أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
تعليقات على كتاب الشيعة والسنة

تعليقات على كتاب الشيعة والسنّة

مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله)


لا ينبغي للكاتب أن يكون أعمى أو منحازاً في كتابته أيّاً كانت، ولا سيّما إذا كان الأمر الذي يكتب فيه هو الدين والعقيدة، مضافاً إلى ما دأب عليه الكتّاب من الاستدلال وتدعيم الكلمات -إن جاز التعبير- بالأدلّة والقرائن لكي يكون ذا مصداقية ولو بعض الشيء.
إلَّا أنَّ الكاتب (إحسان إلهي ظهير) سرد الكثير من الأمور والمدّعيات التي قد جانب فيها الصواب ولم يعزّزها بالأدلّة والقرائن في أغلب الأحيان والموارد؛ وأنَّه قد حاول أن يدّعم بعضها الآخر بالأدلّة ولكنّها كانت واهيةً وركيكةً، وخصوصاً أن جلّها غير متوافقٍ عليه، مع أنَّ الكتاب هو كتابٌ لمناقشة جهةٍ معيّنةٍ لا أنَّه مجرّد أطروحةٍ أو كلامٍ، وفي مثل هذه الكتب يجب على كاتبها الاستدلال بما صدر فعلاً من الطرف المراد مناقشته.
وهذه الهفوات إن دلّت على شيء فلا تدلّ على جهله على الإطلاق بل على قدر الحقد الضغين الذي يحمله في جنبات نفسه وقلبه وعقله، بحيث طغت الانحيازية بما لا يخفى على قارئ الكتاب أكيداً.
كلّ هذه الشبهات ما هي إلَّا دليلٌ واضحٌ على كونه وأمثاله ذوي تفكيرٍ سطحيٍّ ولا يعلمون ممّا ورائيّات الأوامر الإلهيّة والنبويّة شيئاً على الإطلاق؛ لذا فإنَّه وقع بعدّة شبهات:
منها: أنَّه لم يميّز بين (التشيّع) و(الشيعة)؛ لأنَّ الإشكال الذي طرحه
-أعني به التعّدي على الصحابة- إنَّما هو متوجّهٌ إلى (الشيعة) وليس (التشيّع)، فالمذهب الإماميّ لا يرضى بذلك، كما أنَّه لا يرضى بعصمة (الصحابة)، ومعه فنقدهم لا مانع منه إذا كان منطقيّاً وأخلاقيّاً، إلَّا أنَّ كيل التّهم جزافاً وبطريقةٍ غير لائقةٍ شرعاً وعقلاً فهذا غير مقبول.
ومنها: وقع في الشبهات المادّية وترك التفسيرات والتعليلات والتحليلات المعنويّة، كنقده لسلاح رسول الله؛ إذ فسّره بالسيف واللامة وما شابه، إلَّا أنَّ الإمام المهديّ قد لا يستعمل ذلك بل يستعمل الأسلحة المعنويّة (الفكريّة والثقافيّة) وما شابه ذلك؛ مضافاً إلى بعض الأطروحات التي لا مجال لذكرها هنا.
ثُمَّ إنَّه غفل أو تغافل عن أسس الكتابة وخرج عن المتعارف بين الكتّاب ونسي أنَّه يجب أن يكون ما يُكتب هو لصالح المجتمع وهداية الجميع، فإنَّه ككاتب -إن كان يؤمن بضلالة الشيعة- لا ينبغي له تنفيرهم بهذه الصورة الهجوميّة بل عليه مناقشتهم بالحكمة والموعظة، وأن لا يتجنّى عليهم ويسرد ادّعاءاتٍ باطلة.
وما ذكره السيّد الوالد في الكثير من التعليقات من نفي لبعض كلامه إلَّا دليلٌ على كونه صاحب ادّعاءاتٍ واهيةٍ غير مدعومةٍ بأدلّةٍ، وكأنَّه قد عاشر قوماً يحملون من الضغينة الكثير اتّجاه المذهب الإمامي.
لذا وعلى الرغم من أنَّ الشهيدين الصدرين عموماً والصدر الثاني خصوصاً كان من دعاة الوحدة الإسلامية، ونحن سائرون على نهجهم هذا، إلَّا أنَّ صاحب الكتاب -أعني: إحسان إلهي ظهير- لم يترك لنا المجال لعدم الردّ عليه، فهو قد تعدّى الكثير من الأسس المنطقيّة والعقليّة حتّى وصل به الأمر إلى إلحاق الشيعة باليهوديّة، متناسياً أنَّ الكثير ممّن يؤمن بهم وبخلافتهم قد استعانوا بأراذل الأديان الأخرى.
كما أنَّه غفل عن أمرٍ أشار إليه السيّد الوالد، فهو استنكر على الشيعة كونهم أصحاب تقيّة، متناسياً أنَّ أول مَن عمل بها هو رسول الله في دعوته السرّية قبل أن يعلنها.
وما علينا إلَّا أن نميّز بين أصل التشيّع وبين ما يقترفه بعض الشيعة من السذّج والجهّال، كما تغاضينا عمّا صدر عن بعض السنّة ولم نحسبه عليهم؛ فإنَّ هذا الخلط وقع عند بعض أصحاب الأديان، فهم لا يفرّقون بين الإسلام والمسلمين، ويجعلون ما يصدر من بعض المسلمين أو مدّعي الإسلام دستوراً تاركين الإسلام الأصيل والمعصومين جانباً مع شديد الأسف، وقد قال سيّدهم ورسولهم: «إنَّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، لا أن نقطع الرقاب وننفّر الجميع من الإسلام.
والأدهى من ذلك هو أنَّ مثل هؤلاء الكتّاب نجد لهم داعمين ومروّجين لكتاباتهم وكتبهم مع شديد الأسف، متناسين أنَّ ذلك هو لصالح العدوّ المشترك (الثالوث المشؤوم)( )، حتّى وصل الأمر لتناسي العدوّ المشترك وتشكيل جهاتٍ عسكريّةٍ هدفها قتل الشيعة قبل تحرير فلسطين والأندلس والعراق وغيرها من الدول.
وعموماً فنحن نمدّ أيدينا لمن مدَّ يده ولا نمدّها للذين يريدون علوّاً في الأرض وفساداً.
وأخيراً: أقدّم شكري الجزيل للعاملين الذين لم يألوا جهداً لإخراج هذا الكتاب إلى النور فهو يستحقّ أن ينوّر دربنا فجزاهم الله خير الجزاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على خير خلقه محمّد وآله وصحبه المنتجبين الأخيار.

مقتدى الصدر
15 ربيع الأوّل 1439هـ – 3/12/2017م

 

 

مقدّمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر


الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
من مسلّمات العقيدة الإسلاميّة الخاتمة: أنَّها عقيدةٌ شاملةٌ للأجيال التي تليها إلى يوم القيامة؛ كما ورد في كتاب الله المجيد؛ كما في قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ( ).
وقوله تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( ).
وقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ( ).
ونقل الكليني في الكافي( ) عن أبي عبد الله الصادق، «وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده أبداً، وأنزل فيه تبيان كل شيءٍ، وخلقكم وخلق السموات والأرض، ونبأ ما قبلكم وفصل ما بينكم وخير ما بعدكم وأمر الجنّة والنار وما أنتم صائرون إليه».
كما دأب علماء الطائفة الاثنا عشريّة منذ القدم على بيان ماهيّة حقائق العقيدة الإسلاميّة الحقّة منقادين لكتاب الله وسنّة رسوله وأهل بيته ولم يتركوا مجالاً للمرجفين في ضرب العقيدة الإسلاميّة الراسخة والتشكيك فيها، فمَن يراجع مصنّفات كبار علمائنا في هذا الباب يرى ذلك جليّاً في كتاباتهم الشامخة.
إلَّا أنَّ مسألة العناد والإصرار على الجهل والإهمال المتعمّد لتراث مدرسة أهل البيت وعدم الاطّلاع التامّ على هذا الصرح المعرفيّ الكبير من عقائد أهل بيت النبيّ جعل المخالفين لهم يشنّعون عليهم، وقد ظلموهم بعدم مساواة حديثهم مع مَن ثبت أنَّه دونهم في المقام وعدم معرفته بكتاب الله وسنّة نبيّه عند الفرق الإسلاميّة جمعاء.
في هذا السياق جاءت هذه التعليقات ردّاً واضحاً لا لبس فيه على الكاتب (إحسان إلهي ظهير) الذي أساء للعقيدة وللعلم في عدم انصافه وتجاهله للحقائق البيّنة.
هذا الكتاب (تعليقات على كتاب: الشيعة والسنّة) للشهيد السعيد السيّد محمّد الصدر جاء ردّاً علميّاً منصفاً على كتاب إلهي ظهير، وقد أجاد سيّدنا الشهيد فيه من حيث الوضوح وقوّة الدليل وصراحة القول في بيان وقوع الكاتب في المغالطات والنقل الخاطئ ما ينبئ عن تعصّب الكاتب دون مراعاة أصول البحث العلمي.
وتعتبر تعليقات السيد الشهيد في هذا الكتاب جهداً علمياً استثنائياً تَخَصُّصياً في علم الكلام الإمامي والعقيدة الإمامية الإثنى عشرية.
ملاحظة: لم يثبّت تاريخ التأليف لهذا الكتاب، وبحسب القرائن
-كذكره لكتاب ما وراء الفقه- أنَّه بعد سنة 1400 هجريّة – 1980ميلادية.

 

منهجنا في التحقيق
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بقلم الشهيد السيّد محمّد الصدر.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
سادساً: إضافة بعض العناوين في ثنايا الكتاب.

الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
19ربيع الأوّل 1439هـ- 7/12/2017م




إحسان إلهي ظهير( ):
بسم الله الرحمن الرحيم توكّلت على الله.

مقدمة إحسان إلهي ظهير
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد المصطفى، نبي الهدى، والرحمة، وعلى آله، وأصحابه، الطاهرين، البررة. وبعد فإنه شاع في هذا الزمان كلمة (الاتحاد والوحدة) كثير من دعاة الشقاق والفرقة، وكثر استعمالها حتى كاد أن ينخدع بها السذّج من المسلمين لو ما عرفوا ما ورائها من كَيد ودس ودهاء.
فالقاديانية( ) عميلة الاستعمار الصليبي في القارة الهندية الباكستانية، ووسمة عار على جبهة المسلمين المشرقة، تستعمل هذه الكلمة هناك لكي يتسع لها طريق لنفث السموم في نفوس المسلمين.
والبهائية( ) وليدة الروس، والانكليز، والنزعات الشيعية، تريد بنفس هذه الكلمة غزو الشيعة في إيرانها وعراقها.
والشيعة ربيبة اليهود، وفصيلتهم في بلاد الإسلام، يستعملون هذه الكلمة أيضاً عند افتضاح أمرها، واكتشاف حقيقتها، وإماطة اللثام عن وجهها.
فليست هذه الكلمة، إلا كلمة حق أريد بها الباطل، كما نقل عن علي أنه لما سمع قول الخوارج (لا حكم إلا لله)، قال: «كلمة حق أريد بها الباطل، نعم لا حكم إلا لله» ( ).
وقال: «سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل» ( ).
فهذا هو الزمان الذي أشار إليه علي في قوله، فما أكثر الكذب فيه وما أفظعه!
ولقد بدأ الشيعة منذ قريب ينشرون كتباً ملفقة مزورة في بلاد الإسلام، يدَّعون فيها التّقرب إلى أهل السنة، ولكن الصحيح أنهم يريدون بها تقريب أهل السنة إليهم بترك عقائدهم، ومعتقداتهم في الله، وفي رسوله، وأصحابه الذين جاهدوا تحت رايته، وأزواجه الطاهرات اللآئي صاحبنه في معروف، وفي الكتاب الذي أنزله الله عليه من اللوح المحفوظ، نعم يريدون أن يترك المسلمون كل هذا، ويعتنقوا ما نسجته أيدي اليهودية الأثيمة من الخرافات، والترهات في الله، أنه يحصل له (البداء)، وفي كتاب الله أنه محرف، ومغيّر فيه، وفي رسول الله، بأن علياً وأولاده أفضل منه، وفي أصحابه حملة هذا الدين، أنهم كانوا خونة، مرتدين، مع من فيهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأزواج النبي، أمهات المؤمنين، مع من فيهن الطيبة، الطاهرة، بشهادة من الله في كتابه، أنهن خنّ الله ورسوله، وفي أئمة الدين، من مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والبخاري، أنهم كانوا كفرة ملعونين (رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين)، نعم يريدون هذا، وما الله بغافل عما يعملون.
فكل من عرف هذا وقام على وجههم، ورد عليهم، جعلوا يتصيحون عليه ويتنادون باسم الوحدة والاتحاد، ورددوا قول الله عز وجل: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ( )( ).
فبعداً للوحدة التي تقام على حساب الإسلام، وسحقاً للاتحاد الذي يبنى على الطعن في محمد النبي، وأصحابه، وأزواجه (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، فقد علّمنا الله عزّ وجل في كتابه الذي نعتقد فيه أن حرفاً منه لم يتغيّر ولم يتبدّل، وما زيد عليه بكلمة، ولا نقص منه حرف، علّمنا فيه، أن كفار مكة طلبوا أيضاً من رسول الله، الصادق، الأمين، عدم الفرقة والاختلاف حين دعاهم إلى عبادة الله وحده، مخلصين له الدين، وافضاحه آلهتهم، فأجابهم بأمر من الله: يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ(4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ( ).
وقال: هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ( ).
وقال: وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( ).
وقال: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ(19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ(20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الحَرُورُ(21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ( ).
نعم يمكن الوحدة إن أرادوها، ويمكن الاتحاد إن طلبوه، بالرجوع إلى الكتاب والسُّنّة، والتّمسك بهما، حسب قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 1):
الوحدة بين المسلمين تقوم كشيءٍ أساسيٍّ على الجانب الأهمّ، وهو محاربة العدوّ المشترك، والاختلاف بين الجانبين -أعني: المذاهب الإسلاميّة- وإن كان موجوداً، إلَّا أنَّه يجب تناسي ذلك لأجل الحفاظ على أصل الإسلام المشترك الصدقِ بيننا وبينهم.
ويكفي في الاتّحاد على هذا الهدف وجود عناوين عامّةٍ مشتركةٍ، كالكتاب والسنّة والقبلة، وبعض أُصول الدين، وأكثر فروع الدين، مع غضِّ النظر عن التفاصيل طبعاً، ومع تناسي الماضي وليس نسيانه؛ لأنَّ نسيانه الواقعيّ يعني إسقاط المذهب عن نظر الاعتبار.
وليس معنى الوحدة الاتّفاق على مذهبٍ معيّنٍ من مذاهب الإسلام، لا السنّي ولا الشيعي؛ فإنَّ ذلك يتعذّر في المستقبل المنظور، وإنَّما المهمّ الآن دفع العدوّ المشترك الذي يترصّد لنا بمختلف الأساليب والحبائل والخدع، بل أساليب القتل والفناء.
وهذا هدفٌ لو كان عليّ بن أبي طالب لاهتمَّ به، ولو كان عمر بن الخطاب لاهتمَّ به، وقد اتّفقا فعلاً (ظاهراً) في حياتهما وتاريخهما بهذا الهدف، فلماذا لا يكونان لنا أُسوة؟!
وهذا يعني-ضمناً-: أنَّ أيّاً من أتباع المذاهب الإسلاميّة مهما كان اعتقادهم أمام الله عزّ وجلّ، فإنَّ هذا حسابه في الآخرة، وليس في الدنيا.
وأمّا في الدنيا: فيجب أن لا ينال أحدهم بالسبّ أو الشتم العلني من قادة المذهب الآخر، أو من أتباعه كائناً ما كان، سواء كان من القدماء أو من المعاصرين، وبالتالي لا يجوز -لأجل الهدف المشترك- إثارة حفيظة الطرف الآخر؛ لئلّا ينسحب من الميدان.
وهذا الخطاب متوجّه إلى الشيعة والسنة على حدٍّ سواء، وإلى مؤلِّف هذا الكتاب أيضاً؛ أن يكفّ شرّه عن الآخرين، وإلَّا لم يتحقّق الهدف المشترك، إلَّا إذا لم يكن يهتمّ بأُمور المسلمين؛ و«مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأُمُورِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ»( ).
إحسان إلهي ظهير:
نعم إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ( )، فتعالوا إلى هذه الكلمة، كلمة الوحدة، والاتحاد، إلى قول الله عزّ وجلّ وقول نبيه محمد.
فلنرفع الخلاف ولنقضِ على النزاع، فهيا بنا إلى الوحدة أيها القوم!
فاتركوا سبّ أصحاب رسول الله، خيار خلق الله، الذين بشرهم الله بالجنة في كتابه المجيد حيث قال: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَـهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 2):
هذه الآية الكريمة لا يحتمل أن تكون عامّة لكلِّ المهاجرين والأنصار والتابعين؛ إذ كان هناك من أهل المدينة وغيرها منافقون كثيرون، وهم داخلون تحت عموم الآية ظاهراً، وهو أمرٌ غير محتمل صدقه، ونتيجة ذلك: أنَّها خاصّة بمَن حمل الإيمان واقعاً في قلبه، وكان مهاجراً إلى الله حقيقة، كما قال الله عزّ وجلّ: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ( )، ومن أنصار الله ورسوله حقيقة، ومن التابعين لهؤلاء بإخلاص. والحرّ تكفيه الإشارة.
إحسان إلهي ظهير:
وقال: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 3):
هذه الآية الكريمة خاصّة بالمؤمنين، كما هو منطوقها، وغير عامّةٍ لكلِّ المبايعين، ولو سلّمنا فلا استبعاد أن يتحوّل الرضا إلى الغضب إذا جاء الفرد بالمعاصي الكبيرة والجرائر العظيمة.
إحسان إلهي ظهير:
وقال رسوله الناطق بالوحي: «لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني»( ).
وقال: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 4):
هذا الحديث والحديث الذي بعده ليسا حجّة على الشيعة؛ لأنَّها مرويّة عن مصادر سنيّة( )، نقله عن الترمذي( )، ولو سلّمنا صحّته، نقول: إنَّ المراد من الرؤية: الرؤية المعنويّة الناتجة عن عمق الإيمان، وكذلك قوله في الحديث الآخر (أصحابي)، يعني: مَن كان صاحباً له في الإيمان وفي مدارج اليقين، أو ناصراً لدينه أو دافعاً لأعدائه، أو مجاهداً في سبيل ربّه، وهكذا. ومعه، ينطبق الحديث على مثل هؤلاء تماماً كائناً مَن كانوا.
إحسان إلهي ظهير:
ويمكن الاتحاد بالاعتراف أن الكلام المجيد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وإن من قال فيه بتحريف وتغيير كان ضالاً مضلاً خارجاً عن الإسلام، تعالوا فلنتفق ونتحد على هذا.
وهلموا إلى الوحدة بالعهد على أن الكذب والتقية قد تركتموها كلية وقطعاً، وترون الكذب من الموبقات، التي تدخل الناس النار، كما قال الرسول: «إن الصدق بر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب فجور، وإن الفجور يهدي إلى النار»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 5):
سيأتي الكلام عن التقيّة، حين يتعرّض المؤلِّف لها في فصلٍ من الكتاب، ولا زلنا هنا في المقدّمة.
إحسان إلهي ظهير:
ولن يحصل الاتفاق والوحدة دون توبتكم عن العقائد اليهودية، والوثنية المجوسية، بأن الأئمة يعلمون الغيب، ويعرفون متى يموتون، ويفعلون ما يشاؤون، لا يُسأل عنهم وهم يَسألون، وأنهم ليسوا من بشر.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 6):
سيأتي بحث ذلك مفصّلاً، ولا يخفى أنَّه يتكلَّم -مهما كان في ذاته- بصفته عدوّاً غادراً ناصباً، فكلّ آرائه واستنتاجاته -مهما كان شكلها ومضمونها- إنَّما هي ناشئةٌ من هذا المنشأ، فلا يكون لها أيُّ اعتبار.
إحسان إلهي ظهير:
نعم ويمكن الوحدة بترك الدس والكيد للمسلمين.
فها هي بغداد مضرجة بدمائها بجريمة ابن العلقمي، وها هي الكعبة جريحة بجريمة طائفة منكم، وها هي باكستان الشرقية ذهب ضحية بخيانة أحد أبناء (قزلباش)، الشيعة (يحيى خان) في أيدي الهندوس.
وها هو التاريخ الإسلامي مليء بمآثمكم، وخذلانكم المسلمين كلما حدثت لهم حادثة، ووقعت لهم كارثة، وحلت بهم نائبة.
تعالوا نتعاون بيننا، ونتفق، ونتحد، لتكون كلمة الله هي العليا، وليس للعسكري ولد حتى يأتي ويخرج ويكشف عنا الهموم، ويفرج عنا الكروب.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 7):
هذا بحسب عقيدته ورأيه الذي ليس ناشئاً عن التدبّر، بل عن التعصّب، وقد سطّرت الكتب كثيراً من علماء السُنّة ممَّن يعتقد بوجود المهديّ، بل ممَّن يعتقد بأنَّه هو ابن الإمام العسكريّ( )، وليس الآن مجال التفصيل.
إحسان إلهي ظهير:
فنحن الذين نستطيع إن اعتصمنا بكتاب ربنا، وسنة نبينا، أن نكشف عنا مصيبتنا، وندفع عنا كيد أعدائنا كما وعدنا الله عز وجل: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ( ). وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ( ). وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ( ).
فَلَكَم رأينا النصر وهو آت من السماء في زمن الصديق الأكبر أبي بكر، والفاروق الأعظم عمر، وذي النورين عثمان رضوان الله عليهم أجمعين، حتى هزموا الكفر في عقر داره، وأدوا رايات الظفر إلى آفاق لم يتصورها الأولون.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 8):
هذه الانتصارات إنَّما حدثت بفعل الروح المعنويّة والإيمان والحماس الذي غرسه رسول الله في الأُمّة الإسلاميّة.
إحسان إلهي ظهير:
فما أن غرست اليهودية غريستها، وولدت وليدتها في عهد أمير المؤمنين علي، حتى اضطربت الأمور، وانعكست الأحوال، واضطر هو إلى أن يقول: «ابتليت بقتال أهل القبلة».
وقال متأسفاً: «أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها خير ما تواصى العباد به وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 9):
هذا وما بعده من كلام أمير المؤمنين سيكرّره المؤلِّف في فصلٍ من الكتاب، وسنرى أنَّه إنَّما صدر ليس ضدَّ الشيعة بعنوانهم، وإنَّما ضدَّ مجتمعٍ معيّنٍ كان عاصياً لأوامره.
إحسان إلهي ظهير:
وقال: «ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسراً وعلناً، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان… ثم انصرفوا (الأعداء) وافرين، ما نال رجلاً منهم كلم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً، فيا عجباً! عجباً -والله- يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، فقبحاً لكم وترحاً حين صرتم غرضاً يرمى، يغار عليكم ولا تَغيرون، وتُغزون ولا تَغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: (هذه حمارة القيظ)، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء، قلتم هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فراراً من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر -وقال-: قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً( ) وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراساً، وأقدم فيها مقاماً مني، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع» ( ).
فها هو ذا علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الرابع عندنا -والإمام المعصوم الأول عندكم- يشتكي منكم منذ اليوم الذي وجدتم فيه، وقد أوردناه من كتابكم الذي تظنونه أصدق الكتب وأفضلها، والذي جمعه كبيركم الشريف أبو الحسن محمد الرضي. فماذا بعد هذا أيها القوم؟
وما ألفنا هذا الكتاب، وما جمعنا فيه النصوص إلا للتنبيه على أنه لا ينبغي التصور بأن أهل السنة بلغوا من الجهل إلى حد حتى تلعب بهم، وبعقولهم، وقلوبهم، وعقائدهم وليدة اليهود وربيبة المجوس.
وقد أثبتنا في مختصرنا هذا أن الشيعة ليست إلا لعبة يهودية، ناقمة على الإسلام، وحاقدة على المسلمين، وعلى رأسهم أصحاب رسول، حملة هذا الدين، والتابعون لهم بإحسان، ومن سلك مسلكهم إلى يوم الدين، ثم وقد بيّنا فيه عقيدتهم في القرآن، أساس الإسلام، وأصله، ورسالة الله التي جاء بها محمد النبي، الصادق، المصدوق (عليه الصلاة والسلام)، إلى الناس كافة، ببيان واضح، مستند، مفصل، لم أسبق عليه بفضل الله ومنّه.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 10):
سيأتي مناقشة ذلك في داخل الكتاب.
إحسان إلهي ظهير:
كما أوضحنا أن الكذب (باسم التقية) هو شعار الشيعة قاطبة، ويعدونه من أطيب الأعمال، وأعظم القربات إلى الله.
وورد تحت هذه المواضيع الثلاثة مباحث ومواضيع كثيرة أخرى مثل عقيدتهم في الله، وفي رسول الله، وأصحاب رسول الله، وأزواجه، أمهات المؤمنين، وعقيدتهم في أئمتهم، ورأي الأئمة فيهم، والأسس لهذا المذهب، والأصول التي قام عليها، وسبب الخلاف بينهم وبين أهل السنة من المسلمين.
ونرى في ذلك المختصر كفاية لمن أراد أن يعرف حقيقتهم، وحقيقة معتقداتهم، وحتى للسذج من الشيعة الذين اغتروا بحب أهل البيت وولايتهم، إن أرادوا الحق والتبصر، لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة دينهم حيث أمر صناديدهم بكتمان المذهب كما هو المكذوب على جعفر الصادق أنه قال لأحد شيعته: «يَا سُلَيْمَانُ إِنَّكُمْ عَلَى دِينٍ مَنْ كَتَمَه أَعَزَّه اللهُ ومَنْ أَذَاعَه أَذَلَّه اللهُ»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 11):
نعترف بمضمون هذا الحديث، وسيأتي التعرّض إلى فلسفته مع تعرّض المؤلِّف لنقد التقيّة.
إحسان إلهي ظهير:
وقد التزمنا في هذا الكتاب أن لا نذكر شيئاً من الشيعة إلا من كتبهم، وبعباراتهم أنفسهم، مع ذكر الكتاب، والمجلد والصفحة، والطبعة، بحول الله وقوته، وكلما ذكرناه من كتب الشيعة في هذا الكتاب، هي الكتب المستندة، المشهورة والموثوقة عندهم( ).
ونريد أن نتبع هذا المختصر مختصراً آخر في حجمه حتى يحتوي ويشتمل على جميع الموضوعات الهامة، والمباحث المهمة، فيكون هذا كالجزء الأول وما يليه كالجزء الثاني، والله ولي التوفيق، وعليه أتوكل وإليه أنيب.

إحسان إلهي ظهير – لاهور
22 مايو 1973م – 18 الربيع الثاني 1393هـ‍

 

 


الباب الأول
الشيعة والسنة

 

 

 

 


الشيعة والسنة

إحسان إلهي ظهير:
منذ بزوغ شمس الرسالة المحمدية، ومن أول يوم كُتبت فيه صفحة التاريخ الجديد، التاريخ الإسلامي المشرق، احترق قلوب الكفار وأفئدة المشركين، وبخاصة اليهود في الجزيرة العربية وفي البلاد العربية المجاورة لها، والمجوس في إيران، والهندوس في شبه القارة الهندية الباكستانية، فبدؤوا يكيدون للإسلام كيداً، ويمكرون بالمسلمين مكراً، قاصدين أن يسدوا سيل هذا النور، ويطفئوا هذه الدعوة النيرة، فيأبى الله إلا أن يتم نوره، كما قال في كتابه المجيد: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ( ).
ولكنهم مع هزيماتهم واكساراتهم لم يتفلل حقدهم وضغينتهم، فما زالوا داسين، كائدين.
وأوّل مَنْ دسّ دسَّه هم أبناء اليهودية البغيضة، المردودة، بعد طلوع فجر الإسلام، دسّوا في الشريعة الإسلامية باسم الإسلام، حتى يسهل صرف أبناء المسلمين، الجهلة عن عقائد الإسلام، ومعتقداتهم الصحيحة، الصافية، وكان على رأس هؤلاء المكرة المنافقين، المتظاهرين بالإسلام، والمبطنين الكفر أشد الكفر، والنفاق، والباغين عليه، عبد الله بن سبأ اليهودي، الخبيث، الذي أراد مزاحمة الإسلام…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 12):
سيأتي كلام المؤلِّف وكلامنا عن عبد الله بن سبأ، وقد قلنا قبل قليل: إنَّ آراء المؤلِّف واستنتاجاته إنَّما هي رأي عدوٍّ تسقط عن الاعتبار، على أنَّ استخدام القدح والشتم إنَّما هو وسيلة العاجز عن الاستدلال.
إحسان إلهي ظهير:
… ومخالفته، والحيلولة دونه، وقطع الطريق عليه بعد دخول الجزيرة العربية بأكملها في حوزة الإسلام وقت النبي، وبعد ما انتشر الإسلام في آفاق الأرض وأطرافها، واكتسح مملكة الروم من جانب، وسلطنة الفرس من جهة أخرى، وبلغت فتوحاته من أقصى أفريقيا إلى أقصى آسيا، وبدأت تخفق راياته على سواحل أوربا وأبوابها، وتحقق قول الله عز وجل: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَـهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَـهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا( ).
وبدأ علي بن أبي طالب يقول: «أن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده، وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده»( )
وقال معلناً الحق: «فلما رأى الله صدقنا أنزل لعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه، ومتبوءاً أوطانه»( ).
فأراد ابن سبأ هذا مزاحمة هذا الدين، بالنفاق والتظاهر بالإسلام، لأنه عرف هو وذووه أنه لا يمكن محاربته وجهاً لوجه، ولا الوقوف في سبيله جيشاً لجيش، ومعركة بعد معركة، فإن أسلافهم بني قريظة، وبني النضير، وبني قينقاع جربوا هذا فما رجعوا إلا خاسرين، ومنكوبين، فخطط هو ويهود صنعاء خطة أرسل أثرها هو ورفقته إلى المدينة، مدينة النبي، وعاصمة الخلافة، في عصر كان يحكم فيه صهر رسول الله، وصاحبه، ورضيه، ذو النورين، عثمان بن عفان، فبدؤوا يبسطون حبائلهم، ويمدون أشواكهم، منتظرين الفرص المواطئة، ومترقبين المواقع الملائمة، وجعلوا علياً ترساً لهم يتولونه، ويتشيعون به، ويتظاهرون بحبه، وولائه، (وعلي منهم بريء) ويبثون في نفوس المسلمين سموم الفتنة، والفساد، محرضينهم على خليفة رسول الله، عثمان الغني، الذي ساعد الإسلام والمسلمين بماله إلى ما لم يساعدهم أحد، حتى قال له الرسول الناطق بالوحي، حين تجهيزه جيش العسرة: (ما ضرّ عثمان، ما عمل بعد اليوم)( )، وبشره بالجنة مرات، ومرات، وأخبره بالخلافة والشهادة.
وطفق هذه الفئة تنشر في المسلمين عقائد تنافي عقائد الإسلام، من أصلها، وأصولها، ولا تتفق مع دين محمد في شيء.
ومن هناك ويومئذ كونت طائفة وفرقة في المسلمين للإضرار بالإسلام، والدس في تعليمه، والنقمة عليه، والانتقام منه، وسمت نفسها (الشيعة لعلي) ولا علاقة لها به، وقد تبرأ منهم…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 13):
هذا الاستنتاج من المؤلِّف وكلّنا نعرف الواقع بإزائه؛ فإنَّ شيعة الرجل أو الأمير أو القائد هم تابعوه وناصروه، والمؤلِّف يحسن الظنّ بالإمام أمير المؤمنين، فينبغي أن يكون من تابعيه ومناصريه.
إحسان إلهي ظهير:
… وعذبهم أشد العذاب في حياته، وأبغضهم بنوه وأولاده من بعده، ولعنوهم، وأبعدوهم عنهم، ولكن خفيت الحقيقة مع امتداد الزمن، وغابت عن المسلمين، وفازت اليهودية بعد ما وافقتها المجوسية من ناحية، والهندوسية من ناحية أخرى، فازت في مقاصدها الخبيثة، ومطامعها الرذيلة، وهي إبعاد أمة محمد عن رسالته التي جاء بها من الله عز وجل، ونشر العقائد اليهودية والمجوسية وأفكارهما النجسة بينهم باسم العقائد الإسلامية( ).
وقد اعترف بهذا كبار الشيعة ومؤرخوهم، فهذا هو الكشي( ) كبير علماء التراجم المتقدمين -عندهم- الذي قالوا فيه: إنه ثقة، عين، بصير بالأخبار والرجال، كثير العلم، حسن الاعتقاد، مستقيم المذهب.
والذي قالوا في كتابه في التراجم: أهم الكتب في الرجال، هي أربعة كتب، عليها المعول، وهي الأصول الأربعة في هذا الباب، وأهمها، وأقدمها، هو (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) المعروف برجال الكشي( ).
يقول ذلك الكشي في هذا الكتاب: «وذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامه علي، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، وكفّرهم، ومن هنا قال من خالف الشيعة، إن التشيع، والرفض، مأخوذ من اليهودية»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 14):
كان كثير من اليهود -كما كان كثير من الملل الأُخرى- يدخل في الإسلام في ذلك الحين، وفي كلِّ حين، كلّما في الأمر أنَّ الفرد عندما يدخل في الإسلام لا يتكامل ويتهذّب لأوّل مرّة، بل يبقى مستواه العقلي والنفسي محفوظاً لفترةٍ طويلةٍ أو لطول عمره.
وقد دخل عددٌ من اليهود في الإسلام، فأخلص بعضهم في إسلامهم ودسّ عدد منهم في الإسلام ما ليس منه، ككعب الأحبار( ) الذي كان تابعاً للبلاط في زمن الخلافة الراشدة، طبقاً لما قلناه من عدم حصول التهذيب النفسي بمجرّد الدخول في الإسلام.
إذن، فليس دخول اليهوديّ في الإسلام عجيباً ولا موالاة أمير المؤمنين عجيباً إذا كان عبد الله بن سبأ قد فعل هذين الأمرين.
على أنَّنا سنسمع من مفكّري الشيعة وثقاتهم وقدماء علمائهم الطعن في هذا الرجل وعدم الوثاقة به، ومن المستبعد جدّاً أن لا يكون هذا المعنى مكشوفاً ومفهوماً منذ عصر وجوده؛ لأنَّه أمرٌ يعرف من كلامه وتصرّفاته، فإذا كان هذا معروفاً، إذن كيف استطاع أن يستقطب قيادة المحبّين لعليّ وشيعته؟! بل إنَّ ذلك متعذّرٌ تماماً مع وجود أمير المؤمنين؛ فإنَّه هو القائد الحقيقيّ يومئذٍ، ولا حقّ لأحدٍ أن يتولّى دونه القيادة مهما كانت صفته.
إذن، فهذه الاستنتاجات التي يميل إليها عددٌ من مؤلِّفي العامّة- ومنهم مؤلِّف هذا الكتاب- لا يمكن أن تكون صحيحةً.
بل إنَّ المرويّ: أنَّ أمير المؤمنين نفسه عاتبهم وعاقبهم على ملأ من الناس بعد أن ظهر الغلوّ من عبد الله بن سبأ وجماعته( )، وهم شرذمةٌ يُعدّونَ بالأصابع، فكيف يمكن بعد ذلك أن يتّسع أمرهم في الشيعة ويكتسبون الأهمّيّة التي يتوقّعها المؤلِّف؟!
ثُمَّ إنَّ هذا التأثير المزعوم هل يشمل الصالحين والقادة من أولاد أمير المؤمنين، كالحسن والحسين والسجّاد وغيرهم؟!
فإن قال المؤلِّف: إنَّه شاملٌ لهم أيضاً، فقد افترى إثماً مبيناً، ولكن هذا على أيِّ حالٍ هو الاتّجاه الذي يسير عليه في الكتاب، وإن لم يكن صريحاً به في هذا الشكل.
وإن قال المؤلِّف: إنَّ تأثير عبد الله بن سبأ لم يشمل الأئمّة- وهم الذين كانوا مركز التقدير والتقديس والقيادة للشيعة- فأحرى بهم أن ينبّهوا شيعتهم على دسائس هذا الرجل وكيده، ومعه كيف يمكن أن تقوم له قائمة؟!
هذا، ولا نجد بين الشيعة قادة ومؤلِّفين ومفكّرين قدماء ومحدَثين مَن يمجّد هذا الرجل أو يذكره بخير، وكلّهم مجمعون على رفضه والطعن فيه( ). فكيف يمكن الاستنتاج بالتبعيّة له، وهلّا كان هناك رأيٌ واحدٌ على الأقلّ مؤيّدٌ له بين الشيعة؟!
هذا مضافاً إلى أنَّ هناك من مفكّري الشيعة مَن حاول إثبات أنَّ هذا الاسم -يعني: عبد الله بن سبأ- ليس إلَّا أُسطورةً مكذوبةً وليس له شخصيّةٌ تاريخيّةٌ واقعيّةٌ، وهو السيّد مرتضى العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ)، مستدلاً بوثائق وكلمات من كتب العامّة أنفسهم، فراجع( ).
إحسان إلهي ظهير:
ونقل المامقاني، إمام الجرح والتعديل، مثل هذا عن الكشي في كتابه (تنقيح المقال)( ).
ويقول النوبختي( ) الذي يقول فيه الرجالي الشيعي الشهير النجاشي: الحسن بن موسى أبو محمد النوبختي، المتكلم، المبرز على نظرائه في زمانه، قبل الثلاثمائة وبعد( ).
وقال الطوسي: أبو محمد، متكلم، فيلسوف، وكان إمامياً (شيعياً) حسن الاعتقاد ثقة… وهو من معالم العلماء( ).
ويقول نور الله التستري: الحسن بن موسى من أكابر هذه الطائفة وعلماء هذه السلالة، وكان متكلماً، فيلسوفاً، إمامي الاعتقاد( ).
يقول هذا النوبختي: في كتابه (فرق الشيعة): عبد الله بن سبأ كان ممن أظهر الطعن على أبي بكر، وعمر، وعثمان، والصحابة، وتبرأ منهم، وقال إن علياً أمره بذلك، فأخذه علي، فسأله عن قوله هذا، فأقر به، فأمر بقتله( ) فصاح الناس إليه، يا أمير المؤمنين!! أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم، أهل البيت، وإلى ولايتكم، والبراءة من أعدائكم، فسيّره (علي) إلى المدائن (عاصمة إيران آنذاك)، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي، إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي في علي بمثل ذلك، وهو أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة: أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية: ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعى علي بالمدائن، قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً، لعلمنا أنه لم يمت، ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 15):
إنَّ إظهاره البراءة من الأعداء معناه مخالفته للتقيّة التي تسالم الشيعة على صحّتها، وهو دليلٌ على انحرافه النفسيّ والفكريّ، وليت شعري ماذا كان من الأثر لهذا الرجل ضدّ أعدائه مثل ما كان من الأثر للأئمّة المعصومين (سلام الله عليهم) عسكريّاً، كعليّ والحسين، أو فكريّاً، كغيرهما من الأئمّة.
إحسان إلهي ظهير:
وذكر مثل هذا مؤرخ شيعي في (روضة الصفا): «أن عبد الله بن سبا توجه إلى مصر حينما علم أن مخالفيه (عثمان بن عفان) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى، حتى افتتن الناس به، وبعد رسوخه فيهم بدأ يروج مذهبه ومسلكه، ومنه، إن لكل نبي وصياً وخليفة، فوصىّ رسول الله وخليفته ليس إلا علياً المتحلي بالعلم، والفتوى، والمتزين بالكرم، والشجاعة، والمتصف بالأمانة، والتقى، وقال: إن الأمة ظلمت علياً، وغصبت حقه، حق الخلافة، والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته، وخلع طاعة عثمان وبيعته، فتأثر كثير من المصريين بأقواله وآرائه، وخرجوا على الخليفة عثمان»( ).
فهذه هي الشهادات الشيعية، تشهد عليهم، ويتلخص منها أشياء.
أولاً: تكوين اليهود فئة باسم الإسلام تحت قيادة عبد الله بن سبأ، يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر، وينشرون بين المسلمين عقائد وآراء يهودية، كافرة.
ثانياً: دس الفتنة بين المسلمين، والتآمر على الخليفة الثالث، الراشد، الإمام المظلوم، أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وشق عصا الطاعة له، حتى يقع الهرج والمرج، فينقطع فتوحات الإسلام، وتقف راياته النيرة، المشرقة، الرفرافة على بلاد الكفر، والمجوسية، واليهودية، ويتفلل سيوف المسلمين ما بينهم، ويذهب حدها حتى لا يبرق وميضها ولمعانها على رؤوس الكفرة، والملحدين.
فهذه كانت حصيلة المؤامرة، وقد حصلت فعلاً – ووا أسفا – فوقع القتال بين المسلمين، وسل السيف واستل ما بينهم، وذهب ضحيتها، الإمام عثمان بن عفان، وعشرات الألوف من خيرة الرجال، ووقع الشقاق بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وبقي أثره إلى يومنا هذا بعد ما انقضى عليه أكثر من ثلاثة عشر قرناً، وانقبضت أشعة النور بعد ما انبسطت على بقاع الأرض كلها.
ثالثاً: غرس الحقد والضغينة في قلوب الناس ضد أبي بكر، وعمر، وباقي الصحابة من العشرة المبشّرة بالجنة، وغيرهم من حملة هذا الدين، وورثة النبي الكريم، المبلغين رسالته، والناشرين دعوته، والرافعين رايته، والمجاهدين في سبيل الله، والممدوحين في كلام الله، حتى لا يبقى للمسلمين تاريخ يمجدونه، ورجال يفتخرون بهم، ومثل عليا يقتدون بهم، وقدوة يهتدون بها، فيقعون في خيار الأمة حتى ينجروا إلى الخوض في سيد الخلق، ورسول رب العالمين، محمد بن عبد الله، ويبتعدوا عن القرآن ويشكوا فيه، القرآن الذي أنزله الله على نبيه، وفيه مدح لهؤلاء، والرضاء عليهم، والمباهاة بهم.
رابعاً: تكفير الصحابة كلهم -سوى المعدودين منهم- حتى لا يبقى الاعتماد والعمدة على شيء حيث أن أصحاب النبي الذين سمعوا من رسول الله القرآن، وحملوه منه، ورأوا رسول الله يشرحه، ويفسره، ويبينه بقوله وعمله، كانوا كفرة مرتدين، فمن ينقل ويروي القرآن وتفسيره بالسنة؟
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 16):
هذا وما بعده كلّه من استنتاجات المؤلِّف بصفته عدوّاً وناصباً، فلا تكون حجّة.
إحسان إلهي ظهير:
ثم وأي إنتاج أنتجه رسول الله، وأي دعوة ورسالة أداها إلى الناس، وأي فوج دخل في دين الله حيث يقول الله عز وجل: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ(1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا(2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا( ).
ومن هنا يقف الموكب الزاخر، موكب النور والرحمة إلى الكون، موكب السلام والأمن إلى الدنيا قاطبة، فهذا هو المقصود الذي أرادوه، ومن هنا جاء عدم الإيمان بالقرآن الموجود بأيدي الناس، والقول بأن القرآن المنزل على النبي هو عند المهدي المنتظر وصله بطريق الوحي، لأن (الخونة) (عياذاً بالله) من أصحاب النبي، غيّروه وبدّلوه، ونقصوا منه وزادوا فيه، كما سيأتي بيانه مفصلاً إن شاء الله.
وإذا لم تكن الرسالة موجودة فإلى أي شيء الدعوة، وعلى أي شيء العمل؟
فالتوقف والانتظار إلى أن يخرج القائم الذي لن يخرج أبد الدهر.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 17):
سبق أن ناقشنا ذلك، فراجع( ).
إحسان إلهي ظهير:
خامساً: ترويج العقيدة اليهودية بين المسلمين، ألا وهي عقيدة الوصاية والولاية التي لم يأت بها القرآن ولا السنة الصحيحة، الثابتة، بل اختلقها اليهود من وصاية يوشع بن نون لموسى ونشروها بين المسلمين باسم وصاية علي لرسول الله كذباً وزوراً، كي يتمكنوا من زرع بذور الفساد فيهم، وشب نيران الحروب والفتنة ما بينهم حتى ينقلب الجهاد في سبيل الله ضد الكفرة والمشركين من اليهود والمجوس إلى القتال بين أنفسهم، فانظر عبارة الكشي، فيقول: وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه.
ويقول النوبختي: إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي بمثل ذلك.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 18):
ثبت إسلاميّاً بالأدلّة الكافية: أنَّ لعددٍ من الأنبياء أوصياء يقومون مقامهم في حياتهم وبعد مماتهم( )، فليس من الغريب، بل ومن الضروريّ أن يقع نبيّ الإسلام ضمن هذه السلسلة من الأنبياء الذين طبّقوا هذه الفكرة.
ولا يخفانا أنَّ مجرّد التماثل في الفكرة ليس معناه السطو على الفكرة القديمة والتأثّر بها إلَّا أن يكون النظر عدائيّاً وغير موضوعيٍّ، وإلَّا فمن الواضح أنَّ المذاهب العقليّة سماويّةً كانت أو أرضيّةً قد تتماثل في عددٍ من الأفكار، كما قد تختلف في عددٍ منها، وليس معنى تبنّي أيّ مذهبٍ أو فكرٍ لشيءٍ مشابهٍ لما سبق أن يكون قد أخذه منه، بل يمكن أن يكون له أسبابه ومصالحه الخاصّة به، وإلَّا فمن الواضح أنَّ عدداً من عقائد الإسلام وفروعه كانت سابقةً على الإسلام، بما فيها عقيدة التوحيد والصوم والحجّ والظهار والعتق والطلاق والزواج، وغير ذلك كثيرٌ، وقد أقرّها الإسلام مع بعض التغييرات.
فهل يقول المؤلِّف إنَّ الإسلام قد أخذ ذلك عن العقائد السابقة؟!
وجوابه: ما قلناه: أنَّ مجرّد التماثل في الفكرة لا يعني السطو عليها، بل سيكون لها ما يبرّرها من المصالح في أيّ ديٍ أو مذهبٍ يتبنّاها.
وأمّا قول المؤلِّف: (إنَّ الوصاية والولاية لم يأتِ بها القرآن ولا السنّة الصحيحة)، فهو موكولٌ إلى المؤلَّفات التي شرحت تواتر أدلّة الولاية والوصاية، كحديث الدار( )، وحديث الغدير( )، وغيرهما كثير( )، ولا يمكن الآن الدخول في تفاصيل ذلك.
إحسان إلهي ظهير:
سادساً: نشر الأفكار اليهودية كالرجعة، وعدم الموت، وملك الأرض، والقدرة على أشياء لا يقدر عليها أحد من الخلق، والعلم بما لا يعلم أحد، وإثبات (البداء) والنسيان لله عز وجل وغير ذلك من الخرافات والترهات.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 19):
ينبغي للمؤلِّف أن يُثبت بدليلٍ حجّة وجود هذه الأفكار عند اليهود منذ العهد السابق على الإسلام؛ لكي يستطيع أن يقول بانتقالها إلى الشيعة، وأنَّها إذا لم تكن هذه الأفكار عمّا يعرفه اليهود أصلاً فستبوء حجّة المؤلِّف بالفشل، مضافاً إلى ما قلناه من أنَّ مجرّد التماثل في الفكرة لا يعني الاستقاء منها والسطو عليها.
إحسان إلهي ظهير:
هذا ما اقترفته اليهودية وزرعته، وعلي والطّيّبون من أهل بيته منهم براء، لأنه قد ثبت عن علي، أنه أنكر عليهم القول واستنكرهم، كما ذكره النوبختي في ما مر، ويؤيد هذا ما رواه يحيى بن حمزة الزيدي في كتابه (طوق الحمامة في مباحث الإمامة) عن سويد بن غفلة أنه قال: «مررت بقوم ينتقصون أبا بكر وعمر (رضي الله عنهما)، فأخبرت علياً كرم الله وجهه وقلت: لولا أنهم يرون أنك تضمر ما أعلنوا، ما اجترؤوا على ذلك، منهم عبد الله بن سبأ، فقال علي: نعوذ بالله، رحمنا الله، ثم نهض وأخذ بيدي وأدخلني المسجد، فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهي بيضاء، فجعلت دموعه تتحادر عليها، وجعل ينظر للقاع حتى اجتمع الناس، ثم خطب فقال: ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ووزيريه، وصاحبيه وسيدي قريش، وأبوي المسلمين، وأنا بريء مما يذكرون، وعليه معاقب، صحبا رسول الله بالحب، والوفاء، والجد في أمر الله، يأمران وينهيان، ويغضبان ويعاقبان، ولا يرى رسول الله كرأيهما رأياً، ولا يحب كحبهما حباً، لما يرى من عزمهما في أمر الله، فقبض وهو منهما راض، والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأيه وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا على ذلك رحمهما الله، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما إلا شقي مارق، وحبهما قربة وبغضهما مروق -وفي رواية-: لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 20):
هذا الحديث منقولٌ عن مصدرٍ سنّي( )، لا حجّة فيه على الشيعة.
إحسان إلهي ظهير:
ومثل هذا روى في الصحاح الستة عندنا، ونهج البلاغة وغيره عندهم.
وأما دين الإمامية ومذهب الإثنى عشرية ليس إلا مبنياً على تلك الأسس التي وضعتها اليهودية الأثيمة بوساطة عبد الله بن سبأ الصنعاني، اليمني، الشهير بابن السوداء (والسوداء أمه) مع إنكارهم انتسابهم إلى اليهودية، وابن السوداء هذا – لكنه مجرد الإنكار فحسب لا غيره لأن إنكارهم وحده لا يكفي لتبرئتهم من هذه الفصيلة، وخروجهم عن هذه الشرذمة، الطاغية، الباغية إلا أن يثبتوا مخالفتهم ومعارضتهم للأفكار التي دسوها، والعقائد التي بثوها في الإسلام والمسلمين.
ولكن حينما نرى بعين التفصح والتبصر لا نجد القوم إلا وهم يمضغون اللقمة التي رماها إليهم هؤلاء المنافقون، المتظاهرون بالإسلام، والمبطنون أشد الكفر والعنه، فلنضع النقاط على الحروف، ولنأخذ أولاً.
عبد الله بن سبأ
نحن قلنا إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً متظاهراً بالإسلام منافقاً وقد ذكرنا النصوص على ذلك من الكشي والنوبختي وغيرهما، فلا يحتاج إلى إثبات ذلك أكثر مما ذكرنا، ولكن إتماماً للفائدة وزيادة في العلم نذكر بعض ما ذكره الكشي أيضاً عن زين العابدين علي بن الحسين -الإمام الرابع المعصوم عندهم- أنه قال: «لعن الله من كذب علينا، أني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً لعنه الله، كان علي والله عبد الله صالحاً أخاً رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الكرامة من الله إلا بطاعته»( ).
ويذكر الكشي أيضاً رواية عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله (جعفر): «إنا أهل بيت صديقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها، وكان مسيلمة يكذب عليه وكان أمير المؤمنين أصدق من برء الله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه، ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ»( ).
وذكر الطبري في تاريخه: «أن عبد الله بن سبأ لما ورد الشام لقي أبا ذر وحرضه على معاوية بقوله: إن معاوية يقول: المال مال الله، ألا إن كل شيء لله، ويريد به اجتماعه وادخاره دون المسلمين، ثم أتى عبد الله هذا أبا الدرداء فقال له أبو الدرداء: من أنت؟ أظنك والله يهودياً»( ).
سعيه بالفتنه والفساد
ثانياً: أجمع المؤرخون قاطبة شيعة كانوا أم أهل السنة أن الذي أضرم نار الفتنة والفساد، ومشى بين المدن والقرى بالتحريض والإغراء على أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين عثمان بن عفان، ذي النورين، كان هذا اللعين( ) وشرذمته اليهودية وهم الذين أوقدوا نار العصيان، وأشعلوها كلما خمدت نيرانها، وكان يتجول من بلدة إلى بلدة، ويتنقل من قرية إلى قرية، فها هو الطبري وغيره من المؤرخين يذكرون تنقله من المدينة إلى مصر وإلى البصرة، فنزوله على حكيم بن جبلة، ثم إخراجه عنها ووروده في الكوفة، وإتيانه الفسطاط ينفث فيهم سمومه، ويوقعهم في حبائل الفتنة( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 21):
إنَّ نسبة هذا الإجماع إلى الشيعة محلّ إشكال.
نعم، مشاركة هذا الرجل في هذا العمل أمرٌ محتملٌ وليس أكيداً مجمعاً عليه، وإنَّما هو في أغلب الظنّ استنتاجٌ تاريخيٌّ لبعض المؤلِّفين العامّة( ). وإنَّما كانت حادثة مقتل عثمان باعتبار النقمة الشعبيّة التي حصلت ضدّه، بتوزيعه الأموال الطائلة على بني أُميّة، وحرمانه الآخرين منها، ونبذه أبا ذرٍّ الغفاريَّ الصحابيَّ الجليل إلى الربذة( )، وإيكاله الولاية في البلدان إلى أُناسٍ فسقةٍ، أمثال: الوليد بن عقبة الذي ولّاه على الكوفة، فخرج ذات صباح إلى المسجد مخموراً وصلّى الصبح أربعاً، والتَفَتَ إلى الناس وقال: هل أزيدكم؟ وتقيّأ في المحراب خمراً. إلى غير ذلك من أعماله.
إحسان إلهي ظهير:
فهذا هو نجل اليهودي الذي يمشي ويجري بين المسلمين بالإفساد والانتشار والافتراق، ويمزق وحدة المسلمين، ويفرق جمعهم وراء ستار التشيع لعلي، ويشتت شملهم حسب خطة خططها هو واليهود من ورائه.
الطعن في أصحاب النبي
ثالثاً: ذكر النوبختي أن عبد الله بن سبأ كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان، صهر رسول الله ورحمه ومن ذاك اليوم إلى يومنا هذا اعتقد الشيعة هذه العقيدة وتمسكوا بها، والتفوا حولها، فليس بشيعي الذي لا يبغض خلفاء رسول الله الثلاثة، ووزرائه، ومحبيه، ولا يطعن فيهم.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 22):
لاحظ أنَّ المؤلِّف لم يذكر كتاب النوبختي ولا الصفحة التي ذكر فيها ذلك، فإنَّما هو دسّ عليه. والشيعة عندهم- على أيّ حال- أنَّ موالاة أهل البيت ومعاداة أعدائهم ضروريّة، ولا معنى للولاية من دون تلك المعاداة أو البراءة. ولا يمكن حبّ أهل البيت وأعدائهم في نفس الوقت كما هو معلوم، إلَّا أنَّ لفظ (الأعداء) لفظٌ عامّ، لا ينطبق على أحدٍ بعينه، وأمّا تطبيقه على المشايخ الثلاثة فهو ممّا خرج به بعض الشيعة عن التقيّة.
ومنه يظهر الحديث عمّا ذكره المؤلِّف في الصفحات التالية؛ فإنَّها من أخبارنا التي لا نناقش فيها عادة.
أبي بكر
إحسان إلهي ظهير:
فهذا هو الكشي كبيرهم في الجرح والتعديل يذكر عقيدة الشيعة في الصديق الذي سماه رسول الله الصديق، فيروي عن حمزة بن محمد الطيار أنه قال: ذكرنا محمد بن أبي بكر عند أبي عبد الله، فقال أبو عبد الله: رحمه الله وصلى عليه، قال (محمد بن أبي بكر) لأمير المؤمنين (علي) يوماً من الأيام، أبسط يدك أبايعك، فقال: أوما فعلت؟ قال: بلى، فبسط يده فقال: أشهد أنك إمام مفترض طاعتك، وإن أبي في النار (معاذ الله) فقال أبو عبد الله كان النجابة فيه من قبل أمه، أسماء بنت عميس رحمة الله عليها لا من قبل أبيه( ).
فهذا عن جعفر وأما عن أبيه الباقر، فيروي الكشي أيضاً عنه، عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر أن محمد بن أبي بكر بايع علياً على البراءة من أبيه( ).
وعن شعيب عن أبي عبد الله قال: سمعت ما من أهل بيت إلا وفيهم نجيب من أنفسهم، وأنجب النجباء من أهل بيت سوء محمد بن أبي بكر( ).
فانظر إلى الحقد اليهودي والضغينة اليهودية كيف تتدفق من عباراتهم المكذوبة على أولاد علي، وعلى محمد بن أبي بكر، ولكنها تعطي فكرة عما تكتمه الصدور الخبيثة، المنطوية على الكفر.
الفاروق الأعظم
وإليك ما تكنه الشيعة لرجل الإسلام وعبقريته الذي قال فيه الرسول: (لم أر عبقرياً يفري فريه، حتى روى الناس وضربوا بعطن)( ).
يقولون فيه: (أن سلمان الفارسي خطب إلى عمر، فرده ثم ندم، فعاد إليه (سلمان) فقال (سلمان): إنما أردت أن أعلم ذهبت حمية الجاهلية عن قلبك أم هي كما هي)( ).
ويروي الكشي أيضاً عن هشام بن أبي عبد الله (كان صهيب عبد سوء يبكي على عمر) ( ).
وعن أبيه الباقر أنه قال: (بايع محمد بن أبي بكر على البراءة من الثاني)( ).
ويكذب ابن بابويه القمي الشيعي على الفاروق ويقول: قال عمر حين حضره الموت: (أتوب إلى الله من ثلاث، اغتصابي هذا الأمر أنا وأبي بكر من دون الناس، واستخلافه عليهم، وتفضيل المسلمين بعضهم على بعض)( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 23):
قوله (ويكذب) هذا رأيه بصفته سنيّاً، ولا يكون كلامه حجّةً على الشيعيّ.
إحسان إلهي ظهير:
ويسب علي بن إبراهيم القمي الذي هو (ثقة في الحديث ثبت، معتمد، صحيح المذهب) -عندهم- في تفسيره( ). تحت قول الله عز وجل: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ( ).
عن أبي حمزة الثمالى عن أبي جعفر قال: «يبعث الله يوم القيام قوماً بين أيديهم نور كالقباطي، ثم يقال له كن هباءً منثوراً، ثم قال: أما والله يا أبا حمزة كانوا ليعرفون ويعلمون ولكن كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه وإذا عرض لهم شيء من فضل أمير المؤمنين أنكروه – وقوله يوم يعض الظالم على يديه، قال، (أبو جعفر) الأول (يعني به أبا بكر) يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول علياً ولياً -يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً- (يعني الثاني عمر) »( ).
وروى تحت قوله:  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا( ) «عن أبي عبد الله قال: ما بعث نبياً إلا وفي أمته شيطانان يؤذيانه ويضلان الناس بعده، فأما صاحبا نوح… وأما صاحبا محمد فجبتر وزريق»( ).
وقد فسر ((الجبتر)) و((الزريق)) لعينهم الهندي الملا مقبول بقوله «روى أن الزريق مصغر لأزرق، والجبتر معناه الثعلب، فالمراد من الأول، الأول (أبو بكر) لأنه كان زرقاء العيون، والمراد من الثاني، الثاني (عمر) كناية عن دهائه ومكره»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 24):
هذا التخريج (أمام العامّة) محلّ مناقشة؛ فإنَّه يحتاج إلى إثبات أنَّ أبا بكر كان أزرق العينين، مضافاً إلى أنَّه رأيٌ شخصيّ للملّا الهنديّ، مضافاً إلى أنَّ (جبتر) مقدّم على (زراق) في الرواية( )، وقد عكسه هذا الشارح، فكيف حصل ذلك حين قال: فالمراد بالأوّل الأوّل، ومن الثاني الثاني. لا يخلو الأمر من تهافت.
إحسان إلهي ظهير:
ويذكر القمي أيضاً عن جعفر: «أن رسول الله أصابه خصاصة فجاء إلى رجل من الأنصار، فقال له: هل عندك من طعام؟ فقال نعم يا رسول الله، وذبح له عناقاً وشواه فلما أدناه منه تمنى رسول الله أن يكون معه علي، وفاطمة والحسن، والحسين، فجاء منافقان ثم جاء علي بعدهما، فأنزل الله في ذلك: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث -زيادة من الملعونين- إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، يعني منافقين – فينسخ الله ما يلقى الشيطان – يعني لما جاء علي بعدهما»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 25):
يأتي الكلام عن أمثال هذه الزيادة عند الحديث عن تحريف القرآن، ولا يخفى أنَّ الرواية غير واضحةٍ في أنَّ المنافقين اللذين جاءا مَن يكونان؟!
إحسان إلهي ظهير:
ويذكر القمي هذا أيضاً تحت قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ( )، يعني نقض عهد أمير المؤمنين، وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ( ) قال: من نحى أمير المؤمنين عن موضعه، والدليل على ذلك أن الكلمة أمير المؤمنين قوله: (وجعلها كلمة باقية – يعني به الإمامة) ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 26):
هذه الرواية لا دلالة فيها على مَن هو المقصود، بل المقصود فيها عامّ.
إحسان إلهي ظهير:
ويذكر تحت قوله: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ( )، قال: «يحملون آثامهم يعني الذين غصبوا أمير المؤمنين وآثام كل من اقتدى بهم، وهو قول الصادق (جعفر): والله ما أهريقت من دم ولا قرع عصا بعصا، ولا غصب فرج حرام، ولا أخذ من غير علم إلا ووزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص من أوزار العاملين بشيء -وقال علي- فاقسم ثم اقسم ليحملنها بنو أمية من بعدي، وليعرفنها في دار غيرهم عما قليل… وعلى البادي، الأول (أبو بكر) ما سهل لهم من سبيل الخطايا مثل أوزار كل من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 27):
لا دليل على أنَّ المقصود بالأوّل هنا أبو بكر، بل يراد به مَن يعلمه الله عزّ وجلّ، وقد يراد بالأوّل ذلك.
إلَّا أنَّه هنا قال: البادي الأوّل، وليس لفظ الأوّل وحده.
إحسان إلهي ظهير:
ويروي الكشي عن الورد بن زيد قال: «قلت لأبي جعفر جعلني الله فداك، قدم الكميت، فقال: أدخله، فسأله الكميت عن الشيخين، فقال له أبو جعفر ما أهريق دم ولا حكم بحكم غير موافق لحكم الله، وحكم رسوله، وحكم علي، إلا وهو في أعناقهما، فقال الكميت، الله أكبر حسبي، حسبي»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 28):
هذا الحديث وما بعده لا غبار عليه من الناحية الشيعيّة.
إحسان إلهي ظهير:
وفي رواية أخرى عن داود بن النعمان قال (الباقر): «يا كميت بن زيد!! ما أهريق في الإسلام محجة من دم، ولا اكتسب مال من غير حله، ولا نكح فرج حرام، إلا وذلك في أعناقهما إلى يوم يقوم قائمنا، ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبهما والبراءة منهما»( ).
عثمان بن عفان
وأما صاحب الجود والحياء، صهر رسول الله وزوج ابنتيه، عثمان بن عفان، ذو النورين، فيعتقد فيه الشيعة طبق ما أملت عليهم اليهودية اللئيمة، فيروي الكشي عن أبي عبد الله «قال: كان رسول الله وعلي وعمار يعملون مسجداً، فمر عثمان في بزة له يخطر، فقال له أمير المؤمنين ارجز به فقال عمار:
لا يستوي من يعمر المساجدا
يظل فيها راكعاً وساجدا
ومن تراه عانداً معاندا
عن الغبار لا يزال حائداً

السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 29):
أحاديث بناء المسجد هذه لا نعلم صحّة أسنادها ولا ينبغي إرسالها كالمسلّمات، غير أنَّ الوضع العامّ المعروف لذلك الوقت لا ينفيها على أيّ حال.
إحسان إلهي ظهير:
قال: فأتى النبي فقال: ما أسلمنا لتشتم أعراضنا وأنفسنا، فقال رسول الله: أفتحب أن يقال بذلك، فنزلت آيتان يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا( ) الآية، ثم قال النبي لعلي اكتب هذا في صاحبك»( ).
وأيضاً عن صالح الحذاء قال: «لما أمر النبيببناء المسجد، قسم عليهم المواضع وضم إلى كل رجل رجلاً، فضم عماراً إلى علي، قال: فبيناهم في علاج البناء إذ خرج عثمان من داره وارتفع الغبار فتمتع بثوبه، وأعرض بوجهه، قال: فقال علي لعمار: إذا قلت شيا فرد علي، فقال علي:
لا يستوي من يعمر المساجدا
يظل فيها راكعاً وساجدا
كمن يرى عن الطريق حائدا

قال: فأجابه عمار كما قال، فغضب عثمان من ذلك فلم يستطع أن يقول لعلي شيئاً، فقال لعمار: يا عبد، يا لكع، فقال علي لعمار: أرضيت بما قال لك: ألا نأتي النبيفتخبره، قال: فأتاه فأخبره، فقال: يا نبي الله إن عثمان قال لي يا عبد – يا لكع، فقال رسول الله: من يعلم ذلك؟ فقال علي: قال: فدعاه وسأله، فقال له كما قال عمار، فقال لعلي اذهب فقل له حيث ما كان، يا عبد، يا لكع، أنت القائل لعمار يا عبد، يا لكع، فذهب علي فقال له ذلك فانصرف»( ).
ويذكر القمي تحت قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ رواية مكذوبة على النبي، المحب لأصحابه، وخاصة رفقائه الثلاثة، فقال: «قال رسول الله: يرد عليّ أمتي يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الأمة فأسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر فحرفناه ونبذناه وراء ظهورنا، وأما الأصغر فعاديناه وأبغضناه وظلمناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد عليّ راية فرعون هذه الأمة، فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون أما الأكبر فحرفناه ومزقناه وخالفناه، وأما الأصغر فعاديناه وقاتلناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد عليّ راية مع سامري هذه الأمة فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر فعصيناه وتركناه، وأما الأصغر فخذلناه وضيعناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد عليّ راية ذي الثلمة مع أول الخوارج وآخرهم فأسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر ففرقناه وبرئنا منه وأما الأصغر فقاتلناه وقتلناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد عليّ راية مع إمام المتقين وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، ووصي رسول رب العالمين، فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر فاتبعناه وأطعناه وأما الأصغر فأحببناه وواليناه ووازرناه ونصرناه حتى أهرقت فيهم دماؤنا، فأقول ردوا الجنة رواء مرويين ميبضة وجوهكم ثم تلا رسول الله يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 30):
هذا الخبر لا نعلم صحّة سنده، مضافاً إلى أنَّه لا تصريح فيه باسم أحد، فربّما كان المقصود أشخاص آخرين يوجدون في التاريخ، ومن أدلّة ذلك أنَّه اعتبر الرايات خمساً في حين أنَّ الخلفاء (الراشدين) أربعة.
إحسان إلهي ظهير:
أرأيت خبث القوم وقبحهم كيف يسبون أصحاب رسول الله، ويغيرون أسمائهم، ويطعنون فيهم، ويكذبون على النبي.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 31):
هذا التعليق من عدوّ، وقد ظهر جوابه، والشعر الذي ذكره هو للسيّد الحميري( ) من قصيدةٍ له، وليس للإمام الصادق، كما أنَّه ليس فيه تصريحٌ باسم أحد، فلعلّ المراد أشخاص غير مَن فهمهم المؤلِّف.
إحسان إلهي ظهير:
ويذكر الكشي: «أن جعفراً أنشد شعراً:
فالناس يوم البعث راياتهم
قائدها العجل وفرعونها
وراية قائدها حيدر
ومخدع عن دينه مارق
خمس فمنها هالك أربع
وسامري الأمة المفظع
كالشمس إذا تطلع
جد عبد لكع أوكع

قال (جعفر) من قال هذا الشعر؟ قلت (الراوي): السيد محمد الحميري، فقال رحمه الله، قلت: أني رأيته يشرب نبيذ الرستاق، قال تعني الخمر؟ قلت نعم، قال رحمه الله وما ذلك على الله أن يغفر لمحب علي»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 32):
أقول: يعني بعد توبته، مضافاً إلى أنَّ الوارد عندنا في محبّة عليّ ذلك وأكثر منه( )، غير أنّي أعتقد أنَّ هذه المحبّة لا يمكن أن تجتمع مع الكبائر إلَّا أن تؤدّي بصاحبها إلى التوبة.
إحسان إلهي ظهير:
ويذكر الكليني كبير محدثيهم وإمامهم الذي يعد كتابه (الكافي) من الأصول الأربعة -عندهم-، عن علي أنه قال: «قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله، متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته»( ).
وروى الكليني أيضاً عن أبي عبد الله: «في قوله عز وجل: إنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا( ) قال: نزلت في فلان وفلان آمنوا بالنبي في أول الأمر وكفروا حيث عرضت عليهم – الولاية حين قال النبي: من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين ثم كفروا حيث مضى رسول الله فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء»( ).
وبيّن شارح الكافي «أن المراد من فلان وفلان أبو بكر وعمر وعثمان»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 33):
هذا رأيه الخاصّ، وقد خالف به التقيّة. مضافاً إلى أنَّ في العبارة (فلان) مرّتين، فكيف أصبحوا ثلاثة؟
بقية أصحاب النبي وأزواجه أمهات المؤمنين
إحسان إلهي ظهير:
ولم يكتف الشيعة بالطعن والتعريض في وزراء رسول الله ورحمائه بل تطرق الملاعنة إلى أعراض آل النبي ورفقته الكبار، خاصة الذين هاجروا في سبيل الله وجاهدوا في الله حق جهاده، ونشروا دينه الذي ارتضى لهم، ناقمين وحاسدين جهودهم المشكورة.
عم النبي وأولاده
فها هم يسبون وحتى عم النبي الكريم الذين جعله صنو أبيه.
فيذكر الكشي عن محمد الباقر أنه قال: «أتى رجل إلى أبي (زين العابدين) فقال: أن فلاناً يعني عبد الله بن عباس – يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن، في أي يوم نزلت وفيم نزلت، قال: (زين العابدين) فاسأله فيمن نزلت وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا( )، وفيم نزلت وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ( ) وفيم نزلت يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا( )، فأتاه الرجل وقال وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسأله، ولكنه سله ما العرش ومتى خلق وكيف هو؟ فانصرف الرجل إلى أبي فقال له ما قال، فقال (زين العابدين) وهل أجابك في الآيات، قال: لا، قال: ولكني أجيبك فيها بنور وعلم غير المدعى والمنتحل، أما الأوليان فنزلتا في أبيه (العباس عم النبي) وأما الآخرة فنزلت في أبي وفينا»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 34):
هذه الروايات في عبد الله بن عبّاس لا نعلم صحّة أسنادها، وفي أغلب الظنّ أنَّها ضعيفة السند. ولو سلّمناها كانت محمولةً على أحد أمرين:
الأوّل: أن يدّعي أحدٌ من العلم أكثر ممّا لديه.
الثاني: أنَّ أولاد العباس (عبد الله وعبيد الله) هم أجداد بني العباس الظالمين لأهل البيت، فيكون التنقيص منهم مصلحةً؛ باعتبار أنَّه يؤول إلى التنقيص من أولئك الظالمين، لكن في حدود ما هو حقٌّ وصدقٌ.
وبغضّ النظر عن ذلك، فإنَّ عبد الله بن عباس كان موالياً لأمير المؤمنين، وقد حمل عنه بعض العلم، ومقتضى القاعدة أنَّه ليس من الهالكين.
إحسان إلهي ظهير:
ويذكر الكشي عن زين العابدين أيضاً أنه قال لابن العباس: «فأما أنت يا بن عباس ففيمن نزلت هذه الآية لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ( ) في أبي أو فى أبيك؟، ثم قال: أما والله لولا ما تعلم لأعلمتك عاقبة أمرك ما هو وستعلمه… ولو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامة هذا الخلق لجحدوه وأنكروه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 35):
هذا الكلام المشار إليه في الرواية متّصفٌ بأنَّه من الأسرار الإلهيّة التي لا يحصل الإذن بذكرها، وقد كان للأئمّة قسط وافر من ذلك؛ ولذا ورد «أنَّ علمنا صعبٌ مستصعبٌ»( )، وورد عن السجّاد( ):
يا ربَّ جوهرَ علمٍ لو أبوحُ به
لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا
ولاستحلّ رجالٌ مسلمونَ دمي
يرون أقبح ما يأتونه حسنا

إحسان إلهي ظهير:
ويروي الملا باقر عن الكليني عن محمد الباقر أنه قال: قال علي: «ومن كان بقي من بني هاشم إنما كان جعفر وحمزة، فمضيا وبقي معه رجلان، ضعيفان، ذليلان، حديثا عهد بالإسلام عباس وعقيل»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 36):
هذا الحديث مثل سابقه في ضعف السند. مضافاً إلى أنَّه إنَّما يدلّ على أفضليّة جعفر وحمزة على عبّاس وعقيل، هذا مضافاً إلى وجود بعض الدلائل التي تدلّ على وجود نقاط الضعف عند هذين الرجلين، كالذي ورد في نهج البلاغة في مطالبة عقيل لأخيه عليّ من المال أكثر من حقّه( )، وهي خطبةٌ معروفةٌ.
إحسان إلهي ظهير:
هذا ما قالوا في عم النبي، وأما ابنه عبد الله ابن عباس، حبر الأمة، وترجمان القرآن، وصاحب رسول الله، فاتهموه بتهمة الخيانة فقالوا: استعمل علي صلوات الله عليه على البصرة عبد الله بن عباس، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكة وترك علياً…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 37):
هذا الحديث مثل سوابقه في ضعف السند، ولو صحّ لكان معناه عدم مقاومة هذا الرجل مع جلالة قدره لإغراء هذا المقدار من المال الذي هو مليونا درهم، فقد سوّلت له نفسه الاستيلاء عليه، الأمر الذي يجعله عبرةً للآخرين، وأنَّ الفرد يجب أن لا يثق بوثاقة نفسه؛ لأنَّ الوثاقة كلّما ازدادت زادت معها المغريات إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي( ).
إحسان إلهي ظهير:
… فكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد على المنبر حين بلغه فبكى فقال: هذا ابن عم رسول الله وأنه في علمه وقدره يفعل مثل هذا فكيف يؤمن من كان دونه، اللهم إني قد مللتهم فأرحني منهم واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول»( ).
وبوب الكشي هذا، باباً مستقلاً باسم دعاء علي على عبد الله وعبيد الله ابني عباس، ثم يروي عقيدته بهذه الرواية الكاذبة «عن أبي جعفر قال: قال أمير المؤمنين (علي): اللهم العن ابني فلان -يعني عبد الله وعبيد الله ابني عباس- واعم أبصارهما كما أعميت قلوبهما الأجلين في رقبتي واجعل عمى أبصارهما دليلاً على قلوبهما»( ).
ومثل هذه الروايات الكاذبة الخبيثة كثيرة عندهم في الكافي «وفي تفسيرهمالقمي والعياشي والصافي».
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 38):
لا دليل على كذب هذه الرواية. نعم، هي ضعيفة السند( ).
خالد بن الوليد
إحسان إلهي ظهير:
وطعنوا في سيف الله الخالد، خالد بن الوليد، فارس الإسلام وقائد جيوشه الظافرة المباركة، طعنوا فيه، فيذكر القمي وغيره «أن خالداً ما هجم على مالك بن النويره إلا للتزوج من زوجة مالك».
وحكوا أيضاً قصة باطلة مختلقة، فيذكرها القمي: «وقع الخلاف بين أبي بكر وعلي وتشاجرا، فرجع أبو بكر إلى منزله – وبعث إلى عمر فدعاه ثم قال: أما رأيت مجلس علي منا اليوم، والله لأن قعد مقعداً مثله ليفسدن أمرنا فما الرأي؟ قال عمر: الرأي أن نأمر بقتله، قال: فمن يقتله؟ قال خالد بن الوليد فبعثا إلى خالد فأتاهما فقالا نريد أن نحملك على أمر عظيم، قال حملاني ما شئتما ولو قتل علي بن أبي طالب، قالا فهو ذاك، فقال خالد متى أقتله؟ قال أبو بكر إذا حضر المسجد فقم بجنبه في الصلاة فإذا أنا سلمت فقم إليه واضرب عنقه، قال: نعم، فسمعت أسماء بنت عميس ذلك وكانت تحت أبي بكر، فقالت لجاريتها اذهبي إلى منزل علي وفاطمة، فاقرئيهما السلام، وقولي لعلي إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، فجاءت الجارية إليهما فقالت لعلي: إن أسماء بنت عميس تقرأ عليكما السلام وتقول إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، فقال علي: قولي لها إن الله يحيل بينهم وبين ما يريدون. ثم قام وتهيأ للصلاة وحضر المسجد ووقف خلف أبي بكر وصلى لنفسه وخالد بن الوليد إلى جنبه ومعه السيف، فلما جلس أبو بكر في التشهد ندم على ما قال وخاف الفتنة وشدة علي وبأسه، فلم يزل متفكراً لا يجسر أن يسلم حتى ظن الناس أنه قد سها، ثم التفت إلى خالد فقال: يا خالد لا تفعل ما أمرتك به، السلام عليكم ورحمته وبركاته، فقال أمير المؤمنين: يا خالد ما الذي أمرك به؟ قال أمرني بضرب عنقك، قال: وكنت تفعل؟ قال أي والله لولا أنه قال لي لا تفعل لقتلتك بعد التسليم، قال فأخذه علي فضرب به الأرض واجتمع الناس عليه فقال عمر: يقتله ورب الكعبة، فقال الناس: يا أبا الحسن الله الله بحق صاحب هذا القبر فخلى عنه، قال: فالتفت إلى عمر وأخذ بتلابيبه وقال: يا فلان لولا عهد من رسول الله وكتاب من الله سبق لعلمت أينا أضعف ناصراً وأقل عدداً ثم دخل منزله»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 39):
كما قلنا قبل سطر( )، ولا يخفى ما في خالد بن الوليد من الأخطاء والانحرافات، وهي مرويّة في الكتب كثيراً( ).
عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة
إحسان إلهي ظهير:
وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة (رضي الله عنهما) قالوا فيهما: «محمد بن مسلمة وابن عمر مات منكوثاً»( ).
طلحة والزبير
وطلحة صاحب رسول الله من العشرة المبشرة بالجنة الذي قال فيه رسول الله يوم أحد: «أوجب طلحة – الجنة»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 40):
لم يثبت حديث العشرة المبشّرة لدى الشيعة لا سنداً، ولا معنويّاً، ولا مجال لمناقشته الآن. ولا يخفى أنَّه من واضحات التاريخ: أنَّ طلحة والزبير حاربا أمير المؤمنين في واقعة الجمل( )، فكلّ حديثٍ مخالفٍ لذلك مرفوضٌ. وقد روى المؤلِّف في فضلهما أحاديث عامّيّة لا تثبت عند الشيعة.
إحسان إلهي ظهير:
والزبير الذي هو من العشرة أيضاً والذي قال فيه النبي الصادق الناطق بالوحي: «إن لكل نبي حوارياً وحواري الزبير»( ).
روى القمي في هذين العظيمين «أن أبا جعفر (الباقر) قال: نزلت هذه الآية في طلحة والزبير، والجمل جملهم إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَـهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ( )( ).
أنس بن مالك والبراء بن عازب
وأما أنس بن مالك والبراء بن عازب (رضي الله عنهما) فقالوا فيهما: «أن علياً قال لهما: ما منعكما أن تقوما فتشهدا، فقد سمعتما ما سمع القوم ثم قال: اللهم إن كانا كتمهما معاندة فابتلهما، فعمى البراء بن عازب وبرص قدما أنس بن مالك»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 41):
هذه في الشهادة على يوم الغدير، فهذا من الأخبار الدالّة على صحّة هذا الخبر، إلَّا أنَّ المؤلِّف أهمل الإشارة إلى ذلك لغرضٍ في نفسه.
أزواج النبي
إحسان إلهي ظهير:
والخبث لم ينته بعد، واللوم لم يبلغ مداه، حتى تطرقوا إلى أهل بيت النبي، ورووا هذه الرواية الخبيثة، الباطلة، متعرضين للصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين عائشة الطاهرة (رضي الله عنها)، فقال الكشي: «لما هزم علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل وقلة العرجة، قال ابن عباس: فأتيتها وهي في قصر بني خلف في جانب البصرة، قال فطلبت الإذن عليها فلم تأذن، فدخلت عليها من غير إذنها، فإذا بيت فقار لم يعد لي فيه مجلس، فإذا هي من وراء سترين، قال فضربت ببصري فإذا في جانب البيت رحل عليه طنفسة، قال: فمددت الطنفسة فجلست عليها فقالت من وراء الستر: يا ابن عباس أخطأت السنة – دخلت بيتنا بغير إذننا وجلست على متاعنا بغير إذننا – فقال لها ابن عباس: نحن أولى بالسنة منك ونحن علمناك السنة، وإنما بيتك، الذي خلّفك فيه رسول الله، فخرجت منه ظالمة لنفسك، غاشية لدينك، عاتبة على ربك، عاصية لرسول الله، فإذا رجعت إلى بيتك لم ندخله إلا بإذنك ولم نجلس على متاعك إلا بأمرك… إلى أن قال… وما أنت إلا حشية من تسع حشايا خلفهن بعده، لست بأبيضهن لوناً ولا بأحسنهن وجهاً ولا بأرشحهن عرقاً ولا بأنضرهن ورقاً ولا بأطرأهن أصلاً…. قال (ابن عباس): ثم نهضت وأتيت أمير المؤمنين فأخبرته بمقالتها وما رددت عليها فقال (علي): أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 42):
لا يخفى أنَّه من واضحات التاريخ التي لا يمكن أن ينكرها المؤلِّف محاربة هذه المرأة أمير المؤمنين في واقعة الجمل( )، كما لا يخفى أنَّ عبد الله بن عبّاس – الذي كان المؤلِّف قبل قليل يدافع عنه- أصبح هنا [أي: في واقعة الجمل] مناصراً لأمير المؤمنين.
إحسان إلهي ظهير:
فهل رأيت الخبث أكبر من هذا ولكن القوم بلغوا في الخبث ما لم يبلغه الآخرون، فيروي واحد من صناديدهم – الطبرسي في كتابه عن الباقر أنه قال: لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل، قال أمير المؤمنين (علي): والله ما أراني إلا مطلقها، فأنشد الله رجلاً سمع من رسول الله يقول: يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي (عياذاً بالله) ولما قام فشهد، فقام ثلاثة عشر رجلاً، فيهم بدريان، فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب، يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي، قال فبكت عائشة عند ذلك حتى سمعوا بكائها»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 43):
هذا خبرٌ ضعيف السند( )؛ فإنَّ أغلب أخبار الاحتجاج- وهو مصدره- ضعيفة، مضافاً إلى أنَّ الطلاق بعد الوفاة لا معنى له، وقول رسول الله: «أمر نسائي بيدك من بعدي»( ) لا يشمل الطلاق جزماً؛ لأنَّه غير مشروع عندئذٍ، بل المراد به إصلاح ما لهنّ في الدين والدنيا.
تكفير الصحابة عامة
إحسان إلهي ظهير:
فهذه هي عقيدة القوم من أولهم إلى آخرهم كما رسمها اليهود لهم حتى صار دينهم الذي يدينون به، دين الشتائم والسباب ولكنهم لم يكتفوا بالسباب والشتائم على عدد كبير من أصحاب رسول الله بل هوت بهم هاوية حتى كفّروا جميع أصحاب رسول الله إلا النادر منهم، فهذا هو الكشي أحد صناديدهم يروي عن أبي جعفر أنه قال: كان الناس أهل الردة بعد النبي إلا ثلاثة، فقلت ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي،… وذلك قول الله عزّ وجل: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ( )( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 44):
أوّلاً: لا دليل على صحّة سند هذا الحديث.
ثانياً: إنَّه لا يشمل المعصومين، بل المراد به رأساً غيرهم، وهذا واضح.
ثالثاً: إنَّه إنَّما يدلّ على أفضليّة هؤلاء الثلاثة بدرجةٍ عالية من الفرق، وإلَّا فالصالحون إجمالاً كانوا موجودين، كعمّار وحذيفة، ولا يمكن اعتبارهما مرتدّين. فالمراد بالارتداد درجة من درجات الضعف في الإيمان بعد فراق النبيّ والميل إلى الدنيا لا أكثر، وإلَّا فالكثير منهم ليسوا مرتدّين بالمعنى الحقيقيّ جزماً.
إحسان إلهي ظهير:
ويروى عن أبي جعفر أيضاً أنه قال: «المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا -وأشار بيده- إلا ثلاثة»( ).
ويروى عن موسى بن جعفر -الإمام المعصوم السابع عندهم- أنه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين حواري محمد بن عبد الله – رسول الله الذي لم ينقضوا عليه؟ فيقوم سلمان، والمقداد، وأبو ذر»( ).
والعجب كل العجب أين ذهب علي والحسن والحسين وبقية أهل البيت، وعمار، وحذيفة، وعمرو بن الحمق وغيرهم.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 45):
قلنا إنَّ هذه الأخبار لا تشمل المعصومين أساساً.
إحسان إلهي ظهير:
فانظر ماذا تريد اليهودية من وراء ذلك.
وهذا مع أن علياً لم يكفر حتى ومن حاربه من أهل الشام وغيرهم، فقد قال صراحة في (كتابه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه ويبن أهل الصفين)، الذي رواه إمام الشيعة محمد الرضى في (نهج الباغة).
وكان بدء أمرنا أنا التقينا القوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 46):
قوله: (والظاهر أنَّ ربّنا واحدٌ)، أوّلاً هذا هو الظاهر، والله أعلم بما في القلوب، والأخبار السابقة تشير إلى ما في القلوب…
إحسان إلهي ظهير:
… ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله، والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا في دم عثمان، ونحن منه براء»( ).
وأنكر على من يسب معاوية وعساكره، فقال وقد رواه الرضي أيضاً: «أني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم، اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم..»( ).
فأين علي من ربيبة اليهود الشاتمين أعاظم أصحاب رسول الله اللعانين، المكفرين، الخبثاء، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
الصحابة عند السنة
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 47):
هذا الفصل كلّه معتمدٌ على المصادر السنيّة، فلا حاجة إلى مناقشة أخباره واحداً واحداً؛ لأنَّها جميعاً لا تصحّ لدينا، ولا ينبغي أن ننسى أنَّ كلّ خبرٍ وجدوه مرويّاً في شأن المعصومين رووا مثله في أصحابهم، وهذا واضحٌ لمَن استعرض هذه الأخبار العاميّة التي ذكرها المؤلِّف وغيرها.
إحسان إلهي ظهير:
ذاك ما يعتقده الشيعة في كبار أصحاب رسول الله الذين بلّغوا رسالة إلى الكون، وحملوها على أكتافهم وأدوها كما سمعوا، وقد فتح الله بهم بلاد الروم والشام، وبلاد هؤلاء الملعونين، الخبثاء، بلاد يمن، وفارس، ولولاهم لما كان للإسلام دولة وسلطنة كما كانت وصارت، وكانوا مصداق قول الله عز وجل: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَـهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَـهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 48):
هذا رأي المؤلِّف، وهو غريبٌ لم يسبق إليه سنيّ ولا شيعيّ حسب عهدي، وإلَّا فالآية أجنبيّة في معناها عمَّن قصدهم، يكفي أن نعرف أنَّ هؤلاء المقصودين لم يخافوا في عصر النبيّ، بل كانوا أشدّ النّاس أمناً، وأقلّهم مشاركة في الحروب.
إحسان إلهي ظهير:
وقال رسول الله فيهم: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»( ).
وقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما يوعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»( ).
وبين فضلهم وشرفهم حيث قال: «ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائداً ونوراً لهم يوم القيامة»( ).
وقال رسول الله: «إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم»( ).
وقال في أبي بكر: «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر»( ).
وقال في عمر: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»( ).
وقال فيهما: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 49):
هذا الحديث من شواهد ما قلناه، وينبغي أن نلتفت [إلى] أنَّه ليس في الجنّة كهول، كما ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ [حديث] «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» قاله الرسول( )، وهو يعلم أنَّهما يموتان في حال الكهولة لا الشباب، إلَّا أنَّه دليلٌ على أنَّه ليس في الجنّة غير عهد الشباب، وكلّهم على هيئته.
إحسان إلهي ظهير:
وقال في عثمان: «لكل نبي رفيق ورفيقي يعني في الجنة عثمان»( ).
وعن عبد المطلب بن ربيعة: «أن العباس دخل على رسول الله مغضباً وأنا عنده، فقال ما أغضبك؟ قال: يا رسول الله مالنا ولقريش، إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك، فغضب رسول الله حتى احمر وجهه ثم قال: أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه»( ).
ودعا له ولابنه فقال: «اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً، اللهم احفظه في ولده»( ).
وعنه أنه سئل «من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها»( ).
وقال في خالد بن الوليد: «خالد سيف من سيوف الله عز وجل، ونعم فتى العشيرة»( ).
وقال في محمد بن مسلمة، ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة… وقال: لا تضرك الفتنة»( ).
وقال رسول الله في معاوية: «اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به»( ).
وقال في البراء بن عازب: «كم من أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن عازب»( ).
وقال في عبد الله بن عمر: «إن عبد الله رجل صالح»( ).
فهؤلاء هم وغيرهم أصحاب رسول الله الذين مدحهم الله في كتابه، ومدحهم وأثنى عليهم ودعا لهم بالمغفرة، الناطق بالوحي الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، واحداً واحداً وجماعة، ويمدحهم ويثني عليهم كل من سلك مسلكه، واتبع سبيله من المؤمنين غير المنافقين أبناء اليهود والمجوس الذين أكلت قلوبهم البغضاء والشحناء والحسد عليهم لأعمالهم الجبارة في سبيل الله وفي سبيل نشر هذا الدين الميمون المبارك…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 50):
سبق أن ناقشنا دلالة الآيات وناقشنا في أسناد الروايات؛ فإنَّها جميعاً عاميّةٌ، لا حجّيّة فيها، والكلام الذي يقوله المؤلِّف هنا كلام عدوٍّ لا اعتبار به.
إحسان إلهي ظهير:
… وكان هذا هو السبب الحقيقي لحنق الكفرة على هؤلاء المجاهدين، العاملين بالكتاب والسنة، وخاصة على أبي بكر، وعمر، وعثمان، الذين قادوا جيوش الظفر، وجهزوا عساكر النصر، وكان سبب حقد اليهود على المسلمين خاصة أنهم هدموا أساسهم، وقطعوا جذورهم، واستأصلوهم استيصالاً تحت راية النبي حين كان أسلافهم من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة يقطنون المدينة، ومن بعد النبي الكريم في زمن عمر الفاروق، حيث نفذ فيهم وصية رسول الله: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب»( ).
وطهر جزيرة العرب من نجاستهم ودسائسهم ولم يترك لأحد من اليهود أن يسكن في الجزيرة طبقاً لأمر رسول الله.
سبب انتشار التشيع في إيران وبغضهم الصحابة
ولما افتتح إيران على يد الفاروق الأعظم، ومزق جموعها، وكسر شوكتها، وهدم ملوكيتها نقم أهل إيران على الفاروق، ورفقته، وجنوده، لما جبلوا على الملوكية وأشربوا حبها، فوجد اليهود بلاد فارس مزرعة خصبة لغرس بذور الفتنة فيها، وكان من الاتفاقات أن ابنة يزدجرد ملك إيران (شهربانو) زوجت من حسين بن علي
-رضي الله عنهما- بعد ما جاءت مع الأسارى الإيرانيين، فلما دبر اليهود لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عثمان بن عفان وتترسوا بعلي بدون إذن منه ومعرفة، وادعوا الولاية والخلافة لعلي وأولاده تعاونهم أهل إيران نقمة على الفاروق ورفقته وأصحاب الرسول الذين فتحوا إيران، وعثمان الذي وسع نطاق الفتوحات الإسلامية، وأقام اعوجاجهم، ونفى بغاتهم، فأبدى أهل إيران الاستعداد لمعاونة تلك الطائفة اليهودية، والفئة الباغية، وخصوصاً بعد ما رأوا أن الدم الذي يجري في عروق علي بن الحسين الملقب بزين العابدين وفي أولاده دم إيراني من قبل أمه (شهربانو) ابنة (يزدجرد) ملك إيران من سلالة الساسانيين، المقدسين عندهم.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 51):
ليس في ذلك محذورٌ شرعيّ كما هو واضح.
إحسان إلهي ظهير:
فلأجل هذا دخل أكثر أهل فارس في الشيعية لما يجدون فيها من التسلية بالسباب على الصحابة، وعمر، وعثمان، فاتحي إيران، ومطفئي نار المجوسية فيها، ومن هناك اتفقوا مع اليهودية الماكرة، ولأجل هذا اتحدوا معهم، وسلكوا مسلكهم، ونهجوا منهجهم، فها هو المستشرق الإنكليزي الذي سكن إيران مدة طويلة ودرس تاريخها دراسة وافية، ضافية، يقول صراحة: «من أهم أسباب عداوة أهل إيران للخليفة الراشد، الثاني، عمر، هو أنه فتح العجم، وكسر شوكته، غير أنهم (أي أهل إيران) أعطوا لعدائهم صبغة دينية، مذهبية، وليس هذا من الحقيقة بشيء»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 52):
هذه استنتاجات من المؤلِّف العدوّ، ومن الطريف أنَّه يعتمد فيها على آراء المستشرقين الذين هم أعداءٌ أيضاً( )، فلا يكون في كلِّ ذلك أيّة دلالةٍ أو حجّيّةٍ حقيقيّةٍ.
إحسان إلهي ظهير:
ووضح في مقام آخر أكثر من هذا وقال: «ليس عداوة إيران وأهلها لعمر بن الخطاب بأنه (عمر) غصب حقوق علي وفاطمة بل لأنه فتح إيران وقضى على الأسرة الساسانية -ثم يذكر أبياتاً فارسية لشاعر إيراني ما نصها في اللغة الفارسية-:
بشكست عمر بشت هزبران اجم را
اين عربده بر غصب خلافت ز على نيست
برباد فنا داد ركك وريشه جم را
با آل عمر كينه قديم است عجم را

