تعليقة على كتاب وسيلة النجاة
لآية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني قدس سره
تعليق
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثاني
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطية لتعليقة
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
صورة أخرى من النسخة الخطية لتعليقة
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
صورة أخرى من النسخة الخطية لتعليقة
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كتاب المكاسب والمتاجر
في المكاسب المحرمة
وهي أنواعٌ نذكرها ونذكر المسائل المتعلّقة بها في طيّ كتب:
مقدمة: تشتمل على مسائل:
(مسألة 1): لا يجوز التكسّب بالأعيان النجسة بجميع أنواعها(1) بالبيع والشراء، وجعلها ثمناً في البيع وأجرةً في الإجارة وعوضاً للعمل في الجُعالة، بل مطلق المعاوضة عليها ولو بجعلها مهراً أو عوضاً في الخلع ونحو ذلك، بل يقوى(2) عدم جواز هبتها والصلح عنها بلا عوضٍ أيضاً. ولا يدور حرمة بيعها والتكسّب بها مدار عدم المنفعة، بل يحرم ذلك ولو كانت لها منفعةٌ محلّلةٌ مقصودةٌ(3) كالتسميد في العذرة.
ــــــ[ 11]ـــــــ
(1) عدا ما استثني كالكلاب الأربعة.
(2) بل هو ضعيفٌ، والظاهر: الاختصاص بالمعاملات المعاوضيّة، عدا ما استُثنِي.
(3) الظاهر: الجواز في هذه الصورة، وإن كان الأحوط أخذ العوض بعنوان الأجر على قضاء حاجة الآخر ونحوه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ويستثنى من ذلك: العصير المغليّ قبل ذهاب ثلثيه بناءً على نجاسته، والكافر بجميع أقسامه حتّى المرتد عن فطرةٍ(1) على الأقوى، وكلب الصيد. وربما يلحق به كلب الماشية والزرع والبستان والدور أيضاً، وفيه تأمّلٌ وإشكالٌ(2). نعم لا إشكال في إجارتها وإعارتها.
(مسألة 2): الأعيان النجسة -عدا ما استثني- وإن لم يعامل معها شرعاً معاملة الأموال فلا يجوز(3) الاكتساب بها ولا يصحّ جعلها عوضاً أو معوَّضاً، بل وهِبَتها والصلح عنها كما عرفت، لكن لمن كانت هي في يده وتحت استيلائه حقّ اختصاصٍ متعلّقٍ بها ناشٍ إمّا من حيازتها أو من كون أصلها مالاً له – كما إذا مات حيوانٌ له فصار ميتةً أو صار عنبه خمراً- وهذا الحقّ قابلٌ للانتقال إلى الغير بالإرث وغيره، فيصحّ أن يصالح عنه بلا عوض، بل بالعوض(4) أيضاً لو جعل مقابلاً لذلك الحقّ لا عوضاً(5) لنفس العين، لكنّه لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد دخوله في الاكتساب المحظور. نعم لو بذل الغير له مالاً ليرفع يده ويعرض عنها فيحوزها الباذل سلم من الإشكال(6)، نظير بذل المال لمن سبق إلى مكانٍ من ــــــ[12]ـــــــ
(1) إن بقيت له قيمةٌ، ولو في طول تعطيل الحدود الشرعيّة.
(2) منتجٌ للاحتياط الاستحبابي.
(3) مع ما قلنا في التعليق عليه، ومنه يظهر ما في باقي هذه العبارة.
(4) مع وجود قصد انتفاعٍ عقلائيٍّ وشرعيٍّ.
(5) الماليّة غير مشترطةٍ في الصلح فلا حاجة إلى هذا القيد.
(6) ظهر ما فيه، غايته وجود الاحتياط الاستحبابي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأمكنة المشتركة كالمسجد والمدرسة ليرفع يده عنه(1) فيسكنه الباذل.
(مسألة 3): لا إشكال في جواز بيع ما لا تحلّه الحياة من أجزاء الميتة ممّا له منفعةٌ محلّلةٌ مقصودةٌ كشعرها وصوفها، بل ولبنها أيضاً إن قلنا بطهارته كما مرّ في النجاسات. وفي جواز بيع الميتة الطاهرة كالسمك الطافي إذا كانت له منفعةٌ – ولو من دهنه- إشكالٌ لا يبعد الجواز، بل لا يخلو من قوّة.
(مسألة 4): لا إشكال في جواز بيع الأرواث الطاهرة إذا كانت لها منفعةٌ، وأمّا الطاهر من الأبوال فأمّا بول الإبل فيجوز بيعه بلا إشكال، وأمّا غيره ففيه إشكالٌ لا يبعد الجواز فيما كان له منفعةٌ محلّلةٌ مقصودةٌ.
(مسألة 5): لا إشكال في جواز بيع المتنجّس الذي يقبل التطهير، وكذا ما لا يقبله ولكن يمكن الانتفاع به مع وصف نجاسته في حال الاختيار، بأن لا تكون منفعته المحلّلة المقصودة في حال الضرورة متوقّفةً على طهارته، كالدهن المتنجّس الذي يمكن الانتفاع به بالإسراج وطلي السفن، والصبغ والطين المتنجّسين، والصابون(2) الذي لا يمكن تطهيره. وأمّا ما لا يقبل التطهير وكان الانتفاع به متوقّفاً على طهارته كالسكنجبين النجس ونحوه، فلا يجوز بيعه(3) والمعاوضة عليه.
(مسألة 6): لا بأس ببيع الترياق المشتمل على لحوم الأفاعي مع استهلاكها
ــــــ[13]ـــــــ
(1) مع وجود هدفٍ عقلائيّ، ولو بعنوان ضيق المكان بدونه.
(2) مع تطهير اليد أو غيرها بعد استعماله.
(3) إذا لم يكن له منفعةٌ محلّلةٌ مقصودةٌ، وأمّا مع وجودها فيجوز. ولكنّ الأحوط إخبار المشتري بالنجاسة، وإن كان الأقوى كونه احتياطاً استحبابيّاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فيه كما هو الغالب بل المتعارف، فيجوز استعماله وينتفع به منفعةً محلّلةً معتدّاً بها، وأمّا المشتمل على الخمر فلا يجوز بيعه(1) لعدم قابليّته للتطهير وعدم حلّية الانتفاع به مع وصف نجاسته، وجواز التداوي به عند الاضطرار ليس عليه المدار(2)، بل المدار على حلّية الانتفاع بالشيء في حال الاختيار.
(مسألة 7): يجوز بيع الهرّة ويحلّ ثمنها بلا إشكال، وأمّا غيرها من أنواع السِباع فالظاهر جواز بيع ما كان منها ذا منفعةٍ محلّلةٍ(3) مقصودةٍ عند العقلاء، وكذا الحشرات بل المسوخ أيضاً إذا كانت كذلك، فهذا هو المدار في جميع الأنواع، فلا إشكال في بيع العلق الذي يمصّ الدم الفاسد ودود القز ونحل العسل وإن كانت من الحشرات، وكذا الفيل الذي ينتفع بظهره وعظمه وإن كان من المسوخ.
(مسألة 8): يحرم بيع كلّ ما كان آلةً للحرام بحيث كانت منفعته المقصودة منحصرةً فيه، مثل آلات اللهو كالعيدان والمزامير والبرابط ونحوها وآلات القمار كالنرد والشطرنج ونحوهما، وكما يحرم بيعها وشراؤها يحرم صنعتها والأجرة عليها، بل يجب كسرها وتغيير هيئتها. نعم يجوز بيع مادّتها من الخشب والصفر مثلاً بعد الكسر بل قبله أيضاً إذا اشترط(4) على المشتري كسرها، وأمّا مع عدم
ــــــ[14]ـــــــ
(1) إذا كان المقصود تناوله عن طريق الفم، دون المنافع الأُخرى إذا كانت محلّلةً مقصودةً بما فيها التدخين به.
(2) ظهر ما فيه في التعليقة السابقة.
(3) ليس منها منفعة النزهة أو الألعاب.
(4) وكان واثقاً من إنجازه للشرط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الاشتراط ففيه إشكال. وأمّا أواني الذهب والفضّة فحرمة بيعها وعدمها مبنيّان على حرمة اقتنائها والتزيّن بها باقيةً على صورتها وهيئتها وعدمها، فعلى الأوّل يحرم بيعها وشراؤها، بل وصياغتها وأخذ الأجرة عليها، بخلافه على الثاني. وقد مرّ في أحكام الأواني أنَّ أحوطهما الأوّل وأظهرهما الثاني(1).
(مسألة 9): الدراهم الخارجة أو المغشوشة المعمولة لأجل غشّ الناس تحرم المعاملة بها وجعلها عوضاً أو معوّضاً في المعاملات مع جهل مَن تُدفع إليه، بل مع علمه واطّلاعه أيضاً على الأحوط لو لم يكن أقوى، بل لا يبعد وجوب إتلافها ولو بكسرها؛ دفعاً لمادّة الفساد.
(مسألة 10): يحرم بيع العنب أو التمر ليُعمَل خمراً، والخشب مثلاً ليُعمَل صنماً أو آلةً للهو أو القمار ونحو ذلك، وذلك إمّا بذكر صرفه في المحرّم والالتزام به في العقد أو تواطئهما على ذلك، ولو بأن يقول المشتري لصاحب العنب مثلاً: بعني منّاً من العنب لأعمله خمراً، فباعه إيّاه، وكذا تحرم إجارة المساكن ليُباع أو يحرز فيها الخمر أو ليعمل فيها بعض الأُمور المحرّمة وإجارة السفن أو الحمولة لحمل الخمر وشبهها بأحد الوجهين المتقدّمين. وكما يحرم البيع والإجارة فيما ذُكر يفسدان أيضاً فلا يحلّ له الثمن والأجرة، وأمّا بيع العنب أو التمر مثلاً لمن يعلم أنَّه يعمله خمراً من دون أن يكون بيعه له، وإجارة المسكن لمن يعلم أنَّه يجعله محرزاً له مثلاً من دون أن تكون الإجارة له فالظاهر جوازه، وإن كان الأحوط تركه(2).
ــــــ[15]ـــــــ
(1) غير أنَّ صياغتها محرّمة على الأحوط.
(2) وهو في المعتاد والمحترف احتياط وجوبي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 11): يحرم بيع السلاح لأعداء الدين حال مقاتلتهم مع المسلمين، بل حال مباينتهم معهم بحيث يُخاف منهم عليهم ويكون ذلك تقويةً لهم. نعم في حال الهُدنة معهم أو في زمان وقوع الحرب بين أنفسهم ومقاتلة بعضهم مع بعض لا بأس ببيعه لهم، خصوصاً إذا كان في ذلك تقويةً لمن لا يعادي المسلمين على مَن يعاديهم. ويلحق بالكفّار(1) مَن يعادي الفرقة الحقّة من سائر الفِرق المسلمة ويخشى عليهم إذا بِيعَ السلاح لهم، ولا يبعد التعدّي إلى قطّاع الطريق وأشباههم، بل لا يبعد التعدّي من بيع السلاح لأعداء الدين إلى بيع غيره لهم ممّا يكون سبباً لتقويتهم على أهل الحقّ كالزاد والراحلة والحمولة ونحوها.
(مسألة 12): يحرم تصوير ذوات الأرواح من الإنسان والحيوان إذا كانت الصورة مُجسّمةً، كالمعمولة من الشمع أو الخشب أو الفلزّات أو غيرها، وكذا مع عدم التجسيم(2) أيضاً على الأحوط وإن لم يكن الأقوى، وأمّا تصوير غير ذوات الأرواح كالأشجار والأوراد ونحوها فلا بأس به ولو مع التجسيم. ولا فرق بين أنحاء إيجاد الصورة من النقش والتخطيط والتطريز والحكّ وغير ذلك، والظاهر: أنَّه ليس من التصوير العكس المتداول في زماننا، فلا بأس به إذا لم يترتّب عليه مفسدة. وكما يحرم عمل التصوير من ذوات الأرواح يحرم التكسّب(3) به وأخذ الأجرة عليه، فإنَّ الله تعالى إذا حرّم شيئاً حرم ثمنه. هذا كلّه في عمل الصور، وأمّا
ــــــ[16]ـــــــ
(1) إلَّا أنَّ المعاملة صحيحةٌ وإن كانت من أشدّ المحرّمات. وكذا ما بعده إلى آخر المسألة.
(2) الأقوى الجواز في مثل ذلك.
(3) فيما يحرم صنعه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بيعها واقتناؤها واستعمالها والنظر إليها فالأقوى جواز ذلك كلّه خصوصاً في غير المجسّمة، وليست هي كآلات اللهو وشبهها ممّا يحرم اقتناؤها وإبقاؤها ويجب كسرها وإتلافها. نعم يكره اقتناؤها وإمساكها في البيت، ولا سيّما المجسّمة منها، فإنَّ الكراهة بيعاً واقتناءً فيها أشدّ وآكد.
(مسألة 13): الغناء حرامٌ فعله وسماعه والتكسّب به، وليس هو مجرّد تحسين الصوت، بل هو مدّ الصوت وترجيعه بكيفيةٍ خاصّةٍ مُطربةٍ تناسب مجالس(1) اللهو ومحافل الاستيناس والطرَب ويوالم مع(2) آلات الملاهي واللعب. ولا فرق بين استعماله في كلامٍ حقٍّ من قراءةٍ أو دعاءٍ أو مرثيّةٍ وغيره من شعرٍ أو نثرٍ، بل يتضاعف عقابه لو استعمله فيما يطاع به الله تعالى كقراءة القرآن ونحوها. نعم قد يُستثنى غناء المغنيّات في الأعراس وليس ببعيدٍ(3)، وإن كان الأحوط تركه.
(مسألة 14): معونة الظالمين في ظلمهم بل في كل محرّمٍ محرّمٌ بلا إشكال، بل ورد عن النبيّ: ((مَن مشى إلى ظالمٍ ليُعينه وهو يعلم أنَّه ظالمٌ فقد خرج عن الإسلام. وعنه: إذا كان يوم القيامة يُنادي منادٍ: أين الظلمة؟ أين أعوان الظلمة؟ أين أشباه الظلمة؟ حتّى من برأ لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجتمعون في تابوتٍ من حديدٍ ثُمَّ يُرمى بهم في جهنّم)). وأمّا معونتهم في غير المحرّمات فالظاهر جوازه ما لم يُعدَ من أعوانهم وحواشيهم والمنسوبين إليهم ولم يكن اسمه
ــــــ[17]ـــــــ
(1) وإن لم تكن فيها.
(2) وإن لم تكن معها.
(3) إذا لم يكن مقارناً لمحرّمٍ آخر بما فيها الكذب والغيبة، فضلاً عن آلات اللهو.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مقيّداً في دفترهم وديوانهم.
(مسألة 15): يحرم حفظ كتب الضلال ونسخها وقراءتها والنظر فيها ودرسها وتدريسها إذا لم يكن غرضٌ صحيحٌ في ذلك، كأن يكون قاصداً لنقضها وإبطالها وكان أهلاً لذلك وكان مأموناً من الضلال، وأمّا مجرّد الاطّلاع على مطالبها فليس من الأغراض الصحيحة المجوّزة لحفظها لغالب الناس من العوامّ الذين يُخشى عليهم(1) الضلال والزلل، فاللازم على أمثالهم التجنّب عن الكتب المشتملة على ما يخالف عقائد المسلمين، خصوصاً ما اشتمل منها على شبهاتٍ ومغالطاتٍ عجزوا عن حلّها ودفعها، ولا يجوز لهم شراؤها وإمساكها وحفظها، بل يجب عليهم إتلافها.
(مسألة 16): عمل السحر وتعليمه وتعلّمه والتكسّب به حرامٌ، حتّى ورد في الخبر: ((أنَّ الساحر كالكافر، ومَن تعلّم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً فقد كفر وكان آخر عهده بربّه إلَّا أن يتوب)). والمراد بالسحر(2): ما يُعمل من كتابةٍ أو تكلّمٍ أو دخنةٍ أو تصويرٍ أو نفثٍ أو عقدٍ يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله فيؤثّر في إحضاره أو إنامته(3) أو إغمائه أو تحبيبه(4) أو تبغيضه ونحو ذلك. ويلحق
ــــــ[18]ـــــــ
(1) إذا كانت الخشية فعليّةً لم يجز، ولا يغالط الفرد نفسه.
(2) الأظهر: ضرورة انطباق المفهوم العرفي على الفرد: أنَّه ساحرٌ، بعد التدقيق بحاله. ولا يرتبط ذلك بكون تأثير السحر واقعيّاً أم لا. وكذلك يحرم ما ينتج الضرر دون ما كان لدفع السحر.
(3) لا شكّ أنَّ هذا بمجرّده جائزٌ؛ إذ قد يحدث بدون سحر.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
به(1): استخدام الملائكة وإحضار الجنّ وتسخيرهم وإحضار الأرواح وتسخيرها وأمثال ذلك، بل ويلحق به(2)، أو يكون منه: الشعبذة، وهي إراءة غير الواقع واقعاً بسبب الحركة السريعة، نظير ما يُرى من إدارة النار بالحركة السريعة دائرةً متّصلةً مع أنَّها بحسب الواقع منفصلة. وكذلك الكهانة(3)، وهي: تعاطي الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان بزعم أنَّه يُلقي إليه الأخبار عنها بعض الجانّ، أو بزعم أنَّه يعرف الأُمور بمقدّماتٍ وأسبابٍ يستدلّ بها على مواقعها. والقيافة، وهي: الاستناد(4) إلى علاماتٍ خاصّةٍ في إلحاق بعض الناس ببعض، وسلب بعضٍ عن بعضٍ، على خلاف ما جُعِلَ في الشرع ميزاناً للإلحاق وعدمه من الفراش ونحوه. والتنجيم، وهو: الإخبار(5) – على البتِّ والجزم(6)- عن حوادث الكون من الرخص والغلاء والجدب والخصب وكثرة الأمطار وقلّتها وغير ذلك من الخير والشرّ والنفع والضرّ مستنداً إلى الحركات الفلكيّة والنظرات والاتّصالات
ــــــ[19]ـــــــ
(1) إلحاقه مبنيٌّ على ضرب من الاحتياط، والظاهر: الجواز، مع عدم وجود عنوانٍ ثانويٍّ كإيذاء المؤمنين من الخلق أو إكراههم واحتقارهم.
(2) الظاهر: أنَّه ليس منه، ومن هنا جاز تعلّمه وعلمه، إلَّا أنَّ التكسّب به حرامٌ؛ لكونه سفهيّاً.
(3) وهي: توفير الوقت لذلك، بحيث يصدق عليه عرفاً عنوان الكاهن. وأمّا مجرّد الاستخبار فهو ممّا يُعرف ممّا قلناه حول استحضار الجنّ.
(4) بحيث يحصل البتّ في ذلك أو أخذ الأجرة عليه، وأمّا مجرّد الظنّ به فلا دليل على حرمته.
(5) مع كونه منافياً للعقائد والمفاهيم الدينيّة دون ما لا ينافيها.
(6) دون عرضه بشكلٍ ظنّيٍّ قابلٍ لاحتمال الخلاف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الكوكبيّة معتقداً تأثيرها في هذا العالم. وليس منه(1): الإخبار عن الخسوف والكسوف والأهلّة واقتران الكواكب وانفصالها، لأنَّ أمثال ذلك بسبب الحساب بعد ضبط الحركات ومقاديرها وتعيين مدارات الكواكب وأوضاعها، ولها أصولٌ وقواعد سديدةٌ عندهم، والخطأ الواقع أحياناً منهم في ذلك ناشٍ من الخطأ في الحساب.
(مسألة 17): يحرم الغشّ(2) بما يخفى في البيع والشراء، كشوب اللبن بالماء وخلط الطعام الجيّد بالرديء ومزج الدهن بالشحم ونحو ذلك من دون إعلام، ففي النبويّ: «ليس منّا مَن غشّ مسلماً أو ضرّه أو ماكره» وفي النبوي الآخر: «مَن غشّ مسلماً في بيعٍ أو شراءٍ فليس منّا، ويُحشر مع اليهود يوم القيامة؛ لأنَّه مَن غشّ الناس فليس بمسلم» إلى أن قال: «مَن غشّنا فليس منّا» قالها ثلاثاً: «ومَن غشّ أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه، وسدّ عليه معيشته ووكله إلى نفسه».
وقال مولانا الصادق لرجل يبيع الدقيق: «إيّاك والغشّ؛ فإنَّ مَن غَشّ غُشّ في ماله، فإن لم يكن له مالٌ غُشّ في أهله». ولا يفسد أصل المعاملة بوقوع الغشّ وإن حرم فعله وأوجب الخيار للمغشوش بعد الاطّلاع. نعم لو كان الغش بإظهار الشيء على خلاف جنسه – كبيع المموّه على أنَّه ذهبٌ أو فضّةٌ ونحو ذلك- فسد أصل المعاملة(3).
ــــــ[20]ـــــــ
(1) هذا باعتبار عدم منافاته للعقائد الدينيّة، لا من باب عدم اندراجه فيه موضوعاً.
(2) وتكون المعاملة محلاً لخيار الفسخ وسيشير إليه الماتن.
(3) إذا كان البيع بقصد الجنس المطلوب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 18): يحرم أخذ الأجرة على ما يجب عليه فعله ولو كفائيّاً(1)، كتغسيل الموتى وتكفينهم ودفنهم. نعم لو كان الواجب توصّلياً كالدفن ولم يبذل المال لأجل أصل العمل بل لأجل اختيار عملٍ خاصٍّ لا بأس به؛ فالمحرم أخذ الأجرة لأصل الدفن.
وأمّا إذا اختار الوليّ مكاناً خاصّاً وقبراً مخصوصاً وأعطى المال للحفّار لحفر ذلك المكان الخاصّ فالظاهر أنَّه لا بأس به، كما أنَّه لا بأس بأخذ الطبيب الأجرة للحضور عند المريض، وإن أشكل أخذها(2) لأجل أصل المعالجة. هذا لو كان الواجب توصّليّاً لا يشترط فيه قصد القربة كالدفن، وأمّا لو كان تعبّديّاً(3) يشترط فيه التقرّب كالتغسيل فلا يجوز أخذ الأجرة عليه على أيّ حال. نعم لا بأس بأخذها على بعض الأُمور الغير الواجبة كما تقدّم في غسل الميّت. وممّا يجب على الإنسان: تعليم مسائل الحلال والحرام، فلا يجوز(4) أخذ الأجرة عليه، وأمّا تعليم الأطفال للقرآن فضلاً عن غيره من الكتابة وقراءة الخطّ وغير ذلك فلا بأس بأخذ الأجرة عليه. والمراد بأخذ الأجرة على الواجبات: أخذها على ما وجب على نفس الأجير، وأمّا ما وجب على غيره ولا يعتبر فيه المباشرة فلا بأس بأخذ الأجرة عليه حتّى في العبادات التي يشرع فيها النيابة، حيث إنَّ الأجرة تكون في قبال النيابة
ــــــ[21]ـــــــ
(1) لصحّة الإجارة عندئذٍ وجهٌ، فيكون بطلانها مبنيّاً على ضربٍ من الاحتياط.
(2) لا إشكال فيه على الأقرب.
(3) ظهر ما فيه قبل تعليقتين.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة، فإنَّها جميعاً من بابٍ واحدٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عنه، فلا بأس بالاستيجار للأموات في العبادات كالحجّ والصوم والصلاة.
(مسألة 19): كما أنَّ في الشرع معاملاتٍ ومكاسب محرّمةً يجب الاجتناب عنها كذلك مكاسب مكروهةٌ ينبغي التنزّه عنها، وهي أُمور:
منها: بيع الصرف، فإنَّه لا يسلم من الربا.
ومنها: بيع الأكفان، فإنَّه لا يسلم من أن يسرّه الوباء وكثرة الموتى.
ومنها: بيع الطعام، فإنَّه لا يسلم من الاحتكار وحبّ الغلاء ونزعت منه الرحمة.
ومنها: بيع الرقيق، فإنَّ شرّ الناس من باع الناس.
وإنَّما يكره البيوع المزبورة فيما إذا جعلها حرفةً له على وجهٍ يكون صيرفيّاً وبيّاع أكفانٍ وحنّاطاً ونخّاساً، لا بمجرّد صدورها منه أحياناً.
ومنها: اتّخاذ الذبح والنحر صنعةً، فإنَّ صاحبها يقسو قلبه ويُسلب منه الرحمة.
ومنها: صنعة الحياكة فإن الله تعالى قد سلب عن الحِوَكَة عقولهم وروي ان عقل أربعين معلماً عقل حائك وعقل حائك عقل امرأة والمرأة لا عقل لها بل ورد ان ولد الحائك لا ينجب إلى سبعة أبطن.
ومنها: صنعة الحجامة وكسبها، خصوصاً إذا كان يشترط الأجرة على العمل.
ومنها: التكسّب بضراب الفحل، بأن يؤاجره لذلك مع ضبطه بالمرّة أو المرّات المعيّنة أو بالمدّة أو بغير الإجارة. نعم، الظاهر: أنَّه لا كراهة فيما يعطى له بعنوان الإهداء والإكرام عوضاً عن ذلك.
ــــــ[22]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
[في آداب التجارة]
(مسألة 20): لا ريب أنَّ التكسّب وتحصيل المعيشة بالكدّ والتعب محبوبٌ عند الربِّ، فعن النبيّ: العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال.
وعن مولانا أمير المؤمنين: إنَّ الله عزّ وجلّ يحب المحترف الأمين.
وعن مولانا الباقر: مَن طلب الدنيا استعفافاً عن الناس وسعياً على أهله وتعطّفاً على جاره لقي الله عزّ وجلّ يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر.
وأفضل المكاسب التجارة؛ فعن مولانا أمير المؤمنين: اتّجروا بارك الله لكم، فإنّي سمعت رسول الله يقول: «الرزق عشرة أجزاءٍ، تسعة أجزاءٍ في التجارة وواحدٌ في غيرها».
وفي خبرٍ آخر عنه: تسعة أعشار الرزق في التجارة، والجزء الباقي في السابياء- يعني الغنم.
ثُمَّ الزرع والغرس، وأفضله النخل؛ فعن مولانا الباقر قال: كان أبي يقول: خير الأعمال الحرث تزرع فيأكل منه البرّ والفاجر – إلى أن قال- ويأكل منه البهائم والطير.
وعن مولانا الصادق: ازرعوا واغرسوا، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحلّ وأطيب منه.
وعنه: الزارعون كنوز الأنام، يزرعون طيّباً أخرجه الله عزّ وجلّ، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً وأقربهم منزلةً يُدعون المباركين.
وعنه: الكيمياء الأكبر: الزراعة.
ــــــ[23]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ثُمَّ اقتناء الأغنام للاستفادة، فإنَّ فيها البركة؛ فعن مولانا الصادق: إذا اتّخذ أهل بيتٍ شاةً أتاهم الله برزقها وزاد في أرزاقهم، وارتحل عنهم الفقر مرحلةً، فإن اتّخذوا شاتين أتاهم الله بأرزاقهما وزاد في أرزاقهم وارتحل عنهم الفقر مرحلتين، وإن اتّخذوا ثلاثة أتاهم الله بأرزاقها وارتحل عنهم الفقر رأساً.
وعنه: ما مِن أهل بيتٍ تروح عليهم ثلاثون شاةً إلَّا لم تزل الملائكة تحرسهم حتّى يصبحوا.
ثُمَّ اقتناء البقر، فإنَّها تغدو بخيرٍ وتروح بخيرٍ.
وأما الإبل فقد نُهي عن إكثارها؛ فعن النبيّ: إنَّ فيها الشقاء والجفاء والعناء.
(مسألة 21): يجب على(1) كلّ من يباشر التجارة وسائر أنواع التكسّب تعلّم أحكامها والمسائل المتعلّقة بها؛ ليعرف صحيحها عن فاسدها، ويسلم من الربا؛ فعن مولانا أمير المؤمنين كان على المنبر وهو يقول: يا معشر التجّار الفقه ثُمَّ المتجر، الفقه ثُمَّ المتجر، الفقه ثُمَّ المتجر، والله للربا في هذه الأمّة أخفى من دبيب النمل على الصفا، شوبوا إيمانكم بالصدق، التاجر فاجرٌ والفاجر في النار إلَّا من أخذ الحقّ وأعطى الحقّ.
وعنه: من اتّجر بغير علمٍ ارتطم في الربا ثُمَّ ارتطم.
وعنه: لا يقعدنّ في السوق إلَّا مَن يعقل الشراء والبيع.
ــــــ[24]ـــــــ
(1) وجوباً طريقيّاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وعن مولانا الصادق: مَن أراد التجارة فليتفقّه في دينه ليعلم بذلك ما يحلّ له ممّا يحرم عليه، ومن لم يتفقّه في دينه ثُمَّ اتّجر تورّط في الشبهات.
والقدر اللازم أن يكون عالماً ولو عن تقليدٍ بحكم التجارة والمعاملة التي يوقعها حين إيقاعها، بل ولو بعد إيقاعها، بأن يوقع(1) معاملةً مشكوكةً في صحّتها وفسادها ثُمَّ يسأل عن حكمها فإذا تبيّن كونها صحيحةً رتّب عليها الأثر وإلَّا فلا. نعم فيما اشتبه حكمه من جهة الحرمة والحلّية لا من جهة مجرّد الفساد والصحّة كموارد الشكّ في كون المعاملة ربويّةً يجب على الجاهل الاجتناب حتّى يسأل عن حكمه ويتعلّمه.
[آداب التجارة المستحبة والمكروهة]
(مسألة 22): للتجارة والتكسّب آدابٌ مستحبّةٌ ومكروهةٌ.
أمّا المستحبّة
فأهمّها: الإجمال في الطلب والاقتصاد فيه؛ فعن مولانا الصادق: ليكن طلبك المعيشة فوق كسب المضيع ودون طلب الحريص.
وعن مولانا الباقر: قال رسول الله وسلم: إلَّا أنَّ الروح الأمين نفث في روعي: أنَّه لا تموت نفسٌ حتّى تستكمل رزقها، فاتّقوا الله عزّ وجلّ وأجملوا في الطلب، ولا يحملنّكم استبطاء شيءٍ من الرزق أن تطلبوه بشيءٍ من معصية الله، فإنَّ الله تبارك وتعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالاً ولم يقسمها
ــــــ[25]ـــــــ
(1) بقصد الرجاء ونحوه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حراماً، فمَن اتّقى الله عزّ وجلّ وصبر آتاه الله برزقه من حلّه، ومن هتك حجاب الستر وعجّل فأخذه من غير حلّه قصّ به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة.
ومنها: التسوية بين المبتاعين في السعر، فلا يفرّق بين المماكس وغيره، بأن يقلّل الثمن للأوّل ويزيده للثاني. نعم لو فرّق بينهم بسبب الفضل والدين ونحو ذلك فالظاهر أنَّه لا بأس.
ومنها: أن يقبض لنفسه ناقصاً ويعطي راجحاً.
وأمّا المكروهة فأُمور:
منها: مدح البائع لمِا يبيعه.
ومنها: ذمّ المشتري لما يشتريه.
ومنها: اليمين صادقاً على البيع والشراء؛ ففي النبويّ: أربعٌ مَن كنّ فيه طاب مكسبه: إذا اشترى لم يعب، وإذا باع لم يمدح، ولا يدلس، وفيما بين ذلك لا يحلف.
ومنها: البيع في موضعٍ يستتر فيه العيب.
ومنها: الربح على المؤمن وعلى مَن وعده بالإحسان إلَّا مع الضرورة أو كون الشراء للتجارة.
ومنها: السوم ما بين الطلوعين.
ومنها: الدخول إلى السوق أوّلاً والخروج منه أخيراً، بل ينبغي أن يكون آخر داخلٍ وأوّل خارجٍ عكس المسجد.
ومنها: مبايعة الأدنين الذين لا يبالون بما قالوا وما قيل لهم ولا يسرّهم
ــــــ[26]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الإحسان ولا تسوؤهم الإساءة والذين يحاسبون على الشيء الدنيء.
ومنها: مبايعة ذوي العاهات والأكراد والمحارف ومن لم ينشأ في الخير كمستحدثي النعمة.
ومنها: التعرّض للكيل أو الوزن أو العدّ أو المساحة إذا لم يحسنه.
ومنها: الاستحطاط من الثمن بعد العقد.
ومنها: الدخول في سوم المؤمن على الأظهر، وقيل بالحرمة، والمراد به الزيادة في الثمن أو بذل مبيعٍ غير ما بذله البائع الأوّل ليكون الشراء أو البيع له بعد تراضي الأوّلين والإشراف على إيقاع العقد في البين، فلا يكون منه الزيادة فيما إذا كان المبيع في المزايدة.
ومنها: أن يتوكّل حاضرٌ عارفٌ بسعر البلد لبادٍ غريبٍ جاهلٍ غافلٍ، بأن يصير وكيلاً عنه في البيع والشراء، ففي النبوي: لا يبيع حاضرٌ لبادٍ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض. وفي النبوي الآخر: دعوا الناس على غفلاتها.
ومنها: تلقّي الركبان والقوافل واستقبالهم للبيع عليهم أو الشراء منهم قبل وصولهم إلى البلد، وقيل: يحرم وإن صح البيع(1) والشراء لو تلقّى وباع أو اشترى، وهو الأحوط وإن كان الأظهر الكراهة، وإنَّما يكره أو يحرم بشروط:
«أحدها»: كون الخروج بقصد ذلك، فلو خرج لا لذلك فاتّفق الركب لم يثبت الحكم.
ــــــ[27]ـــــــ
(1) ويثبت للبائع الخيار إن ثبت الغبن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
«ثانيها»: تحقّق مسمّى الخروج من البلد، فلو تلقّى الركب في أوّل وصوله إلى البلد لم يثبت الحكم.
«ثالثها»: أن يكون دون الأربعة فراسخ، فلو تلقّى في الأربعة فصاعداً لم يثبت الحكم بل يكون سفر تجارة. وفي اعتبار كون الركب جاهلاً بسعر البلد فيما يبيعه أو يشتريه وجهٌ وإن كان الأحوط التعميم، وهل يعمّ الحكم غير البيع والشراء كالإجارة ونحوها؟ وجهان(1).
[في آداب التجارة والاحتكار]
(مسألة 23): الاحتكار(2)- وهو حبس الطعام وجمعه يتربّص به الغلاء- حرامٌ مع ضرورة المسلمين وحاجتهم وعدم وجود من يبذل لهم قدر كفايتهم؛ فعن النبيّ: طرق طائفة من بني إسرائيل ليلاً عذابٌ وأصبحوا وقد فقدوا أربعة أصناف: الطبّالين والمغنّين والمحتكرين للطعام والصيارفة، آكلة الربا منهم.
وعنه: لا يحتكر الطعام إلَّا خاطئ. وعنه عن جبرئيل: أطلعت في النار فرأيت وادياً في جهنم يغلي. فقلت: يا مالك لمن هذا؟ فقال: لثلاثة: المحتكرين، والمدمنين للخمر، والقوّادين.
نعم مجرّد حبس الطعام انتظاراً لعلوّ السعر مع عدم ضرورة الناس ووجود الباذل ليس بحرام وإن كان مكروهاً، ولو لم يحبسه للبيع في زمان الغلاء بل كان
ــــــ[28]ـــــــ
(1) والأظهر العدم إلَّا أنَّه يثبت خيار الغبن أيضاً.
(2) يعني: في الأُمور المعيّنة الآتية في المتن دون غيرها، ما لم يكن فيه إنقاذ بعض النفوس من الموت أو الضرر البليغ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لصرفه في محاويجه فلا حرمة ولا كراهة، وإنَّما يتحقّق الاحتكار بحبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن وكذا الزيت والملح على الأحوط لو لم يكن أقوى، بل لا يبعد(1) تحقّقه في كلّ ما يحتاج إليه عامّة أهالي البلد من الأطعمة كالأرز والذرة بالنسبة إلى بعض البلاد.
ويجبر المحتكر على البيع، ولا يعيّن عليه السعر بل له أن يبيع بما شاء إلَّا إذا أجحف فيجبر على النزول من دون تسعيرٍ عليه.
[في الولاية من قبل الجائر]
(مسألة 24): لا يجوز مع الاختيار الدخول في الولايات والمناصب والأشغال من قبل الجائر، وإن كان أصل الشغل مشروعاً مع قطع النظر عن كونه متولّياً من قبل الجائر، كجباية الخراج وجمع الزكاة وتولّى المناصب الجنديّة والأمنيّة وحكومة البلاد ونحو ذلك، فضلاً عمّا كان غير مشروعٍ في نفسه كأخذ العشور والقمرك [الجمارك] وغير ذلك من أنواع الظلم المبتدعة. نعم يسوغ كلّ ذلك مع الجبر(2) والإكراه بإلزام من يخشى من التخلّف عن إلزامه على نفسه أو عرضه أو ماله إلَّا في الدماء المحترمة(3) فإنَّه لا تقيّة فيها، كما أنَّه يسوغ خصوص القسم الأوّل، وهو الدخول في الولاية على أمرٍ مشروعٍ في نفسه للقيام بمصالح(4)
ــــــ[29]ـــــــ
(1) ظهر ما فيه؛ ولكنّه مبنيّ على الاحتياط الاستحبابي أو الاستحباب.
(2) مع الموازنة بين ما يتحمّله وما يفعله، فقد لا يكون جائزاً مع الإكراه الاعتيادي لمدى ما يحصل فيه من الظلم، وخاصّة إذا كان من النوع غير المشروع في نفسه.
(3) يعني: القتل فيقدّم نفسه، وأمّا ما دونه فهو مشمولٌ للتعليقة السابقة.
(4) مع العزم على ذلك واحتمال تحقّقه بمقدارٍ معقولٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المسلمين وإخوانه في الدين، فعن مولانا الصادق: كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان.
وعن زياد بن أبي سلمة قال: دخلت على أبي الحسن موسى فقال لي: يا زياد إنّك لتعمل عمل السلطان؟ قال: قلت أجل. قال لي: ولم؟ قلت: أنا رجلٌ لي مروّةٌ وعليّ عيالٌ وليس وراء ظهري شيءٌ. فقال لي: يا زياد لأن أسقط من حالق فأتقطّع قطعةً قطعةً أحبّ إليّ من أن أتولّى لهم عملاً أو أطأ بساط رجلٍ منهم إلَّا لماذا قلت: لا أدري جعلت فداك؟ قال: إلَّا لتفريج كربةٍ عن مؤمنٍ أو فكّ أسره أو قضاء دَينه- إلى أن قال- يا زياد فإن ولّيت شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك، فواحدةٌ بواحدةٍ، والله من وراء ذلك- الخبر.
وعن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي قال: كتبت إلى أبي الحسن استأذنه في أعمال السلطان. فقال: لا بأس به ما لم تغيّر حكماً ولم تبطل حدّاً، وكفّارته قضاء حوائج إخوانكم.
بل لو كان دخوله فيها بقصد الإحسان إلى المؤمنين ودفع الضرر عنهم كان راجحاً، وقد ورد عن أئمّتنا الحثّ عليه والترغيب فيه، فقد روى الصدوق عن مولانا الكاظم: أنَّ لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه. قال: وفي خبرٍ آخر: أولئك عتقاء الله من النار.
وعن محمد بن إسماعيل بن بزيغ، قال أبو الحسن الرضا: إنَّ لله تعالى بأبواب الظالمين مَن نوّر الله به البرهان ومكّن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه ويصلح بهم أُمور المسلمين، إليهم يلجأ المؤمن من الضرّ، وإليهم يفزع ذو الحاجة من ــــــ[30]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
شيعتنا، وبهم يؤمّن الله روعة المؤمن في دار الظلم، أولئك هم المؤمنون حقّاً، أولئك أمناء الله في أرضه – إلى أن قال- خُلقوا والله للجنّة وخُلقت لهم، فهنيئاً لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كلّه. قال: قلتُ بما ذا جعلني الله فداك؟ قال: يكون معهم فيسرّنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمّد.
والأخبار في هذا المعنى كثيرةٌ، بل ربما بلغ الدخول في بعض المناصب والاشغال لبعض الأشخاص أحياناً إلى حدّ الوجوب، كما إذا تمكّن شخصٌ بسببه على دفع مفسدةٍ دينيّةٍ أو المنع عن بعض المنكرات الشرعيّة مثلاً، ومع ذلك فيها خطراتٌ كثيرةٌ إلَّا لمن عصمه الله تعالى.
(مسألة 25): ما تأخذه(1) الحكومة من الضريبة على الأراضي جنساً أو نقداً وعلى النخيل والأشجار يعامل معاملة ما يأخذه السلطان العادل، فتبرأ(2) ذمّة الدافع عما كان عليه من الخراج الذي هو أجرة الأرض الخراجيّة، ويجوز(3) لكلّ أحدٍ شراؤه وأخذه مجّاناً وبالعوض والتصرّف فيه بأنواع التصرّف، بل لو لم تأخذه الحكومة وحوّل شخصاً على مَن عليه الخراج بمقدارٍ فدفعه إلى المحتال يحلّ له وتبرأ ذمّة المحوّل عليه عمّا عليه، لكنّ الأحوط خصوصاً في مثل هذه الأزمنة رجوع مَن ينتفع بهذه الأراضي ويتصرّف فيها في أمر خراجها وكذلك مَن يصل
ــــــ[31]ـــــــ
(1) هذا غير متحقّقٍ في عصرنا الحاضر. وفي قياس الحاكم الاعتيادي على الحاكم المدّعي للخلافة إشكال.
(2) ظهر ما فيه من التفصيل في التعليقة السابقة.
(3) ظهر ما فيه ممّا قلناه. ومنه يظهر حكم ما بعده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إليه من هذه الأموال شيءٌ إلى حاكم الشرع أيضاً. والظاهر أنَّ حكم السلطان(1) المؤالف كالمخالف، وإن كان الاحتياط بالرجوع إلى حاكم الشرع في الأوّل أشدّ(2).
(مسألة 26): يجوز لكل أحدٍ(3) أن يتقبّل الأراضي الخراجيّة ويضمنها من الحكومة بشيءٍ وينتفع بها بنفسه بزرعٍ أو غرسٍ وغيره، أو يقبلها(4) ويضمنها لغيره ولو بالزيادة، كما يصنعه بعض الشيوخ والزعماء يتقبّلون بعض الأراضي من الحكومة بضريبةٍ مقرّرةٍ ثُمَّ يقبلونها قطعاً قطعاً(5) لأشخاصٍ بتلك الضريبة أو بأزيد منها.
(مسألة 27): إذا دفع إنسانٌ مالاً إلى أحد ليصرفه في طائفةٍ وكان المدفوع إليه بصفتهم، كما إذا دفع إلى فقير مالاً زكاةً أو غيرها ليصرفه في الفقراء أو إلى شخص هاشميٍّ خمساً أو غيره ليصرفه في السادة ولم يعيّن شخصاً معيّناً جاز له أن يأخذ مثل أحدهم من غير زيادة، وكذا له أن يصرفه في عياله، خصوصاً إذا أعطاه وقال إنَّ هذا للفقراء أو مصرفه الفقراء أو السادة مثلاً، وإن كان الأحوط(6) عدم أخذه منه شيئاً إلَّا بإذنٍ صريحٍ.
ــــــ[32]ـــــــ
(1) إذا لم يكن مدّعياً للخلافة ولا شرعيّاً أو مجازاً من قبله، فالأظهر عدم حجيّته في معاملاته وملكيّاته.
(2) لعلّ الأظهر العكس، ومع عدم الحجيّة المشار إليها في التعليقة السابقة يكون الرجوع إليه لازماً وضعاً لا مستحبّاً.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة وما قبلها.
(4) هذا غير جائز ما لم يحدث فيها حدثاً أو يبذل فيها مالاً، بغضّ النظر عن مصدرها.
(5) لا يكفي تقطيع الأرض بمجرّده للجواز.
(6) وجهه ضعيف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب البيع
[في عقد البيع]
(مسألة 1): عقد البيع يحتاج إلى إيجابٍ وقبولٍ، والأقوى عدم اعتبار العربيّة، بل يقع بكلّ لغةٍ ولو مع إمكان العربيّ، كما أنَّه لا يعتبر فيه الصراحة بل يقع بكل لفظٍ دالٍّ على المقصود عند أهل المحاورة كـ «بعت» و«ملكت» ونحوهما في الإيجاب، و«قبلت» و«اشتريت» و«ابتعت» ونحو ذلك في القبول، كما أنَّ الظاهر عدم اعتبار الماضويّة، فيجوز بالمضارع وإن كان المشهور اعتبارها، ولا ريب أنَّه الأحوط، وهل يعتبر فيه عدم اللحن من حيث المادّة والهيئة والإعراب لو أوقعه بالعربيّ؟ الظاهر: العدم إذا كان دالاً على المقصود عند أبناء المحاورة وعُدّ ملحوناً من الكلام لا كلاماً آخر ذُكر في هذا المقام، كما إذا قال «بعت» بفتح الباء أو «بعت» بكسر العين وسكون التاء، وأولى بذلك اللغات المحرَّفة كالمتداولة بين أهل السواد ومن ضاهاهم.
(مسألة 2): الظاهر: جواز تقديم القبول على الإيجاب إذا كان بمثل (اشتريت) و(ابتعت) لا بمثل (قبلت) و(رضيت)، وأمّا إذا كان بنحو الأمر والاستيجاب كما إذا قال من يريد الشراء: بعني الشيء الفلاني بكذا، فقال البائع: بعتكه بكذا ففي صحّته وتماميّة العقد به إشكالٌ لا يبعد الصحّة، وإن كان
ــــــ[33]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأحوط إعادة المشتري القبول.
(مسألة 3): يعتبر الموالاة بين الإيجاب والقبول، بمعنى عدم الفصل الطويل بينهما بما يخرجهما عن عنوان العقد والمعاقدة، ولا يضرّ القليل بحيث يصدق معه أنَّ هذا قبول لذلك الإيجاب.
(مسألة 4): يعتبر في العقد التطابق بين الإيجاب والقبول، فلو اختلفا – بأن أوجب البائع البيع على وجهٍ خاصّ من حيث المشتري أو المبيع أو الثمن أو توابع العقد من الشروط وقبل المشتري على وجهٍ آخر- لم ينعقد، فلو قال البائع: «بعتُ هذا من موكّلك بكذا» فقال الوكيل: «اشتريته لنفسي» لم ينعقد.
نعم لو قال: «بعت هذا من موكّلك» فقال الموكّل الحاضر الغير المخاطب: «قبلت» لم يبعد الصحّة، ولو قال: «بعتك هذا بكذا» فقال: «اشتريت لموكّلي»، فإن كان الموجب قاصداً(1) وقوع البيع للمخاطب بما هو هو وبنفسه لم ينعقد، وأمّا إذا كان قاصداً له أعمّ من كونه أصيلاً أو كونه نائباً ووكيلاً صحّ وانعقد.
ولو قال: «بعتك هذا بألف» فقال: «اشتريت نصفه بألف أو بخمسمائة» لم ينعقد، بل لو قال: «اشتريت كلّ نصفٍ منه بخمسمائة» لا يخلو من إشكال(2). ولو قال لشخصين: «بعتكما هذا بألف» فقال أحدهما: «اشتريت نصفه بخمسمائة» لم ينعقد(3)، وأمّا لو قال كلّ منهما ذلك لا يبعد الصحّة، لكنّه لا يخلو من إشكال(4).
ــــــ[34]ـــــــ
(1) كما هو الغالب عادةً.
(2) الظاهر عدم الإشكال.
(3) إن كان قصد الموجب بشرط شيءٍ بالنسبة إلى البيعين، وأمّا بخلافه فلا يبعد الصحّة.
(4) وجهه ضعيف؛ لأنَّه لا يزيد عن القبول عرفاً.تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ولو قال: «بعتك هذا بهذا على أن يكون لي الخيار ثلاثة أيّام» فقال: «اشتريت»، فإن فهم ولو من ظاهر الحال والمقام أنَّه قصد(1) شراءه على الشرط الذي ذكره البائع صحّ وانعقد، وإن قصده مطلقاً وبلا شرطٍ لم ينعقد. وما لو انعكس – بأن أوجب البائع بلا شرط وقبل المشتري معه- فلا ينعقد مشروطاً قطعاً، وهل ينعقد مطلقاً وبلا شرط؟ فيه إشكال(2).
(مسألة 5): يقوم مقام اللفظ مع التعذّر لخرس ونحوه الإشارة المفهمة ولو مع التمكّن من التوكيل(3) على الأقوى، كما أنَّه يقوم مقامه الكتابة مع العجز عنه وعن الإشارة، وأمّا مع القدرة عليها فالظاهر تقدّمها على الكتابة(4).
[في المعاطاة]
(مسألة 6): الأقوى وقوع البيع بالمعاطاة، سواءٌ كان في الحقير أو الخطير، وهي عبارةٌ عن تسليم العين(5) بقصد كونها ملكاً للغير بالعوض وتسليم عينٍ
ــــــ[35]ـــــــ
(1) كما هو كذلك عادةً وعرفاً ما لم تقم القرينة بخلافه.
(2) والاحتياط لا يترك، ومنه يُعرف: أنَّ الشرائط النافذة إنَّما تكون في المتقدّم من الإيجاب والقبول، لا في المتأخّر منهما.
(3) يعني: اللفظي وإلَّا كان الجواز أولى.
(4) مع عدم الاطمئنان من صدورها من الشخص المطلوب. وأمّا مع الاطمئنان فلا إشكال فيها، بل هي تعدل اللفظ عرفاً، والنصوص الواردة محمولةٌ على الأوّل.
(5) بعد المقاولة والتفاهم المسبق؛ لأنَّ البيع يتمّ بالقصد إليه مع الإبراز بقولٍ أو بفعلٍ، ولا يكون الفعل مبرزاً عرفاً إلَّا بذلك عادةً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أُخرى من آخر بعنوان العوضيّة. والظاهر تحقّقها بمجرّد تسليم(1) المبيع بقصد التمليك بالعوض مع قصد المشتري في أخذه التملّك بالعوض، فيجوز جعل الثمن كلّيّاً في ذمّة المشتري، وفي تحقّقها بتسليم العوض فقط من المشتري إشكال(2).
(مسألة 7): الأقوى أنَّه يعتبر في المعاطاة جميع ما اعتُبر في البيع العقديّ ما عدا الصيغة(3) من الشروط الآتية، فلا تصحّ مع فقد واحدٍ منها، سواءٌ كان ممّا اعتبر في المتبايعين أو في العوضين، كما أنَّ الأقوى ثبوت الخيارات الآتية فيها ولو بعد لزومها(4) بأحد الملزمات الآتية، إلّا إذا كان وجود الملزم منافياً لثبوت الخيار وموجباً لسقوطه، كما إذا كان المأخوذ، بالمعاطاة معيباً ولم يكن قائماً بعينه.
(مسألة 8): البيع العقديّ لازمٌ من الطرفين إلّا مع وجود أحد الخيارات الآتية.
نعم يجوز فسخه بالإقالة، وهي الفسخ من الطرفين. وأمّا المعاطاة فالأقوى أنَّها مفيدةٌ للملك، لكنّها جائزةٌ(5) من الطرفين ولا تلزم إلَّا بتلف أحد العوضين أو التصرّف المغيّر أو الناقل للعين، ولو مات أحدهما لم يكن لوارثه الرجوع، ولكن لو جنّ فالظاهر قيام وليّه مقامه في الرجوع(6).
ــــــ[36]ـــــــ
(1) تتمّ المعاطاة بتسليم أحد العوضين سواءٌ كان الآخر كلّياً أو جزئيّاً.
(2) ظهر ما فيه في التعليقة السابقة.
(3) يعني بجميع مواصفاتها، كالماضويّة والصراحة والفصاحة إن اشترطناها، وحيث قلنا بجواز تقدّم القبول في العقد اللفظي نقول به في المعاطاة أيضاً. ويتمّ بدفع المشتري للثمن أوّلاً.
(4) بل المعاطاة عقدٌ لازمٌ كاللفظيّ تماماً.
(5) ظهر ما فيه.
(6) ظهر ما فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 9): البيع المعاطاتيّ ليس قابلاً للشروط، فلو أريد ثبوت خيارٍ بالشرط أو سقوطه به أو شرطٍ آخر حتّى جُعل مدّةٌ وأجلٌ لأحد العوضين يلزم إجراء(1) صيغة البيع وإدراج ذلك الشرط في ضمنها.
(مسألة 10): هل تجري المعاطاة في غير البيع من سائر المعاملات أو لا تجري فيها أو تجري في بعضها دون بعض؟ لعلّ الظاهر هو الأخير(2)، ونحن فيما بعد نشير في كلّ بابٍ إلى جريانها فيه وعدمه إن شاء الله تعالى.
(مسألة 11): كما يقع البيع والشراء بمباشرة المالك، يقع بالتوكيل أو الولاية من طرفٍ واحدٍ أو من الطرفين، ويجوز لشخصٍ واحدٍ تولّي طرفي العقد أصالةً من طرفٍ ووكالةً أو ولايةً من آخر أو وكالةً من الطرفين أو ولايةً منهما أو وكالةً من طرفٍ وولايةً من آخر.
(مسألة 12): لا يجوز تعليق البيع على شيءٍ غير حاصلٍ حين العقد، سواءٌ علم حصوله فيما بعد أم لا، ولا على شيءٍ مجهول الحصول حينه، وأمّا تعليقه على معلوم الحصول حينه – كما إذا قال «بعتك إن كان اليوم يوم السبت» مع العلم به- ففيه إشكال لا يبعد الجواز.
(مسألة 13): لو قبض المشتري ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه وكان
ــــــ[37]ـــــــ
(1) على الأحوط أكيداً. ولكن لا يبعد نفوذ الشرط مع النطق به عند المعاطاة، بل ومع البناء عليه خلالها بمقاولةٍ سابقةٍ أو تسالمٍ عرفيّ.
(2) بل الظاهر جريانها في الجميع حتّى الإيقاعات ما لم يكن فيها احتياطٌ في الفروج وهو النكاح والطلاق وملحقاته وتحليل الأَمَة ونحوه. فإنَّ الأحوط فيها اللفظ وجوباً.تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مضموناً عليه، بمعنى: أنه يجب(1) عليه ردّ عوضه من المثل أو القيمة. نعم لو كان(2) كلّ من البائع والمشتري راضياً بتصرّف الآخر فيما قبضه ولو على تقدير فساده، يباح لكلّ منهما التصرّف والانتفاع بما قبضه ولو بإتلافه ولا ضمان عليه.
القول في شروط البيع
وهي إمّا في المتعاقدين وإمّا في العوضين:
القول في شرائط المتعاقدين
وهي أُمور:
«الأوّل»: البلوغ، فلا يصحّ بيع الصغير ولو كان مميّزاً(3) وكان بإذن الوليّ إذا كان مستقلاً في إيقاع المعاملة. نعم لو كان بمنزلة الآلة(4) بحيث يكون حقيقة المعاملة بين البالغين لا بأس به.
(مسألة 1): ظاهر المشهور أنَّه كما لا تصحّ معاملة الصبي لنفسه كذلك لا تصحّ(5) لغيره أيضاً إذا كان وكيلاً عنه حتّى فيما لو أَذِن له الولي في الوكالة، بل لا
ــــــ[38]ـــــــ
(1) إذا كان الطرف عالماً بالفساد كانت العين عند الآخر أمانةً شرعيّةً لا يضمن إلَّا بالتعدّي أو التفريط. ولا فرق في الضمان وعدمه هنا بين البائع بالنسبة إلى الثمن أو المشتري بالنسبة إلى المثمن.
(2) هذا غير ما قلناه في التعليقة السابقة؛ لأنَّه لم يكن يُفرض فيه الرضا بالتصرّف.
(3) الأظهر نفوذ معاملاته إذا كانت في أُمورٍ بسيطةٍ نسبيّاً وإن لم يكن بإذن الوليّ.
(4) كما لو كان موكّلاً أو مخوّلاً بإيقاع الصيغة أو المعاطاة، وقد ظهر ما فيه.
(5) الظاهر صحّته فيما يصحّ لنفسه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يصحّ منه مجرّد إجراء(1) الصيغة ولو كان أصل المعاملة بين البالغين فهو مسلوب العبارة وكان عقده كعقد الهازل والغافل، وهذا التعميم عندي محلّ نظرٍ وإشكال.
«الثاني»: العقل، فلا يصحّ بيع المجنون(2).
«الثالث»: القصد، فلا يصحّ بيع غير القاصد كالهازل والغالط والساهي.
«الرابع»: الاختيار، فلا يقع البيع من المكره، والمراد به الخائف على ترك البيع من جهة توعيد الغير عليه بإيقاع ضررٍ عليه، ولا يضرّ بصحّة البيع الاضطرار الموجب للإلجاء وإن كان حاصلاً من إلزام الغير بشيءٍ، كما إذا ألزمه ظالمٌ على دفع مالٍ فالتجأ إلى بيع ماله لدفع ذلك المال إليه. ولا فرق في الضرر المتوعّد به بين أن يكون متعلّقاً بنفس المكره نفساً أو عرضاً أو مالاً أو بمن يكون متعلّقاً به(3) كولده وعياله ممّن يكون إيقاع محذورٍ عليه بمنزلة إيقاعه عليه، ولو رضي المكره بالبيع بعد زوال الإكراه صحّ ولزم.
(مسألة 2): الظاهر: أنَّه لا يعتبر في صدق الإكراه عدم إمكان التفصّي بالتورية، فلو ألزم بالبيع وأوعد على تركه بإيقاع ضررٍ عليه فباع قاصداً للمعنى مع إمكان أن لا يقصد أصلاً أو يقصد معنىً آخر غير البيع يكون مكرهاً(4). نعم لو
ــــــ[39]ـــــــ
(1) هذا ينافي ما قاله من الجواز إذا كان الصبيّ بمنزلة الآلة، فإنَّه لا يُفهم منه عادةً إلَّا ذلك، إلَّا أنَّ مقصود الماتن هو ذلك.
(2) حال جنونه إن كان بحيث لا يفهم المعاملات، بل الأحوط فيما إذا صدق عليه العنوان عرفاً. وأمّا حال الصحوة إذا كان إدوارياً فلا إشكال فيه.
(3) أو غير متعلّقٍ به من المؤمنين.
(4) ما دام يصدق عليه الإكراه عرفاً ونفسيّاً. وهذا يختلف باختلاف إمكان التورية. وليست جميع الموارد على حدٍّ واحدٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كان متمكّناً من التفصّي بغيرها – بأن يخلّص نفسه من المكره ومن الضرر المتوعّد به مع عدم إيقاع البيع بما لم يكن ضرراً عليه مثل أن يستعين بمن ليس ضرر وحرج في استعانته ومع ذلك لم يفعل وأوقع البيع لم يكن مكرهاً عليه.
(مسألة 3): لو أكرهه على أحد أمرين إمّا بيع داره أو عملٍ آخر فباع داره فإن كان في العمل الآخر محذورٌ دينيّ أو دنيويّ يتحرّز منه وقع البيع مكرهاً عليه وإلَّا وقع مختاراً.
(مسألة 4): لو أكرهه على بيع أحد الشيئين على التخيير فكلّ ما وقع(1) منه يقع مكرهاً عليه، وأمّا لو أوقعهما معاً فإن كان تدريجاً فالظاهر وقوع الأوّل مكرهاً عليه دون الثاني، وأمّا لو أوقعهما دفعةً ففي صحّة البيع بالنسبة إلى كليهما أو فساده كذلك أو صحّة أحدهما والتعيين بالقرعة وجوهٌ لا يخلو أوّلها(2) من رجحان، وأمّا لو أكرهه على بيعٍ معيّنٍ فضمّ إليه غيره وباعهما دفعةً فالظاهر البطلان فيما أُكره عليه والصحّة في غيره.
«الخامس»: كونهما مالكين للتصرّف(3)، فلا يقع المعاملة من غير المالك إذا لم يكن وكيلاً عنه أو وليّاً عليه كالأب والجدّ للأب والوصيّ عنهما والحاكم، ولا من المحجور عليه(4) لسفهٍ أو فلسٍ أو غير ذلك من أسباب الحجر.
ــــــ[40]ـــــــ
(1) يعني: أيٌّ منهما وقع منه.
(2) والثاني هو الأحوط، إلَّا أن يجيز ما هو مكرهٌ عليه إجمالاً، أو يفسخ الآخر بأحد الخيارات.
(3) يريد الأعمّ من المالكيّة والوكالة والولاية والوصاية.
(4) فإنَّه غير مالكٍ للتصرّف وإن كان مالكاً للعين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 5): معنى عدم الوقوع من غير المالك من المسمى بالفضولي وهو المحجور عليه- عدم اللزوم والنفوذ لا كونه لغواً، فلو أجاز المالك العقد الواقع من غير المالك أو الوليّ العقد الواقع من السفيه أو الغرماء العقد الواقع من المفلس صحّ ولزم.
(مسألة 6): لا فرق في صحّة البيع الصادر من غير المالك مع إجازة المالك بين ما إذا قصد وقوعه لنفسه(1) كما في بيع الغاصب ومن اعتقد أنَّه مالكٌ وليس بمالكٍ، كما أنَّه لا فرق على الأوّل(2) بين ما إذا سبقه منع المالك عن البيع وما لم يسبقه المنع على إشكالٍ في الأوّل. نعم يعتبر في تأثير الإجازة عدم مسبوقيّتها بردّ المالك بعد العقد، فلو باع فضولاً وبعد ما عُرض على المالك قد ردّه ثُمَّ أجازه لغت الإجازة، كما أنَّه لو ردّ بعد الإجازة لغا الرد.
(مسألة 7): الإجازة من المالك كما تقع باللفظ الدالّ على الرضا بالبيع بحسب متفاهم العرف ولو بالكناية كقوله: «أمضيت وأجزت وأنفذت ورضيت» وشبه ذلك، وكقوله للمشتري: «بارك الله لك فيه» وشبه ذلك من الكنايات، كذلك تقع بالفعل الكاشف عرفاً عن الرضا بالعقد، كما إذا تصرّف في الثمن؛ ومن ذلك ما إذا أجاز البيع الواقع عليه لأنَّه مستلزمٌ لإجازة البيع الواقع على المثمن، وكما إذا مكّنت الزوجة من نفسها إذا زُوّجت فضولاً.
ــــــ[41]ـــــــ
(1) وقوعه عن المالك غير مقصود، ووقوعه عن الآخر يلزم منه محذورٌ آخر. فلا يترك الاحتياط.
(2) وعلى الثاني أيضاً بناءً على فتوى الماتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
[في بيع الفضولي]
(مسألة 8): هل الإجازة كاشفةٌ عن صحّة العقد الصادر من الفضولي من حين وقوعه، فتكشّف عن أنَّ المبيع كان ملكاً للمشتري والثمن ملكاً للبائع من زمان وقوع العقد، أو ناقلةٌ بمعنى كونها شرطاً لتأثير العقد من حين وقوعها؟ الظاهر هو الثاني(1) وتظهر الثمرة في النماء المتخلّل بين العقد والإجازة، فعلى الأوّل نماء المبيع للمشتري ونماء الثمن للبائع، وعلى الثاني بالعكس.
(مسألة 9): إذا كان المالك راضياً بالبيع باطناً لكن لم يصدر منه إذنٌ وتوكيلٌ للغير في البيع أو الشراء فالظاهر أنَّه لا يكفي في الخروج عن الفضوليّة، فيحتاج في نفوذه إلى الإجازة، سيّما إذا(2) لم يلتفت حين العقد إلى وقوعه لكن كان بحيث لو كان ملتفتاً كان راضياً.
(مسألة 10): لا يشترط في الفضولي قصد الفضوليّة، فلو تخيّل كونه وليّاً أو وكيلاً فتبيّن خلافه يكون من الفضوليّ ويصحّ بالإجازة، وأمّا العكس- بأن تخيّل كونه غير جائز التصرّف(3) فتبيّن كونه وكيلاً أو وليّاً- فالظاهر صحّته(4) وعدم احتياجه إلى الإجازة على إشكالٍ في الثاني، ومثله ما إذا تخيّل كونه غير مالكٍ فتبيّن
ــــــ[42]ـــــــ
(1) بل الأوّل.
(2) بل في خصوص هذا الفرض، وأمّا بخلافه فلا يبعد أن يكون سكوته إبرازاً للإجازة عرفاً.
(3) يعني كونه فضوليّاً.
(4) مع تحقّق القصد الجدّي للمعاملة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كونه مالكاً، لكن عدم الصحّة والاحتياج إلى الإجازة فيه لا يخلو من قوّة.
(مسألة 11): لو باع شيئاً فضولاً ثُمَّ ملّكه إمّا باختياره( ) كالشراء أو بغير اختياره كالإرث، صحّ بإجازته بعد ما ملّكه على الأقوى( )، وليس باطلاً بحيث لا تجدي الإجازة أصلاً ولا صحيحاً بحيث لا حاجة إليها كما قال بكلٍ منهما قائلٌ.
(مسألة 12): لا يعتبر في المجيز أن يكون مالكاً حين العقد، فيجوز أن يكون المالك حين العقد غير المالك حين الإجازة، كما إذا مات المالك حين العقد قبل الإجازة، فيصحّ بإجازة الوارث. وأولى بذلك ما إذا كان المالك حين العقد غير جائز التصرّف لمانعٍ من صغرٍ أو سفهٍ أو جنونٍ أو غير ذلك، ثُمَّ ارتفع المانع فإنَّه يصحّ بإجازته.
(مسألة 13): لو وقعت بيوعٌ متعدّدةٌ على مال الغير، فإمّا أن تقع على نفس مال الغير أو على عوضه، وعلى الأوّل فإمّا أن تقع تلك البيوع من فضوليٍّ واحدٍ (كما إذا باع دار زيدٍ مكرّراً من أشخاصٍ متعدّدةٍ) وإمّا أن تقع من أشخاصٍ متعدّدة (كما إذا باعها من شخصٍ بفرسٍ ثُمَّ باعها المشتري من شخصٍ آخر بحمارٍ ثُمَّ باعها المشتري الثاني من شخصٍ آخر بكتابٍ وهكذا) وعلى الثاني فإما أن تكون من شخصٍ واحدٍ على الأعواض والأثمان بالترامي (كما إذا باع دار زيدٍ بثوبٍ ثُمَّ باع الثوب ببقرٍ ثُمَّ باع البقر بفراشٍ وهكذا) وإمّا أن تقع على ثمنٍ شخصيٍّ مراراً
ــــــ[43]ـــــــ
(1) هذا غير داخلٍ في موضوع المسألة؛ لوضوح كون الشراء نقضاً لذلك البيع؛ لأنَّه يتضمّن اعترافاً بأنَّ العين ملكٌ لمن باع عنه فضولةً قبل شرائها.
(2) بل على الأحوط؛ لاحتمال الصحّة بدونها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(كما إذا باع الثوب في المثال المزبور مراراً على أشخاصٍ متعدّدةٍ) فهذه صورٌ أربع. ثُمَّ إنَّه للمالك في جميع هذه الصور أن يتتبّع البيوع ويجيز أيّ واحدٍ(1) شاء منها، ويصحّ بإجازته ذلك العقد المجاز، وأمّا غيره من البيوع فيحتاج إلى شرحٍ وتفصيلٍ لا يناسب هذا المختصر.
(مسألة 14): الردّ الذي يكون مانعاً عن تأثير الإجازة كما عرفته سابقاً قد يكون مانعاً عن لحوقها مطلقاً ولو من غير المالك حين العقد، وهو إمّا بالقول كقوله: «فسخت ورددت» وشبه ذلك ممّا هو ظاهرٌ فيه، وإمّا بالفعل كما إذا تصرّف فيه بما يوجب فوات محلّ الإجازة عقلاً كالإتلاف، أو شرعاً كالعتق، وقد يكون مانعاً عن لحوقها بالنسبة إلى خصوص المالك حين العقد، لا مطلقاً كالتصرّف الناقل للعين كالبيع والهبة ونحوهما، حيث إنَّ بذلك لا يفوت محلّ الإجازة إلَّا بالنسبة إلى المنتقل عنه، وأمّا المنتقل إليه فله أن يجيز(2) بناءً على عدم اعتبار كون المجيز مالكاً حين العقد كما مرّ. وأمّا الإجارة فالظاهر أنَّه لا تكون مانعاً عن الإجازة مطلقاً حتّى بالنسبة إلى المالك المؤجر؛ لعدم التنافي بين الإجارة والإجازة، غاية الأمر أنَّه تنتقل العين بعد الإجارة إلى المشتري مسلوبة المنفعة.
(مسألة 15): حيثما لم تتحقّق الإجازة من المالك سواءٌ تحقّق منه الردّ أم لا كالمتردّد فله انتزاع عين ماله مع بقائه ممّن وجده في يده، بل وله الرجوع بمنافعه المستوفاة(3) في هذه المدّة، وله مطالبة البائع الفضولي بردّ العين ومنافعها إذا كانت
ــــــ[44]ـــــــ
(1) ممّا كان أحد طرفيها ملكاً له، وأمّا الباقي فإن أجاز صحّ ما بعده وإلَّا بطل.
(2) هذه الإجازة محلّ إشكالٍ، فلا يترك الاحتياط بتركها.
(3) عيناً أو قيمةً أو أجراً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
في يده وقد سلّمها إلى المشتري، بل لو توقّف ردّها على مؤونةٍ كانت عليه. هذا مع بقاء العين وأمّا مع تلفها يرجع ببدلها إلى من تلفت عنده. ولو تعاقبت أيدٍ متعدّدةٌ عليها – بأن كانت مثلاً بيد البائع الفضولي وسلّمها إلى المشتري وهو إلى آخر وتلفت عنده- يتخيّر المالك في الرجوع بالبدل إلى أيّ واحدٍ منهم، وله الرجوع إلى الكلّ موزّعاً عليهم بالتساوي أو بالتفاوت، فإن رجع إلى واحدٍ سقط عن الباقين(1) وليس له الرجوع إليهم بعد ذلك.
هذا حكم المالك مع البائع الفضولي والمشتري وكلّ من صار عين ماله بيده، وأمّا حكم المشتري مع البائع الفضولي فمع علمه بكونه غير مالكٍ ليس له الرجوع إليه بشيءٍ ممّا يرجع المالك إليه، وما وردت من الخسارات عليه، حتّى أنَّه إذا دفع الثمن إلى البائع وتلف عنده ليس له أن(2) يرجع إليه. نعم له أن يستردّه لو كان باقياً، وأمّا مع جهله فله أن يرجع إليه بكلّ ما اغترم للمالك لو رجع إليه حتّى فيما إذا اغترم له بدل المنافع والنماءات التي استوفاها، فإذا اشترى داراً مع جهله بكون البائع غير مالكٍ وأنَّها مستحقّةٌ للغير وسكنها مدّةً ثُمَّ جاء المالك وأخذ داره وأخذ منه أُجرة مثل الدار(3) في تلك المدّة له أن يرجع بها إلى البائع، وكذا يرجع إليه بكلّ خسارة وردت عليه مثل إنفاق الدابّة وما صرفه في العمارة وما تلف منه وضاع من الغرس أو الزرع أو الحفر وغيرها، فإنَّ البائع الغير المالك ضامنٌ
ــــــ[45]ـــــــ
(1) ويستقرّ الضمان على من تلفت عنده.
(2) الأحوط الضمان مع التعدّي والتفريط.
(3) يعني: أجرة منافعها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لدرك(1) جميع ذلك، وللمشتري الجاهل أن يرجع بها إليه.
(مسألة 16): لو أحدث المشتري لمال الغير فيما اشتراه بناءً أو غرساً أو زرعاً فللمالك(2) إلزامه بإزالة ما أحدثه وتسوية الأرض ومطالبته بأرش النقص لو كان، من دون أن يضمن المالك ما يرد عليه من الخسران، كما أنَّ للمشتري إزالة ذلك مع ضمانه أرش النقص الوارد على الأرض وليس للمالك إلزام المشتري بالإبقاء ولو مجّاناً(3)، كما أنَّه ليس للمشتري حقّ الإبقاء(4) ولو بالأجرة. ولو حفر بئراً أو كرى نهراً مثلاً في أرضٍ اشتراها، وجب عليه طمّها وردّها إلى الحالة الأُولى لو أراده المالك وأمكن، وضمن(5) أرش النقص لو كان، وليس له مطالبة المالك أجرة عمله أو ما صرفه فيه من ماله وإن زاد به القيمة، كما أنَّه ليس له ردّه إلى الحالة الأولى بالطمّ ونحوه لو لم يرض به المالك.
نعم يرجع بأجرة عمله وكلّ ما صرف من ماله وكلّ خسارةٍ وردت عليه إلى البائع الغاصب مع جهله(6) إلَّا مع علمه كما مرّ. وكذلك الحال فيما إذا أحدث
ــــــ[46]ـــــــ
(1) هذا واضحٌ فيما إذا كان البائع عالماً بعدم ملكه، وأمّا بخلاف ذلك كما لو تخيّل نفسه مالكاً، فليس هو غارّاً، ليرجع عليه المغرور، فيضمن خصوص ما دفعه المشتري إلى المالك.
(2) مع علم المشتري بالحال لأنَّه يكون غاصباً عندئذٍ، وأمّا بدونه فالأحوط المصالحة.
(3) كان الأولى أن يقول: ولو بقيمته، فإنَّه الفرد الأخفى، إلَّا أن يقصد الماتن الأجرة مع بقاء البناء للمشتري.
(4) يعني إلَّا بموافقة المالك.
(5) هذا ونحوه مع علم المشتري بالحال كما أشرنا، وأمّا بدونه فالأحوط التصالح.
(6) يعني: وعلم البائع الفضولي. وأمّا لو لم يكن عالماً رجع بما اغترم للمالك دون غيره. والأحوط على أيّ حال عندئذٍ: المصالحة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المشتري فيما اشتراه صفةً من دون أن يكون له عينٌ في العين المشتراة، كما إذا طحن الحنطة أو غزل ونسج القطن أو صاغ الفضّة. وهنا فروعٌ كثيرةٌ نتعرّض لها في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى فإنَّ المقام أحد مصاديقه(1) أو ملحقٌ به.
(مسألة 17): لو جمع البائع بين ملكه وملك غيره أو باع ما كان مشتركاً بينه وبين غيره، نفذ البيع في ملكه بما قابله من الثمن(2)، ونفوذه وصحّته في ملك الغير موقوفٌ على إجازته، فإن أجازه(3) وإلَّا فللمشتري خيار فسخ البيع من أصله من جهة التبعّض إن كان جاهلاً.
(مسألة 18): طريق معرفة حصّة كلٍّ منهما من الثمن أن يقوّم كلٌّ منهما بقيمته الواقعية ثُمَّ يلاحظ نسبة قيمة أحدهما مع قيمة الآخر فيجعل نصيب كلٍّ منهما من الثمن بتلك النسبة، فإذا باعهما معاً بستّةٍ وكان قيمة أحدهما ستّةً وقيمة الآخر ثلاثةً يكون حصّة ما كان قيمته ثلاثة من ستّة الثمن نصف حصّة الآخر منها، فلأحدهما اثنان وللآخر أربعة.
(مسألة 19): يجوز للأب والجدّ للأب وإن علا(4) أن يتصرّفا في مال الصغير
ــــــ[47]ـــــــ
(1) على تقدير علم البائع والمشتري الفضوليَّين وتصرّفهما في العين، وينبغي التنبيه أنَّ البيع الفضولي بمجرّده لا يقتضي تسليم العين أصلاً، وإنَّما هو مجرّد معاملةٍ لفظيّةٍ قابلةٍ لتعقّب الإجازة.
(2) بالنسبة مع مطابقة الثمن على القيمة السوقيّة يوم البيع.
(3) في مثله يكون البيع الفضولي مقصوداً به غير المالك، فنفوذه بالإجازة محلّ إشكال، والأحوط تركها عندئذٍ إلَّا أن يقصد مطلق المالك. وعلى تقدير الصحّة انتقلت من المالك وكان الثمن له وتوزَّع القيمة بالنسبة.
(4) مع عدم الأقرب، وأمّا مع وجوده وخاصّةً الأب وأبيه، فولايته محلّ إِشكالٍ، بل هي كذلك مطلقاً، فلا يترك الاحتياط بمراجعة الوصي إن وُجد أو الحاكم الشرعي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالبيع والشراء والإجارة وغيرها، وكلّ منهما مستقلٌّ في الولاية وجدّ الآخر معه أم لا، والأقوى عدم اعتبار العدالة فيهما. ولا يشترط في نفوذ تصرّفهما المصلحة، بل يكفي عدم المفسدة، وكما لهما الولاية في ماله بأنواع التصرّفات لهما الولاية في نفسه بالإجارة والتزويج وغيرهما إلَّا الطلاق فلا يملكانه بل ينتظر بلوغه. وهل يلحق به فسخ عقد النكاح عند موجبه وهبة المدّة في المتعة؟ وجهان بل قولان أقواهما العدم(1). وليس بين الأقارب من له الولاية على الصغير غير الأب والجدّ للأب، بل هم كلّهم كالأجانب حتّى الأمّ والأخ والجدّ للأمّ.
(مسألة 20): وكما للأب والجدّ الولاية على الصغير في زمان حياتهما كذلك لهما نصب القيّم عليه بعد وفاتهما، فينفذ منه ما كان ينفذ منهما، على إشكالٍ(2) في التزويج، إلَّا أنَّ الظاهر فيه(3) اعتبار المصلحة، ولا يكفي مجرّد عدم المفسدة، كما أنَّ الأحوط(4) فيه، لولا الأقوى اعتبار العدالة، وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الوصيّة.
(مسألة 21): إذا فقد الأب والجدّ والوصيّ عنهما، يكون للحاكم الشرعيّ
-وهو المجتهد العادل(5)- ولاية التصرّف في أموال الصغار مشروطاً بالغبطة والصلاح، بل الأحوط له(6) الاقتصار على ما إذا كان في تركه الضرر والفساد.
ــــــ[48]ـــــــ
(1) بل أقواهما النفوذ مع عدم المفسدة.
(2) ولكن الأصحّ صحّته.
(3) يعني في الوصي لا خصوص التزويج.
(4) استحباباً.
(5) الأعلم. نعم، لا يُشترط في القضاء الأعلميّة إلَّا أنَّه غير الولاية العامّة.
(6) استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وحيث إنَّ هذا تكليفٌ راجعٌ إليه فيتبع رأيه ونظره، ومع فقد الحاكم يرجع الأمر إلى عدول المؤمنين، فلهم ولاية التصرّف في مال الصغير بما يكون في تركه مفسدةٌ(1) وفي فعله صلاحٌ وغبطةٌ.
القول في شروط العوضين
وهي أُمور:
«الأوّل»: يشترط في المبيع أن يكون عيناً(2) متموّلاً، سواءٌ كان موجوداً في الخارج أو كلّيّاً في ذمّة البائع أو في ذمّة غيره، كأن يبيع ما كان له في ذمّة غيره بشيءٍ فلا يجوز(3) أن يكون منفعةً كمنفعة الدار أو الدابّة أو عملاً كخياطة الثوب أو حقّاً، وأمّا الثمن فيجوز أن يكون منفعةً(4) أو عملاً(5) متموّلاً، بل يجوز أن يكون حقّاً(6) قابلاً للنقل والانتقال كحقَّي التحجير والاختصاص، وفي جواز كونه حقّاً قابلاً
ــــــ[49]ـــــــ
(1) يكفي وجود المصلحة، وإن كان هذا أحوط استحباباً.
(2) مع الالتفات إلى إمكان بيع الحقّ أيضاً.
(3) يعني: لا يكون عندئذٍ بيعاً بل إجارةً، والتعبير عن الإجارة بالبيع مشكلٌ عندهم، وإلَّا فالنتيجة الاقتصاديّة واحدةٌ.
(4) اعتبار المنفعة ثمناً لا مثمناً لا يتعيّن مع مبادلتها بعينٍ أو منفعةٍ، خاصّةً مع المعاطاة أو القول بنفوذ العقد بأيّ لفظٍ أو تقديم الإيجاب على القبول، ولا يجب جزماً اعتبار أحدهما المعيّن ثمناً والآخر مثمناً. ولو ذكروا ذلك فقد لا يكون له حجّيّةٌ ما لم يتسالم العرف عليه كما في صورة تبديل العين بالنقود.
(5) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(6) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
للإسقاط غير قابلٍ للنقل والانتقال كحقَّي الخيار والشفعة إشكال(1).
«الثاني»: تعيين مقدار العوضين بما يقدّر به من الكيل والوزن أو العدّ، فلا يكفي(2) المشاهدة، ولا تقديره بغير ما يكون به تقديره، فلا يكفي تقدير الموزون بالكيل أو العدّ والمعدود بالوزن أو الكيل. نعم لا بأس بأن يكال جملةٌ ممّا يعدّ أو ممّا يوزن ثم يعد أو يوزن ما في أحد المكاييل ثُمَّ يحسب الباقي بحسابه، وهذا ليس من تقدير المعدود أو الموزون بالكيل كما لا يخفى.
(مسألة 1): يجوز الاعتماد على إخبار البائع بمقدار المبيع، فيشتريه مبنيّاً على ما أخبر به. ولو تبيّن النقص فله الخيار، فإن فسخ يردّ تمام الثمن، وإن أمضاه ينقص(3) من الثمن بحسابه.
(مسألة 2): الظاهر أنَّه يكفي المشاهدة في بيع الحطب قبل أن يحلّ حمله وصار كومة منه، والتبن قبل أن يفرغ من وعاء حمله وصار صبرةً منه، ومثلهما كثيرٌ من المائعات المحرزة في الشيشات [القوارير]، فهي ليست من الموزون(4) قبل أن يفرغ منها، ويكفي في بيعها المشاهدة وبعد ذلك تكون منه، بل الظاهر أنَّ مثل ذلك
ــــــ[50]ـــــــ
(1) والأظهر الصحّة، وخاصّة لو قصد الثمن بإزاء التنازل عن الحقّ لا الحق نفسه.
(2) يعني: بما يقدَّر بتلك المقادير، أمّا ما لا يقدَّر بها عرفاً فلا يرد فيه هذا الشرط.
(3) الأقوى لزوم الرضاء بكلّ الثمن، والأحوط المصالحة.
(4) بل الظاهر عرفاً: أنَّه من المكيل، يعني في القوارير التي تحتويه. وعلى أيّ حالٍ فهذه المسألة تحتوي على بعض ما هو غير موجودٍ في السوق في عصرنا الحاضر. والمتّبع ما عليه السوق في أيّ وقت.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المذبوح من الغنم، فإنَّه قبل أن يسلخ جلده يكفي فيه المشاهدة وبعده يحتاج إلى الوزن.
وبالجملة قد يختلف حال شيءٍ باختلاف الأحوال والمحال فيكون من الموزون في محلٍّ دون محلٍّ وفي حالٍ دون حالٍ.
(مسألة 3): الظاهر عدم كفاية المشاهدة في بيع الأراضي التي يقدَّر ماليّتها بحسب الخيط والذراع، بل لابدَّ من الاطّلاع على مساحتها، وكذلك كثيرٌ من الأثواب قبل أن يخاط أو يفصل. نعم إذا تعارف عددٌ خاصّ في أذرع الطاقات من بعض الأثواب، جاز بيعها وشراؤها اعتماداً على ذلك التعارف ومبنيّاً عليه، نظير الاعتماد على إخبار البائع والبناء عليه.
(مسألة 4): إذا اختلفت البلدان في شيءٍ – بأن كان موزوناً في بلدٍ مثلاً ومعدوداً في آخر- فالظاهر أن المدار على بلد المعاملة(1).
«الثالث»: معرفة جنس العوضين وأوصافهما التي تتفاوت بها القيمة وتختلف لها الرغبات(2)، وذلك إمّا بالمشاهدة أو بالتوصيف الرافع للجهالة، ويجوز الاكتفاء بالرؤية السابقة إذا لم يعلم تغيّر العين.
«الرابع»: كون العوضين مُلكاً طلقاً، فلا يجوز بيع الماء والعشب والكلاء قبل حيازتها(3) والسموك والوحوش قبل اصطيادها(4) والموات من الأراضي قبل إحيائها.
ــــــ[51]ـــــــ
(1) وإن كان كلا المتبايعين من غيرها، إلَّا أن يتّفقا على غيره ممّا هو متعارفٌ في أيّ مكان، وأمّا الاتّفاق على ما هو غير متعارفٌ أصلاً فباطل.
(2) مرجعه إلى اختلاف القيمة وهو المهمّ، وإنَّما يكون اختلاف الرغبة سبباً لاختلافها.
(3) ولو كانت في أرضه فهي محازة.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
نعم إذا استنبط بئراً في أرضٍ مباحةٍ ملك ماءها(1)، وكذا لو حفر(2) نهراً وأجرى فيه الماء من ماءٍ مباحٍ كالشطّ ونحوه، ملك ماءه فله حينئذٍ بيعه(3) كسائر أملاكه. وكذا لا يجوز بيع الرهن إلَّا بإذن المرتهن أو إجازته(4)، وإذا باع الراهن العين المرهونة ثُمَّ افتكّت من الرهن فالظاهر الصحّة من غير حاجةٍ إلى الإجازة، وكذا لا يجوز بيع الوقف ولا بيع أمّ الولد إلَّا في بعض المواضع فيهما.
(مسألة 5): يجوز بيع الوقف في مواضع:
منها: إذا خرب الوقف بحيث لم يمكن الانتفاع بعينه مع بقائه كالجذع البالي والحصير الخلق والدار الخَرِبَة التي لا يمكن الانتفاع حتّى بعرصتها، ويلحق بذلك ما إذا خرج(5) عن الانتفاع المعتدّ به بسبب الخراب أو غيره بحيث يقال في العرف لا منفعة له، كما إذا انهدمت الدار وصارت عرصةً يمكن إجارتها بمقدارٍ جزئيّ وكانت بحيث لو بيعت وبدّلت بمالٍ آخر يكون نفعه مثل الأوّل أو قريباً منه، وأمّا إذا قلّت منفعته لكن لا إلى حدٍّ يلحق بالمعدوم فالظاهر عدم جواز بيعه، ولو أمكن أن يُشترى بثمنه ما له نفعٌ كثيرٌ.
ومنها: إذا كان يؤدّي بقاؤه إلى خرابه، سواء كان لخلفٍ بين أربابه أو لغير
ــــــ[52]ـــــــ
(1) والبئر ومقدار عمله من الأرض، وإن كان الأحوط قصد التملّك.
(2) شبه ما قلناه في التعليقة السابقة.
(3) لا يجوز له بيع الفائض عن حاجته المطلقة.
(4) يعني: بعد العقد.
(5) خروجاً مؤبّداً عرفاً، فإن أمكن تلافيه لم يجز بيعه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ذلك، وسواءٌ كان أداؤه إلى ذلك معلوماً أو مظنوناً(1)، وسواءٌ كان الخراب المعلوم أو المظنون على حدّ سقوط الانتفاع بالمرّة أو الانتفاع المعتدّ به(2). نعم لو فُرض إمكان الانتفاع به بعد الخراب كانتفاعه السابق بوجهٍ آخر لم يجز بيعه.
ومنها: إذا شرط الواقف بيعه عند حدوث أمرٍ من قلّة المنفعة أو كثرة الخراج أو وقوع خلاف بين الموقوف عليهم أو حصول ضرورةٍ وحاجةٍ شديدةٍ لهم فإنَّه لا مانع حينئذٍ من بيعه وتبديله على إشكال(3).
(مسألة 6): إنَّما لا يجوز بيع أمّ الولد إذا لم يمُتْ ولدها في حياة سيّدها، وإلَّا فهي كسائر المماليك يجوز بيعها، وقد استُثنِيَ من عدم جواز بيعها مع حياة ولدها مواضع جلُّها أو كلُّها محل المناقشة والنظر إلَّا موضعٍ واحدٍ، وهو بيعها في ثمن رقبتها مع إعسار مولاها، والمتيقّن من هذا أيضاً صورة موت المالك، بأن مات مديوناً بثمنها ولم يترك سواها، وأمّا مع حياة مولاها فلا يخلو من إشكال(4).
(مسألة 7): لا يجوز بيع الأرض المفتوحة عنوةً، وهي المأخوذة من يد الكفّار قهراً المعمورة وقت الفتح فإنَّها ملكٌ للمسلمين كافّة(5)، فهي باقيةٌ على حالها بيد
ــــــ[53]ـــــــ
(1) الأحوط: الاقتصار على الوثوق عرفاً دون ما دونه من الظنون.
(2) إذا كان الباقي هو الانتفاع المعتدّ به فلا.
(3)لا ينبغي الإستشكال؛ لأنَّه لا يكون وقفاً مع وجود الشرط بل تحبيساً على الأقرب.
(4) والأظهر: الجواز.
(5) لمن مضى منهم ولمن هو موجودٌ ولمن يأتي. إلَّا أنَّ هذا الحكم من ناحية البيع ليس له أثرٌ مع وجود شيءٍ يباع على الأرض أو أيّ عملٍ كالبئر المحفورة والسواقي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
من يعمرها ويؤخذ خراجها ويصرف في مصالح المسلمين. وأمّا ما كانت مواتاً حال الفتح ثُمَّ عرضت لها الإحياء فهي ملكٌ لمحييها، وبذلك يسهل الخطب في الدور والعقار وبعض الإقطاع من تلك الأراضي التي يعامل معها معاملة الأملاك، حيث إنَّه من المحتمل أنَّ المتصرّف فيها ملكها بوجهٍ صحيحٍ فيحكم بملكيّة ما في يده ما لم يعلم خلافها.
والمتيقّن(1) من المفتوح عنوةً أرض العراق وبعض الأقطار ببلاد العجم.
«الخامس»: القدرة على التسليم، فلا يجوز بيع الطير المملوك إذا طار في الهواء، ولا السمك المملوك إذا أُرسل في الماء(2)، ولا الدابّة الشاردة ولا العبد الآبق إلَّا مع الضميمة(3)، وإذا لم يقدر البائع على التسليم وكان المشتري قادراً على تسلّمه فالظاهر الصحّة.
ــــــ[54]ـــــــ
(1) هو ما كان معموراً حال الفتح الإسلاميّ من الجزيرة العربيّة غير المدينة المنوَّرة والعراق والشام الكبرى وإيران وتركيا ومصر وبعض الجمهوريّات الجنوبيّة في الاتّحاد السوفيتي فعلاً. أمّا الهند وجنوب شرقيّ آسيا وبعض مناطق الصين وأكثر مناطق أفريقيا المسلمة، فهي داخلةٌ في الإسلام طوعاً لا عسكرياً. ولا يبعد شمول الحكم للأرض حتى وإن خرجت عن الإسلام وارتدّ أهلها كالأندلس وصقلية وكريت وقبرص وبعض مناطق أوربا الشرقيّة.
(2) يعني: غير المحصور كالأنهار الكبيرة، والمهمّ حصول التعذّر.
(3) الظاهر: أنَّ هذا استثناء من جميع هذه الصور.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في الخيارات
وهي أقسام:
«الأوّل»: خيار المجلس.
فإذا وقع البيع فللمتبايعين الخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا(1) ولو بخطوةٍ(2) سقط الخيار من الطرفين ولزم البيع من الجانبين، ولو فارقا من مجلس البيع مصطحبين بقي الخيار.
«الثاني»: خيار الحيوان.
فمن اشترى حيواناً إنساناً أو غيره ثبت له الخيار إلى ثلاثة أيّام من حين العقد، وفي ثبوته للبائع أيضاً إذا كان الثمن حيواناً وجهٌ لا يخلو من قوّة.
(مسألة 1): لو تصرّف المشتري في الحيوان تصرّفاً يدلّ على الرضا بالبيع سقط خياره.
(مسألة 2): لو تلف الحيوان في مدّة الخيار كان من مال البائع، فيبطل البيع ويرجع إليه المشتري بالثمن إذا دفعه إليه.
(مسألة 3): العيب الحادث في الثلاثة من غير تفريطٍ(3) من المشتري لا يمنع عن الفسخ والردّ.
ــــــ[55]ـــــــ
(1) أي: تباعدا وإن لم يحصل الافتراق عرفاً.
(2) بل الأقوى بقاؤه لعدّة خطواتٍ، والأحوط أن لا تزيد على أربعٍ أو خمسٍ.
(3) بل من غير علم المشتري، فلو علم به ولو لم يصدق التفريط سقط الخيار على الأقوى. وكلّ موارد التعدّي والتفريط داخلةٌ ضمن العلم ولو بالسبب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
«الثالث»: خيار الشرط.
أي: الثابت بالاشتراط في ضمن العقد، ويجوز جعله لهما أو لأحدهما(1) أو لثالثٍ، ولا يتقدّر بمدّةٍ معيّنةٍ بل هو بحسب ما اشترطاه قلّت أو كثرت. ولابدَّ من كونها مضبوطةً من حيث المقدار ومن حيث الاتّصال والانفصال.
نعم إذا ذُكرت مدّةٌ معيّنةٌ كشهرٍ مثلاً وأُطلقت فالظاهر اتّصالها بالعقد.
(مسألة 4): يجوز أن يشترط لأحدهما أو لهما الخيار بعد الاستيمار والاستشارة(2)، بأن يشاور مع ثالثٍ في أمر العقد، فكلّ ما رأى من الصلاح إبقاءً للعقد أو فسخاً يكون متّبعاً. ويعتبر في هذا الشرط أيضاً تعيين المدّة، وليس للمشروط له الفسخ قبل أمر ذاك الثالث، ولا يجب عليه لو أمره بالفسخ بل جاز له ذلك، فإن شاء فسخ وإن شاء ترك، فلو شَرَطَ البائع على المشتري مثلاً بأن له المهلة إلى ثلاثة أيّامٍ حتّى يستشير من صديقه أو الدلّال الفلاني، فإن رأى الصلاح في هذا البيع يلتزم به وإلَّا فلا يكون مرجعه إلى جعل الخيار له على تقدير أن لا يرى(3) صديقه أو الدلّال الصلاح في البيع لا مطلقاً، فليس له الخيار إلَّا على ذلك التقدير.
(مسألة 5): لا إشكال في عدم اختصاص خيار الشرط بالبيع وجريانه في كلّ
ــــــ[56]ـــــــ
(1) أو لاتّفاق شخصين منهما أو من غيرهما أو أكثر من شخصين. والصور كثيرة ٌوكلّها ممكنةٌ شرعاً.
(2) هذا غير ما قلناه؛ إذ لا يكون للمستشار حقّ الفسخ هنا.
(3) الأولى أن يُقال: أن يرى الآخر رجحان الفسخ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عقدٍ لازمٍ سوى عقد النكاح، كما أنَّه لا إشكال في عدم جريانه في الإيقاعات كالطلاق والعتق والإبراء وغيرها.
(مسألة 6): يجوز اشتراط الخيار للبائع إذا ردّ الثمن بعينه وما يعمّ مثله إلى مدّةٍ معيّنةٍ، فإن مضت ولم يأت بالثمن كاملاً لزم البيع. ومثل هذا البيع يسمّى في العرف الحاضر ببيع الخيار، والظاهر صحّة اشتراط أن يكون للبائع فسخ الكلّ بردّ بعض الثمن أو فسخ البعض بردّ البعض، ويكفي في ردّ الثمن فعل البائع ما له دخلٌ في القبض من طرفه وإن أبى المشتري من قبضه، فلو أحضر الثمن وعرضه عليه ومكّنه من قبضه فأبى هو وامتنع أن يقبضه تحقّق الردّ الذي هو شرطٌ لملك الفسخ فله أن يفسخ.
(مسألة 7): نماء البيع ومنافعه في هذه المدّة للمشتري كما أنَّ تلفه عليه، والخيار باقٍ مع التلف إن كان المشروط الخيار والسلطنة على فسخ البيع(1)، وحينئذٍ يرجع بعد الفسخ إلى المثل أو القيمة، وساقطٌ إن كان المشروط ارتجاع العين بالفسخ.
وعلى أيّ حالٍ ليس للمشتري قبل انقضاء المدّة التصرّف الناقل وإتلاف العين.
(مسألة 8): الثمن المشروط ردّه إن كان كلّيّاً في ذمّة البائع – كما إذا كان في ذمّته ألف درهمٍ لزيدٍ فباع داره منه بما في ذمّته، وجعل له الخيار مشروطاً بردّ
ــــــ[57]ـــــــ
(1) يعني: مطلقاً سواءٌ تلف أم لا، وأمّا الإطلاق هنا لما إذا تلف بتفريطٍ أم لا، فلا يكفي فيه الإطلاق بل يحتاج إلى نصّ، وإلَّا فمقتضى القاعدة سقوطه معه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الثمن- يكون ردّه بأداء ما في ذمّته ودفع ما كان عليه وإن برئت ذمّته عمّا كان عليه بجعله ثمناً.
(مسألة 9): إذا لم يقبض(1) البائع الثمن أصلاً سواءٌ كان كلّيّاً في ذمّة المشتري أو عيناً موجوداً عنده، فهل له هذا الخيار وله الفسخ قبل انقضاء المدّة المضروبة أم لا؟ وجهان لا يخلو أوّلهما من رجحانٍ، وأمّا إذا قبضه فإن كان الثمن كلّيّاً فالظاهر أنَّه لا يتعيّن ردّ عين ذلك الفرد المقبوض إلى المشتري بل يكفي دفع فردٍ آخر إليه ممّا ينطبق الكلّي عليه، إلَّا إذا صرّح باشتراط كون المردود عين ذلك الفرد المقبوض، وإن كان الثمن عيناً شخصيّاً لم يتحقّق الردّ إلَّا برد عينه، فلو لم يمكن ردّه لتلفٍ ونحوه، لم يكن للبائع الخيار إلَّا إذا صرّحا في شرطهما(2) بردّ ما يعمّ بدله مع عدم التمكّن من العين. نعم إذا كان الثمن ممّا انحصر انتفاعه المتعارف بصرفه لا ببقائه كالنقود يمكن أن يقال إنَّ المنساق من الإطلاق في مثله ما يعمّ بدله ما لم يصرّح بأن يكون المردود نفس العين.
(مسألة 10): كما أنَّه يتحقّق ردّ الثمن بردّه إلى نفس المشتري يتحقّق أيضاً بإيصاله إلى وكيله في خصوص ذلك أو وكيله المطلق أو وليّه كالحاكم فيما إذا صار مجنوناً أو غائباً بل وعدول المؤمنين أيضاً في مورد ولايتهم. هذا إذا جعل الخيار
ــــــ[58]ـــــــ
(1)هذا خلاف فرض المسألة، أعني: بيع الشرط، فإنَّ شرطه هو إرجاع المال على تقدير القبض، فإذا لم يقبض كان الإرجاع سالبةً بانتفاء الموضوع، فلا يكون له الخيار بهذا الشرط.
(2) ويعتبر التسالم العرفيّ على إلغاء خصوصيّة الثمن بمنزلة هذا الشرط. وهذا هو الحال الفعلي للسوق للنقود ولبعض الأُمور الأُخرى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
للبائع مشروطاً بردّ الثمن أوردّه إلى المشتري وأطلق، وأمّا لو اشترط الردّ إلى المشتري بنفسه وإيصاله بيده لا يتعدّى منه إلى غيره.
(مسألة 11): لو اشترى الوليّ شيئاً للمولى عليه ببيع الخيار فارتفع حجره قبل انقضاء المدّة وردّ الثمن فالظاهر تحقّقه بإيصاله إلى المولى عليه فيملك البائع الفسخ بذلك، بل في كفاية الردّ إلى الوليّ حينئذٍ نظرٌ وإشكالٌ(1). ولو اشترى أحد الوليَّين كالأب فهل يصحّ للبائع الفسخ مع ردّ الثمن إلى الوليّ الآخر كالجدّ؟ لا يبعد ذلك، خصوصاً فيما إذا لم يتمكّن من الردّ إلى الآخر، وكذلك الحال في الحاكمين إذا اشترى أحدهما وردّ الثمن إلى الآخر، لكنّه لا يخلو من إشكالٍ من جهة الإشكال(2) في ولاية حاكمٍ آخر في هذه المعاملة التي تصدّاها الحاكم الأوّل. نعم لو لم يمكن الردّ إلى الحاكم الأوّل يجوز ردّه إلى حاكمٍ آخر بلا إشكال(3). وهذا أيضاً كما مرّ في المسألة السابقة فيما إذا لم يصرّح(4) يكون المردود إليه المشتري بخصوصه وبنفسه، وإلَّا فلا يتعدّى منه إلى غيره.
(مسألة 12): إذا مات البائع ينتقل هذا الخيار كسائر الخيارات إلى ورثته،
ــــــ[59]ـــــــ
(1) بل لا يكون سبباً للخيار ما لم ينصّ عليه في الشرط.
(2) لأنَّه يشترط في الولاية العامّة الأعلميّة – على الأحوط- وهي لا تتوفّر عادةً إلَّا في واحد. وبتعبيرٍ عرفيّ: كلٌّ يرجع إلى من يقلّده ولا يكون الآخر حجّةً بالنسبة إليه.
(3) الأحوط أن يقبضه بصفته من عدول المؤمنين إذا كانت الولاية لهم. وإلَّا لم يتسلّط على الفسخ على الأحوط.
(4) بل فيما إذا لم يصرّح، وفي العبارة سهوٌ واضحٌ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فيردّون الثمن ويفسخون البيع فيرجع إليهم المبيع على حسب قواعد الإرث، كما أنَّ الثمن المردود أيضاً يوزّع عليهم(1) بالحصص. وإذا مات المشتري فالظاهر جواز فسخ البائع بردّ الثمن إلى ورثته. نعم لو جعل الشرط ردّ الثمن إلى المشتري بخصوصه وبنفسه وبمباشرته فالظاهر عدم قيام ورثته مقامه، فيسقط هذا الخيار بموته.
(مسألة 13): كما يجوز للبائع اشتراط الخيار له بردّ الثمن كذا يجوز للمشترى اشتراط الفسخ له عند ردّ المثمن، والظاهر المنصرف إليه الإطلاق فيه ردّ العين، فلا يتحقّق بردّ بدله ولو مع التلف إلَّا أن يصرّح(2) بردّ ما يعمّ البدل عند تعذّر المبدل، ويجوز أيضاً اشتراط الخيار لكلٍّ منهما بردّ ما انتقل إليه.
«الرابع»: خيار الغبن.
وهو فيما إذا باع بدون ثمن(3) المثل أو اشترى بأكثر منه مع الجهل بالقيمة، فللمغبون خيار الفسخ، ويعتبر الزيادة أو النقيصة مع ملاحظة ما انضمّ إليه من الشرط، فلو باع ما يسوى مائة دينارٍ بأقلّ منه بكثيرٍ مع اشتراط الخيار للبائع فلا غبن لأنَّ المبيع(4) ببيع الخيار ينقص ثمنه عن المبيع بالبيع اللازم، وهكذا غيره من
ــــــ[60]ـــــــ
(1) يعني: يؤخذ منهم بنسب حصص ميراثهم.
(2) أو كان المتعارف سوقيّاً في بعض الأشياء ذلك.
(3) بحيث يصدق الغبن عرفاً وكذا ما بعده.
(4) الظاهر: أنَّ هذا يختلف سوقيّاً. وهو غير ثابتٍ في عصرنا الحاضر. إلَّا أنَّ القاعدة التي يتحدّث عنها الماتن صحيحةٌ، ومثالها: ما لو باعه ما يسوى مائة بخمسين واشترط عليه خياطة الثوب. والمهمّ بعد ذلك صدق الغبن وفي المثال لا يصدق وكان الأولى للماتن أن يقول: إنَّ المغبون إذا كان له الخيار بسببٍ آخر غير الغبن كفى عن خيار الغبن. وبتعبير: أنَّه لا يصدق الغبن مع وجود الخيار.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الشروط. ويشترط فيه أن يكون التفاوت بما لا يتسامح الناس فيه في مثل هذه المعاملة، فلو باع ما يسوى مائةً بخمسة وتسعين لم يكن مغبوناً، لأنَّه لا ينظر في مقام التكسّب والمعاملة إلى هذا المقدار من التفاوت، إذ الخمسة يسيرة بالنسبة إلى المائة وإن كانت كثيرةً في نفسها. وبعبارةٍ أُخرى: التفاوت بنصف العشر لا ينظر إليه ويتسامح فيه، بل لا يبعد(1) دعوى التسامح في العشر أيضاً.
(مسألة 14): ليس للمغبون مطالبة الغابن بتفاوت القيمة، بل له الخيار بين أن يفسخ المبيع من أصله أو يلتزم ويرضى به بالثمن المسمّى، كما أنَّه لا يسقط خياره ببذل الطرف المقابل التفاوت. نعم مع تراضى الطرفين لا بأس به.
(مسألة 15): الخيار ثابتٌ للمغبون من حين العقد لا أنَّه يحدث من حين اطّلاعه على الغبن، فلو فسخ(2) قبل ذلك وصادف الغبن واقعاً أثّر الفسخ أثره من جهة أنَّه وقع في موقعه.
(مسألة 16): إذا اطّلع على الغبن ولم يبادر بالفسخ، فإن كان لأجل جهله بحكم الخيار فلا إشكال في بقاء خياره، وإن كان عالماً به فإن كان بانياً على الفسخ غير راضٍ بهذا البيع بهذا الثمن إلَّا أنَّه أخّر إنشاء الفسخ لغرضٍ من الأغراض فالظاهر بقاء خياره. نعم ليس له التواني فيه بحيث يؤدّي إلى ضررٍ وتعطيل أمرٍ
ــــــ[61]ـــــــ
(1) لكنّه يجعل في الأسواق المتعارفة.
(2) رجاءً لا تشريعاً؛ إذ لا معنى للعلم بالخيار مع عدم العلم بالغبن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
على الغابن، وإن لم يكن(1) بانياً على الفسخ ولم يكن بصدد فسخه إلَّا أنَّه بدا له بعد ذلك أن يفسخه فالظاهر سقوط خياره.
(مسألة 17): المدار في الغبن على القيمة حال العقد، فلو زادت بعده ولو قبل اطّلاع المغبون على النقصان حين العقد لم ينفع في سقوط الخيار، كما أنَّه لو نقص بعده أو زاد لم يؤثّر في ثبوته.
[موارد سقوط خيار الغبن]
(مسألة 18): يسقط هذا الخيار بأُمور:
أحدها: اشتراط سقوطه وعدمه في ضمن العقد، ويقتصر في السقوط على مرتبةٍ من الغبن كانت مقصودةً(2) عند الاشتراط وشملته العبارة، فلو كان المشروط سقوط مرتبةٍ خاصّةٍ من الغبن كالعشر فتبيّن كونه الخمس لم يسقط الخيار، بل لو اشترط سقوطه وإن كان فاحشاً أو أفحش لا يسقط إلَّا ما كان كذلك بالنسبة إلى ما يُحتمل في مثل هذه المعاملة لا أزيد، فلو فرض أنَّ ما اشترى بمائة لا يحتمل فيه أن لا يسوى عشرة أو عشرين وأنَّ المحتمل فيها من الفاحش إلى خمسين والأفحش إلى ثلاثين وشرطا سقوط الغبن فاحشاً كان أو أفحش لم يسقط الخيار إذا كان يسوى عشراً أو عشرين.
ــــــ[62]ـــــــ
(1) المهمّ هو كون التأخير مبرزاً عرفيّاً لإسقاط خياره أم لا، والظاهر في مثل هذه الصورة كونه كذلك.
(2) فإن كانت مقولةً بالتشكيك وغير متعيّنةٍ واقعاً استصحب حكم السقوط بالشرط إلى حين اليقين بحصول الغبن – لو صحّ التعبير-.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الثاني: إسقاطه بعد العقد ولو قبل ظهور الغبن إذا أسقطه على تقدير ثبوته، وهذا أيضاً كسابقه يقتصر على مرتبةٍ من الغبن كانت مقصودةً(1) عند الإسقاط، فلو أسقط مرتبةً خاصّةً منه كالعشر فتبيّن كونه أزيد لم يسقط الخيار. وكما يجوز إسقاطه بعد العقد مجّاناً يجوز المصالحة عنه بالعوض، فمع العلم بمرتبة الغبن لا إشكال ومع الجهل بها فالظاهر جواز المصالحة عنه مع التصريح بعموم المراتب، بأن يصالح عن خيار الغبن الموجود في هذه المعاملة بأيّ مرتبةٍ كان، ولو عيّن مرتبةً وصالح عن خياره فتبيّن كونه أزيد فالظاهر بطلان المصالحة.
الثالث: تصرّف المغبون بعد العلم بالغبن فيما انتقل إليه بما يكشف عن رضاه بالبيع، بأن تصرّف البائع المغبون في الثمن أو المشتري المغبون في المثمن فإنَّه يسقط بذلك خياره، خصوصاً الثاني وخصوصاً إذا كان تصرّفه بالإتلاف أو بما يمنع الردّ كالاستيلاد أو بإخراجه عن ملكه كالعتق أو بنقلٍ لازمٍ كالبيع، وأما تصرّفه قبل ظهور الغبن فلا يسقط به الخيار(2) كتصرّف الغابن فيما انتقل إليه مطلقاً.
(مسألة 19): إذا اطّلع البائع المغبون على الغبن وفسخ البيع، فإن كان المبيع موجوداً عند المشتري باقياً على حاله استردّه منه، وإذا رآه تالفاً أو مُتلَفاً رجع إليه بالمثل أو القيمة، وإن حدث به عيبٌ عنده سواءٌ كان بفعله أو بآفةٍ سماويّةٍ أخذه مع الأرش، وإذا أخرجه عن ملكه بالعتق أو الوقف أو نقله إلى الغير بعقدٍ لازمٍ
ــــــ[63]ـــــــ
(1) مع الالتفات إلى ما قلناه في التعليقة السابقة.
(2) وإن كان تصرّفاً متلفاً أو مانعاً من الردّ ويرجع إلى القيمة والأرش لا إلى الثمن المسمّى. نعم، مع صدق الغرر عرفاً لا ضمان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كالبيع فالظاهر أنَّه بحكم التلف فيرجع إليه بالمثل أو القيمة، وإن كان بنقلٍ غير لازمٍ كالبيع بخيارٍ والهبة، فالظاهر أنَّ له إلزام(1) المشتري بالفسخ والرجوع وتسليم العين إذا أمكن، بل في النقل اللازم أيضاً لو رجعت العين إلى المشتري بإقالةٍ أو عقدٍ جديدٍ قبل رجوع البائع إليه بالبدل لا يبعد(2) أن يكون له إلزامه بردّ العين. وإذا نقل منفعتها إلى الغير بعقدٍ لازمٍ كالإجارة لم يمنع ذلك عن الفسخ، كما أنَّه بعد الفسخ تبقى الإجارة على حالها وترجع العين إلى الفاسخ مسلوبة المنفعة وله سائر المنافع غير ما ملكه المستأجر لو كانت. وفي جواز رجوعه إلى المشتري بأجرة المثل بالنسبة إلى بقيّة المدّة وجهٌ قويٌّ، كما يحتمل وجهٌ آخر، وهو أن يرجع إليه بالنقص الطارئ على العين من جهة كونها مسلوبة المنفعة في تلك المدّة، فتقوّم بوصف كونها ذات منفعةٍ في تلك المدّة مرّةً ومسلوبة المنفعة فيها أُخرى فيأخذ مع العين التفاوت بين القيمتين، والظاهر أنَّه لا تفاوت غالباً بين الوجهين.
(مسألة 20): بعد ما فسخ البائع المغبون لو كان المبيع موجوداً عند المشتري لكن تصرّف فيه تصرّفاً مغيّراً له فإمّا بالنقيصة أو بالزيادة أو بالامتزاج: أما لو كان بالنقيصة أخذه ورجع إليه بالأرش كما مرّ، وأما لو كان بالزيادة فإمّا أن تكون صفةً محضةً كطحن الحنطة وقصارة الثوب وصياغة الفضّة أو صفةً مشوبةً بالعين كالصبغ أو عيناً محضاً كالغرس والزرع والبناء، أمّا الأوّل فإن لم يكن للزيادة
ــــــ[64]ـــــــ
(1) يعني: البائع الأصلي. هذا إذا كان للمشتري الخيار، وأمّا إذا كان الخيار للمشتري الثاني دونه فليس له إلزامه بالفسخ.
(2) بل هو بعيدٌ عندئذٍ، وإن كان هو أحوط استحباباً للمشتري وأخلاقيّاً أيضاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مدخل في زيادة القيمة يرجع إلى العين، وفي كون زيادة القيمة للمشتري لأجل الصفة فيأخذ البائع العين ويدفع زيادة القيمة أو كونه شريكاً معه في القيمة فيباع ويقسّم الثمن بينهما بالنسبة أو شريكاً معه في العين بنسبة تلك الزيادة أو كون العين للبائع وللمشتري أجرة عمله أو ليس له شيءٌ أصلاً، وجوهٌ أقواها أوّلها ثُمَّ ثانيها(1). وأمّا الثاني فالظاهر أنَّه كالأوّل فتجيء فيها(2) الوجوه الأربعة. وأمّا الثالث فيرجع البائع إلى المبيع(3) ويكون الغرس والزرع والبناء للمشترى وليس للبائع إلزامه بالقلع والهدم ولو بالأرش ولا إلزامه بالإبقاء ولو مجّاناً، كما أنَّه ليس للمشتري حق الإبقاء مجّاناً وبلا أجرة، فعلى المشتري إمّا إبقاؤها بالأجرة وإمّا قلعها(4) مع طمّ الحفر وتدارك النقص الوارد على الأرض، وللبائع إلزامه(5) بأحد الأمرين لا خصوص أحدهما، وكلّ ما اختار المشتري من الأمرين ليس للبائع الفاسخ منعه. نعم لو أمكن غرس المقلوع بحيث لم يحدث فيه شيء إلَّا تبدّل المكان فللبائع أن يلزمه به، والظاهر أنَّه لا فرق في ذلك بين الزرع وغيره. وأمّا إن
ــــــ[65]ـــــــ
(1) الظاهر: رجوعه إلى الأوّل، وإلَّا فلا وجه له.
(2) فتجيء فيها: والظاهر أنَّ الوجه الثاني هنا أرجح لكونه مشوباً بالغبن وإن كفى الوجه الأوّل أيضاً.
(3) كان الأولى التعبير: فيرجع المبيع إلى البائع.
(4) إذا لم يلزم منه نقصٌ فلا ضمان على البيع وإلَّا ضمن الأرش للمشتري كما يضمن المشتري أرش الأرض. فإن تساويا بالقيمة أمكن لهما الصلح على التهاتر، ولا يحصل التهاتر هنا قهراً لأنَّ أحد الطرفين ضمان عمل بالأصل وليس ضمان قيمة.
(5) يعني: رفضه الإبقاء بأجرة، والتخيير السابق في المتن أحوط، إلَّا أن يضمن له كلفة
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كان بالامتزاج فإن كان بغير جنسه بحيث لا يتميّز فكالمعدوم ويرجع بالمثل أو القيمة، ويحتمل الفرق بين ما كان مستهلكاً وعدّ تالفاً كما إذا خلط ماء الورد بالزيت فيرجع إلى البدل، وبين ما لم يكن كذلك كمزج الخلّ بالانجبين فيثبت الشركة في القيمة أو في العين بنسبة القيمة. والمسألة محلّ إشكالٍ فلا يترك الاحتياط بالتصالح(1) والتراضي. وإن كان الامتزاج بالجنس فالظاهر ثبوت الشركة بحسب الكمّيّة(2) وإن كان(3) بالأردأ أو الأجود مع أخذ الأرش في الأوّل وإعطاء زيادة القيمة في الثاني، لكنّ الأحوط التصالح(4) خصوصاً في الثاني.
(مسألة 21): إذا باع أو اشترى شيئين صفقةً واحدةً وكان مغبوناً في أحدهما دون الآخر ليس له التبعيض في الفسخ، بل عليه إمّا فسخ البيع بالنسبة إلى الجميع أو الرضا به كذلك.
«الخامس»: خيار التأخير.
وهو فيما إذا باع شيئاً ولم يقبض تمام الثمن، فإنَّه يلزم البيع ثلاثة أيّامٍ(5)، فإن جاء المشتري بالثمن فهو أحقّ بالسلعة وإلَّا فللبائع فسخ المعاملة(6)، ولو تلفت
ــــــ[66]ـــــــ
(1) لاحتمال ضمان العين وضمان المالية. هذا ولا يبعد أن يكون ضمان المالية مجزياً عرفاً.
(2) يعني بالنسبة، فإن كانت مجهولة لزم التصالح.
(3) إلَّا أنَّ احتمال الشركة هنا ضعيف.
(4) على الأحوط استحباباً. ويكفي ضمان المالية.
(5) هذا إذا لم يسلّم المبيع ولم يقبض شيئاً من الثمرة.
(6) ظاهر الدليل: أنَّ البائع أحقّ بالسلعة بدون حاجةٍ إلى الفسخ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
السلعة كانت من مال البائع وقبّضُ بعض الثمن كلا قبض(1).
(مسألة 22): لا إشكال في ثبوت هذا الخيار إذا كان المبيع عيناً شخصيّاً، وفي ثبوته إذا كان كلّيّاً قولان لا يخلو أوّلهما من رجحانٍ، والأحوط أن يكون الفسخ برضى الطرفين(2).
(مسألة 23): الظاهر أنَّ هذا الخيار ليس على الفور، فلو أخّر الفسخ عن الثلاثة(3) لم يسقط الخيار إلَّا بأحد المسقطات.
(مسألة 24): يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه في ضمن العقد وبإسقاطه بعد الثلاثة، وفي سقوطه بإسقاطه قبلها إشكالٌ أقواه العدم(4)، كما أنَّ الأقوى عدم سقوطه ببذل المشتري الثمن بعدها قبل فسخ البائع، ويسقط أيضاً بأخذ الثمن بعد الثلاثة من المشتري بعنوان الاستيفاء لا بعنوانٍ آخر كالعارية وغيرها، وفي سقوطه بمطالبة الثمن وجهان الظاهر العدم.
(مسألة 25): المراد بثلاثةِ أيّامٍ هو بياض اليوم ولا يشمل الليالي عدا الليلتين
ــــــ[67]ـــــــ
(1) يشكل رجوعه إلى المعنى السابق، ولو صحّت النتيجة؛ لأنَّه أخّر ما يلزم تقديمه. وفي مثله لا يفرق بين دفع العوض الآخر وعدمه.
(2) لا شكّ أنَّ هذه الصورة غير مشمولةٍ لنصّ الدليل؛ لعدم العين الشخصية، إلَّا أنَّ الظاهر شمول الحكم له غير أنَّه يحتاج إلى قصد الفسخ من قبل البائع ولا يحتاج إلى المقايلة كما أشير إليه في المتن.
(3) هذا غيرٌ من الماتن، فإنَّ هذا الخيار يبدأ بعد الثلاثة، إلَّا أن يريد مطلق التأخير فإنَّه سببٌ للخيار أيضاً. يعني: سواء تسلّم المشتري العين أم لا.
(4) ولو بعنوان كونه حكماً شرعيّاً لا حقاً شخصيّاً، إلَّا أنَّ الصحيح هو الثاني.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المتوسّطتين، فلو أوقع البيع في أوّل النهار يكون آخر الثلاثة غروب النهار الثالث.
نعم لو وقع البيع في الليل تدخل الليلة الأُولى أو بعضها أيضاً في المدّة، والظاهر كفاية التلفيق(1)، فلو وقع البيع في أوّل الزوال يكون مبدأ الخيار بعد زوال اليوم الرابع وهكذا.
(مسألة 26): لا يجري هذا الخيار(2) في غير البيع من سائر المعاملات.
(مسألة 27): لو تلف المبيع كان من مال(3) البائع في الثلاثة وبعدها على الأقوى.
(مسألة 28): إذا باع ما يتسارع إليه الفساد بحيث يفسد لو صار بائتاً كالبقول وبعض الفواكه واللحم في بعض الأوقات ونحوها وبقي عنده وتأخّر المشتري من أن يأتي بالثمن ويأخذ المبيع، فللبائع الخيار قبل أن(4) يطرأ عليه الفساد فيفسخ البيع ويتصرّف في المبيع كيف شاء.
«السادس»: خيار الرؤية.
وهو فيما إذا اشترى شيئاً موصوفاً غير مشاهد ثُمَّ وجده على خلاف ذلك الوصف كان للمشتري خيار الفسخ، وكذا إذا وجده على خلاف ما رآه سابقاً.
ــــــ[68]ـــــــ
(1) بل هو المتعيّن.
(2) يعني: خيار الثلاثة أيّام، لا خيار مطلق التأخير.
(3) والمفروض أنَّ المبيع باقٍ عند البائع، والأمر كذلك ما لم يتلفه المشتري عن عمدٍ وعلمٍ بدون صدق القبض.
(4) هذا فيما يفسد قبل نهاية النهار، وأمّا إذا أمكن بقاؤه أكثر فالخيار فيما باعه نهاراً إلى نهايته، وفيما باعه ليلاً إلى نهايته، ويختصّ هذا الخيار بالمبيع الشخصي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 29): الخيار هنا غير الردّ والإمساك مجّاناً وليس لذي الخيار الإمساك بالأرش، كما أنَّه لا يسقط خياره ببذله ولا بإبدال العين بعينٍ أُخرى. نعم لو كان للوصف المفقود دخلٌ في الصحّة توجّه أخذ الأرش(1)، لكن لأجل العيب لا لأجل تخلّف الوصف.
(مسألة 30): مورد هذا الخيار بيع العين الشخصيّة الغائبة حين المبايعة، ويشترط في صحّته إمّا الرؤية السابقة مع عدم اليقين بزوال تلك الصفات وإمّا توصيفه بما يرفع به الجهالة الموجبة للغرر بذكر جنسها ونوعها وصفاتها التي تختلف باختلافها الأثمان وتتفاوت لأجلها رغبات الناس.
(مسألة 31): هذا الخيار فوريٌّ عند الرؤية على المشهور، وفيه إشكال.
(مسألة 32): يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه في ضمن العقد، وبإسقاطه بعد الرؤية، وبالتصرّف في العين بعدها تصرّفاً كاشفاً عن الرضا بالبيع، وبعدم المبادرة على الفسخ بناءً على فوريته.
«السابع»: خيار العيب.
وهو فيما إذا وجد المشتري في المبيع عيباً تخيّر بين الفسخ والإمساك بالأرش ما لم يتصرّف فيه تصرّفاً مغيّراً للعين(2) أو يحدث فيه عيبٌ عنده، وإلَّا فليس له الردّ بل ثبت له الأرش خاصّة، وكما يثبت هذا الخيار للمشتري إذا وجد العيب في
ــــــ[69]ـــــــ
(1) الظاهر: أنَّ هذه الصورة كسابقها.
(2) بحيث تعدّ تالفةً عرفاً، وإلَّا فالأرجح ثبوت الخيار له إن كان التصرّف قبل العلم بالعيب وكذا فيما بعده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المبيع كذلك يثبت للبائع إذا وجده في الثمن المعيّن.
والمراد بالعيب كلّما زاد أو نقص عن المجرى الطبيعي والخلقة الأصليّة كالعمى أو العرج وغير ذلك، بل الحبل عيبٌ لكن في الإماء دون سائر الحيوانات.
(مسألة 33): يثبت الخيار بمجرّد وجود العيب واقعاً حين العقد وإن لم يظهر بعد، فظهوره كاشفٌ عن ثبوته من أوّل الأمر لا أنَّه سببٌ(1) لحدوثه عنده، فلو أسقط الخيار(2) قبل ظهوره لا إشكال في سقوطه، كما أنَّه يسقط بإسقاطه بعد ظهوره، وكذلك باشتراط سقوطه في ضمن العقد، وبالتبرّي من العيوب عنده، بأن يقول مثلاً بعته بكلّ عيب(3).
وكما يسقط بالتبرّي من العيوب الخيار يسقط أيضاً استحقاق مطالبة الأرش.
(مسألة 34): كما يثبت الخيار بوجود العيب عند العقد، كذلك يثبت بحدوثه بعده(4) قبل القبض، والعيب الحادث بعد العقد يمنع عن الردّ لو حدث بعد القبض، وأمّا لو حدث قبله فهو سببٌ للخيار، فلا يمنع عن الردّ والفسخ بسبب العيب السابق بطريقٍ أَولى.
ــــــ[70]ـــــــ
(1) هذا لا أثر له فقهيّاً إلَّا من حيث إمكان الإسقاط الفعليّ لا الرجائيّ، بل هذا أيضاً ليس بصحيحٍ بل اللازم الإسقاط الرجائيّ على أيّ حالٍ؛ لاحتمال عدم ظهور العيب أصلاً.
(2) رجاءً لا فعلاً، على الأحوط.
(3) فيسقط الخيار بالنسبة إلى العيوب المقصودة، دون العيوب الأشدّ، وهذا نظير ما قاله الماتن في خيار الغبن.
(4) إذا لم يكن بتسبيبٍ من المشتري.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 35): لو كان معيوباً عند العقد وزال العيب قبل ظهوره، الظاهر: سقوط(1) الخيار، وأمّا سقوط الأرش ففيه إشكالٌ لا يبعد ثبوته(2)، وإن كان الأحوط التصالح.
(مسألة 36): كيفيّة أخذ الأرش بأن يقوَّم الشيء صحيحاً ثُمَّ يقوَّم معيباً ويلاحظ النسبة بينهما ثُمَّ ينقص من الثمن المسمّى بتلك النسبة، فإذا قوّم صحيحاً بتسعةٍ ومعيباً بستّةٍ وكان الثمن ستّةً ينتقص من الستّة اثنان وهكذا. والمرجع في تعيين ذلك أهل الخبرة، ويعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة من التعدّد والعدالة، وفي الاكتفاء بقول العدل الواحد وجهٌ(3).
(مسألة 37): لو تعارض المقوّمون في تقويم الصحيح أو المعيب أو كليهما فقوَّم الصحيحَ مثلاً عدلان بمقدارٍ ومعيبه بمقدارٍ وخالفهما فيهما عدلان آخران، يؤخذ التفاوت بين الصحيح والمعيب من كلٍّ منهما ويجمع بينهما ثُمَّ يؤخذ(4) نصف المجموع، فإذا قوّم أحدهما صحيحه بعشرةٍ ومعيبه بخمسةٍ والآخر صحيحه
ــــــ[71]ـــــــ
(1) بل مقتضى القاعدة استمراره.
(2) إلَّا أنَّ الأقرب خلافه، والتصالح أحوط استحباباً.
(3) وجيه. نعم، إذا كان خبيراً غير عدلٍ، كان للأخذ به وجه.
(4) في صورة المسألة يمكن أخذ المعدّل الحسابي بشكلين:
……….الأوّل: أخذ المعدّل لقيمة الصحيح والمعدّل لقيمة المعيب، ثُمَّ يؤخذ بالفرق.
……….الثاني: أخذ المعدّل للفرق بعد استنتاجه من كلا التسعيرين، وهو ما قرّره الماتن.
…..والظاهر: أنَّ كلا الشكلين متّحدا النتيجة سوقيّاً. إلَّا أنَّهما لو اختلفا كثيراً فالأحوط الأخذ بالأوّل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بتسعةٍ ومعيبه بستّةٍ وكان الثمن اثني عشر يُردّ من الثمن خمسةٌ ويُعطى البائع سبعةً، لأنَّ التفاوت بين الصحيح والمعيب على الأوّل بالنصف فيكون الأرش ستّةً، وعلى الثاني بالثلث فيكون أربعةً، والمجموع عشرةٌ ونصفها خمسةٌ. وإذا فرض(1) أنَّه قوّمه عدلان آخران أيضاً صحيحه ثمانيةٌ ومعيبه ستّةٌ فيكون التفاوت بالربع وهو ثلاثةٌ من اثني عشر فيُضمّ إلى العشرة والمجموع ثلاثة عشر فتؤخذ ثلثها وهو أربعةٌ وثلثٌ وهو الأرش الذي ينقص من الثمن – أعني اثني عشر- ويبقى للبائع سبعةٌ وثلثان وهكذا.
(مسألة 38): لو باع شيئين صفقةً واحدةً فظهر العيب في أحدهما كان للمشتري أخذ الأرش أو ردّ الجميع وليس له التبعيض وردّ المعيب وحده، وكذا لو(2) اشترك اثنان في شراء شيءٍ فوجداه معيباً ليس لأحدهما ردّ حصّته خاصّةً إذا لم يوافقه شريكه، على إشكالٍ فيهما خصوصاً في ثانيهما. نعم لو رضي البائع يجوز ويصحّ التبعيض في المسألتين بلا إشكالٍ فيهما.
(مسألة 39): قد عرفت أنَّ العيب الموجب للخيار ما كان موجوداً حال العقد أو حدث بعده قبل القبض، فلا يؤثّر في ثبوت الخيار ولا في استحقاق الأرش ما حدث بعد العقد والقبض عدا الجنون والبرص والجذام والقرن، فإنَّ
ــــــ[72]ـــــــ
(1) هذا فرض وجود ثلاث تسعيراتٍ أو أكثر. ويرد فيه كلا الشكلين السابقين مع ما قلناه عنهما.
(2) بل لأحدهما أن يردّ ما وصل إليه. نعم، يكون للبائع خيار التبعيض. ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
هذه العيوب(1) الأربعة لو حدثت إلى سنةٍ من يوم العقد يثبت لأجلها الخيار، ولأجل ذلك سمّيت هذه العيوب بأحداث السنة.
خاتمة في أحكام الخيار
وليعلم أنَّ للخيار أحكاماً مشتركةً بين الجميع، وأحكاماً تختصّ ببعضها لا يناسب هذا المختصر تفصيلها.
ومن الأحكام المشتركة: أنَّ كلّ خيارٍ يسقط إذا اشترط في متن العقد(2) عدمه، وكذلك يسقط بإسقاطه بعد العقد.
ومنها: أنَّه إذا مات من له الخيار انتقل خياره إلى وارثه، من غير فرقٍ بين أنواعه وما هو المانع عن إرث الأموال النقصان في الوارث – كالرقيّة، والقتل والكفر- مانعٌ عن هذا الإرث أيضاً، كما أنَّ ما يحجب به حجب حرمان – وهو وجود الأقرب إلى الميّت- يحجب به هنا أيضاً. ولو كان الخيار متعلّقاً بمالٍ خاصٍّ يحرم عنه بعض الورثة كالعقار بالنسبة إلى الزوجة والحبوة بالنسبة إلى غير الولد الأكبر، فهل يحرم ذلك الوارث عن الخيار المتعلّق بذلك المال مطلقاً أو لا يحرم مطلقاً، أو يفصَّل بين ما إذا كان ما يحرم عنه الوارث منتقلاً إلى الميّت وما كان منتقلاً عنه فيحرم في الثاني دون الأوّل، ففيما إذا انتقل العقار إلى الميّت وكان له
ــــــ[73]ـــــــ
(1) ثبوت الخيار بهذه العيوب كما قال الماتن ثابتٌ في خصوص النكاح وغير شاملٍ للبيع وغيره على الأقوى.
(2) وإذا كان العقد معاطاتياً أمكن المعاطاة على هذا الأساس بالعزم عليه سلفاً أو النطق به دون النطق بالعقد.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الخيار ترثه الزوجة، بخلاف ما إذا باع العقار وكان له الخيار فلا ترثه، وجوهٌ وأقوالٌ أقواها أوسطها(1).
(مسألة 1): لا إشكال فيما إذا كان الوارث واحداً، وأمّا إذا تعدّد ففي كون الخيار لكلٍّ منهم بالاستقلال بالنسبة إلى الجميع أو بالنسبة إلى حصّته أو للمجموع بحيث لا أثر لفسخ بعضهم بدون ضمن الباقين لا في تمام المبيع ولا في حصّته أقوالٌ، أقواها الأخير ثُمَّ أوسطها(2).
(مسألة 2): إذا اجتمع الورثة على الفسخ فيما باعه مورثهم، فإن كان عين الثمن موجوداً دفعوه إلى المشتري، وإن لم يكن موجوداً أخرج من مال الميّت، ولو لم يكن له مالٌ ففي كونه على الميّت واشتغال ذمّته به فيجب تفريغها بالمبيع المردود إليه فإن بقي شيءٌ يكون للورثة وإن لم يفِ بتفريغ ما عليه يبقى الباقي في ذمّته(3) أو كونه على الورثة كلٌّ بقدر حصّته، وجهان أوجههما أوّلهما.
القول فيما يدخل في المبيع عند الإطلاق
(مسألة 1): من باع بستاناً دخل فيه الأرض والشجر والنخل، وكذا الأبنية من سورها وما يعدّ من توابعها ومرافقها كالبئر والناعور والحظيرة ونحوها،
ــــــ[74]ـــــــ
(1) الأقرب: أنَّ ميراث الخيار يدور مدار ميراث العين، فمن كان وارثاً للعين ورث الخيار سواءٌ كان منتقلاً إليه أو منتقلاً عنه. فالزوجة ترث الخيار فيما ثمرت فقط.
(2) بل الأقرب الأوسط، فإن فسخ بعضهم دون بعضٍ وتبعّضت الصفقة على البائع، كان له الخيار.
(3) إلى أن يوفيها عنه أحدٌ استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بخلاف ما إذا باع أرضاً فإنَّه لا يدخل فيها النخل والشجر الموجودتان فيها إلَّا مع الشرط، وكذا لا يدخل الحمل في ابتياع الأمّ ما لم يشترط والثمر في بيع الشجر. نعم لو باع نخلاً فإن كان مؤبّراً فالثمرة للبائع ويجب على المشتري إبقاؤها على الأصول بما جرت العادة على إبقاء تلك الثمرة، ولو لم يؤبّر كانت للمشتري. والظاهر اختصاص ذلك بالبيع، وأمّا في غيرها فالثمرة للناقل(1) بدون الشرط، سواءٌ كانت مؤبّرةً أو لم تكن، كما أنَّ هذا الحكم مختصٌّ بالنخل فلا يجري(2) في غيرها، بل تكون الثمرة للبائع على كلّ حال.
(مسألة 2): إذا باع الأصول وبقيت الثمرة للبائع واحتاجت الثمرة إلى السقي يجوز لصاحبها أن يسقيها وليس لصاحب الأصول منعه، وكذلك العكس. ولو تضرّر أحدهما بالسقي والآخر بتركه ففي تقديم حقّ البائع المالك للثمرة أو المشتري المالك للأصول وجهان لا يخلو ثانيهما عن رجحان، والأحوط(3) التصالح والتراضي على تقدّم أحدهما، ولو بأن يتحمّل ضرر الآخر.
(مسألة 3): إذا باع بستاناً واستثنى نخلةً مثلاً، فله الممرّ إليها والمخرج ومدى جرائدها(4) وعروقها في الأرض وليس للمشتري منع شيءٍ من ذلك، وإذا باع داراً
ــــــ[75]ـــــــ
(1) الظاهر: رجوعه إلى الفهم العرفيّ في أيّ سوقٍ، وكذلك إلى دلالة مفهوم الشجرة في أيّ لغة، من حيث عمومها للثمر وعدمه.
(2) اتّضح حكمه في التعليقة السابقة.
(3) هو المتعيّن ولو بالإرضاء بالمال.
(4) بمعنى حقّ التصرّف في هذه الأرض بالمقدار المناسب وإلَّا فالعين للمشتري، كالممرّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
دخل فيها الأرض والأبنية الأعلى والأسفل إلَّا أن يكون الأعلى مستقلاً من حيث المدخل والمخرج والمرافق وغير ذلك ممّا يكون أمارةً على خروجه واستقلاله بحسب العادة، وكذا يدخل السراديب والبئر والأبواب والأخشاب المتداخلة في البناء والأوتاد المثبّتة فيه بل السلّم المثبّت على حذو الدرج، ولا يدخل الرحى المنصوبة إلَّا مع الشرط، وكذا لو كان فيها نخلٌ أو شجرٌ لا يدخلان إلَّا مع الشرط ولو بأن قال: «وما دار عليها حائطها»، وفي دخول المفاتيح إشكالٌ(1) لا يبعد دخولها.
(مسألة 4): الأحجار المخلوقة في الأرض والمعادن المتكوّنة فيها تدخل في بيعها، بخلاف الأحجار المدفونة فيها كالكنوز المودعة فيها ونحوها.
القول في القبض والتسليم
(مسألة 1): يجب على المتبايعين تسليم العوضين بعد العقد لو لم يشترط التأخير، فلا يجوز لكلٍّ منهما التأخير مع الإمكان إلَّا برضى صاحبه، فإن امتنعا أجبرا(2)، ولو امتنع أحدهما مع تسليم صاحبه أجبر الممتنع. ولو اشترط كلٌّ منهما تأخير التسليم إلى مدّةٍ معيّنةٍ جاز، وليس لغير مشترط التأخير الامتناع عن التسليم؛ لعدم تسليم صاحبه الذي اشترط التأخير، وكذا يجوز أن يشترط البائع له سكنى الدار أو ركوب الدابّة أو زرع الأرض ونحو ذلك مدّةً معيّنةً. والقبض
ــــــ[76]ـــــــ
(1) من الواضح في العرف الحاضر دخولها فتكون كذلك شرعاً.
(2) بمباشرة وليّ الممتنع وهو الحاكم الشرعيّ، وكذا ما بعده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والتسليم فيما لا ينقل كالدار والعقار هو التخلية برفع يده عنه ورفع المنافيات والإذن منه لصاحبه في التصرّف بحيث صار تحت استيلائه(1)، وأمّا في المنقول كالطعام والثياب ونحوه ففي كونه التخلية أيضاً أو الأخذ باليد مطلقاً أو التفصيل بين أنواعه أقوالٌ، لا يبعد كفاية التخلية(2) في مقام وجوب تسليم العوضين على المتبايعين بحيث يخرج عن ضمانه وعدم كون تلفه عليه، وإن لم يكتف بذلك في سائر المقامات التي يعتبر فيها القبض ممّا لا يسع المقام تفصيلها.
(مسألة 2): إذا تلف المبيع قبل تسليمه إلى المشتري، كان من مال البائع فانفسخ البيع وعاد الثمن إلى المشتري، وإذا حصل للمبيع نماء قبل القبض كالنتاج والثمرة كان ذلك للمشتري، فإن تلف الأصل قبل قبضه عاد الثمن إليه وله النماء(3)، ولو تعيّب قبل القبض كان المشتري بالخيار بين الفسخ والإمضاء بكلّ الثمن، وفي استحقاقه لأخذ الأرش تردّدٌ أقواه العدم(4).
(مسألة 3): لو باع جملةً فتلف بعضها، انفسخ البيع بالنسبة إلى التالف وعاد إلى المشتري ما يخصّه(5) من الثمن، وله فسخ العقد(6) والرضا بالموجود بحصّته من الثمن.
ــــــ[77]ـــــــ
(1) هذا غير التخلية وقيدٌ زائدٌ عليها. والظاهر وجوبه مع الإمكان، ومع الامتناع تكفي التخلية.
(2) بل الظاهر عرفاً لزوم التسبيب لإدخال الشيء تحت يد الآخر. ومع الامتناع تكفي التخلية.
(3) بل يبقى النماء ملكاً للمشتري، ورجوع الأصل لا يقتضي رجوع الفرع كما هو واضح.
(4) بل الظاهر الاستحقاق.
(5) بالنسبة.
(6) وكذلك للبائع الفسخ بعد تبعّض الثمن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 4): يجب على البائع مضافاً إلى تسليم المبيع تفريغه عمّا كان فيه من أمتعةٍ وغيرها حتّى لو كان مشغولاً بزرعٍ آن وقت حصاده وجب إزالته، ولو كان له عروقٌ تضرّ بالانتفاع كالقطن والذرة أو كان في الأرض حجارةٌ مدفونةٌ وجب عليه إزالتها وتسوية الأرض، ولو كان فيها شيءٌ لا يخرج إلَّا بتغيير شيءٍ من الأبنية وجب إخراجه وإصلاح ما ينهدم، ولو كان فيه زرعٌ لم يأن وقت حصاده له إبقاؤه إلى أوانه من غير أجرةٍ على الظاهر وإن لم يخل من إشكال، والأحوط التصالح(1).
(مسألة 5): من اشترى شيئاً ولم يقبضه فإن كان ممّا لا يكال أو يوزن جاز بيعه قبل قبضه، وكذا إذا كان منهما وباع توليةً، وأمّا لو باع بالمرابحة ففيه إشكالٌ أقواه الجواز مع الكراهة. هذا إذا باع الغير المقبوض على غير البائع، وأمّا إذا باعه عليه فالظاهر أنَّه لا إشكال في جوازه مطلقاً، كما أنَّه لا إشكال فيما إذا ملك شيئاً بغير الشراء كالميراث والصداق والخلع وغيرها، فيجوز بيعه قبل قبضه بلا إشكالٍ، بل الظاهر اختصاص المنع حرمةً أو كراهةً بالبيع، فلا منع في غيره في جعله صداقاً أو أجرةً وغير ذلك.
القول في النقد والنسيئة
(مسألة 1): مَن باع شيئاً ولم يشترط فيه تأجيل الثمن يكون نقداً وحالّا، فللبائع بعد تسليم المبيع مطالبته متى أراد، وليس له الامتناع من أخذه متى أراد
ــــــ[78]ـــــــ
(1) والأحوط الأفضل هو تعيين الأمر كلّه بالاتّفاق حين العقد بحيث لا يكون للآخر حقّ الاعتراض لا عرفاً ولا شرعاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المشتري دفعه إليه. وإذا اشترط تأجيله يكون نسيئةً لا يجب على المشتري دفعه قبل الأجل وإن طولب به، كما أنَّه لا يجب على البائع أخذه إذا دفعه المشتري قبله. ولابدَّ أن تكون مدّة الأجل معيّنةً مضبوطةً لا يتطرّق إليها احتمال الزيادة والنقصان، فلو اشترط التأجيل ولم يعيّن أجلاً أو عيّن أجلاً مجهولاً كقدوم الحاجّ كان البيع باطلاً. وهل يكفي تعيّنه في نفسه وإن لم يعرفه المتعاقدان، كما إذا جعل التأجيل إلى النيروز أو إلى انتقال الشمس إلى برج ميزان؟ وجهان، أحوطهما العدم(1) بل لا يخلو من قوّة.
(مسألة 2): لو باع شيئاً بثمنٍ حالّا وبأزيد منه إلى أجل – بأن قال مثلاً: بعتك نقداً بعشرة ونسيئةً إلى سنةٍ بخمسة عشر، وقال المشتري: قبلت هكذا- يكون البيع باطلاً، وكذا لو باعه بثمنٍ إلى أجلٍ وبأزيد منه إلى آخر.
(مسألة 3): لا يجوز تأجيل الثمن الحال بل مطلق الدَّين بأزيد منه، بأن يزيد في ثمنه الذي استحقّه البائع مقداراً ليؤجّله إلى أجل كذا، وكذا لا يجوز أن يزيد في الثمن المؤجّل ليزيد في الأجل، سواءٌ وقع ذلك على جهة البيع أو الصلح أو الجعالة أو غيرها، ويجوز عكس ذلك وهو تعجيل المؤجّل بنقصانٍ منه على جهة الصلح أو الإبراء.
(مسألة 4): إذا باع شيئاً نسيئةً، يجوز شراؤه منه قبل حلول الأجل وبعده بجنس الثمن أو بغيره، سواءٌ كان مساوياً للثمن الأوّل أو أزيد منه أو أقلّ، وسواء كان البيع الثاني حالّا أو مؤجّلاً. وربّما يحتال بذلك عن التخلّص من الربا، بأن
ــــــ[79]ـــــــ
(1) يعني عدم الكفاية فيبطل البيع إلَّا أنَّ الأقوى الصحّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يبيع من عنده الدراهم شيئاً على من يحتاج إليها بثمنٍ إلى أجل ثُمَّ يشتري منه ذلك الشيء حالّا بأقلّ من ذلك الثمن فيعطيه الثمن الأقلّ ويبقى على ذمّته الثمن الأوّل. وإنَّما يجوز ذلك إذا لم يشترط في البيع الأوّل، فلو اشترط البائع في بيعه على المشتري أن يبيعه بعد شرائه أو شرط المشتري على البائع أن يشتريه منه لم يصحّ(1) على قولٍ مشهور.
القول في الربا
الذي حرمته ثابتةٌ بالكتاب والسنّة وإجماعٍ من المسلمين، بل لا يبعد كونها من ضروريّات الدين، وهو من الكبائر العظام، حتّى ورد فيه: أنَّه أشدّ عند الله من عشرين زنيةً بل ثلاثين زنية كلّها بذات محرَمٍ مثل عمّةٍ وخالةٍ، بل في خبر صحيح عن مولانا الصادق: درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنيةً كلّها بذات محرَمٍ في بيت الله الحرام. وفي النبويّ: مَن أكل الربا ملأ الله بطنه من نار جهنّم بقدر ما أكل، وإن اكتسب منه مالاً لم يقبل الله منه شيئاً من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما كان عنده منه قيراطٌ واحدٌ.
ومن كلماته الموجزة: شرّ المكاسب كسب الربا.
بل عن مولانا أمير المؤمنين: آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه في الوزر سواء.
وقال: لعن رسول الله الربا وآكله وبائعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه.
ــــــ[80]ـــــــ
(1) الظاهر اختصاص البطلان بالربويّات احتياطاً مع اختلاف القيمتين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وبالجملة ليس في شريعة الإسلام أعظم منه حرمةً وأشدّ منه عقوبةً، وهو قسمان معامليٌّ وقرضيٌّ:
أمّا الأوّل فهو بيع أحد المثلين(1) بالآخر مع زيادةٍ عينيّةٍ كبيع منٍّ من الحنطة بمنّين أو منّ من حنطةٍ بمنٍّ منها مع درهم، أو حكميّة كمنٍّ من حنطة نقداً بمنٍّ من حنطة نسيئةً. وهل يختصّ بالبيع أو لا بل يثبت في سائر المعاوضات أيضاً كالصلح ونحوه؟ قولان، الأشهر والأحوط هو الثاني وإن كان الأوّل لا يخلو من قوّة(2).
وكيف كان شرطه أمران:
أحدهما: اتّحاد الجنس، وضابطه الاتّحاد في الحقيقة النوعيّة الكاشف عنه دخولهما تحت لفظٍ خاصٍّ، فكلّ ما صدق عليه الحنطة أو الأرز أو التمر أو العنب جنسٌ واحدٌ، فلا يجوز بيع بعضها ببعضٍ بالتفاضل وإن تخالفا في الصفات والخواصّ، فلا يتفاضل بين الحنطة الرديئة الحمراء والجيّدة البيضاء، ولا بين العنبر الجيّد من الأرز والرديء من الشنبة، ورديء الزاهدي من التمر وجيد الخستاويّ منه، وغير ذلك.
بخلاف ما إذا دخل كلٌّ منهما تحت لفظٍ غير لفظ الآخر كالحنطة أو الأرز أو العدس، فلو باع منّاً من حنطةٍ بمنّين من الأرز أو بمنّين من عدسٍ فلا رباء.
الثاني: كون العوضين من المكيل أو الموزون، فلا رباء فيما يباع بالعدّ أو المشاهدة.
ــــــ[81]ـــــــ
(1) من المكيل أو الموزون.
(2) إلَّا في الصلح المنتج نتيجة البيع على الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 1): الشعير والحنطة في باب الربا بحكم جنسٍ واحدٍ(1)، فلا يجوز المعاوضة بينهما بالتفاضل وإن لم يكونا كذلك في باب الزكاة، فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر. وهل العلس من جنس(2) الحنطة والسلت من جنس الشعير أو كلٌّ منهما خارجٌ من الجنسين؟ فيه إشكالٌ، الأحوط أن لا يباع أحدهما بالآخر وكلٌّ منهما بالحنطة والشعير إلَّا مثْلاً بمثل.
(مسألة 2): كلّ شيءٍ مع أصله جنسٌ واحدٌ في الحكم وإن اختلفا في الاسم، كالسمسم والشيرج واللبن مع الجبن والمخيض واللباء وغيرها والتمر والعنب مع خلّهما ودبسهما، وكذا الفرعان من أصلٍ واحدٍ كالجبن والأقط والزبد وغيرهما.
(مسألة 3): اللحوم والألبان والأدهان تختلف باختلاف الحيوان، فيجوز التفاضل بين لحم الغنم ولحم البقر، وكذا بين لبنهما أو دهنهما.
(مسألة 4): لا تجري تبعيّة الفرع للأصل في المكيليّة والموزونيّة، فما كان أصله ممّا يكال أو يوزن فخرج منه شيءٌ لا يكال ولا يوزن لا بأس بالتفاضل(3) بين أصله
ــــــ[82]ـــــــ
(1) هذا تعبّدٌ شرعيٌّ في باب الربا البيعيّ ولا يشمل غيره. وليست المسألة لغويّةً بل تعميمٌ للحكم.
(2) هذا أمرٌ راجعٌ إلى أهل الاختصاص وليس من همِّ الفقيه؛ لأنَّه شبهةٌ موضوعيّةٌ، والمدار إمكان صدق الحنطة على العلس، والشعير على السلت وعدمه.
(3) يعني: في الكيل أو الوزن. ولا ينبغي أن يفوتنا: أنَّه لا معنى للتفاضل بين المكيل والمعدود أو الوزن والمساحة، إلَّا صدقه وفيما لا دخل له فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وما خرج منه، وكذا بين ما خرج منه بعضه مع بعض، وذلك كالقطن والكتّان، فأصلهما وغزلهما يوزن ومنسوجهما لا يوزن، فلا بأس بالتفاضل بين أصلهما أو غزلهما وبين منسوجهما. وكذا بين منسوجهما بأن يباع ثوبان بثوبٍ واحدٍ، بل ربّما يكون شيءٌ مكيلاً أو موزوناً في حالٍ دون حالٍ، فالثمرة غير موزون حال كونها على الشجر وإذا اجتنيت صارت من الموزون، وكذلك الحيوان قبل أن يذبح ويصير لحماً ليس من الموزون وصار منه بعد ما ذبح وسلخ جلده، ولذا يجوز بيع شاة بشاتين بلا إشكال.
نعم، الظاهر(1): أنَّه لا يجوز بيع لحم حيوانٍ بحيوانٍ حيٍّ من جنسه كلحم الغنم بالشاة، وحرمة ذلك لو قلنا بها ليست من جهة الربا بل لا يبعد تعميم الحكم(2) بالحرمة إلى بيع اللحم بحيوانٍ من غير جنسه كلحم الغنم بالبقر.
(مسألة 5): إذا كان لشيءٍ حالتان، حالة رطوبةٍ وحالة جفافٍ كالتمر يكون رطباً ثُمَّ يصير تمراً أو العنب يكون عنباً ثُمَّ يصير زبيباً وكذا الخبز بل واللحم أيضاً يكون نيّاً ثُمَّ يصير قديداً، لا إشكال في بيع جافّه بجافّه ورطبه برطبه مثلاً بمثل، كما أنَّه لا يجوز بالتفاضل. وأمّا جافّه برطبه كبيع التمر بالرطب ففي جوازه إشكالٌ أقواه العدم، سواءٌ كان بالتفاضل أو مِثلاً بمثل(3).
(مسألة 6): التفاوت بالجودة والرداءة لا يوجب جواز التفاضل في المقدار،
ــــــ[83]ـــــــ
(1) بل الظاهر الجواز حتى مع التفاضل وزناً لأنَّ الحيّ غير موزون.
(2) ظهر ما فيه.
(3) هو الأحوط وإن كان الأقوى الجواز.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فلا يجوز بيع مثقالٍ من الذهب الجيّد بمثقالين من الرديء وإن تساويا في القيمة.
(مسألة 7): يتخلّص من الربا بضمّ غير الجنس بالطرفين، كأن يبيع منّاً من حنطةٍ مع درهم بمنّين من حنطةٍ ودرهمين، أو بضمّ غير الجنس في الطرف الناقص كأن يبيع منّاً من حنطةٍ مع درهمٍ بمنّين منها.
(مسألة 8): لو كان شيءٌ يباع جزافاً(1) في بلدٍ وموزوناً في آخر فلكلّ بلدٍ حكم نفسه.
(مسألة 9): لا ربا بين الوالد وولده ولا بين السيّد وعبده ولا بين الرجل وزوجته ولا بين المسلم والحربيّ، بمعنى: أنَّه يجوز أخذ الفضل للمسلم ويثبت بين المسلم والذمّي.
هذا بعض الكلام في الربا المعاملي، وأمّا الربا القرضي فيأتي.
القول في بيع الصرف
وهو بيع الذهب بالذهب أو بالفضّة(2) أو الفضّة بالفضّة أو بالذهب، ولا فرق بين المسكوك منهما وغيره، حتّى في الكلبتون المصنوع من الإبريسم، وأحد النقدين إذا بيع بأحدهما يكون صرفاً بالنسبة إلى ما فيه من النقدين على إشكال(3). ويشترط في صحّته التقابض في المجلس، فلو تفرّقا ولم يتقابضا بطل البيع، ولو
ــــــ[84]ـــــــ
() بيع الجزاف أساساً مشكلٌ شرعاً إلَّا أن يرجع إلى تقديرٍ تقريبيٍّ عرفيّ، كما هو الغالب.
(2) إلحاق بيع النقد بغيره بالصرف مبنيٌّ على نحوٍ من الاحتياط، وهو وجوبيٌّ في التقابض في المجلس واستحبابيٌّ بالنسبة إلى التفاضل.
(3) بل هو صرفٌ بلا إشكال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
قبض البعض صحّ فيه خاصّةً وبطل بالنسبة إلى ما لم يقبض، وكذا إذا بيع أحد النقدين مع غيرهما صفقةً واحدةً بأحدهما ولم يقبض الجملة حتّى تفرّقا بطل البيع بالنسبة إلى النقد وصحّ بالنسبة إلى غيره.
(مسألة 1): لو فارقا المجلس مصطحبين لم يبطل البيع، فإذا تقابضا قبل أن يفترقا صحّ.
(مسألة 2): إنَّما يشترط التقابض في معاوضة النقدين إذا كانت بالبيع دون ما إذا كانت بغيره كالصلح والهبة المعوّضة وغيرهما.
(مسألة 3): إذا وقعت المعاملة على النوت والمنات والاسكناس المتعارفة في زماننا من طرفٍ واحدٍ أو من الطرفين، ففي جريان أحكام بيع الصرف وعدمه وثبوت الربا مع الزيادة وعدمه إشكالٌ، لا يبعد أن يُقال إنَّه إذا أوقعا البيع على الكاغذ ثمناً أو مثمناً – بأن باع الكاغذ المخصوص الذي يسمّى نوت عشر روبيّات مثلاً بخمس عشرة روبيّة عين أو بنوت عشر روبيّات مع نوت خمس روبيّات- فلا يكون من بيع الصرف حتّى يحتاج إلى التقابض في المجلس ولم يثبت فيه الربا. وأمّا إذا(1) كانت المعاملة واقعةً في الحقيقة بين النقدين – بأن باع في المثال المتقدّم عشر روبيّات بخمس عشرة روبيّة وإن كان في مقام التسليم والقبض والإقباض سلّم الكاغذ- فلا ريب في كونه من الصرف وثبوت الربا. نعم، على هذا التقدير يمكن أن يُقال بأنَّه يكفي في حصول القبض المعتبر في بيع الصرف قبض هذا الكاغذ ثمناً أو مثمناً أو كليهما مثلاً إذا أوقعا المعاملة بين عشر روبيّات
ــــــ[85]ـــــــ
(1) إلَّا أنَّ هذا غير واقع بحسب العرف الحاضر في الأوراق النقديّة المتعارفة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وليرةٍ واحدةٍ، فإذا سلّم نوت عشر روبيّاتٍ وأخذ عين ليرةٍ قبل التفرّق تحقّق القبض المعتبر في بيع الصرف، لكنّ المسألة لا تخلو(1) من إشكال. والكلام في هذا الكاغذ العراقي الذي سمّوه ديناراً والسكّة الفضية(2) التي سمّوها درهماً كالكلام في النوت والروبيّة حرفاً بحرفٍ، والله العالم.
(مسألة 4): الظاهر أنَّه يكفي في القبض كونه في الذمّة ولا يحتاج إلى قبضٍ آخر، فلو كان في ذمّة زيدٍ دراهم لعمرٍو فباعها بالدنانير وقبضها قبل التفرّق صحّ، بل لو وكّل زيداً بأن يقبض عنه الدنانير التي صارت ثمن الدراهم صحّ أيضاً.
(مسألة 5): إذا اشترى منه دراهم ببيع الصرف ثُمَّ اشترى بها منه دنانير قبل قبض الدراهم لم يصحّ الثاني، فإذا قبض الدراهم بعد ذلك قبل التفرّق صحّ الأوّل، وإن لم يقبضها حتّى افترقا بطل الأوّل أيضاً.
(مسألة 6): إذا كان له عليه دراهم فقال للذي عليه الدراهم: «حوّلها دنانير»(3) فرضي بذلك وتقبّل دنانير في ذمّته بدل الدراهم صحّ ذلك ويتحوّل ما في ذمّته من الدراهم إلى الدنانير وإن لم يتقابضا، وكذلك لو كان له عليه دنانير فقال له: «حوّلها دراهم»(4)، ولا يبعد أن يكون هذا عنواناً آخر غير البيع.
ــــــ[86]ـــــــ
(1) إذا كانت المعاملة من الصرف، كما هو المفروض، فالشرط هو تقابض النقدين لا بدلهما. وإنَّما قال الماتن بالكفاية التفاتاً منه ضمناً إلى احتمال عدم كونها صرفاً.
(2) ليست السكّة لا في الدرهم ولا في غيره من الفضّة، بل من الرصاص ونحوه.
(3) لا يكون ذلك صحيحاً إلَّا بعد ضبط الصرف السوقي بقيمة ذلك اليوم.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 7): الدراهم والدنانير المغشوشة إن كانت رائجةً بين عامّة الناس مع علمهم بأنَّها مغشوشةٌ يجوز إخراجها وإنفاقها والمعاملة بها، وإلَّا فلا يجوز إنفاقها إلَّا بعد إظهار حالها، بل أصل المعاملة بها لا يخلو من إشكال(1)، بل لو كانت معمولةً لأجل غشّ الناس لا يبعد عدم جواز إبقائها ووجوب كسرها(2).
(مسألة 8): حيث إنَّ الذهب والفضّة من الربويّ فإذا بيع كلٌّ منهما بجنسه يلزم على المتعاملين إيقاع المعاملة على نحوٍ لا يقعان في الربا، بأن لا يكون تفاضلٌ أصلاً أو ضمّ ضميمةٍ من غير جنسهما في الطرفين أو في طرف الناقص ليتخلّص منه كما مرّ في بابه. وهذا ممّا ينبغي أن يهتمّ به المتعاملون خصوصاً الصيارفة، فقد روي عن مولانا أمير المؤمنين وهو يقول على المنبر: يا معشر التجّار الفقه ثُمَّ المتجر، الفقه ثُمَّ المتجر، الفقه ثُمَّ المتجر، والله للربا في هذه الأمّة أخفى من دبيب النمل على الصفا. وعنه: من اتّجر بغير علمٍ ارتطم في الربا ثُمَّ ارتطم.
وقد ورد النهي عن الصرف، معلّلاً بأن الصيرفيّ لا يسلم من الربا.
(مسألة 9): يكفي في الضميمة وجود الغشّ في الذهب أو الفضّة إذا كان له ماليّةٌ(3) لو تخلّص منهما، فإذا بيعت فضّةٌ مغشوشةٌ بمثلها جاز بالمثل وبالتفاضل، وإذا بيعت المغشوشة بالخالصة لابدَّ أن تكون الخالصة زائدةً على الفضّة المغشوشة
ــــــ[87]ـــــــ
(1) مع بيان حالها لا إشكال إن كانت معلومة النسبة.
(2) أو عزلها عن الاستعمال حسب الإمكان.
(3) معتدٌّ بها حال وجوده مخلوطاً بغضّ النظر عن ماليّته بعد تصفيته. إلَّا أنَّ الأغلب استهلاكه العرفيّ، فيكون الحكم بالجواز مشكلاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حتّى تقع تلك الزيادة في مقابل الغشّ، فإذا لم يعلم مقدار الغشّ والفضّة في المغشوشة تباع بغير جنس الفضّة أو بمقدارٍ منها يعلم إجمالاً زيادته عن الفضّة المغشوشة، وكذلك الأشياء المحلّاة بالذهب. فإمّا تباع بغير جنس الحلّية وإذا بيعت بجنسها لابدَّ أن يكون العوض زائداً على الحلّية حتّى تقع تلك الزيادة في مقابل غيرها، وكذلك في مثل الكلبتون المصنوع من الإبريسم وأحد النقدين.
(مسألة 10): إذا اشترى فضّةً معيّنةً بفضّةٍ أو بذهبٍ مثلاً فوجدها من غير جنس الفضّة كالنحاس والرصاص بطل البيع وليس له مطالبة البدل، كما أنَّه ليس للبائع إلزامه به، ولو وجد بعضها كذلك بطل فيه وصحّ في الباقي وله ردّ الكلّ؛ لتبعّض الصفقة. وإذا اشترى فضّةً كلّياً في الذمّة بذهبٍ أو فضّةٍ وبعد ما قبضها وجد المدفوع كلاً أو بعضاً من غير جنسها، فإن كان قبل أن يفترقا فللبائع الإبدال بالجنس وللمشتري مطالبة البدل، وإن كان بعد التفرّق بطل البيع في الكلّ أو البعض على حذو ما سبق.
هذا إذا كان من غير الجنس، وأمّا إذا كان من الجنس ولكن ظهر بها عيبٌ كخشونة الجوهر والغشّ الزائد على المتعارف واضطراب السكّة ونحوها، ففي الأوّل – هو ما إذا كان المبيع فضّةً معيّنةً في الخارج- كان له الخيار(1) بردّ الجميع أو إمساكه، وليس له ردّ المعيب وحده لو كان المعيب هو البعض؛ على إشكالٍ تقدّم في خيار العيب، وليس له مطالبة الأرش لو كان العوضان متجانسين كالفضّة
ــــــ[88]ـــــــ
(1) إذا لم يكن عالماً بالعيب وقد أخذه على أساس الصحّة، وأمّا إذا كان مشاهداً على حاله فلا.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالفضّة على الأحوط لو لم يكن الأقوى؛ للزوم الربا. ولو تخالفا كالفضّة بالذهب فله ذلك قبل التفرّق قطعاً، وأمّا بعده ففيه إشكالٌ، خصوصاً إذا كان الأرش من النقدين، ولكنَّ الأقوى أنَّ له ذلك خصوصاً إذا كان من غيرهما.
وأمّا في الثاني – وهو ما إذا كان المبيع كلّياً في الذمّة وظهر عيبٌ في المدفوع- كان له الخيار بين فسخ البيع(1) وردّ المدفوع وبين إمضائه وإمساك المعيب بالثمن، كما أنَّ له مطالبة البدل أيضاً قبل التفرّق، وأمّا بعده ففيه إشكال(2). وهل له أخذ الأرش؟
فيه تأمّل(3) حتّى في المتخالفين كالفضّة بالذهب وحتّى قبل التفرّق.
(مسألة 11): لا يجوز أن يشتري من الصائغ خاتماً أو قرطاً مثلاً من فضّةٍ أو ذهبٍ بجنسه مع زيادةٍ بملاحظة أجرته(4)، بل إمّا يشتريه بغير جنسه أو يشتري منه مقداراً من الفضّة والذهب بجنسه مثلاً بمِثلٍ ويعيّن له أجرةً معيّنةً لصياغته. نعم لو كان فصّ الخاتم مثلاً من مال الصائغ وكان من غير جنس حلقته جاز شراؤه من الصائغ بجنسه مع الزيادة، لأنَّ الفصّ هو الضميمة وبها يتخلّص من الربا كما مرّ في بابه.
ــــــ[89]ـــــــ
(1) بخيار المجلس لا بخيار العيب؛ لأنَّ المصداق ليس مبيعاً حقيقةً.
(2) إلَّا أنَّ الأقوى الصحّة والجواز.
(3) بل ممنوعٌ؛ لأنَّ المصداق ليس مبيعاً، فالإشكال ليس من حيث الصرف، بل من جهة كونه مصداقاً للمبيع.
(4) لعلّ الجواز أقرب؛ لأنَّ العمل له ماليّةٌ عرفاً، فيمكن أن يكون بمنزلة الضميمة، ولا يُترك الاحتياط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 12): لو كان له على زيدٍ دنانير كالليرات وأخذ منه عوضها دراهم كالروبيّات شيئاً فشيئاً وتدريجاً بمقدار حاجته، فإن كان ذلك بعنوان الوفاء والاستيفاء ينقص من الدنانير في كلّ زمانٍ بمقدار ما أخذه من الدراهم بسعر ذلك الوقت، فإذا كان له عليه خمس ليرات وأخذ منه في ثلاثة شهور ثلاثين روبيّة في كلّ شهرٍ عشر روبيّات وكان سعر الليرة في الشهر الأوّل خمس عشرة روبيّةً وفي الشهر الثاني اثنتي عشرة روبيّةً وفي الثالث عشر روبيّاتٍ ينتقص من الليرات في الشهر الأوّل ثلثا ليرةٍ وفي الشهر الثاني خمسة أسداس ليرةٍ وفي الثالث ليرةٌ فقد استوفى في هذه المدّة ليرتين ونصف ليرةٍ وهكذا. وإن كان أخذها بعنوان الاقتراض اشتغلت ذمّة الأخذ بتلك الدراهم التي أخذها تدريجاً وبقيت ذمّة زيدٍ مشغولةً بتلك الدنانير، فلكلٍّ منهما مطالبة صاحبه عمّا عليه، وفي احتساب كلٍّ منهما ما له على الآخر وفاءً عمّا عليه للآخر ولو مع التراضي إشكالٌ(1)، كما أنَّ بيع الدنانير التي على زيدٍ في المثال بالدراهم التي على صاحبه أيضاً فيه إشكالٌ(2)، فلا محيص إلَّا من إبراء كلّ منهما ما له على الآخر أو مصالحة الدنانير التي على زيدٍ بالدراهم التي له على صاحبه. نعم لو كانت الدراهم المأخوذة تدريجاً قد أخذت بعنوان الأمانة(3) حتّى إذا اجتمعت عنده بمقدار الدنانير(4) تحاسبا، لا إشكال في
ــــــ[90]ـــــــ
(1) لا إشكال مع التراضي بقيمة يوم الاحتساب.
(2) ومقتضاه الاحتياط الوجوبيّ بترك البيع.
(3) هذا ينافي جواز صرفها والتصرّف بها على القاعدة.
(4) بقيمة يوم المحاسبة، مع التراضي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
جواز جعلها عند الحساب وفاءً، كما أنَّه يجوز أن يوقعا البيع بين الدنانير التي في الذمّة والدراهم الموجودة. وعلى أيّ حالٍ يلاحظ سعر الدنانير والدراهم عند الحساب ولا ينظر إلى اختلاف الأسعار السابقة.
(مسألة 13): إذا أقرض زيداً نقداً معيّناً أو باعه شيئاً بنقدٍ معيّنٍ كالليرة إلى أجلٍ معلومٍ وزاد سعر ذلك النقد أو نقص عند حلول الأجل عن سعره يوم الإقراض أو البيع لا يستحقّ إلَّا عين(1) ذلك النقد ولا ينظر إلى زيادة سعره ونقصانه.
(مسألة 14): يجوز أن يبيع مثقالاً من فضّةٍ خالصةٍ من الصائغ مثلاً بمثقالٍ من فضّةٍ فيها غشٌّ متموّلٌ واشترط عليه أن يصوغ له خاتماً مثلاً، وكذا يجوز أن يقول للصائغ: صغ لي(2) خاتماً وأنا أبيعك عشرين مثقالاً من فضّةٍ جيّدةٍ بعشرين مثقالاً من فضّةٍ رديئةٍ مثلاً، ولا يلزم ربا في الصورتين.
(مسألة 15): لو باع عشر روبيّات مثلاً بليرةٍ واحدةٍ إلَّا روبيّةً واحدةً صحّ لكن يشترط أن يعلما نسبة روبيّةٍ بحسب سعر الوقت إلى ليرةٍ حتّى يعلما أيّ مقدار من ليرةٍ قد استثني.
القول في بيع السلف
ويقال السلم أيضاً، وهو ابتياع كلّيٍّ مؤجّلٍ بثمنٍ حالٍّ عكس النسيئة، ويقال للمشتري: «المسلِّم» بكسر اللام وللثمن: «المسلَّم» بفتحها وللبائع: «المسلَّم إليه»
ــــــ[91]ـــــــ
(1) إن كان موجوداً ومثله إن كان مفقوداً.
(2) إذا كانت الصياغة شرطاً في البيع لزم الربا. نعم، إذا كانت إيقاع البيع أجراً على الصياغة لم يلزم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وللمبيع: «المسلّم فيه»، وهو يحتاج إلى إيجابٍ(1) وقبولٍ. ومن خواصّه: أنَّ كلّ واحدٍ من البائع والمشتري صالح لأن يصدر(2) منه الإيجاب والقبول من الآخر، فالإيجاب من البائع بلفظ البيع وأشباهه، بأن يقول مثلاً «بعتك تغاراً من حنطةٍ بصفة كذا إلى أجل كذا بثمن كذا» ويقول المشتري: «قبلت» أو: «اشتريت». وأمّا الإيجاب من المشتري فهو بلفظَي: «أسلَمْتُ»(3) و«أسلفت» بأن يقول: «أَسْلَمْتُ إليك أو أسلفتك مائة درهم مثلاً في تغارٍ من حنطةٍ بصفة كذا إلى أجل كذا» فيقول المسلَّم إليه وهو البائع: «قبلتُ».
ويجوز إسلاف غير النقدين في غيرهما، بأن يكون كلٌّ من الثمن والمثمن من غيرهما مع اختلاف الجنس أو عدم كونهما أو أحدهما من المكيل والموزون، وكذا إسلاف أحد النقدين في غيرهما وبالعكس. ولا يجوز إسلاف أحد النقدين في أحدهما مطلقاً، ولا يصحّ أن يباع بالسلف ما لا يمكن ضبط أوصافه(4) التي تختلف القيمة والرغبات باختلافها كالجواهر واللآلئ والعقار والأرضين
ــــــ[92]ـــــــ
(1) ولو بالمعاطاة.
(2) هذا مخدوشٌ كبرى وصغرى: أمّا كبرى فلبقاء المشتري قابلاً حتى لو تقدّم قبوله ولا يصبح موجباً. وأمّا صغرى فلأنَّ تقدّم القبول على الإيجاب جائزٌ في كلّ بيعٍ لا في السلف وحده، إلَّا أنَّ فتوى الماتن صحيحةٌ عمليّاً.
(3) عدم جواز ذلك من البائع محلّ نظرٍ، بل لا يبعد الجواز؛ فإنَّ الإسلاف هو تأخير المثمن لا تعجيل الثمن.
(4) لأنَّ المفروض أنَّ المثمن كلّي في السلف دائماً. وعليه اصطلاحهم، إلَّا أنَّه يمكن أن يُقال بصدقه على العين المشترطة التأخير أيضاً، ومعه لا مجال لتفصيل الماتن إلَّا في الكلّي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وأشباهها ممّا لا ترتفع الجهالة والغرر فيها إلَّا بالمشاهدة، بخلاف ما يمكن ضبط أوصافه المذكورة بالتوصيف الغير المؤدّي إلى عزّة الوجود كالخضر والفواكه والحبوبات كالحنطة والشعير والأرز ونحو ذلك بل البيض والجوز واللوز ونحوها، وكذا الحيوان كلّها حتّى الأناسيّ منها والملابس والأشربة والأدوية بسيطها ومركّبها.
ويشترط فيه أُمور:
«الأوّل»: ذكر الجنس والوصف الرافع للجهالة كما عرفت.
«الثاني»: قبض الثمن قبل التفرّق من مجلس العقد، ولو قبض البعض صحّ فيه وبطل(1) في الباقي، ولو كان الثمن دَيناً في ذمّة البائع فإن كان مؤجّلاً لا يجوز جعله ثمناً للمسلّم فيه، وإن كان حالّا فالظاهر جوازه وإن لم يخلُ عن إشكالٍ فالأحوط(2) تركه.
ولو جعل الثمن كلّياً في ذمّة المشتري ثُمَّ حاسبه به بماله في ذمّة البائع المسلَم إليه سلِم عن(3) الإشكال.
«الثالث»: تقدير المبيع ذي الكيل أو الوزن أو العدّ بمقدّره.
«الرابع»: تعيين أجلٍ مضبوط للمسلم فيه بالأيّام أو الشهور أو السنين ونحو ذلك، ولو جعل الأجل إلى أوان الحصاد أو الدياس ونحو ذلك كان باطلاً. ولا
ــــــ[93]ـــــــ
(1) بنسبته في المثمن.
(2) وجوباً ما لم يقبض.
(3) إذا اشترطت هذه المحاسبة في العقد ووقعت قبل التفرّق على الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فرق في الأجل بعد كونه مضبوطاً بين أن يكون قليلاً كيومٍ بل نصف يومٍ أو كثيراً كعشرين أو ثلاثين سنة.
«الخامس»: إمكان وجوده قبل الحلول(1) وفي البلد الذي شرط أن يسلم فيه المسلّم فيه لو اشترط ذلك.
(مسألة 1): هل يجب تعيين بلد التسليم؟ الأحوط ذلك(2) إلَّا إذا كان هناك انصرافٌ إلى بلد العقد أو بلدٍ آخر.
(مسألة 2): إذا جعل الأجل شهراً أو شهرين، فإن كان وقوع المعاملة في أوّل الشهر عُدّ شهراً هلاليّاً(3) أو شهرين هلاليّين، ولا ينظر إلى نقصان الشهر أو التمام، وإن أوقعاها في أثناء الشهر عدّ كلّ شهرٍ ثلاثين يوماً. ويحتمل قريباً(4) التلفيق، بأن يعدّ من الشهر الثاني أو الثالث ما فات وانقضى من الشهر الأوّل أو الثاني، فإذا وقع العقد في العاشر من الشهر وكان الأجل شهراً حلّ الأجل في العاشر من الشهر الثاني وهكذا، فربّما لا يكون ثلاثين يوماً أو كان الشهر الأوّل ناقصاً، والأحوط فيه التصالح.
(مسألة 3): إذا جعلا الأجل إلى جمادى أو الربيع حُمل على أقربهما، وكذا لو
ــــــ[94]ـــــــ
(1) أو عنده فإنَّ المهمّ إمكان إيصاله في الوقت.
(2) وجهه ضعيف.
(3) إذا كان أوّل الشهر الهلالي. على أيّ حال فللمتعاملين أن يحسبا تاريخهما على أيّ تقويمٍ كان.
(4) بل هو الأحوط إلَّا أن يتّفقا على الأوّل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
جعل إلى الخميس أو الجمعة حُمل على الأقرب منهما، وحلّ بأوّل جزء من ليلة الهلال في الأوّل وبأوّل جزءٍ من نهار اليوم في الثاني.
(مسألة 4): إذا اشترى شيئاً سلفاً لم يجز بيعه قبل حلول الأجل لا على البائع(1) ولا على غيره، سواءٌ باعه بجنس الثمن الأوّل أو بغيره، وسواءٌ كان مساوياً له أو أكثر أو أقلّ. ويجوز بعد حلوله، سواءٌ قبضه أو لم يقبضه على البائع وعلى غيره بجنس الثمن ومخالفه بالمساوي له أو بالأقلّ أو الأكثر ما لم يستلزم الربا. نعم لو كان المسلَم فيه ممّا يكال أو يوزن يكره بيعه قبل قبضه.
(مسألة 5): إذا دفع المسلَم إليه إلى المشتري بعد حلول الجنس الذي أسلم فيه وكان دونه من حيث الصفة أو المقدار لم يجب قبوله، وإذا كان مثله فيهما يجب القبول كغيره من الديون، وكذا إذا كان فوقه(2) من حيث الصفة. وأمّا إذا كان أكثر منه بحسب المقدار لم يجب عليه قبول الزيادة.
(مسألة 6): إذا حلّ الأجل ولم يتمكّن البائع من أداء المسلم فيه لعارضٍ من آفةٍ أو عجزٍ له من تحصيله أو إعوازه في البلد مع عدم إمكان جلبه من مكانٍ آخر إلى غير ذلك من الأعذار حتّى انقضى الأجل(3) كان المسلم -وهو المشتري- بالخيار بين أن يفسخ المعاملة ويرجع بثمنه ورأس ماله وأن يصبر(4) إلى أن يوجد
ــــــ[95]ـــــــ
(1) الظاهر: الجواز بشرط عدم الزيادة إذا كان ربويّاً بجنسه على الأحوط.
(2) والأحوط: تنبيهه إلى ذلك؛ فإن رضي أخذه المشتري وإلَّا أبدله البائع.
(3) هذه عبارةٌ زائدةٌ ومستأنفةٌ.
(4) أو يصبر وإلَّا فلا معنى له.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ويتمكّن البائع من الأداء. وهل له إلزامه بقيمته وقت حلول الأجل؟ قيل: نعم، وقيل: لا(1)، والأحوط: أن لا يطالبه إذا كانت أزيد من الثمن المسمّى. نعم بالتراضي لا مانع منه، سواءٌ زادت عن الثمن أو ساوت أو نقصت عنه.
القول في المرابحة والمواضعة والتولية
اعلم أنَّ ما يقع من المتعاملين في مقام البيع والشراء على نحوين: فتارة لا يقع منهما إلَّا المقاولة وتعيّن الثمن والمثمن من دون ملاحظة رأس المال وأنَّ هذه المعاملة فيها نفعٌ للبائع أو خسرانٌ، وأيّ مقدارٍ نفعه أو خسارته، فيوقعان البيع على شيءٍ معلومٍ بثمنٍ معلومٍ، وهذا النحو من البيع يسمّى بالمساومة، وهو أفضل أنواعه(2). وأُخرى(3) يكون الملحوظ عندهما كيفيّة هذه المعاملة الواقعة وأنَّها رابحةٌ للبائع أو خاسرةٌ أو لا رابحةٌ ولا خاسرةٌ، ومن هذه الجهة ينقسم البيع إلى أقسامٍ ثلاثةٍ: المرابحة، والمواضعة، والتولية. فالأوّل هو البيع(4) على رأس المال مع الزيادة، والثاني هو
ــــــ[96]ـــــــ
(1) وهو الأحوط مطلقاً.
(2) بمعنى: أنَّ في الأقسام الأُخرى أحكاماً يخلو منها هذا القسم فيكون أسهل عمليّاً وأقلّ إشكالاً. ولم تثبت الأفضليّة بوجهٍ آخر.
(3) كان الأفضل للماتن بيان التقسيم الحاصر؛ بأن يُقال: إنَّ المعاملة إمّا أن يذكر فيها رأس المال أو لا. والثاني هو المساومة، والأوّل فإمّا أن يباع بمقداره أو أقلّ أو أكثر، فالأوّل هو التولية، والثاني هو المواضعة، والثالث هو المرابحة.
(4) هذا المعنى موجودٌ في المساومة أيضاً. بل المرابحة هو ذكر رأس المال وذكر الزيادة خلال العقد. فالذكر ملحوظٌ في الأقسام الثلاثة كلّها. ومنه يظهر ما في تعاريفها الآتية في المتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
البيع به مع النقيصة، والثالث هو البيع به من دون زيادةٍ ولا نقيصةٍ.
ولابدَّ في تحقّق هذه العناوين الثلاثة من إيقاع عقد البيع على نحوٍ يكون مضمونه وافياً(1) بإفادة أحد هذه المطالب الثلاثة، ويعتبر في المرابحة تعيين مقدار الربح وفي المواضعة تعيين مقدار النقصان، فعبارة عقد المرابحة بعد تعيين رأس المال إمّا بإخبار البائع أو تعيّنه عندهما من الخارج أن يقول(2) البائع: «بعتك هذا المتاع مثلاً بما اشتريت مع ربح كذا» ويقول المشتري: «قبلت أو اشتريت هكذا». وعبارة المواضعة أن يقول: «بعتك بما اشتريت مع نقصان كذا». وعبارة التولية أن يقول: «بعتك بما اشتريت».
(مسألة 1): إذا قال البائع في المرابحة: بعتك هذا بمائةٍ وربح درهمٍ في كلّ عشرةٍ مثلاً، وفي المواضعة بعتك بمائة ووضيعة درهمٍ في كلّ عشرةٍ، فإن لم يتبيّن(3) للمشتري مقدار الثمن ومبلغه بعد ضمّ الربح أو تنقيص الوضيعة فالظاهر بطلان البيع وإن كان بعد الحساب يتبيّن له ذلك، وإن تبيّن عنده مبلغ الثمن ومقداره صحّ البيع في الأقوى على كراهية.
ــــــ[97]ـــــــ
(1) لعلّه إشارةٌ إلى ما قلناه في التعليقة السابقة.
(2) المعروف أنَّه يقول: تكلّف عليّ بكذا أو رأس مالي فيه كذا وأريد به ربح كذا أو أقلّ منه (في المواضعة) كذا. ويكون المجموع هو الثمن. فإن لم يكن واضحاً لزم ذكره احتياطاً. ومنه يظهر ما في باقي العبارة وكلاهما مجزٍ على أيّ حال.
(3) إذا كان معلوماً إجمالاً كفى في الصحّة ولو اعتماداً على الحساب الآتي. نعم، إذا لم يتّضح أصلاً بطل. ولا فرق بين أن يكون الجاهل هو المشتري أو البائع مع تقدّم القبول.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 2): إذا تعدّدت النقود واختلف سعرها وصرفها لابدَّ من ذكر النقد والصرف وأنَّه اشتراه بأيّ نقدٍ وأنَّه كان صرفه أيّ مقدارٍ، وكذا لابدَّ من ذكر الشروط والأجل ونحو ذلك ممّا يتفاوت لأجلها الثمن.
(مسألة 3): إذا اشترى متاعاً بثمنٍ معيّنٍ ولم يحدث فيه ما يوجب زيادة قيمته فرأس ماله ذلك الثمن، فيجوز عند إخباره عنه أن يقول اشتريته بكذا أو رأس ماله كذا أو تقوّم علي بكذا أو هو عليّ بكذا، وإن أحدث فيه ما يوجب زيادة قيمته فإن كان بعمل نفسه لم يجز أن يضمّ أجرة عمله إلى الثمن المسمّى ويخبر بأنَّ رأس ماله كذا أو اشتريته بكذا، بل عبارته الصحيحة الصادقة أن يذكر كلاً من رأس ماله وعمله مستقلاً، بأن يقول مثلاً: «اشتريته بكذا وعملت فيه كذا»، وإن كان باستئجار غيره جاز أن يضمّ الأجرة إلى الثمن ويخبر بأنَّه تقوّم عليّ أو هو عليّ بكذا، وإن لم يجز أن يقول اشتريته بكذا أو رأس ماله كذا. ولو اشترى معيباً ورجع بالأرش إلى البائع فله أن يخبر بالواقع وله إسقاط مقدار الأرش من الثمن ويجعل رأس المال ما بقي فيقول رأس مالي(1) كذا، وليس له أن يجعل رأس المال الثمن المسمّى من دون إسقاط قدر الأرش(2)، بخلاف ما إذا حطّ البائع بعض الثمن فإنَّه يجوز للمشتري أن يخبر بالأصل من دون إسقاط الحطيطة، لأنَّها تفضّلٌ من البائع عليه ولا دخل لها بالثمن.
(مسألة 4): يجوز أن يبيع متاعاً ثُمَّ يشتريه بزيادةٍ أو نقيصةٍ إذا لم يشترط على
ــــــ[98]ـــــــ
(1) ولا يجوز أن يقول: اشتريته بكذا قاصداً الباقي بعد الأرش.
(2) إلَّا أن يقول: اشتريته بكذا فيكون صادقاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المشتري بيعه منه وإن كان مِن قصدهما ذلك، وبذلك ربّما يحتال(1) مَن أراد أن يجعل رأس ماله أزيد ممّا اشترى به المتاع، بأن يشتري متاعاً بثمن ثُمَّ يبيع من ابنه أو زوجته مثلاً بثمنٍ أزيد ثُمَّ يشتريه بالثمن الزائدة فيخبر بالزائد. مثلاً: يشتري متاعاً من السوق بدرهمين ثُمَّ يبيعه من ابنه بأربعة ثُمَّ يشتريه منه بأربعة ثُمَّ في مقام المرابحة يقول :إنَّ رأس ماله أربعة. وهذا وإن لم يكذب(2) في رأس المال وصحّ بيعه بلا إشكال إذ هو ليس بأعظم(3) من الكذب الصريح في الإخبار عن رأس المال، لكنَّ الظاهر أنَّ هذا غشٌّ وخيانةٌ، فلا يجوز(4) له ذلك. نعم لو لم يكن ذلك عن مواطاة وبقصد الاحتيال جاز له ذلك ولا محذور عليه.
(مسألة 5): لو ظهر كذب البائع في إخباره برأس المال – كما إذا أخبر بأنَّ رأس المال مائة وباعه بربح عشرةٍ فظهر أنَّه كان تسعين- صحّ البيع(5) وتخيّر المشتري بين فسخ البيع وإمضائه بتمام الثمن وهو مائة وعشرة في المثال. ولا فرق بين تعمّد الكذب وصدوره غلطاً أو اشتباهاً، وهل يسقط هذا الخيار بالتلف؟ فيه إشكالٌ لا يبعد عدم السقوط.
ــــــ[99]ـــــــ
(1) من الظاهر: أنَّ بيع الصوري غير نافذ. ومن ثَمَّ لا ينتج المقصود المذكور في المتن.
(2) بل هو كذب إن كانت المعاملة صوريّةً. ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
(3) ظاهره: أنَّ البائع إن كذب في ذكر رأس ماله صحّ البيع، إلَّا أنَّه مخالفٌ للاحتياط.
(4) إن كانت المعاملة جدّيةً كانت جائزةً وإن كانت صوريّةً لم تنفع في زيادة رأس المال كما قلنا، لأنَّه بيعٌ باطلٌ.
(5) قلنا إنَّه خلاف الاحتياط إلَّا أنَّ الظاهر كونه استحبابيّاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 6): لو سلّم التاجر متاعاً إلى الدلّال ليبيعه له فقوّمه عليه بثمنٍ معيّنٍ وجعل ما زاد على ذلك له بأن قال له بعه عشرة رأس ماله فما زدت عليه فهو لك لم يجز له أن يبيعه مرابحةً، بأن يجعل رأس المال ما قوّم عليه التاجر ويزيد عليه مقداراً بعنوان الربح، بل اللازم إمّا أن يبيعه مساومةً أو يبيّن ما هو الواقع من أنَّ ما قوّم على التاجر كذا وأنا أريد النفع كذا، فإن باعه بزيادةٍ كانت الزيادة له. وإن باعه بما قوّم عليه التاجر صحّ البيع ويكون الثمن له ولم يستحقّ الدلّال شيئاً، وإن كان الأحوط إرضاؤه بشيءٍ. وإن باعه بالأقلّ يكون فضوليّاً يتوقّف صحّته على إجازة التاجر.
(مسألة 7): إذا اشترى شخصٌ متاعاً أو داراً أو عقاراً أو غيرها جاز أن يشرك(1) فيه غيره بما اشتراه(2)، بأن يشركه فيه بالمناصفة بنصف الثمن(3) وبالمثالثة بثلث الثمن وهكذا، ويجوز إيقاعه بلفظ التشريك، بأن يقول: «شركتك في هذا المتاع نصفه بنصف الثمن أو ثلثه بثلث الثمن» مثلاً فقال: «قبلت». ولو أطلق لا يبعد انصرافه إلى المناصفة، وهل هو بيعٌ أو عنوانٌ على حدةٍ؟ كلٌّ محتملٌ، وعلى الأوّل فهو من بيع التولية(4).
ــــــ[100]ـــــــ
(1) التاء فيه زائدةٌ.
(2) لم يبيّن الماتن ما إذا كان هذا الشريك يدفع نسبةً من الثمن إلى البائع أو لا. فإن دفع كان له النصف مثلاً، بلا حاجةٍ إلى عقد التشريك. وإن لم يدفع فإمّا أن يرجع ذلك إلى بيع النصف عليه أو دفعه هبةً له. وتحصل بذلك الشركة، بلا حاجةٍ إلى عقد التشريك. وسيأتي توضيحه.
(3) ظاهره الاحتمال الثاني في التعليقة السابقة. وهو دفع الثمن إلى صاحب العين نفسه بأن يبيع عليه نصفها، والأوّل هو أن يشتريا عيناً بالمناصفة.
(4) ويمكن أن يكون غيره كما لو قال: تكلّف عليّ النصف بكذا واربح عليه كذا.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في بيع الثمار
في النخيل والأشجار المسمّى في العرف الحاضر بالضمان، ويلحق بها الزرع والخضراوات.
(مسألة 1): لا يجوز بيع الثمار في النخيل والأشجار قبل بروزها وظهورها عاماً واحداً بلا ضميمةٍ. ويجوز بيعها عامين فما زاد أو مع الضميمة، وأما بعد ظهورها فإن بدا صلاحها أو كان في عامين أو مع الضميمة جاز بيعها بلا إشكال، ومع انتفاء الثلاثة فيه قولان أقواهما الجواز مع الكراهة(1).
(مسألة 2): بدو الصلاح(2) في التمر احمراره أو اصفراره، وفي غيره انعقاد حبّه بعد تناثر ورده.
(مسألة 3): يعتبر في الضميمة في مورد الاحتياج إليها كونها ممّا يجوز بيعها منفردةً(3) وكونها مملوكةً للمالك، ومنها الأُصول لو بيعت مع الثمرة، وهل يعتبر عدم كونها تابعةً أو لا؟ وجهان أقواهما العدم.
(مسألة 4): إذا ظهرت بعض ثمرة البستان جاز له بيع ثمرته أجمع الموجودة والمتجدّدة في تلك السنة، سواءٌ اتّحدت الشجرة أو تعدّدت، وسواءٌ اتّحد الجنس أو اختلف. وكذلك لو أدركت ثمرة بستانٍ جاز بيعها مع ثمرة بستانٍ آخر لم تدرك ثمرته.
ــــــ[101]ـــــــ
(1) الأحوط استحباباً تركه.
(2) هذا الصلاح إمّا أن يراد به صلاحيّته للأكل أو صلاحيّته للنموّ بعد أن كان محتمل التلف، والثاني يحصل قبل الأوّل، وهو الظاهر.
(3) وأن يكون الثمن بإزائها مع الثمر على وجه الإشاعة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 5): إذا كانت الشجرة تثمر في سنةٍ واحدةٍ مرّتين الظاهر أنَّه يكون المرّتان بمنزلة عامين، فيجوز بيع ثمرها في المرّتين قبل الظهور.
(مسألة 6): إذا باع الثمرة سنةً أو سنتين أو أزيد ثُمَّ باع الأُصول من شخصٍ آخر لم يبطل بيع الثمرة فتنتقل الأصول إلى المشتري مسلوبة المنفعة، ولو كان جاهلاً كان له الخيار في فسخ بيع الأُصول كالعين المستأجرة، وكذا لا يبطل بيع الثمار بموت بائعها ولا بموت مشتريها، بل تنتقل الثمرة في الثاني إلى ورثة المشتري والأُصول في الأوّل إلى ورثة البائع مسلوبة المنفعة.
(مسألة 7): إذا باع الثمرة بعد ظهورها أو بدو صلاحها فأصيبت بآفةٍ سماويّةٍ أو أرضيّةٍ قبل قبضها الذي هو التخلية(1) كان من مال بائعها، والظاهر إلحاق النهب والسرقة(2) ونحوهما بالآفة. نعم لو كان المتلف شخصاً معيّناً كان المشتري بالخيار بين فسخ البيع وبين إمضائه ومطالبة المتلف بالبدل، ولو كان التلف بعد القبض كان من مال المشتري ولم يرجع على البائع بشيء.
(مسألة 8): يجوز أن يستثني البائع لنفسه حصّةً مشاعةً من الثمرة كالثلث والربع أو مقداراً معيّناً كمنٍّ أو منّين، كما أنَّ له أن يستثني ثمرة نخلٍ أو شجرٍ معيّنٍ، فإن خاست الثمرة سقط من الثنيا بحسابه في الأوّلين.
(مسألة 9): يجوز بيع الثمرة على النخل والشجر بكلّ شيءٍ يصحّ أن يجعل
ــــــ[102]ـــــــ
(1) هذا راجع إلى العرف. وقد سبق أنَّ التخلية مع الإمكان غير كافية.
(2) إذا كان السارق مجهولاً وميئوساً من وجدانه. وإلَّا اندرج المورد في العبارة الآتية؛ إذ يطالب السارق بالعين أو بالبدل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ثمناً في أنواع البيوع من النقود والأمتعة والطعام والحيوان وغيرها، بل المنافع والأعمال(1) ونحوهما. نعم لا يجوز بيع التمر على النخل بالتمر، سواءٌ كان مقداراً من تمرها أو تمراً آخر على النخيل أو موضوعاً على الأرض، وهذا يسمّى بالمزابنة المنهيّ عنها، والأحوط(2) إلحاق ثمرة ما عدا النخيل من الفواكه بها فلا تباع بجنسها.
(مسألة 10): يجوز أن(3) يبيع ما اشتراه من الثمرة بزيادةٍ عمّا ابتاعه به أو نقصانٍ قبل قبضه وبعده.
(مسألة 11): لا يجوز بيع الزرع بذراً قبل ظهوره، وفي جواز الصلح عنه وجهٌ، كبيعه تبعاً للأرض لو باعها وأدخله في المبيع بالشرط. وأمّا بعد ظهوره وطلوع خضرته يجوز بيعه قصيلاً، بأن يبيعه بعنوان أن يكون قصيلاً ويقطعه المشتري قبل أن يسنبل، سواءٌ بلغ أوان قصله أو لم يبلغ وعيّن مدّةً لإبقائه، وإن أطلق فله إبقاؤه إلى أوان قصله، ويجب على المشتري قطعه إذا بلغ أوانه إلَّا إذا رضي البائع بإبقائه، ولو لم يرض به ولم يقطعه المشتري فللبائع قطعه. والأحوط(4) أن يكون بعد الاستيذان من الحاكم مع الإمكان، وله تركه والمطالبة بأجرة أرضه
ــــــ[103]ـــــــ
(1) من المحتمل عندئذٍ صدق الإيجار عليه، فإن صدق البيع عرفاً فهو وإن صدقت الإجارة أمكن استعمال لفظها وإن شكّ فالأحوط استعمال الصلح وإن كان الأقوى استعمال البيع أيضاً.
