الفكرة الحية في حكم حلق اللحية
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
الكتاب الذي بين يديك – عزيزي القارئ- كتابٌٍ استدلاليٌّ قد ألَّفه السيّد الوالد+ في أُواخر الستينيّات من القرن الماضي الميلادي، وفيه عرضٌ للصورة الواضحة والجليّة في مسألة حلق اللّحية، وأغلب ما هو متعلّق بهذا المبحث من أحكامٍ واستدلالٍ.
ويُعتبر هذا الكتاب من الأبحاث النادرة في مجاله؛ لما لهذه المسألة من أثرٍ اجتماعيٍّ حسّاس قد يتجنّبه الكثير من الفقهاء.
إلَّا أنَّ السيّد الوالد+ – كما عوّدنا وعهدناه- ذو علمٍ غزيرٍ وشجاعةٍ وإقدام، فلذا أقدم على الخوض في غمار هذا الاستدلال المعمّق في تلكم المسألة. ولكن لا ينبغي الخلط بين جهتين؛ الأُولى: استدلاليّة. والثانية: فتوائيّة.
فلعلّ الأُولى يصل فيها باستدلالاته إلى نتائج تختلف عمّا يصل إليها في الفتوى؛ فإنَّ الفتوى قد تكون محاطةً ومقيّدةً ببعض القواعد العامّة التي ينظر إليها العالِم ليفتي بها طبقاً للمصالح والمفاسد المجتمعيّة الآنيّة، أو الإستراتيجية إن جاز التعبير.
وهذا الكتاب ليس كتاباً فتوائيّاً على الإطلاق، بل هو كتابٌ استدلاليٌّ بحت، ينمّي قدرة المتخصّص على الاستدلال، وفهم الروايات وألسنتها،
ــــــ[5]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
كما ينمّي روح العلم والاجتهاد والتفقّه؛ لذا على الجميع توخّي الفرق والرجوع إلى الرسالة العمليّة في الفتوى دون الرجوع إلى الكتب الاستدلاليّة، كما هو حال هذا الكتاب الذي ينبئ عن جرأةٍ دقيقةٍ وحاسمةٍ عند فقيهنا الصدر المعظّم قُدّست نفسه الطاهرة.
وأخيراً أُوجّه شكري الجزيل لكلِّ القائمين على (مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر) والمنتجين لهذا العمل الجبّار فيها، وأسأل الله أن يتقبّل عملهم بأحسن القبول.
والحمد لله ربِّ العالمين
مقتدى الصدر
22 – شعبان المعظّم – 1436
النجف الأشرف
ــــــ[6]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
مقدّمة المؤسّسة
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
وبعد؛
تعود كتابة هذا المؤلَّف (الفكرة الحيّة في حكم حلق اللّحية) إلى تاريخ: جمادى الثانية/ 1389 هـ= 1969م، حيث كان الشهيد السعيد+ لا زال يحضر بحوث الأعلام في ذلك الوقت، إلَّا أنَّه+ كان من أصحاب الأقلام اللّامعة والمعروفة؛ حيث صَدَرَ له أكثر من مؤلَّف قبل هذا الكتاب، بالإضافة إلى المخطوط منها، كـ(حبّ الذات وتأثيره في السلوك الإنساني) والذي فرغ منه في شعبان 1384هـ، و(اللّمعة في حكم صلاة الجمعة) فرغ منه في ذي القعدة 1386هـ، و(مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء) فرغ منه في ربيع الثاني 1389هـ، و(الوافية في حكم صلاة الخوف) فرغ منه في جمادى الثانية 1389هـ. فضلاً عن عشرات المقالات التي نُشر بعضٌ منها في مجلّات النجف المعروفة، وقد طُبعت بأجمعها مؤخّراً تحت عنوان رسائل ومقالات في ثلاثة مجلّداتٍ.
وفي هذه الفترة الزمنيّة شهد بفضله وألمعيّته جملةٌ من الأعلام، منهم
ــــــ[7]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
والده آية الله الحجّة المقدّس السيّد محمّد صادق الصدر+؛ قال: >… نشأ – والحمد لله- نشأةً حسنةً تحت ظلّ جدّه شيخنا آية الله العظمى مرجع عصره الشيخ محمّد رضا آل يس رضوان الله عليه، فلمّا تقلّص ظلّ الشيخ عنّا في سنة 1370هـ كان لا يزال ولدي طفلاً في الثامنة. فاشتغل في تعلّم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ثُمَّ اشتغل بمقدّمات العلوم فأتمّها، وبعدها درس السطوح فأتقنها. وهو في الوقت الحاضر يحضر دروس الخارج على العلماء الأعلام وآيات الله العظام، وقد دنا من الاجتهاد قاب قوسين أو أدنى إن لم يكن قد لمسه باليسرى واليمنى. وزيادةً على ذلك حصّل من العلوم ما هو خارجٌ عن دائرة اختصاص المجتهدين، وألمّ إلمامةً بسيطةً بلغةٍ أجنبيّة، وقد أحاط كلّ ذلك بالتقوى والعفاف والطهر. فشكراً لله إن كان الشكر يفي ويكفي … وهذا ولدي العالم الفاضل التقيّ النقيّ المؤلّف المجيد والشاعر الناثر محمّد الصدر… ولا أراني بحاجةٍ إلى نصحه ووعظه؛ فإنَّه مستغنٍ عن ذلك، بل هو الذي يجب أن ينصح ويعظ الناس، وهنا يأتي المثل المشهور: ما المسؤول بأعلم من السائل، فقد رضع درّ الدين، وتربّى في حجر الدين، والمأمول منه أن يصرف همّه وهمّته إلى نصرة الدين…<(1).
