك بين البدن وغيرها من أنواع الهدي، والأَولى استحباباً الجمع بين الإشعار والتقليد في البدن. والأحوط استحباباً التلبية على القارن، وإن كان عقد إحرامه بالإشعار أو التقليد ثم أن الإشعار هو شق السنام الأيمن بأن يقوم المحرم من الجانب الأيسر من الهدي ويشق سنامه من الجانب الأيمن ويلطخ صفحته بدمه، والتقليد هو أن يعلق في رقبة الهدي نعلاً قد صلى فيها.
(مسألة 577) لا يشترط الطهارة عن الحدث الأصغر والأكبر في صحة الإحرام، فيصح الإحرام من المحدث في الأصغر والأكبر كالمجنب والحائض والنفساء وغيرهم.
(مسألة 578) التلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة فلا يتحقق الإحرام إلا بها أو بالإشعار أو التقليد لخصوص القارن، فلو نوى الإحرام ولبس الثوبين وفعل شيئاً من المحرمات قبل تحقق التلبية لم يأثم وليس عليه كفارة.
(مسألة 579) الأفضل لمن حج عن طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء،
ــــــ[172]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ولمن حج عن طريق آخر تأخيرها إلى أن يمشي قليلاً، ولمن حج من مكة تأخيرها إلى الرقطاء، ولكن الأحوط التعجيل بها مطلقاً ويؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة والبيداء بين مكة والمدينة على ميل ذي الحليفة نحو مكة. والرقطاء موضع يسمى مدعى دون الردم.
(مسألة 580) الأحوط لمن اعتمر عمرة التمتع قطع التلبية عند مشاهدة موضع بيوت مكة القديمة وحده لمن جاء عن طريق المدينة عقبه المدنيين. ولمن اعتمر عمرة مفردة قطعها عند دخول الحرم إذا جاء من خارج الحرم، وعند مشاهدة الكعبة إن كان قد خرج من مكة لإحرامها، ولمن حج بأي نوع من أنواع الحج قطعها عند الزوال من يوم عرفة فإن جاء بالتلبية في شيء من ذلك فليكن بقصد الذكر المطلق.
(مسألة 581) إذا شك بعد لبس الثوبين وقبل التجاوز من الميقات في أنه قد أتى بالتلبية أم لا بنى على عدم الإتيان، وإذا شك بعد الإتيان بالتلبية أنه أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحة.
الأمر الثالث: لبس الثوبين بعد التجرد عما يجب على المحرم اجتنابه. يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر. ويستثنى من ذلك الصبيان فيجوز تأخير تجريدهم إلى فخ، كما تقدم.
(مسألة 582) لبس الثوبين للمحرم واجب تعبدي وليس شرطاً في تحقق الإحرام على الأظهر.
(مسألة 583) لو أحرم في قميص – جاهلاً أو ناسياً – نزعه وصح إحرامه، بل الأظهر صحة إحرامه حتى فيما إذا أحرم فيه عالماً عامداً، وأما إذا لبسه – بعد الإحرام – فلا إشكال في صحة إحرامه، ولكن يلزم عليه شقه وإخراجه من تحت.
(مسألة 584) يعتبر في الأزار أن يكون ساتراً من السرة إلى الركبة، كما يعتبر
ــــــ[173]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
في الرداء أن يكون ساتراً للمنكبين، والأحوط استحباباً كون اللبس قبل النية والتلبية، والمهم ألا تكونا إلا بعد نزع المخيط.
(مسألة 585) لا بأس بالزيادة على الثوبين في ابتداء الإحرام وبعده للتحفظ من البرد أو الحر ولغير ذلك.
(مسألة 586) يعتبر في الثوبين نفس الشروط المعتبرة في لباس المصلي، فيلزم إلا يكونا من الحرير الخالص. ولا من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، ولا من الذهب. ويلزم طهارتهما كذلك، نعم لا بأس بتنجسهما بنجاسة معفو عنها في الصلاة.
(مسألة 587) يلزم في الأزار أن يكون ساتراً للبشرة، غير حاك عنها والأحوط الأفضل اعتبار ذلك في الرداء أيضاً.
(مسألة 588) الأحوط استحباباً في الثوبين أن يكونا من المنسوج، ولا يكونا من قبيل الجلد والملبد.
(مسألة 589) يختص وجوب لبس الأزار والرداء بالرجال دون النساء، فيجوز لهن أن يحرمن في ألبستهن العادية على أن تكون واجدة للشرائط المتقدمة.
(مسألة 590) أن حرمة لبس الحرير وإن كانت تختص بالرجال ولا يحرم لبسه على النساء إلا أن الأحوط استحباباً للمرأة أن لا يكون ثوبها من الحرير، والأحوط كذلك أن لا تلبس شيئاً من الحرير الخالص في جميع أحوال الإحرام.
(مسألة 591) إذا تنجس أحد الثوبين أوكلاهما بعد التلبس بالإحرام، فالأحوط المبادرة إلى التبديل أو التطهير.
(مسألة 592) لا تجب الاستدامة في لباس الإحرام فلا بأس بإلقائه عن متنه لضرورة أو غير ضرورة، كما لا بأس بتبديله على أن يكون البدل واجداً للشرائط.
ــــــ[174]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
تروك الإحرام
قلنا فيما سبق أن الإحرام يتحقق بالتلبية أو الإشعار أو التقليد، ولا ينعقد الإحرام بدونها وإن حصلت منه نية الإحرام فإذا أحرم المكلف حرمت عليه أمور وهي خمسة وعشرون كما يأتي:
(1) الصيد البري (2) مجامعة النساء (3) تقبيل النساء (4) لمس النساء (5) النظر إلى المرأة (6) الاستمناء (7) عقد النكاح (8) استعمال الطيب (9) لبس المخيط للرجال (10) التكحل (11) النظر في المرآة (12) لبس الخف والجورب للرجال (13) الكذب والسب (14) المجادلة (15) قتل القمل ونحوه من الحشرات التي تكون على جسد الإنسان (16) التزيين (17) الإدهان (18) إزالة الشعر من البدن (19) ستر الرأس للرجال وهكذا الارتماس في الماء حتى على النساء (20) ستر الوجه للنساء (21) التظليل للرجال (22) إخراج الدم من البدن (23) التقليم (24) قلع السن (25) حمل السلاح. ونذكرها فيما يلي مفصلاً.
1. الصيد البري
(مسألة 593) لا يجوز للمحرم سواء كان في الحل أو الحرم صيد الحيوان البري أو قتله سواء كان محلل الأكل أم لم يكن. كما لا يجوز قتل الحيوان البري وإن تأهل بعد صيده ولا يجوز صيد الحرم مطلقاً وإن كان الصائد محلاً.
(مسألة 594) كما يحرم على المحرم صيد الحيوان البري تحرم عليه الإعانة على صيده. ولو بالإشارة، ولا فرق في حرمة الإعانة بين أن يكون الصائد محرماً أو محلاً.
(مسألة 595) لا يجوز للمحرم إمساك الصيد البري والاحتفاظ به وإن كان
ــــــ[175]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
اصطياده له قبل إحرامه ولا يجوز له أكل لحم الصيد، وإن كان الصائد محلاً، ويحرم الصيد الذي ذبحه المحرم على المحل أيضاً وكذلك ما ذبحه المحل في الحرم، والجراد ملحق بالحيوان البري فيحرم صيده وإمساكه وأكله.
(مسألة 596) الحكم المذكور يختص بالحيوان البري، وأما صيد البحر كالسمك فلا بأس به، والمراد بصيد البحر ما يعيش فيه وأما ما يعيش في البر والبحر كليهما فيلحق بالبري. ولا بأس بصيد ما يشك كونه برياً على الأظهر. وكذلك لا بأس بذبح الحيوانات الأهلية كالدجاج والغنم والبقر والإبل والدجاج الحبشي وإن توحشت كما لا بأس بذبح ما يشك بكونه أهلياً.
(مسألة 597) فراخ هذه الأقسام الثلاثة من الحيوانات البرية والبحرية والأهلية وبيضها تابعة للأصول في حكمها.
(مسألة 598) لا يجوز للمحرم قتل السباع إلا فيما إذا خيف منها على النفس، وكذلك إذا آذت حمام الحرم، ولا كفارة في قتل السباع حتى الأسد على الأظهر بلا فرق بين ما جاز قتلها وما لم يجز.
(مسألة 599) يجوز للمحرم أن يقتل الأفعى والأسود وكل حية والعقرب والفأرة ولا كفارة في قتل شيء من ذلك.
(مسألة 600) لا يجوز للمحرم أن يرمي الغراب والحداة ولكن لا كفارة لو أصابهما الرمي وقتلهما.
كفارات الصيد
(مسألة 601) في قتل النعامة بُدنَة، وفي قتل بقرة الوحش بقرة، وفي قتل حمار الوحش بُدنَة أو بقرة وفي قتل الظبي والأرنب شاة، وكذلك في الثعلب على الأحوط.
ــــــ[175]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 602) من أصاب شيئاً من الصيد فإن كان فداؤه بُدنَة ولم يجدها فعلية إطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً، وإن كان فداؤه بقرة ولم يجدها فليطعم ثلاثين مسكيناً فإن لم يقدر صام تسعة أيام، وإن كان فداؤه شاة ولم يجدها فليطعم عشرة مساكين فإن لم يقدر صام ثلاثة أيام.
(مسألة 603) إذا قتل المحرم حمامة ونحوها في خارج الحرم فعليه شاة، وفي فرخها حمل أوجدي وفي كسر بيضها درهم على الأحوط، وإذا قتلها المحل في الحرم فعليه درهم، وفي فرخها نصف درهم وفي بيضها ربعه، وإذا قتلها المحرم في الحرم فعليه الجمع بين الكفارتين، وكذلك في قتل الفرخ وكسر البيض، وحكم البيض إذا تحرك فيه الفرخ حكم الفرخ.
(مسألة 604) في قتل القطاة والحجل والدراج ونظيرها حمل قد فطم من اللبن وأكل من الشجر. وفي العصفور والقبرة والصعوة مد من الطعام، وفي قتل جرادة واحدة تمرة وفي أكثر من واحدة كف من الطعام، وفي الكثير شاة.
(مسألة 605) في قتل اليربوع والقنفذ والضب وما أشبهها جدي. وفي قتل العظاية كف من الطعام.
(مسألة 606) في قتل الزنبور – متعمداً – إطعام شيء من الطعام، وإذا كان القتل دفعاً لإيذائه فلا شيء عليه.
(مسألة 607) يجب على المحرم أن ينحرف عن الجادة إذا كان فيها الجراد فإن لم يتمكن فلا بأس بقتلها.
(مسألة 608) لو اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فعلى كل واحد منهم كفارة مستقلة.
(مسألة 609) كفارة أكل الصيد ككفارة الصيد نفسه، فلو صاده المحرم
ــــــ[177]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
وأكله فعليه كفارتان.
(مسألة 610) من كان معه صيد ودخل الحرم يجب عليه إرساله، فإن لم يرسله حتى مات لزمه الفداء بل الحكم كذلك بعد إحرامه، وإن لم يدخل الحرم على الأحوط.
(مسألة 611) لا فرق في وجوب الكفارة في قتل الصيد وأكله بين العمد والجهل والسهو على الأحوط.
(مسألة 612) تتكرر الكفارة بتكرر الصيد جهلاً أو نسياناً أو خطأً، وكذلك في العمد إذا كان الصيد من المحل في الحرم، أو من المحرم مع تعدد الإحرام، كذلك إذا تكرر الصيد عمداً من المحرم في إحرام واحد على الأحوط.
2. مجامعة النساء
(مسألة 613) يحرم على المحرم الجماع أثناء عمرة التمتع، وأثناء العمرة المفردة، وأثناء الحج وبعده قبل الإتيان بصلاة طواف النساء.
(مسألة 614) إذا جامع المتمتع أثناء عمرته قبلاً أو دبراً عالماً عامداً، فإن كان بعد الفراغ من السعي لم تفسد عمرته، ووجبت عليه الكفارة، وهي على الأحوط جزور، ومع العجز عنه بقرة، ومع العجز عنها شاة، وإن كان قبل الفراغ من السعي وكان قد أنجز منه ثلاثة أشواط فأكثر فكفارته كما تقدم، ولا تفسد عمرته أيضاً على الأظهر، والأحوط إعادتها – قبل الحج – مع الإمكان، وإلا أعاد حجه في العام القابل.
(مسألة 615) إذا جامع المحرم للحج امرأته قبلاً أو دبراً عالماً عامداً قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت عليه الكفارة والإتمام وإعادة الحج من عام قابل سواء كان الحج فرضاً أو نفلاً. وكذلك المرأة إذا كانت محرمة وعالمة بالحال ومطاوعة له على الجماع. ولو كانت المرأة مكرهة على الجماع لم يفسد حجها وتجب
ــــــ[178]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
على الزوج المكره كفارتان، ولا شيء على المرأة، وكفارة الجماع بُدنَة مع اليسر ومع العجز يجمع له أصحابه مالاً فيُكَفر بِبُدنَة ومع العجز عنها شاة ويجب التفريق بين الرجل والمرأة في حجتهما، وفي المعادة إذا لم يكن معهما ثالث إلى أن يرجعا إلى نفس المحل الذي وقع فيه الجماع، وإذا كان الجماع بعد تجاوزه من منى إلى عرفات لزم استمرار الفصل بينهما من ذلك المحل إلى وقت النحر بمنى، والأحوط استمرار الفصل إلى الفراغ من تمام أعمال الحج.
(مسألة 616) إذا جامع المحرم امرأته عالماً عامداً بعد الوقوف بالمزدلفة، فإن كان ذلك قبل طواف النساء، وجبت عليه الكفارة على النحو المتقدم ولكن لا تجب عليه الإعادة، وكذلك إذا كان جماعه قبل الشوط الخامس من طواف النساء وأما إذا كان بعده فلا كفارة عليه أيضاً.
(مسألة 617) من جامع امرأته عالماً عامداً في العمرة المفردة وجبت عليه الكفارة بُدنَة أو بقرة ولا تفسد عمرته إذا كان الجماع بعد السعي. وأما إذا كان قبله بطلت عمرته أيضاً ووجب عليه احتياطاً أن يقيم بمكة إلى شهر آخر ثم يخرج إلى أحد المواقيت ويحرم منه للعمرة المعادة، والأحوط إتمام العمرة الفاسدة أيضاً.
(مسألة 618) من أحل من إحرامه إذا جامع زوجته المحرمة وجبت الكفارة على زوجته وعلى الرجل أن يغرمها والكفارة بُدنَة.
(مسألة 619) إذا جامع المحرم امرأته جاهلاً أو ناسياً صحت عمرته وحجه، ولا تجب عليه الكفارة وهذا الحكم يجري في بقية المحرمات الآتية التي توجب الكفارة، بمعنى أن ارتكاب أي عمل على المحرم لا يوجب الكفارة، إذا كان صدوره منه ناشئاً عن جهل أو نسيان ويستثنى من ذلك موارد:
1. ما إذا نسي الطواف في الحج وواقع أهله أو نسي شيئاً من السعي في عمرة التمتع وجامع أهله أو قلم أظفاره بزعم أنه محل، وما إذا أتى
ــــــ[179]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
أهله بعد السعي وقبل التقصير جاهلاً بالحكم.
2. من أمَرَّ يده على رأسه أو لحيته عبثاً فسقطت شعرة أو شعرتان على الأحوط استحباباً.
3. ما إذا إدّهن عن جهل، على الأحوط استحباباً، ويأتي جميع ذلك في محالها.
3. تقبيل النساء
(مسألة 620) لا يجوز للمحرم تقبيل زوجته عن شهوة فلو قبلها وخرج منه المني فعليه كفارة بُدنَة أو جزور، وكذلك إذا لم يخرج منه المني على الأحوط استحباباً، وأما إذا لم يكن التقبيل على شهوة فكفارته شاة.
(مسألة 621) إذا قبَّل الرجل بعد طواف النساء امرأته المحرمة فالأحوط أن يكفر بدم شاة.
4. مس النساء
(مسألة 622) لا يجوز للمحرم أن يمس زوجته عن شهوة، فإن فعل ذلك لزمه كفارة شاة فإذا لم يكن المس عن شهوة فلا شيء عليه.
5. النظر إلى المرأة وملاعبتها
(مسألة 623) إذا لاعب المحرم امرأته حتى أمنى لزمته كفارة بُدنَة ، وإذا نظر إلى امرأة أجنبية عن شهوة أو غير شهوة فأمنى وجبت عليه الكفارة وهي بُدنَة أو جزور على الموسر، وبقرة على المتوسط وشاة على الفقير، وأما إذا نظر إليها – ولو عن شهوة – ولم يُمنِ فهو وإن كان مرتكباً لمحرم إلا أنه لا كفارة عليه.
(مسألة 624) إذا نظر المحرم إلى زوجته عن شهوة فأمنى وجبت عليه
ــــــ[180]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الكفارة، وهي بُدنَة أو جزور وأما إذا نظر إليها بشهوة ولم يُمنِ أو نظر إليها بغير شهوة فأمنى فلا كفارة عليه.
(مسألة 625) يجوز استمتاع المحرم من زوجته في غير ما ذكر على الأظهر، إلا أن الأحوط ترك الاستمتاع منها مطلقاً.
6. الاستمناء
(مسألة 626) إذا عبث المحرم بذكره فأمنى فحكمه حكم الجماع، وعليه فلو وقع ذلك في إحرام الحج قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت الكفارة. ولزم إتمامه وإعادته في العام القادم، كما أنه لو فعل ذلك في عمرته المفردة – قبل الفراغ عن السعي – بطلت عمرته ولزمه الإتمام والإعادة على تفصيل تقدم، وكفارة الاستمناء كفارة الجماع، ولو استمنى بغير ذلك كالنظر والخيال وما شاكل ذلك فأمنى لزمته الكفارة، ولا تجب إعادة حجه ولا تفسد عمرته على الأظهر، وإن كان الأَولى رعاية الاحتياط.
7. عقد النكاح
(مسألة 627) يحرم على المحرم التزويج لنفسه، أو لغيره سواءاً أكان ذلك الغير محرماً أم كان محلاً، وسواء أكان التزويج تزويج دوام أم كان تزويج انقطاع ويفسد العقد في جميع هذه الصور.
(مسألة 628) لو عقد المحرم أو عقد المحل للمحرم امرأة ودخل الزوج بها وكان العاقد والزوج عالمين بتحريم العقد في هذا الحال فعلى كل منهم كفارة بُدنَة، وكذلك على المرأة إن كانت عالمة بالحال.
(مسألة 629) المشهور حرمة حضور المحرم مجلس العقد والشهادة عليه وهو الأحوط، وذهب بعضهم إلى حرمة أداء الشهادة على العقد السابق أيضاً
ــــــ[181]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ولكن دليله غير ظاهر.
(مسألة 630) الأحوط أن لا يتعرض المحرم لخطبة النساء، نعم لا بأس بالرجوع إلى المطلقة الرجعية وبشراء الإماء، وإن كان شراؤها بقصد الاستمتاع خارج الإحرام، والأظهر جواز تحليل أمته وكذا قبوله التحليل إن كان الاستمتاع المقصود خارج الإحرام.
8. استعمال الطيب
(مسألة 631) يحرم على المحرم استعمال الزعفران والعود والمسك والورس والعنبر بالشم والدلك والأكل، وكذلك لبس ما يكون عليه أثر منها.
والأحوط الاجتناب عن كل طيب.
(مسألة 632) لا بأس بأكل الفواكه الطيبة الرائحة كالتفاح والسفرجل، ولكن يمسك عن شمها حين الأكل على الأحوط.
(مسألة 633) لا يجب على المحرم أن يمسك على أنفه من الرائحة حال سعيه بين الصفا والمروة، إذا كان هناك من يبيع العطور ولكن الأحوط – لزوماً – أن يمسك على أنفه من الرائحة الطيبة في غير هذا الحال ولا بأس بشم خلوق الكعبة وهو كل ما يوضع عليها أو على أستارها من عطور.
(مسألة 634) إذا استعمل المحرم متعمداً شيئاً من الروائح الطيبة فعليه كفارة شاة على المشهور ولكن في ثبوت الكفارة في غير الأكل إشكالاً، وإن كان الأحوط التكفير.
(مسألة 635) يحرم على المحرم أن يمسك على أنفه من الروائح الكريهة.
نعم لا بأس بالإسراع في المشي للتخلص من ذلك.
ــــــ[182]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
9. لبس المخيط
(مسألة 636) يحرم على المحرم أن يلبس القميص والقباء والسروال والثوب المزرور مع شد أزراره والدرع وهو كل ثوب يمكن أن تدخل فيه اليدان، والأحوط الاجتناب عن كل ثوب مخيط ويستثنى من ذلك (الهميان) وهو ما يوضع فيه النقود للاحتفاظ بها ويشد على الظهر أو البطن، فإن لبسه جائز وإن كان من المخيط وكذلك لا بأس بالتحزم بالحزام المخيط الذي يستعمله المبتلى بالفتق. ويجوز للمحرم أن يغطي بدنه ما عدا الرأس باللحاف ونحوه من المخيط، حال الاضطجاع للنوم وغيره.
(مسألة 637) الأحوط استحباباً أن لا يعقد الإزار في عنقه، بل لا يعقده مطلقاً ولو ببعضه البعض، ولا يغرزه بإبرة ونحوها، والأحوط أن لا يعقد الرداء أيضاً، ولا بأس بغرزه بالإبرة وأمثالها.
(مسألة 638) يجوز للنساء لبس المخيط مطلقاً عدا القفازين وهو لباس خاص يلبس لليدين.
(مسألة 639) إذا لبس المحرم متعمداً شيئاً مما حرم لبسه عليه فكفارته شاة، والأحوط لزوم الكفارة عليه ولو كان لبسه للاضطرار.
10. الاكتحال
(مسألة 640) الاكتحال للرجل والمرأة معاً على صور:
1. أن يكون الكحل أسود، مع قصد الزينة وهذا حرام على المحرم قطعاً، وتلزمه كفارة شاة على الأحوط الأَولى.
2. أن يكون الكحل أسود مع عدم قصد الزينة.
3. أن يكون بكحل غير أسود مع قصد الزينة. والأحوط الاجتناب في هاتين الصورتين، كما أن الأحوط الأَولى التكفير فيهما.
ــــــ[183]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
4. الاكتحال بكحل غير أسود، ولا يقصد به الزينة ولا بأس به ولا كفارة عليه بلا إشكال.
11. النظر في المرآة
(مسألة 641) يحرم على المحرم النظر في المرآة للزينة، وكفارته شاة على الأحوط الأَولى.
وأما إذا كان النظر فيها لغرض آخر غير الزينة كنظر السائق فيها لرؤية ما خلفه من السيارات فلا بأس به، ويستحب لمن نظر فيها للزينة تجديد التلبية، أما لبس النظارة فلا بأس به للرجل والمرأة إذا لم يكن للزينة، والأَولى الاجتناب عنه.
وهذا الحكم لا يجري على سائر الأجسام الشفافة فلا بأس بالنظر إلى الماء الصافي أو الأجسام الصقلية الأخرى.
12. لبس الخف والجورب
(مسألة 642) يحرم على الرجل المحرم لبس الخف والجورب، وكفارة ذلك شاة على الأحوط. ولا بأس بلبسهما للنساء، والأحوط وجوباً للرجال الاجتناب عن لبس كل ما يستر تمام ظهر القدم، وإذا لم يتيسر للمحرم نعل أو شبهه ودعت الضرورة إلى لبس الخف فالأحوط الأَولى خرقه من المقدم ولا بأس بستر تمام ظهر القدم من دون لبس.
13. الكذب والسب
(مسألة 643) الكذب والسب محرمان في جميع الأحوال، لكن حرمتهما مؤكدة حال الإحرام والمراد من الفسوق في قوله تعالى: (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) هو الكذب والسب أما التفاخر وهو إظهار الفخر من حيث الحسب والنسب فهو على قسمين: الأول: أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه مع
ــــــ[184]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
استلزام الحط من شأن الآخرين وهذا محرم في نفسه وفي الإحرام خاصة على الأحوط. الثاني: أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه من دون أن يستلزم إهانة الغير، وحطاً من كرامته، وهذا لا بأس به ولا يحرم لا على المحرم ولا على غيره وإن كان الأحوط اجتنابه محرماً.
14. الجدال
(مسألة 644) لا يجوز للمحرم الجدال، وهو قول: (لا والله، وبلى والله)، والأحوط استحباباً ترك الحلف حتى بغير هذه الألفاظ.
(مسألة 645) يستثنى من حرمة الجدال أمران: الأول: أن يكون ذلك لضرورة تقتضيه من إحقاق حق أو إبطال باطل. الثاني: أن لا يقصد بذلك الحلف بل يقصد به أمراً آخر كإظهار المحبة والتعظيم كقول القائل: لا والله لا تفعل ذلك.
(مسألة 646) لا كفارة على المجادل فيما إذا كان صادقاً في قوله ولكنه يستغفر ربه فيما إذا لم يتجاوز حلفه المرة الثانية، وإلا كان عليه كفارة شاة، وأما إذا كان الجدال عن كذب فعليه كفارة شاة للمرة الأُولى، وشاة أخرى للمرة الثانية وبقرة للمرة الثالثة.
15. قتل هوام الجسد
(مسألة 647) لا يجوز للمحرم قتل القمل ولا إلقاؤه من جسده ولا بأس بنقله من مكان إلى مكان آخر. وإذا قتل فالأحوط التكفير عنه بكف من الطعام للفقير أما البق والبرغوث وأمثالهما فالأحوط عدم قتلهما إذا لم يكن هناك ضرر يتوجه منهما على المحرم. وأما دفعهما فالأظهر جوازه وإن كان الترك أحوط.
16. التزين
(مسألة 648) يحرم على المحرم التختم بقصد الزينة، ولا بأس بذلك بقصد
ــــــ[185]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الاستحباب، بل يحرم عليه التزين مطلقاً، وكفارته شاة على الأحوط الأَولى.
(مسألة 649) يحرم على المحرم استعمال الحناء فيما إذا عد زينة خارجاً، وإن لم يقصد به التزين نعم لا بأس به إذا لم يكن زينة. كما إذا كان لعلاج ونحوه.
(مسألة 650) يحرم على المرأة المحرمة لبس الحلي للزينة. ويستثنى من ذلك ما كانت تعتاد لبسه قبل إحرامها ولكنها لا تظهره لزوجها، ولا لغيره من الرجال.
17. الإدِّهان
(مسألة 651) لا يجوز للمحرم الإدهان ولو كان بما ليست فيه رائحة طيبة، ويستثنى من ذلك ما كان لضرورة أو علاج.
(مسألة 652) كفارة الإدهان شاة إذا كان عن علم وعمد وإذا كان عن جهل فإطعام فقير على الأحوط في كليهما.
18. إزالة الشعر عن البدن
(مسألة 653) لا يجوز للمحرم أن يزيل الشعر عن بدنه أو بدن غيره المحرم أو المحل ويستثنى من ذلك حالات أربع: (1) أن يتكاثر القمل على جسد المحرم ويتأذى بذلك (2) أن تدعو ضرورة لإزالته كما إذا أوجبت كثرة الشعر صداعاً أو نحو ذلك (3) أن يكون الشعر نابتاً في أجفان العين ويتألم المحرم بذلك (4) أن ينفصل الشعر من الجسد من غير قصد حين الوضوء أو الاغتسال.
(مسألة 654) إذا حلق المحرم رأسه من دون ضرورة فكفارته شاة. وإذا حلق لضرورة فكفارته شاة، أو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل واحد مدان من الطعام والأحوط الجمع بين الصيام والإطعام، وإذا نتف المحرم
ــــــ[186]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
شعره تحت إبطيه فكفارته شاة، وكذا إذا نتف أحد إبطيه على الأحوط. وإذا نتف شيئاً من شعر لحيته وغيرها فعليه أن يطعم مسكيناً بكف من الطعام ولا كفارة في حلق المحرم رأس غيره محرماً كان أو محلاً.
(مسألة 655) لا بأس بحك المحرم رأسه ما لم يسقط الشعر عن رأسه وما لم يدمه وكذلك البدن وإذا أمرَّ المحرم يده على رأسه أو لحيته عبثاً فسقطت شعرة أو شعرتان فيتصدق بكف من طعام وأما إذا كان في الوضوء ونحوه فلا شيء عليه.
19. ستر الرأس للرجال
(مسألة 656) لا يجوز للرجل المحرم ستر رأسه ولو جزء منه بأي ساتر كان، حتى مثل الطين، بل وبحمل شيء على الرأس على الأحوط. نعم لا بأس بستره بحبل القربة، وكذلك تعصيبه بمنديل وغيره من جهة الصداع وكذلك لا يجوز ستر الأذنين.
(مسألة 657) يجوز ستر الرأس بشيء من البدن كاليد والأَولى تركه.
(مسألة 658) لا يجوز للمحرم الارتماس في الماء وكذلك في غير الماء على الأحوط. والأحوط استحباباً أنه لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.
(مسألة 659) إذا ستر المحرم رأسه فكفارته شاة على الأحوط والظاهر عدم وجوب الكفارة في موارد جواز الستر والاضطرار ولكن يجدد التلبية.
20. ستر الوجه للنساء
(مسألة 660) لا يجوز للمرأة المحرمة أن تستر وجهها بالبرقع أو النقاب أو ما شابه ذلك. والأحوط أن لا تستر وجهها بأي ساتر كان كما أن الأحوط أن لا تستر بعض وجهها أيضاً. نعم يجوز لها أن تغطي وجهها حال النوم ولا بأس
ــــــ[187]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بستر بعض وجهها مقدمة لستر الرأس في الصلاة والأحوط رفعه عند الفراغ منها.
(مسألة 661) يجوز للمرأة المحرمة أن تتحجب من الأجنبي بأن تنزل ما على رأسها من الخمار أو نحوه إلى ما يحاذي أنفها أو ذقنها والأحوط استحباباً أن تجعل القسم النازل بعيداً عن الوجه بواسطة اليد أو غيرها.
(مسألة 662) كفارة ستر الوجه شاة على الأحوط.
21. التظليل للرجال
(مسألة 663) لا يجوز للرجل المحرم التظليل حال مسيره بمظلة أو غيرها ولو كان بسقف المحمل أو السيارة ونحوها. ولا فرق في حرمة التظليل بين الراكب والراجل على الأحوط، والأحوط بل الأظهر حرمة التظليل بما لا يكون فوق رأس المحرم بأن يكون ما يتظلل به على أحد جوانبه. نعم يجوز للمحرم أن يتستر من الشمس بيديه ولا بأس بالاستظلال بظل المحمل حال المسير وكذلك لا بأس بالإحرام في القسم المسقوف من مسجد الشجرة.
(مسألة 664) المراد من الاستظلال التستر من الشمس أو البرد أو الحر أو المطر أو نحو ذلك، فإذا لم يكن شيء من ذلك بحيث كان وجود المظلة كعدمها فلا بأس بها.
(مسألة 665) لا بأس بالتظليل تحت السقوف للمحرم بعد وصوله إلى مكة وإن كان بعد لم يتخذ بيتاً، كما لا بأس به حال الذهاب والإياب في المكان الذي ينزل فيه المحرم وكذلك فيما إذا نزل في الطريق للجلوس أو لملاقاة الأصدقاء أو لغير ذلك والأظهر جواز الاستظلال في هذه الموارد بمظلة ونحوها أيضاً وإن كان الأحوط الاجتناب عنه.
(مسألة 666) لا بأس بالتظليل للنساء والأطفال وكذلك للرجال عند الضرورة والخوف من الحر أو البرد.
ــــــ[188]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 667) كفارة التظليل شاة ولا فرق في ذلك بين حالتي الاختيار والاضطرار، وإذا تكرر التظليل فالأحوط التكفير عن كل يوم وإن كان الأظهر كفاية كفارة واحدة في كل إحرام.
22. إخراج الدم من البدن
لا يجوز للمحرم إخراج الدم من جسده وإن كان ذلك بحك بل بسواك على الأحوط ولا بأس به مع الضرورة أو دفع الأذى وكفارته شاة على الأحوط الأَولى.
23. التقليم
لا يجوز للمحرم تقليم ظفره ولو بعضه إلا أن يتضرر المحرم ببقائه كما إذا انفصل بعض ظفره وتألم من بقاء الباقي فيجوز له حينئذ قطعه بمقدار ما يرتفع به الألم.
(مسألة 668) كفارة تقليم كل ظفر مد من الطعام وكفارة تقليم أظافر اليد جميعها في مجلس واحد شاة، وكذلك الرِجل وإذا كان تقليم أظافر اليد وأظافر الرِجل في مجلس واحد فالكفارة أيضاً شاة وإذا كان تقليم أظافر اليد في دفعة وتقليم أظافر الرِجل في دفعة أخرى فالكفارة شاتان.