(2) وجهه ضعيف، كما يجوز بيع التمر بغيره من الأنواع.
(3) على أن يكون الشرط متحقّقاً في البيع الثاني أيضاً، كالضميمة وغيرها، ومراد الماتن بيعه كما اشتراه.
(4) وجوباً.تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مدّة بقائه. ولو أبقاه إلى أن طلعت سنبلته فهل تكون ملكاً للمشتري أو للبائع أو هما شريكان؟ فيه وجوهٌ، الأحوط التصالح(1).
وكما يجوز بيع الزرع قصيلاً يجوز بيعه من أصله لا بعنوان كونه قصيلاً وبشرط أن يقطعه بل بعنوان(2) كونه ملكاً للمشتري إن شاء قصله وإن شاء تركه إلى أن يسنبل.
(مسألة 12): لا يجوز(3) بيع السنبل قبل ظهوره وانعقاد حبّه، ويجوز بعد انعقاد حبّه، سواءٌ كان حبّه بارزاً كالشعير أو مستتراً كالحنطة، منفرداً ومع أصوله، قائماً وحصيداً، ولا يجوز بيعه بحَبٍّ من جنسه، بأن تباع سنابل الحنطة بالحنطة وسنابل الشعير بالشعير، وهذا يسمّى بالمحاقلة المنهيّ عنها. ولا يبعد شمولها لبيع سنبل الحنطة بالشعير وبيع سنبل الشعير بالحنطة أيضاً، وأمّا غير الحنطة والشعير كالأرز والذرة والدخن وغيرها ففي جريان هذا الحكم فيها (وهو عدم جواز بيع سنابلها بحَبٍّ من جنسها) إشكالٌ، الأحوط – لو لم يكن الأقوى- جريانه(4) فيها.
(مسألة 13): لا يجوز(5) بيع الخُضَر كالخيار والباذنجان والبطّيخ ونحوها قبل ظهورها، ويجوز بعد انعقادها وتناثر وردها لقطةً واحدةً أو لقطاتٍ معلومةً.
ــــــ[104]ـــــــ
(1) إن كان قطعه قبل ظهور السنبل مشترطاً، وإن لم يكن فهو للمشتري.
(2) ومع إطلاق العقد لا حقّ لصاحب الأرض بالأجر.
(3) على الأحوط إلَّا مع الضميمة، أو حسب شرط بيع الثمار.
(4) بل الأظهر عدمه.
(5) على الأحوط إلَّا بحسب شرط بيع الثمار.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والمرجع في اللقطة إلى عرف الزراع وشغلهم وعادتهم، والظاهر(1): أنَّ ما يُلتقط منها من الباكورة لا تعدّ لقطة.
(مسألة 14): إنَّما يجوز بيع الخضر كالخيار والبطّيخ مع مشاهدة ما يمكن مشاهدته في خلال الأوراق، ولا يضرّ عدم مشاهدة بعضها المستورة، كما لا يضر عدم تناهي عظمها كلاً أو بعضاً وتناثر وردها، وكذا لا يضرّ انعدام ما عدا الأولى من اللقطات بعد ضمّها إليها.
(مسألة 15): إذا كان الخُضَر ممّا كان المقصود منه مستوراً في الأرض كالجزر والشلجم والثوم يشكل جواز(2) بيعها قبل قلعها. نعم في مثل البصل ممّا يكون الظاهر منه أيضاً مقصوداً فالوجه جواز بيعه منفرداً ومع أصوله.
(مسألة 16): يجوز بعد الظهور بيع ما يُجَزّ ثُمَّ ينمو كالرطبة والكرّاث والنعناع جزّةً وجزّاتٍ معيّنةً، وكذا ما يخرط كورق التوت والحنّاء خرطةً وخرطاتٍ، والمرجع في الجزّة والخرطة هو العرف والعادة كما مرّ في اللقطة. ولا يضرّ انعدام بعض الأوراق بعد وجود مقدارٍ يكفي للخرط، وإن لم يبلغ أوان خرطه فيضمّ الموجود إلى المعدوم كانضمام الثمرة المتجدّدة في السنة أو في سنةٍ أُخرى مع الموجودة.
(مسألة 17): إذا كان نخلٌ أو شجرٌ أو زرعٌ بين اثنين مثلاً بالمناصفة، يجوز
ــــــ[105]ـــــــ
(1) هذه من الشبهة الموضوعية لا ترجع إلى الفقيه، وتختلف باختلاف الزمان.
(2) بل هو جائزٌ إذا أحرز وجوده. وإنَّما الكلام فيما لا يرى على وجه الأرض أصلاً كالكمأة، فالأحوط قلعها قبل البيع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أن يتقبّل أحد الشريكين حصّة صاحبه بخرصٍ معلومٍ، بأن يخرص المجموع بمقدارٍ فيتقبّل أن يكون المجموع له ويدفع لصاحبه من الثمرة نصف المجموع بحسب خرصه زاد أو نقص، ويرضى به صاحبه. والظاهر: أنَّ هذه معاملةٌ خاصّةٌ برأسها(1)، كما أنَّ الظاهر أنَّه ليس لها صيغةٌ خاصّةٌ، فيكفي كلّ لفظٍ يكون ظاهراً في المقصود بحسب متفاهم العرف.
(مسألة 18): مَن مرّ(2) بثمرة نخلٍ أو شجرٍ أو زرعٍ مارّاً مجتازاً لا قاصداً إليها لأجل الأكل، جاز له أن يأكل منها بمقدار شبعه وحاجته من دون أن يحمل منها
ــــــ[106]ـــــــ
(1) بل الظاهر أنَّها بيعٌ.
(2) حقّ المارّة ثابتٌ شرعاً بشروطٍ نوجزها فيما يلي توضيحاً:
……….1. أن يكون مجتازاً لا قاصداً كما في المتن.
……….2. أن لا يشبع على الأحوط استحباباً.
……….3. أن لا يحمل منه شيئاً كما في المتن.
……….4. أن لا يفسد الزرع كما في المتن.
……….5. أن لا يؤثّر على المالك اقتصاديّاً ولو بفرض أنَّ المارّة كثيرون.
……….6. أن لا يحرز كراهة المالك أو نهيه ولو اطمئناناً أو وثوقاً.
……….7. أن يقطف من الشجر دون الساقط خلافاً لما في المتن.
……….8. اشترط بعضهم أن لا يكون للبستان سياجٌ، والظاهر عدمه بغضّ النظر عن حرمة دخول الأرض بغير إذن مالكها.
……….9. أن لا يناول غيره على الأحوط استحباباً.
……….10. أن لا يجمع ما يأكل دفعةً واحدةً بل يقطف ويأكل تدريجيّاً على الأحوط استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
شيئاً ومن دون إفسادٍ للأغصان أو إتلافٍ للثمار، والظاهر عدم الفرق بين ما كان على الشجر أو متساقطاً عنه، والأحوط الاقتصار على ما إذا لم يعلم كراهة المالك.
القول في بيع الحيوان ناطقه وصامته
(مسألة 1): يجوز استرقاق(1) الحربيّ – أعني الكافر الأصلي- إذا لم يكن معتصماً بعهدٍ أو ذمامٍ، سواءٌ كان في دار الحرب أو في دار الإسلام، وسواءٌ كان بالسرقة أو الغيلة أو القهر والاغتنام، بل لو قهر الحربيّ حربيّاً فباعه صحّ البيع وإن كان أخاه أو زوجته، بل وإن كان ممّن ينعتق عليه(2) كبنته وابنه وأبويه على إشكالٍ(3) في صحّة البيع ولحوق أحكامه فيه. نعم لا إشكال في تملّك المشتري المسلم لمن اشتراه بهذا الشراء وإن لم يكن شراءً حقيقيّاً بل كان استنقاذاً.
(مسألة 2): يملك الرجل كلّ أحدٍ عدا أحد عشر: الأب والأمّ والأجداد والجدّات وإن علوا والأولاد وأولادهم ذكوراً وإناثاً وإن سفلوا والأخوات والعمّات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت وإن سفلن نسباً ورضاعاً، ويملك مَن عدا هؤلاء عدم استقراره، فلو ملك الرجل أو المرأة أحد هؤلاء بناقلٍ اختياريٍّ كالشراء أو قهريٍّ كالموت انعتق عليهما في الحال، ويملك كلٌّ من الزوجين صاحبه لكن يبطل النكاح.
(مسألة 3): الكافر لا يملك المسلم ابتداءً، ولو كان له مملوكٌ كافرٌ فأسلم
ــــــ[107]ـــــــ
(1) إذا لم يحصل هناك محذورٌ شخصيٌّ أو اجتماعيٌّ أو دينيٌّ بما فيه عصيان التقيّة الواجبة.
(2) مثل هذا يستحيل استرقاقه فقهيّاً فلا يمكن بيعه.
(3) إلَّا أنَّ الإشكال في قبض البائع للقيمة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المملوك أُجبر على بيعه من مسلمٍ ولمولاه ثمنه.
(مسألة 4): كلّ من أقرّ على نفسه بالعبوديّة حُكم عليه(1) بها مع شرائط الإقرار من البلوغ والعقل والاختيار وعدم كونه مشهوراً بالحرّية، ولا يلتفت إلى رجوعه عن إقراره.
(مسألة 5): لو اشترى عبداً فادّعى الحرية لم يقبل قوله إلَّا بالبيّنة.
(مسألة 6): إذا أراد مالك الجارية أن يبيعها وقد وطئها(2) يجب عليه أن يستبرئها قبل بيعها بحيضةٍ إن كانت تحيض، وبخمسةٍ وأربعين يوماً(3) إن كانت لا تحيض وهي في سنّ مَن تحيض، إن كان بيعها بعد انقضاء هذه المدّة من زمن وطيها، وإذا لم يستبرئها البائع وباعها صحّ البيع لكن يجب على المشتري الاستبراء المزبور، بأن لا يطأها إلَّا بعد حيضةٍ أو انقضاء تلك المدّة، بل لو لم يعلم أنَّ البائع قد وطئها أو استبرأها بعد وطئها يجب عليه استبراؤها. نعم لو علم أو أخبره ثقة أنّه قد استبرأها البائع أو أنَّه لم يطأها لم يجب عليه الاستبراء، كما أنَّه لا يجب لا على البائع ولا على المشتري لو كان البائع امرأةً أو كانت الجارية صغيرةً أو يائسةً.
(مسألة 7): لا يختصّ وجوب الاستبراء بالبيع والشراء، بل كلّ من ملك أمةً بوجهٍ من وجوه التملّك وجب عليه(4) قبل وطيها الاستبراء حتّى لو ملكها
ــــــ[108]ـــــــ
(1) ما لم يطمئنّ بكذبه أيّاً كان سبب الاطمئنان.
(2) بل بخمسٍ وأربعين ليلةً.
(3) عندئذٍ لا يجب الاستبراء.
(4) هذا الوجوب طريقيٌّ فلا يجب الاستبراء إلَّا بعد إحراز الوطء السابق فيما دون زمن الاستبراء.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالإرث أو الاسترقاق إذا لم تستبرئ قبل ذلك، وكذا لا يختصّ بالبائع بل يعمّ كلّ ناقلٍ لها بمثل الصلح والهبة وغيرهما، فيجب عليهم(1) الاستبراء المزبور بالشروط المتقدّمة قبل إيجاد السبب المملّك.
(مسألة 8): إذا باع جاريةً حبلى لم يجب على البائع استبراؤها. نعم يجب على المشتري بل كلّ من ملكها بوجهٍ من وجوه التملّك ترك وطيها(2) قبل أن ينقضي لحملها أربعة أشهر وعشرة أيّامٍ ويكره بعد ذلك.
(مسألة 9): الأقوى أنّ العبد يملك، وإن كان محجوراً عليه لا ينفذ تصرّفاته فيما ملكه بدون إذن مولاه وللمولى السلطنة التامّة على ما ملكه حتّى أنَّ له أن ينتزعه منه(3)، فلو ملّكه مولاه شيئاً ملكه، وكذا ما حاز لنفسه من المباحات بإذن مولاه أو اشترى في الذمّة بإذنه ملكه وإن لم يكن ملكاً تامّاً.
(مسألة 10): كل حيوانٍ مملوكٍ كما يجوز بيع جميعه يجوز بيع بعضه المشاع كالنصف والربع، وأمّا جزؤه المعيّن كرأسه وجلده أو يده ورجله أو نصفه الذي فيه رأسه مثلاً، فإن كان ممّا يؤكل لحمه أو لم يكن المقصود منه اللحم بل الركوب والحمل وإدارة الرحى ونحو ذلك لم يجز بيعه قطعاً، وأمّا إذا كان المقصود منه الذبح مثل ما يشتريه القصّابون ويباع منهم فالظاهر أنَّه يصحّ بيعه، فإن ذبحه يكون للمشتري ما اشتراه، وإن باعه ولم يذبحه يكون المشتري شريكاً في الثمن
ــــــ[109]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) على الأحوط استحباباً.
(3) يشكل ذلك ابتداءً إلَّا أن يأمره بهبته له فتجب عليه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بنسبة ماله، بأن ينسب قيمة الرأس والجلد مثلاً على تقدير الذبح إلى قيمة البقيّة فله من الثمن بتلك النسبة، وكذا الحال فيما لو باع حيواناً قصد به اللحم واستثنى الرأس والجلد أو اشترك اثنان أو جماعة وشرط أحدهم لنفسه الرأس والجلد أو الرأس والقوائم مثلاً أو اشترى شخصٌ حيواناً ثمَّ شرك غيره معه في الرأس والجلد مثلاً كما إذا اشترى شاةً بعشرة دراهم ثُمَّ شرك فيها رجلاً بدرهمين بالرأس والجلد فيصحّ في الجميع فيما يراد ذبحه، فإذا ذبح يستحقّ العين وإلَّا كان شريكاً بالنسبة كما عرفت.
(مسألة 11): لو قال شخصٌ لآخر: إشترِ حيواناً – مثلاً- بشركتي كان ذلك منه توكيلاً في الشراء، فلو اشتراه حسب استدعاء الأمر كان المبيع بينهما نصفين وعلى كلٍّ منهما دفع نصف الثمن إلَّا إذا صرح بكون الشركة على نحوٍ آخر، ولو دفع المأمور عن الأمر ما عليه من الثمن ليس له الرجوع إليه ما لم يكن قرينة تقتضي أنَّ المقصود الشراء له والدفع عنه ما عليه من الثمن كالشراء من مكانٍ بعيدٍ لا يدفع المبيع حتّى يدفع الثمن فحينئذٍ يرجع إلى الأمر بما دفع عنه.
القول في الإقالة
وحقيقتها: فسخ العقد(1) من الطرفين، وهي جاريةٌ في تمام العقود سوى النكاح(2)، وفي قيام وارث المتعاقدين مقامهما إشكالٌ، وتقع بكلّ لفظٍ أفاد المعنى المقصود عند أهل المحاورة، كأن يقول المتعاقدان: «تقايلنا» أو «تفاسخنا» أو يقول
ــــــ[110]ـــــــ
(1) لو قال: التراضي على الفسخ، لكان أقرب وأوضح.
(2) والصدقة والوقف في مورد كونه عقداً، كما هو الأحوط في الوقف الخاصّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أحدهما للآخر: «أقلتك» فقبل الآخر، بل الظاهر كفاية التماس أحدهما مع إقالة الآخر، ولا يعتبر فيها العربيّة بل تقع بكلّ لغةٍ، والظاهر وقوعها بالمعاطاة، بأن يردّ كلٌّ منهما ما انتقل إليه إلى صاحبه بعنوان الفسخ.
(مسألة 1): لا يجوز الإقالة بزيادةٍ عن الثمن ولا نقصان، فلو أقال المشتري بزيادة عن الثمن الذي اشترى به أو البائع بوضيعة بطلت الإقالة وبقي العوضان على ملك صاحبهما.
(مسألة 2): لا يجري في الإقالة الفسخ والإقالة.
(مسألة 3): تصحّ الإقالة في جميع ما وقع عليه العقد وفي بعضه(1) ويتقسّط الثمن حينئذٍ على النسبة، بل إذا تعدّد البائع أو المشتري تصحّ إقالة أحدهما مع الطرف الآخر بالنسبة إلى حصّته وإن لم يوافقه صاحبه.
(مسألة 4): التلف غير مانعٍ عن صحّة الإقالة كالفسخ، فلو تقايلا رجع كلّ عوضٍ إلى مالكه، فإن كان موجوداً أخذه وإن كان تالفاً يرجع إلى المثل(2) إن كان مثليّاً والقيمة إن كان قيميّاً.
ــــــ[111]ـــــــ
(1) إذا كان بعضاً عشريّاً أو عرفيّاً.
(2) يجوز ضمان قيمة المثليّ في السوق التي تقبله كما في عصورنا الحاضرة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[112]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الشفعة
(مسألة 1): إذا باع(1) أحد الشريكين حصّةً من شخصٍ أجنبيٍّ فللشريك الآخر مع اجتماع الشروط الآتية أن يتملّكها وينتزعها من المشتري بما بذله من الثمن، ويسمّى هذا الحق بالشفعة وصاحبه بالشفيع.
(مسألة 2): لا إشكال في ثبوت الشفعة في كلّ ما لا يُنقل إذا كان قابلاً للقسمة كالأراضي والبساتين والدور ونحوها، وفي ثبوتها فيما ينقل كالثياب والمتاع والسفينة والحيوان وفيما لا ينقل وكان غير قابلٍ للقسمة كالضيقة من الأنهار والطرق والآبار وغالب الأرحية والحمّامات وكذا في الشجر والنخيل والأبنية والثمار على النخيل والأشجار إشكالٌ، لا يبعد ثبوتها في الجميع بل لا يخلو من قوّة، لكنّ الأحوط للشريك عدم الأخذ فيها بالشفعة إلَّا برضى المشتري، كما أنَّ الأحوط له إجابة الشريك إن أخذ بها، بل لا يترك هذا الاحتياط(2) في أشياء
ــــــ[113]ـــــــ
(1) وحقيقة الشفعة: حقّ الشريك في امتلاك حصّة شريكه، وهي تحصل بأسلوبين:
…..أوّلهما: المنع من البيع لغير الشريك قبل وقوعه.
…..وثانيهما: حقّ الشريك في فسخ البيع بعد العقد وإلحاق الملك به.
…..والثاني هو المشهور، والأوّل هو الأحوط والقدر المتيقّن من الأدلّة، إلَّا أنَّ الظاهر التسالم على الثاني، وهو الحجّة فيه.
(2) وجوباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
خمسة: النهر والطريق والرحى والحمّام والسفينة.
(مسألة 3): إنَّما تثبت الشفعة في بيع حصّةٍ مشاعةٍ من العين المشتركة، فلا شفعة بالجوار، فلو باع أحد داره أو عقاره ليس لجاره الأخذ بالشفعة، وكذا لا شفعة في العين المقسومة إذا باع أحد الشريكين حصّته المفروزة إلَّا إذا(1) كانت داراً قد قسّمت بعد اشتراكها أو كانت من أوّل الأمر مفروزةً ولها طريقٌ مشتركٌ فباع بعض الشركاء حصّته المفروزة من الدار، فإنَّه تثبت الشفعة لغير البائع، لكن إذا بيعت مع طريقها، بخلاف ما إذا أفرزت الحصّة بالبيع وبقي الطريق على ما كان من الاشتراك بين الملاك فإنَّه لا شفعة حينئذٍ في بيع الحصّة. نعم لو بيعت حصّته من الطريق المشترك ثبت فيه الشفعة على إشكالٍ فيما إذا كان ضيّقاً غير قابل للقسمة كما مرّ.
وفي إلحاق الاشتراك في الشرب كالبئر والنهر والساقية بالاشتراك في الطريق إشكالٌ، فلا يترك(2) الاحتياط. نعم لا يبعد إلحاق البستان والأراضي مع اشتراك الطريق بالدار، لكنَّه أيضاً لا يخلو من إشكالٍ فلا ينبغي ترك الاحتياط(3).
(مسألة 4): لو باع عرضاً وشقصاً من دارٍ أو باع حصّةً مفروزةً من دارٍ مثلاً مع حصّةٍ مشاعةٍ من دارٍ أُخرى صفقةً واحدةً كان للشريك الشفعة في تلك الحصّة المشاعة بحصّتها من الثمن، على إشكالٍ من جهة احتمال أن يكون له
ــــــ[114]ـــــــ
(1) الأحوط: عدم وجود الشفعة في مثل ذلك، ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
(2) ظهر أنَّه احتياطٌ وجوبيّ.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الشفعة في المجموع(1) بمجموع الثمن ولم يكن له التبعيض بأخذ المشاع فقط، فالأحوط(2) للشفيع إرضاء المشتري، سواءٌ أراد التبعيض أو أخذ الشفعة في المجموع، كما أنَّ الأحوط للمشتري إجابته في كلّ ما أراده.
(مسألة 5): يشترط في ثبوت الشفعة انتقال الحصّة إلى الأجنبيّ بالبيع، فلو انتقلت إليه بجعله صداقاً أو فديةً للخلع أو بالصلح(3) أو بالهبة فلا شفعة.
(مسألة 6): إنَّما تثبت الشفعة إذا كانت العين بين شريكين، فلا شفعة فيما إذا كانت بين ثلاثة وما فوقها، من غير فرقٍ على الظاهر بين أن يكون البائع اثنين من ثلاثةٍ مثلاً فكان الشفيع واحداً أو بالعكس. نعم لو باع أحد الشريكين حصّةً من اثنين مثلاً دفعةً أو تدريجاً فصارت العين بين ثلاثةٍ بعد البيع لا مانع(4) من الشفعة للشريك الآخر، وحينئذٍ فهل له التبعيض – بأن يأخذ بالشفعة بالنسبة إلى أحد المشتريين ويترك الآخر- أو لا؟ وجهان بل قولان لا يخلو أوّلهما من قوّة.
(مسألة 7): لو كانت الدار مشتركاً بين الطلق والوقف وبيع الطلق لم يكن للموقوف عليه ولو كان واحداً ولا لوليّ الوقف شفعة. نعم لو بيعَ الوقف في
ــــــ[115]ـــــــ
(1) بل تثبت الشفعة في المشاع خاصّة.
(2) وجوباً وكذا ما بعده.
(3) لا يبعد ثبوتها في الصلح المنتج لنتيجة البيع.
(4) هذا نظرٌ إلى حال العين قبل البيع الأوّل، في حين إنَّ حقّ الشفعة يثبت في العين على واقعها عند الأخذ بالشفعة. وهي في الواقع مشتركةٌ بين ثلاثة، فيكون حقّ الشفعة فيها ممنوعاً، ومنه يظهر حال باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
صورة صحّة بيعه فالظاهر ثبوتها لذي الطلق، إلَّا إذا كان الوقف على أشخاصٍ بأعيانهم وكانوا متعدّدين فإنَّ فيه إشكالاً(1).
(مسألة 8): يعتبر في(2) ثبوت الشفعة كون الشفيع قادراً على أداء الثمن، فلو كان عاجزاً عن أدائه لا شفعة له وإن بذل الضامن أو الرهن إلَّا أن يرضى المشتري بالصبر، بل يعتبر فيه إحضار الثمن عند الأخذ بها، ولو اعتذر بأنَّه في مكانٍ آخر فذهب ليحضر الثمن فإن كان في البلد ينتظر ثلاثة أيّامٍ وإن كان في بلدٍ آخر ينتظر بمقدارٍ يمكن بحسب العادة نقل المال من ذلك البلد بزيادة ثلاثة أيّام، فإن لم يحضر الثمن في تلك المدّة فلا شفعة له.
(مسألة 9): يشترط في الشفيع: الإسلام إذا كان المشتري مسلماً، فلا شفعة للكافر على المسلم وإن اشتراه من كافرٍ، وتثبت للكافر على مثله وللمسلم على الكافر.
(مسألة 10): تثبت الشفعة للغائب، فله الأخذ بها بعد اطّلاعه على البيع ولو بعد زمانٍ طويلٍ، بل لو كان له وكيلٌ مطلقٌ واطّلع هو على البيع دون موكّله له أن يأخذ بالشفعة له.
(مسألة 11): تثبت الشفعة للسفيه وإن لم ينفذ أخذه بها إلَّا بإذن الوليّ أو إجازته، وكذا تثبت للصبيّ والمجنون وإن كان المتولّي للأخذ بها عنهما وليّهما. نعم
ــــــ[116]ـــــــ
(1) والأقوى وجود الشفعة عندئذٍ.
(2) الشروط الموجودة في هذه المسألة مبنيّةٌ على ضربٍ من الاحتياط؛ إذ قد يكون للنصّ الوارد بها تفسيرٌ آخر.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لو كان الوليّ هو الوصيّ ليس له ذلك إلَّا مع الغبطة والمصلحة، بخلاف الأب والجدّ فإنَّه يكفي فيهما عدم المفسدة كما هو الحال في سائر التصرّفات، ولو ترك الوليّ المطالبة بالشفعة عنهما إلى أن كملا لهما أن يأخذا بها.
(مسألة 12): إذا كان الوليّ شريكاً مع المولى عليه فباع حصّته من أجنبيّ، جاز له أن يأخذ بالشفعة فيما باعه، وكذا الوكيل في البيع لو كان شريكاً مع موكّله فباع حصّة موكّله من أجنبيٍّ فإنَّ له أن ينتزع الحصّة التي باعها من المشتري لنفسه لأجل الشفعة.
(مسألة 13): الأخذ بالشفعة إمّا بالقول كأن يقول: «أخذت بالشفعة» أو «تملّكت الحصّة» ونحو ذلك مما يفيد إنشاء تملّكه وانتزاع الحصّة المبيعة من المشتري لأجل ذلك الحقّ، وإمّا بالفعل بأن يدفع الثمن ويأخذ الحصّة المبيعة، بأن يرفع المشتري يده عنها ويخلي بين الشفيع وبينها، ومع ذلك يعتبر دفع(1) الثمن عند الأخذ بالشفعة قولاً أو فعلاً إلَّا إذا رضي المشتري بالصبر. نعم لو كان الثمن مؤجّلاً فالظاهر أنَّه يجوز له أن يأخذ بها ويتملّك الحصّة عاجلاً ويكون الثمن عليه إلى وقته.
(مسألة 14): ليس للشفيع تبعيض حقّه، بل إمّا أن يأخذ الجميع أو يدَع.
(مسألة 15): الذي يلزم على الشفيع عند أخذه بالشفعة: دفع مثل الثمن(2) الذي وقع عليه العقد، سواءٌ كانت قيمة الشقص أقلّ أو أكثر، ولا يلزم عليه دفع
ــــــ[117]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) بمعنى: أنَّه يجب على المالك القبول عندئذٍ، ولا شفعة له إن دفع أقلّ منه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ما غرمه المشتري من المؤن كأجرة الدلّال ونحوها، ولا دفع ما زاد المشتري على الثمن وتبرّع به للبائع بعد العقد، كما أنَّه لو حطّ البائع بعد العقد شيئاً من الثمن ليس له تنقيص ذاك المقدار.
(مسألة 16): لو كان الثمن مثليّاً كالذهب والفضّة ونحوهما يلزم على الشفيع دفع مثله(1)، وأمّا لو كان قيميّاً كالحيوان والجواهر والثياب ونحوها ففي ثبوت الشفعة ولزوم أداء قيمته حين البيع أو عدم ثبوتها أصلاً وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما من رجحان.
(مسألة 17): إذا اطّلع الشفيع على البيع فله المطالبة في الحال(2)، وتبطل شفعته بالمماطلة والتأخير بلا داعٍ عقلائيّ وعذرٍ عقليّ أو شرعيّ أو عاديّ، بخلاف ما إذا كان عدم الأخذ بها لعذرٍ، ومن الأعذار: عدم اطّلاعه على البيع وإن أخبروه به إذا لم يكن المخبر ممّن يوثق به، وكذا جهله باستحقاق الشفعة أو عدم جواز تأخير المطالبة بالمماطلة، بل من ذلك لو ترك الأخذ بها لتوهّمه كثرة الثمن فبان قليلاً أو كونه نقداً يصعب عليه تحصيله كالذهب فبان خلافه وغير ذلك.
(مسألة 18): لمّا كانت الشفعة من الحقوق تسقط بإسقاط الشفيع لها، بل لو رضي بالبيع من الأجنبيّ من أوّل الأمر أو عرض عليه شراء الحصّة فأبى لم يكن له شفعةٌ من أصلها، وفي سقوطها بإقالة المتبايعين أو ردّ المشتري إلى البائع بعيبٍ أو غيره وجهٌ وجيهٌ.
ــــــ[118]ـــــــ
(1) سبق أن قلنا: إنَّ دفع القيمة بإزاء المثليّ ممكنٌ شرعاً في الأسواق القائمة على ذلك.
(2) لا يبعد أنَّ له الأخذ بالشفعة بالفور العرفي الذي يراه الناس في سائر المعاملات، وبذلك لا تصدق المماطلة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 19): لو تصرّف المشتري فيما اشتراه، فإن كان بالبيع كان للشفيع الأخذ من(1) المشتري الأوّل بما بذله من الثمن فيبطل الشراء الثاني، وله الأخذ من(2) الثاني بما بذله من الثمن فيصحّ الأوّل. وكذا لو زادت البيوع على اثنين، فإنَّ له الأخذ من المشتري الأوّل بما بذله من الثمن فتبطل البيوع اللاحقة، وله الأخذ من الأخير بما بذله من الثمن فصحّ جميع البيوع المتقدّمة، وله الأخذ من الوسط فصحّ كلّ ما تقدّم وبطل كلّ ما تأخّر.
وإن كان بغير البيع كالوقف وغير ذلك فله الأخذ بالشفعة وإبطال ما وقع من المشتري وإزالته، بل الظاهر أنَّ صحّتها مراعاةٌ بعدم الأخذ بالشفعة وإلَّا فهي باطلةٌ من أصلها.
(مسألة 20): لو تلف الحصّة المشتراة(3) بالمرّة بحيث لم يبق منها شيءٌ أصلاً سقطت الشفعة. نعم إذا كان ذلك بعد الأخذ بالشفعة وكان التلف بفعل المشتري ضمنه. وأمّا إن بقي منها شيءٌ كالدار إذا انهدمت وبقيت عرصتها وأنقاضها أو عابت لم تسقط الشفعة، فللشفيع الأخذ بها وانتزاع ما بقي منها من العرصة
ــــــ[119]ـــــــ
(1) إذا قال: أخذت بالشفعة بشروطها، انفسخ البيعان معاً، واستحقّ المالك الأوّل (الشريك) الثمن. ويجب على كلٍّ من أولئك إرجاع ما أخذه. فلو لم يفعل الشفيع ما قلناه لا دليل على إجباره للمشتري بأن يبيع الحصّة عليه. فإنَّ مفهوم الشفعة لا يشمل ذلك.
(2) اتّضح حاله وأنَّه لا دليل على صحّته بدون التراضي. ومنه يتّضح الحال في جميع المسألة.
(3) هذا سهوٌ من الماتن لأنَّ حقّ الشفعة يتعلّق بالحصّة المشاعة دون المفروزة، ولا معنى لتلف الحصّة المشاعة وحدها. وإن تلف بعض العين لم تسقط الشفعة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والأنقاض مثلاً بتمام الثمن(1) أو الترك من دون ضمانٍ على المشتري. نعم لو كان ذلك بعد الأخذ بالشفعة وكان بفعل المشتري ضمن قيمة التالف أو أرش العيب.
(مسألة 21): يشترط في الأخذ بالشفعة: علم الشفيع بالثمن حين الأخذ على الأحوط(2) لو لم يكن أقوى، فلو قال بعد اطّلاعه على البيع: أخذت بالشفعة بالثمن بالغاً ما بلغ لم يصحّ وإن علم بعد ذلك.
(مسألة 22): الشفعة موروثٌ على إشكالٍ، وكيفيّة إرثها أنَّه عند أخذ الورثة بها يقسم المشفوع بينهم على ما فرض الله في المواريث، فلو خلّف زوجةً وإبناً يكون الثمن لها والباقي له، ولو خلّف إبناً وبنتاً فللذكر مثل حظّ الأنثيين، وليس لبعض الورثة الأخذ بها ما لم يوافقه الباقون. نعم لو عفا بعضهم وأسقط حقّه كانت الشفعة لمن لم يعفُ ويكون العافي كأن لم يكن(3) رأساً.
(مسألة 23): إذا باع الشفيع نصيبه قبل أن يأخذ بالشفعة فالظاهر سقوطها، خصوصاً إذا كان بعد علمه بالشفعة.
(مسألة 24): يصحّ أن يصالح الشفيع مع المشتري عن شفعته بعوضٍ وبدونه، ويكون أثره سقوطها فلا يحتاج بعد إلى إنشاء مسقط. ولو صالح معه على إسقاطه أو على ترك الأخذ بها صحّ أيضاً ولزم الوفاء به، لكن لو لم يوجد المسقط
ــــــ[120]ـــــــ
(1) بل بنسبة الثمن إلى ما بقي.
(2) بل الأظهر خلافه. وهي ليست بيعاً عرفاً وشرعاً وإن أنتجت نتيجته. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(3) أخذ الوارث بالشفعة بأزيد من حصّته مخالفٌ للاحتياط، فلا يترك الاحتياط بالتراضي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وأخذ بها هل يترتّب عليه أثره وإن أَثِمَ بعدم الوفاء بما التزم أو لا أثر له؟(1) وجهان أوجههما أوّلهما في الأوّل وثانيهما في الثاني.
(مسألة 25): لو كانت داراً مثلاً بين حاضرٍ وغائبٍ وكانت حصّة الغائب بيد آخر فباعها بدعوى الوكالة عنه، فلا إشكال(2) في جواز الشراء منه وتصرّف المشتري فيما اشتراه أنواع التصرّفات ما لم يعلم كذبه في دعواه، وإنَّما الإشكال في أنه هل يجوز للشريك الآخر الأخذ بالشفعة بعد اطّلاعه على البيع وانتزاعها من المشتري أم لا؟ فيه تردّد(3).
ــــــ[121]ـــــــ
(1) كما هو الصحيح. فإنَّ مرجع الوجوه السابقة كلّها عرفاً إلى إسقاط الشفعة، وإن كان الأحوط استحباباً مع عدم عنوان الإسقاط التصالح.
(2) شمول دليل اليد لمثل ذلك محلّ إشكال، فلابدَّ من قيام الحجّة على الوكالة ولو بالاطمئنان.
(3) إن كانت الوكالة ثابتةً بالحجّة فالشفعة ثابتةٌ، فإن كانت قاعدة اليد حجّةً في إثباتها كفى ذلك أيضاً، لكن ظهر ما فيها من التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[122]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الصلح
وهو التراضي والتسالم على أمرٍ من تمليك عينٍ أو منفعةٍ أو إسقاط دينٍ أو حقٍّ وغير ذلك، ولا يشترط بكونه مسبوقاً بالنزاع، وإن كان تشريعه في شرع الإسلام لقطع التجاذب ورفع التنازع بين الأنام، ويجوز إيقاعه على كلّ أمرٍ وفي كلّ مقامٍ إلَّا إذا كان محرِّماً لحلال أو محلِّلاً لحرام.
(مسألة 1): الحقّ أنَّ الصلح عقدٌ مستقلٌّ بنفسه وعنوانٌ برأسه، وليس – كما قيل- راجعاً إلى سائر العقود، وإن أفاد فائدتها؛ فيفيد فائدة البيع إذا كان عن عينٍ بعوضٍ، وفائدة الهبة إذا كان عن عينٍ بلا عوض، وفائدة الإجارة إذا كان عن منفعةٍ بعوض وهكذا، فلم يلحقه أحكام سائر العقود ولا يجري فيه شروطها وإن أفاد فائدتها، فما أفاد فائدة البيع لا يلحقه أحكامه وشروطه فلا يجري فيه الخيارات المختصّة بالبيع كخياري المجلس والحيوان ولا الشفعة(1). ولا يشترط فيه قبض العوضين إذا تعلّق بمعاوضة النقدين، وما أفاد فائدة الهبة من تمليك عينٍ بلا عوضٍ لا يعتبر فيه قبض العين كما اعتبر في الهبة وهكذا.
(مسألة 2): لمّا كان الصلح عقداً من العقود يحتاج إلى الإيجاب والقبول مطلقاً(2) حتّى فيما أفاد فائدة الإبراء وإسقاط الحقّ على الأقوى، فإبراء المديون من
ــــــ[123]ـــــــ
(1) قلنا: إنَّ الأقوى تحقّقها.
(2) على الأحوط استحباباً فيما قام مقام الإيقاع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الدَّين وإسقاط الحقّ عمّن عليه الحقّ وإن لم يتوقّفا على قبول مَن عليه الدين أو الحقّ لكن إذا وقعا بعنوان الصلح توقّفا على القبول.
(مسألة 3): لا يعتبر في الصلح صيغةٌ خاصّةٌ، بل يقع بكلّ لفظٍ أفاد في متفاهم العرف التسالم والتراضي على أمرٍ من نقل عينٍ أو منفعةٍ أو قرار مشروعٍ بين المتصالحين.
نعم، اللفظ الدائر في الألسن الذي هو كالصريح في إفادة هذا المعنى من طرف الإيجاب «صالحت»، وهو يتعدّى إلى المفعول الأوّل بنفسه وإلى المفعول الثاني بعن أو على، فيقول مثلاً: «صالحتك عن الدار أو منفعتها بكذا» فيقول المتصالح: «قبلت المصالحة أو اصطلحتها بكذا».
(مسألة 4): عقد الصلح لازمٌ من الطرفين لا يُفسخ إلَّا بإقالة المتصالحين أو بوجود خيارٍ في البين حتّى فيما أفاد فائدة الهبة الجائزة، والظاهر جريان جميع الخيارات فيه إلَّا خياراتٌ ثلاثةٌ: خيار المجلس والحيوان والتأخير(1)، فإنَّها مختصّةٌ بالبيع. وفي ثبوت الأرش لو ظهر عيبٌ في العين المصالح عنها أو عوضها إشكالٌ(2).
(مسألة 5): متعلّق الصلح إمّا عينٌ أو منفعةٌ أو دَينٌ أو حقٌّ، وعلى التقادير
ــــــ[124]ـــــــ
(1) بالمعنى الذي شرحه فيما سبق وهو الناتج من عدم أخذ العوض ودفع المعوض. وأمّا إذا قبض أحدهما وتأخّر الآخر عن الفوريّة مع الإطلاق أو عن زمان الشرط، فهو خيارٌ جارٍ في الصلح.
(2) والأقوى ثبوته في العيوب غير المتوقّعة عند التصالح.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إمّا أن يكون مع العوض أو بدونه، وعلى الأوّل إمّا أن يكون العوض عيناً أو منفعةً أو دَيناً أو حقّاً، فهذه عشرون صورةٌ كلّها صحيحةٌ، فيصحّ الصلح عن عينٍ بعينٍ ومنفعةٍ ودينٍ وحقٍّ وبلا عوضٍ وعن منفعةٍ بمنفعةٍ وعينٍ ودينٍ وحقٍّ وبلا عوضٍ وهكذا.
(مسألة 6): الصلح إذا تعلّق بعينٍ أو منفعةٍ أفاد انتقالهما إلى المتصالح، سواءٌ كان مع العوض أو بدونه، وكذا إذا تعلّق بدينٍ على غير المصالح له أو حقٍّ قابلٍ للانتقال كحقّي التحجير والاختصاص، وإذا تعلّق بدينٍ على المتصالح أفاد سقوطه، وكذا إذا تعلّق بحقٍّ قابلٍ للإسقاط غير قابلٍ للنقل والانتقال كحقّي الشفعة والخيار.
(مسألة 7): يصحّ الصلح على مجرّد الانتفاع بعينٍ أو فضاءٍ، كأن يصالحه على أن يسكن داره أو يلبس ثوباً له مدّةً أو على أن يكون جذوع سقفه على حائطه أو يجري ماؤه على سطح داره أو يكون ميزابه على عرصة داره أو يكون له الممرّ والمخرج من داره أو بستانه أو على أن يُخرج جناحاً في فضاء ملكه أو على أن يكون أغصان أشجاره في فضاء أرضه وغير ذلك، فإنَّ هذه كلّها صحيحةٌ سواءٌ كانت بعوضٍ أو بغير عوض.
(مسألة 8): إنَّما يصحّ الصلح عن الحقوق التي تسقط بالإسقاط كحقّي الشفعة والخيار ونحوهما وما تكون قابلةً للنقل والانتقال كحقّي التحجير والاختصاص، ومن ذلك حقّ الأولوية لمن بيده الأراضي الخراجيّة المسمّى في العرف الحاضر بحقّ اللزمة. وأمّا ما لا يسقط بالإسقاط ولا يقبل النقل والانتقال فلا يصحّ الصلح عنه، وذلك مثل حقّ [العزل] الثابت للموكّل في الوكالة، وحقّ
ــــــ[125]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مطالبة(1) الدَّين الثابت للدائن في الدين الحالّ، وحقّ الرجوع الثابت للزوج في الطلاق الرجعيّ، وحق الرجوع في البذل الثابت للزوجة في الخلع وغير ذلك.
(مسألة 9): يشترط في المتصالحين ما يشترط في المتبايعين من البلوغ والعقل والقصد والاختيار.
(مسألة 10): الظاهر أنَّه تجري الفضوليّة في الصلح كما تجري في البيع حتّى فيما إذا تعلّق بإسقاط دينٍ أو حقٍّ وأفاد فائدة الإبراء والإسقاط اللذَينِ لا يجري(2) فيهما الفضوليّة.
(مسألة 11): يجوز الصلح عن الثمار والخضر وغيرها قبل وجودها ولو [في] عامٍ واحدٍ وبلا ضميمةٍ وإن لم يجز بيعها كما مرّ في بيع الثمار.
(مسألة 12): لا إشكال في أنَّه يغتفر الجهالة في الصلح فيما إذا تعذّر للمتصالحين معرفة المصالح عنه مطلقاً، كما إذا اختلط مال أحدهما بالآخر ولم يعلما مقدار كلٍّ منهما فاصطلحا على أن يشتركا فيه بالتساوي أو الاختلاف، أو صالح أحدهما ماله مع الآخر بمالٍ معيّنٍ، وكذا إذا تعذّر عليهما معرفته في الحال لتعذّر الميزان والمكيال على الأظهر، وأمّا مع إمكان معرفتهما بمقداره في الحال ففيه إشكال(3).
ــــــ[126]ـــــــ
(1) مع بقاء الدين للدائن. والمفهوم عرفاً من نقل الحقّ المشار إليه: نقل ملكيّة الدين أيضاً، فيصحّ فيه الصلح.
(2) لا دليل على عدم جريانها إلَّا باعتبار أنَّ الإجازة مصداقٌ مستقلٌّ للإبراء والإسقاط، ولو قصد الإجازة بشرطٍ من هذه الجهة فلا دليل على فسادها.
(3) منتجٌ للاحتياط الاستحبابيّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 13): إذا كان لغيره عليه دينٌ أو كان منه عنده عينٌ هو يعلم مقدارهما ولكنّ الغير لا يعلم المقدار فأوقعا الصلح بينهما بأقلّ من حقّ المستحقّ لم يحلّ له الزائد إلَّا أن يعلمه ورضي به. نعم لو رضى بالصلح عن حقّه الواقعيّ على كلّ حالٍ بحيث لو تبيّن له الحال لصالح عنه بذلك المقدار بطيب نفسه حلّ له الزائد.
(مسألة 14): إذا صولح عن الربوي بجنسه بالتفاضل ففي جريان حكم الربا فيه تأمّل وإشكال فلا يترك الاحتياط. نعم لا إشكال مع الجهل بالمقدار وإن احتمل التفاضل، كما إذا كان لكلٍّ من شخصين طعامٌ عند صاحبه لا يدري كلّ واحدٍ منهما كم له عند صاحبه فأوقعا الصلح على أن يكون لكلٍّ منهما ما عنده مع احتمال تفاضلهما.
(مسألة 15): يصحّ الصلح عن دينٍ بدينٍ حالّينٍ أو مؤجّلين أو بالاختلاف متجانسين أو مختلفين، سواءٌ كان الدينان على شخصين أو على شخصٍ واحدٍ، كما إذا كان له على ذمّة زيدٍ وزنة حنطةٍ ولعمرٍو عليه وزنة شعيرٍ فصالح مع عمرٍو على ما له في ذمّة زيدٍ بما لعمرو في ذمّته، والظاهر صحّة الجميع إلَّا في المتجانسين ممّا يكال أو يوزن مع التفاضل ففيه إشكالٌ من جهة الربا. نعم لو صالح عن الدين ببعضه – كما إذا كان له عليه دراهم إلى أجلٍ فصالح عنها بنصفها حالاً- فلا بأس به إذا كان المقصود إسقاط الزيادة والإبراء عنها والاكتفاء بالناقص، كما هو المقصود المتعارف في نحو هذه المصالحة لأنَّ المعاوضة بين الزائد والناقص.
(مسألة 16): يجوز أن يصطلح الشريكان على أن يكون لأحدهما رأس المال والربح للآخر والخسران عليه.
ــــــ[127]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 17): يجوز للمتداعيين في دينٍ أو عينٍ أو منفعةٍ أن يتصالحا بشيءٍ من المدّعى به أو بشيءٍ آخر حتّى مع إنكار(1) المدّعى عليه، ويسقط بهذا الصلح حقّ الدعوى، وكذا حقّ اليمين الذي كان للمدّعى على المنكر، وليس للمدّعي بعد ذلك تجديد المرافعة، لكنّ هذا فصلٌ ظاهريّ ينقطع به الدعوى في ظاهر الشرع ولا يحلّ به ما أخذه مَن كان غير محقٍّ منهما، فإذا ادّعى شخصٌ على شخصٍ بدَينٍ فأنكره ثُمَّ تصالحا على النصف فهذا الصلح وإن أثّر في سقوط الدعوى لكن إن كان المدّعي محقّاً بحسب الواقع فقد وصل إليه نصف حقّه(2) وبقي الباقي على ذمّة المنكر يطالَب به في الآخرة إذا لم يكن إنكاره بحقٍّ بحسب اعتقاده إلَّا إذا فرض رضى المدّعي باطناً بالصلح عن جميع ما له في الواقع، وإن كان مبطلاً واقعاً يحرم عليه(3) ما أخذه من المنكر إلَّا مع فرض طيب نفسه واقعاً، بأن يكون للمدّعي ما صالح به لا أنَّه رضي به تخلّصاً من دعواه الكاذبة.
(مسألة 18): إذا قال المدّعى عليه للمدّعي: صالحني، لم يكن هذا إقراراً بالحقّ؛ لما عرفت أنَّ الصلح يصحّ مع الإنكار كما يصحّ مع الإقرار، وأمّا لو قال: بعني أو ملّكني، كان إقراراً.
(مسألة 19): إذا كان لواحد ثوبٌ بعشرين درهماً مثلاً ولآخر ثوبٌ بثلاثين
ــــــ[128]ـــــــ
(1) إذا كان وجود الحقّ المدّعى به بنحو الظرف والداعي لا القيد في نظر الآخر.
(2) ما وصل إليه إنَّما هو بدل الصلح وليس من الدَّين إلَّا إذا قصدا ذلك، فإن لم يقصدا بقي الدين كلّه في ذمّته.
(3) لا يحرم إذا قصد به بدل الصلح عن التنازل عن الدعوى لا الدَّين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
واشتبها ولم يميّز كلّ منهما ما له عن مال صاحبه، فإن خيّر أحدهما صاحبه فقد أنصفه، فكلّ ما اختاره يحلّ له ويحلّ الآخر لصاحبه، وإن تضايقا فإن كان المنظور والمقصود لكلّ منهما الماليّة – كما إذا اشترياهما للمساومة والمعاملة- بيعا وقسّم الثمن بينهما بنسبة مالهما، فيعطى صاحب العشرين في المثال سهمين من خمسةٍ والآخر ثلاثة أسهمٍ منها، وإن كان المقصود والمنظور نفس المالين – كما إذا اشترى كلٌّ منهما عباءً ليلبسه وليس لهما نظرٌ إلى القيمة والماليّة- فلابدَّ(1) من القرعة.
(مسألة 20): لو كان لأحدٍ مقدارٌ من الدراهم ولآخر مقدارٌ منها عند ودعيٍّ أو غيره فتلف مقدارٌ لا يدرى أنَّه من أيٍّ منهما، فإن تساوى مقدار الدراهم منهما – بأن كان لكلٍّ منهما درهمان أو ثلاثةٌ مثلاً- يُحسب التالف عليهما ويقسم الباقي بينهما نصفين(2)، وان تفاوتا فإمّا أن يكون التالف بمقدار ما لأحدهما وأقلّ ممّا للآخر أو يكون أقلّ من كلٍّ منهما، فعلى الأوّل يُعطى للآخر ما زاد على التالف ويقسم الباقي بينهما نصفين(3)، [كما] إذا كان لأحدهما درهمان وللآخر درهمٌ وكان التالف درهماً يعطى صاحب الدرهمين درهماً ويقسم الدرهم الباقي بينهما نصفين(4)، أو كان لأحدهما خمسة دراهم وللآخر درهمان وكان التالف درهمين
ــــــ[129]ـــــــ
(1) ولهما أن يرضيا بالمالية بالتفصيل السابق في المتن، ولو في طول الاشتباه.
(2) بعد التصالح على ذلك على الأحوط ولهما أن يرضيا بالقرعة في أن نحسب التالف كلّه على أحدهما وخاصّة إذا كان الواقع هو ذلك، يعني لا يحتمل التلف منهما معاً.
(3) بل بنسبة المال المودع أساساً، ومنه تظهر المناقشة في المثال.
(4) بل ثلثه لصاحب الدرهم وثلثاه لصاحب الدرهمين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يعطى لصاحب الخمسة ثلاثةٌ ويقسم الباقي – وهو الدرهمان- بينهما نصفين(1). وعلى الثاني يعطى لكلٍّ منهما ما زاد على التالف ويقسم الباقي بينهما نصفين(2)، فإذا كان لأحدهما خمسةٌ وللآخر أربعةٌ وكان التالف ثلاثةً يعطى لصاحب الخمسة اثنان ولصاحب الأربعة واحداً ويقسم الباقي – وهو الثلاثة- بينهما نصفين(3)، فلصاحب الخمسة ثلاثةٌ ونصفٌ ولصاحب الأربعة اثنان ونصفٌ. هذا كلّه إذا كان المالان مثليّين كالدراهم والدنانير، وأمّا إذا كانا قيميّين كالثياب والحيوان فلابدَّ من المصالحة أو تعيين التالف بالقرعة.
(مسألة 21): يجوز إحداث الروشن المسمّى في العرف الحاضر بالشناشيل على الطرق النافذة والشوارع العامّة إذا كانت عاليةً بحيث لا تضرّ بالمارّة، وليس لأحدٍ منعه حتّى صاحب الدار المقابل وإن استوعب عرض الطريق بحيث كان مانعاً عن إحداث روشن في مقابله ما لم يضع منه شيئاً على جداره. نعم إذا استلزم الإشراف على دار الجار ففي جوازه تردّدٌ وإشكالٌ وإن جوّزنا مثل ذلك في تعلية البناء في ملكه، فلا يترك الاحتياط(4).
ــــــ[130]ـــــــ
(1) بل خمسة أسباع الدرهمين لصاحب الخمسة وهو درهم و14/3 من الدرهم والباقي لصاحب الدرهمين.
(2) بل بالنسبة، ولو قُسّم بينهما كلّ الموجود بالنسبة كفى أيضاً بل هو أحوط.
(3) بل لصاحب الخمسة خمسة أتساع الثلاثة وهو درهمٌ وثلثا درهم، والباقي لصاحب الأربعة.
(4) الاستحبابيّ، لكن يجب تجنّب النظر.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 22): لو بنى روشناً على الجادّة ثم انهدم أو هُدم، فإن لم يكن من قصده تجديد بنائه لا مانع لأن يبني الطرف المقابل ما يشغل ذلك الفضاء ولم يحتج إلى الاستيذان من الباني الأوّل، وإلَّا ففيه إشكالٌ، بل عدم الجواز لا يخلو من قوّة(1) فيما إذا هدمه ليبنيه جديداً.
(مسألة 23): لو أحدث شخص روشناً على الجادة فهل للطرف المقابل إحداث روشنٍ آخر فوقه أو تحته بدون إذنه، فيه إشكالٌ خصوصاً في الأوّل، بل عدم الجواز فيه لا يخلو من قوّة(2). نعم لو كان الثاني أعلى بكثيرٍ بحيث لم يشغل الفضاء الذي يحتاج إليه صاحب الروشن الأوّل بحسب العادة للتشميس ونحو ذلك فلا بأس به.
(مسألة 24): كما يجوز إحداث الرواشن على الجادّة يجوز فتح الأبواب المستجدّة فيها، سواءٌ كان له باب أُخرى أم لا. وكذا فتح الشبّاك والروازن عليها ونصب الميزاب فيها، وكذا بناء ساباط(3) عليها إذا لم يكن معتمداً على حائطٍ غيره مع عدم إذنه ولو لم يكن مضرّاً بالمارّة ولو من جهة الظلمة. ولو فرض أنَّه كما يضرّهم من جهةٍ ينفعهم من جهاتٍ أُخرى كالوقاية عن الحرّ والبرد والتحفّظ عن الطين وغير ذلك لا يبعد الموازنة بين الجهتين فيراعى ما هو الأصلح، والأَولى المراجعة في ذلك إلى حاكم الشرع فيتّبع نظره. وكذا يجوز إحداث البالوعة
ــــــ[131]ـــــــ
(1) ولكنّه ضعيف مع العزم على تجديده في مستقبلٍ بعيدٍ نسبيّاً.
(2) منتجةٍ للاحتياط الاستحبابيّ.
(3) إذا لم يكن مخلاً بالمصلحة العامّة، وسيشير الماتن إلى بعض ذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
للأمطار فيها مع التحفّظ عن كونها مضرّةً بالمارّة، وكذا يجوز نقب(1) سردابٍ تحت الجادّة مع إحكام أساسه وبنيانه وسقفه بحيث يؤمن من الثقب والخسف والانهدام.
(مسألة 25): لا يجوز لأحدٍ إحداث شيءٍ من روشنٍ أو جناحٍ أو بناء ساباطٍ [سقيفة بين حائطين بينهما ممر نافذ] أو نصب ميزابٍ أو فتح بابٍ أو نقب سردابٍ وغير ذلك على الطرق الغير النافذة المسمّاة بالمرفوعة والرافعة وفي العرف الحاضر بالدريبة إلَّا بإذن أربابها، سواءٌ كان مضرّاً أم لم يكن. وكما لا يجوز(2) إحداث شيءٍ من ذلك لغير أربابها إلَّا بإذنهم كذلك لا يجوز لبعضهم إلَّا بإذن شركائه فيها، ولو صالح غيرهم معهم أو بعضهم مع الباقين على إحداث شيءٍ من ذلك صحّ ولزم، سواءٌ كان مع العوض أو بلا عوضٍ، ويأتي في كتاب إحياء الموات بعض المسائل المتعلّقة بالطرق إن شاء الله تعالى.
(مسألة 26): لا يجوز لأحدٍ أن يبني بناءً أو يضع جذوع سقفه على حائط جاره إلَّا بإذنه ورضاه، وإذا التمس ذلك من الجار لم يجب عليه إجابته، وإن استحبّ له استحباباً مؤكّداً من جهة ما ورد من التأكيد والحثّ الأكيد في قضاء حوائج الإخوان ولا سيّما الجيران. ولو بنى أو وضع الجذوع بإذنه ورضاه فإن
ــــــ[132]ـــــــ
(1) إذا لم يكن مضرّاً حال الحفر أيضاً.
(2) مع أخذ الداخل في الدريبة والخارج فيها بنظر الاعتبار، سواءٌ كان التصرّف لواحدٍ منهم أو للأجنبيّ. وعلى العموم فللساكنين حقوقٌ بمقدار وجود دورهم في الدريبة، والإذن منهم بمقدار ذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كان ذلك بعنوانٍ ملزمٍ كالشرط في ضمن عقدٍ لازمٍ أو بالإجارة أو بالصلح عليه لم يجز له الرجوع، وأمّا إذا كان مجرّد الإذن والرخصة جاز له الرجوع قبل البناء والوضع قطعاً، وأمّا بعد ذلك فهل يجوز له الرجوع مع الأرش وعدمه أم لا مع استحقاق الأجرة وعدمه؟ وجوهٌ وأقوالٌ، والمسألة في غاية الإشكال(1)، فلا يترك الاحتياط بالتصالح والتراضي بينهما ولو بالإبقاء مع الأجرة أو الهدم مع الأرش.
(مسألة 27): لا يجوز للشريك في الحائط التصرّف فيه ببناءٍ ولا تسقيفٍ ولا إدخال خشبةٍ أو وتدٍ أو غير ذلك إلَّا بإذن شريكه أو إحراز رضاه بشاهد الحال كما هو الحال في التصرّفات اليسيرة، كالاستناد إليه أو وضع يده أو طرح ثوبٍ عليه أو غير ذلك، بل الظاهر أنَّ مثل هذه الأُمور اليسيرة لا يحتاج إلى إحراز الإذن والرضاء كما جرت به السيرة. نعم إذا صرّح بالمنع وأظهر الكراهة لم يجز.
(مسألة 28): لو انهدم الجدار المشترك وأراد أحد الشريكين تعميره لم يجبر شريكه على المشاركة في عمارته، وهل له التعمير من ماله مجّاناً بدون إذن شريكه؟
لا إشكال في أنَّ له ذلك إذا كان الأساس مختصّاً به وبناه بآلاتٍ مختصّةٍ به، كما أنَّه لا إشكال في عدم الجواز إذا كان الأساس مختصّاً بشريكه، وأمّا إذا كان الأساس مشتركاً فإن كان قابلاً للقسمة ليس له التعمير بدون إذنه. نعم له المطالبة بالقسمة فيبني على حصّته المفروزة، وإن لم يكن قابلاً للقسمة ولم يوافقه الشريك في شيءٍ يرفع أمره إلى الحاكم ليخيره بين عدّة أُمورٍ من بيعٍ أو إجارةٍ أو المشاركة معه في العمارة أو الرخصة في تعميره وبنائه من ماله مجّاناً، وكذا الحال لو كانت
ــــــ[133]ـــــــ
(1) بل مقتضى القاعدة جواز الهدم مع الأرش، والاحتياط استحبابيٌّ وإن كان أكيداً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الشركة في بئرٍ أو نهرٍ أو قناةٍ أو ناعورٍ ونحو ذلك، فلا يجبر الشريك على المشاركة في التعمير والتنقية. ولو أراد الشريك تعميرها وتنقيتها من ماله تبرّعاً ومجّاناً، له ذلك على الظاهر وليس للشريك منعه خصوصاً إذا لم يمكن القسمة، كما أنَّه لو أنفق في تعميرها فنبع الماء أو زاد ليس له أن يمنع شريكه الغير المنفق من نصيبه من الماء لأنَّه من فوائد ملكهما المشترك.
(مسألة 29): لو كانت جذوع دارِ أحدٍ موضوعةً على حائط جاره ولم يعلم على أيّ وجهٍ وُضعت حكم في الظاهر بكونه عن حقٍّ واستحقاقٍ حتّى يثبت خلافه، فليس للجار أن يطالبه برفعها عنه، بل ولا منعه(1) من التجديد لو انهدم السقف، وكذا الحال لو وُجد بناءٌ أو مجرى ماءٍ أو نصب ميزابٌ من أحدٍ في ملك غيره ولم يعلم سببه، فإنَّه يحكم في أمثال ذلك بكونه عن حقٍّ واستحقاقٍ إلَّا أن يثبت كونها عن عدوانٍ أو بعنوان العارية التي يجوز فيها الرجوع.
(مسألة 30): إذا خرجت أغصان شجرةٍ إلى فضاء ملك الجار من غير استحقاق فله أن يطالب مالك الشجرة بعطف الأغصان أو قطعها(2) من حدّ ملكه، وإن امتنع صاحبها يجوز للجار عطفها أو قطعها(3)، ومع إمكان الأوّل لا يجوز الثاني.
ــــــ[134]ـــــــ
(1) بل له ذلك، ويحتاج التجديد إلى إذنٍ جديدٍ مجاناً أو بعوض.
(2) أو أخذ الأجرة عليها.
(3) والأحوط استئذان الحاكم الشرعيّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الإجارة
وهي إما متعلّقةٌ بأعيانٍ مملوكةٍ من حيوانٍ ناطقٍ أو صامتٍ أو غير حيوانٍ من متاعٍ أو ثيابٍ أو دارٍ أو عقارٍ وغيرها(1)، فتفيد تمليك منفعتها للمستأجر بالعوض. وأمّا متعلّقةٌ بالنفس كإجارة الحرّ نفسه لعمل معلوم، فتفيد غالباً تمليك عمله للغير(2) بأجرةٍ مقرّرةٍ، وقد تفيد تمليك منفعةٍ دون عمله، كإجارة المرضعة نفسها للرضاع لا للإرضاع.
(مسألة 1): عقد الإجارة هو اللفظ المشتمل على الإيجاب الدالّ بالظهور العرفي على تمليك المنفعة أو العمل بعوض، والقبول الدالّ على الرضا به وتملّكهما بالعوض. والعبارة الصريحة في الإيجاب: «آجرتك» أو «أكريتك هذه الدار أو هذه الدابّة بكذا» مثلاً وما أفاد معناهما. ولا يعتبر فيه العربيّة، بل يكفي كلّ لفظٍ أفاد المعنى المقصود بأيّ لغةٍ كان، ويقوم مقام اللفظ الإشارة المفهمة من الأخرس ونحوه كعقد البيع. والظاهر جريان المعاطاة في القسم الأوّل منها، وهو ما تعلّقت بأعيانٍ مملوكةٍ، وتتحقّق بتسليط الغير على العين ذات المنفعة وقصد التسليط على منفعتها وتمليكها بالعوض وتسلّم الغير لها بهذا العنوان. وأمّا القسم الثاني منها –
ــــــ[135]ـــــــ
(1) كالآلات ووسائط النقل.
(2) هذا غير متصوّرٍ غالباً وعرفاً، والمرضعة تملك عملها ولبنها معاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وهو ما تعلّقت بنفس الحرّ- ففي جريانها فيه تأمّلٌ وإشكالٌ(1).
شرائط صحة الإجارة
(مسألة 2): يشترط في صحّة الإجارة أُمورٌ بعضها في المتعاقدَين – أعني المؤجّر والمستأجر- وبعضها في العين المستأجرة، وبعضها في المنفعة، وبعضها في الأجرة:
شرائط صحة الإجارة في المتعاقدَين
أمّا المتعاقدان فيعتبر فيهما ما اعتبر في المتبايعَين من البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم الحجر لفلسٍ أو سفهٍ(2) أو رقيةٍ(3).
شرائط صحة الإجارة في العين المستأجرة
وأمّا العين المستأجرة فيعتبر فيها أُمور(4):
منها: التعيين، فلو آجر إحدى الدارين(5) أو إحدى الدابّتين لم يصحّ.
ومنها: المعلوميّة، فإن كان عيناً معيّناً فإمّا بالمشاهدة وإمّا بذكر الأوصاف التي تختلف بها الرغبات في إجارتها لو كانت غائبةً وكذا لو كانت كلّياً.
ــــــ[136]ـــــــ
(1) والأقوى جريان المعاطاة وتتمّ بالمبادرة إلى العمل لا مجّاناً بعد إحراز رضا المستأجر، كما تتمّ بالمقاولة قبل العمل وإن كان ربما تعتبر المقاولة عقداً عرفاً.
(2) أو جنونٍ ولو كان أدوارياً حال جنونه.
(3) إلَّا بإذن المولى.
(4) لم يذكر الماتن كونها مملوكةً أو بمنزلتها كالوكيل والمأذون، وإلَّا كان العقد فضوليّاً ويحرم تسليم العين وتسلّمها.
(5) إحدى الدارين، أو أحد العملين: إمّا الخياطة وإمّا البناء مثلاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ومنها: كونها مقدوراً على تسليمها، فلا تصحّ إجارة العبد الآبق ولا الدابّة الشاردة ونحوهما.
ومنها: كونها ممّا يمكن الانتفاع(1) بها مع بقاء عينها، فلا تصحّ إجارة ما لا يمكن الانتفاع بها، كما إذا آجر أرضاً للزراعة مع أنَّه لم يمكن إيصال الماء إليها ولا ينفعها ولا يكفيها ماء المطر، وكذا ما لا يمكن الانتفاع بها إلَّا بإذهاب عينها كالخبز للأكل والشمع أو الحطب للإشعال.
الامور المعتبرة في المنفعة
وأمّا المنفعة فيعتبر فيها أُمور:
منها: كونها مباحةً، فلا تصحّ إجارة الدكّان لإحراز المسكرات أو بيعها ولا الدابّة والسفينة لحملها والجارية المغنّاة ونحو ذلك.
ومنها: كونها متموّلاً يبذل بإزائها المال عند العقلاء.
ومنها: تعيين نوعها إذا كانت للعين منافع متعدّدةٌ، فإذا استؤجرت الدابّة يعيّن أنَّها للحمل أو الركوب أو لإدارة الرحى وغيرها. نعم تصحّ إجارتها لجميع منافعها فيملك المستأجر جميعها.
ومنها: معلوميّتها، إمّا بتقديرها بالزمان المعلوم كسكنى الدار شهراً أو الخياطة أو التعمير والبناء يوماً، وإمّا بتقدير العمل كخياطة الثوب المعيّن خياطةً كذائيّةً فارسيّةً أو روميّةً من غير تعرّضٍ للزمان.
ــــــ[137]ـــــــ
(1) يعني: على الإطلاق عرفاً أو المنفعة المقصودة إن كانت مشترطةً ولو ضمناً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الامور المعتبرة في الأجرة
وأمّا الأجرة فيعتبر معلوميّتها وتعيين مقدارها بالكيل أو الوزن أو العدّ في المكيل والموزون والمعدود وبالمشاهدة أو الوصف في غيرها، ويجوز أن تكون عيناً خارجيّةً أو كلّيّاً في الذمّة أو عملاً(1) أو منفعةً أو حقّاً قابلاً للنقل والانتقال كحقَّي التحجير والاختصاص كالثمن في البيع.
(مسألة 3): إذا استأجر دابّةً للحمل فلابدَّ من تعيين جنس ما يحمل عليها لاختلاف الأغراض باختلافه، وكذا مقداره ولو بالمشاهدة والتخمين. وإذا استأجرها للسفر فلابدَّ من تعيين الطريق وزمان السير من ليلٍ أو نهارٍ ونحو ذلك، بل لابدَّ من مشاهدة الراكب(2) أو توصيفه بما يرفع الغرر والجهالة.
(مسألة 4): إذا كانت معلوميّة المنفعة بحسب الزمان لابدَّ من تعيينها يوماً أو شهراً أو سنةً ونحو ذلك، فلا يصحّ تقديرها بمجيء الحاجّ مثلاً.
(مسألة 5): لو قال كلّما سكنت في هذه الدار فكلّ شهرٍ بدينارٍ مثلاً فإن كان المقصود الإجارة بطل للجهالة وإن كان المقصود الإباحة بالعوض أو الجعالة صحّ، والفرق أنَّ المستأجر مالكٌ للمنفعة في الإجارة بخلافهما، فإنَّ المباح له
ــــــ[138]ـــــــ
(1) هذا وما بعده يشكل معه صدق عنوان الإجارة، فإن صدقت عرفاً فهو، وإلَّا فالأحوط استعمال عنوان الصلح.
(2) ينبغي إحراز عدد الركّاب ولو واحدٍ وكونه طبيعيّاً لا يضرّ بواسطة النقل، فلو كان سميناً جدّاً يضرّ بالفرس أو مجنوناً مضرّاً كذلك وجب اشتراطه ومع تركه وانكشاف الخلاف تسلّط المالك على حقّ الفسخ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والمجعول له ليسا مالكين للمنفعة فيهما أصلاً، وإنَّما يملك المالك عليهما الجعل المقرَّر على تقدير الاستيفاء، وكذا الحال فيما إذا قال إن خطت هذا الثوب مثلاً فارسيّاً فلك درهمٌ وإن خطته روميّاً فلك درهمان بطل إن كان بعنوان الإجارة وصحّ إن كان بعنوان الجعالة كما هو ظاهر العبارة.
(مسألة 6): إذا استأجر دابّةً لحمله أو حمل متاعه إلى مكانٍ في وقتٍ معيّنٍ – كأن استأجر دابّةً لإيصاله إلى كربلاء يوم عرفة ولم يوصله- فإن كان ذلك لعدم سعة الوقت أو عدم إمكان الإيصال من جهةٍ أُخرى فالإجارة باطلةٌ، وإن كان الزمان واسعاً ولكن قصّر فلم يوصله لم يستحقّ المؤجر من الأجرة شيئاً. نعم لو استأجرها على أن يوصله إلى مكانٍ معيّنٍ لكن شرط عليه أن يوصله في وقت كذا فتعذّر أو تخلّف(1)، فالإجارة صحيحةٌ بالأجرة المعيّنة لكن للمستأجر خيار الفسخ من جهة تخلّف الشرط، فإذا فسخ يرجع أجرة المسمّى إلى المستأجر ويستحقّ المؤجر أجرة المثل.
(مسألة 7): إذا كان وقت زيارة عرفة واستأجر دابّةً للزيارة فلم يصله وفاتت منه الزيارة صحّت الإجارة ويستحقّ صاحب الدابّة تمام الأجرة(2) بعد ما لم يشترط عليه في عقد الإجارة إيصاله يوم عرفة.
(مسألة 8): لا يشترط اتّصال مدّة الإجارة بالعقد، فلو آجر داره في شهرٍ
ــــــ[139]ـــــــ
(1) يعني عن الشرط فقد أوصله بشكل آخر، أمّا إذا لم يوصله إطلاقاً لم يستحق الأجرة.
(2) إذا كانت الإجارة مطلقة أو كان التفويت من قبل المالك عمداً أو سهواً أو اضطراراً. وأمّا إذا كان التفويت من قبل الأجير لم يستحقّ تمام الأجرة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مستقبلٍ صحّ، سواءٌ كانت مستأجرةً في سابقه أم لا. نعم مع الإطلاق تنصرف إلى الاتّصال، فلو قال: «آجرتك داري شهراً» اقتضى الإطلاق اتّصاله بزمان العقد، ولو آجرها شهراً وفهم الإطلاق – أعني الكلّي الصادق على المتّصل والمنفصل- ففي صحّتها تأمّلٌ وإشكالٌ(1).
(مسألة 9): عقد الإجارة لازمٌ من الطرفين لا ينفسخ إلَّا بالتقايل أو بالفسخ مع وجود خيارٍ في البين، والظاهر أنَّه يجري فيها جميع الخيارات إلَّا خيار المجلس وخيار الحيوان وخيار التأخير(2) فإنَّها مختصّةٌ بالبيع، فيجري فيها خيار الشرط وخيار تخلّف الشرط وخيار العيب وخيار الغبن وخيار الرؤية وغيرها. هذا في الإجارة العقديّة، وأمّا المعاطاتيّة(3) فهي كالبيع المعاطاتي، فلا تلزم إلَّا بتصرّفهما أو تصرّف أحدهما فيما انتقل إليه.
(مسألة 10): لا تبطل الإجارة بالبيع ولا يكون فسخاً لها فتنتقل العين إلى المشتري مسلوبة المنفعة في تلك المدّة. نعم للمشتري مع جهله بالإجارة خيار فسخ البيع، بل له الخيار لو علم بها وتخيّل أنَّ مدّتها قصيرةٌ فتبيّن أنَّها طويلةٌ، ولو فسخ المستأجر الإجارة أو انفسخت رجعت المنفعة في بقيّة المدّة إلى المؤجر لا المشتري.
ــــــ[140]ـــــــ
(1) بل تصحّ ويكون المؤجّر مخيّراً والأحوط أن يتّفقا كما أنَّ الأحوط هو الفوريّة.
() الناتج من عدم دفع الثمن وقبض المثمن، وأمّا خيار التأخير لأحد العوضين بعد قبض الآخر فهو جارٍ بالإجارة.
(3) لا تختلف المعاطاة عن العقد بالأحكام.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وكما لا تبطل الإجارة ببيع العين المستأجرة على غير المستأجر كذلك لا تبطل لو بيعت عليه، فلو استأجر داراً ثُمَّ اشتراها بقيت الإجارة على حالها ويكون ملكه للمنفعة في بقية المدّة بسبب الإجارة لا من جهة تبعيّة للعين، فلو انفسخت الإجارة رجعت المنفعة في بقية المدّة إلى البائع، ولو فسخ البيع بأحد أسبابه بقي ملك المشتري المستأجر للمنفعة على حاله.
(مسألة 11): الظاهر أنَّه لا تبطل إجارة الأعيان بموت الموجر ولا بموت المستأجر إلَّا إذا كانت ملكيّة المؤجّر للمنفعة محدودةً بزمان حياته فتبطل الإجارة بموته، كما إذا كانت منفعة دارٍ موصى بها لشخصٍ مدّة حياته فآجرها سنتين ومات بعد سنة فتبطل الإجارة بالنسبة إلى ما بقي من المدّة. نعم لمّا كانت المنفعة في بقية المدّة لورثة الموصى فلهم أن يجيزوها بالنسبة إلى تلك المدّة فتقع لهم الإجارة ويكون لهم الأجرة(1)، ومن ذلك ما إذا آجر العين الموقوفة البطن السابق ومات قبل انقضاء مدّة الإجارة فتبطل إلَّا أن يجيز البطن اللاحق. نعم لو آجرها المتولّي للوقف لمصلحة الوقف والبطون اللاحقة مدّةً تزيد على مدّة بقاء بعض البطون تكون نافذةً على البطون اللاحقة، ولا تبطل بموت الموجر ولا بموت البطن الموجود حال الإجارة. هذا كلّه في إجارة الأعيان، وأمّا إجارة النفس لبعض الاعمال فتبطل بموت الأجير بلا إشكال. نعم لو تقبّل عملاً وجعله في ذمّته لم تبطل الإجارة بموته بل يكون العمل دَيناً عليه يُستوفى من(2) تركته.
ــــــ[141]ـــــــ
(1) بالنسبة فيما فات وما بقي من الزمان.
(2) بأجرة مثله لا بالأجرة المسمّاة، ولو أدّى بعض العمل ضمنه بالنسبة العرفيّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 12): لو آجر الوليّ الصبيّ المولى عليه أو ملكه مدّةً مع مراعاة المصلحة والغبطة(1) فبلغ الرشد قبل انقضاء المدّة، الظاهر أنَّه ليس له نقضها(2) وفسخها بالنسبة إلى ما بقي من المدّة، خصوصاً في إجارة أملاكه(3). وكذا إذا آجر عبده أو أمته مدّةً لعمل من خدمته أو غيرها ثُمَّ أعتقه فإنَّه لا تبطل الإجارة بعتقه.
(مسألة 13): إذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيباً سابقاً، كان له فسخ الإجارة إذا كان ذلك العيب موجباً لنقص المنفعة كالعرج في الدابّة أو الأجرة كما إذا كانت مقطوعة الإذن أو الذنب. هذا إذا كان متعلّق الإجارة عيناً شخصيّةً، وأمّا إذا كان كلّياً وكان الفرد المقبوض معيباً فليس له فسخ العقد، بل له مطالبة البدل إلَّا إذا تعذّر فيكون له الخيار في أصل العقد. هذا كلّه في العين المستأجرة، وأمّا الأجرة فإن كانت عيناً شخصيّةً ووجد المؤجر بها عيباً كان له الفسخ كما له مطالبة الأرش، وإذا كانت كلّيةً فله مطالبة البدل وليس له فسخ الإجارة إلَّا إذا تعذّر البدل.
(مسألة 14): إذا ظهر الغبن للمؤجر أو المستأجر فله خيار الغبن إلَّا إذا شرطا سقوطه(4).
ــــــ[142]ـــــــ
(1) في غير الأب والجدّ وفيهما عدم المفسدة.
(2) إذا كانت المدّة من الأوّل زائدةً على مدّة صغره المتعارفة بحيث يُعلم بلوغه خلالها، أشكلت صحّة الإجارة في الزائد فإن كانت بشرط شيءٍ بالنسبة إليه بطلت الإجارة كلّها.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(4) فيسقط بمقدار الغبن المتوقّع دون الزائد، إلَّا مع النصّ على الإطلاق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 15): يملك المستأجر المنفعة في إجارة الأعيان والعمل في إجارة النفس للأعمال، وكذا المؤجر والأجير الأجرة بمجرّد العقد، لكن ليس لكلّ منهما مطالبة ما ملكه إلَّا بتسليم ما ملكه، فليس للمستأجر مطالبة المنفعة والعمل إلَّا بعد تسليم الأجرة، كما أنَّه ليس للمؤجر ولا الأجير مطالبة الأجرة إلَّا بعد تسليم المنفعة، فعلى كلٍّ من الطرفين وإن وجب التسليم لكن لكلّ منهما الامتناع عنه إذا رأى من الآخر الامتناع عنه.
(مسألة 16): إذا تعلّقت الإجارة بالعين فتسليم منفعتها بتسليم تلك العين، وأمّا تسليم العمل فيما إذا تعلّقت بالنفس فبإتمامه إذا كان مثل الصلاة والصوم والحجّ وحفر بئرٍ في دار المستأجر وأمثال ذلك ممّا لم يكن متعلّقاً بمالٍ من المستأجر بيد المؤجر، فقبل إتمام العمل لا يستحقّ الأجير مطالبة الأجرة، وبعده لا يجوز للمستأجر المماطلة.
نعم لو شرط المؤجر على المستأجر تأدية الأجرة كلاً أو بعضاً قبل العمل صريحاً أو ضمنيّاً – كما إذا كانت عادةً تقتضي التزام المستأجر بذلك- كان هو المتّبع. وأمّا إذا كان متعلّقاً بمالٍ من المستأجر في يد المؤجر كالثوب يخيطه والخاتم يصوغه والكتاب يكتبه وأمثال ذلك، ففي كون تسليمه بإتمام العمل كالأوّل أو بتسليم مورد العمل كالثوب والخاتم والكتاب، وجهان بل قولان أقواهما الأوّل. فعلى هذا لو تلف الثوب مثلاً بعد تمام العمل على نحوٍ لا ضمان عليه، لا شيء عليه ويستحقّ مطالبة الأجرة، وإذا تلف مضموناً عليه، ضمنه بوصف المخيطية لا بقيمته قبلها وله المطالبة بالأجرة المسمّاة.
ــــــ[143]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 17): إذا بذل المستأجر الأجرة أو كان له حقّ أن يؤخّرها بموجب شرطهما وامتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة يجبر عليه(1)، وإن لم يمكن إجباره فللمستأجر فسخ الإجارة والرجوع إلى الأجرة، وله إبقاء الإجارة ومطالبة المؤجر بعوض المنفعة(2) الفائتة، وكذا إن أخذها منه بعد التسليم بلا فصلٍ أو في أثناء المدّة، لكن في الثاني لو فسخها تنفسخ بالنسبة إلى ما بقي من المدّة فيرجع إلى ما يقابله من الأجرة.
(مسألة 18): لو آجر دابّةً من زيدٍ فشردت بطلت الإجارة(3)، سواءٌ كان قبل التسليم أو بعده في أثناء المدّة.
(مسألة 19): إذا تسلّم المستأجر العين المستأجرة ولم يستوف المنفعة حتّى انقضت مدّة الإجارة – كما إذا استأجر داراً مدّةً وتسلّمها ولم يسكنها أو دابّةً للركوب ولم يركبها حتّى مضت المدّة- فإن كان ذلك باختيارٍ منه استقرّت عليه الأجرة، وفي حكمه ما لو بذل المؤجر العين المستأجرة فامتنع المستأجر من تسلّمها واستيفاء المنفعة منها حتّى انقضت المدّة، وهكذا الحال في الإجارة على الأعمال، فإنَّه إذا سلّم الأجير نفسه وبذلها للعمل وامتنع المستأجر من تسلّمه – كما إذا استأجر أحداً يخيط له ثوباً معيّناً في وقتٍ معيّنٍ وامتنع من دفع الثوب إليه حتّى مضى ذلك الوقت- فقد استحقّ عليه الأجرة، سواءٌ اشتغل الأجير في ذلك
ــــــ[144]ـــــــ
(1) من قِبَل وليّ الممتنع: الحاكم الشرعي.
(2) بالقيمة السوقيّة لا المسمّاة.
(3) إذا كان ممّا يطمأن من عدم الانتفاع منها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الوقت مع امتناع المستأجر بشغلٍ آخر لنفسه أو لغيره أو بقي فارغاً. وإن كان ذلك لعذر بطلت الإجارة ولم يستحقّ المؤجر شيئاً من الأجرة إن كان ذلك عذراً عامّاً معه لم تكن العين(1) قابلةً لأن تستوفى منها المنفعة، كما إذا استأجر دابّةً للركوب إلى مكانٍ فنزل ثلجٌ مانعٌ عن الاستطراق أو انسدّ الطريق بسببٍ آخر، أو داراً للسكنى فصارت غير مسكونةٍ لصيرورتها معركةً أو مسبعةً ونحو ذلك. ولو عرض مثل هذه العوارض في أثناء المدّة بعد استيفاء المستأجر مقداراً من المنفعة بطلت الإجارة بالنسبة، وإن كان عذراً يختصّ به المستأجر – كما إذا مرض ولم يتمكّن من ركوب الدابّة المستأجرة- ففي كونه موجباً للبطلان وعدمه وجهان لا يخلو أوّلهما(2) من رجحان. هذا إذا اشترطت المباشرة بحيث لم يمكن له استيفاء المنفعة ولو بالإجارة، وإلَّا لم تبطل قطعاً.
(مسألة 20): إذا غصب العين المستأجرة غاصبٌ ومنع المستأجر عن استيفاء المنفعة، فإن كان قبل القبض تخيّر بين الفسخ والرجوع بأجرة المسمّى على المؤجر لو أدّاها وبين الرجوع إلى الغاصب بأجرة المثل، وإن كان بعد القبض تعيّن الثاني.
(مسألة 21): إذا تلفت العين المستأجرة قبل قبض المستأجر بطلت الإجارة، وكذا بعده بلا فصلٍ معتدٍّ به. وأمّا إذا تلفت في أثناء المدّة وبعد استيفاء المنفعة مدّةً بطلت بالنسبة إلى بقيّة المدّة ويرجع من الأجرة بما قابلها إن نصفاً فنصف وإن ثلثاً فثلث وهكذا. هذا إذا تساوت أجرة العين بحسب الزمان، وأمّا إذا تفاوتت
ــــــ[145]ـــــــ
(1) خلال المدّة المشترطة إن كانت كذلك، فتبطل الإجارة.
(2) بل ثانيهما والأحوط استحباباً الصلح.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تلاحظ النسبة، مثلاً إذا كانت أجرة الدار في الشتاء ضعف أجرتها في باقي الفصول وبقي من المدّة ثلاثة أشهر من الشتاء يرجع بثلثي الأجرة المسمّاة ويقع في مقابل ما مضى من المدّة ثلثها، وهكذا الحال في كلّ موردٍ حصل الفسخ والانفساخ في أثناء المدّة بسببٍ من الأسباب. هذا إذا تلفت العين المستأجرة بتمامها، وأمّا إذا تلف بعضها(1) تبطل بنسبته من أوّل الأمر أو في أثناء المدّة.
(مسألة 22): إذا آجر داراً فانهدمت(2) بطلت الإجارة إن خرجت عن الانتفاع بالمرّة، فإن كان قبل القبض أو بعده بلا فصلٍ قبل أن يسكن فيها رجعت الأجرة بتمامها وإلَّا فبالنسبة كما مرّ. وإن أمكن الانتفاع بها في الجملة كان للمستأجر الخيار بين الإبقاء والفسخ، وإذا فسخ كان حكم الأجرة على حذو ما سبق. وإن انهدم بعض بيوتها فإن بادر الموجر إلى تعميرها بحيث لم يفت الانتفاع أصلاً(3) فلا فسخ ولا انفساخ على الأقوى، وإلَّا بطلت الإجارة بالنسبة إلى ما انهدمت وبقيت بالنسبة إلى البقيّة بما يقابلها من الأجرة وكان للمستأجر خيار تبعّض الصفقة.
(مسألة 23): كلّ موضعٍ كانت الإجارة فاسدةً ثبت للمؤجر أجرة المثل(4) بمقدار ما استوفاه المستأجر من المنفعة، وكذلك في إجارة النفس للعمل، فإنَّ
ــــــ[146]ـــــــ
(1) المهمّ أنَّها أصبحت بشكلٍ تؤدّي بعض المنفعة المقصودة لا جميعها.
(2) يعتبر عدد من هذه الفروع تكراراً لما في المسألة السابقة.
(3) عرفاً، وإلَّا فإنَّه لا يمكن ذلك حقيقةً.
(4) بل أقلّ الأمرين من الأجرة المسمّاة وأجرة المثل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
العامل يستحقّ أجرة مثل(1) عمله. نعم يشكل استحقاق الأجرة إذا كان المؤجر أو الأجير عالمين ببطلان الإجارة خصوصاً في الإجارة على العمل، فالاحتياط(2) بالتصالح والتراضي لا ينبغي تركه.
(مسألة 24): يجوز إجارة المشاع، سواءٌ كان للمؤجر جزءٌ مشاعٌ من عين فآجره أو كان مالكاً للكلّ وآجر جزءاً مشاعاً منه كنصفه أو ثلثه، لكن في الصورة الأُولى لا يجوز للمؤجر تسليم العين للمستأجر إلَّا بإذن شريكه، وكذا يجوز أن يستأجر اثنان مثلاً داراً على نحو الاشتراك ويسكناها معاً بالتراضي أو يقتسماها بحسب المساكن بالتعديل والقرعة كتقسيم الشريكين الدار المشتركة أو يقتسما منفعتها بالمهاياة بأن يسكنها أحدهما ستّة أشهرٍ ثُمَّ الآخر كذلك، كما إذا استأجرا معاً دابّةً للركوب فإنَّ تقسيم منفعتها الركوبيّة لا يكون إلَّا بالمهاياة، بأن يركبها أحدهما يوماً والآخر يوماً مثلاً، أو بالتناوب بحسب المسافة بأن يركبها أحدهما فرسخاً ثُمَّ الآخر مثلاً.
(مسألة 25): إذا استأجر عيناً ولم يشترط(3) عليه استيفاء منفعتها بالمباشرة يجوز أن يؤجرها بأقلّ ممّا استأجر وبالمساوي وبالأكثر(4). هذا في غير البيت والدار
ــــــ[147]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) استحباباً مع علمها بالبطلان، وكذلك عند علم المؤجّر للعين وعلم العامل مع جهل الآخر. وبخلافه يكون الاحتياط وجوبيّاً.
(3) ولو ضمناً كما لو كان مفهوماً أو متعارفاً عرفاً.
(4) لا يجوز ذلك ما لم يحدث فيها حدثاً أو يبذل عليها مالاً، بلا فرق بين كلّ الأعيان المستأجرة غير المنقولة. ومنه يظهر حكم باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والدكان وأمّا هي فلا يجوز إجارتها بأكثر ممّا استأجر إلَّا إذا أحدث فيها حدثاً من تعميرٍ أو تبييضٍ أو تنظيفٍ ونحو ذلك، والأحوط إلحاق الخان والرحى والسفينة بها أيضاً.
وإذا استأجر داراً مثلاً بعشرة دراهم فسكن بنصفها وآجر الباقي بعشرة من دون إحداث حدثٍ جاز ولم يكن من الإجارة بالأكثر ممّا استأجر، وكذا لو سكنها في نصف المدّة وآجرها في باقي المدّة بعشرة. نعم لو آجرها في باقي المدّة أو آجر نصفها بأكثر من عشرة يكون من الإجارة بالأكثر المنهيّ عنها.
(مسألة 26): إذا تقبّل عملاً من غير اشتراط المباشرة ولا مع الانصراف إليها يجوز أن يستأجر غيره لذلك العمل بتلك الأجرة وبالأكثر، وأمّا بالأقل فلا يجوز إلَّا إذا أحدث حدثاً أو أتى ببعض العمل ولو قليلاً، كما إذا تقبّل خياطة ثوبٍ بدرهمٍ ففصّله أو خاط منه شيئاً ولو قليلاً فلا بأس باستئجار غيره على خياطته بالأقلّ ولو بعشر دراهم أو ثمنه.
(مسألة 27): الأجير عن الغير إذا آجر نفسه على وجهٍ يكون جميع منافعه للمستأجر في مدّةٍ معيّنةٍ لا يجوز له في تلك المدّة العمل لنفسه أو لغيره لا تبرّعاً ولا بالجعالة أو الإجارة. نعم لا بأس ببعض الأعمال التي انصرفت عنها الإجارة ولم تشملها ولم تكن منافيةً لما شملته، كما أنَّه لو كان مورد الإجارة أو منصرفها الاشتغال بالنهار، فلا مانع من الاشتغال ببعض الاعمال في الليل له أو لغيره حتّى بالإجارة إلَّا إذا أدّى إلى ضعفه في النهار، فإذا عمل في تلك المدّة عملاً ممّا ليس
ــــــ[148]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
خارجاً(1) عن مورد الإجارة، فإن كان العمل لنفسه تخيّر المستأجر بين فسخ الإجارة واسترجاع تمام الأجرة إذا لم يعمل الأجير له شيئاً أو بعضها إذا عمل له شيئاً وبين أن يبقيها ويطالبه بأجرة مثل العمل(2) الذي عمله لنفسه، وكذا إذا(3) عمل للغير تبرّعاً. وأمّا لو عمل للغير بعنوان الجعالة أو الإجارة فله – مضافاً(4) إلى ذلك- إمضاء الإجارة أو الجعالة وأخذ الأجرة المسمّاة في تلك الجعالة أو الإجارة فله الخيار بين أُمور ثلاثة.
(مسألة 28): إذا آجر نفسه لعملٍ مخصوصٍ بالمباشرة في وقتٍ معيّنٍ لا مانع من أن يعمل لنفسه أو لغيره في ذلك الوقت ما لا ينافيه، كما إذا آجر نفسه يوماً معيّناً للخياطة أو الكتابة ثُمَّ آجر نفسه في ذلك اليوم للصوم عن الغير وليس له أن يعمل في ذلك الوقت من نوع ذلك العمل ومن غيره ممّا ينافيه لنفسه ولا لغيره، فلو فعل فإن كان من نوع ذلك العمل – كما إذا آجر نفسه للخياطة في يومٍ فاشتغل في ذلك اليوم بالخياطة لنفسه أو لغيره تبرّعاً أو بالإجارة- كان حكمه حكم الصورة السابقة من تخيير المستأجر بين أمرين(5) لو عمل الأجير لنفسه أو عمل
ــــــ[149]ـــــــ
(1) كان الأفضل أن يقول الماتن: عملاً خارجاً أو عملاً يكون خارجاً، ليتمّ المعنى.
(2) كان الأولى القول: بأجرة مثل العمل الذي فوّته على المستأجر، غير أنَّ الماتن يفترض أنَّ العامل أدّى لنفسه مثل العمل الذي تقبّله بالإجارة. وهذا لا دخل له فقهياً، ويكون منافياً للإجارة على أيّ حال.
(3) وله أن يطالب الذي عمل له بأجرة المثل، وخاصّة إذا كان عالماً بالإجارة الأولى.
(4) لا يفرق في ذلك بين أن يكون العمل مماثلاً أو مختلفاً.
(5) بل ثلاثة حتى لو كان من نوع آخر.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لغيره تبرّعاً وبين أُمور ثلاثة لو عمل لغيره بالجعالة أو الإجارة، وإن كان من غير نوع ذلك العمل – كما إذا آجر نفسه للخياطة فاشتغل بالكتابة- فللمستأجر الخيار بين أمرين مطلقاً من فسخ الإجارة واسترجاع الأجرة ومن مطالبة عوض المنفعة الفائتة.
(مسألة 29): إذا آجر نفسه لعملٍ من غير اعتبار المباشرة ولو في وقتٍ معيّنٍ أو من غير تعيين الوقت ولو مع اعتبار المباشرة، جاز له أن يؤجر نفسه للغير على نوع ذلك العمل أو ما يضادّه قبل الإتيان بالعمل المستأجر عليه؛ لعدم التنافي بين الإجارتين.
(مسألة 30): إذا استأجر دابّةً للحمل إلى بلدٍ فركبها إليه أو بالعكس عمداً أو اشتباهاً لزمته الأجرة المسمّاة حيث إنَّها قد استقرّت عليه بتسليم الدابّة وإن لم يستوف المستأجر المنفعة كما مرّ، وهل لزمته أجرة مثل المنفعة التي استوفاها أيضاً فتكون عليه أجرتان أو لم يلزمه إلَّا التفاوت(1) بين أجرة المنفعة التي استوفاها وأجرة المنفعة المستأجر عليها لو كان، فإذا استأجرها للحمل بخمسة فركبها وكانت أجرة الركوب عشرة لزمته العشرة، ولو لم يكن تفاوت بينهما لم تلزم عليه إلَّا الأجرة المسمّاة؟
وجهان لا يخلو ثانيهما عن رجحان، والأحوط(2): التصالح.
(مسألة 31): لو آجر نفسه لعملٍ فعمل للمستأجر غير ذلك العمل بغير أمر
ــــــ[150]ـــــــ
(1) يعني أكثر الأمرين من المسمّاة والمثلية. وهو الصحيح.
(2) استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
منه – كما إذا استؤجر للخياطة فكتب له- لم يستحقّ(1) شيئاً سواءٌ كان متعمّداً أو وقع منه ذلك اشتباهاً، وكذا لو آجر دابّته لحمل متاع زيدٍ إلى مكانٍ فاشتبه وحمل متاع عمرٍو لم يستحقّ الأجرة على واحدٍ منهما.
(مسألة 32): يجوز استيجار المرأة للإرضاع بل للرضاع أيضاً، بأن ينتفع الطفل منها ويتغذّى بلبنها مدّةً معيّنةً وإن لم يكن منها فعلٌ. ولا يعتبر في صحّة إجارتها لذلك إذن الزوج ورضاه، بل ليس له المنع عنها إذا لم يكن مانعاً عن حقّ استمتاعه منها. وكذا يجوز استيجار الشاة الحلوب للانتفاع بلبنها والبئر للاستقاء منها، ولا يضرّ بصحّة إجارتها كون الانتفاع فيها بإتلاف الأعيان من اللبن والماء، لأنَّ الذي يضرّ بصحّة الإجارة بل ينافي حقيقتها كون الانتفاع المقصود بإتلاف العين المستأجرة كإجارة الخبز للأكل وإجارة الحطب للإشعال كما مرّ، وهنا لم تتعلّق الإجارة باللبن والماء بل تعلّقت بالمرأة والشاة والبئر وهي باقية. نعم في إجارة الأشجار للانتفاع بثمرها إشكال(2).
(مسألة 33): إذا استؤجر لعملٍ من بناءٍ أو خياطة ثوبٍ معيّنٍ أو غير ذلك لا بقيد المباشرة، فعمله شخصٌ آخر تبرّعاً عنه ومساعدةً له، كان ذلك بمنزلة عمله فاستحقّ الأجرة المسمّاة، وإنَّ عمله تبرّعاً عن المالك لم يستحقّ المستأجر شيئاً، بل بطلت الإجارة(3) لفوات محلّها، ولا يستحقّ العامل على المالك أجرةً، لأنَّه لم يكن بأمره.
ــــــ[151]ـــــــ
(1) وأمّا العمل الذي فوّته فيتّضح حكمه من المسائل السابقة.
(2) وهي معاملةٌ غير عرفيّةٍ فيكون الاحتياط في تركها وجوبيّاً.
(3) في بطلانها مع استعداد العامل للعمل إشكالٌ فالأحوط التصالح معه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 34): لا يجوز للإنسان أن يؤجر نفسه للإتيان بما وجب عليه عيناً كالصلاة اليوميّة، ولا ما وجب(1) عليه كفائيّاً إذا كان وجوبه كذلك بعنوانه الخاصّ كتغسيل الأموات وتكفينهم ودفنهم، وأمّا ما وجب من جهة حفظ النظام وحاجة الأنام كالصناعات المحتاج إليها والطبابة ونحوها فلا بأس بإجارة النفس لها وأخذ الأجرة عليها، كما أنَّ إجارة النفس للنيابة عن الغير حيّاً(2) وميّتاً فيما وجب عليه وشرع فيه النيابة لا بأس به ولا إشكال فيه.
(مسألة 35): يجوز الإجارة لحفظ المتاع عن الضياع وحراسة الدور والبساتين عن السرقة مدّةً معيّنةً، ويجوز اشتراط الضمان عليه لو حصل الضياع أو السرقة ولو من غير تقصير منه، بأن يلتزم في ضمن عقد الإجارة بأنَّه لو ضاع المتاع أو سُرق من البستان أو الدار شيءٌ خسره من كيسه وأعطى عوضه، فما تداول من تضمين الناطور إذا ضاع أمرٌ مشروعٌ لو التزم به على نحوٍ مشروعٍ.
(مسألة 36): إذا طلب من أحدٍ أن يعمل له عملاً فعمل، استحقّ عليه أجرة مثل عمله إذا كان ممّا له أجرةٌ ولم يقصد العامل التبرّع بعمله، وإذا قصد التبرّع لم يستحقّ أجرةً وإن كان من قصد الأمر إعطاء الأجرة.
(مسألة 37): لو استأجر أحداً في مدّةٍ معيّنةٍ لحيازة المباحات- كما إذا استأجره شهراً للاحتطاب أو الاحتشاش والاستقاء- وقصد باستئجاره له ملكيّة ما يحوزه فكلّ ما يحوزه الأجير في تلك المدّة من الحطب أو الحشيش أو الماء مثلاً
ــــــ[152]ـــــــ
(1) لا يبعد الجواز فيما تعارف أخذ الأجرة عليه، كالأمثلة الآتية في المتن.
(2) النيابة عن الحيّ في الواجب غير جائزةٍ إلَّا في العاجز عن الحجّ وتجوز في كلّ المستحبّات.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يكون ملكاً للمستأجر، سواءٌ قصد الأجير ملكية المستأجر أم لا، بل ولو قصد ملكيّة نفسه(1).
نعم لو استأجره للحيازة لا بقصد التملّك – كما إذا كان له غرضٌ عقلائيّ في جمع الحطب أو الحشيش فاستأجر شخصاً لذلك- لم يملك ما يحوزه ويجمعه الأجير، فلا مانع من أن ينوي الأجير تملّكه، فيتملّكه كما إذا لم يؤجر نفسه للحيازة.
(مسألة 38): لا يجوز إجارة الأرض لزرع الحنطة أو الشعير بمقدارٍ معيّنٍ من الحنطة أو الشعير الحاصلين منها، بل وكذا بمقدارٍ منهما في الذمّة مع اشتراط أدائه مما يحصل منها، وأمّا إجارتها بالحنطة والشعير من دون تقييدٍ ولا اشتراطٍ بكونهما منها فالأقرب جوازه(2)، وأمّا إجارتها بغير الحنطة والشعير فلا إشكال فيه أصلاً.
(مسألة 39): العين المستأجرة أمانةٌ في يد المستأجر في مدّة الإجارة، فلا يضمن تلفها ولا تعيبها إلَّا بالتعدّي أو التفريط، وكذا العين التي للمستأجر بيد من آجر نفسه لعملٍ فيها كالثوب للصبغ أو الخياطة والفضّة أو الذهب للصياغة، فإنَّه لا يضمن تلفها ونقصها بدون التعدّي والتفريط. نعم إذا أفسد العين(3) التي أخذها للصبغ أو القصارة أو الخياطة حتّى لتفصيل الثوب ونحو ذلك ضمن وإن
ــــــ[153]ـــــــ
(1) الأقوى أنَّه لا يدخل عندئذٍ في ملك المستأجر، بل في ملك العامل إلَّا أنَّه يكون خيانةً للإجارة سبق حكمها وشكل ضمانها في بعض المسائل السابقة.
(2) وإن كان الأحوط تركه خاصّةً مع عزم المستأجر على الدفع من الناتج وإن لم يشترط.
(3) إذا تجاوز الحدّ المأذون فيه شرعاً أو عرفاً أو اشتراطاً وأمّا بخلافه فلا. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كان بغير قصده، بل وإن كان أُستاذاً ماهراً وقد أعمل كمال النظر والدقّة والاحتياط في شغله، وكذا كلّ من آجر نفسه لعملٍ في مال المستأجر إذا أفسده ضمنه، ومن ذلك(1) ما إذا استؤجر القصّاب لذبح الحيوان فذبحه على غير الوجه الشرعيّ بحيث صار حراماً، فإنَّه ضامنٌ لقيمته، بل الظاهر أنَّه كذلك لو ذبحه له تبرّعاً.
(مسألة 40): الختان ضامنٌ إذا تجاوز الحدّ وإن كان حاذقاً، وفي ضمانه إذا لم يتجاوز الحدّ – كما إذا أضرّ الختان بالولد فمات- إشكالٌ أظهره العدم.
(مسألة 41): الطبيب ضامنٌ(2) إذا باشر بنفسه العلاج، وأمّا لو(3) لم يباشر ففيه إشكالٌ، خصوصاً في بعض الصور، كما إذا وصف الدواء الفلانيّ وقال إنَّه نافع للمرض الفلانيّ، أو قال: إنَّ دواءك كذا من دون أن يأمره بشربه، بل عدم الضمان في أمثال ذلك هو الأقوى.
(مسألة 42): إذا عثر الحمّال فانكسر ما كان على ظهره أو رأسه مثلاً ضمن(4)، بخلاف الدابّة المستأجرة للحمل إذا عثرت فتلف أو تعيّب ما حملته، فإنَّه لا ضمان على صاحبها إلَّا إذا كان هو السبب من جهة ضربها أو سوقها في مزلقٍ ونحو ذلك.
ــــــ[154]ـــــــ
(1) هذا على الظاهر من التجاوز الذي أشرنا إليه.
(2)إذا تجاوز الحدّ كما أشرنا. ومنه مباشرة العمليّات الجراحيّة عموماً.
(3) إذا تجاوز الحدّ عرفاً ضمن.
(4) مع التعدّي والتفريط، والصورة خاليةٌ منهما ظاهراً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 43): إذا استأجر دابّةً للحمل لم يجز أن يحملها أزيد ممّا اشترط أو من المقدار المتعارف لو أطلق، فلو حملها أزيد من ذلك ضمن تلفها وعوارها، وكذلك إذا سار عليها زائداً عمّا اشترط.
(مسألة 44): إذا استؤجر لحفظ متاعٍ فسرق لم يضمن إلَّا مع التقصير أو اشتراط الضمان.
(مسألة 45): صاحب الحمّام لا يضمن الثياب وغيرها إذا سرقت إلَّا إذا أودع عنده وفرّط أو تعدّى.
(مسألة 46): إذا استأجر أرضاً للزراعة فحصلت آفةٌ أفسدت الحاصل لم تبطل الإجارة ولا يوجب ذلك نقصاً في الأجرة. نعم لو شرط على المؤجر إبراءه من الأجرة بمقدار ما نقص أو نصفاً أو ثلثاً منه مثلاً صحّ ولزم الوفاء به.
(مسألة 47): يجوز إجارة الأرض للانتفاع بها بالزرع وغيره مدّةً معلومةً وجعل الأجرة تعميرها من كري الأنهار وتنقية الآبار وغرس الأشجار وتسوية الأرض وإزالة الأحجار ونحو ذلك، بشرط أن يعيّن تلك الأعمال على نحوٍ يرتفع الغرر والجهالة أو كان تعارفٌ مغنٍ عن التعيين.
ــــــ[155]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[156]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الجعالة
وهي الالتزام بعوضٍ معلومٍ على عملٍ، ويقال للملتزم: «الجاعل» ولمن يعمل ذلك العمل «العامل» والمعوّض «الجعل» و«الجعيلة». ويفتقر إلى الإيجاب، وهو كلّ لفظٍ أفاد ذلك الالتزام، وهو إمّا عامٌّ كما إذا قال: «من ردّ عبدي أو دابّتي أو خاط ثوبي أو بنى حائطي مثلاً فله كذا»، وإمّا خاصٌّ كما إذا قال لشخصٍ: «إن رددت عبدي أو دابّتي مثلاً فلك كذا». ولا يفتقر إلى قبولٍ حتّى في الخاصّ فضلاً عن العامّ.
(مسألة 1): الفرق بين الإجارة على العمل والجعالة أنَّ المستأجر في الإجارة يملك العمل على الأجير، وهو يملك على المستأجر الأجرة بنفس العقد كما مرّ، بخلافه في الجعالة حيث إنَّه ليس أثرها إلَّا استحقاق العامل الجعل المقرّر على الجاعل بعد العمل(1).
(مسألة 2): إنَّما تصحّ الجعالة على كلّ عملٍ محلّلٍ مقصودٍ في نظر العقلاء كالإجارة، فلا تصحّ على المحرّم ولا على ما يكون لغواً عند العقلاء وبذل المال بإزائه سفهاً، كالذهاب إلى الأمكنة المخوفة والصعود على الجبال الشاهقة والأبنية المرتفعة والوثبة من موضعٍ إلى موضعٍ آخر ونحو ذلك(2).
ــــــ[157]ـــــــ
(1) ولا يجب على العامل الإنجاز بعد الإيقاع.
(2) ومنه أكثر الأعمال الرياضيّة ما لم تفد فائدةً حقيقيّةً كالفائدة الصحيّة. ومنه نعرف حرمة جعلها سبباً للتجارة والاسترباح.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 3): كما لا يصحّ الإجارة على الواجبات العينيّة والكفائيّة على التفصيل الذي مرّ(1) في كتابها لا تصحّ الجعالة عليها.
(مسألة 4): يعتبر في الجاعل أهليّة الاستيجار، من: البلوغ والعقل والرشد والقصد وعدم الحجر والاختيار، وأمّا العامل فلا يعتبر فيه إلَّا إمكان تحصيل العمل بحيث لا مانع منه عقلاً أو شرعاً، كما إذا وقعت الجعالة على كنس المسجد فلا يمكن حصوله شرعاً من الجنب والحائض، فلو كنساه لم يستحقّا شيئاً على عملهما. ولا يعتبر فيه نفوذ التصرّف، فيجوز أن يكون صبيّاً مميّزاً ولو بغير إذن الوليّ، بل ولو كان غير مميّزٍ أو مجنوناً على الأظهر، فجميع هؤلاء يستحقّون(2) الجعل المقرّر بعملهم.
(مسألة 5): يجوز أن يكون العمل مجهولاً في الجعالة بما لا يغتفر في الإجارة، فإذا قال: «مَن ردّ دابّتي فله كذا» صحّ وإن لم يعيّن المسافة ولا شخص الدابّة مع شدة اختلاف الدوابّ في الظفر بها من حيث السهولة والصعوبة، وكذا يجوز أن يوقع الجعالة على المردّد مع اتحاد الجعل، كما إذا قال: «مَن ردّ عبدي أو دابّتي فله كذا» أو بالاختلاف كما إذا قال: «مَن ردّ عبدي فله عشرة ومَن ردّ(3) دابّتي فله خمسة». نعم لا يجوز جعل موردها مجهولاً صرفاً ومبهماً بحتاً لا يتمكّن العامل من تحصيله، كما إذا قال: «مَن وجد وأوصلني ما ضاع منّي فله كذا»، بل وكذا لو قال:
ــــــ[158]ـــــــ
(1) مع ما مرّ من التعليق عليه.
(2) وتُسلّم أجرة القاصر إلى وليّه.
(3) هاتان جعالتان وليستا واحدة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
«مَن ردّ حيواناً ضاع منّي» ولم يعيّن أنَّه من جنس الطيور أو الدوابّ أو غيرها.
هذا كلّه في العمل، وأمّا العوض فلابدَّ من تعيينه جنساً ونوعاً ووصفاً، بل كيلاً أو وزناً أو عدّاً إن كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً، فلو جعله ما في يده أو إنائه مثلاً بأن قال: «مَن ردّ دابّتي فله ما في يدي أو ما في هذا الإناء» بطلت الجعالة. نعم الظاهر أنَّه يصحّ أن يجعل الجعل حصّةً معيّنةً ممّا يردّه ولو لم يشاهد ولم يوصف، بأن قال: «مَن ردّ دابّتي فله نصفها»، وكذا يصحّ أن يجعل للدلّال ما زاد على رأس المال، كما إذا قال: «بع هذا المال بكذا والزائد لك» كما مرّ فيما سبق.
(مسألة 6): كلّ موردٍ بطلت الجعالة للجهالة، استحقّ العامل أجرة المثل، والظاهر أنَّه من هذا القبيل ما هو المتعارف من جعل الحلاوة المطلقة لمن دلّه على ولدٍ ضائعٍ أو دابّةٍ ضالّةٍ.
(مسألة 7): لا يعتبر أن يكون الجعل ممّن له العمل، فيجوز أن يجعل جعلاً من ماله لمن خاط ثوب زيدٍ أو ردّ دابّته.
(مسألة 8): لو عيّن الجعالة لشخصٍ وأتى بالعمل غيره لم يستحقّ الجعل ذلك الشخص؛ لعدم العمل ولا ذلك الغير لأنَّه لم يؤمر بإتيان العمل ولا جُعل لعمله جعلٌ فهو كالمتبرّع(1). نعم لو جعل الجعالة على العمل لا بقيد المباشرة(2)
ــــــ[159]ـــــــ
(1) إن أتى بالعمل بدل شخصٍ آخر كلّفه به استحقّ الأجر منه واستحقّ الآخر الجعالة. وإن أتى بالعمل بدل المالك فإن كان متبرّعاً لم يستحقّ وإلَّا استحقّ أجرة المثل وبطلت الجعالة لزوال موضوعها.
(2) والظاهر من الجعالة عرفاً هو عدم قيد المباشرة وإنَّما المهمّ النتيجة، بخلاف الإجارة، كما طبّقناه في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بحيث لو حصّل ذلك الشخص العمل بالإجارة أو الاستنابة أو الجعالة شملته الجعالة(1) وكان عمل ذلك الغير تبرّعاً عن المجعول له ومساعدة له استحقّ المجعول له بسبب عمل ذلك العامل الجعل المقرّر.
(مسألة 9): إذا جعل الجعل على عملٍ وقد عمله شخصٌ قبل إيقاع الجعالة أو بقصد التبرّع وعدم أخذ العوض يقع عمله ضائعاً وبلا جعلٍ وأجرةٍ(2).
(مسألة 10): إنَّما يستحقّ العامل الجعل المقرّر لو كان عمله لأجل ذلك فيعتبر اطلاعه على التزام العامل(3) به، فلو عمل لا لأجل ذلك بل تبرّعاً لم يستحقّ شيئاً، وكذا لو تبيّن كذب المخبر، كما إذا أخبر مخبرٌ بأنَّ فلاناً قال: «مَن ردّ دابتي فله كذا» فردّها أحدٌ اعتماداً على إخباره مع أنَّه لم يقله لم يستحقّ شيئاً لا على صاحب الدابّة ولا على المخبر الكاذب. نعم لو كان قوله أوجب الاطمئنان لا يبعد ضمانه أجرة مثل عمله للغرور.
(مسألة 11): لو قال: مَن دلّني على مالي فله كذا، فدلّه مَن كان ماله في يده لم يستحقّ شيئاً لأنَّه واجبٌ عليه شرعاً، وأمّا لو قال: من ردّ مالي فله كذا فإن كان
ــــــ[160]ـــــــ
(1) هذا حسب قصده كما سبق، فإن قصد النيابة عن العامل لم يستحقّ الجعالة وإنَّما استحقّ أجرة المثل عليه إن لم يكن متبرّعاً. نعم، تعمّد الإنابة في مثل ذلك مشكلٌ شرعاً إلَّا أن يأتي بقسمٍ من العمل سواءٌ في الجعالة العامّة أو الخاصّة. نعم، لو ناب شخصٌ عن آخر بدون تكليفٍ فلا إشكال. هذا وإن قصد العامل إنجاز الجعالة استحقّها.
(2) بل يستحقّ الأجرة إذا لم يكن قاصداً للتبرّع.
(3) بل التزام الجاعل يعني أنَّه مطّلعٌ على الجعالة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المال ممّا في ردّه كلفةٌ ومؤنةٌ كالعبد الآبق والدابّة الشاردة(1) استحقّ الجعل المقرّر، وإن لم يكن كذلك كالدراهم والدنانير لم يستحقّ شيئاً.
(مسألة 12): إنَّما يستحقّ العامل الجعل بتسليم العمل، فلو جعل على ردّ الدابّة إلى مالكها فجاء بها في البلد فشردت لم يستحقّ الجعل. نعم لو كان الجعل على مجرّد إيصالها إلى البلد استحقّه، كما أنَّه لو كان الجعل على مجرّد الدلالة عليها وإعلام محلّها استحقّ بذلك الجعل وإن لم يكن منه إيصالٌ أصلاً.
(مسألة 13): لو قال: مَن ردّ دابّتي مثلاً فله كذا، فردّها جماعةٌ، اشتركوا في الجعل المقرّر بالسويّة إن تساووا في العمل وإلَّا فيوزَّع عليهم بالنسبة.
(مسألة 14): لو جعل جعلاً لشخصٍ على عملٍ كبناء حائطٍ أو خياطة ثوبٍ فشاركه غيره في العمل يسقط عن جعله المعيّن ما يكون بإزاء عمل ذلك الغير، فإن لم يتفاوتا كان له نصف الجعل وإلَّا فبالنسبة، وأمّا الآخر فلم يستحقّ شيئاً لكونه متبرّعاً(2). نعم لو لم يشترط على العامل المباشرة بل أريد منه العمل مطلقاً ولو بمباشرة غيره وكان اشتراك الغير معه بعنوان التبرّع عنه ومساعدته استحقّ المجعول له تمام الجعل.
(مسألة 15): الجعالة قبل تماميّة العمل جائزةٌ من الطرفين ولو بعد تلبّس العامل بالعمل وشروعه فيه فله رفع اليد عن العمل، كما أنَّ للجاعل فسخ الجعالة
ــــــ[161]ـــــــ
(1) هذا خلاف فرض كون المال في يده غالباً.
(2) هذا يختلف بحسب القصد. فقد لا يكون كذلك، فإن قصد النيابة عن العامل استحقّ عليه أجرة المثل، وإن قصد النيابة عن المالك استحقّ أيضاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ونقض التزامه على كلّ حالٍ، فإن كان ذلك قبل التلبّس لم يستحقّ المجعول له شيئاً، وأمّا لو كان بعد التلبّس فإن كان الرجوع من العامل لم يستحقّ شيئاً، وإن كان من طرف الجاعل فعليه للعامل أجرة مثل ما عمل. ويحتمل الفرق في الأوّل، وهو ما كان الرجوع من العامل بين ما كان العمل مثل(1) خياطة الثوب وبناء الحائط ونحوهما ممّا كان تلبّس العامل به بإيجاد بعض العمل وبين ما كان مثل ردّ الضالّة والآبق ونحوهما ممّا كان التلبّس به بإيجاد بعض مقدّماته الخارجة، فله من المسمّى بالنسبة إلى ما عمل في الأوّل، بخلاف الثاني فإنَّه لم يستحقّ شيئاً. والمسألة محلّ إشكال، فلا ينبغي ترك الاحتياط(2) بالتراضي والتصالح على كلّ حال.
(مسألة 16): ما ذكرنا من أنَّ للعامل الرجوع عن عمله على كلّ حالٍ ولو بعد التلبّس والاشتغال إنَّما هو في موردٍ لم يكن في عدم إنهاء العمل ضررٌ على الجاعل وإلَّا فيجب عليه، إمّا عدم الشروع في العمل وإمّا إتمامه بعد شروعه. مثلاً إذا وقعت الجعالة على قصّ عينه أو بعض العمليّات المتداولة بين الأطباء في هذه الأزمنة، حيث إنَّ الصلاح والعلاج مترتّبٌ على تكميلها، وفي عدمه فسادٌ لا يجوز له رفع اليد عن العمل بعد التلبّس به والشروع فيه، ولو رفع اليد عنه لم يستحقّ في مثله شيئاً بالنسبة إلى ما عمل(3) بلا إشكال.
ــــــ[162]ـــــــ
(1) وضابطه: أنَّ النتيجة في الأوّل تدريجيّة، وفي الثاني دفعيّة.
(2) في الثاني، وأمّا الأوّل فالظاهر الاستحقاق فيه جزماً.
(3) بل عليه الدية في المثال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب العارية
وهي التسليط على العين للانتفاع بها تبرّعاً، وهي من العقود التي تحتاج إلى إيجابٍ وقبولٍ، فالإيجاب كلّ لفظٍ له ظهورٌ عرفيّ في إرادة هذا المعنى كقوله: «أعرتك» أو «أذنت لك في الانتفاع به» أو «انتفع به» أو «خذه لتنتفع به» ونحو ذلك. والقبول كلّما أفاد الرضا بذلك، ويجوز أن يكون بالفعل، بأن يأخذ العين المعارة بعد إيجاب المعير بهذا العنوان، بل الظاهر أنَّه لا يحتاج في وقوعها وصحّتها إلى لفظٍ أصلاً، فتقع بالمعاطاة، كما إذا دفع إليه قميصاً ليلبسه فأخذه للبّس أو دفع إليه إناء أو بساطاً ليستعمله فأخذه واستعمله.
(مسألة 1): يعتبر في المعير: أن يكون مالكاً للمنفعة وله أهليّة التصرّف، فلا تصحّ إعارة الغاصب عيناً ومنفعة، وفي جريان الفضوليّة فيها حتّى تصحّ بإجازة المالك كالبيع والإجارة وجهٌ قويّ. وكذا لا تصحّ إعارة الصبيّ والمجنون والمحجور عليه لسَفَهٍ أو فَلَسٍ إلَّا مع إذن الوليّ أو الغرماء، وفي صحّة إعارة الصبيّ بإذن الوليّ احتمالٌ لا يخلو من قوّة.
(مسألة 2): لا يشترط في المعير ملكيّة العين، بل يكفي ملكيّة المنفعة بالإجارة أو بكونها موصىً بها له. نعم إذا اشترط(1) استيفاء المنفعة في الإجارة بنفسه ليس له الإعارة.
ــــــ[163]ـــــــ
(1) الظاهر عرفاً اشتراط المباشرة إلَّا أن يشترط العكس.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 3): يعتبر في المستعير أن يكون أهلاً للانتفاع بالعين، فلا تصحّ استعارة المصحف للكافر واستعارة الصيد للمُحرِم لا من المُحِلّ ولا من المُحرِم. وكذا يعتبر فيه التعيين، فلو أعار شيئاً(1) أحد هذين أو أحد هؤلاء لم يصحّ. ولا يشترط أن يكون واحداً، فيصحّ إعارة شيءٍ واحدٍ لجماعةٍ، كما إذا قال: «أعرتُ هذا الكتاب أو الإناء لهؤلاء العشرة» فيستوفون المنفعة بينهم بالتناوب أو القرعة كالعين المستأجرة، وفي جواز كونه عدداً غير محصورٍ كما إذا قال: أعرت هذا الشيء لكلّ الناس، تأمّلٌ وإشكالٌ(2).
(مسألة 4): يعتبر في العين المستعارة كونها ممّا يمكن الانتفاع بها منفعةً محلّلةً مع بقاء عينها كالعقارات والدوابّ والثياب والكتب والأمتعة والصفر والحليّ، بل وفحل الضراب والهرّة والكلب للصيد والحراسة وأشباه ذلك، فلا يجوز إعارة ما لا منفعة له محلّلة كآلات اللهو، وكذا آنية الذهب والفضّة بناءً على عموم حرمة الانتفاع بها، وأما بناءً(3) على اختصاص الحرمة باستعمالها في الأكل والشرب فلا تجوز إعارتها لخصوص هذه المنفعة، وكذا ما لا ينتفع به إلَّا بإتلافه كالخبز والدهن والأشربة وأشباهها.
(مسألة 5): يجوز إعارة الشاة للانتفاع بلبنها وصوفها، والبئر للاستقاء منها.
(مسألة 6): لا يجوز استعارة الجواري للاستمتاع بها، لانحصار سبب حلّيتها بالتزويج وملك اليمين وبالتحليل الراجع(4) إلى أحدهما. نعم لا بأس
ــــــ[164]ـــــــ
(1) كان ينبغي التعبير بدون قوله: شيئاً.
(2) مع وجود القبول ولو من البعض ولا إشكال.
(3) كما هو الأقوى.
(4) ليس لهذا دخلٌ فقهيّ ولا أثر له عمليّاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
باعارتهنّ للخدمة، ولا يجوز للمستعير أن ينظر إلى ما لا يجوز النظر إليه منها لولا الاستعارة إلَّا بتحليل المعير.
(مسألة 7): لا يشترط(1) تعيين العين المستعارة عند الإعارة، فلو قال: «أعرني إحدى دوابّك» فقال: «ادخل الإصطبل وخُذ ما شئت منها» صحّت العارية.
(مسألة 8): العين التي تعلّقت بها العارية إن انحصرت جهة الانتفاع بها في منفعةٍ خاصّةٍ كالبساط للافتراش واللحاف للتغطية والخيمة للاكتنان وأشباه ذلك لا يلزم(2) التعرّض لجهة الانتفاع بها عند إعارتها واستعارتها، وإن تعدّدت جهات الانتفاع بها كالأرض ينتفع بها للزرع والغرس والبناء والدابّة ينتفع بها للحمل والركوب ونحو ذلك، فإن كانت إعارتها واستعارتها لأجل منفعةٍ أو منافع خاصّةٍ من منافعها يجب التعرّض لها واختصّ حلّية الانتفاع للمستعير بما خصّصه المعير، وإن كانت لأجل الانتفاع المطلق جاز التعميم والتصريح بالعموم، بأن يقول: أعرتك هذه الدابّة مثلاً لأجل أن تنتفع بها كلّ انتفاعٍ مباحٍ يحصل منها، كما أنَّه يجوز إطلاق العارية بأن يقول: أعرتك هذه الدابّة، فيجوز للمستعير(3) الانتفاع بسائر الانتفاعات المباحة المتعلّقة بها. نعم ربّما يكون لبعض الانتفاعات بالنسبة إلى بعض الأعيان خفاءٌ لا يندرج في الإطلاق، ففي مثله لابدَّ
ــــــ[165]ـــــــ
(1) على أن لا يرجع إلى الفرد المردّد، بل يعود إلى معنى الكلّي أو إعارة الفرد بعد اختياره قبضه وكالةً كما في مثال الماتن.
(2) ولا يجوز استعمالها بغير ذلك إلَّا مع الاشتراط في المعاملة أو إذن المالك.
(3) مع فهم الإطلاق عرفاً، وإلَّا فالغالب الانصراف إلى منافع معيّنةٍ ومعه لا يجوز غيرها إلَّا مع الاشتراط أو الإذن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
من التنصيص به أو التعميم على وجهٍ يعمّه، وذلك كالدفن فإنَّه وإن كان من أحد وجوه الانتفاعات من الأرض كالبناء والزرع والغرس ومع ذلك لو أعيرت الأرض إعارةً مطلقةً لا يعمّه الإطلاق.
(مسألة 9): العارية جائزةٌ من الطرفين، فللمعير الرجوع متى شاء، كما أنَّ للمستعير الردّ متى شاء. نعم في خصوص إعارة الأرض للدفن لم يجز للمعير بعد الدفن الرجوع عن الإعارة ونبش القبر وإخراج الميت على الأصحّ، وأمّا قبل ذلك فله الرجوع حتّى بعد وضعه في القبر قبل مواراته، وليس على المعير أجرة الحفظ ومؤنته إذا رجع بعد الحفر قبل الدفن، كما أنَّه ليس على وليّ الميت طمّ الحفر بعد ما كان بإذنٍ من المعير.
(مسألة 10): تبطل العارية بموت المعير، بل بزوال سلطنته(1) بجنونٍ ونحوه.
(مسألة 11): يجب على المستعير للاقتصار في نوع المنفعة على ما عيّنها المعير، فلا يجوز له التعدّي إلى غيرها ولو كانت أدنى وأقلّ ضرراً على المعير، وكذا يجب أن يقتصر في كيفيّة الانتفاع على ما جرت به العادة، فلو أعاره دابّةً للحمل لا يحمّلها إلَّا القدر المعتاد بالنسبة إلى ذلك الحيوان وذلك المحمول وذلك الزمان والمكان، فلو تعدّى نوعاً أو كيفيّةً كان غاصباً وضامناً وعليه أجرة ما استوفاه من المنفعة.
(مسألة 12): لو أعاره أرضاً للبناء أو الغرس جاز له الرجوع وله إلزام المستعير بالقلع لكن عليه الأرش، وكذا في عاريتها للزرع إذا رجع قبل إدراكه،
ــــــ[166]ـــــــ
(1) الظاهر عدم البطلان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ويحتمل عدم استحقاق إلزام المعير بقلع الزرع لو رضي(1) المستعير بالبقاء بالأجرة، والأحوط لهما التراضي والتصالح. ومثل ذلك ما إذا أعار جذوعه للتسقيف ثُمَّ رجع بعد ما أثبتها المستعير في البناء.
(مسألة 13): العارية أمانةٌ بيد المستعير لا يضمنها لو تلفت إلَّا بالتعدّي أو التفريط. نعم لو شرط الضمان ضمنها وإن لم يكن تعدٍّ ولا تفريطٌ، كما أنَّه لو كانت العين المعارة ذهباً أو فضّةً ضمنها، يشترط فيها الضمان أو لم يشترط(2).
(مسألة 14): لا يجوز للمستعير إعارة العين المستعارة ولا إجارتها إلَّا بإذن المالك، فيكون إعارته حينئذٍ في الحقيقة إعارة المالك ويكون المستعير وكيلاً ونائباً عنه، فلو خرج المستعير عن قابليّة الإعارة بعد ذلك – كما إذا جُنَّ- بقيت العارية الثانية على حالها(3).
(مسألة 15): إذا تلفت العارية بفعل المستعير، فإن كان بسبب الاستعمال المأذون فيه من دون تعدٍّ عن المتعارف فليس عليه ضمان، كما إذا هلكت الدابّة المستعارة للحمل بسبب الحمل عليها حملاً متعارفاً، وإن كان بسببٍ آخر ضمنها.
(مسألة 16): إنَّما يبرأ المستعير عن عهدة العين المستعارة بردّها إلى مالكها أو وكيله أو وليّه، ولو ردّها إلى حرزها الذي كانت فيه بلا يدٍ من المالك ولا إذنٍ منه
ــــــ[167]ـــــــ
(1) بمعاملة إجارةٍ جديدةٍ.
(2) إلَّا أن يشترط عدم الضمان على إشكال.
(3) قلنا إنَّ الإعارة لا تبطل بالجنون، ولو قلنا به بطلت العاريتان مع جنون المالك ومع عدمه بقيتا معاً صحيحتين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لم يبرأ، كما إذا ردّ الدابّة إلى الإصطبل وربطها فيه بلا إذنٍ من المالك فتلفت أو أتلفها متلفٌ.
(مسألة 17): إذا استعار عيناً من الغاصب، فإن لم يعلم بغصبه كان قرار الضمان على الغاصب، فإن تلفت في يد المستعير فللمالك الرجوع بعوض ماله على كلٍّ من الغاصب والمستعير، فإن رجع على المستعير يرجع هو على الغاصب، وإن رجع على الغاصب لم يكن له الرجوع على المستعير، وكذلك بالنسبة إلى بدل ما استوفاه المستعير من المنفعة، فإنَّه إذا رجع به على المستعير يرجع هو على الغاصب دون العكس. وأمّا لو كان عالماً بالغصب لم يرجع المستعير على الغاصب لو رجع المالك عليه، بل الأمر بالعكس فيرجع الغاصب على المستعير لو رجع المالك عليه، ولا يجوز له أن يردّ العين إلى الغاصب بعد ما علم بالغصبيّة، بل يجب أن يردّها إلى مالكها.
ــــــ[168]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الوديعة
وهي استنابةٌ في الحفظ، وبعبارةٍ أٌخرى هي وضع المال عند الغير ليحفظه لمالكه، ويطلق كثيراً على المال الموضوع، ويقال لصاحب المال «المودع» ولذلك الغير «الودعيّ» و«المستودع». وهي عقدٌ يحتاج إلى الإيجاب والقبول، وهو كلّ لفظٍ دالٍّ على الاستنابة، كأن يقول: «أودعتك هذا المال» أو «احفظه» أو «هو وديعةٌ عندك» ونحو ذلك. والقبول الدالّ على الرضا بالنيابة في الحفظ، ولا يعتبر فيها العربيّة بل تقع بكلّ لغة، ويجوز أن يكون الإيجاب باللفظ والقبول بالفعل، بأن يقول له المالك مثلاً: هذا المال وديعةٌ عندك فيتسلّم الودعي المال لذلك، بل يصحّ وقوعها بالمعاطاة بأن يسلّم مالاً إلى أحدٍ بقصد أن يكون محفوظاً عنده ويحفظه فتسلّمه بهذا العنوان.
(مسألة 1): لو طرح ثوباً مثلاً عند أحدٍ وقال: هذا وديعةٌ عندك، فإن قبلها بالقول أو الفعل الدالّ عليه ولو بالسكوت الدالّ على الرضا بذلك صار وديعةً وترتّبت عليها أحكامها، بخلاف ما إذا لم يقبلها حتّى فيما إذا طرحه المالك عنده بهذا القصد وذهب عنه، فلو تركه من قصد استيداعه وذهب لم يكن عليه ضمانٌ وإن كان الأحوط القيام(1) بحفظه مع الإمكان.
ــــــ[169]ـــــــ
(1) وجهه ضعيف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 2): إنَّما يجوز قبول الوديعة لمن كان قادراً على حفظها، فمن كان عاجزاً لم يجز له قبولها على الأحوط(1).
(مسألة 3): الوديعة جائزةٌ من الطرفين، فللمالك استرداد ماله متى شاء وللمستودع ردّه كذلك، وليس للمودع الامتناع من قبوله، ولو فسخها المستودع عند نفسه انفسخت وزالت الأمانة المالكيّة وصار المال عنده أمانةٌ شرعيّةٌ، فيجب عليه ردّه إلى مالكه أو إلى من يقوم مقامه أو إعلامه بالفسخ وكون المال عنده، فلو أهمل في ذلك لا لعذرٍ عقليٍّ أو شرعيٍّ ضمن.
(مسألة 4): يعتبر في كلٍّ من المستودع والمودع البلوغ والعقل، فلا يصحّ استيداع الصبيّ(2) ولا المجنون وكذا إيداعهما، من غير فرقٍ بين كون المال لهما أو لغيرهما من الكاملين، بل لا يجوز وضع اليد على ما أودعاه، ولو أخذ منهما ضمنه ولا يبرأ بردّه إليهما وإنَّما يبرأ بإيصاله إلى وليّهما(3). نعم لا بأس بأخذه منهما إذا خيف هلاكه وتلفه في أيديهما، فيؤخذ بعنوان الحسبة في الحفظ، ولكن لا يصير بذلك وديعةً وأمانةً مالكيّةً بل تكون أمانةً شرعيّةً يجب عليه حفظها والمبادرة على إيصالها إلى وليّهما أو إعلامه بكونها عنده، وليس عليه ضمانٌ لو تلف في يده.
(مسألة 5): لو أرسل شخصٌ كاملٌ مالاً بواسطة الصبيّ أو المجنون إلى شخصٍ ليكون وديعةً عنده وقد أخذه منهما بهذا العنوان فالظاهر صيرورته وديعةً
ــــــ[170]ـــــــ
(1) إلَّا مع إخبار المالك بالحال. ولو قبلها بدونه كان متعدّياً ظالماً.
(2) الظاهر أنَّ قيام الصبيّ المميّز بالمعاملات البسيطة ممكنٌ شرعاً. ولم يذكر الماتن السفيه.
(3) إذا كان صبيّاً مميّزاً أمكن القول ببراءة الذمّة، إذا كان المال ممّا يطيقه الصبيّ عادةً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عنده لكونها حقيقةً بين الكاملين، وإنَّما الصبيّ والمجنون بمنزلة الآلة.
(مسألة 6): لو أودع عند الصبيّ والمجنون مالاً لم يضمناه بالتلف، بل بالإتلاف(1) أيضاً إذا لم يكونا مميّزين في وجهٍ قويٍّ لكونه هو السبب الأقوى.
(مسألة 7): يجب على المستودع حفظ الوديعة(2) بما جرت العادة بحفظها به ووضعها في الحرز الذي يناسبها كالصندوق المقفل للثوب والدراهم والحليّ ونحوها والإصطبل المضبوط بالغلق للدابّة والمراح كذلك للشاة. وبالجملة حفظها في محلّ لا يعدّ معه عند العرف مضيّعاً ومفرّطاً وخائناً، حتّى فيما إذا علم المودع بعدم وجود حرزٍ لها عند المستودع، فيجب عليه بعد ما قبل الاستيداع تحصيله مقدّمةً للحفظ الواجب عليه، وكذا يجب عليه القيام بجميع ما له دخلٌ في صونها من التعيّب أو التلف، كالثوب ينشره في الصيف إذا كان من الصوف أو الإبريسم والدابّة يعلفها ويسقيها ويقيها من الحرّ والبرد، فلو أهمل عن ذلك ضمنها.
(مسألة 8): لو عيّن المودع موضعاً خاصّاً لحفظ الوديعة اقتصر عليه، ولا يجوز نقلها إلى غيره بعد وضعها فيه وإن كان أحفظ، فلو نقلها منه ضمنها. نعم لو
ــــــ[171]ـــــــ
(1) الأقوى كون الإتلاف سبباً للضمان مطلقاً يرجع به إلى مال الصبيّ والمجنون الذي بيد الوليّ أو ينتظر كمالهما.
(2) على العموم: يكفي في حفظ الوديعة حفظها، كما لو كانت له، إلَّا في الاستعمال فإنَّه يستعمل ما يملكه ولا يجوز ذلك في الوديعة، وإنَّما يكون مفرّطاً إذا كان حفظه أقلّ من ذلك. ومنه يظهر ما في باقي المسألة من الأمثلة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كانت في ذلك المحلّ في معرض التلف جاز نقلها إلى مكانٍ آخر أحفظ ولا ضمان عليه حتّى مع نهي المالك(1)، بأن قال لا تنقلها وإن تلفت، وإن كان الأحوط حينئذٍ مراجعة الحاكم مع الإمكان.
(مسألة 9): لو تلفت الوديعة في يد المستودع من دون تعدٍّ منه ولا تفريطٍ لم يضمنها، وكذا لو أخذها منه ظالمٌ قهراً، سواءٌ انتزعها من يده أو أمره بدفعها له بنفسه فدفعها كرهاً(2). نعم يقوى الضمان لو كان هو السبب لذلك ولو من جهة إخباره بها أو إظهارها في محلٍّ كان مظنّة الوصول إلى الظالم فوصل إليه بل مطلقاً على احتمالٍ قويّ.
(مسألة 10): لو تمكّن من دفع الظالم بالوسائل(3) الموجبة لسلامة الوديعة وجب، حتّى أنَّه لو توقّف دفعه عنها على إنكارها كاذباً بل الحلف(4) على ذلك جاز بل وجب، فإن لم يفعل ضمن(5)، وفي وجوب التورية عليه مع الإمكان إشكالٌ أحوطه(6) ذلك وأقواه العدم.
ــــــ[172]ـــــــ
(1) لكنّ الأقوى بطلان الوديعة وتبقى عنده أمانةً شرعيّةً.
(2) يعني إكراهاً ولا تكفي الكراهة في عدم الضمان.
(3) ويقع التزاحم بين وجوب الحفظ ووجوب دفع الضرر عن النفس، فيجب أن يقدّم أهمّهما في نظر الشارع.
(4) هنا شبيه ما قلناه في التعليقة السابقة.
(5) مع كون ترك اليمين أهمّ في نظر الشارع لم يضمن، والصغرى بيد المكلّف.
(6) وجوباً سواءٌ كان المراد التورية في القسم أو بدونه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 11): إذا كانت مدافعته عن الظالم مؤدّيةً إلى الضرر على بدنه من جرحٍ وغيره أو هتكٍ في عرضه أو خسارةٍ في ماله لا يجب تحمّله، بل لا يجوز(1) في غير الأخير، بل فيه أيضاً ببعض مراتبه. نعم لو كان ما يترتّب عليها يسيراً جدّاً بحيث يتحمّله غالب الناس – كما إذا تكلّم معه بكلامٍ خشنٍ لا يكون هاتكاً له بالنظر إلى شرفه ورفعة قدره وإن تأذّى منه بالطبع- فالظاهر وجوب تحمّله.
(مسألة 12): لو توقّف دفع الظالم عن الوديعة على بذل مالٍ له أو لغيره، فإن كان بدفع بعضها وجب، فلو أهمل فأخذ الظالم كلّها ضمن القدر الزائد على ما يندفع به منها لإتمامها، فلو كان يندفع بدفع نصفها فأهمل فأخذ تمامها ضمن النصف، ولو كان يقنع بالثلث فأهمل فأخذ الكلّ ضمن الثلثين وهكذا. وكذا الحال فيما إذا كان عنده من شخصٍ وديعتان وكان الظالم يندفع بدفع إحداهما فأهمل حتّى أخذ كلتيهما، فإن كان يندفع بإحداهما المعيّن ضمن الأُخرى، وإن كان بإحداهما لا بعينها ضمن أكثرهما قيمةً(2). ولو توقّف دفعه على المصانعة معه بدفع مالٍ من المستودع لم يجب(3) عليه دفعه تبرّعاً ومجّاناً، وأمّا مع الرجوع به على المالك
ــــــ[173]ـــــــ
(1) كما قلنا قبل تعليقتين، فقد يجوز ذلك، بل يجب أحياناً، وقلنا إنَّ الصغرى بيد المكلّف. ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
(2) أكثرهما قيمةً: يعني يضمن أعلى الماليتين. ولكنّها تقسّم بين الاثنين بنسبة وديعتهما ولا تعطى لصاحب الوديعة الأغلى وحده.
(3) إذا كان ترك الدفع يلازم أحد أمرين فيجب الدفع: أوّلاً: صدق التعدّي والتفريط عرفاً. وثانياً: أنَّه لم يحافظ على الوديعة كأمواله.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فإن أمكن الاستيذان منه أو ممّن يقوم مقامه كالحاكم عند عدم إمكان الوصول إليه لزم، فإن دفع بلا استيذانٍ لم يستحقّ(1) الرجوع به عليه وإن كان من قصده ذلك، وإن لم يمكن الاستيذان فله أن يدفع ويرجع به على المالك إذا كان من قصده الرجوع عليه.
(مسألة 13): لو كانت الوديعة دابّةً يجب عليه سقيها وعلفها ولو لم يأمره المالك بل ولو نهاه، ولا يجب أن يكون ذلك بمباشرته وأن يكون ذلك في موضعها، فيجوز أن يسقيها بغلامه مثلاً، وكذا يجوز إخراجها من منزله للسقي وإن أمكن سقيها في موضعها بعد جريان(2) العادة بذلك. نعم لو كان الطريق مخوفاً لم يجز إخراجها، كما أنَّه لا يجوز أن يولّي غيره لذلك إذا كان غير مأمونٍ إلَّا مع مصاحبته أو مصاحبة أمينٍ معه.
وبالجملة لابدَّ من مراعاة حفظها على المعتاد بحيث لا يعدّ معها عرفاً مفرّطاً أو متعدّياً. هذا بالنسبة إلى أصل سقيها وعلفها، وأمّا بالنسبة إلى نفقتها فإن وضع المالك عنده عينها أو قيمتها أو أذن له في الإنفاق عليها من ماله على ذمّته فلا إشكال، وإلَّا فالواجب(3) أوّلاً الاستيذان من المالك أو وكيله، فإن تعذّر رفع الأمر إلى الحاكم ليأمره بما يراه صلاحاً ولو ببيع بعضها للنفقة، فإن تعذّر الحاكم أنفق هو من ماله ويرجع به على المالك مع نيّته.
ــــــ[174]ـــــــ
(1) إذا كان مطابقاً لما قلناه في التعليقة السابقة وجب ولا يجب على المالك أن يضمن أو أن يغرم الزائد.
(2) دون ما إذا لم تجرِ العادة، والأقوى الجواز ما لم يعد مفرطاً.
(3) لا يجب ذلك؛ لأنَّ إيداع الدابّة بنفسه يقتضي ذلك عرفاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 14): تبطل الوديعة بموت كلّ واحدٍ من المودع والمستودع أو جنونه، فإن كان هو المودع تكون في يد الودعيّ أمانةً شرعيّةً، فيجب عليه فوراً ردّها إلى الوارث المودع أو وليّه أو إعلامهما بها، فإن أهمل لا لعذرٍ شرعيٍّ ضمن. نعم لو كان ذلك لعدم العلم بكون من يدّعي الإرث وارثاً أو انحصار الوارث فيمن علم كونه وارثاً فأخّر الردّ والإعلام لأجل التروّي والفحص عن الواقع لم يكن عليه ضمانٌ على الأقوى، وإن كان الوارث متعدّداً سلّمها إلى الكلّ أو إلى من يقوم مقامهم، ولو سلّمها إلى البعض من غير إذن الباقين ضمن حصصهم، وإن كان هو المستودع تكون أمانةً شرعيّةً في يد وارثه أو وليّه يجب عليهما ما ذكر من الردّ إلى المودع أو إعلامه فوراً.
(مسألة 15): يجب ردّ الوديعة عند المطالبة في أوّل وقت الإمكان وإن كان المودع كافراً محترم المال، بل وإن كان حربيّاً مباح المال على الأحوط(1). والذي هو الواجب عليه(2) رفع يده عنها والتخلية بين المالك وبينها لا نقلها إلى المالك، فلو كانت في صندوقٍ مقفلٍ أو بيتٍ مغلقٍ ففتحها عليه فقال: ها هي وديعتك خذها، فقد أدّى ما هو تكليفه وخرج من عهدته، كما أنَّ الواجب عليه مع الإمكان الفوريّة العرفيّة، فلا يجب عليه الركض ونحوه والخروج من الحمّام فوراً وقطع الطعام والصلاة وإن كانت نافلةً ونحو ذلك. وهل يجوز له التأخير ليشهد عليه؟
ــــــ[175]ـــــــ
(1) استحباباً وفي ظروف التقية قد يجب.
(2) تختلف الأعيان في مفهوم القبض، والمهم إقباض المالك عرفاً. ومع الامتناع تكفي التخلية، ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
قولان أقواهما ذلك، خصوصاً لو كان الإيداع مع الإشهاد. هذا إذا لم يرخص في التأخير وعدم الإسراع والتعجيل، وإلَّا فلا إشكال في عدم وجوب المبادرة.
(مسألة 16): لو أودع اللصّ ما سرقه عند أحدٍ لا يجوز له ردّه عليه مع الإمكان، بل يكون أمانةً شرعيّةً في يده، فيجب عليه إيصاله إلى صاحبه إن عرفه وإلَّا عرّف سنة(1) فإن لم يجد مالكه تصدّق به عنه، فإن جاء بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار أجر الصدقة كان له وإن اختار الغرامة غرم له(2) وكان الأجر له.
(مسألة 17): كما يجب ردّ الوديعة عند مطالبة المالك يجب ردّها إذا خاف عليها من تلفٍ أو سرقٍ أو حرقٍ ونحو ذلك، فإن أمكن إيصالها إلى المالك أو وكيله الخاصّ أو العام تعيّن وإلَّا فليوصلها إلى الحاكم لو كان قادراً على حفظها، ولو فقد الحاكم أو كانت عنده أيضاً في معرض التلف بسببٍ من الأسباب أودعها عند ثقةٍ أمينٍ متمكّنٍ من حفظها.
(مسألة 18): إذا ظهر للمستودع أمارة الموت بسبب المرض المخوف أو غيره، يجب عليه(3) ردّها إلى مالكها أو وكيله مع الإمكان، وإلَّا فإلى الحاكم، ومع فقده يوصي ويشهد بها، فلو أهمل(4) ضمن، وليكن الإيصاء والإشهاد بنحوٍ يترتّب عليهما حفظ الوديعة وعدم ذهابها على مالكها، فلابدَّ من ذكر الجنس والوصف
ــــــ[176]ـــــــ
(1) كونها ملحقةً باللقطة محلّ إشكال. وإنَّما يجب التعريف إلى حين اليأس.
(2) استحباباً إن كان قد قام بالوظيفة الشرعيّة تماماً.
(3) لا يجب، وإنَّما الواجب عدم فواتها على مالكها إمّا بالردّ أو تنبيه الورثة أو بعض الثقات عليها؛ لدفع احتمال إنكار الورثة لها. ومنه يظهر ما في العبارة.
(4) يعني ما قلناه في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وتعيين المكان والمالك، فلا يكفي قوله: عندي وديعةٌ لبعض الناس، فإنَّ مثل هذا لا يجدي في إيصالها إلى مالكها. نعم يقوى عدم لزومها رأساً من أصله فيما إذا كان الوارث مطّلعاً عليها وكان ثقةً أميناً.
(مسألة 19): يجوز للمستودع أن يسافر ويبقي الوديعة في حرزها السابق عند أهله وعياله لو لم يكن السفر ضرورياً إذا لم يتوقّف حفظها على حضوره، وإلَّا فيلزم عليه إمّا الإقامة وترك السفر وإمّا ردّها إلى مالكها أو وكيله مع الإمكان أو إيصالها إلى الحاكم مع التعذّر، ومع فقده فالظاهر تعيّن(1) الإقامة وترك السفر، ولا يجوز(2) أن يسافر بها ولو مع أمن الطريق ولا إيداعها(3) عند الأمين على الأحوط لو لم يكن أقوى.
وأمّا لو كان السفر ضروريّاً فإن تعذّر ردّها إلى المالك أو وكيله وكذا إيصالها إلى الحاكم تعيّن إيداعها عند أمين، فإن تعذّر سافر بها محافظاً لها بقدر الإمكان وليس عليه ضمان. نعم في مثل سفر الحجّ ونحوه من الأسفار الطويلة الكثيرة الخطر(4) اللازم أن يعامل فيه معاملة مَن ظهر له أمارة الموت مِن ردّها ثُمَّ الإيصاء والإشهاد بها، على ما سبق تفصيله.
ــــــ[177]ـــــــ
(1) إذا كان السفر مباحاً أو مستحبّاً. أمّا إذا كان واجباً أو ضروريّاً أو إكراهاً، فيقع التزاحم وقلنا في مثله إنَّ الصغرى بيد المكلّف.
(2) إذا كان ذلك أوثق في حفظها وجب، وإن كان هذا الأمر ليس غالبيّاً.
(3) قد يتعيّن ذلك مع وقوع التزاحم الذي أشرنا إليه قبل تعليقتين. وسيشير إليه الماتن وقد اتّضح الحكم فيه.
(4) هذا في الزمن القديم. وهذا الكلام من الماتن يحتوي على تزهيدٍ في الحجّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 20): المستودع أمينٌ ليس عليه ضمانٌ لو تلفت الوديعة أو تعيّبت بيده إلَّا مع التفريط أو التعدّي كما هو الحال في كلّ أمينٍ، أمّا التفريط فهو الإهمال في محافظتها وترك ما يوجب حفظها على مجرى العادات بحيث يعدّ معه عند العرف مضيّعاً ومسامحاً، كما إذا طرحها في محلٍّ ليس بحرز وذهب عنها غير مراقبٍ لها، أو ترك سقي الدابّة وعلفها، أو ترك نشر ثوب الصوف والإبريسم في الصيف، أو أودعها أو سافر بها من غير ضرورةٍ، أو ترك التحفّظ من الندى فيما تفسده النداوة كالكتب وبعض الأقمشة وغير ذلك. وأمّا التعدّي(1) فهو أن يتصرّف فيها بما لم يأذن له المالك، مثل أن(2) يلبس الثوب أو يفرش الفراش أو يركب الدابّة إذا لم يتوقّف حفظها على التصرّف، كما إذا توقّف حفظ الثوب والفراش من الدود على اللبس والافتراش أو يصدر منه بالنسبة إليها ما ينافي الأمانة ويكون يده عليها على وجه الخيانة، كما إذا جحدها(3) لا لمصلحة الوديعة ولا لعذرٍ من نسيانٍ ونحوه. وقد يجتمع(4) التفريط مع التعدّي، كما إذا(5) طرح الثوب أو القماش أو الكتب ونحوها في موضعٍ يعفنها أو يفسدها، ولعلّ من ذلك
ــــــ[178]ـــــــ
(1) هو فعل ما يجب تركه في مقام الحفظ، أو ما يرجع إلى صدقه عرفاً.
(2) بل مثل أن يكسره أو يعيبه عمداً. وإنَّما عدّ التصرّف بالوديعة تعدّياً لأنَّه غير مشروعٌ، ولا يبعد صدق التعدّي عرفاً عليه.
(3) يعني: أمام المالك. وأمّا عند غيره فهو كذبٌ حرامٌ إلَّا أنَّه ليس تعدّياً ولا تفريطاً فلا يضمن.
(4) لا يمكن اجتماعهما أنَّ التفريط هو الترك والتعدي هو الفعل.
(5) إن كان الطرح عمديّاً فهو تعدٍّ وإن كان سهويّاً فهو تفريط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ما إذا أودعه دراهم مثلاً في كيسٍ مختومٍ أو مخيطٍ أو مشدود فكسر ختمه(1) أو حلّ خيطه وشدّه من دون ضرورةٍ ومصلحةٍ. ومن التعدّي: خلط الوديعة بماله(2)، سواءٌ كان بالجنس أو بغيره، وسواءٌ كان بالمساوي أو بالأجود أو بالأردى، وأمّا لو مزجه بالجنس من مال المودع- كما إذا أودع عنده دراهم في كيسين غير مختومين ولا مشدودين فجعلهما كيساً واحداً – ففيه إشكال(3).
(مسألة 21): معنى كونها مضمونةً بالتفريط والتعدّي كون ضمانها عليه لو تلفت(4) ولو لم يكن(5) تلفها مستنداً إلى تفريطه وتعدّيه، وبعبارة أُخرى: تتبدّل يده الأمانيّة الغير الضمانيّة إلى الخيانة الضمانيّة.
(مسألة 22): لو نوى التصرّف في الوديعة ولم يتصرّف فيها لم يضمن بمجرّد النيّة. نعم لو نوى(6) الغصبيّة بأن قصد الاستيلاء عليها والتغلّب على مالكها كسائر الغاصبين ضمنها لصيرورة يده يد عدوانٍ بعد ما كانت يد استيمان، ولو رجع عن قصده لم يزل الضمان، ومثله ما إذا جحد(7) الوديعة أو طلبت منه فامتنع
ــــــ[179]ـــــــ
(1) يعني: عمداً، فهو من التعدّي.
(2) بشكلٍ لا يتميّز أو لا يمكن تخليصه وفرزه، وأمّا بدون ذلك فليس تعدّياً.
(3) ليس هذا تعدّياً عرفاً، وإن كان سفهياً. وليس كلّ فعلٍ سفهيٍّ تعدياً أو تفريطاً، وإن كان قد يكون حراماً لأنَّه بدون إذن المالك. وليس هو عملاً في مصلحة الودعي ليكون تعدّياً من هذه الجهة أيضاً.
(4) أو نقصت بأيّ وجهٍ عرفيّ.
(5) لا يضمن إذا لم يكن هناك أيّ تسبيبٍ ولو من بعيد، ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(6) لو لم يبرز نيّته بأيّ تصرّفٍ أمكن استصحاب أمانته، ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
(7) يعني: أمام مالكها أو وكيله أو وليّه، بحيث يؤدّي إلى حجبها عنه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
من الردّ مع التمكّن عقلاً وشرعاً فإنَّه يضمنها بمجرّد ذلك ولم يبرأ من الضمان لو عدل عن جحوده أو امتناعه.
(مسألة 23): لو كانت الوديعة في كيسٍ مختومٍ مثلاً ففتحها وأخذ بعضها ضمن الجميع، بل المتّجه الضمان بمجرّد الفتح(1) كما سبق، وأمّا لو لم تكن مودعةً في حرزٍ أو كانت في حرزٍ من المستودع فأخذ بعضها فإن كان من قصده الاقتصار عليه فالظاهر قصر الضمان على المأخوذ دون ما بقي، وأمّا لو كان من قصده عدم الاقتصار بل أخذ التمام شيئاً فشيئاً فلا يبعد(2) أن يكون ضامناً للجميع.
(مسألة 24): لو سلّمها إلى زوجته أو ولده أو خادمه ليحرزوها ضَمِنَ إلَّا أن يكونوا كالآلة؛ لكون ذلك بمحضره وباطّلاعه ومشاهدته.
(مسألة 25): إذا فرّط في الوديعة ثُمَّ رجع عن تفريطه (بأن جعلها في الحرز المضبوط وقام بما يوجب حفظها) أو تعدّى ثُمَّ رجع (كما إذا لبس الثوب ثُمَّ نزعه) لم يبرأ من الضمان. نعم لو جدّد المالك له الاستيمان ارتفع الضمان، فهو مثل ما إذا كان مالٌ بيد الغاصب فجعله بيده أمانةً فإنَّ الظاهر أنَّه بذلك يرتفع الضمان من جهة تبدّل عنوان يده من العدوان إلى الاستيمان، ولو أبرأه من الضمان ففي سقوطه بذلك قولان(3). نعم لو تلفت العين في يده واشتغلت ذمّته بعوضها لا إشكال في صحّة الإبراء وسقوط الحقّ به.
ــــــ[180]ـــــــ
(1) إذا عدّ عرفاً تعدّياً ولم يأذن به المالك ولو ضمناً.
(2) قلنا إنَّ النيّة وحدها لا توجب الضمان إذا لم يكن لها أيّ مبرز.
(3) أقواهما سقوط الضمان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 26): لو أنكر الوديعة أو اعترف بها وادّعى التلف(1) أو الردّ ولا بيّنة فالقول قوله بيمينه، وكذلك لو تسالما على التلف ولكن ادّعى عليه المودع التفريط أو التعدّي.
(مسألة 27): لو دفعها إلى غير المالك وادّعى الإذن من المالك فأنكر المالك ولا بيّنة فالقول قول المالك، وأمّا لو صدقه على الإذن لكن أنكر التسليم إلى من أَذِن له فهو كدعواه الردّ(2) إلى المالك مع إنكاره في أنَّ القول قوله.
(مسألة 28): إذا أنكر الوديعة فلمّا أقام المالك البيّنة عليها صدّقها لكن ادّعى كونها تالفةً قبل أن ينكر الوديعة لا تسمع دعواه(3)، فلا يقبل منه اليمين ولا البيّنة على إشكال. وأمّا لو ادّعى تلفها بعد ذلك فلا إشكال في أنَّه تسمع دعواه لكن يحتاج إلى البيّنة.
(مسألة 29): إذا أقرّ بالوديعة ثُمَّ مات فإن عيّنها في عينٍ شخصيّةٍ معيّنةٍ موجودةٍ حال موته أخرجت من التركة(4)، وكذا إذا عيّنها في ضمن مصاديق من جنسٍ واحدٍ موجودةٍ حال الموت، كما إذا قال إحدى هذه الشياه وديعةٌ عندي من فلانٍ، ولم يعيّنها، فعلى الورثة إذا احتملوا صدق المورث ولم يميّزوا الوديعة عن غيرها أن يعاملوا معها معاملة ما إذا علموا إجمالاً بأنَّ إحدى هذه الشياه لفلان،
ــــــ[181]ـــــــ
(1) في هذا وما بعده يكون المالك منكراً والقول قوله.
(2) بل كما قلنا في التعليقة السابقة.
(3) الأقوى سماعها.
(4) ليست من التركة. فعبارة الماتن خلاف الاصطلاح.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وإذا عيّن الوديعة ولم يعيّن المالك كان من مجهول المالك، وقد مرّ حكم الصورتين في كتاب الخمس.
وهل يعتبر(1) قول المودع ويجب تصديقه لو عيّنها في معيّنٍ واحتمل صدقه؟ وجهان.
وإذا لم يعيّنها بأحد الوجهين فلا اعتبار(2) بقوله إذا لم يعلم الورثة بوجود الوديعة في تركته حتّى إذا ذكر الجنس ولم يوجد من ذلك الجنس في تركته إلَّا واحد، إلَّا إذا علم أنَّ مراده ذلك الواحد.
ــــــ[182]ـــــــ
(1) الأقوى عدم الاعتبار ما لم يقم بيّنةٌ أو يحصل الاطمئنان.
(2) وجهه ضعيف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(خاتمة)
الأمانة على قسمين مالكيّةٍ وشرعيّةٍ.
أمّا الأوّل: فهو ما كان باستيمانٍ من المالك وإذنه، سواءٌ كان عنوان عمله ممحّضاً في ذلك كالوديعة أو بتبع عنوانٍ آخر مقصودٍ بالذات كما في الرهن والعارية والإجارة والمضاربة، فإنَّ العين بيد المرتهن والمستعير والمستأجر والعامل أمانةٌ مالكيّةٌ، حيث إنَّ المالك قد سلّمها بعنوان الاستيمان وتركها بيدهم من دون مراقبةٍ فجعل حفظها على عهدتهم.
وأمّا الثاني: فهو ما لم يكن الاستيلاء على العين ووضع اليد عليها باستيمانٍ من المالك ولا إذنٍ منه وقد صارت تحت يده لا على وجه العدوان، بل إمّا قهراً كما إذا أطارته الريح أو جاء بها السيل مثلاً في ملكه، وإمّا بتسليم المالك لها بدون اطّلاع منهما، كما إذا اشترى صندوقاً فوجد فيه المشتري شيئاً من مال البائع بدون اطّلاعه أو تسلّم البائع أو المشتري زائداً على حقّهما من جهة الغلط في الحساب، وإمّا برخصةٍ من الشرع كاللقطة والضالّة وما يُنتزَع من يد السارق أو الغاصب من مال الغير حسبةً للإيصال إلى صاحبه، وكذا ما يؤخذ من الصبيّ أو المجنون من مالهما عند خوف التلف في أيديهما حسبةً للحفظ، وما كان يؤخذ ممّا كان في معرض الهلاك والتلف من الأموال المحترمة، كحيوانٍ معلوم المالك في مسبعةٍ أو مسيلٍ ونحو ذلك، فإنَّ العين في جميع هذه الموارد تكون تحت يد المستولي عليها
ــــــ[183]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أمانةً شرعيّةً يجب عليه حفظها وإيصالها في أوّل(1) أزمنة الإمكان إلى صاحبها ولو مع عدم المطالبة، وليس عليه ضمانٌ لو تلف في يده إلَّا مع التفريط أو التعدّي كالأمانة المالكيّة. ويحتمل عدم وجوب إيصالها وكفاية(2) إعلام صاحبها بكونها عنده وتحت يده والتخلية(3) بينها وبينه بحيث كلّما أراد أن يأخذها أخذها، بل لا يخلو هذا من قوّة.
ولو كانت العين أمانةً مالكيّةً بتبع عنوانٍ آخر وقد ارتفع ذلك العنوان – كالعين المستأجرة بعد انقضاء مدّة الإجارة والعين المرهونة بعد فكّ الرهن والمال الذي بيد العامل بعد فسخ المضاربة- ففي كونها أمانةً مالكيّةً أو شرعيّةً وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما من رجحان(4).
ــــــ[184]ـــــــ
(1) فوراً ففوراً عرفيّاً.
(2) فإن أَذِن المالك تحوّلت إلى أمانةٍ مالكيّةٍ، وإن لم يأذن بقيت أمانةً شرعيّةً.
(3) بمعنى الإقباض عند الماتن، إلَّا أنَّنا قلنا بعدم الكفاية إلَّا مع الامتناع.
(4) بل هو المتعيّن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب المضاربة
ويسمّى قراضاً، وهي عقدٌ واقعٌ بين شخصين على أن يكون رأس المال في التجارة من أحدهما والعمل من الآخر وإذا حصل ربحٌ يكون بينهما، وإذا جعل تمام الربح للمالك يقال له «البضاعة». وحيث إنَّها عقدٌ من العقود، تحتاج إلى الإيجاب والقبول. الإيجاب من طرف المالك، والقبول من العامل، ويكفي في الإيجاب كلّ لفظٍ يفيد هذا المعنى بالظهور العرفيّ كقوله: «ضاربتك» أو «قارضتك» أو «عاملتك على كذا» وما أفاد هذا المعنى، وفي القبول «قبلت» وشبهه.
(مسألة 1): يشترط في المتعاقدين: البلوغ والعقل والاختيار، وفي رأس المال أن يكون عيناً فلا تصحّ بالمنفعة ولا بالدَّين سواءٌ كان على العامل أو على غيره إلَّا بعد قبضه، وأن يكون(1) درهماً أو ديناراً فلا يصحّ بالذهب والفضّة الغير المسكوكين والسبائك والفلوس السود فضلاً عن العروض(2)، وأن يكون معيّناً فلا يصحّ بالمبهم كأن يقول: قارضتك بأحد هذين المالين أو بأيّهما شئت، وأن يكون معلوماً قدراً أو وصفاً.
ــــــ[185]ـــــــ
(1) الأقوى جواز المضاربة بكلّ ما له ماليّةٌ وإن كان عروضاً.
(2) ظهر ما فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وفي الربح: أن يكون معلوماً. فلو قال: على أنَّ لك مثل ما شرط فلانٌ لعامله، ولم يعلما ما شرط بطل(1)، وأن يكون مشاعاً مقدّراً بأحد الكسور كالنصف أو الثلث، فلو قال: على أنَّ لك من الربح مائة والباقي لي أو بالعكس أو على أنَّ لك نصف الربح وعشرة دراهم مثلاً لم يصحّ(2)، وأن يكون بين المالك والعامل لا يشاركهما الغير، فلو جعلا جزءاً منه لأجنبيٍّ بطل(3) إلَّا أن يكون له عملٌ متعلّقٌ بالتجارة(4).
(مسألة 2): يشترط في المضاربة: أن يكون الاسترباح بالتجارة، فلو دفع إلى الزارع مالاً ليصرفه في الزراعة ويكون الحاصل بينهما أو إلى الطبّاخ أو الخبّاز أو الصبّاغ مثلاً ليصرفوها في حرفتهم ويكون الربح والفائدة بينهما لم يصحّ(5) ولم تقع(6) مضاربةً.
(مسألة 3): الدراهم المغشوشة إن كانت رائجةً مع وصف كونها مغشوشةً يجوز إيقاع المضاربة بها، فلا يعتبر الخلوص عن الغشّ فيها. نعم لو كانت من غير جنس الدراهم بأن كانت رصاصاً أو نحاساً يجب كسرها ولم يجز المعاملة بها لم يصحّ المضاربة بها.
ــــــ[186]ـــــــ
(1) على الأحوط وجوباً مع بُعد الاستعلام واستحباباً مع قربه.
(2) يعني: لم يصحّ بصفته مضاربةً، وإلَّا فأصل المعاملة صحيحةٌ لا دليل على بطلانها.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(4) أي: الاسترباح مهما كان شكله على الأقوى.
(5) ظهر ما فيه.
(6) الظاهر وقوعها. وعلى أيّ حال، فالمعاملة صحيحةٌ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 4): إذا كان له دَينٌ على أحدٍ يجوز أن يوكّل أحداً في استيفائه ثُمَّ إيقاع المضاربة عليه، بأن يكون موجباً من طرف المالك وقابلاً من نفسه، وكذا لو كان المديون هو العامل يجوز توكيله في تعيين ما كان في ذمّته في دراهم أو دنانير معيّنة للدائن ثُمَّ إيقاع عقد المضاربة عليها موجباً وقابلاً من الطرفين.
(مسألة 5): لو دفع إليه عروضاً وقال: بعها ويكون ثمنها مضاربةً، لم يصحّ(1) إلَّا إذا أوقع عقدها بعد ذلك على ثمنها.
(مسألة 6): إذا دفع إليه شبكةً مثلاً على أن يكون ما وقع فيها من السمك بينهما بالتنصيف أو التثليث مثلاً، لم يكن مضاربةً بل هي معاملةٌ فاسدةٌ، فيكون ما وقع فيها من الصيد للصائد وعليه أجرة مثل الشبكة لصاحبها.
(مسألة 7): لو دفع إليه مالاً ليشتري نخيلاً أو غنماً على أن يكون الثمرة أو النتاج بينهما لم يكن مضاربةً، فهي معاملةٌ فاسدةٌ(2) تكون الثمرة أو النتاج لربّ المال وعليه أجرة مثل عمل العامل.
(مسألة 8): يصحّ المضاربة بالمشاع كالمفروز، فلو كان دراهم معلومةٌ مشتركةٌ بين اثنين فقال أحدهما للعامل: قارضتك بحصّتي من هذه الدراهم، صحّ مع العلم بمقدار حصّته، وكذا لو كان عنده ألف دينارٍ مثلاً وقال قارضتك بنصف هذه الدنانير.
ــــــ[187]ـــــــ
(1) لأنَّ مال المضاربة غير موجودٍ حال العقد، لا لأنَّه عروضٌ.
(2) إذا كان ذلك بطلبٍ من الآخر (المشتري) فالظاهر الصحّة، ولا يبعد إمكان التعميم من هذه الناحية.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 9): لا فرق بين أن يقول: خذ هذا المال قرضاً(1) ولكلٍّ منّا نصف الربح وبين أن يقول: والربح بيننا، أو يقول: ولك نصف الربح أو لي نصف الربح في أنَّ الظاهر أنَّه جعل لكلّ منهما نصف الربح، وكذلك لا فرق بين أن يقول: خذه قراضاً ولك نصف ربحه، أو يقول: لك ربح نصفه، فإنَّ مفاد الجميع واحدٌ عرفاً.
(مسألة 10): يجوز اتّحاد المالك وتعدّد العامل في مالٍ واحدٍ مع اشتراط تساويهما فيما يستحقّان من الربح وفضل أحدهما على الآخر وإن تساويا في العمل، ولو قال: قارضتكما ولكما نصف الربح، كانا فيه سواءً، وكذا يجوز تعدّد المالك واتّحاد العامل، بأن كان المال مشتركاً بين اثنين بسوية فقارضا واحداً بالنصف مثلاً متساوياً بينهما، بأن يكون النصف للعامل والنصف بينهما بالسويّة، وبالاختلاف بأن يكون في حصّة أحدهما بالنصف وفي حصّة الآخر بالثلث مثلاً، فإذا كان الربح اثني عشر استحقّ العامل خمسة واستحقّ أحد الشريكين ثلاثة والآخر أربعة. نعم إذا لم يكن اختلافٌ في استحقاق العامل بالنسبة إلى حصّة الشريكين وكان التفاضل في استحقاق الشريكين فقط – كما إذا اشترطا أن يكون للعامل النصف والنصف الآخر بينهما بالتفاضل مع تساويهما في رأس المال بأن يكون للعامل الستّة من اثني عشر ولأحد الشريكين اثنين وللآخر أربعة- ففي صحّته وجهان بل قولان، أقواهما البطلان(2).
ــــــ[188]ـــــــ
(1) الأصحّ: قراضاً.
(2) بل الصحّة مع الاشتراط وإن لم يستقم بدونه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 11): المضاربة جائزةٌ من الطرفين، يجوز لكلٍّ منهما فسخها قبل الشروع في العمل وبعده قبل حصول الربح وبعده، صار المال كلّه نقداً أو كان فيه أجناسٌ لم ينض بعد، بل إذا اشترطا فيها الأجل جاز لكلٍّ منهما فسخها قبل انقضائه، ولو اشترطا فيها عدم الفسخ فإن كان المقصود لزومها بحيث لا ينفسخ بفسخ أحدهما بطل الشرط دون أصل المضاربة على الأقوى، وإن كان المقصود التزامهما بأن لا يفسخاها فلا بأس به وإن لم يلزم عليهما العمل به، إلَّا إذا جعلا هذا الشرط في ضمن عقدٍ خارجٍ لازمٍ كالبيع والصلح ونحوهما.
(مسألة 12): الظاهر جريان المعاطاة والفضوليّة في المضاربة فتصحّ بالمعاطاة، وإذا وقعت فضولاً من طرف المالك أو العامل تصحّ بإجازتهما كالبيع.
(مسألة 13): تبطل المضاربة بموت كلٍّ من المالك والعامل، وهل يجوز لورثة المالك إجازة العقد فتبقى المضاربة بحالها بسبب إجازتهم أم لا؟ فيه تأمّلٌ وإشكالٌ(1).
(مسألة 14): العامل أمينٌ، فلا ضمان عليه لو تلف المال أو تعيّب تحت يده إلَّا مع التعدّي أو التفريط(2)، كما أنَّه لا ضمان عليه من جهة الخسارة(3) في التجارة، بل هي واردةٌ على صاحب المال. ولو اشترط المالك على العامل أن يكون شريكاً معه في الخسارة كما يكون شريكاً في الربح ففي صحّته وجهان أقواهما العدم. نعم
ــــــ[189]ـــــــ
(1) هو الأحوط وإن كان الأقوى الصحّة.
(2) بما فيه التفريط في أسلوب التجارة بحيث يؤدّي إلى الخسران عمداً.
(3) إن لم يكن متعمّداً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لو كان مرجعه إلى اشتراط أنَّه على تقدير وقوع الخسارة على المالك خسر العامل نصفه مثلاً من كيسه لا بأس به، لكن لزوم الوفاء به على العامل يتوقّف على إيقاع هذا الشرط في ضمن عقدٍ لازمٍ لا في ضمن مثل عقد المضاربة ممّا هو جائزٌ من الطرفين.
(مسألة 15): يجب على العامل بعد عقد المضاربة القيام بوظيفته من تولّي ما يتولّاه التاجر لنفسه على المعتاد بالنسبة إلى مثل تلك التجارة في مثل ذلك المكان والزمان ومثل ذلك العامل من عرض القماش والنشر والطيّ مثلاً وقبض الثمن وإحرازه في حرزه واستيجار من جرت العادة باستئجاره كالدلّال والوزّان والحمّال ويعطي أجرتهم من أصل المال، بل لو باشر مثل هذه الأُمور هو بنفسه لا بقصد التبرّع فالظاهر جواز أخذ الأُجرة. نعم لو استأجر لما يتعارف فيه مباشرة العامل بنفسه كان عليه الأُجرة.
(مسألة 16): مع إطلاق عقد المضاربة يجوز للعامل الاتّجار بالمال على حسب ما يراه من المصلحة من حيث الجنس المشترى والبائع والمشتري وغير ذلك، حتّى في الثمن فلا يتعيّن عليه أن يبيع بالنقد بل يجوز أن يبيع الجنس بجنسٍ آخر إلَّا أن يكون هناك تعارفٌ ينصرف إليه الإطلاق. نعم لو شرط عليه المالك أن لا يشتري الجنس الفلاني أو إلَّا الجنس الفلاني ولا يبيع من الشخص الفلاني أو الطائفة الفلانيّة وغير ذلك من الشروط لم يجز له المخالفة، ولو خالف ضمِن المال والخسارة، لكن لو حصل الربح وكانت التجارة رابحةً شارك المالك في الربح على ما قرّراه في عقد المضاربة.
ــــــ[190]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 17): لا يجوز للعامل خلط رأس المال بمالٍ آخر لنفسه أو لغيره إلَّا بإذن المالك عموماً أو خصوصاً، فلو خلط ضمِن، لكن إذا دار المجموع في التجارة وحصل ربحٌ فهو بين المالين على النسبة.
(مسألة 18): لا يجوز مع الإطلاق أن يبيع نسيئةً خصوصاً في بعض الأزمان وعلى بعض الأشخاص، إلَّا أن يكون متعارفاً بين التجّار ولو بالنسبة إلى ذلك البلد أو الجنس الفلاني بحيث ينصرف إليه الإطلاق، فلو خالف في غير مورد الانصراف ضمِن، ولكن لو استوفاه وحصل ربحٌ كان بينهما.
(مسألة 19): ليس للعامل أن يسافر بالمال برّاً وبحراً والاتّجار به في بلادٍ أُخَر غير بلد المال إلَّا مع إذن المالك(1)، فلو سافر ضمِن التلف والخسارة لكن لو حصل الربح يكون بينهما كما مرّ، وكذا لو أمره بالسفر إلى جهةٍ فسافر إلى غيرها.
(مسألة 20): ليس للعامل أن ينفق في الحضر من مال القراض شيئاً وإن قلّ حتّى فلوس السقاء، وكذا في السفر إذا لم يكن(2) بإذن المالك، وأمّا لو كان بإذنه فله الإنفاق من رأس المال إلَّا إذا اشترط المالك أن يكون نفقته على نفسه. والمراد بالنفقة ما يحتاج إليه من مأكولٍ ومشروبٍ وملبوسٍ ومركوبٍ وآلاتٍ وأدواتٍ كالقربة والجوالق وأُجرة المسكن ونحو ذلك مع مراعاة ما يليق بحاله عادةً على وجه الاقتصاد، فلو أسرف حسب عليه ولو قتّر على نفسه أو لم يحتجّ إليها من جهة صيرورته ضيفاً عند أحد مثلاً لم يحسب له. ولا يكون من النفقة هنا جوائزه
ــــــ[191]ـــــــ
(1) أو التسالم العرفيّ عليه كما في الأزمنة الحاضرة.
(2) ولم يكن متعارفاً، كما قلنا.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وعطاياه وضيافاته وغير ذلك، فهي على نفسه إلَّا إذا كانت لمصلحة التجارة.
(مسألة 21): المراد بالسفر المجوز للإنفاق من المال هو العرفيّ لا الشرعيّ، فيشمل ما دون المسافة، كما أنَّه يشمل إقامته عشرة أيّامٍ أو أزيد في بعض البلاد، لكن إذا كان لأجل عوارض السفر(1)- كما إذا كان للراحة من التعب أو لانتظار الرفقة أو لخوف الطريق وغير ذلك أو لأُمورٍ متعلّقةٍ بالتجارة كما إذا كان لدفع العشور وأخذ التذكرة من العشّار- وأمّا إذا بقي للتفرّج أو لتحصيل مال لنفسه ونحو ذلك فالظاهر كون نفقته على نفسه، خصوصاً لو كانت الإقامة لأجل مثل هذه الأغراض بعد تمام العمل.
(مسألة 22): لو كان عاملاً لاثنين أو أزيد أو عاملاً لنفسه وغيره توزَّع النفقة، وهل هو على نسبة المالين أو على نسبة العملين؟ فيه تأمّلٌ وإشكالٌ، فلا يترك الاحتياط برعاية أقلّ الأمرين.
(مسألة 23): لا يعتبر ظهور الربح في استحقاق النفقة، بل ينفق من أصل المال وإن لم يكن ربح. نعم لو أنفق وحصل ربحٌ فيما بعد يجبر ما أنفقه من رأس المال بالربح كسائر الغرامات والخسارات، فيعطى المالك تمام رأس ماله، فإن بقي شيءٌ من الربح يكون بينهما.
(مسألة 24): الظاهر أنَّه كما يجوز للعامل الشراء بعين مال المضاربة
– بأن يعيّن دراهم شخصيّةً ويشتري شيئاً بتلك الدراهم الشخصيّة- يجوز الشراء
ــــــ[192]ـــــــ
(1) مع وجوب أخذ العامل جانب الاحتياط فلا يخدع نفسه ويطيل في السفر بعنوان ارتباطه بالتجارة، ولكنّه يقصد النزهة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالكلّي في الذمّة والدفع والأداء منه، بأن يشتري جنساً بألف درهمٍ كلّي على ذمّة المالك ويدفعه بعد ذلك من المال الذي عنده، فلو فرض تلف مال المضاربة قبل الأداء أدّاه المالك من غيرها ولا يتعيّن النحو الأوّل كما نسب إلى المشهور. هذا مع الإطلاق، وأمّا مع الإذن في النحو الثاني فلا إشكال في جوازه، كما أنَّه لا إشكال في عدم الجواز لو اشترط عليه عدمه.
(مسألة 25): لا يجوز للعامل أن يوكل وكيلاً في الاتّجار، بأن يوكل إلى الغير أصل التجارة من دون إذن المالك(1). نعم يجوز له التوكيل والاستيجار في بعض المقدّمات، وكذلك لا يجوز له أن يضارب(2) غيره أو يشاركه فيها إلَّا بإذن المالك، ومع الإذن إذا ضارب غيره فمرجعه(3) إلى فسخ المضاربة الأُولى وإيقاع مضاربةٍ جديدةٍ بين المالك وعاملٍ آخر أو بينه وبين العامل مع غيره بالاشتراك، وأمّا لو كان المقصود إيقاع مضاربةٍ بين العامل وغيره- بأن يكون العامل الثاني عاملاً للعامل الأوّل- ففي صحّته تأمّلٌ وإشكالٌ(4).
(مسألة 26): الظاهر أنَّه يصحّ(5) أن يشترط أحدهما على الآخر في ضمن عقد
ــــــ[193]ـــــــ
(1) وأن يعمل في المضاربة عملاً أو أن ينفق نفقة.
(2) إلَّا إذا عمل عملاً أو أنفق مضافاً إلى إذن المالك.
(3) يمكن عدم رجوعه؛ لأنَّنا نحتاج إلى إذن المالك من أجل جواز التصرّف في ماله بهذا النحو.
(4) بل الأقوى الصحّة إن عمل الأوّل عملاً معتدّاً به في نفس رأس المال.
(5) إذا كان المشروط أمراً بسيطاً وأمّا إذا كانت نسبته إلى المال معتدّاً بها كالربع لم تكن مضاربة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المضاربة مالاً أو عملاً، كما إذا شرط المالك على العامل أن يخيط له ثوباً أو يعطيه درهماً وبالعكس.
(مسألة 27): الظاهر أنَّه يملك العامل حصّته من الربح بمجرّد ظهوره ولا يتوقّف على الإنضاض- بمعنى جعل الجنس نقداً- ولا على القسمة، كما أنَّ الظاهر صيرورته شريكاً مع المالك في نفس العين الموجودة بالنسبة، فيصحّ له مطالبة القسمة وله التصرّف في حصّته من البيع والصلح ويرتّب عليه جميع آثار الملكية من الإرث وتعلّق الخمس والزكاة وحصول الاستطاعة وتعلّق حقّ الغرماء وغير ذلك.
(مسألة 28): لا إشكال في أنَّ الخسارة الواردة على مال المضاربة تجبر بالربح ما دامت المضاربة باقيةً، سواءٌ كانت سابقةً عليه أو لاحقةً، فملكيّة العامل له بالظهور متزلزلةٌ تزول كلّها أو بعضها بعروض الخسران فيما بعد إلى أن تستقرّ، والاستقرار يحصل بعد الإنضاض وفسخ المضاربة والقسمة قطعاً، فلا جبران بعد ذلك جزماً. وفي حصوله بدون اجتماع الثلاثة وجوهٌ وأقوالٌ، أقواها تحقّقه بالفسخ(1) مع القسمة وإن لم يحصل الإنضاض، بل لا يبعد تحقّقه بالفسخ والإنضاض وإن لم يحصل القسمة.
(مسألة 29): وكما يجبر الخسران في التجارة بالربح كذلك يجبر به التلف، فلو تلف من المال الدائر في التجارة بعضه بسبب غرقٍ أو حرقٍ أو سرقةٍ أو غيرها
ــــــ[194]ـــــــ
(1) يكفي الفسخ وحده، وكذلك القسمة وحدها على الأقوى. وكذلك انتهاء مدّة المضاربة لو كانت.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وربح بعضها، يجبر تلف البعض بربح البعض حتّى يكمل مقدار رأس المال لربّ المال، فإذا زاد عنه شيءٌ يكون بينهما.
(مسألة 30): إذا حصل فسخٌ أو انفساخٌ في المضاربة فإن كان قبل الشروع في العمل ومقدّماته فلا إشكال ولا شيء للعامل ولا عليه، وكذا إن كان بعد تمام العمل والإنضاض، إذ مع حصول الربح يقتسمانه ومع عدمه يأخذ المالك رأس ماله ولا شيء للعامل ولا عليه، وإن كان في الأثناء بعد التشاغل بالعمل فإن كان قبل حصول الربح فليس للعامل شيءٌ ولا أجرة له لما مضى من عمله، سواءٌ كان الفسخ منه أو من المالك، أو حصل الانفساخ القهريّ(1) كما أنَّه ليس عليه شيءٌ مطلقاً حتّى فيما إذا حصل الفسخ من العامل في السفر المأذون فيه من المالك، فلا يضمن ما صرف في نفقته من رأس المال، ولو كان في المال عروضٌ لا يجوز للعامل التصرّف فيه بدون إذن المالك، كما أنَّه ليس للمالك إلزامه بالبيع والإنضاض. وإن كان بعد حصول الربح، فإن كان بعد الانفضاض فقد تمّ العمل فيقتسمان ويأخذ كلٌّ منهما حقّه، وإن كان قبل الإنضاض فعلى ما مرّ من تملّك العامل حصّته من الربح بمجرّد ظهوره شارك المالك في العين، فإن رضيا بالقسمة على هذا الحال أو انتظرا إلى أن تباع العروض ويحصل الإنضاض كان لهما ذلك ولا إشكال، وإن طلب العامل بيعها لم يجب على المالك إجابته، بل وكذا إن طلبه المالك لم يجب على العامل إجابته وإن قلنا بعدم استقرار ملكيّة العامل للربح إلَّا بعد الإنضاض، غاية الأمر أنَّه لو حصلت خسارةٌ بعد ذلك قبل القسمة يجب جبرها بالربح.
ــــــ[195]ـــــــ
(1) بحصول الموت أو الجنون.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 31): لو كان في المال ديونٌ على الناس فهل يجب على العامل أخذها وجمعها بعد الفسخ أو الانفساخ أم لا؟ فيه إشكالٌ، الأحوط إجابة المالك لو طلب منه ذلك.
(مسألة 32): لا يجب على العامل بعد حصول الفسخ أو الانفساخ أزيد من التخلية(1) بين المالك وماله، فلا يجب عليه الإيصال إليه حتّى لو أرسل المال إلى بلدٍ آخر غير بلد المالك وكان ذلك بإذنه. نعم لو كان ذلك بدون إذنه يجب عليه الردّ إليه حتّى أنَّه لو احتاج إلى أجرةٍ كانت عليه.
(مسألة 33): إذا كانت المضاربة فاسدةً كان الربح بتمامه للمالك، سواءٌ كانا جاهلين بالفساد أو عالمين أو مختلفين، وللعامل أجرة مثل عمله لو كان جاهلاً بالفساد، سواءٌ كان المالك عالماً أو جاهلاً، ولا يستحقّ شيئاً لو كان عالماً بالفساد.
وعلى كلّ حالٍ لا يضمن(2) العامل التلف والنقص الواردين على المال. نعم يضمن(3) على الأقوى ما أنفقه في السفر على نفسه وإن كان جاهلاً بالفساد.
(مسألة 34): لو ضارب مع الغير بمال الغير من [دون] ولايةٍ ولا وكالةٍ وقع فضوليّاً، فإن أجازه المالك وقع له وكان الخسران عليه والربح بينه وبين العامل على ما شرطاه، وإن ردّه فإن كان قبل أن عومل بماله طالبه ويجب على العامل ردّه إليه، وإن تلف أو تعيّب كان له الرجوع على كلٍّ من المضارب والعامل، فإن رجع
ــــــ[196]ـــــــ
(1) بناءً على ما يراه الماتن من حصول القبض بها، وقلنا إنَّها لا تجزي إلَّا مع الامتناع.
(2) يعني: بدون التعدّي والتفريط، ومعهما يضمن.
(3) إن لم يكن السفر بإذن المالك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
على الأوّل لم يرجع على الثاني، وإن رجع على الثاني رجع على الأوّل، وإن كان بعد أن عومل به كانت المعاملة فضوليّةً، فإن أمضاها وقعت له وكان تمام الربح له وتمام الخسران عليه، وإن ردّها رجع بماله إلى كلّ من شاء من المضارب والعامل كما في صورة التلف، ويجوز له أن يجيزها على تقدير(1) حصول الربح ويردّها على تقدير وقوع الخسران، بأن يلاحظ مصلحته فإذا رآها تجارةً رابحةً أجازها وإذا رآها خاسرةً ردّها. هذا حال المالك مع كلٍّ من المضارب والعامل، وأمّا معاملة العامل مع المضارب، فإذا لم يعمل عملاً لم يستحقّ شيئاً، وكذا إذا عمل وكان عالماً بكون المال لغير المضارب، وأمّا إذا عمل ولم يعلم بكونه لغيره استحقّ أجرة مثل عمله ورجع بها على المضارب.
(مسألة 35): إذا أخذ العامل رأس المال ليس له ترك الاتّجار به وتعطيله عنده بمقدار لم تجرِ العادة على تعطيله وعدّ متوانياً متسامحاً كالتأخير سنةً مثلاً، فإن عطّله كذلك ضمنه لو تلف لكن لم يستحقّ المالك عليه غير أصل المال، وليس له مطالبته بالربح الذي كان يحصل(2) على تقدير الاتّجار به.
(مسألة 36): إذا اشترى نسيئةً بإذن المالك كان الدين في ذمّة المالك فللدائن الرجوع عليه، وله أن يرجع على العامل خصوصاً مع جهل الدائن بالحال، وإذا رجع إليه رجع هو على المالك(3)، ولو لم يتبيّن للدائن أنَّ الشراء للغير يتعيّن له في
ــــــ[197]ـــــــ
(1) لا بمعنى الشرط المعلّق بل بمعنى إحراز وجوده وسيذكره الماتن.
(2) يعني: ولكنّه لم يحصل.
(3) أو على رأس المال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الظاهر الرجوع إلى العامل، وإن كان له في الواقع الرجوع على المالك.
(مسألة 37): لو ضاربه على خمسمائة مثلاً فدفعها إليه وعامل بها وفي أثناء التجارة دفع إليه خمسمائة أُخرى للمضاربة فالظاهر أنَّهما مضاربتان، فلا تجبر(1) خسارة إحداهما بربح الأُخرى. نعم لو ضاربه على ألف مثلاً فدفع إليه خمسمائة فعامل بها ثُمَّ دفع إليه خمسمائة أُخرى فهي مضاربةٌ واحدةٌ تُجبر خسارة كلٍّ من التجارتين بربح الأُخرى.
(مسألة 38): إذا كان رأس المال مشتركاً بين اثنين فضاربا واحداً ثُمَّ فسخ أحد الشريكين، فالظاهر(2) أنَّها تنفسخ من الأصل حتّى بالنسبة إلى الشريك الآخر.
(مسألة 39): إذا تنازع المالك مع العامل في مقدار رأس المال ولم يكن بيّنةٌ قُدّم قول العامل(3)، سواءٌ كان المال موجوداً أو كان تالفاً وكان مضموناً على العامل.
(مسألة 40): لو ادّعى العامل التلف أو الخسارة أو عدم حصول المطالبات التي عند الناس مع عدم كونه مضموناً عليه وادّعى المالك خلافه ولم يكن بيّنةٌ قُدّم قول العامل.
ــــــ[198]ـــــــ
(1) إلَّا أن يتصالحا عليه.
(2) بل الظاهر خلافه إلَّا مع الاشتراط في أصل المعاملة بأن يكون فسخ أحد الشريكين أو كليهما فسخاً لكلّ المعاملة.
(3) يعني: مع يمينه لأنَّه منكرٌ وكذا في المسائل الآتية.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 41): لو اختلفا في الربح ولم يكن بيّنةٌ قُدّم قول العامل، سواءٌ اختلفا في أصل حصوله أو في مقداره، بل وكذا الحال فيما إذا قال العامل ربحت كذا لكن خسرت بعد ذلك بمقداره فذهب الربح.
(مسألة 42): لو اختلفا في نصيب العامل من الربح وأنَّه النصف مثلاً أو الثلث ولم يكن بيّنةٌ قُدّم قول المالك.
(مسألة 43): إذا تلف المال أو وقع خسرانٌ فادّعى المالك على العامل الخيانة أو التفريط في الحفظ ولم يكن له بيّنةٌ قُدّم قول العامل، وكذا لو ادّعى عليه مخالفته لما شرط عليه، سواءٌ كان النزاع في أصل الاشتراط أو في مخالفته لما شرط عليه، كما إذا ادّعى المالك أنَّه قد اشترط عليه أن لا يشتري الجنس الفلاني وقد اشتراه فخسر وأنكر العامل أصل هذا الاشتراط أو أنكر مخالفته لما اشترط عليه. نعم لو كان النزاع في صدور الإذن من المالك فيما لا يجوز للعامل إلَّا بإذنه – كما لو سافر(1) بالمال أو باع نسيئةً فتلف أو خسر- فادّعى العامل كونه بإذن المالك وأنكره قُدّم قول المالك.
(مسألة 44): إذا ادّعى ردّ المال إلى المالك وأنكره قُدّم قول المالك.
(مسألة 45): إذا اشترى العامل سلعةً فظهر فيها ربحٌ فقال اشتريتها لنفسي وقال المالك اشتريتها للقراض، أو ظهر خسرانٌ فادّعى العامل أنَّه اشتراها للقراض وقال صاحب المال بل اشتريتها لنفسك، قُدّم قول العامل بيمينه.
ــــــ[199]ـــــــ
(1) في مورد عدم جواز السفر في أصل الشرع، وقد سبق أن تكلّمنا حوله.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 46): إذا حصل تلفٌ أو خسارةٌ فادّعى المالك أنَّه أقرضه وادّعى العامل أنَّه قارضه قُدّم قول المالك على إشكالٍ(1)، وأمّا لو حصل ربحٌ فادّعى المالك أنَّه قارضه وادّعى العامل أنَّه أقرضه قُدّم قول المالك بلا إشكال.
(مسألة 47): لو ادّعى المالك أنَّه أعطاه المال بعنوان البضاعة فلا يستحقّ العامل شيئاً من الربح وادّعى العامل المضاربة فله حصّة منه، الظاهر أنَّه يقدّم قول المالك بيمينه، فيحلف على نفي المضاربة، فله تمام الربح لو كان، ولو لم يكن ربح أصلاً فلا ثمرة(2) في هذه الدعوى.
(مسألة 48): يجوز إيقاع الجعالة على الاتّجار بمالٍ وجعل الجعل حصّةً من الربح، بأن يقول صاحب المال مثلاً إذا اتّجرت بهذا المال وحصل ربح فلك نصفه أو ثلثه، فتكون جعالةً تفيد فائدة المضاربة، لكن لا يشترط فيها ما يشترط في المضاربة، فلا يعتبر كون رأس المال من النقدين، بل يجوز أن يكون عروضاً أو دَيناً أو منفعةً.
(مسألة 49): يجوز للأب والجدّ المضاربة بمال الصغير مع عدم المفسدة، وكذا القيّم الشرعيّ كالوصيّ والحاكم الشرعيّ مع الأمن من الهلاك وملاحظة الغبطة والمصلحة، بل يجوز للوصيّ(3) على ثلث الميّت أن يدفعه إلى الغير بالمضاربة وصرف حصّة الميّت من الربح في المصارف المعيّنة للثلث إذا أوصى به الميت، بل
ــــــ[200]ـــــــ
(1) وإن كان الأقوى ذلك.
(2) بل الثمرة استحقاق الأجر المسمّى على تقدير البضاعة.
(3) مع المصلحة أيضاً ولا يكفي عدم المفسدة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وإن لم يوص به لكن فوّض أمر الثلث إلى الوصيّ فرأى الصلاح في ذلك.
(مسألة 50): إذا مات العامل وكان عنده مال المضاربة(1)، فإن علم بوجوده فيما تركه بعينه فلا إشكال، وإن علم بوجوده فيه من غير تعيين- بأن كان ما تركه مشتملاً على مال نفسه ومال المضاربة أو كان عنده أيضاً ودائع أو بضائع لأُناسٍ آخرين واشتبه أعيانها بعضها مع بعض – يعامل معه ما هو العلاج في نظائره من اشتباه(2) أموال ملاك متعدّدين بعضها مع بعض، وهل هو بإعمال القرعة أو إيقاع المصالحة؟ وجهان أحوطهما الثاني وأقواهما الأوّل(3). نعم الظاهر أنَّه لو علم المال جنساً وقدراً واشتبه بين أموال من جنسه له أو لغيره كان بحكم المال المشترك(4)، كما إذا كان له في أنباره [بمعنى المخزن] مقدارٌ من القند أو الشكر وعلم أنَّ مقداراً معيّناً من ذلك الجنس مال المضاربة من غير تعيين لشخصه، فإنَّه يكون المجموع مشتركاً(5) بين ربّ المال وورثة الميّت بالنسبة، وأمّا إذا علم بعدم وجوده فيها واحتمل أنَّه قد ردّ إلى مالكه أو تلف بتفريط منه أو بغيره فالظاهر أنَّه لم يحكم على الميّت بالضمان وكان الجميع لورثته، وكذا لو احتمل بقاءه فيها. نعم لو علم بأنَّ
ــــــ[201]ـــــــ
(1) مع ربحٍ مستحقٍّ لصاحب المال أو بدونه.
(2) فإن حصل وثوقٌ أو ظنٌّ راجحٌ أمكن أن يكون حجّة.
(3) والأحوط استحباباً: الجمع بين القرعة والمصالحة بمعنى التصالح بعد القرعة على ما أنتجته.
(4) مع احتمال اختلاطهما معاً، وأمّا بدونه فالحكم كما سبق في المتن.
(5) ظهر ما فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مقداراً من مال المضاربة كان قبل موته داخلاً في هذه الأجناس الباقية التي تركها ولم يعلم أنَّه هل بقي فيها أو ردّه إلى المالك أو تلف، لا يبعد أن يكون حاله حال ما لو علم بوجوده فيها فيجب(1) إخراجه منها.