يعني أن عمر كسر ظهور أسود العرين المفترسة، واستأصل جذور آل جمشيد (ملك من أعاظم ملوك فارس).
ليس الجدال على أنه غصب الخلافة من علي، بل أن المسألة قديمة يوم فتح إيران»( ).
ويقول: «إن أهل إيران وجدوا في أولاد علي بن الحسين تسلية وطمأنينة بما كانوا يعرفون أن أم علي بن الحسين هي ابنة ملكهم (يزدجرد) فرأوا في أولادها حقوق الملك قد اجتمعت مع حقوق الدين، فمن هنا نشأ بينهم علاقة سياسية، ولأجل أنهم (أهل إيران) كانوا يقدسون ملوكهم لاعتقادهم أنهم ما وجدوا الملك إلا من السماء ومن الله، فازدادوا في التمسك بهم»( ).
الولاية والوصاية
خامساً: ولقد ذكرنا فيما سبق أن اليهودية دَسَّت عقائد جديدة في الإسلام بوساطة ابنها البار بها، عبد الله بن سبأ، لبناء مذهب جديد وإنشاء نحلة جديدة باسم الإسلام ولا يكون للإسلام علاقة بها، فمن تلك العقائد التي جعلتها أصل الأصول هي عقيدة الولاية والوصاية، ولقد أوردنا النصوص عن الشيعة بأن أول من نادى بها هو ابن السوداء، هذا اليهودي، الماكر، مع إنكار الشيعة علاقتها به وباليهودية، فإنهم لا يبنون عقائدهم إلا على أقواله وآرائها، فها هي الولاية ما جعلوها أساساً لدينهم إلا كما علمهم اليهود وقرروها لهم، فيذكر محمد بن يعقوب الكليني، محدثهم الكبير الذي عرض كتابه على الإمام، وصدقه إمامهم المزعوم الموهوم، يذكر الكليني هذا «عن فضيل عن أبي جعفر قال: بُنِي الإسلام على خمس، الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير»( ).
فانظر كيف يختلف القوم مع المسلمين حيث يقول المسلمون: بني الإسلام على خمس، أوله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله: ولكن هؤلاء لا يعدون شهادة التوحيد والرسالة شيئاً، ويفضلون الولاية والوصاية على الصلاة والزكاة والصوم والحج كي يجلب القوم إلى دين جديد طبق الخطة المرسومة.
وقد صرح الشيعة بأكثر من هذا حيث قالوا: «عن زرارة عن أبي جعفر قال: بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل، فقال الولاية أفضل»( ).
ثم حذفوا الصوم والحج فقالوا: عن الصادق (جعفر) قال: «أثافي الإسلام ثلاثة، الصلاة، والزكاة، والولاية، لا تصح واحدة منها إلا بصاحبتيها»( ).
ومن ثم تطرقوا إلى حذف الجميع وإبقاء الولاية وحدها فرووا عن أبي عبد الله أنه قال: «ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبياً قط إلا بها»( ).
وليس هذا فحسب بل «عن حبة العوفي أنه قال، قال أمير المؤمنين (علي) أن الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض، أقر بها من أقر، وأنكر من أنكر، أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها»( ).
وعن أبي الحسن قال: «ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد ووصية علي»( ).
وأيضاً «عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر يقول: إن الله أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي وأخذ عن النبيين بولاية علي»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 53):
استشهاد المؤلِّف بهذا الخبر بهذا الصدد يدلّ على أنَّه يُريد أن يدسّ هذه الفكرة، وهو أنَّ الأئمّة المعصومين أيضاً متأثّرون بدعوة عبد الله بن سبأ.
مع أنَّه سبق أن روى حديثاً أو أكثر عن بعض الأئمّة في الطعن فيه والتنقيص منه( ). وعلى أيّ حالٍ فولاية عليّ لا تُنكر، وكلّ ما ورد عنها فمضمونه صحيحٌ عندنا.
وكلّ رأيٍ أو استنتاجٍ ينافيه من المؤلِّف أو غيره مرفوضٌ ومتضمّنٌ للعداوة والاعتداء.
إحسان إلهي ظهير:
ويروي القمي تحت قوله تعالى:  وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ( ) عن أبي عبد الله قال: «ما بعث الله نبياً من ولد آدم فهلم جراً إلا ويرجع إلى الدنيا وينصر أمير المؤمنين (علي) وهو قوله (لتؤمنن) به يعني رسول الله (ولتنصرنه) يعني أمير المؤمنين علي»( ).
فانظر إلى اليهودية كيف تتسلل بين المسلمين وتتسرب إليهم لتشويه عقائدهم.
وأخيراً فلنرجع إلى ما قاله النوبختي والكشي، فيقول النوبختي: وهو (أي عبد الله بن سبأ) أول من أشهر القول بفرض إمامة علي ( ).
والكشي يقول: «وكان (ابن سبأ) أول من أشهر بالقول بفرض إمامة علي»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 54):
لا دليل على أنَّ الضمير في عبارات النوبختي( ) والكشّي( ) يعود إلى هذا الرجل، ولو سلّمنا ذلك فالمقصود إعلان الأمر وإشهاره لا أصل وجوده، وهو واضحٌ من العبارة، ولو سلّمنا إذن تكون العبارة من هذين الرجلين مكذوبةً أو مكذوباً عليها من المؤلِّف نفسه.
تعطيل الشريعة
إحسان إلهي ظهير:
فهل بعد ذلك شك لشاك وريب لمرتاب أن القوم ولدته اليهودية لأغراضها المشوّهة، وهم ينكرون الانتساب إليها بعد ما يقرون بآرائها ومعتقداتها التي روّجت ودسَّت في الإسلام، ويتولونها ويؤسسون عليها بناية دينهم، وما القصد منها إلا إبعاد المسلمين عن تعاليم محمد وروحها، روح الإسلام الحقيقي، وأيضاً تعطيل الشريعة الإسلامية فقد عطلوها فعلاً حيث قالوا: إن النجاة ليس مدارها على العمل بالكتاب والسنة، بل مدارها على التبني والتمسك، بأقوال هؤلاء الملاحدة، ولو خالفوا صريح الكتاب والسنة لا يؤاخذون عليها.
فقد مر قبل ذلك في هذا الباب أن شارب الخمر ذكر عند جعفر بن الباقر
-الإمام المعصوم عندهم- فقال: «وما ذلك على الله أن يغفر لمحب علي»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 55):
سبق أنَّ هذا الحديث واردٌ في السيّد الحميري بعد توبته( )، فلا يكون في مضمونه أيّ إشكال.
إحسان إلهي ظهير:
وذكر القمي أكثر من هذا فقال: «عن أبي عبد الله قال إذا كان يوم القيامة يدعى محمد فيكسى حلة وردية… ثم يدعى بعلي أمير المؤمنين… ثم يدعى بالأئمة… ثم يدعى بالشيعة فيقومون أمامهم ثم يدعى بفاطمة ونسائها من ذريتها وشيعتها فيدخلون الجنة بغير حساب»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 56):
هذه الأخبار في فضل المعصومين والشيعة نعترف بمضمونها ولا إشكال فيها.
إحسان إلهي ظهير:
وروى الكشي عن أبي عبد الله أنه دخل عليه جعفر بن عفان، فقال له: «بلغني أنك تقول الشعر في الحسين وتجيد، فقال له: نعم جعلني الله فداك. فقال. قل: فأنشد، فبكى ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته، ثم قال: يا جعفر (بن عفان) والله لقد شهدك ملائكة الله المقربون ها هنا يسمعون قولك في الحسين ولقد بكوا كما بكينا أو أكثر، ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر ساعتك الجنة بأسرها، وغفر الله لك، فقال (أبو عبد الله): يا جعفر ألا أزيدك؟ قال: نعم يا سيدي، قال: ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى إلا أوجب الله له الجنة وغفر له»( ).
فانظر كيف تعطل الشريعة المحمدية، البيضاء، وكيف يلغى أحكامها وأوامرها، فهذا هو المطلوب والمقصود، ولأجل هذا كونت هذه الفئة، وأنشئت هذه الطائفة، وكتبهم مليئة، من مثل هذه الدسائس، وعليها يتكلون، وبها يعتقدون، ولكن الشريعة التي جاء بها محمد الأمين عليه الصلاة والسلام ما تخبرنا إلا بأن النجاة مدارها ليس إلا على العمل الصالح كما قال الله عز وجل في كتابه:  إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ( ).
وقال سبحانه وتعالى:  إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 57):
لا يلزم من تلك الأخبار تعطيل الشريعة لأُمور:
أوّلاً: أنَّ المراد بها اقتران الولاية بالتوبة.
ثانياً: أنَّ المراد بها اقتران الذنب بالتوسّل والخشوع لله والتضرّع بالمعصومين.
ثالثاً: إن سلّمنا ما هو أكثر من ذلك واستلزم إباحة المحرّمات لم نعترف بصحّة هذه الأخبار، إلَّا أنَّنا لا نسلّم ذلك كما أوضحنا.
مسألة البداء
إحسان إلهي ظهير:
سادساً: وكان من الأفكار التي روجها اليهود وعبد الله بن سبأ «إن الله يحصل له البداء» أي النسيان والجهل، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 58):
ليس معنى البداء النسيان والجهل، بل أُمور أُخرى، وقد أُلِّفت في ذلك بحوث ومؤلَّفات من قبل الشيعة ومفكّريهم( )، فلا نطيل في البحث هنا، وعلى أيّ حالٍ فالأخبار الواردة في البداء صحيحةٌ مضموناً.
إحسان إلهي ظهير:
فالكليني محدث الشيعة بوب باباً مستقلاً في الكافي بعنوان (البداء) وروى تحت هذا الباب عدة روايات عن أئمته (المعصومين» كما يزعم، ومنها:
عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا (علي بن موسى -الإمام الثامن عندهم-) يقول: «ما بعث الله نبياً قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء»( ).
وما هو (البداء)؟ تفسره رواية أخرى، يرويها أيضاً «عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن بعد ما مضى ابنه أبو جعفر وأني لأفكر في نفسي أريد أن أقول كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل بن جعفر بن محمد، وأن قصتهما كقصتهما إذ كان أبو محمد المرجأ بعد أبي جعفر، فأقبل على أبو الحسن قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم بدا الله في أبي محمد بعد أبي جعفر ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي وعنده علم ما يحتاج إليه، ومعه آلة الإمامة»( ).
وذكر النوبختي «أن جعفر بن محمد الباقر نص على إمامة إسماعيل ابنه وأشار إليه في حياته، ثم أن إسماعيل مات وهو حي فقال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 59):
هذا خلاف ضرورة المذهب عندنا، وكلّ ما خالفه فهو مدسوسٌ ومكذوبٌ، والنوبختي ليس حجّةً فيما يقول.
إحسان إلهي ظهير:
فقد تثبت هذه الروايات معنى (البداء) بأنه علم ما لم يكن يعلمه الله قبل، وهذا ما يعتقده الشيعة في الله حيث أن الله يبين عن علمه بقوله على لسان موسى لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 60):
هذه الآيات الكريمة لا تصلح ردّاً على القول بالبداء إلَّا بعد تفسيره بالجهل، وهذا ما سبق أن عرفنا بطلانه.
إحسان إلهي ظهير:
ووصف نفسه بقوله: هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ( ).
وبقوله: قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا( ).
ولكن الشيعة بعكس ذلك لا يعتقدون في الله ذاك فحسب بل ويمجدون من يعتقد في الله معتقدهم الباطل، فيروي الكليني عن جعفر أنه قال: «يبعث عبد المطلب أمة وحده، عليه بهاء الملوك، وسيماء الأنبياء، وذلك أنه أول من قال بالبداء»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 61):
لا بأس بذلك، فقد يكون الأمر صحيحاً ولا إشكال فيه، أمّا السابقون عليه من الأنبياء وغيرهم فلم يكن لديهم ذلك؛ لعدم وجود مصلحة في تعليم الله عزّ وجلّ لهم ذلك، وليس هو من الأُمور الضروريّة في الحياة. ولو سلّمنا تعرّف بعض الأنبياء على ذلك أمكنت المناقشة في سند هذا الحديث، أو نقول: إنَّ عبد المطّلب آمن بالبداء( ) وإن لم يكن أوّل مَن قال به. فتسقط الدلالة من هذه الناحية فقط.
عقيدة الرجعة
إحسان إلهي ظهير:
ومنها: أي من العقائد المدسوسة عقيدة الرجعة، فالشيعة من بكرة أبيهم يعتنقون بها…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 62):
ليس الشيعة كلّهم يعتقدون بالرجعة، وإن كان لا يمكن لأحدٍ أن ينكرها، بل يوكلون علمها إلى الله سبحانه، فقد تكون صحيحة أو لا تكون، وليست من ضروريّات الدين ليكون إنكارها موجباً للكفر( ).
إحسان إلهي ظهير:
… فكل من قرأ كتبهم وعرف مذهبهم يعرف ويعلم هذا عنهم فإنهم ما قالوا بإمامة أحد من علي إلى ابن الحسن العسكري الموهوم إلا واعتقدوا رجوعه بعد موته.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 63):
هذا دسٌّ على الشيعة؛ فإنَّه مجرّد احتمال أو تفسير من تفسيرات الرجعة وليس هو أقواها ولا أصحّها سنداً.
معتقدهم في أئمتهم
إحسان إلهي ظهير:
ومنها: جعلهم أئمتهم فوق البشر، وفوق الأنبياء والرسل، بل آلهة يعلمون أعمار الناس وآجالهم، ولا يخفى عليهم خافية، ويملكون الدنيا كله، ويغلبون على جميع الخلق، ويرتعد الكون من هيبتهم وشدة بأسهم، يدين لهم الملائكة كما دان لهم الأنبياء والرسل، ولا يضاهيهم أحد، فلنذكر بعض النصوص للقاري كي يعرف عقيدة القوم من كتبهم هم.
الأئمة يعلمون الغيب
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 64):
هل الأئمّة يعلمون الغيب أو لا، وكيف يمكن ذلك؟ سنتعرّض له بعد قليل. كلّ ما في الأمر أنَّ الأمر لا يعدو أكثر من الأخبار التي وردت في كتبنا، والقول بأنَّ الأئمّة يعلمون الغيب بالذات- يعني: بالاستقلال عن الله سبحانه- إنَّما هو قولُ كافر.
إحسان إلهي ظهير:
فيروي الكليني كبير الشيعة ومحدثهم في صحيحه (الكافي)…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 65):
التعبير عن الكافي بأنَّه صحيحٌ ليس بصحيحٍ، وإنَّما هو مأخوذٌ من مفهومٍ عامّي
-أي: سنّي- من حيث إنَّهم يسمّون كتبهم بالصحاح بزعم أنَّ كلّ ما روي فيها فهي واردة حقيقةً ومطابقةً للواقع، إلَّا أنَّنا لا نقول في كتبنا ذلك، بل نقول إنَّها تحتوي على الصحيح والسقيم والقويّ والضعيف.
ولابدَّ من الحساب مع كلِّ روايةٍ على استقلالها، وهذا كلامٌ عامٌّ للكافي ولغيره.
إحسان إلهي ظهير:
… تحت باب (إن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا) عن جعفر أنه قال: «إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم»( ).
وروى تحت باب (إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) عن أبي بصير عن جعفر بن الباقر أنه قال: «أي إمام لا يعلم ما يغيبه( ) وإلى ما يصير فليس ذلك بحجة الله على خلقه» ( ).
الغلو في الأئمة
ورفعوا أئمتهم فوق الأنبياء والرسل، وجعلوهم كسيد المرسلين وحتى فضلوهم عليه حيث رووا هذه الرواية المكذوبة على علي، «عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله: كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراً ما يقول أنا قسيم الله بين الجنة والنار… ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل – [عياذاً بالله] بمثل ما أقروا لمحمد… ولقد حملت مثل حمولته وهي حمولة الرب، وأن رسول الله يدعى فيكسي وادعى فاكسي…ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني، أبشر بإذن الله وأودي عنه»( ).
وثم هذه الخصال ليست بخاصة لعلي فقط بل يزعمون أن لأئمة الاثنا عشر كلاً منهم متصف بمثل هذه الأوصاف.
فيروي الكليني عن عبد الله بن جندب أنه كتب إليه علي بن موسى -الإمام الثامن عندهم-: «أما بعد… فنحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا أنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وأن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق»( ).
وزيادة على هذا افتروا على محمد الباقر أنه قال: قال: علي: «ولقد أعطيت الست، علم المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، وإني لصاحب الكرَّات( ) ودولة الدول، وإني لصاحب العصا والميسم، والدابة التي تكلم الناس»( ).
هذا مع أن الله عز وجل قال في محكم كتابه: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 66)( ):
هذه الآيات الكريمات تدلّ على انحصار علم الغيب بالله سبحانه بالذات والاستقلال، وأمّا غيره فهو إنَّما يعلم الغيب بتعليمٍ منه سبحانه، وبقدرةٍ موهوبةٍ من قبله جلّ جلاله. والدليل على ذلك من القرآن نفسه قوله تعالى: إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ( ). وإذا أمكن في بعض المخلوقات أمكن في الكثيرين بلا فرق، مع حفظ جانب عدم الاستقلال عنه سبحانه.
إحسان إلهي ظهير:
وقال جل مجده:  وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ( ).
وأمر رسوله الكريم بأن يقر ويعترف ويعلن أنه لا يعلم الغيب بقوله: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 67):
قوله تعالى: وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ( ) معناه:
أوّلاً: يعني بالاستقلال عن الله سبحانه.
ثانياً: يعني: ولا أقول لكم إنّي أعلم الغيب، وعدم بيان الشيء لا يعني عدم وجوده، ففكّر أيُّها القارئ المنصف.
إحسان إلهي ظهير:
وبقوله: قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 68):
قوله: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( ).
أوّلاً: هو غير خاصٍّ بالنبيّ، بل هو قاعدةٌ عامّةٌ للجميع؛ لأنَّ أيّ واحدٍ إذا علم الغيب استكثر من الخير.
ثانياً: لو سلّمنا اختصاصه بالنبيّ، فهو أمرٌ من الله سبحانه أن يقول ذلك كما هو صريح الآية. وهذا القول متضمّن لقضيّةٍ شرطيّةٍ، وقد قالوا في المنطق( ): إنَّه يكفي في صدق القضيّة الشرطيّة صدق النسبة، ويمكن فيها كذب طرفيها.
ثالثاً: إنَّه يمكن القول: أنَّ هذه الآية أو هذا المعنى خاصٌّ بغير النبيّ أو غير المعصومين؛ لعدم صدق النسبة بالنسبة لهم؛ لأنَّهم لو علموا الغيب لما استكثروا من الخير، بل هم يسلّمون إلى الله ما يشاء لهم من خيرٍ وشرٍّ، سواء علموا الغيب أو لم يعلموا.
إذن، فالآية تشير إلى غير المعصومين. وقد قلنا إنَّ القضية الشرطيّة تصدق مع كذب طرفيها، فليس معنى ذلك أنَّ غير المعصومين يعلمون الغيب فعلاً.
رابعاً: إنَّ الاستكثار من الخير ليس تابعاً للعلم بالغيب فقط، بل على القدرة على تنفيذ ما يعلم أو اتّقاء الشرّ الذي يعلمه لو حصل له العلم، وهذا الأمر لم تُشِرْ له الآية، بل أخذته مسلّم الوجود والصحّة، إلَّا أن يكون المراد مجرّد الرغبة في استكثار الخير ودفع السوء مع وجود علم الغيب، فإنَّه يحصل عادةً في أكثر النفوس.
إحسان إلهي ظهير:
وقال جل وعلا:  إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( ).
وقال الرب تبارك وتعالى في المنافقين مخاطباً نبيه سلام الله وصلواته عليه: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 69):
هذه الآية الكريمة تدلّ على انحصار العلم بهذه الأُمور بالله سبحانه، إلَّا أنَّه لا ينافي أنَّه سبحانه قد يعلِّمها أو بعضها إلى بعض خلقه من خاصّته والمعصومين الطاهرين من عباده. يكفي من ذلك أن نعرف أنَّ هناك علماً يسمّى بـ (علم ما كان وما يكون)( )، وهو موجودٌ عند الأئمّة، وبعض خاصّتهم، فهم يعلمون متى يموتون، وبأيّ أرضٍ يُدفنون، وماذا غداً يكسبون. كلّ هذا بتعليمٍ من الله سبحانه.
إحسان إلهي ظهير:
[… لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ].
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 70):
قوله تعالى: لاَ تَعْلَمُهُمْ:
أوّلاً: محمولٌ على الظاهر من كون المعصومين يعيشون بين الناس كعيشتهم.
ثانياً: أنَّ المراد بها غير المعصومين.
ثالثاً: أنَّ المقصود بها الاستقلال بالعلم عن الله عزّ وجلّ، وهو منتفٍ ومتعذّرٌ طبعاً.
إحسان إلهي ظهير:
وقال النبي في المنافقين الذين استأذنوه في القعود عن غزوة تبوك:  عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَـهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 71):
قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ معناه العلم الفعليّ الناتج عن التمحيص والامتحان الذي يمرّ به الأفراد، وقد صرّح القرآن الكريم بمثل ذلك تماماً بالنسبة إلى الله سبحانه نفسه، كقوله تعالى: وَلَمَّا يَعْلَمْ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ( )، فهل معنى ذلك نسبة الجهل إلى الله سبحانه؟
وقلنا: إنَّ معناه حصول العلم الفعليّ الناتج عن الامتحان بعد أن كان علماً اقتضائيّاً. وتفصيل الكلام في ذلك موكولٌ إلى محلّه.
وأمّا الكلام من المؤلِّف بعد هذه الآية فهو كلام عدوٍّ ناتجٌ من فهمٍ معيّن من هذه الآيات الكريمات قد ناقشناه.
إحسان إلهي ظهير:
فهذا ما قال الله عز وجل وتلك ما اختلقتها اليهودية وروجتها، فإن الله يصرح في كتابه المجيد أن أحداً من الخلق حتى الرسل وسيد المرسلين لا يعلم الغيب، والقوم يقولون أن الأئمة لا تخفى عليهم خافية.
والله ينفي عن إمام النبيين أنه لا يملك حتى لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، وهم يجعلون علياً قسيم الجنة والنار، ويرفعون شيعة علي منزلة حتى أخذ لهم الميثاق من النبيين والمرسلين.
وأن الرب تبارك وتعالى خص لنفسه علم الساعة، ونزول الغيث، ووقت الموت، ومحله، لكن الشيعة أعطوا هذه الخصائص لأئمتهم، كما أن الله نفى عن سيد الخلق أنه لايعرف ولايعلم المنافقين من المؤمنين، ولكنهم يقولون إن الأئمة يعرفون حقيقة الرجل من حيث إيمانه ونفاقه.
فانظر إلى دين الله الذي أنزله على نبيه محمد المصطفى، ودين القوم الذي أوحته وأوعزت إليهم اليهودية والمجوسية، وانظر الفرق والتباعد بينهما.
والشيعة لم يكتفوا بهذا فحسب بل صرحوا بإهانة الأنبياء والمرسلين، وتمجيد الأئمة، ورفعوا هؤلاء على أولئك.
فيروي الكليني عن يوسف التمار أنه قال: «كنا مع أبي عبد الله جماعة من الشيعة في الحجر فقال (أبو عبد الله): علينا عين (جاسوس) فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحداً، فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة ورب البنية – ثلاث مرات – لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبئهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة»( ).
وعنه أنه قال: «إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة وما في النار، وأعلم ما كان وما يكون»( ).
فهل رأيت الكذب والإهانة الصريحة أكبر من هذا، نعم هناك الكذب والإهانات أكبر وأكبر منها كثيراً فقد وضعوا روايات كاذبة في الغلو لأئمتهم، وفضلوهم على أنبياء الله ورسله، كما نقل عن جعفر أنه كان يفضل نفسه على الخضر وعلى موسى، فقد ورد عنهم أيضاً أنهم كانوا يفضلون أئمتهم حتى على خاتم النبيين وإمام المرسلين.
فيروي صاحب البصائر عن أبي حمزة أنه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «إن منا لمن ينكت في أذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة يقع في الطست، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرئيل وميكائيل»( ).
ورووا عن أبي رافع وهو يحدث عن فتح خيبر – إلى أن قال: «فمضى علي وأنا معه، فلما أصبح افتتح ووقف بين الناس وأطال الوقوف، فقال الناس: إن علياً يناجي ربه، فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها، قال أبو رافع: فأتيت النبي، فقلت إن علياً وقف بين الناس كما أمرته، قال: منهم من يقول إن الله ناجاه، فقال: نعم يا أبا رافع إن الله ناجاه يوم الطائف، ويوم عقبة تبوك، ويوم حنين»( ).
وأيضاً عن أبي عبد الله قال: «قال رسول الله لأهل الطائف: لأبعثن إليكم رجلاً كنفسي يفتح الله به الخيبر، سيفه سوطه، فشرف الناس له، فلما أصبح ودعا علياً فقال اذهب بالطائف، ثم أمر الله النبي أن يرحل إليها بعد أن رحل علي، فلما صار إليها كان علي على رأس الجبل، فقال له رسول الله اثبت فسمعنا مثل صرير الزجل، فقيل يا رسول الله ما هذا؟ قال: إن الله يناجي علياً»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 72)( ):
وعلى أيّ حالٍ فهذه الرواية تدلّ على علوّ شأن أمير المؤمنين ولا إشكال فيه، بل الأمر أهمّ وأعظم فيه سلام الله عليه، وإنَّما الرواية تدلّ على سماع الصحابة للصرير، الأمر الذي يدلّ على أنَّ المصلحة تعلّقت بأن يفهموا ذلك أو شيئاً منه.
إحسان إلهي ظهير:
فعجباً عجباً على القوم، كيف وقعوا في الضلالة حتى تدرجوا إلى إنكار ختم النبوة على محمد بانقطاع الوحي الإلهي عن الأرض حيث يثبتون نزول ملائكة أكبر من جبرئيل وميكائيل على أئمتهم ولأجل ذلك صرحوا بتفضيل الأئمة على الأنبياء.
فها هو السيد نعمة الله الجزائري يذكر في كتابه: «اعلم أنه لا خلاف بين أصحابنا -رضي الله عنهم- في أشرفية نبينا على سائر الأنبياء للأخبار المتواترة، وإنما الخلاف بينهم في أفضلية أمير المؤمنين (علي) والأئمة الطاهرين على الأنبياء ما عدا جدهم، فذهب جماعة إلى أنهم أفضل من باقي الأنبياء ما خلا أولي العزم، فهم أفضل من الأئمة، وبعضهم إلى مساواتهم، وأكثر المتأخرين إلى أفضلية الأئمة على أولي العزم وغيرهم، وهو الصواب»( ).
وأما القول (ما خلا جدهم) فليس إلا تكلفاً محضاً فهم يعدونهم حمى وأفضل منه، كما نقلنا من كتبهم وكما ذكر الملا محمد باقر المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) كذباً على النبي بأنه قال لعلي: «يا علي أنت تملك ما لا أملك، ففاطمة زوجك وليس لي زوج مثلها، ولك منها ابنان ليس لي مثلاهما، وخديجة أم زوجك وليس لي رحيمة مثلها، وأنا رحيمك فليس لي رحيم مثل رحيمك، وجعفر أخوك من النسب وليس مثل جعفر أخي، وفاطمة، الهاشمية، المهاجرة أمك، وأنى لي أم مثلها»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 73):
هذا الحديث تواضعٌ من النبيّ وتشجيعٌ لعليّ- لو صحّ التعبير- وإلَّا فمن الواضح جدّاً أنَّ كلّ مَن ذكرهم النبيّ ليس شرفهم إلَّا بشرفه، وليس لهم أيّ اعتبارٍ آخر مستقلّ عنه حتّى فاطمة سلام الله عليها.
إذن، يعود كلّ هذا الشرف الذي ذكره النبيُّ لعليٍّ إلى النبيِّ كرّةً أُخرى.
إحسان إلهي ظهير:
وروى شيخهم المفيد( ) عن حذيفة قال قال النبي: «أما رأيت الشخص الذي اعترض لي: قلت بلى يا رسول الله، قال: ذاك ملك لم يهبط قط إلى الأرض قبل الساعة، استأذن الله عز وجل في السلام على علي، فأذن له فسلم عليه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 74):
لا وجه لاستبعاد أمثال هذه الأحاديث، ولا ينبغي أن ننسى أنَّ نهج البلاغة متضمّنٌ لقول النبيّ لعليٍّ: «إنَّك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع»؛ لأنَّه سمع رنّة الشيطان كما هو مذكورٌ في الخطبة، وهذه الجملة من النبيّ عامّةٌ لكلِّ شيءٍ كما هو واضحٌ، وهي من الأخبار القلائل الخاصّة التي تدلّ على علوّ شأنه مثل قوله: «ما عرفك إلَّا الله وأنا»( )، ونحو ذلك من الأخبار.
إحسان إلهي ظهير:
فانظر أكاذيب القوم وغلوهم في أئمتهم حتى لا يبالون بتصغير شأن النبي، سيد الكونين، ورفعهم أئمتهم عليه.
وهناك رواية موضوعة أخرى رواها المفيد أيضاً «عن أبي إسحاق عن أبيه قال: بينما رسول الله جالس في جماعة من أصحابه إذ أقبل علي بن أبي طالب نحوه، فقال رسول الله من أراد أن ينظر إلى آدم في خلقه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه فلينظر إلى علي بن أبي طالب»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 75):
نعترف بصحّة مضمون هذه الرواية والتأكيد فيها على اتّصاف عليّ بصفات الأنبياء، وهو غير بعيدٍ في شأنه، بل هو قليلٌ في شأنه.
إحسان إلهي ظهير:
وحينما كان علي وأولاده على هذه المنزلة -كما أوحى إليهم الشيطان- فما كان لهم ألا يجعلوهم ملاك الأرض والآخرة أيضاً. وفعلاً جعلوا لهم هذا كما روى الكليني في صحيحه تحت باب (إن الأرض كلها للإمام) عن أبي عبد الله أنه قال: «إن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشأ»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 76):
نعترف بصحّة هذه الأخبار كلّها في المعنى، وفيها إشارةٌ إلى واقع أرواح أهل البيت وأنوارهم العليا التي أعطاها الله سبحانه ما شاء من علمه وقدرته، وهم خير الخلق على الإطلاق.
إحسان إلهي ظهير:
وروى أيضاً عن عبد الرحمن بن كثير عن جعفر بن الباقر أنه قال: «نحن ولاة أمر الله، وخزنة علم الله، وعيبة وحي الله»( ).
وعن الباقر أنه قال: «نحن خزان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الأرض» ( ).
ولرفعهم فوق البشرية اختلقوا فيهم روايات باطلة، وقصصاً كاذبة، وأساطير مضحكة، حتى لا يبقى بينهم وبين الألوهية أي فرق، ومنها ما رواها الجزائري عن البرسي بقوله: «روى البرسي في كتابه لما وصف وقعة خيبر، وأن الفتح فيها كان على يد علي، إن جبرئيل جاء إلى رسول الله مستبشراً بعد قتل مرحب، فسأله النبي عن استبشاره، فقال: يا رسول الله إن علياً لما رفع السيف ليضرب به مرحباً، أمر الله سبحانه إسرافيل وميكائيل أن يقبضا عضده في الهواء حتى لا يضرب بكل قوته، ومع هذا قسمه نصفين وكذا ما عليه من الحديد وكذا فرسه ووصل السيف إلى طبقات الأرض، فقال لي الله سبحانه يا جبرئيل بادر إلى تحت الأرض، وامنع سيف علي عن الوصول إلى ثور الأرض حتى لا تنقلب الأرض، فمضيت فأمسكته، فكان على جناحي أثقل من مدائن قوم لوط، وهي سبع مدائن، قلعتها من الأرض السابعة، ورفعتها فوق ريشة واحدة من جناحي إلى قرب السماء، وبقيت منتظراً الأمر إلى وقت السحر حتى أمرني الله بقلبها، فما وجدت لها ثقلاً كثقل سيف علي… وفي ذلك اليوم أيضاً لما فتح الحصن وأسروا نسائهم كانت فيهم صفية بنت ملك الحصن فأتت النبي وفي وجهها أثر شجة، فسألها النبي عنها، فقالت أن علياً لما أتى الحصن وتعسر عليه أخذه أتى إلى برج من بروجه، فهزه فاهتز الحصن كله وكل من كان فوق مرتفع سقط منه، وأنا كنت جالسة فوق سريري فهويت من عليه فأصابني السرير، فقال لها النبي يا صفية إن علياً لما غضب وهز الحصن غضب الله لغضب علي فزلزل السماوات كلها حتى خافت الملائكة ووقعوا على وجوههم، وكفى به شجاعة ربانية، وأما باب خيبر فقد كان أربعون رجلاً يتعاونون على سده وقت الليل ولما دخل (علي) الحصن طار ترسه من يده من كثرة الضرب، فقلع الباب وكان في يده بمنزلة الترس يقاتل وهو في يده حتى فتح الله عليه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 77):
هذه الرواية وإن لم تكن بعيدةً عن شجاعة أمير المؤمنين جسديّاً ومعنويّاً إلَّا أنَّها على أيّ حالٍ ضعيفة السند، وهناك من المفكّرين الشيعة مَن يطعن بالبرسي( )، بصفته مائلاً إلى الغلوّ في أمير المؤمنين، مضافاً إلى أنَّها تحتوي على مضامين غير صحيحة كثور الأرض.
إحسان إلهي ظهير:
وهل يا ترى ينقصه بعد ذلك شيء من الألوهية، فهؤلاء هم القوم، وهذه عقائدهم، أعاذنا الله منها ومنهم، وصدق الله عز وجل حيث قال: يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ( ).

 

 

 

الباب الثاني
الشّيعة والقرآن

 