ثُمَّ إنَّ ما في هذا الكتاب يمثّل مرحلةً تاريخيّة من مراحل السيّد الشهيد الصدر الثاني+ الفكريّة، وليس بالضرورة أن تكون مطالبه مرضيّةً عنده – حيث ذهب في بحثه هذا إلى كراهة حلق اللّحية، وحرمتها
ــــــ[8]ـــــــ
(1) كان ذلك بتاريخ: 17/ 6/ 1387هـ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
في حال التشبّه بأعداء الإسلام، بينما ذهب في أواخر حياته العلميّة إلى حرمة حلقها من حيث المبدأ مطلقاً- إلَّا أنَّه كتابٌ غنيٌّ في بابه، إذ إنَّه+ عرض الأدلّة في المقام من: الكتاب والسنّة والأدلّة اللبّيّة، وكذلك ألحقه بالوعي الإسلاميّ ودخالته في المسألة موضوعة البحث. وفيه مناقشةٌ تفصيليّةٌ لكلمات الأعلام قبولاً وردّاً في فهمهم لأدلّة المسألة وكيفيّة طرحهم لها.
هذا، ونسأل الله السداد والتوفيق لإكمال التركة العلميّة لهذا الجهبذ الكبير، كما نرجو من الله تعالى أن يرزقنا شفاعته وشفاعة أجداده بحقِّ محمّد وآله.
الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
ــــــ[9]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ــــــ[10]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
محطّات سريعة من حياة آية الله العظمى
السيد الشهيد محمّد الصدر+
نسبه الشريف
يرجع نسب السيّد الشهيد محمّد الصدر+ إلى الإمام موسى بن جعفر× في سلسلةٍ نسبيّةٍ قليلة النظير في صحّتها ووضوحها وتواترها، حتّى وصفت بـ(السلسلة الذهبيّة)؛ لما فيها من رجالاتٍ عُرفوا بالزعامة والسيادة، ولعلَّ هذه المزيّة قد انفردت بها هذه العائلة الكريمة؛ حيث إنَّها من لدن المعصومين عليهم الصلاة والسلام وحتّى الآن في كلِّ جيلٍ منهم هو سيّد جيله والمعترف له بالعلم والفضل والزعامة في عصره؛ فهو (1)محمّد بن (2)محمّد صادق بن (3) محمّد مهدي بن (4) إسماعيل بن (5) محمّد صدر الدين بن (6) صالح بن (7) محمّد بن (8) إبراهيم شرف الدين بن (9) زين العابدين إبراهيم بن (10) نور الدين علي بن (11) علي نور الدين بن (12) الحسين عزّ الدين بن (13) محمّد بن (14) الحسين بن (15) علي بن (16) محمّد بن (17) عبّاس تاج الدين أبي الحسن بن (18) محمّد شمس الدين بن (19) عبد الله جلال الدين بن (20) أحمد بن (21) حمزة أبي الفوارس بن (22) سعد الله أبي محمّد بن (23) حمزة القصير أبي أحمد بن (24) محمّد أبي السعادات بن (25) عبد الله أبي محمّد بن (26) محمّد الحارث أبي الحرث بن (27) علي ابن الديلميّة أبي الحسن بن (28) عبد الله أبي طاهر بن (29) محمّد المحدّث أبي الحسن بن (30) طاهر أبي
ــــــ[11]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الطيّب بن (31) الحسين القطعي بن (32) موسى أبي سبحة بن (33) إبراهيم المرتضى الأصغر ابن (34) الإمام موسى الكاظم× ابن (35) الإمام جعفر الصادق× ابن (36) الإمام محمّد الباقر× ابن (37) الإمام علي زين العابدين× ابن (38) الإمام الحسين الشهيد× ابن (39) الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×(1).
ولادته ونشأته
ولد+ في السابع عشر من ربيع الأوّل عام 1362 هـ .ق، أي: يوم المولد النبويّ الشريف.
عاش في كنف جدّه لأُمّه آية الله العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين+، وهو من المراجع المشهورين آنذاك، وقد زامنت فترة مرجعيّته مرجعيّة السيّد أبي الحسن الأصفهاني+، ليعود المرجع الأعلى بعد رحيله(2).
ومن الجدير بالذكر أنَّ أباه السيّد الحجّة محمّد صادق الصدر+ لم يرزق ولداً بعد زواجه، حتّى اتّفق أن ذهب مع زوجته إلى بيت الله الحرام، وعندما تشرّفا بزيارة قبر النبي’ دَعَوَا ربّهما أن يرزقهما ولداً صالحاً يسمّيانه (محمّد)، فكان أن مَنّ الله تعالى شأنه عليهما بعد فترةٍ يسيرةٍ بهذا المولود المبارك في يوم ولادة جدّه المصطفى’، فكان الولد الوحيد لهما(3).
ــــــ[12]ـــــــ
( ) راجع النسب في بغية الراغبين 1: 12- 13، وخاتمة مستدرك وسائل الشيعة 2: 111، وتكملة أمل الآمل: 104- 106، وطبقات أعلام الشيعة 2: 683.
(2) راجع المواعظ واللّقاءات (للسيّد الشهيد محمّد الصدر+): 10- 11، و81.
(3 راجع المصدر السابق: 85.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
نشأ سماحته في بيت علمٍ وفضلٍ، وزقّ العلم منذ صباه بواسطة والده الحجّة+. وقد كان لنشأته وتربيته الدينيّة انعكاسٌ في خُلُقه الرفيع وسماحته وبشاشته وصدره الرحب، فكان قلبه – بعد تسنّمه المرجعيّة العامّة- يستوعب كلّ ما يُطرح عليه من أسئلة وشبهات دون أيّما شعور بالحرج أو الخجل أو التردّد. وليس هذا بعجيب؛ إذ ليست نفسه الشريفة إلَّا {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(1).
