منهج الصالحين
فتاوى
سماحة الحجة آية الله العظمى
السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الخامس
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيمة لما تضمّ من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإنّ فكر السيد الوالد(قدس) يضمّ جواهراً كثيرة لابُدّ علينا من نشرها فهي تصبّ في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء المؤمنين وبإشراف مباشر منّا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشعّ شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أنّ كلّ كتاب له(قدس) لا يضمّ مقدمة لنا فهو ليس صادراً عنّا على أن يكون المخوّل من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطّياً منّا.
مقتدى الصدر
ــــــ[3]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
بسم الله الرحمن الرحيم
ــــــ[4]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كتاب القضاء
وفيه فصول:
ــــــ[5]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ــــــ[6]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الأول: في حقيقة القضاء
القضاء هو الحكم في فصل الخصومة بين المتخاصمين. والمنتج إما لثبوت دعوى المدعي أو لثبوت إنكار المنكر. كما قد ينتج حلاً وسطاً بين المترافعين, بأن يأخذ كل منهما بعض ما يدعيه من الحق.
والفرق بين الحكم القضائي والفتوى عدة أمور:
الأمر الأول: أن الفتوى عبارة عن بيان الأحكام الكلية المستنبطة من أدلتها التفصيلية, من دون نظر إلى تطبيقها على مواردها الجزئية. في حين أن الحكم القضائي ناظر إلى التطبيق خاصة.
الأمر الثاني: أن الفتوى يشترط فيها الأعلمية على الأحوط, على حين لا يشترط ذلك في القاضي. بل يكفي فيه مطلق الاجتهاد.
الأمر الثالث: أن الفتوى لا تكون حجة إلا على من يجب عليه تقليد المفتي بها. في حين أن الحكم القضائي يكون حجة على المترافعين حتى بدون أن يكونا مقلدين للقاضي, أو لم يكن أحدهما كذلك.
الأمر الرابع: أن فتوى المجتهد لا تنفذ على مجتهد آخر, ولو كان دونه في الأعلمية, أما القضاء فهو نافذ على كل أحد, ويجب على كل فرد ترتيب الأثر عليه من ناحيته, حتى لو كان مجتهداً أو قاضياً بدوره. وسواء كان طرفاً للدعوى أم لم يكن.
واعلم أن المجتهد من علمائنا له ثلاثة مناصب شرعية: الفتوى والقضاء
ــــــ[7]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
والولاية. وتشترك الولاية مع الفتوى في اشتراط الأعلمية على الأحوط, كما تشترك مع القضاء في كونها ذات موارد جزئية وأنها لا يجوز نقضها ويجب العمل عليها على كل أحد حتى المجتهدين والقضاة. بخلاف الفتوى.
وتختلف الولاية عن القضاء, مضافاً إلى اختلاف دليلها الفقهي, بأن حكم الولاية غير منوط بالتخاصم في حين أن الحكم القضائي لا مورد له غير التخاصم. فحكم الولاية قد يكون في مورد التخاصم وغيره, وقد يكون لحفظ المصلحة العامة. ولا مورد في القضاء للمصالح العامة ولا للأموال العامة كالخمس والزكاة والخراج. مع أنها كلها مشمولة لأحكام الولاية. والحكم بالولاية لغير المعصوم لا يبقى نافذاً بعد موته ما لم يقره الولي الجديد. بخلاف الفتوى باعتبار جواز البقاء على العمل بها, وكذا الحكم القضائي بعد صدوره.
وقد يشترك المورد بين القضاء والفتوى, كما إذا تنازع الورثة في الأراضي فادعت الزوجة ذات الولد الإرث منها, وادعى الباقي حرمانها, فالخلاف هنا فتوائي. فإن تحاكما إلى القاضي الشرعي وجب عليه أن يحكم بفتوى الأعلم, فإن قضى بالميراث أو عدمه وجب على الآخر الأخذ بقضائه حتى لو كان مخالفاً لتقليد الورثة.
وقد تشترك الفتوى والولاية, فقد يكون الحكم بالولاية على خلاف الفتوى في حدود مساعدة الدليل على ذلك. وقد يكون موافقاً لها. فمثال المخالف: فتوى المشهور: أن المحتكر يجبر على البيع ولا يسعّر عليه. فقد تقتضي المصلحة العامة التسعير بالولاية. ومثال الموافق: تعيين الخراج أو الجزية على مجتمع معين أو بكمية معينة, مع أنها ثابتة أصلاً بالفتوى.
وقد تشترك الولاية والقضاء في مورد مرافعة واحدة. كالتخاصم فيما إذا كان الواقف مالكاً أم لا. فإذا ثبتت الملكية بالقضاء أمكن تعيين متولٍ أو ناظر على الوقف بالولاية.
ــــــ[8]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ومما يمارسه القضاة قضائياً عادة, مع أنه في الحقيقة من أمور الولاية: تعيين القيم على القاصرين لصغر أو سفه أو جنون أو عوق, ونحو ذلك. ومما يمارسه القضاة عادة, مع أنه من أمور الفتوى: تعيين وجوب النفقة أو مدة الحضانة أو كون الطلاق خلعياً, ونحوها. كما أن القضاة عادة يمارسون أموراً غير مربوطة بالفتوى ولا بالولاية ولا القضاء. بل يجوز لكل أحد متفقه القيام بها, كالنكاح والطلاق والبيع وغير ذلك.
هذا, وتشترك الثلاثة في كونها واجبات كفائية إذا قام بها العدد الكافي سقط عن الآخرين, وإلا عوقب الجميع, سواء لم يقم بها أحد, أو قام بها عدد دون الكفاية. ووجوبها هذا يتجلى في مراحل:
المرحلة الأُولى: وجوب إيجاد من يصلح لهذه المهمة أو تلك. وعدم جواز ترك المجتمع مهملاً من هذه الناحية, لا في الحال ولا في الاستقبال. وذلك بتصدي جماعة من الناس لتحصيل المقدمات والسبب الموصل إلى الاجتهاد ونيل الأعلمية.
المرحلة الثانية: وجوب تصدي من يجد في نفسه الأهلية لذلك, مع حاجة المجتمع إلى ذلك. وحرمة حرمان المجتمع مما يستطيع أن يؤديه من خدمات, وما يحققه من مصالح. وهذا ثابت في كل الأمور الثلاثة السابقة. في حين أن من ليس أهلاً لها فإنها تكون محرمة عليه, فهو يلقي نفسه وغيره في التهلكة في الدنيا والآخرة, فقد يحرم الجميع كما في غير المجتهد, وقد يحرم البعض كما في المجتهد غير الأعلم, حيث يجوز له القضاء دون الفتوى والولاية.
المرحلة الثالثة: وجوب الإجابة على الأسئلة وحل المشاكل الجزئية, سواء على مستوى الفتوى أو القضاء أو الولاية. وعدم جواز السكوت ولا في مورد واحد. ما لم يشك الإنسان في مدركه الشرعي أو يكون مشمولاً لعنوان ثانوي رافع للتكليف, كالتقية والحرج.
ــــــ[9]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثاني: في شرائط القاضي
(مسألة 1) يشترط في القاضي كل شرائط المفتي ما عدا الأعلمية. وهي كما يلي:
أولاً: الإسلام. فلا ينفذ قضاء الكافر, ولو كان على طبق حكم الإسلام.
ثانياًً: الإيمان. فلا ينفذ قضاء غير المؤمن, ولو كان على طبق الإيمان.
ثالثاً: البلوغ. فلا ينفذ قضاء الصبي وإن كان مميزاً أو مراهقاً للبلوغ.
رابعاً: العدالة. فلا ينفذ قضاء الفاسق سواء كان متجاهراً أم لا.
خامساً: الذكورة. فلا قضاء للمرأة وإن استكملت الشرائط الأخرى.
سادساً: طهارة المولد. فلا قضاء لمن ثبت كونه ابن زنا.
سابعاً: الاجتهاد. فلا ينفذ قضاء غير المجتهد وإن كان متفقهاً فاضلاً. كما لا ينفذ على الأحوط قضاء المجتهد المتجزئ.
ثامناً: الضبط. بأن لا يكون شديد النسيان أو سفيها ونحوه. ولو قل ضبطه لعارض وجب الانتظار لزواله كشدة حزن أو فرح أو غضب.
تاسعاً: الحياة. فإنه لا معنى لقضاء الميت. ولا ملازمة بين الفتوى بجواز البقاء على تقليد الميت, وقبول قضائه حال موته. ولو باعتبار قضية مشابهة. نعم, لو حكم في حياته بشيء بقي نافذ المفعول بعد موته.
عاشراً: العقل. فلا قضاء للمجنون. ولعله يتضح من اشتراط الضبط, فإنه
ــــــ[10]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
هنا أَولى. ولو كان أدوارياً نفذ قضاؤه حال صحوه, مع اجتماع الشرائط الأخرى.
(مسألة 2) لا يعتبر في القاضي الكتابة ولا البصر ولا الحرية ولا إمكان الحركة ولا النطق مع حصول الاطمئنان بالمقصود.
(مسألة 3) القاضي على نوعين: أحدهما: القاضي المنصوب للقضاء من قبل الإمام أو وكيله الخاص أو العام. ثانيهما: قاضي التحكيم, وهو الذي يختاره المترافعان للقضاء. والظاهر أن كلا النوعين مشمولان لكل الشرائط السابقة, خلافاً لمن قال بعدم اشتراط الاجتهاد في قاضي التحكيم.
(مسألة 4) هل تعيين القاضي بيد المدعي أو بيد كلا المترافعين. فيه تفصيل. فإن كان القاضي منصوباً فتعيينه بيد المدعي. إلا أن يناقش الآخر في جامعيته للشرائط. وإن كان القاضي للتحكيم فيجب رضاؤهما معاً به. وأما في صورة التداعي, فالمرجع في تعيين القاضي عند الاختلاف هو القرعة.
(مسألة 5) هل يجوز للفاضل غير المجتهد تولي القضاء بالوكالة عن المجتهد. الظاهر ذلك في شرطية الاجتهاد دون غيرها من الشرائط. ويمكن أن يكون الموكّل هنا مطلق المجتهد المطلق, ولكن لا يجوز العمل بغير فتوى الأعلم على الأحوط.
(مسألة 6) يجوز للقاضي فضلاًً عن غيره من مأموريه, أخذ الأجرة والارتزاق من بيت المال, وهي الأموال العامة كالخمس والزكاة وغيرها. كما يجوز له أخذ الأجر من كلا المتخاصمين باتفاق منهما. كما يجوز له أخذ الأجر على بعض أعماله كالنظر في الدعوى أو كتابتها. إلا أن الجمع بين الأجر من بيت المال وبين غيره مخالف للاحتياط.
(مسألة 7) تحرم الرشوة على القضاء, وهي أخذ الأجرة من أحد الطرفين خاصة ليكون الحكم له. سواء كان بحق أو بباطل, وتحرم على الدافع
ــــــ[11]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
والقابض. وهي سحت للقابض يجب إرجاعه ويضمن مع تلفه ولو بدون تعدٍّ وتفريط.
(مسألة 8) تثبت ولاية القاضي ونصبه بأحد المثبتات الشرعية المعتبرة: كالاطمئنان فضلاً عن العلم ولو حصل من إخباره نفسه. وكذلك البينة والشياع. وكذلك الإثبات الخطي مع اطمئنان الصحة.
(مسألة 9) لا يوجد في القاعدة الشرعية الأصلية تنويع في القضاء, كالحصر في مكان معين أو زمان معين أو موضوع معين أو نوع معين. بل للمجتهد الجامع للشرائط النظر في سائر المرافعات. نعم, إذا اشترط الإمام أو نائبه على القاضي المنصوب شرطاً وجب العمل به كأحد القيود السابقة وغيرها. ولم يجز له العمل بغيرها إلا بصفته قاضي تحكيم على إشكال. أما لو صرح بالمنع عن الحصص الأخرى لم يجز مطلقاً.
(مسألة 10) هل يجوز التشريك في النصب لقاضيين أو أكثر بنفس المكان والزمان والموضوع ونحوه من التفاصيل. الظاهر أنه لا دليل على المنع. ويكون التعيين بيد المدعي, كما سبق في المسالة (4).
(مسألة 11) إذا اختلت شرائط القاضي, لم يجز الرجوع إليه تحكيماً. وإذا اختلت شرائط المنصوب انعزل بحكم الشارع وإن لم يبلغ خبره إلى الإمام أو نائبه. ويجب عليه إبلاغ ذلك, كما يجب على غيره الإبلاغ أيضاً. للتحاشي دون نفوذ حكمه, وعدم بقاء المنطقة خالية من أي قاضٍ.
(مسألة 12) هل يجوز عزل القاضي اقتراحاً بدون سبب ظاهر. قيل: لا. والظاهر الجواز ما لم تكن فيه مفسدة شرعية. وأما عزله مع وجود مصلحة عامة في ذلك فلا إشكال فيه.
(مسألة 13) إذا مات الذي نصب القاضي كالإمام أو نائبه, انعزل القضاة الذين نصبهم أجمع, واحتاجوا في ولايتهم إلى تعيين جديد. وهذا ثابت في غير
ــــــ[12]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المعصوم . أما فيه فالظاهر بقاء الولاية ما لم يعزله آخر.
(مسألة 14) لو أناب القاضي عنه قاضياً, فمات الأصلي. فإن كانت ولاية الآخر بإذن الإمام أو نائبه استمرت. وإلا بطلت. والظاهر أن القاضي إن كان مأذوناً بالنص أو بالإطلاق بالاستخلاف. كان له ذلك. ومعه تستمر ولاية الثاني بعد موت الأول. وإن لم يكن الأول مأذوناً لم يجز له الاستخلاف ولا يتوقف عدم الجواز على وجود النهي أو اشتراط المباشرة.
(مسألة 15) كل من لا تقبل شهادته في مورد لا ينفذ حكمه فيه, كالولد على الوالد, والعبد على مولاه والخصم على خصمه والغريم على غريمه. ويجوز حكم الأب على ولده وله. والأخ على أخيه وله. كما تجوز شهادته فيه.
(مسألة 16) يكره للقاضي أن يقضي وهو غضبان, وكذا كل وصف يساوي الغضب في شغل النفس, مما لا يفقد معه التفكير كالجوع والعطش والغم والفرح والوجع ومدافعة الأخبثين وغلبة النعاس. ولو فقد التفكير والقدرة على التركيز, خرج عن قابلية القضاء, كما سبق. وتعود له عند زوالها.
(مسألة 17) يكره للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه, وكذا الوقوف خصماً أمام قاضٍ آخر, بل يوكل من ينوب عنه. ويكره له أن يستعمل الانقباض المانع من اللحن بالحجة. وكذا أن يستعمل اللين الذي لا يؤمن معه من جرأة الخصوم.
ــــــ[13]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثالث: في وظائف القاضي
(مسألة 18) يجب على القاضي التسوية بين الخصمين في السلام والجلوس والنظر والكلام والإنصات والعدل في الحكم. ولا تجب التسوية في الميل القلبي لتعذره غالباً. ولكن إنما تجب التسوية بينهما, مع التساوي في الإسلام أو الكفر, ولو كان أحدهما كافراً والآخر مسلماً, جاز أن يكون المسلم جالساً والكافر واقفاً, أو أن يجلس المسلم أعلى منزلاً.
(مسألة 19) لا يجوز أن يلقن القاضي أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه, ولا أن يهديه لوجوه الاحتجاج. وإنما يقتصر على شرح الحكم الشرعي بمطالبة المدعي بالبينة والمنكر باليمين, وتعيين المدعي, منهما من المنكر ونحو ذلك.
(مسألة 20) إذا سكت الخصمان استحب أن يقول لهما تكلما أو ليتكلم المدعي منكما, ولا ينبغي أن يواجه بالخطاب أحدهما لما فيه من ايحاش الآخر.
(مسألة 21) يستحب ترغيب الخصمين بالصلح والتراضي. فإن أبيا إلا المناجزة سمع دعواهما وحكم بينهما. فإن كان الحكم واضحاً لزمه القضاء ولا ينبغي تأجيله. وإن أشكل أخر الحكم حتى يتضح كبرى أو صغرى. ولا حد للتأخير إلا الوضوح.
(مسألة 22) إذا ورد الخصوم مترتبين, بدا بالأول فالأول. فإن وردوا جميعاً, أو جماعة قدم من قدمته القرعة. يكتب فيها أسماء المدعين فقط. ولو كان للمدعي أكثر من خصم واحد, كان له تقديم من شاء منهم.
ــــــ[14]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 23) إذا قطع المدعى عليه دعوى المدعي بدعوى, لم تسمع حتى يجيب القاضي عن الدعوى, وينهي الحكومة, ثم يستأنف الآخر.
(مسألة 24) إذا بادر أحد الخصمين إلى الكلام في دعواه فهو أَولى ولو ابتدرا الدعوى سمع القاضي من الذي عن يمين صاحبه. ولو اتفق مسافر وحاضر, فهما سواء ما لم يستضر أحدهما بالتأخر فيقدم دفعاً للضرر.
(مسألة 25) يكره للحاكم أن يشفع في إسقاط حق أو إبطال دعوى.
(مسألة 26) إذا افتقر الحاكم إلى مترجم, لم يقبل فيه إلا شاهدان عدلان يتفقان على الترجمة, ولا يقنع بالواحد ولو كان ثقة على الأحوط استحباباً.
(مسألة 27) إذا اتخذ القاضي كاتباً ونحوه, وجب أن يكون بالغاً عاقلاً مسلماً عدلاً بصيراً, ليؤمن انخداعه, وإن كان مع ذلك فقيهاً كان أفضل.
(مسألة 28) ينبغي أن يجمع قضايا كل أسبوع ووثائقه وحججه ويكتب عليها. فإذا اجتمع ما لشهر كتب عليه: من شهر كذا. وإذا اجتمع ما لسنة جمعه ثم كتب عليه قضاء سنة كذا.
(مسألة 29) كل موضع تعين على الحاكم فيه كتابة المحضر, فإن حمل له من بيت المال ما يصرفه في ذلك, فهو, وإلا أحضر صاحب الحق ذلك من أمواله. وإلا وجب على الحاكم أن يدفع ثمن القلم والقرطاس وغيرهما من أمواله.
(مسألة 30) يكره للحاكم أن يضيِّف أحد الخصمين دون الآخر.
(مسألة 31) ليس على الحاكم تتبع حكم من كان قبله. لكن لو زعم المحكوم عليه أن الأول حكم عليه بالجور, لزمه النظر فيه. وكذا لو ثبت عنده ما يبطل حكم الأول, أبطله سواء كان من حقوق الله أم من حقوق الناس.
(مسألة 32) إن عرف الحاكم عدالة الشاهدين حكم, وإن عرف فسقهما اطرح. وإن جهل الأمرين بحث عنهما حتى يتحقق ما يبني عليه من عدالة أو
ــــــ[15]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
جرح. ولو حكم بالظاهر ثم تبين فسقهما وقت الشهادة, نقض الحكم. ولا يجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر.
(مسألة 33) ينبغي أن يكون الفحص عن التزكية والجرح سراً, فإن فيه ستراً على من ستر الله عليه. ويثبت كل منهما مطلقاً أو مفصلاً. وقيل: يفتقر الشاهد بالتزكية إلى المعرفة الباطنة المتقادمة بخلاف الجرح فإنه يكفي العلم بموجب الجرح. إلا أن الأظهر جواز شهادة الشاهد بعمله مطلقاً.
(مسألة 34) لو تعارضت البينتان في الجرح والتعديل. قيل: يتوقف الحاكم إلى حين اتضاح الحال. ولو قيل: يعمل على الجرح كان حسناً.
(مسألة 35) يكره للحاكم أن يعنت الشهود, إذا كانوا من ذوي البصائر والأديان, مثل أن يفرق بينهم. بينما يستحب التفريق في موارد الشك.
(مسألة 36) لا يجوز للحاكم أن يتعتع الشاهد, بأن يداخله في التلفظ بالشهادة أو يتعقب كلامه بكلامه. بل يكف عنه حتى ينهي ما عنده وإن تردد. ولو توقف في الشهادة لم يجز للحاكم ترغيبه فيها أو تزهيده عنها. وإنما ذلك موكول إلى الاتفاق بين الشاهد والمدعي.
(مسألة 37) وكذا لا يجوز إيقاف عزم الغريم عن الإقرار. لأنه ظلم لغريمه. ولكن يجوز ذلك في حقوق الله كالزنا وشرب الخمر.
(مسألة 38) إذا التمس الخصم إحضار خصمه مجلس المرافعة. أحضره الحاكم مع الإمكان. وإلا أثبت عليه الحكم بالحجة غيابياً. إلا أن هذا إنما يصح لو تمت الحجة حال غيابه, كقيام المدعي بالبينة. وأما بدونه فلا, كتوقف الدعوى على يمين المنكر.
(مسألة 39) لو ادعى على امرأة, فإن كانت برزة فهي كالرجل, وإن كانت مخدّرة, لم يجب إحضارها, بل بعث القاضي إليها من ينوب عنه في الحكم بينها وبين غريمها.
ــــــ[16]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الرابع: في كيفية الدعوى
(مسألة 40) كما أن للحاكم أن يحكم بين المتخاصمين بالبينة وبالإقرار وباليمين. كذلك له أن يحكم بينهما بعلمه, ولا فرق في ذلك بين حق الله وحق الناس. نعم, لا يجوز إقامة الحد إلا بمطالبة صاحب الحق. وإن كان قد علم الحاكم بموجبه.
(مسألة 41) يعتبر في سماع الدعوى أن تكون على نحو الجزم واليقين أو الاطمئنان. ولا تسمع إذا كانت على نحو الظن والاحتمال.
(مسألة 42) ليس للحاكم التدخل في خصائص المرافعة, بل كل ذلك موكول إلى المترافعين. فلو سكت المدعي لم يكن له إلزامه بالكلام. وكذا لو سكت المنكر ما لم يطلب المدعي اجابته. كما ليس للحاكم مطالبة المدعي بالبينة, وإنما يطالبه بها المنكر. كما ليس له مطالبة المنكر باليمين وإنما يطالبه به المدعي. وكذا القول في اليمين المردودة وتنفيذ الحكم أيضاً.
(مسألة 43) المدعي في المرافعة الشرعية هو الذي يخالف قوله قاعدة من القواعد الإسلامية, فمثلاً إذا ادعى شخص ديناً على شخص كان هذا على خلاف أصالة براءة ذمته. والمنكر هو الذي يوافق قوله تلك القاعدة. فإذا قال الآخر: ذمتي بريئة, كان قوله موافقاً لأصالة البراءة, وهكذا.
(مسألة 44) يلحظ المدعي والمنكر بالنسبة إلى القواعد الجارية في مطرح الدعوى لا في لوازمها ما لم يسقط المطرح بالتعارض فيصار إلى اللوازم. فمثلاً
ــــــ[17]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
دعوى الزوجية تستلزم وجوب الإنفاق, ودعوى الشركة يستلزم ثبوت حق الشفعة وهكذا. فإنه يكفي ثبوت المدلول في مطرح الدعوى قضائياً لثبوت لازمه شرعاً.
(مسألة 45) أن من جملة علامات المدعي من المنكر أن الأخير إذا تُرِك ترِك. من حيث إنه لا يذهب إلى القاضي ولا يرغب في محاكمته, ولكن المدعي يرغب فيها عادة لأخذ حقه. إلا أن هذا أمر غالبي وليس هو الأساس في تمييز المدعي من المنكر.
(مسألة 46) في الحق العام يوجد منكر وهو طرف التهمة, ولا يوجد مدعٍ. لأن المدعي حقيقة هو المجتمع المسلم برمته لفرض كون الحق عاماً. وعندئذ يكون المدعي هو وليه وهو الحاكم الشرعي أو من يعينه لذلك خصوصاً أو عموماً. ومن هنا توجد أهمية (الادعاء العام) يعني يكتسب الحق العام, أهميته دينياً إلى جنب أهميته في القانون الوضعي.
(مسألة 47) لو ادعى شخص مالاً على آخر أو أي حق آخر كالزوجية والرقية والحقوق الأخرى كحق الشفعة وحق القسم, وغيرها, إلا الدم كما سيأتي. فالآخر لا يخلو من أن يعترف له أو ينكر عليه أو يسكت, بمعنى أنه لا يعترف ولا ينكر. فهنا صور ثلاث:
الصورة الأُولى: أن يعترف المدعى عليه بالحق الذي عليه, فيجوز للحاكم أن يحكم على طبقه, وينتهي الأمر.
الصورة الثانية: أن ينكر المدعى عليه ما طالبه به المدعي. فله أن يطالب المدعي بالبينة, وهي شاهدان عادلان ونحوها على ما سيأتي. فإن أقامها المدعي حكم الحاكم على طبقها. وإن لم يقمها كان له أن يطالب من المنكر اليمين, فإن حلف سقطت الدعوى, ولا يحل للمدعي بعد حكم الحاكم, التقاص من مال الحالف. نعم, لو أكذب الحالف نفسه جاز للمدعي مطالبته بالمال. هذا إن حلف. وأما إن امتنع عن اليمين, فهل تسقط الدعوى في صالح المدعي, يتوقف
ــــــ[18]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ذلك على الحكم بالنكول. فإن قلنا به -كما هو الأرجح- حكم الحاكم بثبوت دعوى المدعي. وإن لم نقل به, جازت له المقاصة من أمواله. وللمنكر رد اليمين على المدعي, فإن حلف حكم له. وإن لم يحلف ابتنى جواز الحكم في مصلحة المنكر, على جواز الحكم بالنكول.
الصورة الثالثة: سكوت المدعى عليه, فيطالب المدعي بالبينة. فإن أقامها حكم له. وإن لم يقمها فللحاكم إلزام المدعى عليه باليمين إذا طالبه به المدعي. فإن حلف, فهو. وإلا فيرد الحاكم الحلف على المدعي. وكونه هنا بطلب المنكر مبني على الاحتياط. وأما إذا ادعى المنكر جهله بالحال. فإن لم يكذبه المدعي فليس له احلافه, وإلا أحلفه على عدم العلم. فإن حلف سقطت دعواه وجاز الحكم للمنكر. كما جاز رد اليمين على المدعي.
(مسألة 48) لا تسمع بينة المدعي على دعواه بعد حلف المنكر وحكم الحاكم له. وأما قبل الحكم فلسماعها مجال.
(مسألة 49) لو نكل المنكر بمعنى أنه لم يحلف ولم يرد الحلف. فللحاكم رد الحلف على المدعي بعد تحذير المنكر به. فإن حلف حكم له. وإن نكل حكم للمنكر.
(مسألة 50) يستحب للحاكم أو أي واحد من الحاضرين تحذير من يريد اليمين إما المدعي أو المنكر من إقامة اليمين, بتحذيره من العقاب الأخروي, وأن عروض الدنيا مهما كان مهماً لا يستدعي استعمال لفظ الجلالة من أجله وابتذاله لذلك. ونحو ذلك. على أن لا يؤدي ذلك إلى التزهيد في إقامة اليمين المؤدية إلى إقامة الحق والحكم به. وإنما بمعنى تحمل الضيم والصبر عليه من أجل ذلك.
(مسألة 51) ليس للحاكم احلاف المدعي بعد إقامة البينة. إلا إذا كانت دعواه على الميت, فللحاكم عندئذ مطالبته باليمين على بقاء حقه في ذمة الميت,
ــــــ[19]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
زائداً على بينته, والأحوط عدم ثبوت حق المدعي بدون ذلك.
(مسألة 52) الظاهر اختصاص الحكم المذكور بالدين, فلو ادعى عيناً كانت بيد الميت, وأقام بينة على ذلك قبلت منه, بلا حاجة على ضم اليمين.
(مسألة 53) لا فرق في الدعوى على الميت بين أن يدعي المدعي ديناً على الميت لنفسه أو لموكله أو لمن هو ولي عليه. ففي جميع ذلك لا بد في ثبوت الدعوى من ضم اليمين إلى البينة, كما أنه لا فرق بين كون المدعي وارثاً أو وصياً أو أجنبياً.
(مسألة 54) لو ثبت دين الميت بغير بينة, كما إذا اعترف الورثة بذلك أوثبت ذلك بعلم الحاكم أو بشياع مفيد للعلم, واحتمل أن الميت قد وفى دينه. فهل يحتاج في مثل ذلك إلى ضم اليمين أم لا. وجهان: أقربهما الثاني.
(مسألة 55) لو أقام المدعي شاهداً واحداً وحلف, فالمعروف ثبوت الدين بذلك, كما هو كذلك. وهل يحتاج لو كان طرف الدعوى ميتاً إلى يمين آخر. فيه خلاف. والظاهر عدم اللزوم.
(مسألة 56) لو قامت البينة بدين على صبي أو مجنون أو غائب, فهل يحتاج إلى ضم اليمين, فيه تردد وخلاف, والأظهر عدم الحاجة إليه.
(مسألة 57) إذا انحسمت الدعوى لدى حاكم, فإنه لا يجوز الترافع إلى حاكم آخر, ولا يجوز للآخر نقض حكم الأول إلا إذا لم يكن الحاكم الأول واجداً للشرائط أو كان حكمه مخالفاً لما ثبت قطعاً من الكتاب والسنة.
(مسألة 58) لا بأس بعرض الحكم القضائي على شخص فقيه عادل ليرى أنه جامع للشرائط أم لا. وينبغي أن لا يكون الثاني قاصراً في صفاته عن الأول, بل يكون مثله أو أفضل منه. ومن هذا الجواز نستفيد أهمية ما يسمى بمحكمة (التمييز) في القوانين الوضعية. ويكون للثاني نقضه في حدود ما قلناه في المسألة
ــــــ[20]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
السابقة.
(مسألة 59) إذا طالب المدعي بحقه وكان المدعى عليه غائباً. ولم يمكن إحضاره في المرافعة. فإن أقام المدعي البينة على مدعاه, حكم الحاكم له بالبينة, وأخذ حقه من أموال المدعى عليه ودفعه له. وأخذ منه كفيلاً بالمال. وإذا قدم الغائب فهو على حجته, فإن ثبت عدم استحقاق المدعي شيئاً عليه, استرجع الحاكم ما دفعه للمدعي وأعطاه للمدعى عليه. ومع فقد العين يصار إلى البدل.
(مسألة 60) إذا كان الموكل غائباً وطالب وكيله الغريم بأداء ما عليه من حق للغائب (وهنا ينبغي أن يفرض أن وكالة الوكيل شاملة للترافع عنه والمطالبة بحقه وقبضه على تقدير ثبوته) وادعى الغريم التسليم إلى الموكل أو الإبراء. فإن أقام البينة على ذلك فهو, وإلا فعليه أن يدفعه إلى الوكيل.
(مسألة 61) إذا حكم الحاكم بثبوت دين على شخص وامتنع المحكوم عليه عن الوفاء. جاز حبسه وإجباره على الأداء. نعم, إذا كان المحكوم عليه معسراً, لم يجز حبسه, بل ينظره الحاكم حتى يتمكن من الأداء.
فروع أخرى: حول المرافعة
(مسألة 62) إنما يقبل إقرار الفرد فيما إذا كان جائز التصرف. فإن لم يكن كذلك طرح إقراره. وعدم جواز التصرف يرجع إلى عدة موانع:
المانع الأول: قصور المقر كالصبي والمجنون والسفيه. والمريض مرض الموت في وجه.
المانع الثاني: القصور المؤقت النفسي, كالغضب الشديد أو الحزن والفرح ــــــ[21]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كذلك, وغير ذلك.
المانع الثالث: القصور المؤقت الحكمي, ويندرج فيه المفلس والمقر لشخص آخر, والمستطيع للحج بالمال المقر به, في وجه.
المانع الرابع: القصور في العين المقر بها, كالموقوفة. وكذا الموهوبة والموصى بها والمرهونة في وجه.
(مسألة 63) لو حكم عليه بدين فادعى الإعسار. فإن طابق ظاهر حاله وجب إنظاره, كما سبق. وفي تسليمه إلى غرمائه ليستعملوه أو يؤاجروه, مع إمكانه جسمياً واجتماعياً, وجهان أوجههما الإنظار إلا إذا رضي المحكوم عليه بالتسليم للغرماء.
(مسألة 64) لو أقام بينة بما حلف عليه المنكر لم تسمع, لسقوط الدعوى باليمين. نعم, لو ادعى ظرفاً معقولاً للتأخير جاز سماعه في وجه. والظاهر توقف الحكم بها عندئذ على حصول الاطمئنان الشخصي للحاكم بمضمونها. وأَولى بعدم القبول, ما لو أقام بعد يمين المنكر شاهداً وبذل اليمين.
(مسألة 65) لو بذل المنكر يمينه بعد النكول وسقوط الدعوى لم يلتفت إليه, فضلاً عما إذا كان بعد يمين المدعي بعد الرد.
(مسألة 66) لو كان للمدعي بينة, لم يقل له الحاكم احضرها. لأن الحق له. وإنما يفهمه توقف ثبوت حقه على سماعها. ومع حضورها لا يسألها الحاكم ما لم يلتمس المدعي, بلسان الحال أو المقال. ومع إقامة الشهادة لا يحكم إلا بمسألة المدعي أيضاً.
(مسألة 67) ينبغي للحاكم إلفات نظر المدعى عليه إلى إمكان الجرح في البينة. فيسأله: هل عندك جرح. فإن نفى فهو, وإلا أنظره مدة معقولة لكي يحظر الجارح, فإن أحضره وكان معتبراً سقطت البينة, وإن لم يكن معتبراً أو لم يحضر شيئاً, حكم بها بعد سؤال المدعي.
ــــــ[22]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 68) لو ذكر المدعي أن له بينة غائبة, خيَّره الحاكم بين الصبر وبين إحلاف الغريم. وليس له إلزامه ولا مطالبته بكفيل. وكذا لو ادعى المنكر أن له جارحاً غائباً أو دلائل تحتاج إلى مدة معتد بها.
(مسألة 69) لو كان أي الأطراف به آفة من طرش أو خرس ونحوها, توصل الحاكم إلى معرفة جوابه بالإشارة المفيدة للاطمئنان. ولو تعذر ذلك واحتاج الأمر إلى مترجم لم يكف الواحد وافتقر في الشهادة بإشارته إلى مترجمين عادلين. ما لم تكن ترجمة الواحد مفيدة للاطمئنان الفعلي.
(مسألة 70) تحصل الأهمية الشرعية للمحاماة المتعارفة من عدة وجوه. منها: إطلاع المحامي على الشريعة دون موكله. ومنها: تعذر حضور الموكل بعجز أو شأن أو لكونه امرأة وغير ذلك. وحضور الوكيل حضور للموكل. غير أنه لا يستطيع أن يحلف عوضاً عنه في كل الحالات. فإذا توقف حسم الدعوى على اليمين, كانت من المرافعة على غائب حتى لو حضر وكيله المحامي.
(مسألة 71) ينبغي أن يختار الطرف وكيلاً متفقهاً في الدين وثقة. ويجب أن يختار المحامي من القضايا ما كانت حقاً وليس فيها باطل أو ظلم. فإن كانت باطلاً كان أجره حراماً وسحتاً مضموناً إرجاعه إلى دافعه.
(مسألة 72) يحرم على أي من الأطراف أو وكلائهم تطبيق أي تشريع غير الشريعة الإلهية الحقة. سواء في كيفية المرافعة وإقامة الشهود ونظام اليمين, أو في اقتضاء الحق الناتج عن ذلك أو تقسيمه بين الشركاء أو الورثة ونحو ذلك من الأمور. بما في ذلك الحكم بالولاية أحياناً أو تطبيق قواعد المعاملات وخاصة النكاح والطلاق, أو إيكال الولاية على القاصر أو الوقف ونحوه إلى من ليس له أهلية ذلك. فكل التفاصيل ينبغي أن لا تتجاوز الشريعة الحقة.
ــــــ[23]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الخامس: أحكام اليمين
(مسألة 73) لا يصلح الحلف إلا بالله سبحانه يعني لفظ الجلالة, ولا يعتبر فيه أن يكون بلفظ عربي, بل يصح بالترجمة مع العجز, وخاصة مع عدم فهم الطرف للقسم العربي. وإن كان الأحوط استحباباً تكرار اليمين بكلا اللغتين ولو تلقيناً.
(مسألة 74) الأحوط الاقتصار على لفظ الجلالة مع أحد حروف القسم وهي الواو والباء والتاء. وإن كان الأقوى نفوذ اليمين بالأسماء المختصة به تعالى وقصده بها, على أن يستعمل اسمين لا واحداً على الأحوط. ولتكن -على الأحوط استحباباً- من أسماء النقمة كالمهلك المدرك أو العدل الحكيم.
(مسألة 75) يجوز للحاكم أن يحلف أهل الكتاب بل مطلق أهل الكتاب بل مطلق أهل الأديان السماوية, بما يعتقدون به. ولا يجب إلزامهم بالقسم الإسلامي. وخاصة مع احتمال تصديهم للقسم به كذباً. والأحوط استحباباً الجمع بين القسمين.
(مسألة 76) هل يعتبر في الحلف المباشرة. أو يجوز فيه التوكيل, فيحلف الوكيل نيابة عن الموكل. الأحوط اعتبار المباشرة, إلا مع التعذر.
(مسألة 77) إذا علم الحاكم أو الطرف أن الحالف قد استعمل التورية في حلفه, وقصد به شيئاً آخر, أو احتمل ذلك احتمالاً معتداً به. فالأظهر عدم كفاية ذلك اليمين.
ــــــ[24]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 78) لو كان الكافر بدون دين سماوي كالمشرك والملحد, ونحوهما. فهل يستحلفون بالله أو بما يعتقدون به ؟ وكيف بهم إذا لم يكن لهم ما يعتقدون به. الظاهر كفاية إحلافهم بالله سبحانه في الثاني والجمع في الأول. أما ما قيل من أنهم لا تجري عليهم أحكام القضاء. فهو على خلاف إطلاقات الأدلة, وفيه إيقاف لاقتضاء الحقوق لأصحابها.
(مسألة 79) المشهور عدم جواز إحلاف الحاكم أحداً إلا في مجلس قضائه. ولكن لا دليل عليه, فالأظهر الجواز في أي مكان.
(مسألة 80) يستحب تغليظ اليمين وخاصة إذا طلبه الطرف الأخر. لكنه غير واجب وإن طلبه. ويكون التغليظ بالحال أو المقال أو الزمان أو المكان. فالتغليظ بالحال كاستعمال المصحف الشريف أوحال كونه على وضوء أو بعد فريضة ونحوه. والتغليظ بالمقال كذكر أسماء النقمة بعد لفظ الجلالة. مما سبق أن مثلنا له. والتغليظ في المكان, ككون اليمين في أحد المساجد وخاصة أحد المساجد الأربعة أو أحد المشاهد المشرفة أو أحد المدن المعظمة. والتغليظ بالزمان كيوم الجمعة والعيد وليلة القدر وغير ذلك.
(مسألة 81) يغلَّظ اليمين على الكافر بالأزمنة والأماكن التي يعتقد شرفها وحرمتها. وإذا كان منها ما هو مشترك بينه وبين المسلمين عمل به.
(مسألة 82) لو امتنع عن الإجابة إلى التغليظ, لم يجبر ولم يتحقق بامتناعه نكول.
(مسألة 83) لو حلف أنه لا يجيب إلى التغليظ, فالتمسه خصمه لم ينحل يمينه, غير أن في انعقاد اليمين إشكالاً وإن كان أحوط.
(مسألة 84) حلف الأخرس بالإشارة المفهمة مع إحراز القصد. فإن أبهمت
ــــــ[25]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
احتاجت إلى مترجم معتبر شرعاً إما باعتبار التعدد أو حصول الاطمئنان.
(مسألة 85) لو حلف شخص على أن لا يحلف أبداً انعقد لرجحانه. ولكن إذا اتفق توقف إثبات حقه على الحلف جاز له ذلك, لكونه مصداقاً مرجوحاً.
(مسألة 86) إذا ادعى شخص مالاً (عينياً أو ذمياً) على ميت ولا بينة له, فإن ادعى علم الوارث به والوارث ينكره؛ فله إحلافه بعدم العلم. وتسقط الدعوى في مصلحة الوارث بيمينه, وإن نكل سقطت في مصلحة المدعي. وإن لم يدع العلم, فإنه لا يتوجه الحلف على الوارث.
(مسألة 87) إذا ادعى شخص مالاً على ميت وادعى علم الورثة به, وأنه ترك مالاً عندهم. فإن اعترف الورثة بذلك لزمهم الوفاء, وإلا فعليهم الحلف, إما على نفي العلم بالموت أو نفي وجود المال للميت عندهم.
(مسألة 88) ليس لأي حالف أن يبادر إلى اليمين, ولو بادر لم يكن معتبراً. وإنما يقسم بعد طلب صاحبه أو بعد طلب الحاكم أحياناً. على تفصيل سبق.
(مسألة 89) إذا كان المورد هو مورد طلب الغريم, فحلف طرفه استجابة للحاكم ولو خطأ, لم يكن معتبراً. سواء في ذلك في يمين المنكر أو اليمين المردودة على المدعي. نعم, لو كان المورد هو مورد طلب الحاكم فحلف استجابة له كان معتبراً.
(مسألة 90) إذا كان طرف المرافعة مملوكاً. فالحقيقة أن الغريم مولاه. ولا أثر لإقرار المملوك في ثبوت الدعوى. بلا فرق في ذلك بين دعوى المال من دعوى الجناية. ما دام المولى صالحاً لأن يكون طرفاً للدعوى.
(مسألة 91) إذا كانت الدعوى أجنبية عن المولى, كما إذا ادعى على إتلاف مال, واعترف العبد به ثبت ذلك, ويتبع به بعد العتق.
ــــــ[26]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 92) مما قلناه في المسألتين السابقتين يظهر حكم ما إذا كانت الدعوى مشتركة بين العبد ومولاه, كما إذا ادعى على العبد القتل عمداً أو خطأ, واعترف العبد به, فإنه لا أثر له بالنسبة إلى المولى, ولكنه يتبع به بعد العتق. يعني تؤخذ منه الدية عندئذ في الخطأ أو في التنازل عن القصاص. أما القصاص فيلحق به مع عبوديته.
(مسألة 93) لا تثبت الدعوى في الدماء إلا بالبينة, أو الإقرار. ولا يتوجه اليمين فيها إلى المنكر. وذلك: سواء في مرتبة عللها وهي الجنايات بمختلف أقسامها, أو في مرتبة معلولها وهي الحدود والقصاص ما دام فيه دم.
(مسألة 94) يحلف المنكر للسرقة مع عدم البينة, فإن حلف سقط عنه الغرم. ولو أقام المدعي شاهداً وحلف غرم المنكر. وأما الحد فلا يثبت إلا بالبينة أو الإقرار. ولا يسقط بالحلف. فإذا قامت البينة بعد الحلف جرى عليه الحد, وإن كان الأحوط عدم التغريم لمكان اليمين.
(مسألة 95) إذا كان على الميت دين, وادعى الدائن أن له في ذمة شخص آخر ديناً, بحيث يكون الميت مديناً للمدعي ودائناً للآخر. فإن كان الدين مستغرقاً للتركة رجع الدائن على المدعى عليه وطالبه بالدين, فإن أقام البينة على ذلك أو اعترف المدعى عليه, لزمه الدفع. وإلا حلف المدعى عليه وسقطت الدعوى لصالحه. وإن لم يكن الدين مستغرقاً للتركة, فإن كان عند الورثة مال للميت غير المال المدعى به في ذمة غيره, رجع الدائن إلى الورثة وطالبهم بالدين. فإن أقام بينة أو أقروا له لزمهم الدفع, وإلا كان لهم الحلف بعدم العلم. وإن لم يكن للميت مال عند الورثة, فتارة يدعي الورثة عدم العلم بالدين للميت على ذمة الآخر وأخرى يعترفون به. فعلى الأول يرجع الدائن إلى المدعى عليه, فإن أقام البينة على ذلك أو كسب إقراره, فهو, وإلا حلف المدعى عليه وسقطت
ــــــ[27]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الدعوى لصالحه. وأما على الثاني, فللدائن أن يرجع على الورثة وهم يرجعون على المدعى عليه ويطالبونه بدين الميت. فإن أقاموا البينة على ذلك أو كسبوا الإقرار به حكم بها لهم. وإلا فعلى المدعى عليه الحلف لتثبت براءته. نعم, لو امتنع الورثة من الرجوع إلى المدين (المدعى عليه) فللدائن أن يرجع عليه ويطالبه بالدين, كما سبق.
(فروع أخرى حول اليمين)
(مسألة 96) اليمين بالأصل للمنكر, وقد يتوجه إلى المدعي في موارد:
الأول: في الرد. يعني أن لا يحلف المنكر, ويرده على المدعي الذي لا بينة له على الفرض.
الثاني: مع الشاهد العدل الواحد. في الأمور المالية كما سيأتي.
الثالث: مع اللوث في دعوى الدم, كما سيأتي في كتاب القصاص.
(مسألة 97) لا يمين للمنكر, مع توفر البينة للمدعي.
(مسألة 98) يكون اليمين على ما يتعلق بالحالف نفسه جزمياً على الواقع. وأما على ما يتعلق بالغير, فلا يكون إلا على نفي العلم ويكون مجزياً. ولو حلف عندئذ على الواقع, لم يكن مجزياً, حياً كان الغير أم ميتاً.
(مسألة 99) إذا لم يكن للمدعي بينة, لم يتوجه عليه بدلها اليمين. وإنما يتوجه اليمين على المنكر. ما لم يرد أو ينكل.
(مسألة 100) لو رد المنكر اليمين على المدعي. ثم بذلها قبل الإحلاف. قبل منه وصحت.
(مسألة 101) يكفي اليمين على نفي الاستحقاق. فلو ادعى عليه غصباً
ــــــ[28]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
أو إجارة, فأجاب المنكر: أني لم أغصب أو لم استأجر. قيل: يلزمه الحلف على وفق الجواب, لأنه لم يجب به إلا وهو قادر على الحلف عليه. والصحيح: أنه لو تطوع بذلك صح. وإن اقتصر في يمينه على نفي الاستحقاق كفى.
(مسألة 102) لو ادعى المنكر الإبراء أو الإقباض, فقد انقلب مدعياً والمدعي منكراً. لأنه يتضمن إقراراً باشتغال ذمته, ويدعي وفاءها والأصل عدمه, وهو موافق لقول غريمه, فإن أقام بينة على الإبراء أو الإقباض فهو, وإلا كان للآخر اليمين على بقاء الحق, وتثبت دعواه.
(مسألة 103) لو كانت له بينة فأعرض عنها, والتمس يمين المنكر. أو قال: أسقطت البينة وقنعت باليمين, فهل له الرجوع في قوله والاعتماد على البينة تارة أخرى. الظاهر ذلك. لا يفرق في ذلك بين أن تكون البينة بشاهدين أو بشاهد ويمين.
(مسألة 104) في نفس صورة المسألة السابقة, لو لم يحلف المنكر, ورد اليمين على المدعي, فهل يتعين عليه القسم, أو يمكنه الرجوع إلى الاعتماد على بينته. الظاهر ذلك, بمعنى أنه يكون مخيراً بين الأمرين.
(مسألة 105) لو ادعى صاحب النصاب للساعي إبداله في أثناء الحول, قبل قوله ولا يمين, بل لو نفى وجوب الزكاة فيه إجمالاً كفى بدون يمين. فإن ادعى سبباً كان أَولى بالقبول كعدم إتمام الحول أو كونها معلوفة أو مبدلة كما سبق.
(مسألة 106) لو ادعى الذمي الدخول في الإسلام قبل انتهاء الحول, لتسقط عنه الجزية, قُبِلَ قوله بدون بينة ولا يمين.
(مسألة 107) لو ادعت الزوجة أنها طاهر ليجوز لزوجها وطؤها, كفى بدون يمين. وكذا لو ادعت المرأة أنها خلية وليست في العدة ليصح العقد عليها. ولو
ــــــ[29]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
عقد عليها فظهر كذبها, كان من وطء الشبهة من قبل الزوج ومن قبلها زنا.
(مسألة 108) لو مات ولا وارث له, وظهر شاهد بدين, قيل يحبس المدعي حتى يحلف, لتعذر اليمين في طرف المشهود له. والصحيح أنه لو أدى اليمين ثبتت دعواه. ولو لم يؤدها كفت أصالة البراءة في عدم ثبوت الدين لعدم كفاية الشاهد الواحد به. كما أنه يمكن للإمام أو من خوله أن يقسم بعدم علمه بالدين, فتسقط الدعوى. لأنه الوارث الشرعي له عندئذ.
(مسألة 109) لو ادعى الوصي أن الميت أوصى للفقراء, وأقام شاهداً واحداً, فأنكر الوارث, قيل يحبس الوصي حتى يحلف. والصحيح عدم توجه اليمين عليه بفعل غيره وهو الميت, فإن أقام بينة كاملة ثبتت دعواه. وإلا جاز للوارث اليمين على عدم علمه بالوصية؛ وتثبت دعواه. وليس له في أمثال ذلك رد اليمين على المدعي, لأنه يمين على فعل الغير كما قلنا. فإن لم يقسم الوارث لم يحكم بنكوله. لأن اليمين على نفي العلم لا أثر للنكول فيها. بل تكفي أصالة البراءة أو استصحاب عدم الوصية في عدم وجوب تنفيذ ما ادعاه الوصي.
ــــــ[30]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل السادس: في الشاهد مع اليمين
(مسألة 110) تثبت الدعاوى في الأموال بشهادة عدل واحد ويمين المدعي. والمشهور أنه يعتبر في ذلك تقديم الشهادة على اليمين فلو عكس وقعت اليمين لاغية, واحتاج إلى إقامتها بعد الشهادة. وفيه إشكال. والظاهر عدم وجوب الترتيب, وإن كان لا يخلو من وجه.
(مسألة 111) الظاهر ثبوت المال المدعى به بالشاهد واليمين مطلقاً, عيناً كان أو ديناً. ولا أن يحصل العلم بالخلاف. وأما ثبوت غير المال من الحقوق الأخرى بهما ففيه إشكال, والثبوت أقرب وعدمه أحوط.
(مسألة 112) للوارث الترافع على ما يدعيه لمورثه من عين أو دين وبذل اليمين فيه, وخاصة إذا قلنا بانتقال التركة بالموت كما هو الأقرب.
(مسألة 113) إذا ادعى جماعة من الورثة مالاً لمورثهم وأقاموا شاهداً واحداً. فإن حلفوا جميعاً, قسم المال بينهم بالنسبة. وإن حلف بعضهم وامتنع الآخرون, ثبت حق الحالف دون الممتنع. فإن كان المدعى به ديناً أخذ الحالف حصته, ولا يشاركه فيها غيره. وإن كان عيناً أخذ حصته منها. فإن زادت على حصته شاركه فيها غيره. وكذلك الحال في دعوى الوصية بالمال لجماعة فإنهم إذا أقاموا شاهداً واحداً, ثبت حق الحالف منهم دون الممتنع. والحلف هنا لا يكون على الوصية لأنها من فعل الغير, بل على ملكية الموصى له العين في الجملة ولو كان بينهم في كلا الفرضين قاصر, أوقف نصيبه, فإن كمل ورشد
ــــــ[31]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
حلف واستحق, وإن امتنع لم يحكم له. وإن مات قبل ذلك كان لوارثه الحلف واستيفاء نصيبه. وهل لولي القاصر اليمين لإثبات حقه, فيه إشكال. وإن كان أقرب وخلافه أحوط.
(مسألة 114) إذا ادعى بعض الورثة أن الميت قد أوقف عليهم داره – مثلاً – نسلاً بعد نسل, وأنكره الآخرون, فإن أقام المدعون البينة ثبتت الوقفية. وكذلك إذا كان لهم شاهد واحد وحلفوا جميعاً. وإن امتنع الجميع لم تثبت الوقفية. وقسم المدعى به بين الورثة, بعد الديون والوصايا إن وجدت. وبعد ذلك يحكم بوقفية حصة المدعي للوقفية آخذاً بإقراره. ولو حلف بعض المدعين دون بعض, ثبتت الوقفية في حصة الحالف خاصة. فلو كانت للميت وصية أو كان عليه دين, أخرج من الباقي, وقسم الباقي بين الورثة الذين لم يحلفوا. ولو تصالحوا على تقسيمه بين جميع الورثة ثبتت وقفية حصة من ادعى الوقفية بالإقرار.
(مسألة 115) إذا امتنع بعض الورثة عن الحلف في المسألة السابقة, ثم مات قبل حكم الحاكم, قام وارثه مقامه. فإن حلف ثبت الوقف في حصته وإلا فلا.
(مسألة 116) إذا ادعى الوارث الوقف عليه ثم على أولاده من بعده مترتباً نسلاً بعد نسل, وحلف مع شاهده, ثبت الوقف. ولا يلزم الإدلاء بعد انقراضه بيمين مستأنفة. وكذا لو انقرضت البطون وصار إلى الفقراء أو المصالح العامة. أما لو ادعى التشريك بينه وبين أولاده, افتقر البطن الثاني إلى اليمين. لأنها تعود كالموجودة حال الدعوى وإنما تتلقى الوقف من الواقف. ولا يجوز له اليمين ما لم يحصل له العلم العرفي بالوقف.
(مسألة 117) لو ادعى عليه القتل وأقام شاهداً, فإن كان خطأ أو شبه العمد, حلف وحكم له. وإن كان عمداً موجباً للقصاص. لم يثبت بالشاهد واليمين. وكانت شهادة الشاهد لوثاً, وجاز له إثبات دعواه بالقسامة, كما سيأتي
ــــــ[32]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
في كتاب الحدود. ولو بذل التنازل إلى الدية, لم يكف الشاهد واليمين أيضاً, لأنه في طول حق القصاص الذي لا يثبت بها.
(مسألة 118) يثبت بالشاهد واليمين الحكم في الأموال عموماً, كالدين والقرض والغصب, وفي المعاوضات كالبيع والصرف والصلح والإجارة والقراض والمضاربة والهبة والوصية له. وكذلك تثبت الدية في الجناية الموجبة لها, كالخطأ وشبهة العمد وقتل الوالد ولده والحر العبد وكسر العظام والضربة الجائفة والمأمومة. ضابطه ما كان مالاً أو المقصود منه المال. وأما ما كان لازمه المال فلا, كالنكاح والخلع والطلاق والرجعة والعتق والكتابة والشفعة والنسب والوكالة والوصية إليه, وعيوب النساء. بل تحتاج أمثال هذه الأمور إلى شاهدين عادلين. وفي الوقف إشكال أحوطه الحاجة إلى الشاهدين, ولكن في التفصيل بين الوقف الخاص والعام وجه.
(مسألة 119) لا تثبت دعوى الجماعة مع الشاهد إلا مع حلف كل واحد منهم. ولو امتنع البعض ثبت نصيب الحالف دون الممتنع.
(مسألة 120) لا يجوز أن يحلف من لا يعرف ما يحلف عليه يقيناً. وإن كان الظاهر كفاية اليقين العرفي والاطمئنان.
(مسألة 121) لا ينفذ الحلف لمصلحة غيره ليثبت له مالاً أو حقاً. فمثلاً: لو ادعى غريم الميت مالاً على آخر مع الشاهد. فإن حلف الوارث ثبت. وإن امتنع لم يحلف الغريم, لأن المقصود إرجاع الملكية للميت لا للحالف. وكذلك لو ادعى رهناً وأقام شاهداً أنه للراهن. فإنه ينفذ قسمه لأنه من أجل إثبات مال الغير.
ــــــ[33]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل السابع: أحكام الدعاوي
(مسألة 122) يعتبر في المترافعين المباشرين: البلوغ والعقل. وقيل: الرشد أيضاً. والظاهر اشتراطه إذا كان السفه بدرجة معتد بها.
(مسألة 123) يعتبر في سماع دعوى المدعي أن تكون دعواه لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه, فلا تسمع دعواه عن غيره إلا أن يكون وليه أو وكيله أو وصيه. وهل لهؤلاء أداء اليمين عن ذويهم فيه إشكال لا يترك معه الاحتياط. بل لو نص الموكل على رضاه بيمين وكيله, لم يرتفع الإشكال.
(مسألة 124) يعتبر في سماع الدعوى أمور سبق بيان بعضها:
أولاً: أن تكون جزمية. فلو قال: أظن أنه مدين لي, لم تسمع.
ثانياً: أن يكون متعلق الدعوى ذا أثر شرعي, فلا تسمع دعوى الهبة غير اللازمة أو الوقف قبل الإقباض أو المعاملة الربوية.
ثالثاً: أن يكون متعلقها أمراً سائغاً شرعاً, فلا تسمع دعوى مسلم على مسلم آخر في ذمته خمر أو خنزير ونحوه. إلا أن تكون الدعوى على حق الاختصاص.
(مسألة 125) إذا كان المدعي غير من له الحق ؛ كالولي أو الوصي أو الوكيل, فإن تمكن من إثبات مدعاه بإقامة البينة فهو, وإلا فله إحلاف المنكر. فإن حلف سقطت الدعوى. وإن رد المنكر الحلف على المدعي, كان فيه الإشكال الذي ذكرناه قبل مسألتين. ومعه لا بد أن تبقى المرافعة موكولة إلى كمال المدعي. وعلى تقدير سقوط الدعوى بالبينة أو بيمين المنكر, لا حق للمدعي في إقامتها مرة أخرى بعد كماله.
ــــــ[34]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
فروع في المقاصة
(مسألة 126) إذا كان مال شخص في يد غيره, جاز له أخذه بدون إذنه. وأما إذا كان دينياً في ذمته, فإن كان المدعى عليه معترفاً بذلك وباذلاً له, لم تجز المقاصة من ماله بدون إذنه. وكذلك الحال إذا امتنع وكان امتناعه عن حق. كما إذا شك الفرد في اشتغال ذمة نفسه للآخر, فلا يمكن للآخر استيفاء حقه إلا بالمرافعة الشرعية. وأما إذا كان امتناعه عن ظلم, سواء أكان معترفاً به أم جاحداً, جاز لمن له الحق المقاصة من أمواله بدون إذنه. حتى لو نهاه عن ذلك. والظاهر أنه لا يتوقف على إذن الحاكم الشرعي, وإن كان تحصيله هو الأحوط استحباباً أكيداً. وأحوط منه التوصل في أخذ حقه إلى حكم الحاكم بالترافع عنده. وكذا تجوز المقاصة من أمواله عوضاً عن ماله الشخصي إن لم يتمكن من أخذه منه.
(مسألة 127) من تطبيقات الفرع الأخير من المسألة الأخيرة, ما قد يحصل من تبديل قهري في ثوب أو حذاء أو كتاب أو غير ذلك من قبل شخص مجهول. فإن للقابض استعمال ما في يده ونية التملك عليه بالمقاصة. وإن كان الأحوط له نية الضمان, لاحتمال حصول التملك.
(مسألة 128) تجوز المقاصة من غير جنس المال الثابت في ذمته, ولكن مع تعديل القيمة, فلا يجوز أخذ الزائد. فله أن يبيعها ويرجع الزائد.
(مسألة 129) الأظهر جواز المقاصة من الوديعة على كراهة.
(مسألة 130) لا يختص جواز المقاصة بمباشرة من له الحق, فيجوز له أن يوكل غيره فيها. بل يجوز ذلك للولي أيضاً. فلو كان للصغير أو المجنون مال عند آخر, فجحده, جاز لوليه المقاصة منه. وعلى ذلك يجوز للحاكم الشرعي أن يقتص من أموال من يمتنع عن أداء الحقوق الشرعية من خمس أو زكاة.
(مسألة 131) التهاتر مشابه للمقاصة, وأَولى بالصحة منها غير أن المقاصة تكون بين عينيين أو عيني وذمي. وأما التهاتر فيكون بإزاء مالين ذميين مملوكاً
ــــــ[35]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
لاثنين بالتقابل. ويحصل قهراً بالضرورة مع تساوي المالين في الصفة, مثلياً كان أو قيمياً. كما يحصل مع اختلاف الكمية بالمقدار المتساوي ويبقى الزائد في الذمة. أما مع عدم تساويهما في الصفة. فإن تراضيا بالتهاتر فلا إشكال. وإلا ابتنى التهاتر على ما سمعنا من شرائط المقاصة على الأحوط, من كون الطرف عاصياً والتعديل بالقيمة ونحو ذلك.
فروع في إنهاء الأحكام إلى الغير
(مسألة 132) إنهاء حكم الحاكم إلى الآخر, إما بالكتابة أو بالقول أو بالشهادة. أما الكتابة فتقبل مع أمن التزوير والاطمئنان من عدمه. وأما القول بالمشافهة فهو أن يقول أحدهما للآخر: حكمت بكذا أو أنفذت أو أمضيت ونحوه. وهو أيضاً يتوقف على الاطمئنان به. وأما الشهادة فذلك أن يحضر شاهدان عدلان لاستماع المرافعة والحكم, فيشهدان به لدى الآخرين. وهي حجة بغض النظر عن الاطمئنان.
(مسألة 133) الأمور الثلاثة المشار إليها حجة في مختلف الأمور. كالوصية والوقف والفتوى والوكالة وسائر المعاملات, أعني بإيصال الخبر عن هذه الأمور. بغض النظر عن وجودها في ذاتها.
(مسألة 134) قد يقال: بإمكان إقامة الشهادة على الشهادة, أعني بينة على بينة. فتقوم المرافعة على أساس ذلك. إلا أن هذا إنما يصح بشرطين: الأول: أن تكون هي المرافعة الأُولى. أما تكرار المرافعة عند حاكم آخر بعد سقوط الدعوى لدى الأول, بحجة عدم إمكان إعلامه عن نتيجة المرافعة السابقة. فهو مشكل, لأن أثر السقوط شرعاً عدم إمكان تكرار الترافع. الثاني: أن تكون هي الشهادة الثانية دون الثالثة وما بعدها, وهي شهادة الفرع على الفرع. فإن الأخذ بها بدون حصول الاطمئنان بصدقها لا يخلو من إشكال.
(مسألة 135) كما يمكن إقامة الشهادة على الشهادة يمكن إقامتها على
ــــــ[36]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الأمرين الآخرين, وهي الكتابة والقول. فيؤدي الشاهدان ما تحملاه من أنه أشهدنا على قوله أو كتب أمامنا هذه الكتابة. فتكون هذه البينة مغنية عن الاطمئنان الذي سبق أن اشترطناه في الحجية.
(مسألة 136) لا يختلف الحال في الأساليب الثلاثة, وهي الشهادة والكتابة والقول, أينما وقعت, ما دام لها أثر شرعي, لا يختلف الحال فيها أن تقع بأساليبها المتعارفة أو عن طريق الأجهزة كالتلفون والمسجل والراديو وغيرها, لكن هنا يحتاج إلى حصول الاطمئنان من عدم التزوير. أو قيام بينة عليه.
(مسألة 137) لا بد من ضبط الشيء المشهود به, بما يرفع الجهالة عنه, سواء في الشهادة الحاصلة في المرافعة أو في الشهادة على الحكم أو على الشهادة, ولو اشتبه الحال لم يمكن ترتيب الأثر قبل وضوح الأمر.
(مسألة 138) لو تغير حال الحاكم بموت أو عزل, لم يقدح ذلك في العمل بحكمه. ولو تغير بفسق لم يعمل بحكمه الصادر بعد الفسق وإن كانت مقدماته ومرافعاته متحققة قبله. ويقر ما سبق إنفاذه على زمان فسقه.
(مسألة 139) إذا أقر المحكوم عليه أنه هو المشهود عليه, أُلزم بإقراره. ولو أنكر, وكانت الشهادة بوصف يحتمل الانطباق عليه غالباً, فالقول قوله مع يمينه ما لم يقم المدعي البينة على الانطباق. وإن كان الوصف مما يتعذر انطباقه على غيره إلا نادراً, بحيث يحصل الاطمئنان به, لم يلتفت إلى إنكاره. وهذه المسألة قابلة للتطبيق في الترافع الأصلي أو في الشهادة عليه أو الشهادة على الحكم أو الشهادة على الشهادة وهكذا.
(مسألة 140) لو ادعى المنكر أو المحكوم عليه, بصدد الطعن في شمول دعوى المدعي أو شهادة الشاهد أو حكم الحاكم له. أن في البلد من يماثله في الاسم والنسب أو الاسم والعمل أو الاسم الثلاثي, ونحوها. مما بينه المدعي أو الشاهد أو الحاكم. كلف إبانته وإحضاره. فإن لم يستطع لم يلتفت إلى دعواه, والأحوط أخذ اليمين من الطرف بأنه لا يعرف شخصاً آخر, بهذه الصفة. وإن
ــــــ[37]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
استطاع إثباته. فإن كان حياً سئل, فإن اعترف أنه الغريم أُلزم وأطلق الأول. وإن أنكر وقف الحكم حتى يتبين ويحصل الاطمئنان بأحدهما. وإن كان المساوي في الصفة ميتاً, وهناك دلالة تشهد بالبراءة. إما لأن الغريم لم يعاصره, وإما لأن تاريخ الحق متأخر عن تاريخ الوفاة, أُلزم الأول. وإن احتمل الأمران, وقف الحكم حتى يتبين.
(مسألة 141) ما ذكرناه في المسألة السابقة, كما يصح في اشتباه المنكر يصح أيضاً في اشتباه المدعي, فيما لو قال المنكر أن المدعي الواقعي غيره. ويصح في اشتباه الشاهد, في الشهادة المباشرة وفي الشهادة على الشهادة. كما يصح في اشتباه شخص الحاكم أيضاً. فيما إذا كان أحد الحاكمين المشتبهين عادلاً والآخر فاسق. وادعى المنكر صدور الحكم من الفاسق. إلى غير ذلك من الأمثلة.
(مسألة 142) للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم. عيناً كان المال أو ذمياً, حتى يشهد القابض بالإقباض, حسماً لمادة النزاع وتكرار الترافع, بعنوان إنكار القبض.
(مسألة 143) لو احتمل أن العين التي تم تسليمها مستحقة أو مغصوبة, كفت قاعدة اليد في رفع الاحتمال ويؤخذ بقوله بكونه مالكاً وأما لو حصل الاطمئنان بذلك ألزم بالتبديل. وهذا الأمر واضح الوقوع في العين الذمية. وأما العين الشخصية مما يدعيه المدعي, فلاحتمال التماثل بينهما وبين المغصوب بشكل لا يتميز.
فروع أخرى في المرافعات
(مسألة 144) لو ادعى المنكر فسق الحاكم, فإن تعين للمدعي أخذ الحق عنده, لم يلتفت إلى دعوى المنكر. وإلا تعينت المرافعة لدى حاكم عادل. ومع
ــــــ[38]ــــــ
احتمال الفسق أو عدم الاطمئنان بالعدالة, لا يكون حكمه نافذاً ظاهراً.
(مسألة 145) لو ادعى المنكر فسق الشهود, فإن أقام بينة على مدعاه أو دلائل موجبة للاطمئنان, فهو. وإلا فإما أن يدعي المنكر علم المشهود له بالفسق أو لا. فإن ادعى علمه أمكنه اليمين على عدم العلم. إلا أنه لا تثبت به عدالة الشهود, وإن لم يدع العلم لم يتوجه عليه اليمين على فسقهما لأنه يمين على فعل الغير. وعلى كل تقدير لا يمكن الأخذ بالشهادة إلا بعد حصول الاطمئنان بالعدالة. فمع طعن المنكر بها لا بد من تأجيل الحكم حتى يتبين الحال.
(مسألة 146) لو اقتصرت على قولها: هذا زوجي, كفى في دعوى النكاح, ولا يفتقر سماعها إلى دعوى شيء من حقوق الزوجية, كالمهر أو النفقة. فإن أقر الزوج بالزوجية, فهو, ولو أنكرها لزمه اليمين, ولو نكل ألزم بالنكول في اللوازم المالية للزوجية, دون الجنسية على الأحوط. وإنما تثبت برد اليمين على الزوجة. فإن حلفت ثبتت الزوجية على الطرفين ظاهراً, وعليهما تطبيق ما يعتقدانه في الواقع.
(مسألة 147) لو ادعى أن هذه بنت أمته, لم يحكم له بالملكية. لاحتمال أن تلد في ملك غيره ثم تصير له. وكذا لو قال: ولدتها في ملكي – يعني حال ملكيته للأم-, لاحتمال أن تكون حرة أو ملكاً لغيره. ولا يؤثر في إثبات الملكية بذلك قاعدة اليد ولا البينة ولا اليمين المردودة. ما لم يصرح هو بأن البنت ملكه, أو تصرح البينة بذلك.
(مسألة 148) مثل ذلك: لو قال: هذه ثمرة نخلتي, لاحتمال أنها أثمرت في ملك سابق. وكذا لو أقر له بهذا المعنى من الثمرة في يده, لم يحكم عليه بالإقرار. ما لم يصرح المقر بأن الثمرة ملك للمدعي أو لفلان. أما لو أقر ذو اليد أن هذا الغزل من قطن فلان أو أن هذا الدقيق من حنطته أو هذا الخبز من دقيقه, لزمه.
ــــــ[39]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثامن: في دعاوي القسمة
بعد أن ذكرنا كيفية القسمة وتفاصيلها في كتاب الشركة, فراجع.
(مسألة 149) تجري القسمة في الأعيان المشتركة المتساوية الأجزاء, سواء اتحدت نسبة الملكية أم اختلفت. وللشريك أن يطالب شريكه بالقسمة, فإن امتنع أجبر عليها.
(مسألة 150) تتصور القسمة في الأعيان المشتركة غير المتساوية الأجزاء على صور:
الأُولى: أن يتضرر الكل بها. وفيها لا تجوز القسمة بالإجبار وتجوز بالتراضي, إذا لم يحصل عنوان ثانوي محرم كالتبذير.
الثانية: أن يتضرر البعض دون البعض. وفيها: إن رضي المتضرر بالقسمة فهو, وإلا فلا يجوز إجباره عليها.
الثالثة: أن لا يتضرر الكل. وفيها يجوز إجبار الممتنع عنها.
(مسألة 151) وهناك احتمالات أخرى ناشئة من احتمال حصول الضرر بعدم القسمة, ولو من غير جهة التقسيم. وفيه الصور الثلاث السابقة من حيث إنه: إما غير حاصل لأحدهم أصلاً. أو أنه حاصل على البعض أو أنه حاصل على الكل. كما يمكن أن يكون بعضهم يتضرر من الانقسام وبعضهم من عدمه. والقاعدة العامة هو الأخذ بمصلحة المتضرر. فإن كان الضرر من حصول التقسيم لم يجبر عليه وإن كان من عدمه أجبر الآخر عليه. وأما في الصورة الأخيرة, فيؤخذ
ــــــ[40]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
بمصلحة المتضرر من الانقسام خاصة. وإن كان الصلح بالتراضي أحوط جداً.
(مسألة 152) لا يفرق فيما قلناه من إجبار الممتنع وعدمه على التقسيم. سواء كانت القسمة قسمة إفراز أم قسمة تعديل أم قسمة رد. كما سبق توضيحه في محله.
(مسألة 153) لو كان المال المشترك بين شخصين غير قابل للقسمة خارجاً كالعبد والحيوان, وطالب أحدهما بالقسمة ولم يكن الآخر متضرراً بها, ولم يتراضيا على أن يتقبله أحدهما ويعطي الآخر حصته من الثمن. أجبرا على البيع, وقسم الثمن بينهما.
(مسألة 154) إذا كان المال غير قابل للقسمة بالإفراز أو التعديل, وطلب أحد الشريكين القسمة بالرد وامتنع الآخر عنها ولم يكن متضرراً بها. أجبر عليها. فإن لم يمكن إجباره عليها, أجبر على البيع وقسم ثمنه بينهما. وإن لم يمكن ذلك أيضاً باعه الحاكم الشرعي أو وكيله المخوّل بذلك, وقسم ثمنه بينهما.
(مسألة 155) القسمة ليست عقداً ولا إيقاعاً, ولا معاوضة فيها عرفاً. وإنما هي تمييز أحد الحقين عن الآخر, إلا أنها لازمة لا يجوز لأحد الشريكين الرجوع فيها إلى الشياع. بل لا يجوز ذلك حتى بالتراضي ما لم يحصل أحد أسباب الشركة.
(مسألة 156) إذا وقعت القسمة وادعى أحد الشريكين وقوع الغلط فيها أو عدم التعديل في السهام. ونحو ذلك, وأنكر الآخر. كان المنكر هو مدعي الغلط. فإن أقام الآخر بينة على الصحة, وإلا حلف الأول على وقوعه, ونقضت القسمة. لا بمعنى رجوع المال إلى الشياع كما كان, بل بمعنى وجوب التعديل مرة ثانية, وأثره أنه لو كان عند أحدهما شيء من القدر المتيقن مما يدخل في ملكه جاز له التصرف به, بدون إذن شريكه, وإن كان الأحوط خلافه, إلى أن
ــــــ[41]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ينتهي التعديل الجديد.
(مسألة 157) إذا ظهر بعض المال مستحقاً للغير بعد القسمة, فإن كان في حصة أحدهما دون الآخر, بطلت القسمة, وإن كان في حصتهما معاً. فإن كانت النسبة متساوية صحت القسمة, ووجب على كل منهما رد ما أخذه من مال الغير إلى صاحبه. وإن لم تكن النسبة متساوية, كما إذا كان ثلثان منه في حصة أحدهما وثلث منه في حصة الآخر, بطلت القسمة أيضاً. وبطلانها على كلا التقديرين إنما هو كما قلنا في المسألة السابقة لا بمعنى رجوع المال إلى الشياع كما كان, بل بمعنى وجوب التعديل مرة ثانية. وقد سبق أثره هناك.
(مسألة 158) إذا قسم الورثة تركة الميت بينهم, ثم ظهر دين على الميت, فإن أدى الورثة دينه من أموالهم الخاصة, أو أبرأ الدائن ذمته, أو تبرع به متبرع, صحت القسمة. وإلا بطلت, بالمعنى المشار إليه في المسألتين السابقتين. وعندئذ, فلا بد من أداء دينه من التركة, ثم تقسيم الباقي بينهم. وهذا ثابت فيما إذا كانت التركة غير متساوية الأجزاء كما هو الغالب. وإلا فلا موجب للبطلان بعد إمكان تقسيم الدين بالنسبة على حصص الورثة.