الشيعة والقرآن

السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 78):
من الأُطروحات والأفكار المعقولة التي لا ينبغي الاستشكال فيها نظريّاً حول القرآن الكريم أن نقول: إنَّ البشريّة عامّة والأُمّة الإسلاميّة خاصّة في تطوّرٍ مستمرٍّ لا ينقطع من الناحيتين العقليّة والروحيّة، لا يستثنى من ذلك إلَّا أفرادٌ قلائل قد يسبقون المستوى العامّ في التطوّر.
والمهمّ أنَّ كلّ مستوى من التطوّر يناسبه مستوى معيّنٌ من الوضع والتشريع والتعليم، وهذا ما يعلمه الله سبحانه وتعالى في خلقه، وأمّا نحن فقد نحدّد بعضه وقد لا نحدّد شيئاً منه.
وأمّا إذا أُعطي أيّ مستوى من المستويات أكثر ممّا يناسبه من التشريع والتعليم، كان ذلك خلاف الحكمة والمصلحة، وثقل جدّاً من الناحية الروحيّة والعقليّة على الجيل الذي يفترض إعطاؤه له، وقد يحصل في هذا الجيل مضاعفات غير محمودةٍ في عقله أو دينه أو روحيّاته، ومن هنا ورد قوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا( ). وهذا هو الديدن العامّ للتبليغ الإلهيّ على مدى العصور.
حيث نعلم أنَّ الأُمّة المسلمة كسائر البشريّة متطوّرة باستمرار، وأنَّها تحتاج في كلِّ طور إلى شكلٍ من إشكال التعليم مغايرٍ لسابقه نسبيّاً.
إذن، فمن المستطاع القول إنَّ هناك شيئاً أو عدداً من الحِكَم الربانيّة النازلة على النبيّ، أو الآيات القرآنيّة التي لا تناسب إعلانها معجّلاً، بل تبقى محفوظةً في صدور خاصّة الخلق إلى حين استحقاق البشريّة لسماعها والعلم بها.
ومن هنا أعلنت بعض الآيات القرآنيّة -وهي التي تناسب مستوى العصر في صدر الإسلام وما بعده- وبقي عددٌ من الآيات القرآنيّة مؤجّلاً إلى عصرٍ آخر.
وهذا الاحتمال لا دليل على نفيه بل تثبته القواعد العامّة والاعتبار العقليّ، وتدعمه الروايات الدالّة على نقيصة القرآن الكريم، والتي يروي المؤلِّف قسماً منها، فإنَّها محمولةٌ على شيءٍ ممّا ذكرناه، سواءٌ كانت تتضمّن نقيصة ألفاظٍ قليلةٍ من بعض الآيات أو أجزاءٍ كثيرةٍ من القرآن الكريم.
وأمّا الزيادة في القرآن الكريم، فهي قطعيّة العدم وغير ممكنة لأيّ مخلوق؛ لأنَّ أيّ شيءٍ يحتمل زيادته فإنَّه سوف يظهر في السياق القرآني نشازاً قبيحاً، وحيث لا نجد نشازاً في القرآن بل هو متشابهٌ ومستوٍ تماماً، نعرف عدم الزيادة فيه.
ولعلّ أوضح دليل على ذلك ملاحظة الآيات والسور المنسوبة إلى القرآن زوراً، فإنَّها من الضعف والركاكة بحيث يبدو للناظر تماماً بأنَّها ليست من القرآن الكريم، سواءٌ من ذلك ما رواه العامّة كآية الرجم( )، أو رواه الخاصّة كسورة الولاية( ) وغيرها( ).
وهذا الحقل من التفكير وإن كان يعود إلى نقيصة القرآن، إلَّا أنَّ محلّ شاهدنا أنَّ مَن يريد الزيادة فسوف يتورّط في شيءٍ مماثل لهذا الكلام الركيك الذي لا يشبه القرآن الكريم، وسوف يظهر عواره سريعاً للناظرين.
غير أنَّه يبقى التساؤل عن مستوى العقليّة الشيعيّة التي نسبت إلى القرآن ما ليس فيه، ولا حاجة لنا الآن إلى الاعتذار عنهم بعد أن نعلم أنَّ عملهم باطلٌ في باطلٍ ومحرّمٌ في الشريعة.
هذا، ولا يخفانا أن نلاحظ: أنَّ السور المنسوبة إلى القرآن ليست مرويّةً عن المعصومين، وإنَّما هي موجودةٌ في الكتب الشيعيّة بدون روايةٍ( )، وإن وجدت لها روايةٌ فهي ضعيفةٌ ومرسلةٌ( )، بل قطعيّة العدم؛ لما قلناه من ظهور الركاكة فيها.
وعلى هذا الضوء فيما قلناه من النقيصة أو الزيادة نستطيع أن نناقش المؤلِّف.
فقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( ) الدالّ على الحفظ عن الزيادة والنقيصة معاً، فإن سلّمنا أنَّ المقصود بالذكر هو القرآن الكريم الذي هو أحد معانيه، نستطيع أن نقول إنَّ الحفظ عن الزيادة موجودٌ فعلاً لما أسلفناه فلا نكرّر.
وأمّا الحفظ عن النقيصة، فهو حفظ لكلِّ مستوىً بحسبه، فحفظ القرآن الموجود بين أيدينا والمعلن لنا يكون باستمرار إعلانه وعدم ضياعه.
وأمّا القرآن المؤجّل، فهو في ذاته إلى الآن غير موجودٍ بين الناس ليتمّ حفظه بينهم، وإنَّما هو موجودٌ في صدور خاصّة الخلق، فحفظه إنَّما يكون على المستوى الذي هو فيه( ).
وأمّا حفظ القرآن الكريم عن التقديم والتأخير في السور والآيات عن شكل النزول، فهذا قطعيّ الحصول فعلاً تأريخيّاً، ولم يتيسّر وجود هذا الحفظ، بل إنَّ المرويّ عن رسول الله أنَّه كان يتسبّب إلى مغايرة ترتيب الآيات عن شكل النزول، فكان عندما تنزل آيةٌ يقول ألحقوها بمحلِّ كذا، وفي سورة كذا( ).
وهذا يحتاج إلى التعليق بأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ الترتيب الموجود عندنا في القرآن مُعترَفٌ به من قبل المعصومين قطعاً، إمّا النبيّ، وإمّا مَن بعده( )، وهذا يكفي في حجّيّته بالنسبة لنا.
الأمر الثاني: أنَّنا ندرك أنَّ المعنى من حفظ القرآن هو حفظه كسببٍ لتعليم البشريّة وهدايتها، وهذا لا دخل له لترتيب النزول فيه، بل المهمّ بقاء ألفاظه وآياته الدالّة على المعاني المطلوبة، وهذا معناه أنَّ الوعد بالحفظ غير موعودٍ به من هذه الناحية، وغير منفّذٍ أيضاً.
وأمّا قوله تعالى: لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ( )، فإن قصدنا بالباطل الزيادة، فقد عرفنا عدمها، وإن قصدنا من الباطل التقديم والتأخير عن النزول، فقد عرفنا أنَّه ليس بباطل، وإن قصدنا منه النقيصة المتعمّدة من قبل المخلوقين، فهي أيضاً غير موجودة؛ لشمول كلتا الآيتين السابقة واللاحقة أعني: الوعد بالحفظ. وإن قصدنا من النقيصة نقيصة ما هو مؤجّلٌ من القرآن الكريم، فقد عرفنا أنَّ تأجيله ليس بباطلٍ أيضاً.
إحسان إلهي ظهير:
من أهم الخلافات التي تقع بين السنة والشيعة هو اعتقاد أهل السنة كجميع طوائف المسلمين بأن القرآن المجيد الذي أنزله الله على نبينا هو الكتاب الأخير المنزل من عند الله إلى الناس كافة وأنه لم يتغير ولم يتبدل وليس هذا فحسب بل إنه لن يتغير ولن يتحرف إلى أن تقوم الساعة، وهو الموجود بين دفتي المصاحف لأن الله قد ضمن حفظه وصيانته من أي تغيير وتحريف وحذف وزيادة على خلاف الكتب المنزلة القديمة، السالفة، من صحف إبراهيم وموسى، وزبور وإنجيل وغيرها، فإنها لم تسلم من الزيادة والنقصان بعد وفاة الرسل، ولكن القرآن أنزله سبحانه وتعالى وقال:  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( )وقال: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ( ) وقال:  لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ( ).
وإن عدم الإيمان بحفظ القرآن وصيانته يجر إلى إنكار القرآن وتعطيل الشريعة التي جاء بها رسول الله، لأنه حينذاك يحتمل في كل آية من آيات الكتاب الحكيم أنه وقع فيها تبديل وتحريف، وحين تقع الاحتمالات تبطل الاعتقادات والإيمانيات، لأن الإيمان لا يكون إلا باليقينيات وأما بالظنيات. والمحتملات فلا.
وأما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس، والمحفوظ من قبل الله العظيم، مخالفين أهل السنة، والمذاهب الإسلامية، ومنكرين لجميع النصوص الصحيحة الواردة في القرآن والسنة، ومعارضين كل ما يدل عليه العقل والمشاهدة، مكابرين للحق وتاركين للصواب.
فهذا هو الاختلاف الحقيقي الأساسي بين السنة والشيعة، أو بالتعبير الصحيح بين المسلمين والشيعة( ). لأنه لا يكون الإنسان مسلماً إلا باعتقاده أن القرآن هو الذي بلّغه رسول الله إلى الناس كافة بأمر من الله عز وجل. وإنكار القرآن ليس إلا تكذيباً بالرسول.
وها هي النصوص التي تدل على عقيدة الشيعة بالقرآن، فيروي المحدث الشيعي الكبير الكليني الذي هو بمنزلة الإمام البخاري عند المسلمين. في (الكافي في الأصول): «عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله قال: إن القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمد سبعة عشر آلف آية»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 79):
هذا الحديث محمولٌ على القرآن المؤجّل.
إحسان إلهي ظهير:
والمعروف أن آيات القرآن لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلاً، وقد ذكر المفسر الشيعي أبو علي الطبرسي في تفسيره تحت آية من سورة الدهر «جميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية»( ).
ومعنى هذا أن الشيعة فقد عندهم ثلثا القرآن، وتنص على هذا رواية الكافي أيضاً «عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله فقلت: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، أهاهنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله ستراً بينه وبين بيت آخر، فاطلع فيه ثم قال: سل عما بدا لك، قال: قلت إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله علّم علياً باباً يفتح منه ألف باب؟ قال فقال: علّم رسول الله علياً ألف باب يفتح من كل باب ألف باب، قال قلت: هذا والله العلم، قال فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك، قال: يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله، وإملائه من فلق فيه، وخطّ علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إلي، فقال لي: تأذن يا أبا محمد؟ قال قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب، قال قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال قلت: وما الجفر؟ قال وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال قلت: إن هذا هو العلم، قال إنه لعلم وليس بذاك…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 80):
هذا الحديث نعترفُ بصحّة مضمونه، وهو خاصٌّ بالمعصومين وليس غريباً عنهم.
إحسان إلهي ظهير:
…ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال قلت: وما مصحف فاطمة؟: قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد»… الخ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 81):
بالنسبة إلى تعرّضه إلى مصحف فاطمة سلام الله عليها ففيه عدّة احتمالاتٍ يمكن أن ندركها:
أوّلاً: يمكن حمله على النظريّة التي قلناها في القرآن المؤجّل.
ثانياً: يمكن أن تكون الزيادات من قبيل الشروح وليست من متن القرآن.
ثالثاً: كما يمكن أن يكون لبعض الأجيال الآتية قرآن خاصّ بهم مؤجّلٌ إلى حين وجودهم، كذلك يمكن أن يكون للمعصومين سلام الله عليهم من كلام الله ما يخصّ مستواهم العالي ولا يصل إلى غيرهم.
رابعاً: كما يمكن أن يكون مصحف فاطمة مؤوّلاً بالفهم المعمّق والموسّع للقرآن الكريم حسب مستوى المعصومين أنفسهم- الذين بيديهم علم الكتاب كلّه- فإنَّ القرآن الكريم يمكن أن يُفهم من كلِّ مستوىً من المستويات العقليّة والروحيّة بشكلٍ يختلف عن الآخر، فإذا وصل المستوى إلى أعلى المستويات- كما في المعصومين- أصبح فهمهم للقرآن الكريم لا يشبهه فهمٌ آخر.
إحسان إلهي ظهير:
فبصرف النظر عما فيها من السخافات والخرافات والأباطيل التي تبتنى عليها عقائد الشيعة صرح في هذه الرواية أن ثلاثة أرباع القرآن قد حذف وأسقط من المصحف الموجود، المعتمد عليه عند المسلمين قاطبة سوى الشيعة…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 82):
هذا الكلام وما بعده من المؤلِّف لا حجّيّة فيه.
إحسان إلهي ظهير:
… فماذا يقول الشيعة المتظاهرون بالإنكار على من قال بالتحريف في القرآن – تقية وخداعاً للمسلمين – ماذا يقولون في هاتين الروايتين اللتين يرويهما محمد بن يعقوب الكليني، الذي له لقاء مع سفراء صاحب الأمر (المهدي المزعوم) في كتابه (الكافي) الذي عرض بوساطة السفراء على (صاحب الأمر) ونال رضاه، ووجد زمان الغيبوبة الصغرى؟
ماذا يقولون في هذا وماذا يقول فيه المنصفون من الناس؟
من المجرم أيها السادة العلماء والفضلاء! ومن صاحب الجريمة؟
الذي يرتكب الجريمة ويكتسب العار، أو الذي يدل على الجريمة أنها أرتكبت، وعلى الفضيحة بأنها أكتسبت؟ والرواية ليست واحدة وثنتين بل هناك روايات وأحاديث عن الشيعة تدل وتخبر بأن القرآن عندهم غير محفوظ من التغيير والتبديل، وليس هذا القرآن الموجود قرآن الشيعة، بل هذا القرآن عندهم مختلق بعضه ومحرف بعضه، فانظر ما يرويه الشيعة عن أبي جعفر فيقول صاحب (بصائر الدرجات): «حدثنا علي بن محمد عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داوود عن يحيى بن أديم عن شريك عن جابر قال: قال أبو جعفر: دعا رسول الله أصحابه بمنى فقال: يا أيها الناس إني تارك فيكم حرمات الله، كتاب الله وعترتي والكعبة، البيت الحرام، ثم قال أبو جعفر: أما كتاب الله فحرفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فقتّلوا، وكل ودايع الله فقد تبروا»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 83):
كلّ ما ذكره هذا الحديث الشريف قد حصل فعلاً، أمّا تحريف القرآن الكريم فبتحريف معناه وحمله على المحامل الباطلة( )، وأمّا هدم الكعبة وقتل العترة فهو أمرٌ تأريخيّ قائم( ).
إحسان إلهي ظهير:
وهل هناك أكثر من هذا؟ نعم هناك أكثر من هذا وأصرح وهو ما يرويه الكليني في الكافي «أن أبا الحسين موسى كتب إلى علي بن سويد وهو في السجن: ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، وهل تدري ما خانوا أماناتهم؟ ائتمنوا على كتاب الله، فحرفوه وبدلوه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 84):
التحريف هنا كسابقه محمولٌ على تحريف المعنى، ولا ضرورة لنا إلى حمله على تحريف اللّفظ؛ لأنَّنا عرفنا أنَّ الزيادة والنقيصة المتعمّدتين قد تَمَّ البرهان على عدمهما.
إحسان إلهي ظهير:
ومثل هذه الرواية، رواية أبي بصير كما رواها الكليني «عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال قلت له: قول الله عز وجل: هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالحَقِّ( ) قال فقال: إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله هو الناطق بالكتاب قال الله جلّ ذكره: هذا كتابنا ينطق (بصيغة المجهول) عليكم بالحق، قال: قلت جعلت فداك، إنا لا نقرأها هكذا، فقال: هكذا والله نزل به جبرئيل على محمد ولكنه فيما حرف من كتاب الله»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 85):
هذه الرواية لعلّها ضعيفة السند( )، ومن الممكن القول أنَّها ضعيفة المعنى أيضاً؛ لأنَّ القرآن الكريم ناطق فعلاً بآياته، وهذا معنىً مجازيٌّ جليلٌ؛ فقوله في الرواية: «إنَّ الكتاب لم ينطق ولن ينطق» لا يخلو من مناقشة، ومهما يكن من أمر فليس لنا إلَّا إيكال مضمونها إلى أهله.
إحسان إلهي ظهير:
ويروي صدوق الشيعة ابن بابويه القمي في كتابه «حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي قال حدثنا عبد الله بن بشر قال حدثنا الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف: يا رب حرقوني ومزقوني» الخ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 86):
قوله: «يا ربّ حرّقوني ومزّقوني»، فإن كان المراد منه الحرق بنقطتين بإزاء التمزيق، فقد حصل فعلاً أكثر من مرّة( )، وإن كان المراد التحريف بنقطةٍ واحدة، فقد سبق أن قلنا أنَّه محمول على التحريف في الفهم وبيان الاستدلال على الآراء الباطلة بآيات القرآن الكريم، ولا يمكن حمله على الزيادة والنقيصة المتعمّدة.
إحسان إلهي ظهير:
وينقل المفسر الشيعي المعروف الشيخ محسن الكاشي عن المفسر الكبير الذي هو من مشائخ المفسرين عند الشيعة: «أنه ذكر في تفسيره عن أبي جعفر قال: لولا أنه زِيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقنا على ذي حجي – ولو قد قام قائمنا صدقه القرآن»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 87):
هذا الخبر لا حجّيّة فيه سنداً( )، وقلنا: إنَّ الزيادة والنقيصة المتعمّدة غير موجودةٍ برهاناً. وأمّا إذا أُريد من النقيصة ما قلناه من فكرة القرآن المؤجّل، فهذا ليس موكولاً إلى ذنب أحد، وإنَّما حاصلٌ بمشيئة الله وفعل المعصومين، إلَّا أنَّه مع ذلك تبقى الزيادة المذكورة بلا تفسير.
من حرّف القرآن وغيّره؟
إحسان إلهي ظهير:
وأصرح من ذلك كله ما رواه الطبرسي في كتابه (الاحتجاج) المعتمد عليه عند جميع الشيعة ما يدل على اعتقاد الشيعة حول القرآن…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 88):
قلنا فيما سبق: إنَّ أكثر روايات (الاحتجاج)( )، بل كلّها مرسلة، فلا تكون حجّة من الناحيتين الفقهيّة والتاريخيّة، وإنَّما تفيد فقط للتبرّك بها والاتّعاظ بها؛ فإنَّ ذلك لا يحتاج إلى سند.
إحسان إلهي ظهير:
… وما يكنونه من الحقد على عظماء الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين (رضي الله عنهم) وأرضاهم عنه فيقول المحدث الشيعي: «وفي رواية أبي ذر الغفاري أنه لما توفي رسول الله، جمع علي القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار، وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي! اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علي وانصرف، ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئاً للقرآن، فقال له عمر: إن علياً جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 89):
هذا دليلٌ واضحٌ على أنَّ الزيادات الموجودة ليست من نصِّ القرآن، بل هي مثل الشرح والتفسير له وتطبيقه على موارده؛ فإنَّنا نعلم بوضوحٍ أنَّه ليس من شأن القرآن الكريم التعرّض إلى التفاصيل الجزئيّة وإنَّما يقتصر على القواعد العامّة.
إحسان إلهي ظهير:
وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه من فضيحة وهتك المهاجرين والأنصار…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 90):
هذا لا يخلو من إشكال؛ لأنَّ المفروض أنَّ القرآن الذي فيه الزيادات و(الهتك) غير موجودٍ عندهم، فكيف يأخذونه وينقصون منه؟ والقرآن الموجود عندهم ليس فيه (هتكٌ)؛ بدليل ما تقول الرواية( ) من أنَّهم تعجّبوا من هذه الزيادات واعترضوا عليها، ولعلّ الاطمئنان قائمٌ على أنَّهم لا يستطيعون حتّى أن ينقصوا من القرآن الموجود عندهم لأمرين:
أحدهما: أنَّ القرآن كان محفوظاً ومكتوباً عند المئات من الناس في زمن رسول الله وما بعده، فإذا أنقصوا منه ظهر قبح فعلهم للناس.
ثانيهما: أنَّه يُؤثّر على السياق، فتكون العبارة ركيكةً بعد النقيصة، الأمر الذي يفضح فعلهم تجاه الآخرين الموجودين يومئذٍ.
إحسان إلهي ظهير:
… فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟ – قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما حيلة دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك – فلما استخلف عمر، سألوا علياً أن يرفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال عمر: يا أبا الحسن! إن جئت بالقرآن الذي كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ( ) أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟ فقال: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه»( ).
فأين المنصفون؟ وأين العادلون؟ وأين القائلون بالحق والصدق؟ فإن كان عمر هكذا كما يزعمه الشيعة، فمن يكون أميناً، صادقاً، محافظاً على القرآن والسنة من صحابة الرسول.
فماذا يقول فيه دعاة التقريب من الشيعة في بلاد السنة؟
وماذا يقول فيه المتشدقون بوحدة الأمة واتحادها؟ أتكون الوحدة على حساب عمر وأصحاب رسول الله البررة، الأمناء على تبليغ الرسالة، رسالة رسول الله، الأمين، والناشرين لدعوته، والرافعين لكلمته، والمجاهدين في سبيل الله، والعاملين لأجله؟
وهل من أهل السنة واحد يعتقد ويظن في علي وأولاده ما يعتقده الشيعة في زعماء الملة، الحنيفية، البيضاء، وخلفائه الراشدين الثلاثة، أبي بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم أجمعين) ومن والاهم وتبعهم إلى يوم الدين، فما معنى لهذا الشعار (أيها المسلمون)! وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ( ).
هل يقصد به أن نترك عقائدنا ونغمض عن أعراض أسلافنا التي تنتهك من قبل (إخواننا) الشيعة، ونصفح عن جراحات أكلت قلوبنا وأقلقت مضاجعنا.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 91):
قلنا إنَّ المقصود من الوحدة الإسلاميّة هو الاتّحاد تجاه الهدف المشترك مع التغاضي عن الخلافات السابقة، وليس معناه دخول أحد في مذهب الآخرين، إلَّا أن يُريد ربّي شيئاً، كشيءٍ استثنائيٍّ لو صحّ التعبير.
إحسان إلهي ظهير:
أهذه هي دعوة التقريب بين الشيعة وأهل السنة بأن نكرمكم وتهينونا، ونعظمكم وتذلونا، ونسكت عنكم وتسبّونا، ونحترم أسلافكم وتحتقروا أسلافنا، ونحتاط في أكابركم وتخوضوا في أكابرنا، ونتجنب الكلام في علي وأولاده وتشتموا أبا بكر وعمر وعثمان وأولادهم؟ فوربك تلك إذاً قسمة ضيزى.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 92):
هذا الجدل والشتم حصل من قبل الطرفين في عدد من الأجيال خلال التاريخ، وهو أمرٌ مؤسفٌ وليس فقط خاصّاً بالشيعة، كلّ ما في الأمر أنَّ قادة الشيعة لا مجال للطعن فيهم، بل المسلمون مجمعون على احترامهم وتقديسهم، وليس كذلك قادة الآخرين.
إحسان إلهي ظهير:
ومثل تلك الرواية المكذوبة على الأئمة التي رواها الطبرسي في (الاحتجاج) توجد رواية أخرى في بخاريهم (الكافي) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «رفع إليّ أبو الحسن مصحفاً وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا( ) فوجدت فيها سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، قال: فبعث إلي ابعث إليّ بالمصحف»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 93):
هذا دليلٌ آخر واضحٌ على أنَّ الزيادات ليس من نصّ القرآن الكريم؛ لوضوح عدم انسجام هذا الأُسلوب معه.
إحسان إلهي ظهير:
وذكر كمال الدين ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة مطاعن الشيعة على ذي النورين، عثمان بن عفان وفيها «أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة وأحرق المصاحف، وأبطل ما لا شك أنه من القرآن المنزل»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 94):
هذا الكلام من قول البحراني( ) وليس روايةً، فهو الذي يكون مسؤولاً عن كلامه، وليس بحجّةٍ على غيره.
إحسان إلهي ظهير:
وقال السيد نعمة الله الحسيني في كتابه (الأنوار): «قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين»( ).
ويؤيد هذه الرواية ذلك الحديث الشيعي المشهور، الذي رواه محمد بن يعقوب الكليني عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر يقول: «ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 95):
قوله: (كما أُنزل) معناه أحد أُمورٍ سبق أن حملنا فكرةً عنها:
الأوّل: القرآن المؤجّل.
الثاني: الفهم المعمّق.
الثالث: الشروح المضافة إلى القرآن.
فإنَّها أيضاً مُنزَلَةٌ من الله لا على أساس أنَّها من نصِّ القرآن.
من عنده المصحف؟
إحسان إلهي ظهير:
فأين ذلك المصحف الذي أنزله الله على محمد والذي جمعه وحفظه علي بن أبي طالب؟ – يجيب على ذلك الحديث الشيعي الذي يرويه أيضاً الكليني «عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله - وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأه الناس، فقال أبو عبد الله: كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حدة، وأخرج المصحف الذي كتبه علي، وقال: أخرجه علي إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد، قد جمعته من اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً إنما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 96):
هذا الخبر نعترفُ بصحّة مضمونه ولا إشكال فيه، وقد حملنا فكرةً كافيةً عن بعض تفاصيله.
إحسان إلهي ظهير:
فلأجل ذلك يعتقد الشيعة أن مهديهم المزعوم الذي دخل في السرداب ولم يزل هناك، دخل ومعه ذلك المصحف ويخرجه عند خروجه من ذلك السرداب الموهوم…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 97):
برهنّا في موسوعة الإمام المهديّ: أنَّه لا ارتباط للسرداب بالغيبة، وأنَّه لا يوجد قائل من الشيعة بأنَّه غاب في السرداب، فضلاً عن أنَّه لا يزال هناك. والتفاصيل في هذا المجال كثيرةٌ، يراجع فيها (تاريخ الغيبة الصغرى)( ).
إحسان إلهي ظهير:
كما يذكر شيخ الشيعة أبو منصور أحمد بن أبي طالب الطبرسي المتوفي سنة 588هـ‍ في كتابه (الاحتجاج على أهل اللجاج) الذي قال عنه في مقدمته معرفاً للروايات التي سرد فيه «ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتاب بين المخالف والموالف»( ).
يذكر في هذا الكتاب: أن الإمام المهدي المزعوم حينما يظهر: يكون عنده سلاح رسول الله، وسيفه ذو الفقار -ولا أدري ماذا يفعل بهذا السلاح في زمن الصواريخ والقنابل الذرية- بالله خبروا؟…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 98):
هذا الكلام من المؤلِّف فيه احتقارٌ واضحٌ لسلاح رسول الله وذي الفقار، فويلٌ له، وقد ذكرنا في كتابنا (تاريخ ما بعد الظهور)( ) عدّة أُطروحاتٍ ممكنةٍ لسيطرة الإمام المهديّ على العالم عند ظهوره، من أوضحها قيام حربٍ عالميّةٍ مدمّرةٍ قبل الظهور، تكون سبباً لفناء الأسلحة والمعدّات الحربيّة الضخمة، وسبباً لموت القادة المخطّطين في العالم، وسبباً لذلّة الدول التي كانت كبرى قبل قيام تلك الحرب، إلى غير ذلك من النتائج. وهناك أُطروحات أُخرى لا حاجة إلى التطويل بها هنا.
إحسان إلهي ظهير:
… وتكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً، فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر، وهو إهاب كبش فيه جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 99):
هذا الكلام في (الاحتجاج) لا يبدوا أنَّه روايةٌ، بل هو من ذكر المؤلِّف نفسه، ولكنّه نقل عن مضمون الروايات، وكونه في (إهاب كبش) لابدَّ من إيكال علمه إلى أهله؛ فإنَّ المعاني قد لا تكون منحصرة بالمعاني الظاهرة على أيِّ حالٍ.
إحسان إلهي ظهير:
وقد مر ذكره قبل ذلك أيضاً حيث قال علي فيما يزعمون «إذا قام القائم من ولدي».
وورد أيضاً في الكافي ما رواه الكليني بسنده «عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن قال قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا، أقرؤها كما تعلمتم فيجيئكم من يعلمكم»( ).
ومثل هذه الرواية يذكرها السيد نعمت الله الحسيني الجزائري المحدث الشيعي وهو تلميذ لعلامة الشيعة محسن الكاشي مؤلف التفسير الشيعي المعروف بالصافي، يذكرها في كتابه (الأنوار النعمانية في بيان معرفة نشأة الإنسانية) الذي أكمل تسويده في شهر رمضان سنة 1089هـ‍ والذي قال عنه في مقدمته (وقد التزمنا أن لا نذكر فيه إلا ما أخذنا عن أرباب العصمة الطاهرين، وما صح عندنا من كتب الناقلين، فإن كتب التاريخ أكثرها قد نقله الجمهور من تواريخ اليهود ولهذا كان أكثر فيها الأكاذيب الفاسدة والحكايات الباردة)( ).
فيقول المحدث الشيعي الجزائري في هذا الكتاب «قد ورد في الأخبار أنهم (أي الأئمة) أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين، فيقرأ ويعمل بأحكامه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 100):
قوله: (يرتفع إلى السماء) يبدو أنَّ ذلك من فهم الجزائري الذي ينقل مضمون الروايات بالمعنى لا بالنصّ، ولم نجد ذلك على أيّ حالٍ في أيّة روايةٍ، ولعلّ الموجود هو قولهم (يرتفع)، أي: يكون ملغيّاً ومعرضاً عنه.
أو قل: إنَّ حجّيته مرتفعة، أي: ساقطة وملغيّة أو حكمه مرتفعٌ ومحذوفٌ، وليس معنى ارتفاعه صعوده إلى السماء، وإلَّا فمن الواضح أنَّ القرآن الآن مطبوعٌ بملايين النسخ، فهل ترتفع كلّها إلى السماء.
أقول: قد عرفنا أنَّ قوله (إلى السماء) من فهم الجزائري وغير موجود في الروايات.
إحسان إلهي ظهير:
فهذه هي عقيدة الشيعة كاد أن يتفق عليها أسلافهم سوى رجال معدودين لا عبرة بهم، وهم ما أنكروا هذه العقيدة إلا لأهداف سنذكرها فيما بعد.
وأيضاً إنكارهم ليس بقائم على دليل ولا برهان لأنهم لم يستطيعوا أن يردوا هذه الأخبار والأحاديث المستفيضة عند الشيعة كما يذكر العلامة الشيعي حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في كتابه المشهور (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 101):
حول كتاب (فصل الخطاب)( ) لنا كلمةٌ أو (أُطروحة) محتملة( ) وهي: أنَّه لا شكّ أنَّ التخطيط الاستعماريّ ليس وليد السنين المتأخّرة، بل هو قديمٌ منذ ما يسمّى بـ(عصر النهضة) في أوربّا، بل منذ الحروب الصليبيّة وإلى العصر الحاضر، فقد كانوا وما زالوا يكيدون لنا بمختلف الأساليب والمؤامرات. فقد يحصل من ضمن ذلك: أن يدسّوا إلى بعض العلماء أشخاصاً يحسبهم العلماء ثقات؛ لكي يؤلِّفوا في أفكار معيّنة يكون إعلانها والتركيز عليها محلّ فائدة للاستعمار في نهاية المطاف.
ومن الراجح جدّاً أنَّ كتاب (فصل الخطاب) قد مرّ بمثل هذه المؤامرة، وهذا ليس معناه أنَّ مؤلِّفه (عميلٌ)، بل معناه أنَّهم قد دسّوا إليه مَن يثق بهم لكي يؤلِّف في موضوعات (شيعيّة)؛ لكي تكون سبباً لإثارة الحقد بين المسلمين، ومن ثمَّ التفرقة بينهم وعدم شعورهم بأهمّيّة الهدف الإسلامي المشترك، ومن ثَمَّ يبتعدون عن محاربة الغرب الظالم.
ولا يخفى أنَّ وصوله إلى مؤلِّفٍ سنّي مثل هذا الذي نتحدّث عنه من المصالح المهمّة للاستعمار؛ لكي يكون ذلك سبباً للذمّ والتشنيع. فرحم الله الحاجّ النوري الذي لا يعلم بسوء استغلاله من قبل الاستعمار.
إحسان إلهي ظهير:
… ناقلاً عن السيد نعمة الله الجزائري «أن الأخبار الدالة على ذلك (أي على التحريف في الكتاب الحكيم) تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الدماد، والعلامة المجلسي وغيرهم»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 102):
هذا وما بعده من رأي الحاجّ النوري- إن صحّ نقل المؤلِّف عنه- وقد عرفنا أنَّ أكثر الأخبار المشار إليها إمّا ضعيفة السند وإمّا قابلةٌ لفهمٍ مناسبٍ، مثل تحريف المعنى، وإمّا مخالفةٌ للبرهان القطعيّ الذي عرفنا به عدم إمكان الزيادة والنقيصة المتعمّدة فلا تكون حجّةً، والاستفاضة لا تقتضي أكثر من ثبوت أخصّ المداليل بها، فيكفي أن يكون هو التحريف في المعنى أو شيئاً من هذا القبيل، ولا يثبت بالاستفاضة مضمون الجميع أو جميع المضامين، كما هو ثابتٌ في علم الأُصول( ).
على أنَّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ العبارة المنقولة هنا عن (فصل الخطاب) ليست صريحةً بذلك، بعد أن نلتفت إلى أنَّ ما جعله المؤلِّف بين قوسين هو من كلامه لا من كلام (فصل الخطاب). ومعه من المحتمل أن يكون المراد به شيئاً آخر، وإنَّما ذكره المؤلِّف هنا للدسّ.
إحسان إلهي ظهير:
ونقل أيضاً عن الجزائري «أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 103):
هذه العبارة من الجزائري -إن صحّ نقلها- يأتي فيها جميع ما قلناه في التعليقة السابقة فراجع.
إحسان إلهي ظهير:
وذكر مثل هذا المفسر الشيعي المعروف محسن الكاشي حيث قال: «المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير، محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة… وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 104):
قوله: (ليس بتمامه…)، هذا يعني النقيصة، وهو يمكن تطبيقه على (القرآن المؤجّل) الذي قلناه، فلا إشكال فيه.
وأمّا قوله: (بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله…)( )، فهذا يعني الزيادة، وقد برهنّا على عدمها قطعاً، ونتحدّى أيّ شخصٍ أن يُثبت من الأخبار المعتبرة ما يكون حجّةً في إثبات الزيادة أو يذكر بعض الكلمات التي هي زيادةٌ في القرآن الكريم.
وقوله: (ليس على الترتيب… الخ)( )، هذا قطعيّ العدم؛ لأنَّ القرآن بهذا الترتيب الموجود معتَرَفٌ به من قبل الأئمّة، سواءٌ كان كذلك عند رسول الله أو لم يكن، فهو حجّةٌ على أيّ حال.
ومن المعلوم عندنا أنَّ رضاء الأئمّة رضاء رسول الله.
إحسان إلهي ظهير:
ويقول علي بن إبراهيم القمي أقدم المفسرين للشيعة، وقد قال فيه النجاشي (الرجالي المعروف): ثقة في الحديث ثبت، معتمد، صحيح المذهب وقد قيل في تفسيره (أنه في الحقيقة تفسير الصادقين ) قال هذا المفسر الشيعي في مقدمة تفسيره: «فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ، ومنه محكم ومنه متشابه… ومنه على خلاف ما أنزل الله»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 105):
ظهر من التعليقة السابقة وجه الإشكال في هذه العبارة فلا نكرّر، وهي على أيّ حالٍ رأيُ المفسّر-إن صحّ النقل عنه- وليست روايةً.
إحسان إلهي ظهير:
وقال عالم شيعي علق على تفسير القمي ذاكراً أقوال العلماء في تحريف القرآن: «ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين، المتقدمين منهم والمتأخرين، القول بالنقيصة…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 106):
قوله: (القول بالنقيصة)، هذا يمكن حمله على معنى (القرآن المؤجّل) الذي قلناه وقلنا أنَّ النقيصة المتعمّدة غير محتملة.
إحسان إلهي ظهير:
… كالكليني، والبرقي، والعياشي، والنعماني، وفرات بن إبراهيم، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي، والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة الفتوني، والسيد البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عليها»( ).
فتلك بعض الروايات والأحاديث المروية من أئمة الشيعة المنسوبة إلى المعصومين عندهم، الصحيحة النسبة والرواية حسب قولهم، المروية في صحاحهم، المعتمدة عندهم، وهذه بعض الآراء لأكابرهم في هذه المسألة، وهناك روايات لا تعد ولا تحصى حتى زادت على ألفي حديث ورواية كما ذكره الميرزا نوري الطبرسي – وبعد هذا لا يبقى مجال للشك بأن الشيعة يعتقدون التحريف في القرآن الحكيم الذي أنزله الله هدى ورحمة للمؤمنين، وللتفكر والتدبر للناس كافة، والذي قال فيه: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ( ). و لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ( ) و إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( )…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 107):
وما بعده قد ناقشنا المهمّ من هذه الآيات فلا نكرّر، مضافاً إلى أنَّ بعض ما ذكره من الآيات لا دلالة له على المقصود كما هو واضح لمَن يفكّر، فلا نطيل بها الكلام.
إحسان إلهي ظهير:
…و إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ( ) والر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ( ) ويَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ( ) ووَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ( ) ووَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا( ) وإِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ( ) و أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( ). وصدق الله العظيم إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ( ).
أمثلة التحريف
بعد ما أثبتنا من كتب الشيعة المعتمدة عندهم أنهم يعتقدون أن القرآن المبين محرّف، مغيّر فيه، نسرد للقارئ والباحث أمثلة من الكتب الشيعية، المعتبرة لديهم، في الحديث، والتفسير، والفقه، والعقائد، التي تنص على أن التحريف والتغيير قد وقع في القرآن المجيد، والروايات عن هذا أيضاً مروية عن الأئمة المعصومين حسب زعمهم، الواجب اتباعهم وإطاعتهم على كل شيعي، والتي لا غبار عليها من حيث الجرح والتعديل…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 108):
قوله: (والتي لا غبار عليها…)، عرفنا أنَّ أكثرها -بل لعلّها كلّها- غير خاليةٍ من الخدشة والإشكال في السند، ومن المعلوم أنَّ وثاقة مؤلِّف الكتاب كعليّ بن إبراهيم( ) لا يعني وثاقة كلّ الأخبار التي يذكرها في كتابه.
إحسان إلهي ظهير:
… فمنها ما رواه الشيعي علي بن إبراهيم القمي عن أبيه عن الحسين بن خالد في آية الكرسي «أن أبا الحسن موسى الرضا (أحد الأئمة الاثني عشر) قرأ آية الكرسي هكذا: (الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم)»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 109):
قوله: (قرأ آية الكرسي هكذا…).
أقول: قراءته لا تدلّ على أنَّ الزائد هو من القرآن، فقد يحلو للإنسان أن يركّب من عنده ذكراً لله عزّ وجلّ من عبارات من القرآن أو من الأدعية ونحو ذلك، [أي]: لا يقولها بقصد أنَّها كلّها قرآنٌ بالتتابع، بل هي شذراتٌ متفرّقةٌ من القرآن يجمعها في كلامه ولا إشكال فيه.
إحسان إلهي ظهير:
والمعلوم إن السطر الأخير لا يوجد في القرآن المجيد غير أن الشيعة يعتقدون أنه جزء لآية الكرسي.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 110):
قوله: (إنَّ الشيعة… الخ). عرفنا أنَّ هذا خبرٌ واحدٌ ضعيفٌ( )، بل حتّى لو كان حجّةً، فإنَّ الخبر الثقة إنَّما يكون حجّةٌ في إثبات الحكم الشرعي ولا يكون حجّةً في إثبات آيات القرآن، وهذا أمرٌ متسالمٌ عليه بين الفقهاء( ). فوجود مثل هذا الخبر في مصدرٍ شيعيّ لا يعني بأيّ حالٍ أنَّ الشيعة يعتقدون ذلك، بل قلنا إنَّ إقرار أئمّتنا للقرآن الموجود كافٍ في حجّيّته.
إحسان إلهي ظهير:
وذكر القمي آية لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ( ) فقال: فإنها قرأت عند أبي عبد الله صلوات الله عليه فقال لقاريها: ألستم عرباً؟ فكيف تكون المعقبات من بين يديه؟ وإنما العقب من خلفه، فقال الرجل: جعلت فداك كيف هذا؟ فقال نزلت: (له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله)( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 111):
يأتي في هذا الحديث أهمّ ما قلناه في التعليقة السابقة، مضافاً إلى أنَّ الآية (كما نزلت) واضحة الركاكة وعدم الملاءمة مع النصِّ القرآني، وهذا يدعم ما قلناه من أنَّ الزيادة تكون واضحة للعيان في سياق القرآن.
إحسان إلهي ظهير:
فها هنا شنّع أبو عبد الله جعفر -الإمام السادس لهم- على من يقرأ له معقبات من بين يديه ومن خلفه (ومن أمر الله) بدل بأمر الله، حتى قال: ألستم عرباً؟ – وهذا إن دلّ على شيء دلّ على أن أبا جعفر لا يعرف لغة العرب حسب رواية القمي، ومعناه أنه نفسه ليس بعربي حيث لم يفهم أن العرب يستعملون (المعقب) في معنيين (للذي يجيء عقب الآخر)، و (للذي يكرر المجيء)، ولم يستعمل المعقب ها هنا إلا في المعنى الأخير كما قال لبيد:
حتى تهجر في الرواح، وهاجه
طلب المعقب حقه المظلوم

أي كرر ورجع، وكما قال سلامة بن جندل:
إذا لم يصب في أول الغزو عقبا
أي غزا غزوة أخرى( )