ــــــ[202]ـــــــ
(1) الظاهر: أنَّه أصلٌ مثبتٌ، فقاعدة اليد محكمة، فلا يجب ما ذكره الماتن، وإن كان أحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الشركة
وهي كون شيءٍ واحدٍ لاثنين أو أزيد، وهي إمّا في عينٍ أو دينٍ أو منفعةٍ أو حقّ. وسببها قد يكون إرثاً وقد يكون عقداً ناقلاً، كما إذا اشترى اثنان معاً مالاً أو استأجرا عيناً أو صولحا عن حقّ تحجيرٍ مثلاً. ولها سببان آخران يختصّان بالشركة في الأعيان:
أحدهما: الحيازة، كما إذا اقتلع اثنان معاً شجرة مباحة أو اغترفا ماءً مباحاً بآنيةٍ واحدةٍ دفعةً.
وثانيهما: الامتزاج، كما إذا امتزج ماءٌ أو خلٌّ من شخصٍ بماء أو خلّ شخصٍ آخر، سواءٌ وقع قهراً أو عمداً واختياراً.
(مسألة 1): الامتزاج قد يوجب الشركة الواقعيّة الحقيقيّة، وهو فيما إذا حصل خلطٌ وامتزاجٌ تامٌّ بين مائعين متجانسين كالماء بالماء والدهن بالدهن، بل وغير متجانسين كدهن اللوز بدهن الجوز مثلاً، ومثله على الظاهر خلط الجامدات الناعمة بعضها ببعض كالأدقّة، بل لا يبعد أن يلحق بها ذوات الحبّات الصغيرة كالخشخاش والدخن والسمسم وأشباهها. وقد يوجب الشركة الظاهرية الحكميّة، وهي في مثل خلط الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير، بل
ــــــ[203]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والجوز بالجوز واللوز باللوز، وكذا الدراهم أو الدنانير المتماثلة إذا اختلط بعضها ببعض على نحوٍ يرفع الامتياز، فإنَّ الظاهر في أمثال ذلك بقاء أجزاء كلٍّ من المالين على ملك مالكه، لكن عند الخلط الرافع للامتياز يعامل مع المجموع معاملة المال المشترك ويكون بحكم الشركة الواقعية في صحّة التقسيم والإفراز وسائر أحكام المال المشترك. نعم الظاهر أنَّه لا تتحقّق الشركة لا واقعاً ولا ظاهراً بخلط القيميّات بعضها ببعض وإن لم يتميّز، كما إذا اختلط بعض الثياب ببعضها مع تقارب الصفات، والعبيد في العبيد والإماء في الإماء والأغنام في الأغنام ونحو ذلك، بل ذلك من اشتباه مال أحد المالكين بمال الآخر، فيتخلّص بالمصالحة أو القرعة.
(مسألة 2): لا يجوز لبعض الشركاء التصرّف في المال المشترك إلَّا برضى الباقين، بل لو أذن أحد الشريكين شريكه في التصرّف جاز للمأذون ولم يجز للإذن إلَّا أن يأذن له المأذون أيضاً، ويجب أن يقتصر المأذون بالمقدار المأذون فيه كمّاً وكيفاً. نعم، الإذن في الشيء إذنٌ في لوازمه عند الإطلاق، فإذا أذن له في سكنى الدار يلزمه إسكان أهله وعياله وأطفاله وتردّد أصدقائه ونزول ضيوفه بالمقدار المعتاد، فيجوز ذلك كلّه إلَّا أن يمنع عنه كلاً أو بعضاً فيتبع.
(مسألة 3): كما تطلق الشركة على المعنى المتقدّم – وهو كون شيءٍ واحدٍ لاثنين أو أزيد- تطلق أيضاً على معنىً آخر، وهو العقد الواقع بين اثنين أو أزيد على المعاملة بمالٍ مشتركٍ بينهم، وتسمّى الشركة العقديّة والاكتسابيّة، وثمرته جواز تصرّف الشريكين فيما إذا اشتركا فيه بالتكسّب به وكون الربح والخسران
ــــــ[204]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بينهما على نسبة مالهما. وحيث إنَّها عقدٌ من العقود تحتاج إلى إيجابٍ وقبولٍ، ويكفي قولهما «اشتركنا» أو قول أحدهما ذلك مع قبول الآخر، ولا يبعد جريان المعاطاة فيها، بأن يخلطا المالين بقصد اشتراكهما في الاكتساب والمعاملة به.
(مسألة 4): يعتبر في الشركة العقديّة كلّ ما اعتبر في العقود الماليّة من البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم الحجر لفلسٍ أو سفهٍ(1).
(مسألة 5): تصحّ الشركة العقدية في الأموال نقوداً كانت أو عروضاً، وتسمّى تلك شركة العنان، ولا تصحّ في الأعمال، وهي المسمّاة بشركة الأبدان، بأن يوقع العقد اثنان على أن يكون أُجرة عمل كلٍّ منهما مشتركاً بينهما، سواءٌ اتفقا في العمل كالخيّاطين أو اختلفا كالخيّاط مع النسّاج. ومن ذلك: معاقدة شخصين على أنَّ كل ما يحصل كلٌّ منهما بالحيازة من الحطب أو الحشيش مثلاً يكون مشتركاً بينهما، فلا تتحقّق الشركة بذلك، بل يختصّ كلٌّ منهما بأجرته وبما حازه(2). نعم لو صالح(3) أحدهما الآخر بنصف منفعته إلى مدّة كذا كسنة أو سنتين بنصف منفعة الآخر إلى تلك المدّة وقبل الآخر صحّ واشترك كلٌّ منهما فيما يحصله الآخر في تلك المدّة بالأُجرة أو الحيازة، وكذا لو صالح(4) أحدهما الآخر عن نصف منفعته إلى مدّة بعوضٍ معيّنٍ كدينارٍ مثلاً وصالحه الآخر أيضاً نصف منفعته في تلك المدّة بذلك العوض.
ــــــ[205]ـــــــ
(1) أو جنون، فإنَّه غير السفه عرفاً وإن كان من مصاديقه بالدقّة. والمجنون محجورٌ عليه لأنَّه سفيه.
(2) إذا لم ينو صاحبه به وإلَّا دخل في ملك الآخر.
(3) هذا الصلح منتجٌ لشركة الأبدان فلا ينبغي رفع اليد عن الاحتياط.
(4) هذا أقرب إلى الصحة من سابقه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ولا تصحّ أيضاً شركة الوجوه(1)، وهي أن يوقع العقد اثنان وجيهان عند الناس لا مال لهما على أن يبتاع كلٌّ منهما في ذمّته إلى أجل ما يبتاعه كلٌّ منهما بينهما فبيعانه ويؤدّيان الثمن ويكون ما حصل من الربح بينهما، ولو أرادا حصول هذه النتيجة بوجهٍ مشروعٍ وكلّ كلٌّ منهما الآخر في أن يشاركه فيما اشتراه، بأن يشتري لهما وفي ذمّتهما، فإذا اشترى شيئاً كذلك يكون لهما فيكون الربح والخسران بينهما.
ولا تصحّ أيضاً شركة المفاوضة، وهي أن يعقد اثنان على أن يكون كلّ ما يحصل لكلٍّ منهما من ربحِ تجارةٍ أو فائدة زراعةٍ أو اكتسابٍ أو إرثٍ أو وصيّةٍ أو غير ذلك شاركه فيه الآخر، وكذا كلّ غرامةٍ وخسارةٍ ترد على أحدهما تكون عليهما، فانحصرت الشركة العقديّة الصحيحة بالشركة في الأموال المسمّاة بشركة العنان.
(مسألة 6): لو آجر اثنان نفسهما بعقدٍ واحدٍ لعملٍ واحدٍ بأجرةٍ معيّنةٍ كانت الأجرة مشتركةً بينهما، وكذا لو حاز اثنان معاً مباحاً، كما لو اقتلعا معاً شجرةً أو اغترفا ماءً دفعةً بآنيةٍ واحدةٍ كان ما حازاه مشتركاً بينهما، وليس ذلك من شركة الأبدان لتكون باطلةً، ويقسم الأجرة وما حازاه بنسبة عملهما، ولو لم تعلم النسبة فالأحوط التصالح.
(مسألة 7): حيث إنَّ الشركة العنانيّة هو العقد على المعاملة والتكسّب بالمال المشترك، فلابدَّ من أن يكون رأس المال مشتركاً بأحد أسباب الشركة، فإن كان مشتركاً قبل إيقاع عقدها كالمال الموروث قبل القسمة فهو، وإلَّا بأن كان المالان
ــــــ[206]ـــــــ
(1) فسّرت بعدّة تفاسير كلّها باطلة أو مخالفة للاحتياط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ممتازين، فإن كانا ممّا تحصل الشركة بمزجهما كالمائعات والأدقّة بل والحبوبات والدراهم والدنانير – على ما مرّ- مزجاهما قبل العقد أو بعده ليتحقّق الاشتراك في رأس المال، وإن كانا من غيره – بأن كان عند أحدهما جنسٌ وعند الآخر جنسٌ آخر- فلابدَّ من إيجاد أحد أسباب الشركة غير المزج ليصير(1) رأس المال مشتركاً، كأن يبيع أو يصالح كلٌّ منهما نصف ماله بنصف مال الآخر. وما اشتهر من أنَّ في الشركة العقديّة لابدَّ من(2) خلط المالين قبل العقد أو بعده مبنيٌّ على ما هو الغالب من كون رأس المال من الدراهم أو الدنانير وكان لكلٍّ منهما مقدارٌ ممتازٌ عمّا للآخر، وحيث إنَّ الخلط والمزج فيها أسهل أسباب الشركة ذكروا أنَّه لابدَّ من امتزاج الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير حتّى يحصل الاشتراك في رأس المال، لا أنَّه يعتبر ذلك حتّى أنَّه لو فرض كون الدراهم أو الدنانير مشتركةً بين اثنين بسبب آخر غير المزج كالإرث أو كان المالان ممّا لا يوجب خلطهما الاشتراك لم يقع(3) الشركة العقديّة.
(مسألة 8): إطلاق عقد الشركة يقتضي جواز تصرّف كلٍّ منهما بالتكسّب برأس المال، وإذا اشترطا كون العمل من أحدهما أو من كليهما مع انضمامهما فهو المتّبع. هذا من حيث العامل، وأمّا من حيث العمل والتكسّب فمع الإطلاق يجوز
ــــــ[207]ـــــــ
(1) الظاهر عرفاً كون عقد الشركة سبباً كافياً له.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة فلا وجوب للخلط.
(3) ظهر ما فيه في التعليقتين السابقتين، ولا إشكال حتّى في المال المشترك بسببٍ سابقٍ كالإرث.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مطلقه مما يريان فيه المصلحة كالعامل في المضاربة، ولو عيّنا جهةً خاصّةً كبيع وشراء الأغنام أو الطعام أو البزازة أو غير ذلك اقتصر على ذلك ولا يتعدّى إلى غيره.
(مسألة 9): حيث إن كلّ واحدٍ من الشريكين كالوكيل والعامل عن الآخر، فإذا عقدا على الشركة في مطلق التكسّب أو تكسّبٍ خاصٍّ يقتصر على المتعارف، فلا يجوز البيع بالنسيئة ولا السفر(1) بالمال إلَّا مع إذن الخاصّ، وإن جاز له كلّ ما تعارف من حيث الجنس المشتري والبائع والمشتري وأمثال ذلك. نعم لو عيّنا شيئاً من ذلك لم يجز لهما المخالفة عنه إلَّا بإذنٍ من الشريك، وإن تعدّى أحدهما عمّا عيّنا أو عن المتعارف ضمِن الخسارة والتلف.
(مسألة 10): إطلاق الشركة يقتضي بسط الربح والخسران على الشريكين بنسبة مالهما، فإن تساوى مالهما تساويا في الربح والخسران، وإن تفاوت تفاضلا فيهما بحسب تفاوت ماليهما، من غير فرقٍ بين ما كان العمل من أحدهما أو منهما مع التساوي فيه أو الاختلاف. ولو شرطا التفاوت في الربح مع التساوي في المال أو تساويهما فيه مع التفاوت فيه، فإن جعلت الزيادة للعامل منهما [أ]و لمن كان عمله أزيد صحّ بلا إشكال، وإن جعلت لغير العامل أو لمن [لم] يكن عمله أزيد ففي صحّة العقد والشرط معاً أو بطلانهما أو صحّة العقد دون الشرط أقوالٌ، أقواها أوّلها.
ــــــ[208]ـــــــ
(1) مع ما سبق أن قلناه حوله.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 11): العامل من الشريكين أمينٌ، فلا يضمن التلف إذا لم يكن تعدٍّ منه ولا تفريط(1). وإذا ادّعى التلف قبل قوله مع اليمين، وكذا إذا ادّعى الشريك عليه التعدّي أو التفريط وقد أنكر.
(مسألة 12): عقد الشركة جائزٌ من الطرفين، فيجوز لكلٍّ منهما فسخه، فينفسخ لكن لا يبطل بذلك أصل الشركة(2)، وكذا ينفسخ بعروض الموت والجنون والإغماء والحجر بالفلس أو السفه وتبقى أيضاً أصل الشركة.
(مسألة 13): لو جعلا للشركة أجلاً لم يلزم(3)، فيجوز لكلٍّ منهما الرجوع قبل انقضائه إلَّا إذا اشترطاه في ضمن عقدٍ لازم فيلزم.
(مسألة 14): إذا تبيّن بطلان عقد الشركة كانت المعاملات الواقعة قبله محكومةً بالصحّة ولهما الربح وعليهما الخسران بنسبة المالين(4)، ولكلٍّ منهما أُجرة مثل عمله بالنسبة إلى حصّة الآخر.
القول في القسمة
وهي تميّز حصص الشركاء بعضها عن بعض، وليست ببيعٍ ولا معاوضةٍ، فلا يجري فيها خيار المجلس ولا خيار الحيوان المختصّان بالبيع، ولا يدخل فيها
ــــــ[209]ـــــــ
(1) بما فيه التصرّف بغير إذن شريكه.
(2) يعني: الشركة في المال إلى حين القسمة، وكذا ما بعده في المتن.
(3) من ناحية جواز الفسخ قبله. وأمّا من ناحية الاستمرار بالتجارة بعده فهو لازمٌ لأنَّها ستكون بدون إذن الشريك فيضمن العامل.
(4) فإن كانا قد اتّفقا على خلاف ذلك في المعاملة الباطلة لم ينفذ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الربا وإن عمّمناها لجميع المعاوضات.
(مسألة 1): لابدَّ في القسمة من تعديل السهام(1)، وهو إمّا بحسب الأجزاء والكمّية كيلاً أو وزناً أو عدّاً أو مساحةً، وتسمّى: «قسمة إفراز» وهي جاريةٌ في المثليّات كالحبوب والأدهان والخلول والألبان، وفي بعض القيميّات المتساوية الأجزاء كما في الثوب الواحد الذي تساوت أجزاؤه كطاقةٍ من كرباس، وقطعةٍ واحدةٍ من أرضٍ بسيطةٍ تساوت أجزاؤها. وإمّا بحسب القيمة والماليّة، كما في القيميّات إذا تعدّدت كالعبيد والأغنام والعقار والأشجار إذا ساوى بعضها مع بعضٍ بحسب القيمة، كما إذا اشترك اثنان في ثلاثة أغنامٍ قد ساوى قيمة أحدها مع اثنين منها يجعل الواحد سهماً والاثنين سهماً(2)، ويسمّى ذلك «قسمة التعديل»، وإمّا بضمّ مقدارٍ من المال مع بعض السهام ليعادل البعض الآخر، كما إذا كان بين اثنين عبدان قيمة أحدهما خمسة دنانير والآخر أربعة فإنَّه إذا ضمّ من يصير إليه الأوّل(3) إلى الثاني نصف دينار ساوى مع الأوّل، وتسمّى هذه «قسمة الردّ».
(مسألة 2): الأموال المشتركة قد لا يتأتّى فيها إلَّا قسمة الإفراز، وهو فيما إذا كان من جنسٍ واحدٍ من المثليّات، كما إذا اشترك اثنان أو أزيد في وزنةٍ من حنطة.
وقد لا يتأتّى فيها إلَّا قسمة التعديل، كما إذا اشترك اثنان في ثلاثة عبيدٍ قد
ــــــ[210]ـــــــ
(1) والمهمّ هو وصول كلّ فردٍ إلى نسبة استحقاقه من المال المشترك بحسب الماليّة لا بحسب العين في كلّ الأقسام الآتية في هذه المسألة.
(2) وتعيّن بالقرعة أو بالتراضي.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ساوى أحدهم مع اثنين منهم بحسب القيمة. وقد لا يتأتّى فيها إلَّا قسمة الردّ، كما إذا كان بين اثنين عبدان قيمة أحدهما خمسة دنانير والآخر أربعة. وقد يتأتّى فيها قسمة الإفراز والتعديل معاً، كما إذا اشترك اثنان في جنسين مثليّين مختلفي القيمة والمقدار وكانت قيمة أقلّهما مساويةً لقيمة أكثرهما، كما إذا كان بين اثنين وزنةٌ من حنطةٍ ووزنتان من شعيرٍ وكانت قيمة وزنةٍ من حنطةٍ مساويةً لقيمة وزنتين من شعيرٍ، فإذا قسم المجموع يجعل الحنطة سهماً والشعير سهماً يكون من قسمة التعديل(1)، وإذا قسّم كلٌّ منهما منفرداً يكون من قسمة إفراز(2). وقد يتأتّى فيها قسمة الإفراز والردّ(3) معاً، كما في المثال السابق إذا فرض كون قيمة الحنطة خمسة عشر درهماً وقيمة الشعير عشرة. وقد يتأتّى فيها قسمة التعديل مع قسمة الردّ، كما إذا كان بينهما ثلاثة عبيد أحدهم يقوم بعشرة دنانير واثنان منهم كلٌّ منهما بخمسة، فيمكن أن يُجعل الأوّل سهماً والآخران سهماً فتكون من قسمة التعديل(4)، وأن يجعل الأوّل مع واحدٍ من الآخرين سهماً والآخر منهما مع عشرة دنانير سهماً فتكون من قسمة الردّ. وقد يتأتّى فيها كلٌّ من قسمتي الإفراز والردّ، كما إذا كان بينهما وزنة حنطةٍ كانت قيمتها اثني عشر درهماً مع وزنة شعيرٍ قيمتها
ــــــ[211]ـــــــ
(1) ولابدَّ من التراضي باختيارها، وأمّا الحصول على سهمٍ معيّنٍ فبالقرعة أو التراضي.
(2) وهي المتعيّنة مع عدم التراضي على قسمة التعديل.
(3) قسمة الإفراز والردّ. وقسمة الإفراز متعيّنة إلَّا مع التراضي على الرد ويكون الحصول على السهم بالتراضي أو القرعة.
(4) ولابدَّ من التراضي على إحدى القسمتين والقرعة أو التراضي في السهام.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عشرة، فيمكن قسمة الإفراز بتقسيم كلٍّ منهما منفرداً وقسمة الردّ(1) بجعل الحنطة سهماً والشعير مع درهمين سهماً.
وقد يتأتّى الأقسام الثلاثة، كما إذا اشترك اثنان في وزنة حنطةٍ قيمتها عشرة دراهم مع وزنة شعيرٍ قيمتها خمسةٌ ووزنة حمّصٍ قيمتها خمسة عشر، فإذا قسّمت كلٌّ منها بانفرادها كانت قسمة إفرازٍ، وإن جُعلت الحنطة مع الشعير سهماً والحمص سهماً كانت قسمة تعديل، وإن جعل الحمّص مع الشعير سهماً والحنطة مع عشرة دراهم سهماً كانت قسمة الردّ. ولا إشكال في صحّة الجميع مع التراضي إلَّا في قسمة الردّ(2) مع إمكان غيرها، فإنَّ في صحّتها إشكالاً، بل الظاهر العدم. نعم لا بأس بالمصالحة المفيدة فائدتها.
(مسألة 3): لا يعتبر في القسمة تعيين مقدار السهام بعد أن كانت معدّلةً، فلو كانت صبرةً من حنطةٍ مجهولة الوزن بين ثلاثة فجعلها ثلاثة أقسام معدّلة بمكيالٍ مجهول المقدار وكانت بينهم عرصة أرضٍ متساوية الأجزاء فجعلها ثلاثة أجزاءٍ متساوية بخشبةٍ أو حبلٍ لا يدرى أنَّ طولهما كم ذراعٍ صحّ، لما عرفت من أنَّ القسمة ليست ببيعٍ ولا معاوضةٍ.
(مسألة 4): إذا طلب أحد الشريكين القسمة بأحد أقسامها، فإن كانت
ــــــ[212]ـــــــ
(1) قسمة الإفراز هي المتعيّنة ما لم يتراضيا على قسمة الردّ. وعندئذٍ يكون الحصول على السهم بالقرعة أو التراضي.
(2) وقسمة التعديل أيضاً مع إمكان قسمة الإفراز. وعلى العموم فالأولى قسمة الإفراز ثُمَّ التعديل ثُمَّ الردّ. ولا يصار إلى الأخير إلَّا بالانحصار أو التراضي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
قسمة ردٍّ أو كانت مستلزمةً للضرر فللشريك الآخر الامتناع عنها ولا يجبر عليها لو امتنع، وتسمّى القسمة «قسمة تراضٍ»، بخلاف ما إذا لم تكن قسمة ردٍّ ولا مستلزمةً للضرر فإنَّه يجبر عليها الممتنع لو طلبها الشريك الآخر، وتسمّى القسمة «قسمة إجبار». فإن كان المال المشترك ممّا لا يمكن فيه إلَّا قسمة الإفراز أو التعديل فلا إشكال، وأمّا فيما أمكن كلتاهما فإن طلب قسمة الإفراز يجبر عليها الممتنع، بخلاف ما إذا طلب قسمة التعديل، فإذا كانا شريكين في أنواعٍ متساوية الأجزاء كحنطةٍ وشعيرٍ وتمرٍ وزبيبٍ فطلب أحدهما قسمة كلّ نوعٍ بانفراده قسمة إفرازٍ أجبر الممتنع، وإن طلب قسمتها بالتعديل بحسب القيمة لم يجبر، وكذا إذا كانت بينهما قطعتا أرض أو داران أو دكّانان فإنَّه يجبر الممتنع لو طلب أحد الشريكين قسمة كلٍّ منها على حدةٍ ولم يُجبر إذا طلب قسمتها بالتعديل. نعم لو كانت قسمتها منفردةً مستلزمةً للضرر دون قسمتها بالتعديل أجبر الممتنع على الثانية إن طلبها أحد الشريكين دون الأُولى.
(مسألة 5): إذا اشترك اثنان في دارٍ ذات علوٍّ وسفلٍ وأمكن قسمتها على نحوٍ يحصل لكلٍّ منهما حصّةٌ من العلوّ والسفل بالتعديل، وقسمتها على نحو يحصل لأحدهما العلوّ ولأحدهما السفل، وقسمة كلٍّ من العلوّ والسفل بانفراده، فإن طلب أحد الشريكين النحو الأوّل ولم يستلزم الضرر يجبر الآخر لو امتنع، ولا يجبر لو طلب أحد النحوين الآخرين. هذا مع إمكان النحو الأوّل وعدم استلزام الضرر، وأمّا مع عدم إمكانه أو استلزامه الضرر وانحصار الأمر في النحوين الأخيرين فالظاهر تقدّم الثاني(1)، فلو طلبه أحدهما يجبر الآخر لو امتنع بخلاف
ــــــ[213]ـــــــ
(1) بل الثالث وهو الثاني من الأخيرين فقد يكون هو مقصود الماتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأوّل. نعم لو انحصر الأمر فيه يجبر إذا لم يستلزم الضرر ولا الردّ وإلَّا لم يجبر كما مرَّ.
(مسألة 6): لو كانت دارٌ ذات بيوتٍ أو خانٌ ذات حجرٍ بين جماعةٍ وطلب بعض الشركاء القسمة أُجبر الباقون، إلَّا إذا استلزم الضرر من جهة ضيقهما وكثرة الشركاء.
(مسألة 7): إذا كانت بينهما بستانٌ مشتملةٌ على نخيلٍ وأشجارٍ فقسمتها بأشجارها ونخيلها بالتعديل قسمة إجبارٍ إذا طلبها أحدهما يجبر الآخر، بخلاف قسمة كلٍّ من الأرض والأشجار على حدةٍ فإنَّها قسمة تراضٍ لا يُجبر عليها الممتنع.
(مسألة 8): إذا كانت بينهما أرضٌ مزروعةٌ يجوز قسمة كلٍّ من الأرض والزرع قصيلاً كان أو سنبلاً على حدةٍ وتكون القسمة قسمة إجبار، وأمّا قسمتهما معاً(1) فهي قسمة تراضٍ لا يُجبر الممتنع عليها إلَّا إذا انحصرت القسمة الخالية عن الضرر فيها فيجبر عليها. هذا إذا كان الزرع قصيلاً أو سنبلاً، وأمّا إذا كان حبّاً مدفوناً أو مخضراً في الجملة ولم يكمل نباته فلا إشكال في قسمة الأرض وحدها وبقاء الزرع على إشاعته، كما أنَّه لا إشكال في عدم جواز قسمة الزرع مستقلاً. نعم لا يبعد جواز قسمة الأرض بزرعها بحيث يجعل من توابعها، وإن كان الأحوط قسمة الأرض وحدها وإفراز الزرع بالمصالحة.
(مسألة 9): إذا كانت بينهم دكاكين متعدّدةٌ متجاورةٌ أو منفصلةٌ، فإن أمكن
ــــــ[214]ـــــــ
(1) لم يتّضح فرقه عن السابق إلَّا إذا أراد الماتن قسمة الردّ بأن يكون لأحدهما الزرع وجزءٌ من الأرض والآخر الجزء الآخر منها، فلا يُجبر عليها الممتنع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
قسمة كلٍّ منها بانفراده وطلبها بعض الشركاء وطلب بعضهم قسمة بعضها في بعض بالتعديل لكي يتعيّن حصّة كلٍّ منهم في دكّانٍ تامٍّ أو أزيد يقدّم ما طلبه الأوّل ويجبر البعض الآخر، إلَّا إذا انحصرت القسمة الخالية عن الضرر في النحو الثاني فيجبر الأوّل.
(مسألة 10): إذا كان بينهما حمّامٌ وشبهه ممّا لم يقبل القسمة الخالية عن الضرر لم يجبر الممتنع. نعم لو كان كبيراً بحيث يقبل الانتفاع بصفة الحمّامية من دون ضررٍ ولو باحداث(1) مستوقدٍ أو بئرٍ آخر فالأقرب الإجبار.
(مسألة 11): لو كان لأحد الشريكين عُشْرٌ من دارٍ مثلاً وهو لا يصلح للسكنى ويتضرّر هو بالقسمة دون الشريك الآخر، فلو طلب هو القسمة بغرضٍ صحيحٍ يُجبر شريكه ولم يجبر هو لو طلبها الآخر.
(مسألة 12): يكفي في الضرر المانع عن الإجبار ترتّب نقصان في العين أو القيمة بسبب القسمة بما لا يتسامح فيه في العادة وإن لم يسقط المال عن قابليّة الانتفاع بالمرّة.
(مسألة 13): لابدَّ في القسمة من تعديل السهام ثُمَّ القرعة. أمّا كيفيّة التعديل فإن كانت حصص الشركاء متساويةً – كما إذا كانوا اثنين ولكلّ منهما اثنان أو ثلاثة ولكلٍّ منهم ثلث وهكذا- يعدل السهام بعدد الرؤوس، فيجعل سهمين متساويّين إن كانوا اثنين وثلاثة أسهمٍ متساوياتٍ إن كانوا ثلاثة وهكذا، ويعلَّم كلُّ سهمٍ بعلامةٍ تميّزه(2) عن غيره، فإذا كانت قطعة أرضٍ متساوية الأجزاء
ــــــ[215]ـــــــ
(1) إذا لم يكن هذا ضرراً عرفاً.
(2) هذا التمييز ضروريٌّ لإنتاج القرعة كما هو معلومٌ. ولو استغنوا عن القرعة بالتراضي لم يجب. ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بين ثلاثةٍ مثلاً: يجعل ثلاث قطعٍ متساويةٍ بحسب المساحة ويميَّز بينها أحدها الأُولى والأُخرى الثانية والثالثة لثالثة، وإذا كانت دارٌ مشتملةً على بيوتٍ بين أربعةٍ مثلاً تجعل أربعة أجزاءٍ متساويةٍ، بحسب القيمة وتميَّز كلٌّ منها بمميّزٍ كالقطعة الشرقيّة والغربيّة والشماليّة والجنوبيّة المحدودات بحدودٍ كذائيّةٍ، وإن كانت الحصص متفاوتةً – كما إذا كان المال بين ثلاثةٍ سدسٌ لعمرٍو وثلثٌ لزيدٍ ونصفٌ لبكرٍ- يجعل السهام على أقلّ الحصص، ففي المثال تجعل السهام ستّةً معلّمةً كلٌّ منها بعلامةٍ كما مرّ.
في كيفية القرعة
وأمّا كيفيّة القرعة ففي الأوّل – وهو فيما إذا كانت الحصص متساويةً- تؤخذ رقاعٌ بعدد رؤوس الشركاء، رقعتان إذا كانوا اثنين، وثلاثٌ إن كانوا ثلاثةً وهكذا، ويتخيّر بين أن يكتب عليها أسماء الشركاء؛ على إحداها: زيدٌ وعلى أُخرى: عمرٌو وثالثةٌ: بكرٌ مثلاً، وأسماء السهام؛ على إحداها: أوّل، وعلى أُخرى: ثانٍ وعلى الأُخرى: ثالثٌ مثلاً، ثُمَّ تشوّش وتستّر ويؤمر مَن لم يشاهدها فيُخرج واحدةً واحدةً، فإن كُتب عليها اسم الشركاء يعيّن السهم الأوّل ويُخرج رقعةٌ باسم ذلك السهم قاصدين أن يكون ذلك السهم لكلّ من خرج اسمه، فكلّ من خرج اسمه يكون ذلك السهم له ثُمَّ يعيَّن السهم الثاني، ويخرج رقعةٌ أُخرى لذلك السهم فكلّ من خرج اسمه كان السهم له وهكذا. وإن كُتب عليها اسم السهام يعيّن أحد الشركاء ويُخرج رقعةٌ، فكلّ سهم خرج اسمه كان ذلك السهم له، ثُمَّ يُخرج رقعةٌ أُخرى لشخصٍ آخر وهكذا(1). وأمّا الثاني – وهو ما كانت الحصص
ــــــ[216]ـــــــ
(1) والأفضل أن تكتب مجموعتان من الرقاع إحداهما بالشركاء وأُخرى بالسهام ويسحب من كلّ مجموعةٍ ورقةٌ فيكون السهم لصاحب الاسم. ولا يكون القصد دخيلاً في هذه القرعة. وهي أكثر دفعاً للاختلاف المحتمل ولو لاحتمال كذب القاصد عند السحب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
متفاوتةً كما في المثال المتقدّم الذي قد تقدّم أنَّه يجعل السهام على أقلّ الحصص وهو السدس- يتعيّن فيه أن تؤخذ الرقاع بعدد الرؤوس يكتب مثلاً على إحداها زيدٌ وعلى الأُخرى عمرٌو وعلى الثالثة بكرٌ وتستر كما مرّ، ويقصد: أنَّ كل من خرج اسمه على سهمٍ كان له ذلك مع ما يليه بما يكمل تمام حصّته، ثُمَّ يُخرَج إحداها على السهم الأوّل، فإن كان عليها اسم صاحب السدس تعيّن له، ثُمَّ يُخرج أُخرى على السهم الثاني فإن كان عليها اسم صاحب الثلث كان الثاني والثالث له، ويبقى الرابع والخامس والسادس لصاحب النصف ولا يحتاج إلى إخراج الثالثة، وإن كان عليها اسم صاحب النصف كان له الثاني والثالث والرابع ويبقى الأخير لصاحب الثلث، وإن كان ما خرج على السهم الأوّل صاحب الثلث كان الأوّل والثاني له، ثُمَّ يخرج أُخرى على السهم الثالث فإن خرج اسم صاحب السدس كان ذلك له ويبقى الثلاثة الأخيرة لصاحب السدس، وإن خرج صاحب النصف كان الثالث والرابع والخامس له ويبقى السادس لصاحب السدس، وقس على ذلك غيرها(1).
(مسألة 14): الظاهر أنَّه ليست للقرعة كيفيّةٌ خاصّةٌ، وإنَّما يكون كيفيّته
ــــــ[217]ـــــــ
(1) يمكن تطبيق ما قلنا في التعليقة السابقة إن لم يحدث ضررٌ. فإن خرج اسم صاحب السدس سحبنا من المجموعة الثانية سهماً واحداً. وإن خرج اسم صاحب النصف سحبنا ثلاث سهامٍ وهكذا. وهذه الطريقة واضحةٌ في المنقولات. نعم، في غيرها قد توجب الضرر، فلا تكون إلَّا بالتراضي ولا يجبر الممتنع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
منوطةً بمواضعة القاسم والمتقاسمين بإناطة التعيّن بأمرٍ ليس لإرادة المخلوق مدخليةٌ فيه مفوّضاً للأمر إلى الخالق جلّ شأنه، سواءٌ كان بكتابة رقاعٍ أو إعلام علامةٍ في حصاةٍ أو نواةٍ أو ورقٍ أو خشبٍ أو غير ذلك.
(مسألة 15): الأقوى أنَّه إذا بنوا على التقسيم وعدلوا السهام وأوقعوا القرعة فقد تمّت القسمة ولا يحتاج إلى تراضٍ آخر بعدها فضلاً عن إنشائه، وإن كان هو الأحوط في قسمة(1) الردّ.
(مسألة 16): إذا طلب بعض الشركاء المهاياة في الانتفاع بالعين المشتركة، إمّا بحسب الزمان بأن يسكن هذا في شهرٍ وذاك في شهرٍ مثلاً، وإمّا بحسب الأجزاء بأن يسكن هذا في الفوقاني وذاك في التحتاني مثلاً، لا يلزم على شريكه القبول ولا يجبر إذا امتنع. نعم يصحّ مع التراضي لكن ليس بلازم، فيجوز لكلٍّ منهما الرجوع. هذا في شركة الأعيان، وأمّا في شركة المنافع فينحصر إفرازها بالمهاياة لكنّها فيها أيضاً غير لازمة. نعم لو حكم الحاكم الشرعيّ بها في مورد حسم النزاع والجدال يجبر الممتنع وتلزم.
(مسألة 17): القسمة في الأعيان إذا وقعت وتمّت لزمت وليس لأحدٍ من الشركاء إبطالها وفسخها، بل الظاهر أنَّه ليس لهم فسخها وإبطالها بالتراضي(2)، لأنَّ الظاهر عدم مشروعيّة الإقالة فيها.
(مسألة 18): لا تشرع القسمة في الديون المشتركة، فإذا كان لزيدٍ وعمرٍو
ــــــ[218]ـــــــ
(1) وقسمة التعديل أيضاً.
(2) إلَّا أن يخلط المال من جديد فيما يكون قابلاً له.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
معاً ديونٌ على الناس بسببٍ يوجب الشركة كالإرث فأرادا تقسيمها قبل استيفائها فعدلا بين الديون وجعلا ما على الحاضر مثلاً لأحدهما وما على البادي لأحدهما، لم يفرز بل تبقى على إشاعتها، فكلّما حصل كلٌّ منهما يكون لهما وكلّ ما يبقى على الناس يكون بينهما. نعم لو اشتركا في دَينٍ على أحدٍ واستوفى أحدهما حصّته – بأن قصد كل من الدائن والمديون أن يكون ما يأخذه وفاءً وأداءً لحصّته من الدين المشترك- فالظاهر(1) تعيّنه له وبقاء حصّة الشريك في ذمّة المديون.
(مسألة 19): لو ادّعى أحد الشريكين الغلط في القسمة أو عدم التعديل فيها وأنكر الآخر لا تسمع(2) دعواه إلَّا بالبينة، فإن أقامها على دعواه نقضت القسمة واحتاج إلى قسمة جديدة، وإن لم يكن له بيّنة كان له إحلاف الشريك.
(مسألة 20): إذا قسم الشريكان فصار في حصّة هذا بيت وفي حصّة الآخر بيت آخر وكان الماء يجري من أحدهما إلى الآخر لم يكن للثاني منعه إلَّا إذا اشترطا(3) حين القسمة ردّ الماء عنه، ومثل ذلك لو كان مسلك البيت الواقع لأحدهما في نصيب الآخر من الدار.
(مسألة 21): لا يجوز قسمة الوقف(4) بين الموقوف عليهم إلَّا إذا وقع تشاحٌّ
ــــــ[219]ـــــــ
(1) ولكن الأحوط الأولى أخذ رضا الشريك.
(2) إذا كان حاضراً لها. وإلَّا كان لأيٍّ منهما أن يحلف، فإن حلفا نقضت القسمة.
(3) ليست القسمة معاملةً يُشرع فيها الاشتراط، إلَّا إذا أُريد دخله في تعديل القسمة. وهذا ما يحصل قبل القرعة والقبض. فإن بقي الماء جارياً إلى ما بعده دلّ على رضاء الثاني عند القسمة، فليس له العدول المتأخّر.
(4) بل هي جائزةٌ مع عدم منافاتها مع شرط الواقف أو استلزام الضرر على البعض.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بينهم مؤدٍّ إلى خرابه لا ترتفع غائلته إلَّا بالقسمة. نعم يصحّ قسمة الوقف عن الطلق، بأن كان ملكٌ واحدٌ نصفه المشاع وقفاً ونصفه ملكاً، بل الظاهر جواز قسمة وقفٍ عن وقفٍ، وهو فيما إذا كان ملكٌ بين اثنين فوقف كلٌّ منهما حصّته على ذرّيته مثلاً والآخر حصّته على ذرّيته، فيجوز إفراز أحدهما عن الآخر بالقسمة، والمتصدّي لذلك الموجودون من الموقوف عليهم ووليّ البطون(1) اللاحقة.
ــــــ[220]ـــــــ
(1) على الأحوط استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب المزارعة
وهي المعاملة على أن تزرع الأرض بحصّةٍ من حاصلها، وهي عقدٌ يحتاج إلى:
● إيجابٍ من صاحب الأرض، وهو كلّ لفظٍ أفاد إنشاء هذا المعنى كقوله: «زارعتك» أو «سلّمت إليك الأرض مدّة كذا على أن تزرعها على كذا» وأمثال ذلك.
● وقبولٍ من الزارع بلفظٍ أفاد إنشاء الرضا بالإيجاب كسائر العقود، والظاهر كفاية القبول الفعلي بعد الإيجاب القولي، بأن يتسلّم الأرض بهذا القصد ويشتغل بها.
ولا يعتبر فيها العربيّة، بل يقع عقدها بأيّ لغةٍ كانت، وفي جريان المعاطاة فيها إشكال(1).
(مسألة 1): يعتبر فيها – زائداً على ما اعتبر في المتعاقدين في سائر العقود من: البلوغ، والعقل، والقصد، والاختيار، والرشد- أُمور:
أحدها: جعل الحاصل مشاعاً بينهما، فلو جعل الكلّ لأحدهما أو شرطا أن
ــــــ[221]ـــــــ
(1) بل الإشكال مع معلوميّته القصد، كما لا يعتبر تقدّم الإيجاب ولا العربيّة ولا الماضويّة ولا الصراحة مع تعيّن القصد.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يكون بعضه الخاصّ كالذي يحصل متقدّماً أو الذي يحصل من القطعة الفلانيّة لأحدهما والآخر للآخر لم يصحّ(1).
ثانيها: تعيين حصّة الزارع بمثل النصف أو الثلث أو الربع ونحو ذلك.
ثالثها: تعيين المدّة بالأشهر أو السنين، ولو اقتصر على ذكر المزروع في سنةٍ واحدةٍ ففي الاكتفاء به عن تعيين المدّة وجهان أوجههما الأوّل، لكن فيما إذا عيّن مبدأ الشروع في الزرع، وإذا عيّن المدّة بالزمان لابدَّ أن تكون مدّة يدرك فيها الزرع بحسب العادة، فلا تكفي المدّة القليلة التي تقصر عن إدراكه.
رابعها: أن تكون الأرض قابلةً للزرع ولو بالعلاج والإصلاح وطمّ الحفر وحفر النهر ونحو ذلك، فلو كانت سبخةً لا تصلح للزرع أو لم يكن لها ماءٌ ولا يكفيه ماء السماء ولا يمكن تحصيل الماء لها ولو بمثل حفر النهر أو البئر أو الشراء لم تصحّ.
خامسها: تعيين المزروع من أنَّه حنطةٌ أو شعيرٌ أو غيرهما مع اختلاف الأغراض فيه. نعم لو صرّح بالتعميم صحّ، فيتخيّر الزارع بين أنواعه.
سادسها: تعيين الأرض، فلو زارعه على قطعةٍ من هذه القطعات أو مزرعةٍ من هذه المزارع بطل(2). نعم لو عيّن قطعةً معيّنةٍ من الأرض التي لم تختلف أجزاؤها وقال: «زارعتك على جريبٍ من هذه القطعة» على نحو الكلّي في المعيّن
ــــــ[222]ـــــــ
(1) يعني بصفتها مزارعةً. والأحوط بطلانها أيضاً بصفتها إجارةً. نعم، تصحّ صلحاً مع قصد عنوانه.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فالظاهر الصحّة ويكون التخيير في تعيينه لصاحب الأرض.
سابعها: أن يعيّنا كون البذر(1) وسائر المصارف على أيٍّ منهما إذا لم يكن تعارف.
(مسألة 2): لا يعتبر في المزارعة كون الأرض ملكاً للمزارع، بل يكفي كونه مالكاً لمنفعتها أو انتفاعها بالإجارة ونحوها(2) أو أخذها من مالكها بعنوان المزارعة(3) أو كانت أرضاً خراجيّةً وقد تقبّلها من السلطان(4) أو غيره. نعم لو لم يكن له فيها حقٌّ ولا عليها سلطنةٌ أصلاً كالموات لم يصحّ مزارعتها، وإن أمكن أن يتشاركا(5) [في] زرعها وحاصلها مع الاشتراك في البذر، لكنه ليس من المزارعة في شيء.
(مسألة 3): إذا أذن مالك الأرض أو المزرعة إذناً عامّاً(6) بأنَّ كل من زرع
ــــــ[223]ـــــــ
(1) البذر أساسيّ في المزارعة إلى جنب الأرض؛ لأنَّ الزرع لصاحب البذر، فيكون صاحبه هو صاحب المال ويعطى قسمٌ من الناتج لصاحب الأرض، هذا إذا لم يتّفقا على شيءٍ آخر.
(2) مع شمول الجواز للمزارعة إمّا بإذن المالك أو الاشتراط أو الانصراف أو الإطلاق إن اقتضاه عرفاً.
(3) يعني فيعطيها لشخصٍ آخر بنفس العنوان. وهذا لا يجوز إلَّا أن يحدث فيها حدثاً أو ينفق نفقةً قبل المعاملة الثانية.
(4) هذا بناءً على حجّية معاملاته وإلَّا فالأحوط الرجوع إلى الحاكم الشرعي.
(5) وتكون الأرض لهما ملكاً بالإحياء.
(6) يعني بنحو الجعالة ولا يكفي الإذن على الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أرضه أو مزرعته فله نصف الحاصل مثلاً، فأقدم واحدٌ على ذلك استحقّ المالك(1) حصّته.
(مسألة 4): إذا اشترطا أن يكون الحاصل بينهما بعد إخراج الخراج أو بعد إخراج البذر لباذله أو ما يصرف في تعمير الأرض لصارفه فإن اطمأنّا ببقاء شيءٍ بعد ذلك من الحاصل ليكون بينهما صحّ وإلَّا بطل.
(مسألة 5): إذا انقضت المدّة المعيّنة ولم يدرك(2) الزرع لم يستحقّ الزارع إبقاءه ولو بالأُجرة، بل للمالك الأمر بإزالته من دون أرش، وله إبقاؤه مجّاناً أو مع الأجرة إن رضي الزارع بها.
(مسألة 6): لو ترك الزارع الزرع(3) حتّى انقضت المدّة، فهل يضمن أجرةٌ المثل أو ما يعادل حصّة المالك بحسب التخمين أو لا يضمن شيئاً؟ وجوهٌ والأحوط(4) التراضي والتصالح، وإن كان الأخير لا يخلو من قوّة. هذا إذا لم يكن ترك الزرع لعذرٍ عامٍّ كالثلوج الخارقة أو صيرورة المحلّ معسكراً أو مسبعةً ونحوها وإلَّا انفسخت(5) المزارعة.
ــــــ[224]ـــــــ
(1) مع الإذن لا يستحقّ إلَّا أجرة المثل.
(2) أو أدرك ولكن يتوقّع منه الإثمار مجدّداً.
(3) يعني: لم يعمل شيئاً، فيتعيّن عدم ضمانه لشيء.
(4) استحباباً ولو لاحتمال أنَّه لو أعطاها المالك لغيره لربح.
(5) بمعنى أنَّها أصبحت غير ذات موضوع. أمّا انفساخها حتى على تقدير زوال المانع فلا دليل عليه. نعم، لو بقي المانع إلى أن انتهت المدّة فلا إشكال في البطلان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 7): إذا زارع على أرضٍ ثُمَّ تبيّن للزارع أنَّه لا ماء لها فعلاً لكن أمكن تحصيله بحفر بئرٍ ونحوه صحّت المزارعة لكن للعامل خيار الفسخ، وكذا لو تبيّن كون الأرض غير صالحةٍ للزراعة إلَّا بالعلاج التامّ، كما إذا كان الماء مستولياً عليها لكن يمكن قطعه عنها. نعم لو تبيّن أنَّه لا ماء لها فعلاً ولا يمكن تحصيله أو كانت مشغولةً بمانعٍ لا يمكن إزالته ولا يرجى زواله كان باطلاً(1).
(مسألة 8): إذا عيّن المالك له نوعاً من الزرع كالحنطة أو الشعير أو غيرهما فزرع غيره ببذره كان له الخيار بين الفسخ والإمضاء، فإن أمضاه أخذ حصّته، وإن فسخ كان الزرع للزارع وعليه للمالك أجرة الأرض(2).
(مسألة 9): الظاهر أنَّه يعتبر في حقيقة المزارعة كون الأرض من أحدهما والعمل من الآخر، وأمّا البذر(3) والعوامل وسائر المصارف فبحسب ما يشترطانه، فيجوز جعل كلّها على المزارع أو على الزارع أو بعضها على هذا وبعضها على ذاك، ولابدَّ من تعيين ذلك حين العقد إلَّا إذا كان هناك معتادٌ يغني عن التعيين.
(مسألة 10): يجوز للزارع(4) أن يشارك غيره في مزارعته بجعل حصّةٍ من حصّته لمن شاركه بحيث كأنَّهما معاً طرفٌ للمالك، كما أنَّه يجوز أن يزارع غيره
ــــــ[225]ـــــــ
(1) لأنَّ الأرض كانت متّصفةً بالمانع حال العقد، بخلاف فرض التعليقة السابقة.
(2) وللمالك إلزامه بإزالته مع إصلاح ما يفسد من الأرض، وليس على المالك أرش الزرع إن نقص.
(3) أشرنا إلى أهمّيّة البذر في تعليقةٍ سابقةٍ.
(4) بتوكيل المالك أو إذنه، وكذا ما بعده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بحيث كان الزارع الثاني طرفاً للمالك لكن لابدَّ أن تكون حصّة المالك محفوظةً، فإذا كانت المزارعة الأُولى بالنصف لم يجز(1) أن تجعل المزارعة الثانية بالثلث للمالك والثلثين للعامل. نعم يجوز أن يجعل حصّة الزارع الثاني أقلّ من حصّة الزارع في المزارعة الأُولى، فيأخذ الزارع الثاني حصّته والمالك حصّته وما بقي يكون للزارع في المزارعة الأُولى. مثلاً: إذا كانت المزارعة الأُولى بالنصف وجعل حصّة الزارع في المزارعة الثانية الربع كان للمالك نصف الحاصل وللزارع الثاني الربع ويبقى الربع للزارع في المزارعة الأُولى، ولا فرق في ذلك كلّه بين أن يكون البذر في المزارعة الأُولى على المالك أو على العامل، ولو جعل في الأولى على العامل يجوز في الثانية أن يجعل على المزارع أو على الزارع. ولا يعتبر في صحّة التشريك في المزارعة ولا إيقاع المزارعة الثانية إذن المالك(2). نعم لا يجوز تسليم الأرض إلى ذلك الغير إلَّا بإذنه، كما أنَّه لو شرط عليه المالك أن يباشر بنفسه بحيث لا يشاركه غيره ولا يزارعه كان هو المتَّبَع.
(مسألة 11): المزارعة عقدٌ لازمٌ من الطرفين، فلا تنفسخ بفسخ أحدهما إلَّا إذا كان له الخيار بسبب الاشتراط وغيره، وتنفسخ بالتقايل كسائر العقود اللازمة، كما أنَّه تبطل وتنفسخ(3) قهراً بخروج الأرض عن قابليّة الانتفاع لانقطاع
ــــــ[226]ـــــــ
(1) هذا إنَّما يمكن مع بطلان المزارعة الأولى، وأمّا مع صحّتها فهو فرضٌ مستحيلٌ لزيادة الكسور على الواحد العدد الصحيح.
(2) بل يعتبر، سواءٌ كانت المزارعة الثانية في عرض الأولى كما تحدّث عنه الماتن، أو في طولها.
(3) يعني: مع العلم بعدم ارتفاع المانع. ولا دليل على انفساخها لو ارتفع. فالمهمّ هو استيعاب المانع لمدّة المزارعة وسائر شروطها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الماء عنه أو استيلائه عليه وغير ذلك.
(مسألة 12): لا تبطل المزارعة بموت أحد المتعاقدين، فإن مات ربّ الأرض قام وارثه مقامه، وإن مات العامل فكذلك، فإمّا أن يتمّوا العمل ولهم حصّة مورثهم وإمّا أن يستأجروا(1) أحداً لإتمام العمل من مال المورث ولو الحصّة المزبورة، فإن زاد شيءٌ كان لهم. نعم إذا اشترط على العامل مباشرته للعمل تبطل بموته.
(مسألة 13): إذا تبيّن بطلان المزارعة بعد ما زرع الأرض، فإن كان البذر لصاحب الأرض كان الزرع له وعليه أجرة العامل، وكذا أجرة العوامل إن كانت من العامل(2)، وإن كان للعامل كان الزرع له وعليه أجرة الأرض، وكذا أجرة العوامل إن كانت من صاحب(3) الأرض، وليس عليه إبقاء الزرع إلى بلوغ الحاصل ولو بالأجرة، فله أن يأمر بقلعه.
(مسألة 14): كيفيّة اشتراك العامل مع المالك في الحاصل تابعةٌ للجعل والقرار الواقع بينهما، فتارةً يشتركان في الزرع من حين طلوعه وبروزه، فيكون حشيشه وقصيله وتبنه وحبّه كلّها مشتركةً بينهما، وأُخرى يشتركان في خصوص حبّه إمّا من حين انعقاده أو بعده إلى زمان حصاده، فيكون الحشيش والقصيل والتبن كلّها لصاحب البذر. هذا مع التصريح منهما، وأمّا مع عدمه فالظاهر من
ــــــ[227]ـــــــ
(1) أو يزارعوا إن تمّت شروط المزارعة أو بنحو المساقاة. وعلى أيّ حال لا يكون ذلك إلَّا بإذن صاحب الأرض. نعم لا يبعد لزوم رضاه.
(2) أو غيره.
(3) أو غيره.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مقتضى وضع المزارعة(1) عند الإطلاق الوجه الأوّل، فالزرع بمجرّد خروجه يكون مشتركاً بينهما. ويترتّب على ذلك أُمور:
منها: كون القصيل والتبن أيضاً بينهما.
ومنها: تعلّق الزكاة(2) بكلّ منهما إذا كان حصّة كلٍّ منهما بالغاً حدّ النصاب، وتعلّقها بمن بلغ نصيبه حدّ النصاب إن بلغ نصيب أحدهما وعدم تعلّقها أصلاً إن لم يبلغ النصاب نصيب واحدٍ منهما.
ومنها: أنَّه لو حصل فسخٌ من أحدهما بخيارٍ أو منهما بالتقايل في الأثناء يكون الزرع بينهما(3)، وليس لصاحب الأرض على العامل أجرة أرضه ولا للعامل عليه أجرة عمله بالنسبة إلى ما مضى.
وأمّا بالنسبة إلى الآتي إلى زمان البلوغ والحصاد، فإن وقع بينهما التراضي بالبقاء بلا أجرةٍ أو معها أو على القطع قصيلاً فلا إشكال، وإلَّا فكلٌّ منهما مسلّطٌ على حصّته، فلصاحب الأرض مطالبة القسمة(4) وإبقاء حصّته وإلزام الزارع بقطع
ــــــ[228]ـــــــ
(1) الزرع لصاحب البذر ما لم يُشترط الخلاف. وعقد المزارعة لا يغيّر شيئاً من ذلك بمجرّده. ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
(2) هذا غير مربوطٍ بملكيّة البذر، بل إن قلنا إنَّ صاحب الحصّة (غير مالك البذر) يملكها قبل قطعها تعلّقت به الزكاة مع انعقاد الحبّ مع سائر الشرائط. وإن قلنا إنَّه لا يملكها إلَّا بالقطع أو القبض وجبت عليه الزكاة عندئذٍ على الأحوط.
(3) وعلى ما قلناه يكون لصاحب البذر إلَّا أن يشترط في المعاملة خلافه.
(4) على فتوى الماتن من الاشتراك أو اشترطا الاشتراك. وعلى ما قلناه إن كان البذر لصاحب الأرض فلا إشكال، وإن كان الزارع أمكن للآخر إلزامه بقطعه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حصّته، كما أنَّ للزارع مطالبتها ليقطع حصّته وتبقى حصّة صاحبه.
(مسألة 15): خراج الأرض ومال الإجارة للأرض المستأجرة على المزارع وليس على الزارع إلَّا إذا شرط عليه كلاً أو بعضاً، وأمّا سائر المؤن كشقّ الأنهار وحفر الآبار وإصلاح النهر وتهيئة آلات السقي ونصب الدولاب والناعور ونحو ذلك فلابدَّ من تعيين كونها على أيٍّ منهما إلَّا إذا كانت هناك عادةٌ تغني عن التعيين.
(مسألة 16): يجوز لكلٍّ من المالك والزارع عند بلوغ الحاصل تقبّل حصّة الآخر بحسب الخرص بمقدارٍ معيّنٍ بالتراضي، والأقوى لزومه من الطرفين بعد القبول، وإن تبيّن بعد ذلك زيادتها أو نقيصتها فعلى المتقبّل تمام ذلك المقدار ولو تبيّن أنَّ حصّة صاحبه أقلّ منه، كما أنَّ على صاحبه قبول ذلك وإن تبيّن كونها أكثر منه وليس له مطالبة الزائد.
(مسألة 17): إذا بقيت في الأرض أصول الزرع بعد جمع الحاصل وانقضاء المدّة فنبتت بعد ذلك في العام القابل، فإن كان القرار الواقع بينهما على اشتراكهما في الزرع وأصوله كان الزرع الجديد بينهما على حسب الزرع السابق، وإن كان القرار على اشتراكهما فيما خرج من الزرع في ذلك العام الجديد لصاحب البذر إلَّا إذا أعرض عنه فهو لمن سبق.
(مسألة 18): يجوز المزارعة على أرضٍ بائرةٍ لا يمكن زرعها إلَّا بعد إصلاحها وتعميرها على أن يعمّرها ويصلحها ويزرعها سنةً أو سنتين مثلاً لنفسه، ثم يكون الحاصل بينهما بالإشاعة بحصّةٍ معيّنةٍ في مدّةٍ مقدّرةٍ.
ــــــ[229]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[230]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب المساقاة
وهي المعاملة على أصولٍ ثابتةٍ بأن يسقيها مدّةً معيّنةً بحصّةٍ من ثمرها، وهي عقدٌ من العقود يحتاج إلى إيجابٍ وقبولٍ، واللفظ الصريح في إيجابها أن يقول ربّ الأصول: «ساقيتك» أو «عاملتك» أو «سلّمت إليك» وما أشبه ذلك، وفي القبول: «قبلت» ونحو ذلك. ويكفي فيهما كلّ لفظٍ(1) دالٍّ على المعنى المذكور بأيّ لغةٍ كانت، والظاهر كفاية القبول الفعليّ بعد الإيجاب القوليّ كالمزارعة. ويعتبر فيها -بعد شرائط المتعاقدين من البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم الحجر-: أن تكون الأصول مملوكةً عيناً ومنفعةً، أو منفعةً(2) فقط، وأن تكون معيّنةً عندهما معلومةً لديهما، وأن تكون مغروسةً ثابتةً، فلا تصحّ في الفسيل قبل الغرس ولا على أصولٍ غير ثابتةٍ(3) كالبطّيخ والخيار والباذنجان وأشباهها، وأن تكون المدّة معلومةً مقدّرةً بما لا يحتمل الزيادة والنقصان كالأشهر والسنين، والظاهر كفاية جعل المدّة إلى بلوغ الثمر في العام الواحد إذا عيّن مبدأ الشروع في السقي، وأن تكون الحصّة معيّنةً مشاعةً بينهما مقدّرةً بمثل النصف أو الثلث أو الربع ونحو
ــــــ[231]ـــــــ
(1) ولا يعتبر الصراحة ولا الماضويّة ولا تقدّم الإيجاب.
(2) ولو باعتبار مزارعةٍ نافذةٍ.
(3) والأقوى الصحّة.تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ذلك، فلا تصحّ(1) أن يجعل لأحدهما مقداراً معيّناً والبقية للآخر، أو يجعل لأحدهما أشجاراً معلومةً وللآخر أُخرى. نعم لا يبعد جواز أن يشترط اختصاص أحدهما بأشجارٍ معلومةٍ والاشتراك في البقيّة، أو يشترط لأحدهما مقدارٌ معيّنٌ مع الاشتراك في البقية إذا علم كون الثمر أزيد من ذلك المقدار وأنَّه تبقى منه بقيّة.
(مسألة 1): لا إشكال في صحّة المساقاة قبل ظهور الثمر، كما لا إشكال في عدم الصحّة بعد البلوغ والإدراك بحيث لا يحتاج إلى عملٍ غير الحفظ والاقتطاف، وفي صحّتها بعد الظهور وقبل البلوغ قولان أقواهما أوّلهما، خصوصاً إذا كان في جملتها بعض الأشجار التي لم تظهر بعد ثمرها.
(مسألة 2): لا يجوز المساقاة على الأشجار الغير المثمرة كالخلاف ونحوه.
نعم لا يبعد جوازها على ما ينتفع منها بورقةٍ منها كالتوت الذكر والحنّاء ونحوهما.
(مسألة 3): يجوز المساقاة على فسلانٍ مغروسةٍ قبل أن تصير مثمرةً بشرط أن تجعل المدّة بمقدارٍ تصير مثمرةً فيها كخمس سنين أو ستٍّ أو أزيد.
(مسألة 4): إذا كانت الأشجار لا تحتاج إلى السقي لاستغنائها بماء السماء أو لمصّها من رطوبات الأرض، ولكن احتاجت إلى إعمالٍ أُخرى يشكل صحّة(2) المساقاة عليها، فلا يترك فيه الاحتياط.
ــــــ[232]ـــــــ
(1) يعني: بصفتها مساقاةً، فإن أريد ذلك فلابدّ من عنوان الصلح.
(2) من جهة عدم صدق السفر عندئذٍ، إلَّا أنَّ الأقوى الصحّة، واحتياط الماتن استحبابيّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 5): إذا اشتملت البستان على أنواعٍ من الشجر والنخيل يجوز أن يفرد كلّ نوعٍ بحصّةٍ مخالفةٍ للحصّة من النوع الآخر، كما إذا جعل النصف في ثمرة النخل والثلث في الكرم والربع في الرمّان مثلاً، لكن إذا علما بمقدار كلّ نوعٍ من الأنواع.
(مسألة 6): من المعلوم أنَّ ما تحتاج إليه البساتين والنخيل والأشجار في إصلاحها وتعميرها واستزادة ثمارها وحفظها أعمالٌ كثيرةٌ:
فمنها: ما يتكرّر كلّ سنة، مثل إصلاح الأرض وتنقية الأنهار وإصلاح طريق الماء وإزالة الحشيش المضرّ وتهذيب جرائد النخل والكرم والتلقيح واللقاط والتشميس وإصلاح موضعه وحفظ الثمرة إلى وقت القسمة وغير ذلك.
ومنها: ما لا يتكرّر غالباً كحفر الآبار والأنهار وبناء الحائط والدولاب والدالية ونحو ذلك. فمع إطلاق عقد المساقاة الظاهر أنَّ القسم الثاني على المالك، وأمّا القسم الأوّل فيتبع التعارف(1) والعادة، فما جرت العادة على كونه على المالك أو العامل كان هو المتّبع ولا يحتاج إلى التعيين، ولعلّ ذلك يختلف باختلاف البلاد، وإذا لم يكن عادةٌ لا بدَّ من التعيين وأنَّه على المالك أو العامل.
(مسألة 7): المساقاة لازمةٌ من الطرفين لا تنفسخ إلَّا بالتقايل أو الفسخ بخيار بسبب الاشتراط أو تخلّف بعض الشروط، ولا تبطل بموت أحدهما بل يقوم وارثهما(2) مقامهما. نعم لو كانت مقيّدةً بمباشرة العامل تبطل بموته.
ــــــ[233]ـــــــ
(1) والظاهر كونه على العامل.
(2) لكن يحتاج وارث العامل إلى الإذن بالتصرّف بالأرض، إلَّا أنَّ الظاهر إلزام المالك بالرضا ما لم يفسخ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 8): لا يشترط في المساقاة أن يكون العامل مباشراً للعمل بنفسه، فيجوز أن يستأجر أجيراً لبعض الأعمال وتمامها(1) ويكون عليه الأجرة، وكذا يجوز(2) أن يتبرّع عنه متبرّعٌ بالعمل ويستحقّ العامل الحصّة المقرّرة. نعم لو لم يقصد التبرّع عنه ففي كفايته إشكال(3)، وأشكل منه إذا قصد التبرّع عن المالك(4)، وكذا الحال(5) فيما إذا لم يكن عليه إلَّا السقي ويستغنى عنه بالأمطار ولم يحتج إلى السقي أصلاً. نعم لو كان عليه أعمالٌ أُخرى غير السقي واستغنى عنه بالمطر وبقي سائر الأعمال فالظاهر استحقاق حصّته.
(مسألة 9): يجوز أن يشترط للعامل مع الحصّة من الثمر شيئاً آخر من ذهبٍ أو فضّةٍ أو غيرهما، وكذا حصّةً من الأصول مشاعاً أو مفروزاً.
(مسألة 10): كلّ موضعٍ بطل فيه عقد المساقاة يكون الثمر للمالك وللعامل أجرة مثل عمله إلَّا إذا كان عالماً بالفساد ومع ذلك أقدم على العمل.
(مسألة 11): يملك العامل الحصّة من الثمر حين ظهوره، فإذا مات بعد
ــــــ[234]ـــــــ
(1)إن كان بنحو المساقاة احتاج إلى أمرين:
…..أحدهما: إذن المالك للثاني التصرّف بأرضه وإلَّا بطلت.
…..والآخر: أن يعمل الأوّل عملاً أو ينفق نفقةً طبقاً للمساقاة الأولى. وإن كانت المعاملة الثانية أجارةً توقّفت على الشرط الأوّل فقط.
(2) مع إذن المالك بتصرّفه في الأرض.
(3) بل تكون إجارةً معاطاتيّةً عن العامل.
(4) فإن قام بكلّ الأعمال زال موضوع المساقاة.
(5) إذا بقيت على العامل أعمالٌ أُخرى فلا إشكال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الظهور قبل القسمة وبطلت المساقاة من جهة أنَّه قد اشترط مباشرته للعمل انتقلت إلى وارثه وتجب عليه الزكاة إذا بلغت حصّته النصاب.
(مسألة 12): المغارسة باطلةٌ، وهي أن يدفع أرضاً إلى غيره ليغرس فيها على أن يكون المغروس بينهما، سواءٌ اشترط كون حصّةٍ من الأرض أيضاً للعامل أو لا، وسواءٌ كانت الأصول من المالك أو من العامل، وحينئذٍ يكون الغرس لصاحبه، فإن كانت من مالك الأرض فعليه أجرة عمل(1) الغارس، وإن كانت من الغارس فعليه أجرة الأرض(2) للمالك، فإن تراضيا على الإبقاء بالأجرة أو لا معها فذاك وإلَّا فلمالك الأرض الأمر بالقلع وعليه أرش نقصانه إن نقص بسبب القلع، كما أنَّ للغارس قلعه وعليه طمّ الحفر ونحو ذلك ممّا حصل بالغرس، وليس لصاحب الأرض إلزامه بالإبقاء ولو بلا أجرة(3).
(مسألة 13): بعد بطلان المغارسة يمكن أن يتوصّل إلى نتيجتها بإدخالها تحت عنوانٍ آخر(4) مشروعٍ، كأن يشتركا في الأصول إمّا بشرائها بالشركة- ولو بأن يوكل صاحب الأرض الغارس في أنَّ كلّ ما يشتري من الفسيل يشتريه لهما بالاشتراك ثُمَّ يؤاجر(5) الغارس نفسه لغرس حصّة صاحب الأرض وسقيها
ــــــ[235]ـــــــ
(1) إلَّا إذا كان قد عمل مع علمه بالبطلان.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(3) كان الأَولى أن يقول: ولو بأجرةٍ فإنَّه الفرد الأخفى عادةً.
(4) صحّتها بعنوان الصلح محلّ إشكال.
(5) أو بعنوان الصلح عندئذٍ أو بعنوان المزارعة مع اجتماع شرائطها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وخدمتها في مدّة معيّنة بنصف منفعة أرضه إلى تلك المدّة أو بنصف عينها، أو بتمليك أحدهما للآخر نصف الأصول. مثلاً: إذا كانت من أحدهما ويجعل العوض إذا كانت من صاحب الأرض الغرس والخدمة إلى مدّةٍ معيّنةٍ شارطاً على نفسه بقاء حصّة الغارس في أرضه مجّاناً(1) إلى تلك المدّة، وإذا كانت من الغارس يجعل العوض نصف عين الأرض أو نصف منفعتها إلى مدّةٍ معيّنةٍ شارطاً على نفسه غرس حصّة صاحب الأرض وخدمتها إلى تلك المدّة.
(مسألة 14): الخراج الذي يأخذه السلطان من النخيل والأشجار في الأراضي الخراجيّة على المالك إلَّا إذا اشترطا كونه على العامل أو عليهما.
(مسألة 15): لا يجوز للعامل في المساقاة أن يساقي غيره إلَّا بإذن المالك، لكنّ مرجع إذنه(2) فيها إلى توكيله في إيقاع مساقاةٍ أُخرى للمالك مع شخصٍ ثالثٍ بعد فسخ المساقاة الأُولى، فلا يستحقّ العامل الأوّل شيئاً.
ــــــ[236]ـــــــ
(1) قصد الماتن أن يكون نصف الغرس بإزاء عمله، وليس مجّاناً حقيقةً.
(2) هذا تابعٌ للقصد، مع أنَّ فرض المسألة كونها مساقاةً طوليّةً فلا تنفسخ الأولى. نعم، قلنا إنَّها لا تصحّ ما لم يعمل العامل عملاً أو ينفق نفقةً طبقاً للمعاملة الأولى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الدَّين والقرض
الدين هو المال الكلّي الثابت في ذمّة شخصٍ لآخر(1) بسببٍ من الأسباب، ويقال لمن اشتغلت ذمّته به: «المديون» و«المدين» وللآخر «الدائن» و«الغريم».
وسببه إمّا الاقتراض أو أُمورٌ أُخر اختياريّةٌ كجعله مبيعاً في السَلَم أو ثمناً في النسيئة أو أجرةً في الإجارة أو صداقاً في النكاح أو عوضاً للطلاق في الخلع وغير ذلك، أو قهريّةٌ(2) كما في مورد الضمانات ونفقة الزوجة الدائمة ونحو ذلك، وله أحكامٌ مشتركةٌ وأحكامٌ مختصّةٌ بالقرض:
القول في أحكام الدين
(مسألة 1): الدَّين إمّا حالٌّ، وهو: ما كان(3) للدائن مطالبته واقتضاؤه، ويجب
ــــــ[237]ـــــــ
(1) فإن كان الآخر معلوماً فهو وإلَّا كان من مجهول المالك الذمّي، ويسمّى بردّ المظالم. ولا يبعد شموله للتصرّف بمجهول المالك أو باللقطة أو الأمانة الشرعيّة مجهولة المالك (كما لو مات صاحبها قبل الردّ ولا نعلم وارثه) إلى غير ذلك. والمهمّ حصول التصرّف المؤدّي إلى الضمان بالإتلاف أو الإنقاص عيناً أو صفةً.
(2) المهمّ أنَّها بحكم الشارع لا عوضاً في معاملةٍ، وإن كان السبب اختياريّاً، كما لو أتلف باختياره.
(3) كان الأولى تعريفه: بأنَّه ما ليس له أجلٌ، لكي لا يكون التعريف بحكمه الشرعيّ كما في المتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
على المديون أداؤه مع التمكّن واليسار في كلّ وقت. وإمّا مؤجّلٌ، وهو ما لم يكن(1) للدائن حقّ المطالبة، ولا يجب على المديون القضاء إلَّا بعد انقضاء المدّة المضروبة وحلول الأجل. وتعيين الأجل تارةً بجعل المتداينين كما في السلم والنسيئة، وأُخرى بجعل الشارع كالنجوم والأقساط المقرّرة في الدية كما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
(مسألة 2): إذا كان الدَّين حالاً أو مؤجّلاً وقد حلّ الأجل فكما يجب على المديون الموسر أداؤه عند مطالبة الدائن، كذلك يجب(2) على الدائن أخذه وتسلّمه إذا صار المديون بصدد أدائه وتفريغ ذمّته، وأمّا الدين المؤجّل قبل حلول الأجل فلا إشكال في أنَّه ليس للدائن حقّ المطالبة، وإنَّما الإشكال في أنَّه هل يجب عليه القبول لو تبرّع المديون بأدائه؟ وجهان بل قولان أقواهما الثاني، إلَّا إذا علم(3) بالقرائن أنَّ التأجيل لمجرّد إرفاقٍ على المديون من دون أن يكون حقّاً للدائن.
(مسألة 3): قد عرفت أنَّه إذا أدّى المديون الدَّين عند حلوله يجب على الدائن أخذه، فإذا امتنع أجبره الحاكم لو التمس منه المديون، ولو تعذّر إجباره أحضره عنده ومكّنه منه بحيث صار تحت يده وسلطانه عرفاً وبه تفرغ ذمّته، ولو تلف بعد ذلك لا ضمان عليه وكان من مال الدائن، ولو تعذّر عليه ذلك له أن يسلّمه إلى الحاكم وقد فرغت ذمّته. وهل يجب على الحاكم القبول؟ فيه تأمّلٌ وإشكالٌ(4).
ــــــ[238]ـــــــ
(1) كان الأَولى تعريفه: أنَّه المقترن بالزمن المستقبل؛ لكي لا يكون تعريفاً بالحكم كما سبق.
(2) فإن امتنع أجبره الحاكم، أو قبض بالولاية عنه.
(3) هذا معناه عدم الأجل عرفاً.
(4) لا يبعد الوجوب من باب فضّ الخصومات إن وجدت.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ولو لم يوجد الحاكم فله أن يعيّن الدين(1) في مالٍ مخصوصٍ ويعزله وبه تبرأ ذمّته، وليس عليه ضمانٌ لو تلف من غير تفريطٍ منه. هذا إذا كان الدائن حاضراً وامتنع من أخذه، ولو كان غائباً ولا يمكن إيصال المال إليه وأراد المديون تفريغ ذمّته أوصله إلى الحاكم مع وجوده، وفي وجوب القبول عليه الإشكال السابق(2)، ولو لم(3) يوجد الحاكم يبقى في ذمّته إلى أن يوصله إلى الدائن أو مَن يقوم مقامه.
(مسألة 4): يجوز التبرّع بأداء دين الغير حيّاً كان أو ميّتاً، وبه تبرأ ذمّته وإن كان بغير إذنه، بل وإن منعه. ويجب على مَن له الدين القبول كما في أدائه عن نفسه.
(مسألة 5): لا يتعيّن الدَّين فيما عيّنه المدين ولا يصير ملكاً للدائن ما لم يقبضه إلَّا إذا سقط اعتبار قبضه بسبب الامتناع كما مرّ، فلو كان عليه درهمٌ وأخرج من كيسه درهماً ليدفعه إليه وفاءً عمّا عليه وقبل وصوله بيده سقط وتلف كان التالف من ماله وبقي ما في ذمّته على حاله.
(مسألة 6): يحلّ الدين المؤجّل إذا مات المديون قبل حلول الأجل، ولو مات الدائن يبقى على حاله ينتظر ورثته انقضاء الأجل، فلو كان الصداق مؤجّلاً إلى مدّةٍ معيّنةٍ ومات الزوج قبل حلوله استحقّت الزوجة مطالبته بعد موته، بخلاف ما إذا ماتت الزوجة فليس لورثتها المطالبة قبل انقضاء المدّة. ولا يلحق بموت
ــــــ[239]ـــــــ
(1) مع عدم الحاكم فالظاهر حصول الولاية لعدول المؤمنين، ومع عدمهم فالعزل على إشكال.
(2) مع التعليق السابق.
(3) تنتقل الولاية عندئذٍ إلى عدول المؤمنين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الزوج طلاقه، فلو طلّق زوجته يبقى صداقها المؤجّل على حاله، كما أنَّه لا يلحق بموت المديون تحجيره بسبب الفلس، فلو كان عليه ديونٌ حالّةٌ وديونٌ مؤجّلةٌ يقسّم ماله بين أرباب الديون الحالّة ولا يشاركهم أرباب المؤجّلة.
(مسألة 7): لا يجوز بيع الدين بالدين، بأن كان العوضان كلاهما ديناً قبل البيع، كما إذا كان لأحدهما على الآخر طعامٌ كوزنةٍ من حنطةٍ وللآخر عليه طعامٌ آخر كوزنةٍ من شعيرٍ فباع الشعير الذي له على الآخر بالحنطة التي للآخر عليه، أو كان لأحدهما على شخصٍ طعامٌ ولآخر على ذلك الشخص طعامٌ آخر فباع ما له على ذلك الشخص بما للآخر على ذلك الشخص، أو كان لأحدهما طعامٌ على شخصٍ وللآخر طعامٌ على شخصٍ آخر فبيع أحد الطعامين بالآخر. وأمّا إذا(1) لم يكن العوضان كلاهما ديناً قبل البيع وإن صارا معاً أو صار أحدهما ديناً بسبب البيع – كما إذا باع ماله في ذمّة الآخر بثمنٍ في ذمّته نسيئةً مثلاً- فله شقوقٌ وصورٌ كثيرةٌ لا يسع هذا المختصر تفصيلها.
(مسألة 8): يجوز تعجيل الدين المؤجّل بنقصانٍ مع التراضي، وهو الذي يسمّى في الوقت الحاضر في لسان التجّار بالنزول، ولا يجوز تأجيل الحال ولا زيادة أجل المؤجّل بزيادة. نعم لا بأس(2) بالاحتياط بجعل الزيادة المطلوبة في ثمن
ــــــ[240]ـــــــ
(1) لا يترك الاحتياط بتركه، والماتن لم يصرّح بالجواز.
(2) هذا من التسامح في التعبير فإنَّ الماتن لم يقل بالجواز لكي يأمر بالاحتياط. وما هو محرّم ليس فيه احتياط. والمراد: أنَّه إذا أراد الطرفان التوصّل إلى تلك النتيجة أمكنهم بهذه الطريقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مبيعٍ مثلاً ويجعل التأجيل والتأخير إلى أجلٍ معيّنٍ شرطاً على البائع، بأن يبيع الدائن من الدين مثلاً ما يسوى عشرة دراهم بخمسة عشر درهماً على أن لا يطالب المشتري الدين الذي عليه إلى وقت كذا، ومثله ما إذا باع المديون من الدائن ما يكون قيمته خمسة عشر درهماً بعشرة شارطاً عليه تأخير الدين إلى وقت كذا.
(مسألة 9): لا يجوز قسمة الدين، فإذا كان لاثنين دَينٌ مشتركٌ على ذممٍ متعدّدةٍ – كما إذا باعا عيناً مشتركاً بينهما من أشخاصٍ أو كان لمورثهما دينٌ على أشخاصٍ فورثاه فجعلا بعد التعديل ما في ذمّة بعضهم لأحدهما وما في ذمّة آخرين لآخر- لم يصحّ وبقي ما في الذمم على الاشتراك السابق، فكلّ ما استوفى منها يكون بينهما وكلّ ما توي وتلف(1) يكون منهما. نعم الظاهر كما مرّ في كتاب الشركة أنَّه إذا كان لهما دينٌ مشتركٌ على أحدٍ يجوز أن يستوفي أحدهما منه حصّته، فيتعيّن له(2) ويبقى حصّة الآخر في ذمّته، وهذا ليس من قسمة الدين في شيء.
(مسألة 10): يجب على المديون عند حلول الدين ومطالبة الدائن السعي في أدائه بكلّ وسيلةٍ ولو ببيع سلعته ومتاعه وعقاره أو مطالبة غريمٍ له أو إجارة أملاكه وغير ذلك، وهل يجب عليه التكسّب اللائق بحاله من حيث الشرف والقدرة؟ وجهان بل قولان أحوطهما ذلك، خصوصاً فيما لا يحتاج إلى تكلّفٍ وفيمن شغله التكسّب، بل وجوبه حينئذٍ قويٌّ جداً. نعم يستثنى من ذلك بيع دار
ــــــ[241]ـــــــ
(1) ما في الذمّة لا يقبل التلف ولعلّ المراد جحود الدائن أو غيابه ونحو ذلك.
(2) والأحوط استئذان الشريك كما قلنا هناك.تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
سكناه وثيابه المحتاج إليها ولو للتجمّل(1) ودابّة ركوبه(2) وخادمه إذا كان(3) من أهلهما واحتاج إليهما، بل وضروريّات بيته من فراشه وغطائه وظروفه وإنائه لأكله وشربه وطبخه ولو لأضيافه، مراعياً في ذلك كلّه مقدار الحاجة بحسب حاله وشرفه وأنَّه بحيث لو كلّف ببيعها لوقع في عسرٍ وشدّةٍ وحزازةٍ ومنقصةٍ. وهذه كلّها مستثنيات الدَّين لا خصوص الدار والمركوب والخادم والثياب، بل لا يبعد أن يعدّ منها الكتب العلميّة(4) لأهلها بمقدار ما يحتاج إليه بحسب حاله ومرتبته.
(مسألة 11): لو كانت دار سكناه أزيد عمّا يحتاجه(5) سكن ما احتاجه وباع ما فضل عن حاجته أو باعها واشترى ما هو أدون ممّا يليق بحاله، وإذا كانت له دورٌ متعدّدةٌ واحتاج إليها لسكناه لم يبع شيئاً منها، وكذلك الحال في الخادم والمركوب والثياب.
(مسألة 12): لو كانت عنده دارٌ موقوفةٌ عليه تكفي لسكناه وله دارٌ مملوكة الأحوط لو لم يكن الأقوى أن يبيع المملوكة ويكتفي بالموقوفة.
(مسألة 13): إنَّما لا تباع دار السكنى في أداء الدَّين ما دام المديون حيّاً(6)، فلو
ــــــ[242]ـــــــ
(1) بدون بذخٍ وإسرافٍ.
(2) ولا يبعد إلحاق مثل السيّارة والدرّاجة بها.
(3) على الأحوط وإن كان الأقوى الإطلاق.
(4) كلٌّ حسب اختصاصه، بل وغير العلميّة إن ناسبت شأنه.
(5) بما فيه اللياقة بحاله.
(6) بحيث لم يبقَ له ساكنٌ من ورثته أو متعلّقيه، وبخلافه جاز الاحتفاظ بها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مات ولم يترك غير دار سكناه تباع وتصرّف في الدين.
(مسألة 14): معنى كون الدار ونحوها من مستثنيات الدين أنَّه لا يجبر على بيعها لأجل أدائه ولا يجب عليه ذلك، وأمّا لو رضي هو بذلك وقضى به دَينه جاز للدائن أخذه. نعم ينبغي أن لا يرضى ببيع مسكنه ولا يكون سبباً له وإن رضي هو به وأراده، ففي خبر عثمان بن زياد قال: قلت لأبي عبد الله: إنَّ لي على رجلٍ ديناً وقد أراد أن يبيع داره فيقضي لي. فقال أبو عبد الله: أعيذك بالله أن تخرجه من ظلّ رأسه، أعيذك بالله أن تخرجه من ظلّ رأسه، أعيذك بالله أن تخرجه من ظلّ رأسه.
(مسألة 15): لو كان عنده متاعٌ أو سلعةٌ أو عقارٌ زائداً على المستثنيات لا تباع إلَّا بأقلّ من قيمتها يجب بيعها للدين عند حلوله ومطالبة صاحبه، ولا يجوز له التأخير وانتظار من يشتريها بالقيمة. نعم لو كان ما يشترى به أقلّ من قيمته بكثيرٍ جدّاً بحيث يعدّ تضييعاً للمال وإتلافاً له لا يبعد عدم وجوب بيعه.
(مسألة 16): وكما لا يجب على المعسر الأداء والقضاء يحرم على الدائن إعساره بالمطالبة والاقتضاء، بل يجب أن يُنظره إلى اليسار، فعن النبيّ: وكما لا يحلّ لغريمك أن يمطلك وهو موسرٌ لا يحلّ لك أن تعسره إذا علمت أنَّه معسر.
وعن مولانا الصادق في وصيّةٍ طويلةٍ كتبها إلى أصحابه: إيّاكم وإعسار أحدٍ من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بشيءٍ يكون لكم قبله وهو معسرٌ، فإنَّ أبانا رسول الله كان يقول: ليس للمسلم أن يعسر مسلماً، ومن أنظر معسراً أظلّه الله يوم القيامة بظلّه يوم لا ظلّ إلَّا ظلّه.
ــــــ[243]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وعن مولانا الباقر قال: يبعث يوم القيامة قومٌ تحت ظلّ العرش وجوههم من نور ورياشهم من نور جلوسٌ على كراسي من نور – إلى أن قال- فينادي منادٍ: هؤلاء قومٌ كانوا ييسّرون على المؤمنين ينظرون المعسر حتّى ييسر.
وعنه قال: قال رسول الله: مَن سرّه أن يقيه الله من نفحات جهنّم فليُنظر معسراً أو ليدَع له من حقّه. والأخبار في هذا المعنى كثيرة.
(مسألة 17): مماطلة الدائن مع القدرة معصيةٌ كبيرةٌ؛ فعن النبيّ: مَن مطل على ذي حقّ حقّه وهو يقدر على أداء حقّه فعليه كلّ يوم خطيئة عشّار. بل يجب عليه نية القضاء مع عدم القدرة، بأن يكون من قصده الأداء عند القدرة.
القول في القرض
وهو تمليك مالٍ(1) لآخر بالضمان، بأن يكون على عهدته أدائه بنفسه أو بمثله أو قيمته، ويقال للمملّك: «المقرض» وللمتملّك: «المقترض» و«المستقرض».
(مسألة 1): يكره الاقتراض مع عدم الحاجة، وتخفّ كراهته مع الحاجة، وكلّما خفّت الحاجة اشتدّت الكراهة، وكلّما اشتدّت خفّت إلى أن تزول، بل ربّما وجب إذا توقّف عليه أمرٌ واجبٌ كحفظ نفسه أو عرضه ونحو ذلك، فعن مولانا أمير المؤمنين: إيّاكم والدَّين فإنَّها مذلّةٌ بالنهار ومَهمّةٌ بالليل وقضاءٌ في الدنيا
ــــــ[244]ـــــــ
(1) أو هو تمليك مالٍ عاجلٍ بمال آجلٍ، أو هو دفع ماليّةٍ بشرط إرجاعها آجلاً. وهو مبنيّ على أنَّ الملكيّة من أحكام القرض فلا يدخل في التعريف. كما أنَّه مبنيّ على لحاظ الوحدة العرفيّة بين المدفوع والمستلم. أو أنَّ القرض: هو العقد الموجب لذلك. أعني لأحد التعاريف السابقة بما فيها المذكور في المتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وقضاءٌ في الآخرة. وعن مولانا الكاظم: مَن طلب هذا الرزق من حلّه ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله، فإن غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله ما يقوت به عياله. والأحوط لمن لم يكن عنده ما يوفي به دَينه ولم يترقّب حصوله عدم الاستدانة إلَّا عند الضرورة.
(مسألة 2): إقراض المؤمن من المستحبّات الأكيدة، سيّما لذوي الحاجة، لما فيه من قضاء حاجته وكشف كربته، وقد قال النبيّ: مَن كشف عن مسلمٍ كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربه يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في حاجة أخيه. وعنه: مَن أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة وكان هو في صلاةٍ من الملائكة حتّى يؤدّيه، ومن أقرض أخاه المسلم كان له بكلّ درهمٍ أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوى وطور سيناء حسناتٌ، وإن رفق به في طلبه تعدّى على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حسابٍ ولا عذابٍ، ومن شكا إليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرّم الله عزّ وجلّ عليه الجنّة يوم يجزي المحسنين.
(مسألة 3): حيث إنَّ القرض عقدٌ من العقود، يحتاج إلى إيجابٍ كقوله: «أقرضتك» وما يؤدّي معناه، وقبولٍ دالٍّ على الرضا بالإيجاب. ولا يعتبر في عقده العربية، بل يقع بكلّ لغةٍ، بل الظاهر جريان المعاطاة فيه، فيتحقّق حقيقته بإقباض العين وقبضها وتسلّمها بهذا العنوان من دون احتياجٍ إلى الصيغة. ويعتبر في المقرض والمقترض ما يعتبر في المتعاقدين في سائر المعاملات والعقود من البلوغ والعقل والقصد والاختيار.
ــــــ[245]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 4): يعتبر في المال أن يكون عيناً مملوكاً(1)، فلا يصحّ إقراض الدين(2) ولا المنفعة ولا ما لا يصحّ تملّكه كالخمر والخنزير، ولا يعتبر كونه عيناً شخصيّاً، فيصحّ إقراض(3) الكلّي، بأن يوقع العقد على الكلّي وإن كان إقباضه لا يكون إلَّا بدفع عينٍ شخصيّ. ويعتبر مع ذلك كونه ممّا يمكن ضبط أوصافه وخصوصيّاته التي تختلف باختلافها القيمة والرغبات مثليّاً كان كالحبوبات والأدهان ونحوهما أو قيميّاً كالأغنام والجواري والعبيد وأمثالها، فلا يجوز إقراض ما لا يمكن ضبط أوصافه إلَّا بالمشاهدة(4) كاللحم والجواهر ونحوهما.
(مسألة 5): لا بدَّ من أن يقع القرض على معيّن، فلا يصحّ إقراض المبهم كأحد هذين، وأن يكون المال معيّناً قدره بالكيل أو الوزن فيما يكال أو يوزن وبالعدّ فيما يقدر بالعدّ، فلا يصحّ إقراض صبرةٍ من طعامٍ جزافاً، ولو قدّر بكيلةٍ معيّنةٍ وملء إناءٍ معيّنٍ غير الكيل المتعارف أو وزن بصخرةٍ معيّنةٍ غير العيار المتعارف عند العامّة لم يبعد(5) الاكتفاء به، لكنّ الأحوط خلافه.
(مسألة 6): يشترط في صحّة القرض القبض والإقباض، فلا يملك
ــــــ[246]ـــــــ
(1) فلو لم يكن مملوكاً كان فضوليّاً. والفضوليّة جاريةٌ فيه.
(2) إذا كان يجوز إقراض الكلّي كما سيأتي من الماتن فلماذا لا يجوز إقراض الدين فيكون شبيهاً بالحوالة ويعطي المدين ما عليه إلى شخصٍ آخر ليكون هو المدين. ومقتضى القاعدة جوازه.
(3) إلَّا أنَّ هذا لا تجري فيه المعاطاة ولا تشتغل الذمّة إلَّا بالقبض.
(4) لا دليل على المنع إلَّا من حيث صعوبة تعيين مثله أو قيمته عند الأداء. ومع تعذّره يكون الإقراض متعذّراً. وليس المدار على ما في المتن.
(5) على أن يكون الأداء بها أيضاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المستقرض المال المقترض إلَّا بعد القبض، ولا يتوقّف على التصرّف.
(مسألة 7): الأقوى أنَّ القرض عقدٌ لازمٌ، فليس للمقرض فسخه والرجوع بالعين المقترضة لو كانت موجودةً. نعم له(1) عدم الإنظار ومطالبة المقترض بالأداء والقضاء ولو قبل قضاء وطره ومضيّ زمانٍ يمكن فيه ذلك.
(مسألة 8): لو كان المال المقترض مثليّاً كالحنطة والشعير والذهب والفضّة ونحوها ثبت في ذمّة المقترض مثل ما اقترض(2)، ولو كان قيميّاً كالغنم ونحوها ثبت في ذمّته قيمته. وفي اعتبار قيمة وقت الاقتراض أو قيمة حال الأداء والقضاء وجهان، الأحوط التراضي(3) والتصالح في مقدار التفاوت بين القيمتين لو كان.
(مسألة 9): لا يجوز شرط الزيادة، بأن يقرض مالاً على أن يؤدّي المقترض أزيد ممّا اقترضه، سواءٌ اشترطاه صريحاً أو أضمراه بحيث وقع القرض مبنيّاً عليه.
وهذا هو الربا القرضيّ المحرَّم الذي وعدنا ذكره في كتاب البيع وذكرنا هناك بعض ما ورد في الكتاب والسنّة من التشديد عليه. ولا فرق في الزيادة أن تكون عينيّةً كما إذا أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدّي اثني عشر، أو عملاً كخياطة ثوبٍ له، أو منفعةً أو انتفاعاً كالانتفاع بالعين المرهونة عنده، أو صفةً مثل أن يقرضه
ــــــ[247]ـــــــ
(1) يعني مع وجود حقّ الخيار له. وأمّا بدونه فلا.
(2) ومقتضى القاعدة وجوب أدائه مثليّاً أو أداء مثله. إلَّا بأحد أسبابٍ منها: التراضي على القيمة. ومنها: تعذّر المثل والتنزّل إلى القيمة. ومنها: تسالم السوق على العمل بالقيمة كما في زماننا الحاضر. ومن هنا نقول بجواز أداء قيمة المثليّ في مثل هذا السوق.
(3) استحباباً والمدار هو قيمة وقت الاقتراض، فإنَّه هو وقت اشتغال الذمّة ولا دليل على نقصان ما في الذمّة أو زيادته.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
دراهم مكسورةً على أن يؤدّيها صحيحةً. وكذا لا فرق بين أن يكون المال المقترض ربويّاً بأن كان من المكيل والموزون، وغيره بأن كان معدوداً كالجوز والبيض.
(مسألة 10): إذا أقرضه شيئاً وشرط عليه أن يبيع منه شيئاً بأقلّ من قيمته أو يؤاجره بأقلّ من أجرته كان داخلاً في شرط الزيادة. نعم لو باع المقترض من المقرض مالاً بأقلّ من قيمته وشرط عليه أن يقرضه مبلغاً معيّناً لا بأس به وإن أفاد فائدة الأوّل، وبه يحتال في الفرار عن الربا كسائر الحيل الشرعيّة، ولنعم الفرار من الحرام إلى الحلال.
(مسألة 11): إنَّما يحرم الزيادة مع الشرط، وأمّا بدونه فلا بأس به، بل يستحبّ ذلك للمقترض، حيث إنَّه [من] حسن القضاء وخيرُ الناس أحسنهم قضاءً، بل يجوز ذلك إعطاءً وأخذاً لو كان الإعطاء لأجل أن يراه المقرض حسن القضاء فيقرضه كلّما احتاج إلى الاقتراض، أو كان الاقتراض لأجل أن ينتفع من المقترض لكونه حسن القضاء ويكافئ من أحسن إليه بأحسن الجزاء بحيث لو لا ذلك لم يقرضه.
نعم يكره أخذه للمقرض، خصوصاً إذا كان إقراضه لأجل ذلك، بل يستحبّ أنَّه إذا أعطاه المقترض شيئاً بعنوان الهدية ونحوها أن يحسبه عوض طلبه، بمعنى أنه يسقط منه بمقداره.
(مسألة 12): إنَّما يحرم شرط الزيادة للمقرض على المقترض، فلا بأس بشرطها للمقترض، كما إذا أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدّي ثمانية، أو أقرضه دراهم صحيحةً على أن يؤدّيها مكسورةً، فما تداول بين التجّار من أخذ الزيادة
ــــــ[248]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وإعطائها في الحوايل التي اصطلح عليها العجم بكلمة (بصرف برات) والعراقيون تبعاً للأتراك باللفظ (باش) ويطلقون عليه بيع الحوالة وشراءها، إن كان بإعطاء مقدارٍ من الدراهم وأخذ الحوالة من المدفوع إليه بالأقلّ منه فلا بأس به، كما إذا احتاج أحدٌ إلى إيصال وجهٍ إلى بلدٍ فيجيء عند التاجر ويعطي له مائة درهمٍ على أن يعطيه الحوالة بتسعين درهماً على طرفه بذلك البلد، حيث إنَّ في هذا الفرض يكون مائة درهمٍ في ذمّة التاجر وهو المقترض وجعل الزيادة له. وإن كان بإعطاء الأقلّ وأخذ الحوالة بالأكثر يكون داخلاً في الربا، كما إذا احتاج أحدٌ إلى مقدارٍ من الدراهم وله المال في بلدٍ آخر فيجيء عند التاجر ويأخذ منه تسعين درهماً على أن يعطيه الحوالة بمائة درهمٍ على مَن كان عنده المال في البلد الآخر ليدفعها إلى طرف التاجر في ذلك البلد، حيث إنَّ التاجر في هذا الفرض قد أقرض تسعين وجعل له زيادةً عشرةً، فلابدَّ لأجل التخلّص من الربا من إعمال بعض الحيل الشرعيّة.
(مسألة 13): المال المقترض إن كان مثليّاً كالدراهم والدنانير والحنطة والشعير كان وفاؤه وأداؤه بإعطاء ما يماثله في الصفات من جنسه، سواءٌ بقي على سعره(1) الذي كان له وقت الاقتراض أو ترقّى أو تنزّل، وهذا هو الوفاء الذي لا يتوقّف على التراضي، فللمقرض أن يطالب المقترض به وليس له الامتناع ولو ترقّى سعره عمّا أخذه بكثيرٍ، كما أنَّ المقترض لو أعطاه للمقرض ليس له الامتناع ولو تنزّل بكثير. ويمكن أن يؤدّي بالقيمة أو بغير جنسه، بأن يعطى بدل الدراهم
ــــــ[249]ـــــــ
(1) وعلى ما قلناه من جواز دفع القيمة، فهي قيمة يوم الأداء. ونريد بالقيمة النقد خاصّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
دنانير مثلاً أو بالعكس، لكن هذا النحو من الأداء والوفاء يتوقّف على التراضي(1)، فلو أعطى بدل الدراهم دنانير فللمقرض الامتناع من أخذها ولو تساويا في القيمة، بل ولو كانت الدنانير أغلى كما أنَّه لو أراده المقرض كان للمقترض الامتناع(2) وان تساويا في القيمة أو كانت الدنانير أرخص. وإن كان قيميّاً فقد مرّ أنَّه تشتغل ذمّة المقترض بالقيمة، وإنَّما تكون بالنقود الرائجة، فأداؤه الذي لا يتوقّف على التراضي يحصل بإعطائها، ويمكن أن يؤدّي بجنس آخر من غير النقود بالقيمة لكنّه يتوقّف على التراضي. ولو كانت العين المقترضة موجودةً فأراد المقرض أداء الدين بإعطائها أو أراد المقترض ذلك، ففي جواز امتناع الآخر تأمّلٌ وإشكالٌ، فلا يترك(3) الاحتياط.
(مسألة 14): يجوز في قرض المثلي أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤدّيه من غير جنسه بأن يؤدّي عوض الدراهم(4) مثلاً دنانير وبالعكس، ويلزم عليه ذلك بشرط أن يكونا متساويين في القيمة أو كان ما شرط عليه أقلّ قيمةً مما اقترض.
(مسألة 15): الأقوى أنَّه لو شرط التأجيل في القرض صحّ ولزم(5) العمل به
ــــــ[250]ـــــــ
(1) إلَّا في الأسواق التي لا تتعامل إلَّا بالقيمة كالأسواق المعاصرة، فلا حقّ له للرفض.
(2) إلزام المقرض كما قلنا لا يعني إلزام المقترض، فله الإصرار على أداء المثل.
(3) بل الأمر بيد المقترض بصفته مالكاً للعين.
(4) كون الدراهم والدنانير من المثليّ لا القيميّ مبنيٌّ على فهمٍ عرفيٍّ سابقٍ غير متحقّقٍ في الأسواق المعاصرة. وهذا من المناقشة في المثال.
(5) بل لا معنى للقرض إلَّا بالأجل كما هو واضح. وقد أخذناه في تعريفه وإن لم يأخذه الماتن فيه. ومن هنا يشترط ضبط المدّة طالت أو قصرت.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وكان كسائر الديون المؤجّلة فليس للمقرض مطالبته قبل حلول الأجل.
(مسألة 16): لو شرط على المقترض أداء القرض وتسليمه في بلدٍ معيّنٍ صحّ ولزم وإن كان في حمله إليه مؤنة، فإن طالبه في غير ذلك البلد لم يلزم عليه الأداء، كما أنَّه لو أدّاه في غيره لم يلزم على المقرض القبول. وإن أطلق القرض ولم يعيّن بلد التسليم، فالذي يجب على المقترض أداؤه فيه لو طالبه المقرض ويجب على المقرض القبول لو أداه المقترض فيه هو بلد القرض(1)، وأمّا غيره فيحتاج إلى التراضي، وإن كان الأحوط للمقترض(2) مع عدم الضرر وعدم الاحتياج إلى مؤنة الحمل الأداء لو طالبه الغريم فيه.
(مسألة 17): يجوز أن يشترط في القرض إعطاء الرهن أو الضامن أو الكفيل وكلّ شرطٍ سائغٍ لا يكون فيه النفع للمقرض ولو كان فيه مصلحةٌ له.
(مسألة 18): لو اقترض دراهم ثُمَّ أسقطها السلطان وجاء بدراهم غيرها لم يكن عليه إلَّا الدراهم(3) الأولى. نعم في مثل الصكوك المتعارفة في هذه الأزمنة المسمّاة بالنوط والإسكناس والدينار وغيرها إذا سقطت عن الاعتبار فالظاهر(4)
ــــــ[251]ـــــــ
(1) لا دليل على إطلاقه، إلَّا ما كان كالشرط الضمنيّ في العقد.
(2) وجوباً.
(3) هذا فيما إذا كانت من الفضّة أو كانت الدنانير من الذهب. أمّا في عصرنا فيجب الأداء من الدراهم الجديدة بقيمة يوم الأداء.
(4) بل إنَّما تشتعل الذمّة بها لا ببدلها من النقدين في أسواقنا المعاصرة كما سنوضّح في التعليقة الآتية، ومن هنا لا يشملها حكم الربا البيعيّ ولا التقابض.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
اشتغال الذمّة بالدراهم والدنانير التي تتناول هذه الصكوك بدلاً عنها، لأنَّ الاقتراض في الحقيقة(1) يقع على الدراهم أو الدنانير التي هي من النقدين ومن الفضّة والذهب المسكوكين، وإن كان في مقام التسليم والإيصال يكتفى بتسليم تلك الصكوك(2) وإيصالها. نعم لو فرض وقوع القرض على الصكّ الخاصّ بنفسه – بأن قال مثلاً أقرضك هذا الكاغذ(3) الكذائي المسمّى بالنوط الكذائي- كان حالها حال الدراهم في أنَّه إذا أسقط اعتبارها لم يكن على المقترض إلَّا أداء ذلك الصكّ، وهكذا الحال في سائر المعاملات والمهور الواقعة على الصكوك.
ــــــ[252]ـــــــ
(1) كان هذا سابقاً صحيحاً ولكن بعد منع التبديل بالذهب والفضّة أصبح للنقد المتعارف استقلاليّةٌ في الصرف عن الغطاء المصرفي، وليست من قبيل الصكوك.
(2) حتى الصكوك المعاصرة إنَّما هي عن النقد المتعارف لا عن الذهب والفضّة فلا يشملها حكم الربا البيعيّ والتقابض.
(3) الإقراض في الحقيقة للماليّة لا للكاغذ، سواءٌ كان القرض على الجزئيّ أو كلّياً. ومراد الماتن عزله عن غطائه من النقدين. وهو معزولٌ على أيّ حالٍ في الأسواق المعاصرة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الرهن
وهو دفع العين(1) للاستيثاق على الدَّين، ويقال للعين: «الرهن» و«المرهون» ولدافعها «الراهن» ولآخذها «المرتهن»، ويحتاج إلى(2) العقد المشتمل على الإيجاب والقبول، والأول من الراهن، وهو كلّ لفظٍ أفاد المعنى المقصود في متفاهم أهل المحاورة كقوله: «رهنتك» أو «أرهنتك» أو «هذا وثيقةٌ عندك على مالك(3)» ونحو ذلك، والثاني من المرتهن، وهو كلّ لفظٍ دالٍّ على الرضا بالإيجاب. ولا يعتبر فيه العربيّة، بل الظاهر عدم اعتبار الصيغة فيه أصلاً فيقع بالمعاطاة.
(مسألة 1): يشترط في الراهن والمرتهن: البلوغ والعقل والقصد والاختيار، وفي خصوص الأوّل عدم الحجر بالسفه والفلس، ويجوز لوليّ الطفل والمجنون رهن مالهما والارتهان لهما مع المصلحة والغبطة.
(مسألة 2): يشترط في صحّة الرهن: القبض من المرتهن بإقباضٍ من الراهن أو بإذنٍ منه، ولو كان في يده شيءٌ وديعةً أو عاريةً بل ولو غصباً فأوقعا عقد
ــــــ[253]ـــــــ
(1) بل هو الاستيثاق على الدَّين بكلّ ما له ماليّة ذي وجودٍ قارٍّ غير متصرّم كالعمل. فيجوز أن يكون منفعةً أو حقّاً قابلاً للنقل.
(2) وهو مستقلٌّ عن الديَّن فلا يجب أن يكون عند الاقتراض مثلاً بل يمكن أن يكون بعده.
(3) ينبغي أن تكون «ما» هنا موصولةً، يعني: ما لك من الدَّين في ذمّتي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الرهن عليه كفى ولا يحتاج إلى قبضٍ جديدٍ، ولو رهن المشاع لا يجوز تسليمه إلى المرتهن إلَّا برضا شريكه، ولكن لو سلّمه إليه فالظاهر كفايته في تحقّق القبض الذي هو شرطٌ لصحّة الرهن وإن تحقّق العدوان بالنسبة إلى حصّة شريكه.
(مسألة 3): إنَّما يعتبر القبض في الابتداء ولا يعتبر استدامته، فلو قبضه المرتهن ثُمَّ صار في يد الراهن أو غيره بإذن الراهن أو بدونه لم يضرّ ولم يطرأه البطلان.
نعم، الظاهر: أنَّ للمرتهن استحقاق إدامة القبض وكونه تحت يده، فلا يجوز انتزاعه منه إلَّا إذا شرط في العقد كونه بيد الراهن أو يد ثالث.
(مسألة 4): يشترط في المرهون أن يكون عيناً مملوكاً يمكن قبضه ويصحّ بيعه، فلا يصحّ رهن الدين قبل قبضه(1) ولا المنفعة(2) ولا الحرّ ولا الخمر والخنزير ولا مال الغير إلَّا بإذنه أو إجازته ولا الأرض الخراجيّة ولا الطير المملوك في الهواء إذا كان غير معتادٍ عوده ولا الوقف ولو كان خاصّاً.
(مسألة 5): لو رهن ما يملك وما لا يملك في عقدٍ واحدٍ صحّ في ملكه ووقف في ملك غيره على إجازة مالكه.
(مسألة 6): لو كان له غرسٌ أو بناءٌ في الأرض الخراجيّة لا إشكال في صحّة رهن ما فيها مستقلاً، وكذا مع أرضها بعنوان التبعيّة، وأمّا رهن أرضها مستقلاً ففيه إشكال(3).
ــــــ[254]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان لصحّته وجه.
(2) بل يجوز كما سبق.
(3) إلَّا بالنصّ على أنَّ المرهون هو حقّ الاختصاص.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 7): لا يعتبر أن يكون الرهن ملكاً لمن عليه الدين، فيجوز لشخصٍ أن يرهن ماله على دَين شخصٍ آخر تبرّعاً ولو من غير إذنه، بل ولو مع نهيه، وكذا يجوز للمديون أن يستعير شيئاً(1) ليرهنه على دَينه، ولو رهنه وقبضه المرتهن ليس لمالكه الرجوع ويبيعه المرتهن كما يبيع ما كان ملكاً لمن عليه الدين، ولو بيع كان لمالكه مطالبة المستعير بما بيع به لو بيع بالقيمة أو بالأكثر وبقيمته تامّةً لو بيع بأقلّ من قيمته، ولو عيّن له أن يرهنه على حقٍّ مخصوصٍ من حيث القدر أو الحلول أو الأجل أو عند شخصٍ معيّنٍ لم يجز له مخالفته، ولو أَذِنَه في الرهن مطلقاً جاز له الجميع وتخيّر.
(مسألة 8): لو كان الرهن على الدَّين المؤجّل وكان ممّا يسرع إليه الفساد قبل الأجل، فإن شرط بيعه قبل أن يطرأ عليه الفساد صحّ الرهن ويبيعه الراهن أو يوكل المرتهن في بيعه وإن امتنع أجبره الحاكم، فإن تعذّر باعه الحاكم، ومع فقده باعه المرتهن، فإذا بيع يجعل ثمنه رهناً. وكذلك الحال لو أطلق ولم يشترط البيع ولا عدمه، وأمّا لو شرط عدم البيع إلَّا بعد الأجل بطل الرهن. ولو رهن ما لا يسرع إليه الفساد فعرض ما صيّره عرضةً للفساد كالحنطة تبتلّ لم ينفسخ(2) الرهن بل يباع ويُجعل الثمن رهناً.
(مسألة 9): لا إشكال في أنَّه يعتبر في المرهون كونه معيّناً، فلا يصحّ رهن المبهم كأحد هذين. نعم، الظاهر صحّة رهن الكلّي في المعيّن كعبدٍ من عبدين
ــــــ[255]ـــــــ
(1) مع إخبار المالك بالحال على الأحوط وإلَّا لم يكن له رهنٌ لأنَّه غير متبادرٍ من الاستعارة عرفاً.
(2) ولو تلف قبل بيعه بطل الرهن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وصاعٍ من صبرةٍ وشاةٍ من هذا القطيع، وقبضه إمّا بقبض الجميع أو بقبض ما عيّنه الراهن منه، فإذا عيّن بعد العقد عبداً أو صاعاً أو شاةً وقبضه المرتهن صحّ الرهن ولزم.
والظاهر عدم صحّة رهن المجهول من جميع الوجوه، كما إذا رهن ما في الصندوق المقفل، وإذا رهن الصندوق بما فيه صحّ بالنسبة إلى الظرف دون المظروف(1). وأمّا المعلوم الجنس والنوع المجهول المقدار كصبرةٍ من حنطةٍ مشاهدةٍ فالظاهر صحّة رهنه.
(مسألة 10): يشترط فيما يرهن عليه: أن يكون دَيناً ثابتاً في الذمّة(2)؛ لتحقّق موجبه من اقتراضٍ أو اسلاف مالٍ أو شراءٍ أو استيجار عينٍ في الذمّة وغير ذلك حالاً كان الدَّين أو مؤجّلاً، فلا يصحّ الرهن على ما يقترض أو على ثمن ما يشتريه فيما بعد، فلو رهن شيئاً على ما يقترض ثُمَّ اقترض لم يصر بذلك رهناً، ولا على الدية قبل استقرارها بتحقّق الموت وإن علم أنَّ الجناية تؤدّي إليه ، ولا على مال الجعالة قبل تمام العمل.
(مسألة 11): كما يصحّ في الإجارة أن يأخذ الموجر الرهن على الأجرة التي في ذمّة المستأجر، كذلك يصحّ أن يأخذ المستأجر الرهن على العمل الثابت في ذمّة المؤجر.
ــــــ[256]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان الأقوى الصحّة بصفته تابعاً لو كان حاله الواقعي كذلك عرفاً.
(2) فلو كانت المسؤوليّة هي عهدة ما هو موجودٌ في الخارج كالأمانة بنوعيها والعين المستعارة والمستأجرة ونحوها ممّا يجب الحفاظ عليه وإرجاعه في حينه أو فوراً، فأخذ الرهن عليها محلّ إشكالٍ عندهم ولا أرى فيه مانعاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 12): الظاهر أنَّه يصحّ الرهن على الأعيان المضمونة(1) كالمغصوبة والعارية المضمونة والمقبوض بالسوم ونحوها، وأمّا عهدة الثمن(2) أو المبيع أو الأجرة أو عوض الصلح وغيرها لو خرجت مستحقّةً للغير ففي صحّة الرهن عليها تأمّلٌ وإشكالٌ(3).
(مسألة 13): لو اشترى شيئاً بثمن في الذمّة جاز جعل المبيع رهناً على الثمن.
(مسألة 14): لو رهن على دَينه رهناً ثُمَّ استدان مالاً آخر من المرتهن جاز جعل ذلك الرهن رهناً على الثاني أيضاً وكان رهناً عليهما معاً، سواءٌ كان الثاني مساوياً للأوّل في الجنس والقدر أو مخالفاً، وكذا له أن يجعله على دين ثالثٍ ورابعٍ إلى ما شاء، وكذا إذا رهن شيئاً على دينٍ جاز أن يرهن شيئاً آخر على ذلك الدين، وكانا جميعاً رهناً عليه.
(مسألة 15): لو رهن شيئاً عند زيدٍ ثُمَّ رهنه عند آخر أيضاً باتّفاقٍ من المرتهنين كان رهناً على الحقّين إلَّا إذا قصد(4) بذلك فسخ الرهن الأوّل وكونه رهناً على خصوص الدين الثاني.
ــــــ[257]ـــــــ
(1) بل وغير المضمونة كما عرفنا، وتكون نتيجته أنَّه لو عصى بها أو تعدّى أو فرّط كان في الإمكان أخذ البدل من الرهن. والذمّة وإن لم تكن مشغولةً، غير أنَّ العهدة غير خالية.
(2) يعني: كفالته، بالرغم من قبضه خارجاً.
(3) ومقتضى القاعدة جوازه.
(4) ظاهر العبارة رجوع الضمير إلى الراهن إلَّا أنَّ الرهن لازمٌ عليه، فلابدَّ [من] إرجاعه إلى المرتهن الأوّل. على أنَّ إيجاد الرهن الثاني ليس إبرازاً عرفياً للفسخ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 16): لو استدان اثنان من واحدٍ كلٌّ منهما ديناً ثُمَّ رهنا عنده مالاً مشتركاً بينهما ولو بعقدٍ واحدٍ ثُمَّ قضى أحدهما دينه انفكّت حصّته عن الرهانة وصارت طلقاً، ولو كان الراهن واحداً والمرتهن متعدّداً – بأن كان عليه دينٌ لشخصٍ ودَينٌ لآخر فرهن شيئاً عندهما بعقدٍ واحدٍ- فكلٌّ منهما مرتهنٌ بالنصف مع تساوي الدينين، ومع التفاوت فالظاهر التقسيط والتوزيع بنسبة حقّهما، فإن قضى دين أحدهما انفكّ عن الرهانة ما يقابل حقّه. هذا كلّه في التعدّد ابتداء، وأمّا التعدّد الطارئ فالظاهر أنَّه لا عبرة به، فلو مات الراهن عن ولدين لم ينفكّ نصيب أحدهما بأداء حصّته من الدين، كما أنَّه لو مات المرتهن عن ولدين فأعطى أحدهما نصيبه من الدين لم ينفكّ بمقداره من الرهن.
(مسألة 17): لا يدخل الحمل الموجود في رهن الحامل والثمر في رهن النخل والشجر وكذا ما يتجدّد إلَّا إذا اشترط دخولها. نعم، الظاهر دخول الصوف والشعر والوبر في رهن الحيوان، وكذا الأوراق والأغصان حتّى اليابسة في رهن الشجر، وأمّا اللبن في الضرع ومغرس الشجر وأسّ الجدار – أعني موضع الأساس من الأرض- ففي دخولها تأمّلٌ وإشكالٌ لا يبعد عدم الدخول، وإن كان الأحوط التصالح والتراضي.
(مسألة 18): الرهن لازمٌ من جهة الراهن جائزٌ من طرف المرتهن، فليس للراهن انتزاعه منه بدون رضاه إلَّا أن يُسقط حقّه من الارتهان أو ينفكّ الرهن بفراغ ذمّة الراهن من الدين بالأداء أو الإبراء أو غير ذلك، ولو برئت ذمّته من بعض الدين فالظاهر بقاء الجميع رهناً على ما بقي، إلَّا إذا اشترطا التوزيع فينفكّ
ــــــ[258]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
منه على مقدار ما برئ منه ويبقى رهناً على مقدار ما بقي، أو شرطا كونه رهناً على المجموع من حيث المجموع، فينفكّ الجميع بالبراءة عن بعض الدَّين.
(مسألة 19): لا يجوز للراهن(1) التصرّف في الرهن إلَّا بإذن المرتهن، سواءٌ كان ناقلاً للعين كالبيع أو المنفعة كالإجارة أو مجرّد(2) انتفاع به وإن لم يضرّ به كالاستخدام والركوب والسكنى ونحوها، فإن تصرّف بغير الناقل أثم، ولم يترتّب عليه شيء إلَّا إذا كان بالإتلاف(3)، فيلزم قيمته(4) وتكون رهناً. وإن كان البيع أو الإجارة وغيرهما من النواقل وقف على اجازة المرتهن، ففي مثل الإجارة تصحّ بالإجازة وبقيت الرهانة على حالها، بخلافها في البيع فإنَّه يصحّ بها وتبطل الرهانة، كما أنَّها تبطل إذا كان عن إذنٍ سابقٍ من المرتهن.
(مسألة 20): لا يجوز للمرتهن التصرّف في الرهن بدون إذن الراهن، فلو تصرّف فيه بركوبٍ أو سكنى ونحوهما ضمن العين لو تلفت تحت يده للتعدّي ولزمه أجرة المثل لما استوفاه من المنفعة، ولو كان ببيعٍ ونحوه أو بإجارةٍ ونحوها وقع فضوليّاً، فإن أجازه الراهن صحّ وكان الثمن والأجرة المسمّاة له، وكان الثمن رهناً في البيع(5) لم يجز لكلّ منهما التصرّف فيه إلَّا بإذن الآخر، وبقي العين رهناً في
ــــــ[259]ـــــــ
(1) إلَّا إذا كان قد اشترط عند الارتهان فيتحدّد بمقدار الشرط ولا يجوز الزائد.
(2) الظاهر جوازه للراهن إذا لم ينافِ حقّ المرتهن.
(3) بما في ذلك إتلاف المنفعة بالإيجار أو الإعارة للغير.
(4) على الأحوط لحقّ الراهن وإن كان لا يخلو من نظر.
(5) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الإجارة، وإن لم يجز كان فاسداً.
(مسألة 21): منافع الرهن كالسكنى والخدمة وكذا نماءاته المنفصلة كالنتاج والثمر والصوف والشعر والوبر والمتّصلة كالسمن والزيادة في الطول والعرض كلّها للراهن، سواءٌ كانت موجودةً حال الارتهان أو وُجدت بعده، ولا يتبعه في الرهانة إلَّا نماءاته المتّصلة.
(مسألة 22): لو رهن الأصل والثمرة أو الثمرة منفردةً صحّ، فلو كان الدين مؤجّلاً وأدركت الثمرة قبل حلول الأجل، فإن كانت ممّا تجفّف ويمكن إبقاؤها بالتجفيف جُفّفت وإلَّا بيعت وكان الثمن رهناً(1).
(مسألة 23): إذا كان الدين حالاً أو حلّ وأراد المرتهن استيفاء حقّه، فإن كان وكيلاً عن الراهن في بيع الرهن واستيفاء دينه منه، له ذلك(2) من دون مراجعةٍ إليه ، وإن لم يكن وكيلاً عنه في ذلك ليس له أن يبيعه بل يراجع الراهن ويطالبه بالوفاء ولو ببيع الرهن أو توكيله في بيعه، فإن امتنع من ذلك رفع أمره إلى الحاكم ليلزمه بالوفاء أو البيع، فإن لم يتمكّن الحاكم إلزامه باعه عليه بنفسه أو بتوكيل الغير ولو كان هو المرتهن نفسه، ومع فقد الحاكم أو عدم اقتداره على الإلزام بالبيع وعلى البيع عليه لعدم بسط اليد باعه المرتهن بنفسه واستوفى حقّه أو بعضه من
ــــــ[260]ـــــــ
(1) كما قلنا قبل تعليقتين.
(2) حسب الفهم العرفي فإنَّ استيفاء الدين ينبغي أن يقع من خارج العين المرتهنة ولا يُصار إلى بيعها إلَّا مع التعذّر أو الامتناع، فيكون هذا العرف محكماً بين الراهن والمرتهن إلَّا أنَّ يشترط خلافه في عقد الرهن أو الوكالة. والوكالة وحدها لا تبرّر ذلك ما لم يشترط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ثمنه إذا ساواه أو كان أقلّ(1)، وإن كان أزيد كان الزائد عنده أمانةً شرعيّةً يوصله إلى صاحبه.
(مسألة 24): إذا لم يكن عند المرتهن بيّنةٌ مقبولةٌ لإثبات دينه وخاف من(2) أنَّه لو اعترف عند الحاكم بالرهن جحد الراهن الدين فأخذ منه الرهن بموجب اعترافه وطولب بالبيّنة على حقّه، جاز له بيع الرهن من دون مراجعةٍ إلى الحاكم، وكذا لو مات المرتهن وخاف الراهن جحود الوارث.
(مسألة 25): لو وفى بيع بعض الرهن بالدَّين اقتصر عليه(3) على الأحوط لو لم يكن أقوى وبقي الباقي أمانةً عنده، إلَّا إذا لم يمكن التبعيض ولو من جهة عدم الراغب أو كان فيه ضررٌ على المالك فيباع الكلّ.
(مسألة 26): إذا كان الرهن من مستثنيات الدين كدار سكناه ودابّة ركوبه جاز للمرتهن بيعه واستيفاء طلبه منه كسائر الرهون.
(مسألة 27): إذا كان الراهن مفلساً أو مات وعليه ديون للناس كان المرتهن أحقّ من باقي الغرماء باستيفاء حقّه من الرهن، فإن فضل شيءٌ يوزّع على الباقين بالحصص، وإن نقص عن حقّه استوفى بعض حقّه من الرهن ويضرب بما بقي مع الغرماء في سائر أموال الراهن لو كان.
(مسألة 28): الرهن أمانةٌ في يد المرتهن لا يضمنه لو تلف أو تعيّب من دون
ــــــ[261]ـــــــ
(1) في هذه الصورة تبقى ذمّة الراهن مشغولةً بالباقي.
(2) خوفاً معتدّاً به من حيث الكميّة أو الكيفيّة.
(3) ولم يجز بيع الباقي إلَّا بإذن الراهن المالك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تعدٍّ وتفريطٍ. نعم لو كان في يده مضموناً لكونه مغصوباً أو عاريةً مضمونة مثلاً ثُمَّ ارتهن عنده لم يزل الضمان(1) إلَّا إذا أذن له المالك في بقائه تحت يده فيرتفع الضمان على الأقوى، وإذا انفكّ الدين بسبب الأداء أو الإبراء أو غير ذلك يبقى أمانة المالكيّة في يده لا يجب تسليمه إلى المالك إلَّا مع المطالبة كسائر الأمانات.
(مسألة 29): لا تبطل الرهانة بموت الراهن ولا بموت المرتهن، فينتقل الرهن إلى ورثة الراهن مرهوناً على دين مورثهم وينتقل إلى ورثة المرتهن حقّ الرهانة، فإن امتنع الراهن من استيمانهم كان له ذلك، فإن اتّفقوا على أمينٍ وإلَّا سلّمه الحاكم إلى من يرتضيه، وإن فُقد الحاكم فعدول المؤمنين.
(مسألة 30): إذا ظهر للمرتهن أمارات الموت يجب عليه(2) الوصيّة بالرهن وتعيين المرهون والراهن والإشهاد كسائر الودائع، ولو لم يفعل كان مفرّطاً(3) وعليه ضمانه.
(مسألة 31): لو كان عنده الرهن قبل موته ثُمَّ مات ولم يعلم بوجوده في تركته لا تفصيلاً ولا إجمالاً ولم يعلم كونه تالفاً بتفريطٍ منه، لم يحكم به في ذمّته ولا بكونه موجوداً في تركته، بل يحكم بكونها لورثته. نعم لو علم أنَّه قد كان موجوداً في أمواله الباقية إلى بعد موته ولم يعلم أنه بعد باقٍ فيها أم لا – كما إذا كان سابقاً في صندوقه داخلاً في الأموال التي كانت فيه وبقيت إلى زمان موته ولم يعلم أنَّه قد
ــــــ[262]ـــــــ
(1) وإن كان زواله أقرب عرفاً.
(2) مع الخشية من جحود الورثة ونحوه ممّا يسبّب حرمان الدائن.
(3) يعني في صورة الخشية التي أشرنا إليها. ولو اطمأنّ بورثته أو وصيّه كفى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أخرجه وأوصله إلى مالكه أو باعه واستوفى ثمنه أو تلف بغير تفريطٍ منه أم لا- لم يبعد أن يحكم ببقائه فيها، فيكون بحكم معلوم البقاء، وقد مرّ بعض(1) ما يتعلّق بهذه المسألة في بعض مسائل المضاربة.
(مسألة 32): لو اقترض من شخصٍ ديناراً مثلاً برهنٍ وديناراً آخر بلا رهنٍ ثُمَّ دفع إليه ديناراً بنيّة الأداء والوفاء، فإن نوى كونه عن ذي الرهن سقط وانفكّ رهنه، وإن نوى كونه عن الآخر لم ينفكّ الرهن وبقي دينه، وإن لم يقصد إلَّا أداء دينارٍ من الدينارين من دون تعيين كونه عن ذي الرهن أو غيره لا إشكال في عدم انفكاك الرهن.
وهل يوزَّع ما دفعه على الدينين فإذا أكمل أداء دين ذي الرهن انفكّ رهنه، أو يحسب ما دفعه أداءً لغير ذي الرهن ويبقى ذو الرهن بتمامه لا ينفكّ رهنه إلَّا بأدائه؟ وجهان(2).
ــــــ[263]ـــــــ
(1) مع ما علّقنا عليه هناك.
(2) أحوطهما الثاني.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[264]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الحجر
وهو في الأصل: بمعنى المنع، وشرعاً: كون الشخص ممنوعاً في الشرع عن التصرّف في ماله بسببٍ من الأسباب، وهي كثيرةٌ نذكر منها ما هو العمدة، وهي: الصغر، والسفه، والفلس، ومرض الموت.
القول في الصغر
(مسألة 1): الصغير -وهو الذي لم يبلغ- محجورٌ عليه شرعاً لا تنفذ تصرّفاته في أمواله ببيعٍ وصلحٍ وهبةٍ وإقراضٍ وإجارةٍ وإيداعٍ واعارةٍ وغيرها وإن كان في كمال التميّز(1) والرشد وكان التصرّف في غاية الغبطة(2) والصلاح، بل لا يجدي في الصحّة إذن الوليّ سابقاً ولا إجازته لاحقاً عند المشهور.
(مسألة 2): كما أنَّ الصبي محجورٌ عليه بالنسبة إلى ماله كذلك محجورٌ بالنسبة إلى ذمّته، فلا يصحّ منه الاقتراض ولا البيع والشراء في الذمّة(3) بالسلم والنسيئة وإن كان مدّة الأداء مصادفةً لزمان البلوغ، وكذلك بالنسبة إلى نفسه فلا ينفذ منه
ــــــ[265]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان الأقوى نفوذ معاملاته في الأُمور البسيطة حتى بدون إذن المولى ويكفي التمييز فيه ولو بدون الرشد.
(2) هذا أيضاً ليس شرطاً بل عدم المفسدة ليس شرطاً فيما قلناه في التعليقة السابقة.
(3) إلَّا إذا كان ملحقاً بالفور عرفاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
التزويج والطلاق(1) ولا إجارة نفسه ولا جعل نفسه(2) عاملاً في المضاربة أو المزارعة أو المساقاة وغير ذلك. نعم يجوز حيازته المباحات بالاحتطاب والاحتشاش ونحوهما ويملكها بالنيّة، بل وكذا يملك الجعل في الجعالة بعمله وإن لم يأذن له الولي فيهما.
(مسألة 3): يعرف البلوغ في الذكر والأنثى بأحد أُمور ثلاثة:
الأوّل: نبات الشعر الخشن على العانة، ولا اعتبار بالزغب والشعر الضعيف.
الثاني: خروج المنيّ، سواءٌ خرج يقظةً أو نوماً بجماعٍ أو احتلامٍ أو غيرهما.
الثالث: السنّ، وهو في الذكر خمس عشرة سنة وفي الأنثى تسع سنين(3).
(مسألة 4): لا يكفي البلوغ في زوال الحجر عن الصبيّ، بل لابدَّ معه من الرشد وعدم السفه(4) بالمعنى الذي سنبيّنه.
(مسألة 5): ولاية التصرّف في مال الطفل والنظر في مصالحه وشؤونه لأبيه وجدّه لأبيه، ومع فقدهما للقيّم من أحدهما، وهو الذي أوصى أحدهما بأن يكون ناظراً في أمره، ومع فقد الوصيّ يكون الولاية والنظر للحاكم الشرعي، وأمّا الأمّ
ــــــ[266]ـــــــ
(1) إلَّا مجرياً للصيغة بإذن الوليّ لغيره، أو لنفسه في مورد الجواز.
(2) إذا كانت المعاملة بسيطةً فالظاهر صحّتها منه ما لم يستلزم شغل ذمّته ماليّاً.
(3) على الأحوط وهو المشهور وإن كان الأقوى بدء التكليف عند انتهاء السنة العاشرة القمريّة ما لم تتزوّج فتسعٌ قمريّةٌ.
(4) بالمعنى الشامل للجنون. وقلنا قبلاً: إنَّ المجنون محظورٌ عليه بصفته سفيهاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والجدّ للأمّ والأخ فضلاً عن الأعمام والأخوال فلا ولاية لهم عليه بحال. نعم، الظاهر ثبوتها لعدول المؤمنين مع فقد الحاكم.
(مسألة 6): الظاهر: أنَّه لا يشترط العدالة في ولاية الأب والجدّ، فلا ولاية للحاكم مع فسقهما، لكن متى ظهر له ولو بقرائن الأحوال الضرر منهما على المولى عليه عزلهما(1) ومنعهما من التصرّف في أمواله، ولا يجب عليه الفحص عن عملهما وتتبّع سلوكهما.
(مسألة 7): الأب والجدّ مشتركان في الولاية، فينفذ تصرّف السابق منهما ولغا تصرّف اللاحق، ولو اقترنا ففي تقديم الجدّ أو الأب أو عدم الترجيح وبطلان تصرّف كليهما وجوهٌ بل أقوال، فلا يترك الاحتياط(2).
(مسألة 8): الظاهر أنَّه لا فرق(3) بين الجدّ القريب والبعيد، فلو كان له أبٌ وجدٌّ وأب الجدّ وجدّ الجد اشتركوا كلّهم في الولاية.
(مسألة 9): يجوز للوليّ بيع عقار الصبيّ مع الحاجة واقتضاء المصلحة، فإن كان البائع هو الأب أو الجدّ جاز للحاكم تسجيله وإن لم يثبت عنده أنَّه مصلحة، وأمّا غيرهما كالوصيّ فلا يسجّله إلَّا بعد ثبوت كونه مصلحةً عنده على الأحوط.
ــــــ[267]ـــــــ
(1) الظاهر: عدم حجّية عزله؛ لأنَّ ولايتهما في أصل الشرع. نعم، له منعهما من التصرّف بولايته الشاملة لهما. ومن هنا يعودان بعد ارتفاع المنع أو المانع إلى الولاية بدون تنصيبٍ، ولا مجال لاستصحاب عدمها.
(2) وإن كان الأقوى تقديم الأب.
(3) لا دليل أساساً على ولاية غير الجدّ القريب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 10): يجوز للوليّ المضاربة بمال الطفل وإبضاعه بشرط وثاقة العامل وأمانته، فإن دفعه إلى غيره(1) ضمِن.
(مسألة 11): يجوز للوليّ(2) تسليم الصبيّ إلى أمينٍ يعلّمه الصنعة أو إلى من يعلّمه القراءة والخطّ والحساب والعلوم العربيّة وغيرها من العلوم النافعة لدينه ودنياه، ويلزم عليه(3) أن يصونه عمّا يفسد أخلاقه فضلاً عمّا يضرّ بعقائده.
(مسألة 12): يجوز لوليّ اليتيم إفراده بالمأكول والملبوس من ماله وإن يخلطه بعائلته ويحسبه كأحدهم فيوزّع المصارف عليهم على الرؤوس، لكن هذا بالنسبة إلى المأكول والمشروب وأمّا الكسوة فيحسب على كلّ شخصٍ كسوته، وكذلك الحال في اليتامى المتعدّدين، فيجوز لمن يتولّى إنفاقهم إفراد كلّ واحدٍ منهم وأن يخلطهم في المأكول والمشروب ويوزّع المصارف عليهم على الرؤوس دون الكسوة فإنَّه يثبت ويحسب على كلّ واحدٍ ما يحتاج إليه منها.
(مسألة 13): إذا كان للصغير مالٌ على غيره، جاز للوليّ(4) أن يصالحه عنه ببعضه مع المصلحة، لكن لا يحلّ على المتصالح باقي المال وليس للوليّ إسقاطه بحال.
(مسألة 14): المجنون كالصغير في جميع ما ذكر. نعم، في ولاية الأب والجدّ
ــــــ[268]ـــــــ
(1) يعني مع وضوح المفسدة أو وجودها.
(2) بل يجب إن كان العلم ممّا يجب تعلّمه أو مقدّمة له.
(3) بل يجب عليه بمعنى حرمة الضدّ.
(4) لا أثر لهذا الصلح كما يأتي في المسألة، فصحّته محلّ إشكال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ووصيّهما عليه إذا تجدّد جنونه بعد بلوغه ورشده أو كونها للحاكم إشكال، فلا يترك(1) الاحتياط بتوافقهما معاً.
(مسألة 15): ينفق الوليّ على الصبيّ بالاقتصاد لا بالإسراف ولا بالتقتير ملاحظاً له عادته وعادة نظرائه وأطعمه وكساه ما يليق بشأنه.
(مسألة 16): لو ادّعى الوليّ الإنفاق على الصبيّ أو على ماله أو دوابّه بالمقدار اللائق وأنكر بعد البلوغ أصل الإنفاق أو كيفيّته، القول قول الوليّ مع اليمين إلَّا أن يكون مع الصبيّ البيّنة.
القول في السفه
السفيه هو الذي ليس له حالةٌ(2) باعثةٌ على حفظ ماله والاعتناء بحاله يصرفه في غير موقعه ويتلفه بغير محلّه، وليس معاملاته مبنيّةً على المكايسة والتحفّظ عن المغابنة، لا يبالي بالانخداع فيها، يعرفه أهل العرف والعقلاء بوجدانهم إذا وجدوه خارجاً عن طورهم ومسلكهم بالنسبة إلى أمواله تحصيلاً وصرفاً. وهو محجورٌ عليه شرعاً لا ينفذ تصرّفاته في ماله ببيعٍ وصلحٍ وإجارةٍ وإيداعٍ وعاريةٍ وغيرها، ولا يتوقّف حجره على حكم الحاكم على الأقوى. ولا فرق بين أن يكون سفهه متّصلاً بزمان صغره أو متجدّداً بعد البلوغ، فلو كان سفيهاً ثُمَّ حصل له
ــــــ[269]ـــــــ
(1) بل ولايته للحاكم خاصّة.
(2) هذا تعريفٌ بالنفي، ولو كان بالإيجاب لكان أفضل. فهذا كأنَّه قال: السفيه هو الذي ليس برشيد. ولو قال: له حالةٌ غير باعثةٍ … الخ. أو قال: إنَّه ضعيف النظر والفهم لهذه الأُمور التي عدّدها لكان أفضل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الرشد ارتفع حجره، فإن عاد إلى حالته السابقة حجر عليه، ولو زالت فكّ حجره، ولو عاد عاد الحجر عليه وهكذا.
(مسألة 1): السفيه إن بلغ سفيهاً، فالولاية عليه للأب والجدّ ووصيّهما، وإن طرأ عليه السفه بعد البلوغ فللحاكم الشرعيّ.
(مسألة 2): كما أنَّ السفيه محجورٌ عليه في أمواله كذلك في ذمّته، بأن يتعهّد مالاً أو عملاً، فلا يصحّ اقتراضه وضمانه ولا بيعه وشراؤه بالذمّة ولا إجارة نفسه ولا جعل نفسه عاملاً في المضاربة أو المزارعة أو المساقاة وغير ذلك.
(مسألة 3): معنى عدم نفوذ تصرّفات السفيه: عدم استقلاله، فلو كان بإذن الوليّ أو إجازته صحّ ونفذ. نعم في مثل العتق والوقف ممّا لا يجري(1) فيه الفضوليّة يشكل صحّته بالإجازة اللاحقة من الوليّ، ولو أوقع معاملةً في حال سفهه ثُمَّ حصل له الرشد فأجازها كانت كإجازة الوليّ.
(مسألة 4): لا يصحّ زواج السفيه بدون إذن الوليّ أو إجازته، لكن يصحّ(2) طلاقه وظهاره وخلعه ويقبل إقراره إذا لم يتعلّق بالمال كما لو أقرّ بالنسب أو بما يوجب القصاص ونحو ذلك، ولو أقرّ بالسرقة يقبل في القطع دون المال.
(مسألة 5): لو وكّل(3) السفيه أجنبيّاً في بيعٍ أو هبةٍ أو إجارةٍ مثلاً جاز، لا في
ــــــ[270]ـــــــ
(1) تجري الفضولية في كلّ العقود والإيقاعات إلَّا ما علم لزوم مباشرته وليس منها العتق والوقف. أمّا الظهار والإيلاء والنذر ونحوها فليست من العقود ولا الإيقاعات المعامليّة.
(2) إذا كان مستواه العقلي مناسباً. والمهمّ أن نرى إدراكه لمعنى هذه الأُمور. فإن لم يدرك لم يصحّ. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مجرّد(1) إجراء الصيغة فقط بل في أصل المعاملة أيضاً.
(مسألة 6): إذا حلف(2) السفيه أو نذر على فعل شيءٍ أو تركه ممّا لا يتعلّق بماله انعقد حلفه ونذره، ولو حنث كفر كسائر ما يوجب(3) الكفّارة كقتل الخطأ والإفطار في شهر رمضان، وهل يتعيّن عليه الصوم لو تمكّن منه أو يتخيّر بينه وبين كفّارةٍ ماليّةٍ كغيره؟ وجهان، أحوطهما الأوّل(4) بل لا يخلو من قوّة. نعم لو لم يتمكّن من الصوم تعيّن غيره، كما إذا فعل ما يوجب الكفّارة الماليّة خاصّةً كما في كفّارات الإحرام كلّها أو جلّها.
(مسألة 7): لو كان للسفيه حقّ القصاص جاز أن يعفو، بخلاف الدية وأرش الجناية.
(مسألة 8): إذا اطّلع الوليّ على بيعٍ أو شراءٍ مثلاً من السفيه ولم يرَ المصلحة في إجازته، فإن لم يقع إلَّا بمجرّد العقد ألغاه(5)، وإن وقع تسليمٌ وتسلّمٌ للعوضين فما سلّمه إلى الطرف الآخر يستردّه ويحفظه، وما تسلّمه وكان موجوداً يردّه إلى مالكه، وإن كان تالفاً ضمنه السفيه، فعليه مثله أو قيمته لو قبضه بغير إذنٍ من مالكه، وإن كان بإذنٍ منه وتسليمه له لم يضمنه، وقد تلف من مال مالكه. نعم، يقوى الضمان لو كان المالك الذي سلّمه الثمن أو المبيع جاهلاً بحاله، خصوصاً
ــــــ[271]ـــــــ
(1) يعني بهذا الشكل كما هو أحوط.
(2) كما قلنا قبل تعليقتين.
(3) هذا غير مربوطٍ بما قلناه ممّا ليس ماليّاً.
(4) بل يتوّلاها الوليّ. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(5) لا يحتاج إبطاله إلى تجديدٍ مبطلٍ بل هو باطلٌ ما لم تلحقه الإجازة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إذا كان التلف بإتلافٍ منه، وكذا الحال فيما لو اقترض السفيه وأتلف المال.
(مسألة 9): لو أودع إنسانٌ وديعةً عند السفيه فأتلفها ضمنها على الأقوى، سواءٌ علم المودع(1) بحاله أو جهل بها. نعم لو تلف عنده لم يضمنه حتّى مع تفريطه(2) في حفظها.
(مسألة 10): لا يسلَّم إلى السفيه ماله ما لم يُحرز رشده، وإذا اشتبه حاله يُختبر، بأن يفوَّض إليه مدّةً معتدّاً بها بعض الأُمور مما يناسب شأنه كالبيع والشراء(3) والإجارة والاستيجار لمن يناسبه مثل هذه الأُمور والرتق والفتق في بعض الأُمور مثل مباشرة الإنفاق في مصالحه أو مصالح الوليّ ونحو ذلك فيمن يناسبه ذلك. وفي السفيهة يفوَّض إليها ما يناسب النساء من إدارة بعض مصالح البيت والمعاملة مع النساء من الإجارة(4) والاستيجار للخياطة أو الغزل أو النساجة وأمثال ذلك، فإن أنس منه الرشد- بأن رأى منه المداقّة والمكايسة والتحفّظ عن المغابن في معاملاته وصيانة المال من التضييع وصرفه في موضعه وجريه مجاري العقلاء- دفع إليه ماله وإلَّا فلا.
(مسألة 11): الصبيّ إذا احتمل حصول الرشد له قبل البلوغ يجب اختباره قبله ليسلم إليه ماله بمجرّد بلوغه لو أنس منه الرشد، وإلَّا ففي كلّ زمانٍ احتمل
ــــــ[272]ـــــــ
(1) في صورة علمه لا ضمان.
(2) لو كان المالك جاهلاً فمقتضى القاعدة ضمانه حتّى مع عدم التفريط، ولا أقلّ ضمانه معه كغيره.
(3) وتكون هذه المعاملات نافذةً منه. والأحوط أن تكون تحت نظر الوليّ بدقّة.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فيه ذلك عند البلوغ أو بعده، وأمّا غيره فإن ادّعى حصول الرشد له واحتمله الوليّ يجب اختباره، وإن لم يدع حصوله ففي وجوب الاختبار بمجرّد الاحتمال إشكالٌ لا يبعد عدم الوجوب بل لا يخلو من قوّة.
القول في المفلس
وهو مَن حجر عليه عن ماله لقصوره(1) عن ديونه.
(مسألة 1): مَن كثرت عليه الديون ولو كانت أضعاف أمواله يجوز له التصرّف فيها بأنواعه ونفذ أمره فيها بأصنافه ولو بإخراجها جميعاً عن ملكه مجّاناً أو بعوضٍ ما لم يحجر عليه الحاكم الشرعيّ. نعم لو كان صلحه عنها أو هبتها مثلاً لأجل الفرار من أداء الديون يشكل الصحّة(2)، خصوصاً فيما إذا لم يرجُ حصول مالٍ آخر له باكتسابٍ ونحوه.
(مسألة 2): لا يجوز الحجر على المفلس إلَّا بشروط أربعة:
الأول: أن تكون ديونه ثابتةً شرعاً.
الثاني: أن تكون أمواله من عروضٍ ونقودٍ ومنافعٍ وديونٍ على الناس ما عدا مستثنيات الدين(3) قاصرةً عن ديونه.
الثالث: أن تكون الديون حالّةً، فلا يحجر عليه لأجل الديون المؤجّلة وإن لم يف ماله بها لو حلّت، ولو كان بعضها حالاً وبعضها مؤجّلاً فإن قصر ماله عن
ــــــ[273]ـــــــ
(1) الأولى لقصور ثروته أو أمواله أو أملاكه.
(2) ومقتضى القاعدة الصحّة.
(3) الأحوط والأقوى حسابها بالحكم بالفلس، وإن لم تُدفع إلى الديّان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الحالّة يحجر عليه وإلَّا فلا.
الرابع(1): أن يرجع الغرماء كلّهم أو بعضهم إلى الحاكم ويلتمسوا منه الحجر عليه.
(مسألة 3): بعد ما تمّت الشرائط الأربعة وحجر عليه الحاكم وحكم بذلك، تعلّق حقّ الغرماء بأمواله، ولا يجوز له التصرّف فيها بعوضٍ كالبيع والإجارة وبغير عوضٍ كالوقف والهبة إلَّا بإذنهم أو إجازتهم. وإنَّما يمنع عن التصرّفات الابتدائيّة، فلو اشترى شيئاً سابقاً بخيارٍ ثُمَّ حجر عليه فالخيار باقٍ وكان له فسخ البيع وإجازته(2). نعم لو كان له(3) حقٌّ ماليٌّ سابقاً على الغير ليس له إسقاطه وإبراؤه كلاً أو بعضاً.
(مسألة 4): إنما يمنع عن التصرّف في أمواله الموجودة في زمان الحجر عليه، وأمّا الأموال المتجدّدة الحاصلة له بغير اختياره كالإرث أو باختياره بمثل الاحتطاب والاصطياد وقبول الوصيّة والهبة ونحو ذلك ففي شمول الحجر لها إشكال. نعم لا إشكال(4) في جواز تجديد الحجر عليها.
(مسألة 5): لو أقرّ بعد الحجر بدَينٍ سابقٍ صحّ وشارك المقرّ له مع الغرماء،
ــــــ[274]ـــــــ
(1) يمكن القول باشتراط تعذّر التقسيم إلَّا بعد التأخير والحساب. فلو كان دفع الديون سهلاً كما لو كان الدائن واحداً أو اثنين كان الحجر ظلماً له بدون حاجةٍ ملحّةٍ.
(2) بمعنى: إسقاط الخيار أو الإعراض عنه؛ إذ لا يحتاج البيع الصحيح إلى إجازة.
(3) بالنسبة إلى الديون الحالّة. وأمّا المؤجّلة فحجره عنها مبنيٌ على ضربٍ من الاحتياط.
(4) كما لا إشكال في وجوب إلحاقها بديون الديّان عليه لكي لا تنقص مع الإمكان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وكذا لو أقرّ بدَينٍ لاحقٍ وأسنده إلى سببٍ لا يحتاج إلى رضاء الطرفين مثل الإتلاف والجناية ونحوهما، وأمّا لو أسنده إلى سببٍ يحتاج إلى ذلك كالاقتراض والشراء بما في الذمّة ونحو ذلك نفذ الإقرار(1) في حقّه لكن لا يشارك المقرّ له مع الغرماء.
(مسألة 6): لو أقرّ بعينٍ من الأعيان التي تحت يده لشخصٍ لا إشكال في نفوذ إقراره في حقّه، فلو سقط حقّ الغرماء وانفكّ الحجر لزمه تسليمها(2) إلى المقرّ له أخذاً بإقراره، وأمّا نفوذه في حقّ الغرماء بحيث تدفع إلى المقرّ له في الحال ففيه إشكالٌ أقواهما العدم(3).
(مسألة 7): بعد ما حكم الحاكم بحجر المفلس ومنعه عن التصرّف في أمواله يشرع في بيعها(4) وقسمتها بين الغرماء بالحصص وعلى نسبة ديونهم مستثنياً منها مستثنيات الدين وقد مرّت في كتاب الدين، وكذا أمواله المرهونة عند الديّان لو كان، فإنَّ المرتهن أحقّ باستيفاء حقّه من الرهن الذي عنده ولا يحاصّه فيه سائر الغرماء، وقد مرّ في كتاب الرهن.
(مسألة 8): إن كان من جملة مال المفلس عينٌ اشتراها وكان ثمنها في ذمّته، كان البائع بالخيار بين أن يفسخ البيع ويأخذ عين ماله وبين الضرب مع الغرماء بالثمن ولو لم يكن له مال سواها.
ــــــ[275]ـــــــ
(1) إذا كان السبب باطلاً فلا أثر للإقرار.
(2) لن تبقى عنده إلى ذلك الحين بل تسلّم إلى الغرماء، وخاصّة بعد فتوى الماتن بأنَّها لا تدفع إلى المقرّ له.
(3) والأقوى ضرب المقرّ له بنسبة قيمة العين مع الغرماء.
(4) وجوب البيع طريقيٌّ إلى إمكان التقسيم، فلو تقسّمت بدونه أو تراضى الديّان على ذلك لم يجب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 9): قيل هذا الخيار على الفور، فإن لم يبادر بالرجوع في العين تعيّن له الضرب مع الغرماء، وهو أحوط، لكن الظاهر العدم. نعم ليس له الإفراط في تأخير الاختيار بحيث يعطّل أمر التقسيم على الغرماء، فإذا وقع منه ذلك خيّره الحاكم بين الأمرين، فإن امتنع عن اختيار أحدهما ضربه مع(1) الغرماء بالثمن.
(مسألة 10): يعتبر في جواز رجوع البائع بالعين حلول الدين، فلا رجوع لو كان مؤجّلاً.
(مسألة 11): لو كانت العين من مستثنيات الدين ليس للبائع أن يرجع إليها على الأظهر.
(مسألة 12): المقرض كالبائع في أنَّ له الرجوع في العين المقترضة لو وجدها عند المقترض، بل وكذا المؤجر، فإنَّ له فسخ الإجارة إذا حجر على المستأجر قبل استيفاء المنفعة.
(مسألة 13): لو وجد البائع أو المقرض بعض العين المبيعة أو المقترضة كان لهما الرجوع إلى الموجود بحصّته من الدين والضرب بالباقي مع الغرماء، كما أنَّ لهما الضرب بتمام الدين معهم، وكذا إذا استوفى المستأجر بعض المنفعة كان للموجر فسخ الإجارة بالنسبة إلى ما بقي من المدّة بحصّتها من الأجرة والضرب مع الغرماء بما قابلت المنفعة الماضية، كما أنَّ له الضرب معهم بتمام الأجرة.
(مسألة 14): لو زادت في العين المبيعة أو المقترضة زيادةٌ متّصلة كالسمن
ــــــ[276]ـــــــ
(1) بل الأولى أن يفسخ عنه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تتبع الأصل، فيرجع البائع أو المقرض إلى العين كما هي(1)، وأمّا الزيادة المنفصلة كالحمل والولد واللبن والثمر على الشجر فهي للمشتري والمقترض وليس للبائع والمقرض إلَّا الرجوع إلى الأصل.
(مسألة 15): لو تعيّبت العين عند المشتري مثلاً، فإن كان بآفةٍ سماويّةٍ أو بفعل المشتري فللبائع أن يأخذها كما هي بدل الثمن وأن يضرب بالثمن مع الغرماء، وكذا لو كان بفعل البائع، وأمّا إن كان بفعل الأجنبيّ(2) فالبائع بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بتمام الثمن وبين أن يأخذ العين معيباً، وحينئذٍ فيحتمل(3) أن يضارب الغرماء في جزءٍ من الثمن نسبته إليه كنسبة الأرش إلى قيمة العين، ويحتمل(4) أن يضاربهم في تمام الأرش، فإذا كان الثمن عشرةً وقيمة العين عشرين وأرش النقصان أربعة خمس القيمة، فعلى الأوّل يضاربهم في اثنين وعلى الثاني في أربعة، ولو فرض العكس- بأن كان الثمن عشرين والقيمة عشرة وكان الأرش اثنين خمس العشرة يكون الأمر بالعكس، يضاربهم في أربعة على الأوّل، وفي اثنين على الثاني، والمسألة محلّ إشكال، فالأحوط للبائع أن يقتصر على أقلّ الأمرين وهو الاثنان في الصورتين.
ــــــ[277]ـــــــ
(1) ويعطي للمفلس الفرق إن كانت الزيادة المتّصلة سبباً لزيادة الثمن، وتدخل تحت الحجر بلا حاجة إلى حجرٍ جديدٍ؛ لأنَّ ماليّتها محجورة.
(2) إن كان النقص مضموناً عليه وإلَّا لم يجز للبائع أخذ الأرش جزماً.
(3) وهو خلاف الاحتياط الاستحبابيّ فالأولى أن لا يختار ذلك بكلا احتماليه.
(4) وهو المتعيّن، وبه يحصل على بعض الأرش. وبه نستطيع أن نعلم أنَّ الفرق بين الاحتمالين غير كبيرٍ عرفاً، والأرش دائماً أرش القيمة لا الثمن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 16): لو اشترى أرضاً فأحدث فيها بناءً أو غرساً ثُمَّ فلس كان للبائع الرجوع إلى أرضه، لكنّ البناء والغرس للمشتري(1) وليس له حقّ الإبقاء ولو بالأجرة، فإن تراضيا على البقاء مجّاناً أو بالأجرة(2) وإلَّا فللبائع(3) إلزامه بالقلع لكن مع دفع الأرش، كما أنَّ للمشتري القلع لكن مع طمّ الحفر، والأحوط(4) للبائع عدم إلزامه بالقلع والرضا ببقائه ولو بالأجرة إذا أراده المشتري.
(مسألة 17): لو خلط المشتري مثلاً ما اشتراه بماله، فإن كان بغير جنسه ليس للبائع الرجوع في ماله وبطُل حقّه من العين، وإن كان بجنسه كان له ذلك(5) سواءٌ خلط بالمساوي أو الأردأ أو الأجود، وبعد الرجوع يشارك المفلس بنسبة مالهما في المقدار لكن فيما إذا اختلط بالمساوي اقتسماه عيناً بنسبة مالهما. وأمّا في غيره فيباع المجموع ويختصّ كلّ منهما من الثمن بنسبة قيمة ماله، فإذا خلط منٌّ من زيت يسوى درهماً بمنٍّ من زيت يسوى درهمين، يقسم الثمن بينهما أثلاثاً، وإذا أراد أحدهما البيع ليس للآخر الامتناع. نعم لصاحب الأجود مطالبة القسمة العينيّة بنسبة مقدار المالين، فإنَّه قد رضي بدون حقّه وليس للآخر الامتناع ومطالبة البيع وتقسيم الثمن بنسبة القيمة. هذا ولكن في أصل المسألة – وهو كون البائع أحقّ
ــــــ[278]ـــــــ
(1) يضرب بها مع الغرماء.
(2) هذا خلاف فرض كونه محجوراً.
(3) هذا على خلاف الاحتياط كما سنشير.
(4) وجوباً. وقياسه على الإجارة والمزارعة والبيع الخياري محلّ إشكال.
(5) بل الأحوط خلافه، وسيذكره الماتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بماله في صورة الامتزاج- عندي تأمّلٌ وإشكالٌ، فالأحوط عدم الرجوع إلَّا مع رضى الغرماء.
(مسألة 18): لو اشترى غزلاً فنسجه، أو دقيقاً فخبزه، أو ثوباً فقصره أو صبغه لم يبطل حقّ البائع من العين على إشكالٍ في الأوّلين.
(مسألة 19): غريم الميّت(1) كغريم المفلس، فإذا وجد عين ماله في تركته كان له الرجوع إليه، لكن بشرط(2) أن يكون ما تركه وافياً بدين الغرماء، وإلَّا فليس(3) له ذلك بل هو كسائر الغرماء يضرب بدينه معهم وإن كان الميّت قد مات محجوراً عليه.
(مسألة 20): يجري على المفلس إلى يوم قسمة ماله نفقته وكسوته ونفقة مَن يجب عليه نفقته وكسوته على ما جرت عليه عادته، ولو مات قدم كفّنه بل وسائر مؤن تجهيزه من السدر والكافور وماء الغسل ونحو ذلك على حقوق الغرماء ويقتصر على الواجب على الأحوط، وإن كان القول باعتبار المتعارف بالنسبة إلى أمثاله لا يخلو من قوّة.
(مسألة 21): لو قسّم الحاكم مال المفلس بين غرمائه ثُمَّ ظهر غريمٌ آخر لم ينتقض القسمة على الأقوى، بل يشارك(4) مع كلّ منهم على الحساب، فإذا كان
ــــــ[279]ـــــــ
(1) يعني: الذي ضاقت تركته عن ديونه وليس كلّ أحد.
(2) مع وجود هذا الشرط لا يكون الميّت شبيهاً بالمفلس حكماً.
(3) مع ضيق التركة عن الديون فله ذلك مع صدق عرفاً أنَّه وجد عينه.
(4) إن تمّت القسمة ارتفع الحكم بالحجر تلقائيّاً بلا حاجةٍ إلى حكم الحاكم. وإذا ارتفع الحجر لا أثر لظهور غريمٍ آخر. على أنَّ سحب بعض المال الذي وصل إليهم وأصبح ملكهم ممّا لا دليل على جوازه ولا دليل على وفائه لذمّة المفلس.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مجموع ماله ستين وكان له غريمان يطلب أحدهما ستّين والآخر ثلاثين فأخذ الأوّل أربعين والثاني عشرين ثُمَّ ظهر ثالثٌ يطلب منه عشرةً يأخذ من الأوّل أربعةً ومن الثاني اثنين، فيصير حصّة الأوّل ستّة وثلاثين والثاني ثمانية عشر والثالث ستّةً يأخذ كلّ منهم ثلاثة أخماس طلبه وهكذا.
القول في المرض
المريض إذا لم يتّصل مرضه بموته فهو كالصحيح يتصرّف في ماله بما شاء وكيف شاء وينفذ جميع تصرّفاته في جميع ما يملكه إلَّا فيما أوصى بأن يُصرف شيءٌ بعد موته فإنَّه لا ينفذ فيما زاد على ثلث ما يتركه، كما أنَّ الصحيح أيضاً كذلك ويأتي تفصيل ذلك في محلّه. وأمّا إذا اتّصل مرضه بموته فلا إشكال في عدم نفوذ وصيّته بما زاد على الثلث كغيره، كما أنَّه لا إشكال في نفوذ عقوده المعاوضيّة المتعلّقة بماله كالبيع بثمن المثل والإجارة بأجرة المثل ونحو ذلك، وكذا لا إشكال في جواز انتفاعه بماله بالأكل والشرب والإنفاق على نفسه ومن يعوله والصرف على أضيافه وفي موردٍ يحفظ شأنه واعتباره وغير ذلك. وبالجملة كلّ صرفٍ يكون فيه غرضٌ عقلائيٌّ ممّا لا يعدّ سرفاً وتبذيراً أيّ مقدارٍ كان، وإنَّما الإشكال والخلاف في مثل الهبة والعتق والوقف والصدقة والإبراء والصلح بغير عوضٍ ونحو ذلك من التصرّفات التبرّعيّة في ماله ممّا لا يقابل بالعوض ويكون فيه إضرارٌ بالورثة، وهي المعبّر عنها بالمنجزات وأنَّها هل هي نافذةٌ من الأصل
-بمعنى نفوذها وصحّتها مطلقاً وإن زادت على ثلث ماله بل وإن تعلّقت بجميع ماله بحيث لم يبق شيءٌ للورثة- أو هي نافذةٌ بمقدار الثلث، فإن زادت يتوقّف
ــــــ[280]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
صحّتها ونفوذها في الزائد على إمضاء الورثة، والأقوى هو الأوّل.
(مسألة 1): لا إشكال ولا خلاف في أنَّ الواجبات الماليّة التي يؤدّيها المريض في مرض موته كالخمس والزكاة والكفّارات تخرج من الأصل.
(مسألة 2): البيع والإجارة المحاباتيّان كالهبة بالنسبة إلى ما حاباه، فيدخلان في المنجزات التي هي محلّ الإشكال والخلاف، فإذا باع شيئاً يسوى مائةً بخمسين فقد أعطى المشتري خمسين كما إذا وهبه.
(مسألة 3): الصدقة وإن كانت من المنجزات كما أشرنا إليه لكنّ الظاهر أنَّه ليس منها ما يتصدّق المريض لأجل شفائه(1) وعافيته، بل هي ملحقةٌ بالمعاوضات فكأنّ المريض يشتري به حياته وسلامته.
(مسألة 4): لو قلنا بنفوذ المنجزات من الثلث يشكل القول به في المرض الذي يطول سنةً أو سنتين أو أزيد إلَّا فيما إذا وقع التصرّف في أواخره القريب من الموت، بل ينبغي أن يقتصر على المرض المخوف الذي يكون معرّضاً للخطر والهلاك، فمثل حمّى يومٍ خفيفٍ اتّفق الموت به على خلاف مجاري العادة يمكن القول بخروجه، كما أنَّه ينبغي الاقتصار على ما إذا كان الموت بسبب ذلك المرض الذي وقع التصرّف فيه، فإذا مات فيه لكن بسببٍ آخر من قتلٍ أو افتراس سبعٍ أو لذع حيّةٍ ونحو ذلك يكون خارجاً.
(مسألة 5): لا يبعد(2) أن يلحق بالمرض حال كونه معرض الخطر والهلاك،
ــــــ[281]ـــــــ
( ) هذا من طلب الدنيا، والعوض الحقيقي للصدقة هو الثواب الأخرويّ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ.
(1)بل هو بعيدٌ عرفاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كأن يكون في حال المراماة في الحرب أو في حال إشراف السفينة على الغرق أو كانت المرأة في حال الطلق.
(مسألة 6): لو أقرّ بدينٍ أو عينٍ من ماله في مرض موته لوارثٍ أو أجنبيّ، فإن كان مأموناً غير متّهمٍ نفذ إقراره في جميع ما أقرّ به وإن كان زائداً على ثلث ماله بل وإن استوعبه، وإلَّا فلا(1) ينفذ فيما زاد على ثلثه. والمراد بكونه متّهماً وجود أماراتٍ يظنّ معها بكذبه، كأن يكون بينه وبين الورثة معاداةٌ يظنّ معها بأنَّه يريد بذلك إضرارهم، أو كان له محبّةٌ شديدةٌ مع المقرّ له يظنّ معها بأنَّه يريد بذلك نفعه.
(مسألة 7): إذا لم يعلم حال المقرّ وأنَّه كان متّهماً أو مأموناً ففي الحكم بنفوذ إقراره في الزائد على الثلث وعدمه إشكال، فالأحوط التصالح(2) بين الورثة والمقرّ له.
(مسألة 8): إنَّما يحسب الثلث في مسألتي المنجزات والإقرار بالنسبة إلى مجموع ما يتركه في زمان موته من الأموال عيناً أو ديناً أو منفعةً أو حقّاً ماليّاً يبذل بإزائه المال كحقّ التحجير، وهل تحسب الدية من التركة وتضمّ إليها ويحسب الثلث بالنسبة إلى المجموع أم لا؟ وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما من رجحان.
ــــــ[282]ـــــــ
(1) مقتضى القاعدة نفوذ الإقرار. والدليل بخلافه مفقودٌ سواءٌ أخذنا المسألة من زاوية منجزات المريض؛ لأنَّ الصحيح نفوذها من الأصل كما عليه الماتن، أو أخذها مستقلّةً عنها. نعم، للورثة مزيد التحفّظ وإلفات نظر الحاكم المقَرّ عنده إلى ذلك، ولو لأجل أخذ اليمين منه مضافاً إلى الإقرار دفعاً للتهمة.
(2) استحباباً، كما اتّضح من التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 9): ما ذكرنا من عدم النفوذ فيما زاد على الثلث في الوصيّة وفي المنجزات على القول به إنَّما هو إذا لم يجز الورثة وإلَّا نفذتا بلا إشكال، ولو أجاز بعضهم نفذ بمقدار حصّته، ولو أجازوا بعضاً من الزائد عن الثلث نفذ بقدره.
(مسألة 10): لا إشكال في صحّة إجازة الوارث بعد موت المورث، وهل تصحّ منه في حال حياته(1) بحيث تلزم عليه ولا يجوز له الردّ بعد ذلك أم لا؟ قولان أقواهما الأوّل، خصوصاً في الوصيّة، وإذا ردّ(2) في حال الحياة يمكن أن يلحقه الإجازة بعد ذلك على الأقوى.
ــــــ[283]ـــــــ
(1) الكلام في إجازة المنجزات لا في إجازة الوصايا. ومعه لا إشكال في نفوذها. وأمّا الكلام في الوصيّة فله بابٌ آخر، وقد خلط الماتن بينهما.
(2) بالنسبة إلى المنجزات فإنَّ الردّ يبطلها ولا تكون قابلةً للإجازة في حياته أو بعد موته. نعم، لو كان الوارث غافلاً عن الإجازة والردّ كان له الإجازة بعد الوفاة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[284]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الضمان
وهو التعهّد بمالٍ ثابتٍ في ذمّة شخصٍ لآخر. وحيث إنَّه عقدٌ من العقود يحتاج إلى إيجابٍ(1) صادرٍ من الضامن وقبولٍ(2) من المضمون له، ويكفي في الأوّل: كلّ لفظٍ دالٍّ بالمتفاهم العرفيّ على التعهّد المزبور ولو بضميمة القرائن، مثل أن يقول: «ضمنت لك» أو «تعهّدت لك الدين الذي لك على فلان» ونحو ذلك، وفي الثاني: كلّ ما دلّ على الرضا بذلك، ولا يعتبر رضاء المضمون عنه.
(مسألة 1): يشترط في كلٍّ من الضامن والمضمون له أن يكون بالغاً عاقلاً(3) رشيداً مختاراً، ولا يشترط ذلك كلّه في المضمون عنه، فلا يصحّ ضمان الصبيّ ولا الضمان له(4) ولكن يصحّ الضمان عنه وهكذا.
(مسألة 2): يشترط في صحّة الضمان أُمور:
منها: التنجيز، فلو علّق على أمرٍ كأن يقول أنا ضامنٌ لما على فلان إن أَذِن لي أبي، أو أنا ضامن إن لم يفِ المديون إلى زمان كذا أو إن لم يفِ أصلاً بطل.
ــــــ[285]ـــــــ
(1) ولا يكون بالمعاطاة؛ لانتفاء التعاطي فيه أساساً.
(2) على الأحوط وإن كان الأقوى كفاية الإيجاب، غير إنَّ الأحوط إحراز رضا المضمون له.
(3) اعتبار هذه الأوصاف في المضمون له فرع اعتبار القبول. ولو اعتبرناه أمكن من الوليّ.
(4) ظهر ما فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ومنها: كون الدين الذي يضمنه ثابتاً في ذمّة المضمون عنه، سواءٌ كان مستقرّاً كالقرض والثمن أو المثمن في البيع الذي لا خيار فيه أو متزلزلاً كأحد العوضين في البيع الخياريّ أو كالمهر قبل الدخول ونحو ذلك، فلو قال أقرض فلاناً أو بِعْهُ نسيئةً وأنا ضامنٌ لم يصحّ.
ومنها: تميّز الدين والمضمون له والمضمون عنه، بمعنى عدم الإبهام والترديد، فلا يصحّ ضمان أحد الدينين ولو لشخصٍ معيّنٍ على شخصٍ معيّنٍ، ولا ضمان دين أحد الشخصين ولو لواحدٍ معيّن، ولا ضمان دين أحد الشخصين ولو على واحدٍ معيّنٍ.
نعم لو كان الدين معيّناً في الواقع ولم يعلم جنسه أو مقداره أو كان المضمون له أو المضمون عنه متعيّناً في الواقع ولم يعلم شخصه صحّ على الأقوى، خصوصاً في الأخيرين. فلو قال ضمنت ما لفلان على فلان ولم يعلم أنَّه درهمٌ أو دينارٌ أو أنَّه دينارٌ أو ديناران صحّ على الأصحّ(1)، وكذا لو قال ضمنت الدين الذي على فلان لمن يطلبه من هؤلاء العشرة ويعلم بأنَّ واحداً منهم يطلبه ولم يعلم شخصه ثُمَّ قبل(2) بعد ذلك الواحد المعيّن الذي يطلبه، أو قال ضمنت ما كان لفلانٍ على المديون من هؤلاء ولم يعلم شخصه صحّ الضمان على الأقوى.
(مسألة 3): إذا تحقّق الضمان الجامع للشرائط انتقل الحقّ من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن وبرئت ذمّته، فإذا أبرأ المضمون له – وهو صاحب الدين-
ــــــ[286]ـــــــ
(1) إلَّا إذا كان بمقدارها خارج عن حسبان الضامن.
(2) بناءً على الحاجة إلى القبول ولو احتياطاً أو رجاءً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ذمّة الضامن برئت ذمّتا الضامن والمضمون عنه، وإذا أبرأ ذمّة المضمون عنه كان لغواً لأنَّه لم يشتغل ذمّته بشيءٍ حتّى يبرئه.
(مسألة 4): الضمان لازمٌ من طرف الضامن فليس له فسخه بعد وقوعه مطلقاً، وكذا من طرف المضمون له إلَّا إذا كان الضامن معسراً وكان المضمون له جاهلاً بإعساره، فإنَّه يجوز له فسخ الضمان والرجوع بحقّه على المضمون عنه. والمدار على الإعسار حال الضمان، فلو كان موسراً في تلك الحال ثُمَّ أعسر لم يكن له الخيار، كما أنَّه لو كان معسراً ثُمَّ أيسر لم يزل الخيار.
(مسألة 5): يجوز اشتراط الخيار لكلٍّ من الضامن والمضمون له على الأقوى.
(مسألة 6): يجوز ضمان الدين الحالّ حالاً ومؤجّلاً، وكذا ضمان الدين المؤجّل مؤجّلاً وحالاً، وكذا يجوز ضمان الدين المؤجّل مؤجّلاً بأزيد من أجله وبأنقص منه.
(مسألة 7): إذا ضمن من دون إذن المضمون عنه، ليس له الرجوع عليه، وإن كان بإذنه فله الرجوع عليه لكن بعد أداء الدين لا بمجرّد الضمان، وإنَّما يرجع عليه بمقدار ما أدّاه، فلو صالح المضمون له مع الضامن الدين بنصفه أو ثلثه أو أبرأ ذمّته عن بعضه لم يرجع عليه بالمقدار الذي سقط عن ذمّته بالمصالحة أو الإبراء.
(مسألة 8): إذا كان الضمان بإذن المضمون عنه فإنَّما يرجع عليه بالأداء فيما إذا حلّ أجل الدين الذي كان على المضمون عنه، وإلَّا فليس له الرجوع عليه إلَّا بعد حلول أجله، فلو ضمن الدين المؤجّل حالاً أو الدين المؤجّل بأقلّ من أجله
ــــــ[287]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فأدّاه ليس له الرجوع عليه إلَّا بعد حلول أجل الدين، وأمّا لو كان بالعكس – بأن ضمن الدين الحال مؤجّلاً أو المؤجّل بأكثر من أجله فأدّاه ولو برضى المضمون له قبل حلول أجله- جاز له الرجوع إليه بمجرّد الأداء، وكذا لو مات قبل انقضاء الأجل فحلّ الدين وأدّاه الورثة من تركته كان لهم الرجوع على المضمون عنه.
(مسألة 9): لو ضمن بالإذن الدين المؤجّل مؤجّلاً فمات قبل انقضاء الأجلين وحلّ ما عليه فأخذ من تركته ليس لورثته الرجوع إلى المضمون عنه إلَّا بعد حلول أجل الدين الذي كان عليه، ولا يحلّ الدين بالنسبة إلى المضمون عنه بموت الضامن وإنَّما يحل بالنسبة إليه.
(مسألة 10): لو دفع المضمون عنه الدين إلى المضمون له من دون إذن الضامن برئت ذمّته وليس له الرجوع عليه.
(مسألة 11): يجوز الترامي في الضمان، بأن يضمن مثلاً زيدٌ عن عمرو ثُمَّ يضمن بكرٌ عن زيدٍ ثُمَّ يضمن خالدٌ عن بكرٍ وهكذا، فتبرأ ذمّة الجميع واستقرّ الدين على الضامن الأخير: فإن كانت جميع الضمانات بغير إذنٍ من المضمون عنه لم يرجع واحدٌ منهم على سابقه لو أدّى الدين الضامن الأخير، وإن كانت جميعها بالإذن يرجع الضامن الأخير على سابقه وهو على سابقه إلى أن ينتهي إلى المديون الأصلي، وإن كان بعضها بالإذن وبعضها بدونه، فإن كان الأخير بدون الإذن كان كالأوّل لم يرجع واحدٌ منهم على سابقه، وإن كان بالإذن رجع هو على سابقه وهو على سابقه لو ضمن بإذنه وإلَّا لم يرجع وانقطع الرجوع عليه. وبالجملة كلّ ضامنٍ أدّى شيئاً وكان ضمانه بإذن مَن ضمن عنه يرجع عليه بما أدّاه.
ــــــ[288]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 12): لا إشكال في جواز ضمان اثنين عن واحدٍ بالاشتراك، بأن يكون على كلٍّ منهما بعض الدين، فتشتغل ذمّة كلٍّ منهما بمقدارٍ منه على حسب ما عيّناه(1) ولو بالتفاوت، ولو أطلقا يقسّط عليهما بالتساوي: فبالنصف لو كانا اثنين، وبالثلث لو كانوا ثلاثة وهكذا، ولكلّ منهما أداء ما عليه وتبرأ ذمّته ولا يتوقّف على أداء الآخر ما عليه، وللمضمون له مطالبة كلٍّ منهما بحصّته ومطالبة أحدهما أو إبراؤه دون الآخر. ولو كان ضمان أحدهما بالإذن دون الآخر رجع هو إلى المضمون عنه بما أدّاه دون الآخر.
والظاهر أنَّه لا فرق في جميع ما ذكر بين أن يكون ضمانهما بعقدين – بأن ضمن أحدهما عن نصف الدين ثُمَّ ضمن الآخر عن نصفه الآخر- أو بعقدٍ واحدٍ كما إذا ضمن عنهما وكيلهما في ذلك فقبل المضمون له. هذا كلّه في ضمان اثنين عن واحدٍ بالاشتراك، وأمّا ضمانهما عنه بالاستقلال(2) – بأن كان كلٌّ منهما ضامناً لتمام الدين- فهو وإن لم يخلُ عن إشكالٍ لكن لا يبعد جوازه، وحينئذٍ فللمضمون له مطالبة مَن شاء منهما بكلّ الدين، كما أنَّ له مطالبة أحدهما ببعضه وبالباقي من الآخر. ولو أبرأ أحدهما انحصر المديون في الآخر، ولو كان ضمان أحدهما بالإذن رجع المأذون إلى المضمون عنه دون غيره.
(مسألة 13): ضمان اثنين(3) عن واحدٍ بالاستقلال لا يمكن إلَّا بإيقاع
ــــــ[289]ـــــــ
(1) ولا بدَّ من التعيين؛ لصحّة الضمان مع عدم تساوي النسبة.
(2) يعني مع وقوع الضمانين دفعةً والأصحّ السابق وبطل اللاحق. والأحوط فسخهما وإعادة أحد الضمانين أو كليهما بشكلٍ طوليّ. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(3) هذا الذي قلنا بالاحتياط في تركه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الضمانين دفعةً، كما إذا ضمن عنهما كذلك وكيلهما بإيجابٍ واحدٍ ثُمَّ قبل المضمون له ذلك أو بتعاقب الإيجابين منهما ثُمَّ قبول واحدٍ من المضمون له متعلّقٌ بكليهما، بأن قال أحدهما مثلاً: ضمنت لك مالك على فلان، ثُمَّ قال الآخر مثل ذلك، فقال المضمون له: قبلت، قاصداً قبول كلا الضمانين. وأمّا لو تمّ عقد الضمان على تمام الدين فلا يمكن أن يتعقّبه ضمانٌ آخر؛ [إذ] بمجرّد وقوع الضمان الأوّل برئت ذمّة المضمون عنه، فلا يبقى محلٌّ لضمانٍ آخر.
(مسألة 14): يجوز الضمان بغير جنس(1) الدين، لكن إذا كان الضمان بإذن المضمون عنه ليس له الرجوع عليه إلَّا بجنس الدين.
(مسألة 15): كما يجوز ضمان الأعيان الثابتة في الذمم يجوز ضمان المنافع والأعمال المستقرّة في الذمم، فكما أنَّه يجوز أن يضمن عن المستأجر ما عليه من الأجرة كذلك يجوز أن يضمن عن الأجير ما عليه من العمل. نعم لو كان ما عليه يعتبر فيه مباشرته – كما إذا كان عليه خياطة ثوبٍ مباشرةً- لم يصحّ ضمانه.
(مسألة 16): لو ادّعى شخصٌ على شخصٍ ديناً فقال ثالثٌ للمدّعي: عليّ ما عليه فرضي به المدّعي صحّ الضمان، بمعنى ثبوت الدين في ذمّته على تقدير ثبوته على المدّعى عليه، فيسقط الدعوى عن المضمون عنه ويصير الضامن طرف الدعوى، فإذا أقام المدّعي البيّنة على ثبوته يجب على الضامن أداؤه، وكذا لو ثبت إقرار المضمون عنه قبل الضمان بالدين. وأمّا إقراره بعد الضمان فلا يثبت به شيءٌ لا على المقرّ؛ لبراءة ذمّته بالضمان حسب الفرض، ولا على الضامن؛ لكونه إقراراً على الغير.
ــــــ[290]ـــــــ
(1) مع رضا المضمون له وقبوله.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 17): الأقوى عدم جواز ضمان الأعيان المضمونة(1) كالمغصوب والمقبوض بالعقد الفاسد لمالكها عمّن كانت هي في يده.
(مسألة 18): لا إشكال في جواز ضمان عهدة الثمن(2) للمشتري عن البائع لو ظهر المبيع مستحقّاً للغير أو ظهر بطلان البيع لفقد شرطٍ من شروط صحّته إذا كان ذلك بعد قبض البائع الثمن، وأمّا ضمان درك ما يحدثه المشتري من بناءٍ أو غرسٍ في الأرض المشتراة إذا ظهرت مستحقّةً للغير وقلعه المالك ففي ضمانه للمشتري عن البائع إشكال.
(مسألة 19): إذا كان على الدين الذي على المضمون عنه رهنٌ ينفكّ بالضمان على إشكال. نعم لو شرط الضامن مع المضمون له انفكاكه به انفكّ بلا إشكال.
(مسألة 20): لو كان على أحدٍ دينٌ فالتمس من غيره أداءه فأدّاه بلا ضمانٍ عنه للدائن جاز له الرجوع على الملتمس.
ــــــ[191]ـــــــ
(1) يعني: حال وجودها، أمّا بعد تلفها فتكون ديناً قابلاً للضمان المتعارف. إلَّا أنَّ الأقوى جواز ضمانها قبل التلف، وهو من جنس الكفالة. ونتيجتها وجوب الردّ إلى المالك، وإن كان في سقوط هذا الوجوب عن الغاصب إشكالٌ ما لم يسلّم العين للضامن في طريق ردّها إلى مالكها.
(2) وهو نحوٌ من الكفالة أيضاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[292]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الحوالة والكفالة
أمّا الحوالة فحقيقتها(1) تحويل المديون ما في ذمّته إلى ذمة غيره، وهي متقوّمةٌ بأشخاصٍ ثلاثةٍ(2): المحيل وهو المديون، والمحتال(3) وهو الدائن، والمحال عليه.
ويعتبر في الثلاثة: البلوغ والعقل(4) والرشد والاختيار. وحيث إنَّها عقدٌ من العقود تحتاج إلى إيجابٍ من المحيل وقبولٍ من المحتال، وأمّا المحال عليه فليس طرفاً(5) للعقد وإن قلنا باعتبار قبوله. ويعتبر في عقدها ما يعتبر في سائر العقود، ومنها: التنجيز، فلو علّقها على شيءٍ بطل. ويكفي في الإيجاب كلّ لفظٍ يدلّ على التحويل المزبور، مثل: «أحلتك بما في ذمّتي من الدين على فلان» وما يفيد معناه، وفي القبول ما يدلّ على الرضا نحو: «قبلت» و«رضيت» ونحوهما.
ــــــ[293]ـــــــ
(1) وفرقها عن الضمان: أنَّ الضمان تحويل الدين إلى ذمّةٍ فارغةٍ، والحوالة تحويله إلى ذمّةٍ مشغولةٍ. وأمّا الحوالة على ذمّةٍ فارغةٍ فهي كالضمان إلَّا من حيث إنَّ الإيجاب هناك من الضامن، وفي الحوالة من المدين.
(2) لابدَّ من رضاهم جميعاً على الأحوط. ومن ثَمَّ فهي عقدٌ متقوّم ٌبثلاثةٍ: إيجابٍ وقبولين.
(3) هكذا الاصطلاح إلَّا أنَّ التاء زائدةٌ لغوياً.
(4) هذه وما بعدها ثابتةٌ ولو باعتبار الوليّ على الأقوى.
(5) هذا تهافتٌ في التصوّر، فإنَّنا لا نعني من طرف العقد إلَّا القابل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 1): يشترط في صحّة الحوالة -مضافاً إلى ما اعتبر في المحيل والمحتال والمحال عليه وما اعتبر في العقد- أُمور:
منها: أن يكون المال المحال به ثابتاً في ذمّة المحيل، فلا تصحّ في غير الثابت في ذمّته وإن وجد سببه كمال الجعالة قبل العمل فضلاً عمّا لم يوجد سببه كالحوالة بما سيستقرضه فيما بعد.
ومنها: تعيين المال المحال به، بمعنى عدم الإبهام والترديد، وأمّا معلوميّة مقداره أو جنسه عند المحيل أو المحتال فالظاهر عدم اعتبارها، فلو كان مجهولاً عندهما لكن كان معلوماً ومعيّناً في الواقع لا بأس به، خصوصاً مع فرض إمكان ارتفاع الجهالة بعد ذلك، كما إذا كان عليه دينٌ لأحدٍ قد أثبته في دفتره ولم يعلما مقداره فحوّله على شخصٍ آخر قبل مراجعتهما الدفتر.
ومنها: رضى المحال عليه وقبوله، وإن اشتغلت ذمّته للمحيل بمثل ما أحال عليه على الأقوى.
(مسألة 2): لا يعتبر في صحّة الحوالة اشتغال ذمة المحال عليه بالدين للمحيل، فتصحّ الحوالة على البريء على الأقوى.
(مسألة 3): لا فرق في المحال به بين كونه عيناً ثابتاً في ذمّة المحيل وبين كونه منفعةً أو عملاً لا يعتبر فيه المباشرة، فتصحّ إحالة مشغول الذمّة بخياطة ثوبٍ أو زيارةٍ أو صلاةٍ أو حجٍّ أو قراءة قرآنٍ ونحو ذلك على بريءٍ(1) أو على من اشتغلت ذمّته له بمثل ذلك، وكذا لا فرق بين كونه مثليّاً كالحنطة والشعير أو قيميّاً كالعبد
ــــــ[294]ـــــــ
(1) ويرجع بالأجرة على المحيل وهو بالإجارة أشبه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والثوب بعد ما كان موصوفاً بما يرفع الجهالة، فإذا اشتغلت ذمّته بشاةٍ موصوفةٍ مثلاً بسببٍ كالسلم جاز له إحالتها على من كان له عليه شاةٌ بذلك الوصف أو كان بريئاً.
(مسألة 4): لا إشكال في صحّة الحوالة مع اتّحاد الدين المحال به مع الدين الذي على المحال عليه جنساً ونوعاً، كما إذا كان عليه لرجلٍ دراهم وله على آخر دراهم فيحيل الأوّل على الثاني، وأمّا مع الاختلاف – بأن كان عليه دراهم وله على آخر دنانير فيحيل الأوّل على الثاني- فهو يقع على أنحاءٍ: فتارةً يحيل الأوّل بدراهمه على الثاني بالدنانير، بأن يأخذ منه ويستحقّ عليه بدل الدراهم دنانير. وأُخرى يحيله عليه بالدراهم، بأن يأخذ منه الدراهم ويعطى المحال عليه بدل ما عليه من الدنانير الدراهم. وثالثةً يحيله عليه بالدراهم، بأن يأخذ منه درهمه وتبقى الدنانير على حالها. لا إشكال في صحّة النحو الأوّل، وكذا الثالث ويكون هو كالحوالة على البريء، وأمّا الثاني ففيه إشكال، فالأحوط(1) فيما إذا أرادا ذلك أن يقلب الدنانير التي على المحال عليه دراهم بناقلٍ شرعيٍّ أوّلاً ثُمَّ يحال عليه الدراهم.
(مسألة 5): إذا تحقّقت الحوالة جامعةً للشرائط برئت ذمّة المحيل عن الدين وإن لم يبرئه المحتال واشتغلت ذمّة المحال عليه للمحتال بما أحيل عليه. هذا حال المحيل مع المحتال والمحتال مع المحال عليه، وأمّا حال المحال عليه مع المحيل فإن كانت الحوالة بمثل ما عليه برئت ذمّته ممّا له عليه، وكذا إن كانت بغير الجنس
ــــــ[295]ـــــــ
(1) استحباباً. والأقوى كفاية الرضا بالبدل والمفروض حصوله بالإحالة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ووقعت على النحو الأوّل من الأنحاء الثلاثة المتقدّمة، وإن وقعت على النحو الثاني فقد عرفت أنَّ فيه إشكالاً، وعلى فرض صحّته كان كالأوّل في براءة ذمّة المحال عليه. وأمّا إن وقعت على النحو الأخير أو كانت الحوالة على البريء اشتغلت ذمّة المحيل للمحال عليه بما أحال عليه، وإن كان له عليه(1) دينٌ يبقى على حاله فيتحاسبان(2) بعد ذلك.
(مسألة 6): لا يجب على المحتال قبول الحوالة وإن كان على مليٍ غير مماطلٍ، ولو قبلها لزم وإن كانت على فقيرٍ معدم. نعم لو كان جاهلاً بحاله ثُمَّ بان إعساره وفقره وقت الحوالة كان له الفسخ والعود على المحيل، وليس له الفسخ بسبب الفقر الطارئ، كما أنَّه لا يزول الخيار لو تبدّل فقره باليسار.
(مسألة 7): الحوالة لازمةٌ بالنسبة إلى كلٍّ من الثلاثة إلَّا على المحتال مع إعسار المحال عليه وجهله بالحال كما أشرنا إليه، والمراد بالإعسار أن لا يكون عنده ما يوفي به الدين زائداً على مستثنيات الدين، ويجوز اشتراط فسخ الحوالة لكلٍّ من الثلاثة(3).
(مسألة 8): يجوز الترامي في الحوالة بتعدّد المحال عليه واتّحاد المحتال، كما لو أحال المديون زيداً على عمرٍو ثُمَّ أحال عمرٌو زيداً على بكرٍ ثُمَّ أحال بكرٌ زيداً على
ــــــ[296]ـــــــ
(1) يعني: على المحال عليه، وهو عين الصورة الثالثة وليست فرعاً جديداً.
(2) إن كان الدينان متماثلين يحصل التهاتر القهري وإلَّا أمكن التراضي بالتهاتر، وإن كان في أحدهما زيادةٌ بقيت لمستحقّها.
(3) جميعاً أو بعضاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
خالدٍ وهكذا، أو بتعدّد المحال مع اتّحاد المحال عليه، كما لو أحال المديون زيداً الدائن على عمرٍو ثُمَّ أحال زيدٌ المحتال بكراً على عمرٍو ثُمَّ أحال بكر المحتال خالداً على عمرٍو وهكذا.
(مسألة 9): إذا قضى المحيل الدين بعد الحوالة برئت ذمّة(1) المحال عليه، فإن كان ذلك بمسألته رجع المحيل(2) عليه وإن تبرّع لم يرجع عليه.
(مسألة 10): إذا أحال على بريءٍ وقبل المحال عليه فهل له الرجوع على المحيل بمجرّد القبول أو ليس له الرجوع عليه إلَّا بعد أداء الدين للمحتال؟ فيه تأمّلٌ وإشكالٌ(3).
(مسألة 11): إذا أحال البائع مَن له عليه دينٌ على المشتري أو أحال المشتري البائع بالثمن على شخصٍ آخر ثُمَّ تبيّن بطلان البيع بطلت الحوالة، بخلاف ما إذا انفسخ البيع بخيارٍ أو بالإقالة فإنَّه تبقى الحوالة(4) ولم تتبع البيع في الانفساخ.
(مسألة 12): إذا كان له عند وكيله أو أمينه مالٌ معيّنٌ خارجيٌّ فأحال دائنه عليه ليدفع إليه وقبل المحتال وجب عليه دفعه إليه، وإن لم يدفع له الرجوع على المحيل لبقاء شغل ذمّته.
ــــــ[297]ـــــــ
(1) يعني: من الدين المحال به لا الدين الآخر إن كان مشغول الذمّة.
(2) هذا خلاف الاحتياط الوجوبيّ؛ لأنَّ الدين المحال به مستقرٌّ نهائياً في ذمّة المحيل بحيث أمكن أن يرجع المحال عليه إلى المحيل، فكيف يصحّ العكس.
(2) مقتضى القاعدة عدم الجواز بمعنى: أنَّ للمحيل أن يمتنع عن الدفع إلَّا أنَّ يرضى.
(3) إذا كانت لا بشرط من هذه الجهة وتكون من الحوالة على بريء.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في الكفالة
وحقيقتها التعهّد والالتزام لشخصٍ بإحضار نفسٍ له حقّ عليها، وهي عقدٌ واقع بين الكفيل والمكفول له وهو صاحب الحقّ، والإيجاب من الأوّل والقبول من الثاني. ويكفي في الإيجاب كلّ لفظٍ دالٍّ على الالتزام المزبور، كأن يقول: «كفلت لك بدن فلان أو نفسه، أو أنا كفيلٌ لك بإحضاره» ونحو ذلك، وفي القبول كلّ ما يدلّ على الرضا بذلك.
(مسألة 1): يعتبر في الكفيل: البلوغ والعقل والاختيار والتمكّن من الإحضار، ولا يشترط في المكفول له: البلوغ والعقل، فيصحّ الكفالة للصبيّ والمجنون إذا قبلها الولي.
(مسألة 2): لا إشكال في اعتبار رضى الكفيل والمكفول له، وأمّا المكفول ففي اعتبار رضاه تأمّلٌ واشكالٌ(1)، والأحوط اعتباره، بل الأحوط كونه طرفاً للعقد، بأن يكون عقدها مركّباً من إيجابٍ وقبولين من المكفول له والمكفول.
(مسألة 3): كلّ من عليه حقٌّ ماليّ صحّت الكفالة ببدنه، ولا يشترط العلم بمبلغ ذلك المال. نعم يشترط أن يكون ذلك المال ثابتاً في الذمّة بحيث يصحّ ضمانه، فلو تكفّل بإحضار مَن لا مال عليه وإن وجد سببه كمن جعل الجعالة قبل
ــــــ[298]ـــــــ
(1) والأقوى عدم اعتبار رضاه ولا قبوله بل ولا علمه ولا حضوره. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أن يعمل العامل لم يصحّ، وكذا تصحّ كفالة كلّ مَن يستحقّ عليه الحضور إلى مجلس الشرع، بأن تكون عليه دعوى مسموعةٌ وإن لم تقم البيّنة عليه بالحقّ، ولا تصحّ(1) كفالة من عليه عقوبةٌ من حدٍّ أو تعزير.
(مسألة 4): يصحّ إيقاع الكفالة حالّةً مؤجّلةً ومع الإطلاق تكون معجّلةً، ولو كانت مؤجّلةً يلزم تعيين الأجل(2) على وجهٍ لا يختلف زيادةً ونقصاً.
(مسألة 5): عقد الكفالة لازمٌ لا يجوز فسخه إلَّا بالإقالة، ويجوز جعل الخيار فيه لكلٍّ من الكفيل والمكفول له مدّةً معيّنةً.
(مسألة 6): إذا تحقّقت الكفالة جامعةً للشرائط جازت مطالبة المكفول له الكفيل بالمكفول عاجلاً إذا كانت الكفالة مطلقةً أو معجّلةً وبعد الأجل إن كانت مؤجّلةً، فإن كان المكفول حاضراً وجب على الكفيل إحضاره، فإن أحضره وسلّمه تسليماً تامّاً بحيث يتمكّن المكفول له منه فقد بريء ممّا عليه، وإن امتنع عن ذلك كان له حبسه عند الحاكم حتّى يحضره أو يؤدّي ما عليه(3)، وان كان غائباً فإن كان موضعه معلوماً يمكن الكفيل ردّه منه أمهل بقدر ذهابه ومجيئه، فإذا مضى قدر ذلك ولم يأت به من غير عذرٍ حبس كما مرّ، وان كان غائباً غيبةً منقطعةً لا
ــــــ[299]ـــــــ
(1) إذا كانت لحقوق الله سبحانه وتعالى، وأمّا في حقوق الناس فلا دليل على بطلانها.
(2) يعني من البداية. وأمّا النهاية فقد تكون هي التسليم كما يمكن تعيينها بالزمان فإن لم يجده خلالها سقطت.
(3) الكفالة التزامٌ معامليٌّ أخلاقيٌّ بالأصل؛ بمعنى كونه مجّانيّاً من الطرفين. وما بخلاف ذلك فقد يجعل المال على الكفيل كما في المتن، وقد يجعل له كأجورٍ على أتعابه. ومع جعلهما معاً، قد يحصل التهاتر القهريّ مع تحقّق شرائطه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يعرف موضعه وانقطع خبره لم يكلّف(1) الكفيل إحضاره. وهل يلزم بأداء ما عليه؟ الأقرب ذلك، خصوصاً إذا كان ذلك بتفريطٍ من الكفيل، بأن طالبه المكفول له وكان متمكّناً منه فلم يحضره حتّى هرب. نعم لو كان بحيث لا يرجى الظفر به بحسب العادة يشكل صحّة الكفالة من أصلها(2).
(مسألة 7): إذا لم يحضر الكفيل المكفول فأخذ منه المال، فإن لم يأذن له المكفول لا في الكفالة ولا في الأداء ليس له الرجوع عليه بما أدّاه، وإذا أذن له في الأداء كان له أن يرجع به عليه، سواءٌ أَذِنَ له في الكفالة أيضاً أم لا. وأمّا إذا أَذِن له في الكفالة(3) دون الأداء فهل يرجع عليه أم لا؟ لا يبعد أن يفصل بين ما إذا أمكن له مراجعته وإحضاره(4) للمكفول له فالثاني، وبين ما(5) إذا تعذّر له ذلك فالأوّل.
(مسألة 8): إذا عيّن الكفيل في الكفالة مكان التسليم تعيّن، فلا يجب عليه تسليمه في غيره، ولو طلب ذلك المكفول له لم تجب إجابته، كما أنَّه لو سلّمه في غير ما عيّن لم يجب على المكفول له تسلّمه، ولو أطلق ولم يعيّن مكان التسليم فإن أوقعا
ــــــ[300]ـــــــ
(1) بل يكلّف ذلك ما لم توجد قرينةٌ خاصّةٌ أو عامّةٌ بخلافه.
(2) إن كان هذا المعنى موجوداً من أوّل المعاملة، وإن تجدّد فلا يبعد بطلانها؛ لارتفاع موضوعها.
(3) الظاهر: أنَّ الإذن بالكفالة إذنٌ عرفاً بالأداء، وخاصّة إذا كانت الكفالة المتعارفة بهذا المعنى لا مجّانيّةً.
(4) عند إحضار المكفول لا يدفع الكفيل شيئاً فلا يرجع بشيءٍ على المكفول؛ فجعل الماتن صورة المسألة من صور الأداء لعلّه من السهو.
(5) ظهر ما فيه قبل تعليقتين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
العقد في بلد المكفول له أو بلد قراره انصرف إليه ، وإن أوقعاه في بريّةٍ أو بلد غربةٍ لم يكن من قصده القرار والاستقرار فيه، فإن كانت قرينةٌ على التعيين فهو بمنزلته وإلَّا بطلت الكفالة(1) من أصلها.
(مسألة 9): يجب على الكفيل التوسّل بكلّ وسيلةٍ مشروعةٍ لإحضار المكفول، حتّى أنَّه لو احتاج إلى الاستعانة بشخصٍ قاهرٍ لم يكن فيها مفسدةٌ أو مضرّةٌ دينيّةٌ أو دنيويّةٌ لم يبعد وجوبها، ولو كان غائباً واحتاج حمله إلى مؤنةٍ فعلى المكفول نفسه، ولو صرفها الكفيل لا بعنوان التبرّع له أن يرجع بها عليه(2) على إشكالٍ في بعضها.
(مسألة 10): تبرأ ذمّة الكفيل بإحضار المكفول أو حضوره وتسليم نفسه تسليماً تامّاً، وكذا تبرأ ذمّته لو أخذ المكفول له المكفول طوعاً أو كرهاً بحيث تمكّن من استيفاء حقّه أو إحضاره مجلس الحكم أو أبرأ المكفول عن الحقّ الذي عليه أو الكفيل من الكفالة.
(مسألة 11): إذا مات الكفيل أو المكفول بطلت الكفالة، بخلاف ما لو مات المكفول له فإنَّه تكون الكفالة باقيةً وينتقل حقّ المكفول له منها إلى ورثته.
(مسألة 12): لو نقل المكفول له الحقّ الذي له على المكفول إلى غيره ببيعٍ أو صلحٍ أو حوالةٍ بطلت الكفالة.
ــــــ[301]ـــــــ
(1) إن تعاسرا وإلَّا أمكن القول بالصحّة.
(2) مقتضى القاعدة عدم الرجوع إلى أحد؛ لأنَّه مقتضى إنجاز الكفالة. فإن قلنا بالجواز فللكفيل الرجوع على أيّهما شاء. ولا يتعيّن الرجوع على الكفيل إلَّا في الموارد التي يجب عليه الحضور شرعاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 13): من خلّى غريماً من يد صاحبه قهراً وإجباراً ضمن إحضاره أو أداء ما عليه، ولو خلّى قاتلاً من يد وليّ الدم لزمه إحضاره أو إعطاء الدية وإن كان القتل عمداً.