(مسألة 159) يستحب للإمام أن ينصب قاسماً, ويشترط فيه البلوغ وكمال العقل والإيمان والعدالة والمعرفة بالحساب, والتفقه في مورد عمله. ولا يشترط فيه الحرية ولا الذكورة.
(مسألة 160) ولو تراضى الشريكان بقاسم, لم تشترط العدالة, بل ولا الإيمان ولا الإسلام. فيجوز التراضي بقسمة الكافر.
(مسألة 161) يجزي القاسم الواحد إذا لم يكن في القسمة رد. ولا بد من اثنين في قسمة الرد لأنها تتضمن تقويماً, فلا بد من إقامة البينة عليه, وتعدد القاسم مع عدالته بمنزلة البينة. ويسقط اعتبار وجود الثاني, مع رضا الشريك. كما أن الأقرب كفاية العدل الواحد في الشبهة الموضوعية, وهذا منها.
ــــــ[42]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 162) أجرة القسام المنصوب من بيت المال. وأجرة القسام بالتراضي على الشركاء. فإن استأجره واحد منهم أو كل واحد بأجرة معينة, فلا بحث, وإن استأجروه ولم يعينوا نصيب كل واحد من الأجر. لزمهم تقسيم الأجرة بنسبة الحصص. وكذا لو لم يقدروا أجرة, وكان له أجرة المثل, كانت عليهم بالحصص, لا بالسوية.
(مسألة 163) القرعة معتبرة في القسمة لا تحتاج بعدها إلى التراضي على النتيجة. بل يكفي التراضي على القرعة. بل حتى بدونها لو كانت هي الطريقة المنحصرة, وكان أحد الشريكين مما يجوز إجباره على القسمة.
(مسألة 164) طريقة القرعة باختصار: أنه يكون المقترع مخيراً بين الإخراج على الأسماء والإخراج على السهام. أما الأول: فهو أن يكتب كل نصيب في رقعة, ويصف كل واحد بما يميزه عن الآخر, ويجعل ذلك مصوناً في ساتر مثل كيس غير شفاف ويخلط الرقاع بحيث لا تتميز. ويأتي من لم يطلع على الصورة لإخراج أحد السهام باسم أحد الشركاء. فما خرج فهو له. وأما الثاني: فهو أن يكتب أسماء الشركاء على الرقاع ويصونها, ويخرج أحد الأسماء على أنه مالك لسهم من السهام. فمن خرج اسمه فله ذلك السهم, وهاتان الطريقتان متقومتان بالقصد عند الإخراج: إما قصد الأسماء في الأُولى أو قصد السهام في الثانية. وجعل القرعة خالية عن القصد, بجعل صنفين من الرقاع في كيسين أحدهما للأسماء والأخرى للسهام. فما خرج أولاً يكون لمن خرج أولاً. وهكذا.
(مسألة 165) إذا تراضى الشركاء في تقسيم السهام بدون قرعة فهو. وكذا إذا كان وجودها غير عقلائي كما في قسمة المقادير المتساوية الأجزاء كالحنطة مثلاً. وأما بدون ذلك فالقرعة متعينة سواء كانت من قسمة التعديل أو قسمة الرد. وتكون في الأُولى بعد التعديل وفي الثانية قبل الرد وبها يتعين من يرد على صاحبه.
ــــــ[43]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 166) لو كان لدار طابقان أو عدة طوابق, فطلب أحد الشريكين قسمتها, بحيث يكون لكل واحد منهما نصيب من جميع الطوابق, بموجب التعديل جاز. وأجبر الممتنع مع انتفاء الضرر. ولو طلب الشريك انفراده بالطابق الأسفل أو بالأعلى لم يجبر الممتنع.
(مسألة 167) لو كان بين شريكين أرض فيها زرع. فطلب أحدهما قسمة الأرض فقط. أجبر الممتنع. ثم لهما الاتفاق على شكل وجود الزرع على الأرض بعد التقسيم. ولو طلب أحدهما قسمة الأرض والزرع معاً. فإن كان التقسيم على وجه المجموع, أمكن التقسيم بعد التعديل بالقيمة. وإن كان التقسيم للأرض مستقلاً عن تقسيم الزرع, لم يجبر الممتنع. للزوم حصول زرع أحدهما على أرض الآخر.
ــــــ[44]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل التاسع: في دعاوي الأملاك
(مسألة 168) لو ادعى شخص مالاً لا يد لأحد عليه, حكم به له. ومنه ما لو كان هناك مال بين جماعة, وادعاه واحد منهم ونفاه الباقون, قضي له به. هذا إذا كان مدعي الملكية واحداً, فيصدق بدون حاجة إلى شاهد أو يمين. وأما إذا كان مدعي الملكية متعدداً, فهذا ما سيأتي.
(مسألة 169) إذا تنازع شخصان في مال, ففيه صور:
الصورة الأُولى: أن يكون المال في يد أحدهما.
الصورة الثانية: أن يكون المال في يد كليهما.
الصورة الثالثة: أن يكون المال في يد شخص ثالث.
الصورة الرابعة: أن لا يكون المال تحت يد أحد أصلاً.
ونجعل الحديث في كل صورة في مسألة مستقلة:
(مسألة 170) في الصورة الأُولى, تارة يكون لكل منهما بينة على أن المال له. وأخرى تكون لأحدهما بينة فقط. وثالثة لا تكون هناك بينة أصلاً. فإن كان لهما معاً بينة, فهنا نحوان: لأن ذا اليد, إما أن يكون منكراً لما ادعاه الآخر من ملكية المال, وإما أن يدعي الجهل بالحال. فإن كان ذو اليد منكراً لدعوى الآخر حكم بأن المال له مع يمينه المنضمة إلى بينته. إلا إذا كانت بينة الآخر أكثر
ــــــ[45]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
عدداً, فإنه يحلف – على الأحوط – ويعطى المال له. وإن ادعى ذو اليد الجهل بالحال, وأن المال انتقل إليه من غيره بإرث أو نحوه. فعندئذ يتوجه الحلف على غير ذي اليد إذا كانت بينته أكثر عدداً. وأما ذو اليد فلا يحلف مع جهله, بل يقضى له مع نكول الآخر. وكذلك إذا لم تكن بينة الآخر أكثر عدداً على الأظهر الأحوط. هذا إذا كان لكل منهما بينة. وإن كان لأحدهما بينة. فإن كانت للمدعي – وهو غير ذي اليد – حكم له بها, وإن كانت لذي اليد حكم له مع حلفه. وأما الحكم له بدون حلفه فمشكل, غير أن الأظهر إمكان العمل بقاعدة اليد, ما لم يكن عدم حلفه نكولاً بحيث يستفاد منه عدم عمله شخصياً بقاعدة اليد الجارية في حقه. وإن لم يكن لهما بينة كان ذو اليد منكراً وعليه الحلف. فإن حلف حكم له. وإن نكل ورد الحلف على المدعي, فإن حلف حكم له. وإلا فالمال لذي اليد.
(مسألة 171) وأما الصورة الثانية, وهي أن تكون العين تحت يد الاثنين. فهنا أيضاً قد تكون لكل منهما بينة وأخرى تكون لأحدهما دون الآخر, وثالثة لا تكون بينة لأي منهما. فعلى الأول: إن حلف كلاهما أو نكلا معاً. قسم المال بينهما بنسبة اليد. فإن كانت يدهما بالتساوي على المال, قسم بالسوية, وإلا قسم بالتفاضل. وإن حلف أحدهما دون الآخر, حكم بأن المال له. وعلى الثاني: كان المال لمن كانت عنده بينة مع يمينه, وفي جواز الاكتفاء بالبينة وحدها إشكال, وإن كان هو الأرجح. وإن لم يكن لهما بينة, فإن حلفا معاً أو نكلا معاً حكم بتقسيم المال بينهما بنسبة اليد كما قلنا. وإن حلف أحدهما دون الآخر حكم له.
(مسألة 172) وأما الصورة الثالثة: وهي أن تكون العين في يد ثالث. وهو غير مدعي لملكية نفسه على الفرض, ومن هنا لم يكن طرفاً في الدعوى. غير أن
ــــــ[46]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كلامه فيها نافذ بصفته صاحب اليد. فإن هو صدق أحدهما دون الآخر, دخلت في الصورة الأُولى, وتجري عليه أحكامها بجميع شقوقها واحتمالاتها. وإن اعترف ذو اليد بأن المال لهما معاً, جرى عليها أحكام الصورة الثانية. وإن لم يعترف بأن المال لهما, كان حكمها حكم الصورة الرابعة الآتية. سواء ادعى عدم ملكيتهما أو ادعى الجهل بها.
(مسألة 173) الصورة الرابعة: وهو ما إذا لم يكن المال تحت يد أحد أصلاً. ففيها أيضاً قد تكون لكل منهما بينة على أن المال له, وأخرى تكون لأحدهما دون الآخر, وثالثة: لا تكون بينة أصلاً. فعلى الأول: إن حلفا جميعاً أو نكلا جميعاً, كان المال بينهما نصفين. وإن حلف أحدهما ونكل الآخر, كان المال للحالف. وعلى الثاني, فالمال لمن كانت عنده بينة ولا يُسمع معها يمين الآخر, كما لا حاجة إلى يمين الأول. وعلى الثالث: وهو عدم البينة منهما معاً. فإن حلف أحدهما دون الآخر, فالمال له. وإن حلفا معاً كان المال بينهما نصفين. وإن لم يحلفا معاً سقطت الدعوى وجاز عدم دفع المال إليهما معاً. وإن كان الأحوط الأَولى إيجاد القرعة لهما ويدفع المال كله لمن خرجت له.
(مسألة 174) المراد بالبينة في الصور الأربع التي ذكرناها في المسائل السابقة, هو شهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين عدول. وأما شهادة رجل واحد ويمين المدعي, فهي لا تكون بينة, وإن ثبت بها الحق المالي على القاعدة. غير أن الصور السابقة تختلف, فيما لو كان لكل منهما شاهد ويمين, أو لأحدهما خاصة وليس للآخر شاهد, أو لأحدهما ويكون للآخر بينة ويمين. فتكون الصور أكثر مما سبق فلا بد من المراجعة والتدقيق.
(مسألة 175) إذا ادعى شخص مالاً في يد آخر. وهو يعترف بأن المال لغيره وليس له. ارتفعت عنه المخاصمة ولم يكن طرفاً للدعوى وتوقف الحكم بثبوت
ــــــ[47]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
العين للمدعي على إقامته للبينة. فإن لم يكن له بينة, ففي الاكتفاء بيمينه, لأنها بمنزلة اليمين المردودة على المدعي, إشكال.
(مسألة 176) إذا ادعى شخص مالاً على الآخر, وهو في يده (يعني المدعى عليه) فعلاً. فإن أقام البينة على أنه كان في يده (يعني المدعي) سابقاً. أو كان ملكاً له كذلك. فلا أثر للبينة, ولا تثبت بها ملكيته فعلاً. بل مقتضى اليد أن المال ملك لصاحب اليد, وهو المدعى عليه. نعم للمدعي أن يطالبه باليمين, لكن لا يثبت بنكوله ملكية الآخر على الأحوط. وإن أقام المدعي البينة على أن يد صاحب اليد (المدعى عليه) على هذا المال يد أمانة له أو إجازة منه أو غصب عنه, حكم له بها وسقطت اليد الفعلية عن الدلالة على الملكية. نعم, إذا أقام ذو اليد أيضاً البينة على أن المال له فعلاً حكم له مع يمينه. ولو أقر ذو اليد بأن المال كان سابقاً ملكاً للمدعي وادعى انتقاله إليه ببيع ونحوه. فإن أقام البينة على مدعاه, حكم له. وإلا فالقول قول ذي اليد السابقة مع يمينه.
ــــــ[48]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل العاشر: في دعاوي الاختلاف في العقود
(مسألة 177) إذا اختلف الزوج والزوجة في العقد, مع الاتفاق على أصل وجوده. بأن ادعى الزوج الانقطاع وادعت الزوجة الدوام أو بالعكس. فالظاهر أن القول قول مدعي الانقطاع, وعلى مدعي الدوام إقامة البينة على مدعاه. فإن أقامها حكم له, وإلا توجه اليمين إلى الآخر. وكذلك الحال فيما إذا وقع الاختلاف بين ورثة الزوجين بنفس المضمون.
(مسألة 178) إذا ثبتت الزوجية باعتراف كل من الرجل والمرأة وادعى شخص آخر زوجيتها له. فإن أقام البينة على ذلك فهو. وإن لم يكن له بينة كان له إحلاف الزوجة.
(مسألة 179) إذا ادعى رجل زوجية امرأة غير معترفة بها ولو لجهلها بالحال. وادعى رجل آخر زوجيتها كذلك, ولم يكن هناك شياع أو شاهد حال لأحدهما. وأقام كل منهما البينة على مدعاه. حلف أكثرهما عدداً في الشهود. فإن تساويا أقرع بينهما, فأيهما, أصابته القرعة كان الحلف له. وإن لم يحلف أكثرهما عدداً أو من أصابته القرعة, كان للآخر أن يحلف, فإن حلف حكم له. وإن نكل فقد حصل نكول المدعيين معاً. ولم تثبت الزوجية لسقوط البينتين بالتعارض. إلا إذا أوجبت إحداها الاطمئنان الفعلي بصدقها.
(مسألة 180) إذا اختلفا في عقد, فكان الناقل للمال مدعياً للبيع, وكان المنقول إليه مدعياً الهبة. فالقول قول مدعي الهبة بمعنى كونه منكراً والآخر مدعياً ؛ وعلى المدعي إثبات دعواه بالبينة, وإلا حلف المنكر, وسقطت الدعوى لصالحه. وأما إذا انعكس الأمر فادعى الناقل الهبة وادعى المنقول إليه
ــــــ[49]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
البيع. فليست هذه مسألة ترافع, لاعتراف الناقل بملكية الآخر للعين على كل تقدير. مع اعترافه ببراءة ذمته من الثمن. ولا يجب على القابض دفع الثمن الذي يعترف به في ذمته, ما لم يطالب به الآخر, والمفروض أن هذه المطالبة لن تحصل مع اعتراف الآخر ببراءة ذمته. وهذا ثابت حتى لو أقام مدعي البينة على حصوله.
(مسألة 181) إذا ادعى المالك الإجارة, وادعى الآخر العارية, فالقول قول مدعي العارية, فإن أقام المالك البينة على حصول الإجارة فهو, وإلا كان للآخر اليمين.
(مسألة 182) لو انعكس الأمر عما في المسألة السابقة, فادعى المالك العارية وادعى الآخر الإجارة. فهي ليست قضية ترافع لتسالمهما على ملكية المالك للعين, مع اعتراف المالك ببراءة ذمة الآخر من الإيجار. وكون يده على العين غير عارية. وهذا ثابت حتى لو أقام مدعي الإجارة البينة على حصولها.
(مسألة 183) إذا اختلفا فادعى المالك أن المال التالف كان قرضاً فهو مضمون, وادعى القابض أنه كان وديعة فهو غير مضمون. فالقول قول القابض مع يمينه إن لم يكن للمالك بينة. وكذا لو كان المال موجوداً غير تالف.
ويلاحظ أنه يترتب على دعوى كل شخص اللوازم التي لا تكون في صالحه ولو لم يحلف. فلو ادعى القابض الوديعة لزمه القول بأنه غير مالك للعين. وإن ادعى المالك الوديعة لزمه أن العين غير مضمونة بالتلف بدون تعد ولا تفريط.
(مسألة 184) إذا ادعى المالك أن المال كان وديعة وادعى القابض أنه كان رهناً. فإن كان الدين ثابتاً فالقول قول المالك مع يمينه إن لم يكن للقابض بينة, لأصالة عدم الرهنية وهي مؤونة زائدة عرفاً. وكذا لو لم يكن الدين ثابتاً لأصالة براءة الذمة. والمنكر هو من يوافق قوله الأصل.
(مسألة 185) إذا اتفقا في الرهن, وادعى المرتهن أنه رهن بألف درهم -مثلاً- وادعى الراهن أنه رهن بمائة درهم, فالقول قول الراهن مع يمينه إن لم
ــــــ[50]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
يكن للمرتهن بينة, ولو انعكس الفرض انعكس الحكم.
(مسألة 186) إذا اختلفا في البيع والإجارة, فادعى القابض البيع وادعى المالك الإجارة. فإن اتفقا على مقدار العوض, فالقول قول مدعي الإجارة, وعلى مدعي البيع إثبات دعواه بالبينة. وإن اختلفا في مقدار العوض, كان القول قول من يدعي القلة.
(مسألة 187) إذا اختلف البائع والمشتري في الثمن زيادة ونقيصة, فالقول قول المشتري مع يمينه (وهو يدعي قلة الثمن عادة).
ــــــ[50]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وهذا ثابت سواء كان المبيع موجوداً أم تالفاً.
(مسألة 188) إذا ادعى المشتري على البائع شرطاً, كتأجيل الثمن أو اشتراط الرهن على الدرك أو غير ذلك, كان القول قول البائع مع يمينه إلا أن يقيم الآخر البينة على تحقق الشرط. وكذلك إذا اتفقا في التأجيل, واختلفا في مقداره, وادعى المشتري الزيادة فيه.
(مسألة 189) إذا اختلفا في مقدار المبيع, مع الاتفاق على مقدار الثمن. فادعى المشتري أن المبيع ثوبان – مثلاً -, وقال البائع أنه ثوب واحد. فالقول قول البائع مع يمينه, إلا أن يكون للمشتري بينة.
(مسألة 190) إذا اختلفا في جنس المبيع أو جنس الثمن, مع اتفاقهما على مقدار وجنس العوض الآخر, كان من موارد التداعي, فيتحالفان مع عدم البينة أو تعارضها, ويحكم ببطلان البيع ظاهراً. وكذا إن لم يتفقا على جنس كلا العوضين. وأما إذا اتفقا على جنس أحدهما واختلفا في مقداره, مع الاختلاف في جنس الآخر والاتفاق على مقداره. فلا يبعد أن يكون القول قول مدعي النقيصة في الجنس المختلف في مقداره.
(مسألة 191) إذا اتفقا في الإجارة واختلفا في كمية الأجرة. فالقول قول مدعي النقيصة مع يمينه ما لم يكن لمدعي الزيادة بينة. وكذلك الحال فيما إذا اتفقا على الأجرة, واختلفا في كمية العين المستأجرة. وكذا لو اتفقا على العين
ــــــ[51]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
والأجرة, واختلفا في كمية المدة المذكورة في عقد الإيجار. غاية الفرق أن مدعي النقيصة في الأجرة هو المستأجر عادة ومدعي النقيصة في العين, وفي المدة هو المالك عادة.
(مسألة 192) إذا اختلفا في مال معين, فادعى كل منهما أنه اشتراه من زيد وأقبضه الثمن. فإن اعترف البائع لأحدهما دون الآخر, فالمال للمقر له. وللآخر إحلاف البائع على ما يأتي. سواء أقام كل منهما البينة على مدعاه أم لم يقيما أم أقام المقر له البينة. نعم, إذا أقام غير المقر له البينة على مدعاه سقط اعتراف البائع عن الاعتبار وحكم له بالمال. وعلى البائع حينئذ أن يرد إلى المقر له ما قبضه منه باعترافه. وإن لم يعترف البائع لأحدهما أصلاً, فإن أقام أحدهما البينة على مدعاه حكم له. وللآخر إحلاف البائع إن كان منكراً للبيع, وأما إذا ادعى الجهل أو النسيان فلا يمين عليه. فإن توجهت إليه اليمين وحلف سقط حقه. وإن ردّ الحلف عليه (يعني الطرف الذي لم يقم البينة) فإن نكل سقط حقه أيضاً, وإن حلف ثبت حقه في أخذ الثمن منه. وإن أقام كل منهما البينة على مدعاه أو لم يقيما جميعاً توجّه الحلف على البائع. فإن حلف على عدم البيع من كل منهما سقط حقهما. وإن حلف على عدم البيع من أحدهما سقط حقه خاصة. ولكن لا يثبت كون المال مبيعاً للآخر, إلا مع العلم الإجمالي بوجود إحدى المعاملتين. وإن نكل البائع وردّ الحلف إليهما. فإن حلفا معاً قسّم المال بينهما نصفين. وإن لم يحلفا سقط حقهما. وإن حلف أحدهما دون الآخر كان المال للحالف. وإن اعترف البائع بالبيع من أحدهما لا على التعيين, جرى عليه حكم دعويين على مال لا يد لأحد عليه, فيما إذا كان المال لدى البائع أو آخر (راجع مسألة 173) وإلا كان القول قول ذي اليد مع يمينه.
(مسألة 193) إذا ادعى أحد رقيِّة طفل مجهول النسب في يده حكم له بها. وإذا ادعى الحرية بعد البلوغ لم تسمع. إلا إذا أقام البينة عليها. وكذلك الحال في البالغ المملوك في يد أحد, إذا ادعى الحرية. نعم, لو ادعى أحد أنه مملوك لآخر, وليس بيده وأنكر المدعى عليه, لم تسمع دعوى المدعي إلا بالبينة.
ــــــ[52]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 194) إذا تداعى شخصان على طفل, فادعى أحدهما أنه مملوك له, وادعى الآخر أنه ولده. فإن أقام أحدهما البينة على مدعاه دون الآخر حكم له. وإن لم يقيما معاً بينة خُلِّي سبيل الطفل يذهب حيث شاء, وإن أقاما معاً بينة, تعارضتا, ويحلف من يكون الطفل في يده منهما وله ردّ اليمين على الآخر. فإن لم يحلفا معاً سقطت دعواهما. ولو لم يكن الطفل في يد أيّ منهما, كان لهما التحالف أيضاً, فإن حلف أحدهما دون الآخر حكم له. وإن حلفا أو نكلا سقطت دعواهما.
(مسألة 195) لو ادعى كل من شخصين مالاً في يد الآخر, وأقام كل منهما البينة على أن كلا المالين له حكم بملكية كل منهما لما في يده مع يمينه.
(مسألة 196) إذا اختلف الزوج والزوجة في ملكية شيء, فما كان من مختصات أحدهما مما هو تحت يده, فهو له, إلا أن يقيم الآخر البينة, وللآخر إحلاف صاحبه. وما كان مشتركاً بينهما كأمتعة البيت وأثاثه. فإن علم أو قامت بينة على أن المرأة جاءت بها فهي لها. وعلى الزوج إثبات مدعاه من الزيادة. فإن أقام البينة على ذلك, فهو, وإلا فله إحلاف الزوجة. وإن لم يُعلم بانتساب المال إلى أحدهما تحالفا, فإن حلف أحدهما دون الآخر حكم له بالمال. وإن حلفا أو نكلا قسم بينهما. وكذلك الحال فيما إذا كان الاختلاف بين ورثة أحدهما مع الآخر أو بين ورثة كليهما.
(مسألة 197) إذا ماتت المرأة وادعى أبوها أن بعض ما عندها من الأموال عارية. فالأظهر قبول دعواه فيما إذا كان ولياً أو وصياً أو وارثاً. وأما إذا كان المدعي غيره فعليه الإثبات بالبينة, وإلا فالأموال لوارث المرأة مع يمينه. نعم, إذا اعترف الوارث بأن المال كان للمدعي, وادعى -مضافاً إلى ذلك-: أنه وهبه للمرأة المتوفاة. انقلبت الدعوى, فعلى الوارث إثبات ما يدعيه (وهو الهبة) بالبينة, وإلا حلف الآخر وثبتت دعواه. ولو نكل ثبتت الملكية بقاعدة اليد لمن هي في يده.
ــــــ[53]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الحادي عشر: في دعاوي المواريث
(مسألة 198) إذا مات المسلم عن ولدين مسبوقين بالكفر ومسلمين معاً واتفقا على تقدم إسلام أحدهما على موت الأب واختلفا في الآخر. فادعى الآخر التقدم ليحصل على الميراث وأنكره الآخر. فإن أقام مدعي التقدم البينة على مدعاه حكم له. وإلا كان القول قول أخيه مع حلفه إذا كان منكراً للتقدم. وأما إذا ادعى الجهل بالحال, فلمدعي التقدم إحلافه على عدم العلم بتأخر إسلامه على موت أبيه. والأحوط إحلافه أيضاً على ما يدعيه من التقدم. وإلا سقطت دعواه.
(مسألة 199) لو انعكست الدعوى عمّا في المسألة السابقة, فادعى الأول (وهو من كان مسلماً حين وفاة الأب) تقدم إسلام أخيه وادعى الأخ تأخره. فهذه ليست مسألة للترافع. لأن الأخ حين يدعي تأخر إسلام نفسه يعترف ضمناً بعدم استحقاقه للميراث, فيؤخذ بإقراره. والأول حين يدعي تقدم إسلامه, يعترف بعدم استحقاقه لجميع الميراث, فيؤخذ بإقراره, بحرمانه مما يقابل حصة أخيه في حصته. فإن كان الورثة أكثر من اثنين قسّم الباقي على الباقي. وإلا بقي المال بدون مالك ظاهراً, فيكون مرجعه إلى الإمام.
(مسألة 200) لو كان للميت ولد كافر ووارث مسلم, فمات الأب وأسلم الولد, وادعى الإسلام قبل موت والده, وأنكره الوارث المسلم. فعلى الولد إثبات تقدم إسلامه على موت والده, فإن لم يثبت لم يرث. على تفصيل سبق في
ــــــ[54]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المسألة (198).
(مسألة 201) إذا كان مال في يد شخص, وادعى آخر أن المال لمورثه الميت. فإن أقام البينة على ذلك وأنه الوارث له, دفع المال له. وإن علم أن له وارثاً آخر دفعت له حصته, وتعطى للآخر حصته إن كان موجوداً, وتحفظ إن كان غائباً, فإن وجد دفعت له, وإلا عوملت معاملة مجهول المالك سواء كان مجهولاً أو معلوماً لا يمكن إيصال المال إليه ولا إلى وكيله أو وليه. وإن لم يقم مدعي الملكية البينة على مدعاه كان للآخر اليمين, فإن حلف فهو, وإلا كفت قاعدة اليد في الحكم له وحرمان مدعي الميراث.
(مسألة 202) إذا كان لامرأة ولد واحد, وماتت المرأة وولدها. وادعى أخو المرأة أن الولد مات قبل المرأة, وادعى زوجها أن المرأة ماتت قبل موت الولد. فالنزاع بين الأخ والزوج إنما يكون في نصف مال المرأة وسدس مال الولد. وذلك: لأن موت المرأة إذا كان قبل موت ولدها, فليس لأخيها شيء من تركتها, بل للزوج الربع والباقي للولد. ومع فرض موت الولد, يكون ميراثه لأبيه مع انحصار الوارث به. وأما إذا كان موت الولد متقدماً. فينتقل إليها ثلث مال ولدها والثلثان للأب الذي هو زوجها. ومع فرض موتها وانحصار الوارث بالزوج والأخ, يكون للزوج النصف وللأخ النصف من تركتها. فينتقل إلى الأخ نصف ما انتقل إليها من مال ولدها, وقد كانت حصتها منه ثلثاً فيكون المنتقل إلى الأخ من تركة الولد السدس. فالنزاع إنما هو في نصف مال المرأة وسدس مال الولد. وأما النصف الآخر من مال المرأة وخمسة أسداس مال الولد, فهو للزوج على كلا التقديرين. وعندئذ, فإن أقام أحدهما بينة على مدعاه حكم له. وإن أقام كل منهما البينة على مدعاه, رجح أحدهما باليمين, فإن حلف أحدهما ونكل الآخر, أعطى المال للحالف. وإن حلفا معاً حكم بالتنصيف بينهما للمال
ــــــ[55]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المختلف فيه, وكذلك الحال إذا لم يكن بينة, وقد حلفا معاً. وإن نكلا معاً, مع البينة لهما أو بدونها, أقرع بينهما, ويدفع المال المذكور كله لمن خرجت له القرعة.
(مسألة 203) حكم الحاكم إنما يؤثر في رفع النزاع ولزوم ترتيب الآثار والنتائج ظاهراً. وأما بالنسبة إلى الواقع فلا أثر له أصلاً, يعني مع حصول اليقين العرفي بالواقع. ومثاله: ما لو علم المدعي أنه لا يستحق على المدعى عليه شيئاً, ومع ذلك أخذه بحكم الحاكم, لم يجز له التصرف فيه, بل يجب ردّه إلى مالكه. وكذلك إذا علم الوارث أخذ المال من المدعى عليه بغير حق. سواء كان أخذ الحكم له بالبينة أم باليمين. نعم, مع الشك لا بأس بترتيب الأثر, وكذلك مع وجود الظن غير المعتبر بالخلاف. وهذا المعنى يشمل المترافعين وغيرهم ممن يريد التعامل معها ببيع أو إجارة أو نكاح. إلى غير ذلك.
ــــــ[56]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثاني عشر: في دعاوي الاختلاف في الولد
(مسألة 204) يلحق الولد بالأبوين في الوطء الحاصل بين حليلين سواء كانا بالعقد الدائم أو المنقطع أو ملك اليمين أو بالتحليل من قبل المالك, أو بوطء الشبهة إذا كانا معاً مشتبهين, ويلحق بالمشتبه منهما إذا كان الآخر عالماً. هذا كله بشرط مضي مدة أقل الحمل وعدم مضي مدة أكثره, كما سبق في كتاب النكاح.
(مسألة 205) مع الشك في شيء من تلك الشرائط يمكن إثباته بالبينة أو الشياع أو الاطمئنان أو الوثوق. وكذلك لو كانت مورداً للترافع مع التسالم على حلية الولد, كما لو ادعى أحدهما النكاح الدائم والآخر المنقطع. أو ادعى أحدهما الملك والآخر التحليل. وأما لو ادعى أحدهما السبب المحلل والآخر الحرام, كان على الأول إقامة البينة, وإلا حلف الآخر على عدمه فيحكم بعدم إلحاق الولد. ولا يثبت به عنوان الزنا. كما أنه يجب على الحاكم أخذ المترافعين بإقرارهما, فيما يعود إلى الميراث وغيره.
(مسألة 206) إذا وَطَأ اثنان امرأة وطئاً يلحق به النسب, كما لو كانت زوجة لأحدهما ومشتبهة على الآخر, أو مشتبهة عليهما معاً, أو بعقد كل منهما عليها عقداً يتخيل صحته مع فساده واقعاً. ثم تأتي بالولد لمدة حمل تناسب كلا الرجلين. بأن تكون أكثر من ستة أشهر لهما معاً وأقل من أقصى مدة الحمل لهما أيضاً. فحينئذ يقرع بينهما ويلحق بمن تعيّنه القرعة. سواء كان الواطئان مسلمين أو كافرين أو عبدين أم حرين أو مختلفين في الإسلام والكفر والحرية والرق أو
ــــــ[57]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كانا أباً وابنه أو أخوين. وسواء كانت الموطوءة حرة أم أمة مسلمة أم كافرة. ولا مجال هنا لتعيينه لعدم إمكان الشهادة عليه, مع تحقق كلا الوطأين. نعم, في الإمكان الشهادة على عدم وطء أحدهما أو أخذ القسم من المرأة به. فيحكم بالولد للآخر.
(مسألة 207) يلحق النسب بالفراش, وبالدعوى المنفردة لشخص قاصر كطفل أو مجنون. وبالتسالم بين شخصين كاملين على النسب.
(مسألة 208) لو ادعى أحدهما النسب وأنكر الآخر, كان على المدعي البينة, وله إحلاف الآخر إن ادعى عليه العلم. وإلا لم يثبت النسب وإن لم يحلف الآخر على نفيه.
(مسألة 209) لو ادعى بعض الورثة نسباً مع شخص بحيث يكون مشاركاً في الميراث, فإن أقر سائر الورثة به, فهو, وإلا طولب المدعي بالبينة, فإن أقامها شارك. وإلا أخذ المدعي بإقراره وأعطي حصته من الباقي, وتعطى الحصص للمنكرين موفرة. وأما الفرد المدعي انتسابه فعليه ترتيب الأثر فيما يعلمه واقعاً بينه وبين الله تعالى.
ــــــ[58]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كتاب الشهادات
وفيه فصول:
ــــــ[59]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ــــــ[60]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الأول: في شرائط الشاهد
لا تكون الشهادة من أي إنسان ضد أي إنسان معتبرة شرعاً إلا بشروط:
الشرط الأول: البلوغ. فلا تقبل شهادة الصبيان ولو حال كونهم مميزين. إلا في القتل إذا كانت واجدة لسائر الشرائط. ويؤخذ بأول كلامهم. وفي قبول شهادتهم في الجرح إشكال.
الشرط الثاني: العقل. فلا عبرة بشهادة المجنون حال جنونه وتقبل حال إفاقته، سواء كانت إفاقته دائمة أو دورية. وفي الأبله وكثير النسيان وكثير السهو إشكال، ما لم يتأكد الحاكم من كمال فطنته.
الشرط الثالث: الإيمان، فلا تقبل شهادة غير المؤمن على المؤمن وفي قبولها على مثله إشكال والأَولى الصحة مع الانحصار، من حيث إنها ماضية عند الطرف الآخر. وتقبل شهادة المؤمن وإن كان مخالفاً في الفروع اجتهاداً أو تقليداً. ولكن مع مخالفته في بعض الأصول إشكال، وخاصة إذا كان مما يخلّ بعدالته.
الشرط الرابع: الإسلام. فلا تقبل شهادة غير المسلم على المسلم، مهما كان مذهبه. وتقبل شهادة المسلم على غير المسلم. وفي عموم الشاهد المسلم هنا إشكال ما لم يكن المشهود عليه مقراً بصحته. نعم، تقبل شهادة الذمي على المسلم في الوصية إذا لم يكن شاهدان عادلان من المسلمين. ولا يشترط كون الموصي في غربة. كما لا يعمّ معنى الذمي إلا غير الكتابي. وهل يشمل كل
ــــــ[61]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كتابي ولو لم يكن ذمياً. الظاهر ذلك هنا وإن كان الاحتياط بخلافه. والمراد من الكتابي هنا خصوص اليهودي والنصراني على الأحوط.
الشرط الخامس: العدالة. فلا تقبل شهادة غير العادل. بالمعنى الذي سبق للعدالة في كتاب الاجتهاد والتقليد. ولا بأس بقبول شهادة ذوي الصنائع المكروهة الدنيئة، مع توفر العدالة.
الشرط السادس: أن لا يكون الشاهد ممن له نصيب فيما يشهد به. فلا تقبل شهادة الشريك في المال المشترك. ولا شهادة صاحب الدين إذا شهد للمحجور عليه بمال. ولا شهادة السيد لعبده المأذون. ولا شهادة الوصي فيما هو وصي به. ولا شهادة مجري صيغة الطلاق في الطلاق نفسه. ولا شهادة من يريد دفع ضرر عن نفسه، كشهادة أحد أفراد العائلة بجرح شهود الجناية، ولا شهادة الوكيل أو الوصي بجرح شهود المدعي على الموكل أو الموصي. ولا شهادة الشريك لبيع الشقص الذي فيه حق الشفعة. وأما إذا شهد شاهدان لمن يرثانه فمات قبل حكم الحاكم. فالمشهور عدم الاعتداد بشهادتهما. ولكنه مشكل، والأقرب القبول.
الشرط السابع: الذكورة. فلا تقبل شهادة النساء حتى مع اجتماع الشرائط السابقة إلا في موارد تأتي الإشارة إليها، منها بعض الأمور المالية، وما يختص النساء بمعرفته.
الشرط الثامن: طهارة المولد. فلا تقبل شهادة ولد الزنا إلا إذا حصل منها الوثوق. ولا بأس بشهادة من لم يثبت كونه ولد زنا وإن نالته بعض الألسن.
(مسألة 210) لا يشترط التفقّه في الشاهد فضلاً عن الاجتهاد. كما لا يشترط الحياة. فلو شهد ثم مات قبلت شهادته. كما لا يشترط تعمد التحمل، فلو تحمل صدفة أمكنت الشهادة به، كما لا يشترط تعمد الأداء، فلو قال أمراً نافعاً بصدد المرافعة أمكن التعويل عليه. كما لا يشترط المواجهة مع الحاكم ولا
ــــــ[62]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الحضور في مجلس القضاء.
(مسألة 211) لا تمنع العداوة الدينية عن قبول الشهادة، فتقبل شهادة المسلم على الكافر، وأما العداوة الدنيوية فالظاهر سماعها إلا في موردين: الأول: مورد التهمة وهو احتمال الكذب بشكل معتد به نتيجة للعداوة. الثاني: مورد الخصومة، وهو التخاصم في الترافع في قضية قضائية. فلا تقبل الشهادة في موردها.
(مسألة 212) لا تمنع القرابة من جهة النسب عن قبول الشهادة. فتسمع شهادة الأب لولده وعليه، وشهادة الولد لوالده وعليه. وشهادة الأخ لأخيه وعليه.
(مسألة 213) تقبل شهادة الزوج لزوجته وعليها. وأما شهادة الزوجة لزوجها أو عليه، فهي منوطة فيما تجوز فيه شهادة النساء.
(مسألة 214) تقبل شهادة الصديق لصديقه، وإن تأكدت بينهما الصداقة والصحبة.
(مسألة 215) لا تسمع شهادة السائل بالكف، وهو الذي يكثر السؤال من الناس واتخذ ذلك حرفة أو عادة له. ولا يشمل ذلك (المتوقع) الذي يطلب بلسان الحال دون لسان المقال، وإن كثر ذلك منه أو اتخذه عادة. كما لا يشمل من يسأل أحياناً عند الضرورة ونحوها.
(مسألة 216) لا يمنع التبرع بالشهادة عن سماعها، مع اجتماع سائر الشرائط. سواء كان في حقوق الله أو في حقوق الناس.
(مسألة 217) إذا تحمل الكافر أو الفاسق أو الصغير، الشهادة وأقاموها بعد زوال المانع قبلت. وأما إذا أقاموها قبل زوال المانع ردّت إلا إذا أعادوها بعد
ــــــ[63]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
زواله. أو كان مانع القبول مرتفعاً عنهم، كشهادة الصبيان في القتل وشهادة الكافر على مثله، ونحوه مما سبق.
(مسألة 218) تقبل شهادة الضيف لمضيّفه، وإن كان له ميل إليه. وكذلك الأجير بعد مفارقته لصاحبه. وأما قبل مفارقته، فالأحوط عدم القبول فيما يجرّ به نفعاً إليه، بل مطلق ما يتعلق بعمله. وأما إذا كان حول أمر أجنبي عنه، فلا مانع من القبول مع اجتماع سائر الشرائط.
(مسألة 219) لا تشترط في الشاهد الحرية. فتقبل شهادة المملوك لمولاه ولغيره وشهادته على غيره مع اجتماع الشرائط. وأما شهادته على مولاه، ففي قبولها إشكال. وإن كان الأظهر القبول.
(مسألة 220) إذا سمع الإقرار مثلاً صار شاهداً وإن لم يستدعه المشهود له أو عليه. وكذا لو سمع اثنين يوقعان عقداً كالبيع أو شاهد غصباً أو جناية. فإنه يصبح شاهداً حتى لو قال له المشهود عليه: لا تشهد علينا.
(مسألة 221) إذا حكم الحاكم ثم تبين في الشهود ما يمنع القبول، فإن كان متجدداً بعد الحكم مضى، وإن كان حاصلاً قبل الإقامة بشكل يخفى عن الحاكم، نقض الحكم.
ــــــ[64]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثاني: فيما يصير به شاهداً
(مسألة 222) والضابط في ذلك العلم القطعي واليقين. وهل يجب أن يكون العلم مستنداً إلى الحواس الظاهرة كالسمع والبصر فيما يمكن فيه ذلك، أم لا بمعنى أنه متى حصل العلم بشيء منها. جازت الشهادة ولو من دون استعمال الحس. وجهان. الأشبه الثاني. نعم يشكل جواز الشهادة فيما إذا حصل العلم من الأمور غير المتعارفة أو غير العقلائية كالجفر والرمل والكشف الباطني وكذلك الكلاب البوليسية، وإن كان العلم مطلقاً حجة للعالم.
(مسألة 223) الشهرة والاستفاضة إن أفادا العلم جازت الشهادة بمضمونهما، وهي لا تنحصر بأمور معينة، بل تجوز في الحسيّات وغيرها، كالملكية والزوجية والنسب والولاء والولاية وغيرها.
(مسألة 224) إذا حصل العلم العرفي دون الدقي من الحواس أو الشهرة أو غيرهما، أشكل أداء الشهادة بالمسبب وهو المضمون. نعم، تجوز الشهادة بالسبب بأن يقول: أن هذا أمر مشهور أو مستفيض.
(مسألة 225) هل تجوز الشهادة بمقتضى اليد أو البينة أو الاستصحاب، ونحوها من الأمارات والأصول الشرعية. بمعنى بيان المسبب وهو المضمون الذي دلت عليه. إشكال، أوجهه عدم الجواز إلا مع انضمام قرائن قطعية توجب اليقين. نعم، تجوز الشهادة بالسبب، وهو اليد أو البينة ونحوها. أو بالمسبب مع
ــــــ[65]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
التصريح بكونه نتيجة لذلك السبب كالملكية الظاهرية ونحوها.
(مسألة 226) يجوز للأعمى والأصم تحمل الشهادة وأداؤها، إذا حصل لهما العلم. وتقبل منهما. فلو شاهد الأصم الأفعال جازت شهادته فيها. غير أنه إن كان ناطقاً فهو، وإلا احتاجت إشاراته إلى مترجِمَين عَدلين. ولو سمع الأعمى وعرف صاحب الصوت يقيناً جازت شهادته. وكذا يصح للأخرس تحمل الشهادة وأداؤها، فإن عرف الحاكم إشارته، فهو، وإلا لزمه الاعتماد – كما قلنا – على مترجمين عدلين. وتكون شهادته أصلاً، ويحكم بشهادته مع اجتماع سائر الشرائط.
(مسألة 227) لا تجوز الشهادة بمضمون ورقة، لا يتذكره صاحبها بمجرد وجود خطه فيها إذا احتمل التزوير في الخط، أو احتمل التزوير في الورقة. وأما مع عدم احتمال التزوير فإنه تجوز الشهادة بمضمونها. أما الشهادة بالسبب، بمعنى ذكر ما هو موجود في الورقة بهذا العنوان، بغض النظر عن مطابقتها للواقع، فلا إشكال فيه. والمراد بالورقة هنا ما دلّ منها على المعاملة الأصلية كالوقف والنكاح، لا ما دلّ منها على الشهادة أو الأخبار، فإن الشهادة بها تكون من الشهادة على الشهادة، لا شهادة أصلية.
(مسألة 228) يثبت النسب بالاستفاضة المفيدة للعلم عادة. ويكفي فيها الاشتهار في البلد، وتجوز الشهادة به مستنداً إليها. وأما غير النسب كالوقف والنكاح والطلاق والملك وغيرها، فإن حصل العلم منها للشاهد، جازت شهادته بمضمونها، وإلا لم تجز. نعم، تجوز الشهادة بالسبب عندئذ وهو الاستفاضة نفسها.
ــــــ[66]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثالث: في أقسام الحقوق بصفتها متعلقة للشهادة
قسّم الفقهاء الحقوق إلى قسمين: حقوق الله وحقوق الآدميين. ومثلوا لحقوق الله بالزنا والسرقة وشرب الخمر، ومثلوا لحقوق الناس بالنكاح والوصية ورؤية الأهلة. وفي هذا التقسيم نحو من الإجمال لإمكان التداخل بين القسمين، كما أن في استعمال مفهوم الحق هنا نحواً من الإجمال أيضاً، لأن المشهور استعماله بإزاء الواجب. مع أنه لا يوجد ذلك في كثير من الأمثلة المذكورة هنا. إلا أن يكون اصطلاحاً آخر للحق، وهو ضعيف.
والظاهر أن حل هذه المعضلة يكمن في ملاحظة الطرف ذي الحق. فقد يكون الطرف هو الله دون الناس، بمعنى أن يكون في الفعل عصياناً لحق طاعته المفروض على جميع العباد، فيستحق الفاعل بذلك العقوبتين الدنيوية والأخروية، مع أنه لا يوجد له طرف من الناس قد تحمل الأذى منه. وهذا واضح في شرب الخمر ووطي البهيمة والارتداد.
وقد يكون الطرف هو الله والناس معاً، لأن الفعل يحتوي على عصيان حق الطاعة الإلهي وعلى التطاول على الناس وإيذائهم. وهذا واضح في الزنا والسحاق والسرقة. ولا يقال: أنه ليس أذية للطرف في الزنا ونحوه مع التمكين، فإنه يقال: أنه لا دخل للرضا والتمكين في حصول المسؤولية الواقعية.
ــــــ[67]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وقد يكون الطرف هو الناس محضاً، وإن كان أصل الحكم مجعولاً من قبله تعالى كالنكاح والقسم والشفعة والملكية وسائر المعاملات. وكون الحكم مجعولاً من قبله لا يجعله طرفاً للحق كما هو واضح.
غير أن الفقهاء اعتبروا القسم الثاني من الحقوق، حقوق الله عزّ وجلّ. إما باعتباره الطرف الأهم أو باعتبار الطرف الآخر راضياً بالعمل. وكلاهما قابل للمناقشة. وعلى أي حال فلا مشاحة في الاصطلاح.
وأما عن توسيع معنى الحق لسائر المعاملات، وعدم اختصاصه بما يقابل الواجب. فباعتبار ترتب الحقوق عليها باللازم. إلا أن هذا لا يكفي في إمكان التعبير عن المسبب بالسبب أو عن اللازم بالملازم إلا مجازاً.
وعلى أي حال، فهذا الاصطلاح هنا لا أثر له فقهياً، بل اللازم النظر إلى العناوين التفصيلية للحقوق، لنرى كمية وكيفية الشهادة المقبولة شرعاً فيها.
(مسألة 229) يثبت الزنا واللواط والسحاق بشهادة أربعة رجال. ويثبت الزنا خاصة بشهادة ثلاثة رجال وامرأتين أيضاً. وكذلك يثبت بشهادة رجلين وأربع نساء. إلا أنه مع انضمام النساء لا يثبت الرجم، بل يثبت بها الجلد فحسب. ولا يثبت شيء من ذلك بشهادة رجلين عدلين. وهذا بخلاف غيرها من الجنايات الموجبة للحد، كالسرقة وشرب الخمر والارتداد والقتل وغيرها. فإنها تثبت بشاهدين رجلين عدلين. ولا يثبت شيء منها بشهادة عدل وامرأتين، ولا بشاهد ويمين. ولا بشهادة النساء منفردات.
(مسألة 230) لا يثبت الطلاق والخلع والمبارأة والحدود والوصية والنسب ورؤية الأهلة والوكالة، وما شاكل ذلك في غير ما يأتي، إلا بشاهدين عدلين. ولا يثبت بشهادة النساء لا منضمات ولا منفردات إلا أن تحصل الاستفاضة منهن أو الاطمئنان الفعلي من شهادتهن. كما لا يثبت كل ذلك بشاهد ويمين.
ــــــ[68]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 231) تثبت الديون والنكاح والديّة، بشهادة رجل وامرأتين، كما تثبت بشهادة رجلين عدلين. وكذلك الغصب والوصية إليه والأموال والمعاوضات والرهن، على المشهور المنصور. وأما ثبوت العتق والوقف بها فمحل إشكال.
(مسألة 232) تثبت الأموال من الديون والأعيان بشاهد ويمين. وأما ثبوت غيرها من الحقوق بها فمحل إشكال، وإن كان الثبوت أقرب. وكذلك تثبت الديون بشهادة امرأتين ويمين. والظاهر ثبوت مطلق الأموال بذلك، وإن كان الأحوط خلافه.
(مسألة 233) تثبت العذرة والثيوبة والرضاع وعيوب النساء الباطنة، وكل ما لا يجوز للرجال النظر إليه، بشهادة أربع نساء منفردات.
(مسألة 234) تصدق المرأة في دعواها بدون شاهد ولا يمين: أنها خلية وأن عدتها قد انقضت وأنها حائض أو طاهر، أو أنها في طهر غير مواقع فيه. ونحو ذلك. وأما عكس ذلك، كما لو ادعت أنها في الحيض أو في العدة، فهو إقرار فتؤخذ بإقرارها. وإنما يؤخذ بدعواها إذا لم تكن مخالفة للعادة الجارية بين النساء. فلو كانت هكذا لم تصدق، كما إذا ادعت أنها حاضت في شهر واحد ثلاث مرات أو في ثلاثة أشهر مرة. ولكن إذا شهدت النساء من بطانتها بأن عادتها كذلك، أو حصل لها ذلك، قبلت.
(مسألة 235) يثبت بشهادة المرأة الواحدة ربع الموصى به للموصى له. ونصفه بالاثنتين وثلاثة أرباعه بالثلاث وجميعه بالأربع.
(مسألة 236) يثبت ربع الميراث للولد بشهادة القابلة باستهلاله، وإن شوهد ميتاً بعد ذلك. بل يثبت ذلك بشهادة أي امرأة وإن لم تكن قابلة. كما يثبت نصف الميراث له بشهادة اثنتين وثلاثة أرباعه بالثلاث وجميعه بالأربع.
ــــــ[69]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 237) في ثبوت ربع الدية بشهادة المرأة الواحدة في القتل، ونصفها بشهادة امرأتين وثلاثة أرباعها بشهادة ثلاث، إشكال. وإن كان الثبوت أقرب. ولا يثبت بشهادة النساء غير ما سبق.
(مسألة 238) لا يعتبر الإشهاد في شيء من العقود والإيقاعات، إلا في الطلاق بأقسامه والظهار. نعم يستحب الإشهاد في النكاح. والمشهور أنه يستحب في البيع والدين ونحوها من المعاملات.
(مسألة 239) يجب أداء الشهادة بعد تحملها، مع طلب الحاكم الشرعي للأداء أو حصول ضرر كبير مع عدمه. هذا، إذا لم يكن فيه ضرر معتد به على الشاهد.
(مسألة 240) الظاهر أن أداء الشهادة واجب عيني، وليس للشاهد أن يكتم شهادته. وإن علم الشاهد أن المشهود له يمكنه أن يتوصل إلى إثبات مدعاه بطريق آخر. نعم، إذا ثبت الحق بطريق شرعي سقط الوجوب.
(مسألة 241) يختص وجوب أداء الشهادة على سبق التحمل لها. فإن لم يكن قد تحمل فلا يجب الأداء. وهل يشمل وجوب الأداء مطلق العالم، بصفته متحملاً للمسبب وإن لم يكن قد تحمل السبب. فيه إشكال وإن كان أحوط. نعم، إذا كان أحد طرفي الدعوى ظالماً للآخر، وجب أداء الشهادة لدفع الظلم.
(مسألة 242) إذا دعي إلى تحمل الشهادة من له أهلية التحمل، ففي وجوبه عليه خلاف، والأحوط هو الوجوب مع عدم الضرر وعدم وجود من يكفي. وأما التحمل بدون طلب فلا يجب، بل قد يحرم.
ــــــ[70]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الرابع: في الشهادة على الشهادة
(مسألة 243) تقبل الشهادة على الشهادة في حقوق الناس، عقوبة كانت كالقصاص، أو غيرها كالطلاق والنسب والعتق، وكذا في الأموال كالدين والقرض والغصب وسائر المعاملات. ولا تقبل في الحدود سواء أكانت لله محضاً كشرب الخمر والارتداد أم مشتركة كالزنا واللواط والقذف. وكذا التعزيزات على الأحوط، ما لم يحصل الاطمئنان الفعلي.
(مسألة 244) في قبول الشهادة على الشهادة الفرعية (وهي التي تسمى بالشهادة الثالثة) فصاعداً إشكال، والأظهر القبول وإن كان الاحتياط بخلافه.
(مسألة 245) إنما لا تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود، باعتبار إجراء الحد. وأما في سائر الآثار فتقبل، كأخذ المال من السارق. ونشر الحرمة بأم الموطوء وأخته وبنته. وكذا سائر ما يترتب على الواقع المشهود به غير الحد.
(مسألة 246) تقبل شهادة الفرع في سائر حقوق الله غير الحد، كالزكاة والخمس وأوقاف المساجد والجهات العامة، بل والأهلة أيضاً.
(مسألة 247) لو شهد رجلان عادلان على شهادة عدول أربعة في الزنا. لم يثبت الحد. وإن ثبتت سائر الآثار كما سبق.
(مسألة 248) تثبت الشهادة بشهادة رجلين عدلين، ولا تثبت بشهادة رجل واحد، ولا بشهادة رجل وامرأتين. ولو شهد عادلان على شهادة رجل أو على شهادة امرأتين ثبتت. ولو شهد رجل واحد على أمر، وشهد أيضاً على شهادة
ــــــ[71]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
رجل آخر على ذلك الأمر، وشهد رجل آخر معه على شهادة ذلك الرجل الآخر، تمت الشهادة.
(مسألة 249) لا تقبل شهادة الفرع (الشهادة على الشهادة) على المشهور، إلا عند تعذر شهادة الأصل لمرض أو غيبة أو غيرها. وهو أقرب إلى الاحتياط. إلا أنه ينبغي أن يقيد بأخف أنواع التعذر والمشقة.
(مسألة 250) إذا شهد الفرع، فأنكر الأصل شهادته، فإن كان بعد حكم الحاكم لم يلتفت إلى إنكار الأصل. وأما إذا كان قبله لم يلتفت إلى شهادة الفرع. نعم، إذا كان شاهد الفرع أعدل، ففي عدم الالتفات إليه إشكال، أما مع حصول الاطمئنان الفعلي به فلا إشكال.
(مسألة 251) لو شهد شاهد الفرع، ثم حضر شاهد الأصل لم يقدح في الحكم، وإن كان قبله وقف الحال على جواز قبوله مع عدم تعذر الأصل.
(مسألة 252) لو تغيرت حال الأصل إلى الفسق أو الكفر، لم يضر بالحكم لتحمل الفرع حال الإيمان والعدالة. أما لو حصل التغير بعد صدور الحكم، فلا إشكال في الصحة.
(مسألة 253) هل تقبل شهادة النساء على الشهادة، فيما يقبل شهادة النساء منفردات، كالعيوب الباطنة والاستهلال والوصية، وكذا فيما يقبل من المرأة بدون شاهد، كالخلو من الحيض والعدة، وجهان، أقواهما المنع.
(مسألة 254) لو أقرّ باللواط أو الزنا أو بوطء البهيمة، ثبت إقراره بشهادة شاهدين، ويثبت بها الحد. وتقبل في ذلك الشهادة على الشهادة، ولا يثبت بها حد. ولكن يثبت انتشار حرمة النكاح. وكذلك لا يثبت التعزير في وطي البهيمة. ولكن يثبت تحريم الأكل في المأكولة، وفي غير المأكول يثبت وجوب بيعها إلى بلد آخر.
ــــــ[72]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الخامس: في توارد الشاهدين على معنى واحد
(مسألة 255) يشترط في قبول شهادة الشاهدين تواردهما على شيء واحد، فإن اتفقا صحت الشهادة. والميزان اتفاق المعنى لا اللفظ. فإن شهد أحدهما بأنه غصب والآخر بأنه سرق. أو قال أحدهما: باع والآخر أنه ملكه بعوض، قبلت شهادتهما.
(مسألة 256) لو اختلفا في المعنى لم تقبل الشهادة، فإن شهد أحدهما بالبيع والآخر بإقراره بالبيع، لم يثبت البيع، وكذا لو شهد أحدهما بأنه غصبه من زيد وقال الآخر: هذا ملك زيد، لم تردا على معنى واحد. لأن الغصب أعم من الملك، كالغصب من الوكيل وغيره.
(مسألة 257) لا يبعد في مثل ذلك ثبوت القدر المشترك من أقوالهما فمثلاً، يثبت في المثال الأول من المسألة السابقة كون العين ملكاً للمشتري ظاهراً، وفي المثال الثاني يثبت جواز سيطرة زيد على العين ووضعها تحت يده. لأن الغصب لا يكون عرفاً من الغاصب.
(مسألة 258) لو شهدا فتكاذبا سقطت الشهادتان.
(مسألة 259) لو سقطت الشهادتان بالتكاذب، فهل تصح إحداها بضم يمين المدعي إليها، كما قيل. الصحيح أنه خاص بما يكفي فيه الشاهد واليمين، ولا يعم ما يجب فيه الشاهدان.
ــــــ[73]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 260) من جملة موارد الاختلاف: ما إذا اتفقا على أمر واختلفا في زمانه، فقال أحدهما أنه باعه في شهر كذا، وقال الآخر أنه باعه في شهر آخر. وعلى ما قلناه يثبت أصل البيع. ونحوه إذا اختلفا في المتعلق كما إذا قال أحدهما أنه سرق ديناراً، وقال الآخر: أنه سرق درهماً. وعلى ما قلناه: فإن قصدا شخص الدينار والدرهم فهو التكاذب. وإن قصدا المالية، ثبتت سرقة الدرهم. وهل يثبت الحد إذا كان القدر المشترك كافياً فيه. مقتضى القاعدة ذلك، وإن كان لا يخلو من إشكال.
(مسألة 261) إذا شهدا أنه سرق ثوباً بعينه، ولكن قال أحدهما أن قيمته درهم، وقال الآخر أن قيمته درهمان. فإن السرقة تثبت بشهادتهما معاً. فإن كانت القيمة الأقل كافية للقطع قطع. والواجب على السارق عند تلف العين ردّ درهم دون الدرهمين. نعم، إذا حلف المدعي على أن قيمته درهمان غرم المنكر درهمين.
(مسألة 262) لو كان المورد مما يثبت بالشاهد واليمين، فحلف المدعي مع كلا الشاهدين المتعارضين. فإن أحرز الحاكم منهما أو من الخارج إعرابهما عن حادثة واحدة، لم يجز الحكم للمدعي بأي منهما. وإن لم يحرز ذلك، جاز الحكم له بهما معاً.
(مسألة 263) لو تعارضت البينتان سقطتا أيضاً، كما لو شهدت إحداهما بأنه سرق هذا الثوب صباح يوم الجمعة في النجف، وشهدت الأخرى بأنه سرق هذا الثوب بعينه صباح يوم الجمعة في بغداد. ولا يثبت عندئذ حد ولا غرم. ولا يصححها إلحاق اليمين.
(مسألة 264) لو شهد أحد الشاهدين أنه باع هذا الثوب بدينار. وشهد الآخر أنه باعه بدينارين. ثبت الدينار، وللمدعي اثبات الآخر مع اليمين. بخلاف ما لو
ــــــ[74]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
شهدت بالدينار بينة وبالدينارين بينة أخرى. فإنه يثبت الدينار، ولا يصح ضم اليمين للحصول على الزيادة على الأحوط الأقوى.
(مسألة 265) لو شهد واحد بالإقرار بألف والآخر بالإقرار بألفين في زمان واحد. ثبت الإقرار بالألف، وأمكن اليمين لثبوت الإقرار بالألفين. وفيه إشكال ناشئ من وحدة الزمان.
(مسألة 266) لو انضم إلى أحد الشاهدين شاهد آخر، حكم به بصفتهما بينة، وسقطت شهادة الآخر، ولا مجال لضم اليمين إليه.
(مسألة 267) لو شهد أحدهما بالقذف غدوة، والآخر عشية، أو بالقتل كذلك، لم يحكم بشهادتهما، لأنهما بمنزلة الشهادة على فعلين. وليس على أي منهما بينة. أما لو شهد أحدهما بإقراره بالعربية، والآخر بغيرها، قبُل، لأنه إقرار بمضمون واحد وشهادة بمعنى مشترك.
ــــــ[75]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل السادس: في الطوارئ
(مسألة 268) إذا شهد شاهدان عادلان عند الحاكم، ثم ماتا حكم بشهادتهما، وكذلك لو شهد شاهدان ثم زكيا من حين الشهادة. وكذا لو شهدا ثم ماتا ثم زكيا.
(مسألة 269) لو شهدا ثم فسقا أو فسق أحدهما قبل الحكم، فالمشهور عدم جواز الحكم بشهادتهما في حقوق الله. والظاهر هو جواز الحكم بشهادتهما مطلقاً، لأن المعتبر إنما هو العدالة حال الشهادة وكذلك لو جُنّا أو أغمي عليهما أو نسيا أو حصل ذلك لأحدهما. وإذا حصل أي منها بعد الحكم به فهو أَولى بالصحة. ونحوه لو شهدا ثم زكيا بعد حصول هذه العوارض عليهما.
(فروع في الرجوع عن الشهادة)
(مسألة 270) لو رجع الشاهدان عن شهادتهما في حق مالي، وأبرزا خطأهما فيها قبل الحكم لم يحكم. ولو رجعا بعد الحكم والاستيفاء لم ينقض، وضمنا ما شهدا به. وأما لو رجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء ففي لزومه وجه لا يترك معه الاحتياط.
(مسألة 271) إذا رجع الشاهدان أو أحدهما عن الشهادة في الحدود خطأ، فإن كان قبل الحكم لم يحكم، وإن كان بعده وقبل الاستيفاء لم يستوف على الأحوط. وأما إن كان الرجوع بعد الاستيفاء ضمنا إن كان الراجع كليهما. وإن
ــــــ[76]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كان أحدهما ضمن النصف.
(مسألة 272) لو أعاد الشاهدان شهادتهما بعد الرجوع عنها قبل حكم الحاكم. فهل تقبل أم لا. لا إشكال في عدم القبول مع حصول الفسق بالرجوع والعود، ولو للعلم إجمالاً بكذب أحدهما. ولكن لو قدما عذراً معقولاً وشرعياً في الرجوع السابق قبل عودهما إلى الشهادة.
(مسألة 273) إذا كان الراجع من شهود الزنا الأربعة واحداً، وكان رجوعه بعد الحكم والاستيفاء غرم ربع الدية، وإذا كان الراجع اثنين غرما نصفها، وإذا كان الراجع ثلاثة غرموا ثلاثة أرباعها، وإن رجع الجميع غرموا جميع الدية. والمراد بالدية هنا دية النفس على اعتبار حصول الوفاة بالحد. وهو ما يحصل بالرجم دائماً وبالجلد أحياناً. فإن لم تحصل الوفاة غرموا بتلك النسب أرش ما حصل للمدعى عليه من أضرار خلال إقامة الحد.
(مسألة 274) إذا كان المشهود به قتلاً أو جرحاً موجباً للقصاص. واستوفي. ثم رجعوا. فإن قالوا: تعمدنا أو علم ذلك من حالهم، اقتص منهم. وإن قالوا: أخطأنا كانت عليهم الدية في أموالهم بالنسبة. وإن قال بعضهم: تعمدنا وقال بعضهم: أخطأنا. فعلى المقر بالتعمد القصاص، وعلى المقر بالخطأ الدية بمقدار نصيبه. ولولي الدم قتل المقر بالعمد ورد الفاضل من ديته إلى وليه.
(مسألة 275) لو كان المشهود به ما يوجب الحد برجم أو قتل. وقد استوفي، وثبت تعمدهم علماً أو إقراراً، كان لولي الدم قتلهم بعد ردّ الفاضل من الدية، وإن شاء قتل بعضهم كذلك وأخذ من الباقين الدية، بالحصص. وبهذا يختص ما قلناه في ( المسألة 273 ) بصورة الخطأ أو العفو عن القصاص. كما تفرق هذه المسألة عن ( 274 ) أن الشهود هنا قد يكونون أربعة، في حين أن
ــــــ[77]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
القتل يثبت بشاهدين فقط.
(مسألة 276) لو رجع الشهود قبل الاستيفاء ونقض الحكم بالحد، فهل تترتب عليه الأحكام الأخرى كحرمة أم الموطوء وأخته وبنته، وحرمة أكل البهيمة الموطوءة، وقسمة مال المحكوم بالارتداد، وبينونة زوجته وعدتها. الظاهر عدم الترتب. وأما إذا كان الرجوع بعد الاستيفاء، فالأحوط الترتب. والأحوط استحباباً العمل بأحوط الأحكام في مواردها.
(مسألة 277) تحرم شهادة الزور، وهي من الكبائر. ويمكن ثبوت تزويرها بالإقرار، كما سبق في المسائل السابقة، وهو الرجوع عن الشهادة بصفته إقراراً بكذبها. كما يمكن ثبوت ذلك بأسباب أخرى موجبة للعلم مما كان عقلائياً ومعقولاً.
(مسألة 278) إذا كان المدعي أو المشهود له عالماً بالخلل يعني بكذب الشهود، ضمن، مالاً كان أم حداً أم قصاصاً كما سبق وإن كان جاهلاً بالحال لم يضمن، وكان الضمان على الشهود. نعم، في ضمانه للمال على نحو تعاقب الأيدي وجه، ويرجع به على الشهود.
(مسألة 279) إذا أنكر الزوج طلاق زوجته، وهي مدعية للطلاق. وشهد شاهدان بطلاقها، فحكم الحاكم به. ثم رجعا وأظهرا خطأهما. فإن كان الرجوع بعد الدخول لم يضمن شيئاً. وإن كان قبله ضمنا نصف المهر المسمى على المشهور، لكنه لا يخلو من إشكال، والأظهر عدم الضمان.
(مسألة 280) إذا شهد شاهدان بطلاق امرأة زوراً، فاعتدت المرأة وتزوجت زوجاً آخر مستندة إلى شهادتهما. وعلمت بعدها ببطلان قولهما. فعندئذ يفرق بينهما، وتعتد من الثاني. ويضمن الشاهدان الصداق للزوج الثاني، ويضربان الحد إن كان الثاني دخل بها، وفي الحد نظر. وكذلك إذا شهدا بموت الزوج،
ــــــ[78]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
فاعتدت المرأة وتزوجت ثم جاءها زوجها الأول.
(مسألة 281) إذا شهد شاهدان بطلاق امرأة، فاعتدت وتزوجت رجلاً آخر. ثم جاء الزوج الأول وأنكر الطلاق. ورجع أحد الشاهدين وأبرز خطأه. فعندئذ يفرق بين المرأة والزوج الثاني. وتعتد منه مع الدخول وترجع إلى زوجها الأول. ويؤخذ الصداق من الذي شهد ورجع. والظاهر انقسام الغرامة عليه بالنسبة فإن كان الدخول للثاني حاصلاً، أخذ من الشاهد نصف المهر وإلا فربعه.
(مسألة 282) إذا حكم الحاكم بثبوت حق مالي مستنداً إلى شهادة رجلين عادلين. فرجع أحدهما، ضمن نصف المشهود به. وإن رجع كلاهما ضمناه كله. وإن كان الحق بشهادة رجل وامرأتين، فرجع الرجل عن شهادته دون الامرأتين، ضمن نصف المشهود به. وإذا رجعت إحدى الامرأتين ضمنت ربع المشهود به. وإن رجعتا معاً ضمنتا النصف كله. وإن كان ثبوت الحق بشهادة أربع نسوة كما في الوصية، فرجعن جميعاً عن شهادتهن، ضمنت كل واحدة منهن الربع، وإن رجع بعضهن ضمنت بالنسبة.
(مسألة 283) إذا كان الشهود أكثر مما تثبت به الدعوى، كما إذا شهد ثلاثة من الرجال أو شهد رجل وأربع نسوة. فرجع شاهد واحد، قيل أنه يضمن بمقدار شهادته، ولكن لا يبعد عدم الضمان إذا بقي من الشهود ما هو حجة كاملة على الحكم. كما في الرجل وثلاث نساء، فإن رجعت واحدة لم تضمن، وإن رجع الرجل ضمن الربع لأنه المقدار الفائت برجوعه. ولو كان الشهود ثلاثة رجال فرجع اثنان، فالظاهر أنهما يضمنان النصف، وهكذا.
(مسألة 284) إذا ثبت الحق بشهادة واحد مع يمين المدعي. فإذا رجع الشاهد عن شهادته ضمن النصف. وإذا كذب الحالف نفسه، اختص بالضمان، سواء رجع الشاهد عن شهادته أم لم يرجع.
ــــــ[79]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 285) إذا شهد شاهدان وحكم الحاكم بشهادتهما. ثم انكشف فسقهما حال الشهادة، فإن بقي الاطمئنان بشهادتهما فلا إشكال. وإن زال الاطمئنان. ففي مثل ذلك (تارة) يكون من الأموال و(أخرى) يكون من غيرها. فإن كان من الأموال استردت العين من المحكوم له إن كانت باقية. وإلا ضمن مثلها أو قيمتها. والضامن هو المدعي إن كان عالماً بفسقهما أو كذبهما، وإلا فالشاهدان. وإن كان من غير الأموال، فلا إشكال في أنه لا قصاص ولا قود على من له القصاص والقود، إن كان الرجوع قبال الاستيفاء. وإلا جاء فيه ما قلناه في الأموال هنا وكررناه في المسائل السابقة من وجوه الضمان.
(مسألة 286) إذا شهد شاهدان بوصية أحد لزيد بمال. وشهد شاهدان من الورثة برجوعه عنها ووصيته لعمرو. قيل: تقبل شهادة الرجوع، وقيل لا تقبل، وقيل: أنها لا تقبل فيما كان بيد الورثة أو كان مشاعاً، وتقبل في غيره، والأقوى القبول مطلقاً.
(مسألة 287) إذا شهد شاهدان لزيد بالوصية، وشهد شاهد واحد بالرجوع عنها، وأنه أوصى لعمرو. وعندئذ، فإن حلف عمرو أخذ المال. وإلا كان المال الموصى به لزيد.
(مسألة 288) إذا أوصى شخص بوصيتين متفرقتين، فشهد شاهدان بأنه رجع عن أحدهما بلا تعيين. قيل لا تقبل وهو ضعيف. والظاهر هو القبول والرجوع إلى القرعة في التعيين.
ــــــ[80]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كتاب الحدود والتعزيرات
ــــــ[81]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ــــــ[82]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
تمهيد
كل عقوبة مقدرة شرعاً، تسمى حداً، وكل عقوبة ثابتة شرعاً وغير مقدرة قطعاً، بل موكول أمرها إلى الحاكم، تسمى تعزيراً.
وأسباب الحد عديدة. منها: الزنا واللواط والمساحقة، وما يتبع ذلك مما يأتي. والقذف وشرب الخمر والسرقة، وقطع الطريق. والارتداد والإفساد في الأرض.
وأسباب التعزير عديدة، منها: البغي وإتيان البهيمة وشهادة الزور وبيع الخمر وافتضاض المرأة حراماً. وغير ذلك. حتى أنه ورد: أن التعزير على ارتكاب أي محرم.
ويتم الكلام في ذلك ضمن فصول. وفي كل فصل عدد من المقاصد.
ــــــ[83]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الأول: الزنا
وفيه مقاصد:
المقصد الأول: في سببه
(مسألة 289) يتحقق الزنا بإيلاج الرجل حشفة ذكره كلها فما زاد, بل أكثرها أيضاً إذا صدق الدخول عرفاً، في فرج امرأة محرمة عليه فعلياً، من غير عقد ولا ملك ولا شبهة. ولا فرق في ذلك بين القبل والدبر. وإن كانت إقامة الحد بسبب الإيلاج في الدبر مخالفاً للاحتياط جداً. ولا دخل للإنزال في ذلك. كما لا دخل لحصول حالة الجنابة في صدقه، فلو لم تحصل أحياناً كفى، كما في إدخال أغلب الحشفة. وإن كانت إقامة الحد عليه بذلك أيضاً مخالفاً للاحتياط جداً.
(مسألة 290) المراد بالعقد هنا أحد العقدين الدائم والمنقطع، كما أن المراد من الملك انتساب الأمة للمالك بملك أو تحليل أو إجازة لعقد. والمراد بالشبهة الأعم من الحكمية وهي الجهل بالحكم أو النسيان أو الغفلة عنه، ومن الموضوعية، كتخيل المرأة زوجته أو حليلته وهي ليست كذلك، كما سيأتي تفاصيل مسائله.
(مسألة 291) المهم هو إدخال الذكر الأصلي. فلو لم يكن أصلياً لم يوجب الحد. كما لو كان الرجل فيه تشويه خلقي بذكرين أحدهما أقوى من الآخر،
ــــــ[84]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
فيتحقق الزنا بالأقوى دون الآخر. وكما في الخنثى إذا كان جهازها الأنثوي هو الأصلي والذكري هو العارض. فلا يتحقق به الزنا. والمدار هنا الحكم بكون الخنثى امرأة لا رجلاً. وأما إذا حكم برجوليته فلا إشكال في صدق الزنا. كما أن الأرجح صدقه مع كونه خنثى مشكلاً.
(مسألة 292) لا يتحقق الزنا في المحرمات العارضة، مثل حال الحيض والإحرام والصوم والاعتكاف ونحوها. كما لا يتحقق في الظهار والإيلاء والعدة الرجعية دون البائنة.
(مسألة 293) لا يتحقق الزنا بانصباب المني في الفرج من دون صدق الدخول وإن حملت. بما في ذلك صور التلقيح الصناعي بمختلف أشكالها، وإن كان أكثرها حراماً.
(مسألة 294) يتحقق الدخول المسبب للحد في عادم الحشفة بما كان بمقدارها، دون ما هو أقل على الأحوط.
(مسألة 295) يشترط في ثبوت الحد على كل من الزاني والزانية مضافاً إلى ما سبق: البلوغ والعقل. فلا حد على الصغير والصغيرة حتى مع التمييز. كما لا حد على المجنون والمجنونة، وهو الذي لا يميز أوقات الصلاة، أو لا يشعر بمعنى التكليف الشرعي. فإن علم به حكماً وموضوعاً وجب عليه الحد، بالرغم من نقصانه أو سفهه. ولو كان أحدهما كاملاً اختص الحد به.
(مسألة 296) يشترط أيضاً في ثبوت الحد: الاختيار. فلا حد على المكره والمكرهة. كما لو تحقق الإكراه من أحدهما للآخر، رجلاً كان أم امرأة. أو تحقق من طرف ثالث لأحدهما أو لهما معاً. ويتحقق الإكراه هنا بالتهديد بالضرر الشديد مع إمكان التنفيذ عادة. فلا يشمل هنا الاضطرار مهما كان عالياً ولا العسر ولا الحرج ولا كلمات السب مهما كانت صعبة.