وأيضاً لم يعلم بأن (من) في (من أمر الله) استعمل بمعنى (بأمر الله) حيث أن (من) يستعمل في معاني، منها معنى الباء، وهذا كثير في لغة العرب.
ونقل القمي أيضاً تحت قوله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا( ) أنه قرئ عند أبي عبد الله وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا  فقال: قد سألوا الله عظيماً أن يجعلهم للمتقين أئمة، فقيل له: كيف هذا يا ابن رسول الله؟ قال: إنما أنزل الله: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ).
وزاد الكاشي بعد ذكر هذه الرواية (وفي الجوامع ما يقرب منه) (تفسير الصافي) وذكر أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتابه (الاحتجاج) ونقل عنه الكاشي أيضاً: «أن رجلاً من الزنادقة سأل عن علي بن أبي طالب أسئلة فقال في جوابه مفسراً بعض الآيات»، أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة – وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره، ثم قال: وأما ظهورك على تناكر قوله: »فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء… فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن»( ).
وذكر الكليني في صحيحه الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل (ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي والأئمة بعده فقد فاز فوزاً عظيماً، هكذا نزلت)( ).
ويعرف الجميع أن «في ولاية علي والأئمة بعده» ليس من القرآن.
وذكر الكاشي في تفسيره تحت آية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ( )، وفي المجمع في قراءة أهل البيت – (يا أيها النبي جاهد الكفار بالمنافقين)( ).
وهناك رواية أغرب من هذه الروايات كلها وهي «عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله في قوله: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم فنسى، هكذا والله نزلت على محمد»…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 112):
هنا:
أوّلاً: صفحتان ناقصتان من تصوير الكتاب( ).
وثانياً: هذا الخبر يأتي فيه ما قلناه في التعليقتين السابقتين. مضافاً إلى أنَّ له وجهاً [في] الحمل على الصحّة، وهو أن نفهم منه الحمل على المعنى أو التفسير أو التأويل ونحو ذلك، لا النصّ اللّفظي.
إحسان إلهي ظهير:
… هكذا والله نزلت على محمد -كذب ورب الكعبة-( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 113):
قوله: (كذب وربّ الكعبة)، هذا نسبةٌ ذميمةٌ إلى الإمام الصادق، وهي تدلّ على كون المؤلِّف ناصباً العداء لأهل البيت، في حين أنَّ جمهور السنّة وعامّتهم لا يحملون لهم إلَّا الاحترام والتقديس. وليت شعري هل كان هذا الخبر قطعيّ الصحّة والنسبة إلى الإمام الصادق لتكذّبه. فلعلّه من كذب الراوي. فما هذه الجرأة القبيحة؟!
إحسان إلهي ظهير:
ويذكر القمي تحت آية  أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ( ) قال فقال جعفر بن محمد (أن تكون أئمة هي أزكى من أئمتكم، فقيل يا ابن رسول الله: نحن نقرؤها هي أربى من أمة، قال: ويحك ما أربى؟ وأومأ بيده بطرحها)( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 114):
هذا واضحٌ، أنَّها عبارةٌ مفسّرةٌ للقرآن الكريم، وليس المراد بها كونها نصّه، ولا يوجد في هذا الخبر ما يدلّ على ذلك بوضوح.
إحسان إلهي ظهير:
وهنالك روايات كثيرة غير تلك في صحاح الشيعة وغيرها من الكتب، سنذكر بعضها قريباً إن شاء الله في هذا المعنى تحت عنوان آخر.
لِمَ قالوا بالتّحريف؟
اعتقد الشيعة التحريف في القرآن لأغراض، منها:
أهمية الإمامة عندهم
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 115):
نعترف بأهمّيّة الإمامة وبالأخبار الواردة حولها إجمالاً.
إحسان إلهي ظهير:
أولاً: أن الشيعة يعتقدون أن مسألة الإمامة داخلة في المعتقدات الأساسية يكفر منكرها ويسلم معتقدها، فتتعلق بالإيمانيات كالإيمان بالله وبالرسول كما يروي الكليني في (الكافي) عن أبي الحسن العطار قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «أشرك بين الأوصياء والرسل في الطاعة» ( ).
وأصرح من هذا وأشد ما رواه الكليني أيضاً «عن أبي عبد الله سمعته يقول: نحن الذين فرض الله طاعتنا لا يسع الناس إلا معرفتنا ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكر كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة»( ).
وروى عن جابر قال: «سمعت أبا جعفر يقول: إنما يعرف الله عز وجل ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت، ومن لم يعرف الله عز وجل ولا يعرف الإمام منا أهل البيت، فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا، والله ضلالاً»( ).
وجعلوها كالصلاة والزكاة والصوم والحج فهذا محدثهم الكليني يروي في صحيحه (الكافي) عن أبي حمزة عن أبي جعفر، قال: «بني الإسلام على خمس، الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير»( ).
فانظر إلى كلمة (ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير) ومعناها أن الولاية أهم من الأربع الأُوَل…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 116):
نعترف بذلك ولا إشكال فيه.
إحسان إلهي ظهير:
… وقد صرح في رواية أخرى عند الكليني أيضاً كما ذكر «عن زرارة عن أبي جعفر قال: بني الإسلام على خمسة أشياء، على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة قلت وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل»( ).
فينشأ هنا سؤال في الذهن إذا كانت الولاية هكذا وبهذه المرتبة فكيف يمكن أن يكون للصلاة والزكاة ذكر في القرآن ولا يكون للولاية أي أثر فيه…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 117):
كثيرون مَن يعتبرون هذا السؤال صعباً ومعقّداً، ولعلّ من الشيعة من يكون كذلك أيضاً، ونحن وإن كنّا لم نطّلع على الحكمة الإلهيّة الواقعيّة، ولكنّنا نقدّم الجواب بحسب ما يمكن التوصّل إليه بعقولنا وفهمنا.
وأوضح جواب على ذلك هو ما ذكره بعض أساتذتنا( ) من أنَّ المصلحة من عدم التصريح الواضح بالولاية في القرآن الكريم هو الرحمة الإلهيّة بالمسلمين أنفسهم؛ وذلك لأنَّ القرآن لو كان قد صرّح بالولاية -كما صرّح بالتوحيد مثلاً- لكان منكره خارجاً عن الإسلام، ومكذّباً صريحاً للقرآن والنبيّ، الأمر الذي يجعله في جملة المشركين والكفّار النجسين، ومن هنا اقتضت المصلحة لعدم الصراحة بالولاية في القرآن الكريم؛ لنحصل على عدّة أهداف:
أوّلاً: التعايش فيما بين أفراد المذاهب بدون اعتبار أحدهم كافراً نجساً.
ثانياً: عدم التقاتل فيما بين المذاهب مادامت على ظاهر الإسلام.
ثالثاً: إمكان الاتّفاق والوحدة ضدّ الهدف المشترك( ).
رابعاً: إمكان اعتبار منكر الولاية نفسه مسلماً، ومن ثَمَّ إمكان معاملته كمسلم.
إلى غير ذلك من الأهداف. وهناك وجهٌ آخر مهمّ في تصوّر تلك الحكمة لا حاجة إلى ذكره الآن.
وأمّا قوله: (ولا يكون للولاية فيه أيّ أثر)، فهو زعمٌ باطل، هو يعلم بطلانه؛ فإنَّ الإشارة إلى نصِّ حديث الدار: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ( )، وإلى نصِّ حديث الغدير: بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ( ) موجودٌ في القرآن، مضافاً إلى آياتٍ أُخرى واضحةٍ في فضل عليّ ومرويّةٍ عن مصادر العامّة فضلاً عن الخاصّة، كحديث التصدّق بالخاتم( )، وحديث التفاخر ببناء الكعبة وسقايتها( )، وحديث المباهلة( )، وغيره كثير( ).
نعم، الولاية بلفظها غير موجودةٍ بالقرآن منسوبةً إلى عليّ بصراحة، وهذا هو الذي عرفنا جوابه.
إحسان إلهي ظهير:
… والولاية ليست فقط ركناً من أركان الإسلام وبناء من بناءاته بل هي مدار للإسلام وهذه هي المقصود من الميثاق الذي أخذ من النبيين كما يروي صاحب البصائر.
«حدثنا الحسن بن علي بن النعمان عن يحيى بن أبي زكريا بن عمرو الزيات قال: سمعت من أبي ومحمد بن سماعة عن فيض بن أبي شيبة عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي وأخذ عهد النبيين بولاية علي»( ).
فيا ترى! كيف يمكن عدم الذكر لهذا الميثاق والعهد في القرآن المجيد والفرقان الحميد؟ وليس هذا فحسب – بل هناك أكاذيب أكثر من هذا، فيقولون إن الولاية ليست فقط عهد النبيين وميثاقهم بل هي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض، فروى أيضاً في البصائر مسنداً «قال أمير المؤمنين: إن الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض، أقرّ بها من أقرّ، وأنكرها من أنكر، -وفرية كبيرة، نسأل الله الاستعاذة منها- أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقرّ بها»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 118):
هذا الخبر فيه عدّة تعليقات:
أوّلاً: أنَّه خبر واحد غير معتبر السند، فلا يكون حجّةً وحده.
ثانياً: أنَّه من الواضح: أنَّه ليس المراد تفسير الآية الكريمة؛ لأنَّه قال: «على أهل السماوات وأهل الأرض»، مع أنَّ الآية صريحة في عرضها على السماوات والأرض نفسيهما، بدلالة عطف الجبال عليها.
ثالثاً: أنَّ المعروض على السماوات والأرض ليس هو الولاية، بل الولاية أهمّ منه؛ لأنَّ كلّ هذه الأُمور خاضعة لها، فيكون قوله: وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا( ) غير صحيح. إذن، فالمعروض عليها مفهوم هو أقلّ من مفهوم الولاية، ومع ذلك فقد أشفقن منها، ولعلّنا نستطيع أن نفهم هذا المفهوم من القرآن نفسه، فإنَّه قال: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ( )، والأمانة تعني أمرين على الأقلّ:
الأوّل: الالتزام بالعهد السابق المعهود تجاه الله عزّ وجلّ بالإيمان به وبذل الطاعة له.
الثاني: كتم الأسرار الإلهيّة عن غير أهلها.
وأيّ من المعنيين أو كلاهما هو المقصود كان، فالإنسان زعم أنَّه يستطيع القيام به، ولكنّه كان ظلوماً جهولاً، كما في آخر الآية الكريمة. وأمّا السماوات والأرض فقد أشفقت منها وخافت من تحمّلها لما ترى من ثقلها المعنويّ عليها.
وينبغي أن نلتفت: أنَّ الآية ليست بصريحة [في] أنَّ السماوات والأرض ليست حاملة للأمانة، فقد تكون أشفقت منها وحملتها، وأمّا الإنسان فقد حملها بلا إشفاق؛ لأنَّه كان معتدّاً بنفسه وعقله، في حين كان مخطئاً في ذلك؛ إذ لا يتمّ له ما يطلب منه إلَّا بالتوفيق والتأييد الإلهيّ، ولا يكون ذلك إلَّا بصدق التوكّل على الله عزّ وجلّ.
رابعاً: قوله: (أنكرها يونس… الخ)( )، وهو من المضامين الباطلة بظاهرها، ولا يمكن الالتزام بصحّتها، والخبر ليس بحجّةٍ فيها، ولو كان حجّة على القاعدة، فإنَّه -هنا- ليس بحجّةٍ؛ لأنَّه لا يمكن أن يثبت الطعن بنبيٍّ معصوم، وكونه ليس بحجّةٍ إنَّما يعني كذب الراوي أو توهّمه لا كذب الإمام والعياذ بالله سبحانه.
إحسان إلهي ظهير:
فهذه هي الأمانة وقد اهتم بها الله سبحانه وتعالى فما بعث الله نبياً إلا بها كما يرويه صاحب البصائر أيضاً – عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي عبد الله أنه قال: «ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبياً قط إلا بها»( ).
ولم كان هذا الاهتمام فما كان إلا ليؤمن بها كل مؤمن وحتى الملائكة في السماء، فقد آمنوا فعلاً كما يدعون ويزعمون قال صاحب البصائر: «حدثنا أحمد بن محمد عن الحسن بن علي بن فضال عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي جعفر قال. قال: والله إن في السماء لسبعين صنفاً من الملائكة، لو اجتمع أهل الأرض أن يعدوا عدد صنف منهم ما عدوهم، وإنهم ليدينون بولايتنا»( ).
فهل من المعقول أن يكون الشيء بهذه الأهمية والحيثية ولا يذكره الله…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 119):
نعترف بصحّة المعنى في هذا الحديث الشريف.
إحسان إلهي ظهير:
… ولا يذكره الله في كلامه وخصوصاً حين لا يصح شيء من العبادات…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 120):
أجبنا عن ذلك فيما سبق فلا نعيد.
إحسان إلهي ظهير:
… والاعتقادات إلا بالاعتقاد بها، فها هو الكليني يروي عن جعفر الصادق أنه قال:
«أثافي( ) الإسلام ثلاثة، الصلاة والزكاة، والولاية، لا تصح الواحدة منهن إلا بصاحبتيها»( ).
وروي أيضاً عن محمد بن الفضل عن أبي الحسن قال: «ولاية علي مكتوبة في جميع صحف – الأنبياء – فضلاً عن القرآن – ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد ووصية علي»( ).
فلما وقعت هذه المشكلة لجأوا إلى حلها فزعموا أن القرآن محرف…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 121):
بحثنا تحريف القرآن، وهذا الاستنتاج منه صادرٌ عنه بصفته عدوّاً ناصباً فلا حجّيّة فيه.
إحسان إلهي ظهير:
… مغيّر فيه، حذف منه آيات كثيرة، وأسقطت منه كلما غير قليلة، حذفها أجلة الصحابة وأكابر الأمة الإسلامية حقداً على علي، وعناداً لأولاده، وضياعاً لتراث رسول الله.
أمثلة لذلك:
فمثلاً يروي محمد بن يعقوب الكليني عن جابر عن أبي جعفر قال: قلت له: لِمَ سمي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين؟ قال: الله سماه، وهكذا أنزل في كتابه (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وأن محمداً رسولي وأن علياً أمير المؤمنين)( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 122):
سبق أن تكلّمنا عن أمثال هذا الخبر.
إحسان إلهي ظهير:
ويعلم الجميع (أن محمداً رسولي وأن علياً أمير المؤمنين) ليس من كلام رب العالمين، وقد سوغ الشيعة هذه الفرية كذباً على الله إثباتاً لعقيدتهم الزائفة، الزائغة.
وروي أيضاً عن جابر قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد هكذا (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا في علي فأتوا بسورة من مثله)( ).
وروي عن أبي بصير عن أبي عبد الله في قوله تعالى (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية علي ليس له دافع، ثم قال: هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد)( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 123):
إنَّ هذا الخبر من أخبار النقيصة؛ لأنَّ الزيادة التي ذكرها غير موجودةٍ في القرآن المعروف، فيمكن أن يُحمل على القرآن المؤجّل الذي لا مجال لإعلانه الآن. ونزوله على محمّد بواسطة جبرائيل لا يعني أنَّه من القرآن المعلن فعلاً.
أقول: وكلّ الأخبار التي سردها المؤلِّف بعد ذلك يأتي فيها ما قلناه هنا، وفي بعض التعليقات السابقة، فلاحظ ولا نكرّر.
إحسان إلهي ظهير:
وروي عن أبي حمزة عن أبي جعفر قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا (فأبى أكثر الناس بولاية علي إلا كفوراً)، قال: ونزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: (وقل الحق من ربكم في ولاية علي فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين آل محمد ناراً)( ).
وعن جابر عن أبي جعفر قال هكذا نزلت هذه الآية (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به في علي لكان خيراً لهم)( ).
وعن منخل عن أبي عبد الله قال: نزل جبرئيل على محمد بهذه الآية هكذا: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا في علي نوراً مبيناً)( ).
وعن جابر عن أبي جعفر قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد هكذا (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغياً)( ).
ويذكر علي بن إبراهيم القمي في مقدمة تفسيره: «أنه طرأ على القرآن تغيير وتحريف ويقول: وأما ما كان خلاف ما أنزل الله فهو قوله تعالى: (خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) فقال أبو عبد الله لقارئ هذه الآية: خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسين بن علي؟ فقيل له: فكيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال: نزلت أنتم خير أئمة أخرجت للناس. -وقال-: وأما ما هو محذوف منه فهو قوله: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي كذا نزلت، وقوله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي)»( ).
وروى الكاشي في تفسيره الصافي عن العياشي في تفسيره «عن أبي عبد الله لو قرئ القرآن كما أنزل ألفينا فيه مُسَمَّين»( ).
وروى الكليني عن الحسين بن مياح عمن أخبره قال: «قرأ رجل عند أبي عبد الله وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فقال: ليس هكذا إنما هي و(المأمونون)، فنحن المأمونون»( ).
وروي أيضاً عن أبي جعفر قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم في ولاية علي، فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا بولاية علي فإن لله ما في السماوات والأرض)( ).
فهذه هي الروايات في الولاية ومثلها كثيرة وكثيرة في كتب حديثهم وتفسيرهم وغيرهما. وأما الرواية في الوصاية فهي كما يرويها الكليني: «عن معلى رفعه في قول الله عز وجل: فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ أبالنبي أم بالوصي، نزلت في الرحمن» ( ).
وهناك روايات أخرى في هذا المعنى.
فالمقصود أنهم يقولون بالتحريف في القرآن لأغراض منها إثبات مسألة الإمامة والولاية التي جعلوها أساس الدين وأصله كما نقلوا عن الرضا أنه قام خطيباً وقال: «إن الإمامة أس الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج»( ).
وهذا لا يستقيم إلا بادعاء التغيير والتبديل في القرآن حتى يتمكنوا من بناء هذه العقيدة الزائفة عليه.
ثانياً: إن الشيعة اعتقدوا التحريف في القرآن لغرض آخر ألا وهو إنكار فضل أصحاب رسول الله الكريم حيث يشهد القرآن على مقامهم السامي وشأنهم العالي، ومراتبهم الراقية، ودرجاتهم الرفيعة، إذ ذكر الله عز وجل المهاجرين والأنصار مادحاً أخلاقهم الكريمة، وسيرتهم الطيبة، وبشرهم بالجنة التي تجري تحتها الأنهار، وواعدهم وبخاصة خلفاء رسول الله الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً (رضي الله عنهم) بالتمكن في الأرض، والخلافة الربانية، الإلهية في عباده، ونشر الدين الإسلامي الصحيح الحنيف على أيديهم المباركة، الميمونة، في أقطار الأرض وأطرافها، ورفع راية الإسلام والمسلمين، وإعلاء كلمته، وتشريفه بعضهم بذكره مع رسول الله، وإنزال السكينة على رسوله وعلى إبي بكر في كلامه، الخالد، المخلد إلى الأبد، كما قال الله عز وجل في القرآن المجيد الذي أنزله على محمد، وأعطاه ضمان حفظه إلى يوم الدين، قال فيه مادحاً المهاجرين والأنصار، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( ).
وقال: وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَـهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 124):
هذه الآية الكريمة نازلةٌ في أمير المؤمنين وأنصاره، وقد أعطت أوصافاً محدّدةً للمؤمنين حقّاً. ومن الواضح أنَّنا لا نجدها فيمَن يرى المؤلِّف فضله، وظاهر الآية لزوم اجتماع هذه الأوصاف، فيكون عدم انطباقها عليهم قطعيّاً.
إحسان إلهي ظهير:
وقال: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 125):
هذه الآية الكريمة يأتي فيها جميع ما قلناه في [التعليقة] السابقة، مع الالتفات إلى أنَّ (المشايخ) لم ينفقوا ولم يقاتلوا، بل كانوا ممَّن هرب يوم أحد مع أكثر الصحابة( )، ومنه يظهر الحال في الآية التي بعدها( ).
إحسان إلهي ظهير:
وقال: فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ( ).
وقال في أصحابه الذين كانوا معه في الحديبية وبايعوه على الموت: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 126):
سبق أن ناقشنا آية المبايعة فلا نعيد.
إحسان إلهي ظهير:
وقال مبشراً لهم بالجنة: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا( ).
وقال الله في صحابته البررة: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 127):
أعطت هذه الآية الكريمة صفاتٍ معيّنةً لمَن يكون مشمولاً للمدح فيها، ويحتاج السنّي إلى إثبات وجود هذه الصفات لدى مَن يفضّله، وخاصّة مع قوله تعالى في آخرها: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً( ) الدالّ على أنَّ بعض مَن يكون مع الرسول موعودون بالمغفرة والأجر وليس كلّهم، وأمّا الآية التي بعدها فلا ربط لها بالصحابة بأيِّ حال.
إحسان إلهي ظهير:
وقال: لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ( ).
وقال: وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ(7) فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( ).
وقال في الخلفاء الراشدين: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَـهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَـهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ( ).
وقال في صاحبه: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ).
وغير ذلك من الآيات الكثيرة الكثيرة.
فهذه الآيات الكريمة هي قنابل ذرية على الشيعة ومن والاهم ولا يمكن لهم أمام هذه النصوص الدامغة الصريحة أن يكفروا أبا بكر وعمر وعثمان وإخوانهم أصحاب الرسول، -رضوان الله عليهم أجمعين- فيخلصون من هذا المأزق بالقول بتحريف القرآن وتغييره، أو بالتأويل الباطل الذي تنفر منه القلوب، وتشمئز منه العقول، والمعروف أن عقيدتهم لا تبتنى ولا تستقيم إلا على تكفير الصحابة عامة، والخلفاء الراشدين الثلاثة ومن رافقهم وساعدهم وشاركهم في الحكم خاصة…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 128):
لم يقل أحدٌ بتكفير الصحابة ولا المشايخ، وإنَّما المطلب كما يعرفه الشيعة، وكما يعرفه المؤلِّف نفسه ليس إلَّا.
إحسان إلهي ظهير:
… ولأجل ذلك يقولون: «كان الناس أهل الردة بعد النبي إلا ثلاثة – قاله أبو جعفر -أحد الأئمة الاثني عشر- وذكره كبير مؤرخي الشيعة الكشي في رجاله»( ).
وروى الكشي أيضاً عن حمدويه «قال: أيوب بن نوح عن محمد بن الفضل وصفوان عن أبي خالد القماط عن حمران قال قلت لأبي جعفر ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ قال. فقال: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ قال. فقلت بلى. قال: المهاجرون والأنصار ذهبوا… إلا ثلاثة»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 129):
هذا ليس إشارةً إلى عدد الشيعة كلّهم، فقد كان في ذلك الحين واسعاً، وإنَّما الإشارة إلى عدد الخاصّة الثقات بدرجةٍ عاليةٍ.
إحسان إلهي ظهير:
وغير ذلك من الأكاذيب والافتراءات والأباطيل.
فأين هذا من ذاك؟ فما كان لهم جواب ذلك إلا الإنكار والتأويل، فقالوا: إن هؤلاء الناس زادوا في كلام الله في مدحهم ما ليس منه، كما أنهم أسقطوا ما أنزل في مذمتهم وتكفيرهم وإنذارهم بالنار، كما يروي الكليني عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «دفع إلي أبو الحسن مصحفاً فقال: لا تنظر فيه ففتحته وقرأت فيه لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا فوجدت اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 130):
سبق أن قلنا في أمثال هذا الحديث أنَّه من الشرح والتفسير وليس من نصِّ القرآن؛ لأنَّه لا يناسب وضع القرآن الكريم.
إحسان إلهي ظهير:
وقد مر سالفاً عن رواية شيعية «أن علياً عرض القرآن على المهاجرين والأنصار، ولما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح المهاجرين والأنصار فردوه إلى علي وقالوا لا حاجة لنا فيه»( ).
ويقول عالم شيعي ملا محمد تقي الكاشاني في كتابه الفارسي (هداية الطالبين) ما ترجمته حرفياً: «أن عثمان أمر زيد بن ثابت الذي كان من أصدقائه هو وعدواً لعلي، أن يجمع القرآن ويحذف منه مناقب آل البيت وذم أعدائهم، والقرآن الموجود حالياً في أيدي الناس والمعروف بمصحف عثمان هو نفس القرآن الذي جمعه بأمر عثمان»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 131):
هذا رأيٌ شخصيٌّ لهذا المؤلِّف كأنَّه استنتجه من مجموع ما مرّ عليه هو من أدلّة، وهو أعلم بما قال.
إحسان إلهي ظهير:
ويكتب أحد أعلام الشيعة الذي يلقبونه بشيخ الإسلام وخاتمة المجتهدين الملا محمد باقر المجلسي «أن المنافقين غصبوا خلافة علي، وفعلوا بالخليفة هكذا، والخليفة الثاني أي كتاب الله فمزقوه»( ).
ويصرح في كتاب آخر: «أن عثمان حذف من هذا القرآن ثلاثة أشياء، مناقب أمير المؤمنين علي، وأهل البيت، وذم قريش والخلفاء الثلاثة مثل آية: (يا ليتني لم أتخذ أبا بكر خليلاً)»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 132):
هذا يأتي فيه ما قلناه في التعليقة السابقة.
إحسان إلهي ظهير:
ثالثاً: لما أراد الشيعة أن ينكروا مقام أصحاب الرسول الذين مدحهم الله تبارك وتعالى في كلامه المجيد كان عليهم أن لا يقبلوا ذلك الكلام المبين لشيء آخر وهو كونه محفوظاً بمجهودات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وبخاصة أبا بكر وعمر وعثمان حيث لم يجمع بين الدفتين إلا بأمر من الصديق وإشارة الفاروق وما كانت نهايته إلا في العهد العثماني، الميمون، المبارك، فقد اكتسبوا بهذا فضلاً عظيماً، وأسأل الله أن يجازيهم عليه أحسن الجزاء، فلما رأى الشيعة أن الله حفظ القرآن الكريم بأيدي الخلفاء الراشدين الثلاثة -رضوان الله عليهم- وهو الأساس الحقيقي للإسلام، والله قد خصهم بهذا الفضل نقموا عليهم وجرهم الحقد الذي أكل قلوبهم والبغض الذي أقلق مضاجعهم إلى هدم ذلك الأساس والأصل، فقالوا بالتغيير والتحريف، وقد ذكر الميثم البحراني في المطاعن العشرة على ذي النورين التي يطعن بها الشيعة في ذلك الخليفة الراشد: السابع من المطاعن – «أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة وأحرق المصاحف، وأبطل ما لا شك أنه من القرآن المنزل»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 133):
يأتي فيه نفس الشيء أيضاً؛ فإنَّه إنَّما قاله بناءً على فهمه من الروايات الدالّة على النقيصة، وقد ناقشناها.
إحسان إلهي ظهير:
وأيضاً كان المقصود من هذا تشنيعاً عليهم وتعريضاً بأن مثل هؤلاء الذين اغتصبوا حق علي وأولاده في الخلافة والإمامة لما وجدوا نصوصاً صريحة في القرآن تطعن في حقهم أسقطوها من القرآن وحذفوها لأن الآيات الكثيرة كانت تدل على حق علي وأولاده في الخلافة -كما زعموا- لأنهم ما كانوا يريدون أن يبقى في القرآن آية تنبئ عن شنيعتهم، ومثلوا لذلك بآيات اختلقوها من عند أنفسهم، فروى الكليني في الكافي «عن أبي حمزة عن أبي جعفر قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: (إن الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً)»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 134):
هذا الحديث وما بعده قد تكلّمنا حوله فلا نعيد؛ فإنَّه من أخبار وجود النقيصة في القرآن الكريم.
إحسان إلهي ظهير:
وروي أيضاً: «عن أبي حمزة عن أبي جعفر قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد هكذا: (فبدل الذين ظلموا آل محمد حقهم قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمد حقهم رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون)»( ).
وذكر القمي: «تحت قوله: (ولو ترى إذ الظالمون آل محمد حقهم في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم، أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون) فقال: عن أبي عبد الله أنه قال: نزلت هذه الآية في معاوية وبني أمية وشركائهم وأئمتهم»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 135):
ما حرص المؤلِّف على معاوية وبني أُميّة، وأكثر أهل السنّة وعلمائهم وعقلائهم يعلمونه باطلاً في باطل؟!
إحسان إلهي ظهير:
وقال في آخر سورة الشعراء: «ثم ذكر الله آل محمد وشيعتهم المهتدين فقال: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، ثم ذكر أعدائهم ومن ظلمهم فقال: وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون، هكذا والله نزلت»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 136):
هذا من أخبار النقيصة، وقد تكلّمنا حول أمثاله.
إحسان إلهي ظهير:
ومما لا شك فيه أن (آل محمد حقهم) في هذه الروايات ليس إلا بهتاناً عظيماً وفرية من فريات الشيعة على الخالق المتعال.
وأخيراً نذكر رواية طويلة ذكرها الطبرسي في (الاحتجاج) تبين هذه الوجوه كلها حسب زعم الشيعة، فيذكر الطبرسي أن رجلاً من الزنادقة سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أسئلة فقال في جوابه: «ولم يكن عن أسماء الأنبياء تجرداً وتعززاً بل تعريضاً لأهل الاستبصار أن الكناية فيه عن أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليس من فعله تعالى وأنها من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الدين، وقد بين الله قصص المغيرين بقوله: (الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً)، وبقوله: (وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب)، وبقوله: (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول بعد فقد الرسول مما يقيمون به باطلهم حسب ما فعلته اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من تغيير التوراة والإنجيل وتحريف الكلم عن مواضعه)، وبقوله: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره)، يعني أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوا فيه وحرفوا فيه، وبين إفكهم وتلبيسهم وكتمان ما علموه منه ولذلك قال لهم: لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ( )، وضرب مثلهم بقوله: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ( )( ) ، فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن فهو يضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل والذي ينفع الناس منه التنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع هي محل العلم وقراره، ولا يجوز مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والملل المنحرفة عن قبلتنا.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 137):
هذا الخبر على طوله ناقشنا أمثاله:
أوّلاً: هو خبرٌ ضعيفٌ سنداً( ).
ثانياً: لو كان حجّةً في الحكم الشرعي لما كان حجّةً في القرآن.
ثالثاً: أنَّه مخالفٌ للبرهان الذي قلناه من عدم وجود الزيادة والنقيصة المتعمّدة.
رابعاً: أنَّه يمكن حمله على أنَّ الناقص هو من الشرح والتفسير، فلا يكون من أخبار النقيصة.
إحسان إلهي ظهير:
وأما ظهورك على تناكر قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ( ) ، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء أيتاماً فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن بين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغاً إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كل ما أسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء. وأما ما ذكر له من الخطاب الدال على تهجين النبي والإزراء به والتأنيب له مع ما أظهره الله تعالى من تفضيله إياه على سائر أنبيائه فإن الله عز وجل جعل لكل نبي عدواً من المشركين كما قال في كتابه، وبحسب جلالة نبينا عند ربه كذلك محنته بعدوه الذي عاد منه إليه في شقاقه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته وتكذيبه إياه وسعيه في مكارهه وقصده لنقض كل ما أبرمه واجتهاده ومن والاه على كفره وعناده ونفاقه وإلحاده في إبطال دعواه وتغيير ملته ومخالفة سنته، ولم ير شيئاً أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيه وإيحاشهم منه، وصدهم عنه، وإغرائهم بعداوته، والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، وكفر ذوي الكفر منه، وممن وافقه على ظلمه وبغيه وشركه، ولقد علم الله ذلك منهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا( ) وقال:  يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ( ) فلما وقفوا على ما بينه الله من أسماء أهل الحق والباطل وأن ذلك يظهر نقض ما عقدوه قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا وكذلك قال: فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ( )، ثم دفعهم الاضطرار لورود المسائل عليهم مما لا يعلمون تأويله إلى جمعه وتأليفه وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم على معاداة أولياء الله، فألفه على اختيارهم، وما يدل على اختلال تميزهم وافترائهم أنهم تركوا منه ما قد رأوا أنه لهم وهو عليهم، وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره، وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين فقال: «ذلك مبلغهم من العلم» وانكشف لأهل الاستبصار عوارتهم وافترائهم، والذي بدأ في الكتاب من الإزراء على النبي من فرية الملحدين ولذلك قال: «يقولون منكراً من القول وزوراً»( ).
رابعاً: اعتقد الشيعة التحريف في القرآن للأغراض المذكورة ولغرض آخر وهو الإباحية وعدم التقيد بأحكامه وعدم العمل بحدود الله حيث أنه ما دام ثبت في القرآن التحريف…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 138):
هذا استنتاج عدوٍّ ناصبٍ.
إحسان إلهي ظهير:
… والتغيير فكيف يمكن العمل به، والتقيد بأحكامه، والتمسك بأوامره، والاجتناب عن نواهيه، لأنه محتمل في كل آية من آياته، وكلمة من كلماته، وحرف من حروفه أن يكون محرفاً- مغيراً. وبهذا يسهل الخروج من حدود الشرع، والبقاء تحت كفه، والتمتع بمنافعه، ولأجل ذلك لا يعتقد أكثر الشيعة أنهم يعاقبون بالمعاصي والفسوق والفجور ما داموا داخلين في مذهب الشيعة ويقيمون المآتم على الحسين بن علي (رضي الله عنهما) ويسبون أصحاب جده رسول الله، فليس الدين عندهم إلا حب لعلي وأولاده فقد وضعوا لذلك روايات وأحاديث. منها ما رواه الكليني في (الكافي) عن يزيد بن معاوية( ) قال: «قال أبو جعفر: وهل الدين إلا الحب، وقال: إن رجلاً أتى النبي فقال: يا رسول الله أحب المصلين ولا أصلي، وأحب الصوامين ولا أصوم فقال له رسول الله أنت مع من أحببت»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 139):
هذا محمولٌ قطعاً على الصلاة والصوم المستحبّين لا الواجبين، بل إنَّ انطباعه هو ذلك، ولو انحصرت دلالته بالواجب لكان خبراً ساقطاً عن الحجّيّة.
إحسان إلهي ظهير:
فهذه هي الأسباب التي جرتهم إلى القول بمثل هذه الأباطيل…
أدلة عدم التحريف وإيرادات الشيعة عليها
والمعروف أن كل هذا ليس إلا فرية افتروها وأكذوبة تفوهوا بها بهتاناً اخترعوه لأن المسلمين قاطبة سوى الشيعة يعتقدون أن حرفاً من حروف القرآن لم يتغير، وأن كلمة من كلماته لم تتبدل، وأن نقطة من نقاطه لم تحذف، وأن حركة من حركاته لم تسقط والذي ينكر هذا ما ينكر إلا الشمس وهي طالعة، وإن الظلام لم يطوِ، فلا يقال له إلا أن يعالج عيونه ويشفي ذهنه، لأن أدلة الحفظ والصيانة للقرآن الكريم من أي تغيير وتحريف، ومن أي حذف وزيادة، أدلة عقلية ونقلية، تضافرت وتواترت حتى لا يمكن الطعن فيها.
والدليل القطعي الذي لا غبار عليه هو قوله تعالى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ( )…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 140):
هذا الدليل القطعي لدى المؤلِّف سبق أن ناقشناه.
إحسان إلهي ظهير:
وقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( ) هاتان الآيتان صريحتان لا غموض فيهما ولا إشكال ولا احتمال، ولكنك تجد الشيعة يروون هذه النصوص ويؤولونها تأويلاً باطلاً واضح البطلان( ) فيقول عالم شيعي: «وأما الأدلة التي تبين عدم وقوع التحريف والنقصان فقوله تعالى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ فإنه دلالة على ما ادعوا – وقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ لا يدل على عدم التغيير في القرآن الذي هو بأيدينا، والمحفوظ هو القرآن عند الأئمة مع احتمال كون (الحافظون) بمعنى: (العالمون)…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 141):
هذا أحد الوجوه التي ذكرناها وليس الوجه الوحيد، فراجع.
إحسان إلهي ظهير:
… وما قيل أن القرآن الذي هو بأيدينا أيضاً محفوظ من أن يتطرق إليه نقص أو زيادة فهو ليس مصداق الآية كما لا يخفى»( ).
وبنفس هذا الكلام تكلم عالم إيراني شيعي (علي أصغر البرجردي) في كتابه الذي ألفه في عهد محمد شاه القاجار بطلب من الشيعة ليبين مهمات عقائد الشيعة فقال فيه:
«والواجب أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يقع فيه تغيير وتبديل مع أنه وقع التحريف والحذف في القرآن الذي ألفه بعض المنافقين، والقرآن الأصلي الحقيقي موجود عند إمام العصر (المهدي المزعوم) عجل الله فرجه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 142):
هذا رأيٌ خاصٌّ للمؤلِّف فَهِمَه ممّا يعتقده من الأدلّة، ولا حجّة فيه على غيره.
إحسان إلهي ظهير:
وقال عالم شيعي هندي آخر «أن معنى حفظ القرآن في قوله ليس إلا حفظه في اللوح المحفوظ كما قال في كلامه:  بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ(21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ »( )( ).
وهناك نصوص كثيرة في هذا المعنى.
ويعرف ركاكة هذه التأويلات الفاسدة والأجوبة الكاسدة كل من له أدنى إِلمام بالقرآن المجيد.
أولاً: لأنه لو يقال أن المحفوظ هو ما عند الإمام، فما الفائدة من حفظه وصيانته إذ عند عدم وجود الإمام يبقى القرآن غير محفوظ من التغيير والتحريف…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 143):
ظهر ممّا سبق الجواب على هذا الوجه، وحاصله:
أنَّه إذا أُريد حفظ القرآن الظاهر فهو محفوظٌ في الظاهر، ولا تناله يد الزيادة والنقيصة العمديّة كما سبق أن برهنّا، وكلّ رأيٍ يخالف ذلك فباطل، وبه يُحفظ أساس الإسلام الظاهري.
وإن أُريد به القرآن المؤجّل- كما عبّرنا- فقد قلنا أنَّ حفظه يكون في مستوى وجوده، وهو صدور الخاصّة والأولياء. وقد جاء الرأي الشيعي وجوابه في الكتاب( ) على أساس الخلط بين هذين الشكلين من القرآن الكريم.
إحسان إلهي ظهير:
… ومثل هذا لا يكون هادياً وذكراً للمؤمنين، فلا يعتمد عليه في الاعتقادات، والعبادات، والمعاملات، والأحكام الأخرى، وأيضاً هو أساس الإسلام وبناؤه فيبقى الإسلام بلا أساس يقوم عليه، ويبقى الناس غير مسؤولين عما يعملون لعدم وجود ما يهديهم إلى سبيل الرشاد، وتبقى الشريعة معطلة ما دام لا يوجد دستورها، ولا يكون القرآن ذكراً للعالمين بعد بعثة محمد بل يكون ذكراً بعد خروج المهدي المزعوم الذي لا يعرف خروجه وظهوره أين يكون ومتى يكون؟
وثانياً: هذا هو الجواب لمن قال أنه محفوظ في اللوح المحفوظ.
وأيضاً فأي ميزة تبقى حينئذ فيه حيث أن التوراة والإنجيل وغيرهما من الصحف محفوظة عند الله وفي اللوح المحفوظ.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 144):
هذا إشكالٌ وارد على الرأي الشيعيّ القائل بالزيادة أو النقيصة العمديّة، إلَّا أنَّه غير واردٍ على رأينا الذي نفينا به هذه الأُمور، فتبقى المزيّة عن التوراة والإنجيل محفوظة.
على أنَّنا يجب أن نلتفت إلى أنَّه ليس هناك نصٌّ معتبرٌ من الكتاب والسنّة يقول: إنَّ القرآن أفضل من التوراة والإنجيل من حيث إنَّهما غير محفوظين وهو محفوظ؛ ليكون عدم حفظه- جدلاً- منافياً لهذا الدليل، وإنَّما فقط أنَّ القرآن موعودٌ بحفظه فيه، وتلك الكتب غير موعودٍ بحفظها فيها، هذا كلّ ما في الأمر. ولا يمكن أن يوعد بحفظها لعلم الله عزّ وجلّ أنَّها ستكون منسوخةً، فتساوي شأن القرآن مع تلك الكتب ليس محذوراً خطراً بعد أن كانت كتباً سماويّةً إلهيّةً.
على أنَّنا نعتقد بحفظ التوراة والإنجيل أيضاً عند المعصومين، وأنَّ القائم يظهرها لأهلها ويحتجّ عليهم بها. إذن، فالكتب كلّها متساوية في الحفظ لا في عدمه، إلَّا أنَّ مستوى الحفظ قد يكون ظاهريّاً وقد يكون باطنيّاً أو واقعيّاً.
إحسان إلهي ظهير:
ثالثاً: أن الآية تصرح بأن الحفظ لا يكون إلا بعد النزول حيث قال الله عز وجل:  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ولا يقع التحريف إلا في المنزل لا قبل النزول وهذا من البديهيات، ولكن الشيعة لحقدهم على الإسلام وزعمائه والمسلمين لا يبالون بها ويلتجئون إلى أقاويل يمجها العقل ويزدريها الفهم.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 145):
هذا الإشكال نجيب عليه من زاويتين:
أمّا من حيث ما قلنا من وجود (القرآن المؤجّل)، فإنَّنا نقول: إنَّه نازلٌ، ولكنّه محفوظ وغير معلنٍ بعد نزوله، لا أنَّه ينزل بعد ذلك، وكيف ينزل على غير النبيّ؟
وأمّا من حيث الرأي الشيعيّ القائل بالتحريف، فإنَّه يقول أيضاً أنَّ القرآن محفوظ بعد نزوله في قلوب الأولياء والخاصّة، والتعبير بأنَّه محفوظٌ في اللوح المحفوظ لا يعني أنَّه غير نازلٍ، بل هو نازلٌ، إلَّا أنَّه منسيٌّ ومحرّفٌ- فرضاً- فتبقى مرتبته في اللوح المحفوظ موجودةً؛ لأنَّ نزوله عن اللوح المحفوظ لا يعني فراغ اللوح المحفوظ عنه، بل يعني أنَّ له وجودين: وجود في اللوح المحفوظ، وهو مستمرّ، ووجود بين الناس، وهو منقطع. [و] على هذا الرأي [الثاني]، فإذا انقطع وجوده بين الناس استمرّ وجوده في اللوح.
إحسان إلهي ظهير:
وكما أن هنالك أدلة نقلية كثيرة من القرآن والسنة تدل على عدم وجود أي تغيير وتحريف في القرآن فهناك أدلة عقلية متوافرة متظافرة تفرض على الإنسان ذي العقل السليم والشعور أنه لا يقول بالتحريف في القرآن، لأنه نقله جيل عن جيل من السطور والصدور، ففي مثل هذا الزمان زمان الفساد والإلحاد يوجد ملايين من البشر الذين يحملون القرآن الكريم بكامله في صدورهم ويحفظونه عن ظهر قلب…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 146):
لا شكّ أنَّ في هذه العبارة مبالغةً، بل هي قطعيّة العدم. نعم، يوجد ملايين من الناس يحفظون بعض القرآن لا كلّه بكامله، وهذا ما كان موجوداً في زمن النبيّ أيضاً، وبه أمكن استمرار القرآن وحفظه.
إحسان إلهي ظهير:
… وتشاهد في رمضان في التراويح حفظة القرآن وقرَّاءه يصلون بالناس ويقرؤون القرآن ولا يخطئون بكلمة أو بحرف وحتى نقطة وشوكة إلا ويبادر من خلفه بتلقينه بلا تأخير، وقال الشاطبي: «وأما القرآن الكريم فقد قيض الله له حفظة بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر فضلاً عن القراء الأكابر»( ).
ومن الجدير بالذكر أن في مقاطعة بنجاب باكستان الويتان (كجرات) و (جهلم) لا يوجد في قراها ومدنها شخص من الرجال والنساء إلا ويحفظ القرآن عن ظهر قلب، ويتجاوز عدد سكانه أربعمائة ألف نسمة، وهذا في هذا الزمان فكيف في ذاك الزمان المشهود له بالخير.
لِمَ أنكروا التحريف
أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول بأن الشيعة لا يعتقدون التحريف والتغيير في كلام الله المبين، نعم هنالك بعض الأعيان من الشيعة الذين أظهروا أنهم يعتقدون أن القرآن غير محرف وغير مغير فيه، وغير محذوف منه، ومنهم محمد بن علي بن بابويه القمي، الملقب بالصدوق عندهم المتوفى سنة 381هـ‍ مؤلف كتاب (من لا يحضره الفقيه) وهو في القرون الأولى الأربعة أول من قال من الشيعة بعدم التحريف في القرآن، وإلا لا يوجد في الشيعة المتقدمين منهم إلى القرن الرابع وحتى بعد ما مضى نصفه الأول أيضاً رجل واحد وفيهم أئمتهم الاثنا عشر، لم ينقل من أي واحد منهم ولم ينسب إليهم بأنهم قالوا أو أشاروا إلى عدم التحريف وبعكس ذلك يوجد مئات من النصوص الواضحة الصريحة على أن الحذف والنقص في القرآن، والزيادة عليه، قد وقع.
وهل في الدنيا نعم في الدنيا كلها واحد من علماء الشيعة وأعلامها من يستطيع أن يقبل هذا التحدي ويثبت من كتبه هو أن واحداً منهم في القرون الأربعة الأولى قال بعدم التحريف وأظهره. لا ولن يوجد واحد يقبل هذا التحدي( ).
فالمقصود أن عقيدة الشيعة لم تكن قائمة إلا على أساس تلك الفرية لأنه كما ذكر مقدماً هم مضطرون لرواج عقائدهم الواهية القائمة على أن لا يعتقدوا بهذا القرآن الذي يهدم أساس مذهبهم المنهار وإلا تروح معتقداتهم المدسوسة في الإسلام أدراج الرياح.
ونحن نفصل القول في هذا حتى يعرف الباحث والقارئ السر في تغيير منهج بعض الشيعة بعدما مضى القرن الثالث ومنتصف الرابع، وقد عرف مما سبق من الأحاديث والروايات الصحيحة الثابتة عندهم، وأقوال المفسرين وأعلامهم وأئمتهم أنهم يعتقدون أن القرآن الموجود في أيدي الناس لم يسلم من الزيادة والنقصان، والقرآن الصحيح المحفوظ ليس إلا عند (مهديهم المزعوم)- فيولد في القرن الرابع من الهجرة محمد بن علي بن بابويه القمي ويرى أن الناس يبغضون الشيعة وينفرون منهم لقولهم بعدم صيانة القرآن، ويشنعون عليهم لأنه لو سلم قولهم كيف يكون العمل على الإسلام، والدعوة إليه، وأيضاً كيف يمكن التمسك بمذهب الشيعة حيث يقولون أن الرسول أمر بالتمسك بالثقلين، القرآن وأهل البيت حسب زعمهم( ) وحينما لا يثبت الثقل الأكبر وهو القرآن، كيف يثبت الثقل الأصغر والتمسك به.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 147):
هذا واضح الفساد، فليس بين حفظ أحد الثقلين وحفظ الآخر – أعني: الحفظ الظاهري- أيّة رابطة، فيمكن أن يكون أحدهما محفوظاً دون الآخر. نعم، في الحفظ الواقعيّ كلاهما محفوظ؛ لأنَّ القرآن الكريم كلّه- ظاهره وباطنه- موجودٌ لديهم.
ومن هنا نعرف أنَّ ما زعمه المؤلِّف من الربط بين حفظ القرآن وحفظ العترة غير صحيح، وأنَّ هذا هو الذي سبّب لدى الصدوق إلى إنكار التحريف( ) ليس بصحيح، بل سببه دليله الصحيح. ومن الواضح أنَّ الصدوق من قدماء علمائنا وعظمائهم، فقوله بعدم التحريف في ذلك الحين رأيٌ متينٌ ومحترمٌ جدّاً، جزاه الله خيراً.
إحسان إلهي ظهير:
ولما رأى هذا لجأ إلى القول: «اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك -إلى أن قال-: ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب»( ).
وتبعه في ذلك السيد المرتضى، الملقب بعلم الهدى المتوفى سنة 436هـ ‍ فقد نقل عنه مفسر شيعي أبو علي الطبرسي وقال: «أما الزيادة فمجمع على بطلانه وأما النقصان فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى»( ).
ثم حذا حذوهما أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 فقال في تفسيره (التبيان): أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به- إلى أن قال-: وقد ورد عن النبي رواية لا يدفعها أحد أنه قال: «إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي، أهل بيتي… وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا يقدر التمسك به»( ).
ورابعهم هو أبو علي الطبرسي المفسر الشيعي المتوفى سنة 548هـ‍ وقد مر كلامه في تفسير (مجمع البيان).
فهؤلاء هم الأربعة من القرن الرابع إلى القرن السادس لا خامس لهم الذين قالوا بعدم التحريف في القرآن.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 148):
هؤلاء هم عمدة علمائنا الأقدمين، فمَن بقي منهم بإزاء هؤلاء العظماء ليكون قوله حجّة بخلاف قولهم أيُّها المؤلِّف؟!
إحسان إلهي ظهير:
ولا يستطيع عالم من علماء الشيعة أن يثبت في القرون الثلاثة هذه خامساً لهؤلاء الأربعة يقول بقولهم…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 149):
المهمّ إمكان إثبات القول بالتحريف بشكلٍ معاصر في الزمان لهؤلاء الأربعة، وهو غير ممكنٍ، والمؤلِّف لم يذكره، فإن لم يكن القول بالتحريف موجوداً يومئذٍ أمكن القول بالإجماع على عدمه.
إحسان إلهي ظهير:
… بل وفي القرون الثلاثة الأولى أيضاً لا يوجد موافقهم -كما ذكرنا سابقاً-، وعلى ذلك يقول العالم الشيعي الميرزا حسين تقي النوري الطبرسي المتوفى سنة 1325هـ‍:
«الثاني: عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب الصدوق في عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة (الطوسي) في التبيان ولم يعرف من القدماء موافق لهم -إلى أن قال- وإلى طبقته -أي أبي علي الطبرسي- لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هذه المشايخ الأربعة»( ).
فهؤلاء الأربعة أيضاً ما أنكروا التحريف في القرآن وأظهروا الاعتقاد به إلا تحرزاً من طعن الطاعنين…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 150):
هذا كلام عدوٍّ ناصبيّ قد عرفنا جوابه. وأنَّ الأساس في هذا القول هو الدليل الصحيح عليه.
إحسان إلهي ظهير:
… وتخلصاً من إيرادات المعترضين كما ذكرناه قبل ذلك، وكان ذلك مبنياً على التقية والنفاق الذي جعلوه أساساً لدينهم( ) أيضاً، وإلّا ما كان لهم أن ينكروا ما لو أنكر لانهدم مذهب الشيعة وذهب هباءً منثوراً.
والذي يثبت أن إنكار هؤلاء الأربعة التحريف في القرآن كان تقية ونفاقاً وكذباً هو ما يلي:
أولاً: لأن الروايات التي تنبئ وتخبر عن التحريف روايات متواترة عند الشيعة…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 151):
عرفنا الشأن في ادّعاء التواتر:
أوّلاً: أنَّه رأيٌ خاصّ، مَن قاله لا يكون حجّةً على الآخرين.
ثانياً: أنَّ الزيادة في القرآن غير معقولةٍ، فلا تكون الأخبار فيها حجّةً، كائنةً ما كانت.
ثالثاً: أنَّ أخبار النقيصة إمّا محمولةٌ على (القرآن المؤجّل)، أو على إنقاصٍ شكلٍ من أشكال التفسير والشرح من القرآن، حيث كان موجوداً عند المعصومين، وليس إنقاصاً من نصِّ القرآن، وقد أسلفنا أنَّ ذكر أسماء المنافقين لا يمكن أن يكون من نصِّ القرآن.
وقد قالوا – كما هو الصحيح- أنَّ التواتر لا يثبت به إلَّا أخصّ المداليل وأقلّها، وليس ذلك إلَّا ما قلناه، ولا يمكن إثبات النقيصة العمديّة من نصِّ القرآن الكريم به.
إحسان إلهي ظهير:
… كما يقول السيد نعمة الله الجزائري المحدث الشيعي في كتابه (الأنوار) ونقل عنه السيد تقي النوري فقال: «قال السيد المحدث الجزائري في الأنوار ما معناه: إن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن»( ).
ونقل عنه أيضاً: «إن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي، وغيرهم، بل الشيخ (أبو جعفر الطوسي) أيضاً صرح في (التبيان) بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة -إلى أن قال- واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية، والآثار النبوية»( ).
وإنكار هذه الروايات يستلزم إنكار تلك الروايات التي تثبت مسألة الإمامة والخلافة بلا فصل لعلي وأولاده من بعده عندهم…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 152):
هذا كلامٌ باطلٌ في باطلٍ:
أوّلاً: نستطيع أن نقول: إنَّ الأخبار المشار إليها عن القرآن الكريم موجودةٌ ومتواترةٌ، إلَّا أنَّها غير دالّةٍ على النقيصة العمديّة كما قلنا. فنكون قد أخذنا بالروايات في القرآن والروايات في الإمامة، وهذا هو الصحيح.
ثانياً: إنَّ الولاية وإن كانت مرويّة بالأخبار المتواترة إلَّا أنَّها عندنا أعلى من ذلك وأجلّ؛ لأنَّها موجودةٌ بنصِّ الكتاب وضرورة المذهب، بل ضرورة الدين الواقعيّ، يتوارثها الأجيال ملايين بعد ملايين، فليست متوقّفةً على القول بتواتر تلك الروايات.
ثالثاً: إنَّنا لو رفضنا العمل بروايات النقيصة المتواترة ورفضنا النقيصة، فليس ذلك لأجل جحود مضمون الأخبار، بل لأجل بعض المناقشات فيها، كالذي سبق أن سمعناه أو غيره. وليس هناك عالمٌ شيعيٌّ ينفي المضمون الصحيح للأخبار الصحيحة أو المتواترة، وإلَّا كان خارجاً عن الإسلام. إذن، فأخبار النقيصة فيها نقصٌ، بمعنى: أنَّها لا تثبت النقيصة العمديّة بالتواتر.
ومعه فإذا سقط التواتر عن هذه الأخبار لا يعني بأيّ حالٍ سقوط التواتر عن أخبار الولاية التي هي صحيحةٌ، وصريحةٌ في مضمونها.
إحسان إلهي ظهير:
… لأن الروايات عنها ليست بأكثر من روايات التحريف، وقد صرح بهذا علامة الشيعة الملا محمد باقر المجلسي حيث قال: «وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر»( ).
ثانياً: مذهب الشيعة قائم على أقوال الأئمة وآرائهم فقد أثبتنا آرائهم وأقوالهم مقدماً وهي تبين أنهم لا يرون القرآن الموجود في أيدي الناس قرآناً، كاملاً، محفوظاً باستثناء هؤلاء الأربعة الذين أظهروا إنكار التحريف ولم يستندوا إلى قول من الأئمة المعصومين (حسب قولهم)…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 153):
سبق أن عرفنا جوابه؛ لأنَّ أقوال المعصومين لا نعرفها إلَّا من الروايات، والمراد بها هنا الروايات الدالّة على النقيصة، وقد عرفنا أنَّها لا تدلّ على مطلوب المؤلِّف. إذن، فهؤلاء العظماء الأربعة( ) لم يخالفوا قول المعصومين، بل قالوا ما يوافق قولهم.
إحسان إلهي ظهير:
… ولم يأتوا بشاهد منهم، وأما القائلون بالتحريف فإنهم أسسوا عقيدتهم على الأحاديث المروية عن الأئمة الاثني عشر، الأحاديث الصحيحة، الثابتة، المعتمد عليها.
ثالثاً: لم يدرك واحد من هؤلاء الأربعة القائلين بعدم التحريف زمن الأئمة الاثني عشر (المعصومين) -حسب زعمهم- بخلاف متقدميهم القائلين بالتحريف ومعتقديه…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 154):
لا يوجد في المتقدّمين عليهم مَن يقول بالتحريف، ونتحدّى المؤلِّف في أن يورد لنا رأياً واحداً على ذلك، وكلّ مَن نسب إليه ذلك القول فهو متأخّرٌ نسبيّاً.
ويجب هنا أن نلاحظ: أنَّ المتقدّمين عليهم يعني أنَّهم معاصرون للأئمّة، ومعه لا يكون للشيعة رأيٌ معلنٌ ومهمٌّ بإزاء أقوال الأئمّة، فكيف تنسب إليهم هذا القول؟! نعم، يُريد المؤلِّف أن يقول: إنَّ الأئمّة أنفسهم يرون النقيصة في القرآن، وهم متقدّمون على هؤلاء الأربعة.
وجواب ذلك:
إنَّ أقوال الأئمّة إنَّما عرفناها وعرفها المؤلِّف من الأخبار الدالّة على النقيصة، وقد عرفنا أنَّها غير دالّةٍ على النقيصة المتعمّدة، وإنَّما هي يمكن أن تكون محمولةً على محامل ومعانٍ صحيحة. إذن، فكيف تقول أو يقول قائل: أنَّ الأئمّة قائلون بالنقيصة المتعمّدة في القرآن؟
إحسان إلهي ظهير:
… فإنهم أدركوا زمن الأئمة، وجالسوهم، وتشرفوا برفقتهم، واستفادوا من صحبتهم، وصلوا خلفهم، وسمعوا وتعلموا منهم بلا واسطة، وتحدثوا معهم مشافهة.
رابعاً: الكتب التي رويت فيها أخبار وأحاديث عن التحريف والتغيير كتب معتبرة، معتمد عليها عند الشيعة…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 155):
بالنسبة لهذه الكتب عرفنا حالها، وأنَّها ليست كصحاح السنة نعتبر كلّ ما فيها صحيحاً، بل فيها الغثّ والسمين والصحيح والسقيم، والصريح والقابل للتأويل، إلى غير ذلك. فليس معنى الاعتماد على هذه الكتب أن يقول الشيعة بالنقيصة العمديّة.
إحسان إلهي ظهير:
… وقد عرضت بعض هذه الكتب على الأئمة المعصومين، ونالت رضاهم مثل الكافي للكليني، وتفسير القمي، وغيرهما.
خامساً: ومن العجائب أن هؤلاء الأربعة الذين تظاهروا بإنكار التحريف يروون في كتبهم أنفسها – أحاديث وروايات عن الأئمة وغيرهم تدل وتنص على التحريف بدون تعرض لها ولسندها ورواتها.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 156):
ليس هذا عجيباً، بل هذا من نقاط القوّة فيهم:
أوّلاً: لأنَّهم ذوو نظرة موسوعيّةٍ وواسعةٍ، يريدون أن يجمعوا كلّ [ما] وردهم من أخبار، سواءٌ صحّت أم لا، ويكون تمحيصها وفهمها موكولاً إلى الأجيال المتأخّرة. فليس إيرادهم روايةً أنَّهم يعملون عليها ويرون صحّتها.
ثانياً: أنَّنا يمكن أن نفهم من ذكرهم لهذه الروايات- مع كونهم يقولون بعدم التحريف- أنَّهم لم يفهموا منها التحريف، بل وجدوها غير دالّةٍ عليه، كما عرفنا نحن ذلك أيضاً.
إحسان إلهي ظهير:
فمثلاً ابن بابويه القمي القائل بأنه «من نسب إلينا القول بالتحريف فهو كاذب» هو نفسه الذي يروي نفسه في كتابه (الخصال) حديثاً مسنداً متصلاً: «حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي المعروف بالجصاني قال: حدثنا عبد الله بن بشر قال: حدثنا الحسن بن زبرقان المرادي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني (الحديث)»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 157):
سبق أن تكلّمنا حول هذا الحديث؛ فإنَّ المؤلِّف رواه فيما سبق، وقلنا إنَّ (حرّقوني) إمّا بنقطةٍ واحدة أو نقطتين( ).
إحسان إلهي ظهير:
وأبو علي الطبرسي الذي ينكر التحريف بشدة هو نفسه يروي في تفسيره أحاديث يعتمد عليها تدل على أن التحريف قد وقع، فمثلاً يعتمد في سورة النساء على رواية تضمنت نقصان كلمة: (إلى أجل مسمى) من آية النكاح فيقول: «وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود أنهم قرأوا فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فاتوهن أجورهن، وفي ذلك تصريح بأن المراد به عند المتعة»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 158):
هذا الخبر من أخبار النقيصة، وقد سبق أن ناقشناها. مضافاً إلى أنَّها ليست روايةً عن المعصومين، لا عن النبيّ ولا غيره، فلا تكون حجّةً. مضافاً إلى أنَّنا قلنا إنَّ الخبر الواحد وإن كان صحيحاً لا يكون حجّةً في إثبات النصِّ القرآنيّ.
إحسان إلهي ظهير:
ومثل هذا كثير عندهم وهذا يدل دلالة واضحة أنه ما أنكر بعضهم التحريف إلا نفاقاً وتقية ليخدعوا به المسلمين…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 159):
سبق أن أعطينا الوجوه الكافية في مناقشة هذا الكثير الذي يزعمه المؤلِّف، والكلام من المؤلِّف هنا كلام عدوٍّ حاقدٍ فلا يُعبأ به.
إحسان إلهي ظهير:
… والمعروف في مذهب الشيعة أنهم يرون التقية أي التظاهر بالكذب أصلاً من أصول الدين( ) كما يذكر ابن بابويه القمي هذا في رسالته (الاعتقادات): «التقية واجبة من تركها كان بمنزلة من ترك الصلوات -إلى أن قال-: والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة، وسئل الصادق عن قول الله عز وجل إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ( ) قال: أعملكم بالتقية»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 160):
سيأتي الكلام في التقيّة حين تعرّض المؤلِّف لها.
إحسان إلهي ظهير:
فما كان ذاك إلا لهذا وإلا فكيف كان ذلك؟
سادساً: لو سلم قول الأربعة لبطلت الروايات التي تنص على أن القرآن لم يجمعه إلا علي بن بي طالب -رضي الله عنه- وأنه عرضه على الصحابة فردوه إليه…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 161):
هذه الروايات المشار إليها ليست أكثر من واحدةٍ أو اثنتين أو نحو ذلك، وكلّها ضعيفة السند، وقد عرفنا الشأن في القرآن الذي كان عند أمير المؤمنين وما هو وجهه.
إحسان إلهي ظهير:
… وقالوا لا حاجة لنا به، فقال: «لا ترونه بعد هذا إلا أن يقوم القائم من ولدي» وهناك رواية في (الكافي) عن جابر عن أبي جعفر أنه قال: «ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن، ظاهره وباطنه غير الأوصياء»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 162):
باطن القرآن هو المعاني غير الظاهرة منه. إذن، فالأمر خاصٌّ بالمعاني وغير شاملٍ للألفاظ، والرواية صادقةٌ فيما تقوله.
إحسان إلهي ظهير:
وأيضاً تبطل الأراجيف التي تقول إن الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة منهم رضوان الله عليهم أجمعين أدرجوا فيه ما ليس منه وأخرجوا منه ما كان داخلاً فيه، – ويعترف بمجهودات الصحابة وفضلهم الذين جمعوا القرآن وتسببوا في حفظه بتوفيق من الله، وعنايته، ورحمته، وكرمه.
وفسد أيضاً اعتقاد أنه لا تقبل عقيدة ولا يعتمد على شيء لم يصل إلينا من طريق الأئمة الاثني عشر، والثابت أن القرآن الموجود في الأيدي لم ينقل إلا من مصحف الإمام عثمان ذي النورين -رضي الله عنه-…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 163):
قلنا فيما سبق أنَّه يكفينا من النصِّ القرآني الحالي أنَّه موجودٌ في زمن الأئمّة ومعترفٌ به من قبلهم، فيكون حجّةً. وليس أنَّه حجّةٌ لأنَّ عثمان جمعه.
إحسان إلهي ظهير:
… وأن جمع القرآن كان بدايته من الصديق ونهايته من ذي النورين (رضي الله عنهما).
ولأجل ذلك لم يقبل هذا المتقدمون منهم ولم يقبله المتأخرون بل ردوا عليهم – فهذا مفسر شيعي معروف محسن الكاشي يقول في تفسيره الصافي بعد ذكر أدلة السيد المرتضى: «أقول لقائل أن يقول كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين، المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة، لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم -إلى أن قال-: وأما كونه مجموعاً في عهد النبي على ما هو عليه الآن فلم يثبت، وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً وكان لا يتم لا بتمام عمره»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 164):
قوله: (فلم يثبت)، هذا ظلمٌ للحقيقة من الكاشاني، بل هذا ثابتٌ تاريخيّاً؛ لا بمعنى أنَّ المصحف كان مكتوباً على ما هو عليه الآن، بل كان مجموعاً ومعروفاً، أمّا كونه مجموعاً فقد كان مكتوباً على الجلد والعظام ونحوها ممّا هو متوفّر يومئذٍ، وكان الصحابة يكتبون منه الشيء الكثير، وأمّا كونه معروفاً فلم يكن يتكرّر في حياة الصحابة شيءٌ مثل ما كان يتكرّر من القرآن الكريم، فكانوا أكثر الناس استئناساً به ومعرفةً بسوره وآياته، ويحملون عنها فكرةً واضحةً وتفصيليّةً، فأيّ اختلافٍ قد يقع يعرفه الناس.
إحسان إلهي ظهير:
وقال أحد أعلام الشيعة في الهند رداً على كلام السيد المرتضى: «فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى (المرتضى) معصوماً حتى يجب أن يطاع، فلو ثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقاً لم يلزمنا اتباعه ولا خير فيه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 165):
هذا رأيه عفا الله عنه، وهو بدوره غير معصومٍ حتّى يطاع.
إحسان إلهي ظهير:
وقال الكاشي رداً على الطوسي بعد ما نقل عبارته فقال: «أقول يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزل الله محفوظاً عند أهله، ووجود ما احتجنا إليه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الإمام كذلك»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 166):
قوله: (عند أهله)، قد عرفنا ما فيه فيما سبق فراجع( ).
إحسان إلهي ظهير:
سابعاً: قد ذكرنا سابقاً أن عقيدة الشيعة كلهم في القرآن هو أن القرآن محرف ومغير فيه غير هؤلاء الأربعة فهم ما أنكروا التحريف إلا لأغراض.
منها: سد باب الطعن لأنهم رأوا أن لا جواب عندهم لأعداء الإسلام حيث يعترضون على المسلمين (إلى أي شيء تدعون وليس عندكم ما تدعون إليه)؟
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 167):
هذه استنتاجات عدوٍّ فلا يُعبأ بها. وقد حملنا فكرةً سابقةً عن جوابها( ).
إحسان إلهي ظهير:
وكان أهل السنة يطعنون عليهم: «أين ذهب حديث الثقلين عند عدم وجود الثقل الأكبر؟ وكيف تدعون الإسلام بعد إنكار شريعة الإسلام»؟
فما وجدوا منه مخلصاً إلا بإظهار الرجوع عن العقيدة المتفق عليها عند الشيعة الإمامية كافة، ونقول ظاهراً لأنهم يبطنون نفس العقيدة وإلا فما يبقى لهم مجال للبقاء على تلك المهزلة التي سميت بمذهب الشيعة، وقد تخلصوا منه أيضاً بالتحريف في المعنى حيث يؤولون القرآن بتأويل لا يقبله العقل، ولا يؤيده النقل، وقد اعترف بهذا السيد الجزائري حيث قال بعد ذكر اتفاق الشيعة على التحريف: نعم قد خالف فيها المرتضى، والصدوق، والشيخ الطبرسي، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير، ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل… والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها سد باب الطعن فيه -ثم يبين أنه لم يكن إلا لهذه المصالح بقوله-: «كيف هؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا ثم غيرت إلى هذا»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 168):
عرفنا الجواب على ذلك فلا نكرّر( ).
إحسان إلهي ظهير:
وفعلاً فقد أورد هؤلاء الذين أظهروا الموافقة لأهل السنة في القرآن، أورد هؤلاء أنفسهم روايات في كتبهم تدل صراحة على التحريف والتغيير في القرآن، فنحن ذكرنا قبل ذلك أن ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق أحد الأربعة أنكر التحريف في (الاعتقادات) وأثبته في كتاب آخر، وهكذا أبو علي الطبرسي يتظاهر بالاعتقاد عدم التحريف ولكنه في تفسيره يعتمد على أحاديث وروايات تدل على التحريف.
وأما الشيخ الطوسي الملقب بشيخ الطائفة، فقد قال الشيعة أنفسهم في تفسيره: ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب (التبيان) أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 169):
هذا لا إشكال فيه لعدّة مصالح؛ منها: وجوب التقيّة، ومنها: إلزام المخالفين بالحقّ، ومنها: إتّباع طريق الحكمة والموعظة الحسنة دون الشتم والسباب الذي هو طريقة هذا المؤلِّف وأمثاله.
إحسان إلهي ظهير:
… ومما يؤكد وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في كتابه (سعد السعود)( ).
ثامناً: أن الأربعة سالفي الذكر لم يكن قولهم مستنداً إلى المتقدمين أو المعصومين عندهم، وهكذا لم يقبله المتأخرون، فهؤلاء أعلام الشيعة وزعمائهم وأكابرهم ينكرون أشد الإنكار قول من يقول بأن القرآن لم يتغير ولم يتبدل، فيقول الملا خليل القزويني، شارح (الصحيح الكافي) المتوفى سنة 1089هـ‍ تحت حديث: «إن للقرآن سبعة عشر ألف آية، يقول: وأحاديث الصحاح تدل على أن كثيراً من القرآن قد حذف، قد بلغ عددها إلى حد لا يمكن إنكاره…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 170):
سبق أن ذكرنا وجهه، وأنَّه محمولٌ على ما سمّيناه بالقرآن المؤجّل، أو محمولٌ على حذف التفسير والتأويل ممّا وصلنا من القرآن الكريم.
إحسان إلهي ظهير:
… وليس من السهل أن يدعي بأن القرآن الموجود هو القرآن المنزل بعد الأحاديث التي مر ذكرها، والاستدلال باهتمام الصحابة والمسلمين بضبط القرآن وحفظه ليس إلا استدلال ضعيف جداً بعد الاطلاع على أعمال أبي بكر وعمر وعثمان»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 171):
هذه الأعمال – وهي: أعمال جمع القرآن الكريم- مرويّةٌ كلّها – فيما أعلم- بطريق العامّة، ليس فيه طريقٌ شيعيّ، فلا يكون حجّةً وإن كثر عددها.
فإن ادّعى أحدهم الاستفاضة أو التواتر.
قلنا: أوّلاً: أنَّ هذا لم يثبت بل تابعٌ لوجدان مدّعيه.
وثانياً: أنَّ التواتر- كما أشرنا- لا يثبت به إلَّا القضيّة المتيقّنة من المجموع، ولا شكّ أنَّها خاليةٌ من إثبات النقيصة، فضلاً عن الزيادة.
إحسان إلهي ظهير:
ويقول المفسر الشيعي الكاشي في مقدمة تفسيره: «المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 172):
هذا رأي الكاشاني وليس حجّةً على غيره، ولو سلّمناه فقد فسّرنا معنى النقيصة وتحدّثنا عنها وعن الزيادة فلا نعيد.
إحسان إلهي ظهير:
… منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعهم، ومنها غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضى عند الله وبه قال إبراهيم»( ).
ويقول: أما اعتقاد مشايخنا -رحمهم الله- في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 173):
قوله: (فالظاهر… الخ). قلنا إنَّ مجرّد ورود الرواية في كتابٍ لا يعني أخذ المؤلِّف بها. وقلنا أنَّ هؤلاء المؤلِّفين كانت نظرتهم إلى حفظ الحديث موسوعيّةً وشاملةً ولا تختصّ بالأخبار الصحاح.
إذن، فاستنتاج هذا الظهور باطل.
إحسان إلهي ظهير:
… لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه (الكافي) ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه يثق بما رواه فيه…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 174):
قوله: (يثق بما رواه فيه)، يراد بذلك الوثوق في السند لا الوثوق بالدلالة، ووثوقه بالسند اجتهاديٌّ قابلٌ للمناقشة من قبل أيّ مجتهدٍ آخر. ولا ينبغي أن نغفل: أنَّ الأخبار فيها ما هو متعارضٌ وفيها ما هو غير معقولٍ ونحو ذلك، مهما كان عدده، فكيف يثق بكلِّ الأخبار مع ما فيها، والكافي وحده يحتوي على ذلك جزماً. ومنه يظهر الحديث في آراء مَن يذكرهم المؤلِّف خلال الأسطر التالية.
إحسان إلهي ظهير:
… وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي فإن تفسيره مملوء وله غلو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي أيضاً نسج على منوالهما في كتابه (الاحتجاج) ( ).
وقال المقدس الاردبيلي العالم الشيعي الكبير ما معناه: «إن عثمان (الخليفة الراشد) قتل عبد الله بن مسعود بعد أن أجبره على ترك المصحف الذي كان عنده وأكرهه على قراءة ذلك المصحف الذي ألفه ورتبه زيد بن ثابت بأمره، وقال البعض أن عثمان أمر مروان بن الحكم، وزياد بن سمرة، الكاتبين له أن ينقلا من مصحف عبد الله ما يرضيهم ويحذفا منه ما ليس بمرضى عندهم ويغسلا الباقي»( ).
وذكر خاتمة مجتهديهم الملا محمد باقر المجلسي في كتابه: «إن الله أنزل في القرآن سورة النورين( ) وهذا نصها: بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين آمنوا بالنورين أنزلناهما عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنات النعيم، والذين كفروا من بعد آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا لوصي الرسول أولئك يسقون من حميم… – إلى أن ذكر عدة آيات ثم قال -: لما أسقط أولئك الفجرة حروف آيات القرآن وقرؤوها كما شاءوا»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 175):
قلنا: إنَّ مثل هذه (السور) تفضح نفسها بنفسها؛ لما فيها من الركاكة في اللّفظ، وإن كان مضمونها حقّاً، إلَّا أنَّ أُسلوبها لا يشبه متانة القرآن ورصانته، مضافاً إلى أنَّها لو كانت مرويّةً فهي روايةٌ ضعيفةٌ مرسلةٌ لا حجّيّة فيها، على أنَّنا قلنا: إنَّ نصّ القرآن لا يثبت حتّى بخبر الواحد الصحيح، فضلاً عن الضعيف.
إحسان إلهي ظهير:
وكتب الميرزا محمد باقر الموسوي: «أن عثمان ضرب عبد الله بن مسعود ليطلب منه مصحفه حتى يغيره ويبدله مثل ما اصطنع لنفسه حتى لا يبقى قرآن محفوظ صحيح»( ).
ويقول الحاج كريم خان الكرماني الملقب (بمرشد الأنام) في كتابه: «إن الإمام المهدي بعد ظهوره يتلو القرآن، فيقول المسلمون هذا والله هو القرآن الحقيقي الذي أنزله الله على محمد، والذي حرف وبدل»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 176):
هذا وما بعده من آراءٍ ليست روايةً ولا حجّةً، وهي اجتهادات بعض العلماء المتأخّرين، وقابلةٌ للمناقشة، وقد عرفنا مناقشاتها، فلا نعيد.
إحسان إلهي ظهير:
ويقول المجتهد الشيعي الهندي السيد دلدار علي الملقب (بآية الله في العالمين) يقول: ومقتضى تلك الأخبار أن التحريف في الجملة في هذا القرآن الذي بين أيدينا بحسب زيادة الحروف ونقصانه بل بحسب بعض الألفاظ وبحسب الترتيب في بعض المواقع قد وقع بحيث مما لا يشك مع تسليم تلك الأخبار( ).
ويصرح عالم شيعي آخر: أن القرآن هو من ترتيب الخليفة الثالث ولذلك لا يحتج به على الشيعة( ).
وقد ألف العالم الشيعي الميرزا النوري الطبرسي في ذلك كتاباً مستقلاً كبيراً سماه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) وقد ذكرنا عدة عبارات قبل ذلك منه، وقال في مقام آخر: «ونقصان السورة وهو جائز كسورة الحقد وسورة الخلع( ) وسورة الولاية»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 177):
المؤلِّف يتكلَّم هذا الكلام ولكنّه لا يحدّد الصفحة في (فصل الخطاب) فإن كان صادقاً فليذكرها. نعم، في العبارة المنقولة عنه اسم (سورة الولاية) وليس نصّها، والصافي ينفي وجود نصّها( )، وليس اسمها.
إحسان إلهي ظهير:
وقد ذكرنا عبارات المتقدمين منهم والمتأخرين قبل ذلك فلا فائدة لتكرارها.
والحاصل أن متقدمي الشيعة ومتأخريهم تقريباً جميعهم متفقون على أن القرآن محرف…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 178):
هذا الحاصل بلا حاصل.
إحسان إلهي ظهير:
… مغير فيه، محذوف منه حسب روايات (الأئمة المعصومين) -كما يزعمون- فها هو المحدث الشيعي يقول وهو يذكر القراءات المتعددة: «الثالث أن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 179):
سبق أن ناقشنا مثله، فراجع( ).
إحسان إلهي ظهير:
أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول أن الشيعة يعتقدون بالقرآن ويقولون أنه لا زائد على ما بين الدفتين ولا ناقص منه؟
ثم ما عذر من اعتذر منهم أنها روايات ضعيفة وقليلة لا غير كما توجد بعض الروايات عند أهل السنة.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 180):
هذه تدلّ على وجود أخبار التحريف عند أهل السنّة أيضاً، إلَّا أنَّ المؤلِّف بسبب تعصّبه ترك ذكرها. لكي لا يُقال له: كما ورد عند الشيعة ورد عند السنة، فما تجيب به عن السنّة نجيب به عن الشيعة، فيرتفع الإشكال عن الشيعة. إلَّا أنَّ هذه العبارة تسجّل الإشكال عليه.
إحسان إلهي ظهير:
فهل هناك مسألة بعض الروايات أم مسألة الاعتقاد والإيمان فإن كان بعض الروايات فلِمَ التصريح من أئمة الشيعة وأكابرها بوقوع التحريف والنقصان في القرآن؟ ولِمَ الرد على من قال بعدم وقوع التحريف ولو نفاقاً، وتقية، وخداعاً للمسلمين؟!!
وأيضاً ليس الروايات قليلة أو ضعيفة عند الشيعة بل الروايات في هذا بلغت حد التواتر عند الشيعة وتزيد على ألفي رواية في قول، وأكثرها في صحاحهم الأربعة.
عقيدة أهل السنة في القرآن؟
وأما القول بأن مثل هذه الروايات توجد عند السنة فليس إلا تحكم وتجبر، فالحق أنه لا يوجد في كتب أهل السنة المعتمد عليها رواية واحدة صحيحة تدل على أن القرآن الذي تركه رسول الله عند وفاته نقص منه أو زيد عليه بل صرح أهل العلم من المسلمين بأن من يعتقد مثل هذا فقد خرج عن الملة الحنيفية، البيضاء، كما أنهم نصوا على أن الشيعة هم القائلون بهذا القول الخبيث.
فهذا الإمام ابن حزم الظاهري يقول في كتابه العظيم (الفصل في الملل والنحل) ما نصه: «ومن قول الإمامية كلها قديماً وحديثاً أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير وبدل منه كثير» -ثم يقول-: «بأن بين اللوحين تبديلاً كفر صريح وتكذيب لرسول الله»( ).
وقال أيضاً رداً على قول الشيعة بأن القرآن محرف ومغيّر فيه فقال: واعلموا أنه لو رام اليوم أحد أن يزيد في شعر النابغة أو شعر زهير كلمة أو ينقص أخرى ما قدر لأنه كان يفتضح في الوقت، وتخالفه النسخ المثبتة، فكيف القرآن في المصاحف وهي من آخر الأندلس، وبلاد البربر، وبلاد السودان إلى آخر السند، وكابل، وخراسان، والترك، والصقالبة، وبلاد الهند فما بين ذلك فظهر حمق الرافضة، وقال قبل ذلك بأسطر: «وإن لم يكن عند المسلمين إذ مات عمر ألف مصحف من مصر إلى العراق، إلى الشام، إلى اليمن فما بين ذلك، فلم يكن أقل، ثم ولى عثمان فزادت الفتوح واتسع الأمر فلو رام أحد إحصاء مصاحف أهل الإسلام ما قدر»( ).
وهو الذي قال في كتابه (الأحكام): «ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهد الله إلينا، والذي ألزمنا الإقرار به والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذين لا مجال للشك فيهم أن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف، المشهور في الآفاق كلها وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصل المرجوع إليه لأننا وجدنا فيه «ما فرطنا في الكتاب من شيء»( ).
وقال الأصولي الشافعي المعروف: «الأول في الكتاب أي القرآن وهو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف تواتراً»( ).
وقال الشارح على هذا: «والمصنف اقتصر على ذكر النقل في المصاحف تواتراً لحصول الاحتراز بذلك عن جميع ما عدا القرآن، لأن سائر الكتب السماوية وغيرها من الأحاديث الإلهية والنبوية ومنسوخ التلاوة لم ينقل شيء منها بين دفتي المصاحف لأنه اسم لهذا المعهود المعلوم عند جميع الناس حتى الصبيان»( ).
وقال الأصولي الحنفي:
«أما الكتاب فالقرآن المنزل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة»( ).
وقال الآمدي: «وأما حقيقة الكتاب هو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف نقلاً متواتراً»( ).
وقال السيوطي بعد ما ذكر الأقوال بأن القرآن جمعه وترتيبه ليس إلا توقيفاً، قال: «قال القاضي أبو بكر في الانتصار: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو هذا الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه».
وقال البغوي في شرح السنة: «إن الصحابة -رضي الله عنهم- جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئاً»( ).
وقال الخازن في مقدمة تفسيره: «وثبت بالدليل الصحيح أن الصحابة إنما جمعوا القرآن بين الدفتين كما أنزله الله عز وجل على رسول الله من غير أن زادوا فيه أو نقصوا منه شيئاً… فكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا أو أخروا شيئاً، أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله… فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على النحو الذي هو في مصاحفنا الآن»( ).
وقال القاضي في الشفاء: اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف بشيء منه، أو سها، أو كذب به، أو جحده، أو جزءاً منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو اثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ( ).
هذا وقد بوب الإمام البخاري باباً في صحيحه بعنوان (باب من قال لم يترك النبي إلا ما بين الدفتين)، ثم ذكر تحت ذلك حديثاً: إن ابن عباس قال في جواب من سأل: أترك النبي من شيء؟ قال: «ما ترك إلا ما بين الدفتين، وهكذا قاله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية»( ).
فهذا ما رواه بخارينا وذاك ما رواه بخاريهم، وهذا ما قاله أئمة أهل السنة وذلك ما قاله أئمتهم.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 181):
سبق أن عرفنا الأمر مفصّلاً، على أنَّ التعبير بـ (البخاري) عن (الكافي) سوء ذوقٍ وسوء أدبٍ من زاوية شيعيّة، ولكنّه من زاوية سنيّة احترام كبير؛ لأنَّه تشبيه له بأعظم الكتب عندهم.
إحسان إلهي ظهير:
وهناك نصوص أخرى في هذا المعنى، فيقول الإمام الزركشي في كتابه (البرهان) بعد ذكر قول القاضي في (الانتصار) وذلك دليل على صحة نقل القرآن وحفظه وصيانته من التغيير، ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص، كيف وقد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وقوله: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجود الغلط والتخليط، وذلك يوجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة وسلامته»( ).
وقد ذكر مفسرو أهل السنة تحت آية  وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ بأن القرآن محفوظ عن أي تغيير وتبديل وتحريف، وكاد أن يتفق على هذا كلهم وشذّ من ندر، فمثلاً يقول الخازن في تفسيره: (وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون)، يعني من الزيادة فيه والنقص والتغيير والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفاً واحداً، أو كلمة واحدة، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان، ولما تولى الله عز وجل حفظ هذا الكتاب بقي مصوناً على الأبد، محروساً من الزيادة والنقصان»( ).
وقال النسفي في تفسيره تحت هذه الآية إِنَّا نَحْنُ: «فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع وأنه هو نزله محفوظاً من الشياطين، وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيون والأحبار فيما بينهم بغياً فوقع التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه»( ).
وقال الإمام ابن كثير: «ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل»( ).
وقال الفخر الرازي: «وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة، والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ وقال:  وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا( )، فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله فلا خوف عليه…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 182):
هذا الإشكال وارد على هذا الفهم السنّي للآية الكريمة، وجوابه مبتنٍ على القول بالجبر الذي يقولون به، ولا نقول به. وقد عرفنا فيما سبق معنى حفظ القرآن فلا نعيد، والعبارة التي بعدها من (الفخر الرازي)( ) أعتقد أنَّها من المخازي وتدلّ على جهله ومبالغاته.
إحسان إلهي ظهير:
… والجواب أن جمعهم القرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه قال لما أن حفظه قيضهم لذلك – إلى أن قال -: إن أحداً لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا، فهذا هو المراد من قوله: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ: واعلم أنه لم يتفق بشيء من الكتب مثل هذا الحفظ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات»( ).
كتب الشيعة لإثبات التحريف
فهذه عقيدة السنة في القرآن وهذه هي أقوال علمائهم الكبار، بعكس ذلك أن الشيعة ما اقتصروا على سرد الروايات والأحاديث خلاف ذلك من أئمتهم ومعصوميهم فحسب بل قد صنفوا في هذا في كل عصر من العصور كتباً مستقلة تحت عنوان (التغيير والتحريف في القرآن) وأفردوها لنقل هذه العقيدة الخبيثة وإثباتها بالأدلة والبراهين حسب زعمهم.
فقد صنف في ذلك شيخ الشيعة الثقة عندهم (أحمد بن محمد بن خالد البرقي) كتاب (التحريف)، كما ذكره الرجالي الشيعي المشهور الطوسي في كتاب (الفهرسة) والنجاشي في كتبه.
وأبوه محمد بن خالد البرقي صنف أيضاً (كتاب التنزيل والتغيير)، كما ذكره النجاشي.
والشيخ الثقة الذي لم يعثروا له زلة في الحديث حسب قولهم (علي بن الحسن بن فضال) فقد أفرد في هذا الباب (كتاب التنزيل من القرآن والتحريف).
ومحمد بن الحسن الصيرفي صنف في هذا (كتاب التحريف والتبديل) كما ذكر الطوسي في الفهرست.
وأحمد بن محمد بن سيار (كتاب القراءات) وهو أستاذ لمفسر شيعي معروف ابن الماهيار – كما ذكر في (الفهرست) و(الرجال) للنجاشي.
وحسن بن سليمان الحلي (التنزيل والتحريف).
والمفسر الشيعي المشهور محمد بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام له (كتاب قراءة أمير المؤمنين وقراءة أهل البيت).
وأبو طاهر عبد الواحد بن عمر القمي له كتاب (قراءة أمير المؤمنين) ذكره ابن شهر آشوب في معالم العلماء.
وذكر علي بن طاووس (الشيخ الجليل لهم) في كتابه (سعد السعود) كتباً أخرى في هذا الموضوع، فمنها: (كتاب تفسير القرآن وتأويله وتنزيله) ومنها: كتاب (قراءة الرسول وأهل البيت) ومنها: (كتاب الرد على أهل التبديل) كما ذكره ابن شهر آشوب في مناقبه، ومنها: كتاب (السياري)( ).
وكما صنف المتقدمون في هذا الموضوع صنف أيضاً المتأخرون منهم، فمنها: الكتاب المعروف المشهور (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) للميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي المتوفي 1320هـ ‍وهو كتاب شامل مفصل بحث فيه المحدث الشيعي بحثاً وافياً في إثبات التحريف في القرآن ورد على من أنكر أو أظهر التناكر من الشيعة ثم أردفه بكتاب آخر: (لرد بعض الشبهات عن فصل الخطاب)( ).
وفي القارة الهندية أيضاً صنف الشيعة كتباً عديدة في إثبات وإظهار هذه العقيدة الباطلة، فقد ألف أحد علمائها من الشيعة كتاباً سماه (تصحيف كاتبين، ونقص آيات كتاب مبين) واسمه ميرزا سلطان أحمد الدهلوي.
(وضربة حيدرية) للسيد محمد مجتهد اللكنوي، وغير ذلك من الكتب الكثيرة التي ألفت في اللغة الفارسية، والعربية، والأردية.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 183):
الكتاب ناقص هنا أيضاً صفحتان [أي: 148-149].
والذي أعرفه أنَّ هذا الكتاب (ضربة حيدريّة) ليس خاصّاً للقول بالتحريف، بل قد لا يكون ذلك مذكوراً فيه أصلاً، وإنَّما هو دسّ من هذا المؤلِّف. وقد يكون كثيراً من الكتب التي ذكرها هكذا، غير أنَّ نقصان (التصوير) أوجب جهلنا بما ذكره، ويكفي ما ذكره المؤلِّف في الهامش من أنَّ كتاب النوري الطبرسي وثيقةٌ مهمّةٌ، وهذا معناه أنَّه لم يجد غيره، وأنَّ غيره مدسوسٌ، وقد عرفنا حال هذا الكتاب للحاجّ النوري أيضاً.
إحسان إلهي ظهير:
وهناك كثيرون منهم، الذين بوبوا لبيان هذه العقيدة المتفقة عليها عندهم، فمنهم أستاذ الكليني علي بن إبراهيم القمي، والثاني شيخهم الأكبر في الحديث محمد بن يعقوب الكليني، والسيد محمد الكاظمي في (شرح الوافية) وسماه (باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة)، والشيخ الصفار في كتابه (البصائر، باب في الأئمة أن عندهم جميع القرآن الذي أنزل على رسول الله)، وسعد بن عبد الله في كتابه (ناسخ القرآن ومنسوخه) باباً باسم (باب التحريف في الآيات)، وهلم جراً.
ولا يخلو كتاب من كتبهم في الحديث والتفسير، والعقائد، والفقه، والأصول، لا يخلو من قدح بالقرآن العظيم.
ونحن ندعو الذين ينكرون هذا الاعتقاد من الشيعة ونسألهم: ما دمتم ادعيتم أنه لم يزد على كتاب الله ولم ينقص منه فماذا تقولون في من يعتقد مثل هذا الاعتقاد؟
هل تكفرونه؟ لأنه مما يوجب التكفير، وهل تفتون أنه خرج عن الملة الحنيفية البيضاء؟ كما أفتى به أئمة أهل السنة وعلمائها وزعمائها، فلننظر إلى أي حد تستعملون التقية والخداع للمسلمين.
وهذا مما لا شك فيه كما أثبتنا في بحثنا الطويل أن الشيعة قاطبة، وفي كل عصر من عصور الإسلام قد اعتقدوا بهذا الاعتقاد ويعتقدونه إلى الآن، وليس إنكارهم مبنياً على الصدق والحقيقة ولكنه الشرود والفرار من إيرادات المسلمين وطعن الطاعنين، أو شعورهم بكشف السر المكنون، وافتضاح الأمر المستور( ).

والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين…

 

 

الباب الثالث
الشّيعة والكذب

 

 

 




الشيعة والكذب

السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 184):
يقصد الحديث عن التقيّة لدى الشيعة، وكلامه واستنتاجاته إنَّما صدرت منه بصفته عدوّاً ناصباً، فلا حجّيّة فيها، ولا ركون إليها، ولا صحّة لها.
والشيعة يعترفون بالتقيّة لا محالة؛ لأنَّها واردةٌ عن الأئمّة المعصومين في الأخبار الصحيحة الكثيرة، وقد كتبنا بحثاً عن التقيّة، بيّنا فيها مصالحها ومفاهيمها فراجع( )، وليس فيها أنَّها راجعةٌ إلى الكذب. نعم، لو استلزمت التقيّة الكذب لأصبح جائزاً، بل واجباً أحياناً. وهذا ليس بدعاً في الشريعة؛ فإنَّ الشريعة أباحت كلّ حرامٍ أصبح مورداً للضرورة حتّى الزنا، قال الله تعالى: وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ).
والتقيّة غالباً، بل دائماً، تعني الضرورة والضرر عند مخالفتها، فمن الطبيعي أن تقتضي القاعدة العامّة جواز الكذب.
على أنَّ الكذب أحياناً أُخرى يكون جائزاً كما في إصلاح ذات البين، أو وجود مصلحةٍ عامّةٍ ضروريّةٍ فيه، أو حفاظاً على إيمان شخصٍ أو أكثر، ونحو ذلك.
إحسان إلهي ظهير:
لا يتلفظ بلفظ الشيعة إلا ويتجسم الكذب معه، كأنهما لفظان مترادفان لا فرق بينهما، فتلازما من أول يوم أسس فيه هذا لمذهب وكون فيه هذا، فما كان بدايته إلا من الكذب وبالكذب.
ولما كان التشيع وليد الكذب أعطوه صبغة التقديس والتعظيم، وسموه بغير اسمه، واستعملوا له لفظة (التقية) وأرادوا بها إظهاراً بخلاف ما يبطنون، وإعلاناً ضد ما يكتمون، وبالغوا في التمسك بها حتى جعلوها أساساً لدينهم وأصلاً من أصولهم إلى أن نسبوا إلى بعض أئمتهم -المعصومين عندهم- أنه قال: كما يرويه بخاريهم محمد بن يعقوب الكليني: «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له» قاله أبو جعفر، الإمام الخامس – حسب زعمهم( ).
وروى الكليني أيضاً عن أبي عمر الأعجمي أنه قال: «قال لي أبو عبد الله: يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له»( ).
وأكثر من ذاك فقد روى الكليني هذا في صحيحه «عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله التقية من دين الله، قلت: ومن دين الله؟ قال: إي والله من دين الله»( ).
فهذا هو دينهم الذي يدينونه، وهذا هو معتقدهم الذي يعتقدونه، فما هو إلا كتمان للحق وإظهار للباطل، فقد وضعوا لهذا حديثاً فقالوا:
عن سليمان بن خالد قال: «قال أبو عبد الله: يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله» ( ).
وكيف هذا مع ذاك: يا يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 185):
الأوامر بالتبليغ التي تدلّ عليها هذه الآيات الكريمة لا تنافي التقيّة، ولا الأمر بالكتمان. نعم، هو ينافي التبليغ المطلق أو العامّ لكلِّ أحدٍ بكلِّ شيء. وهذا غير محتملٍ صحّته، بل غير محتملٍ جوازه في الشريعة، ولم يقل به أحد، ويدلّ على ذلك عدّة أُمور:
أوّلاً: ما ورد من أنَّه: «كلّموا الناس على قدر عقولهم»( ).
ثانياً: ما ورد من أنَّه: «دعوا الناس على غفلاتهم»( ).
ثالثاً: وجوب كتم الأسرار الإلهيّة.
رابعاً: ضرورة التدرّج في التعليم، ولا يمكن أن يفهم الفرد ما كان أعلى من مستواه من العلوم.
خامساً: ضرورة التدرّج في التربية النفسيّة والروحيّة، وعدم تكليف الفرد ما لا يطيق.
سادساً: حرمة بثّ أُمورٍ ومعانٍ قد توجِد الشبهة والمضاعفات في أذهان الناس، أفراداً ومجتمعات.
سابعاً: حرمة بثّ أُمورٍ ومفاهيم قد توجد مشاكل اجتماعيّة أو اقتصاديّة للمجتمع أو حرباً مثلاً، إلى غير ذلك.
وكلّ ذلك يقتضي ويستدعي كتمان بعض الحقائق لا محالة. فمَن يقول بلزوم تفهيم كلّ شيءٍ لكلِّ أحدٍ مجنونٌ لا محالة.
والنتيجة: أنَّ الآيات الكريمة التي تأمر بالتبليغ مقيّدةٌ ذاتاً أو بالدليل الخارجي، أعني: بقرينةٍ متّصلةٍ أو منفصلةٍ بأن لا يكون الحال مورداً للكتمان، وإلَّا لزم ذلك جزماً. وهذا جوابٌ عامٌّ على كلِّ ما ذكره المؤلِّف من الأدلّة. على أنَّ بعض الأدلّة لا دلالة لها على مقصوده بالمرّة.
إحسان إلهي ظهير:
وقد قال الله عز وجل:  فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( ).
وقال رسوله في حجة الوداع معلناً دينه ومظهراً كلمته: «ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع»( ).
وقال: نضر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع«( ).
وقال: «بلغوا عني ولو آية»( ).
ومدح الله سبحانه وتعالى أنبيائه ورسله بقوله: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ( ).
كما مدح أصحاب رسول الله حيث قال: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ( ).
وقال: وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ( ).
وذم المنافقين على كذبهم فقال: إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 186):
هذه أدلّة على حرمة الكذب لا على حرمة التقيّة، بعد أن عرفنا الفرق، وهو بونٌ شاسعٌ.
إحسان إلهي ظهير:
وبيّن أوصافهم:  وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ( ).
ثم بين جزائهم وقال: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً( ).
ونهى رسول الله عن الكذب وذمه، وأمر بالصدق ومدحه كما يرويه البخاري ومسلم: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً»( ).
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: سمعت رسول الله يقول: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدق وأنت به كاذب»( ).
التقية دين وشريعة
ذاك ما يعتقده المسلمون بأمر من الله ووصية من رسوله الله، أما الشيعة فقد أدخلوا الكذب في المعتقدات حتى معتقداتهم الأساسية.
فها هو صدوقهم وشيخ محدثيهم محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي يقول في رسالته المعروفة (الاعتقادات):
التقية واجبة، من تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة -وقال-: «التقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى، وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة، وسئل الصادق عن قول الله عزّ وجل:  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ قال: أعملكم بالتقية»( ).
وكيف لا يكون من المعتقدات الأساسية عندهم وقد نسبوا إلى رسول الله كذباً -حياً وميتاً- أنه قال: «مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد بلا رأس له»( ).
ونقلوا عن إمامهم المعصوم -الأول حسب زعمهم- علي بن أبي طالب عنه أنه قال: «التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه من الفاجرين»( ).
وعن الإمام الثالث -حسين بن علي أنه قال: «لولا التقية ما عرف ولينا من عدونا»( ) -كأنّ الكذب معيار لمعرفة الشيعة-.
وعن الإمام الرابع – علي بن الحسين أنه قال: «يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين ترك التقية – يا للذنب – وترك حقوق الإخوان»( ).
وعن الإمام الخامس – محمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر أنه قال: «وأي شيء أقر لعيني من التقية، إن التقية جنة المؤمن»( ).
وقال: «خالطوهم بالبرانية (أي ظاهراً) وخالفوهم بالجوانية (باطناً)( ) إذا كانت الإمرة صبيانية»( ).
وعن الإمام السادس – جعفر بن الباقر الملقب بالصادق والمكنى بأبي عبد الله أنه قال: «لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلي من التقية يا حبيب! (اسم الراوي) إنه من كانت له تقية رفعه الله يا حبيب! ومن لم تكن له تقية وضعه الله»( ).
وعن الإمام السابع – موسى بن جعفر أنه كتب إلى أحد مريديه علي بن سويد: «ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا (هذا باطل) وإن كنت تعرف خلافه، فإنك لا تدري لِمَ قلناه وعلى أي وجه وضعناه، آمن بما أخبرتك ولا تفشِ ما استكتمتك»( ).
وعن الإمام الثامن – علي بن موسى أنه قال: «لا دين لمن لا ورع له ولا إيمان لمن لا تقية له. وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، فقيل له يا بن رسول الله إلى متى؟ قال إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا»( ).
فهذه هي عقيدتهم في الكذب وتقديسهم له وغلوهم فيه.
وهل بعد هذا يمكن لأحد أن يعتمد عليهم، ويصدّق قولهم، ويمشي معهم، ويتفق بهم، ولقد صدق عالم شيعي هندي السيد (إمداد إمام) حين قال: «إن مذهب الإمامية ومذهب أهل السنة عينان تجريان إلى مختلف الجهات، وإلى القيامة تجريان هكذا متباعدتين لا يمكن اجتماعهما أبداً»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 187):
هذا وما بعده لو نظرنا إلى الواقع فهو صادقٌ وصحيحٌ، وكلّ مذهبين أو دينين أو فكرتين – أعني: أيديولوجيّتين- الأمر فيهما كذلك، أي: إنَّهما لا يجتمعان وإلَّا اعتبرا واحداً لا اثنين، وهذا واضح. وإنَّما هما اثنان مادام بينهما خلافٌ نظريٌّ أو عمليٌّ.
وإنَّما المهمّ الذي يستثنى من ذلك هو الاجتماع على صفة الإسلام للوقوف بوجه العدوّ المشترك، كما سبق أن ذكرنا فلا نكرّر( ).
إحسان إلهي ظهير:
وصدق الخطيب رحمه الله في عنوان رسالته (الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثني عشرية واستحالة التقريب بينهما وبين أصول الإسلام في جميع مذاهبه وفرقه).
فكيف الجمع بين الصدق والكذب؟ وكيف الاجتماع بين الصادق والكاذب؟ وليس الكاذب فحسب بل الكاذب الذي يظن الكذب ضرورياً، واجباً عليه، وأكثر من هذا يعتقده من أعظم القربات إلى الله.
التقية ليس إلا كذباً محضاً
وقد تناكر بعض الشيعة، وتظاهروا: «بأنهم لا يريدون بالتقية الكذب بل يقصدون بها كتمان الأمر صيانة للنفس ووقاية للشر».
والحقيقة أنه ليس كذلك بل كذبوا في هذا أيضاً لأنهم لا يريدون من التقية إلا الكذب والخداع، والتظاهر بغير ما يبطنونه.
فها هي الشواهد والبراهين على ذلك:
يروي محمد بن يعقوب الكليني في صحيحه (الكافي في الفروع) عن أبي عبد الله: «أن رجلاً من المنافقين مات فخرج الحسين بن علي صلوات الله عليهما يمشي معه، فلقيه مولى له فقال له الحسين: أين تذهب يا فلان، قال: فقال: أفر من جنازة هذا المنافق أن أصلي عليها، فقال له الحسين: انظر أن تقوم على يميني فما تسمع أقول فقل مثله، فلما أن كبر عليه وليه قال الحسين: الله أكبر، اللهم العن فلاناً عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللهم اجز عبدك في عبادك وبلادك، واصله حر نارك، وأذقه أشد عذابك، فإنه كان يتولى أعدائك، ويعادي أوليائك، ويبغض أهل بيت نبيك»( ).
وثم نسبوا مثل هذا الكذب إلى رسول الله وافتروا عليه حيث قالوا: «عن أبي عبد الله قال لما مات عبد الله بن أبي بن سلول حضر النبي جنازته، فقال عمر لرسول الله: ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فسكت فقال يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فقال له: ويلك ما يدريك ما قلت لك؟ إني قلت اللهم احش جوفه ناراً واملأ قبره ناراً وأصله ناراً، قال أبو عبد الله فأبدا من رسول الله ما كان يكره»( ).
فهذه عقيدة الشيعة في التقية أن رسول الله كان يخدع الناس (عياذاً بالله) حيث كان يظهر أنه يستغفر للمنافق الذي منعه الله من الاستغفار له…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 188):
ليس في الرواية أيّ دلالةٍ على أنَّ النبيّ كان يظهر الاستغفار للمنافق، كما هو واضح لمَن يراجعها. إذن، فالاستنتاج الذي ذكره المؤلِّف استنتاجٌ باطلٌ.
إحسان إلهي ظهير:
… وهكذا كان يظهر مخالفة أوامر الله ونواهيه حيث كان يعمل هو نفسه غير ما يعمله أصحابه حسب ما يرونه من رسول الله، لأنهم ما كانوا يعلمون أن رسول الله كان يدعو له أو عليه، فالرسول كان يلعن شخصاً حيث كان رفقاه يسترحمون له في نفس الوقت؟ فكان سره يخالف علانيته…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 189):
هذا أيضاً ممّا لا تدلّ عليه الرواية بأيّ حال.
إحسان إلهي ظهير:
… وظاهره يخالف باطنه، حيث عمر ما كان يريد ذلك -حسب روايتهم-.
ولك أن تسأل أي شيء كان يخوف رسول الله حتى أقهر على الصلاة على عبد الله بن أبي مع أن الإسلام كان قوياً آنذاك وما نافق ابن أبي إلا خوفاً من الإسلام وشوكته، وطمعاً في منافعه وفوائده، فما صاغ الشيعة هذه الفرية إلا لإثبات عقيدتهم النجسة أن رسول الله كان يعمل بالتقية أي الكذب كما كان أئمتهم يعملون بها…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 190):
نعترف أنَّ رسول الله كان يعمل بالتقيّة بمعناها الصحيح في المورد الصحيح، وأوضح مثال لذلك: هو أنَّه بدأ الدعوة السريّة عدّة سنوات إلى أن أمره الله تعالى بإظهارها وإعلانها؛ وما ذلك إلَّا لأنَّه كان في إعلانها ضررٌ عليه وعليها، وهذا أحد مصالح وأسباب التقيّة، ومن تلك الموارد: إعطاؤه وأخذه الأزواج من المنافقين من الصحابة؛ وذلك لأجل الأمل في هدايتهم وجلبهم إلى الطريق الصحيح، مضافاً إلى أنَّه قد يكفى شرّهم ومكرهم. وهذا أيضاً أحد مصالح وأسباب التقيّة، إلى غير ذلك من الأمثلة.
إحسان إلهي ظهير:
… فهذه هي التقية عند الشيعة التي يدعون أنها ليس إلا كتماناً الأمر صيانة للنفس ووقاية للشر، فهل يشك أحد في أن هذه هي عين النفاق والكذب.
وهناك رواية أخرى تصرح بأنها نفاق محض فيروي الكليني في كتاب الروضة من الكافي «عن محمد بن مسلم قال دخلت على أبي عبد الله وعنده أبو حنيفة فقلت له جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة، فقال لي يا بن مسلم! هاتها إن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، فقلت: رأيت كأني دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوزاً كثيراً ونثرته علي، فتعجبت من هذه الرؤيا، فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتحاول لئاماً في مواريث أهلك فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله، فقال أبو عبد الله: أصبت والله يا أبا حنيفة!
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 191):
هذه الرواية لا دليل على صحّة سندها.
إحسان إلهي ظهير:
قال: ثم خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت له: جعلت فداك إني كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا بن مسلم! لا يسوءك الله فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال فقلت له: جعلت فداك. فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ؟ قال: نعم حلفت عليه أنه أصاب الخطأ»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 192):
لم يقل الإمام (صدقت) أو (حقّ ما تقول)، بل قال: (أصبت)، والإصابة هو التقاء شيء بشيءٍ، كإصابة الحجر للحائط أو السهم للهدف أو المرض للإنسان أو المال للفقير، وهكذا. فمن ناحية الكلام يمكن أن يكون الفرد قد أصاب الحقّ أو أصاب الخطأ والباطل، وهذا من ألفاظ التقيّة التي نعترف بضرورة استعمالها أحياناً.
إحسان إلهي ظهير:
ومعروف أن أبا حنيفة رحمه الله ما كان ذا سلطة وشوكة حتى يهاب ويخاف منه، بل كان مبغوضاً عند أصحاب الحكم والجاه وناقماً عليهم.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 193):
التقيّة من أبي حنيفة( ) ليس لأنَّه ذو سلطةٍ وشوكة، بل للتقيّة أسباب عديدة، يكفي منها الآن أن نعرف أنَّه كان معروفاً بين أهل مذهبه بأنَّه عالم متبحّر، وهذا ما لا يُريد الإمام نفيه، بل كان من المصلحة احترام هذا الرجل وتأكيد علمه، حتّى لا توجد مضاعفات بين قومه.
إحسان إلهي ظهير:
ثم هو لم يطلب من أبي عبد الله جعفر أن يمدحه ولا أن يوجه السائل عن الرؤيا إليه بل أبو عبد الله نفسه مدحه ووجه محمد بن مسلم أن يسأله تعبير الرؤيا، ولما أجابه، صوبه، وحلف له، ولكن بعد توليه خطأه وتبرأ منه، فماذا يقال لهذا، أَلَهُ اسم غير النفاق؟
وورد مثل هذا في آية من كتاب الله عز وجل كما يرويه الكليني في الكافي: «عن موسى بن اشيم قال كنت عند أبي عبد الله فسأله رجل عن آية من كتاب الله عز وجل فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كان قلبي يشرح بالسكاكين…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 194):
هذه الرواية أيضاً لا دليل على صحّة سندها، و[لو] كانت قد دلّت على مداليل باطلة، لأمكن رفضها بسهولة.
إحسان إلهي ظهير:
… فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه، وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله فبينا أنا كذلك إذ دخل آخر فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي( ) فسكنت وعلمت أن ذلك منه تقية»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 195):
لا يخفى أنَّ التنزيل الحكيم لا ينحصر معنى أيّة آية منه بمعنىً واحدٍ، بل له معانٍ ظاهرةٌ، ومعانٍ باطنةٌ عديدة. وهذا ما نصّت عليه الروايات( )، فقد اختار الإمام في كلِّ مرّةٍ أحد المعاني فذكرها للسائل بمقدار ما يناسب مستواه، وأخفى عنه المعاني الأُخرى التي لا تناسبه. وهذا أيضاً شكلٌ من أشكال التقيّة ومستوى منها، وكلام المؤلِّف بعد ذلك كلام عدوٍّ لا أهمّيّة فيه ولا يصلح لشيءٍ.
إحسان إلهي ظهير:
وليت شعري ماذا يقول فيه المنصفون من الناس؟ ومن أي نوع هذه التقية؟ وأي شر دفع بهذه التناقضات والتضادات؟ ومن أي مصيبة نجا بها؟ وهل يعتمد على من يعتقد بهذا الاعتقاد في المسائل الدينية أو الدنيوية؟ وهل يؤمن مثل هذا على شيء من الكتاب والسنة؟
ومن يدري متى يعمل بالتقية ومتى لا يعمل؟ أليس هذا إفساداً للدين وهدماً لأساس الإسلام، ولعب بآيات من كتاب الله عزَّ وجلّ.
وأكثر من ذلك كان الأئمة حسب زعم الشيعة يحلون الحرام ويحرمون الحلال تقية فهذا هو أبان بن تغلب أحد رواة الكافي يروي قائلاً: سمعت أبا عبد الله يقول: كان أبي (محمد الباقر) يفتي في زمن بني أمية أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال وكان يتقيهم وأنا لا أتقيهم وهو حرام ما قتل»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 196):
هذا نعترف به، ومقتضى القاعدة ذلك؛ فإنَّ الضرورات تبيح المحظورات، فقد يُفتي الأئمّة بفتوى علماء العامّة عند الضرورة، وهذا معنى موجود في عدد من الروايات( )، وليس أنَّ الإمام يُفتي بغير الواقع جزافاً، والعياذ بالله.
إحسان إلهي ظهير:
فماذا يمكن أن يقال فيه: حرام يفتى فيه بالحلال؟ أهذا دين وشريعة يا عباد الله؟ وهل يجوز لعامي أن يفتي بحلّ ما يعده حراماً في معتقداته، فأين الإمامة والعصمة على حد قولهم؟
فهذا هو قول الله عز وجل:  قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ( ).
وقال سبحانه في ذم اليهود والنصارى:  اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ( ).
وفسره رسول الله الصادق الأمين بقوله: «كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه»( ).
وقد بين سبحانه أن التحليل والتحريم ليس إلا من خاصته وحتى النبي الكريم ليس له الأمر في ذلك حيث قال:  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ ( ).
فكيف للباقر أن يجعل الحرام حلالاً والحلال حراماً. وهم لم يعطوا للباقر وحده أن يحلل حراماً ويحرم حلالاً بل كل الأئمة حسب زعمهم يملكون تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أحله الله.
فهذا هو محدثهم الكبير أبو عمرو محمد الكشي يذكر في كتابه عن حمدويه قال حدثنا محمد بن الحسين عن الحكم بن مسكين الثقفي قال حدثني أبو حمزة معقل العجلي عن عبد الله بن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبد الله (جعفر): والله لو فلقت رمانة بنصفين فقلت: هذا حلال وهذا حرام، نشدت إن الذي قلت حلال حلال، وأن الذي قلت حرام فحرام (فهل أنكر على ذلك أبو عبد الله ورد عليه؟ كلا بل فقال: رحمك الله، رحمك الله»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 197):
هذه الرواية نعترف بصدق مضمونها؛ لأنَّها ناتجة عن الخضوع للإمام المعصوم واحترام رأيه أمام الله سبحانه؛ ولا تدلّ على أكثر من ذلك. والمثال قد يكون مبالغاً فيه، إلَّا أنَّ السائل يعترف أنَّ الإمام لا يُفتي إلَّا بحكمةٍ وعدلٍ، وإن جهلنا وجهه كما في المثال.
إحسان إلهي ظهير:
فهذا هو معتقدهم الذي يمدحون عليه، ولأجل ذلك قال جعفر: «ما أحد أدّى إلينا ما افترض الله فينا إلا عبد الله بن يعفور»( ).
وهكذا كانوا يأمرون الناس أن يجعلوهم آلهة يعبدون، فيحللون ويحرمون، وقد صرح بذلك الإمام التاسع لهم – محمد بن علي بن موسى حينما سئل عن اختلاف الشيعة فقال: إن الأئمة هم يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون. فهل يستبعد ممن يعتقد مثل هذا أنه لا يكذب في الأمور الأخرى…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 198):
هذه ليست رواية بل هي دس من المؤلف ولذا لم يذكر مصدرها.
إحسان إلهي ظهير:
… فمن لا يؤمن عليه في الحلال والحرام كيف يؤمن عليه في المباحات؟ ثم من كان يجبر الباقر أن يفتي بما أفتى؟ أما ما يظهر من كلام جعفر أن فتوى أبيه كان لإرضاء السلاطين الأمويين، لأنه يقول: كان يفتي في زمن بني أمية: فإن كان هذا فماذا يقول فيه الشيعة بعد ما ثبت عندهم أيضاً: أن جابراً يقول وقد روى عنه الباقر نفسه وعن الباقر جعفر:…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 199):
قوله: (وعن الباقر الجعفر…) ما معناه؟
إحسان إلهي ظهير:
أن رسول الله وسلم قال: «من أرضى سلطاناً بسخط الله خرج من دين الله»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 200):
من الواضح أنَّ هذه الرواية مقيّدة [في] ما إذا كان رضا السلطان بسخط الله، وأمّا العمل بالتقيّة فهي إرضاء له مع رضاء الله عزّ وجلّ، ولا غبار على ذلك بعد تذكّر مصالحها.
إحسان إلهي ظهير:
ألا يعد الشيعة إحلال الحرام من سخط الله؟
ويقول علي بن أبي طالب في خطبه -حسب زعمهم-: «الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك»( ).
وهل يشك أحد بعد هذا أن التقية كذب المحض؟
أمثلة لذلك
وهناك أمثلة كثيرة لهذا فمنها: «عن سلمة بن محرز قال قلت لأبي عبد الله: إن رجلاً أرمانياً مات وأوصى إلي، فقال لي: وما الأرماني؟ قلت: نبطي من أنباط الجبال مات وأوصى إلي بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: أعطها النصف. قال فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتقاك، إنما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد، فقلت: أصلحك الله إن أصحابنا زعموا أنك اتقيتني، فقال: لا والله ما اتقيتك ولكني اتقيت عليك أن تضمن فهل علم بذلك أحد؟ قلت: لا – قال: فأعطها ما بقي»( ).
فانظر إنه أعطى سلمة بن محرز نصف المال ثم حرمه من النصف الثاني، فلا بد من أحد أمرين، إما أن يكون له الحق أن يأخذ النصف وإما أن لا يكون له الحق، فإن لم يكن له الحق فكيف أعطاه أولاً، وإن كان له الحق فلَمَ تراجع ثانياً؟ ثم وأي شيء كان يخاف منه الإمام حيث لم يكن صاحبه ورفيقه ومقلده زرارة بن أعين يبالي به.
وهل يجوز لأحد أن يفتي في دين الله بخلاف ما قاله الله وقاله رسول الله (تقية) أو كذباً على التعبير الصحيح؟
ومسائل الفرائض لا تتعلق بالاجتهادات بل تثبت بالنصوص، أفمن يغير النصوص ويحرفها، ويفتي بخلافها، يعتمد عليه في المسائل الأخرى؟ وهناك رواية أخرى تشبه الأولى رواها الكليني أيضاً في الفروع: «عن عبد الله بن محرز قال سألت أبا عبد الله عن رجل أوصى إلي وهلك وترك ابنته فقال أعط الابنة النصف، واترك للموالي النصف، فرجعت فقال أصحابنا: لا والله ما للموالي شيء، فرجعت إليه من قابل فقلت: إن أصحابنا قالوا: ليس للموالي شيء وإنما اتقاك، فقال: لا والله ما اتقيتك ولكني خفت عليك أن تؤخذ بالنصف، فإن كنت لا تخاف فارفع النصف الآخر إلى الابنة، فإن الله سيؤدي عنك»( ).
ويظهر من هاتين الروايتين أن الشيعة لا يجوزون الكذب اتقاء للنفس وحفظاً للذات بل كانوا متعودين الكذب بدون أي شيء، وأن السائل عن عبد الله بن محرز وسلمة لم يكن من الأمويين ولا العباسيين بل كان من خلص الشيعة وأصحاب (الإمام المعصوم) عندهم – وأيضاً صرح جعفر بأنه لم يفتِ بالباطل تقية بل أفتى به مصلحة وكذباً.
وقد صرح أئمة الشيعة حسبما يزعمون أن التقية ليست إلا كذباً محضاً فقد روى أبو بصير عن أبي عبد الله (جعفر) أنه قال: «التقية من دين الله، قلت من دين الله؟ قال: أي والله من دين الله ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون ووالله ما كانوا سرقوا شيئاً» ( ).
وأصرح من ذلك ما رواه محدثهم الكشي: عن حسين بن معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبد الله قال: «قال لي (أبو عبد الله): بلغني أنك تعقد في الجامع فتفتي الناس، قال: قلت نعم، وقد أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج أني أقعد في الجامع فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف أخبرته بما يقولون… قال (أي معاذ بن مسلم) فقال لي (أبو عبد الله): اصنع كذا فإني أصنع كذا»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 201):
هنا يعني: أنَّني إذا عرفته سنّيّاً أفتيته بفتوى علماء العامّة، وهكذا يصنع الإمام نفسه، وهذا سببه الرئيسيّ هو التقيّة، مع العلم أنَّ السائل إذا كان سنيّاً فمن المنطقيّ أن تعطيه ما يرضى عنه من الفتوى؛ فإنَّه إنَّما يسأل عن ذلك، فينبغي أن يجاب عمّا سأل عنه ويُعطى رأي علمائه. ومثال ذلك: اختلاف فتاوى العلماء في مسائل الفقه عندنا، واختلاف (التقليد) عندنا، فإذا سأل سائل عن فتوى وعرفناه مقلّداً لفلانٍ، فمن المنطقيّ أن أذكر له فتوى مَن يقلّده، وهكذا.
إحسان إلهي ظهير:
فهذا هو الإمام كما يقولون، يأمر الناس أن يكذبوا على الناس ويخدعوهم، ويحثهم على ذلك، فأين هذا من قول الله عز وجل:  اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ( ).
وقال عز شأنه: يا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 202):
القول السديد المأمور به في الآية هو القول المطابق للقواعد الشرعيّة من جميع الوجوه حتّى التقيّة.
إحسان إلهي ظهير:
ولكن المسألة هنا منعكسة ومتناقضة فهؤلاء القوم لا يكذبون فحسب بل يأمرون بالكذب ويعدونه من أفضل القربات إلى الله، وأسسوا مذهبهم على ذلك، فكتبهم في الحديث والتفسير مليئة من هذه الأكاذيب والأباطيل.
ولما اشتكى على ذلك أحد طمّنوه على أن الخلاف والتناقض والكذب ما كان إلا للمصلحة والغرض.
فمثلاً يذكر الكشي أن أبا الحسن موسى الكاظم كتب إلى أحد متبعيه وهو في السجن: ادع إلى صراط ربك فينا من رجوت إجابته، ولا تحصر حصرنا ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا (هذا باطل) وإن كنت تعرف خلافه( ) فإنك لا تدري لِمَ قلناه وعلى أي وجه وصفناه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 203):
هذا الخبر نعترف بصدق مضمونه ولا إشكال فيه.
إحسان إلهي ظهير:
بل حرضوهم على ذلك كما روي عن أبي عبد الله أنه قال: «ما منكم من أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تحية إلا كتب الله بها خمساً وعشرين درجة فارغبوا في ذلك»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 204):
هذا الخبر أيضاً صادق المضمون عموماً، وهو مندرج في ضمن الأخبار التي تأمر بالاجتماع بالعامّة ومخالطتهم وحضور مجالسهم وصلواتهم، وهذا مستحبٌّ فعلاً.
وإعادة صلاة الفريضة بشكل جماعة وارد في الفقه بين الشيعة أنفسهم( )، وتكون صلاةً استحبابيّةً، فكذلك لو أعاد الشيعيّ صلاته مع العامّة.
إحسان إلهي ظهير:
فهل من المعقول أن يسمع الرجل كلاماً يخالف نص القرآن والسنة ثم يقول عنه إنه ليس بباطل لأنه مروي عن واحد من هؤلاء الأئمة فكونه عن الإمام فقط لا يجعله صالحاً للقبول إلا أن يكون موافقاً للكتاب والسنة فالأصل في الشريعة كتاب الله وسنة رسول الله، وهل من الممكن أيضاً أن يسمع ويرى أحد من العقلاء كلاماً متناقضاً مخالفاً بعضه بعضاً ثم يقول: أن الكل حق وصواب…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 205):
نعم، الحقّ لا يتعدّد. ولكنّ الكلام الذي فيه تقيّةٌ هو صوابٌ أيضاً؛ لأنَّنا إن قصدنا صواب مضمونه فهو باطلٌ، وإن قصدنا صواب بيانه وإظهاره فهو حقّ، وهذا يكفي؛ لأنَّه مطابقٌ للمصلحة والقاعدة تقتضي التقيّة.
إحسان إلهي ظهير:
… مع أنه من المعلوم أن الحق لا يتعدد، ومن علامات الكذب أن تختلف أقوال الرجل وتتضارب آراؤه.
وأما الشيعة فلا يوجد عندهم قول في مسألة إلا ويخالفه قول آخر حتى لا يوجد راوٍ من رواتهم في الحديث إلا وفيه قولان، قول يوثقه، وقول يضعفه، ولا يضعفه فحسب بل يحطه في أسفل السافلين ويجعله ألعن الملعونين.
رواة الشيعة
وخير مثال لذلك محدثهم الكبير وراويهم الشهير زرارة بن أعين صاحب (الأئمة الثلاثة) موسى، وجعفر، والباقر، وفيذكره المترجمون الشيعة، يمدحونه في صفحة ويذمونه في صفحة أخرى، يجعلونه من أهل الجنة مرة وأهل النار مرة أخرى، ويعدونه من أخلص المخلصين تارة، ومن ألد الناس تارة.
فمثلاً يذكر الكشي تحت ترجمة زرارة بسنده قال أبو عبد الله (جعفر): «يا زرارة! إن اسمك في أسامي أهل الجنة»…( ).
وقال أبو عبد الله: «أحب الناس إلي أحياء وأمواتاً أربعة بريد بن معاوية، وزرارة، ومحمد بن مسلم، والأحول، وهم أحب الناس إلي أحياء أو أمواتاً»( ).
وقال أبو عبد الله أيضاً: «رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي» ( ).
وقال: «ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة، وأبو بصير، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة»( ).
ثم هذا هو زرارة بن أعين الذي قال فيه جعفر هذا نفسه عن ابن أبي حمزة عن عبد الله قال: «قلت: الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ( )».
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 206):
هذا من الأخبار الدالّة على ذمّ هؤلاء الأكابر (رضي الله عنهم)، وقد ورد في رواياتٍ أُخرى ذكر السبب لذلك( )، إلَّا أنَّ المؤلِّف سكت عنه كتماناً للحقّ. وقد كان الأئمّة يتوخّون بذلك عدّة مصالح ندركها فضلاً عن المصالح التي لا ندركها:
أوّلاً: الحفاظ على حياة هؤلاء الأكابر.
ثانياً: الحفاظ بذلك على نفعهم لشيعتهم.
ثالثاً: الحفاظ على شأن هؤلاء بين العامّة.
رابعاً: الحفاظ بذلك على نفوذ كلمتهم بين العامّة.
خامساً: عدم التركيز على اختصاصه بالإمام تماماً، الأمر الذي يوفّر له قسطاً من الحريّة في مجتمع السنّة ومجتمع الشيعة، ونظرة السلطات إليه.
إلى غير ذلك من المصالح. وورد في الروايات أنَّ الإمام ينبّه زرارة وأمثاله على أنَّه قد يتحدّث ضدّه، ثُمَّ يفهمه مصالح ذلك( ).
إحسان إلهي ظهير:
قال: «أعاذنا الله وإياك من ذلك الظلم، قلت ما هو قال: هو والله ما أحدث زرارة وأبو حنيفة وهذا الضرب، قال قلت: (يعني ابن أبي حمزة) الزنا معه قال: الزنا، ذنب»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 207):
لا يخفى أنَّ الإمام أعلم ممّن سواه بالفرق بين هذين الرجلين، إلَّا أنَّ هذا الكلام محمولٌ على عدّة محامل:
أوّلاً: المناقشة في سند الرواية.
ثانياً: أن يكون المراد به شخصاً آخر غير زرارة بن أعين.
ثالثاً: التركيز على إلحاقه بعلماء العامّة؛ لأجل جني تلك المصالح التي أشرنا إليها وغيرها، وقد كان فعلاً من علماء الشيعة وقادتهم يعيشون بصفتهم علماء عامّة، كالحسين بن روح( ) وابن السكّيت( )، وكثير غيرهم( ).
إحسان إلهي ظهير:
وأكثر من ذلك، عن زياد بن أبي الحلال قال: «قال أبو عبد الله: لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة»( ).
وعن ليث المرادي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «لا يموت زرارة إلا تائها»( ).
وعن علي القصير قال: «استأذن زرارة بن أعين وأبو الجارود على أبي عبد الله قال: يا غلام أدخلهما فإنهما عجلا المحيا وعجلا الممات»( ).
ويقول في نفس الرجل الذي قال فيه: «لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي، وقال: يا زرارة إن اسمك في أسامي أهل الجنة: يقول هذا إمامه وأما خلفه فيقول: إن ذا من مسائل آل أعين، ليس من ديني ولا دين آبائي»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة208):
مدح زرارة موجودٌ أمامه وخلفه، كما هو واضحٌ لمَن يراجع( ). وأمّا ذمّه فلا نعلم أنَّه أمامه أو خلفه، بل إذا اقتضت المصلحة أن يطعن الإمام بزرارة وهو جالسٌ معه لم يتوانَ في ذلك.
إحسان إلهي ظهير:
ثم نفس زرارة هذا، قال فيه ابن جعفر أبو الحسن موسى الإمام السابع لهم: «والله كان زرارة مهاجراً إلى الله تعالى»( ).
وأيضاً عن ابن أبي منصور الواسطي قال سمعت أبا الحسن يقول: «إن زرارة شك في إمامتي فاستوهبته من الله تعالى»( ).
وجدّ أبي الحسن أبو جعفر الباقر يقول عن زرارة حينما سأله عن جوائز العمّال فقال (أبو جعفر): «لا بأس به، ثم قال: إنما أراد زرارة أن يبلغ هشاماً (الخليفة) أني أحرم السلطان»( ).
يعني أن زرارة خائن ومن جواسيس الخلفاء الأمويين ولكن ابنه جعفر أبو عبد الله يمدحه بعد وفاة أبيه ثم يذمه، ثم ابنه أي ابن أبي جعفر أبو الحسن موسى يمدحه مع أن أباه أبا عبد الله قال فيه، حينما سأل أحد شيعته: متى عهدك بزرارة؟ قلت: ما رأيته منذ أيام قال: لا تبالِ، وإن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تشهد جنازته، قال: (الراوي) قلت: زرارة؟ متعجباً مما قال (أبو عبد الله) قال: (أبو عبد الله): نعم زرارة شر من اليهود والنصارى…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 209):
يأتي فيه ما قلنا التعليقة رقم (207)، مع إضافة: أنَّ الإمام يريد أن يُعطي أحد رأيين:
الأوّل: رأي السنّة فيه -أعني: زرارة- بصفته من أكابر الشيعة والعاملين في سبيل الله والأئمّة.
الثاني: أن يُعطي رأي الشيعة به بصفته سنّيّاً – جدلاً- أو من علماء السنّة.
وكلا الرأيين هو مورد التقيّة؛ لأنَّه في الرأي الأوّل يجعل الإمام نفسه إلى جانب العامّة، وفي الثاني يجعل زرارة كذلك.
إحسان إلهي ظهير:
… وممن قال إن الله ثالث ثلاثة»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 210):
بل الأمر كذلك، وقول المؤلِّف (كيف يجترئ أن يقول…)( ) قولٌ منه بلا دليل، وهو أعلم بخطل كلامه بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ( ).
إحسان إلهي ظهير:
فهذا شأن قطب من أقطاب الشيعة الذي أدرك ثلاثة من الأئمة، تتضارب فيه الأقوال لثلاثة من (المعصومين) الذين لا ينطقون إلا بالوحي والإلهام، وقد صدق الله عزّ وجل حيث قال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 211):
هذه الآية الكريمة لا تدلّ على نفي الإلهام عن الأئمّة كما هو واضح؛ لوجوه، منها:
أوّلاً: أنَّ المنفيّ في الآية هو الوحي، وما يقوله الشيعة في الأئمّة هو الإلهام لا الوحي.
ثانياً: أنَّ الآية مقيّدةٌ بأنَّه لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، يعني: أنَّه يكذب في إخباره عن الله عزّ وجلّ، والمفروض أنَّ الإمام قد تَمَّ الإلهام له فعلاً، ولا يكذب على الله سبحانه وحاشاه.
وأمّا الآيات الأُخرى التي ذكرها المؤلِّف بعد ذلك( )، فغير مربوطة في محلِّ الحديث، وإنَّما استشهد بها المؤلِّف لينفّس عن غضبه وحقده.
إحسان إلهي ظهير:
وقال: لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا( ).
وقال:  يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ( ).
وقال: جل مجده:  وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ( ).
ومثل هذا كثير، بل هذا دأبهم مع الجميع، مثل محمد بن مسلم، وأبي نصير، وحمران بن أعين وغيرهم من كبار الشيعة وأئمة رواتهم يبشرونهم بالجنة ويعدونهم من أخلص المخلصين مرة، ويذمونهم ويكفرونهم وينذرونهم بالنار مرة أخرى.
لِمَ قالوا بالتقية؟
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 212):
هذا موجودٌ جوابه في بحثنا المفصّل عن التقيّة( ). ولنا فصل كامل في الحديث عنها في كتابنا المخطوط (ما وراء الفقه)( ).
إحسان إلهي ظهير:
ولقد بين الشيعة الأسباب التي لأجلها اختاروا التقية ويختارونها ولكن اختلفوا فيها كما اختلفوا في الأمور كلها.
فقد قالت طائفة: «التقية أمر واجب حفظاً للنفس والعرض والمال»( ).
وقال شيخ الطائفة الطوسي في تفسيره: التبيان: «التقية واجبة عن الخوف على النفس، وقد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحق….. ثم قال: ويظهر من قصة مسيلمة أن التقية رخصةوالإفصاح بالحق فضيلة»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 213):
قوله: (إنَّ التقيّة رخصة).
أقول: بل كثيراً ما تكون واجبةً. نعم، ورد ما قاله في أمرين:
أحدهما: إذا أجبر الفرد على شتم المعصومين، فإنَّه مخيّرٌ بين القتل وبين التقيّة( ).
ثانياً: في كلمة الحقّ أمام سلطان جائر( )؛ فإنَّها جائزةٌ وقولها فضيلةٌ والسكوت عنها رخصةٌ، ولكنّها تُحرّم إذا كان فيها مفسدةٌ عامّةٌ.
وأمّا سائر الموارد، فالتقيّة فيها واجبةٌ طبقاً للقاعدة العامّة.
إحسان إلهي ظهير:
وقال الشيخ الصدوق: «والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة، وسئل الصادق عن قول الله عز وجل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ( ) قال: أعملكم بالتقية»( ).
ونقلوا عن علي بن أبي طالب أنه قال: «التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه من الفاجرين»( ).
وقالت طائفة: «إنها واجبة سواء كان صيانة للنفس أو لغيرها، فيروي الكليني عن زرارة عن أبي جعفر قال: التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به»( ).
وقد روى الصدوق عن جابر: «قال قلت يا رسول الله إن الناس يقولون أن أبا طالب مات كافراً، قال: يا جابر ربك أعلم بالغيب أنه لما كانت الليلة التي أسري بي إلى السماء انتهيت إلى العرش فرأيت أربعة أنوار فقيل لي: هذا عبد المطلب، وهذا عمك أبو طالب، وهذا أبوك عبد الله، وهذا ابن عمك جعفر بن أبي طالب، فقلت: إلهي لِمَ نالوا هذه الدرجة، قال بكتمانهم الإيمان ولإظهارهم الكفر حتى ماتوا على ذلك»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 214):
هذا من باب التقيّة من المشركين، مضافاً إلى انطباع شيءٍ آخر، وهو أن يُؤمن بالنبيّ مَن هو أعلى منه اجتماعيّاً بزعم المجتمع المعاصر له، وكلّهم كذلك. فكان موقفهم ذلك مستقى من توجيهات رسول الله، ومن أعظم الجهاد؛ لأنَّه من أصعب السلوك.
نعم، يُستثنى من ذلك جعفر بن أبي طالب الذي هو جعفر الطيّار، فقد مات على الإيمان لا على الكفر ظاهراً، وقتل مع النبيّ في بدر، فورود اسمه في الرواية يحتاج إلى تأويل، أو نُوكل علمه إلى أهله.
نعم، هو نال المراتب العالية بالشهادة، وكان الجواب خاصّاً بغيره وإن شمله ظاهراً.
إحسان إلهي ظهير:
وقالت طائفة: «أنها جائزة دفاعاً عن النفس، فقال الطبرسي مفسر الشيعة: وفي هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عن الخوف على النفس»( ).
ويقول الطبرسي بعد ذكر رواية الحسن في قصة مسيلمة: «فعلى هذا التقية رخصة والإفصاح بالحق فضيلة»( ).
ويقول لطف الله الصافي في كتابه (مع الخطيب): «نعم رأى الشيعة جواز التقية وقد عملوا بها في الأجيال التي تغلب فيها على البلاد الإسلامية أمراء الجور وحكام جبابرة مثل معاوية ويزيد والوليد والمنصور… »( ).
وقال السيد علي إمام العالم الشيعي الهندي: إن الإمامية يرون جواز التقية حفظاً على النفس والمال«( ).
ويروي الكليني عن زرارة عن أبي جعفر قال: «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً( ) شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج»( ).
وذكر ابن بابويه القمي مثل هذه الرواية في كتابه: قال الإمام: «ثلاثة لا أتقي فيها أحداً شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج»( ).
والحق أن الشيعة يرون التقية واجبة في جميع الأمور سواء كان للحفظ على النفس أو غير ذلك.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 215):
هذا صحيح في الأُمور التي هي موضوعٌ للتقيّة، كالتي تكون أمام أهل المذاهب الأُخرى أو الأديان الأُخرى أو السلطان الجائر أو غير ذلك. وكلام المؤلِّف بعد ذلك كلام عدوٍّ ناصبيّ.
إحسان إلهي ظهير:
بل الصحيح أنهم تعودوا الكذب فسوغوه وسموه بغير اسمه ثم وضعوا الأحاديث في فضله.
واحتاجوا أيضاً إلى التقية والتجأوا إليها حينما عرفوا من أئمتهم أقوالاً متضاربة وآراء متناقضة. فلما اعترض عليهم أن أئمتهم الذين يزعمون أنهم معصومون من الخطأ والنسيان كيف اختلفوا في شيء واحد، فجوزوه مرة وحرموه تارة أخرى…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 216):
هذا كلام عدوٍّ، والأمر واضح في نظر الشيعة.
إحسان إلهي ظهير:
… وقالوا بشيء في وقت ثم قالوا بنقيض ذلك في وقت آخر؟ لم يجدوا الجواب إلا أن قالوا: أنهم أي الأئمة قالوا هذا أو ذاك تقية، وقد اعترف بهذا المنصفون من الشيعة.
أمثلة لذلك
فيذكر أبو محمد الحسن النوبختي من أعلام الشيعة في القرن الثالث عن عمر بن رباح أنه: «سأل أبا جعفر عن مسألة، فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذا المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية، فشكك في أمره وإمامته، فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر يقال له محمد بن قيس، فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر، فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول، فقلت له: لِمَ فعلت ذلك؟ فقال: فعلته للتقية وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به، وقبوله في العمل به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي. فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتّقاه، فقال ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري ولكن جوابيه كليهما خرجا على وجه التبخيت…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 217):
ليس الوجه في التقيّة منحصراً بما ذكروه، بل هناك وجوه أُخرى:
منها: احتمال أن ينقل السائل ما سمعه إلى شخصٍ آخر يكون مورداً للتقيّة على السائل أو على غيره.
ومنها: جعل السائل مورداً للامتحان والتمحيص، فإذا شكّ في كلام الإمام كما قد حصل لهذا المجرم فقد رسب في الامتحان.
إحسان إلهي ظهير:
… ولم يحفظ ما أجابه في العام الماضي فيجيب بمثله، فرجع (عمر بن رباح) عن إمامته وقال: لا يكون إماماً من يفتي بالباطل على شيء بوجه من الوجوه ولا في حال من الأحوال، ولا يكون إماماً من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله ولا من يرخي ستره، ويغلق بابه، ولا يسع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»( ).
وروى الكليني عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر (الباقر) قال: «سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل، فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي فلما خرج رجلان قلت: يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت صاحبه، فقال: يا زرارة إن هذا خير لنا ولكم – قال: فقلت لأبي: شيعتكم لوحملتموهم على الأسنة أو النار لمضوا وهم يخرجون من عندك مختلفين»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 218):
هذه من الروايات الدالّة على مصلحةٍ من مصالح التقيّة، وهي إلقاء الخلاف في الرأي بين الشيعة عمداً من قبل الأئمّة؛ لكي لا يكون هناك رأيٌ شيعيٌّ معيّنٌ يمكن أن يكون مورداً للتعصّب أو ليُعرف به الفرد عن غيره، فيكون في ذلك سلامة الشيعة عامّة.
إحسان إلهي ظهير:
وروى الكشي مثل هذا عن ابنه جعفر الإمام السادس، فيقول: «حدثني أبو عبد الله… عن محمد بن عمر، قال: دخلت على أبي عبد الله فقال: كيف تركت زرارة؟ فقلت تركته لا يصلي العصر حتى تغيب الشمس، فقال: فأنت رسولي إليه، فقل له فليصل في مواقيت أصحابي فإني قد حرقت، قال: فأبلغته (يعني زرارة) ذلك، فقال: أنا والله أعلم أنك لم تكذب عليه ولكنه أمرني بشيء فأكره أن أدعه»( ).
