أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
الكلمة التامة في الولاية العامة

الكلمة التامة في الولاية العامة
تأليف
المحتاج إلى رحمة ربه الكريم
محمد الصدر
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
جمادى الثانية 1389هـ – أيلول 1969م
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف

بسم لله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد الخلق والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر

بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين؛ ولاة الأمر وسادة الدهر وأهل العصمة والطهارة وأئمة الدين وعلماء الأمة وشفعاء يوم الدين.
أما بعد.
فهذا الكتاب (الكلمة التامة في الولاية العامة)، الذي بين يديك عزيزي القارئ؛ تحفة أخرى من تحف الشهيد السعيد السيّد محمد الصدر (قدس الله نفسه الزكية) النفيسة التي أغنى بها المكتبة الإسلامية، وردم بها زواية من زوايا الفكر الإسلامي، وسدّ بها خلة معرفية، وعالج من خلالها مسألة علمية، فلله دره من عالم عليم بطرق البحث والدراسة؛ خبير بسبل التحقيق والتدقيق ومسالكها، مقيم على معالجة المواضيع العلمية علاج العارف بمحكمها ومتشابهها، المستقصي لشاردها وواردها، السائر فيها سير الحكيم في تطبيب سقيمها ومريضها، وهو في ذلك كلّه، لا يدع ثغرة في البحث؛ ينفذ منها المستشكلون، ولا يفتح باباً يلج منه المشككون، كإنّما يجيب على ما يثور في العقول على اختلاف مراتبها، ويتحدّث إلى الأذهان على تنوّع مشاربها.
بُني هذا الكتاب- الذي يشكّل قسماً من بحث واسع- على تجلية معنى الولاية من الناحية اللغوية وعلاقتها بالمعنى الاصطلاحي، وتقديم تعريف جامع مانع عن الولاية، ومناقشة صاحب البلغة في تعريفه لها، والاستشكال على التقسيمات التي قدّمها، ثُمَّ المصير إلى ذكر عدّة أمور وإشباعها بحثاً ودراسة، منها: الولاية الإلهية العقلية، وموضوع الولاية ومتعلّقها، وأمور أخرى مفيدة ومهمة، مضافاً إلى دراسة ماهية الولي ومصداقه، ومن ثُمَّ التعرّض لأول مصاديق الولي وهو النبي’، وقد ساق الأدلّة على ولايته من القرآن الكريم، وهو ختام البحث.
ونود الإشارة هنا إلى أمر، وهو أنَّ هذا الكتاب يشكل جزءاً من بحث موسّع، لم نعثر على المخطوط المتمّم له، وهو رضوان الله عليه يتحدّث فيه عن: الولاية بالوكالة والنيابة والتنصيب من قبل الآخر، ثُمَّ خاتمة في بحوث اجتماعية في الولاية تتعلّق بالوعي الإسلامي، كما أشار + إلى ذلك في عنوان: (منهج البحث) في المخطوط الذي بين أيدينا.
نفع الله بهذا الكتاب جميع المؤمنين، وجعله ذخراً للمؤلّف، وأناله رفيع الدرجات، ورزقنا شفاعته يوم الدين، ووفّقنا نحن في هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر+، إلى إكمال ما تبقى من كنوز المعرفة لهذا العالم النحرير بأحسن وجه، إنَّه نعم المولى ونعم النصير.

الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمّد الصدر+

منهجنا في التحقيق
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة للسيّد الشهيد +.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لكلِّ ما فيه خير وصلاح، إنَّه سميع مجيب.
كما نستغفره تعالى شأنه من كلِّ زللٍ وخطأ، سائلين العلماء والباحثين الكرام أن يتجاوزوا عن كلِّ عيب ونقصٍ لُوحظ في إخراج هذا الكتاب؛ فإنَّ الكمال لله وحده.