(مسألة 669) إذا قلم المحرم أظافره فأدمى اعتماداً على فتوى من جوزه، وجبت الكفارة على المفتي على الأحوط.
24. قلع الضرس
(مسألة 670) ذهب جمع من الفقهاء إلى حرمة قلع الضرس على المحرم وإن لم يخرج به الدم وأوجب له كفارة شاة. ولكن في دليله تأملاً بل لا يبعد
ــــــ[189]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
جوازه فإن خرج به الدم كان مُحَرماً إلا أن يضطر فيفعل ويكفر.
25. حمل السلاح
(مسألة 671) لا يجوز للمحرم حمل السلاح كالسيف والرمح وغيرهما مما يصدق عليه السلاح عرفاً وذهب بعض الفقهاء إلى عموم الحكم لآلات التحفظ أيضاً كالدرع والمغفر وهذا القول أحوط إذا لبسهما كالمحارب وأما حملها الاعتيادي فلا إشكال فيه بخلاف القسم الأول.
(مسألة 672) لا بأس بوجود السلاح عند المحرم إذا لم يكن حاملاً له ومع ذلك فالترك أحوط.
(مسألة 673) تختص حرمة حمل السلاح بحال الاختيار ولا بأس به عند الاضطرار.
(مسألة 674) كفارة حمل السلاح شاة على الأحوط.
إلى هنا انتهت الأمور التي تحرم على المحرم.
الصيد في الحرم المكي وقلع شجره ونبته
وهناك ما تعم حرمته المحرم والمحل وهو أمران: أحدهما: الصيد في الحرم فإنه يحرم على المحل والمحرم كما تقدم. ثانيهما: قلع كل شيء نبت في الحرم أو قطعه من شجر وغيره ولا بأس بما يقطع عند المشي على النحو المتعارف، كما لا بأس بأن تترك الدواب في الحرم لتأكل من حشيشه ويستثنى من حرمة القلع أو القطع موارد:
(1) النخل (2) شجر الفاكهة (3) الأعشاب التي تجعل علفاً للإبل (4) الأشجار أو الأعشاب التي تنمو في دار نفس الشخص أو في ملكه أو يكون الشخص هو الذي غرس ذلك الشجر أو زرع العشب وأما الشجرة التي كانت
ــــــ[190]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
موجودة في الدار قبل تملكها فحكمها حكم سائر الأشجار.
(مسألة 675) الشجرة التي يكون أصلها في الحرم وفرعها في خارجه أو بالعكس حكمها حكم الشجرة التي يكون جميعها في الحرم.
(مسألة 676) كفارة قلع الشجرة قيمة تلك الشجرة، ولا كفارة في قلع الأعشاب وإن حرم.
أين تذبح الكفارة؟ وما مصرفها
(مسألة 677) إذا وجبت على المحرم كفارة لأجل الصيد في العمرة فمحل ذبحها مكة المكرمة وإذا كان الصيد في إحرام الحج فمحل ذبح الكفارة منى.
(مسألة 678) إذا وجبت الكفارة على المحرم بسبب غير الصيد فالأظهر جواز تأخيرها إلى عودته من الحج فيذبحها أين شاء، والأفضل إنجاز ذلك في حجه. ومصرفها الفقراء.
شرائط الطواف
الطواف هو الواجب الثاني في العمرة ويفسد الحج بتركه عمداً سواء أكان عالماً بالحكم أم جاهلاً به أو بالموضوع ويتحقق الترك بالتأخير إلى زمان لا يمكنه إدراك الوقوف بعرفات. ثم أنه إذا بطلت العمرة فالأحوط له أن ينقل نيته إلى العمرة المفردة برجاء المطلوبية ويتمها كذلك ويكون حجه قد فات أيضاً على الأظهر، ويمكن أيضاً حينئذ العدول إلى حج الإفراد وعلى التقديرين تجب إعادة الحج في العام القابل، ويعتبر في الطواف أمور:
الأول: النية، فيبطل الطواف إذا لم يقترن بقصد القربة.
الثاني: الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر فلو طاف المحدث عمداً أو جهلاً أو نسياناً لم يصح طوافه.
ــــــ[191]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 679) إذا أحدث المحرم أثناء طوافه فإن كان قبل بلوغه النصف بطل طوافه وإن كان بعده تطهر وبنى عليه.
(مسألة 680) إذا شك في الطهارة قبل الشروع في الطواف أو في أثنائه فإن علم أن الحالة السابقة كانت هي الطهارة، وكان الشك في صدور الحدث بعدها لم يعتنِ بالشك وإلا وجبت عليه الطهارة والطواف بمعنى استينافه بعدها.
(مسألة 681) إذا شك في الطهارة بعد الفراغ من الطواف لم يعتنِ بالشك، وإن كانت الإعادة أحوط، ولكن تجب الطهارة لصلاة الطواف.
(مسألة 682) إذا لم يتمكن المكلف من الوضوء تيمم وأتى بالطواف، وإذا لم يتمكن من التيمم أيضاً جرى عليه حكم من لم يتمكن من أصل الطواف. فإذا حصل له اليأس من التمكن لزمته الاستنابة للطواف والأحوط الأَولى أن يأتي هو أيضاً بالطواف من غير طهارة.
(مسألة 683) يجب على الحائض والنفساء بعد انقضاء أيامها وعلى المجنب الاغتسال للطواف يعني الإتيان بغسل الجنابة أو الحيض أو النفاس نفسه ومع تعذر الاغتسال واليأس من التمكن منه يجب الطواف مع التيمم والأحوط الأَولى حينئذ الإستنابة أيضاً ومع تعذر التيمم تتعين الإستنابة.
(مسألة 684) إذا حاضت المرأة في عمرة التمتع حال الإحرام أو بعده وقد وسع الوقت لأداء أعمالها صبرت إلى أن تطهر فتغتسل وتأتي بأعمالها. وإن لم يسع الوقت فللمسألة صورتان:
الأُولى: أن يكون حيضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم ففي هذه الصورة ينقلب حجها إلى الإفراد وبعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة إن تمكنت منها.
الثانية: أن يكون حيضها بعد الإحرام، ففي هذه الصورة تتخير بين الإتيان
ــــــ[192]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بحج الإفراد كما في الصورة الأُولى وبين أن تأتي بأعمال عمرة التمتع من دون طواف فتسعى وتقصر ثم تحرم للحج وبعد ما ترجع إلى مكة بعد الفراغ من أعمال منى تقضي طواف العمرة قبل طواف الحج. وفيما إذا تيقنت ببقاء حيضها وعدم تمكنها من الطواف حتى بعد رجوعها من منى استنابت لطوافها، ثم أتت بالسعي بنفسها ثم أن اليوم الذي يجب عليها الاستظهار فيه بحكم أيام الحيض فيجري عليه حكمها.
(مسألة 685) إذا حاضت المحرمة أثناء طوافها فالمشهور على أن طروء الحيض إذا كان قبل أن تتجاوز النصف بطل طوافها، وإذا كان بعده ما أتت به ووجب عليها إتمامه بعد الطهر والاغتسال والأحوط في كلتا الصورتين أن تأتي بعد طهرها بطواف كامل تنوي به الأعم من التمام والإتمام. هذا فيما إذا وسع الوقت، وإلا سعت وقصرت وأحرمت للحج ولزمها الإتيان بقضاء طوافها بعد الرجوع من منى وقبل طواف الحج على النحو الذي ذكرناه.
(مسألة 686) إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطواف وقبل الإتيان بصلاة الطواف صح طوافها وأتت بالصلاة بعد طهرها واغتسالها وإن ضاق الوقت سعت وقصرت وقضت الصلاة قبل طواف الحج.
(مسألة 687) إذا طافت المرأة وصلّت ثم شعرت بالحيض ولم تدرِ أنه كان قبل الطواف أو قبل الصلاة أو في أثنائها أو أنه حدث بعد الصلاة بنت على صحة الطواف والصلاة وإذا علمت أن حدوثه كان قبل الصلاة وضاق الوقت سعت وقصرت وأخرت الصلاة إلى أن تطهر وقد تمت عمرتها.
(مسألة 688) إذا دخلت المرأة مكة وكانت متمكنة من أعمال العمرة ولكنها أخرتها إلى أن حاضت حتى ضاق الوقت مع العلم والعمد فالظاهر فساد عمرتها والأحوط أن تعدل إلى حج الإفراد والأحوط استحباباً إعادة الحج في السنة القادمة.
ــــــ[193]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 689) الطواف المندوب لا تعتبر فيه الطهارة فيصح بغير طهارة ولكن صلاته لا تصح إلا عن طهارة.
(مسألة 690) المعذور يكتفي بطهارته العذرية كالمجبور والمسلوس أما المبطون فالأحوط استحباباً أن يجمع مع التمكن بين الطواف بنفسه والإستنابة، وأما المستحاضة فالأحوط لها أن تتوضأ لكل من الطواف وصلاته إن كانت الإستحاضة قليلة وعلمت بنزول الدم بعد الطواف وإلا لم يكن عليها وضوء. والمتوسطة تعمل عملها الاعتيادي لصلاة الصبح وتتوضأ احتياطاً للطواف ويكفيها للصلاة إلا إذا علمت بنزول الدم. والمستحاضة الكثيرة كذلك تعمل عملها الاعتيادي وتتوضأ مع العلم بنزول الدم.
الثالثة: من الأمور المعتبرة في الطواف الطهارة من الخبث، فلا يصح الطواف مع نجاسة البدن أو اللباس، والنجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم لا يكون معفواً عنها في الطواف على الأحوط إلا ما دعت إليه الضرورة أو المشقة.
(مسألة 691) لا بأس بدم القروح والجروح فيما يشق الاجتناب عنه ولا تجب إزالته عن الثوب والبدن في الطواف كما لا بأس بالمحمول المتنجس. أما نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه فالأحوط فيها الاجتناب.
(مسألة 692) إذا لم يعلم نجاسة بدنه أو ثيابه ثم علم بعد الفراغ من الطواف صح طوافه فلا حاجة إلى إعادته، وكذلك تصح صلاة الطواف إذا لم يعلم بالنجاسة إلى أن فرغ منها.
(مسألة 693) إذا نسي نجاسة بدنه أو ثيابه ثم تذكرها بعد طوافه أعاده على الأحوط، وإذا تذكرها بعد صلاة الطواف أعادها معه.
(مسألة 694) إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه وعلم بها أثناء الطواف أو طرأت النجاسة عليه قبل فراغه من الطواف. فإن كان معه ثوب طاهر مكانه طرح
ــــــ[194]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الثوب النجس وأتم طوافه في ثوب طاهر وإن لم يكن معه ثوب طاهر فإن كان ذلك بعد إتمام الشوط الرابع من الطواف لزمه الإتيان بما بقي منه بعد إزالة النجاسة. وإن كان العلم بالنجاسة أو طرؤها عليه قبل إكمال الشوط الرابع قطع طوافه وأزال النجاسة ويأتي بطواف كامل بقصد الأعم من التمام والإتمام على الأحوط استحباباً والأظهر تعين الإتمام.
الرابع: الختان للرجال والأحوط بل الأظهر اعتباره في الصبي المميز أيضاً، إذا أحرم بنفسه، وأما إذا كان الصبي غير مميز أو كان إحرامه من وليه فاعتبار الختان في طوافه غير ظاهر وإن كان الاعتبار أحوط.
(مسألة 695) إذا طاف المحرم غير مختون بالغاً كان أو صبياً مميزاً فلا يجتزي بطوافه فإن لم يعده مختوناً فهو كتارك الطواف يجري فيه ما لهُ من الأحكام الآتية.
(مسألة 696) إذا استطاع المكلف الحج وهو غير مختون فإن أمكنه الختان والحج في سنة الاستطاعة وجب ذلك وإلا أخر الحج إلى السنة القادمة، فإن لم يمكنه الختان أصلاً لضرر أو حرج أو نحو ذلك فاللازم عليه الحج لكن الأحوط أن يطوف بنفسه في عمرته وحجه ويستنيب أيضاً من يطوف عنه ويصلي هو صلاة الطواف بعد طواف النائب.
الخامس: ستر العورة حال الطواف على الأحوط ويعتبر في الساتر الإباحة. والأحوط اعتبار جميع شرائط لباس المصلي فيه.
ــــــ[195]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
واجبات الطواف
تعتبر في الطواف أمور سبعة:
الأول: الابتداء من الحجر الأسود، والأحوط الأَولى أن يمر جميع بدنه على جميع الحجر ويكفي في الاحتياط أن يقف دون الحجر بقليل فينوي الطواف من الموضع الذي تتحقق فيه المحاذاة واقعاً على أن تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية.
الثاني: الانتهاء في كل شوط بالحجر الأسود ويحتاط في الشوط الأخير بتجاوزه عن الحجر بقليل على أن تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية.
الثالث: جعل الكعبة على يساره في جميع أحوال الطواف فإذا استقبل الطائف الكعبة لتقبيل الأركان أو لغيره أو ألجأه الزحام إلى استقبال الكعبة أو استدبارها أو جعلها على اليمين فذلك المقدار لا يعد من الطواف فيرجع بمقدار ما فاته ويستمر ولا يجب أن يرجع متقهقراً وإن كان أحوط مع الإمكان، والظاهر أن العبرة في جعل الكعبة على اليسار بالصدق العرفي كما يظهر ذلك من طواف النبي راكباً، والأَولى استحباباً مع الإمكان المداقة في ذلك ولا سيما عند منحنى حجر إسماعيل وعند الأركان.
الرابع: إدخال حجر إسماعيل في المطاف بمعنى أن يطوف حول الحجر من دون أن يدخل فيه.
الخامس: خروج الطائف عن الكعبة وعن الصفة التي في أطرافها المسماة بـ(الشاذروان).
السادس: أن يطوف بالبيت سبع مرات متواليات عرفاً ولا يجزي الأقل
ــــــ[196]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
من السبع ويبطل الطواف بالزيادة على السبع عمداً كما سيأتي.
السابع: الطواف بين الكعبة ومقام إبراهيم وهو متعين مع الإمكان وقلة الطائفين. وأما مع اتصال الطائفين بعد المقام فيسقط هذا الشرط على أن لا يتجاوز مساحة المسجد الحرام على حاله الذي كان عليه على عهد المعصومين.
الخروج عن المطاف
(مسألة 697) إذا خرج الطائف عن المطاف فدخل الكعبة بطل طوافه ولزمته الإعادة. والأَولى إتمام الطواف ثم إعادته إذا كان الخروج بعد تجاوز النصف.
(مسألة 698) إذا تجاوز عن مطافه إلى (الشاذروان) بطل طوافه بالنسبة إلى المقدار الخارج عن المطاف. والأحوط إتمام الطواف بعد تدارك ذلك بالمقدار ثم إعادته على الأحوط استحباباً، والأحوط أن لا يمد يده حال طوافه من جانب (الشاذروان) إلى جدار الكعبة لاستلام الأركان أو غيره.
(مسألة 699) إذا دخل الطائف حجر إسماعيل بطل الشوط الذي وقع ذلك فيه فلا بد من إعادته والأَولى إعادة الطواف بعد إتمامه هذا مع بقاء الموالاة وأما مع عدمها فالطواف محكوم بالبطلان وإن كان ذلك عن جهل أو نسيان وفي حكم دخول الحجر التسلق على حائطه على الأحوط. بل الأحوط أن لا يضع الطائف يده على حائط الحجر أيضاً.
(مسألة 700) إذا خرج الطائف من المطاف إلى الخارج قبل تجاوزه النصف من دون عذر فإن فاتته الموالاة العرفية بطل طوافه ولزمته إعادته وإن لم تفتِ الموالاة أو كان خروجه بعد تجاوز النصف فالأحوط استحباباً بعد إتمام الطواف إعادته.
(مسألة 701) إذا أحدث أثناء طوافه جاز له أن يخرج ويتطهر ثم يرجع ويتم
ــــــ[197]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
طوافه على ما تقدم وكذلك الخروج لإزالة النجاسة من بدنه أو ثيابه. ولو حاضت المرأة أثناء طوافها وجب عليها قطعه والخروج من المسجد الحرام فوراً، وقد مر حكم طواف هؤلاء في شرائط الطواف.
(مسألة 702) إذا التجأ الطائف إلى قطع طوافه وخروجه من المطاف لصداع أو وجع في البطن أو نحو ذلك فإن كان ذلك قبل إتمامه الشوط الرابع بطل طوافه ويجب عليه أن يستنيب للمقدار الباقي ويحتاط بالإتمام والإعادة بعد زوال العذر.
(مسألة 703) يجوز للطائف أن يخرج من المطاف لعيادة مريض أو لقضاء حاجة لنفسه أو لأحد إخوانه المؤمنين أو لصلاة فريضة في أول وقتها أو لصلاة الليل في آخر وقتها ولكن تلزمه الإعادة إذا كان الطواف فريضة وكان ما أتى به شوطاً أو شوطين. وأما إذا كان خروجه بعد ثلاثة أشواط فله أن يتمه ولكن الأحوط أن يأتي بعد رجوعه بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام والإتمام.
(مسألة 704) يجوز الجلوس أثناء الطواف للاستراحة ولكن لا بد أن يكون مقداره بحيث لا يفوت به الموالاة العرفية فإن زاد على ذلك بطل طوافه ولزمه الاستئناف.
النقصان في الطواف
(مسألة 705) إذا نقص من طوافه عمداً فإن فاتت الموالاة قبل بلوغ النصف بطل طوافه وإلا جاز له الإتمام ما لم يخرج من المطاف اختياراً وأما لحاجة ضرورية أو مستحبة فلا بأس.
(مسألة 706) إذا نقص من طوافه سهواً فإن تذكره قبل فوات الموالاة ولم يخرج بعد من الطواف أتى الباقي وصح طوافه. وأما إذا كان تذكره بعد فوات الموالاة أو بعد خروجه من المطاف فإن كان المنسي شوطاً واحداً أتى به وصح طوافه أيضاً. وإن لم يتمكن من الإتيان به بنفسه ولو لأجل أن تذكره كان بعد إيابه إلى
ــــــ[198]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بلده استناب غيره. وإن كان المنسي أكثر من شوط واحد وأقل من أربعة رجع وأتم ما نقص، والأحوط استحباباً إعادة الطواف بعد الإتمام وإن كان المنسي أربعة أو أكثر بحيث لم يأتِ بنصف الطواف فعليه الإعادة والأحوط الإتمام ثم الإعادة.
الزيادة في الطواف
للزيادة في الطواف خمس صور:
الأُولى: أن لا يقصد الطائف جزئية الزائد للطواف الذي بيده أو لطواف آخر ففي هذه الصورة لا يبطل الطواف بالزيادة.
الثانية: أن يقصد حين شروعه في الطواف أو في أثنائه الإتيان بالزائد على أن يكون جزءاً من طوافه الذي بيده بنحو التشريع المحرم ولا إشكال في بطلان طوافه حينئذ ولزوم إعادته.
الثالثة: أن يأتي بالزائد على أن يكون جزءاً من طوافه الذي فرغ منه، بمعنى أن يكون قصد الجزئية بعد فراغه من الطواف والأحوط في هذه الصورة أيضاً البطلان وليعد طوافه رجاء المطلوبية.
الرابعة: أن يقصد جزئية الزائد لطواف آخر ويتم الطواف الثاني والزيادة في هذه الصورة وإن لم تكن متحققة حقيقة إلا أن الأحوط بل الأظهر فيها البطلان وذلك من جهة القران بين الطوافين في الفريضة مع قصد الثاني مصداقاً لها وإلا صح الأول بلا إشكال.
الخامسة: أن يقصد جزئية الزائد لطواف آخر ولا يتم الطواف الثاني من باب الاتفاق فلا زيادة ولا قران إلا أنه قد يبطل الطواف فيها لعدم تأتِّي قصد القربة وذلك فيما إذا قصد المكلف الزيادة عند ابتدائه بالطواف أو في أثنائه مع علمه بحرمة القران وبطلان الطواف به فإنه لا يتحقق قصد القربة حينئذ وإن لم يتحقق
ــــــ[199]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
القران خارجاً من باب الاتفاق.
(مسألة 707) إذا زاد في طوافه سهواً فإن كان الزائد أقل من شوط قطعه وصح طوافه. وإن كان شوطاً واحداً أو أكثر فالأحوط أن يتم الزائد ويجعله طوافاً كاملاً بقصد القربة المطلقة.
الشك في عدد الأشواط
(مسألة 708) إذا شك في عدد الأشواط بعد الفراغ من الطواف والتجاوز من محله لم يعتنِ بالشك كما إذا كان شكه في صلاة الطواف أو شعر بالانتهاء منه والإتيان ببعض الأعمال الأخرى كالمشي على أنه أتمه.
(مسألة 709) إذا تيقن بالسبعة وشك في الزائد كما إذا احتمل أن يكون الشوط الأخير هو الثامن لم يعتنِ بالشك وصح طوافه إلا أن يكون شكه هذا قبل تمام الشوط الأخير فيكمله طوافاً آخر رجاء ولا شيء عليه. والأحوط إتمامه رجاء وإعادته.
(مسألة 710) إذا شك في عدد الأشواط كما إذا شك بين السادس والسابع أو بين الخامس والسادس وكذلك الأعداد السابقة حكم ببطلان طوافه وكذلك إذا شك في الزيادة والنقصان معاً كما إذا شك في أن شوطه الأخير هو السادس أو الثامن.
(مسألة 711) إذا شك بين السادس والسابع وبنى على السادس جهلاً منه بالحكم وأتم طوافه لزمه الاستئناف. وإن استمر جهله إلى أن فاته زمان التدارك فالأحوط الاستنابة فيه مع تعذر التدارك.
(مسألة 712) يجوز للطائف أن يتكل على إحصاء صاحبه في حفظ عدد أشواطه إذا كان صاحبه على يقين أو اطمئنان من عددها.
ــــــ[200]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 713) إذا شك في الطواف المندوب بنى على الأقل وصح طوافه.
(مسألة 714) إذا ترك الطواف نسياناً وجب تداركه بعد التذكر فإن تذكره بعد فوات محله قضاه وصح حجه، والأحوط استحباباً إعادة السعي بعد قضاء الطواف، وإذا تذكره في وقت لا يتمكن من القضاء أيضاً كما إذا تذكره بعد رجوعه إلى بلده وجبت عليه الإستنابة والأحوط استحباباً أن يأتي النائب بالسعي أيضاً بعد الطواف.
(مسألة 715) إذا نسي الطواف حتى رجع إلى بلده وواقع أهله لزمه مضافاً إلى الاستنابة في الطواف الفائت بعث هدي إلى منى إن كان المنسي طواف الحج وإلى مكة إن كان المنسي طواف العمرة ويكفي في الهدي أن يكون شاة.
(مسألة 716) إذا نسي الطواف وتذكره في زمان يمكنه القضاء قضاه بإحرامه الأول من دون حاجة إلى تجديد الإحرام. نعم إذا كان قد خرج من مكة ومضى عليه شهر أو أكثر لزمه الإحرام لدخول مكة كما مر ثم يتحلل بعمرة مفردة.
(مسألة 717) لا يحل لناسي الطواف ما كان حله متوقفاً عليه حتى يقضيه بنفسه أو بنائبه.
(مسألة 718) إذا لم يتمكن من الطواف بنفسه لمرض أو كسر وأشباه ذلك لزمته الاستعانة بالغير في طوافه ولو بأن يطوف راكباً على متن رجل آخر. وإذا لم يتمكن من ذلك أيضاً وجبت عليه الاستنابة فيطاف عنه. وكذلك الحال بالنسبة إلى صلاة الطواف فيأتي المكلف بها مع التمكن ولو إيماء ويستنيب لها مع عدمه. (وقد تقدم حكم الحائض والنفساء في شرائط الطواف).
ــــــ[201]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
صلاة الطواف
وهي الواجب الثالث من واجبات عمرة التمتع وهي ركعتان يؤتى بهما عقيب الطواف، كصلاة الفجر ولكنه مخير في قرائتها بين الجهر والإخفات ويجب الإتيان بها قريباً من مقام إبراهيم والأحوط بل الأظهر لزوم الإتيان بها خلف المقام فإن لم يتمكن صلى في أي مكان من المسجد مراعياً الأقرب فالأقرب إلى المقام على الأحوط هذا في طواف الفريضة أما في الطواف المستحب فيجوز الإتيان بصلاته في أي موضع من المسجد اختياراً.
(مسألة 719) من ترك صلاة الطواف عالماً عامداً بطل حجه.
(مسألة 720) تجب المبادرة مع الإمكان إلى الصلاة بعد الطواف بمعنى أن لا يفصل بين الطواف والصلاة عرفاً.
(مسألة 721) إذا نسي صلاة الطواف وذكرها بعد السعي أتى بها ولا تجب إعادة السعي بعدها وإن كانت الإعادة أحوط وإذا ذكرها في أثناء السعي قطعه فأتى بالصلاة في المقام ثم رجع وأتم السعي حيثما قطع. وإذا ذكرها بعد خروجه من مكة لزمه الرجوع والإتيان بها في محلها فإن لم يتمكن من الرجوع أتى بها في أي موضوع ذكرها فيه، نعم إذا تمكن من الرجوع إلى الحرم رجع إليه وأتى بالصلاة فيه على الأحوط الأَولى. وحكم التارك لصلاة الطواف جهلاً حكم الناسي ولا فرق في الجاهل بين القاصر والمقصر.
(مسألة 722) إذا نسي صلاة الطواف حتى مات وجب على الولي قضاؤها.
(مسألة 723) إذا كان في قراءة المصلي لحن فإن لم يكن متمكناً من تصحيحها فلا إشكال في اجتزائه بما يتمكن منه في صلاة الطواف وغيرها. وأما إذا تمكن من التصحيح لزمه ذلك فإن أهمل حتى ضاق الوقت عن تصحيحه فالأحوط أن يأتي بصلاة الطواف حسب إمكانه وأن يصليها جماعة إذا كانت
ــــــ[202]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
لصلاة الجماعة منفعة للنقص في القراءة أو بالشك في الركعات وإن لم يمكنه الجماعة استناب لها.
(مسألة 724) إذا كان جاهلاً باللحن في قراءته وكان معذوراً في جهله صحت صلاته ولا حاجة إلى الإعادة حتى إذا علم بذلك بعد الصلاة. وأما إذا لم يكن معذوراً فاللازم عليه إعادتها بعد التصحيح ويجري عليه حكم تارك صلاة الطواف نسياناً.
السعي
وهو الرابع من واجبات عمرة التمتع وهو أيضاً من الأركان، ولو تركه عمداً بطل حجه سواء في ذلك العلم بالحكم والجهل به وعليه الحج في العام القادم ويعتبر فيه قصد القربة، ولا يعتبر فيه ستر العورة ولا الطهارة من الحدث أو الخبث والأَولى رعاية الطهارة فيه.
(مسألة 725) محل السعي إنما هو بعد الطواف وصلاته، فلو قدّمه على الطواف أو على صلاته عمداً وجبت عليه الإعادة بعدهما وقد تقدم حكم من نسي الطواف وتذكره بعد سعيه.
(مسألة 726) يعتبر في السعي النية بأن يأتي به عن العمرة إن كان في العمرة وعن الحج إن كان في الحج قاصداً به القربة إلى الله تعالى.
(مسألة 727) يبدأ بالسعي من أول جزء من الصفا، ثم يذهب بعد ذلك إلى المروة وهذا يعد شوطاً واحداً ثم يبدأ من المروة راجعاً إلى الصفا إلى أن يصل إليه فيكون الإياب شوطاً آخر وهكذا يصنع إلى أن يختم السعي بالشوط السابع في المروة.
(مسألة 728) لو بدأ بالمروة قبل الصفا فإن كان في شوطه الأول ألغاه وشرع من الصفا، وإن كان بعده ألغى ما بيده واستأنف السعي من الأول.
ــــــ[203]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 729) لا يعتبر في السعي المشي راجلاً فيجوز السعي راكباً على حيوان مما هو متعارف الركوب أو على متن إنسان مما هو غير متعارف الركوب لكن لا يصار إليه إلا مع الضرورة والانحصار. ولكن يلزم على المكلف أن يكون ابتداء سعيه من الصفا واختتامه بالمروة.
(مسألة 730) يعتبر في السعي أن يكون ذهابه وإيابه – فيما بين الصفا والمروة – من الطريق المتعارف فلا يجزي الذهاب أو الإياب من المسجد الحرام أو أي طريق آخر نعم لا يعتبر أن يكون ذهابه وإيابه بالخط المستقيم تماماً وإن كان أحوط.
(مسألة 731) يجب استقبال المروة عند الذهاب إليها كما يجب استقبال الصفا عند الرجوع من المروة إليه فلو استدبر المروة عند الذهاب إليها أو استدبر الصفا عند الإياب من المروة لم يجزئه ذلك الشوط ولا بأس بالالتفات إلى اليمين أو اليسار أو الخلف عند الذهاب كما لا بأس بها عند الاستراحة وعند الانتهاء من أحد الأشواط.
(مسألة 732) يجوز الجلوس على الصفا أو المروة أو فيما بينهما للاستراحة، وإن كان الأحوط ترك الجلوس فيما بينهما.
أحكام السعي
تقدم أن السعي من أركان الحج فلو تركه عمداً عالماً بالحكم أو جاهلاً به أو بالموضوع إلى زمان لا يمكنه التدارك قبل الوقوف بعرفات بطل حجه ولزمته الإعادة من قابل. والأظهر أنه يبطل إحرامه أيضاً وإن كان الأحوط الأَولى العدول إلى الإفراد وإتمامه بقصد الأعم منه ومن العمرة المفردة.
(مسألة 733) لو ترك السعي ناسياً أتى به حيثما ذكره وإن كان تذكره بعد فراغه من أعمال الحج فإن لم يتمكن منه مباشرة أو كان فيه حرج أو مشقة لزمته
ــــــ[204]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الإستنابة ويصح حجه في كلتا الصورتين.
(مسألة 734) من لم يتمكن من السعي بنفسه ولو بحمله على متن إنسان أو حيوان ونحو ذلك استناب غيره فيسعى عنه ويصح حجه.
(مسألة 735) الأحوط أن لا يؤخر السعي عن الطواف وصلاته بمقدار يعتد به من غير ضرورة كشدة الحر أو التعب وإن كان الأقوى جواز تأخيره إلى الليل، نعم لا يجوز تأخيره إلى الغد في حال الاختيار.
(مسألة 736) حكم الزيادة في السعي حكم الزيادة في الطواف فيبطل السعي إذا كانت الزيادة عن علم وعمد (على ما تقدم في الطواف) نعم إذا كان جاهلاً بالحكم فالأظهر عدم بطلان السعي بالزيادة وإن كانت الإعادة أحوط.
(مسألة 737) إذا زاد في سعيه خطأ صح سعيه ولكن الزائد إذا كان شوطاً كاملاً يستحب له أن يضيف إليه ستة أشواط ليكون سعياً كاملاً غير سعيه الأول فيكون انتهاؤه إلى الصفا. ولا بأس بالإتمام رجاءاً إذا كان الزائد أكثر من شوط واحد.
(مسألة 738) إذا نقص من أشواط السعي عامداً عالماً بالحكم أو جاهلاً به ولم يمكنه تداركه إلى زمان الوقوف بعرفات فسد حجه ولزمته الإعادة من قابل إن كان الحج الأول واجباً والظاهر بطلان إحرامه أيضاً. وإن كان الأَولى العدول إلى حج الإفراد وإتمامه بنية الأعم من الحج والعمرة المفردة وأما إذا كان النقص نسياناً فإن كان بعد الشوط الرابع وجب عليه تدارك الباقي حيثما تذكر ولو كان ذلك بعد الفراغ من أعمال الحج. وتجب عليه الاستنابة لذلك إذا لم يتمكن بنفسه من التدارك أو تعسر عليه ذلك ولو لأجل أن تذكره كان بعد رجوعه إلى بلده والأحوط حينئذ أن يأتي النائب بسعي كامل ينوي به فراغ ذمة المنوب عنه بالإتمام أو بالتمام. وأما إذا كان نسيانه قبل تمام الشوط الرابع فالأحوط أن يأتي بسعي كامل يقصد به الأعم من التمام والإتمام. ومع التعسر يستنيب لذلك.
(مسألة 739) إذا نقص شيئاً من السعي في عمرة التمتع نسياناً فأتى أهله أو ــــــ[205]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
قلم أظافره لاعتقاده الفراغ من السعي فالأحوط بل الأظهر لزوم التكفير عن ذلك ببقرة ويلزمه إتمام السعي على النحو الذي ذكرناه.