تزوّج من بنت عمّه السيّد الحجّة محمّد جعفر الصدر+، ورُزق بأربعة أولاد، هم: السيّد مصطفى، والسيّد مرتضى، والسيّد مؤمّل، والسيّد مقتدى، وقد تزوّج ثلاثة منهم من بنات السيّد الشهيد الصدر الأوّل+، وله بنتان تزوّجنَ من ابنَي السيّد الحجّة محمّد كلانتر+.
نشأته العلمية
بدأ + الدرس الحوزويّ في سنٍّ مبكّرةٍ، حيث كان ذلك في سنة 1373 هـ، وقد ارتدى الزيّ الحوزويّ وهو ابن إحدى عشرة سنة، مبتدئاً بدراسة النحو والمنطق والفقه وغير ذلك من دروس المقدّمات على يد والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، ثُمَّ على يد السيّد طالب الرفاعيّ، ثُمَّ على يد الشيخ حسن طرّاد العامليّ، وأكمل بقيّة دروسه على يد السيّد الحجّة محمّد تقي الحكيم+ والحجّة الشيخ محمّد تقي الإيروانيّ+.
دخل كلّيّة الفقه سنة 1379هـ . دارساً على يد ألمع أساتذتها، فدرس:
1. الفلسفة الإلهيّة على يد آية الله الشيخ محمّد رضا المظفّر+.
ــــــ[13]ـــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 24.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
2. الأُصول والفقه المقارن على يد آية الله السيّد محمّد تقي الحكيم+.
3. الفقه على يد الحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني+.
4. علوم اللّغة العربيّة على يد الحجّة الشيخ عبد المهدي مطر+.
كما أفاد من بعض الأساتذة من ذوي الاختصاصات والدراسات غير الحوزويّة: كالسيّد عبد الوهّاب الكربلائي مدرِّس اللغة الإنجليزيّة، حيث كان سماحته أفضل طلّاب صفّه في هذا المجال، والدكتور حاتم الكعبيّ في علم النفس، والدكتور فاضل حسين في التاريخ، وكذا درس الرياضيّات في الكلّيّة نفسها حيث كان من المتميّزين فيه، وكذا الفلسفة الحديثة على يد الدكتور صالح الشمّاع(1).
تخرّج من كلّيّة الفقه سنة 1384 هـ. ضمن الدفعة الأُولى من خرِّيجي كلّيّة الفقه. وانتدب للتدريس في مدرسة العلوم الإسلاميّة للسيّد محسن الحكيم+ في النجف الأشرف(2).
ثُمَّ دخل مرحلة السطوح العليا، فدرس كتاب الكفاية على يد أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+(3)، وكتاب المكاسب على يد السيّد محمّد تقي الحكيم+(4). وقد كان لدراسته عند هذين العلَمين الأثر الأكبر في صقل شخصيّته العلمائيّة ونموّ موهبته العلميّة التي شهد له بها أساتذته
ــــــ[14]ـــــــ
( ) راجع المواعظ واللّقاءات (للسيّد الشهيد محمّد الصدر+): 14، و82- 84.
(2) راجع بغية الراغبين 1: 239، في ترجمة السيّد محمّد الصدر.
(3) راجع المواعظ واللّقاءات: 84.
(4) راجع المصدر السابق.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
أنفسهم، ثُمَّ أكمل دراسة كتاب المكاسب عند الشيخ الحجّة صدر البادكوبيّ+، الذي كان من مبرَّزي الحوزة وفضلائها.
ثُمَّ حضر دروس البحث الخارج عند جملة من أعلام النجف الأشرف، وهم:
1. آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر+ فقهاً وأُصولاً.
2. آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئيّ+ فقهاً وأُصولاً.
3. آية الله العظمى السيّد روح الله الموسويّ الخمينيّ+ فقهاً.
4. آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم+ فقهاً.
5. آية الله الحجّة السيّد إسماعيل الصدر+ فقهاً(1).
ولابدَّ لنا أن نذكر إلى جانب مسيرته العلميّة وأساتذته في هذا المجال مسيرتَه في طريق المعرفة الإلهيّة والعلوم الأخلاقيّة، حيث تلقّى المعارف الإلهيّة الحقّة على يد أُستاذه الكبير الحاجّ عبد الزهراء الكَرعاوي (رضوان الله عليه)، الذي كان من تلامذة العارف الكبير الشيخ محمّد جواد الأنصاريّ الهمدانيّ+، وكان هذا الجانب واضحاً جدّاً في شخصيّة المترجَم له، بل طغى هذا الجانب على أكثر تصانيفه ودروسه الثمينة، فراجع وتفطّن.
ثُمَّ إنَّ ممّا يدلّ على نبوغه وتقدّمه العلميّ أمرين:
الأوّل: اطّلاعه+ على آراء أربعة من أشهر المجتهدين في ذلك الوقت، وهم السيّد الشهيد الصدر الأوّل والسيّد الخوئيّ والسيّد الخمينيّ
ــــــ[15]ـــــــ
(1) أُنظر: بغية الراغبين 1: 239، والمواعظ واللّقاءات:15- 19، و105.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
والسيّد الحكيم (قدّس الله أسرارهم أجمعين). وهذا الاطّلاع الذي حصل له من خلال حضور أبحاثهم ودروسهم الشريفة أدّى بطبيعة الحال إلى نموّ وتطوّر المستوى العلمي له بوضوحٍ.
الثاني: تميّز أُستاذه السيّد الشهيد الصدر الأوّل بالإبداع والتجديد في الأُصول، وهذا يعني أنَّه قد أفاد – بلا شكٍّ – من هذا التجديد والإبداع.