والحمد لله أوّلاً وآخراً

صورة من غلاف النسخة الخطية

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية

ــــــ[13]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة

تمهيد
في حقيقة الولاية ومجالاتها

ما هي الولاية؟
أمّا من حيث مفهومها اللغوي، فقد قالوا: إنَّها جاءت بمعنى الربوبيّة، ومنه قوله تعالى: {هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لله}، وبمعنى النصرة، وهي بكلا المعنيين بفتح فائها. وجاءت بالكسر، بمعنى الامارة، مصدر (وليَّت)(1).
قال في المجمع: (ويقال هما – أي: الفتح والكسر- لغتان بمعنى الدولة. وفي النهاية: هي بالفتح المحبّة، وبالكسر التولية والسلطان)(2).
وقال في المفردات: وقيل الوِلاية والوَلاية، نحو الدِلالة والدَلالة، وحقيقته تولّي الأمر(3).
أقول: وجميع هذه المعاني تعود إلى معنى جامع واحد، مرتكز في ذهن العرف، مشابه إلى حدّ كبير للمعنى الاصطلاحي للولاية على ما نذكره. ومن مشتقّات
ــــــ[15]ـــــــ
(1) مجمع البحرين، الطريحي، ج1، ص455.
(2) انظر: المصدر السابق.
(3) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، ص885.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
هذه المادّة >الولي< و>المولى< على ما سيأتي في المباحث الآتية.
وأمّا الولاية اصطلاحاً، فهي: حكم وضعي ابتدائي للتصرّف بالغير.
فخرج بـ(الحكم) ما كان من قبيل الحقّ القابل للإسقاط، من قبيل ذي الحقّ. فإنَّ الولاية غير قابلة للإسقاط من قبل المتّصف بها، وإن كانت قابلة له أحياناً من قبل شخص آخر له الحقّ في نصب المتولّي وعزله.
ويشمل الحكم في التعريف صدوره من أيّ حاكمٍ كان، غاية الأمر أنّ الحاكم المشرّع إن كانت له المولوية الحقّة، كانت الولاية شرعيّة وصحيحة، وإن لم يكن له المولويّة الحقّة، كانت الولاية جائرة وباطلة. ومن المعلوم أنَّ ذلك لا يخلّ بمفهومها، على ما هو المقصود بالتعريف.
ومن ثَمَّ يتصوّر أن يكون الحاكم بالولاية على أنحاء:
الأوّل: العقل: فإنَّه يحكم – أي: يدرك- ولاية الله تعالى على خلقه، وهي على نحوين:
أحدهما: ولاية مُدرَكة للعقل النظري، وهي الخالقيّة والسيطرة التامّة على الكون، وهذه خارجة عن محلِّ الكلام.
ثانيهما: ولاية مدرَكة للعقل العملي، وهي التي تقتضي نفوذ تدبير الله تعالى في خلقه تـشريعاً، ونفوذ أوامره ونواهيه، بمعنى: ثبوت مولويّته ووجوب طاعته، وهذه الولاية هي المقصودة في المقام، والمندرجة في التعريف.
وإذا كان الحاكم هو العقل تارةً وغيره أُخرى، يكون الأنسب عدم التعرّض
ــــــ[16]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
إلى ذكر الحاكم في التعريف، كما أدخله في >البلغة<(1).
الثاني: الشارع الإسلامي المقدّس، في جعل ولاية النبي’ والأئمّة^، والحاكم الشرعي، والأب والجدّ، ونحو ذلك.
الثالث: الـمُوَلّى عليهم أنفسهم، بأن ينتخبوا عليهم وليّاً، كما في الخلافة على مذهب العامّة، وفي عصر الغيبة، وكما تقول به بعض المذاهب الماديّة الحديثة(2).
الرابع: الولي نفسه، حيث يفترض أنّ شخصاً يسيطر على قسم من الأرض بالسلاح والنار، وينصّب من نفسه حاكماً ووليّاً على المجتمع.
فهذه أنحاء أربعة ممّن يحكم بالولاية، ومن المعلوم أنّ جملة منها صحيحة، وبعضها باطلة، فتتبع الولاية وأثرها صحّة الحكم به وبطلانه لا محالة.
وخرج بقولنا: (الحكم الوضعي) الحكم التكليفي، فإنّ الحكم التكليفي هو الذي يتضمّن بعثاً أو زجراً أو ترخيصاً، وسواه الوضعي. والولاية لا تتضمّن ذلك كما هو واضح، وإن كانت تستلزمه، كما تستلزم الحكم الوضعي أيضاً على ما نشير إليه.
وخرج بقولنا: (ابتدائي)- ونعني به ما كان ناشئاً من سببٍ شرعيٍ خاصّ- خرج به ما كان ناشئاً من عقد أو إيقاع أو معلول لهما، يعني: تمام الأحكام الثابتة في المرتبة المتأخّرة عن العقود والإيقاعات، سواء كان العقد أو الإيقاع تمام الموضوع لثبوتها، كالوكالة والملكيّة والحريّة والزوجيّة ونحوها بالنسبة إلى
ــــــ[17]ـــــــ
(1) انظر: بلغة الفقيه، السيد محمد بحر العلوم 3: 210، رسالة في الولايات.
(2) كما في نظرية العقد الاجتماعي للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712- 1778م).
الكلمة التامة في الولاية العامّة
مسبباتها، أو كان جزء الموضوع، كحقِّ المرتهن في بيع العين المرهونة، فإنّه مترتّبٌ على العقد وعلى تعذّر دفع الدين عند حلول الأجل.
وخرج كذلك ما كان من قبيل ملكيّة الوارث المسبّب عن الموت، أو ملكيّة الميّت للديّة المسبّب للقتل.
وبقي داخلاً في التعريف ما كان في المرتبة المتقدّمة لهذه الأسباب المأخوذة في لسان الشارع، كنفوذ تصرّف الشخص في ماله وفي أفعاله، وفي مَن هو ولّي عليه، كالابن والحفيد والرعيّة.
ونريد باللام في قولنا: (للتصرّف) اختصار قولنا: المقتضي لنفوذ. فالتعريف من دون الاختصار يصبح: حكم وضعي مقتضٍ لنفوذ التصرّف بالغير.
ودخل بقولنا: (التصرّف): سائر التصرّفات الوضعيّة، كالبيع والإجارة والنكاح ونحوها، فإنّها جميعاً ممّا ينفذ فيها تصرّف الولّي بصفته وليّاً لو كانت ولايته ممّا تقتضيه، كما شمل سائر التصرّفات التكلفيّة، فإنَّ أمر الولي مطاع لا محالة.
ولا يقال: إنَّ جملة ممّن ذكرت من الأولياء لا تنفذ بعض تصرّفاتهم الوضعيّة أو التكليفيّة.
فإنَّه يقال: إنَّ ذلك راجع لضيق ولايتهم من أوّل جعلها، فكلّ عملٍ لا يمكن للشخص أن يُنفذه شرعاً فهو ليس وليّاً عليه، وإن كان وليّاً في عمل آخر. فمقدار نفوذ تصرّف الولي يتبع مقدار جعل ولايته سعة وضيقاً.
وخرج بقولنا: (بالغير) التصرّف في شؤون النفس من أموال ببيع وإجارة وهبة ووقف، ومن أفعال بإجارة أو تبرّع.
ــــــ[18]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ومن هنا لا يقال: إنَّ للفرد ولاية على نفسه بالمعنى المبحوث عنه، وإن كان لديه حكم شرعي يقتضي نفوذ التصرّف، وإن كان قد يطلق مجازاً بمعنى التدبير والتصرّف.
ودخل بهذا القيد سائر أنحاء التصرّف بالغير، في حدود ما تقتضيه الولاية سعة وضيقاً، من نفس الغير بقصاصٍ أو حدٍّ أو تعزيرٍ أو نكاحٍ، ومن فعل بإجارة أو تبرّع، أو مال ببيع أو هبة أو وقف أو إجارة أو غير ذلك من التصرّفات. وقد أشرنا أنّ سلب حقّ الولي في بعض هذه التصرّفات في الغير، يقتضي سلب ولايته فيها لا محالة، فلابدّ من البحث عن المقدار الذي يدلّ عليه الدليل من ولاية كلّ وليّ سعة وضيقاً، كما سنتعرّض له مفصّلاً.
والمتحصّل ممّا يندرج في التعريف هو: ولاية الله تعالى على خلقه، بالمعنى الذي ذكرناه، وولاية النبي’ والأئمّة^ على المسلمين، وولاية الحاكم الشرعي أو رئيس الدولة الإسلاميّة على شعبه، وولاية الفقيه الجامع للشرائط مطلقاً أو على بعض الناس كالغائب والممتنع، وولاية الأب والجدّ على أولادهما، وولاية المولى(1) على عبده.
ونحن إذ نتكلّم عن الولاية العامّة، لابدَّ أن نُخرج ولاية الأب والجدّ ومولى العبد، بل وولاية الفقيه على تقدير اختصاصها. فإنَّ المدار في الولاية العامّة هو شمولها لكلِّ الناس أو لشعب معيّن على الأقلّ، من دون اختصاصٍ بعنوانٍ دون عنوان.
ومن ثَمَّ يكون التعرّض لولاية الفقيه على الغائب والممتنع استطراديّاً في
ــــــ[19]ـــــــ
( ) على إشكال فيه سوف يأتي، منه+.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
كلامنا، إلَّا في حدود ما تقتضيه البرهنة على عموم ولايته وعدمها. كما أنَّ التعرّض إلى جواز الفتوى بالنسبة إليه -المستلزم أحياناً لجواز تقليده- ممّا لا يندرج في محلّ الكلام؛ لكونها ليست من قبيل الولاية أصلاً، فإنّ الفتوى من أفعال النفس، وهو ممّا خرج بالتعريف.
ما يرد على تعريف البلغة
وإذا تمَّ هذا التعريف، كما هو المطابق لارتكاز العرف والمتشرّعة، لا يتمُّ التعريف الذي ذكره صاحب >البلغة<(1) للولاية، ولا جملة من التقسيمات التي ذكرها.
فقد عرّفها: بأنَّها سلطنة على الغير، عقليّة أو شرعيّة، نفساً كان أو مالاً أو كليهما بالأصل أو بالعارض(2).
فإنَّه يرد على هذا التعريف أُمور:
أوّلاً: أنَّ السلطنة أعمّ من الولاية، فليس كلّ من جاز له التصرّف في الغير ونفذ تصرّفه فيه، كان وليّاً عليه، وإن كان ذلك ناتجاً من التوكيل أو الإذن مثلاً، إلَّا أن يكون اختلافاً في الاصطلاح. فتأمّل.
ثانياً: أنَّنا قلنا: إنَّ قيد (عقليّة أو شرعيّة) ممّا لا ينبغي ذكره في التعريف، حينما يكونان متساويين في الدخل، وإنّما يتعيّن الأخذ حين يكون أحدهما دخيلاً دون الآخر.
ــــــ[20]ـــــــ
(1) انظر: بلغة الفقيه، السيد محمد بحر العلوم ج3: 210، رسالة في الولايات.
(2) المصدر السابق.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ثالثاً: أنّ قوله: >نفساً كان أو مالاً أو كليهما<، كلامٌ مستأنف، يمكن اندراجه بكلمة الغير نفسها.
رابعاً: أنَّ قوله: >بالأصل أو بالعارض<، أمرٌ مستأنف بعد فرض كونهما متساويين في الدخل كما أشرنا.
خامساً: أنَّ مراده من العارض ما كان مسبّباً عن أحد الأسباب الشرعيّة، كالعقود والإيقاعات، وقد سبق أن قلنا بأنه ممّا لا يمكن قبول صدق الولاية عليها. ومجرّد نفوذ التصرّف في أموال الغير لا يقتضيه لا محالة.
تقسيمات صاحب البلغة للولاية
ثُمَّ إنَّه+ بناءً على تعريفه قسّم الولاية إلى تقسيمات متعدّدة بحيثيّات مختلفة، إلَّا أن بعضها مما لا يصحّ على تعريفنا.
منها: تقسيمها إلى الولاية بالمعنى الأخصّ والولاية بالمعنى الأعمّ.
قال: >فالأُولى: هي المسبّبة عن أحد الأسباب الخمسة: الأب، والجدّ له، والملك، والسلطنة، والوصيّة، كما عن التذكرة، حيث حصرها في الأسباب المذكورة. ثُمَّ قال بعد عدّها: ولا تثبت بغير ذلك عندنا<(1).
أمّا (ولاية الأب والجدّ)، فلا إشكال فيهما، وكذلك ولاية الـمَلِك إن كان المراد به الحاكم الشرعي للدولة الإسلاميّة، أو كان المراد به وظيفته، وهي المُلك
ــــــ[21]ـــــــ
(1) بلغة الفقيه، محمد بحر العلوم ج3: 211، وتذكرة الفقهاء العلامة الحلي (ط. قديمة) ج2:
الكلمة التامة في الولاية العامّة
بالضم، وإن كان لا يخلو إطلاق ذلك عليه من مسامحة، وكذلك السلطنة لو كان المراد بها ذلك أيضاً، إلَّا أنّ المرادفة بينهما خلاف الظاهر.
وأمّا (المِلك) بالكسر، وهو الملكيّة، فهو كما عرفنا، ناشئ من سببٍ شرعيٍ، كالعقد أو الإيقاع أو الحيازة، وليس ابتدائيّاً حتّى يدخل في باب الولاية. وكذلك السلطنة التي بمعنى مطلق جواز التصرّف ونفوذه، فقد قلنا: إنَّها أعمّ من الولاية، وليست أمراً مرادفاً لها بحسب الارتكاز العرفي.
و(الوصيّة) كما عرفنا، تفويض في التصرّف ناشئ من عقد الوصيّة واختيار الموصي، وليس ابتدائيّاً ليدخل في الولاية.
فما عن التذكرة من حصرها بالأسباب المذكورة غريب غايته(1). وإن كان من المحتمل إرادته الحصر الإضافي، أي: إخراج ما يذكر من أنحاء الولاء بالمعنى الأعمّ، وهو صحيح بهذا المقدار، ومعه يرجع إلى ما قلناه. فتأمّل.
وأما الولاية بالمعنى الأعمّ، فقد قال: >إنَّها هي مطلق القدرة على إنفاذ التصرّف في الشيء<(2).
وهذا إن أراد به مجرّد الاصطلاح فلا مشاحّة فيه. وإن أراد كونها من الولاية حقيقةً بحسب ارتكاز العرف والمتشرّعة، فهذا مما ننكره. ومجرّد جواز التصرّف في الأمثلة التي يذكرها، لا يعني كونها مصداقاً للولاية؛ لاستقلال كلّ منها بعنوان تفصيليّ مجيز للتصرّف شرعاً، فيكون ضمّ عنوان الولاية إليه كضمّ الحجر إلى
ــــــ[22]ـــــــ
(1) تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي (ط. قديمة) ج2: 211.
(2) بلغة الفقيه، محمد بحر العلوم ج3: 211.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
جنب الإنسان. مضافاً إلى عدم صدق تعريف الولاية على أيّ واحد منها.
فإنَّ جملة منها من مسبّبات الأسباب الـشرعيّة، التي أخرجناها بالتعريف كما سبق، كالوكيل والمأذون، ومتولّي الوقف العامّ والخاصّ من الواقف والتقاص والمرتهن في بيع العين المرهونة في الجملة.
ولا يُقال: بأنَّ إطلاق المتولّي على ناظر الوقف منافٍ لنفي الولاية عنه.
فإنَّه يقال: إنَّ أدلّ دليل على نفيها، أنَّه قيل عنه ذلك ولم يقل: وليّ الوقف. والتولّي هو التصدّي لتدبير شؤون الوقف، لا الولاية بالمعنى الذي قلناه كما هو واضح.
نعم، قد يراد بالتولّي جعل الآخر وليّاً، إلَّا أنَّ هذا غير مراد في المقام جزماً، كما هو واضح.
ومن أمثلته: حقّ الأمّ في الحضانة، ومن المعلوم كونها ليست مندرجة في التعريف؛ لكونها لا تقتضي التصرّف بالغير أصلاً، وقيام الأمّ بشؤون ولدها أو بنتها لا يعني أخذه قيداً في مفهوم الحضانة كما هو واضح. على أنَّ الأمّ ليس لها إجراء أيّ نحوٍ من المعاملات على أموال بنيها، على ما هو المشهور جدّاً بين الفقهاء(1)، فأين الولاية؟!
ومن أمثلته: مالك الصدقة في الزكاة، بالنسبة إلى العزل والدفع إلى المستحقّ وتبديل العين بالقيمة. وكلّها مبنيّة على تعلّق حقّ الفقراء بالعين؛ ليمكن فرض كون المال مملوكاً للغير في المرتبة السابقة على التصرّف، ليقع التصرّف تصرّفاً في
ــــــ[23]ـــــــ
( ) انظر: موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت^ ج16: 424. ولاية الأم.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
مال الغير، بأحد الأنحاء الثلاثة. وأمّا لو أنكرنا ذلك لم يصدق كونه مالاً للغير إلَّا في طول التصرّف، فلا يصدق كونه تصرّفاً به، كما هو واضح.
بل يمكن إنكار صدق الولاية حتّى على مبنى تعلّق الحقّ بالعين؛ وذلك: لعدم كونه ابتدائيّاً، بل بسببه الشرعي وهو تحقّق النصاب في ملكه جامعاً للشرائط.
وبنحو ذلك: يمكن أن يجاب عن مثاله الآخر، وهو المتصدّق في مجهول المالك، فإنَّه ليس سلطنة ابتدائيّة، بل بعد تحقّق سببه المأخوذ في لسان الشارع، وهو كون المال المجهول المالك تحت يده.
على أنَّ هذا – بل سابقه- ليس من الحكم الوضعي أساساً وإن [كان] مستلزماً له، وهو نفوذ التصدّق أو العزل أو الدّفع، في حين إنَّ الولاية – كما عرفنا- بعنوانها حكمٌ وضعيٌّ مجعول للشارع.
ومنها: تقسيمه للولاية باعتبارٍ آخر إلى اختياريّة وإجباريّة.
قال: >وهما صفتان لمَن له الولاية دون مَن عليه. فمناط الاختياريّة كونها بالنظر والاختيار كالوكيل ونحوه. والإجباريّة كونها بالجعل والعنوانيّة، كما في الأب والجد<(1).
وقد عرفت ما في هذا التقسيم، حيث قلنا: إنَّ التوكيل ونحوه ليس من الولاية أصلاً، باعتبار كونه ليس حكماً ابتدائيّاً، بل حكم مترتّب على سببه الشرعي، ومعه تنحصر الولاية بالإجباريّة، إلَّا أنَّ يمثل للاختياريّة بما ذكرناه من
ــــــ[24]ـــــــ
(1) بلغة الفقيه، محمد بحر العلوم، ج3، ص212.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ولاية المولى على عبده، على إشكال في صدق الولاية عليه، أو إذا قيل بأنَّ التنصيب للولاية العامّة يحتاج إلى القبول، فيكون اختياريّاً أيضاً.
بيان وتوضيح
ثُمَّ إنَّه بعد ذكر التعريف، ينبغي التعرّض إلى أُمور لتوضيح بعض ما يتّصل به:
الأمر الأوّل: الولاية الإلهيّة المدركة للعقل العملي، أمر واقعيٌّ، يعتبر من الصفات الإضافيّة للذّات المقدّسة الإلهيّة، كالخالقيّة والرازقيّة ونحوها.
وهي وإن كانت تتصوّر بالنسبة إليه تعالى بنحوٍ أعمّ من المولويّة ووجوب الإطاعة، وبذلك تكون أعمّ الولايات وأشملها، إلَّا أنَّها بهذا المعنى غير متحقّقة الصغرى في الخارج.
ونعني بذلك: أنَّ العقل كما يحكم بوجوب الطاعة، يحكم بنفوذ التصرّف في الأنفس والأموال بإجراء عقد النكاح أو البيع أو القصاص أو نحوها، إلَّا أن هذا الثاني غير متصوّر أو غير متحقّق من قبل الله تعالى، فلا تكون الصغرى متحققة، وما كان من الممكن اندراجه فيها ممّا هو موجود من التعاليم الشرعيّة، فهو مندرج أيضاً في حكم العقل بالمولويّة ووجوب الطاعة، وهو الحكم الوحيد المتحقّق صغرى بالنسبة إليه جلّ وعلا.
ومعه لا حاجة إلى القول: إنَّ ولاية الله تعالى وإن كانت مدركة بالعقل، إلَّا أنَّها على مستوى الحكم الوضعي، لو نقلناه إلى مصطلح التشريع لو كان متحقّق الصغرى في الخارج.
ــــــ[25]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ومعه يتّضح أنَّ ما تخيّله في البلغة(1)، من أنَّ معنى ولاية الله سبحانه وتعالى، هو كون الممكنات مقهورة لسلطانه ولا استقلال لها في مقابل وجوب ذاته، غير تامٍّ، فإنَّ ذلك من الولاية التكوينيّة المدركة للعقل النظري، الراجعة إلى قدرته سبحانه وتعالى، وأجنبيّ عن الولاية التشريعيّة المدركة للعقل العملي، التي هي محلّ الكلام.
وغنيّ عن البيان، أنّ من آثار المولويّة الإلهيّة والولايّة له عزّ وجلّ، هو جعل الولاية كبرويّاً وصغرويّاً لغيره، فهو بصفته الجاعل الأساسي للتـشريع الإسلامي، جاعل لكبرى الولاية الشرعيّة، وهي جعل الحكم الوضعي الابتدائي للتصرّف بالغير، وقد يكون جاعلاً للصغرى أيضاً، كتنصيبه للنبي’ والأئمّة^ أولياءً على الناس. وبذلك تكون سائر الولايات الحقّة ناشئة من حكمه ومستندة إليه.
كما أنّه من الغنّي عن البيان، أنّ الولاية العقليّة حيث إنَّها لا صغرى لها كما قلنا، أمكن إسقاطها عن التعريف وعن محلِّ الكلام أساساً، وحصر الولايات – بهذا اللحاظ- بالولاية الجعليّة الوضعيّة.
الأمر الثاني: الولاية من سنخ الحكم الوضعي؛ لما أسلفناه من عدم تكفّلها بعنوانها لشيءٍ من الأحكام التكليفيّة الإلزاميّة أو الترخيصيّة.
ولكنّها بالالتزام تقتضي ترتّب كلّ من الحكم التكليفي والوضعي عليها، فمن حيث الحكم التكليفي يجوز للوليّ التصرّف فيما له الولاية فيه من نفس المولّى عليه أو
ــــــ[26]ـــــــ
(1) بلغة الفقيه، محمد بحر العلوم ج3: 213.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ماله أو عمله، بل قد يجب عند تعلّق مصلحة إلزاميّة بذلك، أو تعلّق نذر وشبهه فيه، أو جعله شرطاً ضمن عقد لازم مثلاً، وقد يستحبّ إذا كانت المصلحة دون ذلك.
ومن حيث الحكم الوضعي يحكم -لا محالة- بصحّة المعاملات من العقود والإيقاعات والإبراء وأداء فريضة الزكاة إلى المستحقّ والقصاص وغيره، كلّ ذلك عن المولّى عنه، لو كان عموم الولاية ممّا يقتضيه.
وبهذا يمكن القول: بأنَّنا نستفيد من دليل الولاية تنزيل الوليّ منزلة المولّى عليه، بحيث لو باع الولي عنه فإنَّ المثمن يخرج من المولّى عليه ويدخل الثمن في كيسه أيضاً. وإذا وكلّ شخصاً عنه كان وكيلاً عن المولّى عليه لا محالة، وإذا وقف شيئاً من ماله كان المولّى عليه هو الواقف في الحقيقة، وهكذا، شأنه في ذلك شأن الوكالة، غاية الأمر أنَّ الولاية ابتدائيّة والوكالة بالجعل والتراضي.
والعكس أيضاً صحيح أحياناً، فلو كان المولّى عليه وليّاً للدم كان الولي كذلك بالولاية، ولو كان له قبض مال، أو دفعه أو عزله أو قسمته، كان لوليّه ذلك أيضاً، لو كانت تقتضيه عموم الولاية. وإن كان ذلك لا يصدق دائماً، فلو كان المولّى عليه مديوناً أو موكلاً أو واقفاً لا يصدق ذلك على الولي، كما هو واضح.
ويترتّب على التنزيل، أنّ الولي لو كان وليّاً عن شخصين كان له الاستقلال بإيقاع المعاملة بينهما، أو إيقاع الشركة بين ماليهما أو القسمة عنهما ونحو ذلك.
ولو كان أحدهما دائناً والآخر مديوناً، كان له الدفع من قبل أحدهما والقبض عن الآخر، ولو كان أحدهما قاتلاً والآخر وليّاً للدم كان له أخذ القصاص من
ــــــ[27]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
القاتل بالولاية عن الطرفين، أمّا بالنسبة إلى القاتل فعلى نفسه، وأمّا بالنسبة إلى الآخر فعلى حقّه في الدم.
الأمر الثالث: الحكم الوضعي بالولاية حكمٌ كبروي مجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة على موضوعها المقدّر الوجود، شأنها في ذلك شأن سائر الاحكام التكليفيّة والوضعيّة المجعولة.
وموضوعها إمّا أن يُؤخذ بنحوٍ لا اختيار لأحدٍ فيه، كالأب والجدّ له، فإنَّهما أمران تكوينيّان أُخذا بعنوانهما موضوعاً للولاية، وأمّا أن يكون المأخوذ فيها اختيار شخص من الأشخاص، وهو عادة يكون شخصاً آخر غير الوليّ ممّن يكون له صلاحيّة تنصيبه وليّاً، كجعل أمير المؤمنين× لمالك الاشتر والياً على مصر، وقد يكون الاختيار في ذلك للولي أيضاً، إذا قلنا بالحاجة في التولية إلى القبول، وإن كان ذلك غير مطابق للواقع، على الأظهر، على ما سيأتي.
وقد يكون باختيار الولي تحقيق الموضوع على نفسه، ويكون بعد تحقّقه فرداً قهريّاً من موضوع الولاية، وذلك كجعل الفرد نفسه مجتهداً جامعاً للشرائط، أو من عدول المؤمنين، على تقدير ولايتهم على بعض الأُمور عند عدم الحاكم الشرعي، على ما يأتي. فإنَّ الاجتهاد والعدالة من الأُمور الاختياريّة لا محالة.
وأمّا رئاسة الدولة الإسلاميّة إذا كانت بالانتخاب والشورى فموضوعيّة الرئيس للولاية باختيار المنتخبين لا محالة، وبانتخابه يصبح مصداقاً قهريّاً للموضوع، كما هو واضح.
وأمّا ولاية النبي’ والأئمّة^ فلا يبعد كون مصداقيّتها بالجعل الخاصّ
ــــــ[28]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
صغرويّاً لا بالجعل الكلّي لأشخاص النبي’ والأئمة^، ومن ثَمَّ يمكن القول بأنَّه لا دليل على ولاية كلّ نبي أو إمام -في غير الإسلام- أو أخذ هذين العنوانين في قضية كليّة تنصّ على ولاية الطبيعي منهما. هذا كلّه من حيث الموضوع.
وأمّا من حيث المتعلّق فهو منتف أساساً في الولاية، شأنها في ذلك شأن سائر الأحكام الوضعيّة، وتخيّل كون تصرّفات الوليّ هو المتعلّق مدفوعٌ بكون هذه التصرّفات متعلّق للحكم التكليفي بجواز التصرّف، الذي قلنا إنَّ الولاية تستلزمه لا محالة. ولا يعقل أن يكون موضوعاً للولاية بالمطابقة، كسائر الأحكام الوضعيّة؛ لأنَّ المتعلّق إنَّما هو فعل المكلّف بلحاظ كونه مبعوثاً نحوه أو مزجوراً عنه أو مطلق العنان فيه، وكلّ ذلك من خصائص الحكم التكليفي، ولا يصدق على الوضعي كما هو واضح، وتمام الكلام في محلّه.
الأمر الرابع: أنَّ الحكم الوضعي بالولاية قابل للجعل استقلالاً، بناءً على إمكان الجعل الاستقلالي في الحكم الوضعي، على ما هو مقتضى التحقيق. ويكون جعلها مستتبعاً للحكم التكليفي بجواز التصرّف، حاله في ذلك حال جعل الملكيّة المستتبع لجواز التـصرّف أو الزوجيّة المستتبع لجواز الوطء، وهكذا.
وأمّا بناءً على عدم إمكان استقلال الحكم الوضعي بالجعل، فالمجعول هو الحكم التكليفي بجواز التصرّف بالغير، جعلاً ابتدائيّاً كما قلنا في التعريف، وينتزع من ذلك عنوان الولاية أو الحكم الوضعي.
وبناءً على الأوّل: يكون ضيق الولاية وسعتها بتقييدها بعنوانها أو أخذها مطلقة من حيث بعض القيود، في مرحلة الجعل ثبوتاً. وفي مرحلة الإثبات
ــــــ[29]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
والاستدلال يمكن رجوع القيد إلى نفس هذا العنوان الوضعي، وبمقدار ورود القيود عليه، لابدَّ من الحكم بضيق ولاية الولي.
وبناءً على الثاني: لابدَّ أن ينتزع الحكم الوضعي من مجموع التصرّفات المسموح بها للولي بالغير، فما كان مسموحاً به كان وليّاً فيه، وما كان ممنوعاً عنه لم يكن وليّاً فيه لا محالة.
وعلى أيّ حال فالنتيجة العمليّة من هذه الناحية واحدة على كلا المسلكين.
فهذه عدّة جوانب حول مفهوم الولاية، وستأتي جملة من الجوانب الأُخرى في البحوث الآتية إن شاء الله تعالى.
وبهذا يتمّ الكلام عن حقيقة الولاية، الواقع في جواب: ما هي الولاية.
ما هو مجال الولاية من الأحكام؟
ما يقبل الولاية – في الجملة- عن الغير، ليس هو الأحكام الكليّة، كما هو معلوم، بل هو المصداق الخارجي الذي يأتي به المكلّف امتثالاً لحكمٍ تكليفي أو تطبيقاً لحكمٍ وضعي.
والأحكام – حتّى في هذه المرتبة- ليست كلّها ممّا يقبل الولاية – على ما سنعرف- بل قبول الحكم للولاية وعدمها يدور مدار قيود معيّنة تؤخذ في الحكم أو في الموضوع، تكون مانعة عن الولاية تارةً ومثبتة لها أُخرى. فلابدَّ من التعرض إلى أنحاء الأحكام في الشريعة المقدّسة، لنرى ما هو قابل للولاية في مرحلة امتثاله وتطبيقه، وما هو غير قابل لها.
ــــــ[30]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
فما كان غير قابل للولاية لا يمكن أن يشمله إطلاق دليل الولاية أساساً، مهما كانت الولاية عامّة وشاملة، فإنَّها إنَّما تشمل ما كان قابلاً لها شرعاً، دون غير القابل لا محالة.
وأمّا تعلّق الولاية فعلاً بما هو قابل لها، فهو منوط بشمول إطلاق دليلها له، وعدم أخذ قيد فيه ممّا ينافيه.
إذن، فالقسم الأوّل خارج عن دليل الولاية تخصصاً، والقسم الثاني ممّا لا تشمله الولاية خارج تخصيصاً، ويبقى ما يشمله إطلاق دليلها من القسم الثاني من الأحكام.
ومن هنا يُعلم أنَّ مقتضى القاعدة شمول إطلاق الدليل لكلِّ حكمٍ قابل لتعلّق الولاية به، ما لم يخرج بقيد متّصل أو منفصل. وإذا شككنا في شيءٍ بنحو الشبهة المفهوميّة أو الموضوعيّة كان ذلك مجرى للقواعد المحقّقة في محلّها، من التمسّك بالعام أو بالمخصّص، كما سيأتي تطبيقه في المباحث الآتية.
أنحاء الأحكام الشرعية
وأمّا أنحاء الأحكام في الشريعة المقدّسة فكما يلي:
النحو الأوّل
ما لم يؤخذ فيه قيام مكلّف به أصلاً، كتطهير شيءٍ من إحدى النجاسات الخبثيّة إذا أصابته، فإنّه يحصل بمجرّد ملاقاة الكرّ، سواء كان بفعل المكلّف أو من غفلته، أو بفعل الريح أو جريان الماء، أو غير ذلك.
ومثل هذا النحو من الأحكام غير قابل للولاية، ولا لأي شكلٍ من النيابة أو الوكالة، فإنَّ ما يقوم به الوليّ أو النائب أو الوكيل يكون في عرض فعل الآخر لا
ــــــ[31]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
محالة، وليست نسبة الآخر إلى هذا الامتثال أولى من نسبة الولي أو الوكيل، لتصدق الطوليّة التي هي المناط في هذه العناوين.
نعم، بالنسبة إلى الحكم التكليفي بجواز التـصرّف في العين الملاقية للنجاسة ويراد تطهيرها، ممّا يكون نسبة المالك فيها أولى من غيره، فتصدق الطوليّة، فتصدق الولاية والوكالة والمأذونيّة ونحوها من العناوين.
النحو الثاني
ما أُخذ فيه المكلّف كلّياً على نحو العموم (الاستغراق البدلي)، وهو الواجب الكفائي، كوجوب تجهيز الميت، أو التفقّه في الدين، فإنَّه أيضاً ممّا لا يقبل الولاية ولا الوكالة والنيابة، فإنَّ نسبة قيام الولي بهذا الواجب هي نسبة قيام المولّى عليه بها، فهما في عرض واحد بالنسبة إلى الامتثال، فلا يمكن صدق الولاية والنيابة.
النحو الثالث
ما أُخذ فيها المكلّف مقيّداً بأن يقوم بالامتثال بنفسه، سواء كان تكليفيّاً، كأداء الصلوات اليوميّة وأداء صوم شهر رمضان، ووجوب الجهاد عند تعيّنه، أو كان وضعيّاً كإحياء الأرض الموات وحيازة المباحات العامّة على وجه فقهي. ومن المعلوم أنَّ أخذ هذا القيد يقتضي بالملازمة البيّنة، عدم قابليّة الامتثال للنيابة والولاية، وعدم إجزاء الامتثال عند قيام الغير به، مهما كانت صفته.
النحو الرابع
النحو الرابع من الأحكام ما أُخذ فيه المكلّف بنحو العموم الاستغراقي، غير المقيّد بأن يقوم به بنفسه، سواء كان الحكم تكليفيّاً، كقضاء الصلوات والصوم
ــــــ[32]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وأداء الحجّ في بعض الموارد، أو وضعيّاً كالقيام بسائر المعاملات، حتّى ما كان من قبيل الإبراء أو الأخذ بالشفعة ونحوه.
وهذا النحو من الأحكام ممّا يقبل الولاية والنيابة والوكالة جميعاً، وبالجملة يجزي قيام الغير به عن الفرد في الجملة؛ لعدم تقييده بصدوره من المكلّف على كلِّ حال. ويكون المكلّف ابتداء هو الأولى من غيره بامتثال الحكم أو تطبيقه، فيكون قيام الولي أو الوكيل أو نحوه به في طول قيام المكلّف لا محالة، وهذا كما عرفنا ينقّح إمكان النيابة في الامتثال وقبول الحكم لها، سواء كانت بنحو الولاية أو غيرها.
غاية الأمر أنَّ النيابة إذا كانت بالجعل الابتدائي كانت ولاية، وإذا كانت بالتراضي كانت وكالة أو نحوها.
النحو الخامس
النحو الخامس من الأحكام ما كان فيه الحكم التكليفي أو الوضعي وارداً ابتداءً، على ما لا يمكن له امتثال الحكم أو تطبيقه، فهو وإن كان أولى من سواه، إلَّا أنّه عاجز في الجملة عن تطبيق الحكم.
وفي مثل ذلك تتعيّن الولاية بعنوانها، المجعولة من قبل مَن له الجعل، ولا يمكن فيها الوكالة أو النيابة أو نحوها، لتعذّر التوكيل والإنابة في حقِّ مَن هو أولى بالحكم على ما سترى؛ وذلك لأحد أسباب:
السبب الأوّل: أن يكون مَن هو الأَولى بالحكم من الجمادات، وهو ما يكون في العين الموقوفة وقفاً عامّاً أو خاصّاً، حيث يقال مثلاً: إنَّ المسجد يصح ملكيّته
ــــــ[33]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
والوقف عليه وهبته ونحو ذلك، فهو الأولى ابتداءً بهذه الأحكام، وحيث لا يمكن منه التصرّف ولا التوكيل، تتعيّن الولاية المجعولة من الواقف، لأجل تدبير هذه الشؤون. إلَّا أنَّه يمكن أن يناقش في ذلك بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: ما قلناه من عدم كون جعل الولاية في مثل ذلك ابتدائيّاً، بل هو فرع عقد الوقف أو إيقاعه، وهو من الأسباب الـشرعيّة المتوسطة بين الجعل والولاية، فلا تكون الولاية ولاية اصطلاحيّة، وإن كانت قد تطلق عليه توسعاً ومجازاً.
الوجه الثاني: أن يقال: إنَّ الولاية في الوقف ليس هو على العين الموقوفة، بل على الموقوف عليه في الحقيقة، والوقف على المسجد أو هبته أو ملكيّته طرفها في الواقع هو الموقوف عليه المسجد، وهم المسلمون. ومن ثَمَّ يندرج ذلك في السبب الأخير الذي نذكره في قائمة هذه الأسباب.
ويدلّنا على ذلك: أنَّ الوقف الخاصّ لا يحتاج إلى متولٍ، بل يكون الموقوف عليه هو المشرف على الوقف والمدبّر لأموره، كما أنّ مثل هذا الوقف لا يحكم بملكيّته ولا الوقف عليه، إلَّا أن يرجع إلى الشخص أو الجماعة الموقوف عليهم.
وأمّا ما يكون موضوعاً للأحكام التي قلناها، فهو الوقف العامّ كالمسجد، والوقف على عنوان عامّ كالمصالح العامّة والفقراء والعلماء ونحو ذلك. والمتولي إنَّما تصدق عليه الولاية -مع غض النظر عن الوجه الأوّل- باعتبار ما سنذكره في السبب الأخير، فانتظر.
السبب الثاني: أن يكون مَن هو الأولى بالحكم ميّتاً، فلا يستطيع تطبيق
ــــــ[34]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الحكم، وذلك في أحد موردين:
المورد الأوّل: أن يكون على ذمّة الميّت قضاء عبادات واجبة، أو حقوق ماليّة من زكاة أو خمس، أو ديون في قرض أو بيع ونحوه، فيكون على ولده الأكبر الاتيان بما في ذمّته من هذه الأُمور، فيكون وليّاً عنه من هذه الناحية.
وقد يناقش في ذلك بوجوه:
الوجه الأوّل: ما أشرنا إليه في التعريف، من أنَّ جعل الولاية ابتدائي، وهذا ليس جعلاً ابتدائيّاً بل منوط بسببه الشرعي، وهو الموت.
الوجه الثاني: بأن قضاء الصلاة ليس من التصرّف بالغير المأخوذ نفوذه في مفهوم الولاية، فتكون الولاية خاصّة بالبيع ونحوه من الأحكام الوضعيّة.
إلَّا أنَّ هذا ممنوع؛ باعتبار أنَّ التصرّف بالغير شامل لامتثال الأحكام التكليفية أيضاً، باعتباره تصرّفاً في عهدة الغير ومسؤوليّته، وإفراغها ممّا فيها، وهو تصرّف في بعض جهات الغير بلا إشكال. على أنَّنا لو تنزّلنا عن ذلك، وقع الكلام في الديون التي على الميّت، فإنَّها ناشئة من تطبيقات لأحكام وضعية لا محالة.
الوجه الثالث: أنّ سلطنة الولد الأكبر على ذلك، لا دليل على أنَّها من قبيل الولاية بالخصوص، بعد إمكان انطباق عناوين أُخرى على المورد حقيقة، ككونه أكبر أولاده، أو كالنيابة، وإن سُمّيت بالولاية فمن ضيق التعبير، وليست ممّا يدخل في التعريف، فتأمّل.
المورد الثاني: أن يكون الميّت مقتولاً ظلماً، ومن المعلوم أنّ المجني عليه أولى بالقصاص لنفسه لولا عجزه، فينتقل حقّ القصاص إلى وليّ الدم لا محالة.
ــــــ[35]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ولا يرد على هذه الولاية إلَّا توسط السبب الشرعي بين الجعل والولاية، فلا تكون من الولاية الابتدائيّة، وإن كان يمكن القول: بأنَّ الغرض من أخذ قيد الابتدائيّة في التعريف إخراج الأسباب الشرعيّة الاختياريّة، كالعقود والإيقاعات، دون غيرها كالموت، وإلَّا كان الصغر أيضاً سبباً شرعيّاً موجباً لسلب عنوان الولاية عن الأب والجدّ، وهو كما ترى. وسيأتي الكلام في تمحيص ذلك فيما يأتي من هذا الفصل.
السبب الثالث: أن يكون مَن هو الأولى بالحكم صغيراً، وقد جعل الله تعالى في أصل التشريع أباه وجدّه لأبيه وليّاً عليه.
وهذا من أوضح موارد الولاية وأولاها بشمول الاصطلاح له، فللأب والجدّ له أن يتصرّف في المولى عليه، في حدود ما دلّ الدليل على وجود الولاية لهما فيه، كإجراء المعاملات على أمواله، والأخذ بالقصاص والشفعة والإبراء عنه، إلى غير ذلك.
ولا يرد على هذا شيء، سوى جعله نقضاً للإشكال المشار إليه قبل أسطر، وسيأتي تمحيصه فيما يلي.
السبب الرابع: أن يكون مَن هو الأولى بالحكم رقّاً لشخص، والرقّ كَلّ على مولاه لا يقدر على شيء، ومن ثَمَّ يكون للمولى التصرّف فيه بالمقدار المشروع.
إلَّا أنَّه يرد على ذلك: أنَّنا إن قلنا بأنَّ العبد الرقّ لا يملك شيئاً، وإنَّه وماله لمولاه، فقد انتفى التصرّف في أمواله موضوعاً، والتصرّف بأفعاله باستخدام وإجارة ونحوها، وإن كان جائزاً للمولى، إلَّا أنَّه ليس من الولاية في شيء؛ لكونها
ــــــ[36]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
من أحكام المولى ابتداءً، وليست من أحكام العبد، التي يقوم المولى بها بالولاية، وهذا واضح.
وإن قلنا بملكيّة العبد للأموال، فغاية ما ثبت في الشرع كون العبد محجوراً من التصرّف إلَّا بإذن مولاه، ولم يثبت بحال من الأحوال ولاية المولى، بأن يبيع عن عبده من دون إذنه، وأمّا مع الإذن فتخرج عن باب الولاية. ولا يبقى بعد ذلك إلَّا مورد واحد.
قد يقال: بأنَّه إذا جنى جان على العبد، فقد ثبت في الشرع ولاية المولى في الأخذ بالقصاص، مع كون العبد أولى بهذا الحكم ابتداء، لكونه هو المجني عنه، فتصدق الطوليّة، فتصدق الولاية.
إلَّا أنَّه يقال: إنَّ حقّ القصاص ساقط في العبد بالكليّة، وإنَّما ينظر إليه بصفته سلعة ذات قيمة، شأنّه في ذلك شأن الدواب، غاية الأمر أنَّ في ذلك أحكام معيّنة تعود إلى حفظ مصلحة المولى، لابدَّ من تطبيقها. ولذلك نرى أنَّه لا يقاد بالجناية على العبد أحد، إلَّا إذا كان القاتل عبداً مساوياً له في القيمة أو أقل، وإلَّا كان على مولى الجاني دفع الزائد لو اختار قتله.
وبناءً عليه، فينبغي الجزم بخروج سلطنة المولى عن موارد الولاية.
السبب الخامس: أن يكون مَن هو الأولى بالحكم، جاهلاً بطرق تطبيق الحكم أو غير قادر عليه أساساً، فالأوّل كالمجني عليه من قبل جانٍ مجهول، أو المسروق من قبل سارق مجهول. ويحتاج البحث عنه إلى طرق يجهلها الفرد العادي. والثاني: ما لو قلنا في الفقه بأنَّ أخذ القصاص منوط بحكم القاضي الشرعي، فيكون
ــــــ[37]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
القاضي وليّاً عن المجني عليه في البحث عن الجاني وأخذ القصاص منه.
إلَّا أنَّ حكم الحاكم ليس من قبيل الولاية على المجني عليه أصلاً، لكونها من مختّصات القاضي ابتداءً، وليست من أحكام المجني عليه، ليصح أن يقال بقيام القاضي عنه في ذلك.
نعم، يصح أن يكون الحكم نيابة عن المسلمين من ناحية حقّهم العامّ، باعتبار أثر الجناية في المجتمع، فيدخل في القسم الأخير من هذه الأسباب.
وبهذا يتّضح أنَّ إيقاع القصاص لو قلنا بتوقّفه على الحكم، فيكون من مختّصات القاضي بذلك المعنى، ولا يكون من الولاية عن المجني عليه في شيء.
نعم، في البحث في الجاني، أو إيقاع القصاص لو لم نقل بتوقّفه على الحكم، وجه للولاية. وإن كان فيها سنخ ما سبق في بعض هذه الأسباب من الإشكال، من إمكان تطبيق عنوان آخر غير الولاية على هذه السلطنة، ومعه لا دليل على مصداقيّتها لمفهوم الولاية.
السبب السادس: أن يكون مَن هو الأَولى بالحكم، مجموعة كبيرة من الناس، يتعذّر عليهم عادة الاجتماع على التطبيق، كأفراد مجتمع بأسْرِه أو أفراد دولة أو معتنقي دين معيّن كالمسلمين، أو أفراد البشريّة أجمعين، ونعبّر عن مجموع هذه العناوين بالأُمّة.
فإنَّ للأُمّة أحكاماً وحقوقاً متعدّدة، فهي تملك قسماً من الأراضي، والموقوفات والمرافق العامّة كالمستشفيات والمدارس والمساجد والقناطر، ولها حقّ في عقاب المجرمين، باعتبار ما تؤديه الجريمة من الأثر السيء على المجتمع، وعليها
ــــــ[38]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
في الذمّة ديون كدفع الأُجرة لمَن يؤدّي عملاً عامّاً غير متبرّع كالرئيس والوزير ونحوهما، وكالديون التي يلتزم بها وليّها بالولاية عنها.
ويندرج في هذا القسم ما دون الأُمّة من العناوين الكليّة التي يكون مصاديقها أفراداً كثيرين يتعذر عليهم الاجتماع لتطبيق الحكم، كما في عنوان الفقراء المالك لفريضة الزكاة، والهاشميّين المالكين للخمس، والعلماء مثلاً لو وقف عليهم شخص عيناً أو نذر بأن يوزّع عليهم مالاً، ونحو ذلك.
كما قد تشتغل ذمّة بعض هذه العناوين بشيءٍ من المال، كبعض الحسابات الناتجة من قبض الزكاة، أو توزيعها بما يطول شرحه، وهو موكول إلى محلّه.
والولاية على الأُمّة أو على العناوين الكليّة من الناس، هي أخصّ أنحاء الولايات وأهمّها بلا إشكال، لكي يقوم الوليّ بما للأُمّة أو نحوها من حقوق، ويقوم بما عليها من واجبات وديون.
وبهذا تستند إليه جميع الأعمال العامّة في المجتمع الإسلامي، كجباية الزكاة والخمس وصرفهما، وكالإشراف على الأراضي والأنفال، وجباية خراجها وريعها، والقيام بواجب القضاء والقصاص والحدود والتعزيرات، أخذاً بحقِّ الأُمّة في تنزيه المجتمع من الجريمة، وكذلك الإشراف على الأوقاف العامّة والمرافق العامّة المتعلّقة بالعناوين الكليّة، أو بالمجتمع بشكلٍ عامّ، إلى غير ذلك من الأُمور.
إلَّا أنَّه لابدَّ من البحث إثباتاً في مقدار إطلاق دليل الولاية من ناحية، بحيث يشمل كلّ هذه الموارد، وإنَّ أيّاً من الناس يكون هو الولي، وهذا ما عقدنا من أجله هذه الرسالة.
ــــــ[39]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
من هو الولي؟
أمّا في الولاية العامّة، فمَن يتصوّر كونه وليّاً هُم العناوين التالية:
– النبي’.
– المعصوم.
– رئيس الدولة الإسلاميّة أو الحاكم الشرعي المبسوط اليد.
– الفقيه الجامع للشرائط.
– الوكيل الخاص لأحد هؤلاء.
– أحد عدول المؤمنين عند عدم وجود أحد هؤلاء.
وسيأتي الكلام عن كل واحد من هذه العناوين مفصلاً، مدعماً بالأدلة التفصيليّة، لنرى مقدار ولايته سعة وضيقاً، بحسب ما يتمّ من الأدلّة سنداً ودلالة.
وأمّا في الولاية الخاصّة، فهي وإن كانت خارجة عن عهدة هذه الرسالة، إلَّا أنَّنا نشير هنا إلى أنَّه قد تحصّل لدينا: أنَّ الفرد الرئيسي الواضح منها هو ولاية الأب والجدّ على ذريّتهما، وتختصّ بهما لو اعتبرنا قيد (الابتدائيّة) في التعريف، إخراجاً للأسباب الشرعيّة الاختياريّة كالعقود والإيقاعات، والاضطراريّة، كالموت والقتل، ونحوها.
وأمّا لو خصّصنا ذلك القيد بالأسباب الاختياريّة، وأدخلنا ما كان ناشئاً من الأسباب الاضطراريّة في الولاية، دخلت ولاية الابن الأكبر على أبيه من حيث
ــــــ[40]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
قضاء الواجبات والدّيون، وولاية وليّ الدم للمقتول ظلماً على القصاص من القاتل.
وأمّا ولاية المتولّي على الوقف، وولاية المولى على عبده، فقد ناقشنا في شمول الولاية المصطلحة لهما.
ولا يبقى في المقام إلَّا أن نذكر الإشكال الذي وعدنا بمناقشته.
وحاصله: أنَّنا لا يخلو حالنا من أحد أمرين: فإمّا أن نخرج السلطنات الوضعيّة الناشئة من أسباب اضطراريّة من الولاية الاصطلاحيّة، فتخرج بذلك أيضاً ولاية الأب والجّد على الولد. فإنَّ موضوعيّة الولد للولاية لا يختلف عن ولاية الموت بالنسبة إلى ولاية الولد الأكبر، فإنَّ كليهما أمران تكوينيّان اضطراريان، فيخرجان معاً عن باب الولاية.
وإمّا أن نعترف باندراج هذه الأُمور تحت الولاية الاصطلاحيّة، فذلك لا يكون إلَّا بإدخال الأسباب الاضطراريّة فيها، فتكون بذلك شاملة لأُمور أُخرى، كملكيّة الوارث لتركة الميّت، وملكيّة المقتول للديّة، ونحو ذلك، ومن المعلوم خروجها عن الولاية، عرفاً وشرعاً.
والجواب عن ذلك: إنَّنا نختار الشقّ الثاني، ويكون الإشكال واضح الدفع، فإن شيئاً من ملكيّة الوارث وملكيّة المقتول لا تتضمّن التصرّف بمال الغير أصلاً، لتدخل في تعريف الولاية، وإنَّما تتضمّن حكم الشارع بانتقال المال، بعد وجود سببه وتحقّق موضوعه، ويكون التصرّف في طول انتقال المال، فلا يكون تصرّفاً بمال الغير، بل بمال النفس، كما هو واضح.
وأمّا تصرّف الولي بالديّة عن الميّت، فهو لا يدخل في مورد النقض، كما هو واضح أيضاً.
ــــــ[41]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
على أنَّنا يمكن أن نختار الشقّ الأوّل، ويقال بعدم ورود النقض، وذلك:
أوّلاً: بالتسليم بخروج سائر الأسباب الاضطراريّة، بما فيها عنوان الولد عن اصطلاح الولاية، ولكن يدّعى انخرام هذه القاعدة وتخصيصها بخصوص ولاية الأب والجدّ، فإنَّها على أيّ حال قاعدة اصطلاحيّة، وليست قاعدة عقليّة، فتكون قابلة للتخصيص.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ؛ لأنَّ العرف بارتكازه يفهم للولاية جامعاً وحدانيّاً معيّناً، وهو لا يخلو أمره بين أن يكون المأخوذ فيه عدم نشوء السلطنة من أسباب اضطراريّة أو لا يكون. وليس من الممكن عرفاً أن نختار الشقّ الأوّل من ذلك، ونقول مع ذلك بشمول الاصطلاح لبعض ما كان ناشئاً عن السبب الاضطراري.
فإنَّ هذا إن أُريد اندراجه في الجامع، فهو خلف فرض أخذ عدمه فيه، وإن أُريد به التخصيص، فهو ممّا لا معنى له في القواعد الثبوتيّة المدركة، وإنَّما يكون التقييد في مرحلة الإثبات، وإن أُريد به تجديد الاصطلاح عرفاً على خصوص ولاية الأب، فيكون من قبيل الاشتراك اللفظي اصطلاحاً، فهو أيضاً بعيد عن ذهنيّة العرف، وخلاف الظاهر جدّاً.
ثانياً: أن يدّعى اندراجه تحت جامع واحد، وحاصل تقريبه تصوّراً: أن يدّعى أنَّ البنوّة التي هي موضوع الولاية في الأب والجدّ، أكثر اضطراريّة من الموت والقتل، التي هي موضوع ولاية الابن ووليّ الدم، إلى حدِّ تلتحق البنوّة عرفاً بالولاية الابتدائيّة، التي لم يتخلّل بينها وبين جعلها سبب شرعيّ، ويكون
ــــــ[42]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
سببها الواقعي ملغى بنظر العرف.
ومن ثَمَّ يكون الجامع المراد من قيد (الابتدائيّة) في التعريف، هو ما كان من دون سبب، إمّا حقيقة وإمّا بعد التجريد العرفي.
إلَّا أنَّ هذا أيضاً غير تامٍّ؛ لمنع صغراه، وهو كون البنوّة أكثر اضطراريّة من تلك العناوين؛ لأنَّها إن لم تكن أخف باعتبار استطاعة الأب أن يجعل نفسه أباً إلى حدٍّ ما، فهي كغيرها من هذه الناحية على الأقلّ، ومعه لا معنى للتجريد العرفي؛ لأنَّه إن شمل الأسباب الاضطراريّة جميعاً كان أمراً مستأنفاً، إذ معه يُعترف بدخول هذه الأسباب بعنوانها في الولاية، وإن اختصّ التجريد بالبنوّة كان ترجيحاً بلا مرجح بعد فرض التساوي في هذا الملاك.
ثالثاً: أن يُقال: إنَّه لا حاجة لأن يفترض كون الجامع بينهما جامعاً مفهوميّاً طبيعيّاً، بل من الممكن أن يكون الجامع انتزاعيّاً، ومن المعلوم أن الجامع الانتزاعي بيد الجاعل توسيعه وتضييقه، من حيث تعدّد أطرافه وقلّتها.
وبناءً عليه، فيدّعى أنَّ العرف بارتكازه جعل مفهوم الولاية على الجامع الانتزاعي بين الولاية الابتدائيّة المحضة، التي لا تحتاج إلَّا إلى الجعل، وبين خصوص ولاية الأب والجدّ ممّا له سبب اضطراري.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ أيضاً:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ الجامع الانتزاعي ليس إلَّا مفهوم أحد الشيئين، وهذا المفهوم ممتنع الانطباق على كلا الفردين بنحو المجموع، كما هو معلوم. ومعلوم أنَّ المراد تصوير الجامع بين مجموع الولايتين لا إحداهما لا بعينها.
ــــــ[43]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وأمّا ثانياً: فلأنَّ الماهيّات العرفيّة دائماً ترتكز بحسب الارتكاز على الجامع المفهومي الطبيعي لا على الجامع الانتزاعي، فإنَّه بعيد عن ذهنيّة العرف، وإن فرض – محالاً- شموله للمجموع.
وإذ لم تتمّ هذه الوجوه الثلاثة للفرق بين البنوّة وغيرها من الأسباب الاضطراريّة، والقول باستقلالها دون غيرها باصطلاح الولاية، ينسدّ أمامنا اختيار الشقّ الأوّل من الإشكال الذي نحن بصدده، ويتعيّن علينا لو أخرجنا الأسباب الاضطراريّة عن حيّز تعريف الولاية، أن نخرج البنوّة أيضاً كسبب لولاية الأب والجدّ، ومعه تتمحّض الولاية بالولايات العامّة الخالية من السبب الشرعي، والتي لا تحتاج الَّا إلى الجعل، وهذا كما ترى خلاف الاصطلاح الواضح من تطبيق مفهوم الولاية عرفاً على الأب والجدّ، كما أنَّه خلاف انقسام الولاية إلى الخاصّة والعامّة، وهو أمر واضح بالارتكاز العرفي أيضاً.
إذن فيتعيّن علينا أن نختار الشقّ الثاني من الإشكال الذي نحن بصدده، وندخل سائر الأسباب الاضطراريّة في مفهوم الولاية، ويكون المراد بقيد (الابتدائيّة) في التعريف، ما لا يكون ناشئاً من سبب اختياري بالخصوص، ومعه يكون مفهوم الولاية شاملاً لعدد من الولايات الخاصّة، كولاية الأب والجدّ على الولد، وولاية الولد الأكبر على الميّت، وولاية وليّ الدم على المقتول، ولا يلزم النقض المذكور في الإشكال كما سبق.
وبهذا يتّضح أمر موافق للشرع والارتكاز العرفي معاً، وهو أنَّ الولاية الخاصّة دائماً مقترنة بتحقّق موضوع اضطراري تكويني – يعني بالنسبة إلى الوليّ
ــــــ[44]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
والمولّى عليه، وإن كان اختياريّاً لغيرهما كالقتل- وهذا هو الذي يجعلها خاصّة بموضوع معيّن وغير شاملة لغيره.
وقد يلحق به ما كان اضطراريّاً للوليّ دون المولّى عليه، كالولاية على الغائب والممتنع.
ولا يقال: إنَّه بهذا يدخل الملكيّة المترتبة على البيع الإجباري في موارد مشروعيّته ونحو ذلك.
فإنَّه يقال: إنَّ هذا فاسد غايته؛ لعدم اندراج الملكيّة في التعريف من نواحٍ متعدّدة سبقت الإشارة إلى بعضها.
على أنَّ الولاية على الغائب والممتنع، قد لا تكون خاصّة بعنوانهما، بل باعتبار الولاية على الأُمّة، إمّا باعتبارهما جزءاً منها، أو باعتبار أنَّ تطبيق الأحكام عليهما يكون في مصلحة الأُمّة على نحو المجموع.
وأمّا الولاية العامّة فهي خالية من أيّ سببٍ شرعيّ مأخوذ قيداً فيها، سواء كان اختياريّاً أو اضطراريّاً، وليس فيها إلَّا ثلاثة جوانب هي: الملاك والجعل وتحقّق المكلّف الجامع لشرائط الولاية، ككونه رئيساً للدولة الإسلاميّة أو فقيهاً جامعاً للشرائط ونحو ذلك.
وأمّا ولايته على الأوقاف أو المتعاملين أو نحو ذلك ممّا له سبب شرعيّ اختياري، لا ربط له بالسبب، كارتباط ناظر الوقف به، وإنَّما هو وليّ على ذلك باعتبار مصلحة مجموع الأُمّة، فتكون ولايته ابتدائيّة على أيّ حال.
وبهذا ينتهي الكلام في التمهيد عن حقيقة الولاية ومجالاتها.
ــــــ[45]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة

ــــــ[46]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
منهج البحث
وبعد أن عرفنا معنى الولاية، والأحكام القابلة لها، ومَن هو الوليّ تصوّراً، فيما هو محل الكلام من الولاية العامّة، لابدَّ أن يقع الكلام في مقدار ولاية كلّ عنوان متصوّر من الأولياء سعةً وضيقاً، مستفاداً من الأدلّة التفصيليّة بحسب ما هو مقتضى القواعد.
ونبدأ بالأهمّ والأعمّ، ثُمَّ نتبعها بما هو الأدنى فالأدنى، لنرى مقدار ما يثبت للأدنى من صلاحيّات ولاية الذي هو أعلى منه، وما يفقده منها، وهل أنَّ النسبة بين ولايتين منها هي العموم المطلق أو العموم من وجه من حيث موارد التصرّف، ونحو ذلك من الكلام.

ومن هنا يقع الكلام في مقامات متعدّدة بعدد مَن يتصوّر ولايته بالأصالة، ومقام آخر في الولاية بالوكالة والنيابة أو التنصيب من قبل ولي آخر. ثُمَّ خاتمة في بحوث اجتماعيّة في الولاية، تتعلّق بفهمها بحسب الوعي الإسلامي.
ــــــ[47]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة

المقام الأول: في ولاية النبي’