الشك في السعي
لا اعتبار بالشك في عدد أشواط السعي بعد التقصير وذهب جمع من الفقهاء إلى عدم الاعتناء بالشك بعد انصرافه من السعي وإن كان الشك قبل التقصير ولكن الأحوط استحباباً لزوم الاعتناء به حينئذ.
(مسألة 740) إذا شك وهو على المروة في أن شوطه الأخير كان هو السابع أو التاسع فلا اعتبار بشكه ويصح سعيه. وأما إذا كان هذا الشك أثناء الشوط بطل سعيه ووجب عليه الاستئناف.
(مسألة 741) حكم الشك في عدد الأشواط من السعي حكم السعي في عدد الأشواط من الطواف فإذا شك في عددها بطل سعيه.
التقصير
وهو الواجب الخامس في عمرة التمتع. ومعناه أخذ شيء من ظفر يده أو رجله أو شعر رأسه أو لحيته أو شاربه ويعتبر فيه قصد القربة ولا يكفي النتف عن التقصير.
(مسألة 742) يتعين التقصير في إحلال عمرة التمتع ولا يجزئ عنه حلق الرأس بل يحرم الحلق عليه وإذا حلق لزمه التكفير عنه بشاة إذا كان عالماً عامداً بل مطلقاً على الأحوط.
(مسألة 743) إذا جامع بعد السعي وقبل التقصير جاهلاً بالحكم فعليه كفارة بُدنَة.
ــــــ[206]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 744) يحرم التقصير قبل الفراغ من السعي فلو فعله عالماً عامداً لزمته الكفارة.
(مسألة 745) لا تجب المبادرة إلى التقصير بعد السعي فيجوز في أي محل شاء سواء كان في المسعى أو في منزله أو غيرهما.
(مسألة 746) إذا ترك التقصير عمداً فأحرم للحج بطلت عمرته والظاهر أن حجه ينقلب إلى الإفراد فيأتي بعمرة مفردة بعده والأحوط أن يذبح للهدي أيضاً برجاء المطلوبية والأحوط إعادة الحج في السنة القادمة.
(مسألة 747) إذا ترك التقصير نسياناً فأحرم للحج صحت عمرته، والأحوط التكفير عن ذلك بشاة.
(مسألة 748) إذا قصر المحرم في عمرة التمتع حل له جميع ما كان يحرم عليه من جهة إحرامه ما عدا الحلق ففيه تفصيل. وهو أن المكلف إذا أتى بعمرة التمتع في شهر شوال جاز له الحلق إلى مضي ثلاثين يوماً من يوم عيد الفطر وأما بعده فالأحوط أن لا يحلق، فإذا حلق فالأحوط التكفير عنه بشاة إذا كان عن علم وعمد.
(مسألة 749) لا يجب طواف النساء في عمرة التمتع ولا بأس بالإتيان به رجاءاً. وقد نقل شيخنا الشهيد وجوبه عن بعض العلماء.
ــــــ[207]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
إحرام الحج
تقدم أن واجبات الحج ثلاثة عشر ذكرناها مجملة وإليك تفصيلها:
الأول: الإحرام، وأفضل أوقاته يوم التروية ويجوز التقديم عليه بثلاثة أيام، ولا سيما بالنسبة إلى الشيخ الكبير والمريض إذا خافا من الزحام، فيحرمان قبل خروج الناس. وتقدم جواز الخروج من مكة محرماً بالحج لضرورة بعد الفراغ من العمرة في أي وقت كان.
(مسألة 750) كما لا يجوز للمعتمر إحرام الحج قبل التقصير لا يجوز للحاج أن يحرم للعمرة المفردة قبل إتمام أعمال الحج. نعم لا مانع منه بعد إتمام النسك قبل طواف النساء.
(مسألة 751) يتضيق وقت الإحرام فيما إذا استلزم تأخيره فوات الوقوف بعرفات يوم عرفة.
(مسألة 752) يتحد إحرام الحج وإحرام العمرة في كيفيتة وواجباته ومحرماته والاختلاف بينهما إنما هو في النية فقط.
(مسألة 753) للمكلف أن يحرم للحج من مكة من أي موضع شاء.
ويستحب له الإحرام من المسجد الحرام في مقام إبراهيم. أو حجر إسماعيل.
(مسألة 754) من ترك الإحرام نسياناً أو جهلاً منه بالحكم إلى أن خرج من مكة، ثم تذكر أو علم بالحكم وجب عليه الرجوع إلى مكة ولو من عرفات للإحرام منها. فإن لم يتمكن من الرجوع لضيق الوقت أو لعذر آخر فإنه يحرم في الموقع الذي هو فيه وكذلك لو تذكر أو علم بالحكم بعد الوقوف بعرفات وإن تمكن من العود إلى مكة والإحرام منها ولو لم يتذكر ولم يعلم بالحكم إلى أن فرغ من الحج صح حجه.
ــــــ[208]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 755) من ترك الإحرام عالماً عامداً لزمه التدارك فإن لم يتمكن منه قبل الوقوف بعرفات فسد حجه ولزمته الإعادة من قابل.
(مسألة 756) الأحوط أن لا يطوف المتمتع بعد إحرام الحج قبل الخروج إلى عرفات طوافاً مندوباً فلو طاف جدد التلبية بعد الطواف على الأحوط.
الوقوف بعرفات
الثاني: من الواجبات حج التمتع الوقوف بعرفات بقصد القربة والمراد بالوقوف هو الحضور بعرفات من دون فرق بين أن يكون راكباً أو راجلاً ساكناً أو متحركاً.
(مسألة 757) حد عرفات من بطن عرنة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز، ومن المازمين إلى أقصى الموقف وهذه حدود عرفات وخارجه عن الموقف.
(مسألة 758) الظاهر أن الجبل موقف ولكن يكره الوقوف عليه ويستحب الوقوف في السفح من ميسرة الجبل.
(مسألة 759) يعتبر في الوقوف أن يكون عن اختيار فلو نام أو غشي عليه هناك في جميع الوقت لم يتحقق منه الوقوف.
(مسألة 760) الأحوط للمختار أن يقف في عرفات من أول ظهر التاسع من ذي الحجة إلى الغروب والأظهر جواز تأخيره إلى بعد الظهر بساعة تقريباً. والوقوف في تمام هذا الوقت وإن كان واجباً يأثم المكلف بتركه إلا أنه ليس من الأركان بمعنى أن من ترك الوقوف في مقدار من هذا الوقت لا يفسد حجه. نعم لوترك الوقوف رأساً باختياره فسد حجه فما هو الركن من الوقوف وهو الوقوف في الجملة.
(مسألة 761) من لم يدرك الوقوف الاختياري (الوقوف في النهار) لنسيان أو ــــــ[209]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
لجهل يعذر فيه أو لغيرهما من الأعذار لزمه الوقوف الاضطراري (الوقوف برهة من ليلة العيد). وصح حجه، فإن تركه متعمداً فسد حجه.
(مسألة 762) تحرم الإفاضة من عرفات قبل غروب الشمس عالماً عامداً، لكنها لا تفسد الحج فإذا ندم ورجع إلى عرفات فلا شيء عليه، وإلا كانت عليه كفارة بدنه ينحرها في منى، فإن لم يتمكن منها صام ثمانية عشر يوماً متواليات. ويجري هذا الحكم في من أفاض من عرفات نسياناً أو جهلاً منه بالحكم فيجب عليه الرجوع بعد العلم أو التذكر فإن لم يرجع حينئذ فعليه الكفارة على الأحوط.
(مسألة 763) إذا ثبت الهلال عند قاضي أهل السنة، وحكم على طبقه، ولم يثبت عند الشيعة ففيه صورتان: الأُولى: ما إذا احتملت مطابقة الحكم للواقع فعندئذ – وجبت متابعتهم والوقوف معهم وترتبت جميع آثار ثبوت الهلال الراجعة إلى مناسك حجه من الوقوفين وأعمال منى يوم النحر وغيرها، ويجزئ هذا في الحج على الأظهر، ومن خالف ما تقتضيه التقية بتسويل نفسه أن الاحتياط في مخالفتهم ارتكب محرماً وفسد وقوفه. ولكن إن كان وقوفه سراً صح وخاصة إذا جمع بين العملين التقية والواقع. الثانية: ما إذا فرض العلم بالخلاف، وأن اليوم الذي حكم القاضي بأنه يوم عرفة هو يوم التروي ة واقعاً ففي هذه الصورة لا يجزئ الوقوف معهم، فإن تمكن المكلف من العمل بالوظيفة والحال هذه، ولو بأن يأتي بالوقوف الاضطراري في المزدلفة دون أن يترتب عليه أي محذور (ولو كان المحذور مخالفة التقية) عمل بوظيفته، وإلا بدل حجه بالعمرة المفردة ولا حج له، فإن كانت استطاعته من السنة الحاضرة ولم تبق بعدها سقط عنه الوجوب إلا إذا طرأت عليه الاستطاعة من جديد.
ــــــ[210]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الوقوف في المزدلفة
وهو الثالث من واجبات حج التمتع – والمزدلفة اسم لمكان يقال له المشعر الحرام – وحد الموقف من المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر وهذه كلها حدود المشعر وليس بموقف إلا عند الزحام وضيق الوقت فيرتفعون إلى المأزمين ويعتبر فيه قصد القربة.
(مسألة 764) إذا أفاض الحاج من عرفات فالأحوط أن يبيت ليلة العيد في المزدلفة وإن كان لم يثبت وجوبها.
(مسألة 765) يجب الوقوف في المزدلفة من طلوع الفجر يوم العيد إلى طلوع الشمس. لكن الركن منه هو الوقوف في الجملة، فإذا وقف مقداراً ما بين الطلوعين ولم يقف الباقي ولو متعمداً صح حجه وإن ارتكب مُحرماً.
(مسألة 766) من ترك الوقوف فيما بين الفجر وطلوع الشمس رأساً فسد حجه. ويستثنى من ذلك النساء والصبيان والخائف والضعفاء كالشيوخ والمرضى فيجوز لهم حينئذ الوقوف في المزدلفة ليلة العيد والإفاضة منها قبل طلوع الفجر إلى منى.
(مسألة 767) من وقف في المزدلفة ليلة العيد وأفاض منها قبل طلوع الفجر جهلاً منه بالحكم صح حجه على الأظهر وعليه كفارة شاة.
(مسألة 768) من لم يتمكن من الوقوف الاختياري (الوقوف فيما بين الطلوعين) في المزدلفة لنسيان أو لعذر آخر أجزأه الوقوف الاضطراري (الوقوف وقتاً ما) بعد طلوع الشمس إلى زوال يوم العيد، ولو تركه عندئذ عمداً فسد حجه.
ــــــ[211]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
إدراك الوقوفين أو أحدهما
تقدم أن كلاً من الوقوفين (الوقوف في عرفات والوقوف في المزدلفة) ينقسم إلى قسمين اختياري واضطراري فإذا أدرك المكلف الاختياري من الوقوفين كليهما فلا إشكال، وإلا فله حالات:
الأُولى: أن لا يدرك شيئاً من الوقوفين الاختياري منهما والاضطراري أصلاً، ففي هذه الصورة يبطل حجه ويجب عليه الإتيان بعمرة مفردة بنفس إحرام الحج، ويجب عليه الحج في السنة القادمة فيما إذا كانت استطاعته باقية أو كان الحج مستقراً في ذمته. الثانية: أن يدرك الوقوف الاختياري في عرفات والاضطراري في المزدلفة. الثالثة: أن يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات والاختياري في المزدلفة. ففي هاتين الصورتين يصح حجه بلا إشكال. الرابعة: أن يدرك الوقوف الاضطراري في كل من عرفات والمزدلفة. والأظهر في هذه الصورة صحة حجه وإن كان الأحوط إعادته في السنة القادمة إذا بقيت شرائط الوجوب أو كان الحج مستقراً في ذمته. الخامسة: أن يدرك الوقوف الاختياري في المزدلفة فقط. ففي هذه الصورة يصح حجه أيضاً. السادسة: أن يدرك الوقوف الاضطراري في المزدلفة فقط ففي هذه الصورة لا تبعد صحة الحج إلا أن الأحوط أن يأتي ببقية الأعمال قاصداً فراغ ذمته عما تعلق بها ثم يعتمر عمرة مفردة رجاءاً أيضاً وأن يعيد الحج في السنة القادمة إن كان حجه الأول واجباً.
السابعة: أن يدرك الوقوف الاختياري في (عرفات) فقط. والأظهر في هذه الصورة بطلان الحج فينقلب حجه إلى العمرة المفردة فيقطع حجه ويأتي بها، ويستثنى من ذلك ما إذا كان عدم إدراكه الوقوف في المزدلفة ناشئاً من جهله بالحكم أو الموضوع وعبر المزدلفة في صبح العاشر أو ليلته أو بعد طلوع شمسه فإنه لا تبعد صحة حجه حينئذ ولا سيما إذا كان قد ذكر الله عند المشعر الحرام.
ــــــ[212]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ولكنه إن أمكنه الرجوع ولو إلى زوال الشمس من يوم العيد وجب ذلك وإن لم يمكنه فلا شيء عليه. نعم إذا لم يمكن عبور المزدلفة لم يصح حجه وعليه أن يعدل إلى العمرة المفردة. الثامنة: أن يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات فقط ففي هذه الصورة يبطل حجه فينقلب إلى العمرة المفردة.
منى وواجباتها
إذا أفاض المكلف من المزدلفة وجب عليه الرجوع إلى منى لأداء الأعمال الواجبة هناك. وهي – كما نذكرها تفصيلاً – ثلاثة:
1. رمي جمرة العقبة
وهو الرابع من واجبات الحج ويؤتى به يوم النحر ويعتبر فيه أمور:
(1) قصد القربة (2) أن يكون الرمي بسبع حصيات ولا يجزي الأقل من ذلك كما لا يجزي رمي غيرها من الأجسام (3) أن يكون رمي الحصيات واحدة بعد واحدة فلا يجزي رمي اثنين أو أكثر مرة واحدة (4) أن تصل الحصيات إلى الجمرة (5) أن يكون وصولها إلى الجمرة بسبب الرمي فلا يجزئ وضعها عليها والظاهر جواز الاجتزاء بما إذا رمى فلاقت الحصاة في طريقها شيئاً ثم أصابت الجمرة. نعم إذا كان ما لاقته الحصاة صلباً فطفرت منه فأصابت الجمرة لم يجزئ ذلك. (6) أن يكون الرمي بين طلوع الشمس وغروبها ويجزئ للنساء وسائر من رخص لهم الإفاضة من المشعر في الليل أن يرموا بالليل (ليلة العيد) لكن يجب عليهم تأخير الذبح والنحر إلى يومه والأحوط تأخير التقصير أيضاً ويأتون بعد ذلك بأعمال الحج إلا الخائف على نفسه من العدو فإنه يذبح ويقصر ليلاً كما سيأتي.
(مسألة 769) إذا شك في الإصابة وعدمها بنى على العدم إلا أن يدخل في ــــــ[213]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
عمل آخر.
(مسألة 770) يعتبر في الحصيات أمران:
1. أن تكون من الحرم والأفضل أخذها من المشعر.
2. أن تكون أبكاراً على الأحوط بمعنى أنها لم تكن مستعملة في الرمي قبل ذلك. ويستحب فيها أن تكون ملونة ومنقطة ورخوة وأن يكون حجمها بمقدار أنملة وأن يكون الرامي راجلاً وعلى طهارة.
(مسألة 771) إذا زيد على الجمرة في ارتفاعها ففي الاجتزاء برمي المقدار الزائد إشكال فالأحوط أن يرمي المقدار الذي كان سابقاً فإن لم يتمكن من ذلك رمى المقدار الزائد بنفسه على الأحوط استحباباً واستناب شخصاً آخر وجوباً لرمي المقدار المزيد عليه ولا فرق في ذلك بين العالم والجاهل والناسي.
(مسألة 772) إذا لم يرم يوم العيد نسياناً أو جهلاً منه بالحكم لزمه التدارك إلى اليوم الثالث عشر حسبما تذكر أو علم فإن علم أو تذكر في الليل لزمه الرمي في نهاره إذا لم يكن ممن قد رخص له الرمي في الليل. ولو علم أو تذكر بعد اليوم الثالث عشر فالأحوط استحباباً أن يرجع إلى منى ويرمي ويجب أن يعيد الرمي في السنة القادمة بنفسه أو بنائبه على الأحوط. وإذا علم أو تذكر بعد الخروج من مكة لم يجب عليه الرجوع بل يرمي في السنة القادمة بنفسه أو نائبة على الأحوط.
(مسألة 773) إذا لم يرم يوم العيد نسياناً أو جهلاً فعلم أو تذكر بعد الطواف فتداركه لم تجب عليه إعادة الطواف، وإن كانت الإعادة أحوط وأما إذا كان الترك مع العلم والعمد فالظاهر بطلان طوافه فيجب عليه أن يعيده بعد تدارك الرمي.
2. الذبح أو النحر في منى
وهو الخامس من واجبات حج التمتع ويعتبر فيه قصد القربة والإيقاع في
ــــــ[214]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
النهار ولا يجزيه الذبح أو النحر في الليل وإن كان جاهلاً. نعم يجوز للخائف الذبح والنحر في الليل ويجب الإتيان به بعد الرمي ولكن لو قدمه على الرمي جهلاً أو نسياناً صح ولم يحتج إلى الإعادة. ويجب أن يكون الذبح أو النحر بمنى وإن لم يمكن ذلك كما قيل أنه كذلك في زماننا لأجل تغيير المذبح وجعله في وادي محسّر فإن تمكن المكلف من التأخير والذبح أو النحر في منى ولو كان ذلك إلى آخر ذي الحجة حلق وقصر وأحل بذلك وأخر ذبحه أو نحره وما يترتب عليهما من الطواف والصلاة والسعي وإلا جاز له الذبح في المذبح الفعلي ويجزيه ذلك.
(مسألة 774) الأحوط أن يكون الذبح أو النحر يوم العيد ولكن إذا تركهما يوم العيد لنسيان أو لغيره من الأعذار أو لجهل بالحكم لزمه التدارك إلى آخر أيام التشريق وإن استمر العذر جاز تأخيره إلى آخر ذي الحجة فإذا تذكر أو علم بعد الطواف وتداركه لم تجب عليه إعادة الطواف وإن كانت الإعادة أحوط وأما إذا تركه عالماً عامداً فطاف فالظاهر بطلان طوافه ويجب عليه أن يعيده بعد تدارك الذبح.
(مسألة 775) لا يجزئ هدي واحد إلا عن شخص واحد.
(مسألة 776) يجب أن يكون الهدي من الإبل أو البقر أو الغنم، ولا يجزئ من الإبل إلا ما أكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة، ولا من البقر والمعز إلا ما أكمل الثانية ودخل في الثالثة على الأحوط، ولا يجزئ من الضأن إلا ما أكمل الشهر السابع ودخل في الثامن. والأحوط أن يكون قد أكمل السنة الواحدة ودخل في الثانية. وإذا تبين له بعد الذبح في الهدي أنه لم يبلغ السن المعتبر فيه لم يجزئه ذلك ولزمته الإعادة، ويعتبر في الهدي أن يكون تام الأعضاء فلا يجزئ الأعور والأعرج والمقطوع أذنه والمكسور قرنه الداخل ونحو ذلك والأظهر عدم كفاية الخصي أيضاً. ويعتبر فيه أن لا يكون مهزولاً عرفاً والأحوط الأَولى أن لا
ــــــ[215]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يكون مريضاً ولا موجوءاً ولا مرضوض الخصيتين ولا كبيراً لا مخ له، ولا بأس بأن يكون مشقوق الأذن أو مثقوبها وإن كان الأحوط اعتبار سلامته منهما. والأحوط وجوباً أن لا يكون الهدي فاقد القرن أو الذنب من أصل خلقته.
(مسألة 777) إذا اشترى هدياً معتقداً سلامته فبان معيباً بعد نقد ثمنه فالظاهر جواز الاكتفاء به.
(مسألة 778) ما ذكرناه من شروط الهدي إنما هو في فرض التمكن منه فإن لم يتمكن من الواجد للشرائط أجزأه الفاقد وما تيسر له من الهدي.
(مسألة 779) إذا ذبح الهدي بزعم أنه سمين فبان مهزولاً أجزأه ولم يحتج إلى الإعادة.
(مسألة 780) إذا ذبح ثم شك في أنه كان واجداً للشرائط حكم بصحته إن احتمل أنه كان محرزاً للشرائط حين الذبح، ومنه ما إذا شك بعد الذبح أنه كان بمنى أم كان في محل آخر، وأما إذا شك في أصل الذبح فإن كان الشك بعد الحلق أو التقصير لم يعتن بشكه وإلا لزم الإتيان به. وإذا شك في هزال الهدي فذبحه امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى ولو رجاءاً ثم ظهر سمنه بعد الذبح أجزأه ذلك.
(مسألة 781) إذا اشترى هدياً سليماً فمرض بعد ما اشتراه أو أصابه كسر أو عيب أجزأه أن يذبحه ولا يلزمه إبداله.
(مسألة 782) لو اشترى هدياً فضل فاشترى مكانه هدياً آخر فإن وجد الأول قبل ذبح الثاني ذبح الأول وهو بالخيار في الثاني إن شاء ذبحه وإن شاء لم يذبحه وهو كسائر أمواله والأحوط الأَولى ذبحه أيضاً. وإن وجده بعد ذبحه الثاني ذبح الأول أيضاً على الأحوط.
(مسألة 783) لو وجد أحد هدياً ضالاً عرفه إلى اليوم الثاني عشر فإن لم
ــــــ[216]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يوجد صاحبه ذبحه في عصر اليوم الثاني عشر عن صاحبه.
(مسألة 784) من لم يجد الهدي وتمكن من ثمنه أودع ثمنه عند ثقة ليشتري به هدياً ويذبحه عنه إلى آخر ذي الحجة فإن مضى الشهر ولم يذبحه لا يذبحه إلا في السنة القادمة.
(مسألة 785) إذا لم يتمكن من الهدي ولا من ثمنه صام – بدلاً عنه – عشرة أيام، ثلاثة في الحج في اليوم السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة. وسبعة إذا رجع إلى بلده والأحوط أن تكون السبعة متوالية ويجوز أن تكون الثلاثة من أول ذي الحجة بعد التلبس بعمرة التمتع ويعتبر فيها التوالي. وقد يجب الانتظار إلى آخر ذي الحجة على أكثر تقدير لاحتمال وجود الهدي. وإن لم يجد صام ثلاثة أيام رجاء فإن وجد الهدي أجزأه على أي حال ولم تجب السبعة وإلا صامها. فإن لم يرجع إلى بلده، وأقام بمكة فعليه أن يصبر حتى يرجع أصحابه إلى بلدهم أو يمضي شهر ثم يصوم بعد ذلك.
(مسألة 786) المكلف إذا وجب عليه صوم ثلاثة أيام في الحج إذا لم يتمكن من الصوم في اليوم السابع صام الثامن والتاسع ويوماً آخر بعد رجوعه من منى، ولو لم يتمكن في اليوم الثامن أيضاً أخر جميعها إلى ما بعد رجوعه من منى والأحوط أن يبادر إلى الصوم بعد رجوعه من منى ولا يؤخره من دون عذر وإذا لم يتمكن بعد الرجوع من منى صام في الطريق أو صامها في بلده أيضاً ولكن لا يجمع بين الثلاثة والسبعة فإن لم يصم الثلاثة حتى هل هلال محرم سقط الصوم وتعين الهدي في السنة القادمة.
(مسألة 787) من لم يتمكن من الهدي ولا من ثمنه وصام ثلاثة أيام في الحج ثم تمكن منه وجب عليه الهدي على الأحوط.
(مسألة 788) إذا لم يتمكن من الهدي باستقلاله وتمكن من الشركة فيه مع الغير فالأحوط له استحباباً الجمع بين الشركة في الهدي وتكليفه الفعلي وهو
ــــــ[217]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الصوم على الترتيب المذكور.
(مسألة 789) إذا أعطى الهدي أو ثمنه أحداً فوكله في الذبح عنه ثم شك في أنه ذبحه أم لا بنى على عدمه، نعم إذا كان ثقة وأخبره بذبحه اكتفى به.
(مسألة 790) ما ذكرناه من الشرائط في الهدي لا تعتبر فيما يذبح كفارة وإن كان الأحوط اعتبارها فيه.
(مسألة 791) الذبح الواجب هدياً أو كفارة لا تعتبر المباشرة فيه، بل يجوز ذلك بالاستنابة في حال الاختيار أيضاً ولا بد أن تكون النية مستمرة من صاحب الهدي إلى الذبح ولا يشترط نية الذابح وإن كان أحوط وأَولى.
مصرف الهدي
الأحوط أن يعطى ثلث الهدي إلى الفقير المؤمن صدقة ويعطى ثلثه إلى المؤمنين هدية وأن يأكل من الثلث الباقي له. ولا يجب إعطاء ثلث الهدي إلى الفقير نفسه بل يجوز الإعطاء إلى وكيله (وإن كان الوكيل هو نفس من عليه الهدي) ويتصرف الوكيل فيه حسب إجازة موكله من الهبة أو البيع أو الإعراض ما لم يكن الإعراض تبذيراً محرماً، ويجوز إخراج لحم الهدي والأضاحي من منى.
(مسألة 792) لا يعتبر الإفراز في ثلث الصدقة ولا في ثلث الهدية فلو تصدق بثلثه المشاع وأهدى ثلثه المشاع وأكل منه شيئاً أجزأه ذلك.
(مسألة 793) يجوز لقابض الصدقة أو الهدية أن يتصرف فيما قبضه كيفما شاء. فلا بأس بتمليكه بعد التصدق على غير المؤمن أو غير المسلم أما الصدقة فلا بد أن تكون على مسلم بل مؤمن على الأحوط.
(مسألة 794) إذا ذبح الهدي فسرق أو أخذه متغلب عليه قهراً قبل التصدق والإهداء فلا ضمان على صاحب الهدي. نعم لو أتلفه هو باختياره ولو بإعطائه
ــــــ[218]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
لغير أهله ضمن الثلثين على الأحوط استحباباً والواجب أن يتصدق بشيء من المال بدل ما فاته من الصدقة باللحم.
3. الحلق والتقصير
وهو الواجب السادس من واجبات الحج ويعتبر فيه قصد القربة وإيقاعه في النهار على الأحوط من دون فرق بين العالم والجاهل. والأحوط تأخيره عن الذبح والرمي ولكن لو قدمه عليهما أو على الذبح عمداً أو نسياناً أو جهلاً منه بالحكم أجزأه ولم يحتج إلى الإعادة.
(مسألة 795) لا يجوز الحلق للنساء بل يتعين عليهن التقصير.
(مسألة 796) يتخير الرجل بين الحلق والتقصير والحلق أفضل ومن لبد شعر رأسه بالصمغ والعسل أو نحوهما لدفع القمل أو عقص شعر رأسه وعقده بعد جمعه ولفه فالأحوط له اختيار الحلق، بل وجوبه هو الأظهر. ومن كان صرورة فالأحوط له أيضاً اختيار الحلق.
(مسألة 797) الخنثى المشكل يجب عليه التقصير وإذا كان ملبداً أو معقوصاً أو صرورة جمع على الأحوط بين التقصير والحلق.
(مسألة 798) إذا حلق المحرم أو قصر حل له جميع ما حرم عليه الإحرام ما عدا النساء والطيب بل الصيد أيضاً على الأحوط استحباباً.
(مسألة 799) إذا لم يقصر ولم يحلق نسياناً أو جهلاً منه بالحكم إلى أن خرج من منى رجع وقصر أو حلق فيها فإن تعذر الرجوع أو تعسر عليه، قصر أو حلق في مكانه وبعث بشعر رأسه إلى منى إن أمكنه ذلك.
(مسألة 800) إذا لم يقصر ولم يحلق نسياناً أو جهلاً فذكره أو علم به بعد الفراغ من أعمال الحج وتداركه لم تجب عليه إعادة الطواف على الأظهر، وإن كانت الإعادة أحوط، بل الأحوط إعادة السعي أيضاً ولا يترك الاحتياط بإعادة الطواف مع الإمكان فيما إذا كان تذكره أو علمه بالحكم قبل خروجه من مكة.
ــــــ[219]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
طواف الحج وصلاته والسعي
الواجب السابع والثامن والتاسع من واجبات الحج: الطواف وصلاته والسعي. وكيفيتها وشرائطها هي نفس الكيفية والشرائط التي ذكرناها في طواف العمرة وصلاته وسعيها على ما سبق.
(مسألة 801) يجب تأخير الطواف عن الحلق أو التقصير في حج التمتع فلو قدمه عالماً عامداً وجبت إعادته بعد الحلق أو التقصير ولزمته كفارة شاة.
(مسألة 802) الأحوط عدم تأخير طواف الحج عن اليوم الحادي عشر وإن كان جواز تأخيره إلى ما بعد أيام التشريق بل إلى آخر ذي الحجة لا يخلو من قوة.
(مسألة 803) لا يجوز في حج التمتع تقديم طواف الحج وصلاته والسعي على الوقوفين. ويستثني من ذلك الشيخ الكبير والمرأة التي تخاف الحيض فيجوز لهما تقديم الطواف وصلاته على الوقوفين والإتيان بالسعي في وقته. والأحوط استحباباً تقديم السعي أيضاً وإعادته في وقته.
(مسألة 804) يجوز للخائف على نفسه من دخول مكة أن يقدم الطواف وصلاته والسعي على الوقوفين بل لا بأس بتقديمه طواف النساء أيضاً فيمضي بعد أعمال منى إلى حيث أراد.
(مسألة 805) من طرأ عليه العذر فلم يتمكن من الطواف كالمرأة التي رأت الحيض أو النفاس ولم يتيسر لها المكث في مكة لتطوف بعد طهرها، لزمته الإستنابة للطواف ثم السعي بنفسه بعد طواف النائب.
(مسألة 806) إذا طاف المتمتع وصلى وسعى حل له الطيب والصيد وبقى عليه من المحرمات النساء.
ــــــ[220]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 807) من كان يجوز له تقديم الطواف والسعي إذا قدمهما على الوقوفين لا يحل له الطيب والصيد حتى يأتي بمناسك منى من الرمي والذبح والحلق أو التقصير.
طواف النساء
الواجب العاشر والحادي عشر من واجبات الحج طواف النساء وصلاته.
وهما وإن كانا من الواجبات إلا أنهما ليسا من نسك الحج فتركهما – ولو عمداً – لا يوجب فساد الحج.
(مسألة 808) كما يجب طواف النساء على الرجال يجب على النساء، فلو تركه الرجل حرمت عليه النساء، ولو تركته المرأة حرم عليها الرجال والنائب في الحج عن الغير يأتي بطواف النساء عن المنوب عنه لا عن نفسه إن كان المنوب عنه حياً. وإن كان ميتاً أتى به بقصد الواقع الأعم من نفسه ومن الميت.
(مسألة 809) طواف النساء وصلاته كطواف الحج وصلاته في الكيفية والشرائط.
(مسألة 810) من لم يتمكن من طواف النساء باستقلاله لمرض أو لغيره استعان بغيره فيطوف ولو بأن يحمل على متن حيوان أو إنسان، وإذا لم يتمكن منه أيضاً لزمه الإستنابة عنه. وأما صلاة الطواف فيأتي بها حسب إمكانه معتمداً أو جالساً أو مومياً فإن لم يمكن استناب فيها فإن لم يمكن استناب في العام الآتي وإن لم يمكن أتى بها حيث كان رجاء المطلوبية، والأحوط حرمة النساء حتى يصلي.
(مسألة 811) من ترك طواف النساء سواء أكان متعمداً مع العلم بالحكم أو الجهل به أو كان نسياناً حرمت عليه النساء إلى أن يتداركه ومع تعذر المباشرة أو تعسرها جازت له الاستنابة. فإذا طاف النائب عنه حلت له النساء. فإذا مات قبل
ــــــ[221]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
تداركه فالأحوط أن يقضى من تركته.
(مسألة 812) لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي، فإن قدمه فإن كان عن علم وعمد لزمته إعادته بعد السعي، وكذلك إن كان عن جهل أو نسيان على الأحوط.
(مسألة 813) من قدم طواف النساء على الوقوفين لعذر لم تحل له النساء حتى يأتي بمناسك منى من الرمي والذبح والحلق على الأحوط.
(مسألة 814) إذا حاضت المرأة ولم تنتظر القافلة طهرها، جاز لها ترك طواف النساء والخروج مع القافلة والأحوط وجوباً حينئذ أن تستنيب لطوافها ولصلاته، وإذا كان حيضها بعد تجاوز النصف من طواف النساء جاز لها ترك الباقي والخروج مع القافلة والأحوط وجوباً الإستنابة لبقية الطواف ولصلاته.
(مسألة 815) نسيان الصلاة في طواف النساء كنسيان الصلاة في طواف الحج وقد تقدم حكمه.