وبلحاظ هاتين النقطتين يمكن لنا الحكم ابتداءً بألمعيّته وغزارة علمه، بل وأعلميّته على أقرانه، فقد شهد له بذلك كلّ مَن حضر دروسه من الفضلاء والأعلام، لا سيّما درسه في الأُصول؛ إذ أصبح آنذاك الدرس الرئيس في حوزة النجف الأشرف.
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته
كان+ غاية بالجدِّ والاجتهاد في حضوره أبحاث أساتذته؛ حيث كان معروفاً عند أقرانه بتميّزه لكتابة تلك الأبحاث، فلم يكن يترك شاردةً وواردةً إلَّا وسجّلها، سواء كان ذلك إشكالاً له أم لغيره في داخل الدرس وخارجه، حتّى أنَّه أثبت تأخّر الأُستاذ عن الدرس أو غيابه، ومن تلك المميّزات أيضاً:
• حضوره المتواصل وعدم انقطاعه عن الحضور، ما أنتج استيعاب كتاباته لتلك الأبحاث.
• جامعيّة ما كتبه لأبحاث أساتذته، وهذه المزيّة تفتقدها أكثر كتابات زملائه.
• كان أغلب زملائه يستعينون بكتاباته؛ حيث كان جملة منهم كثير السفر والانقطاع، حتّى أنَّ أحد التلامذة كان جديد العهد في حضوره عند
ــــــ[16]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
السيّد الشهيد الصدر الأوّل+ ولم يدرك درس الأُستاذ إلَّا قليلاً، فأخذ من كتابات السيّد الشهيد الصدر الثاني+ قرابة ألف وثمانمائة صفحة. وهذه المزيّة قلّما تُوجد عند الآخرين، فهي تعبّر عن نفسٍ طيّبةٍ همّها خدمة الشريعة، سواء كان عن طريق نفسها أم كان عن طريق الآخرين.
نعم، إنَّ جملة من أبحاث أُصول السيّد الصدر الأوّل+ لم نعثر عليها، وأغلب الظنّ أنَّ ذلك كان للسبب المذكور، أي: بسبب إعارته الآخرين كتاباته.
إجازته في الرواية
أمّا إجازته في الرواية فله إجازات من عدّة مشايخ، أعلاها من الملّا محسن الطهراني الشهير بـ(آغا بزرگ الطهراني+) عن أعلى مشايخه، أي: الميرزا حسين النوريّ صاحب كتاب >مستدرك الوسائل<.
ومنهم أيضاً والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين+، وابن عمّه السيّد آقا حسين خادم الشريعة+، والسيّد رضا الصدر+، والسيّد عبد الرزّاق المقرّم+، والسيّد حسن الخرسان+، والسيّد عبد الأعلى السبزواريّ+، والدكتور حسين علي محفوظ&(1).
اجتهاده وتدريسه
أُجيز بالاجتهاد من قِبَل أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ في سنة 1398 هـ .ق (وكان عمره آنذاك 36 سنة)؛ حيث اتّفق أنَّ جملة من
ــــــ[17]ـــــــ
(1) راجع المصدر السابق 1: 240.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الفضلاء طلبوا من السيّد الشهيد محمّد الصدر أن يباحثهم على مستوى أبحاث الخارج، وقد سألوا السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر عن ذلك، فبارك لهم وشجّعهم عليه، وذكر لهم تمام الأهليّة للسيّد محمّد الصدر، وقد اتّفقوا على أن تكون مادّة البحث في الفقه الاستدلاليّ كتاب >المختصر النافع< للمحقّق الحلّي؛ لأنَّه يمثّل دورةً فقهيّةً كاملةً ومختصرةً في الوقت نفسه، وكان مكان الدرس آنذاك مسجد الشيخ الطوسيّ+، وقد استمرّ الدرس قرابة أربعة أشهر، وقد أدّت صعوبة الظروف حينها إلى انقطاع البحث وتفرّق الطلّاب(1).
ثُمَّ بتسديد الله وعونه عاد سيّدنا الشهيد+ إلى إلقاء البحث الفقهيّ بعد سنوات عدّة في جامعة النجف الدينيّة على متن كتاب >المختصر النافع< أيضاً، ثُمَّ توقّف الدرس، على أثر أحداث الانتفاضة الشعبانيّة، ليعود بعدها لإلقاء دروسه المباركة في مسجد الرأس، الملاصق للحرم العلويّ المقدّس، واستمرّ بحثه إلى آخر يومٍ من عمره الشريف. وكان يلقي في هذا المسجد أبحاثه في كلِّ يوم كالتالي:
أوّلاً: البحث الفقهيّ صباحاً.
ثانياً: البحث الأُصوليّ عصراً.
ثالثاً: إلقاء محاضرات تاريخيّة وأخلاقيّة وعقائديّة.
رابعاً: دروس في شرح كفاية الأُصول.
خامساً: الدروس القرآنيّة في يومي الخميس والجمعة من كلِّ أُسبوعٍ.
وممّا تتميّز به هذه المحاضرات – أي: الدروس القرآنيّة- روح التجدّد
ــــــ[18]ـــــــ
(1) راجع المواعظ واللّقاءات: 18- 19.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
والجُرأة في نقد الآراء وتفنيدها، كما اتّخذ سيّدنا+ أُسلوباً مغايراً لأُسلوب سائر المفسّرين في تفسير القرآن الكريم؛ إذ إنَّهم كانوا يبدؤون بتفسير القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، إلَّا أنَّه شرع تفسيره من سورة الناس رجوعاً إلى باقي السور القرآنيّة المباركة، وهو منهجٌ في البحث لم يسبق إليه سابقٌ. وله في اتّخاذ هذا المنهج رأيٌ سديدٌ طرحه في بداية البحث، فقال موضّحاً السبب في ذلك: >سيجد القارئ الكريم أنَّني بدأت من المصحف بنهايته، وجعلت التعرّض إلى سور القرآن بالعكس.