وهي أهمّ الولايات الشرعيّة وأعمّها، ومنها تستمدّ سائر الولايات، فهو’ وليّ الأولياء وسيّد السادة’.
ويقع الكلام في ذلك بالرغم من عدم وجود أثرٍ فعليّ لها على ما يأتي، وأشار إليه في البلغة(1). إلَّا أنَّنا نتكلّم فيه لهدفين:
أحدهما: الإطلاع والإحاطة على ذلك، فإنَّ ولاية النبي’ من صفاته وخصوصيّاته، والإطلاع على ذلك خير محض.
ثانيهما: لأجل ما أشرنا إليه من الإطلاع على النسبة بينها وبين الولايات الأُخرى، على أنّها قد تجعل دليلاً على ثبوت ولايات أُخرى، كولاية المعصوم× أو ولاية رئيس الدولة الإسلاميّة، على ما سيأتي. وذلك يقتضي من الناحية العلميّة المنهجيّة الإطلاع على ولاية النبي’ أوّلاً كما هو واضح.
ولابدَّ أن نعرف أوّلاً أنّ للنبي’ صفاتٍ أربع:
الأُولى: كونه يتلقّى الوحي عن الله عزّ وجل.
الثانية: كونه مشرّعاً للإسلام أو مبلغاً لتعاليم الله عزّ وجل لعباده، وهو
ــــــ[48]ـــــــ
(1) بلغة الفقيه، السيد محمد بحر العلوم، ج3، ص213، رسالة في الولايات.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
واجب الإطاعة من هذه الناحية، بحسب الدليل القائم بلا إشكال.
الثالثة: كونه معصوماً، بناءً على ما هو الصحيح عندنا من عصمة الأنبياء، وحمل ما ورد ممّا يظهر منه الخلاف على محامل صحيحة لا تنافي العصمة.
الرابعة: كونه رئيساً للدولة الإسلاميّة، وذلك حين استلم قيادة المجتمع بنفسه بعد الهجرة إلى حين وفاته’.
وقد جعلت الولاية له’ حال كونه جامعاً لهذه الصفات في الجملة. فإن كانت كلّها دخيلة في ولايته، امتنع ثبوتها لأحدٍ من أُمّته’ إلَّا بمعنى مباين لولايته’، مع العلم كون الولاية معنى وحداني ارتكازاً وشرعاً.
إذن، فبثبوت الولاية لغيره’ في الجملة جزماً، نعرف عدم كون الصفة الأَولى ممّا ذكرناه دخيلة في مفهومها، أو قيداً في ثبوتها، كما أنَّ قيديّة الصفة الأخيرة في المفهوم ينافي ثبوت الولاية للمعصوم بعنوانه عندما لا يكون رئيساً كما أنَّه منافٍ لولايته قبل رئاسته’، كما أن قيدية الصفة الثانية منافٍ مع ولاية رئيس الدولة الإسلاميّة إذا لم يكن معصوماً، ومع ولاية الفقيه الجامع للشرائط إذا لم يكن رئيساً.
والصحيح في المقام: أن يقال بعدم دخل شيءٍ من هذه الصفات في مفهوم الولاية جزماً، بل هي ذات معنى وحداني عرفي، ضبطناه في التعريف.
نعم، قد تكون بعض هذه الصفات أو جميعها ملاكاً في توسيع دائرة الولاية، وفقدان البعض يكون ملاكاً في تضييقها. والملاك – كما هو معلوم- لا يؤثّر في ماهيّة الحكم ومفهومه.
بل من الممكن القول أنّ ملاكات الولاية العامّة تكاد أن تكون منحصرة بهذه
ــــــ[49]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الأُمور، إذا كان المراد بالصفة الثانية منها: الفقاهة في الدين، ولا يبقى سوى الولاية بالوكالة، وولاية عدول المؤمنين عند انعدام الولي، بالعنوان الأولي.
ثُمَّ إنَّ قيام الدليل على ثبوت أيّ من هذه الصفات لأحد لا يعني ثبوت الولاية له، كما هو واضح؛ لمباينة عنوان كلّ منها لعنوان الولاية.
نعم، يكون الدليل على الصفة منقّحاً لموضوع الحكم بالولاية على تقدير أخذها في الموضوع، ومعه يكون حاكماً عليه، ويكون مصداقه مصداقاً قهريّاً للولاية، كما هو واضح.
ثُمَّ إنَّه من الممكن أن يكون المأخوذ في الحكم بالولاية أكثر من صفة واحدة، لا بمعنى أنَّها تؤخذ في دليل واحد في عرض واحد، بل بمعنى أنَّ عدداً منها قد يكون موضوعاً في نفسه للحكم بالولاية، فإذا اجتمعت صفتان منها أو أكثر في واحد، اندمج الحكمان واتّحدا لا محالة؛ لاتّحادهما مفهوماً واستحالة ثبوت حكمين متماثلين لموضوع واحد. فتكون النتيجة هي ثبوت حكم واحد بالولاية لجامع الصفتين، ككونه معصوماً ورئيساً أو فقيهاً ورئيساً.
وولاية النبي’ المتّصف بصفات متعدّدة من هذا القبيل لا محالة، فقد تكون بعض الصفات الأربع أو جميعها موضوعاً لأحكامه بالولاية، تتّحد في شخصه’ كما أشرنا.
وبهذا ينسدّ باب الإشكال، بكون الحكم بولايته’ مجمل من ناحية استناده إلى أيٍّ من هذه الصفات أو إلى مجموعها، بل نبقى حينئذٍ نحن والدليل الدالّ على الولاية، وما قد أُخذ في موضوعه من أحد هذه الصفات أو غيرها أحياناً. بل لو
ــــــ[50]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
فرض موضوعيّة المجموع بالنسبة إليه’ فإنَّه لا ينافي أخذ إحداها على البدل موضوعاً في دليل آخر على الولاية.
والاستدلال على ولاية رسول الله’ يمكن أن يكون بالأدلّة الأربعة، ومن ثَمَّ يقع الكلام في جهات أربع بهذا اللحاظ:
الجهة الأُولى: في الدليل القرآني على ولاية النبي’: وما استدلّوا – أو يمكن أن يستدلّ- به على ذلك عدّة آيات:
الآية الأُولى: قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}(1). ويلحق بذلك كلّ آيةٍ أمرت بإطاعة النبي’ بعنوانه، كقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا}(2)، وقوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}(3)، وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(4)، وكقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}(5)، وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ}(6)، إلى العديد من الآيات المتكفّلة لهذا المضمون.
ــــــ[51]ـــــــ
(1) النساء: 59.
(2) المائدة: 92.
(3) آل عمران: 32.
(4) آل عمران: 132.
(5) الأنفال: 1.
(6) الأنفال: 20.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ويقال في تقريب دلالتها على المطلوب: أنَّ جميع هذه الآيات قرنت وجوب طاعة الرسول’ بوجوب طاعة الله تعالى، والطاعة ملازمة للولاية، والدالّ على اللازم دالّ على الملزوم بالملازمة، فتكون هذه الآيات دالّة على ولاية النبي’ بالملازمة.
ولا يقال: إنَّ هيئة الأمر بالإطاعة المسندة إلى الله تعالى وإلى رسوله’ واحدة في سياق كلّ واحد من هذه الآيات. وقد ثبت في محلّه أنَّ الأمر بطاعة الله أمر إرشادي وليس مولويّاً، فيكون مقتـضى وحدة الهيئة كونه للإرشاد بالنسبة إلى رسول الله’. وبناءً عليه لا تكون دالّة بالملازمة على جعل الولاية، فإنَّ الملازم لذلك هو الأمر التعبّدي بالطاعة دون الأمر الإرشادي.
فإنَّه يقال: إنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: لإمكان دعوى كون الأمر بطاعة النبي’ تعبّديّاً لا إرشاديّاً، بالرغم من وحدة الهيئة؛ فإنَّ المعنى اللغوي والعرفي الذي أسندت فيه الهيئة إلى كلا الأمرين واحد لا محالة، وهو بعث المكلّف إلى الطاعة. وأمّا الإرشاديّة والتعبّديّة، فهو ممّا يعرف بالقرينة القائمة في كل مورد بالخصوص، ومن المعلوم أنَّ القرينة على الإرشاد قائمة في وجوب طاعة الله تعالى. وأمّا بالنسبة إلى النبي’ فلم تقم مثل هذه القرينة، فيبقى الأمر على ظاهر وأصالة التعبّديّة.
ثانياً: لو فرض تسليم استعمال الهيئة في كلا الموردين في الإرشاد، فهو ممّا لا ينافي الولاية، لو كانت ملازمة للطاعة على الفرض، فإنَّ الوجوب العقلي للطاعة ملازم للولاية أيضاً، كما في ولاية الله تعالى على خلقه، وكونها ممّا لا أثر فعليّ لها
ــــــ[52]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
-على ما ذكرنا في التمهيد- لا ينافي ثبوتها في الواقع وإدراك العقل لها.
فلو سلّم كون الأمر بإطاعة النبي’ في هذه الآية إرشاديّاً، كانت الولاية ملازمة له أيضاً، لكن شرعاً لا عقلاً، فتأمّل.
إلَّا أنَّ أصل التقريب غير تامٍّ في نفسه؛ وذلك: لإنكار الملازمة بين وجوب الطاعة والولاية، بالنحو الذي ينتج كون ما دلَّ على الطاعة دالاً على الولاية.
فإنَّ الدليل على شيء إنَّما يثبت اللازم، فيما إذا كان لازماً مساوياً أو أخصّ، ولا يمكن أن يثبته لو كان لازماً أعمّ، كما هو واضح. ومن المعلوم أنَّ وجوب الطاعة لازم أعمّ بالنسبة إلى الولاية، فإنَّها كما قد تنشأ منها تنشأ من المولويّة أيضاً، وهو معنى أجنبيّ عن معنى الولاية، فلو دلَّ الدليل على الولاية لكان دالاً على وجوب الطاعة، بناءً على بعض الوجوه الآتية. وأمّا لو دلَّ الدليل على وجوب الإطاعة، لم يكن دالاً على لازمها الأعمّ وهو الولاية.
ومعه، لو اقتصرنا على المقدار الذي ذكرناه من الآية الأُولى، وعلى أيّ آية آمرة بإطاعة النبي’، لم يكن ذلك دالاً على ثبوت الولاية له.
ولا يقال: إنَّ أخذ عنوان (أُولي الأمر) في الآية الأُولى، يكون دالاً على استفادة الولاية من وجوب الطاعة.
فإنَّه يقال: بأنَّ هذا توهم ساقط؛ لأنَّ هذا العنوان وإن سلّم دلالته على الولاية على ما يأتي، ولكنّه أُخذ في موضوع الحكم بوجوب الطاعة، ومعه يكون دالاً على مغايرته معه لا على كونه مفسراً للمراد منه، كما عليه دعوى المتوهّم.
فغاية ما تدلّ عليه الآية، هو ثبوت وجوب الطاعة لمن ثبتت له الولاية في
ــــــ[53]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
المرتبة السابقة، فلو كان المراد إثبات الولاية مرة أُخرى لكان الكلام لاغياً، كما هو واضح. فيتعيّن كون المراد بالطاعة ما أشرنا إليه من اللازم الأعمّ لثبوت الولاية، فلا تكون الآية دليلاً عليه.
ومنه يظهر عدم جدوى دعوى كون النبي’ مندرجاً في عنوان (أُولي الأمر) أيضاً، فتكون الآية دالّة على ولايته.
فإنَّه يقال: إنَّ الدليل الدالّ على اندراجه في (أُولي الأمر) على ما سنسمع دالّ على ولايته لا محالة، إلَّا أنَّ هذه الآية لا تدلّ على ذلك لا موضوعاً ولا محمولاً.
أمّا موضوعاً؛ فلوضوح عدم دلالتها على اندراجه في أُولي الأمر؛ لأخذ هذا العنوان في المرتبة السابقة على الحكم الوارد فيها.
وأمّا محمولاً؛ فلما عرفنا أنّ المحمول هو الحكم بوجوب الطاعة، وهو لازم أعمّ لمعنى الولاية.
ويدلّنا على عدم تماميّة الاستدلال بهذه الآية وطائفتها من الآيات، تكرّر الأمر بالإطاعة في القرآن بهذه الكثرة التي رأينا، فإنَّه لو كان المراد بها جعل الولاية لكان يكفي ورودها في آية واحدة، إلَّا أنَّ إطاعة النبي’ حيث إنَّها في الحقيقة إطاعة لأوامر الإسلام وتسليم بأحكام الله تعالى، وهو ممّا تقوم عليه أساس دعوة النبي’ احتاج إلى تأكيد ذلك وتكراره بهذا النحو في القرآن الكريم المتكفّل لهذه الدعوة الإلهيّة الكبرى.
ومن هنا ذيّلت جملة من الأوامر بالإطاعة بمثل قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ
ــــــ[54]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الْكَافِرِينَ}(1) أو {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(2) أو قوله: {وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ}(3) الدالّ على التحذير من العصيان لهذا الأمر، وللأوامر الإسلاميّة الأُخرى التي يجب امتثالها والانصياع لطاعتها.
ومن المعلوم أنَّ مفهوم الولاية غير مربوط بذلك أصلاً، فلو كان النبي’ واجب الإطاعة، ولم تثبت له الولاية، لتمّت دعوته لا محالة، بخلاف العكس، كما هو واضح. إذن، فمفهوم الطاعة المأمور به في هذه الآيات منعزل عن مفهوم الولاية أساساً.
وحيث لم يتمّ الاستدلال بالقسم الذي ذكرناه من الآية الأُولى، فقد يتمّ الاستدلال بذيلها، وهو ما نذكره بعنوان:
الآية الثانية: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}(4).
وتقريب دلالتها على جعل الولاية: أنَّها نصٌّ في ردِّ التنازع إلى الرسول، وإيكال حلّ المخاصمات إليه، فإنَّ التنازع هو التخاصم، والردّ إليه إنَّما يكون لأجل حلّها وتذليلها لا محالة. وهذا يدلُّ بالملازمة على جعل الولاية في المرتبة السابقة؛ إذ لو لم يكن وليّاً لمَا صحَّ حكمه في المخاصمات، وإذا لم يصحّ حكمه لم يصحّ الردّ
ــــــ[55]ـــــــ
(1) آل عمران: 32.
(2) آل عمران: 132.
(3) الأنفال: 20.
(4) النساء: 59.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
عليه. فنعرف من الردّ عليه – بدلالة الاقتضاء- نفوذ حكمه، ومن نفوذ حكمه ولايته لا محالة.
والصحيح تماميّة هذا التقريب في الجملة، وعدم تماميّته مطلقاً، كما هو مقصود المستدلّ.
وتفصيل القول في ذلك: إنَّ التنازع والتخاصم يتصوّر أن يكون في أحد أُمور أربعة على سبيل منع الخلو:
الأمر الأوّل: أن يقع النزاع في أمر غير مربوبط بالحكم الشرعي، ككون هذه الدار واسعة أو ضيّقة، أو أنَّ هذا الطعم لذيذ أو مكروه، أو أنَّ القمر يبعد عن الأرض 80 ألفاً أو 70 ألفاً من الكيلومترات.
الأمر الثاني: أن يقع النزاع في الحكم الشرعي نفسه، ككون صلاة الجمعة في عصر الغيبة واجبة تعييّناً أو تخييّراً، أو أنّ الزوجة هل ترث من الأرض أو لا؟ وأنَّ السورة هل هي واجبة وجزء من الصلاة أو لا؟
الأمر الثالث: أن يقع النزاع في موضوع الحكم الشرعي، بنحوٍ لا يكون موضوعاً لباب القضاء، كالنزاع في ثبوت الهلال أو خمريّة المائع، أو مصداقيّة لباس معيّن للباس الشهرة.
الأمر الرابع: أن يقع النزاع في موضوع الحكم الشرعي بنحوٍ يكون موضوعاً لباب القضاء، كالنزاع في صحة المعاملة أو انتهاء العدة أو ثبوت السرقة أو ملكيّة العين.
ومن المعلوم أنَّ النحو الأوّل من النزاع غير مراد من الآية جزماً؛ لفرض عدم ارتباطه بالحكم الشرعي، فلا معنى للردِّ إلى الله والرسول، فإنَّ هذا الردّ إنَّما يكون
ــــــ[56]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
باعتبار تحصيل الحكم في الجملة، فيكون ذلك قرينة على عدم إرادته لا محالة.
وتبقى الآية شاملة بإطلاقها للأقسام الثلاثة الأُخرى، فإنَّها جميعاً مندرجة تحت مفهوم الشيء المأخوذ في الآية، فيجب الردّ إلى الله والرسول في سائر هذه الأقسام.
أمّا القسم الثاني، وهو النزاع في الحكم الشرعي: فهو ممّا لا ربط له بالولاية، وإنّما يجب الردّ إليه’ بما أنَّه مبلّغٌ لأحكام الدين، وهو راجع إلى مولويّته’ لا إلى ولايته كما هو واضح، وأشرنا إلى الأساس فيه فيما سبق.
ومن هنا تكون هذه الآية دالّة بإطلاقها على جعل المولويّة لشخص النبي’ ووجوب طاعته في الأحكام الشرعيّة الكبرويّة ونحوها. وأمّا دلالة هذا الإطلاق على الولاية فممنوع.
وأمّا القسم الثالث، وهو وقوع النزاع في موضوع الحكم الشرعي: فهذا لا يرجع إلى مولويّته’ بصفته مبلّغاً لأحكام الدين، وذلك لما هو معلوم من كون بيان الموضوعات الخارجيّة ليس من وظيفة الشارع أصلاً، وممّا لا يرد عليه أساساً.
وأمّا رجوع هذا القسم إلى ولايته’ لتكون الآية دالّة على جعلها، فهذا متوقّف على أن نعرف أنَّ النزاع في موضوع الحكم الشرعي يكون على ثلاثة أنحاء:
النحو الأوّل: أن يقع النزاع في مصداقية الشيء الموجود، كخمريّة المائع ومصداقيّة اللباس للباس الشهرة.
النحو الثاني: أن يقع النزاع في وجود المصداق، لاحتمال عدم تحقّقه، كالنزاع في ثبوت الهلال.
ــــــ[57]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وكلا هذين النحوين لا ربط لهما بالحاكم الشرعي، لا من ناحية المولويّة ولا من ناحية الولاية، وإن كان قد يتبرّع الوليّ العامّ أو الخاصّ في إثباته، وإنَّما هي شبهات موضوعيّة تثبت للفرد بالطرق المعيّنة، كسيرة العقلاء أو البيّنة وغيرها.
النحو الثالث: أن يكون النزاع في إيجاد المصداق، وأنَّ فيه مصلحة ليكون واجباً أو مستحبّاً أو ليس فيه مصلحة ليكون مباحاً أو حراماً، أو أن يكون النزاع في إعدامه وإزالته، وإنَّ فيه مفسدة أو أنَّه خالٍ منها. كالخلاف في أنَّ من مصلحة البلدة إنشاء بعض المرافق فيها، كبناء مستشفى أو مدرسة، أو شقّ نهر مثلاً، أو أنَّها لا حاجة لها إلى ذلك، وكالخلاف في المصلحة في إيجاد ضريبة معينة تجبى من الناس، وعدم المصلحة، أو الخلاف في رفع ضريبة نافذة أو عدمه.
ففي مثل هذه الموارد لا إشكال أنَّ إطلاق وجوب الردّ إلى الرسول شامل لها، ويكون المؤدّى تحكيم وجهة نظره وما يرى من المصالح والمفاسد في إزالة الخلاف، ويكون الطرف الآخر ملزماً بالأخذ برأيه على أيّ حال. وهذا هو معنى الولاية، فإنَّها – كما عرفنا- الحكم الوضعي الابتدائي بالتصرّف بالغير، وهذا تصرّف بالغير، إمّا بتقريب: أنَّ الرأي من جملة جهات الغير، فيكون الأخذ به أو رفضه من قبيل التصرّف به، فتأمل. وهذا التقريب راجع إلى إثبات صدق التصرّف في الطرفين المتنازعين.
وإمّا بتقريب راجع إلى إثبات صدق التصرّف بالغير من سوى هؤلاء، وذلك: إمّا بأن يقال: إنَّ ما يكون من قبيل جباية الضريبة أو رفعها، أو تجويز المرور بأحد المباني العامّة أو إيجابه أو تحريمه، يكون تصرّفاً في بعض جهات الغير من أفراد المجتمع.
ــــــ[58]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وإمّا بأن يقال: إنَّ ذلك يكون من التصرّف بالأموال العامّة الراجعة إلى الأُمّة، فيكون تصرّفاً بالغير من هذه الناحية.
ومن هنا تكون الآية دالّةً على إثبات الولاية في هذا القسم، وهو الراجع إلى التنازع في إيجاد مصداق الحكم الشرعي أو إعدامه.
وأما ولايته في هذه الأُمور ابتداءً من دون أن يقع فيها النزاع، فهذه الآية ممّا لا يمكن أن تدلّ عليه، لاختصاصها موضوعاً بمورد وقوع النزاع.
وأمّا وقوع النزاع بالنحو الرابع، وهو ما كان مندرجاً في باب القضاء، فهو القدر المتيقّن إرادته من الآية، بل قد يقال بانصرافها إليه، وإن لم يكن تامّاً؛ لأنَّه لا يصل إلى مرتبة الظهور الذي يخلّ بإطلاق كلمتي: المنازعة والشيء.
والآية إذ تأمر بالردِّ إلى الرسول، يُفهم منها بدلالة الاقتضاء جعل الحجّيّة لحكمه في فصل الخصومات، وكونه الحكم والمحكّ في ذلك؛ إذ لو لم يكن كذلك كان الردّ عليه لغواً لا محالة.
ومن المعلوم أنَّ جعل الحجّيّة للحكم في المنازعات مع ما يسبقه من المرافعات وما يلحقه من التنفيذ ملازم مع جعل الولاية، بحيث يفهم من (جعلِها جعلُها) باعتبار حجّيّة لوازم أصالة الظهور.
إذن، فالآية دالّة على الولاية في الجملة، وتقريب دلالتها على الولاية يتمّ في حدود النزاع القضائي، والنزاع في إيجاد موضوع الحكم الشرعي وعدمه لو فرض تحقّقه في الأُمور العامّة، كما مثّلنا.
وأمّا دلالتها على مطلق الولاية ولو من دون النزاع، فهو خلاف أخذ قيد
ــــــ[59]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
النزاع فيها، كما هو واضح.
وجعل صدرها قرينة على ذلك، ممّا لا يتمّ، فإنَّه غاية ما ينتج وجوب طاعة الرسول عند الردّ إليه، إلَّا أنَّ الردّ مقيّد بخصوص النزاع في سياق الآية، فيكون وجوب الطاعة عند الردّ مختصّاً بذلك، ولا يكون ذلك قرينة على دلالة الآية على مطلق الولاية.
الآية الثالثة: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(1).
بتقريب: إنَّ المراد من اسم الموصول لا يخلو من أحد أمرين:
أحدهما: متعلّق الأمر والنهي. ويكون المقصود من الإتيان إعطاء الأمر، ومن النهي مدلوله. فيكون الحاصل: أنَّ المتعلّق أو الفعل الذي أمركم الرسول به، فأتوا به، والفعل الذي نهاكم عنه فانزجروا عنه. ومن المعلوم أنَّ هذا شامل للأمر الصادر عن الرسول بالولاية.
ثانيهما: أن يكون المراد باسم الموصول، الأموال التي توزّع بين المسلمين من قبل الرسول’، وذلك بقرينة الكلام في صدر الآية، وهو: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، ومن المعلوم أن النبي’ إنّما يدفع الأموال إلى المستحقّ باعتبار ولايته، فنعرف بالملازمة ثبوتها.
ــــــ[60]ـــــــ
(1) الحشر: 7.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
أمّا الأمر الأوّل فلا يكاد يتمّ:
أوّلاً: لقيام القرينة على خلافه من سياق الآية، كما ذكرنا في الوجه الأوّل؛ إذ يكون إرادة المتعلّق من أسم الموصول مع ضمّ صدر الآية إليها، خلاف الظاهر جدّاً.
ثانياً: لقيام القرينة على خلافه من داخل الآية التي نتكلّم عنها. فإنَّ حمل الإتيان والأخذ على معناه المجازي مع إمكان الحمل على المعنى الحقيقي خلاف الظاهر، كما هو واضح.
ثالثاً: من الممكن – بعد التنزّل عمّا سبق- أن يدّعى ظهور {مَا آتَاكُمْ} بما نقله الرسول عن الله من التعاليم، بصفته رسولاً، وهو العنوان المأخوذ في الآية، ويكون قرينة عليه، فإنَّ الإتيان بمعنى المجيء به، وإنَّما يجيء الإنسان بالشيء من قبل غيره لا من قبل نفسه، ومعه تختصّ الآية بالأوامر الشرعيّة الصادرة عن النبي’ دون أوامره بصفته وليّاً، ومعه يصبح مدلول الآية من قبيل الأمر بالإطاعة الوارد في الآية الأولى.
ودعوى: أنَّ من جملة الأحكام التي جاء بها النبي’ هو الحكم بولايته، فتكون مشمولة للآية.
مدفوعة: بأنَّ هذا تامٌّ على تقدير تماميّة الدليل على الولاية في المرتبة السابقة بدليل آخر. وأمّا بالنسبة إلى هذه الآية، فتكون الولاية شبهة مصداقيّة لهذا العموم، فلا يمكن التمسك به.
وأمّا الامر الثاني: فيكاد أن يكون تامّاً، باعتبار دلالة الآية سياقاً على تسليط الرسول’ على مستحقّيها المذكورين فيها، ولا نعني بالولاية العامّة إلَّا ذلك.
ــــــ[61]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
إلَّا أنَّ هذا يتوقّف على أمرين:
أحدهما: أن يدّعى ثبوت الحكم الشرعي بدلالة الآية نفسها أو من الخارج، بملكيّة المستحقّين للمال قبل قبضهم له.
وأمّا لو قلنا: إنَّها تدخل في ملكيّة الرسول’ نفسه، ثُمَّ تنتقل إلى المستحقّين، فلا يكون دفعه إليهم تصرّفاً بالغير، فلا يكون دالاً على الولاية، فتأمّل.
ثانيهما: تجريد المورد عن خصوصية تقسيم الفيء إلى كلِّ تصرّف بمال الغير، بل إلى كلِّ تصرّف بالغير، كما هو مقتضى الولاية. ولا يبعد تماميّة النحو الأوّل من التجريد، ولو بقرينية كون قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ…} بمنزلة الكبرى الكليّة، التي طُبّق صدر الآية عليها.
ولا سبيل إلى تتميم التعميم الثاني فتختصّ الآية – على تقدير تماميّة الأمر الأوّل، كما لا يبعد(1)- بإثبات ولاية النبي’ في أموال الغير.
الآية الرابعة: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}(2)، ونحوها ممّا يأمر أو يمجّد اتّباع الرسول’ بعنوانه، كقوله تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي}(3)، وقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي}(4)، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ}(5)،
ــــــ[62]ـــــــ
( ) يعني: يصدق كونه تصرّفاً بمال الغير في الجملة، منه+.
(2) آل عمران: 53.
(3) آل عمران: 20.
(4) يوسف: 108.
(5) الأعراف: 157.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ونحوها من الآيات.
بتقريب: إنَّ اتّباع الرسول هو إطاعته، ومن هنا كان ممجّداً وممدوحاً في هذه الآيات بنحو يكشف عن سبق تعلّق الجعل بالاتّباع، ومن هنا يأتي التقريب الذي قلناه في الآية الأُولى: من حيث إنَّ الاتّباع ملازمٌ للولاية، والدالّ على اللازم دالّ على الملزوم.
والاستدلال هنا خالٍ عن بعض الإشكالات التي أوردناها هناك، كما هو واضح لمَن قارن وتأمّل، ولكنّه غير خالٍ عن الجواب الذي ذكرناه هناك، وقلنا بموجبه بعدم تماميّة دلالة الآية على المقصود، من عدم دلالة اللازم الأعمّ على الملزوم الأخصّ.
وهناك تقريب آخر لدلالة كلتا الآيتين على الولاية، وهو دعوى شمول وجوب الطاعة أو الاتّباع بالإطلاق إلى الأوامر الصادرة عنه’ بالولاية.
وهذا تامّ، لولا دعوى انصراف هذه الأوامر إلى إطاعة واتّباع الأوامر الشرعيّة، التي يأتي بها النبي’ بصفته رسولاً من الله تعالى لا بصفته وليّاً، بحيث تكون هذه الأوامر في حقيقتها تأكيداً للأوامر الأوليّة المتعلّقة بالعناوين التفصيليّة للمتعلّقات في الشريعة المقدّسة، وهذا الانصراف ظاهر جدّاً، كما سبق أن قرّبنا نحوه في الآية الأُولى. ومعه تكون دلالة الآية على إطاعة الرسول واتّباعه بصفته وليّاً غير تامّة.
ودعوى كون جعل الولاية من الأوامر المشمولة للآية غير تامّة؛ لاحتياج جعلها إلى دليل آخر، كما قلنا في الآية السابقة، وإلَّا كان من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
ــــــ[63]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ثُمَّ إنَّ هذه الآية تستقلّ عن الآية الأُولى بإشكال على عدم تماميّة الاستدلال بها، وحاصله: عدم تعلّق الأمر بمادّة الاتّباع بشيءٍ من الآيات، وإنَّما هو مجرّد المدح والتمجيد، وهو كما يناسب الوجوب يناسب الاستحباب، وكما يناسب الحكم الوضعي يناسب الحكم التكليفي، ومن هنا لا تكون دالّة على وجوب اتّباع الولي على فرض شمول إطلاقها له، وعدم كونها شبهة مصداقيّة، بل غايته الاستحباب، وهو خلاف المقصود.
الآية الخامسة: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً}(1).
والقضاء هو فصل الأمر، بمعنى: إنجازه وإتمامه قولاً كان أو فعلاً، على ما في المفردات(2).
ومن هنا ورد في موارد متعدّدة في معاني مختلفة، جامعها ما ذكرناه؛ فمن ذلك الخلق، كما في قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}(3)، ومنها الحكم، كما في قوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}(4)، ومنها الانتهاء، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}(5)، ومنها الأداء للصلاة، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ}(6)،
ــــــ[64]ـــــــ
(1) الأحزاب: 36.
(2) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، ص674.
(3) فصلت: 12.
(4) طه: 72.
(5) البقرة: 200.
(6) الجمعة: 10.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ومنها القتل، كما في قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}(1)، وغير ذلك من الاستعمالات.
والأمر ورد في اللغة بمعنيين:
أحدهما: الشأن، وجمعه أُمور، وهو لفظ عامّ للأفعال والأقوال كلّها، على ما في المفردات(2).
ثانيهما: الطلب، وهو مصدر (أمرته) إذا كلّفته أن يفعل شيئاً، وجمعه على أوامر(3).
وعلى المعنى الأوّل قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ}(4)، و {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}(5). وعلى المعنى الثاني قوله تعالى: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}(6). ويحتمل الأمران: مثل قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}(7)، وقوله: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً}(8).
ــــــ[65]ـــــــ
(1) القصص: 15.
(2) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، ص88.
(3) المصدر السابق.
(4) هود: 123.
(5) الإسراء: 5.
(6) الإسراء: 16.
(7) هود: 97.
(8) يوسف: 18.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وقد يُقال: دلالة الأمر على هذين المعنيين من قبيل الاشتراك اللفظي؛ إذ لا جامع بينهما، وليس أدلّ على ذلك من تعذّر استعمال الجمع من كلٍّ منهما في الآخر، ومعه يتعذّر استعمال اللفظ في كلا المعنيين؛ إذ يلزم استعماله في معنيين متباينين، وهو غير جائز ثبوتاً أو إثباتاً، كما حقّق في محلّه(1). ومعه يدور استعمال اللفظ بين هذين المعنيين، فإن قامت قرينة على أحدهما فهو، وإلَّا كانت العبارة مجملة لا محالة. ومعه فإن تباينت آثارهما لم يمكن ترتيب أيّ أثرٍ منها، وإن اشتركا في بعض الآثار ثبتت الآثار المشتركة، باعتبارها أثراً لكلا المعنيين اللَذين يعلم إجمالاً بوجود أحدهما.
ومعه يقال: إنَّ مقامنا من قبيل هذا الأخير، فإنَّ معنى الآية يدور بين أمرين:
أحدهما: أن يكون المراد من قوله تعالى: {قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً} أنَّه أنجز شأناً من شؤونه وفعلاً من أفعاله، فإن فَعَلَ ذلك فقد أصبح قطعيّاً ونافذاً، ولا حقَّ لأحدٍ من المؤمنين الخيرة في النقض والفسخ.
والمراد ليس أنَّه’ ينجز فعلاً من أفعاله الخاصّة وشؤونه الشخصيّة، لِلَغْوِيّة نقض المؤمنين لها، وبقرينة ما في الآية على ما نشير، وإنَّما المراد فعله’ الذي يرتبط بالغير من المؤمنين، والذي يعتبر أمراً من أُمورهم، على ما هو المأخوذ في الآية، فإذا أوجد’ بشأنهم فعلاً من الأفعال فلا خيرة لهم بعدم القبول، بل لابدَّ أن يسلّموا ويقبلوا على أيّ حال.
وهذا الفعل لا يكون إلَّا من قبيل إيقاع الحدود والتعزيرات وجباية الزكاة والخمس، أو أن يبيع عن الإنسان ماله، أو يؤجّر عنه داره ونحو ذلك. فإذا كان
ــــــ[66]ـــــــ
(1) منهج الأصول، الشهيد محمد الصدر ج1: 370.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ذلك نافذاً على المسلمين ولا خيرة لهم بالرفض، كان هذا هو معنى الولاية لا محالة.
ثانيهما: أن يكون المراد من الآية أنَّه’ انجز طلباً ونفّذه، بمعنى: أنَّه جعل أمراً وإنشاءً وجوبيّاً في أمر من أمور المسلمين فإنَّه يكون نافذاً على المسلمين، ولا خيرة لهم في الرفض، وهذا – كما أشرنا في بعض الآيات السابقة- يشمل الأوامر الصادرة من النبي’ بصفته وليّاً، كما يشمل الأوامر الصادرة منه بصفته رسولاً مبلّغاً، ومعه تثبت ولايته بالملازمة بهذه الآية الكريمة.
وإذا تمَّ إثبات جعل الولاية من الآية على كلا التقديرين، يكون من قبيل الأثر المشترك للمشترك اللفظي الذي نعلم إجمالاً بوجود أحد المعنيين له، وعلى أيّ تقديرٍ فهو دالّ على الولاية. إذن، فيعلم تفصيلاً دلالة الآية على ذلك.
إلَّا أنَّ هذا الوجه ممّا لا يكاد [أن] يتمّ:
أوّلاً: لعدم التباين بين المعنيين، بحيث يكون من قبيل الاشتراك اللفظي على ما سنشير إليه، ومعه لا يكون الأثر مشتركاً بين المعنيين، بل يكون خاصّاً بأحدهما على ما نذكره أيضاً.
ثانياً: أنَّه على تقدير تسليم المبنى، فإنَّ ترتب الأثر على المعنى الثاني غير تامٍّ، ومعه تكون الآية مجملة؛ لعدم ظهور الآية بأحد المعنيين على الفرض.
والوجه في ذلك ما أشرنا إليه في بعض الآيات السابقة، من أنَّ وجوب الإطاعة لازم أعمّ لجعل الولاية، فلا تثبت بثبوته. وكون الأمر بالولاية – بمعنى جعلها ثبوتاً- ممّا يجب طاعته فرع جعله، وهو أوّل الكلام، والتمسّك بالآية
ــــــ[67]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
بالنسبة إليه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
والصحيح في المقام أن يقال: أنه ليس بين المعنيين تباين، وإنَّما بينهما نسبة العموم المطلق، والجامع بينهما حاصل في المعنى الأعمّ منهما، وهو الشأن. فإنَّ الطلب شأن من شؤون الآمر لا محالة، وخصوصيّة من خصوصياته؛ إذ ليس المراد بالشأن المنزلة أو القوّة بالخصوص، بل المراد معناه الأعمّ، وهو كلّ وصف أو خصوصيّة ثابتة لموضوع، ومعه يكون شاملاً للطلب لا محالة.
وحينئذٍ فيدور أمر لفظ (الأمر) المستعمل في الآية، بين أن يكون مستعملاً في مطلق الشأن أو مستعملاً في الطلب بالخصوص، وكلاهما معنيان حقيقيّان له، وإذا دار أمر اللفظ كذلك، تعيّن استعماله في المعنى المطلق، ما لم تقم قرينة على المعنى الخاصّ.
وقد يقال: قيام القرينة في الآية على إرادة المعنى الخاصّ وهو الطلب، بدعوى: أنّ مسبوقيّته بمادّة القضاء الدالّة على الحكم تعيّن ذلك.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ من وجهين:
أوّلاً: لما عرفناه من أنّ القضاء بمعنى فصل الأمر وانجازه، سواء كان في الحكم أو غيره، ولم تقم قرينة في الآية على إرادة الحكم بالخصوص، إلاّ ما قد يتوهّم من قرينيّة لفظ الأمر عليه، فيلزم الدور.
ثانياً: أنَّه على تقدير تسليمه يكون القضاء والأمر من قبيل المترادفات، فلا يكون للتكرار المحصّل منهما معنى معقول، فيتعيّن أن يكون المراد به معنى آخر.
إذن، فحيث لم تقم قرينة على إرادة المعنى الخاصّ، يتعيّن أن يكون المراد هو
ــــــ[68]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
المعنى العامّ الشامل له ولغيره، ومطلق الشأن في المقام.
ولا يُقال: إنَّه لماذا لا يقال العكس، وأنَّه إذا لم تقم قرينة على المعنى العامّ يتعيّن الخاصّ، وما هو المرجّح لما قلناه؟
فإنَّه يقال: إنَّ ما قلناه هو الشأن في كلِّ لفظٍ دالٍّ على الطبيعي وعلى مصداقه، كالماء الصادق على الطبيعي وعلى الفرد. ومن المعلوم أنَّه إذا لم تقم قرينة على إرادة الفرد يتعيّن إرادة الطبيعي لا محالة، ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ اندراج الطلب تحت مطلق الشأن باعتبار كونه فرداً له مصداقاً منه.
ولا يقال: بأنَّ الكبرى تامّة فيما لم يكن للفرد وضع مستقلّ كمثال الماء.
وأمَّا في المقام، فالمفروض وضع نفس اللفظ الدالّ على الطبيعي، وضعه على الفرد أو الحصّة أيضاً، وإذا دار الأمر بين الوضعين المستقلّين لا يتعيّن أحدهما إلّاَ بقرينةٍ، وإن كان أحدهما أخصّ من الآخر.
فإنَّه يقال: إنَّ ذلك ظهور ثابت وجداناً، فإنَّ قصد العامّ أولى من قصد الخاصّ، فتأمّل.
وأمّا إذا لم يتمّ ذلك ودار الأمر بين المعنيين كانت دلالة الآية على الطلب محرزة للعلم بإرادته إمّا مستقلاً أو ضمناً، وتكون دلالتها على المصاديق الأُخرى مشكوكة، وتكون مجملة بالنسبة إليها.
وعلى أيّ حالٍ، فإن قلنا بتعيّن المعنى العامّ، وهو مطلق الشأن فيكون شموله لسائر تصرّفات النبي’ بالغير أفراداً أو مجموعاً، كإقامة الحدود والتعزيرات وجباية الخمس والزكاة وغيرها، وإلَّا بالملازمة على جعل الولاية لا محالة، كما سبق أن قرّبناه.
ــــــ[69]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ولا يقال: بأنَّ هذا ممّا لا تكون الآية حجّة فيه، بل يحتاج بيانه إلى دليل خاصّ.
فإنَّه يقال: إنَّ هذا الكلام – بهذا المقدار- غير فنّي؛ لكون الملازمة من أفراد الظهور فتكون حجّة. فلابدَّ أن يعمّق هذا البيان، ويقال: بأنَّ الملازمة إنَّما تكون حجّة فيما إذا كانت ملازمة للنصِّ من الكلام، كمورده أو قدره المتيقّن. وأمّا إذا كانت الملازمة ثابتة مع بعض أفراد العامّ، فلا يثبت اللازم بالدليل العامّ، ومقامنا من هذا القبيل. فإنَّ الولاية ملازمة لغير الأحكام التي يبلّغها النبي’ بصفته رسولاً لا محالة، وإن كان مشمولاً لما قضاه’.
فإنَّه يجاب: بأنَّ المتكلّم ما دام في مقام البيان، وما دام الإطلاق ثابتاً، وما دام اللزوم بيّناً ظاهراً فإنَّه لا مجال لإنكار حجّيّته، وإن كان لزوماً لبعض الحصص على أنَّ التعبير باللزوم بنفسه لا يخلو من مسامحة، فإنّ نفس حصّة الإطلاق الدالّة على نفوذ تصرّفه في أمر معيّن، هو جعلٌ لولايته في ذلك الأمر، لا أنَّه ملازم له على الحقيقة.
إذن، فالآية تكون دالّة على جعل الولاية في أفعال النبي’ وتصرّفاته بالغير.
وأمّا دلالتها بالنسبة إلى حصّة الإطلاق الشاملة لأوامر النبي’ الصادرة عنه بصفته وليّاً، فقد يورد عليها ما سبق أن أوردنا على الاستدلال بالآية الأُولى والرابعة، بأنَّه لازم أعمّ، والدالّ على الأعمّ غير دالٍّ على اللازم الأخصّ، إلَّا أنَّه غير واردٍ للفرق بين الموردين، فإنّ الأمر بالطاعة والاتباع كان دالاً بالملازمة على النفوذ، وأمَّا في المقام فالنفوذ مجعول بالمدلول المطابقي، فتأمّل.
وأمّا إذا قلنا بتعيّن استفادة المعنى الخاصّ، وهو خصوص الطلب، فيكون
ــــــ[70]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الإطلاق شاملاً لحصّتين فقط، للأوامر الصادرة عن النبي’ بصفته رسولاً والصادرة عنه بصفته ولياً، وتكون دالّة على نفوذ أمره في كلا الفردين، وأنَّه لا خيرة لأحدٍ في نقضه، فيكون في الحصّة الأُولى جعلاً للمولويّة ووجوب الطاعة للنبي’ بالملازمة، ويكون في الحصة الثانية جعلاً للولاية بالمطابقة.
ولا يقال: بأنَّ كلا الحصّتين تكون بالملازمة، فإنَّه كما أنَّ المولويّة عنوان زائد يثبت بالملازمة، كذلك الولاية لا محالة.
فإنَّه يقال: إنَّنا لا نعني من الولاية إلَّا نفوذ التصرّف بالغير، وهو مجعول في الآية بالمطابقة على الفرض، وأما المولويّة فهو عنوان لابدَّ من ثبوته في المرتبة السابقة على وجوب الطاعة، وهو إنَّما يثبت بالملازمة لا محالة، فتأمّل.
وبتعبير آخر: إنَّ المراد من سلب الخيرة كون الطلب نافذاً على أيّ حالٍ، وهذا بنفسه جعل للولاية في الحصّة الثانية من الأوامر، وجعل لوجوب الطاعة أيضاً. إلَّا أن نفوذ أمر الولي في نفسه كافٍ في ترتّب الأثر عليه. إلَّا أنَّ نفوذ أمر الرسول المبلّغ عن الله تعالى إنَّما يترتّب عليه الأثر مع ثبوت مولويّته في المرتبة السابقة، فيستفاد من الآية جعلها لا محالة بالملازمة.
وعلى أيّ حال، فلا إشكال من استفادة كلا الأمرين على هذا التقدير، وإن كانت استفادته على تقدير استفادته إجمالاً أضعف في الجملة، وإن كان محفوظاً في نفسه.
وممّا يؤيّد الظهور في جعل الولاية في الطلب، على التقدير الذي نتكلّم عنه: أنَّ القضاء أُسند إلى الله تعالى تارةً وإلى رسوله أُخرى، والمستفاد من هذين الإسنادين
ــــــ[71]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
كون التشريع المُسند إلى الله تعالى ما يكون من قبيل الأحكام الكليّة، التي يبلّغها الرسول’ عنه عزّ وجل.
وأمّا التشريع المُسند إلى النبي’ [فهو] ما يأمر به من قبل نفسه، ممّا يرى تعلّق المصلحة فيه، وذلك ليس إلَّا ما يكون بالولاية، أو أنَّه من أوضح أفراده على أقلِّ تقدير. ومعه تختصّ الحجّية المجعولة في الآية لقضاء النبي وطلبه بما يكون صادراً عنه بالولاية، وهو المقصود.
وبهذا يندفع ما قد يقال من ضعف ظهور الآية بهذه الحجّيّة باعتبار اقترانها بالدلالة على نفوذ الأمر الإلهي وقضائه.
ومن هنا يقال: بأنَّ نفوذ أمر الله تعالى لا محالة إرشاد إلى حكم العقل بمولويّته تعالى، ووجوب طاعته تعالى، فتكون وحدة السياق مقتضية للحمل على الإرشاد في حجّيّة قول النبي’ المدلول عليها في الآية، بل ما هو أولى من وحدة السياق، وهي وحدة الهيئة المستعملة في كلا الإسنادين.
إلّاَ أنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: لما قلناه قبل قليل من اختلاف المتعلّق، فإنَّ المراد من القضاء المُسند إلى الله تعالى غير القضاء المُسند إلى الرسول’ كما استفدنا، ومع اختلاف المتعلّق تختلف جهة الحمل لا محالة، وإن اتّحد هو بحسب مرحلة الاستعمال.
ثانياً: ما سبق أن قلنا في آيةٍ سابقة، من أنَّ الإرشاديّة أمرٌ خارج عن المدلول اللفظي، حتّى في المدلول الجدي منه، فإنَّه لا يخرج عن المعنى الموضوع له لا محالة، ومن المعلوم عدم دخول التعبّديّة والإرشاديّة في الوضع، وإن صلحت أن تكون
ــــــ[72]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
جهة للاستعمال، فهما يثبتان -كما قلنا- في كلِّ موردٍ بحسب القرائن الخارجيّة والملاك المنقحة.
ومن المعلوم أنَّ ظاهر الأمر -أو ما هو بمنزلته- التعبّديّة، فيجب حمله عليها، إلَّا في حدود توفّر ملاك الإرشاديّة فيه، ولو بالنسبة إلى بعض مدلوله، ومن المعلوم أنّ توفّر ملاكها في بعض المدلول لا يلازم توفّره في الجميع ثبوتاً ولا إثباتاً، ومعه يُقتصر في الحمل على الإرشاديّة على ما توفّر فيه الملاك بالخصوص.
ومقامنا من هذا القبيل، بعد فرض قيام القرينة على توفّر ملاك الإرشاديّة في حصّة من المدلول، وهو ما أُسند إلى الله تعالى، ويبقى ما أُسند إلى الرسول’ محمولاً على التعبّديّة.
ثالثاً: أنّه على تقدير حمل جميع المدلول على الإرشاد، فإنَّه ليس ممّا يخلّ بإفادته الولاية، غايته أنَّها تكون من قبيل الولاية الواقعيّة المدركة للعقل، على ما ذكروه. وسيأتي التعرّض له في ذكر الدليل العقلي على ولاية النبي’.
وعلى تقدير إنكار ذلك فلابدَّ من الجزم في حمله على المولويّة؛ لعدم إمكان حمله على الإرشاد، وإن كان جزءاً من المدلول.
ثُمَّ إنَّه قد يورد على الاستدلال بالآية الكريمة: كونها جملة خبريّة، ومعه لا يمكن أن يستفاد منها جعل الولاية بأيّ نحو من أنحائها، فإنّ استفادة الجعل خاصّة بالجملة الإنشائيّة.