(مسألة 297) المهم هو ثبوت التحريم للزانيين اجتهاداً أو تقليداً، سواء
ــــــ[85]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كانت المسألة إجماعية أو خلافية. فلو أدّى اجتهاده أو تقليده فيها إلى الحرمة ثبت الحد مع وجود الشرائط الأخرى. ولو اختلف اجتهاد أو تقليد الزانيين لحق كل واحد منهما حكمه واختص الحد بمن يذهب إلى التحريم. ولو اختلف اجتهاد الحاكم والفاعل درئ الحد بذهاب أحدهما إلى الجواز.
(مسألة 298) المراد بالشبهة الموجبة لسقوط الحد. هو الجهل عن قصور أو تقصير بالحكم أو بالموضوع، مع اعتقاد الحلية حال الوطء. وأما من كان جاهلاً بالحكم عن تقصير وملتفتاً إلى جهله حال العمل، حكم عليه بالزنا وثبوت الحد.
(مسألة 299) لو عقد على امرأة من محارمه كالأم والأخت وزوجة الولد وزوجة الأب، ونحوها، جاهلاً بالموضوع أو بالحكم، باعتبار وهمه الحلية بالعقد، أو غفلته عن كونها من المحارم. سقط عنه الحد. وليس كذلك لو تعمد، فإن العقد لا يكون سبباً لسقوط الحد مع العمد.
(مسألة 300) يأتي نفس التفصيل في كل امرأة فعلية التحريم، كالمطلقة الثالثة والتاسعة، وأخت الزوجة. كما يأتي نفس التفصيل في عقود أخرى قد يتوهم الفرد كونها سبباً للحلية كالاستيجار والرهن والوقف. ونحوه بالنسبة إلى الحرة: الشراء والتحليل من قبلها أو من قبل أبيها أو أخيها أو غاصبها ونحو ذلك.
(مسألة 301) إذا وجد في فراشه امرأة فتوهمها زوجته، فوطأها، فهو من الشبهة في الموضوع. ولو اختصت الشبهة بأحد الطرفين اختص الحد بالآخر. فلو تشبهت امرأة لرجل بزوجته فوطأها، فعليها الحد دونه.
(مسألة 302) يسقط الحد بدعوى كل ما يصلح أن يكون شبهة محتملة بالنسبة إلى حال المدعي لها. ومعنى الشبهة هنا غير معنى الشبهة في وطء الشبهة. بل تشمل سائر الشرائط التي عرفناها لسقوط الحد، بما فيها الاشتباه في الوطء حكماً أو موضوعاً. فلو ادعى الشبهة أحدهما أو كلاهما بما في ذلك الإكراه أو استصحاب عدم البلوغ أو توهم أن من يقلده يرى الحلية أو غير ذلك.
ــــــ[86]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
سقط الحد.
(مسألة 303) ظهر مما سبق أن الشبهة المشار إليها يجب أن تكون محتملة في حال المدعي لها. ويكفي في ذلك الاحتمال ولا حاجة إلى حصول الوثوق فضلاً عن العلم. أما لو لم تكن الدعوى محتملة الصحة في حاله، لم يسقط الحد كما لو كان متفقهاً أو معاشراً لمتفقهين. ويكفي الوثوق أو القناعة بعدمها، ولا حاجة إلى حصول العلم على الأقوى والأحوط.
(فروع في الإحصان) بصفته سبباً للرجم
(مسألة 304) يتحقق الإحصان الذي يجب معه رجم الزاني، بعدة شرائط:
الشرط الأول: الوطء بأهله قبلاً، بل دبراً أيضاً على الأحوط. فلو لم يتحقق ذلك لم يكن محصناً. ولو شك فيه كان الأصل عدمه ولم يعتبر محصناً لبقائه على عدم الإحصان. والظاهر عدم اشتراط الإنزال في الإحصان، فلو التقى الختانان تحقق الإحصان ولا يشترط سلامة الخصيتين.
الشرط الثاني: أن يكون الواطئ المحلّل بالغاً، فلا إحصان مع إيلاج الطفل، وإن كان مراهقاً. كما لا تحصن المرأة بذلك. فلو وطأها وهو غير بالغ ثم زنى بالغاً، لم يكن محصناً على الأحوط ولو كانت الزوجية مستمرة.
الشرط الثالث: أن يكون الوطء في فرج محلل له أصلاً، فلا يتحقق الإحصان بوطء الزنا ووطء الشبهة على الأحوط. ولكنه يتحقق بالعقد المنقطع وملك اليمين وتحليل المملوكة، فضلًا عن العقد الدائم.
الشرط الرابع: أن يكون متمكناً من وطء الفرج يغدو عليه ويروح، متى شاء. فلو كان غائباً لا يتمكن من وطئها فهو غير محصن. وكذا لو كان حاضراً ــــــ[87]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
لكنه لم يكن قادراً لمانع كحبسه أو حبس زوجته أو كونها مريضة لا يمكن وطؤها، أو منعه ظالم عن الاجتماع بها أو كانت ناشزاً تمنعه من نفسها. فإنه في كل ذلك غير محصن.
الشرط الخامس: أن يكون الزوج حراً. فلا يرجم العبد ولا زوجته.
(مسألة 305) لا يشترط على الأحوط في الإحصان العقل، إذا كان الطرف المجنون جامعاً للشرائط السابقة.
(مسألة 306) يعتبر في إحصان المرأة ما يعتبر في إحصان الرجل، إلا النشوز. فمن كانت زوجته ناشزاً كانت محصنة ولم يكن محصناً.
(مسألة 307) الطلاق الرجعي لا يوجب الخروج عن الإحصان، على إشكال.
(مسألة 308) يخرج المرء وكذا المرأة عن الإحصان بالطلاق البائن كالخلع والمبارأة، وإن كانت متمكنة من إسقاط البذل. ولو رجعت ورجع لم يكن محصناً إلا بعد التمكن من الدخول.
(مسألة 309) لا يشترط في الإحصان الإسلام في أحد منهما. فيحصن النصراني النصرانية وبالعكس، والنصراني اليهودية وبالعكس. وتحصن إحداهما المسلم على تقدير الجواز وبالعكس. ولو كانا كافرين اشترط صحة عقدهم عندهم وإن كان باطلاً عندنا.
(مسألة 310) لا يشترط في فعلية الإحصان فعلية الدخول، بل التمكن منه تماماً. وإن كان ذلك أحوط. كما لا يشترط فيه مضي مدة كافية. بل يعتبر محصناً بمجرد ذلك. كما لا يشترط في عدم الإحصان مضي المدة، بل يكفي الطلاق البائن أو موت الزوج أو الزوجة لفوره.
(مسألة 311) لا يشترط في الإحصان السلامة من العمى أو الصمم أو الإقعاد أو غيرها. بل يكون محصناً مع وجودها, وكذا الزوجة. نعم، لو ادعى
ــــــ[88]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الأعمى الشبهة مع احتمالها في حقه، فالأقوى القبول.
(مسألة 312) إذا حملت المرأة وليس لها بعل، لم تحد لاحتمال أن يكون الحمل بغير الوطء أو بالوطء شبهة أو إكراهاً، ونحو ذلك.
المقصد الثاني: فيما يثبت به الزنا
يثبت الزنا بأمرين: الإقرار والبينة، كما سنذكر، فيقع الكلام فيهما في جهتين:
الجهة الأُولى: في الإقرار بالزنا
(مسألة 313) يشترط بالإقرار بالزنا، بلوغ المقر وعقله واختياره وقصده. فلا عبرة بإقرار الصبي وإن كان مراهقاً، ولا بإقرار المجنون حال جنونه، ولا بإقرار المكره، ولا بإقرار السكران والساهي والغالط والغافل والنائم والهازل ونحوهم.
(مسألة 314) لا بد وأن يكون الإقرار صريحاً أو ظاهراً لا يحتمل معه الخلاف احتمالاً عقلائياً. وإشارة الأخرس المفهمة للمقصود تقوم مقام النطق، ولو احتاجت إلى ترجمة كفى فيها شاهدان عادلان.
(مسألة 315) لا يثبت حد الزنا إلا بالإقرار أربع مرات. فلو أقر به كذلك أُجري عليه الحد, وإلا فلا. وهل يكفي الأقل مع حصول العلم، الظاهر ذلك، لأن للحاكم أن يحكم بعلمه كما في كتاب القضاء. وإن كان الاحتياط بخلافه.
(مسألة 316) لا يشترط أن تكون الإقرارات الأربعة، في أربعة مجالس. بل يكفي في مجلس واحد. نعم، لا يكفي ذكرها مندمجة، كما لو قال: أقرّ أربع مرات. ولا متعاطفة كما لو قال. زنيت وزنيت الخ. لاحتمال تعدد الواقعة.
ــــــ[89]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 317) لو أقرّ بما دون الأربع عزر.
(مسألة 318) لا يعتبر في الإقرار بالزنا تعيين المرأة المزني بها. بل يكفي الإجمال. بل لا يجوز شرعاً ذكرها وإلا كانت غيبة محرمة وقذفاً يستحق عليه الحدّ. وكذا الرجل.
(مسألة 319) لو أقرّ بما يوجب الرجم ثم أنكر سقط الرجم على إشكال ولو أقرّ بما لا يوجبه لم يسقط بالإنكار. وهل يثبت بسقوط الرجم: الجلد أو التعزير. الأحوط الثاني والأقوى الأول.
(مسألة 320) لو أقرّ بما يوجب الحدّ ثم تاب، فإن كانت توبته خوفاً من العقاب الدنيوي، لم تنفذ. وإن أحرز صحتها كان الإمام أو نائبه مخيراً بين العفو وإقامة الحدّ.
(مسألة 321) لو أقرّ أربعاً أنه زنى بامرأة حدّ دونها. وإن صرّح أنها طاوعته على الزنا. وكذا المرأة.
(مسألة 322) لو ادعى أربعاً أنه وطأ امرأة ولم يعترف بالزنا، لم يثبت عليه الحدّ. وإن ثبت أن المرأة لم تكن زوجته. ولو ادعى أنها زوجته وأنكرت هي الزوجية والوطء. لم يثبت عليه حدّ ولا مهر. ولو ادعت المرأة في نفس الفرض أنه أكرهها على الزنا أو تشبه عليها، فلا حدّ على أحد منهما.
الجهة الثانية: في ثبوت الزنا بالبينة
(مسألة 323) لا يثبت الزنا بشهادة رجلين عدلين، بل لا بد من شهادة أربعة رجال عدول، أو ثلاثة وامرأتين، أو رجلين وأربع نساء، إلا أنه لا يثبت الرجم بالأخيرة ولا يثبت بغير ذلك من شهادة النساء منفردات أو شهادة رجل وست نساء، ما لم يوجب اليقين. كما لا يثبت بشاهد ويمين، بل مطلق الشهادة الناقصة مع اليمين كثلاثة رجال ويمين. أو رجلين وثلاث نساء ويمين، وهكذا.
ــــــ[90]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 324) يعتبر في قبول الشهادة على الزنا أن تكون الشهادة صريحة أو ظاهرة عرفاً بالحس والمشاهدة بالإيلاج في الفرج أو الإخراج منه على وجه الحرمة من غير عقد ولا ملك ولا شبهة ولا إكراه. ويمكن إثبات الحرمة بغير هؤلاء الشهود، وفي كفاية الشهادة مع اليقين وإن لم يبصر به وجه لا يخلو من إشكال. ولو شهدوا بغير ذلك لم يحدّ المشهود عليه، وحدّ الشهود حدّ القذف إن حصل ذلك بشرائطه.
(مسألة 325) تكفي الشهادة بالزنا على نحو الإطلاق من غير ذكر زمان أو مكان أو تفاصيل أخرى. ولو ذكروا الخصوصيات واتحدوا بها فلا إشكال. وإن كان أحدهما مطلقاً والآخر مقيداً قبل أيضاً، وكذا لو ذكر بعضهم المكان وبعضهم الزمان وهكذا، ولم يخالفه الآخر. ولو اختلفت الخصوصيات لم تسمع شهادتهم، ولا يحدّ ويحدّ الشهود للقذف.
(مسألة 326) لو كان اختلاف الشهود غير موجب لتعدد الفعل واختلافه. كما لو اختلفوا في النسب الذي تنتسب إليه المرأة أو في عمرها أو في نوع لباسها، لم يضر ذلك بثبوت الزنا.
(مسألة 327) لو كان اختلاف الشهود في خصوصية الزنا، كما لو شهد بعضهم على أن الزاني قد أكره المرأة على الزنا وشهد بعضهم على عدم الإكراه وإنما طاوعته. ففي ثبوت الزنا بالإضافة إلى الزاني إشكال أوجهه الثبوت.
(مسألة 328) إذا شهد أربعة رجال على امرأة بكر بالزنا قبلاً، وأنكرت المرأة، وادعت أنها بكر، فشهدت أربع نسوة بأنها بكر. سقط عنها الحدّ، على المشهور، لثبوت التنافي لديهم بين الإيلاج والبكارة. وهو وإن كان غالبياً إلا أنه لم يثبت التساوي.
(مسألة 329) إذا شهد أربعة رجال على امرأة بالزنا، وكان أحدهم زوجها. كفى ذلك في الثبوت. وكذا لو كان أبوها أو أخوها ونحو ذلك.
ــــــ[90]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 330) لا فرق في قبول شهادة أربعة رجال بالزنا، بين أن يكون المشهود عليه واحداً أو أكثر.
(مسألة 331) إذا كملت الشهادة ثبت الحدّ، ولا يتوقف على تصديق المشهود عليه، وهو إقراره. كما لا يسقط الحدّ، بتكذيبه.
(مسألة 332) لو تاب المشهود عليه قبل قيام البينة. فإن أحرز كونه خوفاً من العقاب لم تقبل، وإن لم يحرز ذلك فالمشهور سقوط الحدّ عنه، ودليله غير ظاهر. وأما بعد قيامها، فلا يسقط بلا إشكال حداً كان أو رجماً. حتى مع إحراز صدق التوبة. وليس للإمام أن يعفو بعد قيامها، وإن سبق أن له العفو بعد الإقرار والتوبة.
(مسألة 333) إذا كان الشهود الحاضرون دون البينة الكاملة، رجالاً كانوا أو رجالاً ونساء. وشهدوا بالزنا حدّوا جميعاً للقذف ولم ينتظر مجيء البقية لإتمام البينة. ولو اجتمعوا فشهد بعضهم ونكل البعض، حدّ الشاهد منهم. ولكن إذا حضر الباقون وشهدوا بعد أن شهد الناكلون، بحيث تمت البينة، فإن كان قبل إقامة حدّ القذف، فلا ينبغي الإشكال بثبوت الزنا. لأنهم كانوا عند الشهادة عدولاً. وإن كان بعد إقامة الحدّ، ففيه إشكال أحوطه عدم الثبوت وأقواه الثبوت.
(مسألة 334) لا يعتبر تواطؤ الشهود على الشهادة، فلو شهدوا صدفة تم النصاب وثبت الزنا. كما لا يعتبر اجتماعهم عند الشهادة. فلو شهد واحد وجاء الآخر بلا فصل فشهد وهكذا، كفى.
(مسألة 335) متى ثبت الزنا درئ الحدّ عن الشهود. ومتى لم يثبت حدّوا.
(مسألة 336) لو شهد أربعة بالزنا وكانوا كلهم أو بعضهم غير مرضي كالفساق حدّوا للقذف.
(مسألة 337) لا فرق في الأحكام المتقدمة بين كون الزاني أو الزانية في
ــــــ[92]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الكفر أو في الإسلام إذا كان أحدهما مسلماً. والمهم أن يثبت الزنا على المسلم منهما. وأما الكافر منهما فحكمه ما يأتي.
(مسألة 338) إذا زنى كافر بكافرة، أو لاط بمثله، حرم عليهما، لأن الصحيح هو تكليفهم بالفروع. ويكون الإمام مخيراً بين إقامة الحدّ عليه طبقاً لحكم الإسلام، وبين دفعه إلى أهل ملته ليطبقوا عليه أحكامهم أو ليقيموا عليه حدّ الإسلام.
المقصد الثالث: في الحدّ
والكلام في مقداره وكيفية إيقاعه في جهتين:
الجهة الأُولى: في مقداره
(مسألة 339) من زنى بذات محرم له، كالأم والبنت والأخت وما شاكل ذلك، يقتل بالضرب بالسيف في رقبته، ولا يجب جلده قبل قتله. ولا فرق في ذلك بين المحصن وغيره والحر والعبد، والمسلم والكافر والشاب والشيخ على الأحوط، كما لا فرق في هذا الحكم بين الرجل والمرأة إذا تابعته.
(مسألة 340) الأقوى شمول السيف لكل آلة قاطعة مثله بحدها الطويل، ولا يجوز غير ذلك، كما أن الضربة يجب أن تكون قوية. كما يجب أن تكون واحدة، ولا يجوز أن تتكرر على الأحوط، فإن بقي حياً بعدها أطلق سراحه.
(مسألة 341) الظاهر عموم الحكم للمحرم بالرضاع وبالمصاهرة، حتى زوجة الأب. ومن قال فيها بالرجم فإنه مستند إلى نص غير معتبر ولو صح اقتصر على المدخول بها.
(مسألة 342) الظاهر عموم الحكم للمحارم بالشبة وبالزنا والملك
ــــــ[93]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
والتحليل ونحوهما.
(مسألة 343) إذا زنى الكافر بمسلمة قتل، ذمياً كان أم غير ذمي، كتابياً كان أم غير كتابي، مطاوعة كانت أم مكرهة من أي مذاهب الإسلام كانت، ما لم يحكم بكفرها.
(مسألة 344) إذا اكره شخص امرأة على الزنا، فزنى بها قتل. من دون فرق في ذلك بين المحصن وغيره.
(مسألة 345) الزاني إذا كان شيخاً محصناً (في الزنا بغير المحارم) يجلد ثم يرجم، وكذلك الشيخة إذا كانت محصنة. والمراد بهما كبار السن عرفاً. وأما إذا لم يكونا محصنين ففيه الجلد فحسب. وأما إذا كان الزاني شاباً أو شابة، فإنه يرجم إذا كان محصناً، ويجلد إذا لم يكن محصناً.
(مسألة 346) هل يختص الحكم فيما ثبت فيه الرجم، بما إذا كان المزني بها عاقلة بالغة، فلو زنى البالغ المحصن بصبية أو مجنونة فلا رجم. فيه خلاف. ولكن الظاهر عموم الحكم.
(مسألة 347) إذا انعكس الفرض في المسألة السابقة، فكانت المرأة بالغة عاقلة، وكان الزاني صبياً غير بالغ أو مجنوناً. فلا ترجم وإن كانت محصنة، ولكن عليها الحدّ بالجلد كاملاً. ويجلد الغلام دون الحدّ. والظاهر فيه إيكال مقدار الجلد إلى الحاكم. ولا حدّ على المجنون.
(مسألة 348) قد عرفت أن الزاني غير المحصن يجلد. وإذا كان قد تزوج ولم يدخل، فإنه يجب مع ذلك جزّ شعر رأسه أو حلقه ويغرب عن بلده سنة كاملة. والجزّ خاص بالرجل ولا يشمل المرأة. وأما التغريب ففي ثبوته لها إشكال، والأقرب الثبوت.
(مسألة 349) حدّ الجلد الكامل مئة سوط. كما في الزاني الحر البالغ، غير
ــــــ[94]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المحصن. وما دون الحدّ يكفي فيه الثمانون وما دونها إلى النصف بحسب ما يراه الحاكم. وحدّ الجلد للعبد نصف حدّ الحر، خمسون جلدة. ولا يرجم محصناً كان أم غير محصن شاباً كان أم شيخاً. ذكراً كان أم أنثى. ولا تغريب عليه ولا جزّ.
(مسألة 350) العبد المكاتب إذا تحرر منه شيء، جلد بقدر ما أعتق وبقدر ما بقي، فلو أعتق نصفه جلد خمساً وسبعين جلدة. وإن اعتق ثلاثة أرباعه جلد سبعاً وثمانين جلدة ونصف جلدة. ولو اعتق ربعه جلد اثنتين وستين جلدة ونصف جلدة. وكذلك الحال في الأمة المكاتبة إذا تحرر منها شيء.
(مسألة 351) تتحقق نصف الجلدة بضربة أخف. إلا أن الأقوى تحققها بأخذ السوط من نصفه بيد الضارب.
(مسألة 352) لا تجلد المستحاضة وكذا الحائض والنفساء حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع جلدت.
(مسألة 353) لا يجلد المريض الذي يخاف عليه الموت حتى يبرأ. ومع اليأس من البرء يضرب بالضغث المشتمل على العدد مرة واحدة. أو المشتمل على نصف العدد مرتين. ولا يعتبر وصول كل شمراخ إلى بدنه.
(مسألة 354) لو زنى شخص مراراً، وثبت ذلك بالإقرار أو البينة، حدّ حدّاً واحداً، إلا أن يصبح ممن يريدون إشاعة الفساد في الأرض أو إشاعة الفاحشة. فيحدّ بالحدّ الخاص به، وهو الصلب مع قطع اليد والرجل من خلاف على ما يأتي.
(مسألة 355) لو أقيم الحدّ على الزاني ثلاث مرات، قتل في الرابعة، إن كان حراً، وفي الثامنة إن كان مملوكاً، بعد إقامة الحدّ عليه سبعاً. وإذا قتل العبد أدى الإمام قيمته إلى مواليه من بيت المال. والمراد بالحدّ هنا: الحدّ الذي لا يؤدي إلى الوفاة. فإن الرجم الكامل يؤدي إلى الوفاة وقد يؤدي الجلد إليها
ــــــ[95]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
أيضاً. فالمراد بالحدّ هنا الجلد إذا لم يؤد إلى الوفاة. وأما الرجم إذا لم يؤد إلى الوفاة كما لو هرب من الحفيرة ولم يجب إرجاعه. فالحكم بالقتل بعد الرابعة مشكل ما لم يعد من المفسدين في الأرض.
(مسألة 356) إذا كانت المزني بها حاملاً، فإن كانت محصنة تربص بها حتى تضع حملها، وترضعه اللباء ثم ترجم. وإن كانت غير محصنة، أقيم عليها الحدّ، إلا إذا خيف على ولدها.
(مسألة 357) إذا وجب الحدّ على شخص مجنون لم يسقط عنه الحدّ، بل يقام عليه حال جنونه. ونحوه الأدواري إذا زنى حال سلامته ثم دخل في دور الجنون.
(مسألة 358) إذا وجب الحدّ على الكافر ثم أسلم أو على المسلم ثم ارتد، لم يسقط عنه الحدّ.
(مسألة 359) إذا جنى شخص في غير الحرم ثم لجأ إليه، لم يجز أن يقام عليه الحدّ. ولكن لا يطعم ولا يسقى ولا يعامل ولا يتكلم معه أحد حتى يخرج ويقام عليه الحدّ. وأما إذا جنى في الحرم أقيم عليه الحدّ فيه.
(مسألة 360) لو اجتمعت على الشخص عدة حدود وجب البدء بالحدّ الذي لا يفوت معه الآخر. كما لو اجتمع عليه الجلد والرجم، بدئ بالجلد أولاً ثم رجم. ولا يجب انتظار صحته بعد الجلد.
الجهة الثانية: في كيفية الحد
(مسألة 361) في الرجم يدفن الرجل في الأرض إلى حقويه وتدفن المرأة إلى وسطها وهو ما دون الثديين. ولا بأس بوجود الثوب الساتر، بل يتعين ذلك في المرأة، على أن لا يكون الساتر واقياً من الضرب.
ــــــ[96]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 362) يبدأ الإمام بالضرب أولاً، أو من يعينه لذلك. ثم يضرب سائر الناس. والأحوط استحباباً أن يضرب بعد الإمام, الشهود إن كانوا حاضرين.
(مسألة 363) ينبغي إعلام الناس لحضور إقامة الحدّ. بل الظاهر وجوب حضور طائفة لإقامته، بنحو الوجوب الكفائي. والأشهر جواز كونه واحداً، يعني غير الإمام أو وكيله. إلا أن الأحوط أن لا يكونوا أقل من ثلاثة.
(مسألة 364) لا يجوز اختيار أحجار صغار جداً. لا يؤدي الكثير منها إلى الموت فضلاً عن القليل. كما لا يجوز اختيار أحجار ضخمة تكون الضربة والضربتان منها قاتلة. وإنما يجب اختيار ما بين ذلك. ولا بد أن يؤدي الضرب إلى الموت، فلا يخرج من الحفيرة إلا بعد موته. بغض النظر عن أن سبب الموت هو الجروح أو الارتجاج أو الخوف أو غيرها، مما يحصل عادة بالرجم.
(مسألة 365) يجب التجنب عن موت المرجوم بسبب آخر غير الأحجار كالسلاح، ولو بنحو الرمي عليه كالحجر. وكذلك رمي غير السلاح عليه أو ضربه به كقطع الأثاث والأحذية والمثقلات المعدنية كالفؤوس وكذلك موته بسبب تكوم التراب حوله. وكذلك ضربه بالحجر مباشرة بل يجب قذفه عليه. والأفضل أن يكون مشدود اليدين والرجلين عند دفنه في الحفيرة. تجنباً لإمكان تسبيبه إلى الهرب.
(مسألة 366) يجوز للمرجوم بل يجب عليه الهرب مع الإمكان. لكن يجب على الآخرين منعه من ذلك. ولكن لا يجب زيادة صلابة الأرض التي هو فيها تلافياً لهربه لكن يجوز ذلك. كما يجزي طمه بالتراب أو الرمل وإن لم يكن صلباً.
(مسألة 367) لو هرب المرجوم أو المرجومة من الحفيرة، فإن كان قد ثبت زناه بالإقرار، وأصابته بعض الأحجار لم يرد. وإن كان قبل الإصابة أو ثبت زناه
ــــــ[97]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
بالبينة، ردّ. وأما الجلد فلا يسقط بالفرار مطلقاً.
(مسألة 368) هل يجوز التصدي للرجم من قبل من كان عليه حدّ من حدود الله أم لا. المشهور الكراهية والاحتياط على المنع.
(مسألة 369) لو وجد الزاني عارياً، جلد عارياً بعد ستر عورته. وإن وجد كاسياً قيل يجرد فيجلد. وفي الوجوب إشكال. ولا إشكال في جواز تجريده بل استحبابه. وإذا جلد كاسياً فلا يجوز أن يكون عليه أكثر من الثياب التي كان عليها حال الزنا. كما لا يجوز أن تكون الثياب واقية من تأثير الضرب. ويتعين ستر المرأة بغير الواقي.
(مسألة 370) يجوز للحاكم الجامع للشرائط إقامة الحدود على الأظهر. وإذا جاز وجب، ما لم تحل دون ذلك موانع أخرى.
(مسألة 371) على الحاكم أن يقيم الحدود بعلمه في حدود الله، كحدّ الزنا وشرب الخمر ونحوها. وإن كان في قيام العلم مقام البينة المضاعفة، إشكالٌ. وأما في حقوق الناس، فتتوقف إقامتها على مطالبة من له الحق، حداً كان أو تعزيراً.
(مسألة 372) لا فرق فيما ذكرناه من الأحكام المترتبة على الزنا بين الحي والميت، فلو زنى بامرأة ميتة، فإن كان محصناً رجم، وإن كان غير محصن جلد.
(مسألة 373) يجلد الزاني قائماً، ويفرق على جسده. ويتقى وجهه ورأسه وفرجه. وتضرب المرأة جالسة بثيابها. وهل تجب الشدة في الضرب. الظاهر عدم الوجوب وإن كان راجحاً. ويكفي الصدق العرفي، ولا يجوز الضعف وخاصة مع التعمد.
ــــــ[98]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 374) لا يقام الحدّ في شدة الحر ولا في شدة البرد. ويتوخى به في الشتاء وسط النهار وفي الصيف طرفاه.
(مسألة 375) لا يجب حضور الشهود الجلد ولا الرجم، بل يقام وإن ماتوا أو غابوا. وقد سبق أنهم لو حضروا الرجم وجب عليهم الضرب بعد الإمام على الأحوط استحباباً.
(مسألة 376) إذا وجد مع زوجته رجلاً يزني بها، فله قتلهما ولا إثم عليه. ولكن في الظاهر، مع الترافع، عليه القود، إلا أن يقيم على دعواه بينة أو شاهد حال قطعي، أو أن يصدقه ولي الدم.
(مسألة 377) من افتض بكراً بإصبعه، لزمه مهر نسائها. حتى لو كان زوجاً، ويكون هذا المهر منه غير مهر الزوجية. وإن كانت أمة كان عليه عشر قيمتها.
(مسألة 378) من زنى في شهر رمضان نهاراً أو ليلاً، عوقب زيادة على الحدّ لانتهاكه الحرمة. وكذا لو كان في مكان شريف أو زمان شريف. والعقاب هنا هو التعزير، ومقداره موكول إلى الحاكم.
(مسألة 379) لا كفالة في حدّ، مهما كان نوعه. ولا تأخير فيه مع الإمكان وأمن الضرر، بل تجب المبادرة إليه فوراً على الأحوط. كما لا شفاعة في إسقاطه.
(مسألة 380) ما يحصل من الجلد والتعزير ونحوهما من العقوبات، من جرح أو مرض أو وفاة، لا يكون مضموناً لا على الإمام ولا على المباشر ولا على المدعي ولا غيره.
ــــــ[99]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثاني: اللواط والمساحقة وما يلحق بهما
وفيه مقاصد:
المقصد الأول: اللواط
(مسألة 381) اللواط هو وطء الذكران. والمراد بالذكر ما يشمل البالغ وغيره. وذلك بإدخال القبل في الدبر بمقدار الحشفة على الأحوط، وإن كان الأقوى حصوله بمسمى الإدخال ولو لم ينزل. وأما بدون حصول ذلك من الفعل الجنسي كالتفخيذ وغيره، فلا يحدّ حدّ اللائط، بل يضرب حدّ الزاني مئة سوط. وأما لو كان الفعل الجنسي قليلاً، كالقبلة ونحوها، فلا حدّ وإن حصل الإنزال. بل يعزر.
(مسألة 382) يقتل اللائط المحصن، ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد، والمسلم والكافر، وهل يقتل غير المحصن؟ المشهور أنه يقتل وفيه إشكال، والأظهر عدم القتل، وإنما يجلد. كما أنه يقتل الملوط به مطلقاً محصناً كان أم غير محصن. نعم، لا قتل على المجنون ولا على الصبي، فاعلاً كان أم منفعلاً.
(مسألة 383) إذا لاط البالغ العاقل بالمجنون، حُدّ اللائط، دون الملوط به.
(مسألة 384) إذا لاط الرجل بصبي حدّ الرجل وأدب الصبي، وكذا العكس.
ــــــ[100]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 385) إذا لاط بعبده حُدّا معاً. ولو ادعى العبد الإكراه سقط الحدّ عنه، إذا احتمل صدقه. وكذلك كل من ادعى الإكراه.
(مسألة 386) إذا لاط ذمي بمسلم، فإن كان مع الإيقاب قتل، وإن كان بدونه، فالمشهور أنه يقتل أيضاً. وهو غير بعيد.
(مسألة 387) إذا لاط كافر بكافر، ذميان كانا أم لا أو كان أحدهما كذلك. فالحكم كما تقدم في فصل (الزنا). راجع المسألة (328).
(مسألة 388) إذا تاب اللائط قبل قيام البينة، فالأحوط سقوط الحدّ عنه. إذا أحرز أن التوبة ليست للتخلص من العقاب، كما سبق في الزنا. ولو تاب بعد قيام البينة لم يسقط بلا إشكال. ولو أقرّ باللواط، ولم تكن بينة ثم تاب، كان الإمام مخيراً بين العفو والاستيفاء.
(مسألة 389) إذا لاط بميت، كان حكمه حكم من لاط بحي.
(مسألة 390) إذا لاط صبي بصبي أدّبا معاً.
(مسألة 391) يشترط في المقرّ باللواط، فاعلاً كان أم منفعلاً: البلوغ وكمال العقل والحرية والاختيار والقصد. فلا عبرة بإقرار الصبي وإن كان مميزاً على الأحوط، وكذا المجنون والعبد والمكره والهازل.
(مسألة 392) لو أقرّ بما دون الأربع لم يحدّ، وللحاكم تعزيره. بما يرى.
(مسألة 393) كما يثبت اللواط بالإقرار أربعاً، يثبت بشهادة أربعة رجال عدول، بالإدخال أو الإخراج. فلو شهد به دون العدد لم يثبت، بل كان عليهم حدّ القذف. ولا يثبت بشهادة النساء منفردات أو منضمات. وللحاكم أن يحكم بعلمه بأي سبب حصل.
(مسألة 394) المجتمعان تحت إزار واحد مجردين يعزران. بل لو كانا بهذه المثابة بدون إزار عُزّرا، ما لم يدعيا الجهل أو الضرورة. بشكل مناسب لحالهما.
ــــــ[101]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كيفية قتل اللائط
(مسألة 395) يتخير الحاكم في قتل اللائط، فاعلاً كان أم منفعلاً، محصناً كان أم غير محصن. إلا ما سبق في الفاعل غير المحصن. فيتخير بين أن يضربه بالسيف حتى يموت إذا كان منفعلاً، وأما إذا كان فاعلاً فيضربه بالسيف على عنقه ضربة قوية واحدة، لا يجوز تكرارها. أو أن يحرقه بالنار، أو يدحرج به مشدود اليدين والرجلين من جبل ونحوه. وإذا كان اللائط محصناً فللإمام أن يرجمه، والظاهر شمول الحكم للملوط أيضاً.
(مسألة 396) لو تكرر التفخيذ ونحوه، مما مرّ حكمه، مرتين وحدّ بينهما مرتين، قتل في الثالثة.
المقصد الثاني: المساحقة
(مسألة 397) المساحقة أو السحاق، هي وضع الفرجين الأنثويين فوق بعضهما تحصيلاً للذة أو للحمل، فإنه قد يسري المني من إحدى المرأتين إلى الأخرى، إذا كانت موطوءة قبل زمن قليل.
(مسألة 398) حدّ المساحقة إذا كانت غير محصنة مائة جلدة. ويستوي في ذلك المسلمة والكافرة والفاعلة والمنفعلة. وأما إذا كانت إحداهما صبية فتؤدّب. وإذا كانت إحداهما مجنونة فلا شيء عليها. وإن كانت إحداهما أو كلاهما أمة حدّت نصف حدّ الحرة. وأما إذا كانت حرة محصنة فإنها ترجم.
(مسألة 399) لو تكررت المساحقة وأقيم عليها الحدّ مكرراً، قتلت في الثالثة.
ــــــ[102]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 400) إذا تابت المساحقة قبل قيام البينة، وأحرزنا أن التوبة لم تكن من أجل الخوف من العقوبة، سقط الحدّ عنها على الأحوط. وأما إذا تابت بعد قيام البينة حدّت.
(مسألة 401) لو جامع رجل زوجته فقامت الزوجة فوقعت على جارية بكر، فساحقتها، فألقت النطفة فيها فحملت. فعلى المرأة مهر الجارية البكر. ثم ترجم المرأة. وأما الجارية فتنتظر حتى تضع ما في بطنها، ويردّ إلى أبيه صاحب النطفة، ثم تجلد باعتبارها غير محصنة.
(مسألة 402) الأجنبيتان إذا وجدتا تحت إزار واحد مجردتين، بدون ضرورة، أو ثبت ذلك بالإقرار أو البينة، عزرت كل واحدة دون الحدّ. ويكفي في الإقرار مرة واحد وفي البينة شاهدين.
(مسألة 403) لو وجد رجل وامرأة مجردين تحت إزار واحد، بدون ضرورة ولا تحليل، عزّر كل منهما دون الحدّ. وفي هذا عقوبة أخرى وهو تمريغ الرجل بالغائط في كل جسده، والأحوط أن يكون في محل الغائط إن وجد. والظاهر أن كونهما تحت الإزار مما لا دخل له في الحكم، بل يترتب الحكم بدونه، وكذا في المسألة السابقة.
المقصد الثالث القيادة
(مسألة 404) القيادة يراد بها هنا الجمع بين الرجال والنساء للزنا وبين الرجال والرجال أو الصبيان للواط. وبين النساء للمساحقة. والظاهر -كما هو الأحوط – عدم صدقها في المرة والمرتين، ما لم تتخذ عادة أو صنعة.
ــــــ[103]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 405) تثبت القيادة بشهادة رجلين عادلين، وبالإقرار مرة واحدة. ولا تثبت بشهادة رجل وامرأتين ولا بشهادة النساء منفردات. والأحوط أن يكون الإقرار مرتين.
(مسألة 406) المشهور أنه يضرب القواد ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة وسبعون سوطاً. وينفى من مصره. وقيل يحلق ويشهر. والأحوط احتساب هذا المقدار من الضرب تعزيراً، بمعنى عدم تعزيره بالأقل. وأما العقوبات الأخرى فلم تثبت. ويستوي في ذلك المسلم والكافر والرجل والمرأة، إلا أنه ليس في المرأة نفي ولا تشهير ولا حلق.
المقصد الرابع: تزويج الذمية على المسلمة
(مسألة 407) من تزوج ذمية على مسلمة بغير إذنها، فجامعها عالماً بالتحريم، فالأقوى أنه يضرب حدّ الزاني غير المحصن. وإن لم ترض المرأة بذلك فُرق بينهما. ونحوه ما إذا تزوج أمة على الحرة وبنت الأخت على الخالة، وبنت الأخ على العمة، وجامعها قبل الإجازة عالماً بالتحريم. فإن كان جاهلاً بالتحريم فهو من وطء الشبهة ولا شيء عليه. والظاهر في صورتي العمة والخالة ثبوت حدّ الزنا وهو الرجم.
ــــــ[104]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثالث: القذف
(مسألة 408) يراد بالقذف هنا: اتهام الغير على وجه اليقين بالزنا أو اللواط. ويشترط فيه أمور:
الأمر الأول: أن يكون الاتهام بخصوص الزنا أو اللواط، دون غيرهما من الأعمال الفاحشة، بما فيها المساحقة.
الأمر الثاني: أن يكون على وجه اليقين، ويراد به العلم العرفي، أو ظهور العبارة بالبت. ولا أثر لظهور الاحتمال أو الشك أو الظن.
الأمر الثالث: أن يكون القاذف بالغاً عاقلاً قاصداً، ولا فرق فيه بين الحر والعبد والرجل والمرأة والمسلم والكافر.
الأمر الرابع: أن يكون المقذوف بالغاً عاقلاً حراً مسلماً عفيفاً. فلو لم يكن المقذوف واجداً لهذه الأوصاف لم يثبت الحدّ بقذفه. ولا فرق في الواجد لها بين الرجل والمرأة والمخاطب وغيره والحاضر والغائب والواحد والمتعدد.
الأمر الخامس: أن تكون العبارة صريحة أو بمنزلتها. كقوله: أنت زنيت, أو أنت زان، أو أنت لائط، أو أنت منكوح من دبرك. ونحوها ما إذا كان لها ظهور عرفي واضح مثل قوله: يا لائط يا زان. ونحوه يا قواد، إذا أريد به أحدهما كما عليه اصطلاح العامة.
(مسألة 409) هناك طبقة دانية من الناس تستعمل عبارات فيها معنى القذف، ولكن لا يراد بها في عرفهم ذلك، بل يراد معنى آخر، كالتظرف أو التحية أو
ــــــ[105]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الشتم المطلق. ومع انتفاء القصد فلا حدّ. ومع الشك يقبل فيه تفسير المتكلم نفسه. ولا يبعد عندئذ استحقاقه للتعزير.
الأمر السادس: أن يكون المقذوف محدداً، غير مردد بين اثنين فأكثر، بحيث لا يتعين. فإن كان كذلك فلا حدّ. وهذا غير قذف جماعة برمتها.
الأمر السابع: أن يطلب المقذوف إقامة الحدّ. فلو عفا لم يجز إقامته.
(مسألة 410) يثبت القذف بالعلم، كما لو سمعه الحاكم، وبالإقرار مرة واحدة، وبالبينة، وهي شهادة رجلين عادلين.
(مسألة 411) من موارد القذف: الشهادة بالزنا أو باللواط، بعدد أقل من العدد المعتبر، فإنه يجب إقامة الحدّ على الشهود. والظاهر ثبوته هنا ولو لم يطلبه المقذوف.
(مسألة 412) حدّ القذف ثمانون سوطاً، ولا يفرق في ذلك بين الحر والعبد والذكر والأنثى. ويضرب بثياب بدنه، ولا يجرد إلا عن الثياب الخارجية كالرداء. ويقتصر فيه على الضرب المتوسط.
(مسألة 413) لو تقاذف اثنان دريء عنهما الحد، ولكنهما يعزّران. والظاهر هنا أيضاً عدم الفرق بين الحر والعبد والأنثى والذكر.
(مسألة 414) لو قذف رجل جماعة بلفظ واحد، فإن أتوا به مجتمعين، ضرب حداً واحداً، وإن أتوا به متفرقين، ضرب لكل منهم حداً. ولو قذفهم متفرقين حدّ لكل واحد منهم حدّ.
(مسألة 415) إذا عفا المقذوف عن القاذف، لم يحدّ، وليس له المطالبة بالحد بعد ذلك.
(مسألة 416) إذا مات المقذوف قبل أن يطالب بحقه، أو يعفو، فلأوليائه المطالبة به، كما أن لهم العفو. فإن تعدّد الولي، كما إذا مات عن ولدين أو
ــــــ[106]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
أخوين، فعفا أحدهما، كان للآخر المطالبة بالحق، ولا يسقط بعفو الأول. والأحوط السقوط بالنسبة، بل لا يترك.
(مسألة 417) إذا قذف أحد ابن شخص أو ابنته، فهو من القذف لغير المخاطب. والحدّ حق لهما، وليس لأبيهما حق المطالبة به أو العفو.
(مسألة 418) إذا تكرر الحدّ بتكرر القذف قتل القاذف في الثالثة. سواء كان المقذوف واحداً أم متعدداً.
(مسألة 419) إذا تكرر القذف من شخص واحد لواحد، قبل أن يقام عليه الحدّ، حدّ حدّاً واحداً.
(مسألة 420) يسقط الحدّ عن القاذف بأحد طرق:
الطريق الأول: قيام الحجة الشرعية على صدقه. فلو كان القذف بالزنا وقامت بينة كاملة بأربعة شهود على الزنا لم يحدّ. وكذا لو أقرّ الزاني أربع مرات.
الطريق الثاني: قيام البينة بعدم حصول القذف. وكذا بإقرار المقذوف بعدمه.
الطريق الثالث: التشكيك بظهور العبارة أو صراحتها بالزنا أو اللواط أو نحوه.
الطريق الرابع: اللعان. وهو خاص بما إذا قذف الزوج زوجته بالزنا، فإذا لاعنته سقط عنه الحدّ.
(مسألة 421) لو شهد أربعة بالزنا، ثم رجع أحدهم أو أكثر، حدّ الراجع، ولا فرق في ذلك بين كونه راجعاً قبل حكم الحاكم أو بعده. غير أن الأحوط أن يحدّ الجميع لو كان رجوعه قبل الحكم.
(مسألة 422) لو قال لولده الثابت له شرعاً، لست بولدي. لم يثبت الحدّ، لاحتمال الشبهة واحتمال المجاز. ونحوه لو قال: لست بولد زيد أو أنت ولد عمرو.
ــــــ[107]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 423) لو قال: يا زوج الزانية أو يا أخت الزانية أو يا ابن الزانية أو زنت أمك. وأمثال ذلك. فالقذف ليس للمخاطب، بل لمن نسب إليه الزنا. وكذا لو قال يا بن الملوط ونحوه. نعم عليه التعزير بالنسبة إلى إيذاء المخاطب وهتكه، فيما لا يجوز له.
(مسألة 424) لو قال: أحدكما زان أو قال: أما فلان أو فلان زان, فلا حدّ لعدم تعيين المقذوف. ويعزّر.
(مسألة 425) لو قذف المشهور أو المشهورة بالزنا، فلا حدّ. لاشتراط أن يكون المقذوف عفيفاً كما تقدم، وليس هنا كذلك.
(مسألة 426) لو قال له: زنيت بفلانة، فالقذف للمخاطب دونها. لاحتمال الشبهة فيها أو الإكراه. وكذا لو قال: لطت بفلان مع احتمال الإكراه.
(مسألة 427) لو قال لابن الملاعنة: يا ابن الزانية. أو قال لها: يا زانية، فعليه الحدّ لها. ولو قال لامرأة: زنيت بك. أو قال زنيت أنا بفلانة. فلا حدّ، لاحتمال الشبهة فيها أو الإكراه. مع عدم ثبوت الحدّ في قذف نفسه، وعدم ثبوت الزنا بالإقرار الواحد. نعم، لا يبعد أن عليه تعزيراً.
(مسألة 428) كل فحش نحو: يا ديوث. أو تعريض بما يكره المخاطب. ولم يفد القذف في عرفه ولغته، يثبت به التعزير لا الحدّ. ونحوه قوله: أنت ولد حرام. أو: يا ولد الحرام. أو: يا ولد الحيض. أو يا فاسق أو يا فاجر أو يا شارب الخمر. أو أن يقول لزوجته: ما وجدتك عذراء.
(مسألة 429) إذا لم يكن المقذوف عفيفاً فلا حدّ كما سبق. إذا كان القذف بما أشتهر به من الزنا أو اللواط. وأما لو قذفه بغير ما أشتهر به ثبت الحدّ. كما لو أشتهر بالزنا فقذفه باللواط. أو أشتهر بشرب الخمر، فقذفه بالزنا. إلى غير ذلك.
(مسألة 430) لا حدّ على قذف غير المسلم. سواء كان المعنى المقذوف به جائزاً في دينه أم لا. وإن كنا لا نجد ديناً سماوياً يبيح الزنا واللواط. ولكن قد يزعم الكافر ذلك. ومن ذلك ما لو قال شخص لشخص مسلم ولكن أمّه كافرة:
ــــــ[108]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
يا أبن الزانية أو أمك زانية. فالقذف لأمّه الكافرة. فلا حدّ عليه. ولكن يثبت عليه التعزير.
(فروع في حدود أخرى)
(مسألة 431) يجب قتل من سبّ النبي على سامعه، ما لم يخف الضرر على نفسه أو عرضه أو ماله الخطير ونحو ذلك، أو الضرر على غيره من المؤمنين كذلك. ويلحق به سب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ولا يحتاج جواز قتله إلى إذن الحاكم الشرعي.
(مسألة 432) في إلحاق الأئمة المعصومين، وفاطمة الزهراء سلام الله عليها والأنبياء. بنبي الإسلام، في ذلك إشكال لا يترك معه الاحتياط بإقامة التعزير خاصة. والظاهر شمول التعزير عند شتم العلماء والصالحين أيضاً.
(مسألة 433) من ادعى النبوة وجب قتله مع التمكن وأمن الضرر، من دون حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي.
(مسألة 434) من امتهن السحر من المسلمين يقتل. دون من تعلّمه أو عمله قليلاً حتى لو كان مضراً به على الأحوط، ولكنه يعزّر. وأما من امتهن السحر من الكفار. فإن كان جائزاً في دينه لم يقتل، وأما إذا لم يكن جائزاً في دينه قتل. والكلام هنا في الكافر الذمي لجواز قتل الحربي مطلقاً، في غير تقية أو خوف أو ضرر.
(مسألة 435) تعلم السحر بدون العمل به، لا دليل على حرمته. ومع العمل به لدفع الضرر به جائز بلا إشكال، بل قد يجب. سواء كان ذلك الضرر ناتجاً من السحر أو من أسباب أخرى. غير أن تعلّمه أو العمل به إذا توقف على أمور محرمة في الشريعة كان حراماً، كما أن العمل به لأجل الإضرار به أو إنتاج أمور محرمة في الشريعة حرام بلا إشكال.
ــــــ[109]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الرابع: شرب المسكر
(مسألة 436) من شرب المسكر أو الفقاع مع الاختيار والعلم بالحكم والموضوع والبلوغ والعقل، وجب عليه الحدّ. سواء كان مسكراً فعلاً أم لا، وسواء شرب منه قليلاً أو كثيراً.
(مسألة 437) خرج بقيد الاختيار ما إذا شربه للإكراه، أو للتقية، أو للاضطرار لحفظ نفسه من الهلاك، فلا حدّ.
(مسألة 438) ولو كان جاهلاً بحرمة شرب المسكر، أو جاهلاً بكون هذا المائع الذي يشربه مسكراً لم يحدّ.
(مسألة 439) الأحوط أن يكون المدار صدق عنوان الشرب، فلو لم يصدق لم يجب الحدّ وإن أسكر. وهو لا يصدق على التزريق عن غير طريق الفم جزماً. بل لا يصدق أحياناً عن طريق الفم أيضاً كالتلمظ بالقطرة والقطرتين. وكذلك شرب مائع آخر قد أستهلك فيه الخمر، فإنه لا يصدق شرب الخمر قطعاً، فلا يجب الحدّ، وإن حرم الشرب.
(مسألة 440) لا فرق في المسكر بين أنواعه، كالمتخذ من العنب وهو الخمر، أو المتخذ من التمر وهو النبيذ أو المتخذ من الزبيب وهو النقيع، أو المتخذ من العسل وهو البتع، أو المتخذ من الشعير وهو المرز، أو المتخذ من الحنطة أو الذرة أو الخشب أو أي شيء أخر. ما دام مسكراً يحرم شربه، سواء قلنا بنجاسته أو لم نقل. ولو عمل المسكر من شيئين من الأمور السابقة أو من
ــــــ[110]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
واحد منها ومن غيرها، فعليه الحدّ.
(مسألة 441) يلحق بالمسكر في وجوب الحدّ: الفقاع. وإن فرض كونه غير مسكر، بل وإن قلنا بطهارته. إلا أن شربه حرام على أي حال، وفيه الحدّ.
(مسألة 442) لا إشكال في الحرمة والحدّ في شرب المسكر الممتزج بغيره إذا صدق عليه عنوان المسكر، بأن كان غيره مستهلكاً فيه. كما لا إشكال في الممتزج بغيره بحيث لا يصدق عليه العنوان لكن مع بقاء الإسكار. ولو زال الأمران وهما العنوان والإسكار، للاستهلاك في غيره، كالأدوية والأغذية، فإن قلنا بطهارته، فلا إشكال في جواز أكله وشربه وعدم الحدّ عليه. وإن قلنا بنجاسته وحرمة شربه، فالمشهور وجوب الحدّ، إلا أنه محل إشكال بل منع.
(مسألة 443) لو شرب المسكر مع علمه بالحرمة وجب الحدّ، ولو جهل أنه موجب للحدّ. ولو شرب مائعاً بتخيل أنه مسكر فاتضح أنه ليس بمسكر أو كان بتخيل أنه ليس بمسكر فبان مسكراً، لم يحدّ. ولو علم بأن المائع مسكر، وكان مسكراً فعلاً، إلا أنه تخيل أن ما عليه الحد هو ما أسكر فعلاً. فشرب منه قليلاً دون الإسكار، فالظاهر وجوب الحدّ.
(مسألة 444) لا إشكال في حرمة شرب العصير العنبي سواء غلى بنفسه أو بالشمس أو بالنار، إلا أن ينقلب خلاً. أو يذهب ما غلى بالنار ثلثاه. وهذا الأخير لم يثبت كونه مسكراً فتكون إقامة الحدّ على شربه محل إشكال، بل منع، وإن حرم شربه. وأما من شرب العصير بوجوده الطبيعي قبل تخميره، فلا إشكال في جوازه، سواء كان للعنب أو للزبيب أو لغيرهما.
(مسألة 445) يثبت شرب المسكر بشهادة عدلين، وبالإقرار مرة واحدة. سواء أقرّ بقصد الترافع أمام القضاء أو صدفة. لكن يجب أن يكون المقرّ بالغاً عاقلاً مختاراً. ولا يثبت الشرب بشهادة النساء لا منضمات ولا منفردات. ما لم يحصل العلم أو الاطمئنان من شهادتهن.
ــــــ[111]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 446) يعتبر في الإقرار به أن لا يقترن بشيء يحتمل معه جواز الشرب. كقوله: شربت للتداوي أو مكرهاً. ولو أقرّ بنحو الإطلاق وقامت القرينة على أنه شربه معذوراً لم يثبت الحدّ. ولو أقرّ بنحو الإطلاق ثم ادعى عذراً محتمل الصدق عليه، قبل منه. كما لا يكفي في ثبوت الحدّ وجود النكهة والرائحة.
(مسألة 447) إذا اختلف الشاهدان، فإن لم يكن اختلافهما مؤدياً إلى احتمال تعدد الواقعة، ثبت الشرب والحدّ، كما في الإطلاق في أحدهما والتقييد في الآخر. وأما إذا كان مؤدياً إلى ذلك لم يثبت الحدّ، كما لو اختلفا في نوعية المشروب هل هو الفقاع أو الخمر، أو مكان الشرب أو زمانه. وأَولى بعدم الحدّ، ما إذا شهد أحدهما بما يوجب العذر، كالجهل بالحكم أو الموضوع، فإنه لا يحدّ، وإن لم يشهد الآخر بذلك.
(مسألة 448) حدّ الشرب ثمانون جلدة، سواء كان الشارب رجلاً أم امرأة.
(مسألة 449) يحدّ الكافر حدّ الشرب إذا كان كتابياً ذمياً وغير متجاهر بالشرب، فشرب متجاهراً، بل يحدّ مطلق المتجاهر من الذميين. وأما غيرهم من الكفار ففي ثبوت الحدّ عليهم إشكال. ولكن لا يخلو من وجه مع التجاهر وثبوت الحرمة في دينهم، كما هي في ديننا.
(مسألة 450) يضرب الرجل الحدّ مجرداً عن الثياب بين الكتفين. وأما المرأة فتجلد مع وجوب ثوب ساتر غير مانع من ألم الضرب.
(مسألة 451) إذا شرب الخمر مرتين أو أكثر، فإن لم يحدّ بينهما حدّ بعدهما. وإن تكرر الحدّ مرتين، قتل في الثالثة. وكذلك الحال في سائر المسكرات.
ــــــ[112]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 452) لو شهد رجل واحد بشرب الخمر، وشهد آخر بقيئها، لزم الحدّ. نعم إذا أحتمل في حقه الإكراه أو الاشتباه لم يثبت الحدّ. وكذلك الحال, فيما إذا شهد كلا الشاهدين بالقيء.
(مسألة 453) المسلم إذا شرب الخمر مستحلاً، فإن احتمل في حقه الاشتباه، كما إذا كان جديد عهد بالإسلام. أو كان بلده بعيداً عن بلاد المسلمين لم يقتل. وإن لم يحتمل ذلك في حقه كان مرتداً، وتجري عليه أحكام المرتد، كل بحسبه من الملي أو الفطري أو الرجل أو المرأة، كما هو مذكور في محله. وكذلك الحال في استحلال سائر المسكرات، بل سائر الأطعمة المحرمة كالخنزير والميتة، بل سائر الضروريات في الدين.
(مسألة 454) إذا تاب شارب الخمر، توبة نصوحاً، قبل قيام البينة سقط عنه الحدّ، وأَولى منه ما إذا تاب قبل رفع أمره للحاكم. وأما إذا تاب بعد قيام البينة، أو أحرزنا أن توبته من أجل درء العقاب عنه، فلا إشكال في ثبوت الحدّ عليه.
(مسألة 455) إن أقرّ شارب الخمر بفعله، وعرف منه الشعور بالذنب، ولم تكن هناك بينة، فالحاكم مخير بين العفو عنه وإقامة الحدّ عليه.
(مسألة 456) ما يحصل في الحدّ أو التعزير, أياً كان سببه، من جروح أو من مرض ونحو ذلك لا يكون مضموناً على الإطلاق مع صدق الحكم. وأما الموت، فإن كان الحدّ قاتلاً، كالرجم، فلا إشكال في عدم ضمانه. وأما مع عدمه وأدى إلى الوفاة، مع عدم التجاوز، فالظاهر عدم الضمان، أيضاً. ولكنه أحوط استحباباً من بيت المال. وأما مع كذب الشهود فقد سبق في عدة مسائل كونه مضموناً عليهم أو على المدعي. بخلاف كذب الإقرار، فإنه غير مضمون.
ــــــ[113]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الخامس: السرقة
وفيه مقاصد:
المقصد الأول: شرائط وجوب الحدّ
(مسألة 457) يعتبر في وجوب حدّ السارق عدّة أمور:
الأمر الأول: البلوغ. فلو سرق الصبي لم يحدّ، بل يعفى عنه في المرة الأُولى بل الثانية أيضاً. ويعزر في الثالثة أو تقطع أنامله (وهي العقدة الأُولى من الإصبع) أو يقطع من لحم أطراف أصابعه، ولو أخذ من العظم قليلاً. أو تحك أطراف أصابعه حتى تدمى، هذا كله إذا كان طفلاً مميزاً. والأحوط أن لا يكون دون سبع سنين. فإن عاد قطع من المفصل الثاني (إذا كان قد قطع قبلها من المفصل الأول وإلا أمكن الاجتزاء بقطع المفصل الأول). فإن عاد للسرقة مرة خامسة قطعت أصابعه كلها. ولا فرق بين علم الصبي وجهله بالعقوبة.
الأمر الثاني: العقل، فلا يقطع المجنون إذا سرق حال جنونه، سواء كان مطبقاً أم أدوارياً. حتى وإن تكررت السرقة منه. نعم, يتعين تأديبه إن أمكن التأثير فيه.
الأمر الثالث: ارتفاع الشبهة. فلو توهم أن المال الفلاني ملكه، فأخذه، ثم بان أنه غير مالك له لم يحدّ. ويصدق إذا ادعى ذلك بدون يمين.
ــــــ[114]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الأمر الرابع: عدم الاضطرار والإكراه، فلا يحدّ من كان مكرهاً أو مضطراً.
الأمر الخامس: أن يكون المال بمقدار ربع دينار ذهبي مسكوك فأكثر، أو بقيمته من أي عملة كانت، وقيل يقطع في خمس دينار وهو الأظهر. والمعتمد عملة البلد الذي حصلت فيه السرقة. ولا قطع فيما نقص عن ذلك.
الأمر السادس: أن لا يكون المال مشتركاً بينه وبين غيره. فلو سرق من المال المشترك بقدر حصته أو أقل، لم يحدّ ولكنه يعزّر. نعم، لو سرق أكثر من مقدار حصته وكان الزائد بقدر ربع دينار من الذهب أقيم الحدّ. وفي حكم السرقة من المال المشترك: السرقة من المغنم أو من بيت مال المسلمين أو من الحقوق العامة، بالشرط المذكور وسائر الشرائط.
الأمر السابع: أن لا يكون السارق والداً لصاحب المتاع. فلو سرق الأب المتاع من ولده لم يحدّ. وأما لو سرق الولد من والده حدّ. ويحدّ سائر الأقارب، مع اجتماع الشرائط بما فيها الأم والأخ وغيرهما. وكذلك الزوج أو الزوجة.
الأمر الثامن: أن يكون المال محرزاً في مكان غير مأذون في دخوله والتصرف فيه. فلو سرق المال وهتك الحرز قطع. وأما لو سرقه من مكان غير محرز أو من مكان مأذون في دخوله أو كان المال تحت يده لم يقطع. ومن هذا القبيل (يعني غير المحرز): المال المستأمن فيما إذا خان وسرق الأمانة. وكذلك السرقة من الزوج أو الزوجة أو الأب أو الأخ ونحوهما فيما إذا لم يكن محرزاً، أو كان مأذوناً في الدخول. وكذلك من هذا القبيل: السرقة من المجامع العامة كالمساجد والحمامات العامة والساحات ونحوها. فإن كل ذلك مما لا حدّ فيه.
الأمر التاسع: أن يأخذ المال سراً، فلو هتك الحرز قهراً وعلناً وأخذ المال، لم يقطع.
الأمر العاشر: أن يكون المال ملك غيره، وأما لو كان متعلقاً لحق غيره،
ــــــ[115]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ولكن المال ملك نفسه، كما في الرهن، أو كانت منفعته ملكاً لغيره كما في الإجارة، لم يقطع.
الأمر الحادي عشر: أن لا يكون السارق عبداً للإنسان. فلو سرق العبد من مال مولاه لم يقطع. وكذلك الحال في عبد الغنيمة إذا سرق منها.
(مسألة 458) الدينار المسكوك الذي عرفناه في الأمر الخامس السابق يساوي مثقالاً شرعياً, وهو مقدار ثماني عشرة حبة من الذهب ويساوي 3.66 غرام. ويكون خمسها 3.6 حبة ويساوي 0.732 من الغرام. وقد نصطلح على الحبة: الحمصة أو القيراط. والمراد منها هنا شيء واحد.
(مسألة 459) من سرق طعاماً في مجاعة محتاجاً إليه لم يقطع.
(مسألة 460) المهم في الحرز أن يكون تصرف السارق فيه حراماً. سواء كان ملكاً لصاحب المال أو استعارة أو إجارة أو حتى لو كان غصباً. فإن حرمة التصرف على السارق ثابتة في كل ذلك. فلو استعار بيتاً أو استأجره فنقبه المعير أو المؤجر, فسرق مالاً للمستعير أو المستأجر, قطع.
(مسألة 461) الضيف مستثنى من وجوب القطع, إذا سرق من مضيفه.
(مسألة 462) إذا سرق الأجير من مال المستأجر, فإن كان المال في حرز قطع, وإلا فلا.
(مسألة 463) إذا كان المال في حرز, فهتكه أحد شخصين, وأخذ ثانيهما المال, لم يقطعا.
(مسألة 464) لا فرق في ثبوت الحدّ على السارق المخرج للمتاع من الحرز, بين أن يكون مستقلاً في عمله ذاك أو مشاركاً لغيره. فلو أخرج شخصان متاعاً واحداً, ثبت الحدّ عليهما جميعاً. ولا فرق في ذلك أيضاً بين أن يكون بالمباشرة أو أن يكون بالتسبيب إذا استند الإخراج إليه, كالإخراج بواسطة آلة أو
ــــــ[116]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
حيوان.
(مسألة 465) من نبش قبراً وسرق الكفن قطع, إذا بلغت قيمة الكفن نصاب القطع. ولعل الأقوى هو القطع مطلقاً, وإن كان التقيد بتلك القيمة أحوط.
(مسألة 466) لا فرق في الحدّ بين الذكر والأنثى والمسلم والذمي. وكذا لا فرق في المسروق منه كذلك. فيقطع المسلم وإن سرق من الذمي والذمي إذا سرق من مسلم أو ذمي. فضلاً عما إذا سرق مسلم من مسلم.
(مسألة 467) لو فرض رواج دينارين مسكوكين بسكتين, وكانا مختلفي القيمة. فهل يقطع بقيمة الأقل أو الأكثر, الأشبه كفاية بلوغ الأقل والأحوط بلوغ الأكثر.
(مسألة 468) لو سرق شيئاً وتخيل عدم وصوله إلى حدّ النصاب. كما لو سرق ديناراً بتخيل كونه درهماً, فالظاهر القطع, ولو انعكس كما لو سرق درهماً بتخيل كونه ديناراً لم يقطع.
(مسألة 469) لما كانت الأشياء مختلفة في الحرز في تعارف الناس. فلو كان موضع حرزاً لشيء فهل يكون حرزاً لكل شيء. الظاهر ذلك, ما دام عنوان الحرز محرزاً.
(مسألة 470) لو سرق سارق من جيب إنسان, دار القطع مدار صدق الحرز. فلو كان المال في الثوب الداخلي قطع. وكذا لو كان في الثوب الخارجي ولكنه محرز بسلسلة ونحوها. وكذا لو كان الجيب في بطانة الثوب الخارجي على الأظهر. وأما إذا كان جيب المالك ظاهراً مفتوحاً لم يقطع السارق. نعم, إذا شق شيئاً من القماش ضمنه.
(مسألة 471) لا إشكال في ثبوت القطع في أثمار الأشجار بعد قطفها وإحرازها. كما لا إشكال في عدم القطع إذا سرق الثمرة من الشجرة, ولم تكن
ــــــ[117]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الأشجار محرزة وأما إذا كانت محرزة, كما لو كان البستان مقفلاً, فهل يقطع بسرقة الثمار؟ الظاهر ذلك.
(مسألة 472) لا فرق في الحدّ بين الحر والعبد في غير سرقته من مال مولاه. ويجب على مولاه تسليمه للحدّ, ولا يكون مضموناً له.
(مسألة 473) المهم شرعاً في الحدّ أن يكون المال مملوكاً, ولا فرق في المالك بين أن يكون شخصياً أو كلياً. كملكية الذرية للوقف الذري وملكية المستحق للزكاة وسهم السادة. وأما لو لم يكن المال ملكاً لم يقطع على الأحوط, كالأوقاف على الجهات أو على الذرية من أجل ملكية المنفعة دون العين, وكذلك سهم الإمام, إذا قلنا بولايته عليه دون الملكية الشخصية, كما هو الظاهر.
(مسألة 474) باب الحرز وكذا ما بني على الباب والجدار من الخارج, وكذا القفل الذي عليها, كله ليس محرزاً. فإذا سرقه لا يقطع. نعم, لو كان في داخل الباب باب آخر كان محرزاً, كما أن الجدار الذي وراء الباب الأول محرز أيضاً, فلو سرق منه شيئاً أو مما عليه استحق الحدّ, مع سائر الشرائط.
(مسألة 475) لا قطع في سرقة الطيور مطلقاً وإن كان محرزاً. سواء كان مأكولاً كالدجاج والبط وغيرهما, أم لا.
(مسألة 476) لا قطع في سرقة مواد الأرض كالتراب والرمل والملح والصخر والرخام. وليس كذلك المعادن الداخلة فيها. كالأحجار الكريمة والنفط والذهب وغيرها.
المقصد الثاني: ما يثبت به حدّ السرقة
(مسألة 477) لا يثبت حدّ السرقة إلا بشهادة رجلين عدلين. ولا يثبت بشهادة رجل وامرأتين, ولا بشهادة النساء منفردات.
ــــــ[118]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 478) يثبت الحدّ أيضاً بالإقرار بالسرقة بشرائطها, مرة واحدة, وإن كان التكرار مرتين أحوط. وأما الغرم يعني ضمان المال المسروق, فلا إشكال في ثبوته بالإقرار مرة واحدة.
(مسألة 479) يعتبر في المقرّ البلوغ والعقل, فلا اعتبار بإقرار الصبي والمجنون. ولكن لا فرق في المقرّ بين الذكر والأنثى والرشيد والسفيه والحر والعبد على الأقوى.
(مسألة 480) يعتبر في المقرّ الاختيار والقصد, فلو أقرّ مكرهاً لم يقطع ولم يغرم. وكذلك الهازل والغافل والغالط والنائم والمغمى عليه, وأضرابهم, مع فقد القصد.
(مسألة 481) لو كذب المقرّ إقراره لم يسمع, بل يقطع.
(مسألة 482) لو تاب السارق قبل قيام البينة من غير خوف العقاب, سقط الحدّ, وكذا قبل الإقرار. وأما إذا تاب بعد الإقرار, فالأرجح أن يكون الإمام مخيراً بين العفو والقطع. وأما بعد البينة فلا سقوط.
المقصد الثالث: في الحدّ
(مسألة 483) حدّ السارق مع اجتماع الشرائط السابقة, وكانت السرقة هي الأُولى. بمعنى أنه لم يسبق له إقامة الحدّ. فالحدّ يكون بقطع الأصابع الأربع من اليد اليمنى, وتترك له الراحة والإبهام. ولو سرق ثانياً قطعت قدمه اليسرى وترك له العقب. وإن سرق ثالثة حبس دائماً وأنفق عليه من بيت المال. وإن سرق رابعة ولو في السجن قتل. ولا فرق في ذلك بين المسلم والكافر والذكر والأنثى والحر والعبد.
ــــــ[119]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 484) لو تكررت السرقة ولم يحصل الحدّ, فعليه حدّ واحد. وهو قطع اليمنى فقط. وأما لو قطعت يده ثم قامت بينة ثانية على سرقة ثانية لحقه الحدّ الثاني.
(مسألة 485) هل يجب الدقة في القطع من مفاصل الأصابع, أو يكفى الصدق العرفي لقطعها. الظاهر الثاني على أن لا يبقى لأي إصبع منها وجود ظاهر.
(مسألة 486) هل يجب إبقاء إبهام القدم لاستعماله في السجود. أو يجب إبقاء بعض ظاهره للمسح عليه في الوضوء. كل ذلك لم يثبت. فيجوز أن يقطع من عند الساق. لكن لا يقطع من مفصل الساق بل يبقى له العقب ليساعده على الوقوف والمشي المستقيم.
(مسألة 487) تقطع اليد اليمنى في السرقة دون اليسرى. سواء كانت طبيعيتين أو كانت اليمنى شلاء أو مشوهة واليسرى طبيعية أو بالعكس أو كانتا معاً شلاءين أو مشوهتين.
(مسألة 488) لو كان له في اليد اليمنى غير الإبهام أصابع أكثر من أربع, أو كان له نحو ذلك في رجله اليسرى, قطع كله.
(مسألة 489) لو كان له كفان في طرف يده اليمنى أو كان له يدان من المرفق أو من الكتف. فإن تميّزت الأصلية من الطارئة قطعت الأصلية. وإن لم تتميز فالأحوط الاقتصار على قطع إحداهما.
(مسألة 490) المشهور بين الأصحاب أنه تقطع اليمنى وإن لم تكن له يسار. وهو الأقوى وإن كان الأحوط خلافه. ولو كان له يمين حال السرقة, فذهبت قبل قطعها, لم تقطع اليسار.
ــــــ[120]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 491) لو سرق من لا يمين له سقط عنه القطع, ولا ينتقل إلى اليسرى ولا إلى الرجل اليسرى ولا إلى السجن, ولكنه يعزّر. وكذا لو سرق فقطعت يده اليمنى ثم سرق ثانياً, ولم تكن له رجل يسرى, فإنه يسقط عنه القطع, ولا تقطع يده اليسرى ولا رجله اليمنى ولا يحبس بل يعزّر. كما أن مثل هذا السارق لو سرق مرة ثالثة لم يحبس. بل يعزّر. ولو سرق رابعة, مع سبق الحدّ أو التعزير قتل.
(مسألة 492) لو قطع الحداد (وهو المنصوب لإقامة الحدود) يد السارق مع علمه بأنها يساره فعليه القصاص. ولا يسقط الحدّ عن السارق على المشهور, وفيه إشكال بل منع. وأما لو اعتقد بأنها يمينه فقطعها أجزأت وليس عليه شيء. وقيل عليه الدية وهو محل إشكال, وخاصة لو دفعها السارق نفسه متوهماً. كما أنه يسقط بذلك قطع اليمنى أيضاً.
(مسألة 493) كما يجوز القطع, يجوز إيلامه الملازم له, ولا يجب فيه التخدير الموضعي دفعاً للشعور بالألم.
(مسألة 494) لا تكون اليد المقطوعة مضمونة, لا قصاصاً ولا دية. ولا تضمن سرايتها ومضاعفاتها الاعتيادية ولا يجب قطع الدم عنها. نعم, يجب على الحاكم على الأحوط إنقاذه من الموت بهذا الجرح. وأما باقي التداوي فهو عليه أو على من تجب عليه نفقته, ولا يمنع عنه.
(مسألة 495) إذا مات السارق بقطع يده بدون توقع, فلا ضمان على أحد, وأما إذا مضت مدة كان يمكن فيها إنقاذه من الموت ولكن حصل الإهمال أو النسيان, فمات, فالظاهر ضمان ديته من بيت المال. مع انحصار السبب بالحدّ أو كونه الأهم.
(مسألة 496) إذا سرق اثنان مالاً لم يبلغ نصيب كل منهما نصاباً فلا قطع.
ــــــ[121]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
والمفروض أن النصيب بين السراق بالتساوي.
(مسألة 497) إذا عفا المسروق منه عن السارق قبل رفع أمره إلى الحاكم, أو بعده وقبل إقامة البينة, سقط عنه الحدّ. وأما بعد ذلك, فلا. والعفو عند إقامة الحدّ لا يلازم العفو عن دفع المال. بل يحتاج كل منهما إلى قصد مستقل.
(مسألة 498) إذا ثبتت السرقة بالإقرار أو البينة -بناء على قبول البينة في الأمور الحسبية كما هو الأقرب-, فهل للإمام أن يقيم عليه الحدّ من دون مطالبة المسروق منه. فيه خلاف. والأظهر جوازه. ونحوه إذا كان المسروق من الأموال العامة إذا كانت جامعة للشرائط كما سبق.
(مسألة 499) لو ملك السارق العين المسروقة, فإن كان ذلك قبل رفع أمره إلى الحاكم سقط عنه الحدّ. وكذا إن كان قبل قيام البينة على الأقوى. وإن كان بعده لم يسقط. ولا يفرق في سبب الملك هنا بين الشراء والهبة والإرث وغيرها.
(مسألة 500) لو أخرج المال من حرز شخص, ثم ردّه إلى حرزه. فإن كان الردّ إليه ردّاً إلى صاحبه عرفاً, سقط عنه الضمان, وفي سقوط الحدّ خلاف. والظاهر أنه منوط بوقت الردّ فإن كان قبل رفعه إلى الحاكم أو قبل قيام البينة سقط الحدّ, وإن كان بعدها لم يسقط.
(مسألة 501) إذا هتك الحرز جماعة, وأخرج المال منه واحد. فإن صدق أنه هاتك للحرز كما أنه مخرج للمال, فالقطع عليه خاصة دونهم. وإلا حدّ الجميع.
(مسألة 502) المهم في الحدّ هو الإخراج من الحرز, فلو صدق على واحد دون آخر اختص بالحدّ. كما لو قربه أحدهما إلى الخارج وأخرجه الآخر. أو
ــــــ[122]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
دخل أحدهما الحرز ودفع بالمال فأخرجه الآخر.