(مسألة 14): يجوز ترامي الكفالات، بأن يكفل الكفيل كفيل آخر ثُمَّ يكفل كفيل الكفيل كفيل آخر وهكذا، وحيث إنَّ الكلّ فروع الكفالة الأُولى وكلّ لاحقٍ فرع سابقه، فلو أبرأ المستحقّ الكفيل الأوّل أو أحضر الأوّل المكفول الأوّل أو مات أحدهما برئوا أجمع، ولو أبرأ المستحقّ بعض مَن توسّط برئ هو ومَن بعده دون من قبله، وكذا لو مات برئ مَن كان فرعاً له.
(مسألة 15): يكره التعرّض للكفالات، وقد قال مولانا الصادق في خبرٍ لبعض أصحابه: مالك والكفالات، أَمَا علمت أنَّها أهلكت القرون الأُولى.
وعنه: الكفالة خسارةٌ غرامةٌ ندامةٌ.
ــــــ[302]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الوكالة
وهي تولية الغير في إمضاء أمرٍ أو استنابته(1) في التصرّف فيما كان له ذلك، وحيث إنَّها من العقود تحتاج إلى إيجابٍ وقبولٍ، ويكفي في الإيجاب كلّ ما دلّ على التولية والاستنابة المزبورتين، كقوله: «وكّلتك» أو «أنت وكيلي في كذا» أو «فوّضته إليك» أو «إستنبتك فيه» ونحوها، بل الظاهر كفاية قوله: «بع داري» مثلاً قاصداً به الاستنابة في بيعها. وفي القبول كلّ ما دلّ على الرضا، بل الظاهر أنَّه يكفي فيه فعل ما وكِّل(2) فيه، كما إذا وكلّه في بيع شيءٍ فباعه أو شراء شيءٍ فاشتراه له، بل يقوى وقوعها بالمعاطاة، بأن سلّم إليه متاعاً ليبيعه فتسلّمه لذلك، بل لا يبعد تحقّقها بالكتابة من طرف الموكّل والرضا بما فيها من طرف الوكيل وإن تأخّر وصولها إليه مدّة، فلا يعتبر فيها الموالاة بين إيجابها وقبولها. وبالجملة يتّسع الأمر فيها بما لا يتّسع في غيرها من العقود، حتّى أنَّه لو قال الوكيل: أنا وكيلك في بيع دارك مستفهماً، فقال: نعم، صحّ(3) وتمّ وإن لم نكتفِ بمثله في سائر العقود.
ــــــ[303]ـــــــ
(1) هو معنى الوكالة، فإن كان معنى التولية هو ذلك كان تكراراً وإن كان غيره فليس هو الوكالة.
(2) أو بعض مقدّماته ولو التصدّي للذهاب مثلاً، بل هذا أولى بالصحّة من فعل ما وكِّل به.
(3) بهذا المقدار ليس له قبول؛ إذ لا يصلح الاستفهام السابق للإيجاب ولا للقبول. وإنَّما يكون القبول بعد ذلك معاطاتياً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 1): يشترط فيها التنجيز، بمعنى عدم تعليق أصل الوكالة بشيء، كأن يقول مثلاً: إذا قدم زيد أو جاء رأس الشهر وكلتك أو أنت وكيلي في أمر كذا. نعم لا بأس بتعليق متعلّق الوكالة والتصرّف الذي استنابه فيه، كما لو قال: أنت وكيلي في أن تبيع داري إذا قدم زيدٌ أو وكّلتك في شراء كذا في وقت كذا.
(مسألة 2): يشترط في كلّ من الموكل والوكيل: البلوغ والعقل والقصد والاختيار، فلا يصحّ التوكيل ولا التوكّل من الصبيّ والمجنون(1) والمكره. وفي الموكل كونه جائز التصرّف فيما وكِّل فيه، فلا يصحّ توكيل المحجور عليه لسفهٍ(2) أو فلسٍ فيما حجر عليهما فيه دون ما لم يحجر عليهما فيه كالطلاق ونحوهما. وفي الوكيل كونه متمكّناً عقلاً وشرعاً من مباشرة ما توكّل فيه، فلا تصحّ وكالة المحرم فيما لا يجوز له كابتياع الصيد وإمساكه وإيقاع عقد النكاح.
(مسألة 3): لا يشترط في الوكيل الإسلام، فتصحّ وكالة الكافر، بل والمرتدّ -وإن كان عن فطرةٍ- عن المسلم والكافر إلَّا فيما لا يصحّ وقوعه من الكافر، كابتياع مصحفٍ أو مسلمٍ لكافرٍ أو مسلمٍ على إشكال(3) فيما إذا كان لمسلمٍ وكاستيفاء حقٍّ أو مخاصمةٍ مع مسلمٍ على تردّدٍ خصوصاً إذا كان لمسلم(4).
(مسألة 4): تصحّ وكالة المحجور عليه لسفهٍ أو فلسٍ عن غيرهما ممّن لا
ــــــ[304]ـــــــ
(1) ولكن يمكن أن يوكل عنهما وليهما. نعم، لا معنى لأن يتوكّل بدلاً عنهما.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(3) بل هو جائز.
(4) بل هو جائز.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حجر عليه؛ لاختصاص ممنوعيّتها بالتصرّف في أموالهما.
(مسألة 5): لو جوّزنا للصبيّ بعض التصرّفات في ماله كالوصيّة بالمعروف لمن بلغ عشر سنين -كما يأتي- جاز له التوكيل(1) فيما جاز له.
(مسألة 6): ما كان شرطاً في الموكل والوكيل ابتداءً شرط فيهما استدامةً، فلو جنى أو أغمي عليهما(2) أو حجر على الموكل بالنسبة إلى ما وكّل فيه بطلت الوكالة، ولو زال المانع احتاج عودها إلى توكيلٍ جديدٍ.
(مسألة 7): يشترط فيما وكّل فيه: أن يكون سائغاً في نفسه، وأن يكون للموكل السلطنة شرعاً على إيقاعه، فلا توكيل في المعاصي كالغصب والسرقة والقمار ونحوها ولا فيما ليس له السلطنة على إيقاعه كبيع مال الغير من دون ولاية له عليه. ولا يعتبر القدرة عليه خارجاً مع كونه ممّا يصحّ وقوعه منه شرعاً، فيجوز لمن لم يقدر على أخذ ماله من غاصبٍ أن يوكل في أخذه منه من يقدر عليه.
(مسألة 8): إذا لم يتمكّن شرعاً أو عقلاً من إيقاع أمرٍ إلَّا بعد حصول أمر غير حاصلٍ حين التوكيل – كتطليق امرأةٍ لم تكن في حبالته وتزويج من كانت مزوّجةً أو معتدّةً وإعتاق عبدٍ غير مملوكٍ له ونحو ذلك- لا إشكال في جواز
ــــــ[305]ـــــــ
(1) والتوكّل أيضاً، كالذي قلناه في جواز مباشرته بعض المعاملات البسيطة في البيع وغيره، كما يمكن أن يكون الوكيل مثله.
(2) هذا غير مربوطٍ بالقاعدة التي ذكرها، ولا معنى للقول: بأنَّ من شرائط التوكيل: الصحو من الإغماء؛ لأنَّ المغمى عليه كالنائم لا عبارة له إذا تكلّم. على أنَّ أصل البطلان بالإغماء محلّ نظرٍ وإن كان أحوط وجوباً في الوكيل واستحباباً في الموكل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
التوكيل فيه تبعاً لما تمكّن منه بأن يوكله في إيقاع المرتّب عليه، ثُمَّ إيقاع ما رتّب عليه بأن يوكله مثلاً في تزويج امرأةٍ له ثُمَّ طلاقها أو شراء عبدٍ له ثُمَّ إعتاقه أو شراء مالٍ ثُمَّ بيعه ونحو ذلك. وأمّا التوكيل فيه استقلالاً من دون التوكيل في المرتّب عليه ففيه إشكال، بل الظاهر عدم الصحّة، من غير فرقٍ بين ما كان المرتّب عليه غير قابلٍ للتوكيل -كانقضاء العدّة- وبين غيره، فلا يجوز أن يوكّل في تزويج المعتدّة بعد انقضاء العدّة والمزوّجة بعد طلاق زوجها أو بعد موته، وكذا في طلاق زوجةٍ سينكحها أو إعتاق عبدٍ سيملكه أو بيع متاعٍ سيشتريه ونحو ذلك.
(مسألة 9): يشترط في الموكّل فيه: أن يكون قابلاً للنيابة، بأن لم يعتبر في مشروعيّة وقوعه عن الإنسان إيقاعه بالمباشرة كالعبادات البدنيّة من الطهارات الثلاث والصلاة والصيام فرضها ونفلها، دون الماليّة منها كالزكاة والخمس والكفّارات، فإنَّه لا يعتبر فيها المباشرة، فيصحّ التوكيل والنيابة فيها إخراجاً وإيصالاً إلى مستحقّيها.
(مسألة 10): يصحّ التوكيل في جميع العقود كالبيع والصلح والإجارة والهبة والعارية والوديعة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والقرض والرهن والشركة والضمان والحوالة والكفالة والوكالة والنكاح إيجاباً وقبولاً في الجميع، وكذا في الوصيّة والوقف وفي الطلاق والإعتاق والإبراء والأخذ بالشفعة وإسقاطها وفسخ العقد في موارد ثبوت الخيار وإسقاطه. نعم، الظاهر أنَّه لا يصحّ(1) التوكيل
ــــــ[306]ـــــــ
(1) فإنَّ التوكيل فيها جميعاً على خلاف سيرة المتشرّعة وإن كان مقتضى القاعدة في أكثرها، بل جميعها الجواز. وعلى أيّ حالٍ فالأحوط وجوباً الترك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
في الرجوع إلى المطلّقة في الطلاق الرجعي، كما أنَّه لا يصحّ في اليمين والنذر والعهد واللعان والإيلاء والظهار وفي الشهادة والإقرار(1) على إشكالٍ في الأخير.
(مسألة 11): يصحّ التوكيل في القبض والإقباض في موارد لزومهما(2)، كما في الرهن والقرض والصرف بالنسبة إلى العوضين والسلم بالنسبة إلى الثمن، وفي إيفاء الديون واستيفائها وغيرها.
(مسألة 12): يجوز التوكيل في الطلاق غائباً كان الزوج أم حاضراً، بل يجوز توكيل الزوجة في أن تطلّق نفسها بنفسها أو بأن توكل الغير عن الزوج أو عن نفسها.
(مسألة 13): يجوز الوكالة والنيابة في حيازة المباح كالاستقاء والاحتطاب والاحتشاش وغيرها، فإذا وكّل واستناب شخصاً في حيازتها وقد حازها بعنوان النيابة(3) عنه كانت بمنزلة حيازة المنوب عنه وصار ما حازه ملكاً له.
(مسألة 14): يشترط في الموكل فيه: التعيين؛ بأن لا يكون مجهولاً أو مبهماً، فلو قال: وكّلتك من غير تعيينٍ أو في أمرٍ من الأُمور أو في شيءٍ ممّا يتعلّق بي ونحو ذلك لم يصحّ. نعم لا بأس في التعميم أو الإطلاق كما نفصّله.
ــــــ[307]ـــــــ
(1) عدم نفوذ التوكيل هنا أوضح من سوابقه؛ لأنَّ الوكيل يستحيل أن يكون هو الموكل بذاته، فشهادة الوكيل هي شهادةٌ على الشهادة وإقراره شهادةٌ بالإقرار، ولا يمكن أن تكون أكثر من ذلك.
(2) وفي موارد جوازهما أيضاً، وهي كثيرة.
(3) ولو ارتكاز دون ما إذا لم يقصد شيئاً ولو ارتكازاً أو قصد الوكيل نفسه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 15): الوكالة: إمّا خاصّة، وإمّا عامّة، وإمّا مطلقة(1):
فالأُولى: ما تعلّقت بتصرّفٍ معيّنٍ في شخصٍ معيّنٍ، كما إذا وكّله في شراء عبدٍ شخصيٍّ معيّنٍ، وهذا ممّا لا إشكال في صحّته.
وأمّا الثانية: فإمّا عامّةٌ من جهة التصرّف وخاصّة من جهة متعلّقه، كما إذا وكّله في جميع التصرّفات الممكنة في داره المعيّنة من بيعها وهبتها وإجارتها وغيرها، وإمّا بالعكس كما إذا وكّله في بيع جميع ما يملكه، وإمّا عامّةٌ من كلتا الجهتين، كما إذا وكّله في جميع التصرّفات الممكنة في جميع ما يملكه أو في إيقاع جميع ما كان له فيما يتعلّق به بحيث يشمل التزويج له وطلاق زوجته.
وكذا الثالثة: قد تكون مطلقةً من جهة التصرّف خاصّةً من جهة متعلّقه، كما إذا وكّله في أنَّه إمّا أن يبيع داره المعيّنة بيعاً لازماً أو خياريّاً أو يرهنها أو يؤجّرها وأوكل التعيين إلى نظره، وقد تكون بالعكس كما إذا احتاج إلى بيع أحد أملاكه من داره أو عقاره أو دوابّه أو غيرها فوكّل شخصاً في أن يبيع أحدها وفوّض الأمر في تعيينه بنظره مصلحته، وقد تكون مطلقةً من كلتا الجهتين، كما إذا وكّله في إيقاع أحد العقود المعاوضيّة من البيع أو الصلح أو الإجارة مثلاً على أحد أملاكه من داره أو دكّانه أو خانه مثلاً وأوكل التعيين من الجهتين إلى نظره. والظاهر صحّة الجميع وإن كان بعضها لا يخلو من مناقشةٍ لكنّها مندفعة.
ــــــ[308]ـــــــ
(1) هما بمعنىً واحدٍ عرفاً. ولم يتحصّل من الماتن فرقٌ أساسيّ إلَّا بكون الوكالة العامّة شاملةً للأمرين معاً، والمطلقة شاملةٌ لأحدهما المردّد مع إيكال الرأي للوكيل. وفي كون معنى الإطلاق ذلك محلّ نظر.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 16): قد مرّ أنَّه يعتبر في الموكل فيه التعيين ولو بالإطلاق أو التعميم فإنَّهما أيضاً نحوٌ من التعيين، ويقتصر الوكيل في التصرّف على ما شمله عقد الوكالة صريحاً أو ظاهراً ولو بمعونة القرائن الحاليّة أو المقاليّة، ولو كانت هي العادة الجارية على أنَّ من يوكل في أمر كذا يريد ما يشمل كذا، كما إذا وكّله في البيع بالنسبة إلى تسليم المبيع أو في الشراء بالنسبة إلى تسليم الثمن دون قبض الثمن والمثمن، إلَّا إذا شهدت قرائن الأحوال بأنَّه قد وكّله في البيع أو الشراء بجميع ما يترتّب عليهما.
(مسألة 17): لو خالف الوكيل عمّا عيّن له وأتى بالعمل على نحوٍ لم يشمله عقد الوكالة، فإن كان ممّا يجري فيه الفضوليّة(1) كالعقود توقّفت صحّته على إجازة الموكل، وإلَّا بطل. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المخالفة بالمباينة كما إذا وكّله في بيع داره فآجرها، أو ببعض الخصوصيّات كما إذا وكّله في أن يبيع نقداً فباع نسيئةً أو بالعكس أو يبيع بخيارٍ فباع بدونه أو بالعكس أو يبيعه من فلان فباعه من غيره وهكذا.
نعم لو علم شمول التوكيل لفاقد الخصوصيّة أيضاً صحّ، كما إذا وكّله في أن يبيع السلعة بدينارٍ فباعها بدينارين، حيث إنَّ الظاهر عرفاً بل المعلوم من حال الموكل أنَّ تحديد الثمن بدينارٍ إنَّما هو من طرف النقيصة فقط لا من طرف النقيصة والزيادة معاً، فكأنَّه قال إنَّ ثمنها لا ينقص عن دينار. نعم لو فرض وجود غرضٍ صحيحٍ في التحديد به زيادةً ونقيصةً، كان بيعها بالزيادة كبيعها بالنقيصة فضوليّاً يحتاج إلى الإجازة.
ــــــ[309]ـــــــ
(1) وأمّا إذا لم تجرِ فيه فيقع باطلاً أساساً، ولم يشر إليه الماتن في المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ومن هذا القبيل ما إذا وكّله في أن يبيعها في سوقٍ مخصوصةٍ بثمنٍ معيّنٍ فباعها في غيره بذلك الثمن، فربّما يفهم عرفاً أنَّه ليس الغرض إلَّا تحصيل الثمن، فيكون ذكر السوق المخصوص من باب المثال، ولو فرض احتمال وجود غرضٍ عقلائيٍّ في تعيينه احتمالاً معتدّاً به لم يجز التعدّي عنه.
(مسألة 18): يجوز للوليّ(1) كالأب والجدّ للصغير أن يوكل غيره فيما يتعلّق بالمولى عليه ممّا له الولاية فيه.
(مسألة 19): لا يجوز للوكيل أن يوكل غيره في إيقاع ما توكّل فيه لا عن نفسه ولا عن الموكل إلَّا بإذن الموكل، ويجوز بإذنه بكلا النحوين، فإن عيّن الموكل في إذنه أحدهما – بأن قال مثلاً: وكّل غيرك عنّي أو عنك- فهو المتّبع ولا يجوز له التعدّي عمّا عيّنه، ولو أطلق فإن وكّله في أن يوكل (كما إذا قال: وكّلتك في أن توكّل غيرك) فهو إذن في توكيل الغير عن الموكل(2)، وإن كان مجرّد الإذن فيه (كما إذا قال: وكّل غيرك) فهو إذنٌ في توكيله عن نفسه على تأمّل.
(مسألة 20): لو كان الوكيل الثاني وكيلاً عن الموكل كان في عرض الوكيل الأوّل، فليس له أن يعزله ولا ينعزل بانعزاله، بل لو مات الأوّل يبقى الثاني على وكالته. وأمّا لو كان وكيلاً عن الوكيل كان له أن يعزله وكانت وكالته تبعاً لوكالته فينعزل بانعزاله أو موته، وهل للموكل أن يعزله حينئذٍ من دون أن يعزل الوكيل الأوّل؟ لا يبعد أن يكون له ذلك.
ــــــ[310]ـــــــ
(1) والوصيّ فيما يجوز له من التصرّف.
(2) بل الظاهر عرفاً: عن الوكيل وكذا ما بعده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 21): يجوز أن يتوكّل اثنان فصاعداً عن واحدٍ في أمرٍ واحدٍ، فإن صرّح الموكل بانفرادهما جاز لكلٍّ منهما الاستقلال في التصرّف من دون مراجعة الآخر، وإلَّا لم يجز(1) الانفراد لأحدهما ولو مع غيبة صاحبه أو عجزه، سواءٌ صرّح بالانضمام والاجتماع أو أطلق، بأن قال مثلاً: وكّلتكما أو أنتما وكيلاي ونحو ذلك.
ولو مات أحدهما بطلت الوكالة رأساً مع شرط الاجتماع أو الإطلاق المنزل منزلته(2)، وبقي وكالة الباقي فيما لو صرّح بالانفراد.
(مسألة 22): الوكالة عقدٌ جائزٌ من الطرفين، فللوكيل أن يعزل نفسه مع حضور الموكل وغيبته، وكذا للموكل أن يعزله، لكنَّ انعزاله بعزله مشروطٌ ببلوغه إيّاه، فلو أنشأ عزله ولكن لم يطلع عليه الوكيل لم ينعزل، فلو أمضى أمراً قبل أن يبلغه العزل ولو بإخبار ثقةٍ(3) كان ماضياً نافذاً.
(مسألة 23): تبطل الوكالة بموت الوكيل، وكذا بموت الموكل وإن لم يعلم الوكيل بموته(4)، وبعروض الجنون والإغماء(5) على كلٍّ منهما، وبتلف ما تعلّقت به الوكالة، وبفعل الموكل ما تعلّقت به الوكالة كما لو وكّله في بيع سلعةٍ ثُمَّ باعها، أو فعل ما ينافيه كما لو وكّله في بيع عبدٍ ثُمَّ أعتقه.
ــــــ[311]ـــــــ
(1) بل الظاهر عرفاً جواز الانفراد ما لم ينصّ على الاجتماع بقرينةٍ خاصّةٍ أو عامّةٍ.
(2) ظهر ما فيه.
(3) أو بإخبار الوكيل بصفته ذي اليد إن كان كذلك.
(4) وانعزاله هنا واقعيّ غير متوقّفٍ على معرفة الوكيل كالعزل.
(5) قلنا ما فيه وأنَّه احتياطٌ وجوبيٌّ في الوكيل واستحبابيٌّ في الموكل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 24): يجوز التوكيل في الخصومة والمرافعة، فيجوز لكلٍّ من المدّعي والمدّعى عليه أن يوكل شخصاً عن نفسه، بل يكره لذوي المروّات من أهل الشرف والمناصب الجليلة أن يتولّوا المنازعة والمرافعة بأنفسهم، خصوصاً إذا كان الطرف بذيء اللسان. ولا يعتبر رضى صاحبه، فليس له الامتناع عن خصومة الوكيل.
(مسألة 25): الوكيل في الخصومة إن كان وكيلاً عن المدّعي كان وظيفته بثّ الدعوى على المدّعى عليه عند الحاكم وإقامة البيّنة وتعديلها وتحليف المنكر وطلب الحكم على الخصم والقضاء عليه، وبالجملة كل ما يقع وسيلة إلى الإثبات. وأمّا الوكيل عن المدّعى عليه فوظيفته الإنكار والطعن على الشهود وإقامة بيّنة الجرح ومطالبة الحاكم بسماعها والحكم بها، وبالجملة عليه السعي في الدفع ما أمكن.
(مسألة 26): لو ادّعى منكر الدَّين مثلاً في أثناء مرافعة وكيله ومدافعته عنه الأداء أو الإبراء انقلب مدّعياً، وصارت وظيفة وكيله(1) إقامة البيّنة على هذه الدعوى وطلب الحكم بها من الحاكم، وصارت وظيفة وكيل خصمه الإنكار والطعن في الشهود وغير ذلك.
(مسألة 27): لا يقبل إقرار الوكيل في الخصومة على موكّله، فلو أقرّ وكيل المدّعي القبض أو الإبراء أو قبول الحوالة أو المصالحة أو بأنَّ الحقّ مؤجّلٌ أو أنَّ
ــــــ[312]ـــــــ
(1) كما هو المفهوم عرفاً في التوكيل للمرافعة؛ غير إنَّه لو وكّله بصفته مدّعى عليه أو منكراً لم يصحّ توليه المرافعة عنه بصفته مدّعياً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
البيّنة فاسقةٌ(1) أو أقرَّ وكيل المدّعى عليه بالحقّ للمدّعي لم يقبل وبقيت الخصومة على حالها، سواءٌ أقرّ في مجلس الحكم أو في غيره، لكن ينعزل وتبطل وكالته وليس له المرافعة، لأنَّه بعد الإقرار ظالمٌ في الخصومة بزعمه.
(مسألة 28): الوكيل بالخصومة لا يملك الصلح عن الحقّ والإبراء منه إلَّا أن يكون وكيلاً في ذلك أيضاً بالخصوص.
(مسألة 29): يجوز أن يوكل اثنين فصاعداً في الخصومة كسائر الأُمور، فإن لم يصرّح(2) باستقلال كلّ واحدٍ منهما لم يستقلّ بها أحدهما، بل يتشاوران ويتباصران ويعضد كلّ واحدٍ منهما صاحبه ويعيّنه على ما فوّض إليهما.
(مسألة 30): إذا وكّل الرجل وكيلاً بحضور الحاكم في خصوماته واستيفاء حقوقه مطلقاً أو في خصومةٍ شخصيّةٍ ثُمَّ قدّم الوكيل خصماً لموكّله ونشر الدعوى عليه يسمع الحاكم دعواه عليه، وكذا إذا ادّعى عند الحاكم أنَّه وكيلٌ في الدعوى وأقام البيّنة عنده على وكالته، وأمّا إذا ادّعى الوكالة من دون بيّنةٍ عليها فإن لم يحضر خصماً عنده أو أحضر ولم يصدّقه في وكالته لم يسمع دعواه، وأمّا إذا صدّقه فيها فالظاهر أنَّه يسمع دعواه لكن لم يثبت بذلك وكالته عن موكّله بحيث يكون حجّةً عليه، فإذا قضت موازين القضاء بحقّية المدّعي يلزم المدّعى عليه بالحقّ، وأمّا إذا قضت بحقّية المدّعى عليه فالمدّعي على حجّته، فإذا أنكر الوكالة تبقى
ــــــ[313]ـــــــ
(1) هذا ليس إقراراً بل هو طعنٌ في بيّنة المدّعي ولو لاحظنا الوكيل باستقلاله لصلح كلامه شهادة ضدّها.
(2) قلنا إنَّ الأصل عرفاً هو الاستغلال ما لم يصرّح بالخلاف أو يثبت بقرينةٍ عامّةٍ أو خاصّةٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
دعواه على حالها.
(مسألة 31): إذا وكّله في الدعوى وفي إثبات حقّه على خصمه وأثبته لم يكن له قبض الحقّ، فللمحكوم عليه أن يمتنع عن تسليم ما ثبت عليه إلى الوكيل.
(مسألة 32): لو وكّله في استيفاء حقٍّ له على غيره فجحده من عليه الحقّ لم يكن للوكيل مخاصمته والمرافعة معه وإثبات الحقّ عليه ما لم يكن وكيلاً في الخصومة.
(مسألة 33): يجوز التوكيل بجعلٍ وبغير جعلٍ، وإنَّما يستحقّ(1) الجعل فيما جعل له الجعل بتسليم العمل الموكل فيه، فلو وكّله في البيع أو الشراء وجعل له جعلاً كان للوكيل مطالبة الموكل به بمجرّد إتمام المعاملة وإن لم يتسلّم الموكل الثمن أو المثمن، وكذا لو وكّله في المرافعة وإثبات حقّه استحقّ الجعل بمجرّد إتمام المرافعة وثبوت الحقّ وإن لم يتسلّمه الموكل.
(مسألة 34): لو وكّله في قبض دَينه من شخصٍ فمات قبل الأداء لم يكن له مطالبة وارثه. نعم لو كانت عبارة الوكالة(2) شاملةً – كما لو قال: اقبض حقّي الذي على فلان- كان له ذلك.
(مسألة 35): لو وكّله في استيفاء دَينه من زيدٍ فجاء إلى زيدٍ للمطالبة فقال زيدٌ للوكيل: خذ هذه الدراهم واقضِ بها(3) دَين فلانٍ يعني موكّله فأخذها صار
ــــــ[314]ـــــــ
(1) ما لم يشترط سرعة القبض.
(2) الظاهر عرفاً هو ذلك ما لم يثبت الخلاف بقرينةٍ خاصّةٍ أو عامّةٍ.
(3) بعد افتراض أنَّ الموكل دائنٌ والدافع مدينٌ، فلا معنى عرفيّ لهذه العبارة. نعم، لابدَّ من قصد المدين خلال الدفع للدَّين، وإلَّا لم يبرأ ولم يدخل المال في ملك الدائن. وينبغي ابتناء المسألة على ذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الوكيل وكيل زيدٍ في قضاء دينه وكانت الدراهم باقيةً على ملك زيد ما لم يقبضها صاحب الدين، فلزيدٍ استردادها ما دامت في يد الوكيل، ولو تلفت عنده بقي الدَّين بحاله، ولو قال خذها عن الدَّين الذي تطالبني به لفلان فأخذها كان قابضاً للموكل وبرئت ذمّة زيدٍ وليس له الاسترداد.
(مسألة 36): الوكيل أمينٌ بالنسبة إلى ما في يده لا يضمنه إلَّا مع التعدّي أو التفريط، كما إذا لبس ثوباً توكّل في بيعه أو حمل على دابّة توكّل في بيعها، لكن لا تبطل بذلك وكالته، فلو باع الثوب بعد لبسه صحّ بيعه وإن كان ضامناً له لو تلف(1) قبل أن يبيعه، وبتسليمه إلى المشتري يبرأ عن ضمانه.
(مسألة 37): لو وكّله في إيداع مالٍ فأودعه بلا إشهادٍ فجحد الودعي لم يضمنه الوكيل إلَّا إذا وكّله في أن يودعه عنده مع الإشهاد فأودع بلا إشهاد، وكذا الحال فيما لو وكّله في قضاء دينه فأدّاه بلا إشهاد وأنكر الدائن.
(مسألة 38): إذا وكّله في بيع سلعةٍ أو شراء متاعٍ فإن صرّح بكون البيع أو الشراء من غيره أو بما يعمّ نفسه فلا إشكال، وإن أطلق وقال أنت وكيلي في أن تبيع هذه السلعة أو تشتري لي المتاع الفلاني فهل يعمّ نفس الوكيل فيجوز أن يبيع السلعة من نفسه أو يشتري له المتاع من نفسه أم لا؟ وجهان بل قولان، أقواهما الأوّل وأحوطهما الثاني.
ــــــ[315]ـــــــ
(1) أو عاب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 39): إذا اختلفا في الوكالة فالقول قول منكرها، ولو اختلفا في التلف(1) أو في تفريط الوكيل فالقول قول الوكيل، وإذا اختلفا في دفع المال إلى الموكل فالظاهر أنَّ القول قول الموكّل، خصوصاً إذا كانت بجعل. وكذا الحال فيما إذا اختلف الوصيّ والموصى له في دفع المال الموصى به إليه والأولياء حتّى الأب والجدّ إذا اختلفوا مع المُولى عليه بعد زوال الولاية عليه في دفع ماله إليه، فإنَّ القول قول المنكر في جميع ذلك. نعم لو اختلف الأولياء مع المُولى عليهم في الإنفاق عليهم أو على ما يتعلّق بهم في زمان ولايتهم، الظاهر أنَّ(2) القول قول الأولياء بيمينهم.
ــــــ[316]ـــــــ
(1) لا أثر للمرافعة في التلف غير المضمون إلَّا إرجاع العين، فإن قلنا بانفساخ الوكالة بالمرافعة لصلاحيّتها عرفاً للدلالة على ذلك فهو، وإلَّا كان للوكيل الاحتفاظ بالعين التي أنكر تلفها، فلا يبقى للمرافعة أثرٌ أصلاً.
(2) بل القول قول المولى عليهم أيضاً. وينبغي الإلماع إلى أنَّ التعبير الفقهي: «القول قوله» يعني كونه منكراً ولا يقبل قول المنكر إلَّا باليمين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الإقرار
الذي هو الإخبار الجازم بحقٍّ لازمٍ على المخبِر أو بنفي حقٍّ له، كقوله: «له أو لك عليَّ كذا، أو عندي أو في ذمّتي كذا، أو هذا الذي في يدي لفلان أو ليس لي حقٌّ على فلان» وما أشبه ذلك بأيّ لغةٍ كان، بل يصحّ إقرار العربي بالعجمي وبالعكس والهندي بالتركي وبالعكس إذا كان عالماً بمعنى ما تلفّظ به في تلك اللغة. والمعتبر فيه الجزم، بمعنى عدم إظهار الترديد وعدم الجزم به، فلو قال أظنّ أو احتمل أنّك تطلبني كذا، لم يكن إقراراً.
(مسألة 1): يعتبر في صحّة الإقرار بل في حقيقته وأخذ المقرّ بإقراره كونه دالاً على الإخبار المزبور بالصراحة أو الظهور، فإن احتمل إرادة غيره احتمالاً يخلّ بظهوره عند أهل المحاورة لم يصحّ، وتشخيص ذلك راجعٌ إلى العرف وأهل اللسان كسائر التكلّمات العادية، [فـ]كلّ كلامٍ ولو لخصوصيّة مقامٍ يفهم منه أهل اللسان أنَّه قد أخبر بثبوت حقٍّ عليه أو سلب حقٍّ عن نفسه من غير ترديدٍ كان ذلك إقراراً، وكلّ ما لم يفهم منه ذلك من جهة تطرّق الاحتمال الموجب للتردّد والإجمال لم يكن إقراراً.
(مسألة 2): لا يعتبر في الإقرار صدوره من المقرّ ابتداءً وكونه مقصوداً
ــــــ[317]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالإفادة بل يكفي كونه مستفاداً من تصديقه لكلامٍ آخر، واستفادة ذلك من كلامه بنوعٍ من الاستفادة كقوله نعم أو بلى أو أجل في جواب من قال لي: عليك كذا، أو قال أ ليس لي عليك كذا؟ وكقوله في جواب مَن قال: استقرضت ألفاً أو لي عليك ألفٌ، رددتها أو أدّيتها لأنَّه إقرارٌ منه بأصل ثبوت الحقّ عليه ودعوى منه بسقوطه، ومثل ذلك ما إذا قال في جواب مَن قال: هذه الدار التي تسكنها لي اشتريتها منك(1)، فإنَّ الإخبار بالاشتراء اعترافٌ منه بثبوت الملك له ودعوى منه بانتقاله إليه. ومن ذلك ما إذا قال لمن يدّعي ملكيّة شيءٍ معيّنٍ ملّكني. نعم قد يوجد قرائن على أنَّ تصديقه لكلام الآخر ليس تصديقاً حقيقيّاً له، فلم يتحقّق الإقرار بل دخل في عنوان الإنكار، كما إذا قال في جواب من قال: لي عليك ألف دينارٍ، نعم أو صدقت، محرّكاً رأسه مع صدور حركاتٍ منه دلّت على أنَّه في مقام الاستهزاء والتهكّم وشدة التعجّب والإنكار.
(مسألة 3): يشترط في المقرّ به أن يكون أمراً لو كان المقرّ صادقاً في إخباره كان للمقرّ له حقّ إلزام عليه(2) ومطالبته به، بأن يكون مالاً في ذمّته عيناً أو منفعةً أو عملاً أو ملكاً تحت يده أو حقّاً يجوز مطالبته كحقّ الشفعة والخيار والقصاص
ــــــ[318]ـــــــ
(1) اشتريتها منك: وكذلك لو وقع الإقرار بإحدى النسب الناقصة كالصفة والحال والتمييز وغيرها فإنَّها تفيد فائدة النسب التامّة عرفاً.
(2) على العموم فإنَّه لا يصدق الإقرار إلَّا إذا كان فيه تحميلٌ وكلفةٌ على المقرّ. بمعنى أنَّه ضدّ مصلحته وفي نفس الوقت هو في مصلحة شخصٍ آخر. فالإخبار بما هو في مصلحته أو بحقوق الله سبحانه عليه لا يعدّ إقراراً في القضاء الشرعي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وحقّ الاستطراق في دربٍ وإجراء الماء في نهرٍ ونصب الميزاب على ملكٍ ووضع الجذوع على حائطٍ، أو يكون نسباً أوجب نقصاً في الميراث أو حرماناً في حقّ المقرّ وغير ذلك.
(مسألة 4): إنَّما ينفذ الإقرار بالنسبة إلى المقرّ ويمضى عليه فيما يكون ضرراً عليه لا بالنسبة إلى غيره ولا فيما يكون فيه نفع المقرّ إذا لم يصدّقه الغير، فإذا أقرّ بزوجيّة امرأةٍ لم تصدّقه تثبت الزوجية بالنسبة إلى وجوب إنفاقها عليه لا بالنسبة إلى وجوب تمكينها منه.
(مسألة 5): يصحّ الإقرار بالمجهول والمبهم ويقبل من المقرّ ويلزم ويطالب بالتفسير والبيان ورفع الإبهام، ويقبل منه ما فسّره به ويلزم به لو طابق التفسير مع المبهم بحسب العرف واللغة وأمكن بحسبهما أن يكون مراداً منه، فلو قال: لك عليَّ شيءٌ، أُلزم التفسير، فإذا فسّره بأيّ شيءٍ كان ممّا يصحّ أن يكون في الذمّة وعلى العهدة يقبل منه وإن لم يكن(1) متموّلاً كحبّةٍ من حنطة، وأمّا لو قال: لك عليَّ مالٌ، لم يُقبل منه إلَّا إذا كان ما فسّره به من الأموال لا مثل حبّةٍ من حنطةٍ أو حفنةٍ من ترابٍ أو الخمر أو الخنزير.
(مسألة 6): لو قال لك: أحد هذين ممّا كان تحت يده أو لك عليّ إمّا وزنة من حنطةٍ أو شعيرٍ، أُلزم بالتفسير وكشف الإبهام، فإن عيّن ألزم به ولا يلزم بغيره، فإن لم يصدّقه المقرّ له وقال: ليس لي ما عيّنت، سقط حقّه لو كان المقرّ به في الذمّة، ولو كان عيناً كان بينهما مسلوباً بحسب الظاهر عن كلٍّ منهما، فيبقى إلى أن يتّضح الحال ولو برجوع المقرّ عن إقراره أو المنكر عن إنكاره. ولو ادّعى عدم المعرفة
ــــــ[319]ـــــــ
(1) هذا تفسيرٌ غير عرفيٍّ كما هو واضحٌ فلا يُقبل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حتّى يفسّره، فإن صدّقه المقرّ له في ذلك وقال: أنا أيضاً لا أدري، فلا محيص عن الصلح أو القرعة، مع احتمال الحكم بالاشتراك، والأحوط هو الأوّل(1)، وإن ادّعى المعرفة(2) وعيّن أحدهما فإن صدّقه المقرّ فذاك وإلَّا فله(3) أن يطالبه بالبيّنة، ومع عدمها فله أن يحلفه، وإن نكل أو لم يمكن إحلافه يكون الحال كما لو جهلا معاً، فلا محيص عن التخلّص بأحد الوجوه الثلاثة المتقدّمة.
(مسألة 7): وكما لا يضرّ الإبهام والجهالة في المقرّ به، كذلك لا يضرّان في المقرّ له، فلو قال: هذه الدار التي بيدي لأحد هذين، يُقبل ويُلزم بالتعيين، فمَن عيّنه يقبل ويكون هو المقرّ له، فإن صدّقه الآخر فذاك وإلَّا تقع(4) المخاصمة بينه وبين من عيّنه المقرّ. ولو ادّعى عدم المعرفة وصدّقاه في ذلك سقط عنه الإلزام بالتعيين، ولو ادّعيا أو أحدهما عليه العلم كان القول قوله بيمينه.
(مسألة 8): يعتبر في المقرّ البلوغ والعقل والقصد والاختيار، فلا اعتبار بإقرار الصبيّ والمجنون والسكران، وكذا الهازل والساهي والغافل، وكذا المكره. نعم لا يبعد صحّة إقرار الصبيّ إذا تعلّق بماله أن يفعله(5) كالوصيّة بالمعروف ممّن له عشر سنين.
ــــــ[320]ـــــــ
(1) بل هو المتعيّن إلَّا مع التراضي بالاشتراك.
(2) هذا هو نفس الفرع السابق حين قال الماتن: فإن عيّن أُلزم به.
(3) هذا هو نفس الفرع السابق حين قال الماتن: فإن لم يصدّقه المقرّ له. ولم يقل هناك بحقّه في إقامة البيّنة. والظاهر أنَّه ليس له ذلك بل له إحلافه فقط.
(4) إنَّما تقع المخاصمة إذا صدّقه المقرّ له وادّعاها الآخر، دون ما إذا ادّعى أحدهما الجهل بالحال بما فيهما المقرّ له.
(5) بما فيها المعاملات ذات المتعلّقات القليلة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 9): السفيه إن أقرّ بمالٍ في ذمّته أو تحت يده لم يقبل ويقبل فيما عدا المال كالطلاق والخلع ونحوهما، وإن أقرّ بأمرٍ مشتملٍ على مالٍ وغيره كالسرقة لم يقبل بالنسبة إلى المال وقبل بالنسبة إلى غيره، فيحدّ من أقرّ(1) بالسرقة ولا يلزم بأداء المال.
(مسألة 10): المملوك لا يقبل إقراره بما يوجب حدّاً عليه(2)، ولا بجنايةٍ أوجبت أرشاً أو قصاصاً أو استرقاقاً، ولا بمالٍ تحت يده مِن مولاه أو مِن نفسه بناءً على ملكه. نعم لو كان مأذوناً في التجارة من مولاه يقبل إقراره بما يتعلّق بها ويؤخذ ما أقرّ به ممّا في يده، فإن كان أكثر لم يضمنه المولى بل يضمنه المملوك يتّبع به إذا أعتق، كما أنَّه لو أقرّ بما يوجب مالاً على ذمّته من إتلافٍ ونحوه يقبل في حقّه ويتّبع به إذا أعتق.
(مسألة 11): يقبل إقرار(3) المفلس بالدين سابقاً ولاحقاً، ويشارك المقرّ له مع الغرماء على التفصيل الذي تقدّم في كتاب الحجر، كما تقدّم الكلام في إقرار المريض بمرض الموت وأنَّه نافذٌ إلَّا مع التهمة، فينفذ بمقدار الثلث.
(مسألة 12): إذا ادّعى(4) الصبيّ البلوغ، فإن ادّعاه بالإنبات اعتبر ولا يثبت
ــــــ[321]ـــــــ
(1) هذا وإن كان مقتضى القاعدة إلَّا أنَّه مخالفٌ للاحتياط بالدماء مع هذا التفكيك بين المتلازمين، فلا يترك الاحتياط.
(2) هذا ونحوه إن لم يوجب تفويت حقّ المولى بشيءٍ فالأقوى القبول.
(3) هذا الإقرار مورد التهمة في تضييع حقوق الغرماء. فأمّا أن يقسم عليه أو يمنع الغريم من أن يضرب مع الغرماء، ويؤجّل دَينه إلى ما بعد ارتفاع الفَلَس.
(4) عندئذٍ يثبت ما عليه بصفته إقراراً بدون حاجةٍ إلى إثباتٍ آخر إلَّا أن يُعلم الخلاف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بمجرّد دعواه، وكذا إن ادّعاه بالسنّ فإنَّه يطالب بالبيّنة(1)، وأمّا لو ادّعاه بالاحتلام في الحدّ الذي يمكن وقوعه فثبوته بقوله بلا يمين بل مع اليمين محلّ تأمّلٍ وإشكالٍ(2).
(مسألة 13): يعتبر في المقرّ له أن يكون له أهليّة الاستحقاق، فلو أقرّ لدابّةٍ مثلاً لغا. نعم لو أقرّ لمسجدٍ أو مشهدٍ أو مقبرةٍ أو رباطٍ أو مدرسةٍ ونحوها بمالٍ الظاهر قبوله وصحّته، حيث إنَّ المقصود من ذلك في المتعارف اشتغال ذمّته ببعض ما يتعلّق بها من غلّة موقوفاتها أو المنذور أو الموصى به لمصالحها ونحوها.
(مسألة 14): إذا كذَّب المقَرّ له المقِرّ في إقراره، فإن كان المقرّ به دَيناً أو حقّاً لم يطالب به المقِرّ وفرغت ذمّته في الظاهر، وإن كان عيناً كانت مجهول المالك بحسب الظاهر فتبقى في يد المقرّ أو في يد الحاكم إلى أن يتبيّن مالكه. هذا بحسب الظاهر، وأمّا بحسب الواقع فعلى المقرّ بينه وبين الله تفريغ ذمّته من الدَّين وتخليص نفسه من العين بالإيصال إلى المالك وإن كان بدسّه في أمواله، ولو رجع(3) المقرّ له عن إنكاره يلزم المقرّ بالدفع إليه.
(مسألة 15): إذا أقرّ بشيءٍ ثُمَّ عقّبه(4) بما يضادّه وينافيه يؤخذ بإقراره ويلغى
ــــــ[322]ـــــــ
(1) يعني: على يوم ميلاده. وإن لم توجد فمقتضى الاستصحاب عدمه، فلا يثبت ما في مصلحته.
(2) يعني: فيما له لا فيما عليه. والظاهر قبول قوله حتّى فيما له؛ لكونه ممّا لا يعرف إلَّا منه.
(3) تكذيب المقرّ له إقرارٌ، والرجوع عن الإقرار غير مسموع.
(4) بفاصلٍ عرفيٍّ بحيث يُعدّ كلامين، وأمّا مع اعتباره قرينةً متّصلةً فلا يلغو.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ما ينافيه، فلو قال له: علي عشرةٌ لا بل تسعةٌ يُلزم بالعشرة، ولو قال له: عليَّ كذا، وهو من ثمن الخمر أو بسبب القمار يُلزم بالمال ولا يُسمع منه ما عقّبه به، وكذا لو قال: عندي وديعةٌ وقد هلكت(1)، فإنَّ إخباره بتلف الوديعة وهلاكها ينافي قوله «عندي» الظاهر في وجودها عنده. نعم لو قال: كانت له عندي وديعةٌ وقد هلكت، فهو بحسب الظاهر إقرارٌ بالإيداع عنده سابقاً ولا تنافي بينه وبين طروّ الهلاك عليها، لكن هذا دعوى منه لابدَّ من فصلها على الموازين الشرعيّة.
(مسألة 16): ليس الاستثناء من التعقيب بالمنافي، بل يكون المقرّ به ما بقي بعد الاستثناء إن كان الاستثناء من المثبت ونفس المستثنى إن كان الاستثناء من المنفيّ، لأنَّ الاستثناء من الإثبات نفيٌ ومن النفي إثباتٌ، فلو قال له: عليّ عشرةٌ إلَّا درهماً، أو هذه الدار التي بيدي لزيدٍ إلَّا القبّة(2) الفلانيّة، كان إقراراً بالتسعة وبالدار ما عدا القبّة، ولو قال: ما له عليّ شيءٌ إلَّا درهمٌ أو ليس له من هذه الدار إلَّا القبّة الفلانيّة كان إقراراً بدرهمٍ والقبّة. هذا إذا كان الإخبار بالإثبات أو النفي متعلّقاً بحقّ الغير عليه، وأمّا لو كان متعلّقاً بحقّه على الغير كان الأمر بالعكس، فلو قال: لي عليك عشرةٌ إلَّا درهماً أو لي هذه الدار إلَّا القبّة الفلانيّة، كان إقراراً بالنسبة إلى نفي حقّه عن الدراهم الزائد على التسعة ونفي ملكيّة القبّة، فلو ادّعى بعد ذلك استحقاقه تمام العشرة أو تمام الدار حتّى القبّة لم يُسمع منه، ولو قال: ليس لي عليك إلَّا درهمٌ، أو ليس لي من هذه الدار إلَّا القبّة الفلانيّة، كان إقراراً
ــــــ[323]ـــــــ
(1) فكلامه الأوّل إقرارٌ والثاني ادّعاءٌ يحتاج إلى بيّنةٍ.
(2) يعني: البيت وهو الغرفة. وهو استعمالٌ غير فصيحٍ مأخوذٌ من العاميّة العراقية.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
منه بنفي استحقاق ما عدا درهمٍ وما عدا القبّة.
(مسألة 17): لو أقرّ بعينٍ لشخصٍ ثُمَّ أقرّ بها لشخصٍ آخر – كما إذا قال: هذه الدار لزيدٍ ثُمَّ قال بل لعمرٍو- حكم بكونها للأوّل، وأُعطيت له وأغرم للثاني بقيمتها.
(مسألة 18): من الأقارير النافذة: الإقرار بالنسب كالبنوّة والأُخوّة وغيرهما، والمراد بنفوذه: إلزام المقرّ وأخذه بإقراره بالنسبة إلى ما عليه من وجوب إنفاقٍ أو حرمة نكاحٍ أو مشاركته معه في إرثٍ أو وقفٍ ونحو ذلك، وأمّا ثبوت النسب بين المقرّ والمقرّ به بحيث يترتّب عليه جميع آثاره ففيه تفصيل، وهو أنَّه إن كان الإقرار بالولد وكان صغيراً غير بالغٍ يثبت ولادته(1) بإقراره إذا لم يكذّبه الحسّ والعادة، كالإقرار ببنوّة من يقاربه في السنّ بما لم تجر العادة بتولّده من مثله، ولا الشرع كإقراره ببنوّة مَن كان ملتحقاً بغيره من جهة الفراش ونحوه ولم ينازعه فيه منازعٌ، فحينئذٍ يثبت بإقراره كونه ولداً له ويترتّب عليه جميع آثاره ويتعدّى إلى أنسابهما، فيثبت بذلك كون ولد المقرّ به حفيداً للمقرّ [وولد] المقرّ أخاً للمقرّ به وأبيه جدّه، ويقع التوارث بينهما وكذا بين أنسابهما بعضهم مع بعض، وكذا الحال لو كان كبيراً وصدق المقرّ في إقراره مع الشروط المزبورة، وإن كان الإقرار بغير الولد – وإن كان ولد ولد- فإن كان المقرّ له كبيراً وصدّقه أو كان صغيراً أو صدّقه بعد بلوغه يتوارثان إذا لم يكن لهما وارثٌ معلومٌ ومحقّقٌ، ولا يتعدّى
ــــــ[324]ـــــــ
(1) مع كونه ذي اليد، وأمّا بدونه فمشكلٌ ومقتضى الأصل عدمه، ومنه يتّضح ما في باقي الكلام.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
التوارث إلى غيرهما من أنسابهما حتّى إلى أولادهما، ومع عدم التصادق أو وجود وارثٍ محقّقٍ لا يثبت بينهما النسب الموجب للتوارث بينهما إلَّا بالبيّنة.
(مسألة 19): إذا أقرّ بولدٍ صغيرٍ فثبت نسبه(1) ثُمَّ بلغ فأنكر لم يلتفت إلى إنكاره.
(مسألة 20): إذا أقرّ أحد ولدي الميّت بولدٍ آخر وأنكر الآخر لم يثبت نسب المقرّ به، فيأخذ المنكر نصف التركة ويأخذ المقرّ الثلث، حيث إنَّ هذا نصيبه بمقتضى إقراره ويأخذ المقرّ به السدس، وهو تكملة نصيب المقرّ وقد نقص بسبب إقراره.
(مسألة 21): لو كان للميّت إخوةٌ وزوجةٌ فأقرّت بولدٍ له، كان لها الثمن وكان الباقي للولد إن صدّقها الإخوة، وإن أنكروا كان لهم ثلاثة أرباع وللزوجة الثمن وباقي حصّتها للولد.
(مسألة 22): إذا مات صبيٌّ مجهول النسب فأقرّ إنسانٌ(2) ببنوّته ثبت نسبه وكان ميراثه للمقرّ إذا كان له مال.
(مسألة 23): ينفذ إقرار المريض كالصحيح ويصحّ إلَّا في مرض الموت مع التهمة فلا ينفذ إقراره فيما زاد على الثلث، سواءٌ أقرّ لوارثٍ أو أجنبيّ، وقد تقدّم(3) في كتاب الحجر.
ــــــ[325]ـــــــ
(1) بما قلناه في التعليقة السابقة.
(2) هذا ليس إقراراً بل ادّعاءٌ فيُقبل مع اليد أو البيّنة.
(3) وقد تقدّم التعليق عليه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 24): لو أقرّ الورثة بأسرهم بدَينٍ على الميّت أو بشيءٍ من ماله للغير كان مقبولاً لأنَّه كإقرار الميّت، ولو أقرّ بعضهم وأنكر البعض فإن أقرّ اثنان وكانا عدلين ثبت الدين على الميّت وكذا العين للمقرّ له بشهادتهما، وإن لم يكونا عدلين أو كان المقرّ واحداً نفذ إقرار المقرّ في حقّ نفسه خاصّةً ويؤخذ منه الدين الذي أقرّ به مثلاً بنسبة نصيبه من التركة، فإذا كانت التركة مائةً ونصيب كلٍّ من الوارثين خمسين فأقرّ أحدهما لأجنبيٍّ بخمسين وكذبه الآخر أخذ المقرّ له من نصيب المقرّ خمسةً وعشرين، وكذا الحال فيما إذا أقرّ بعض الورثة(1) بأن الميّت أوصى لأجنبيٍّ بشيءٍ وأنكر البعض.
ــــــ[326]ـــــــ
(1) ما لم يثبت بالبيّنة منهم كما أشار الماتن في الفرع السابق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الهبة
وهي تمليك عينٍ(1) مجّاناً ومن غير عوضٍ، وقد يعبّر عنها بالعطيّة والنحلة، وهي عقدٌ يفتقر إلى إيجابٍ وقبولٍ، ويكفي في الإيجاب: كل لفظٍ دلّ على التمليك المذكور، مثل «وهبتك» أو «ملكتك» أو «هذا لك» ونحو ذلك، وفي القبول: كلّ ما دلّ على الرضا بالإيجاب. ولا يعتبر فيه العربيّة، والأقوى وقوعها بالمعاطاة بتسليم العين وتسلّمها بعنوان التمليك والتملّك.
(مسألة 1): يعتبر في كلٍّ من الواهب والموهوب له: البلوغ والعقل(2)، والقصد والاختيار، وفي الواهب: عدم الحجر عليه بسفهٍ أو فلس، وتصحّ من المريض في مرض الموت وإن زاد على الثلث بناءً على ما هو الأقوى من أنَّ منجزات المريض تنفذ من الأصل كما تقدّم في كتاب الحجر.
(مسألة 2): يشترط في الموهوب: أن يكون عيناً، فلا تصحّ هبة المنافع. وأمّا الدين فإن كانت لمن عليه الحقّ صحّت بلا إشكالٍ وأفادت فائدة الإبراء، ويعتبر فيها القبول على الأحوط لو لم يكن الأقوى، وإن لم يعتبر في الإبراء على الأقوى. والفرق بين(3) هذه الهبة والإبراء: أنَّ الثاني إسقاطٌ لما في ذمّة المديون وهذه تمليكٌ
ــــــ[327]ـــــــ
(1) بل أيّ شيءٍ قابلٍ للنقل والتمليك كالمنفعة وحقّ التحجير والاختصاص.
(2) بالنسبة إلى الموهوب له أمكن قيام الوليّ مقامه.
(3) هذا فرقٌ دقّيٌّ، وأمّا من الناحية العرفيّة فهما سواءٌ. وبتعبير آخر: إنَّ هبة الدين إبراءٌ عرفاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
له، وإن كان يترتّب عليه السقوط كبيع الدين، وإن كانت لغير مَن عليه الحقّ ففيه إشكال(1).
(مسألة 3): يشترط في صحّة الهبة قبض الموهوب له ولو في غير مجلس العقد، ويشترط في صحّة القبض كونه بإذن الواهب. نعم لو وهب ما كان في يد الموهوب له صحّ ولا يحتاج إلى قبضٍ جديدٍ ولا مضيّ زمانٍ يمكن فيه القبض، وكذا لو كان الواهب وليّاً على الموهوب له كالأب والجدّ للولد الصغير وقد وهبه ما في يده صحّ بمجرّد العقد لأنَّ قبض الوليّ قبضٌ عن المولّى عليه، والأحوط(2) أن يقصد القبض عن المولّى عليه بعد الهبة، ولو وهب الصغير غير الولي فلابدَّ من القبض ويتولّاه الوليّ.
(مسألة 4): القبض في الهبة كالقبض في البيع(3)، وهو في غير المنقول كالدار والبستان التخلية(4) برفع يده عنه ورفع المنافيات والإذن للموهوب له في التصرّف بحيث صار تحت استيلائه، وفي المنقول الاستقلال والاستيلاء عليه باليد(5) أو ما هو بمنزلته كوضعه في حجره أو في جيبه ونحو ذلك.
ــــــ[328]ـــــــ
(1) والأقوى الصحّة.
(2) استحباباً وهو مقصود الماتن.
(3) وقلنا هناك: أنَّ المهمّ صدق القبض عرفاً، ولا يكون إلَّا بتسليط القابض عليه وإدخاله تحت يده، إلَّا أنَّ هذا المعنى يختلف عرفاً، والمهمّ صدقه.
(4) قلنا: إنَّ التخلية وحدها غير كافيةٍ، وإنَّما هي مقدّمةٌ للقبض، وإنَّما تكفي مع الامتناع.
(5) وقد لا يحتاج إلى ذلك عرفاً، وإنَّما هو عرفيٌّ في المنقولات الخفيفة والصغيرة كالخاتم وعلبة الكبريت.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 5): يجوز هبة المشاع لإمكان قبضه ولو بقبض المجموع بإذن الشريك أو بتوكيل المتّهب إياه في قبض الحصّة الموهوبة عنه، بل الظاهر تحقّق القبض الذي هو شرطٌ للصحّة في المشاع باستيلاء المتّهب عليه من دون إذن الشريك أيضاً، وترتّب الأثر عليه وإن كان تعدّياً بالنسبة إليه.
(مسألة 6): لا يعتبر الفوريّة في القبض ولا كونه في مجلس العقد، فيجوز فيه التراخي عن العقد ولو بزمانٍ كثيرٍ، ولو تراخى يحصل الانتقال إلى الموهوب له من حينه، فما كان له من النماء سابقاً على القبض يكون للواهب.
(مسألة 7): لو مات الواهب بعد العقد وقبل القبض بطل العقد وانفسخ وانتقل الموهوب إلى ورثته ولا يقومون مقامه في الإقباض، فيحتاج إلى إيقاع هبةٍ جديدةٍ بينهم وبين الموهوب له، كما أنَّه لو مات الموهوب له لا يقوم ورثته مقامه في القبض بل يحتاج إلى هبةٍ جديدةٍ من الواهب إيّاهم.
(مسألة 8): إذا تمّت الهبة بالقبض فإن كانت لذي رحمٍ(1) أباً كان أو أُمّاً أو ولداً أو غيرهم وكذا إن كانت للزوج أو الزوجة على الأقوى لم يكن للواهب الرجوع في هبته، وإن كانت لأجنبيٍّ غير الزوج والزوجة كان له الرجوع فيها ما دامت العين باقيةً، فإن تلفت كلاً أو بعضاً فلا رجوع، وكذا لا رجوع إن عوّض المتّهب عنها ولو كان يسيراً، من غير فرقٍ بين ما كان إعطاء العوض لأجل اشتراطه في الهبة وبين غيره بأن أطلق في العقد، لكن المتّهب أثاب الواهب وأعطاه
ــــــ[329]ـــــــ
(1) المهمّ صدق هذا العنوان عرفاً. وفي صدقه على البعداء في النسب إشكالٌ، غير أنَّ مقتضى الاحتياط والاستصحاب اللزوم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
العوض(1)، وكذا لا رجوع فيها لو قصد الواهب في هبته القربة وأراد بها وجه الله تعالى(2).
(مسألة 9): يلحق بالتلف التصرّف الناقل كالبيع والهبة أو المغيّر للعين بحيث يصدق معه عدم قيام العين بعينها كالحنطة يطحنها والدقيق يخبزه والثوب يفصّله أو يصبغه ونحو ذلك، دون الغير المغيّر(3) كالثوب يلبسه والفراش يفرشه والدابّة يركبها أو يعلفها ويسقيها ونحوها، فإنَّ أمثال ذلك لا يمنع عن الرجوع. من الأوّل على الظاهر: الامتزاج الرافع للامتياز ولو بالجنس، كما أنَّ من الثاني على الظاهر: قصارة الثوب.
(مسألة 10): فيما جاز للواهب الرجوع في هبته لا فرق بين الكلّ والبعض، فلو وهب شيئين لأجنبيٍّ بعقدٍ واحدٍ يجوز له الرجوع في أحدهما، بل لو وهب شيئاً واحداً يجوز له الرجوع في بعضه مشاعاً أو معيّناً ومفروزاً.
(مسألة 11): الهبة إمّا معوّضةٌ أو غير معوّضةٍ، والمراد بالأُولى ما شرط فيها الثواب والعوض وإن لم يعط العوض أو عوّض عنها وإن لم يشترط فيها العوض.
(مسألة 12): إذا وهب وأطلق لم يلزم على المتّهب إعطاء الثواب والعوض، سواءٌ كانت من الأدنى للأعلى أو العكس أو من المساوي للمساوي، وإن كان الأَولى بل الأحوط في الصورة الأُولى إعطاء العوض. وكيف كان لو أعطى
ــــــ[330]ـــــــ
(1) مع قصد كونه عوضاً.
(2) وهي الصدقة.
(3) دخول الألف واللام على المضاف غير فصيح.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
العوض لم يجب على الواهب قبوله، وإن قبل وأخذه لزمت الهبة ولم يكن له الرجوع فيما وهبه ولم يكن للمتّهب أيضاً الرجوع في ثوابه.
(مسألة 13): إذا شرط الواهب في هبته على المتّهب إعطاء العوض – بأن يهبه شيئاً مكافأةً وثواباً لهبته- ووقع منه القبول على ما اشترط وكذا القبض للموهوب يلزم عليه دفع العوض، فإن دفع لزمت الهبة الأُولى على الواهب وإلَّا فله الرجوع(1) في هبته.
(مسألة 14): لو عيّن العوض في الهبة المشروط فيها العوض تعيّن ويلزم على المتّهب بذل ما عيّن، ولو أطلق -بأن شرط عليه أن يثيب ويعوّض ولم يعيّن العوض- فإن اتّفقا على قدرٍ فذاك وإلَّا وجب عليه(2) أن يثيب مقدار الموهوب مثلاً أو قيمة.
(مسألة 15): الظاهر: أنَّه لا يعتبر في الهبة المشروط فيها العوض أن يكون التعويض المشروط بعنوان الهبة، بأن يشترط على المتّهب أن يهبه شيئاً، بل يجوز أن يكون بعنوان الصلح عن شيءٍ، بأن يشترط عليه أن يصالحه عن مالٍ أو حقٍّ، فإذا صالحه عنه وتحقّق منه القبول فقد عوّضه ولم يكن له الرجوع في هبته، وكذا يجوز أن يكون إبراءً عن حقٍّ أو إيقاع عملٍ له كخياطة ثوبه أو صياغة خاتمه ونحو ذلك، فإذا أبرأه عن ذلك الحقّ أو عمل له ذلك العمل فقد أثابه وعوّضه.
(مسألة 16): لو رجع الواهب في هبته فيما جاز له الرجوع وكان في الموهوب
ــــــ[331]ـــــــ
(1) من باب خيار تخلّف الشرط لا من باب عدم لزوم الهبة.
(2) على الأحوط استحباباً ويجزي مسمّى العوض.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
نماءٌ منفصلٌ حدث بعد العقد والقبض كالثمرة والحمل والولد واللبن في الضرع كان من مال المتّهب ولا يرجع إلى الواهب، بخلاف المتّصل كالسمن فإنَّه يرجع إليه(1).
ويحتمل أن يكون ذلك مانعاً عن الرجوع؛ لعدم كون الموهوب معه قائماً بعينه، [بل] لا يخلو من قوّة.
(مسألة 17): لو مات الواهب بعد إقباض الموهوب لزمت الهبة وإن كانت لأجنبيٍّ ولم تكن معوّضةً وليس لورثته الرجوع، وكذلك لو مات الموهوب له، فينتقل الموهوب إلى ورثته انتقالاً لازماً.
(مسألة 18): لو باع الواهب العين الموهوبة فإن كانت الهبة لازمةً بأن كانت لذي رحمٍ أو معوّضةً أو قصد بها القربة يقع البيع فضوليّاً، فإن أجاز المتّهب صحّ وإلَّا بطل، وإن كانت غير لازمةٍ فالظاهر صحّة البيع ووقوعه من الواهب وكان رجوعاً في الهبة. هذا إذا كان ملتفتاً إلى هبته، وأمّا لو كان ناسياً أو غافلاً وذاهلاً ففي كونه رجوعاً قهريّاً(2) تأمّلٌ وإشكالٌ، فلا يُترك الاحتياط.
(مسألة 19): الرجوع إمّا بالقول، كأن يقول: «رجعت» وما يفيد معناه، وإمّا بالفعل كاسترداد العين وأخذها من يد المتّهب، ومن ذلك بيعها بل وإجارتها ورهنها إذا كان ذلك بقصد الرجوع.
(مسألة 20): لا يشترط في الرجوع اطلاع المتّهب، فلو أنشأ الرجوع من غير اطّلاعه صحّ.
ــــــ[332]ـــــــ
(1) وللمتّهب أن يطالبه بالأرش.
(2) بل الظاهر خلافه لأنَّ الرجوع يحتاج إلى قصدٍ، ولا قصد له، فيقع بيعاً فضوليّاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 21): يستحبّ العطيّة للأرحام الذين أمر الله تعالى أكيداً بصلتهم ونهى شديداً عن قطيعتهم، فعن مولانا الباقر قال: في كتاب عليّ: ثلاثةٌ لا يموت صاحبهنّ أبداً حتّى يرى وبالهن: البغي، وقطيعة الرحم، واليمين الكاذبة يبارز الله بها. وإن أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم، وإنَّ القوم ليكونون فجّاراً فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون، وإنَّ اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم ليذران الديار بلاقع من أهلها، وخصوصاً الوالدين اللذين أمر الله تعالى ببرّهما، فعن مولانا الصادق: إنَّ رجلاً أتى النبي وقال: أوصني. قال: لا تشرك بالله شيئاً وإن أُحرقت بالنار وعُذّبت إلَّا وقلبك مطمئنٌّ بالإيمان، ووالديك فأطعمها وبرّهما حيّين كانا أو ميّتين، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل فإنَّ ذلك من الإيمان.
وعن منصور بن حازم عنه قال: قلت أيّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها وبرّ الوالدين والجهاد في سبيل الله.
ولا سيّما الأُمّ التي يتأكّد برّها وصلتها أزيد من الأب، فعن الصادق: جاء رجل إلى النبيّ فقال: يا رسول الله من أبرّ؟ قال: أُمّك.
قال: ثُمَّ إلى مَن؟ قال: أُمّك. قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أُمّك. قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أباك.
وعنه: أنَّه سُئل عن برّ الوالدين قال: أبرر أُمّك، أبرر أُمّك، أبرر أُمّك، أبرر أباك. وبدأ بالأمّ قبل الأب.
والأخبار في هذه المعاني كثيرةٌ لا تُحصى فلتطلب من مظانّها.
ــــــ[333]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 22): يجوز تفضيل بعض الولد على بعض في العطيّة على كراهيةٍ، وربما يحرم إذا كان سبباً لإثارة الفتنة والشحناء والبغضاء المؤدّية إلى الفساد، كما أنَّه ربّما يفضل التفضيل فيما إذا يؤمن من الفساد يكون لبعضهم خصوصيّةٌ موجبةٌ لأولويّة رعايته.
ــــــ[334]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الوقف وأخواته
الوقف هو تحبيس العين وتسبيل منفعتها، وفيه فضلٌ كثيرٌ وثوابٌ جزيلٌ؛ قال رسول الله: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا عن ثلاثة: ولدٍ صالحٍ يدعو له، وعلمٍ ينتفع به بعد موته، وصدقةٍ جاريةٍ. وفسّرت الصدقة الجارية بالوقف.
(مسألة 1): يعتبر في الوقف الصيغة، وهي: كل ما دلّ على إنشاء المعنى المذكور، مثل: «وقفتُ» و«حبستُ» و«سبلتُ»(1) و«تصدّقتُ» إذا اقترن به بعض ما يدلّ على إرادة المعنى المقصود، كقوله: «صدقةٌ مؤبّدةٌ لا تباع ولا توهب» ونحو ذلك، وكذا قوله: «جعلت أرضي أو داري أو بستاني موقوفةً أو محبّسةً أو مسبلةً على كذا».
ولا يعتبر فيه العربيّة ولا الماضويّة، بل يكفي الجملة الاسمية كقوله: هذا وقفٌ، أو هذه أرضي موقوفةٌ أو محبّسةٌ أو مسبلةٌ.
(مسألة 2): لا بدَّ في وقف المسجد قصد عنوان المسجديّة(2)، فلو وقف مكاناً على صلاة المصلّين وعبادة المتعبّدين لم يصر بذلك مسجداً ما لم يكن المقصود به
ــــــ[335]ـــــــ
(1) بقصد إنشاء الوقف وكذا ما بعده. ومنه يظهر الحال في باقي المسألة.
(2) على الأحوط وإن كان الأقوى إجزاء ما يرادفها كالمصلَّى والمعبد بقصد المسجد ولو ارتكازاً بحيث يصدق عرفاً عليه العنوان بالحمل الشايع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ذلك العنوان، والظاهر كفاية قوله: «جعلته مسجداً» في صيغته وإن لم يذكر ما يدلّ على وقفه وتحبيسه وإن كان أحوط، بأن يقول: وقفت هذا المكان أو هذا البنيان مسجداً أو على أن يكون مسجداً.
(مسألة 3): الظاهر كفاية المعاطاة في مثل المساجد والمقابر والطرق(1) والشوارع والقناطر والربط المعدّة لنزول المسافرين والأشجار المغروسة لانتفاع المارة بظلّها أو ثمرها، بل ومثل البواري(2) للمساجد والقناديل للمشاهد وأشباه ذلك. وبالجملة ما كان محبساً على مصلحةٍ عامّةٍ، فلو بنى بناءً بعنوان المسجديّة وأذن في الصلاة فيه للعموم وصلّى فيه بعض الناس كفى في وقفه وصيرورته مسجداً، وكذا لو عيّن(3) قطعةً من الأرض لأن تكون مقبرةً للمسلمين وخلّى بينها وبينهم وأَذِنَ إذناً عامّاً لهم في الإقبار فيها فأقبروا فيها بعض الأموات، أو بنى قنطرةً وخلّى بينها وبين العابرين فشرعوا في العبور عليها، وهكذا.
(مسألة 4): ما ذكرنا من كفاية المعاطاة في المسجد إنَّما هو فيما إذا كان أصل البناء والتعمير في المسجد بقصد المسجديّة، بأن نوى ببنائه وتعميره أن يكون مسجداً، خصوصاً إذا حاز أرضاً مباحاً لأجل المسجد وبنى فيها بتلك النيّة. وأمّا إذا كان له بناءٌ مملوكٌ كدارٍ أو خانٍ فنوى أن يكون مسجداً وصرف الناس إلى
ــــــ[336]ـــــــ
(1) لا دليل على كون هذه العناوين تكون وقفاً بمجرّد قصدها.
(2) حتى هذا لا دليل على وقفه بمجرّده، بل يكون ملكاً للمسجد لا وقفاً، ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(3) وقصد الوقفيّة وكذا ما بعده وأمثاله.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الصلاة فيه من دون إجراء صيغة الوقف عليه يشكل(1) الاكتفاء به. وكذلك الحال في مثل الرباط والقنطرة، فإذا بنى رباطاً في ملكه أو في أرضٍ مباحٍ للمارّة والمسافرين ثُمَّ خلّى بينه وبينهم ونزل به بعض القوافل كفى ذلك في وقفيّته(2) على تلك الجهة بخلاف ما إذا(3) كان له خانٌ مملوكٌ له معدٌّ للإجارة وكان محلاً للتجارة مثلاً فنوى أن يكون وقفاً على الغرباء والنازلين من المسافرين وخلّى بينه وبينهم من دون إجراء صيغة الوقف عليه فإنَّه يُشكَل الاكتفاء به.
(مسألة 5): لا إشكال في جواز التوكيل في الوقف، وفي جريان الفضوليّة فيه خلافٌ وإشكالٌ(4)، لا يبعد جريانها فيه، لكنّ الأحوط خلافه، فلو وقع فضولاً لا يكتفى بالإجازة، بل تجدّد الصيغة.
(مسألة 6): الأقوى عدم اعتبار القبول في الوقف على الجهات العامّة كالمساجد والمقابر والقناطر ونحوها، وكذا الوقف على العناوين الكلّية كالوقف على الفقراء والفقهاء ونحوهما. وأمّا الوقف الخاصّ كالوقف على الذرّية فالأحوط اعتباره فيه، فيقبله الموقوف عليهم وإن كانوا صغاراً قام به وليّهم، ويكفي قبول الموجودين(5) ولا يحتاج إلى قبول مَن سيوجد منهم بعدُ وجوده.
ــــــ[337]ـــــــ
(1) بل الأقوى كفاية المعاطاة أيضاً، بل لو صلّى الواقف نفسه بصفته واحداً من المسلمين كفى.
(2) قلنا: لا دليل على حصول الوقفيّة بدون قصدها والاقتصار على قصد العناوين الأُخرى.
(3) ظهر ممّا سبق كفاية ذلك.
(4) وإشكال: سبق من الماتن في كتاب الحجر الجزم بعدمها، وقلنا هناك بالإمكان.
(5) بل الأقوى كفاية قبول البعض، وإن كان الأحوط قبول جميع الحاضرين. ولا يكلّف الغائب به. والمقصود من الحضور الحضور في البلد على الأحوط لا خصوص مجلس الوقف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والأحوط رعاية القبول في الوقف العامّ أيضاً، والقائم به الحاكم أو المنصوب من قبله.
(مسألة 7): الأحوط قصد القربة في الوقف، وإن كان في اعتباره نظر، خصوصاً في الوقف الخاصّ كالوقف على زيدٍ وذرّيته ونحو ذلك.
(مسألة 8): يشترط في صحّة الوقف القبض، ويعتبر فيه أن يكون بإذن الواقف؛ ففي الوقف الخاصّ -وهو الوقف الذي كان على أشخاصٍ كالوقف على أولاده وذرّيتّه- يعتبر قبض الموقوف عليهم ويكفي قبض الطبقة الأُولى عن بقيّة الطبقات، فلا يعتبر قبض الطبقات اللاحقة، بل يكفي قبض الموجودين(1) من الطبقة الأُولى عمّن يوجد منه فيما بعد، فإذا وقف على أولاده ثُمَّ على أولاد أولاده وكان الموجود من أولاده ثلاثة فقبضوا ثُمَّ تولّد رابعٌ بعد ذلك فلا حاجة إلى قبضه، ولو كان الموجودون جماعةً فقبض بعضهم دون بعضٍ صحّ بالنسبة إلى مَن قبض وبطل بالنسبة إلى مَن لم يقبض.
وأمّا الوقف على الجهات والمصالح كالمساجد وما وقف عليها، فإن جعل الواقف له قيّماً ومتولّياً اعتبر قبضه(2) أو قبض الحاكم(3)، والأحوط عدم الاكتفاء
ــــــ[338]ـــــــ
(1) بل قبض بعضهم وإن كان الأحوط ما قلناه في التعليقة السابقة.
(2) بل قبضه محلّ إشكال ما لم يكن من الموقوف عليهم.
(3) بل يقبضه فردٌ من الموقوف عليهم، فالمصالح العامّة هي وقفٌ على المسلمين، فيكفى فيه فردٌ منهم، والعناوين العامّة كالفقراء يكفي قبض فردٍ منهم، حتى لو كان الواقف فرداً منهم كفى قبضه وكذا القيّم. ولا يُصار إلى قبض الحاكم إلّا مع تعذّر هذا القبض كما لو كان الموقوف عليه ليس له فردٌ موجودٌ فعلاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالثاني مع وجود الأوّل، وإن لم يكن قيّمٌ تعيّن قبض الحاكم. وكذا الحال في الوقف على العناوين العامّة كالفقراء والطلبة والعلماء. وهل يكفي قبض بعض المستحقّين من أفراد ذلك العنوان العامّ بأن يقبض مثلاً فقيرٌ من الفقراء في الوقف على الفقراء أو عالمٌ من العلماء في الوقف على العلماء؟ قيل: نعم، وقيل: لا، ولعلّ الأوّل هو الأقوى فيما إذا سلّم الوقف إلى المستحقّ لاستيفاء ما يستحقّ، كما إذا سلّم الدار الموقوفة على سكنى الفقراء إلى فقير فسكنها، أو الدابّة الموقوفة على الزوّار والحجّاج إلى زائرٍ وحاجٍّ فركبها.
نعم لا يكفي مجرّد استيفاء المنفعة والثمرة من دون استيلاءٍ على العين، فإذا وقف بستاناً على الفقراء لا يكفي في القبض إعطاء شيءٍ من ثمرتها لبعض الفقراء مع كون(1) البستان تحت يده.
(مسألة 9): لو وقف مسجداً أو مقبرةً كفى في قبضها صلاةٌ واحدةٌ في المسجد ودفن ميّتٍ واحدٍ في المقبرة.
(مسألة 10): لو وقف الأب على أولاده الصغار لم يحتج إلى قبضٍ جديدٍ، وكذا كلّ وليٍّ إذا وقف على المولّى عليه، لأنَّ قبض الوليّ قبض المولّى عليه، والأحوط أن يقصد كون قبضه عنه.
ــــــ[339]ـــــــ
(1) ليس المفروض في الأوقاف العامّة أن تبقى تحت يد الموقوف عليهم، بل بعضها ليست تحت يد أحدٍ أصلاً، كالشوارع والقناطر إن أريد وقفها. ومن هنا يكفي استعمالها من جهة الوقفيّة من قبل بعض الموقوف عليهم. ففي المثال إذا دخل الفقير البستان وقطع ثمرةً وحملها أو أكلها كفى ذلك في قبض البستان. والمسجد إذا صلّى فيه واحدٌ كفى وهكذا. ويبقى الوقف تحت يد القيّم إن وُجد وقد لا يكون من الموقوف عليهم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 11): فيما يُعتبر أو يكفي قبض المتولّي(1) كالوقف على الجهات العامّة لو جعل الواقف التولية لنفسه لا يحتاج إلى قبضٍ آخر ويكفي قبضه الذي هو حاصل.
(مسألة 12): لو كانت العين الموقوفة بيد الموقوف عليه قبل الوقف بعنوان الوديعة أو العارية أو على وجهٍ آخر لم يحتج إلى قبضٍ جديدٍ، بأن يستردّها ثُمَّ يقبضها. نعم لابدَّ أن يكون بقاؤها في يده بإذن الواقف بناءً على اشتراط كون القبض بإذنه كما مرّ.
(مسألة 13): لا يشترط في القبض الفوريّة، فلو وقف عيناً في زمانٍ ثُمَّ أقبضها في زمانٍ متأخّرٍ كفى وتمّ الوقف من حينه.
(مسألة 14): لو مات الواقف قبل القبض بطل الوقف وكان ميراثاً.
(مسألة 15): يشترط في الوقف الدوام، بمعنى عدم توقيته بمدّة، فلو قال: «وقفت هذه البستان على الفقراء إلى سنة» بطل وقفاً، وفي صحّته حبساً أو بطلانه كذلك أيضاً وجهان، أوجههما الثاني إلَّا إذا علم أنَّه قصد كونه حبساً.
(مسألة 16): إذا وقف على مَن ينقرض – كما إذا وقف على أولاده واقتصر على بطنٍ أو بطونٍ ممّن ينقرض غالباً ولم يذكر المصرف بعد انقراضهم- ففي صحّته وقفاً أو حبساً أو بطلانه رأساً أقوال، والأقوى هو الأوّل، فيصحّ الوقف المنقطع الآخر، بأن يكون وقفاً حقيقةً إلى زمان الانقراض والانقطاع، وينقضي
ــــــ[340]ـــــــ
(1) قلنا لا يكفي قبضه إلَّا إذا كان من الموقوف عليهم، فينبغي أن يكون موضوع المسألة هو ذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بعد ذلك ويرجع إلى الواقف أو ورثته(1).
(مسألة 17): الفرق بين الوقف والحبس أنَّ الوقف يوجب زوال ملك الواقف أو ممنوعيّته(2) من جميع التصرّفات وسلب أنحاء السلطنة منه حتّى أنَّه لا يورث، بخلاف الحبس فإنَّه باقٍ على ملك الحابس ويورث ويجوز له جميع التصرّفات الغير المنافية لاستيفاء المحبّس عليه المنفعة.
(مسألة 18): إذا انقرض الموقوف عليه ورجع إلى ورثة الواقف فهل يرجع إلى ورثته حين الموت أو ورثته حين الانقراض؟ قولان، أظهرهما(3) الأوّل. وتظهر الثمرة بين القولين فيما لو وقف على مَن ينقرض كزيدٍ وأولاده ثُمَّ مات الواقف عن ولدين ومات بعده أحد الولدين عن ولدٍ قبل انقراض الموقوف عليهم ثُمَّ انقرضوا، فعلى الثاني يرجع إلى الولد الباقي خاصّة؛ لأنَّه الوارث حين الانقراض، وعلى الأوّل يشاركه ابن أخيه حيث إنَّه يقوم مقام أبيه فشارك عمّه.
(مسألة 19): ومن الوقف المنقطع الآخر: ما كان الوقف مبنيّاً على الدوام لكن كان وقفاً على من يصحّ الوقف عليه في أوّله دون آخره، كما إذا وقف على زيدٍ وأولاده وبعد انقراضهم على الكنائس(4) والبيع مثلاً، فعلى ما اخترناه في الوقف على مَن ينقرض يصحّ وقفاً بالنسبة إلى مَن يصحّ الوقف عليه ويبطل
ــــــ[341]ـــــــ
(1) على إشكالٍ والأحوط حينئذٍ التصالح مع الحاكم الشرعي.
(2) بل زوال الملكيّة.
(3) بل الأقوى الثاني.
(4) الأقوى البطلان من أصله في مثله.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالنسبة إلى ما لا يصحّ، فظهر: أنَّ صور الوقف المنقطع الآخر ثلاث(1)، يبطل الوقف رأساً في صورةٍ ويصحّ في صورتين.
(مسألة 20): الظاهر بطلان الوقف المنقطع الأوّل رأساً سواءٌ كان بجعل الواقف، كما إذا وقفه إذا جاء رأس الشهر الكذائي، أم بحكم الشرع، بأن وقف أوّلاً على ما لا يصحّ الوقف عليه ثُمَّ على غيره، وإن كان الأحوط(2) في الثاني تجديد صيغة الوقف عند انقراض الأوّل أو العمل بالوقف بعده، وأمّا المنقطع الوسط- كما إذا كان الموقوف عليه في الوسط غير صالحٍ للوقف عليه- بخلافه في المبدأ والمنتهى، فهو بالنسبة إلى شطره الأوّل كالمنقطع الآخر فيصحّ وقفاً(3)، وبالنسبة إلى شطره الآخر كالمنقطع الأوّل يبطل رأساً.
(مسألة 21): إذا وقف على غيره أو على جهةٍ وشرط عوده إليه عند حاجته
ــــــ[342]ـــــــ
(1) هي: أوّلاً: أن يشترط الانقطاع.
……….ثانياً: أن ينقرض الموقوف عليهم.
……….ثالثاً: أن يشترط رجوع الوقف إلى ما لا يجوز. والمهمّ في صحّة الوقف المنقطع هو احتمال التأبيد حال الوقف على ما هو جائز. وهذا غير متوفّر إلَّا في الصورة الثانية. ومن هنا يبطل الوقف من أصله في الصورتين الباقيتين. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(2) استحباباً. ويقلّ احتماله فيما إذا كان الوقف بشرط شيءٍ بالنسبة إلى جميع الموقوف عليهم.
(3) قلنا: إنَّ المدار في صحّة الوقف احتمال التأبيد حال الوقف. وهذا لا يتحقّق في المنقطع الوسط عادةً، إلَّا في نحو: أنَّ بعض البطون ارتدّوا إلى الكفر ورجع مَن بعدهم إلى الإسلام. وفي مثله لا دليل على بطلان الوقف بل يصرف ريعه في المصالح العامّة ثُمَّ يدفع إلى البطون اللاحقة المسلمة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
صحّ على الأقوى(1)، ومرجعه إلى كونه وقفاً ما دام لم يحتج إليه، فإذا احتاج إليه ينقطع ويدخل في منقطع الآخر وقد مرّ حكمه. وإذا مات الواقف فإن كان بعد طروّ الحاجة كان ميراثاً وإلَّا بقي على وقفيّته.
(مسألة 22): يشترط في صحّة الوقف التنجيز، فلو علّقه على شرطٍ متوقّع الحصول كمجيء زيدٍ أو شيءٍ غير حاصلٍ يقينيّ الحصول فيما بعد – كما إذا قال وقفت إذا جاء رأس الشهر- بطل. نعم لا بأس بالتعليق على شيءٍ حاصل مع القبض بعده(2)، كما إذا قال: وقفت إن كان اليوم يوم الجمعة مع علمه بكونه يوم الجمعة.
(مسألة 23): لو قال: هو وقفٌ بعد موتي، فإن فُهم منه في متفاهم العرف أنَّه وصيّةٌ بالوقف صحّ(3) وإلَّا بطل.
(مسألة 24): ومن شرائط صحّة الوقف: إخراج نفسه عن الوقف، فلو وقف على نفسه لم يصحّ، ولو وقف على نفسه وعلى غيره فإن كان بنحو التشريك بطل بالنسبة إلى نفسه وصحّ بالنسبة إلى غيره(4)، وإن كان بنحو الترتيب فإن وقف على نفسه ثُمَّ على غيره كان من الوقف المنقطع الأوّل وإن كان بالعكس كان من المنقطع الآخر، وإن كان على غيره ثُمَّ على نفسه ثُمَّ على غيره كان من المنقطع
ــــــ[343]ـــــــ
(1) بل بطل على الأقوى.
(2) لا دخل لهذه العبارة في صورة المسألة.
(3) لا مجال لصحّته إلَّا بتجديد الوقف، وبدونه فالوصيّة صحيحةٌ والوقف باطل.
(4) إذا لم يكن الانضمام بشرط شيءٍ وإلَّا بطل كلّه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الوسط، وقد مرّ حكم هذه الصور.
(مسألة 25): لو وقف على غيره كأولاده أو الفقراء مثلاً وشرط أن يقضى ديونه أو يؤدّى ما عليه من الحقوق المالية كالزكاة والخمس أو ينفق عليه من غلّة الوقف لم يصحّ وبطل الوقف، من غير فرقٍ بين ما لو أطلق الدين أو عيّن، وكذا بين أن يكون الشرط الإنفاق عليه وإدرار مؤنته إلى آخر عمره أو إلى مدّةٍ معيّنةٍ، وكذا بين تعيين مقدار المؤنة وعدمه. نعم لو شرط ذلك على الموقوف عليه من ماله ولو من غير منافع الوقف جاز.
(مسألة 26): لو شرط أكل أضيافه ومَن يمرّ عليه من ثمرة الوقف جاز، وكذا لو شرط إدرار مؤنة أهله وعياله، وإن كان ممّن يجب عليه نفقته حتّى الزوجة الدائمة إذا لم يكن بعنوان النفقة الواجبة عليه حتّى تسقط عنه، وإلَّا رجع إلى الوقف على النفس مثل شرط أداء ديونه.
(مسألة 27): إذا آجر عيناً ثُمَّ وقفها صحّ الوقف وبقيت الإجارة على حالها وكان الوقف مسلوب المنفعة في مدّة الإجارة، فإذا انفسخت الإجارة بالفسخ أو الإقالة بعد تمام الوقف رجعت المنفعة إلى الواقف المؤجّر ولا يملكها(1) الموقوف عليهم، فمن أراد أن ينتفع بما يوقف يمكنه الاحتيال(2) بأن يؤجره مدّةً كعشرين سنة مثلاً مع شرط خيار الفسخ له ثُمَّ يفسخ الإجارة بعد تماميّة الوقف فترجع إليه منفعة تلك المدّة.
ــــــ[344]ـــــــ
(1) إلَّا بعد انتهاء ومدّة الإجارة.
(2) بقصد الجدّ في المعاملة وإلَّا أشكلت الصحّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 28): لا إشكال في جواز انتفاع الواقف بالأوقاف على الجهات العامّة كالمساجد والمدارس والقناطر والخانات المعدّة لنزول الزوّار والحجّاج والمسافرين ونحوها، وأمّا الوقف على العناوين العامّة كالفقراء والعلماء إذا كان الواقف داخلاً في العنوان حين الوقف أو صار داخلاً فيه فيما بعد، فإن كان المراد التوزيع عليهم فلا إشكال في عدم جواز أخذه حصّةً من المنافع، بل يلزم(1) أن يقصد من العنوان المذكور حين الوقف من عدا نفسه ويقصد خروجه عنه، ومن ذلك ما إذا وقف شيئاً على ذرّية أبيه(2) أو جدّه إذا كان المقصود البسط والتوزيع كما هو الشايع المتعارف، وإن كان المراد بيان المصرف كما هو الغالب المتعارف في الوقف على الفقراء والزوّار والحجّاج والفقهاء والطلبة ونحوهم فلا إشكال في خروجه وعدم جواز انتفاعه منه إذا قصد خروجه، وإنَّما الإشكال فيما لو قصد الإطلاق والعموم بحيث شمل نفسه وأنَّه هل يجوز له الانتفاع به أم لا؟ أقواهما الأوّل، وأحوطهما الثاني، خصوصاً فيما إذا قصد دخول نفسه.
(مسألة 29): يعتبر في الواقف: البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر لفلسٍ أو سفهٍ، فلا يصحّ وقف الصبيّ وإن بلغ عشراً على الأقوى. نعم حيث إنَّ الأقوى صحّة وصيّة مَن بلغ ذلك كما يأتي فإذا أوصى بالوقف صحّ وقف الوصيّ عنه.
ــــــ[345]ـــــــ
(1) يكفي قصد العنوان الكلّي وبه تخرج العين عن ملكه إلى العنوان. وإذا تمَّ الوقف فقد يكون هو أحد مصاديقه فيمكنه الاستفادة بمقدار غيره.
(2) هذا ليس من الوقف على العناوين العامّة التي ذكرها الماتن في أوّل المسألة بل هو وقفٌ على الذرّية، فيصح ما قاله الماتن فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 30): لا يعتبر في الواقف أن يكون مسلماً، فيصحّ وقف الكافر فيما يصحّ من المسلم على الأقوى.
(مسألة 31): يعتبر في الموقوف أن يكون عيناً مملوكاً يصحّ الانتفاع به منفعةً محلّلةً مع بقاء عينه وإمكان قبضه، فلا يصحّ وقف المنافع ولا الديون ولا وقف ما لا يملك مطلقاً كالحرّ أو لا يملكه المسلم كالخنزير، ولا ما لا انتفاع به إلَّا بإتلافه كالأطعمة والفواكه، ولا ما انحصر انتفاعه المقصود في المحرم كآلات اللهو والقمار.
ويلحق به ما كانت المنفعة المقصودة من الوقف محرّمة، كما إذا وقف الدابّة لحمل الخمر أو الدكّان لحرزه أو بيعه، وكذا لا يصحّ ما لا يمكن قبضه(1) كالعبد الآبق والدابّة الشاردة، ويصحّ وقف كل ما صحّ الانتفاع به مع بقاء عينه كالأراضي والدور والعقار والثياب والسلاح والآلات المباحة والأشجار والمصاحف والكتب والحليّ وصنوف الحيوان حتّى الكلب والسنور المملوكين ونحوها.
(مسألة 32): لا يعتبر في العين الموقوفة كونها ممّا ينتفع بها فعلاً، بل يكفي كونها معرضاً للانتفاع ولو بعد مدّةٍ وزمانٍ، فيصحّ وقف الدابّة الصغيرة والأصول المغروسة التي لا تثمر إلَّا بعد سنين.
(مسألة 33): المنفعة المقصودة في الوقف أعمّ من المنفعة المقصودة في العارية والإجارة، فتشمل النماءات والثمرات، فيصحّ وقف الأشجار لثمرها والشاة لصوفها ولبنها ونتاجها وإن لم يصحّ إجارتها لذلك(2).
ــــــ[346]ـــــــ
(1) إذا لم يرجع رجوعه بخلاف العكس.
(2) وإنَّما يمكن جعلها تابعةً لمنافع أُخرى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 34): ينقسم الوقف باعتبار الموقوف عليه على قسمين: «الوقف الخاصّ» وهو: ما كان وقفاً على شخصٍ أو أشخاصٍ، كالوقف على أولاده وذرّيته أو على زيدٍ وذرّيته، «والوقف العامّ» وهو: ما كان على جهةٍ ومصلحةٍ عامّةٍ، كالمساجد والقناطر والخانات المعدّة لنزول القوافل، أو على عنوانٍ عامٍّ كالفقراء والفقهاء والطلبة والأيتام.
(مسألة 35): يعتبر في الوقف الخاصّ: وجود الموقوف عليه حين الوقف، فلا يصحّ الوقف ابتداءً على المعدوم ومَن سيوجد، بل وكذا على الحمل قبل أن يولد. والمراد بكونه ابتداءً: أن يكون هو الطبقة الأُولى من دون مشاركة موجودٍ في تلك الطبقة. نعم لو وقف على المعدوم أو الحمل تبعاً للموجود – بأن يجعل طبقةً ثانيةً أو مساوياً للموجود في الطبقة بحيث لو وُجد لشاركه- صحّ بلا إشكالٍ، كما إذا وقف على أولاده الموجودين ومن سيولد له على التشريك أو الترتيب.
وبالجملة: لا بدَّ في الوقف الخاصّ من وجود شخصٍ خاصٍّ في كلّ زمانٍ يكون هو الموقوف عليه في ذلك الزمان، ولا يكفي كونه ممّن سيوجد إذا لم يوجد شخصٌ في ذلك الزمان، فإذا وقف على مَن سيوجد وسيولد من ولده ثُمَّ على الموجود لم يتحقّق الوقف في الابتداء وكان من المنقطع الأوّل. ولو وقف على ولده الموجود ثُمَّ على أولاد الولد(1) ثُمَّ على زيدٍ فتوفي ولده(2) قبل أن يولد له الولد ثُمَّ
ــــــ[347]ـــــــ
(1) والمفروض عدم وجودهم فعلاً.
(2) هذا لا دخل له في كون الوقف منقطع الوسط، بل هو كذلك من أوّل وجوده مادامت الطبقة الوسطى غير موجودةٍ عند إجراء الصيغة سواءٌ وُجدت بعد ذلك أم لا.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تولّد انقطع الوقف بعد موت ولد الواقف وكان من المنقطع الوسط، كما أنَّه لو وقف على ذرّيته نسلاً بعد نسل وكان له أولادٌ وأولاد أولادٍ ثُمَّ انقرضوا كان من المنقطع الآخر.
(مسألة 36): لا يعتبر في الوقف على العنوان العام وجوده في كل زمان، بل يكفي إمكان وجوده مع وجوده فعلاً في بعض الأزمان، فإذا وقف بستاناً مثلاً على فقراء البلد ولم يكن في زمان الوقف فقير في البلد لكن سيوجد صحّ الوقف ولم يكن من المنقطع الأوّل، كما أنَّه لو كان موجوداً فعلاً ثُمَّ لم يوجد في زمان ثُمَّ وجد في زمان بعده لم يكن من المنقطع الوسط بل هو باقٍ على وقفيته فيحفظ غلّته في زمان عدم وجود الفقير إلى أن يوجد.
(مسألة 37): يشترط في الموقوف عليه التعيين، فلو وقف على أحد الشخصين أو أحد المشهدين أو أحد المسجدين أو أحد الفريقين لم يصحّ.
(مسألة 38): لا يصحّ الوقف على الكافر الحربيّ والمرتدّ عن فطرة، وأمّا الذمّي والمرتدّ لا عن فطرةٍ فالظاهر صحّته(1)، سيّما إذا كان رحماً للواقف.
(مسألة 39): لا يصحّ الوقف على الجهات المحرّمة وما فيه إعانةٌ على المعصية، كمعونة الزنا وقطّاع الطريق وكتابة كتب الضلال، وكالوقف على البيع والكنائس وبيوت النيران لجهة عمارتها وخدمتها وفرشها ومتعلّقاتها وغيرها. نعم يصحّ(2) وقف الكافر عليها.
ــــــ[348]ـــــــ
(1) إذا لم يكن بعنوان كونه كافراً أو مرتدّاً.
(2) يشكل ذلك؛ لما فيه من المفسدة على الدين جزماً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 40): إذا وقف مسلمٌ على الفقراء أو فقراء البلد انصرف إلى فقراء المسلمين، بل الظاهر(1) أنَّه لو كان الواقف شيعيّاً انصرف إلى فقراء الشيعة، وإذا وقف كافرٌ على الفقراء انصرف إلى فقراء نحلته، فاليهود إلى اليهود والنصارى إلى النصارى وهكذا، بل الظاهر(2) أنَّه لو كان الواقف سنيّاً انصرف إلى فقراء أهل السنّة. نعم، الظاهر أنَّه لا يختصّ بمن يوافقه في المذهب، فلا ينصرف لو وقف الحنفي إلى الحنفي والشافعي إلى الشافعي وهكذا.
(مسألة 41): إذا كان أفراد عنوان الموقوف عليه منحصرةً في أفرادٍ محصورةٍ – كما إذا وقف على فقراء محلّةٍ أو قريةٍ صغيرةٍ- توزّع منافع الوقف على الجميع، وإن كانوا غير محصورين لم يجب الاستيعاب، لكن لا يترك الاحتياط بمراعاة الاستيعاب العرفيّ مع كثرة المنفعة، فيوزّع على جماعةٍ معتدٍّ بها بحسب مقدار المنفعة.
(مسألة 42): إذا وقف على فقراء قبيلةٍ كبني فلانٍ وكانوا متفرّقين لم يقتصر على الحاضرين بل يجب(3) تتبّع الغائبين وحفظ حصّتهم للإيصال إليهم. نعم، إذا لم يمكن التفتيش عنهم وصعب إحصاؤهم لم يجب الاستقصاء بل يقتصر على مَن حضر.
(مسألة 43): إذا وقف على المسلمين(4) كان لكلّ مَن أقرّ بالشهادتين، ولو
ــــــ[349]ـــــــ
(1) وكذلك إذا وقف على فقراء المسلمين إلَّا أن ينصّ على العموم، وكذا ما بعده.
(2) هذا على غرار ما سبق وليس فرداً خفيّاً.
(3) على الأحوط الأولى وإن كان استحبابياً، إلَّا أن يشترط الواقف الاستيعاب.
(4) قلنا فيما سبق: إنَّه يختصّ بأهل مذهبه إلَّا أن يفهم التعميم ولو بقرينةٍ عامّةٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وقف على المؤمنين اختصّ بالاثني عشرية لو كان الواقف إمامياً، وكذا لو وقف على الشيعة.
(مسألة 44): إذا وقف في سبيل الله يصرف في كلّ ما يكون وصلةً إلى الثواب، وكذلك لو وقف في وجوه البرّ.
(مسألة 45): إذا وقف على أرحامه أو أقربائه فالمرجع العرف، وإذا وقف على الأقرب فالأقرب كان ترتيبيّاً على كيفيّة طبقات الإرث.
(مسألة 46): إذا وقف على أولاده اشترك الذكر والأنثى والخنثى، ويكون التقسيم بينهم على السواء، وإذا وقف على أولاد أولاده عمّ أولاد البنين والبنات ذكورهم وإناثهم بالسويّة.
(مسألة 47): إذا قال وقفتُ على ذرّيتي عمّ أولاده أجمع من البنين والبنات وأولادهم بلا واسطةٍ ومعها، ذكوراً وإناثاً، ويكون الوقف تشريكيّاً يشارك الطبقات اللاحقة مع السابقة، ويكون على الرؤوس بالسويّة. وأمّا إذا قال: وقفت على أولادي، أو قال: على أولادي وأولاد أولادي، فالمشهور أنَّ الأوّل ينصرف إلى الصلبيّ فلا يشمل أولاد الأولاد، والثاني يختصّ ببطنين فلا يشمل سائر البطون، لكنّ الظاهر خلافه(1) وأنَّ الظاهر منهما عرفاً التعميم خصوصاً في الثاني.
(مسألة 48): إذا قال: وقفت على أولادي نسلاً بعد نسل وبطناً بعد بطن، الظاهر المتبادر منه عند العرف أنَّه وقف ترتيب، فلا يشارك الولد أباه ولا ابن الأخ عمّه.
ــــــ[350]ـــــــ
(1) في عنوان الأولاد مشكلٌ إلَّا أنَّ الأهيَن في المثال لشمول أولاد الأولاد للجميع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 49): إذا قال: وقفت على ذرّيتي، أو قال: على أولادي وأولاد أولادي ولم يذكر أنَّه وقف تشريكٍ أو وقف ترتيبٍ يُحمل على الأوّل، وكذا لو علم من الخارج وقفيّة شيءٍ على الذرّية ولم يعلم أنَّه وقف تشريكٍ أو وقف ترتيب.
(مسألة 50): لو قال: وقفتُ على أولادي الذكور نسلاً بعد نسل يختصّ بالذكور من الذكور في جميع الطبقات، ولا يشمل الذكور من الإناث.
(مسألة 51): إذا كان الوقف ترتيبيّاً كانت الكيفيّة تابعةً لجعل الواقف، فتارةً يجعل الترتيب بين الطبقة السابقة واللاحقة ويراعى الأقرب فالأقرب إلى الواقف، فلا يشارك الولد أباه ولا ابن الأخ عمّه وعمّته ولا ابن الأخت خاله وخالته، وأُخرى يجعل الترتيب بين خصوص الآباء من كلّ طبقةٍ وأبنائهم، فإذا كانت إخوةٌ ولبعضهم أولادٌ لم يكن للأولاد شيءٌ ما دام حياة الآباء، فإذا توفّي الآباء شارك الأولاد أعمامهم.
ويمكن أن يجعل الترتيب على نحوٍ آخر ويتبع، فإنَّ الوقوف على حسب ما يقفها أهلها.
(مسألة 52): لو قال: وقفتُ على أولادي طبقةً بعد طبقةٍ وإذا مات أحدهم وكان له ولدٌ فنصيبه لولده، فلو مات أحدهم وله ولدٌ يكون نصيبه لولده، ولو تعدّد الولد يقسم النصيب بينهم على الرؤوس، وإذا مات مَن لا ولد له فنصيبه لمن كان في طبقته ولا يشاركهم الولد الذي أخذ نصيب والده.
(مسألة 53): لو وقف على العلماء انصرف إلى علماء الشريعة(1)، فلا يشمل
ــــــ[351]ـــــــ
(1) إلَّا إذا كان اصطلاحه على الآخرين أو يشملهم. والمهمّ القصد بقرينةٍ عامّةٍ أو خاصّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
غيرهم كعلماء الطبّ والنجوم والحكمة.
(مسألة 54): لو وقف على مشهدٍ كالنجف مثلاً اختصّ بالمتوطّنين والمجاورين ولا يشمل الزوّار والمتردّدين.
(مسألة 55): لو وقف على المشتغلين في النجف مثلاً من أهل البلد الفلانيّ كطهران أو غيره من البلدان اختصّ بمن هاجر من بلده إلى النجف للاشتغال، ولا يشمل مَن جعله وطناً له معرضاً عن بلده.
(مسألة 56): لو وقف على مسجدٍ صُرفت منافعه مع الإطلاق في تعميره وضوئه وفرشه وخادمه، ولو زاد شيءٌ يعطى لإمامه.
(مسألة 57): لو وقف على مشهدٍ يصرف في تعميره وضوئه وخدامه المواظبين لبعض الأشغال اللازمة المتعلّقة بذلك المشهد.
(مسألة 58): لو وقف على الحسين يُصرف في إقامة تعزيته من أجرة القاري وما يتعارف صرفه في المجلس للمستمعين.
(مسألة 59): لا إشكال في أنَّه بعد تمام الوقف ليس للواقف التغيير في الموقوف عليه بإخراج بعض مَن كان داخلاً أو إدخال مَن كان خارجاً إذا لم يشترط ذلك في ضمن عقد الوقف، وهل يصحّ ذلك إذا شرط ذلك؟ فالمشهور وهو المنصور جواز الإدخال دون الإخراج، فلو شرط إدخال مَن يريد صحّ وجاز له ذلك، ولو شرط إخراج مَن يريد بطل الشرط بل الوقف أيضاً، على إشكال(1).
ــــــ[352]ـــــــ
(1) بل لا وجه لبطلانه وإن كان قاصداً لذلك من حينه، إلَّا إذا نصّ أنَّ اختياره سيكون على ذلك وكان ذلك بنحو البشرط شيء، بل لجواز الإخراج مطلقاً وجهٌ وجيهٌ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ومثل ذلك: لو شرط نقل الوقف من الموقوف عليهم إلى من سيوجد. نعم لو وقف على جماعةٍ إلى أن يوجد من سيوجد وبعد ذلك كان الوقف على مَن سيوجد صحّ بلا إشكال.
(مسألة 60): إذا علم وقفية شيءٍ ولم يعلم مصرفه ولو من جهة نسيانه، فإن كانت المحتملات متصادقة غير متباينةٍ يصرف في المتيقّن، كما إذا لم يدر أنّه وقف على الفقراء(1) أو على الفقهاء، فيقتصر على مورد تصادق العنوانين وهو الفقهاء والفقراء، وإن كانت متباينةً فإن كان الاحتمال بين أُمورٍ محصورةٍ – كما إذا لم يدرِ أنَّه وقف على أهالي النجف أو كربلاء أو لم يدرِ أنَّه وقف على المسجد الفلاني أو المشهد الفلاني ونحو ذلك- يوزّع بين المحتملات بالتنصيف لو كان مردّداً بين أمرين والتثليث لو كان مردّداً بين ثلاثة وهكذا، ويحتمل القرعة(2). وإن كان بين أُمورٍ غير محصورةٍ فإن كان مردّداً بين عناوين وأشخاصٍ غير محصورين – كما إذا لم يدر أنَّه وقف على فقراء البلد الفلاني أو فقهاء البلد الفلاني أو سادة البلد الفلاني أو ذرّية زيدٍ أو ذرّية عمرٍو أو ذرّية خالدٍ وهكذا- كانت منافعه بحكم مجهول المالك(3) فيتصدّق بها(4)، وإن كان مردّداً بين جهات غير محصورة – كما إذا يعلم أنَّه وقف على المسجد أو المشهد أو القناطر أو إعانة الزوّار أو تعزية سيّد الشهداء وهكذا- يصرف في وجوه البرّ.
ــــــ[353]ـــــــ
(1) كان الأولى التعبير: الفقهاء الفقراء.
(2) وهي الأحوط، والأحوط إيقاعها كلّ دفعة.
(3) وليست منه.
(4) وتصرف في كلّ قربةٍ وحسبةٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 61): إذا كانت للعين الموقوفة منافع متجدّدةٌ وثمراتٌ متنوّعةٌ يملك الموقوف عليهم جميعها مع إطلاق الوقف، فإذا وقف العبد يملكون جميع منافعه من مكتسباته(1) وحيازاته من الالتقاط والاصطياد والاحتشاش وغير ذلك، وفي الشاة الموقوفة يملكون صوفها المتجدّد ولبنها ونتاجها، وفي الشجر والنخل ثمرهما ومنفعة الاستظلال بهما والسعف والأغصان والأوراق اليابسة بل وغيرها إذا قطعت للإصلاح، وكذا فروخهما(2) وغير ذلك، وهل يجوز التخصيص ببعض المنافع حتّى يكون للموقوف عليهم بعض المنافع دون بعض؟ فيه تأمّلٌ وإشكالٌ(3).
(مسألة 62): لو وقف على مصلحةٍ فبطل رسمها – كما إذا وقف على مسجدٍ أو مدرسةٍ أو قنطرةٍ فخربت ولم يمكن تعميرها أو لم يحتج المسجد إلى مصرفٍ لانقطاع من يصلّي فيه والمدرسة لعدم الطلبة والقنطرة لعدم المارّة- صُرِف الوقف في وجوه البرّ، والأحوط صرفه في مصلحةٍ أُخرى من جنس تلك المصلحة، ومع التعذّر يراعى الأقرب فالأقرب منها.
ــــــ[354]ـــــــ
(1) بل يملكون من منافع العبد بمقدار ما يملك منه مولاه. فإن قلنا بملكيّته – كما هو الصحيح- كان ما ذكره الماتن ملكاً للعبد لكن لا يجوز تصرّفه به إلَّا بإذن الموقوف عليهم.
(2) يعني: فسيلها، وهو مجازٌ على أيّ حال.
(3) هذا غير ممكنٍ شرعاً لأنَّ باقي المنافع إن رجعت إلى الواقف أو ورثته بطل الوقف وإن رجعت إلى أيّ فئةٍ أخرى بنصّ الواقف كانت من الموقوف عليهم، وإن لم يذكرهم الواقف لم يجز الصرف عليهم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 63): إذا خرب المسجد لم تخرج(1) عرصته عن المسجدية، فتجري عليها أحكامها، وكذا لو خربت القرية التي هو فيها بقي المسجد على صفة المسجديّة.
(مسألة 64): لو وقف داراً على أولاده أو على المحتاجين منهم، فإن أطلق فهو وقف منفعةٍ، كما إذا وقف عليهم قريةً أو مزرعةً أو خاناً أو دكّاناً ونحوها يملكون منافعها، فلهم استنماؤها فيقسمون بينهم ما يحصلون منها بإجارةٍ وغيرها على حسب ما قرّر الواقف من الكمّية والكيفيّة، وإن لم يقرّر كيفيّةً في القسمة يقسّمونه بينهم بالسويّة، وإن وقفها عليهم لسكناهم فهو وقف انتفاعٍ ويتعيّن لهم ذلك وليس لهم إجارتها، وحينئذٍ فإن كفت لسكنى الجميع سكنوها وليس لبعضهم أن يستقلّ به ويمنع غيره، وإذا وقع بينهم التشاحّ في اختيار الحجر فإن جعل الواقف متولّياً يكون له النظر في تعيين المسكن للساكن كان نظره وتعيينه هو المتّبع، ومع عدمه كانت القرعة هي المرجع. ولو سكن بعضهم ولم يسكنها البعض فليس له مطالبة الساكن بأجرة حصّته إذا لم يكن مانعاً عنه، بل كان باذلاً له الإسكان وهو لم يسكن بميله واختياره أو لمانعٍ خارجيّ. هذا كلّه إذا كانت كافيةً لسكنى الجميع، وإن لم تكف لسكنى الجميع سكنها البعض، ومع التشاحّ وعدم متولّي من قبل الواقف يكون له النظر في تعيين الساكن وعدم تسالمهم على المهاياة لا محيص عن القرعة، ومن خرج اسمه يسكن وليس لمن لم يسكن مطالبته بأجرة حصّته.
ــــــ[355]ـــــــ
(1) إلَّا إذا كانت من الأرض الخراجيّة على الأقوى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 65): الثمر الموجود حال الوقف على النخل والشجر لا يكون للموقوف عليهم بل هو باقٍ على ملك الواقف(1)، وكذلك الحمل الموجود حال وقف الحامل.
نعم في الصوف على الشاة واللبن في ضرعها إشكالٌ فلا يترك الاحتياط(2).
(مسألة 66): لو قال: وقفتُ على أولادي وأولاد أولادي، شمل جميع البطون كما أشرنا سابقاً، فمع اشتراط الترتيب أو التشريك أو المساواة أو التفضيل أو قيد الذكوريّة أو الأنوثيّة أو غير ذلك يكون هو المتبع، وإذا أطلق فمقتضاه التشريك والشمول للذكور والإناث والمساواة وعدم التفضيل، ولو قال وقفت على أولادي ثُمَّ على أولاد أولادي أفاد الترتيب بين الأولاد وأولاد الأولاد قطعاً، وأمّا أولاد الأولاد بناءً على شموله لجميع البطون فالظاهر عدم الدلالة على الترتيب بينهم إلَّا إذا قامت قرينةٌ(3) على أنَّ حكمهم بينهم كحكمهم مع الأولاد وأنَّ ذكر الترتيب بين الأولاد وأولاد الأولاد من باب المثال، والمقصود الترتيب في سلسلة الأولاد وأنَّ الوقف للأقرب فالأقرب إلى الواقف.
(مسألة 67): لا ينبغي الإشكال في أنَّ الوقف بعد ما تمّ يوجب زوال ملك الواقف عن العين الموقوفة، كما أنَّه لا ينبغي الريب في أنَّ الوقف على الجهات العامّة كالمساجد والمشاهد والقناطر والخانات المعدّة لنزول القوافل والمقابر
ــــــ[356]ـــــــ
(1) ما لم ينصّ على اندراجه في الوقف.
(2) استحباباً وإن كان الظاهر اندراج الصوف وعدم اندراج اللبن.
(3) والظاهر أنَّ العبارة التي ذكرها الماتن كافيةٌ للدلالة على ذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والمدارس وكذا أوقاف المساجد والمشاهد وأشباه ذلك لا يملكها أحدٌ، بل هو فكّ ملكٍ بمنزلة التحرير بالنسبة إلى الرقية وتسبيلٌ للمنافع على جهاتٍ معيّنةٍ. وأما الوقف الخاصّ كالوقف على الأولاد والوقف العامّ(1) على العناوين العامّة – كالوقف على الفقراء والفقهاء والطلبة ونحوها- فإن كانت وقف منفعةٍ بأن وقف عليهم لتكون منافع الوقف لهم فيستوفونها بأنفسهم أو بالإجارة أو ببيع الثمرة وغير ذلك، فالظاهر أنَّهم كما يملكون المنافع ملكاً طلقاً يملكون الرقبة(2) أيضاً ملكاً غير طلق، وإن كان وقف انتفاعٍ كما إذا وقف الدار لسكنى ذرّيته أو الخان لسكنى الفقراء، ففي كونه كوقف المنفعة فيكون ملكاً غير طلقٍ للموقوف عليهم، أو كالوقف على الجهات العامّة فلا يملكه أحدٌ، أو الفرق بين الوقف الخاصّ فالأوّل والوقف العام فالثاني؟ وجوهٌ.
(مسألة 68): لا يجوز تغيير الوقف وإبطال رسمه وإزالة عنوانه ولو إلى عنوانٍ آخر، كجعل الدار خاناً أو دكّاناً أو بالعكس. نعم إذا كان الوقف وقف منفعةٍ وصار بعنوانه الفعليّ مسلوب المنفعة أو قليلها في الغاية لا يبعد جواز تبديله إلى عنوانٍ آخر ذي منفعةٍ، كما إذا صارت البستان الموقوفة من جهة انقطاع الماء عنها أو لعارضٍ آخر بحيث لا ينتفع منها، بخلاف ما إذا جعلت داراً أو خاناً.
(مسألة 69): لو خرب الوقف وانهدم وزال عنوانه كالبستان انقلعت أو
ــــــ[357]ـــــــ
(1) الأقوى فيه عدم الملكيّة وقياسه على الوقف الخاصّ مع الفارق. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(2) لا أثر لصدق عنوان الملكيّة شرعاً. والأقوى عدم اجتماعها مع عنوان الوقف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يبست أشجارها والدار تهدّمت حيطانها وعفت آثارها فإن أمكن تعميره وإعادة عنوانه ولو بصرف حاصله الحاصل بالإجارة ونحوها فيه لزم وتعيّن(1)، وإلَّا ففي خروج العرصة عن الوقفيّة وعدمه فيستنمى منها بوجهٍ آخر ولو بزرعٍ ونحوه، وجهان بل قولان أقواهما الثاني، والأحوط أن يجعل وقفاً ويجعل مصرفه وكيفيّاته على حسب الوقف الأوّل.
(مسألة 70): إذا احتاجت الأملاك الموقوفة إلى تعميرٍ وترميمٍ وإصلاحٍ لبقائها والاستنماء بها، فإن عيّن الواقف لها ما يصرف فهو وإلَّا يصرف فيها من نمائها مقدّماً على حقّ الموقوف عليهم، حتّى أنَّه إذا توقّف بقاؤها على بيع بعضها وصرف ثمنه في إبقاء الباقي جاز(2).
(مسألة 71): الأوقاف على الجهات العامّة التي قد مرّ أنَّه لا يملكها أحدٌ كالمساجد والمشاهد والمدارس(3) والمقابر والقناطر ونحوها لا يجوز بيعها بلا إشكال، وإن آل إلى ما آل حتّى عند خرابها واندراسها بحيث لا يرجى الانتفاع بها في الجهة المقصودة أصلاً بل تبقى على حالها، فلو خرب المسجد وخربت القرية التي هو فيها وانقطعت المارّة عن الطريق الذي يسلك إليه لم يجز بيعه وصرف ثمنه في إحداث مسجدٍ آخر أو تعميره. هذا بالنسبة إلى أعيان هذه الأوقاف، وأمّا ما يتعلّق بها(4) من الآلات والفرش والحيوانات وثياب الضرائح وأشباه ذلك فما
ــــــ[358]ـــــــ
(1) لا بمعنى وجوبه الشرعيّ بل بمعنى عدم خروجه عن الوقف مع إمكان ذلك.
(2) بل الأقوى خلافه.
(3) هذه وما بعدها إن كانت وقفاً.
(4) إن كانت وقفاً ولم تكن ملكاً لتلك الجهة وإلَّا أمكن بيعها من قبل وليّ الوقف أو الوليّ العامّ وصرفها في تلك الجهة. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
دام يمكن الانتفاع بها باقيةً على حالها لا يجوز بيعها، فإن أمكن الانتفاع بها في المحلّ الذي أُعدّت له ولو بغير ذلك الانتفاع الذي أُعدّت له بقيت على حالها في ذلك المحلّ، فالفرش المتعلّقة بمسجدٍ أو مشهدٍ إذا أمكن الانتفاع بها في ذلك المحلّ بقيت على حالها فيه، ولو فرض استغناء المحلّ عن الافتراش بالمرّة لكن يحتاج إلى سترٍ يقي أهله من الحرّ أو البرد تجعل ستراً لذلك المحلّ. ولو فرض استغناء المحلّ عنها بالمرّة بحيث لا يترتّب على إمساكها وإبقائها فيه إلَّا الضياع والضرر والتلف تجعل في محلٍّ آخر مماثلٍ له، بأن تجعل ما للمسجد لمسجدٍ آخر وما للمشهد لمشهدٍ آخر، فإن لم يكن المماثل أو استغنى عنها بالمرّة جعلت في المصالح العامّة. هذا إذا أمكن الانتفاع بها باقيةً على حالها، وأمّا لو فرض أنَّه لا يمكن الانتفاع بها إلَّا ببيعها وكانت بحيث لو بقيت على حالها ضاعت وتلفت بيعت وصرف ثمنها في ذلك المحلّ إن احتاج إليه، وإلَّا ففي المماثل ثُمَّ المصالح حسب ما مرّ.
(مسألة 72): كما لا يجوز بيع تلك الأوقاف، الظاهر أنَّه لا يجوز إجارتها، ولو غصبها غاصبٌ واستوفى منها غير تلك المنافع المقصودة منها – كما إذا جعل المسجد أو المدرسة بيت المسكن أو محرزاً- لم يكن عليه أجرة المثل. نعم لو أتلف أعيانها متلفٌ الظاهر ضمانه فيؤخذ منه القيمة وتُصرف في بدل التالف ومثله.
(مسألة 73): الأوقاف الخاصّة كالوقف على الأولاد والأوقاف العامّة التي كانت على العناوين العامّة كالفقراء وإن كانت ملكاً للموقوف عليهم(1) كما مرّ لكنّها ليست ملكاً طلقاً لهم حتّى يجوز لهم بيعها ونقلها بأحد النواقل متى شاءوا
ــــــ[359]ـــــــ
(1) سبق أن قلنا بعدم الملكية في الأوقاف العامّة بل الوقف مطلقاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وأرادوا كسائر أملاكهم، وإنَّما يجوز لهم ذلك لعروض بعض العوارض وطروّ بعض الطوارئ، وهي أُمور:
«أحدها»: فيما إذا خربت بحيث لا يمكن إعادتها إلى حالتها الأُولى ولا الانتفاع بها إلَّا ببيعها فينتفع بثمنها، كالحيوان المذبوح والجذع البالي والحصير الخلق، فتباع ويشترى بثمنها ما ينتفع به(1) الموقوف عليهم، والأحوط لو لم يكن الأقوى مراعاة الأقرب فالأقرب إلى العين الموقوفة.
«الثاني»: أن تسقط بسبب الخراب أو غيره عن الانتفاع المعتدّ به بحيث كان الانتفاع به بحكم العدم بالنسبة إلى منفعة أمثالها، كما إذا انهدمت الدار واندرست البستان فصارت عرصة لا يمكن الانتفاع بها إلَّا بمقدارٍ جزئيٍّ جدّاً يكون بحكم العدم بالنسبة إليهما، لكن إذا بيعت يمكن أن يشترى بثمنها دارٌ أو بستانٌ أُخرى أو ملكٌ آخر تكون منفعتها تساوي منفعة الدار والبستان أو تقرب منها. نعم، لو فُرض أنَّه على تقدير بيع العرصة لا يشترى بثمنها إلَّا ما تكون منفعته بمقدار منفعتها باقيةً على حالها لم يجز بيعها(2) بل تبقى على حالها.
«الثالث»: فيما إذا علم أو ظنّ أنَّه يؤدّي بقاؤه إلى خرابه على وجهٍ لا ينتفع به أصلاً أو ينتفع به قليلاً ملحقاً بالمعدوم، سواء كان ذلك بسبب الاختلاف الواقع بين أربابه أو لأمرٍ آخر.
«الرابع»: فيما إذا(3) اشترط الواقف في وقفه أن يباع عند حدوث أمرٍ مثل قلّة
ــــــ[360]ـــــــ
(1) ولا يكون وقفاً وإن كان أحوط.
(2) على الأحوط وإن كان مقتضى القاعدة الجواز.
(3) الحكم مسلّمٌ إلَّا أنَّ انعقاده وقفاً مع هذا الشرط محلّ إشكال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المنفعة أو كثرة الخراج أو المخارج أو وقوع الاختلاف بين أربابه أو حصول ضرورةٍ أو حاجةٍ لهم أو غير ذلك، فإنَّه لا مانع حينئذٍ من بيعه عند حدوث ذلك الأمر على الأقوى.
«الخامس»: فيما إذا وقع بين أرباب الوقف اختلافٌ شديدٌ لا يؤمن معه من تلف الأموال والنفوس ولا ينحسم ذلك إلَّا ببيعه، فيجوز حينئذٍ بيعه وتقسيم ثمنه بينهم.
نعم لو فرض أنَّه يرتفع الاختلاف بمجرّد بيعه وصرف الثمن في شراء عينٍ أُخرى لهم أو تبديل العين الموقوفة بعينٍ أُخرى تعيّن ذلك(1)، فيشترى بالثمن عيناً أُخرى أو يبدل بملكٍ آخر فيجعل وقفاً ويبقى لسائر البطون والطبقات.
(مسألة 74): لا إشكال في جواز إجارة ما وقف وقف منفعةٍ، سواءٌ كان وقفاً خاصّاً أو عامّاً كالدكاكين والمزارع والخانات الموقوفة على الأولاد أو الفقراء أو الجهات والمصالح العامّة، حيث إنَّ المقصود استنماؤها بإجارةٍ ونحوها ووصول نفعها ونمائها إلى الموقوف عليهم، بخلاف ما كان وقف انتفاعٍ كالدار الموقوفة على سكنى الذرّية وكالمدرسة والمقبرة والقنطرة والخانات الموقوفة لنزول المارّة، فإنَّ الظاهر عدم جواز(2) إجارتها في حالٍ من الأحوال.
(مسألة 75): إذا خرب بعض الوقف بحيث جاز بيعه واحتاج بعضه الآخر
ــــــ[361]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان مقتضى القاعدة عدم الوجوب.
(2) ليس المهمّ أن يكون وقف منفعةٍ أو انتفاعٍ وإنَّما المهمّ الاقتصار على ما يُفهم عرفاً من كلام الواقف وعدم التعدّي عنه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إلى تعميرٍ ولو لأجل توفير المنفعة لا يبعد أن يكون الأَولى بل الأحوط أن يصرف ثمن البعض الخراب في تعمير البعض الآخر.
(مسألة 76): لا إشكال في جواز قسمة الوقف عن الملك الطلق فيما إذا كانت العين مشتركةً بين الوقف والطلق، فيتصدّيها(1) مالك الطلق مع متولّي الوقف أو الموقوف عليهم(2)، بل الظاهر جواز قسمة الوقف أيضاً لو تعدّد الوقف والموقوف عليه، كما إذا كانت دارٌ مشتركةٌ بين شخصين فوقف كلٌّ منهما حصّته على أولاده، بل لا يبعد جوازها فيما إذا تعدّد الوقف والموقوف عليه مع اتّحاد الواقف، كما إذا وقف نصف داره مشاعاً على مسجد والنصف الآخر على مشهد، ولا يجوز قسمته بين أربابه إذا اتّحد الوقف والواقف مع كون الموقوف عليهم بطوناً متلاحقةً. نعم، لو وقع خلفٌ بين أربابه بما جاز معه بيع الوقف ولا ينحسم ذلك الاختلاف إلَّا بالقسمة جازت(3) على الأقوى.
(مسألة 77): لو آجر الوقف البطن الأوّل وانقرضوا قبل انقضاء مدّة الإجارة بطلت بالنسبة إلى بقيّة المدّة، وفي صحّتها بإجازة البطن اللاحق إشكال، فالأحوط(4) تجديد الإجارة منهم لو أرادوا بقاءها. هذا إذا آجر البطن الأوّل، وأمّا لو آجر المتولّي فإن لاحظ في ذلك مصلحة الوقف صحّت ونفذت بالنسبة إلى
ــــــ[362]ـــــــ
(1) تعبيرٌ غير صالح، والصحيح: فيتصدّى إليها.
(2) مع عدم المتولّي وإلَّا تعيّن.
(3) ولكنّها لا تكون حجّةً على الأحوط إلَّا في حدود فضّ النزاع.
(4) استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
سائر البطون، وأمّا لو كانت لأجل مراعاة البطن اللاحق دون أصل الوقف فنفوذها بالنسبة إليهم بدون إجازتهم لا يخلو من إشكال(1).
(مسألة 78): يجوز للواقف أن يجعل تولية الوقف ونظارته لنفسه دائماً أو إلى مدّةٍ مستقلاً أو مشتركاً مع غيره، وكذا يجوز جعلها للغير كذلك، بل يجوز أن يجعل أمر التولية بيد شخصٍ، بأن يكون المتولّي كلّ من يعيّنه ذلك الشخص، بل يجوز أن يجعل التولية لشخصٍ ويجعل أمر تعيين المتولّي بعده بيده، وهكذا كل متولٍّ يعيّن المتولّي بعده.
(مسألة 79): إنَّما يكون للواقف جعل التولية لنفسه أو لغيره حين إيقاع الوقف وفي ضمن عقده، وأمّا بعد تمامه فهو أجنبيٌّ عن الوقف، فليس له جعل التولية لأحدٍ ولا عزل مَن جعله متولّياً عن التولية إلَّا إذا اشترط لنفسه ذلك، بأن جعل التولية لشخصٍ وشرط أنَّه متى أراد أن يعزله عزله.
(مسألة 80): لا إشكال في عدم اعتبار العدالة فيما إذا جعل التولية والنظر لنفسه، وفي اعتبارها فيما إذا جعل النظر لغيره قولان، أقواهما العدم. نعم، الظاهر أنَّه يعتبر فيه الأمانة والكفاية، فلا يجوز جعل التولية – خصوصاً في الجهات والمصالح العامّة- لمن كان خائناً غير موثوقٍ به، وكذا من ليس له الكفاية في تولية أُمور الوقف. ومن هنا يقوى اعتبار التميّز والعقل فيه، فلا يصحّ تولية المجنون
ــــــ[363]ـــــــ
( ) بل لا إشكال لأنَّ الإيجار من وظيفة المتولّي شرعاً وعرفاً، إلَّا إذا نصّ الواقف على خلاف ذلك أو تحديده، فإذا تمّ الإيجار نفذ على كلّ البطون.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والصبيّ الغير المميّز(1).
(مسألة 81): لو جعل التولية لشخصٍ لم يجب عليه القبول، سواءٌ كان حاضراً في مجلس العقد أو لم يكن حاضراً فيه ثُمَّ بلغه الخبر ولو بعد وفاة الواقف.
ولو جعل التولية لأشخاصٍ على الترتيب وقبل بعضهم لم يجب القبول على المتولّين بعده، فمع عدم القبول كان الوقف بلا متولٍّ منصوب، ومع القبول فهل يجوز له عزل نفسه بعد ذلك كالوكيل أم لا؟ قولان لا يترك الاحتياط(2)، بأن لا يرفع اليد عن الأمر ولا يعزل نفسه، ولو عزل يقوم بوظائفه(3) مع المراجعة إلى الحاكم.
(مسألة 82): لو شرط التولية لاثنين، فإن صرّح باستقلال كلٍّ منهما استقلّ ولا يلزم عليه مراجعة الآخر، وإذا مات أحدهما أو خرج عن الأهليّة انفرد الآخر، وإن صرّح بالاجتماع ليس لأحدهما الاستقلال، وكذا لو أطلق ولم تكن على إرادة الاستقلال قرائن الأحوال(4)، وحينئذٍ لو مات أحدهما أو خرج عن الأهليّة يضمّ الحاكم إلى الآخر شخصاً آخر على الأحوط(5) لو لم يكن الأقوى.
ــــــ[364]ـــــــ
(1) بل المميّز أيضاً والسفيه والمغلوب على أمره ونحو ذلك. وعدم الجواز في كلّ ذلك استطراقٌ إلى حفظ الوقف وعدم تضيعه، وليس حكماً أصليّاً.
(2) بل الظاهر عدم انعزاله إلَّا بإذن الحاكم الشرعيّ.
(3) أوّلاً: إنَّما عزل نفسه لكي يترك ذلك، وثانياً: إن تمّ العزل كان الحاكم الشرعيّ حرّاً في تعيين غيره.
(4) على الأحوط وإن كان الظاهر الاستقلال ما لم يثبت الخلاف.
(5) استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 83): لو عيّن الواقف وظيفة المتولّي وشغله فهو المتّبع، ولو أطلق كانت وظيفته ما هو المتعارف من تعمير الوقف وإجارته وتحصيل أجرته وقسمتها على أربابه وأداء خراجه ونحو ذلك، كلّ ذلك على وجه الاحتياط ومراعاة الصلاح، وليس لأحدٍ مزاحمته في ذلك حتّى الموقوف عليهم. ويجوز أن ينصب الواقف متولّياً في بعض الأُمور وآخر في الآخر، كما إذا جعل أمر التعمير وتحصيل المنافع إلى أحدٍ وأمر حفظها وقسمتها على أربابها إلى آخر، أو جعل لواحدٍ أن يكون الوقف بيد وتحت حفظه وللآخر التصرّف. ولو فوّض إلى واحدٍ التعمير(1) وتحصيل الفائدة وأهمل باقي الجهات من الحفظ والقسمة وغيرهما كان الوقف بالنسبة إلى غير ما فوّض إليه بلا متولٍّ منصوب، فيجري عليه حكمه وسيأتي.
(مسألة 84): لو عيّن الواقف للمتولّي شيئاً من المنافع تعيّن، وكان ذلك أجرة عمله ليس له أزيد من ذلك وإن كان أقلّ من أجرة مثله، ولو لم يذكر شيئاً فالأقرب أنَّ له أجرة المثل.
(مسألة 85): ليس للمتولّي تفويض التولية إلى غيره حتّى مع عجزه(2) عن التصدّي إلَّا إذا جعل الواقف له ذلك عند جعله متولّياً. نعم، يجوز له التوكيل في بعض ما كان تصدّيه من وظيفته إذا لم يشترط عليه المباشرة.
(مسألة 86): يجوز للواقف أن يجعل ناظراً على المتولّي، فإن أحرز أنَّ المقصود
ــــــ[365]ـــــــ
(1) يعني: بدون النصّ على أنَّه متولي الوقف، وإلَّا جازت له كلّ التصرّفات.
(2) الأقوى الجواز عندئذٍ بإذن الحاكم الشرعيّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مجرّد اطّلاعه(1) على أعماله لأجل الاستيثاق فهو مستقلٌّ في تصرّفاته ولا يعتبر إذن الناظر في صحّتها ونفوذها وإنَّما اللازم عليه اطّلاعه، وإن كان المقصود إعمال نظره وتصويب عمل المتولّي لم يجز له التصرّف إلَّا باذنه وتصويبه، ولو لم يحرز مراده فاللازم مراعاة الأمرين.
(مسألة 87): إذا لم يعيّن الواقف متولّياً أصلاً: فأمّا الأوقاف العامّة فالمتولّي لها الحاكم أو المنصوب من قبله على الأقوى، وأمّا الأوقاف الخاصّة فالحقّ أنَّه بالنسبة إلى ما كان راجعاً إلى مصلحة الوقف ومراعاة البطون من تعميره وحفظ الأصول وإجارته على البطون اللاحقة ونحوها كالأوقاف العامّة توليتها للحاكم أو منصوبه، وأمّا بالنسبة إلى تنميته واصلاحاته الجزئيّة المتوقّف عليها في حصول النماء الفعلي كتنقية أنهاره وكريه وحرثه وجمع حاصله وتقسيمه وأمثال ذلك فأمرها راجعٌ إلى الموقوف عليهم الموجودين.
(مسألة 88): الأوقاف التي توليتها للحاكم ومنصوبه مع فقده وعدم الوصول إليه توليتها لعدول المؤمنين.
(مسألة 89): لا فرق فيما كان أمره راجعاً إلى الحاكم بين ما لم يعيّن الواقف متولّياً وبين ما عيّن ولكن لم يكن أهلاً لها أو خرج عن الأهليّة، فإذا جعل التولية للعادل من أولاده ولم يكن بينهم عادلٌ أو كان ففسق كان كأن لم ينصّب متولّياً.
(مسألة 90): لو جعل التولية لعدلين من أولاده مثلاً ولم يكن فيهم إلَّا عدلٌ
ــــــ[366]ـــــــ
(1) هذا بعيدٌ عرفاً وإنَّما المهمّ إشرافه لإصلاح ما قد يفسد. إذن فرأيه في الجملة متّبع بصفته منصوباً للنظارة إلَّا أن ينصّ على الخلاف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
واحدٌ ضمّ الحاكم(1) إليه عدلاً آخر، وأمّا لو لم يوجد فيهم عدلٌ أصلاً فهل اللازم على الحاكم نصب عدلين أو يكفي نصب واحدٍ؟ أحوطهما الأوّل وأقواهما الثاني.
(مسألة 91): إذا احتاج الوقف إلى التعمير ولم يكن وجهٌ يُصرف فيه يجوز للمتولّي أن يقترض له قاصداً أداء ما في ذمّته بعد ذلك ممّا يرجع إليه كمنافعه أو منافع موقوفاته، فيقترض متولّي البستان مثلاً لتعميرها بقصد أن يؤدّي بعد ذلك دينه من عائداتها، ومتولّي المسجد أو المشهد أو المقبرة ونحوها بقصد أن يؤدّي دينه من عائدات موقوفاتها، بل يجوز أن يصرف في ذلك من ماله بقصد الاستيفاء ممّا ذكر.
نعم لو اقترض له لا بقصد الأداء منه أو صرف من ماله لا بنيّة الاستيفاء منه لم يكن له ذلك بعد ذلك.
(مسألة 92): تثبت الوقفيّة بالشياع إذا أفاد العلم أو الاطمئنان، وبإقرار ذي اليد أو ورثته، وبكونه في تصرّف الوقف، بأن يعامل المتصرّفون فيه معاملة الوقف بلا معارض، وكذا تثبت بالبيّنة الشرعيّة.
(مسألة 93): إذا أقرّ بالوقف ثُمَّ ادّعى أنَّ إقراره كان لمصلحةٍ يُسمع منه لكن يحتاج إلى الإثبات، بخلاف ما إذا وقع العقد وحصل القبض ثُمَّ ادّعى أنَّه لم يكن قاصداً فإنَّه لا يُسمع منه أصلاً، كما هو الحال في جميع العقود والإيقاعات.
(مسألة 94): كما أنَّ معاملة المتصرّفين معاملة الوقفيّة دليلٌ على أصل الوقفيّة ما لم يثبت خلافها، كذلك كيفيّة عملهم من الترتيب أو التشريك والمصرف وغير ذلك دليلٌ على كيفيّته، فيتَّبع ما لم يعلم خلافها.
ــــــ[367]ـــــــ
(1) على الأحوط استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 95): إذا كان ملكٌ بيد شخصٍ يتصرّف فيه بعنوان الملكيّة لكن علم أنَّه قد كان في السابق وقفاً لم ينتزع من يده بمجرّد ذلك ما لم يثبت وقفيّته فعلاً، وكذا لو ادّعى أحدٌ أنَّه قد وقف على آبائه نسلاً بعد نسل وأثبت ذلك من دون أن يثبت كونه وقفاً فعلاً. نعم لو أقرّ ذو اليد في مقابل خصمه بأنَّه قد كان وقفاً إلَّا أنَّه قد حصل المسوّغ للبيع وقد اشتراه سقط حكم يده وينتزع منه ويلزم بإثبات الأمرين: وجود المسوّغ للبيع، ووقوع الشراء.
(مسألة 96): إذا كان كتابٌ أو مصحفٌ أو صفرٌ مثلاً بيد شخصٍ وهو يدّعي ملكيّته وكان مكتوباً عليه أنَّه وقفٌ، لم يحكم بوقفيّته بمجرّد ذلك، فيجوز الشراء منه. نعم، الظاهر: أنَّ وجود مثل ذلك عيبٌ ونقصٌ في العين، فلو خفي على المشتري ثُمَّ اطّلع عليه كان له خيار الفسخ.
(مسألة 97): لو ظهرت في تركة الميّت ورقةٌ بخطّه أنَّ ملكه الفلاني وقف وأنَّه قد وقع القبض والإقباض لم يحكم بوقفيّته بمجرّد ذلك ما لم يحصل العلم أو الاطمئنان به، لاحتمال أنَّه كتب ليجعله وقفاً كما يتّفق ذلك كثيراً.
(مسألة 98): إذا كانت العين الموقوفة من الأعيان الزكويّة كالأنعام الثلاثة لم يجب على الموقوف عليهم زكاتها وإن بلغت(1) حصّة كلٍّ منهم حدّ النصاب، وأمّا لو كانت نماؤها منها كالعنب والتمر ففي الوقف الخاصّ وجبت الزكاة على كلّ مَن بلغت حصّته النصاب من الموقوف عليهم لأنَّها ملكٌ طلقٌ لهم، بخلاف الوقف العامّ وإن كان مثل الوقف على الفقراء لعدم كونه ملكاً لواحدٍ منهم إلَّا
ــــــ[368]ـــــــ
(1) هذا في الأنعام المشمولة للوقف لا في ذراريها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بعد قبضه. نعم لو أعطي الفقير مثلاً حصّةً من الحاصل على الشجر قبل وقت تعلّق الزكاة – كما قبل احمرار التمر واصفراره- وجبت عليه الزكاة إذا بلغت حدّ النصاب.
(مسألة 99): الوقف المتداول بين الأعراب وبعض الطوائف من غيرهم بأن يعمدون إلى نعجةٍ أو بقرةٍ ويتكلّمون بألفاظٍ متعارفةٍ بينهم ويكون المقصود أن تبقى وتذبح أولادها الذكور وتبقى الإناث وهكذا، الظاهر بطلانها؛ لعدم الصيغة وعدم القبض وعدم تعيين المصرف وغير ذلك.
ــــــ[369]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(خاتمة)
تشتمل على أمرين؛ أحدهما: في الحبس وما يلحق به، ثانيهما: في الصدقة.
القول في الحبس(1) وأخواته
(مسألة 1): يجوز للإنسان أن يحبس ملكه على كلّ ما يصحّ الوقف عليه، بأن يصرف منافعه فيما عيّنه على ما عيّنه، فلو حبسه على سبيلٍ من سبل الخير ومواقع قرب العبادات مثل الكعبة المعظّمة والمساجد والمشاهد المشرّفة، فإن كان مطلقاً أو صرّح بالدوام فلا رجوع ولا يعود على ملك المالك ولا يورث، وإن كان إلى مدّةٍ فلا رجوع في تلك المدّة وبعد انقضائها يرجع إلى المالك. ولو حبسه على شخصٍ فإن عيّن مدّةً أو مدّة حياته لزم حبسه عليه في تلك المدّة، ولو مات الحابس قبل انقضائها يبقى على حاله إلى أن تنقضي، وإن أطلق ولم يعيّن وقتاً لزم مادام حياة الحابس وإن مات كان ميراثاً. وهكذا الحال لو حبس على عنوانٍ عامّ كالفقراء، فإن حدّده بوقتٍ لزم إلى انقضائه، وإن لم يوقف لزم ما دام حياة الحابس.
(مسألة 2): إذا جعل لأحدٍ سكنى داره مثلاً – بأن سلّطه على إسكانها مع بقائها على ملكه- يقال له: «السكنى»، سواءٌ أطلق ولم يعيّن مدّةً أصلاً، كأن يقول: «أسكنتك داري» أو «لك سكناها»، أو قدّره بعمر أحدهما، كما إذا قال: «لك سكنى داري مدّة حياتك» أو «مدّة حياتي»، أو قدّره بالزمان كسنةٍ وسنتين
ــــــ[370]ـــــــ
(1) الحبس هو الوقف المؤقّت أو المنقطع الآخر لا بعنوان الوقف على الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مثلاً. نعم في كلٍّ من الأخيرين له اسمٌ يختصّ به، وهو «العمرى» في أوّلهما و«الرقبى» في ثانيهما.
(مسألة 3): يحتاج كلٌّ من هذه الثلاثة إلى عقدٍ مشتملٍ على إيجابٍ من المالك وقبولٍ من الساكن، فالإيجاب: كلّ ما أفاد التسليط المزبور بحسب المتفاهم العرفيّ، كأن يقول في السكنى: «أسكنتك هذه الدار» أو «لك سكناها» وما أفاد معناهما بأيّ لغةٍ كان، وفي العمرى: «أسكنتكها» أو «لك سكناها مدّة حياتك أو حياتي(1) وفي الرقبى: «أسكنتكها سنةً أو سنتين» مثلاً. وللعمرى والرقبى لفظان آخران: فللأُولى: «أعمرتك هذه الدار عمرك أو عمري أو ما بقيتُ أو بقيتَ أو ما حييتُ أو حييتَ أو ما عشتُ أو عشتَ» ونحوها، وللثانية «أرقبتك مدّة كذا». وأمّا القبول فهو كلّ ما دلّ على الرضا والقبول من الساكن.
(مسألة 4): يشترط في كلٍّ من الثلاثة قبض الساكن، فلو لم يقبض حتّى مات المالك بطلت كالوقف.
(مسألة 5): هذه العقود الثلاثة لازمةٌ(2) يجب العمل بمقتضاها وليس للمالك الرجوع وإخراج الساكن، ففي السكنى المطلقة حيث إنَّ الساكن استحقّ مسمّى الإسكان ولو يوماً لزم العقد في هذا المقدار، فليس للمالك منعه عن ذلك. نعم، له الرجوع والأمر بالخروج في الزائد متى شاء. وفي العمرى المقدّرة بعمر الساكن أو عمر المالك لزمت مدّة حياة أحدهما، وفي الرقبى لزمت في المدّة المضروبة، فليس
ــــــ[371]ـــــــ
(1) أو حياة شخصٍ ثالثٍ على الأقوى.
(2) إلَّا أن يشترط الخيار والأحوط ترك اشتراطه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
للمالك إخراجه قبل انقضائها.
(مسألة 6): إذا جعل داره سكنى أو عمرى أو رقبى لشخصٍ لم تخرج عن ملكه وجاز له بيعها ولم يبطل الإسكان ولا الإعمار ولا الإرقاب، بل يستحقّ الساكن السكنى على النحو الذي جعلت له، وليس للمشتري إبطالها. نعم لو كان جاهلاً، كان له الخيار بين فسخ البيع وإمضائه بجميع الثمن.
(مسألة 7): لو جعل المدّة في العمرى طول حياة المالك ومات الساكن قبله كان لورثته السكنى إلى أن يموت المالك، ولو جعل المدّة طول حياة الساكن ومات المالك قبله لم يكن لورثته إزعاج الساكن بل يسكن طول حياته، ولو مات الساكن لم يكن لورثته السكنى إلَّا إذا جعل له السكنى مدّة حياته ولعقبه ونسله بعد وفاته، فلهم ذلك ما لم ينقرضوا، فإذا انقرضوا رجعت إلى المالك أو ورثته.
(مسألة 8): إطلاق السكنى يقتضي أن يسكن من جعلت له السكنى بنفسه وأهله وأولاده، والأقرب جواز إسكان من جرت العادة بالسكنى معه كغلامه وجاريته ومرضعة ولده وضيوفه، بل كذا دابّته إذا كان الموضع معدّاً لمثلها. ولا يجوز أن يسكن غيرهم إلَّا أن يشترط ذلك أو يرضى المالك، وكذا لا يجوز أن يؤجر المسكن أو يعيره لغيره على الأقوى.
(مسألة 9): كلّ ما صحّ وقفه صحّ إعماره من العقار والحيوان والأثاث وغيرها، ويختصّ مورد السكنى بالمساكن، وأمّا الرقبى ففي كونها في ذلك بحكم العمرى أو بحكم السكنى تأمّلٌ وإشكالٌ(1).
ــــــ[372]ـــــــ
(1) بل هي بحكم العمرى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في الصدقة
التي قد تواترت النصوص على ندبها والحثّ عليها خصوصاً في أوقاتٍ مخصوصةٍ كالجمعة وعرفة وشهر رمضان وعلى طوائف مخصوصةٍ كالجيران والأرحام، بل ورد في الخبر: لا صدقة وذو الرحم محتاج، وهي دواء المريض ودافعة البلاء وقد أبرم إبراماً، وبها يستنزل الرزق ويقضى الدين وتخلف البركة وتزيد في المال، وبها تدفع ميتة السوء والداء والحرق والغرق والهدم والجنون إلى سبعين باباً من السوء، وبها في أوّل كلّ يومٍ يدفع نحوسة ذلك اليوم وشروره، وفي أوّل كلّ ليلةٍ تدفع نحوسة تلك الليلة وشرورها، ولا يستقلّ قليلها فقد ورد: تصدّقوا ولو بقبضةٍ أو ببعض قبضةٍ ولو بشقّ تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمةٍ طيّبة، ولا يستكثر كثيرها فإنَّها تجارة رابحة، ففي الخبر: إذا أملقتم تاجروا الله بالصدقة، وفي خبر آخر: أنَّها خير الذخائر، وفي آخر: أنَّ الله تعالى يربي الصدقات لصاحبها حتّى يلقيها يوم القيامة كجبل عظيم.
(مسألة 1): يعتبر في الصدقة قصد القربة(1)، والأقوى أنَّه لا يعتبر فيها العقد المشتمل على الإيجاب والقبول كما نسب إلى المشهور، بل يكفي المعاطاة، فتتحقّق بكلّ لفظٍ أو فعلٍ من إعطاءٍ أو تسليطٍ قصد به التمليك مجّاناً مع نيّة القربة، ويشترط فيها الإقباض والقبض.
(مسألة 2): لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض وإن كانت على
أجنبيّ على الأصحّ.
ــــــ[373]ـــــــ
(1) يعني: أساساً، وإن كان في طوله هدفٌ دنيويٌّ كالشفاء ودفع البلاء.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 3): تحلّ صدقة الهاشميّ لمثله ولغيره مطلقاً حتّى الزكاة المفروضة والفطرة، وأمّا صدقة غير الهاشميّ للهاشميّ فتحلّ في المندوبة وتحرم في الزكاة المفروضة والفطرة، وأمّا المفروضة غيرهما كالمظالم والكفّارة ونحوها فالظاهر أنَّها كالمندوبة، وإن كان الأحوط عدم إعطائهم لها وتنزّههم عنها.
(مسألة 4): يعتبر في المتصدّق: البلوغ(1) والعقل وعدم الحجر لفلسٍ أو سفهٍ(2).
نعم، في صحّة صدقة مَن بلغ عشر سنين وجهٌ، لكنّه لا يخلو عن إشكال(3).
(مسألة 5): لا يعتبر في المتصدّق عليه في الصدقة المندوبة الفقر ولا الايمان، بل ولا الإسلام(4)، فيجوز على الغنيّ وعلى المخالف وعلى الذمّي وان كانا أجنبيّين.
نعم لا يجوز على الناصب وعلى الحربيّ وإن كانا قريبين.
(مسألة 6): الصدقة المندوبة سرّاً أفضل، فقد ورد: أنَّ صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين باباً من البلاء، وفي خبر آخر عن النبيّ: سبعةٌ يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلَّا ظلّه -إلى أن قال- ورجلٌ تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتّى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله. نعم، إذا
ــــــ[374]ـــــــ
(1) الظاهر الجواز للصبيّ المميّز بشكلٍ بسيطٍ.
(2) الظاهر أنَّه كالمميّز.
(3) ظهر حاله في المميّز، والمهمّ التمييز لا العمر. فإن لم يكن مميّزاً بعد العشر لم يجز.
(4) بشرط عدم قصد العناوين الباطلة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
اتّهم بترك المواساة فأراد دفع التهمة عن نفسه أو قصد اقتداء غيره به فلا بأس بالإجهار بها ولم يتأكّد إخفاؤها. هذا في الصدقة المندوبة، وأمّا الواجبة فالأفضل إجهارها مطلقاً(1).
(مسألة 7): يستحبّ المساعدة والتوسّط في إيصال الصدقة إلى المستحقّ، فعن مولانا الصادق: لو جرى المعروف عن ثمانين كفّاً لأوجروا كلّهم من غير أن ينقص صاحبه من أجره شيئاً. بل في خبر آخر عن النبي أنَّه قال في خطبةٍ له: مَن تصدّق بصدقةٍ عن رجلٍ إلى مسكينٍ كان له مثل أجره، ولو تداولها أربعون ألف إنسانٍ ثُمَّ وصلت إلى المسكين كان لهم أجرٌ كاملٌ.
(مسألة 8): يكره كراهةً شديدةً أن يتملّك من الفقير ما تصدّق به بشراءٍ أو اتّهابٍ أو بسببٍ آخر، بل قيل بحرمته. نعم لا بأس بأن يرجع إليه بالميراث(2).
(مسألة 9): يكره ردّ السائل ولو ظنّ غناه، بل أعطاه ولو شيئاً يسيراً، فعن مولانا الباقر: أعط السائل ولو كان على ظهر فرس. وعنه قال: كان فيما ناجى الله عزّ وجلّ به موسى قال: يا موسى أكرم السائل ببذلٍ يسيرٍ أو بردٍّ جميلٍ- الخبر.
(مسألة 10): يكره كراهةً شديدةً السؤال من غير احتياج، بل مع الحاجة
ــــــ[375]ـــــــ
(1) هذا ممّا لا دليل عليه فإنَّها صدقةٌ في عرف الشرع وكلّ صدقةٍ فالخفيّ منها أفضل إلَّا أن يكون هناك عنوانٌ ثانويٌّ كالحثّ على الطاعات.
(2) بل بمطلق السبب غير الاختياريّ له، وإن كان باختيار الدافع. ومن ذلك أن يغفل أو يجهل أنَّ هذا المال هو الصدقة التي دفعها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أيضاً، وربّما يقال بحرمة الأوّل، ولا يخلو من قوّة(1)، فعن النبيّ: مَن فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر.
وعن مولانا الصادق قال: قال عليّ بن الحسين: ضمنت على ربّي أنَّه لا يسأل أحدٌ من غير حاجة إلَّا اضطرّ به المسألة يوماً إلى أن يسأل من حاجة.
وعن مولانا الباقر: لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحدٌ أحداً، ولو يعلم المعطي ما في العطيّة ما ردّ أحدٌ أحداً. ثُمَّ قال: أنَّه من سأل وهو يظهر غنىً لقي الله مخموشاً وجهه يوم القيامة.
وفي خبر آخر: مَن سأل من غير فقر فإنَّما يأكل الخمر.
وفي خبر آخر: مَن سأل الناس وعنده قوت ثلاثة أيّام لقي الله يوم القيامة وليس على وجهه لحم.
وفي آخر قال أبو عبد الله: ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ، الديّوث، والفاحش المتفحّش، والذي يسأل الناس وفي يده يظهر غنى.
ــــــ[376]ـــــــ
(1) بل الصحيح جوازه إلَّا أنَّ في اعتياده ذلّة محرّمة للمؤمن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الوصية
وهي على ضربين(1): تمليكيّةٌ، كأن يوصي بشيءٍ من تركته لزيد، وعهديّةٌ كأن يوصي بما يتعلّق بتجهيزه أو باستئجار الحجّ أو الصوم أو الصلاة أو الزيارات له.
(مسألة 1): إذا ظهرت للإنسان أمارات الموت يجب عليه(2) أن يوصي بإيصال ما عنده من أموال الناس من الودائع والبضائع ونحوها إلى أربابها والإشهاد عليها، خصوصاً إذا خفيت على الورثة، وكذا بأداء ما عليه من الحقوق الماليّة، خلقيّاً كالديون والضمانات والديات وأروش الجنايات، أو خالقيّاً كالخمس والزكاة والمظالم والكفّارات، بل يجب(3) عليه أن يوصي بأن يستأجر عنه ما عليه من الواجبات البدنيّة ممّا يصحّ فيها النيابة والاستيجار كقضاء الصوم والصلاة إذا لم يكن له وليٌّ يقضيها عنه، بل ولو كان له وليٌّ لا يصحّ منه(4) العمل
ــــــ[377]ـــــــ
(1) وهناك الوصاية وهي إيكال ثلثه وأموال القاصرين من ورثته إلى غيره، وسيتعرّض لها الماتن لكن كان الأرجح ذكرها في هذا المجال؛ على أنَّه ليس لتقسيم الماتن أثرٌ فقهيّ.
(2) إذا كانت أموال الناس في مجال الضياع والإنكار من قبل الورثة.
(3) إن كان عالماً بالعجز التامّ عن قضاء ما عليه من العبادات بحيث يسقط وجوب القضاء عنه، وإلَّا وجب عليه ولا يجوز له تأجيله إلى ما بعد موته.
(4) لا تجب الفوريّة في القضاء عن الميّت، فلو كان وليّه قاصراً أمكن الانتظار إلى رشده. ولا يجب عليه الإيصاء بالفوريّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كالصبيّ أو كان ممّن لا وثوق بإتيانه أو صحّة عمله.
(مسألة 2): إذا كان عنده أموال الناس أو كان عليه حقوقٌ وواجباتٌ لكن يعلم أو يطمئنّ بأنَّ أخلافه يوصلون الأموال ويؤدّون الحقوق والواجبات لم يجب عليه الإيصال، وإن كان أحوط وأولى.
(مسألة 3): يكفي في الوصيّة كلّ ما دلّ عليها من الألفاظ من أيّ لغةٍ كان، ولا يعتبر فيها لفظٌ خاصٌّ، ولفظها الصريح في التمليكيّة أن يقول: «أوصيتُ لفلانٍ بكذا» أو «أعطوا فلاناً» أو «ادفعوا إليه بعد موتي» أو «لفلانٍ بعد موتي كذا» وهكذا، وفي العهدية: «افعلوا بعد موتي كذا وكذا» وهكذا. والظاهر عدم كفاية الإشارة إلَّا مع العجز عن النطق، بخلاف الكتابة فإنَّ الظاهر الاكتفاء بها مطلقاً، خصوصاً في الوصيّة العهديّة إذا علم أنَّه قد كان في مقام الوصيّة وكانت العبارة ظاهرة الدلالة على المعنى المقصود، فيكفي وجود مكتوبٍ من الموصي بخطّه وخاتمه إذا علم من قرائن الأحوال كونه بعنوان الوصيّة فيجب تنفيذها.
(مسألة 4): الوصيّة التمليكيّة(1) لها أركانٌ ثلاثةٌ: الموصي، والموصى به، والموصى له. وأمّا الوصية العهدية فإنَّما يكون قوامها بأمرين: الموصي، والموصى به. نعم إذا عيّن الموصي شخصاً لتنفيذها تقوّم حينئذٍ بأُمور ثلاثة: الموصي، والموصى به، والموصى إليه. وهو الذي يطلق عليه الوصيّ.
ــــــ[378]ـــــــ
(1) إنَّما تفرق هذه عن العهديّة إذا كانت بنحو شرط النتيجة. وأمّا إذا كانت بنحو شرط الفعل فهي مصداقٌ من العهدية. وشرط النتيجة في الوصيّة مشكلٌ، ومن هنا قلنا بعدم الفرق بينهما.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 5): لا إشكال في أنَّ الوصية العهديّة لا تحتاج إلى قبول. نعم لو عيّن وصيّاً لتنفيذها لا بدَّ من قبوله، لكن في وصايته لا في أصل الوصيّة، وأمّا الوصيّة التمليكيّة فإن كانت تمليكاً للنوع كالوصيّة للفقراء والسادة والطلبة فهي كالعهديّة لا يعتبر فيها القبول، وإن كانت تمليكاً للشخص فالمشهور على أنَّه يعتبر فيها القبول من الموصى له، ولا يبعد عدم اعتباره وكفاية عدم الردّ، فتبطل الوصيّة بالردّ لا أنَّ القبول شرط.
(مسألة 6): يكفي في القبول بناءً على اعتباره كلّ ما دلّ على الرضا قولاً أو فعلاً، كأخذ الموصى به والتصرّف فيه.
(مسألة 7): بناءً على اعتبار القبول لا فرق بين وقوعه في حياة الموصي أو بعد موته، كما أنَّه لا فرق في الواقع بعد الموت بين أن يكون متّصلاً به أو متأخّراً عنه مدّة.
(مسألة 8): لو ردّ بعضاً وقبل بعضاً صحّ فيما قبله وبطل فيما ردّه على الأقوى.
(مسألة 9): لو مات الموصى له في حياة الموصي أو بعد موته قبل أن يصدر منه ردٌّ أو قبولٌ قام ورثته(1) مقامه في الردّ والقبول، فيملكون الموصى به بقبولهم أو عدم ردّهم كمورثهم لو لم يرجع الموصى عن وصيّته قبل موته.
(مسألة 10): الظاهر أنَّ الوارث(2) يتلقّى المال الموصى به من الموصي ابتداءً لا
ــــــ[379]ـــــــ
(1) هذا يختلف حسب قصد الموصي وظهور عبارته، والظاهر عرفاً اختصاص الوصيّة بالمورث دون الورثة، مع الإطلاق.
(2) متى كان له حقّ القبول.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أنَّه ينتقل إلى الموصى له أوّلاً ثُمَّ إلى وارثه وإن كانت القسمة بين الورثة في صورة التعدّد على حسب قسمة المواريث، فعلى هذا لا يخرج من الموصى به ديون الموصى له ولا تنفّذ فيه وصاياه.
(مسألة 11): إذا قبل بعض الورثة وردّ بعضهم صحّت الوصيّة فيمن قبل وبطلت فيمن ردّ بالنسبة.
(مسألة 12): يعتبر في الموصي: البلوغ والعقل والاختيار والرشد والحرّية، فلا تصحّ وصيّة الصبيّ. نعم الأقوى صحّة وصيّة البالغ عشراً(1) إذا كانت(2) في البرّ والمعروف كبناء المساجد والقناطر ووجوه الخيرات والمبرّات، وكذا لا تصحّ وصيّة المجنون ولو كان أدوارياً في دور جنونه، ولا السكران، وكذا المكره والسفيه والمملوك وإن قلنا بملكه كما هو الأقوى.
(مسألة 13): يعتبر في الموصي – مضافاً إلى ما ذكر- أن لا يكون قاتل نفسه متعمّداً(3)، فمن أوقع على نفسه جرحاً أو شرب السمّ أو ألقى نفسه من شاهقٍ مثلاً ممّا يقطع أو يظنّ كونه مؤدّياً إلى الهلاك لم تصحّ وصيّته المتعلّقة بأمواله إذا وقع منه ذلك متعمّداً، فإن كان إيقاع ذلك خطأً أو كان مع ظنّ السلامة فاتّفق موته به نُفّذت وصيته، ولو أوصى ثُمَّ أحدث في نفسه ما يؤدّي إلى هلاكه لم تبطل وصيّته
ــــــ[380]ـــــــ
(1) بل الظاهر نفوذ وصيّة من بلغ سبعاً مميّزاً في اليسير.
(2) ليس هذا قيداً بل يكفي أن تكون الوصيّة حقّاً وفي موضعها من الناحيتين الدينيّة والدنيويّة.
(3) باطلاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وإن كان حين الوصية بانياً على أن يحدث ذلك بعدها.
(مسألة 14): لا تبطل الوصيّة بعروض الإغماء والجنون للموصي وإن داما حين الممات.
(مسألة 15): يشترط في الموصى له الوجود حين الوصيّة(1)، فلا تصحّ الوصية للمعدوم، كما أوصى للميت أو لما تحمله المرأة في المستقبل ولمن يوجد من أولاد فلان، ويجوز الوصيّة للحمل بشرط وجوده حين الوصية وإن لم تلجه الروح وانفصاله حيّاً، فلو انفصل ميّتاً بطلت الوصية ورجع المال ميراثاً لورثة الموصي.
(مسألة 16): تصحّ الوصية للذمّي وكذا للمرتدّ الملّي إذا لم يكن المال ممّا لا يملكه الكافر كالمصحف والعبد المسلم، ولا تصحّ للحربيّ ولا للمرتدّ عن فطرةٍ، على إشكال(2).
(مسألة 17): لا تصحّ الوصية لمملوك الغير(3) وإن أجاز المالك، وتصحّ لمملوك نفسه ولكن لا يملك الموصى به كالأحرار، بل إن كان بقدر قيمته ينعتق ولا شيء له، وإن كان أكثر من قيمته انعتق وكان الفاضل له، وإن كان أقلّ ينعتق منه بمقداره وسعى للورثة في البقيّة.
(مسألة 18): يشترط في الموصى به في الوصيّة التمليكيّة أن يكون مالاً أو
ــــــ[381]ـــــــ
(1) المهمّ أن يكون قابلاً للتملّك عرفاً حال الوصيّة. فقد يكون بعض المرافق العامّة كالمساجد والمستشفيات وبعض الموتى وخاصّةً من له مرقدٌ قائمٌ … قابلاً للتملّك فيجوز الوصيّة له.
(2) والأقوى جوازه ما لم يقصد به العنوان الباطل.
(3) إلَّا إذا تحرّر منه شيءٌ فتصحّ بنسبتها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حقّاً قابلاً للنقل كحقَّي التحجير والاختصاص، من غير فرقٍ في المال بين كونه عيناً أو ديناً في ذمّة الغير أو منفعةً، وفي العين كونها موجودةً فعلاً أو ممّا سيوجد(1)، فتصحّ الوصية بما تحمله الدابّة أو تثمر الشجرة في المستقبل.
(مسألة 19): لابدَّ أن تكون العين الموصى بها ذات منفعةٍ محلّلةٍ مقصودةٍ حتّى تكون مالاً شرعاً، فلا تصحّ الوصيّة بالخمر والخنزير وآلات اللهو والقمار ولا بالحشرات وكلب الهراش ونحوها، وأن تكون المنفعة الموصى بها محلّلةً مقصودةً، فلا تصحّ الوصية بمنفعة المغنيّة وآلات اللهو، وكذا منافع القردة ونحوها.
(مسألة 20): لا تصحّ الوصية بمال الغير وإن أجاز المالك(2)، سواءٌ كان الإيصاء به عن نفسه بأن جعل مال الغير لشخصٍ بعد وفاة نفسه، أو عن الغير بأن جعله(3) لشخصٍ بعد وفاة مالكه.
(مسألة 21): يشترط في الوصيّة العهديّة: أن يكون ما أوصى به عملاً سائغاً تعلّق به أغراض العقلاء، فلا تصحّ الوصيّة بصرف ماله في معونة الظلّام وقطّاع الطريق وتعمير الكنائس ونسخ كتب الضلال ونحوها، وكذا الوصيّة بما يكون صرف المال فيه سفهاً أو عبثاً.
(مسألة 22): لو أوصى بما هو سائغٌ عنده اجتهاداً أو تقليداً أو غير سائغٍ عند ــــــ[382]ـــــــ
(1) يشكل ذلك؛ لعدم ملكيّته حال الوصيّة. أمّا إذا وجد بعد موت الموصي فالأمر أشكل.
(2) إذا كان بنحو الفضوليّة لا يبعد النفوذ بالإجازة.
(3) هذه صورة الفضوليّة فإن أجاز المالك كان هو الموصي وانتقل المال عنه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الوصيّ – كما إذا أوصى بنقل جنازته مع عروض الفساد عليها إلى أحد المشاهد وكان ذلك سائغاً عند الموصي- لم يجب بل لم يجز عليه تنفيذها، ولو انعكس الأمر انعكس الأمر(1).
(مسألة 23): لو أوصى لغير الوليّ بمباشرة تجهيزه كتغسيله والصلاة عليه مع وجود الوليّ ففي نفوذها وتقديمه على الولي وعدمه وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما عن رجحان، والأحوط أن يكون ذلك بإذن الوليّ، بأن يستأذن الوصيُّ من الوليّ ويأذن الوليُّ للوصيّ.
(مسألة 24): يشترط في نفوذ الوصيّة في الجملة: أن لا يكون زائداً على الثلث. وتفصيله: أنَّ الوصية إن كانت بواجبٍ ماليٍّ كأداء ديونه وأداء ما عليه من الحقوق كالخمس والزكاة والمظالم والكفّارات تخرج من أصل المال بلغ ما بلغ، بل لو لم يوص بها يخرج من الأصل وإن استوعبت التركة، ويلحق به الواجب الماليّ المشوب بالبدنيّ كالحجّ ولو كان منذوراً على الأقوى. وإن كانت تمليكيّةً أو عهديّةً تبرّعية(2) – كما إذا أوصى بإطعام الفقراء أو الزيارات أو إقامة التعزية ونحو ذلك- نفذت بمقدار الثلث، وفي الزائد يتوقّف على إمضاء الورثة وإجازتهم، فإن أمضوا
ــــــ[383]ـــــــ
(1) هذه عبارةٌ لطيفةٌ ولكنّها تدلّ على أنَّ مضمون الوصيّة لو كان محرّماً عند الموصي جائزاً عند الموصى له أو الوصيّ جاز للوصي تنفيذه. وهذا غير مفهومٍ فقهياً لأنَّه يكون وصيّةً بالمحرّم فلا تنفذ. وقد أشرنا إلى الموصى له لأنَّ الأموال قد تكون كذلك كالخمر قبل تخليلها فقد تكون الوصيّة بها جائزةً عند الموصي دون الموصى له.
(2) لجهةٍ خاصّةٍ أو عامّةٍ ولو لفردٍ واحدٍ. وأمثلة الماتن عامّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
صحّت وإلَّا بطلت، من غير فرقٍ بين وقوع الوصيّة في حال الصحّة أو في حال المرض.
وكذلك(1) إذا كانت بواجبٍ غير ماليٍّ على الأقوى، كما إذا أوصى بالصلاة والصوم عنه إذا اشتغلت ذمّته بهما.
(مسألة 25): لا فرق فيما ذُكر بين ما إذا كانت الوصية بكسرٍ مشاعٍ أو بمالٍ معيّنٍ أو بمقدارٍ من المال، فكما أنَّه لو أوصى بثلث ماله نفذت في تمامه، ولو أوصى بالنصف نفذت بمقدار الثلث وبطلت في الزائد وهو السدس بدون إجازة الورثة، كذلك لو أوصى بمالٍ معيّنٍ فإنَّه ينسب إلى مجموع التركة فإن كان بمقدار ثلث المجموع أو أقلّ نفذت في تمامه وإن كان أكثر نفذت فيه بمقدار ما يساوي الثلث، وفي الزائد يتوقّف على إمضاء الورثة، وكذلك الحال لو أوصى بمقدارٍ من المال، كما إذا أوصى بألف دينارٍ مثلاً يقوّم مجموع التركة وينسب ما أوصى به إلى قيمة المجموع، فتنفذ في تمامه لو كان بمقدار الثلث أو أقلّ، وفي المقدار الذي يساوي ثلث التركة لو كان أزيد ولم يجز الورثة.
(مسألة 26): لو كانت إجازة الوارث لما زاد على الثلث بعد موت الموصي نفذت بلا إشكال وإن ردّها(2) قبل الموت، وكذا لو أجازها قبل الموت وبقي على إجازتها إلى ما بعد الموت، وأمّا لو ردّها بعد الموت فهل تنفذ الإجازة السابقة ولا أثر للردّ بعدها أم لا؟ قولان أقواهما الأوّل.
ــــــ[384]ـــــــ
(1) الظاهر خروجها من الأصل وأمّا إذا كانت احتياطيّةً أو استحابيّةً فمن الثلث.
(2) على إشكال والأحوط للرادّ أن لا يجيز.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 27): لو أجاز الوارث بعض الزيادة لإتمامها نفذت بمقدار ما أجاز، فلو أوصى بثلثي ماله وأجاز الوارث النصف نفذت في هذا المقدار وبطلت في الزائد وهو السدس من ماله.
(مسألة 28): لو أجاز بعض الورثة دون بعضهم نفذت الوصيّة في حقّ المجيز في الزيادة وبطلت في حقّ غيره، فإذا كان للموصي ابنٌ وبنتٌ وأوصى لزيد بنصف ماله قسمت التركة ثمانية عشر ونفذت في ثلثها وهو ستّة، وفي الزائد – وهو ثلاثة- احتاج إلى إمضاء الابن والبنت، فإن أمضيا معاً نفذت في تمامها، وإن أمضى الابن دون البنت نفذت في الاثنين وبطلت في واحدٍ فكان للموصى له ثمانية، وإن كان بالعكس كان بالعكس وكان للموصى له سبعة.
(مسألة 29): لو أوصى بعينٍ معيّنةٍ أو مقدارٍ كلّي من المال كمائة دينارٍ يلاحظ في كونه بمقدار الثلث أو أقلّ أو أزيد بالنسبة إلى أموال الموصي حين الوفاة لا بالنسبة إلى أمواله الموجودة حال الوصيّة، فلو أوصى لزيدٍ بعينٍ كانت(1) بمقدار نصف أمواله حين الوصيّة لكن من جهة نقصان قيمتها أو زيادة قيمة غيرها أو تجدّد مالٍ آخر له بعد ذلك صارت قيمتها بمقدار الثلث مما ترك نفذت في جميعها، ولو فرض أنَّها كانت بمقدار الثلث حين الوصية لكن من جهة ارتفاع قيمتها أو نقصان قيمة غيرها أو تلف بعض أمواله، صارت بمقدار نصف ما تركه حين الموت، نفذت فيها بما يساوي الثلث وبطلت في الزائد لو لم تجز الورثة.
ــــــ[385]ـــــــ
(1) بشرط القصد الجدّي في الوصيّة عندئذٍ ولو رجاءً كرجاء إجازة الوارث أو رجاء زيادة ثروته بحيث يخرج المجموع من الثلث، كما في المتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وهذا ممّا لا إشكال فيه، وإنَّما الإشكال فيما إذا أوصى بكسرٍ مشاعٍ – كما إذا قال ثلث مالي لزيدٍ بعد وفاتي- ثُمَّ تجدّد له بعد الوصيّة بعض الأموال فهل تشمل(1) الوصية الزيادات المتجدّدة بعدها أم لا، سيمّا إذا لم تكن متوقّعة الحصول. لكنّ الظاهر(2) نظراً إلى شاهد الحال: أنَّ المراد بالمال المال الذي لو لم يوص بالثلث كان جميعه للورثة وهو ما كان له عند الوفاة. نعم لو كانت قرينةٌ في كلامه تدلّ على أنَّ المراد الأموال الموجودة حال الوصيّة اقتصر عليها، كما إذا عدّ أمواله ثُمَّ قال ثلث أموالي لزيدٍ بعد وفاتي.
(مسألة 30): الإجازة من الوارث إمضاءٌ وتنفيذٌ، فلا يكفي مجرّد الرضا وطيب النفس من دون قولٍ أو فعلٍ(3) يدلّان على التنفيذ والإمضاء.
(مسألة 31): لا يعتبر في الإجازة كونها على الفور(4).
(مسألة 32): يحسب من التركة ما يملك بالموت(5) كالدية، بل وكذا ما يملك بعد الموت إذا أوجد الميّت سببه قبل الموت، مثل ما يقع في الشبكة التي نصبها الميت في زمان حياته فيخرج منه الدين ووصايا الميّت إذا أوصى بالثلث.
ــــــ[386]ـــــــ
(1) الظاهر عدم الشمول بل يضبط المقدار فإن كان ثلثاً أو أقلّ حال الوفاة نفذ وإلَّا توقّف على الإجازة.
(2) ظهر الحال فيه وفيما بعده.
(3) مهما قلّ. والمهم إبراز الرضا بمبرزٍ ما.
(4) هذا ظاهر ممّا سبق؛ لأنَّ الماتن قال بنفوذ الإجازة بعد الموت، وهو يلازم عدم الفورية.
(5) وهو خصوص الدية على الأحوط إذا كان قد أوصى بكسرٍ مشاعٍ من تركته لا بمقدار عددٍ كالمائة. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 33): للموصي تعيين ثلثه في عينٍ مخصوصةٍ من التركة، وله تفويض التعيين إلى الوصيّ فيتعيّن فيما عيّنه. ومع الإطلاق، كما لو قال ثلث مالي لفلان(1) كان شريكاً مع الورثة بالإشاعة، فلابدَّ أن يكون الإفراز والتعيين برضى الجميع كسائر الأموال المشتركة.
(مسألة 34): إنَّما يحسب الثلث بعد إخراج ما يخرج من الأصل كالدَّين والواجبات الماليّة، فإن بقي بعد ذلك شيءٌ يخرج ثلثه.
(مسألة 35): لو أوصى بوصايا متعدّدةٍ غير متضادّةٍ، فإن كانت من نوعٍ واحدٍ فإن كانت الجميع واجبةً ماليّةً أو واجبةً بدنيّةً كانت الجميع بمنزلة وصيّةٍ واحدةٍ فتنفذ الجميع من الأصل في الواجب المالي ومن الثلث في الواجب البدني(2)، فإنَّ وفّي الثلث بالجميع نفذت في الجميع وكذا إن زادت عليه وأجاز الورثة، وأمّا لو لم يجيزوا فيوزّع النقص على الجميع بالنسبة، فلو أوصى بمقدارٍ من الصوم ومقدارٍ من الصلاة ولم يف الثلث بهما وكانت أجرة الصلاة ضعف أجرة الصوم ينقص من وصيّة الصلاة ضعف ما ينقص من وصيّة الصوم، كما إذا كانت التركة ثمانية عشر وأوصى بستّةٍ لاستئجار الصلاة ثُمَّ أوصى بثلاثةٍ لاستئجار الصوم، فإن أجاز الوارث نفذت الوصيّتان وإن لم يجز بطلتا بالنسبة إلى ثلاثةٍ وتوزّعت على
ــــــ[387]ـــــــ
(1) هذا من شرط النتيجة وهو لا يخلو من إشكال. فالأحوط جعله من شرط الفعل، يعني أن يقول: ادفعوا ثلثي إلى فلان. ومعه لا تتحقّق الشركة.
(2) بل من الأصل، على تفصيلٍ سبق، ومنه يظهر ما في باقي المسألة. والأمثلة الآتية في المتن تنطبق في نظرنا على ما إذا كان الإيصاء بالصوم والصلاة احتياطاً أو استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الوصيّتين بالنسبة، فينقص عن الوصيّة الأولى اثنان وعن الثانية واحد، فيصرف في الصلاة أربعة وفي الصوم اثنان، وإن كانت الجميع تبرّعيةً فإن لم يكن بينها ترتيبٌ بل كانت مجتمعةً (كما إذا قال أعطوا زيداً وعمراً وخالداً كلاً منهم مائة) كانت بمنزلة وصيّةٍ واحدةٍ، فإن زادت على الثلث ولم يجز الورثة ورد النقص على الجميع بالنسبة، وإن كانت بينها ترتيبٌ وتقديمٌ وتأخيرٌ في الذكر؛ بأن كانت الثانية بعد تماميّة الوصيّة الأُولى والثالثة بعد تماميّة الثانية وهكذا (كما إذا قال: أعطوا زيداً مائةً ثُمَّ قال: أعطوا عمراً مائة ثُمَّ قال أعطوا خالداً مائة وكان المجموع أزيد من الثلث ولم يجز الورثة) يبدأ بالأوّل فالأوّل إلى أن يكمل الثلث، فإذا كان الثلث مائةً نفذت الأُولى ولغت الأخيرتان، وإن كان مائتين نفذت الأوليان ولغت الأخيرة، وإن كان مائة وخمسين نفذت الأولى والثانية في نصف الموصى به ولغت البواقي وهكذا.
(مسألة 36): لو أوصى بوصايا مختلفةٍ بالنوع – كما إذا أوصى بأن يعطى مقدارٌ معيّنٌ خمساً وزكاةً ومقدارٌ صوماً وصلاةً ومقدارٌ لإطعام الفقراء- فإن أطلق ولم يذكر المخرج يبدأ بالواجب الماليّ فيخرج من الأصل، فإذا بقي شيءٌ يعيّن ثلثه ويخرج منه البدني(1) والتبرّعي، فإن وفّى بهما أو لم يف بهما وأجاز الوارث نفذت في كليهما، وإن لم يف بهما ولم يجز الوارث في الزيادة يقدّم الواجب البدنيّ ويردّ النقص على التبرّعي. وإن ذكر المخرج وأوصى بأن تخرج من الثلث يعيّن الثلث، فيخرج منه الواجب الماليّ، فإن بقي منه شيءٌ يصرف في الواجب البدنيّ،
ــــــ[388]ـــــــ
(1) ظهر ما فيه في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فإن بقي شيءٌ يصرف في التبرّعي، حتّى أنَّه لو لم يف الثلث إلَّا بالواجبات الماليّة لغت الوصايا الأخيرة بالمرّة إلَّا أن يجيز الورثة.
(مسألة 37): لو أوصى بوصايا متعدّدةٍ متضادّةٍ – بأن كانت المتأخّرة منافيةً للمتقدّمة- كما لو أوصى بعينٍ شخصيّةٍ لواحدٍ ثُمَّ أوصى بها لآخر، ومثله ما إذا أوصى بثلثه لشخصٍ وقال: أعطوا ثلثي لزيدٍ بعد موتي، ثُمَّ قال: أعطوا ثلثي لعمرٍو بعد موتي، كانت اللاحقة عدولاً عن السابقة، فيعمل باللاحقة. ولو أوصى بعينٍ شخصيٍّ لشخصٍ ثُمَّ أوصى بنصفها مثلاً لشخصٍ آخر فالظاهر كون الثانية عدولاً بالنسبة إلى نصفها لا تمامها، فيبقى النصف الآخر للأوّل.
(مسألة 38): متعلّق الوصيّة إن كان كسراً مشاعاً من التركة كالثلث أو الربع مثلاً ملكه الموصى(1) له بالموت والقبول بناءً على اعتباره، وكان له من كلّ شيءٍ ثلثه أو ربعه مثلاً وشارك الورثة في التركة من حين ما ملكه. هذا في الوصيّة التمليكيّة، وأمّا في الوصيّة العهديّة – كما إذا أوصى بصرف ثلثه أو ربع تركته في العبادات والزيارات- كان الموصى به فيها باقياً على حكم مال الميّت، فهو يشارك الورثة(2) حين ما ملكوا بالإرث، فكان للميّت من كلّ شيءٍ ثلثه أو ربعه مثلاً والباقي للورثة، وهذه الشركة باقيةٌ ما لم يفرز الموصى به عن مال الورثة ولم تقع القسمة
ــــــ[389]ـــــــ
(1) قلنا إنَّ الأحوط أن لا يكون بشرط النتيجة، ومعه لا تحصل الشركة.
(2) هذه الشركة فرع بقاء الميّت مالكاً كما لو كان حيّاً. وهو ممّا لا دليل عليه إنَّما يستحقّ الميّت صرف الثلث في مصلحته. ومعه لا يقع الإشكال في التقسيم ما بين الورثة. فإن استطاعوا إخراج الثلث مع القسمة فهو الأولى والأحوط. وإلَّا أمكن تأجيله يدفع تدريجاً بدون أن يصدق الإهمال. ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بينهم وبين الموصى له، فلو حصل(1) نماءٌ متّصلٌ أو منفصلٌ قبل القسمة كان بينهما، ولو تلفت من التركة شيءٌ كان منهما(2). وإن كان ما أوصى به مالاً معيّناً يساوي الثلث أو دونه اختصّ به الموصى له ولا اعتراض فيه للورثة ولا حاجة إلى إجازتهم؛ لما عرفت سابقاً أنَّ للموصى تعيين ثلثه فيما شاء من تركته، لكن إنَّما يستقرّ ملكيّة الموصى له أو الميّت في تمام الموصى به إذا كان يصل إلى الوارث ضعف ما أوصى به، فإذا كان له مالٌ حاضرٌ عند الورثة هذا المقدار استقرّت ملكيّة تمام المال المعيّن، فللموصى له أو الوصيّ أن يتصرّف فيه أنحاء التصرّف، وإن كان ما عدا ما عيّن للوصية أو الموصى له غائباً(3) توقّف التصرّف فيه على حصول مثليه بيد الورثة، فإن لم يحصل بيدهم شيءٌ منه شاركوا الموصى له في المال المعيّن أثلاثاً ثلثٌ للموصى له أو الميّت وثلثان للورثة.
(مسألة 39): يجوز للموصى أن يعيّن شخصاً لتنجيز وصاياه وتنفيذها، فيتعيّن ويقال له «الموصى إليه » و«الوصيّ»، ويشترط فيه أُمورٌ: البلوغ والعقل والإسلام، فلا تصحّ وصاية الصغير ولا المجنون ولا الكافر عن المسلم وإن كان ذميّاً قريباً، وهل يشترط فيه العدالة كما نُسب إلى المشهور أم يكفي الوثاقة؟ لا يبعد الثاني، وإن كان الأوّل أحوط.
(مسألة 40): إنَّما لا تصحّ وصاية الصغير منفرداً، وأمّا منضمّاً إلى الكامل فلا
ــــــ[390]ـــــــ
(1) هذا فرع حصول الشركة، وقد نفيناها فيما سبق. نعم، لو حصل للثلث المفروز نماءٌ لحقه حكمه.
(2) وإن كان الأحوط توفير ما كان ثلثاً حال الوفاة للميّت.
(3) بل يتعيّن الثلث فيما عيّنه الميت وإن كان الباقي غائباً ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بأس به، فيستقلّ الكامل بالتصرّف إلى زمن بلوغ الصغير(1) ولا ينتظر بلوغه، فإذا بلغ شاركه من حينه وليس له اعتراضٌ فيما أمضاه الكامل سابقاً إلَّا ما كان على خلاف ما أوصى به الميّت فيردّه إلى ما أوصى به، ولو مات الصغير أو بلغ فاسد العقل كان للكامل الانفراد بالوصاية.
(مسألة 41): لو طرأ الجنون على الوصيّ بعد موت الموصى بطلت وصايته، ولو أفاق بعد ذلك لم تعد واحتاج إلى نصبٍ جديدٍ من الحاكم(2).
(مسألة 42): لا يجب على الموصى إليه قبول الوصاية وله أن يردّها ما دام الموصي حيّاً بشرط أن يبلغه الردّ، فلو كان الردّ بعد موت الموصى أو قبله ولكن لم يبلغه الردّ حتّى مات لم يكن أثرٌ للردّ وكانت الوصاية لازمةً على الوصيّ، بل لو لم يبلغه أنَّه قد أوصى إليه وجعله وصيّاً إلَّا بعد موت الموصى لزمته الوصاية وليس له ردّها.
(مسألة 43): يجوز للموصى أن يجعل الوصاية لاثنين فما فوق، فإن نصّ على الاستقلال والانفراد فهو وإلَّا فليس(3) لكلٍّ منهما الاستقلال بالتصرّف لا في جميع ما أوصى به ولا في بعضه، وليس لهما أن يقسّما الثلث مثلاً وينفرد كلٌّ منهما في نصفه، من غير فرقٍ(4) في ذلك بين أن يشترط عليهما الاجتماع أو يطلق، ولو تشاحّا
ــــــ[391]ـــــــ
(1) ورشده.
(2) ولا يجب على الحاكم نصبه بل له نصب غيره.
(3) على الأحوط، وإن قلنا في مثله أنَّ مقتضى القاعدة جواز الانفراد ما لم ينصّ على الاجتماع.
(4) ظهر ما فيه في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ولم يجتمعا أجبرهما الحاكم على الاجتماع، فإن تعذّر(1) استبدل بهما.
(مسألة 44): لو مات أحد الوصيَّين أو طرأ عليه الجنون أو غيره ممّا يوجب ارتفاع وصايته استقلّ الآخر ولا يحتاج إلى ضمّ شخصٍ آخر من قبل الحاكم. نعم لو ماتا معاً احتاج إلى النصب من قبله، فهل اللازم نصب اثنين أو يكفي نصب واحدٍ إذا كان كافياً؟ وجهان أحوطهما الأوّل وأقواهما الثاني.
(مسألة 45): يجوز أن يوصى إلى واحدٍ في شيءٍ بعينه والى آخر في غيره، ولا يشارك أحدهما الآخر.
(مسألة 46): لو قال: «أوصيت إلى زيدٍ فإن مات فإلى عمرٍو» صحّ ويكونان وصيَّين إلَّا أنَّ وصاية عمرٍو موقوفةٌ على موت زيدٍ، وكذا لو قال: «أوصيتُ إلى زيدٍ فإن كبر ابني أو تاب عن فسقه أو اشتغل بالعلم فهو وصيّي».
(مسألة 47): إذا ظهرت خيانة الوصيّ فللحاكم عزله ونصب شخصٍ آخر مكانه أو ضمّ أمينٍ إليه حسب ما يراه من المصلحة، وأمّا لو ظهر منه العجز ضمّ إليه من يساعده.
(مسألة 48): إذا لم ينجز الوصي ما أوصى إليه في زمن حياته ليس له أن يجعل وصيّاً لتنجيزه وإمضائه بعد موته إلَّا إذا كان مأذوناً من الموصى في الإيصاء.
(مسألة 49): الوصيّ أمينٌ، فلا يضمن ما كان في يده إلَّا مع التعدّي أو التفريط ولو بمخالفة الوصيّة، فيضمن لو تلف(2) فضلاً عمّا لو أتلف.
ــــــ[392]ـــــــ
(1) في صورة التعذّر يكون الرأي للحاكم الشرعيّ. ولا يكون الاستبدال إلَّا مع الاختلاف في كلّ الأُمور أو أكثرها بحيث يؤدّي إلى مفسدة.
(2) يعني: في المال الذي خالف به الوصيّة لا في كلّ ما هو وصيٌّ به.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 50): لو أوصى إليه بعملٍ خاصٍّ أو قدرٍ مخصوصٍ أو كيفيّةٍ خاصّةٍ اقتصر عليه ولم يتجاوز عنه إلى غيره، وأمّا لو أطلق – بأن قال أنت وصيّي- من دون ذكر المتعلّق فالأقرب وقوعه لغواً إلَّا إذا كان هناك عرفٌ خاصٌّ(1) وتعارفٌ يدلّ على المراد فهو المتّبع كما في عرف الأعراب وبعض طوائف الأعجام، حيث إنَّ مرادهم بحسب الظاهر الولاية على أداء ما عليه من الديون واستيفاء ماله على الناس وردّ الأمانات والبضائع إلى أهلها وأخذها وإخراج ثلثه وصرفه فيما ينفعه ولو بنظر حاكم الشرع من استيجار العبادات وأداء الحقوق والمظالم ونحوها. نعم في شموله بمجرّده للقيمومة(2) على الأطفال تأمّلٌ وإشكالٌ، فالأحوط أن يكون تصدّيه لأُمورهم بإذن من الحاكم، ولعلّ المنساق منه في بعض البلاد ما يشملها. وبالجملة بعد ما كان التعارف هو المدار فيختلف باختلاف الأعصار والأمصار.
(مسألة 51): ليس للوصيّ أن يعزل نفسه بعد موت الموصى ولا أن يفوّض أمر الوصيّة إلى غيره. نعم له التوكيل في إيقاع بعض الأعمال المتعلّقة بالوصيّة ممّا لم يتعلّق الغرض إلَّا بوقوعها من أيّ مباشرٍ كان، خصوصاً إذا كان ممّا لم تجر العادة على مباشرة أمثال هذا الوصيّ ولم يشترط عليه المباشرة.
(مسألة 52): لو نسي الوصي مصرف الوصيّة صرف الموصى به في وجوه البرّ.
ــــــ[393]ـــــــ
(1) وهو عرفٌ عامّ على الظاهر وليس خاصّاً. نعم، ينبغي أن يكون للميّت ما يصرفه فإن لم يكن للميّت مالٌ أصلاً أو لم يوصِ بشيء أو ليس عليه واجباتٌ ماليّةٌ أو بدنيّةٌ لغت الوصيّة.
(2) هو الظاهر على الظاهر، والاحتياط استحبابيّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 53): إذا أوصى الميّت وصيّةً عهديّةً ولم يعيّن وصيّاً أو بطل وصاية مَن عيّنه بموتٍ أو جنونٍ وغير ذلك تولّى الحاكم أمرها أو عيّن من يتولّاه، ولو لم يكن الحاكم ولا منصوبه تولّاه من المؤمنين من يوثق به.
(مسألة 54): يجوز للموصي أن يجعل ناظراً على الوصيّ، ووظيفته تابعةٌ لجعل الموصي، فتارةً من جهة الاستيثاق على وقوع ما أوصى به على ما أوصى به يجعل الناظر رقيباً على الوصيّ وأن يكون أعماله باطّلاعه حتّى أنَّه لو رأى منه خلاف ما قرّره الموصى لاعترض عليه، وأُخرى من جهة عدم الاطمئنان بانظار الوصيّ والاطمئنان التامّ بأنظار الناظر يجعل على الوصيّ أن يكون أعماله على طبق نظر الناظر ولا يعمل إلَّا ما رآه صلاحاً، فالوصيّ وإن كان وليّاً مستقلاً في التصرّف لكنّه غير مستقلٍّ في الرأي والنظر فلا يمض من أعماله إلَّا ما وافق نظر الناظر، فلو استبدّ الوصيّ بالعمل على نظره من دون مراجعة الناظر وإطّلاعه وكان عمله على طبق ما قرّره الموصي فالظاهر صحّة عمله ونفوذه على الأوّل، بخلافه على الثاني. ولعلّ الغالب المتعارف في جعل الناظر في الوصايا هو النحو الأوّل.
(مسألة 55): يجوز للأب مع عدم الجدّ، وللجدّ للأب مع فقد الأب: جعل القيم على الصغار، ومعه لا ولاية للحاكم، وليس لغير الأب والجدّ للأب أن ينصب القيّم عليهم حتّى الأمّ.
(مسألة 56): يشترط في القيّم على الأطفال ما اشترط في الوصيّ على المال، والقول باعتبار العدالة هنا لا يخلو من قوّةٍ، وإن كان الاكتفاء بالأمانة ووجود
ــــــ[394]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المصلحة ليس ببعيد(1).
(مسألة 57): لو عيّن الموصي على القيّم تولّى جهةٍ خاصّةٍ وتصرّفاً مخصوصاً اقتصر عليه ويكون أمره في غيره إلى الحاكم أو المنصوب من قبله، فلو جعله قيّماً بالنسبة إلى حفظ أمواله وما يتعلّق بإنفاقه ليس له الولاية على أمواله بالبيع والإجارة والمزارعة وغيرها وعلى نفسه بالإجارة ونحوها وعلى ديونه بالوفاء والاستيفاء، ولو أطلق وقال: فلانٌ قيّمٌ على أولادي مثلاً، كان وليّاً على جميع ما يتعلّق بهم ممّا كان للموصي الولاية عليه، فله الإنفاق عليهم بالمعروف والإنفاق على مَن عليهم نفقته كالأبوين الفقيرين وحفظ أموالهم واستنمائها واستيفاء ديونهم وإيفاء ما عليهم كأرش ما أتلفوا من أموال الناس وكفّارة القتل دون الدية فإنَّها في العمد والخطأ على العاقلة، وكذا إخراج الحقوق المتعلّقة بأموالهم كالخمس إذا تعلّق بمالهم وغير ذلك. نعم في ولايته على تزويجهم كلامٌ يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.
(مسألة 58): يجوز جعل الولاية على الأطفال لاثنين فما زاد بالاستقلال والاشتراك وجعل الناظر على الوصيّ كالوصيّة بالمال.
(مسألة 59): ينفق الوصيّ على الصبيّ من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ، فيطعمه ويلبسه عادة أمثاله ونظرائه، فإن أسرف ضمن الزيادة، ولو بلغ فأنكر أصل الإنفاق أو ادّعى عليه الإسراف فالقول قول الوصيّ بيمينه، وكذا لو ادّعى عليه أنَّه باع ماله من غير حاجةٍ ولا غبطةٍ. نعم لو اختلفا في دفع المال إليه بعد البلوغ
ــــــ[395]ـــــــ
(1) بل هو الأرجح.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فادّعاه الوصيّ وأنكره الصبي قُدّم قول الصبيّ(1) والبيّنة على الوصيّ.
(مسألة 60): يجوز للقيّم الذي يتولّى أُمور اليتيم أن يأخذ من ماله أجرة مثل عمله، سواء كان غنيّاً أو فقيراً، وإن كان الأحوط الأَولى للأوّل التجنّب. وأمّا الوصيّ على الأموال، فإن عيّن الموصى مقدار المال الموصى به وطبّقه على مصرفه المعيّن المقدَّر بحيث لم يبق شيئاً لأجرة الوصيّ واستلزم أخذ الأجرة إمّا الزيادة عن المال الموصى به أو النقصان في مقدار المصرف – كما إذا أوصى بأن يصرف ثلثه أو عيناً معيّناً من تركته أو مقداراً من المال كألف درهمٍ في استيجار عشرين سنةٍ عبادةً كلّ سنةٍ كذا مقداراً وإطعام خمسين فقيراً بخمسين درهماً وقد ساوى المال مع المصرف بحيث لو أراد أن يأخذ شيئاً لنفسه لزم أحد الأمرين المذكورين- لم يجز له أن يأخذ أجرة لنفسه، حيث إنَّ مرجع هذه الوصيّة إلى الإيصاء إليه بأن يتولّى أُمور الوصيّة تبرّعاً وبلا أجرة، فهو كما لو نصّ على ذلك والوصيّ قد قبل الوصاية على هذا النحو فلا يستحقّ شيئاً. وإن عيّن المال والمصرف على نحوٍ قابلٍ للزيادة والنقصان كان حاله حال متولّي الوقف في أنَّه لو لم يعيّن له جعلاً معيّناً جاز له أن يأخذ أجرة مثل عمله، وذلك كما إذا أوصى بأن يصرف ثلثه أو مقداراً معيّناً من المال في بناء القناطر وتسوية المعابر وتعمير المساجد، وكذا لو أوصى بأن يعمر المسجد الفلاني من ماله أو من ثلثه.