ولأجل ذلك قال زرارة مرة حينما رأى من جعفر بن محمد الباقر التناقض والتضاد في مسألة واحدة ألا وهي تفسير الاستطاعة، فقال: «أما إنه -أي أبي عبد الله جعفر- قد أعطاني الاستطاعة من حيث لا يعلم، وصاحبكم هذا ليس له بصر بكلام الرجال»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 219):
هذا الكلام من زرارة له عدّة توجيهات:
الأوّل: أنَّه صادرٌ على وجه التقيّة في حضور أحد العامّة.
الثاني: أنَّه حديثٌ مكذوبٌ على زرارة، ولو من المؤلِّف نفسه.
الثالث: أنَّ قوله: (أمّا أنَّه قد أعطاني)، لا يُريد به الإمام الصادق بل غيره، وتفسير المؤلِّف غير حجّة.
إحسان إلهي ظهير:
وبمثل هذا روي عن ابن جعفر الإمام السابع عندهم موسى أبي الحسن فيروي الكشي بسنده عن شعيب بن يعقوب قال: «سألت أبا الحسن عن رجل تزوج امرأة ولها زوج ولم يعلم؟ قال: تُرجم المرأة وليس على الرجل شيء إذا لم يعلم، فذكرت ذلك لأبي بصير المرادي، قال (يعني أبا بصير): قال لي: والله جعفر تُرجم المرأة ويجلد الحد، قال: فضرب بيده على صدره يحكها: أظن صاحبنا ما تكامل علمه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 220):
هذه الرواية واضحة في أنَّ راويها من المشكّكين بفضل الأئمّة وعلمهم، فكيف تكون حجّة؟!
إحسان إلهي ظهير:
وهذا أبو بصير الذي قال فيه جعفر بن باقر: «بشر المخبتين بالجنة، بريد بن معاوية، وأبا بصير، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء، أمناء الله على حلاله وحرامه لولا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة واندرست»( ).
ولقد اشتكى الشيعة أنفسهم قبل ذلك بكثير مثل هذا التناقض والتضاد من الحسن والحسين (رضي الله عنهما).
فيذكر النوبختي ويقول: «فلما قتل الحسين جاءت فرقة من أصحابه وقالت: قد اختلف علينا فعل الحسن وفعل الحسين…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 221):
هذا السؤال مبحوث في المصادر الشيعيّة كثيراً( )، وأنَّ تصرّف كلا الإمامين صحيحٌ في وقته وزمانه، ولا حاجة بنا إلى الإطالة بذلك الآن.
إحسان إلهي ظهير:
… لأنه إن كان الذي فعله الحسن حقاً واجباً صواباً من موادعته معاوية وتسليمه له عن عجزه عن القيام بمحاربته مع كثرة أنصار الحسن…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 222):
قوله: (مع كثرة أنصار الحسن)، هذا باطلٌ؛ فإنَّ المعلوم تاريخيّاً هو تفرّق جيش الحسن عنه والتحاقهم بمعاوية؛ نتيجة للأموال التي فرّقها فيهم( ).
إحسان إلهي ظهير:
… وقوتهم فما فعله الحسين من محاربته يزيد بن معاوية مع قلة أنصار الحسين وضعفهم وكثرة أصحاب يزيد حتى قتل وقتل أصحابه جميعاً باطل غير واجب، لأن الحسين كان أعذر في القعود عن محاربة يزيد وطلب الصلح والموادعة من الحسن في القعود عن محاربة معاوية…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 223):
هذا بحسب الظاهر صحيحٌ، إلَّا أنَّ المطلب أعلى من ذلك بكثير، إذا لاحظنا المصالح التي أرادها الحسين في ثورته، منها:
أوّلاً: إجابة طلبات أهل الكوفة له بالقدوم لنصرته.
ثانياً: طلب الإصلاح في أُمّة جدّه رسول الله.
ثالثاً: إظهار أنَّ الدين يستحقّ التضحية مهما كانت عظيمة.
رابعاً: أن ينال المقامات العليا التي لا ينالها إلَّا بالشهادة.
إلى غير ذلك، ولم يكن الحكم الشرعي مطابقاً بين زمن الإمام الحسن والإمام الحسين ليشتركا في التكليف.
نعم، قد يخطر في البال: أنَّه كما قام الحسين بالعدد القليل كذلك كان يجب على الإمام الحسن القيام مع العدد القليل؛ لينال نفس ما نال أخوه من الأهداف والفضيلة.
وجواب ذلك من ناحيتين:
أوّلاً: أنَّ الإمام المعصوم أعلم بتكليفه وتشخصيه لواقعه الذي يعيشه، والمثل يقول: يرى الحاضر ما لا يرى الغائب. فكيف نحكم على الشيء ونحن بعيدون عنه زماناً ومكاناً؟!
على أنَّهما عاصرا النبيّ وأمير المؤمنين، فلو لم نعتقد بإمامتهما فلا أقلّ من الاعتقاد بعلوّ شأنهما في الإيمان وفي العلم المأخوذ عن النبيّ. والنبيّ كان يبشّر بفعل الإمامين، كما في قوله: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»( ).
وقوله: «قاما» إشارة إلى الحسين، و«قعدا» إشارة إلى الحسن، فقد فعلا ذلك كلٌّ من حيث تكليفه المأخوذ من رسول الله.
ثانياً: أنَّه لم يكن يتسنّى للإمام الحسن ثورة حتّى بمقدار ثورة الحسين؛ لأنَّ أصحابه المخلصين كانوا أقلّ بكثيرٍ من أصحاب الحسين، بل لم يكن لديه أحدٌ يذكر إلَّا القليل، والباقون خونة وعملاء. حتّى بعض مَن اشتهر من الشيعة. كما هو معروفٌ في التاريخ( ). إذن، فقد كانت ثورة الحسن -لو حصلت- لأدّت إلى فناء المذهب الحقّ. ونوكل باقي الفكرة إلى فطنة القارئ.
إحسان إلهي ظهير:
… وإن كان ما فعله الحسين حقاً واجباً صواباً من مجاهدته يزيد بن معاوية حتى قتل وقتل ولده وأصحابه، فقعود الحسن وتركه مجاهدة معاوية وقتاله ومعه العدد الكثير باطل، فشكوا لذلك في إمامتهما ورجعوا فدخلوا في مقالة العوام»( )( ).
وذكر عالم شيعي هندي ناقلاً عن أئمته في كتابه (أساس الأصول): الأحاديث المأثورة عن الأئمة مختلفة جداً، لا يكاد يوجد حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، ولا يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده حتى صار ذلك سبباً لرجوع بعض الناقصين عن اعتقاد الحق كما صرح به شيخ الطائفة (الطوسي) في أوائل (التهذيب) و(الاستبصار)( ).
وسبب آخر للتقية هو أن أئمة الشيعة كانوا يعللون شيعتهم بالأماني الكاذبة لتثبيتهم على التشيع، فيروي الكليني عن علي بن يقطين: «قال لي: أبو الحسن: الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة. قال: يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ قال: فقال له علي: إن الذي قيل لنا ولكم من كان من مخرج واحد، غير أن أمركم حضر، فأعطيتم محضه فكان كما قيل لكم وإن أمرنا لم يحضر، فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجع عامة الناس عن الإسلام ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج»( ).
وأصرح من ذلك ما ذكره النوبختي أيضاً في كتابه ناقلاً عن سليمان بن جرير: «أنه قال لأصحابه: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداً وهما، القول (بالبداء) وإجازة التقية، فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون والأخبار بما يكون في غد وقالوا: لشيعتهم أنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء، على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون ونحن نعلم من قبل الله عز وجل ما علمه الأنبياء، وبيننا وبين الله عز وجل مثل تلك الأسباب التي علمت به الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا أنه يكون على ما قالوا قالوا: لشيعتهم بدا الله في ذلك، وأما التقية فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين فأجابوا فيها وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة بتقادم العهد وتفاوت الأوقات. لأن مسائلهم لم تروَ في يوم واحد ولا في شهر واحد بل في سنين متباعدة وأشهر متباينة وأوقات متفرقة، فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة مرة أجوبة مختلفة متضادة وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف والتخليط في جواباتهم وما سألوهم عنه وأنكروه عليهم، فقالوا من أين هذا الاختلاف؟
وكيف جاز ذلك؟
قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية ولنا أن نجيب بما أجبنا وكيف شئنا لأن ذلك إلينا ونحن نعلم بما يصلحكم وما فيه بقاءكم وكف عدوكم عنا وعنكم، فمتى يظهر على هؤلاء كذب ومتى يعرف لهم حق من باطل؟ فمال إلى هذا لهذا القول جماعة من أصحاب أبي جعفر وتركوا القول بإمامة جعفر»( ).
وهناك ضرورة أخرى للقول بالتقية وهو أنه صدر من أئمتهم مدحاً لأصحاب رسول الله والاعتراف بفضلهم وسبقهم إلى الخيرات حسب شهادة القرآن، والإقرار بخلافتهم وإمامتهم. وإعلان البيعة لهم عن علي وأهل بيت النبي، وتزويجهم إياهم بناتهم، وإقامة العلاقات الطيبة الوثيقة معهم وتبرئتهم عن الشيعة وذمهم، وبيان فسادهم، فتحيروا وحاروا في هذا إذ لا يقوم مذهبهم إلا بالتبرئة من أصحاب محمد والعداء الشديد لهم ولمن والاهم، وبادعاء ولائهم لأهل البيت، وإظهارهم الإخلاص لهم، فلما رأوا هذا المأزق لم يجدوا المخلص منه إلا بالقول: إن الأئمة ما قالوا هذا إلا تقية وكانوا مع ذلك يبطنون خلاف ما يظهرونه ويقولونه.
مدح الصحابة
1- فهذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الراشد الرابع، والإمام الأول عندهم. يمدح أصحاب رسول الله بقوله: «لقد رأيت أصحاب محمد فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كان بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى ابتل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء للثواب»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 224):
هذه الرواية واردة في وصف مَن اتّصف بهذه الأوصاف، وليس كلّهم كذلك، بل إنَّ كلمة «أصحاب محمّد» دالّ على ذلك؛ فإنَّ المنافقين وأضرابهم ليسوا من أصحابه وإن كانوا معه في الزمان والمكان. يكفينا مثلاً على ذلك أنَّ الولد قد ينتفى من أبيه إذا عمل عملاً غير صالح، قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ( )، فكيف بغير الولد.
إحسان إلهي ظهير:
وقال عنه في الشيخين أبي بكر وعمر (رضي الله عنها): «وكان أفضلهم في الإسلام كما زعمت وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة الصديق، والخليفة الفاروق، ولعمري أن مكانهما في الإسلام لعظيم وأن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد. رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 225):
هذه الرواية ضعيفةٌ جدّاً، بل واضحة الوضع؛ فإنَّ لفظ الصدّيق والفاروق لم تكن معروفةً يومئذٍ على هذين الرجلين، وإنَّما هي من صفات أمير المؤمنين نفسه( ).
ولو تنزّلنا وقبلناها سنداً، فنلاحظ أنَّ الأسماء غير واردةٍ فيها، بل الألقاب فقط، وهما الصدّيق والفاروق، وهذا يمكن حمله على أشخاصٍ آخرين في التاريخ يتّصفان بهذه الصفة واقعاً، كما يمكن حمله على كلِّ مَن اتّصف بهذه الصفات واقعاً.
إحسان إلهي ظهير:
وروى أيضاً عن إمامهم السادس أبي عبد الله أنه كان يأمر بولاية أبي بكر وعمر، فيروي الكليني عن أبي بصير: «قال كنت جالساً عند أبي عبد الله إذ دخلت علينا أم خالد تستأذن عليه (أبي عبد الله) فقال: أبو عبد الله: أيسرك أن تسمع كلامها، قال: قلت: نعم، فأذن لها، قال: فأجلسني معه على الطنفسة، قال: ثم دخلت وتكلمت فإذا امرأة بليغة، فسألته عنهما، (أبي بكر وعمر) فقال لها: توليهما قالت: فأقول لربي إذا لقيته إنك أمرتني بولايتهما، قال: نعم»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 226):
هذه الرواية واضحة التقيّة؛ فإنَّنا لا نعلم حال وعلاقات هذه المرأة المشار إليها: أُمّ خالد.
مضافاً إلى أجوبةٍ أُخرى ممكنة:
منها: أنَّ الضمير في قوله: «عنهما» لا يعود إلى الشيخين، بل إلى غيرهما كائناً مَن كان.
ومنها: أنَّ قوله: «تولِّيهما» ليس بمعنى الولاية وإن فهمت المرأة ذلك، بل بمعنى الذهاب والابتعاد عنهما.
إحسان إلهي ظهير:
وقد ورد المدح للصديق الأكبر عن أبيه محمد الباقر أيضاً كما رواه علي بن عيسى الأردبيلي الشيعي المشهور في كتابه: كشف الغمة في معرفة الأئمة: «أنه سئل الإمام أبو جعفر عن حليته السيف هل تجوز؟ فقال نعم قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة، فقال (السائل): أتقول هذا؟ فوثب الإمام عن مكانه، فقال: نعم، الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق، فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة» ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 227):
هذه الرواية أيضاً واضحة التقيّة، إلَّا أن تكون مجعولةً كاذبةً؛ فإنَّها ضعيفة السند على أيّ حال( ). مضافاً إلى اشتمالها على معنىً غير مناسب، وهو قوله:(فوثب الإمام عن مكانه)( ).
إحسان إلهي ظهير:
ومن المعلوم أن مرتبة الصديق بعد النبوة ويشهد لها القرآن والآيات الكثيرة، منها قوله تعالى:  فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 228):
مرتبة الصدّيق عالية عند الله -أعني: ممَّن يتّصف بهذه الصفة واقعاً- ولكن هل هي بعد النبوّة بلا فصل أو لا؟
هذا لا يهمُّ الآن، ولكن هل هي منطبقةٌ على ذلك الرجل أم لا؟ هذا كلّ شخصٍ ووجدانه.
الاعتراف بخلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة
إحسان إلهي ظهير:
2- واعترف علي وأولاده بخلافة هؤلاء، أبي بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم أجمعين) وأقروها لهم، وكان علي وزيراً ومشيراً لهم، كما ثبت عنه وعن أولاده مدح لهؤلاء الأعاظم، فقد قال: لله بلاء فلان (أبي بكر)…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 229):
(فلان) المذكور في الخطبة لا دليل على أنَّه أبو بكر، وإن فسّره الكثيرون بذلك( )، وخاصّة إذا كان قد قال الإمام (فلان) ولم يورد اسمه واقعاً، مع العلم كان المناسب إيراده لو كان قد قصده.
إحسان إلهي ظهير:
… فلقد قوم الأود، وداوى العمد، وأقام السنة، وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه»( ).
وقال لعمر بن الخطاب حين شاوره في الخروج إلى غزو الروم: «إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة( ) دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً مجرباً واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت ردأً للناس ومثابة للمسلمين»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 230):
هذا الكلام واردٌ لحفظ المجتمع المسلم وموجّه إلى عمر بصفته حاكماً أعلى فيه، وهذا يومئذٍ كان هو الواقع الذي لا محيص عنه. وقوله: «مثابة للمسلمين» ليس معناه ثواباً للمسلمين، بل هو من ثاب يثوب إذا رجع( ). ومن المعلوم أنَّ كلّ مجتمعٍ يرجع إلى حاكمه في حلِّ مشاكله.
إحسان إلهي ظهير:
وأصرح من ذلك ما قال فيه وقد استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه فقال: «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده، وأمده، حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر( ) مكان النظام( ) من الخرز يجمعه ويضمه، فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع لحذافيره أبداً. والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً، فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً، واستدر الرحا بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 231):
هذه الخطبة واردةٌ أيضاً لحفظ المجتمع المسلم؛ فقد كان الإمام ناصحاً للإسلام والمسلمين دائماً، وقوله: «ومكان القيّم بالأمر مكان النظام من الخرز»( )، لا يعني مدح ذاك الرجل، بل يعني كونه حاكماً من الناحية العمليّة، ولا شكّ أنَّ الحاكم قائمٌ بالأمر على أيّ حال.
إحسان إلهي ظهير:
إن الأعاجم إن ينظروا إليك يقولون: هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك.. وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة»( ).
وقد قال لعثمان بن عفان لما اجتمع الناس إليه وشكوا على عثمان، فدخل عليه وقال: «إن الناس ورائي وقد استنفروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك، ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وقد رأيت كما رأينا، وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله كما صحبناه، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى لعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 232):
هذا الكلام يقوله الإمام مقدّمة لنصيحة عثمان ووعظه، والخطبة كلّها لم تُنقل في الكتاب، ومعلومٌ أنَّ النصيحة تحتاج إلى تشجيع لفتح قلب السامع. وهي على أيّ حالٍ محتويةٌ على صفاتٍ ثابتةٍ ظاهراً، وإنَّما العمدة في التفضيل هو الصفات الواقعيّة. على أنَّ الخطبة تحتوي على تفضيل عثمان على مَن سبقه، وهو ما لا يقوله العامّة ولا يرضونه.
إحسان إلهي ظهير:
وقال مثنياً على خلافتهم الثلاثة: «أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى» ( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 233):
هذه الخطبة لا تحتوي على أيّ مدحٍ للثلاثة أصلاً كما هو واضح. وأمّا قوله: «وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضا»، فلعلّه من التقيّة أو من الدسّ على الإمام. وهو على أيّ مضمونٍ أو معنىً مخالفٌ لضرورة مذهبنا، بل مخالفٌ لإمامة أمير المؤمنين أيضاً، إلَّا إذا قلنا بتأويله، كما لو حملناه على قاضي التحكيم مثلاً إذا اجتمع المتخاصمين عليه، أو غير ذلك.
إحسان إلهي ظهير:
وقد صرح وأوضح إيضاحاً لا غموض فيها مفسر الشيعة وكبيرهم علي بن إبراهيم القمي حيث ذكر قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ فقال: «قال رسول الله لحفصة يوماً: أنا أفضي إليك سراً فقالت: نعم ما هو؟ فقال: إن أبا بكر يلي الخلافة بعدي ثم من بعده أبوك (عمر) فقالت: من أخبرك بهذا قال: الله أخبرني»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 234):
هذه الرواية أيضاً لا تحتوي على أيّ مدح، وإنَّما هي إخبار عن الأمر الواقع الذي يعلمه النبيّ.
إحسان إلهي ظهير:
ونقل عن علي أنه قال لما أراد الناس على بيعته بعد قتل عثمان: «دعوني والتمسوا غيري… إلى أن قال: وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 235):
هذه الخطبة محمولةٌ على محامل، منها:
أوّلاً: أنَّ المجتمع المسلم لم يكن أهلاً لتولّي الإمام الولاية الظاهريّة أو السلطة، وهذا أمرٌ صحيح ثبت في التاريخ؛ إذ قضى الإمام فترة حكمه محارباً( ).
ثانياً: أنَّه كلام لأجل امتحان الناس؛ ليراهم هل يدعونه أو لا. مثاله: كلام الحسين وأمره لأصحابه بالتفرّق عنه؛ لأنَّهم لا يريدون سواه( ).
ثالثاً: أنَّ ذلك هو وجه المصلحة في المجتمع المعاش يومئذٍ من حيث كونه ذا صفاتٍ معيّنةٍ ينتج قسمٌ منها مَن سبق خلافة المشايخ الثلاثة وما حدث فيها من سوابق.
وأمّا ما قد يُستشعر منها بالإذن بالانتخاب، فهو ممّا لا حجّيّة فيه؛ لأنَّه على خلاف ضرورة المذهب.
تزويج أم كلثوم من عمر بن الخطاب
إحسان إلهي ظهير:
3- ومما يدل على العلاقات الوطيدة بين الخلفاء الثلاثة وبين علي (رضي الله عنهم) أن علياً زوج ابنته من فاطمة الزهراء (رضي الله تعالى عنها)، عمر الفاروق أمير المؤمنين وخليفة الرسول الأمين، وقد اعترف بهذا الزواج محدثو الشيعة ومفسروها وأئمتهم (المعصومين) فيروي الكليني: «عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله قال سألته عن المرأة المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها أو حيث شاءت قال: بل حيث شاءت، إن علياً صلوات الله عليه لما توفى عمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 236):
هذه الرواية لا دليل على صحتها سنداً، ولو صحت فهي مما قد أعرض عنه الأصحاب فتسقط عن الحجية لأن الفقهاء يفتون بوجوب بقاء الأرملة في بيتها.
وأما ان الإمام أخذ ابنته إلى بيتها -لو صحت الرواية- فهو قضية في واقعة( ) وهو أعلم بتكليفه. وما نفهمه عن المصلحة: أنها لا يجب أن تبقى في ذلك البيت الذي يكثر فيه النفاق ويستولي عليه. وخير لها أن تعود إلى بيت أبيها.
إحسان إلهي ظهير:
وروى مثل هذه الرواية أبو جعفر الطوسي في كتابه: تهذيب الأحكام في باب عدة النساء، وأيضاً في كتابه الإبصار ص185 ج2.
ويروي الطوسي أيضاً عن جعفر عن أبيه قال: «ماتت أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب في ساعة واحدة، لا يدري أيهما هلك قبل ولم يورث أحدهما من الآخر وصلى عليهما جميعاً» ( ).
وبوب الكليني باباً باسم (باب في تزويج أم كلثوم) وروى تحت ذلك حديثاً عن زرارة عن أبي عبد الله في تزويج أم كلثوم فقال: «إن ذلك فرج غصبناه»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 237):
هذا معنىً صحيحٌ، إلَّا أنَّه لا ينافي صحّة النكاح؛ لأنَّ المراد بالغصب: أنَّها زوّجت للتقيّة، وقد قال المثل: المأخوذ حياءً كالمأخوذ غصباً. فهنا: المأخوذ تقيّة كالمأخوذ غصباً، بل ذلك أولى من حالة الحياء؛ لأنَّ التقيّة إنَّما تنتج من عوامل شاذّة، كالإكراه والخوف ونحوه.
إحسان إلهي ظهير:
ويذكر محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني: «فولد من فاطمة الحسن والحسين والمحسن وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى تزوجها عمر»( ).
ويقول الشهيد الثاني للشيعة زين الدين العاملي: «وزوج النبي ابنته عثمان، وزوج ابنته زينب بابى العاص، وليسا من بني هاشم، وكذلك زوج علي ابنته أم كلثوم من عمر، وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين، وتزوج مصعب بن الزبير اختها سكينة، وكلهم من غير بني هاشم»( ).
ذم الشيعة وبيان نقائصهم
4- وهذا كان دأب علي وأولاده الأئمة (المعصومين) -عندهم- مع أصحاب رسول الله وخلفائه حين كانوا يبغضون الشيعة المنتسبين إليهم، المدعين حبهم وأتباعهم، فيذمونهم على رؤوس الأشهاد، فهذا علي -الإمام المعصوم الأول، كما يزعمون- يذم شيعته ورفاقه، ويدعو عليهم فيقول:
«وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سَيُدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم، فلو ائتمن أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته، اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شراً مني، اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 238):
هذه الخطبة ونحوها واردةٌ في مورد المجتمع الفاسد العاصي، وليس للشيعة بعنوانهم، وكيف يكون ذلك مع أنَّ الشيعة ممدوحون في الأخبار عندنا كثيراً( )، غير أنَّ الأخبار نفسها تنصّ أنَّ الشيعة ليسوا إلَّا الخالصين والمخلصين وليس كلّ الناس( )، وهذه الخطب واردةٌ لمخاطبة المجموع وليس للخالصين المخلصين. فهؤلاء الناس ظاهرهم شيعيّ وباطنهم خبيثٌ. فيكونون أهلاً للاعتراض عليهم. والخطب صريحةٌ في ذلك فراجع( ).
إحسان إلهي ظهير:
ويكيل عليهم اللعنات ويقول: «يا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة – والله – جرت ندماً، وأعقبت سدماً. قاتلكم الله! لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً، وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان؛ حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب.
لله أبوهم! وهل أحد منهم أشد لها مراساً، وأقدم فيها مقاماً مني! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وهاأنذا قد ذرفت على الستين! ولكن لا رأي لمن لا يطاع»( ).
وأيضاً: «أيها الناس، المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء! تقولون في المجالس: كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم: حيدى حياد! ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل، وسألتموني التطويل، دفاع ذي الدين الممطول لا يمنع الضيم الذليل! ولا يدرك الحق إلا بالجد! أي دار بعد داركم تمنعون، ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز – والله – بالسهم الأخيب، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل، أصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم. ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبكم؟ القوم رجال أمثالكم. أقوالاً بغير علم! وغفلة من غير ورع! وطمعاً في غير حق»!؟( )
ويمدح أنصار معاوية ويذم شيعته «أما والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي. استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سراً وجهراً فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، شهود كغياب، وعبيد كأرباب! أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتفترقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ. ترجعون إلى مجالسكم، وتتخادعون عن مواعظكم، أقومكم غدوة، وترجعون إلي عشية، كظهر الحنية، عجز القوِّم، وأعضل المقوَّم.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 239):
ليس في الخطبة أيّ مدحٍ لمعاوية ولا لأنصاره، بل هي نصٌّ بأنَّهم على باطل، كلّما في الأمر أنَّهم قد اجتمعوا على باطلهم، وهذا الاجتماع يزيدهم ضلالاً؛ لأنَّ الاجتماع يجب أن يكون على الحقِّ لا على الباطل، والتفرّق يجب أن يكون عن الباطل لا عن الحقّ.
إحسان إلهي ظهير:
أيها القوم الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المبتلى بهم أمراؤهم. صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة وأعطاني رجلاً منهم!
يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء! تربت أيديكم! يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها! كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر، والله لكأني بكم فيما إخالكم أن لو حمس الوغى وحمى الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها»( ).
وأيضاً: «والله لولا رجائي الشهادة عند لقائي العدو -لو قد حم لي لقاؤه- لقربت ركابي ثم شخصت عنكم فلا أطلبكم ما اختلف جنوب وشمال؛ طعانين عيابين، حيادين رواغين. إنه لا غناء في كثرة عددكم مع قلة اجتماع قلوبكم»( ).
وقال: «ما أنتم بوثيقة يعلق بها، ولا زوافر عز يعتصم إليها. لبئس حشاش نار الحرب أنتم! أف لكم! لقد لقيت منكم برحاً يوماً أناديكم ويوماً أناجيكم، فلا أحرار صدق عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاء»( )!
وقال واصفاً صفاتهم: «أحمد الله على ما قضى من أمر وقدر من فعل، وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع، وإذا دعوت لم تجب. إن أمهلتم خضتم، وإن حوربتم خرتم. وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجئتم إلى مشاقة نكصتم. لا أبا لغيركم! ما تتنظرون بنصركم والجهاد على حقكم؟ الموت أو الذل لكم؟ فوالله لئن جاء يومي -وليأتيني- ليفرقن بيني وبينكم وأنا لصحبتكم قال، وبكم غير كثير. لله أنتم! أما دين يجمعكم! ولا حمية تشحذكم! أو ليس عجباً أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير معونة ولا عطاء، وأنا أدعوكم -وأنتم تريكة الإسلام، وبقية الناس- إلى المعونة أو طائفة من العطاء، فتفترقون عني وتختلفون علي؟ إنه لا يخرج إليكم من أمري رضى فترضونه، ولا سخط فتجتمعون عليه؛ وإن أحب ما أنا لاق إلى الموت! قد دارستكم الكتاب، وفاتحتكم الحجاج، وعرفتكم ما أنكرتم، وسوغتكم ما مججتم، لو كان الأعمى يلحظ، أو النائم يستيقظ! وأقرب بقوم من الجهل بالله قائدهم معاوية! ومؤدبهم ابن النابغة»( ).
الشيعة عند غيره من الأئمة
فهذا ما قاله أمير المؤمنين علي وأما ما قاله الحسن والحسين وغيرهما من (الأئمة المعصومين) عند الشيعة فكما يأتي: فيروي الكليني عن أبي الحسن موسى أنه قال: «لو ميزت شيعتي ما وجدتهم إلا واصفة ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين»( ).
ويذكر الملا باقر المجلسي في مجالس المؤمنين، أنه روى عن الإمام موسى الكاظم أنه قال: «ما وجدت أحداً يقبل وصيتي ويطيع أمري إلا عبد الله بن يعفور»( ).
وروى الكشي عن أبيه جعفر أنه قال أيضاً: «إني والله ما وجدت أحداً يطيعني ويأخذ بقولي إلا رجلاً واحداً – عبد الله بن يعفور»( ).
وذكر الحسن بن علي (رضي الله عنهما) شيعته، فقال: «أرى والله معاوية خير لي من هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا به إليه سلماً، والله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير، ويمن علي فيكون سبة على بني هاشم آخر الدهر، ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت» ( ).
وقال: «عرفت أهل الكوفة -أي شيعته وشيعة أبيه- وبلوتهم ولا يصلح لي منهم من كان فاسداً أنهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل، وأنهم لمختلفون ويقولون لنا إن قلوبهم معنا وإن سيوفهم لمشهورة علينا»( ).
وقال أخوه الحسين لشيعته حينما اجتمعوا عليه بدل أن يساعدوه ويمدوه بعد ما دعوه إلى الكوفة وبايعوا مسلم بن عقيل نيابة عنه فقال لهم: «تباً لكم أيتها الجماعة! وترحاً وبؤساً لكم وتعساً حين استصرختمونا ولهين فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفاً كان في أيدينا وحششتم علينا ناراً أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم ألبا على أوليائكم ويداً على أعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم ولا ذنب كان منا فيكم، فهلا لكم الويلات إذ أكرهتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لم تستخصف ولكنكم استسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتهافتم إليها كتهافت الفراش ثم نقضتموها سفهاً( ) بعداً وسحقا لطواغيت هذه الأمة»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 240):
هذا الكلام من المؤلِّف كلام عدوٍّ ناصبٍ للعداء لأهل البيت وشيعتهم، فعليه ما يستحقّ!!
إحسان إلهي ظهير:
ومثل هذا كثير، فهذه هي الأسباب التي جعلتهم يلجئون إلى القول بالتقية، لأنه لا يمكن الجمع بين مدح الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان، وبين قدحهم، كما لا يمكن الجمع بين ذم الشيعة والطعن فيهم وبين مدحهم( )…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 241):
هذا وما بعده كلّه كلام عدوٍّ لا حجّيّة فيه.
إحسان إلهي ظهير:
… والقول: لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم… فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته ولعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة.
فكيف الجمع بين هذا وذاك؟ فقالوا: إن الأئمة ما قالوا ذلك إلا تقية فكان هذا هو المخلص الوحيد لهم من المآزق، ولكن من يقول لهم: من يدري ذلك كان تقية أم هذا؟
فأين الحق؟ وأين الصواب؟
وأين الكذب وأين الصدق؟
وأين الحق وأين الباطل؟ فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون؟
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 242):
ظهر الحقّ من الباطل ممّا سبق أن قلناه، وماذا بعد الحقّ إلَّا الضلال فأنّى تصرفون.
إحسان إلهي ظهير:
ثم يسأل إن كانت الأقوال في مدح الصحابة وأبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم أجمعين والبيعة لهم، وتزويجهم إياهم بناتهم، وتبرئتهم من شيعتهم، وذمهم، تقية فمن أجبرهم على ذلك؟ وهل كان هناك خوف على أنفسهم حتى اضطروا إلى مثل تلك الأقوال المبنية على الحقائق والوقائع. مثل تخلف الشيعة عن مناصرة أئمتهم وذمهم أئمتهم على ذلك الخذلان.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 243):
عرفنا الوجه في ذلك وأنَّه إنَّما كان ذلك للمصلحة العامّة، وهي مصلحة المجتمع المسلم الحديث التأسيس، وليس لمصلحة عمر نفسه.
إحسان إلهي ظهير:
وموازنتهم أصحابهم الخزليين الفجرة مع أصحاب محمد الأوفياء المخلصين البررة، وشهادتهم بفضل الخلفاء الراشدين والبيعة لهم وقبول الوزارة عنهم والمشورة لهم.
فمن أجبرهم على ذلك وأي خوف كان عليهم بتركهم هذه الأعمال والأقوال، فإن كان علي يبغض عمر فكان عليه أن يستشيره حينما استشاره في الشخوص لقتال الأعاجم والروم أن يتشخص ويتخض في القتال حتى يقتل ويستريح علي وأهل بيت النيب -كما يزعمون- ولكنه خلاف ذلك ينكر عليه الشخوص ويمنعه منعاً باتاً ويعده أصل العرب وكالنظام للخرز.
فعدلاً يا عباد الله!
الرد على القول بالتقية
ثم استدلالهم على جواز التقية من الآيات القرآنية والأحاديث والروايات عند الخوف على النفس ليس إلا أضحوكة يضحك منها العقلاء.
أولاً: إن الاستدلال بالآيات مثل قوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ( )، وقوله: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( )، وقـوله: وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ( )؛ وقوله: لَا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ( ) وإِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ( )، وغير ذلك من الآيات، وكذلك الاستدلال بالروايات مثل قصة أبي جندل وغيرها وأبي ذر وأبي بكر. ليس إلا استدلالاً باطلاً.
لأن الآيات واحدة منها. والروايات المروية في هذا الشأن لا تدل مطلقاً على جواز الكذب والتقية والإصرار عليه، بل هناك آيات وأحاديث تدل دلالة صريحة على أن الكذب والتقية الشيعية في الدين لا تجوز بحال من الأحوال مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ( ). وقوله:  لَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ ( ) وقوله: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ( ) وقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ( )  وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ( ) وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ( ) وقوله عز وجل: يا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا( ).
وقوله: «عليكم بالصدق»( ).
وقوله: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدق وأنت به كاذب»( ).
وقول علي: «لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده»( ).
وقال: «الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك»( ).
وأما الآيات التي استدلوا بها فإن دلت على شيء دلت على جواز التورية كما في قصة إبراهيم فقوله لهم: إِنِّي سَقِيمٌ ، يعني به سقيم من عملكم.
وأما قصة يوسف فليس فيها تقية ولا تورية لأن معرفته إخوته وعدم إخبارهم بمعرفته لا يدل على التقية.
وليس معنى قوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ: أن يعلّم الناس الكفر ويفتيهم بالحرام، ويحرضهم على خلاف الحق…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 244):
أوّلاً: أنَّ الكتاب هنا ناقص صفحتان [أي: 204-205].
وثانياً: أنَّه ليس معنى الآية ما يقوله المكلَّف، بل التقيّة بالمعنى الحقّ والصحيح.
إحسان إلهي ظهير:
… بل كل ما فيه أنه لو اضطر وأجبر على القول بالكفر فله أن يتقول به من غير أن يعتقد ويعمل به( ).
وأما قوله: لَا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ، ليس فيه مسألة التقية مطلقاً وهكذا في قوله: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، لأن معناه أن لا يبخل المسلمون بالإنفاق والجهاد فينجروا به إلى الهلاك، وبهذا فسره علماء الشيعة وأئمتهم ومفسروهم كما في (خلاصة المنهج) وغيره من تفاسير الشيعة.
وأما قصة أبي جندل وأبي ذر فليس فيها شائبة للتقية، وقول أبي بكر للكفار حينما سألوه من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فقال: رجل يهديني السبيل: فلا علاقة له بالتقية، أما كان رسول الله يهديه إلى سبيل الخير، سبيل الجنة؟
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 245):
ولكنّه لماذا لم يصرّح باسمه؟ ليس ذلك إلَّا للتقيّة.
إحسان إلهي ظهير:
وثم كما قال الشاه عبد العزيز الدهلوي في التحفة.
إن التقية لا تكون إلا لخوف والخوف قسمان:
الأول: الخوف على النفس وهو منتف في حق حضرات الأئمة بوجهين:
أحدهما: أن موتهم الطبيعي باختيارهم (حسب زعم الشيعة)…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 246):
هذا صحيحٌ إلى حدٍّ كبير؛ فإنَّهم (سلام الله عليهم) كانوا يتّقون لأجل أصحابهم ومواليهم وليس خوفاً على أنفسهم، وإن خافوا على أنفسهم فهو من أجل أصحابهم أيضاً؛ لأنَّهم لهم قادةٌ، والتقيّة حكمٌ شرعيٌّ لابدَّ من إجرائه، ولا ربط له بالموت، فإنَّ كلَّ شخصٍ يعلم أنَّ لكلِّ واحدٍ منّا ساعةً لا يستأخرون عنها ولا يستقدمون، إلَّا أنَّ هذا لا يستدعي ترك التقيّة؛ لأنَّ فيها تكليفاً شرعيّاً، والخوف لا ينحصر بالموت، بل بأُمورٍ أُخرى كثيرة، كالتعذيب والضرب والإهانة وحدوث الشكّ أو الارتداد عند السامع أو غيره، أو الشتم ضدّ الشيعة إلى غير ذلك كثير.
إحسان إلهي ظهير:
… كما أثبت هذه المسألة الكليني في الكافي( ) وعقد لها باباً وأجمع عليها سائر الإمامية.
وثانيْه: أن الأئمة يكون لهم علم بما كان ويكون( ) فهم يعلمون آجالهم وكيفيات موتهم وأوقاته بالتخصيص، فقبل وقته لا يخافون على أنفسهم، ولا حاجة بهم إلى أن ينافقوا في دينهم ويغروا عوام المؤمنين.
القسم الثاني: خوف المشقة والإيذاء البدني والسب والشتم وهتك الحرمة، ولا شك أن تحمّل هذه الأمور والصبر عليها وظيفة العلماء، فقد كانوا يتحملون البلاء دائماً في امتثال أوامر الله تعالى، وربما قابلوا السلاطين الجبابرة.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 247):
قوله: (والصبر عليها… الخ)، ليس الأمر كذلك دائماً، بل قد يكون كذلك أحياناً وقد لا يكون، ومن الأكيد أنَّ هذا الصبر إذا كان منتجاً لمفاسد ومضاعفات غير محمودة، كان حراماً أو مرجوحاً حسب أهمّيّته الشرعيّة، وتكون مجاملة الظالم والتقيّة منه أمراً راجحاً.
إحسان إلهي ظهير:
وأهل البيت النبوي أولى بتحمل الشدائد في نصرة دين جدهم وأيضاً لو كانت التقية واجبة فلِمَ توقف إمام الأئمة (علي) كرم الله تعالى وجهه عن بيعة خليفة رسول الله ستة أشهر؟ وماذا منعه من أداء الواجب أول وهلة؟( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 248):
يُريد المؤلِّف أن يقول: إنَّ موقف أمير المؤمنين مخالفٌ للتقيّة. إذن، فالتقيّة غير واجبة؛ لأنَّ فعل الإمام حجّةٌ عند الشيعة، وجواب ذلك من عدّة وجوه:
أوّلاً: أنَّ الإمام كان قويّاً في المجتمع ولا يخاف الضرر من الشيخين أو غيرهما، فلا مورد للتقيّة له.
ثانياً: أنَّه لو كان هناك ضررٌ- جدلاً- فإظهار الحكم الشرعي أولى؛ لأنَّه الأُسلوب الوحيد يومئذٍ لبيان فساد ما يسمّى بالخلافة الراشدة وبطلانها، فلو كان قد اتّقى الإمام وبايع من أوّل الأمر لما ظهر ذلك.
وإنَّما بايع بعد ذلك حفظاً لوحدة المجتمع المسلم الجديد؛ لكي لا يضرب بعضه بعضاً، كما قاله في بعض خطبه، وليس خوفاً من الخلفاء ولا حبّاً لهم، وإنَّما كما قلنا فيما سبق من أنَّ الأئمّة إنَّما يتّقون لأجل غيرهم لا لأنفسهم.
ثالثاً: مع التنزّل عن كلا الجوابين السابقين، يبقى المورد محكوماً لأدلّة التقيّة الصحيحة الصريحة، ويكون فعل الإمام خاصّاً به، وهو أعلم بتكليفه، ولا يكون له شمول لغيره.
إحسان إلهي ظهير:
ثم لم يكن علي وأولاده من ذي التقية لأننا كما ذكرنا عن أعيان الشيعة أن التقية لا تكون إلا عند الخوف على النفس ووقاية للشر وأئمة الشيعة حسب زعمهم كانوا يملكون من القوة ما لا يملكها الآخرون، كما ذكرنا قبل ذلك في معتقدهم في الأئمة وكما ذكره الطبرسي: «إن عمر جادل سلمان وأراد أن يؤذيه: فوثب إليه أمير المؤمنين وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 249):
القوّة المشار إليها، إن أراد بها القوّة الظاهريّة، فهي كانت مفقودة عندهم، كما قال الإمام الصادق- ما مضمونه-: «لو كان عندي بمقدار هذه الغنيمات لقمت بالأمر»( ).
وإن قصد القوّة الواقعيّة أو التكوينيّة فهي متوفّرةٌ، إلَّا أنَّها لا تكون سبباً لتشريع الأحكام؛ فإنَّ الأحكام منوطةٌ بالظاهر ومجعولةٌ لحفظ الظاهر، وليس المفروض تطبيقها بالمعاجز.
على أنَّه يمكن القول: إنَّ تطبيق المعاجز هنا ليس فيه مصلحةٌ لعدّة أسباب:
منها: مخالفته لقانون الابتلاء والتمحيص الساري المفعول في الحياة الدنيا.
ومنها: أنَّه لو أهلك الأئمّة أعداءهم بالمعجزة لكان ذلك سبباً لانقطاع نسلهم، وبذلك ينسدّ طريق حصول كثير من المؤمنين في الدنيا الذين هم من نسلهم في القدر الإلهيّ. فيجب أن يبقى الأب المنحرف ليولد الولد المؤمن، ويراد بالولد هنا مطلق الذريّة، ولو بعد عدّة أجيال.
والنتيجة: أنَّ كلتا القوّتين -الظاهريّة والباطنيّة- لا يمكن استعمالهما، فيتعيّن طريق التقيّة.
إحسان إلهي ظهير:
وذكر الراوندي: «إن علياً بلغه عن عمر ذكر شيعته، فاستقبله في بعض طرق لبساتين المدينة وفي يد علي القوس فقال يا عمر بلغني عنك ذكرك شيعتي، فقال: اربع على ظلعك، فقال: إنك لها هنا، ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هو ثعبان كالبعير فاغراً فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه فصاح عمر: الله، الله، يا أبا الحسن لا عدت بعدها في شيء وجعل يتضرع إليه، فضرب بيده إلى الثعبان فعادت القوس كما كانت، فمضى عمر إلى بيته مرهوباً»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 250):
مثل هذه الحادثة تنشأ من أمرين:
أحدهما: القدرة التكوينيّة للأئمّة.
وثانيهما: إقامة الحجّة على الآخرين، حين ينحصر الأمر بإقامة الحجّة بالمعجزة، أو لتكرار الحجّة وتأكيدها رحمة بالعالمين؛ لعلّهم يتذكّرون، ولكنهم مع ذلك لا يتذكّرون.
إحسان إلهي ظهير:
ونسب إلى علي أنه قال: «إني والله لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 251):
هذا صحيحٌ، ولكنّه لا ربط له بالتقيّة كما عرفنا.
إحسان إلهي ظهير:
وليس هذا بخاصة علي بل كل الأئمة هكذا يملكون من الشجاعة والقوة والمعجزات ما لم يحصل للآخرين كما روي عن أبي الحسن علي بن موسى -الإمام الثامن لهم- أنه قال: «للإمام علامات، يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس وأشجع الناس… يرى من بين يديه ولا يكون له ظل واقع إلى الأرض… ويكون دعاؤه مستجاباً حتى لو أنه دعا إلى صخرة لانشقت نصفين، ويكون عنده سلاح رسول الله وسيفه ذو الفقار»( ).
وفي رواية الكليني: «ويملك الإمام أيضاً ألواح موسى وعصيه وخاتم سليمان كما يملك الاسم الذي لا يؤثر فيه الرماح والسهام». فمن يكون هذا شأنه لِمَ يتقي وممن يتقي؟
وأخيراً إلى متى تجب هذه التقية أو بالتعبير الصحيح الكذب عند الشيعة؟
فيروي الأردبيلي عن الحسين بن خالد أنه قال: قال الرضا: «لا دين لمن لا ورع له ولا إيمان لمن لا تقية له وإن أكرمكم عند الله أتقاكم…
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 252):
لا يخفى أنَّ هذا أمرٌ للشيعة لا للأئمّة أنفسهم، وهم أعلم بتكليفهم، إلَّا أنَّنا مع ذلك نقول: إنَّهم كانوا يعملون بها لأسباب عرفناها.
إحسان إلهي ظهير:
… فقيل له يا ابن رسول الله إلى متى قال إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم خروج قائمنا( ). فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا»( ).
وروى الكليني عن علي بن الحسن أنه قال: «والله لا يخرج واحد منا قبل خروج القائم إلا كان مثله مثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به»( ).
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 253):
قوله: «لا يخرج واحد منّا»، أفهم منه ما هو الأعمّ والأوسع من أشخاص الأئمّة، وعلى أيّ حالٍ فقد طبّقه الأئمّة على أنفسهم فتركوا الثورة بعد الحسين. وكلّ مَن قام أو ثار من أصحابهم كانت نتيجته القتل. وقد أسّس بعضهم دولةً فعلاً، كالدولة في طبرستان( )، وغيرها( )، إلَّا أنَّها لم تكن قابلةً للبقاء كثيراً لتكالب الأعداء وتآمرهم ضدّها باستمرار ما لم تكن خاضعةً لهم.
إحسان إلهي ظهير:
وكتب ابن بابويه: «والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله ودين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة»( ).
فهذا هو دين الإمامية، دين الشيعة الاثنى عشرية، دين الكذب ودين الخداع والمكر، والكذب إلى الأبد لا نجاة منه.
وقد ذكَّر الله عزّ وجلّ في كتابه إيّانا وإيّاهم وقال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ(32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ(33) لَـهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ(34) لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ(35) أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(36) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ( ). وصدق الله مولانا العظيم.
السيد الشهيد محمد الصدر (تعليقة 254):
هذا من التأويل المقلوب والباطل للقرآن الكريم مع شديد الأسف، جزاه الله بما يستحقّ لا نقول أكثر من ذلك.