(مسألة 503) لو أخرج المال من الحرز بقدر النصاب, مراراً متعددة, قطع مرة واحدة.
(مسألة 504) إذا ثقب الحرز وأخذ من المال بقدر النصاب. ثم أحدث فيه حدثاً قبل إخراجه, بحيث تنقص قيمته عن النصاب. كما لو خرق الثوب أو ذبح الشاة, ثم أخرجه. فالظاهر أنه لا قطع. ولكنه يعزّر. ويضمن العين والأرش. وأما إذا كان المال حال إخراجه بمقدار النصاب, ثم نقصت قيمته السوقية بفعله أو فعل غيره, فلا إشكال في القطع.
(مسألة 505) يجب على السارق ردّ عين المسروق إلى مالكها. وإن تعيبت أو نقصت, ضمن أرش النقصان. ولو مات صاحبها قام ورثته مقامه. ولو لم يكن له ورثة فالحاكم الشرعي. وإن تلفت العين في يد السارق, ضمن مثلها إن كانت مثلية, وقيمتها إن كانت قيمية, بقيمة يوم التلف إذا تلفت قبل النقصان, وإلا ضمن النقصان والتلف معاً بقيمة يوم حدوثهما.
(مسألة 506) لو أخرج النصاب دفعات متعددة, فإن عُدّت سرقة واحدة, كما لو كان شيئاً ثقيلاً ذا أجزاء فأخرجه جزءاً جزءاً, بلا فصل طويل عرفاً, وجب عليه الحدّ. وأما لو سرق جزءاً منه في ليلة وجزءاً منه في ليلة أخرى, فصار المجموع نصاباً لم يقطع. ولو سرق نصف النصاب من حرز ونصفه من حرز آخر, فالأقوى عدم القطع.
(مسألة 507) لو دخل الحرز, فأخذ مقدار النصاب, وقُبض عليه داخل الحرز وقبل إخراج المال لم يقطع. ونحوه لو اضطر إلى التخلي عن المال في داخل الحرز إما إكراهاً أو ندماً أو اضطراراً ؛ لم يقطع.
ــــــ[123]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 508) إذا ابتلع السارق وهو في داخل الحرز ما هو بمقدار النصاب. فهنا صور:
الصورة الأُولى: أن يحصل بالبلع استهلاك المال, كالطعام إذا أكله. فلا قطع.
الصورة الثانية: أن لا يحصل الاستهلاك ويكون إخراجه من بطنه سهلاً عادة؛ وإنما قصد السارق إخراجه بهذه الطريقة. قطع.
الصورة الثالثة: أن لا يحصل الاستهلاك ولكنه بلعه بقصد حصوله ولم يحصل. قطع.
الصورة الرابعة: أن لا يحصل الاستهلاك بالبلع, ولكن يكون إخراجه من بطنه متعذراً, بحيث يكون كالتالف, فلا قطع.
الصورة الخامسة: نفس الصورة السابقة, لكن لا يكون كالتالف, وإنما يحتاج إخراجه إلى تعمد وصعوبة ؛ قطع.
وفي كل صورة تلف فيها المال أو كان كالتالف, ضمن السارق لمالكه, مثله أو قيمته. وكذا يضمن إذا نقص بالبلع ودفعه ناقصاً. ولو ردّ للمالك مثله أو قيمته, ثم اتفق خروجه سليماً, فالظاهر تخيير المالك بين الرضا بما وصل إليه, وإبقاء العين لدى الآخر, أو أخذ العين بعد إرجاع بدلها.
(مسألة 509) من باع إنساناً حراً, صغيراً كان أو كبيراً ذكراً كان أم أنثى ولداً كان أم غيره, قطعت يده, وضمن قيمته. ووجب على المشتري إطلاق سراحه.
ــــــ[124]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل السادس: المحاربة
(مسألة 510) من شهر السلاح لإخافة الناس المسلمين ونحوهم (وهم الأطفال والذميون), في برّ كان أو بحر وفي مصر كان أو غيره, وفي ليل كان أو نهار, ذكراً كان أم أنثى, مسلماً كان أم كافراً, نفي من البلد. إن لم يحصل منه سوى الإخافة.
(مسألة 511) لا يشمل ذلك كل من: الضعيف الذي لا يؤدي خروجه إلى إخافة الناس. ولا الصغير ولا المجنون, ولا اللاعب. ولا من حمل السلاح للدفاع عن نفسه أو عن أي حق ولا غير القاصد للإخافة, وإن حصل ذلك فيه.
(مسألة 512) من شهر سلاحه فاعتدى على الآخرين بغير حق. اقتص منه. ثم نفي إلى خارج البلد إن بقي حياً.
(مسألة 513) من شهر سلاحه وأخذ المال بغير حق ؛ قطعت يده ورجله من خلاف, يعني يده اليمنى مع رجله اليسرى. والأحوط أن يكون القطع بمقدار ما سبق في حدّ السرقة. ما لم يصدق الفساد في الأرض فيجوز الزائد, مع صدق العنوان.
(مسألة 514) من شهر سلاحه, وأخذ المال وضرب وعقر, ولم يقتل, فأمره إلى الإمام إن شاء قتله وصلبه, وإن شاء قطع يده ورجله.
(مسألة 515) من حارب فقتل ولم يأخذ المال, كان على الإمام أن يقتله.
ــــــ[125]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 516) من حارب وقتل وأخذ المال, فعلى الإمام أن يقطع يده اليمنى بالسرقة, والأحوط هنا الاقتصار على شروط حدّ السرقة. مضافاً إلى مباشرتها بنفسه, فلو أمر غيره حدّ الفاعل دونه. ثم يدفعه الإمام إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثم يقتلونه قصاصاً. وإن عفا الأولياء عن القصاص كان على الإمام أن يقتله, وليس لأولياء المقتول أن يأخذوا الدية منه فيتركونه.
(مسألة 517) لو قتل المحارب أحداً طلباً للمال, فلولي المقتول أن يقتله قصاصاً, إذا كان المقتول كفؤاً. يعني: من يجوز فيه القود. وإن عفا الولي عن القصاص وأخذ الدية, قتله الإمام حدّاً. وإن لم يكن المقتول كفؤاً، فلا قصاص عليه, ولكنه يقتل حدّاً.
(مسألة 518) لو قتل المحارب من القوم المدافعين ضده, اقتص منه.
(مسألة 519) لو حمل على غيره من غير سلاح ليأخذ ماله أو ليقتله, جاز للآخر بل وجب الدفاع عن نفسه ولو انجر إلى قتل المهاجم. لكنه لا يثبت له حكم المحارب ما دام بدون سلاح, ولو أخاف الناس بالسوط أو العصا أو الحجر, ففي ثبوت الحكم إشكال, ما لم يصدق عليه عرفاً حمل السلاح.
(مسألة 520) لو جرح المحارب أحداً, سواء كان جرحه طلباً للمال أم كان لغيره. اقتص الولي منه, ونفي من البلد. وإن عفا الولي عن القصاص فعلى الإمام أن ينفيه منه.
(مسألة 521) إذا تاب المحارب, لا للخوف من العقوبة, قبل أن يقدر عليه سقط عنه الحدّ. ولا يسقط ما يتعلق به من الحقوق كالقصاص والمال. ولو تاب بعد الظفر به لم يسقط عنه الحدّ, كما لا يسقط غيره من الحقوق.
(مسألة 522) تثبت المحاربة بالعلم وبالإقرار مرّة, والأحوط مرّتين,
ــــــ[126]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وبشهادة رجلين عدلين. ولا تقبل شهادة النساء منضمات ولا منفردات. ولا تقبل شهادة اللصوص والمحاربين بعضهم على بعض, ولا شهادة المعتدى عليهم أو المأخوذ منهم بعضهم لبعض, بل يكونون كلهم بمنزلة المدعي في المرافعة.
(مسألة 523) اللص إذا صدق عليه عنوان المحارب, كان حكمه مثله. وإلا كان مشمولاً لحكم السارق أو القاتل حسب فعله.
(مسألة 524) ينفى المحارب من مصر إلى مصر, ولا أمان له ولا يبايع ولا يؤوى ولا يطعم ولا يتصدق عليه حتى يموت. وهذا كله عدا النفي مرّة مبني على وجه من الاحتياط. وأحوط منه أن ينفى مرّة بعد مرّة من بلد إلى بلد, فلا يكون له استقرار. وأن يأمر الوالي الناس بمقاطعته بالنحو الذي أشرنا. والأحوط أن لا يكون مدة ذلك أقل من سنة وإن تاب. ولو لم يتب استمرت المقاطعة إلى أن يتوب أو يموت.
(مسألة 525) لو أخذ المال بغير محاربة لا يجري عليه حكمها. ولو أخذه بغير شروط السرقة لم يحدّ. كما لو أخذ المال وهرب أو احتال في أخذه بتزوير الإسناد أو الرسائل ونحو ذلك. وإنما يعزّر بمقدار ما يراه الحاكم.
(مسألة 526) يصلب المحارب -كما في بعض الصور السابقة- حياً. ولا يجوز إبقاؤه مصلوباً أكثر من ثلاثة أيام, ثم ينزل. فإن كان ميتاً يغسل ويكفن ويُصلّى عليه ويدفن. وإن كان حياً جاز الإجهاز عليه, كما يمكن صلبه على نحو يموت فيه.
ــــــ[127]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل السابع: الارتداد
(مسألة 527) المرتد هو من خرج عن دين الإسلام بعد أن كان فيه. وهو على قسمين باعتباره مسلماً أصلياً أو غيره.
القسم الأول: المرتد الفطري وهو الذي ولد على الإسلام وبلغ مسلماً, وكان من أبوين مسلمين أو أحدهما كذلك.
القسم الثاني: المرتد الملي. وهو من ولد على الكفر من أبوين كافرين وبلغ كافراً ثم أسلم ثم ارتدّ.
(مسألة 528) المرتد الفطري يجب قتله, وتبين منه زوجته, وتعتد عدّة الوفاة, وتقسّم أمواله الموجودة في ملكه حال ردّته, تقسّم بين ورثته. ولا تقبل توبته ظاهراً, وإن كان الأرجح قبولها باطناً.
(مسألة 529) المرتد الملي يستتاب. فإن تاب خلال ثلاثة أيام فهو, وإلا قتل في اليوم الرابع. ولا تزول عنه أملاكه, ولا تقسّم بين ورثته وينفسخ العقد بينه وبين زوجته, وتعتدّ عدة المطلقة إن كان مدخولاً بها.
(مسألة 530) يشترط في تحقق الارتداد عدّة أمور:
الأمر الأول: البلوغ. فلا أثر لارتداد الصبي. كما أنه لو ارتدّ صغيراً وبلغ كافراً, لم يطبق عليه الحكم على الأحوط. كما أن الكافر الأصلي إذا أسلم صغيراً وبلغ مسلماً ثم ارتدّ لم يطبق عليه الحكم. والمراد بالصبي هنا, من كان مميزاً.
ــــــ[128]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الأمر الثاني: العقل, فلا أثر لارتداد المجنون, ولو كان أدوارياً حال جنونه. ولكن لا اعتبار بالعوارض العقلية والنفسية الأخرى كالسفه والانعزالية والعصبية ونحوها. فإنها جميعاً موضوع للحكم.
الأمر الثالث: الاختيار, فلا اعتبار لمن أظهر الكفر تقية أو إكراهاً أو حرجاً.
الأمر الرابع: القصد, فلا يقع الارتداد فيما يقوله الفرد بلا قصد, كالهازل والساهي والغافل والمغمى عليه ونحوهم. ولو صدر منه حال غضب غالب أو حزن شديد لا يملك معه نفسه, لم يحكم بالارتداد.
الأمر الخامس: وجود التلفظ بما يوجب الارتداد. فلا عبرة بما يحصل في النفس بدون لفظ إلا أن ينطق بلسان. حتى لو كان ذلك عن قناعة, فضلاً عما إذا كان ساخطاً عليها. فإن حصل عن قناعة -والعياذ بالله- كان منافقاً, ولم يكن مرتدّاً. كما لا عبرة باللفظ الذي لا يوجب الارتداد وإن كان في نفسه حراماً, غير أنه لا يترتب عليه الحكم, كالتشكيك في الحكمة أو الوسوسة في الخلق أو الاعتراض على القدر أو على أفعال المعصومين.
(مسألة 531) لا يتعين أن يكون اللفظ الذي به الارتداد, جازماً بالباطل, بل يكفي التشكيك بما هو حق. باعتباره مضاداً لليقين بما يجب الاعتقاد به من الحق. فيعتبر مرتدّاً.
(مسألة 532) لو ظهر منه ما يوجب الارتداد. فادعى الإكراه مع احتماله أو ادعى عدم القصد وسبق اللسان مع احتماله قبل منه. ولو قامت البينة على صدور كلام منه موجب للارتداد, فادعى ما ذكر مع احتماله في حقه, قبل منه.
(مسألة 533) إذا كان للمرتدّ -بقسميه- ولد صغير, فهو محكوم بالإسلام
ــــــ[129]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ويرثه, ولا يتبعه في الكفر. وإن كفر والداه معاً. نعم إذا بلغ وأظهر الكفر حكم بكفره. ولو ولد للمرتدّ بعد ردّته, كان الولد محكوماً بالإسلام أيضاً. إذا كان انعقاد نطفته حال إسلام أحد أبويه, بل مطلقاً على الأقوى.
(مسألة 534) من كان بحكم الإسلام من الصبيان ولكنه بلغ كافراً, لم يترتب عليه حكم المرتدّ الفطري, بل يستتاب, فإن تاب وإلا قتل. لا يفرق في ذلك بين ما إذا كان أبوه مسلماً أو مرتدّاً فطرياً أو ملياً أو كلا والديه أو أحدهما كذلك.
(مسألة 535) إذا ارتدّت المرأة ولو عن فطرة لم تقتل. ولكنها تبين من زوجها وتعتد عدّة الطلاق. وتستتاب, فإن تابت فهو. وإلا حبست دائماً وضربت في أوقات الصلاة, واستخدمت خدمة شديدة, ومنعت من الطعام والشراب إلا ما يمسك رمقها, وألبست خشن الثياب, حتى تتوب أو تموت.
(مسألة 536) إذا تكرر الارتداد من الملي لم يقتل, وإذا تكرر من المرأة, فإن لم يكن قد سبق لها حدّ لم تقتل أيضاً. وإن سبق لها الحدّ مرتين, قتلت في الثالثة.
(مسألة 537) إذا تاب المرتدّ الفطري بينه وبين الله تعالى قبلت توبته, ولم يجز له تسليم نفسه إلى القضاء الشرعي, لأنه يتسبب بذلك إلى قتل مسلم.
(مسألة 538) إذا رتب الحاكم الشرعي آثار الارتداد على المرتد الفطري, ولكنه استطاع الهرب من القتل. أمكنه بناء حياة ثانية, وإن بانت منه زوجته وقسمت تركته. وذلك بتجديد العقد على زوجته, فإنها لا تحرم عليه مؤبداً, أو الزواج بأخرى. وبالاكتساب لأموال جديدة. وهذا واضح لو تاب. وأما لو لم يتب فهو سيعمل ذلك إهمالاً للحكم الشرعي.
ــــــ[130]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 539) لو جن المرتد الملي بعد ردته وقبل إعلانه التوبة, لم يقتل. ولو طرأ الجنون بعد استتابته وامتناعه المبيح لقتله قتل. كما يقتل الفطري إذا عرض له الجنون بعد ردته.
(مسألة 540) لو تاب المرتد الملي, فقتله من يعتقد بقاءه على الردة, فعليه القصاص, إلا أن يعتقد بامتناعه عن التوبة, فعليه الدية.
(مسألة 541) لو قتل المرتد الذي يجب قتله, مسلماً عمداً, فلولي الدم قتله قوداً. وهو مقدم على قتله بالردة. ولو عفا الولي أو صالحه على الدية, دفعها ثم قتل بالردة.
(مسألة 542) يثبت الارتداد بالعلم وبشهادة عدلين وبالإقرار. مرة واحدة, وإن كان الأحوط التكرار. وأما إذا كان الإقرار إقراراً بالكفر, فهو بمنزلة العلم. ولا يثبت بشهادة النساء منفردات ولا منضمات, ما لم يحصل من شهادتهن العلم العرفي.
(مسألة 543) غير الكتابي إذا أظهر الشهادتين حكم بإسلامه, ولا يجب التفتيش عن باطنه. بل الحكم كذلك حتى مع قيام القرينة, بالظن بأن إسلامه إنما هو للخوف من القتل. بمعنى عدم ترتيب آثار الكفر عليه عندئذ. وأما ترتيب آثار الإسلام عليه مع وجود هذه القرينة فمشكل, كالحكم بطهارته وجواز تزويجه والصلاة خلفه. وأما الكتابي فقال الجماعة بعدم الحكم بإسلامه في هذا الفرض. والظاهر كونه مشمولاً للتفصيل الذي قلناه.
(مسألة 544) إذا صلى المرتد أو الكافر الأصلي, في دار الحرب أو دار الإسلام, كان ذلك سبباً لدخوله في الإسلام. لاحتواء الصلاة على التلفظ بالشهادتين, ما لم تقم قرينة على الخلاف.
ــــــ[131]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 545) يجوز تزويج المرتد بقسميه بالمسلمة, ولكنه شديد المرجوحية, فهو بحكم الإسلام من هذه الناحية. ولا يفرق في ذلك بين المسلمة وغيرها وبين العقد الدائم والمنقطع وملك اليمين.
(مسألة 546) إذا ارتد الولي بالأصل وهو الأب أو الجد خرج عن الولاية على ولده الصغير, وعلى نكاح بنته الباكر. ولو تاب عادت له الولاية.
(مسألة 547) لا يتعين في المرتد اختيار العقيدة التي يرتد نحوها. بل يترتب عليه الحكم مطلقاً. فالمسلم الأصلي إذا أصبح كتابياً أو مشركاً أو معطلاً, كان مرتداً فطرياً. والمسلم الملي إذا عاد إلى ملته الأُولى أو إلى غيرها. أو أصبح معطلاً أو غير ذلك, كان مرتداً ملياً.
(مسألة 548) يتحقق رجوع المرتد عن ارتداده بالتلفظ بالحق الذي جحده. ولا يكفي القصد. فإن كان ارتداده بإنكار التوحيد تلفظ به, وإن كان بإنكار النبوة تلفظ بها. وهكذا, ولا يكفي إظهار عدم اعتقاده بما كان يعتقده من الباطل, أو بيان أنه باطل.
(مسألة 549) إذا أنكر ضرورياً من ضروريات الدين حكم بارتداده إذا رجع إلى تكذيب الشريعة أو صاحبها. وأما إذا لم يرجع إلى ذلك كان باطلاً ولم يكن مرتداً. كما إذا أنكر تحريم حرام أو وجوب واجب.
ــــــ[132]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثامن: التعزيرات
(مسألة 550) من فعل محرماً أو ترك واجباً شرعياً, ثابتاً عليه بالاجتهاد أو التقليد عالماً عامداً, عزره الحاكم حسب ما يرى من المصلحة وقد ورد أن فعل أي عصيان موجب للتعزير.
(مسألة 551) يثبت موجب التعزير بالعلم وبشهادة شاهدين عادلين, وبالإقرار مرة واحدة.
(مسألة 552) إذا أقر بالزنا أو باللواط دون الأربع لم يحد ولكنه يعزر.
(مسألة 553) من افتض بكراً غير الزوجة والمملوكة بإصبع أو غيرها, عزر على المشهور. وفيه إشكال, والأقرب أنه يحد بثمانين جلدة مع ضمان مهر مثلها إن كانت حرة, وفرق قيمتها لمولاها إن كانت مملوكة.
(مسألة 554) لا بأس بضرب الصبي تأديباً من قبل وليه خمساً أو ستاً مع رفق. وأما غير الولي, فلا يجوز أكثر من ثلاث تأديباً. وأما بغير التأديب فلا يجوز مطلقاً لأي فرد ولياً كان أم غيره وإلا استحق القصاص.
(مسألة 555) لا بأس بضرب المملوك من قبل مولاه تأديباً إلى عشر. والأحوط الاقتصار على خمس. بل إن أفاد الأقل لم يجز الأكثر. وأما الزيادة على العشر فغير جائزة وإن أفادت.
(مسألة 556) من باع الخمر عالماً بحرمته غير مستحل عزر. وإن استحله كان منكراً للضروري. وإن لم يكن عالماً بحرمته فلا شيء عليه, ولكن يوعظ
ــــــ[134]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ببيان حرمته له ليمتنع بعد ذلك. وكذلك من استحل شيئاً من المحرمات المعلوم حرمتها في الشريعة الإسلامية, كالميتة والدم ولحم الخنزير والربا والزنا. وغيرها, ولو ارتكب شيئاً منها, مما ليس عليه حد عزر.
(مسألة 557) لو نبش قبراً ولم يسرق الكفن عزر.
(مسألة 558) لو سرق ولا يمين له لكي تقطع في الحد. أو سرق ثانياً وليس له رجل يسرى سقط عنه الحد. وعزره الإمام بما يرى من المصلحة.
(مسألة 559) قد تقدم اختصاص قطع اليد بمن سرق من حرز. وأما المستلب جهراً أو المختلس خفية أو المحتال بالسرقة عن طريق التزوير للمستندات ونحوها, فليس عليهم حد, وإنما يعزرون, مضافاً إلى ضمان المسروق.
(مسألة 560) من وطء بهيمة. سواء كانت مأكولة اللحم أم لا. فلا حد عليه, ولكن يعزره الحاكم حسب ما يرى من المصلحة. وينفى من بلاده إلى غيرها, وأما حكم البهيمة نفسها, وحكم ضمان الواطئ, فقد تقدم في كتاب الأطعمة والأشربة من منهج الصالحين فراجع.
(مسألة 561) من بال أو تغوط بالكعبة متعمداً, أو عمل أي عمل بقصد الهتك لها, زاد الله شرفها, وكان فعله مقتضياً لذلك عرفاً, سواء كان محرماً شرعاً في نفسه أم لم يكن. وجب إخراجه منها ومن الحرم, وضربت عنقه. ومن فعل شيئاً من ذلك في المسجد الحرام ضرب ضرباً شديداً.
(مسألة 562) من استمنى بيده لغير ضرورة, يضرب على يده التي استعملها حتى تحمرّ. ومن استمنى بغير يده كذلك عزر بما يراه الحاكم.
(مسألة 563) من شهد شهادة زور جلده الحاكم حسبما يراه. ويطاف به ليعرفه الناس, ولا تقبل شهادته إلا إذا تاب وكذب نفسه على رؤوس الأشهاد, وعادت له العدالة.
(مسألة 564) إذا دخل رجل تحت فراش امرأة أجنبية عزر. والأحوط أن
ــــــ[134]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
تكون هي عندئذ موجودة, وأن لا تكون هناك ضرورة كالبرد ونحوه.
(مسألة 565) من أراد الزنا بامرأة, جاز لها قتله دفاعاً عن نفسها, وجاز لزوجها كذلك, ودمه هدر.
(مسألة 566) إذا دخل لص دار شخص بالقهر والغلبة, جاز لصاحب الدار محاربته, فلو توقف دفعه عن نفسه أو أهله أو ماله على قتله, جاز له قتله, وكان دمه هدراً, ولا ضمان على القاتل. ويلحق بالدار كل محل مملوك أو مملوك ما فيه كالخان والدكان. ويجوز له الكف عنه في مقابل ماله وترك قتله. هذا فيما إذا أحرز قصد المهاجم. وأما إذا لم يحرز ذلك واحتمل أن قصد الداخل ليس هو التعدي لم يجز له الابتداء بضربه أو قتله. نعم, له منعه من دخول داره.
(مسألة 567) لو ضرب اللص فعطل, بحيث أصبح صحياً غير قادر على الاستمرار بالعدوان, مهما كان العارض, لم يجز للضارب الضرب مرة أخرى. فلو ضربه ثانية كانت مضمونة. وكذا لو أوجبت الضربة السابقة إعراضه عن العدوان اختياراً, وكذا لو أعرض عن العدوان بأي سبب كان.
(مسألة 568) من اعتدى على زوجة رجل أو مملوكته أو ولده أو مملوكه, أو غيرهم من أرحامه أو أسرته, وأراد الجماع أو ما دون الجماع, فله دفعه. وإن توقف دفعه على قتله جاز, وكان دمه هدراً.
(مسألة 569) من اطلع على قوم في دارهم لينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه, فلهم زجره. فلو توقف ذلك على أن يفقؤوا عينه أو يجرحوه فلا دية عليهم. وهل يختص بمن اطلع من خارج المنزل أو يعم من دخله. الظاهر الاختصاص. وأما من دخله عدواناً فقد سبق حكمه. وهل يختص بقصد الاطلاع على العورات أو يعم كل محرم. الظاهر الثاني.
(مسألة 570) لو قتل رجلاً في منزله, وادعى أنه دخله عدواناً ولم يعترف الورثة بذلك, لزم القاتل إثبات مدعاه, فإن قامت البينة على ذلك أو على ما
ــــــ[135]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
يلازمه أو حصلت قرائن اطمئنانية به, فهو وإلا اقتص منه.
(مسألة 571) يجوز للإنسان أن يدفع عن نفسه أو ما يتعلق به وغيره. الدابة الصائلة أو الكلب الهائج, وكل حيوان له ضرر معتد به. فلو تلف بدفعه مع توقف الحفظ عليه فلا ضمان عليه, لا يفرق في ذلك بين الحيوان المأكول اللحم وغيره, والحيوان الآكل للحم وغيره, والحيوان المملوك والموقوف والمباح. غير أنه لو كان الضرر غير معتد به, كنقر الدجاج ونحوه. لم يجز الإتلاف, وكان مضموناً.
(مسألة 572) لو عض يد إنسان ظلماً, فانتزع يده فسقطت أسنان العاض بذلك, فلا قود ولا دية وكانت هدراً. وكذا في الصور الأخرى للاعتداء, كما لو أمسكه بيده ظلماً فانتزع يده قهراً فأصاب يد الماسك شلل أو جرح أو قطع.
(مسألة 573) لو تعدى رجلان أحدهما على الآخر, بدون صدق الدفاع, ضمن كل منهما ما جناه على الآخر. ولو كف أحدهما فصال الآخر, وقصد الكاف الدفاع عن نفسه فلا ضمان عليه.
(مسألة 574) لو تجارح اثنان, وادعى كل منهما أنه قصد الدفع عن نفسه. فإن حلف أحدهما دون الآخر, ضمن الآخر, يعني من لم يحلف. وإن لم يحلفا معاً ضمنا معاً. وإن حلفا معاً لم يضمنا معاً على الأحوط.
(مسألة 575) أجرة من يقيم الحدود من بيت المال, سواء كان مرتباً أو مؤقتاً. وقيل: إن أجرته على من يقام عليه الحد. فيما إذا لم يكن هناك بيت مال أو صرف المال فيما هو أهم. ولكن لا وجه له. بل ينتظر بأجرته حصول المال في بيت المال.
(مسألة 576) الحد في وطء المرأة الميتة كالحد في الحية رجماً أو ضرباً. والإثم هنا أكبر, فيعزر مضافاً إلى الحد على إشكال. ولو وطأ امرأته الميتة فعليه التعزير لا الحد. وفي اللواط بالميت حد اللواط بالحي. مضافاً إلى التعزير تغليظاً على إشكال. وفي وطء البهيمة الميتة التعزير كالحية.
ــــــ[136]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كتاب القصاص
وفيه فصول:
ــــــ[137]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ــــــ[138]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الأول: قصاص النفس
(مسألة 577) يثبت القصاص بقتل النفس المحترمة المكافئة عمداً وعدواناً.
(مسألة 578) يتحقق العمد بقصد البالغ العاقل للقتل, وأما الإكراه فسيأتي حكمه. ولا قصاص في قتل الصبي بل يعزر, ولا حكم لقتل المجنون.
(مسألة 579) يتحقق العمد إلى قصد السبب التام للقتل, وبقصد السبب ولو لم يكن قاتلاً غالباً, فيما إذا كان ترتب القتل عليه مظنوناً, وإلا لم يكن عامداً. نعم, لو فعله برجاء حصول الوفاة فمات فهو عامد. كما أن الظاهر تحقق العمد بقصد ما يكون قاتلاً عادة, وإن لم يكن قاصداً القتل عند الضرب. على أن يكون ملتفتاً إلى كونه غالبي القتل. وإلا لم يكن عامداً. وأما إذا لم يكن قاصداً القتل ولم يكن الفعل أو السبب قاتلاً عادة, كما إذا ضربه بعود خفيف أو رماه بحصاة فاتفق موته, لم يتحقق به موجب القصاص. ما لم يكن ذلك برجاء حصول الوفاة.
(مسألة 580) يتحقق العمد أيضاً بقصد الجزء الأخير للعلة, بحيث لا ينفك الموت عن فعل فاعل زماناً, إذا نسب الموت عرفاً إلى فاعله. وأما إذا نسب إلى الفعل الأسبق, فإلحاقه بالعمد مبني على ضرب من الاحتياط.
(مسألة 581) يتحقق العمد كذلك فيما إذا ترتب القتل على فعله من دون أن يتوسطه فعل اختياري اعتدائي من شخص آخر. كما إذا رمى سهماً نحو من أراد قتله فأصابه به, فمات بذلك بعده في مدة من الزمن ولو بالسراية. ونحوه فيما إذا
ــــــ[139]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
خنقه بحبل ولم يرخه عنه حتى مات. أو حبسه في مكان ومنع عنه الطعام والشراب حتى مات. أو نحو ذلك.
(مسألة 582) لو ألقى شخصاً في النار أو البحر متعمداً فمات. فإن كان المعتدى عليه متمكناً من الخروج ولم يخرج باختياره حتى مات, فلا قود ولا دية. وإن لم يكن متمكناً من الخروج وإنجاء نفسه من الهلاك, فعلى الملقي القصاص. والظاهر التفصيل بين ما إذا كان الملقي يظن الآخر قادراً على الخروج, فهو من قتل الخطأ, أو لا يظنه فهو من العمد.
(مسألة 583) إذا جنى عمداً ولم تكن الجناية مما يقتل غالباً, ولم يكن الجاني قد قصد بها القتل, ولكن اتفق موت المجني عليه بالسراية, فلا قصاص, بل يجري عليه حكم القتل الشبيه بالعمد.
(مسألة 584) لو ألقى بنفسه من شاهق على إنسان عمداً قاصداً به قتله, أو كان مما يترتب عليه القتل عادة, أو كان فعله برجاء حصول القتل, فقتله, فعليه القود. وأما بخلاف ذلك فلا قود. وأما إذا مات الملقي بنفسه فدمه هدر على كلا التقديرين.
(مسألة 585) لو قتله بغير التأثير على جسده, كالإخافة أو الفزعة أو السحر أو الطلاسم, فعليه القود. ما لم يثبت أن القاتل حقيقة هو خلق آخر كالجن, بحيث قتله مختاراً. فلا قود.
(مسألة 586) لو أطعمه عمداً طعاماً مسموماً يقتل عادة, إما لكونه مادة سامة وإما لفساده وعفنه وإما لكثرته وإما لصلابته أو حرارته وغير ذلك. فإن كان الآكل عالماً بالحال ومميزاً, ومع ذلك أقدم على أكله, فمات فهو المعين على نفسه, ولا قود ولا دية على المطعم. وكذا لو أحتمل الآكل ذلك احتمالاً معتداً به, ومع ذلك أقدم على أكله. وإن لم يعلم الآكل به أو كان غير مميز, فأكل فمات فعلى المطعم القصاص. بلا فرق بين قصده القتل به وعدمه, بعد علمه بالسببية أو السمية. ومن ذلك ما لو جعل السم في طعام صاحب المنزل وكان السم مما يقتل
ــــــ[140]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
عادة, فأكله صاحب المنزل جاهلاً بالحال, وكان الواضع عالماً بالصفة, فأكله الآخر فمات.
(مسألة 587) لو حفر بئراً عميقة في معرض مرور الناس متعمداً, وكان الموت يترتب على السقوط فيها غالباً, فسقط فيها المار ومات. فعلى الحافر القود, بلا فرق بين قصده للقتل, وعدمه. ما لم يكن في الحفر مصلحة دينية مهمة أهم من مفسدة القتل. وإن بعد الفرض. وأما بدونه فيضمن مع كونه سبباً غالباً. نعم, لو لم يكن سبباً غالباً وسقط فيها أحد المارة فمات اتفاقاً. فعندئذ إن كان الحافر قاصداً القتل لأحد؛ ولو إجمالاً, فعليه القود. وإلا فلا. وكذلك يثبت القصاص لو حفرها في طريق ليس في معرض المرور, ولكنه دعا غيره الجاهل بالحال لسلوكه قاصداً به القتل. أو كان السقوط فيها مما يقتل عادة فسلكه المدعو وسقط فيها فمات.
(مسألة 588) إذا جرح شخصاً قاصداً به القتل, فداوى المجروح نفسه بدواء مسموم أو أقدم على عملية جراحية ولم تنجح, فمات. فإن كان الموت مستنداً إلى فعل نفسه, ولو بالخطأ, فلا قود ولا دية على الجارح. نعم لولي الميت القصاص من الجاني بنسبة الجرح, أو أخذ الدية منه كذلك وإن كان الموت مستنداً إلى الجرح فعليه القود. وإن كان مستنداً إليهما معاً, كان لولي الدم القود بعد رد نصف الدية إليه, وله العفو وأخذ نصف الدية منه.
(مسألة 589) لو ألقاه من شاهق قاصداً به القتل, أو كان مما يترتب عليه القتل عادة, فمات الملقى به في الطريق خوفاً قبل سقوطه إلى الأرض كان عليه القود. ومثله ما لو ألقاه في بحر قاصداً به قتله, أو كان مما يترتب عليه الموت غالباً, فالتقمه الحوت قبل وصوله إلى البحر.
(مسألة 590) لو أغرى به كلباً عقوراً قاصداً به قتله, أو كان مما يترتب عليه القتل غالباً, فقتله, فعليه القود. وكذا الحال لو ألقاه إلى أسد كذلك (يعني قاصداً
ــــــ[141]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
به قتله أو كان مما يترتب عليه القتل غالباً). إذا كان ممن لا يمكنه الاعتصام منه بفرار ونحوه. وإلا فهو المعين على نفسه, فلا قود عليه ولا دية. ومثله ما لو أنهشه حية فقتلته, إما قاصداً به القتل أو كان مما يترتب القتل على نهشتها. وكل هذه الحيوانات مشروطة بعدم إمكانه الاعتصام منها. وإلا فلا قود ولا دية.
(مسألة 591) لو جرحه بقصد القتل, ثم عضه أسد صدفة, وسريا فمات بالسراية. كان لولي المقتول قتل الجارح بعد رد نصف الدية إليه. كما أن له العفو عن القصاص, ومطالبته بنصف الدية. هذا بعد التأكد من أن العضة غير قاتلة بمفردها ولو بالسراية, وإلا فلا قود ولا دية.
(مسألة 592) لو كتَّفه, ثم ألقاه في أرض مسبعة مظنة الافتراس عادة, أو كان قاصداً به قتله. فافترسته السباع فعليه القود. وأي ضرر جسدي حصل له دون القتل, فهو أيضاً مضمون على الفاعل. ولو ألقاه في أرض ليست مظنة الافتراس عادة, فافترسته السباع اتفاقاً, فإن كان قاصداً قتله, فعليه القود, وإلا فعليه الدية.
(مسألة 593) لو حفر بئراً فسقط فيها آخر بدفع ثالث فمات. فهنا عدة صور:
الصورة الأُولى: أن تكون البئر في الطريق العام, ولم يكن الدافع متعمداً. كان القود على الحافر.
الصورة الثانية: أن تكون البئر في الطريق العام, وكان الدافع متعمداً, فهما أعني الحافر والدافع, مشتركان في القتل. فيشملهما حكم الاشتراك فيه.
الصورة الثالثة: أن لا تكون البئر في الطريق العام, وكان الدافع متعمداً, كان هو القاتل دون الحافر.
الصورة الرابعة: أن لا تكون البئر في الطريق العام ولم يكن الدافع متعمداً, فلا قود على أي منهما. ولكن في اشتراكهما في الدية وجه.
ــــــ[142]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 594) لو أمسكه واحد وقتله آخر, قتل القاتل. وحبس الممسك مؤبداً حتى يموت. ولم يثبت وجوب التعزير عليه بهذا العنوان.
(مسألة 595) لو اجتمعت جماعة على قتل شخص فأمسكه أحدهم وقتله آخر, ونظر إليه ثالث بدون نكير. فعلى القاتل القود وعلى الممسك الحبس مؤبداً حتى الموت, وعلى الناظر أن تفقأ عيناه. والأحوط اختصاص عقوبة الناظر فيما إذا كان عيناً لهم.
(مسألة 596) لو أمر غيره بقتل أحد فقتله, فعلى القاتل القود, وعلى الآمر الحبس مؤبداً إلى أن يموت.
(مسألة 597) لو أكرهه على قتل ثالث, فإن كان ما توعد به دون القتل, فلا ريب في عدم جواز القصاص من المكره -بالكسر– ولو قتله المكره -بالفتح- عندئذ, كان عليه القود, وعلى المكره الحبس المؤبد. وإن كان ما توعد به هو القتل, مع إحراز التنفيذ, فيدخل ذلك تحت التزاحم بالأهمية شرعاً للقاتل والمقتول. فإن تساويا أو كان المقتول أقل أهمية من القاتل, فلا قود, ولكن عليه الدية. وإن كان المقتول أهم من القاتل في نظر الشارع المقدس, كما لو كان أحد العلماء ونحو ذلك, لم يجز على المكره -بالفتح- قتله. ووجب عليه تقديم نفسه للقتل. فلو قتله والحال هذه, كان عليه القود. وأما حكم المكره -بالكسر- فهو الحبس المؤبد. في أي صورة حصل فيها قتل الآخر. وإذا لم يمتثل المكره -بالفتح- فقتله المكره -بالكسر- فعليه القود.
(مسألة 598) ما سبق في المسألتين السابقتين يصح فيما إذا كان المكره -بالفتح – أو المأمور بالقتل بالغاً عاقلاً. وأما إذا كان مجنوناً أو صبياً غير مميز, فلا قود على المكره -بالكسر- ولا على المباشر (أعني الصبي أو المجنون). نعم على عاقلة الصبي الدية, وعلى المكره – بالكسر- الحبس المؤبد.
(مسألة 599) لو أمر المولى عبده بقتل شخص فقتله. فعلى المولى القود وعلى العبد الحبس المؤبد, ولو كان بالغاً عاقلاً.
(مسألة 600) لو قال أقتلني، فقتله, أو أمره بإيجاد السبب القاتل فأوجده فمات. فلا ريب أنه قد ارتكب محرماً. وهل يثبت القصاص -عندئذ- أم لا؟ الأظهر ثبوته إذا كان القاتل بالغاً عاقلاً مختاراً أو مكرهاً بما دون القتل. وأما إذا كان متوعداً بالقتل, فقتله, ضمن ديته.
(مسألة 601) لو أمر شخص غيره بأن يقتل نفسه, أو أمره بإيجاد السبب القاتل على نفسه, ففعل, فإن كان المأمور صبياً غير مميز, فعلى الآمر القود. وإن كان مميزاً أو كبيراً بالغاً. فقد أثم الآمر ولا قود عليه. وإن كان الظاهر ثبوت الدية في صورة المميز, وانتفاؤها أيضاً في البالغ الرشيد المختار. وكذا إذا كان مكرهاً متوعداً بما دون القتل أو بالقتل. وأما إذا كان متوعداً بما يزيد على القتل من الأمور. كما إذا قال: اقتل نفسك وإلا قطعتك إرباً إرباً, وفهم منه القدرة والهمة على التنفيذ. فالظاهر جواز قتله نفسه. ومثله ما لو كان التهديد لأكثر من واحد. وهل يثبت القود على المكره -بالكسر- ؟ وجهان. الأقرب عدمه, بل يحبس حتى يموت على الأظهر.
(مسألة 602) لو أكره شخصاً على قطع يد ثالث, أو أي اعتداء دون النفس, معيناً كان الثالث أم غير معين, وهدده بالقتل إن لم يفعل, جاز له قطع يده. وهل يثبت القصاص على المكره -بالكسر-؟ أو أن القصاص يسقط وتثبت الدية على المباشر؟ وجهان. الظاهر هو الثاني.
(مسألة 603) لو أكرهه على صعود جبل أو شجرة أو نزول بئر, فزلت قدمه فسقط فمات. فإن لم يكن الغالب في ذلك السقوط المهلك, ولا هو بقصد القتل, فلا قود عليه ولا دية. ومع تحقق الأمرين ثبت القود. وإن ثبت أحدهما دون الآخر, حبس حتى يموت.
(مسألة 604) لو أكرهه على شرب السم, كان الحكم ما ذكرناه من
ــــــ[144]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
التفاصيل في المسألة (601).
(مسألة 605) إذا شهدت بينة بما يوجب القتل, كما إذا شهدت بارتداد شخص أو بأنه قاتل لنفس محترمة أو نحو ذلك, أو شهد أربعة بما يوجب الرجم كالزنا, ثم بعد إجراء الحد ثبت أنهم شهدوا زوراً, كان القود على الشهود. ولا ضمان على الحاكم الآمر. ولا حد على المباشر للقتل أو الرجم. نعم, لو علم المباشر بأن الشهادة شهادة زور وقتله. كان عليه القود دون الشهود.
(مسألة 606) لو جنى على شخص فجعله في حكم المذبوح, ولم تبق له حياة مستقرة, بل بقي مشرفاً على الوفاة بدون شعور ولا نطق. ثم أجهز عليه آخر, كان القود على الأول وعلى الآخر دية ذبح الميت. وأما لو كانت حياته مستقرة بعد فعل الأول, كان القاتل هو الثاني وعليه القود, والأول جارح. وهذا واضح فيما لو لم يكن لفعل الأول تسبيباً معتداً به للموت. وأما لو كان مثل هذا التسبيب موجوداً, فلا يبعد صدق المشاركة في القتل, فيترتب عليه حكمه.
(مسألة 607) إذا قطع يد شخص, وقطع آخر رجله, قاصداً كل منهما قتله. فاندملت إحداهما دون الأخرى. وسرى الجرح الآخر وأدى إلى موته. فمن لم يندمل جرحه هو القاتل وعليه القود. ومن اندمل جرحه فعليه القصاص في الطرف أو ديته مع التراضي.
(مسألة 608) لو جرح اثنان شخصاً جرحين بقصد القتل, فمات المجروح بالسراية, فادعى أحدهما اندمال جرحه وصدّقه الولي. نفذ إقراره على نفسه, وليس له القود ممن يعترف له بالاندمال. وأما الآخر, فإن لم يدع الاندمال قيد به. وإن ادعى الاندمال أيضاً ونفاه الولي وادعى استناد الوفاة إلى جرحه. كان الجارح مدعياً وعليه البينة على الاندمال, وإلا قيد به.
(مسألة 609) إذا قطع اثنان يد شخص, ولكن أحدهما قطع من الزند والآخر من الذراع فمات بالسراية, فإن استند الموت إلى كلتا الجنايتين معاً, كان
ــــــ[145]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كلاهما قاتلاً. وإن استند إلى قاطع الذراع. فالقاتل هو الثاني, والأول جارح. نظير ما إذا قطع أحد يد شخص وقتله آخر, فالأول جارح والثاني قاتل.
(مسألة 610) لو كان الجارح والقاتل واحداً, فهل تدخل دية الطرف في دية النفس أم لا؟ وجهان قيل فيهما: إن الصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان القتل والجرح بضربة واحدة, وأما إذا كان بضربتين. فعلى الأول تدخل دية الطرف في دية النفس. وأما على الثاني فالمشهور هو التداخل أيضاً والاكتفاء بدية واحدة وهي دية النفس. وهو الأرجح, باعتباره قتلاً واحداً عرفاً. بخلاف ما إذا كان اعتداء في زمانين, فيكون المضمون كلتا الديتين.
(مسألة 611) وأما القصاص في نفس موضوع المسألة السابقة. فإن كان الجرح والقتل بجناية واحدة, كالضربة الواحدة, فلا ريب في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس. ولا يقتص منه بغير القتل. كما لا ريب في عدم التداخل إذا كان الجرح والقتل في زمانين متفرقين عرفاً كالصباح والمساء. وأما إذا كانت الضربتان متواليتين زماناً عرفاً. فهل يحكم بالتداخل؟ الظاهر أن المدار هو التتابع العرفي لسبب القتل. فمع حصوله يحكم بالتداخل وإلا فلا.
(مسألة 612) إذا قتل رجلان رجلاً -مثلاً- جاز لأولياء المقتول قتلهما بعد أن يردوا إلى أولياء كل منهما نصف الدية. كما أن لهم أن يقتلوا أحدهما، ولكن على الآخر أن يؤدي نصف الدية إلى أهل المقتص منه.
(مسألة 613) إذا قتل ثلاثة رجلاً واحداً، فقد ظهرت مما سبق كيفية التقسيم. فإنه إن قتل ولي المقتول واحداً من هؤلاء الثلاثة، وجب على كل واحد من الآخرين أن يرد ثلث الدية إلى أولياء المقتص منه، بحيث يقبضون ثلثي الدية. وإن قتل اثنين منهم وجب على الثالث أن يرد ثلث الدية إلى أولياء المقتص منهما بالتساوي، ويجب على ولي المقتول أن يعطي كلاً منهما ثلث الدية ليصل إلى أولياء كل واحد من المقتولين قصاصاً ثلثا الدية. كما أن لولي المقتول في هذا
ــــــ[146]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفرض أن يعطي لكل منهما ثلثي الدية ويرجع بنصف ما دفع إلى الثالث الذي لم يقتله والنتيجة واحدة. هذا، وإن أراد قتلهم جميعاً كان له ذلك، بعد أن يرد إلى أولياء كل واحد منهم ثلثي الدية.
(مسألة 614) تتحقق الشركة في القتل بفعل شخصين أو أكثر معاً، وإن كانت جناية أحدهما أكثر من جناية الآخر. فلو ضرب أحدهما ضربة والآخر ضربتين أو أكثر. فمات المضروب، واستند موته إلى فعل كل منهما، كانا متساويين في القتل وليس أن قتل أحدهما أكثر أو أشد. ومعه يكون لولي المقتول أن يقتل أحدهما قصاصاً، كما أن له أن يقتل كليهما، على التفصيل المتقدم.
(مسألة 615) لو اشترك إنسان مع حيوان -بلا إغراء- في قتل مسلم، فلولي المقتول أن يقتل القاتل، بعد أن يرد إلى وليه نصف الدية. وله أن يطالبه بنصف الدية.
(مسألة 616) إذا اشترك الأب مع أجنبي في قتل ابنه، جاز لولي المقتول (وهو غير الأب القاتل) أن يقتل الأجنبي ويدفع إلى وليه نصف الدية. وأما الأب فلا يقتل، بل عليه نصف الدية، يعطيه، إما إلى ولي المقتول (الابن) وإما إلى ولي المقتص منه، في فرض القصاص. وكذلك الحال فيما إذا اشترك مسلم وذمي في قتل ذمي.
(مسألة 617) يقتص من الجماعة المشتركين في جناية الأطراف، حسب ما عرفت في قصاص النفس. فله أن يقبل الدية وحدها وتقسم على الفاعلين بالنسبة. وله أن يقتص من الجميع، مع رد نسبة من الدية إليهم مقسومة على عددهم. أو يقتص من البعض دون البعض. فيرد على من اقتص منه بعض الدية بالنسبة ويأخذ ممن لم يقتص منه بعض الدية بالنسبة. والاختيار بيد المجني عليه. وهو المالك للدية. فإن كان قاصراً قبل الجناية أو بالجناية كان القصاص بيد وليه.
ــــــ[147]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 618) تحقق الشركة في الجناية على الأطراف، بفعل شخصين أو أكثر معاً، بحيث تستند الجناية إلى فعل الجميع. كما لو وضع جماعة سكيناً على يد شخص وضغطوا عليها حتى انقطعت. وأما إذا وضع أحد سكيناً فوق يده وآخر تحتها وضغط كل واحد منهما على سكينه حتى التقيا. فذهب جماعة إلى أنه ليس من الاشتراك في الجناية، بل على كل منهما القصاص في جنايته. ولكنه مشكل جداً، ولا يبعد تحقق الاشتراك، للصدق العرفي. ولكن إن أريد القصاص، فالأحوط عدم الزيادة على فعل المقتص منه كمية وكيفية.
(مسألة 619) لو اشتركت امرأتان في قتل رجل. كان لولي المقتول قتلهما معاً بلا رد. ولو كن أكثر، كان له قتل جميعهن بعد رد فاضل ديتهن إليهن. وأما إذا قتل بعضهن، كما إذا قتل اثنتين من الثلاث -مثلاً- وجب على الثالثة رد ثلث دية الرجل إلى أولياء المقتص منهما. أو أن ترده على ولي الدم، ويغرم هو من عنده الرد على المقتص منهما. والنتيجة واحدة، كما قلنا في أمثاله مما سبق.
(مسألة 620) إذا اشترك رجل وامرأة في قتل رجل. جاز لولي المقتول قتلهما معاً، بعد أن يرد نصف الدية إلى أولياء الرجل، دون أولياء المرأة. كما أن له قتل المرأة، ومطالبة الرجل بنصف الدية. وأما إذا قتل الرجل وحده، وجب على المرأة رد نصف الدية إلى أولياء المقتص منه.
(مسألة 621) في كل موضع وجب فيه الرد على الولي، عند إرادته القصاص، على اختلاف موارده، قيل: إنه يلزم تقديم الرد على استيفاء الحق. وهو أحوط، إلا أن الظاهر عدم ثبوت اللزوم. وإنما ثبت أصل وجوب الرد. فإن قدم الرد دفعه إلى المقتص منه وإن أخره دفعه إلى وليه. وعلى أي حال، تدخل الدية في ملك المقتص منه وتورث.
(مسألة 622) لو قتل رجلان رجلاً، وكان القتل من أحدهما خطأ ومن الآخر عمداً، جاز لأولياء المقتول قتل القاتل عمداً بعد ردهم نصف ديته إلى
ــــــ[148]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وليه. مع مطالبة عاقلة القاتل خطأ بنصف الدية. كما أن لهم التنازل عن قصاص القاتل، وأخذ الدية منه بقدر نصيبه. وكذلك الحال فيما إذا اشترك صبي مع رجل في قتل رجل عمداً. فإنه بمنزلة القاتل خطأ ليس عليه قصاص. بل عليه الدية.
(مسألة 623) لو اشترك حر وعبد في قتل حر عمداً، كان لولي المقتول قتلهما معاً. مع رد نصف الدية إلى أولياء الحر. وأما العبد فيقوم فإن كانت قيمته تساوي نصف دية الحر أو أقل، فلا شيء على الولي. وإن كانت أكثر منه، فعليه أن يرد الزائد إلى مولاه. ولا فرق في ذلك بين كون الزائد بمقدار نصف دية الحر أو أقل. نعم لو كانت قيمة العبد أكثر من مجموع الدية الكاملة، لم يجب عليه رد الزائد على النصف. بل يقتصر على رد النصف.
(مسألة 624) إذا اشترك عبد وامرأة في قتل حر. كان لولي المقتول قتلهما معاً بدون أن يجب عليه رد شيء بالنسبة إلى المرأة. وأما العبد فقد مر في المسألة السابقة التفصيل فيه. وإذا لم يقتل العبد كان له استرقاقه. وعندئذ، إن كانت قيمته أكثر من نصف دية المقتول رد الزائد على مولاه على الأحوط استحباباً. وإلا فلا. وينطبق هذا الاحتمال على المسألة السابقة أيضاً.
(فروع في أقسام القتل)
ينقسم سبب القتل إلى قسمين: أحدهما المباشرة والآخر التسبيب. وتنقسم المباشرة إلى تقسيمين: الأول: أن يقصد القتل أولا يقصده. والثاني: أن يستعمل السبب القاتل أو الكافي لإحداث الوفاة، أو أن يستعمل سبباً غير قاتل ولكن تترتب عليه الوفاة. وبضرب اثنين في اثنين يحدث أربعة أقسام:
القسم الأول: أن يقصد القتل بسبب قاتل. ولا إشكال في كونه عمداً موجباً لحق القصاص.
القسم الثاني: أن يقصد السبب القاتل بدون قصد النتيجة وهي موت
ــــــ[149]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المقتول. وهو أيضاً من أقسام العمد الموجب للقصاص، لكفاية قصد السبب النوعي للوفاة.
القسم الثالث: أن يقصد القتل بسبب غير قاتل غالباً، فيحصل القتل. وهو أيضاً عمد موجب لحق القصاص، باعتبار وجود قصد القتل مع حصوله. والضابط في هذه الأقسام الثلاثة كفاية أحد الأمرين لحق القصاص: إما قصد القتل أو قصد السبب القاتل.
القسم الرابع: أن يستعمل السبب غير القاتل نوعاً وغالباً، مع عدم قصد القتل. ومع ذلك تتحقق الوفاة وتترتب عليه. فهذا لا يوجب القصاص.
والفرق بين المباشرة والتسبيب اللذين قلناهما: أن المباشرة تتحقق باستقلال الفاعل أو القاتل بإيجاد النتيجة وهي الوفاة على أحد الأقسام الأربعة السابقة. وأما التسبيب فبانضمام فعل آخر إلى فعله، بحيث تترتب الوفاة على مجموع الفعلين. أو قل: أنه لولا الفعل الآخر لما مات المقتول قطعاً أو احتمالاً. ومن هنا خرجت صورة ما إذا كان الفعل الآخر ضعيفاً إلى درجة لا يحتمل فيها ترتب الوفاة، وكان السبب القوي للفاعل. فيكون ذلك من المباشرة لا من التسبيب.
ثم أن التسبيب أو الفعل الآخر الدخيل في إحداث الوفاة يكون على أقسام:
القسم الأول: أن يكون تأثيراً طبيعياً لا دخل لغير القاتل فيه. فيكون كله داخلاً في العمد الموجب للقصاص. كما لو ألقاه في النار وتعذر عليه الخروج منها إلى أن مات أو ألقاه في البحر كذلك. فالقاتل المباشر وإن كان هو النار أو البحر، إلا أنه سبب قسري مترتب على سبب اختياري، فتكون المسؤولية على السبب الأسبق. ومنه القتل بالسحر ومنه القتل بالسراية، ويراد بها انتشار المرض في الجسم نتيجة للجرح أو الضرب. بحيث تحصل الوفاة، فكل ذلك من أقسام العمد، وقد سبقت فروع مما تخص كل ذلك.
ــــــ[150]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
القسم الثاني: أن ينضم إلى فعل القاتل فعل المجني عليه ومباشرته. كما لو قدم له طعاماً مسموماً فأكله أو مشى بطلب منه في طريق مسبعة أو فيها بئر عميقة فمات. ففي مثله: إن كان المجني عليه غافلاً عن الخطر كان الفاعل عامداً في قتله وعليه القصاص. وإن كان المجني عليه ملتفتاً ولو احتمالاً إلى الخطر، فقد أعان على نفسه، أو هو قاتل نفسه في الحقيقة. فلا قصاص ولا دية على الآخر.
القسم الثالث: أن ينضم إلى فعل القاتل فعل إنسان آخر. وهذا يكون على أنحاء:
النحو الأول: المباشرة العمدية للمشاركة في القتل مباشرة أو تسبيباً. وفي مثل ذلك يكون كلاهما قاتلا عمداً وعليه القصاص. ولكن مع اختيار ولي الدم القصاص، يرد نصف الدية على كل منهما أو لوليهما، ومع اختياره الدية، يأخذ نصفها من كل منهما. وقد سبق الحديث عن فروع ذلك.
النحو الثاني: المباشرة بالإكراه. ولا يتحقق الإكراه في القتل إلا في فروض قليلة، كما لو كان القاتل أعظم شأناً عند الله من المقتول أو كان التهديد والإكراه أكثر من القتل. عندئذ يجوز للمكره -بالفتح- القتل. ويكون القصاص على المكره -بالكسر-. ولو لم تكن هذه الموارد متحققة وجب عليه، يعني المكره -بالفتح- تقديم نفسه وعدم قتل الآخر. فإن قتله والحال هذه كان عليه القصاص أو الدية، دون الآخر. نعم سبق في عدد من الفروع: وجوب أن يحبس الآمر حتى يموت. هذا إذا كان المأمور قادراً مختاراً، وبه يتحقق الإكراه. وأما لو كان مجنوناً أو طفلاً غير مميز فاستناد القتل ومسؤوليته تكون كاملة على الآمر.
القسم الرابع: أن ينضم إلى فعل الإنسان القاتل فعل حيوان. وهذا يكون على نحوين:
ــــــ[151]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
النحو الأول: أن يكون الحيوان هو المباشر للقتل وحده، كما لو ألقاه إلى سبع أو أغرى به كلباً أو ألقاه إلى أفعى فتسبب ذلك إلى قتله. فهذا يكون مستنداً إلى الفاعل الإنسان محضاً، لأن الحيوان كالآلة، لا دخل لأرادته من الناحية الفقهية والقانونية.
النحو الثاني: أن يكون الحيوان مشاركاً في القتل، كما لو كان سبب الموت ضرب الإنسان مع عضة الكلب، إما بالفور أو بالسراية. فإن كان القاتل هو المسبب لمشاركة الحيوان، كان هو القاتل وعليه القصاص. وإن لم يكن هو المسبب لها، بل حدثت على سبيل الصدفة، كان ضامناً لبعض القتل، فتؤخذ منه نصف الدية أو يقاد فيقتل وتدفع إليه أو إلى وليه نصف الدية.
ثم إنهم قسموا الجناية باعتبار قصدها إلى ثلاثة أقسام: عمد وشبه العمد (أو عمد الخطأ) وخطأ محض. وقالوا: أن العمد أن تضربه وأنت تريد قتله، والخطأ هو أن تضرب حيواناً أو شجرة فيقع السهم عليه فيقتله. وشبه العمد أن تضربه وأنت غير قاصد قتله فيموت. وهذا راجع بالدقة إلى ما سبق أن قلناه من قصد القتل أو قصد السبب القاتل. فإن تحقق القصدان فهو عمد. وإن انتفيا معاً فهو خطأ. وإن وجد أحدهما دون الآخر، كما في المثال حيث تحقق القصد إلى السبب دون المسبب وهو الموت. فهو شبه العمد. ولا فرق في الخطأ بين أن تضربه بسبب غير قاتل ولا تريد قتله، أو أن لا تضربه إطلاقاً بل تضرب غيره، فيقع عليه. وفي هذا لا يفرق بين أن يكون السبب قاتلاً غالباً أو غير قاتل. ومن هنا ألحق بعضهم الأول من هذين النحوين بشبه العمد، لا بالخطأ المحض.
والمهم أن الانقسام فقهياً إنما هو إلى القتل العمد، والقتل الخطأ. ولا حكم لشبه العمد مستقلاً في باب القصاص، فهو إما ملحق بالعمد أو ملحق بالخطأ. وقد عرفنا أنه مع قصد القتل أو قصد السبب القاتل، فهو عمد، وإلا فهو خطأ.
ــــــ[152]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
فإن كان القتل عمداً وجب عليه القصاص بمطالبة ولي الدم، وله العفو عنه والتنازل إلى الدية. وإن كان القتل خطأ لم يكن لولي الدم القصاص. بل يتعين عليه أخذ الدية وله العفو عنها أو عن بعضها، بمعنى إبراء ذمة القاتل من ذلك.
ولنا أن نذكر في ما يلي بعض الفروع على هذه الأقسام، مما لم يسبق لنا ذكره، بمقدار ما هو متيسر إن شاء الله تعالى:
(مسألة 625) لو خنقه أو غمسه في الماء أو في التراب. فإن لم يتركه حتى مات، فهو من العمد بلا إشكال. وإن تركه وهو منقطع النفس أو ضعيفه، فمات فهو من العمد أيضاً.
(مسألة 626) لو فعل أحد المذكورات بمقدار لا يقتل مثله غالباً لمثله. ثم أرسله، فمات بسبب ذلك. فإن قصد القتل ولو بعنوان رجاء وقوعه. فهو عمد وعليه القصاص. وإلا فهو خطأ وعليه الدية. وكذا لو داس بطنه أو عصر خصيته أو رضّها على التفصيل السابق.
(مسألة 627) لو كان الطرف ضعيفاً، لمرض أو صغر أو كبر ونحوه. ففعل به ما لا يقتل الفرد العادي بغير قصد القتل، ولكنه كان بالنسبة إلى هذا الضعيف قاتلاً ولو بالسراية. فهو عمد، مع علمه بضعفه.
(مسألة 628) لو ضربه بما لا يوجب القتل، فأعقبه مرضاً بسببه ومات به، فإن لم يقصد القتل ولو رجاء لم يكن عمداً. ومع قصده فهو عمد وعليه القود.
(مسألة 629) لو منعه عن الطعام والشراب أو عن أحدهما، مدة لا يحتمل في مثله البقاء. فهو عمد لأنه من قصد السبب القاتل، وإن لم يقصد القتل. وإن كان مدة يتحمل مثله عادة، فكونه عمداً منوط بأن يكون قاصداً ولو برجاء القتل، وإلا كان خطأ وعليه الدية.
ــــــ[153]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 630) لو فصده ومنعه عن شده فنزف الدم حتى مات. فهو عمد وعليه القود. ولو فصده وتركه، فإن كان قادراً على الشد وأهمله تعمداً وتخاذلاً، فهو الذي أعان على نفسه، ولا شيء على الفاصد، لا القصاص ولا الدية. وإن لم يكن قادراً على الشد، فإن علم الفاصد ذلك حين الفصد، فهو عمد وعليه القود. وكذا لو لم يعلم ولكن قصد القتل بفعله ولو رجاء. وإن لم يقصد فهو خطأ وعليه الدية.
(مسألة 631) لو قتله أو تسبب إلى قتله، بتخيل أنه مهدور الدم، فبان الخلاف. لم يكن من العمد.
(مسألة 632) لو كان في بيته طعام مسموم، فدخل شخص فأكله بلا إذنه ومات، فلا قود ولا دية. وكذا لو دعاه إلى داره لا لأكل الطعام فأكله بدون إذنه.
(مسألة 633) لو أنهشه حية لها سم قاتل، بأن ألقمها شيئاً من بدنه. فهو من العمد وعليه القود. وكذا لو طرح عليه حية فنهشته فهلك. وكذا لو جمع بينها وبينه في مضيق أو باب مسدود لا يمكنه الفرار منه. وكذا لو كان ضعيفاً لا يمكنه الفرار، وكان الجاني يعلم ضعفه. وأما إذا أمكنه الفرار ولم يفر، فليس على الفاعل قصاص ولا دية.
(مسألة 634) لو أكرهه على الصعود إلى شاهق، فزلقت رجله فسقط فمات. فإن كان بقصد القتل ولو رجاء حدوثه فهو من العمد، وكذا لو كان الشاهق سبباً غالباً للسقوط.
ــــــ[154]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثاني: شروط القصاص
وهي عديدة:
الشرط الأول: أن يكون المقتول محقون الدم، فلا قود في القتل السائغ شرعاً. كقتل الساب للنبي والأئمة الطاهرين. وقتل المرتد الفطري والمحارب والمهاجم القاصد للنفس، أو للعرض أو للمال. وكذا لا قود في قتل من يقتل بقصاص أو حد وغير ذلك. والضابط في ذلك: هو كون القتل سائغاً شرعاً.
الشرط الثاني: أن يكون القتل عمداً، كما سبق شرحه في الفصل السابق، لا أن يكون خطأ أو شبه العمد. فإن عليه الدية خاصة فيهما.
الشرط الثالث: التساوي بين القاتل والمقتول في الحرية والرقية. ولا يشترط التساوي في الذكورة والأنوثة ولا في حلية الميلاد ولا في المذهب إذا كانا مسلمين أو كافرين، ولا في العدالة والفسق.
(مسألة 635) إذا قتل الحر الحر عمداً قتل به. وكذا إذا قتل الحر الحرة. ولكن بعد رد نصف الدية إلى أولياء المقتص منه.
(مسألة 636) إذا قتلت الحرة الحرة قتلت بها.
(مسألة 637) إذا قتلت الحرة الحر، قتلت به، وليس لولي المقتول مطالبة وليها بنصف الدية.
ــــــ[155]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 638) إذا قتل الحر الحر أو الحرة بالخطأ أو شبه العمد، فلا قصاص. نعم، تثبت الدية. وهي في الخطأ تحمل على عاقلة القاتل. وفي شبه العمد تكون في ماله، كما سيأتي تفصيله في كتاب الديات إن شاء الله تعالى.
(مسألة 639) إذا قتل الحر أو الحرة العبد أو الأمة فلا قصاص. وعلى القاتل قيمة المقتول يوم قتله لمولاه. إذا لم يتجاوز دية الحر. وإلا فلا يغرم الزائد. وفي الأمة قيمتها يوم قتلها أيضاً إذا لم تتجاوز دية الحرة. وإذا كان العبد أو الأمة ذمياً غرم القاتل قيمته إذا لم تتجاوز دية الذمي أو الذمية. والضابط فيما ذكرناه: أن يكون العبد كله مملوكاً غير مشقص. سواء كان قناً أم مدبراً أم أمّ ولد، أم مكاتباً مشروطاً أم مطلقاً لم يؤد من مال الكتابة شيئاً. وسيأتي حكم المشقص. ولا فرق في كل ذلك بين الذكر والأنثى في القاتل والمقتول. كما لا فرق فيما ذكرناه بين قتل العبد عمداً أو شبه العمد أو خطأ. غاية الأمر أن الدية وهي قيمته، كما سبق، تحمل على عاقلة القاتل الحر في الخطأ المحض، وإلا ففي مال القاتل نفسه.
(مسألة 640) يضاف إلى دفع قيمة العبد إذا قتله الحر، كما سمعنا في المسألة السابقة. يضاف لزوم أن يضرب القاتل ضرباً شديداً تعزيراً، إذا كان القتل عمداً.
(مسألة 641) إذا اختلف الجاني ومولى العبد في قيمة العبد المقتول يوم القتل، فالقول قول الجاني مع يمينه، إذا لم تكن للمولى بينة.
(مسألة 642) إذا قتل المولى عبده بدون أن يعذبه، فعليه كفارة جمع يعني: أن يعتق رقبة وأن يصوم شهرين متتابعين, ويطعم ستين مسكيناً. وإن قتله بتعذيب، فإن لم يكن معروفاً بقتل العبد ضرب مئة ضربة تعزيراً وحبس لمدة سنة، وأخذت منه قيمته يتصدق بها أو تدفع إلى بيت مال المسلمين. وإن كان معتاداً على قتل العبيد ولو من غير ملكه، قتل به. ولا فرق فيما ذكرنا في المولى
ــــــ[156]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
بين الرجل والمرأة كما لا فرق في المقتول بين العبد والأمة. كما لا فرق بين القن والمدبر والمكاتب المشروط والمكاتب المطلق الذي لم يؤد من مال كتابته شيئاً.
(مسألة 643) إذا قتل الحر أو الحرة متعمداً عبداً مكاتباً أدى من مال مكاتبته شيئاً، لم يقتل به، ولكن عليه أن يدفع دية الحر بمقدار ما تحرر منه وقيمة العبد بمقدار ما بقي رقاً. وهذا هو الحال أيضاً في شبه العمد والخطأ. ولا فرق في ذلك بين كون المكاتب عبداً أو أمة، كما لا فرق بين من أدى نصف مال كتابته أو أكثر أو أقل. وكذا الحال بالنسبة إلى دفع النسبة من دية الحر فيما إذا قتل المولى مكاتبه عمداً. ويغرم قيمة شقصه المملوك، كما سبق.
(مسألة 644) لو قتل العبد حراً قيد به، ولا يضمن مولاه جنايته ولكن لولي المقتول الخيار بين قتل العبد واسترقاقه، وإن كانت قيمته السوقية أكثر من دية الحر. وليس لمولاه فكه إلا إذا رضي الولي بذلك. ولا فرق فيما ذكرناه بين كون القاتل أو المقتول ذكراً أو أنثى، كما أنه لا فرق في العبد القاتل بين أن يكون قناً أو مدبراً أم أمّ ولد أم مكاتباً مشروطاً أم مطلقاً لم يؤد شيئاً من أموال كتابته. وإذا اختار ولي الدم استرقاقه عاد رقاً له وانتفت عنه هذه الصفات والأحكام.
(مسألة 645) إذا قتل المملوك أو المملوكة مولاه عمداً، جاز لولي الدم قتله، كما يجوز له العفو عنه، كما يجوز له استرقاقه إن لم يكن وارثاً، وإن كان وارثاً كان له الاختصاص بملكيته دون الباقين. وإن كان الأحوط خلافه. ولا فرق في ذلك بين القن وغيره مما ذكرنا أقسامه فيما سبق.
(مسألة 646) لو قتل المكاتب حراً متعمداً قتل به مطلقاً، سواء أكان مشروطاً أم مطلقاً أدى من مال الكتابة شيئاً أم لم يؤد. نعم، لو أدى المطلق منه شيئاً، واختار الولي العفو عن قتله، لم يكن له استرقاقه كله، بل بمقدار ما بقي من عبوديته، وليس للعبد عندئذ أن يستمر بدفع مال الكتابة ليتحرر كله، بل يبقي ــــــ[157]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
مشقصاً. كما ليس للولي مطالبته بالدية بمقدار ما تحرر منه إلا مع التراضي أو يدفعها الإمام من بيت المال.
(مسألة 647) لو قتل العبد أو الأمة الحر خطأ أو شبه العمد، تخير المولى بين دفع القاتل إلى ولي الدم ليسترقه، وبين فك رقبته بأقل الأمرين من قيمته ودية المقتول. وإذا دفعه للاسترقاق لم يكن للولي المطالبة بالدية. ولا فرق في ذلك بين العبد القن والمدبر والمكاتب المشروط والمطلق الذي لم يؤد شيئاً من مال كتابته، وأمّ الولد.
(مسألة 648) لو قتل المكاتب الذي تحرر منه شيء: الحر أو العبد خطأ. فعليه الدية بمقدار ما تحرر منه. والباقي على مولاه فهو بالخيار بين رد الباقي إلى أولياء المقتول، يعني: أقل الأمرين من باقي الدية وقيمة الباقي من العبد المكاتب. وبين دفع المكاتب إليهم يملكون منه شقصة الرق. وتنقطع بذلك كتابته، كما سبق في مثله. وإذا عجز المكاتب عن أداء ما عليه من الدية، كان ذلك على إمام المسلمين.
(مسألة 649) لو قتل العبد عبداً متعمداً قيد به. ولا فرق بين كون القاتل والمقتول قنين أو مدبرين أو كون أحدهما قناً والآخر مدبراً. وكذلك لو كان المقتول أمة، ولا رد لفاضل ديتها إلى مولاه.
(مسألة 650) لو قتل العبد عبداً مكاتباً عمداً. فإن كان المقتول مكاتباً مشروطاً أو مطلقاً لم يؤد من مال كتابته شيئاً، فحكمه حكم قتل القن وقد سبق في المسألة السابقة. وإن كان مكاتباً مطلقاً تحرر بعضه فلكل من مولى المقتول وورثته حق القتل، فإن قتلاه معاً فهو، وإن قتله أحدهما دون الآخر، سقط حقه بسقوط موضوعه، يعني بموت القاتل. ولولي المقتول استرقاق العبد القاتل بمقدار حصة حرية المقتول، ويقدر ذلك بالقيمة، فإن كانت حصة الدية للقسم الحر أقل من قيمة العبد القاتل، ملك منه بمقدارها. وإلا ملكه كله، كما لو
ــــــ[158]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
تساوت القيمتان أو كانت قيمة العبد القاتل أقل.
(مسألة 651) لو قتلت الأمة أمة أو عبداً، قيدت. بلا فرق بين أقسماها التي سبقت.
(مسألة 652) لو قتل المكاتب عبداً عمداً. فإن كان القاتل مكاتباً مشروطاً أو كان مكاتباً مطلقاً لو يؤد من مال الكتابة شيئاً، فحكمه حكم القن. وإن أدى منه شيئاً لم يقتل به، ولكن تتعلق الجناية برقبته بمقدار ما بقي من الرقبة، ويسعى في نصيب حريته، في دفع النسبة من الدية إذا لم يكن له مال. وإلا فيؤدي من ماله. فإن عجز كانت الدية على بيت المال. وأما ما تعلق برقبته فلمولى المقتول استرقاقه، بمقدار رقيته ليستوفي حقه، وتسقط بذلك مكاتبته. ولا يكون مولى القاتل ملزماً بدفع الدية إلى مولى المقتول. ولا فرق في ذلك بين كون القاتل أو المقتول ذكراً أو أنثى، كما أنه لا فرق بين كون المقتول قناً أو مدبراً.
(مسألة 653) لو قتل المكاتب الذي تحرر منه شيء، مكاتباً آخر عمداً. فإن تحرر من المقتول بقدر ما تحرر من القاتل أو أكثر قتل به، وإلا فالمشهور أنه لا يقتل وهو الأحوط. بل يلزم القاتل عندئذ بالدية بمقدار نسبة حرية المقتول. ويسترق مولى المقتول القسم المملوك من القاتل، وتنقطع بذلك كتابته. والأقرب: أن المولى يملك من القاتل بمقدار قيمة القسم المملوك من المقتول. فإن كان هناك زيادة فإنها تبقى ملكاً لمولى القاتل. ويستطيع القاتل نفسه الاستمرار بكتابته لتحريرها.