(مسألة 816) إذا طاف المتمتع طواف النساء وصلى صلاته حلت له النساء، وإذا طافت المرأة وصلت صلاته حل لها الرجال. وأما قلع الشجر وما ينبت في الحرم وكذلك الصيد في الحرم فقد ذكرنا فيما سبق أن حرمتها تعم المحرم والمحل.
المبيت في منى
الواجب الثاني عشر من واجبات الحج: المبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر. ويعتبر فيه قصد القربة فإذا خرج الحاج إلى مكة يوم العيد لأداء فريضة الطواف والسعي وجب عليه الرجوع ليبيت في منى. ومن لم يجتنب الصيد في إحرامه فعليه المبيت ليلة الثالث عشر أيضاً، وكذلك من أتى النساء على الأحوط، وتجوز لغيرهما الإفاضة من منى بعد ظهر اليوم الثاني عشر ولكن
ــــــ[222]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
إذا بقي في منى إلى أن دخل الليل وجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر أيضاً.
(مسألة 817) إذا تهيأ للخروج في عصر اليوم الثاني عشر وتحرك من مكانه ولم يمكنه الخروج قبل الغروب للزحام ونحوه فإن أمكنه المبيت وجب. وإن لم يمكنه أو كان المبيت حرجياً جاز له الخروج وعليه دم شاة على الأحوط.
(مسألة 818) من وجب عليه المبيت بمنى لا يجب عليه المكث فيها نهاراً بأزيد من مقدار يرمي فيه الجمرات. ولا يجب عليه المبيت في مجموع الليل فيجوز له المكث في منى من أول الليل إلى ما بعد منتصفه أو المكث فيها قبل منتصف الليل إلى الفجر والأَولى استحباباً لمن بات النصف الأول ثم خرج أن لا يدخل مكة قبل طلوع الفجر.
(مسألة 819) يستثنى ممن يجب عليه المبيت بمنى عدة طوائف:
(1) المعذور كالمريض والممرّض ومن خاف على نفسه أو ماله من المبيت بمنى (2) من اشتغل بالعبادة في مكة تمام ليلته ما عدا الحوائج الضرورية كالأكل والشرب ونحوهما (3) من طاف بالبيت وبقي في عبادته ثم خرج من مكة وتجاوز عقبة المدنيين فيجوز له أن يبيت في الطريق دون أن يصل إلى منى. ويجوز لهؤلاء التأخر في الرجوع إلى منى إلى إدراك الرمي في النهار.
(مسألة 820) من ترك المبيت بمنى فعليه كفارة شاة عن كل ليلة. والأحوط التكفير فيما إذا تركه نسياناً أو جهلاً منه بالحكم أيضاً والأحوط التكفير للمعذور من المبيت، ولا كفارة على الطائفة الثانية والثالثة ممن تقدم.
(مسألة 821) من أفاض من منى ثم رجع إليها بعد دخول الليل في الليلة الثالثة عشر لحاجة لم يجب عليه المبيت بها.
ــــــ[223]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
رمي الجمار
الثالث عشر من واجبات الحج: رمي الجمرات الثلاث الأُولى والوسطى وجمرة العقبة ويجب الرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر وإذا بات ليلة الثالث عشر في منى وجب الرمي في اليوم الثالث عشر أيضاً على الأحوط. ويعتبر في رمي الجمرات المباشرة، فلا تجوز الاستنابة اختياراً.
(مسألة 822) يجب الابتداء برمي الجمرة الأُولى، ثم الجمرة الوسطى، ثم جمرة العقبة، ولو خالف وجب الرجوع إلى ما يحصل به الترتيب ولو كانت المخالفة عن جهل أو نسيان. نعم إذا نسى فرمى جمرة بعد أن رمى سابقتها أربع حصيات أجزأ إكمالها سبعاً. ولا يجب عليه إعادة رمي اللاحقة.
(مسألة 823) ما ذكرناه من واجبات رمي جمرة العقبة يجري في رمي الجمرات الثلاث كلها.
(مسألة 824) يجب أن يكون رمي الجمرات في النهار. ويستثنى من ذلك العبد والراعي والمديون الذي يخاف أن يقبض عليه وكل من يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله ويشمل ذلك الشيخ والنساء والصبيان والضعفاء الذين يخافون على أنفسهم من كثرة الزحام. فيجوز لهؤلاء الرمي ليلة ذلك النهار ولكن لا يجوز لهم أن ينفروا في الليلة الثانية عشر بعد الرمي حتى تزول الشمس من يومه.
(مسألة 825) من نسي الرمي في اليوم الحادي عشر وجب عليه قضاؤه في اليوم الثاني عشر ومن نسيه في الثاني عشر قضاه في اليوم الثالث عشر والأحوط أن يفرق بين الأداء والقضاء، وأن يقدم القضاء على الأداء. والأفضل أن يكون القضاء أول النهار والأداء عند الزوال.
(مسألة 826) من نسي الرمي فذكره في مكة وجب عليه أن يرجع إلى منى ويرمي فيها. وإذا كان يومين أو ثلاثة فالأحوط أن يفصل بين وظيفة يوم ويوم
ــــــ[224]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بعده بساعة وإذا ذكره بعد خروجه من مكة لم يجب عليه الرجوع بل يقضيه في السنة القادمة بنفسه أو بنائبه.
(مسألة 827) المريض الذي لا يرجى برؤه إلى المغرب يستنيب لرميه، ولو اتفق برؤه قبل غروب الشمس رمى بنفسه أيضاً على الأحوط.
(مسألة 828) لا يبطل الحج بترك الرمي ولو كان متعمداً ويجب قضاء الرمي بنفسه أو بنائبه في العام القابل على الأحوط.
أحكام المصدود
(مسألة 829) المصدود هو الممنوع عن الحج أو العمرة بعد تلبسه بإحرامها.
(مسألة 830) المصدود عن العمرة يذبح في مكانه ويتحلل به والأحوط ضم التقصير أو الحلق إليه.
(مسألة 831) المصدود عن الحج إن كان مصدوداً عن الموقفين أو عن الوقوف بالمشعر خاصة فوظيفته ذبح الهدي في محل الصد والتحلل به عن إحرامه والأحوط فيه ضم الحلق أو التقصير إليه. وإن كان عن الطواف والسعي بعد الموقفين وأعمال منى فعندئذ إن لم يكن متمكناً من الإستنابة فوظيفته ذبح الهدي في محل الصد. وإن كان متمكناً منها في نفس العام وإلا ففي العام القابل فالأحوط الجمع بين الوظيفتين ذبح الهدي في محله والإستنابة. وإن كان مصدوداً عن مناسك منى خاصة دون دخول مكة فوقتئذ إن كان متمكناً من الإستنابة فيستنيب للرمي والذبح ثم يقصر ويتحلل ثم يأتي ببقية المناسك. وإن لم يكن متمكناً من الإستنابة فإن استطاع الإتيان بها خلال شهر ذي الحجة بنفسه أو بنائبه فهو وإلا أتى بنفسه أو بنائبه في العام القادم. وإن علم بعدم تمكنه من ذلك فالظاهر أن وظيفته في هذه الصورة أن يودع ثمن الهدي عند من يذبح عنه ثم
ــــــ[225]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
يحلق أو يقصر في مكانه فيرجع إلى مكة لأداء مناسكها فيتحلل بعد هذه كلها عن جميع ما يحرم عليه حتى النساء من دون حاجة إلى شيء آخر وصح حجه وعليه إعادة الرمي في السنة القامة على الأحوط.
(مسألة 832) المصدود عن الحج لا يسقط عنه الحج بالهدي المزبور بل يجب عليه الإتيان به في القابل إذا بقيت الاستطاعة أو كان الحج مستقراً في ذمته.
(مسألة 833) إذا صد عن الرجوع إلى منى للمبيت ورمي الجمار فقد تم حجه ويستنيب للرمي إن أمكنه في سنته، وإلا ففي القابل على الأحوط ولا يجري عليه حكم المصدود.
(مسألة 834) من تعذر عليه المضي في حجه لمانع من الموانع غير الصد والحصر فالأحوط أن يتحلل في مكانه بالذبح.
(مسألة 835) لا فرق في الهدي المذكور بين أن يكون بدنة أو شاة ولو لم يتمكن منه ينتقل الأمر إلى بدله وهو الصيام على الأحوط.
(مسألة 836) من أفسد حجه ثم صد هل يجري عليه حكم الصد أم لا، وجهان الظاهر هو الأول ولكن عليه كفارة الإفساد زائداً على الهدي.
(مسألة 837) من ساق هدياً معه ثم صد كفى ذبح ما ساقه ولا يجب عليه هدي آخر.
أحكام المحصور
(مسألة 838) المحصور هو الممنوع عن الحج أو العمرة بالمرض بعد تلبسه بالإحرام.
(مسألة 839) المحصور إن كان محصوراً في عمرة مفردة فوظيفته أن يبعث هدياً ويواعد أصحابه أن يذبحوه أو ينحروه في وقت معين فإذا جاء الوقت تحلل
ــــــ[226]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
في مكانه. وله أن يذبح أو ينحر في مكانه إن كان التأخير ضرراً عليه وتحلل المحصور في العمرة المفردة إنما هو من غير النساء وأما منها فلا تحلل منها إلا بعد إتيانه بعمرة مفردة بعد شفائه وإن كان المحصور محصوراً في عمرة التمتع فحكمه ما تقدم إلا أنه يتحلل حتى من النساء. وإن كان المحصور محصوراً في الحج فحكمه ما تقدم والأحوط أنه لا يتحلل عن النساء حتى يطوف ويسعى ويأتي بطواف النساء بعد ذلك، فيطاف به مع الإمكان أو يطاف عنه في حج أو عمرة. نعم إذا كان محصوراً ففاته الموقفان وهو في مكة أو في طريقه إلى الموقفين فالظاهر أن حجه ينقلب إلى العمرة المفردة فيطوف ويسعى ويقصر أو يطاف به مع الإمكان أو يطاف عنه وكذلك السعي وطواف النساء فيتحلل من كل شيء حتى النساء.
(مسألة 840) إذا احصر وبعث بهديه وبعد ذلك خف المرض فإن ظن أو احتمل إدراك الحج وجب عليه الالتحاق وحينئذ فإن أدرك الموقفين أو الوقوف بالمشعر خاصة حسب ما تقدم فقد أدرك الحج، وإلا فإن لم يذبح أو ينحر عنه انقلب حجه إلى العمرة المفردة وإن ذبح عنه تحلل من غير النساء ووجب عليه الإتيان بالطواف وصلاته والسعي وطواف النساء وصلاته للتحلل من النساء أيضاً على الأحوط.
(مسألة 841) إذا احصر عن مناسك منى لم يجر عليه حكم المحصور بل يستنيب للرمي والذبح ثم يحلق أو يقصر ثم يرجع إلى مكة لأداء مناسكها. وإن لم يتمكن من الإستنابة أودع ثمن الهدي عند من يثق أن يذبح عنه، فيحلق أو يقصر ثم يرجع إلى مكة لأداء مناسكها إن أمكنه وإلا طيف عنه وإلا استناب.
والأحوط أن يأتي بالرمي في العام نفسه فإن لم يتمكن ففي السنة القادمة بنفسه أو بنائبه. وإذا احصر بعد الموقفين عن الإتيان بمكة وأداء مناسكها فالظاهر وجوب الإستنابة عليه لمناسكها، ويتحلل بعد عمل النائب حتى من النساء.
(مسألة 842) إذا احصر الرجل فبعث بهديه ثم آذاه رأسه قبل أن يبلغ الهدي
ــــــ[227]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
محله أو كان التأخير مضراً له في مرضه جاز له أن يذبح شاة في محله أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين مدّان ويحلق ويتحلل من كل شيء.
(مسألة 843) لا يسقط الحج عن المحصور بتحلله بالهدي فعليه الإتيان به في القابل إذا بقيت استطاعته أو كان مستقراً في ذمته.
(مسألة 844) المحصور إذا لم يجد هدياً ولا ثمنه صام عشرة أيام على ما تقدم.
(مسألة 845) يستحب للمحرم عند عقد الإحرام أن يشترط على ربه تعالى أن يحله حيث حبسه وإن كان حله لا يتوقف على ذلك، فإنه يحل عند الحبس اشترط أم لم يشترط.
فصل في النيابة
(مسألة 846) يعتبر في النائب أمور:
الأول: البلوغ فلا يجزي حج الصبي عن غيره في حجة الإسلام وغيرها من الحج الواجب، وإن كان الصبي مميزاً، نعم لا يبعد صحة نيابته في الحج المندوب بإذن الولي.
الثاني: العقل فلا تجزي إستنابة المجنون سواء في ذلك ما إذا كان جنونه مطبقاً، أو كان إدوارياً إذا كان العمل في دور جنونه. وأما السفيه فلا بأس في استنابته.
الثالث: الإيمان فلا عبرة بنيابة غير المؤمن، وإن أتى بالعمل على طِبق مذهبنا على الأحوط.
الرابع: ألّا يكون النائب مشغول الذمة بحج واجب عليه في عام النيابة إذا تنجز الوجوب عليه. ولا بأس في استنابته فيما إذا كان جاهلاً بالوجوب أو غافلاً عنه طول زمان الحج.
ــــــ[228]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 847) يعتبر في فراغ ذمة المنوب عنه إحراز عمل النائب والإتيان به صحيحاً، فلا بد من معرفته بأعمال الحج وأحكامه، وإن كان ذلك بإرشاد غيره عند كل عمل، كما لا بد من الوثوق به وإن لم يكن عادلاً.
(مسألة 848) لا بأس بنيابة المملوك عن الحر إذا كان بإذن مولاه.
(مسألة 849) لا بأس بالنيابة عن الصبي المميز كما لا بأس بالنيابة عن المجنون، بل يجب الاستيجار عنه مع الإمكان إذا استقر عليه الحج في حال إفاقته ومات مجنوناً.
(مسألة 850) لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه، فتصح نيابة الرجل عن المرأة، وبالعكس.
(مسألة 851) الأحوط عدم استنابة الصرورة عن الصرورة وغير الصرورة ولا سيما إذا كان النائب امرأة و المنوب عنه رجلاً.
(مسألة 852) يشترط في المنوب عنه الإسلام فلا تصح النيابة عن الكافر فعلاً أو حكماً، فلو مات الكافر مستطيعاً وكان الوارث مسلماً لم يجب عليه استيجار الحج عنه. وكذا من حكم بكفره، إلا أنه يجوز لولده المؤمن أن ينوب عنه في الحج.
(مسألة 853) لا بأس بالنيابة عن الحي في الحج المندوب تبرعاً كان أو بإجارة وكذلك في الحج الواجب إذا كان معذوراً عن الإتيان بالعمل مباشرة على ما تقدم ولا يجوز النيابة عن الحي في غير ذلك. وأما النيابة عن الميت فهي جائزة مطلقاً سواء كان بإجارة أو تبرع وسواء كان الحج واجباً أو مندوباً.
(مسألة 854) يعتبر في صحة النيابة تعيين المنوب عنه بوجه من وجوه التعيين ولا يشترط ذكر اسمه، كما يعتبر فيها قصد النيابة.
(مسألة 855) كما تصح النيابة في التبرع والإجارة تصح بالجعالة وبالشرط في ضمن العقد ونحو ذلك.
ــــــ[229]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 856) من كان معذوراً في ترك بعض الأعمال، أو في عدم الإتيان به على الوجه الكامل لا يجوز استيجاره، بل لو تبرع المعذور وناب عن غيره يشكل الاكتفاء بعمله. نعم إذا كان معذوراً في ارتكاب ما يحرم على المحرم كمن اضطر إلى التظليل فلا بأس باستيجاره واستنابته. ولا بأس لمن دخل مكة بعمرة مفردة أن ينوب عن غيره لحج التمتع مع العلم أنه لا يستطيع الإحرام إلا من أدنى الحل. كما لا بأس بنيابة النساء أو غيرهن ممن تجوز لهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الفجر، والرمي ليلاً للحج عن الرجل أو المرأة.
(مسألة 857) إذا مات النائب قبل أن يحرم لم تبرأ ذمة المنوب عنه، فتجب الإستنابة عنه ثانية فيما تجب الإستنابة فيه، وإن مات بعد الإحرام أجزأ عنه وإن كان موته قبل دخول الحرم على الأظهر، ولا فرق في ذلك بين حجة الإسلام وغيرها ولا بين أن تكون النيابة بأجرة أو تبرع.
(مسألة 858) إذا مات الأجير عند الإحرام استحق تمام الأجرة إذا كان أجيراً على تفريغ ذمة الميت، وأما إذا كان أجيراً على الإتيان بالأعمال استحق الأجرة بنسبة ما أتى به. وإن مات قبل الإحرام لم يستحق شيئاً. نعم إذا كانت المقدمات داخلة في الإجارة استحق من الأجرة بقدر ما أتى به منها.
(مسألة 859) إذا استأجر للحج البلدي ولم يعين الطريق، كان الأجير مخيراً في ذلك، وإذا عين طريقاً لم يجز العدول عنه إلى غيره. فإن عدل وأتى بالأعمال، فإن كان اعتبار الطريق في الإجارة على نحو الشرطية دون الجزئية استحق الأجير تمام الأجرة وكان للمستأجر خيار الفسخ، فإن فسخ يرجع إلى أجرة المثل. وإن كان اعتباره على نحو الجزئية كان للمستأجر الفسخ أيضاً، فإن لم يفسخ استحق من الأجرة المسماة بمقدار عمله ويسقط بمقدار مخالفته.
(مسألة 860) إذا أجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة لم تصح أجرته عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضاً، وتصح الإجارتان مع اختلاف ــــــ[230]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
السنتين، أو مع عدم تقييد إحدى الإجارتين أو كلتيهما بالمباشرة أو سنة معينة.
(مسألة 861) إذا أجر نفسه للحج في سنة معينة لم يجز له التأخير ولا التقديم، ولكنه لو قدم أو أخر برئت ذمة المنوب عنه ولا يستحق الأجرة المسماة إذا كان التقديم أو التأخير بغير رضى المستأجر.
(مسألة 862) إذا صد الأجير أو احصر فلم يتمكن من الإتيان بالأعمال كان حكمه حكم الحاج عن نفسه، كما سبق، وانفسخت الإجارة إذا كانت مقيدة بتلك السنة، ويبقى الحج في ذمته إذا لم تكن مقيدة بها.
(مسألة 863) إذا أتى النائب بما يوجب الكفارة فهي من ماله، سواء كانت النيابة بإجارة أو بتبرع.
(مسألة 864) إذا استأجره للحج بأجرة معينة فقصرت الأجرة عن مصارفه لم يجب على المستأجر تتميمها كما أنها إذا زادت عنها لم يكن له استرداد الزائد.
(مسألة 865) إذا استأجره للحج الواجب أو المندوب فأفسد الأجير حجه بالجماع قبل المشعر وجب عليه إتمامه وأجزأ المنوب عنه، وعليه الحج من قابل وكفارة بدنة، ولا يستحق الأجرة إن لم يحج من قابل لعذر أو لغير عذر، وتجري الأحكام المذكورة في المتبرع أيضاً غير أنه لا يستحق الأجرة.
(مسألة 866) الأجير وإن كان يملك الأجرة بالعقد، لكن لا يجب تسليمها إليه إلا بعد العمل إذا لم يشترط التعجيل، ولكن الظاهر جواز مطالبة الأجير للحج الأجرة قبل العمل وذلك من جهة القرينة العرفية على اشتراط ذلك. فإن الغالب أن الأجير لا يتمكن من الذهاب إلى الحج أو الإتيان بالأعمال قبل أخذ الأجرة.
(مسألة 867) إذا أجر نفسه للحج فليس له أن يستأجر غيره إلا مع إذن المستأجر.
ــــــ[231]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 868) إذا استأجر شخصاً لحج التمتع مع سعة الوقت واتفق أن الوقت قد ضاق فعدل الأجير عن عمرة التمتع إلى حج الإفراد، وأتى بعمرة مفردة بعده برئت ذمة المنوب عنه، ولكن الأجير لا يستحق الأجرة المسماة إذا كانت الإجارة على نفس الأعمال ويرجع إلى أجرة المثل على الأحوط. نعم إذا كانت الإجارة على تفريغ ذمة الميت كما هو الأغلب عرفاً استحقها.
(مسألة 869) لا بأس بنيابة شخص عن جماعة في الحج المندوب، وأما الواجب فلا يجوز فيه نيابة الواحد عن اثنين فما زاد، إلا إذا كان وجوبه عليهما أو عليهم على نحو الشركة، كما إذا نذر شخصان أن يشترك كل منهما مع الآخر في الإستيجار في الحج فحينئذ يجوز لهما أن يستأجرا شخصاً واحداً للنيابة عنهما.
(مسألة 870) لا بأس بنيابة جماعة في عام واحد عن شخص واحد ميت أو حي تبرعاً أو بالإجارة فيما إذا كان الحج مندوباً، وكذلك في الحج الواجب فيما إذا كان متعدداً، كما إذا كان على الميت أو الحي حجان واجبان بنذر – مثلاً – أو كان أحدهما حجة الإسلام وكان الآخر واجباً بالنذر، فيجوز حينئذ استيجار شخصين أحدهما لواجب وآخر لآخر وكذلك يجوز إستيجار شخصين عن واحد أحدهما للحج الواجب والآخر للمندوب، بل لا يبعد جواز استيجار شخصين لواجب واحد كحجة الإسلام من باب الاحتياط، لاحتمال نقصان حج أحدهما والأحوط فيه رجاء المطلوبية لكل منهما عندئذ.
(مسألة 871) الطواف مستحب في نفسه فتجوز النيابة فيه عن الميت، وكذا عن الحي إذا كان غائباً عن مكة أو حاضراً فيها ولم يتمكن من الطواف مباشرة. هذا في الطواف وحده وأما إذا كان جزءاً من الحج الواجب أو المستحب فلا يسقط عن ذمة المنوب عنه إلا مع التعذر العرفي عليه.
(مسألة 872) لا بأس للنائب بعد فراغه من أعمال الحج النيابي أن يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه أو غيره، كما لا بأس أن يطوف عن نفسه أو عن غيره.
ــــــ[232]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ــــــ[233]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ــــــ[234]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
لا شك أن من أعظم الواجبات الدينية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقال النبي: (كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ وفَسَقَ شَبَابُكُمْ، ولَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ ولَمْ تَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ. فَقِيلَ لَهُ: ويَكُونُ ذَاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقالَ: كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ ونَهَيْتُمْ عَنِ المَعْرُوفِ. فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله ويَكُونُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ. كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ المَعْرُوفَ مُنْكَراً والمُنْكَرَ مَعْرُوفاً؟) وقد ورد عنهم: أنه بالمعروف تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وتمنع المظالم وتعمر الأرض، وينتصف للمظلوم من الظالم. ولا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر. فإن لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء.
(مسألة 873) يجب الأمر بالمعروف الواجب ويجب النهي عن المنكر الحرام وجوباً كفائياً إن قام به البعض ممن فيه الكفاية واحداً كان أم متعدداً، سقط عن غيره. وإن لم يقم به المقدار الكافي، بأن لم يقم به أحد أو قام به مقدار غير كاف، أثم الجميع ممن لم يقم به واستحقوا العقاب.
(مسألة 874) إذا كان المعروف مستحباً كان الأمر به مستحباً. وإذا كان المنكر مكروهاً أو مرجوحاً كان النهي عنه مستحباً، ولم يكن واجباً. فإذا أمر أو نه ى كان مستحقاً للثواب. وإن لم يأمر به أولم ينهِ عنه لم يكن عليه إثم، ولا عقاب.
(مسألة 875) إذا كان الفعل مباحاً دينياً، فلا ميزان شرعي للأمر به وإن كان ــــــ[235]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
راجحاً دنيوياً. ولا للنهي عنه وإن كان مرجوحاً دنيوياً.
(مسألة 876) قد يكون الفعل مباحاً شرعاً في الأصل ولكنه راجح بعنوان ثانوي أو مرجوح كذلك، ككونه مورداً لطاعة الوالدين أو لاحترام المؤمن أو للتقية ونحو ذلك. فيكون الأمر به أو النهي عنه واجباً إن كان العنوان الثانوي إلزامياً ومستحباً إن لم يكن كذلك.
(مسألة 877) يجب إيجاد مقدمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وذلك: أولاً: بتعلم الأحكام الشرعية الضرورية في الحياة ليعرف الفرد المعروف والمنكر من نفسه ومن غيره. ثانياً: بإيجاد المجتهد المطلق الذي يجوز تقليده. وذلك بتصدي جماعة كافية لتعلم العلوم الدينية ليحصل بعضهم على هذه الدرجة الرفيعة. ولا يجوز لأي مجتمع إهمال ذلك بحيث يحصل في المستقبل زوال المجتهدين كلهم وعدم تعويضهم بآخرين. ثالثاً: بإيجاد القاضي الشرعي الجامع للشرائط. ليمكنه حل المخاصمات بين الناس: وذلك بتعلم العلوم الدينية، كما قلنا ولا يجوز إهمال ذلك أيضاً، بحيث يعود الأمر كله إلى القضاء الدنيوي.
(مسألة 878) يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمور:
الأمر الأول: معرفة المعروف والمنكر ولو إجمالاً. فلو جهل الفرد أن هذا الفعل قائم على المنكر لم يجب النهي عنه. وأما معرفة الحكم الشرعي كقاعدة عامة فقد أشرنا إلى حدود وجوب تعلمها. نعم، لو كان الفرد قاصراً أو عاجزاً أو مكرهاً أو مضطراً، ونحوه لم يجب التعلم.
(مسألة 879) لا يجب الاستعلام والفحص عن أن هذه الحادثة أو تلك قائمة على المنكر ليجب النهي عنها. بل يكفي الشك في عدم الوجوب.
الأمر الثاني: احتمال تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إما بإنجاز ما يقوله الآمر. وإما بتعلم الفاعل وتأثره النفسي والعقلي بالأمر وإن لم يطبق عملياً.
ــــــ[236]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ويكفي الاحتمال في ذلك ولا يجب العلم بالتأثير. وعليه فيجب الأمر بالمعروف مع احتمال التأثر فقط. نعم، لو علم أن الشخص الفاعل لا يبالي بالأمر والنهي ولو لاستصغاره للمخاطب أو أنه يعتبره جاهلاً بالحكم أو لأن الفاعل لا يبالي بالدين أصلاً أو عازم على العصيان. عندئذ لا يجب على الآمر شيء.
الأمر الثالث: أن يعلم الفرد أن حكم المعروف أو المنكر منجز في حق الفاعل، بحيث لا يعذر في تركه وعصيانه. فإن كان الفاعل معذوراً في فعله المنكر أو تركه المعروف يقيناً أو احتمالاً لم يجب الأمر ولا النهي وإنما يكون معذوراً لاعتقاد أن ما فعله ليس بحرام أو أن ما تركه ليس بواجب إما بالعنوان الأولي يعني في أصل الشريعة أو بالعنوان الثانوي يعني للاضطرار أو التقية أو غيرهما. سواء كان الفاعل صادقاً في هذا الاعتقاد أو مشتبهاً اشتباهاً معذوراً فيه اجتهاداً أو تقليداً. فلو علم الفرد الأمر بذلك أو احتمله في حق الفاعل لم يجب الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر.
الأمر الرابع: المشهور فقهياً اشتراط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن يكون الفاعل مصراً على ترك المعروف أو ارتكاب المنكر إلا أن ذلك بمجرده ليس بصحيح. بل يجب الأمر والنهي بمجرد مشاهدة الإقدام على الفعل أو الترك من قبل الفاعل مع اجتماع الشرائط الأخرى. نعم، يرتفع هذا الوجوب مع إحراز الندامة والترك، يعني أن يعلم الآمر بندامة الفاعل ونحوها من الأسباب الموجبة لتركه العصيان. ولا يكفي احتمال الندامة أو الإقلاع على الأحوط.
(مسألة 880) المراد بالإقدام على العصيان شروع الفاعل في بعض مقدماته بحيث يراه العرف مشارفاً على الوقوع فيه وارتكابه. عندئذ يجب نهيه. وأما بمجرد النية والعزم على العصيان. فالنهي عنها إن كان واجباً فهو ليس من باب وظيفة النهي عن المنكر بل من وظيفة تبليغ الأحكام الشرعية.
الأمر الخامس: أن لا يلزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرر على
ــــــ[237]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
النفس أو العرض أو المال على الآمر أو على غيره من المؤمنين بل المسلمين. فإذا لزم الضرر عليه أو على غيره من المسلمين لم يجب شيء. والظاهر أنه لا فرق بين العلم بلزوم الضرر والظن به والاحتمال المعتد به عند العقلاء لصدق الخوف. ولا يفرق بين أن يكون مصدر الضرر هو المأمور بالمعروف، أو عشيرته أو متعلقيه أو من شخص متنفذ في المنطقة أو في غيرها.
(مسألة 881) قد يكون الأمر والنهي أحياناً غير مشترط بهذا الشرط الأخير. وذلك عند إحراز بل احتمال أهمية الفعل أو الفاعل. أعني من حيث تأثيره الضار في المجتمع. وعندئذ فقد يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع العلم بترتب الضرر، فضلاً عن الظن به أو احتماله.
(مسألة 882) لا يختص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصنف من الناس دون صنف. بل يجب عند اجتماع الشرائط المذكورة على العلماء وغيرهم وعلى العدول والفساق وعلى السلطان والرعية وعلى الأغنياء والفقراء، إلى غير ذلك كما لا يختص المأمورون بالمعروف والمنهيون عن المنكر بصنف من الناس أيضاً. بل يسري هذا الوجوب على كل مكلف آمراً كان أو مأموراً، مع اجتماع الشرائط.
(مسألة 883) للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مراتب:
المرتبة الأُولى: وهي أدنى المراتب وأقل الإيمان. وهي الإنكار بالقلب. يعني الإنزجار عنه نفسياً وكراهته بصفته عاصياً الله سبحانه وتعالى. وهي مرتبة ملازمة مع الإيمان، فلو لم توجد في قلب الفرد لم يكن مؤمناً. إلا أن في كونها من الأمر الفعلي بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك تسامح بالتعبير. وإنما هو أمر الإنسان لنفسه ونهيه لها عن أن يكون كغيره في العصيان. وهذه المرتبة غير مشروطة بالشروط السابقة.
المرتبة الثانية: إظهار الكراهة بعمل من الأعمال. مثل إظهار الانزعاج من
ــــــ[238]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفاعل أو الإعراض والصد عنه أو ترك الكلام معه أو ترك المكان الذي يكون فيه أو ترك مشاغلته أو مشاركته بالعمل اقتصادياً كان أو دنيوياً أو أخروياً. والمهم هو إظهار ما يدل على كراهة ما وقع منه.
المرتبة الثالثة: الإنكار باللسان. بأن يبلغه الحكم الشرعي، أولاً فإن كفى في الارتداع لم يجب الزائد. وإلا وجب نصحه ووعظه. بتذكيره بعذاب الله سبحانه للعاصين وثوابه للمطيعين.
(مسألة 884) لا يجب أن يكون الأمر بالمعروف بصيغة الأمر ونحوها ولا أن يكون النهي عن المنكر بصيغة النهي ونحوها. بل يمكن للفرد أن يختارها، كما يمكن أن يختار تبليغ الحكم الشرعي المنجز في حق الفاعل، فإن الأمر والنهي في الحقيقة للشريعة. فإذا بلغ الحكم كفى.
المرتبة الرابعة: الإنكار باليد بالضرب المؤلم الرادع عن المعصية، مع إمكانه واحتمال تأثيره، كما سبق. سواء استعمل آلة في يده أو لم يستعمل.
المرتبة الخامسة: إراقة الدم بجرح أو بقتل إذا لم تكفِ المراتب السابقة لارتداع الفاعل، فهل يجب ذلك أم لا؟ لا شك في سقوط وجوبها مع التقية. وأما في مورد الإمكان فلا يبعد القول بالوجوب مقتصراً على أقل ما يحتمل معه الارتداع ويكون الزائد حراماً ومضموناً على الفاعل، يعني تترتب عليه أحكام الجناية العمدية أو الخطأية، كل حسب حدوده.
(مسألة 885) القتل في سبيل النهي عن المنكر، في مورد وجوبه لا يعني ارتداع الفاعل. بل نتائج أخرى كارتداع غيره أو تخليص المجتمع من مآثمه أو تخليصه من ذنوبه المحتملة في المستقبل لو بقي حياً، أو التسبب إلى غفران ما سبق منه من المعاصي بصفته قتيلاً. فقد ورد: ما ترك القاتل على المقتول من ذنب. وهذا يحصل على أي حال ما لم يمت معانداً، والعياذ بالله.