الحمد لله ربِّ العالمين على حسن توفيقه في الإتمام.
هذه تعليقات على كتاب الشيعة والسنّة، تأليف: إحسان إلهي ظهير، الناشر: إدارة ترجمان السنّة، لاهور، باكستان. نسخة مصوّرة ناقصة في بعض صفحاتها.

 

 

 

 


فهرس مصادر التحقيق

• القرآن الكريم.
• نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح.
1. أحاديث أمّ المؤمنين عائشة، للعلّامة السيّد مرتضى العسكري، الناشر: التوحيد للنشر، الطبعة الخامسة: 1414هـ-1994م.
2. الاحتجاج، للطبرسي، تعليق: السيّد محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، النجف، 1386هـ – 1966م.
3. أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، محمّد بن عبد الله الأزرقي، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، انتشارات الشريف الرضي، قم، الطبعة الأولى، 1411هـ .
4. الاختصاص، للمفيد، تحقيق: عليّ أكبر الغفاري والسيّد محمود الزرندي، الناشر: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، 1414هـ – 1993م.
5. اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسيّ، تصحيح: الداماد، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، الناشر: مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، قم- إيران تاريخ الطبع: 1404هـ.
6. الإرشاد، للشيخ المفيد، تحقيق: مؤسّسة آل البيت ع لتحقيق التراث، الناشر: دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، 1414هـ – 1993م.
7. الاستيعاب، لابن عبد البر، تحقيق: عليّ محمّد البجاوي، دار الجيل، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1412هـ – 1992م.
8. الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: عادل أحمد- الشيخ عليّ محمّد، الناشر: دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، الطبعة الأُولى: 1415هـ.
9. أصل الشيعة وأُصولها، للشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء، تحقيق: علاء آل جعفر، الناشر: مؤسّسة الإمام عليّ، قم- إيران، الطبعة الأُولى: 1415هـ.
10. اعتقادات الإمامية، للصدوق، الناشر: مؤتمر الشيخ المفيد، إيران – قم، الطبعة الثانية، 1414هـ .
11. الاعتقادات في دين الإماميّة، للشيخ الصدوق، تحقيق: عصام عبد السيّد، الناشر: دار المفيد، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية: 1414هـ-1993م.
12. الأعلام، لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، الطبعة الخامسة، 1980م.
13. الأغاني، لأبي فرج الأصفهاني، دار إحياء التراث العربي، بدون طبعة وتاريخ.
14. الأمالي للطوسيّ، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية – مؤسّسة البعثة، قم، الطبعة الأولى، 1414هـ .
15. الأمالي، للصدوق، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية – مؤسّسة البعثة، قم، الطبعة الأولى، 1417هـ .
16. الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، تحقيق: عليّ شيري، انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الأولى، 1413هـ .
17. أمل الآمل، محمّد بن الحسن الحر العاملي، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني، دار الكتاب الإسلامي، قم، 1362ش. بدون طبعة.
18. الأنوار النعمانية، السيّد نعمة الله الجزائري، تعليق وتقديم: السيّد محمّد عليّ القاضي الطباطبائي، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، لبنان – بيروت، الطبعة الأولى، 1431هـ .
19. بحار الأنوار، للعلّامة المجلسي، تحقيق: محمّد باقر البهبودي، وعبد الرحيم الربّاني الشيرازي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان، الطبعة الثالثة المصحّحة: 1403هـ-1983م.
20. بحر الفوائد في شرح الفرائد، ميرزا محمّد حسن الآشتياني، الناشر: كتابخانه عمومى حضرت آية الله العظمى مرعشي نجفي، قم، 1402هـ.
21. البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، تحقيق: عليّ شيري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان، الطبعة الأُولى: 1408هـ-1988م.
22. بصائر الدرجات، محمّد بن الحسن الفروخ الصفّار، تحقيق: الحاج ميرزا كوجه باغى، الناشر: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، الطبعة الأولى، 1404ش.
23. تاريخ الإسلام، للذهبي، تحقيق: الدكتور عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1407هـ – 1997م.
24. تاريخ الطبري، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري، تحقيق: نخبة من العلماء، الناشر: مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت- لبنان، بلا ط وتاريخ.
25. تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت – لبنان، بدون طبعة وتاريخ.
26. تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر، تحقيق: عليّ شيري، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، سنة الطبع: 1415هـ.
27. التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسيّ، تحقيق: تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1409هـ.
28. التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، تحقيق: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسّسة الهادي، قم، الطبعة الثانية، 1416هـ.
29. تفسير العياشي، تحقيق: هاشم رسول المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران، الطبعة الأولى، 1422هـ.
30. تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، أبو محمّد عبد الرحمن بن محمّد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: 327هـ)، المحقّق: أسعد محمّد الطيب، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز – المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة – 1419 هـ .
31. تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، تحقيق: الطيب الموسوي الجزائري، الناشر: دار الكتاب، قم، الطبعة الثالثة، 1404هـ.
32. تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحقّقين الأخصائيين، الناشر: مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1415 – 1995 م.
33. تفسير مقاتل بن سليمان، أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى (المتوفى: 150هـ)، المحقّق: عبد الله محمود شحاته، الناشر: دار إحياء التراث – بيروت، الطبعة: الأولى – 1423 هـ .
34. تنزيه الأنبياء، الشريف المرتضى، الناشر: دار الأضواء، بيروت – لبنان، الطبعة: الثانية، 1409هـ – 1989م.
35. تهذيب الأحكام، محمّد بن الحسن الطوسي، تحيقيق: حسن الموسوي الخرسان، الناشر: دار الكتب الإسلاميهة، طهران، الطبعة الرابعة، 1407هـ.
36. الثقات، لابن حبان، مؤسّسة الكتب الثقافية، الهند، الطبعة الأولى، 1393هـ .
37. جامع الأخبار،الشعيري، محمّد بن محمّد، الناشر: المطبعة الحيدرية، النجف، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
38. جامع البيان في تأويل القرآن، المؤلّف: محمّد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)، المحقّق: أحمد محمّد شاكر، الناشر: مؤسّسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ – 2000 م.
39. الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م.
40. جواهر الكلام، الشيخ الجواهري، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران، الطبعة الثانية، 1365ش.
41. الخرائج والجرائح‏، قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله‏، تحقيق: مؤسّسة الإمام المهديّ، الناشر: مؤسّسة الإمام المهديّ، قم، الطبعة الأولى، 1409هـ .
42. الخصال، للصدوق، تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، 1403هـ .
43. خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، لأبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي (العلّامة الحلّي)، تحقيق: الشيخ جواد القيّومي، الناشر: مؤسّسة نشر الفقاهة، الطبعة الأُولى: 1417هـ.
44. سنن ابن ماجة، محمّد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر بيروت – لبنان، بدون طبعة وتاريخ.
45. سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق وتعليق: سعيد محمّد اللّحام، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، الطبعة الأُولى: 1410هـ-1990م.
46. سنن الترمذي، محمّد بن عيسى (ت 279 هـ)، تحقيق: عبد الرحمن محمّد عثمان، الناشر: دار الفكر، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية: 1403- 1983م.
47. السنن الكبرى، للبيهقي، دار الفكر، بيروت، بدون طبعة وتاريخ.
48. السيرة النبوية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت – لبنان، عام النشر: 1395 هـ – 1976 م.
49. شرح المواقف، للقاضي الجرجاني، شرح: عليّ بن محمّد الجرجاني، الناشر: مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأوُلى: 1325-1907م.
50. شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأولى: 1362ش.
51. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: 1378هـ – 1959م.
52. الشفاء (المنطق) الشيخ الرئيس ابن سينا، تحقيق: سعيد زايد، الناشر: مكتبة آية الله المرعشي، قم، 1404هـ .
53. صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت – لبنان، 1401هـ -1981م.
54. صحيح مسلم، مسلم النيسابوري، المحقّق: محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، بدون تاريخ.
55. صفات الشيعة، الصدوق، الناشر: الأعلمي، طهران، الطبعة الأولى، 1403هـ .
56. الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البدع والزندقة، لأحمد بن حجر الهيتمي المكّي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللّطيف، الناشر: مكتبة القاهرة، القاهرة- مصر، الطبعة الثانية: 1385- 1965م.
57. علل الشرائع‏، ابن بابويه، محمّد بن عليّ الصدوق، الناشر: مكتبة الداوري، قم، الطبعة الأولى، 1427هـ.
58. عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، المؤلّف: ابن أبي جمهور، محمّد بن زين الدين‏، تحقيق وتصحيح: مجتبى العراقي، الناشر: دار سيد الشهداء للنشر، قم، الطبعة الأولى، 1405هـ.
59. الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، للشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان، الطبعة الرابعة: 1397هـ- 1977م.
60. الفتاوى الواضحة، السيّد محمّد باقر الصدر، الناشر: مطبعة الآداب، النجف الأشرف. بدون تاريخ.
61. الفتوحات المكية، لابن عربي، دار صادر، بيروت – لبنان. بدون تاريخ.
62. فرق الشيعة، لأبي محمّد الحسن بن موسى النوبختي، صحّحه وعلّق عليه: العلّامة السيّد محمّد صادق آل بحر العلوم، دار الأضواء، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، 1404هـ.
63. فضائل الشيعة، لابن بابويه، الناشر: الأعلمي، طهران، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
64. الفضائل، لأبي الفضل سديد الدين شاذان (ابن شاذان)، الناشر: منشورات المطبعة الحيدريّة ومكتبتها، النجف الأشرف- العراق، سنة الطبع: 1381هـ-1962م.
65. فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي)، مؤسّسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين، قم، الطبعة الخامسة، 1416هـ .
66. في ظلال نهج البلاغة، محمّد جواد مغنية، الناشر: أنتشارات كلمة الحق، الطبعة الأولى، 1427هـ .
67. الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني، صحّحه وعلّق عليه: عليّ أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الثالثة، 1388 هـ.
68. الكامل في التاريخ، لابن الأثير، الناشر: دار صادر- ودار بيروت، بيروت- لبنان، سنة الطبع: 1386هـ-1966م،
69. كتاب العين‏، الفراهيدي، خليل بن أحمد، الناشر: نشر الهجرة، قم، الطبعة الثانية، 1409هـ .
70. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة، 1407 هـ .
71. كشف الأسرار، للسيد الخميني، الناشر: مكتبة الفقيه – الكويت، ودار المحجة البيضاء: بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، عام 1421/2000م.
72. كشف الغمة في معرفة الأئمة، الإربلي، عليّ بن عيسى‏، تحقيق: هاشم رسول محلاتي، الناشر: بني هاشمي، تبريز، الطبعة الأولى، 1423هـ .
73. كنز العمال، المتقي الهندي، مؤسّسة الرسالة، بيروت: 1409 هـ- 1989م.
74. لسان العرب‏، ابن منظور، محمّد بن مكرم‏، تحقيق: جمال الدين الميردامادي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع- دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ .
75. مجمع الزوائد، للهيثمي، الناشر: دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، سنة الطبع: 1408-1988م.
76. مختصر البصائر، الحسن بن سليمان بن محمّد الحلي، تحقيق: مشتاق المظفر، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى، 1421هـ.
77. مختصر التحفة الاثني عشرية، ألّف أصله باللغة الفارسية: علامة الهند شاه عبد العزيز غلام حكيم الدهلوي، نقله من الفارسية إلى العربية: (سنة 1227 هـ) الشيخ الحافظ غلام محمّد بن محيي الدين بن عمر الأسلمي، اختصره وهذبه: (سنة 1301 هـ) علامة العراق محمود شكري الألوسي، حققه وعلق حواشيه: محب الدين الخطيب، الناشر: المطبعة السلفية، القاهرة، 1373 هـ.
78. مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، للمجلسي، تصحيح وتعليق: الشيخ عليّ الآخوندي والسيّد جعفر الحسيني، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الأولى، 1411هـ.
79. المراجعات، للسيد شرف الدين، تحقيق: حسين الراضي، الناشر: الجمعية الإسلامية، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، 1402هـ – 1982م.
80. مروج الذهب ومعدن الجواهر، للمسعودي، منشورات دار الهجرة، قم، الطبعة الثانية، 1404هـ – 1984م.
81. المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم محمّد بن عبد الله بن محمّد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: 405هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1411 – 1990م.
82. المستدرك على الصحيحين، للحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوريّ، وبذيله: التلخيص للحافظ الذهبيّ، طبعة مزيدة بفهرس الأحاديث الشريفة، بإشراف الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار المعرفة، بيروت- لبنان، من دون تاريخ وطبعة.
83. مسند أحمد، لأحمد بن حنبل، وبهامشه منتخب كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، الناشر: دار صادر، بيروت- لبنان، من دون تاريخ وطبعة.
84. مشارق أنوار اليقين في اسرار أمير المؤمنين ع، للحافظ البرسي، المحقّق: عليّ عاشور، الناشر: الأعلمي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1422هـ.
85. المصنف في الأحاديث والآثار، المؤلّف: أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمّد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235هـ)، المحقّق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد – الرياض، الطبعة: الأولى، 1409هـ .
86. معالم التنزيل في تفسير القرآن (تفسير البغوي)، محيي السنة، أبو محمّد الحسين بن مسعود بن محمّد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 510هـ)، المحقّق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار إحياء التراث العربي –بيروت، الطبعة: الأولى، 1420 هـ .
87. معالم العلماء، لابن شهر آشوب، قم، بدون طبعة وتاريخ.
88. معجم المؤلّفين، لرضا كحالة، مكتبة المثنى، بيروت – لبنان، ودار إحياء التراث العربي، بدون طبعة وتاريخ.
89. معجم رجال الحديث، للخوئي، الطبعة الخامسة، 1413هـ .
90. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق: هارون عبد السلام محمّد، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأولى، 1404هـ .
91. المغازي، محمّد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله، الواقدي (المتوفى: 207هـ)، تحقيق: مارسدن جونس، الناشر: دار الأعلمي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1409/1989.
92. مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، أبو عبد الله محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1420 هـ .
93. مقاتل الطالبيين، أبي الفرج الأصفهاني، تحقيق: تقديم وإشراف: كاظم المظفر، الناشر: منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها – النجف الأشرف، لطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1385 – 1965 م.
94. مقالات الأصول‏، ضياء الدين العراقي، الناشر: مجمع الفكر الإسلامي‏، قم، الطبعة الأولى، 1420هـ .
95. من لا يحضره الفقيه‏، للصدوق، محمّد بن عليّ ابن بابويه، تحقيق: عليّ أكبر الغفاري، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم‏، الطبعة الثانية، 1413هـ .
96. مناقب آل أبي طالب، للحافظ أبي عبد الله محمّد بن عليّ بن شهر آشوب، تحقيق: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، الناشر: منشورات المطبعة الحيدريّة ومكتبتها، النجف الأشرف- العراق، سنة الطبع: 1376هـ-1956م.
97. مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، عليّ بن محمّد بن محمّد بن الطيب بن أبي يعلى بن الجلابي، أبو الحسن الواسطي المالكي، المعروف بابن المغازلي (المتوفى: 483هـ)، المحقّق: أبو عبد الرحمن تركي بن عبد الله الوادعي، الناشر: دار الآثار – صنعاء، الطبعة: الأولى 1424 هـ – 2003 م.
98. منتهى المقال في أحوال الرجال للمازندراني، تحقيق: مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم، الناشر: مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1416هـ .
99. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي حبيب الله الهاشمي، تحقيق: سيد إبراهيم الميانجي، الناشر: بنياد فرهنك إمام مهدي، طهران، الطبعة الرابعة.
100. منهج الصالحين، السيّد محمّد صادق الصدر، الناشر: دار الأضواء، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1429هـ .
101. موسوعة المستشرقين، عبد الرحمن بدوي، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة، 1993م.
102. موسوعة طبقات الفقهاء، المؤلّف: اللجنة العلمية في مؤسّسة الإمام الصادق، تحقيق: اشراف: جعفر السبحاني، الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام، قم، الطبعة الأولى، 1418هـ .
103. ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لأبي عبد الله محمّد الذهبي، تحقيق: عليّ محمّد البجاوي، الناشر: دار المعرفة، بيروت- لبنان، الطبعة الأُولى: 1382-1963م.
104. الميزان في تفسير القرآن، للعلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، إيران.
105. نوادر المعجزات في مناقب الأئمّة الهداة، لمحمّد بن جرير الطبري (الشيعي)، تحقيق: مؤسّسة الإمام المهديّ، الناشر: مؤسّسة الإمام المهديّ، قم المقدّسة- إيران، الطبعة الأُولى: 1410هـ.
106. الهداية الكبرى، الخصيبي حسين بن حمدان، الناشر: البلاغ، بيروت – لبنان، الطبعة الرابعة، 1419هـ.
107. الوافي، للفيض الكاشاني، الناشر: مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، أصفهان، الطبعة الأولى، 1406هـ.
108. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تأليف: الفقيه المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت، الطبعة الثانية: 1414هـ قم.
109. ينابيع المودة لذوي القربى، للقندوزي، تحقيق: سيد عليّ جمال أشرف الحسينيّ، الناشر: دار الأسوة للطباعة والنشر، قم، الطبعة الأولى، 1416هـ .

 

 

 

 


الفهرس

مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله) 7
مقدّمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر 11
منهجنا في التحقيق 14
مقدمة إحسان إلهي ظهير 21
الباب الأول
الشيعة والسنة 39
عبد الله بن سبأ 57
سعيه بالفتنه والفساد 58
الطعن في أصحاب النبي 60
أبي بكر 60
الفاروق الأعظم 61
عثمان بن عفان 67
بقية أصحاب النبي وأزواجه أمهات المؤمنين 73
عم النبي وأولاده 73
خالد بن الوليد 79
عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة 81
طلحة والزبير 81
أنس بن مالك والبراء بن عازب 82
أزواج النبي 83
تكفير الصحابة عامة 85
الصحابة عند السنة 88
سبب انتشار التشيع في إيران وبغضهم الصحابة 93
الولاية والوصاية 96
تعطيل الشريعة 99
مسألة البداء 102
عقيدة الرجعة 106
معتقدهم في أئمتهم 107
الأئمة يعلمون الغيب 107
الغلو في الأئمة 108
الباب الثاني
الشيعة والقرآن 127
من حرّف القرآن وغيّره؟ 143
من عنده المصحف؟ 149
أمثلة التحريف 161
لِمَ قالوا بالتّحريف؟ 167
أهمية الإمامة عندهم 167
أمثلة لذلك: 177
أدلة عدم التحريف وإيرادات الشيعة عليها 196
لِمَ أنكروا التحريف 202
عقيدة أهل السنة في القرآن؟ 229
كتب الشيعة لإثبات التحريف 236
الباب الثالث
الشيعة والكذب 243
التقية دين وشريعة 249
التقية ليس إلا كذباً محضاً 254
أمثلة لذلك 265
رواة الشيعة 271
لِمَ قالوا بالتقية؟ 279
أمثلة لذلك 285
مدح الصحابة 294
الاعتراف بخلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة 299
تزويج أم كلثوم من عمر بن الخطاب 305
ذم الشيعة وبيان نقائصهم 307
الشيعة عند غيره من الأئمة 312
الرد على القول بالتقية 316
فهرس مصادر التحقيق 331
الفهرس 347