إلّاَ أنَّ هذا واضح الدفع: فإنَّ استعمال الخبر في مقام الإنشاء ليس بعزيز في
ــــــ[73]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
اللغة والأدلّة(1)، وهو يستفاد الجعل من مدلوله المطابقي، أو -على الأقلّ- من مدلوله الالتزامي، باعتبار كشف الخبر عن الجعل في المرتبة السابقة، بحيث لولاه لكان الإخبار غير مطابق للواقع.
ومعه يندفع ما قد يُقال: من التفريق بين سائر موارد استعمال الخبر في مقام الإنشاء، كقوله: >يصلّي ويغتسل< وبين هذه الآية، من أنَّ المُخبَر عنه من تلك الموارد هو إيقاع المتعلّق في الخارج، وحيث إنَّه غير مطابق للواقع، فنعرف أنَّ المراد الجدّي هو الجعل والإنشاء. وأمّا في الآية فليس الأمر كذلك، فإنَّها لا تخبر عن وجود المتعلق في الخارج، بل عن قضيّة ثابتة في نفسها، ومعه كيف يستفاد منها كونها في مقام الجعل.
فإنه يقال: إنَّه لم يرد من دليلٍ عقليّ أو نقليّ اختصاص استفادة الإنشاء من الجملة الخبريّة، بما إذا كانت متكفّلة للإخبار عن وجود المتعلّق، وإنما ملاك الحمل على الإنشاء هو كذب الخبر لولاه، وعدم مطابقته للواقع، وهذا كما هو متوفّر في تلك القضايا متوفّر أيضاً في القضيّة المبيّنة في الآية الكريمة.
فإنَّ الناس بحسب طبعهم يتخيّرون في الإطاعة والعصيان أو التنفيذ والإبطال في أوامر الله ورسوله وما قضيا به. فنفي خيرتهم يراد به جعل حرمة التخيّر لا محالة، بمعنى: حرمة العصيان وعدم ترتيب الأثر، وهو دالٌّ بالمطابقة أو بالالتزام على جعل الحجّيّة لا محالة، سواء في الأوامر الصادرة عن الله تعالى بالتشريع أو الصادرة عن رسوله بالولاية. وقد قلنا: إنَّ جعل الحجّيّة جعل للولاية
ــــــ[74]ـــــــ
(1) انظر: منهج الأصول، الشهيد محمد الصدر، ج3، ص257.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
مباشرة وبالمطابقة، وجعل للمولوية بالملازمة.
على أنّه يمكن نفي كون الجملة خبريّة أساساً، وإن دلّ سياقها على ذلك، وذلك بأحد تقريبين:
أحدهما: أن يدّعى أنَّ المستفاد من قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} هو النهي ابتداءً بحسب المراد الاستعمالي، فإنَّ مثل هذا اللسان مستعمل في اللغة والعرف في ذلك.
ثانيهما: أن يقال: إنَّ اللام في قوله تعالى: {لِمُؤْمِنٍ} دالّ على الجواز، وأنَّ المؤمن مطلق العنان من حيث التخيّر في الإطاعة والعصيان. فإنَّ اللام إن أُسند إلى العين أفاد الملكيّة، وإن أُسند إلى الفعل أفاد السلطنة. والسلطنة بمعناه الشرعي على ما هو المراد من الآية هو الجواز والإباحة، فتكفّل الآية لنفي الجواز معناه إثبات الحرمة لا محالة، وهو دالّ بالمطابقة أو بالالتزام على جعل الحجّيّة، كما سبق أن ذكرنا.
فتحصل: أنَّ الآية دالّة على نفوذ أمره’ بصفته وليّاً على المؤمنين، سواء كان المستعمل فيه لفظ الأمر -هو مطلق الشأن- أو خصوص الطلب، ودالّة على نفوذ سائر تصرّفاته بالغير على التقدير الأوّل.
فإن ثبت استظهار مطلق الشأن فهو، وإلَّا لزم الاقتصار على المعنى الخاصّ، وهو الطلب كما قلنا. فتقتصر الآية في الدلالة على وجوب طاعة الرسول في أوامره وأحكامه، إمّا في خصوص ولايته أو فيما يبلّغه من الأحكام أيضاً على ما سبق.
والإنصاف أنَّ استظهار مطلق الشأن ممّا يكاد أن يكون متعذّراً، ولا تتمّ عليه القرائن التالية:
ــــــ[75]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
[القرينة] الأُولى: وحدة سياقه، بل وحدة استعماله مع الأمر المُسند إلى الله تعالى. وحيث عرفنا أن المُسند إلى الله تعالى هو ما كان من قبيل التشريع الأصلي، فيكون إسناده إلى النبي’ أيضاً خاصّاً بما يبلّغه من التشريع مع سائر التصرّفات دون الأوامر الصادرة عنه بصفته وليّاً.
فإنّه غير تامّ:
أوّلاً: أنَّ الأوامر الصادرة عن الله تعالى غير مختصّة ثبوتاً بالتشريع الأصلي، بل يمكن أن يكون له أوامر صادرة عنه بالولاية، وإن قلّ مصداقه في الخارج، كتزويجه الزهراء÷ من أمير المؤمنين×. إذن، فالصغرى لوحدة السياق غير تامّة.
ثانياً: أنَّنا أشرنا إلى أنَّ الأمر مستعمل في معناه ومراد منه جدّاً، وهو شامل لسائر أنحاء الأوامر، غاية الأمر نفرض خروج الأوامر الصادرة عن الله تعالى بالولاية لقلّة مصاديقه أو تعذرها. فيبقى الإطلاق شاملاً لباقي الأوامر الصادرة عن الله ورسوله، ومن المعلوم أنَّ ما دلَّ على خروج تلك الأوامر غير شامل للرسول’، فتثبت دلالتها على حجّيّة أوامره’ بالولاية.
[القرينة] الثانية: وحدة سياقه مع الأمر المذكور في ذيل الآية، فإنَّ الآية هي: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، فإنَّ المراد من الأمر الثاني هو الشأن لا محالة، ومقتضى وحدة السياق هو استعمال الأوّل فيه أيضاً.
إلّاَ أنَّه غير تامٍّ:
أوّلاً: أنَّ ما أُخذ مسلّماً من استعمال الأمر الثاني في مطلق الشأن، غير مسلّم،
ــــــ[76]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
فإنَّه مبتنٍ على أن يكون إضافته إلى الضمير من إضافة الفاعل، وأمّا إذا كان من إضافة المفعول، فيتعيّن كون المراد به خصوص الطلب، وتكون وحدة السياق مع الأمر الأوّل حمله على ذلك.
ثانياً: أنَّ وحدة السياق ثابتةً كبرويّاً طرداً، ولا معنى لثبوتها عكساً، بمعنى: أنّ اللفظ الأوّل إن كان محرز المعنى وكان الثاني مشكوكاً، كان مصداقاً للكبرى، وأمّا لو كان الثاني محرزاً والأوّل مشكوكاً كما هو في الآية فلا يكون مصداقاً لكبرى وحدة السياق، ولا أقلّ من الشك. مضافاً إلى ما ذكرناه من عدم إحراز معنى اللفظ الثاني أيضاً، فلا تكون وحدة السياق نافذة إلَّا طرداً، وعلى تقدير تعارضهما فهي المحكمة أيضاً.
القرينة الثالثة: جعل (الخيرة) قرينة على ذلك، بتقريب: أنّها – كما قلنا- عبارة عن السلطنة المنتجة للجواز، وهي مناسبة مع كثير من التصرّفات والأفعال، وغير خاصّةٍ بإطاعة أمره، فتكون قرينة على أنَّ المراد من الأمر هو مطلق الشأن لا خصوص الطلب.
إلَّا أنَّ هذا موهونٌ، بأنَّ مجرّد المناسبة مع العموم لا يقتضي استعماله فيها، مع مناسبته التامّة مع الخاصِّ أيضاً، وعدم حاجته في الاستعمال إلى أيّ قرينة؛ فإنَّ التخير والسلطنة كما تكون في الفعل الواحد تكون في الأفعال الكثيرة بالانحلال، ومعناها واحد على أيّ حالٍ. وإذا لم تتمّ هذه القرائن، يبقى القدر المتيقّن هو استعمال الأمر في الطلب، ودلالة الآية على نفوذ أمر النبي’ بصفته وليّاً.
الآية السادسة: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ
ــــــ[77]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ}(1).
ودلالتها في الجملة محرزة، فإنَّه قد أُخذ لفظ الولي في صدر الآية بنصّه. وإنّما يقع الكلام في جهات:
الجهة الأُولى: أنَّ لفظ الولي أُخذ بالمعنى العرفي في الآية بلا إشكال. فإن كان مطابقاً للمعنى الاصطلاحي الذي تكفّله التعريف الذي نقّحناه فهو، وإلَّا فإنَّ المفهوم العرفي هو المحكّم في المقام، فإنَّ اصطلاح الفقهاء حاصل في زمان متأخّر، وبعيد عن عرف العقلاء.
والصحيح ما سبق أن قلنا في محلّه: إنَّ المعنى العرفي للولاية لا يكاد يختلف عن المعنى الاصطلاحي، بل يمكن أن يقال: إنَّ المراد بالمعنى الاصطلاحي كونه اصطلاحيّاً للعرف في مقابل المعنى اللغوي للولاية، وليس المراد كونه اصطلاحاً لخصوص الفقهاء كما توهّم.
والمراد من كونه اصطلاحيّاً للعرف، كونه ممّا جرى عليه عمل العقلاء في مجتمعهم وسوقهم. ولم يعرف للشارع اصطلاح جديد في الولاية، أو ديدن جديد في ترتيب الأثر عليها. ومن هنا تكون السيرة العقلائيّة معترفاً بها شرعاً فتكون حجّة، ولم يرد ما يتوهّم منه الردع إلَّا ما قد يستشعر من قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}(2) حيث جعلت الولاية بنحو أوسع من المفهوم العرفي لها،
ــــــ[78]ـــــــ
(1) المائدة: 55- 56.
(2) الأحزاب: 6.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وسيأتي التعرّض لذلك في الحديث عن هذه الآية، التي نذكرها بعنوان الآية السابعة.
إلّاَ أنَّه لابدّ أن يقع الكلام فعلاً في معنى الولاية العرفيّة، ليكون هو المعنى المستعمل فيه ابتداء لفظ الولي في هذه الآية محلّ الكلام، وتكون الآية التالية بمنزلة التقييد لهذه الآية.
إلَّا أن يقال: إنَّ المراد من الولي هنا، هو الولي الشرعي المعروف خصائصه من الآية الآتية، فتكون الآية الآتية حاكمة عليها وموسّعة لموضوعها، غير أنَّ الاستعمال بالمعنى الشرعي خلاف الظاهر، ما لم تقم عليه قرينة خاصّة مفقودة في المقام، إلَّا ما يتوهّم من وجود الآية التالية بنفسها. وقد عرفت أنَّها مناسبة مع التخصيص كما هي مناسبة مع الحكومة.
وبتعبير آخر: أنَّه يدور أمر الآية الآتية بين أن يكون مفسّراً للمراد الاستعمالي من هذه الآية، أو للمراد الجدّي، والظاهر هو الثاني، بعد انعقاد إطلاق هذه الآية عرفاً، فيكون المراد بالولي فيها المعنى العرفي له، وتكون الآية الثانية مقدّمة عليها بالتخصيص.
وبصدد تحديد المعنى العرفي للولاية، قلنا: إنَّ التعريف الذي ذكرناه يرجع في الحقيقة إلى تحديده، ونصّه: أنَّ الولاية هي الحكم الوضعي للتصرّف بالغير، وقلنا: إنَّ الحاكم يختلف باختلاف الولاية المجعولة، فقد يكون هو العقل، وقد يكون هو الشرع، وقد يكون هو العرف، وقد يكون هو شخص ظالم أو جهة حاكمة. وقد سبق أن ناقشنا في صدق الولاية على مثل ولي الوقف ومولى العبد وحقّ المرتهن في
ــــــ[79]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
بيع العين المرهونة، فلا نعيد. ولم يبقَ إلَّا أن نطبّق هذا المعنى العرفي الآتي فيما يلي من البحوث.
ولا إشكال أنَّ العرف يرى نفوذ تصرّف الولي في الغير فيما هو ولي فيه، وهو المقصود. وأمّا مقدار سعة نفوذ العناوين العرفيّة للأولياء ومقدار صلاحياتهم عرفاً، فهو خارج فعلاً عن محلِّ الكلام.
فتحصّل: أنَّ المراد بالوليّ في المقام هو المتّصف بالولاية بالمعنى العرفي المأخوذ في التعريف، ومحصّله الحكم بنفوذ التصرّف من قبل الشارع المقدّس، طبقاً للمؤدّى العرفي بالنسبة للعناوين المأخوذة في الآية، وهم: الله ورسوله والذين آمنوا، على كلام يأتي.
الجهة الثانية: في الولاية المسندة إلى الله تعالى في الآية، ويقع الكلام فيها من ناحيتين:
الناحية الأُولى: أنَّنا سبق أن ذكرنا غير مرّةٍ بأنَّ ولاية الله تعالى يكاد يقل مصداقها أو ينعدم، وإنَّ جملة تصرّفاته عزّ وجل التشريعيّة تندرج تحت حكم العقل بثبوت مولويّته، سواء كانت تندرج تحت الحكم بولايته أو لا.
إلَّا أنَّ هذا لا يخلّ بحكم العقل بولايته عزّ وجل إلى جنب حكمه بمولويّته، ولا يلزم منه لغويّة جعل الولاية شرعاً طبقاً للعقل؛ إذ إنَّ ثبوتها النظري على الخلق من الأهمّية بمكان، وجملة من أفرادها وإن كان محالاً على الله تعالى أو ممكناً غير واقع، إلَّا أنَّ جملة منها قد وقعت فعلاً على مدى التاريخ، كتزويج حوْاء لآدم×، وكتزويج الزهراء لأمير المؤمنين×. وقد يقع في المستقبل أفراد أُخرى لهذه
ــــــ[80]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الولاية، على أنَّ نفس إرسال الرسل كان باعتبار هذه الولاية، لا باعتبار المولوية، فإنَّها تثبت في المرتبة المتأخّرة عن الإرسال، فتأمّل.
وبتعبير آخر: أنَّ الشخص قد يكون له حقّ الطاعة من ناحيتين، باعتبار مولويّته وباعتبار ولايته. فإن اختلفت الجهة كانت صفة الأمر معلومة، فما يأمر به النبي’ من أصل التشريع الإسلامي يجب طاعته باعتبار مولويّته، وما يأمر به لتنظيم المجتمع في زمانٍ يجب طاعته باعتبار ولايته.
وأمّا إذا كان حقّ الطاعة ثابتاً له بجهةٍ واحدة على أيّ حال – وإن تعدّدت العناوين، كما هو الحال في الخالق عزّ وجل- كان اندراج حقّ الطاعة للأمر المعيّن مجملاً في بعض الأحيان من حيث اندراجه تحت مولويّته أو تحت ولايته؛ لأنّ كلا العنوانين صالح لتفسيره وجاعل لحقِّ الطاعة.
ومن هنا ينبغي أن يقال: أنَّ بين العنوانين -من حيث المصاديق- عموماً من وجه، تستقلّ المولويّة بما كان من قبيل التشريع الأصلي، وتستقلّ الولاية بما كان من قبيل التزويج، ويشتركان بأُمور كإرسال الرسل وتنصيب الأولياء العامين أو الخاصّين، وتشريع الحدود والتعزيرات، وضرائب الزكاة والخمس والخراج ونحو ذلك من الأحكام الراجعة إلى التصرّف بالنفس أو بالمال.
ولا يستشكل باندراج هذه الأُمور تحت الولاية من حيث كونها منوطة بموضوعاتها، على حين إنَّنا اشترطنا في التعريف أن تكون الولاية ابتدائيّة.
فإنَّه يُجاب: بأنَّ ذلك في جعل الولاية نفسها، واشتراط النصاب للزكاة مثلاً من الأُمور المتفرّعة عنها على الفرض، فإنَّ للوليّ أن يفرض لجعله أيّ موضوعٍ يراه موافقاً للمصلحة.
ــــــ[81]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ولا يقال: بأنَّ مصاديق الولاية أصبحت كثيرة، لا أنَّها قليلة كما زعمت.
فإنَّه يقال: إنَّ جانب القلّة فيما تستقلّ به من الأحكام لا فيما تشترك به مع حقِّ المولويّة.
وعلى أيّ حال، فإنَّه قد أُسندت الولاية إلى الله تعالى في الآية، إمّا إرشاداً إلى حكم العقل محضاً، بحيث تخلو من الحكم الشرعي، أو أنَّها جاعلة للحكم بالولاية أيضاً، باعتبار حكم العقل بها وتعلّق المصلحة الملزمة بها، وأهميّتها الكبرى التي أشرنا إليها، فيكون حكم العقل والشرع متطابقين على جعل ولايته عزّ وجل.
وعلى تقدير أنَّها للإرشاد المحض – كما هو الظاهر- يرتفع إشكال اللغويّة موضوعاً، كما هو واضح. نعم، على التقدير الآخر يكون للإشكال وجه ناقشناه فيما سبق.
الناحية الثانية: أنَّ تكفّل الآية للإرشاد إلى حكم العقل بالنسبة إلى ولاية الله تعالى على خلقه، لا يخلّ بظهورها بجعل الولاية للنبي’ وما بعده من العناوين.
فإنَّنا سبق أن قلنا بأنَّ اللفظ يستعمل ويراد به معناه، من دون أن تؤخذ الإرشاديّة أو المولويّة قيداً فيه، وإنَّما يعرف ذلك بالقرائن الخارجيّة في كل مورد بخصوصه، ومن المعلوم أنَّ ملاك الإرشاديّة والقرينة القائمة عليها بالنسبة إلى ولاية الله تعالى غير متوفّرة بالنسبة إلى النبي’، فيبقى اللفظ على ظهوره بالتعبّديّة لا محالة.
وأمّا على تقدير تكفّل الآية للجعل المولوي، فالإشكال مرتفع موضوعاً كما هو واضح.
ــــــ[82]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الجهة الثالثة: جعلت الولاية للنبي’ في هذه الآية بعنوان كونه رسولاً، وهو معنى ما سبق أن قلناه: من أنَّ الولاية جعلت له’ بشخصه الجامع لأوصاف أربعة، بنحو مجمل لا يُعلم أنَّ ملاك الولاية هو بعضها أو جميعها أو مجموعها، ولا يهم تحقيق ذلك بعد ثبوت الولاية له في الجملة وكونه واجب الإطاعة ونافذ التصرّف على أيّ حال.
وربما يستفاد من أخذ عنوان الرسول في الموضوع كونه جهة تقييديّة راجعة إلى الصفة الأُولى من الصفات الأربع، وهي كونه يتلقّى الوحي من السماء، فإنَّ هذا هو معنى الرسالة. ولا إشكال في كونها ملاكاً للولاية في الجملة، فيثبت بإطلاق الآية كونه الملاك الوحيد لجعل الولاية له، وتكون العناوين الأُخرى من توابع الرسالة ومتفرّعاتها.
وقد يجعل مؤيّداً لذلك أخذ عنوان النبي’ في الآية الآتية، وهي قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. فإنَّ النبوّة بمعنى الرسالة بالمفهوم المستعمل عند المتشرّعة وسائر أهل الأديان، فتكون راجعة إلى ذلك.
وقد يجعل ذلك قرينة على عدم هذا المعنى المقصود، وذلك بتقريب أنَّ النبي ليس مرادفاً للرسول، وإنَّما هو مأخوذ من النبو وهو الارتفاع، باعتبار ارتفاع شخص النبيّ عن المستوى البشري العادي. فالملحوظ في عنوان النبيّ هو ذلك، دون كونه متلقيّاً للوحي أو أيّ جهة أُخرى. وهذا الارتفاع عن المستوى العامّ للبشر أيضاً يمكن أن يكون ملاكاً للولاية في نفسه.
وعلى أيّ حالٍ، نفهم من تعدّد العنوان المأخوذ في موضوع الولاية، مع العلم
ــــــ[83]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
بوحدة الجعل المحكي عنه في الآيتين كون المراد بالعنوانين الإشارة لشخصِّ النبي’ وجعل الولاية له بنحو القضيّة الجزئيّة الخارجيّة، ومعه يعود الإجمال في أنَّ أيّ صفةٍ من الصفات الأربع هي الملاك.
غير أنَّه يمكن المناقشة في ذلك، بإنكار القطع بوحدة الجعل في الآيتين مع كون ظاهرهما خلاف ذلك، ومع الاعتراف بكون كلّ من العنوانين صالح لأن يكون ملاكاً مستقلاً للجعل، ومعه يقال بوجود جعلين للولاية للنبي’، أحدهما: بصفته رسولاً، والآخر: بصفته نبيّاً، وتكون الصفات الأُخرى الثابتة له خالية من جعل الولاية، إلَّا ما كان يشمله من بعض العمومات الجاعلة للولاية على تلك العناوين.
إلَّا أنَّ هذا لا يكاد أن يكون تامّاً، فإنَّه وإن كان ظاهر التعدّد في مقام الإثبات، التعدّدَ في مقام الثبوت والجعل أيضاً، إلَّا أنَّ عود الجعلين إلى شخصٍ خارجيّ واحد يعقد للآيتين ظهوراً سياقيّاً في وحدة الجعل في مقام الثبوت، وخاصّة أنَّ كِلا الآيتين خبريتان، وليستا متكفّلتين للإنشاء.
ومع وحدة الجعل يعود ما قلناه من الإجمال، إلّاَ أنَّ المحصّل هو ما قلناه من كونه نافذ الأمر والتصرّف بالغير على أيِّ حال، سواء كان الموضوع هو شخصه أو كونه رسولاً أو كونه نبيّاً، فإنَّ كل هذه العناوين محفوظة على أيّ حال، وإن كان لا يخلو العنوانان الأخيران من إشكال.
ثُمَّ إنَّ الآية الكريمة التي هي محلّ الكلام تسند الولاية إلى النبي’ في الجملة، من دون أن يتّضح منها بشكلٍ صريحٍ حدود الولاية سعة وضيقاً.
ــــــ[84]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
فهل معنى ذلك ثبوتها في الجملة بحيث يكون المورد المشكوك شبهة مصداقيّة للعامّ، أو أنَّ معنى ذلك هو الإطلاق لكلِّ مورد، وذلك بأحد تقريبين:
أحدهما: ما سبق أن أشرنا إليه في بعض المباحث السابقة، من أنَّ مقتضى الإطلاق وعدم التقييد في مقام البيان هو كون الولاية شاملة لكلِّ الموارد القابلة لها، وهو كلّ حكم قابل للنيابة عن الأفراد، أو ممّا لا يمكن أن يقوم به الأفراد، كما سبق أن مثّلنا.
ثانيهما: وحدة السياق، بل وحدة الاستعمال في نسبة الولاية إلى الله وإلى رسوله، وحيث نعلم من الخارج بعموم الولاية لله عزّ وجل، يكون ذلك ثابتاً للرسول’ أيضاً.
إلَّا أن هذا غير تامٍّ، مع غضِّ النظر عن التقريب الأوّل للإطلاق، كما هو مقتضى السير المنهجي للبرهنة، فإنَّه مع عدم كون الآية في مقام البيان يكون إسناد الولاية إلى الله وإلى رسوله فيها مجملاً معاً. فلا تكون وحدة الاستعمال قرينة على العموم والدليل الخارجي الدالّ على عموم الولاية لله تعالى، هو الذي نتمسّك به لإثباتها دون هذه الآية – على فرض إجمالها- ومن المعلوم أنَّ هذا الدليل غير شاملٍ للنبي’ ولا قرينة على ثبوته له.
ودعوى كون الدليل الخارجي يعطي ظهوراً للآية زائداً على ظهورها الذاتي، فهو ممّا لا يتمّ في نفسه، فضلاً عن أن يكون هذا الظهور قرينة لإتمام ظهور(1) آخر.
ــــــ[85]ـــــــ
( ) هي ولاية النبي’، منه+.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الجهة الرابعة: أنَّ المولّى عليه المذكور في الآية هو مرجع ضمير جمع الغائبين، المسند إلى الوليّ في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ}، والمراد به لا يخلو من أحد محتملات:
أحدها: أن يكون المراد به خصوص المخاطبين الموجودين في زمان النبي’، بناءً على المذهب الأُصولي القائل باختصاص الخطاب الشرعي بهم.
وهذا في نفسه لا محذور فيه. فإنَّ ما يشترك به سائر المسلمين هو مولويّة النبي’، وأمّا ولايته فلا محذور من القول باختصاصها بأهل عصره.
وبتعبير آخر: أنَّ عدم شمول الخطاب الشرعي للمعدومين في سائر الأحكام الشرعيّة كان مخالفاً للضرورة من شمول التكليف لسائر البشر إلى يوم القيامة، بخلاف هذا الخطاب الجاعل للولاية، فإنَّه منوط بشخصه، ومحدود بحدود حياته’، ومن ثَمَّ لا محذور من اختصاص الخطاب بالمعاصرين له، وعدم شموله لغيرهم.
إلَّا أنَّ هذا وإن كان ممكناً في نفسه إلَّا أنَّه غير تامٍّ لقيام القرائن على خلافه، على ما سنذكر في الاحتمالين الآتيين، ومع وجودها في اللفظ يتعيّن أن لا يكون مراداً.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بالضمير هو المؤمنين بالإسلام بشكلٍ عامٍّ، سواء كانوا معاصرين للنبي’ أو لم يكونوا. والقرينة على ذلك أمران، عامّة وخاصّة.
ــــــ[86]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
إحداهما: وهي العامّة، ما يذكر عادةً في الأُصول(1) من مناقشة الاختصاص بالمخاطبين، والبرهنة على عموم الخطاب الشرعي لسائر المكلّفين بلا فرق بين سائر الأحكام وبين الولاية.
إلَّا أنَّ هذه القرينة غير تامّة، وذلك لعدم تماميّة تلك البرهنة على ما أشرنا إليه، ودليل اشتراك المسلمين في الأحكام معقد للإجماع، ومعه يقتصر فيه على القدر المتيقّن وهو غير الولاية.
على أنَّ هذه القرينة لا تعيّن كون المخاطب هو خصوص المؤمنين، على بحث يأتي في الاحتمال الثالث.
ثانيتهما: وهي القرينة الخاصّة، وهي ضمّ هذه الآية إلى السياق القرآني، وهو يبدأ في الآية السابقة عليها بتوجيه الخطاب إلى المؤمنين، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}(2) وهي متبعة مباشرةً بالآية محلِّ الكلام، المشتملة على ضمير الخطاب، وهو ظاهر بوضوح رجوعه إلى الذين آمنوا.
ولا يقال: بأنَّ المراد بـ(الذين آمنوا) هم خصوص الذين كانوا معاصرين للنبي’ منهم.
فإنَّه يقال: إنَّ هذا خلاف ظاهر عموم العنوان في نفسه، وخلاف أدلّة الاشتراك، فإنَّها واردة في هذه الآية، وإن لم تكن واردة في الآية الأُخرى.
ــــــ[87]ـــــــ
(1) انظر: أصول علم الأصول، السيد الشهيد محمد الصدر: 152، وكذلك اللمعة في حكم صلاة الجمعة: 55.
(2) المائدة: 54.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وبهذه القرينة يكون هذا الاحتمال تامّاً في نفسه، ما لم يتمّ الاحتمال الآتي؛ إذ تكون الولاية شاملة للمؤمنين ضمناً، لا بعنوانهم وخصوصهم، إلَّا أنَّه سوف يأتي عدم تماميّته فيتعيّن أن يكون المخاطب بالآية هم المؤمنون لا محالة.
وإذا تَمَّ هذا الاحتمال وتعيّن، يبقى البحث في أثر جعل ولايته’ على الأجيال المتأخّرة من المؤمنين، وفي أصل الجعل بالنسبة إلى ولايته على الكافرين، وكلا هذين الأمرين نتعرّض لهما في خاتمة الحديث عن الآيات.
الاحتمال الثالث: أن يكون المراد بالضمير مجموع البشر الموجود منهم في زمانه’، ومن يوجد منهم إلى يوم القيامة، وهو معنى عموم ولايته’ من حيث الأفراد.
ويستدلّ عليه عادةً بالقرينة الأُولى على الاحتمال السابق، وهي عموم الخطاب الشرعي وشموله لسائر البشر، وعدم اختصاصه بالموجودين في عصره’، كما يبرهن عليه عادةً في علم الأُصول(1).
إلَّا أنَّنا سبق أن ذكرنا عدم شمول برهان التعميم لجعل الولاية، وأنَّ دليل الاشتراك لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقّن، مضافاً إلى أنَّه خلاف القرينة اللفظيّة التي تعيّن الاحتمال الثاني، كما سبق.
ومعه لا يكون هذا الاحتمال تامّاً، ويكون الاحتمال الثاني متعيّناً فيكون النبي’ وليّ المؤمنين.
ــــــ[88]ـــــــ
(1) انظر: أصول علم الأصول، السيد الشهيد محمد الصدر: 152. وكذلك اللمعة في حكم صلاة الجمعة: 55.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الجهة الخامسة: في الحصر المفاد في صدر هذه الآية، وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}. فإنَّ (إنّما) من أدوات الحصر، ومن هنا يستفاد حصر الولاية بالعناوين الثلاثة المذكورة. ومقتضى مفهوم الحصر عدم ولاية غيرهم لا محالة.
والمحتمل في الحصر أن يكون على نحوين:
أوّلاً: الحصر الحقيقي المنتج اختصاص الولاية بالثلاثة المشار إليهم، وعدم جعل الولاية لغيرهم، وإن كانت ولايتهم مستندة إلى ولايتهم ومستمدّة منها، بحيث تكون الآية معارضة للأدلّة الدالّة على جعل الولاية لعناوين أُخرى، كالحاكم الشرعي والأب والجدّ وغيرهم.
ثانياً: الحصر الإضافي، في مقابل الولايات الظالمة غير الشرعيّة، التي قد يعتقد بها الناس أو تفرض عليهم. وينتج اختصاص الولاية بالعناوين الثلاثة المذكورة في الآية مع من ينصّبوه وليّاً أيضاً. فإنَّ تنصيبهم للوليّ تأكيد وتعميق لولايتهم، وليس فيه ما ينافيها. على حين إنَّ كل من تسوّل له نفسه أن يتولّى شؤون الناس سوى هؤلاء فهو من الولاية الظالمة وغير النافذة في نظر الشارع.
ومعه ترتفع المعارضة المشار إليها في القسم الأوّل موضوعاً؛ إذ كلّ ولاية ثبتت في الدليل الشرعي تكون راجعة إلى ولاية أحد العناوين الثلاثة لا محالة، ولا يعارض الآية إلَّا دعاوى الظلمة للولاية على الناس، وما أكثر معارضاتهم للقرآن.
وأوضح دليل على أنَّ المراد بالحصر فرده الإضافي بالمعنى الذي ذكرناه -لا فرده الحقيقي- السياق القرآني الناتج من ضمّ هذه الآية إلى ما قبلها، فإنَّه عزّ وجل
ــــــ[89]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} إلى أن يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ}(1).
فهذا هو السياق القرآني السابق الذي ينهى عن اتّخاذ اليهود والنصارى أولياء، بل كلّ من لم يأذن الله تعالى بتولّيه ولم يجعل ولايته.
ثُمَّ يعرّض بجماعة من المسلمين المنحرفين، ممّن التزموا بذلك فأصبحوا منهم وأضحوا مرتدّين عن دينهم؛ وذلك لأنّهم ساروا على الطريق الخطأ، والتزموا بما لم يأمر به الله عزّ وجل في تشريعه.
ثُمَّ إنَّه عزّ وجل يقول: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، إلى أن يقول: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} الآية. فذكر الأشخاص المخلصين وعدد طرفاً من مزاياهم، وذكر أنَّ مقتضى الإخلاص هو الالتزام بولاية الله ورسوله والذين آمنوا، وعدم الارتباط بالظالمين.
فهذا السياق واضح كلّ الوضوح في الدلالة على كون الحصر إضافيّاً يخرج الولايات الجعليّة الظالمة، وليس له أدنى تعرّض لنفي الولايات الشرعية المجعولة على غير العناوين الثلاثة المذكورة في الآية الكريمة، فإنَّها في الحقيقة تعود إلى ولايتها والالتزام بتأكيدها وتعميقها كما قلنا.
الجهة السادسة: في الحديث عن ذيل هذه الآية الكريمة، ومقدار دلالته على
ــــــ[90]ـــــــ
(1) المائدة: 51- 53.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
جعل الولاية، وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ}(1).
فإنَّ في مادّة التولّي الواردة فيها عدّة محتملات:
الأوّل: أن يكون المراد به المحبّة، كما عن جملة، منهم الواحدي في تفسيره(2) على ما نقله في تفسير البرهان(3). وهذا مبنيٌ على الزعم بأنّ معنى الولاية هو المحبّة، إذا أُسندت إلى الله أو إلى رسوله أو المؤمنين، وهو بمجرّده خلاف الظاهر والمعنى العرفي للولاية كما سبق، إلَّا أن يرجع إلى معنى نشير إليه.
فإنَّ الظاهر من السياق هو اتّحاد المراد من العناوين الواردة في صدر الآية تارةً وفي ذيلها أُخرى، وهي: الله ورسوله والذين أمنوا ومادّة الولاية. وقد قلنا المراد بالولاية فيما سبق، فيتعيّن أن يكون المراد هو ذلك في المقام أيضاً.
الثاني: أن يكون المراد بالتولّي اتّخاذ الوليّ، كما هو الموافق للمعنى اللغوي الموافق لاشتقاق اللفظ.
وهذا الاتخاذ يمكن أن يكون على نحوين:
أحدهما: مجرّد الاعتراف بولاية الوليّ، المجعولة في المرتبة السابقة، بنحوٍ لا دخل لقبول المولّى عليه ورضاه فيه، وهذا هو الاحتمال الثاني الذي بيدنا.
ثانيهما: أن يكون المراد اتّخاذ الوليّ، بمعنى: قبول الولاية المجعولة، بحيث
ــــــ[91]ـــــــ
(1) المائدة: 56.
(2) أسباب النزول، الواحدي: 133-134.
(3) البرهان في تفسير القرآن، هاشم البحراني ج2: 327.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
يستفاد من الآية كون الولاية حكماً وضعيّاً ناتجاً عن عقد بين جاعل الولاية وبين المكلّف، بحيث تتوقّف ولاية الوليّ على الفرد على قبوله.
إلَّا أنَّ هذا لا يكاد يكون محتملاً أساساً؛ لأنَّه أوّلاً: خلاف الضرورة. وثانياً: يحتاج حمل التولّي على القبول، مع إمكان حمله على المعنى الأقرب إلى قرينة زائدة غير متوفّرة في الكلام.
ومعه يتعيّن الاحتمال الثاني، وهو أن يكون المراد بالتولّي اتّخاذ الوليّ، بمعنى: امتثال وتطبيق الجعل الشرعي للولاية، فإنَّ الرضاء بتصرّف الوليّ والتسليم به وبنتائجه وإطاعة أوامره، أمر صعب متفرّع على الإخلاص والإيمان لا محالة.
وبتعبير آخر: أنَّ جعل الولاية مستقلاً عن التطبيق خالٍ عن الفائدة كما هو واضح. كما أن مجرّد الاعتراف بالوليّ مع عصيان أوامره وعدم تطبيق تصرّفه أيضاً غير مفيد. وإنَّما الأمر المنتج للعدل الصحيح، هو التجاوب مع الوليّ والإنصياع لأوامره وتصرّفاته. وذلك لا يكون إلّاَ بالتضحية، مع مخالفة تصرّفات الوليّ وأوامره مع الرأي الشخصيّ والمصالح الشخصيّة، وهذه التضحية لا تكون إلَّا مع الإيمان والإخلاص للوليّ.
ومن هذه الناحية جاءت هذه الآية لمدح المؤمنين المطبّقين لتشريع الولاية الموجود في الآية السابقة. ومن هذه الناحية أيضاً كان الظهور الذي أشرنا إليه، هو اتّحاد العناوين الموجودة في هذه الآية مع مثلها الواردة في الآية السابقة. ومن هذه الناحية أيضاً أصبح التولّي من قبيل المحبّة إلى حدٍّ قد فسّرت بها. فإنَّ المراد بالولاية – على ما سيأتي- هو أن يكون الوليّ أولى بالفرد من نفسه وماله، ومن المعلوم أن
ــــــ[92]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
تطبيق ذلك بالدقّة يحتاج إلى تضيحة أكبر ممّا يبذله الفرد في سبيل أحبّائه كوالديه وأولاده. ومن هنا يكون تطبيقها منتجاً نتيجة المحبّة، أو تكون هي بعينها في أغلب الأحيان.
فهذه هي ستّ جهات، حول دلالة الآية على ولاية رسول الله’، وقد عرفنا تمامية دلالتها بنحو مطلق بالتقريب الأوّل الذي ذكرناه في الجهة الثالثة.
تبقى في الآية مسألتان:
إحداهما: أنَّه قد يقال: إنَّ الجملة في الآية خبريّة، فهي لا تدلّ على جعل الولاية، فإنَّ الجعل من خصائص الإنشاء كما هو واضح.
كما أنَّها لا تصلح لأن تكون جملة خبريّة في مقام الإنشاء؛ لعدم توفّر كبرى ذلك في المقام. فإنَّ الضابط في ذلك ما سبق أن ذكرناه من كذب الخبر لولا الحمل على الإنشائيّة، والآية السابقة كان هذا الضابط متوفّراً فيها على ما سبق، بخلاف هذه الآية، فإن الإخبار فيها صادق، فحملها على الإنشائيّة في غير محلّه.
إلَّا أنَّه يقال: إنَّ ذلك غير ضائر في استفادة جعل الولاية، فإنَّ هذا الضابط وإن لم يكن متوفّراً بنّصه، ولكنّه متوفّر بفحواه؛ وذلك بتقريب: أنَّ صدق القضيّة وإن كان محرزاً إلَّا أنَّه متوقّف على جعل الولاية في المرتبة السابقة لا محالة شرعاً أو عقلاً؛ لوضوح عدم صدقها لولا هذا الجعل، ومن هنا تكون كاشفة عنه بالملازمة لا محالة.
ثانيتهما: ما يقال: من أنَّ العناوين التي أُسندت لها الولاية في الآية ثلاثة، مع أنَّ لفظ الوليّ جاء بصيغة المفرد، فكيف يناسب مع ذلك الإسناد المتعدّد؟
ــــــ[93]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
والجواب عن ذلك بأحد وجوه ثلاثة:
أحدها: أن يقال: إنَّ الوليّ الذي جاء بلفظ المفرد أُسند إلى لفظ الجلالة فقط، وأمّا إسناده إلى العنوانين الآخرين، فباعتبار العطف الذي يقتضي تكرار العامل، فكأنَّه قال: إنَّما وليّكم الله ووليّكم رسوله ووليّكم الذين آمنوا. وسوف يأتي أنَّ المراد بالذين آمنوا معنى مفرداً أيضاً.
وهذه الكبرى اللغويّة وإن ادّعاها جملة من النحويّين واللغويّين إلَّا أنَّها إنَّما تتمّ معنويّاً، يعني: أنَّ المنساق من المعنى هو ذلك، ولا تتمّ لفظيّاً، بمعنى: أنَّه يعتبر اللفظ المحذوف موجوداً، ويرتّب على وجوده الأثر كما قلنا في جملة من بحوثنا.
مضافاً إلى أنَّ المدّعى في هذه الكبرى هو تكرار العامل لا تكرار كلّ لفظ، والعامل باصطلاحهم هو الناصب والجازم والجار والرافع، في حدود ما تصوّروا من قواعد لفظيّة، وأمّا اندراج المضاف كعامل في جرِّ المضاف إليه، أو المبتدأ كعامل في رفع الخبر، فهو غير مندرج في اصطلاحهم، فضلاً عن كون الخبر رافعاً للمبتدأ على ما هو في الآية، فإنَّ المفروض تكرار الخبر، وهو مَن لا يصدق عليه العامل اصطلاحاً، فلا يدخل في تلك الكبرى على تقدير تسليمها.
ثانيها: ما ذكره الطباطبائي في تفسير الميزان(1)، من أنَّ لفظ الوليّ استعمل بالمعنى الكلّي الشامل لطبيعي الوليّ، وطبّق على العناوين الثلاثة الموجودة في الآية. ويكون المراد من الآية حصر طبيعي الوليّ بهم، دون سواهم ممّن يدّعي الولاية ولا يمتّ لهم بصلة.
ــــــ[94]ـــــــ
(1) تفسير الميزان، الطباطبائي ج6: 9.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
فيكون التعبير في الآية من قبيل قولنا: إنَّما طعامك الخبز واللحم والتمر. أو إنَّما مسكنك النجف والكوفة وبغداد حيث طبّق العنوان الكلّي على مصاديق متعدّدة.
إلَّا أنَّ هذا وإن كان ممكناً، ولكنّه بغضِّ النظر عن نكتة الطوليّة التي نذكرها في الوجه الثالث لا يكاد يتمّ، والسرّ في ذلك هو أنَّ هذه التعابير لها أنحاء ثلاثة:
النحو الأوّل: أن يكون العنوان الكلّي المراد تطبيقه والمصاديق المطبّقة عليه كلّها عناوين كليّة كقولنا: إنَّما طعامك الخبز واللحم والتمر، أو إنَّما كمالك العلم والأخلاق، والاستعمال في مثل ذلك صحيح وفصيح.
النحو الثاني: أن تكون المصاديق المطبّق عليها كلّ واحد منها عنواناً واحداً شخصياً، ولكنّها عناوين طوليّة، رتبة أو زماناً أو مكاناً، على ما يأتي في الوجه الثالث، كقولنا: مسكنك النجف والكوفة وبغداد، والاستعمال في مثل ذلك صحيح وفصيح.
النحو الثالث: أن يكون المصاديق المطبّق عليها كلّ واحد منها عنواناً واحداً شخصياً، وهي عناوين عرضيّة مجتمعة في وقتٍ واحدٍ على الفرض، كقولنا: صديقك (أو جارك) زيد وعمرو وبكر، والتعبير في مثل ذلك خطأ وغير صحيح لغةً وعرفاً؛ لأنَّ وحدة المحمول تنافي تعدّد الموضوع، وفي مثله لابدَّ أن يقال: أصدقاؤك زيد وعمرو وبكر.
فلو لم تكن العناوين المأخوذة في الآية طوليّة لكانت من النحو الثالث لا محالة، لكنّها شخصيّة جزئيّة، وفي مثل ذلك يكون الاستعمال غير جائز لا محالة.
ــــــ[95]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ثالثها: ما ذكرناه من الطوليّة بين العناوين؛ فإنَّ العناوين الثلاثة المأخوذة في الآية واحدة شخصيّة، ولكنّها طوليّة من حيث المبدأ المطبّق عليها. إمّا في الرتبة، كولاية الله عزّ وجلّ بالنسبة إلى ولاية النبي’، وإمّا في الزمان كولاية النبي’ وولاية مَن بعده، بل لعلّها متأخّرة رتبة عنها على بعض الوجوه، كما هي متأخّرة عن ولاية الله تعالى أيضاً.
وإذا ثبتت الطوليّة صحّ الاستعمال كما قلنا؛ لعدم اجتماع المبدأ في شخصين في عرض واحد. بل كلّ واحد من العناوين المطبّق عليها المبدأ متّصف به في رتبته ولا ثاني له فيها، ولهذا يكون استعمال اللفظ المفرد صحيحاً بلحاظ الوحدة في كلّ رتبة بحيالها.
إذن فالاستعمال في هذه الآية لا غبار عليه، وهذا المطلب وإن لم يكن فقهيّاً، وكان التطرّق إليه في مثل هذا المجال استطراديّاً إلّاَ أنَّه يمكن استخلاص نتيجة فقهيّة منه، وهي الالتزام بالطوليّة في ولاية العناوين الثلاثة على تقدير انحصار تصحيح هذا الاستعمال إلّاَ بالحمل عليها، بالنحو الذي ذكرناه.
الآية السابعة: قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}(1).
وحاصل تقريب دلالتها على الولاية هو أن يقال: إنَّ ما يستطيع الإنسان تكويناً أن يعمله من أفعال نفسه على أقسام:
القسم الأوّل: حركات الإنسان بغضّ النظر عن تعلّق حكم شرعي فيها، كالمشي وحركة اليد والرأس وغيرها، وهذا خارج عن محلِّ الكلام؛ لتعذر النيابة
ــــــ[96]ـــــــ
(1) الأحزاب: 6.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
فيه كما هو معلوم لصدوره بالإرادة التكوينيّة من الإنسان، واستحالة تحريك الفرد لغيره في هذه الإرادة أو قيامه مقامه، وهذا واضح.
القسم الثاني: ما يفعله الإنسان امتثالاً لحكمٍ شرعيٍّ غير قابل للنيابة والتوكيل، سواء كان حكماً شخصيّاً كأداء الصلاة والصوم أو كان كفائيّاً كتكفين الميّت ودفنه على ما ذكرنا فيما سبق.
ومن المعلوم خروج هذا القسم عن إمكان النيابة أساساً، كما سبق أن قلنا، فإنَّ قابليّته لها خلف كونه غير قابل للنيابة، وغير مجز عند صدوره من الغير.
القسم الثالث: ما يفعله الإنسان عصياناً لحكم شرعي كالانتحار وشرب الخمر وغيرها، سواء كانت حرمة تكليفيّة كما مثّلنا، أو وضعيّة كإنشاء عقد باطل أو الالتزام بحقٍّ ساقط أو الأخذ بحصّة أكبر من استحقاقه في الميراث ونحوه.
وهذا أيضاً غير قابل للنيابة والولاية؛ وذلك لأنَّ جواز إتيان الوكيل أو النائب أو الوليّ بالفعل فرع جوازه على الأصيل، ومن المعلوم أنَّ الأصيل قد تعذّر عليه شرعاً الاتيان بالفعل، فيكون متعذّراً على النائب أيضاً، بل تكون النيابة والولاية من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
القسم الرابع: ما يفعله الإنسان امتثالاً لحكمٍ شرعيٍّ قابل للنيابة، بمعنى: إجزائه عنه لو أتى به غيره، كما يعرف من أدلّتها الخاصّة، سواء كان حكماً تكليفيّاً كقضاء الصلاة والصوم في بعض الأحيان، أو وضعيّاً كالقيام بالمعاملات بشكلٍ عامّ. وسواء كان شخصيّاً كما مثّلنا أو كان عامّاً وكان الفرد أحد مصاديقه، كقبض الفقير حصّته من الزكاة ونحو ذلك. ومن المعلوم قابليّة هذه الأُمور للولاية بشكلٍ
ــــــ[97]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
يتساوى في نظر الشارع قيام الأصل بالعمل أو قيام الوليّ أو النائب به.
القسم الخامس: التروك التي يقوم بها الفرد – لو صحَّ هذا التعبير- امتثالاً لحكم تحريمي أو عصياناً لحكم وجوبي تكليفيّين.
وهذا غير قابل للنيابة أيضاً، وذلك: مضافاً إلى أنَّ الترك أمرٌ عدمي لا معنى للنيابة فيه، فإنَّ الترك إذا كان عصياناً امتنع فيه ذلك أيضاً كما سبق أن ذكرنا. وإن كان امتثالاً لحكم تحريمي فالتحريم دائماً يتّصف بكونه حكماً شخصيّاً ولا يكون كفائيّاً ولا عامّاً، ومع اتّصافه بذلك يكون امتثاله شخصيّاً أيضاً غير قابل للنيابة.
القسم السادس: التروك الوضعيّة التي يقوم بها الفرد، ممّا يكتسب نحواً من الوجود بصفته جزءاً من المجموع. وهذه التروك إن كانت جزءاً من واجب شخصي كعدم القهقهة والكلام في الصلاة، لم تكن قابلة للنيابة تبعاً لأصل الواجب، الذي لا يقبلها كما أسلفنا. وإن كان جزءاً من واجب قابل للنيابة كما مثّلنا أو كان جزءاً من حكم وضعيّ كعدم الربا والغش في المعاملة، فإنَّه يكون قابلاً للنيابة والولاية. وفي الحقيقة ما يكون قابلاً لها هو المعاملة الخالية من تلك الموانع.
القسم السابع: ما يفعله الفرد امتثالاً أو تطبيقاً لأحكام عامّة لم تسند إليه شرعاً، بل قد يمتنع على الفرد القيام بها أساساً، فممّا يمكنه أن يقوم به وإن لم يسند إليه، مثل أن ينزل على نفسه الحدّ أو القصاص ممّا يمكن فيه ذلك. كما لو قتل نفسه لو علم نفسه قاتلاً، أو قطع يده لو علم نفسه سارقاً، ومثل توزيع الزكاة أو الخمس على المستحقّين لو لم نقل بجوازه على المالك، وغير ذلك من الأمثلة.
ــــــ[98]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ومثال ما لا يمكنه القيام به، مثل القضاء في قضيّة يكون الفرد فيها أحد المدّعيين، ومثل إيقاع الحدود التي لا يمكن لشخصٍ واحد القيام بها كالرجم، ومثل إلزام الممتنع بشيءٍ أو الطلاق عن الغائب وغير ذلك.