(مسألة 886) المشهور وجوب الترتيب بين هذه المراتب الخمس،
ــــــ[239]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
والاقتصار منها على الأقل مع كفايته في التأثير. كما أن لكل مرتبة عدة مراتب فيها، فيجب الاقتصار على الأقل مع كفايته، وإلا وجب الترقي إلى الأكثر وهكذا. وهذا هو الأحوط بل المتعين لأن الزائد يكون ظلماً حراماً.
(مسألة 887) هل يجب الاستئذان من الحاكم الشرعي في المرتبة الخامسة، أو تجوز المبادرة إلى بعض مراتبها بدونه. لا يبعد عدم الوجوب في أكثر الحالات، وإن كان أحوط.
(مسألة 888) يتأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق المكلف بالنسبة إلى أهله. بل هو مأمور به شرعاً بعنوانه التفصيلي في نص القرآن الكريم في قوله تعالى: ((قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)). وكون ذلك مشروطاً بالشروط المتقدمة محل إشكال وإن كان غير بعيد. غير أن الغالب توفر تلك الشروط في داخل الأسرة، وإن كان قد يوجد فيها من لا يحتمل فيه التأثير أو من يخاف من ضرره. إذن، فيجب عليه إذا رأى من أهله التهاون في الواجبات، كالصلاة وأجزائها وشرائطها بأن لا يأتون بها على وجهها لعدم صحة القراءة والأذكار الواجبة منهم. أو أنهم لا يتوضؤون وضوءاً صحيحاً، أولا يطهرون أبدانهم ولباسهم من النجاسة. على الوجه الصحيح، فيجب عليه تعليمهم وأمرهم ونهيهم على الترتيب المتقدم. حتى يأتوا بها على وجهها الصحيح. وكذا الحال في بقية الواجبات، وكذلك في المعاملات وسائر الأحكام. وكذا إذا رأى منهم التهاون في المحرمات كالغيبة والنميمة والعدوان بين بعضهم على بعض أو على غيرهم أو الزنا أو شرب الخمر أو السرقة. فإنه يجب عليه أن ينهاهم عن المنكر، حتى يرتدعوا عن المعصية.
(مسألة 889) إذا أمر الفرد أو نهى بعض أهله فلم يرتدع وكرر عليه فلم يؤثر فيه. فقد سقط تكليفه مع حسن أدائه للمراتب السابقة للإنكار. ولا يجب عليه بعد ذلك ترك الأسرة أو الانتقال إلى مكان آخر أو طرد الفاعل ونحو ذلك. ما لم ــــــ[240]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
تقتضِ مصلحة ثانوية مهمة لذلك. وأَولى الناس بالسكوت بعد التكرار الزوجة إذا رأت زوجها عاصياً لا يرتدع. فإنه لا يجوز لها عندئذ حرمانه من حقوقه الواجبة أو الخروج بغير إذنه، بل يبقى (جهاد المرأة حسن التبعل) شاملاً لها. وليس الأمر بأشد من فرعون المذكور في القرآن الكريم، وقد صبرت زوجته على مظالمه حتى أصبحت من النساء الأربعة الزاكيات في العالم. وقالت: ((رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ)). وهذه النجاة تعني النجاة المعنوية أو الأخروية وليست النجاة الدنيوية وإلا لم تكن مكتوبة في المجاهدين.
(مسألة 890) إذا صدرت المعصية من شخص من باب الاتفاق وعلم الآخر أن الفاعل غير مصر عليها لكنه لم يتب منها وجب أمره بالتوبة. فإن التوبة من الواجبات وتركها من المحرمات الكبيرة الموبقة هذا مع التفات الفاعل إلى التوبة وتعمده تركها. أما مع الغفلة ففي وجوب أمره بها إشكال. وإن كان هذا هو الأحوط استحباباً بل هو مستحب فعلاً.
(فروع عامة في هذا الباب)
(مسألة 891) لو توقف الأمر أو النهي، على اجتماع عدة أشخاص، وجب ذلك مع اجتماع الشرائط أو يجب اشتراكهم عندئذ.
(مسألة 892) لو قام عدة من الناس دون مقدار الكفاية ولم يجتمع البقية. وتعذر على الموجودين القيام بالوظيفة سقط عنهم الوجوب، وبقي الإثم على المتخلفين.
(مسألة 893) لو قطع أو اطمأن بقيام الغير بالوظيفة الشرعية لم يجب عليه القيام بها. نعم، لو ظهر الخلاف وجب عليه مع استمرار الحال.
(مسألة 894) لا يكفي الاحتمال أو الظن بقيام الغير، أو كفاية من قام به، بل يجب عليه معهما. ما لم تقم حجة شرعية بذلك.
ــــــ[241]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 895) لو عدم موضوع الفريضة أو موضوع المنكر، سقط الوجوب، وإن كان بفعل المكلف. كما لو أراق الماء المنحصر الذي يجب حفظه للطهارة أو لحفظ نفس محترمة.
(مسألة 896) لو توقف الأمر أو النهي على ارتكاب محرم كما لو توقف نهي امرأة عن الخلاعة على النظر إليها بشهوة، فالظاهر ملاحظة الأهمية بين التكليفين في نظر الشارع.
(مسألة 897) لو كان قادراً على أحد أمرين أو نهيين أو أمر ونهي، دون الجمع بينهما، وجب عليه ملاحظة الأهم ومع التساوي يتخير بينهما.
(مسألة 898) الأظهر أنه لا يعتبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قصد القربة بل هما توصليان. نعم لو قصد القربة حصل له الأجر والثواب.
(مسألة 899) لا فرق في وجوب الإنكار بين كون المعصية كبيرة أو صغيرة ما دام الفعل أو الترك حراماً.
(مسألة 900) لو قامت البينة أو خبر الثقة على عدم تأثير الأمر أو النهي في الفاعل، فالظاهر كونهما بمنزلة العلم. فلا تكون هذه الوظيفة الشرعية واجبة.
(مسألة 901) لو ارتكب شخص حرامين أو ترك واجبين. وعلم الآمر أن أمره لا يؤثر تركه لهما معاً. وإنما احتمل التأثير بالنسبة إلى أحدهما بعينه وجب فيه دون الآخر. ولو احتمل التأثير في أحدهما غير المعين وجبت ملاحظة الأهم. ولو لم يكن أحدهما أهم تخير بينهما.
(مسألة 902) لو علم أو احتمل أن أمره أو نهيه مع التكرار يؤثر وجب التكرار.
(مسألة 903) لو علم أو احتمل أن إنكاره في حضور الآخرين مؤثر، دون ما إذا كان وحده، فإن كان الفاعل متجاهراً جاز ووجب مع اجتماع الشرائط. وإلا ــــــ[242]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
وجب النظر إلى الأهم من عمله الحرام والستر عليه الواجب.
(مسألة 904) لو كان الفاعل بحيث لو نهاه عن المنكر أصر عليه ولو أمره به تركه وجب الأمر به مع عدم محذور آخر وكذا المعروف. ولكن الأظهر كونه مبنياً على الاحتياط الاستحبابي.
(مسألة 905) لو علم أو احتمل تأثير النهي أو الأمر في تقليل المعصية لا قلعها تماماً، وجب. بل لا يبعد الوجوب لو كان مؤثراً في تبديل الأهم بالمهم. بل لا إشكال في ذلك لو كان الأهم بمثابة لا يرضى المولى بحصوله مطلقاً.
(فروع في الاتفاق والاختلاف في الفتوى)
(مسألة 906) لا فرق في معرفة الحكم الشرعي، بين العلم به أو قيام الحجة عليه اجتهاداً أو تقليداً. فلو قلد شخصان مجتهداً واحداً يقول بحرمة العصير العنبي المغلي بالنار، فارتكبه أحدهما وجب على الآخر نهيه.
(مسألة 907) لو كانت المسألة مختلفاً فيها بين الشخصين اجتهاداً أو تقليداً، واحتمل المكلف أن رأي الفاعل مخالف له وأن ما فعله جائز عنده. لم يجب نهيه عنه.
(مسألة 908) لو كانت المسألة اتفاقية واحتمل أن يكون المرتكب جاهلاً بالحكم، لم يجب الأمر والنهي وخاصة لو احتمل جهله عن قصور.
(مسألة 909) إذا كان الفاعل جاهلاً بالموضوع، لا يجب إنكاره ولا رفع جهله. وكذلك لو كان الآمر جاهلاً بالموضوع كما لو رأى شخصاً يقبل امرأة واحتمل كونها زوجة له.
(مسألة 910) لو كان ما ارتكبه مخالفاً للاحتياط الوجوبي في نظرهما اجتهاداً أو تقليداً. فالأحوط إنكاره.
ــــــ[243]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 911) لو أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر في مورد لا يجوز له ذلك يقيناً يجب على غيره نهيه عنهما، دون ما إذا احتمل الجواز أو الوجوب في حقه.
(مسألة 912) لو علم شخصان إجمالاً بأن إنكار أحدهما مؤثر دون الآخر وجب على كل منهما الإنكار فأن أنكر أحدهما فحصل التأثير سقط عن الآخر، وإلا وجب عليه.
(مسألة 913) لو ظهر من حاله علماً أو اطمئناناً أو بطريق معتبر أنه أراد ارتكاب معصية فالظاهر وجوب نهيه.
(مسألة 914) إذا علم الآمر بعجز الفاعل عن المحرم أو عن تكراره، لا يجب النهي عنه بالنسبة إلى الفعل غير المقدور فلو لم يكن الفاعل مقتنعاً بعجزه وكان عازماً على الفعل، لم يجب نهيه. وكذلك لو قامت بينة ونحوها على عجزه في الحال أو الاستقبال.
(مسألة 915) لو علم إجمالاً بأن أحد الشخصين أو الأشخاص فاعل للمحرم ومستمر عليه، لم يجب نهي أحدهما إجمالاً ولا تفصيلاً وإن كان أحوط.
(مسألة 916) لو علم المكلف بارتكاب الآخر حراماً أو تركه واجباً، ولم يعلمه بعينه، وجب الأمر والنهي على نحو الإبهام على الأحوط. وكذا لو علم إجمالاً بأنه إما تارك واجباً أو مرتكب حراماً.
(مسألة 917) لو كان المرتكب للحرام أو التارك للواجب معتقداً جواز فعله أو تركه. فتارة يكون ذلك لشبهة موضوعية. كدعوى كون الصوم مضراً به أو أن مرضه منحصر التداوي بالحرام فإنه لا يجب رفع جهله ولا إنكاره. ومن ذلك أنه لا يجب تنبيه المصلي على نجاسة في ثوبه خلال صلاته ولا إيقاظ النائم للصلاة ولا إعلامه بأن المكان مغصوب، ولا أنه مخطئ في الجهر والإخفات. وكذلك لو كان لجهل بالحكم، كما لو كان مقلداً لمن يرى ذلك فلا يجب رفع جهله
ــــــ[244]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
وبيان الحكم له. نعم، سبق أنه لو كان جاهلاً قاصراً، فإن الأحوط استحباباً رفع جهله.
(فروع في مراتب الأمر والنهي)
(مسألة 918) لو احتمل ارتداع الفاعل بالوعظ والقول اللين تعين ذلك ولم يجز التعدي عنه. ولو علم عدم تأثيره وجبت الزيادة عليه، ويجب الاقتصار على الأيسر مهما أمكن. ولا يجوز التعدي إلى غيره، لا سيما إذا كان فيه هتك الفاعل.
(مسألة 919) لو توقفت هذه الوظيفة على غلظة القول والتشديد والتهديد على المخالفة جازت بل وجبت، بشرط أن لا يكون فيه كذب ولا فحش ولا إهانة.
(مسألة 920) لو فرض تساوي بعض مصاديق المرتبة الأُولى وهي الإعراض عن الفاعل مع بعض مصاديق المرتبة الثانية وهي تنبيهه لم يتخير بينها، بل يجب عليه اختيار الأخف والأقل. وكذلك القول في تساوي أية مرتبتين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(مسألة 921) لو احتمل التأثير وحصول الردع بالجمع بين بعض درجات المرتبة الأُولى والثانية أو أية مرتبتين أو بالجمع بين كل درجاتهما. وجب ذلك بما أمكن.
(مسألة 922) لو توقف دفع منكر أو إقامة معروف أو إنقاذ حق، على الرجوع إلى ظالم أو الترافع إليه، وجب، ووجبت عليه الإجابة بصفته مشمولاً لوجوب هذه الوظيفة الشرعية.
(مسألة 923) لو كان يحصل الردع بالمرتبة الدانية من شخص وبالمرتبة التي فوقها من شخص آخر، فالظاهر وجوب ما هو تكليف كل منهما على نفسه. وإن
ــــــ[245]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كان الأحوط اتفاقهما على تصدي ذي المرتبة الدانية للأمر أو النهي.
(مسألة 924) لو كان إنكار شخص مؤثراً في تقليل الفاعل للمنكر وكان إنكار الآخر مؤثراً في ردعه تماماً. وجب على كل منهما القيام بتكليفه. لكن لو قام الثاني بتكليفه، وأقلع الفاعل عن المنكر سقط عن الآخر بخلاف العكس.
(مسألة 925) لو علم إجمالاً بأن الإنكار بإحدى مرتبتين مؤثر. وجب اختيار المرتبة الأدنى. فإن لم يحصل الردع انتقل إلى التي بعدها.
(مسألة 926) لو توقف الردع على التصرف في الفاعل أو في آلة فعله، كأخذ سكينه أو كأسه أو الأخذ بيده أو طرده. جاز بل وجب، مع الإمكان.
(مسألة 927) لو توقف الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، على وقوع ضرر على الفاعل اقتصادياً، ككسر كأسه أو سكينه، فلا يبعد الجواز، وإن كان الأحوط الضمان. وأما الضرر الذي لا تتوقف عليه هذه الوظيفة الشرعية، فلا إشكال في حرمته وضمانه. ولو وقع الضرر من الفاعل على الآمر أو الناهي اقتصادياً أو جسدياً أو معنوياً، كان معتدياً وضامناً بلا إشكال.
(مسألة 928) لو توقف ردعه على حبسه في محله ومنعه من الخروج من منزله. فأما أن يكون للمكلف الإشراف الشرعي عليه كما لو كان أباً أو أماً أو مربياً أو وصياً، جاز ذلك بل وجب. مراعياً للأيسر فالأيسر وإن لم يكن كذلك لم يجز القيام بذلك، إلا في صورة كون التكليف الشرعي مهماً جداً في نظر الشارع.
ــــــ[246]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
خاتمة
وفيها مطلبان:
المطلب الأول: في ذكر أمور هي من المعروف:
منها: الاعتصام بالله عز وجل. قال تعالى: ((وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)). وقال أبو عبد الله: ( أوحى الله عز وجل إلى داود: ما اعتصم بي عبد من عبادي، دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته. ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن).
ومنها: التوكل على الله عز وجل. قال سبحانه: ((وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فهو حَسْبُهُ)). وقال أبو عبد الله: (الغنى والعز يجولان فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا). أقول: المراد الغنى بالقناعة والعز بطاعة الله عز وجل.
ومنها: حسن الظن بالله عز وجل. قال أمير المؤمنين فيما قال: (والذي لا إله إلا هولا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن لأن الله كريم بيده الخير يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه. فأحسنوا الظن بالله وارغبوا إليه).
ومنها: الصبر، وهو على أقسام: صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على البلاء. قال الله تعالى: ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)). وقال أيضاً: ((وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)). وقال رسول الله في حديث: (فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً. واعلم أن النصر مع
ــــــ[247]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الصبر وأن الفرج مع الكرب. فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً). وقال أمير المؤمنين: (لا يعدم الصبر الظفر وإن طال به الزمان). وقال: (الصبر صَبران: صبر عند المعصية حسنٌ جميل. وأحسن من ذلك الصبر عن ما حرم الله تعالى عليك).
ومنها: العفة. قال أبو جعفر: (ما عبادة أفضل عند الله من عفة بطن وفرج). وقال أبو عبد الله: (إنما شيعة جعفر من عف بطنه وفرجه واشتد جهاده وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف عقابه فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر).
ومنها: الحلم. وهو كظم الغيظ. قال رسول الله: (ما أعز الله بجهل قط ولا أذل بحلم قط). وقال أمير المؤمنين: (أول عوض للحليم على حلمه، أن الناس أنصاره على الجاهل). وقال الرضا: (لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً).
ومنها: التواضع. قال الله تعالى: ((وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا، إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)). وقال رسول الله: (من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر خفضه الله. ومن اقتصد في معيشته رزقه الله ومن بذر حرمه الله. ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله).
ومنها: إنصاف الناس ولو من النفس. قال رسول الله: (سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك ومواساة الأخ في الله تعالى على كل حال).
ومنها: اشتغال الإنسان بعيبه عن عيوب الناس. قال رسول الله: (طوبى لمن شغله خوف الله عز وجل عن خوف الناس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين). وقال: (إن أسرع الخير ثواباً البر. وإن أسرع الشر عقاباً البغي. وكفي بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه في نفسه. وأن يعير الناس بما لا يستطيع تركه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه).
ــــــ[248]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ومنها: إصلاح النفس عند ميلها إلى الشر. قال الله تعالى: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ. وقال سبحانه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا. قال أمير المؤمنين: (من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته. ومن عمل لدينه كفاه الله دنياه ومن أحسن فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس).
ومنها: الزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها. قال أبو عبد الله: (من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه. وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها. وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام). وقال رجل: قلت لأبي عبد الله: إني لا ألقاك إلا في السنين فأوصني بشيء حتى آخذ به. فقال: أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد وإياك أن تطمع إلى من فوقك، وكفى بما قال الله عز وجل لرسول الله: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا. وقال تعالى: فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ. فإن خفت ذلك فاذكر عيش رسول الله فإنما كان قوته من الشعير وحلواه من التمر ووقوده من السعف إذا وجده. وإذا أصبت في نفسك أو مالك أو ولدك فاذكر مصابك برسول الله فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط.
المطلب الثاني: في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر:
منها: الغضب. قال رسول الله: (الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل). وقال أبو عبد الله: (الغضب مفتاح كل شر). وقال أبو جعفر: (إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار. فأيما رجل غضب على قومه وهو قائم فليجلس من فوره ذلك. فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان. وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه فإن الرحم إذا مست سكنت).
ــــــ[249]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ومنها: الحسد. قال أبو جعفر وأبو عبد الله: (إن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب). وقال رسول الله ذات يوم لأصحابه: (إنه قد دب إليكم داء الأمم ممن قبلكم، وهو الحسد ليس بحالق الشعر ولكنه حالق الدين. وينجي فيه: أن يكف الإنسان يده، ويخزن لسانه. ولا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن).
ومنها: الظلم. قال أبو عبد : (من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده). وقال: (ما ظفر بخير من ظفر بالظلم، أما أن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم).
ومنها: كون الإنسان ممن يتقى شره. قال رسول الله: (شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم). وقال أبو عبد الله: (من خاف الناس لسانه فهو في النار)، وقال: (إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه).
ــــــ[250]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كتاب الجهاد
وفيه مباحث
ــــــ[251]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ــــــ[252]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الأول
شرائط الوجوب
يشترط في وجوب الجهاد أمور:
الأمر الأول: التكليف. فلا يجب على الصبي ولا على المجنون.
الأمر الثاني: الذكورة. فيجب على الرجال دون النساء.
الأمر الثالث: الحرية. فلا يجب على العبد على المشهور. وإن كان الأحوط خلافه. والأصوب هو ملاحظة الأهم من جهاده وخدمة مولاه.
الأمر الرابع: القدرة الجسدية. فلا يجب على الأعمى والأعرج والمقعد والشيخ الهرم والزمن والمريض. وكل من لم يكن قادراً على القتال.
الأمر الخامس: القدرة المالية. فلا يجب على الفقير الذي يعجز عن نفقة طريقه وقوت عياله في غيابه وثمن سلاحه. ويسقط هذا الشرط بكفالة الآخرين له.
الأمر السادس: إذن الإمام أو نائبه الخاص على المشهور، وهو الأحوط وإن كان لإلحاق إذن النائب العام وجه وجيه.
(مسألة 929) الجهاد واجب كفائي مع اجتماع الشرائط. فيجب أن يقوم به عدد كاف من الناس. فإن حصل ذلك سقط عن الآخرين. وإن لم يحصل باعتبار عدم قيام أحد أو قيام عدد أقل من الكفاية عوقب الجميع ممن لم يقم بهذه الوظيفة الشرعية.
ــــــ[253]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 930) الجهاد ضد الكفار قسمان:
القسم الأول: الجهاد الهجومي ونتيجته دخول المجتمعات الكافرة تحت سيطرة الإسلام. وهذا غير واجب في عصورنا الحاضرة جزماً. لأن شرطه الأساسي، هو إحراز التقدم والانتصار. وهو غير متوفر بل العكس هو المتحقق. فإذا لم يكن واجباً كان حراماً لأن فيه إهراقاً للدماء من دون نتيجة.
القسم الثاني: الجهاد الدفاعي ونتيجته صد الكفار المهاجمين على البلد المسلم. وقيده المشهور بالخوف على بيضة الإسلام. بحيث لولا الدفاع فإنه يندرس الإسلام تماماً. ولا شك أن هذا الشرط أوفق بالاحتياط. وبدون توفره لا يجب الجهاد مضافاً إلى إحراز القدرة والشرائط السابقة.
(مسألة 931) يحرم القتال في الأشهر الحرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، إلا في صورتين:
الصورة الأُولى: إذا بدأ الكفار بالقتال في تلك الأشهر جاز قتالهم فيها. على أساس أنه دفاع في الحقيقة. ولا شبهة في جوازه عندئذ.
الصورة الثانية: إذا كان القتال قصاصاً كما لو كان الكفار بادئين بالقتال في شهر من تلك الأشهر، جاز للمسلمين أن يبدءوا به في شهر آخر منها في تلك السنة أو في سنة قادمة. وإن كان الأحوط خلافه.
(مسألة 932) المشهور أن من لا يرى للأشهر الحرم حرمة يجوز قتاله في تلك الأشهر، إلا أنه خلاف الاحتياط الوجوبي.
(مسألة 933) الجهاد كما قلنا، واجب كفائي ولكنه قد يصبح واجباً عينياً في صورتين:
الصورة الأُولى: إذا أمره الإمام أو نائبه الخاص، أو العام بذلك أمراً إلزامياً.
ــــــ[254]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الصورة الثانية: إذا اتضح للمكلف توقف حاجة الجهاد ونجاحه على وجوده. ومنه: أنه لم يخرج ما فيه الكفاية فيجب عليه الخروج.
(مسألة 934) إذا كان الجهاد واجباً على شخص عيناً، كما قلنا في المسألة السابقة، لم يكن الدَين الثابت على ذمته مانعاً عن وجوب الخروج إليه، بلا فرق بين كون الدَين حالاً أو مؤجلاً. وبلا فرق بين إذن الغريم (وهو الدائن) وعدمه. نعم، لو تمكن – والحال هذه – من التحفظ على حق الغريم بإيصاء أو نحوه وجب ذلك.
(مسألة 935) إذا منع الأبوان ولدهما عن الخروج إلى الجهاد فإن كان وجوبه عينياً عليه وجب خروجه ولا أثر لمنعهما. وإن لم يكن عينياً لم يجز له الخروج إليه، إذا كان خروجه موجباً لإيذائهما واحتقارهما لا مطلقاً. وفي اعتبار كون الأبوين حرين إشكال بل منع.
(مسألة 936) إذا طرأ العذر على المقاتل المسلم أثناء الحرب فإن كان مما يعتبر عدمه في وجوب الجهاد شرعاً كالعمى والمرض ونحوهما، سقط الوجوب عنه. ما لم يأمره الإمام أمراً خاصاً. وأما إذا كان العذر مما لا يعتبر عدمه فيه، وإنما كان اعتباره لأجل المزاحمة مع واجب آخر، كمنع الأبوين أو مطالبة الغريم، أو نحو ذلك، فالظاهر عدم السقوط. لأنه يكون بمنزلة الفرار من الزحف وهو من المحرمات الكبائر.
(مسألة 937) إذا بذل للمعسر ما يحتاج إليه في الحرب، فإن لم يكن الجهاد واجباً عليه عيناً، لم يجب عليه القبول مجاناً فضلاً عما إذا كان بأجرة. وإن كان واجباً عليه عيناً على تقدير اجتماع الشرائط. لم يجب عليه القبول مجاناً لأنه تحقيق للموضوع، وأما القبول بأجرة فهو أحوط. إلا أن الأقرب كونه احتياطاً استحبابياً.
(مسألة 938) الأظهر أنه لا يجب عيناً ولا كفاية على العاجز عن الجهاد.
ــــــ[255]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بنفسه لمرض أو غيره، أن يجهز غيره مكانه، ما لم تكن هناك حاجة أحياناً لضرورة الجهاد أو أمر الإمام أو نائبه بذلك. كما لا شبهة في استحباب ذلك في نفسه، عند مشروعية الجهاد، فإنه سبيل من سبل الله سبحانه.
(مسألة 939) تجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهاره شعائر الإسلام، أو يجد في ذلك عسراً والهجرة باقية ما دام الكفر باقياً.
(مسألة 940) يحرم قتال الكفار في الحرم المكي إلا أن يبدأ الكفار بالقتال فيجوز قتالهم عندئذ.
(مسألة 941) لا يجوز البدء بقتال الكفار إلا بعد دعوتهم إلى الإسلام. بترغيبهم بما يترتب عليه من مصالح الدنيا والآخرة، والطلب من أفرادهم اعتناقه بالتلفظ بالشهادتين. فإذا رفضوا جاز قتالهم. وهل هذا الحكم تعبدي، فيشترط ذلك وإن كان الكفار عارفين بتفاصيل الإسلام، أو طريقي، فلا يشترط، الأظهر الثاني، والأحوط الأول.
(مسألة 942) إذا بدأ المسلمون بالقتال قبل دعوتهم إلى الإسلام. كانوا آثمين، إلا أنه لا ضمان عليهم على أساس أنه لا حرمة لهم نفساً ولا مالاً.
(مسألة 943) إذا كان الكفار المحاربون على ضعف عدد المسلمين المحاربين، لم يجز للمسلمين الفرار. وأما إذا كان الكفار أكثر من الضعف فلا يجب على المسلمين الثبات معهم في القتال إلا إذا كانوا مطمئنين بالغلبة عليهم. غير أن الجهاد لا يحرم عندئذ والفرار لا يجب، ولو بعنوان طلب الشهادة. ما لم يكن هناك مصلحة عامة في الحفاظ على النفوس. وهذا الحكم بجواز الفرار وعدمه حكم تعبدي شرعاً، لا أثر لكثرة الأسلحة وقلتها فيه، ما لم يورث الاطمئنان بالغلبة.
(مسألة 944) لا يجوز الفرار عن الزحف، وهو معنى يشمل الاستعداد المباشر للحرب أو الانشغال الفعلي به إلا لأحد سببين:
ــــــ[256]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
السبب الأول: التحرف إلى القتال بحيث يرى الفرد أن وجوده هناك أَولى من وجوده هنا. ومنه: أن يؤخذ الفرد إلى منطقة أخطر على المسلمين من المكان الذي هو فيه.
السبب الثاني: التحيز إلى فئة. وهو يشمل ما إذا رأى الفرد مصلحة في أن لا يبقى وحده بل الأفضل الالتحاق بأي مجموعة محاربة. كما يشمل ما إذا رأى الفرد مصلحة في أن يخرج من إحدى المجموعات ويلتحق بمجموعة أخرى. وإذا كان موقف الثانية أخطر كان الجواز في الذهاب إليها أوضح.
(مسألة 945) هل يجوز للفرد أن يستقل بتطبيق ما ذكرناه في المسألة السابقة أو يجب عليه من يسأل الإمام أو القائد، لا شك أن الثاني أَولى وأحوط. غير أن تعيّنه منوط بوجود مصلحة إلزامية عامة تقتضيه.
(مسألة 946) يجوز قتال الكفار المحاربين بكل وسيلة ممكنة من الوسائل، وبالأسلحة الحربية المناسبة مع أي عصر، ولا يختص الجهاد معهم بالأسلحة القديمة. بل يحرم استعمالها تجاه الجيش المسلح بالسلاح القوي، لأنه يعني عدم المكافئة بين الطرفين أو الفشل الذريع للمسلمين.
(مسألة 947) قد اُستثنيَ من قتل الكفار قتل الشيخ الفاني والنساء والأطفال. فلا يجوز قتلهم إلا أن يعرف منهم الشر، وكذا لا يجوز قتل الأسارى من المسلمين الذين أسروا بيد الكفار.
(مسألة 948) لو تترسوا بالنساء والأطفال منهم، أي جعلوهم أمامهم لمنع تقدم المسلمين، وجب الكف عنهم مؤقتاً إلا في حال التحام الحرب. وكذا لو تترسوا بأسراء المسلمين. فيجوز خلال الحرب قتلهم إذا كان ذلك سبباً للنصر، ولا تجب ديتهم عندئذ على المسلمين وأما لو تعمده بعض المسلمين مع إمكان التحرز لزمه القود والكفارة يعني يعتبر له حكم القتل العمد.
ــــــ[257]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 949) لا يجوز التمثيل بالمقتولين من الكفار. بل لا يجوز ذلك بأي ميت مهما كان دينه بل لا يجوز التمثيل بالحيوان فضلاً عن الإنسان، وبالميت فضلاً عن الحي. ويراد به تقطيع أعضائه، والظاهر شموله ولو لقطع واحد.
(مسألة 950) يحرم على الأحوط إلقاء السم على الكفار. ويلحق على الأحوط به إلقاء المرض فيهم بالقنابل الجرثومية أو غيرها ما لم تدع الضرورة القصوى إلى ذلك.
(مسألة 951) إذا طلب المشرك المبارزة، ولم يشترط جازت معاونة المسلم المقاتل له. فإن شرط أن لا يقاتله غيره وجب الوفاء له. فإن فر فطلبه الحربي جاز دفعه وانتفت ذمته. ولو لم يطلبه لم يجز محاربته حتى يعود إلى فئته، ما لم يبدأ هو بالقتال.
(مسألة 952) لو اشترط المشرك المبارز ألا يقاتله غير واحد. فاستنجد هو بأصحابه فقد نقض عهده وأمانه سواء بادروا إلى نجدته أم لا. فإن بادروا إليه فمنعهم فهو على عهده. وإن لم يمنعهم جاز قتاله معهم غير أن المبارزة التي ذكرناها في هاتين المسألتين الأخيرتين لا تكون عادة إلا بطريق السلاح القديم.
ــــــ[258]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الثاني
في الذمام
وهو إدخال الكافر في ذمة الإسلام وضمان الأمان له. وهو أمر جائز شرعاً، وإذا حصل وجب الوفاء به من قبل جميع المسلمين فإنهم (يسعى بذمتهم أدناهم) كما ورد في الخبر. والأمان كما هو شامل لنفس الكافر فقد يشمل ماله وعرضه، وكما يشمل الواحد يشمل المتعدد منهم كالأسرة أو الحصن أو البلدة وهكذا. والمتكفل للذمام قد يكون فرداً من المسلمين وقد يكون جماعة، ولا يتعين أن يكون هو ولي الأمر إلا إذا عاد الأمر إلى المصلحة العامة.
(مسألة 953) يشترط في عاقد الذمام من المسلمين أن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً. ويستوي في ذلك: الحر والمملوك والرجل والمرأة والغني والفقير. بل لا تختلف في ذلك مذاهب المسلمين ما لم يكن محكوماً بكفره.
(مسألة 954) لا يشترط أن يكون الأمان أو الذمام بعد مطالبة الكافر به. بل يصح ابتداء. كما لا يشترط فيه ترتب مصلحة عليه، كالذي أشارت إليه الآية الكريمة (حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ) بل يصح بدون ذلك. وإن كان مع وجود المصلحة أفضل وأوكد . نعم لا يبعد اشتراط عدم تحقق المفسدة وخاصة إذا كانت عامة.
(مسألة 955) لو طلب الكفار الأمان من المسلمين، فرفض المسلمون. ولكنهم ظنوا أنهم قبلوا ذلك. فنزلوا عليهم آمنين. فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوهم أو أن يسترقوهم. بل يجب ردهم إلى مأمنهم. وكذا إذا دخل المشرك دار الإسلام بتخيل الأمان لجهة من الجهات.
ــــــ[259]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 956) لا يكون أمان المجنون والمكره والسكران والغضبان والغالط وما شاكلهم نافذاً وكذلك أمان الصبي المميز وإن قلنا بصحة عباداته ومعاملاته.
(مسألة 957) لا يعتبر في صحة عقد الأمان صيغة خاصة له، بل يتحقق بكل ما دل عليه من لفظ أو غيره.