(مسألة 654) إذا قتل عبد عبداً خطأ، كان مولى القاتل بالخيار بين فكه بأداء دية المقتول، وبين دفعه إلى مولى المقتول ليسترقّه ويستوفي حقه من قيمته. فإن تساوت القيمتان فهو، وإن زادت قيمة القاتل على قيمة المقتول، رد الزائد إلى مولى القاتل على الأحوط. وإن نقص عنها فليس لمولى المقتول أن يرجع إليه ويطالبه بالنقص. ولا فرق في ذلك بين كون القاتل أو المقتول ذكراً أو أنثى، كما
ــــــ[159]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
لا فرق بين كونه قناً أو مدبراً أو مكاتباً مشروطاً أو مكاتباً مطلقاً لم يؤد من مال الكتابة شيئاً. وأما لو كان مكاتباً مطلقاً قد أدى بعض مال الكتابة وتحرر منه شيء، فقد ظهر حكمه مما تقدم.
(مسألة 655) لو كان للحر عبدان، فقتل أحدهما الآخر، تخير المولى بين قتل القاتل والعفو عنه.
(مسألة 656) لو قتل حر حريّن فصاعداً، كان لأولياء المقتولين عدة أمور بنحو التخيير:
الأمر الأول: العفو عن القصاص والدية معاً.
الأمر الثاني: العفو عن القصاص وأخذ ديات المقتولين.
الأمر الثالث: الجمع بين القصاص والدية، فإن يقتل القاتل، ويبقى – مع ذلك – ضامناً لدية كاملة. فإن قتل عنهما معاً، أخذ وليي المقتولين كل منهما نصف دية.
الأمر الرابع: نفس الأمر السابق، مع قصد أن يقتل القاتل بإزاء واحد منهما بعينه، فيكون للآخر أخذ الدية كاملة. وهذا يختلف عن سابقه بحسب القصد.
(مسألة 657) لو قتل عبد حرين معاً، ثبت لأولياء كل منهما حق القصاص مستقلاً عن إذن الآخر. نعم، لو بادر أحدهما واسترقه جاز للآخر قتله، مع ضمان قيمته للآخر على الأحوط. كما يجوز له استرقاقه. فيصبحان شريكين فيه، وليس لأي منهما مطالبة مولاه بفرق الدية. نعم، لو أعتق جازت مطالبته بالفرق.
(مسألة 658) لو قتل عبد عبدين عمداً، جاز لمولى كل منهما الاقتصاص منه. وأما استرقاقه فيتوقف على رضا مولى القاتل على الأحوط استحباباً. فلو سبق أحدهما بالاقتصاص سقط حق الآخر بسقوط موضوعه. ولو رضا المولى
ــــــ[160]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
باسترقاقه، فعندئذ، إن اختار أحدهما استرقاقه واقتص الآخر سقط حق الأول. وإن اختار الآخر الاسترقاق أيضاً اشترك معه. ولا فرق في ذلك بين كون استرقاقه في زمن استرقاق الأول أو بعده. كما لا فرق في ذلك بين قتله العبدين دفعة أو على نحو التعاقب. نعم، إذا استرقه مولى الأول وبعد ذلك قتل الثاني. كان مولى الثاني بالخيار بين قتله واسترقاقه مع رضا مولاه الثاني، على الأحوط استحباباً.
(مسألة 659) لو قتل عبد عبداً لشخصين عمداً اشتركا في القود والاسترقاق. فكما أن لهما قتله، فكذلك لهما استرقاقه، بالتراضي مع مولى القاتل على الأحوط استحباباً. ولو طالب أحدهما من المولى ما يستحقه من القيمة. فدفعه إليه، سقط حقه عن رقبته ولم يسقط حق الآخر. فله قتله بعد رد أقل الأمرين من قيمته ونصف قيمة العبد المقتول.
(مسألة 660) لو قتل عبدان أو أكثر، عبداً عمداً. فلمولى المقتول قتل الجميع، كما أن له قتل البعض. ولكن إذا قتل الجميع أو أكثر من واحد منهم، فعليه رد ما فضل عن جنايته إلى مولاه، بمعنى أقل القيمتين من نسبة مشاركته في القتل وقيمة القاتل. وله ترك قتلهم ومطالبة الدية من مواليهم. وهم مخيرون بين فك رقاب عبيدهم بدفع قيمة العبد المقتول، وبين تسليم القتلة إلى مولى المقتول ليستوفي حقه منهم ولو باسترقاقهم. لكن يجب عليه رد الزائد على مقدار جنايتهم على مواليهم.
(مسألة 661) لو قتل العبد حراً عمداً ثم اعتقه مولاه. فهل يصح العتق؟ فيه قولان والأظهر الصحة. إلا أن عتقه لا يذهب بحق القصاص أو الدية لولي الدم. وإنما يذهب بجواز استرقاقه. والأقرب أن الدية تكون أقل الأمرين من دية الحر وقيمة العبد يوم مباشرته للقتل.
(مسألة 662) لو قتل العبد حراً عمداً، فهل يصح بيعه أو هبته؟ الظاهر ذلك.
ــــــ[161]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
بل لا ينبغي الإشكال فيه. ولكنه يعتبر عيباً يملك به المشتري حق الفسخ لو كان جاهلاً بالحال.
(مسألة 663) لو قتل العبد حراً خطأ، ثم أعتقه مولاه صح. وهل تكون الدية عندئذ على المولى أم على القاتل نفسه؟ وجهان الأوجه الثاني.
الشرط الرابع: من شروط القصاص: التساوي في الدين.
(مسألة 664) لو قتل مسلم مسلماً قيد به ولو مع الاختلاف في المذهب كما سبق. ولو قتل كافر كافراً قيد به ولو مع الاختلاف في الدين أو في المذهب. غير أن في قتل الذمي أو الكتابي للمشرك كلاماً أصحه القود إذا كان قتله حراماً في دينه.
(مسألة 665) لو قتل مسلم كافراً لم يقتل به، ذمياً كان المقتول أم مستأمناً حربياً، وسواء كان قتله سائغاً شرعاً أم لم يكن. نعم، إذا لم يكن القتل سائغاً، عزره الحاكم حسب ما يراه من المصلحة. وفي قتل الذمي من النصارى واليهود، يغرم الدية، كما سيأتي. هذا مع عدم الاعتياد وأما لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمة محقوني الدم، جاز لولي الذمي المقتول قتله، بعد رد فاضل ديته. ويراد بالولي هنا: ولي أول ذمي مقتول بعد صدق الاعتياد.
(مسألة 666) يقتل الذمي بالذمي وبالذمية بعد رد فاضل ديته إلى أوليائه. وتقتل الذمية بالذمي وبالذمية. ولو قتل الذمي غيره من الكفار قتل به إذا كان محقون الدم في الإسلام أو يحرم قتله في دين القاتل كما سبق. وإلا فلا.
(مسألة 667) لو قتل الذمي مسلماً عمداً، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا عفوا عنه. وإن شاءوا طالبوه بالدية. ولو أسلم الذمي كان هذا الخيار لهم ثابتاً أيضاً.
(مسألة 668) لو قتل الكافر كافراً ثم أسلم القاتل، لم يقتل به. سواء كانا
ــــــ[162]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ذميين أو متفرقين. نعم، تجب على القاتل الدية، إن كان المقتول ذا دية، كالذمي.
(مسألة 669) الضابط في ثبوت القصاص وعدمه إنما هو حال المجني عليه حال الجناية. إلا ما ثبت خلافه بالدليل. فلو جنى مسلم على ذمي قاصداً قتله، أو كانت الجناية قاتلة عادة، ثم أسلم فمات يعني المقتول، فلا قصاص، باعتبار وقوع سبب القتل عليه يوم كفره. وكذلك الحال فيما لو جنى حر على عبد جناية عمد كذلك، ثم أعتق المقتول ومات. فلا قصاص أيضاً باعتبار وقوع سبب القتل يوم رقيته. وتثبت الدية في الصورتين باعتبار الحال الأول أيضاً، وهو حال الكفر أو الرق في المثالين.
(مسألة 670) لو جنى الصبي بقتل أو بغيره، ثم بلغ، لم يقتص منه. وإنما تثبت الدية على عاقلته.
(مسألة 671) لو رمى سهماً وقصد به ذمياً أو كافراً حربياً أو مرتداً، فأصابه بعد ما أسلم، فلا قود، بل تثبت عليه الدية. وأما لو جرح حربياً أو مرتداً فأسلم المجني عليه، وسرت الجناية فمات. فهل عليه الدية أم لا. الظاهر الأول.
(مسألة 672) لو رمى عبداً بسهم فأعتق، ثم أصابه السهم فمات فلا قود. ولكن عليه دية الحر، على الأظهر.
(مسألة 673) إذا قطع يد مسلم قاصداً به قتله، ثم ارتد المجني عليه، فمات بالسراية، فلا قود. ولكن تثبت عليه الدية على الأحوط. ولو ارتد ثم تاب ثم مات. فالظاهر ثبوت القود، وإن كان مقتضى الاحتياط في الدماء عدمه.
(مسألة 674) لو قتل المرتد ذمياً، فهل يقتل المرتد أم لا؟ وجهان. الأظهر ذلك سواء اتحد دينهما بارتداده أو اختلف. ولو عاد القاتل المرتد إلى الإسلام لم يقتل، حتى وإن كان فطرياً، وإن كان لثبوت القتل عليه بهذا السبب وجه وجيه، وأما قتله بسبب ارتداده فهو لازم على أي حال.
ــــــ[163]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 675) لو جنى مسلم على ذمي قاصداً قتله، أو كانت الجناية بالسبب القاتل عادة، ثم ارتد الجاني، وسرت الجناية فمات المجني عليه. قيل: أنه لا قود عليه، لعدم التساوي حال الجناية، وهو الأحوط.
(مسألة 676) لو قتل ذمي مرتداً قتل به، سواء اتحد دينهما بالارتداد أم اختلف. وسواء كان المرتد فطرياً أم ملياً.
(مسألة 677) لو قتل مسلم مرتداً فلا قود عليه لعدم التكافؤ في الدين. وأما الدية ففي ثبوتها قولان، أظهرهما عدم ثبوتها في قتل المسلم غير الذمي من أقسام الكفار.
(مسألة 678) لو قتل ولد الحلال ولد الزنا قتل به.
(مسألة 679) إذا كان على مسلم قصاص بالقتل، فقتله غير الولي بدون إذنه، ثبت عليه القود على الأحوط إذا كانت الجناية قبل ثبوت القصاص لدى الحاكم. وأما إذا كانت بعده، ففي القود إشكال.
(مسألة 680) لو وجب قتل شخص بزنا أو لواط ونحوه غير سب النبي فقتله غير الإمام. قيل: أنه لا قود عليه ولا دية. ولكن الأظهر ثبوت القود أو الدية مع التراضي.
(مسألة 681) لا فرق في المسلم المجني عليه بين الأقارب والأجانب ولا بين الوضيع والشريف، ولا بين العاقل والمجنون والسفيه، ولا بين البالغ والصبي المميز، ولا بين الذكر والأنثى. ولا بين العادل والفاسق ولا بين ابن الحلال وابن الزنا.
الشرط الخامس: من شروط القصاص: أن لا يكون القاتل أباً للمقتول.
فإن الأب لا يقتل بقتل ابنه. وعليه الدية ويعزر. وهل يشمل الحكم أبا الأب فما قبله من الأجداد، الأحوط الشمول. وهل يشمل الحكم الأم فما قبلها
ــــــ[164]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
من الجدات، الأظهر عدم الشمول.
(مسألة 682) لا تسقط الكفارة عن الأب بقتل ابنه، ولا الدية -كما قلنا- ولا يرث هو منها.
(مسألة 683) لا يقتل الأب بقتل ابنه، ولو لم يكن مكافئاً له، فلا يقتل الأب الكافر بقتل ابنه المسلم، ولا الأب الرق بقتل ابنه الحر على الأحوط.
(مسألة 684) يقتل الولد بقتل أبيه وبقتل أمّه وسائر أقاربه غير الأولاد وإن نزلوا. وتقتل الأمّ بقتل ولدها، وكذا الأقارب الآخرين، كالأجداد والجدات من قبل الأمّ والإخوة من الطرفين، والأعمام والعمات والأخوال والخالات.
(مسألة 685) لا يفرق في عدم القصاص من الأب بين قتله واحد من أولاده أو أكثر، ولا أن يكون أحدهما ولداً صلبياً والآخر حفيداً. ولا بين أن يكونا من زوجة واحدة أو زوجتين. بل لا يفرق بين أن يكون له ابن حلال أو ابن زنا على الأحوط. وكذا لو كان ابن مساحقة ما دام منعقداً من مائه.
(مسألة 686) لو قتل شخصاً، ثم ادعى أنه ابنه. لم تسمع دعواه ما لم تثبت ببينة أو نحوها. فيجوز لولي المقتول الاقتصاص منه. ولا يتوجه إليه اليمين بإثبات البنوة ولا إلى الآخر لنفيها. وكذلك لو ادعاه اثنان يعني ادعيا أبوته، وقتله أحدهما أو كلاهما، مع عدم العلم بصدق أي منهما. وأما إذا علم بصدق أحدهما وكذب الآخر، أو ثبت ذلك بدليل تعبدي. فإن كان واحداً بعينه فلا إشكال، وإن لم يمكن تعيينه، فلا يبعد الرجوع فيه إلى القرعة.
(مسألة 687) لو قتل الرجل زوجته، وكان له ولد منها، فهل يثبت حق القصاص لولدها من أبيه. المشهور عدم الثبوت. إلا أن الأقرب الثبوت، على أن لا يباشر الابن قتله على الأحوط. وكذا لو قذف الزوج زوجته الميتة، ولا وارث لها إلا ولدها منه.
ــــــ[165]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 688) لو قتل أحد الأخوين أباهما، وقتل الآخر أمهما. فلكل واحد منهما على الآخر القود. فإن بدر أحدهما فاقتص. كان لوارث الآخر الاقتصاص منه.
الشرط السادس: أن يكون القاتل بالغاً. فلا قود على الصبي وإن كان مميزاً على الأقوى، ولكن يعزر المميز بما يراه الحاكم مناسباً. وتثبت الدية على عاقلته. وأما الصبي غير المميز، فلا قصاص عليه ولا تعزير. ولكن الظاهر ثبوت الدية، كما قلنا في المميز.
الشرط السابع: أن يكون القاتل عاقلاً. فلا قود على المجنون، بلا فرق بين كون المقتول عاقلاً أو مجنوناً. وتحمل الدية على عاقلته.
(مسألة 689) ثبوت الجنون أمر عرفي، ومع الشك يمكن اختباره بالتعرف على أوقات الصلاة، فإن لم يعرفها تماماً فهو مجنون.
(مسألة 690) لا يشمل هذا الشرط السفيه والناقص من جهة معينة مع إدراكه لباقي الجهات. ولا يشمل أيضاً كثير النسيان ولا كثير الغضب ولو أخرجه عن شعوره ولا كثير المرح ولا شديد التشاؤم، وأضرابهم. فإن جميع هؤلاء يثبت عليهم القود بالقتل العمد.
(مسألة 691) العبرة في عدم ثبوت القود بالجنون حال القتل، فلو قتل وهو عاقل ثم جن لم يسقط عنه القود. ونحو الأدواري إذا قتل حال عقله ثم جن.
(مسألة 692) لو اختلف الولي والجاني في البلوغ وعدمه حال الجناية. فادعى الولي أن الجناية كانت حال البلوغ وأنكر الجاني كان القول قول الجاني مع يمينه، إلا أن يقيم ولي الدم البينة على صفة البلوغ حال الجناية.
(مسألة 693) وكذلك الحال فيما إذا كان مجنوناً ثم أفاق. فادعى الولي أن الجناية كانت حال الإفاقة وادعى الجاني أنها كانت حال الجنون. فإن أتى ولي
ــــــ[166]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الدم ببينة على وقوعها حال الإفاقة فهو، وإلا حلف الجاني على وقوعها حال الجنون، وانحسمت الدعوى بذلك. نعم لو لم يكن الجاني مسبوقاً بالجنون، وادعى أنه كان مجنوناً حال الجناية، فعليه الإثبات، وإلا اقتص منه. وفي توجه اليمين على ولي الدم على وقوع الجناية حال عقل الجاني إشكال. ما لم يكن اليمين على صفات أو تصرفات حسية تثبت ذلك. لا على الصفة الباطنية لغيره. نعم، لو رد اليمين على الجاني أمكنه ذلك لإثبات صفة نفسه.
(مسألة 694) لو قتل العاقل مجنوناً، لم يقتل به. نعم، عليه الدية إن كان القتل عمداً. أو شبه العمد. وهي على عاقلته في الخطأ.
(مسألة 695) لو أراد المجنون عاقلاً، فقتله العاقل دفاعاً عن نفسه، أو عن عرضه أو ماله، فالمشهور أن دمه هدر، فلا قود عليه ولا دية. وقيل: إن ديته من بيت مال المسلمين. وهو الأحوط.
(مسألة 696) لو كان القاتل سكراناً، فهل عليه القود أم لا. قولان. نسب إلى المشهور الأول، وذهب جماعة إلى الثاني. ولكن لا يبعد أن يقال: إن من شرب المسكر إن كان يعلم أن ذلك مما يؤدي إلى القتل نوعاً أو لرجاء أن يؤدي إلى القتل، فعليه القود. وإن لم يكن كذلك، بل كان القتل اتفاقياً، فلا قود. بل عليه الدية.
(مسألة 697) إذا كان القاتل أعمى، فالأظهر أنه لا قود عليه، بل الدية مع العمد وشبه العمد في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الإمام. وهي في الخطأ على عاقلته.
(مسألة 698) المشهور أن من رأى زوجته يزني بها رجل وهي مطاوعة جاز له قتلهما. والظاهر أنه لا إشكال في جواز قتل الرجل. وأما قتل المرأة فجوازه محل إشكال. إلا إذا أصبحت ساعتئذ مهاجمة لزوجها بقصد قتله، فقتلها دفاعاً.
ــــــ[167]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثالث: في دعاوي القتل
(مسألة 699) يشترط في المدعي: العقل والبلوغ لكي تسمع دعواه في القتل. وقيل يعتبر فيه الرشد أيضاً. والأظهر عدم الاعتبار.
(مسألة 700) يشترط في المدعى عليه إمكان صدور القتل منه. فلو ادعاه على غائب لا يمكن صدور القتل منه عادة لم تقبل. وكذا لو ادعاه على جماعة يتعذر اجتماعهم على قتل واحد عادة. كأهل البلد -مثلاً-.
(مسألة 701) لو ادعى على شخص أنه قتل أباه -مثلاً- وقد شاركه في القتل جماعة لا يعرفهم. سمعت دعواه. فإذا ثبتت الدعوى شرعاً، كان لولي المقتول قتل المدعى عليه. ولأولياء الجاني بعد القود الرجوع إلى الباقين بما يخصهم من الدية. فإن لم يعلموا عددهم رجعوا إلى المعلومين منهم، وعلى كل واحد منهم أن يؤدي ما يخصه من الدية. فإن جهل عدد المشاركين في القتل لزمه جهل النسبة التي يدفعها كل واحد منهم من المال. فعندئذ لم يجب على أحدهم إلا أقل الأمرين. فلو تردد الأمر بين كونهم ثلاثة أو أربعة، لم يجب على أحدهم غير نسبة الأربعة. فإن كملت نسبة الدية عند ولي القاتل، فهو المطلوب. وإلا استوفى الباقي من بيت المال.
(مسألة 702) لو ادعى القتل ولم يبين أنه كان عمداً أو خطأ. فهذا يتصور على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون عدم بيانه لمانع خارجي، لا لجهله بخصوصياته
ــــــ[168]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
فعندئذ يستفصل القاضي منه، بعد ارتفاع المانع.
الوجه الثاني: أن يكون عدم بيانه لجهله بالحال بأن القتل كان عمداً أو خطأ. وهذا يتصور على نحوين:
النحو الأول: أن يدعي أن القاتل كان قاصداً لذات الفعل الذي لا يترتب عليه القتل عادة. ولكنه لا يدري أنه كان قاصداً للقتل أيضاً أم لا. فهذا يدخل تحت دعوى القتل الشبيه بالعمد، أخذاً بالقدر المتيقن من القصد، حيث لا يمكن إثبات، ما هو أكثر من ذلك.
النحو الثاني: أن لا يدعي أن القاتل كان قاصداً لذات الفعل، لاحتمال أنه كان قاصداً لأمر آخر كحيوان -مثلاً- ولكنه أصاب المقتول اتفاقاً. فهذا يدخل تحت دعوى القتل الخطأ المحض. أخذاً بالقدر المتيقن من القصد الذي لا يمكن إثبات ما هو أكثر منه، ضد المدعى عليه، كما قلنا في النحو الأول.
وعلى كلا النحوين تثبت الدية، إن ثبت ما يدعيه. ولكنها في الفرض الأول على القاتل نفسه، وفي الفرض الثاني تحمل على عاقلته.
(مسألة 703) لو ادعى على شخص أنه القاتل منفرداً، ثم ادعى على آخر أنه القاتل منفرداً. أو أنه كان شريكاً مع غيره فيه. فإن لم يظهر منه وجه معقول لتغيير رأيه لم تسمع الدعوى الثانية، بل لا يبعد سقوط الدعوى الأُولى أيضاً وإن أبدى وجهاً معقولاً كما أشرنا، سمعت الثانية وسقطت الأُولى.
(مسألة 704) لو ادعى القتل العمدي على أحد وفسره بالقتل الخطأ. فإن احتمل في حقه عدم معرفته بمفهوم العمد ومفهوم الخطأ، سمعت دعواه. وإلا سقطت دعواه من أصلها. وكذلك الحال فيما لو ادعى القتل الخطأ، وفسره بالعمد.
ــــــ[169]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الرابع: فيما يثبت به القتل
يثبت القتل بأمور ثلاثة: الإقرار والبينة والقسامة. كما يلي:
الأمر الأول: الإقرار: وتكفي فيه مرة واحدة. ولا يحتاج إلى التكرار.
(مسألة 705) يعتبر في المقر: البلوغ وكمال العقل والاختيار. فلا أثر لإقرار الصبي وإن كان مميزاً ولا المجنون، ولو كان أدوارياً حال جنونه. ولا لإقرار المكره على الإقرار. إلا أن يقر باختياره بعد ارتفاع المانع. ولو قال خلال وجود المانع: إني أقر بذلك اختياراً لم يسمع لاحتمال استناده إلى المانع.
(مسألة 706) قيل باعتبار الحرية في المقر، فلا يسمع إقرار العبد في القتل. والظاهر عدم اشتراطها بعنوانها. ولكن لا يجوز إدخال الضرر على المولى بإقرار عبده. وهذا معنى يسقط معه فقهياً كثير من أشكال إقرار العبيد.
(مسألة 707) إذا أقر بالقتل العمدي ثبت القود. وإذا أقر بشبه العمد ثبتت الدية في ماله, وإذا أقر بالقتل خطأ ثبتت الدية في ماله أيضاً لا على العاقلة.
(مسألة 708) إذا أقر المفلَّس المحجور عليه أو السفيه كذلك, قبل إقراره بالقتل عمداً, ثبت عليه القود. وإذا أقر المفلس بالقتل شبه العمد أو القتل خطأ, ثبتت الدية في ذمته, ولكن ولي الدم لا يشارك الغرماء إذا لم يصدقوا المقر.
(مسألة 709) لو أقر أحد بقتل شخص عمداً, وأقر آخر بقتله خطأ, تخير ولي المقتول في تصديق أيهما شاء, فإذا صدق أحدهما, فليس له على الآخر
ــــــ[170]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
سبيل. وهذا الخيار ثابت أمام الحاكم. وأما أمام الله سبحانه فلا يجوز أن يختار اعتباطاً بل من يعلم كونه قاتلاً حقيقية.
(مسألة 710) لو أقر أحد بقتل شخص عمداً, وأقر آخر أنه هو الذي قتله. ورجع الأول عن إقراره. فالحكم كالمسألة السابقة, ولا يكون الرجوع عن الإقرار مقبولاً. ومثله ما لو لم يرجع الأول عن إقراره.
الأمر الثاني: مما يثبت به القتل: البينة. وهي أن يشهد رجلان بالغان عاقلان مختاران عادلان بالقتل.
(مسألة 711) لا يثبت القتل بشاهد وامرأتين, ولا بشهادة النساء منفردات ولا بشاهد ويمين.
(مسألة 712) إذا شهدت النساء بالقتل العمد لم يثبت القصاص, وإنما تثبت الدية. وكذا لو شهدن بالخطأ أو شبه العمد. ولكن تثبت ربع الدية بشهادة امرأة واحدة, ونصفها بشهادة امرأتين, وثلاثة أرباعها بشهادة ثلاث نسوة, وجميعها بشهادة أربع نساء. ولكن مع ثبوت القتل الخطأ يكون ذلك على العاقلة.
(مسألة 713) لا يعتبر في الشهادة في القتل أن تكون عن حس. بل يكفي أن يعرب الشاهد عن علمه الجزمي, مهما كان منشؤه. وإن كان كونها عن حس أحوط.
(مسألة 714) لو شهد شاهدان بما يكون سبباً للموت عادة, وادعى الجاني أن موته لم يكن مستنداً إلى جنايته, قبل قوله مع يمينه, مع احتمال صدقه.
(مسألة 715) يعتبر في قبول شهادة الشاهدين توارد شهادتهما على أمر واحد. فلو اختلفا في ذلك لم تقبل. كما إذا شهد أحدهما أنه قتل في الليل وشهد الآخر أنه قتل في النهار. أو شهد أحدهما أنه قتله في مكان وشهد الآخر بأنه قتله في مكان آخر, وهكذا.
ــــــ[171]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 716) لو شهد أحدهما بالقتل وشهد الآخر بإقراره به لم يثبت القتل.
(مسألة 717) لو شهد أحدهما بالإقرار بالقتل من دون تعيين العمد والخطأ. وشهد الآخر بالإقرار به عمداً. ثبت إقراره وكلف بالبيان. فإن أنكر العمد في القتل, فالقول قوله بدون يمين وإن كان أحوط. وتثبت الدية في ماله. فإن ادعى الولي أن القتل كان عن عمد أو أن الإقرار كان به, فعليه الإثبات, وإلا حلف المقر على عدمه. ومثل ذلك ما لو شهد أحدهما بالقتل متعمداً, وشهد الآخر بمطلق القتل. وأنكر القاتل العمد. فإنه لا يثبت القتل العمدي. وعلى الولي إثباته بالقسامة كما سيأتي.
(مسألة 718) لو ادعى شخص القتل على شخصين, وأقام على ذلك بينة. ثم شهد المشهود عليهما بأن الشاهدين هما القاتلان له (وكان المشهود عليهما جامعين لشرائط الشهادة). فإن لم يصدقهما الولي فلا أثر لشهادتهما وللولي الاقتصاص منهما أو من أحدهما, على تفصيل تقدم. وإن صدقهما أصبح الأمر كما قلناه في المسألة (703 ) فراجع.
(مسألة 719) لو شهد شخصان لمن يرثانه بأن زيداً جرحه. وكانت الشهادة بعد الاندمال, قبلت. وأما إذا كانت قبله, قيل تقبل وقيل لا تقبل. ولكن القبول أظهر.
(مسألة 720) لو شهد شخصان من العاقلة بفسق شاهدي القتل, أو أحدهما, بحيث لا يكفي الباقي للإثبات. فإن كان المشهود به القتل عمداً أو شبه العمد قبلت شهادة العاقلة, وطرحت شهادة الشاهدين. وإن كان المشهود به القتل الخطأ, لم تقبل شهادتهما. لأن فيها دفعاً لغرامة الدية.
(مسألة 721) لو قامت بينة على أن زيداً قتل شخصاً منفرداً, وقامت بينة أخرى على أن القاتل غيره (بحيث لا يحتمل اجتماعهما على القتل). سقط القصاص عنهما جزماً. وكذا الدية في وجه. وقيل وجبت الدية عليهما نصفين
ــــــ[172]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وهو أوجه, مع انحصار الاحتمال فيهما.
(مسألة 722) لو قامت بينة على أن شخصاً قتل زيداً عمداً. وأقر آخر أنه هو الذي قتله دون المشهود عليه وأنه بريء. واحتمل اشتراكهما في القتل. كان للولي قتل المشهود عليه, وعلى المقر رد نصف الدية إلى ولي المشهود عليه. وله قتل المقر. ولكن عندئذ لا يرد المشهود عليه إلى ورثة المقر شيئاً. كما أن لولي الدم قتلهما بعد أن يرد إلى ولي المشهود عليه نصف ديته. ولو عفا عنهما ورضي بالدية, كانت عليهما نصفين. هذا إذا احتمل اشتراكهما في القتل, والظاهر ثبوت نفس الحكم مع عدم هذا الاحتمال, يعني إحراز أن القاتل إنما هو واحد منهما فقط.
(مسألة 723) لو ادعى الولي أن هذا القتل (المعلوم وقوعه والمشكوك صفته) عمدي. وأقام على ذلك شاهداً وامرأتين, ثم عفا عن حق الاقتصاص. قيل بعدم صحة العفو, حيث إن حقه لم يثبت بهذا المقدار من الشهود, فيكون العفو عفواً عما لم يثبت. ولكن الظاهر الصحة. أما سقوط القصاص فباعتبار العفو برجاء الصحة, وأما ثبوت الدية فباعتبار كفاية شهادة النساء فيها.
الأمر الثالث: مما يثبت به القتل:
القسامة:
ويقع الكلام فيها ضمن عدة مقاصد:
المقصد الأول: في اللوث
والمراد به وجود دلالة ظنية على صدق المدعي. كالشاهد الواحد أو عدة شهود مع عدم استجماع شرائط القبول. وكذا لو وجد القتيل متشحطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه دم. أو وجد متشحطاً بدمه في دار قوم أو في محلة منفردة عن البلد
ــــــ[173]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
لا يدخل فيها غير أهلها. أو وجد في صف قتال مقابل للخصم بعد المراماة. وبالجملة فإن كل أمارة توجب الظن دون الوثوق فهي: لوث. كإخبار الصبي المميز المعتمد عليه وكذا المرأة المعتمد عليها, وكذا الفاسق بنفس الصفة. وكذا جماعة الصبيان أو النساء أو الفساق أو الكفار, وإن لم يكن معتمداً على آحادهم مع الظن بعدم الاتفاق على الكذب.
(مسألة 724) لو وجد القتيل في قرية مطروقة أو محلة أو طريق كذلك فلا لوث. وكذا لو وجد في فلاة أو غابة أو على جسر أو قنطرة.
(مسألة 725) لو وجد في قرية منفردة مطروقة, فإن كان هناك عداوة فهو لوث, وإلا فلا لوث.
(مسألة 726) لو وجد قتيل بين قريتين, فاللوث لأقربهما, ومع التساوي, فهما سواء في اللوث. نعم, لو كان في أحدهما عداوة فاللوث لها دون الأخرى, وإن كانت أقرب.
(مسألة 727) لو وجد قتيل في زحام من الناس كالمسجد أو السوق أو المدرسة. فإن كان الناس في حركة, فلا لوث. وإن كانوا واقفين, فاللوث للقريب منه.
(مسألة 728) يشترط في اللوث حصول الظن بالانتساب. فلو وجد بالقرب من القتيل ذو سلاح متلطخ بالدم مع سبع مفترس نوعاً. بطل اللوث لانقسام الاحتمال بينهما بالتساوي.
(مسألة 729) لو قال الشاهد قتله أحد هذين. كان لوثاً. وكذا لو قال: قتل أحد هذين.
(مسألة 730) لو وجد قتيل في دار يسكنها واحد, أو كان فيها واحد مع القتيل, كان لوثاً. ولو كان أكثر من واحد في الصورتين كاثنين فهو لوث وإن
ــــــ[174]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
تعددوا فلا لوث.
(مسألة 731) جملة من مصاديق اللوث ثبوتية كوجود القتيل في قرية أو دار, كما سبق تفصيله. وبعض مصاديقه إثباتية كالشهادة الناقصة كالتي تكون من قبل صبي أو امرأة كما سبق أيضاً. أما الإثباتية, فلا بد من قيامها لدى الحاكم. وأما الثبوتية, فينبغي علم الحاكم بها.
(مسألة 732) يكون اللوث في حدود حصول الظن, فلو لم يحصل الظن, فلا لوث. ولو وصل الظن إلى درجة العلم العرفي لم يكن لوثاً لكفايته في الحجية ولو كان بدرجة الظن المعتبر غير الاطمئنان والبينة, فالظاهر كونه لوثاً أيضاً, لعدم كفايته في الحكم.
(مسألة 733) لو ادعى الولي القتل على واحد أو جماعة. فإن أقام البينة على مدعاه, حسمت الدعوى له. وإن لم يكن له بينة. فإن لم يكن هناك لوث طولب المدعى عليه بالحلف, فإن حلف سقطت الدعوى. وإن لم يحلف كان له رد اليمين على المدعي. فإن حلف ثبت القتل على إشكال. وإن كان هناك لوث طولب المدعى عليه بالبينة, فإن أقامها على عدم القتل فهو. وإلا فعلى المدعي الإتيان بقسامة وهي خمسون رجلاً يقسمون على مدعاه. فإن أتى بها ثبتت دعواه. وإلا فعلى المدعى عليه القسامة كذلك. فإن أتى بها سقطت الدعوى. وإلا ألزم الدعوى على إشكال.
(مسألة 734) لا فرق في إثبات القتل بهذه الطريقة بين العمد وشبه العمد والخطأ. وتترتب على كل واحد منها نتائجه الخاصة به.
المقصد الثاني: كمية القسامة
وهي في القتل العمد خمسون يميناً, وفي الشبيه بالعمد وفي الخطأ خمسة وعشرون يميناً. فإن استطاع صاحب القسامة أن يقيم خمسين رجلاً يحلفون فهو,
ــــــ[175]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وإلا فإن أقام دون العدد قسّم اليمين عليهم بالنسبة, فلو كانوا عشرة حلف كل منهم خمسة أيمان وهكذا. وإلا فهل يقبل من المدعي نفسه خمسون يميناً لإثبات مدعاه. الأظهر ذلك. ولا يعتبر في أفراد القسامة العدالة, وإن كانت أحوط استحباباً. ولكن الأحوط وجوباً كونهم ثقاة.
(مسألة 735) المشهور أن صاحب القسامة إذا كان واحداً, حلف هو وأحضر من قومه ما يكمل به العدد. فإن لم يكمل كررت عليهم الأيمان حتى يكمل. وفيه إشكال بل منع. فإن صاحب القسامة لا يحتمل اشتراكه مع الشهود في اليمين, بحسب ظاهر الأدلة. نعم, لو لم يكن معه أحد أصلاً أمكن القول بتصديه لليمين كما سبق.
(مسألة 736) يشترط في أفراد القسامة: الذكورة والبلوغ والإسلام والإيمان إذا كان صاحبها مؤمناً. والاختيار. واليمين عن علم.
(مسألة 737) لو كان العدد ناقصاً, فهل يجب عليهم التوزيع بالسوية. أو بأي مقدار شاءوا. الأحوط الأول. أما احتمال أن يحلف كل منهم مرة ويكمل ولي الدم النقيصة, فقد سبق فساده.
(مسألة 738) لو كان في التوزيع كسر, فلهم الخيرة في الباقي فيمن يحلف أو يترك. والأحوط أن يجعل الباقي على واحد بعينه سواء كان هو أحد الشهود أو صاحب القسامة.
(مسألة 739) هل يعتبر في القسامة (أعني في شهود القسامة) أن يكونوا من الورثة فعلاً (أعني من ورثة القتيل) أو أن يكونوا في طبقات الإرث في الجملة, وإن لم يرثوا فعلاً. أو يكفي كونه من قبيلة المدعي أو صاحب القسامة وعشيرته عرفاً وإن لم يكونوا من أقربائه. الظاهر هو الأخير. إلا أن الظاهر هو التلازم بين العنوانين الأخيرين فقهياً.
(مسألة 740) مع نقص العدد, لا يحلف النساء تمام العدد. بل يكرر على
ــــــ[176]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الرجال. نعم, لو فقد الشهود بالمرة أمكن لصاحب القسامة تكرار اليمين ولو كان امرأة.
(مسألة 741) لو كان المدعي أكثر من واحد, فالظاهر كفاية قسامة واحدة كاملة. وأما إذا كان المدعى عليه أكثر من واحد, كان على كل واحد قسامة.
(مسألة 742) لو لم يقم المدعي بينة ولا قسامة, كان للمدعى عليه أن يحلف على براءته قسامة كاملة, فإن أقامها ثبتت براءته من القصاص والدية. وقيل هنا إن الدية تدفع من بيت المال, ولا يخلو من إشكال. وإن نكل عن القسامة, فهل يلزم الدعوى فيه إشكال, وهل له عندئذ أن يرد اليمين على المدعي, فيه إشكال أيضاً والأقرب المنع.
(مسألة 743) القسامة كما تثبت الدعوى بها في قتل النفس, كذلك تثبت الدعوى بها في الجروح. وهل العدد في القسامة خمسون في العمد وخمسة وعشرون في غيره, فيما إذا بلغت الجناية الدية الكاملة. كالأنف والذكر. وإلا فبنسبتها من خمسين يميناً في العمد ومن خمسة وعشرين في الخطأ وشبهه. فلو بلغ نصف الدية كإحدى العينين أو الأذنين؛ فالقسامة خمسة وعشرون في العمد وثلاثة عشر في غيره وهكذا. وقيل القسامة ستة أيمان فيما فيه دية النفس. وبحسابه فيما فيه دون الدية, والأول أقوى وأحوط. وعلى أي حال ففي الكسر يكمل بيمين.
(مسألة 744) يشترط في القسامة علم الحالف. ولا يكفي الظن.
(مسألة 745) إذا كان القتيل كافراً, فادعى وليه القتل على مسلم. ولم تكن له بينة, فهل تثبت القسامة عندئذ في العمد أو الخطأ. الظاهر ذلك إذا كانوا مسلمين. وأما إذا رجع إلى أيمان الكفار, بما فيه العدد أو إكمال العدد من قبل ولي الدم الكافر, فلا. وإن آل الأمر إلى إقامة القسامة من قبل المدعى عليه المسلم قبلت منه بلا إشكال.
ــــــ[177]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 746) لا بد في اليمين في القسامة من ذكر قيود يخرج بها الموضوع عن الابهام أو الاحتمال. كذكر القاتل والمقتول أو الجاني والمجني في الأعضاء وذكر نوع القتل أو الجناية من كونه عمداً أو خطأ وذكر الانفراد أو الشركة في الجناية. ونحو ذلك من القيود.
المقصد الثالث: أحكام القسامة
(مسألة 747) يعتبر في اليمين في القسامة وغيرها أن تكون مطابقة للدعوى. فلو ادعى القتل العمدي وحلف على القتل الخطئي, فلا أثر له دون حلف القتل الخطأ بعنوانه. وأما بسببه فلا دليل على عدم القبول, إلا أن يعلم أنه يفرق ما بين أسباب القتل.
(مسألة 748) لو ادعى ولي الدم أن أحد هذين الشخصين هو القاتل, ولكنه لا يعلم أياً منهما تفصيلاً. فله أن يطالب كلاً منهما بالبينة على براءته. فإن أقام كل منهما البينة سقطت الدعوى لهما, وإن لم تكن لهما بينة فعلى المدعي القسامة. وإن لم يأت بها فعليهما القسامة, كل منهما بحياله. ولو كانوا نفس الشهود أو بعضهم يحلفون لهذا مرة ولهذا مرة. وإن نكلا لم يثبت القود لأي منهما.
(مسألة 749) لا تشترط العدالة في أفراد القسامة, بخلاف البينة.
(مسألة 750) لو ادعى القتل على اثنين بنحو الاشتراك ولم تكن له بينة. فله أن يطالبهما بالبينة على عدم حصول القتل منهما. فإن أقاماها حسمت الدعوى لهما. وإلا فعلى المدعي الإتيان بالقسامة. فإن أتى بها على أحدهما دون الآخر (بمعنى أنه أثبت بها مشاركته في القتل لا استقلاله به) فله قتله بعد رد نصف الدية إلى أوليائه. كما أن له العفو وأخذ نصف الدية منه. وإن أتى بالقسامة على كليهما, فله قتلهما بعد أن يرد إلى أولياء كل منهما نصف الدية. كما أن له العفو
ــــــ[178]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
عنهما, ومطالبة كل منهما بنصف الدية. وإن نكل ولي الدم عن القسامة, فالقسامة عليهما. فإن أتيا بها سقط عنهما القصاص والدية. وإن أتى بها أحدهما سقط عنه ذلك. وهل للولي أن يقتل الناكل عن القسامة منهما أو أن يقتلهما إن نكلا عنها معاً. بعد رد نصف الدية إلى أوليائهما. الأحوط أنه يتعين على ولي الدم العفو عن القصاص والاكتفاء منهما بالدية. وهل لهما بعد النكول عن القسامة أن يردا اليمين الاعتيادية على المدعي. فإن حلف فله قتلهما مع رد نصف الدية إلى أولياء كل منهما. سبق أن مثل هذا الرد في مورد القسامة مشكل.
(مسألة 751) لو ادعى القتل على اثنين. وكان في أحدهما (لوث), فعلى المدعي إقامة البينة على من ليس فيه لوث. وإن لم يقم فعلى المنكر اليمين. وأما بالإضافة على من فيه لوث, فهو مشمول لأحكام القسامة كما سبق.
(مسألة 752) لو كان للمقتول وليان, وكان أحدهما غائباً. فادعى الحاضر على شخص أنه القاتل, ولم تكن بينة, وأقام المدعى عليه قسامة على براءته حسمت الدعوى له. وإلا أقام المدعي القسامة على كون الآخر قاتلاً. فإن أقامها. فإن كانت الدعوى هو قتل العمد, فهو. وإن كانت الدعوى غيره ثبت حقه بالقسامة. فلو حضر الغائب ولم يدع شيئاً انحصر الحق بالحاضر. وإن ادعى, كانت عليه القسامة بمقدار حصته. وكذلك الحال إذا كان أحد الوليين صغيراً, وادعى الكبير على شخص أنه القاتل.
(مسألة 753) إذا كان للقتيل وليان, وادعى أحدهما القتل على شخص وكذبه الآخر بأن ادعى أن القاتل غيره. أو أنه اقتصر على نفي القتل عنه. لم يقدح ذلك في دعوى الأول. ويمكنه إثبات حقه بالقسامة إذا لم يكن للمدعي بينة على عدم كونه قاتلاً.
(مسألة 754) إذا مات الولي قام وارثه مقامه, ولو مات الولي أثناء الأيمان.
ــــــ[179]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
فإن كان هو الحالف للقسامة وحده, كان على الوارث خمسون يميناً مستأنفة ولا اعتداد بالأيمان الماضية. وإن كان الحالف الشهود. فعدم الاعتداد بها إلا أن يستأنفوا اليمين مبني على الاحتياط الاستحبابي. نعم, لو كان على الولي إكمال عدد الأيمان. لم يعتد بأيمان الميت, وكان على وارثه الاستيناف.
(مسألة 755) لو أقام المدعي القسامة على أن القاتل زيد. ثم اعترف آخر بأنه القاتل منفرداً. قال الشيخ الطوسي في الخلاف: إن المدعي مخير بين البقاء على مقتضى القسامة وبين العمل على مقتضى الإقرار. ولو كان الإقرار بعد استيفاء الحق من المدعى عليه. ولكن هذا لا وجه له إذا كانت القسامة صادرة عن المدعي نفسه. وأما إذا كانت صادرة عن الشهود وخاصة إذا توفرت بينهم بينة عادلة. فللولي قتلهما معاً مع دفع نصف الدية إلى ولييهما. كما أن له أن يقتل أحدهما كذلك, ويأخذ نصف الدية من الآخر. كما أن له أن يعفو عن قصاص كل منهما ويأخذ من كل منهما نصف الدية. أو يأخذ نصف الدية في غير العمد. وإذا صدق المدعي المقر بالقتل سقطت دعواه الأُولى وقسامته.
(مسألة 756) إذا حلف المدعي واستوفى حقه من الدية. ثم قامت بينة أو قرائن اطمئنانية على أن المدعى عليه كان غائباً حين القتل أو كان مريضاً أو نحو ذلك مما لا يتمكن معه من القتل, بطلت القسامة ورُدّت الدية. وإذا اقتص منه, وجب دفع دية الجناية.
(مسألة 757) لو اتهم رجل بالقتل حبس ستة أيام, فإن جاء أولياء المقتول بما يثبت به القتل حسب القواعد السابقة, فهو, وإلا خلي سبيله. غير أن هذا لا يعني إسقاط الدعوى وعدم إمكان المرافعة بها في وقت آخر.
ــــــ[180]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الخامس: أحكام القصاص
القتل العمد يوجب القصاص لا الدية. فلو عفا الولي عن المال لم يسقط القود. ولو عفا عن القود ولم يشترط المال, سقط القود ولم تثبت الدية. ولو بذل الجاني القود, لم يكن للولي غيره. ولو طلب الولي الدية فبذلها الجاني صح. ولو امتنع لم يجز. ولو لم يرض الولي بالدية, جازت المفاداة بالزيادة. ويجوز لهما التراضي على مبلغ أقل من الدية. نعم, إذا كان الاقتصاص يستدعي الرد من الولي, كما إذا قتل رجل امرأة, كان ولي المقتول مخيراً بين القتل والمطالبة بالدية.
(مسألة 758) لو تعذر القصاص لهرب القاتل أو موته أو كان ممن لا يمكن الاقتصاص منه لمانع خارجي, انتقل الأمر إلى الدية. فإن كان للقاتل مال, فالدية في ماله, فإن كان قد مات أخرجت الدية من أصل التركة مع الديون. وإلا أخذت من الأقرب فالأقرب إليه. والظاهر اختصاص ذلك بالهرب. وأما غيره فتؤدى أو تكمل من بيت المال. وكذا إذا لم يكن له قرابة.
(مسألة 759 لو أراد ولي المقتول القصاص من القاتل, فخلَّصه قوم من يده. حبس المخلِّص حتى يتمكن الولي من القاتل. فإن مات القاتل أو لم يقدر عليه, فالدية على المخلِّص.
(مسألة 760) يتولى القصاص من يرث المال من الرجال دون الزوج. ومن يتقرب بالأمّ, ودون كلالة الأب مع وجود كلالة الأبوين. وإنما يصل الأمر إليها مع عدمها. وأما النساء فليس لهن عفو ولا قود. فإن انحصرت الولاية بهن أخذن الدية.
ــــــ[181]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 761) إذا كان ولي المقتول واحداً, جازت له المبادرة إلى القصاص بعد ثبوت القتل بالمرافعة الشرعية. والأحوط له استحباباً استئذان الإمام. أو نائبه الخاص أو العام, أو القاضي الشرعي الذي حكم له.
(مسألة 762) إذا كان للمقتول أولياء متعددون, فهل يجوز لكل واحد منهم الاقتصاص مستقلاً وبدون إذن الباقين أو لا. وجهان. الأظهر الأول وهو الجواز.
(مسألة 763) إذا اقتص بعض الأولياء دون بعض, فإن رضي الباقون بالقصاص فهو. وإن عفوا وتراضوا مع أولياء القاتل بالدية, ضمن المقتص حصصهم. فإن طالبوه بها كان عليه دفعها إليهم. وإن عفوا كان عليه -على الأحوط- دفعها إلى ورثة الجاني.
(مسألة 764) إذا كان المقتول مسلماً ولم يكن له أولياء من المسلمين وكان له أولياء من الذميين. عرض على قرابته من أهل بيته الإسلام. فمن أسلم فهو ولي المقتول. ويدفع القاتل إليه, فإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا عنهما. وإن لم يسلم منهم أحد, فأمره إلى الإمام فإن شاء قتله. وإن شاء أخذ الدية منه.
(مسألة 765) لا تجوز المثلة بالقاتل عند الاقتصاص. والمشهور بين الأصحاب أنه لا يقتص إلا بالسيف, وهو الأحوط استحباباً. والأقوى شموله لكل سلاح جارح سريع القتل نسبياً. وأما خنقه شنقاً فالأحوط تركه. وعلى أي حال فبأي أسلوب حصلت الوفاة فقد حصل القصاص. وإن أثم الولي فيما أشرنا إليه.
(مسألة 766) لو كان بعض أولياء المقتول حاضراً دون بعض جاز الاقتصاص مع ضمان حصة الباقي من الدية إذا طالبوه بها ولم يرضوا بالقصاص. فيما إذا حضر الغائب أو كبر الصغير أو عقل المجنون.
(مسألة 767) إذا كان ولي الميت صغيراً أو مجنوناً, وكان للولي ولي كالأب أو الجد أو الحاكم الشرعي. فهل لوليه الاقتصاص من القاتل. الظاهر
ــــــ[182]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ذلك, متوخياً باختيار القصاص أو الدية مصلحة الصبي. هذا في غير الأب والجد له. وأما فيهما, فلهما التصرف من دون مفسدة عائدة للمولَّى عليه.
(مسألة 768) إذا كان للميت وليان. فادعى أحدهما أن شريكه عفا عن القصاص على مال أو مجاناً, لم تقبل دعواه على الشريك, فإذا اقتص المدعي وجب عليه رد نصيب شريكه. فإن صدَّقه الشريك بالعفو مجاناً أو بعوض, وجب عليه رده إلى ورثة المقتول قصاصاً.
(مسألة 769) إذا كان ولي المقتول محجوراً عليه لفلس أو سفه. جاز له الاقتصاص من القاتل. كما جاز له العفو عنه. ويجوز له أخذ الدية بالتراضي.
(مسألة 770) لو قتل شخص وعليه دين, وليس له مال. فإن أخذ أولياؤه الدية من القاتل, وجب صرفها في ديون المقتول وإخراج وصاياه. وهل لهم الاقتصاص على الرغم من وجود الديون. الظاهر ذلك.
(مسألة 771) إذا قتل شخص وعليه دين وليس له مال. فإن كان قتله خطأ أو شبه العمد فليس لأولياء المقتول على الأحوط العفو عن الدية, للقاتل أو عاقلته, إلا مع أداء الدين أو ضمانه. وإن كان القتل عمداً, كان لأوليائه القصاص مع الإعراض عن الدية. كما أن لهم العفو والرضاء بالدية, ولكن ليس لهم العفو عن القصاص والدية معاً. فإن فعلوا ذلك ضمنوا الديون للغرماء.
(مسألة 772) إذا قتل واحد اثنين على التعاقب أو دفعة واحدة عمداً. ثبت لأولياء كل منهما القود. فإن استوفى الجميع مباشرة أو تسبيباً, فهو. وإن رضى أولياء أحد المقتولين بالدية وقبل القاتل أو عفوا عن القصاص مجاناً. لم يسقط حق أولياء الآخر بالقصاص أو الدية.
(مسألة 773) لو وكل ولي المقتول من يستوفي القصاص له. ثم عزله قبل الاستيفاء, فإن كان الوكيل قد علم بانعزاله, وأقدم -مع ذلك- على قتل القاتل, فعليه القود. وإن لم يكن يعلم به, فلا قصاص ولا دية. وأما لو عفا
ــــــ[183]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الموكل عن القصاص ولم يعلم الوكيل حتى استوفى, فعليه الدية على الأحوط استحباباً. ولكن يرجع بها إلى الموكل. وكذلك الحال فيما لو مات الموكل قبل التوكيل وقبل الاستيفاء.
(مسألة 774) لا يقتص من المرأة الحامل حتى تضع, حتى ولو كان حملها حادثاً بعد الجناية, أو كان عن الزنا ولو توقفت حياة الطفل على إرضاعها إياه مدة, لزم تأخير القصاص إلى تلك المدة. ولو ادعت الحمل قبل قولها على المشهور ما دام محتمل الصدق.
(مسألة 775) لو قتلت المرأة قصاصاً, فبانت حاملاً. فلا شيء على المقتص. ولكن إن أوجب ذلك تلف الحمل ففيه الدية. وهي تحمل على العاقلة وإن لم تلجه الروح. ولكن الأظهر أن الدية على المتلف نفسه قبل ولوج الروح وبعده.
(مسألة 776) لو قطع يد شخص, ثم قتل شخصاً آخر. فالمشهور أنه تقطع يده أولاً ثم يقتل (يعني إذا كان القطع عمدياً وطالب المجني عليه بالقصاص). وهو الصحيح. وإذا قتله أولياء المقتول قبل قطع يده, ثبتت الدية في ماله.
(مسألة 777) إذا قطع يد رجل ثم قتل آخر, فاقتص منه بقطع يده وبقتله. ثم سرت الجناية في المجني عليه فمات. وجبت الدية في مال الجاني على الأحوط استحباباً. فإن أخذت الدية فالأحوط استثناء دية اليد, وهي نصف الدية الكاملة.
(مسألة 778) إذا قطع يد شخص, ثم اقتص المجني عليه من الجاني, فسرت الجنايتان بحيث أدتا إلى وفاة كلا الشخصين. فقد تكون السراية في طرف المجني عليه أولاً ثم في طرف الجاني, وأخرى تكون بالعكس. أما على الأول, فالمشهور أن موت الجاني يقع قصاصاً. والأظهر التفصيل بين ما إذا كان قاصداً القتل بقطع اليد أو قاصداً إيجاد سببه المعتاد, وبين ما إذا لم يكن كذلك. فعلى
ــــــ[184]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الأول يكون موت الجاني قصاصاً, وعلى الثاني تثبت الدية في ماله. وأما لو تقدم موت الجاني, فإنه يكون هدراً لذهابه بالقصاص الشرعي.
(مسألة 779) حق القصاص من الجاني إنما يثبت للولي بعد موت المجني عليه. فلو قتله قبل موته, كان قتله ظلماً وعدواناً. فيجوز لولي الجاني المقتول الاقتصاص منه كما أن له العفو والرضا بالدية. وأما دية المجني عليه بعد موته وموت الجاني, فهي من مال الجاني. أقول: هذا هو الأحوط على كل حال. لكن لا يبعد القول: بأن الجرح إذا كان في المجني عليه بليغاً بحيث نعلم بحصول الوفاة في وقت قريب. صدق على الجاني كونه قاتلاً, فيجوز قتله ولو قبل موت المجني عليه. ويذهب هدراً. ولكن يجب الاستئذان على الأحوط من الحاكم الشرعي.
(مسألة 780) لو قتل شخصاً مقطوع اليد. قيل: إن كانت يده قطعت في جناية جناها المقتول, أو أنه أخذ ديتها من قاطعها. فعلى ولي المقتول إن أراد القصاص, أن يرد دية يده إليه. وإلا فله قتله من غير رد الدية. أقول: وهذا التفصيل هو الأحوط. ولكن الأظهر عدم الرد مطلقاً.
(مسألة 781) لو ضرب ولي الدم الجاني قصاصاً, وظن أنه قتله, فتركه. وبه رمق. ثم برئ. قيل: ليس للولي قتله حتى يقتص من الولي بمثل ما فعله. ولكن الأظهر أن ما فعله الولي إن كان سائغاً شرعاً, كما إذا ضربه بالسيف في عنقه, فظن أنه قتله فتركه. ولكن لم يتحقق بذلك القصاص, جاز له ضربه ثانياً قصاصاً. وإن كان ما فعله غير سائغ, جاز للمضروب الاقتصاص منه بمثل ما فعله.
(فروع أخرى في القصاص)
(مسألة 782) لا يجوز للحاكم أن يقضي بالقصاص, ما لم يثبت أن التلف
ــــــ[185]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كان بالجناية. فإن أشتبه لديه ولم تقم بينة على ذلك ولم يثبت بإقرار الجاني, اقتصر على القصاص أو الأرش في العضو لا في النفس. فإذا قطع الجاني يد شخص. ولم يعلم الحاكم أن القتل وقع بسبب هذه الجناية لم يجز القتل. بل تعين عليه الحكم بقصاص الطرف.
(مسألة 783) ينبغي للحاكم أن يحضر عند استيفاء القصاص, شاهدين عدلين فطنين عارفين بمواقعه وشرائطه احتياطاً. ولإقامة الشهادة إن حصلت منازعة بين المقتص وأولياء المقتص منه.
(مسألة 784) ينبغي للحاكم أن يفحص الآلة المقتص بها. لئلا تكون مسمومة موجبة لفساد البدن. أو فيها ندوب زائدة أو اعوجاج أو نحوه مما يوجب تعذيب الفرد قبل موته.
(مسألة 785) لا يجوز الاستيفاء في النفس والطرف بالآلة المسمومة ولا الآلة الكالة العتيقة, وكل ما يوجب تعذيباً زائداً على الضرب بالسيف, مثل أن يقطع بالمنشار ونحوه. ولو فعل أثم وعزر. ولا قصاص عليه.
(مسألة 786) هل يجب على الجاني قبول الدية, ولا يجوز له بذل القصاص حفاظاً على نفسه. وكذلك يجب عليه الهرب إن أمكنه ذلك؟ والصحيح: أن في الوجوب إشكالاً, إلا أن في الحرمة إشكالاً آخر. فالمحصل جواز الوجهين له وعدم وجوب أحدهما.
(مسألة 787) أجرة من يقيم الحدود الشرعية على بيت المال. وأجرة المقتص على ولي الدم إن كان نفساً وعلى المجني عليه إن كان طرفاً. ومع عدم الإمكان ففي بيت المال.
(مسألة 788) لو كان أولياء الدم أكثر من واحد, فالأقوى جواز الاستيفاء لكل واحد منهم مستقلاً, حتى لو كان أحدهم غائباً أو مجنوناً أو صغيراً, وذلك بعد الحكم بحصول الجناية. ولا يتوقف استيفاؤه على إذن الآخر.
ــــــ[186]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل السادس: قصاص الأطراف
ويراد بالأطراف الجناية على ما دون النفس, بحيث لا تحصل بها الوفاة. كما لو جرحه أو فقأ عينه أو قطع يده أو بعض أصابعه أو إحدى رجليه أو إحدى قدميه وهكذا. ويثبت القصاص في الأطراف بالجناية عليها عمداً. ويتحقق العمد بالعمد إلى الفعل أو إلى سببه الغالبي وإن لم يكن قد قصد النتيجة. ويشترط في جواز القصاص في الأطراف حصول الشرائط التالية عند الجناية في الجاني: وهي البلوغ والعقل. فلا قصاص من الصبي وإن كان مميزاً, ولا من المجنون. وأن لا يكون الجاني والد المجني عليه. كما يعتبر في القصاص أيضاً: التساوي في الحرية والرقية, فلا يقتص من الحر بالعبد. والتساوي في الدين فلا يقتص من مسلم لكافر على ما سوف يأتي تفصيله. ولا يشترط التساوي في الذكورة والأنوثة, على تفصيل يأتي.
(فروع في التساوي في الحرية)
(مسألة 789) لو جرح العبد حراً أو جنى عليه بما دون النفس, كان للمجروح الاقتصاص منه. كما أن له استرقاقه إن كانت الدية تحيط برقيته (أو تستوعب قيمته). كما أن له العفو عن القصاص والاسترقاق معاً. كما أن لمولاه أن يفكه بأقل الأمرين من قيمته ودية الجراحة. ولكن الأحوط أن ذلك لا يكون إلا برضى المجني عليه. وأما إذا لم تحط دية الجراحة برقيته, فليس له استرقاقه إذا لم يرض مولاه. ولكن عندئذ, إن افتداه مولاه وأدى دية الجرح فهو. وإلا
ــــــ[187]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كان للحر المجروح من العبد سهماً بقدر دية جرحه. والباقي لمولاه. فيكون العبد مشتركاً بينهما. ولهما بيعه لكي يأخذ المجروح حقه ويرد الباقي على المولى.
(مسألة 790) إذا جنى حر على مملوك, فلا قصاص. وعليه قيمة الجناية. فإن كانت الجناية قطع يده مثلاً, وجب عليه نصف قيمة العبد المجني عليه إذا لم تزد على دية يد الحر, وإلا وجبت عليه نصف دية الحر فقط. وإن سرت الجناية فمات المملوك فعليه تمام الدية, ما لم تزد على دية الحر فإن زادت اقتصر عليها. وإن كان قد دفع دية اليد, وجب عليه دفع الباقي, ولا يجب عليه الزائد.
(مسألة 791) لو تحرر العبد بعد الجناية على يده, فسرت الجناية إلى نفسه. فمات بعد تحرره. فعلى الجاني دية الحر على الأحوط. ولمولاه قيمة الجناية من الدية والباقي لورثته. ولو اختلفت قيمة الجناية عن دية العضو، كان للمولى أقل الأمرين.
(مسألة 792) إذا نقصت قيمة العبد بالجناية، كما لو قطع يد مملوك وقطع آخر يده الأخرى وقطع ثالث رجله. فإن حصلت هذه الحوادث في زمان متوالٍ عرفاً. كان الثلاثة مجتمعين على قتله عرفاً. فتدخل دية الأطراف في دية النفس، وإن حصلت هذه الحوادث في أزمنة متفرقة نسبياً، كما لو كان بينها يوم ونحوه، فإن مات عبداً، ضمن كل جانٍ جنايته، فالأول قطع يد عبد سليم فيضمن نصف قيمته عندئذ. والثاني قطع يد عبد مقطوع اليد. فيضمن نصف قيمته عندئذ. وهكذا. فإن سرت الجنايات فمات، كانت الدية على الجاني الأهم، فإن تساووا عرفاً سقطت دية الأطراف ودخلت في دية النفس. وإن أعتق بعد الجناية، ضمن الجناة دية الحر، يكون للمولى منها مقدار دية الأطراف والباقي لورثته.
(مسألة 793) لو قطع حر يد عبد قاصداً قتله فأعتق. ثم جنى عليه آخر كذلك. فسرت الجنايتان فمات. فللمولى على الجاني الأول نصف قيمة العبد
ــــــ[188]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
على أن لا تتجاوز نصف دية الحر. وعلى الجاني الثاني القود. فإن اقتص منه، فعلى المقتص أن يرد إلى ولي المقتص منه نصف دية الحر. أو يعفو الولي عن القصاص ويأخذ نصف دية الحر.
(مسألة 794) لو قطع حر يد عبد، ثم قطع رجله بعد عتقه. ولم تكن أي من الجنايتين بقصد القتل ولم تسر إلى موته. كان على الجاني أن يرد الجناية الأُولى إلى مولاه. وأما بالإضافة إلى الجناية الثانية، فكان للعبد المعتق الاقتصاص من الجاني بقطع رجله. وإن عفا ورضي بالدية كانت له، ولا صلة للمولى بها أصلاً.
(مسألة 795) يشترط التساوي في الدين كما سمعنا، فلا يقتص من مسلم بالجناية على كافر ذمياً كان أم حربياً. ولكنه إن كان ذمياً كان على الجاني الدية.
(مسألة 796) مع التساوي في الدين ينفذ القصاص ولو مع الاختلاف في المذهب سواء في الإسلام أو في الكفر. والكفر كله ملة واحدة، فيثبت القصاص معه، حتى مع الاختلاف في الدين.
(مسألة 797) إذا جنت المرأة على الرجل اقتص الرجل من المرأة من دون أخذ شيء منها. ولكن إن عفا عن القصاص كان له أخذ الدية. وإن جنى الرجل على المرأة اقتصت المرأة منه بعد رد التفاوت إليه إذا بلغت الجناية الثلث من دية الحر فأكثر. وإلا فلا رد إن كانت الجناية دون ثلث الدية. فلو قطع الرجل إصبع امرأة جاز لها قطع إصبعه بدون رد شيء إليه. لأن دية الإصبع دون ثلث الدية الكاملة. ولو قطع يدها جاز لها قطع يده، بعد رد نصف دية يده إليه، ولو عفت عن القصاص أخذت دية يد المرأة وهي نصف دية يد الرجل. لأن دية اليد تزيد على ثلث الدية الكاملة.
(مسألة 798) المشهور اعتبار التساوي في السلامة من الشلل في قصاص الأعضاء. فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء وهو الأحوط. وأما اليد الشلاء فتقطع باليد الصحيحة بلا إشكال.
ــــــ[189]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 799) لو قطع يمين رجل، قطعت يمينه إن كانت له يمين وإلا قطعت يساره، على إشكال وإن كان لا يبعد الجواز. وإن لم تكن له يسار، فالمشهور أنه تقطع رجله إن كانت. وفيه إشكال. والأقرب فيه الرجوع إلى الدية.
(مسألة 800) لو قطع أيدي جماعة على التعاقب، فلكل واحد منهم القصاص أو الدية أو العفو، بالتدرج. فإن اقتص منه أحدهم تعينت الدية للباقين لارتفاع موضوع القصاص بالنسبة إليهم. وإن اشترك في القصاص أكثر من واحد أو كلهم، كان لكل منهم باقي الدية بالنسبة. فلو كان المجنى عليهم اثنين، كان لكل واحد منهم نصف الدية، مع اشتراكهما في القصاص.
(مسألة 801) لو قطع اثنان يد واحد، جاز له الاقتصاص منهما، بعد رد دية يد واحدة إليهما، يتقاسمانها بالسوية. وإذا اقتص من أحدهما أعطاه نصف الدية وأخذ من الآخر نصفها. فلو دفع الآخر إلى المقتص منه نصف الدية كان جائزاً وحصلت نفس النتيجة. كما أن للمجني عليه العفو عن القصاص ومطالبة كل منهما بالدية بالنسبة.
(فروع في الشجاج)
(مسألة 802) يثبت القصاص في الشجاج. وهي الجروح: الشجة بالشجة. ويعتبر فيه التساوي طولاً وعرضاً، وأما العمق، فالعبرة بحصول الاسم. يعني أن تكون ضربة القصاص مماثلة في الاسم مع ضربة الجناية. والمراد بالاسم هنا: ما سيأتي في كتاب الديات من تقسيم الجراح إلى أقسام كالباضعة والموضحة والهاشمة والمنقلة، وغيرها مما يأتي إيضاح تفاصيلها.
(مسألة 803) يثبت القصاص في الجروح فيما إذا كان مضبوطاً عرفاً، بأن كان القصاص بمقدار الجرح. وأما إذا لم يكن مضبوطاً، يعني لم يكن من
ــــــ[190]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الممكن أن يكون مضبوطاً أو كان موجباً لتعرض النفس للهلاك أو تلف العضو، كالجائفة والمأمومة والمنقلة ونحوها، لم يجز. وينتقل الأمر فيها إلى الدية الثابتة بأصل الشرع أو إلى الحكومة (وهي الغرامة التي يقضي بها الحاكم فيما لا نص فيه) كما سيأتي تفصيل ذلك في كتاب الديات.
(مسألة 804) يجوز الاقتصاص قبل الاندمال، يعني اندمال الجرح في المجني عليه. ولا يجب الانتظار إلى حين الاندمال. بل الأحوط المبادرة إلى القصاص لعدم التعرف بالدقة على مقدار الجرح بعده، بل بعد زمن معتد به وإن لم يندمل. وهذا الحكم يشمل ما إذا احتمل الاندمال واحتمل عدمه.
(مسألة 805) يترتب على المسألة السابقة أنه لو اقتص من الجاني. ثم سرت الجناية في المجني عليه فمات. كان لوليه أخذ الدية من الجاني. بعد استثناء دية العضو المقتص منه على الأحوط. هذا فيما إذا يكن القتل مقصوداً ولا سببه الغالب. وإلا كان من قبيل القتل العمد. فإن قتله ولي الدم قصاصاً كانت عليه دية جرحه الذي سببه القصاص.
(مسألة 806) كيفية القصاص في الجروح هي أن يحفظ الجاني من الاضطراب، لعدم إمكان التأكد من تقدير الجرح حال الحركة. وكذلك لا بد من ضبط الظروف الأخرى للجاني كالزمان، كعدم البرد الزائد أو الحر الشديد، والمكان كالأرض المخوفة أو المسبعة أو يوثق فيها بهجوم اللصوص وغير ذلك. ثم يقاس محل الشجة بمقياس في جسم المجني عليه. وإن كان هناك شعر يخفي البشرة في أحدهما أو كليهما، فينبغي حلقه زيادة في الضبط. فإذا علم مقدار الشجة في المجني عليه، جعل المقياس على جسم الجاني وعلم طرفيه في موضع الاقتصاص تماماً. ثم يشرع في الاقتصاص من إحدى العلامتين إلى الأخرى. وهنا يجب التأكد من مقدار الضربة بحيث لا ينتج شجاً في الجاني أكبر مما هو عليه في المجني عليه. فإن حصل ذلك تعين إعطاء فرق الدية. وإن
ــــــ[191]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
حصل العكس جاز الضرب أو الضغط حتى يحصل المقدار المطلوب.
(مسألة 807) لا يجب تخدير الجاني خلال الاستيفاء، ولا إراحته نفسياً باللهو أو بالكلام ونحو ذلك. ولكن إن حصل أي من ذلك لم يقدح في الاستيفاء.
(مسألة 808) المشهور اعتبار كون آلة القصاص من الحديد. ودليله غير ظاهر، فالظاهر عدم الاعتبار، وإن كان أحوط.
(مسألة 809) هل يجب استعمال نفس الآلة المجني بها أو شيئاً من نوعها، أو أقرب شيء إليها. أو يمكن اختلافها. فلو كانت الجناية بضربة بخشبة أمكن قصاصها بحديدة وهكذا. الظاهر ذلك.
(مسألة 810) لا تجب المبادرة إلى لف الجرح أو تعقيمه أو خياطته، بل ولا إلى قطع الدم منه. ما لم يخش على النفس. فيجب المبادرة بمقدار دفع احتمال الوفاة. وعلى أي حال، لو حصل أي شيء من ذلك، لم يقدح في الاستيفاء. كما أنه جائز غير محرم، وإن قلنا إنه غير واجب.
(مسألة 811) إذا كانت مساحة الجرح في عضو المجني عليه تستوعب عضو الجاني أو تزيد عليه لصغره. لم يجز له أن يقتص من عضوه الآخر عوضاً من الزائد. بل يجب الاقتصار على القصاص بمقدار ما يتحمل ذلك العضو، ويرجع في الزائد إلى الدية بالنسبة أو إلى الحكومة. وكذا الحال في العكس. وهو ما إذا كان عضو المجني عليه صغيراً واستوعبته الجناية، ولم تستوعب عضو الجاني. فيقتصر في الاقتصاص على مقدار مساحة الجناية.
(مسألة 812) لو قطع عضواً من شخص كالأذن. فاقتص المجني عليه من الجاني. ثم ألصق المجني عليه عضوه المقطوع بمحله، فالتحم وبريء جاز للجاني إزالته. وكذلك العكس، على إشكال يأتي في المسألة الآتية.
ــــــ[192]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 813) لو أمكن إرجاع العضو المقطوع أو إبراء العضو المجروح أو التحام العظم المكسور، كما هو الحال في زماننا بالنسبة إلى كثير من ذلك. فهنا صور عديدة. لأن الإعادة إما أن تكون من الجاني أو من المجني عليه، وفي جسم الجاني أو في جسم المجني عليه، وقبل القصاص أو بعده. فهنا ثمان صور: أربع منها قبل القصاص وأربع بعده. أما التي قبل القصاص، فهي كما يلي:
أولاً: أن يداوي المجني عليه نفسه. وهذا لا ينافي القصاص كما هو واضح.
ثانياً: أن يداويه الجاني. وهذا لا ينافي القصاص فقهياً، وإن كان ظلماً أخلاقياً.
ثالثاً ورابعاً: أن يداوي المجني عليه جسم الجاني أو يداويه الجاني نفسه، وهما صورتان مستحيلتان لعدم وجود الجرح في الجاني قبل القصاص.
وأما الصور التي تكون بعد القصاص:
أولاً: أن يداوي المجني عليه نفسه. فهو ما أشرنا إليه في المسألة السابقة من جواز فتقه من قبل الجاني. ولا تعتبر جناية ثانية.
ثانياً: أن يداوي الجاني نفسه. ومقتضى القاعدة عدم جواز فتقه من قبل المجني عليه، لأن القصاص قد حصل، ولا يجوز تكراره.
ثالثاً: أن يداوي الجاني جرح المجني عليه. ولا أثر له فقهياً. ولم يجب دفع دية الجرح الذي حصل قصاصاً. وإن كانت مداواته بالمقابل أمر راجح أخلاقياً.
رابعاً: أن يداوي المجني جرح الجاني (سواء داوى جرح نفسه أم لا). وهذا أمر أخلاقي وإنساني، لا أثر له فقهياً.
(مسألة 814) لو قلع رجل أعور عين رجل صحيح، قلعت عينه المماثلة، سواء كانت هي العوراء أو الصحيحة.
ــــــ[193]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(فروع في الجناية على الأعضاء)
(مسألة 815) لو قلع صحيح العينين العين الصحيحة من شخص أعور بالخلقة أو بآفة. كان المجني عليه بالخيار بين قلع إحدى عيني الجاني (وهي المماثلة للجناية) وبين العفو عن القصاص وأخذ دية العين (وهي نصف الدية الكاملة) وبين العفو عن القصاص والدية معاً.
(مسألة 816) لو أذهب ضوء عين آخر دون الحدقة، كان للمجني عليه الاقتصاص بمثل ذلك لو أمكن. وإلا انتقل الأمر إلى الدية.
(مسألة 817) يثبت القصاص في شعر الحاجبين وشعر اللحية وشعر الرأس وما شاكل ذلك. سواء ذهبت حلقاً أو نتفاً أو مع الجلد الذي تحتها. ما دام شيء من ذلك بغير رضا المجني عليه. ويكون القصاص بنفس الأسلوب ونفس المقدار.
(مسألة 818) يثبت القصاص في قطع الذكر. ولا فرق فيه بين الشاب والشيخ والأغلف والمختون وغير ذلك. كما لا فرق بين الصغير والكبير على المشهور المنصور. لأن المراد بالصغير، هو الحجم وليس غير البالغ إذ لا قصاص عليه. وإذا كان المقطوع بالجناية بعضه قطع من الجاني بالنسبة.
(مسألة 819) ذهب جماعة إلى أنه لا يقاد الصحيح بذكر العنين. ولكن الظاهر ثبوت القصاص وعدم الفرق بين الصحيح والمعيب.
(مسألة 820) يثبت القصاص في الخصيتين. وكذا في إحداهما. فإن قطعت اليمنى اقتص من اليمنى على الأحوط وإن قطعت اليسرى اقتص من اليسرى.