فإنَّ هذا ممّا التزمته في كتابي هذا نتيجةً لعاملين نفسيٍّ وعقليّ:
أمّا العامل النفسيّ: فهو تقديم الطرافة في الأُسلوب وترك التقليد للأُمور التقليديّة المشهورة، فيما يمكن ترك التقليد فيه.
وأمّا العامل العقليّ: فلأنَّ التفاسير العامّة كلّها تبدأ من أوّل القرآن الكريم طبعاً، فتكون أكثر مطالبها وأفكارها قد سردته فعلاً في حوالي النصف الأوّل من القرآن الكريم، وأمّا في النصف الثاني فلا يوجد غالباً إلَّا التحويل على ما سبق أن ذكره المؤلِّف؛ الأمر الذي ينتج أن يقع الكلام في النصف الثاني من القرآن مختصراً ومقتضباً، ممّا يعطي انطباعاً لطبقةٍ من الناس أنَّه أقلّ أهمّيّةً أو أنَّه أقلّ في المضمون والمعنى ونحو ذلك.
في حين إنَّنا لو عكسنا الأمر فبدأنا من الأخير، لاستطعنا إشباع البحث في السور القصيرة، وتفصيل ما اختصره الآخرون، ورفع الاشتباه المشار إليه. فإن لم نكن بمنهجنا قد استنتجنا أكثر من هذه الفائدة لكفى<(1).
ــــــ[19]ـــــــ
(1) منّة المنان في الدفاع عن القرآن 1: 44-45، المقدّمة.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
فاتّخذ سيّدنا هذا المنهج من باب سدّ النقص الذي يُحتمل الوقوع فيه بملاك ما تقدّم، ولغرض إشباعٍ آخر للقرآن بحثاً ودفاعاً، ولأجل سدّ الفراغ الموجود.
من أقوال العلماء في حقه
قال المفكّر الإسلاميّ الكبير آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ عند تقديمه لكتاب (موسوعة الإمام المهديّ#) للمترجَم له: >… وسأقتصر على هذا الموجز من الأفكار تاركاً التوسّع فيها وما يرتبط بها من تفاصيل إلى الكتاب القيِّم الذي أمامنا؛ فإنَّنا بين يدي موسوعةٍ جليلةٍ في الإمام المهديّ، وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزّاء، وهو العلّامة البحّاثة السيّد محمّد الصدر حفظه الله تعالى، وهي موسوعةٌ لم يسبق لها نظير في تأريخ التصنيف الشيعيّ حول المهديّ# في إحاطتها وشمولها لقضيّة الإمام المنتظر من كلِّ جوانبها، وفيها من سعة الأُفق وطول النفس العلميّ واستيعاب الكثير من النكات واللفتات، ما يعبِّر عن الجهود الجليلة التي بذلها المؤلِّف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة.
وإنّي لأحسّ بالسعادة وأنا أشعر بما تملؤه هذه الموسوعة من فراغ، وما تعبِّر عنه من فضل ونباهةٍ وألمعيّة. أسأل المولى سبحانه وتعالى أن يقرَّ عيني به ويريني فيه عَلَماً من أعلام الدين…<(1).
وقال والده آية الله الحجّة المقدّس السيّد محمّد صادق الصدر+ في حقّه: >… وإنَّ من نعم الله وآلائه على هذا العبد الفقير إلى عفوه وصفحه
ــــــ[20]ـــــــ
( ) كان ذلك بتاريخ: 17/جمادى الثانية/1397هـ. أُنظر: موسوعة الإمام المهديّ# 1: 40- 41.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
أن رزقني من الأولاد واحداً كألف، وبه يحفظ الله لنا هذه السلسلة الذهبيّة أن تفقد بعض حلقاتها، وبه تحتفظ السلسلة بكامل نضارتها وهيبتها وجميل هيأتها. ولد حفظه الله في السنة الثانية والستّين بعد الألف والثلاثمائة في ضحى يوم عيد مولد النبيّ الأعظم’؛ وبهذه المناسبة سمّيته محمّداً.
نشأ والحمد لله نشأةً حسنةً تحت ظلّ جدّه شيخنا آية الله العظمى مرجع عصره الشيخ محمّد رضا آل يس رضوان الله عليه، فلمّا تقلّص ظلّ الشيخ عنّا في سنة 1370هـ كان لا يزال ولدي طفلاً في الثامنة. فاشتغل في تعلّم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ثُمَّ اشتغل بمقدّمات العلوم فأتمّها، وبعدها دَرَسَ السطوح فأتقنها.
وهو في الوقت الحاضر يحضر دروس الخارج على العلماء الأعلام وآيات الله العظام، وقد دنا من الاجتهاد قاب قوسين أو أدنى إن لم يكن قد لمسه باليسرى واليمنى. وزيادةً على ذلك حصّل من العلوم ما هو خارجٌ عن دائرة اختصاص المجتهدين، وألمّ إلمامةً بسيطةً بلغةٍ أجنبيّة، وقد أحاط كلّ ذلك بالتقوى والعفاف والطهر. فشكراً لله إن كان الشكر يفي ويكفي … وهذا ولدي العالم الفاضل التقيّ النقيّ المؤلِّف المجيد والشاعر الناثر محمّد الصدر… ولا أراني بحاجةٍ إلى نصحه ووعظه؛ فإنَّه مستغنٍ عن ذلك، بل هو الذي يجب أن ينصح ويعظ الناس، وهنا يأتي المثل المشهور: ما المسؤول بأعلم من السائل، فقد رضع درّ الدين وتربّى في حجر الدين، والمأمول منه أن يصرف همّه وهمّته إلى نصرة الدين…<(1).