(مسألة 958) يجب الدفاع في مصلحة المستأمن ضد اعتداء المسلمين عليه، ما لم يبلغ إلى النفس، فيجب أخذ الإذن به. وأما الدفاع ضد اعتداء الكفار عليه، فهو أفضل وأحوط إلا أنه ليس بواجب. وعلى كل تقدير لو اعتدى عليه معتدٍ كان ضامناً ولم يكن عاقد الذمام ضامناً. وأما اعتداء العاقد نفسه (وإذا كانوا جماعة فبعضهم أو كلهم) على المستأمن، فهو حرام ومضمون بمقدار دية الذمي نفساً أو ما دونها.
(مسألة 959) وقت الذمام إنما هو قبل الاستيلاء على الكفار المحاربين وأسرهم. وأما بعد الأسر فلا موضوع له.
(مسألة 960) إذا أقر أحد المسلمين بالأمان لمشرك. فإن كان في وقت يكون أمانه فيه نافذاً صح، وإلا بطل.
(مسألة 961) لو ادعى الحربي الأمان، في وقته المناسب، على مسلم أنه استأمنه، فأنكر ذلك المسلم. كان الحربي مدعياً لا تقبل دعواه إلا بالبينة العادلة. وإلا كان للمسلم أن يحلف على النفي، ولو حيل بين المسلم وبين الجواب بموت أو إغماء أو إكراه، لم تسمع دعوى الحربي. ولكن لا يجوز لأحد أن يحاربه ما لم يرجع إلى مأمنه على الأحوط.
(مسألة 962) لوثبت الذمام ومات طرفه المسلم أو غاب بحيث انقطع خبره ونحو ذلك. لم ينتفِ الذمام. فإن كان مؤقتاً عمل المسلمون الآخرون به خلال وقته. وإن كان مطلقاً. وجب العمل به باستمرار ما لم يحصل من المستأمن ما ينافيه.
ــــــ[260]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الثالث
المرابطة
وهي الإرصاد لحفظ الحدود والثغور في بلاد المسلمين من هجوم الكافرين. والمراد بالإرصاد تهيئة الأنفس والأموال اللازمة لذلك. وقد تكون مطلوبة من الفرد أن يبادر إليها. وهي واجبة وجوباً كفائياً لدى وقوع البلاد الإسلامية في معرض الخطر. وأما بدونه فلا تجب بل تستحب وإن كان الإمام مفقوداً، لأنها لا تتضمن قتالاً غالباً. واستحبابها عيني إلا أن وجوبها عند تحققه كفائي، فإذا لم يخرج العدد الكافي عوقب المتخلفون كلهم. وقد تحرم فيما إذا كان فيها تأييداً للظلم وقد ترتفع الحرمة للاضطرار أو الإكراه.
(مسألة 963) لو نذر المرابطة وجبت إن كانت واجبة أو مستحبة في أصل الشريعة. وكذا لو نذر بذل مال للمرابطين، وأما إذا لم تكن مشروعة كان النذر باطلاً. ومن ذلك يظهر الحال في الإجارة على المرابطة.
ــــــ[261]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الرابع
الأسارى
وهم إما ذكور أو إناث فإن كانوا إناثاً لم يجز قتلهن ولو كانت الحرب قائمة، وإنما يملكن بالسبي ويقسمن تقسيم الغنيمة الذي سيأتي. وكذلك الحال في الذراري غير البالغين والشيوخ وغيرهم ممن لا يجوز قتله، كما سبق في المسألة (947). وإذا شكوا بحصول البلوغ كانت العلامة الفارقة هي الإنبات، بمعنى إنبات الشعر الخشن على العانة. فمن لم ينبت وجهلوا سنه أُلحق بالذراري.
وإذا كان الأسرى ذكوراً بالغين، سواء كانوا تحت السلاح أم لا. فمقتضى القاعدة هو وجوب قتلهم إلا إذا أسلموا، ما دامت الحرب قائمة. ولكن يمكن الخروج عن هذه القاعدة لعناوين استثنائية قد تقتضيها المصلحة العامة التي يراها الإمام أو نائبه. وإن تم أسرهم بعد انقضاء الحرب لم يجز قتلهم ما لم تكن هناك مصالح عامة ثانوية. وكان الإمام مخيراً بين المن والفداء والاسترقاق. والمن هو إطلاق السراح مجاناً والفداء هو إطلاقه مقابل مبلغ من المال. والاسترقاق هو اعتباره رقاً مملوكاً. وهو السبب الوحيد للاسترقاق في الإسلام، وهذا التخيير ثابت ضد الأسير ما لم يسلم، فإن أسلم بعد حكم الإمام بأحدها وتطبيقه فلا إشكال، وإن أسلم بعد الحكم وقبل التطبيق فكذلك على الأظهر. وإن أسلم قبل الحكم فالأقوى وجوب إطلاقه مجاناً وسقوط الحكم في حقه. وإن كان هو مقتضى الاستصحاب.
(مسألة 964) هل يقبل إسلام الأسير خلال الحرب، إذا علمنا أنه فرار من
ــــــ[262]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
القتل، أو بعد الحرب إذا علمنا أنه فرار من الاسترقاق، الظاهر ذلك وحسابه على الله. وتكون أمثال هذه الموارد مستثناة من القاعدة الأولية القائلة بعدم قبول الإسلام خوفاً ما لم يوثق بحصول الإخلاص فيه.
(مسألة 965) قتل الأسارى خلال الحرب منوط بإذن الإمام فلو لم يأمر به لم يجز على غيره. ولكن لو فعله أي واحد، كان هدراً.
(مسألة 966) يجب حفظ ضروريات الحياة للأسير من الطعام والشراب وغيرهما وإن وجب قتله.
(مسألة 967) يجب تجهيز ودفن المسلم دون الكافر الحربي، سواء مات في الحرب أو في الأسر ما لم يسلم. وإن اشتبه حاله من كونه مسلماً أو كافراً، كانت العلامة الختان.
(مسألة 968) هل هناك سبب آخر للاسترقاق غير هذا المورد كسرقة الأفراد أو شراؤهم من ذويهم. الأحوط بل الأقوى خلافه بل يبقى هؤلاء الأفراد أحراراً وأثمانهم سحتاً. وإنما يجوز الشراء شرعاً من سوق النخاسة بأحد سببين:
أحدهما: جريان قاعدة اليد في البائع. وأنه قد ملكه بسبب شرعي.
ثانيهما: إقرار العبد بالعبودية، مطلقاً أو لبائعه.
(مسألة 969) هل جواز استرقاق الأسرى منوط بأن تكون الحرب بإذن الإمام أو نائبه. أو لمجرد كونها حرباً من طرف المسلمين. الظاهر الأول وإن كان المؤمنون محللين من ناحية السبب الثاني بكل تأكيد.
(مسألة 970) هل جواز الاسترقاق منوط بانتهاء الحرب الفعلية أو بما يسمى بحالة الحرب. الأقوى الثاني وإن كان الأحوط الأول.
(مسألة 971) حكم الطفل المسبي حكم أبويه في الكفر والإسلام فإن أسلما أو أسلم أحدهما تبعه الولد، ذكراً كان أم أنثى ما دام غير بالغ. ولو سبي منفرداً فالمشهور أنه يتبع السابي في الإسلام، وهو الأقوى.
ــــــ[263]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 972) من لم يتمكن في دار الحرب أو في غيرها من أداء وظائفه الدينية، وجبت عليه المهاجرة منها، إلا مع العجز عن الهجرة كالمستضعفين (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً).
(مسألة 973) إذا كان الأسير طفلاً أو امرأة متزوجة انفسخ النكاح، لتحقق الرق بالسبي، وإن لم تدفع إلى شخص بعينه. ولا ينفع دخولها في الإسلام في عودة النكاح، وكذا لو أُسر الزوجان وأما إذا أُسر الزوج فقط لم ينفسخ النكاح ما لم يسترق. ولو كان الزوجان مملوكين لم ينفسخ نكاحهما لعدم تجدد الرق.
(مسألة 974) من قتل كافراً في الحرب فله سلبه وهو كل ما يحمله على جسمه من ثياب أو غيرها. ومن سبى امرأة أو طفلاً ذكراً كان أم أنثى كان ملكاً له. ولا يجب في ذلك استئذان الإمام وإن كان أحوط والأحوط له تسليمه إلى الإمام بمعنى حصول الملكية العامة ليكون التوزيع بإذنه. وأما إذا كان الأسير رجلاً فيجب تسليمه إلى الإمام ولا يكون رقاً له إلا بإذنه.
(مسألة 975) إذا أسلم الحربي في دار الحرب، حقن دمه وماله مما ينقل كالذهب والفضة والأمتعة، أما ما لا ينقل كالعقار والأرضين فحكمها سيأتي في الفصل الخاص بها. وأُلحق به أولاده غير البالغين وكانوا بحكم المسلمين حتى الحمل. ولو سبيت أم الحمل كانت رقاً دون ولدها منه. وكذا كل حربية حامل من مسلم بوطء مباح، كالعقد المنقطع ووطء الشبهة.
(مسألة 976) لو أعتق مسلم عبداً ذمياً، فلحق بدار الحرب فأسره المسلمون، جاز استرقاقه، ولو لمسلم آخر غير الأول، ولكن يبقى ولاؤه له مع اجتماع الشرائط فإن أعتقه الثاني كان له الولاء أيضاً.
(مسألة 977) إذا أسلم عبد في دار الحرب قبل مولاه، ملك نفسه ولا يعود إلى ملكيته أبداً. وكذا كل عبد كافر مملوك لكافر إذا أسلم قبل مولاه. فإنه (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).
ــــــ[264]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الخامس
الغنيمة
والمقصود بها هنا، ما استولى عليه المسلمون المقاتلون من الكفار بالجهاد المسلح. وهي على ثلاثة أنواع.
النوع الأول: ما يكون منقولاً من الأموال، كالذهب والفضة والفرش والأواني والحيوانات وما شاكل.
النوع الثاني: ما يسبى ويسترق من البشر، رجالاً ونساء وأطفالاً.
النوع الثالث: ما لا يكون منقولاً كالأراضي والعقارات.
أما النوع الأول: فيستثني منه أولاً، عدة أمور:
الأمر الأول: ما لا مالية له في الشريعة كالخمر والخنزير. فإن لم يكن مما يؤول إلى مالية محللة، وجب إتلافه كالخنزير وكتب الضلال، وإن كان مما يؤول إليها وجب إبقاؤه، كالخمر الذي يصبح خلاً.
الأمر الثاني: الخمس. فإنه لأرباب الخمس وليس لأصحاب الغنيمة. وهذا المورد هو القدر المتيقن من الآية الكريمة (أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ).
الأمر الثالث: ما يجب إرجاعه إلى مالكيه، كالمغصوب من مسلمين أو ذميين حال الحرب أو غيرها إن علموا بحاله هكذا، وإلا دخل ضمن الغنيمة.
الأمر الرابع: ما يختاره الإمام أو نائبه من الغنيمة من ثوب أو جارية أو أي شيء آخر. فإن له الحق في ذلك شرعاً ويكون باختياره له من الأنفال، كما
ــــــ[265]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
سبق في كتاب الزكاة.
الأمر الخامس: صفايا الملوك وقطايعهم من إنسان وحيوان ونبات وأراضي وغيرها. فإنها كلها من الأنفال، كما سبق، ولا تكون محكومة بحكم الغنيمة.
الأمر السادس: المباحات العامة التي حازها العسكر، ولم ينوِ عليها التملك. ولم تمر في ملكية الكفار. فهي لا زالت على الإباحة العامة، فتكون لمن حازها وليست من الغنيمة.
الأمر السابع: نفقات حفظ هذه الأمور من التلف والسرقة والضياع، كعلف الحيوان وأجور الصيانة.
الأمر الثامن: ما يرجع إلى أي مقاتل بالذات. فقد سبق أن القاتل يملك سلب المقتول الكافر مسألة (974) ولا يكون محكوماً بحكم الغنيمة الآتي.
الأمر التاسع: أعواض المعاملات التي كانت في مصلحة الحرب وانتصار المسلمين.
الأمر العاشر: ما يعطيه الإمام أو نائبه للمقاتلين ممن لا يستحق الشمول بالتقسيم الآتي كالنساء والعبيد والكفار إن قاتلوا بإذن الإمام أو عملوا بإذنه ما يكون في مصلحة المسلمين كمداواة الجرحى.
(مسألة 978) لا يجوز للمقاتلين الذين استولوا على الغنيمة أن يتصرفوا فيها قبل القسمة تكليفاً ولا وضعاً. إلا في حدود ما جرت عليه السيرة من التصرف أثناء الحرب، كالمأكولات والمشروبات وعلف الدواب.
(مسألة 979) إذا وجد شيء في دار الحرب أو في منطقة الحرب، كالخيمة والسلاح أو أي شيء آخر، وحصل التردد بأنه للمسلمين أو من الغنيمة. فالمرجع هو القرعة في التعيين أو أمر الإمام أو نائبه، يرى فيها رأيه بالولاية.
وأما النوع الثاني من الغنيمة: وهو ما يسبى ويسترق من البشر فيدخل بالسبي ــــــ[266]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ضمن الغنيمة المنقولة ويكون حكمه حكمها. فإن قلنا بأن النساء والذراري تسترق بالأسر، كما هو الصحيح، فلا إشكال من هذه الناحية، غير أنه للإمام أو نائبه أن يمن على من يشاء منهم بإطلاق سراحه. والاسترقاق بالأسر هو معنى السبي وقد يسمى متعلقه سبياً أي المملوك بالسبي. وإن قلنا بعدم دخوله في الملكية إلا بعد حكم الإمام به أو بعد القسمة، لم يفرق في إجراء حكم الغنيمة عليه لأنه مما يجب تقسيمه الآتي على أي حال. إلا أنه لا خمس فيه ما لم يملك ملكاً عاماً أو خاصاً، وأما الرجال فلا يملكون – كما سبق – إلا بحكم الإمام عليهم بالاسترقاق، فيدخلون بذلك ضمن الغنيمة.
وأما النوع الثالث: وهي الأراضي والعقارات فسيأتي حكمها.
(مسألة 980) لا يفرق في أعواض المعاملات والجعائل ونفقات الحفظ ونحوه مما سبق. بين أن يكون طرفها مسلماً أم كافراً حراً أم عبداً، ذكراً أم أنثى مستحقاً للقسمة الآتية أم غير مستحق.
كيفية القسمة
يقسم الباقي بعد إخراج كل الأمور السابقة بين المقاتلين من الرجال المسلمين ويعطى أيضاً من حضر القتال ولو لم يقاتل، كالطبيب والعامل ومن جاء لأجل المدد العسكري ولم يدرك القتال، إن حضروا قبل القسمة. حتى الطفل إذا ولد بعد الحيازة وقبل القسمة. ويحرم منها كل من لم يحضر القتال ولا القسمة وإن كان من جيش المسلمين.
وقد ذكر الفقهاء للقسمة عدة أساليب، واختلفوا على الصحيح منها. والظاهر صحتها جميعاً، ومرجعها إلى رأي الإمام أو نائبه حسب تشخيصه للمصلحة. وما ورد في ذلك من الاختلاف مفسر في ذلك وهي كما يلي:
الأسلوب الأول: يعطى الراجل سهماً والفارس سهمين وإن تعددت
ــــــ[267]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
أفراسه.
الأسلوب الثاني: يعطى الراجل سهماً ولصاحب الفرس سهمين ولصاحب الفرسين والأكثر ثلاثة أسهم.
الأسلوب الثالث: يعطى الراجل سهماً والفارس ثلاثة أسهم سواء كان له فرس واحد أو متعدد.
(مسألة 981) تكون القسمة بتقييم الغنيمة كلها أولاً وضبط عدد المقاتلين أو المستحقين لها ثانياً، وتقسيم الرقم الأول على الثاني، رياضياً فما نتج فهو سهم.
(مسألة 982) المراد من ذي الفرس والفرسين، ما كان قد استعمله في مصلحة المسلمين أو حضر القسمة بفرسه، ولا يدخل ضمن ذلك من كان له فرس أو أفراس في مكان بعيد.
(مسألة 983) لا فرق في هذه القسمة بين أن تكون الحرب في البر أو في البحر أو الجو. كل ما في الأمر أنهم إذا لم يستعملوا أفراساً مملوكة لهم اعتبروا راجلين فيعطى الفرد منهم سهماً واحداً. سواء كان مقاتلاً راجلاً حقيقة أو كانت واسطة نقله غير الفرس كالسيارة والدبابة أو كانت واسطة نقله من الملكية العامة وليست ملكه أو كانت واسطة نقله غير برية كالسفينة والقارب والطائرة. وإن كان لاحتمال إلحاق وسائط النقل البرية المملوكة ملكاً شخصياً كالسيارة بالفرس وجه وجيه. وليس كذلك إذا كانت مملوكة ملكاً عاماً.
(مسألة 984) الجيش، بمعنى الفرقة أو اللواء، يشارك السرية في غنيمتها إذا صدرت عنه، وكذا إذا خرجت منه سريتان أو أكثر وأما إذا خرج جيشان إلى جهتين لم يشتركا في القسمة. بل تكون غنيمة كل منهما لمقاتليه خاصة. وكذا لو خرجت سرية أو أكثر من جملة عسكر البلد الذين لم يشتركوا في قتال كانت غنيمتها لها دونه، لأنه ليس بمجاهد.
ــــــ[268]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 985) لا يملك الكافر الحربي أموال المسلمين بالاستغنام فلو غنم المشركون أموال المسلمين وذراريهم ثم ارتجعها المسلمون. فالأحرار لا سبيل عليهم رجالاً ونساءً وأطفالاً. وأما الأموال المعلومة للمالك من المسلمين تفصيلاً أو إجمالاً فيجب دفعها إلى أصحابها، ولا تدخل في الغنيمة. وأما إذا تم التعرف على ذلك بعد القسمة، فإن كانت العين موجودة دفعت إلى صاحبها، وعوض الآخر قيمتها من بيت المال. وإن لم تكن موجودة عوض المالك من بيت المال.
(مسألة 986) وقت القسمة موكول إلى الإمام أو نائبه حسب ما يرى من المصلحة وإن كان الأفضل فيه الفورية، ما لم تشغل الناس عن مصالح عامة ضرورية. أو كان نقلها إلى البلد قبل القسمة أسهل أو أرخص بما إذا كان بعدها.
ــــــ[269]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث السادس
الدفاع
الدفاع إما عام أو خاص. فالدفاع العام هو الدفاع عن المجتمع المسلم، والدفاع الخاص هو الدفاع عن النفس ضد الاعتداء الشخصي. وكلاهما جائز بل واجب.
فمن حيث الدفاع العام فإنه يجب على كل مسلم الدفاع عن الدين الإسلامي، أو البلد الإسلامي. إذا كان الدين أو أهله في معرض الخطر. ولا يعتبر فيه إذن الإمام، بلا إشكال. ولا فرق في ذلك بين أن يكون في زمن الحضور أو الغيبة وإذا قتل فيه أي فرد جرى عليه حكم الشهيد في ساحة الجهاد سواء كان مقاتلاً أم لم يكن مع اجتماع سائر الشرائط. كما تجري على الأموال المأخوذة من الكفار في الدفاع أحكام الغنيمة التي عرفناها في الفصل السابق.
ولكن يختص ذلك بما إذا كان المهاجمون غير مسلمين، مهما كان دينهم. وأما إذا كانوا مسلمين فسيأتي حكمهم لدى الكلام عن البغاة أو أهل البغي. وقد يجب في مورد الكلام النفير العام ولا يتوقف الخروج حتى على إذن الفقيه، ما لم يفتقر الحال إلى قيادة وترتيب. بل يجب مبادرة الفقيه إلى ذلك أيضاً، كغيره من الناس. ويجوز أن يستعمل في الدفاع كل ما يرجى الفتح والنصر من الأسلحة التي قلناها في المبحث الأول.
وأما الدفاع الخاص عن النفس فيتم عرضه ضمن مسائل:
(مسألة 987) لا إشكال في جواز بل وجوب دفع المقاتل مع الإمكان عن
ــــــ[270]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
النفس والغير من العائلة أو غيرها من المؤمنين. والمقصود من المقاتل: المهاجم بقصد القتل، سواء كان واحداً أو متعدداً، ولا أقل إحراز أنه لا مانع له من القتل، وإن استهدف السرقة أو غيرها. وإن قتل المهاجم خلال ذلك كان دمه هدراً.
(مسألة 988) إذا كان هدف المهاجم شيئاً غير القتل، كالسرقة فإن كان مستهدفاً للعرض أو المال الكثير جاز قتله. وإن استهدف أمراً آخر، توقف جواز قتله على تشخيص الأهمية.
(مسألة 989) إذا جاز القتل جاز الجرح ونحوه دون العكس. وإنما يجوز ذلك أو يجب مع توقف الدفاع عليه، أما لو كان قد فعل ما يريده، لم يجز قتله بدون حكم قضائي.
(مسألة 990) لا يختلف في الاعتداء على العرض بين الزوجة والحليلة والبنت والأخت والخادمة أو أية مؤمنة. كما لا يختلف بين أن يكون مطلوب المهاجم سرقة المرأة أو الاعتداء عليها سواء كانت المرأة كارهة أم راضية. كما لا يختلف الحال بين أن يكون المعتدى عليه جنسياً ذكراً أم أنثى، بالغاً أم غير بالغ، نعم، لو أحرز أن مطلوب المهاجم أمر جنسي بسيط، كاللمس أو النظر، كان جواز دفعه بالقتل ونحوه مبنياً على ملاحظة الأهمية.
(مسألة 991) يجب الاقتصار في الدفاع على الأيسر فالأيسر فإن اندفع المهاجم بالأقل لم يجز الزائد فما كان من الحوادث ضمن الدفاع كان هدراً وما كان زائداً على ذلك كان مضموناً، فلو اندفع المهاجم بالتنبيه كالتنحنح مثلاً فعل، ولو لم يندفع إلا بالصياح والتهديد اقتصر عليه، وإن لم يندفع إلا باليد اقتصر عليها أو بالعصا اقتصر عليها أو بالجرح اقتصر عليه أو بقطع عضو اقتصر عليه. وإن لم ينفع في الدفع إلا القتل جاز بل وجب. وهذا الترتيب إنما تجب مراعاته مع الإمكان، أما لو خاف فوت الفرصة سقط الوجوب بمقدار ما يكفي للدفاع.
(مسألة 992) كل ما يفعله مهاجم ضد أي مؤمن أو مؤمنة أو مسلم أو مسلمة، واحداً كان أحد الطرفين أو متعدداً، مدافعاً كان الآخر أم غير مدافع، ــــــ[271]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فهذا كله مضمون على المهاجم، ما دام هجومه بالباطل. ولا يشمل ما إذا كان هجومه بحق، ومعنى الضمان غرامة المال وأخذ الدية والقصاص والقود للقتل، كل حسب فعله. أما المهاجم بالحق، فهو غير ضامن، بل يكون الضامن هو الطرف الآخر، إن أنقص من المهاجم شيئاً.
(مسألة 993) لا إشكال في جواز الدفاع بل وجوبه لو غلب ظن السلامة بل هو واجب في النفس والعرض والمال المعتد به. وأما لو ظن الفشل بمعنى أن دفاعه ينتج قتله، فهل يجب عليه الاستسلام أو يجب الدفاع، أو يجوز أي منهما، لا إشكال في جواز ذلك إن كان نفساً بنفس، كما لا إشكال في وجوبه من صورة تعدد المعتدى عليهم بالنفس أو أهميته دينياً. كما لا إشكال في جواز ذلك فيما إذا كان المطلوب الاعتداء الجسدي بما دون النفس إن كان تلفاً معتداً به. ولكن في وجوبه إشكال وخاصة مع وجود الاحتمال وعدم اليقين.
(مسألة 994) إذا كان المطلوب الاعتداء على المال المعتد به جاز تعريض النفس للقتل، كما يجوز قتل المهاجم. ولكن في وجوبه إشكال، وأما لو لم يكن المال معتداً به، فلا إشكال في الحرمة.
(مسألة 995) لو أمكن التخلص من القتال بالهرب ونحوه، فهل يجوز أو يجب، لا إشكال أنه جائز بل أحوط، ما لم يكن المدافع عالماً بحصول ضرر عظيم نفساً أو مالاً. فيجب المبادرة إلى الدفع، مع ظن الانتصار.
(مسألة 996) لو هجم عليه أحد ليقتله، وجب عليه الدفاع ولا يجوز له الاستسلام، إلا إذا علم بعدم تأثيره أصلاً. كما إذا ظن ذلك أو احتمله، ولكن لو كان هجوم الآخر بحق فإن في جواز فضلاً عن وجوب الدفاع إشكالاً. ولكن لو جاز الدفاع أو وجب لا يلحظ فيه مستوى المهاجم في الدين أو في الدنيا، والحال نفسه فيما إذا حصل الهجوم على أي مسلم من عائلته أو غيرها.
(مسألة 997) كان الحكم السابق في صورة العلم بالهجوم. وأما مع ظن حصوله أو احتماله، فالأحوط التريّث إلى حين حصول الوثوق بذلك، مع الوثوق ــــــ[272]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
بما يقصد المهاجم فعله.
(مسألة 998) لو أحرز قصده إلى نفسه أو عرضه أو ماله فدفعه، فأضر به أو جنى عليه. فتبين خطؤه، كان ضامناً، وإن لم يكن آثماً.
(مسألة 999) لو هجم عليه لص أو نحوه، وعلم الفرد أنه لا يمكن له تحصيل المقصود لمانع كنهر أو جدار، كف عنه، ولا يجوز له الإضرار به جرحاً أو نفساً أو غيرهما، ولو أضر به ضمن.
(مسألة 1000) لو هجم عليه، ولكنه قبل الوصول إليه أظهر الندامة لم يجز له الإضرار به بشيء، ولو فعل ضمن. نعم، لو خاف أن يكون ذلك خدعة فلا يبعد جواز الدفاع. لكنه يضمن لو كان المهاجم صادقاً في ندمه.
(مسألة 1001) لو أخذ اللص أو المحارب وربطه أو حبسه وعطله عما قصده، لم يجز له الإضرار به، قتلاً أو جرحاً، فلو فعل ضمن.
(مسألة 1002) لو لم يمكنه دفعه إلا بالاستعانة بالغير جاز بل وجب، ولو كان الغير ظالماً أو كافراً. بل حتى لو علم أنه سوف يتعدى في إيقاع الضرر عن المقدار المشروع، مما عرفناه. ولكن يجب عليه النهي عن تعديه، فلو تعدى والحال هذه كان ضامناً دون المعتدى عليه.
(مسألة 1003) لو وجد مع زوجته رجلاً يزني بها، وعلم بمطاوعتها له. فله قتلهما، ولا إثم عليه ولا قود، من غير فرق بين كون الزوجة دائمة أو منقطعة ولا بين كونها مدخولاً بها أو لا وبين كونها ناشزاً أم لا. ولا بين كون الآخر محصناً أم لا. والظاهر سريان هذا الحكم لكل زانيين مسلمين مع المطاوعة والتراضي، سواء كانت الزانية من أهله كبنته وأخته أو من غيرهم. نعم، يحتاج إلى وضوح الحال في نظره. والكلام في جواز القتل، وإلا فهو غير واجب على أي حال.
(مسألة 1004) للإنسان دفع الدابة الصائلة عن نفسه وعن غيره وعن ماله المعتد به. فلو تعيبت أو تلفت مع توقف الدفع عليه فلا ضمان. أما لو تمكن من الهرب بسهولة فالظاهر عدم جواز الإضرار بها. فلو أضر بها عندئذ ضمن.
ــــــ[273]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث السابع
المهادنة
وهي المعاقدة على ترك الحرب مدة معينة. وهي جائزة إذا تضمنت مصلحة للمسلمين. أما لقلتهم عن المقاومة أو لما يحصل به أمل الانتصار والتقدم. أو لرجاء دخول الآخرين في الإسلام مع التربص والانتظار. ومتى ارتفع ذلك، وكان في المسلمين قوة على الخصم، لم تجز الهدنة، ما لم يأمر بها الإمام أو تتعلق بها مصلحة ثانوية مهمة.
(مسألة 1005) لا تجوز الهدنة بدون اتفاق وتعاقد، كما لا يجوز نقضها مع التعاقد، فإنه يكون خيانة وغدراً، كما لا يجوز جعلها إلى مدة مجهولة أو مطلقاً، إلا أن يشترط الإمام لنفسه الخيار في نقضها متى شاء، وبدونه يجب تحديد المدة، وتكون طبقاً للمصلحة، ولا حد لها زيادة أو نقيصة كيوم واحد أو شهر أو سنة أو أكثر.
(مسألة 1006) لو وقعت الهدنة على ما لا يجوز فعله، لم يجب الوفاء به في غير التقية. مثل التظاهر بالمنكر. أو اشتراط إعادة من يهاجر من النساء. فلو هاجرت وتحقق إسلامها لم تُعد، أما إعادة الرجال، فمن أَمِن عليه الفتنة بكثرة العشيرة أو علو الإيمان جازت إعادته، وإلا لم تجز.
(مسألة 1007) لو اشترطوا في الهدنة إعادة الرجال مطلقاً، قيل: يبطل الصلح، لأنه يشمل من يؤمن عليه الافتتان ومن لا يؤمن. وهذا هو الأحوط، ما
ــــــ[274]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
لم تتعلق مصلحة ثانوية في الصلح، وكل من وجب رده لا يجب حمله وإنما يخلى بينه وبينهم.
(مسألة 1008) لا يتولى الهدنة على العموم أو على أهل بلد معين، إلا الإمام أو من يقوم مقامه.
(مسألة 1009) الهدنة غير شرائط الذمة الآتية وإن كان كلاهما يعني توقف الحرب. إلا أن من شرائط الذمة دفع الجزية والاستمرار فيها يعني عدم التحديد في الزمان. وكله غير موجود في الهدنة.
ــــــ[275]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الثامن
أحكام أهل الذمة
شرائط الذمة ستة:
الأول: الموافقة على دفع الجزية.
الثاني: أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان ضد المسلمين، مثل العزم على حرب المسلمين أو إمداد المشركين بالمال والسلاح.
الثالث: أن لا يؤذوا المسلمين كالزنا بنسائهم واللواط بصبيانهم والسرقة لأموالهم، وإيواء عين المشركين ضدهم.
الرابع: أن لا يتظاهروا بالمنكرات، كشرب الخمر والزنا وأكل لحم الخنزير ونكاح المحارم. ومن ذلك أن يحدثوا كنيسة جديدة أو بيعة أو يضربوا ناقوساً، وما شاكل ذلك.
الخامس: أن يجري عليهم أحكام المسلمين من ناحيتي: الولاية والقضاء.
السادس: أن لا يربوا أولادهم بالمنع عن معرفة الدين الإسلامي ولا غير أولادهم ممن يريد ذلك. بل يجب عليهم إعطائهم الحرية والاختيار في الدين، كمطالعة الكتب الإسلامية وحضور مجالس المسلمين ونحو ذلك. فإنهم بطبيعة الحال سوف يختارون الطريقة الموافقة للفطرة وهي الإسلام. كما أن الدين الإسلامي أعمق وأوضح في العقل، مما سواه.
ــــــ[276]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فلو اشترطت عليهم هذه الشرائط أو غيرها، وجب على الكفار الالتزام بها، وإن أخلوا بها مع الشرط فقد أخلوا بالذمة وخرجوا عن ذمة الإسلام. وأما الشرطان الأولان فحاصلان على كل حال، بمعنى أنهم يخرجون عن الذمة بنقضهما أو أحدهما، ولو لم يشترطا بصراحة في العهد. وطرف الذمة من المسلمين هو الإمام أو نائبه وهو المشرف الرئيسي على تطبيق الشروط. وطرفها الآخر هم أهل الكتاب من النصارى واليهود والمجوس، دون غيرهم. بل لا يخلوا إلحاق المجوس من إشكال فضلاً عن الصابئة. ونتيجتها. أنهم إذا التزموا بالشروط يرتفع عنهم القتال والاستعباد ويقرون على أديانهم. ويسمح لهم بالسكنى في دار الإسلام آمنين على أنفسهم وأموالهم، بل يجب ضمان الدفاع عنهم إذا اعتدى عليهم معتد، فإن هذا هو معنى دخولهم في ذمة الإسلام، كما يجب عليهم أن يدافعوا عن المسلمين لو حصل الاعتداء عليهم ولكن لو تركوا ذلك فقط، لم يخلوا بشرائط الذمة ما لم يكن مشترطاً عليهم في العهد الأصلي.
(مسألة 1010) أحكام الذمة وشرائطها مشروعة عندما يكون الحرب والجهاد مشروعاً. هجوماً أو دفاعاً، وأما بدونه فلا. ومنه يظهر أنه ليس في أيامنا هذه من الكفار ممن هو من أهل الذمة لعدم تحقق هذه الشرائط ولا تلك.