(مسألة 821) يثبت القصاص في قطع الشفرين، فإن قطعت امرأة الشفرين من امرأة أخرى، فلها الاقتصاص منها بالمثل، وكذلك الحال إذا قطعت
ــــــ[194]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
إحداهما. وأما إذا قطعهما رجل فلا قصاص، وتجب عليه ديتها. كما أن المرأة إذا قطعت ذكر الرجل، فلا قصاص وعليها الدية. نعم، لو قطع الرجل فرج المرأة كاملاً، وامتنع عن الدية، وطالبت المرأة قطع ذكره، قطع. وأما إذا لم يكن القطع كاملاً، فالأحوط الاقتصار على الدية.
(مسألة 822) لا يعتبر التساوي بين العضو المقطوع وعضو الجاني. فيقطع الصحيح بالمجذوم (وهو من به مرض الجذام ولا يراد به هنا المقطوع بقطع سابق). وإن تناثر منه شيء من لحمه. وكذلك يقطع الأنف الشام بالعادم والأذن الصحيحة بالصماء والكبيرة بالصغيرة، والصحيحة بالمثقوبة أو المخرومة. وما شاكل ذلك.
(مسألة 823) لو قطع بعض الأنف، نسب المقطوع إلى أصله. ويؤخذ من الجاني بحسابه. فإن كان المقطوع نصف الأنف، قطع من الجاني نصف أنفه. وهكذا. ويجري هذا الحكم في كل الأعضاء المقطوعة كالأذن واليد والرجل وغيرها.
(مسألة 824) يثبت القصاص في السن. فلو قلع شخص سن شخص عدواناً، فله قلع سنه حتى لو عادت السن كما كانت، اتفاقاً أو بالمعجزة أو بأي سبب.
(مسألة 825) لا قصاص في سن الصبي الذي لم يثغر (يعني لم تنبت له أسنانه الأصلية) سواء أمكن بعد ذلك خروج السن الأصلي أم لم يمكن.
(مسألة 826) لو اقتص المجني عليه من الجاني، وقلع سنه ثم عادت، فليس له قلعها.
(مسألة 827) المشهور اشتراط التساوي في المحل والموضع من قصاص الأسنان وهو الأحوط. وإيضاحه: أن الأسنان البشرية ثلاث مجموعات: الضواحك والأنياب والقواطع. فلو قلع سناً من أحدها لم يكن له الاقتصاص من
ــــــ[195]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
مجموعة أخرى على الأحوط إلا مع عدمها من الجاني. ويقطع عندئذ ما هو الأقرب إلى محل الجناية على الأحوط. ولكن التخيير ثابت في نفس المجموعة على الأقوى. فلو قلع الناب الأول، كان له قلع الناب الثاني من الجاني وهكذا. وإن كان الاحتياط الاستحبابي بخلافه. نعم، الأحوط حفظ الجهة من اليمين واليسار في الفم.
(مسألة 828) لا يقطع العضو الأصلي بالزائد، كالإصبع أو السن أو اليد أو الذراع الزائدة. بل ينتقل الحكم إلى الدية. نعم، لا يبعد جواز قطع الزائد مع تغاير المحلين ما دام يصدق عليها نفس الاسم كالإصبع مثلاً.
(مسألة 829) كل عضو يقتص منه مع وجوده، تؤخذ الدية منه حال عدمه. فإذا قطع من له إصبع واحدة: إصبعين من شخص، كان للمجني عليه قطع الإصبع الواحدة عن أحدهما، وأخذ دية الأخرى. وكذلك الحال فيما إذا قلع من لا عين له عين شخص آخر. وهكذا في سائر الأعضاء.
(مسألة 830) ذهب جماعة إلى أنه لو قطع كفاً تامة. ولم يكن للجاني أصابع أصلاً أو ليس له بعضها. قطعت كفه وأخذت منه دية الناقص. وهو الأقرب وإن كان الاحتياط بخلافه.
(مسألة 831) إذا كان الناقص عضو المجني عليه لا الجاني. كما لو قطع يد شخص مقطوع الأصابع أو بعضها. فهل له قطع يد الجاني الكاملة أم لا. الظاهر أن له القطع مع وجوب رد دية الزائد عليه.
(مسألة 832) المشهور أنه لو قطع إصبع شخص، وسرت الجناية إلى كفه اتفاقاً. ثبت القصاص في الكف. وفيه إشكال. والأظهر عدم ثبوته، وإنما له قطع إصبع الجاني وأخذ دية الكف منه. وأما إذا تعمد السراية أو كانت الجناية مما تسري غالباً، فهو بالخيار بين القصاص في تمام الكف وبين العفو عن القصاص وأخذ الدية مع التراضي. ويكون القصاص هنا بجعل الكف مشلولة إن
ــــــ[196]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
أمكن كما حصل في الجاني، وليس ببترها تماماً على الأحوط.
(مسألة 833) لو قطع من مفصل الرسغ، ثبت القصاص بمقداره. ولو قطع معها بعض الذراع، فالمشهور أنه يقتص من الرسغ ويأخذ الدية عن الزائد بالحكومة. ولكنه لا وجه له. بل الظاهر هو القصاص من بعض الذراع إن أمكن وإلا فالمرجع هو الدية. كما أنه لو قطع يده من المرفق (وهو المفصل الأوسط في اليد) اقتص منه. وليس له الاقتصاص من الرسغ وأخذ الدية عن الزائد. وكذا لو قطعت من فوق المرفق. وكل ذلك يأتي في الرجل أيضاً.
(مسألة 834) لو كان للقاطع إصبع زائدة وللمقطوع كذلك في نفس الكف، ثبت القصاص. بل لا يبعد ثبوت القصاص فيما إذا كانت الزائدة في الجاني فقط. وإن لزم منه ذهاب الزائد بالناقص. وأما إذا كانت الإصبع الزائدة في المجني عليه فقط. فالمشهور أن له الاقتصاص، وأخذ دية الزائدة، وهي ثلث دية الأصلية، وفيه إشكال، وإن كان أقرب.
(مسألة 835) لو قطع يمين شخص، فبذل الجاني شماله فقطعها المجني عليه جاهلاً بالحال. فالظاهر عدم سقوط القصاص عنه للمجني عليه بقطع اليد اليمنى، ولكن بعد دفع دية اليد اليسرى على الأحوط. نعم، إذا كان القطع معرضاً للسراية مع وجود الجرح في اليسرى، لم يجز حتى يندمل الجرح فيها. ثم أن الجاني إذا كان قد قصد ذلك وكان يعلم أن قطع اليسرى لا يجزي عن قطع اليمنى فلا دية له. وإلا فله الدية، كما أشرنا. وإذا كان المقتص عالماً بالحال ومع ذلك قطعها، كانت جناية مستقلة، وعليه القود سواء كان الجاني عالماً بالحال أم جاهلاً أم خاطئاً.
(مسألة 836) لو قطع يد رجل فمات، وادعى الولي الموت بالسراية، وأنكره الجاني. فالقول قول الجاني ويؤخذ منه القسم على الأحوط. ومثله ما إذا قطع الملفوف بالكساء نصفين أو أكثر، فادعى الولي أنه كان حياً حين ضربه.
ــــــ[197]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وادعى الجاني أنه كان ميتاً، مع احتمال صدقه عادة، فيكون القول قوله مع يمينه.
(مسألة 837) لو قطع إصبع شخص من يده اليمنى -مثلاً-. ثم قطع كل اليد اليمنى من شخص آخر، ثبت القصاص عليه لكل منهما. فإن اقتص الثاني، ألزم الجاني للأول بدية الإصبع. وإن اقتص الأول منه بقطع إصبعه، اقتص الثاني بقطع يده، وهل يرجع بدية الإصبع فيه إشكال وإن كان أقرب. وتجري هذه المسألة في كل ما كان كذلك من أعضاء أصلية وفرعية كالأصابع مع القدم أو القدم مع الرجل أو الكف مع الذراع وهكذا.
(مسألة 838) إذا قطع إصبع رجل عمداً، فعفا المجني عليه قبل الاندمال، أو بعده، سقط القصاص. وهل له أخذ الدية. الظاهر والأحوط عدم ثبوتها بغير التراضي. وكذا كل جناية عمدية على عضو كائناً ما كان ما دام دون النفس.
(مسألة 839) إذا قطع إصبع رجل خطأ أو شبه العمد، اقتصر على الدية، ولا قصاص. وكذا أي عضو آخر.
(مسألة 840) إذا كان قطع الإصبع عمداً، فعفا المجني عليه عن القصاص. ثم سرت الجناية إلى الكف. سقط القصاص في الإصبع. وأما الكف، فإن كانت السراية مقصودة للجاني، أو كانت تلك الجناية مما تؤدي إلى السراية غالباً وإن لم تكن مقصودة، ثبت القصاص في الكف. ولكن قلنا في مثل ذلك إن الأحوط أن يكون القصاص بإيجاد الشلل بالكف في الجاني بحيث تكون كحالة المجني عليه. وليس بترها تماماً. فإن أمكن ذلك، وإلا فالمصير إلى الدية. هذا إذا كان الجاني عامداً إلى السراية أو إلى سببها الغالبي. وأما إذا لم يكن كذلك، وكانت السراية اتفاقية، ثبتت الدية دون القصاص. وكذلك الحال إذا سرت الجناية إلى النفس. كما أنه هو الحال، في كل عضو آخر غير اليد كالرجل بعضاً أو كلاً.
(مسألة 841) لو عفا المجني عليه عن قصاص النفس قبل وفاته. لم يسقط.
ــــــ[198]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وكذا لو أسقط دية النفس لم تسقط. لأن كل ذلك من حق ولي الدم وليس من حق المجني عليه. نعم يكون للمجني عليه ذلك الحق فيما دون النفس.
(مسألة 842) إذا اقتص من الجاني، فسرت الجناية اتفاقاً، بغير قصد من المقتص إلى عضو آخر أو إلى نفسه، فلا ضمان ولا دية. ولكن أشرنا فيما سبق وجوب المحافظة على نفسه. فإن مات مع المحافظة فلا ضمان. وكذلك لو كان القصاص مما يؤدي إلى الموت غالباً، ولكنه لم يؤد في المجني عليه وإنما أدى في الجاني.
(مسألة 843) لا يقتص من الجاني عمداً إذا التجأ إلى الحرم المكي. وهو ما حول الكعبة باثني عشر ميلاً. ولكن يضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج فيقتص منه. ولو جنى في الحرم أية جناية اقتص منه فيه، ولو كانت الجناية القتل العمد. ولا يلحق به حرم المدينة المنورة ومشاهد الأئمة.
(بعض الفروع في قصاص الأطراف)
(مسألة 844) لو قطع أذنه فأزال سمعه، فهما جنايتان، يحق لكل منهما القصاص. وكذا كل الحواس الأخرى كالعينين واللسان والأنف.
(مسألة 845) يقتص المنخر بالمنخر، مع تساوي المحل اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى, ويقتص الحاجز بالحاجز.
(مسألة 846) يقتص الشفة بالشفة: العليا بالعليا والسفلى بالسفلى وتستوي الطويلة والقصيرة والكبيرة والصغيرة والصحيحة والمريضة والغليظة والرقيقة. ولو قطع بعضها اقتص منه بحسابه.
(مسألة 847) يثبت القصاص في اللسان: كله بكله وبعضه ببعضه بالنسبة. ولا يشترط التساوي بالحجم ولا بالطول ولا بالصحة والمرض ولا بالنطق والخرس.
ــــــ[199]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 848) في الثدي قصاص وفي حلمته قصاص مع تساوي المحل: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى. ولا يشترط فيه التساوي في الحجم أو الصحة والمرض ولا الجنس، فيقتص من المرأة بالرجل ومن الرجل بالمرأة. ولكن إذا اقتصت المرأة من الرجل لزم رد الزائد من الدية بخلاف العكس.
(مسألة 849) لو أزالت بكر بكارة أخرى، فالظاهر ثبوت القصاص. ولكن إذا كانت الجانية ثيباً أو كان رجلاً تعينت الدية.
(مسألة 850) لو قال في العمد: عفوت عن القصاص سقط. ولم تثبت له الدية إلا مع رضاء المجني عليه على الأحوط. ولو قال في غير العمد: عفوت عن القصاص، لغي ولم يرتفع استحقاق الدية. ولو عفى فيه عن الدية سقطت. ولو عفى عن الجناية على العضو فسرت إلى النفس، كان لولي الدم القصاص. وكذا لو سرت إلى أي مكان معتد به وغير متوقع عادة. فيثبت فيه القصاص أو الدية حسب ما عرفنا من القواعد السابقة.
(مسألة 851) لو قال: عفوت عن القصاص إلى شهر أو إلى سنة، لم يسقط القصاص، وكان له استيفاؤه بعد المدة، ولو قال عفوت عن نصفك أو عن رجلك أو عن رقبتك، فإن كنى بها عن النفس صح وسقط القصاص وإلا ففي سقوطه إشكال بل منع. إلا أن تكون الجناية في الموضع الذي ذكره.
(مسألة 852) لو عفا الوارث الواحد أو المتعدد في الجناية على النفس عن القصاص، سقط، ولا يصار إلى الدية إلا برضاء الجاني، ولو عفا بعضهم عن القصاص، كان له التراضي مع الجاني على حصته من الدية، وللآخرين الاقتصاص مع إعطاء مقدار الدية إلى وليه. ويمكن مع التراضي أن يغرم المقتصون إلى الورثة الآخرين حصصهم من الدية، بدون توسيط قبض ولي دم الجاني.
ــــــ[200]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كتاب الديات
ــــــ[201]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ــــــ[202]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الدية بالتخفيف: هي المال المعين شرعاً في الجناية على النفس أو الطرف أو الجرح أو نحو ذلك. ويختص هذا الاصطلاح بأن يكون المجني عليه حراً، فلو كان عبداً، كانت ديته قيمته أو جزأها. كما يختص بالمال المعين شرعاً كما أشرنا، فلو لم يكن معيناً وكان أمره موكولاً إلى الحاكم الشرعي سمي بالحكومة. وقد يراد باصطلاح الدية: دية النفس دون الجنايات الأخرى ويصطلح عن الباقي بالأرش. غير أن الأصح هو الطريق الأول، ويختص الأرش بغير الجناية على الحر كالعبد أو الحيوان أو العروض. إلا أن يأتي ذاك من قبيل المجاز في لسان الدليل كأرش الخدش، أو يحمل على مورده وهو خدش العبد ونحوه.
ويقع الكلام عن الديات ضمن عدة فصول:
الفصل الأول: في مقادير الديات
في موارد الجناية على النفس
(مسألة 853) تثبت الدية في موارد الخطأ المحض، أو الشبيه بالعمد أو فيما لا يكون فيه قصاص أو لا يمكن فيه. وأما في العمد الذي ثبت فيه القصاص، فإن كان هناك رد وجب، وكان بمنزلة الدية، وأما لوثبت القصاص بلا رد شيء، فلا تثبت فيه الدية إلا بالتراضي مع الجاني أو وليه على الأحوط. سواء كان ذلك في النفس أم في غيرها. وقد تقدم حكم ما يستلزم القصاص فيه الرد.
ــــــ[203]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 854) دية قتل الحر المسلم عدة خصال مخيراً بينها:
أولاً: مئة بعير فحل من مسان الإبل.
ثانياً: مئتا بقرة. والظاهر عدم الفرق بين الذكر والأنثى.
ثالثاً: مئتا حلة، وكل حلة ثوبان. والأحوط أن تكون رجالية ومن قماش معتد به. وقيل لا بد أن تكون من أبراد اليمن. ولم يثبت.
رابعاً: ألف دينار، ويراد به الدينار الذهبي المسكوك بسكة المعاملة. ووزنه مثقال شرعي واحد. ثمان عشرة حبة. وهو يساوي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي المتعارف، والذي يساوي أربعاً وعشرون حبة.
خامساً: عشرة آلاف درهم. ويراد به الدرهم من الفضة المسكوكة بسكة المعاملة والأحوط اعتبار وزن الدرهم كوزن الدينار المشار إليه قبل قليل وليس أقل من ذلك، كما قيل.
سادساً: ألف شاة. والظاهر كفاية ألف رأس من الغنم سواء كان من الضأن أو المعز ومن الذكور أو الإناث. لكن لا ينبغي أن تكون صغيرة بحيث لا يصدق عليها العنوان، ولا مريضة مرضاً معتداً به أو ناقصة نقصاناً معتداً به. ونفس هذا الاحتياط شامل للإبل والبقر أيضاً.
(مسألة 855) تستوفى دية العمد في سنة واحدة من مال الجاني. بمعنى أنه ليس للآخر الحق شرعاً بأن يطالب بها في أقل من سنة أو نقداً، إلا أن يستطيع الجاني ذلك ويرضى به.
(مسألة 856) يتخير الجاني بين الأصناف الستة المذكورة للدية على التفصيل الآتي. وهو أنه إذا كان للجاني نوع معين من البضاعة المعطاة في الدية فإنه يتعين إعطاؤها دون غيرها. فأهل الإبل يدفعون الإبل وأهل البقر يدفعون البقر وأهل الغنم يدفعون الغنم. وإن كان لديهم أكثر من قسم واحد تخيروا. كما أن أهل
ــــــ[204]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الحلل كالبزازين والخياطين ونحوهم يدفعون الحلل. وتجار الذهب والصاغة يدفعون الذهب وتجار الفضة وصاغتها يدفعون الفضة. ومن ليس له ذلك في عمله يتخير. والأحوط أنه يتخير بين الذهب والفضة بالتعيين. ولكن الظاهر من الأدلة أن هذه التحديدات إرفاقية بالمكلفين، فلا تكون تحميلاً عليه فيما إذا كان الدفع من القسم الآخر أسهل عليه.
(مسألة 857) لو تم التخيير، فله اختيار أي صنف شاء من الدية ولو كان هو أقلها قيمة، وهي ماءتا حلة في زماننا هذا. وليس لولي المقتول إجباره على صنف خاص من الأصناف المذكورة.
(مسألة 858) دية شبه العمد أيضاً أحد الأمور الستة المذكورة، وهي على الجاني نفسه، إلا أنه إذا اختار تأديتها من الإبل لزم أن تكون على الأوصاف التالية:
أولاً: أربعة وثلاثون طروقة الفحل.
ثانياً: ثلاث وثلاثون حقة. وهي من الإبل أنثى أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة.
ثالثاً: ثلاث وثلاثون جذعة. وهي من الإبل أنثى أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة. كما يمكن أن تكون على الأوصاف التالية، بحيث يكون الجاني مخيراً بين المجموعتين:
أولاً: أربعون منها خلفة من بين ثنية إلى بازل عامها.
ثانياً: ثلاثون حقة, كما فسرناها.
ثالثاً: ثلاثون بنت لبون. وهي من الإبل أنثى أتمت عامين ودخلت في الثالثة.
(مسألة 859) المشهور بين الأصحاب أن دية شبه العمد تستوفى في سنتين.
ــــــ[205]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ولكن لا دليل عليه. بل الظاهر أنها تستوفى في ثلاث سنوات.
(مسألة 860) إذا هرب القاتل شبيه العمد، فلم يقدر عليه، أخذت الدية من ماله، فإن لم يكن له مال، فالأحوط أن تكون الدية على الإمام.
(مسألة 861) إذا مات القاتل شبيه العمد، أخذت الدية من تركته كالديون. فإن لم يكن له تركة، فالدية على الأقرب فالأقرب إليه.
(مسألة 862) دية الخطأ المحض أيضاً أحد الأمور المذكورة. وهي تحمل على العاقلة.
(مسألة 863) إذا أرادت العاقلة أداء الدية من الإبل اعتبرت فيها الأوصاف التالية:
أولاً: ثلاثون منها حقه.
ثانياً: ثلاثون منها بنت لبون.
ثالثاً: عشرون منها ابن لبون.
رابعاً: عشرون منها بنت مخاض. وهي من الإبل أنثى أتمت سنة ودخلت في الثانية. والظاهر أن للعاقلة العمل على الأوصاف السابقة التي ذكرناها في المسألة (858).
(مسألة 864) يستثنى من موارد ثبوت الدية، ما إذا قتل مؤمناً في دار الحرب معتقداً جواز قتله لأنه ليس بمؤمن، فبان أنه مؤمن. فإنه لا تجب الدية عندئذ، بل تجب الكفارة فيه فقط.
(مسألة 865) دية القتل في الأشهر الحرم عمداً أو خطأ: دية كاملة وثلثها. والأشهر الحرم: أربعة أشهر قمرية. منها ثلاثة متتابعة وهي: شوال وذو القعدة
ــــــ[206]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وذو الحجة وواحد منفصل وهو رجب. ولذا سمي رجب الفرد، أي المنفرد.
(مسألة 866) كفارة القاتل عمداً في الأشهر الحرم أو في الحرم المكي، كفارة الجمع، وهي عتق رقبة وصوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً. وإذا كان القتل في الأشهر الحرم. فلا بد وأن يكون الصوم فيها، فيصوم يوم العيد إذا صادفه. والأقرب كفاية هذا الصوم في كفارة الأشهر الحرم. وكفاية كفارة الجمع بدون هذا القيد في القتل في الحرم. ويبقى الجمع مع هذا القيد في الأشهر الحرم مبيناً على الاحتياط الاستحبابي. وأما في القتل في الحرم فيتعين رفع هذا القيد وجوباً.
(مسألة 867) إذا كان القتل خطأ في الأشهر الحرم لحقه حكم كفارة العمد السابقة. وإذا كان القتل خطأ في الحرم لحقه حكم الجمع الذي ذكرناه. وكذا شبه العمد في الموردين.
(مسألة 868) دية المرأة الحرة المسلمة نصف دية الرجل الحر المسلم من جميع الأجناس المتقدمة، بما فيها مجموعات الإبل السابقة.
(مسألة 869) المشهور بين الأصحاب أن دية ولد الزنا إذا كان محكوماً بالإسلام دية مسلم. وقيل: أن ديته ثماني مائة درهم وهو أقرب غير أن الأول أحوط أكيداً.
(مسألة 870) دية الذمي من اليهود والنصارى وكذا المجوسي، ثماني مائة درهم على الأظهر، ودية نسائهم نصف ديتهم. غير أن الأحوط أنها دية المسلم الحر الكاملة. وأما سائر الكفار فلا دية في قتلهم ولا قصاص من أي أنواع القتل كان.
(مسألة 871) دية العبد قيمته ما لم تتجاوز دية الحر. وإذا كان العبد ذمياً لم
ــــــ[207]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
يجب تجاوز قيمته دية الذمي الحر، إذا قلنا بالقول المشهور، كما سبق. ودية الأمة قيمتها، ما لم تتجاوز دية الحرة، بأحد النحوين السابقين.
(مسألة 872) وكذلك الحال في الجراحات والأعضاء ومنافعها. فما كانت ديته كاملة كالأنف واللسان والعينين ونور العينين وأضرابها، فديته في العبد قيمته، ما لم تتجاوز الدية الكاملة للحر، فلا يجب الزائد عندئذ. وما كانت ديته نصف الدية، كإحدى اليدين أو الرجلين أو العينين، فهو في العبد نصف قيمته، ما لم تتجاوز نصف دية الحر فيقتصر عليها.
(مسألة 873) لو جنى على عبد بما فيه قيمته، كما لو قطع لسانه أو أنفه أو يديه، كان لمولاه المطالبة من الجاني بقيمته، فيجمع في ملكيته العبد وقيمته، نتيجة للجناية. وكذا لو جنى على العبد بما لا يستوعب قيمته، فإن لمولاه المطالبة بدية الجناية مع إمساك العبد. وليس عليه دفع العبد إلى الجاني على أي حال.
(مسألة 874) كل جناية لا مقدار فيها شرعاً، ففيها الحكومة. وهي غرامة يعين مقدارها الحاكم بمقدار ما يرى من المصلحة. وتؤخذ من الجاني إن كانت الجناية عن عمد أو شبه العمد. ومن عاقلته في الخطأ. والأحوط تعيينها بعد الرجوع إلى ذوي الخبرة من المؤمنين. فإن أوجبناهم فالأحوط وجود شروط البينة فيهم، أو حصول الاطمئنان الشخصي بأقوالهم.
(مسألة 875) لا دية لمن قتله الحد أو التعزير حتى مع السراية.
(مسألة 876) إذا بان فسق الشاهدين أو الشهود بعد قتل المشهود عليه، فلا ضمان على الحاكم، بل كانت ديته في بيت مال المسلمين.
(مسألة 877) من افتض بكراً أجنبية. فإن كانت حرة لزمه مهر المثل. وهو
ــــــ[208]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
مهر نسائها. ولا فرق بين كون الافتضاض بالجماع أو بالإصبع أو بغير ذلك (بغض النظر عن حد الزنا إذا كان السبب هو الجماع)، أما إذا كانت أمة لزمه عشر قيمتها.
(مسألة 878) من أكره امرأة أجنبية غير بكر فجامعها, فعليه مهر المثل. (مضافاً إلى حد الزنا) وأما إذا كانت مطاوعة، فلا مهر لها. سواء كانت بكراً أم لم تكن.
(مسألة 879) لو أدب الزوج زوجته تأديباً مشروعاً، فأدى إلى موتها اتفاقاً، قيل: أنه لا دية عليه ولا قصاص. ولكن الأحوط ثبوت الدية. وكذلك الحال في الصبي إذا أدبه وليه تأديباً مشروعاً فأدى إلى هلاكه.
(مسألة 880) هذا إذا كان موت الزوجة أو الولد، اتفاقياً، بحيث لحق بشبه العمد. أما إذا كان عمدياً، لزم القصاص، إذ لا مشروعية في مثل هذا التأديب. وإنما يجب على المؤدب الحفاظ على حياة الآخر. فإن عصى كان قاتلاً عمداً.
(مسألة 881) ما ذكرناه في المسألتين السابقتين، فيما إذا كانت الجناية على النفس. وأما الجناية بما دون النفس. فإن كان ما حصل هو ما يحصل عادة ضمن التأديب المشروع، فلا دية ولا قصاص، مع العمد فضلاً عن غيره. وإن كان ما حصل أكثر من ذلك، فالحكم هو التفصيل السابق.
(مسألة 882) إذا أمر شخصاً بقطع عقدة في رأسه، مثلاً، أو إجراء أية عملية جراحية، ولم يكن ذلك مما يؤدي إلى الموت غالباً، فمات بهذه الجراحة فلا قصاص ولكن تثبت الدية، سواء أخذ البراءة من الآمر أم لا. نعم ثبوت دية الجرح، مع عدم حصول الوفاة، منوطة بعدم أخذ البراءة.
(مسألة 883) لو قطع عدة أعضاء من شخص خطأ أو شبه العمد. فإن لم
ــــــ[209]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
يسر القطع، وجبت دية تمام تلك الأعضاء المقطوعة. وإن زادت على الدية الكاملة. وإن سرى إلى الوفاة. فإن كان القطع متفرقاً في أزمان متعددة، فعليه دية كل عضو زائداً على دية النفس، إلا العضو الأخير أو إلا العضو الأهم الذي سببت سرايته إلى الوفاة، فإن هذا العضو تتداخل ديته في دية النفس. هذا مع تفرق الزمان. وأما مع قطع عدة أعضاء بضربة واحدة أو بعدة ضربات متتابعة، بحيث يصدق عرفاً أنه قتل واحد. عندئذ تدخل دية جميع الأعضاء في دية النفس. فعلى الجاني أو عاقلته، دية النفس فقط.
(مسألة 884) في موضوع المسألة الأخيرة: لو شك في تحقق السراية. فيما لو مات المجني عليه وشككنا أنه مات بسبب سراية الجناية أو بسبب آخر. لم يكن لوليه مطالبة الجاني بدية النفس، بل يقتصر على دية الأعضاء المقطوعة.
(فروع أخرى عن دية النفس)
(مسألة 885) الظاهر أن الخصال الست للدية أصول في أنفسها، وليس بعضها بدلاً عن بعض، ولا بعضها مشروطاً بعدم بعض، ولا يعتبر التساوي في القيمة ولا التراضي. بل يكون الجاني مخيراً في بذل أيها شاء ولو كان هو الأرخص سوقياً، كما سبق.
(مسألة 886) يعتبر في الخصال الست كلها السلامة من العيب المعتد به عرفاً. فلا يجزي من الحيوان ما كان ناقصاً عن الخلقة النوعية بالأصل أو بالعارض، ولا ما كان مريضاً مرضاً معتداً به، كما سبق. ولكن لا يعتبر فيها السمن، ولكن على أن لا تكون مهزولة جداً على خلاف المتعارف، إلا إذا تعذر سواها. وكذا الحال في غير الحيوان من خصال الدية. فلا تجزي الحلة المعيوبة بشكل معتد به أو الصغيرة غير المناسبة عرفاً. ولا الدينار والدرهم المغشوشان أو المكسوران.
ــــــ[210]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 887) لا يجب على الولي قبول القيمة السوقية عن الأصناف مع وجود الأصول. بل له المطالبة بالأصول أو الرضا بالقيمة. كما لا يجب على الجاني دفع القيمة لو طالب بها الولي، مع وجود الأصول. نعم، لو تعذرت جميع الأصناف وطالب الولي بالقيمة تعينت. فيجب عليه أداء قيمة واحدة منها مخيراً بينها، وليس للولي مطالبة قيمة أحدها المعين أو الأغلى.
(مسألة 888) الدفع من النقود المتعارفة، بأي عملة كانت، لا يعتبر دفعاً للدنانير الذهبية أو الدراهم الفضية، بل هو دفع لقيمتها. فيكون مشمولاً لحكم المسألة السابقة.
(مسألة 889) الظاهر جواز تراضيهما بالقيمة حتى مع توفر الأصول. بأي عملة متعارفة يتفقان عليها. فإن اختلف السعر في الأسواق فعليه سوق البلد.
(مسألة 890) الظاهر جواز التلفيق بأن يؤدي نصف المقدر أصلاً ونصفه قيمة. وهذا مع التراضي أو تعذر مجموع الأصل. ولا دخل لكونه نصفاً فيمكن الاتفاق على أي نسبة.
(مسألة 891) الأحوط عدم جواز التلفيق بين أصلين من الدية، مهما كانت نسبة التوزيع، سواء كان ذلك في الحيوانات، كما لو كان بعضها من الإبل وبعضها من الغنم، أو كان في غيرها بأن كان بعضها من الحلل وبعضها من الذهب. أو بالتلفيق بين الحيوان وغيره. كما لو كان بعضها من الغنم وبعضها من الحلل. إلا أن للجمع بين الذهب والفضة وجه وجيه.
(مسألة 892) لو رمى وهو في الحل بسهم أو غيره إلى من هو في الحرم فقتله لزمه التغليظ (كما سبق). ولو رمى وهو في الحرم إلى من كان في الحل فقتله، فالظاهر أنه لم يلزمه. وكذا لورماه في الحل فدخل السهم في الحرم ثم خرج إلى الحل فقتله. وكذا لورماه في الحل فذهب المجني عليه إلى الحرم
ــــــ[211]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ومات. سواء كان الرامي في الحل أو في الحرم. نعم، لو كان العكس بأن ضربه في الحرم، فذهب إلى الحل فمات. فإن كان ضرباً قاتلاً عادةً أو بتعمد القتل ضمن الجاني التغليظ، وإلا فلا.
(مسألة 893) تتساوى المرأة مع الرجل في الجراح والأعضاء قصاصاً ودية حتى تبلغ ثلث دية الحر. فتنتصف عندئذ ديتها. فما لم تبلغ الدية الثلث يقتص كل من الآخر بلا رد. فإذا بلغت الثلث يقتص الرجل من المرأة بلا رد. وتقتص المرأة من الرجل مع الرد. ولا يلحق بها الخنثى المشكل فإن ديته دية الرجل على الأحوط الأظهر.
(مسألة 894) جميع فرق المسلمين متساوون في القصاص والدية إلا المحكوم بكفرهم منهم.
(مسألة 895) دية الذمي الحر -كما سبق- ثماني مائة درهم، ودية المرأة الحرة منهم نصف دية الرجل. والظاهر أن دية الأعضاء والجراحات في نسبتها إلى الدية كنسبة دية أعضاء المسلم إلى ديته. كما أن دية الرجل والمرأة منهم تتساوى حتى تبلغ الثلث مثل المسلم. فإذا زادت عنه رجعت إلى النصف. والعبد الذمي ديته قيمته ما لم تزد على دية الذمي الحر، ودية الأمة كذلك ما لم تزد على دية الحرة الذمية. وإن كان في صدق الذمي على المملوك كلام. كما أن الأقرب ثبوت الحكم بالتغليظ (كما في الجناية في الحرم) عليهم كما في المسلم. وبالجملة فإن المسلم والذمي يشتركان في سائر القواعد العامة، مع فرق كمية الدية. وأما ثبوت الكفارة في قتل الذمي، فمقتضى الأصل عدمه. وإن كان أحوط.
ــــــ[212]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثاني: في موجبات الضمان
وهي صنفان: المباشرة والتسبيب. ويقع الكلام فيها ضمن عدة مقاصد:
المقصد الأول: الضمان بالمباشرة
(مسألة 896) من قتل نفساً من دون قصد القتل ولا قصد ما يترتب عليه القتل غالباً، كمن رمى هدفاً فأصاب إنساناً، أو ضرب صبياً تأديباً فمات اتفاقاً ونحو ذلك. فهو القتل الخطأ، ولا قصاص فيه. وإنما فيه الدية تؤديها العاقلة.
(مسألة 897) يضمن الطبيب ما يتلف بعلاجه مباشرة إذا عالج المجنون أو الصبي مميزاً كان أو غير مميز، بدون إذن وليه. وكذا يضمن لو عالج عاقلاً بدون إذنه. وكذلك مع الإذن إذا قصَّر. وكذا الصيدلي في كل هذه الصور. وكذا كل من ادعى أنه طبيب أو صيدلي أو مداوي، فتسبب إلى تلف النفس أو ما دون النفس. ولا فرق في الطب أو الصيدلة بين أنواعها واتجاهاتها كالطب الحديث والقديم وبالتنويم المغناطيسي والوخز بالإبر وبالتأثير الروحي وغيرها.
(مسألة 898) وأما إذا كان المريض بالغاً عاقلاً وأذن للطبيب في علاجه، ولم يقصّر الطبيب. ولكنه آل إلى التلف اتفاقاً، في النفس أو ما دونها، فالأقرب هو الضمان، وكذلك الحال في التقصير وعدمه لو عالج حيواناً بإذن صاحبه وآل إلى التلف.
ــــــ[213]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 899) إذا أعطى المريض أو وليه أو صاحب الدابة البراءة من نتائج المداواة وحصل التلف، فهل يضمن الطبيب أم لا. ذكرنا في بعض المسائل السابقة أنه لا أثر لهذه البراءة، إلا أن تعود استدامتها عرفاً إلى إفراغ ذمة الطبيب من الضمان بعد انشغالها به.
(مسألة 900) إذا انقلب النائم غير الظئر، فأتلف نفساً أو ما دونها. فهو من قبيل القتل الخطأ، وتكون الدية على عاقلته.
(مسألة 901) لو أتلفت الظئر (وهي المرضعة) طفلاً وهي نائمة بانقلابها عليه أو حركتها. فإن كانت إنما ظاءرت طلباً للعز والفخر، فالدية في مالها، وإن كانت مظاءرتها للفقر، فالدية على عاقلتها. وإن لم يكن النائم ظئراً كان من القتل الخطأ والدية على العاقلة.
(مسألة 902) إذا أعنف الرجل بزوجته جماعاً في قبل أو دبر أو ضمها إليه بعنف، فماتت. فلا قود. ولكن يضمن الدية في ماله. وكذا الحال في الزوجة إذا أعنفت بزوجها فمات.
(مسألة 903) من حمل متاعاً فأصاب إنساناً، نفساً أو ما دونها، فعليه ديته في ماله، ولا فرق بين أن يكون المال محمولاً على ظهره أو رأسه أو في يديه أو غير ذلك. كما لا فرق بين أن يكون المال المحمول ملكاً له أو لغيره. ولكنه إذا كان لغيره وأصابه التلف أو النقصان بهذه الجناية، فإنه إنما يكون ضامناً مع صدق التفريط عرفاً، دون ما إذا كان حاملاً له بعناية.
(مسألة 904) من صاح على أحد فمات. فإن كان قد قصد ذلك، أو كانت الصيحة بحيث يترتب عليها الموت عادة، إما باعتبار صفتها كالارتفاع أو صفة فاعلها كالركض أو صفة سامعها كالغفلة. فعليه القود، وإلا فعليه الدية. وكذا لو سببت الصيحة مرضاً مات فيه. هذا فيما إذا علم استناد الموت إلى الصيحة ولو
ــــــ[214]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
باعتبار انحصار السبب بها. وإلا فلا شيء عليه. ومثل ذلك ما لو شهر سلاحه في وجه إنسان عمداً فمات.
(مسألة 905) لو صاح في وجه آخر بالتفصيل السابق، أو شهر السلاح في وجهه، فحصل فيه نقص دون النفس كالعمى أو الصمم أو الجنون أو غيرها. كان عليه القصاص، فيما قلنا فيه بالقود في النفس، والدية في غيره.
(مسألة 906) لو صدم شخصاً عمداً غير قاصد لقتله، ولم تكن الصدمة مما يترتب عليه الموت عادة. فاتفق موته، فديته في مال الصادم. وأما إذا مات الصادم فدمه هدر. ونحوه إذا كانت صدمة المصدوم في غير جسم الصادم، ولكن تسبب إليها الصادم عمداً، بالتفصيل المذكور.
(مسألة 907) وكذلك يكون دم الصادم هدراً إذا لم يكن قاصداً للصدم وكان المصدوم واقفاً في ملكه أو نحوه مما لا يكون فيه تفريط من قبله. وأما إذا كان واقفاً في مكان لا يسوغ له الوقوف فيه، كما إذا وقف في طريق المسلمين، وكان ضيقاً، فصدمه إنسان من غير قصد فمات الصادم، كان ضمانه على المصدوم.
(مسألة 908) لو اصطدم حرّان بالغان عاقلان قاصدان ذلك، فماتا اتفاقاً، ضمن كل واحد منهما نصف دية الآخر. ولا فرق في ذلك بين كونهما مقبلين أو مدبرين أو جانبيين أو مختلفين. وقد يحصل التهاتر في الدية المضمونة فيما إذا اختار وليِّا الدم نفس النوع من أصناف الدية السابقة. وأما إذا لم يكونا بالغين أو عاقلين أو بالاختلاف، فإنه يكون ضمان الدية على العاقلة.
(مسألة 909) لو تصادم فارسان بالغان عاقلان حران مالكان لفرسيهما، فمات الفرسان أو تعيبا. فعلى كل واحد منهما نصف قيمة فرس الآخر لدى الموت أو نصف الأرش لدى العيب. وقد يحصل التهاتر بالكل مع تساوي القيمة أو الأرش، وقد يحصل بالبعض مع اختلافهما. ونحو ذلك إذا مات أحد
ــــــ[215]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفرسين وتعيب الآخر.
(مسألة 910) وأما إذا كان مالك الفرسين غير الراكبين، ضمن الراكبان نصف قيمة كل من الفرسين لمالكهما. يعني أن كلاً من الراكبين يضمن نصف مجموع قيمتي الفرسين لمالكهما أو مالكيهما. هذا كله (في المسألتين) إذا كان التلف مستنداً إلى فعل الفارس.
(مسألة 911) وأما إذا استند إلى أمر آخر كإطارة الريح ونحوها، مما هو خارج عن اختيار الفارس، لم يضمن شيئاً.
(مسألة 912) إذا كان الاصطدام في الفرس من طرف واحد أو كان منه التعدي. فإنه الضامن. ولا ضمان على الطرف الآخر. ويجري ما قلناه في المسائل الأربع الأخيرة في غير الفرس من الراكب سواء كان إنساناً أم حيواناً أم سيارة أم قطاراً أم طائرة أم سفينة، أم غيرها.
(مسألة 913) إذا اصطدم صبيان راكبان بأنفسهما، أو بإذن وليهما إذناً سائغاً فماتا، فعلى عاقلة كل منهما نصف دية الآخر. ويمكن هنا تصور وقوع التهاتر، وإن كان فيه بُعد.
(مسألة 914) لو اصطدم عبدان بالغان عاقلان، سواء أكانا راكبين أم راجلين أم مختلفين، فماتا، فلا شيء على مولى كل منهما.
(مسألة 915) إذا اصطدم عبد وحر فماتا اتفاقاً، وكانا بالغين عاقلين، فلا شيء على مولى العبد. ولكن يضمن الحر قيمة العبد لمولاه من تركته.
(مسألة 916) إذا اصطدم فارسان، فمات أحدهما دون الآخر. فإن كان الاصطدام عمدياً من كليهما، ضمن الآخر نصف دية المقتول، وكان النصف الآخر منها هدراً. وإن كان عمدياً من الميت، فكله هدر، وإن كان عمدياً من
ــــــ[216]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الحي، فكله مضمون.
(مسألة 917) إذا اصطدمت امرأتان حائل وحامل، فماتتا. فإن كانتا عامدتين، سقطت ديتهما، إما للتغرير بالنفس وإما للتهاتر بين الديتين. وإذا قتل الجنين فعلى كل واحدة منهما نصف ديته إن كان القتل شبه العمد. وإلا فالقتل خطأ محض، وتكون الدية على عاقلتهما. ومن ذلك يظهر حال ما إذا كانت كلتاهما حاملاً.
(مسألة 918) لو رمى حجراً إلى طرف قد يمر فيه إنسان، فأصاب عابراً اتفاقاً. فالدية على عاقلة الرامي. وإن كان الرامي قد أخبر من يريد العبور بالحال وحذَّره فعبر. وكان الرامي حال الرمي جاهلاً بعبوره، فأصابه الرمي فقتله. لم يكن على الرامي شيء. ولو اصطحب العابر صبياً فأصابه الرمي فمات. فهل ديته على العابر أو على الرامي أو على عاقلتهما. فيه خلاف. والأقرب هو التفصيل فمن كان منهما عالماً بالحال فعليه نصف الدية، ومن كان جاهلاً بها فعلى عاقلته كذلك.
(مسألة 919) إذا أخطأ الختان فقطع حشفة غلام ضمن. ولو قطع بعضها ضمن بالنسبة. ولو كان عمداً ثبت القصاص.
(مسألة 920) من سقط من شاهق على غيره اختياراً فقتله. فإن كان قاصداً قتله أو كان السقوط مما يقتل غالباً، فعليه القود، وإلا فعليه الدية. وإن قصد السقوط على غيره، ولكنه سقط عليه خطأ فالدية على عاقلته. هذا إذا بقي الساقط حياً، وأما إذا مات هو أيضاً، ففي صورة العمد تكون الدية في تركته، وكذا في شبه العمد. وفي الخطأ على عاقلته. وعلى أي حال، لا ضمان للساقط على من سقط عليه، من أي نوع.
(مسألة 921) إذا سقط من شاهق على شخص بغير اختياره، كما لو ألقته
ــــــ[217]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الريح الشديدة، أو زلت قدمه فسقط، فمات الآخر. سواء مات الساقط أم لم يمت، فالظاهر أن الدية على عاقلته. وإن كان لانتفائها وجه.
(مسألة 922) لو دفع شخص على آخر، فأصاب المدفوع شيئاً، فهو على الدافع بلا إشكال. وأما إذا مات المدفوع عليه أو تعيب، فالدية على المدفوع ويرجع بها على الدافع.
(مسألة 923) لو ركبت جارية على جارية أخرى، فنخستها جارية ثالثة، فقفزت الجارية المركوبة قهراً وبلا اختيار، فصرعت الراكبة، فماتت. فالدية على الناخسة دون المنخوسة. ولو قيل -كما في المسألة السابقة-: أن الدية على المنخوسة ولكنها ترجع بها على الناخسة، لكان وجهاً. والنتيجة واحدة. والمسألة بهذا المقدار هو مورد النص. ولكن لا يفرق في هؤلاء الثلاثة بين النساء والرجال والكبار والصغار والعبيد والأحرار. لكن يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار شرائط القصاص وشرائط ضمان الدية ومقدارها. ومن ذلك أنه يمكن أن تكون القفزة المفروضة، غير اختيارية إطلاقاً، كما سبق. أو اختيارية تماماً بحيث لا دخل للنخسة فيها حقيقة. فيكون القتل من شبه العمد، فتكون الدية على القافز. كما يمكن أن تكون القفزة اختيارية صادرة بسبب النخسة، فيكون من القتل الخطأ، ويكون ضمان الدية على عاقلتي الناخسة والمنخوسة بالمناصفة.
(مسألة 924) من دعا غيره ليلاً، فأخرجه من منزله, فهو له ضامن حتى يرجع إلى منزله. فإن فقد ولم يعرف حاله، فعليه ديته. فإن ثبت الاعتداء عليه من قبل آخر عليه، رجع الداعي بالدية عليه. وإن ثبت موته بسبب حيوان أو سقوط ونحوه فالدية على الداعي على الأصح.
(مسألة 925) إن الظئر (المرضعة) إذا جاءت بالولد، فأنكره الأهل صدقت ما لم يثبت كذبها. فإن علم (ولو بالاطمئنان) كذبها، وجب عليها إحضار الولد.
ــــــ[218]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
والمشهور أن عليها الدية مع عدم إحضارها الولد، وهو أحوط. ولو ادعت الظئر أن الولد قد مات صدقت. ولا ضمان عليها.
(مسألة 926) لو استأجرت الظئر امرأة أخرى، ودفعت الولد إليها بغير إذن أهله، فجهل خبره، ولم تأتِ بالولد. فعليها ديته كاملة. ولا فرق في الولد في المسألتين الأخيرتين، بين الأنثى والذكر. ولكن المفروض فيهما أنه مدفوع إليها باختيار أهله. فلو لم يكن كذلك كانت ضامنة حتى من دون تعد ولا تفريط. كما لو أخذته غصباً أو غفلة.
المقصد الثاني: في التسبيب للإتلاف
والمراد به هنا كل فعل يحصل به التلف بعلة غيره (يعني بالواسطة لا بالمباشرة). بحيث لولا ذلك لما حصل التلف. كحفر البئر ونصب السكين وإلقاء الحجر وإيجاد المعاثر أو المزالق، ونحو ذلك.
(مسألة 927) لو وضع حجراً في ملكه، لم يضمن دية العاثر اتفاقاً. ولو وضعه في ملك غيره، أو في طريق سالك وعثر به شخص فمات أو جرح ضمن ديته. وكذلك لو نصب سكيناً أو حفر بئراً في ملك غيره أو في طريق المسلمين، فوقع عليها أو فيها شخص فجرح أو مات، ضمن ديته. هذا إذا كان العابر جاهلاً بالحال. وأما إذا كان عالماً بها فلا ضمان على المسبب. وكذا على الأقوى لو كان العابر محتملاً لمثل تلك الحال، فلم يحترس، أو احترس فلم ينفعه احتراسه. وإن كان في الضمان في الفرض الأخير وجه.
(مسألة 928) لو حفر أو جعل في طريق المسلمين ما فيه مصلحة العابرين، فاتفق كونه سبباً لموت شخص أو جرحه، قيل: لا يضمن الحافر. وهو قريب.
ــــــ[219]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 929) إذا أدخلت المرأة أجنبياً في بيت زوجها، فجاء الزوج وقتل الرجل. فهل تضمن المرأة ديته. وجهان أقربهما العدم.
(مسألة 930) لو كان يعلم صبياً السباحة، فغرق الصبي اتفاقاً، ضمن المعلم إذا كان الغرق مستنداً إلى فعل المعلم، ولكنه لم يكن موجباً للغرق عادة. وأما إذا لم يكن بفعله، فلا ضمان عليه. ولا فرق في ذلك بين كونه صبياً أو بالغاً أو ذكراً أو أنثى أو أن المعلم ذكر أو أنثى حر أم عبد. ولا أثر للتبري في ذلك.
(مسألة 931) إذا اشترك جماعة في قتل واحد منهم خطأ. كما إذا اشتركوا في هدم حائط مثلاً، فوقع على أحدهم فمات، قيل: يسقط من الدية بمقدار حصة المقتول. والظاهر أن كل الدية على الباقين وتدفعها العاقلة بالنسبة. وإنما يكون ذلك فيما إذا صدق عرفاً أن المقتول سبّب ضمناً لقتل نفسه.
(مسألة 932) لو أراد إصلاح سفينة. فغرقت بفعله. كما لو دق مسماراً فقلع لوحة أو أراد ردم موضع فانهتك. ضمن ما يتلف فيها من مال. كما يضمن ما يتلف من نفس في ماله، لأنه من شبه العمد.
(مسألة 933) لا يضمن مالك الجدار ما يتلف من إنسان أو حيوان بوقوع جداره عليه، إذا كان قد بناه في ملكه أو في مكان مباح يقل سلوكه. وكذلك الحال لو وقع الجدار في طريق مترب، فمات شخص من غباره أو من خوفه. نعم، لو بناه مائلاً إلى ملك غيره أو بناه في ملك الغير، فوقع على إنسان أو حيوان اتفاقاً، فمات، ضمن.
(مسألة 934) لو بنى جداراً في ملكه ثم مال إلى الطريق أو غير ملكه، فوقع على شخص فمات، ضمن المالك مع علمه بالحال وتمكنه من الإصلاح. ولو وقع مع جهله أو قبل تمكنه من الإزالة أو الإصلاح أو عند تعذرها، لم يضمن.
ــــــ[220]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 935) يجوز نصب الميازيب وتوجيهها نحو الطرق النافذة، فلو وقعت أو وقع منها إنسان أو حيوان، لم يضمن إلا مع صدق التفريط عرفاً، ولو باعتبار كونها غير متعارفة في البلد أو كانت ركة بنائها متعمدة. ويضمن أيضاً إذا كان في معرض الانهيار مع علم المالك بالحال وتمكنه من الإصلاح. دون ما لم يعلم أو لم يتمكن. وفي حكم نصب الميازيب إخراج الرواشن والأجنحة إلى الشارع.
(مسألة 936) لو أجج ناراً في ملكه فسرت إلى ملك غيره اتفاقاً لم يضمن. إلا إذا تعمد جعلها في معرض السراية، كما لو كانت كثيرة أو كانت الريح عاصفة. وكذا لو جعلها كذلك رجاء الإتلاف. ولو أججها في ملك غيره بدون إذنه ضمن ما يتلف بسببها من الأموال والنفوس. ولو كان قاصداً إتلاف النفس أو كان التأجيج مما يترتب عليه ذلك عادة، ولم يكن الشخص التالف متمكناً من الفرار والتخلص، وكان المؤجج يعلم ذلك ولو إجمالاً، ثبت عليه القود.
(مسألة 937) لو ألقى قشر بطيخ أو موز ونحوه في الطريق، أو أسال فيه الماء فزلق به إنسان فتلف أو كسرت رجله مثلاً، ضمن. وكان ذلك من القتل الخطأ.
(مسألة 938) لو وضع إناء على حائط، وكان في معرض السقوط، فسقط فتلف به إنسان أو حيوان أو مال، ضمن. وإن لم يكن كذلك وسقط اتفاقاً لعارض, لم يضمن.
(مسألة 939) يجب على صاحب الدابة حفظ دابته الصائلة، كالبعير المغتلم، والكلب العقور، فلو أهملهما وجنيا على شخص ضمن جنايتهما. ولو لم يهملهما فلا ضمان عليه.
(مسألة 940) لو جنى على دابة صائلة، فإن كان دفاعاً عن نفسه أو ماله، لم
ــــــ[221]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
يضمن، وإلا ضمن. والأقرب عدم الضمان لو قتلها لدفع احتمال ضررها على الغير، إذا كان هذا الاحتمال راجحاً. وأما لو كان قتلها تشهياً أو كان انتقاماً من جنايتها على نفس محترمة أو نحو ذلك, ضمن.
(مسألة 941) إذا كان حفظ الزرع على صاحبه في النهار – كما جرت العادة به – فلا ضمان فيما أفسدته البهائم. نعم، إذا أفسدته ليلاً، فعلى صاحبها الضمان.
(مسألة 942) لو جنت دابة على أخرى، فإن كانتا في ملك شخص فلا ضمان. وإن كانتا في ملك شخصين. فإما أن تكون إحداهما مقيدة والأخرى سائبة أو كانتا معاً سائبتين. فهنا صورتان:
الصورة الأُولى: أن تكون إحداهما مقيدة والأخرى سائبة، فجنت السائبة على المقيدة، ضمن صاحبها جنايتها إذا فرّط في حفظها. وإلا فلا. وإن جنت المقيدة على السائبة المهاجمة كان هدراً.
الصورة الثانية: أن تكونا معاً سائبتين. كما لو التقتا في الطريق أو حبستا في مكان واحد. فيضمن صاحب الدابة الجانية مع تفريطه أياً كان منهما، وإن جنت كلتا الدابتين، ضمنا معاً مع التفريط، غير أن للتهاتر هنا مجال.
هذا ولا يخفى أن ذلك يشمل اعتداء أي حيوانين مملوكين على بعضهما البعض. سواء كانا من نوع واحد أو نوعين، وسواء كانا مأكولي اللحم أم لا أم بالاختلاف. وسواء كان من طبعه الهجوم كالكلب مع الهرة، أم لم يكن.
(مسألة 943) إذا دخل شخص دار قوم، فعقره كلبهم، ضمنوا جنايته، إذا كان الدخول بإذنهم، وإلا فلا ضمان عليهم.
(مسألة 944) إذا عقر كلب إنساناً خارج الدار. فإذا كان مالكه مفرطاً في
ــــــ[222]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
حفظه عرفاً ضمن، وإلا فلا. ولا فرق في الضمان وعدمه بين الليل والنهار، غير أن طريقة الحفظ وصدق التفريط فيهما يختلف.
(مسألة 945) إذا أتلفت الهرة المملوكة مال أحد, فهل يضمن مالكها؟ قال الشيخ: نعم. بالتفريط مع الضراوة. والأظهر عدم الضمان لعدم إمكان حفظ الهرة عرفاً. نعم، لو أغراها بالاعتداء أو كان مستطيعاً طردها فلم يفعل، ضمن.
(مسألة 946) يضمن راكب الدابة ما تجنيه بيدها دون ما تجنيه برجليها. ويضمن قائدها وسائقها، ما تجنيه بيديها ورجليها معاً. سواء كانت الجناية مع التفريط أم لم تكن، غير أن الراكب لا يضمن ما تجنيه برجليها مع عدم التفريط. ولكنهم لا يضمنون ما ضربته الدابة بحافرها إنساناً كان أم غيره، إلا إذا عبث بها أحد، فيضمن العابث جنايتها.
(مسألة 947) المشهور أن من وقف بدابته، فعليه ضمان ما تصيبه بيدها ورجلها معاً، ما دام راكباً، سواء فرط أم لم يفرط. وهو الصحيح. إلا إذا حاول منعها فلم يفلح.
(مسألة 948) لو ركب الدابة رديفان، فوطأت شخصاً فمات أو جرح، فالضمان عليهما بالسوية إذا كانا متساويين في التسلط على الدابة، وإلا ضمن المتسلط خاصة.
(مسألة 949) لو ألقت الدابة راكبها، فمات أو جرح، فلا ضمان على مالكها. نعم، لو كان ذلك مستنداً إلى تسبيبه ضمن.
(مسألة 950) لو حمل المولى عبده على دابته فوطأت رجلاً، ضمن المولى ديته، ولا فرق في ذلك بين أن يكون العبد بالغاً أو غير بالغ. ولو كانت جنايتها على مال لم يضمن إلا مع التفريط.
ــــــ[223]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 951) لو شهر سلاحه في وجه إنسان، ففر وألقى بنفسه في بئر أو من شاهق اختياراً فمات فلا ضمان عليه. وأما إذا كان بغير اختيار كما لو كان أعمى أو جاهلاً بوجود البئر. فقيل: إنه يضمن. والظاهر عدم الضمان، إلا مع التفريط، كما لو استطاع إمساكه أو تحذيره فلم يفعل. وكذلك الحال فيما إذا اضطره إلى الدخول في مضيق، فافترسه سبع اتفاقاً ونحو ذلك.
(مسألة 952) لو أركب صبياً بدون إذن وليه على دابة، وكان في معرض السقوط، فوقع فمات، ضمن ديته، وإذا كانت الدابة خطرة، كالصائلة ونحوها، فأركبه عمداً, قيد به.
(مسألة 953) لو أركب صبيين على دابتين، فتصادما فتلفا، ضمن ديتهما الكاملة معاً. إن كان المركب واحداً. وإن كانا اثنين فهنا صورتان:
الصورة الأُولى: أن يشترك الاثنان في إركاب كلا الصبيين. فيضمن كل واحد منهما نصف دية كل منهما. وإن كانوا ثلاثة فعلى كل منهم ثلث دية كل منهما، وهكذا.
الصورة الثانية: أن يقوم كل من الشخصين بإركاب طفل على دابة مستقلاً عن الآخر. ثم حصل التصادم والتلف. فيضمن كل شخص دية من أركبه كاملة، دون الآخر.
وكذا الحال في الصورتين لو أركبهما ولياهما مع وجود المفسدة فيه.
(مسألة 954) لو جاء السيل بحجر أو انفجر البركان بالحمم، فتلفت فيه نفوس أو أموال، فلا ضمان على أحد. ولو رفع الحجر ووضعه في محل آخر، فإن كان على نحو المحل الأول أو أشد ضرراً منه، ضمن ما يتلف به. وأما لو كان أقل ضرراً منه أو مأموناً عادة من الضرر لم يضمن.
ــــــ[224]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 955) من الإضرار بطريق المسلمين إيقاف الدواب فيه أو إلقاء مزيد من القمامة فيه، أو عرض الأشياء فيه للبيع بشكل خارج عن المتعارف. وكذا إيقاف السيارات كذلك. وكذا الركض المتزايد في الطريق أو إيجاد ضوضاء غير متعارفة، أو إيجاد صنعة يدوية ونحوها، بشكل غير متعارف، كالنجار أو الحداد على قارعة الطريق.
(مسألة 956) لو اصطدمت سيارتان أو سفينتان، فهلك ما فيهما من النفس والمال أو بعضه. فإن كان ذلك بتعمد من القائدين لهما أو القيمين عليهما، فهو عمد مضمون ويقاد العامد بالنفس. وإن لم يكن عن تعمد وكان الاصطدام بفعلهما أو بتفريط منهما مع عدم قصد القتل وعدم غلبة كون ذلك الاصطدام سبباً للقتل، فهو من شبه العمد. وعلى كل منهما على صاحبه نصف دية من قتله ونصف قيمة ما أتلفه. وعلى كل منهما نصف دية صاحبه لو تلفا. ولو كان العمد من أحدهما دون الآخر، كان ذلك هو الضامن لما في كلتا المركبتين مما تلف من نفوس وأموال. ولو كان التصادم بغير فعلهما ومن غير تفريط منهما بل لكثرة الريح أو شدة الظلام ونحو ذلك، فلا ضمان. ولو كانت إحدى السفينتين أو السيارتين واقفة، ولم يفرط صاحبها في محلها، لم يضمن.
المقصد الثالث: في تزاحم الأسباب
(مسألة 957) إذا كان أحد شخصين مباشراً للقتل، والآخر سبباً له، ضمن المباشر. كما إذا حفر بئراً في غير ملكه ودفع الآخر ثالثاً فيها فمات. فالضمان على الدافع إذا كان عالماً. وأما إذا كان جاهلاً، فالمشهور أن الضمان على الحافر. وفيه إشكال. ولا يبعد كون الضمان عليهما معاً.
(مسألة 958) ومن تطبيقات القاعدة ما إذا أمسك أحدهما شخصاً وذبحه
ــــــ[225]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الآخر، فالقاتل هو الذابح، كما تقدم. وأما الممسك فيسجن مدى الحياة.
(مسألة 959) ومن ذلك ما إذا وضع حجراً مثلاً في كفة المنجنيق أو قنبلة في فوهة مدفع وشغّله الآخر، فأصاب شخصاً فمات أو جرح. فالضمان على الثاني دون الواضع. ولكن يسجن مدى الحياة مع تعمده للنتيجة.
(مسألة 960) لو حفر بئراً في ملكه وغطاها ودعا غيره فسقط فيها فمات. فإن كانت البئر موجودة في معرض السقوط، كما لو كانت في ممر الدار وكان قاصداً للقتل، أو كان السقوط فيها مما يقتل غالباً وكان قاصداً للإسقاط. ثبت القود. وإلا فعليه الدية. وإن لم تكن في معرض السقوط واتفق سقوطه فيها، لم يضمن.
(مسألة 961) لو اجتمع سببان لموت شخص، كما إذا وضع أحد حجراً مثلاً، في غير ملكه وحفر الآخر بئراً فيه، فعثر ثالث بالحجر فسقط في البئر فمات. فالأشهر: أن الضمان على من سبقت جنايته، وفيه إشكال. بل الأظهر أن الضمان على كلا الشخصين. نعم، إذا كان أحدهما متعدياً أو مفرطاً دون الآخر ضمن المتعدي خاصة. كما إذا حفر شخص بئراً في غير ملكه، ووضع الآخر حجراً في ملكه، وصادف قربه من البئر، فمات العاثر بسقوطه. فالأول هو الضامن.
(مسألة 962) إذا حفر بئراً في الطريق عدواناً، فسقط شخصان فيه، فهلك كل واحد منهما بسقوط الآخر فيها. فهنا إن لم نحرز تسبيب سقوط كل منهما للآخر، فالضمان على الحافر كاملاً. وإن أحرزنا ذلك، ضمن الحافر نصف دية كل منهما. وضمن كل منهما نصف دية الآخر. وقد يحصل التهاتر.
(مسألة 963) لو قال شخص لآخر: ألق متاعك في البحر لتسلم السفينة، من الغرق. وكانت هناك قرينة -حالية أو مقالية- على المجانية وعدم ضمان
ــــــ[226]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الآمر، كما هو الغالب، فألقاه المأمور، فلا ضمان على الآمر. ولو أمره بإلقاء المتاع وقال: وعليّ ضمانه، ضمن. سواء كان الإلقاء لغرض عقلائي أم لم يكن على الأقوى.
(مسألة 964) لو أمر شخص شخصاً بإلقاء متاعه في البحر، وقال: عليَّ ضمانه وعلى ركاب السفينة كلهم. فإن قال ذلك من قبلهم بتخيّل أنهم راضون به، ولكنهم بعد ذلك أظهروا عدم الرضا به. ضمن الآمر بقدر حصته من المال دون تمام المال. وكذلك الحال لو ادعى الإذن من قبلهم، ولكنهم أنكروا ذلك ولم يكن للضامن بينة على حصول الإذن. والأقرب كفاية الإنكار في عدم الضمان من قبلهم ولا يحتاج إلى يمين.
(مسألة 965) نفس موضوع المسألة السابقة، ولكنه إذا قال: ألق متاعك في البحر وعليَّ ضمانه وعلى ركاب السفينة، فلو لم يعطوا فأنا ضامن. فإنه يضمن كل المتاع إذا لم يقبلوا أو إذا لم يعلموا أو إذا عجزوا عن الدفع.
(مسألة 966) إذا وقع من شاهق أو في بئر، وما شاكل ذلك، فتعلق بآخر ضمن ديته. وإذا تعلق الثاني بثالث ضمن كل من الأول والثاني نصف دية الثالث. وإذا تعلق الثالث برابع ضمن كل من الثلاثة ثلث دية الرابع. وإذا تعلق الرابع بخامس ضمن كل من الأربعة ربع دية الخامس, وهكذا. هذا كله فيما إذا علم السابق بتعلق المجذوب بالآخر، وإلا فالقتل بالإضافة إليه خطأ محض، تكون فيه الدية على العاقلة. بنفس التقدير السابق. يستثنى من ذلك ما إذا وقع شخص في زبية أسد، فتعلق بآخر، وتعلق الثاني بثالث والثالث برابع، فقتلهم الأسد. ضمن أهل الأول ثلث دية الثاني والثاني ثلثي دية الثالث والثالث كل دية الرابع. غير أن هذا خاص بما إذا لم يكن أحدهم قد أمر الآخر بالجذب أو حثه عليه، وإلا دخل موردهم في الفرع السابق نفسه.
ــــــ[227]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 967) لو جذب غيره إلى بئر مثلاً، فسقط المجذوب، فمات الجاذب بسقوطه عليه، فدمه هدر. ولو مات المجذوب فقط، ضمنه الجاذب. فإن كان قاصداً لقتله أو كان عمله مما يؤدي إلى القتل عادة، فعليه القود. وإلا فعليه الدية. وإذا مات كلاهما فدم الجاذب هدر، ودية المجذوب في مال الجاذب.
(مسألة 968) لو سقط في بئر -مثلاً- فجذب شخصاً ثانياً وجذب الثاني ثالثاً، فسقطوا فيها جميعاً، فماتوا بسقوط كل منهم على الآخر. وهذا هو فرقه عن المسألة (966) حيث لا يفترض هناك موتهم بسقوط الآخر عليهم وإنما بسقوطهم على الأرض. ففي موردنا قيل: إنه يكون على الأول ثلاثة أرباع دية الثاني وعلى الثاني ربع دية الأول. وعلى كل واحد من الأول والثاني نصف دية الثالث. ولا شيء على الثالث. ومنشؤه أن كل واحد منهم تسبب إلى موت الآخر. بمعنى أن كلاً من المتقدم والمتأخر شارك في قتل أحدهما الآخر. بخلاف المسألة السابقة، فإن المتأخر فيها لم يشارك في قتل المتقدم لأنه لم يفترض فيها سقوطه عليه. غير أن الأظهر عرفاً أن قتل المتأخر للمتقدم غير اختياري تماماً، فلا يكون مضموناً، ومعه فيدخل هذا الفرع في موضوع تلك المسألة نفسها ويطبق عليه حكمها.
(مسألة 969) لو حفر شخص بئراً قليل العمق فعمقها آخر، فهل الضمان على الأول أم الثاني أم عليهما، إن تلفت فيها نفس أو مال. الأظهر التفصيل: بين ما إذا كان عمق الأول كافياً للقتل، فيضمن الأول، وإلا فيضمن الثاني.
(مسألة 970) لو اشترك اثنان أو أكثر في وضع حجر أو حفر بئر أو نحوها، مما يكون مظنة للخطر، فالضمان على الجميع، والظاهر أنه بالسوية وإن اختلفت قواهم. نعم، لو اختلف زمن عملهم أمكن التقسيم بينهم بالنسبة.
ــــــ[228]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثالث: ديات الأعضاء
اعلم أن كل ما لا تقدير فيه شرعاً، ففيه الأرش المسمى بالحكومة. وهنا قال المشهور: إنه يفرض الحر عبداً قابلاً للتقويم ويقوّم صحيحه ومعيبه، ويؤخذ الأرش، وهو الفرق بين الصحيح والمعيب. إلا أن هذا قابل للمناقشة من عدة جهات نشير إليها مختصراً: أولاً: أنه مما لا دليل عليه إلا عنوان الأرش غير أن استعماله في عصر الصدور لا يعني معناه الاصطلاحي المتأخر. ثانياً: أنه تغيير للواقع عن واقعه، فإنه حر وليس بعبد، والحر لا قيمة له حقيقة. ثالثاً: أنه لا يوجد في مجتمعات اليوم تقييم للعبيد لا قليلاً ولا كثيراً، فيكون هذا الأمر متعذراً تماماً. فالصحيح إسناد تقدير الأرش إلى الحاكم، ومن هنا سمي بالحكومة، لأنه متعلق لحكمه. فيكون بمنزلة التعزير الموكول إليه، إلا أنه تعزير مالي.
واعلم أن ديات الأعضاء مقدرة كانت أم غير مقدرة، إنما تثبت في صورة عدم ثبوت القصاص. فإنه يثبت مع كون الجناية عمداً وإمكان الاستيفاء. كما سبق في كتاب القصاص، وبخلافه يصار إلى الدية، كما في مورد الخطأ وشبه العمد أو عدم إمكان القصاص لزوال موضوعه أو لأي مانع آخر.
ومن هنا ظهر الحكم فيما لا مقدار له شرعاً من أنحاء الجنايات. والمهم الآن صرف الكلام إلى ما فيه تقدير شرعاً. وهو على قسمين: لأنه إما قطع وهو إزالة العضو كله أو إتلافه تماماً بأي نحو كان. وإما جناية دون القطع كالجرح والكسر. فهنا مقصدان:
ــــــ[229]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المقصد الأول: دية القطع
ويراد به الإتلاف التام وإن لم يقطع حقيقة. ومع الانقطاع فهو أوضح في شمول الحكم له. وذلك يكون في عدد من الموارد:
المورد الأول: الشعر
وفيه مواضع:
أولاً: اللحية إذا حلقت إكراهاً أو تنكيلاً أو استهزاءً ونحو ذلك. فإن نبتت ففيه ثلث الدية, وإن لم تنبت ففيه الدية كاملة. وأما إذا حلقها الحالق بإذن صاحبها فهو هدر إذا أنبتت، سواء كانت حلاقته حراماً أم حلالاً.
ثانياً: شعر الرأس إذا حلق إكراهاً أو تنكيلاً أو استهزاء ونحو ذلك، فإن نبت ففيه الحكومة، وإن لم ينبت ففيه الدية كاملة.
ثالثاً: شعر رأس المرأة إذا حلق بغير قصد عقلائي، كالمرض ونحوه، فإن نبت ففيه مهر نسائها، وهو مهر المثل، وإن لم ينبت ففيه الدية كاملة.
رابعاً: شعر الحاجب أو الحاجبين، فإن نبت ففيه الحكومة، وإن لم ينبت، ففيه الحكومة أيضاً، إلا أن الأحوط للحاكم أن يجعله نصف دية العين خمسمائة دينار لهما ونصفه لأحدهما.
خامساً: شعر الأهداب، إن نبت ففيه الحكومة، وإن لم ينبت ففي الأهداب الأربعة الدية كاملة وفي كل واحد بحسابه.
سادساً: سائر شعر البدن كالعانة والإبطين وغيرهما، إذا حلقت إكراهاً أو استهزاءً ونحو ذلك، ففيها الحكومة نبتت بعدها أم لا.
ــــــ[230]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 971) إذا حصلت الجناية على بعض الشعر، كبعض اللحية أو بعض شعر الرأس، فيؤخذ من الدية بحسابه.
(مسألة 972) الظاهر أن المراد باللحية هنا كل صدقها العرفي بما فيه الذقن والعارضان والشارب وما نبت على الرقبة من بقية اللحية. فيؤخذ من الدية بنسبة هذا المجموع، لو كانت الجناية في البعض.
المورد الثاني: العينان
فيهما معاً إذا قلعتا أو تلفتا تماماً بحيث لا يمكن التداوي، ففيها الدية كاملة. وفي كل منهما نصف الدية. ولا فرق في ذلك بين الصحيحة والعمشاء والحولاء والجاحظة وعين الأعشى والأرمد، ما دامت مبصرة إجمالاً.
(مسألة 973) المشهور أن في الأجفان الأربعة: الدية الكاملة. وفيه إشكال. بل إن في الجفن الأعلى ثلث دية العين. وهو مائة وستة وستون ديناراً وثلثا دينار. وفي الجفن الأسفل نصف دية العين، وهو مئتان وخمسون ديناراً. والظاهر: أن هذا التقدير ينبغي أن يكون على وجه الحكومة، فلا يحكم الحاكم بغيره.
(مسألة 974) لو قلعت الأجفان مع العينين، لم تتداخل ديّتاهما.
(مسألة 975) إذا قلعت العين الصحيحة من الأعور، ففيه الدية كاملة. والمشهور قيدوا بما إذا كان العور خلقة أو بآفة سماوية. وأما إذا كان بجناية فعليه نصف الدية. وفيه إشكال. والأقرب عدم الفرق. كما أنه لا فرق بين ما إذا كان العور بجناية وقد أخذ الأعور ديتها من الجاني أو أقتص منه أو لم يفعل.
(مسألة 976) في الجناية على العين العوراء نفسها ثلث الدية، من دون فرق في ذلك بين كونه أصلياً أو عارضاً. وكذلك الحال في قطع كل عضو مشلول فإن الدية فيه ثلث دية الصحيح. ومن هنا يتضح أنه مع قلع عيني الأعمى يجب دفع
ــــــ[231]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ثلث الدية الكاملة. ومع قلع إحدى عينيه ثلث دية العين الصحيحة. وكذلك لو جنى على العين العوراء كما قلنا. ومع قلع عيني الأعور يجب دفع ثلثي الدية، نصفها بإزاء الصحيحة والباقي للأخرى.
(مسألة 977) لو قلع عين شخص وادعى أنها كانت قائمة لا تبصر. وادعى المجني عليه أنها كانت صحيحة. ففيه قولان. والأظهر أن القول قول المجني عليه مع يمينه. وأما نحو هذا الاختلاف في سائر الأعضاء. فإن كان العضو مما لا يعرف نشاطه عادة إلا من صاحبه كالإبصار والسماع والانتصاب. فالقول قوله مع يمينه وهو المجني عليه. وإن كان مما يعرفه الآخرون عادة، فالقول قول الجاني مع يمينه.
المورد الثالث: الأنف
في الأنف إذا قطع من أصله: الدية كاملة، وكذا في مارنه إذا قطع كله. وهو ما لان منه ونزل عن قصبته. ولو قطع المارن وبعض القصبة دفعة، فالدية كاملة. ولو قطع المارن ثم بعض القصبة، ففي المارن الدية وفي القصبة الحكومة. وكذا لو قطعها أجمع. ولتكن الحكومة بنسبة المقطوع إلى مجموع الأنف قياساً بالدية الكاملة، فيؤخذ منها بمقداره. ولو قطع بعض المارن فبحساب دية المارن.
(مسألة 978) في قطع أحد المنخرين خلاف، والأقوى أنها ثلث الدية، ولو قطع الجانبين فالثلثان. ولو قطع الوسط معهما فالدية الكاملة. وتتداخل ديتها مع دية المارن لو قطع معها.
(مسألة 979) لو فسد الأنف وذهب بكسر أو إحراق ونحوها، ففيه الدية كاملة، ولو ذهب بعضه فبحسابه.