(مسألة 61): الوصيّة جائزةٌ من طرف الموصي، فله أن يرجع عن وصيّته ما دام فيه الروح وتبديلها من أصلها أو من بعض جهاتها وكيفيّاتها ومتعلّقاتها، فله
ــــــ[396]ـــــــ
(1) مع يمينه على القاعدة في أيّ منكر.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تبديل الموصى به كلاً أو بعضاً وتغيير الوصيّ والموصى له وغير ذلك، ولو رجع عن بعض الجهات يبقى غيرها بحالها، فلو أوصى بصرف ثلثه في مصارف مخصوصةٍ وجعل الوصاية لزيدٍ ثُمَّ بعد ذلك عدل عن وصاية زيدٍ وجعل الوصاية لعمرٍو تبقى أصل الوصيّة بحالها، وكذلك إذا أوصى بصرف ثلثه في مصارف معيّنة على يدٍ زيد ثُمَّ بعد ذلك عدل عن تلك المصارف وعيّن مصارف أُخر وهكذا. وكما له الرجوع في الوصيّة المتعلّقة بالمال كذلك له الرجوع في الوصيّة بالولاية على الأطفال.
(مسألة 62): يتحقّق الرجوع على الوصيّة بالقول، وهو كلّ لفظٍ دالٍّ عليه بحسب متفاهم العرف بأيّ لغةٍ كان، نحو: «رجعتُ عن وصيّتي أو أبطلتُها أو عدلتُ عنها أو نقضتُها» ونحوها، وبالفعل وهو إمّا بإعدام موضوعها كإتلاف الموصى به، وكذا نقله إلى الغير بعقدٍ لازمٍ كالبيع، أو جائزٍ كالهبة مع القبض، وإمّا بما يعدّ عند العرف رجوعاً وإن بقي الموصى به بحاله وفي ملكه، كما إذا وكّل شخصاً على بيعه أو وهبه ولم يقبض(1) بعد.
(مسألة 63): الوصيّة بعد ما وقعت تبقى على حالها ويُعمل بها ما لم يرجع الموصي وإن طالت المدّة، ولو شكّ في الرجوع – ولو للشكّ في كون لفظٍ أو فعلٍ رجوعاً- يحكم ببقائها وعدم الرجوع، لكنَّه فيما إذا كانت الوصيّة مطلقةً بأن كان مقصود الموصي وقوع مضمون الوصيّة والعمل بها بعد موته في أيّ زمانٍ قضى الله عليه، فلو كانت مقيّدةً بموته في سفر كذا أو عن مرض كذا ولم يتّفق موته في ذلك
ــــــ[397]ـــــــ
(1) بل حتى لو لم يبع بعد ولم يهب بل لو لم يبع ولم يهب أصلاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
السفر أو عن ذاك المرض بطلت تلك الوصيّة واحتاج إلى وصيةٍ جديدةٍ. ولا ريب(1) أنَّ الغالب في الوصايا ولا سيّما ما تقع عند المسافرة إلى البلاد البعيدة بالطرق غير المأمونة كسفر الحجّ ونحوه وفي حال الأمراض الشديدة وأمثال ذلك قصر نظر الموصي إلى موته في ذلك السفر وفي ذلك المرض، وقد يصرّح بذلك، وقد يشهد بذلك ظاهر حاله، بحيث لو سئل عنه إذا رجعت عن هذا السفر سالماً أو طبت عن هذا المرض إن شاء الله تعالى وبقيت مدّةً مديدةً هل تعمل بهذه الوصية أم لا، لقال لا بل لابدَّ من نظرٍ جديدٍ ووصيّةٍ أُخرى. وحينئذٍ يشكل العمل(2) بالوصايا الصادرة عند الأسفار وفي حال الأمراض بمجرّد عدم رجوع الموصى وعدم نسخها بوصيّةٍ أُخرى، خصوصاً مع طول المدّة إلَّا إذا علم بالقرائن وظهر من حاله أنَّ عدم الإيصاء الجديد منه إنَّما هو لأجل الاعتماد على الوصية السابقة، كما إذا شوهد منه المحافظة على ورقة الوصيّة وتكرّر منه ذكرها عند الناس وإشهادهم بها.
(مسألة 64): لا تثبت الوصيّة بالولاية، سواءٌ كانت على المال أو على الأطفال إلَّا بشهادة عدلين من الرجال، ولا تقبل فيها شهادة النساء لا منفرداتٍ ولا منضمّاتٍ إلى الرجال. وأمّا الوصيّة بالمال فهي كسائر الدعاوى المالية تثبت بشهادة رجلين عدلين وشاهدٍ ويمينٍ وشهادة رجلٍ وامرأتين، وتمتاز من بين الدعاوى الماليّة بأمرين:
ــــــ[398]ـــــــ
(1) الأمر ليس كذلك مع الإطلاق ما لم يقيّد ولو بقرينةٍ عامّةٍ.
(2) ظهر ما فيه في التعليقة السابقة. ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أحدهما: أنَّها تثبت بشهادة النساء منفرداتٍ وإن لم تكمل الأربع ولم تنضمّ إليها اليمين، فتثبت ربع الوصيّة بواحدةٍ، ونصفها باثنتين، وثلاثة أرباعها بثلاثٍ، وتمامها بأربع.
ثانيهما: أنَّها تثبت بشهادة رجلين ذمّيّين عدلين في دينهما عند الضرورة وعدم عدول المسلمين، ولا تقبل شهادة غير أهل الذمّة من الكفّار.
(مسألة 65): إذا كانت الورثة كباراً أو أقرّوا كلّهم بالوصيّة بالثلث وما دونه لوارثٍ أو أجنبيٍّ أو بأن يصرف على الفقراء مثلاً تثبت في تمام الموصى به ويلزمون بالعمل بها أخذاً بإقرارهم ولا يحتاج إلى بيّنة، وإذا أقرّ بها بعضهم دون بعض؛ فإن كان المقرّ اثنين عادلين تثبت أيضاً في التمام لكونه إقراراً بالنسبة إلى المقرّ وشهادةً بالنسبة إلى غيره فلا يحتاج إلى بيّنةٍ أُخرى، وإلَّا ثبتت بالنسبة إلى حصّة المقرّ خاصّة أخذاً بإقراره، وأمّا بالنسبة إلى حصّة الباقين فيحتاج إلى البيّنة. نعم لو كان المقرّ عدلاً واحداً وكانت الوصيّة بالمال لشخصٍ أو أشخاصٍ كفى ضمّ يمين المقرّ له مع إقرار المقرّ في ثبوت التمام، بل لو كان المقرّ امرأة تثبت في ربع حصّة الباقين إن كانت واحدةً، وفي نصفها إن كانت اثنتين، وفي ثلاثة أرباعها إن كانت ثلاثاً، وفي تمامها إن كانت أربع. وبالجملة بعد ما كان المقرّ من الورثة شاهداً بالنسبة إلى حصّة الباقي كان كالشاهد الأجنبيّ، فيثبت به ما يثبت به.
(مسألة 66): إذا أقرّ الوارث بأصل الوصيّة كان كالأجنبيّ، فليس له إنكار وصاية من يدّعي الوصاية، ولا يسمع منه هذا الإنكار كغيره. نعم لو كانت الوصيّة متعلّقةً بالصغار أو العناوين العامّة كالفقراء أو وجوه القرب كالمساجد
ــــــ[399]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والمشاهد أو الميّت نفسه كاستيجار العبادات والزيارات له ونحو ذلك كان لكلّ من يعلم(1) بكذب من يدّعي الوصاية خصوصاً إذا رأى منه الخيانة الإنكار عليه والترافع معه عند الحاكم من باب الحسبة، لكنّ الوارث والأجنبيّ في ذلك سيّان. نعم فيما إذا تعلّقت بأُمور الميّت لا يبعد أولويّة الوارث من غيره واختصاص حقّ الدعوى(2) به مقدّماً على غيره.
(مسألة 67): إذا تصرّف الإنسان في مرض موته، فإن كان معلّقاً على موته – كما إذا قال: أعطوا فلاناً بعد موتي كذا أو هذا المال المعيّن أو ثلث مالي أو ربعه أو نصفه مثلاً لفلان(3)ونحو ذلك- فهو وصيّةٌ، وقد عرفت أنَّها نافذةٌ مع اجتماع الشرائط ما لم تزد على الثلث، وفي الزائد موقوفٌ على إجازة الورثة كالواقعة في مرضٍ آخر غير مرض الموت أو في حال الصحّة. وإن كان منجّزاً (بمعنى كونه غير معلّق على الموت وإن كان معلّقاً على أمرٍ آخر) فإن لم يكن مشتملاً على المجّانيّة والمحاباة كبيع شيءٍ بثمن المثل وإجارة عينٍ بأجرة المثل فهو نافذٌ بلا إشكال، وإن كان مشتملاً على المحاباة- بأن لم يصل ما يساوي ماله إليه سواءٌ كان مجّاناً محضاً كالوقف والعتق والإبراء والهبة الغير المعوّضة أم لا كالبيع بأقلّ من ثمن المثل والإجارة بأقلّ من أجرة المثل والهبة المعوّضة بما دون القيمة وغير
ــــــ[400]ـــــــ
(1) لا مجال لهذا العلم بعد احتمال الإيصاء بدون علمه، إلَّا أن تقوم قرينةٌ عامّةٌ أو خاصّةٌ صادرةٌ من الميّت نفسه على نفي الوصاية؛ ولذا لا مجال ليمين منكرها.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(3) قلنا: إنَّ الأحوط أن لا يكون بشرط النتيجة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ذلك- ففي نفوذه مطلقاً أو كونه مثل الوصيّة في توقّف ما زاد على الثلث على إمضاء الورثة؟ قولان معروفان، أقواهما الأوّل كما مرّ في كتاب الحجر.
(مسألة 68): إذا جمع في مرض الموت بين عطيّةٍ منجّزةٍ ومعلّقةٍ بالموت، فإن وفى الثلث بهما لا إشكال في نفوذهما في تمام ما تعلّقتا به، وإن لم يفِ بهما فعلى المختار من إخراج المنجّزة من الأصل يبدأ بها، فتخرج من الأصل وتخرج المعلّقة من ثلث ما بقي، وأمّا على القول الآخر فإن أمضى الورثة تنفذان معاً وإن لم يمضوا تخرجان معاً من الثلث، ويبدأ أوّلاً بالمنجّزة فإن بقي شيءٌ يصرف في المعلّقة.
ــــــ[401]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[402]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الأيمان والنّذور
القول في اليمين
ويطلق عليه الحِلف والقَسَم، وهو على ثلاثة أقسام:
الأوّل: ما يقع تأكيداً وتحقيقاً للإخبار عمّا وقع في الماضي أو عن الواقع في الحال، كما يُقال: «والله جاء زيدٌ بالأمس» أو «هذا المال لي».
الثاني: يمين المناشدة، وهو ما يقرن به الطلب والسؤال يقصد به حثّ المسؤول على إنجاح المقصود، كقول السائل: «أسألك بالله أن تعطيني كذا». ويقال للقائل: «الحالف» و«المقسم»، وللمسؤول: «المحلوف عليه» و«المقسم عليه».
والأدعية المأثورة وغيرها مشحونةٌ بهذا القِسم من القَسَم.
الثالث: يمين العقد، وهو ما يقع تأكيداً أو تحقيقاً لما بنى عليه والتزم به من فعل أمر أو تركه في المستقبل، كقوله: «والله لأصومنّ أو لأتركنّ شرب الدخان» مثلاً.
لا إشكال في أنَّه لا ينعقد القسم الأوّل ولا يترتّب عليه شيءٌ سوى الإثم فيما لو كان كاذباً في إخباره عن عمد، وهي المسمّاة بيمين الغموس التي في بعض
ــــــ[403]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأخبار عُدّت من الكبائر، وفي بعضها أنَّها تدَع الديار بلاقع، وقد قيل إنَّها سمّيت بالغموس لأنَّها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار. وكذا لا ينعقد القسم الثاني ولا يترتّب عليه شيءٌ من إثمٍ أو كفّارةٍ لا على الحالف في إحلافه ولا على المحلوف عليه في حنثه وعدم إنجاح مسؤوله.
وأمّا القسم الثالث فهو الذي ينعقد عند اجتماع الشرائط الآتية، ويجب برّه والوفاء به، ويحرم حنثه ويترتّب على حنثه الكفّارة.
(مسألة 1): لا ينعقد اليمين إلَّا باللفظ أو ما يقوم مقامه كإشارة الأخرس، وفي انعقاده بالكتابة إشكالٌ، والظاهر أنَّه لا يعتبر فيه العربيّة، خصوصاً في متعلّقاته.
(مسألة 2): لا ينعقد اليمين إلَّا إذا كان المقسم به هو «الله» جلّ شأنه، أعني ذاته المقدسة: إمّا بذكر اسمه العلَمي المختصّ به كلفظ الجلالة ويلحق به ما لا يطلق على غيره كالرحمن، أو بذكر الأوصاف والأفعال المختصّة به التي لا يشاركه فيها غيره كقوله: ومقلّب القلوب والأبصار، والذي نفسي بيده، والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة وأشباه ذلك، أو بذكر الأوصاف والأفعال المشتركة التي تطلق في حقّه تعالى وفي حقّ غيره، لكنّ الغالب إطلاقها في حقّه بحيث ينصرف إطلاقها إليه كقوله: والربّ والخالق(1) والبارئ والرازق والرحيم. ولا ينعقد بما لا ينصرف إطلاقه إليه كالموجود والحيّ والسميع والبصير والقادر وإن نوى بها الحلف بذاته
ــــــ[404]ـــــــ
(1) إلَّا أنَّ استعماله بالواو فقط غير عرفيّ. فإن قاله قاصداً انعقد، إلَّا أنَّ الأولى أن يكون بنحو قولنا: أُقسم بالربّ أو بالخالق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المقدّسة على إشكال، فلا يترك الاحتياط.
(مسألة 3): المعتبر في انعقاد اليمين أن يكون الحلف بالله تعالى لا بغيره، فكلّ ما صدق عرفاً أنَّه قد حلف به تعالى انعقد اليمين به. والظاهر صدق ذلك بأن يقول(1): وحقّ الله، وبجلال الله، وعظمة الله، وكبرياء الله، بل وبقوله: وقدرة الله وعلم الله ولعمر الله.
(مسألة 4): لا يعتبر في انعقاده أن يكون إنشاء القسم بحروفه، بأن يقول: والله أو بالله أو تالله لأفعلنّ، بل لو أنشأه بصيغتي القسم والحلف كقوله: أقسمت بالله(2) أو حلفت بالله انعقد أيضاً. نعم لا يكفي لفظي «أقسمت» و«حلفت» بدون لفظ الجلالة أو ما هو بمنزلته.
(مسألة 5): لا ينعقد اليمين بالحلف بالنبيّ والأئمّة وسائر النفوس المقدّسة المعظّمة ولا بالقرآن الشريف ولا بالكعبة المشرّفة وسائر الأمكنة الشريفة المحترمة.
(مسألة 6): لا ينعقد اليمين بالطلاق والعتاق، بأن يقول: زوجتي طالق، وعبدي حرّ إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا، فلا يؤثّر مثل هذا اليمين لا في حصول الطلاق والعتاق بالحنث ولا في ترتّب إثمٍ أو كفّارةٍ عليه، وكذا اليمين بالبراءة من الله أو من رسوله أو من دينه أو من الأئمّة، بأن يقول مثلاً: برئت من الله أو من دين الإسلام إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا، فلا يؤثّر في ترتّب
ــــــ[405]ـــــــ
(1) ليس ما ذكره عرفياً في ذات الله تعالى إلَّا وحقّ الله وعمر الله.
(2) هذا ونحوه يحتوي على الباء أيضاً ولا يتصوّر القسم عرفاً بدون أحد حروفه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الإثم أو الكفّارة على حنثه. نعم هذا اليمين بنفسه حرامٌ ويأثم حالفه، من غير فرقٍ بين الصدق والكذب والحنث وعدمه، ففي خبر يونس بن ظبيان عن الصادق أنَّه قال: (يا يونس لا تحلف بالبراءة منّا، فإنَّ من حلف بالبراءة منّا صادقاً أو كاذباً برئ منّا). وفي خبر آخر عن النبيّ: (أنَّه سمع رجلاً يقول أنا بريء من دين محمّد، فقال رسول الله: ويلك إذا برئت من دين محمّد فعلى دين من تكون. قال: فما كلّمه رسول الله حتّى مات). بل الأحوط(1) تكفير الحالف بإطعام عشرة مساكين لكلّ مسكينٍ مدٌّ ويستغفر الله تعالى شأنه. ومثل اليمين بالبراءة أن يقول إن لم يفعل كذا أو لم يترك كذا فأنا يهوديّ(2) أو نصرانيّ مثلاً.
(مسألة 7): لو علّق اليمين على مشية الله (بأن قال: والله لأفعلنّ كذا إن شاء الله) وكان المقصود التعليق على مشيته تعالى لا مجرّد التبرّك بهذه الكلمة لم تنعقد إلَّا إذا كان المحلوف عليه فعلُ واجبٍ(3) أو تركُ حرامٍ، بخلاف ما إذا علّق على مشيّة غيره (بأن قال: والله لأفعلن كذا إن شاء زيدٌ مثلاً) فإنَّه تنعقد على تقدير مشيّته، فإن قال زيدٌ أنا شئت أن تفعل كذا انعقدت(4) وتحقّق الحنث بتركه، وإن قال لم أشأ لم تنعقد، وكذا لو لم يعلم أنَّه شاء أو لم يشأ، وكذلك الحال(5) لو علّق على
ــــــ[406]ـــــــ
(1) استحباباً وهي كفّارةٌ على إيجاد هذا اليمين لا على حنثه.
(2) أو أموت يهوديّاً أو نصرانيّاً أو نحوه.
(3) فيبقى واجباً وحراماً على أصله وليس ذلك لأجل اليمين.
(4) على الأحوط.
(5) على الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
شيءٍ آخر غير المشيّة، فإنَّه تنعقد(1) على تقدير حصول المعلّق عليه، فيحنث لو لم يأتِ بالمحلوف عليه على ذلك التقدير.
(مسألة 8): يعتبر في الحالف: البلوغ والعقل والاختيار والقصد، فلا تنعقد يمين الصغير والمجنون مطبقاً أو أدواريّاً(2) ولا المكره ولا السكران، بل ولا الغضبان في شدّة الغضب السالب للقصد.
(مسألة 9): لا تنعقد(3) يمين الولد مع منع الوالد، ولا يمين الزوجة مع منع الزوج، ولا يمين المملوك مع منع المالك إلَّا أن يكون المحلوف عليه فعل واجبٍ أو ترك حرامٍ. ولو حلف أحد الثلاثة في غير ذلك كان للأب أو الزوج أو المالك حلّ اليمين(4) وارتفع أثرها، فلو حنث لا كفّارة عليه. وهل يشترط إذنهم ورضاهم في انعقاد يمينهم حتّى أنَّه لو لم يطّلعوا على حلفهم أو لم يحلّوا مع علمهم لم تنعقد من أصلها أو لا بل كان منعهم مانعاً عن انعقادها وحلّهم رافعاً لاستمرارها فصحّت وانعقدت في الصورتين المزبورتين؟ قولان أحوطهما ثانيهما، بل لا يخلو من قوّة.
ــــــ[407]ـــــــ
(1) بخلاف ما لو لم يعلم بحصوله ولا يجب عليه الفحص.
(2) حال جنونه وتنعقد حال صحوته، إذا كان وقتها حال صحوته أيضاً.
(3) هذا وما بعده إنَّما لا ينعقد إذا كان فيه تفويتاً لحقوق الطرف الآخر خاصّة. وربما يقال: إنَّ يمين هؤلاء متوقّفٌ على إجازة أولئك، سواءٌ سبقت الإجازة أو لحقت. فإن سبقت أشكل سحبها وكذا إن لحقت. نعم، للواحد منهم أن لا يجيز فلا تنعقد اليمين.
(4) بمعنى: عدم إجازته المتأخّرة، كما قلنا.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 10): لا إشكال في انعقاد اليمين إذا تعلّقت بفعل واجبٍ أو مستحبٍّ أو بترك حرامٍ أو مكروهٍ، وفي عدم انعقادها إذا تعلّقت بترك واجبٍ أو مستحبٍّ أو بفعل حرامٍ أو مكروهٍ. وأمّا المباح المتساوي الطرفين في الدين وفي نظر الشرع، فإن ترجّح فعله على تركه بحسب المنافع والأغراض العقلائيّة الدنيويّة أو العكس فلا إشكال في انعقادها إذا تعلّقت بطرفه الراجح وعدم انعقادها إذا تعلّقت بطرفه المرجوح، وأمّا إذا ساوى طرفاه بحسب الدنيا أيضاً فهل تنعقد إذا تعلّقت به فعلاً أو تركاً؟ قولان أشهرهما وأحوطهما(1) أوّلهما، ولا يخلو من قوّة.
(مسألة 11): كما لا تنعقد اليمين على ما كان مرجوحاً تنحلّ إذا تعلّقت براجحٍ ثُمَّ صار مرجوحاً(2)، ولو عاد إلى الرجحان لم تعد اليمين بعد انحلالها على الأقوى.
(مسألة 12): إنَّما تنعقد اليمين على المقدور(3) دون غيره، ولو كان مقدوراً ثُمَّ طرأ العجز عنه بعد اليمين انحلّت اليمين(4)، ويلحق بالعجز العسر والحرج الرافعان للتكليف.
(مسألة 13): إذا انعقدت اليمين وجب عليه الوفاء بها وحرمت عليه مخالفتها ووجبت الكفّارة بحنثها، والحنث الموجب للكفّارة هي المخالفة عمداً، فلو كانت جهلاً أو نسياناً أو اضطراراً أو إكراهاً فلا حنث ولا كفّارة.
ــــــ[408]ـــــــ
(1) إلَّا أنَّ الأقوى خلافه، ومعناه: أنَّه يشترط في انعقاد اليمين أن لا يكون راجحاً. وليس في مثل ذلك رجحان.
(2) دون ما إذا صار متساوي الطرفين.
(3) في زمن التنفيذ وإن كان غير مقدورٍ حال اليمين.
(4) ولا تعود إذا عاد إلى حيّز القدرة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 14): إذا كان متعلّق اليمين الفعل كالصلاة والصوم، فإن عيّن له وقتاً تعيّن وكان الوفاء بها بالإتيان به في وقته وحنثها بعدم الإتيان به في وقته، وإن أتى به في وقتٍ آخر وإن أطلق كان الوفاء بها بإيجاده في أيّ وقتٍ كان ولو مرّةً وحنثها بتركه بالمرّة. ولا يجب التكرار ولا الفور والبدار، ويجوز له التأخير ولو بالاختيار إلى أن يظنّ(1) الفوت لظنّ طروّ العجز أو عروض الموت. وإن كان متعلّقها الترك – كما إذا حلف أن لا يأكل الثوم(2) أو لا يشرب الدخان- فإن قيّده بزمانٍ كان حنثها بإيجاده ولو مرّةً في ذلك الزمان، وإن أطلق كان مقتضاه التأبيد مدّة العمر، فلو أتى به مدّته ولو مرّةً في أيّ زمان كان، تحقّق الحنث.
(مسألة 15): إذا كان المحلوف عليه الإتيان بعملٍ كصوم يومٍ – سواءٌ كان مقيّداً بزمانٍ كصوم يومٍ من شعبان أو مطلقاً من حيث الزمان- لم يكن له إلَّا حنثٌ واحدٌ، فلا تتكرّر فيه الكفّارة، إذ مع الإتيان به في الوقت المعيّن أو مدّة العمر ولو مرّةً لا مخالفة ولا حنث، ومع تركه بالمرّة يتحقّق الحنث الموجب للكفّارة. وكذلك إذا كان ترك عملٍ على الإطلاق(3)، سواءٌ كان مقيّداً بزمان كما إذا
ــــــ[409]ـــــــ
(1) يعني فيضيق الوقت فتجب المبادرة.
(2) تحريم الحلال مؤبّداً غير جائزٍ جزماً، وأمّا إذا قصد التشريع فهو حرامٌ قطعاً، فلا تنعقد اليمين به. نعم، ما أوجب الضرر – كالدخان- يكون تركه راجحاً فتنعقد به اليمين.
(3) مع ما قلناه في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حلف على ترك شرب الدخان في يوم الجمعة أو غير مقيّدٍ به كما إذا حلف على تركه مطلقاً، لأنَّ الوفاء بهذا اليمين إنَّما هو بترك ذلك العمل بالمرّة في يوم الجمعة أو مطلقاً، وحنثها بإيقاعه ولو مرّةً، فلو أتى به حنث وانحلّت اليمين، فلو أتى به مراراً لم يحنث إلَّا بالمرّة الأولى فلا تتكرّر الكفّارة.
وهذا ممّا لا إشكال فيه، إنَّما الإشكال في مثل ما إذا حلف على أن يصوم كلّ خميسٍ أو حلف على أن لا يأكل الثوم في كلّ جمعةٍ مثلاً، فهل يتكرّر الحنث والكفّارة إذا ترك الصوم في أكثر من يومٍ أو أكل الثوم في أكثر من جمعةٍ واحدةٍ أم لا بل تنحلّ اليمين بالمخالفة الأولى فلا حنث بعدها؟ قولان أحوطهما(1) الأوّل وأشهرهما الثاني.
(مسألة 16): كفّارة اليمين عتق رقبةٍ أو إطعام عشرةٍ مساكين أو كسوتهم، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيّام، وسيجيء تفصيلها وما يتعلّق بها من الأحكام في كتاب الكفّارات إن شاء الله تعالى.
(مسألة 17): الأَيمان الصادقة كلّها مكروهةٌ، سواءٌ كانت على الماضي أو المستقبل، وتتأكّد الكراهة في الأوّل؛ ففي خبر الخزّاز عن مولانا الصادق: (لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين، فإنَّه يقول عزّ وجلّ ولا تَجْعَلُوا الله عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ).
وفي خبر ابن سنانٍ عنه: (اجتمع الحواريّون إلى عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام فقالوا: يا معلّم الخير أرشدنا. فقال لهم: إنَّ موسى نبيّ الله أمركم أن
ــــــ[410]ـــــــ
(1) بل هو المتعيّن، والوجه الآخر ضعيف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لا تحلفوا بالله كاذبين، وأنا آمركم أن لا تحلفوا بالله كاذبين ولا صادقين).
نعم، لو قصد بها رفع مظلمةٍ عن نفسه أو عن غيره من إخوانه جاز بلا كراهةٍ ولو كذباً. ففي خبر زرارة عن الباقر: (أنّا نمرّ بالمال على العشّارين فيطلبون منّا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا ولا يرضون منّا إلَّا بذلك؟ فقال: احلف لهم فهو أحلى من التمر والزبد).
بل ربّما تجب اليمين الكاذبة لدفع ظالم عن نفسه أو عرضه أو عن نفس مؤمنٍ أو عرضه، لكن إذا كان ملتفتاً إلى التورية ويحسنها فالأحوط لو لم يكن الأقوى أن يوري، بأن يقصد باللفظ خلاف ظاهره من دون قرينةٍ مفهمةٍ.
(مسألة 18): الأقوى أنَّه يجوز الحلف(1) بغير الله في الماضي والمستقبل وإن لم يترتّب على مخالفتها إثمٌ ولا كفّارةٌ، كما أنَّه ليس قسماً فاصلاً في الدعاوي والمرافعات.
القول في النّذور والعهد
(مسألة 1): النّذر- وهو الالتزام بعملٍ لله تعالى على نحوٍ مخصوصٍ- لا ينعقد بمجرّد النيّة، بل لابدّ من الصيغة، وهي: ما كانت مفادها إنشاء الالتزام بفعلٍ أو تركٍ لله تعالى، كأن يقول: «لله عليّ أن أصوم أو أن أترك شرب الخمر» مثلاً. وهل يعتبر في الصيغة قول «لله» بالخصوص أو يجزي غير هذه اللفظة من
ــــــ[411]ـــــــ
(1) لا بدَّ أنَّ مراده عدم الكراهة فيما قال بكراهته. وأمّا عدم الحرمة فيما هو حرامٌ فلا، بل هو أشدّ من الكذب الاعتيادي إذا كان على الماضي، ويجب الإتيان به إذا كان على المستقبل إلَّا أنَّه لا تجب الكفّارة بتركه وإن أثم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أسمائه المختصّة كما تقدّم في اليمين؟ الظاهر هو الثاني(1)، فكلّ ما دلّ على الالتزام بعملٍ لله جلّ شأنه يكفي في الانعقاد، بل لا يبعد انعقاده بما يرادف القول المزبور من كلّ لغةٍ(2)، خصوصاً لمن لم يحسن العربية. نعم، لو اقتصر على قوله: «عليّ كذا» لم ينعقد النّذر وإن نوى في ضميره معنى (لله)، ولو قال: «نذرت لله أن أصوم» مثلاً أو «لله عليَّ نذر صوم يومٍ» مثلاً لم ينعقد على إشكالٍ(3)، فلا يترك الاحتياط.
(مسألة 2): يشترط في الناذر: البلوغ والعقل والاختيار والقصد وانتفاء الحجر في متعلّق النّذر، فلا ينعقد نذر الصبيّ وإن كان مميّزاً وبلغ عشراً، ولا المجنون ولو أدواريّاً حال دوره، ولا المكروه ولا السكران، بل ولا الغضبان غضباً رافعاً للقصد، وكذا السفيه إن كان المنذور مالاً ولو في ذمّته، والمفلس إن كان المنذور من المال الذي حجر عليه وتعلّق به حقّ الغرماء.
(مسألة 3): لا يصحّ نذر الزوجة(4) مع منع الزوج، ولو نذرت بدون إذنه كان حلّه كاليمين(5)، وإن كان متعلّقاً بمالها ولم يكن العمل به مانعاً عن الاستمتاع بها، ولو أَذِن لها في النذر فنذرت عن إذنه انعقد وليس له بعد ذلك حلّه ولا المنع عن الوفاء به. وهل يشترط انعقاد نذر الولد بإذن الوالد فلا ينعقد بدونه أو ينعقد
ــــــ[412]ـــــــ
(1) بل هو الأحوط وإن كان الأقوى الأوّل.
(2) على الأحوط إذا كان يرادف لفظ الجلالة.
(3) وجهه ضعيفٌ والوجه الانعقاد.
(4) في ما يختصّ بحقوق الزوج خاصّة.
(5) ظهر ما فيه وبما بعده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وله حلّه أو لا يشترط بالإذن ولا له حلّه؟ فيه خلافٌ وإشكالٌ، والأحوط(1) أن يكون بإذنه ثُمَّ يلزم بعد ذلك وليس له حلّه ولا منعه عن الوفاء به.
(مسألة 4): النّذر: إمّا نذر برّ، ويقال له: «نذر المجازاة»، وهو ما علّق على أمرٍ إمّا شكراً لنعمةٍ دنيويّةٍ أو أُخرويّةٍ، كأن يقول: إن رُزقت ولداً أو إن وُفّقت لزيارة بيت الله فللّه عليَّ كذا، وإمّا استدفاعاً لبليّةٍ، كأن يقول: إن شفى الله مريضي فللّه عليَّ كذا. وإمّا نذر زجر، وهو ما علّق على فعل حرامٍ أو مكروهٍ زجراً للنفس على ارتكابهما، مثل أن يقول: إن تعمّدت الكذب أو بلت في الماء فللّه عليَّ كذا، أو على ترك واجبٍ أو مستحبٍّ زجراً لها عن تركهما، مثل أن يقول: إن تركت فريضةً أو نافلة الليل فللّه عليَّ كذا. وإمّا نذر تبرّع، وهو ما كان مطلقاً ولم يعلّق على شيءٍ، كأن يقول: لله عليَّ أن أصوم غداً. لا إشكال ولا خلاف في انعقاد الأوّلين، وفي انعقاد الأخير قولان، أقواهما(2) الانعقاد.
(مسألة 5): يشترط في متعلّق النّذر – سواءٌ كان معلّقاً ومشروطاً شكراً أو زجراً أو كان تبرّعاً- أن يكون مقدوراً للناذر، وأن يكون طاعةً لله(3) تعالى صلاة أو صوماً أو حجّاً أو صدقةً أو عتقاً ونحوها ممّا يعتبر في صحّتها القربة أو أمراً ندب إليه الشرع، ويصحّ التقرّب به كزيارة المؤمنين وتشييع الجنائز وعيادة المرضى
ــــــ[413]ـــــــ
(1) بمعنى أنَّه لو نهاه لم ينعقد وكذلك لو نهاه عن تنفيذه، ولو أذن ليس له نهيه وحلّه كما في المتن.
(2) والأقوى اشتراط رجحان المتعلّق.
(3) بل الظاهر كفاية مطلق الرجحان ديناً ودنيا.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وغيرها، فينعقد في كلّ واجبٍ ومندوبٍ ولو كفائيّاً كتجهيز الموتى إذا تعلّق بفعله، وفي كلّ حرامٍ أو مكروهٍ إذا تعلّق بتركه. وأمّا المباح – كما إذا نذر أكل طعامٍ أو تركه- فإن قصد به معنىً راجحاً كما لو قصد بأكله التقوّي على العبادة أو بتركه منع النفس عن الشهوة فلا إشكال في انعقاده، كما لا إشكال في عدم الانعقاد فيما إذا صار متعلّق النذر فعلاً أو تركاً بسبب اقترانه ببعض العوارض مرجوحاً ولو دنيويّاً، وأمّا إذا لم يقصد به معنىً راجحاً ولم يطرأ عليه ما يوجب رجحانه أو مرجوحيّته فالظاهر عدم انعقاد النذر به.
(مسألة 6): قد عرفت أنَّ النّذر إمّا معلّقٌ على أمرٍ أو غير معلّقٍ، والأوّل على قسمين: نذر شكرٍ ونذر زجر، فليعلم أنَّ المعلّق عليه في نذر الشكر إمّا من فعل الناذر أو من فعل غيره أو من فعل الله تعالى، ولابدَّ في الجميع من أن يكون أمراً صالحاً لأن يشكر عليه حتّى يقع المنذور مجازاةً له، فإن كان من فعل الناذر فلابدَّ أن يكون طاعةً لله تعالى من فعل واجبٍ أو مندوبٍ أو ترك حرامٍ أو مكروهٍ، فيلتزم بالمنذور شكراً له تعالى حيث إنَّه وفّقه عليها، مثل أن يقول: «إن حججت في هذه السنة أو زرت زيارة عرفة أو إن تركت الكبائر أو المكروه الفلاني في شهر رمضان فللّه عليَّ أن أصوم شهراً»، فلو علّق النذر شكراً على ترك واجبٍ أو مندوبٍ أو فعل حرامٍ أو مكروهٍ لم ينعقد وإن كان من فعل غيره، فلابدَّ أن يكون ممّا فيه منفعةٌ دينيّةٌ أو دنيويّةٌ للناذر صالحةٌ لأن يشكر عليها شرعاً أو عرفاً، مثل أن يقول: «إن أقبل الناس على الطاعات فللّه عليَّ كذا» أو يقول: «إن قدم مسافري أو لم يقدم عدوّي الذي يؤذيني فللّه عليَّ كذا».
ــــــ[414]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فإن كان على عكس ذلك، مثل أن يقول: «إن تجاهر الناس على المعاصي، أو شاع بينهم المنكرات فللّه عليَّ صوم شهرٍ» مثلاً لم ينعقد، وإن كان من فعله تعالى لزم أن يكون أمراً يسوغ تمنّيه ويحسن طلبه منه تعالى كشفاء مريضٍ أو إهلاك عدوٍّ دينيٍّ أو أمنٍ في البلاد أو سعةٍ على العباد ونحو ذلك، فلا ينعقد إن كان على عكس ذلك، كما إذا قال: «إن أهلك الله هذا المؤمن الصالح» أو «إن شفى الله هذا الكافر الطالح» أو قال: «إن وقع القحط في البلاد أو شمل الخوف على العباد فللّه عليَّ كذا». هذا في نذر الشكر، وأمّا نذر الزجر فلابدَّ أن يكون الشرط والمعلّق عليه فعلاً أو تركاً اختياريّاً للناذر وكان صالحاً لأن يزجر عنه حتّى يقع النذر زاجراً عنه، كفعل حرامٍ أو مكروهٍ، مثل أن يقول: «إن تعمّدت الكذب أو تعمّدت الضحك في المقابر مثلاً فللّه عليَّ كذا» أو ترك واجبٍ أو مندوبٍ كما إذا قال: «إن تركت الصلاة أو نافلة الليل فللّه عليَّ كذا».
(مسألة 7): إذا كان الشرط فعلاً اختياريّاً للناذر فالنّذر المعلّق عليه قابلٌ لأن يكون نذر شكرٍ وأن يكون نذر زجر، والمائز هو القصد، مثلاً إذا قال: «إن شربت الخمر فللّه عليَّ كذا» إن كان في مقام زجرٍ النفس وصرفها عن الشرب وإنَّما أوجب على نفسه شيئاً على تقدير شربه ليكون زاجراً عنه فهو نذر زجرٍ فينعقد، وإن كان في مقام تنشيط النفس وترغيبها وقد جعل المنذور جزاءً لصدوره منه وتهيّؤ أسبابه له كان نذر شكرٍ فلا ينعقد.
(مسألة 8): لو نذر الصلاة أو الصوم أو الصدقة في زمانٍ معيّنٍ تعيّن، فلو أتى بها في زمانٍ آخر مقدّمٍ أو مؤخّرٍ لم يجزِ(1)، وكذا لو نذرها في مكانٍ فيه رجحانٌ
ــــــ[415]ـــــــ
(1) من الإجزاء لا من الجواز يعني لا تكون مصداقاً للنذر، وإلَّا فهي جائزةٌ ذاتاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فلا يجزي في غيره وإن كان أفضل. وأمّا لو نذرها في مكانٍ ليس فيه رجحانٌ ففي انعقاده وتعيّنه وجهان بل قولان، أقواهما الانعقاد. نعم لو نذر إيقاع بعض فرائضه أو بعض نوافله الراتبة كصلاة الليل أو صوم شهر رمضان مثلاً في مكانٍ أو بلدٍ لا رجحان فيه بحيث لم يتعلّق النّذر بأصل الصلاة والصيام بل تعلّق بإيقاعهما في المكان الخاصّ، فالظاهر عدم انعقاد النذر لعدم الرجحان في متعلّقه. هذا إذا لم يطرأ عليه عنوانٌ راجحٌ، مثل كونه أفرغ للعبادة أو أبعد عن الرياء ونحو ذلك، وإلَّا فلا إشكال في الانعقاد.
(مسألة 9): لو نذر صوماً ولم يعيّن العدد كفى صوم يوم، ولو نذر صلاةً ولم يعيّن الكيفيّة والكميّة يجزي ركعتان ولا يجزي ركعةٌ على الأقوى(1)، ولو نذر صدقةً ولم يعيّن جنسها ومقدارها كفى أقلّ ما يتناوله الاسم، ولو نذر أن يفعل قربةً أتى بعمل قربيّ ويكفي صيام يوم أو التصدّق بشيءٍ أو صلاةٌ ولو مفردة الوتر وغير ذلك.
(مسألة 10): لو نذر صوم عشرة أيّامٍ مثلاً، فإن قيّد بالتتابع أو التفريق تعيّن وإلَّا تخيّر بينهما، وكذا لو نذر صيام سنةٍ(2) فإنَّ الظاهر(3) أنَه مع الإطلاق يكفي صوم اثني عشر شهراً ولو متفرّقاً. نعم لو نذر صوم شهرٍ لم يبعد ظهوره في التتابع ويكفي ما بين الهلالين من شهرٍ ولو ناقصاً، وله أن يشرع فيه في أثناء الشهر،
ــــــ[416]ـــــــ
(1) بل هو المتعيّن؛ لعدم مشروعيّة الركعة في غير الوتر.
(2) إن كان عسراً عليه أو ضرراً لم ينعقد.
(3) بل الظاهر خلافه؛ لعدم صدق السنة على المتفرّق إلَّا أن ينصّ على الخلاف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وحينئذٍ فهل يجب إكمال ثلاثين أو يكفي التلفيق- بأن يكمل من الشهر التالي مقدار ما مضى من الشهر الأوّل- أظهرهما الثاني وأحوطهما الأوّل.
(مسألة 11): إذا نذر صيام سنةٍ معيّنةٍ استُثني منها العيدان، فيفطر فيهما ولا قضاء عليه، وكذا يفطر في الأيّام التي عرض فيها ما لا يجوز معه الصيام من مرضٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ أو سفرٍ، لكن يجب القضاء على الأقوى(1).
(مسألة 12): لو نذر صوم كلّ خميسٍ مثلاً فصادف بعضها أحد العيدين أو أحد العوارض المبيح للإفطار من مرضٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ أو سفرٍ أفطر، ويجب عليه القضاء حتّى في الأوّل على الأقوى.
(مسألة 13): لو نذر صوم يومٍ معيّنٍ فأفطر عمداً يجب قضاؤه مع الكفّارة.
(مسألة 14): إذا نذر صوم يومٍ معيّنٍ جاز له السفر(2) وإن كان غير ضروريّ، ويفطر ثُمَّ يقضيه ولا كفّارة عليه.
(مسألة 15): لو نذر زيارة أحدٍ من الأئمّة أو بعض الصالحين لزم، ويكفي الحضور والسلام على المزور، والظاهر عدم وجوب غسل الزيارة وصلاتها مع الإطلاق وعدم ذكرهما في النّذر، وإن عيّن إماماً لم يجز غيره وإن كان زيارته أفضل، كما أنَّه إن عجز عن زيارة مَن عيّنه لم يجب زيارة غيره بدلاً عنه.
وإن عيّن للزيارة زماناً تعيّن، فلو تركها في وقتها عامداً حنث ويجب الكفّارة، وهل يجب معها القضاء؟ فيه تردّدٌ وإشكالٌ(3).
ــــــ[417]ـــــــ
(1) بل لا يجب. وإذا قصد سنةً بعدد أيّامها وجب الباقي أداءً لا قضاءً.
(2) بحيث يبزغ عليه الفجر مسافراً.
(3) هو الأحوط جداً، وإن كان الأقوى خلافه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 16): لو نذر أن يحجّ أو يزور الحسين ماشياً انعقد مع القدرة وعدم الضرر، فلو حجّ أو زار راكباً مع القدرة على المشي فإن كان النذر مطلقاً ولم يعيّن الوقت أعاده ماشياً، وإن عيّن وقتاً وفات الوقت حنث بلا إشكالٍ ولزم الكفّارة، وهل يجب مع ذلك القضاء ماشياً؟ فيه تردّدٌ، والأحوط(1) القضاء، وكذلك الحال لو ركب في بعض الطريق ومشى في البعض.
(مسألة 17): ليس لمن نذر الحجّ أو الزيارة ماشياً أن يركب البحر أو يسلك طريقاً يحتاج إلى ركوب السفينة ونحوها ولو لأجل العبور من الشطّ ونحوه، ولو انحصر الطريق في البحر فإن كان كذلك من أوّل الأمر لم ينعقد النذر، وإن طرأ ذلك بعد النذر فإن كان النذر مطلقاً وتوقّع المكنة من طريق البرّ والمشي منه فيما بعد انتظر، وإن كان معيّناً وطرأ ذلك في الوقت أو مطلقاً ويئس من المكنة بالمرّة سقط عنه ولا شيء عليه.
(مسألة 18): لو طرأ لناذر المشي العجز عنه في بعض الطريق دون البعض، الأحوط -لو لم يكن الأقوى-: أن يمشى مقدار ما يستطيع ويركب في البعض ولا شيء عليه، ولو اضطرّ إلى ركوب السفينة الأحوط أن يقوم فيها بقدر الإمكان(2).
(مسألة 19): لو نذر التصدّق بعينٍ شخصيّةٍ تعيّنت ولا يجزي مثلها أو قيمتها مع وجودها، ومع التلف فإن كان لا بإتلافٍ منه انحلّ النذر ولا شيء
ــــــ[418]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عليه، وإن كان بإتلافٍ منه ضمنها بالمثل أو القيمة، فيتصدّق بالبدل، بل يكفّر أيضاً على الأحوط.
(مسألة 20): لو نذر الصدقة على شخصٍ معيّنٍ لزم ولا يملك المنذور له الإبراء منه فلا يسقط عن الناذر بإبرائه، وهل يلزم على المنذور له القبول؟ الظاهر لا، فينحلّ النذر(1) بعدم قبوله للتعذّر. ولو امتنع ثُمَّ رجع إلى القبول فهل يعود النذر ويجب التصدّق(2) عليه؟ فيه تأمّلٌ والاحتياط لا يُترك. ولو مات الناذر قبل أن يفي بالنذر يخرج من أصل تركته، وكذا كلّ نذرٍ تعلّق بالمال كسائر الواجبات الماليّة. ولو مات المنذور له قبل أن يتصدّق عليه قام وارثه مقامه على احتمالٍ مطابقٍ للاحتياط(3)، ويقوى(4) هذا الاحتمال لو نذر أن يكون مال معيّن صدقة على فلان فمات قبل قبضه.
(مسألة 21): لو نذر شيئاً لمشهدٍ من المشاهد المشرّفة [صرفه] في مصالحه، كتعميره وضيائه وطيبه وفرشه وقوّامه وخدّامه ونحو ذلك وفي معونة زوّاره، وأمّا لو نذر شيئاً للإمام أو بعض أولاد الإمام – كما لو نذر شيئاً للأمير(5) أو الحسين أو العباس- فالظاهر أنَّ المراد صرفه في سبل الخير بقصد رجوع
ــــــ[419]ـــــــ
( ) إن كان مؤقّتاً ولم يقبل طول الوقت وإلَّا توقّع القبول حتى ييأس.
(2) بل هو المتعيّن كما أشرنا إلى وجهه في التعليقة السابقة.
(3) إلَّا أنَّ الأقوى خلافه، إلَّا أن يقصد التعميم.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(5) يعني: أمير المؤمنين× ، والتعبير بالأمير وإن كان شائعاً إلَّا أنَّه خلاف ما هو وارد.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ثوابه إليهم، من غير فرقٍ بين الصدقة على المساكين وإعانة الزائرين وغيرهما من وجوه الخير كبناء مسجدٍ أو قنطرةٍ ونحو ذلك، وإن كان الأحوط الاقتصار على معونة زوّارهم وصلة من يلوذ بهم من المجاورين المحتاجين والصلحاء من الخدّام المواظبين بشؤون مشاهدهم وإقامة مجالس تعازيهم. هذا إذا لم يكن في قصد الناذر جهةٌ خاصّةٌ وإلَّا اقتصر عليها.
(مسألة 22): لو عيّن شاةً للصدقة أو لأحدٍ من الأئمّة أو لمشهدٍ من المشاهد يتبعها نماؤها المتّصل كالسمن، وأمّا المنفصل كالنتاج واللبن فالظاهر أنَّه ملكٌ للناذر.
(مسألة 23): لو نذر التصدّق بجميع ما يملكه لزم، فإن شقّ عليه(1) قوّم الجميع بقيمةٍ عادلةٍ على ذمّته وتصرّف في أمواله بما شاء وكيف شاء ثُمَّ يتصدّق عمّا في ذمّته شيئاً فشيئاً ويحسب منها ما يعطى إلى الفقراء والمساكين وأرحامه المحتاجين ويقيّد ذلك في دفترٍ إلى أن يوفي التمام، فإن بقي منه شيءٌ أوصى بأن يؤدّى ممّا تركه بعد موته.
(مسألة 24): إذا عجز الناذر عن المنذور في وقته إن كان موقّتاً أو مطلقاً إن كان مطلقاً انحلّ نذره وسقط عنه ولا شيء عليه. نعم لو نذر صوماً فعجز عنه تصدّق عن كلّ يومٍ بمدٍّ من طعام على الأحوط، وأحوط منه التصدّق بمدّين.
(مسألة 25): النّذر كاليمين في أنَّه إذا تعلّق بإيجاد عملٍ من صومٍ أو صلاةٍ أو صدقةٍ أو غيرها، فإن عيّن له وقتاً تعيّن ويتحقّق الحنث ويجب الكفّارة بتركه فيه،
ــــــ[420]ـــــــ
(1) مع المشقّة والضرر يسقط النذر، وتكون الطريقة التي ذكرها الماتن استحبابيّةً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فإن كان صوماً أو صلاةً يجب قضاؤه أيضاً على الأقوى، بل وإن كان غيرهما أيضاً على الأحوط. وإن كان مطلقاً كان وقته العمر وجاز له التأخير إلى أن يظنّ بالوفاة فيتضيّق، ويتحقّق الحنث بتركه مدّة الحياة. هذا إذا كان المنذور فعل شيءٍ، وإن كان ترك شيءٍ فإن عيّن له الوقت كان حنثه بإيجاده فيه، وإن كان مطلقاً كان حنثه بإيجاده مدّة حياته ولو مرّةً، ولو أتى به تحقّق الحنث وانحلّ النذر كما مرّ في اليمين.
(مسألة 26): إنَّما يتحقّق الحنث الموجب للكفّارة بمخالفة النّذر اختياراً، فلو أتى بشيءٍ تعلّق النّذر بتركه نسياناً أو جهلاً أو اضطراراً(1) لم يترتّب عليه شيءٌ، بل الظاهر(2) عدم انحلال النّذر به، فيجب الترك بعد ارتفاع العذر لو كان النّذر مطلقاً أو موقّتاً وقد بقي الوقت.
(مسألة 27): لو نذر إن برئ مريضه أو قدم مسافره صام يوماً مثلاً فبان أنَّ المريض برئ أو المسافر قدم قبل النّذر لم يلزم.
(مسألة 28): كفّارة حنث النذر كفّارة اليمين، وقيل كفّارة مَن أفطر في شهر رمضان، وسيجيء في كتاب الكفّارات إن شاء الله تعالى.
القول في العهد
لا ينعقد العهد بمجرّد النيّة، بل يحتاج إلى الصيغة على الأقوى، وصورتها أن يقول: «عاهدت الله» أو «عليَّ عهد الله»، ويقع مطلقاً ومعلّقاً على شرطٍ كالنّذر، والظاهر أنَّه يعتبر في المعلّق عليه إذا كان مشروطاً ما اعتبر فيه في النّذر المشروط.
ــــــ[421]ـــــــ
(1) أو إكراهاً أو غفلةً.
(2) بل هو الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وأمّا ما عاهد عليه فهو بالنسبة إليه كاليمين يعتبر فيه أن لا يكون مرجوحاً ديناً أو دنياً، ولا يعتبر(1) فيه الرجحان فضلاً عن كونه طاعةً كما اعتبر ذلك في النذر، فلو عاهد على فعل مباحٍ لزم كاليمين. نعم لو عاهد على فعلٍ كان تركه أرجح أو على ترك أمرٍ كان فعله أولى ولو من جهة الدنيا لم ينعقد، ولو لم يكن كذلك من أوّل الأمر ثُمَّ طرأ عليه ذلك انحلّ.
مسألة مخالفة العهد بعد انعقاده يوجب الكفّارة، وهل هي كفّارة مَن أفطر في شهر رمضان أو كفّارة اليمين؟ قولان، أظهرهما الأوّل كما يجيء في الكفّارات.
ــــــ[422]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان الأقوى خلافه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الكفّارات
والكلام في أقسامها وأحكامها:
القول في أقسام الكفّارات
وهي على أربعة أقسام: مرتّبة، ومخيّرة، وما اجتمع فيه الأمران، وكفّارة الجمع.
أمّا المرتّبة فهي ثلاث: كفّارة الظهار، وكفّارة قتل الخطأ يجب فيهما العتق، فإن عجز فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستّين مسكيناً، وكفّارة مَن أفطر يوماً مِن قضاء شهر رمضان بعد الزوال وهي إطعام عشرة مساكين فإن عجز فصيام ثلاثة أيّامٍ متتابعات.
وأمّا المخيّرة فهي أيضاً ثلاثٌ: كفّارة مَن أفطر في شهر رمضان بأحد الأسباب الموجبة للكفّارة التي مرّت في كتاب الصوم، وكفّارة حنث العهد، وكفّارة جزّ المرأة شعرها(1) في المصاب، وهي: العتق أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً مخيّراً بينها على الأظهر.
وأمّا ما اجتمع فيه الأمران فهي: كفّارة حنث اليمين، وكفّارة حنث النّذر
ــــــ[423]ـــــــ
(1) على الأحوط استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
على الأظهر، وكفّارة نتف المرأة(1) شعرها وخدش وجهها في المصاب وشقّ الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته. يجب في جميع ذلك عتق رقبةٍ أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم مخيّراً بينها، فإن عجز عن الجميع فصيام ثلاثة أيّام. وقيل: إنَّ كفّارة النذر مثل كفّارة إفطار شهر رمضان، وحيث إنَّ هذا هو المشهور فلا ينبغي ترك الاحتياط(2) لمن عجز عن العتق باختيار الإطعام وإكمال الستّين، ومع العجز عنه صيام شهرين متتابعين فقط مع العجز عن إكساء عشرة مساكين والجمع بينهما مع التمكّن منه.
وأمّا كفّارة الجمع فهي كفّارة قتل المؤمن عمداً وظلماً، وكفّارة الإفطار في شهر رمضان بالمحرّم على الأحوط لو لم يكن الأقوى، وهي عتق رقبةٍ مع صيام شهرين متتابعين وإطعام ستّين مسكيناً.
(مسألة 1): لا فرق(3) في جزّ المرأة شعرها بين جزّ تمام شعر رأسها وجزّ بعضه بما يصدق عرفاً أنَّه قد جزّت شعرها، كما أنَّه لا فرق بين كونه في مصاب زوجها ومصاب غيره وبين القريب والبعيد، ولا يبعد إلحاق الحلق بالجزّ، بل الأحوط إلحاق الإحراق به أيضاً.
(مسألة 2): لا يعتبر(4) في خدش الوجه خدش تمامه، بل يكفي مسمّاه. نعم،
ــــــ[424]ـــــــ
(1) هذا وجميع ما بعده على الاحتياط الاستحبابيّ.
(2) استحباباً إلى آخر ما قال.
(3) كلّ هذا فرع الوجوب وقد قلنا بعدمه.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة، ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الظاهر أنَّه يعتبر فيه الإدماء، ولا عبرة بخدش غير الوجه ولو مع الإدماء، ولا بشقّ ثوبها وإن كان على ولدها أو زوجها، كما لا عبرة بخدش الرجل وجهه ولا بجزّ شعره ولا بشقّ ثوبه على غير ولده وزوجته. نعم لا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، وفي شموله لولد الولد خصوصاً ولد البنت تأمّلٌ وإن كان الأحوط الشمول، وكذلك في شمول الزوجة لغير الدائمة، فإنَّه قد يشكّ فيه، لكن لا يبعد الشمول خصوصاً لمن كانت مدّتها طويلةً كتسعين سنةً.
القول في أحكام الكفّارات
(مسألة 1): لا يجزي عتق الكافر في الكفّارة مطلقاً، فيشترط فيه الإسلام، ويستوي في الإجزاء الذكر والأنثى والكبير والصغير الذي كان بحكم المسلم، بأن كان أحد أبويه مسلماً. ويشترط أيضاً أن يكون سالماً من العيوب التي توجب الانعتاق قهراً كالعمى والجذام والإقعاد والتنكيل، ولا بأس بسائر العيوب، فيجزي عتق الأصمّ والأخرس وغيرهما، ويجزي عتق الآبق وإن لم يعلم مكانه إذا لم يعلم موته.
(مسألة 2): يعتبر في الخصال الثلاث (العتق والصيام والإطعام) النيّة المشتملة على قصد العمل وقصد القربة وقصد كونه عن الكفّارة، وتعيين نوعها إذا كانت عليه أنواعٌ متعدّدةٌ، فلو كان عليه كفّارة ظهارٍ وكفّارة يمينٍ وكفّارة إفطار فأعتق عبداً ونوى القربة والتكفير لم يجز(1) عن واحدٍ منها. نعم، في المتعدّد من نوعٍ واحدٍ يكفي قصد النوع ولا يحتاج إلى تعيينٍ آخر، فلو أفطر أيّاماً من شهر
ــــــ[425]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان الأقوى الإجزاء، فلو أعتق ثلاثاً بهذه النيّة فقد برئ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
رمضان من سنةٍ أو سنين متعدّدةٍ فأعتق عبداً بقصد أنَّه عن كفّارة الإفطار كفى وإن لم يعيّن اليوم الذي أفطر فيه، وكذلك بالنسبة إلى الصيام والإطعام. ولو كان عليه كفّارةٌ ولا يدري نوعها كفى الإتيان بإحدى الخصال ناوياً بها عمّا في ذمّته، بل لو علم أنَّ عليه إعتاق عبدٍ مثلاً ولا يدري أنَّه منذورٌ أو عن كفّارة القتل مثلاً كفى إعتاق عبدٍ بقصد ما في الذمّة.
(مسألة 3): يتحقّق العجز عن العتق الموجب لوجوب الصيام أو الإطعام في الكفّارة المرتّبة إمّا بعدم الرقبة أو عدم ثمنها أو عدم التمكّن من شرائها، وإن وجد الثمن أو احتياجه إلى خدمتها لمرضٍ أو كبرٍ أو زمانةٍ أو لرفعة شأنٍ(1) أو احتياجه إلى ثمنها في نفقته ونفقة عياله الواجبي النفقة أو أداء ديونه، بل كلّ واجبٍ يجب صرف المال فيه، بل إذا لم يكن عنده إلَّا مستثنيات الدَّين لا تباع في العتق وكان داخلاً في عنوان العاجز عنه. نعم لو بيع العبد بأزيد من ثمن المثل وكان عنده الثمن وجب الشراء ولا يعدّ ذلك عجزاً إلَّا إذا استلزم قبحاً وضرراً مجحفاً، وكذا لو كان له مالٌ غائبٌ يصل إليه قريباً أو كان عنده ثمن الرقبة دون عينها ويتوقّع وجودها بعد مدّةٍ غير مديدةٍ لم يعد ذلك من العجز بل ينتظر، إلَّا إذا شقّ عليه تأخير التكفير كالمظاهر الشبق الذي يشقّ عليه ترك مباشرة زوجته. ويتحقّق العجز من الصيام الموجب لتعيّن الإطعام بالمرض المانع(2) منه أو خوف حدوثه أو
ــــــ[426]ـــــــ
(1) بحيث تحصل الذلّة بعدمها.
(2) هذا وما بعده مع صدق العجز عرفاً. وأمّا ظنّ الضرر الموجب للإفطار في شهر رمضان، فله وجهٌ إلَّا أنَّه مخالفٌ للاحتياط هنا ما لم يوجب صدق العجز عرفاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
زيادته وبكونه شاقّاً عليه مشقّةً لا يتحمّل. وهل يكفي وجود المرض أو خوف حدوثه أو زيادته في الحال ولو مع رجاء البرء وتبدّل الأحوال أو يعتبر اليأس؟ وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما من رجحان. نعم لو رجا البرء بعد زمانٍ قصيرٍ كيومٍ أو يومين يشكل الانتقال إلى الإطعام. وكيف كان لو أخّر الصيام والإطعام إلى أن برئ من المرض وتمكّن من الصوم لا شكّ في تعيّنه في المرتّبة ولم يجز الإطعام.
(مسألة 4): ليس طروّ الحيض والنفاس موجباً للعجز من الصيام والانتقال إلى الإطعام، وكذا طروّ الاضطرار على السفر الموجب للإفطار لعدم انقطاع(1) التتابع بطروّ ذلك.
(مسألة 5): المعتبر في العجز والقدرة حال الأداء لا حال الوجوب، فلو كان حال حدوث موجب الكفّارة قادراً على العتق عاجزاً عن الصيام فلم يعتق حتّى صار بالعكس صار فرضه الصيام وسقط عنه وجوب العتق.
(مسألة 6): إذا عجز عن العتق في المرتّبة فشرع في الصوم ولو ساعةً من النهار ثُمَّ وجد ما يعتق لم يلزمه العتق، فله إتمام الصيام ويجزى عن الكفّارة، وفي جواز رفع اليد عن الصوم واختيار العتق وجهٌ، بل ربما قيل إنَّه الأفضل، لكن لا يخلو من إشكال(2)، فالأحوط إتمام الصيام. نعم، لو عرض ما يوجب استينافه – بأن عرض في أثنائه ما أبطل التتابع- تعيّن عليه العتق مع بقاء القدرة عليه، وكذا
ــــــ[427]ـــــــ
(1) هذا يختلف باختلاف صيام الكفّارة وسيأتي.
(2) ولكنّه بلا إشكال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الكلام فيما لو عجز عن الصيام فدخل في الإطعام ثُمَّ زال العجز.
(مسألة 7): يجب التتابع في الصيام في جميع الكفّارات بعدم تخلّل الإفطار ولا صومٍ آخر غير الكفّارة بين أيّامها، من غير فرقٍ بين ما وجب فيه شهران(1) مرتّباً على غيره أو مخيّراً أو جمعاً، وكذا بين ما وجب فيه شهران وما وجب فيه ثلاثة أيّامٍ ككفّارة اليمين، ومتى أخلّ بالتتابع وجب الاستيناف. ويتفرّع على وجوب التتابع أنَّه لا يجوز الشروع في الصوم من زمانٍ يعلم بتخلّل صومٍ آخر يجب في زمانٍ معيّنٍ بين أيّامه، فلو شرع في صيام ثلاثة أيّامٍ قبل شهر رمضان أو قبل خميسٍ معيّنٍ نذر صومه بيوم أو يومين لم يجز، بل وجب استينافه.
(مسألة 8): إنَّما يضرّ بالتتابع ما إذا وقع الإفطار في البين بالاختيار، فلو وقع ذلك لعذرٍ من الأعذار – كما إذا كان الإفطار بسبب الإكراه أو الاضطرار أو بسبب عروض المرض أو طروّ الحيض أو النفاس- لم يضرّ به، ومن العذر وقوع السفر في الأثناء إذا كان ضروريّاً دون ما كان بالاختيار، وكذا منه ما إذا نسي النيّة حتّى فات وقتها، بأن تذكّرها بعد الزوال. وكذا الحال فيما إذا كان تخلّل صومٌ آخر في البين لا بالاختيار، كما إذا نسي فنوى صوماً آخر ولم يتذكّر إلَّا بعد الزوال. ومنه ما إذا نذر صوم كلّ خميسٍ مثلاً ثُمَّ وجب عليه صوم شهرين متتابعين فلا يضرّ بالتتابع تخلّل المنذور في البين، ولا يتعيّن عليه البدل في المخيّرة ولا ينتقل إلى الإطعام في المرتّبة.
نعم، في صوم ثلاثة أيّام يخلّ تخلّله فيلزم الشروع فيها من زمانٍ لم يتخلّل
ــــــ[428]ـــــــ
(1) على تفصيلٍ يأتي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المنذور بينها كما أشرنا إليه في المسألة السابقة.
(مسألة 9): يكفي في تتابع الشهرين في الكفّارة مرتّبةً كانت أو مخيّرةً صيام شهرٍ ويومٍ متتابعاً، ويجوز له التفريق في البقيّة ولو اختياراً لا لعذرٍ، فمَن كان عليه صيام شهرين متتابعين يجوز له الشروع فيه قبل شعبان بيومٍ، ولا يجوز له الاقتصار على شعبان لتخلّل شهر رمضان قبل إكمال شهرٍ ويومٍ. وكذا يجوز له الشروع قبل الأضحى بواحدٍ وثلاثين يوماً، ولا يجوز قبله بثلاثين.
(مسألة 10): مَن وجب عليه صيام شهرين، فإن شرع فيه من أوّل الشهر يجزي هلاليّان وإن كانا ناقصين وإن شرع في أثناء الشهر، وإن كان فيه وجوهٌ بل أقوالٌ ولكنَّ الأحوط انكسار الشهرين وجعل كلّ شهرٍ ثلاثين فيصوم ستّين يوماً مطلقاً، سواءٌ كان الشهر الذي شرع فيه مع تاليه تامّين أو ناقصين أو مختلفين، ويتعيّن ذلك بلا إشكالٍ فيما إذا وقع التفريق بين الأيّام بتخلّل ما لا يضرّ بالتتابع شرعاً.
(مسألة 11): يتخيّر في الإطعام الواجب في الكفّارات بين إشباع المساكين والتسليم لهم، ويجوز إشباع البعض والتسليم إلى البعض، ولا يتقدّر الإشباع بمقدارٍ بل المدار على أن يأكلوا بمقدار شبعهم قلّ أو كثر، وأمّا التسليم فلا بدَّ من أن يسلّم إلى كلٍّ منهم مدّاً من الطعام(1) لا أقلّ، والأفضل بل الأحوط مدّان. ولابدَّ في كلٍّ من النحوين كمال العدد من ستّين أو عشرةٍ، فلا يجزي إشباع ثلاثين أو خمسةٍ مرّتين أو تسليم كلّ واحدٍ منهم مدّين. ولا يجب الاجتماع لا في التسليم ولا في الإشباع، فلو أطعم ستّين مسكيناً في أوقاتٍ متفرّقةٍ من بلادٍ مختلفةٍ ولو كان
ــــــ[429]ـــــــ
(1) وهو يساوي ثلاثة أرباع الكيلو.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
هذا في سنةٍ وذلك في سنةٍ أُخرى لأجزأ وكفى.
(مسألة 12): الواجب في الإشباع إشباع كلّ واحدٍ من العدد مرّةً، وإن كان الأفضل إشباعه في يومه وليله غداةً وعشاءً.
(مسألة 13): يجزي في الإشباع كلّ ما يتعارف التغذّي والتقوّت به لغالب الناس من المطبوخ وما يصنع من أنواع الأطعمة ومن الخبز من أيّ جنسٍ كان، ممّا يتعارف تخبيزه من حنطةٍ أو شعيرٍ أو ذرةٍ أو دخنٍ وغيرها وإن كان بلا إدامٍ، والأفضل أن يكون مع الإدام، وهو كلّ ما جرت العادة على أكله مع الخبز جامداً أو مائعاً وإن كان خلاً أو ملحاً أو بصلاً وكلّ ما كان أفضل كان أفضل. ويجزي في التسليم بذل ما يسمّى طعاماً من نيٍّ ومطبوخٍ من الحنطة والشعير ودقيقهما وخبزهما والأرز وغير ذلك، والأحوط الحنطة أو دقيقه، ويجزي التمر والزبيب تسليماً وإشباعاً.
(مسألة 14): التسليم إلى المسكين تمليكٌ له كسائر الصدقات(1)، فيملك ما قبضه ويفعل به ما شاء ولا يتعيّن عليه صرفه في الأكل.
(مسألة 15): يتساوى الصغير والكبير إن كان التكفير بنحو التسليم، فيعطى الصغير مدّاً من طعامٍ كما يعطى الكبير، وإن كان اللازم في الصغير التسليم إلى الوليّ وإن كان بنحو الإشباع، فكذلك إذا اختلط الصغار مع الكبار، فإذا أشبع عائلةً كانت ستّين نفساً مشتملةً على كبارٍ وصغارٍ أجزأ، وإن كان الصغار منفردين
ــــــ[430]ـــــــ
(1) والأحوط أن يقبضها أوّلاً بصفتها كفّارة، أمّا الدفع إليه فيجب بهذه النيّة مع القربة بلا إشكال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فاللازم(1) احتساب اثنين بواحدٍ، فيلزم إشباع مائة وعشرين بدل ستّين، وعشرين بدل عشرة. والظاهر: أنَّه لا يعتبر في إشباع الصغير إذن الوليّ.
(مسألة 16): لا إشكال في جواز إعطاء كلّ مسكينٍ أزيد من مدٍّ من كفّاراتٍ متعدّدةٍ ولو مع الاختيار، من غير فرقٍ بين الإشباع والتسليم، فلو أفطر تمام شهر رمضان جاز له إشباع ستّين شخصاً معيّنين في ثلاثين يوماً، أو تسليم ثلاثين مدّاً من طعامٍ لكلّ واحدٍ منهم وإن وجد غيرهم.
(مسألة 17): لو تعذّر العدد في البلد وجب النقل إلى غيره، وإن تعذّر انتظر، ولو وجد بعض العدد كرّر على الموجود(2) حتّى يستوفي المقدار، ويقتصر في التكرار على مقدار التعذّر، فلو تمكّن من عشرة كرّر عليهم ستّ مرّات، ولا يجوز التكرار على خمسة اثنتي عشرة مرّة، والأحوط(3) عند تعذّر العدد الاقتصار على الإشباع دون التسليم وأن يكون(4) في أيّامٍ متعدّدة.
(مسألة 18): المراد بالمسكين الذي هو مصرف الكفّارة: هو الفقير الذي يستحقّ الزكاة، وهو من لا يملك قوت سنته لا فعلاً ولا قوّةً، ويشترط فيه الإسلام بل الإيمان على الأحوط، وأن لا يكون ممّن يجب(5) نفقته على الدافع
ــــــ[431]ـــــــ
(1) على الأحوط استحباباً.
(2) مع اليقين بعدم توفّر العدد في المستقبل المنظور وإلَّا وجب الانتظار فإنَّ دفع الكفّارة ليس بفوريّ.
(3) استحباباً.
(4) على الأحوط وجوباً.
(5) إذا كان الدفع خارج النفقة الواجبة جاز.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كالوالدين والأولاد والمملوك والزوجة الدائمة دون المنقطعة ودون سائر الأقارب والأرحام حتّى الإخوة والأخوات، ولا يشترط فيه العدالة ولا عدم الفسق. نعم لا يعطى المتجاهر بالفسق الذي ألقى جلباب الحياء، وفي جواز إعطاء غير الهاشمي إلى الهاشمي قولان، لا يخلو الجواز من رجحان، وإن كان الأحوط(1) الاقتصار على مورد الاضطرار والاحتياج التامّ الذي يحلّ معه أخذ الزكاة.
(مسألة 19): يعتبر في الكسوة التي يخيّر بينها وبين العتق والإطعام في كفّارة اليمين وما بحكمها: أن يكون ممّا يعدّ لباساً عرفاً، من غير فرقٍ بين الجديد وغيره ما لم يكن منخرقاً أو منسحقاً وبالياً بحيث ينخرق بالاستعمال، فلا يكتفى بالعمامة والقلنسوة والحزام والخفّ والجورب، والأحوط(2) عدم الاكتفاء بثوبٍ واحدٍ خصوصاً بمثل السراويل أو القميص القصير، بل لا يكون أقلّ من قميصٍ مع سراويل. ويعتبر فيها العدد كالإطعام، فلو كرّر على واحدٍ – بأن كساه عشر مرّات- لم تحسب له إلَّا واحدةً. ولا فرق في المكسوّ بين الصغير والكبير والحرّ والعبد والذكر والأنثى.
نعم في الاكتفاء بكسوة البالغ نهاية الصغر كابن شهرٍ أو شهرين إشكالٌ، فلا يُترك الاحتياط. والظاهر اعتبار كونه مخيطاً، فلو سلّم إليه الثوب غير مخيطٍ لم يكن مجزياً. نعم، الظاهر أنَّه لا بأس بأن يدفع أجرة الخياطة معه ليخيطه ويلبسه، ولا
ــــــ[432]ـــــــ
(1) استحباباً وهو مراد الماتن إلَّا أنَّ في كلامه مبالغةً قد تسدّ طريق الخير عن كثيرٍ من الناس؛ فننبّه على ذلك.
(2) المهمّ إعطاء كسوةٍ لكلّ البدن بثوبٍ واحدٍ أو قطعتين أو أكثر.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يجزي إعطاء لباس الرجال للنساء وبالعكس ولا إعطاء لباس الصغير للكبير(1)، ولا فرق(2) في جنسه بين كونه من صوفٍ أو قطنٍ أو كتّانٍ أو قنبٍ أو حريرٍ، وفي الاجتزاء بالحرير المحض للرجال إشكال(3). ولو تعذّر تمام العدد كسا الموجود وانتظر للباقي، والأحوط التكرار(4) على الموجود فإذا وجد باقي العدد كساه.
(مسألة 20): لا تجزي القيمة في الكفّارة لا في الإطعام ولا في الكسوة، بل لا بدَّ في الإطعام [من] بذل الطعام إشباعاً أو تمليكاً وكذلك في الكسوة. نعم لا بأس بدفع القيمة إلى المستحقّ ويوكله(5) في أن يشتري بها طعاماً فيأكله(6) أو كسوة فيلبسها، فيكون هو المعطي عن المالك ومعطى له لنفسه باعتبارين.
(مسألة 21): إذا وجبت عليه كفّارةٌ مخيّرةٌ لم يجز أن يكفّر بجنسين، بأن يصوم شهراً ويطعم ثلاثين في كفّارة شهر رمضان أو يطعم خمسةً ويكسو خمسةً مثلاً في كفّارة اليمين. نعم، لا بأس باختلاف أفراد الصنف الواحد منها، كما لو أطعم بعض العدد طعاماً خاصّاً وبعضه غيره، أو كسا بعضهم ثوباً من جنسٍ وبعضهم من جنسٍ آخر، بل يجوز في الإطعام أن يشبع بعضاً ويسلّم إلى بعض كما مرّ.
ــــــ[433]ـــــــ
(1) ولا العكس.
(2) كما ليس لابدَّ أن يناسب الوقت شتاءً أو صيفاً.
(3) فلا يترك الاحتياط بالترك.
(4) بل يتعيّن الانتظار إلَّا مع اليأس في المدى المنظور كسنةٍ أو أكثر.
(5) بشرط أن يكون ثقةً بحيث يحصل الاطمئنان بإنجازه للغرض، وإن كان الأقرب كفاية الظنّ.
(6) بصفته كفّارةً، وكذا ما بعده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 22): لا بدل شرعاً للعتق في الكفّارة مخيّرةً كانت أو مرتّبةً أو كفّارة الجمع فيسقط بالتعذّر. وأمّا صيام شهرين متتابعين والإطعام لو تعذّر بالتمام صام ثمانية عشر يوماً متتابعاتٍ، فإن عجز عنه صام ما استطاع أو تصدّق بما وجد، ومع العجز عنهما بالمرّة استغفر الله(1) تعالى ولو مرّة.
(مسألة 23): الظاهر أنَّ وجوب الكفّارات موسّعٌ، فلا تجب المبادرة إليها، ويجوز التأخير ما لم يؤدّ إلى حدّ التهاون(2).
(مسألة 24): يجوز التوكيل في إخراج الكفّارات الماليّة وأدائها، ويتولّى الوكيل النيّة إذا كان وكيلاً في الإخراج والموكّل حين دفعه إلى الوكيل إذا كان وكيلاً في الأداء. وأمّا الكفّارات البدنيّة فلا يجزي فيها التوكيل، ولا تجوز فيها النيابة على الأقوى إلَّا عن الميت.
(مسألة 25): الكفّارات الماليّة بحكم الديون، فإذا مات مَن وجبت عليه تخرج من أصل المال، وأمّا البدنيّة فلا يجب على الورثة أداؤها ولا إخراجها من التركة ما لم يوصِ بها الميّت، فيخرج من ثلثه. نعم في وجوبها على الولي وهو الولد [الأكبر] احتمالٌ قويّ(3)، وإنَّما يجري هذا الاحتمال فيما إذا تعيّن على الميّت الصيام، وأمّا إذا تعيّن عليه غيره – بأن كانت مرتّبةً وتعيّن عليه الإطعام أو كانت مخيّرةً وكان متمكّناً من الصيام والإطعام- لم يجب على الوليّ قطعاً، بل يخرج من تركة الميّت مقدار الإطعام.
ــــــ[434]ـــــــ
(1) وجوباً على الأحوط وهو كفّارته.
( 2) بحيث يُفهم منه التهاون بالشريعة ولا يجب أكثر من ذلك.
(3) وهو الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الصيد والذباحة
القول في الصيد
وليعلم أنَّه كما يذكَّى الحيوان ويحلّ أكل لحم ما حلّ أكله بالذبح الواقع على النحو المعتبر شرعاً، يذكَّى أيضاً بالصيد على النحو المعتبر. وهو إمّا بالحيوان أو بغير الحيوان. وبعبارةٍ أُخرى: الآلة التي يصاد بها إمّا حيوانيّةٌ أو جماديّةٌ، ويتمّ الكلام في القسمين في ضمن مسائل:
(مسألة: 1): لا يحلّ من صيد الحيوان ومقتوله إلَّا ما كان بالكلب المعلَّم، سواءٌ كان سلوقيّاً أو غيره، وسواءٌ كان أسود أو غيره، فلا يحلّ صيد غير الكلب من جوارح السباع كالفهد والنمر وغيرهما وجوارح الطير كالبازي والعقاب والباشق وغيرها.
وإن كانت معلَّمةً، فما يأخذه الكلب المعلَّم ويقتله بعقره وجرحه مذكّى حلالٌ أكله من غير ذبح، فيكون عضّ الكلب وجرحه على أيّ موضعٍ من الحيوان كان بمنزلة ذبحه.
(مسألة 2): يعتبر في حلّيّة صيد الكلب أن يكون معلَّماً(1) للاصطياد، وعلامة
ــــــ[435]ـــــــ
(1) بالفتح، والأحوط: أن يكون المعلِّم – بالكسر- مسلماً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كونه بتلك الصفة أن يكون من عادته مع عدم المانع أن يسترسل ويهيج إلى الصيد لو أرسله صاحبه وأغراه به، وأن ينزجر ويقف عن الذهاب والهياج إذا زجره.
واعتبر المشهور مع ذلك أن يكون من عادته التي لا تتخلّف إلَّا نادراً: أن يمسك الصيد ولا يأكل منه شيئاً حتّى يصل صاحبه، وفي اعتبار ذلك نظرٌ وإن كان أحوط.
(مسألة 3): يشترط في حلّيّة صيد الكلب أُمور:
«الأوّل»: أن يكون ذلك بإرساله للاصطياد، فلو استرسل بنفسه من دون إرسالٍ لم يحلّ مقتوله وإن أغراه صاحبه بعد الاسترسال، حتّى فيما إذا أثّر اغراؤه فيه، بأن زاد في عدوه بسببه على الأحوط(1)، وكذلك الحال لو أرسله لا للاصطياد بل لأمرٍ آخر من دفع عدوٍّ أو طرد سبعٍ أو غير ذلك فصادف غزالاً مثلاً فصاده. والمعتبر قصد الجنس لا الشخص، فلو أرسله مسلمٌ إلى صيد غزالٍ فصادف غزالاً آخر فأخذه وقتله كفى في حلّه، وكذا لو أرسله إلى صيدٍ فصاده وغيره حلّا معاً.
«الثاني»: أن يكون المرسِل مسلماً(2) أو بحكمه كالصبيّ الملحق به، فلو أرسله كافرٌ بجميع أنواعه أو مَن كان بحكمه كالنواصب لم يحلّ أكل ما يقتله.
«الثالث»: أن يسمّي، بأن يذكر اسم الله(3) عند إرساله، فلو ترك التسمية عمداً لم يحلّ مقتوله، ولا يضرّ لو كان الترك نسياناً. وفي الاكتفاء بالتسمية قبل
ــــــ[436]ـــــــ
(1) مع صدق الإغراء يكون هذا الاحتياط استحبابيّاً.
(2) على الأحوط وخاصّة في الكتابيّ.
(3) ويكفي التسمية الواحدة في الإرسال الواحد وإن قتل أكثر من صيد.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الإصابة وجهٌ قويّ(1) إلَّا أنَّ الأحوط احتياطاً لا يترك أن تكون عند الإرسال.
«الرابع»: أن يكون موت الحيوان مستنداً إلى جرحه وعقره، فلو كان بسبب صدمه أو خنقه أو إتعابه في العدو أو ذهاب مرارته بشدة خوفه لم يحلّ(2).
«الخامس»: عدم إدراك صاحب الكلب الصيد حيّاً مع تمكّنه من تذكيته، بأن أدركه ميّتاً أو أدركه حيّاً لكن لم يسع الزمان لذبحه. وملخّص هذا الشرط أنَّه إذا أرسل كلبه إلى الصيد فإن لحق به بعد ما أخذه وعقره وصار غير ممتنع فوجده ميّتاً كان ذكيّاً وحلّ أكله، وكذا إن وجده حيّاً ولم يتّسع الزمان لذبحه فتركه حتّى مات، وأمّا إن اتّسع الزمان لذبحه لا يحلّ إلَّا بالذبح، فلو تركه حتّى مات كان ميتةً. وأدنى ما يدرك ذكاته أن يجده تطرف عينيه أو تركض رجله أو يحرّك ذنبه أو يده، فإن وجده هكذا أواتّسع(3) الزمان لذبحه لم يحلّ أكله إلَّا بالذبح. وكذلك الحال لو وجده بعد عقر الكلب له ممتنعاً فجعل يعدو خلفه فوقف له، فإن بقي من حياته زمان يتّسع لذبحه لم يحلّ إلَّا بالذبح، وإن لم يتّسع له حلّ بدونه. ويلحق بعدم اتّساع الزمان ما إذا وسع ولكن كان ترك التذكية لا بتقصيرٍ منه، كما إذا
ــــــ[437]ـــــــ
(1) وهو الأقوى.
(2) على الأحوط، والمهمّ هو الإصابة بالجرح كسببٍ للحلّية. نعم، لو كان السبب الآخر بفعل الكلب بعد الجرح بحيث اشتركا بموته بحيث لولا الجرح لما كان السبب الآخر مميتاً فالأقوى الحلّية.
(3) بل «واتّسع» بالواو لا بـ «أو» لأنَّ الحالة الأولى قد لا يتّسع الزمان معها للتذكية. والمهمّ سعة الزمان دون غيره، حتّى لو لم تكن الروح مستقرّةً على الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
اشتغل بأخذ الآلة وسلّ السكّين وامتنع الصيد من التمكين بما فيه من بقيّة القوّة ونحو ذلك فمات قبل أن يمكنه الذبح. نعم لا يلحق به فقد الآلة على الأحوط لو لم يكن أقوى، فلو وجده حيّاً واتّسع الزمان لذبحه إلَّا أنَّه لم يكن عنده السكّين فلم يذبحه لذلك حتّى مات لم يحلّ أكله.
(مسألة 4): هل يجب على من أرسل الكلب المسارعة والمبادرة إلى الصيد من حين الإرسال أو من حين ما رآه قد أصاب الصيد وإن كان بعد على امتناعه أو من حين ما أوقفه وصار غير ممتنع أو لا تجب أصلاً؟ الظاهر وجوبها(1) من حين الإيقاف، فإذا شعر بإيقافه وعدم امتناعه يجب عليه المسارعة العرفيّة حتّى لو أدركه حيّاً ذبحه، فلو لم يسارع ثُمَّ وجده ميّتاً لم يحلّ أكله، وأمّا قبل ذلك فالظاهر عدم وجوبها، وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه. هذا إذا احتمل ترتّب أثرٍ على المسارعة واللحوق بالصيد، بأن احتمل أنَّه يدركه حيّاً ويقدر على ذبحه من جهة اتّساع الزمان ووجود الآلة، وأمّا مع عدم احتماله ولو من جهة عدم ما يذبح به فلا إشكال في عدم وجوبها، فلو خلّاه(2) حينئذٍ على حاله إلى أن قتله(3) الكلب وأزهق روحه بعقره حلّ أكله. نعم، لو توقّف إحراز كون موته بسبب جرح
ــــــ[438]ـــــــ
(1) هذا الوجوب طريقيٌّ لأجل احتمال إدراك الصيد حيّاً فلو علم بعدمه من أجل ضعف حال الحيوان أو بعد الطريق أو غير ذلك لم يجب، ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
(2) استعمالٌ غير فصيحٍ مأخوذٌ من العاميّة العراقيّة. وفصيحه تركه أو ودعه من (يدع) وإن كان نادراً.
(3) لو رأى الصائد أنَّ الكلب مشغولٌ بقتل الحيوان لا حاجة إلى المبادرة إلى ذبحه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الكلب لا بسببٍ آخر على التسرّع(1) إليه وتعرف حاله لزمه لذلك(2).
(مسألة 5): لا يعتبر في حلّيّة الصيد وحدة المرسل ولا وحدة الكلب، فلو أرسل جماعةٌ كلباً واحداً أو أرسل واحدٌ أو جماعةٌ كلاباً متعدّدةً فقتلت صيداً حلّ أكله. نعم يعتبر في المتعدّد صائداً أو آلةً أن يكون الجميع واجداً للأُمور المعتبرة شرعاً، فلو كان المرسل اثنين أحدهما مسلمٌ والآخر كافرٌ أو سمّى أحدهما دون الآخر أو أرسل كلبين أحدهما معلّماً والآخر غير معلّم لم يحلّ.
(مسألة 6): لا يؤكل من الصيد [المقتول] بالآلة الجماديّة إلَّا ما قتله السيف والسكّين والخنجر ونحوها من الأسلحة التي تقطع بحدّها، أو الرمح والسهم والنشّاب ممّا يشاك بحدّه حتّى العصا(3) التي في طرفها حديدةٌ محدّدةٌ، من غير فرقٍ بين ما كان فيه نصلٌ كالسهم الذي يركب عليه الريش أو صنع قاطعاً أو شائكاً بنفسه، بل لا يبعد عدم اعتبار كونه من الحديد، فيكفي بعد كونه سلاحاً قاطعاً أو شائكاً كونه من أيّ فلزٍ كان حتّى الصفر والذهب والفضّة، بل يحتمل قويّاً عدم اعتبار كونه مستعملاً سلاحاً في العادة، فيشمل المخيط والسُّك والسّفود ونحوها، إلَّا أنَّ الأحوط خلافه.
والظاهر أنَّه لا يعتبر الخرق والجرح في الآلة المذكورة – أعني ذات الحديد المحدّدة- فلو رمى الصيد بسهمٍ أو طعنه برمحٍ فقتله بالرمي والطعن من دون أن
ــــــ[439]ـــــــ
(1) استعمالٌ غير فصيحٍ، وفصيحه: الإسراع أو المسارعة.
(2) هذا وجوبٌ طريقيّ احتياطيّ، والمهمّ حصول الاطمئنان أو الوثوق بذلك.
(3) يعني: فيحلّ ما تقتل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يكون فيه أثر السهم والرمح حلّ أكله. ويلحق بالآلة الحديديّة ما لم تشتمل(1) على الحديد لكن تكون محدّدةً كالمعراض(2) الذي هو كما قيل خشبةٌ لا نصل فيها إلَّا أنَّها محدّدة الطرفين ثقيلة الوسط، والسهم الحادّ الرأس الذي لا نصل فيه. لكن إنَّما يحلّ مقتول هذه الآلة لو قتلت الصيد بخرقها إيّاه وشوكها فيه ولو يسيراً، فلو قتلته بثقلها من دون خرقٍ لم يحلّ. والحاصل أنَّه يعتبر في الآلة الجماديّة إمّا أن تكون حديدةً محدّدة وإن لم تكن خارقةً وإمّا أن تكون محدّدةً غير حديديّةٍ بشرط كونها خارقةً.
(مسألة 7): كلّ آلةٍ جماديّةٍ لم تكن ذات حديدٍ محدّدةٌ ولا محدّدةٌ غير حديدية قتلت بخرقها من المثقلات كالحجارة والمقمعة والعمود والبندقة لا يحلّ مقتولها كالمقتول بالحبالة والشّبكة والشرك ونحوها. نعم لا بأس بالاصطياد بها وبالحيوان غير الكلب كالفهد والنمر والبازي ونحوها، بمعنى أن يجعل بها الحيوان الممتنع بها غير ممتنع وتحت اليد، لكنَّه لا يحلّ ما يصطاد بها إلَّا إذا أدرك ذكاته فذكاه.
(مسألة 8): لا يبعد حلّيّة ما قتل بالآلة المعروفة المسمّاة بالتفنك(3) إذا سمّى الرامي واجتمعت سائر الشرائط، والبندقة(4) التي قلنا في المسألة السابقة بحرمة
ــــــ[440]ـــــــ
(1) مع صدق السلاح عليها عرفاً ورماها بقصد الجرح على الأحوط ولم تجرح.
(2) يحلّ أكل مقتوله إن صدق عليه السلاح عرفاً أو جرحه كما في المتن.
(3) وهي البندقيّة سواءٌ كانت أساساً للصيد أو غيره بل كلّ سلاح يطلق النار وإن لم يكن بندقيّة.
(4) والفرق النظري هو أنَّ هذه ترمي بسلاح وتلك بدون سلاح كاليد وغيرها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مقتولها غير هذه البندقة النافذة الخارقة، خصوصاً في الطرز الجديد منها المستحدث في هذه الأعصار الأخيرة ممّا صنع الرصاص فيه بشكل يشبه المخروط ولا يكون بشكل البندقة.
(مسألة 9): لا يعتبر في حلّية الصيد بالآلة الجماديّة وحدة الصائد ولا وحدة الآلة، فلو رمى شخصٌ بالسهم وطعن آخر بالرمح وسمّيا معاً فقتلا صيداً حلّ إذا اجتمعت الشرائط في كليهما، بل إذا أرسل أحدٌ كلبه إلى صيدٍ ورماه آخر بسهم فقُتل بهما حلّ ما قتلاه.
(مسألة 10): يشترط في الصيد بالآلة الجماديّة جميع ما اشترط في الصيد بالآلة الحيوانيّة، فيشترط كون الصائد مسلماً(1) والتسمية عند استعمال الآلة وأن يكون استعمال الآلة للاصطياد، فلو رمى إلى هدفٍ أو إلى عدوٍّ أو إلى خنزيرٍ فأصاب غزالاً فقتله لم يحلّ وإن كان مسمّياً عند الرمي لغرضٍ من الأغراض، وكذا لو أفلت من يده فأصاب صيداً فقتله. وأن لا يدركه حيّاً زماناً اتّسع للذبح، فلو أدركه كذلك لم يحلّ إلَّا بالذبح(2). والكلام في وجوب المسارعة وعدمه كما مرّ. وأن يستقلّ الآلة المحلّلة في قتل الصيد، فلو شاركها فيه غيرها لم يحلّ(3)، فلو سقط بعد إصابة السهم من الجبل أو وقع في الماء واستند موته إليهما – بل وإن لم يعلم استقلال إصابة السهم في إماتته- لم يحلّ، وكذا لو رماه شخصان فقتلاه وسمّى
ــــــ[441]ـــــــ
(1) على الأحوط.
( 2) وإن كانت روحه غير مستقرّة.
(3) إلَّا إذا كانت هي السبب الأقوى وكان غيرها بسيطاً عرفاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أحدهما ولم يسمّ الآخر أو كان أحدهما مسلماً دون الآخر.
(مسألة 11): لا يشترط في حلّية الصيد إباحة الآلة، فيحلّ الصيد بالكلب أو السهم المغصوبين وإن فعل حراماً وعليه الأجرة، ويملكه الصائد دون صاحب الآلة.
(مسألة 12): الحيوان الذي يحلّ مقتوله بالكلب والآلة مع اجتماع الشرائط كلّ حيوانٍ ممتنعٍ مستوحشٍ من طيرٍ أو وحشٍ، سواءٌ كان كذلك بالأصل كالحمام والظبي وبقر الوحش أو كان إنسيّاً(1) فتوحّش أو استعصى كالبقر المستعصي والبعير العاصي، وكذلك الصائل من البهائم كالجاموس الصائل ونحوه. وبالجملة كلّ ما لا يجيء تحت اليد ولا يقدر عليه غالباً إلَّا بالعلاج، فلا تقع التذكية الصيديّة على كلّ حيوانٍ أهليٍّ مستأنس، سواءٌ كان استيناسه أصليّاً كالدجاج والشاة والبعير والبقر أو عارضاً كالظبي والطير المستأنسين، وكذا ولد الوحش قبل أن يقدر على العدوّ وفرخ الطير قبل نهوضه للطيران، فلو رمى طائراً وفرخه الذي لم ينهض فقتلهما حلّ الطائر دون الفرخ.
(مسألة 13): الظاهر أنَّه كما تقع التذكية الصيديّة على الحيوان المأكول اللحم فيحلّ بها أكل لحمه تقع على غير المأكول اللحم القابل للتذكية أيضاً، فيطهر بها جلده ويجوز الانتفاع به. نعم القدر المتيقّن ما إذا كانت بالآلة الجماديّة، وأمّا الحيوانيّة ففيها تأمّلٌ وإشكالٌ(2).
ــــــ[442]ـــــــ
(1) يعني: مستأنساً وداجناً، واستعمال الماتن مجاز.
(2) والأقوى: أنَّه بلا إشكالٍ متى صدق الصيد عرفاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 14): لو قطعت الآلة قطعةً من الحيوان، فإن كانت الآلة غير محلّلةٍ كالشبكة والحبالة يحرم الجزء الذي ليس فيه الرأس ومحالّ التذكية(1)، وكذلك الجزء الآخر إذا زال عنه الحياة المستقرّة، وإن بقيت حياته المستقرّة(2) يحلّ بالتذكية. وإن كانت الآلة محلّلةً كالسيف بالصيد مع اجتماع الشرائط، فإن زال الحياة المستقرّة عن الجزءين بهذا التقطيع حلّا معاً، وكذا إن بقيت الحياة المستقرّة ولم يتّسع الزمان للتذكية، وإن اتّسع لها لا يحلّ الجزء الذي فيه الرأس إلَّا بالذبح، وأمّا الجزء الآخر فهو جزءٌ مبانٌ من الحيّ فيكون ميتةً.
(مسألة 15): يُملك الحيوان الوحشي وحشاً كان أو طيراً بأحد أُمور ثلاثة:
أحدها: وضع اليد عليه وأخذه حقيقةً، مثل أن يأخذ رجله أو قرنه أو جناحه، أو شدّه بحبلٍ ونحوه.
ثانيها: وقوعه في آلةٍ معتادةٍ للاصطياد بها، كالحبالة والشرك والشبكة ونحوها إذا نصبها لذلك.
ثالثها: أن يصيره غير ممتنعٍ ويمسكه بآلةٍ، كما لو رماه فجرحه جراحةً منعته عن العدو أو كسر جناحه فمنعه عن الطيران، سواءٌ كانت الآلة من الآلات المحلّلة للصيد كالسهم أو الكلب المعلَّم أو من غيرها كالحجارة والخشب والفهد والباز والشاهين وغيرها.
ــــــ[443]ـــــــ
(1) يريد التذكية بقطع الأوداج. ومحالّ التذكية هي الأوداج الأربعة وهي موجودةٌ في الرقبة، إلَّا أنَّ المهمّ الآن هو الرأس دون الرقبة.
(2) سيأتي بعونه تعالى أنَّه لا يشترط استقرار الحياة بالتذكية بقطع الأوداج، ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ويعتبر في هذا أيضاً أن يكون إعمال الآلة بقصد الاصطياد(1) والتملّك، فلو رماه عبثاً أو هدفاً أو لغرضٍ آخر لم يملكه الرامي، فلو أخذه شخصٌ آخر بقصد التملّك ملكه.
(مسألة 16): الظاهر أنَّه يلحق بآلة الاصطياد(2) كلّ ما جعل وسيلةً لإثبات الحيوان وزوال امتناعه ولو بحفر حفيرةٍ في طريقه ليقع فيها فوقع فيها أو باتّخاذ أرضٍ أو إجراء الماء عليها لتصير موحلةً فيتوحّل فيها فتوحَّل فيها أو فتح باب البيت وإلقاء الحبوب فيه ليدخل فيه العصافير فدخلت فأغلق عليها الباب. نعم لو عشّش الطير في داره لم يملكه بمجرّد ذلك، وكذا لو توحّل حيوانٌ في أرضه الموحلة ما لم يجعلها كذلك لأجل ذلك، فلو أخذه إنسانٌ بعد ذلك ملكه وإن عصى في دخول داره أو أرضه بغير إذنه.
(مسألة 17): لو سعى خلف حيوانٍ حتّى أعياه ووقف عن العدو لم يملكه(3) ما لم يأخذه، فلو أخذه غيره قبل أن يأخذه ملكه.
(مسألة 18): لو وقع حيوانٌ في شبكةٍ منصوبةٍ للاصطياد ولم تمسكه الشبكة لضعفها وقوّته فانفلت منها لم يملكه ناصبها، وكذا إن أخذ الشبكة وانفلت بها من دون أن يزول عنه الامتناع، فإن صاده غيره ملكه وردّ الشبكة إلى صاحبها.
ــــــ[444]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان الأقوى حصول حقّ الاختصاص مع عدمه فيكون الرامي أولى بقصد التملّك مع المزاحمة.
(2) يعني: في حكم التملّك لا في حكم التذكية.
(3) ولكن حصل له فيه حقّ الاختصاص.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
نعم لو أمسكته الشبكة وأثبتته ثُمَّ انفلت منها بسبب من الأسباب الخارجيّة لم يخرج بذلك عن ملكه، كما لو أمسكه بيده ثُمَّ انفلت منها، وكذا لو مشى بالشبكة على وجهٍ لا يقدر على الامتناع فإنَّه لناصبها، فلو أخذه غيره لم يملكه بل يجب أن يردّه إليه.
(مسألة 19): لو رماه فجرحه جرحاً لكن لم يخرجه عن الامتناع فدخل داراً فأخذه صاحب الدار ملكه بأخذه لا بدخول الدار، كما أنَّه لو رماه ولم يثبّته فرماه شخصٌ آخر فهو للثاني لا الأوّل.
(مسألة 20): لو أطلق الصائد صيده من يده فإن لم يقصد الإعراض عنه لم يخرج عن ملكه ولا يملكه غيره باصطياده، وإن قصد الإعراض وزوال ملكه عنه فالظاهر أنَّه يصير كالمباح جاز اصطياده لغيره ويملكه، وليس للأوّل الرجوع إلى الثاني بعد ما ملكه على الأقوى.
(مسألة 21): إنَّما يملك غير الطير بالاصطياد إذا لم يعلم كونه ملكاً للغير ولو من جهة وجود آثار اليد التي هي أمارةٌ على الملك فيه، كوجود طوقٍ في عنقه أو قرطٍ في إذنه أو حبلٍ مشدودٍ في أحد قوائمه، وأمّا إذا علم ذلك ولو بأحد الآثار المذكورة لا يملكه الصائد بل يردّ إلى صاحبه إن عرفه، وإن لم يعرفه يكون بحكم اللقطة ومجهول المالك(1). وأمّا الطير فإن كان مقصوص الجناحين كان بحكم ما عُلم أنَّ له مالكاً فيردّ إلى صاحبه إن عرف، وإن لم يعرف كان لقطةً. وأمّا إن ملك جناحيه يتملّك بالاصطياد إلَّا إذا كان له مالكٌ معلومٌ فيجب عليه ردّه
ــــــ[445]ـــــــ
(1) بل بحكم اللقطة لا مجهول المالك. ويبدو من العبارة عدم التمييز بينهما.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إليه، والأحوط فيما إذا علم أنَّ له مالكاً ولم يعرفه أن يعامل معه معاملة اللقطة ومجهول المالك(1) كغير الطير.
(مسألة 22): لو صنع برجاً لتعشيش الحمام فعششت فيه لم يملكها، خصوصاً لو كان الغرض حيازة رزقها، فيجوز لغيره صيدها ويملك ما صاده، بل لو أخذ حمامةً من البرج ملكها وإن أَثِمَ من جهة الدخول فيه بغير إذن مالكه، وكذلك فيما إذا عششت في بئرٍ مملوكٍ فإنَّه لا يملكها مالك البئر.
(مسألة 23): الظاهر أنَّه يكفي في تملّك النحل الغير المملوكة أخذ أميرها، فمَن أخذه من الجبال مثلاً واستولى عليه يملكه ويملك كلّ(2) ما تتبعه من النحل ممّا تسير بسيره وتقف بوقوفه وتدخل الكنّ وتخرج منه بدخوله وخروجه.
(مسألة 24): ذكاة السمك إمّا بإخراجه من الماء حيّاً أو بأخذه بعد خروجه منه قبل موته، سواءٌ كان ذلك باليد أو بآلةٍ كالشبكة ونحوها، فلو وثب على الجدّ أو نبذه البحر إلى الساحل أو نضب الماء الذي كان فيه حلّ لو أخذه إنسان قبل أن يموت، وحرم لو مات قبل الأخذ وإن أدركه حيّاً ناظراً إليه على الأقوى.
(مسألة 25): لا يشترط في تذكية السمك عند إخراجه من الماء أو أخذه بعد خروجه منه: التسمية، كما أنَّه لا يعتبر في صائده الإسلام، فلو أخرجه كافرٌ أو أخذه فمات بعد أخذه حلّ، سواءٌ كان كتابيّاً أو غيره. نعم لو وجده في يده ميّتاً لم يحلّ أكله ما لم يعلم أنَّه قد مات خارج الماء بعد إخراجه أو أخذه بعد خروجه
ــــــ[446]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) إذا صدقت الحيازة وكان تحت اليد.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وقبل موته، ولا يحرز ذلك بكونه في يده ولا بقوله لو أخبر به، بخلاف ما إذا كان في يد مسلمٍ فإنَّه يحكم بتذكيته حتّى يعلم خلافها.
(مسألة 26): لو وثب من الماء سمكةٌ إلى السفينة لم يحلّ ما لم يؤخذ باليد، ولم يملكه السفّان ولا صاحب السفينة بل كلّ من أخذه ملكه. نعم لو قصد صاحب السفينة الصيد بها – بأن جعل في السفينة ضوءاً بالليل ودقّ بشيءٍ كالجرس ليثب فيها السموك فوثبت فيها- فالوجه أنَّه يملكها ويكون وثوبها فيها بسبب هذا الصنع بمنزلة إخراجها حيّاً فيكون به تذكيتها.
(مسألة 27): لو نصب شبكةً أو صنع حظيرةً في الماء لاصطياد السمك فكلّ ما وقع واحتبس فيهما ملكه، فإن أخرج من الماء ما فيها من السمك حيّاً حلّ بلا إشكال، وكذا لو نضب الماء وغار ولو بسبب جزره فماتت فيهما بعد نضوبه، وأمّا لو ماتت في الماء فهل هي حلالٌ أم لا؟ قولان أشهرهما وأحوطهما الثاني، بل لا يخلو من قوّة. نعم لو أخرج الشبكة من الماء فوجد بعض ما فيه من السمك أو كلّه ميّتاً ولم يدرِ أنَّه قد مات في الماء أو بعد خروجه، لا يبعد البناء على الثاني وحلّيّة أكله.
(مسألة 28): لو أخرج السمك من الماء حيّاً ثُمَّ أعاده إلى الماء مربوطاً أو غير مربوطٍ فمات فيه حرم.
(مسألة 29): لو طفى السمك على الماء وزال امتناعه بسبب من الأسباب مثل أن ضرب بمضرابٍ، أو بلع ما يسمّى بالزهر في لسان بعض الناس أو غير ذلك، فإن أدركه إنسانٌ وأخذه وأخرجه من الماء قبل أن يموت حلّ وإن مات على
ــــــ[447]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الماء حرم، وإن ألقى الزهر أحدٌ فبلعه السمك وصار على وجه الماء لم يملكه(1) الملقي ما لم يأخذه، فلو أخذه غيره ملكه، من غير فرقٍ بين ما إذا لم يقصد سمكاً معيّناً – كما إذا ألقاه في الشطّ فبلعه بعض السموك- أو قصد سمكاً معيّناً وألقاه له فبلعه فطفى على الماء، على إشكالٍ في الثاني، لاحتمال(2) كونه كإثبات صيد البرّ وإزالة امتناعه بالرمي، وقد مرّ في بابه أنَّه للرامي فلا يملكه غيره بالأخذ، وكذلك الحال فيما إذا أزيل امتناع السمك باستعمال آلةٍ -كما لو رماه بالرصاص فطفى على الماء وفيه حياةٌ- بل الأمر فيه أشكل؛ لقوّة احتمال كونه ملكاً لراميه لا لمن أخذه.
(مسألة 30): لا يعتبر في حلّيّة السمك بعد ما أخرج من الماء حيّاً أو أخذ حيّاً بعد خروجه أن يموت خارج الماء بنفسه، فلو قطعه قبل أن يموت ومات بالتقطيع بل لو شواه حيّاً(3) حلّ أكله، بل لا يعتبر في حلّه الموت من أصله، فيحلّ بلعه حيّاً(4)، بل لو قطع منه قطعةً وأعيد الباقي إلى الماء حلّ ما قطعه، سواء مات الباقي في الماء أم لا.
نعم لو قطع منه قطعةً وهو في الماء حيٌّ أو ميّتٌ لم يحلّ ما قطعه.
(مسألة 31): ذكاة الجراد أخذه حيّاً، سواءٌ كان باليد أو بالآلة، فلو مات قبل أخذه حرم. ولا يعتبر فيه التسمية ولا إسلام الآخذ كما مرّ في السمك. نعم لو
ــــــ[448]ـــــــ
(1) ما لم يكن ماء تحت الحيازة والأحوط أن يكن قد أعدّه لحيازة السمك.
(2) إلَّا أنَّ ترتّب الحكم عليه مشكل، ومنه يظهر الحال في باقي المسألة. والحكم أنَّه للآخذ استصحاباً للإباحة.
(3) وإن كان هذا ظلماً لا دليل على حلّيته.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة وإن جاز وضعاً على الأقوى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وجده ميّتاً في يد الكافر لم يحلّ ما لم يعلم بأخذه حيّاً، ولا يجدي يده ولا إخباره في إحراز ذلك كما تقدّم في السمك.
(مسألة 32): لو وقعت نارٌ في أجمةٍ ونحوها فأحرقت ما فيها من الجراد لم يحلّ وإن قصده المحرق. نعم لو أحرقها أو شواها أو طبخها بعد ما أُخذت قبل أن تموت(1) حلّ كما مرّ في السمك، كما أنَّه لو فرض كون النار آلة صيد الجراد – بأنَّه لو أجّجها اجتمعت من الأطراف وألقت أنفسها فيها- فأجّجها(2) لذلك فاجتمعت واحترقت بها لا يبعد حلّيّة ما احترقت بها من الجراد، لكونها حينئذٍ من آلات الصيد كالشبكة والحظيرة للسمك.
(مسألة 33): لا يحلّ من الجراد ما لم يستقلّ بالطيران، وهو المسمّى بالدبا على وزن العصا، وهو الجراد إذا تحرّك ولم تنبت بعد أجنحته.
القول في الذباحة
والكلام في: الذابح، وآلة الذبح، وكيفيّته، وبعض الأحكام المتعلّقة به في طيّ مسائل.
(مسألة 1): يشترط في الذابح أن يكون مسلماً أو بحكمه كالمتولّد منه، فلا تحلّ ذبيحة الكافر(3) مشركاً كان أم غيره حتّى الكتابيّ على الأقوى. ولا يشترط فيه
ــــــ[449]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) هذا تكرارٌ للعبارة لم يتّضح وجهه.
(3) لو علم بحجّةٍ شرعيّةٍ أنَّ الكافر الكتابيّ ذكر الله عليه كما يذكره المسلم كفى، بل وفي غير الكتابيّ مع اعتقاده بوجوده سبحانه وقصده للاسم، وإن كان الأحوط تركه في الموردين، ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الإيمان، فتحلّ ذبيحة جميع فرق الإسلام عدا النواصب(1) المحكوم بكفرهم وهم المعلنون بعداوة أهل البيت كالخارجي وإن أظهر الإسلام.
(مسألة 2): لا يشترط فيه الذكورة ولا البلوغ ولا غير ذلك، فتحلّ ذبيحة المرأة فضلاً عن الخنثى، وكذا الحائض والجنب والنفساء والطفل إذا كان مميّزاً والأعمى والأغلف وولد الزنا(2).
(مسألة 3): لا يجوز الذبح بغير الحديد مع الاختيار(3)، فإن ذبح بغيره مع التمكّن منه لم يحلّ وإن كان(4) من المعادن المنطبعة كالصفر والنحاس والذهب والفضّة وغيرها. نعم لو لم يوجد الحديد وخيف(5) فوت الذبيحة بتأخير ذبحها جاز بكلّ ما يفري أعضاء الذبح ولو كان قصباً أو ليطةً أو حجارةً حادّةً أو زجاجةً أو غيرها. نعم في وقوع الذكاة بالسنّ والظفر مع الضرورة إشكالٌ، وإن كان الوقوع لا يخلو من رجحان.
(مسألة 4): الواجب في الذبح قطع تمام الأعضاء الأربعة: الحلقوم، وهو مجرى النفس دخولاً وخروجاً. والمري، وهو مجرى الطعام والشراب ومحلّه تحت الحلقوم. والودجان، وهما العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم أو المري. وربّما
ــــــ[450]ـــــــ
(1) بل حكمهم ما قلناه في التعليقة السابقة.
(2) والمجنون والسكران والغضبان والنعسان ونحوهم مع تمييزهم وذكر الله سبحانه.
(3) وهو مجرّد أن يصدق عدم توفّر الحديد لديه. ولا يجب إحضاره بشيءٍ من المشقّة.
(4) على الأحوط استحباباً وخاصّة النحاس والصفر.
(5) على الأحوط استحباباً، والأقوى الإطلاق من هذا الشرط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يطلق على هذه الأربعة الأوداج الأربعة، واللازم قطعها رأساً، فلا يكفي(1) شقّها من دون قطعها وفصلها.
(مسألة 5): محلّ الذبح في الحلق تحت اللحيين على نحوٍ يقطع به الأوداج الأربعة، واللازم وقوعه تحت العقدة المسمّاة في لسان أهل هذا الزمان بالجوزة وجعلها في الرأس دون الجثّة والبدن، بناءً على ما قد يدّعى من تعلّق الحلقوم أو الأعضاء الأربعة بتلك العقدة على وجهٍ لو لم يبقها الذابح في الرأس بتمامها ولم يقع الذبح(2) بتمامها ولم يقع الذبح من تحتها لم تقطع الأوداج بتمامها. وهذا أمرٌ يعرفه أهل الخبرة الممارسون لذلك، فإن كان الأمر كذلك أو لم يحصل القطع بقطع الأوداج بتمامها بدون ذلك فاللازم مراعاته، كما أنَّه(3) يلزم أن يكون شيءٌ من هذه الأعضاء الأربعة على الرأس حتّى يعلم أنَّها قد انقطعت وانفصلت عمّا يلي الرأس.
(مسألة 6): يشترط أن يكون(4) الذبح من القدّام، فلو ذبح من القفا وأسرع إلى أن قطع ما يعتبر قطعه من الأوداج قبل خروج الروح حرمت(5). نعم لو قطعها من القدّام، لكن لا من فوق بأن أدخل السكين تحت الأعضاء وقطعها إلى فوق لم تحرم الذبيحة، وإن فعل مكروهاً على قولٍ ومحرّماً على قول آخر، ولعلّه الأظهر.
ــــــ[451]ـــــــ
(1) إذا صدق الفري وهو التحطيم المناسب لها حلّت.
(2) هذه العبارة مستأنفةٌ لا حاجة إليها.
(3) وهذا يحصل جزماً مع القطع تحت الجوزة.
(4) على الأحوط استحباباً.
(5) ظهر ما فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 7): يجب التتابع في الذبح، بأن يستوفي قطع الأعضاء قبل زهوق الروح من الذبيحة، فلو قطع بعضها وأرسلها حتّى انتهت إلى الموت ثُمَّ استأنف وقطع الباقي حرمت، بل لا يترك الاحتياط(1) بأن لا يفصل بينها بما يخرج عن المتعارف المعتاد ولا يعدّ معه عملاً واحداً عرفاً بل يعدّ عملين، وإن استوفى التمام قبل خروج الروح منها.
(مسألة 8): لو قطع رقبة الذبيحة من القفا وبقيت أعضاء الذباحة، فإن بقيت لها الحياة المستكشفة بالحركة ولو كانت يسيرةً ذبحت وحلّت، وإلَّا لم(2) تحلّ وصارت ميتةً.
(مسألة 9): لو أخطأ الذابح وذبح من فوق العقدة ولم يقطع الأعضاء الأربعة، فإن لم تبق لها الحياة حرمت، وإن بقيت لها الحياة يمكن أن يتدارك، بأن يسرع إلى إيقاع الذبح من تحت وقطع الأعضاء وحلّت.
(مسألة 10): لو أكل الذئب مثلاً مذبح الحيوان وأدركه حيّاً، فإن أكل الأوداج من فوق أو من تحت وبقي مقدارٌ من الجميع معلّقةً بالرأس أو متّصلةً بالبدن يمكن ذبحه الشرعيّ، بأن يقطع ما بقي منها. وكذلك لو أكل بعضها تماماً وأبقى بعضها كذلك، كما إذا أكل الحلقوم بالتمام وأبقى الباقي كذلك وكان بعد حيّاً، فلو قطع الباقي مع الشرائط وقعت عليه الذكاة وكان حلالاً. وأمّا إن أكل التمام بالتمام بحيث لم يبق شيءٌ منها، فالظاهر أنَّه غير قابلٍ للتذكية.
ــــــ[452]ـــــــ
(1) استحباباً.
(2) يعني: ماتت حقيقةً أو عرفاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 11): يشترط في التذكية الذبيحة مضافاً إلى ما مرّ أُمور:
«أحدها»: الاستقبال بالذبيحة حال الذبح، بأن يوجّه مذبحها(1) ومقاديم بدنها إلى القبلة، فإن أخلّ به فإن كان عامداً عالماً حرمت وإن كان ناسياً أو جاهلاً أو خطأ في القبلة أو في العمل لم تحرم، ولو لم يعلم جهة القبلة أو لم يتمكّن من توجيهها إليها سقط هذا الشرط. ولا يشترط استقبال الذابح على الأقوى، وإن كان أحوط وأولى.
«ثانيها»: التسمية من الذابح، بأن يذكر اسم الله عليه حينما يشتغل بالذبح أو متّصلاً به عرفاً، فلو أخلّ بها فإن كان عمداً حرمت وإن كان نسياناً لم تحرم.
وفي إلحاق الجهل بالحكم بالنسيان أو العمد قولان، أظهرهما(2) الثاني. والمعتبر في التسمية وقوعها بهذا القصد، أعني بعنوان كونها على الذبيحة، ولا تجزي التسمية الاتّفاقية الصادرة لغرضٍ آخر.
«ثالثها»: صدور حركةٍ منها بعد تماميّة الذبح كي تدلّ على وقوعه على الحيّ ولو كانت جزئيّةً، مثل أن تطرف عينها أو تحرّك أُذنها أو ذنبها أو تركض برجلها ونحوها. ولا يحتاج مع ذلك إلى خروج الدم المعتدل، فلو تحرّك ولم يخرج الدم أو خرج متثاقلاً ومتقاطراً لا سائلاً معتدلاً كفى في التذكية. وفي الاكتفاء به أيضاً
ــــــ[453]ـــــــ
(1) هناك تنافٍ جزئيّ بين توجيه المقاديم يعني جهة الرأس وتوجيه المذبح أو قل: قفا السكّين إلى القبلة. فإن أمكن الجمع بينهما ولو في جهةٍ عريضةٍ من القبلة فهو، وإلَّا أمكن الاجتزاء بأحدهما، والأحوط استحباباً اختيار استقبال الرأس وإن كان المشهور الاحتمال الآخر.
(2) هو أحوطهما، وأظهرهما الأوّل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حتّى يكون المعتبر أحد الأمرين من الحركة أو خروج الدم المعتدل قولٌ مشهورٌ(1)، لكن عندي فيه تردّدٌ وإشكالٌ. هذا إذا(2) لم يعلم حياته، وأمّا إذا علم حياته بخروج مثل هذا الدم اكتفى به بلا إشكال.
(مسألة 12): لا يعتبر كيفيةٌ خاصّةٌ في وضع الذبيحة على الأرض حال الذبح، فلا فرق بين أن يضعها على الجانب الأيمن كهيئة الميّت حال الدفن وأن يضعها على الأيسر(3).
(مسألة 13): لا يعتبر في التسمية كيفيّةٌ خاصّةٌ وأن يكون في ضمن البسملة، بل المدار على صدق ذكر اسم الله عليها، فيكفي أن يقول: «باسم الله» أو «الله أكبر» أو «الحمد لله» أو «لا إله إلا الله» ونحو ذلك. وفي الاكتفاء بلفظ «الله»(4) من دون أن يقرن بما يصير به كلاماً تامّاً دالاً على صفة كمالٍ أو ثناءٍ أو تمجيدٍ إشكالٌ، كالتعدّي من لفظ الله إلى سائر أسمائه الحسنى كالرحمن والرحيم والخالق وغيرها، وكذا التعدّي إلى ما يرادف هذه اللفظة المباركة في لغةٍ أُخرى كلفظة يزدان في الفارسية وغيرها في غيرها، فإنَّ فيه إشكالاً، بل عدم الجواز قوي جدّاً(5).
(مسألة 14): ذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أنَّه يشترط في حلّية الذبيحة
ــــــ[454]ـــــــ
(1) وهو المنصور.
(2) ولكنّه مستصحب الحياة.
(3) أو يذبحها وهي واقفةٌ أو أيّ شكلٍ آخر.
(4) يعني: مجرّداً، وأمّا مقترناً بألفاظٍ أُخرى كقوله: يا الله أو حسبي الله، فالظاهر صحّته.
(5) بل هو الأحوط وعليه السيرة إلَّا أنَّ الاكتفاء بما دلّ عليه سبحانه انحصاراً كلفظين من الأسماء الحسنى كالسميع البصير أو الرحمن الرحيم، وجهٌ قويّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
استقرار الحياة لها قبل الذبح، فلو كانت غير مستقرّة الحياة لم تحلّ بالذبح وكانت ميتةً، وفسّروا الاستقرار المزبور بأن لا تكون مشرفةً على الموت بحيث لا يمكن أن يعيش مثلها اليوم أو نصف يوم، كالمشقوق بطنه والمخرج حشوته والمذبوح من قفاه الباقية أوداجه والساقط عن شاهقٍ تكسّرت عظامه وما أكل السبع بعض ما به حياته وأمثال ذلك، والأقوى عدم اعتبار استقرار الحياة بالمعنى المزبور، بل المعتبر أصل الحياة ولو كانت عند إشراف انقطاعها وخروجها، فإن علم ذلك وإلَّا يكون الكاشف عنها الحركة بعد الذبح ولو كانت جزئيّةً يسيرةً كما تقدّم.
(مسألة 15): لا يشترط في حلّية أكل الذبيحة بعد وقوع الذبح عليها حيّاً أن يكون خروج روحها بذلك الذبح، فلو وقع عليها الذبح الشرعيّ ثُمَّ وقعت في نارٍ أو ماءٍ أو سقطت من جبلٍ ونحو ذلك فماتت بذلك حلّت على الأقوى.
(مسألة 16): يختصّ الإبل من بين البهائم بأنَّ تذكيته بالنحر، كما أنَّ غيره يختصّ بالذبح، فلو ذبح الإبل أو نحر غيره كان ميتةً. نعم، لو بقيت له الحياة بعد ذلك أمكن التدارك – بأن يذبح ما يجب ذبحه بعد ما نحر أو ينحر ما يجب نحره بعد ما ذبحه- ووقعت عليه التذكية.
(مسألة 17): كيفيّة النحر ومحلّه أن يُدخل سكّيناً(1) أو رمحاً ونحوهما من الآلات الحادّة الحديدية في لبّته، وهي المحلّ المنخفض الواقع بين أصل العنق والصدر. ويشترط فيه كلّ ما اشترط في التذكية الذبحيّة، فيشترط في الناحر ما اشترط في الذابح. وفي آلة النحر ما اشترط في آلة الذبح، ويجب التسمية عند
ــــــ[455]ـــــــ
(1) مقداراً معتدّاً به كمسافة أربع أصابع ونحوها أو أكثر، ولا يكفي مجرّد ثقب الجلد
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
النحر كما تجب عند الذبح، ويجب الاستقبال بالمنحور كما يجب بالذبيحة، وفي اعتبار الحياة أو استقرارها هنا ما مرّ في الذبيحة.
(مسألة 18): يجوز نحر الإبل قائمةً وباركةً مقبلةً إلى القبلة، بل يجوز نحرها ساقطةً على جنبها مع توجيه منحرها ومقاديم(1) بدنها إلى القبلة، وإن كان الأفضل كونها قائمةً.
(مسألة 19): كلّ ما يتعذّر ذبحه أو نحره من الحيوان إمّا لاستعصائه أو لوقوعه في موضعٍ لا يتمكّن الإنسان من الوصول إلى موضع الذكاة ليذبحه أو ينحره – كما لو تردّى في البئر أو وقع في مكانٍ ضيّقٍ وخيف موته- جاز أن يعقره بسيفٍ أو سكّينٍ أو رمحٍ أو غيرها ممّا يجرحه ويقتله، ويحلّ أكله وإن لم يصادف العقر موضع التذكية، وسقطت شرطيّة الذبح والنحر وكذلك الاستقبال. نعم سائر الشرائط من التسمية وشرائط الذابح والناحر تجب مراعاتها، وأمّا الآلة فيعتبر فيها ما مرّ في آلة الصيد الجماديّة فراجع، وفي الاجتزاء هنا بعقر الكلب وجهان أقواهما ذلك في المستعصي دون غيره كالمتردّي.
آداب ووظائف الذباحة والنحر
(مسألة 20): للذباحة والنحر آدابٌ ووظائف بين مستحبّةٍ ومكروهة:
أما المستحبة:
فمنها: أن يربط يدي الغنم مع إحدى رجليه ويطلق الأُخرى ويمسك صوفه وشعره بيده حتّى تبرد، وفي البقر أن يعقل قوائمه الأربع ويطلق ذنبه، وفي الإبل
ــــــ[456]ـــــــ
(1) هنا يأتي التنافي الجزئي الذي أشرنا إليه في الذبح مع ما ذكرناه فراجع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أن تكون قائمةً ويربط يديها ما بين الخفّين إلى الركبتين أو الإبطين ويطلق رجليها، وفي الطير أن يرسله بعد الذبح حتّى يرفرف.
ومنها: أن يكون الذابح أو الناحر مستقبل القبلة.
ومنها: أن يعرض عليه الماء قبل الذبح أو النحر.
ومنها: أن يعامل مع الحيوان في الذبح أو النحر ومقدّماتهما ما هو الأسهل والأروح وأبعد من التعذيب والأذيّة له، بأن يساق إلى الذبح أو النحر برفقٍ ويضجعه للذبح برفقٍ، وأن يحدّد الشفرة وتوارى وتستّر عنه حتّى لا يراها، وأن يسرع في العمل ويمرّ السكّين في المذبوح بقوّة، فعن النبيّ: «إنَّ الله تعالى شأنه كتب عليكم الإحسان في كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته». وفي نبويٍّ آخر أنَّه أمر أن تحدّ الشفار وأن توارى عن البهائم.
وأما المكروهة:
فمنها: إبانة الرأس قبل خروج الروح منها عند الأكثر، وحرّمها جماعةٌ وهو الأحوط، ولا تحرم الذبيحة بفعلها ولو قلنا بالحرمة على الأقوى. هذا مع التعمّد، وأمّا مع الغفلة أو سبق السكّين فلا حرمة ولا كراهة لا في الأكل ولا في الإبانة بلا إشكال.
ومنها: أن تنخع الذبيحة، بمعنى إصابة السكّين إلى نخاعها، وهو الخيط الأبيض وسط الفقار الممتدّ من الرقبة إلى عجز الذنب.
ــــــ[457]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ومنها: أن يسلخ جلدها قبل خروج الروح منها، وقيل فيه بالحرمة(1) وإن لم تحرم الذبيحة، وهي الأحوط.
ومنها: أن يقرّب السكّين ويدخلها تحت الحلقوم ويقطع إلى فوق.
ومنها: أن يذبح حيوان وحيوان آخر ينظر إليه.
ومنها: أن يذبح ليلاً وبالنهار قبل الزوال يوم الجمعة إلَّا مع الضرورة.
ومنها: أن يذبح بيده ما ربّاه من النعم.
(مسألة 21): إذا خرج الجنين أو أُخرج من بطن أُمّه، فمع حياة الأمّ أو موتها بدون التذكية لم يحلّ أكله إلَّا إذا كان حيّاً ووقعت عليه التذكية، وكذا إن خرج أو أُخرج حيّاً من بطن أُمّه المذكّاة فإنَّه لم يحلّ إلَّا بالتذكية، فلو لم يذكَّ لم يحلّ وإن كان عدم التذكية من جهة عدم اتّساع الزمان لها على الأقوى، وأمّا لو خرج أو أُخرج ميّتاً من بطن أُمّه المذكّاة حلّ أكله وكانت تذكيته بتذكية أُمّه لكن بشرط كونه تامّ الخلقة وقد أشعر أو أوبر، فإن لم يتمّ خلقته ولم يُشعر ولا أوبر كان ميتةً وحراماً.
ولا فرق في حلّيّته مع الشرط المزبور بين ما لم تلجه الروح(2) وبين ما ولجته فمات في بطن أُمّه على الأقوى.
(مسألة 22): لو كان الجنين حيّاً حال إيقاع الذبح أو النحر على أُمّه ومات بعده قبل أن يشقّوا بطنها ويُستخرج منها حلّ على الأقوى لو بادر إلى شقّ بطنها ولم يدرك حياته، بل ولو لم يبادر ولم يؤخّر زائداً على القدر المتعارف في شقّ بطون
ــــــ[458]ـــــــ
(1) وهو الأقوى.
(2) لا يمكن أن يصل إلى الدرجة التي ذكرها الماتن بدون ولوج الروح.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الذبائح بعد الذبح، وإن كان الأحوط المبادرة وعدم التأخير حتّى بالمقدار المتعارف، وأمّا لو أخّر زائداً عن المقدار المتعارف ومات قبل أن يشقّ البطن فالظاهر عدم حلّيّته.
(مسألة 23): لا إشكال في وقوع التذكية على كلّ حيوانٍ حلّ أكله ذاتاً وإن حرم بالعارض كالجلّال والموطوء بحريّاً كان أو بريّاً، وحشيّاً كان أو إنسيّاً، طيراً كان أو غيره، وإن اختلف في كيفيّة التذكية على ما سبق تفصيلها، وأثر التذكية فيها طهارة لحمها وجلدها وحلّيّة أكل لحمها لو لم يحرم بالعارض، وأمّا غير المأكول من الحيوان فما ليس له نفسٌ سائلةٌ لا أثر للتذكية فيه لا من حيث الطهارة ولا من حيث الحلّيّة لأنَّه طاهرٌ ومحرّمٌ أكله(1) على كلّ حال، وأمّا ما كان له نفسٌ سائلةٌ فما كان نجس العين كالكلب والخنزير ليس قابلاً للتذكية، وكذا المسوخ(2) غير السباع كالفيل والدبّ والقرد ونحوها، والحشرات وهي الدوابّ(3) الصغار التي تسكن
ــــــ[459]ـــــــ
( 1) ليس كلّ ما ليس له نفسٌ سائلةٌ محرّمٌ أكله، بل هناك ما هو حلالٌ كالجراد والأربيان، وهو قابلٌ للتذكية وأثرها حلّية أكله.
(2) مقتضى القاعدة إمكان تذكيتها من أجل الطهارة.
(3) بل صدق الحشرات عرفيٌّ. وهو صادقٌ جزماً على كلّ الحيوانات المسمّاة بذلك في المصطلح الحديث وهي التي يتكوّن جسمها من عدّة أقسامٍ ولها أكثر من أربعة أرجل، كما يصدق عرفاً على بعض الحيوانات الصغار كالفأرة وسام أبرص وابن عرس؛ ومن هنا أمكن القول بأنَّ في البحر حشراتٍ أيضاً كالروبيان وغيره، وحكمها جميعاً حرمة الأكل عدا ما استثني كالجراد والروبيان، وطهارة الميتة والدم، لكن لا يتعيّن طهارة خروجها إلَّا إذا لم يكن لها دمٌ سائلٌ.
…..ويكن القول احتمالاً بصدق الحشرات على بعض الحيوانات عرفاً وإن كانت كبيرةً كالزواحف والأفاعي والسلاحف والسرطان مهما كان حجمها، غير أنَّه لا أثر لهذا الخلاف فقهيّاً؛ لحرمة لحمها جميعاً على أيّ حال. وأمّا الأحكام الأُخرى المشار إليها فهي تابعةٌ لموضوعاتها كما سبق.
…..ومن هنا اتّضح: أنَّ من الحشرات ما هو طائرٌ وما هو أرضيٌّ وما هو بحريٌّ وما هو سبعٌ آكلٌ للحم. نعم، لو كان للطائر ريشٌ لم يصدق عليه العنوان مهما صغر حجمه، وإن صدق على الخفّاش الذي ليس له ريش.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
باطن الأرض كالفأرة وابن عرس والضبّ ونحوها على الأحوط لو لم يكن الأقوى فيهما. وأمّا السباع – وهي ما تفترس الحيوان وتأكل اللحم سواءٌ كانت من الوحوش كالأسد والنمر والفهد والثعلب وابن آوى وغيرها أو من الطيور كالصقر والبازي والباشق وغيرها- فالأقوى قبولها [التذكية] وبها يطهر لحومها وجلودها، فيحلّ الانتفاع بها، بأن تلبس في غير الصلاة ويفترش بها، بل بأن تجعل وعاءً للمائعات، كأن تجعل قربة ماءٍ أو عكّة سمنٍ أو دبّة دهنٍ ونحوها وإن لم تُدبَغ على الأقوى، وإن كان الأحوط أن لا تُستعمَل ما لم تكن مدبوغة.
(مسألة 24): الظاهر أنَّ جميع أنواع الحيوان المحرّم الأكل ممّا كانت له نفسٌ سائلةٌ غير ما ذكر(1) من أنواع الوحوش والطيور المحرّمة تقع عليها التذكية، فتطهر بها لحومها وجلودها.
(مسألة 25): تذكية جميع ما يقبل التذكية من الحيوان المحرّم الأكل إنَّما يكون
ــــــ[460]ـــــــ
(1) إلَّا الحشرات التي تكلّمنا عنها بكلّ أقسامها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالذبح(1) مع الشرائط المعتبرة في ذبح الحيوان المحلّل، وكذا بالاصطياد بالآلة الجماديّة في خصوص الممتنع منها كالمحلّل، وفي تذكيتها بالاصطياد بالكلب المعلّم تردّدٌ وإشكالٌ(2).
(مسألة 26): ما كان بيد المسلم(3) من اللحوم والشحوم والجلود إذا لم يعلم كونها من غير المذكّى يؤخذ منه ويعامل معه معاملة المذكّى، فيجوز بيعه وشراؤه وأكله واستصحابه في الصلاة وسائر الاستعمالات المتوقّفة على التذكية، ولا يجب عليه الفحص والسؤال، بل ولا يستحبّ، بل نُهي عنه(4)، وكذلك ما يباع منها في سوق المسلمين، سواءٌ كان بيد المسلم أو مجهول الحال، بل وكذا ما كان مطروحاً في أرضهم إذا كان فيه أثر الاستعمال، كما إذا كان اللحم مطبوخاً أو الجلد مخيطاً أو مدبوغاً، وبالجملة كانت فيه أمارةٌ تدلّ على وقوع اليد عليه، بل وكذا إذا أُخذ من الكافر وعلم كونه مسبوقاً بيد المسلم على الأقوى. وأمّا ما يؤخذ(5) من يد الكافر
ــــــ[461]ـــــــ
(1) يعني: قطع الأوداج حتّى البحري منه إن لم يكن سمكاً وكانت له نفسٌ سائلةٌ وإلَّا لم تحتج طهارته إلى الذبح، والحوت الكبير وإن لم يكن سمكاً بالاصطلاح العلميّ الحديث إلَّا أنَّه سمكٌ عرفاً فذكاته ذكاته وليس بالذبح.
(2) سبق ذلك مع التعليق عليه.
(3) والأحوط أن يكون من عمله دليلٌ على التذكية كالأكل منه أو الصلاة فيه.
(4) ذلك النهي واردٌ في مورد احتمال الوجوب فلا يفيد المرجوحيّة.
(5) وكذلك سبقت يد الكافر عليه وإن كان بيد المسلم ممّا لم يُعلم عدم تأثيره في طهارته بل أحرز عدمه عادةً، كالجلود واللحوم المستوردة. وكذلك كلّ ما يخرج من الحيوان بعد موته عادةً، ممّا يتنجّس بالموت كالدهن والعظم والأنفحة وغيرها، وإن أخبر الكافر أو الفاسق عن تذكيته.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ولو في بلاد المسلمين ولم يعلم كونه مسبوقاً بيد المسلم وما كان بيد مجهول الحال في بلاد الكفّار أو كان مطروحاً في أرضهم يعامل معه معاملة غير المذكّى، وهو بحكم الميتة.
والمدار في كون البلد أو الأرض منسوباً إلى المسلمين غلبة السكان والقاطنين بحيث ينسب عرفاً إليهم ولو كانوا تحت سلطنة الكفّار، كما أنَّ هذا هو المدار في بلد الكفّار.
ولو تساوت النسبة من جهة عدم الغلبة فحكمه حكم بلد الكفّار.
(مسألة 27): لا فرق في إباحة ما يؤخذ من يد المسلم بين كونه مؤمناً أو مخالفاً يعتقد طهارة جلد الميتة بالدبغ ويستحلّ ذبائح أهل الكتاب ولا يراعي الشروط التي اعتبرناها في التذكية، وكذا لا فرق بين كون الآخذ موافقاً مع المأخوذ منه في شرائط التذكية اجتهاداً أو تقليداً أو مخالفاً معه فيما إذا احتمل تذكيته على وفق مذهب الآخذ.
كما إذا كان المأخوذ منه يعتقد كفاية قطع الحلقوم في الذبح ويعتقد الآخذ لزوم قطع الأوداج الأربعة، إذا احتمل أنَّ ما بيده قد روعي فيه ذلك وإن لم يلزم رعايته عنده.
والله العالم.
ــــــ[462]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الأطعمة والأشربة
والمقصود من هذا الكتاب بيان المحلّل والمحرّم من الحيوان وغير الحيوان.
القول في الحيوان
(مسألة 1): لا يؤكل من حيوان البحر(1) إلَّا السمك فيحرم غيره من أنواع حيوانه، حتّى ما يؤكل مثله في البرّ كبقره على الأقوى.
(مسألة 2): لا يؤكل من السمك إلَّا ما كان له فلسٌ وقشورٌ بالأصل وإن لم تبق وزالت بالعارض، كالكنعت فإنَّه على ما ورد فيه حوتٌ سيّئة الخلق تحتكّ بكلّ شيء فيذهب فلسها؛ ولذا لو نظرت إلى أصل أذنها وجدته فيه. ولا فرق بين أقسام السمك ذي القشور، فيحلّ جميعها صغيرها وكبيرها من البز والبنيّ والشبّوط والقطّان والطيرامي والإبلامي وغيرها، ولا يؤكل منه ما ليس له فلسٌ في الأصل كالجرّي والزمّار والزهو والمارماهي.
(مسألة 3): الإربيان المسمّى في لسان أهل هذا الزمان بالروبيان، من جنس السمك الذي له فلسٌ فيجوز أكله(2).
ــــــ[463]ـــــــ
(1) بعض إطلاقات هذا الحكم مبنيٌّ على الاحتياط.
(2) الحكم مسلّمٌ إلَّا أنَّ الدليل مخدوشٌ، وقد قلنا إنَّه من الحشرات إلَّا أنَّه مستثنى بدليلٍ خاصّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 4): بيض السمك تتبع السمك، فبيض المحلّل حلالٌ وإن كان أملس، وبيض المحرّم حرامٌ وإن كان خشناً. وإذا اشتبه أنَّه من المحلّل أو من المحرّم حلّ أكله، والأحوط في حال الاشتباه عدم أكل ما كان أملس.
(مسألة 5): البهائم البرّية من الحيوان صنفان: إنسيّة، ووحشيّة:
أمّا الإنسية فيحلّ منها جميع أصناف الغنم والبقر والإبل ويكره الخيل والبغال والحمير، وأخفّها كراهةً الأوّل، واختلف في الأخيرين فقيل بأخفّية الثاني وقيل بأخفّية الأول، وتحرم منها غير ذلك كالكلب(1) والسنّور وغيرهما.
وأمّا الوحشيّة فتحلّ منه(2) الظبي والغزلان والبقر والكباش الجبليّة واليحمور والحمير الوحشيّة، وتحرم منها السباع، وهي ما كان مفترساً وله ظفرٌ ونابٌ قويّاً كان كالأسد والنمر والفهد والذئب، أو ضعيفاً(3) كالثعلب والضبع وابن آوى، وكذا يحرم الأرنب(4) وإن لم يكن من السباع، وكذا تحرم الحشرات(5)
ــــــ[464]ـــــــ
(1) يحرم الكلب بصفته عين نجاسةٍ، فلا يصلح مثالاً في المقام كالسنّور وهو القطّ.
(2) فتحلّ منه، بل مقتضى القاعدة عموم الحلّية لكلّ ما ليس من السباع، كالزرافة واللاما وغيرها وإن كان الأحوط اجتنابها.
(3) يبدو من عبارة الماتن أنَّ القوّة والضعف وصفٌ للحيوان لا للظفر والناب، مع العلم أنَّ العكس أولى لتوفّر الظفر والناب بالمعنى الأعمّ لدى كلّ الحيوانات الأرضيّة تقريباً؛ فالسباع هي التي اختصّت بظفرٍ ونابٍ قويّين.
(4) للنصّ وأيضاً له ظفرٌ ونابٌ قويّان ممّا يدرجه في مفهوم السباع وإن لم يأكل اللحم.
(5) سبق الكلام عن تعريفها مفصّلاً ونرى الماتن يذكر مصاديق القاعدة التي ذكرناها وإن لم يُلفت إليها تفصيلاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كلّها كالحيّة والفارة والضبّ واليربوع والقنفذ والصراصر والجعل والبراغيث والقمل وغيرها ممّا لا تحصى.
(مسألة 6): يحلّ من الطير الحمام(1) بجميع أصنافه كالقماري وهو الأزرق والدباسي وهو الأحمر والورشان وهو الأبيض، والدرّاج والقبج والقطا والطيهوج والبطّ والكروان والحباري والكركي والدجاج بجميع أقسامه، والعصفور بجميع أنواعه ومنه البلبل والزرزور والقبّرة وهي التي على رأسها القنزعة، وقد ورد أنَّها من مسحة سليمان. ويكره منه الهدهد والخطّاف، وهو الذي يأوي البيوت وآنس الطيور بالناس، والصرد وهو طائرٌ ضخم الرأس والمنقار يصيد العصافير أبقع نصفه ونصفه أبيض، والصوام وهو طائرٌ أغبر اللون طويل الرقبة أكثر ما يبيت في النخل، والشقراق وهو طائرٌ أخضر مليحٌ بقدر الحمام خضرته حسنةٌ مشبعةٌ، في أجنحته سوادٌ ويكون مخطّطاً بحمرةٍ وخضرةٍ وسوادٍ. ولا يحرم شيءٌ منها حتّى الخطّاف على الأقوى. ويحرم منه الخفّاش والطاووس وكلّ ذي مخلب، سواءٌ كان قويّاً يقوى به على افتراس الطير كالبازيّ والصقر والعقاب والشاهين والباشق، أو ضعيفاً لا يقوى به على ذلك كالنسر والبغاث.
(مسألة 7): الأحوط التنزّه(2) والاجتناب عن الغراب بجميع أنواعه حتّى
ــــــ[465]ـــــــ
(1) الحكم مسلّمٌ إلَّا أنَّ في بعض الأمثلة مناقشةً كالكركيّ وغيره، فلابدَّ من تطبيق القواعد الآتية عليها. ومنه يظهر ما في باقي العبارة على طولها فلا نعلّق عليها.
(2) ظاهر الحلّية على مقتضى القاعدة وهي – على أيّ حال- شبهةٌ موضوعيّةٌ لا دخل للفقيه فيها، فيجب تطبيق القواعد على كلّ واحدٍ من الأقسام المذكورة في هذه المسألة، وتؤخذ من أهل الخبرة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الزاغ وهو غراب الزرع، والغداف الذي هو أصغر منه أغبر اللون كالرماد، ويتأكّد الاحتياط في الأبقع الذي فيه سوادٌ وبياضٌ ويقال له العقعق، والأسود الكبير الذي يسكن الجبال وهما يأكلان الجيف، ويحتمل قويّاً كونهما من سباع الطير، فيقوى فيهما الحرمة.
(مسألة 8): يميَّز محلّل الطير عن محرّمه بأمرين جُعل كلٌّ منهما في الشرع علامةً للحلّ والحرمة فيما لم ينصّ على حلّيته ولا على حرمته دون ما نصّ فيه على حكمه من حيث الحلّ أو الحرمة كالأنواع المتقدّمة(1):
«أحدهما»: الصفيف والدفيف، فكلّ ما كان صفيفه (وهو بسط جناحيه عند الطيران) أكثر من دفيفه (وهو تحريكهما عنده) فهو حرامٌ، وما كان بالعكس(2) بأن كان دفيفه أكثر من صفيفه فهو حلال.
«ثانيهما»(3): الحوصلة والقانصة والصيصيّة، فما كان فيه أحد هذه الثلاثة فهو حلالٌ وما لم يكن فيه شيءٌ منها فهو حرام. والحوصلة: ما يجتمع فيه الحَبّ وغيره من المأكول عند الحلق(4). والقانصة في الطير: بمنزلة الكرش(5) لغيره، أو هي قطعةٌ صلبةٌ تجتمع فيها الحصاة الدقاق التي يأكلها الطير. والصيصيّة: هي الشوكة التي
ــــــ[466]ـــــــ
(1) مع ما علّقنا عليها.
(2) وإن تساويا فالأقوى الحلّية. والتساوي هنا عرفيٌّ وليس دقّياً.
(3) هذا فيما لا يكون صفيفه أكثر من دفيفه، يعني: أنَّ القاعدة الأولى مقدّمةٌ على الثانية.
(4) عند اتّصال الرقبة بالجسم.
(5) كمعدة الدجاج وهي معروفةٌ، ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
في رجل الطير موضع العقب. ويتساوى طير الماء مع غيره في العلامتين المزبورتين، فما كان دفيفه أكثر من صفيفه أو كان(1) فيه أحد الثلاثة (الحوصلة والقانصة والصيصية) فهو حلالٌ وإن كان يأكل السمك، وما كان صفيفه أكثر من دفيفه أو مَن لم يوجد(2) فيه شيءٌ من الثلاثة فهو حرامٌ.
(مسألة 9): لو تعارضت العلامتان- كما إذا كان ما صفيفه أكثر من دفيفه ذا حوصلةٍ أو قانصةٍ أو صيصيّةٍ، أو كان ما دفيفه أكثر من صفيفه فاقداً للثلاثة- فالظاهر أن الاعتبار بالصفيف والدفيف، فيحرم الأوّل(3) ويحلّ الثاني(4) على إشكالٍ في الثاني فلا يُترك الاحتياط، لكن ربّما قيل(5) بالتلازم بين العلامتين وعدم وقوع التعارض بينهما فلا إشكال.
(مسألة 10): لو رأى طيراً يطير وله صفيفٌ ودفيفٌ ولم يتبيّن أيَّهما أكثر تعيّن
ــــــ[467]ـــــــ
(1) ظاهره عرضيّة القاعدتين إلَّا أنَّه خلاف الاحتياط جدّاً. والظاهر طوليّة الثانية على الأُولى.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(3) وهو ما كان صفيفه أكثر من دفيفه وإن كان له حوصلةٌ أو قانصةٌ أو صيصّةٌ كما هو متحقّقٌ فعلاً للكثير من الطيور الجوارح.
(4) وهو ما كان دفيفه أكثر، وإن لم تنطبق عليه القاعدة الثانية، وهو مقتضى القاعدة الأولى والعمومات، فيكون الاحتياط المشار إليه استحبابيّاً.
(5) ظهر ما فيه قبل تعليقتين. نعم، هناك تلازمٌ بين السباع من الطير وهي التي تأكل اللحم وبين كثرة الصفيف؛ فإنَّ كلّ السباع فطيرانها بالصفيف. ومن ثَمَّ لم يجعل صفة السباع سبباً لحرمة الطير، وإن كان سبباً في ذاته في أيّ حيوان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
له الرجوع إلى العلامة الثانية، وهي وجود أحد الثلاثة وعدمها فيه، وكذا إذا وجد طيراً مذبوحاً لم يعرف حاله.
(مسألة 11): لو فُرض تساوي الصفيف والدفيف فيه فالمشهور على حلّيّته لكن لا يخلو من إشكال، فالأحوط(1) أن يرجع فيه إلى العلامة الثانية.
(مسألة 12): بيض الطيور تابعةٌ لها في الحلّ والحرمة، فبيض المحلّل حلالٌ وبيض المحرّم حرام، وما اشتبه أنَّه من المحلّل أو المحرّم يؤكل ما اختلف طرفاها وتميّز رأسها من تحتها مثل بيض الدجاج، دون ما اتّفق وتساوى طرفاه.
(مسألة 13): النعامة من الطيور، وهي حلالٌ لحماً وبيضاً على الأقوى.
(مسألة 14): اللقلق لم يُنصّ على حرمته ولا على حلّيّته، فليرجع في حكمه إلى علامات الحلّ والحرمة. أمّا من جهة الدفيف والصفيف فقد اختلف في ذلك أنظار من تفقَّده، فبعضٌ ادّعى أنَّ دفيفه أكثر من صفيفه، وبعضٌ ادّعى العكس(2)، ولعلّ طيرانه غير منتظم. وكيف كان إذا تبيّن حاله من جهة الدفيف والصفيف فهو، وإلَّا فليرجع إلى العلامة الثانية، وهي وجود إحدى الثلاث وعدمها.
(مسألة 15): تعرض الحرمة على الحيوان المحلّل بالأصل من أُمور:
فمنها: الجلل، وهو أن يتغذّى الحيوان عذرة الإنسان بحيث يصدق عرفاً أنَّها
ــــــ[468]ـــــــ
(1) استحباباً.
(2) وهو الصحيح، وإنَّما يرفّ اللقلق لفترةٍ محدودةٍ عندما يريد النزول، وأمّا طيرانه العامّ في الأعلى فهو بالصفيف فيكون حراماً. ولا نطبّق عليه القاعدة الثانية. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
غذاؤه(1)، ولا يلحق بعذرة الإنسان عذرة غيره ولا سائر النجاسات. ويتحقّق الصدق المزبور بانحصار غذائه بها، فلو كان يتغذّى بها مع غيرها لم يتحقّق الصدق، فلم يحرم إلَّا أن يكون تغذّيه بغيرها نادراً جدّاً بحيث يكون بأنظار العرف بحكم العدم، وبأن يكون تغذّيه بها مدّةً معتدّاً بها، والظاهر عدم كفاية يومٍ وليلةٍ، بل يشكّ صدقه بأقّل من يومين بل ثلاثة.
(مسألة 16): يعمّ حكم الجلل كلَّ حيوانٍ محلّلٍ حتّى الطير والسمك.
(مسألة 17): وكما يحرم لحم الحيوان بالجلل يحرم لبنه وبيضه ويحلّان بما يحلّ به لحمه، وبالجملة: هذا الحيوان المحرَّم بالعارض كالحيوان المحرّم بالأصل في جميع الاحكام قبل أن يُستبرأ ويزول حكمه.
(مسألة 18): الظاهر: أنَّ الجلل ليس مانعاً عن وقوع التذكية، فيذكّى الجلّال بما يذكّى به غيره، ويترتّب عليها طهارة لحمه(2) وجلده كسائر الحيوان المحرم بالأصل القابل للتذكية.
(مسألة 19): تزول حرمة الجلّال بالاستبراء بترك التغذّي بالعذرة والتغذّي بغيرها مدّةً، وهي: في الإبل أربعون يوماً، وفي البقر عشرون يوماً والأحوط ثلاثون يوماً، وفي الشاة عشرة أيّام، وفي البطّة خمسة أيّام، وفي الدجاجة ثلاثة أيّام، وفي السمك يومٌ وليلةٌ، وفي غير ما ذكرنا فالمدار على زوال اسم الجلل بحيث لم يصدق عليه أنَّه يتغذّى بالعذرة بل صدق أنَّ غذاءه غيرها.
ــــــ[469]ـــــــ
(1) بل غذاؤه الوحيد عرفاً لفترةٍ معتدٍّ بها عرفاً كيومين أو ثلاثة. وسيأتي من الماتن ما يدلّ عليه.
(2) لا حلّية أكله.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 20): كيفيّة الاستبراء أن يُمنع الحيوان -بربطٍ أو حبسٍ- عن التغذّي بالعذرة في المدّة المقرّرة، ويعلف في تلك المدّة علفاً طاهراً(1) على الأحوط، وإن كان الاكتفاء بالتغذّي بغير ما أوجب الجلل مطلقاً وإن كان متنجّساً أو نجساً لا يخلو من قوّةٍ خصوصاً في المتنجّس.
(مسألة 21): يستحبّ ربط(2) الدجاجة التي يراد أكلها أيّاماً ثُمَّ ذبحها وإن لم يُعلم جللها.
(مسألة 22): وممّا يوجب حرمة الحيوان المحلّل بالأصل أن يطأه الإنسان قبلاً أو دبراً وإن لم ينزل، صغيراً كان الواطي أو كبيراً، عالماً كان أو جاهلاً، مختاراً كان أو مكرهاً، فحلاً كان الموطوء أو أنثى، فيحرم بذلك لحمه ولحم نسله(3) المتجدّد بعد الوطي ولبنهما.
(مسألة 23): الحيوان الموطوء إن كان ممّا يراد أكله كالشاة والبقرة والناقة يجب أن يُذبح ثُمَّ يُحرق، ويغرم الواطي قيمته لمالكه إذا كان غير المالك. وإن كان ممّا يراد ظهره حملاً أو ركوباً وليس يعتاد أكله – كالحمار والبغل والفرس- أُخرج من المحلّ الذي فُعل به إلى بلدٍ آخر فيباع فيه فيعطى ثمنه للواطي ويغرم قيمته إن كان غير المالك، ولعلّنا نستوفي بعض ما يتعلّق بهذه المسألة في كتاب الحدود لو ساعدنا التوفيق.
ــــــ[470]ـــــــ
(1) يعني من جنس غذائه مهما كان. ونظر الماتن إلى الدوابّ على أيّ حال.
(2) مع احتمال الجلل، وأمّا بدونه فلا.
(3) على الأحوط استحباباً، وكذا لبن النسل. وأمّا نسل النسل فما بعده فلا إشكال فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 24): وممّا يوجب عروض الحرمة على الحيوان المحلّل بالأصل أن يرتضع حملٌ أو جديٌ أو عجلٌ من لبن خنزيرةٍ حتّى قوي ونبت لحمه واشتدّ عظمه، فيحرم لحمه ولحم نسله(1) ولبنهما. ولا تلحق بالخنزيرة الكلبة ولا الكافرة، وفي تعميم الحكم للشرب من دون رضاع وللرضاع بعد ما كبر وفطم إشكالٌ وإن كان أحوط(2). هذا إذا اشتدّ عظمه، وأمّا إذا لم يشتدّ كره لحمه، وتزول الكراهة بالاستبراء سبعة أيّام، بأن يمنع عن التغذّي بلبن الخنزيرة ويعلف إن استغنى عن اللبن، وإن لم يستغنِ عنه يلقى على ضرع شاةٍ مثلاً في تلك المدّة.
(مسألة 25): لو شرب الحيوان المحلّل الخمر حتّى سكر وذبح في تلك الحال يؤكل لحمه لكن بعد غسله(3) ولا يؤكل ما في جوفه من الأمعاء والكرش والقلب والكبد وغيرها وإن غسل(4)، ولو شرب بولاً ثُمَّ ذبح عقيب الشرب حلّ لحمه بلا غسل، ويؤكل ما في جوفه بعد ما يغسل(5).
(مسألة 26): لو رضع جديٌ أو عناقٌ أو عجلٌ من لبن امرأةٍ حتّى فطم وكبر لم يحرم لحمه لكنَّه مكروه.
(مسألة 27): يحرم من الحيوان المحلّل وإن ذُكّي أربعة عشر شيئاً: الدم،
ــــــ[471]ـــــــ
(1) دون نسل النسل وإن كان أحوط.
(2) في الثاني خاصّةً وهو الرضاع بعدما كبر وإن كان فرضه بعيداً.
(3) فيما لاقته الخمر.
(4) على الأحوط استحباباً.
(5) على الأحوط إن علم بملاقاته للنجاسة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والروث، والطحال، والقضيب، والأنثيان، والمثانة، والمرارة، والنخاع وهو خيطٌ أبيض كالمخّ في وسط فقار الظهر، والغدد وهي كلّ عقدةٍ في الجسد مدوّرةٌ تشبه البندق في الأغلب، والمشيمة وهي موضع الولد أو قرينه(1) الذي يخرج معه، ويجب الاحتياط بالتنزّه عنهما، والعلباوان وهما عصبتان عريضتان صفراوان ممتدّتان على الظهر من الرقبة إلى الذنب، وخرزة الدماغ وهي حبّةٌ في وسط الدماغ بقدر الحمّصة تميل إلى الغبرة في الجملة يخالف لونها لون المخّ الذي في الجمجمة، والحدقة وهي الحبّة الناظرة من العين لا جسم العين كلّه(2).
(مسألة 28): تختصّ حرمة الأشياء المذكورة بالذبيحة والمنحورة، فلا يحرم من السمك والجراد شيءٌ منها ما عدا الرجيع والدم على إشكالٍ فيهما.
(مسألة 29): لا يوجد في الطيور شيءٌ ممّا ذُكر عدا الرجيع والدم والمرارة والطحال والبيضتين في الديكة، ولا إشكال في حرمة الأوّلين منها فيها، وأمّا البواقي ففيها إشكالٌ فلا يُترك فيها الاحتياط.
(مسألة 30): يؤكل من الذبيحة غير ما مرّ، فيؤكل القلب والكبد والكرش والأمعاء والغضروف والعضلات وغيرها. نعم يكره الكليتان وأُذنا القلب والعروق خصوصاً الأوداج، وهل يؤكل منها الجلد والعظم مع عدم الضرر أم لا؟ أظهر[هما] الأوّل وأحوطهما الثاني(3). نعم، لا إشكال في جلد الرأس وجلد
ــــــ[472]ـــــــ
(1) هو هذا لا ذاك، وهو المسمّى في عرفنا (الجارة).
(2) حرمة بعض هذه الأُمور مبنيّةٌ على الاحتياط.
(3) وجهه ضعيف إذا كان خالياً ممّا عليه من الشعر والريش والوبر. وأمّا هذه الأُمور فمحرّمةٌ على الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الدجاج وغيره من الطيور، وكذا في عظم صغار الطيور كالعصفور.
(مسألة 31): يجوز أكل لحم ما حلّ أكله نيّاً ومطبوخاً، بل ومحروقاً أيضاً إذا لم يكن مضرّاً، نعم يكره أكله غريضاً، بمعنى كونه طريّاً لم يتغيّر بشمسٍ ولا نارٍ ولا بذر الملح عليه وتجفيفه في الظلّ وجعله قديداً.
(مسألة 32): اختلفوا في حلّية بول ما يؤكل لحمه كالغنم والبقر عند عدم الضرورة على قولين: فقال بعضٌ بالحلّيّة، وحرّمه جماعةٌ، وهو الأحوط. نعم لا إشكال في حلّيّة بول الإبل للاستشفاء.
(مسألة 33): يحرم رجيع كلّ حيوانٍ ولو كان ممّا حلّ أكله. نعم، الظاهر عدم حرمة فضلات الديدان الملتصقة بأجواف الفواكه والبطائخ ونحوها، وكذا ما في جوف السمك والجراد إذا أُكل معهما.
(مسألة 34): يحرم الدم من الحيوان ذي النفس حتّى العلقة والدم في البيضة(1) عدا ما يتخلّف(2) في الذبيحة، على إشكالٍ فيما يجتمع منه في القلب والكبد، وأمّا الدم من غير ذي النفس فما كان ممّا حرم أكله كالوزغ والضفدع والقرد فلا إشكال في حرمته، وأمّا ما كان ممّا حلّ أكله كالسمك الحلال ففيه خلافٌ، والظاهر حلّيّته إذا أُكل مع السمك(3)، بأن أكل السمك بدمه، وأمّا إذا أُكل منفرداً ففيه إشكال.
ــــــ[473]ـــــــ
(1) وجواز أكله إذا استهلك.
(2) لا إشكال في طهارته وأمّا حلّيّة أكله مع صدق الدم عليه فمشكلٌ فلا يترك الاحتياط، وأولى منه ما بعده أو أوضح.
(3) إذا كان مستهلكاً في اللحم عرفاً، وإلَّا فلا.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 35): قد مرّ في كتاب الطهارة طهارة ما لا تحلّه الحياة من الميتة حتّى اللبن(1) والبيضة إذا اكتست جلدها الأعلى الصلب، والأنفحة وهي كما أنَّها طاهرةٌ حلالٌ أيضاً.
(مسألة 36): لا إشكال في حرمة القيح والوسخ(2) والبلغم والنخامة من كلّ حيوان، وأمّا البصاق(3) والعرق من غير نجس العين فالظاهر حلّيتهما، خصوصاً الأوّل، إذا كان من الإنسان أو ممّا يؤكل لحمه من الحيوان.
القول في غير الحيوان
(مسألة 1): يحرم تناول الأعيان النجسة، وكذا المتنجّسة ما دامت باقيةً على النجاسة، مائعةً كانت أو جامدةً.
(مسألة 2): يحرم تناول كلّ ما يضرّ بالبدن، سواءٌ كان موجباً للهلاك كشرب السموم القاتلة وشرب الحامل ما يوجب سقوط الجنين، أو سبباً لانحراف المزاج أو لتعطيل بعض الحواسّ الظاهرة أو الباطنة أو لفقد بعض القوى كالرجل يشرب ما يقطع به قوة الباه والتناسل أو المرأة تشرب ما به تصير عقيماً لا تلد(4).
(مسألة 3): لا فرق في حرمة تناول المضرّ بين المعلوم الضرر ومظنونه، بل ومحتمله أيضاً إذا كان احتماله معتدّاً به عند العقلاء بحيث أوجب الخوف عندهم.
ــــــ[474]ـــــــ
(1) إذا لم يلامس الطاهر.
(2) ليس هذا جزءاً من الحيوان، وإنَّما يُذكر استطراداً.
(3) إذا كان من الغير مجتمعاً فالأحوط تركه.
(4) وليس من ذلك حبوب منع الحمل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وكذا لا فرق بين أن يكون الضرر المترتّب عليه عاجلاً أو بعد مدّة.
(مسألة 4): يجوز التداوي والمعالجة بما يحتمل فيه الخطر ويؤدّي إليه أحياناً إذا كان النفع المترتّب عليه حسب ما ساعدت عليه التجربة وحكم به الحذّاق وأهل الخبرة غالبيّاً، بل يجوز المعالجة بالمضرّ العاجل الفعليّ المقطوع به إذا يدفع به ما هو أعظم ضرراً أو أشدّ خطراً. ومن هذا القبيل قطع بعض الأعضاء دفعاً للسراية المؤدّية إلى الهلاك وربط الجرح والكيّ بالنار وبعض العمليات المتداولة في هذه الأعصار، بشرط أن يكون الإقدام على ذلك جارياً مجرى العقلاء، بأن يكون المباشر للعمل حاذقاً محتاطاً مبالياً غير مسامح ولا متهوّر، لا إذا كان على خلاف ذلك كبعض المتطبّبين.
(مسألة 5): ما كان يضرّ كثيره دون قليله يحرم كثيره المضرّ دون قليله الغير المضرّ، ولو فرض العكس(1) كان بالعكس، وكذا ما يضرّ منفرداً لا منضمّاً مع غيره يحرم منفرداً لا منضمّاً، وما كان بالعكس كان بالعكس.
(مسألة 6): إذا كان لا يضرّ تناوله مرّةً أو مرّتين مثلاً ولكن يضرّ إدمانه وزيادة تكريره والتعوّد به يحرم تكريره المضرّ خاصّة، ومن ذلك ابتلاع الأفيون أو شرب دخانه، فإنَّه لا يضرّ مرّةً أو مرّتين لكنّ تكراره والمداومة عليه والتعوّد به(3) كما هو المتداول في بعض البلاد – خصوصاً ببعض كيفيّاته المعروفة عند أهله –
ــــــ[475]ـــــــ
(1) يعني قليله يضرّ وكثيره لا يضرّ. وهو بعيدٌ عمليّاً.
(2) لا اعتقد أنَّ الإدمان ضررٌ عرفيٌّ، كما لا دليل على حرمة مطلق الضرر. نعم يحرم إذا كان مظنّة ترك الواجبات وعمل المحرّمات. ومنه يظهر حال التهويل الذي ذكره الماتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مضرّ غايته وفيه فسادٌ وأيّ فسادٍ، بل هو بلاء وأيّ بلاءٍ، داءٌ عظيمٌ وبلاءٌ جسيمٌ وخطرٌ خطيرٌ وفسادٌ كبيرٌ، أعاذ الله المسلمين منه. فمن رام شربه لغرضٍ من الأغراض فليلتفت إلى أن لا يكثره ولا يكرّره إلى حدٍّ يتعوّد ويبتلي به، ومن تعوّد به يجب عليه(1) الاجتهاد في تركه وكفّ النفس والعلاج بما يزيل عنه هذا الاعتياد.
(مسألة 7): يحرم أكل الطين، وهو التراب المختلط بالماء حال بلّته، وكذا المدر وهو الطين اليابس، ويلحق بهما التراب أيضاً على الأحوط. نعم، لا بأس بما يختلط به(2) الحنطة أو الشعير مثلاً من التراب والمدر، وكذا ما يكون على وجه الفواكه ونحوها من التراب والغبار، وكذا الطين الممتزج بالماء المتوحّل الباقي على إطلاقه، وذلك لاستهلاك الخليط في المخلوط. نعم لو أحسّ طعم الأجزاء الطينيّة حين الشرب فلا يُترك الاحتياط(3) بترك شربه أو تركه إلَّا أن يصفو وترسب تلك الأجزاء.
(مسألة 8): الظاهر أنَّه لا يلحق بالطين الرمل والأحجار(4) وأنواع المعادن، فهي حلالٌ كلّها مع عدم الضرر.
(مسألة 9): يستثنى من الطين طين قبر الحسين للاستشفاء، فإنَّ في تربته المقدّسة الشفاء من كلّ داء، وأنَّها من الأدوية المفردة، وإنَّها لا تمرّ بداءٍ إلَّا هضمته.
ــــــ[476]ـــــــ
(1) هذا الوجوب محلّ نظر.
(2) إذا كان مستهلكاً أو على شكل غبارٍ دون ما سواه.
(3) هو في بعض مراتبه استحبابيّ.
(4) بل يلحق به، فإنَّه من سنخه عرفاً، بل عقلاً، ولا أقلّ من الاحتياط له. نعم، ليس المعادن منه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ولا يجوز أكلها لغير الاستشفاء، ولا أكل ما زاد عن قدر الحمّصة المتوسطة(1).
ولا يلحق به طينُ غير قبره حتى قبر النبيّ والأئمّة على الأحوط لو لم يكن الأقوى.
نعم، لا بأس بأن يمزج بماءٍ أو مايعٍ طاهرٍ آخر والتبرّك والاستشفاء بذلك الماء أو المايع الآخر.
(مسألة 10): لأخذ التربة المقدّسة وتناولها عند الحاجة آدابٌ وأدعيةٌ مذكورةٌ في محالّها، خصوصاً في كتب المزار، ولا سيّما مزار بحار الأنوار، لكنّ الظاهر أنَّها كلّها شروط كمالٍ لسرعة تأثيرها لا أنَّها شرطٌ لجواز تناولها.
(مسألة 11): القدر المتيقّن من محلّ أخذ التربة هو القبر الشريف وما يقرب منه على وجهٍ يلحق به عرفاً، ولعلّه كذلك الحائر المقدّس بأجمعه، لكنّ في بعض الأخبار: يؤخذ طين قبر الحسين من عند القبر على سبعين ذراعاً، وفي بعضها: طين قبر الحسين فيه شفاءٌ وإن أُخذ على رأس ميلٍ، بل وفي بعضها: أنَّه يستشفى ممّا بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال، بل وفي بعضها: على عشرة أميال، وفي بعضها: فرسخ في فرسخ، بل وروي إلى أربعة فراسخ. ولعلَّ الاختلاف من جهة تفاوت مراتبها في الفضل، فكلّ ما قرب إلى القبر الشريف كان أفضل، والأحوط الاقتصار(2) على ما حول القبر إلى سبعين ذراعاً، وفيما زاد
ــــــ[477]ـــــــ
(1) على الأحوط، فإن حصل التداوي بالأقلّ لم يجز الأكثر على الأحوط. والتداوي يحصل بالمسمّى بلا إشكال.
(2) بل الأحوط الاقتصار على تربة الحائر المقدّس.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
على ذلك أن تستعمل ممزوجاً بماءٍ أو شربةٍ على نحوٍ لا يصدق عليه الطين ويُستشفى به رجاءً.
(مسألة 12): تناول التربة المقدّسة للاستشفاء إمّا بازدرادها وابتلاعها، وإمّا بحلّها في الماء وشربه، أو بأن يمزجها بشربةٍ ويشربها بقصد التبرّك والشفاء.
(مسألة 13): إذا أخذ التربة بنفسه أو علم من الخارج بأنَّ هذا الطين من تلك التربة المقدّسة فلا إشكال، وكذا إذا قامت على ذلك البيّنة، بل الظاهر كفاية قول عدلٍ واحدٍ، بل شخصٍ ثقةٍ، وهل يكفي إخبار ذي اليد بكونه منها أو بذله لها على أنَّه منها؟ لا يبعد ذلك، وإن كان الأحوط(1) في غير صورة العلم وقيام البيّنة تناولها بالامتزاج بماءٍ أو شربة.
(مسألة 14): قد استثنى بعض العلماء من الطين طين الأرمني للتداوي به، وهو غير بعيد، لكنّ الأحوط عدم تناوله إلَّا عند انحصار العلاج أو ممزوجاً بالماء أو شربةٍ أو أجزاءٍ أُخر بحيث لا يصدق معه أكل الطين.
(مسألة 15): يحرم الخمر بالضرورة من الدين، بحيث يعدّ مستحلّه في زمرة الكافرين، بل عن مولانا الباقر: (أنَّه لا يبعث الله نبيّاً ولا يرسل رسولاً إلَّا ويجعل في شريعته تحريم الخمر).
وعن الرضا: (أنَّه ما بعث الله نبيّاً قطّ إلَّا بتحريم الخمر).
وعن الصادق: (إنَّ الخمر أمّ الخبائث ورأس كل شرّ، يأتي على شاربها
ــــــ[478]ـــــــ
(1) استحباباً وهو مراد الماتن إلَّا أنَّ ظاهر العبارة لزومه، مع إنَّ إخبار ذي اليد حجّةٌ ما لم يوثق بالخلاف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ساعة يسلب لبّه فلا يعرف ربّه، ولا يترك معصية إلَّا ركبها، ولا يترك حرمة إلَّا انتهكها، ولا رحماً ماسّة إلَّا قطعها، ولا فاحشةً إلَّا أتاها، وإنَّ مَن شرب منها جرعةً لعنه الله وملائكته ورسله والمؤمنون، وإن شربها حتّى سكر منها نزع روح الإيمان من جسده وركبت فيه روحٌ سخيفةٌ خبيثةٌ ملعونةٌ ولم تقبل صلاته أربعين يوماً، ويأتي شاربها يوم القيامة مسودّاً وجهه مدلعاً لسانه يسيل لعابه على صدره ينادي: العطش العطش).
وقال رسول الله: (مَن شرب الخمر بعد ما حرّمها الله على لساني فليس بأهلٍ أن يزوّج إذا خطب، ولا يشفَّع إذا شُفِّعَ، ولا يُصدَّق إذا حدَّث، ولا يعاد إذا مرض، ولا يُشهد له جنازةٌ، ولا يؤتمن على أمانة).
بل لعن رسول الله فيها عشرة: (غارسها، وحارسها، وعاصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحلول إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها).
وقد ورد: (أنَّ من تركها ولو لغير الله بل صيانةً لنفسه سقاه الله من الرحيق المختوم).
وبالجملة الأخبار في تشديد أمرها والترغيب في تركها أكثر من أن تحصى، بل نصّ في بعضها أنَّه أكبر الكبائر، خصوصاً مدمنه، فقد ورد في أخبار مستفيضة أو متواترة أنَّه كعابد وثن أو كمن عبد الأوثان، وقد فسّر المدمن في بعض الأخبار بأنَّه ليس الذي يشربها كل يوم ولكنَّه الموطن نفسه أنَّه إذا وجدها شربها. هذا مع كثرة المضارّ في شربها التي اكتشفها حذّاق الأطباء في هذه الأزمنة وأذعن بها المنصفون من غير ملّتنا.
ــــــ[479]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 16): يلحق بالخمر موضوعاً أو حكماً كلّ مسكرٍ جامداً كان أو مائعاً، وما أسكر كثيره دون قليله حرم قليله وكثيره.
(مسألة 17): إذا انقلبت الخمر خلّا حلّت، سواءٌ كان بنفسها أو بعلاجٍ، وسواءٌ كان العلاج بدون ممازجة شيءٍ فيها كما إذا كان بتدخينٍ أو مجاورة شيءٍ أو كان بالممازجة، سواءٌ استهلك الخليط فيها قبل أن تنقلب خلّا – كما إذا مُزجت بقليلٍ من الملح أو الخلّ فاستهلكها فيها ثُمَّ انقلبت خلّا- أو لم يستهلك بل بقي فيها إلى ما بعد الانقلاب، ويطهر ذلك الممتزج الباقي بالتبعية كما يطهر بها الإناء(1).
(مسألة 18): ومن المحرّمات المائعة: الفقاع، إذا صار فيه غليانٌ ونشيشٌ وإن لم يسكر، وهو شرابٌ معروفٌ كان في الصدر الأوّل يُتّخذ من الشعير في الأغلب، وليس منه ماء الشعير المعمول بين الأطبّاء.
(مسألة 19): يحرم عصير العنب إذا نشّ وغلى بنفسه أو غلى بالنار، وكذا عصير الزبيب على الأحوط لو لم يكن الأقوى، وأمّا عصير التمر فالأقوى أنَّه يحرم إذا غلى بنفسه ويحلّ إذا غلى بالنار(2)، والظاهر أنَّ الغليان بالشمس كالغليان بالنار(3) فله حكمه.
(مسألة 20): الظاهر أنَّ الماء الذي في جوف حبّة العنب(4) بحكم عصيره،
ــــــ[480]ـــــــ
(1) بمقدار ما هو ملامسٌ للسائل، على الأحوط.
(2) يعني: بدون أن يغلي بنفسه. وأمّا لو غلى بالنار بعد ذلك فلا يحلّ حتّى لو ذهب ثلثاه.
(3) بل كالغليان بنفسه.
(4) ليس في جوفها ماءٌ وإنَّما أجزاءٌ رقيقةٌ رطبةٌ تتحوّل إلى ماءٍ بالضغط. وما دامت العنبة على حالها فليس فيها ماءٌ أصلاً فضلاً عن أن يكون قابلاً للغليان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فيحرم إذا غلى بنفسه أو بالنار. نعم لا يحكم بحرمته ما لم يعلم بغليانه، وهو نادرٌ جدّاً لعدم الاطّلاع على باطنها غالباً، فلو وقعت حبّةٌ من العنب في قدرٍ يغلي وهي تعلو وتسفل في الماء المغليّ فمن يطّلع على كيفيّة ما في جوف تلك الحبّة، ولا ملازمة بين غليان ماء القدر وغليان ما في جوفها، بل لعلّ المظنون عدمها لأنَّ المظنون أنَّه لو غلى ما في جوفها لتفسّخت وانشقّت. وبالجملة المدار على حصول العلم بالغليان وعدمه، فمَن علم به حرم عليه ومَن لم يعلم به حلّ له.
(مسألة 21): من المعلوم أنَّ الزبيب(1) ليس له عصيرٌ في نفسه، فالمراد بعصيره ما اكتسب منه الحلاوة: إمّا بأن يدقّ ويخلط بالماء وإمّا بأن ينقع في الماء ويمكث إلى أن يكتسب حلاوته بحيث صار في الحلاوة بمثابة عصير العنب، وإمّا بأن يمرس ويعصر بعد النقع فيستخرج عصارته. وأمّا إذا كان الزبيب على حاله وحصل في جوفه ماءٌ(2) فالظاهر أنَّ ما فيه ليس من عصير الزبيب فلا يحرم بالغليان، وإن كان الأحوط(3) الاجتناب عنه، لكنّ العلم به غير حاصلٍ عادةً، فإذا ألقى زبيبٌ في قدرٍ
ــــــ[481]ـــــــ
(1) يطلق الزبيب في العراق على العنب اليابس وهو عادةً شديد الجفاف بحيث ليس فيه رطوبةٌ أصلاً. إلَّا أنَّ مصطلح الفقهاء ولغة الأخبار لا اعتقد أنَّها على ذلك بل المراد من الزبيب العنب نفسه. لكن قد يكون قليل الرطوبة نسبيّاً من العنب أو العنب الذي يثمر آخر الموسم ونحو ذلك. ولذا يستعمل لفظ الزبيب في كتاب الزكاة ويراد به العنب على أيّ حال.
(2) هذا لا يكون إلَّا بالنقع أو مجاورة الرطوبة. وإذا كان الماتن قد اعتبر الماء المجاور عصيراً لمجرّد اكتساب الحلاوة فكيف لا يعتبر ما بداخل الحبّة عصيراً مع أنَّه أولى عرفاً بوضوحٍ، فالاحتياط فيه وجوبيّ.
(3) هو وجوبيٌّ كما قلنا.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فيه ماءٌ أو مرقٌ(1) وكان يغلي فرأينا الزبيب فيه منتفخاً من أين ندري أنَّ ما في جوفه قد غلى، مع أنَّه بحسب العادة لو غلى ما في جوفه لانشقّ وتفسّخ، وأولى من ذلك بعدم وجوب الاجتناب ما إذا وضع في وسط طبيخٍ أو كبّةٍ أو محشيّ ونحوها ممّا ليس فيه ماءٌ، وإن انتفخ فيه لأجل الأبخرة الحاصلة فيه.
(مسألة 22): الظاهر: أنَّ ما غلى بنفسه من أقسام العصير لا تزول حرمته إلَّا بالتخليل كالخمر؛ حيث إنَّها لا تحلّ إلَّا بانقلابها خلّا ولا أثر فيه لذهاب الثلثين، وأمّا ما غلى بالنار تزول حرمته بذهاب ثلثيه وبقاء ثلثٍ منه، والأحوط أن يكون ذلك بالنار لا بالهواء وطول المكث مثلاً. نعم، لا يلزم أن يكون ذهاب الثلثين في حال غليانه، بل يكفي كون ذلك مستنداً إلى النار ولو بضميمة ما ينقص منه بعد غليانه قبل أن يبرد، فلو كان العصير في القدر على النار وقد غلى حتّى ذهب نصفه أي ثلاثة أسداسه ثُمَّ وُضع القدر على الأرض فنقص منه قبل أن يبرد بسبب صعود البخار سدسٌ آخر كفى في الحليّة(2).
(مسألة 23): إذا صار العصير المغليّ دبساً قبل أن يذهب ثلثاه لا يكفي في حلّيّته على الأقوى.
(مسألة 24): إذا اختلط العصير بالماء ثُمَّ غلى يكفي في حلّيّته ذهاب ثلثي المجموع وبقاء ثلثه، فلو صبّ عشرين رطلاً من ماءٍ في عشرة أرطالٍ من عصير العنب ثُمَّ طبخه حتّى ذهب منه عشرون وبقي عشرةٌ فهو حلالٌ. وبهذا يمكن
ــــــ[482]ـــــــ
(1) هذا جائزٌ بوجهٍ آخر غير ما ذكره الماتن، ومنه يظهر الحكم في باقي المسألة.
(2) وإن كان الأحوط خلافه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
العلاج في طبخ بعض أقسام العصير ممّا لا يمكن لغلظها وقوامها أن تطبخ على الثلث لأنَّه يحترق ويفسد قبل أن يذهب ثلثاه، فيصبّ فيه الماء بمقداره أو أقلّ منه أو أكثر ثُمَّ يطبخ إلى أن يذهب الثلثان من المجموع ويبقى الثلث.
(مسألة 25): لو صُبّ على العصير المغلي قبل أن يذهب ثلثاه مقدارٌ من العصير الغير المغليّ وجب ذهاب ثلثي مجموع ما بقي من الأوّل مع ما صُبّ ثانياً، ولا يحسب ما ذهب من الأوّل أوّلاً، فإذا كان في القدر تسعة أرطالٍ من العصير فغلى حتّى ذهب منه ثلاثةٌ وبقي ستّةٌ ثُمَّ صُبّ عليه تسعة أرطالٍ أُخر فصار خمسة عشر يجب أن يغلي حتّى يذهب عشرةٌ ويبقى خمسةٌ، ولا يكفي ذهاب تسعةٍ وبقاء ستّة.
(مسألة 26): لا بأس بأن يُطرح في العصير قبل ذهاب الثلثين مثل اليقطين والسفرجل والتفّاح وغيرها ويُطبخ فيه حتّى يذهب ثلثاه، فإذا حلّ حلّ ما طبخ فيه.
(مسألة 27): يثبت ذهاب الثلثين من العصير المغليّ بالعلم وبالبيّنة وباخبار ذي اليد المسلم، بل وبالأخذ منه إذا كان ممّن يعتقد حرمة ما لم يذهب ثلثاه، بل وإذا لم يعلم اعتقاده أيضاً. نعم إذا علم أنَّه ممّن يستحلّ العصير المغليّ قبل أن يذهب ثلثاه مثل أن يعتقد أنَّه يكفي في حلّيّته صيرورته دبساً – إمّا اجتهاداً أو تقليداً – ففي جواز الاستيمان بقوله إذا أخبر عن حصول التثليث خلافٌ وإشكالٌ، وأولى بالإشكال جواز الأخذ منه والبناء على أنَّه طبخ على الثلث إذا احتمل ذلك من دون تفحّصٍ عن حاله، ولكنّ الأقوى جواز الاعتماد بقوله(1) وكذا جواز الأخذ منه والبناء على التثليث على كراهيةٍ.
ــــــ[483]ـــــــ
(1) إذا أخبر بذهاب الثلثين لا بمطلق الحلّية، وإلَّا فالأحوط الاجتناب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 28): يحرم تناول مال الغير وإن كان كافراً محترم المال بدون إذنه ورضاه، حتّى ورد: (أنَّ من أكل من طعامٍ لم يُدْعَ إليه فكأنَّما أكل قطعةً من النار).
(مسألة 29): يجوز أن يأكل الإنسان ولو مع عدم الاضطرار من بيوت مَن تضمّنته الآية الشريفة في سورة النور، وهم الآباء والأمّهات والإخوان والأخوات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات، وكذا يجوز لمن كان وكيلاً على بيت أحدٍ مفوَّضاً إليه أُموره وحفظه بما فيه أن يأكل من بيت موكّله، وهو المراد من: مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ المذكور في تلك الآية الشريفة، وكذا يجوز أن يأكل الصديق من بيت صديقه، وكذا الزوجة من بيت زوجها والأب والأمّ من بيت الولد. وإنَّما يجوز الأكل من تلك البيوت إذا لم يُعلم كراهة صاحب البيت، فيكون امتيازها عن غيرها بعدم توقّف جواز الأكل منها على إحراز الرضا والإذن من صاحبها، فيجوز مع الشكّ بل ومع الظنّ بالعدم أيضاً على الأقوى، بخلاف غيرها. والأحوط اختصاص الحكم بما يعتاد أكله من الخبز والتمر والإدام والفواكه والبقول ونحوها دون نفائس الأطعمة التي تدّخر غالباً لمواقع الحاجة وللأضياف ذوي الشرف والعزّة، والظاهر التعدية إلى غير المأكول من المشروبات العاديّة من الماء واللبن المخيض واللبن الحليب وغيرها. نعم لا يتعدّى إلى بيوت غيرهم ولا إلى غير بيوتهم كدكاكينهم وبساتينهم(1)، كما أنَّه يقتصر(2) على ما في البيت من المأكول، فلا يتعدّى إلى ما يشترى من الخارج بثمنٍ يؤخذ من البيت.
ــــــ[484]ـــــــ
(1) يعني: بغضّ النظر عن حقّ المارّة الشرعيّ.
(2) كما أنَّه يقتصر على المأكول دون الملبوس والفرش فضلاً عن النقود وغيرها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 30): تباح جميع المحرّمات المزبورة حال الضرورة، إمّا لتوقّف حفظ نفسه وسدّ رمقه على تناوله أو لعروض المرض الشديد الذي لا يُتحمّل عادةً بتركه أو لأداء تركه إلى لحوق الضعف المفرط المؤدّي إلى المرض أو التلف أو المؤدّي للتخلّف عن الرفقة مع ظهور أمارة العطب، ومنها ما إذا خيف بتركه على نفسٍ أُخرى محترمةٍ كالحامل تخاف على جنينها والمرضعة على طفلها، بل ومن الضرورة خوف طول المرض(1) أو عسر علاجه بترك التناول. والمدار في الكلّ على الخوف الحاصل من العلم أو الظنّ بالترتّب، لا مجرّد الوهم والاحتمال.
(مسألة 31): ومن الضرورات المبيحة للمحرّمات: الإكراه والتقيّة عمّن يخاف منه على نفسه أو نفسٍ محترمةٍ أو على عرضه أو عرضٍ محترمٍ أو مالٍ محترمٍ يجب عليه حفظه.
(مسألة 32): في كلّ موردٍ يتوقّف حفظ النفس على ارتكاب محرّمٍ يجب الارتكاب(2)، فلا يجوز له التنزّه والحال هذه. ولا فرق بين الخمر والطين وبين سائر المحرّمات في هذا الحكم، والقول بوجوب التنزّه عن الخمر والطين حتّى مع الضرورة وأنَّه لا يباحان بها ضعيفٌ خصوصاً في ثانيهما، فإذا أصابه عطشٌ حتّى خاف على نفسه فأصاب خمراً جاز بل وجب شربها، وكذا إن اضطرّ إلى أكل الطين.
(مسألة 33): إذا اضطرّ إلى محرّمٍ فليقتصر على مقدار الضرورة ولا يجوز له
ــــــ[485]ـــــــ
(1) يعني: المرض الشديد لا مطلق المرض.
(2) بمقدار دفع الضرورة ويحرم الزائد.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الزيادة، فإذا اقتضت الضرورة أن يأكل الميتة لسدّ رمقه فليقتصر على ذلك ولا يجوز له أن يأكل حدّ الشبع إلَّا إذا فرض أنَّ ضرورته لا تندفع إلَّا بالشبع.
(مسألة 34): يجوز التداوي لمعالجة الأمراض(1) بكلّ محرّمٍ إذا انحصر به العلاج ولو بحكم الحذّاق والثقات من الأطبّاء، والمدار على انحصار العلاج به بين ما بأيدي الناس ممّا يعالج به هذا الداء لا الانحصار واقعاً، فإنَّه لا يحيط به إدراك البشر.
(مسألة 35): المشهور عدم جواز التداوي بالخمر(2) بل بكلّ مسكرٍ حتّى مع الانحصار، لكنَّ الجواز لا يخلو من قوّةٍ، بشرط العلم بكونه قابلاً للعلاج والعلم بأنَّ ترك معالجته يؤدّي إلى الهلاك وإلى ما يدانيه والعلم بانحصار العلاج به بالمعنى الذي ذكرناه. نعم لا يخفى شدّة أمر الخمر، فلا يبادر إلى تناولها والمعالجة بها إلَّا إذا رأى من نفسه الهلاك لو ترك التداوي بها، ولو بسبب توافق جماعة من الحذّاق وأولي الديانة والدراية من الأطبّاء، وإلَّا فليصطبر على المشقة فلعلّ الباري تعالى شأنه يعافيه لما رأى منه التحفّظ على دينه.
فعن الثقة الجليل عبد الله بن أبي يعفور أنَّه قال: (كان إذا أصابته هذه الأوجاع فإذا اشتدّت شرب الحسو من النبيذ فسكن عنه، فدخل على أبي عبد الله فأخبره بوجعه وأنَّه إذا شرب الحسو من النبيذ سكن عنه، فقال له: لا
ــــــ[486]ـــــــ
(1) الشديدة التي لا تطاق أو يخاف منها الهلاك على الأحوط.
(2) إلَّا أنَّ الخمر ليست دواءً لأيّ مرضٍ كما نطقت به الأخبار وأيّدها العلم التجريبي. وعلى الأقل إنَّها لا يمكن أن تكون دواءً منحصراً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تشربه، فلمّا أن رجع إلى الكوفة هاج به وجعه فأقبل أهله فلم يزالوا به حتّى شرب، فساعة شرب منه سكن عنه، فعاد إلى أبي عبد الله فأخبره بوجعه وشربه، فقال له: يا ابن أبي يعفور لا تشرب فإنَّه حرامٌ إنَّما هو الشيطان موكّلٌ بك ولو قد يئس منك ذهب.
فلمّا أن رجع إلى الكوفة هاج به وجعه أشدّ ممّا كان، فأقبل أهله عليه، فقال لهم: لا والله ما أذوق منه قطرةً أبداً، فأيسوا منه أهله، فكان يُتّهم على شيء ولا يحلف وكان إذا حلف على شيء لا يخلف، فلمّا سمعوا أيسوا منه واشتدّ به الوجع أيّاماً، ثُمَّ أذهب الله به عنه فما عاد إليه حتّى مات رحمة الله عليه).
(مسألة 36): لو اضطرّ إلى أكل طعام الغير لسدّ رمقه وكان المالك حاضراً:
فإن كان هو أيضاً مضطرّاً لم يجب عليه بل لا يجوز له بذله ولا يجوز للمضطرّ قهره(1)، وإن لم يكن مضطرّاً يجب عليه بذله للمضطرّ، وإن امتنع عن البذل جاز له قهره بل مقاتلته والأخذ منه قهراً. ولا يتعيّن على المالك بذله مجّاناً، فله أن لا يبذله إلَّا بالعوض(2) وليس للمضطرّ قهره بدونه، فإن اختار البذل بالعوض فإن لم يقدّره بمقدارٍ كان له عليه ثمنٌ مثل ما أكله أو مثله إن كان مثليّاً، وإن قدّره لم يتعيّن عليه تقديره بثمن المثل أو أقلّ بل له أن يقدّره بأزيد منه(3)، وحينئذٍ إذا كان
ــــــ[487]ـــــــ
(1) مع تساوي الاضطرار أو زيادته لدى المالك لا مع زيادته مع الآخر زيادةٌ كبيرة.
(2) بالقيمة السوقية المتعارفة، فإن لم يقبل فبما لا يعدّ مانعاً له. وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المضطرّ قادراً على دفعه يجب عليه الدفع إذا طالبه به، وإن كان عاجزاً يكون في ذمّته يتبع تمكّنه.
هذا إذا كان المالك حاضراً، وأمّا إذا كان غائباً فله الأكل منه بمقدار سدّ رمقه وتقدير الثمن وجعله في ذمّته ولا يكون أقلّ من ثمن المثل، والأحوط المراجعة إلى الحاكم لو وُجد، ومع عدمه فإلى عدول المؤمنين.
(مسألة 37): يحرم الأكل على مائدة يُشرب عليها شيءٌ من الخمر، بل وغيرها من المسكرات، وكذا الفقّاع، بل ذهب بعض العلماء إلى حرمة كلّ طعامٍ يُعصى الله تعالى به أو عليه.
ــــــ[488]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(خاتمة) في بعض الآداب المتعلّقة بالأكل والشرب
أمّا آداب الأكل فهي بين مستحبٍّ ومكروهٍ.
أمّا المستحبّ فأُمور:
منها: غسل اليدين معاً قبل الطعام وبعده، مائعاً كان الطعام أو جامداً، وإذا كانت جماعةٌ على المائدة يبدأ في الغسل الأوّل بصاحب الطعام ثُمَّ بمن على يمينه ويدور إلى أن يتمّ الدور على من في يسار صاحب الطعام، وفي الغسل الثاني يبدأ بمن في يسار صاحب الطعام ثُمَّ يدور إلى أن يختم بصاحب الطعام.
ومنها: المسح بالمنديل بعد الغسل الثاني وترك المسح به بعد الغسل الأوّل.
ومنها: أن يسمّي عند الشروع في الأكل، بل على كلّ لونٍ على انفراده عند الشروع في الأكل منه.
ومنها: أن يحمد الله تعالى بعد الفراغ.
ومنها: الأكل باليمين.
ومنها: أن يبدأ صاحب الطعام وأن يكون آخر من يمتنع.
ومنها: أن يأكل بثلاث أصابع أو أكثر ولا يأكل بإصبعين، وقد ورد أنَّه من فعل الجبّارين.
ومنها: أن يأكل ممّا يليه إذا كان مع جماعةٍ على مائدةٍ ولا يتناول من قدّام الآخر.
ومنها: تصغير اللقمة.
ــــــ[489]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ومنها: تجويد المضغ.
ومنها: طول الجلوس على الموائد وطول الأكل.
ومنها: لعق الأصابع(1) ومصّها وكذا لطع القصعة ولحسها بعد الفراغ.
ومنها: الخلال بعد الطعام وأن لا يكون بعود الريحان وقضيب الرمّان والخوص والقصب.
ومنها: التقاط ما يسقط من الخوان خارج السفرة والطبق وأكله، فإنَّه شفاءٌ من كلّ داءٍ إذا قُصد به الاستشفاء، وإنَّه ينفي الفقر ويكثر الولد، وهذا في غير الصحراء ونحوها، وأمّا فيها فيستحبّ أن يُترك للطير والسبع، بل ورد أنَّ ما كان في الصحراء فدعه ولو فخذ شاة.
ومنها: الأكل غداءً وعشيّاً وعدم الأكل بينهما.
ومنها: أن يستلقي بعد الأكل على قفاه ويجعل رجله اليمنى على اليسرى.
ومنها: الافتتاح بالملح والاختتام به، فقد ورد أنَّ فيه المعافاة عن اثنين وسبعين من البلاء. وفي خبر آخر: إبدأوا بالملح في أوّل طعامكم، فلو يعلم الناس ما في الملح لاختاروه على الترياق المجرّب.
ومنها: غسل الثمار بالماء قبل أكلها، ففي الخبر: إنَّ لكل ثمرةٍ سمّاً فإذا أتيتم بها اغمسوها في الماء يعنى اغسلوها.
ــــــ[490]ـــــــ
(1) أحكام الشريعة وإن كانت عامّةً إلَّا أنَّ عدداً منها مقيّدٌ بعدم الانطباع السيّئ في النفوس. ولا شكّ أنَّ هذا وما بعده منها في عصورنا الحاضرة وإن لم يكن لها نفس الانطباع يوم صدورها عن المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وأمّا المكروه:
فمنها: الأكل على الشبع.
ومنها: التملّي من الطعام، ففي الخبر: (ما من شيءٍ أبغض إلى الله من بطنٍ مملوّ). وفي خبرٍ آخر: (أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا خفّ بطنه، وأبغض ما يكون العبد إلى الله إذا امتلأ بطنه).
وفي خبر آخر: (لو أنَّ الناس قصدوا في المطعم لاستقامت أبدانهم).
بل ينبغي الاقتصار على ما دون الشبع، ففي الخبر: (إنَّ البطن إذا شبع طغى).
وفي خبرٍ آخر عن مولانا الصادق: (إنَّ عيسى بن مريم قام خطيباً فقال: يا بني إسرائيل لا تأكلوا حتّى تجوعوا، وإذا جعتم فكلوا ولا تشبعوا، فإنَّكم إذا شبعتم غلظت رقابكم وسمنت جنوبكم ونسيتم ربّكم).
ومنها: النظر في وجوه الناس عند الأكل على المائدة.
ومنها: أكل الحارّ.
ومنها: النفخ على الطعام والشراب.
ومنها: انتظار غير الخبز إذا وضع الخبز.
ومنها: قطع الخبز بالسكّين.
ومنها: أن يوضع الخبز تحت إناءٍ ووضع الإناء عليه.
ومنها: المبالغة في أكل اللحم الذي على العظم.
ومنها: تقشير الثمرة.
ــــــ[491]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ومنها: رمي بقيّة الثمرة قبل الاستقصاء في أكلها.
وأمّا آداب الشرب فهي أيضاً بين مندوبٍ ومكروهٍ.
أمّا المندوب:
فمنها: أن يشرب الماء مصّاً لا عبّاً، فإنَّه كما في الخبر يوجد منه الكباد، يعني: وجع الكبد.
ومنها: أن يشرب قائماً بالنهار، فإنَّه أقوى وأصحّ للبدن ويمرئ الطعام.
ومنها: أن يسمّي عند الشروع ويحمد الله بعد ما فرغ.
ومنها: أن يشرب بثلاثةِ أنفاس.
ومنها: التلذّذ بالماء، ففي الخبر: (مَن تلذّذ بالماء في الدنيا لذّذه الله من أشربة الجنة).
ومنها: أن يذكر الحسين وأهل بيته ويلعن قاتله بعد شرب الماء؛ فعن داود الرقي قال: (كنت عند أبي عبد الله إذ استسقى الماء، فلما شربه رأيته قد استعبر واغرورقت عيناه بدموعه ثُمَّ قال لي: يا داود لعن الله قاتل الحسين، فما أنغص ذكر الحسين للعيش، إنّي ما شربت ماء بارداً إلَّا ذكرت الحسين، وما من عبد شرب الماء فذكر الحسين وأهل بيته ولعن قاتله إلَّا كتب الله عزّ وجلّ له مائة ألف حسنةٍ وحطّ عنه مائة ألف سيئةٍ ورفع له مائة ألف درجةٍ وكأنَّما أعتق مائة ألف نسمةٍ وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد).
وأمّا المكروه:
فمنها: الإكثار في شرب الماء، فإنَّه كما في الخبر: (مادّةٌ لكلّ داء). وكان مولانا
ــــــ[492]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الصادق يوصي رجلاً فقال له: (أقِلَّ شرب الماء فإنَّه يمدّ كل داء، واجتنب الدواء ما احتمل بدنك الدّاء). وعنه: (لو أنَّ الناس أقلّوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم).