(مسألة 1011) إذا ادعى الكفار أنهم من أهل الكتاب عموماً أو من أحد أديانهم المشار إليها خصوصاً، ولم تكن قرينة على الخلاف ولم يعلم بكذبهم ولو بعد الفحص، جاز ترتيب أحكام أهل الذمة عليهم. نعم، إذا علم بعد ذلك خلافها كشف عن بطلان عقد الذمة.
(مسألة 1012) إذا أسلم بعد خرق الذمة، قبل الحكم فيه سقط جميع ما ضمنه عدا القود واستعادة ما أخذ إن كان فعل شيئاً من ذلك ولو أسلم بعد الاسترقاق أو المفادات، لم يرتفع عنه ذلك.
(مسألة 1013) إذا مات الإمام وقد ضرب لما قرره من الجزية أمداً معيناً أو ــــــ[277]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
اشترط الدوام، فالأحوط للقائم مقامه إمضاء ذلك ولو أطلق الأول، كان للثاني تغييره بحسب ما يراه صلاحاً.
(مسألة 1014) وضع الجزية على الرجال البالغين وكل من يتجدد بلوغه منهم متعين، سواء كان حراً أم عبداً سفيهاً أم رشيداً غنياً أم فقيراً. وأما وضعها على النساء والأطفال والمجانين، فهو على الأقوى موكول إلى تشخيص الإمام أو نائبه للمصلحة.
(مسألة 1015) لا تقدير لمقدار الجزية بل أمرها إلى الإمام أو نائبه. فإن ذكرها في أصل المعاهدة لم يجز تعديه، وأما لو أطلق كان له أن يعين ما شاء. ولا يشترط تساوي الجزية لكل أفراد المجتمع بل يمكن اختلافها، حسب ما يرى الإمام المصلحة فيه.
(مسألة 1016) لا تقدير لزمان الجزية بل أمرها موكول إلى الإمام أو نائبه من ناحيتين:
الناحية الأُولى: استقرار دفعها لسنوات محدودة أو مطلقاً.
الناحية الثانية: تقدير المدة بين أقساطها كشهر أو ستة أشهر أو سنة أو أكثر، وإن كان الأشهر والأفضل والأحوط تحديد العام الواحد.
(مسألة 1017) إذا أسلم الذمي قبل نهاية الحول أو بعدها وقبل الأداء، سقطت الجزية عنه.
(مسألة 1018) إذا مات الذمي قبل الحول سقطت عنه الجزية، بخلاف ما لو مات بعده، ووجب على ورثته دفعها من تركته.
(مسألة 1019) يجوز أخذ الجزية من ثمن الخمور والخنازير مما هو محرم شرعاً، كالمعاملات الربوية وغيرها.
(مسألة 1020) وضع الجزية أما على الرؤوس وأما على الأراضي
ــــــ[278]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
والأملاك. ولا يجوز وضع الجزية بكلا العنوانين. ولكن يجوز أخذها بعدد رؤوس الذين ليس لهم أملاك. كما يجوز الوضع بعنوان الممتلكات من الأموال والأرباح بنسبة مضبوطة. ولا يجوز اجتماعها أيضاً مع الجزية على الرؤوس.
(مسألة 1021) إذا أخلّ أهل الكتاب بشرائط الذمة بعد قبولها فقد خرجوا عن ذمة الإسلام. فإن كان ذلك بنقض شرط الأمان فلا إشكال في جواز بل وجوب المبادرة إلى حربهم أو استرقاقهم، وإن كان بنقض شرط آخر كدفع الجزية. فهل يجب على ولي الأمر ردهم إلى مأمنهم قبل مناجزتهم بالقتال، أو يجوز له قتلهم أو استرقاقهم فوراً، الأقوى الثاني وإن كان الأول أحوط احتياطاً مؤكداً.
(مسألة 1022) لا يجوز لأهل الذمة إحداث الكنائس والبيع والصوامع والأديرة وبيوت النيران في بلاد الإسلام والبلاد الداخلة في ذمة الإسلام. وإذا أحدثوها خرجوا عن الذمة فلا أمان لهم بعد ذلك. هذا إذا اشترط عدم إحداثها في ضمن العقد، وهو العهد الأصلي. وأما إذا لم يشترطوا لم يخرجوا منها، لكن لولي الأمر هدمها إذا رأى فيها مصلحة ملزمة. وأما إذا كانت هذه الأمور موجودة قبل الفتح، فأما أن يشترط إزالتها في العهد الأصلي أو لا. فإن اشترط وجب إزالتها وإن رفضوا خرجوا عن العهد. وإن اشترطوا استمرارها وجب الالتزام لهم. وإن لم يشترطوا شيئاً فإن كان إبقاؤها منافياً لمظاهر الإسلام وشوكته فعلى ولي الأمر هدمها وإزالتها، وإلا فلا مانع من إقرارهم عليها.
(مسألة 1023) المشهور أنه لا يجوز للذمي أن يعلوا بما استجده من المساكن على مساكن المسلمين. إلا أن دليله غير ظاهر. فإن تم الاجماع فهو وإلا فهو منوط بأحد أمور: أما باشتراطه بالمعاهدة الأصلية أو بأمر ولي الأمر أو بالمصلحة العامة الثانوية للمسلمين.
(مسألة 1024) لا يجوز على الأحوط دخول المشركين والكفار الحرم
ــــــ[279]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المكي فضلاً عن السكنى فيه والأحوط استحباباً إلحاق الحرم المدني به. وإن كان فيما زاد عن المسجد الحرام المنصوص في الآية إشكال.
(مسألة 1025) يكره الابتداء بالسلام على الذمي بل مطلق الكافر. وأما إذا ابتدأ الذمي بالسلام على المسلم، فالأحوط بل اللازم وجوب الرد والمشهور جواز الاقتصار في الرد على أحد اللفظين (عليكم) و(السلام) ولكن في كونه مصداقاً عرفياً للرد الكامل المأمور به في إطلاق الآية إشكال.
ــــــ[280]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث التاسع
قتال أهل البغي
أهل البغي أو البغاة هم المسلمين البادئون بالقتال مع المسلمين ظلماً. والقدر المتيقن منهم هم الخارجون على الإمام المعصوم. وهل يشمل كل إمام عادل، بل كل مجتمع مسلم مظلوم وإن لم يكن فيه إمام عادل. الظاهر ذلك. وخاصة بأن حرب البغاة دائماً حرب دفاعية وهي جائزة على كل حال. ولكن الأحوط اشتراط الخوف من المهاجمين على بيضة الإسلام، كالكفار، وإن كانوا يدّعون الإسلام. وإذا حصل شيء من ذلك فإنه لا يجوز الفرار لأنه كالفرار في حرب المشركين، فإنه من الكبائر قطعاً، كما تجري على من قُتِلَ فيه أحكام الشهيد، لأنه قتل في سبيل الله.
(مسألة 1026) المشهور والأحوط أنه لا يجوز قتل أسرائهم ولا الإجهاز على جريحهم ولا يتبع مدبرهم، إذا لم تبقَ منهم فئة يرجعون إليها ويعتمدون عليها. وإلا جاز كل ذلك فيهم. أما وجوبه فمحل إشكال إلا إذا اقتضته المصلحة العامة للدين. بل الأمر كذلك في الكفار أنفسهم بالنسبة إلى الإجهاز على جريحهم وإتباع مدبرهم.
(مسألة 1027) لا تسبى ذراري البغاة، سواء كانوا مولودين قبل البغي أو ولدوا بعده. ولا تملك نساؤهم. وكذا لا يجوز أخذ أموالهم التي لم يحوها العسكر، بل يرجع كل مال إلى مالكه وإن كان سلاحاً ونحوه، ما لم تقتضِ المصلحة العامة خلافه. بل لا يجوز أخذ ما حواه العسكر أيضاً من الأموال على
ــــــ[281]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
التفصيل نفسه.
(مسألة 1028) لا يكون البغاة مشمولين لعدة أحكام ثابتة في جهاد الكفار مما سبق كوجوب الدعوة إلى الإسلام قبل مناجزة الحرب أو صيرورتهم ذميين. واختيار استرقاق الأسير البالغ فضلاً عن قتله بعد انتهاء الحرب، فإن قتله غير ثابت في الكفار فضلاً عن البغاة. نعم، لا يبعد ثبوت التخيير للإمام بين المن والفداء. كما أن له أن يبقي الأسير في الأسر مدة طويلة إن اقتضت المصلحة ذلك.
(مسألة 1029) فكرة تبادل الأسرى مشروعة وصحيحة في الدين ومرجعها فقهياً إلى فداء أحد الأسيرين بالآخر، بنفس العدد أو بعدد آخر حسب الاتفاق. فيكون الفداء بدل المال إطلاق الأسير.
(مسألة 1030) لو استجار البغاة بالكفار فحاربوا المسلمين، تبع الحكم كل محارب وكل بلد على حدة. فإن كان كافراً انطبق عليه أحكام جهاد الكفار وإن كان مسلماً انطبق عليه حكم جهاد البغاة.
(مسألة 1031) لم تصف الآية الكريمة البغاة بكونهم مؤمنين، بحيث يجتمع وصف الإيمان والبغي. وإنما جاء الوصف بلحاظ ما قبل البغي، فإذا حصل القتال ثبت البغي وانتفى الإيمان. وهذا واضح من سياق الآية خلافاً لمن يرى ضد ذلك.
ــــــ[282]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث العاشر
أحكام الأراضي
للأراضي أقسام عديدة: فإنها إما أن تكون بوراً كالصحارى أو محياة طبيعياً كالغابات والأحراش أو محياة بشرياً بالزرع كالبساتين أو بالبناء كالمدن. وعلى كل هذه الاحتمالات فإما أن تدخل الأرض تحت سيطرة المسلمين بالجهاد المسلح المشروع في الدين، أو أن يسلم أهلها عليها طوعاً أو أن يتم الصلح بين أهلها وبين المسلمين. وأما أن يهجرها أهلها نتيجة للهجوم عليهم أو لسبب آخر كالسيل ونحوه. فالأقسام عديدة.
(مسألة 1032) الأراضي البوار طبيعياً وكذلك المحياة طبيعياً، وكذلك الأراضي التي هجرها أهلها والأراضي التي باد أهلها. كلها من الأنفال، كما سبق في كتاب الزكاة. وتكون لمن أحياها، كما سيأتي في كتاب إحياء الموات. ولا يغيّر الجهاد الإسلامي من حكمها شيئاً.
(مسألة 1033) الأرض المحياة بشرياً إن سقطت بيد المسلمين نتيجة للجهاد المشروع، فهي الأرض المفتوحة عنوة. وهي ملك عام للمسلمين وليست لواحد منهم، وأمرها بيد ولي الأمر في تقبيلها وإيجارها بالذي يرى أو وضع الخراج عليها حسب ما يراه من المصلحة كماً وكيفاً. ولا تباع رقبتها لأنها ليست ملكاً للبائع، ولكن يباع حق الانتفاع منها.
(مسألة 1034) الأرض المحياة بشرياً إن سقطت بيد المسلمين في جهاد غير مشروع، فهي للإمام خاصة، يعني أنها من الأنفال، يرى الإمام فيها رأيه.
ــــــ[283]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 1035) أراضي البغاة ممن ينتسب إلى الإسلام لا يتغير حكمها بعد الحرب عن حكمها قبله.
(مسألة 1036) الأرض التي أسلم عليها طوعاً، فما كان ملكاً لهم يبقى ملكهم ولا يجب عليهم فيها شيء غير دفع الزكاة وما كان منها قفراً أو غابة أو نحوها فهو من الأنفال.
(مسألة 1037) الأرض التي صولح أهلها عليها تتبع أحكامها بنود العهد المتفق عليه في الصلح. فإن اشترطوا كونها للمسلمين كانت من قبيل الأرض المفتوحة عنوة. وإن اشترطوا كونها للإمام كانت من قبيل الأنفال وإن اشترطوا كونها لأصحابها الأصليين كانت من قبيل الأرض التي أسلم عليها أهلها طوعاً. وأما ما كان منها قفراً أو غابة فهو من الأنفال لا يتغير حكمه.
(مسألة 1038) هذه الأحكام للأرض المفتوحة عنوة وأرض الصلح ونحوها، تختص بما كان من الأرض ملكاً للكفار. ولا تشمل ما إذا كانت ملكاً للمسلمين، سواء كانوا بغاة، كما سبق، أو لم يكونوا، كما لو كان بعض المسلمين مالكين لبعض الأراضي أو الدور في دار الكفر.
(مسألة 1039) اتضح مما سبق أن مالك الأرض شرعاً أحد ثلاثة لا رابع له: إما الإمام أو المسلمون أو المالك الخاص. على التفصيل السابق. والقسمان الأخيران من هذه الثلاثة يتغير حكمه نتيجة لحصول الجهاد المشروع دينياً. ومن هنا لا بد من ملاحظة حال الأرض لدى الفتح الإسلامي في صدر الإسلام وحال أهلها أيضاً، على التفصيل السابق. وستأتي تفاصيل الفروع والمسائل في كتاب إحياء الموات إن شاء الله تعالى.
ــــــ[284]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ملحق
الجزء الثاني من منهج الصالحين
في بيان الموضوعات الحديثة للكتب
الفقهية المندرجة فيه بمقدار ما يناسب الحال
ــــــ[285]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ــــــ[286]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كتاب الصوم
ثبوت الهلال
(مسألة 1040) ثبوت الهلال بالمرصد الفلكي ليس بحجة، وإنما لا بد من رؤية العين المجردة الطبيعية. وكذا لو كانت العين المجردة لشخص أعلى مستوى من البصر الطبيعي على الأحوط. فإن لم يثبت بالعين المجردة الطبيعية، كان حكم إكمال العدة ساري المفعول.
(مسألة 1041) بالرغم من ذلك فإنه يمكن الاستفادة من المراصد شرعاً في عدة أمور نذكرها فيما يلي، بعد إحراز حجية الإخبار عن نتائج الرصد بأن يكون المخبر عنها شخصان ثقتان عادلان خبيران، أو أن يحصل الاطمئنان بالنتيجة بسبب معتد به عقلائياً. والأمور المشار إليها كما يلي:
الأمر الأول: تعيين وجود الهلال، فلو ادعى شخص الرؤية، وأثبت المرصد عدم وجوده أصلاً، لم يصدق المدعي.
الأمر الثاني: تعيين كون الهلال دون مستوى الرؤية بالعين المجردة فلو ادعى شخص رؤيته لم يصدق.
الأمر الثالث: تعيين عدم وجود الهلال، من ناحية توفير الجهد على الناظرين لمحاولة رؤيته.
الأمر الرابع: تعيين جهة الهلال. فلو ادعى شخص رؤيته في جهة أخرى لم يصدق. مضافاً إلى أن تعيين جهة الهلال يسهل على الناظرين المستهلين في تركيز نظرهم إلى تلك الجهة.
ــــــ[287]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الأمر الخامس: تعيين شكل الهلال واتجاهه. فلو ادعى شخص رؤيته بشكل آخر لم تثبت دعواه.
الأمر السادس: تعيين كون الهلال بمقدار يمكن رؤيته بالعين المجردة وهذا ينتج أموراً:
أولاً: إمكان التصدي للاستهلال، بخلاف ما لو كان صغيراً غير ممكن الرؤية.
ثانياً: إمكان تصديق مدعي الرؤية.
ثالثاً: يمكن أن يكون ذلك كافياً في إثبات أول الشهر، وإن لم تحصل الرؤية المباشرة. فإن المهم شرعاً هو كون الهلال بالحجم القابل للرؤية وإن لم يرَ فعلاً.
الأمر السابع: تعيين مدة المحاق. وهذا ينتج أموراً:
أولاً: عدم التصدي للاستهلال خلالها.
ثانياً: عدم تصديق مدعي الرؤية خلالها.
ثالثاً: التصدي للاستهلال عند انتهائها.
(مسألة 1042) إذا أخبر الراصد بأن الهلال كبير الحجم يمكن رؤيته بالعين المجردة. وكانت السماء صحواً خالية من العلة، ولكن لم يره أحد. لم يكف إخبار الراصد في إثبات الشهر. لما ورد في بعض الأخبار من القاعدة العامة الارتكازية: إذا رأته عين رأته ألف عين.
(مسألة 1043) إذا أخبر الراصد بأن الهلال كبير الحجم وكان هناك ادعاء رؤية غير معتبر شرعاً، كفى ذلك في إثباته.
(مسألة 1044) إذا أخبر الراصد عن وجود الهلال في جهة أو على شكل، وقام الشهود على وجوده في جهة أخرى أو شكل آخر وكانوا معتبرين شرعاً، كان
ــــــ[288]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ذلك من تعارض الحجتين. فإن لم يكن أحدهما حجة، أما قول الراصد أو الشهود. أخذ بالحجة منهما.
(مسألة 1045) ثبوت الهلال على سطح الأرض كاف في ثبوته في الطائرات والأقمار الصناعية والمركبات التي لا تكون أبعد عن هذا الحد التقريبي، فضلاً عما يكون أقرب منها على الأرض.
(مسألة 1046) حساب الأيام في الوسائط المشار إليها مما هو قريب من الأرض نسبياً هو حساب أيام الأرض نفسه. فيصوم مع الفجر الأرضي ويفطر مع الغروب الأرضي، فإن كانت واسطته ثابتة على بلد معين أو أية منطقة شملها حكمها. وأما إذا كانت تدور حول الأرض، فيتعين عليه العمل بحكم بلده على الأحوط.
(مسألة 1047) المسجون إكراهاً أو اضطراراً، بحيث لا يمكنه التعرف على الأشهر القمرية. وكذلك كل من لا يمكنه التعرف عليها بحيث تختلط عليه أيام السنة القمرية كلها، ولو لأجل العمى أو الصمم أو السكنى في بلاد يجهل أهلها ذلك. يعمل بظنه في الصوم فإن رجح في ظنه دخول شهر رمضان صامه. فإن بقي الاشتباه طول عمره أجزأه. وإن ارتفع الاشتباه. فهنا صور:
الصورة الأُولى: أن يثبت أن ظنه مطابق للواقع وأنه صام شهر رمضان فعلاً. فلا إشكال في صحة صومه.
الصورة الثانية: أن يثبت أنه صام قبله وجزءاً منه وبقيت منه بقية متحققة فعلاً. فيجب عليه صومها.
الصورة الثالثة: أن يثبت أنه صام قبله وجزءاً منه. ولم يصم البقية فيجب عليه قضاؤها.
الصورة الرابعة: أن يثبت أنه صام خارج الشهر كله. فيجب عليه قضاء الشهر ــــــ[289]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
السابق وصوم الشهر اللاحق. ولا يجزي ما صامه عن القضاء.
(مسألة 1048) إذا لم يحصل لهذا الفرد أي ظن بحصول شهر رمضان، طيلة السنة أو حصل له اليأس من وجود الظن، تخير في الصوم ثلاثين يوماً متتابعة من السنة فإن بقي الاشتباه أجزأه، وإلا حصلت إحدى الصور السابقة.
(مسألة 1049) لا يجوز على الأحوط أن يجعل نفسه اختياراً بحيث يجهل حصول شهر رمضان خلال السنة بما في ذلك حرمة الذهاب إلى مكان يقتضي ذلك أو السكنى في بلد يقتضيه. وبما في ذلك: وجوب التعلم والسؤال على الأحوط عن حصول شهر رمضان. وإن لم يجب تعلم الأشهر القمرية كلها. ولكنه أفضل وأحوط لاحتمال وقوعه بترك الواجب أو فعل الحرام كصوم العيدين مع كون الجهل عن تقصير.
(مسألة 1050) إن ثبت الهلال في بعض البلدان دون بعض. فإن كانت واسطة النقل ثابتة أو متحركة في منطقة معينة، شملها حكمها. وإن كانت دائرة حول الأرض يوماً أو أياماً، أمكنها الأخذ بإكمال العدة. والأحوط لكل شخص فيها العمل على ما عليه بلده من الصوم أو الإفطار. أو أن يصوم رجاء المطلوبية. ولا يتعين عليهم النزول إلى الأرض لأداء وظيفة الصوم وإن كان أحوط.
(مسألة 1051) لو ثبت شهر رمضان في منطقة أخرى من الأرض دون منطقته، لم يجب عليه الذهاب إليها ليصوم. مهما كان السفر له ميسوراً وسريعاً. بل له أن يعمل على تكليف منطقته. وكذلك لو ثبت العيد بنفس الطريقة لم يجب عليه السفر إلى هناك ليفطر، كما لم يجب عليه البقاء ليصوم.
(مسألة 1052) لو صام ثلاثين يوماً في بلده، ثم ذهب إلى بلد آخر ثبت بالحجة الشرعية فيه بقاء شهر رمضان، وجب عليه الصوم على الأحوط.
ــــــ[290]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
أوقات الصوم
(مسألة 1053) في الأماكن التي يطول فيها النهار كثيراً، بحيث لا يبقى من الليل إلا قليلاً، كربع أو نصف ساعة. يجب صوم النهار مع الإمكان واجتماع الشرائط. وكذلك العكس، يعني إذا كان النهار قصيراً جداً فإنه يجب فيه نية الصوم، ولا يجب الزائد بل يكون الزائد حراماً، لأنه يتضمن إلحاق جزء من الليل به.
(مسألة 1054) في الأماكن التي يستمر فيها النهار فترة طويلة عدة أشهر إن استطاع الفرد تمييز الوقت عمل به. لأن الشمس لا تثبت خلال هذا النهار في وسط السماء، بل تجري من الشرق إلى الغرب. وهذا بمنزلة النهار. ثم تعود من الغرب إلى الشرق. وهذا بمنزلة الليل. وهو الوقت الذي تكون سائر الأماكن على خط الطول ليلاً. فيستطيع أن يصلي ويصوم طبقاً لهذه الحركة. كما يستطيع أن يطبق ما سنقوله في الفرع الآتي. ولو احتياطاً. وذلك: أن الفرد إذا لم يستطع تمييز الوقت، كما هو الغالب هناك لوجود العلة الدائمة في الجو، جاز له أن يعمل بأحد توقيتين مخيراً بينهما، الأول: توقيت أقرب بلد يكون فيه الليل والنهار موجوداً. ثانياً: توقيت بلده الذي كان يسكنه غالباً.
(مسألة 1055) في الأماكن التي يستمر فيها الليل فترة طويلة عدة أشهر إن استطاع الفرد تمييز الوقت عمل به. وذلك: لأن الليل هناك لا يكون دامساً دائماً. بل قد يحصل هناك، في كل أربع وعشرين ساعة ضوء في الأفق ثم يختفي. يبقى كذلك من جهة الغرب في الردح الأول من الليل الطويل. فيكون ذلك بمنزلة النهار. ومن جهة الشرق في الردح الأخير منه، فيكون أيضاً بمنزلة النهار. فله أن يصوم ويصلي طبقاً لهذا التوقيت. كما أن له أن يحتاط بما قلناه في المسألة السابقة. وإن لم يحصل له تمييز الوقت كما هو الغالب لوجود العلة
ــــــ[291]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الدائمة في الجو، وكذلك في الردح الأوسط من الليل، تعين عليه العمل بأحد الاحتمالين السابقين.
(مسألة 1056) لا يجوز لأي فرد الذهاب أو السكنى في المناطق التي يكون فيه الليل والنهار مستمراً، إلا لإكراه ظالم أو أمر إلزامي لعادل، أو مصلحة عامة مهمة جداً. فإن حصل شيء من ذلك ارتفعت الحرمة وطبق عباداته كما قلناه في المسألتين السابقتين.
(مسألة 1057) أي شيء من الأجهزة أو الأساليب الموجبة للاطمئنان أو العلم بالوقت، كالفجر أو الزوال أو الغروب، يكون استعمالها ممكناً وجائزاً ونتيجتها معتبرة شرعاً. إذا كانت موجبة للإطلاع على الوقت مباشرة.
(مسألة 1058) الحسابات المتوقعة مستقبلاً لأوقات الصلاة أو لأوائل الأشهر القمرية، ليست بحجة في أنفسها. وإنما تتبع حجيتها حصول الاطمئنان للفرد بصدقها. ومع حصوله لا يفرق بين ما إذا كان صاحب الجدول مسلماً أم مؤمناً أم كافراً. كما لا فرق بين أن يكون جدولاً مطبوعاً أو بجهاز كومبيوتر أو غير ذلك.
(مسألة 1059) المهم لدى الركوب في طائرة ونحوها، هو العمل بتوقيت البلد التي هي فوقه، وليس فيها شخصياً. فلو غربت الشمس في البلد، وجبت الصلاة والإفطار. وإن كان الفرد لا يزال يرى الشمس من الطائرة، وكذلك الحال في الفجر.
(مسألة 1060) إذا طارت الطائرة بسرعة دوران الأرض وبنفس اتجاهها، فإنها ستبقى في نفس الوقت من الليل أو النهار، وهذا يحصل منه عدم بزوغ الفجر له ليصوم، أو عدم غروب الشمس ليفطر ولكن الصحيح أنه يجب أن يعمل على توقيت بلده على الأحوط. والأحوط له قضاء الصوم أيضاً.
(مسألة 1061) لو سافر في طائرة أسرع من دوران الأرض بنفس اتجاهها، ــــــ[292]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فسيحصل له تتابع الأوقات أسرع مما هو على الأرض. غير أنه لا اعتبار بهذا التوقيت (الشكلي) أو الفعلي. وإنما يعمل بتوقيت بلده كما قلنا. وإن كان الأحوط العمل على كلا الوقتين.
(مسألة 1062) لو سافر في طائرة أسرع من دوران الأرض بعكس اتجاهها، فسيحصل له الشروق والغروب على عكس ما يحصل لأهل الأرض. غير أن هذا التوقيت (الشكلي) لا اعتبار به وإنما يعمل بتوقيت بلده كما قلنا.
عيد الفطر
(مسألة 1063) لو أدى زكاة الفطرة في بلد ثم ذهب إلى بلد آخر، فهلّ عليه هلال العيد هناك. فهل يجب عليه تكرار الدفع، الأقوى العدم. وإن كان أحوط. نعم، لو لم يدفع في البلد الأول، تعين عليه الدفع هناك.
(مسألة 1064) لو صلى صلاة العيد في بلد ثم ذهب إلى بلد آخر، وطلعت عليه شمس العيد هناك. فهل يجب عليه أن يكرر الصلاة هناك. الأحوط ذلك.
(مسألة 1065) لو صلى صلاة العيد في بلد ووصل قبل الظهر إلى بلد آخر، وكان يوم الثلاثين من شهر رمضان بحجة شرعية، فهل يجب عليه الصوم بشروطه. الأحوط ذلك.
(مسألة 1066) لو صام ثلاثين يوماً في بلد، ووصل قبل ظهر اليوم الحادي والثلاثين إلى بلد آخر، وكان ذلك اليوم عندهم من شهر رمضان، بحجة شرعية، فهل يجب عليه الصوم بشرائطه، الأحوط ذلك. ويصوم بنية رجاء المطلوبية.
(مسألة 1067) لو دخل عليه العيد في بلد، وذهب إلى بلد آخر وكان عيدها في اليوم الذي بعده، بحجة شرعية، حرم عليه الصوم أيضاً على الأحوط. ولا فرق في ذلك بين عيد الفطر وعيد الأضحى. فتكون الأيام المحرم عليه صومها في العام الواحد أربعة أيام أو أكثر.
ــــــ[293]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 1068) لو كان هذا اليوم في بلده يوم شك بدخول شهر رمضان ولكن كان الشهر ثابتاً في بلد آخر بحجة شرعية. فهل يجب أن يذهب إلى هناك ليصوم (بشرائطه) ذلك اليوم، الأقوى العدم. ولو كان السفر متيسراً تماماً، فضلاً عما إذا كان صعباً.
(مسألة 1069) لو ثبت الشهر في بلده بالحجة الشرعية، فهل يجوز له أن يذهب إلى البلد الآخر التي هي في يوم الشك، الظاهر ذلك. ولم يجز له هناك الصوم من شهر رمضان.
(مسألة 1070) يتبع حكم المنطقة من الأرض في ثبوت الهلال والصوم والفطر وعيد الأضحى وغيرها، كل وسائط النقل السائرة فيها والطائرة فوقها والداخلة في جوف أرضها أو بحرها، بما فيها الأقمار الصناعية الثابتة فوقها، ونحوها.
(مسألة 1071) إذا ثبت شهر رمضان أو العيد على وجه الأرض. ثبت ذلك في الأماكن التي فيها نهار مستمر أو ليل مستمر. وإن اختلفوا أمكن أخذ أهل هذه المناطق بإكمال العدة. طبقاً لطريقة تمييز الأوقات التي قلناها فيما سبق. في المسألتين (1054) و(1055).
بعض أحكام المفطرات
(مسألة 1072) إذا حصلت التغذية بما لا يصدق عليه الأكل والشرب عرفاً، كاستنشاق الروائح أ وتوجيه نور معين أو غير ذلك لم يكن مفطراً.
(مسألة 1073) إذا حصلت التغذية بدخول الغذاء إلى غير الجهاز الهضمي. وهو المعدة والمريء والأمعاء. كما لو دخل إلى القلب أو الكبد أو الرئتين أو الكليتين. فإن كانت مواد صلبة أو سائلة أبطلت الصوم على الأحوط، سواء دخلت عن طريق الفم أو من جرح أو غيره.
ــــــ[294]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 1074) استعمال جهاز التنفس الصناعي عن طريق بث الأوكسجين إلى الجوف ليس بمفطر. وأما (البخاخ) فقد سبق حكمه.
(مسألة 1075) استعمال الروائح للإنعاش غير مفطر، حتى لو كان فيها ما يشبه الدخان إن كانت أجزاؤه لطيفة غير صلبة. وأما إذا كانت صلبة، كان كالغبار مفطراً.
(مسألة 1076) إذا بدأ يوم الصوم وكان الفرد تحت تأثير التخدير أو السكر -أعاذنا الله تعالى – فإن كان مدركاً للأوقات شمله الحكم بالوجوب وأجزأت منه النية. وإن لم يكن مدركاً للأوقات، فإن كان تناوله باختياره ومن دون ضرورة، شمله الوجوب، وكان عاصياً بتركه ومفطراً عمداً. وإن كان تناوله لإكراه أو ضرورة أو مرض لم يشمله الوجوب. وكذلك البنج المعمول لإجراء العمليات الجراحية.
(مسألة 1077) يتضح من ذلك: أن المريض إذا كان مطلوباً لعملية جراحية ذات بنج كامل، فإن كانت مستعجلة فعلها وأفطر وعليه القضاء فقط. وإن لم تكن مستعجلة وجب تأخيرها إلى الليل أو بعد إنجاز أيام الصوم. وذلك: في فرض عدم ظنه الضرر من الصوم.
(مسألة 1078) إذا كان مطلوباً من المريض عملية جراحية ذات بنج موضعي، وهو صائم، كان له إنجازها خلال نهار صومه. فيما إذا قلنا – كما هو الصحيح – بأن تزريق البنج بالإبرة غير مفطر. وإن كان الاحتياط الاستحبابي بخلافه.
(مسألة 1079) لا يجب على المريض الذي لا يجوز له الصوم أن يستعمل الدواء لإزالة مرضه. نعم، هو جائز بل هو مستحب، بل هو الأحوط استحباباً. وإذا زال مرضه وجب صومه.
(مسألة 1080) لا يجوز إضرار النفس أو تمريضها. ولكن ذلك ليس بحرام
ــــــ[295]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
من جهة ترك الصوم. بل من جهة أخرى. فلو كان له غرض عقلائي بذلك يرفع تلك الحرمة، لم يكن إفطاره مانعاً عن تلك الجهة. سواء كان الضرر، ناتجاً من دواء أو برد أو حر أو أي سبب آخر.
(مسألة 1081) إذا استعملت المرأة المستحاضة دواء لتقليل الدم، فتحولت إستحاضتها من الكثيرة إلى المتوسطة أو نحو ذلك، عملت على تكليف الحالة المتجددة. وكذلك لو استعملت دواء لزيادته.
(مسألة 1082) إذا استعملت الحائض دواء لقطع الدم عملت بمقتضى حالها الجديد. ولا يجب عليها قطعه. وإذا استعملت الطاهر دواء لإنزال الدم عملت بمقتضى حالها الجديد، ولا يحرم عليها ذلك من جهة الصوم. ومثلها المرأة المقرب التي تعمل على حصول ولادتها وقرب نفاسها.
(مسألة 1083) إذا انفصل المني عن محله، ولكن الفرد منعه عن الخروج إلى الخارج، كما لو لفَّ قضيبه بخيط أو سلط عليه حرارة مجففة، لم يكن مجنباً، وشمله حكم الطاهر في الصلاة والصوم. فلو فعل ذلك قبل الفجر وأطلقه بعده، صح صومه وإن كان الأحوط خلافه.