وهذا القسم تتعيّن فيه الولاية، لفرض كون المورد ذا حكم شرعيّ إلزامي، ولا يمكن للأفراد أن يطبّقوه، فلابدَّ من جهة اجتماعيّة عامّة لها صلاحيّة التصرّف بالغير شرعاً لتطبيقه، وليس ذلك إلَّا الوليّ العامّ.
القسم الثامن: ما قد يفعله الفرد تطبيقاً لحكم عامٍّ أو حقٍّ عامٍّ يكون هو مصداقاً من مصاديقه أو جزءاً من أجزائه، يعني: بصفته جزءاً من الأُمّة الإسلاميّة التي لها حقّ الحكم وحقّ الأمن وحقّ العدل، ومالكة للأراضي والأموال العامّة. وكلّ ذلك ممّا يحتاج إلى تطبيق معقّد، يمثّل الفرد في واقعه جزءاً من الملاك أو أصحاب الحقّ، وهو في الغالب بل دائماً لا يستطيع تكويناً، كما أنَّه في الغالب لا يستطيع تشريعاً الأخذ بحقّه أو التصرّف بملكه منفرداً.
وهذا القسم تتعيّن فيه الولاية أيضاً، لنفس السبب الذي ذكرناه في القسم السابق.
وإذا عرفنا هذه الأقسام الثمانية للأحكام، يتجلّى بوضوح معنى كون النبي’ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإنَّ المؤمنين عبارة عن أفراد المكلّفين من الأُمّة الإسلاميّة، قد لوحظوا جميعاً ولم يلاحظوا مجموعاً، على ما هو ظاهر الآية، وسيأتي له مزيد توضيح.
ومقتضى كون النبي’ أولى بكلِّ فرد من المسلمين من نفسه، أنَّه’
ــــــ[99]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
يستطيع القيام بكلِّ ما يستطيع الفرد أن يقوم به من الأعمال التي تكون امتثالاً لحكم تكليفيّ أو تطبيقاً لحكم وضعي، سواء كانا من الأحكام الخاصّة أو العامّة. نعم، ما لا يستطيع الفرد أن يقوم به تكويناً أو تشريعاً خارج تخصّصاً عن هذا الإطلاق كما هو واضح.
إلَّا أنَّه خرج بالبرهان العقلي أو بالدليل الشرعي جملة الأُمور التي لا تقبل النيابة، فالأوّل كامتثال الواجب الكفائي، والثاني كأداء الصلاة والصوم إلى غير ذلك ممّا سبق، فهذه الأُمور خارجة بالتخصيص الجزمي عن إطلاق الآية، ولعلّ للآية انصرافاً عن قسم منها أساساً.
وبقي كلّ ما هو قابل لتعلّق الولاية به، ممّا يستطيع الفرد أن يقوم به أو لا يستطيع، ممّا يمتّ إلى الفرد بصلة داخل تحت إطلاق الآية، ويكون المعنى: أنَّ ما يقع مجزياً أو صحيحاً من الفرد فإنَّه يقع مجزياً وصحيحاً من النبي’ لو قام به بدلاً عنه، وهذا هو معنى الولاية بعينه(1).
ومعنى الأُولويّة في المقام – في حدود ما سبق- هو أنَّ الأحكام التي تمتّ إلى الفرد بصلة على قسمين كما عرفنا:
أحدهما: ما يستطيع الفرد أن يقوم به تكويناً وتشريعاً.
وثانيهما: ما لا يستطيع الفرد أن يقوم به تكويناً أو تشريعاً.
ومن المعلوم أنَّ الولاية في القسم الأوّل تجعل الوليّ منزّلاً منزلة الفرد في ذلك، بمعنى: أنَّ صدور الفعل من أيّ منهما كان منجّزاً بنظر الشرع، ولا معنى للأولويّة
ــــــ[100]ـــــــ
( ) وهو القسم الرابع والسابع والثامن وبعض السادس، إيضاح منه+.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
فيه، وإنَّما يتّضح معنى الأولويّة في القسم الثاني، فإنَّه بينما لا يستطيع الفرد أن يطبّق من الأحكام التي تخصّه إلَّا بعضها على نفسه، يستطيع الوليّ أن يطبّق على الفرد كلّ الأحكام التي تخصّه، سواء استطاع الفرد تطبيقها أو لم يستطع، وهذا هو معنى الأولويّة.
وبعبارة أوضح: أنَّ قتل القاتل مثلاً أو محاكمته أمرٌ لا يمكن للقاتل نفسه القيام به، على أنَّه يمكن للوليّ ذلك، وأمّا قتل المؤمن بلا سبب فهو ممّا لا يستطيع الوليّ القيام به؛ لأنَّه من المحرّمات الأصليّة، ولا يشمله معنى الأولويّة أو الولاية على النفس بحال، وإن كان قد يخطر مثل ذلك على ذهن بعض العوّام.
نعم، تبقى جملة من الأحكام العامّة التي تحتاج نسبتها إلى الأفراد إلى عناية ومجاز، وهي بمدلولها المطابقي لا تمتّ إليهم بصلة، كالتصرّف بالأموال المملوكة للدولة أو للإمام، كالأنفال والأراضي المفتوحة عنوة، ونحو ذلك ممّا يوكل إلى الوليّ العامّ محضاً، لا يكون مشمولاً لهذه الآية؛ لأنَّها إنَّما تتعرّض إلى الولاية على الأفراد، والمفروض أنَّ هذه الأحكام لا تمتّ إليهم بصلة على الحقيقة، ونحتاج في إثبات الولاية فيها إلى دليل آخر.
فهذا هو حاصل تقريب استفادة الولاية من الآية الكريمة، على تقدير أن يكون المراد جميع المؤمنين لا مجموعهم، وهو حمل متعيّن بحسب ظاهر الآية، بقرينة كلمة (أنفسهم) الظاهرة جدّاً بالنظر إلى كلِّ نفس نفس. وبتعبير آخر: إنَّه إذا كان لفظ المؤمنين مجملاً على الفرض في إرادة الجميع أو المجموع لتساوي الاحتمالين بالنسبة إليهما، إلَّا أن لفظ (أنفسهم) لا يحتمل فيه التساوي وحمله على المجموع
ــــــ[101]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
واهن جدّاً، وهو بنفسه يكون قرينة على رفع إجمال اللفظ السابق، ولابدَّ من حمله على إرادة الجميع أيضاً، إن لم نقل أنَّه بطبعه يقتضي ذلك أيضاً، وإنَّ إرادة المجموع على أيّ حال تحتاج إلى قرينة زائدة غير متوفّرة في الكلام.
مضافاً إلى أنَّ قرينة الأولويّة تقتضي ذلك، وذلك لا المراد بها كما ذكرناه أنَّ يكون النبي’ أوسع تصرّفاً في المولّى عليه منه على نفسه، وأكثر تمكّناً من تطبيق الأحكام التي تخصّه، وهذا يقتضي أن يكون المولّى عليه متمكناً في الجملة من تطبيق بعض الاحكام، ولو اقتضاءً، حتّى يصدق مفهوم الأولويّة، وهذا إنَّما يتوفّر فيما إذا كان المولّى عليه هو الفرد، فإنَّ الأعمّ الأغلب من الأفراد له اقتضاء تطبيق بعض الأحكام كما تعرف من الخارج.
بخلاف ما لو كان المولّى عليه هو المجموع، فإنَّ المجموع لا اقتضاء له أصلاً، ولا قدرة فيه لتطبيق أحكام المجموع على نفسه؛ لأنَّ التطبيق يحتاج إلى تفكير واختيار، والمجموع لا تفكير له ولا اختيار. وأمّا اختيار كلّ فرد فهو راجع إلى اختيار الأفراد أو اختيار الجميع، وهو فرض المجموع، ومعه يكاد أن يكون الحمل على المجموع متعذّراً.
فيتعيّن أن يكون المراد بالآية جميع المؤمنين بأفرادهم، ومعه يكون هذا التقريب تامّاً وصحيحاً.
ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا: بأنَّ المراد هو مجموع المؤمنين، فدلالة الآية على الولاية يبقى محفوظاً، ولكن بشكلٍ يختلف عن السابق؛ وذلك لأنَّها تختصّ بالأحكام التي تخصّ المجموع ولا تتعرّض للأحكام التي تخصّ الأفراد بحال،
ــــــ[102]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ومعه يكون القسم الرابع من الأقسام التي ذكرناها سابقاً، والذي كان مشمولاً للآية على التقدير الأوّل غير مشمولٍ لها على هذا التقدير. إلَّا أن الحكم الوارد على المجموع تكون الآية شاملة له، سواء كان في مقدور الفرد القيام به أو لم يكن، ومعه يدخل القسم السابع والثامن تحت دلالة الآية على هذا التقدير، من حيث ولاية الوليّ على المجموع لا من حيث ولايته على الأفراد كما كان في السابق. كما يدخل تحت عموم الولاية على هذا التقدير الأحكام التي قلنا أنَّها لا تمتّ إلى الأفراد بصلة، كملكيّة الدولة (أو الإمام) للأنفال والأرض المفتوحة عنوة ونحو ذلك. فإنَّ ملاك هذا التشريع هو مصلحة المجموع لا محالة.
وعليه فيكون بين الولاية المدلولة للآية على تقدير إرادة الجميع، والولاية المدلولة لها على تقدير إرادة المجموع عموماً من وجه، تختصّ الأُولى بالقسم الرابع من الأقسام الثمانية، وتختصّ الثانية بالأحكام التي لا تمتّ إلى الأفراد بصلة، ويشتركان بالقسم السابع والثامن من الأقسام الثمانية، من حيثيّتين كما سبق أن أشرنا.
وعلى أيّ حالٍ فكون المراد بالآية هو الولاية على الجميع بلحاظ الأفراد هو الصحيح، كما سبق أن عرفنا.
يبقى التعرّض إلى عدّة جهات في الآية:
الجهة الأُولى: أنَّه قد يقال: إنَّ الآية مختصّة بالتعرّض إلى الولاية على النفس بالخصوص؛ لأخذ الأنفس بعنوانها فيها، وليس فيها تعرّض للولاية على المال، ولا هي في مقام البيان من هذه الجهة.
ــــــ[103]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
إلَّا أنَّ هذا مغالطة واضحة، يتّضح الجواب عليها بالالتفات إلى أنَّ الأنفس المأخوذة في الآية لم تُؤخذ باعتبارها موضوعاً للولاية أصلاً، حتّى تكون الولاية مختّصة بالنفس دون المال، وإنَّما أُخذ هذا العنوان مشيراً إلى ذات الأفراد(1). وموضوع الولاية في الحقيقة هو عنوان المؤمنين، فيكون المحصّل ما أشرنا إليه فيما سبق من أنَّ النبي’ أولى بالتصرّف في الفرد من تصرّف الفرد نفسه، وأن ما يستطيع الفرد أن ينجّزه من تطبيقات الأحكام التي تخصّه أقلّ ممّا يستطيع أن ينجّزه النبي’ عليه.
ويؤكّد ذلك بل يُعيّنه ما أشرنا إليه في الجملة من أنَّ الفرد لا سلطنة له على نفسه أساساً، كإقامة الحدّ على نفسه مثلاً، وإنَّما يستطيع التصرّف في أمواله وأعماله في حدود معيّنة. فإذا كانت الآية خاصّة بالتعرّض إلى الولاية على النفس لم يكن معنى للأولويّة؛ لاختصاص النبي’ دون المؤمنين بهذا الحكم، وقد قلنا: إنَّها إنَّما تصدق مع ثبوت الحكم للمولّى عليه في الجملة ولو اقتضاء.
فإذا تمَّ ذلك وعرفنا أنَّ موضوع الولاية هو المؤمنون، بصفتهم أفراداً لهم أحكام قابلة للنيابة والولاية(2)، فيكون مقتضى إطلاق الآية هو الشمول لكلِّ عمل قابل للنيابة يمكن للفرد القيام به أو لا يمكن، كما سبق تفصيله.
وقد طعن صاحب البلغة بوجود الشمول الكامل لهذا الإطلاق بوجوه(3)،
ــــــ[104]ـــــــ
( ) بحيث لو قال: النبي أولى بالمؤمنين منهم. لصحّ التعبير. (إيضاح منه+).
(2) في الأنفس والأموال والأعمال وغيرها (منه+).
(3) بلغة الفقيه، السيد محمد بحر العلوم، ج3، ص217، رسالة في الولايات.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
نتعرّض لها في خاتمة الحديث عن هذه الآيات الدالّة على ولاية النبي’ إن شاء الله تعالى.
الجهة الثانية: ذكر صاحب البلغة احتمال أن يراد بالآية: أنَّ النبي’ أولى بالمؤمنين من أنفسهم بعضهم من بعض، ولكنّه وجده خلاف الظاهر(1).
وقد يقاس ذلك بمثل قوله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ}(2) المراد به
– بحسب ظاهره -: أنَّه ليسلّم بعضكم على بعض، ويكون محصّل معنى الآية: أنَّ النبي’ أولى بالفرد من أيّ شخصٍ آخر من المؤمنين عليه، فالمقدار الذي يكون لأحد المؤمنين التصرّف بأخيه المؤمن نفساً أو مالاً – على ما سيأتي عند الحديث على ولاية المؤمنين- فإنَّ ولاية النبي’ تكون أوسع وأشمل لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا خلاف الظاهر جدّاً، والنكتة في ذلك: أمّا بناءً على إرادة المجموع فواضح؛ إذ لا يكون للآية أيّ نظر إلى الأفراد ليكون المستفاد منها ولاية النبي’ على الفرد، بنحو أوسع من ولاية أخيه المؤمن عليه، كما هو المقصود من هذا الوجه، بل يكون ذلك الإطلاق من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
وأمّا بناءً على ما استفدناه من الانحلال على الأفراد ولحاظهم في مقام البيان فالأمر أوضح؛ إذ يكون مرجع الانحلال إلى أنَّ النبي’ أولى بزيدٍ من نفسه، وأنه أولى بعمرٍ من نفسه وهكذا. ومن المعلوم أنَّ الضمير يكاد أن يكون نصّاً في الرجوع إلى ذات زيد، ومقتضى إضافته إلى النفس يكون المراد بها هو نفس ذات
ــــــ[105]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) النور: 61.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
زيد لا نفس شخص آخر جزماً، وهو المقصود؛ إذ ينتج ما استظهرناه وفاقاً لصاحب العروة من أنَّ النبي’ أولى بكلِّ فرد من نفسه(1).
وأمّا إذا كان المراد أنَّه أولى بكلِّ فرد من أخيه المؤمن فهو بعيدٌ عن هذا الظهور الذي ذكرناه بالكليّة؛ لاستحالة أن يصدق عنوان (نفسه) على غيره كما هو واضح.
ودعوى تعميم معنى النفس للغير، كما في قوله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ}(2)، وقوله تعالى: {وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}(3)، فإنَّه معنى مجازي لا يصار إليه إلَّا مع قيام القرينة الخارجيّة أو الداخليّة عليه، ففي الآية الأُولى قامت القرينة الخارجيّة على ذلك، وهو لغويّة سلام المرء على نفسه. وفي الآية الثانية قامت القرينة الداخليّة عليه، كما هو واضح لمن راجع سياق الآية.
وأمّا في المقام، فمضافاً إلى عدم وجود أيّ قرينة على هذا التعميم، فإنَّ القرينة تعضد نفيه بلا إشكال، فإنَّه خلاف ظاهر إضافة الضمير إلى النفس، الذي يجعلها نصّاً أو كالنصِّ في أنَّ المراد بها هو ذات الفرد المشار إليه فيما سبق، ضمن عنوان المؤمنين.
ودعوى: إمكان رفع اليد عن ظهور المؤمنين في الانحلال بهذا المعنى، بل نجعلها أعمّ من النفس والغير، كما جعلنا كلمة الأنفس، ويترتّب على ذلك ارتفاع ظهور الإضافة التي ذكرناه، فإنَّ الضمير المضاف إليه، راجع إلى لفظ المؤمنين الذي
ــــــ[106]ـــــــ
(1) العروة الوثقى، السيد اليزدي، ج6، ص116.
(2) سورة النور، الآية: 61.
(3) سورة آل عمران، الآية: 61.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
حملناه على ذلك، لا أنَّه راجع إلى خصوص الفرد ليلزم الإشكال ويتمّ الإيراد.
إلَّا أنَّ حمل عنوان المؤمنين على النفس والغير من لقلقة اللسان التي لا محصّل لها، كما هو واضح؛ لوضوح تعيّنها في أحد أمرين: إمّا انحلالها على كلِّ فرد فرد، وإمّا أن يراد بها المجموع، وعلى كلا التقديرين لا معنى لإدخال مفهوم الغير في الموضوع. أمّا بناءً على إرادة المجموع فواضح؛ لعدم لحاظ الأفراد أصلاً. وأمّا بناءً على إرادة الانحلال، فلأنَّه يلزم منه القصد لكلِّ فرد عدّة مرات لعلّها غير متناهية، أوّلاً: بصفته فرداً مولّى عليه. وثانياً: بصفته غير زيد. وثالثاً: بصفته غير عمرو، وهكذا. وهذا مضافاً إلى أنَّه خلاف الظاهر، فإنَّه ممّا يقطع بعدمه.
فتحصّل: أنَّ هذا الاحتمال الذي أشار إليه في البلغة أمر غير محتمل، وإنَّما المراد -بعد نفي إرادة المجموع-: أنَّ النبي أولى بكلِّ فرد من نفسه.
الجهة الثالثة: تحصّل أنَّ مفاد هذه الآية هو المعنى الذي أشرنا إليه في أصل تقريب استفادة الولاية منها، وهو أنَّ كلّ فعل قابل للولاية فيه، يصدر من المكلّف صحيحاً أو مجزياً، فإنَّه يصدر من الوليّ صحيحاً ومجزياً أيضاً. مضافاً إلى قيام الولي بالأُمور التي تعود إلى المكلّف ممّا لا يمكن له القيام بها تكويناً أو تشريعاً.
وكلّ ذلك من مصاديق الولاية بلا إشكال؛ إذ أنَّ الحكم بصحّته أو إجزائه من الأحكام الوضعيّة التي تقتضيها الولاية، كما أنَّ قيام الوليّ بمثل تلك الأُمور من التصرّف بالغير بلا إشكال. ومن هنا ينطبق تعريف الولاية: بأنَّها حكم وضعيّ يقتضي نفوذ التصرّف بالغير.
إلَّا أنَّها لا تشمل كلّ مفهوم الولاية، فإنَّ هناك من التصرّفات بالغير الداخلة
ــــــ[107]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
في مفهومها عرفاً، ما لا يدخل في مفاد هذه الآية، وذلك كتطبيق الوليّ للأحكام الاجتماعيّة العامّة، التي لا تمتّ إلى الأفراد بصلة على ما مثّلنا، وكولايته على المساجد والأوقاف التي لا وليّ لها، والمرافق العامّة، وكولايته على الذمّيين ونحوهم، ممّا لا يكون مشمولاً لهذه الآية.
ودخول هذه الأُمور في المفهوم العرفي للولاية، يقتضي دخولها في الآية السابقة التي أخذت عنوان الوليّ فيها {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ … الآية}، والتي قلنا بلزوم حملها على المعنى العرفي للولاية، خاصّة إذا كان المقصود بالضمير المضاف إلى عنوان الوليّ ما يرادف الجامع المفهومي بين مجموع الأفراد وجميعهم، إن أمكن ذلك.
ومن هنا تكون النسبة بين موردي انطباق الآيتين الكريمتين هي العموم المطلق. تختص هذه الآية الأخيرة بكلّ ما يمتّ إلى الأفراد بصلة، وتعمّ سابقتها هذه الموارد وغيرها.
وأمّا من حيث اللسان، فالنسبة بينهما هو نسبة المجمل إلى المفصّل أو المفسِّر إلى المفسَّر وخاصّة في مورد تطابقهما؛ حيث عبّرت الآية السابقة بالوليّ على الإجمال، وأمّا هذه الآية فأعطت مفهوم الولاية بالنحو الذي يراه الشارع المقدّس، وإن لم تذكر عنوان الوليّ تحت اللفظ، بالنحو الذي عرفناه مفصّلاً.
لكن ممّا ينبغي الالتفات إليه في هذا الصدد أنَّ المفهوم الذي أعطته هذه الآية الأخيرة للولاية في موردها أوسع من المفهوم العرفي لها؛ إذ تشمل بإطلاقها بعض الموارد التي لا يرى العرف فيها للوليّ صلاحيّة التصرّف كبيع الوليّ العامّ عن البالغ الرشيد المختار، وتزويجه البالغة الرشيدة، والبيع عن الصبي مع وجود أبيه وجدّه.
ــــــ[108]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ومع تكفّل الآية السابقة لبيان الولاية العرفيّة لا تكون شاملة لهذه الموارد، ومعه تكون النسبة بين الآيتين هي العموم من وجه، تستقلّ الآية الأخيرة بهذه الموارد غير العرفيّة، وتستقلّ الآية السابقة بالأحكام التي لا تمتّ إلى الأفراد بصلة، ويشتركان في سائر الموارد.
ولو اقتصرنا على الآيتين، لما كان بينهما تعارض بل تثبت ولاية النبي’ بكلِّ هذه الموارد بمقتضى الآيتين معاً.
إلَّا أنَّنا حين نلحظ نسبة البناء العرفي العقلائي إلى الآية الأخيرة محلّ الكلام {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}(1) حيث تشمل بإطلاقها الموارد التي لا يرى العرف ثبوت الولاية فيها؛ لابدَّ أن نرى أنَّ عدم موافقة العرف على ثبوتها هل هو من قبيل عدم السيرة أو من قبيل السيرة على العدم؟ فإن كان من قبيل عدم السيرة يكون مدلول الآية هو المحكّم لا محالة كما هو واضح. وإن كان من قبيل السيرة على العدم كان المورد داخلاً في مسألة تعارض السيرة مع إطلاق الآية، وهو مبحث يحرّر مثله في مبحث خبر الواحد من الأُصول.
مَن قال بتقديم الآية فهو، ومَن قال بتقديم السيرة، فلا محالة لا يبقى لديه دليل قرآني على شمول ولاية النبي’ لهذه الموارد غير العرفيّة، لا من هذه الآية ولا من التي قبلها، وهما عمدة الدليل القرآني على ولايته’.
والصحيح هو أنَّ المقام من قبيل السيرة على العدم التي تكون معارضة في
ــــــ[109]ـــــــ
(1) الأحزاب: 6.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
بادئ النظر لإطلاق الآية. والضابط في تشخيص ذلك هو أن نرى: أنَّ الوليّ العرفي العامّ إذا باع عن البالغ الرشيد من دون رضاه هل يستنكر ذلك منه عرفاً أو لا؟
فإن لم يكن مستنكراً كان ذلك من قبيل عدم السيرة، وإن كان مستنكراً كان من قبيل السيرة أو البناء العقلائي على العدم. وإذا نظرنا إلى العرف نجده يستنكر ذلك لا محالة، ولا يعطي بأيّ حال للوليّ العرفي مثل هذه الصلاحيّة. إذن فالمقام من قبيل السيرة على العدم الذي يصلح للمعارضة مع إطلاق الآية بحسب الصورة.
وعند دوران الأمر بين أن تكون السيرة مخصّصة للآية أو أن تكون الآية رادعة عن السيرة، فإنَّ الآية متقدّمة لا محالة؛ لكون حجّيّتها مطلقة ومنجّزة، على حين إنَّ حجيّة السيرة متوقّف على عدم الردع، فتكون الآية في مرتبة علل حجّية السيرة ومانعة عنها. ولا يتصوّر استحكام المعارضة بينهما.
ومن هنا ظهر أنَّ إطلاق الآية هو المتقدّم، سواء كان البناء العرفي من قبيل عدم السيرة أو من قبيل السيرة على العدم.
اللهم إلَّا أن يقال: إنَّ السيرة بمعنى العمل العقلائي الفعلي غير متوفّر في هذه المسألة؛ لقلّة وجود هذه المصاديق في الخارج، وغاية ما يستشهد به في المقام قيام الارتكاز العقلائي على الاستنكار على الوليّ العرفي لو باع عن البالغ الرشيد، ممّا يعرف ضيق مفهوم الولاية عن مثل ذلك عرفاً.
وهذا الارتكاز العقلائي يصلح أن يكون قرينة صارفة للآية عن الشمول لمثل هذه الموارد.
ــــــ[110]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وهذه الدعوى، متوقّفة على صلاحيّة هذا الارتكاز للقرينيّة، وصلاحيّته لها متوقّفة على وضوحه في أذهان العرف بنحو يصلح أن يكون كالقرينة(1) المتّصلة في التقييد، بحيث يمنع عن انعقاد الإطلاق من أوّل الأمر. وهذا الوضوح لا يكاد يكون موجوداً، ويكفي الشكّ في وجوده، ليكون المرجع أصالة الإطلاق. إذن فإطلاق الآية هو المحكّم على أيّ حال. وسيأتي مزيد توضيح وبحث لذلك في خاتمة الكلام عن هذه الآيات.
الجهة الرابعة: قيل: أنَّ ما يؤدي المعنى المطلوب للولاية بالنحو الذي ذكرناه هو أن يُعبَّر ويقال: النبي أولى من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم؛ إذ يستفاد منه أنَّ النبي أقرب وأخصّ بالنسبة إلى أموال المؤمنين وأنفسهم من المؤمنين أنفسهم فيدلّ بالملازمة على أنَّ تمام الأعمال التي للمؤمنين أن يقوموا بها في أعمالهم وأموالهم – ممّا هو قابل لتعلّق النيابة والولاية به- يكون للنبي’ أن يقوم بها عنهم، بل أنَّ مقتضى الأولويّة هو أن يكون له التصرّف أوسع ممّا لهم على ما سبق أن قلنا.
وأمّا لو قلنا: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، بتقديم الباء وتأخير (من) فإنَّه يدلّ على أنَّ النبي’ أقرب وأخصّ بالمؤمنين من اختصاص أموالهم وأنفسهم بهم. وهذا معنى أخلاقي أو عقائدي، لا ربط له بالولاية المقصودة في المقام.
إلَّا أنَّ الجواب على ذلك يتمّ مع الالتفات إلى عدة أُمور:
ــــــ[111]ـــــــ
( ) وكونه كالقرينة المنفصلة لا يكفي لانعقاد الإطلاق في المرتبة السابقة عليه وهو كافٍ في الردع، منه+.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
أحدها: أنَّ الآية خالية من التعرّض إلى الأموال بالنصِّ، وإنَّما كانت شاملة لها بالإطلاق كما سبق.
ثانيها: أنَّ ما هو بالحمل الشايع يصدق عليه عنوان المؤمنين، ويصدق عليه عنوان أنفسهم واحد في الخارج، لا تعدّد فيه إلَّا من حيث اللحاظ والاعتبار المأخوذ في التعبير.
ثالثها: أنَّ (من) تدخل على طرف الأولويّة، يعني: مَن تتخيّل له الصلاحيّة، إلَّا أنَّ النبي’ أولى منه، ونعبّر عنه بموضوع الأولويّة. والباء تدخل على ما تنصب عليه الولاية، ويقوم الوليّ بالتصرّف فيه نيابة عن المولّى عليه، ونعبّر عنه بمتعلّق الأولويّة، وإن لم يكن كذلك بالدقّة.
وهذه الأُمور كلّها واضحة لا تحتاج إلى استئناف كلام، ومع اتضاحها نفهم بكلِّ وضوح أنَّه ما دام المصداق الخارجي لعنواني (المؤمنين) و(أنفسهم) واحداً، كما في الأمر الثاني، فلا فرق بين أن يلحظ العنوان الأوّل متعلّقاً للأولويّة والآخر موضوعاً لها أو بالعكس، يلحظ العنوان الأوّل موضوعاً للأولويّة والآخر متعلّقاً لها، فإنَّ المحصّل لكلا النحوين واحد بعينه.
وبعبارة أوضح: أنَّه لا فرق بين أن يقال: النبي أولى من المؤمنين بأنفسهم، بجعل متعلّق الولاية ومحطّ تصرّف الوليّ هو الأنفس، وموضوعها أو المولّى عليه هو (المؤمنون )، وبين أن ينعكس المطلب فيقال: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فيجعل متعلّق الولاية ومحطّ التصرّف هو المؤمنين والمولّى عليه هو أنفسهم.
بل يمكن القول: بأنَّ هذا المعنى يستفاد من تعبير الآية بنحو أفصح وأوضح؛
ــــــ[112]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
لأنَّ جعل أحد العنوانين متعلّقاً للأولويّة أو الولاية، معناه الأولويّة بالأفعال والأحكام لا محالة.
ومن المعلوم أنَّ قولنا: النبي أولى بأفعال وأحكام المؤمنين من أنفسهم أوضح وأفصح من قولنا: النبي أولى من المؤمنين بأفعال وأحكام أنفسهم. وبالتالي فإنَّ جعل عنوان المؤمنين متعلقاً للأولويّة أفضل وأفصح من جعل عنوان الأنفس متعلّقاً لها.
نعم، لو كان للأموال ذكر في الآية لكان استفادة المعنى الذي ذكرناه أبعد بقليل، وإن كان هو الظاهر في النتيجة بنحو لا يهمّ الإفاضة في إيضاحه.
إذن فهذا الذي قيل لا يرجع إلى محصّل.
على أنَّنا لو مشينا مع الإشكال خطوة أُخرى، وسلّمنا أنَّ معنى الآية هو أنَّ النبي’ أقرب وأخصَّ بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، إلَّا أنَّ ذلك ينتج عين النتيجة التي نتوخاها، ولا يكون مطلباً أخلاقيّاً أو عقائديّاً محضاً أجنبيّاً عمّا نريده.
وذلك: لوضوح أنَّ مقتضى الأقربيّة والأخصيّة للفرد من نفسه هو الولاية، ولو بحسب الإطلاق، فإنَّ مقتضى قرب الفرد من نفسه واختصاصه بها عدّة أُمور: منها: أخلاقي كلزوم حملها على طاعة الله واجتناب القبائح ونحو ذلك، ومنها: معاملي أو اجتماعي كحقّه في أفعاله وأمواله، من ناحية المعاملة عليها وأخذ الربح عن طريقها، وغير ذلك من الأحكام التي سبق أن فصّلناها. فإن كان مقتضى قرب الفرد لنفسه هو الأخذ بذلك، فإنَّ مَن هو أقرب وأخصّ بالفرد من نفسه أولى بالأخذ بذلك لا محالة، فله -بحسب إطلاق الآية- إجراء المعاملات على أموال
ــــــ[113]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الفرد وأفعاله، وتطبيق سائر الأحكام التي تصلح للولاية عليه.
إذن فالآية دالّة على الولاية حتّى مع التسليم بمبنى الإشكال، وخاصّة مع عدم وجود ذكر الأموال في الآية. إذن فالإشكال باطل من أساسه.
الجهة الخامسة: في ذكر ما يتحصّل من السياق القرآني الذي وقعت فيه هذه الآية محلّاً للكلام من أُمور، وإن كان الكلام في ذلك تفسيري استطرادي، لا يغيّر ممّا قلناه شيئاً.
قال الله تعالى في كتابه المجيد: {مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) ادْعُوهُمْ ِلأَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً(5) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ} الآية(1).
وحاصل ما نريد أن نستفيده من هذا السياق: أنَّ الله عزَّ وجلَّ حين نفى الأبوّة الادعائيّة، وكون الابن المدّعى ليس في الواقع ولداً للمدّعي، ولا أنَّ المدّعي أبوه، وإنَّما هو قول أفواه ولقلقة لسان. ثُمَّ أمر أن يدعى كلّ شخصٍ لأبيه، وخاصّة في الأولاد الإدعائييّن، لابدَّ أن يتحوّل بتسميتهم من المدّعي إلى الأب الحقيقي، هذا مع الإمكان والعلم بالأب، فإن كان الأب مجهولاً عُرَّف الفرد بشخصيّته، فإنَّه أخ في الدّين ومولى للمؤمنين.
ــــــ[114]ـــــــ
(1) الأحزاب: 4- 6.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
واللازم الواضح لذلك، وخاصّة في أذهان الصحابة المعاصرين للنبي’ هو تجريد النبي’ عن صفة الأبوّة لأحد من الرجال، كما قال عزَّ وجلَّ في آية أُخرى من نفس السورة: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ}(1). فَصْلُ ابنه المدعى عنه، فيجب على المسلمين منذ نزول الآية أن لا يتفوّهوا بكونه زيداً بن محمد’، بل هو زيد بن حارثة، فإنَّ حارثة هو أبوه الحقيقي الذي يجب أن يدعى إليه.
فقد يستشعر من تجريد النبي’ عن هذه الصفة شيئاً من النقص أو الوهن، ممّا لا ينبغي أن يسند إلى رسول الله’ بحالٍ من الأحوال، ولذا اقترنت الإشارة إلى ذلك في كلا مورديها في القرآن، وكلاهما في سورة الأحزاب اقترنت بذكر بعض مزايا النبي’ التي تغنيه عن الأبوّة الحقيقيّة لأحدٍ من الرجال.
فاقترن في الإشارة الثانية لهذا المعنى في السورة، وهو قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ}(2) بوصفه بقوله تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}، ومن المعلوم ما في الرسالة الإلهيّة بأعظم شرائع السماء من شرفٍ ومنزلةٍ لا تقاس بحال بشرف الأبوّة الحقيقيّة، لو كان يقال لها ببعض الشرف.
وأمّا في الإشارة الأُولى لهذا المعنى في السورة، وهو السياق القرآني الذي نتكلّم عنه، فقد اقترن بجعل الولاية له’ عوضاً عن الأبوّة المفقودة، فهو وإن لم يكن أباً لرجلٍ من المؤمنين، ولكنّه أولى بهم من أنفسهم، فارتباطه بهم وسيطرته عليهم في الحقيقة أقوى وأعمق من ارتباط الأب بابنه، كما أنَّ خضوعهم له
ــــــ[115]ـــــــ
(1) الأحزاب: 40.
(2) نفس السورة والآية.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وارتباطهم به ينتج ما هو أقوى من محبّة الابن لأبيه وتضحيته في سبيله، فإنَّ الحقّ كلّما كان أضخم كانت التضحية في سبيله والإخلاص الذي يحتاجه في تطبيقه أكبر وأوسع، فلأن كان الفرد أباً لفرد فهو أب لكلِّ المؤمنين بشكل أقوى وأعمق.
ليس هذا فقط، وإن كان كافياً لدرء الوهن المتوهّم، وفوق الكفاية، بل أنَّ مقتضى الولاية العامّة والأبوة الشاملة له تجاه المؤمنين، هو أن يكون زوجاته أمهاتٍ للمؤمنين أيضاً، فهو أبٌ لكلِّ فرد مؤمن وكلّ زوجة من أزواجه أم له أيضاً.
وعنوان الأُمومة هذا لا يفيد أيّ نحو من أنحاء الولاية، وإنَّما هو عنوان شرفي، جعل من أجل ارتباط هؤلاء النسوة بالنبي ارتباط الزوجيّة.
وعلى أيّ حالٍ، فقد أصبح المجتمع المؤمن بكلِّ أفراده كالأُسرة الواحدة، بل أشدّ ارتباطاً من الأُسرة من حيث الحقوق والواجبات فالمؤمن للمؤمن أخوه {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}(1) يشترك معه بتلك الأبوّة الروحيّة، هي ولاية النبي’ والأمومة التي لأزواجه، والأب المشترك لكلِّ الأخوة في الإيمان، والنافذ أمره وتصرّفه فيهم أكثر من تصرّف الأب الحقيقي هو النبي’ والأمّ المشتركة لكلِّ الإخوة المؤمنين هي كلّ واحدة من زوجاته.
والمشابهة للأُسرة ثابتة أيضاً، من حيث كون الأب هو الوليّ على أولاده دون الأمّ، ولكن تختلف عن صورة الأُسرة الاعتياديّة بتعدد الأمّ، بحيث تكون كلّ أمّ أُمّاً لمجموع المؤمنين، وهذا وإن كان متعذّراً في الأُمومة الحقيقيّة، ولكنّه ممكن في الأُمومة الشرفيّة، كما هو واضح.
ــــــ[116]ـــــــ
(1) الأحزاب: 5، والتوبة: 11.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
وهذا المعنى الذي شرحناه ممّا التفَتَ إليه في الجملة علي بن إبراهيم في تفسيره(1)، على ما نقل عنه في تفسير البرهان(2)، حيث قال: >نزلت وهو أبٌ لهم، ومعنى أزواجه أمّهاتهم، فجعل المؤمنين أولاد الرسول’.. ثُمَّ لمّن لم يقدر أن يصون نفسه ولم يكن له مال وليس له على نفسه ولاية، فجعل الله تبارك وتعالى لنبيّه الولاية بالمؤمنين من أنفسهم.
وهذا يكاد أن يكون تامّاً بغضِّ النظر عن التفاصيل التي قلناها ممّا تخلو منه عبارته، لولا إيرادان نذكرهما:
الأوّل: أنَّه فصل بين الأبوّة الشرفيّة للنبي’ وبين ولايته’، بحسب ظاهر العبارة، مع أنَّ أحدهما عين الآخر جعلاً، ومفهوم من عبارة واحدة من القرآن، ولم تجعل الأبوّة مستقلاً عن الولاية في القرآن كما هو واضح.
الثاني: أنَّه خصّ ولاية النبي’ بالقاصر الذي لا يقدر أن يصون نفسه، وليس له على نفسه ولاية، وقد اتّضح ممّا سبق أنَّ ولايته’ أوسع من ذلك بحسب إطلاق الآية، فله’ أن يبيع عن البالغ الرشيد وأن يزوّج البالغة الرشيدة، ولو كان مع غفلتهما أو من دون رضاهما. وبذلك تكون نسبته’ إلى سائر المؤمنين نسبة الأب إلى القاصرين، وسيأتي زيادة إيضاح لذلك في الخاتمة إن شاء الله تعالى.
الجهة السادسة: قد يقال: بعدم دلالة هذه الآية على وجوب طاعة النبي’
ــــــ[117]ـــــــ
(1) تفسير القمي، علي بن ابراهيم القمي ج2: 175.
(2) البرهان في تفسير القرآن، هاشم البحراني ج4: 416.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
بصفته وليّاً؛ وذلك: لِما من أنَّ الأولويّة إنَّما تصدق فيما إذا كان الوصف ثابتاً للمكلّف في الجملة، ليكون النبي’ أولى بالتصرّف منه، وأمّا إذا لم يكن الوصف ثابتاً للمكلّف فلا تصدق الأولويّة، فلا تكون الآية شاملة لمثل هذا المورد.
وفي المقام كذلك؛ إذ من المعلوم أنَّ الإنسان لا يجب عليه إطاعة أمر نفسه لا عقلاً ولا شرعاً، إن لم نقل أنَّ وجود الأمر الجدّي ممّا لا معنى له، فإنَّ الفرد يسيطر على نفسه، بحسب الإرادة التكوينيّة لا بحسب الإرادة التشريعيّة، إذن فالوصف ليس ثابتاً أساساً للفرد، فلا تصدق الأولويّة، فلا يكون المورد مشمولاً للآية، فلا تكون الآية دالّة على وجوب إطاعة النبي’ بولايته.
والصحيح في المقام أن يقال: بإمكان استفادة وجوب الإطاعة، وذلك: بإبطال القرينة المشار إليها في الإشكال، فإنَّه ليس من الضروري أن يكون الوصف ثابتاً للمكلّف، بمعنى: جواز التصرّف بالنسبة إليه، بل إنَّنا قلنا: أنَّ ولاية الولي فيما للمكلّف التصرّف فيه لا تقتضي الأولويّة، بل غايته المساواة بين الولي والمكلّف من حيث نفوذ التصرّف، وإنَّما تصدق الأولويّة باعتبار الأحكام الزائدة التي يستطيع الوليّ تطبيقها دون المكلّف.
فالمراد من كون الوصف ثابتاً للمكلّف في الجملة ليس هو بمعنى جواز التصرّف له، بل بمعنى كونه موضوعاً أو جزء الموضوع للحكم أو مصداقاً من العنوان المأخوذ فيه، سواء كان للمكلّف التصرّف فعلاً أو لم يكن، بل حتّى لو لم يكن قادراً عليه – كما أسلفنا- في مثل القضاء والرجم والزام الممتنع ونحوها. فإذا تمّ ذلك، أمكن استفادة وجوب الإطاعة بتقريبين:
ــــــ[118]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
التقريب الأوّل: أن يقال: إنَّ مقتضى الأولويّة هو سلطنة الولي’ على إرادة المكلّف بأحد وجوه:
الوجه الأوّل: التغافل عن الفرق بين الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة، ولحاظ الجامع المفهومي للإرادة، وهذا الجامع حيث إنَّه داخل تحت سلطنة المكلّف في الجملة. إذن فيصلح أن يكون موضوعاً للأولويّة، ومن ثَمَّ يكون موضوعاً للولاية.
ولا يقال: بأنَّ الإرادة ليست تحت سلطنة الفرد، وإلَّا احتاجت للإرادة ويتسلسل.
فإنَّه يقال: إنَّ الإرادة إرادية بالذات، وهذا كافٍ في جعلها موضوعاً للحكم. كما أنه من الواضح أن هذا الوجه يتمّ – لو تمَّ- مع انحفاظ القرينة التي ناقشناها، فإنَّ المفروض أنَّ للمكلّف سلطنة في الجملة على الإرادة، فتكون الأولويّة صادقة.
إلَّا أنَّه – مع ذلك- لا يتمّ؛ وذلك للطعن في إمكان التغافل المشار إليه في الوجه المنتج للخلط بين الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة، ومن المعلوم أنَّ سلطنة الفرد على الإرادة التكوينيّة لا يقتضى صدق الأولويّة في الإرادة التشريعية. ولحاظ الجامع بينهما غير مفيد. فيكون هذا الوجه ساقطاً بوضوح مع أخذ القرينة التي ناقشناها لأنّ سلطنة المكلّف على شيءٍ لا يقتضي صدق الأولويّة في شيء آخر، كما هو واضح.
ويكون ساقطاً، مع إسقاط تلك القرينة أيضاً. فإنَّ سلطنة المكلّف على إرادته التكوينيّة ليست من قبيل الأحكام الشرعيّة أو من موضوعاتها حتّى تصح فيه
ــــــ[119]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
الولاية، إلّا أن يرجع إلى بعض الوجوه الآتية.
الوجه الثاني: أن يقال: بكون الإرادة التكوينيّة من موضوعات الأحكام الشرعيّة، ولو باعتبار كونها مقدّمة للأحكام الشرعيّة، خاصّة ما كان قابلاً للنيابة والولاية ممّا يكون داخلاً في محلّ الكلام. وإذا كانت إرادة المكلّف موضوعاً للحكم القابل للنيابة، كانت مشمولة لإطلاق الأولويّة، بمعنى: أنَّ إرادة النبي’ تكون هي النافذة في المكلّف، سواء في صورة التزاحم أو في صورة استقلال النبي’ بالإرادة، وهذا هو معنى وجوب الإطاعة.
إلَّا أنَّ هذا الوجه لا يكاد يتمّ، للإشكال في مبناه من حيث القول بوجوب مقدّمة الواجب. وعلى تقدير الوجوب فتكون موضوعاً لهذا الوجوب الغيري، وهو غير قابل للنيابة في نفسه، وإن كان ذوها قابلاً لها؛ لوضوح صدور المقدّمة من فاعل ذيها، وامتناع صدورها من غيره.
الوجه الثالث: أن يقال: بإنكار لزوم كون الإرادة موضوعاً للحكم الشرعي القابل للولاية حتّى يشملها إطلاق الآية، بل مجرّد كون الإرادة اختياريّة -ولو بذاتها- يكفي في تعلّق وجوب إطاعة الوليّ بها.
وهذا وإن كان ممكن ثبوتاً، إلَّا أنَّ الكلام منحصر في مرحلة الإثبات واستفادة ذلك من الآية الكريمة التي هي محلّ الكلام. ومن المعلوم أنَّ استفادة النتيجة تتوقّف على استفادة الكبرى منها، وهي وجوب إطاعة الوليّ أساساً، حتّى يكون النبي’ مصداقاً له، واستفادة هذه الكبرى من الآية أوّل الكلام. ومجرّد كون الإرادة اختياريّة لا يبرّر صدق الأولويّة كما هو واضح.
ــــــ[120]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
إذن فتتميم وجوب إطاعة النبي’ باعتبار سلطنته على الإرادة ممّا لا يمكن أن يتمّ، على أنَّه يكون أمراً مستأنفاً لو تمّ التقريب الآتي الذي نذكره.
التقريب الثاني: أنَّ يقال: إنَّ مقتضى الأولويّة هو سلطنة الوليّ’ على أفعال المكلّف، وذلك: بأن يقال: بأنّ الأفعال من جملة شؤون النفس، وللمكلّف حقّ شرعيّ بالفعل والترك، فيما لم يكن فيه إلزام، ومقتضى الأولويّة من المكلّف على نفسه هو أن يكون النبي’ له حقّ أن يفعل المكلّف شيئاً أو أن يتركه، وحيث يتعذّر ذلك بإرادته التكوينيّة، يتعيّن أن يكون ذاك بالإرادة التشريعيّة له’. وهذا معناه نفوذ إرادته التشريعيّة وأمره على المكلّف بنفس ملاك الأولويّة الثابت له بالولاية.
وهذا التقريب تامٌّ، وتنحفظ فيه الكبرى التي ذكرناها بأخصّ صيغها، وهي: ما إذا كان المكلّف موضوعاً أو جزء الموضوع، أو مصداقاً منه لحكم شرعي، والحكم الشرعي في المقام هو جواز الفعل للمكلّف وليس هو وجوب إطاعة الفرد لأوامر نفسه، على ما تخيّل في أصل الإشكال.
نعم، هذا التقريب خاصّ بالأفعال الجائزة فعلاً وتركاً، وهي التي تتّصف بالإباحة بالمعنى الأعمّ. وأمّا أمر الوليّ بما يزاحم إيجاد الواجب أو ترك الحرام، فنفوذه يحتاج إلى بحثٍ يأتي الإشارة إليها في الخاتمة.
فهذه هي ستّ جهات من الكلام من هذه الآية، وقد اتّضح ممّا أسلفناه أنَّ عمدة الدليل على ولاية النبي’ هو هذه الآية الأخيرة، ثمَّ الآيتان اللتان ذكرناهما قبلها، ومعه لا حاجة إلى سرد أيّ دليل آخر، لولا العزم على تنفيذ المنهج الفقهي تفصيلاً.
ــــــ[121]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة
ومن هنا قد يتوهّم تماميّة الاستدلال بآيةٍ أُخرى، هي:
الآية الثامنة: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}(1). ومثلها كل آية شرّعت للنبي’ جواز الحكم بين الناس كقوله تعالى: {وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}(2)، وقوله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ}(3).
والتقريب الممكن لدلالة هذه الآية على الولاية هو أن يحمل الحكم على مطلق الحكم الشرعي وضعيّاً كان أو تكليفيّاً، وحيث يستفاد من الآية نفوذه من قبل النبي’ على الناس، فهذا هو معنى الولاية، سواء من ناحية إطاعة الحكم التكليفي أو تنفيذ الحكم الوضعي الذي يصدر منه’.
إلَّا أنَّ الصحيح – كما هو واضح- هو اختصاص لسان هذه الآيات بمورد القضاء في الخصومات بقرائن داخليّة فيها، وهي تقييد كلّ واحد منها بأن يكون الحكم بين الناس، والمفهوم من هذا الحكم هو الفصل بين المدعيين، ولا يلتفت إلى دعوى: أنَّ المراد كونه منتشراً بين الناس أو نافذاً بينهم، فإنَّه خلاف الظاهر جزماً.
بل لعلّ هذه الآية أصرح في هذا المعنى من الآية التي أخذت عنوان القضاء في منطوقها، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} الآية(4). فإنّ القضاء والأمر كانا يحتملان وجوهاً، كما سبق، إلَّا أنَّ الحكم بين الناس
ــــــ[122]ـــــــ
(1) النساء: 105.
(2) المائدة: 49.
(3) النور: 48.
(4) الأحزاب: 36.
الكلمة التامة في الولاية العامّة
متعيّن في هذا المعنى لا محالة.
إذن فهذه الآيات لا تفيد إلا تشريع جواز القضاء في الخصومات لرسول الله’، وأمّا نفوذ التصرّف في الغير الذي هو معنى الولاية، فما كان منه ملازماً مع وجود الحكم كالاستماع إلى الدعوى والشهود وإصدار الحكم، فهو مما يفهم بالملازمة أو بالمطابقة نفوذه لا محالة، وأمّا الأُمور الأُخرى من جهات الولاية حتّى بالنسبة إلى تنفيذ هذا الحكم، فلا تعرّض للآية إليه.
ــــــ[123]ـــــــ
الكلمة التامة في الولاية العامّة