وقال آية الله العظمى الشيخ آغا بزرك الطهرانيّ+ في إجازته إيّاه
ــــــ[21]ـــــــ
(1) كان ذلك بتاريخ: 17/6/1387هـ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
بالرواية: >فإنَّ الفاضل الكامل البارع الباهر المحقّق المصنّف الماهر، ثقة الإسلام وعماد الأعلام وسلالة الفقهاء الفخام، مولانا الممجّد جناب السيّد محمّد، نجل العالم الجليل السيّد محمّد صادق، ابن العلّامة الأجل السيّد محمّد مهديّ الصدر، ابن آية الله العظمى السيّد إسماعيل الصدر الموسويّ العامليّ الكاظميّ طاب ثراه وجعل الجنّة مثواه، ووفّق حفيده المذكور لإنجاز ما رغب فيه من الخدمة لدين الإسلام الحنيف وإبلاغ أُصوله وفروعه إلى الخاصِّ والعامّ والوضيع والشريف…<(1).
وقال العلّامة الحجّة السيّد عبد الرزاق المقرّم+ في إجازته إيّاه بالرواية: >… فإنَّ العلّامة البارع في فنون المعارف الإلهيّة، والباحث عن مخبّئات حقايق الشريعة وآدابها، السيّد محمّد، نجل حجّة الإسلام التقيّ الورع السيّد محمّد صادق آل آية الله السيّد إسماعيل الصدر نوّر الله ضريحه، لما عرف من قدر العلم وقدر مساعي أعلام الأُمّة فأخذ بسيرتهم واستضاء بأنوار تعاليمهم…<(2).
وقال آية الله السيّد رضا الصدر+: >قرّة عيوننا المفدّى وكعبة آمالنا المرجّى، ركن التقى، وحصن الهدى، ملاذ الإسلام وكهفه، وقدوة المتّقين، حبيبنا محمّد من آل الصدر حفظه الله بقدرته التي لا تضام، ورعاه بعينه التي لا تنام… قرأت كتابك العزيز فشممت من خلال سطوره رائحة التقوى والعلم، ولقيني منه روح الفضل والصدق، والفضائل النفسيّة
ــــــ[22]ـــــــ
(1) كان ذلك بتاريخ: 10/جمادى الثانية/1387هـ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
(2) كان ذلك بتاريخ: 19/جمادى الثانية/1387هـ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
والفواضل الإنسانيّة مزيّنة بالهمّة والجدّ والعمل. أسأله تعالى أن يوفّقكم لخدمة الإسلام وأن يجعلكم شرفاً لنا وفخراً، آمين يا ربّ العالمين…<(1).
صفاته وسجاياه
لقد شهد لسيّدنا الشهيد+ جمعٌ غفيرٌ ممّن عرفوه منذ صباه بالتواضع ووضوح الشخصيّة، علاوةً على اتّصافه بسرعة البديهة في الإجابة على الأسئلة الفقهيّة والعلميّة والفكريّة.
وقد وصفه العلّامة الحجّة السيّد عبد الله شرف الدين حفظه الله في البغية قائلاً: وقد سطع نجمه، ولمع اسمه في الأندية العلميّة، وأصبح مرموقاً في وسطه، مشاراً إليه بالفضل، مقدَّراً عند أساتيذه وغيرهم. والحقّ أنّي رأيته من خيرة شباب هذا الجيل، فهو مفخرةٌ من مفاخر السادة الذين يرفعون الرأس عالياً، بنبوغهم وعلمهم، ويملؤون العين بسموِّ أخلاقهم وعلوِّ صفاتهم، وبهاء طلعتهم … وعلاوة على ذلك، هو كاتبٌ مجيد، من أهل الأقلام العالية، ذو حظٍّ وافر من البراعة في الإنشاء والكتابة والنظم، له عدّة مؤلَّفاتٍ تدلّ على قلمٍ سيّال، ومكانةٍ في الفكر والبحث والتحقيق(2).
وبالاقتراب منه+ يتّضح سلوكه العرفانيّ الذي يحاول إخفاءه قدر الإمكان، وكثيراً ما كان يؤكّد في عباراته على لزوم اليقظة والحذر من الوقوع في الانحراف وعدم الاستقامة وعدم اتّباع خطّ أهل البيت^، مؤكّداً في ذلك على جانب الإخلاص مع الله في القول والفعل. لذا نجده لم
ــــــ[23]ـــــــ
(1) لم يثبّت فيها التاريخ، وأغلب الظنّ أنَّها قبل سنة 1390هـ . مخطوط.
(2) بغية الراغبين 1: 239، في ترجمة السيّد محمّد الصدر.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
يكن يرضى أن تُقبَّل يده، معلّلاً ذلك بقوله: أنت تدخل الجنّة وأنا أدخل النار؟! أي: تدخل الجنّة؛ لأنَّك تفعل ذلك قربةً إلى الله، وأنا أدخل النار؛ لاحتمال حصول الكبر بتقبيل اليد.
وتراه يجيب عن بعض المسائل جواباً ناشئاً من أعلى مراتب التقوى قائلاًً: بحسب القاعدة حلال، لكن إن كنت تحبّ الله وتحبّ أن تكون ورعاً، فلا تفعل ذلك.