ومنها: شرب الماء بعد أكل الطعام الدسم، فإنَّه كما في الخبر يهيّج الداء، وعن الصادق قال: (كان رسول الله: إذا أكل الدسم أقلّ شرب الماء. فقيل له: يا رسول الله إنّك لتقلّ شرب الماء؟ قال: هو أمرأ لطعامي).
ومنها: الشرب باليسار.
ومنها: الشرب من قيام في الليل، فإنَّه كما في الخبر يورث الماء الأصفر.
ومنها: أن يشرب مِن عند كسر الكوز إن كان فيه كسرٌ ومِن عند عروته.
تذييل في الكافي: بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن أبى جعفر: (مَن سقى مؤمناً من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم).
وعن أبي عبد الله قال: قال رسول الله: (من سقى مؤمناً شربةً من ماء من حيث يقدر على الماء أعطاه بكلّ شربةٍ سبعين ألف حسنةٍ، وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكإنَّما أعتق عشر رقابٍ من ولد إسماعيل).
وفي الأمالي بإسناده عن الصادق عن آبائه عن رسول الله قال: (مَن أطعم مؤمناً مِن جوع أطعمه الله من ثمار الجنّة، ومَن كساه مِن عريٍ كساه الله من إستبرقٍ وحريرٍ، ومَن سقاه شربة مِن عطشٍ سقاه الله من الرحيق المختوم، ومَن أعانه أو كشف كربته أظلّه الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلَّا ظلّه).
وفي المحاسن قال: سأل رجل أبا جعفر (عن عملٍ يعدل عتق رقبة.
ــــــ[493]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فقال: لئن أدعو ثلاثة نفرٍ من المسلمين فأطعمهم حتّى يشبعوا وأسقيهم حتّى يرووا أحبّ إليّ من أن أعتق نسمةً ونسمةً حتّى عدّ سبعاً أو أكثر).
ــــــ[494]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الغصب
وهو الاستيلاء على ما للغير من مالٍ أو حقٍّ عدوانا، وقد تطابق العقل والنقل كتاباً وسنّةً وإجماعاً على حرمته، وهو من أفحش الظلم الذي قد استقلّ العقل بقبحه، وفي النبويّ: (مَن غصب شبراً من الأرض طوّقه الله مِن سبع أرضين يوم القيامة). وفي نبويٍّ آخر: (مَن خان جاره شبراً من الأرض جعلها الله طوقاً في عنقه من تخوم الأرض السابعة حتّى يلقى الله يوم القيامة مطوّقاً إلَّا أن يتوب ويرجع).
وفي آخر: (مَن أخذ أرضاً بغير حقٍّ كُلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر. ومن كلام أمير المؤمنين: الحجر الغصب في الدار رهنٌ على خرابها).
(مسألة 1): المغصوب إمّا عينٌ مع المنفعة من مالكٍ واحدٍ أو مالكين، وإمّا عينٌ بلا منفعةٍ، وإمّا منفعةٌ مجرّدةٌ، وإمّا حقٌّ ماليٌّ متعلّقٌ بالعين:
فالأوّل: كغصب الدار من مالكها، وكغصب العين المستأجرة إذا غصبها غير الموجر والمستأجر، فهو غاصبٌ للعين من الموجر وللمنفعة من المستأجر.
والثاني: كما إذا غصب المستأجر العين(1) المستأجرة من مالكها مدّة الإجارة.
ــــــ[495]ـــــــ
(1) لا يجوز دخول الألف واللام على المضاف. ومن ناحية الحكم فإنَّ من حقّ المستأجر إبقاء العين تحت يده مدّة الإجارة حتّى بدون إذن المالك فلا يكون أخذها منه غصباً بأيّ حال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والثالث: كما إذا غصب المؤجر العين المؤجرة وانتزعها من يد المستأجر واستولى على منفعتها مدّة الإجارة.
والرابع: كما إذا استولى على أرضٍ محجّرةٍ أو على العين المرهونة(1) بالنسبة إلى المرتهن الذي له فيها حقّ الرهانة، ومن ذلك غصب المساجد والمدارس والربط والقناطر والطرق والشوارع العامّة، وغصب المكان الذي سبق إليه أحد في المساجد والمشاهد.
(مسألة 2): المغصوب منه قد يكون شخصاً كما في غصب الأعيان والمنافع المملوكة للأشخاص والحقوق كذلك، وقد يكون هذا النوع كما في غصب مالٍ تعيّن خمساً أو زكاةً قبل أن يدفع إلى المستحقّ، وغصب الرباط المعدّ لنزول القوافل، والمدرسة المعدّة لسكنى الطلبة، فإذا استولى على حجرةٍ قد سكنها واحدٌ من الطلبة وانتزعها منه فهو غاصبٌ لحقّ الشخص(2)، وإذا استولى على أصل المدرسة ومنع عن أن يسكنها الطلبة فهو غاصبٌ لحقّ النوع.
(مسألة 3): للغصب حكمان تكليفيّان، وهما: الحرمة، ووجوب رفع اليد والردّ إلى المغصوب منه أو وليّه. وحكمٌ وضعيٌّ، وهو الضمان، بمعنى كون المغصوب على عهدة الغاصب(3) وكون تلفه وخسارته عليه وأنَّه إذا تلف(4) يجب
ــــــ[496]ـــــــ
(1) يعني: استولى المالك (الراهن) عليها بدون إذنه، إلَّا أنَّ إطلاق الغصب عليه وترتّب حكمه فيه محلّ نظرٍ بل منع. ولعلّ مراد الماتن استيلاء غير المالك إلَّا أنَّه لا يكون مثالاً لغصب الحقّ وحده بل مع العين.
(2) فيه إثْمٌ بدون حكمٍ وضعيّ، وإن وجد فهو لمطلق الموقوف عليهم لا للشخص.
(3) العهدة مختصّةٌ بالعين الموجودة والذمّة مختصّةٌ بالماليّة الكلّية. وأثر العهدة هو وجوب الردّ وقد سبق من الماتن.
(4) أو نقص، وكلاهما يجري ولو بدون تعدٍّ أو تفريطٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عليه دفع بدله. ويقال لهذا الضمان «ضمان اليد».
(مسألة 4): يجري الحكمان التكليفيّان في جميع أقسام الغصب، ففي الجميع الغاصب آثمٌ ويجب عليه رفع اليد وردّ المغصوب إلى المغصوب منه. وأمّا الحكم الوضعي – وهو الضمان- ويختصّ بما إذا كان المغصوب من الأموال عيناً كان أو منفعةً، فليس في غصب الحقوق هذا الضمان (أعني ضمان اليد) على إشكالٍ في بعضها(1) كحقَّي التحجير والاختصاص.
(مسألة 5): لو استولى على حرٍّ فحبسه لم يتحقّق الغصب لا بالنسبة إلى عينه ولا بالنسبة إلى منفعته وإن أَثِم بذلك وظلمه، سواءٌ كان كبيراً أو صغيراً فليس عليه ضمان اليد الذي هو من أحكام الغصب، فلو أصابه حرقٌ أو غرقٌ أو مات تحت استيلائه من غير تسبيبٍ منه لم يضمن، وكذا لا يضمن منافعه، كما إذا كان صانعاً ولم يشتغل بصنعته في تلك المدّة فلا يضمن(2) أجرته. نعم لو استوفى منه بعض منافعه – كما إذا استخدمه- لزمه أجرته، وكذا لو تلف بتسبيبٍ منه، مثل ما إذا حبسه في دارٍ فيه حيّةٌ مؤذيةٌ فلدغته أو في محلّ السباع فافترسته ضمنه(3) من جهة سببيّته للتلف لا لأجل الغصب واليد.
(مسألة 6): لو منع غيره عن إمساك دابّته المرسلة أو من القعود على فراشه أو
ــــــ[497]ـــــــ
(1) بل هو مضمونٌ بقيمته العرفيّة.
(2) الأقوى الأحوط الضمان في هذه الصورة فإن كان له واردٌ محدّدٌ ضمنه وإلَّا ضمن أقلّ المحتملات.
(3) بديته.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عن الدخول في داره أو عن بيع متاعه لم يكن غاصباً؛ لعدم وضع اليد على ماله وإن كان عاصياً وظالماً له من جهة منعه، فلو هلكت الدابّة أو تلف الفراش أو انهدمت الدار أو نقصت قيمة المتاع بعد المنع لم يكن على المانع ضمانٌ من جهة(1) الغصب واليد، وهل عليه ضمان من جهةٍ أخرى أم لا؟ أقواهما العدم في الأخير، وهو ما إذا تنقّصت القيمة، وأمّا في غيره فإن كان الهلاك والتلف والانهدام غير مستندٍ إلى منعه – بأن كانت بآفةٍ سماويّةٍ وسببٍ قهريٍّ لا يتفاوت في ترتّبها بين ممنوعيّة المالك وعدمها- لم يكن عليه ضمان قطعاً، وأمّا إذا كان مستنداً إليه كما إذا كانت الدابّة ضعيفةً أو في موضع السباع وكان المالك يحفظها فلمّا منعه المانع ولم يقدر على حفظها وقع عليها الهلاك، فللضمان وجهٌ بل لا يخلو من قوّة.
(مسألة 7): حيث عرفت أنَّ المدار في تحقّق الغصب على استيلاء الغاصب على المغصوب وصيرورته تحت يده(2) عرفاً بدون إذن صاحبه فليعلم أنَّه يختلف ذلك باختلاف المغصوبات، ففي المنقول غير الحيوان يتحقّق بأخذه باليد أو بنقله إليه أو إلى بيته أو دكّانه أو أنباره(3) وغيرها ممّا يكون محرزاً لأمواله ولو كان ذلك بأمره، فلو نقل حمّالٌ(4) بأمره متاعاً من الغير بدون إذنه إلى بيته أو طعاماً منه إلى
ــــــ[498]ـــــــ
(1) بل هو نحوٌ من التفريط، والأحوط الضمان، ولا فرق بين نقص القيمة أو التلف.
(2) وهو نفس القبض الذي يجب في البيع وغيره، وقد تحدّثنا عنه. نعم هناك قلنا إنَّ التخلية مصداقٌ للقبض مع الامتناع، وهذا لا يأتي هنا.
(3) غير فصيحٍ وليس له مقابل إلَّا المخزن، وقد يعبّر بالعنبر وهو معرّب.
(4) يعني بدون علم الحمّال بالغصب وإلَّا كان ضامناً ولا يجوز له تسليم المتاع إليه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أنباره كان بذلك غاصباً للمتاع والطعام، ويلحق بالأخذ باليد قعوده على البساط والفراش بقصد الاستيلاء.
وأمّا في الحيوان ففي الصامت منه يكفي الركوب عليه أو أخذ مقوده وزمامه، بل وكذا سوقه بعد طرد المالك أو عدم حضوره إذا كان يمشي بسياقه ويكون منقاداً لسائقه، فلو كانت قطيع غنمٍ في الصحراء معها راعيها فطرده واستولى عليها بعنوان القهر والانتزاع من مالكها وجعل يسوقها وصار بمنزلة راعيها يحافظها ويمنعها عن التفرّق والتشتّت فالظاهر أنَّه يكفي ذلك في تحقّق الغصب؛ لصدق الاستيلاء ووضع اليد عرفاً.
وأمّا في العبيد والإماء فيكفي مع رفع يد المالك أو عدم حضوره القهر عليه بحبسه عنده أو في بيته واستخدامه في حوائجه.
هذا كلّه في المنقول، وأمّا غير المنقول فيكفي في غصب الدار أن يسكنها أو يسكن غيره(1) ممّن يأتمر بأمره فيها بعد إزعاج المالك عنها أو عدم حضوره، وكذا لو أخذ مفاتحها من صاحبها قهراً أو كان يغلق الباب ويفتحه ويتردّد(2) فيها، وكذلك الحال في الدكّان والخان.
وأمّا البستان، فإن كان لها بابٌ وحيطانٌ فيكفي في غصبها أخذ المفتاح وغلق الباب وفتحه مع التردّد(3) فيها بعنوان الاستيلاء، وأمّا لو لم يكن لها بابٌ ولا
ــــــ[499]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) هذا ليس له دخلٌ في الغصب بل مجرّد تأكيد له.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حيطانٌ فيكفي دخولها والتردّد فيها بعد طرد المالك بعنوان الاستيلاء وبعض التصرّفات فيها، وكذا الحال في غصب القرية والمزرعة.
هذا كلّه في غصب الأعيان، وأمّا غصب المنافع فإنَّما هو بانتزاع العين ذات المنفعة عن مالك المنفعة وجعلها تحت يده، كما في العين المستأجرة إذا أخذها المؤجر أو شخصٌ ثالثٌ من المستأجر واستولى عليها في مدّة الإجارة، سواءٌ استوفى تلك المنفعة التي ملكها المستأجر أم لا.
(مسألة 8): لو دخل الدار وسكنها مع مالكها، فإن كان المالك ضعيفاً غير قادرٍ على مدافعته وإخراجه فإن اختصّ استيلاؤه وتصرّفه بطرفٍ معيّنٍ منها اختصّ الغصب والضمان بذلك الطرف دون الأطراف الأخر، وإن كان استيلاؤه وتصرّفاته وتقلّباته في أطراف الدار وأجزائها بنسبةٍ واحدةٍ وتساوى يد الساكن مع يد المالك عليها، فالظاهر كونه غاصباً النصف(1) فيكون ضامناً له خاصّة، بمعنى: أنَّه لو انهدمت تمام الدار ضمن الساكن نصفها، ولو انهدم بعضها ضمن نصف ذلك البعض، وكذا يضمن نصف منافعها. ولو فرض أنَّ المالك الساكن أزيد من واحدٍ ضمن الساكن الغاصب بالنسبة، فإن كانا اثنين ضمن الثلث، وإن كانوا ثلاثةً ضمن الربع وهكذا. هذا إذا كان المالك ضعيفاً، وأمّا لو كان الساكن ضعيفاً -بمعنى أنَّه لا يقدر على مقاومة المالك وأنَّه كلّما أراد أن يخرجه من داره أخرجه- فالظاهر عدم تحقّق الغصب بل ولا اليد، فليس عليه ضمان اليد. نعم عليه بدل ما استوفاه من منفعة الدار ما دام كونه فيها لو كان لها بدل.
ــــــ[500]ـــــــ
(1) يعني: النصف الكلّي بالكسر العشري.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 9): لو أخذ بمقود الدابّة فقادها وكان المالك راكباً عليها، فإن كان في الضعف وعدم الاستقلال بمثابة المحمول عليها كان القائد غاصباً لها بتمامها ويتبعه الضمان، ولو كان بالعكس – بأن كان المالك الراكب قويّاً قادراً على مقاومته ومدافعته- فالظاهر عدم تحقّق الغصب من القائد أصلاً، فلا ضمان عليه لو تلفت الدابّة في تلك الحال. نعم لا إشكال في ضمانه لها لو اتّفق تلفها بسبب قوده لها، كما يضمن السائق لها لو كان لها جماحٌ فشردت بسوقه فوقعت في بئرٍ أو سقطت عن مرتفعٍ فتلفت.
(مسألة 10): إذا اشترك اثنان في الغصب، فإن لم يستقلّ واحدٌ منهما بانفراده- بأن كان كلّ واحدٍ منهما ضعيفاً وإنَّما كان استيلاؤهما على المغصوب ودفع المالك بالتعاضد والتعاون- فالظاهر اشتراكهما في اليد والضمان، فكلٌّ منهما يضمن النصف.
وأمّا إذا كان كلّ واحدٍ منهما مستقلاً في الاستيلاء – بأن كان كلّ واحدٍ منهما كافياً في دفع المالك والقهر عليه- أو لم يكن المالك حاضراً فالظاهر أنَّ كلّ واحدٍ منهما ضامنٌ للتمام، فيتخيّر المالك في تضمين أيّهما شاء(1)، كما يأتي في الأيادي المتعاقبة.
(مسألة 11): غصب الأوقاف العامّة كالمساجد والمقابر والمدارس والقناطر والربط المعدّة لنزول المسافرين والطرق والشوارع العامّة ونحوها والاستيلاء عليها وإن كان حراماً ويجب ردّها ورفع اليد عنها، لكنّ الظاهر أنَّه لا يوجب
ــــــ[501]ـــــــ
(1) ولا يرجع على الآخر.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الضمان لا عيناً(1) ولا منفعةً ضمان اليد، فلو غصب مسجداً أو مدرسةً أو رباطاً ووضع اليد عليها فانهدمت تحت يده من دون تسبيبٍٍ منه لم يضمن عينهما، كما أنَّه لو كانت تحت يده مدّةً ثُمَّ رفع يده عنها لم يكن عليه أجرتها في تلك المدّة. نعم، الأوقاف العامّة على العناوين الكلّية كالفقراء والطلبة بنحو وقف المنفعة يوجب غصبها الضمان عيناً ومنفعةً، فإذا غصب خاناً أو دكّاناً أو بستاناً كانت وقفاً على الفقراء أو الطلبة على أن يكون منفعتها ونماؤها لهم ترتّب عليه الضمان، فإذا تلفت تحت يده كان ضامناً لعينها، وإذا كانت تحت يده مدّة ثُمَّ ردّها كان عليه أجرة مثلها، فيكون غصبها كغصب الأعيان المملوكة للأشخاص.
(مسألة 12): إذا حبس حرّاً(2) لم يضمن لا نفسه ولا منافعه ضمان اليد حتّى فيما إذا كان صانعاً، فليس على الحابس أجرة صنعته مدّة حبسه. نعم لو كان أجيراً لغيره ضمن منفعته الفائتة للمستأجر، وكذا لو استخدمه واستوفى منفعته كان عليه أجرة عمله.
هذا كلّه في حبس الحرّ، وأمّا لو غصب عبداً أو دابّةً مثلاً ضمن منافعها(3) سواءٌ استوفاها الغاصب أم لا.
(مسألة 13): لو منع حرّاً أو عبداً عن عملٍ له أجرةٌ من غير تصرّفٍ واستيفاءٍ ولا وضع يده عليه لم يضمن عمله ولم يكن عليه أجرته وإن أثم بمنعه وكان ظلماً.
ــــــ[502]ـــــــ
(1) بل الظاهر الضمان عيناً ويدفع إلى الحاكم الشرعي، ومع عدمه فإلى عدول المؤمنين.
(2) هذا تكرارٌ لمسألة سبقت في طول كتاب الغصب، فراجع مع التعليق عليها.
(3) إذا كانت لها منافع معتادةٌ بأجرة أو استيفاء المالك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 14): يلحق بالغصب في الضمان: المقبوض بالعقد المعاوضي الفاسد، فالمبيع الذي يأخذه المشتري والثمن الذي يأخذه البائع في البيع الفاسد يكون في ضمانهما كالمغصوب(1)، سواءٌ علما بالفساد أو جهلا به، وكذلك الأجرة التي يأخذها المؤجر في الإجارة الفاسدة. وأمّا المقبوض بالعقد الفاسد الغير المعاوضي فليس فيه ضمان(2)، فلو قبض المتّهب ما وهب له بالهبة الفاسدة ليس عليه ضمان. وكذا يلحق بالغصب المقبوض بالسوم، والمراد به ما يأخذه الشخص لينظر فيه أو يضع عنده ليطّلع على خصوصيّاته لكي يشتريه إذا وافق نظره، فهذا في ضمان آخذه، فلو تلف عنده ضمنه(3).
(مسألة 15): يجب ردّ المغصوب إلى مالكه ما دام باقياً وإن كان في ردّه مؤنة، بل وإن استلزم ردّه الضرر عليه، حتّى أنَّه لو أدخل الخشبة المغصوبة في بناء لزم عليه إخراجها وردّها لو أرادها المالك وإن أدّى إلى خراب البناء، وكذا إذا أدخل اللوح المغصوب في سفينةٍ يجب عليه نزعه إلَّا إذا خيف من قلعه الغرق الموجب لهلاك نفسٍ محترمةٍ أو مالٍ محترمٍ، وهكذا الحال فيما إذا خاط ثوبه بخيوطٍ مغصوبةٍ، فإنَّ للمالك إلزامه بنزعها ويجب عليه ذلك وإن أدّى إلى فساد الثوب،
ــــــ[503]ـــــــ
(1) ولكن إذا [كان] في صدد الإرجاع فهو أمين، كما لو كان جاهلاً بالفساد، وبمجرّد أن التفت أراد إرجاعه. فلا يضمن بدون تعدٍّ وتفريط. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(2) إلَّا إذا علم أنَّ دفع المالك له وإذنه بالتصرّف كان بشرط صحّة العقد، وهو أمرٌ عرفيّ.
(3) إذا كان قد أخذه بإذن المالك كان عنده أمانةٌ مالكيّةٌ لا يضمن إلَّا بالتعدّي والتفريط بما فيه الإذن المستكشف من القرائن العامّة، وبدونه فالصحيح ما في المتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وإن ورد نقصٌ على الخشب أو اللوح أو الخيط بسبب إخراجها ونزعها يجب على الغاصب تداركه.
هذا إذا يبقى للمخرج من الخشبة والمنزوع من الخيط قيمة، وأمّا إذا كان بحيث لا يبقى له قيمةٌ بعد الإخراج أصلاً – كما إذا كان الخيط ضعيفاً يفسد بنزعه- فالظاهر أنَّه بحكم التالف، فيُلزم الغاصب بدفع البدل وليس للمالك مطالبة العين(1).
(مسألة 16): لو مزج المغصوب بما يمكن تميّزه ولكن مع المشقّة – كما إذا مزج الشعير المغصوب بالحنطة أو الدخن بالذرة- يجب عليه أن يميّزه ويردّه.
(مسألة 17): يجب على الغاصب مع ردّ العين: بدل ما كانت لها من المنفعة في تلك المدّة إن كانت لها منفعةٌ، سواءٌ استوفاها كالدار سكنها والدابّة ركبها أو لم يستوفها بل كانت العين معطّلة(2).
(مسألة 18): إذا كانت للعين منافع متعدّدةٌ(3) وكانت معطّلةً فالمدار على المنفعة المتعارفة بالنسبة إلى تلك العين ولا ينظر إلى مجرّد قابليّتها لبعض المنافع، فمنفعة الدار بحسب المتعارف هي السكنى وإن كانت قابلةً في نفسها بأن تجعل محرزاً أو مسكناً لبعض الدوابّ وغير ذلك، فلا ينظر إلى غير السكنى، ومنفعة
ــــــ[504]ـــــــ
(1) بل له أخذ الباقي من العين التالفة إذا رغب.
(2) في هذه الصورة لا يضمن إلَّا المنفعة التي كانت معتادةً للمالك كما سبق في مثله. فإن كانت معيّنةً ضمنها وإلَّا ضمن الأقلّ.
(3) معتادةٌ كما قلنا وإلَّا لم تُضمن. ويضمن المعتاد وإن تعدّد. ومنه يظهر حال الأمثلة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بعض الدوابّ كالفرس بحسب المتعارف هو الركوب، ومنفعة بعضها الحمل وإن كانت قابلةً في نفسها لأن تُستعمل في إدارة الرحى والدولاب أيضاً، فالمضمون في غصب كلّ عينٍ هو المنفعة المتعارفة بالنسبة إلى تلك العين، ولو فرض تعدّد المتعارف منها فيها – كبعض الدوابّ التي تعارف استعمالها في الحمل والركوب معاً – فإن لم تتفاوت أجرة تلك المنافع ضمن تلك الأجرة، فلو غصب يوماً دابّةً تستعمل في الركوب والحمل معاً وكانت أجرة كلّ منهما في كلّ يوم درهماً كان عليه درهمٌ واحدٌ، وإن كانت أجرة بعضها أعلى ضمن الأعلى، فلو فرض أنَّ أُجرة الحمل في كلّ يومٍ درهمان وأُجرة الركوب درهمٌ، كان عليه درهمان. والظاهر أنَّ الحكم كذلك مع الاستيفاء(1) أيضاً، فمع تساوي المنافع في الأُجرة كان عليه أُجرة ما استوفاه، ومع التفاوت كان عليه أجرة الأعلى(2)، سواءٌ استوفى الأعلى أو الأدنى.
(مسألة 19): إن كان المغصوب منه شخصاً يجب الردّ إليه أو إلى وكيله إن كان كاملاً، وإلى وليّه إن كان قاصراً، كما إذا كان صبيّاً أو مجنوناً، فلو ردّ في الثاني إلى نفس المالك لم يرتفع منه الضمان وإن كان المغصوب منه هو النوع، كما إذا كان المغصوب وقفاً على الفقراء وقف منفعةٍ، فإن كان له متولٍّ خاصٌّ يردّه إليه وإلَّا فيردّه إلى الوليّ العامّ وهو الحاكم، وليس له أن يردّه إلى بعض أفراد النوع، بأن يسلّمه في المثال المذكور إلى أحد الفقراء. نعم في مثل المساجد والشوارع والقناطر
ــــــ[505]ـــــــ
(1) إذا استوفى المنفعة المعتادة لم يضمن غيرها، وإلَّا ضمن المنفعتين.
(2) بل على ما قلناه: كلا الأجرتين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بل الربط إذا غصبها يكفي في ردّها رفع اليد عنها وإبقاؤها على حالها، بل يحتمل أن يكون الأمر كذلك في المدارس، فإذا غصب مدرسةً يكفي في ردّها رفع اليد عنها والتخلية بينها وبين الطلبة، لكن الأحوط الردّ إلى الناظر الخاصّ لو كان وإلَّا فإلى الحاكم.
(مسألة 20): إذا كان المغصوب والمالك كلاهما في بلد الغصب فلا إشكال، وكذا إن نقل المال إلى بلدٍ آخر وكان المالك في بلد الغصب، فإنَّه يجب عليه إعادة المال إلى ذلك البلد وتسليمه إلى المالك، وأمّا إن كان المالك في غير بلد الغصب فإن كان في بلد المال فله إلزامه بأحد أمرين: إمّا بتسليمه له في ذلك البلد، وإمّا بنقله إلى بلد الغصب. وأمّا إن كان في بلدٍ آخر فلا إشكال في أنَّ له إلزامه بنقل المال إلى بلد الغصب، وهل له إلزامه بنقل المال إلى البلد الذي يكون فيه المالك؟ إشكال(1).
(مسألة 21): لو حدث في المغصوب نقصٌ وعيبٌ وجبَ على الغاصب أرش النقصان، وهو التفاوت بين قيمته صحيحاً وقيمته معيباً، وردّ المعيوب إلى مالكه، وليس للمالك إلزامه بأخذ المعيوب ودفع تمام القيمة. ولا فرق – على الظاهر- بين ما كان العيب مستقرّاً وبين ما كان ممّا يسري ويتزايد شيئاً فشيئاً حتّى يتلف(2) المال بالمرّة، كما إذا عرضت على الحنطة أو الأرز بلّةٌ وعفونةٌ ففي الثاني
ــــــ[506]ـــــــ
(1) بل إذا كان البلد مسكناً للمالك فلا إشكال.
(2) فإن كان ذلك ممّا لا يمكن دفعه واستعماله قبل التلف ضمن الغاصب كلّ ما يحدث للعين ولو بعد ردّها لأنَّ التسبيب منه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أيضاً يجب على الغاصب أرش النقصان وتفاوت القيمة بين كونها مبلولةً وغير مبلولةٍ، فإنَّ للحنطة المبلولة أيضاً قيمةً عند العرف وأهل الخبرة.
(مسألة 22): لو كان المغصوب باقياً لكن نزلت قيمته السوقية ردّه ولم يضمن نقصان القيمة ما لم يكن ذلك بسبب نقصانٍ في العين.
(مسألة 23): لو تلف المغصوب أو ما بحكمه(1) كالمقبوض بالعقد الفاسد والمقبوض بالسوم قبل ردّه إلى المالك ضمنه بمثله(2) إن كان مثليّاً وبقيمته إن كان قيميّاً. والمراد بالمثليّ ما تساوت قيمة أجزائه؛ لتقاربها في غالب الصفات والخواصّ كالحبوبات من الحنطة والشعير والأرز والذرة والدخن والماش والعدس وغيرها، وكذا الأدهان وعقاقير الأدوية ونحوها، والمراد من القيميّ ما يكون بخلافه كالعبيد والإماء وأنواع الحيوان كالفرس والبغل والحمار والغنم والبقر وغيرها، وكذا الجواهر الكبار والثياب والفرش والبسط وأنواع المصنوعات وغيرها.
(مسألة 24): إنَّما يكون(3) مثل الحنطة مثليّاً إذا لوحظ أشخاص كلّ صنفٍ منها على حدةٍ ولم يلاحظ أشخاص صنفٍ مع أشخاص صنفٍ آخر منها مبائنٍ له في كثيرٍ من الصفات والخصوصيّات، فإذا تلف عنده مقدارٌ من صنفٍ خاصٍّ من
ــــــ[507]ـــــــ
(1) مع ما سبق أن علّقنا على مثله.
(2) الحكم مسلّمٌ إلَّا أنَّ انحصاره غير مسلّمٍ حيث قلنا بإمكان ضمان المثليّ بالقيمة في الأسواق التي تتسالم على ذلك كما في العصر الحاضر. ونريد بالقيمة: المالية المتمثّلة عرفاً بالنقد لا دفع شيءٍ آخر محلّه.
(3) ما في هذه المسألة كلّه بناءً على تعيّن دفع المثل للمثليّ، وقد ناقشناه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الحنطة يجب عليه دفع ذلك المقدار من ذلك الصنف لا من صنفٍ آخر. نعم، التفاوت الذي بين أشخاص ذلك الصنف لا ينظر إليه، وكذلك الأرز فإنَّ فيه أصنافاً متفاوتةً جدّاً، فأين العنبر من الحويزاوي أو غيره، فإذا تلف عنده مقدارٌ من العنبر يجب عليه دفع ذلك المقدار منه لا من غيره، وكذلك الحال في التمر وأصنافه والأدهان وغير ذلك.
(مسألة 25): لو تعذّر المثل في المثليّ ضمن قيمته، وإن تفاوتت القيمة وزادت أو نقصت بحسب الأزمنة، بأن كان له حين الغصب قيمةٌ وفي وقت تلف العين قيمةٌ ويوم التعذّر قيمةٌ واليوم الذي يدفع القيمة إلى المغصوب منه قيمةٌ، فالمدار على(1) الأخير فيجب عليه دفع تلك القيمة.
فلو غصب منّاً من الحنطة كان قيمتها درهمين فأتلفها في زمانٍ كان مثل تلك الحنطة موجود أوكانت قيمتها ثلاثة دراهم(2) ثُمَّ تعذّرت وصارت قيمتها أربعة دراهم ثُمَّ مضى زمانٌ وأراد أن يدفع القيمة لتفريغ ذمّته وكانت قيمة الحنطة في ذلك الزمان خمسة دراهم يجب عليه دفع هذه القيمة.
(مسألة 26): يكفي في التعذّر الذي يجب معه دفع القيمة فقدانه في البلد وما حوله ممّا ينقل منها إليه عادة.
(مسألة 27): لو وجد المثل بأكثر من(3) ثمن المثل وجب عليه الشراء ودفعه إلى المالك.
ــــــ[508]ـــــــ
(1) بل يضمن أعلى القيمتين من يوم الغصب ويوم التلف خاصّة.
(2) وهي القيمة المضمونة في المثال على ما قلنا.
(3) بناءً على ما قلناه من الضمان بالقيمة لا يجب ذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 28): لو وجد المثل ولكن تنزل قيمته لم يكن على الغاصب إلَّا إعطاؤه، وليس للمالك مطالبته بالقيمة ولا بالتفاوت، فلو غصب منّاً من الحنطة في زمانٍ كانت قيمتها عشرة دراهم وأتلفها ولم يدفع مثلها قصوراً أو تقصيراً إلى زمانٍ قد تنزّلت قيمته(1) وصارت خمسة دراهم لم يكن عليه إلَّا إعطاء منٍّ من الحنطة ولم يكن للمالك مطالبة القيمة ولا مطالبة خمسة دراهم مع منٍّ من الحنطة، بل ليس له الامتناع عن الأخذ فعلاً وإبقاؤها في ذمّة الغاصب إلى أن تترقّى القيمة إذا كان الغاصب يريد الأداء وتفريغ ذمّته فعلاً.
(مسألة 29): لو سقط المثل(2) عن الماليّة بالمرّة من جهة الزمان أو المكان فالظاهر أنَّه ليس للغاصب إلزام المالك بأخذ المثل، ولا يكفي دفعه في ذلك الزمان أو المكان في ارتفاع الضمان لو لم يرض به المالك، فلو غصب جمداً في الصيف وأتلفه وأراد أن يدفع إلى المالك مثله في الشتاء أو قربة ماءٍ في مفازة فأراد أن يدفع إليه قربة ماءٍ عند الشطّ ليس له ذلك وللمالك الامتناع، فله أن يصبر وينتظر زماناً أو مكاناً آخر، فيطالبه بالمثل الذي له القيمة، وله أن يطالبه بالقيمة(3) فعلاً كما في صورة تعذّر المثل، وحينئذٍ فالظاهر أنَّه يراعى قيمة المغصوب(4) في
ــــــ[509]ـــــــ
(1) للغاصب عندئذٍ دفع المثل فإنَّه جائزٌ على أيّ حالٍ وليس للمالك مطالبته بالقيمة.
(2) على ما قلناه من جواز ضمان القيمة يضمن أعلى القيمتين من يوم الغصب ويوم التلف. ولا يهمّ سقوطه عن القيمة بعد ذلك. وأمّا مع المشهور في تعيّن المثل فاللازم القول بلزومه حتّى في مثل ذلك وليس للمالك تأجيل الغاصب عن الدفع.
(3) قلنا: له ذلك أساساً.
(4) قلنا: يضمن أعلى القيم من يوم الغصب ويوم التلف، سواءٌ كان المضمون هو تمام القيمة أو
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
زمان الغصب ومكانه.
(مسألة 30): لو تلف المغصوب وكان قيميّاً كالدوابّ والثياب ضمن قيمته، فإن لم يتفاوت قيمته في الزمان الذي غصبه مع قيمته في زمان تلفه فلا إشكال، وإن تفاوتت – بأن كانت قيمته يوم الغصب أزيد من قيمته يوم التلف أو العكس- فهل يراعى الأوّل أو الثاني؟ فيه قولان مشهوران لا يخلو ثانيهما من رجحانٍ، لكنّ الأحوط(1) التراضي والتصالح فيما به التفاوت. هذا إذا كان تفاوت القيمة من جهة السوق وتفاوت رغبة الناس، وأمّا إن كان من جهة زيادةٍ ونقصانٍ في العين كالسمن والهزال فلا إشكال في أنَّه يراعي أعلى القيم وأحسن الأحوال، بل لو فرض أنَّه لم يتفاوت قيمة زماني الغصب والتلف من هذه الجهة لكن حصل فيه ارتفاعٌ بين الزمانين ثُمَّ زال ضمن ارتفاع(2) قيمته الحاصل في تلك الحال، مثل أنَّه كان الحيوان مهزولاً حين الغصب ثُمَّ سمن ثُمَّ عاد إلى الهزال وتلف فإنَّه يضمن قيمته حال سمنه(3).
(مسألة 31): إذا اختلفت القيمة باختلاف المكان – كما إذا كان المغصوب في بلد الغصب بعشرة وفي بلد التلف بعشرين- فالظاهر اعتبار محلّ التلف(4).
(مسألة 32): كما أنَّه عند تلف المغصوب يجب على الغاصب دفع بدله إلى
ــــــ[510]ـــــــ
(1) استحباباً وقلنا: إنَّه يضمن أعلى القيمتين، فراجع.
(2) يعني: الارتفاع الحاصل بتحسّن العين لا القيمة السوقيّة بغضّ النظر عنها.
(3) هذا لأنَّ العين مضمونةٌ والسمن مضمونٌ، كلٌّ في يوم تلفه، فإذا دفع قيمة السمين كفى.
(4) بل أعلى القيمتين: قيمة الغصب وقيمة التلف في أيّ زمانٍ أو مكان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المالك مثلاً أو قيمةً كذلك فيما إذا تعذّر على الغاصب تسليمه عادةً، كما إذا سرق أو دفن في مكان لا يقدر على إخراجه أو أبق العبد أو شردت الدابّة ونحو ذلك، فإنَّه يجب عليه إعطاء مثله أو قيمته ما دام كذلك، ويسمّى ذلك البدل: «بدل الحيلولة»، ويملك المالك البدل مع بقاء(1) المغصوب في ملكه، وإذا أمكن تسليم المغصوب وردّه يسترجع البدل(2).
(مسألة 33): لو كان للبدل نماءٌ ومنافع في تلك المدّة كان للمغصوب منه. نعم نماؤه المتّصل كالسمن تتبع العين، فإذا استرجعها الغاصب استرجعها بنمائها(3)، وأمّا المبدل فلمّا كان باقياً على ملك مالكه فنماؤه ومنافعه له، لكنّ الغاصب لا يضمن(4) منافعها غير المستوفاة في تلك المدّة على الأقوى.
(مسألة 34): القيمة التي يضمنها الغاصب في القيميّات وفي المثليّات عند تعذّر المثل(5) هو نقد البلد من الذهب والفضّة المسكوكين بسكّة المعاملة، وهذا هو الذي يستحقّه المغصوب منه، كما هو كذلك في جميع الغرامات والضمانات، فليس للضامن دفع غيره إلَّا بالتراضي بعد مراعاة قيمة ما يدفعه مقيساً إلى النقدين.
ــــــ[511]ـــــــ
(1) هذا لأجل إزجاء الحاجة الفقهيّة، وإلَّا فمقتضى القاعدة: أنَّ أحد الأمرين ملكه، ولا أثر لهذا الخلاف مادامت الأحكام معلومة.
(2) مع أرشه إن نقص أو مثله أو قيمته إن تلف.
(3) بدون أرش.
(4) مقتضى القاعدة الضمان كما لو كانت العين عنده، على تفصيلٍ سبق، وخاصّة إذا لم يكن عازماً على الإرجاع، غير أنَّ الأرجح هو البراءة.
(5) بل مطلقاً في أسواقنا الحاضرة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 35): الظاهر أنَّ الفلزّات والمعادن المنطبعة كالحديد والرصاص والنحاس كلّها مثليّة(1) حتّى الذهب والفضّة مضروبين أو غير مضروبين، وحينئذٍ تضمن جميعها بالمثل، وعند التعذّر تضمن بالقيمة كسائر المثليّات المتعذّر المثل. نعم في خصوص الذهب والفضّة تفصيلٌ، وهو أنَّه إذا قوّم بغير الجنس – كما إذا قوّم الذهب بالدرهم أو قوّم الفضّة بالدينار- فلا إشكال، وأمّا إذا قوّم بالجنس- بأن قوّم الفضة بالدرهم أو قوّم الذهب بالدينار- فإن تساوى القيمة والمقوّم وزناً كما إذا كانت الفضّة المضمونة المقوّمة عشرة مثاقيل فقوّمت بثمانية دراهم وكان وزنها أيضاً عشرة مثاقيل فلا إشكال أيضاً، وإن كان بينهما تفاوت- بأن كانت الفضّة المقوّمة عشرة مثاقيل مثلاً وقد قُوّمت بثمانية دراهم وزنها ثمانية مثاقيل- فيشكل دفعها غرامةً عن الفضّة، لاحتمال كونه(2) [داخلا في] ربا فيحرم، كما أفتى به جماعةٌ، فالأحوط أن يقوَّم بغير الجنس، بأن يقوّم الفضّة بالدينار والذهب بالدرهم حتّى يسلم من شبهة الربا.
(مسألة 36): لو تعاقبت الأيادي الغاصبة على عينٍ ثُمَّ تلفت – بأن غصبها شخصٌ عن مالكها ثُمَّ غصبها من الغاصب شخصٌ آخر ثُمَّ غصبها من الثاني شخصٌ ثالث وهكذا- ثُمَّ تلفت ضمن الجميع، فللمالك أن يرجع ببدل ماله من
ــــــ[512]ـــــــ
(1) هذا إذا لوحظ مادّتها مجرّدةً، وأمّا بلحاظ الهيئات المتعدّدة جدّاً فالعرف يراها قيميّةً. نعم، النقد مثليٌّ؛ لأنَّه يضمن بالنقد وهو بنفس المعنى قيميٌّ، ولا أثر لهذا الخلاف.
(2) هذا الاحتمال واردٌ فيما إذا زاد وزن القيمة المدفوعة. وأمّا مع قلّتها فلا إشكال لأنَّ الربا يتضمّن دفع قيمةٍ أكبر، وليست العين المغصوبة قيمةً عرفاً للمدفوع بل الأمر بالعكس.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المثل أو القيمة إلى كلّ واحدٍ منهم وإلى أكثر من واحدٍ بالتوزيع متساوياً أو متفاوتاً، حتّى أنَّه لو كانوا عشرةً مثلاً له أن يرجع إلى الجميع ويأخذ من كلٍّ منهم عشر ما يستحقّه من البدل، وله أن يأخذ من واحدٍ منهم النصف والباقي من الباقين بالتوزيع متساوياً أو بالتفاوت.
هذا حكم المالك معهم، وأمّا حكم بعضهم مع بعض: فأمّا الغاصب الأخير الذي تلف المال عنده فعليه قرار الضمان، بمعنى: أنَّه لو رجع عليه المالك وغرمه لم يرجع هو على غيره بما غرمه، بخلاف غيره من الأيادي السابقة، فإنَّ المالك لو رجع إلى واحدٍ منهم فله أن يرجع على الأخير الذي تلف المال عنده، كما أنَّ لكلٍّ منهم الرجوع على تاليه وهو على تاليه وهكذا إلى أن ينتهي إلى الأخير.
(مسألة 37): لو غصب شيئاً مثليّاً فيه صنعةٌ محلّلةٌ كالحليّ من الذهب والفضّة وكالآنية من النحاس وشبهه فتلف عنده أو أتلفه ضمِنَ مادّته بالمثل وصنعته بالقيمة، فلو غصب قرطاً من ذهب كان وزنه مثقالين وقيمة صنعته وصياغته عشرة دراهم ضمِنَ مثقالين من ذهبٍ بدل مادّته وعشرة دراهم قيمة صنعته. ويحتمل قريباً صيرورته بعد الصياغة وبعد ما عرض عليه الصنعة قيميّاً(1)، فيقوّم القرط مثلاً بمادّته وصنعته ويعطى قيمته السوقيّة، والأحوط التصالح. وأمّا احتمال كون المصنوع مثليّاً مع صنعته فبعيدٌ جدّاً. نعم لا يبعد ذلك بل قريب جدّاً في المصنوعات التي لها أمثالٌ متقاربةٌ جدّاً، كالمصنوعات بالمكائن والمعامل المعمولة في هذه الأعصار من أنواع الظروف والأدوات والأثواب وغيرها،
ــــــ[513]ـــــــ
(1) بل هو المتعيّن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فتضمن كلّها بالمثل مع مراعاة صنفها.
(مسألة 38): لو غصب المصنوع وتلفت عنده الهيئة والصنعة فقط دون المادة ردّ العين وعليه قيمة الصنعة، وليس للمالك إلزامه بإعادة الصنعة، كما أنَّه ليس عليه القبول لو بذله الغاصب وقال: إنّي أصنعه كما كان سابقاً.
(مسألة 39): لو كانت في المغصوب المثليّ صنعةٌ محرّمةٌ غير محترمةٍ – كما في آلات القمار والملاهي وآنية الذهب والفضّة ونحوها- لم يضمن الصنعة، سواءٌ أتلفها خاصّةً أو مع ذيها، فيردّ المادة لو بقيت إلى المالك وليس عليه شيءٌ لأجل الهيئة والصنعة.
(مسألة 40): إذا تعيّب المغصوب في يد الغاصب كان عليه أرش النقصان(1)، ولا فرق في ذلك بين الحيوان وغير الحيوان. نعم اختصّ العبيد والإماء ببعض الأحكام وتفاصيل لا يسعها المقام.
(مسألة 41): لو غصب شيئين تنقص قيمة كلّ واحدٍ منهما منفرداً عنها فيما إذا كانا مجتمعين، كمصراعي الباب والخفّين فتلف أحدهما أو أتلفه ضمن قيمة التالف مجتمعاً وردّ الباقي مع ما نقص من قيمته بسبب انفراده، فلو غصب خفّين كان قيمتهما مجتمعين عشرةً وكان قيمة كلٍّ منهما منفرداً ثلاثةً فتلف أحدهما عنده ضمن التالف بقيمته مجتمعاً وهي خمسة وردّ الآخر مع ما ورد عليه من النقص بسبب انفراده وهو اثنان، فيعطى للمالك سبعة مع أحد الخفّين. ولو غصب
ــــــ[514]ـــــــ
(1) هذا مخالفٌ للاحتياط لأنَّ المفروض كون العمل بإذن المالك وإن كان للضمان وجهٌ وجيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أحدهما وتلف عنده ضمن التالف بقيمته مجتمعاً وهي خمسةٌ في الفرض المذكور، وهل يضمن النقص الوارد على الثاني وهو اثنان حتّى تكون عليه سبعةٌ أم لا؟ فيه وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما من رجحان.
(مسألة 42): لو زادت بفعل الغاصب زيادةٌ في العين المغصوبة فهي على أقسام ثلاثة:
أحدها: أن يكون أثراً محضاً، كتعليم الصنعة في العبد وخياطة الثوب بخيوط المالك وغزل القطن ونسج الغزل وطحن الطعام وصياغة الفضّة ونحو ذلك.
ثانيها: أن تكون عينيّةً محضةً، كغرس الأشجار والبناء في الأرض البسيطة ونحو ذلك.
ثالثها: أن تكون أثراً مشوباً بالعينيّة، كصبغ الثوب ونحوه.
(مسألة 43): لو زادت في العين المغصوبة بما يكون أثراً محضاً ردّها كما هي ولا شيء له لأجل تلك الزيادة ولا من جهة أجرة العمل، وليس له إزالة الأثر وإعادة العين إلى ما كانت بدون إذن المالك، حيث إنَّه تصرّفٌ في مال الغير بدون إذنه. بل لو أزاله بدون إذنه ضمن قيمته للمالك وإن لم يرد نقصٌ على العين، وللمالك إلزامه بإزالة الأثر وإعادة الحالة الأُولى للعين إذا كان فيه غرضٌ عقلائيّ، ولا يضمن الغاصب حينئذٍ قيمة الصنعة. نعم، لو ورد نقصٌ على العين ضمن أرش النقصان.
(مسألة 44): لو غصب أرضاً فزرعها أو غرسها فالزرع والغرس ونماؤهما للغاصب وعليه أجرة الأرض ما دامت مزروعةً أو مغروسةً، ويلزم عليه إزالة
ــــــ[515]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
غرسه وإن تضرّر بذلك، وعليه أيضاً طمّ الحفر وأرش النقصان إن نقصت الأرض بالزرع والقلع إلَّا أن يرضى المالك بالبقاء مجّاناً أو بالأجرة. ولو بذل صاحب الأرض قيمة الغرس أو الزرع لم يجب على الغاصب إجابته، وكذا لو بذل الغاصب أجرة الأرض أو قيمتها لم يجب على صاحب الأرض قبوله. ولو حفر الغاصب في الأرض بئراً كان عليه طمُّها مع طلب المالك وليس له طمُّها مع عدم الطلب فضلاً عمّا لو منعه، ولو بنى في الأرض المغصوبة بناءً فهو كما لو غرس فيها، فيكون البناء للغاصب إن كان إجزاؤه له وللمالك إلزامه بالقلع، فحكمه حكم الغرس في جميع ما ذُكر.
(مسألة 45): لو غرس أو بنى في أرضٍ غصبها وكان الغراس وأجزاء البناء لصاحب الأرض كان الكلّ له وليس للغاصب قلعها أو مطالبة الأجرة، وللمالك إلزامه بالقلع والهدم إن كان له غرضٌ عقلائيٌّ في ذلك(1).
(مسألة 46): لو غصب ثوباً وصبغه بصبغه، فإن أمكن إزالته مع بقاء مالية له ذلك(2) وليس لمالك الثوب منعه، كما أنَّ للمالك إلزامه به، ولو ورد نقصٌ على الثوب بسبب إزالة صبغه ضمنه الغاصب، ولو طلب مالك الثوب من الغاصب أن يملّكه الصبغ بقيمته لم يجب عليه إجابته كالعكس بأن يطلب الغاصب منه أن يملّكه الثوب.
هذا إذا أمكن إزالة الصبغ، وأمّا إذا لم يمكن الإزالة أو تراضيا على بقائه
ــــــ[516]ـــــــ
(1) هنا يأتي أرش النقصان الذي علّقنا عليه في التعليقة السابقة مع ما قلناه عنه.
(2) بل إنجازه بغير إذن المالك حرامٌ. فإن أراد الغاصب عينه، استأذن المالك أو تصالحا.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
اشتركا في الثوب(1) المغصوب بنسبة القيمة، فلو كان قيمة الثوب قبل الصبغ يساوي قيمة الصبغ كان بينهما نصفين، وإن كانت ضعف قيمته كان بينهما أثلاثاً ثلثان لصاحب الثوب وثلثٌ لصاحب الصبغ، فإن بقيت قيمة كلّ واحدٍ منهما محفوظةً من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ فالثمن بينهما على نسبة ماليهما ولم يكن على الغاصب ضمانٌ، كما إذا كانت قيمة الثوب عشرةً وقيمة الصبغ عشرةً وقيمة الثوب المصبوغ عشرين أو كانت قيمة الثوب عشرين وقيمة الصبغ عشرةً وقيمة المجموع ثلاثين فيكون الثمن بينهما بالتنصيف في الأوّل وفي الثاني أثلاثاً، وكذا لو زادت قيمة المجموع تكون الزيادة بينهما بتلك النسبة، فلو فرض أنَّه بيع الثوب المصبوغ في الأوّل بثلاثين كانت العشرة الزائدة بينهما بالسويّة، ولو بيع في الفرض الثاني بأربعين كانت العشرة الزائدة بينهما أثلاثاً ثلثان لصاحب الثوب وثلثٌ لصاحب الصبغ، وإن نقصت قيمته مصبوغاً عن قيمتهما منفردين – كما إذا كانت قيمة كلٍّ منهما عشرةً وكانت قيمة الثوب مصبوغاً خمسة عشر- فإن كان ذلك لحدوث نقصٍ في الثوب بسبب الصبغ ضمنه الغاصب، وإن كان بسبب تنزّل القيمة السوقية(2) فهو محسوبٌ على صاحبه ولا يضمنه الغاصب.
ــــــ[517]ـــــــ
(1) هذا باعتبار قيمة الصبغ لا قيمة الثوب لو زادت به، غير أنَّ لحاظ قيمةٍ للصبغ مستقلاً غير عرفيّ، كما أنَّ ملكيّته كذلك. وليس للغاصب أيّ استحقاقٍ في الثوب. وورود الصبغ عليه غصبيٌّ غير محترمٍ فالاشتراك مشكلٌ، فلا يبقى إلَّا التصالح. ومنه يظهر حال الأمثلة.
(2) إن كان تنزّلها بسبب فعل الغاصب أعني الصبغ في المثال، كما لو كان الثوب الخالي من الصبغ أعلى قيمةً، فيضمن الفرق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 47): لو صبغ الثوب المغصوب بصبغٍ مغصوبٍ حصلت الشركة بين صاحبي الثوب والصبغ بنسبة قيمتهما، ولا غرامة على الغاصب لو لم يرد نقصٌ عليهما، وإن ورد ضمنه الغاصب لمن ورد عليه. فلو فرض أنَّ قيمة كلٍّ من الثوب والصبغ عشرةً وكانت قيمة الثوب المصبوغ خمسة عشر ضمن الغاصب لهما خمسةً لكلٍّ منهما اثنان ونصف.
(مسألة 48): لو مزج الغاصب المغصوب بغيره أو امتزج في يده بغير اختياره مزجاً رافعاً للتميّز بينهما، فإن كان بجنسه وكانا متماثلين ليس أحدهما أجود من الآخر وأردأ تشاركا في المجموع بنسبة ماليهما وليس على الغاصب غرامةٌ بالمثل أو القيمة، بل الذي عليه تسليم المال والإقدام على الإفراز والتقسيم بنسبة المالين أو البيع وأخذ كلّ واحدٍ منهما حصّته من الثمن كسائر الأموال المشتركة. وإن خلطا المغصوب بما هو أجود أو أردأ منه تشاركا أيضاً بنسبة المالين، إلَّا أنَّ التقسيم وتوزيع الثمن بينهما بنسبة القيمة، فلو خلط منّاً من زيتٍ قيمته خمسةٌ بمنٍّ منه قيمته عشرةٌ كان لكلٍّ منهما نصف المجموع(1)، لكن إذا بنيا على القسمة يجعل ثلاثة أسهمٍ ويعطى لصاحب الأوّل سهمٌ ولصاحب الثاني سهمان، وإذا باعاه يقسم الثمن بينهما أثلاثاً، والأحوط(2) في مثل ذلك – أعني اختلاط مختلفي القيمة من جنسٍ واحدٍ- البيع وتوزيع الثمن بنسبة القيمة لا التقسيم بالتفاضل بنسبتها، من
ــــــ[518]ـــــــ
(1) لعلّ هذا سهوٌ من الماتن بعد أن قال بالشركة بالقيمة، ففي المثال الغاصب الثلثين وللمغصوب منه الثلث وإن تساوت العينان المخلوطتان في الوزن. وسيأتي منه ما يوضّح ذلك.
(2) استحباباً، وهو مراده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
جهة شبهة لزوم(1) الربا في الثاني كما قال به جماعة.
هذا إذا مزج المغصوب بجنسه، وأمّا إذا اختلط بغير جنسه فإن كان فيما يعدّ تالفاً (كما إذا اختلط ماء الورد المغصوب بالزيت) ضمن المثل(2)، وإن لم يكن كذلك (كما لو خلط لو دقيق الحنطة بدقيق الشعير أو خلط الخلّ بالعسل) فالظاهر أنَّه بحكم الخلط بالأجود أو الأردأ من جنسٍ واحدٍ، فيشتركان في العين بنسبة المالين ويقسمان العين ويوزّعان الثمن بينهما بنسبة القيمتين كما مرّ.
(مسألة 49): لو خلط المغصوب بالأجود أو الأردأ وصار قيمة المجموع المخلوط أنقص من قيمة الخليطين منفردين، فورد بذلك النقص الماليّ على المغصوب ضمنه الغاصب، كما لو غصب منّاً من زيتٍ جيّدٍ قيمته عشرةٌ وخلطه بمنٍّ منه رديء قيمته خمسةٌ فنقصت قيمة المجموع بسبب الاختلاط ورجعت قيمة المنّين اثني عشر، فصار حصّة المغصوب منه من الثمن بعد التوزيع ثمانية، والحال أنَّ زيته غير مخلوطٍ كان يسوى عشرةً، فورد النقص عليه باثنين، وهذا النقص يغرمه الغاصب. وإن شئت قلت: يستوفي المالك قيمة ماله غير مخلوطٍ من الثمن، وما بقي يكون للغاصب.
(مسألة 50): فوائد المغصوب مملوكةٌ للمغصوب منه وإن تجدّدت بعد الغصب، وهي كلّها مضمونةٌ على الغاصب أعياناً كانت كاللبن والولد والشعر والثمر أو منافع كسكنى الدار وركوب الدابّة، بل كلّ صفةٍ زادت بها قيمة
ــــــ[519]ـــــــ
(1) وهي شبهةٌ ضعيفةٌ؛ لأنَّ القسمة ليست بيعاً.
(2) والأحوط للغاصب استئذان المالك في إبقاء العين المخلوطة عنده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المغصوب لو وُجدت في زمان الغصب ثُمَّ زالت وتنقّصت بزوالها قيمته ضمنها الغاصب وإنَّ ردّ العين كما كانت قبل الغصب، فلو غصب دابّةً مهزولة أو عبداً جاهلاً ثُمَّ سمنت الدابة أو تعلّم العبد الصنعة فزادت قيمتهما بسبب ذلك ثُمَّ هزلت الدابة أو نسي المملوك الصنعة ضمن الغاصب تلك الزيادة التي حصلت ثُمَّ زالت. نعم لو زادت القيمة لزيادة صفةٍ ثُمَّ زالت تلك الصفة ثُمَّ عادت الصفة بعينها لم يضمن قيمة الزيادة التالفة؛ لانجبارها بالزيادة العائدة، كما إذا سمنت الدابّة في يده فزادت قيمتها ثُمَّ هزلت ثُمَّ سمنت(1) فإنَّه لا يضمن الزيادة الحاصلة بالسمن الأوّل إلَّا إذا نقصت الزيادة الثانية عن الأُولى، بأن كانت الزيادة الحاصلة بالسمن الأوّل درهمين والحاصلة بالثاني درهماً مثلاً، فيضمن التفاوت.
(مسألة 51): لو حصلت فيه صفةٌ فزادت قيمته ثُمَّ زالت فنقصت ثُمَّ حصلت فيه صفةٌ أُخرى زادت بها قيمته لم يزل ضمان الزيادة الأُولى ولم ينجبر نقصانها بالزيادة الثانية، كما إذا سمنت الجارية المغصوبة ثُمَّ هزلت فنقصت قيمتها ثُمَّ تعلّمت الخياطة فزادت قيمتها بقدر الزيادة الأُولى أو أزيد لم يزل ضمان الغاصب للزيادة الأُولى.
(مسألة 52): إذا غصب حبّاً فزرعه أو بيضاً فاستفرخه تحت دجاجته مثلاً كان الزرع والفرخ للمغصوب منه، وكذا لو غصب خمراً فصار خلاً أو غصب عصيراً فصار خمراً عنده ثُمَّ صار خلّا فإنَّه ملكٌ للمغصوب منه لا الغاصب، وأمّا لو غصب فحلاً فأنزاه على الأنثى وأولدها كان الولد لصاحب الأنثى وإن كان
ــــــ[520]ـــــــ
(1) بنفس المقدار أو أكثر، وإلَّا ضمن الفرق وسيأتي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
هو الغاصب وعليه أجرة الضراب.
(مسألة 53): جميع ما مرّ من الضمان وكيفيّته وأحكامه وتفاصيله جاريةٌ في كلّ يدٍ جاريةٍ على مال الغير بغير حقٍّ وإن لم تكن(1) عاديةً وغاصبةً وظالمةً، إلَّا في موارد الأمانات مالكيّةً كانت أو شرعيّةً، كما عرفت التفصيل في كتاب الوديعة، فتجري في جميع ما يقبض بالمعاملات الفاسدة(2). وما وضع اليد عليه بسبب الجهل والاشتباه، كما إذا لبس مداس غيره أو ثوبه اشتباهاً أو أخذ شيئاً من سارقٍ عاريةً باعتقاد أنَّه ماله وأمثال ذلك.
(مسألة 54): كما أنَّ اليد الغاصبة وما يلحق بها موجبةٌ للضمان – وهو المسمّى: «بضمان اليد» وقد عرفت تفصيله في المسائل السابقة- كذلك للضمان سببان آخران: الإتلاف، والتسبيب.
وبعبارة أُخرى: له سبب آخر، وهو الإتلاف، سواءٌ كان بالمباشرة أو التسبيب.
(مسألة 55): الإتلاف بالمباشرة واضحٌ لا يخفى مصاديقه، كما إذا ذبح حيواناً أو رماه بسهم فقتله أو ضرب على إناءٍ فكسره أو رمى شيئاً في النار فأحرقه وغير ذلك مما لا يحصى، وأمّا الإتلاف بالتسبيب فهو إيجاد شيءٍ يترتّب عليه
ــــــ[521]ـــــــ
(1) هذا خلاف الاحتياط جدّاً بدون تعدٍّ أو تفريط.
(2) مع علم القابض بالفساد بلا إشكالٍ، ولا يضمن مع علم المالك بالفساد بلا إشكال. وأمّا بدون ذلك فيأتي الاحتياط المشار إليه في التعليقة السابقة، وقد قلنا ما يكفي عنه في أوّل كتاب الغصب. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الإتلاف بسبب وقوع شيءٍ، كما لو حفر بئراً في الطريق فوقع فيها إنسانٌ أو حيوانٌ أو طرح المعاثر والمزالق كقشر البطيخ والرقّي في المسالك أو أوتد في الطريق فأصاب به عطب أو جنايةً على حيوانٍ أو إنسانٍ أو وضع شيئاً على الطريق فتمرّ به الدابّة فتنفر بصاحبها(1) فتعقره أو أخرج ميزاباً على الطريق فأضرّ بالمارّة أو ألقى صبيّاً أو حيواناً يضعف عن الفرار في مسبعةٍ فقتله السبع. ومن ذلك ما لو فكّ القيد عن الدابّة فشردت أو فتح قفصاً عن طائر فطار مبادراً أو بعد مكثٍ وغير ذلك، ففي جميع ذلك يكون فاعل السبب ضامناً ويكون عليه غرامة التالف(2) وبدله، إن كان مثليّاً فبالمثل وإن كان قيميّاً فبالقيمة، وإن صار سبباً لتعيّب المال كان عليه الأرش كما في ضمان اليد.
(مسألة 56): لو غصب شاةً ذات ولدٍ فمات ولدها جوعاً أو حبس مالك الماشية أو راعيها عن حراستها فاتّفق تلفها لم يضمن بسبب التسبيب إلَّا إذا انحصر غذاء الولد بالارتضاع من أُمّه وكانت الماشية في محالّ السباع ومظانّ الخطر وانحصر حفظها في حراسة راعيها، فعليه الضمان حينئذٍ على الأقوى.
(مسألة 57): ومن التسبيب الموجب للضمان: ما لو فكّ وكاء ظرفٍ فيه مائعٌ فسال ما فيه، وأمّا لو فتح رأس الظرف ثُمَّ اتّفق أنَّه قلبته الريح الحادثة أو انقلبت بوقوع طائرٍ عليه مثلاً فسال ما فيه ففي الضمان تردّدٌ وإشكالٌ. نعم يقوى الضمان فيما كان ذلك في حال هبوب الرياح العاصفة أو في مجتمع الطيور ومظانّ وقوعها عليه.
ــــــ[522]ـــــــ
(1) إذا كان ممّا يترتّب على ذلك عادةً وإن بعُد الفرض.
(2) إن تلف والناقص إن نقص والغائب ببدل الحيلولة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 58): ليس من التسبيب الموجب للضمان: ما لو فتح باباً على مالٍ فسُرق أو دلّ سارقاً عليه فسرقه، فلا ضمان عليه.
(مسألة 59): لو وقع الحائط على الطريق مثلاً فتلف بوقوعه مالٌ أو نفسٌ لم يضمن صاحبه، إلَّا إذا بناه مائلاً إلى الطريق أو مال إليه بعد ما كان مستوياً وقد تمكّن صاحبه من الإزالة ولم يزله، فعليه الضمان في الصورتين على الأقوى.
(مسألة 60): لو وضع كوزاً مثلاً أو ظرفاً آخر على حائطه فسقط وتلف به مالٌ أو نفسٌ لم يضمن إلَّا إذا وضعه مائلاً إلى الطريق أو وضعه على وجه يسقط مثله.
(مسألة 61): ومن التسبيب الموجب للضمان ما إذا أشعل ناراً في ملكه وداره زائداً على مقدار حاجته فتعدّت وأحرقت دار جاره مثلاً، فيضمن مع العلم أو الظنّ بتعدّيها لعصف الهواء مثلاً، بل الظاهر كفاية الثاني فيضمن مع الظنّ بالتعدّي ولو كان بمقدار الحاجة، بل لا يبعد الضمان إذا اعتقد عدم كونها متعدّية فتبيّن خلافه، كما إذا كانت ريحٌ تهبّ حين إشعال النار وهو يعتقد أنَّ بمثل هذه الريح لا تسري النار إلى الجار فتبيّن خلافه. نعم لو كان الهواء ساكناً بحيث يؤمن معه من التعدّي فاتّفق عصف الهواء بغتةً فطارت شرارتها أو أحرقت يقوى عدم الضمان.
(مسألة 62): إذا أرسل الماء في ملكه فتعدّى إلى ملك غيره فأضرّ به ضمن مطلقاً ولو مع اعتقاده عدم التعدّي فضلاً عما لو علم أو ظنّ به.
(مسألة 63): لو تعب حمّال الخشبة فأسندها إلى جدار الغير ليستريح بدون إذن صاحب الجدار فوقع بإسناده إليه ضمنه وضمن ما تلف بوقوعه عليه، ولو
ــــــ[523]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وقعت الخشبة فأتلف شيئاً ضمنه، سواءٌ وقعت في الحال أو بعد ساعة مثلاً.
(مسألة 64): لو فتح قفصاً عن طائرٍ فخرج وكسر بخروجه قارورة شخصٍ مثلاً ضمنها الفاتح(1)، وكذا لو كان القفص ضيّقاً مثلاً فاضطرب بخروجه فسقط وانكسر ضمنه.
(مسألة 65): إذا أكلت دابّة شخصٍ زرع غيره أو أفسدته، فإن كان معها صاحبها راكباً أو سائقاً أو قائداً أو مصاحباً ضمن ما أتلفته، وإن لم يكن معها
-بأن انفلتت من مراحها مثلاً فدخلت زرع غيره- ضمن ما أتلفته إن كان ذلك ليلاً وليس عليه ضمانٌ إن كان نهاراً.
(مسألة 66): لو كانت الشاة أو غيرها في يد الراعي أو الدابّة في يد المستعير أو المستأجر فاتلفتا زرعاً أو غيره كان الضمان على الراعي والمستأجر والمستعير لا على المالك والمعير.
(مسألة 67): لو اجتمع سببان للإتلاف بفعل شخصين، فإن لم يكن أحدهما أسبق في التأثير اشتركا في الضمان، وإلَّا كان الضمان على المتقدّم في التأثير. فلو حفر شخصٌ بئراً في الطريق ووضع شخصٌ آخر حجراً بقربها فعثر به إنسانٌ أو حيوانٌ فوقع في البئر كان الضمان على واضع الحجر دون حافر البئر، ويحتمل قويّاً اشتراكهما في الضمان مطلقاً.
(مسألة 68): لو اجتمع السبب مع المباشر كان الضمان على المباشر دون فاعل السبب، فلو حفر شخصٌ بئراً في الطريق فدفع غيره فيها إنساناً أو حيواناً
ــــــ[524]ـــــــ
(1) إذا كان ممّا يحصل ذلك عادةً حسب مكان القارورة، وإلَّا لم يضمن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كان الضمان على الدافع دون الحافر. نعم لو كان السبب أقوى من المباشر كان الضمان عليه لا على المباشر، فلو وضع قارورةً بقرب شخصٍ نائمٍ فمدّ رجله وكسرها كان الضمان(1) على الواضع دون النائم.
(مسألة 69): لو أكره على إتلاف مال غيره كان الضمان على من أكرهه وليس عليه ضمانٌ، لكون ذي السبب أقوى من المباشر. هذا إذا لم يكن المال مضموناً في يده، بأن أكرهه على إتلاف ما ليس تحت يده أو على إتلاف الوديعة التي عنده مثلاً، وأمّا إذا كان المال مضموناً في يده – كما إذا غصب مالاً فأكرهه شخصٌ على إتلافه- فالظاهر ضمان كليهما، فللمالك الرجوع على أيّهما شاء، فإن رجع على المكره (بالكسر) لم يرجع على المكره (بالفتح)، بخلاف العكس. هذا إذا أكره على إتلاف المال، وأمّا لو أكره على قتل أحدٍ محقون الدم فقتله فالضمان على القاتل من دون رجوعٍ على المكره (بالكسر) وإن كان معاقباً(2)، فإنَّه لا إكراه في الدماء.
(مسألة 70): لو غصب مأكولاً مثلاً فأطعمه المالك مع جهله(3) بأنَّه ماله
-بأن قال له: هذا ملكي وطعامي- أو قدّمه إليه ضيافةً؛ مثلاً: لو غصب شاةً واستدعى من المالك ذبحها فذبحها مع جهله بأنَّها شاته ضمن الغاصب وإن كان المالك هو المباشر للإتلاف. نعم لو دخل المالك دار الغاصب مثلاً ورأى طعاماً فأكله(4)
ــــــ[525]ـــــــ
(1) مع اعتياد الحركة للنائم أو ظنّها.
(2) يعني: عقاباً أُخرويّاً.
(3) يعني: المالك. وكذلك مع جهل الغاصب أنَّه المالك.
(4) بدون إذن الغاصب أو تسبيبه كما لو كان غفلةً منه أو قهراً عليه، وإلَّا كان داخلاً في الفرع السابق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
باعتقاد أنَّه طعام الغاصب وكان طعام الآكل فالظاهر عدم ضمان الغاصب.
(مسألة 71): لو غصب طعاماً من شخصٍ وأطعمه غير المالك على أنَّه ماله مع جهل الآكل بأنَّه مال غيره – كما إذا قدّمه إليه بعنوان الضيافة مثلاً- ضمن كلاهما، فللمالك أن يغرم أيَّهما شاء، فإن أغرم الغاصب لم يرجع على الآكل وإن أغرم الآكل رجع على الغاصب لأنَّه قد غرّه.
(مسألة 72): إذا سعى إلى الظالم على أحدٍ أو اشتكى عنده بحقٍّ أو بغير حقٍّ(1) فأخذ الظالم منه مالاً بغير حقٍّ لم يضمن الساعي والمشتكي ما خسره، وإن أَثِمَ بسبب سعايته أو شكايته إذا كانت بغير حقٍّ، وإنَّما الضمان على مَن أخذ المال.
(مسألة 73): إذا تلف المغصوب وتنازع المالك والغاصب في القيمة ولم تكن بيّنةٌ فالقول قول الغاصب مع يمينه، وكذا لو تنازعا في صفةٍ تزيد بها القيمة، بأن ادّعى المالك وجود تلك الصفة فيه يوم غصبه أو حدوثها بعده، وإن زالت فيما بعد وأنكره الغاصب ولم يكن بيّنةٌ فالقول قول الغاصب مع يمينه.
(مسألة 74): إذا كان على العبد المغصوب الذي تحت يد الغاصب ثوبٌ أو خاتمٌ مثلاً أو على الدابّة المغصوبة رحلٌ أو علّق بها حبلٌ واختلفا فيما عليهما فقال المغصوب منه: هو لي، وقال الغاصب: هو لي، ولم تكن بيّنةٌ فالقول قول الغاصب مع يمينه لكونه ذا يدٍ فعليّةٍ عليه.
ــــــ[526]ـــــــ
(1) أو كان الحكم فيها بغير حقّ، وإن كان ظاهر الروايات أنَّ الرجوع إلى الظالم إثمٌ مطلقاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب احياء الموات والمشتركات
القول في إحياء الموات
الموات: هي الأرض العطلة التي لا يُنتفع بها، إمّا لانقطاع الماء عنها أو لاستيلاء المياه أو الرمول أو السبخ أو الأحجار عليها أو لاستيجامها والتفاف القصب والأشجار بها أو لغير ذلك، وهو على قسمين:
الأوّل: الموات بالأصل، وهو ما لم يعلم مسبوقيّته بالملك والإحياء، أو عُلم عدم مسبوقيّته بهما، كأكثر المفاوز والبراري والبوادي وصفحات الجبال وأذيالها ونحوها.
الثاني: الموات بالعارض، وهو ما عُرض عليه الخراب والموتان بعد الحياة والعمران، كالأراضي الدارسة التي بها آثار المروز [الحدود] والأنهار والقرى الخربة التي بقيت منها رسوم العمارة.
(مسألة 1): الموات بالأصل وإن كان ملكاً للإمام حيث إنَّه من الأنفال كما مرّ في كتاب الخمس، لكن يجوز في زمان الغيبة لكلّ أحدٍ إحياؤه مع الشروط الآتية والقيام بعمارته ويملكه المحيي على الأقوى، سواءٌ كان في دار الإسلام أو في دار الكفر، وسواءٌ كان في أرض الخراج كأرض العراق أو في غيرها، وسواءٌ كان المحيي مسلماً أو كافراً.
ــــــ[527]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 2): الموات بالعارض الذي كان مسبوقاً بالملك والاحياء إذا لم يكن له مالكٌ معروفٌ على قسمين:
الأوّل: ما باد أهلها وصارت بسبب مرور الزمان وتقادم الأيّام بلا مالكٍ، وذلك كالأراضي الدارسة والقرى والبلاد الخربة وكالقنوات الطامسة التي كانت للأمم الماضية الذين لم يبق منهم اسمٌ ولا رسمٌ المنسوبة إلى أقوامٍ أو أشخاصٍ لم يُعرف منهم إلَّا الاسم.
الثاني: ما لم يكن كذلك ولم تكن بحيث تُعدّ بلا مالكٍ، بل كانت لمالكٍ موجودٍ ولم يُعرف شخصه ويقال لها: مجهولة المالك.
فأمّا القسم الأوّل فهو بحكم الموات بالأصل في كونه من الأنفال وأنَّه يجوز إحياؤه ويملكه المحيي، فيجوز إحياء الأراضي الدارسة التي بقيت فيها آثار الأنهار والسواقي والمرور وتنقية القنوات والآبار المطمومة وتعمير الخربة من القرى والبلاد القديمة التي بقيت بلا مالكٍ، ولا يعامل معها معاملة مجهول المالك، ولا يحتاج إلى الإذن من حاكم الشرع أو الشراء منه، بل يملكها المحيي والمعمّر بنفس الإحياء والتعمير.
وأمّا القسم الثاني فلا إشكال في جواز إحيائه والقيام بتعميره والتصرّف فيه بأنواع التصرّفات، وهل يملكه المحيي عيناً ومنفعةً وليس عليه شيءٌ إلَّا الزكاة عند اجتماع شرائطها كالقسم الأوّل أم لا؟ ظاهر المشهور(1) هو الأوّل، لكنّه لا يخلو من إشكالٍ، فالأحوط أن يتفحّص عن صاحبه وبعد اليأس عنه يعامل معه
ــــــ[528]ـــــــ
(1) المنصور، ومنه يظهر حال باقي المسألة فإنَّها جميعاً من الاحتياط الاستحبابيّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
معاملة مجهول المالك، فإمّا أن يشتري عينها من الحاكم الشرعي ويصرف ثمنها على الفقراء، وإمّا أن يستأجرها منه بأجرةٍ معيّنةٍ، أو يقدّر ما هو أجرة مثلها لو انتفع بها ويتصدّق بها على الفقراء. نعم، لو علم أنَّ مالكها قد أعرض عنها أو انجلى عنها أهلها وتركوها لقومٍ آخرين جاز إحياؤها وتملّكها بلا إشكال.
(مسألة 3): إذا كان ما طرأ عليه الخراب لمالكٍ معلومٍ، فإن أعرض عنه مالكه كان لكلّ أحدٍ إحياؤه وتملّكه، وإن لم يعرض عنه فإن أبقاه مواتاً للانتفاع بها في تلك الحال بتعليف دوابّه أو بيع حشيشه أو قصبه ونحو ذلك فربّما ينتفع منها مواتاً أكثر ممّا ينتفع منها محياةً فلا إشكال في أنَّه لا يجوز لأحدٍ إحياؤها والتصرّف فيها بدون إذن مالكها، وكذا فيما إذا كان مهتمّاً بإحيائها عازماً عليه وإنَّما أخّر الاشتغال به لجمع الآلات وتهيئة الأسباب المتوقّعة الحصول أو لانتظار وقتٍ صالحٍ له.
وأمّا لو ترك تعمير الأرض وإصلاحها وأبقاها إلى الخراب لعدم الاعتناء بشأنها وعدم الاهتمام بترميمها وعدم عزمه على إحيائها إمّا لعدم حاجته إليها أو لاشتغاله بتعمير غيرها فبقيت مهجورةً مدّةً معتدّاً بها حتّى آل إلى الخراب، فإن كان سبب ملك المالك غير الإحياء(1)- مثل أنَّه ملكها بالإرث أو الشراء- فليس لأحدٍ وضع اليد عليها وإحياؤها والتصرّف فيها إلَّا بإذن مالكها، ولو أحياها أحدٌ وتصرّف فيها وانتفع بها بزرعٍ أو غيره فعليه أجرتها لمالكها. وإن كان سبب ملكه الإحياء -بأن كانت أرضا مواتاً بالأصل فأحياها وملكها ثُمَّ بعد ذلك
ــــــ[529]ـــــــ
(1) بل حكمه حكم الإحياء الآتي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عطّلها وترك تعميرها حتّى آلت إلى الخراب- فالظاهر أنَّه يجوز إحياؤها لغيره، فلو أحياها غيره وعمّرها كان الثاني أحقّ بها من الأوّل وليس للأوّل انتزاعها من يده، وإن كان الأحوط(1) أنَّه لو رجع الأوّل إليه أعطى حقّه إليه ولم يتصرّف فيها إلَّا بإذنه.
(مسألة 4): كما يجوز إحياء القرى الدارسة والبلاد القديمة التي باد أهلها وصارت بلا مالكٍ بجعلها مزرعاً أو مسكناً أو غيرهما، كذا يجوز حيازة أجزائها الباقية من أحجارها وأخشابها وآجرّها وغيرها، ويملكها الحائز إذا أخذها بقصد التملّك.
(مسألة 5): لو كانت الأرض موقوفةً وطرأها الموتان والخراب، فإن كانت من الموقوفات القديمة الدارسة التي لم يُعلم كيفيّة وقفها وأنَّها خاصٌّ أو عامٌّ أو وقفٌ على الجهات ولم يُعلم من الاستفاضة والشهرة غير كونها وقفاً على أقوامٍ ماضين لم يبق منهم اسمٌ ولا رسمٌ أو قبيلةٌ لم يعرف منهم إلَّا الاسم، فالظاهر أنَّها من الأنفال، فيجوز إحياؤها، كما إذا كانت الموات المسبوق بالملك على هذا الحال. وإن علم أنَّها وقفٌ على الجهات ولم تتعيّن – بأن عُلم أنَّها وقفٌ إمّا على مسجدٍ أو مشهدٍ أو مقبرةٍ أو مدرسةٍ أو غيرها- ولم يعلمها بعينها، أو علم أنَّها وقفٌ على أشخاصٍ لم يعرفهم بأشخاصهم أو أعيانهم، كما إذا علم أنَّ مالكها قد وقفها على ذرّيّته ولم يعلم من الواقف ومن الذرّية، فالظاهر أنَّ ذلك بحكم الموات المجهول المالك الذي نسب إلى المشهور القول بأنَّه من الأنفال، وقد مرّ ما فيه من الإشكال،
ــــــ[530]ـــــــ
(1) استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بل القول به هنا أشكل، فالأحوط القيام بإحيائها وتعميرها والتصرّف فيها والانتفاع بها بزرعٍ أو غيره وأن يصرف(1) أجرة مثلها في الأوّل في وجوه البرّ وفي الثاني على الفقراء، بل الأحوط خصوصاً في الأوّل مراجعة الحاكم الشرعي. وأمّا لو طرأ الموتان على الوقف الذي عُلم مصرفه أو الموقوف عليهم، فلا ينبغي الإشكال في أنَّه لو أحياه(2) أحدٌ وعمره وجب عليه صرف منفعته في مصرفه المعلوم في الأوّل، ودفعها وإيصالها إلى الموقوف عليهم المعلومين في الثاني، وإن كان المتولّي أو الموقوف عليهم تاركين إصلاحه وتعميره وترميمه إلى أن آل إلى الخراب.
(مسألة 6): إذا كانت الموات بالأصل حريماً(3) لعامرٍ مملوكٍ لا يجوز(4) لغير مالكه إحياؤه، وإن أحياه لم يملكه(5). وتوضيح ذلك: أنَّ من أحيى مواتاً لإحداث شيءٍ من دارٍ أو بستانٍ أو مزرعٍ أو غيرها تبع ذلك الشيء الذي أحدثه مقدارٌ من
ــــــ[531]ـــــــ
(1) يكفي في هذا وما بعده مراجعة الحاكم الشرعي، يرى فيها رأيه، والظاهر أنَّ الماتن ذكرها بهذه الصفة له.
(2) إذا لم يكن من الموقوف عليهم مع وجود بعضهم لم يجز تصرّفه ومع عدمهم تجب مراجعة الحاكم الشرعي. وإذا كان منهم جاز بدونها ويصرف الريع على نفسه أو على مجموع الموقوف عليهم حسب شرط الواقف. ومنه يظهر باقي المسألة.
(3) الظاهر: أنَّ الحريم حكمٌ أخلاقيّ تنزيهيّ وليس إلزاميّاً إلَّا بالعنوان الثانوي إن وجد كإيذاء المؤمن، غايته: وجود حقّ الاختصاص له.
(4) تكليفاً بلا إشكالٍ لا وضعاً.
(5) بل مقتضى الإطلاقات ملكيّته وهو الأقوى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأرض الموات القريبة من ذلك الشيء الحادث ممّا يحتاج إليها لتمام الانتفاع به ويتعلّق بمصالحه عادةً، ويسمّى ذلك المقدار التابع حريماً لذلك المتبوع، ويختلف مقدار الحريم زيادةً ونقيصةً باختلاف ذي الحريم، وذلك من جهة تفاوت الأشياء في المصالح والمرافق المحتاج إليها، فما يحتاج إليه الدار من المرافق بحسب العادة غير ما يحتاج إليه البئر والنهر مثلاً، وهكذا باقي الأشياء، بل يختلف ذلك باختلاف البلاد والعادات أيضاً، فإذا أراد شخصٌ إحياء حوالي ماله الحريم لا يجوز له إحياء مقدار الحريم بدون إذن المالك ورضاه، وإن أحياه لم يملكه(1) وكان غاصباً.
(مسألة 7): حريم الدار: مطرح ترابها وكناستها ورمادها ومصبّ مائها ومطرح ثلوجها ومسلك الدخول والخروج منها في الصوب(2) الذي يفتح إليه الباب، فلو بنى داراً في أرضٍ مواتٍ تبعها هذا المقدار من الموات من حواليها، فليس لأحدٍ(3) أن يحيي هذا المقدار بدون رضا صاحب الدار. وليس المراد من استحقاق الممرّ في قبالة الباب استحقاقه على الاستقامة وعلى امتداد الموات، بل المراد أن يبقى مسلكٌ له يدخل ويخرج إلى الخارج بنفسه وعياله وأضيافه وما تعلّق به من دوابّه وأحماله وأثقاله بدون مشقّةٍ بأيّ نحوٍ كان، فيجوز لغيره إحياء ما في قبالة الباب من الموات إذا بقي له الممرّ ولو بانعطاف وانحراف.
وحريم الحائط لو لم يكن من الدار – بأن كان مثلاً جدار حصارٍ أو بستانٍ أو
ــــــ[532]ـــــــ
(1) ظهر ما فيه، ولا يصدق عليه عنوان الغاصب بدليل أنَّه لا يضمن لذي الحريم شيئاً شرعاً.
(2) تعبيرٌ مأخوذٌ من العاميّة العراقية وفصيحه: جانب أو جهة.
(3) بمقدار ما قلناه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
غير ذلك- مقدار ما يحتاج إليه لطرح التراب والآلات وبل الطين لو انتقض واحتاج إلى البناء والترميم.
وحريم النهر: مقدار مطرح طينه وترابه إذا احتاج إلى التنقية، والمجاز على حافتيه للمواظبة عليه ولإصلاحه بقدر ما يحتاج اليه.
وحريم البئر: ما يحتاج إليه لأجل السقي منها والانتفاع بها من الموضع الذي يقف فيه النازح إن كان الاستقاء منها باليد، وموضع الدولاب ومتردّد البهيمة إن كان الاستقاء بهما، ومصبّ الماء والموضع الذي يجتمع فيه لسقي الماشية أو الزرع من حوضٍ ونحوه، والموضع الذي يطرح فيه ما يخرج منها من الطين وغيره لو اتّفق الاحتياج إليه.
وحريم العين: ما يحتاج إليه لأجل الانتفاع بها أو إصلاحها وحفظها على قياس غيرها.
(مسألة 8): لكلٍّ من البئر والعين والقناة – أعني بئرها الأخيرة التي هي منبع الماء ويقال لها بئر العين وأمّ الآبار- حريمٌ آخر بمعنىً آخر، وهو المقدار الذي ليس لأحدٍ أن يحدث بئراً أو قناةً أُخرى فيما دون ذلك المقدار بدون إذن صاحبهما، وهو في البئر أربعون ذراعاً(1) إذا كان حفرها لأجل استقاء الماشية من الإبل ونحوها منها، وستّون ذراعاً إذا كان لأجل الزرع وغيره، فلو أحدث شخصٌ بئراً في مواتٍ من الأرض لم يكن لشخصٍ آخر إحداث بئرٍ أخرى في جنبها بدون إذنه، بل ما لم يكن الفصل بينهما أربعين ذراعاً أو ستّين فما زاد على ما فصل.
ــــــ[533]ـــــــ
(1) بالذراع المتعارف بين المختصّين في أيّ بلد.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وفي العين والقناة خمسمائة ذراعٍ في الأرض الصلبة وألف ذراعٍ في الأرض الرخوة، فإذا استنبط إنسانٌ عيناً أو قناةً في أرضٍ مواتٍ صلبةٍ وأراد غيره حفر أُخرى تباعد عنه بخمسمائة ذراعٍ وإن كانت رخوةً تباعد بألف ذراعٍ، ولو فرض أنَّ الثانية تضرّ بالأُولى وتنقص ماؤها مع البعد المزبور فالأحوط لو لم يكن الأقوى زيادة البعد بما يندفع به الضرر، أو التراضي مع صاحب الأُولى.
(مسألة 9): اعتبار البعد المزبور في القناة إنَّما هو في إحداث قناةٍ أُخرى كما أشرنا إليه آنفاً، وأمّا إحياء الموات الذي في حواليها لزرعٍ أو بناءٍ أو غيرهما فلا مانع منه إذا بقي من جوانبها مقدارٌ تحتاج إليه للنزح أو الاستقاء أو الإصلاح والتنقية وغيرهما ممّا ذكر في مطلق البئر، بل لا مانع من إحياء الموات الذي فوق الآبار وما بينهما إذا أبقي من أطراف حلقها مقدار ما يحتاج إليه لمصالحها، فليس لصاحب القناة المنع عن الإحياء للزرع وغيره فوقها إذا لم يضرّ بها.
(مسألة 10): الظاهر أنَّ التباعد المزبور في القناة إنَّما يلاحظ بالنسبة إلى البئر التي هي منبع الماء المسمّاة بأمّ الآبار، فلا يجوز(1) لأحدٍ أن يحدث قناةً أُخرى يكون منبعها بعيداً عن منبع الأُخرى بأقلّ من خمسمائة أو ألف ذراع. وأمّا الآبار التي هي مجرى الماء فلا يراعى الفصل المذكور بينها، فلو أحدث الثاني قناةً في أرضٍ صلبةٍ وكان منبعها بعيداً عن منبع الأُولى بخمسمائة ذراع ثُمَّ تقاربت الآبار الأُخر التي هي مجرى الماء للثانية إلى الآبار الأُخر التي هي مجرى الماء للأُولى إلى أن صار بينها وبينها عشرة أذرعٍ مثلاً لم يكن لصاحب الأُولى منعه. نعم لو فرض أنَّ قرب
ــــــ[534]ـــــــ
(1) في حدود ما قلناه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تلك الآبار يضرّ بتلك الآبار من جهة جذبها للماء الجاري فيها أو من جهةٍ أُخرى تباعد بما يندفع به الضرر.
(مسألة 11): القرية المبنيّة في الموات لها حريمٌ ليس لأحدٍ إحياؤه(1)، ولو أحياه لم يملكه، وهو ما يتعلّق بمصالحها ومصالح أهليها من طرقها المسلوكة منها وإليها ومسيل مائها ومجمع ترابها وكناستها ومطرح سمادها ورمادها ومشرعها ومجمع أهاليها لمصالحهم على حسب مجرى عاداتهم ومدفن موتاهم ومرعى ماشيتهم ومحتطبهم وغير ذلك. والمراد بالقرية: البيوت والمساكن المجتمعة المسكونة، فلم يثبت هذا الحريم للضيعة والمزرعة ذات المزارع والبساتين المتّصلة الخالية من البيوت والمساكن والسكنة، فلو أحدث شخصٌ قناةً في فلاةٍ وأحيى أرضاً بسيطةً بمقدار ما يكفيه ماء القناة وزرع فيها وغرس فيها النخيل والأشجار لم يكن الموات المجاور لتلك المحياة حريماً لها فضلاً عن التلال والجبال القريبة منها، بل لو أحدث بعد ذلك في تلك المحياة دوراً ومساكن حتّى صارت قريةً كبيرةً يشكل(2) ثبوت الحريم لها، فالقدر المتيقّن من ثبوت الحريم للقرية فيما إذا أحدثت في أرضٍ موات. نعم للمزرعة بنفسها أيضاً حريمٌ، وهو ما تحتاج إليه في مصالحها ويكون من مرافقها من مسالك الدخول والخروج ومحلّ بيادرها وحظائرها ومجتمع سمادها وترابها وغيرها.
ــــــ[535]ـــــــ
(1) يعني: من غير ساكنيها أو غير مالكيها.
(2) بل مقتضى القاعدة ثبوت الحكم بثبوت موضوعه وهو القرية أو البلدة. ولا وجه لملاحظة القدر المتيقّن مع ثبوت الإطلاق لو كان، إلَّا أنَّ الكلام في أصل الدليل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 12): حدّ المرعى الذي هو حريمٌ للقرية ومحتطبها مقدار حاجة أهاليها بحسب العادة، بحيث لو منعهم مانعٌ أو زاحمهم مزاحمٌ لوقعوا في الضيق والحرج، ويختلف ذلك بكثرة الأهالي وقلّتهم وكثرة المواشي والدوابّ وقلّتها، وبذلك يتفاوت المقدار سعةً وضيقاً، طولاً وعرضاً.
(مسألة 13): إذا كان مواتٌ بقرب العامر ولم يكن من حريمه ومرافقه جاز لكلّ أحدٍ إحياؤه ولا يختصّ بمالك ذاك العامر ولا أولويّة له، فإذا طلع شاطئٌ من الشطّ بقرب أرضٍ محياةٍ أو بستانٍ مثلاً كان كسائر الموات، فمن سبق إلى إحيائه وحيازته كان له(1) وليس لصاحب الأرض أو البستان منعه.
(مسألة 14): لا إشكال في أنَّ حريم القناة المقدر بخمسمائة ذراعٍ أو ألف ذراعٍ ليس ملكاً لصاحب القناة ولا متعلّقاً لحقّه المانع عن سائر تصرّفات غيره بدون إذنه، بل ليس له إلَّا حقّ المنع عن إحداث قناةٍ أُخرى كما مرّ. والظاهر أنَّ حريم القرية أيضاً ليس ملكاً لسكّانها وأهليها، بل إنَّما لهم حقّ الأولويّة، وأمّا حريم النهر والدار فالظاهر أنَّه ملكٌ(2) لصاحب ذي الحريم، فيجوز له بيعه منفرداً كسائر الأملاك.
(مسألة 15): ما مرّ من الحريم لبعض الأملاك إنَّما هو فيما إذا ابتكرت في أرض الموات، وأمّا في الأملاك المتجاورة فلا حريم لها(3)، فلو أحدث المالكان
ــــــ[536]ـــــــ
(1) هذا خلاف ما قالوه من وجود حريمٍ للنهر؛ فإنَّ هذا الإحياء سيكون في الحريم لا محالة.
(2) بل الظاهر أنَّه ليس ملكاً وإنَّما له حقّ الأولويّة كسائر أشكال الحريم، وإنَّما يختلف الحريم باختلاف حاجات ذي الحريم وزيادة القيد فيه لذلك لا من جهة الملكيّة.
(3) كلّ البلدان كانت مواتاً بالأصل فكيف جاز للمتجاورين التجاور، وخاصّةً إذا كانت البلدة قد وُجدت بعد الإسلام، وفكرة الحريم تمنع التلاصق والتجاور أساساً. فوجود التجاور الممضى من قبل المعصومين^ دليلٌ على أنَّه ليس حكماً إلزاميّاً بالعنوان الأوّليّ كما سبق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
المجاوران حائطاً في البين لم يكن له حريمٌ من الجانبين، ولو أحدث أحدهما في آخر حدود ملكه حائطاً أو نهراً لم يكن لهما حريمٌ في ملك الآخر، وكذا لو حفر أحدهما قناةً في ملكه كان للآخر إحداث قناةٍ أُخرى في ملكه وإن لم يكن بينهما الحدّ.
(مسألة 16): ذكر جماعةٌ أنَّه يجوز لكلٍّ من المالكين المتجاورين التصرّف في ملكه بما شاء وحيث شاء وإن استلزم ضرراً على الجار، لكنّه مشكلٌ على إطلاقه، بل الحقّ عدم جواز(1) ما يكون سبباً لعروض فسادٍ في ملك الجار، كما إذا دقّ دقّاً عنيفاً انزعج منه حيطان داره بما أوجب خللاً فيها، أو حبس الماء في ملكه بحيث تنشر منه النداوة في حائطه، أو أحدث بالوعةً أو كنيفاً بقرب بئر الجار أوجب فساد مائها، بل وكذا لو حفر بئراً بقرب بئره إذا أوجب نقص مائها وكان ذلك من جهة جذب الثانية ماء الأُولى. وأمّا إذا كان من جهة أنَّ الثانية لكونها أعمق ووقوعها في سمت مجرى المياه يتحدر فيها الماء من عروق الأرض قبل أن يصل إلى الأوّل فالظاهر أنَّه لا مانع منه، والمائز بين الصورتين أولو الحدس الصائب من أهل الخبرة. وكذا لا مانع من إعلاء البناء وإن كان مانعاً من الشمس والقمر والهواء، أو جعل داره مدبغةً أو مخبزةً مثلاً وإن تأذّى الجار من الريح والدخان إذا
ــــــ[537]ـــــــ
(1) لا دليله عليه بالعنوان الأوّليّ بل بالعنوان الثانويّ وهو الأذيّة ونحوها. نعم، لا يبعد القول الضمان بالتسبيب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لم يكن بقصد الإيذاء، وكذا إحداث(1) ثقبة في جداره إلى دار جاره موجبةٍ للإشراف أو لانجذاب الهواء، فإنَّ المحرّم هو التطّلع على دار الجار.
(مسألة 17): لا يخفى أنَّ أمر الجار شديدٌ، وحثُّ الشرع الأقدس على رعايته أكيدٌ، والأخبار في وجوب كفّ الأذى عن الجار وفي الحثّ على حسن الجوار كثيرةٌ لا تُحصى؛ فعن النبيّ أنَّه قال: (ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنَّه سيورثه).
وفي حديثٍ آخر أنَّه أمر عليّاً وسلمان وأبا ذرّ- قال الراوي: (ونسيت آخر، وأظنّه المقداد- أن ينادوا في المسجد بأعلى صوتهم بأنَّه: لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه. فنادوا بها ثلاثاً).
وفي الكافي عن الصادق عن أبيه قال: (قرأت في كتاب عليّ أنَّ رسول الله كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب: أنَّ الجار كالنفس غير مضارٍّ ولا آثم، وحرمة الجار كحرمة أُمّه).
وروى الصدوق بإسناده عن الصادق عن عليّ عن رسول الله قال: (مَن آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنّة ومأواه جهنّم وبئس المصير، ومن ضيّع جاره فليس منّي).
وعن الرضا: (ليس منّا مَن لم يأمن جاره بوائقه).
وعن الصادق أنَّه قال والبيت غاصٌّ بأهله: (اعلموا أنَّه ليس منّا مَن لم يُحسن مُجاورة مَن جاوره).
ــــــ[538]ـــــــ
(1) ولكن الأحوط جدّاً هو استئذان الجار.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وعنه قال: قال رسول الله: (حسن الجوار يعمر الديار وينسئ في الأعمار).
فاللازم على كلّ مَن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر: الاجتناب عن كلّ ما يؤذي الجار وإن لم يكن ممّا يوجب فساداً وضرراً في ملكه، إلَّا أن يكون في تركه ضررٌ فاحشٌ على نفسه. ولا ريب أنَّ مثل ثقب الجدار الموجب للإشراف على دار الجار إيذاءٌ عليه وأيّ إيذاء، وكذا إحداث ما يتأذّى من ريحه أو دخانه أو صوته أو ما يمنع عن وصول الهواء إليه أو عن إشراق الشمس عليه وغير ذلك.
(مسألة 18): يشترط في التملّك بالإحياء: أن لا يسبق إليه سابقٌ بالتحجير، فإنَّ التحجير يفيد أولويّةً للمحجر، فهو أولى بالإحياء والتملّك من غيره، فله منعه.
ولو أحياه قهراً على المحجر لم يملكه.
والمراد بالتحجير: أن يحدث ما يدلّ على إرادة الإحياء، كوضع أحجارٍ أو جمع ترابٍ أو حفر أساسٍ أو غرز خشبٍ أو قصبٍ ونحو ذلك في أطرافه وجوانبه، أو يشرع في إحياء ما يريد إحياءه، كما إذا حفر بئراً من آبار القناة الدارسة التي يريد إحياءها، فإنَّه تحجيرٌ بالنسبة إلى سائر آبار القناة، بل وبالنسبة إلى أراضي الموات التي تسقى بمائها بعد جريانه، فليس لأحدٍ إحياء تلك القناة ولا إحياء تلك الأراضي، وكما إذا أراد إحياء أجمةٍ فيها الماء والقصب فعمد على قطع مائها فقط فهو تحجيرٌ(1) لها، فليس لأحدٍ إحياؤها بقطع قصبها.
ــــــ[539]ـــــــ
(1) هذا محلّ إشكالٍ، بل منع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 19): لا بدَّ من أن يكون التحجير مضافاً إلى دلالته على أصل الإحياء دالاً على مقدار ما يريد إحياءه، فلو كان ذلك بوضع الأحجار أو جمع التراب أو غرز الخشب أو القصب مثلاً لابدَّ أن يكون ذلك في جميع الجوانب حتّى يدلّ على أنَّ جميع ما أحاطت به العلامة يريد إحياءه. نعم، في مثل إحياء القناة البائرة يكفي الشروع في حفر إحدى آبارها كما أشرنا إليه آنفاً، فإنَّه دليلٌ بحسب العرف في كونه بصدد إحياء جميع القناة، بل الأراضي(1) المتعلّقة بها أيضاً، فإذا حفر بئراً في أرضٍ مواتٍ بالأصل لأجل إحداث قناةٍ يمكن أن يقال إنَّه يكون تحجيراً(2) بالنسبة إلى أصل القناة وإلى الأراضي الموات التي تسقى بمائها بعد تمامها وجريان مائها، فليس لأحدٍ إحياء تلك الجوانب حتّى يتمّ القناة ويعيّن ما تحتاج إليه من الأراضي. نعم، الأرض الموات التي ليس من حريم القناة وممّا عُلم أنَّه لا يصل إليه ماؤها بعد جريانه لا بأس بإحيائها.
(مسألة 20): التحجير – كما أشرنا إليه- يفيد حقّ الأولويّة ولا يفيد الملكيّة، فلا يصحّ(3) بيعه. نعم، يصحّ الصلح عنه ويورث ويقع ثمناً(4) في البيع لأنَّه حقٌّ قابلٌ للنقل والانتقال.
(مسألة 21): يشترط في مانعيّة التحجير: أن يكون المحجّر متمكّناً من القيام
ــــــ[540]ـــــــ
(1) لا دليل فيه على أكثر من حريمٍ للقناة.
(2) هذا محلّ إشكالٍ، بل منع.
(3) بل الظاهر جواز بيعه ويكون للمشتري بمقدار ما كان للبائع.
(4) كيف فرّق الماتن بين الثمن والمثمن في البيع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بتعميره، فلو حجر مَن لم يقدر على إحياء ما حجره إمّا لفقره أو لعجزه عن تهيئة أسبابه فلا أثر لتحجيره وجاز لغيره(1) إحياؤه، وكذا لو حجر زائداً على مقدار تمكّنه من الإحياء لا أثر لتحجيره إلَّا في مقدار ما تمكّن من تعميره، وأمّا في الزائد فليس له منع الغير عن إحيائه. فعلى هذا ليس لمن عجز عن إحياء الموات تحجيره ثُمَّ نقل ما حجره إلى غيره بصلحٍ أو غيره مجّاناً أو بالعوض، لأنَّه لم يحصل له حقٌّ حتّى ينقله إلى غيره.
(مسألة 22): لا يعتبر في التحجير: أن يكون بالمباشرة، بل يجوز أن يكون بتوكيل الغير(2) أو استيجاره، فيكون الحقّ الحاصل بسببه ثابتاً للموكل والمستأجر لا للوكيل والأجير، بل لا يبعد(3) كفاية وقوعه عن شخصٍ نيابةً عن غيره ثُمَّ إجازة ذلك الغير في ثبوته للمنوب عنه وإن لم يخلُ عن إشكالٍ، فلا ينبغي ترك الاحتياط.
(مسألة 23): لو انمحت آثار التحجير قبل أن يقوم المحجّر بالتعمير بطل حقّه وعاد الموات إلى ما كان عليه قبل التحجير.
(مسألة 24): ليس للمحجّر تعطيل الموات المحجَّر عليه والإهمال في التعمير، بل اللازم أن يشتغل بالعمارة عقيب التحجير، فإن أهمل وطالت المدّة
ــــــ[541]ـــــــ
(1) مع ثبوت العجز، وإن كان عدم الحقّ ثابتاً واقعاً، إلَّا أنَّه يحتاج إلى إثبات.
(2) مع قصد الموكّل ونحوه لا بدونه.
(3) بل هو بعيد وليس هذا من المعاملات الفضوليّة ولا يصحّ بالإجازة. نعم يمكن دفعه إليه هبةً. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وأراد شخصٌ آخر إحياءه فالأحوط أن يرفع الأمر إلى الحاكم مع وجوده وبسط يده(1)، فيلزم المحجّر بأحد أمرين إمّا العمارة أو رفع يده عنه ليعمره غيره، إلَّا أن يبدي عذراً موجَّهاً مثل انتظار وقتٍ صالحٍ له أو إصلاح آلاته وحضور العملة، وليس من العذر عدم التمكّن من تهيئة الأسباب لفقره فلا يمهل انتظاراً للغنى والتمكّن، بل يمهل مدّةً يزول فيها العذر الموجّه، فإذا مضت المدّة ولم يشتغل بالعمارة بطل حقّه وجاز لغيره القيام بالعمارة، وإذا لم يكن(2) حاكمٌ يقوم بهذه الشؤون فالظاهر أنَّه يسقط حقّه أيضاً لو أهمل في التعمير وطال الإهمال مدّةً طويلةً يعدّ مثله في العرف تعطيلاً، فيجوز لغيره إحياؤه وليس له منعه.
والأحوط مراعاة حقّه ما لم تزد مدّة تعطيله وإهماله على ثلاث سنين(3).
(مسألة 25): الظاهر أنَّه يشترط في التملّك بالإحياء قصد التملّك كالتملّك بالحيازة، مثل الاصطياد والاحتطاب والاحتشاش ونحوها، فلو حفر بئراً في مفازةٍ بقصد أن يقضي منها حاجته ما دام باقياً لم يملكه(4)، بل لم يكن له إلَّا حقّ الأولوية ما دام مقيماً، فإذا ارتحل زالت تلك الأولوية وصارت مباحاً للجميع.
(مسألة 26): الإحياء المفيد للملك عبارةٌ عن جعل الأرض مثلاً حيّةً بعد الموتان وإخراجها عن صفة الخراب إلى العمران، ومن المعلوم أنَّ عمارة الأرض:
ــــــ[542]ـــــــ
(1) يعني: يكون قادراً على حلّ مثل هذه المشاكل وإن لم [يكن] قادراً على غيرها.
(2) مع عدمه يرجع الأمر إلى عدول المؤمنين.
(3) هذا التحديد محلّ إشكالٍ. والمهمّ صدق عنوان البوار الناتج عن الإهمال.
(4) ولم يكن له فيها حريم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إمّا بكونها مزرعاً أو بستاناً، وإمّا بكونها مسكناً وداراً، وإمّا حظيرةً للأغنام والمواشي أو لحوائج أُخر كتجفيف الثمار أو جمع الحطب فيها أو غير ذلك، فلابدَّ في صدق إحياء الموات من العمل فيه وإنهائه إلى حدٍّ صدق عليه أحد العناوين العامرة(1)، بأن صدق عليه المزرع أو الدار مثلاً أو غيرها عند العرف، ويكفي تحقّق أوّل مراتب وجودها ولا يعتبر إنهائها إلى حدّ كمالها، وقبل أن يبلغ إلى ذلك الحدّ وإن صنع فيه ما صنع لم يكن إحياءً بل يكون تحجيراً(2)، وقد مرّ أنَّه لا يفيد الملك بل لا يفيد إلَّا الأولويّة.
فإذا تبيّن هذه الجملة فليعلم(3): أنَّه يختلف ما اعتبر في الإحياء باختلاف العمارة التي يقصدها المحيي، فما يعتبر في إحياء الموات مزرعاً أو بستاناً غير ما يعتبر في إحيائه مسكناً أو داراً، وما يعتبر في إحيائه قناة أو بئراً غير ما يعتبر في إحيائه نهراً وهكذا. ويشترط في الكلّ إزالة الأُمور المانعة عن التعمير، كالمياه الغالبة أو الرمول والأحجار أو القصب والأشجار لو كانت مستأجمةً وغير ذلك. ويختصّ كلٌّ منها ببعض الأُمور عند المشهور، ونحن نبيّنها في ضمن مسائل.
ــــــ[543]ـــــــ
(1) بل يكفي فيها المقدار المعتدّ به من العمل عرفاً: بحيث تخرج به الأرض عن البوار.
(2) الفرق بين الإحياء والتحجير: هو أنَّ الإحياء بثّ الحياة في الأرض واستمرار العمل فيها أو استعمالها بعد أن كانت [غير] عامرةٍ وبواراً. وأمّا التحجير فهو حيازتها ووضع اليد عليها بوضع علاماتٍ أو حجارةٍ حولها. فما ذكره الماتن إحياءٌ لا تحجير.
(3) هذا كلّه لا أثر له شرعاً بعد صدق الإحياء على ما قلنا، وعلى تقديره فهو موكولٌ إلى العرف لا إلى الفقيه. ومنه يظهر الحال في هذه المسائل وكلّها إلى آخر الفصل؛ فلا نعلّق عليها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 27): يعتبر في إحياء الموات داراً ومسكناً بعد إزالة الموانع لو كان، أن يدار عليه حائطٌ بما يعتاد في تلك البلاد ولو كان بخشبٍ أو قصبٍ أو حديدٍ أو غيرها، ويسقّف ولو بعضها ممّا يمكن أن يسكن فيه. ولا يعتبر فيه مع ذلك نصب الباب، ولا يكفي إدارة الحائط بدون التسقيف. نعم يكفي ذلك في إحيائه حظيرةً للغنم وغيره، أو لأن يجفّف فيها الثمار، أو يجمع فيها الحشيش أو الحطب. ولو بنى حائطاً في الموات بقصد بناء الدار وقبل أن يسقّف عليه بدا له وقصد كونه حظيرةً ملكها، كما لو قصد ذلك من أوّل الأمر، وكذلك في العكس، بأن حوّطه بقصد كونه حظيرةً فبدا له أن يسقّفه ويجعله داراً.
(مسألة 28): يعتبر في إحياء الموات مزرعاً بعد إزالة الموانع تسوية الأرض لو كانت فيها حفرٌ وتلالٌ مانعةٌ عن قابليّتها للزرع وترتيب مائها إمّا بشقّ ساقيةٍ من نهرٍ أو حفر قناةٍ لها أو بئر، وبذلك يتمّ إحياؤها ويملكها المحيي، ولا يعتبر في إحيائها حرثها فضلاً عن زرعها. وإن كانت الأرض ممّا لا تحتاج في زراعتها إلى ترتيب ماءٍ لأنَّه يكفيها ماء السماء كفى في إحيائها إعمال الأُمور الأُخر عدا ترتيب الماء، وإن كانت مهيّأةً للزرع بنفسها – بأن لم يكن فيها مانعٌ عنه ممّا ذُكر ولم يحتج إلَّا إلى سوق الماء إليها- كفى في إحيائها إدارة التراب حولها مع سوق الماء إليها. وإن لم يحتج إلى سوق الماء أيضاً من جهة أنَّه يكفيه ماء السماء كبعض الأراضي السهلة والتلال التي لا تحتاج في زرعها إلى علاجٍ وقابلةٌ لأنَّ تزرع ديميّاً، فالظاهر أنَّ إحياءها المفيد لتملّكها إنَّما هو بإدارة المرز حولها مع حرثها وزرعها، بل لا يبعد الاكتفاء بالحرث في تملّكها. وأمّا الاكتفاء بالمرز من دون حراثةٍ وزراعةٍ ففيه إشكال. نعم، لا إشكال في كونه تحجيراً مفيداً للأولويّة.
ــــــ[544]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 29): يعتبر في إحياء البستان كلّ ما اعتبر في إحياء الزرع بزيادة غرس النخيل أو الأشجار مع سقيها حتّى تستعدّ للنموّ إن لم يسقها ماء السماء، ولا يعتبر التحويط حتّى في البلاد التي جرت عاداتهم عليه على الأقوى.
(مسألة 30): يحصل إحياء البئر في الموات، بأن يحفرها إلى أن يصل إلى الماء، فيملكها بذلك، وقبل ذلك يكون تحجيراً لا إحياءً. واحياء القناة بأن يحفر الآبار إلى أن يجري ماؤها على الأرض، وإحياء النهر بحفره وإنهائه إلى الماء المباح كالشطّ ونحوه بحيث كان الفاصل بينهما يسيراً كالمرز والمسنّاة الصغيرة وبذلك يتمّ إحياء النهر فيملكه الحافر، ولا يعتبر فيه جريان الماء فيه فعلاً وإن اعتبر ذلك في تملّك الماء.
القول في المشتركات
وهي الطرق والشوارع والمساجد والمدارس والربط والمياه والمعادن.
(مسألة 1): الطريق نوعان نافذٌ وغير نافذٍ.
فالأوّل- وهو المسمّى بالشارع العامّ- فهو محبوسٌ على كافّة الأنام، والناس فيه شرع سواء، وليس لأحدٍ إحياؤه والاختصاص به ولا التصرّف في أرضه ببناء دكةٍ(1) أو حائطٍ أو حفر بئرٍ أو نهرٍ أو غرس شجرٍ(2) أو غير ذلك، وإن لم يضرّ بالمارّة. نعم، الظاهر أنَّه يجوز أن يُحفر فيه بالوعةٌ ليجتمع فيها ماء المطر وغيره لكونها من مصالحه، لكن مع سدّها في غير أوقات الحاجة حفظاً للمستطرقين(3)
ــــــ[545]ـــــــ
(1) هذا ونحوه بشكلٍ مختصرٍ نسبيّاً لا يبعد جوازه في حريم الدار.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(3) إذا كانت مضرّةً بحالهم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والمارّة، بل الظاهر جواز حفر سردابٍ(1) تحته إذا أحكم الأساس والسقف بحيث يؤمَن معه من النقض والخسف، وأمّا التصرّف في فضائه بإخراج روشنٍ أو جناحٍ أو بناء ساباطٍ أو فتح بابٍ أو نصب ميزابٍ ونحو ذلك فلا إشكال في جوازه إذا لم يضرّ بالمارّة، وليس لأحدٍ منعه حتّى مَن يقابل داره داره كما مرّ في كتاب الصلح.
وأمّا الثاني- أعني الطريق الغير النافذ المسمّى بالسكّة المرفوعة وقد يطلق عليه الدريبة وهو الذي لا يسلك منه إلى طريقٍ آخر بل أُحيط بثلاث جوانبه الدور والحيطان والجدران- فهو ملكٌ(2) لأرباب الدور التي أبوابها مفتوحةٌ إليه، دون مَن كان حائط داره إليه من غير أن يكون بابها إليه، فيكون هو كسائر الأملاك(3) المشتركة يجوز لأربابه سدّه وتقسيمه بينهم وإدخال كلٍّ منهم حصّته في داره، ولا يجوز لأحدٍ من غيرهم بل ولا منهم(4) أن يتصرّف فيه ولا في فضائه إلَّا بإذن الجميع ورضاهم.
(مسألة 2): الظاهر أنَّ أرباب الدور المفتوحة في الدريبة كلّهم مشتركون في كلّها(5) من رأسها إلى صدرها، حتّى أنَّه إذا كانت في صدرها فضلةٌ لم يُفتح إليها بابٌ اشترك الجميع فيها، فلا يجوز لأحدٍ منهم إخراج جناح أو روشنٍ أو بناء ساباطٍ أو حفر بالوعةٍ أو سردابٍ ولا نصب ميزابٍ وغير ذلك في أيّ موضعٍ منها
ــــــ[546]ـــــــ
(1) إذا لم ينقطع الطريق حال الحفر أو يتضرّر المارّة.
(2) ليس ملكاً لهم وإن نفوا التملّك وإنَّما لهم حقّ الاستفادة منها بمقدار الأحكام المعروفة.
(3) ظهر ما فيه وما بعده.
(4) لا مطلقاً، بل على الخارج أن يستأذن الأدخل منه دون العكس.
(5) ظهر ما فيه من التعليقتين السابقتين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إلَّا بإذن الجميع(1). نعم لكلٍّ منهم حقّ الاستطراق إلى داره من أيّ موضعٍ من جداره، فلكلّ منهم فتح(2) باب آخر أدخل من بابه الأوّل أو أسبق مع سدّ الباب الأوّل وعدمه.
(مسألة 3): ليس لمن كان حائط داره إلى الدريبة فتح بابٍ إليها إلَّا بإذن أربابها.
نعم، له فتح ثقبةٍ وشبّاكٍ إليها وليس لهم منعه لكونه تصرّفاً في جداره لا في ملكهم، وهل له فتح بابٍ إليها لا للاستطراق بل لمجرّد استضاءة ودخول الهواء؟ فيه إشكال(3).
(مسألة 4): يجوز لكلٍّ من أرباب الدريبة(4) الجلوس فيها والاستطراق والتردّد منها إلى داره بنفسه وما يتعلّق به من عياله ودوابّه وأضيافه وعائديه وزائريه، وكذا وضع الحطب ونحوه فيها لإدخاله في الدار ووضع الأحمال والأثقال عند إدخالها وإخراجها من دون إذن الشركاء، بل وإن كان فيهم القصَّر والمولّى عليهم من دون رعاية المساواة مع الباقين.
(مسألة 5): الشوارع والطرق العامّة وإن كانت معدّةً لاستطراق عامّة الناس ومنفعتها الأصليّة التردّد فيها بالذهاب والإياب، إلَّا أنَّه يجوز لكلّ أحدٍ الانتفاع
ــــــ[547]ـــــــ
(1) إن كان التصرّف يخصّ الجميع وإلَّا فعلى الخارج أن يستأذن الداخل دون العكس، كما سبق.
(2) بل يستأذن الخارج الداخل دون العكس.
(3) ومقتضى القاعدة الجواز.
(4) بل من سكّان الدريبة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بها بغير ذلك من جلوسٍ أو نومٍ أو صلاةٍ وغيرها، بشرط أن لا يتضرّر بها أحدٌ ولا يزاحم المستطرقين ولا يتضيّق على المارّة.
(مسألة 6): لا فرق في الجلوس الغير المضرّ بين ما كان للاستراحة أو النزهة وبين ما كان للحرفة والمعاملة إذا جلس في الرحاب والمواضع المتّسعة لئلّا يتضيّق على المارّة، فلو جلس فيها بأيّ غرضٍ من الأغراض لم يكن لأحدٍ إزعاجه.
(مسألة 7): لو جلس في موضعٍ من الطريق ثُمَّ قام عنه فإن كان جلوس استراحةٍ ونحوها بطل حقّه فجاز لغيره الجلوس فيه، وكذا إن كان لحرفةٍ ومعاملةٍ وقام بعد استيفاء غرضه وعدم نية العود، فلو عاد إليه بعد أن جلس في مجلسه غيره لم يكن له دفعه، وأمّا لو قام قبل استيفاء غرضه ناوياً للعود فإن بقي منه فيه متاعٌ أو رحلٌ أو بساطٌ فالظاهر بقاء حقّه، وإن لم يكن منه فيه شيءٌ ففي بقاء حقّه بمجرّد نيّة العود إشكالٌ(1)، فلا يترك الاحتياط(2).
(مسألة 8): كما أنَّ موضع الجلوس حقٌّ للجالس للمعاملة فلا يجوز مزاحمته كذا ما حوله قدر ما يحتاج إليه لوضع متاعه ووقوف المعاملين فيه، بل ليس لغيره أن يقعد حيث يمنع من رؤية متاعه أو وصول المعاملين إليه.
(مسألة 9): يجوز للجالس للمعاملة أن يظلّل على موضع جلوسه بما لا يضرّ بالمارّة بثوب أو بارية ونحوهما، وليس له بناء(3) دكّةٍ ونحوها فيها.
ــــــ[548]ـــــــ
(1) الظاهر ثبوت الحقّ عرفاً مع الاعتياد دون صورة عدمه.
(2) استحباباً في صورة عدم الاعتياد.
(3) إذا كان بحيث لا يضرّ بالمارة، وبإذن الحاكم الشرعي فلا إشكال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 10): إذا جلس في موضعٍ من الطريق للمعاملة في يوم فسبقه في يومٍ آخر شخصٌ آخر وأخذ مكانه كان الثاني أحقّ به، فليس للأوّل إزعاجه(1).
(مسألة 11): إنَّما يصير الموضع شارعاً عامّاً بأُمور:
أحدها: بكثرة التردّد والاستطراق ومرور القوافل في الأرض الموات، كالجادّات الحاصلة في البراري والقفار التي يسلك فيها من بلادٍ إلى بلاد.
ثانيها: أن يجعل إنسانٌ ملكه شارعاً ويسبله تسبيلاً دائميّاً لسلوك عامّة الناس وسلك فيه بعض الناس، فإنَّه يصير بذلك طريقاً عامّاً ولم يكن للمسبل الرجوع بعد ذلك.
ثالثها: أن يحيي جماعةٌ أرضاً مواتاً قريةً أو بلدةً ويتركوا مسلكاً نافذاً بين الدور والمساكن ويفتحوا إليه الأبواب، والمراد بكونه نافذاً أن يكون له مدخلٌ ومخرجٌ يدخل فيه الناس من جانبٍ ويخرجون من جانبٍ آخر إلى جادّةٍ عامّةٍ أو أرضٍ مواتٍ.
(مسألة 12): لا حريم(2) للشارع العامّ لو وقع بين الأملاك، فلو كانت بين الأملاك قطعة أرضٍ مواتٍ عرضها ثلاثة أو أربعة أذرع مثلاً واستطرقها الناس حتّى صارت جادّة لم يجب على الملّاك توسيعها وإن تضيّقت على المارّة، وكذا لو سبل شخصٌ في وسط ملكه أو من طرف ملكه المجاور لملك غيره ثلاثة أو أربعة أذرعٍ مثلاً للشارع.
وأمّا لو كان الشارع محدوداً بالموات بطرفيه أو أحد طرفيه فيكون له الحريم،
ــــــ[549]ـــــــ
(1) إلَّا مع اعتياد الأوّل على المكان.
(2) بل للإملاك فيه حريم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وهو المقدار الذي يوجب إحياؤه نقص الشارع عن سبعة أذرع(1)، فلو حدث بسبب الاستطراق شارعٌ في وسط الموات جاز إحياء طرفيه إلى حدٍّ يبقى له سبعة أذرعٍ ولا يتجاوز عن هذا الحدّ، وكذا لو كان لأحدٍ في وسط المباح ملكٌ عرضه أربعة أذرعٍ مثلاً فسبله شارعاً لا يجوز إحياء طرفيه(2) بما لم يبق للطريق سبعة أذرع، ولو كان في أحد طرفي الشارع أرضٌ مملوكٌ وفي الطرف الآخر أرضٌ مواتٌ كان الحريم من طرف الموات، بل لو كان طريقٌ بين الموات وسبق شخصٌ وأحيى أحد طرفيه إلى حدّ الطريق اختصّ الحريم بالطرف الآخر، فلا يجوز لأحدٍ الإحياء إلى حدٍّ لا يبقى للطريق سبعة أذرع، فلو بنى بناءً مجاوزاً لذلك الحدّ ألزم هو بهدمه وتبعيده دون المحيي الأوّل.
(مسألة 13): إذا استأجم الطريق أو انقطعت عنه المارّة زال حكمه بل ارتفع موضوعه وعنوانه، فيجوز لكلّ أحدٍ إحياؤه كالموات، من غير فرقٍ في صورة انقطاع المارّة بين أن يكون ذلك لعدم وجودهم أو بمنع قاهرٍ إيّاهم أو لهجرهم إيّاه واستطراقهم غيره أو بسببٍ آخر.
(مسألة 14): لو زاد عرض الطريق المسلوك عن سبعة أذرع: فأمّا المسبّل فلا يجوز لأحدٍ أخذ ما زاد عليها وإحياؤه وتملّكه قطعاً، وأمّا غيره ففي جواز إحياء الزائد وعدمه وجهان، أوجههما التفصيل بين الحاجة إليه لكثرة المارّة فالثاني، وعدمها لقلّتهم فالأوّل.
ــــــ[550]ـــــــ
(1) بل خمسة لزوماً على الأقوى. والسبعة على الفضل. ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
(2) يعني كلا طرفيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 15): ومن المشتركات: المسجد، وهو: المكان المعدّ لتعبّد المتعبّدين وصلاة المصلّين، وهو من مرافق المسلمين يشترك فيه عامّتهم وهم شرعٌ سواءٌ في الانتفاع به إلَّا بما لا يناسبه، ونهى الشرع عنه كمكث الجنب فيه ونحوه، فمَن سبق إلى مكانٍ منه لصلاةٍ أو عبادةٍ أو قراءة قرآنٍ أو دعاءٍ بل وتدريسٍ أو وعظٍ أو إفتاءٍ وغيرها كان أحقّ به وليس لأحدٍ إزعاجه، سواءٌ توافق السابق مع المسبوق في الغرض أو تخالفا فيه، فليس لأحدٍ بأيّ غرضٍ كان(1) مزاحمة مَن سبق إلى مكانٍ منه بأيّ غرضٍ كان. نعم لا يبعد تقدّم الصلاة جماعةً أو فرادى(2) على غيرها من الأغراض، فلو كان جلوس السابق لغرض القراءة أو الدعاء أو التدريس وأراد أحدٌ أن يصلّي في ذلك المكان جماعةً أو فرادى يجب عليه(3) تخلية المكان له. نعم ينبغي تقييد ذلك إذا لم يكن اختيار مريد الصلاة في ذلك المكان لمجرّد الاقتراح، بل كان إمّا لانحصار(4) محلّ الصلاة فيه أو لغرضٍ راجحٍ دينيٍّ كالالتحاق بصفوف الجماعة(5) ونحوه. هذا ولكنّ أصل المسألة لا تخلو من إشكالٍ فيما إذا كان جلوس السابق لغرض العبادة كالدعاء والقراءة لا لمجرّد(6) النزهة والاستراحة،
ــــــ[551]ـــــــ
(1) إلَّا للمصالح العامّة أو العناوين الثانويّة التي تغيّر الحكم الأصلي كالضرورات. والأحوط استحباباً مراجعة الحاكم الشرعيّ مع الإمكان عندئذٍ.
(2) مع الاعتياد على مكانٍ أو جانبٍ معيّنٍ من المسجد ونحوه.
(3) مع الاعتياد كما قلنا.
(4) مع عدم الاعتياد لا يجب حتّى عند الانحصار.
(5) إذا كانت معتادةً ومتكرّرةً وبخلافه فلا.
(6) بل حتّى لمثل ذلك على الأحوط إلَّا إذا كان مؤيّداً لغرضٍ محرّمٍ أعاذنا الله منه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فلا ينبغي فيه ترك الاحتياط للمسبوق بعدم المزاحمة وللسابق بتخلية المكان له. والظاهر مساواة الصلاة فرادى مع الصلاة جماعةً، فلا أولويّة(1) للثانية على الأُولى، فمَن سبق إلى مكانٍ للصلاة منفرداً فليس لمريد الصلاة بالجماعة إزعاجه لها وإن كان الأَولى(2) له تخلية المكان له إذا وُجد مكانٌ آخر له، ولا يكون منّاعاً للخير عن أخيه.
(مسألة 16): لو قام الجالس السابق وفارق المكان رافعاً يده منه معرضاً عنه بطل حقّه وإن بقي رحله، فلو عاد إليه وقد أخذه غيره كان هو الأَولى وليس له إزعاجه.
وإن كان ناوياً للعود فإن كان رحله باقياً بقي حقّه بلا إشكال وإلَّا ففيه إشكالٌ، والأحوط شديداً مراعاة حقّه، خصوصاً إذا كان خروجه لضرورةٍ كتجديد طهارةٍ أو إزالة نجاسةٍ أو قضاء حاجةٍ ونحوها.
(مسألة 17): الظاهر: أنَّ وضع الرحل مقدّمةٌ للجلوس كالجلوس في إفادة الأولويّة، لكن إذا كان ذلك بمثل فرش سجّادةٍ ونحوها ممّا يشغل مقدار مكان الصلاة أو معظمه، لا بمثل(3) وضع تربةٍ أو سبحةٍ أو مسواكٍ وشبهها.
(مسألة 18): يعتبر أن لا يكون بين وضع الرحل ومجيئه طول زمانٍ بحيث يستلزم تعطيل المكان وإلَّا لم يفد حقّاً فيجوز لغيره أخذ المكان قبل مجيئه ورفع رحله منه(4) والصلاة مكانه إذا شغل المحلّ بحيث لا يمكن الصلاة فيه إلَّا برفعه،
ــــــ[552]ـــــــ
(1) هذا مع الاشتغال بالصلاة الفرادى بلا إشكال. وأمّا بدونها وكون الصلاة جماعةً معتادةً فهي الأولى.
(2) وجوباً مع كون الجماعة معتادةً.
(3) بل حتّى بهذا لو كان علامةً عرفيّةً لمقدارها يحتاجه الفرد من المكان، كما هو كذلك.
(4) هذا تصرّفٌ بمال الغير بغير إذنه فالأحوط التصرّف بالمكان بحيث لا يستلزم التصرّف برحل الغير. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والظاهر أنَّه يضمنه الرافع إلى أن يوصله إلى صاحبه، وكذا الحال فيما لو فارق المكان معرضاً عنه مع بقاء رحله فيه.
(مسألة 19): المشاهد كالمساجد في جميع ما ذُكر من الأحكام، فإنَّ المسلمين فيها شرعٌ سواءٌ العاكف فيها والباد والمجاور لها والمتحمّل إليها من بُعد البلاد، ومَن سبق إلى مكان منها لزيارةٍ أو صلاةٍ أو دعاءٍ أو قراءةٍ كان أحقّ وأولى به وليس لأحدٍ إزعاجه، وهل للزيارة أولويّةٌ على غيرها كالصلاة في المسجد بالنسبة إلى غيرها لو قلنا بأولويّتها؟ لا يخلو من وجهٍ، لكنّه غير وجيهٍ(1) كأولويّة مَن جاء إليها من البلاد البعيدة بالنسبة إلى المجاورين، وإن كان ينبغي لهم مراعاتهم. وحكم مفارقة المكان ووضع الرحل وبقائه كما سبق في المساجد.
(مسألة 20): ومن المشتركات المدارس بالنسبة إلى طالبي العلم أو الطائفة الخاصّة منهم إذا خصّها الواقف بصنفٍ خاصٍّ، كما إذا خصّها بصنف العرب أو العجم أو طالبي العلوم الشرعية أو خصوص الفقه مثلاً، فهي بالنسبة إلى مستحقّي السكنى بها كالمساجد، فمَن سبق(2) إلى سكنى حجرةٍ منها فهو أحقّ بها ما لم يفارقها معرضاً عنها وإن طالت مدّة السكنى، إلَّا إذا اشترط الواقف له مدّةً معيّنةً كثلاث سنين مثلاً، فيلزمه الخروج بعد انقضائها بلا مهلةٍ وإن لم يؤمر به، وكذا لو شرط اتّصافه بصفةٍ فزالت عنه تلك الصفة، كما إذا شرط كونه مشغولاً بالتحصيل أو التدريس فطرأ عليه العجز لمرضٍ أو هرمٍ ونحو ذلك.
ــــــ[553]ـــــــ
(1) بل الأولويّة ثابتةٌ للجميع بالتساوي.
(2) هذا بغضّ النظر عن وجود وليٍّ للوقف. فإن كان فيجب استئذانه ابتداءً واستدامةً حسب شرط الواقف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 21): لا يبطل حقّ الساكن بالخروج لحاجةٍ معتادةٍ كشراء مأكولٍ أو مشروبٍ أو كسوةٍ ونحوها قطعاً وإن لم يترك رحله، ولا يلزم تخليف أحدٍ مكانه، بل لا يبطل حقّه بالأسفار المتعارفة المعتادة كالرواح للزيارة أو لتحصيل المعاش أو للمعالجة مع نيّة العود وبقاء متاعه ورحله ما لم تطل المدّة إلى حدٍّ لم يصدق معه السكنى والإقامة عرفاً ولم يشترط الواقف(1) لذلك مدّةً معيّنةً، كما إذا شرط أن لا يكون خروجه أزيد من شهرٍ أو شهرين مثلاً فيبطل حقّه لو تعدّى زمن خروجه عن تلك المدّة.
(مسألة 22): مَن أقام في حجرةٍ منها ممّن استحقّ السكنى بها له أن يمنع من [أن] يشاركه غيره إذا كان المسكن معدّاً لواحدٍ إمّا بحسب قابلية المحلّ أو بسبب شرط الواقف، ولو أعدّ لما فوقه لم يكن له منع غيره إلَّا إذا بلغ العدد الذي أعدّ له فللسكنة منع الزائد.
(مسألة 23): ويلحق بالمدارس: الربط، وهي: المواضع المبنيّة لسكنى الفقراء والملحوظ فيها غالباً الغرباء، فمَن سبق(2) منهم إلى إقامة بيتٍ منها كان أحقّ به وليس لأحدٍ إزعاجه. والكلام في مقدار حقّه وما به يبطل حقّه وجواز منع الشريك وعدمه فيها كما سبق في المدارس.
(مسألة 24): ومن المشتركات المياه، والمراد بها مياه الشطوط والأنهار الكبار كدجلة والفرات والنيل، أو الصغار التي لم يجرها أحدٌ بل جرت بنفسها من
ــــــ[554]ـــــــ
(1) أو وليّ الوقف.
(2) بغضّ النظر عن وجود الوليّ، وإلَّا يجب استئذانه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
العيون أو السيول أو ذوبان الثلوج، وكذلك العيون المنفجرة من الجبال أو في أراضي الموات والمياه المجتمعة في الوهاد من نزول الأمطار، فإنَّ الناس في جميع ذلك شرعٌ سواءٌ، ومَن حاز منها شيئاً بآنيةٍ أو مصنعٍ أو حوضٍ ونحوها ملكه وجرى عليه أحكام الملك، من غير فرقٍ بين المسلم والكافر.
وأمّا مياه العيون والآبار والقنوات التي حفرها أحدٌ في ملكه أو في الموات بقصد تملّك مائها فهي ملكٌ للحافر كسائر الأملاك، لا يجوز لأحدٍ أخذها والتصرّف فيها(1) إلَّا بإذن المالك، وينتقل إلى(2) غيره بالنواقل الشرعيّة قهريّةً كانت كالإرث أو اختياريّةً كالبيع والصلح والهبة وغيرها.
(مسألة 25): إذا شقّ نهراً من ماءٍ مباحٍ كالشطّ ونحوه ملك ما يدخل فيه من الماء ويجري [عليه] أحكام الملك(3) كالماء المحوز في آنيةٍ ونحوها، وتتبع ملكيّة الماء ملكيّة النهر، فإن كان النهر لواحدٍ ملك الماء(4) بالتمام وإن كان لجماعةٍ ملك كلٌّ منهم من الماء بمقدار حصّته(4) من ذلك النهر، فإن كان لواحدٍ نصفه ولآخر ثلثه ولثالثٍ سدسه ملكوا الماء بتلك النسبة وهكذا. ولا يتبع مقدار استحقاق الماء مقدار الأراضي التي تسقى منه، فلو كان النهر مشتركاً بين ثلاثة أشخاصٍ
ــــــ[555]ـــــــ
(1) بل إذا أخذ المالك كلّ حاجته بجميع الوجوه، ولم يجز له منع الآخرين عن الزائد.
(2) على حسب ما كان للأول، كما قلنا في التعليقة السابقة.
(3) بمقدار ما قلناه في التعليقتين السابقتين.
(4) سبق ما فيه.
(5) لكن لا يجوز لأيٍّ منهم أن يمنع الآخر من الزائد عن حاجته كما في الآخرين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالتساوي كان لكلٍّ منهم ثلث الماء، وإن كانت الأراضي التي تسقى منه لأحدهم ألف جريب ولآخر جريباً ولآخر نصف جريب يصرف الأخيران منهم ما زاد على احتياج أرضهما فيما شاءا، بل لو كان لأحدهما رحىً يدور به ولم يكن له أرضٌ أصلاً يساوى مع كلٍّ من شريكيه في استحقاق الماء.
(مسألة 26): إنَّما يملك النهر المتّصل بالمباح إمّا بحفره في أرضٍ مملوكةٍ وإمّا بحفره في الموات بقصد إحيائه نهراً مع نيّة تملّكه إلى أن يوصله بالمباح كما مرّ في إحياء الموات، فإن كان الحافر واحداً ملكه بالتمام(1)، وإن كان جماعةً كان بينهم على قدر ما عملوا وأنفقوا، فمع التساوي، بالتساوي ومع التفاوت بالتفاوت.
(مسألة 27): لمّا كان الماء الذي يفيضه النهر المشترك بين جماعةٍ مشتركاً بينهم كان حكمه حكم سائر الأموال المشتركة، فلا يجوز لكلّ واحدٍ منهم التصرّف فيه وأخذه والسقاية به إلَّا بإذن(2) باقي الشركاء، فإن لم يكن بينهم تعاسرٌ ويبيح كلٌّ منهم لسائر شركائه أن يقضي منه حاجته في كلّ وقت وزمان فلا بحث، وإن وقع بينهم تعاسرٌ فإن تراضوا بالتناوب والمهاياة بحسب الساعات أو الأيّام أو الأسابيع مثلاً فهو، وإلَّا فلا محيص من تقسيمه بينهم بالأجزاء، بأن توضع على فم النهر خشبةٌ أو صخرةٌ أو حديدةٌ(3) ذات ثقب متساوية السعة حتّى يتساوى الماء الجاري فيها ويجعل لكلٍّ منهم من الثقب بمقدار حصّته ويجري كلٌّ منهم ما يجري
ــــــ[556]ـــــــ
(1) سبق ما فيه وبما بعده.
(2) مَع حاجتهم إليه لا مع استغنائهم عنه.
(3) أو يضع كلّ واحدٍ جهازاً يسحب على مقدار حاجته بشرط تساوي الأجهزة في السحب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
في الثقبة المختصّة به في ساقيةٍ تختصّ به، فإذا كان بين ثلاثةٍ وسهامهم متساويةً فإن كانت الثقب ثلاثاً متساويةً جعلت لكلٍّ منهم ثقبةٌ، وإن كانت ستّاً جعلت لكلٍّ منهم ثقبتان، وإن كانت سهامهم متفاوتةً تجعل الثقب(1) على أقلّهم سهماً، فإذا كان لأحدهم نصفه ولآخر ثلثه ولثالثٍ سدسه جعلت الثقب(2) ستّاً ثلاثٌ منها لذي النصف واثنتان لذي الثلث وواحدة لذي السدس وهكذا، وبعد ما أفرزت حصّة كلٍّ منهم من الماء يصنع بمائه ما شاء، إن شاء استعمله في الاستقاء أو في غيره وإن شاء باعه(3) أو أباحه لغيره.
(مسألة 28): الظاهر أنَّ القسمة بحسب الأجزاء قسمة إجبار، فإذا طلبها أحد الشركاء يجبر الممتنع منهم عليها، وهي لازمةٌ ليس لأحدهم الرجوع عنها بعد وقوعها.
وأمّا المهاياة فهي موقوفةٌ على التراضي وليست بلازمةٍ، فلبعضهم الرجوع عنها حتّى فيما إذا استوفى تمام نوبته ولم يستوف الآخر نوبته وإن ضمن حينئذٍ(4) مقدار ما استوفاه بالقيمة.
ــــــ[557]ـــــــ
(1) بل تجعل الثقوب.
(2) بل الثقوب.
(3) الأحوط: عدم بيع الزائد عن الحاجة؛ لما سبق من وجوب إباحته للآخرين.
(4) يعني: يضمن الفاسخ لصاحبه ثمن ما استوفاه الفاسخ نفسه من حصّة نفسه. هذا ظاهر العبارة، والأفضل التعبير بأنَّ الفاسخ يضمن لصاحبه مقدار ما لم يستوفه صاحبه بعد الفسخ. والظاهر أنَّه هو المراد وإن لم تفِ به العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 29): إذا اجتمعت أملاكٌ على ماءٍ مباحٍ من عينٍ أو وادٍ أو نهرٍ ونحوها- بأن أحياه أشخاصٌ على أراضٍ ليسقوها منه بواسطة السواقي أو الدوالي أو النواعير أو المكائن المتداولة في هذه الأعصار- كان للجميع حقّ السقي منه، فليس لأحدٍ أن يشقّ نهراً فوقها يُفيض الماء كلّه أو ينقصه عن مقدار احتياج تلك الأملاك، وحينئذٍ فإن وفى الماء لسقي الجميع من دون مزاحمةٍ في البين فهو، وإن لم يفِ ووقع بين أربابها في التقدّم والتأخّر التشاحّ والتعاسر يقدّم الأسبق(1) فالأسبق في الإحياء إن علم السابق، وإلَّا يقدّم الأعلى فالأعلى والأقرب فالأقرب إلى فوهة الماء وأصله، فيقضي الأعلى حاجته ثُمَّ يرسله لمن يليه وهكذا.
(مسألة 30): الأنهار المملوكة المنشقّة من الشطوط ونحوها إذا وقع التعاسر بين أربابها- بأن كان الشطّ لا يفي في زمانٍ واحدٍ بإملاء جميع تلك الأنهار- كان حالها كحال اجتماع الأملاك على الماء المباح المتقدّم في المسألة السابقة، فالأحقّ ما كان شقّه أسبق ثُمَّ الأسبق، وإن لم يعلم الأسبق فالمدار على الأعلى فالأعلى، فيقبض الأعلى ما يسعه ثُمَّ ما يليه وهكذا.
(مسألة 31): لو احتاج النهر المملوك المشترك بين جماعةٍ إلى تنقيةٍ أو حفرٍ أو إصلاحٍ أو سدّ خرقٍ ونحو ذلك، فإن أقدم الجميع على ذلك كانت المؤنة على الجميع بنسبة ملكهم للنهر، سواءٌ كان إقدامهم بالاختيار أو بالإجبار من حاكمٍ قاهرٍ جائرٍ أو بإلزامٍ من الشرع، كما إذا كان مشتركاً بين المولى عليهم ورأى الوليّ المصلحة الملزمة في تعميره مثلاً، وإن لم يقدّم إلَّا البعض لم يجبر الممتنع وليس
ــــــ[558]ـــــــ
(1) ويقوم بذلك الحاكم الشرعيّ عادةً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
للمقدمين مطالبته بحصّته من المؤنة ما لم يكن إقدامهم بالتماسٍ منه وتعهّده ببذل حصّته.
نعم لو كان النهر مشتركاً بين القاصر وغيره وكان إقدام غير القاصر متوقّفاً على مشاركة القاصر إمّا لعدم اقتداره بدونه أو لغير ذلك، وجب على وليّ القاصر مراعاةً لمصلحته تشريكه في التعمير وبذل المؤنة من ماله بمقدار حصّته.
(مسألة 32): ومن المشتركات المعادن، وهي إمّا ظاهرةٌ، وهي: ما لا تحتاج في استخراجها والوصول إليها إلى عملٍ ومؤنة، كالملح والقير والكبريت والموميا والكحل، وكذا النفط إذا لم يحتج في استخراجه إلى الحفر والعمل. وإمّا باطنةٌ، وهي: ما لا تظهر إلَّا بالعمل والعلاج، كالذهب والفضّة والنحاس والرصاص، وكذا النفط إذا احتاج في استخراجه إلى حفر آبارٍ كما هو المعمول غالباً في هذه الأعصار.
فأمّا الظاهرة فهي تُملك بالحيازة لا بالإحياء، فمن أخذ منها شيئاً ملك ما أخذه قليلاً كان أو كثيراً وإن كان زائداً على ما يعتاد لمثله وعلى مقدار حاجته، ويبقى الباقي ممّا لم يأخذه على الاشتراك، ولا يختصّ بالسابق في الآخذ، وليس له أن يجوز مقداراً يوجب الضيق والمضارّة على الناس. وأمّا الباطنية فهي تملك بالإحياء، بأن ينهى العمل والنقب والحفر إلى أن يبلغ نيلها، فيكون حالها حال الآبار المحفورة في الموات لأجل استنباط الماء، وقد مرّ أنَّها تملك بحفرها حتّى يبلغ الماء ويملك بتبعها الماء، ولو عمل فيها عملاً لم يبلغ به نيلها كان تحجيراً فيفيد الأحقّية والأولويّة دون الملكيّة.
(مسألة 33): إذا شرع في إحياء معدنٍ ثُمَّ أهمله وعطّله أُجبر على إتمام العمل
ــــــ[559]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أو رفع يده عنه، ولو أبدى عذراً أُنظر بمقدار زوال عذره ثُمَّ أُلزم على أحد الأمرين، كما سبق ذلك كلّه في إحياء الموات.
(مسألة 34): لو أحيى أرضاً مزرعاً أو مسكناً مثلاً فظهر فيها معدنٌ ملكه تبعاً(1) لها، سواءٌ كان عالماً به حين إحيائها أم لا.
(مسألة 35): لو قال ربّ المعدن لآخر: اعمل فيه(2) ولك نصف الخارج مثلاً، بطل إن كان بعنوان الإجارة، وصحّ لو كان بعنوان الجعالة.
ــــــ[560]ـــــــ
(1)إذا كان هذا المعدن على وجه الأرض أو قريباً منها وأمّا المعادن البعيدة فلا يملكها إلَّا بالحفر، ويملك ما ظهر منها فقط.
(2) يعني: في الحفرة التي فعلها. وأمّا أن يتصدّى شخصٌ آخر لعمل حفرةٍ أُخرى خارج أرض الأوّل وحريمه فلا إشكال فيه؛ فإنَّ الأوّل لا يملك كلّ المعدن الموجود في الأرض.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب اللقطة
التي بمعناها الأعمّ: كلّ مالٍ ضائعٍ عن مالكه ولم يكن يدٌ عليه، وهي إمّا حيوانٌ أو غير حيوانٍ:
القول في لقطة الحيوان
وهي المسمّاة بالضالّة.
(مسألة 1): إذا وجد الحيوان في العمران لا يجوز أخذه ووضع اليد عليه أيّ حيوانٍ كان، فمَن أخذه ضمنه ويجب عليه حفظه من التلف والإنفاق عليه بما يلزم، وليس له الرجوع على صاحبه بما أنفق. نعم لو كان في معرض الخطر لمرضٍ أو غيره جاز له أخذه من دون ضمانٍ، ويجب عليه الإنفاق عليه، وجاز له الرجوع بما أنفقه على مالكه لو كان إنفاقه عليه بقصد الرجوع عليه، وإن كان له منفعةٌ مِن ركوبٍ أو حملٍ عليه أو لبنٍ ونحوه جاز له(1) استيفاؤها واحتسابها بإزاء ما أنفق.
(مسألة 2): بعد ما أخذ الحيوان في العمران وصار تحت يده يجب عليه(2)
ــــــ[561]ـــــــ
(1) هذه أمانةٌ شرعيّةٌ فيجب أن يدفعها فوراً ففوراً فلا يجوز هذا الاستيفاء منافياً لذلك، والأحوط أن يكون بإذن الحاكم الشرعيّ.
(2) الأقوى شمول حكم اللقطة له.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الفحص عن صاحبه في صورتي جواز الأخذ وعدمه، فإذا يئس من صاحبه تصدق به أو بثمنه كغيره من مجهول المالك.
(مسألة 3): ما يدخل في دار الإنسان من الحيوان كالدجاج والحمام ممّا لم يُعرف صاحبه: الظاهر خروجه عن عنوان اللقطة، بل هو داخلٌ في عنوان مجهول المالك، فيتفحّص عن صاحبه وعند اليأس منه يتصدّق به. والفحص اللازم هو المتعارف في أمثال ذلك، بأن يسأل من الجيران والقريبة من الدور والعمران. نعم لا يبعد جواز تملّك مثل الحمام إذا ملك جناحيه ولم يعرف صاحبه(1) من دون فحصٍ عنه، كما مرّ في كتاب الصيد.
(مسألة 4): ما يوجد من(2) الحيوان في غير العمران من الطرق والشوارع والمفاوز والصحاري والبراري والجبال والآجام ونحوها إن كان ممّا يحفظ نفسه بحسب العادة من صغار السباع مثل الثعالب وابن آوى والذئب والضبع ونحوها إمّا لكبر جثّته كالبعير أو لسرعة عدوه كالفرس والغزال أو لقوّته وبطشه كالجاموس والثور لا يجوز(3) أخذه ووضع اليد عليه إذا كان في كلاءٍ وماءٍ أو كان صحيحاً(4) يقدر على تحصيل الماء والكلاء، وإن كان ممّا تغلب عليه صغار السباع كالشاة وأطفال البعير والدوابّ جاز أخذه، فإذا أخذه عرّفه في المكان الذي أصابه وحواليه إن كان [فيه] أحدٌ، فإن عرف صاحبه ردّه إليه وإلَّا كان له تملّكه وبيعه
ــــــ[562]ـــــــ
(1) يعني: لم يعرف أنَّ له صاحباً وإلَّا لم يختلف عن غيره.
(2) يعني: ما أحرز أنَّه ملكٌ للغير قد ضاع منه وإلَّا جاز أخذه بلا إشكال.
(3) على الأحوط وجوباً.
(4) على الأحوط استحباباً إذا لم يكن في كلأ وماء.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وأكله مع الضمان لمالكه لو وجد، كما أنَّ له إبقاءه وحفظه لمالكه ولا ضمان عليه.
(مسألة 5): لو أخذ البعير ونحوه في صورةٍ لا يجوز له أخذه ضمنه ويجب عليه الإنفاق عليه، وليس له الرجوع بما أنفقه على صاحبه وإن كان من قصده الرجوع عليه كما مرّ فيما يؤخذ من العمران.
(مسألة 6): إذا ترك الحيوانَ صاحبُه وسرّحه في الطرق أو الصحاري والبراري، فإن كان بقصد الإعراض عنه جاز لكلّ أحدٍ أخذه وتملّكه، كما هو الحال في كل مالٍ أعرض عنه صاحبه، وإن لم يكن بقصد الإعراض بل كان من جهة العجز عن إنفاقه أو من جهة جهد الحيوان وكلالة – كما يتّفق كثيراً(1) أنَّ الإنسان إذا كلّت دابّته في الطرق والمفاوز ولم يتمكّن من الوقوف عندها يأخذ رحلها أو سرجها ويسرحها ويذهب، فإن تركه في كلاءٍ وماءٍ وأمنٍ ليس لأحدٍ أن يأخذه، فلو أخذه كان غاصباً ضامناً له، وإن أرسله بعد ما أخذه لم يخرج من الضمان، وفي وجوب حفظه والإنفاق عليه وعدم الرجوع على صاحبه ما مرّ فيما يؤخذ في العمران. وإن تركه في خوفٍ وعلى غير ماءٍ وكلاءٍ جاز أخذه والإنفاق عليه، وهو للآخذ(2) إذا تملّكه.
(مسألة 7): إذا أصاب دابّةً وعلم بالقرائن أنَّ صاحبها قد تركها ولم يدر أنَّه قد تركها بقصد الإعراض أو بسببٍ آخر كان بحكم الثاني، فليس له أخذها
ــــــ[563]ـــــــ
(1) إلَّا أنَّ الأغلب عرفاً هو الإعراض أو قل: إحراز الإعراض لمن وجده. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(2) مع عدم الإعراض مشكلٌ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وتملّكها إلَّا إذا كانت في مكان خوفٍ بلا ماءٍ ولا كلاءٍ.
(مسألة 8): إذا أصاب حيواناً في غير العمران ولم يدر أنَّ صاحبه قد تركه بأحد النحوين أو لم يتركه بل ضاعه أو شرد عنه كان بحكم الثاني من التفصيل المتقدّم، فإن كان مثل البعير لم يجز أخذه وتملّكه إلَّا إذا كان غير صحيحٍ ولم يكن في ماءٍ وكلاءٍ، وإن كان مثل الشاة جاز(1) أخذه مطلقاً.
القول في لقطة غير الحيوان
التي يطلق عليها اللقطة عند الإطلاق واللقطة بالمعنى الأخصّ. ويعتبر فيها عدم معرفة المالك، فهو قسمٌ من(2) مجهول المالك له أحكامٌ خاصّةٌ.
(مسألة 1): يعتبر فيه: الضياع عن المالك، فما يؤخذ من يد الغاصب والسارق ليس من اللقطة؛ لعدم الضياع عن مالكه، بل لابدَّ في ترتيب أحكامها عليه من إحراز الضياع ولو بشاهد الحال، فالحذاء المتبدّل بحذائه في المساجد ونحوها يشكل ترتيب أحكام اللقطة عليه، وكذا الثوب المتبدّل بثوبه في الحمّام ونحوه؛ لاحتمال تقصّد المالك في التبديل، ومعه يكون من مجهول(3) المالك لا من اللقطة.
ــــــ[564]ـــــــ
(1) لا يفرق حكم الشاة عن غيرها فيما سبق من الماتن وعلّقنا عليه.
(2) المهمّ في اللقطة هو الضياع العرفيّ، والمهمّ في مجهول المالك الاصطلاحي هو كونه مملوكاً لعددٍ غير محدودٍ من الناس المجهولي الهويّة، وإن كان يمكن أن يكون بينهما نسبة العموم من وجه.
(3) هذا قسمٌ من المجهول المالك ولا يبعد شمول الحكم له لكن يجب فيه الفحص فإن حصل اليأس شمله الحكم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 2): يعتبر في صدق اللقطة وثبوت أحكامها: الأخذ والالتقاط، فلو رأى شيئاً وأخبر به غيره فأخذه كان حكمها على الآخذ دون الرائي وإن تسبّب منه، بل لو قال: ناولنيه، فنوى المأمور الأخذ لنفسه كان هو الملتقط دون الآمر. نعم لو أخذه لا لنفسه وناوله إيّاه، الظاهر صدق(1) الملتقط على الآمر المتناول، بل بناءً على صحّة الاستنابة والنيابة في الالتقاط كما في حيازة المباحات وإحياء الموات يكفي مجرّد(2) أخذ المأمور النائب في صيرورة الآمر ملتقطاً، لكون يده بمنزلة يده وأخذه بمنزلة أخذه.
(مسألة 3): لو رأى شيئاً مطروحاً على الأرض فأخذه بظنّ أنَّه ماله فتبيّن أنَّه ضائعٌ عن غيره صار بذلك لقطةً وعليه حكمها، وكذا لو رأى مالاً ضائعاً فنحّاه من جانبٍ إلى آخر. نعم لو دفعه برجله ليتعرّفه، الظاهر: عدم صيرورته بذلك ملتقطاً بل ولا ضامناً(3)؛ لعدم صدق اليد والأخذ.
(مسألة 4): المال المجهول المالك الغير الضائع لا يجوز أخذه ووضع اليد عليه، فإن أخذه كان غاصباً ضامناً إلَّا إذا كان في معرض التلف فيجوز بقصد الحفظ، ويكون حينئذٍ في يده أمانةً شرعيّةً لا يضمن إلَّا بالتعدّي أو التفريط. وعلى كلٍّ من تقديري جواز الأخذ وعدمه: لو أخذه يجب عليه الفحص عن مالكه إلى
ــــــ[565]ـــــــ
(1) مع غفلة المتناول، ولو كان ملتفتاً لم يجز له إعطاؤها إلى غيره؛ للزومه حكمها مباشرةً.
(2) قياسه على المباحات مع الفارق.
(3) بل هو ضامنٌ بضمان الإتلاف، فإن وجد المالك أعطاه وإلَّا كان من «ردّ المظالم» وهو المال المجهول المالك الذمّي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أن ييأس من الظفر [به]، وعند ذلك يجب عليه أن يتصدّق به.
(مسألة 5): كلّ مالٍ غير الحيوان أُحرز ضياعه عن مالكه المجهول ولو بشاهد الحال – وهو الذي يطلق عليه: «اللقطة» كما مرّ- يجوز أخذه والتقاطه على كراهةٍ، وإن كان المال الضائع في الحرم (أي حرم مكّة زادها الله شرفاً وتعظيماً) اشتدّت كراهة التقاطه، بل نُسب إلى المشهور حرمته، فلا يُترك فيه الاحتياط.
(مسألة 6): اللقطة إن كانت قيمتها دون الدرهم جاز تملّكها في الحال من دون تعريفٍ وفحصٍ عن مالكها، ولا يملكها قهراً بدون قصد التملّك على الأقوى، فإن جاء مالكها بعد ما التقطها دفعها إليه مع بقائها وإن تملّكها(1) على الأحوط لو لم يكن الأقوى، وإن كانت تالفةً لم يضمنها الملتقط وليس عليه عوضها إن كان بعد التملّك. وإن كانت قيمتها درهماً أو أزيد وجب عليه تعريفها والفحص عن صاحبها، فإن لم يظفر به فإن كانت لقطة الحرم تخيّر بين أمرين التصدّق بها أو إبقائها عنده وحفظها لمالكها وليس له تملّكها، وإن كانت لقطة غير الحرم تخيّر بين أُمورٍ ثلاثة: تملّكها، والتصدّق بها مع الضمان فيهما، وإبقائها أمانةً بيده من غير ضمان.
(مسألة 7): الدرهم: هو(2) الفضّة المسكوكة الرائجة في المعاملة، وهو وإن
ــــــ[566]ـــــــ
(1) وهو المثقال الشرعيّ تقريباً من الفضّة المسكوكة بسكّة المعاملة. وهذا ما قاله الماتن، وهو لا يبعد عمّا قلناه؛ لأنَّ المثقال الشرعيّ 18 حبّةً في حين إنَّ المثقال الصيرفيّ 24 حبّة.
(2) إذا كان مجيء المالك قريباً بحيث ينتفي مفهوم الضياع عرفاً بمجيئه، وإلَّا كانت للملتقط، والأحوط استحباباً دفعها إليه مجّاناً أو المصالحة معه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
اختلف وزنه بحسب الأزمنة والأمكنة(1) إلَّا أنَّ المراد هنا ما كان على وزن اثنتي عشرة حمّصةً ونصف حمّصةٍ وعشرها. وبعبارة أُخرى: نصف مثقالٍ وربع عشر مثقالٍ بالمثقال الصيرفيّ الذي يساوي أربعةً وعشرين حمّصةً معتدلةً، فالدرهم يقارب نصف ريالٍ عجميٍّ وكذا ربع روبيّةٍ انگليزيّة.
(مسألة 8): المدار في القيمة على مكان الالتقاط وزمانه في اللقطة وفي الدرهم(2)، فإن وجد شيئاً في بلاد العجم مثلاً وكان قيمته في بلد الالتقاط وزمانه أقلّ من نصف ريالٍ أو وجد في بلادٍ تكون الرائج فيها الروبيّة وكان قيمته أقلّ من ربعها جاز تملّكه في الحال ولا يجب تعريفه.
(مسألة 9): يجب التعريف فوراً فيما لم يكن أقلّ من درهم، فلو أخّره من أوّل زمن الالتقاط عصى إلَّا إذا كان لعذر، ولو أخّره لعذرٍ أو لا لعذرٍ لم يسقط.
(مسألة 10): قيل: لا يجب التعريف إلَّا إذا كان ناوياً للتملّك بعده، والأقوى وجوبه مطلقاً وإن كان من نيّته التصدّق أو الحفظ لمالكها أو غير ناوٍ لشيء أصلاً.
(مسألة 11): مدّة التعريف الواجب سنةٌ كاملةٌ(3)، ولا يشترط فيها التوالي، فإن عرّفها في ثلاثة شهور في سنةٍ على نحوٍ يُقال في العرف إنَّه عرّفها في تلك المدّة ثُمَّ ترك التعريف بالمرّة ثُمَّ عرّفها في سنةٍ أُخرى ثلاثة شهورٍ وهكذا إلى أن كمل
ــــــ[567]ـــــــ
(1) لا يختلف بل المراد به الدرهم الذي كان متعارفاً في زمن المعصومين^ وهو ما أشرنا إليه.
(2) ظهر ما فيه، ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(3) أو إلى حين اليأس من وجدان المالك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مقدار سنةٍ في ضمن أربع سنواتٍ مثلاً كفى في تحقّق التعريف الذي هو شرطٌ لجواز(1) التملّك والتصدّق وسقط عنه ما وجب عليه وإن كان عاصياً في تأخيره إن كان بلا عذر.
(مسألة 12): لا يعتبر في التعريف مباشرةُ الملتقط، بل يجوز استنابة الغير مجّاناً أو بالأُجرة مع الاطمئنان بإيقاعه، والظاهر أنَّ أُجرة التعريف على الملتقط(2) إلَّا إذا كان من قصده أن يبقيها بيده ويحفظها لمالكه.
(مسألة 13): لو علم بأنَّ التعريف لا فائدة فيه أو حصل له اليأس من وجدان مالكها قبل تمام السنة سقط وتخيّر بين الأمرين في لقطة الحرم والأُمور الثلاثة في لقطة غيره، والأحوط في الثاني أن يتصدّق بها ولا يتملّك.
(مسألة 14): لو تعذّر التعريف في أثناء السنة انتظر ارتفاع العذر، وليس عليه بعد ارتفاع العذر استيناف السنة بل يكفي تتميمها.
(مسألة 15): لو علم بعد تعريف سنةٍ أنَّه لو زاد عليها عثر على صاحبه فهل يجب الزيادة إلى أن يعثر عليه أم لا؟ وجهان أحوطهما الأوّل، وإن كان الثاني لا يخلو من قوّة.
(مسألة 16): لو ضاعت اللقطة من الملتقط ووجدها شخصٌ آخر لم يجب عليه التعريف، بل يجب عليه إيصالها إلى الملتقط الأوّل. نعم لو لم يعرّفه وجب
ــــــ[568]ـــــــ
(1) شرطه اليأس أو تمام السنة. فإن حصل اليأس خلال السنة، وجب الانتظار إلى نهايتها ولو بدون فحصٍ. فإن انتهت، جاز له التملّك أو التصدّق.
(2) خلاف الاحتياط جدّاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عليه التعريف سنةً طالباً به المالك أو الملتقط الأوّل(1)، فأيّاً منهما(2) عثر عليه يجب دفعها إليه من غير فرقٍ بين ما كان ضياعها من الملتقط قبل تعريفه سنةً أو بعده.
(مسألة 17): إذا كانت اللقطة ممّا لا تبقى سنةً كالطبيخ والبطّيخ واللحم والفواكه والخضراوات جاز أن يقوّمها على نفسه ويأكلها ويتصرّف بها أو يبيعها من غيره ويحفظ ثمنها لمالكها، والأحوط أن يكون بيعها بإذن الحاكم مع الإمكان، ولا يسقط(3) التعريف فيحفظ خصوصيّاتها وصفاتها قبل أن يأكلها أو يبيعها ثُمَّ يعرّفها سنةً، فإن جاء صاحبها وقد باعها دفع ثمنها إليه وإن أكلها غرم له بقيمته، وإن لم يجئ فلا شيء عليه.
(مسألة 18): يتحقّق تعريف سنةٍ بأن يكون سنةً متواليةً أو غير متواليةٍ مشغولاً بالتعريف، بحيث لا يُعدّ في العرف متسامحاً متساهلاً في الفحص عن مالكه بل عدّوه فاحصاً عنه في هذه المدّة، ولا يتقدّر ذلك بمقدارٍ معيّنٍ، بل هو أمرٌ عرفيٌّ، وقد نُسب إلى المشهور تحديده بأن يعرِّف في الأسبوع الأوّل في كلّ يومٍ مرّةً ثُمَّ في بقيّة الشهر في كلّ أسبوعٍ مرّةً وبعد ذلك في كلّ شهرٍ مرّةً، والظاهر: أنَّ المراد بيان أقلّ ما يصدق عليه تعريف سنةٍ عرفاً، ومرجعه إلى كفاية بضعٍ وعشرين مرّةً بهذه الكيفيّة، وفيه إشكالٌ من جهة الإشكال في كفاية كلّ شهرٍ مرّةً في غير الشهر الأوّل، والظاهر كفاية كلّ أسبوعٍ مرّةً إلى تمام
ــــــ[569]ـــــــ
(1) إن علم به ولو إجمالاً.
(2) يعني: إذا حصل وحده، وإلَّا فالمالك هو المتعيّن.
(3) على الأحوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الحول، والأحوط أن يكون في الأسبوع الأوّل كلّ يومٍ مرّة.
(مسألة 19): محلّ التعريف مجامع الناس كالأسواق والمشاهد ومحلّ إقامة الجماعات ومجالس التعزية، وكذا المساجد حين اجتماع الناس فيها وإن كره ذلك فيها، فينبغي أن يكون على أبوابها حين دخول الناس فيها أو خروجهم عنها.
(مسألة 20): يجب أن يعرّف اللقطة في موضع الالتقاط إن وجدها في محلٍّ متأهّلٍ من بلدٍ أو قريةٍ ونحوهما، ولو لم يقدر على البقاء لم يسافر بها بل استناب شخصاً أميناً ثقة ليعرّفها، وإن وجدها في المفاوز والبراري والشوارع وأمثال ذلك عرّفها لمن يجده فيها حتّى أنَّه لو اجتازت قافلةٌ تبعهم وعرّفها فيهم، فإن لم يجد المالك فيها أتمّ التعريف في غيرها من البلاد أيّ بلدٍ شاء ممّا احتمل وجود صاحبها فيه، وينبغي أن يكون في أقرب البلدان إليها فالأقرب مع الإمكان.
(مسألة 21): كيفيّة التعريف أن يقول المنادي: «مَن ضاع له ذهبٌ أو فضّةٌ أو ثوبٌ» وما شاكل ذلك من الألفاظ بلغةٍ يفهمها الأغلب، ويجوز أن يقول: «مَن ضاع له شيءٌ أو مالٌ»، بل ربّما قيل: إنَّ ذلك أحوط وأولى، فإذا ادّعى أحدٌ ضياعه سأله عن خصوصيّاته وصفاته وعلاماته من وعائه وخيطه وصنعته وأمورٍ يبعد اطّلاع غير المالك عليه من عدده وزمان ضياعه ومكانه وغير ذلك، فإذا توافقت الصفات والخصوصيّات التي ذكره مع الخصوصيّات الموجودة في ذلك المال فقد تمّ التعريف، ولا يضرّ جهله ببعض الخصوصيّات التي لا يطّلع عليها المالك غالباً ولا يلتفت إليها إلَّا نادراً، ألا ترى أنَّ الكتاب الذي يملكه الإنسان ويقرؤه ويطالعه مدّةً طويلةً من الزمان لا يطّلع غالباً على عدد أوراقه وصفحاته، فلو لم
ــــــ[570]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يعرف مثل ذلك لكن وصفه بصفاتٍ وعلاماتٍ أُخر لا تخفى على المالك كفى في تعريفه وتوصيفه.
(مسألة 22): إذا لم تكن اللقطة قابلةً للتعريف – بأن لم يكن لها علامةٌ وخصوصيّاتٌ ممتازةٌ عن غيرها حتّى يصف بها من يدّعيها ويسأل عنها الملتقط، كدينارٍ واحدٍ من الدنانير المتعارفة غير مصرور ولا مكسور- سقط التعريف، وحينئذٍ: هل يتخيّر بين الأُمور الثلاثة المتقدّمة من دون تعريفٍ كما إذا حصل اليأس من وجدان مالكها أو يعامل معها معاملة مجهول المالك فيتعيّن التصدّق بها؟ وجهان أحوطهما الثاني.
(مسألة 23): إذا التقط اثنان لقطةً واحدةً، فإن كان المجموع دون درهمٍ جاز لهما تملّكها في الحال من دون تعريفٍ وكان بينهما بالتساوي، وإن كانت بمقدار درهمٍ فما زاد وجب عليهما تعريفها، وإن كانت حصّة كلٍّ منهما أقلّ من درهمٍ، ويجوز أن يتصدّى للتعريف كلاهما أو أحدهما أو يوزّع الحول عليهما بالتساوي أو التفاضل، فإن توافقا على أحد الأنحاء فقد تأدّى ما هو الواجب عليهما وسقط عنهما، وإن تعاسرا فيوزّع الحول عليهما بالتساوي، وهكذا بالنسبة إلى أجرة التعريف لو كانت عليهما.
وبعد ما تمّ حول التعريف يجوز اتّفاقهما على التملّك أو التصدّق أو الإبقاء أمانةً، ويجوز أن يختار أحدهما غير ما يختاره الآخر، بأن يختار أحدهما التملّك والآخر التصدّق مثلاً كلٌّ في نصفه.
(مسألة 24): إذا التقط الصبيّ أو المجنون فما كان دون درهمٍ ملكاه إن
ــــــ[571]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
قصدا أو قصد وليّهما التملّك، وما كان مقدار درهمٍ فما زاد يعرَّف وكان التعريف على وليّهما(1)، وبعد تمام الحول يختار من التملّك لهما والتصدّق والإبقاء أمانةً ما هو الأصلح لهما.
(مسألة 25): اللقطة في مدّة التعريف أمانةٌ لا يضمنها الملتقط إلَّا مع التعدّي أو التفريط، وكذا بعد تمام الحول إن اختار بقاءها عنده أمانةً لمالكها، وأما إن اختار التملّك أو التصدّق فإنَّه تصير في ضمانه(2) كما تعرفه.
(مسألة 26): إن وُجد المالك وقد تملّكها الملتقط بعد التعريف، فإن كانت العين باقيةً أخذها(3) وليس له إلزام الملتقط بدفع البدل من المثل أو القيمة، وكذا ليس له إلزام المالك بأخذ البدل، وإن كانت تالفةً أو منتقلةً إلى الغير ببيعٍ ونحوه أخذ بدله(4) من الملتقط من المثل أو القيمة، وإن وُجد بعد ما تصدّق به فليس له أن يرجع إلى العين وإن كانت موجودةً عند المتصدّق له، وإنَّما له أن يرجع على الملتقط ويأخذ منه(5) بدل ماله إن لم يرض بالتصدّق، وإن رضي به لم يكن له الرجوع عليه وكان أجر الصدقة له. هذا إذا وُجد المالك، وأمّا إذا لم يوجد فلا شيء عليه في الصورتين.
ــــــ[572]ـــــــ
(1) على الأحوط استحباباً ولكن إذا لم يعرِّف لا يشمله حكم اللقطة بل يتعيّن حفظه لمالكه مهما طال الزمن.
(2) الاستحبابي.
(3) على الأحوط استحباباً للملتقط.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(5) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 27): لا يسقط التعريف عن الملتقط بدفع اللقطة إلى الحاكم(1) وإن جاز له دفعها إليه قبل التعريف وبعده، بل إن اختار التصدّق بها بعد التعريف كان الأَولى أن يدفعها إليه ليتصدّق بها.
(مسألة 28): لو وُجد المالك وقد حصل للّقطة نماءٌ متّصلٌ يتبع العين، فيأخذ العين بنمائه سواءٌ حصل قبل تمام التعريف أو بعده، وسواءٌ حصل قبل التملّك أو بعده(2).
وأمّا النماء المنفصل، فإن حصل بعد التملّك كان للملتقط، فإذا كانت العين موجودةً يدفعها إلى المالك دون نمائها، وإن حصل في زمن التعريف أو بعده قبل التملّك كان للمالك.
(مسألة 29): لو حصل [لها] نماءٌ منفصلٌ بعد الالتقاط فعرَّف العين حولاً ولم يجد المالك، فهل له تملّك النماء تبعاً للعين أم لا؟ وجهان بل قولان، أظهرهما الأوّل وأحوطهما الثاني، بأن يعامل معه معاملة مجهول المالك، فيتصدّق به بعد اليأس عن المالك.
(مسألة 30): ما يوجد مدفوناً في الخربة الدارسة التي باد أهلها وفي المفاوز وكلّ أرض لا ربّ لها فهو لواجده من دون تعريفٍ وعليه الخمس كما مرّ في كتابه، وكذا ما كان مطروحاً وعلم أو ظنّ بشهادة بعض العلائم والخصوصيّات أنَّه ليس لأهل زمن الواجد، وأمّا ما علم أنَّه لأهل زمانه فهي لقطةٌ، فيجب تعريفها
ــــــ[573]ـــــــ
(1) على الأحوط إلَّا إذا تعهّد الحاكم بالتعريف.
(2) كما قلنا قبل تعليقتين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إن كان بمقدار الدرهم فما زاد، وقد مرّ أنَّه يعرَّف في أيّ بلدٍ شاء.
(مسألة 31): لو علم مالك(1) اللقطة قبل التعريف أو بعده لكن لم يمكن الإيصال إليه ولا إلى وارثه ففي إجراء حكم اللقطة عليه من التخيير بين الأُمور الثلاثة أو إجراء حكم مجهول المالك عليه وتعيّن التصدق به، وجهان الأحوط الثاني بل لا يخلو من قوّة.
(مسألة 32): لو مات الملتقط فإن كان بعد التعريف والتملّك انتقل إلى وارثه، وإن كان بعد التعريف وقبل التملّك تخيّر وارثه بين الأُمور الثلاثة، وإن كان قبل التعريف أو في أثنائه يتولّاه وارثه في الأوّل ويتمّه في الثاني ثُمَّ هو مخيّرٌ بين الأُمور الثلاثة، ولو تعدّدت الورثة كان حكمهم حكم الملتقط المتعدّد مع وحدة اللقطة، وقد مرّ حكمه.
(مسألة 33): لو وُجد مالاً في دارٍ معمورةٍ يسكنها الغير، سواءٌ كانت ملكاً [له] أو مستأجرةً أو مستعارةً بل أو مغصوبةً عرّفه الساكن، فإن ادّعى ملكيّته فهو له فليدفع إليه بلا بيّنةٍ، وكذا لو قال: لا أدري، وإن سلبه عن نفسه فقد نُسب إلى المشهور أنَّه ملكٌ للواجد، وفيه إشكالٌ، فالأحوط(2) إجراء حكم اللقطة عليه، وأحوط منه إجراء حكم مجهول المالك، فيتصدّق به بعد اليأس عن المالك.
ــــــ[574]ـــــــ
(1) يعني: لو علم الملتقط مالك اللقطة. وفي مثله ينتفي حكم اللقطة ويتعيّن حفظها لمالكها مهما طال الزمن، وله أن يدفعها إلى الحاكم الشرعيّ، مع بيان حالها. ومنه يظهر ما في المسألة.
(2) إن كانت أموالاً إسلاميّةً فهي لقطةٌ وإلَّا فهي كنزٌ يملكه بعد تخميسه. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 34): لو وُجد شيئاً في جوف حيوانٍ قد انتقل إليه من غيره، فإن كان غير السمك كالبقر والغنم عرّفه صاحبه السابق، فإن ادّعاه دفعه إليه، وكذا إن قال: لا أدري على الأحوط، وإن أنكره كان للواجد. وإن وجد شيئاً لؤلؤةً أو غيرها في جوف سمكةٍ(1) اشتراها من غيره فهو له، والظاهر أنَّ الحيوان الذي لم يكن له مالكٌ سابقٌ غير السمك بحكم السمك، كما إذا اصطاد غزالاً فوجد في جوفه شيئاً، وإن كان الأحوط(2) إجراء حكم اللقطة أو المجهول المالك عليه.
(مسألة 35): لو وجد في داره التي يسكنها شيئاً ولم يعلم أنَّه ماله أو مال غيره، فإن لم يدخلها غيره أو يدخلها آحادٌ من الناس من باب الاتّفاق كالدخلانيّة(3) المعدّة لأهله وعياله فهو له، وإن كانت مما يتردّد فيها الناس كالبرّانية(4) المعدّة للأضياف والواردين والعائدين والمضايف ونحوها فهي لقطةٌ يجري عليه حكمها، وإن وجد في صندوقه شيئاً ولم يعلم أنَّه ماله أو مال غيره فهو له [إلَّا] إذا كان غيره قد يدخل يده فيه أو يضع فيه شيئاً فيعرّفه ذلك الغير، فإن أنكره كان له لا لذلك الغير، فإن ادّعاه دفعه إليه، وإن قال: لا أدري، فالأحوط التصالح(5).
ــــــ[575]ـــــــ
(1) يعني: قد اصطادها من المياه العامّة، وأمّا لو كانت في مياهٍ مملوكةٍ ومحصورةٍ فالأحوط تطبيق ما سبق في المتن عليه.
(2) وجهه ضعيف.
(3) اشتقاقٌ مأخوذٌ من العاميّة العراقيّة. والعبارة الفصيحة: بيت الحريم.
(4) مثل سابقتها وفصيحها: دار استقبال الضيوف ونحوه أو المضيف.
(5) استحباباً، والظاهر: جريان قاعدة اليد له.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 36): لو أخذ من شخصٍ مالاً ثُمَّ علم أنَّه لغيره قد أخذ منه بغير وجهٍ شرعيٍّ وعدواناً ولم يعرّف المالك يجري عليه حكم مجهول المالك(1) لا اللقطة؛ لما مرّ أنَّه يعتبر في صدقها الضياع عن المالك ولا ضياع في هذا الفرض. نعم في خصوص ما إذا أودع عنده سارقٌ مالاً(2) ثُمَّ تبيّن أنَّه مال غيره ولم يعرّفه يجب عليه أن يمسكه ولا يردّه إلى السارق مع الإمكان ثُمَّ هو بحكم اللقطة فيعرّفها حولاً فإن أصاب صاحبها ردّها عليه وإلَّا تصدّق بها، فإن جاء صاحبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له، وليس له أن يتملّكه بعد التعريف فليس هو بحكم اللقطة من هذه الجهة.
(مسألة 37): لو التقط شيئاً فبعد ما صار في يده ادّعاه شخصٌ حاضرٌ وقال: إنَّه مالي، يشكل دفعه إليه بمجرّد دعواه بل يحتاج إلى البيّنة(3)، إلَّا إذا كان بحيث يصدق عرفاً أنَّه في يده أو ادّعاه قبل أن يلتقطه فيحكم بكونه ملكاً للمدّعي، ولا يجوز له أن يلتقطه.
(مسألة 38): لا يجب دفع اللقطة إلى من يدّعيها إلَّا مع العلم أو البيّنة، وإن وصفها بصفاتٍ وعلاماتٍ لا يطّلع عليها غير المالك غالباً إذا لم يفد القطع(4)
ــــــ[576]ـــــــ
(1) إذا لم يملك أيّة فكرةٍ محدّدةٍ عن المالك وإن كانت الاحتمالات محصورةً وجب الفحص في حدودها.
(2) الأقوى عدم الفرق بين السارق وغيره فيشمله حكم مجهول المالك، وإن كان الأحوط ما في المتن.
(3) أو الوصف المزيل للشكّ أو الوثوق الشخصيّ به.
(4) ويكفي الاطمئنان بل الوثوق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بكونه المالك. نعم نُسب إلى الأكثر أنَّه إن أفاد الظن(1) جاز دفعها إليه، فإن تبرّع بالدفع عليه لم يمنع وإن امتنع لم يجبر وفيه إشكال، فالأحوط(2) الاقتصار في الدفع على صورة العلم أو البيّنة.
(مسألة 39): لو تبدّل حذاؤه بحذاء آخر في مسجدٍ أو غيره أو تبدّل ثيابه في حمّامٍ أو غيره بثياب آخر، فإن علم أنَّ الموجود لمن أخذ ماله(3) جاز أن يتصرّف فيه، بل يتملّكه بعنوان التقاصّ(4) عن ماله، خصوصاً فيما إذا علم – ولو بشاهد الحال- أنَّ صاحبه قد بدّله متعمّداً. نعم لو كان الموجود أجود ممّا أخذ يلاحظ التفاوت فيقوَّمان معاً ويتصدّق بمقدار التفاوت بعد اليأس عن صاحب المتروك، وإن لم يعلم بأن المتروك لمن أخذ ماله أو لغيره يعامل معه معاملة مجهول المالك، فيتفحّص عن صاحبه ومع اليأس عنه يتصدّق به، بل الأحوط ذلك(5) أيضاً فيما لو علم أنَّ الموجود للآخذ لكن لم يعلم أنَّه قد بدّل متعمّداً.
ــــــ[577]ـــــــ
(1) لا يبعد ذلك أيضاً؛ لأنَّه المسلك العرفيّ وإن كان الأحوط خلافه.
(2) ظهر ما فيه.
(3) يعني: عمداً، وأمّا في صورة الاشتباه أو احتماله فالأحوط إرجاعه إليه مع التعرّف عليه والفحص عنه بدونه، بل الأحوط ذلك على كلّ حال.
(4) والأحوط: مراجعة الحاكم الشرعيّ.
(5) وجوباً كما سبق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(خاتمة)
إذا وجد صبيّاً ضائعاً لا كافل له ولا يستقلّ بنفسه للسعي فيما يصلحه والدفع عمّا يضرّه ويهلكه ويقال له: «اللقيط» يجوز بل يستحبّ التقاطه وأخذه، بل يجب إذا كان في معرض التلف، سواءٌ كان منبوذاً قد طرحه أهله في شارعٍ أو مسجدٍ ونحوهما عجزاً عن النفقة أو خوفاً من التهمة أو غيره، بل وإن كان مميّزاً بعد صدق كونه ضائعاً تائهاً لا كافل له، وبعد ما أخذ اللقيط والتقطه يجب عليه حضانته وحفظه والقيام بضرورة تربيته بنفسه أو بغيره، وهو أحقّ به من غيره إلى أن يبلغ، فليس لأحدٍ أن ينتزعه من يده ويتصدّى حضانته غير من له حقّ الحضانة شرعاً بحقّ النسب كالأبوين والأجداد وسائر الأقارب(1) أو بحقّ الوصاية كوصيّ الأب أو الجدّ إذا وجد أحد هؤلاء، فيخرج بذلك عن عنوان اللقيط؛ لوجود الكافل له حينئذٍ. واللقيط: مَن لا كافل له، وكما لهؤلاء حقّ الحضانة فلهم انتزاعه من يد آخذه كذلك عليهم ذلك، فلو امتنعوا أجبروا عليه.
(مسألة 1): إذا كان للّقيط مالٌ من فراشٍ أو غطاءٍ زائدين على مقدار حاجته أو غير ذلك جاز للملتقط صرفه في نفقته بإذن الحاكم أو وكيله، ومع تعذرّهما جاز له ذلك بنفسه ولا ضمان عليه، وإن لم يكن له مالٌ فإن وُجد مَن ينفق عليه من حاكمٍ بيده بيت المال أو مَن كان عنده حقوق تنطبق عليه من زكاةٍ أو غيرها أو متبرّعٍ كان له الاستعانة بهم في إنفاقه أو الإنفاق عليه من ماله، وليس له حينئذٍ
ــــــ[578]ـــــــ
(1) يعني: خصوص الأُمّ دون غيرها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الرجوع على اللقيط بما أنفقه بعد بلوغه ويساره وإن نوى الرجوع عليه، وإن لم يكن مَن ينفق عليه من أمثال ما ذُكر تعيّن عليه وكان له الرجوع عليه مع قصد الرجوع لا بدونه.
(مسألة 2): يشترط في الملتقط(1): البلوغ والعقل والحرّية وكذا الإسلام إن كان اللقيط محكوماً بالإسلام.
(مسألة 3): لقيط دار الإسلام محكومٌ بالإسلام، وكذا لقيط دار الكفر إذا وُجد فيها مسلمٌ احتمل تولّد اللقيط منه، وإن كان في دار الكفر ولم يكن فيها مسلمٌ أو كان ولم يحتمل(2) كونه منه يحكم بكفره، وفيما كان محكوماً بالإسلام لو أعرب عن نفسه الكفر بعد البلوغ يحكم بكفره، لكن لا يجري عليه حكم المرتدّ الفطري على الأقوى.
(مسألة 4): اللقيط محكومٌ بالحرّية ما لم يعلم خلافه أو أقرّ(3) على نفسه بالرقّ بعد بلوغه حتّى فيما لو التقط من دار الكفر ولم يكن فيها مسلمٌ احتمل تولّده منه، غاية الأمر أنَّه يجوز استرقاقه حينئذٍ، وهذا غير الحكم برقّيته كما لا يخفى.
ــــــ[579]ـــــــ
(1) فإن لم يكن كذلك تولّى الوليّ ذلك.
(2) اطمئناناً أو وثوقاً.
(3) مع احتمال علمه بحال نفسه لا بدونه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[580]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب النكاح
وهو من المستحبّات الأكيدة، وما ورد في الحثّ عليه والذمّ على تركه كثيرةٌ جدّاً:
فعن مولانا الباقر قال: قال رسول الله: (ما بني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من التزويج).
وعن مولانا الصادق: (ركعتان يصلّيهما المتزوّج أفضل من سبعين ركعة يصلّيها أعزبٌ).
وعنه قال: قال رسول الله: (رذّال موتاكم العزّاب).
وفي خبرٍ آخر عنه: (أكثر أهل النار العزّاب).
ولا ينبغي أن يمنعه عنه الفقر والعيلة بعد ما وعد الله عزّ وجلّ بالإغناء والسعة بقوله عزّ من قائل: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ الله مِنْ فَضْلِهِ}.
فعن النبيّ: (مَن ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء الظنّ بالله عزّ وجلّ).
هذا، وممّا يناسب تقديمه على مقاصد هذا الكتاب أُمورٌ بعضها متعلّقٌ بمَن ينبغي اختياره للزواج ومَن لا ينبغي، وبعضها في آداب العقد، وفي بعضها في
ــــــ[581]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
آداب الخلوة مع الزوجة، وبعضها من اللواحق التي لها مناسبةٌ بالمقام، وهي تذكر في ضمن مسائل:
(مسألة 1): ممّا ينبغي أن يهتمّ به الإنسان النظر في صفات مَن يريد تزويجها:
فعن النبيّ: (اختاروا لنطفكم، فإنَّ الخال أحد الضجيعين).
وفي خبرٍ آخر: (تخيّروا لنطفكم، فإنَّ الأبناء تشبه الأخوال).
وعن مولانا الصادق لبعض أصحابه حين قال هممت أن أتزوج: (انظر أين تضع نفسك ومَن تشركه في مالك وتُطلعه على دينك وسرّك، فإن كنت لابدَّ فاعلاً فبكراً تنسب إلى الخير وحسن الخلق. الخبر).
وعنه: (إنَّما المرأة قلادةٌ فانظر ما تتقلّد، وليس للمرأة خطر لا لصالحتهن ولا لطالحتهن، فأمّا صالحتهن فليس خطرها الذهب والفضّة هي خيرٌ من الذهب والفضّة، وأما طالحتهن فليس خطرها التراب، التراب خير منها).
وكما ينبغي للرجل أن ينظر فيمن يختارها للتزويج كذلك ينبغي ذلك للمرأة وأوليائها بالنسبة إلى الرجل؛ فعن مولانا الرضا عن آبائه عن رسول الله أنَّه قال: (النكاح رقّ، فإذا أنكح أحدكم وليدته فقد أرقّها، فلينظر أحدكم لمن يرقّ كريمته).
(مسألة 2): ينبغي أن لا يكون النظر في اختيار المرأة مقصوراً على الجمال والمال، فعن النبيّ: (مَن تزوّج المرأة لا يتزوّجها إلَّا لجمالها لم ير فيها ما يحبّ، ومَن تزوّجها لمالها لا يتزوّجها إلَّا له وكّله الله إليه، فعليكم بذات الدِّين).
بل يختار من كانت واجدةً لصفاتٍ شريفةٍ صالحةٍ قد وردت في مدحها
ــــــ[582]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأخبار فاقدةً لصفاتٍ ذميمةٍ قد نطقت بذمّها الآثار، وأجمع خبرٍ في هذا الباب ما عن النبي أنَّه قال: (خير نسائكم الولود الودود العفيفة، العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها، المتبرّجة مع زوجها، الحصان على غيره، التي تسمع قوله وتطيع أمره – إلى أن قال- ألا أخبركم بشرار نسائكم: الذليلة في أهلها، العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود التي لا تورع من قبيح، المتبرّجة إذا غاب عنها بعلها، الحصان معه إذا حضر، لا تسمع قوله ولا تطيع أمره، وإذا خلا بها بعلها تمنّعت منه كما تمنع الصعبة عن ركوبها، لا تقبل منه عذراً ولا تقيل له ذنباً).
وفي خبرٍ آخر عنه: (إيّاكم وخضراء الدمن. قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء). أشار إلى كونها ممّن تنال آباءها وأمّهاتها وعشيرتها الألسن، وكانوا معروفين بعدم النجابة.
(مسألة 3): يكره تزويج الزانية والمتولّد[ة] من الزنا وأن يتزوّج الشخص قابلته أو ابنتها.
(مسألة 4): لا ينبغي للمرأة أن تختار زوجاً سيّئ الخلق والمخنّث والفاسق وشارب الخمر.
(مسألة 5): يستحبّ: الإشهاد في العقد، والإعلان به، والخطبة قبله، أكملها ما اشتمل على التحميد والصلاة على النبيّ والأئمّة المعصومين والشهادتين والوصيّة بالتقوى والدعاء للزوجين، ويجزي: «الحمد لله والصلاة على محمّد وآله»، وإيقاعه ليلاً. ويكره إيقاعه والقمر في برج العقرب، وإيقاعه في محاق الشهر وفي أحد الأيّام المنحوسة في كلّ شهرٍ، المشتهرة في الألسن بكوامل الشهر،
ــــــ[583]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وهي سبعة: الثالث والخامس والثالث عشر والسادس عشر والحادي والعشرون والرابع والعشرون والخامس والعشرون.
(مسألة 6): يستحبّ أن يكون الزفاف ليلاً، والوليمة في ليله أو نهاره، فإنَّها من سنن المرسلين. وعن النبيّ: لا وليمة إلَّا في خمسٍ: في عرسٍ أو خرسٍ أو عذارٍ أو وكار أو ركاز- يعني للتزويج أو ولادة الولد أو الختان أو شراء الدار أو القدوم من مكّة.
وإنَّما تستحبّ يوماً أو يومين لا أزيد، للنبويّ: الوليمة في الأوّل حقٌّ ويومان مكرمةٌ وثلاثة أيّام رياءٌ وسمعةٌ. وينبغي أن يدعى لها المؤمنون، ويستحبّ لهم الإجابة والأكل وإن كان المدعوّ صائماً نفلاً. وينبغي أن يعمّ صاحب الدعوة الأغنياء والفقراء وأن لا يخصّها بالأغنياء؛ فعن النبيّ: شرُّ الولائم أن يُدعى لها الأغنياء ويُترك الفقراء.
(مسألة 7): يستحبّ لمن أراد الدخول بالمرأة ليلة الزفاف أو يومه أن يصلّي ركعتين ثُمَّ يدعو بعدهما بالمأثور، وأن يكونا على طهرٍ، وأن يضع يده على ناصيتها مستقبل القبلة ويقول: «اللّهم على كتابك تزوّجتها وفي أمانتك أخذتها وبكلماتك استحللت فرجها، فإن قضيت في رحمها شيئاً فاجعله ذكراً مسلماً سويّاً ولا تجعله شرك شيطان».
(مسألة 8): للخلوة بالمرأة مطلقاً ولو في غير ليلة الزفاف آدابٌ، وهي بين مستحبٍّ ومكروه:
أمّا المستحبّ:
ــــــ[584]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فمنها: أن يسمّي عند الجماع، فإنَّه وقايةٌ عن شرك الشيطان؛ فعن الصادق: (إذا أتى أحدكم أهله فليذكر الله، فإن لم يفعل وكان منه ولدٌ كان شرك شيطان). وفي معناه أخبارٌ كثيرةٌ.
ومنها: أن يسأل الله تعالى أن يرزقه ولداً تقيّاً مباركاً زكيّاً ذكراً سويّاً.
ومنها: أن يكون على وضوءٍ، سيّما إذا كانت المرأة حاملاً.
وأمّا المكروه: فيكره الجماع ليلة خسوف القمر، ويوم كسوف الشمس، ويوم هبوب الريح السوداء والصفراء والزلزلة، وعند غروب الشمس حتّى يذهب الشفق، وبعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وفي المحاق، وفي أوّل ليلةٍ من كلّ شهرٍ ما عدا شهر رمضان، وفي ليلة النصف من كلّ شهرٍ، وليلة الأربعاء، وفي ليلتي الأضحى والفطر. ويستحبّ ليلة الاثنين والثلاثاء والخميس والجمعة، ويوم الخميس عند الزوال، ويوم الجمعة بعد العصر.
ويكره الجماع في السفر إذا لم يكن معه ماءٌ يغتسل به، والجماع وهو عريانٌ، وعقيب الاحتلام قبل الغسل. نعم، لا بأس بأن يجامع مرّاتٍ من غير تخلّل الغسل بينها ويكون غسله أخيراً لكن يستحبّ غسل الفرج والوضوء عند كلّ مرّةٍ.
وأن يجامع وعنده مَن ينظر إليه حتّى الصبيّ والصبيّة، والجماع مستقبلّ القبلة ومستدبرها وفي السفينة، والكلام عند الجماع بغير ذكر الله، والجماع وهو مختضبٌ أو هي مختضبةٌ، وعلى الامتلاء من الطعام. فعن الصادق: (ثلاثٌ يهدمن للبدن وربما قتلن: دخول الحمّام على البطنة، والغشيان على الامتلاء، ونكاح العجائز).
ــــــ[585]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ويكره الجماع قائماً وتحت السماء وتحت الشجرة المثمرة، ويكره أن تكون خرقة الرجل والمرأة واحدةً، بل يكون له خرقةٌ ولها خرقةٌ ولا يمسحا بخرقةٍ واحدةٍ فتقع الشهوة على الشهوة، ففي الخبر أنّ ذلك يعقب بينهما العداوة.
(مسألة 9): يستحبّ التعجيل في تزويج البنت وتحصينها بالزوج عند بلوغها، فعن الصادق: (من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته).
وفي الخبر: (إنَّ الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدرك ثمارها فلم تجتنِ أفسدته الشمس ونثرته الرياح، وكذلك الأبكار إذا أدركن ما تدرك النساء فليس لهنّ دواءٌ إلَّا البعولة).
وأن لا يردّ الخاطب إذا كان مَن يرضى خلقه ودينه وأمانته وكان عفيفاً صاحب يسار، ولا ينظر إلى شرافة الحسب وعلوّ النسب؛ فعن عليّ عن النبيّ: (إذا جاءكم مَن ترضَون خلقه ودينه فزوّجوه. قلت: يا رسول الله وإن كان دنيّاً في نسبه؟ قال: إذا جاءكم مَن ترضَون خلقه ودينه فزوّجوه، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ).
(مسألة 10): يستحبّ السعي في التزويج والشفاعة فيه وإرضاء الطرفين، فعن الصادق قال: قال أمير المؤمنين: (أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاحٍ حتّى يجمع الله بينهما).
وعن الكاظم قال: (ثلاثةٌ يستظلّون بظلّ عرش الله يوم القيامة يوم لا ظلّ إلَّا ظلّه: رجل زوّج أخاه المسلم، أو أخدمه، أو كتم له سرّاً).
وعن النبيّ: (مَن عمل في تزويجٍ بين مؤمنين حتّى يجمع بينهما زوّجه الله
ــــــ[586]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ألف امرأةٍ من الحور العين كلّ امرأةٍ في قصرٍ من درٍّ وياقوتٍ، وكان له بكلّ خطوةٍ خطاها أو بكلّ كلمةٍ تكلّم بها في ذلك عملُ سنةٍ قام ليلها وصام نهارها، ومَن عمل في فرقة بين امرأة وزوجها كان عليه غضب الله ولعنته في الدنيا والآخرة، وكان حقّاً على الله أن يرضخه بألف صخرةٍ من نار، ومَن مشى في فساد ما بينهما ولم يفرّق كان في سخط الله عزّ وجلّ ولعنته في الدنيا والآخرة وحرّم عليه النظر إلى وجهه).
(مسألة 11): المشهور(1): جواز وطي الزوجة والمملوكة دبراً على كراهيةٍ شديدةٍ، والأحوط تركه خصوصاً مع عدم رضاها.
(مسألة 12): لا يجوز وطي الزوجة قبل إكمال تسع سنين دواماً كان النكاح أو منقطعاً، وأمّا سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوةٍ والتقبيل والضمّ والتفخيذ فلا بأس بها حتّى في الرضيعة، ولو وطئها قبل التسع ولم يفضها لم يترتّب عليه شيءٌ غير الإثم على الأقوى، وإن أفضاها – بأن جعل مسلكي البول والحيض أو مسلكي الحيض والغائط واحداً – حرم عليه وطيها أبداً(2) ولكن لم تخرج عن زوجيّته على الأقوى، فيجري عليها أحكامها من التوارث وحرمة الخامسة وحرمة أختها معها وغيرها.
ويجب عليه نفقتها ما دامت حيّةً وإن طلّقها، بل وإن تزوّجت بعد الطلاق على الأحوط(3).
ــــــ[587]ـــــــ
(1) المنصور.
(2) على الأحوط استحباباً، والأقوى أن ينتظر اندمال الجرح ثُمَّ يجوز له.
(3) استحباباً بعد الزواج الثاني.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ويجب عليه دية الإفضاء، وهي دية النفس، فإذا كانت حرّةً فلها نصف دية الرجل مضافاً إلى المهر الذي استحقّته بالعقد والدخول. ولو دخل بزوجته بعد إكمال التسع، فأفضاها لم تحرم عليه ولم تثبت الدية، ولكن الأحوط الإنفاق عليها ما دامت حيّة.