(مسألة 980) في شلل الأنف الصحيح، بحيث لا يكون قابلاً للتداوي ثلثا الدية. وإذا قطع الأشل فثلثها. ومع قابليته للتداوي، فالحكومة. والأحوط أن لا
ــــــ[232]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
تزيد على مائة دينار.
(مسألة 981) لو قطع الأنف وذهب شمه ففيه ديتان.
(مسألة 982) لو نفذت في الأنف نافذة على وجه لا تفسده أجمع كرمح أو سهم. فخرقت المنخرين والحاجز، فثلث الدية، والأحوط أن يكون ذلك بعنوان الحكومة. ولو نفذت في بعض هذه الثلاثة فبحسابه.
المورد الرابع: الأذن
في استئصال الأذنين معاً الدية كاملة، وفي استئصال كل واحدة منهما نصفها. وفي بعضها بحساب ديتها. وفي الشحمة والشحمتان الحكومة. غير أن الأَولى للحاكم أن يجعلها ثلث الدية.
(مسألة 983) لو ضرب الأذن فيبست أو شلت، فعليه ثلثا ديتها. ولو قطعها بعد الشلل فثلثها. ولا فرق في هذا الشلل بين أن يكون بآفة سماوية أو بجناية سابقة. كما سبق في العينين.
(مسألة 984) لا فرق فيما سبق من ديات الأذن، بين الأصم والصحيح.
(مسألة 985) لو قطع الأذن وأبطل سمعها فديتان. ولو فعل ذلك في الأذنين فأربع ديات. وكذا لو قطعها فسرى إلى السمع فأبطله.
(مسألة 986) لو قطع الأذن وأوضح العظم الذي تحتها، وجبت عليه دية الأذن، مع دية الموضحة بدون تداخل.
المورد الخامس: الشفتان
وفي استئصالهما معاً الدية كاملة. وفي استئصال كل واحدة منهما النصف. وفي قطع بعضها من الدية بنسبة مساحتها طولاً وعرضاً.
ــــــ[233]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 987) حد الشفة حد عرفي، والظاهر أن طولهما طول الفم، بحيث لا يصل إلى الخدين. ويكون حد عرض العليا ما تحت الأنف وعرض السفلى ما فوق الذقن. وليست اللثة منها.
(مسألة 988) لو جنى عل الشفة حتى تقلصت أو استرخت، فثلث الدية على الأحوط، ولو قطعت المشلولة فثلثها.
(مسألة 989) لو شق الشفتين حتى بدت الأسنان، فعليها الحكومة. ولكن الأحوط للحاكم أن يجعلها خمس الدية إن برئت وثلثها إن لم تبرأ. والمراد هنا: قابليتهما للبرء وعدمها. ولو شق إحداهما فخمس ديتها إن برئت وثلثها إن لم تبرأ، بنحو الحكومة أيضاً.
المورد السادس: اللسان
في استئصال اللسان الصحيح الدية كاملة. وفي استئصال لسان الأخرس ثلث الدية. لا يفرق في الصحيح بين الفصيح والألثغ والتمتام والفأفاء وغيره. كما لا يفرق في الأخرس بين أن تكون آفته في لسانه أو في أذنه. ولو قطع بعض اللسان للأخرس فبحساب ديته. وأما لو قطع بعض لسان الصحيح، فيعتبر بحروف المعجم، وتبسط الدية على الجميع بالسوية من غير فرق بين خفيفها وثقيلها ولا بين اللسنية والشفوية والحلقية وغيرها. فإن ذهبت الحروف أجمع فالدية كاملة، وإن كان القطع لبعض اللسان. وإن ذهب بعضها وجب نصيب الذاهب خاصة. ولو ضعف النطق فيها جميعاً فثلثا الدية، ولو ضعف النطق في بعض الحروف فبحسابه.
(مسألة 990) يعتبر عدد حروف المعجم، حسب اللغة الأصلية للفرد. وهي في اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفاً، فتوزع الدية عليها بحسابها. وأما في غيرها، فإن كان موافقاً لها فهذا الحساب، وإلا فبحسابه.
ــــــ[234]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 991) الاعتبار في صحيح اللسان على الأحوط بأكثر الأمرين مما يذهب من الحروف ومن مساحة اللسان. فلو قطع نصفه فذهب ربع الحروف، فعليه نصف الدية. ولو قطع ربع اللسان، فذهب نصف الحروف، فعليه نصف الدية أيضاً. وهكذا.
(مسألة 992) لو قطع جانٍ لسانه فأذهب بعض كلامه، ثم قطع آخر فذهب بعض الباقي. أخذ من الدية من الأول بنسبة جنايته، ومن الثاني بنسبة ما بقي بعد جناية الأول. فلو ذهب بجناية الأول نصف كلامه، فعليه نصف الدية، ثم ذهب بجناية الثاني نصف ما بقي فعليه نصف دية هذا النصف، أي الربع. وهكذا.
(مسألة 993) لو جنى على شخص فذهب بعض كلامه، بجرح لسانه أو بغير ذلك. فأخذ المجني عليه الدية. ثم عاد كلامه. قيل تستعاد الدية، ولكن الصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان العود كاشفاً عن أن ذهابه كان عارضاً ولم يذهب حقيقة، وبين ما إذا ذهب حقيقة ثم عاد. فعلى الأول تستعاد الدية دون الثاني.
(مسألة 994) لو كان اللسان ذا طرفين، كالمشقوق، فقطع أحدهما دون الآخر. اعتبرنا بالحروف فإن نطق الجميع أخذ من الدية بحساب المساحة. وإن عجز عن بعضها أخذ أكثر الأمرين من المساحة ونسبة ما عجز عنه من الحروف.
(مسألة 995) في قطع لسان الطفل الدية كاملة. وأما إذا بلغ حداً ينطق مثله وهو لم ينطق، فإن علم أو اطمأن بأنه أخرس، ففيه ثلث الدية، وإلا فالدية كاملة. هذا إذا كان الطفل في عمر لا نطق فيه عند الجناية. وأما إذا كان ناطقاً ببعض الحروف عندها، أخذ أكثر الأمرين من مساحة المقطوع من اللسان ومن الحروف التي ينطق بها مثله، ممن هو في عمره عادة.
ــــــ[235]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المورد السابع: الأسنان
وفي استئصالها جميعاً الدية كاملة، سواء استؤصلت بالسحب أم بالكسر أم بغير ذلك. بلا فرق في ذلك بين الأسنان أبيضها وأصفرها وأسودها. ولا بين الأسنان الأصلية واللبنية على تفصيل يأتي. ولو اسودت الأسنان بالجناية ولم تسقط، فديتها ثلثا دية الصحيحة على الأقوى. ولو قلع السن السوداء فربع الدية على الأحوط. وفي الصدع بلا سقوط الحكومة على الأقوى. ولو ذهبت بعض الأسنان دون بعض قسمت الدية بالتساوي على الأسنان كلها. مع أخذ بعض الملاحظات فيها كما يلي:
أولاً: أن يؤخذ عدد الأسنان الفعلي لكل شخص في أصل خلقته، فرب شخص نبت له من الأسنان أقل أو أكثر من غيره. كما أن العدد في الصغير أقل من الكبير.
ثانياً: تحسب الأسنان الساقطة والمقلوعة على الأحوط. ما دامت موجودة بأصل الخلقة.
ثالثاً: لا تحسب الأسنان الشاذة نوعاً. كما لو نبت لشخص سنان في موضع واحد. أو نبتت له أسنان خلف أسنانه أو أمامها. بل يقتصر على حساب الأسنان الأصلية بالخلقة النوعية.
وعليه, فإذا كسر سناً أو عدداً من الأسنان أخذ من الدية بحسابه.
(مسألة 996) إذا ضربت السن ولم تسقط حالاً, انتظر بها سنة واحدة. فإن سقطت غرم الضارب ديتها, وإن لم تسقط واسودت غرم ثلثي ديتها. وإن اسودت وسقطت لم يزد على الدية.
(مسألة 997) لا فرق في ثبوت الدية بين قلع السن من جذورها الثابتة في اللثة, وبين كسر الجزء الظاهر فوق اللثة منها. فإذا كسرها أحد من ظاهر اللثة
ــــــ[236]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
فعليه الدية, فإن قلع الباقي جانٍ آخر فعليه الحكومة. على أن لا تزيد على دية السن.
(مسألة 998) لو زرع الإنسان في موضع السن المقلوعة سناً طبيعية أخرى أو صناعية, فثبت في المحل. ثم قلعه قالع, فلا دية فيه. ولكن فيه الحكومة.
(مسألة 999) المشهور بين الأصحاب أنه لو قلع سن الصغير أو كسرت تماماً. فإنه ينتظر بها سنة. فإن نبتت ففيها الحكومة. وإلا ففيها الدية. والأَولى تقييد المدة بما ينبت به السن قلت على السنة أو زادت. ولكن الأقوى أن فيها الدية مطلقاً.
(مسألة 1000) لو قلع بعض الأسنان الزائدة على الخلقة أو الشاذة فلم يحصل نقص خلقي بل قد يزداد كمالاً. فلا شيء عليه من الدية بل يعزر.
المورد الثامن: اللحيان
وهما العظمان اللذان يشكلان الفك الأسفل. وهما يلتقيان في الذقن ويتصل طرفاهما بالأذنين من جانبي الوجه. وعليهما نبات الفك الأسفل من الأسنان. وفي قلعهما تماماً: الدية كاملة. وفي كل واحد منهما نصف الدية. هذا لو قلعهما منفردين عن الأسنان, كمن لا أسنان له. وأما لو قلعا مع الأسنان فالمشهور عدم تداخل الدية معها. إلا أن الأقوى أنه لو قلع الجاني الفك الأسفل كله بجناية واحدة, لم تزد الدية عن دية الفك, وإن حصلت فيه الأسنان. وإن قلعها بجنايتين, كما لو بدأ بالأسنان فقلعها ثم قطع الفك الأسفل, فعليه دية كل منهما مستقلاً. نعم, لو ضربت الأسنان خلال الجناية على الفك فكسرت أو قلعت كانت لها دية مستقلة.
(مسألة 1001) لو قلع بعض كل من اللحيين أو من أحدهما, فالحساب بالمساحة. ولو قلع واحد منهما وبعض الآخر, فنصف الدية للمقلوع, وبالحساب
ــــــ[237]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
للبعض الآخر.
(مسألة 1002) لو جنى على اللحيين بما دون القلع, كنقص المضغ أو الاعوجاج أو الانفطار أو غيرها, ففيه الحكومة. على أن لا تزيد على الدية المرسومة لها لو قلعت.
المورد التاسع: العنق
(مسألة 1003) إذا جنى على العنق بحيث صار الشخص أصعر -بالمهملة المفتوحة– أو أصور. وهو من مال عنقه إلى ناحية أو تصلّب بحيث لا يستطيع الالتفات أو خفض رأسه, ولا يكن قابلاً للشفاء أو أصيب بالشلل كذلك, ففيه ثلثا الدية. والأحوط جعلها بعنوان الحكومة. وكذا لو أوجبت الجناية منع الازدراد بحيث يوصل إليه الغذاء بطريق آخر أو منع التنفس كذلك. وإذا كان أي من ذلك قابلاً للشفاء ففيه الحكومة.
المورد العاشر: اليدان
وفي استئصالهما الدية كاملة. وفي كل واحدة منهما نصف الدية. لا فرق في ذلك بين مواضع القطع من الرسغ أو من الزند أو من الكتف. أو في أي موضع آخر, أو بالاختلاف بين اليدين. ولا حكم للأصابع مع قطع الكف. كما لا حكم لأي فرع مع قطعه مع أصله (أعني ما فوقه) فلا حكم لقطع الكف لو انقطع مع الذراع أو بعضها. ولا حكم لقطع الذراع لو انقطع مع العضد أو بعضها.
(مسألة 1004) في قطع كل أصابع اليدين الدية الكاملة, وفي أصابع اليدين والرجلين كلها ديتان كاملتان. وسيأتي عنها بعض التفاصيل الأخرى.
(مسألة 1005) في قطع الكف مع فقد الأصابع الحكومة. سواء كان ذلك خلقة أم بآفة أم بجناية. وكذا في قطع كل أصل مع فقد فرعه. كقطع الساعد
ــــــ[238]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفاقد للكف أو العضد الفاقد للساعد. ولا ينبغي أن تزيد الحكومة على الدية, والأحوط عدم نقيصتها أيضاً.
(مسألة 1006) إذا كان لشخص يدان على زند أو كتف ونحو ذلك فلا شك أن إحداهما أصلية والأخرى زائدة. فإن قطعت اليد الأصلية ففيها خمسمائة دينار. وإن قلعت اليد الزائدة, ففيها الحكومة. وإن شك في أن أي منهما الزائدة, فالأحوط دفع الدية.
(مسألة 1007) إذا قلعت اليد الأصلية والزائدة معاً, فإن كان من فوق اتصالهما, لم يزد المدفوع عن الدية. وإن كان من محل الاتصال أو أسفل منه, كان فيهما الدية والحكومة, تميزت الزائدة أم لا.
المورد الحادي عشر: الأصابع
قلنا إن في أصابع اليدين الدية وكذلك في أصابع الرجلين, وفي أصابع اليد الواحدة أو الرجل الواحدة نصف الدية. وفي أصابعهما جميعاً ديتان. وينال كل إصبع لليد أو للرجل عشر الدية, من دون فرق بين الإبهام وغيره.
(مسألة 1008) كل إصبع مقسومة إلى ثلاثة عقود ما عدا الإبهام, فإنها مقسومة عرفاً إلى عقدين. وعلى ذلك انقسام الدية لو كان القطع من المفصل. ولو كان القطع من غيره فعلى النسبة من طول الإصبع.
(مسألة 1009) في فصل الظفر من كل إصبع من أصابع الكف أو القدم, خمسة دنانير, سواء نبتت أم لم تنبت.
(مسألة 1010) في الإصبع الزائدة من اليد أو الرجل, الحكومة. وينبغي أن تكون بمقدار ثلث الدية, يعني دية الإصبع.
(مسألة 1011) في قطع الإصبع المشلولة ثلث الدية, وفي الجناية بالشلل على الإصبع ثلثا الدية. ويراد بها دية الإصبع في الموردين.
ــــــ[239]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المورد الثاني عشر: النخاع
يراد به العظم الذي خلف العنق. وقطعه يؤدي إلى الوفاة غالباً. فإن حصلت ثبت القصاص, وإن لم تحصل ففيه الدية كاملة. وفي قطع بعضه الدية بنسبة المساحة.
(مسألة 1012) لو قطع النخاع, فعيب به عضو آخر كالعين أو اليد أو غيرهما. فإن كانت فيه الدية المقدرة ثبتت مع دية النخاع على الجاني, ولا تتداخل. وإن لم تكن فيه الدية فالحكومة, ولا تتداخل أيضاً.
المورد الثالث عشر: الثديان
في استئصالهما معاً من المرأة ديتها ومن الرجل ديته. وفي كل واحد منهما نصف الدية. وفي الجزء منهما جزء الدية بحسابه على مقدار المساحة.
(مسألة 1013) لو قطع مع الثدي شيئاً من جلد الصدر كان فيه الحكومة, ولا تتداخل مع دية الثدي. ولو أجاف الصدر لزم مع ذلك دية الجائفة.
(مسألة 1014) في كل واحدة من الحلمتين دية الثدي نفسه. ولو قطعت مع الثدي تداخلت معه.
(مسألة 1015) لا فرق في المجني عليه بين الكبير والصغير والعاقل والمجنون والعادل والفاسق. وهذا ثابت في كل جنايات الأعضاء. بل حتى الجنين إذا سقط حياً.
(مسألة 1016) لو أصيب الثدي فشلّ ففيه ثلثا الدية, وفي قطع المشلول ثلثها. ويعرف المشلول بفقد الإحساس وانقطاع نشاطه كاللبن.
(مسألة 1017) لو أصيب الثدي فانقطع لبنه أو تعذر نزوله منه حالاً أو في وقته أو قل لبنه بمقدار معتد به أو در مختلطاً بالدم أو القيح. ففيه الحكومة.
ــــــ[240]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المورد الرابع عشر: الذكر
في قطع الحشفة فما زاد الدية كاملة. ولا فرق في ذلك بين الشاب والشيخ والصغير والكبير. وأما من سلَّت خصيتاه, فإن لم يؤد ذلك إلى شلل ذكره, ففي قطعه تمام الدية. وإن أدى إليه ففيه ثلث الدية. وكذلك في قطع ذكر الخصي.
(مسألة 1018) المشهور أن في قطع ذكر العنين ثلث الدية, وهولا يخلو من إشكال, والأظهر أن فيه الدية كاملة.
(مسألة 1019) في قطع بعض الحشفة الدية بنسبة مساحة المقطوع منها إلى ما هو موجود منها.
(مسألة 1020) إذا قطع حشفة شخص, وقطع هو أو آخر قطعة أخرى أو ما بقي من ذكره, فعلى الأول الدية كاملة, وعلى الثاني الحكومة, ولا ينبغي أن تقل عن الدية أيضاً.
(مسألة 1021) في قطع الذكر الأشل ثلث الدية. وفي قطع بعضه بحسابه.
(مسألة 1022) لو قطع نصف الذكر طولاً. فإن لم يحصل في النصف الآخر خلل أو شلل ونحوه, فنصف الدية, لو كان المقطوع نصفاً كاملاً عرفاً, وإلا فبحسابه. وإن أحدث في الباقي شللاً, فنصف الدية للمقطوع. وثلثا دية النصف الآخر للشلل. فعليه خمسة أسداس الدية.
(مسألة 1023) في ذكر الخنثى المشكل أو المعلوم أنوثته الدية. والأحوط أن تُجعل على نحو الحكومة.
المورد الخامس عشر: الخصيتان
في استئصالهما الدية الكاملة. ولو قطعت واحدة, فهل لكل منهما نصف الدية أو أن لليسرى الثلثان ولليمنى الثلث, الأقرب الثاني. إلا أن الأحوط في
ــــــ[241]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
اليسرى الثلثان وفي اليمنى النصف, لو قلعتا دفعتين. ولا فرق في الحكم بين الكبير والصغير والشيخ والشاب ومقطوع الذكر وغيره وأشله وغيره, والعنين وغيره.
(مسألة 1024) في جلدة الخصية الحكومة, فإن انتهت إلى الباضعة أو الدامية كانت فيها ديتها, كما سيأتي.
المورد السادس عشر: الفرج
(مسألة 1025) في شفري المرأة, وهما اللحمان المحيطان بالفرج, إذا قطعا معاً الدية كاملة, وفي قطع واحدة منهما نصف الدية. ولا فرق في ذلك بين المرأة السليمة والقرناء والرتقاء والصغيرة والكبيرة والبكر والثيب, والمفضاة وغيرها.
(مسألة 1026) لو شلّ الشفران بالجناية, فثلثا الدية, ولو قطع ما بهما الشلل فثلثها.
(مسألة 1027) لو قطع ما بين الشفرين, كالبضر, فالدية كاملة. ولو قطع بعضه فبحسابه. ولو قطعه مع الشفرين أو أحدهما لم تتداخل الدية.
(مسألة 1028) لو قطع بعض الشفرين أو أحدهما فبحسابه من المساحة.
(مسألة 1029) في الركب وهو من المرأة كالعانة من الرجل, إذا استؤصل الحكومة. وكذا في بعضه, وكذا في عانة الرجل. وإن كان لا ينبغي أن تقل الحكومة مع الاستئصال عن مجموع الدية. ولو قطعت مع الفرج أو مع الذكر أو مع الشفرين لم تتداخل الديات.
(مسألة 1030) في إفضاء المرأة ديتها كاملة, وهو أن يجعل مسلكي البول والحيض واحداً, في ظاهر جسمها. وكذا لو جعل مسلكي الحيض والغائط واحداً على الأحوط. ولو جعل المسالك الثلاثة واحدة, لم تتداخل الدية. ولا
ــــــ[242]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
فرق في الجاني بين الزوج والأجنبي, ولا في الجناية بين الجماع وغيره, ولا في المجني عليها بين الصغيرة والكبيرة, إلا في صورة واحدة, وهي المفضاة بالمعنى الأول بالوطء من قبل الزوج بعد البلوغ. وأما إذا كانت قبل البلوغ فعليه ديتها مع مهرها.
(مسألة 1031) لو كانت المرأة مكرهة من غير زوجها أو كانت الجناية بغير الجماع, فلها مهر المثل مع الدية. ولو كانت مطاوعة فلها الدية دون المهر. ولو كانت المكرهة بكراً, فهل يجب لها أرش البكارة زائداً على المهر والدية, الظاهر العدم وإن كان أحوط.
(مسألة 1032) الدية والمهر والأرش, على القول به في ماله لا من العاقلة, لأن مثل هذه الجناية لا يمكن أن تكون من الخطأ المحض عرفاً وعادة.
المورد السابع عشر: الظهر
في كسر الظهر الدية كاملة, إذا لم يصلح بالعلاج, وكذا لو احدودب أو صار بحيث لا يقدر على القعود أو المشي.
(مسألة 1033) لو عولج وبقي ظهره على الاحديداب, فالدية كاملة, وكذا لو بقي من آثار الكسر شيء, بأن كان لا يقدر على المشي إلا بعصا أو ألم.
(مسألة 1034) إذا كسر الظهر فجبر على غير عثم ولا عيب, ففيه الحكومة, على أن لا تزيد على مائة دينار. وهذا واضح حين لا تكون الجناية كبيرة من أولها. وأما إذا صدق عرفاً كسر الظهر, فالدية, جبر أم لم يجبر.
(مسألة 1035) إذا كسر الظهر فذهب بذلك جماعه أو ماؤه أو حدث به سلس البول أو المني, ففيه ديتان. وإن حصل أكثر من واحد من هذه العيوب ونحوها, تعددت الديات بعددها.
(مسألة 1036) لو كسر الظهر فشلت الرجلان ففيه دية وثلث الدية. وكذا لو
ــــــ[243]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
شلت اليدان -مثلاً-. ولو شلت رجل واحدة أو يد واحدة, فدية وسدسها.
المورد الثامن عشر: الأليان
في استئصالهما معاً الدية كاملة, وفي أحدهما نصف الدية. وفي بعضهما أو واحدة منهما جزء الدية بالنسبة بحسب المساحة.
(مسألة 1037) إذا أوضحت الجناية العظم الذي تحت الألية, ففيه دية الموضحة أيضاً, وإن كسرت ففيها دية الهاشمة. كما سيأتي.
المورد التاسع عشر: الرجلان
في قطع كلتيهما الدية كاملة, وفي قطع أحدهما نصف الدية. ولا فرق في ذلك بين قطعهما من مفصل القدم أو من الساق أو من الركبة أو من الفخذ. فإن قطعت الجناية مضافاً إلى ذلك الألية أو الذكر أو غيرهما, لم تتداخل الديات. ولا فرق في المجني عليه بين الصغير والكبير والشاب والشيخ والمريض والسليم. إلا إذا كانت رجله المقطوعة شلاء فثلث الدية. وإن كانت إحداها وقطعهما معاً فثلثي الدية.
(مسألة 1038) في قطع أصابع الرجلين كلها الدية كاملة. وفي كل واحد منها عشرها. وفي جزء الواحد نسبتها بمقدار المساحة. إلا إذا قطع من مفصل العقدة, فإن فيها ديتها. والأصابع كلها مقسمة إلى ثلاث عقد. فيكون في العقدة جزءاً من ثلاثين جزء من الدية الكاملة. إلا الإبهام فإنه عقدتان.
(مسألة 1039) لو كان قسم من الرجل مقطوعاً فقطع القسم الآخر. ففيه الحكومة, إلا أن الأحوط أن لا يقل مقدارها عن الدية.
(مسألة 1040) الكلام في الرجل الزائدة أو القدم كذلك أو الأصابع كذلك, نفس الكلام في اليد والأصابع الزائدة, فراجع.
ــــــ[244]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المورد العشرون: الأعضاء الباطنة
من قطع بعض الأعضاء الباطنة, فإن أدى إلى الوفاة, لحقه حكم القتل, كما سبق. وإن لم يؤد إلى الوفاة ففيه القصاص إن كان عمداً كما سبق. وإلا ففيه الدية. فإن كان العضو في الجسم واحداً, كالقلب والمريء ومجرى الهواء والمثانة ففيها الدية كاملة, وفي بعضها بالنسبة وفي شللها ثلث الدية وفي قطع الأشل الثلثان. وإن كان العضو في الجسم اثنان كالرئتين والكليتين واللوزتين, ففي كل واحد منهما نصف الدية, وفي مجموعهما الدية, وكذا ما قلناه في البعض وفي الشلل.
(فروع أخرى)
(مسألة 1041) إذا كسر بعصوص شخص وهو العصعص, ويراد به العظم الذي تحت الأليين المحيط بالدبر. فلو كسر ذلك العظم فلم يملك غائطه, ففيه الدية كاملة. وأما إذا لم يملك ريحه ففيه الحكومة.
(مسألة 1042) لو ضرب عجانه, فلم يملك بوله ولا غائطه, ففيه الدية كاملة, وكذا لو لم يملك أحدهما. وكذا لو حصل ذلك بضرب غير العجان. إلا أن الأحوط جعلها بعنوان الحكومة. والعجان هو اللحم ما بين الخصيتين وحلقة الدبر.
(مسألة 1043) من داس بطن إنسان حتى أحدث, ديس بطنه حتى يحدث أو يغرم ثلث الدية. والظاهر أن المراد بالحدث: البول أو الغائط. فلو أحدث بالريح, ديس بطنه حتى يحدث به إلا أن يغرم شيئاً وهو الحكومة.
(مسألة 1044) من افتض بكراً بإصبعه أو بآلة فخرق مثانتها, فلم تملك بولها. ففيه ديتها, ومهر أمثالها.
(مسألة 1045) كل ما كان من أعضاء الرجل فيه دية كاملة كالأنف والعينين
ــــــ[245]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
واليدين والرجلين, كان فيه من المرأة ديتها. وكل ما كان فيه نصف الدية كإحدى اليدين أو إحدى الرجلين, ففي المرأة نصف ديتها. وكذلك الحال بالنسبة إلى الذمي. فلو قطعت إحدى يدي الذمي ففيه نصف ديته, وفي الذمية نصف ديتها. وكذا الحال في العبد, فلو قطعت إحدى يدي العبد, كان فيه نصف قيمته.
(مسألة 1046) كل جناية كانت فيها دية مقدرة شرعاً, سواء كانت بقطع عضو أو كسره أو جرحه أو زوال منفعته. فإن كانت الدية أقل من ثلث دية الرجل, فالمرأة تعاقله فيها. وإن كان بقدر الثلث فأزيد صارت دية المرأة نصف دية الرجل. فيدفع مقدار النسبة من ديتها, كما سبق. غير أن الأمة المملوكة ليست كذلك, فإن ديتها قيمتها كالعبد زادت أم نقصت. وإذا لم تكن الجناية مقدرة شرعاً, ففيها الحكومة (أو الأرش), وهو غير مشمول لهذه القاعدة, فيمكن أن يكون المال المحكوم به للجناية على الرجل والمرأة في نفس الموضع متشابهاً, قل أو أكثر.
المقصد الثاني: دية الكسر والرض ونحوهما
(مسألة 1047) المشهور أن في كسر العظم من كل عضو كان له مقدر في الشرع هي خمس دية ذلك العضو. فإن صلح على غير عيب ولا عثم فديته أربعة أخماس دية كسره. وفي موضحته ربع دية كسره, وفي رضّه ثلث دية ذلك العضو. فإن برئ على غير عيب ولا عثم فديته أربعة أخماس دية رضه. وفي فكه عن العضو بحيث يصبح العضو عاطلاً, ثلثا ديته, فإن صلح على غير عيب ولا عثم فديته أربعة أخماس دية فكه. أقول: يمكن جعل هذه المقادير من الديات ثابتة بنحو الحكومة, وإن لم تكن ثابتة في أصل الشرع. ما لم تقتض القواعد المعتبرة أمراً آخر في بعض الموارد, فيكون الحكم به.
ــــــ[246]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1048) في موضحة الظهر دية الوضحة الآتية, وهي خمس من الإبل. وفي نقل عظامه خمس عشرة من الإبل على الأظهر, وفي قرحته التي لا تبرأ ثلث دية كسره. والأحوط جعل الموردين الأخيرين بنحو الحكومة.
(مسألة 1049) في كسر الترقوة إذا جبرت على غير عيب أربعون ديناراً, وفي صدعها أربعة أخماس دية كسرها, وفي نقل عظامها نصف دية كسرها. والأحوط وجوباً جعل كل هذه الموارد بنحو الحكومة. وفي موضحتها دية الموضحة. وإذا كسرت ولم تجبر فدية الهاشمة الآتية: عشرة من الإبل.
(مسألة 1050) في كسر كل ضلع من الأضلاع القريبة من القلب خمسة وعشرون ديناراً وفي صدعه نصف ذلك. وفي نقبه ربع دية كسره وفي نقل عظامه نصفها. والأحوط وجوباً جعل كل ذلك بنحو الحكومة.
(مسألة 1051) في كسر كل ضلع من الأضلاع التي تلي العضدين عشرة دنانير, وفي صدعه سبعة دنانير, وفي نقبه ديناران ونصف دينار, وفي نقل عظامه خمسة دنانير. والأحوط وجوباً جعل كل ذلك بنحو الحكومة. وأما موضحته فعليها دية الموضحة الآتية.
(مسألة 1052) في رض الصدر إذا انثنى شقاه نصف الدية. وإذا انثنى أحد شقيه ربع الدية, وكذلك الحال في الكتفين. والأحوط وجوباً جعل ذلك كله بنحو الحكومة. وفي موضحة الصدر والكفين دية الموضحة الآتية.
(مسألة 1053) في كسر المنكب إذا جبر على غير عثم ولا عيب, خمس دية اليد مائة دينار. وفي صدعه ثمانون ديناراً وفي نقبه خمسة وعشرون ديناراً. وفي نقل عظامه خمسون ديناراً, وفي رضه إذا عثم ثلث دية النفس وفي فكه ثلاثون ديناراً. والأحوط وجوباً جعل كل ذلك بنحو الحكومة. وفي كسره إذا لم يجبر دية الهاشمة.
(مسألة 1054) في كسر العضد إذا جبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية
ــــــ[247]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
اليد. وفي نقل عظامها خمسون ديناراً, وفي نقبها خمسة وعشرون. والأحوط وجوباً جعل كل ذلك بنحو الحكومة. وإذا كسر ولم يجبر فدية الهاشمة. وفي موضحته دية الموضحة.
(مسألة 1055) في كسر الساعد إذا جبرت على غير عثم ولا عيب ثلث دية النفس, وفي كسر إحدى قصبتي الساعد إذا جبرت على غير عيب ولا عثم مائة دينار. وفي صدعها ثمانون ديناراً وفي نقل عظامها مائة دينار. وفي نقبها اثنا عشر ديناراً وفي نافذتها خمسون ديناراً وفي قرحتها التي لا تبرأ ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار. والأحوط وجوباً العمل على كل ذلك بنحو الحكومة. وإذا كسر الساعد أو إحدى القصبتين ولم تنجبر فدية الهاشمة, وفي موضحته دية الموضحة.
(مسألة 1056) في كسر المرفق إذا جبر على غير عثم ولا عيب مائة دينار وفي صدعه ثمانون ديناراً, وفي نقل عظامه خمسون ديناراً وفي نقبه خمسة وعشرون ديناراً, وفي فكه ثلاثون ديناراً, وفي رضه إذا عثم ثلث دية النفس. وإذا كسر ولم ينجبر فدية الهاشمة وفي موضحته دية الموضحة.
(مسألة 1057) في كسر كلا الزندين إذا جبرا على غير عثم ولا عيب مائة دينار, وفي كسر إحداهما خمسون ديناراً, وفي نقل عظامها نصف دية كسرها. والأحوط وجوباً أن يكون كله بنحو الحكومة.
(مسألة 1058) في رض أحد الزندين إذا جبر على غير عيب ولا عثم, ثلث دية اليد, على نحو الحكومة أيضاً على الأحوط وجوباً.
(مسألة 1059) في كسر الكف إذا جبرت على غير عثم ولا عيب أربعون ديناراً. وفي صدعها اثنان وثلاثون ديناراً. وفي نقل عظامها عشرون ديناراً ونصف دينار. وفي نقبها ربع دية كسرها. وفي قرحة لا تبرأ ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار. والأحوط أن يكون كله بنحو الحكومة. وإذا كسرت ولم تجبر فدية
ــــــ[248]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الهاشمة وفي موضحتها دية الموضحة.
(مسألة 1060) في كسر قصبة إبهام الكف إذا جبرت على غير عثم ولا عيب ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار. وفي صدعها ستة وعشرون ديناراً وثلثا دينار. وفي نقل عظامها ستة عشر ديناراً وثلثا دينار. وفي نقبها ثمانية دنانير وثلث دينار. وفي فكها عشرة دنانير. والأحوط وجوباً في كل ذلك أن يكون بنحو الحكومة. وفي موضحتها عشر دية الإصبع.
(مسألة 1061) في كسر كل قصبة من أصابع الكف غير الإبهام إذا جبرت على غير عثم ولا عيب عشرون ديناراً وثلثا دينار. وفي نقل كل قصبة منهن ثمانية دنانير وثلث دينار. والأحوط أن يكون كل ذلك بنحو الحكومة. وفي موضحتها عشر دية الإصبع.
(مسألة 1062) في كسر المفصل الذي فيه الظفر من الإبهام في الكف إذا جبر على غير عيب ولا عثم ستة عشر ديناراً وثلثا دينار. وفي نقبها أربعة دنانير وسدس دينار. وكذا في موضحتها, وفي صدعها ثلاثة عشر ديناراً وثلث الدينار. وفي نقل عظامها خمسة دنانير. والأحوط وجوباً على أن تكون كلها بنحو الحكومة.
(مسألة 1063) في كسر كل مفصل من الأصابع الأربع التي تلي الكف غير الإبهام ستة عشر ديناراً وثلثا دينار. وفي صدع كل قصبة منهن ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار. وفي نقل عظامها ثمانية دنانير وثلث دينار, وفي نقبها أربعة دنانير وسدس دينار. وفي فكها خمسة دنانير. والأحوط وجوباً جعل كل ذلك بنحو الحكومة. وفي الموضحة منها عشر دية الإصبع ولو تهشم العظم فدية الهاشمة.
(مسألة 1064) في كسر المفصل الأوسط من الأصابع الأربع (غير الإبهام) أحد عشر ديناراً وثلث دينار. وفي صدعه ثمانية دنانير ونصف دينار. وفي نقبه
ــــــ[249]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ديناران وثلث دينار. وفي نقل عظامه خمسة دنانير وثلث دينار, وفي فكه ثلاثة دنانير وثلثا دينار. والأحوط وجوباً أن يكون كل ذلك بنحو الحكومة. وفي موضحته عشر دية الإصبع وفي تهشمه دية الهاشمة.
(مسألة 1065) في كسر المفصل الأعلى من الأصابع الأربع (غير الإبهام) خمسة دنانير وأربعة أخماس الدينار. وفي صدعه أربعة دنانير وخمس دينار. وفي نقل عظامه خمسة دنانير وثلث دينار وفي موضحته ديناران وثلث دينار. وفي نقبه ديناران وثلثا دينار. وفي فكه ثلاثة دنانير وثلثا دينار. والأحوط وجوباً في كل ذلك كونه بنحو الحكومة.
(مسألة 1066) في عظم الورك إذا كسر فجبر على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجل (بالكسر) وفي صدعه أربعة أخماس دية كسره. وفي نقل عظامه خمسون ديناراً, وفي رضه إذا عثم دية الهاشمة وفي موضحته دية الموضحة وفي فكه ثلاثون ديناراً. والأحوط وجوباً أن يكون ذلك (في غير دية الهاشمة والموضحة) بنحو الحكومة.
(مسألة 1067) في الفخذ إذا كسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجل (بالكسر). فإن عثمت فديتها دية الرجل. وفي صدعها ثمانون ديناراً. وفي نقبها دية كسرها, وفي نقل عظامها نصف دية كسرها. وإذا كانت فيها قرحة لا تبرأ, فديتها ثلث دية كسرها. والأحوط وجوباً في كل ذلك أن يكون بنحو الحكومة. فإن كسرت ولم تجبر فدية الهاشمة, وكذا إذا نقلت العظام ولم تصلح. وفي موضحتها دية الموضحة.
(مسألة 1068) في كسر الركبة إذا جبرت على غير عثم ولا عيب مائة دينار, وفي صدعها ثمانون ديناراً, وفي نقبها خمسة وعشرون ديناراً, وفي نقل عظامها خمسون ديناراً. ودية فكها ثلاثون ديناراً. وفي رضها إذا عثمت ثلث دية النفس,
ــــــ[250]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وفي قرحتها التي لا تبرأ ثلث دية كسرها. والأحوط وجوباً في كل ذلك جعله بنحو الحكومة. وإذا كسرت الركبة ولم تجبر أو نقلت عظامها ولم تصلح, فدية الهاشمة وفي موضحتها دية الموضحة.
(مسألة 1069) في كسر الساق إذا جبرت على غير عثم ولا عيب مائة دينار. ومع العثم مائة وستون ديناراً وثلثا دينار, وفي صدعها ثمانون ديناراً. وفي نقل عظامها ونافذتها خمسة وعشرون ديناراً. ودية نقبها أثنى عشر ديناراً ونصفاً. وفي قرحتها التي لا تبرأ ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار. والأحوط وجوباً في كل ذلك جعله بنحو الحكومة. وإذا كسرت الساق ولم تنجبر أو تهشمت فدية الهاشمة. وفي موضحتها دية الموضحة.
(مسألة 1070) في رض الكعبين إذا جبرتا على غير عثم ولا عيب ثلث دية النفس, وفي رض إحداهما إذا جبرت على غير عثم ولا عيب نصف ذلك. والأحوط وجوباً في كل ذلك جعله بنحو الحكومة. وفي كسرها الذي لا ينجبر وتهشمها دية الهاشمة. وفي موضحتها دية الموضحة.
(مسألة 1071) في القدم إذا كسرت فجبرت على غير عثم ولا عيب مائة دينار. وفي نقل عظامها نصف دية كسرها, وفي نافذتها التي لا تنسد مائة دينار. وفي ناقبتها ربع دية كسرها. والأحوط أن يكون كله بنحو الحكومة.
(مسألة 1072) دية كسر قصبة الإبهام التي تلي القدم كدية قصبة الإبهام من اليد. وفي نقل عظامها ستة وعشرون ديناراً وثلثا دينار. ودية موضحتها ونقبها وفكها كديتها في اليد, ودية كسر الجزء الأعلى من الإبهام (وهو الذي فيه الظفر) كدية كسر الأعلى من الإبهام في اليد. وكذا الحال في موضحتها ونقبها وصدعها. وفي نقل عظامها ثمانية دنانير وثلث دينار. وفي فكها خمسة دنانير وفي كسر قصبة كل من الأصابع الأربع سوى الإبهام ستة عشر ديناراً وثلثا دينار.
ــــــ[251]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ودية صدعها ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار. ودية موضحتها ونقبها ونقل عظامها كديتها في اليد. وفي قرحة لا تبرأ في القدم ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار. ونقول هنا كما قلنا في المسائل السابقة بما فيها الكف أن يكون كله بنحو الحكومة, إلا الموضحة والهاشمة فإن لها دية ثابتة شرعاً.
(مسألة 1073) في كسر المفصل الأخير من كل الأصابع الأربع من القدم غير الإبهام, ستة عشر ديناراً وثلث دينار. وفي صدعها ثلاثة عشر ديناراً وثلث دينار. وفي كسر المفصل الأوسط منها أحد عشر ديناراً وثلثا دينار وفي صدعها ثمانية دنانير وأربعة أخماس الدينار, وفي نقل عظامها خمسة دنانير وثلثا دينار. ودية نقبها كديته في اليد وفي فكها ثلاثة دنانير. ودية كسر المفصل الأعلى منها كديته في اليد, وكذلك في صدعها. وفي نقبها دينار وثلث وفي نقل عظامها ديناران وخمس دينار. وفي فكها ديناران وأربعة أخماس الدينار. والأحوط وجوباً في كل ذلك أن يكون بنحو الحكومة.
(مسألة 1074) دية الموضحة لكل إصبع, أينما كان محله. عشر دية الإصبع.
(مسألة 1075) لو نفذت نافذة من رمح أو خنجر أو طلقة في شيء من أطراف البدن. فديتها مائة دينار. فإن حصل فيها عيبان أو أكثر أو سراية, كان لها ديتها أيضاً.
(مسألة 1076) في قرحة كل عضو إذا لم تبرأ ثلث دية كسر عظمه.
(مسألة 1077) إذا اجتمع بعض ما فيه الدية المقدرة شرعاً, مع بعضها الآخر كذلك, فلكل منهما ديته ولا تتداخل. نعم, إذا كانت الجنايتان بضربة واحدة أو هجوم واحد في الزمان عرفاً, وكانتا مترتبتين, وكانت دية إحداهما أغلظ من الأخرى, دخلت دية غير الأغلظ في الأغلظ. وفي إطلاق ذلك إشكال.
ــــــ[252]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المقصد الثالث: ديات الجناية على منافع الأعضاء
وهي ثابتة في عدة موارد:
المورد الأول: العقل
في ذهابه, بحيث يصبح الفرد مجنوناً لا يدرك أوقات الصلاة: الدية كاملة. وفي ثبوت الدية فيما إذا رجع العقل أثناء السنة إشكال. بل الأقرب عدم الثبوت, وعليه فالمرجع فيه الحكومة. وأما إذا تمت السنة ولم يرجع إلى عقله استحق الدية, وإن رجع بعد ذلك.
(مسألة 1078) إذا جنى على شخص بما أوجب نقصان عقله أو كونه سفيهاً أو كثير النسيان ونحو ذلك, فالمرجع فيه الحكومة. وكذلك إذا أوجب جنوناً أدوارياً تكون دورته أقل من سنة. وأما إذا كانت دورته سنة فأكثر, فالمرجع الدية, وخاصة إذا كان دور عقله ضئيلاً عرفاً.
(مسألة 1079) لو شج شخصاً شجة ذهب بها عقله. قيل: إنه إذا كانت الشجة وذهاب العقل بضربة واحدة تداخلت ديتاهما, وإن كانا بضربتين لم يتداخلا, والظاهر عدم التداخل مطلقاً.
(مسألة 1080) هل يثبت القصاص مع العمد في إذهاب العقل أم لا فيه إشكال. غير أن الأقرب ثبوته مع العمد والقصد إلى النتيجة. وإن كان الاحتياط بخلافه.
(مسألة 1081) لا فرق في الجناية على العقل بين كون السبب فيهما الضرب على رأسه أو غيره, فلو أفزعه فذهب عقله فعليه الدية كاملة, وكذا لو سحره.
ــــــ[253]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1082) لو ذهب العقل بالجناية, ودفع الدية, ثم عاد العقل, خلال السنة, تعين إرجاع الدية والمصير إلى الحكومة.
(مسألة 1083) لو اختلف الجاني وولي المجني عليه في ذهاب العقل أو نقصانه, فالمرجع فيه أهل الخبرة, ويعتبر فيهم العدالة والتعدد على الأحوط. فإن ثبت اختلاله فهو. وإن لم يتضح فالقول قول الجاني مع يمينه.
المورد الثاني: السمع
في ذهابه كله دية كاملة. وفي ذهاب سمع إحدى الأذنين نصف الدية. لا فرق في ذلك بين الصغير والكبير وضعيف السمع وقويه, ومقطوع الأذن وصحيحها. وإذا أوجبت الجناية ضعف سمعه بشكل معتد به, ففيه الحكومة. وإذا أوجبت انقطاعه في إحدى الأذنين وضعفه في الأخرى, كان لكل حكمه.
(مسألة 1084) إذا جنى على رجل فادعى ذهاب سمعه كله. قبل قوله إن صدقه الجاني. وأما إذا أنكره أو قال: لا أعلم. أجّل إلى سنة, ويترصد ويستغفل بسؤاله ويسأل عن أمره, فإن انكشف الخلاف وبان أنه يسمع أو شهد شاهدان بذلك فليس له المطالبة بالدية. وإن لم ينكشف الخلاف فعلى المجني عليه أن يأتي بالقسامة, بأن يحلف هو وخمسة أشخاص إن وجدوا على أنه لا يسمع بتاتاً, وإلا حلف هو ست مرات, فعندئذ يستحق الدية.
(مسألة 1085) لو ادعى المجني عليه النقص في سمع كلتا الأذنين, فإن ثبت ذلك بالبينة فهو. وإلا فعليه القسامة بالنسبة. بمعنى أن المدعى إن كان هو ذهاب ثلث سمعه حلف هو وحلف معه رجل واحد. وإن كان المدعى ذهاب نصف سمعه حلف هو وحلف معه رجلان وهكذا.
(مسألة 1086) لو ادعى النقص في سمع إحدى الأذنين, قيست تلك الأذن إلى الأذن الصحيحة له. بأن تسد المجني عليها سداً جيداً, وتطلق الصحيحة,
ــــــ[254]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ويصاح به ويتباعد عنه, حتى يقول لا أسمع. فإن علم أو اطمئن بصدقه, فهو, وإلا يعلّم ذلك المكان ثم يعاد عليه من طرف آخر كذلك, فإن تساوت المسافتان فقد صدق, وإلا فلا. ثم بعد ذلك تطلق الناقصة وتسد الصحيحة سداً جيداً. ويختبر بالصيحة أو بغيرها, حتى يقول: لا أسمع. فإن علم أو اطمئن من صدقه فهو, وإلا يكرر عليه الاختبار. فإن تساوت المقادير فقد صدق. ثم تمسح المسافتان: مسافة سماع الأذن الصحيحة. ومسافة سماع الأذن المجني عليها, وتؤخذ الدية عندئذ, بنسبة التفاوت, وتعطى له, بعد إتيانه -على الأحوط- بالقسامة على ما يدعي من النقص في سمع إحدى أذنيه. ومن الواضح أن هذه الطريقة خاصة بما إذا كانت الأذن الأخرى صحيحة عرفاً. وأما إذا كانت صماء أو ثقيلة السمع أو ادعى المجني عليه: أن أذنه المجني عليها كانت أقوى من الأخرى, فهذه الطريقة لا تصح. بل لا بد من الرجوع رأساً إلى أهل الخبرة.
(مسألة 1087) إذا أوجب قطع الأذنين أو الواحدة منهما ذهاب سمعها, ففيه ديتان: دية للقطع ودية لذهاب السمع. ولو قطع إحدى الأذنين فذهب السمع كله من كلتا الأذنين, فعليه دية ونصف.
(مسألة 1088) لو شهد أهل الخبرة بعدم فساد القوة السامعة, لكن وقع في الطريق شيء حجبها على السماع كحجر أو ورم. فالظاهر ثبوت الدية.
(مسألة 1089) إذا جنى على سمع الصبي فتعطل نطقه, فالظاهر ثبوت ديتين. إحداهما للسمع والأخرى للنطق. وهذا واضح لو كان صممه سابقاً على تدريبه على النطق. ولكن يلحقه الحكم متى ذهب النطق بذهاب السمع وإن بعد الفرض.
(مسألة 1090) لو علم بعدم عود السمع أو شهد أهل الخبرة بذلك, استقرت الدية في ذمة الجاني. وإن أعطى أهل الخبرة أملاً بالعود في مدة متعارفة, فإن لم يعد استقرت الدية. وإن عاد فلا دية, والمرجع الحكومة. وإن
ــــــ[255]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
عاد في مدة غير متعارفة فالأقرب ثبوت الدية, وإن مات خلال المدة ثبتت أيضاً.
المورد الثالث: البصر
في ذهابه الكامل من كلتا العينين الدية كاملة. وفي ذهابه من إحداهما نصف الدية. وفي ضعفه الحكومة. وإذا كان معه جناية أخرى كضرب الرأس أو العين مما سبب ذهاب البصر, لم تتداخل الجنايتان.
(مسألة 1091) إن ادعى المجني عليه ذهاب بصره كله, فإن صدقه الجاني, فعليه الدية. وإن أنكره الجاني أو قال: لا أعلم. اختبر المجني عليه بجعل عينيه في قبال نور قوي كالشمس أو غيرها, فإن لم يتمالك حتى غمض عينيه, فهو كاذب ولا دية له. وإن بقيتا مفتوحتين, كان صادقاً واستحق الدية. مع الاستظهار بالأيمان وهي القسامة التي ذكرناها في الجناية على السمع.
(مسألة 1092) إن عاد البصر بعد مدة متعارفة, فلا دية, وفيه الحكومة. وكذا إن عاد بعد مدة غير متعارفة, ولكن كشف عوده عن عدم الذهاب من الأول. وإن لم يكشف عن ذلك أو لم يعد أصلاً, ثبتت الدية.
(مسألة 1093) إذا اختلف الجاني والمجني عليه في عود البصر وعدمه. فإن أقام الجاني البينة على ما يدعيه فهو, وإلا فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
(مسألة 1094) لو ادعى المجني عليه النقصان في إحدى عينيه, وأنكره الجاني, أو قال: لا أعلم. أختبر المجني عليه, بقياس العين المجني عليها إلى العين الصحيحة, كما سبق في الأذن -في مسألة (1086)- ولكن -مع ذلك- لا بد في إثبات ما يدعيه من القسامة. ولو ادعى النقص في العينين معاً, كان القياس بعين من هو من أبناء سنه.
(مسألة 1095) لا تقاس العين في يوم غائم, ولا في أرض مختلفة الجهات علواً وانخفاضاً. ونحو ذلك إذا كان مانعاً من معرفة الحال.
ــــــ[256]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1096) لا فرق في الجناية على البصر بين حديد البصر وضعيفه, حتى الأحول والأعمش والذي في عينه بياض ونحوه لا يمنعه عن الإبصار.
(مسألة 1097) لو قلع الحدقة أو أفسدها تماماً, كان عليه دية واحدة. وتتداخل دية الإبصار فيها. ولو جنى عليه بغير ذلك, كما لو شج رأسه فذهب إبصاره, لم تتداخل الجنايتان.
(مسألة 1098) لا يتعين أن يكون ذهاب البصر بجناية على الجسد. بل لو حصل ذلك بسبب آخر, كما لو أفزعه أو أحزنه أو أدهشه أو سحر عليه أو غير ذلك, فعليه الدية.
(مسألة 1099) لو ادعى ذهاب بصره والعين قائمة, ولم تكن بينة, ولا أهل الخبرة, ولم يتيسر الاختبار الذي سبق شرحه, أحلفه الحاكم القسامة وقضى له.
المورد الرابع: الشم
في إذهابه من كلا المنخرين الدية كاملة, وفي إذهابه من أحدهما نصف الدية. وفي ضعفه الحكومة. ولو ذهب من أحدهما وضعف في الآخر لم تتداخل الجنايتان.
(مسألة 1100) لو ادعى المجني عليه عقيب الجناية الواردة عليه ذهاب شمه. فإن صدقه الجاني, فعليه الدية. وإن أنكره أو قال لا أعلم. اختبر المجني عليه بالحرّاق ونحوه من الروائح الشديدة النفوذ أو الدخان الناتج منها. فإن دمعت عيناه ونحى رأسه أو عطس ونحو ذلك, فهو كاذب, وإلا فهو صادق. وعندئذ يستظهر بالقسامة التي ذكرنا في المسألة (1084), ويستحق أخذ الدية.
(مسألة 1101) إذا ادعى المجني عليه النقص في الشم, فإن صدقه الجاني, فهو, وإلا فعليه القسامة المشار إليها.
(مسألة 1102) إن عاد الشم في مدة متعارفة, لم يستحق الدية وله
ــــــ[257]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الحكومة, وإن عاد بعد مدة غير متعارفة, فإن كان ذلك كاشفاً عن عدم ذهابه من الأول, فالحكومة, وإلا فالدية. وفي أي موضع بان عدم استحقاق الدية, وكان قد أخذها المجني عليه, فللجاني استردادها.
(مسألة 1103) لو قطع أنف شخص فذهب بذلك شمه أيضاً, أو لو قطع أحد منخريه. فزال شم ذلك المنخر, أو زال الشم كله, لم تتداخل الديات. وكان لكل واحد حكمه.
المورد الخامس: النطق
في ذهابه بقطع اللسان ما سبق في ديات الأعضاء (انظر مسألة 990 وغيرها). وفي ذهابه بالضرب وغيره دية كاملة, وفي ذهاب بعضه من الدية بنسبة ما ذهب. بأن تعرض عليه حروف المعجم كلها, فما لم ينطق منها نطقاً عرفياً فعليه الدية بمقداره.
(مسألة 1104) لو ذهب نطقه بجناية أخرى كذهاب عقله أو ذهاب سمعه ونحو ذلك, لم تتداخل الجنايتان.
(مسألة 1105) لو ادعى المجني عليه ذهاب نطقه بالجناية كلياً, فإن صدقه الجاني, ثبتت الدية. وإن أنكره أو قال لا أعلم, اختبره أهل الخبرة, فإن ثبت صدقه أخذ الدية. والظاهر اعتبار القسامة هنا أيضاً على النحو المتقدم (في المسألة 1084) ونحوه لو ادعى ذهاب بعض نطقه على الأحوط.
(مسألة 1106) إذا عاد النطق فالكلام فيه هو الكلام في نظائره (انظر مثلاً مسألة 1102) وغيرها.
(مسألة 1107) إذا أوجبت الجناية ثقلاً في اللسان مما لا تقدير له في الشرع, كالجناية على اللحيين بحيث يصعب أو يعسر تحريكهما (يعني الفك الأسفل) أو أوجبت الجناية صلابة في اللسان أو رخاوة فيه وغير ذلك, ففيه الحكومة.
ــــــ[258]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1108) لو جنى على شخص فذهب بعض كلامه, ثم جنى عليه آخر, فذهب بعضه الآخر, فعلى كل منهما الدية بنسبة ما ذهب من جنايته. ومنه يتضح الحال فيما لو بقيت للمجني عليه بعد الجنايتين بقية من نطقه.
(مسألة 1109) لو جنى على شخص فذهب كلامه كله, ثم قطع هو أو آخر لسانه, ففي الجناية الأُولى الدية كاملة. وفي الثانية ثلثها. ولو ذهب في الجناية الأُولى بعض كلامه. ففيها بعض الدية بالنسبة وفي الثانية الدية كاملة.
المورد السادس: الذوق
إذا ذهب الذوق كله, ففيه الدية كاملة, والأحوط أن تكون بنحو الحكومة. وإن ذهب بعضه, يعني ببعض الطعوم دون بعض, ثبتت الدية بالنسبة. والأحوط أن تكون بنحو الحكومة أيضاً. ويراد هنا ما كان خالصاً من الطعوم غير مركب مع غيره, وهي: الحلاوة والحموضة والمرارة والملوحة والزهومة (كطعم العفن ونحوه).
(مسألة 1110) لو ادعى نقصان ذوقه أو ذهابه. فإن صدقه الجاني, فهو, وإلا اختبره أهل الخبرة, ووجب الاستظهار بالقسامة السابقة.
(مسألة 1111) لو اقترن إلى ذهاب الذوق جناية أخرى, فإن كان هو قطع اللسان تداخلت الجنايتان, وإلا فلا.
(مسألة 1112) لو قطع لسانه فذهب صوته أو نطقه مضافاً إلى ذوقه, تداخلت الجنايات. ولو ذهب بعض ذلك بسبب آخر كالضرب لم يتداخل.
(مسألة 1113) لو عاد الذوق, فحكمه ما قلناه في نظائره, انظر -مثلاً- المسألة (1102).
(مسألة 1114) لو جنى على الفك الأسفل فلم يستطع المضغ فالحكومة. وقيل الدية. والأَولى دفع ثلث الدية بنحو الحكومة.
ــــــ[259]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المورد السابع: الصوت
في ذهاب الصوت كله الدية الكاملة. وإذا ورد النقص على الصوت كما لو غنّ أو بحَّ, فالظاهر الحكومة. وكذا لو أخفت بعد جهر. ويأتي هنا ما قلناه في أمثاله من صور العود بعد فترة وصور الترافع بإنكاره. واقترانه بجنايات أخرى. وغير ذلك من الفروع.
(مسألة 1115) ذهاب الصوت غير ذهاب النطق. فإن ذهب الصوت كله ذهب النطق, وعليه دية واحدة. وإن ذهب بعض الصوت كما لو بحَّ أو أخفت أمكن بقاء النطق بالحروف. فإن زال نطقها أو بعضها كان ذلك جناية أخرى ولم يتداخلا.
المورد الثامن: اللمس
وهو مورد لم يذكره الفقهاء على ما أعلم, ولا إشكال في ثبوت الحكم لو ثبتت الجناية. ففي ذهاب قابلية اللمس من الجسد كله الدية كاملة. وفي بعض الجسد بالنسبة. ويمكن قياسه بسهولة بالوخز أو بالكي ونحوه فإن حرك يده فهو كاذب وإلا فهو صادق. ويأتي فيه ما سبق في مثله من رجوع اللمس بعد زواله أو اقترانه بجناية أخرى, أو صور الترافع بإنكاره وغير ذلك فراجع.
(مسألة 1116) لو قلت قابلية اللَّمس. فإن أمكن تحديد النسبة, استحق ما يماثلها من الدية. وإلا فالحكومة.
(مسألة 1117) لو ذهب اللمس بالجناية على العضو, كما لو قطع يده أو أزال جلده أو أحرقه أو أقرحه, تداخلت الجنايتان. وإن ذهب اللمس بضرب على الرأس أو بدواء ونحوه وحصلت جناية أخرى لم تتداخل.
ــــــ[260]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المورد التاسع: صعر العنق
وقد ذكرناه في المسألة (1003) من ديات الأعضاء فراجع. ويأتي فيه, ما سبق في أمثاله من احتمال عود السلامة أو الاقتران بجناية أخرى أو الترافع في ثبوته, فراجع.
المورد العاشر: كسر البعصوص
وقد ذكرناه في المسألة (1085) من الجناية على الأعضاء. وقد كررناه هنا باعتبار الجناية على المنافع. لأنه قد لا يملك المجني عليه بهذه الجناية بوله أو غائطه أو ريحه. على التفصيل السابق. ويأتي فيه أيضاً ما أشرنا إليه في صعر العنق فراجع.
المورد الحادي عشر: سلس البول
وفيه دية كاملة إذا كان مستمراً, مهما كان سبب حدوثه. وفي تقطع التقاطر أحياناً الدية بالنسبة أو الحكومة. والأقرب ثبوت ثلث الدية والأحوط أن تكون بنحو الحكومة.
المورد الثاني عشر: أدرة الخصيتين
وهو انتفاخهما. وفيه أربعمائة دينار. فإن فجح, أي تباعدت رجلاه, بحيث لا يستطيع المشي النافع له. فديته أربعة أخماس دية النفس.
المورد الثالث عشر: تعذر الإنزال
وفيه الدية كاملة على المشهور. والأقرب أن فيه ثلث الدية, والأحوط أن تكون بنحو الحكومة.
ــــــ[261]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المورد الرابع عشر: الإفضاء
وهو جعل مسلك البول والدم واحداً. وفيه الدية كاملة إذا كان المفضي أجنبياً. سواء أفضاها بالجماع أم بغيره. وكذا لو جعل مسلك الدم والغائط واحداً. وأما لو جعل الثلاثة واحداً, فهل عليه ديتان أم واحدة. الأحوط الأول, والأحوط أن تكون بنحو الحكومة. ولو كان المفضي هو الزوج فإن كان بغير الجماع فعليه الدية. وإن كان بالجماع فإن كان قبل بلوغها تسع سنين فطلقها. فعليه الدية أيضاً. وإن لم يطلقها أو كان ذلك بعد بلوغها تسع سنين فلا شيء عليه. هذا في جعل مسلك البول والدم واحداً. وأما لو جعل مسلك الغائط واحداً مع مسلك الدم أو المسلكين, فعليه الدية, بالتفصيل السابق سواء كان بالجماع أو بغيره.
المورد الخامس عشر: تقلص الشفتين
قال الشيخ: أن فيه دية كاملة. وهو لا يخلو من إشكال. والأقرب أن فيهما ثلث الدية, وفي إحداهما نصف ذلك. والأحوط أن يكون بنحو الحكومة.
المورد السادس عشر: العقم
وهو مما لم يذكره الفقهاء فيما أعلم, ومقتضى القاعدة وجوب الدية الكاملة فيه إذا كان عقماً دائماً. لا يختلف في ذلك الصغيرة والكبيرة والمتزوجة وغيرها, سواء كان الجاني هو الزوج أو غيره, بالإفضاء أو بأي سبب آخر كالدواء أو العملية الجراحية. وسواء كان برضا المرأة المجني عليها أو بدونه. نعم, لو كان برضاها, فالأحوط لها إبراء ذمة الجاني وخاصة إذا كان هو الزوج. والأحوط إثبات الدية بنحو الحكومة.
(مسألة 1118) عقم الرجل كعقم المرأة في ذلك, بكل هذه التفاصيل.
ــــــ[262]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1119) لو كان العقم مؤقتاً, فإن كان برضاء الزوجة الحرة العاقلة الرشيدة المسلمة, فلا شيء عليه, وإن كان بغير رضاها ففيه الحكومة. ولا ينبغي أن تقل عن ثلث الدية.
(مسألة 1120) ليس من العقم موانع الحمل بتناول الأدوية والحبوب حتى وضع (اللولب). فلا دية عليه. غير أن الأحوط وجوباً اجتناب وضعه.
(مسألة 1121) إن تسبب العقم من قلع الرحم بجناية أو الجهاز التناسلي الباطن للرجل, تداخلت الديات. وكان على الجاني دية واحدة, كما قلنا في الأعضاء الباطنة. وكذا إن تسبب عقم المرأة بامتناع العادة الشهرية وعقم الرجل بتعذر الإنزال. وأما لو تسبب بشيء آخر, فإن كان جناية كالضرب والجرح ونحوه, لم تتداخل الديات. وإن لم يكن جناية كتناول الدواء, لزم دفع دية العقم خاصة.
المورد السابع عشر: شلل الأعضاء
في شلل كل عضو ثلث دية ذلك العضو. وإن كان الأحوط وجوب ديته الكاملة. إلا الذكر فإن في شلله دية النفس الكاملة. مع ملاحظة: أنه ليس الشلل هو العنن بل أشد منه.
(مسألة 1122) في انصداع السن ثلث ديته على المشهور والأقرب الحكومة.
(مسألة 1123) كل ما قلناه عن قطع الأعضاء أو المنافع, إنما تثبت الدية إذا كان بنحو غير مطلوب عقلائياً, فيصدق عليه الاعتداء والجناية. وأما إذا كان بنحو مطلوب عقلائياً, كاستئصال العضو لمرض أو غيره, أو كان ذلك من مضاعفاته القهرية, فلا دية ولا حكومة.
ــــــ[263]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1124) في ذهاب المنافع التي لم يقدر لها دية: الحكومة. كالنوم وحصول الخوف والرعشة والإغماء وحصول الأمراض بأصنافها.
المقصد الرابع: ديات الشجاج والجراح
اعلم أنهم قالوا في تفسير اصطلاحات الجراحات والشجاج ما يلي, مع العلم أن الظاهر أنها كانت مفردات مستعملة عند العرب, ثم ترك بعضها وبقي على شكل اصطلاح فقهي. ولا بد الآن من معرفتها تسهيلاً لفهم ما يأتي من الكلام ولا نكون مضطرين لتكرار التفسير كلما احتجناه.
وقد تكلم الفقهاء عنها بالترتيب, حيث قالوا: أولها: تسمى (الحارصة) وهي التي تخدش ولا تجري الدم. ثم (الدامية) وهي التي يسيل منها الدم. ثم (الباضعة) وهي التي تبضع اللحم وتقطعه. ثم (المتلاحمة) وهي التي تبلغ في اللحم. ثم (السمحاق) وهي التي تبلغ العظم, والسمحاق جلدة رقيقة على العظم. ثم (الموضحة) وهي التي توضح العظم وتظهره. ثم (الهاشمة) وهي التي تهشم العظم وتكسره. ثم (المنقلة) وهي التي تنقل العظام عن الموضع الذي خلقها الله تعالى فيه. ثم (المأمومة) وهي التي تبلغ أم الدماغ وهي القشرة الرقيقة التي على المخ. ثم (الجائفة) وهي التي تصير في جوف الدماغ.
والظاهر صدق هذه الاصطلاحات على الرأس وغيره. وهذا واضح في غير الأخيرتين, بل بعضها كالنص في غيره, كالمتلاحمة, إذ لا يوجد لحم معتد به عرفاً في جانب الرأس. أما الأخيرتين فيمكن أن تقاس بالنسبة إلى النخاع الذي في داخل كل عظم. فإن بلغت الضربة إلى قشرته ولم تدخل فيه فهي مأمومة وإن دخلت فيه فهي جائفة. وإن كسرت العظم ولم تبلغ النخاع أصلاً فهي هاشمة.
ــــــ[264]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وهكذا, ولكل من هذه الأصناف من الجنايات دية كما يلي:
أولاً: الحارصة بالمهملات, وفيها جزء من مائة جزء من الدية. والأَولى أن تكون بنحو الحكومة.
ثانياً: الدامية. وفيها بعيران. والأَولى أن تكون بنحو الحكومة.
ثالثاً: الباضعة. وفيها ثلاثة أباعر.
رابعاً: المتلاحمة, وفيها الحكومة. والأَولى أن تكون ثلاثة أباعر.
خامساً: السمحاق. فيها أربع من الإبل.
سادساً: الموضحة. وفيها خمس من الإبل.
سابعاً: الهاشمة. وفيها عشر من الإبل. ويتعلق الحكم بكسر العظم, وإن لم يكن جرح.
ثامناً: المنقلة. وفيها خمس عشرة من الإبل. ويتعلق الحكم بالنقل وإن لم يكن هناك جرح.
تاسعاً: المأمومة. وفيها ثلث الدية. ويكفي فيها ثلاث وثلاثون من الإبل.
عاشراً: الجائفة, وفيها ما في المأمومة. ويمكن أن تزيد عليها بالحكومة. أي بما يراه الحاكم مصلحة من الزيادة. وتسمى (الدامغة) إذا كانت على الدماغ خاصة, وهي التي تصل إلى جوف الدماغ وهي لا تكون إلا في الرأس. فالدامغة هي جائفة الرأس. والجائفة عامة للبدن كله.
(مسألة 1125) فيما ذكرناه من المراتب تدخل المرتبة الدانية في الأعلى منها إذا كانتا بجناية واحدة عرفاً. وأما إذا كانتا بجنايتين في زمانين فلكل منها ديته. من دون فرق بين أن تكونا من شخص واحد أو شخصين.
ــــــ[265]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1126) لو أوضح موضحتين, فلكل منهما ديته. ولو أوصل آخر إحدى الموضحتين بالأخرى بجناية ثالثة, فعليه ديتها. ولو كان ذلك بفعل المجني عليه فهو هدر. وإن كان بفعل الجاني أو بالسراية, فهل يوجب ذلك اتحاد الموضحتين, أو هو موضحة ثالثة. أو فيه تفصيل. وجوه بل أقوال, والأقرب أنه موضحة ثالثة إذا كان بفعل الجاني. وأما إذا كانت بالسراية ففيها الحكومة.
(مسألة 1127) إذا اختلفت مقادير الشجة في الجناية الواحدة, أخذت دية الأبلغ عمقاً. وتدخل فيها دية الأقل. ولا تجب المضاعفة. كما إذا كان مقدار منها حارصة ومقدار منها متلاحمة, والأبلغ عمقاً هي الموضحة. فالواجب هو دية الموضحة.
(مسألة 1128) إذا جرح عضوين مختلفين لشخص, كاليد والرأس, كان لكل عضو حكمه. فإن كان جرح الرأس موضحة وجرح الآخر حارصة, وجب دفع كلتا الديتين سواء كان الجرحان بضربة واحدة أو بضربتين. ولكن لو جرح بجناية واحدة من عضو واحد موضعين جرحاً متصلاً, كالجبهة والرأس أو الذراع والكف, ففيه دية واحدة. وإن كان الأحوط أكيداً خلافه.
(مسألة 1129) لو جنى شخص بموضحة, فجنى آخر بجعلها هاشمة, وجنى ثالث بجعلها منقلة ورابع بجعلها مأمومة. فعلى الأول خمس من الإبل. وعلى الثاني خمس من الإبل (وهو ما به التفاوت بين الموضحة والهاشمة) وعلى الثالث خمس من الإبل (وهو ما به التفاوت بين الهاشمة والمنقلة) وعلى الرابع ثمانية عشر من الإبل (وهو ما به التفاوت بين المنقلة والمأمومة). وقيل: على الثاني كل دية الهاشمة وعلى الثالث كل دية المنقلة وعلى الرابع كل دية المأمومة. والأول أقرب وأحوط.
ــــــ[266]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1130) من تطبيقات القاعدة التي عرفناها في المسألة السابقة ما لو كانت الضربة الأُولى هدراً, لكونها قصاصاً أو قدراً أو من قبل المجني عليه نفسه, فأكملها جانٍ إلى التي بعدها أو التي بعدها, وأكملها ثالث إلى غيرها. وهكذا. فإنه لا يجب على الجناة إلا مقدار الفرق بين الضربتين.
(مسألة 1131) لو جرح عضواً ثم أجافه. مثل أن يشق الكتف إلى أن يحاذي الجنب ثم يجيفه, أي يدخل السلاح إلى الجوف. فإن كان الفاعل اثنين, فقد عرفنا أنه يجب على الأول دية ضربته وعلى الثاني الفرق بين الضربتين. وإن كان الفاعل واحداً في زمانين وجب عليه دفع كلا الأمرين المذكورين. وبالنتيجة فهو يدفع دية الجائفة. وكذا إذا كان في زمان واحد.
(مسألة 1132) لو أجافه كان عليه دية الجائفة, ولو أدخل في جوفه المثقوب سكيناً ولم يزد, فعليه تعزير. وإن زاد ظاهراً فقط أو باطناً كذلك, ففيه الحكومة. وكذا لو زاد فيهما معاً. مع اختلاف مقدار الحكومة.
(مسألة 1133) لا فرق في هذه الجروح بين ما يكون بضغط كالسكين والخنجر أو برمي كالحجر والبندقية. كما لا فرق فيها بين الصغير والكبير والذكر والأنثى (إلا إذا بلغت الثلث فتعود إلى النصف). ولا بين المؤمن والمسلم بمختلف مذاهبهم ما لم يحكم بكفرهم. وتشمل الذمي أيضاً, ما لم تزد على أصل ديته وهي ثماني مائة درهم بحسب القيمة السوقية, فلا يجب الزائد. وأما العبد فديته فرق القيمة, وتدفع إلى مولاه. ما لم تبلغ دية الحر, فلا تزيد عليها.
(مسألة 1134) لو كانت الجائفة مخيطة, ففتقها شخص. فإن كانت باقية بحالها غير ملتئمة, ففيها الحكومة. وإن كانت ملتئمة فهي جائفة جديدة. وعليه ديتها. وكذا كل ضربة إذا فتقها من جديد.
(مسألة 1135) لو طعنه في صدره فخرج السلاح من ظهره كرمح أو طلقة
ــــــ[267]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
بندقية أو غيرها. فهل عليه دية واحدة لوحدة الطعنة؟ أو متعددة لكونها في جانبي الجسد. والثاني: أقرب. فتكون جائفتان. والأحوط استحباباً جعل الثانية بنحو الحكومة.
(مسألة 1136) في دية خرم الأذن خلاف. قيل: إنها ثلث ديتها وفيه إشكال, والأظهر الرجوع إلى الحكومة, ولتكن الحكومة بالمقدار المشار إليه.
(مسألة 1137) لو كسر الأنف ففسد, فالمشهور بين الأصحاب أن فيه دية كاملة. وهو الظاهر إذا كان الفساد مساوقاً للإزالة عرفاً. بخلاف ما لو لم يكن كذلك, فإن الأقرب فيه الرجوع إلى الحكومة.
(مسألة 1138) إذا كسر الأنف فجبر على غير عيب ولا عثم, فالمشهور أن ديته مائة دينار. وهو لا يخلو من إشكال, بل لا يبعد الرجوع فيه إلى الحكومة. وكذا الحال فيما إذا جبر على عيب وعثم. مع اختلاف في مقدار الحكومة عن المورد السابق.
(مسألة 1139) إذا نفذت في الأنف نافذة, فإن انسدت وبرأت قيل إن فيها خمس دية روثة الأنف. وما أصيب منه فبحساب ذلك. والظاهر أن فيه الحكومة على كل حال. وإن لم تنسد فديته ثلث ديته. وإن كانت النافذة في إحدى المنخرين إلى الخيشوم فديتها عشر دية روثة الأنف. وإن كانت في إحدى المنخرين إلى المنخر الآخر, أو في الخيشوم إلى المنخر الآخر, فديتها ستة وستون ديناراً وثلثا دينار. والأحوط جعل كل ذلك بنحو الحكومة.
(مسألة 1140) إذا انشقت الشفة العليا أو السفلى حتى بدت منها الأسنان. ثم برأت والتأمت, ففيه خمس ديتها. وإن أصيبت الشفة العليا فشينت شيناً قبيحاً, فديتها: مائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار. وإن أصيبت الشفة السفلى وشينت شيناً قبيحاً فديتها ثلاث مائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلثاً. والأحوط في كل
ــــــ[268]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ذلك جعله بنحو الحكومة.
(مسألة 1141) في احمرار الوجه باللطمة دينار ونصف, وفي اخضراره ثلاثة دنانير وفي اسوداده ستة دنانير. وإن كانت هذه الأمور من البدن, فديتها نصف ما كان في الوجه. والأحوط فيها جميعاً جعلها بنحو الحكومة.