ثُمَّ إنَّه يستشفّ أحياناً من بعض إجاباته لسائليه أسرار ما خفي من المعرفة الإلهيّة، حيث يحجب في كثيرٍ من الأحيان الإجابة قائلاً: هذا من الأسرار؛ رأفةً بالسائل أن لا يتحمّل الجواب، وهكذا كان الاقتراب منه+ يكشف عن بعض الآفاق المعنويّة والعرفانيّة التي كان عليها، وما خفي أعظم.
وقد امتاز+ بالأمانة العلميّة، كما اتّفق بعض الأحيان – وإن كان نادراً جدّاً- تأخّره عن بحث أساتذته، ممّا يضطّره إلى أخذ ما فاته من البحث من زملائه، إلَّا أنَّه كان يشير إلى ذلك مع أنَّ ما أفاده منهم لا يتجاوز الصفحة الواحدة، بالإضافة إلى أنَّه كان يقرّر حسب فهمه الخاصّ لتلك الدروس والبحوث، إلَّا أنَّه كان يأبى إلَّا أن يذكر أصحاب تلك الأقوال التي يوردها، وهو قلّما نلحظه عند الآخرين، فراجع وتبصّر(1).
ــــــ[24]ـــــــ
( ) راجع على سبيل المثال كتاب البيع (من أبحاث السيّد الخمينيّ+ بقلم السيّد الشهيد محمّد الصدر+) 1: 181، وكتاب الطهارة (من أبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل+ بقلم السيّد الشهيد الصدر الثاني+) 1: 436.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
أفكاره الاجتماعية إبان شبابه
زامن بداية شبابه+ مجتمعه الذي كان يعاني – كما هو الحال اليوم- من الانحراف والفساد والمشاكل الاجتماعيّة، فأخذ على عاتقه أن يكون من أهل الإصلاح والهداية في ذلك المجتمع، فبادر لعلاج جملةٍ من المشاكل الاجتماعيّة بقلمه المبارك عن طريق كتاباته في المجلّات النجفيّة في ذلك الوقت، كمجلة الأضواء والنجف والإيمان، بالإضافة إلى الكتب التي أصدرها، ككتاب: الأُسرة في الإسلام، والقانون الإسلاميّ، وأشعة من عقائد الإمام المهديّ#. وكذلك كان يلقي المحاضرات الإرشاديّة والبحوث العلميّة في المناسبات والمحافل. واستمرّ+ على هذا المنوال إلى آخر يوم من حياته المعطاءة.
مرجعيّته الصالحة وقيادة الأُمّة
لا نبالغ إذا قلنا: إنَّ سيّدنا الشهيد محمّد الصدر+ ومرجعيّته أسّست حصناً رفيعاً للإسلام، وقلعةً شامخة للمسلمين، وملاذاً للأُمّة الإسلاميّة في العالم الإسلاميّ.
إنَّ المرجعيّة الدينيّة كانت على وشك الزوال والفناء في النجف الأشرف بسبب ظروف وأوضاع العراق الرهيبة، ووجود نظام جعل جُلّ همّه القضاء على شخصيّات المذهب الجعفريّ، ولم يبقَ منها إلَّا صُبابة لا تروي من ظمأٍ، ولم يكن هناك من حَلٍّ حقيقيّ لمعالجة هذا الوضع المعقّد إلَّا تصدّيه+؛ لأنَّه أفضل علاجٍ ناجعٍ لأخطر قضيّةٍ عرفتْها المرجعيّة، برغم معرفته التامّة بما ستُقدم عليه السلطة الحاكمة في بغداد من إجراءات؛ إثر الإصلاحات التي قام بها في المجتمع العراقي، والحوزويّ على وجه
ــــــ[25]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الخصوص، والتي كانت تخرج منه على شكل تصريحاتٍ بين الحين والآخر.
كما أنَّ تصدّيه سدّ الطريق على المتطفّلين الذين يتربّصون الدوائر ويتحيّنون الفرص لاستغلال المناصب الربّانيّة لمصالحهم الخاصّة، حتّى لو أدّى ذلك إلى الإضرار بالإسلام وقيمه السامية ورموزه المقدّسة.
ويجب أن نعرف أنَّ للمرجع الدينيّ مقوّماتٍ أساسيّة: منها: الأهليّة واللياقة والخبرة والقدرة على التفاعل مع الأُمّة بالمستوى الذي تترقّبه منه، فضلاً عن الاجتهاد الذي هو شرطٌ ضروريٌّ لعمليّة التصدّي. ولكن يجب أن نشير إلى أنَّ شرط الاجتهاد وحده ليس كافياً للتصدّي، بل يجب تَوفّر الشروط الأُخرى التي ذكرناها، ولعلّ عدم توفّرها يجعل تلك المرجعيّة وَبَالاً على الإسلام والمسلمين. ولا نقول ذلك اعتباطاً؛ فإنَّ تأريخ المرجعيّة شاهد صدقٍ على صحّة ذلك؛ إذ إنَّ الساحة قد شهدت وعلى امتداد التاريخ نماذج كان عدم تصدّيهم أنفع للإسلام وأصلح للمسلمين.
كما كان تصدّيه+ يمثّل امتداداً للخطِّ المرجعيّ الصحيح الذي كان يجب أنْ يبقى وأنْ يستمرّ؛ لأنَّه مدرسة خاصّة لا في العمق العلميّ – الفقهيّ والأُصولي- فقط، بل وفي الفهم الصحيح للمقام المرجعيّ وما يتطلّبه ويقتضيه.
إنَّ المرجعيّة بذاتها ليست هدفاً، وإنَّما هي امتدادٌ لخطِّ ومدرسة أهل البيت^، وما يجب أن يرشح عن هذا الفهم من أدوارٍ ومسؤوليّاتٍ كبيرةٍ وأهدافٍ ساميةٍ.