(مسألة 13): لا يجوز ترك وطي الزوجة أكثر من أربعة أشهر إلَّا بإذنها حتّى المنقطعة على الأحوط، ويختصّ الحكم بصورة عدم العذر، وأمّا معه فيجوز الترك مطلقاً ما دام وجود العذر، كما إذا خيف الضرر عليه أو عليها، ومن العذر عدم الميل المانع عن انتشار العضو. وهل يختصّ الحكم بالحاضر فلا بأس على المسافر وإن طال سفره أو يعمّهما فلا يجوز للمسافر إطالة سفره أزيد من أربعة أشهرٍ بل يجب عليه مع عدم العذر الحضور لإيفاء حقّ زوجته؟ قولان، أظهرهما الأوّل، لكن بشرط كون(1) السفر ضروريّاً ولو عرفاً كسفر تجارةٍ أو زيارةٍ أو تحصيل علمٍ ونحو ذلك، دون ما كان لمجرّد الميل والأَنس والتفرّج ونحو ذلك.
(مسألة 14): لا إشكال في جواز العزل، وهو إخراج الآلة عند الإنزال وإفراغ المني إلى الخارج في غير الزوجة الدائمة الحرّة وكذا فيها مع إذنها، وأمّا فيها بدون إذنها ففيه قولان، أشهرهما الجواز مع الكراهة، وهو الأقوى، كما أنَّ الأقوى عدم وجوب دية النطفة عليه وإن قلنا بالحرمة، وقيل بوجوبها عليه للزوجة، وهي عشرة دنانير، وهو ضعيفٌ في الغاية.
(مسألة 15): يجوز لكلٍّ من الزوج والزوجة النظر إلى جسد الآخر ظاهره
ــــــ[588]ـــــــ
(1) على الأحوط. والأقوى جوازه ما لم يُفهم منه عرفاً الإهمال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وباطنه حتّى العورة، وكذا مسّ كل منهما بكلّ عضوٍ منه كلّ عضوٍ من الآخر مع التلذّذ وبدونه.
(مسألة 16): لا إشكال في جواز نظر الرجل إلى ما عدا العورة من مماثله شيخاً كان المنظور إليه أو شابّاً حسن الصورة أو قبيحها ما لم يكن بتلذّذٍ وريبةٍ، والعورة هي القبل والدبر والبيضتان(1) كما سبق في أحكام التخلّي من كتاب الطهارة، وكذا لا إشكال في جواز نظر المرأة إلى ما عدا العورة من مماثلتها، وأمّا عورتها فيحرم أن تنظر إليها كالرجل.
(مسألة 17): يجوز للرجل أن ينظر إلى جسد محارمه ما عدا العورة إذا لم يكن مع تلذّذٍ وريبةٍ، والمراد بالمحارم: مَن يحرم عليه نكاحهنّ من جهة النسب أو الرضاع أو المصاهرة، وكذا يجوز لهنّ النظر إلى ما عدا العورة من جسده بدون تلذّذٍ أو ريبةٍ.
(مسألة 18): لا إشكال في عدم جواز نظر الرجل إلى ما عدا الوجه والكفّين من المرأة الأجنبيّة من شعرها وسائر جسدها، سواءٌ كان فيه تلذّذٌ وريبةٌ أم لا، وكذا الوجه والكفّان إذا كان بتلذّذٍ وريبةٍ، وأمّا بدونها ففيه قولان بل أقوال: الجواز مطلقاً، وعدمه مطلقاً، والتفصيل بين نظرةٍ واحدةٍ فالأوّل وتكرار النظر فالثاني. وأحوط الأقوال بل أقواها أوسطها(2).
ــــــ[589]ـــــــ
(1) مع العجّان وهو الفاصل ما بين الدبر والبيضتين على الأحوط.
(2) بل أوّلها، وهو الجواز مطلقاً مضافاً إلى ظاهر القدم، وقد يلحق به ربع الساعد وإن كان الأحوط تركه، وإنَّما يجوز ما يجوز بدونِ أيّ زينةٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 19): لا يجوز للمرأة النظر إلى الأجنبيّ كالعكس(1)، واستثناء الوجه والكفّين فيه أشكل منه في العكس.
(مسألة 20): كلّ مَن يحرم النظر إليه يحرم مسّه، فلا يجوز مسّ الأجنبيّ الأجنبيّة وبالعكس، بل لو قلنا بجواز النظر إلى الوجه والكفّين من الأجنبيّة لم نقل بجواز مسّهما منها، فلا يجوز للرجل مصافحتها. نعم لا بأس بها من وراء الثوب.
(مسألة 21): لا يجوز النظر إلى العضو المبان من الأجنبيّ والأجنبيّة. نعم، الظاهر أنَّه لا بأس بالنظر إلى السنّ والظفر والشعر المنفصلات(2).
(مسألة 22): يستثنى من حرمة النظر(3) واللمسّ في الأجنبيّ والأجنبيّة مقام المعالجة إذا لم يمكن بالمماثل، كمعرفة النبض والفصد والحجامة وجبر الكسر ونحو ذلك، ومقام الضرورة كما إذا توقّف استنقاذه من الغرق أو الحرق على النظر واللمس، وإذا اقتضت الضرورة أو توقّف العلاج على النظر دون اللمس أو العكس اقتصر على ما اضطرّ إليه، فلا يجوز الآخر.
(مسألة 23): وكما يحرم على الرجل النظر إلى الأجنبيّة يجب عليها التستّر من الأجانب، ولا يجب على الرجال التستر(4) وإن كان يحرم على النساء النظر إليهم.
ــــــ[590]ـــــــ
(1) على الأحوط استحباباً وإن كان الأقوى جواز النظر إلى ما استثني في المرأة لظهوره غالباً طبقاً للسيرة القطعيّة، بل من الممكن القول بجواز ما يظهر عادةً في الملابس المحتشمة كلٌّ حسب عمله.
(2) بدون شهوة.
(3) ويقتصر على مقدار الحاجة ويحرم الزائد.
(4) إلَّا إذا أوجب الريبة كما هو الغالب، حتّى الفخذين والعضدين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
نعم إذا علموا بأنَّ النساء يتعمدنّ النظر إليهم يجب عليهم التستّر منهنّ من باب حرمة الإعانة على الإثم.
(مسألة 24): لا إشكال في أنَّ الغير المميّز من الصبيّ والصبيّة خارجٌ عن أحكام النظر واللمس والتستّر، بل هو بمنزلة سائر الحيوانات.
(مسألة 25): يجوز للرجل أن ينظر إلى الصبيّة ما لم تبلغ إذا لم يكن فيه تلذّذٌ وشهوةٌ. نعم، الأحوط(1) الاقتصار على مواضع لم تجرِ العادة على سترها بالألبسة المتعارفة مثل الوجه والكفّين وشعر الرأس والذراعين والقدمين، لا مثل الفخذ والأليين والظهر والصدر والثديين، وكذا الأحوط عدم تقبيلها وعدم وضعها في حجره إذا بلغت ستّ سنين.
(مسألة 26): يجوز للمرأة النظر إلى الصبيّ المميّز ما لم يبلغ(2)، ولا يجب عليها التستّر عنه ما لم يبلغ مبلغاً يترتّب على النظر منه أو إليه ثوران الشهوة.
(مسألة 27): يجوز النظر إلى نساء أهل الذمّة، بل مطلق الكفّار مع عدم التلذّذ والريبة، أعني خوف الوقوع في الحرام(3)، والأحوط الاقتصار على المواضع التي جرت عادتهنّ على عدم سترها. وقد تلحق بهنّ نساء أهل البوادي والقرى من الأعراب وغيرهم اللاتي جرت عادتهنّ على عدم التستّر وإذا نهين لا ينتهين، وهو مشكلٌ(4). نعم، الظاهر أنَّه يجوز التردّد في القرى والأسواق ومواقع تردّد
ــــــ[591]ـــــــ
(1) استحباباً إذا كان بدون شهوةٍ، غير إنَّ الغالب هو حصول الشهوة فيما ذكره الماتن.
(2) بل المهمّ دخوله سنّ التكليف.
(3) بل مطلق الشهوة على الأحوط.
(4) بل هو كذلك تمسّكاً بالتعليل الوارد.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تلك النسوة ومجامعهن ومحالّ معاملاتهن مع العلم عادةً بوقوع النظر عليهنّ، ولا يجب غضّ البصر في تلك المحال إذا لم يكن خوف افتتان.
(مسألة 28): يجوز لمن يريد تزويج امرأةٍ أن ينظر إليها بشرط أن لا يكون بقصد التلذّذ وإن علم أنَّه يحصل بسبب النظر قهراً، والأحوط الاقتصار(1) على وجهها وكفّيها وشعرها ومحاسنها، كما أنَّ الأحوط لو لم يكن الأقوى الاقتصار على ما إذا كان قاصداً لتزويج المنظورة بالخصوص، فلا يعمّ الحكم ما إذا كان قاصداً لمطلق التزويج وكان بصدد تعيين الزوجة بهذا الاختبار، ويجوز تكرار النظر إذا لم يحصل الاطّلاع عليها بالنظرة الأُولى.
(مسألة 29): الأقوى جواز سماع صوت الأجنبيّة ما لم يكن تلذّذٌ وريبةٌ، وكذا يجوز لها إسماع صوتها للأجانب إذا لم يكن خوف فتنة، وإن كان الأحوط الترك في غير مقام الضرورة، خصوصاً في الشابّة. وذهب جماعةٌ إلى حرمة السماع والإسماع، وهو ضعيفٌ في الغاية(2). نعم يحرم عليها(3) المكالمة مع الرجال بكيفيّةٍ مهيّجةٍ بترقيق القول وتليين الكلام وتحسين الصوت، فيطمع الذي في قلبه مرض.
ــــــ[592]ـــــــ
(1) وهو وما بعده استحبابيٌّ، وهو مقصود الماتن إلَّا أنَّنا ننبّه عليه بالخصوص.
(2) بل لعلّه خلاف ضرورة الدين وخلاف السيرة قطعاً.
(3) على الأحوط استحباباً والآية الشريفة محمولةٌ على ما هو أكثر من ذلك؛ لأنَّ مصداق الخضوع دون مطلق الترقيق. نعم، إذا كان بقصد الحرام أو مظنّةً له حرم. والحرام هنا هو إثارة الشهوة فما فوقها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(فصل) في عقد النكاح وأحكامه
النكاح على قسمين دائمٍ ومنقطع، وكلٌّ منهما يحتاج إلى عقدٍ مشتمل على إيجاب وقبول لفظيّين دالّين على إنشاء المعنى المقصود والرضا به دلالةً معتبرةً عند أهل المحاورة، فلا يكفي مجرّد الرضا القلبيّ من الطرفين ولا المعاطاة الجارية في غالب المعاملات ولا الكتابة، وكذا الإشارة المفهمة في غير الأخرس، والأحوط لزوماً كونه فيهما باللفظ العربيّ، فلا يجزي غيره من سائر اللغات إلَّا مع العجز(1) عنه ولو بتوكيل الغير، وعند ذلك لا بأس بإيقاعه بغيره، لكن بعبارةٍ يكون مفادها مفاد اللفظ العربيّ بحيث تعدّ ترجمته.
(مسألة 1): الأحوط – لو لم يكن الأقوى- أن يكون الإيجاب من طرف الزوجة والقبول من طرف الزوج، وكذا الأحوط تقديم الأوّل على الثاني، وإن كان الأظهر جواز العكس إذا لم يكن القبول بلفظ قبلت.
(مسألة 2): الأحوط أن يكون الإيجاب في النكاح الدائم بلفظَي «أنكحت» أو «زوّجت»، فلا يوقع بلفظ «متّعت»(2) فضلاً عن ألفاظ «بعت أو وهبت أو ملكت أو آجرت»، وأن يكون القبول بلفظ «قبلت» أو «رضيت»، ويجوز الاختصار في القبول بذكر «قبلت» فقط بعد الإيجاب من دون ذكر المتعلّقات التي
ــــــ[593]ـــــــ
(1) أو عدم فهمه على الإطلاق.
(2) على الأحوط استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ذكر فيه، فلو قال الموجب للوكيل عن الزوجة للزوج: «أنكحتك موكّلتي فلانةً على المهر الفلانيّ» فقال الزوج «قبلت» من دون أن يقول «قبلت النكاح لنفسي على المهر الفلاني» صحّ.
(مسألة 3): يتعدّى كلٌّ من(1) الإنكاح والتزويج إلى مفعولين، ويجعل الزوجة مفعولاً أوّلاً والزوج مفعولاً ثانياً، حيث إنَّها بمنزلة المملّك نفسها له وأنَّه بمنزلة المتملّك لها لنفسه، ويشتركان في أنَّ كلاً منهما يتعدّيان إلى المفعول الثاني بنفسه تارةً وبواسطة (من) أُخرى، فيقال: «أنكحت أو زوّجت هنداً زيداً أو من زيد»، ويختصّ الأوّل بتعديته إليه باللام، فيقال: «أنكحت هنداً لزيدٍ»، والثاني بتعديته إليه بواسطة الباء، فيقال: «زوّجت هنداً بزيدٍ». وبالجملة يتعدّى كلٌّ منهما إلى المفعول الثاني على ثلاثة أوجه. هذا بحسب المشهور والمأنوس من الاستعمال، وربّما يستعملان على غير تلك الوجوه ولكنّه ليس بمشهورٍ ولا مأنوس.
(مسألة 4): عقد النكاح قد يقع بين الزوج والزوجة وبمباشرتهما، فبعد التقاول والتواطي وتعيين المهر تقول الزوجة مخاطبةً للزوج: «أنكحتك نفسي أو أنكحت نفسي منك أو لك على المهر المعلوم»، فيقول الزوج بغير فصلٍ معتدٍّ به: «قبلت النكاح لنفسي على المهر المعلوم(2) أو هكذا» أو تقول: «زوّجتك نفسي أو
ــــــ[594]ـــــــ
(1) كلّ ما في هذه المسألة احتياطاتٌ استحبابيّةٌ، بل لعلّها من تسويل الشيطان، ويجزي في العقد كلّ لفظٍ مُفهِم وإن كان عاميّاً أو ملحوناً غير مغيّرٍ للمعنى.
(2) سبق من الماتن كفاية قوله قبلت، قاصداً ما ذُكر في الإيجاب وهو الصحيح. ومنه يتّضح ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
زوّجت نفسي منك أو بك على المهر المعلوم»، فيقول: «قبلت التزويج لنفسي على المهر المعلوم أو هكذا».
وقد يقع بين وكيليهما، فبعد التقاول وتعيين الموكّلين والمهر يقول وكيل الزوجة مخاطباً لوكيل الزوج: «أنكحت موكّلتي فلانة موكّلك فلاناً أو من موكّلك أو لموكّلك فلانٍ على المهر المعلوم»، فيقول وكيل الزوج: «قبلت النكاح لموكّلي على المهر المعلوم، أو هكذا»، أو يقول وكيلها: «زوّجت موكّلتي موكّلك أو من موكّلك أو بموكّلك فلانٍ على المهر المعلوم»، فيقول وكيله: «قبلت التزويج لموكلي على المهر المعلوم، أو هكذا».
وقد يقع بين وليّيهما كالأب والجدّ، فبعد التقاول وتعيين المولَّى عليهما والمهر يقول وليّ الزوجة: «أنكحت ابنتي أو ابنة ابني فلانة مثلاً ابنك أو ابن ابنك فلاناً أو من ابنك أو من ابن ابنك أو لابنك أو لابن ابنك على المهر المعلوم»، أو يقول: «زوّجت بنتي ابنك مثلاً أو من ابنك أو بابنك»، فيقول وليّ الزوج: «قبلت النكاح أو التزويج لابني أو لابن ابني على المهر المعلوم».
وقد يكون بالاختلاف، بأن يقع بين الزوجة ووكيل الزوج وبالعكس أو بينها وبين وليّ الزوج وبالعكس أو بين وكيل الزوجة ووليّ الزوج وبالعكس، ويعرف كيفيّة إيقاع العقد في هذه الصور الستّ مما فصّلناه في الصور الثلاث المتقدّمة.
(مسألة 5): لا يشترط في لفظ القبول مطابقته لعبارة الإيجاب، بل يصحّ الإيجاب بلفظٍ والقبول بلفظٍ آخر، فلو قال: «زوّجتك» فقال: «قبلت النكاح» أو
ــــــ[595]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
قال: «أنكحتك» فقال: «قبلت التزويج» صحّ، وإن كان الأحوط المطابقة.
(مسألة 6): إذا لحن في الصيغة فإن كان مغيّراً للمعنى بحيث يعدّ اللفظ عبارةً لمعنىً آخر غير ما هو المقصود لم يكفِ، وإن لم يكن مغيّراً بل كانت بحيث يفهم منها المعنى المقصود ويعدّ لفظاً لهذا المعنى إلَّا أنَّه يقال له لفظٌ ملحونٌ وعبارةٌ ملحونةٌ من حيث المادّة أو من جهة الإعراب والحركات فالاكتفاء به لا يخلو من قوّة، وإن كان الأحوط خلافه، وأولى بالاكتفاء اللغات المحرّفة عن اللغة العربيّة الأصليّة كلغة أهالي سواد العراق في هذا الزمان إذا كان المباشر للعقد من أهالي تلك اللغة، فلو قال عراقيٌّ في الإيجاب «جوّزت» بدل «زوّجت» صحّ.
(مسألة 7): يعتبر في العقد القصد إلى مضمونه، وهو متوقّفٌ على فهم معنى لفظَي «أنكحت» و«زوّجت» ولو بنحو الإجمال حتّى لا يكون مجرّد لقلقة لسان. نعم لا يعتبر العلم بالقواعد العربيّة ولا العلم والإحاطة بخصوصيّات معنى اللفظين على التفصيل، بل يكفي علمه إجمالاً، فإذا كان الموجب بقوله أنكحت أو زوّجت قاصداً لإيقاع العلقة الخاصّة المعروفة المرتكزة في الأذهان التي يطلق عليها النكاح والزواج في لغة العرب ويعبَّر عنها في لغاتٍ أُخر بعباراتٍ أُخر وكان القابل قابلاً لذلك المعنى كفى.
(مسألة 8): يعتبر في العقد قصد الإنشاء(1)، بأن يكون الموجب في قوله: «أنكحت» أو «زوّجت» قاصداً إيقاع النكاح والزواج وإحداث وإيجاد ما لم يكن
ــــــ[596]ـــــــ
(1) الحكم صحيحٌ إلَّا أنَّ مجرّد تصدّي الفرد للعقد يقتضي ذلك، ولا حاجة إلى أكثر من ذلك. نعم، لو قصد الإخبار لم يكن عقداً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لا الإخبار والحكاية عن وقوع شيءٍ في الخارج، والقابل بقوله «قبلت» منشياً لقبول ما أوقعه الموجب.
(مسألة 9): يعتبر الموالاة وعدم الفصل المعتدّ به بين الإيجاب والقبول.
(مسألة 10): يشترط في صحّة العقد التنجز(1)، فلو علّقه على شرطٍ أو مجيء زمانٍ بطل. نعم لو علّقه على أمرٍ محقّق الحصول كما إذا قال في يوم الجمعة «أنكحت إذا كان اليوم يوم الجمعة» لم يبعد الصحّة، وكذا لو علّقه على أمرٍ كان صحّة العقد متوقّفةً عليه(2)، كما إذا قالت «إذا صحّ نكاحي معك ولم أكن أختك فقد أنكحتك نفسي».
(مسألة 11): يشترط في العاقد المجري للصيغة: البلوغ والعقل، فلا اعتبار بعقد الصبيّ والمجنون ولو أدواريّاً حال جنونه، سواءٌ عقدا لنفسهما أو لغيرهما، على إشكالٍ(3) في الصبيّ إذا كان مميّزاً قاصداً للمعنى وعقد لغيره وكالةً أو فضولاً وأجاز، بل وفيما إذا عقد لنفسه مع إذن الوليّ أو إجازته أو أجاز هو بعد البلوغ. وكذا يعتبر فيه القصد، فلا اعتبار بعقد الساهي والغالط والسكران وأشباههم.
(مسألة 12): يشترط في صحّة العقد: تعيين الزوجين على وجهٍ يمتازان عن غيرهما بالاسم أو الإشارة أو الوصف الموجب لذلك، فلو قال: زوّجتك إحدى بناتي، أو قال: زوّجت بنتي فلانة من أحد بنيك أو من أحد هذين بطل. نعم
ــــــ[597]ـــــــ
(1) مصطلحهم: التنجيز بصفته من فعل المتكلّم.
(2) يعني: بقصد الرجاء. وإلَّا لزم التعليق مع الجهل.
(3) والصحيح الصحّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يشكل(1) فيما لو كانا معيّنين بحسب قصد المتعاقدين ومتميّزين في ذهنهما لكن لم يعيّناهما عند إجراء الصيغة ولم يكن ما يدلّ عليه من لفظٍ أو فعلٍ أو قرينةٍ خارجيّةٍ مفهمةٍ، كما إذا تقاولا وتعاهدا على تزويج بنته الكبرى من ابنه الكبير ولكن في مقام إجراء الصيغة قال: زوّجت إحدى بناتي من أحد بنيك، وقبل الآخر.
(مسألة 13): لو اختلف الاسم مع الوصف أو اختلفا أو أحدهما مع الإشارة يتبع العقد لما هو المقصود ويلغى ما وقع غلطاً وخطأً، فإذا كان المقصود تزويج البنت الكبرى وتخيّل أنَّ اسمها فاطمة وكانت المسمّاة بفاطمة هي الصغرى وكانت الكبرى مسمّاة بخديجة وقال: «زوّجتك الكبرى من بناتي فاطمة» وقع العقد على الكبرى التي اسمها خديجة ويلغى تسميتها بفاطمة، وإن كان المقصود تزويج فاطمة وتخيّل أنَّها كبرى فتبيّن أنَّها صغرى وقع العقد على المسمّاة بفاطمة وألغي وصفها بأنَّها الكبرى، وكذا لو كان المقصود تزويج المرأة الحاضرة وتخيّل أنَّها كبرى واسمها فاطمة فقال: «زوّجتك هذه وهي فاطمة وهي الكبرى من بناتي» فتبيّن أنَّها الصغرى واسمها خديجة وقع العقد على المشار إليها، ويلغى الاسم والوصف، ولو كان المقصود العقد على الكبرى فلما تخيّل أنَّ هذه المرأة الحاضرة هي تلك الكبرى قال: «زوّجتك هذه وهي الكبرى» وقع العقد على تلك الكبرى وتلغى الإشارة وهكذا.
(مسألة 14): لا إشكال في صحّة التوكيل في النكاح من طرفٍ واحدٍ أو من طرفين بتوكيل الزوج أو الزوجة إن كانا كاملين أو بتوكيل وليّهما إذا كانا
ــــــ[598]ـــــــ
(1) فالأحوط أن لا يفعلا ذلك، وإن كان لصحّته وجهٌ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
قاصرين، ويجب على الوكيل أن لا يتعدّى عمّا عيّنه الموكّل من حيث الشخص والمهر وسائر الخصوصيّات، فإن تعدّى كان فضوليّاً موقوفاً على الإجازة، وكذا يجب عليه مراعاة مصلحة الموكّل، فإن تعدّى وأتى بما هو خلاف المصلحة كان فضوليّاً. نعم لو عيّن خصوصيّةً تعيّن ونفذ عمل الوكيل وإن كان ذلك على خلاف مصلحة الموكّل.
(مسألة 15): لو وكّلت المرأة رجلاً في تزويجها ليس له أن يزوّجها من نفسه إلَّا إذا صرّحت بالتعميم أو كان كلامها بحسب متعارف العرف ظاهراً في العموم بحيث شمل نفسه.
(مسألة 16): الأقوى [جواز] تولّي شخصٍ واحدٍ في طرفي العقد، بأن يكون موجباً وقابلاً من الطرفين، أصالةً من طرفٍ ووكالةً من آخر، أو ولايةً من الطرفين أو وكالةً عنهما أو بالاختلاف، وإن كان الأحوط مع الإمكان تولّي الاثنين وعدم تولّي شخصٍ واحدٍ للطرفين، خصوصاً في تولّي الزوج طرفي العقد أصالةً من طرفه ووكالةً عن الزوجة في عقد الانقطاع، فإنَّه لا يخلو من إشكالٍ(1) فلا ينبغي فيه ترك الاحتياط.
(مسألة 17): إذا وكّلا وكيلاً في العقد في زمانٍ معيّنٍ لا يجوز لهما المقاربة بعد ذلك الزمان ما لم يحصل لهما العلم بإيقاعه ولا يكفي الظنّ. نعم، لو أخبر الوكيل بالإيقاع كفى؛ لأنَّ قوله حجّةٌ فيما وكّل فيه.
(مسألة 18): لا يجوز اشتراط الخيار في عقد النكاح دواماً أو انقطاعاً لا
ــــــ[599]ـــــــ
(1) بل هو كسابقه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
للزوج ولا للزوجة، فلو شرطاه بطل الشرط، بل المشهور على بطلان العقد أيضاً، وقيل ببطلان الشرط دون العقد، ولا يخلو من قوّة(1). ويجوز اشتراط الخيار في المهر مع تعيين المدّة، فلو فسخ ذو الخيار سقط المهر المسمّى، فيكون كالعقد بلا ذكر المهر، فيرجع إلى مهر المثل. هذا في العقد الدائم الذي لا يعتبر فيه ذكر المهر، وأمّا المتعة التي لا تصحّ بلا مهرٍ فالظاهر(2) أنه لا يصحّ فيها اشتراط الخيار في المهر.
(مسألة 19): إذا ادّعى رجلٌ زوجيّة امرأةٍ فصدّقته أو ادّعت امرأةٌ زوجيّة رجلٍ فصدّقها حكم لهما(3) بذلك وليس لأحدٍ الاعتراض عليهما، من غير فرقٍ بين كونهما بلديّين معروفين أو غريبين. وأمّا إذا ادّعى أحدهما الزوجيّة وأنكر الآخر فالبيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، فإن كان للمدّعي بيّنةٌ حكم له وإلَّا فيتوجّه اليمين على المنكر، فإن حلف سقط دعوى المدّعي، وإن نكل عن اليمين ثبت دعواه، وإن ردّ اليمين على المدّعي وحلف ثبت دعواه، وإن نكل سقطت. هذا بحسب موازين القضاء وقواعد الدعوى، وأمّا بحسب الواقع فيجب على كلٍّ منهما العمل على ما هو تكليفه بينه وبين الله تعالى.
(مسألة 20): إذا رجع المنكر عن إنكاره إلى الإقرار يسمع منه ويحكم بالزوجيّة بينهما وإن كان ذلك بعد الحلف على الأقوى.
ــــــ[600]ـــــــ
(1) وهو الصحيح.
(2) بل الأحوط.
(3) ما لم يعلم أو يطمئنّ بكذبهما.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 21): إذا ادّعى رجلٌ زوجيّة امرأةٍ وأنكرت فهل لها أن تتزوّج من غيره وللغير أن يتزوّجها قبل فصل الدعوى والحكم ببطلان دعوى المدّعي أم لا؟ وجهان أقواهما الأوّل، خصوصاً فيما لو تراخى المدّعي في الدعوى أو سكت عنها حتّى طال الأمر عليها، وحينئذٍ إن أقام المدّعي بعد العقد عليها بيّنةً حكم له بها وبفساد العقد عليها، وإن لم تكن بيّنةٌ يتوجّه اليمين على المعقود عليها، فإن حلفت بقيت على زوجيّتها وسقطت دعوى المدّعي، وكذا لو ردّت اليمين إلى المدّعي ونكل عن اليمين. وإنَّما الإشكال فيما إذا نكلت عن اليمين أو ردّت اليمين إلى المدّعي وحلف، فهل يحكم بسببهما على فساد العقد عليها فيفرّق بينها وبين زوجها أم لا؟ وجهان أوجههما الثاني(1)، لكن إذا طلّقها الذي عقد عليها أو مات عنها زال المانع، فتردّ على المدّعي(2) بسبب نكولها عن اليمين أو اليمين المردودة.
(مسألة 22): يجوز تزويج امرأةٍ تدّعي أنَّها خليّةٌ من الزوج مع احتمال صدقها من غير فحصٍ حتّى فيما إذا كانت ذات بعلٍ سابقاً فادّعت طلاقها أو موته. نعم لو كانت متّهمةً في دعواها فالأحوط الفحص عن حالها، فمن غاب غيبةً منقطعةً لم يُعلم موته وحياته إذا ادّعت زوجته حصول العلم لها بموته من الأمارات والقرائن وإخبار المخبرين جاز تزويجها وإن لم يحصل العلم بقولها، ويجوز للوكيل أن يجري العقد عليها إذا لم يعلم كذبها في دعوى العلم، ولكنّ
ــــــ[601]ـــــــ
(1) إن كان من جهة النكول، والأوّل إن كان من جهة اليمين. والأحوط على أيّ حالٍ أن يطلّقها الثاني رجاءً وتعتدّ احتياطاً وترجع للأوّل مع ثبوت دعواه أو كونها واقعاً.
(2) بعد العدّة احتياطاً، إلَّا إذا علمت بعدم الزوجيّة واقعاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأحوط الترك خصوصاً إذا كانت متّهمةً.
(مسألة 23): إذا تزوّج بامرأةٍ تدّعي أنَّها خليّةٌ عن الزوج فادّعى رجلٌ آخر زوجيّتها، فهذه الدعوى متوجّهةٌ على كلٍّ من الزوج(1) والزوجة، فإن أقام المدّعي بيّنةً شرعيّةً حكم له عليهما وفرّق بينهما وسلّمت إليه، ومع عدم البيّنة توجّه اليمين عليها(2)، فإن حلفا(3) معاً على عدم زوجيّته سقطت دعواه عليهما، وإن نكلا عن اليمين أو ردّها عليه وحلف ثبت مدّعاه، وإن حلف أحدهما(4) دون الآخر – بأن نكل عن اليمين أو ردّ اليمين على المدّعي فحلف- سقط دعواه بالنسبة إلى الحالف، وأمّا بالنسبة إلى الآخر وإن ثبت دعوى المدّعي بالنسبة إليه لكن ليس لهذا الثبوت أثرٌ بالنسبة إلى مَن حلف، فإن كان الحالف هو الزوج والناكل هي الزوجة ليس لنكولها(5) أثرٌ بالنسبة إلى الزوج، إلَّا أنَّه لو طلّقها(6) أو مات عنها ردّت إلى المدّعي، وإن كان الحالف هي الزوجة والناكل هو الزوج سقطت دعوى المدّعي بالنسبة إليها، وليس له سبيلٌ إليها على كلّ حالٍ.
ــــــ[602]ـــــــ
(1) بل على خصوص الزوجة.
(2) يعني: خصوص الزوجة كما قلنا وإلَّا كان اللازم تثنية الضمير.
(3) فإن حلفا، بل خصوص الزوجة ولا وجه لحلف الزوج.
(4) ظهر ما فيه إلى آخر المسألة.
(5) لو صحّ مبنى الماتن، فالأثر متحقّقٌ لحرمة تمكين نفسها عندئذٍ منه إلَّا أن تعلم واقعاً بالزوجيّة.
(6) يعني: رجاءً على مبنى الماتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 24): إذا ادّعت امرأةٌ أنَّها خليّةٌ فتزوّجها رجلٌ ثُمَّ ادّعت بعد ذلك أنَّها كانت ذات بعلٍ لم تسمع دعواها. نعم لو أقامت البيّنة على ذلك فرّق بينهما، ويكفي في ذلك أن تشهد بأنَّها ذات بعلٍ من غير تعيين زوجٍ معيّن.
(مسألة 25): يشترط في صحّة العقد: الاختيار، أعني اختيار الزوجين(1)، فلو أكرها أو أكره أحدهما على الزواج لم يصحّ. نعم، لو لحقه الرضا [فيما بعد ذلك] صحّ على الأقوى.
ــــــ[603]ـــــــ
(1) إن كان البتّ بالزوجيّة إليهما وإلَّا لزم اختيار الوليّ أو اختيار الوليّ والمولّى عليه إن لزم الأخذ برأيهما معاً ولو احتياطاً، كما سيأتي قريباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(فصل) في أولياء العقد
(مسألة 1): للأب والجدّ من طرف الأب -بمعنى أب الأب فصاعداً(1)- ولايةٌ على الصغير والصغيرة والمجنون المتّصل جنونه بالبلوغ، وأمّا للمنفصل عنه ففيه إشكال(2)، ولا ولاية للأمّ عليهم وللجدّ من طرف الأمّ ولو من قبل أمّ الأب، بأن كان أباً لأمّ الأب مثلاً، ولا للأخ والعمّ والخال وأولادهم.
(مسألة 2): ليس للأب والجدّ للأب ولايةٌ على البالغ الرشيد ولا على البالغة الرشيدة إذا كانت ثيّبةً(3)، وأمّا إذا كانت بكراً ففيه أقوالٌ: استقلالها وعدم الولاية لهما عليها لا مستقلاً ولا منضمّاً، واستقلالهما وعدم سلطنةٍ وولايةٍ لها كذلك، والتشريك بمعنى اعتبار إذن الوليّ وإذنها معاً، والتفصيل بين الدوام والانقطاع إمّا باستقلالها في الأوّل دون الثاني أو العكس. والأقوى هو القول الأول(4)، وإن كان الأحوط شديداً الاستيذان منهما. نعم، لا إشكال في سقوط اعتبار إذنهما إن
ــــــ[604]ـــــــ
(1) ولايته محلّ إشكالٍ، فلا يُترك الاحتياط بمراجعة الحاكم الشرعيّ.
(2) بل ولايته للحاكم الشرعيّ خاصّة إلا المرأة إذا اتّصلت بكارتها إلى حال الجنون، فإنَّ الأقوى استمرار ولاية الأب والجدّ عليها.
(3) هذا ممّا يتساوى فيه المذكّر والمؤنّث.
(4) بل الثاني وهو اختصاص الولاية بوليّها، وإن كانت شدّة الاحتياط المشار إليها في المتن صحيحةً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
منعاها من التزويج بمن هو كفؤ لها شرعاً وعرفاً مع ميلها، وكذا إذا كانا غائبين بحيث لا يمكن الاستيذان منهما مع حاجتها إلى التزويج.
(مسألة 3): ولاية الجدّ ليست منوطةً بحياة الأب ولا موته، فعند وجودهما استقلّ كلٌّ منهما بالولاية، وإذا مات أحدهما اختصّ بها الآخر، وأيّهما سبق في تزويج المولّى عليه عند وجودهما لم يبق محلّ للآخر. ولو زوّج كلٌّ منهما من شخصٍ، فإن علم السابق منهما فهو المقدّم ولغا الآخر، وإن علم التقارن قُدّم عقد الجدّ(1) ولغا عقد الأب. وكذا إن(2) جهل تاريخ العقدين فلا يعلم السبق واللحوق والتقارن. وإن علم تاريخ أحدهما دون الآخر، فإن كان المعلوم تاريخ عقد الجدّ قُدّم على عقد الأب، وإن كان عقد الأب(3) ففي تقدّم أيٍّ منهما على الآخر إشكالٌ فلا يترك الاحتياط.
(مسألة 4): يشترط في صحّة تزويج الأب والجدّ ونفوذه عدم المفسدة وإلَّا يكون العقد فضوليّاً كالأجنبيّ يتوقّف صحّته على إجازة الصغير بعد البلوغ، بل الأحوط مراعاة المصلحة.
(مسألة 5): إذا وقع العقد من الأب أو الجدّ عن الصغير أو الصغيرة مع مراعاة ما يجب مراعاته لا خيار لهما بعد بلوغهما، بل هو لازمٌ عليهما.
(مسألة 6): لو زوّج الوليّ الصغيرة بدون مهر المثل أو زوّج الصغير بأزيد
ــــــ[605]ـــــــ
(1) هذا محلّ إشكالٍ فلا يُترك الاحتياط ولعلّ القول بفسادهما أقرب.
(2) هذا محلّ إشكالٍ فلا يُترك الاحتياط ولو بالطلاق رجاءً ثُمَّ تجديد أحد العقدين.
(3) قُدّم عقد الأب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
منه، فإن كانت هناك مصلحةٌ تقتضي ذلك صحّ العقد والمهر ولزم، وإن كانت المصلحة [في] نفس التزويج دون المهر فالأقوى صحّة العقد ولزومه وبطلان المهر، بمعنى عدم نفوذه وتوقّفه على الإجازة بعد البلوغ، فإن أجاز استقرّ وإلَّا رجع إلى مهر المثل.
(مسألة 7): السفيه المبذّر لا يجوز نكاحه إلَّا بإذن أبيه أو جدّه أو الحاكم مع فقدهما، وتعيين المهر والمرأة إلى الوليّ. ولو تزوّج بدون الإذن وقف على الإجازة، فإن رأى المصلحة وأجاز جاز، ولا يحتاج إلى إعادة الصيغة.
(مسألة 8): إذا زوّج الولي المولّى عليه بمن له عيبٌ لم يصحّ ولم ينفذ، سواءٌ كان من العيوب الموجبة للخيار أو غيرها، ككونه منهمكاً في المعاصي أو كونه شارب الخمر أو بذيء اللسان سيِّء الخلق وأمثال ذلك، إلَّا إذا كانت مصلحةٌ ملزمةٌ في تزويجه، وحينئذٍ لم يكن خيار الفسخ لا له ولا للمولّى عليه إذا لم يكن العيب من العيوب المجوّزة للفسخ، وإن كان منها فالظاهر ثبوت الخيار للمولّى عليه بعد بلوغه.
(مسألة 9): ينبغي بل يستحبّ للمرأة المالكة أمرها إن أرادت الزواج أن تستأذن أباها أو جدّها، وإن لم يكونا فأخاها، وإن تعدّد الأخ قدّمت الأكبر.
(مسألة 10): لا ولاية للوصيّ، أي القيّم من قبل الأب أو الجدّ على الصغير والصغيرة، وإن نصّ له الموصى على النكاح على الأظهر(1).
(مسألة 11): ليس للحاكم ولايةٌ في النكاح على الصغير ذكراً كان أو أنثى
ــــــ[606]ـــــــ
(1) بل له الولاية في مثل ذلك وإن كان الأحوط استئذان الحاكم الشرعيّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مع فقد الأب والجدّ. نعم، لو قضت الحاجة والضرورة والمصلحة اللازمة المراعاة على النكاح بحيث ترتّبت على تركه مفسدةٌ يلزم التحرّز عنها كانت له الولاية من باب الحسبة، وكذا له الولاية حينئذٍ على من بلغ فاسد العقل أو تجدّد فساد عقله ولم يكن له أبٌ ولا جدّ.
(مسألة 12): للمولّى أن يزوّج مملوكه بغيره ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أو كبيراً، عاقلاً كان أو مجنوناً، راغباً كان أو كارهاً، ولا خيار له معه.
(مسألة 13): يشترط في ولاية الأولياء: البلوغ والعقل والحرّية والإسلام إذا كان المولّى عليه مسلماً، فلا ولاية للصغير والصغيرة على مملوكهما من عبدٍ أو أَمَةٍ، بل الولاية حينئذٍ لوليّهما، وكذا لا ولاية للأب والجدّ إذا جنّا، وإن جنّ أحدهما تختصّ الولاية بالآخر، وكذا لا ولاية للمملوك على ولده حرّاً كان أو عبداً، وكذا لا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم، فتكون للجدّ إذا كان مسلماً، والظاهر ثبوت ولايته على ولده الكافر.
(مسألة 14): العقد الصادر من غير الوكيل والوليّ المسمّى بالفضوليّ يصحّ مع الإجازة(1)، سواءٌ كان فضوليّاً من الطرفين أو من أحدهما، وسواءٌ كان المعقود عليه صغيراً أو كبيراً، حرّاً أو عبداً، وسواءٌ كان العاقد قريباً للمعقود عليه كالأخ والعمّ والخال أو أجنبيّاً. ومنه العقد الصادر من العبد أو الأَمَة لنفسهما بدون إذن المولى، والصادر من الوليّ أو الوكيل على غير الوجه المأذون فيه، بأن أوقع الوليّ على خلاف المصلحة أو الوكيل على خلاف ما عيّنه الموكّل.
ــــــ[607]ـــــــ
(1) ممن له حق الإجازة وهذا يختلف في الأمثلة الآتية ولكنه قد تحصّل مما سبق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 15): إن كان المعقود له ممّن صحّ منه العقد لنفسه – بأن كان بالغاً عاقلاً حرّاً- فإنَّما يصحّ العقد الصادر من الفضوليّ بإجازته، وإن كان ممّن لا يصحّ منه العقد وكان مولّىً عليه بأن كان صغيراً أو مجنوناً أو مملوكاً فإنَّما يصحّ إمّا بإجازة وليّه في زمان قصوره أو إجازته بنفسه بعد كماله، فلو أوقع الأجنبيّ عقداً على الصغير أو الصغيرة وقفت صحّة عقده على إجازتهما له بعد بلوغهما ورشدهما إن لم يجز أبوهما أو جدّهما في حال صغرهما، فأيّ من الإجازتين حصلت كفت. نعم يعتبر في صحّة إجازة الولي ما اعتبر في صحّة عقده، فلو أجاز العقد الواقع على خلاف مصلحة الصغير لغت إجازته وانحصر الأمر في إجازته بنفسه بعد بلوغه ورشده.
(مسألة 16): ليست الإجازة على الفور، فلو تأخّرت عن العقد بزمنٍ طويلٍ صحّت(1)، سواءٌ كان التأخير من جهة الجهل بوقوعه أو لأجل التروّي أو للاستشارة أو غير ذلك.
(مسألة 17): لا أثر للإجازة بعد الردّ، ولا للردّ بعد الإجازة فيها يلزم العقد وبه ينفسخ، سواءٌ كان السابق من الردّ أو الإجازة واقعاً من المعقود له أو وليّه، فلو أجاز أو ردّ وليّ الصغير من العقد الواقع عليهما فضولاً ليس لهما بعد البلوغ ردٌّ في الأوّل ولا إجازةٌ في الثاني.
(مسألة 18): إذا كان أحد الزوجين كارهاً حال العقد لكن لم يصدر منه ردٌّ
ــــــ[608]ـــــــ
(1) بشرط عدم التماهل والتسامح وإلَّا أشكل الأمر. نعم، في الأمثلة في المتن وفي انتظار بلوغ أحد الزوجين أو كليهما يمكن الفصل الطويل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
له فالظاهر أنَّه يصحّ لو أجاز بعد ذلك. نعم لو استؤذن فنهى ولم يأذن ومع ذلك أوقع الفضولّي العقد يشكل صحّته بالإجازة، ولا يقاس بما إذا كان مكرهاً على الزواج فعقد لنفسه بالمباشرة أو بتوكيل الغير، وقد مرّ أنَّ الأقوى صحّته إذا لحقه الرضا.
(المسألة: 19): يكفي في الإجازة المصحّحة لعقد الفضولي كلّ ما دلّ على إنشاء الرضا بذلك العقد، بل يكفي الفعل الدالّ عليه.
(المسألة: 20): لا يكفي الرضا القلبيّ في صحّة العقد وخروجه عن الفضوليّة وعدم الاحتياج(1) إلى الإجازة، فلو كان حاضراً حال العقد راضياً به إلَّا أنَّه لم يصدر منه قولٌ أو فعلٌ يدلّ على رضاه فالظاهر أنَّه من الفضوليّ، فله أن لا يجيز ويردّه. نعم في خصوص البكر إذا ظهر من حالها الرضا وإنَّما سكتت ولم تنطق بالإذن لحيائها كفى ذلك وكان سكوتها إذنها، كما نطقت بذلك بعض الأخبار وأفتى به علماؤنا الأخيار.
(مسألة 21): لا يعتبر في وقوع العقد فضوليّاً قصد الفضوليّة ولا الالتفات إليها، بل المدار في الفضوليّة وعدمها على كون العقد بحسب الواقع صادراً عن غير مَن هو مالكٌ للعقد أو عن مالكه وإن تخيّل خلافه، فلو تخيّل كونه وليّاً أو وكيلاً وأوقع العقد فتبيّن خلافه كان من الفضولي ويصحّ بالإجازة، كما أنَّه لو اعتقد أنَّه ليس بوكيلٍ ولا وليٍّ فأوقع العقد بعنوان الفضوليّة(2) فتبيّن خلافه صحّ
ــــــ[609]ـــــــ
(1) يعني: وحصول الإجازة وعدم الاحتياج إلى أُخرى، وإلَّا فالعبارة تسامحيّة.
(2) برجاء الصحّة وإلَّا أشكل القصد الجدّي فيبطل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
العقد ولزم بلا توقّفٍ على الإجازة.
(مسألة 22): إذا زُوّج صغيران فضولاً فإن أجاز وليّهما قبل بلوغهما أو بعد بلوغهما(1) أو بالاختلاف بأن أجاز وليّ أحدهما قبل بلوغه فأجاز الآخر بعد بلوغه ثبتت الزوجيّة ويترتّب جميع أحكامها، وإن ردّ وليّهما قبل بلوغهما أو ردّ وليّ أحدهما قبل بلوغه أو ردّا بعد بلوغهما أو ردّ أحدهما بعد بلوغه أو ماتا أو مات أحدهما قبل الإجازة بطل العقد من أصله، بحيث لم يترتّب عليه أثرٌ أصلاً من توارثٍ وغيره من الآثار. نعم لو بلغ أحدهما وأجاز ثُمَّ مات قبل بلوغ الآخر وإجازته يعزل من تركته مقدار ما يرث الآخر على تقدير الزوجيّة، فإن بلغ وأجاز يدفع إليه لكن بعد ما يحلف على أنَّه لم تكن إجازته للطمع في الإرث، وإن لم يجز أو أجاز ولم يحلف على ذلك لم يدفع إليه بل يردّ إلى الورثة. والظاهر أنَّ الحاجة إلى الحلف إنَّما هو فيما إذا كان متّهماً بأنَّ إجازته لأجل الإرث، وأمّا مع عدمه(2)- كما إذا أجاز مع الجهل بموت الآخر أو كان الباقي هو الزوج وكان المهر اللازم عليه على تقدير الزوجية أزيد ممّا يرث- يدفع إليه بدون الحلف.
(مسألة 23): كما يترتّب الإرث على تقدير الإجازة والحلف تترتّب الآثار الأُخر المترتّبة على الزوجيّة أيضاً من المهر وحرمة الأمّ والبنت وحرمتها على أب الزوج وابنه إن كانت الزوجة هي الباقية وغير ذلك، بل يمكن أن يُقال(3) بترتّب
ــــــ[610]ـــــــ
(1) يعني: أو هما بعد بلوغهما.
(2) إذا كان عدمه لمجرّد الوثاقة فالأحوط الحلف.
(3) بل لا يمكن أن يُقال: ولا أقلّ من استصحاب عدم الزوجيّة ما لم يحلف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تلك الآثار بمجرّد الإجازة من غير حاجةٍ إلى الحلف وإن كان متّهماً، فيفكّك بين الإرث وسائر الآثار على إشكالٍ، خصوصاً بالنسبة إلى استحقاق المهر إذا كانت الباقية هي الزوجة.
(مسألة 24): الظاهر جريان هذا الحكم في كلّ موردٍ مات مَن لزم العقد من طرفه وبقي مَن يتوقّف زوجيّته على إجازته، كما إذا زوّج أحد الصغيرين الوليّ وزوّج الآخر الفضوليّ فمات الأوّل قبل بلوغ الثاني وإجازته. نعم، يشكل جريان الحكم فيما لو كانا كبيرين فأجاز أحدهما ومات قبل موت الثاني وإجازته، بل المتّجه فيه بطلان العقد.
(مسألة 25): إذا كان العقد فضوليّاً من أحد الطرفين كان لازماً من طرف الأصيل، فلو كان هي الزوجة ليس لها أن تتزوّج بالغير قبل أن يردّ الآخر العقد ويفسخه، وهل يثبت في حقّه تحريم المصاهرة قبل إجازة الآخر وردّه فلو كان زوجاً حرم عليه نكاح أمّ المرأة وبنتها وأختها والخامسة إن كانت هي الرابعة؟ الأحوط ذلك.
(مسألة 26): إذا ردّ المعقود أو المعقودة العقد الواقع فضولاً صار العقد كأنَّه لم يقع، سواءٌ كان العقد فضوليّاً من الطرفين وردّاه معاً أو ردّه أحدهما، بل ولو أجاز أحدهما وردّ الآخر أو من طرفٍ واحدٍ وردّ ذلك الطرف فتحلّ المعقودة على أب المعقود وابنه وتحلّ بنتها وأمّها على المعقود، على إشكالٍ(1) في الأمّ.
(مسألة 27): إذا زوّج الفضوليّ امرأةً برجل من دون اطلاعها وتزوّجت هي
ــــــ[611]ـــــــ
(1) وجهه ضعيف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
برجلٍ آخر صحّ ولزم الثاني ولم يبق محلٌّ لإجازة الأوّل، وكذا لو زوّج الفضوليّ رجلاً بامرأةٍ من دون اطّلاعه وزوّج هو بأمّها أو بنتها ثُمَّ علم.
(مسألة 28): لو زوّج فضوليّان امرأةً كلٌّ منهما برجلٍ كانت بالخيار في إجازة أيّهما شاءت وإن شاءت ردّتهما، سواءٌ تقارن العقدان أو تقدّم أحدهما على الآخر، وكذلك الحال فيما إذا زوّج أحد الفضوليّين رجلاً بامرأةٍ والآخر بأمّها أو بنتها أو أختها فإنَّ له إجازة أيَّهما شاء.
(مسألة 29): لو وكّلت رجلين في تزويجها فزوّجها كلٌّ منهما برجل، فإن سبق أحدهما صحّ ولغا الآخر، وان تقارنا بطلا معاً، وإن لم يعلم الحال فإن علم تاريخ أحدهما حكم بصحّته دون الآخر، وإن جهل تاريخهما فإن احتمل تقارنهما حكم ببطلانهما معاً(1) في حقّ كلٍّ من الزوجة والزوجين، وإن علم عدم التقارن فيعلم إجمالاً بصحّة أحد العقدين وتكون المرأة زوجةٍ لأحد الرجلين أجنبيّةً عن أحدهما، فليس للزوجة أن تتزوّج بغيرهما ولا للغير أن يتزوّج بها؛ لكونها ذات بعلٍ قطعاً. وأمّا حالها بالنسبة إلى الزوجين وحالهما بالنسبة إليها فالأَولى أن يطلّقاها(2) ويجدّد النكاح عليها أحدهما برضاها، وإن تعاسرا وكان في التوقّف إلى أن يظهر الحال عسرٌ وحرجٌ على الزوجة أو لا يرجى ظهور الحال فالمتّجه(3) تعيين الزوج منهما بالقرعة، فيحكم بزوجيّة مَن وقعت عليه.
ــــــ[612]ـــــــ
(1) مع مراعاة الاحتياط في الطلاق الرجائيّ من كلا الزوجين.
(2) بقصد الرجاء.
(3) يعني إذا ادّعت الزوجة سبق أحدهما وصدَّقها هو. ويمكن أن يراد: أنَّها تصدّق المدّعي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 30): لو ادّعى أحد الزوجين سبق عقده، فإن صدّقه الآخر وكذا الزوجة(1) أو صدّقه أحدهما وقال الآخر: لا أدري، أو قال كلاهما: لا أدري(2)، فالزوجة لمدّعي السبق، وإن صدّقه الآخر ولكن كذّبته الزوجة كانت الدعوى بين الزوجة وكلا الزوجين، فالزوج الأوّل يدّعي زوجيّتها وصحّة عقده وهي تنكر زوجيّته وتدّعى فساد عقده، وتنعكس الدعوى بينها وبين الزوج الثاني، حيث إنَّه يدّعى فساد عقده وهي تدّعي صحّته(3)، ففي الدعوى الأُولى تكون هي المدّعية والزوج هو المنكر، وفي الثانية بالعكس، فإن أقامت البيّنة على فساد الأوّل المستلزم لصحّة الثاني حكم لها بزوجيّتها للثاني دون الأوّل، وإن أقام الزوج الثاني بيّنةً على فساد عقده يحكم بعدم زوجيّتها له وثبوتها للأوّل، وإن لم تكن بيّنةٌ يتوجّه الحلف إلى الزوج الأوّل في الدعوى الأُولى وإلى الزوجة في الدعوة الثانية، فإن حلف الزوج الأوّل ونكلت الزوجة ثبتت زوجيّتها للأوّل، وإن كان العكس – بأن حلفت هي دونه- حكم بزوجيّتها للثاني، وإن حلفا معاً فالمرجع هي القرعة(4).
وإن ادّعى كلٌّ من الزوجين سبق عقده، فإن قالت الزوجة: لا أدري، تكون الدعوى بين الزوجين، فإن أقام أحدهما بيّنةً دون الآخر حكم له وكانت الزوجة
ــــــ[612]ـــــــ
(1) لكنّ الأوجه إيكال الأمر للحاكم الشرعيّ ليقوم بالاحتياط السابق في المتن.
(2) في مثله لا يترك الاحتياط.
(3) إن ادّعت تقدّم الآخر، وأمّا إذا ادّعت التقارن فهو مساوقٌ للبطلان.
(4) وإن كان الأحوط الاحتياط بالطلاق الرجائيّ وإن تعاسرا قام به الحاكم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
له، وإن أقام كلٌّ منهما بيّنةً تعارضت البيّنتان فيرجع إلى القرعة فيحكم بزوجيّة مَن وقعت عليه، وإن لم تكن بيّنةٌ يتوجّه الحلف إليهما، فإن حلف أحدهما حكم له، وإن حلفا أو نكلا يرجع إلى القرعة(1)، وإن صدّقت المرأة أحدهما كان أحد طرفي الدعوى مَن لم تصدّقه الزوجة والطرف الآخر الزوج الآخر مع الزوجة، فمع إقامة البيّنة من أحد الطرفين أو مِن كليهما الحكم كما مرّ. وأمّا مع عدمها وانتهاء الأمر إلى الحلف، فإن حلف مَن لم تصدّقه الزوجة يحكم له(2) على كلٍّ من الزوجة والزوج الآخر، وأمّا مع حلف مَن صدّقته فلا يترتّب على حلفه رفع دعوى الزوج الآخر على الزوجة بل لابدَّ من حلفها أيضاً(3).
(مسألة: 31): لو زوّج الرجل أحد وكيليه بامرأةٍ وزوّجه الآخر ببنتها صحّ السابق ولغا اللاحق، ومع التقارن بطلا معاً، وإن لم يعلم السابق فإن علم تاريخ أحدهما حكم بصحّته دون الآخر، وإن جهل تاريخهما فإن احتمل تقارنهما يحكم ببطلان كليهما(4)، وإن علم بعدم التقارن فقد علم بصحّة أحد العقدين وبطلان أحدهما، فلا يجوز للزوج(5) مقاربة واحدةٍ منهما، كما أنَّه لا يجوز لهما التمكين منه.
ــــــ[614]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) لكن لا يجوز للزوجة ظاهراً ترتيب آثار الزوجيّة.
(3) لإسقاط الدعوى الثانية فإن حلفت فلا إشكال فإنَّها تبقى ظاهراً مع من صدّقته، وإن لم تقسم فالعمل بالاحتياط أولى.
(4) مع مراعاة الاحتياط.
(5) مع العمل بالاحتياط كما سبق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
نعم يجوز له النظر بالأمّ ولا يجب عليها التستّر عنه؛ للعلم بأنَّه إمّا زوجها أو زوج بنتها، وأمّا البنت فحيث إنَّه لم يحرز زوجيّتها وبنت الزوجة إنَّما يحلّ النظر إليها إن دخل بالأمّ والمفروض عدمه، فلم يحرز ما هو سببٌ لحلّية النظر إليها ويجب عليها التستّر عنه. نعم، لو فُرض الدخول بالأمّ ولو بالشبهة كان حالها حال الأمّ.
ــــــ[615]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(فصل) في أسباب التحريم
أعني ما بسببه يحرم ولا يصحّ تزويج الرجل بالمرأة ولا يقع الزواج بينهما، وهي أُمور: النسب، والرضاع، والمصاهرة وما يلحق بها، والكفر، وعدم الكفاءة، واستيفاء العدد، والاعتداد، والإحرام:
القول في النسب
يحرم بالنسب سبعة أصنافٍ من النساء على سبعة أصنافٍ من الرجال:
● الأُمّ بما شملت الجدّات عالياتٍ وسافلاتٍ لأبٍ كُنَّ أو لأُمٍّ، فتحرم المرأة على ابنها وعلى ابن ابنها وابن ابن ابنها وعلى ابن بنتها وابن بنت بنتها وابن بنت ابنها وهكذا. وبالجملة تحرم على كلّ ذكر ينتمي إليها بالولادة، سواءٌ كان بلا واسطةٍ أو بواسطةٍ أو وسائط، وسواءٌ كانت الوسائط ذكوراً أو إناثاً أو بالاختلاف.
● والبنت بما شملت الحفيدة ولو بواسطةٍ أو وسائط، فتحرم هي على أبيها بما شمل الجدّ لأبٍ كان أو لأمّ، فتحرم على الرجل بنته وبنت ابنه وبنت ابن ابنه وبنت بنته وبنت بنت بنته وبنت ابن بنته. وبالجملة: كلّ أنثى تنتمي إليه بالولادة بواسطةٍ أو وسائط ذكوراً كانوا أو إناثاً أو بالاختلاف.
● والأخت لأبٍ كانت أو لأُمٍّ أو لهما.
ــــــ[616]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
● وبنت الأخ، سواءٌ كان لأبٍ أو لأُمّ أو لهما، وهي كلّ مرأةٍ تنتمي بالولادة إلى أخيه بلا واسطةٍ أو معها وإن كثرت، سواءٌ كان الانتماء إليه بالإباء أو الأمّهات أو بالاختلاف، فتحرم عليه بنت أخيه وبنت ابنه وبنت ابن ابنه وبنت بنته وبنت بنت بنته وبنت ابن بنته وهكذا.
● وبنت الأخت، وهي كلّ أنثى تنتمي إلى أخته بالولادة على النحو الذي ذكر في بنت الأخ والعمّة، وهي أخت أبيه لأبٍ أو لأُمٍّ أو لهما. والمراد بها ما يشمل العاليات، أعني عمّة الأب أخت الجدّ للأب لأبٍ أو لأُمٍّ أو لهما وعمّة الأُمّ أخت أبيها لأبٍ أو لأمٍّ أو لهما وعمّة الجدّ للأب والجدّ للأمّ والجدّة كذلك، فمراتب العمّات مراتب الآباء، فهي كلّ أنثى هي أخت الذكر تنتمي إليك بالولادة من طرف أبيك أو أمّك.
● والخالة، والمراد بها أيضاً ما يشمل العاليات، فهي كالعمّة إلَّا أنها أخت إحدى أمّهاتك ولو من طرف أبيك والعمّة أخت أحد آبائك ولو من طرف أمّك، فأخت جدّتك للأب خالتك حيث إنَّها خالة أبيك، وأخت جدّك للأُمّ عمّتك حيث إنَّها عمّة أمّك.
(مسألة 1): لا تحرم عمّة العمّة ولا خالة الخالة ما لم تدخلا في عنواني العمّة والخالة ولو بالواسطة، وهما قد تدخلان فيهما فتحرمان، كما إذا كانت عمّتك أختاً لأبيك لأبٍ وأُمٍّ أو لأبٍ ولأبي أبيك أختٌ لأبٍ أو أُمٍّ أو لهما، فهذه عمّةٌ لعمّتك بلا واسطة وعمّة لك معها، وكما إذا كانت خالتك أختاً لأُمّك لأُمّها أو لأُمّها وأبيها وكانت لأُمّ أمّك أختٌ، فهي خالةٌ لخالتك بلا واسطةٍ وخالةٌ لك معها.
ــــــ[617]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وقد لا تدخلان فيهما فلا تحرمان، كما إذا كانت عمّتك أختاً لأبيك لأُمّه لا لأبيه وكانت لأبي الأخت أختٌ، فالأخت الثانية عمّةٌ لعمّتك وليس بينك وبينها نسبٌ أصلاً، وكما إذا كانت خالتك أختاً لأُمّك لأبيها لا لأمّها وكانت لأمّ الأخت أختٌ، فهي خالةٌ لخالتك وليست خالتك ولو مع الواسطة، وكذلك أخت الأخ أو الأخت إنَّما تحرم إذا كانت أختاً لا مطلقاً، فلو كان لك أخٌ أو أختٌ لأبيك وكانت لأُمّها بنتٌ من زوجٍ آخر فهي أختٌ لأخيك أو أختك وليست أختاً لك لا من طرف أبيك ولا من طرف أمّك فلا تحرم عليك.
(مسألة 2): النسب: إمّا شرعيٌّ، وهو ما كان بسبب وطيٍ حلالٍ ذاتاً بسببٍ شرعيٍّ من نكاحٍ أو ملك يمينٍ أو تحليلٍ وإن حرم لعارضٍ من حيضٍ أو صيامٍ أو اعتكافٍ أو إحرامٍ ونحوها، ويلحق به وطي الشبهة. وإمّا غير شرعيّ، وهو ما حصل بالسفاح والزنا. والأحكام المترتّبة على النسب الثابتة في الشرع من التوارث وغيره وإن اختصّت بالأوّل لكنّ الظاهر بل المقطوع أنَّ موضوع حرمة النكاح أعمُّ فيعمّ الغير الشرعيّ، فلو زنى بامرأةٍ فولدت منه ذكراً وأنثى حرمت المزاوجة بينهما، وكذا بين كلّ منهما وبين أولاد الزاني والزانية الحاصلين بالنكاح الصحيح، وكذا حرمت الزانية وأمّها وأمّ الزاني وأختها وحرمت الأنثى على الزاني وأبيه وأجداده وإخوته وأعمامه.
(مسألة 3): المراد بوطي الشبهة الوطي الذي ليس بمستحقٍّ مع عدم العلم بالتحريم، كما إذا وطئ أجنبيّةً باعتقاد أنَّها زوجته. ويلحق به وطي المجنون والنائم وشبههما، دون السكران(1) إذا كان سكره بشرب المسكر عن عمد.
ــــــ[618]ـــــــ
(1) بل هو من وطي الشبهة أيضاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في الرضاع
انتشار الحرمة بالرضاع يتوقّف على شروط:
«الأوّل»: أن يكون اللبن حاصلاً من وطيٍ جائزٍ شرعاً بسبب نكاحٍ أو ملك يمينٍ أو تحليلٍ، ويلحق به وطي الشبهة على الأقوى، فلو درّ اللبن من الامرأة من دون نكاحٍ لم ينشر الحرمة، وكذا لو كان اللبن من زنا.
(مسألة 1): لا يعتبر في النشر بقاء المرأة في حبال الرجل، فلو طلّقها الزوج أو مات عنها وهي حاملٌ منه أو مرضعٌ فأرضعت ولداً نشر الحرمة، وإن تزوّجت ودخل بها الزوج الثاني ولم تحمل منه أو حملت منه وكان اللبن بحاله لم ينقطع ولم تحدث فيه زيادة.
«الثاني»: أن يكون شرب اللبن بالامتصاص(1) من الثدي، فلو وجر في حلقه اللبن أو شرب اللبن المحلوب من المرأة لم ينشر الحرمة.
«الثالث»: أن تكون المرضعة حيّةً، فلو ماتت في أثناء الرضاع وأكمل النصاب حال موتها ولو رضعةً لم ينشر الحرمة.
«الرابع»: أن يكون المرتضع في أثناء الحولين وقبل استكمالهما، فلا عبرة برضاعه بعدهما. ولا يعتبر الحولان في ولد المرضعة على الأقوى، فلو وقع الرضاع بعد كمال حوليه نشر الحرمة إذا كان قبل حولي المرتضع.
(مسألة 2): المراد بالحولين أربعٌ وعشرون شهراً هلاليّاً من حين الولادة، ولو وقعت في أثناء الشهر يكمل من الشهر الخامس والعشرين ما مضى من الشهر
ــــــ[619]ـــــــ
(1) بل بالرضاع متى صدق عرفاً، ومنه يعرف ما إذا وجر في حلقه فلا يُترك الاحتياط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأوّل على الأظهر، فلو تولّد في العاشر من شهرٍ تكمل حولاه في العاشر من الشهر الخامس والعشرين.
«الشرط الخامس»: الكمّية، وهي بلوغه حدّاً معيّناً، فلا يكفي مسمّى الرضاع ولا رضعةً كاملةً. وله في الأخبار وعند فقهائنا الأخيار تحديداتٌ وتقديراتٌ ثلاثة: الأثر، والزمان، والعدد. وأيّ واحدٍ(1) منها حصل كفى في نشر الحرمة: وأمّا الأثر فهو أن يرضع بمقدار نبت اللحم وشدّ العظم، وأمّا الزمان(2) فهو أن يرتضع من المرأة يوماً وليلة مع اتّصالهما بأن يكون غذاؤه في هذه المدّة منحصراً بلبن المرأة، وأمّا العدد فهو أن يرتضع منها خمس عشرة رضعةً كاملةً.
(مسألة 3): المعتبر في إنبات اللحم وشدّ العظم استقلال الرضاع في حصولهما على وجهٍ يُنسبان إليه، فلو فرض ضمّ السكر ونحوه إليه على نحوٍ ينسبان إليهما أشكل ثبوت التحريم، كما أنَّ المدار على الإنبات والشدّ المعتدّ به منهما على مبانٍ يصدقان عرفاً ولا يكفي حصولهما بالدقّة العقليّة، وإذا شكّ في حصولهما بهذه المرتبة أو في استقلال الرضاع في حصولهما يرجع إلى التقديرين الآخرين(3).
(مسألة 4): يعتبر في التقدير بالزمان: أن يكون غذاؤه في اليوم والليلة منحصراً باللبن، ولا يقدح شرب الماء للعطش ولا ما يأكل أو يشرب دواءً،
ــــــ[620]ـــــــ
(1) سيأتي ما فيه.
(2) الأحوط عدم ثبوت هذا التقدير.
(3) بل إلى التقديرالأخير وهو خمس عشرة رضعة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والظاهر كفاية التلفيق في التقدير بالزمان لو ابتدأ بالرضاع في أثناء الليل أو النهار.
(مسألة 5): يعتبر في التقدير بالعدد أُمور:
منها: كمال الرضعة، بأن يروي الصبيّ ويصدر من قبل نفسه، ولا تحسب الرضعة الناقصة، ولا تضمّ الناقصات بعضها ببعض، بأن تحسب رضعتان ناقصتان أو ثلاث رضعات ناقصات مثلاً واحدة. نعم لو التقم الصبيّ الثدي ثُمَّ رفضه لا بقصد الإعراض بأن كان للتنفّس أو الالتفات إلى ملاعبٍ أو الانتقال إلى ثدي آخر أو غير ذلك كان الكلّ رضعةً واحدةً.
ومنها: توالي الرضعات، بأن لا يفصل بينها رضاع امرأةٍ أُخرى. ولا يقدح في التوالي تخلّل غير الرضاع من المأكول والمشروب وإن تغذّى به(1).
ومنها: أن يكون كمال العدد من امرأةٍ واحدةٍ، فلو ارتضع بعض الرضعات من امرأةٍ وأكملها من امرأةٍ أُخرى لم ينشر الحرمة، وإن اتّحد الفحل فلا تكون واحدةٌ من المرضعتين أُمّاً للمرتضع ولا الفحل أباً له.
ومنها: اتّحاد الفحل، بأن يكون تمام العدد من لبن فحلٍ واحدٍ، ولا يكفي اتّحاد المرضعة، فلو أرضعت امرأةٌ من لبن فحلٍ ثمان رضعات ثُمَّ طلقها الفحل وتزوّجت بآخر وحملت منه ثُمَّ أرضعت ذلك الطفل من لبن الفحل الثاني تكملة العدد من دون تخلّل رضاع امرأةٍ أُخرى في البين- بأن يتغذّى الولد في هذه المدّة المتخلّلة بالمأكول والمشروب- لم ينشر الحرمة.
(مسألة 6): ما ذكرنا من الشروط شروطٌ لناشريّة الرضاع للحرمة، فلو
ــــــ[621]ـــــــ
(1) بل هو قادحٌ على الأحوط إلَّا أن يكون يسيراً وعلامته أن لا يؤخّر رضاعه عن عادته.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
انتفى بعضها لا أثر له وليس بناشرٍ لها أصلاً حتّى بين الفحل والمرتضعة، وكذا بين المرتضع والمرضعة فضلاً عن الأُصول والفروع والحواشي. وفي الرضاع شرطٌ آخر زائدٌ على ما مرّ مختصٌّ بنشر الحرمة بين المرتضعين، وبين أحدهما وفروع الآخر. وبعبارةٍ أُخرى: شرطٌ لتحقّق الأخوّة الرضاعية بين المرتضِعين هو اتّحاد الفحل(1) الذي ارتضع المرتضعان من لبنه، فلو ارتضع صبيٌّ من امرأة من لبن شخصٍ رضاعاً كاملاً وارتضعت صبيّةٌ من تلك المرأة من لبن شخصٍ آخر كذلك- بأن طلّقها الأوّل وزوّجها الثاني وصارت ذات لبن منه فأرضعتها رضاعاً كاملاً- لم تحرم الصبيّة على ذلك الصبيّ ولا فروع أحدهما على الآخر، بخلاف ما إذا كان الفحل وصاحب اللبن واحداً وتعدّدت المرضعة، كما إذا كانت لشخصٍ نسوةٌ متعدّدةٌ وأرضعت كلّ واحدةٍ منهنّ من لبنه طفلاً رضاعاً كاملاً، فإنَّه يحرم بعضهم على بعض وعلى فروعه لحصول الأخوّة الرضاعية(2) بينهم.
(مسألة 7): إذا تحقّق الرضاع الجامع للشرائط صار الفحل والمرضعة أباً وأُمّاً للمرتضع وأصولهما أجداداً وجدّاتٍ وفروعهما إخوةً وأولاد إخوة له ومَن في حاشيتهما وفي حاشية أصولهما أعماماً أو عمّاتٍ وأخوالاً أو خالاتٍ له، وصار هو – أعني المرتضع- ابناً أو بنتاً لهما وفروعه احفاداً لهما، وإذا تبيّن ذلك فكلّ عنوانٌ نسبيٌّ محرّمٌ من العناوين السبعة المتقدّمة إذا تحقّق مثله في الرضاع يكون محرّماً:
ــــــ[622]ـــــــ
(1) هو نفس الشرط السابق وكان يكفي إيضاح ما ذكره الماتن هنا خلال كلامه السابق.
(2) يعني: من أبٍ وهي كافيةٌ في التحريم، وأمّا من طرف الأمّ فالواحد منهم ابن خالة الآخر بالرضاع وهو عنوانٌ غير محرّم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فالأُمّ الرضاعيّة كالأُمّ النسبيّة، والبنت الرضاعيّة كالبنت النسبيّة وهكذا. فلو أرضعت امرأةٌ من لبن فحلٍ طفلاً حرمت المرضعة وأُمّها وأُمّ الفحل على المرتضع للأمومة والمرتضعة وبناتها وبنات المرتضع على الفحل وعلى أبيه وأبي المرضعة للبنتيّة، وحرمت أخت الفحل وأخت المرضعة على المرتضع لكونهما عمّةً وخالةً له، والمرتضعة على أخي الفحل وأخي المرضعة لكونها بنت أخٍ أو بنت أختٍ لهما، وحرمت بنات الفحل على المرتضع والمرتضعة على أبنائه نسبيّين كانوا أم رضاعيّين وكذا بنات المرضعة على المرتضع والمرتضعة على أبنائها إذا كانوا نسبيّين للإخوة. وأمّا أولاد المرضعة الرضاعيون ممّن أرضعتهم بلبن فحلٍ آخر غير الفحل الذي ارتضع المرتضع بلبنه لم يحرموا على المرتضع، لما مرّ من اشتراط اتّحاد الفحل في نشر الحرمة بين المرتضعين.
(مسألة 8): تكفي في حصول العلاقة الرضاعيّة المحرّمة دخالة الرضاع فيه في الجملة، فقد تحصل من دون دخالة غيره فيها كعلاقة الأبوّة والأمومة والأبنية والبنتية الحاصلة بين الفحل والمرضعة وبين المرتضع، وكذا الحاصلة بينه وبين أُصولهما الرضاعيّين، كما إذا كان لهما أبٌ أو أمٌّ من الرضاعة حيث إنَّهما جدٌّ وجدّةٌ للمرتضع من جهة الرضاع محضاً، وقد تحصل به مع دخالة النسب في حصولها كعلاقة الأخوّة الحاصلة بين المرتضع وأولاد الفحل والمرضعة النسبيّين، فإنَّهم وإن كانوا منسوبين إليهما بالولادة إلَّا أنَّ أخوّتهم للمرتضع حصلت بسبب الرضاع، فهم إخوةٌ أو أخواتٌ له من الرضاعة.
توضيح ذلك: إنَّ نسبة ذلك بين شخصين قد تحصل بعلاقةٍ واحدةٍ كالنسبة
ــــــ[623]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بين الولد ووالده ووالدته، وقد تحصل بعلاقتين كالنسبة بين الأخوين فإنَّها تحصل بعلاقة كلٍّ منهما مع الأب أو الأمّ أو كليهما، وكالنسبة بين الشخص وجدّه الأدنى فإنَّها تحصل بعلاقةٍ بينه وبين أبيه مثلاً وعلاقةٍ بين أبيه وبين جدّه، وقد تحصل بعلاقاتٍ ثلاثٍ كالنسبة بين الشخص وبين جدّه الثاني، وكالنسبة بينه وبين عمّه الأدنى فإنَّه تحصل بعلاقةٍ بينك وبين أبيك وبعلاقة كلٍّ من أبيك وأخيه مع أبيهما مثلاً، وهكذا تتصاعد وتتنازل النسب وتنشعب بقلّة العلاقات وكثرتها، حتّى أنَّه قد تتوقّف نسبةٌ بين شخصين على عشر علائق أو أقلّ أو أكثر. وإذا تبيّن ذلك، فإن كانت تلك العلائق كلّها حاصلةً بالولادة كانت العلاقة نسبيّةً، وإن حصلت كلّها أو بعضها – ولو واحدةٌ من العشر بالرضاع- كانت العلاقة رضاعيّة.
(مسألة 9): لمّا كانت المصاهرة – التي هي أحد أسباب تحريم النكاح، كما يأتي- علاقةً بين أحد الزوجين وبعض الأقرباء الأُخر، فهي تتوقّف على أمرين مزاوجةً وقرابةً، والرضاع إنَّما يقوم مقام الثاني دون الأوّل، فمرضعة ولدك لا تكون بمنزلة زوجتك حتّى تحرم أُمّها عليك، لكنّ الأُمّ والبنت الرضاعيّتين لزوجتك تكونان كالأُمّ والبنت النسبيّين لها فتحرمان عليك، وكذلك حليلة الابن الرضاعيّ كحليلة الابن النسبيّ وحليلة الأب الرضاعيّ كحليلة الأب النسبيّ تحرم الأُولى على أبيه الرضاعيّ والثانية على ابنه الرضاعيّ.
(مسألة 10): قد تبيّن ممّا سبق: أنَّ العلاقة الرضاعيّة المحضة قد تحصل برضاعٍ واحدٍ كالحاصلة بين المرتضع وبين المرضعة وصاحب اللبن، وقد تحصل برضاعين كالحاصلة بين المرتضع وبين أبوي الفحل والمرضعة الرضاعيَّين، وقد
ــــــ[624]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تحصل برضاعاتٍ متعدّدةٍ. فإذا كان لصاحب اللبن مثلاً أبٌ من جهة الرضاع وكان لذلك الأب الرضاعيّ أيضاً أبٌ من الرضاع وكان للأخير أيضاً أبٌ من الرضاع وهكذا إلى عشرة آباء كان الجميع أجداداً رضاعيّين للمرتضع الأخير وجميع المرضعات جدّاتٍ له، فإن كانت أنثى حرمت على جميع الأجداد وإن كان ذكراً حرمت عليه جميع الجدّات، بل لو كانت للجدّ الرضاعيّ الأعلى أختٌ رضاعيّةٌ حرمت على المرتضع الأخير لكونها عمّته العليا من الرضاع، ولو كانت للمرضعة الأبعد التي هي الجدّة العليا للمرتضع أختٌ حرمت عليه لكونها خالته العليا من الرضاع.
(مسألة 11): قد عرفت فيما سبق: أنَّه يشترط في حصول الأُخوّة الرضاعية بين المرتضعين اتّحاد الفحل، ويتفرّع على ذلك مراعاة هذا الشرط في العمومة والخؤولة الحاصلتين بالرضاع أيضاً، لأنَّ العمّ والعمّة أخٌ وأختٌ للأب، والخال والخالة أخٌ وأختٌ للأمّ، فلو تراضع أبوك أو أمّك مع صبيّةٍ من امرأةٍ فإن اتّحد الفحل كانت الصبيّة عمّتك أو خالتك من الرضاعة، بخلاف ما إذا لم يتّحد، فحيث لم تحصل الأُخوّة الرضاعيّة بين أبيك أو أمّك مع الصبيّة لم تكن هي عمّتك أو خالتك فلم تحرم عليك.
(مسألة 12): لا يجوز أن ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادةً ورضاعاً، وكذا في أولاد المرضعة نسباً لا رضاعاً(1)، وأمّا أولاده الذين لم يرتضعوا من هذا اللبن فيجوز نكاحهم في أولاد صاحب اللبن وفي أولاد المرضعة التي
ــــــ[625]ـــــــ
(1) لا يترك الاحتياط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أرضعت أخاهم، وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه.
(مسألة 13): إذا أرضعت امرأةٌ ابن شخصٍ بلبن فحلها ثُمَّ أرضعت بنت شخصٍ آخر من لبن ذلك الفحل، فتلك البنت وإن حرمت على ذلك الابن لكن تحلّ أخوات كلٍّ منهما لإخوة الآخر.
(مسألة 14): الرضاع المحرّم كما يمنع من النكاح لو كان سابقاً، يبطله لو حصل لاحقاً، فلو كانت له زوجةٌ صغيرة فأرضعته بنته أو أُمّه أو أخته أو بنت أخيه [أو بنت أخته] أو زوجة أخيه بلبنه رضاعاً كاملاً بطل نكاحها وحرمت عليه؛ لصيرورتها بالرضاع بنتاً أو أختاً أو بنت أخ أو بنت أخت له فتحرم عليه لاحقاً كما كانت تحرم عليه سابقاً. وكذا لو كانت له زوجتان صغيرةٌ وكبيرةٌ فأرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت عليه الكبيرة لأنَّها صارت أمّ زوجته، وكذلك الصغيرة إن كان رضاعها من لبنه أو دخل بالكبيرة لكونها بنتاً له في الأوّل وبنت زوجته المدخول بها في الثاني.
(تنبيه) إذا كان أخوان في بيتٍ واحدٍ مثلاً وكانت زوجة كلٍّ منهما أجنبيّةً عن الآخر وأرادا أن تصير زوجة كلٍّ منهما من محارم الآخر حتّى يحلّ له النظر إليها، يمكن لهما الاحتيال بأن يتزوّج كلٌّ منهما بصبيّةٍ وتُرضع زوجة كلٍّ منهما زوجة الآخر رضاعاً كاملاً فصارت زوجة كلٍّ منهما أمّاً لزوجة الآخر فصارت من محارمه وحلّ نظره إليها وبطل نكاح كلتا الصبيّتين؛ لصيرورة كلٍّ منهما بالرضاع بنت أخي زوجها.
(مسألة 1): إذا أرضعت امرأةٌ ولد بنتها – وبعبارةٍ أخرى أرضعت الولد
ــــــ[626]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
جدّته من طرف الأُمّ- حرمت بنتها أمّ الولد على زوجها وبطل نكاحها، سواء أرضعت بلبن أبي البنت أو بلبن غيره؛ وذلك لأنَّ زوج البنت أبٌ للمرتضع وزوجته بنت للمرضعة جدّة الولد، وقد مرّ أنَّه يحرم على أبي المرتضع نكاح أولاد المرضعة، فإذا منع منه سابقاً أبطله لاحقاً، وكذا إذا أرضعت زوجة أبي البنت من لبنه ولد البنت بطل نكاح البنت؛ لما مرّ من أنَّه يحرم نكاح أبي المرتضع في أولاد صاحب اللبن. وأمّا الجدّة من طرف الأب إذا أرضعت ولد أبيها فلا يترتّب(1) عليه شيءٌ، كما أنَّه لو كان رضاع الجدّة من طرف الأُمّ ولد بنتها بعد وفاة بنتها أو طلاقها أو وفاة زوجها لم يترتّب(2) عليه شيءٌ فلا مانع منه(3).
(مسألة 2): لو زوّج ابنه الصغير بابنة أخيه الصغيرة ثُمَّ أرضعت جدّتهما من طرف الأب أو الأُمّ أحدهما انفسخ نكاحهما، لأنَّ المرتضع إن كان هو الذكر فإن أرضعته جدّته من طرف الأب صار عمّاً لزوجته، وإن أرضعته جدّته من طرف الأُمّ صار خالاً لزوجته، وإن كان هو الأنثى صارت هي عمّةً لزوجها على الأوّل وخالةً له على الثاني، فبطل النكاح على أيّ حال.
(مسألة 3): إذا حصل الرضاع الطارئ المبطل للنكاح، فإمّا أن يبطل نكاح المرضعة بإرضاعها كما في إرضاع الزوجة الكبيرة لشخص زوجته الصغيرة
ــــــ[627]ـــــــ
(1) يعني: بطلان الزواج بين أبيه وأمّه بغضّ النظر عن الأُمور الأُخرى.
(2) كما قلنا في التعليق السابق.
(3) لم يكن الرضاع الموجب لبطلان النكاح حراماً حتى يقول الماتن ذلك. نعم قد يحرم لبعض العناوين الثانوية.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالنسبة إلى نكاحها، وإمّا أن يبطل نكاح المرتضعة كالمثال بالنسبة إلى نكاح الصغيرة، وإمّا أن يبطل نكاح غيرهما كما في إرضاع الجدّة من طرف الأمّ ولد بنتها. والظاهر بقاء استحقاق الزوجة للمهر في الجميع إلَّا في الصورة الأُولى(1) فيما إذا كان الإرضاع وانفساخ العقد قبل الدخول، وهل تضمن المرضعة ما يغرمه الزوج من المهر قبل الدخول فيما إذا كان إرضاعها مبطلاً لنكاح غيرها؟ قولان أقواهما العدم(2)، والأحوط التصالح.
(مسألة 4): قد سبق أنَّ العناوين المحرّمة من جهة الولادة والنسب سبعة: الأمّهات، والبنات، والأخوات، والعمّات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت.
فإن حصل بسبب الرضاع أحد هذه العناوين كان محرّماً كالحاصل بالولادة، وقد عرفت فيما سبق كيفيّة حصولها بالرضاع مفصّلاً، وأمّا لو لم يحصل بسببه أحد تلك العناوين السبعة لكن حصل عنوانٌ خاصٌّ لو كان حاصلاً بالولادة لكان ملازماً ومتّحداً مع أحد تلك العناوين السبعة، كما لو أرضعت امرأةٌ ولد بنته فصارت أمّ ولد بنته وأمّ ولد البنت ليست من تلك السبع، لكن لو كانت أمومة ولد البنت بالولادة كانت بنتاً له والبنت من المحرّمات السبعة، فهل مثل هذا الرضاع أيضاً محرّمٌ فتكون مرضعة ولد البنت كالبنت أم لا؟ الحقّ هو الثاني، وقيل بالأوّل. وهذا هو الذي اشتهر في الألسنة بعموم المنزلة الذي ذهب إليه بعض الأجلّة، ولنذكر لذلك أمثلة:
ــــــ[628]ـــــــ
(1) حتّى في الصورة الأُولى.
(2) إذا لم يصدق الغرر والظلم كما لو كان برضا الزوج، وإلَّا غرمت.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أحدها: زوجتك أرضعت بلبنك أخاها فصار ولدَك وزوجتُك أختٌ له، فهل تحرم عليك من جهة أنَّ أخت ولدك إمّا بنتك أو ربيبتك وهما محرّمتان عليك وزوجتك بمنزلتهما أم لا، فمن قال بعموم المنزلة يقول: نعم، ومن قال بالعدم يقول: لا.
ثانيها: زوجتك أرضعت بلبنك ابن أخيها فصار ولدك وهي عمّته، وعمّة ولدك حرامٌ عليك لأنَّها أختك، فهل تحرم من الرضاع أم لا، فمن قال بعموم المنزلة يقول نعم، ومن قال بالعدم يقول لا.
ثالثها: زوجتك أرضعت عمّها أو عمّتها أو خالها أو خالتها فصارت أمّهم، وأمّ عمّ وعمّة زوجتك حرام عليك حيث إنَّها جدّتها من الأب وكذا أمّ خال وخالة زوجتك حرامٌ عليك حيث إنَّها جدّتها من الأُمّ، فهل تحرم عليك من جهة الرضاع أم لا، فمن قال بعموم المنزلة يقول نعم ومن قال بالعدم يقول لا.
رابعها: زوجتك أرضعت بلبنك ولد عمّها أو ولد خالها فصرت أبا ابن عمها أو أبا ابن خالها وهي تحرم على أبي ابن عمّها وأبي ابن خالها لكونهما عمّها وخالها، فهل تحرم عليك من جهة الرضاع أم لا؟ فمن قال بعموم المنزلة يقول نعم ومن قال بالعدم يقول لا.
خامسها: امرأةٌ أرضعت أخاك أو أختك لأبويك فصارت أمّاً لهما وهي محرّمةٌ في النسب لأنَّها أمٌّ لك، فهل تحرم عليك من جهة الرضاع ويبطل نكاح المرضعة إن كانت زوجتك أم لا؟ فمن قال بعموم المنزلة يقول نعم ومن قال بالعدم يقول لا.
ــــــ[629]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
سادسها: امرأةٌ أرضعت ولد بنتك فصارت أمّاً له، فهل تحرم عليك لكونها بمنزلة بنتك وإن كانت المرضعة زوجتك بطل نكاحها أم لا؟ فمن قال بعموم المنزلة يقول نعم ومن قال بالعدم يقول لا.
سابعها: امرأةٌ أرضعت ولد أختك فصارت أمّاً له فهل تحرم عليك من جهة أنَّ أمّ ولد الأخت حرامٌ عليك لأنَّها أختك وإن كانت المرضعة زوجتك بطل نكاحها أم لا؟ فمن قال بعموم المنزلة يقول نعم ومن قال بالعدم يقول لا.
ثامنها: امرأةٌ أرضعت عمّك أو عمّتك أو خالك أو خالتك فصارت أمّهم وأمّ عمّك وعمّتك نسباً تحرم عليك لأنَّها جدّتك من طرف أبيك وكذا أمّ خالك وخالتك لأنَّها جدّتك من طرف الأُمّ، فهل تحرم عليك بسبب الرضاع وإن كانت المرضعة زوجتك بطل نكاحها أم لا؟ فمن قال بعموم المنزلة يقول نعم ومن قال بالعدم يقول لا.
(مسألة 5): لو شكّ في وقوع الرضاع أو في حصول بعض شروطه من الكمّية أو الكيفيّة بنى على العدم. نعم يشكل فيما لو علم بوقوع الرضاع بشروطه ولم يعلم بوقوعه في الحولين أو بعدهما وعلم تاريخ الرضاع وجهل تاريخ ولادة المرتضع، فحينئذٍ لا يترك الاحتياط(1).
(مسألة 6): لا تقبل الشهادة على الرضاع إلَّا مفصّلةً، بأن يشهد الشهود على الارتضاع في الحولين بالامتصاص(2) من الثدي خمس عشرة رضعةً متوالياتٍ مثلاً،
ــــــ[630]ـــــــ
(1) بل الأمر كذلك لأنَّ الاستصحاب جارٍ بلا معارضٍ وليس مثبتاً.
(2) مع ما علّقنا عليه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إلى آخر ما مرّ من الشروط. ولا يكفي الشهادة المطلقة والمجملة، بأن يشهد على وقوع الرضاع المحرّم أو يشهد مثلاً على أنَّ فلان ولد فلانة أو فلانة بنت فلان من الرضاع، بل يسأل منه التفصيل.
(مسألة 7): الأقوى أنَّه تقبل شهادة النساء العادلات في الرضاع مستقلّاتٍ، بأن تشهد أربع نسوةٍ عليه، ومنضمّاتٍ بأن تشهد به امرأتان مع رجلٍ واحدٍ.
(مسألة 8): يستحبّ أن يختار لرضاع الأولاد المسلمة العاقلة العفيفة الوضيئة ذات الأوصاف الحسنة، فإنَّ للّبن تأثيراً تامّاً في المرتضع، كما يشهد به الاختبار ونطقت به الأخبار والآثار:
فعن الباقر: قال رسول الله: (لا تسترضعوا الحمقاء والعمشاء، فإنَّ اللبن يعدي).
وعن أمير المؤمنين: (لا تسترضعوا الحمقاء، فإنَّ اللبن يغلب الطباع).
وعنه: (انظروا مَن ترضع أولادكم، فإنَّ الولد يشبُّ عليه).
إلى غير ذلك من الأخبار المستفاد منها رجحان اختيار ذوات الصفات الحميدة خلقاً وخلقاً، ومرجوحيّة اختيار أضدادهنّ وكراهته، ولا سيّما الكافرة، وإن اضطرّ إلى استرضاعها فليختر اليهودية والنصرانية على المشركة والمجوسيّة، ومع ذلك لا يسلّم الطفل إليهنّ ولا يذهبن بالولد إلى بيوتهنّ، ويمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ومثل الكافرة أو أشدّ كراهةٍ استرضاع الزانية باللبن الحاصل من الزنا والمرأة المتولّدة من زنا.
فعن الباقر: (لبن اليهودية والنصرانيّة والمجوسيّة أحبّ إليّ من ولد الزنا).
ــــــ[631]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وعن الكاظم: (سئل عن امرأةٍ زنت هل يصلح أن تسترضع؟ قال: لا يصلح ولا لبن ابنتها التي وُلدت من الزنا).
القول في المصاهرة وما يلحق بها
المصاهرة: هي علاقةٌ بين أحد الزوجين مع أقرباء الآخر موجبٌ لحرمة النكاح إمّا عيناً أو جمعاً على تفصيل سيأتي:
(مسألة 1): تحرم معقودة الأب على ابنه وبالعكس فصاعداً في الأوّل ونازلاً في الثاني حرمةً دائميّةً، سواءٌ كان العقد دائميّاً أو انقطاعيّاً(1)، وسواءٌ دخل العاقد بالمعقودة أو لم يدخل بها، وسواءٌ كان الأب والابن نسبيَّين أو رضاعيَّين.
(مسألة 2): إذا عقد على امرأةٍ حرمت عليه أمّها وإن علت نسباً أو رضاعاً، سواءٌ دخلت بها أو لا، وسواءٌ كان العقد دواماً أم انقطاعاً، وسواءٌ كانت المعقودة صغيرةً أو كبيرةً. نعم، الأحوط – لو لم يكن الأقوى- في العقد على الصغيرة انقطاعاً أن تكون بالغةً إلى حدٍّ تصلح للاستمتاع والتلذّذ بها ولو بغير الوطي، بأن كانت بالغةً ستّ سنوات فما فوق مثلاً أو يدخل في المدّة بلوغها إلى هذا الحدّ، فما تعارف من إيقاع عقد الانقطاع ساعةً أو ساعتين(2) على الصغيرة الرضيعة أو من يقاربها مريدين بذلك محرميّة أمّها على المعقود له في غاية الإشكال، من جهة
ــــــ[632]ـــــــ
(1) مع عدم الدخول وبالأخصّ مع عدم أيّ استفادةٍ جنسيّةٍ يكون الحكم مبنيّاً على ضربٍ من الاحتياط.
(2) هذا العقد باطلٌ أساساً، بل في صورة عدم شموله لجواز الوطي مشكلٌ أيضاً، وإن كان لا يخلو من وجهٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الإشكال في صحّة مثل هذا العقد حتّى يترتّب عليه حرمة أمّ المعقود عليها.
(مسألة 3): إذا عقد على امرأةٍ حرمت عليه بنتها وإن نزلت إذا دخل بالأمّ ولو دبراً، وأمّا إذا لم يدخل بها لم تحرم عليه بنتها عيناً وإنَّما تحرم عليه جمعاً، بمعنى أنَّها تحرم عليه ما دامت الأُمّ في حباله، فإذا خرجت بموتٍ أو طلاقٍ(1) أو غير ذلك جاز له نكاحها.
(مسألة 4): لا فرق في حرمة بنت الزوجة بين أن تكون البنت موجودةً في زمان زوجيّة الأُمّ أو تولّدت بعد خروجها عن الزوجيّة، فلو عقد على امرأةٍ ودخل بها ثُمَّ طلّقها ثُمَّ تزوّجت وولدت من الزوج الثاني بنتاً تحرم هذه البنت على الزوج الأوّل.
(مسألة 5): لا إشكال في ترتّب الحرمات الأربع على النكاح والوطي الصحيحين، وهل تترتّب على الزنا ووطي الشبهة أم لا؟ قولان أقواهما وأشهرهما أوّلهما، فلو زنى بامرأةٍ حرمت على أبي الزاني وحرمت على الزاني أمّ المزنّي بها وبنتها، وكذلك الموطوءة بالشبهة. نعم، الزنا الطارئ على التزويج لا يوجب الحرمة، سواءٌ كان بعد الوطي أو قبله، فلو تزوّج بامرأةٍ ثُمَّ زنى بأمِّها أو بنتها لم تحرم عليه امرأته، وكذا لو زنى الأب بامرأة الابن لم تحرم على الابن، ولو زنى الابن بامرأة الأب لم تحرم على أبيه.
(مسألة 6): لا فرق في الحكم بين الزنا في القبل والدبر(2).
ــــــ[633]ـــــــ
(1) بعد عدّتها في الطلاق الرجعي.
(2) مع دخول الحشفة فصاعداً في أيَّهما وهو الذي عليه الحدّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 7): إذا علم بالزنا وشكّ في كونه سابقاً على العقد أو طارياً بنى على الثاني.
(مسألة 8): إذا لمس امرأةً أجنبيّةً أو نظر إليها بشهوةٍ حرمت الملموسة والمنظورة على أبي اللامس والناظر وابنهما على قولٍ، بل قيل بحرمة أمّ المنظورة والملموسة على الناظر واللامس أيضاً، وهذا وإن كان أحوط لكنّ الأقوى خلافه.
نعم، لو كانت للأب جاريةٌ منظورةٌ أو ملموسةٌ له بشهوةٍ حرمت على ابنه، وكذا العكس على الأقوى.
(مسألة 9): لا يجوز نكاح بنت الأخ على العمّة وبنت الأخت على الخالة إلَّا بإذنهما، من غير فرقٍ بين كون النكاحين دائمين أو منقطعين أو مختلفين، ولا بين علم العمّة والخالة حال العقد وجهلهما، ولا بين اطّلاعهما على ذلك وعدم اطّلاعهما أبداً، فلو تزوّجهما عليهما بدون إذنهما كان العقد الطارئ كالفضوليّ على الأقوى يتوقّف صحّته على إجازة العمّة والخالة، فإن أجازتا جاز وإلَّا بطل. ويجوز نكاح العمّة والخالة على بنتي الأخ والأخت وإن كانت العمّة والخالة جاهلتين، وليس لهما الخيار لا في فسخ عقد أنفسهما ولا في فسخ عقد بنتي الأخ والأخت على الأقوى.
(مسألة 10): الظاهر أنَّه لا فرق في العمّة والخالة بين الدنيا منهما والعليا، كما أنَّه لا فرق بين [الـ]نسبيّتين منهما والرضاعيّتين.
(مسألة 11): لو أَذنتا ثُمَّ رجعتا عن الإذن، فإن كان رجوعهما بعد العقد لم يؤثّر في البطلان، وإن كان قبله بطل الإذن السابق، فلو لم يبلغه الرجوع وتزوّج
ــــــ[634]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
اعتماداً عليه(1) توقّف صحّته على الإجازة اللاحقة.
(مسألة 12): الظاهر أنَّ اعتبار إذنهما ليس حقّاً لهما كالخيار حتّى يسقط بالإسقاط، فلو اشترط في ضمن عقدهما أن لا يكون لهما ذلك لم يؤثّر شيئاً، ولو اشترط عليهما أن يكون للزوج العقد على بنت الأخ أو الأخت ففي سقوط اعتبار إذنهما بذلك إشكالٌ(2)، فلا يُترك الاحتياط.
(مسألة 13): إذا تزوّج بالعمّة وابنة الأخ وشكّ في السابق منهما حكم بصحّة العقدين، وكذلك فيما إذا تزوّج ببنت الأخ أو الأخت وشكّ في أنَّه هل كان عن إذنٍ من العمّة أو الخالة أم لا حكم بالصحّة وحصول الإذن(3) منهما.
(مسألة 14): إذا طلق العمّة أو الخالة، فإن كان بائناً صحّ العقد على بنتي الأخ والأخت بمجرّد الطلاق، وإن كان رجعيّاً لم يجز إلَّا بعد انقضاء العدّة.
(مسألة 15): لا يجوز الجمع في النكاح بين الأختين نسبيّتين أو رضاعيّتين دواماً أو انقطاعاً أو بالاختلاف، فلو تزوّج بإحدى الأختين ثُمَّ تزوّج بأُخرى بطل العقد الثاني دون الأوّل، سواءٌ دخل بالأُولى أو لا. ولو اقترن عقدهما- بأن تزوّجهما بعقدٍ واحدٍ أو عقد هو على إحداهما ووكيله على الأُخرى في زمانٍ واحدٍ مثلاً- بطلا معاً.
ــــــ[635]ـــــــ
(1) أو رجاء لحقوق الإجازة.
(2)والأقرب نفوذ الشرط؛ فإنَّ مضمونه التصرّف في الصغرى وهو لزوم الرضا، لا في الكبرى وهو الحكم الشرعيّ.
(3) لا يثبت الإذن بعنوانه وإن ثبتت نتيجته وهي الصحّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 16): لو تزوّج بالأُختين ولم يعلم السابق واللاحق من العقدين، فإن علم تاريخ أحدهما حكم بصحّته دون الآخر، وإن جهل تاريخهما فإن احتمل تقارنهما حكم ببطلانهما(1) معاً وإن علم عدم الاقتران فقد علم إجمالاً بصحّة أحد العقدين وبطلان أحدهما، فلا يجوز له وطؤهما ولا وطء إحداهما ما دام الاشتباه، فيحتمل تعيين السابق بالقرعة، لكنّ الأحوط أن يطلّقهما(2) أو يطلّق الزوجة الواقعيّة(3) منهما ثُمَّ يزوّج مَن شاء منهما على إشكالٍ في الثاني، وله أن يطلّق إحداهما ويجدّد العقد على الأُخرى بعد انقضاء عدّة الأُولى إذا كانت مدخولاً بها.
(مسألة 17): لو طلّقهما والحال هذه، فإن كان قبل الدخول فعليه للزوجة الواقعيّة نصف مهرها، وإن كان بعد الدخول فلها عليه تمام مهرها، فإن كان المهران مثليَّين واتّفقا جنساً وقدراً فقد علم مَن عليه الحقّ ومقدار الحقّ، وإنَّما الاشتباه فيمن له الحقّ، وفي غير ذلك(4) يكون الاشتباه في الحقّ أيضاً، فإن اصطلحوا بما تسالموا عليه فهو، وإلَّا فلا محيص إلَّا عن القرعة، فمَن خرجت عليها من الأختين كان لها نصف مهرها المسمّى أو تمامه ولم تستحقّ الأُخرى شيئاً. نعم، مع الدخول بها تفصيلٌ(5) لا يسعه هذا المختصر.
ــــــ[636]ـــــــ
(1) مع مراعاة الاحتياط لزوماً؛ لاحتمال عدم التقارن.
(2) رجاءً.
(3) المعلومة إجمالاً لنا والمعلومة تفصيلاً في علم الله سبحانه، وإذا قصد ذلك فالإشكال المشار إليه ضعيفٌ.
(4) فيما إذا لم يتّفق المهران جنساً أو قدراً.
(5) فلو كان من وطي الشبهة كان لها مهر المثل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 18): الظاهر جريان حكم تحريم الجمع فيما إذا كانت الأختان كلتاهما أو إحداهما من زنا.
(مسألة 19): إذا طلّق زوجته، فإن كان الطلاق رجعيّاً لا يجوز(1) ولا يصحّ نكاح أختها ما لم تنقض عدّتها، وإن كان بائناً كالطلاق الثالث أو كانت المطلّقة ممّن لا عدّة لها كالصغيرة وغير المدخولة واليائسة جاز له نكاح أختها في الحال. نعم، لو كانت متمتّعةً وانقضت مدّتها أو وهب المدّة لا يجوز له على الأحوط لو لم يكن أقوى نكاح أختها قبل انقضاء العدّة وإن كانت بائنةً.
(مسألة 20): ذهب بعض الأخباريّين إلى حرمة الجمع بين الفاطميّتين في النكاح، والحقّ جوازه وإن كان الترك أحوط وأولى، ولو قلنا بالحرمة فهي تكليفيّةٌ لا يترتّب عليها غير الإثم والمعصية من دون أن تؤثّر في بطلان عقديهما، والقول به كما عن بعضهم وجعله كالجمع بين الأختين إفراطٌ من القول ضعيفٌ في الغاية.
(مسألة 21): الأحوط ترك(2) تزويج الحرّ للأَمة دواماً إلَّا إذا لم يتمكّن من مهر الحرّة وشقّ عليه الصبر على الشبق بحيث خاف من الوقوع في الزنا فيجوز بلا إشكال.
(مسألة 22): لا يجوز تزويج الأمة على الحرّة إلا بإذنها، فلو نكحها عليها يتوقّف صحّة عقد الأَمة على إجازة الحرّة، فإن أجازت جاز وإلَّا بطل. ويجوز العكس، وهو نكاح الحرّة على الأَمة، فإن كانت الحرّة عالمةً بالحال لزم العقدان،
ــــــ[637]ـــــــ
(1) لم يثبت وجود الحكم التكليفيّ أصلاً.
(2) استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وإن كانت جاهلة فلها الخيار في فسخ عقدها لا في فسخ عقد الأَمة.
(مسألة 23): لو زنت مرأةٌ ذات بعلٍ لم تحرم على زوجها، ولا يجب على زوجها أن يطلّقها وإن كانت مصرّةً على ذلك.
(مسألة 24): من زنى بذات بعلٍ دواماً أو متعةً حرمت عليه أبداً، سواءٌ كانت حرّةً أو أمةً، مسلمةً كانت أو كافرةً، مدخولاً بها من زوجها أو غيرها، فلا يجوز له نكاحها بعد موت زوجها أو زوال عقدها بطلاقٍ أو فسخٍ أو انقضاء مدّةٍ وغيرها. ولا فرق على الظاهر بين أن يكون الزاني عالماً بأنَّها ذات بعلٍ أو لا، ولو كان مكرهاً(1) على الزنا ففي لحوق الحكم إشكال.
(مسألة 25): إذا زنى بامرأةٍ في العدّة الرجعيّة حرمت عليه أبداً كذات البعل دون البائنة(2) وعدّة الوفاة، ولو علم بأنَّها كانت في العدّة ولم يعلم بأنَّها كانت رجعيّةً أو بائنةً فلا حرمة(3). نعم، لو علم بكونها في عدّةٍ رجعيّةٍ وشكّ في انقضائها فالظاهر الحرمة.
(مسألة 26): من لاط بغلامٍ فأوقبه ولو ببعض الحشفة حرمت عليه أبداً(4) أمّ الغلام وإن علت وبنته وإن نزلت وأخته، من غير فرقٍ بين كونهما صغيرين أو
ــــــ[638]ـــــــ
(1) إذا قرأناه بالكسر يعني للمزنيّ بها لا إشكال من شمول الحكم، وإن قرأناه بالفتح فمبقتضى القاعدة عدم شموله وإن كان الاحتياط أولى.
(2) بل الأظهر الحرمة المؤبّدة في أيّ عدّةٍ عدا استبراء الأمة، ومنه يظهر حكم ما بعده.
(3) ظهر ما فيه؛ إذ هو حرامٌ بكلا الاحتمالين على ما سبق.
(4) يعني إحداث العقد وأمّا العقد السابق على اللواط فلا، إلَّا أنَّ الاحتياط بالاجتناب استحبابيٌّ إلَّا في الأخت فإنَّه وجوبيّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كبيرين أو مختلفين، ولا تحرم على المفعول أمّ الفاعل وبنته وأخته على الأقوى، والأُمّ والبنت والأخت الرضاعيّات للمفعول كالنسبيّات.
(مسألة 27): إنَّما يوجب اللواط حرمة المذكورات إذا كان سابقاً، وأمّا إذا كان طارئاً على التزويج فلا يوجب الحرمة وبطلان النكاح، فلو تزوّج امرأةً ثُمَّ لاط بابنها أو أبيها أو أخيها(1) لم تحرم عليه امرأته، وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه.
(مسألة 28): لو شكّ في تحقّق الإيقاب حينما عبث بالغلام أو بعده بنى على العدم.
القول في النكاح في العدّة وتكميل العدد
(مسألة 1): لا يجوز نكاح المرأة لا دائماً ولا منقطعاً إذا كانت في عدّة الغير، رجعيّةً كانت أو بائنةً، عدّة وفاةٍ أو غيرها، من نكاحٍ دائمٍ أو منقطعٍ أو من وطي شبهة، ولو تزوّجها فإن كانا عالمين بالموضوع والحكم – بأن علما بكونها في العدّة وعلما بأنَّه لا يجوز النكاح في العدّة أو كان أحدهما عالماً بهما- بطل النكاح وحرمت عليه أبداً سواءٌ دخل بها أم لا، وكذا إن جهلا بهما أو بأحدهما ودخل بها ولو دبراً، وأمّا لو لم يدخل بها بطل العقد ولكن لم تحرم عليه أبداً، فله استيناف العقد عليها بعد انقضاء العدّة التي كانت فيها.
(مسألة 2): لو وكّل أحداً في تزويج امرأةٍ له ولم يعيّن الزوجة فزوّجه امرأةً ذات عدّةٍ لم تحرم عليه وإن علم الوكيل بكونها في العدّة، وإنَّما تحرم عليه مع الدخول، وأمّا لو عيّن الزوجة فإن كان الموكّل عالماً بالحكم والموضوع حرمت
ــــــ[639]ـــــــ
(1) قلنا في هذه الصورة بالاحتياط الوجوبي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عليه، وإن كان الوكيل جاهلاً بهما بخلاف العكس فالمدار على علم الموكّل وجهله لا الوكيل.
(مسألة 3): لا يلحق بالتزويج في العدّة: وطي الشبهة أو الزنا بالمعتدّة، فلو وطئ شبهةً أو زنى بالمرأة في حال عدّتها لم يؤثّر في الحرمة الأبدية أيّة عدّة كانت إلَّا العدّة الرجعيّة(1) إذا زنى بها فيها فإنَّه يوجب الحرمة كما مرّ.
(مسألة 4): إذا كانت المرأة في عدّة الرجل جاز له العقد عليها(2) في الحال ولا ينتظر انقضاء العدّة. نعم فيما إذا كانت معتدّةً له بالعدّة الرجعيّة يبطل منه العقد عليها؛ لكونها بمنزلة زوجته ولا يصحّ عقد الزوج على زوجته، فلو كانت عنده متعة وأراد أن يجعل عقدها دواماً جاز أن يهب مدّتها ويعقد عليها العقد الدوام في الحال، بخلاف ما إذا كانت عنده زوجةً دائمةً وأراد أن يجعلها منقطعةً فطلّقها لذلك طلاقاً غير بائن، فإنَّه لا يجوز له إيقاع عقد الانقطاع عليها إلَّا بعد خروجها عن العدّة.
(مسألة 5): هل يعتبر في الدخول الذي هو شرطٌ للحرمة الأبديّة في صورة الجهل أن يكون في العدّة أو يكفي وقوع العقد في العدّة وإن كان الدخول واقعاً بعد انقضائها؟ قولان أحوطهما الثاني وأقواهما الأوّل.
(مسألة 6): لو شكّ في أنَّها معتدّةٌ أم لا، حكم بالعدم وجاز له تزويجها ولا يجب عليه الفحّص عن حالها، وكذا لو شكّ في انقضاء عدّتها وأخبرت هي
ــــــ[640]ـــــــ
(1) بل مطلق العدّة على تفصيلٍ سبق.
(2) بل تعود إليه بالرجوع في طلاقه كما سيأتي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالانقضاء فتصدّق ويجوز تزويجها.
(مسألة 7): لو علم أنَّ التزويج كان في العدّة مع الجهل موضوعاً أو حكماً ولكن شكّ في أنَّه دخل بها حتّى تحرم عليه أبداً أو لا، بنى على عدم العلم فلا يحكم بالحرمة الأبدية. وكذا لو علم بعدم الدخول لكن شكّ في أنَّ أحدهما قد كان عالماً أم لا، بنى على عدم العلم فلا يحكم(1) بالحرمة الأبدية.
(مسألة 8): يلحق بالتزويج في العدّة في إيجاب الحرمة الأبدية التزويج بذات البعل، فلو تزوّجها مع العلم بأنَّها ذات بعلٍ حرمت عليه أبداً، سواءٌ دخل بها أم لا، ولو تزوّجها مع الجهل لم تحرم عليه إلَّا مع الدخول بها.
(مسألة 9): إذا تزوّج بامرأةٍ عليها عدّةٌ ولم تشرع فيها؛ لعدم تحقّق مبدأها – كما إذا تزوّج بمن مات زوجها ولم يبلغها الخبر فإنَّ مبدأ عدتها من حين بلوغ الخبر- فهل يوجب الحرمة الأبديّة أم لا، قولان أحوطهما الأوّل وأرجحهما الثاني.
(مسألة 10): مَن كان عنده أربع زوجاتٍ دائميّةٍ تحرم عليه الخامسة ما دامت الأربع في حباله، سواءٌ كان حرّاً أم عبداً(2)، وسواءٌ كنّ حرائر أم إماءً أم مختلفات، وكذا يحرم على الحرّ أزيد من أَمَتين وعلى العبد أزيد من حرّتين وإن لم تزد مَن عنده من الزوجات على الأربع، فلا يجوز للأوّل الجمع بين ثلاث إماء وحرّة ولا للثاني الجمع بين ثلاث حرائر وأَمَة، ويجوز للأوّل الجمع بين أربع حرائر فضلاً عن ثلاث حرائر وأَمَة أو حرّتين وأَمَتين، وأمّا الثاني فلا يجوز له إلَّا الجمع بين أربع
ــــــ[641]ـــــــ
(1) وكذلك لو شكّ في أنَّ الوطي هل وقع خلال العدّة أو بعدها.
(2) يعني: إذا كانت زوجاته كلّهن إماءً كما سيشير في المتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إماء أو حرّتين أو حرّة وأَمَتين ولا يجوز له الجمع بين ثلاث إماء وحرّة وكذا بين أَمَتين وحرّتين فضلاً عن أربع حرائر أو ثلاث.
(مسألة 11): ما ذُكر إنَّما هو في العقد الدائم، وأمّا في المنقطع فيجوز الجمع بما شاء وإن كانت عند الحرّ أربع دائميّات حرائر وعند العبد أربع إماءٍ دائميّات، فيجوز لكلٍّ منهما أن يزيد عليهن انقطاعاً بما شاء ولو إلى ألف.
(مسألة 12): إذا كانت عنده أربعٌ فماتت إحداهن يجوز له تزويج أُخرى في الحال، وكذا لو فارق إحداهنّ بالفسخ أو الانفساخ أو بالطلاق البائن، وأولى بذلك ما إذا لم تكن لها عدّة كالغير المدخول بها أو اليائسة، وأمّا إذا طلّقها بالطلاق الرجعي فلا يجوز له تزويج أُخرى إلَّا بعد انقضاء عدّة الأُولى.
(مسألة 13): إذا طلّق الرجل -حرّاً كان أو عبداً- زوجته الحرّة ثلاث طلقاتٍ لم يتخلّل بينها نكاح رجلٍ آخر حرمت عليه، ولا يجوز له نكاحها حتّى تنكح زوجاً غيره بالشروط الآتية في كتاب الطلاق، وكذا إذا طلّق زوجته الغير الحرّة طلقتين لم يتخلّل بينهما نكاح رجلٍ آخر، وإذا طلّقها تسعاً للعدّة بتخلّل محلّلين في البين- بأن نكحت غير المطلّق بعد الثلاثة الأُولى والثانية- حرمت عليه أبداً. وكيفيّة وقوع تسع طلقات للعدّة أن يطلّقها بالشرائط ثُمَّ يراجعها في العدّة(1) ويطأها، ثُمَّ يطلقها في طهرٍ آخر ثُمَّ يراجع ثُمَّ يطأ، ثُمَّ يطلّقها الثالثة ثُمَّ ينكحها بعد عدّتها زوجٌ آخر، ثُمَّ يفارقها بعد أن يطأها ثُمَّ يتزوّجها الأوّل بعد عدّتها، ثُمَّ
ــــــ[642]ـــــــ
(1) هذا هو الطلاق الرجعيّ، إلَّا أنَّ الحرمة غير منوطةٍ به على الأقوى، فهو عقد عليها بعد العدّة ترتّبت الحرمة في الثلاث وفي التسع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يوقع عليها ثلاث طلقاتٍ مثل ما أوقع أوّلاً، ثُمَّ ينكحها زوجٌ آخر ويطأها ثُمَّ يفارقها ويتزوّجها الأوّل ويوقع عليها ثلاث طلقاتٍ أُخرى، إلى أن يكمل لها تسعاً تخلّل بينها نكاح رجلين، فتحرم عليه في التاسعة أبداً. وسيجيء تفاصيل هذه المسائل في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى.
القول في الكفر
لا يجوز للمسلمة أن تنكح الكافر دواماً وانقطاعاً، سواءٌ كان أصليّاً حربيّاً كان أو كتابيّاً أو كان مرتدّاً عن فطرة أو عن ملّة، وكذا لا يجوز للمسلم تزويج غير الكتابيّة من أصناف الكفّار ولا المرتدّة عن فطرة أو عن ملّة. وأمّا الكتابيّة من اليهوديّة والنصرانيّة ففيه أقوالٌ، أشهرها المنع(1) في النكاح الدائم والجواز في المنقطع، وقيل بالمنع مطلقاً، وقيل بالجواز كذلك، وهو لا يخلو من قوّةٍ، على كراهية خصوصاً في الدائم، بل الاحتياط فيه لا يترك إن استطاع نكاح المسلمة.
(مسألة 1): الأقوى(2) أنَّ المجوسيّة بحكم اليهوديّة والنصرانيّة، وأمّا الصابئة ففيها إشكالٌ حيث إنَّه لم يتحقّق عندنا إلى الآن حقيقة دينهم، فإن تحقّق أنَّهم طائفةٌ من النصارى كما قيل كانوا بحكمهم.
(مسألة 2): العقد الواقع بين الكفّار لو وقع صحيحاً عندهم وعلى طبق مذهبهم يرتّب عليه آثار الصحيح عندنا، سواءٌ كان الزوجان كتابيَّين أو وثنيَّين أو مختلفين، حتّى إنَّه لو أسلما معاً دفعةً أقرّا على نكاحهما الأوّل ولم يحتج إلى عقدٍ
ــــــ[643]ـــــــ
(1) وهو المختار، ولا أقلّ من الاحتياط الوجوبي.
(2) الأحوط خلافه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
جديدٍ على طبق مذهبنا، بل وكذا لو أسلم أحدهما أيضاً في بعض الصور الآتية. نعم لو كان نكاحهم مشتملاً على ما يقتضي الفساد ابتداءً واستدامةً كنكاح إحدى المحرّمات عيناً أو جمعاً جرى عليه بعد الإسلام حكم الإسلام.
(مسألة 3): إذا أسلم زوج الكتابيّة بقيا على نكاحهما الأوّل، سواءٌ كان كتابيّاً أم وثنيّاً(1)، وسواءٌ كان إسلامه قبل الدخول أو بعده. وإذا أسلم زوج الوثنيّة وثنيّاً كان أم كتابيّاً، فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال وإن كان بعده(2) ينتظر انقضاء العدّة، فإن أسلمت الزوجة قبل انقضائها بقيا على نكاحهما وإلَّا انفسخ النكاح، بمعنى أنَّه(2) يتبيّن انفساخه من حين إسلام الزوج.
(مسألة 4): إذا أسلمت زوجة الوثنيّ أو الكتابيّ وثنيّةً(4) كانت أو كتابيّةً، فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، وإن كان بعده وقف على انقضاء العدّة، فإن أسلم قبل انقضائها فهي امرأته وإلَّا بان أنَّها بان منها حين إسلامها.
(مسألة 5): لو ارتدّ أحد الزوجين أو ارتدّا معاً دفعةً قبل الدخول وقع الانفساخ في الحال، سواءٌ كان الارتداد عن فطرةٍ أو ملّةٍ، وكذا بعد الدخول إذا كان الارتداد من الزوج وكان عن فطرة، وأمّا إن كان ارتداده عن ملّةٍ أو كان الارتداد من الزوجة مطلقاً وقف الفسخ(5) على انقضاء العدّة، فإن رجع أو
ــــــ[644]ـــــــ
(1) إذا كان صحيحاً عندهم وكذا عدّة صور فيما يأتي.
(2) الأحوط انفساخه في الحال إذا لم يكونا كتابيَّين.
(3) هذا المعنى لا دليل عليه ولا أثر له عادة.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(5) بل لا يترك الاحتياط بالفسخ في الحال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
رجعت قبل انقضائها كانت زوجته وإلَّا انكشف أنَّها بانت منه عند الارتداد.
(مسألة 6): العدّة في ارتداد الزوج عن فطرةٍ كالوفاة وفي غيره كالطلاق.
(مسألة 7): لا يجوز للمؤمنة أن تنكح الناصب المعلن بعداوة أهل البيت، ولا الغالي المعتقد بألوهيّتهم أو نبوّتهم، وكذا لا يجوز للمؤمن أن ينكح الناصبة والغالية لأنَّهما بحكم الكفّار وإن انتحلا دين الإسلام.
(مسألة 8): لا إشكال في جواز نكاح المؤمن المخالفة غير الناصبة، وأمّا نكاح المؤمنة المخالف غير الناصب ففيه خلاف، والجواز(1) مع الكراهة لا يخلو من قوّة، وحيث إنَّه نسب إلى المشهور عدم الجواز فلا ينبغي ترك الاحتياط مهما أمكن.
(مسألة 9): لا يشترط في صحّة النكاح تمكّن الزوج من النفقة. نعم لو زوّج الصغيرة وليُّها بغير القادر عليها لم يلزم العقد عليها فلها الردّ بعد كمالها؛ لما مرّ من أنَّه يعتبر في نفوذ عقد الولي على المولّى عليه عدم المفسدة، ولا ريب أنَّ هذا مفسدةٌ وأيّ مفسدةٍ إلَّا إذا زوحمت بمصلحةٍ غالبةٍ عليها.
(مسألة 10): بعد ما لم يكن التمكّن من النفقة شرطاً لصحّة العقد ولا لزومه، فلو كان متمكّناً منها حين العقد ثُمَّ تجدّد العجز عنها بعد ذلك لم يكن لها التسلّط على الفسخ لا بنفسها ولا بالحاكم على الأقوى. نعم، لو كان ممتنعاً عن الإنفاق مع اليسار ورفعت أمرها إلى الحاكم ألزمه بأحد الأمرين إمّا الإنفاق أو الطلاق، فإذا امتنع عن الأمرين ولم يمكن الإنفاق من ماله ولا إجباره بالطلاق
ــــــ[645]ـــــــ
(1) إلَّا إذا خيف عليها الضلال فيحرم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فالظاهر أنَّ للحاكم أن يطلّقها إن أرادت الطلاق.
(مسألة 11): لا إشكال في جواز تزويج الحرّة بالعبد والعربيّة بالعجميّ والهاشميّة بغير الهاشميّ وبالعكس، وكذا ذوات البيوتات الشريفة بأرباب الصنائع الدنيئة كالكنّاس والحجّام ونحوهما، لأنَّ المسلم كفؤ المسلمة والمؤمن كفؤ المؤمنة والمؤمنون بعضهم أكفّاء بعض كما في الخبر. نعم، يكره التزويج بالفاسق خصوصاً شارب الخمر والزاني كما مرّ.
(مسألة 12): وممّا يوجب الحرمة الأبديّة التزويج حال الإحرام(1) دواماً أو انقطاعاً، سواءٌ كانت المرأة مُحرِمةً أو مُحِلّة، وسواءٌ كان إيقاع التزويج له بمباشرته أو بتوكيل الغير مُحرِماً كان الوكيل أو مُحِلّاً، كان التوكيل قبل الإحرام أو حاله.
هذا مع العلم بالحرمة، وأمّا مع جهله بها وإن بطل النكاح في جميع الصور المذكورة لكن لا يوجب الحرمة الأبديّة.
(مسألة 13): لا فرق فيما ذُكر من التحريم مع العلم والبطلان مع الجهل بين أن يكون الإحرام لحجٍّ واجبٍ أو مندوبٍ أو لعمرةٍ واجبةٍ أو مندوبةٍ، ولا بين أن يكون حجّه وعمرته لنفسه أو نيابةً عن غيره.
(مسألة 14): لو كانت الزوجة مُحرِمةً عالمةً بالحرمة وكان الزوج مُحِلّاً فهل يوجب الحرمة الأبديّة بينهما؟ قولان أحوطهما ذلك، بل لا يخلو من قوّة.
(مسألة 15): يجوز للمُحرِم الرجوع في الطلاق في العدّة الرجعيّة، وكذا يجوز له أن يوكل مُحِلّاً في أن يزوّج له بعد إحلاله، بل وكذا أن يوكل مُحرِماً في
ــــــ[646]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان الأقوى خلافه مطلقاً، ومنه يظهر حال المسألة والمسائل الآتية.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أن يزوّج له بعد إحلالهما.
(مسألة 16): ومن أسباب التحريم: اللعان بشروطه المذكورة في بابه، بأن يرميها بالزنا ويدّعي المشاهدة بلا بيّنةٍ أو بنفي ولدها الجامع لشرائط الإلحاق به، وتنكر ذلك ورفعا أمرهما إلى الحاكم فيأمرهما بالملاعنة بالكيفيّة الخاصّة، فإذا تلاعنا سقط عنه حدّ القذف وعنها حدّ الزنا وانتفى الولد عنه وحرمت عليه مؤبّداً.
(مسألة 17): نكاح الشغار باطلٌ، وهو أن تتزوّج امرأتان برجلين على أن يكون مهر كلّ واحدةٍ منهما نكاح الأُخرى ولا يكون بينهما مهرٌ غير النكاحين والتزويجين، مثل أن يقول أحد الرجلين للآخر: زوّجتك بنتي أو أختي على أن تزوّجني بنتك أو أختك ويكون صداق كلٍّ منهما نكاح الأُخرى، ويقول الآخر: قبلت وزوّجتك بنتي أو أختي(1) هكذا. وأمّا لو زوّج إحداهما الآخر بمهرٍ معلومٍ وشرط عليه أن يزوّجه الأُخرى بمهرٍ معلومٍ فصحّ العقدان، مثل أن يقول: زوّجتك بنتي أو أختي على صداق مائة دينار على أن تزوّجني أختك أو بنتك هكذا، ويقول الآخر: قبلت وزوّجتك(2) بنتي أو أختي على مائة دينار، بل وكذا لو شرط أن يزوّجه الأُخرى ولم يذكر مهراً أصلاً، مثل أن يقول: زوّجتك(3) بنتي على أن تزوّجني بنتك، فقال: قبلت وزوّجتك بنتي، فإنَّه يصحّ العقدان، لكن حيث
ــــــ[647]ـــــــ
(1) إذا كان وكيلاً عنها وأمّا البنت فتكفي فيها الولاية.
(2) هذا الإيجاب يحتاج إلى قبولٍ من قبل الآخر ولا يقتصر على الإيجاب السابق على الأحوط.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إنَّه لم يذكر المهر تستحقّ كلٌّ منهما مهر المثل، كما يأتي في محلّه من أنَّ ذكر المهر ليس شرطاً في صحّة النكاح الدائم وأنَّه تستحقّ المرأة مهر المثل لو لم يُذكر المهر.
القول في النكاح المنقطع
ويُقال له: المتعة والنكاح المؤجّل.
(مسألة 1): النكاح المنقطع كالدائم في أنَّه يحتاج إلى عقدٍ مشتملٍ على إيجابٍ وقبولٍ لفظيَّين وأنَّه لا يكفي مجرّد الرضا القلبيّ من الطرفين ولا المعاطاة ولا الكتابة ولا الإشارة، وفي اعتبار العربيّة وفي كون الإيجاب من طرف الزوجة كما فصِّل ذلك كلّه فيما سبق.
(مسألة 2): ألفاظ الإيجاب في هذا العقد ثلاثة: «متّعتُ» و«زوّجتُ» و«أنكحتُ»، أيّها حصل وقع الإيجاب به، ولا ينعقد بغيرها كلفظ التمليك والهبة والإجارة. والقبول كلّ لفظٍ دالٍّ على إنشاء الرضا بذلك الإيجاب كقوله: «قبلت المتعة» أو «التزويج» أو «النكاح»، ولو قال: «قبلت» أو «رضيت» واقتصر كفى. ولو بدأ بالقبول فقال: تزوّجتك فقالت: زوّجتك نفسي(1) صحّ.
(مسألة 3): لا يجوز تمتّع المسلمة بالكافر بجميع أصنافه، وكذا لا يجوز تمتّع المسلم بغير الكتابيّة من أصناف الكفّار ولا بالمرتدّة ولا بالناصبية المعلنة بالعداوة كالخارجية.
(مسألة 4): لا يتمتّع بأَمَة وعنده حرّةٌ إلَّا بإذنها، ولو فعل وقف على إجازتها،
ــــــ[648]ـــــــ
(1) بل لو قالت: قبلتُ أو رضيتُ صحّ أيضاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وكذا لا يدخل على العمّة بنت أخيها ولا على الخالة بنت أختها إلَّا بإذنهما أو إجازتهما، وكذا لا يجمع بين الأختين.
(مسألة 5): يشترط في النكاح المنقطع ذكر المهر، فلو أخلّ به بطل. ويعتبر فيه أن يكون ممّا يتموّل، سواءٌ كان عيناً خارجيّاً أو كلّيّاً في الذمّة أو منفعةً وعملاً محلّلاً صالحاً للعوضيّة، بل وحقّاً من الحقوق الماليّة كحقّ التحجير ونحوه، وأن يكون معلوماً بالكيل أو الوزن في المكيل والموزون والعدّ في المعدود أو المشاهدة أو الوصف الرافعين للجهالة، ويتقدّر بالمراضاة قلّ أو كثر، ولو كان كفّاً من طعام.
(مسألة 6): تملك المتمتّعة المهر بالعقد، فيلزم عليه دفعه إليها بعده لو طالبته، وإن كان استقراره بالتمام مراعى بالدخول ووفائها بالتمكين في تمام المدّة، فلو وهبها المدّة فإن كان قبل الدخول لزمه نصف المهر، وإن كان بعده لزمه الجميع، وإن مضت من المدّة ساعةٌ وبقيت منها شهورٌ أو أعوامٌ فلا يسقط المهر على ما مضى منها وما بقي.
نعم، لو لم يهب المدّة ولكنها لم تفِ بها ولم تمكّنه من نفسها في تمامها كان له أن يضع من المهر بنسبتها، إن نصفاً فنصف وإن ثلثاً فثلث وهكذا ما عدا أيام حيضها، فلا ينقص لها شيءٌ من المهر. وفي إلحاق سائر الأعذار كالمرض المدنف ونحوه بها أو عدمه وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما(1) من رجحانٍ، والأحوط التصالح.
ــــــ[649]ـــــــ
(1) بل هو المتعيّن، يعني: عدم السقوط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 7): لو أوقع العقد ولم يدخل بها حتّى انقضت المدّة استقرّ عليه تمام المهر.
(مسألة 8): لو تبيّن فساد العقد- بأن ظهر لها زوجٌ أو كانت أخت زوجته أو أمّها مثلاً ولم يدخل بها- فلا مهر لها، ولو قبضته كان له استعادته، بل لو تلف كان عليها بدله(1).
وكذا إن دخل بها وكانت عالمةً بالفساد، وأمّا إن كانت جاهلةً فلها مهر المثل، فإن كان ما أخذت أزيد منه استعاد الزائد وإن كان أقلّ أكمله.
(مسألة 9): يشترط في النكاح المنقطع ذكر الأجل، فلو لم يذكره متعمّداً أو نسياناً بطل متعةً وانعقد دائماً على إشكال(2). وتقدير الأجل إليهما طال أو قصر، ولابدَّ أن يكون معيّناً بالزمان محروساً من الزيادة والنقصان، ولو قدّره بالمرّة أو مرّتين من دون أن يقدّره بزمان بطل متعةً وانعقد دائماً، وفيه الإشكال المتقدّم، بل هنا أشكل(3).
(مسألة 10): إذا قالت: زوّجتك نفسي إلى شهرٍ أو شهراً مثلاً وأطلقت اقتضى الاتصال بالعقد، وهل يجوز أن تجعل المدّة منفصلاً عن العقد، بأن تعيّن المدّة شهراً مثلاً وتجعل مبدأه بعد شهر من حين وقوع العقد أم لا؟ قولان أحوطهما الثاني، بل لا يخلو من قوّة.
ــــــ[650]ـــــــ
(1) إن كانت عالمةً بالبطلان حين القبض أو علمت بعد ذلك، وإلَّا كان عندها أمانةً مالكيّةً لا يضمن إلَّا بالتعدّي والتفريط.
(2) على إشكالٍ؛ يعني: إذا كان قاصداً للمتعة بشرط شيءٍ فيبطل العقد أصلاً.
(3) لا يترك الاحتياط.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 11): لا يصحّ تجديد العقد عليها دائماً ومنقطعاً قبل انقضاء الأجل أو بذل المدّة، فلو كانت المدّة شهراً وأراد أن تكون شهرين لابدَّ أن يهبها المدّة ثُمَّ يعقد عليها ويجعل المدّة شهرين، ولا يجوز أن يعقد عليها عقداً آخر ويجعل المدّة شهراً بعد الشهر الأوّل حتّى يصير المجموع شهرين.
(مسألة 12): يجوز أن يشترط(1) عليها أوعلى نفسه الإتيان ليلاً أو نهاراً، وأن يشترط المرّة أو المرّات مع تعيين المدّة بالزمان.
(مسألة 13): يجوز العزل للمتمتّع من دون إذنها وإن قلنا بعدم جوازه في الدائم، ولكن يلحق به الولد لو حملت وإن عزل؛ لاحتمال سبق المني من غير تنبّه، ولو نفاه عن نفسه انتفى ظاهراً ولم يفتقر إلى اللعان، ولكن لا يجوز له النفي بينه وبين الله إلَّا مع العلم بالانتفاء.
(مسألة 14): لا يقع بها طلاقٌ وإنَّما تبين بانقضاء المدّة أو هبتها، ولا رجوع له بعد ذلك.
(مسألة 15): لا يثبت بهذا العقد توارثٌ بين الزوجين، ولو شرطا التوارث أو توريث أحدهما فالظاهر التوريث على حسب شرطهما، وإن كان الأحوط التصالح مع باقي الورثة.
(مسألة 16): إذا انقضى أجلها أو وهب مدّتها قبل الدخول فلا عدّة عليها، وإن كان بعده ولم تكن غير بالغةٍ ولا يائسةٍ فعليها العدّة، وعدّتها على الأشهر الأظهر حيضتان [و]إن كانت في سنّ من تحيض ولا تحيض فعدّتها خمسة وأربعون
ــــــ[651]ـــــــ
(1) كما يجوز اشتراط عدم الوطء والاقتصار على الاستمتاعات الأُخرى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يوماً. والظاهر اعتبار حيضتين تامّتين، فلو انقضى الأجل أو وهب المدّة في أثناء الحيض لم يحسب تلك الحيضة منها، بل لابدَّ من حيضتين تامّتين بعد ذلك. هذا فيما إذا كانت حائلاً، وأمّا لو كانت حاملاً فعدّتها إلى أن تضع حملها كالمطلّقة على إشكال، فالأحوط مراعاة أبعد الأجلين(1) من وضع الحمل ومن انقضاء خمسةٍ وأربعين يوماً أو حيضتين. وأمّا عدّتها من الوفاة فهي أربعة أشهرٍ وعشرة أيّامٍ إن كانت حائلاً، وأبعد الأجلين منها ومن وضع حملها إن كانت حاملاً كالدائمة.
(مسألة 17): يستحبّ أن تكون المتمتّع بها مؤمنةً عفيفةً، والسؤال عن حالها وأنها ذات بعل أو ذات عدّة أم لا، وليس السؤال والفحص عن حالها شرطاً في الصحّة.
(مسألة 18): يجوز التمتّع بالزانية على كراهيةٍ، خصوصاً لو كانت من العواهر والمشهورات بالزنا وإن فعل فليمنعها من الفجور.
القول في نكاح العبيد والإماء
(مسألة 1): لا يجوز للعبد ولا للأَمَة أن يتزوّجا بدون إذن المولى، فلو تزوّجا من غير إذنه وقف على إجازته، فإذا أجاز جاز ولو ردّ ثُمَّ أجاز أو العكس لا أثر للثاني(2)، ولو كان العبد والأَمَة لمالكين أو أكثر وقف على إذن الجميع أو إجازتهم، فلو أَذِن أو أجاز بعضهم دون بعضٍ بطل النكاح.
(مسألة 2): للسيّد تزويج عبده بحُرّةٍ أو أَمَةٍ، وكذا تزويج أَمَته بحرٍّ أو عبدٍ
ــــــ[652]ـــــــ
(1) بل الأقوى أقربهما في المنقطع ما عدا عدّة الوفاة الآتية في المتن.
(2) يعني: إذا وقعا بعد العقد وأمّا قبله فلا أثر للأوّل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
قهراً عليهما، ولو كانا مبغضين توقّف صحته على رضاهما وإذن السيّد معاً، وليس له إجبارهما.
(مسألة 3): لو إذن المولى عبده(1) في التزويج كان عليه المهر ونفقة زوجته. نعم إن عيّن كون المهر في ذمّة العبد تعيّن ويتبع به بعد العتق(2).
(مسألة 4): مهر الأَمَة المزوَّجة للمولى، سواءٌ كان هو المباشر لتزويجها أو هي بإذنه أو إجازته ونفقتها على الزوج(3) وللمولى استخدامها بما لا ينافي حقّ الزوج.
(مسألة 5): يجوز للمولى تزويج أَمَته من عبده قهراً عليهما وله بعد ذلك التفريق بينهما، ولا يحتاج إلى الطلاق بل يكفي(4) أن يأمرهما بالمفارقة والاعتزال.
(مسألة 6): لا يجوز للمولى وطي أَمَته المزوّجة ولو من عبده حتّى يفارقها وتخرج من العدّة، بل لا يجوز(5) له النظر منها إلى ما لا يجوز لغير الزوج والمالك فضلاً عن سائر الاستمتاعات بها كاللمس والقبلة على الأحوط لو لم يكن الأقوى.
ــــــ[653]ـــــــ
(1) لا يتعدّى فعل الإذن إلى المفعول مباشرة بل الأفصح أن يُقال: لعبده.
(2) أو خلال الرقّيّة مع إذن المولى على ما هو الصحيح من ملكيّته، ولا يبعد أن يكون تعيين المهر عليه إذناً له في الدفع.
(3) إن كان حرّاً وإلَّا فعل مولاه.
(4) لا يكفي بل للمولى أن يأمر الزوج بالطلاق فإن أبى طلّق عنه. نعم إنشاء التحريم عليه نافذٌ على الأقوى كما لو قال: حرّمتها عليك أو هي حرامٌ عليك فيبطل نكاحهما.
(5) جوازه بدون استمتاعٍ قريب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 7): المتولّد بين الرقّين رقّ، سواءٌ كان عن نكاح صحيح أو شبهةٍ أو عن زنا من طرفٍ واحدٍ أو طرفين، فلو كان العبد والأَمَة لمالكٍ واحدٍ فالولد له، وإن كان كلٌّ منهما لمالكٍ فالولد بينهما بالسويّة إلَّا إذا كان الولد عن زنا من طرف العبد، فإنَّ الولد لمالك الأَمَة، سواءٌ كان من طرفها زنا أو شبهة.
(مسألة 8): إذا أوقع المالكان العقد بين العبد والأَمَة وشرطا أن يكون الولد لأحدهما دون الآخر أو كان نصيب أحدهما منه أزيد من الآخر – بأن يكون له ثلثاه وللآخر ثلثٌ مثلاً- صحّ الشرط ولزم.
(مسألة 9): إذا كان أحد أبوي الولد حرّاً فالولد حرّ، وإذا شرط مالك العبد أو الأَمَة في ضمن العقد كونه رقّاً له فالمشهور صحّة الشرط ولزومه، وهو لا يخلو من قوّةٍ وإن لم يخلُ من إشكال.
(مسألة 10): إذا زنى العبد بحرّةٍ فالولد حرّ وإن كانت هي أيضاً زانيةً، بخلاف ما لو زنى حرٌّ بأَمَة الغير فإنَّ الولد رقٌّ لمولاها وإن كانت هي أيضاً زانيةً، وكذا لو زنى عبد شخصٍ بأَمَة الغير فإنَّ الولد لمولاها.
(مسألة 11): إذا أُعتقت الأَمَة المزوّجة كان لها فسخ نكاحها وإن كانت تحت حرٍّ على الأقوى، سواءٌ كان نكاحها دائماً أو منقطعاً، وسواءٌ كان قبل الدخول أو بعده، وهذا الخيار على الفور على الأحوط فوراً عرفيّاً. نعم لو كانت جاهلةً بالعتق أو الخيار أو الفوريّة جاز لها الفسخ بعد العلم ولا يضرّ التأخير الواقع من جهة الجهل بأحدها.
(مسألة 12): يجوز للمولى تحليل أَمَته للغير لوطيها وسائر الاستمتاعات
ــــــ[654]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
منها، ولو اقتصر على بعضها كالنظر أو التقبيل أو اللمس مثلاً لا يستبيح غيره. نعم لو أحلّ له الوطي حلّ له ما دونه(1) من ضروب الاستمتاع لكن لا يحلّ بذلك استخدامها.
(مسألة 13): لا يكفي في التحليل مجرّد التراضي والتعاطي، بل يحتاج إلى الصيغة، بأن يقول: «أحللت لك وطيها» أو «جعلتك في حلٍّ من وطيها» مثلاً. والأقوى جواز إيقاعه بلفظ الإباحة، بأن يقول: «أبحت لك وطيها» مثلاً، بل عدم اعتبار لفظٍ مخصوصٍ وكفاية كلّ لفظٍ أفاد المقصود بحسب متفاهم العرف لا يخلو من قوّة، بل الظاهر عدم اعتبار العربيّة أيضاً.
(مسألة 14): المحلّلة للوطي كالمزوَّجة على الأحوط لو لم يكن أقوى، فلا يجوز للمولى وطيها ولا سائر الاستمتاعات بها، وأمّا المحلّلة لغير الوطي فالظاهر جواز وطيها(2) للمالك فضلاً عن النظر وسائر الاستمتاعات، إلَّا أنَّ الأحوط خلافه، خصوصاً في الوطي، بل الاحتياط فيه لا يُترك.
القول في العيوب الموجبة لخيار الفسخ والتدليس
وهي قسمان مشتركٌ ومختصّ:
أمّا المشترك: فهو الجنون(3)، وهو اختلال العقل، وليس منه الإغماء ومرض
ــــــ[655]ـــــــ
(1) إلَّا أن يشترط الخلاف.
(2) المحلّلة مفهومٌ عرفيّ ينتزع إمّا من زيادة الأنحاء المسموح بها من الاستمتاعات أو من تحديد التحليل بزمان. فإن صدق المفهوم كان الاحتياط المشار إليه في المتن وجوبيّاً. نعم، لو كان المسموح به قليلاً بحيث لا يصدق هذا المفهوم فلا إشكال.
(3) وهو مفهومٌ عرفيّ بغّض النظر عن أيّ تعريف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الصرع الموجب لعروض الحالة المعهودة في بعض الأوقات، ولكلٍّ من الزوجين فسخ النكاح بجنون صاحبه في الرجل مطلقاً، سواءٌ كان جنونه قبل العقد مع جهل المرأة به أو حدث بعده قبل الوطي أو بعده، وأمّا في المرأة ففيما إذا كان جنونها قبل العقد ولم يعلم الرجل دون ما إذا طرأ بعده(1). ولا فرق في الجنون الموجب للخيار بين المطبق والأدوار(2) وإن وقع العقد حال إفاقته، كما أنَّ الظاهر عدم الفرق في الحكم بين النكاح الدائم والمنقطع(3).
وأمّا المختصّ: فأمّا المختصّ بالرجل فثلاثة: الخِصاء وهو سلّ الأنثيين أو رضّهما، وتفسخ به المرأة مع سبقه على العقد وعدم علمها به. والجبّ وهو قطع الذكر، بشرط أن لا يبقى منه ما يمكن معه الوطي ولو قدر الحشفة وتفسخ به المرأة، سواءٌ سبق العقد أو لحقه بشرط كونه قبل الوطي لا بعده. والعَنَن وهو مرضٌ تضعف معه الآلة عن الانتشار بحيث يعجز عن الإيلاج، وهو سببٌ لتسلّط المرأة على الفسخ بشرط عجزه عن وطيها ووطي غيرها، فلو لم يقدر على وطيها وقدر على وطي غيرها فلا خيار لها، ويثبت به الخيار سواءٌ سبق العقد أو تجدّد بعده، لكن بشرط أن لا يقع منه وطيها ولو مرّة، فلو وطئها ثُمَّ حدثت به العنّة بحيث لم يقدر على الوطي بالمرّة فلا خيار لها.
وأمّا المختصّ بالمرأة فستّةٌ: البرص، والجذام، والإفضاء وقد مرّ تفسيره فيما
ــــــ[656]ـــــــ
(1) بل حتّى في هذه الصورة.
(2) والأحوط أن يقع الفسخ حال جنونه.
(3) إذا كان الجنون في المرأة أمكن أن يهبها المدّة إلَّا أن يختار الفسخ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
سبق. والقَرَن ويُقال له العَفَل، وهو لحمٌ ينبت في فم الرحم يمنع من الوطي. والعَرَج البيّن وإن لم يبلغ حدّ الإقعاد والزمانة على الأظهر. والعمى وهو ذهاب البصر عن العينين وإن كانتا مفتوحتين. ولا اعتبار بالعور ولا بالعشا، وهي علّةٌ في العين لا يبصر في الليل ويبصر بالنهار، ولا بالعَمَش وهو ضعف الرؤية مع سيلان الدمع في غالب الأوقات.
(مسألة 1): إنَّما يفسخ العقد بعيوب المرأة إذا تبيّن(1) وجودها قبل العقد، وأمّا ما يتجدّد [بعده] فلا اعتبار به، سواءٌ كان قبل الوطي(2) أو بعده.
(مسألة 2): ليس العقم من العيوب الموجبة للخيار لا من طرف الرجل ولا من طرف المرأة.
(مسألة 3): ليس الجذام والبرص من عيوب الرجل الموجبة لخيار المرأة عند المشهور، وقيل بكونهما منها، فهما من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة، وهو ليس ببعيدٍ، لكن لا يُترك الاحتياط(3) من طرف الزوجة بإرضاء الزوج بالطلاق ومن طرف الزوج بتطليقها إذا أرادت الفسخ وفسخت النكاح.
(مسألة 4): خيار الفسخ في كلٍّ من الرجل والمرأة على الفور، فلو علم الرجل أو المرأة بالعيب فلم يبادر إلى الفسخ لزم العقد. نعم، الظاهر أنَّ الجهل بالخيار بل بالفورية عذرٌ، فلو كان عدم المبادرة إلى الفسخ من جهة الجهل بأحدهما لم يسقط الخيار.
ــــــ[657]ـــــــ
(1) يعني: كان جاهلاً بها حال العقد.
(2) على الأحوط استحباباً، والأقرب الثبوت.
(3)والأحوط كون الفسخ قبل العقد.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 5): إذا اختلفا في العيب فالقول قول منكره مع اليمين إذا لم يكن لمدّعيه بيّنةٌ، ويثبت بها العيب حتّى العَنَن على الأقوى، كما أنَّه يثبت كلّ عيبٍ بإقرار صاحبه أو البيّنة على إقراره، وكذا يثبت باليمين المردودة على المدّعي ونكول المنكر عن اليمين كسائر الدعاوي، وتثبت العيوب الباطنة للنساء بشهادة أربع نسوةٍ عادلاتٍ كما في نظائرها.
(مسألة 6): إذا ثبت عَنَن الرجل بأحد الوجوه المذكورة، فإن صبرت فلا كلام وإن لم تصبر ورفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي لاستخلاص نفسها منه أجّلها سنةً كاملةً من حين المرافعة، فإن واقعها أو واقع غيرها في أثناء هذه المدّة فلا خيار لها، وإلَّا كان لها الفسخ فوراً عرفيّاً، وإن لم تبادر إلى الفسخ فإن كان بسبب جهلها بالخيار أو فوريّته لم يضرّ كما مرّ وإلَّا سقط خيارها، وكذا إن رضيت أن تقيم معه ثُمَّ طلبت الفسخ بعد ذلك فإنَّه ليس لها ذلك.
(مسألة 7): الفسخ بالعيب ليس بطلاقٍ، سواءٌ وقع من الزوج أو الزوجة، فليس له أحكامه ولا يترتّب عليه لوازمه ولا يعتبر فيه شروطه، فلا يحسب من الثلاثة المحرّمة المحتاجة إلى المحلّل، ولا يعتبر فيه الخلوّ من الحيض والنفاس ولا حضور العدلين.
(مسألة 8): يجوز للرجل الفسخ بعيب المرأة من دون إذن الحاكم، وكذا المرأة بعيب الرجل. نعم، مع ثبوت العنن يفتقر إلى الحاكم، لكن من جهة ضرب الأجل حيث إنَّه من وظائفه لا من جهة نفوذ فسخها، فبعد ما ضرب الأجل لها كان لها التفرّد بالفسخ عند انقضائه وتعذّر الوطي في المدّة من دون مراجعة.
ــــــ[658]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 9): إذا فسخ الرجل بأحد عيوب المرأة، فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها، وإن كان بعده استقرّ عليه المهر المسمّى. وكذا الحال فيما إذا فسخت المرأة بعيب الرجل، فتستحقّ تمام المهر إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله لم تستحقّ شيئاً إلَّا في العنن فإنَّها تستحقّ عليه نصف المهر المسمّى.
(مسألة 10): إذا دلّست المرأة نفسها على الرجل في أحد عيوبها الموجبة للخيار وتبيّن له بعد الدخول، فإن اختار البقاء فعليه تمام المهر كما مرّ، وإن اختار الفسخ لم تستحقّ المهر، وإن دفعه إليها استعاده، وإن كان المدلّس غير الزوجة فالمهر المسمّى – وإن استقرّ على الزوج بالدخول واستحقّت عليه الزوجة- إلَّا أنَّه بعد ما دفعه إليها يرجع به على المدلّس ويأخذه منه.
(مسألة 11): يتحقّق التدليس بتوصيف المرأة بالصحّة عند الزوج للتزويج بحيث يصير ذلك سبباً لغروره وانخداعه، فلا يتحقّق بالإخبار لا للتزويج أو لغير الزوج(1) والظاهر تحقّقه أيضاً بالسكوت عن العيب مع علمه به وخفائه على الزوج واعتقاده بالعدم.
(مسألة 12): مَن يكون تدليسه موجباً للرجوع عليه بالمهر، هو الذي(2) يسند إليه التزويج من وليّها الشرعيّ أو العرفيّ كأبيها وجدّها وأُمّها وأخيها الكبير وعمّها وخالها ممّن لا تصدر إلَّا عن رأيهم ويتصدّون تزويجها ويرجع إليهم فيه في العرف والعادة، ومثلهم على الظاهر بعض الأجانب ممّن له شدة علاقةٍ وارتباطٍ
ــــــ[659]ـــــــ
(1) بحيث لا يكون مستعلماً بدلاً عنه وإلَّا كان تدليساً له.
(2) بل هو كائناً ما كان أنَّ الصدق التدليس وإن كان الأعمّ الأغلب هو ما ذكره الماتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بها بحيث لا تصدر إلَّا عن رأيه ويكون هو المرجع في أُمورها المهمّة ويركن إليه فيما يتعلّق بها، بل لا يبعد أن يلحق بمن ذكر الغير الذي يختلف إلى الطرفين ويعالج في إيجاد وسائل الايتلاف في البين.
(مسألة 13): كما يتحقّق التدليس في العيوب الموجبة للخيار كالجنون والعمى وغيرهما، كذلك يتحقّق في مطلق النقص كالعور ونحوه بإخفائه، وكذا في صفات الكمال كالشرف والحسب والنسب والجمال والبكارة وغيرها بتوصيفها بها مع فقدانها، ولا أثر للأوّل – أي التدليس في العيوب الموجبة للخيار- إلَّا رجوع الزوج على المدلّس بالمهر كما مرّ، وأمّا الخيار فإنَّما هو بسبب نفس وجود العيب. وأما الثاني- وهو التدليس في سائر أنواع النقص وفي صفة الكمال- فهو موجبٌ للخيار(1) إذا كان عدم النقص أو وجود صفة الكمال مذكورين في(2) العقد بنحو الاشتراط. ويلحق به توصيفها به في العقد وإن لم يكن بعبارة الاشتراط، كما إذا قال: «زوّجتك هذه البنت الباكرة أو غير الثيّبة»، بل الظاهر أنَّه إذا وصفها بصفتي الكمال أو عدم النقص قبل العقد عند الخطبة والمقاولة ثُمَّ أوقع العقد مبنيّاً على ما ذكر كان بمنزلة الاشتراط فيوجب الخيار. وإذا تبيّن ذلك بعد العقد والدخول واختار الفسخ ودفع المهر رجع به على المدلّس.
ــــــ[660]ـــــــ
(1) إيجابه لذلك في غير الثيوبة والرقّ والزنا وشرف العشيرة محلّ إشكالٍ فلا يترك الاحتياط.
(2) إن كان من الثلاثة السابقة فسخ وإن لم يذكر، وإن كان غيرها فالفسخ مشكلٌ حتّى لو ذكر فلا يترك الاحتياط. وعلى العموم فخيار الشرط وخيار تخلّفه في النكاح مخالفٌ للاحتياط الوجوبيّ. ومنه يظهر ما في باقي العبارة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 14): ليس من التدليس الموجب للخيار سكوت الزوجة أو وليّها عن النقص مع وجوده واعتقاد الزوج عدمه في غير العيوب الموجبة(1) للخيار، وأولى بذلك سكوتهما عن فقد صفة الكمال مع اعتقاد الزوج وجودها.
(مسألة 15): لو تزوّج امرأةً على أنَّها حرّةٌ بأحد الوجوه الثلاثة المتقدّمة من اشتراط الحرّية في العقد أو توصيفها بها أو إيقاع العقد بانياً عليها فبانت أمةً مع إذن السيّد أو إجازته كان له الفسخ، ولا مهر لها مع الفسخ قبل الدخول، ولها المهر تماماً لو كان الفسخ بعده، وكان المهر لمولى الأَمَة، ويرجع الزوج به على المدلّس. وكذا لو تزوّجت المرأة برجلٍ على أنَّه حرٌّ فبان مملوكاً كان لها الفسخ قبل الدخول وبعده، ولا مهر لها مع الفسخ قبل الدخول، ولها المهر المسمّى لو فسخت بعده.
(مسألة 16): لو تزوّج امرأةً على أنَّها بكرٌ بأحد الوجوه الثلاثة المتقدّمة فوجدها ثيّباً لم يكن له الفسخ إلَّا إذا ثبت بالإقرار أو البيّنة سبق ذلك على العقد فحينئذٍ كان له الفسخ. نعم لو تزوّجها باعتقاد البكارة ولم يكن اشتراطٌ ولا توصيفٌ(2) وإخبارٌ، وبناءً على ثبوتها فبان خلافها ليس له الفسخ وإن ثبت زوالها قبل العقد.
(مسألة 17): إذا فسخ حيث يكون له الفسخ، فإن كان قبل الدخول فلا مهر، وإن كان بعده استقرّ المهر ورجع به على المدلّس، وإن كانت هي المدلّس لم تستحقّ شيئاً، وإن لم يكن تدليسٌ استقرّ عليه المهر ولا رجوع له على أحد. وإذا
ــــــ[661]ـــــــ
(1) لا يبعد ثبوته عندئذٍ في العيوب الثلاثة المشار إليها في التعليقتين السابقتين.
(2) يعني: ولا تدليس.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
اختار البقاء أو لم يكن له الفسخ -كما في صورة اعتقاد البكارة من دون اشتراطٍ وتوصيفٍ وبناءٍ- كان له أن(1) ينقص من مهرها شيئاً، وهو نسبة التفاوت بين مهر مثلها بكراً وثيّباً، فإذا كان المهر المسمّى مائةً وكان مهر مثلها بكراً ثمانين وثيّباً ستّين ينقص من المائة ربعها وهي خمسةٌ وعشرون وتبقى خمسة وسبعون.
ــــــ[662]ـــــــ
(1) لكنّ الأحوط خلافه وأحوط منه التصالح.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فصل في المهر ويقال له الصداق
(مسألة 1): كلّ ما يملكه(1) المسلم يصحّ جعله مهراً، عيناً كان أو دَيناً أو منفعةً لعينٍ مملوكةٍ من دارٍ أو عقارٍ أو حيوانٍ، ويصحّ جعله منفعة الحرّ كتعليم صنعة ونحوه من كل عملٍ محلّل، بل الظاهر صحّة جعله حقّاً ماليّاً قابلاً للنقل والانتقال كحقّ التحجير ونحوه، ولا يتقدّر بقدرٍ بل ما تراضى عليه الزوجان كثيراً كان أو قليلاً ما لم يخرج بسبب القلّة عن المالية كحبّةٍ من حنطة. نعم يستحبّ في جانب الكثرة أن لا يزيد على مهر السنة وهو خمسمائة درهم.
(مسألة 2): لو جعل المهر ما لا يملكه المسلم كالخمر والخنزير صحّ العقد وبطل المهر، فلم تملك شيئاً بالعقد وإنَّما تستحقّ مهر المثل بالدخول.
(مسألة 3): لابدَّ من تعيين المهر بما يخرج عن الإبهام، فلو أمهرها أحد هذين أو خياطة أحد ثوبين مثلاً بطل المهر دون العقد وكان لها مع الدخول مهر المثل(2). نعم لا يعتبر فيه التعيين الذي يعتبر في البيع ونحوه من المعاوضات، فيكفي مشاهدة عينٍ حاضرةٍ وإن جهل كيله أو وزنه أو عدّه أو ذرعه كصبرة من الطعام وقطعةٍ من الذهب وطاقةٍ مشاهدةٍ من الثوب وصبرة حاضرةٍ من الجوز وأمثال ذلك.
ــــــ[663]ـــــــ
(1) ممّا له ماليّةٌ.
(2) ونصفه بدونه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 4): ذكر المهر ليس شرطاً في صحّة العقد الدائم، فلو عقد عليها ولم يذكر مهراً أصلاً (بأن قالت الزوجة للزوج مثلاً: زوّجتك نفسي أو قال وكيلها: زوّجت موكّلتي فلانةً، فقال الزوج: قبلت) صحّ العقد، بل لو صرّحت بعدم المهر (بأن قالت زوّجتك نفسي بلا مهرٍ فقال: قبلت) صحّ، ويُقال لهذا (أي: لإيقاع العقد بلا مهر): «تفويض البضع» وللمرأة التي لم يُذكر في عقدها مهرٌ: «مفوّضة البضع».
(مسألة 5): إذا وقع العقد بلا مهرٍ لم تستحقّ المرأة قبل الدخول شيئاً، إلَّا إذا طلّقها حينئذٍ فتستحقّ عليه أن يعطيها شيئاً بحسب حاله(1) من الغنى والفقر واليسار والإعسار من دينارٍ أو درهمٍ أو ثوبٍ أو دابّةٍ أو غيرها، ويُقال لذلك الشيء: «المتعة».
ولو انفسخ العقد قبل الدخول بأمرٍ غير الطلاق لم تستحقّ شيئاً لا مهراً ولا متعةً، وكذا لو مات أحدهما قبله، وأمّا لو دخل بها استحقّت عليه بسبب الدخول مهر أمثالها.
(مسألة 6): المعتبر في مهر المثل هنا وفي كلّ موردٍ نحكم به ملاحظة حال المرأة وصفاتها من السنّ والبكارة والنجابة والعفّة والعقل والأدب والشرف والجمال والكمال وأضدادها، بل يلاحظ كلّ ما له دخلٌ في العرف والعادة في ارتفاع المهر ونقصانه، فتلاحظ أقاربها وعشيرتها وبلدها وغير ذلك أيضاً.
(مسألة 7): لو أمهر ما لا يملكه أحدٌ كالحرّ أو ما لا يملكه المسلم كالخمر
ــــــ[664]ـــــــ
(1) كيفاً وقيمةً لا كمّاً؛ إذ لا يجب على الأظهر الزيادة على شيءٍ واحدٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والخنزير صحّ العقد وبطل المهر واستحقّت عليه مهر المثل بالدخول(1)، وكذلك الحال(2) فيما إذا جعل المهر شيئاً باعتقاد كونه خلاً فبان خمراً أو شخصاً باعتقاد كونه عبداً فبان حرّاً، بل وكذا الحال(3) فيما إذا جعل المهر مال الغير(4) أو شيئاً باعتقاد كونه ماله فبان خلافه.
(مسألة 8): لو شرك أباها في المهر- بأن سمّى لها مهراً ولأبيها شيئاً معيّناً- تعيّن ما سمّى لها مهراً لها وسقط ما سمّى لأبيها، فلا يستحقّ الأب شيئاً.
(مسألة 9): ما تعارف في بعض البلاد من أنَّه يأخذ بعض أقارب البنت كأبيها أو أمّها أو أختها من الزوج شيئاً وهو المسمّى في لسان بعضٍ بالـ(شير بها) [عبارة فارسية والمقصود منها ثمن الحليب الذي رضعته المرأة حينما كانت طفلة]، وفي لسان بعضٍ آخر بشيءٍ آخر ليس بعنوان المهر وجزء منه، بل هو شيء آخر يؤخذ زائداً على المهر، وحكمه أنَّه إن كان إعطاؤه وأخذه بعنوان الجعالة لعملٍ مباحٍ- كما إذا أعطى شيئاً للأخ لأن يتوسّط في البين ويرضي أخته ويسعو(5) في رفع بعض الموانع- فلا إشكال في جوازه وحلّيته، بل في استحقاق القريب له وعدم
ــــــ[665]ـــــــ
(1) ونصفه بدونه.
(2) والأحوط أنَّها تستحقّ عندئذٍ أكثر الأمرين من القيمة المفروضة أو المتخيّلة للمهر المسمّى ومن مهر المثل.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(4) ولا تجزي الإجازة هنا كالفضولي، فلو أجاز المالك لم يكن مهراً حتّى وإن وهبه.
(5) «السعي» يائيّ وليس واويّاً، فالفصيح: «يسعى» بالألف المقصورة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
سلطنة الزوج على استرجاعه بعد إعطائه، وإن لم يكن بعنوان الجعالة فإن كان إعطاء الزوج للقريب بطيب نفس منه ولو لجلب خاطره وتحبيبه وإرضائه حيث إنَّ رضاه في نفسه مقصودٌ أو من جهة أنَّ رضى البنت منوطٌ برضاه، فبملاحظة هذه الجهات يطيب خاطر الزوج ببذل المال، فالظاهر جواز أخذه للقريب لكن يجوز للزوج(1) استرجاعه ما دام موجوداً، وأمّا مع عدم الرضى من الزوج وإنَّما أعطاه من جهة استخلاص البنت حيث إنَّ القريب مانعٌ عن تمشية الأمر مع رضاء التزويج بما بذل لها من المهر فيحرم أخذه وأكله، ويجوز للزوج الرجوع فيه باقياً كان أو تالفاً.
(مسألة 10): إذا وقع العقد بلا مهرٍ جاز أن يتراضيا بعد العقد على شيءٍ، سواءٌ كان بقدر مهر المثل أو أقلّ منه أو أكثر، ويتعيّن ذلك مهراً(2) وكان كالمذكور في العقد.
(مسألة 11): يجوز أن يجعل المهر كلّه حالاً أي بلا أجلٍ ومؤجّلاً، وأن يجعل بعضه حالاً وبعضه مؤجّلاً، وللزوجة مطالبة الحالّ في كلّ حالٍ بشرط مقدرة الزوج واليسار، بل لها أن تمتنع من التمكين وتسليم نفسها حتّى تقبض مهرها الحالّ، سواءٌ كان الزوج موسراً أو معسراً. نعم ليس لها الامتناع فيما لو كان المهر مؤجّلاً كلّه أو بعضه وقد أخذت بعضه الحالّ.
ــــــ[666]ـــــــ
(1) إن كان بعنوان الإباحة، وأمّا إن كان بعنوان الهبة فلا.
(2) كونه مهراً بحيث ينتصف قبل الدخول مشكل، إلَّا أن يشترط في العقد إيكال تعيينه إلى أحدهما أو اتّفاقهما ونحو ذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 12): يجوز أن يذكر المهر في العقد في الجملة ويفوَّض تقديره وتعيينه إلى أحد الزوجين، بأن تقول الزوجة مثلاً زوّجتك نفسي على ما تحكم أو أحكم من المهر فيقول الزوج: قبلت، فإن كان الحاكم الذي فوّض إليه تقدير المهر في العقد هو الزوج جاز أن يحكم بما شاء ولم يتقدّر بقدرٍ لا في طرف الكثرة ولا في طرف القلّة ما دام متموّلاً، وإن كان الحكم إليها كان لها الحكم في طرف القلّة بما شاءت، وأمّا في طرف الكثرة فلا يمضي حكمها فيما زاد على مهر السنّة(1) وهو خمسمائة درهم.
(مسألة 13): إذا طلّق قبل الدخول سقط نصف المهر المسمّى وبقي نصفه، فإن كان دَيناً عليه ولم يكن قد دفعه برئت ذمّته من نصفه، وإن كان عيناً صارت مشتركةً بينه وبينها، ولو كان دفعه إليها استعاد نصفه إن كان باقياً، وإن كان تالفاً استعاد نصف مثله(2) إن كان مثليّاً ونصف قيمته إن كان قيميّاً. وفي حكم التلف نقله إلى الغير بناقلٍ لازمٍ، وأمّا لو كان انتقاله منها إلى الغير بناقلٍ جائزٍ كالبيع بخيارٍ تخيّرت بين الرجوع ودفع نصف العين وبين دفع بدل النصف.
(مسألة 14): إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول فالمشهور استحقاق المرأة تمام المهر، وقيل بأنَّ الموت كالطلاق يكون سبباً لتنصيف المهر، وهو الأقوى(3)، خصوصاً في موت المرأة، وإن كان الأحوط التصالح خصوصاً في موت الرجل.
ــــــ[667]ـــــــ
(1) والأحوط أقلّ الأمرين من مهر المثل ومهر السنّة.
(2) قلنا إنَّ ضمان المثليّ بالقيمة في أسواقنا المعاصرة ممكن.
(3) بل الأقوى خلافه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 15): الصداق تملكه المرأة بنفس العقد وتستقرّ ملكيّة تمامه بالدخول، فإذا طلّقها الزوج قبل الدخول عاد إليه النصف وبقي للمرأة النصف، فلها التصرّف فيه بعد العقد بأنواع التصرّفات. ولو حصل له نماءٌ كان لها خاصّة، وبعد ما طلّقها قبل الدخول كان له نصف ما وقع عليه العقد، ولا يستحقّ من النماء السابق شيئاً.
(مسألة 16): لو أبرأته من الصداق الذي كان عليه ثُمَّ طلّقها قبل الدخول رجع بنصفه إليها، وكذا لو كان الصداق عيناً فوهبته إياها رجع بنصف مثلها(1) إليها أو قيمة نصفها.
(مسألة 17): الدخول الذي يستقرّ به تمام المهر هو مطلق الوطي ولو دبراً، وإذا اختلف الزوجان بعد ما طلّقها فادّعت وقوع المواقعة وأنكرها فالقول قوله بيمينه، وله أن يدفع اليمين عن نفسه بإقامة البيّنة على العدم إن أمكن، كما إذا ادّعت المواقعة قبلاً وكانت بكراً وكانت عنده بيّنةٌ على بقاء بكارتها.
(مسألة 18): إذا اختلف الزوجان في أصل المهر فادّعته الزوجة وأنكر الزوج، فإن كان قبل الدخول فالقول قوله بيمينه، وإن كان بعد الدخول كلّفت بالتعيين، بل لا يبعد عدم سماع الدعوى منها ما لم تفسِّر وأنَّه لا يسمع منها مجرّد قولها: لي عليه المهر، ما لم تبيّن المقدار، فإذا فسَّرت وقالت: إنّي أطلب منك مهري وهو المبلغ الفلاني، ولم يكن أزيد من مهر المثل، حكم لها عليه بما تدّعيه ولا يسمع
ــــــ[668]ـــــــ
(1) وكما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
منه إنكار أصل المهر.
نعم لو قال في جوابها: نعم قد كان عليّ كذا إلَّا أنَّه قد سقط عنّي إمّا بالأداء أو الإبراء، يُسمع منه ذلك إلَّا أنَّه يحتاج إلى الإثبات، فإن أقام البيّنة على ذلك ثبت مدّعاه وإلَّا فله عليها اليمين، فإن حلفت على نفي الأداء أو الإبراء ثبتت دعواها، وإن نكلت سقطت ولها ردّ اليمين على الزوج، فإن حلف على الإبراء أو الأداء سقطت دعواها، وإن نكل عن اليمين ثبتت. هذا لو كان ما تدّعيه بمقدار مهر المثل أو أقلّ، وإن كان أكثر كان عليها الإثبات وإلَّا فلها على الزوج اليمين.
(مسألة 19): إذا توافقا على أصل المهر واختلفا في مقداره كان القول قول الزوج بيمينه إلَّا إذا أثبتت الزوجة بالموازين الشرعيّة(1)، وكذا إذا ادّعت كون عين من الأعيان كدارٍ أو بستانٍ مهراً لها وأنكر الزوج فالقول قوله بيمينه وعليها البيّنة.
(مسألة 20): إذا اختلفا في التعجيل والتأجيل فقالت المرأة: إنَّه معجّلٌ، وقال الزوج: إنَّه مؤجّلٌ ولم يُقم بيّنةً كان القول قولها بيمينها، وكذا لو اختلفا في زيادة الأجل، كما إذا ادّعت أنَّه سنةٌ وادّعى أنَّه سنتان.
(مسألة 21): لو توافقا على المهر وادّعى تسليمه ولا بيّنة فالقول قولها بيمينها.
(مسألة 22): لو دفع إليها قدر مهرها ثُمَّ اختلفا بعد ذلك فقالت: دفعته هبةً، وقال: بل دفعته صداقاً، فالقول قوله بيمينه.
ــــــ[669]ـــــــ
(1) يعني: البيّنة أو العلم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 23): إذا زوّج ولده الصغير فإن كان للولد مالٌ فالمهر على الولد، وإن لم يكن له مالٌ فالمهر في عهدة الوالد، فلو مات الوالد أُخرج المهر من أصل تركته(1) سواءٌ بلغ الولد وأيسر أم لا.
(مسألة 24): لو دفع الوالد المهر الذي كان عليه من جهة إعسار الولد ثُمَّ بلغ الصبيّ فطلّق قبل الدخول استعاد الولد نصف المهر وكان له دون والده.
ــــــ[670]ـــــــ
(1) كسائر الديون، ولو ضاقت تركته ضربت زوجته ابنه مع الغرماء.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(خاتمة) في الشروط المذكورة في عقد النكاح
(مسألة 1): يجوز أن يشترط في ضمن عقد النكاح كلّ شرطٍ سائغٍ، ويجب على المشروط عليه الوفاء به كما في سائر العقود، لكن تخلّفه أو تعذّره لا يوجب الخيار في عقد النكاح بخلاف سائر العقود. نعم لو كان الشرط الالتزام بوجود صفةٍ في أحد الزوجين – مثل كون الزوجة باكرةً أو كون الزوج حرّاً أو مؤمناً غير مخالفٍ- فتبيّن خلافه أوجب الخيار كما مرّت الإشارة(1) إليه في ضمن بعض المسائل السابقة.
(مسألة 2): إذا شرط في عقد النكاح ما يخالف المشروع مثل أن لا يتزوّج عليها أو لا يتسرّى أو لا يمنعها من الخروج من المنزل متى شاءت وإلى أين شاءت أو لا يعطي حقّ ضرّتها من المضاجعة أو المواقعة أو النفقة ونحو ذلك بطل الشرط، لكن صحّ العقد والمهر وإن قلنا بأنَّ الشرط الفاسد يفسد العقد، فبهذا أيضاً امتاز عقد النكاح عن سائر العقود.
(مسألة 3): لو شرط أن لا يفتضّها لزم الشرط، ولو أذِنَت بعد ذلك جاز من غير فرق في ذلك بين النكاح الدائم والمنقطع.
(مسألة 4): إذا شرط أن لا يخرجها من بلدها أو أن يسكنها في بلدٍ معلومٍ أو منزلٍ مخصوصٍ يلزم العمل بالشرط.
ــــــ[671]ـــــــ
(1) مع التعليق عليه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(فصل) في القسم والنشوز والشقاق(1)
لكلِّ واحدٍ من الزوجين حقٌّ على صاحبه يجب عليه القيام به وإن كان حقّ الزوج أعظم، حتّى أنَّه قد ورد عن سيّد البشر: «لا يصلح لبشرٍ أن يسجد لبشرٍ ولو صلح لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» الخبر.
ومن حقّه عليها: أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تخرج من بيتها إلَّا بإذنه ولو إلى أهلها ولو لعيادة والدها أو في عزائه، بل ليس لها أمرٌ مع زوجها في عتقٍ ولا صدقةٍ ولا تدبيرٍ ولا هبةٍ ولا نذر في مالها إلَّا بإذن زوجها إلَّا في حجٍّ أو زكاةٍ أو برّ والديها أو صلة قرابتها، بل أيّما امرأةٍ قالت لزوجها: ما رأيت منك خيراً قطّ، أو مِن وجهك خيراً، فقد حبط عملها، وأيّما امرأةٍ باتت وزوجها عليها ساخط في حقٍّ، لم تُقبل منها صلاةٌ حتّى يرضى عنها، وإن خرجت من غير إذنه لعنتها ملائكة السماء وملائكة الأرض وملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتّى ترجع إلى بيتها.
وأمّا حقّها عليه: فهو أن يشبعها ويكسوها، ويغفر لها إذا جهلت ولا يقبّح لها وجهاً، وفي الخبر عن سيّد البشر: (أوصاني جبرئيل بالمرأة حتّى ظننت أن لا ينبغي طلاقها إلَّا من فاحشةٍ مبيّنةٍ، وعيال الرجل أسراؤه وأحبّ العباد إلى الله
ــــــ[672]ـــــــ
(1) والفرق بينهما لم يذكره الماتن وهو أنَّ النشوز هو الإعراض من أحدهما، والشقاق من كليهما.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تعالى أحسنهم صنعاً إلى أسرائه).
(مسألة 1): مَن كانت له زوجةٌ واحدةٌ ليس لها على زوجها حقّ المبيت عندها والمضاجعة معها في كل ليلة، بل ولا في كلّ أربع ليالٍ ليلةٌ على الأقوى، بل القدر اللازم أن لا يهجرها ولا يذرها كالمعلّقة لا هي ذات بعلٍ ولا مطلّقة. نعم لها عليه حقّ المواقعة في كلّ أربعة أشهر(1) مرّةً كما مرّ. نعم إن كانت عنده أكثر من واحدةٍ إذا بات عند إحداهنّ يجب عليه أن يبيت عند غيرها أيضاً، فإذا كنّ أربعاً وبات عند إحداهنّ طاف عليهنّ في أربع ليال(2) لكلٍّ منهنّ ليلةٌ، ولا يفضّل بعضهنّ على بعض، وإذا كانت عنده ثلاث فإذا بات عند إحداهن يجب عليه أن يبيت عند الأُخريين ليلتين(3) لكلّ منهما ليلة، وإذا كانت عنده زوجتان وبات عند إحداهما بات في ليلةٍ أُخرى عند الأُخرى(4) وبعد ذلك إن شاء ترك المبيت عند الجميع وإن شاء شرع فيه على النحو المتقدّم. والمشهور أنَّه إذا كانت عنده زوجةٌ واحدةٌ كانت لها في كلّ أربع ليالٍ ليلةٌ وله ثلاث ليالٍ، وإذا كانت عنده زوجاتٌ متعدّدةٌ يجب عليه القسم بينهنٌ في كلّ أربع ليالٍ، فإذا كانت عنده أربعٌ كانت لكلٍّ منهنّ ليلة، فإذا تمّ الدور يجب عليه الابتداء بإحداهنّ وإتمام الدور وهكذا، فليس
ــــــ[673]ـــــــ
(1) على الأحوط.
(2) ولو متفرّقاتٍ بشكلٍ لا ينتزع منه التفضيل. ويكون عرفاً بعدم اختلاف الفواصل في الزمان.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(4) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
له ليلةٌ بل يكون جميع لياليه لزوجاته. وإذا كانت له زوجتان فلهما ليلتان من كلّ أربع ليالٍ وليلتان له، وإذا كانت له ثلاث كانت لهنّ ثلاث والفاضل له. والعمل بهذا القول أحوط، خصوصاً في أكثر من واحدةٍ، ولكنّ الأقوى ما قدّمناه خصوصاً في الواحدة.
(مسألة 2): يختصّ وجوب المبيت والمضاجعة فيما قلنا به بالدائمة، فليس للمتمتّع بها هذا الحقّ، سواءٌ كانت واحدةً أو متعدّدةً.
(مسألة 3): في كلّ ليلةٍ كان للمرأة حقّ المبيت يجوز لها أن ترفع اليد عنه وتهبه للزوج ليصرف ليله فيما يشاء وأن تهبه لضرّتها(1) فيصير الحقّ لها.
(مسألة 4): تختصّ البكر أوّل عرسها بسبع ليالٍ والثيّب بثلاثٍ تنفصلان بذلك على غيرهما، ولا يجب عليه أن يقضي تلك الليالي لنسائه القديمة.
(مسألة 5): لا قسمة للصغيرة ولا للمجنونة المطبقة ولا للناشزة، وتسقط القسمة وحقّ المضاجعة بالسفر(2) وليس عليه القضاء.
(مسألة 6): إذا شرع في القسمة بين نسائه كان له الابتداء بأيّ منهنّ(3) شاء، وإن كان الأَولى والأحوط التعيّن بالقرعة.
(مسألة 7): تستحبّ التسوية بين الزوجات في الإنفاق(4) والالتفات وإطلاق
ــــــ[674]ـــــــ
(1) ولو بإزاء مالٍ وهو من بيع الحقّ.
(2) ولو كان اختياريّاً.
(3) ما لم ينتزع منه التفضيل كالابتداء بما انتهى منه في الدفعة الأخيرة.
(4) يعني: فيما يزيد على النفقة الواجبة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الوجه والمواقعة، وأن يكون في صبيحة كلّ ليلةٍ عند صاحبتها، وأن يأذن لها في حضور موت أبيها وأمّها، وإن كان له منعها عن ذلك وعن عيادة أبيها وأمّها فضلاً عن غيرهما وعن الخروج من منزله إلَّا لحقٍّ واجب.
القول في النشوز
وهو في الزوجة خروجها عن طاعة الزوج الواجبة عليها، من عدم تمكين نفسها وعدم إزالة المنفّرات المضادّة للتمتّع والالتذاذ بها، وترك التنظيف(1) والتزيين مع اقتضاء الزوج(2) لها، وكذا خروجها من بيته من دون إذنه وغير ذلك. ولا يتحقّق النشوز بترك طاعته فيما ليست بواجبٍ عليها، فلو امتنعت من خدمات البيت وحوائجه التي لا تتعلّق بالاستمتاع من الكنس أو الخياطة أو الطبخ أو غير ذلك حتّى سقي الماء وتمهيد الفراش لم يتحقّق النشوز.
(مسألة 1): إذا ظهرت منها أمارات النشوز والطغيان بسبب تغيير عادتها معه في القول أو الفعل- بأن تجيبه بكلامٍ خشنٍ بعد ما كان بكلامٍ ليّنٍ أو أن تُظهر عبوساً وتقطّباً في وجهه وتثاقلاً ودمدمةً بعد أن كانت على خلاف ذلك وغير ذلك- جاز له هجرها في المضجع، إمّا بأن يحوّل إليها ظهره في الفراش أو يعتزل فراشها بعد أن يعظها، فإذا لم يؤثّر ذلك فيها حتّى وقع منها النشوز جاز له ضربها، ويقتصر على ما يؤمَّل معه رجوعها، فلا يجوز الزيادة عليه مع حصول الغرض به،
ــــــ[675]ـــــــ
(1) إذا صدق ردع الزوج وزجره عنها.
(2) يعني: طلبه منها. وهو غير واجب الامتثال في التزيين الإضافي على الخلقة وإن كان راجحاً ومستحبّاً بل موافقاً للاحتياط الاستحبابيّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وإلَّا تدرّج إلى الأقوى فالأقوى ما لم يكن مدمياً ولا شديداً مؤثّراً في اسوداد بدنها أو احمراره، واللازم أن يكون ذلك بقصد الإصلاح لا التشفّي والانتقام، ولو حصل بالضرب جنايةٌ وجب الغرم.
(مسألة 2): كما يكون النشوز من طرف الزوجة يكون من طرف الزوج أيضاً بتعدّيه عليها وعدم القيام بحقوقها الواجبة، فإذا ظهر منه النشوز بمنع حقوقها من قسمٍ ونفقةٍ ونحوهما فلها المطالبة بها ووعظها إيّاه، فإن لم يؤثّر رفعت أمرها إلى الحاكم فيلزمه بها، وليس لها هجره ولا ضربه، وإذا اطّلع الحاكم على نشوزه وتعدّيه نهاه عن فعل ما يحرم عليه وأمره بفعل ما يجب، فإن نفع وإلَّا عزّره بما يراه، وله أيضاً الإنفاق من ماله مع امتناعه من ذلك ولو ببيع عقاره إذا توقّف عليه.
(مسألة 3): إذا ترك الزوج بعض حقوقها الغير الواجبة أو همّ بطلاقها لكراهته لها لكبر سنّها أو غيره أو همّ بالتزويج عليها فبذلت له مالاً أو بعض حقوقها الواجبة من قسمٍ أو نفقةٍ استمالةً له صحّ وحلّ له ذلك(1)، وأمّا لو ترك بعض حقوقها الواجبة أو آذاها بالضرب أو الشتم وغير ذلك فبذلت مالاً أو تركت بعض حقوقها ليقوم بما ترك من حقّها أو ليمسك عن أذيّتها أو ليخلعها فتخلص من يده حرم عليه ما بذلت وإن لم يكن من قصده إلجاؤها بالبذل على الأقوى.
(مسألة 4): إذا وقع نشوزٌ من الزوجين ومنافرةٌ وشقاقٌ بين الطرفين وانجرّ
ــــــ[676]ـــــــ
(1) وهي بمنزلة الهبة المشروطة، أو يكون رضاها بإعطائه مطلقاً. وأمّا بعنوان المبادلة فمشكلٌ حتّى بالصلح ما لم يكن إسقاطاً لبعض حقوقها بما فيها نفقتها السابقة إن كانت في ذمّته.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أمرهما إلى الحاكم بعث حكمين حكماً من جانبه(1) وحكماً من جانبها للإصلاح ورفع الشقاق بما رأياه من الصلاح من الجمع أو الفراق، ويجب عليهما البحث والاجتهاد في حالهما وفيما هو السبب والعلّة لحصول الشقاق بينهما ثُمَّ يسعيان في أمرهما، فكلّ ما استقرّ عليه رأيهما وحكما به نفذ على الزوجين ويلزم عليهما الرضا به بشرط كونه سائغاً(2)، كما لو شرطا على الزوج أن يُسكن الزوجة في البلد الفلاني أو في مسكنٍ مخصوصٍ أو عند أبويها أو لا تسكن معها في الدار أُمّه أو أخته ولو في بيتٍ منفردٍ أو لا تسكن معها ضرّتها في دارٍ واحدةٍ ونحو ذلك، أو شرطا عليها(3) أن تؤجّله بالمهر الحالّ إلى أجلٍ أو ترد عليه ما قبضته قرضاً ونحو ذلك، بخلاف ما إذا كان غير سائغٍ كما إذا شرطا عليه ترك بعض حقوق الضرّة(4) من قسمٍ أو نفقةٍ أو رخصة المرأة(5) في خروجها من بيته حيث شاءت وأين شاءت ونحو ذلك.
(مسألة 5): إذا اجتمع الحكمان على التفريق ليس لهما ذلك إلَّا إذا شرطا(6) عليهما حين بعثهما بأنَّهما إن شاءا جمعا وإن شاءا فرّقا، وحيث إنَّ التفريق لا يكون
ــــــ[677]ـــــــ
(1) بل من أهله، يعني: أسرته وعشيرته، فإن تعذّر فأجنبيّان موثوقان، وكذا ما بعده.
(2) لكن لا ينفذ على غير الزوجين. وبعض الأمثلة في المتن قد يُفهم منه ذلك.
(3) يعني: عن طريق قناعة الحكمين لا مستقلاً.
(4) هذا لما قلناه من أنَّ حكمها لا ينفذ على غير الزوجين.
(5) يعني الإذن لها. ولا يبعد الجواز أحياناً، يعني: بنحو الصغرى لا الكبرى.
(6) بل حتّى في هذه الصورة لا يكون الزوج مجبوراً على الطلاق أو يحرم عليه تركه حتّى مع بذل الزوجة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إلَّا بالطلاق فلابدَّ من وقوعه عند اجتماع شرائطه، بأن وقع في طهرٍ لم يواقعها فيه وعند حضور العدلين وغير ذلك.
(مسألة 6): الأَولى بل الأحوط(1) أن يكون الحكمان من أهل الطرفين، بأن يكون حكمٌ من أهله وحكمٌ من أهلها، فإن لم يكن لهما أهلٌ أو لم يكن أهلهما أهلاً لهذا الأمر تعيّن من غيرهم. ولا يعتبر أن يكون من جانب كلّ منهما حكمٌ واحدٌ، بل لو اقتضت المصلحة بعْث اثنين أو أزيد تعيّن.
(مسألة 7): ينبغي للحكمين إخلاص النيّة وقصد الإصلاح، فمن حسنت نيّته فيما تحرّاه أصلح الله مسعاه، كما يرشد إلى ذلك قوله جلّ شأنه في هذا المقام: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُما}.
ــــــ[678]ـــــــ
(1) بل هو المتعيّن وهو نصّ الآية الكريمة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(فصل) في أحكام الأولاد والولادة
(مسألة 1): إنَّما يلحق ما ولدته المرأة بزوجها بشروطٍ ثلاثةٍ: الدخول، ومضيّ ستّة أشهرٍ أو أكثر من حين الوطي إلى زمن الولادة، وأن لا يتجاوز عن أقصى مدّة الحمل وهو تسعة أشهرٍ على الأقوى(1). فلو لم يدخل بها أصلاً لم يلحق به قطعاً، بل يجب(2) نفيه عنه، وكذا لو دخل بها وجاءت بولدٍ حيٍّ كاملٍ لأقلّ من ستّة أشهرٍ من حين الدخول، أو جاءت به وقد مضى من حين وطيه إياها أزيد من تسعة أشهر(3)، كما إذا اعتزلها أو غاب عنها عشرة أشهر أو أكثر وولدت بعدها.
(مسألة 2): إذا تحقّقت الشروط الثلاثة لَحِقَ الولد به، ولا يجوز له نفيه وإن وطئها واطٍ فجوراً فضلاً عمّا لو اتّهمها بالفجور، ولا ينتفي عنه لو نفاه إن كان العقد دائماً إلَّا باللعان، بخلاف ما إذا كان العقد منقطعاً وجاءت بولد أمكن إلحاقه به، فإنَّه وإن لم يجز له نفيه لكن لو نفاه ينتفي منه ظاهراً من غير لعانٍ، لكن عليه اليمين مع دعواها أو دعوى الولد النسب.
ــــــ[679]ـــــــ
(1) بل الأقوى إلحاق الولد مادام ذلك ممكناً ما لم يوثق بعدمه. والأمر لا يزيد على العشرة أشهر عادةً، بل قد يقلّ عنها تبعاً لمزاج المرأة طبيّاً.
(2) يعني: على الزوج، والوجوب محلّ نظرٍ إلَّا أن ترتيب آثار الولد الشرعيّة قد يترتّب عليها محرّمات فتحرم.
(3) بل كما قلناه قبل تعليقتين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 3): لا يجوز نفي الولد لمكان العزل، فلو نفاه لم ينتفِ إلَّا باللعان.
(مسألة 4): الموطوءة بشبهةٍ – كما إذا وطئ أجنبيّةً بظنّ أنَّها زوجته- يلحق ولدها بالواطئ(1)، بشرط أن تكون ولادته لستّة أشهرٍ من حين الوطي أو أكثر وأن لا يتجاوز عن أقصى الحمل.
(مسألة 5): إذا اختلفا في الدخول الموجب لإلحاق الولد وعدمه فادّعته المرأة ليلحق الولد به وأنكره، أو اختلفا في ولادته فنفاها الزوج وادّعى أنها أتت به من خارج، فالقول قوله بيمينه. وأمّا لو اتّفقا في الدخول والولادة واختلفا في المدّة فادّعى ولادتها لدون ستّة أشهرٍ أو لأزيد من أقصى الحمل وادّعت هي خلافه فالقول قولها بيمينها، ويلحق الولد به ولا ينتفي عنه إلَّا باللعان.
(مسألة 6): لو طلّق زوجته المدخول بها فاعتدّت وتزوّجت ثُمَّ أتت بولدٍ، فإن لم يمكن لحوقه بالثاني وأمكن لحقوقه بالأوّل (كما إذا ولدته لدون ستّة أشهرٍ من وطي الثاني ولتمامها من غير تجاوزٍ عن أقصى الحمل من وطي الأوّل) فهو للأوّل وتبيّن بطلان نكاح الثاني؛ لتبيّن وقوعه في العدّة وحرمت عليه مؤبّداً لوطيه إيّاها، وإن انعكس(2) الأمر بأن أمكن لحوقه بالثاني بأن ولدته لأزيد من أكثر الحمل من وطي الأوّل ولأقلّ الحمل إلى الأقصى من وطي الثاني، وإن لم يمكن
ــــــ[680]ـــــــ
(1) فهو أبوه والموطوءة أمّه، بدون أن يكونا زوجين. والمراد بوطء الشبهة لم يذكره الماتن وهو الوطء غير المشروع مع اعتقاد مشروعيّته سواءٌ كان بشبهةٍ موضوعيّةٍ أو حكميّةٍ، إلَّا أن تكون الغفلة عن مقدّماتٍ واضحةٍ عرفاً يمكن التعرّف عليها بسهولةٍ، بل لعلّ هذا من وطء الشبهة، أو أنَّ الأمر يختلف باختلاف مستويات البشر كما هو الظاهر.
(2) هذه الشرطية ليس لها جوابٌ في العبارة. إلَّا أنَّ مقصود الماتن معلوم وهو الإلحاق بالثاني.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لحوقه بأحدهما (بأن ولدته لأزيد من أقصى الحمل من وطي الأوّل ولدون ستّة أشهرٍ من وطي الثاني) انتفى منهما، وإن أمكن إلحاقه بهما (بأن كان ولادته لستّة أشهرٍ من وطي الثاني ولدون أقصى الحمل من وطي الأوّل) فهو للثاني.
(مسألة 7): لو طلّقها ثُمَّ وطئها(1) بعد ذلك بشبهةٍ ثُمَّ أتت بولدٍ فهو كالتزويج بعد العدّة، فيجيء فيه الصور الأربع المتقدّمة حتّى الصورة الأخيرة، وهي ما إذا أمكن اللحوق بكلٍّ منهما فإنَّه يلحق بالأخير هنا أيضاً.
(مسألة 8): إذا كانت تحت زوجٍ ووطئها شخصٌ آخر بشبهةٍ ثُمَّ أتت بولدٍ فإن أمكن لحوقه بأحدهما دون الآخر يلحق به، وإن لم يمكن اللحوق بهما انتفى عنهما، وإن أمكن لحوقه بكلٍّ منهما أقرع بينهما(2).
القول في أحكام الولادة وما يلحق بها
للولادة والمولود سننٌ وآدابٌ بعضها واجبةٌ وبعضها مندوبةٌ نذكر مهمّاتها في ضمن مسائل:
(مسألة 1): يجب استبداد النساء في شؤون المرأة حين ولادتها دون الرجال إلَّا مع عدم النساء. نعم، لا بأس بالزوج وإن وجدت النساء.
(مسألة 2): يستحبّ غسل المولود عند وضعه مع الأمن من الضرر، والأذان في أُذنه اليمنى والإقامة فاليسرى فإنَّه عصمةٌ من الشيطان الرجيم، وتحنيكه بماء الفرات وتربة الحسين، وتسميته بالأسماء المستحسنة، فإنَّ ذلك من حقّ الولد
ــــــ[681]ـــــــ
(1) أي: شخصٌ آخر لا المطلّق نفسه وإلَّا لم تأت الصور الأربع السابقة.
(2) بل هو للزوج لأنَّه الفراش.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
على الوالد، وأفضلها ما يتضمّن العبوديّة لله جلّ شأنه كعبد الله وعبد الرحيم وعبد الرحمن ونحو ذلك، ويليها أسماء الأنبياء والأئمة، وأفضلها اسم محمّد، بل يكره ترك التسمية به إذا وُلد له أربعة أولاد، فعن النبيّ قال: (مَن وُلد له أربعة أولاد ولم يسمّ أحدهم باسمي فقد جفاني). ويكره أن يكنّيه أبا القاسم إذا كان اسمه محمّداً، ويستحبّ أن يحلق رأس الولد يوم السابع وأن يتصدّق بوزن شعره ذهباً أو فضّةً، ويكره أن يُحلق من رأسه موضعٌ ويترك موضع.
(مسألة 3): وتستحبّ الوليمة عند الولادة، وهي إحدى الخمس التي سُنّ فيها الوليمة، كما أنَّ إحداها عند الختان، ولا يعتبر في السنة الأُولى إيقاعها في يوم الولادة، فلا بأس بتأخيرها عنه بأيّامٍ قلائل، والظاهر أنَّه إن ختن في اليوم السابع أو قبله فأولم في يوم الختان بقصدهما تتأدّى السنّتان.
(مسألة 4): يجب ختان الذكور، بل ربّما يعدّ من الضروريّات، ويستحبّ إيقاعه في اليوم السابع، ويجوز التأخير عنه، وإن تأخّر إلى ما بعد البلوغ يجب عليه(1) أن يختن نفسه، حتّى أنَّ الكافر إذا أسلم غير مختونٍ يجب عليه الختان وإن(2) طعن في السنّ. وهل يجب على الوليّ أن يختن الصبيّ فلا يجوز له تأخيره إلى ما بعد بلوغه إلَّا لعذرٍ، فإن أخّره إليه بدون عذرٍ عصى الولي وهل يجب حينئذٍ على الصبيّ أم لا؟
ــــــ[682]ـــــــ
(1) إلَّا مع خوف الضرر كما هو العادة فيجوز له إيكال الختان إلى الغير بل يجب.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
قولان، المشهور على الثاني، وقيل بالأوّل، وهو الأحوط.
(مسألة 5): الختان واجبٌ لنفسه وشرطٌ لصحّة طوافه في حجٍّ أو عمرةٍ واجبين أو مندوبين، وليس شرطاً في صحّة الصلاة على الأقوى فضلاً عن سائر العبادات.
(مسألة 6): [الظاهر] أنَّ الحدّ الواجب في الختان أن تقطع الجلدة الساترة للحشفة المسمّاة بالغلفة بحيث تظهر ثقبة الحشفة ومقدارٌ من بشرتها وإن لم تستأصل تلك الجلدة ولم يظهر تمام الحشفة، وبعبارةٍ أُخرى: قطعها بحيث لم يصدق عليه الأغلف(1) الذي ورد أنَّ الأرض تضجّ من بوله أربعين صباحاً.
(مسألة 7): لا بأس بكون الخاتن كافراً حربيّاً أو ذميّاً، فلا يعتبر فيه الإسلام.
(مسألة 8): لو ولد الصبيّ مختوناً سقط الختان وإن استحبّ إمرار الموس على المحلّ لإصابة السنّة.
(مسألة 9): ومن المستحبّات الأكيدة العقيقة للذكر والأنثى، ويستحبّ أن يعقّ عن الذكر ذكراً وعن الأُنثى أنثى، وأن يكون في اليوم السابع، وإن تأخّر عنه لعذرٍ أو لغير عذرٍ لم يسقط، بل لو لم يعقّ عن الصبي حتّى بلغ وكبر عقّ عن نفسه، بل لو لم يعقّ عن نفسه في حياته يستحبّ أن يعقّ عنه بعد موته. ولابدَّ أن تكون من أحد الأنعام الثلاثة: الغنم ضأناً كان أو معزاً، والبقر، والإبل. ولا يجزي عنها التصدّق بثمنها. ويستحبّ أن تجتمع فيها شروط الأضحية من كونها سليمةً من العيوب، لا يكون سنّها أقلّ من خمس سنين كاملةٍ في الإبل وأقلّ من
ــــــ[683]ـــــــ
(1) والأحوط أن لا يُبقي من الغلفة مقداراً معتدّاً به.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
سنتين في البقر وأقلّ من سنةٍ كاملةٍ في المعز وأقلّ من(1) سبعة شهورٍ في الضأن، ويستحبّ أن تُخصّ القابلةُ منها بالرِّجل والورك، ولو لم تكن قابلة أعطي الأمّ تتصدّق به.