(مسألة 1142) إذا نفذت في الخد نافذة يرى منها جوف الفم, فديتها مائتا دينار. فإن دووي وبرئ ولكن بقي فيه أثر بّين وشتر فاحش, فديته خمسون ديناراً زائدة على المائتين المذكورة. وإن لم يبق به أثر بّين وشتر لم يجب الزائد. فإن كانت النافذة في الخدين كليهما, من دون أن يرى منها جوف الفم, فديتها مئة دينار. والأحوط أن تكون كل هذه الديات بنحو الحكومة.
(مسألة 1143) إذا حصلت ضربة موضحة لشيء من الوجه, فديتها خمسون ديناراً فإن كان لها شين فدية شينه ربع دية موضحته. فإن كانت رمية بنصل نشبت في العظم حتى نفذت إلى الحنك ففيها ديتان: دية النافذة وهي مائة دينار ودية الموضحة وهي خمسون ديناراً. فإن كان جرحاً ولم يوضح ثم برئ, وكان في أحد الخدين فديته عشرة دنانير, فإن حصل في الوجه صدع فديته ثمانون ديناراً, فإن سقطت منه جذمة لحم ولم توضح, وكانت قدر الدرهم فما زاد على ذلك فديته ثلاثون ديناراً. والأحوط في كل ذلك جعله بنحو الحكومة. والأحوط منه جعل الديات منطبقة على عناوين الجراح السابقة من الحارصة والدامية والموضحة وغيرها. بل هو المتعين.
ــــــ[269]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الرابع: دية الجنين
إذا كان الحمل نطفة, فديته عشرون ديناراً, وإن كان علقة فأربعون ديناراً, وإن كان مضغة فستون ديناراً, وإن نشأ عظم أو كسي لحماً فالدية كاملة, فضلاً عن ولوج الروح. فإن عرف نوعه من ذكر أو أنثى وجبت الدية الخاصة به, وإلا لم يجب الزائد عن دية الأنثى. وفي تحديد المراتب المذكورة خلاف, ويمكن اتخاذ ثلاثة أساليب في معرفتها:
الأسلوب الأول: الرجوع إلى الأدلة التعبدية الفقهية, وهي تدل على أن الجنين يكون في أربعين يوماً نطفة وفي أربعين يوماً علقة وفي أربعين يوماً مضغة ولا تشير إلى أزمان المراحل الأخرى.
الأسلوب الثاني: الرجوع إلى الطب والخبراء الموثوقين في هذا المجال والأحوط فيهم العدالة أو حصول الاطمئنان.
الأسلوب الثالث: الرجوع إلى التعرف الشخصي على الجزء الساقط نفسه, فهو يتميز غالباً فيما إذا كان نطفة أو علقة أو غيرها. والنصوص تصف النطفة بأنها: بيضاء مثل النخامة الغليظة. وتصف العلقة: بأنها كعلقة الدم المحجمة الجامدة. وتصف المضغة بأنها: مضغة لحم حمراء فيها عروق مشبكة خضر. ثم تقول: إذا كان (الجنين) عظماً شق له السمع والبصر ورتبت جوارحه. فإذا كان كذلك, فإن فيه الدية كاملة. ومن الواضح أنه إنما يتميز الذكر عن الأنثى في هذه المرحلة الأخيرة خاصة وعندئذ تختلف الدية.
ــــــ[270]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1144) المشهور أن دية الجنين الذمي عشر دية أبيه ثمانون درهماً. وفيه إشكال. والأظهر: أن ديته عشر دية أمه أربعون درهماً. فيما إذا وجبت ديته الكاملة. أما ديته في المراتب السابقة فبحساب ذلك فالعشرون ديناراً جزء من خمسين جزءاً من الدية الكاملة, والأربعون جزءان, والستون ثلاثة أجزاء منها. فيؤخذ من دية جنين الذمي بهذا الحساب.
(مسألة 1145) المشهور أن دية الجنين المملوك عشر قيمة أمه المملوكة وفيه إشكال. والأقرب أن فيه الحكومة, والأحوط أن تكون بمقدار قيمته السوقية في عمره المعين بصفته جنيناً حياً قابلاً للتكامل.
(مسألة 1146) لو كان الحمل أكثر من واحد, فلكل ديته.
(مسألة 1147) لا كفارة على إسقاط الجنين سواء ولجته الروح أم لا.
(مسألة 1148) لو قتل امرأة وهي حبلى, فمات ولدها أيضاً, فعليه دية المرأة كاملة. ودية الحمل الذكر كذلك إن كان ذكراً وديتها إن كانت أنثى. هذا إذا علم بالحال. وأما إذا جهل بها, فقيل يقرع بين كونه ذكراً أو كونه أنثى. والأقرب أنه لا يجب على الجاني أكثر من دية الأنثى. وإن كان الأحوط: أن عليه نصف دية الذكر ونصف دية الأنثى. هذا كله فيما إذا وجبت الدية الكاملة للجنين. وأما قبل ذلك, فيدفع الجاني ديته كما هي. فإن دار الأمر بين الأقل والأكثر فيها, لا يجب إلا الأقل. ويبقى دفع الزائد مبنياً على الاحتياط الاستحبابي.
(مسألة 1149) لو تصدت المرأة لإسقاط حملها, فإن كان بعد ولوج الروح وكان ذكراً فعليها دية الذكر, وإن كان أنثى فعليها دية الأنثى. وإن كان قبل وجوب الدية الكاملة, دفعت المقدار الواجب من الدية. واللازم أن تدفع الدية إلى أبيه ولا ترث منها شيئاً لأنها قاتلة له.
(مسألة 1150) إنما تجب الدية على المباشر للإسقاط, فلو أسقطه ثالث غير
ــــــ[271]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الأبوين وجبت الدية في ذمته. ويرثها الأبوان ولو كان الإسقاط بأمر منهما أو من أحدهما.
(مسألة 1151) لو أسقط الأب جنينه أو أكره المرأة على إسقاطه إكراهاً كاملاً. دفع ديته إليها. فقد اتضح أن أي من الأبوين أسقطه دفع ديته إلى الآخر, وإن أسقطه ثالث دفع ديته إليهما.
(مسألة 1152) إذا كانت المرأة في خطر من جنينها جاز الإسقاط ولم تجب الدية. كما لو ثبت طبياً أنها إذا لم تسقط جنينها فإنها تموت, أو يحدث فيها مضاعفات شديدة. وكما لو كانت الحامل تتعرض للقتل بدون الإسقاط.
(مسألة 1153) إذا ثبت بالأجهزة الحديثة أن الجنين مشوه تشويهاً لا يمكن معه أن يعيش أو أن يتعامل مع الناس ولا يمكن شفاؤه. جاز إسقاطه ولا دية عليه.
(مسألة 1154) في قطع أعضاء الجنين قبل وجوب الدية الكاملة: الدية على نسبة ديته, ففي قطع إحدى يديه نصف الدية وفي قطعهما معاً الدية وهكذا. وإذا وجبت له الدية الكاملة, كان كالإنسان الحر المسلم في كل الجراحات.
(مسألة 1155) لو أفزع شخصاً حال الجماع فعزل منه المني إلى الخارج, فالأحوط أن عليه الحكومة, والأحوط أن يكون مقدارها عشرة دنانير غير أن الظاهر أن كلا الاحتياطين استحبابي.
(مسألة 1156) لو عزل الرجل عن امرأته الحرة بدون إذنها, قيل: لزمه عشرة دنانير. والأظهر أنه يأثم ولا شيء عليه. وأما لو عزل عن الأمة, فلا إشكال في جوازه ولا دية عليه. سواء كانت هذه الأمة مملوكة أو محللة أو معقوداً عليها.
(مسألة 1157) في إسقاط الجنين المتكون من الزنا (إذا كان إسقاطه بدون
ــــــ[272]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ضرورة) قبل وجوب ديته الكاملة: الحكومة في أي مرتبة من مراتبه. وأما مع وجوبها, فديته الكاملة ثمان مائة درهم إن كان ذكراً وأربع مائة درهم لو كان أنثى. والأَولى في مقدار الحكومة السابقة على الدية الكاملة أخذ مقدارها بالنسبة إلى هذه الدية, كما أشرنا في دية جنين الذمي في المسألة (1144).
(مسألة 1158) لو ضرب المرأة الذمية وهي حبلى, فأسلمت بسبب آخر غير الضرب, ثم أسقطت حملها بسبب الضرب. فعلى الجاني دية جنين مسلم. ولو كانت حربية كذلك.
(مسألة 1159) لو ضرب الأمة وهي حبلى من عبد (فيكون الجنين مملوكاً) فأعتقت (فيكون الجنين حراً تبعاً لأمه). فأسقطت. فالأحوط أن للمولى عشر قيمة أمه يوم الجناية. فإن كانت دية الجنين زائدة على عشر القيمة, كانت الزيادة لورثة الجنين.
(مسألة 1160) لو ضرب حاملاً خطأ فأسقطت جنينها. وادعى ولي الدم أنه كان بعد ولوج الروح أو بعد وجوب الدية الكاملة, كما سبق تفصيله. فإن اعترف الجاني بذلك ضمن المقدار الزائد من الدية الكاملة. وبقى مقدار دية الجنين الآخر كالستين ديناراً وغيرها, فيحمل على العاقلة لو كان خطأً محضاً, وعليه لو كان عمداً أو شبه العمد.
(مسألة 1161) لا فرق في موت الجنين بين الإسقاط وعدمه. فلو علمنا بموته في داخل الرحم بدون إسقاط, فعلى الجاني الدية.
(مسألة 1162) لو ضرب حاملاً فأسقطت حملها, فمات حين سقوطه. فالضارب قاتل. والمشهور أن عليه القود إن كان متعمداً لقتله. وهو المعتمد. وعليه الدية في شبه العمد. وعلى عاقلته في الخطأ المحض. وكذلك الحال إذا بقي الولد بعد سقوطه حياً ومات, وعلمنا استناد موته إلى سقوطه. وكذا لو سقط سليماً, ولكنه كان ممن لا يعيش مثله, فمات, كما إذا كان دون الستة أشهر.
ــــــ[273]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1163) لو أسقط شخص حملها حياً, فقطع آخر رأسه. فإن كانت له حياة مستقرة عادة بحيث كان قابلاً للبقاء. فالقاتل هو الثاني دون الأول. ويعزر الأول. وإن كانت حياته غير مستقرة فالقاتل هو الأول لا الثاني. وإن جهل حاله ولم يعلم أن له حياة مستقرة أم لا, سقط القود عن كليهما, ما لم يصدق عرفاً اشتراكهما في القتل. فيشمله ما سبق في كتاب القصاص من حكمه. وأما الدية (فيما إذا كانت الجناية منهما خطأ أو تراضياً مع ولي الدم بالدية) فإن تعين القاتل -كما قلنا- وجبت عليه, وإن تشاركا وجبت عليهما مناصفة. ومعلوم أنها لا تكون إلا بالدية الكاملة. لأن الجنين قبل ذلك لا يناسب أن يكون له رأس حال كونه نطفة أو علقة ليمكن قطعه.
(مسألة 1164) لو وطأ مسلم وذمي امرأة شبهة في طهر واحد, ثم أسقطت حملها بالجناية, أُقرع بين الواطيين, وألزم الجاني الدية بنسبة من أُلحق به الولد من المسلم أو الذمي.
(مسألة 1165) إذا كانت الجناية على الجنين عمداً أو شبه العمد. فديته في مال الجاني. وإن كانت خطأ والدية كاملة فعلى العاقلة. وإن لم تكن الدية كاملة, ففي ثبوتها على العاقلة إشكال والأظهر عدمه.
(مسألة 1166) لو تعدد الولد تعددت الدية. فلو كان ذكراً وأنثى, فدية ذكر وأنثى وهكذا. ولو ثبت اختلاف عمر الاثنين, تعددت مراتب الدية.
(مسألة 1167) الميت كالجنين, ففي قطع رأسه أو ما فيه اجتياح نفسه لو كان حياً, عشر الدية ولو كان خطأ. وفي قطع جوارحه بحسابه من ديته. وهي لا تورث, وإنما تصرف في وجوه القربات والعبادات له.
ــــــ[274]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الخامس: العاقلة
عاقلة الجاني عصبته, والعصبة هم: المتقربون بالأب, كالإخوة والأعمام وأولادهم وإن نزلوا. وهل يدخل في العاقلة الآباء وإن علوا والأبناء وإن نزلوا, الأقرب الدخول. وهي تعقل الجاني أي تضمن جريرته يعني تدفع عنه الدية في الخطأ المحض, سواء في القتل أو غيره. ولا يشترك الجاني مع العاقلة في الدية, ولا يشترك معهم الصبي ولا المجنون ولا النساء وإن ورثوا منها.
(مسألة 1168) ضامن الجريرة (وهو الطبقة الخامسة في الميراث), يقوم مقام العاقلة في ذلك. ولا يمكن اجتماعهما شرعاً, لأن ضمانه لا يكون نافذاً إلا مع عدم العصبة.
(مسألة 1169) المشهور اعتبار الغنى فيمن يطلب منه دفع الدية من العاقلة, ولا يطلب من الفقير الشرعي. غير أن الأقرب عدم اعتباره.
(مسألة 1170) لا يدخل أهل البلد في العاقلة إذا لم يكونوا عصبة.
(مسألة 1171) لا يدخل ابن الزنا في العاقلة. ويدخل غيره وإن كان عن شبهة أو حيض أو إحرام. وأما إن كان عن عدة بائنة فهو ابن زنا, فضلاً عمن انتهت عدتها.
(مسألة 1172) المشهور أن المتقرب بالأبوين يتقدم على المتقرب بالأب خاصة, وفيه إشكال, والأظهر عدم الفرق بينهما.
ــــــ[275]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1173) يعقل المولى جناية العبد المعتق على إشكال أكيد ويرثه المولى, إذا لم تكن له قرابة. وإذا مات مولاه قبله, فجنايته على من يرث الولاء. وإذا لم يكن له مولى معتق, كما لو كان حراً بالأصل أو كان عتقه سائبة, عقله ورثة ضامن الجريرة, كما أشرنا في المسألة (1168) وإن لم يكن له ذلك عقله وورثه الإمام . أو من يقوم مقامه بالوكالة الخاصة أو العامة.
(مسألة 1174) تحمل العاقلة في الخطأ كل جناية, عدا ما يخرج بالدليل, سواء كانت في النفس أو الأعضاء أو منافع الأعضاء أو الجراح, وسواء كان بالمباشرة أو بالسراية. على التفاصيل السالفة.
(مسألة 1175) عمد الأعمى خطأ, فلا قود عليه. وأما الدية فهي على عاقلته, فإن لم تكن له عاقلة ففي ماله, فإن لم يكن له مال فعلى الإمام.
(مسألة 1176) تؤدي العاقلة دية الخطأ في ثلاث سنين, بمعنى أنه ليس من حق المجني عليه مطالبتهم بأزيد من ذلك, يعني ثلث الدية في كل سنة. نعم, لهم دفعها دفعة واحدة أو دفعتين إن رضوا واستطاعوا. ولا فرق في هذا الحكم بين الدية التامة والناقصة، ولا بين دية النفس ودية الجروح.
(مسألة 1177) الأظهر عدم اختصاص التأجيل بموارد ثبوت الدية المقدرة، على إشكال.
(مسألة 1178) لا معاقلة بين أهل الذمة بل الكفار مطلقاً. وكل دية تثبت عليه ففي ماله. وإن عجز عنها عقلها الإمام .
(مسألة 1179) لا تعقل العاقلة إقراراً ولا صلحاً. فلو أقر القاتل بالقتل خطأ أو بجناية أخرى كذلك، ثبتت الدية في ماله لا من عاقلته. ولو صالح على قتل خطأي بمال آخر غير الدية، فإن ذلك لا يحمل على العاقلة إلا برضاها. كما لو
ــــــ[276]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
صالح الجاني المجني عليه على الدفع من غير الأنواع الستة من الأعيان. أما الأثمان فتعتبر منها عرفاً.
(مسألة 1180) تتحمل العاقلة الخطأ المحض فقط، دون العمد وشبه العمد من الجنايات. إلا في صورة واحدة سبقت في المسألة (861) وهو ما إذا مات القاتل شبيه العمد، فإن كان له مال أخذت من ماله، وإلا فمن الأقرب فالأقرب. وإن لم تكن له قرابة أداه الإمام . غير أن قولنا: الأقرب فالأقرب، لا يعني العاقلة كلها أحياناً.
(مسألة 1181) لو جرح أو قتل نفسه خطأ، لم تضمنه العاقلة ولا دية له.
(مسألة 1182) جناية المملوك على رقبته، لا يعقلها المولى.
(مسألة 1183) تجب الدية على العاقلة في القتل الخطأ كما مر، فإن لم تكن له عاقلة أو عجزت عن الدية أو عن بعضها أخذت من مال الجاني. وإن لم يكن له مال فهي على الإمام . على إشكال في إطلاقها لبعض الصور.
(مسألة 1184) المشهور أنه إذا مات بعض العاقلة، فإن كان قبل الحول سقط عنه، وإن كان بعده انتقل إلى تركته. وفيه إشكال أظهره السقوط مطلقاً. ولكن يدفع الورثة عن أنفسهم.
(مسألة 1185) في كيفية تقسيم الدية على العاقلة خلاف. فقيل: إنها على الغني نصف دينار، وعلى الفقير ربع دينار. وقيل: يقسطها الإمام أو نائبه عليهم على الشكل الذي يراه مصلحة. وقيل: تسقط عليهم بالسوية. وهذا القول هو الأظهر، ما لم يكن هناك مصلحة يلحظها الإمام في الاختلاف، ككون بعضهم فقيراً عاجزاً عن الدفع دائماً أو خلال بعض السنين الثلاث.
(مسألة 1186) هل يجمع في العاقلة بين القريب والبعيد أو يعتبر الترتيب
ــــــ[274]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
بينهم. المشهور الثاني. والأقرب أننا إن قصدنا الترتيب بطبقات الإرث، فهو غير موجود هنا حتماً، كاجتماع الأخ والعم في المسؤولية هنا. وإن قصدنا الترتيب بالبطون فهو موجود هنا على الأظهر، فيقدم الأخ على ابن الأخ والعم على ابن العم.
(مسألة 1187) إذا كان بعض أفراد العاقلة عاجزاً عن دفع الدية خلال السنة، فهي على المتمكن منهم. وقد سبق جانب من ذلك في المسألة (1124) فراجع.
(مسألة 1188) لو كان بعض أفراد العاقلة غائباً، لم يختص الحاضر بالدية. بل هي عليهما معاً. إلا المنقطع خبره أو المفقود. فينتظر به إلى نهاية العام. فإن وجد هو أو وكيله أو وليه دفع قسطه، وإلا سقط عنه.
(مسألة 1189) ابتداء زمان التأجيل في دية الخطأ من حين استقرارها، وهو في القتل من حين الموت. وفي جناية الطرف من حين الجناية إذا لم تسر، وأما إذا سرت فمن حين أقصى السراية. وقيل: من حين الشروع في الاندمال. ولا بأس بجعله علامة على انقطاع تزايد السراية.
(مسألة 1190) لا يعقل الدية إلا من علم أنه من عصبة القاتل، ومع الشك لا تجب. ويراد به الشك غير القابل للنفي بحجة شرعية كالبينة والشياع.
(مسألة 1191) القاتل لا يرث من الدية مطلقاً، سواء كان عن عمد أو شبه العمد أو خطأ. نعم، يختص بصدق عنوان الظلم أو الجناية، فلو قتله عن حق ورثه، كقتل القاتل أو القائل كفراً أو الباغي.
(مسألة 1192) لا تضمن العاقلة عبداً ولا بهيمة.
(مسألة 1193) لو جرح ذمي مسلماً خطأ ثم أسلم، ثم سرت الجناية،
ــــــ[278]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
فمات المجروح. لم تعقل عنه عصبته من الكفار ولا من المسلمين، وتكون ديته في ماله. وكذا لو جرح مسلماً ثم ارتد الجاني، وبقي على كفره إلى أن سرت الجناية فمات المجني عليه. لم يعقل عنه عصبته المسلمون ولا الكفار. وكلا الفرعين مبني على أصالة البراءة. وإن كان لتحمل المسلمين لعقله وجه وجيه في كلا الفرعين أيضاً.
(مسألة 1194) لو رمى صبي شخصاً، ثم بلغ فقتل ذلك الشخص أما بالفور أو بالسراية، فديته على عاقلته.
(فروع أخرى عن العاقلة)
(مسألة 1195) لا فرق في أفراد العاقلة بين الشباب والشيوخ والأصحاء والمرضى، والعالمين والجهال. نعم، لا يعقل منهم ثلاثة: المرأة والصبي والمجنون، وإن ورثوا الدية.
(مسألة 1196) لا رجوع للعاقلة بما تؤديه عن الجاني. والقول بالرجوع ضعيف.
(مسألة 1197) لا تعقل العاقلة العمد وشبه العمد من القتل وسائر الجنايات، كالهاشمة والمأمومة وغيرهما.
(مسألة 1198) لو قتل الأب ولده عمداً أو شبه العمد، فالدية عليه. ولا نصيب له منها. ولو لم يكن له وارث غيره، فالدية للإمام. ولو قتله خطأ، فالدية على العاقلة، ولا يرثها الأب فإن لم يكن سواه فالوارث الإمام. إلا أن في هذا الفرض بُعداً كما هو معلوم للمتأمل.
ــــــ[279]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل السادس: كفارة القتل
تقدم في أوائل كتاب الديات (انظر المسألة 866 وما بعدها) ثبوت الكفارة في قتل المؤمن زائداً على الدية. لكنها تختص بموارد صدق عنوان القاتل، كما في فرض المباشرة وبعض موارد التسبيب. ولا تثبت فيما لا يصدق عليه ذلك. وإن ثبتت الدية فيه، كما لو وضع حجراً أو حفر بئراً أو نصب سكيناً في غير ملكه، فعثر به عاثر اتفاقاً فهلك. فلا كفارة عليه في هذه الموارد. والدية في القتل العمد كفارة جمع، يعني يجب الجمع بين الخصال الثلاث للكفارة، وهي عتق رقبة وصوم شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً، فإن تعذر بعضها أتى بالممكن منها. ولا فرق في وجوبها في قتل المسلم بين أن يكون المقتول بالغاً أو غير بالغ، عاقلاً أو مجنوناً، ذكراً أو أنثى، حراً أم عبداً. وإن كان عبد القاتل. إلا أن المولى في هذه الصورة له أن يقتصر على الصيام والإطعام، ولا قود عليه. والكفارة في غير القتل العمد كفارة مرتبة، يعني يجب عتق رقبة، فإن لم يستطع فيجب صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيجب إطعام ستين مسكيناً.
(مسألة 1199) المشهور وجوب الكفارة في قتل الجنين بعد ولوج الروح فيه. وفيه إشكال، والأقرب العدم.
(مسألة 1200) لا كفارة في قتل الكافر، من دون فرق بين الذمي وغيره.
(مسألة 1201) لو قتل صبي أو مجنون مسلماً، فهل عليهما كفارة،
ــــــ[280]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وجهان. أظهرهما العدم.
(مسألة 1202) لو اشترك جماعة في قتل واحد، فعلى كل واحد منهم كفارة.
(مسألة 1203) لا إشكال في ثبوت الكفارة على القاتل العمدي، إذا رضي ولي الدم بالدية أو عفا عنه تماماً. وأما لو قتله قصاصاً، فالأظهر عدم وجوبها.
(مسألة 1204) ليس لولي الدم إسقاط الكفارة عن ذمة الجاني. وإن كان له إسقاط الدية.
(مسألة 1205) إذا مات القاتل العمدي بسبب آخر غير القصاص، فالأحوط ثبوت الكفارة في ماله، وخاصة مع عدم عفو ولي الدم عن القصاص أو الدية. ونحوه القاتل غير العمدي. وخاصة إذا كان قد أخرها تسامحاً أو إهمالاً.
(مسألة 1206) لا يختلف وجوب الكفارة في قتل المسلم بين المذاهب المختلفة، ما لم يكن محكوماً بكفره أو بحكم المرتد.
(مسألة 1207) تثبت الكفارة في القتل إذا صدقت الجناية والظلم. وأما القتل بحق فلا كفارة عليه.
ــــــ[281]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل السابع: ضمان الإتلاف لغير الإنسان
وهو إما حيوان أو غيره، فالكلام في جهتين:
الجهة الأُولى: في الجناية على الحيوان. وقد قسمه الفقهاء في هذا المورد إلى ثلاثة أقسام:
أولاً: ما يؤكل لحمه. وهو دائماً يكون قابلاً للتذكية شرعاً.
ثانياً: ما لا يؤكل لحمه، مما يكون قابلاً للتذكية شرعاً كالسباع.
ثالثاً: ما لا يكون قابلاً للتذكية. والمنظور منها اثنان: الكلب والخنزير. ولا يوجد عملياً غيرها بهذه الصفة إلا الحشرات.
(مسألة 1208) ما يؤكل لحمه من الحيوان كالأنعام الثلاثة. سواء كان ذلك معتاد أم غير معتاد كالحمير والأفراس. وكان مملوكاً، فمن أتلف منها شيئاً بالذكاة بغير إذن مالكه. لزمه الأرش، وهو الفرق بين كون الحيوان حياً وكونه مذكى. ولو لم يكن بينهما تفاوت فلا أرش وإن كان آثماً. ولو ازدادت قيمته فليس له الزائد، لا عيناً ولا قيمة.
(مسألة 1209) من أتلف شيئاً من ذلك بغير الذكاة، بحيث أصبح غير قابل للأكل والاستعمال المتعارف لجلده ونحوه، لزمه قيمة يوم الإتلاف، وإن بقي قابلاً لبعض الاستعمالات، ضمن الأرش بقيمة يوم الإتلاف.
ــــــ[282]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1210) قال البعض في موضوع المسألتين السابقتين: إن المالك يكون مخيراً بين أخذ الأرش والحيوان، وبين دفع الحيوان إلى الجاني وأخذ قيمته الكاملة يوم حياته. غير أن الشق الثاني من التخيير مشكل بغير رضاء الجاني. نعم، إذا تراضيا بذلك فلا إشكال.
(مسألة 1211) لو قطع بعض أعضاء الحيوان أو كسر شيئاً من عظامه، فعليه الأرش، وهو التفاوت بين قيمتي الصحيح والمعيب. سواء كانت حياته مستقرة أم لا. ولو سرت الجناية إلى الموت، ضمن أرش المجموع.
(مسألة 1212) إذا فقأ عين ذات القوائم الأربع، فعلى الجاني ربع قيمتها. وإذا جنى عليها فألقت جنينها فعليه عشر قيمتها، والأحوط دفع العشر، سواء كان الجنين قابلاً للتذكية أم لا. كما أن الأحوط استحباباً ضمان أكثر الأمرين من هذه الدية في الموردين، ومن الأرش بما فيه ثمن الجنين التالف.
(مسألة 1213) ما لا يكون مملوكاً من الحيوان، كالمباحات العامة، لا يكون مضموناً. بل يكون مملوكاً للصائد والحائز. وما كان من الحيوان وقفاً فإن كان الموقوف عليه خاصاً، فكالمالك، بمعنى ضمانه له. وإن كان عاماً ضمن للجهة الموقوف عليها، ويدفعه للمتولي إن وجد وإلا فللحاكم الشرعي.
(مسألة 1214) فيما لا يؤكل عادة لو أتلفه بالتذكية، فإن عد لحمه عرفاً مما لا ينتفع به، ضمن قيمته أجمع. وإلا ضمن الأرش كما سبق.
(مسألة 1215) لا ضمان في الجناية على الخنزير بالإتلاف أو غيره، إلا إذا كان لكافر ذمي، فيضمنه بقيمته السوقية يوم إتلافه في نظر أمثال مالكه في المكان والزمان والدين. ولكن يشترط في ضمانه له قيامه بشرائط الذمة. وإلا فلا يضمن.
ــــــ[283]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1216) نفس ما قلناه في الخنزير يثبت للكلب غير الكلاب الأربعة.
(مسألة 1217) أما الكلاب الأربعة وهي: كلب الغنم وكلب الحائط وكلب الزرع وكلب الصيد (بدون فرق بين أصنافها مع صدق العنوان) ففي إتلاف الثلاثة الأُولى ضمان قيمة يوم التلف. وأما الرابع. فالمشهور أن فيه أربعين درهماً. والأحوط دفع أكثر الأمرين منه ومن قيمة يوم التلف.
(مسألة 1218) الكلب والخنزير في مورد ضمانه إن نقص بإتلاف بعض أعضائه أو جرحه أو بمرض أو هزال ونحو ذلك، ضمن الأرش.
الجهة الثانية: في إتلاف غير الحيوان
(مسألة 1219) كل تالف كلياً أو جزئياً مضمون للمسلم والذمي ما دام محفوظ المالية قبل الإتلاف عقلائياً وشرعاً.
(مسألة 1220) لا تضمن الخمر وآلات اللهو المحرم للمسلم لأنها ساقطة عن المالية شرعاً، عدا ما سنشير إليه.
(مسألة 1221) الخمر التي تتخذ للتخليل محترمة لا يجوز إهراقها، ويضمن لو أتلفها. وكذا مواد آلات اللهو والقمار محترمة مضمونه لدى التلف. ولكن هيأتها المحرمة غير محترمة ولا مضمونه. فإن كان إتلاف الهيأة ملازماً لإتلاف المادة، ضمن.
(مسألة 1222) لو كان في إتلاف هذه المواد، نحواً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ضمن ولم يأثم.
(مسألة 1223) قارورة الخمر ونحوها، مضمونة. وكذا محال آلات اللهو ومحفظتها.
(مسألة 1224) لو كان المالك ذمياً لخمر أو لآلات اللهو ونحوها مما سبق.
ــــــ[284]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ضمنها المتلف له بقيمة يوم التلف في سوقه، سواء كان المتلف مسلماً أم غيره. ولا ضمان لغير الذمي في غير تقية. وكذا الذمي مع الإخلال بشرائط الذمة.
(مسألة 1225) ضمان آلات اللهو ونحوها للذمي بمادتها وهيأتها. وليس بالمادة فقط، كما سبق في المسلم. وعلى أي حال، يجب على المتلف أرش المجموع. وإذا كان التلف نهائياً، بحيث سقط التالف عن القيمة تماماً، وجب دفع القيمة كلها.
(مسألة 1226) لا يفرق في ذلك بين القول: بأن الكفار مكلفون بالفروع أم لا.
هذا وقد سبق ما يفيد في المقام في كتاب الضمان وكتاب اللقطة وغيرهما. والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
ــــــ[285]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ــــــ[286]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ملحق
الجزء الخامس من منهج الصالحين
في الموضوعات الحديثة التي تناسبه
نعقد لكل كتاب من الكتب الفقهية هنا فصلاً:
ــــــ[287]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ــــــ[288]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الأول: القضاء
(مسألة 1227) للحاكم الشرعي المخوّل شرعاً بالقضاء، البت في كل أنواع المرافعات والمخاصمات. ومن هنا فتقسيم المحاكم إلى الاختصاصات المتعددة، لا يكون في القاعدة الأولية في الشريعة. وإنما يكون بأحد أساليب:
الأسلوب الأول: الاختيار، حيث يأخذ القاضي على نفسه أن ينظر في نوع معين من المرافعات دون الأخرى. وخاصة مع كونها أسهل عليه نظرياً أو عملياً.
الأسلوب الثاني: إذا اشترطنا في جواز القضاء صفة الأعلم. ولم يكن للآخرين القضاء بدون إذنه. أو كان مبسوط اليد فيتعين فيه ذلك على القاعدة. وعندئذ له تعيين القضاة من المجتهدين الآخرين مع اشتراط اختصاص معين ليس له أن يتجاوزه.
الأسلوب الثالث: إذا جوزنا لغير المجتهد القضاء بإذن المجتهد، فللمجتهد أن يشترط عليه النظر في نوع معين من الاختصاص دون غيره.
(مسألة 1228) هل يتعين في نتيجة المرافعة القضائية إصدار الحكم ليكون هو الحجة التعبدية لتنفيذه، فيقول مثلاً لدى ثبوت القتل العمد: حكمت بقتل فلان قصاصاً. أو يقول لدى ثبوت الدين: حكمت بوجوب دفع فلان إلى فلان هذا المقدار من المال وفاءً لما في ذمته. ونحو ذلك. أو لا يتعين الحكم، بل يكفي للتنفيذ قيام الدليل القضائي عليه خلال المرافعة، (كقيام البينة ونحوها).
ــــــ[289]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وجهان. المشهور والأحوط الأول. والأقرب الثاني. وهو ما تدل عليه الروايات التفصيلية لقضاء أمير المؤمنين وغيرها. فإنها جميعاً خالية عن النطق بالحكم.
(مسألة 1229) لا يجوز استعمال الإكراه والإحراج في أي مرحلة من مراحل المرافعة. لا لشهادة البينة ولا ليمين المنكر ولا لرد اليمين ولا لليمين المردودة ولا لطلب تنفيذ الحكم. نعم، يمكن بل يجب استعمال الإكراه في التنفيذ إذا ثبت الحكم ضد المدعى عليه وطلب المدعي أخذ حقه منه، سواء كان حقاً مالياً أم عائلياً أم قصاصاً أم دية أم غيرها.
(مسألة 1230) يجوز استعمال بعض القرائن الخارجية لدعم دعوى أي من الطرفين المترافعين، ولكن لا يجوز العمل عليها إلا إذا أوجبت اليقين للحاكم نفسه، فيحكم بعلمه، كما سبق جوازه. وهي على أقسام وكلها سواء في هذا الحكم. كالكلاب البوليسية والأجهزة الحديثة والصور الفوتوغرافية الثابتة والمتحركة، والتسجيلات الصوتية والوثائق الأخرى كرسالة أو وقفية أو وصية وغيرها. وكذلك الاستدلال من أشخاص خارجيين عن المرافعة حول ما يخصها من أمور، وأوضح ذلك: إقامة القرائن على عدالة الشهود أو خصائص وأسلوب وقوع الجناية وغيرها كثير.
(مسألة 1231) ثبت في عدد من المسائل السابقة وجود السجن بحكم الشريعة الإسلامية المقدسة، سواء قصدنا توقيف الفرد حتى يبت بأمره، أو الحكم عليه بالسجن مدى الحياة. فما قد يقال: بأن الدين الإسلامي خال من استعمال السجون أمر ليس بصحيح. فراجع.
(مسألة 1232) لا يجوز الكذب على كل أحد وفي كل الأمور. وإذا أصبح الكذب طريقاً إلى ظلم الآخرين كان أشد حرمة. ومن ذلك الكذب الذي قد
ــــــ[290]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
يستعمل في المرافعات. وإذا اقترن الكذب باليمين كان أشد حرمة.
(مسألة 1233) هل يجوز اليمين كاذباً لإحقاق الحق. فيه تفصيل. فإن كان اليمين سبباً لإنقاذ مؤمن من موت محقق أو من ضرر عظيم ونحو ذلك، جاز. وإلا فلا.
(مسألة 1234) لا يجوز الترافع شرعاً بغير الطريقة الشرعية، ولدى غير القاضي الشرعي، ولا يجوز ترتيب الأثر عليه، إلا مع الانحصار والضرورة أو التقية والعلم بكون النتيجة حقاً.
(مسألة 1235) أي حكم أو نتيجة صدرت من قاض شرعي أو غير شرعي، وعلم الفرد بعدم مطابقتها للواقع، فإنه لا يجوز العمل بها بينه وبين الله، وإن كانت في مصلحته. ويكون سارقاً وغاصباً إن كانت من الأموال، وزانياً إن كانت من الفروج وظالماً إن كانت من الدماء.
(مسألة 1236) يجوز استعمال الأجهزة الحديثة في إيصال أي شيء أو فقرة من فقرات المرافعة، مع حصول الاطمئنان بالصحة. كالشهادة أو دعوى المدعي أو إنكار المنكر أو حكم الحاكم. ومثاله: الشهادة عن طريق التلفون أو اللاسلكي أو الراديو أو التلفزيون أو شريط الصور المتحركة, أو الكمبيوتر وغير ذلك كثير. ويشبه ذلك إيجاد المعاملات عن هذه الطرق كالبيع والإيجار والرهن والوقف والنكاح والطلاق وغيرها، مع اجتماع سائر الشرائط.
(مسألة 1237) إذا وقعت في مجلس القضاء الشرعي بعض المحرمات كوجود المرأة غير المحجبة أو التعرض للأجنبيات أو شرب الخمر أو غير ذلك. فهذا لا يخلو أمره من أحد شكلين:
الشكل الأول: أن لا يكون ذلك مؤثراً على سير المرافعة، فيكون المورد
ــــــ[291]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
مشمولاً لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشرائطهما، سواء في ذلك للحاكم نفسه أو غيره. وإن كان هو أَولى الناس بذلك.
الشكل الثاني: أن يكون ذلك مؤثراً على سير المرافعة، كما لو كان الشاهد امرأة غير محجبة أو كان ينظر إلى امرأة أجنبية بريبة. ونحو ذلك مما يخل بعدالته، فتسقط شهادته عن الاعتبار. وكذلك لو فرض أن الحاكم كان من هذا القبيل فيسقط حكمه عن الاعتبار وهكذا.
(مسألة 1238) من كان يحتمل في حقه إقامة اليمين كذباً بصفته منكراً أو مدعياً أحياناً، فيمكن التأكد من عدم كذبه بعدة أمور: كوعظه والتشديد في ذلك وإيضاح أهمية اليمين أمام الله عزّ وجلّ. ومثله: التغليظ الذي سبقت الإشارة إلى أنواعه. في اللفظ والمكان والزمان ونحوها. مثل أن يضم إلى اليمين بالله سبحانه ذكر غيره من المعصومين والأولياء حين لا يكون الفرد مستعداً للكذب باليمين بأسمائهم. ومثل: تهديده بالعقاب الدنيوي إن ثبت أن يمينه كاذبة. ولا أقل من أن يقال له أن التعزير ثابت شرعاً على كل من فعل محرماً. واليمين الكاذبة من أشد المحرمات، وخاصة إذا كان فيها غصب لحقوق الآخرين. ومن ثم سيقام عليه التعزير إن ثبت عليه شيء من ذلك.
ــــــ[292]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثاني: الشهادات
(مسألة 1239) كل شهادة من شخص غير عادل لا تكون نافذة في القضاء. وإن قلنا بكفاية خبر الثقة من أهل الخبرة في الموضوعات، فإن ذلك لا يجعل مفهوم (البينة) متحققاً من دون وجود العدالة. فكل مدع ليس له شهود عدول، فكأنه لا شهود له إطلاقاً. ويؤول الأمر إلى يمين المنكر. ما لم يحصل الاطمئنان الشخصي من شهوده، على إشكال.
(مسألة 1240) مع عدم تحقق العدالة أو الشك فيها، لا يكفي في إيجادها ما عليه بعضهم من أمر الحاضرين بالاستغفار من الذنوب. كما لا يكفي أخذ القسم من الشاهد عن شهادته. بل اليمين غير مشروع في البينة الاعتيادية. فإنه إن كان الشاهد عادلاً لم يحتج إلى يمين، وإن لم يكن عادلاً لم يفده اليمين. نعم، يمين الشهود نافذ في (القسامة) كما سبق. وهناك لا تشترط عدالة الشهود شرعاً.
(مسألة 1241) ولا يكفي أيضاً مع عدم تحقق العدالة: تعدد الشهود وزيادتهم عن الاثنين، ما لم يحدث الاطمئنان بالصحة، على إشكال كما قلنا. نعم، إذا كان في الشهود المتعددين اثنان من العدول كفى، ولو علم بوجودهم إجمالاً، ولا دخل لمعرفتهم تفصيلاً.
(مسألة 1242) لا يمكن شرعاً اعتبار بعض الأجهزة الحديثة شهوداً وإن كانت غير قابلة للخطأ، كالكمبيوتر والرجل الآلي وغيرهما. بل هي مجرد وثائق
ــــــ[293]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
قد تحصل الاطمئنان في صحة دعوى أحد الطرفين المترافعين.
(مسألة 1243) مقتضى القاعدة الأولية أن كل مخلوق بالغ عاقل رشيد عادل. يجوز سماع شهادته، وإن لم يكن من البشر. غير أن التأكد من صحة النقل صعب جداً. فإن الطرق الناقلة للشهادة قابلة للخطأ جداً، كالتنويم المغناطيسي واستحضار الجن والتخاطر من بعيد وغير ذلك. فلا تكون معتبرة شرعاً إلا بعد الاطمئنان بصحتها من جميع الجهات.
(مسألة 1244) قد يتعرض الشاهد خلال كلامه إلى أمور خارج الشهادة. إما دنيوية أو دينية أو فتاوي شرعية أو قانونية. فكل ذلك لا يؤخذ منه وليس من وظيفته بصفته شاهداً. بل يختص بأخذ الخبر منه عن مورد المرافعة دون غيره. فقد يحتاج ذلك إلى التأكد منه بإعادة السؤال أو تحليل الجواب بدقة.
(مسألة 1245) لا إشكال في اعتبار الدلالة المطابقية لكلام الشاهد من حيث إنها دلالة مقصودة له بالمباشرة. أما الدلالات الأخرى كالدلالة التضمنية والإلتزامية والإطلاقية وغيرها، فيتوقف اعتبارها وجواز الأخذ بها على القصد. فإن علمنا أن الشاهد قصدها كانت معتبرة، وإلا فالأحوط عدم الاعتماد عليها. نعم، تصلح كقرينة أو وثيقة في مجال المرافعة.
(مسألة 1246) يضاف إلى الشروط الثمانية التي ذكرناها للشاهد شرطان آخران لم يشر إليهما الفقهاء لكونهم أخذوا الأمر فيها مسلماً:
أحدهما: الاختيار. فلا اعتبار بشهادة المكره على شهادته.
ثانيهما: القصد. يعني إلى المعنى، من حيث دلالة الكلام على قناعة المتكلم بصدقه. ولا يراد هنا القصد إلى الشهادة بذاتها، يعني شعور الشاهد بكونه شاهداً. فإن هذا غير ضروري كما سبق في كتاب الشهادات. وبهذا تكون
ــــــ[294]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
شرائط الشاهد عشرة.
(مسألة 1247) لا يشترط في الشاهد: الثقافة والمعرفة من أي نوع، إلا بالمقدار الذي يكون به عادلاً دينياً وفاهماً لشهادته. ولا يشترط أن يكون خبيراً في بابه ولا أنه يقرأ ويكتب، كما أنه لا تشترط عمق العدالة وزيادتها على الأقل المجزئ من وجودها.
(مسألة 1248) لا يشترط التعدد ولا العدالة في قول أهل الخبرة على الأرجح. في غير القضاء. وإن كان الأحوط استحباباً هو ذلك أو حصول الاطمئنان الشخصي في مورده. وأما في القضاء فالأحوط وجوباً هو التعدد والعدالة حتى في أهل الخبرة. بل هو المتعين.
(مسألة 1249) المهم في الشاهد إسماع الحاكم لشهادته، سواء سمعه المنكر وغيره أم لم يسمعه. وإن كان ذلك أوضح وأرجح. ومن هنا يتضح صحة الشهادة من خلال الأجهزة الحديثة التي يختص بها الحاكم كالتلفون وغيره، وقد سبق أنه لا يجب أن يكون الشاهد حاضراً لجلسة المرافعة.
ــــــ[295]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الثالث: الحدود والتعزيرات
(مسألة 1250) سبق في المسألة (293) أنه لا يثبت حد الزنا بالتلقيح الصناعي المحرم. مهما كانت صفته، حتى لو كان في المحارم أو زمن الإحرام أو العدة البائنة وغير ذلك. كما لا يثبت بنقل الجنين من رحم إلى رحم.
(مسألة 1251) لا يجوز إقامة الحد بالرجم بغير الطريقة الشرعية، كما لو لم يدفن المرجوم أصلاً. أو دفن أكثر من المطلوب، إلى كتفيه مثلاً، أو أقل منه. وكما لو قتل بالسلاح أو بالغاز أو بالحرارة ونحو ذلك. وكما لو استعملت بعض الأجهزة في سرعة قذف الأحجار عليه. بل الأحوط أن يكون الحجر ملقى من قبل البشر الواقفين حوله اختياراً. وكما لو تسببوا إلى موته بالطم بالأرض أو بالجوع والعطش. إلى غير ذلك. وقد سبق في المسألة (365) ما يفيد في ذلك.
(مسألة 1252) يجب أن يكون السوط الذي يجلد به، مصنوعاً بالشكل العرفي، من حيث مادته وطوله وعرضه ومقبضه ونحو ذلك. فإن اختلف عن ذلك كان ظلماً للمضروب. ومن جملة آثاره الشرعية تحديد ما يسمى بنصف الضربة التي قد تجب أحياناً. وقد كان للسوط وجود في الأزمنة المتقدمة. فإن حصل الشك في تحديده في عصرنا وجب صناعة أقرب ما يحتمل شباهته له، قبل استعماله في الحد. فإن تعذر ذلك استعمل الأقرب فالأقرب.
ــــــ[296]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1253) الأحوط بل المتعين تنفيذ الجلد بيد بشرية مستوية القوة عرفاً. فلا يجزي الضارب الضعيف ولا يجوز الضارب القوي جداً. كما لا يجوز استعمال الآلة في الضرب، وإن كانت تشابه الضرب المطلوب على الأحوط.
(مسألة 1254) لا يجوز كون الضارب في حالات نفسية غير اعتيادية. كالحزن الشديد أو الفرح أو الغضب أو النعاس أو السكر أو الألم أو نحوها إذا كان أي منها شديداً عرفاً. وخاصة إذا كان غاضباً من المضروب نفسه لأمر دنيوي.
(مسألة 1255) يستحب للحاكم تعيين شخص مقيم للحدود. فهو يتولاها أو ينيب عنه من يتولاها. ولا يشترط فيه غير القدرة على التنفيذ والتفقه فيه والرشد في تدبيره. أما العدالة والذكورة والتفقه في الأمور الأخرى والسلامة من العمى أو السفه في غير هذا المورد وغير ذلك، فهو غير مشروط. بل حتى البلوغ والحرية وعدم الحجر في التصرف المالي، مع حفظ تلك الشرائط. ونحوه لو لم يكن مقيم الحد معيناً بل موقتاً.
(مسألة 1256) ورد تحديد التعزير بما بين العشر إلى العشرين ضربة. كما ورد إيكال تعيينه إلى الحاكم، كما ورد تحديده بما دون الحد. والأقرب الأوسط، ويكون الحاكم هو الذي يأخذ الشرطين الآخرين بنظر الاعتبار وفقاً لما يرى من المصلحة في مقدار المعصية وتحمل المحدود.
(مسألة 1257) يجب على الحاكم أن يسمي المقدار الذي يراه مناسباً، لا أن يجعله قابلاً للنقص والزيادة أو يوكله إلى الحداد.
(مسألة 1258) الآلة المستعملة في التعزير عادة في العرف الشرعي السابق، هي السوط. وهو أحوط بالتأكيد. كما أنه المتعين في الحدود. لا يجوز استعمال غيره كما سبق. وأما تعينه في التعزير فمحل إشكال. والأقرب جواز غيره من
ــــــ[297]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
مختلف أسباب الإيلام كالعصا والحجر وغيرهما.
(مسألة 1259) إذا أدى الضرب في التعزير إلى جناية كالإدماء أو كسر عظم وغير ذلك، كانت مضمونة على الضارب، ما لم تكن متعارفة في مثل ذلك الضرب. فتكون عندئذ هدراً.
(مسألة 1260) هل يجوز في التعزير الإيذاء بغير الإيلام الجسدي. كالتجويع أو التقييد أو قطع الراتب أو الضرب باليد دون السوط أو الآلة أو الاحتقار بالشتم وغيره. الأحوط عدم إجزاء كل ذلك فيه، وإذا لم يجزئ فقد حرم لكونه إيذاء ظلماً بدون أداء الوظيفة الشرعية. نعم، لو كان المطلوب هو التأديب فقط كتأديب الأب لولده أو المولى لعبده ونحو ذلك، جاز في حدود ما يؤدي إلى المطلوب.
(مسألة 1261) في التعزير يجوز استعمال آلة مساعدة على الضرب، إذا كانت مماثلة نسبياً في العمل لليد البشرية. بخلاف ما لو كانت أشد أو أضعف بمقدار معتد به.
(مسألة 1262) في غير مورد التعزير كالتأديب، يجوز استعمال بعض الأساليب الحديثة وغيرها للإيذاء، بشرط أن لا تؤدي إلى جناية أو ظلم. كالحرارة أو البرودة أو الغاز أو الضوء أو غير ذلك.
ــــــ[298]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الرابع: القصاص
(مسألة 1263) إذا حصلت الوفاة من خطأ الطبيب أو أية مضاعفات فهو من (شبه العمد). ويضمنه الطبيب في ماله. وانظر مسألة (897).
(مسألة 1264) إذا حصلت الوفاة في الحيوان من خطأ الطبيب البيطري أو أية مضاعفات كان مضموناً عليه.
(مسألة 1265) إذا حصلت الوفاة أو أية مضاعفات بسبب التجارب المختبرية للأدوية أو الأساليب النفسية أو العقلية أو غيرها. فإن كان السبب قاتلاً غالباً، أو قصد به القتل فهو عمد يتعين معه القود، وإلا فهو من قبيل شبه العمد تتعين فيه الدية.
(مسألة 1266) ونحو ذلك إذا حصلت الوفاة أو أية مضاعفات لتجارب الكون في أجهزة معينة أو في أمكنة مجهولة أو أساليب للغوص مثلاً غير ناجحة ونحو ذلك. فحكمها ما قلناه في المسألة السابقة. ولا يفرق في ذلك بين رضا الشخص الذي هو محل التجربة (وهو المجني عليه) أو اضطراره أو إكراهه. فحتى لو كان راضياً فإن الجناية مضمونة للجاني ما دام المجني عليه غافلاً عن النتيجة أو محرزاً للسلامة. نعم، لو عرض نفسه للهلاك مع الالتفات فلا ضمان.
(مسألة 1267) متولي الجناية (يعني طرفها) ومن له حق المرافعة وأخذ الدية والقصاص هو في غير النفس (يعني إذا لم تحدث الوفاة) هو المجني عليه نفسه
ــــــ[299]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
مع بلوغه وعقله. وإلا فوليه. وفي النفس (يعني إذا حصلت الوفاة) فالمتولي هو ولي الدم. وهو مما قل حديث الفقهاء عن تعيينه. وله عدة صور:
الصورة الأُولى: أن يكون الفرد ولياً حال الحياة، فيبقى ولياً بعد الوفاة. كما لو كان المجني عليه قاصراً أو مملوكاً.
الصورة الثانية: ولي الدم للزوجة هو الزوج لا الأب ولا الأخ. فضلاً عمن سواهما.
الصورة الثالثة: ولي الدم من الأولاد أو الإخوة أو الأعمام، قد يكون متعيناً بواحد، كما لو كان بالغاً رشيداً بين قاصرين.
الصورة الرابعة: إذا كان فيهم عدد من البالغين الراشدين، فهل يكون أكبرهم ولياً للدم خاصة أم تنبسط الولاية عليهم جميعاً. الأحوط الثاني، والأقرب الأول.
الصورة الخامسة: إذا لم يكن له بعض طبقات الإرث القريبة فهل يكون البعيد من الورثة ولياً للدم. الظاهر ذلك. وإن كان الأحوط معه استئذان الحاكم الشرعي.
الصورة السادسة: إذا لم يكن له شيء من طبقات الإرث الثلاثة الوارثين بالقرابة. فهل يكون المولى المعتق ولياً للدم، بصفته ولياً للعتق ووارثاً للمال. الظاهر ذلك، وإن كان الأحوط معه مراجعة الحاكم الشرعي.
الصورة السابعة: إذا لم يكن له قرابة ولا معتق. وكان له ضامن للجريرة. فهل يكون ولياً لدمه. لا إشكال في إرثه للدية. وأما حق القصاص له. فهو محل إشكال، يتعين معه مراجعة الحاكم الشرعي.
الصورة الثامنة: إذا لم يكن له شيء من تلك الطبقات الوارثة، تعين إرثه
ــــــ[300]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
وولاية دمه على الإمام أو وكيله الخاص أو العام.
(مسألة 1268) يحجب ولاية الدم من يحجب الميراث.
(مسألة 1269) لا ولاية للدم لمن لا يرث كالكافر عن المسلم والعبد والقاتل. ما عدا الحاكم الشرعي بناء على بعض الوجوه السابقة.
(مسألة 1270) يشترط في ولي الدم فعلاً: البلوغ والعقل. فإن لم يكن كذلك، أمكن الانتظار إلى حين كماله لو كان محتملاً. وإلا انتقلت الولاية إلى غيره.
(مسألة 1271) لا يشترط في الولاية كما لا يشترط في الميراث: العدالة ولا الذكورة ولا الصحة الجسدية ولا الرشد ولا أن يكون مطلق السراح من السجن أو غير من أقيم عليه الحد. ونحو ذلك من المحتملات.
(مسألة 1272) ابن الزنا لا يرث، فلا تكون له ولاية الدم، بل تنتقل إلى الوارث من إحدى الطبقات. ولكن لو انحصر الأمر به وكان الوارث الإمام . فهل يصلح لذلك. وجهان أحوطهما وجوب الاستئذان من الحاكم الشرعي. ومع موافقة الحاكم يكون له حق القصاص، ولكنه لا يرث الدية بأية حال.
(مسألة 1273) هناك أنواع من القصاص، تعرض الفقهاء لقاعدتها العامة ولم يتعرضوا لها خاصة. وكلها ثابتة بلا إشكال. مثل جناية المرأة على المرأة بجعلها عقيماً أو أنها سببت لها نزول دم الحيض أو الاستحاضة في غير وقته المعتاد أو انقطاع الحليب من المرضع أو زيادة الألم في الوالدة جديداً. ونحو ذلك، فإن كانت المرأة الجانية بنفس الصفة أمكن القصاص منها بالمثل. وإلا كان المجني عليها مخيرة بين الدية المناسبة لمثلها وبين الانتظار بالجناية لحصول
ــــــ[301]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
نفس الصفة في المستقبل.
(مسألة 1274) كل ما يوجب إسقاط الجنين، فلا قصاص فيه بل على الجاني دية الجنين. ولو أوجب تشويه الجنين. فإن كان له مقدار شرعي أخذ بنسبته من دية الجنين. وإلا كان المرجع الحكومة.
(مسألة 1275) من موارد القصاص التي لم يتعرض لها الفقهاء: القصاص في منافع الأعضاء. وهو ثابت بإطلاق القرآن الكريم ولا إجماع بخلافه لقلة من تعرض لهذه المسألة. فإذا حصلت الجناية على العقل أو السمع أو البصر أو الإنجاب أو الشم أو الذوق أو حتى عمى الألوان أو غيرها، وأمكن إيجاد نفس النقص في الجاني، تعين ذلك ولا حاجة إلى المصير إلى الدية. وإنما يصار إليها مع تعذر القصاص أو توقفه على أمور لم تحصل في المجني عليه. كما لو ذهب بصره مع سلامة الحدقة وتعين في الجاني إذهاب بصره مع إتلافها. فإنه لا قصاص عندئذ ولو فعله المجني عليه سقط حقه في الدية وكان ضامناً للجناية الزائدة.
(مسألة 1276) من جملة موارد تعذر القصاص الذي قلناه، وجود نفس النقص في الجاني لدى الجناية. كما لو أذهب بصره وهو أعمى أو أذهب سمعه وهو أصم. ومن جملة ذلك انعدام وجود العضو المقتص منه لدى الجاني. ومنها: كونه مخالفاً للتقية. إلى غير ذلك من الموانع. فيصار على كل حال إلى الدية، إذا كانت مقدرة شرعاً، وإلا فإلى الحكومة.
ــــــ[302]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفصل الخامس: الديات
(مسألة 1277) سبق أن الواجب أصلاً في الديات دفع الأصل. راجع مسألة (887) وما بعدها. يشمل ذلك كل ما هو معين شرعاً من دية النفس والأعضاء والمنافع والجراح. ولا يصار إلى القيمة إلا بالتراضي أو التعذر. وكلا هذين السببين كافيان شرعاً بالانتقال إلى غير القيمة من أصناف المتاع. كما لو تراضيا بملكية الدار بدل الإبل أو الدنانير الذهبية. لا يفرق في ذلك كل ما له قيمة سوقية وجاز استعماله شرعاً، مما ينقل أو مما لا ينقل.
(مسألة 1278) يجب دفع الدية من أموال مخمسة ومزكاة وليست من مجهول المالك، ونحو ذلك، وإلا بقيت الذمة مشغولة بها أو ببعضها.
(مسألة 1279) لا يجوز الدفع من أموال الغير بدون رضاه. نعم، مع الرضا يكون ذلك جائزاً بأحد أسلوبين. أولاً: تمليك المال للجاني ودفع الجاني الدية منه. ثانياً: تمليك المال للمجني عليه أو وليه بعنوان تفريغ ذمة الجاني من الدية. وكلا القصدين إنما يصدران من المالك الأصلي للمال. فإن لم يقصد ذلك، لم تبرأ ذمة الجاني.
(مسألة 1280) في غير الجناية على النفس تدخل الدية في ملك المجني عليه. وتكون كباقي أمواله الشخصية وتشملها أحكامها من جواز التصرف المعاملي ووجوب الخمس وحصول الاستطاعة للحج وغير ذلك. ولا يكفي تخميسها عن ذمة الدافع في عدم تخميسها عن ذمة الآخذ.
ــــــ[303]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1281) في صور الجناية على النفس، تدخل الدية في ملك الوارث. وتقسم على حسب حصص الإرث، ويشملها أحكامه من الميراث بالفرض والقرابة والحجب وغيرها. وإذا وصلت لكل وارث حصته كانت كأمواله الشخصية، بالتفصيل الذي قلناه في المسألة السابقة.
(مسألة 1282) بالرغم من أن مقتضى القاعدة الأولية اعتبار إرث الدية من الإرث غير المحتسب فيجب تخميسه، ولو كان المجني عليه، مورثاً محتسب الإرث كالأب والولد. لأن الخارج عن الاحتساب هو قتله، وميراث ديته. غير أن سياق الأدلة لا يقتضي ذلك، فيكون ميراث الدية من المورث المحتسب محتسباً ومن غيره غير محتسباً، فيجب تخميس الثاني من هذه الناحية. وإن كان الأحوط استحباباً وجوب التخميس، في كلتا الصورتين.
(مسألة 1283) من جملة موارد الجناية على منافع الأعضاء: حصول الجناية على بعض ملكات العقل، كما لو ضربه على رأسه مثلاً. فصار كثير النسيان أو سفيها أو كان مجتهداً فزال اجتهاده أو كان حاد الذاكرة فزالت حدتها أو عارفاً ببعض الأمور الطبيعية أو الاجتماعية فزالت معرفته، وخاصة إذا كانت مما يستعملها في معيشته. فكل ذلك مما له دية لا محالة في الشريعة. غير أن الفتوى بالدية الكاملة إشكال وببعضها إشكال، فالأحوط المصير إلى الحكومة. ولا ينبغي أن يقل مقدارها عن الدية الكاملة إذا كان الأثر شديداً وغير قابل للزوال غالباً.
(مسألة 1284) ومن جملة تطبيقات ذلك، ما لو كان للمجني عليه بعض العلوم الخفية غير المحرمة شرعاً أو بعض الفعاليات الروحية. كالمداواة أو وجدان السارق أو المسروق أو إعطاء إحراز الرزق أو الحفظ أو دفع السحر وغير ذلك. فزالت عنه تلك الخصوصية بالجناية. فيكون مشمولاً لحكم المسألة السابقة. غير أن الحكومة هنا لا ينبغي أن تصل إلى الدية الكاملة.
ــــــ[304]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(مسألة 1285) مع الجناية على العضو أو على منفعته، وكان ذلك سبباً لاسترباحه، فهل يكون معدل الربح مضموناً زائداً على الدية، الأحوط ذلك بلا إشكال. وإنما الكلام في أنه على وجه الوجوب.
(مسألة 1286) مع الجناية على النفس، لا إشكال في اندراج الجناية على الأعضاء ومنافعها فيها. فلا تجب أكثر من الدية. كما لا يجب ما أشرنا إليه في المسألة السابقة. كما لا تفرق ديته من حيث أهمية المجني عليه علمياً أو دينياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً. فكلهم له دية واحدة وقصاص واحد. ولا يجوز قتل الاثنين بواحد وإن اختلفت الأهمية. كما لا يجوز الأخذ لمقدار أكثر من الدية المقدرة.
(مسألة 1287) كفارة القتل غير شاملة للجناية على ما دون النفس، مهما كان. فلا يجب معه دفع أية كفارة.
(مسألة 1288) من الواضح أن كفارة القتل مما لا يستفيد منها ولي الدم شيئاً. بخلاف الدية فإنها له وللورثة. وإنما المستفيد من الكفارة هو العبد الذي يتم عتقه أو الفقير الذي يتم إطعامه.
(مسألة 1289) كل رق يعتق في كفارة فعتقه (سائبة)، يعني ليس لمولاه حق ميراثه مع انعدام القرابة. وإنما ذاك هو المعتق لوجه الله خالصاً.
16 محرم الحرام 1415
محمد الصدر
ــــــ[305]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
ــــــ[306]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المحتويات
كتاب القضاء
الفصل الأول: في حقيقة القضاء 7
الفصل الثاني: في شرائط القاضي 10
الفصل الثالث: في وظائف القاضي 14
الفصل الرابع: في كيفية الدعوى 17
فروع أخرى: حول المرافعة 21
الفصل الخامس: أحكام اليمين 24
(فروع أخرى حول اليمين) 28
الفصل السادس: في الشاهد مع اليمين 31
الفصل السابع: أحكام الدعاوي 34
فروع في المقاصة 35
فروع في إنهاء الأحكام إلى الغير 36
فروع أخرى في المرافعات 38
الفصل الثامن: في دعاوي القسمة 40
الفصل التاسع: في دعاوي الأملاك 45
الفصل العاشر: في دعاوي الاختلاف في العقود 49
الفصل الحادي عشر: في دعاوي المواريث 54
الفصل الثاني عشر: في دعاوي الاختلاف في الولد 57
ــــــ[307]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
كتاب الشهادات
الفصل الأول: في شرائط الشاهد 61
الفصل الثاني: فيما يصير به شاهداً 65
الفصل الثالث: في أقسام الحقوق بصفتها متعلقة للشهادة 67
الفصل الرابع: في الشهادة على الشهادة 71
الفصل الخامس: في توارد الشاهدين على معنى واحد 73
الفصل السادس: في الطوارئ 76
(فروع في الرجوع عن الشهادة) 76
كتاب الحدود والتعزيرات
تمهيد 83
الفصل الأول: الزنا 84
المقصد الأول: في سببه 84
(فروع في الإحصان) بصفته سبباً للرجم 87
المقصد الثاني: فيما يثبت به الزنا 89
الجهة الأُولى: في الإقرار بالزنا 89
الجهة الثانية: في ثبوت الزنا بالبينة 90
المقصد الثالث: في الحدّ 93
الجهة الأُولى: في مقداره 93
الجهة الثانية: في كيفية الحد 96
الفصل الثاني: اللواط والمساحقة وما يلحق بهما 100
المقصد الأول: اللواط 100
كيفية قتل اللائط 102
المقصد الثاني: المساحقة 102
ــــــ[308]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المقصد الثالث القيادة 103
المقصد الرابع: تزويج الذمية على المسلمة 104
الفصل الثالث: القذف 105
(فروع في حدود أخرى) 109
الفصل الرابع: شرب المسكر 110
الفصل الخامس: السرقة 114
المقصد الأول: شرائط وجوب الحدّ 114
المقصد الثاني: ما يثبت به حدّ السرقة 118
المقصد الثالث: في الحدّ 119
الفصل السادس: المحاربة 125
الفصل السابع: الارتداد 128
الفصل الثامن: التعزيرات 133
كتاب القصاص
الفصل الأول: قصاص النفس 139
(فروع في أقسام القتل) 149
الفصل الثاني: شروط القصاص 155
الفصل الثالث: في دعاوي القتل 168
الفصل الرابع: فيما يثبت به القتل 170
الأمر الأول: الإقرار: وتكفي فيه مرة واحدة. ولا يحتاج إلى التكرار. 170
الأمر الثاني: مما يثبت به القتل: البينة. وهي أن يشهد رجلان بالغان عاقلان مختاران عادلان بالقتل. 171
القسامة: 173
المقصد الأول: في اللوث 173
المقصد الثاني: كمية القسامة 175
المقصد الثالث: أحكام القسامة 178
الفصل الخامس: أحكام القصاص 181
ــــــ[309]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
(فروع أخرى في القصاص) 185
الفصل السادس: قصاص الأطراف 187
(فروع في التساوي في الحرية) 187
(فروع في الشجاج) 190
(فروع في الجناية على الأعضاء) 194
(بعض الفروع في قصاص الأطراف) 199
كتاب الديات
الفصل الأول: في مقادير الديات 203
في موارد الجناية على النفس 203
(فروع أخرى عن دية النفس) 210
الفصل الثاني: في موجبات الضمان 213
المقصد الأول: الضمان بالمباشرة 213
المقصد الثاني: في التسبيب للإتلاف 219
المقصد الثالث: في تزاحم الأسباب 225
الفصل الثالث: ديات الأعضاء 229
المقصد الأول: دية القطع 230
المورد الأول: الشعر 230
المورد الثاني: العينان 231
المورد الثالث: الأنف 232
المورد الرابع: الأذن 233
المورد الخامس: الشفتان 233
المورد السادس: اللسان 234
المورد السابع: الأسنان 236
ــــــ[310]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المورد الثامن: اللحيان 237
المورد التاسع: العنق 238
المورد العاشر: اليدان 238
المورد الحادي عشر: الأصابع 239
المورد الثاني عشر: النخاع 240
المورد الثالث عشر: الثديان 240
المورد الرابع عشر: الذكر 241
المورد الخامس عشر: الخصيتان 241
المورد السادس عشر: الفرج 242
المورد السابع عشر: الظهر 243
المورد الثامن عشر: الأليان 244
المورد التاسع عشر: الرجلان 244
المورد العشرون: الأعضاء الباطنة 245
(فروع أخرى) 245
المقصد الثاني: دية الكسر والرض ونحوهما 246
المقصد الثالث: ديات الجناية على منافع الأعضاء 253
المورد الأول: العقل 253
المورد الثاني: السمع 254
المورد الثالث: البصر 256
المورد الرابع: الشم 257
المورد الخامس: النطق 258
المورد السادس: الذوق 259
المورد السابع: الصوت 260
المورد الثامن: اللمس 260
المورد التاسع: صعر العنق 261
ــــــ[311]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
المورد العاشر: كسر البعصوص 261
المورد الحادي عشر: سلس البول 261
المورد الثاني عشر: أدرة الخصيتين 261
المورد الثالث عشر: تعذر الإنزال 261
المورد الرابع عشر: الإفضاء 262
المورد الخامس عشر: تقلص الشفتين 262
المورد السادس عشر: العقم 262
المورد السابع عشر: شلل الأعضاء 263
المقصد الرابع: ديات الشجاج والجراح 264
الفصل الرابع: دية الجنين 270
الفصل الخامس: العاقلة 275
(فروع أخرى عن العاقلة) 279
الفصل السادس: كفارة القتل 280
الفصل السابع: ضمان الإتلاف لغير الإنسان 282
ملحق
الجزء الخامس من منهج الصالحين
في الموضوعات الحديثة والتي تناسبه
نعقد لكل كتاب من الكتب الفقهية هنا فصلاً
الفصل الأول: القضاء 289
الفصل الثاني: الشهادات 293
الفصل الثالث: الحدود والتعزيرات 296
الفصل الرابع: القصاص 299
الفصل الخامس: الديات 303
ــــــ[312]ــــــ
منهج الصالحين (الجزء الخامس)
الفهرس صــ[307]ـــــ///
كتاب القضاء 5
الفصل الأول 5
في حقيقة القضاء 5
الفصل الثاني 8
في شرائط القاضي 8
الفصل الثالث 13
في وظائف القاضي 13
الفصل الرابع 17
في كيفية الدعوى 17
فروع أخرى 21
حول المرافعة 21
الفصل الخامس 24
أحكام اليمين 24
(فروع أخرى حول اليمين) 28
الفصل السادس 31
في الشاهد مع اليمين 31
الفصل السابع 34
أحكام الدعاوي 34
فروع في المقاصة 35
فروع في إنهاء الأحكام إلى الغير 36
فروع أخرى في المرافعات 39
الفصل الثامن 40
في دعاوي القسمة 40
الفصل التاسع 45
في دعاوي الأملاك 45
الفصل العاشر 48
في دعاوي الاختلاف في العقود 48
الفصل الحادي عشر 54
في دعاوي المواريث 54
الفصل الثاني عشر 57
في دعاوي الاختلاف في الولد 57
كتاب الشهادات 59
الفصل الأول 60
في شرائط الشاهد 60
الفصل الثاني 63
فيما يصير به شاهداً 63
الفصل الثالث 65
في أقسام الحقوق 65
بصفتها متعلقة للشهادة 65
الفصل الرابع 69
في الشهادة على الشهادة 69
الفصل الخامس 71
في توارد الشاهدين على معنى واحد 71
الفصل السادس 73
في الطوارئ 73
(فروع في الرجوع عن الشهادة) 74
كتاب الحدود والتعزيرات 79
تمهيد 80
الفصل الأول 80
الزنا 80
المقصد الأول 80
في سببه 80
(فروع في الإحصان) 83
بصفته سبباً للرجم 83
المقصد الثاني 85
فيما يثبت به الزنا 85
الجهة الأُولى: في الإقرار بالزنا 85
الجهة الثانية: في ثبوت الزنا بالبينة 87
المقصد الثالث 90
في الحد 90
الجهة الأُولى: في مقداره 90
الجهة الثانية: في كيفية الحد 93
الفصل الثاني 96
اللواط والمساحقة وما يلحق بهما 96
المقصد الأول 97
اللواط 97
كيفية قتل اللائط 98
المقصد الثاني 99
المساحقة 99
المقصد الثالث 100
القيادة 100
المقصد الرابع 101
تزويج الذمية على المسلمة 101
الفصل الثالث 102
القذف 102
(فروع في حدود أخرى) 106
الفصل الرابع 107
شرب المسكر 107
الفصل الخامس 111
السرقة 111
المقصد الأول 111
شرائط وجوب الحد 111
المقصد الثاني 116
ما يثبت به حد السرقة 116
المقصد الثالث 117
في الحد 117
الفصل السادس 122
المحاربة 122
الفصل السابع 126
الارتداد 126
الفصل الثامن 130
التعزيرات 130
كتاب القصاص 135
الفصل الأول 136
قصاص النفس 136
(فروع في أقسام القتل) 147
الفصل الثاني 153
شروط القصاص 153
الفصل الثالث 167
في دعاوي القتل 167
الفصل الرابع 168
فيما يثبت به القتل 168
القسامة: 172
المقصد الأول: في اللوث 172
المقصد الثاني: كمية القسامة 174
المقصد الثالث: أحكام القسامة 177
الفصل الخامس 180
أحكام القصاص 180
(فروع أخرى في القصاص) 185
الفصل السادس 186
قصاص الأطراف 186
(فروع في التساوي في الحرية) 187
(فروع في الشجاج) 190
(فروع في الجناية على الأعضاء) 194
(بعض الفروع في قصاص الأطراف) 200
كتاب الديات 202
الفصل الأول 203
في مقادير الديات 203
في موارد الجناية على النفس 203
(فروع أخرى عن دية النفس) 210
الفصل الثاني 213
في موجبات الضمان 213
المقصد الأول 213
الضمان بالمباشرة 213
المقصد الثاني 219
في التسبيب للإتلاف 219
المقصد الثالث 226
في تزاحم الأسباب 226
الفصل الثالث 229
ديات الأعضاء 229
المقصد الأول 230
دية القطع 230
المورد الأول: الشعر 230
المورد الثاني: العينان 231
المورد الرابع: الأذن 233
المورد السادس: اللسان 234
المورد السابع: الأسنان 236
المورد الثامن: اللحيان 237
المورد التاسع: العنق 238
المورد العاشر: اليدان 239
المورد الحادي عشر: الأصابع 239
المورد الثاني عشر: النخاع 240
المورد الثالث عشر: الثديان 240
المورد الرابع عشر: الذكر 241
المورد الخامس عشر: الخصيتان 242
المورد السادس عشر: الفرج 242
المورد السابع عشر: الظهر 244
المورد الثامن عشر: الأليان 244
المورد التاسع عشر: الرجلان 245
المورد العشرون: الأعضاء الباطنة 245
(فروع أخرى) 246
المقصد الثاني 247
دية الكسر والرض ونحوهما 247
المقصد الثالث 254
ديات الجناية على منافع الأعضاء 254
المورد الأول: العقل 254
المورد الثاني: السمع 255
المورد الثالث: البصر 257
المورد الرابع: الشم 259
المورد الخامس: النطق 259
المورد السادس: الذوق 261
المورد الثامن: اللمس 262
المورد التاسع: صعر العنق 262
المورد العاشر: كسر البعصوص 263
المورد الحادي عشر: سلس البول 263
المورد الثاني عشر: أدرة الخصيتين 263
المورد الثالث عشر: تعذر الإنزال 263
المورد الرابع عشر: الإفضاء 263
المورد الخامس عشر: تقلص الشفتين 264
المورد السادس عشر: العقم 264
المورد السابع عشر: شلل الأعضاء 265
المقصد الرابع 265
ديات الشجاج والجراح 265
الفصل الرابع 271
دية الجنين 271
الفصل الخامس 277
العاقلة 277
(فروع أخرى عن العاقلة) 281
الفصل السادس 281
كفارة القتل 281
الفصل السابع 283
ضمان الإتلاف لغير الإنسان 283
ملحق 287
في الموضوعات الحديثة التي تناسبه 287
الفصل الأول 288
القضاء 288
الفصل الثاني 291
الشهادات 291
الفصل الثالث 294
الحدود والتعزيرات 294
الفصل الرابع 297
القصاص 297
الفصل الخامس 300
الديات 300
الفهرس 312