خاتمة الكلام عن الآيات الكريمة
بعد أن ثبت وجود الإطلاقات الدالّة على ثبوت الولاية للنبي’، لابدَّ من التعرّض لعدّة جهات:
الجهة الأُولى: استدلّ صاحب البلغة على عدم ثبوت الولاية على تصرّفات البالغ الرشيد، بحيث يبيع عنه أو يعقد عنه النكاح، بأمرين(1):
الأمر الأوّل: الطعن بإطلاق الآية لما يشمل مثل هذه الموارد؛ وذلك لقوّة أن يكون المراد بيان الأولويّة عند التزاحم في التصرّف، وتقدّم إرادته عند التخالف في الإرادة، بحيث لو أراد الإنسان شيئاً وأراد الإمام غيره، قدّمت إرادته على إرادته؛ لكونه أنَّما يأمره بشيء أو ينهاه عنه، ليس إلَّا لمصلحة راجعة إليه(2).
ــــــ[124]ـــــــ
( ) بلغة الفقيه، السيد محمد بحر العلوم ج3: 217، رسالة في الولايات.
(2) إلى هنا ينتهي البحث في هذا الموضوع وهذا هو المقدار الذي وجدناه في النسخة الخطية ومن المؤكد أن هناك تتمة لهذا البحث لم نعثر عليها في الدفاتر المخطوطة للسيد الشهيد+.
ومن الجدير بالذكر أن السيد الشهيد+ قد تعرض إلى مبحث الولاية بشكل مفصل في كتبه وأبحاثه الأخرى كـ(كتاب مبحث ولاية الفقيه، وكتاب ما وراء الفقه ج9 ص38-97، وكتاب بحوث في صلاة الجمعة ص172-234، وتعليقاته الخاصة على تقرير دروس السيد الخميني+ في كتاب البيع ج8 ص(172، 175، 178، 192، 198، 226، 239-240، 246، 247، 268، 284-287، 293، 300-301، 310-311، 315، 321).
الكلمة التامة في الولاية العامّة