(مسألة 1084) إذا تعمد إلى سبب الإنزال بطل صومه إذا كان غالباً أو معتاداً، سواء كان حلالاً أم حراماً. فلو نظر أو لمس أو داعب أي امرأة بشهوة بذلك القصد بطل صومه سواء كانت زوجته أم من محارمه أم أجنبية. وكذلك لو نظر إلى صورة بهذا القصد، سواء كانت صورة ثابتة أم متحركة وسواء كانت داعرة أم اعتيادية. فإن المهم هو قصد التلذذ والإنزال. غير أنه إن أنزل بطل صومه وعليه كفارة كبرى، وإن لم ينزل بطل وعليه القضاء دون الكفارة.
(مسألة 1085) لو خرجت المادة المنوية من الرجل بدون إنزال ولا جماع، بل بالآلة لا تكون مفطرة. وكذا لو وقعت إلى رحم المرأة بالآلة. وكذا لو أخرجت بويضة المرأة بالآلة، وكذا لو أخرج منها دم الحيض بغير الطريق
ــــــ[296]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الطبيعي كالآلة أو الجرح إذا لم يصبح طريقاً معتاداً فإن كل ذلك لا ينقض صوماً ولا يوجب حدثاً، سواء وقع في ليل الصوم أو نهاره وإن كان الاحتياط بخلافه.
(مسألة 1086) لا فرق في ترتيب آثار الجنابة أو الحيض أو الإستحاضة أو النفاس، بين ما إذا كان ناتجاً عن طبعه أو عن تناول دواء أو عن صدمة خارجية أو عن حالة نفسية قوية أو عن تعرض إلى غازات معينة أو غير ذلك. فتترتب عليها أحكامها، بما في ذلك سقوط صوم النهار عن الحائض والنفساء، وإن كان سببهما عمدياً. وحرمة البقاء حال الفجر على جنابة وغير ذلك من الأحكام.
(مسألة 1087) إذا كان مجنباً في الليل وتناول الدواء المنوم ونام قبل الغسل إلى طلوع الفجر. فإن كان عالماً بأثر الدواء، فعليه القضاء والكفارة. وإن لم يعلم بتأثيره أو توهمه دواء آخر صح صومه. وإن ظن قلة تأثيره في النوم، فإن كان له ظن الاستيقاظ والغسل قبل الفجر ولم يستيقظ صح صومه، وإلا بطل وعليه الكفارة.
(مسألة 1088) الاحتقان بالمائع عمداً في الدبر مفطر كما سبق، سواء كان السائل ماء أو دواء أو دهناً أو غيرها كما لا يفرق في طريقة إدخاله بين أن يكون بآلة قديمة أو بآلة حديثة. وسواء كان حاراً أم بارداً أم معتدلاً، وسواء كان سميك القوام أم رقيقاً. ولا يلحق به ما كان من قبيل البخار أو الدخان أو الجامد أو الغاز أو الهواء أو الضوء وغيرها.
(مسألة 1089) إذا اضطر إلى الاحتقان بالمائع لمرض ونحوه جاز له الإفطار ووجب عليه القضاء. لا يفرق في ذلك ما قبل الزوال وما بعده. ولو أكره عليه لم يفطر وبقي على صومه.
(مسألة 1090) ليس من رمس الرأس في الماء. الجلوس تحت انصباب الماء من شلال أو (دوش) أو حنفية أو غيرها. فلا يفطر بأي منها. نعم، لو صادف أن انغمر رأسه بالماء بشكل ثابت وكان عالماً به عامداً إليه أفطر . وعليه
ــــــ[297]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
القضاء والكفارة. وإن لم يكن عامداً، وأمكنه إزالته فوراً صح صومه. وإن لم يمكنه إزالته لم يفطر أيضاً.
(مسألة 1091) إذا كان رمس الرأس أو جميع البدن في الماء بقصد التداوي، جاز الإفطار ووجب القضاء. ولكن يشكل الجواز مع كون احتمال الشفاء ضعيفاً أو مع إمكان تأجيل ذلك إلى الليل.
(مسألة 1092) ليس من رمس الرأس في الماء الدخول إلى الماء في ظرف مانع عن وصول الماء إلى جسده كالغواصة أو في قنينة زجاجية أو معدنية ونحو ذلك. ولكن لا يكفي ما يفعله بعض الغواصين من ستر الوجه بزجاجة واقية مع إبقاء الرأس مكشوفاً فإنه مفطر على الأحوط وعليه القضاء والكفارة.
(مسألة 1093) لا يختلف في حرمة رمس الرأس للصائم ومفطريته بين ماء الحياض أو الغدران أو الأنهار أو السواقي أو البحار أو المحيطات أو الآبار أو العيون أو غيرها. كما لا يختلف كون الماء صافياً أو كدراً أو مالحاً أو معدنياً أو غير ذلك. ولا يعتبر ماء البحر ماءاً مضافاً، بل هو ماء مطلق ويترتب عليه جميع آثاره الشرعية.
(مسألة 1094) لا يكون الكذب على الله وعلى رسوله مفطراً إذ أذيع من جهاز تسجيل صوتي أو صوري، وإن كان الفرد هو الذي قاله وهو الذي فتحه.
(مسألة 1095) لا يكون هذا الكذب مفطراً مع إحراز عدم سماع أحد كما سبق. ولكن إذا كان المكان خالياً، وهو يعلم أنه يسمعه أناس آخرون في أماكن أخرى بالأجهزة كاللاسلكي أو الإذاعة أو التلفزيون، بطل صومه وعليه الكفارة.
(مسألة 1096) الأحوط فيمن لا يحسن قراءة القرآن ترك القراءة في نهار الصوم وغيره، وخاصة فيما يمكنه تعلمه وأهمله. سواء كان الغلط مغيراً للمعنى أم لا. نعم، إذا كان تلفظه مقيماً للحروف والحركات، ومخالفاً لقواعد المد والإدغام ونحوها، فالظاهر الصحة مع العجز حتى عن تقصير. ولا يؤثر في
ــــــ[298]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
إفساد الصلاة والصوم، نعم لو علم مواقعها ولو إجمالاً، ولم يعلم وجه الصحة فيها أشكل الحكم بالصحة. لا يفرق في كل ذلك بين ما إذا كان يقرأ لنفسه أو لغيره مجاناً أو بأجرة، وسواء سمعه أحد أم لم يسمعه وسواء التقطته بعض الأجهزة أم لا. بل حتى لو أحرز عجزه عن التعلم، فإنه يجب أن يترك القراءة في نهار الصوم، على الأحوط استحباباً. والعاجز عن التعلم هو من حاول التعلم ولم يتعلم، وليس هو من يهمل التعلم أو يضطر أو يكره على تركه. كما أن الأحوط له ترك التعلم في نهار الصوم لغير الصلاة الواجبة.
(مسألة 1097) يلحق الكذب على المعصومين نسبة الروايات إليهم المروية عنهم من قول أو فعل أو تقرير، نسبة قطعية بدون حجة شرعية. ولو كان المقصود مستحباً في نفسه كالموعظة. نعم يمكن تلافي ذلك بعدة طرق، إما ترك ذلك في نهار الصوم وإما بالتأكد من اعتبار السند وحجيته. وإما أن ينقله بعنوان (روي) أو(ورد) أو (قيل) ونحوها. وإما أن ينسبه إلى مصدره، فيذكر اسم المصدر الذي أخذه منه، فيكون صادقاً حتى لو كان ذلك المصدر كاذباً.
(مسألة 1098) من كان له حدس بصحة النص المروي بطريق غير معتبر، لم يكن نقله مفطراً، إذا بلغ الحدس حد الاطمئنان، بل الوثوق وإلا فلا. سواء كان هذا الحدس عقلياً أو نفسياً ناشئاً من سبب كالشياع أو الاستفاضة في النقل أو بدون سبب ملحوظ.
(مسألة 1099) الأحوط بل المؤكد إلحاق الأدعية والزيارات المروية عن المعصومين، بالكذب عليهم في كونها مفطرة في بعض الصور: منها: إذا كانت معتبرة السند وقرأها بشكل مغلوط بحرف أو حركة فضلاً عن كلمة أو أكثر. ومنها: ما إذا لم تكن معتبرة السند ولكنه أخبر بانتسابها إلى المعصومين جزماً. ومنها: ما إذا لم تكن معتبرة السند ولكنه قرأها بنية جزمية بالورود، لا بنية مطلق الدعاء أو رجاء المطلوبية.
ــــــ[299]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 1100) ليس من المفطر أن يقرأ بعض الأدعية مما لا يطلبه حقيقة، كما ورد طلب حصول الحج في كل عام وهولا يريده. وكذا لو قرأ ما لا يعرف معناه لغة أو لا يعرف مؤداه دلالة. وكذا لو قرأ نصاً خطرت في ذهنه مناقشة عليه لغة أو نحوياً أو نظرياً. ولا يعرف جوابها.
(مسألة 1101) لو استمع إلى قرآن أو دعاء أو موعظة مقروءة بشكل مغلوط لم يفطر. سواء سمعها مباشرة أو عن طريق جهاز تسجيل صوتي أو صوري. وكذا لو ترك المبادرة إلى تنبيهه.
(مسألة 1102) لو أبطل صلاة الفريضة لم يفطر، ما لم يكن سبب إبطالها مبطلاً للصوم أيضاً، كتعمد قراءة الفاتحة أو السورة خطأ فلو اقتصر عليها بطل الصوم وبطلت الصلاة. ولو أعادها صحيحة بطل الصوم وصحت الصلاة. ومما يبطل الصوم والصلاة معاً تعمد سبب الجنابة خلال الصلاة، كالنظر بشهوة، فإن أنزل بطلا معاً، وإن لم ينزل بطل ما هو ملتفت إبطاله أو إلى بطلانه بهذا السبب من الصوم أو الصلاة، أو هما معاً. بل الأحوط بطلان الصوم وإن لم يكن ملتفتاً إلى حصول بطلانه تفصيلاً، ما دام متعمداً للسبب المبطل.
(مسألة 1103) لو أبطل صلاة النافلة بأحد الأساليب السابقة، بطل صومه وصلاته، فإن كان الصوم مستحباً كالصلاة، لم يكن عليه شيء. ولو كان واجباً تحمل مسؤوليته دون الصلاة، ولو كانت الصلاة واجبة دون الصوم، أثم بإبطالها دونه وعليه إعادتها.
(مسألة 1104) إذا أفتى المفتي بفتوى جامعة للشرائط لم يفطر. وإلا أشكلت صحة صومه، كما لو لم يكن دليلها معتبراً، أو لم يكن هو أهلاً للفتوى بما فيها شرط الأعلمية على الأحوط، وأما ناقل الفتوى، فإن كان ينقل عمن يكون جامعاً للشرائط كفى في الصحة. وإن لم يكن جامعاً للشرائط فإن كان النقل للفتوى لمجرد الإخبار لا بقصد العمل صح صومه، ولو كان بقصده أشكلت
ــــــ[300]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الصحة. هذا مع العلم والعمد، وإلا صح صومه وإن خالف الواقع.
(مسألة 1105) ليس من الكذب المفطر النقل عن المصادر أياً كانت ككتب التأريخ مثلاً أو وسائل الإعلام الحديثة. بل حتى لو كان الفرد كاذباً في نقله عن المصدر لم يفطر وإن أثم. وأما إذا كان المعنى المنقول صادراً عن غير المعصومين، فلا إشكال في صحة صومه، وإن أثم بكذبه.
بعض أحكام المسافة الشرعية
(مسألة 1106) لا يفرق في كون المسافة الشرعية موجبة للإفطار، بين كون السفر راجلاً أو على دابة أو بالسيارة أو بالقطار أو بالطائرة، أو بأي واسطة معهودة كانت أو غير معهودة. ولا فرق بين أن يكون المسافر معتاداً على السفر أو غير معتاد.
(مسألة 1107) لو طارت الطائرة فوق البلد عمودياً مقدار المسافة الشرعية، لم يجب القصر ولا الإفطار. بل يجب الإتمام والصوم ولو بقيت على حالها أياماً.
(مسألة 1108) لو طارت الطائرة عمودياً ووقفت في الجو، ولكن الأرض تحركت، فنزلت الطائرة في مدينة تبعد عن الأُولى بمقدار المسافة الشرعية أو أكثر، وجب الإفطار.
(مسألة 1109) لو طارت الطائرة فدارت حول الكرة الأرضية مرة أو مرات، ثم نزلت في بلدة قريبة من بلدته لا تبعد بمقدار المسافة الشرعية، أفطر وبقي على الإفطار، ما لم يدخل بلده.
عمر التكليف
(مسألة 1110) يبلغ الذكر حد التكليف بالأحكام الشرعية الإلزامية، بأحد أسباب ثلاثة، أيها حصل أولاً فقد حصل سن التكليف. وهي: أولاً: نزول
ــــــ[301]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المني لأول مرة يقظة كان أم مناماً حلالاً كان أم حراماً عن عمد كان أم غفلة. ثانياً: إنبات الشعر الخشن على العانة، ولا عبرة بالزغب وهو الشعر الناعم الذي يناسب عمر الطفولة. ثالثاً: بلوغ خمسة عشر سنة كاملة قمرية.
(مسألة 1111) تبلغ الأنثى سن التكليف بالانتهاء من سنتها العاشرة القمرية على الأقوى وتحتاط بعد الانتهاء من التاسعة بالتكليف احتياطاً مؤكداً، وليس للأنثى علامة أخرى. غير أن رؤية الدم كاشف عن سبق التكليف غالباً إن كانت جاهلة لعمرها أو غافلة عنه.
(مسألة 1112) إذا تأخر الإمناء والإنبات للذكر كثيراً، إما بطبعه أو بسبب دواء أو غيره، بقي التكليف منوطاً بالانتهاء من السنة الخامسة عشر القمرية.
(مسألة 1113) إذا تقدم الإمناء أو الإنبات للذكر، بحيث حصلت وهو في صورة الطفل جسدياً ونفسياً، فالأحوط العمل على كونه مكلفاً، إذا كان طفلاً مميزاً.
(مسألة 1114) إذا حصل للأنثى الحيض أو الحمل قبل سن التكليف، كما يحصل نادراً، لم تدخل في التكليف، وإن كان هو الأحوط استحباباً.
(مسألة 1115) الرشد مع البلوغ ضروريان للرجل والمرأة لكي ترتفع عنهما الولاية اقتصادياً واجتماعياً، فإذا حصل البلوغ دون الرشد أو الرشد دون البلوغ، لم ترتفع عنه الولاية. وإذا حصلا، ارتفعت ولاية الولي الخاص، حتى الوالدين. نعم، يبقى الولي العام ولياً عليه في حدود اقتضاء المصلحة، وسد باب الظلم والفساد.
ــــــ[302]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كتاب الزكاة
(مسألة 1116) التلقيح الصناعي في الحيوان جائز مطلقاً، فلو نتج مقدار نصاب الزكاة عن طريقه أو تكامل من طريقه وجبت الزكاة.
(مسألة 1117) التلقيح الصناعي بين أنواع الحيوان جائز، ويكون الناتج محكوماً بحكم اسمه عرفاً. فلو كان كلباً أو خنزيراً كان نجس العين، ولو كان شاة أو بقرة وتم به النصاب وجبت الزكاة وهكذا. ولو شككنا في صدق عنوانه لم يترتب الحكم.
(مسألة 1118) التلقيح الصناعي بين الحيوان والإنسان حرام، ولكن إذا حصل جهلاً أو نسياناً، كان الناتج محكوماً بحكم عنوانه أيضاً كالمسألة السابقة. فإن كان إنساناً تبعه حكمه وإن كان حيواناً نجس العين حكم به وإن كان حيواناً زكوياً، حكم به. وإن شككنا فيه لم يترتب الحكم.
(مسألة 1119) إذا حصل بالتلقيح الصناعي في الغنم قسم ثالث غير الضأن والمعز وجبت فيه الزكاة، وكذلك لو حصل قسم ثالث في البقر غير البقر الأهلي والجاموس. وكذلك لو حصلت أقسام أخرى مع صدق عنوان الغنم والبقر والإبل عليها. أما لو حصل حيوان وسط بين أحدهما كما لو كان ملقحاً بين الغنم والبقر، ولم يصدق عليه أحد الاسمين بالتعيين عرفاً، لم تجب فيه الزكاة. ولم يكن سبباً لإكمال النصاب.
(مسألة 1120) إذا حصل بشكل طبيعي أو صناعي قسم ثالث غير الذكر والأنثى من الحيوان. وكان يصدق عليه اسم نوعه كالغنم فهو زكوي.
(مسألة 1121) المهم في كون الأنعام الثلاثة معلوفة، وهو الصرف على تغذيتها، وإن لم تأكل العلف حقيقة. فلو كانت تتغذى بمواد أخرى سائلة أو جامدة أو عن غير طريق المعدة، كانت بحكم المعلوفة، ولم تحسب من الزكاة.
ــــــ[303]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 1122) بالنسبة إلى نصاب الغلات، لو حصل أي وزن آخر في أي سوق في العالم، ولم نذكره فيما سبق، سواء كان حاصلاً في أيامنا هذه أم يحصل في المستقبل. فالأصل الأساسي هو نسبته إلى الوزن القديم وهو (خمسة أوسق). ولكن حيث أن المقادير الأخرى مما ذكرناه فيما سبق مماثلة في المقدار له، كما ثبت بالحجة الشرعية فيمكن النظر في نسبته إلى أي منها.
(مسألة 1123) لو علمنا بالوزن بأي أسلوب كان، كفى في تحقق الزكاة. كالميزان والقبان والكومبيوتر، واستخدام الكيل كطريق لمعرفة الوزن. وغير ذلك.
(مسألة 1124) لو حصلت طريقة أخرى في التقدير غير الوزن، كالكيل والعد وقياس المساحة أو قياس الطول أو غير ذلك مما هو معهود أو غير معهود، كان الأساس هو الوزن، وينبغي العلم أو الاطمئنان بحصول مقداره. ولا اعتباره بالأمور الأخرى في الزكاة إلا لاستخدامها كطريق إلى إثبات الوزن خاصة.
(مسألة 1125) الأنعام العاملة هي التي تسخر للعمل كالحرث والحمل كما سبق. ولذا لا يمكن أن يصدق ذلك على الغنم عرفاً. أما إذا سخرت الأنعام لأغراض أخرى كالمؤونة العائلية أو لأجل التلقيح الصناعي أو لأجل التجارب الطبية أو تجارب الذكاء، أو أي شيء آخر. فإنها لا تكون عوامل. وتحسب من النصاب الزكوي من هذه الناحية.
(مسألة 1126) إذا حصل تكاثر الأنعام عن طريق التلقيح بدون مرور في رحم، بل في الحاضنة وحدها جاز، ووجبت الزكاة مع توفر الشروط.
(مسألة 1127) بالنسبة إلى الذهب والفضة، لو أمكن إيجادهما بطريقة غير معهودة شملها حكم الزكاة، سواء كانت هي طريقة (الكيمياء) القديمة في تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، أو كانت هي الطريقة الحديثة في التصرف في عدد محتويات الذرة وجزيئاتها فيزياوياً. فإن المهم شرعاً بعد كل ذلك هو صدق عنوان الذهب والفضة. ولو شككنا في صدقه لم يترتب الحكم.
ــــــ[304]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
(مسألة 1128) لو جلبت معادن من الأجرام السماوية الأخرى إلى الأرض. فإن لم تكن من الذهب ولا الفضة لم تكن زكوية سواء صدق عليها عنوان آخر معهود أم لا. وإن كانت من الذهب والفضة كانت زكوية مع اجتماع سائر الشرائط.
(مسألة 1129) بالنسبة إلى الغلات الأربع لو حصل منها شيء بطريق صناعي كالتقليم والتهجين وغيرها، كان المدار صدق الاسم عليها. فإذا كان الناتج حنطة أو شعيراً أو تمراً أو عنباً عرفاً كان زكوياً، ولو كان على حالة غير معهودة فيما سبق لضخامته أو لطراوته أو غير ذلك. وإن لم يصدق عليه أحد تلك الأسماء لم يكن محكوماً. ومع صدق الاسم يمكن أن يكون بنفسه نصاباً أو أن يكمل النصاب الناقص، وإن كان من صنف آخر من الحنطة مثلاً.
(مسألة 1130) يجب الخمس للهاشمي وتحرم الزكاة عليه، فهل يكون الفرد هاشمياً أو غير هاشمي إذا وجد بالتلقيح الصناعي هذا تابع للحكم بالأبوة والبنوة شرعاً. فإن حكم بها لهاشمي كان هاشمياً وإلا فلا. والأساس من هذا الحكم هو كون الولد لصاحب الماء سواء نتج الولد بطريق طبيعي أم بالتلقيح أم بالحاضنة (بحيث لم يوضع في رحم) وعليه فمتى كان صاحب الماء هاشمياً كان الناتج هاشمياً ذكراً كان أو أنثى أم خنثى. ومتى لم يكن صاحب الماء هاشمياً لم يكن ناتجه هاشمياً، وإن شككنا فيه كان ملحقاً حكماً بغير الهاشمي.
(مسألة 1131) لا يفرق فيما قلناه في المسألة السابقة أن تكون عملية التلقيح محرمة أو محللة.
(مسألة 1132) الأحوط وجوباً عدم دفع الزكاة ولا الخمس إلى ابن الهاشمي الناتج من الزنا. وأما ابن الزنا الغير الهاشمي فيجوز له تناول الزكاة مع اجتماع سائر الشرائط. ويلحق بابن الزنا على الأحوط ما نتج خلال العدة البائن والايلاء والظهار دون الناتج خلال الحيض والإحرام والصوم والاعتكاف ونحو ذلك.
ــــــ[305]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
كتاب الخمس
(مسألة 1133) إنما يجب الخمس في المعدن المستخرج أو المحاز من الطبيعة، ولا يجب من هذه الناحية في المواد المملوكة سلفاً إذا تحولت بطريق صناعي إلى مواد أخرى يصدق عليها أنها من المعدن. أو يصدق عليها اسم بعض المعادن الموجودة، كما لو تحولت بعض المواد إلى ملح أو نفط أو ذهب أو رصاص أو غير ذلك.
(مسألة 1134) ليست كل الأحجار الكريمة من المعدن، فإن لم تكن لم يجب فيها الخمس من هذه الناحية. مثل اللؤلؤ فإنه بحري ومثل (در النجف) فإنه بري والضابط في المعدن صدقه عرفاً عليه.
(مسألة 1135) يمكن أن يستخرج المعدن من قاع البحر، فيكون (معدناً) لا (غوصاً)، كما يمكن أن يؤخذ من مياه البحر نفسها إذا صدق عليه العنوان، كالنفط المختلط معها.
(مسألة 1136) الكنز بما سبق من تعريفه يصدق على كل ما له مالية عرفاً، سواء كان ذهباً أو فضة مسكوكة أو غير مسكوكة حلياً أم سبائك أو كان من القطع التي تداولها السوق كثمن في أي مكان أو زمان سواء كانت معدناً أو ورقاً أو أي شيء آخر. كما يصدق الكنز على الكتب والأثاث والفراش والمأكولات والمشروبات والملبوسات، وكل ما له مالية. لا يختلف حاله بين أن يخرج من باطن الأرض أو من بناء أو من شجر أو من جبل أو غير ذلك.
(مسألة 1137) لا يصدق الكنز على المخزون في شيء متحرك مثل صندوق ونحوه، كما لا يصدق على ما بلعه حيوان. وإن علمنا أن ابتلاعه كان عمدياً لأهله.
(مسألة 1138) قد يصدق الكنز على المستخرج من قاع البحر إما لأنه
ــــــ[306]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
مدفون عمداً فيها، إذا ثبت ذلك وإما لأنه غارق فيها ضمن سفينة مثلاً وهذا يعني أمور:
أولاً: أن هذا يكون كنزاً لا غوصاً. ثانياً: أنه لم يؤخذ في مفهوم الكنز عمدية الإيداع. ثالثاً: أننا وإن قلنا في المسألة السابقة عدم صدق الكنز على ما في الصندوق المتحرك، إلا أن هذا الصندوق إذا دفن في الأرض أو غرق في البحر كان كنزاً عرفاً.
(مسألة 1139) لا يتعين في الغوص أن يكون مستخرجاً بغوص إنسان فعلاً بل إذا استخرج بآلة قاطعة أو مادة مذيبة أو نزل الفرد في غواصة فاستخرجه، أو سحب بمغناطيس أو عن طريق استخراج حيوان كسمك الدولفين أو الحوت أو فرس البحر أو غيرها كان ذلك كله مشمولاً لحكم الغوص. والضابط في الغوص: أنه المادة التي كانت تستخرج في صدر الإسلام عن طريق غوص الإنسان. مع سائر ما قلناه فيما سبق.
(مسألة 1140) ما كان غوصاً فجزؤه التحليلي غوص أيضاً. فلو حللوه بعد استخراجه تحليلاً كيميائياً، لم يخرج عن حكمه ما لم يتم تخميسه.
(مسألة 1141) بالنسبة إلى الأرض المشتراة من الذمي إن اختصت بالذمي فلا وجود لها اليوم لعدم وجود ذمي على وجه الأرض الآن. وإن عمت مطلق الكتابي أمكن تحققها. وقد أشرنا في المسألة (312) أن هذا يكون بنحو الاحتياط الاستحبابي.
(مسألة 1142) التلقيح الصناعي البشري قد ينتج ذرية فتكون مشمولة بأحكام عديدة في كتاب الخمس نذكر أهمها:
أولاً: أن الصرف عليها صرف من المؤونة.
ثانياً: عدم جواز إعطاءها الخمس والزكاة في حدود النفقة الواجبة.
ــــــ[307]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ثالثاً: عدم جواز تناول الهاشمي الزكاة وغير الهاشمي الخمس.
رابعاً: أن التلقيح إن كان بين عبدين مملوكين كان عبداً يجب فيه الخمس إن كان زائداً على المؤونة.
خامساً: أن الصرف على التلقيح نفسه صرف على المؤونة في حدود ما يناسب الحال. وسيأتي في كتاب النكاح ما كان من التلقيح الصناعي جائزاً وما كان محرماً. لأنه لا ينتج ذرية محللة في كل صوره. بل الأكثر منها حراماً كما لو كانت صاحبة البويضة أجنبية أو إحدى محارمه. فيكون دفع الخمس له مشكلاً، وإن كان صاحب الماء هاشمياً.
(مسألة 1143) لو جلبت معادن من الأجرام السماوية الأخرى وجب فيها خمس المعدن وكذا الغوص والكنز. وإذا حصل منها أرباح وجب فيها خمس أرباح المكاسب بعد صرف مقدار المؤنة.
ــــــ[308]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الفهرس
كتاب الصوم
الفصل الأول: النية 7
الفصل الثاني: المفطرات 10
الفصل الثالث: كفارة الصوم 19
الفصل الرابع: شرائط صحة الصوم 24
الفصل الخامس: ترخيص الإفطار 29
الفصل السادس: ثبوت الهلال 30
الفصل السابع: أحكام قضاء شهر رمضان 32
) فروع في وجوب تتابع الصوم) 35
(فروع في غير الصوم الواجب) 36
كتاب الاعتكاف
الفصل الأول: في الاعتكاف 41
الفصل الثاني: في وجوب الاعتكاف 44
الفصل الثالث: في أحكام الاعتكاف 45
كتاب الزكاة
المقصد الأول: شرائط وجوب الزكاة 49
المقصد الثاني: فيما تجب فيه الزكاة 53
ــــــ[]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
المبحث الأول: الأنعام الثلاثة 53
الشرط الأول: النصاب 53
الشرط الثاني: السوم 57
الشرط الثالث: أن لا تكون عوامل 58
الشرط الرابع: مضي الحول 58
المبحث الثاني: زكاة النقدين 60
المبحث الثالث: زكاة الغلات 62
المقصد الثالث: المستحقون للزكاة 69
المبحث الأول: أصناف المستحقين 69
المبحث الثاني: أوصاف المستحقين 74
المبحث الثالث: في بقية أحكام الزكاة 78
المقصد الرابع: زكاة الفطرة 82
الفصل الأول: في حقيقتها 82
الفصل الثاني: وقت الإخراج 85
الفصل الثالث: مصرفها 87
كتاب الخمس
المبحث الأول: فيما يجب فيه 91
الأول: الغنائم 91
الثاني: المعدن 92
الثالث: الكنز 94
الرابع: الغوص 96
الخامس: الأرض التي اشتراها الذمي من مسلم 97
السادس: المال الحلال المختلط بالحرام 99
ــــــ[]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
السابع: مما يجب فيه الخمس: ما يفضل عن مؤونة سنته 102
)فروع في تحديد مؤونة السنة) 105
)فروع في أحكام الأرباح) 113
)فروع في عدم دفع الخمس) 125
)فروع في عدم وجوب الخمس) 126
المبحث الثاني: مستحق الخمس ومصرفه 127
خاتمة: في الأنفال 132
كتاب الحج
وجوب الحج 137
شرائط وجوب حجة الإسلام 138
الشرط الأول: البلوغ. 138
الشرط الثاني: العقل. 139
الشرط الثالث: الحرية. 139
الشرط الرابع: الاستطاعة. 140
الوصية بالحج 152
أقسام العمرة 157
أقسام الحج 159
حج التمتع 160
حج الإفراد 164
ــــــ[]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
حج القران 166
مواقيت الإحرام 166
أحكام المواقيت 168
كيفية الإحرام 171
تروك الإحرام 175
1. الصيد البري 175
كفارات الصيد 176
2. مجامعة النساء 178
3. تقبيل النساء 180
4. مس النساء 180
5. النظر إلى المرأة وملاعبتها 180
6. الاستمناء 181
7. عقد النكاح 181
8. استعمال الطيب 182
9. لبس المخيط 183
10. الاكتحال 183
11. النظر في المرآة 184
12. لبس الخف والجورب 184
13. الكذب والسب 184
14. الجدال 185
15. قتل هوام الجسد 185
16. التزين 185
ــــــ[]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
17. الإدِّهان 186
18. إزالة الشعر عن البدن 186
19. ستر الرأس للرجال 187
20. ستر الوجه للنساء 187
21. التظليل للرجال 188
22. إخراج الدم من البدن 189
23. التقليم 189
24. قلع الضرس 189
25. حمل السلاح 190
الصيد في الحرم المكي وقلع شجره ونبته 190
أين تذبح الكفارة ؟ وما مصرفها 191
شرائط الطواف 191
واجبات الطواف 196
الخروج عن المطاف 197
النقصان في الطواف 198
الزيادة في الطواف 199
الشك في عدد الأشواط 200
صلاة الطواف 202
السعي 203
أحكام السعي 204
ــــــ[]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
الشك في السعي 206
التقصير 206
إحرام الحج 208
الوقوف بعرفات 209
الوقوف في المزدلفة 211
إدراك الوقوفين أو أحدهما 212
منى وواجباتها 213
منى وواجباتها 213
1. رمي جمرة العقبة 213
2. الذبح أو النحر في منى 214
مصرف الهدي 218
3. الحلق والتقصير 219
طواف الحج وصلاته والسعي 220
طواف النساء 221
المبيت في منى 222
رمي الجمار 224
أحكام المصدود 225
أحكام المحصور 226
ــــــ[]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
فصل في النيابة 228
كتاب الأمر بالمعروف: والنهي عن المنكر
)فروع عامة في هذا الباب) 241
)فروع في الاتفاق والاختلاف في الفتوى) 243
)فروع في مراتب الأمر والنهي) 245
خاتمة 247
المطلب الأول: في ذكر أمور هي من المعروف: 247
المطلب الثاني: في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر: 249
كتاب الجهاد
المبحث الأول: شرائط الوجوب 253
المبحث الثاني: في الذمام 259
المبحث الثالث: المرابطة 261
المبحث الرابع: الأسارى 262
المبحث الخامس: الغنيمة 265
كيفية القسمة 267
المبحث السادس: الدفاع 270
المبحث السابع: المهادنة 274
المبحث الثامن: أحكام أهل الذمة 276
المبحث التاسع: قتال أهل البغي 281
المبحث العاشر: أحكام الأراضي 283
ــــــ[]ـــــــ
منهج الصالحين (الجزء الثاني)
ملحق الجزء الثاني من منهج الصالحين: في بيان الموضوعات الحديثة للكتب: الفقهية المندرجة فيه بمقدار ما يناسب الحال
كتاب الصوم: ثبوت الهلال 287
أوقات الصوم 291
عيد الفطر 293
بعض أحكام المفطرات 294
بعض أحكام المسافة الشرعية 301
عمر التكليف 301
كتاب الزكاة 303
كتاب الخمس 306