(مسألة 10): يتخيّر في العقيقة بين أن يفرّقها لحماً أو مطبوخاً أو تطبخ ويدعى عليها جماعةٌ من المؤمنين، ولا أقلّ من عشرة، وإن زاد فهو أفضل يأكلون منها ويدعون للولد، وأفضل أحوال طبخها أن يكون بماءٍ وملحٍ، ولا بأس بإضافة شيءٍ إليها من الحبوب كالحمّص وغيره.
(مسألة 11): لا يجب على الأمّ إرضاع ولدها لا مجّاناً ولا بالأُجرة مع عدم الانحصار بها، كما أنَّه لا يجب عليها إرضاعه مجّاناً وإن انحصر بها، بل لها المطالبة بأُجرة رضاعها من مال الولد إذا كان له مالٌ ومن أبيه إذا لم يكن له مالٌ وكان الأب موسراً. نعم، لو لم يكن للولد مالٌ ولم يكن الأب موسراً تعيّن على الأم(2) إرضاعه مجّاناً إمّا بنفسها أو باستئجار مرضعةٍ أُخرى وتكون أجرتها عليها من حيث وجوب إنفاقه عليها.
(مسألة 12): الأُمّ أحقّ بإرضاع ولدها من غيرها إذا كانت متبرّعةً أو تطلب ما تطلب غيرها أو أنقص، وأمّا لو طلبت زيادةً أو تطلب الأُجرة ووُجدت متبرّعةٌ كان للأب نزعه منها وتسليمه إلى غيرها، وهل يسقط حينئذٍ حقّ الحضانة الثابت للأمّ أيضاً؟ أقواهما العدم؛ لعدم التنافي بين سقوط حقّ الإرضاع وثبوت
ــــــ[684]ـــــــ
(1) يعني: ولا أقل .. وكذا ما بعده.
(2) بل لم يتعيّن ولها أن تأخذ الأجرة ممّن تجب نفقته عليه أو تنتظر بها بلوغه ويساره. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الحقّ الآخر، لإمكان كون الولد في حضانة الأُمّ مع كون رضاعه من امرأةٍ أُخرى، إمّا بحمل الأُمّ الولد إلى المرضعة عند الاحتياج إلى اللبن أو بإحضار المرضعة عنده مثلاً.
(مسألة 13): لو ادّعى الأب وجود متبرّعةٍ وأنكرت الأمّ ولم يكن له بيّنةٌ على وجودها فالقول قولها بيمينها.
(مسألة 14): يستحبّ أن يكون رضاع الصبيّ بلبن أُمه، فإنَّه أبرك(1) من غيره إلَّا إذا اقتضت بعض الجهات أولويّة غيرها من حيث شرافتها(2) وطيب لبنها وخباثة الأُمّ.
(مسألة 15): كمال الرضاع حولان كاملان أربعة وعشرون شهراً، ويجوز أن ينقص عن ذلك إلى ثلاثة شهور، بأن يفطم على أحدٍ وعشرين شهراً، ولا يجوز(3) أن ينقص عن ذلك، ولو نقص عن ذلك مع الإمكان ومن غير ضرورةٍ كان جوراً على الصبيّ، كما في الخبر.
(مسألة 16): الأُمّ أحقّ بحضانة الولد وتربيته وما يتعلّق بها من مصلحة حفظه مدّة الرضاع – أعني حولين(4) كاملين- ذكراً كان أو أنثى، سواءٌ أرضعته هي بنفسها أو بغيرها، فلا يجوز للأب أن يأخذه في هذه المدّة منها، فإذا فصل
ــــــ[685]ـــــــ
(1) لا يخلو من مناقشةٍ لغويّةٍ، والأفصح: أكثر بركةً أو أشدّ ونحوها.
(2) لا يخلو من مناقشةٍ لغويّةٍ أيضاً.
(3) استحباباً أو احتياطاً استحبابيّاً.
(4) بل إلى سبع سنين على الأحوط فيهما معاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وانقضت مدّة الرضاع فالأب أحقّ بالذكر والأُمّ أحقّ بالأنثى حتّى تبلغ سبع سنين من عمرها، ثُمَّ يكون الأب أحقّ بها. وإن فارق الأُمّ بفسخٍ أو طلاقٍ قبل أن يبلغ سبع سنين لم يسقط حقّ حضانتها ما لم تتزوّج بالغير، فلو تزوّجت سقط حقّها وكانت الحضانة للأب، ولو فارقها الثاني فهل تعود حضانتها أم لا؟ وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما من رجحان(1)، والأحوط لهما التصالح والتسالم.
(مسألة 17): لو مات الأب بعد انتقال الحضانة إليه أو قبله كانت الأمّ أحقّ بحضانة(2) الولد – وإن كانت مزوّجةً، ذكراً كان أو أنثى- من وصيّ أبيه وكذا من باقي أقاربه حتّى أبي أبيه وأمّه فضلاً عن غيرهما، كما أنَّه لو ماتت الأُمّ في زمان حضانتها كان الأب أحقّ بها(3) من وصيّها ومن أبيها وأُمّها فضلاً عن باقي أقاربها، وإذا فقد الأبوان فالحضانة(4) لأقارب الولد على ترتيب مراتب الإرث الأقرب منهم(5) يمنع الأبعد، ومع التعدّد والتساوي في المرتبة والتشاحّ أُقرع بينهم، وإذا وُجد وصيٌّ لأحدهما في كون الأمر كذلك أو كون الحضانة للوصيّ ثُمَّ إلى الأقارب وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما من رجحانٍ والأحوط التصالح والتسالم.
ــــــ[686]ـــــــ
(1) بل ثانيهما على القاعدة.
(2) في كونه بنحو الوجوب مع عدم الضرورة إشكال.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة بل ثبوت أصل حقّ الحضانة للأب محلّ إشكال.
(4)كما قلنا في التعليقة السابقة.
(5) مع تساويهم في القابليّة على تحمّل هذه المسؤوليّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 18): تنتهي الحضانة(1) ببلوغ الولد رشيداً، فإذا بلغ الرشد ليس لأحدٍ حقّ الحضانة عليه حتّى الأبوين فضلاً عن غيرهما، بل هو مالكٌ لنفسه وكان إليه الخيار في الانضمام إلى مَن شاء منهما، أو مِن غيرهما، ذكراً كان أم أنثى.
ــــــ[687]ـــــــ
(1) تعبيرٌ غير مُفهم، ومراده: أنَّه ينتهي حقّ الحضانة للولد أو تنتهي حضانته، وقد عرفنا أنَّها تنتهي بسبع سنين، وما ذكره الماتن حدٌّ للولاية لا للحضانة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(فصل) في النفقات
إنَّما تجب النفقة بأحد أسبابٍ ثلاثةٍ: الزوجيّة، والقرابة، والملك.
(مسألة 1): إنَّما تجب نفقة الزوجة على الزوج بشرط أن تكون دائمةً، فلا نفقة للمنقطعة، وأن تكون مطيعةً للزوج فيما يجب اطاعتها له فلا نفقة للناشزة، وقد مرّ بيان ما يتحقّق به النشوز سابقاً، ولا فرق بين أن تكون مسلمةً أو ذمّيّةً وأن تكون حرّةً أو أَمَةً(1).
(مسألة 2): لو نشزت ثُمَّ عادت إلى الطاعة لم تستحقّ النفقة حتّى تظهرها ويعلم بها وينقضي زمان يمكن الوصول إليها.
(مسألة 3): لو ارتدّت سقطت النفقة، وإن عادت عادت.
(مسألة 4): الظاهر: أنَّه لا نفقة للزوجة الصغيرة الغير القابلة للاستمتاع بها لزوجها، خصوصاً إذا كان صغيراً غير قابلٍ للتمتّع والتلذّذ، وكذا للزوجة الكبيرة إذا كان زوجها صغيراً غير قابلٍ لأن يستمتع منها. نعم لو كانت الزوجة مراهقةً وكان الزوج مراهقاً أو كبيراً أو كان الزوج مراهقاً وكانت الزوجة كبيرةً لم يبعد استحقاق الزوجة للنفقة مع تمكينها له من نفسها على ما يمكنه من التلذّذ والاستمتاع بها.
(مسألة 5): لا تسقط نفقتها بعدم تمكينه من نفسها لعذرٍ شرعيٍّ أو عقليٍّ من
ــــــ[688]ـــــــ
(1) يقصد الماتن: أنَّها أمةٌ مزوّجةٌ وليست مملوكةً لحليلها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
حيضٍ أو إحرامٍ أو اعتكافٍ واجبٍ أو مرضٍ أو غير ذلك، وكذا لا تسقط إذا سافرت بإذن الزوج، سواءٌ كان في واجبٍ أو مندوبٍ أو مباحٍ، وكذا لو سافرت في واجبٍ مضيّقٍ كالحجّ الواجب بغير إذنه، بل ولو مع منعه ونهيه، بخلاف ما لو سافرت بغير إذنه في مندوبٍ أو مباحٍ فإنَّه تسقط نفقتها، بل الأمر كذلك لو خرجت من بيته بغير إذنه ولو لغير سفرٍ فضلاً عمّا كان له؛ لتحقّق النشوز المسقط للنفقة.
(مسألة 6): تثبت النفقة والسكنى لذات العدّة الرجعيّة ما دامت في العدّة كما تثبت للزوجة، من غير فرقٍ بين كونها حائلاً أو حاملاً، ولو كانت ناشزةً وطُلّقت في حال نشوزها لم تثبت لها النفقة كالزوجة الناشزة. وأمّا ذات العدّة البائنة فتسقط نفقتها وسكناها، سواءٌ كانت عن طلاقٍ أو فسخٍ، إلَّا إذا كانت عن طلاقٍ وكانت حاملاً فإنَّها تستحقّ النفقة والسكنى حتّى تضع حملها. ولا تلحق(1) بها المنقطعة الحامل الموهوبة أو المنقضية مدّتها، وكذا الحامل المتوفّى عنها زوجها، فإنَّه لا نفقة لها مدّة حملها لا من تركة زوجها ولا من نصيب ولدها(2) على الأقوى.
(مسألة 7): لو ادّعت المطلقة بائناً أنَّها حاملٌ مستندةً إلى وجود الأمارات التي يستدلّ بها على الحمل عند النسوان(3) صدقت وأنفق عليها يوماً فيوماً إلى أن يتبيّن الحال، فإن تبيّن الحمل وإلَّا استُعيد منها ما صرف إليها، و[في] جواز مطالبتها بكفيلٍ قبل تبيّن الحال وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما من رجحان.
ــــــ[689]ـــــــ
(1) إلَّا مع ضرورة الحمل إلى النفقة في هذا وما بعده.
(2) مع الضرورة يصرف عليه من نصيبه.
(3) أو طبيّاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 8): لا تقدير للنفقة شرعاً، بل الضابط القيام بما تحتاج إليه المرأة من طعامٍ وإدامٍ وكسوةٍ وفراشٍ وغطاءٍ وسكناً وخادم وخادمة وآلاتٍ تحتاج إليها لشربها وطبخها وتنظيفها وغير ذلك، فأمّا الطعام فكمّيته بمقدار ما يكفيها لشبعها، وفي جنسه يرجع إلى ما هو المتعارف لأمثالها في بلدها والموافق لمزاجها وما تعودّت به [بحيث] تتضرّر بتركه. وأمّا الإدام فقدراً وجنساً كالطعام يراعى ما هو المتعارف لأمثالها في بلدها وما يوافق مزاجها وما هو معتادٌ لها(1)، حتّى أنَّه لو كانت عادة أمثالها أو الموافق لمزاجها دوام اللحم مثلاً لوجب، وكذا لو اعتادت بشيءٍ خاصٍّ من الإدام بحيث تتضرّر بتركه، بل الظاهر مراعاة ما تعارف اعتياده لأمثالها من غير الطعام والإدام كالشاي والتنباك والقهوة ونحوها، وأولى بذلك المقدار اللازم من الفواكه الصيفيّة التي تناولها كاللازم في البلاد الحارّة، وكذلك الحال في الكسوة فيلاحظ في قدرها وجنسها عادة أمثالها وبلد سكناها والفصول التي تحتاج إليها شتاءً وصيفاً؛ ضرورة شدّة الاختلاف في الكمّ والكيف والجنس بالنسبة إلى ذلك، بل لو كانت من ذوات التجمّل وجب لها زيادةً على ثياب البدن ثيابٌ له على حسب أمثالها، وهكذا الفراش والغطاء فإنَّ لها ما يفرشها على الأرض وما تحتاج إليها للنوم من لحافٍ ومخدّةٍ وما تنام عليها، ويرجع في قدرها وجنسها ووصفها إلى ما ذُكر في غيرها. وتستحقٌ في الإسكان أن يُسكنها داراً يليق بها بحسب عادة أمثالها ويكون لها من المرافق ما تحتاج إليها، ولها أن تطالبه بالتفرّد
ــــــ[690]ـــــــ
(1) بحيث يكون تركه عسراً أو ضرراً، وسيأتي في المتن ما يماثله.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالمسكن(1) عن مشاركة غير الزوج ضرّةً أو غيرها من دارٍ أو حجرةٍ منفردة المرافق إمّا بعاريةٍ أو إجارةٍ أو ملكٍ، ولو كانت من أهل البادية كفاها كوخٌ أو بيت شعرٍ منفردٌ يناسب حالها. وأمّا الإخدام فإنَّما يجب إن كانت ذات حشمةٍ وشأنٍ ومن ذوي الأخدام وإلَّا خدمت نفسها، وإذا وجبت الخدمة فالزوج بالخيار بين أن يبتاع خادمةً لها أو يستأجرها أو يستعيرها لها أو يأمر مملوكته بأن تخدمها أو يخدمها بنفسه، على إشكالٍ في الأخير(2). وأمّا الآلات والأدوات المحتاج إليها فهي أيضاً تلاحظ ما هو المتعارف لأمثالها بحسب حاجات بلدها التي تسكن وتتعيّش فيه ضرورة اختلافها بحسبها اختلافاً فاحشاً.
(مسألة 9): الظاهر أنَّه من الإنفاق الذي تستحقّه الزوجة أُجرة الحمّام عند الحاجة، سواءٌ كان للاغتسال أو للتنظيف إذا لم يتعارف في بلدها الغسل والاغتسال في البيت أو يتعذّر أو يتعسّر ذلك لها لبردٍ أو غيره، ومنه أيضاً الفحم والحطب في زمان الاحتياج إليهما، وكذا الأدوية(3) المتعارفة التي يكثر الاحتياج إليها بسبب الأمراض والآلام التي قلّما يخلو الشخص منها في الشهور والأعوام. نعم، الظاهر أنَّه(4) ليس من الدواء ما يصرف في المعالجات الصعبة التي يكون
ــــــ[691]ـــــــ
(1) إذا كان من شأنها الاجتماعي ذلك أو كان يوجب غيره لها عسراً أو ضرراً، أمّا بدون ذلك فثبوت الحقّ لها – كما هو المشهور على الألسن- محلّ إشكال.
(2) يعني: الإشكال في وجوبه إلَّا أنَّه لا يبعد كونه أحد أطراف التخيير الواجبة كما أشار في المتن.
(3) في حدود ما هو شأنها المتعارف عليه وإذا لم يكن مرضها بتعدٍّ أو تفريطٍ منها على نفسها.
(4) يعرف حكمه من التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الاحتياج إليها من باب الاتفاق، خصوصاً فيما إذا احتاج إلى بذل مالٍ خطير، وهل يكون منه أُجرة الفصد والحجامة عند الاحتياج إليهما؟ فيه تأمّلٌ وإشكالٌ(1).
(مسألة 10): تملك الزوجة على الزوج نفقة كلّ يومٍ من الطعام والإدام وغيرهما ممّا يُصرف ولا يبقى عينه في صبيحته، فلها أن تطالبه بها عندها، فلو منعها وانقضى اليوم استقرّت في ذمّته وكانت دَيناً عليه وليست لها مطالبة نفقة الأيام الآتية.
ولو مضت أيّامٌ ولم ينفق عليها فيها اشتغلت ذمّته بنفقة تلك المدّة، سواءٌ طالبته بها أم سكتت عنها، وسواءٌ قدّرها الحاكم وحكم بها أم لا، وسواءٌ كان موسراً أو معسراً، غاية الأمر أنَّه مع الإعسار ينظر في المطالبة إلى اليسار.
(مسألة 11): لو دُفعت إليها نفقة أيّامٍ كأسبوعٍ أو شهرٍ مثلاً وانقضت المدّة ولم تصرفها على نفسها إمّا بأن أنفقت من غيرها أو أنفق عليها أحدٌ كانت ملكاً لها وليس للزوج استردادها، وكذا لو استفضلت منها شيئاً بالتقتير على نفسها كانت الزيادة ملكاً لها فليس له استردادها. نعم لو خرجت عن الاستحقاق قبل انقضاء المدّة بموت أحدهما أو نشوزها أو طلاقها بائناً يوزّع المدفوع على الأيّام الماضية والآتية ويستردّ منها بالنسبة حصّة ما بقي من المدّة، بل الظاهر ذلك أيضاً فيما إذا دفع لها نفقة يومٍ وعرضت أحد تلك العوارض في أثناء اليوم، فيستردّ الباقي من نفقة ذلك اليوم.
ــــــ[692]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 12): كيفيّة الإنفاق بالطعام والإدام: إمّا بمؤاكلتها مع الزوج في بيته على العادة كسائر عياله، وإمّا بتسليم النفقة لها. وليس له إلزامها(1) بالنحو الأوّل، فلها أن تمتنع من المؤاكلة معه وتطالبه بكون نفقتها بيدها تفعل بها ما تشاء، إلَّا أنَّه إذا أكلت وشربت معه على العادة سقط ما على الزوج من النفقة، فليس لها أن تطالبه بها بعد ذلك.
(مسألة 13): ما يدفع لها للطعام والإدام إمّا عين المأكول كالخبز والتمر والطبيخ واللحم المطبوخ ممّا لا يحتاج في إعداده للأكل إلى علاجٍ ومزاولةٍ ومؤنةٍ وكلفةٍ، وإمّا عينٌ يحتاج في ذلك إلى ذلك كالحبّ والأرز والدقيق ونحو ذلك، والظاهر أنَّ الزوج بالخيار بين النحوين وليس للزوجة الامتناع وإلزامه بالنحو الأوّل. نعم لو اختار النحو الثاني واحتاج إعداد المدفوع للأكل إلى أجرةٍ أو إلى مؤنةٍ كالحطب وغيره كان عليه.
(مسألة 14): إذا تراضيا على بذل الثمن وقيمة الطعام والإدام وتسلّمت ملكته وسقط ما هو الواجب على الزوج وليس لكلٍّ منهما إلزام الآخر به.
(مسألة 15): إنَّما تستحقّ في الكسوة على الزوج أن يكسوها بما هو ملكه أو بما استأجره أو استعاره، ولا تستحقّ عليه أن يدفع إليها بعنوان التمليك(2)، ولو دفع إليها كسوةً لمدّةٍ جرت العادة ببقائها إليها فكستها فخلقت قبل تلك المدّة أو سُرقت وجب عليه دفع كسوةٍ أخرى إليها، ولو انقضت المدّة والكسوة باقيةٌ ليس
ــــــ[693]ـــــــ
(1) بل الزوج مخيّرٌ في ذلك حسب ميسوره. ومعنى دفع النفقة عدم مؤاكلتها فلا يجب بينهما قطعاً.
(2) بل الظاهر وجوبه مع الإمكان وخاصّة إذا كان من شأنها ذلك كما هو الغالب في عصرنا الحاضر.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
لها مطالبة كسوةٍ أخرى(1)، ولو خرجت في أثناء المدّة عن الاستحقاق لموتٍ أو نشوزٍ أو طلاقٍ تُستردّ(2) إذا كانت باقيةً، وكذلك الكلام في الفراش والغطاء واللحاف والآلات التي دفعها إليها من جهة الإنفاق ممّا ينتفع بها مع بقاء عينها، فإنَّها كلّها باقيةٌ على ملك الزوج تنتفع بها الزوجة، فله استردادها إذا زال استحقاقها إلَّا مع التصريح بإنشاء التمليك لها.
(مسألة 16): إذا اختلف الزوجان في الإنفاق وعدمه مع اتّفاقهما على الاستحقاق، فإن كان الزوج غائباً أو كانت الزوجة منعزلةً عنه فالقول قولها بيمينها إذا لم تكن له بيّنةٌ، وإن كانت في بيته داخلةً في عيالاته فالظاهر(3) أنَّ القول قول الزوج بيمينه إذا لم تكن لها بيّنة.
(مسألة 17): إذا كانت الزوجة حاملاً ووضعت وقد طُلّقت رجعياً واختلفا في وقوع زمان الطلاق، فادّعى الزوج أنَّه قبل الوضع وقد انقضت عدّتها بالوضع فلا نفقة لها الآن، وادّعت هي أنَّه بعده لتثبت لها النفقة ولم تكن بيّنةٌ، فالقول قولها مع اليمين، فإن حلفت ثبت لها استحقاق النفقة، لكن يحكم عليه بالبينونة وعدم جواز الرجوع من جهة اعترافه بأنَّها قد خرجت من العدّة بالوضع.
(مسألة 18): إذا طالبته بالإنفاق وادّعى الإعسار وعدم الاقتدار ولم تصدّقه بل ادّعت عليه اليسار فالقول قوله بيمينه إذا لم يكن لها بيّنةٌ، إلَّا إذا كان مسبوقاً
ــــــ[694]ـــــــ
(1) إلَّا إذا اقتضى شأنها الاجتماعي ذلك.
(2) إذا لم تكن ملكها وإلَّا لزم التصالح، ومنه يظهر حكم ما بعده إلى آخر المسألة.
(3) بل الظاهر أنَّه كالأوّل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
باليسار وادّعى تلف أمواله وصيرورته معسراً وأنكرته فإنَّ القول قولها بيمينٍ إذا لم تكن بيّنة(1).
(مسألة 19): لا يشترط في استحقاق الزوجة النفقة فقرها واحتياجها، فلها على زوجها الإنفاق وبذل مقدار النفقة وإن كانت من أغنى الناس.
(مسألة 20): إذا لم يكن له مالٌ يفي بنفقة نفسه وزوجته وأقاربه الواجبي النفقة فهو مقدّمٌ على زوجته وهي على أقاربه، فما فضل من قوته صرفه إليها ولا يدفع إلى الأقارب إلَّا ما يفضل من نفقتها.
القول في نفقة الأقارب
(مسألة 1): يجب الإنفاق على الأبوين وآبائهما وأمّهاتهما وإن علوا، وعلى الأولاد وأولادهم وإن نزلوا ذكوراً أو إناثاً صغاراً كانوا أو كباراً مسلمين كانوا أو كفاراً، ولا تجب على غير العمودين من الأقارب كالإخوة والأخوات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات وغيرهم، وإن استحبّ خصوصاً الوارث منهم.
(مسألة 2): يشترط في وجوب الإنفاق على القريب فقره واحتياجه، بمعنى عدم وجدانه لما يتقوّت به فعلاً، فلا يجب إنفاق مَن قدر على نفقته فعلاً وإن كان فقيراً لا يملك قوت سنة وجاز له أخذ الزكاة ونحوها. وأمّا الغير الواجد لها فعلاً القادر على تحصيلها، فإن كان ذلك بغير الاكتساب كالاقتراض والاستعطاء والسؤال لم يمنع ذلك عن وجوب الإنفاق عليه بلا إشكال، فإذا لم يكن للأب مثلاً ما ينفق على نفسه لكن يمكن له الاقتراض أو السؤال وكان بحيث لو
ــــــ[695]ـــــــ
(1) ولم يكن ظاهر اليسار.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
اقترض يقرضونه ولو سأل يعطونه وقد تركهما فالواجب على ولده الموسر نفقته وإن كان ذلك بالاكتساب، فإن كان ذلك بالاقتدار على تعلّم صنعةٍ بها إمرار معاشه كالبنت تقدر على تعلّم الخياطة الكافية عن معيشتها والابن يقدر على تعلّم الكتابة أو الصياغة أو النجارة الكافية عن نفقته وقد تركا التعلّم فبقيا بلا نفقةٍ فلا إشكال في وجوب الإنفاق عليه، وكذا الحال لو أمكن له التكسّب بما يشقّ عليه كحمل الأثقال أو لا يناسب شأنه كبعض الأشغال لبعض الأشخاص ولم يتكسّب لذلك فإنَّه يجب على قريبه الإنفاق عليه، وإن كان قادراً على التكسّب بما يناسب حاله وشأنه كالقويّ القادر على حمل الأثقال والوضيع اللائق بشأنه بعض الأشغال ومن كان كسوباً وله بعض الأشغال والصنائع وقد ترك ذلك طلباً للراحة فالظاهر عدم وجوب الإنفاق عليه. نعم لو فات عنه زمان اكتسابه بحيث صار محتاجاً فعلاً بالنسبة إلى يومٍ وأيّامٍ غير قادر على تحصيل نفقتها وجب الإنفاق عليه وإن كان ذلك العجز قد حصل باختياره، كما لوترك التشاغل بالاكتساب لا لطلب الراحة بل لاشتغاله بأمرٍ دنيويٍّ أو دينيٍّ مهمٍّ كطلب العلم الواجب، لم يسقط بذلك التكليف بوجوب الإنفاق عليه.
(مسألة 3): إذا أمكن للمرأة التزويج بمن يليق بها ويقوم بنفقتها دائماً أو منقطعاً فهل تكون بحكم القادر فلا يجب على أبيها أو ابنها الإنفاق عليها أم لا؟ وجهان أوجههما الثاني.
(مسألة 4): يشترط في وجوب الإنفاق على القريب: قدرة المنفق على نفقته بعد نفقة نفسه ونفقة زوجته لو كانت له زوجةٌ دائمةٌ، فلو حصل عنده قدر كفاية نفسه خاصّة اقتصر على نفسه، ولو فرض أنَّه فضل منه شيءٌ وكانت له زوجةٌ
ــــــ[697]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فلزوجته، فلو فضل منه شيءٌ فللأبوين والأولاد.
(مسألة 5): المراد بنفقة نفسه المقدّمة على نفقة زوجته: مقدار قوت يومه وليلته وكسوته اللائقتين بحاله والفراش والغطاء وغيرها وكل ما اضطر إليه من الآلات للطعام والشراب، فإن زاد على ذلك شيءٌ صرفه إلى زوجته ثُمَّ إلى قرابته.
(مسألة 6): لو زاد عن نفقته شيءٌ ولم تكن عنده زوجةٌ، فإن اضطرّ إلى التزويج بحيث يكون في تركه عسرٌ وحرجٌ شديدٌ أو مظنّة فسادٍ دينيٍّ فله أن يصرفه في التزويج وإن لم يبق لقريبه شيءٌ، وإن لم يكن كذلك ففي جواز صرفه في الزواج وترك إنفاق القريب تأمّلٌ وإشكالٌ(1).
(مسألة 7): لو لم يكن عنده ما ينفقه على نفسه وجب عليه التوسّل إلى تحصيله بأيّ وسيلةٍ حتّى بالاستعطاء والسؤال فضلاً عن الاكتساب اللائق بالحال، وأمّا لو لم يكن عنده ما ينفقه على زوجته أو قريبه فلا ينبغي الإشكال في أنَّه يجب عليه تحصيله بالاكتساب اللائق بشأنه وحاله، ولا يجب عليه التوسّل إلى تحصيله بمثل الاستيهاب والسؤال. نعم لا يبعد وجوب الاقتراض إذا أمكن من دون مشقّةٍ وكان له محلّ الإيفاء فيما بعد، وكذا الشراء نسيئةً بالشرطين المذكورين.
(مسألة 8): لا تقدير في نفقة الأقارب، بل الواجب قدر الكفاية من الطعام والإدام والكسوة والمسكن مع ملاحظة الحال والشأن والزمان والمكان حسب ما مرّ في نفقة الزوجة.
(مسألة 9): لا يجب إعفاف مَن وجبت نفقته – ولداً كان أو والداً- بتزويجٍ
ــــــ[697]ـــــــ
(1) بل الظاهر صرفه لواجب النفقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أو إعطاء مهرٍ له أو تمليك أَمَةٍ أو تحليلها عليه، وإن كان أحوط(1) مع حاجته إلى النكاح وعدم قدرته على التزويج وبذل الصداق خصوصاً في الأب.
(مسألة 10): يجب على(2) الولد نفقة والده دون أولاده لأنَّهم إخوته ودون زوجته، ويجب على الوالد نفقة ولده دون زوجته. نعم يجب عليه نفقة أولاده أيضاً لأنَّهم أولاده(3).
(مسألة 11): لا تقضى نفقة الأقارب ولا يتداركه لو فات في وقته وزمانه ولو بتقصيرٍ من المنفق، ولا يستقرّ في ذمّته بخلاف الزوجة كما مرّ. نعم لو لم ينفق عليه لغيبته أو امتنع عن إنفاقه مع يساره ورفع المنفق عليه أمره إلى الحاكم فأمره بالاستدانة عليه فاستدان عليه اشتغلت ذمّته بما استدانه ووجب عليه قضاؤه، وإن تعذّر الحاكم فالظاهر(4) أنَّه يجتزي بنيّته، بمعنى أنَّه لو استدان بقصد كونه على المنفق وجب عليه قضاؤه.
(مسألة 12): قد ظهر ممّا مرّ: أنَّ وجوب الإنفاق ثابتٌ بشروطه في عمودَي النسب -أعني بين الأُصول والفروع دون الحواشي كالإخوة والأعمام والأخوال- فليعلم أنَّ لوجوب الإنفاق ترتيباً من جهتين: من جهة المنفق، ومن جهة المنفق عليه.
ــــــ[698]ـــــــ
(1) وجهه ضعيفٌ وإنَّما هو مستحبّ.
(2) لا فرق بين الوالد وغيره، فمع الحاجة تجب النفقة وبدونها لا تجب. نعم، يعتبر الإخوة وزوجة الأب بعد الأبوين والأولاد.
(3) هذا تعبيرٌ ضعيفٌ يبدو فيه الأمر كأنَّه قضيةٌ بشرط المحمول.
(4) مشكلٌ مع عدم إجازته، والأصل براءة ذمّته.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أمّا من جهة الأولى فتجب نفقة الولد(1) ذكراً كان أو أنثى على أبيه، ومع عدمه أو فقره فعلى جدّه للأب، ومع عدمه أو إعساره فعلى جدّ الأب، وهكذا متعالياً الأقرب فالأقرب. ولو عدمت الآباء أو كانوا معسرين فعلى أمّ الولد(2)، ومع عدمها أو إعسارها فعلى أبيها وأُمّها وأبي أبيها وأمّ أبيها وأبي أمّها وأمّ أمّها وهكذا الأقرب فالأقرب، ومع التساوي في الدرجة يشتركون في الإنفاق بالسويّة، وإن اختلفوا في الذكورة والأنوثة. وفي حكم آباء الأُمّ وأمهاتها أُمّ الأب وكلّ مَن تقرّب إلى الأب بالأُمّ كأبي أُمّ الأب وأُمّ أُمّ الأب وأُمّ أبي الأب وهكذا، فإنَّه تجب عليهم نفقة الولد مع فقد آبائه وأُمّه مع مراعاة الأقرب فالأقرب إلى الولد، فإذا كان له أبٌ وجدٌّ موسران كانت نفقته على الأب، وإذا كان له أب مع أُمّ كانت نفقته على الأب، وإذا كان له جدٌ لأب مع أُمّ كانت نفقته على الجدّ، وإذا كان له جدٌّ لأُمّ مع أُمّ كانت نفقته على الأُمّ، وإذا كان له جدٌّ وجدّةٌ لأُمّ تشاركا في(3) الإنفاق عليه بالسويّة، وإذا كانت له جدّةٌ لأبٍ مع جدٍّ وجدّةٍ لأُمّ تشاركوا فيه(4) أثلاثاً.
هذا كلّه في الأُصول أعني الآباء والأمّهات، وأمّا الفروع أعني الأولاد فتجب نفقة الأب والأُمّ عند الإعسار على الولد مع اليسار ذكراً كان أم أنثى(5)،
ــــــ[699]ـــــــ
(1) يعني: النفقة على الولد.
(2) مشكلٌ في غير الضرورة وإن كان أحوط وكذا ما بعده إلى عدّة سطورٍ فلا نكرّر التعليق.
(3) بل على الجدّ خاصّةً، وعلى العموم مع وجود ذكورٍ وإناثٍ فالذكور أولى بالطبقة الواحدة.
(4) بل يتشارك على الأحوط الأوّلان فقط.
(5) مع فقد الذكر ويسار الأنثى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ومع فقده أو إعساره فعلى ولد الولد – أعني ابن الابن أو بنت وبنت ابن أو بنت- وهكذا الأقرب فالأقرب، ومع التعدّد والتساوي في الدرجة يشتركون بالسويّة(1)، فلو كان له ابنٌ أو بنتٌ مع ابن الابن مثلاً كانت نفقته على الابن أو البنت(2)، ولو كان له ابنان أو بنتان أو ابنٌ وبنتٌ اشتركا في الإنفاق بالسويّة(3)، وإذا اجتمع الأُصول مع الفروع يراعى الأقرب فالأقرب، ومع التساوي يتشاركون، فإذا كان له أبٌ مع ابنٍ أو بنتٍ تشاركا بالسويّة، وإذا كان له أبٌ مع ابن الابن أو ابن بنتٍ كانت نفقته على الأب، وإذا كان له ابنٌ وجدٌّ لأبٍ كانت على الابن، وإذا كان له ابن الابن مع جدٍّ لأبٍ تشاركا بالسوية. وإذا كانت له أُمٌّ مع ابن الابن أو ابن بنتٍ مثلاً كانت نفقته على الأُمّ. ويشكل الأمر فيما إذا اجتمعت الأُمّ مع الابن(4) أو البنت، والأحوط التراضي(5) والتصالح على الاشتراك بالسويّة.
وأمّا من الجهة الثانية فإذا كان عنده زائداً على نفقته ونفقة زوجته ما يكفي لإنفاق جميع أقاربه المحتاجين وجب عليه نفقة الجميع، وإذا لم يكفِ إلَّا لإنفاق بعضهم ينفق على الأقرب فالأقرب منهم، فإذا كان عنده ابنٌ أو بنتٌ مع ابن الابن
ــــــ[700]ـــــــ
(1) مع تقديم الذكور.
(2) يعني: مع عدم الابن.
(3) ظهر ما فيه.
(4) في صورة وجود الابن ويساره فعلى الابن، وإلَّا فالأمّ أولى، إلَّا أن تكون البنت ميسورةً دون الأُمّ.
(5) استحباباً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وكان عنده ما يكفي أحدهما ينفق على الابن أو البنت دون ابن الابن، وإذا كان عنده أبواه مع ابن ابنٍ وابن بنتٍ أو مع جدٍّ وجدّةٍ لأبٍ أو لأُمّ أو بالاختلاف وكان عنده ما يكفي اثنين أنفق على الأبوين وهكذا. وأمّا إذا كان عنده قريبان أو أزيد في مرتبةٍ واحدةٍ وكان عنده ما لا يكفي الجميع فالأقرب أنَّه يقسم بينهم(1) بالسويّة.
(مسألة 13): لو كان له ولدان ولم يقدر إلَّا على نفقة أحدهما وكان له أبٌ موسرٌ، فإن اختلفا في قدر النفقة وكان ما عنده يكفي لأحدهما بعينه كالأقلّ نفقةً اختصّ به وكان نفقة الآخر على أبيه جدّ الولدين، وإن اتّفقا في مقدار النفقة فإن توافق مع الجدّ في أن يشتركا في إنفاقهما أو تراضيا على أن يكون أحدهما المعيّن في نفقة أحدهما والآخر في نفقة آخر فهو، وإلَّا رجعا إلى القرعة.
(مسألة 14): لو امتنع مَن وجبت عليه النفقة عن الإنفاق أجبره الحاكم، ومع عدمه فعدول المؤمنين، وإن لم يمكن إجباره فإن كان له مالٌ أمكن للمنفق عليه أن يقتصّ منه مقدار نفقته جاز له(2)، وإلَّا أمره الحاكم بالاستدانة عليه، ومع تعذّر الحاكم(3) جاز له(4) ذلك كما مرّ.
(مسألة 15): يجب نفقة المملوك رقيقاً كان أو غيره حتّى النحل ودود القزّ
ــــــ[701]ـــــــ
(1) للذكر والأنثى كلٌ حسب حاجته، وليس الذكر هنا أولى كما قلنا فيما سبق.
(2) والأحوط استئذان الحاكم الشرعيّ.
(3) ترجع الولاية إلى عدول المؤمنين.
(4) مع ما علّقنا عليه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
على مالكه، ومولى الرقيق بالخيار بين الإنفاق عليه من خالص ماله أو من كسبه، بأن يرخّصه في أن يكتسب ويصرف ما حصله في نفقته وما زاد لسيّده، فلو قصر كسبه عن نفقته كان على المولى إتمامه، ولا تقدير لنفقته بل الواجب قدر الكفاية من طعامٍ وإدامٍ وكسوةٍ، ويرجع في جنس ذلك إلى عادة مماليك أمثال السيّد مع أهل بلده، كما أنَّه لا تقدير لنفقة البهيمة، بل الواجب(1) القيام بما تحتاج إليه من أكلٍ وسقيٍ ومكان رحلٍ ونحو ذلك، وأمّا مالكها بالخيار بين علفها وإطعامها وبين تخليتها ترعى في خصب الأرض، فإن اجتزأت بالرعي وإلَّا علفها بمقدار كفايتها.
(مسألة 16): لو امتنع المولى من الإنفاق على رقيقه أجبر على بيعه أو غيره ممّا يزيل ملكه عنه أو الإنفاق عليه، كما أنَّه لو امتنع المالك من الإنفاق على البهيمة ولو بتخليتها للرعي الكافي لها أجبر على بيعها أو الإنفاق عليها أو ذبحها إن كانت ممّا يقصد بذبحها اللحم.
ــــــ[702]ـــــــ
(1) مع وجوب دفع الضرر المؤلم عنهم مع الإمكان وحرمة إيقاع الضرر عليهم بدون مبرّرٍ شرعيّ، وكذلك الرقيق إلَّا أنَّ الحيوان أولى لقصوره عن الدفع عن نفسه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الطلاق
وله شروط وأقسام ولواحق وأحكام.
القول في شروطه
(مسألة 1): يشترط في الزوج المطلّق: البلوغ والعقل، فلا يصحّ طلاق الصبيّ لا بالمباشرة ولا بتوكيل الغير وإن كان مميّزاً وله عشر سنين، وإن كان الاحتياط(1) في الطلاق الواقع ممّن بلغ العشر لا ينبغي تركه؛ لمكان بعض الأخبار وفتوى جماعةٍ من الفقهاء بصحّته، ولا طلاق المجنون مطبقاً وأدواراً حال جنونه، ويلحق به السكران ونحوه ممّن زال عقله.
(مسألة 2): كما لا يصحّ طلاق الصبيّ بالمباشرة والتوكيل لا يصحّ طلاق وليّه عنه كأبيه وجدّه فضلاً عن الوصيّ والحاكم. نعم لو بلغ فاسد العقل أو طرأ عليه الجنون بعد البلوغ طلّق عنه وليّه مع مراعاة الغبطة والصلاح، فإن لم يكن له أبٌ وجدٌّ فالأمر إلى الحاكم، وإن كان أحدهما معه فالأحوط(2) أن يكون الطلاق منه مع الحاكم.
ــــــ[703]ـــــــ
(1) احتياطاً استحبابيّاً؛ وذلك بأن لا تتزوّج إلَّا أن يكرّر طلاقها بعد بلوغه وتصالح على نفقتها وتركته إلى غير ذلك.
(2) استحباباً وإن كان وجهه ضعيفاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 3): ويشترط في الزوج المطلّق: القصد والاختيار، بمعنى عدم الإكراه والإجبار، فلا يصحّ طلاق غير القاصد كالنائم والساهي والغالط، بل الهازل الذي لا يريد وقوع الطلاق جدّاً بل يتكلّم بلفظه هزلاً. وكذا لا يصحّ طلاق المكره الذي قد ألزم على إيقاعه مع التوعيد والتهديد على تركه.
(مسألة 4): الإكراه هو حمل الغير على إيجاد ما يكره إيجاده مع التوعيد على تركه بإيقاع ما يضرّ بحاله عليه نفساً أو عرضاً أو مالاً، بشرط كون الحامل قادراً على إيقاع ما توعّد به مع العلم أو الظنّ بإيقاعه على تقدير عدم امتثاله. ويلحق به موضوعاً أو حكماً ما إذا أمره بإيجاد ما يكرهه مع خوف المأمور من عقوبته والإضرار عليه لو خالفه وإن لم يقع منه توعيدٌ أو تهديدٌ. ولا يلحق به لا موضوعاً ولا حكماً ما لو أوقع الفعل مخافة إضرار الغير عليه بتركه من دون إلزامٍ منه عليه، فلو تزوّج على امرأةٍ ثُمَّ رأى أنَّه لو بقيت في حباله لوقعت عليه وقيعةٌ من بعض متعلّقيها كأبيها أو أخيها فالتجأ إلى طلاقها فطلّقها فإنَّه يصحّ طلاقها(1).
(مسألة 5): لو قدر المأمور على دفع ضرر الأمر ببعض التفصّيات ممّا ليس فيه ضررٌ عليه كالفرار والاستعانة بالغير لم يتحقّق الإكراه، فلو أوقع الطلاق مثلاً حينئذٍ وقع صحيحاً. نعم لو قدر على التورية وأوقع الطلاق من دون توريةٍ فالظاهر وقوعه مكرهاً عليه وباطلاً(2).
(مسألة 6): لو أكرهه على طلاق إحدى زوجتيه فطلّق إحداهما المعيّنة وقع
ــــــ[704]ـــــــ
(1) ما لم تكن الوقيعة موثوقة الوقوع وقريبةً ومؤلمةً بحيث تعدل التهديد المباشر عرفاً.
(2) إلَّا إذا كان قادراً على التورية بسهولةٍ ولم يفعل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مكرهاً عليه، ولو طلّقهما معاً ففي وقوع طلاق إحداهما مكرهاً عليه فيعيّن بالقرعة أو صحّة كليهما وجهان لا يخلو أوّلهما من رجحانٍ، وأمّا لو أكرهه على طلاق كلتيهما فطلّق إحداهما فالظاهر أنَّه وقع مكرهاً عليه.
(مسألة 7): لو أكرهه على أن يطلّق زوّجته ثلاث طلقاتٍ بينهما رجعتان فطلّقها واحدةً أو اثنين ففي وقوع ما أوقعه مكرهاً عليه إشكال(1)، إلَّا إذا كان ذلك بقصد احتمال التخلّص عن المكروه وأنَّه لعلّ المكره اقتنع بما أوقعه وأغمض عمّا لم يوقعه.
(مسألة 8): لو أوقع الطلاق عن إكراهٍ ثُمَّ تعقّبه الرضا لم يفد ذلك في صحّته، وليس كالعقد المكره عليه الذي تعقّبه الرضا.
(مسألة 9): لا يعتبر في الطلاق إطلاع الزوجة عليه فضلاً عن رضاها به.
(مسألة 10): يشترط في المطلقة أن تكون زوجةً دائمةً فلا يقع الطلاق على المتمتّع بها، وأن تكون طاهراً من الحيض والنفاس فلا يصحّ طلاقي الحائض والنفساء والمراد بهما ذات الدمين فعلاً أو حكماً كالنقاء المتخلّل في البين، فلو نقتا من الدمين ولمّا تغتسلا من الحدث صحّ طلاقهما، وأن لا تكون في طهرٍ واقعها فيه زوجها.
(مسألة 11): إنَّما يشترط خلوّ المطلقة من الحيض في المدخول بها الحائل دون غير المدخول بها ودون الحامل بناءً على مجامعة الحيض للحمل كما هو الأقوى، فإنَّه يصحّ طلاقهما في حال الحيض. وكذا يشترط ذلك فيما إذا كان الزوج حاضراً، بمعنى كونهما في بلدٍ واحدٍ حين الطلاق، وأمّا إذا كان غائباً فيصحّ طلاقها وإن
ــــــ[705]ـــــــ
(1) لا إشكال في أنَّ ما أوقعه مصداقٌ للمكره عليه، فيبطل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وقع في حال الحيض، لكن إذا لم يعلم حالها من حيث الطهر والحيض وتعذّر أو تعسّر عليه استعلامها، فإذا علم أنَّها في حال الحيض ولو من جهة علمه بعادتها الوقتيّة على الأظهر أو تمكّن من استعلام حالها وطلّقها فتبيّن وقوعه في حال الحيض بطل الطلاق.
(مسألة 12): إذا غاب الزوج، فإن خرج في حال حيضها لم يجز طلاقها إلَّا بعد مضيّ مدّةٍ قطع بانقطاع ذلك الحيض، فإن طلّقها بعد ذلك في زمانٍ لم يعلم(1) بكونها حائضاً في ذلك الزمان صحّ طلاقها وإن تبيّن وقوعه في حال الحيض، وإن خرج في حال الطهر الذي لم يواقعها فيه طلّقها في أيّ زمانٍ لم يعلم(2) بكونها حائضاً وصحّ طلاقها وإن صادف زمان الحيض، وأمّا إن خرج في الطهر الذي واقعها فيه ينتظر مضيّ زمانٍ انتقلت بمقتضى العادة من ذلك الطهر إلى طهرٍ آخر ويكفي تربّص شهر، والأحوط أن لا ينقص من ذلك، والأَولى تربّص ثلاثة أشهر، فإذا أوقع الطلاق بعد التربّص لم يضرّ مصادفة الحيض(3) في الواقع، بل الظاهر(4) أنَّه لا يضرّ مصادفته للطهر الذي واقعها فيه، بأن طلّقها بعد شهرٍ مثلاً ثُمَّ تبيّن أنَّها لم تخرج من الطهر الأوّل إلى ذاك الزمان.
ــــــ[706]ـــــــ
(1) بل وإن علم أنَّها دخلت في حيضٍ جديدٍ.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(3) إن كان هو حيضاً آخر غير الذي وقع بعد الطهر المواقع فيه، وإن كان هو لم يصحّ الطلاق.
(4) بل الأحوط خلافه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 13): الحاضر الذي يتعذّر أو يتعسّر عليه معرفة حال المرأة من حيث الطهر والحيض كالغائب، كما أنَّ الغائب لو فرض إمكان علمه بحالها كان كالحاضر(1).
(مسألة 14): يجوز الطلاق في الطهر الذي واقعها فيه في اليائسة والصغيرة وفي الحامل والمسترابة وهي المرأة التي كانت في سنّ مَن تحيض ولا تحيض لخلقةٍ أو عارضٍ، لكن يشترط في الأخيرة – أعني المسترابة- مضيّ ثلاثة أشهر(2) من زمان المواقعة، فإذا أراد تطليق هذه المرأة اعتزلها ثلاثة أشهرٍ ثُمَّ طلّقها، فلو طلّقها قبل مضيّ ثلاثة أشهرٍ من حين المواقعة لم يقع الطلاق.
(مسألة 15): لا يشترط في تربّص ثلاثة أشهر في المسترابة أن يكون اعتزاله عنها لأجل ذلك وبقصد أن يطلّقها بعد ذلك، فلو واقعها ثُمَّ لم يتّفق له المواقعة بسببٍ من الأسباب إلى أن مضى ثلاثة أشهرٍ ثُمَّ بدا له أن يطلّقها صحّ طلاقها في الحال ولم يحتج إلى تجديد الاعتزال.
(مسألة 16): لو واقعها في حال الحيض لم يصحّ طلاقها في الطهر الذي بعد تلك الحيضة، بل لابدَّ من إيقاعه في طهرٍ آخر بعد حيضٍ آخر، لأنَّ ما هو شرطٌ في الحقيقة هو كونها مستبرأةً بحيضة بعد المواقعة لا مجرّد وقوع الطلاق في طهر غير طهر المواقعة.
(مسألة 17): يشترط في صحّة الطلاق تعيّن المطلّقة أو تعيينها، بأن يقول:
ــــــ[707]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان الأظهر كونه غائباً كغيره.
(2) إلَّا أن تصبح حاملاً فيصحّ طلاقها على أيّ حال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
«فلانة طالقٌ» أو يشير إليها بما يرفع الإبهام والإجمال، فلو كانت له زوجةٌ واحدةٌ فقال: «زوجتي طالق» صحّ، بخلاف ما إذا كانت له زوجتان أو أكثر وقال: «زوجتي طالق»، فإنَّه لا يصحّ إلَّا إذا نوى(1) في نفسه معيّنةً، ويقبل تفسيره بمعيّنةٍ من غير يمينٍ.
القول في الصيغة
(مسألة 1): لا يقع الطلاق إلَّا بصيغةٍ خاصّةٍ، وهي قوله: «أنتِ طالق» أو «فلانة أو هذه» أو ما شاكلها من الألفاظ الدالّة على تعيين المطلّقة، فلا يقع(2) بقوله: «أنت أو هي مطلّقة» أو «طلّقت فلانة» فضلاً عن بعض الكنايات كقوله: «أنت خليّةٌ أو بريّةٌ أو حبلك على غاربك أو الحقي بأهلك» وغير ذلك، فإنَّه لا يقع بها الطلاق وإن نواه، حتّى بقوله «اعتدّي» المنويّ به الطلاق على الأقوى.
(مسألة 2): يجوز إيقاع طلاق أكثر من زوجةٍ واحدةٍ بصيغةٍ واحدةٍ، فلو كانت عنده زوجتان أو ثلاث فقال: «زوجتاي طالقان(3) أو زوجاتي طوالق» صحّ طلاق الجميع.
(مسألة 3): لا يقع الطلاق بما يرادف الصيغة المزبورة من لغةٍ غير عربيّةٍ مع
ــــــ[708]ـــــــ
(1) هذا فيما إذا كان بينهما ميزٌ واقعيٌّ كما لو كانت إحداهما أهمّ من الأُخرى عنده أو اجتماعيّاً أو اقتصاديّاً. وأمّا إذا لم يكن ميزٌ واقعيٌّ فوقوع الطلاق مخالفٌ للاحتياط، فالأحوط أن يعيده رجاءً مع التعيين.
(2) على الأحوط.
(3) والأفصح: طالقتان. والتثنية على العموم ليست عرفيّة له؛ فالأحوط تجنّبها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القدرة(1) على إيقاعه بتلك الصيغة، وأمّا مع العجز عنها فيجزي إيقاعه بما يرادفها بأيّ لغةٍ كان، وكذا لا يقع بالإشارة ولا بالكتابة مع القدرة على النطق، وأمّا مع العجز عنه كما في الأخرس فيصحّ منه إيقاعه بهما، والأحوط تقديم(2) الكتابة لمن يعرفها على الإشارة.
(مسألة 4): يجوز للزوج أن يوكل غيره في تطليق زوجته بنفسه بالمباشرة أو بتوكيل غيره، سواءٌ كان الزوج غائباً أم حاضراً، بل وكذا له أن يوكّل نفس الزوجة في تطليق نفسها بنفسها أو بتوكيل غيرها.
(مسألة 5): يجوز أن يوكّلها على أنَّه لو طال سفره أزيد من ثلاثة شهورٍ مثلاً أو سامح في الإنفاق عليها أزيد من شهرٍ مثلاً طلّقت نفسها، لكن يشترط أن يكون الشرط قيداً للموكل فيه لا تعليقاً في الوكالة فتبطل كما مرّ في كتاب الوكالة.
(مسألة 6): يشترط في صيغة الطلاق التنجيز، فلو علّقه بشرطٍ بطل، سواءٌ كان مما يحتمل وقوعه كما إذا قال: «أنت طالق إذا جاء زيد» أو ممّا يتيقّن حصوله كما إذا قال: «إذا طلعت الشمس». نعم لا يبعد جواز تعليقه بما يكون معلّقاً عليه في الواقع كما إذا قال: «إن كانت فلانة زوجتي فهي طالق»، سواءٌ كان عالماً بأنَّها زوجته أو جاهلاً به(3).
(مسألة 7): لو كرّر صيغة الطلاق ثلاثاً فقال: «هي طالقٌ، هي طالقٌ، هي
ــــــ[709]ـــــــ
(1) بشكل يمكن معها القصد ولو إجمالاً.
(2) بل لعلّ الأحوط العكس فلا يترك.
(3) إذا قصد الرجاء صحّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
طالق» من دون تخلّل رجعةٍ في البين قاصداً تعدّد الطلاق تقع واحدةً ولغت الأُخريان، ولو قال: «هي طالق ثلاثاً» لم تقع الثلاث قطعاً، وهل تقع واحدةٌ كالصورة السابقة أو يبطل الطلاق ولغت الصيغة بالمرّة قولان، أقواهما الثاني(1) وإن كان الأشهر هو الأوّل، وعند العامّة وقوع الثلاث في الصورتين فتبين منه وحرمت عليه حتّى تنكح زوجاً غيره.
(مسألة 8): لو كان الزوج من العامّة ممّن يعتقد وقوع الثلاث بثلاثٍ مرسلةً أو مكرّرةً وأوقع الطلاق ثلاثاً بأحد النحوين أُلزم بذلك، سواءٌ كانت المرأة شيعيّةً أو مخالفةً، ونرتّب نحن عليها آثار المطلَّقة ثلاثاً، فلو رجع إليها نحكم ببطلانه فنتزوّج بها بعد انقضاء العدّة، وكذلك الزوجة إذا كانت شيعيّةً جاز لها التزويج بالغير. ولا فرق في ذلك بين الطلاق ثلاثاً وغيره ممّا هو صحيحٌ عندهم فاسدٌ عندنا كالطلاق المعلّق والحلف بالطلاق والطلاق في طهر المواقعة والحيض وبغير شاهدين، [فإنَّ المذكورات] وإن كانت فاسدةً عندنا فإذا وقعت من رجلٍ منّا لا نرتّب على زوجته آثار المطلّقة، ولكن إذا وقعت من أحد المخالفين القائلين بصحّتها نرتّب على طلاقه بالنسبة إلى زوجته آثار الطلاق الصحيح فنتزوّج بها بعد انقضاء العدّة. وهذا الحكم جارٍ في غير الطلاق أيضاً، فنأخذ بالعول والتعصيب منهم الميراث مثلاً مع أنَّهما باطلان عندنا، والتفصيل لا يسع هذا المختصر.
ــــــ[710]ـــــــ
(1) إذا لم يكن التعدّد بمنزلة البشرط شيءٍ في إرادة الطلاق، وإلَّا بطل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 9): يشترط في صحّة الطلاق -زائداً على ما مرّ-: الإشهاد، بمعنى: إيقاعه بحضور عدلين ذكرين يسمعان الإنشاء، سواءٌ قال لهما: اشهدا، أو لم يقل، ويعتبر اجتماعهما حين سماع الإنشاء، فلو شهد أحدهما وسمع في مجلس ثُمَّ كرّر اللفظ وسمع الآخر في مجلسٍ آخر بانفراده لم يقع الطلاق. نعم لو شهدا بإقراره بالطلاق لم يعتبر اجتماعهما لا في تحمّل الشهادة ولا في أدائها. ولا اعتبار بشهادة النساء وسماعهنّ لا منفرداتٍ ولا منضمّات إلى الرجال.
(مسألة 10): لو طلّق الوكيل عن الزوج لا يكتفى به مع عدلٍ آخر في الشاهدين، كما أنَّه لا يكتفى بالموكل مع عدلٍ آخر.
(مسألة 11): المراد بالعدل في هذا المقام ما هو المراد به في غير المقام ما رتّب عليه بعض الأحكام، وهو مَن كانت له حالةٌ رادعةٌ(1) عن ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر، وهي التي تسمّى بالملكة، والكاشف عنها حسن الظاهر، بمعنى كونه عند الناس حسن الأفعال، بحيث لو سألوا عن حاله قالوا في حقّه: هو رجلٌ خيّرٌ لم نر منه إلَّا خيراً، ومثل هذا الشخص ليس عزيز المنال.
(مسألة 12): لو كان الشاهدان عادلين في اعتقاد المطلّق – أصيلاً كان أو وكيلاً- فاسقين في الواقع يشكل ترتيب آثار الطلاق الصحيح لمن يطّلع على فسقهما، وكذلك إذا كانا عادلين في اعتقاد الوكيل دون الموكل فإنَّه يشكل جواز ترتيب آثار الطلاق على طلاقه(2)، بل الأمر فيه أشكل من سابقه.
ــــــ[711]ـــــــ
(1) بل ملكة الاستقامة الشرعيّة، وقد سبق الكلام عنها في كتاب الاجتهاد والتقليد.
(2) فيبني على استمرار زوجيّتها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في أقسام الطلاق
الطلاق نوعان: بدعيٌّ، وسنّيّ. فالأوّل: هو غير الجامع للشرائط المتقدّمة، وهو على أقسام: فاسدةٌ عندنا صحيحةٌ عند غيرنا، فالبحث عنها لا يهمّنا. والثاني: ما جمع الشرائط في مذهبنا، وهو قسمان: بائنٌ ورجعيّ، فالبائن: ما ليس للزوج الرجوع إليها بعده، سواءٌ كانت لها عدّةٌ أم لا، وهو ستّة:
الأوّل: الطلاق قبل الدخول، الثاني: طلاق الصغيرة، أعني: من لم تبلغ التسع وإن دخل بها، الثالث: طلاق اليائسة، وهذه الثلاث ليس لها عدّةٌ كما يأتي، الرابع والخامس: طلاق الخلع والمبارأة مع عدم رجوع الزوجة فيما بذلت وإلَّا كانت له الرجعة، السادس: الطلاق الثالث إذا وقع منه رجوعان(1) في البين بين الأوّل والثاني وبين الثاني والثالث، وأمّا إذا وقع الثلاث متواليةً بلا رجعةٍ صحّت ووقعت واحدةً كما مرّ.
(مسألة 1): إذا طلّقها ثلاثاً مع تخلّل رجعتين حرمت عليه ولو بعقدٍ جديدٍ، ولا تحلّ له إلَّا بعد أن تنكح زوجاً غيره، فإذا نكحها غيره ثُمَّ فارقها بموتٍ أو طلاقٍ وانقضت عدّتها جاز للأوّل نكاحها.
(مسألة 2): كلّ امرأةٍ حرّةٍ وإن كانت تحت عبدٍ إذا استكملت الطلاق ثلاثاً مع تخلّل رجعتين(2) في البين حرمت على المطلّق حتّى تنكح زوجاً غيره، سواءٌ واقعها بعد كلّ رجعةٍ وطلّقها في طهرٍ آخر غير طهر المواقعة – وهذا يقال له:
ــــــ[712]ـــــــ
(1) ولو بعقدٍ جديدٍ.
(2) كما قلنا في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
«طلاق العدّة»- أم لم يواقعها، سواءٌ وقع كلّ طلاقٍ في طهرٍ أم وقع الجميع في طهرٍ واحدٍ، فلو طلّقها مع الشرائط ثُمَّ راجعها ثُمَّ طلّقها ثُمَّ راجعها في مجلسٍ واحدٍ حرمت عليه، فضلاً عمّا إذا طلّقها ثُمَّ راجعها ثُمَّ تركها حتّى حاضت وطهرت ثُمَّ طلّقها. هذا في الحرّة وأمّا الأَمَة فإذا طلّقت طلاقين بينهما رجعةٌ حرمت على زوجها حتّى تنكح زوجاً غيره وإن كانت تحت حرّ.
(مسألة 3): العقد الجديد بحكم الرجوع في الطلاق، فلو طلّقها ثلاثاً بينها عقدان مستأنفان حرمت عليه حتّى تنكح زوجاً غيره، سواءٌ لم تكن لها عدّة، كما إذا طلّقها قبل الدخول ثُمَّ عقد عليها ثُمَّ طلّقها ثُمَّ عقد عليها ثُمَّ طلّقها أم كانت ذات عدّةٍ وعقد عليها بعد انقضاء العدّة.
(مسألة 4): المطلّقة ثلاثاً إذا نكحت زوجاً آخر وفارقها بموتٍ أو طلاقٍ حلّت للزوج الأوّل وجاز له العقد عليها بعد انقضاء العدّة من الزوج الثاني، فإذا طلّقها ثلاثاً حرمت عليه أيضاً حتّى تنكح زوجاً آخر وإن كان الآخر ذاك الزوج الثاني في الثلاثة الأولى، فإذا فارقها حلّت للأوّل، فإذا عقد عليها وطلّقها ثلاثاً حرمت عليه حتّى تنكح زوجاً غيره، وهكذا تحرم عليه بعد كلّ طلاقٍ ثالثٍ وتحلّ له بنكاح الغير بعده وإن طلّقت مائة مرّة(1). نعم لو طلّقت تسعاً طلاق العدّة بالتفسير الذي أشرنا إليه حرمت عليه أبداً، وذلك بأن طلّقها ثُمَّ راجعها ثُمَّ واقعها ثُمَّ طلّقها في طهرٍ آخر ثُمَّ راجعها ثُمَّ واقعها ثُمَّ طلّقها في طهرٍ آخر، وهذا هو طلاق العدّة، فإذا حلّت للمطلّق بنكاح زوجٍ آخر وعقد عليها ثُمَّ طلّقها ثلاثاً
ــــــ[713]ـــــــ
(1) سيأتي ما فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كالثلاثة الأُولى ثُمَّ حلّت له بمحلّلٍ آخر ثُمَّ عقد عليها ثُمَّ طلّقها ثلاثاً كالأوليين حرمت عليه أبداً.
وبالجملة إنَّما توجب تسع طلقات الحرمة المؤبّدة إذا وقع طلاق العدّة ثلاث مرّاتٍ، ويعتبر فيه أمران:
أحدهما: تخلّل رجعتين، فلا يكفي وقوع عقدين مستأنفين ولا وقوع رجعةٍ وعقدٍ مستأنفٍ في البين.
الثاني: وقوع المواقعة بعد كلّ رجعة، فطلاق العدّة مركّبٌ من ثلاث طلقاتٍ، اثنتان منها رجعيّةٌ، وواحدةٌ منها بائنةٌ، فإذا وقعت ثلاثةٌ منه حتّى كملت تسع طلقات حرمت عليه أبداً. هذا والأحوط الاجتناب(1) عن المطلّقة تسعاً مطلقاً وإن لم تكن الجميع طلاق العدّة.
(مسألة 5): إنَّما يوجب التحريم الطلقات الثلاث إذا لم تنكح في البين زوجاً آخر، وأمّا إن تزوّجت للغير انهدم حكم ما سبق وتكون كأنَّها غير مطلّقة، ويتوقّف التحريم على إيقاع ثلاث طلقاتٍ مستأنفة.
(مسألة 6): قد مرّ أنَّ المطلقة ثلاثاً تحرم على المطلق حتّى تنكح زوجاً غيره، ويعتبر في زوال التحريم به أُمور ثلاثة:
الأوّل: أن يكون الزوج المحلّل بالغاً، فلا اعتبار بنكاح غير البالغ وإن كان مراهقاً.
الثاني: أن يطأها قبلاً وطياً موجباً للغسل بغيبوبة الحشفة أو مقدارها من
ــــــ[714]ـــــــ
(1) احتياطاً وجوبيّاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مقطوعها، وهل يعتبر الإنزال؟ فيه إشكال، الأحوط اعتباره(1).
الثالث: أن يكون(2) العقد دائماً لا متعةً.
(مسألة 7): لو طلّقها ثلاثاً وانقضت مدّةٌ فادّعت أنَّها تزوّجت وفارقها الزوج الثاني ومضت العدّة واحتمل صدقها صدقت ويقبل قولها بلا يمين، فللزوج الأوّل أن ينكحها بعقدٍ جديدٍ وليس عليه الفحص والتفتيش، والأحوط الاقتصار(3) على ما إذا كانت ثقةً أمينةً.
(مسألة 8): إذا دخل المحلّل فادّعت الدخول ولم يكذّبها صدقت وحلّت للزوج الأوّل، وإن كذّبها لا يبعد قبول قولها أيضاً، لكنّ الأحوط(4) الاقتصار على صورة حصول الاطمئنان بصدقها. ولو ادّعت الإصابة ثُمَّ رجعت عن قولها، فإن كان قبل أن يعقد الأوّل عليها لم تحلّ له، وإن كان بعد العقد عليها لم يقبل رجوعها.
(مسألة 9): لا فرق في الوطي المعتبر في المحلّل بين المحرم والمحلّل(5)، فلو وطئها محرّماً كالوطي في الإحرام أو في الصوم الواجب أو في الحيض ونحو ذلك كفى في حصول التحليل للزوج الأوّل.
ــــــ[715]ـــــــ
(1) وإن كان مقتضى القاعدة العدم.
(2) على الأحوط استحباباً والأقوى كفاية المنقطع.
(3) وجوباً.
(4) وجوباً.
(4) بعد صحّة العقد عليه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 10): لو شكّ الزوج في إيقاع أصل الطلاق على زوجته لم يلزمه الطلاق بل يحكم ظاهراً ببقاء علقة النكاح، ولو علم بأصل الطلاق وشكّ في عدده بنى على الأقل، سواءٌ كان الطرف الأكثر الثلاث أو التسع، فلا يحكم مع الشكّ بالحرمة الغير مؤبّدة في الأوّل وبالحرمة الأبديّة في الثاني. نعم لو شكّ بين الثلاث والتسع يشكل البناء(1) على الأوّل بحيث تحلّ له بالمحلّل.
القول في العُدَدْ
إنَّما يجب الاعتداد بأُمورٍ ثلاثةٍ: الفراق بين الزوج والزوجة بطلاقٍ أو فسخٍ أو انفساخٍ في العقد الدائم أو انقضاء مدّةٍ أو بذلها في المتعة، وموت الزوج، ووطي الشبهة.
ــــــ[716]ـــــــ
(1) وإن كان البناء أقرب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(فصل) في عدة الفراق طلاقاً كان أو غيره
(مسألة 1): لا عدّة على مَن لم يدخل بها ولا على الصغيرة، وهي من لم تكمل التسع وإن دخل بها، ولا على اليائسة، سواءٌ بانت في ذلك كلّه بطلاقٍ أو فسخٍ أو هبة مدّةٍ أو انقضائها.
(مسألة 2): يتحقّق الدخول بإيلاج تمام الحشفة قبلاً أو دبراً وإن لم ينزل، بل وإن كان مقطوع الأنثيين.
(مسألة 3): يتحقّق اليأس ببلوغ ستّين في القرشيّة وخمسين في غيرها، والأحوط مراعاة الستّين مطلقاً بالنسبة إلى التزويج بالغير وخمسين كذلك بالنسبة إلى الرجوع إليها.
(مسألة 4): لو طُلّقت ذات الأقراء قبل بلوغ سنّ اليأس ورأت الدم مرّةً أو مرّتين ثُمَّ يئست أكملت العدّة بشهرٍ أو شهرين، وكذلك ذات الشهور إذا اعتدّت شهراً أو شهرين ثُمَّ يئست أتمّت ثلاثة.
(مسألة 5): المطلّقة ومَن أُلحقت بها إن كانت حاملاً فعدّتها مدّة حملها، وتنقضي بأن تضع حملها ولو بعد الطلاق بلا فصل، سواءٌ كان تامّاً أو غير تامٍّ، ولو كان مضغةً أو علقةً إن تحقّق أنَّه حمل.
(مسألة 6): إنَّما تنقضي العدّة بالوضع إذا كان الحمل ملحقاً بمن له العدّة، فلا عبرة بوضع مَن لم يلحق به في انقضاء عدّته، فلو كانت حاملاً من زنا قبل
ــــــ[717]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الطلاق أو بعده لم تخرج من العدّة بالوضع، بل يكون انقضاؤها بالأقراء والشهور كغير الحامل، فوضع هذا الحمل لا أثر له أصلاً لا بالنسبة إلى الزاني لأنَّه لا عدّة له(1) ولا بالنسبة إلى المطلّق لأنَّ الولد ليس له. نعم إذا حملت من وطي الشبهة قبل الطلاق أو بعده بحيث يلحق الولد بالواطي لا بالزوج فوضعه سببٌ لانقضاء العدّة، لكن بالنسبة إلى الواطي لا إلى الزوج المطلّق.
(مسألة 7): لو كانت حاملاً باثنين مثلاً بانت بوضع الأوّل، فلا رجعة للزوج بعده، ولا تنكح زوجاً إلَّا بعد وضع(2) الأخير على الأحوط فيهما.
(مسألة 8): لو وطئت شبهةً فحملت وألحق الولد بالواطي لبعد الزوج عنها أو لغير ذلك ثُمَّ طلّقها الزوج أو طلّقها ثُمَّ وطئت شبهةً على نحو ألحق الولد بالواطي كانت عليها عدّتان: عدّةٌ لوطي الشبهة تنقضي بالوضع وعدّةٌ للطلاق تستأنفها(3) فيما بعده وكان مدّتها بعد انقضاء نفاسها.
(مسألة 9): إذا ادّعت المطلّقة الحامل أنَّها وضعت فانقضت عدّتها وأنكر الزوج(4)، أو انعكس فادّعى الوضع وأنكرت هي، أو ادّعت الحمل وأنكر، أو
ــــــ[718]ـــــــ
(1) ولكنّه استبراء منه.
(2) بل لها قبل ذلك ما دامت خرجت من العدّة.
(3) على الأحوط وإن كان الأقوى التداخل بمعنى وجود عدّة الطلاق خلال عدّة الوطي، فإن لم نقل باجتماع الحيض مع الحمل اعتدّت بالأشهر وكذلك إن لم تكن ترى الدم خلال حملها وإلَّا اعتدّت بالأقراء. وتنتهي عدّة الوطي بالوضع سواءٌ وضعت خلال عدّة الطلاق أو بعده؛ بمعنى: أنَّه لا يؤثّر وجود أو انتهاء إحداهما على الأخرى.
(4) هذا يختلف باختلاف حال المرأة. فإن كان الوضع الذي تدّعيه بسيطاً كالعلقة والمضغة فهو ممّا لا يعرف إلَّا منها؛ فالقول قولها بيمينها، وأمّا إذا كان تامّاً أو قريباً منه فالقول قول الزوج بيمينه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ادّعت الحمل والوضع(1) معاً وأنكرهما، يقدّم قولها في الجميع بينهما.
(مسألة 10): لو اتّفق الزوجان على إيقاع الطلاق ووضع الحمل واختلفا في المتقدّم والمتأخّر فقال الزوج مثلاً: وضعت بعد الطلاق فانقضت عدّتك، وقالت الزوجة: وضعت قبل الطلاق والطلاق وقع وأنا حامل فبعد أنا في العدّة، أو انعكس فقال الزوج: وضعت قبل الطلاق فأنت في العدّة، ويريد الرجوع إليها، وادّعت الزوجة خلافه، فالظاهر أنَّه يقدّم قول من يدّعي بقاء العدّة، سواءٌ كان هو الزوج أو الزوجة، من غير فرقٍ بين ما لم يتّفقا على زمان أحدهما كما إذا ادّعى أحدهما أنَّ الطلاق كان في شعبان والوضع في رمضان وادّعى الآخر العكس أو اتّفقا على زمان أحدهما كما إذا اتّفقا على أنَّ الطلاق وقع في رمضان واختلفا في زمان الوضع فقال أحدهما أنَّه كان في شوّال وادّعى الآخر أنَّه كان في شعبان أو اتّفقا في أنَّ الوضع كان في رمضان واختلفا في أنَّ الطلاق كان في شوّال أو شعبان.
(مسألة 11): إذا طلّقت الحائل أو انفسخ نكاحها، فإن كانت مستقيمة الحيض – بأن كانت تحيض في كلّ شهرٍ مرّةً كما هو المتعارف في الأغلب- كانت عدّتها ثلاثة قُروء، وكذا إذا تحيض(2) في كلّ شهرٍ أزيد من مرّةٍ أو ترى الدم في كلّ
ــــــ[719]ـــــــ
(1) بالنسبة إلى الوضع كما قلنا في التعليقة السابقة، بل بالنسبة إلى مجموع الحمل والوضع المدّعيَين.
(2) دخول الفعل المضارع على أداة الشرط شاذّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
شهرين مرّة. وبالجملة كان الطهر الفاصل بين حيضتين منها أقلّ من ثلاثة أشهر، وإن كانت لا تحيض وهي في سنّ من تحيض إمّا لكونها صغيرة السن لم تبلغ الحد الذي ترى الحيض غالب النساء وإمّا لانقطاع حيضها لمرض أو حمل أو رضاع كانت عدّتها ثلاثة أشهر. وتلحق بها من تحيض لكنّ الطهر الفاصل بين حيض وحيض منها ثلاثة أشهر أو أزيد. هذا في الحرّة وإن كانت تحت عبد، وأمّا الأَمَة وإن كانت تحت حرّ فعدّتها قرءان في الأوّل وخمسة وأربعون يوماً في الثاني.
(مسألة 12): المراد بالقُرء والقُرءين الأطهار والطُّهرين، ويكفي في الطهر الأوّل مسمّاه ولو قليلاً، فلو طلّقها وقد بقيت من طهرها لحظةٌ يُحسب ذلك طهراً، فإذا رأت طهرين آخرين تامّين تتخلّل حيضة بينهما في الحرّة وطهرٌ آخرٌ تامٌّ بين حيضتين في الأَمَة انقضت العدّة، فانقضاؤها برؤية الدم الثالث أو الثاني. نعم لو اتّصل آخر صيغة الطلاق بأوّل زمان الحيض صحّ الطلاق، لكن لا بدَّ في انقضاء العدّة من أطهار تامّة، فتنقضي برؤية الدم الرابع في الحرّة ورؤية الدم الثالث في الأَمَة.
(مسألة 13): بناءً على كفاية مسمّى الطهر في الطهر الأوّل ولو لحظةً وإمكان أن تحيض المرأة في شهرٍ واحدٍ أزيد من مرّةٍ، فأقلّ زمانٍ يمكن أن تنقضي عدّة الحرّة ستّة وعشرون يوماً ولحظتان- بأن كان طهرها الأوّل لحظة ثُمَّ تحيض ثلاثة أيّام ثُمَّ ترى أقلّ الطهر عشرة أيّام(1) ثُمَّ تحيض ثلاثة أيّام ثُمَّ ترى أقلّ الطهر عشرة أيّام ثُمَّ تحيض- فبمجرّد رؤية الدم الأخير لحظةً من أوّله انقضت العدّة، وهذه اللحظة الأخيرة خارجةٌ عن العدّة، وإنَّما يتوقّف عليها تماميّة الطهر الثالث. هذا
ــــــ[720]ـــــــ
(1) هذا إنَّما يكون حيضاً بناءً على قاعدة الإمكان وهي غير تامّة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
في الحرّة وأمّا في الأَمَة فأقلّ ما يمكن(1) انقضاء عدّتها لحظتان وثلاثة عشر يوماً.
(مسألة 14): عدّة المتعة في الحامل وضع حملها، وفي الحائل إذا كانت تحيض قرءان، والمراد بهما هنا حيضتان على الأقوى، وإن كانت لا تحيض وهي في سنّ مَن تحيض فخمسةٌ وأربعون يوماً. ولا فرق بين كون المتمتّع بها حرّةً أو أَمَةً، والمراد من الحيضتين الكاملتان، فلو وهبت مدّتها أو انقضت في أثناء الحيض لم تحسب بقيّة تلك الحيضة من الحيضتين.
(مسألة 15): المدار في الشهور على الهلالي، فإن وقع الطلاق في أوّل رؤية الهلال فلا إشكال، وأمّا إن وقع في أثناء الشهر ففيه خلافٌ وإشكالٌ. ولعلّ الأقوى في النظر جعل الشهرين الوسطين هلاليَّين وإكمال الأوّل(2) من الرابع بمقدار ما فات منه.
(مسألة 16): لو اختلفا في انقضاء العدّة وعدمه قدِّم قولها بيمينها، سواءٌ ادّعت الانقضاء أو عدمه، وسواءٌ كانت عدّتها بالإقراء أو الأشهر.
القول في عدّة الوفاة
(مسألة 1): عدّة الحرّة المتوفّى عنها زوجها وإن كانت تحت عبدٍ أربعة أشهرٍ وعشرة أيّام إذا كانت حائلاً، صغيرةً كانت أو كبيرةً، يائسةً كانت أو غيرها، وسواءٌ كانت مدخولاً بها أو غيرها، ودائمةً كانت أو منقطعةً، وكانت من ذوات الأقراء أو غيرها. وأمّا إن كانت حاملاً فعدّتها أبعد الأجلين من وضع الحمل
ــــــ[721]ـــــــ
(1) مبنيّاً على ما قلناه في التعليقة السابقة.
(2) والأحوط جعل الملفّق ثلاثين يوماً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والمدّة المزبورة، فلو وضعت قبل تلك المدّة لم تنقض العدّة، وكذا لو تمّت المدّة ولمّا وضعت بعد. هذا في الحرّة، وأمّا الأَمَة وإن كانت تحت حرٍّ(1) ففيها خلافٌ، والأحوط مساواتها للحرّة، فتعتدّ بأربعة أشهر وعشراً إن كانت حائلاً وبأبعد الأجلين منها ومن وضع الحمل إن كانت حاملاً كالحرّة.
(مسألة 2): المراد بالأشهر هي الهلالية، فإن مات عند رؤية الهلال اعتدّت بأربعة أشهرٍ هلاليّاتٍ وضمّت إليها من الشهر الخامس عشرة أيّام. وإن مات في أثناء الشهر فالأظهر أنَّها تجعل ثلاثة أشهرٍ هلاليّاتٍ في الوسط تكمل الأول(2) بمقدار ما مضى منه من الشهر الخامس حتّى تصير ثلاثة أشهرٍ هلاليّات وشهراً ملفّقاً وتضيف إليها من الشهر الخامس عشرة أيّام.
(مسألة 3): لو طلّقها ثُمَّ مات قبل انقضاء العدّة، فإن كان رجعيّاً بطلت عدّة الطلاق واعتدّت به من حين موته عدّة الوفاة، فإن كانت حائلاً اعتدّت بأربعة أشهرٍ وعشراً، وإن كانت حاملاً اعتدّت بأبعد الأجلين منها ومن وضع الحمل كغير المطلّقة، وإن كانت بائناً اقتصرت على إتمام عدّة الطلاق ولا عدّة عليها بسبب الوفاة.
(مسألة 4): يجب على المرأة في وفاة زوجها الحداد(3) ما دامت في العدّة،
ــــــ[722]ـــــــ
(1) سواءٌ كان المتوفّى مولاها أو زوجها. ولا تجب عليها العدّة بموت مولاها إذا كانت مزوّجةً أو محلّلةَ الوطء بحيث تعتبر حليلته.
(2) الأقوى الأحوط أن تحسب الزائد على الأشهر الهلاليّة التامّة بعدد الأيّام.
(3) وهو إظهار حالة الحزن، ويجب بما يحصل عرفاً بالعادات والملابس وغيرها. وليس فقط ترك الزينة المذكورة في المتن إلَّا إذا كفت في صدق الحداد عرفاً. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والمراد به ترك الزينة في البدن بمثل التكحيل والتطيّب والخضاب وتحمير الوجه ونحوها، وفي اللباس بلبس الأحمر والأصفر والحليّ ونحوها. وبالجملة: ترك كل ما يعدّ زينةً يتزيّن به للزوج في الأوقات المناسبة له في العادة كالأعياد والأعراس ونحوها، ويختلف ذلك بحسب الأشخاص والأزمان والبلاد، فيلاحظ في كل بلدٍ ما هو المعتاد والمتعارف فيه للتزين. نعم لا بأس بتنظيف البدن واللباس وتسريح الشعر وتقليم الأظفار ودخول الحمّام والافتراش بالفراش الفاخر والسكنى في المساكن المزيّنة وتزيين أولادها وخدمها.
(مسألة 5): الأقوى أنَّ الحداد ليس شرطاً في صحّة العدّة، بل هو تكليفٌ على حدةٍ في زمانها، فلو تركته عصياناً أو جهلاً أو نسياناً في تمام المدّة أو بعضها لم يجب عليها استينافها أو تدارك مقدار ما اعتدّت بدونه.
(مسألة 6): لا فرق في وجوب الحداد بين المسلمة والذمّيّة، كما أنَّه لا فرق على الظاهر بين الدائمة والمنقطعة. نعم لا يبعد عدم وجوبه على من قصرت مدّة(1) تمتّعها كيومٍ أو يومين أو ساعةٍ أو ساعتين، وهل يجب على الصغيرة والمجنونة أم لا؟ قولان أشهرهما الوجوب، بمعنى وجوبه على وليّهما، فيجنّبهما عن التزيين ما دامتا في العدّة، وفيه تأمّلٌ وإن كان أحوط(2).
(مسألة 7): لا حداد على الأَمَة لا من موت سيّدها ولا من موت زوجها(3)
ــــــ[723]ـــــــ
(1) بحيث لا يصدق عرفاً أنَّها حليلته والظاهر الأحوط الاقتصار على ما هو أقلّ من يوم. فلو كان يوماً أو أكثر اعتدّت.
(2) استحباباً وإن كان وجهه ضعيفاً.
(3) الأحوط وجوباً خلافه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
إذا كانت مزوّجة.
(مسألة 8): يجوز للمعتدّة(1) بعدّة الوفاة أن تخرج من بيتها في زمان عدّتها والتردّد في حوائجها، خصوصاً إذا كانت ضروريّةً أو كان خروجها لأُمورٍ راجحةٍ كالحجّ والزيارة وعيادة المرضى وزيارة أرحامها ولا سيّما والديها. نعم ينبغي بل الأحوط(2) أن لا تبيت إلَّا في بيتها الذي كانت تسكنه في حياة زوجها، بأن تخرج بعد الزوال وترجع عند العشيّ أو تخرج بعد نصف الليل وترجع صباحاً.
(مسألة 9): لا إشكال في أنَّ مبدأ عدّة الطلاق من حين وقوعه، حاضراً كان الزوج أو غائباً، بلغ الزوجة الخبر أم لا، فلو طلّقها غائباً ولم يبلغها إلَّا بعد مدّةٍ ولو كانت سنةً أو أكثر فقد انقضت عدّتها وليس عليها عدّةٌ بعد بلوغ الخبر إليها. ومثل عدّة الطلاق عدّة الفسخ والانفساخ على الظاهر، وكذا عدّة وطي الشبهة، وإن كان الأحوط الاعتداد من حين ارتفاع الشبهة، بل هذا الاحتياط لا يترك(3). وأمّا عدّة الوفاة فإذا مات غائباً فعدّتها من حين بلوغ الخبر إليها، ولا يبعد عدم اختصاص الحكم بصورة غيبة الزوج، بل يعمّ صورة حضوره أيضاً إذا خفي عليها موته لمرضٍ أو حبسٍ أو غير ذلك، فتعتدّ من حين إخبارها بموته.
(مسألة 10): لا يعتبر في الإخبار الموجب للاعتداد من حينه كونه حجّةً شرعيّةً، فلا يعتبر أن يكون من عدلين بل ولا عدلٍ واحدٍ. نعم، لا يجوز لها
ــــــ[724]ـــــــ
(1) ولكنّ الأحوط استحباباً خلافه في غير الضرورة والواجبات.
(2) استحباباً.
(3) وجهه ضعيف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
التزويج بالغير ما لم تقم حجّةٌ شرعيّةٌ على موته، ولا تكتفي بمجرّد بلوغ الخبر. وفائدته إذا لم يكن حجّةً أنَّه بعد ما ثبت موته شرعاً يكتفى بالاعتداد من حين البلوغ ولا يحتاج إلى الاعتداد من حين الثبوت.
(مسألة 11): لو علمت بالطلاق ولم تعلم وقت وقوعه حتّى تحسب العدّة من ذلك الوقت، اعتدّت من الوقت الذي تعلم بعدم تأخّره عنه(1)، والأحوط أن تعتدّ من حين بلوغ الخبر إليها، بل هذا الاحتياط لا يترك(2).
(مسألة 12): إذا فقد الرجل وغاب غيبةً منقطعةً ولم يبلغ منه خبرٌ ولا ظهر منه أثرٌ ولم يُعلم موته ولا حياته، فإن بقي له مالٌ تنفق به زوجته أو كان له وليٌّ يتولّى أُموره ويتصدّى لإنفاقها أو متبرّعٌ بالإنفاق عليها وجب عليها الصبر والانتظار، ولا يجوز لها أن تتزوّج أبداً حتّى تعلم بوفاة الزوج أو طلاقه، وإن لم يكن له مالٌ ولا من ينفق عليها فإن صبرت فلها ذلك وإن لم تصبر وأرادت الزواج رفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي فيؤجّلها أربع سنين من حين رفع الأمر إليه ثُمَّ يتفحّص عنه في تلك المدّة، فإن لم يتبيّن لا موته ولا حياته، فإن كان للغائب وليٌّ – أعني من كان يتولّى أُموره بتفويضه أو توكيله- يأمره الحاكم بطلاق المرأة، وإن لم يقدم على الطلاق أجبره الحاكم عليه، فإن لم يكن له ولي أو كان ولم يقدم على الطلاق، ولم يمكن إجباره عليه طلّقها الحاكم، ثُمَّ تعتدّ أربعة أشهر وعشراً
ــــــ[725]ـــــــ
(1) يعني تأخّر الزمان عن الطلاق وهو الزمن الذي كانت مطلقّةً فيه يقيناً، ولا تحسب الزمن المحتمل السابق عليه.
(2) وجهه ضعيف.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عدّة الوفاة(1)، فإذا تمّت هذه الأُمور جاز لها التزويج بلا إشكال، وإن كان اعتبار بعضها محلّ التأمّل والنظر إلَّا أنَّ الجميع هو الأحوط.
(مسألة 13): ليست للفحص والطلب كيفيّةٌ خاصّةٌ، بل المدار على ما يعدّ طلباً وفحصاً وتفتيشاً، ويتحقّق ذلك ببعث من يعرف المفقود باسمه وشخصه أو بحلّيته إلى مظانّ وجوده للظفر به وبالكتابة وغيرها كالتلغراف المتداول في هذه الأعصار إلى من يعرفه ليتفقّد عنه في بلده، وبالالتماس من المسافرين كالزوّار والحجّاج والتجّار وغيرهم بأن يتفقّدوا عنه في مسيرهم ومنازلهم ومقامهم، وبالاستخبار منهم إذا رجعوا من أسفارهم.
(مسألة 14): لا يشترط في المبعوث والمكتوب إليه والمستخبر منهم من المسافرين العدالة بل تكفي الوثاقة.
(مسألة 15): لا يعتبر أن يكون الفحص بالبعث أو الكتابة ونحوها من الحاكم، بل يكفي كونه من كلّ أحدٍ حتّى نفس الزوجة إذا كان بأمره بعد رفع الأمر اليه، فإذا رفعت أمرها إليه فقال: تفحّصوا عنه إلى أن تمضي أربع سنين، ثُمَّ تصدّت الزوجة أو تصدّى بعض أقاربها للفحص والطلب حتّى مضت المدّة كفى.
(مسألة 16): مقدار الفحص بحسب الزمان أربعة أعوام، ولا يعتبر فيه الاتصال التامّ، بل هو على الظاهر نظير تعريف اللقطة سنةً كاملة يكفي فيه تصدّي الطلب عنه بحيث يصدق عرفاً أنَّه قد تفحّص عنه في تلك المدّة.
ــــــ[726]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان الأظهر عدّة الطلاق.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 17): المقدار اللازم من الفحص هو المتعارف لأمثال ذلك وما هو المعتاد، فلا يعتبر استقصاء الممالك والبلاد، ولا يعتنى بمجرّد إمكان وصوله إلى مكان ولا بالاحتمالات البعيدة، بل إنَّما يتفحّص عنه في مظانّ وجوده فيه ووصوله إليه وما احتمل فيه ذلك احتمالاً قريباً.
(مسألة 18): إذا علم أنَّه قد كان في بلدٍ معيّنٍ في زمانٍ ثُمَّ انقطع أثره يتفحّص عنه في ذلك البلد على المعتاد، فيكتفى التفقّد عنه في جوامعه ومجامعه وأسواقه ومتنزّهاته ومستشفياته وخاناته المعدّة لنزول الغرباء ونحوها، ولا يلزم استقصاء تلك المحالّ بالتفتيش أو السؤال، بل يكتفي الاكتفاء بالبعض المعتدّ به من مشتهراتها، وينبغي ملاحظة زيّ المفقود وصنعته وحرفته، ويتفقد عنه في المحالّ المناسبة له ويسأل عنه من أبناء صنفه وحرفته. مثلاً إذا كان من طلبة العلم فالمحلّ المناسب له المدارس ومجامع العلم وينبغي أن يسأل عنه من العلماء والطلبة، بخلاف ما إذا كان من غيرهم، كما إذا كان جنديّاً مثلاً. فإذا تمّ الفحص في ذلك البلد ولم يظهر منه أثرٌ ولم يعلم موته ولا حياته، فإن لم يحتمل انتقاله منه إلى محلٍّ آخر بقرائن الأحوال سقط الفحص والسؤال واكتفى بانقضاء مدّة التربّص أربع سنين، وإن احتمل الانتقال فإن تساوت الجهات في احتمال انتقاله منه إليها تفحّص عنه في تلك الجهات ولا يلزم الاستقصاء بالتفتيش في كلّ قريةٍ قريةٍ ولا في كل بلدةٍ بلدةٍ، بل يكفي الاكتفاء ببعض المحالّ المهمّة والمشتهرة في كلّ جهةٍ مراعياً للأقرب ثُمَّ الأبعد إلى البلد الأوّل، وإن كان الاحتمال في بعضها أقوى جاز جعل محلّ الفحص ذلك البعض والاكتفاء به، خصوصاً إذا بعد
ــــــ[727]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
احتمال انتقاله إلى غيره، وإذا علم أنَّه قد كان في مملكةٍ كالهند أو إيران أو العراق أو سافر إليها ثُمَّ انقطع أثره كفى أن يتفحّص عنه مدّة التربّص في بلادها المشهورة التي تشدّ إليها الرحال، وإن سافر إلى بلدٍ معيّنٍ من مملكةٍ كالعراقي سافر إلى خراسان يكفي الفحص عنه في البلاد والمنازل الواقعة في طريقه إلى ذلك البلد وفي نفس ذلك البلد ولا ينظر إلى الأماكن البعيدة عن الطريق فضلاً عن البلاد الواقعة في أطراف المملكة، وإذا خرج من منزله مريداً للسفر أو هرب ولا يدرى إلى أين توجّه وانقطع أثره تفحّص عنه مدّة التربّص في الأطراف والجوانب ممّا يحتمل قريباً وصوله إليه ولا ينظر إلى ما بعد احتمال توجّهه إليه.
(مسألة 19): قد عرفت أنَّ الأحوط أن يكون الفحص والطلاق بعد رفع أمرها إلى الحاكم، فإذا لم يمكن الوصول إليه فإن كان للحاكم وكيلٌ ومأذونٌ في التصدّي للأُمور الحسبيّة فلا يبعد قيامه مقامه في هذا الأمر، ومع عدمه فالظاهر قيام عدول المؤمنين مقامه.
(مسألة 20): إذا علم أنَّ الفحص لا ينفع ولا يترتّب عليه أثر فالظاهر سقوط وجوبه، وكذا لو حصل اليأس من الاطّلاع على حاله في أثناء المدّة، فيكفي مضي المدّة في جواز طلاقها وزواجها.
(مسألة 21): يجوز لها اختيار البقاء على الزوجيّة بعد رفع الأمر إلى الحاكم قبل أن تطلّق ولو بعد تحقّق الفحص وانقضاء الأجل، فليست هي ملزومةً باختيار الطلاق، ولها أن تعدل عن اختيار البقاء إلى اختيار الطلاق، وحينئذٍ لا يلزم تجديد ضرب الأجل والفحص بل يكتفى بالأوّل.
ــــــ[728]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 22): الظاهر أنَّ العدّة الواقعة بعد الطلاق عدّة طلاقٍ وإن كانت بقدر عدّة(1) الوفاة أربعة أشهر وعشراً، ويكون الطلاق رجعيّاً فتستحقّ النفقة في أيّامها، وإذا ماتت يرثها لو كان في الواقع حيّاً، وإذا تبيّن موته فيها ترثه وليس عليها حدادٌ بعد الطلاق.
(مسألة 23): إذا تبيّن موته قبل انقضاء المدّة أو بعده قبل الطلاق وجب عليها عدّة الوفاة، وإذا تبيّن بعد انقضاء العدّة اكتفى بها، سواءٌ كان التبيين قبل التزويج أو بعده، وسواءٌ كان موته المتبيّن وقع قبل العدّة أو بعدها أو في أثنائها(2) أو بعد التزويج، وأمّا لو تبيّن موته في أثناء العدّة فهل يكتفي بإتمامها أو تستأنف عدّة الوفاة من حين التبيّن؟ وجهان بل قولان، أحوطهما الثاني لو لم يكن الأقوى.
(مسألة 24): إذا جاء الزوج بعد الفحص وانقضاء الأجل، فإن كان قبل الطلاق فهي زوجته، وإن كان بعد ما تزوّجت بالغير فلا سبيل له عليها، وإن كان في أثناء العدّة فله الرجوع إليها، كما أنَّ له إبقاءها على حالها حتّى تنقضي عدّتها وتبين عنه. وأمّا إن كان بعد انقضاء العدّة وقبل التزويج ففي جواز رجوعها إليها وعدمه قولان أقواهما الثاني.
(مسألة 25): إذا حصل لزوجة الغائب بسبب القرائن وتراكم الأمارات العلم بموته جاز لها – بينها وبين الله- أن تتزوّج بعد العدّة من دون مراجعة الحاكم، وليس لأحدٍ عليها اعتراض ما لم يعلم كذبها في دعوى العلم. نعم في
ــــــ[729]ـــــــ
(1) قلنا إنَّ هذا مبنيٌّ على الاحتياط الاستحبابيّ، وإنَّما هي عدّة طلاق ثلاثة قروء كما سبق.
(2) متعلّقٌ بتبيّن، يعني: عرفت خلال عدّتها بموته، والصحيح في حكمها ما قوّاه الماتن.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
جواز الاكتفاء بقولها واعتقادها لمن أراد تزويجها وكذا لمن يصير وكيلاً عنها في إيقاع العقد عليها إشكالٌ(1)، والأحوط أن تتزوّج ممّن لم يعلم بالحال ولم يدر أنَّ زوجها قد فُقد ولم يكن في البين إلَّا دعواها بأنَّها عالمةٌ بموته، بل يقدم على تزويجها مستنداً إلى دعواها أنَّها خليّةٌ وبلا مانعٍ، وكذلك توكل من كان كذلك.
القول في عدّة وطي الشبهة
والمراد به وطي الأجنبيّة بشبهة أنَّها حليلته، إمّا لشبهةٍ في الموضوع كما إذا وطئ بامرأةٍ باعتقاد أنَّها زوجته فتبيّن أنَّها أجنبيّةٌ، وإمّا لشبهةٍ في الحكم كما إذا عقد على أخت الموطوء معتقداً صحّته ودخل بها.
(مسألة 1): لا عدّة على المزنيّ بها سواءٌ حملت من الزنا أم لا على الأقوى، وأمّا الموطوءة شبهةً فعليها العدّة سواءٌ كانت ذات بعلٍ أو خليّةً وسواءٌ كانت الشبهة من الطرفين أو من طرف الواطي خاصّةً، وأمّا إن كانت من طرف الموطوءة خاصّةً ففيه قولان، أحوطهما لزوم العدّة، بل لا يخلو من قوّة.
(مسألة 2): عدّة وطي الشبهة كعدّة الطلاق بالأقراء والشهور وبوضع الحمل لو حملت من هذا الوطي على التفصيل المتقدّم، ومن لم يكن عليها عدّة الطلاق كالصغيرة واليائسة ليس عليها هذه العدّة أيضاً.
(مسألة 3): إذا كانت الموطوءة شبهةً ذات بعلٍ، لا يجوز لزوجها وطيها في مدّة عدتها، وهل يجوز له سائر الاستمتاعات منها أم لا؟ قولان أحوطهما الثاني
ــــــ[730]ـــــــ
(1) إذا حصل الاطمئنان أو الوثوق من قولها فلا إشكال.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وأقواهما الأوّل، والظاهر أنَّه لا تسقط نفقتها في أيّام العدّة وإن قلنا بحرمة جميع الاستمتاعات عليه.
(مسألة 4): إذا كانت خليّةً يجوز لواطيها أن يتزوّج بها في زمن عدّتها، بخلاف غيره فإنَّه لا يجوز له ذلك على الأقوى.
(مسألة 5): لا فرق في حكم وطي الشبهة من حيث العدّة وغيرها بين أن يكون مجرّداً أو يكون بعد العقد، بأن وطئ المعقود عليها بشبهة صحّة العقد مع فساده واقعاً.
(مسألة 6): إذا كانت معتدّةً بعدّة الطلاق أو الوفاة فوطئها شبهةً أو وطئها ثُمَّ طلّقها أو مات عنها زوجها فعليها عدّتان(1) عند المشهور، وهو الأحوط لو لم يكن الأقوى، فإن كانت حاملاً من أحدهما تقدّم عدّة الحمل(2)، فبعد وضعه تستأنف العدّة الأُخرى أو تستكمل الأُولى(3)، وإن كانت حائلاً تقدّم الأسبق(4) منهما، وبعد تمامها استقبلت عدّة أُخرى من الآخر.
(مسألة 7): إذا طلّق زوجته بائناً ثُمَّ وطئها شبهةً اعتدّت عدّةً أُخرى(5) على التفصيل المتقدّم في المسألة السابقة.
ــــــ[731]ـــــــ
(1) يعني: غير متداخلةٍ وإن كان الأقوى التداخل.
(2) يعني: عدّة وطي الشبهة. وعلى ما قلناه فالوضع نهاية كلتا العدّتين، لكن إذا كان فيها عدّة وفاةٍ غير منتهيةٍ لزم إنهاؤها.
(3) هذا يستلزم التقطيع في العدّة ولا دليل عليه إن لم يكن غريباً شرعاً.
(4) تقدّما ما فيه وفي ما بعده.
(5) وعلى ما قلناه يمكنها الاكتفاء بعدّة وطي الشبهة وتنتهي خلالها الأُخرى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 8): الموجب للعدّة أُمور: الوفاة، والطلاق بأقسامه، والفسخ بالعيوب، والانفساخ بمثل الارتداد أو الإسلام أو الرضاع، والوطي بالشبهة مجرّداً عن العقد أو معه وانقضاء المدّة أو هبتها في المتعة. ويشترط في الجميع كونها مدخولاً بها، عدا الأوّل.
(مسألة 9): قد مرّ سابقاً أنَّه لا عدّة على مَن لم يدخل بها، فليعلم أنَّه إذا طلّقها رجعيّاً بعد الدخول ثُمَّ رجع ثُمَّ طلّقها قبل الدخول لا يجري عليه حكم الطلاق قبل الدخول حتّى لا يحتاج إلى العدّة(1)، من غير فرقٍ بين كون الطلاق الثاني رجعيّاً أو بائناً. وأمّا إذا طلّقها بائناً ثُمَّ جدّد نكاحها في أثناء العدّة ثُمَّ طلّقها قبل الدخول ففي جريان حكم الطلاق قبل الدخول عليه وعدمه وجهان بل قولان، أحوطهما الثاني(2).
وبحكمه ما إذا عقد عليها بالعقد المنقطع ثُمَّ وهب مدّتها بعد الدخول ثُمَّ تزوّجها ثُمَّ طلّقها قبل الدخول، فيشكل(3) ما ربما يحتال في نكاح جماعةٍ في يومٍ واحدٍ بل في مجلسٍ واحدٍ امرأةً شابّةً ذات عدّةٍ مع دخول الجميع بها، وذلك بأن يتمتّع بها أحدهم ثُمَّ يهب مدّتها بعد الدخول ثُمَّ يعقد عليها(4) ثُمَّ يطلّقها قبل
ــــــ[732]ـــــــ
(1) على الأحوط.
(2) غير أنَّ لها أن تكتفي بإنهاء العدّة الأولى إن طلّقها خلالها. وأمّا إذا طلّقها بعدها فالاحتياط بالعدّة أولى.
(3) وجه الإشكال؛ أولاً: كونه خلاف الاحتياط الوجوبي. وثانياً: في عدم القصد الجدّي إلى الزواج الثاني كما سنشير.
(4) هذا هو الزواج الثاني غير الجدّي المشار إليه في التعليقة السابقة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الدخول ثُمَّ يفعل بها الثاني ما فعل بها الأوّل وهكذا، بزعمهم أنَّه لا عدّة عليها أمّا من العقد الأوّل فبسبب وقوع العقد الثاني وأمّا من العقد الثاني فلأنَّه طلقها قبل الدخول.
(مسألة 10): المطلّقة بالطلاق الرجعي زوجةٌ(1) أو بحكم الزوجة ما دامت في العدّة، فيترتّب عليها آثار الزوجيّة من استحقاق النفقة والسكنى والكسوة إذا لم تكن ولم تصر ناشزةً(2)، ومن التوارث بينهما لو مات أحدهما في العدّة، وعدم جواز نكاح أختها والخامسة، وكون كفنها وفطرتها عليه. وأمّا البائنة كالمختلعة والمبارأة والمطلّقة ثلاثاً، فلا يترتّب عليها آثار الزوجيّة أصلاً لا في زمن العدّة ولا بعده؛ لانقطاع العصمة بينهما بالمرّة. نعم، إذا كانت حاملاً من زوجها استحقّت النفقة والكسوة والسكنى عليه حتّى تضع حملها كما مرّ في باب النفقات من كتاب النكاح.
(مسألة 11): قد عرفت أنَّه لا توارث بين الزوجين في الطلاق البائن مطلقاً وفي الرجعيّ بعد انقضاء العدّة، لكنّه إذا طلّقها مريضاً(3) ترثه الزوجة ما بين الطلاق وبين سنة، بمعنى: أنَّه إن مات الزوج بعد ما طلّقها في حال المرض فإن
ــــــ[733]ـــــــ
(1) بل بحكم الزوجة؛ إذ لو كانت زوجةً لما بانت بخروج العدّة.
(2) أوّلاً: إنَّ دخول تاء التأنيث هنا على خلاف القواعد العربية. ثانياً: إنَّما تصير ناشزاً في العدّة الرجعيّة بمنع الاستمتاعات، وهذا صحيحٌ. وأمّا صيرورتها كذلك بالخروج بدون إذنه فهو مبنيٌّ على الاحتياط.
(3) يعني: مرض الموت، ولا يشمل غيره.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كان موته بعد سنةٍ من حين الطلاق ولو يوماً أو أقلّ لا ترثه، وإن كان بمقدار سنةٍ وما دونها ترثه، سواءٌ كان الطلاق رجعيّاً أو بائناً، وذلك بشروطٍ ثلاثة:
الأوّل: أن لا تتزوّج(1) المرأة، فلو طلّقها في حال المرض وتزوّجت بعد انقضاء العدّة ثُمَّ مات الزوج قبل انقضاء سنةٍ لم ترثه.
الثاني: أن لا يبرأ الزوج من المرض الذي طلّقها فيه، فلو برئ من ذلك المرض ثُمَّ مرض ثُمَّ مات في أثناء السنة لم ترثه، إلَّا إذا كان موته في أثناء العدّة الرجعيّة.
الثالث: أن لا يكون الطلاق بالتماسٍ منها، فلا ترث المختلعة والمبارأة، لأنَّ الطلاق إنَّما هو بالتماسٍ منهما.
(مسألة 12): لا يجوز لمن طلّق رجعيّاً أن يخرج المطلّقة من بيته حتّى تنقضي عدّتها، إلَّا أن تأتي بفاحشةٍ أعلاها ما أوجب الحدّ وأدناها أن تؤذي أهل البيت بالشتم وبذاءة اللسان، وكذا لا يجوز لها الخروج بدون إذن الزوج إلَّا لضرورةٍ أو لأداء واجبٍ مضيّقٍ.
القول في الرجعة
وهي ردّ المطلّقة في زمان عدّتها إلى نكاحها السابق، فلا رجعة في البائنة ولا في الرجعيّة بعد انقضاء العدّة.
(مسألة 1): الرجعة إمّا بالقول وهو كلّ لفظٍ دلّ على إنشاء الرجوع كقوله: راجعتك أو رجعتك أو ارتجعتك إلى نكاحي، أو دلّ على الإمساك بزوجيّتها
ــــــ[734]ـــــــ
(1) على الأشهر وإن كان الأظهر خلافه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كقوله: رددتك إلى نكاحي أو أمسكتك في نكاحي، ويجوز في الجميع إسقاط قوله «إلى نكاحي» و«في نكاحي»(1). ولا يعتبر فيه العربيّة، بل يقع بكلّ لغةٍ إذا كان بلفظٍ أفاد المعنى المقصود في تلك اللغة، وأمّا بالفعل، بأن يفعل بها ما لا يحلّ إلَّا للزوج بحليلته كالوطي والتقبيل واللمس بشهوةٍ أو بدونها.
(مسألة 2): لا تتوقّف حلّية الوطي وما دونه من التقبيل واللمس على سبق الرجوع لفظاً ولا على قصد الرجوع(2) به؛ لما عرفت سابقاً من أنَّ المطلّقة الرجعيّة زوجةٌ أو بحكم الزوجة، فيستباح منها للزوج ما يستباح منها. وهل يعتبر في كونه رجوعاً أن يقصد به الرجوع؟ قولان أقواهما العدم، بل يحتمل قويّاً كونه رجوعاً وإن قصد العدم. نعم لا عبرة بفعل الغافل والساهي والنائم ونحوها ممّا لا قصد فيه للفعل، كما لا عبرة بالفعل المقصود به غير المطلّقة، كما لو واقعها باعتقاد أنَّها غيرها.
(مسألة 3): لو أنكر أصل الطلاق وهي في العدّة كان ذلك رجوعاً(3) وإن علم كذبه.
(مسألة 4): لا يعتبر الإشهاد في الرجعة وإن استحبّ؛ دفعاً لوقوع التخاصم والنزاع، وكذا لا يعتبر فيها اطلاع الزوجة عليها، فإن راجعها عند نفسه من دون اطّلاع أحدٍ صحّت الرجعة وعادت إلى النكاح السابق واقعاً، لكن لو ادّعاها بعد
ــــــ[735]ـــــــ
(1) مع قصد المعنى نفسه لا بدونه.
(2) بل هو الأحوط ومنه يظهر الكلام فيما بعده.
(3) مع قصده وإلَّا كان مخالفاً للاحتياط؛ وإن كان الحكم مشهوراً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
انقضاء العدّة ولم تصدّقه الزوجة لم تُسمع دعواه(1)، غاية الأمر له عليها يمينٌ، ففي العلم لو ادّعى عليها العلم بذلك – كما أنَّه لو ادّعى الرجوع الفعلي كالوطي وأنكرته- كان القول قولها بيمينها لكنَّه على البتّ لا على نفي العلم.
(مسألة 5): إذا اتفقا على الرجوع وانقضاء العدّة واختلفا في المتقدّم منهما فادّعى الزوج أنَّ المتقدّم هو الرجوع وادّعت هي أنَّ المتقدّم انقضاء العدّة، فإن تعيّن زمان الانقضاء وادّعى الزوج أنَّ رجوعه كان قبله فوقع في محلّه وادّعت هي وقوعه بعده فوقع في غير محلّه، فالأقرب أنَّ القول قوله بيمينه(2)، وإن كان بالعكس – بأن تعيّن زمان الرجوع وأنَّه يوم الجمعة مثلاً وادّعى الزوج أنَّ انقضاء العدّة كان في يوم السبت وادّعت هي أنَّه كان في يوم الخميس- فالقول قولها بيمينها(3).
(مسألة 6): لو طلّق وراجع فأنكرت هي الدخول بها لئلّا تكون عليها عدّةٌ ولا تكون له الرجعة وادّعى هو الدخول كان القول قولها مع يمينها.
(مسألة 7): الظاهر أنَّ جواز الرجوع في الطلاق الرجعي حكمٌ شرعيٌّ غير قابلٍ للإسقاط وليس حقّاً قابلاً للإسقاط(4) كالخيار في البيع الخياريّ، فلو قال
ــــــ[736]ـــــــ
(1) على الأحوط وإن كان الأقوى سماعها؛ لاندراجها فيما لا يعرف إلَّا من الفرد نفسه فيكون حجّة فيه مع يمينه إن رافعته.
(2) سواء كانا مجهولي التاريخ أو أحدهما.
(3) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(4) لا يبعد سقوطه مع الاشتراط في عقد النكاح، بل وغيره وخاصّة مع الزوجة نفسها.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الزوج، أسقطت ما كان لي من حقّ الرجوع، لم يسقط وكان له الرجوع بعد ذلك، وكذلك إذا صالح(1) عنه بعوض أو بغير عوض.
ــــــ[737]ـــــــ
(1) من يصلح الصلح معه كالزوجة نفسها، وقد قلنا بجوازه، إلَّا القول بعدم تأثيره عندئذٍ غير ممكنٍ فقهيّاً. نعم، يجب عليه وضعاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[738]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الخلع والمبارأة
(مسألة 1): الخلع هو الطلاق بفديةٍ من الزوجة الكارهة لزوجها، فهو قسمٌ من الطلاق. يعتبر فيه جميع شروط الطلاق المتقدّمة، ويزيد عليها بأنَّه يعتبر فيه كراهة الزوجة لزوجها خاصّة، فإن كانت الكراهة من الطرفين كان مباراةً، وإن كان من طرف الزوج خاصّة لم يكن خلعاً ولا مباراة.
(مسألة 2): الظاهر وقوع الخلع بكلٍّ من لفظَي الخلع والطلاق مجرّداً كلٌّ منهما عن الآخر أو منضمّاً، فبعد ما أنشأت الزوجة بذل الفدية ليخلعها مثلاً يجوز أن يقول: خلعتك على كذا، أو أنت مختلعةٌ على كذا، ويكتفى به أو يتبعه بقوله: فأنت طالقٌ على كذا، أو يقول: أنت طالقٌ على كذا، ويكتفى به أو يتبعه بقوله: فأنت مختلعةٌ على كذا.
(مسألة 3): الخلع وإن كان قسماً من الطلاق وهو من الإيقاعات إلَّا أنَّه يشبه العقود في الاحتياج إلى طرفين وإنشائين(1) بذل شيءٍ من طرف الزوجة ليطلّقها الزوج وإنشاء الطلاق من طرف الزوج بما بذلت، ويقع ذلك على نحوين:
الأوّل: أن يتقدّم البذل من طرفها على أن يطلّقها، فيطلّقها على ما بذلت.
ــــــ[739]ـــــــ
(1) لا يحتاج البذل إلى أيّ إنشاءٍ، ومعه يكون الخلع إيقاعاً كالطلاق تماماً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الثاني: أن يبتدئ الزوج بالطلاق مصرحاً بذكر العوض فتقبل الزوجة بعده، والأحوط أن يكون الترتيب على النحو الأوّل، بل هذا الاحتياط لا يترك(1).
(مسألة 4): يعتبر في(2) صحّة الخلع عدم الفصل بين إنشاء البذل والطلاق بما لا يخلّ بالفورية العرفيّة، فلو أخلّ بها بطل الخلع ولم يستحقّ الزوج العوض، ولكن لم يبطل الطلاق ووقع رجعيّاً مع اجتماع شرائطه وإلَّا كان بائناً.
(مسألة 5): يجوز أن يكون البذل والطلاق بمباشرة الزوجين أو بتوكيلهما الغير أو بالاختلاف، ويجوز أن يوكلا شخصاً واحداً ليبذل عنها ويطلّق عنه، بل الظاهر أنَّه يجوز لكلٍّ منهما أن يوكل الآخر فيما هو من طرفه، فيكون أصيلاً فيما يرجع إليه ووكيلاً فيما يرجع إلى الآخر.
(مسألة 6): يصحّ التوكيل في الخلع في جميع ما يتعلّق به من شرط العوض وتعيينه وقبضه وإيقاع الطلاق، ومن المرأة في جميع ما يتعلّق بها من استدعاء الطلاق وتقدير العوض وتسليمه.
(مسألة 7): إذا وقع الخلع بمباشرة الزوجين فإمّا أن تبدأ الزوجة وتقول: بذلت لك، أو أعطيتك ما عليك من المهر، أو الشيء الفلاني لتطلّقني، فيقول فوراً(3): أنت طالقٌ أو مختلعةٌ -بكسر اللام- على ما بذلتِ أو على ما أعطيتِ، وإمّا
ــــــ[740]ـــــــ
(1) وجوباً.
(2) هذا بناءً على توقّف البذل على الإنشاء وكون الخلع عقداً أو نحوه، وقد نفيناه فيكفي الرجل سماع الموافقة من المرأة في أيّ وقتٍ، بل يكفي علمه بموافقتها. ومنه يُعلم حكم باقي المسألة.
(3) ظهر ما فيه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أن يبتدئ الزوج بعد ما تواطئا على الطلاق بعوضٍ فيقول: أنت طالقٌ أو مختلعةٌ بكذا أو على كذا، فتقول فوراً: قبلت(1) أو رضيت. وإن وقع من وكيلين يقول وكيل الزوجة مخاطباً لوكيل الزوج عن قِبَل موكّلتي فلانةٍ بذلت لموكّلك ما عليه من المهر أو المبلغ الفلاني ليخلعها من طرفه فيكون أصيلاً فيما يرجع إليه ووكيلاً فيما يرجع إلى الآخر.
(مسألة 8): يصح التوكيل في الخلع في جميع ما يتعلق من شرط العوض وتعيينه وقبضه وإيقاع الطلاق ومن المرأة جميع ما يتعلق بها من استدعاء الطلاق وتقدير العوض وتسليمه [هذه المسألة مكررة في النسخة الأصلية في مسألة: 6].
(مسألة 9): إذا وقع الخلع بمباشرة الزوجين فإمّا أن تبدأ الزوجة وتقول: بذلت لك، أو أعطيتك ما عليك من المهر، أو الشيء الفلاني لتطلّقني، فيقول فوراً(2): أنت طالقٌ أو مختلعةٌ -بكسر اللام- على ما بذلتِ أو على ما أعطيتِ، وإمّا أن يبتدئ الزوج بعد ما تواطئا على الطلاق بعوضٍ فيقول: أنت طالقٌ أو مختلعةٌ بكذا أو على كذا، فتقول فوراً: قبلت(3) أو رضيت. وإن وقع من وكيلين يقول وكيل الزوجة مخاطباً لوكيل الزوج عن قِبَل موكّلتي فلانةٍ بذلت لموكّلك ما عليه من المهر أو المبلغ الفلاني ليخلعها [إلى هنا مكرر في المسألة: 7 في النسخة الأصلية] وليطلّقها، فيقول وكيل الزوج فوراً: زوجة موكّلي طالقٌ على ما بذلت، أو يقول:
ــــــ[741]ـــــــ
(1) لا حاجة إليه أساساً. ومنه يظهر حكم ما في باقي المسألة والأمثلة.
(2) ظهر ما فيه.
(3) لا حاجة إليه أساساً. ومنه يظهر حكم ما في باقي المسألة والأمثلة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عن قبل موكّلي خلعتُ موكّلتك على ما بذلت. وإن وقع من وكيل أحدهما مع الآخر كوكيل الزوجة مع الزوج يقول وكيلها مخاطباً للزوج: عن قبل موكّلتي فلانة أو زوجتك بذلت لك ما عليك من المهر أو الشيء الفلاني على أن تطلّقها فيقول الزوج فوراً: هي أو زوجتي طالقٌ على ما بذلت، أو يبتدئ الزوج مخاطباً لوكيلها: موكّلتك أو زوجتي طالقٌ على كذا، فيقول: عن قبل موكّلتي قبلت ذلك. وإن وقع ممّن كان وكيلاً عن الطرفين يقول عن قبل موكّلتي فلانة بذلت لموكّلي فلان الشيء الفلاني ليطلّقها، ثُمَّ يقول فوراً: زوجة موكّلي طالقٌ على ما بذلت، أو يبتدئ من طرف الزوج ويقول: زوجة موكّلي طالقٌ على الشيء الفلاني، ثُمَّ يقول من طرف الزوجة: عن قبل موكّلتي قبلت. ولو فرض أنَّ الزوجة وكلت الزوج في البذل يقول: عن قبل موكّلتي زوجتي بذلت لنفسي كذا لأطلّقها، ثُمَّ يقول فوراً هي طالقٌ على ما بذلت.
(مسألة 10): يجوز أن يكون البذل من طرف الزوجة باستدعائها الطلاق من الزوج بعوضٍ معلومٍ، بأن تقول له: طلّقني أو اخلعني بكذا، فيقول فوراً(1) أنت طالق أو مختلعةٌ بكذا فيتمّ الخلع، والأحوط(2) اتباعه بالقبول منها بأن تقول بعد ذلك قبلت.
(مسألة 11): يشترط في تحقّق الخلع بذل الفداء عوضاً عن الطلاق، ويجوز الفداء بكلّ متموّلٍ من عينٍ أو دينٍ أو منفعةٍ قلّ أو كثر، وإن زاد عن المهر المسمّى،
ــــــ[742]ـــــــ
(1) ظهر ما فيه.
(2) لئلا يتقدّم القبول على الإيجاب بناءً على مبنى الماتن. ومقتضى القاعدة عدمه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
فإن كان عيناً حاضراً يكفي فيه المشاهدة، وإن كان كلّيّاً في الذمّة أو غائباً ذُكر جنسه ووصفه وقدره، فلو جعل الفداء ألفاً ولم يذكر المراد فسد الخلع. ويصحّ جعل الفداء إرضاع ولده(1) لكن مشروطاً بتعيين المدّة، وإذا جعل كلّيّاً في ذمّتها يجوز جعله حالاً ومؤجّلاً مع تعيين الأجل بما لا إجمال فيه.
(مسألة 12): يصحّ بذل الفداء منها ومن وكيلها، بأن يبذل وكالةً عنها من مالها الموجود أو بمال في ذمّتها، وهل يصحّ ممّن يضمنه في ذمّته بإذنها فيرجع إليها بعد البذل، بأن تقول لشخص: أطلب من زوجي أن يطلّقني بألف درهم مثلاً عليك وبعد ما دفعتها إليه ارجع إلي، ففعل ذلك وطلّقها الزوج على ذلك، وجهان(2) بل قولان لا يخلو أوّلهما من رجحان. نعم الظاهر أنَّه لا يصحّ من المتبرّع الذي يبذل من ماله من دون(3) رجوعٍ إليها، فلو قالت الزوجة لزوجها: طلّقني على دار زيدٍ أو ألفٍ في ذمّته، فطلّقها على ذلك وقد أذن زيدٌ في ذلك أو أجاز بعد ذلك لم يصحّ الخلع، وكذا(4) لو وكّلت زيداً على أن يطلب من زوجها أن يطلّقها على ذلك فطلّقها على ذلك.
ــــــ[743]ـــــــ
(1) سواءٌ كان منها يعني ولدها أو من غيرها.
(2) العبارة ناقصة لأنَّه ينبغي أن يقول: وهل يصحّ ممّن يضمنه … إلى قوله إلى ذلك أو لا، ليكون أولهما القول بالصحّة والثاني القول بالبطلان.
(3) لا مع موافقتها.
(4) إذا كان المال للوكيل نفسه صحّ الخلع لفرض علم الوكيل وموافقته. ومراد الماتن أنَّه ليس له وإن اتّحد اسم (زيد) في المثالين.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 13): إذا قال أبوها: طلّقها وأنت بريءٌ من صداقها وكانت بالغةً رشيدةً، فطلّقها صحّ الطلاق وكان رجعيّاً ولا تبرأ ذمّته بذلك ما لم تُبرئ، ولا يلزم عليها الإبراء ولا يضمنه الأب.
(مسألة 14): لو جعلت الفداء مال الغير أو ما لا يملكه المسلم كالخمر مع العلم بذلك، بطل البذل فبطل الخلع وكان الطلاق رجعيّاً، وأمّا لو جعلته مال الغير مع الجهل بأنَّه مال الغير فالمشهور صحّة الخلع وضمانها للمثل أو القيمة، وفيه تأمّل.
(مسألة 15): يشترط في الخلع أن تكون الزوجة كارهةً للزوج من دون عكس كما مرّ، والأحوط(1) أن تكون الكراهة شديدةً بحيث يخاف من قولها أو فعلها أو غيرهما الخروج عن الطاعة والوقوع في المعصية.
(مسألة 16): الظاهر أنَّه لا فرق بين أن تكون الكراهة المشترطة في الخلع ذاتيّةً ناشئةً من خصوصيّات الزوج كقبح منظره وسوء خلقه وفقره وغير ذلك، وبين أن تكون ناشئةً من بعض العوارض مثل وجود الضرّة وعدم إيفاء الزوج بعض الحقوق المستحبّة أو الواجبة كالقسم والنفقة. نعم إن كانت الكراهة وطلب المفارقة من جهة إيذاء الزوج لها بالسبّ والشتم والضرب ونحوها فتريد تخليص نفسها منه فبذلت شيئاً ليطلّقها فطلّقها لم يتحقّق الخلع وحرم عليه ما يأخذه منها، ولكنّ الطلاق يصحّ رجعيّاً(2).
ــــــ[744]ـــــــ
(1) وجهه ضعيف.
(2) ما لم يكن بشرط شيءٍ بالنسبة إلى الخلع.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 17): لو طلّقها بعوضٍ مع عدم الكراهة وكون الأخلاق ملتئمةً لم يصحّ الخلع ولم يملك العوض ولكن يصحّ الطلاق(1)، فإن كان مورد الطلاق الرجعي كان رجعيّاً وإلَّا كان بائناً.
(مسألة 18): طلاق الخلع بائنٌ لا يقع فيه الرجوع ما لم ترجع المرأة فيما بذلت، ولها الرجوع فيه ما دامت في العدّة، فإذا رجعت كان له الرجوع إليها.
(مسألة 19): الظاهر اشتراط جواز رجوعها في المبذول بإمكان رجوعه بعد رجوعها، فلو لم يجز له الرجوع كالمطلّقة ثلاثاً وكما إذا كانت المختلعة ممّن ليست لها عدّةٌ كاليائسة وغير المدخول بها لم يكن لها(2) الرجوع في البذل، بل لا يبعد عدم صحّة رجوعها فيما بذلت مع فرض عدم علمه بذلك إلى انقضاء محلّ رجوعه، فلو رجعت عند نفسها ولم يطّلع عليه الزوج حتّى انقضت العدّة لا أثر لرجوعها.
(مسألة 20): المبارأة قسمٌ من الطلاق، ويعتبر فيه جميع شروطه المتقدّمة، ويعتبر فيه ما يشترط في الخلع من الفدية والكراهة، فهي كالخلع طلاقٌ بعوض ما تبذله المرأة، وتقع بلفظ الطلاق مجرّداً، بأن يقول الزوج بعد ما بذلت المرأة له شيئاً ليطلّقها: «أنت طالق على ما بذلت» وبلفظ «بارأتك» متبعاً بلفظ الطلاق(3)، بأن يقول الزوج: «بارأتك على كذا فأنت طالق»، ولا يقع(4) بلفظ بارأتك مجرّداً.
ــــــ[745]ـــــــ
(1) كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) على الأحوط.
(3) على الأحوط استحباباً مع فهمه وقصده.
(4) على الأحوط استحباباً كذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 21): المبارأة وان كانت كالخلع لكنّها تفارقه بأُمور ثلاثة:
أحدها: أنَّها تترتّب على كراهة كلّ من الزوجين لصاحبه، بخلاف الخلع فإنَّه يترتّب على كراهة الزوجة خاصّة كما مرّ.
ثانيها: أنَّه يشترط فيها أن لا تكون الفداء أكثر من مهرها، بل الأحوط أن يكون أقلّ منه، بخلاف الخلع فإنَّه فيه على ما تراضيا به ساوى المهر أو زاد عليه أو نقص عنه.
ثالثها: أنَّه إذا أوقعت بلفظ «بارأت» يجب فيه(1) إتباعه بالطلاق بقوله «فأنت أو هي طالق»، بخلاف الخلع، إذ يجوز أن يوقعه بلفظ «الخلع» مجرّداً كما مرّ، وإن قيل فيه أيضاً بوجوب إتباعه بالطلاق لكنّ الأقوى خلافه كما مرّ.
(مسألة 20): طلاق المبارأة بائنٌ كالخلع ليس للزوج فيه رجوع إلَّا أن ترجع الزوجة في الفدية قبل انقضاء العدّة، فله الرجوع حينئذٍ إليها كما تقدّم في الخلع.
ــــــ[746]ـــــــ
(1) على الأحوط استحباباً كذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الظهار والإيلاء واللعان
القول في الظهار
الذي كان طلاقاً في الجاهلية وموجباً للحرمة الأبديّة، وقد غيّر شرع الإسلام حكمه وجعله موجباً لتحريم الزوجة المظاهرة ولزوم الكفّارة بالعود كما ستعرف تفصيله.
(مسألة 1): صيغة الظهار أن يقول الزوج مخاطباً للزوجة: «أنتِ علي كظهر أمّي» أو يقول بدل أنت: «هذه» مشيراً إليها أو «زوجتي فلانة»، ويجوز تبديل عليّ بقوله منّي أو عندي أو لديّ، بل الظاهر عدم اعتبار ذكر لفظة عليَّ وأشباهها أصلاً، بأن يقول «أنت كظهر أمّي»، ولو شبّهها بجزءٍ آخر من أجزاء الأُمّ غير الظهر كرأسها أو يدها أو بطنها ففي وقوع الظهار قولان: أحوطهما ذلك بل لا يخلو من قوّة(1)، ولو قال: «أنت كأُمّي أو أُمّي» قاصداً به التحريم لا علوّ المنزلة والتعظيم أو كبر السنّ وغير ذلك لم يقع، وإن كان الأحوط خلافه، بل لا يُترك الاحتياط.
(مسألة 2): لو شبّهها بإحدى المحارم النسبيّة غير الأُمّ كالبنت والأخت فمع
ــــــ[747]ـــــــ
(1) بل الأقوى عدم وقوعه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ذكر الظهر بأن قال مثلاً: «أنت عليَّ كظهر أختي» يقع الظهار على الأقوى، وبدونه كما إذا قال «كأختي» أو «كرأس أختي» لم يقع على إشكال.
(مسألة 3): الظهار الموجب للتحريم: ما كان من طرف الرجل، فلو قالت المرأة لزوجها: «أنت عليّ كظهر أبي أو أخي» لم يؤثّر شيئاً.
(مسألة 4): يشترط في الظهار(1): وقوعه بحضور عدلين يسمعان قول المظاهر كالطلاق، وفي المظاهر: البلوغ والعقل والاختيار، فلا يقع من الصبيّ ولا المجنون ولا المكره ولا الساهي، بل ولا مع الغضب السالب للقصد، وفي المظاهرة خلوّها عن الحيض والنفاس وكونها في طهر لم يواقعها فيه على التفصيل المذكور في الطلاق، وفي اشتراط كونها مدخولاً بها قولان أصحّهما ذلك.
(مسألة 5): الأقوى عدم اعتبار دوام الزوجيّة في المظاهرة، بل يقع على المتمتّع بها بل وعلى المملوكة.
(مسألة 6): إذا تحقّق الظهار بشرائطه حرم على المظاهر وطي المظاهرة، ولا يحلّ له حتّى يكفّر، فإذا كفر حلّ له وطيها، ولا تلزم كفارة أُخرى بعد وطيها، ولو وطئها قبل أن يكفر كانت عليه كفّارتان(2)، وهل يحرم عليه قبل التكفير غير الوطي من سائر الاستمتاعات كالقبلة والملامسة؟ فيه إشكال.
(مسألة 7): إذا طلّقها رجعيّاً ثُمَّ راجعها لم يحلّ له وطيها حتّى يكفر، بخلاف
ــــــ[748]ـــــــ
(1) كما يشترط أيضاً كونه ليس سبباً لضررٍ معتدٍّ به على الزوجة أو غيرها ممّن يحرم إضراره يعني من غير جهة الفرقة بينهما.
(2) على الأحوط استحباباً ويجب الاستغفار.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ما إذا تزوّجها جديداً بعد انقضاء العدّة أو في العدّة إذا كان الطلاق بائناً، فإنَّه يسقط حكم الظهار ويجوز له وطيها بلا تكفير.
(مسألة 8): كفّارة الظهار – كما مرّ في كتاب الكفّارات- أحد أُمورٍ ثلاثةٍ مرتّبةٍ:
عتق رقبةٍ، وإذا عجز عنه فصيام شهرين متتابعين، وإذا عجز عنه فإطعام ستّين مسكيناً.
(مسألة 9): إذا صبرت المظاهرة على ترك وطيها فلا اعتراض، وإن لم تصبر رفعت أمرها إلى الحاكم، فيحضره ويخيّره بين الرجعة بعد التكفير وبين طلاقها، فإن اختار أحدهما وإلَّا أنظره ثلاثة أشهر من حين المرافعة، فإن انقضت المدّة ولم يختر أحد الأمرين حبسه وضيّق عليه في المطعم والمشرب حتّى يختار أحدهما، ولا يجبره على خصوص أحدهما ولا يطلّق عنه.
القول في الإيلاء
وهو الحلف على ترك وطي الزوجة الدائمة المدخول بها أبداً أو مدّةً تزيد عن أربعة أشهرٍ للإضرار بها، فلا يتحقّق الإيلاء بالحلف على ترك وطي المملوكة ولا المتمتع بها ولا لغير المدخول بها ولا بالحلف على ترك وطئها مدّة لا تزيد عن أربعة أشهر ولا فيما إذا كان لملاحظة مصلحة كإصلاح لبنها أو كونها مريضةً أو غير ذلك، وإن انعقد اليمين(1) في جميع ذلك ويترتّب عليه آثاره إذا اجتمع شروطه.
ــــــ[749]ـــــــ
(1) انعقاده: في بعض ما ذكر محلّ إشكالٍ، والمهمّ أن يكون متعلّقه راجحاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 1): لا ينعقد الإيلاء كمطلق اليمين إلَّا باسم الله تعالى المختصّ به أو الغالب إطلاقه عليه، ولا يعتبر فيه العربية ولا اللفظ الصريح في كون المحلوف عليه ترك الجماع في القبل كإدخال الفرج في الفرج، بل المعتبر صدق كونه حالفاً على ترك ذلك العمل بلفظٍ له ظهورٌ في ذلك، فيكفي قوله «لا أطؤك أو لا أجامعك أو لا أمتّعك»، بل وقوله «لا جمع رأسي ورأسك وسادةٌ أو مخدّةٌ» إذا قصد بذلك ترك الجماع.
(مسألة 2): إذا تم الإيلاء بشرائطه فإن صبرت المرأة مع امتناعه عن المواقعة فلا كلام، وإلَّا فلها المرافعة إلى الحاكم، فيحضره(1) وينظره أربعة أشهر، فإن رجع وواقعها في هذه المدّة فهو وإلَّا أجبره على أحد الأمرين إمّا الرجوع أو الطلاق، فإن فعل أحدهما وإلَّا ضيق عليه وحبسه حتّى يختار أحدهما، ولا يجبره على أحدهما معيّناً.
(مسألة 3): المشهور أنَّ الأربعة التي ينظر فيها ثُمَّ يجبر على أحد الأمرين بعدها هي من حين الترافع، وقيل من حين الإيلاء، فعلى هذا لو لم ترافع حتّى انقضت المدّة ألزمه بأحد الأمرين من دون إمهالٍ وانتظار مدّةٍ، وفيه تأمّلٌ.
(مسألة 4): يزول حكم الإيلاء بالطلاق البائن، فلو عقد عليها جديداً في العدّة أو بعدها كانت كأن لم يول عليها، بخلاف ما إذا طلّقها رجعيّاً فإنَّه وإن خرج بذلك من حقّها فليست لها المطالبة والترافع إلى الحاكم لكن لا يزول حكم الإيلاء إلَّا بانقضاء العدّة، فلو راجعها في العدّة عاد إلى الحكم الأوّل، فلها المطالبة بحقّها والمرافعة.
ــــــ[750]ـــــــ
(1) لا دخل لحضوره شخصياً وإن كانت المرافعة معه أسهل عادةً، عندئذٍ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 5): متى وطئها الزوج بعد الإيلاء لزمته الكفّارة، سواءٌ كان في مدّة التربّص أو بعدها أو قبلها لو جعلناها من حين المرافعة لأنَّه قد حنث اليمين على كلّ حالٍ وإن جاز له هذا الحنث بل وجب بعد انقضاء المدّة ومطالبتها وأمر الحاكم به تخييراً، وبهذا يمتاز هذا اليمين عن سائر الأَيمان، كما أنَّه يمتاز عن غيره بأنَّه لا يعتبر فيه ما يعتبر في غيره من كون متعلّقه مباحاً تساوى طرفاه أو راجحاً(1) ديناً أو دنياً.
القول في اللعان
وهي مباهلةٌ خاصّةٌ بين الزوجين، أثرها دفع حدٍّ أو نفي ولدٍ كما تعرف تفصيله.
(مسألة 1): إنَّما يشرع اللعان في مقامين: أحدهما فيما إذا رمى الزوج زوجته بالزنا، الثاني فيما إذا نفى ولديّة مَن وُلد في فراشه مع إمكان لحوقه به.
(مسألة 2): لا يجوز للرجل قذف زوجته بالزنا مع الريبة ولا مع غلبة الظنّ ببعض الأسباب المريبة، بل ولا بالشياع ولا بإخبار شخصٍ ثقةٍ. نعم يجوز مع اليقين لكن لا يصدق إذا لم تعترف به الزوجة ولم تكن بيّنة، بل يحدّ حدّ القذف مع مطالبتها، إلَّا إذا أوقع اللعان الجامع للشروط الآتية فيدرأ عنه الحدّ.
(مسألة 3): يشترط في ثبوت اللعان بالقذف أن يدّعى المشاهدة، فلا لعان فيمن لم يدّعها ومن لم يتمكّن منها كالأعمى فيحدّان مع عدم البيّنة، وأن لا يكون له بيّنة فإن كانت له بيّنة تتعيّن إقامتها لنفي الحدّ ولا لعان.
ــــــ[751]ـــــــ
(1) يعني فينعقد وهو غير راجح، وهو المورد الوحيد في الشريعة لليمين بهذه الصفة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 4): يشترط في ثبوت اللعان أن تكون المقذوفة زوجةً دائمةً، فلا لعان في قذف الأجنبيّة بل يحدّ القاذف مع عدم البيّنة، وكذا في المنقطعة على الأقوى(1)، وأن تكون مدخولاً بها فلا لعان فيمن لم يدخل بها، وأن تكون غير مشهورة بالزنا وإلَّا فلا لعان، بل ولا حدّ حتّى يدفع باللعان، بل عليه التعزير لو لم يدفعه عن نفسه بالبيّنة.
(مسألة 5): لا يجوز للرجل أن ينكر ولديّة مَن تولّد في فراشه مع إمكان لحوقه به، بأن دخل بأمّه وقد مضى منه إلى زمان وضعه ستّة أشهر فصاعداً ولم يتجاوز عن أقصى مدّة الحمل حتّى فيما إذا فجر أحدٌ بها فضلاً عمّا إذا اتّهمها، بل يجب عليه الإقرار بولديّته، فعن النبي «أيّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رءوس الخلائق». نعم يجب عليه(2) أن ينفيه ولو باللعان مع علمه بعدم تكوّنه منه من جهة علمه باختلال شروط الالتحاق به إذا كان بحسب ظاهر الشرع لحوقه به لو لا نفيه، لئلّا يلحق بنسبه من ليس منه فيترتّب عليه حكم الولد في الميراث والنكاح ونظر محارمه وغير ذلك.
(مسألة 6): إذا نفى ولديّة مَن وُلد في فراشه فإن علم أنَّه دخل بأُمّه(3) دخولاً يمكن معه لحوق الولد به أو أقرّ هو بذلك ومع ذلك نفاه لا يسمع منه هذا النفي ولا ينتفي منه لا باللعان ولا بغيره، وأمّا لو لم يعلم ذلك ولم يقرّ به وقد نفاه – إمّا
ــــــ[752]ـــــــ
(1) بل الأقوى جريان اللعان بها خاصّة بنفي الولد.
(2) هذا الوجوب طريقيّ وليس تعبّدياً.
(3) بل يجري معها اللعان. وهذا من الماتن خلاف ما اشترطه من الدخول في صحّة اللعان.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مجرّداً عن ذكر السبب بأن قال: هذا ليس ولدي، أو مع ذكر السبب بأن قال: لأنّي لم أدخل بأُمّه أصلاً – أو أنكر دخولاً يمكن تكوّنه منه فحينئذٍ وإن لم ينتف عنه بمجرّد نفيه لكن باللعان ينتفي عنه.
(مسألة 7): إنَّما يشرع اللعان لنفي الولد إذا كانت المرأة منكوحةً بالعقد الدائم، وأمّا ولد المتمتّع بها فينتفي بنفيه من دون لعانٍ(1)، وإن لم يجز له نفيه ولم يعلم بالانتفاء. نعم لو علم أنَّه دخل بها دخولاً يمكن(2) تكون الولد منه أو أقرّ بذلك ومع ذلك قد نفاه لم ينتف عنه بنفيه ولم يسمع منه ذلك، كما هو كذلك في الدائمة، فالفرق بين الدائمة والمتمتّع بها إنَّما هو [فيما] إذا كانت المرأة تحتها وولدت ولداً ولم يعلم دخول الرجل بها دخولاً يمكن تكوّن الولد منه ولم يقرّ الزوج بذلك وقد نفاه الزوج واحتمل صدقه وكذبه، ففي ولد الدائمة لم ينتفِ عنه إلَّا باللعان ويشرع اللعان لنفيه، وفي ولد المتمتّع بها ينتفي عنه بمجرّد نفيه بحسب ظاهر الشرع ولا يشرع فيه اللعان.
(مسألة 8): لا فرق في مشروعيّة اللعان لنفي الولد بين كونه حملاً أو منفصلاً.
(مسألة 9): من المعلوم أنَّ انتفاء الولد من الزوج لا يلازم كونه ولد زنا؛ لاحتمال تكوّنه عن وطي شبهةٍ أو غيره، فلو علم الرجل بعدم التحاق الولد به وإن جاز له بل وجب عليه(3) نفيه عن نفسه لكن لا يجوز له أن يرميها بالزنا
ــــــ[753]ـــــــ
(1) سبق ما فيه.
(2) سبق ما فيه. ومنه يظهر ما في باقي المسألة.
(3) سبق الكلام عنه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وينسب ولدها بكونه ولد زنا.
(مسألة 10): لو أقرّ بالولد لم يسمع إنكاره له بعد ذلك، سواءٌ كان إقراره بالصريح أو بالكناية مثل أن يبشَّر به ويقال له: بارك الله لك في مولودك، فيقول: آمين، أو إن شاء الله تعالى، بل قيل:(1) إنَّه إذا كان الزوج حاضراً وقت الولادة ولم ينكر الولد مع عدم العذر لم يجز له إنكاره بعد ذلك، بل نُسب ذلك إلى المشهور.
(مسألة 11): لا يقع اللعان إلَّا عند الحاكم الشرعيّ أو من نصّبه لذلك، وصورته أن يبدأ الرجل ويقول بعد ما قذفها أو نفى ولدها: «أشهد بالله أنّي لمن الصادقين فيما قلت من قذفها أو من نفي ولدها» يقول ذلك اربع مرّات، ثُمَّ يقول مرّة واحدة: «لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين»، ثُمَّ تقول المرأة بعد ذلك أربع مرّات: «أشهد بالله أنَّه لمن الكاذبين في مقالته(2) من الرمي بالزنا أو نفى الولد»، ثُمَّ تقول مرّةً واحدةً «أن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين».
(مسألة 12): يجب أن تكون الشهادة واللعن على الوجه المذكور، فلو قال أو قالت: أحلف أو أقسم أو شهدت أو أنا شاهد وبدّلا لفظ الجلالة بالرحمن أو بخالق البشر أو بصانع الموجودات أو قال الرجل(3) إنّي صادقٌ أو لصادقٌ أو من الصادقين، من غير ذكر اللام أو قالت المرأة إنَّه لكاذب أو كاذب أو من الكاذبين بدون اللام لم يقع، وكذا لو أبدل اللعنة بالغضب والمرأة بالعكس.
ــــــ[754]ـــــــ
(1) وليس الأمر كذلك.
(2) أو قوله أو كلامه ونحو ذلك.
(3) كلّ ذلك احتياطاً وتعبّداً بنصّ القرآن الكريم.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 13): يجب أن يكون إتيان كلٍّ منهما باللعان بعد إلقاء الحاكم إيّاه عليه، فلو بادر به قبل أن يأمر الحاكم به لم يقع(1).
(مسألة 14): يجب أن يكون النطق بالعربيّة مع القدرة(2)، ويجوز بغيرها مع التعذّر.
(مسألة 15): يجب أن يكونا قائمين عند(3) التلفّظ بألفاظهما الخمسة، وهل يعتبر أن يكون قائمين معاً عند تلفّظ كلٍّ منهما أو يكفي قيام كلٍّ منهما عند تلفّظه بما يخصّه؟ أحوطهما الأوّل.
(مسألة 16): إذا وقع اللعان الجامع للشرائط منهما يترتّب عليه أحكامٌ أربعةٌ:
الأوّل: انفساخ عقد النكاح والفرقة بينهما.
الثاني: الحرمة الأبديّة، فلا تحلّ له أبداً ولو بعقد جديد، وهذان الحكمان ثابتان في مطلق اللعان سواء كان للقذف أو لنفي الولد.
الثالث: سقوط حدّ القذف عن الزوج بلعانه، وسقوط حدّ الزنا عن الزوجة بلعانها، فلو قذفها ثُمَّ لاعَنَ ونكلت هي عن اللعان تخلّص الرجل عن حدّ القذف وتحدّ المرأة حدّ الزانية، لأنَّ لعان الرجل بمنزلة البيّنة في إثبات زنا الزوجة.
الرابع: انتفاء الولد عن الرجل دون المرأة إن تلاعنا لنفيه، بمعنى أنَّه لو نفاه
ــــــ[755]ـــــــ
(1) بل يكفي طلب الزوجة اللعان ولا حاجة إلى طلب الحاكم.
(2)والفهم ولو إجمالاً.
(3) على الأحوط وإن لم يكن شرطاً في صحّة اللعان فإن تُرك القيام عمداً أو سهواً صحّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
وادّعت الزوجة كون الولد له فتلاعنا لم يكن توارث بين الرجل والولد فلا يرث كلّ منهما عن الآخر، وكذا بين الولد وكلّ من انتسب إليه بالأُبوة كالجد والجدة والأخ والأخت للأب، وكذا الأعمام والعمّات، بخلاف الأُمّ ومن انتسب إليه بها، حتّى أنَّ الإخوة للأب والأُمّ بحكم الإخوة للأُمّ.
(مسألة 17): إذا كذَّب نفسه بعد ما لاعن لنفي الولد، لحق به الولد فيما عليه لا فيما له، فيرثه الولد ولا يرثه الأب ولا مَن يتقرّب به. وسيجيء تفصيله في كتاب الميراث إن شاء الله تعالى.
ــــــ[756]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الميراث
وهو مشتملٌ على مقدّمةٍ ومقاصد ولواحق.
أمّا المقدمة فتشتمل على أُمور:
الأمر الأوّل: في موجبات الإرث وأسبابه على الإجمال، وهي ثلاثة:
الأوّل: النسب، وهو ثلاث طبقاتٍ مرتّبةٍ لا يرث واحد من المرتبة اللاحقة مع وجود وارثٍ من المرتبة السابقة:
الطبقة الأُولى: وهي صنفان: الأبوان من غير ارتفاع، والأولاد ذكراً أو أنثى بلا واسطة أو معها.
الطبقة الثانية: وهي أيضاً صنفان: الأجداد والجدّات لأبٍ أو أُمٍّ وإن علوا والأُخوة والأخوات وأولادهم وإن نزلوا لأبٍ كانوا أو لأُمّ أو لهما.
الطبقة الثالثة: الأعمام والعمّات والأخوال والخالات وإن علوا وأولادهم وإن نزلوا، ويعدّ من في هذه الطبقة كلّهم صنفاً واحداً.
الثاني الزوجية، وبها يرث الزوجان كلٌّ من الآخر.
الثالث الولاء، وهو ثلاثة مرتبة: ولاء العتق، ثُمَّ ولاء ضامن الجريرة، ثُمَّ ولاء الإمامة.
ــــــ[757]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأمر الثاني الوارث: إما يرث بالفرض، وإما يرث بالقرابة.
والمراد بالفرض هو السهم المقدّر والكسر المعيّن الذي سمّاه الله تعالى في كتابه الكريم، والفروض ستة وأربابها ثلاثة عشر: النصف لبنت واحدة إذا لم يكن معها ابنٌ، وأخت واحدة لأبوين أو لأب إذا لم يكن معها أخ كذلك، والزوج إذا لم يكن للزوجة ولد.
والربع للزوج إذا كان للزوجة ولد، وللزوجة إذا لم يكن للزوج ولد. والثمن للزوجة إذا كان للزوج ولد. والثلث للأم مع عدم الولد للميت ولا الإخوة بالشرائط الآتية، وللأخ والأخت من الأُمّ مع التعدّد. والثلثان للبنتين فصاعداً مع عدم وجود الابن، وللأختين فصاعداً لأبوين أو لأبٍ مع وجود الأخ. والسدس للأب مع وجود الولد، وللأم مع الولد أو وجود الأُخوة للميّت بالشروط الآتية، وللأخ أو الأخت للأُمّ مع عدم التعدّد.
(مسألة 1): قد ظهر ممّا مرّ: أنَّ أهل الطبقة الثالثة من ذوي الأنساب لا فرض لهم وإنَّما يكون إرثهم بالقرابة وأنَّ الزوجين وراثتهما بالفرض مطلقاً، وأمّا الطبقة الأُولى والثانية فبعضهم لا فرض له أصلاً كالابن والأخ للأبوين أو الأب، وبعضهم ذو فرض مطلقاً كالأُمّ، وبعضهم ذو فرض على حال دون حال كالأب، فإنَّه ذو فرض مع وجود الولد للميت وليس له فرض مع عدم الولد، وكالبنت والبنتين، وكذا الأخت والأختان لأبٍ أو أبوين، فإنَّ لهن الفرض إذا لم يكن معهنَّ ذكر وليس لهن فرض إذا كان معهنَّ ذكر.
(مسألة 2): ظهر ممّا ذكر: أنَّ من له فرضٌ على قسمين:
ــــــ[758]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أحدهما: من ليس له إلَّا فرضٌ واحدٌ ولا ينقص ولا يزيد فرضه بتبدّل الأحوال، كالأب فإنَّه يكون ذا فرضٍ في صورة وجود الولد وفرضه ليس إلَّا السدس مطلقاً، وكذلك البنت الواحدة والبنتان فصاعداً مع عدم الابن، وكذا الأخت والأختان لأب أو أبوين مع عدم الأخ، فإن فرضهن النصف أو الثلثان مطلقاً، وهؤلاء وإن كانوا ذوي فرض على حال دون حال إلَّا أنَّ فرضهم لا يزيد ولا ينقص بتبدّل الأحوال.
وقد يكون مَن كان له فرضٌ على كلّ حالٍ [لا] يتغيّر فرضه بتبدّل الأحوال، وذلك كالأخ أو الأخت للأم، فمع الوحدة كان فرضه السدس ومع التعدّد الثلث، ولا يزيد على ذلك ولا ينقص في جميع الأحوال.
الثاني: مَن له فرضان يزيد وينقص بتبدّل الأحوال، كالأمّ فإنَّ لها الثلث تارة والسدس أُخرى، وكذا الزوجان فإنَّ للزوج النصف مع عدم الولد والربع مع وجوده وللزوجة الثمن مع وجود الولد والربع مع عدمه.
الأمر الثالث في موانع الإرث، وهي ثلاثة:
الأوّل الكفر
بأصنافه أصلياً كان أو عن ارتداد، فلا يرث الكافر من المسلم أصلاً وإن كان قريباً وإنَّما يختصّ إرثه بالمسلم وإن كان بعيداً، فلو كان له ابن كافر وللابن ابن مسلم يرثه ابن الابن لا الابن، وكذا لو كان له ابن كافر وأخ أو عمّ أو ابن عم مسلم يرثه المسلم دونه، بل وكذا لو لم يكن له وارثٌ من ذوي الأنساب وكان له
ــــــ[759]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
معتقٌ أو ضامن جريرةٍ مسلمٌ يختصّ إرثه بهما دونه، وإذا لم يكن له وارثٌ مسلمٌ في جميع الطبقات من ذوي الأنساب وغيرهم كان ممّن لا وارث له واختصّ إرثه بالإمام ولا يرث ابنه الكافر منه شيئاً.
(مسألة 3): إذا مات الكافر أصليّاً أو مرتدّاً عن فطرة أو ملّة وله وارث مسلمٌ وكافر ورثه المسلم وإن كان بعيداً كالمعتق وضامن الجريرة دون الكافر وإن كان قريباً كالأب والابن، وإن لم يكن له وارث مسلم بل كان جميع ورثته كفّاراً يرثونه على قواعد الإرث، إلَّا إذا كان مرتدّاً فطريّاً أو ملّيّاً فإنَّ ميراثه للإمام(1) دون ورثته الكفّار.
(مسألة 4): لو مات مسلمٌ أو كافرٌ وكان له وارثٌ كافرٌ ووارثٌ مسلمٌ غير الإمام وأسلم بعد موته وارثه الكافر، فإن كان وارثه المسلم واحداً اختصّ بالإرث ولم ينفع(2) لمن أسلم إسلامه، وكذا إن كان متعدّداً وكان إسلام من أسلم بعد قسمة الميراث بينهم، وأمّا لو أسلم قبل القسمة شاركهم في الإرث إن ساواهم في المرتبة واختصّ بالإرث وحجبهم عنه إن تقدّم عليهم، كما إذا كان ابناً للميت وهم أُخوته.
(مسألة 5): لو أسلم الوارث بعد قسمة بعض التركة دون بعض كان لكلٍّ منهما حكمه، فلم يرث فيما قسم واختصّ بالإرث أو شارك فيما لم يقسم.
(مسألة 6): لو مات مسلمٌ عن ورثة كفّارٍ ليس بينهم مسلمٌ فأسلم بعضهم
ــــــ[760]ـــــــ
( ) بل لأهله حتى في الفطريّ وإن بعُد الفرض.
(2) إلَّا الزوجة إذا أسلّمت لم يدفع الميراث إلى الإمام×.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بعد موته اختصّ هو بالإرث ولم يرثه الباقون ولم ينته الأمر إلى الإمام، وكذا الحال لو كان الميّت مرتداً وخلف ورثةً كفّاراً فأسلم بعضهم بعد موته فإنَّ الإرث يختصّ به.
(مسألة 7): لو مات كافرٌ أصلي ولم يخلف إلَّا ورثة كفّاراً ليس بينهم مسلم فأسلم بعضهم بعد موته فالظاهر أنَّه لا أثر لإسلامه وكان الحكم كما قبل إسلامه(1)، فإن تقدّمت طبقته على طبقة الباقين كما إذا كان ابناً للميّت وهم إخوته اختصّ الإرث به، وإن ساواهم في الطبقة شاركهم، وإن تأخّر طبقته عنهم كما إذا كان عمّاً للميّت وهم إخوته اختصّ الإرث بهم. ويحتمل أن يكون مشاركته مع الباقين في صورة مساواته معهم في الطبقة إنَّما هو فيما إذا كان إسلامه بعد قسمة التركة(2) بينه وبينهم، وأمّا إذا كان قبلها اختصّ الإرث به، وكذا اختصاص الطبقة السابقة بالإرث في صورة تأخّر طبقة من أسلم إنَّما هو فيما إذا كان في الطبقة السابقة واحداً أو متعدّداً وكان إسلام من أسلم بعد قسمة التركة بينهم، وأمّا إذا كان إسلامه قبل القسمة اختصّ الإرث به.
(مسألة 8): المراد بالمسلم والكافر وارثاً وموروثاً وحاجباً ومحجوباً أعمّ منهما حقيقةً ومستقلاً أو حكماً وتبعاً، فكلّ طفلٍ كان أحد أبويه مسلماً حال انعقاد نطفته
ــــــ[761]ـــــــ
(1)الأفصح: كما كان أو كما هو. والمهم فقهياً أنَّه لو أسلم قبل القسمة كان حكمه حكم ما قبل إسلامه تماماً من حيث الميراث والحجب وغيره. وإن أسلم بعدها لم يكن له شيءٌ على الأقوى. ومنه يظهر حكم باقي المسألة.
(2) ظهر ما فيه وما بعده.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
مسلمٌ حكماً وتبعاً فيلحقه حكمه، وإن ارتدّ بعد ذلك المتبوع فلا يتبعه الطفل في الارتداد الطارئ. نعم يتبعه في الإسلام إذا أسلم أحد أبويه قبل بلوغه بعد ما كانا كافرين حين انعقاد نطفته وكلّ طفل كان أبواه معاً كافرين أصليّين أو مرتدّين أو مختلفين حين انعقاد النطفة بحكم الكافر حتّى يسلم أحدهما قبل بلوغه أو أظهر الإسلام هو بعد بلوغه(1)، فعلى ما ذكرنا لو مات كافرٌ(2) وله أولادٌ كفّارٌ وله أطفال أخٍ مسلم أو أخت مسلمة يرثه تلك الأطفال دون الأولاد، ولو كان له ابنٌ كافرٌ وطفل ابنٍ مسلم يرثه طفل ابنه دون ابنه، ولو مات مسلمٌ وله طفلٌ ثُمَّ مات ذلك الطفل وليس له وارثٌ مسلمٌ في جميع الطبقات كان وارثه الإمام كما هو الحال في الميّت المسلم، ولو مات طفلٌ بين كافرين وله مال وكان ورثته كلّهم كفّاراً ليس بينهم مسلم ورثه الكفّار على ما فرض الله دون الإمام. هذا إذا كان أبواه كافرين أصليين، وأمّا إذا كانا مرتدّين فهل لهذا الطفل حكم الكفر الارتدادي حتّى يكون وارثه الإمام أو حكم الكافر الأصلي حتّى يرثه ورثته الكفار؟ وجهان لا يخلو ثانيهما من قوّة.
(مسألة 9): المسلمون يتوارثون وإن اختلفوا(3) في المذاهب والأُصول والعقائد، فيرث المحقّ منهم مبطلهم وبالعكس ومبطلهم مبطلهم. نعم، الغلاة
ــــــ[762]ـــــــ
(1) بل بعد تمييزه المعتدّ به.
(2) هذا التفريع قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّ الكفر مانع في وارث المسلم دون الصور الأُخرى. ومنه يظهر الحال في باقي الكلام.
(3) ميراث الملحدين من غيرهم مشكل.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
والخوارج والنواصب ومن أنكر ضرورياً من ضروريات الدين كوجوب الصلاة وصوم شهر رمضان كفّار أو بحكمهم، فيرث منهم المسلمون وهم لا يرثون منهم.
(مسألة 10): الكفّار يتوارثون وإن اختلفوا في الملل والنحل، فيرث النصراني اليهودي وبالعكس، بل ويرث الذمّي الحربي وبالعكس، لكن يشترط في إرث الكافر من الكافر فقد الوارث المسلم، فإن وجد وإن كان بعيداً يحجب الكافر وإن كان قريباً كما تقدّم تفصيله.
(مسألة 11): المرتدّ – وهو من خرج عن الإسلام واختار الكفر بعد ما كان مسلماً- على قسمين فطري وملي: والأوّل من كان أحد أبويه مسلماً حال انعقاد نطفته ثُمَّ أظهر الإسلام بعد بلوغه ثُمَّ خرج عنه، والثاني مَن كان أبواه كافرين حال انعقاد نطفته ثُمَّ أظهر الكفر بعد البلوغ فصار كافراً أصليّاً ثُمَّ أسلم ثُمَّ عاد إلى الكفر كنصرانيّ أسلم ثُمَّ عاد إلى نصرانيّته.
فالفطريّ إن كان رجلاً تبين منه زوجته وينفسخ نكاحها بغير طلاقٍ وتعتدّ عدّة الوفاة ثُمَّ تتزوّج بالغير إن أرادت، ويقسّم أمواله التي كانت له حين ارتداده بين ورثته بعد أداء ديونه كالميّت، ولا ينتظر موته ولا تفيد توبته ورجوعه إلى الإسلام في رجوع زوجته وماله إليه. نعم تُقبل توبته باطناً على الأقوى، بل ظاهراً أيضاً بالنسبة إلى بعض الأحكام، فيطهر بدنه وتصحّ عباداته ويملك الأموال الجديدة(1) بأسبابه الاختياريّة كالتجارة والحيازة والقهرية كالإرث، ويجوز له التزويج بالمسلمة، بل له تجديد العقد على الزوجة السابقة. وإن كان امرأةٌ بقيت
ــــــ[763]ـــــــ
(1) بل يملكها وإن لم يتب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
أموالها على ملكها ولا تنتقل إلى ورثتها إلَّا بموتها وتبين من زوجها المسلم في الحال بلا اعتدادٍ إن كانت غير مدخول بها ومع الدخول بها ينفسخ نكاحها لكن عليها العدّة عدّة الطلاق، فإن تابت وهي في العدّة عادت الزوجيّة وإن لم تتب حتّى انقضت العدّة بانت من زوجها.
وأمّا الملي سواءٌ كان رجلاً أو امرأة فلا تنتقل أمواله إلى ورثته إلَّا بالموت، وينفسخ النكاح بين المرتد وزوجته المسلمة وكذا بين المرتدة وزوجها المسلم بمجرّد الارتداد بدون اعتداد مع عدم الدخول ومع الاعتداد عدّة الطلاق مع الدخول، فإن تاب أو تابت قبل انقضاء العدّة عادت الزوجية وإلَّا فلا كما عرفت في المرأة المرتدة عن فطرة.
الثاني من موانع الإرث القتل
(مسألة 12): لا يرث القاتل من المقتول إذا كان القتل عمداً ظلماً، ويرث منه إذا قتله بحقّ، كما إذا كان قصاصاً أو حدّاً أو دفاعاً عن نفسه أو عرضه أو ماله وكذا إذا كان خطأً محضاً كما إذا رمى طائراً فأخطأ وأصاب قريبه فإنَّه يرثه. نعم لا يرث من ديته التي يتحمّلها العاقلة على الأقوى(1). وأمّا شبه العمد- وهو ما إذا كان قاصداً لإيقاع الفعل على المقتول غير قاصد للقتل وكان الفعل ممّا لا يترتّب عليه القتل في العادة كما إذا ضربه ضرباً خفيفاً للتأديب فأدّى إلى قتله- ففي كونه كالعمد المحض مانعاً عن الإرث أو كالخطأ المحض؟ قولان أقواهما أوّلهما(2)،
ــــــ[764]ـــــــ
(1) بل الأقوى خلافه.
(2) بل ثانيهما وهو الميراث.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
خصوصاً إذا(1) كان إيقاع الفعل بغير حقّ، كما إذا ضربه ضرباً خفيفاً لا للتأديب أو كان الضارب من ليس له ولاية التأديب فأدّى إلى قتله.
(مسألة 13): لا فرق في القتل العمدي الظلمي في مانعيّته من الإرث بين ما كان بالمباشرة كما إذا ذبحه أو رماه بالرصاص، وبين ما كان بالتسبيب كما إذا رماه في مسبعة فافترسه السبع، أو حبسه في مكانٍ زماناً طويلاً بلا قوتٍ فمات جوعاً، أو أحضر عنده طعاماً مسموماً بدون علم منه فأكله إلى غير ذلك من التسبيبات التي ينسب ويسند معها القتل إلى المسبب. نعم، بعض التسبيبات التي قد يترتّب عليها التلف مما لم ينسب ولم يسند التلف إلى المسبّب كحفر البئر وإلقاء المزالق والمعاثر في الطرق والمعابر وغير ذلك وإن أوجب الضمان والدية على مسبّبها إذا تلف أحدٌ بسببها كما هو مذكورٌ في كتابي الغصب والديات إلَّا أنَّها غير مانعةٍ(2) من الإرث، فيرث حافر البئر في الطريق عن قريبه الذي وقع ومات فيه.
(مسألة 14): كما أنَّ القاتل ممنوعٌ عن الإرث من المقتول كذلك لا يكون حاجباً عمّن هو دونه في الدرجة ومتأخّرٌ عنه في الطبقة، فوجوده كالعدم، فلو قتل شخص أباه وكان له ابنٌ ولم يكن لأبيه أولاد غير القاتل ورث ابن القاتل من جده، وكذا إذا انحصر أولاد المقتول في ابنه القاتل وله أُخوة كان ميراثه لإخوته دون ابنه، بل لو لم يكن غير القاتل قريبٌ وكان له معتقٌ أو ضامن جريرة كان ميراثه لهما، وإن لم يكونا له أيضا ورثه الإمام.
ــــــ[765]ـــــــ
(1) هذا مفروض في أصل الحجب.
(2) لأنَّها ليست من القتل العمد عادة. نعم لو صدق ذلك عرفاً حجب.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 15): الدية في حكم مال المقتول يقضى منها ديونه ويخرج منها وصاياه أولاً قبل الإرث ثُمَّ يورث الباقي كسائر الأموال، سواء كان القتل عمداً وصالحوا عن القصاص بالدية أو كان شبه عمد أو خطأ محضاً، ويرثها كلّ مناسبٍ ومساببٍ حتّى الزوجين في القتل العمديّ وإن لم يكن لهما حقّ القصاص، لكن إذا وقع الصلح والتراضي بالدية ورثا نصيبهما منها. نعم لا يرث المتقدّم بالأُمّ وحدها كالأخ والأخت للأم من الدية شيئاً.
الثالث من الموانع الرق
(مسألة 16): الرقية مانعة عن الإرث في الوارث والموروث، فلا يرث الرق من الحر وكذا العكس وإن قلنا بقابليّة الرقّ للملك، فإن ملكه بعد موته لمولاه.
فمَن مات وله وارثٌ حرٌّ ووارثٌ مملوكٌ فالميراث للحرّ وإن كان بعيداً كضامن الجريرة دون المملوك وإن كان قريباً كالوالد والولد، وليس يحجب الرقّ من كان تقرّبه بالميّت بسببه، فلو كان الوارث رقّاً وله ولدٌ حرّ لم يمنع الولد عن الإرث برقِّ أبيه بل يكون هو الوارث دونه.
(مسألة 17): لو مات شخصٌ وله وارثٌ مملوكٌ ووارثٌ حرٌّ فأعتق المملوك بعد موته، فإن تعدّد الحرّ وكان عتق المملوك قبل قسمة التركة بين الأحرار شاركهم إن ساواهم في المرتبة واختصّ بالإرث إن كان أولى، وإن كان الحرّ واحداً، أو كان عتق المملوك بعد القسمة لم يكن له نصيب.
(مسألة 18): لو لم يكن له وارثٌ في جميع الطبقات سوى المملوك يشترى من مال الميّت ويعتق، وإذا بقي شيءٌ يعطى له بعنوان الإرث، وليس لمالكه الامتناع
ــــــ[766]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
عن بيعه، بل يقهر عليه لو امتنع، بل ليس له الإجحاف والاقتراح في الثمن، فيعطى له القيمة العادلة(1) ويؤخذ منه المملوك ويعتق(2)، والمباشر لذلك هو الحاكم، ومع عدمه عدول المؤمنين، بل غيرهم أيضاً مع عدمهم على نحو الوجوب الكفائي.
(مسألة 19): إذا كان المملوك أباً أو أمّاً للميت لا إشكال ولا خلاف في أنَّه يشترى ويعتق، والظاهر جريان هذا الحكم في كلّ قريبٍ له ولا سيّما الأولاد.
(مسألة 20): إذا لم يفِ التركة بتمام ثمن المملوك فالظاهر أنَّه يشترى بها شقص منه ويعتق ويسعى هو في الباقي.
وهنا فروعٌ أُخر لا جدوى في التعرّض لها لقلّة الابتلاء بها. ويلحق بموانع الإرث أُمورٌ ينبغي أن يذكر في ضمن مسائل:
(مسألة 21): اللعان الجامع للشرائط إذا وقع بين الزوجين يقطع التوارث بينهما، وإذا وقع في مقام نفي الولد يقطع التوارث بين الأب والولد(3)، وكذا التوارث بين الولد وكلّ من تقرّب إليه بواسطة الأب كالجدّ والجدّة للأب والأعمام والعمّات وأولادهم، فينحصر التوارث بين الولد والأُمّ وبينه وبين من
ــــــ[767]ـــــــ
(1) بهذه الصفة وجميع الخصوصيّات، فقد تكون القيمة العادلة أغلى عندئذٍ.
(2) على الأحوط وإن كان لا أثر أحياناً لعتقه بالنسبة له؛ لأنَّه لا مالك له فإذا تزوج من حرّة كان أولاده أحراراً. وهو يملك وإن كان رقاً كما هو الصحيح، فلا أثر لرقيقه إطلاقاً. وأمّا لو كان لها أثر لزم عتقه كما لو كانت زوجته رقّاً، ليكون أولاده أحراراً.
(3) يعني مضافاً إلى الزوجة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تقرّب إليه بالأُمّ كالأخ والأخت للأُمّ والأخوال والخالات وأولادهم، حتّى أنَّه لو كان له أخٌ للأب والأُم وأخٌ للأُمّ كان كمن له اخوان للأُمّ فيرثان بالسوية، وإن اعترف الأب بعد اللعان بولديته يرثه الولد دون العكس.
(مسألة 22): الحمل يرث ويورث إذا انفصل حيّاً وإن مات من ساعته، ويعرف حياته بعد انفصاله قبل موته من ساعته بأن يتحرّك أو يصيح بعد سقوطه. ولا يشترط ولوج الروح فيه حين موت المورث، بل يكفي انعقاد نطفته حينه، فإذا مات أحد وتبيّن الحمل في زوجته بعد موته وكان بحيث يلحق به شرعاً يرثه إذا انفصل حيّاً.
ولا يعتبر في وارثيّته ومورثيّته الصياح بعد السقوط بعد ما علم سقوطه حيّاً بالحركة البيّنة وغيرها.
(مسألة 23): الحمل ما دام حملاً لا يرث ولكن يحجب مَن كان متأخّراً عنه في المرتبة أو في الطبقة، فلو كان للميّت حملٌ وله أحفادٌ أو أُخوةٌ يحجبون عن الإرث ولم يعطوا شيئاً حتّى يتبيّن الحال، فإن سقط حيّاً اختصّ بالإرث، وإن سقط ميّتاً يرثوا(1). ولو كان للميّت وارثٌ آخر في مرتبة الحمل وطبقته -كما إذا كان له أولادٌ أو أبوان- يعزل للحمل نصيب ذكرين ويعطى الباقي للباقين، ثُمَّ بعد تبيّن الحال إن سقط ميّتاً(2) يعطى ما عزله للوارث الآخر، ولو تعدّد وزّع بينهم
ــــــ[768]ـــــــ
(1)كان الأولى أن يقول: يرثوه أو: ورثوا.
(2) وإن سقط اثنان أحياء أخذا المال المعزول كلّه حسب حصّتيهما، وإن سقط واحد أخذ حصّته منه ووزّع الباقي على الورثة الآخرين على ما فرض الله سبحانه.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
على ما فرض الله، فلو كان للميّت ابنٌ واحدٌ يعطى الثلث ويعزل للحمل الثلثان، ولو كانت له بنتٌ واحدةٌ أعطيت الخمس وعزل للحمل أربعة أخماس، ولو كان له ابن وبنت تقسّم التركة سبع حصص تعطى البنت حصة ويعطى الابن حصتين وتعزل للحمل أربع حصص نصيب ذكرين.
(مسألة 24): إذا كان مَن كان في طبقة الحمل ذا فرضٍ، فإن لم يتغيّر فرضه على فرض وجود الحمل وعدمه يعطى كمال نصيبه، كما إذا كان له زوجةٌ أو أبوان وكان له ولدٌ آخر غير الحمل، فإنَّ نصيبهم، وهو الثمن للزوجة والسدسان للأبوين، لا يتغيّر بوجود الحمل وعدمه بعد ما كان له ولدٌ آخر. وإن كان ينقص على فرض وجوده، يعطى أقلّ ما يصيبه على تقدير ولادته حيّاً، كما إذا كانت له زوجةٌ مع الأبوين ولم يكن له ولدٌ آخر، فتعطى الزوجة الثمن ولكلٍّ من الأبوين السدس(1).
(مسألة 25): ما ذكرنا من أنَّه يعطى الوارث الموجود أقلّ ما يصيبه على تقدير كون الحمل ذكرين وانفصاله حيّاً، إنَّما هو فيما إذا طلب الوارث نصيبه وما يصيبه قبل الانفصال، وإلَّا فله الانتظار وعدم المطالبة بنصيبه إلى أن يتبيّن الحال.
(مسألة 26): إذا تولّد الحمل وكان حيّاً في آنٍ ثُمَّ مات، كان نصيبه من الإرث لوارثه.
ــــــ[769]ـــــــ
(1) فإن سقط ميتاً وزّع المال المعزول كلّه على الورثة الموجودين بدون حجب. وإن سقط اثنان استحقّاه كلّه. وإن سقط واحدٌ بقي الحجب وأخذ حصّته ووزّع الباقي على الباقي.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 27): لا فرق في وارثيّة الحمل أو مورثيّته بعد انفصاله حيّاً بين تمام ولادته(1) وعدمه. وكذا بين سقوطه بنفسه أو بجناية جانٍ.
(مسألة 28): إذا غاب شخصٌ غيبةً منقطعةً لا يعلم موته ولا حياته، فأمّا بالنسبة إلى زوجته فقد فصلّنا القول فيه في كتاب الطلاق، و أمّا بالنسبة إلى أمواله(2) فيطلب ويتفحّص عنه أربع سنين، فإذا لم يظفروا به يقسمها من كان وارثاً له بعد انقضاء أربع سنينٍ بينهم، وكيفيّة الطلب و الفحص وما يتعلّق بهما قد فصلّناه فيما تقدّم.
هذا ولكنّ المشهور بين فقهائنا المتأخّرين أنَّه ينتظر بماله إلى أن تنقضي مدّةً لا يعيش أزيد منها بحسب العادة، كمئة سنةٍ مثلاً. ويختلف مدّة الانتظار باختلاف مقدار سنّه حين سفره وغيابه، فإذا كان سنّه في ذلك الحين سبعين سنةً مثلاً ينتظر ثلاثين سنة، وإذا كان ثمانين ينتظر عشرين، وإذا كان أقلّ ينتظر أكثر، وما ذكرنا أوّلاً، وإن كان أقوى في النظر إلَّا أنَّ القول الثاني هو الأحوط(3).
الأمر الرابع: في الحجب
الحجب: وهو منع الوارث عن نصيبه الذي كان يستحقّه لولا وجود الحاجب، قسمان: حجب حرمانٍ: وهو أن يمنع الحاجب المحجوب عن الإرث
ــــــ[770]ـــــــ
(1) الظاهر أنَّ المراد: تمام خلقته فيكون الحكم صحيحاً. وأمّا تمام الولادة بمعنى انفصاله كاملاً فهو مفروض في الاستحقاق، فلو مات خلال خروجه لم يستحقّ شيئاً.
(2) سيأتي حكمها في التعليقة الآتية.
(3) وجوباً وقياس الأموال على الزوجة من حيث الفحص مشكل جدّاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
بالكلّية، وحجب نقصانٍ: وهو أن ينقص نصيبه عمّا كان له لولا الحاجب، ويُذكر هذان القسمان في ضمن مسائل:
(مسألة 29): قد عرفت أنَّ موجبات الإرث ثلاثة: نسبٌ، وولاءٌ، وزوجيّةٌ، وأنَّ لكلٍّ من النسب والولاء طبقاتٌ ثلاثٌ: فأمّا طبقات النسب فأوّلها: الأبوان والأولاد وإن نزلوا. ثانيها: الإخوة والأخوات وأولادهم وإن نزلوا، والأجداد والجدات وإن علوا. ثالثها: الأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن علوا وأولادهم وإن نزلوا. وأما طبقات الولاء، فأوّلها ولاء العتق، ثُمَّ ولاء ضامن الجريرة، ثُمَّ ولاء الإمامة.
فاعلم أنَّ الزوجين لا يحجبان حجب حرمانٍ بأيّ وارثٍ كان، فهما يشاركان مع كلّ وارثٍ ذا سببٍ أو ذا ولاءٍ من أيّ طبقةٍ كان. وأمّا البواقي فذو النسب من أيّ طبقةٍ كان يحجب ذا الولاء كذلك، فما دام أحدٌ من ذوي الأنساب موجوداً لا ينتهي الأمر إلى ذوي الولاء. وكلّ طبقةٍ سابقةٍ من ذوي النسب أو ذوي الولاء حاجبة من لاحقةٌ منهما، فمع أحدٍ من الأبوين أو الأولاد لا يرث الإخوة والأجداد، ومع أحد الإخوة أو أولادهم أو الأجداد لا يرث الأعمام والأخوال وأولادهم، وكذا مع فقد ذوي الأنساب طرّاً وانتهاءً الأمر إلى ذوي الولاء، فمع المعتق لا يرث ضامن الجريرة، ومعه لا يرث الإمام.
(مسألة 30): كما أنَّ للنسب طبقاتٍ كذلك لكلّ طبقةٍ مراتب ودرجات:
فأمّا الطبقة الأولى: فالأبوان مرتبةٌ واحدةٌ، لكنّ الأولاد لهم مراتب ودرجاتٌ
ــــــ[771]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
متنازلةٌ، الأولاد بنينٌ وبناتٌ، ثم أولادهم، ثُمَّ أولاد أولادهم، وهكذا.
وأما الطبقة الثانية: فلكلٌ من الأجداد والجدّات والإخوة والأخوات مراتب ودرجات، للأجداد صعوداً: الجد، ثُمَّ جدّ الأب ثُمَّ جدّ الجد، وهكذا. والإخوة والأخوات وأولادهم: الأخ والأخت، ثُمَّ أولادهما، ثم أولاد أولادهما، وهكذا.
وأمّا الطبقة الثالثة: أعلى طبقة العمومة والخؤولة، فلها درجاتٌ متصاعدة:
العم والعمة أخ الأب وأخته، والخال والخالة أخ الأم وأختها، ثُمَّ عمّ الأب وعمّته وخاله وخالته، وعمّ الأم وعمّتها وخالها وخالتها. ولكلّ درجةٍ مراتب متنازلةٌ، كأولاد عمّ الميّت وعمّته وأولاد خاله وخالته وأولاد أولادهم متنازلين، وكأولاد عمّ أب الميّت وعمّته وخاله وخالته، وأولاد عمّ أمّ الميت وعمّتها وخالها وخالتها، وأولاد أولادهم متنازلين.
وإذا عرفت ذلك كلّه، فاعلم: أنّ كلّ مَن كان في المرتبة السابقة مِن كلّ طبقةٍ يحجب مَن كان في المرتبة اللاحقة من تلك الطبقة حجب حرمان. وبعبارةٍ أخرى: من كان أقرب إلى الميّت يمنع الأبعد منه، فلا يرث مع الابن أو البنت ابن الابن ولا ابن البنت ولا بنت الابن ولا بنت البنت. ومع الأخ والأخت لا يرث ابن الأخ والأخت ولا بنتهما، ومع الجدّ والجدّة أبوي الميت لا يرث جدّ وجدّة أبيه ولا جدّ وجدّة أمّه وهكذا، ومع العمّ أو العمّة والخال أو الخالة لا يرث أولادهم، ومع أولادهم لا يرث أولاد أولادهم، ومع عمّ الميت أو عمّته وخاله وخالته لا يرث عمّ أبيه وعمّته وخاله وخالته وهكذا.
ــــــ[772]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
(مسألة 31): قد عرفت أنَّ الطبقة الثالثة أعني طبقة العمومة والخؤولة درجاتٌ متصاعدةٌ، ولكلّ درجةٍ مراتب متنازلةٌ، فاعلم أنَّ كلّ درجةٍ سابقةٍ على درجةٍ عليا من حيث الصعود تتبعها مراتبها النازلة، فهي أيضاً سابقةٌ على الدرجة العليا، فكما أنَّ العمّ والعمّة والخال والخالة سابقون على عمّ الأب وعمّته وخاله وخالته، كذلك أولادهم وإن نزلوا سابقون عليهم، وكما أنّ عمّ الأب وعمّته وخاله وخالته سابقون على عمّ الجدّ وعمّته وخاله وخالته كذلك أولادهم وإن نزلوا سابقون عليهم. فلا يرث مع أولاد عمّ الميّت وأولاد خاله وإن نزلوا عمّ أب الميّت وخاله، وكذا لا يرث مع أولاد عمّ أب الميّت وإن نزلوا عمّ جدّه أو خاله، وهكذا.
(مسألة 32): إنما يحجب مَن كان في المرتبة السابقة مَن كان في المرتبة اللاحقة ويمنع الأقرب الأبعد، إذا كانا من صنفٍ واحدٍ، وأمّا إذا كانا من صنفين فلا حجب ولا منع. وقد أشرنا سابقاً إلى أنَّ كلاً من الطبقة الأولى والثانية صنفان، ففي الأولى: الأب والأمّ صنفٌ، والأولاد وإن نزلوا صنفٌ آخر، وفي الثانية: الأجداد وإن علوا صنفٌ والإخوة والأخوات وأولادهم وإن نزلوا صنفٌ آخر. وأمّا الطبقة الثالثة وهي طبقة العمومة والخؤولة وأولادهم، فهي صنفٌ واحدٌ.
فعلى هذا: الابن يحجب ابن الابن، وابن الابن يحجب ابن ابن الابن، وهكذا. وأمّا الأب والأمّ فلا يحجبان الأولاد وإن تنازلوا بمراتب. وكذا الإخوة والأخوات يحجبون أولادهم، وهم يحجبون أولاد أولادهم، والجدّ الأدنى
ــــــ[773]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
يحجب الجدّ الأعلى، والأعلى بمرتبةٍ يحجب الأعلى بمرتبتين، ولا يحجب الجدّ الأدنى أولاد الإخوة وإن تنازلوا بمراتب، وكذا الأخ أو الأخت لا يحجبان الجدّ الأعلى وإن تصاعدا بمراتب.
وأمّا الأعمام والأخوال فحيث إنَّهم صنفٌ واحدٌ، فالعمّ يحجب ابن الخال كما يحجب ابن العمّ، وكذا الخال يحجب ابن العمّ كما يحجب ابن الخال، وكذا ابن العمّ يحجب ابن ابن الخال كما يحجب ابن ابن العمّ، وابن الخال يحجب ابن ابن العمّ كما يحجب ابن ابن الخال. وكذا العمّ وأولاده يحجبون خال الأب، كما يحجبون عمّ الأب، والخال وأولاده يحجبون عمّ الأب كما يحجبون خال الأب.
(مسألة 33): في الطبقتين الأخيرتين يحجب المتقرّب بالأبوين المتقرّب بالأب خاصّةً مع تساويهما في الدرجة والمرتبة، ولا يحجب المتقرّب بالأمّ خاصّةً، فالأخ والأخت للأب والأمّ يحجبان الأخ والأخت للأب دون الأخ والأخت للأمّ. وكذا ابن الأخ أو الأخت للأبوين يحجبان ابن الأخ أو الأخت للأب خاصّة، ولا يحجب ابن الأخ أو الأخت للأبوين الأخ والأخت للأمّ، بل هما يحجبانهما بسبق درجتهما عليهما. وكذا العمّ للأبوين – أعني: من كان أخا أبيه لأبيه وأمّه- يحجب العمّ والخال لأب، أعني: مَن كان أخا أبيه أو أخا أمّه لأبٍ خاصّة. وكذا الخال للأبوين أعني من كان أخا أمه لأبيها وأمّها، يحجب الخال لأبٍ أعني: مَن كان أخا أمّه لأبٍ خاصّة.
وأمّا ابن العمّ وابن الخال للأبوين فلا يحجبان الخال لأبٍ بل هما محجوبان
ــــــ[774]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
به، وكذا ابن الخال للأبوين لا يحجب العمّ لأبٍ بل هو محجوبٌ به؛ وذلك لعدم تساوي الدرجة. نعم خصوص ابن العمّ للأبوين يحجب العمّ للأب خاصّة. وهذه مسألةٌ إجماعيّةٌ خرجت عن الضابط المتقدّم بالإجماع، وسيجيء تفصيلها عند تفصيل الطبقة الثالثة إن شاء الله تعالى.
(مسألة 34): يحجب الولد وإن نزل ذكراً كان أو أنثى، واحداً كان أم متعدداً، الأبوين عمّا زاد على الثلث، فهو حاجبٌ لهما حجب نقصان(1)، إذ كان لهما مع عدم الولد للميّت ثلثان وثلث، ثلثان للأب(2)، وثلث للأمّ، وإذا كان له ولدٌ فلكلٍّ منهما السدس.
وكذا يحجب الولد مطلقاً الزوج والزوجة عن نصيبهما الأعلى وهو النصف والربع إلى الأدنى وهو الربع والثمن، فإنَّ للزوج مع عدم الولد للزوجة النصف، وللزوجة مع عدم الولد للزوج الربع، وهما نصيبهما الأعلى، ومع وجود الولد للزوجة أو الزوج كان له الربع ولها الثمن، فهو يحجبهما حجب نقصان.
(مسألة 35): لا يحجب الولد الأبوين عمّا زاد على السدس في صورتين:
الأولى: فيما إذا كان الولد بنتاً واحدةً مع أحد الأبوين أوكليهما، فإنَّ التركة
ــــــ[775]ـــــــ
(1) إنَّما يصدق الحجب مع الفريضة، وأمّا الميراث بالقرابة والردّ فلا يصدق عليه الحجب، كما سنبيّن في التعليقة الآتية.
(2) هذا إرثٌ بالقرابة لا بالفرض، فهو وإن طرأ عليه النقص بالولد إلَّا أنَّه ليس حجباً للفريضة.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
تقسّم بين البنت مع أحد الأبوين أرباعاً(1)، ومع كليهما أخماساً(2)، فلأحدهما ربعٌ على الأوّل وكلٌّ منهما خمسٌ على الثاني، وهما زائدان على السدس.
الثانية: فيما إذا كان الولد بنتين فصاعداً مع أحد الأبوين، فإنَّ التركة تقسّم أخماساً(3): أربعة أخماسٍ للبنات، وخُمساً لأحد الأبوين، وهو أزيد من السدس، ويأتي توضيح ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(مسألة 36): يحجب الإخوة الأمّ عمّا زاد على السدس مع وجود الأب وعدم الولد للميّت، فإنَّه لو لم يكن للميّت إخوةٌ كان للأمّ ثلثٌ وللأب ثلثان، وإذا كان له إخوةٌ كان للأم السدس والباقي للأب.
(مسألة 37): إنّما يحجب الإخوة الأمّ عمّا زاد على السدس بشروطٍ خمسةٍ:
الأول: وجود الأب، فإذا لم يكن وكانت الأمّ وحدها، كان لها المال كلّه، ولا حجب.
ــــــ[776]ـــــــ
(1) للبنت النصف بالفرض ولأحدهما السدس كذلك ويقسّم الباقي بينهما بنسبة السدس والنصف فللنصف ثلاثة والسدس واحد. فتكون قسمة المجموع أرباعاً. وهذا نظرياً يعني أنَّ البنت حجبت الأمّ (إذا كانت هي الوارثة) عن الثلث إلى السدس، فالحجب بالفرض حاصلٌ وإن حصل الردّ.
(2) للبنت النصف بالفرض وللأبوين السدسان كذلك، ويقسّم الباقي بينهم بنسبة النصف إلى السدسين فتكون قسمة المجموع أخماساً، ويكون الإشكال المذكور في التعليقة السابقة وارداً أيضاً.
(3) الثلثان للبنتين بالفرض والسدس لأحد الأبوين بالفرض ويقسّم الباقي بينهم بنسبة الثلثين إلى السدس للثلثين أربعة وللسدس واحدٌ، فيكون تقسيم المجموع أخماساً، ويكون الإشكال المشار إليه سابقاً وارداً أيضاً.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الثاني: كونهم ذكرين، أو ذكراً أو أنثيين، أو أربع إناثٍ فصاعداً، فلا يحجب ذكرٌ واحدٌ وحده، أو مع أنثى واحدة، ولا ثلاث إناث.
الثالث: أن يكون أخاً أو أختاً لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ خاصّةٍ، فلا يحجب كلالة الأم وإن كثرت.
الرابع: أن لا يكون فيهم موانع الإرث من الكفر أو الرقّ أو القتل، فلو كانت كلّهم أو بعضهم كافراً، أورقّاً، أو قاتلاً للميّت، لم يحجبوا.
الخامس: أن يكونوا منفصلين بالولادة، فلا يحجب مَن كان حملاً حال موت أخيه أو أخته.
(مسألة 38): لا يحجب أولاد الإخوة ولا يقومون مقام آبائهم في هذا الحكم، وإن قاموا مقامهم في الإرث في طبقتهم.
الأمر الخامس
قد عرفت فيما سبق: أنَّ الوارث إمّا ذو فرضٍ أو غيره، فإن اتّحد الوارث وكان ممّن لا فرض له كان الإرث كلّه له، وكذا إن كان ذا فرض إلَّا أنَّ مقدار فرضه يرثه بالفرض والباقي بالردّ عليه بسبب القرابة(1)، كما إذا انحصر الوارث في بنتٍ واحدةٍ ترث النصف بالفرض والنصف الباقي يرد عليها بالقرابة، أو انحصر
ــــــ[777]ـــــــ
(1) هذا أحد الاصطلاحين في القرابة، والاصطلاح الأشهر والأحجى هو أنَّ القرابة تقابل الردّ؛ فما كان بالردّ لا يكون بالقرابة، وإنَّما القرابة إرث مَن لا فرض له، ولا يكون فيما ردّ لأنَّ الردّ لا يكون إلَّا مع الفرض. ومنه يُعرف ما في الأسطر الأُخرى.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
في بنتين فصاعداً يرثن ثلثين بالفرض والباقي بالقرابة. وإن تعدّد الوارث، فإن كان كلّهم ممن لا فرض له، يقسّم المال بينهم بالتساوي أو التفاضل حسبما يتّضح في المقاصد الآتية، وإن اجتمع ذو فرضٍ مع غيره، يأخذ ذو الفرض فرضه وكان الباقي لمن لا فرض له، وذلك كما إذا اجتمع ابن مع أبٍ أوأمٍّ، يأخذ كلٌّ منهما السدس والباقي للابن، أو اجتمع زوجٌ أو زوجةٌ مع أبٍ وأمٍّ ولم يكن ولدٌ، يعطى الزوج أو الزوجة نصيبهما الأعلى النصف والربع، وتعطى الأمّ الثلث مع عدم الإخوة الحاجبين، والسدس مع وجودهم، والباقي للأب. وكذا الحال لو اجتمع أحد الزوجين مع الأب وحده، يعطى نصيبه الأعلى، ويكون الباقي للأب(1).
وإن تعدّد الوارث من طبقةٍ واحدةٍ من ذوي الفروض ولم يكن معهم مَن لا فرض له، فله فروضٌ ثلاثة: فإمّا تتساوى الفروض وتستوعب التركة لا تزيد عليها ولا تنقص منها، وإمّا تنقص عنها وإمّا تزيد عليها، فنذكر هذه الفروض في ضمن مسائل:
(مسألة 39): إذا تساوت فروض ذي الفرض التركة ولم تنقص عنها ولم تزد عليها، فتوزع التركة على الورثة بإعطاء كلّ ذي فرض فرضه، وذلك في ثلاثة فروض:
الأول: البنتان فصاعداً مع الأبوين، ثلثان للبنتين وثلث للأبوين.
الثاني: زوج مع أختٍ واحدةٍ للأب أو للأبوين، نصفٌ للزوج، ونصفٌ للأخت.
ــــــ[778]ـــــــ
(1) فله مع الزوجة ثلاثة أرباعٍ بالقرابة، ومع الزوج النصف كذلك.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الثالث: المتعدّد من كلالة الأمّ مع أختين فصاعداً لأبٍ أو لأبوين، ثلثٌ للكلالة(1) وثلثان للأختين(2).
ــــــ[779]ـــــــ
(1) يقسّم بينهم بالسويّة ذكوراً وأناثاً.
(2) أو أكثر يقسّم بينهنّ بالسوية ويتغيّر الفرض مع وجود الذكر بينهنّ.
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
ــــــ[780]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الفهرس
كتاب المكاسب والمتاجر…..11
في المكاسب المحرمة…..11
[في آداب التجارة]…..23
[آداب التجارة المستحبة والمكروهة]…..25
أمّا المستحبّة…..25
وأمّا المكروهة فأُمور:…..26
[في آداب التجارة والاحتكار]…..28
[في الولاية من قبل الجائر]…..29
كتاب البيع…..33
[في عقد البيع]…..33
ــــــ[781]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
[في المعاطاة]…..35
القول في شروط البيع…..38
القول في شرائط المتعاقدين…..38
[في بيع الفضولي]…..42
القول في شروط العوضين…..49
القول في الخيارات…..55
«الأوّل»: خيار المجلس……55
«الثاني»: خيار الحيوان……55
«الثالث»: خيار الشرط……56
«الرابع»: خيار الغبن……60
[موارد سقوط خيار الغبن]…..62
«الخامس»: خيار التأخير……66
«السادس»: خيار الرؤية……68
«السابع»: خيار العيب……69
خاتمة في أحكام الخيار…..73
ــــــ[782]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول فيما يدخل في المبيع عند الإطلاق…..74
القول في القبض والتسليم…..76
القول في النقد والنسيئة…..78
القول في الربا…..80
القول في بيع الصرف…..84
القول في بيع السلف…..91
القول في المرابحة والمواضعة والتولية…..96
القول في بيع الثمار…..101
القول في بيع الحيوان ناطقه وصامته…..107
القول في الإقالة…..110
كتاب الشفعة…..113
كتاب الصلح…..123
كتاب الإجارة…..135
ــــــ[783]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
شرائط صحة الإجارة…..136
شرائط صحة الإجارة في المتعاقدَين…..136
شرائط صحة الإجارة في العين المستأجرة…..136
الامور المعتبرة في المنفعة…..137
الامور المعتبرة في الأجرة…..138
كتاب الجعالة…..157
كتاب العارية…..163
كتاب الوديعة…..169
(خاتمة)…..183
كتاب المضاربة…..185
كتاب الشركة…..203
القول في القسمة…..209
في كيفية القرعة…..216
كتاب المزارعة…..221
ــــــ[784]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب المساقاة…..231
كتاب الدَّين والقرض…..237
القول في أحكام الدين…..237
القول في القرض…..244
كتاب الرهن…..253
كتاب الحجر…..265
القول في الصغر…..265
القول في السفه…..269
القول في المفلس…..273
القول في المرض…..280
كتاب الضمان…..285
كتاب الحوالة والكفالة…..293
القول في الكفالة…..298
ــــــ[785]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
كتاب الوكالة…..303
كتاب الإقرار…..317
كتاب الهبة…..327
كتاب الوقف وأخواته…..335
(خاتمة)…..370
القول في الحبس() وأخواته…..370
القول في الصدقة…..373
كتاب الوصية…..377
كتاب الأيمان والنّذور…..403
القول في اليمين…..403
القول في النّذور والعهد…..411
القول في العهد…..421
كتاب الكفّارات…..423
ــــــ[786]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في أقسام الكفّارات…..423
القول في أحكام الكفّارات…..425
كتاب الصيد والذباحة…..435
القول في الصيد…..435
القول في الذباحة…..449
آداب ووظائف الذباحة والنحر…..456
كتاب الأطعمة والأشربة…..463
القول في الحيوان…..463
القول في غير الحيوان…..474
(خاتمة) في بعض الآداب المتعلّقة بالأكل والشرب…..489
كتاب الغصب…..495
كتاب احياء الموات والمشتركات…..527
القول في إحياء الموات…..527
ــــــ[787]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في المشتركات…..545
كتاب اللقطة…..561
القول في لقطة الحيوان…..561
القول في لقطة غير الحيوان…..564
(خاتمة)…..578
كتاب النكاح…..581
(فصل) في عقد النكاح وأحكامه…..593
(فصل) في أولياء العقد…..604
(فصل) في أسباب التحريم…..616
القول في النسب…..616
القول في الرضاع…..619
القول في المصاهرة وما يلحق بها…..632
القول في النكاح في العدّة وتكميل العدد…..639
ــــــ[788]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في الكفر…..643
القول في النكاح المنقطع…..648
القول في نكاح العبيد والإماء…..652
القول في العيوب الموجبة لخيار الفسخ والتدليس…..655
فصل في المهر ويقال له الصداق…..663
(خاتمة) في الشروط المذكورة في عقد النكاح…..671
(فصل) في القسم والنشوز والشقاق()…..672
القول في النشوز…..675
(فصل) في أحكام الأولاد والولادة…..679
القول في أحكام الولادة وما يلحق بها…..681
(فصل) في النفقات…..688
القول في نفقة الأقارب…..695
كتاب الطلاق…..703
القول في شروطه…..703
ــــــ[789]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
القول في الصيغة…..708
القول في أقسام الطلاق…..712
القول في العُدَدْ…..716
(فصل) في عدة الفراق طلاقاً كان أو غيره…..717
القول في عدّة الوفاة…..721
القول في عدّة وطي الشبهة…..730
القول في الرجعة…..734
كتاب الخلع والمبارأة…..739
كتاب الظهار والإيلاء واللعان…..747
القول في الظهار…..747
القول في الإيلاء…..749
القول في اللعان…..751
كتاب الميراث…..757
ــــــ[790]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)
الأمر الأوّل: في موجبات الإرث وأسبابه على الإجمال، وهي ثلاثة:…..757
الأمر الثاني الوارث: إما يرث بالفرض، وإما يرث بالقرابة……758
الأمر الثالث في موانع الإرث، وهي ثلاثة:…..759
الأوّل الكفر…..759
الثاني من موانع الإرث القتل…..764
الثالث من الموانع الرق…..766
الأمر الرابع: في الحجب…..770
الأمر الخامس…..777
الفهرس…..781
ــــــ[791]ـــــــ
تعليقة على كتاب وسيلة النجاة ج2- للسيد الأصفهاني (طيب الله ثراه)