مصادر التحقيق

* القرآن الكريم.
1. بحر العلوم، محمد، بلغة الفقيه، شرح وتعليق: محمد تقي آل بحر العلوم، منشورات مكتبة الصادق، طهران، الطبعة الرابعة، سنة الطبع: 1403هـ.
2. البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، قم المقدسة، سنة الطبع: 1415هـ.
3. جماعة من المحققين، موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت عليهم السلام، الناشر: دائرة معارف الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت عليهم السلام، قم المقدسة، سنة الطبع: 1423هـ .
4. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، الناشر: دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى، سنة الطبع: 1412هـ .
5. الصدر، السيد إسماعيل، اللمعة في حكم صلاة الجمعة، تقرير: السيد الشهيد محمد الصدر، تحقيق: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر.
6. الصدر، السيد الشهيد محمد محمد صادق، أصول علم الأصول، تحقيق: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر.
7. الصدر، السيد الشهيد محمد محمد صادق، منهج الأصول، تحقيق: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر.
8. الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1394هـ ق.
9. الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، تحقيق وتصحيح: أحمد الحسيني الأشكوري، الناشر: مرتضوي، طهران، الطبعة الثالثة، سنة الطبع: 1375ش.
10. العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء، المكتبة المرتضوية، طهران، بدون تاريخ وطبعة.
11. القمي، علي بن ابراهيم، تفسير القمي، تصحيح وتعليق: السيد طيب الموسوي الجزائري، منشورات مكتبة الهدى، سنة الطبع: 1387هـ .
12. الواحدي، النيسابوري، أسباب نزول الآيات، الناشر: مؤسسة الحلبي وشركاؤه للنشر والتوزيع، القاهرة، سنة الطبع: 1968م.
13. اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدسة، الطبعة الأولى، سنة الطبع: 1423هـ .

الفهرس

مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر 7
منهجنا في التحقيق 9
تمهيد في حقيقة الولاية ومجالاتها 15
ما هي الولاية؟ 15
ما يرد على تعريف البلغة 20
تقسيمات صاحب البلغة للولاية 21
بيان وتوضيح 25
ما هو مجال الولاية من الأحكام؟ 30
أنحاء الأحكام الشرعية 31
النحو الأوّل 31
النحو الثاني 32
النحو الثالث 32
النحو الرابع 32
النحو الخامس 33
من هو الولي؟ 40
منهج البحث 47
المقام الأول: في ولاية النبي 48
خاتمة الكلام عن الآيات الكريمة 124
مصادر التحقيق 125
الفهرس 127