ولا نتخطّى الحقيقة إذا ما قلنا: إنَّ مرجعيّة سيّدنا الصدر+ جاءت لتلبّي حاجات الأُمّة الدينيّة والعلميّة والثقافيّة؛ وذلك لأنَّه+ لم يكن
ــــــ[26]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
فقيهاً محدود الأبعاد بما اعتاد العلماء دراسته والتعمّق فيه من علومٍ فقهيّة وأُصوليّة فقط، بل تميّز بالشمول والتنوّع في مختلف آفاق المعرفة التي تحتاجها الأُمّة، ولا سيّما تجاه الطبقة الرشيدة المثقّفة.
إنَّ تصانيفه+ المتنوّعة تكشف لنا عن مدى اطّلاعه الواسع وثقافته العميقة من جانبٍ، وعن وعيه الكبير لحاجات الأُمّة الفكريّة والروحيّة والأخلاقيّة من جانبٍ آخر.
ولعلّ هذه الميزة التي اتّسمت بها شخصيّته العلميّة والقياديّة إحدى المحفّزات التي جعلت الأُمّة تلتفّ حوله وتسير تحت رايته.
وسعى شهيدنا السعيد في ظلّ تصدّيه للمرجعيّة إلى الحفاظ على الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، بعد أن تفكّكت وآذنت بخطرٍ كبيرٍ على حاضرها ومستقبلها، فرمّم ما قد تلف، وبنى ما دعت الحاجة إليه، مع أنَّه قد لا يدرك أهمّيّة عمله العظيم مَن لم يعاصر أو يعايش تلك الظروف والأوضاع القاسية، إلَّا أنَّ ما قام به+ وما بذله من جهودٍ جبّارةٍ لأجل حماية هذا الكيان الكبير وإمداده بالحياة والحيويّة كان مشهوداً وملحوظاً عند الجميع، فلولاه لَمَا كان للحوزة العلميّة في النجف الأشرف إلَّا وجودٌ هامشيٌ لا قيمة له.
ومن خطواته الكبيرة إرسال العلماء والفضلاء إلى أنحاء العراق كافّة لممارسة مهامّهم الثقافيّة والتبليغيّة، وتلبية حاجات الأُمّة المختلفة. وعلى هذا الأساس شهدت الساحة حركةً لا سابقة لها في هذا المجال، رغم الصعاب الكبيرة التي تواجه المراجع في أمثال هذه الأُمور، إلَّا أنَّه+ استطاع – وبفترة زمنيّة قياسيّة – ملء شواغر وفراغاتٍ هائلةٍ لم يكن
ــــــ[27]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
بالإمكان سدّها من دون تصدّيه للمرجعيّة.
كما نلحظ أنَّه+ حرص على انتقاء النماذج الصالحة من العلماء والمبلّغين الذين يمثّلون القدوة الطيّبة؛ ليمثّلوا المرجعيّة الدينيّة بما تعنيه من قيمٍ وآمالٍ، وتجنّب إرسال مَن لا يتمتّع باللياقة، وحرص كلّ الحرص على سلوك هذا المنهج رغم ما يسبّبه ذلك من مشاكل وإحراجاتٍ كبيرةٍ.
كما سعى إلى تربية طلّاب الحوزة العلميّة في النجف الأشرف تربيةً إسلاميّة نقيّة، موفّراً لهم كلّ ما هو ممكن من الأسباب المادّيّة والمعنويّة التي تتيح لهم جوّاً دراسيّاً مناسباً يمكنهم به تخطّي المراحل الدراسيّة بصورةٍ طبيعيّة.
فبالإضافة إلى تلبية احتياجاتهم المادّيّة المختلفة كانت رعايته المعنويّة واضحةً ومشهودةً في كلّ شيءٍ، ممّا يجعل طالب العلم يشعر بالاطمئنان الذي يحقّق له الراحة النفسيّة اللازمة لمواصلة طلب العلم والعمل به، ثُمَّ هداية الناس إلى ما يُرضي الله عزّ وجلّ. كما كان تجاوبه حقيقيّاً مع الأُمّة في تطلّعاتها وحاجاتها وإدراك مشاكلها، ولا سيّما فيما يرتبط بالطبقة المستضعفة منها، فسعى لتقديم كلّ ما هو متاحٌ له من إمكانات مادّيّة، فكان يساعد الفقراء والمحتاجين ويرعاهم بما عُرف عنه من خُلقٍ إسلاميّ رفيعٍ، فجذب قلوبهم دون عناءٍ، وشدّ إليه عقولهم دون مشقّةٍ، وهكذا تفعل مكارم الأخلاق التي هي سلاح الأنبياء والصالحين.
علاوةً على ذلك كلّه: فقد عمد إلى تأسيس المحاكم الشرعيّة في أغلب المدن الشيعيّة؛ من أجل رجوع الناس لها وفضّ نزاعاتهم بدل المحاكم الباطلة التابعة للدولة، وعلى أثر ذلك فقد كانت تتوافد الناس عليها بشكلٍ
ــــــ[28]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
كبير، حتّى إنَّ العشائر – رغم عصبيّتهم- قد التزم عددٌ كبيرٌ منهم بما وضعه السيّد+ من قانونٍ عشائريٍّ طبقاً لمذهب أهل البيت^.
ثُمَّ دعا من على منبر الجمعة المبارك في مسجد الكوفة: كلّ الفئات المنحرفة إلى التوبة عنده، سواء كانوا وزراء أو مدراء أو موظّفين أو عمّالاً، وكذا دعا أهل السنّة للتكاتف والالتزام والتوحّد ضدّ العدوّ المشترك، ودعا الغجر إلى التوبة والإنابة، وكذا أهل اللّهو والغناء والممثّلين.
والحقّ أنَّه لا يُنكر استجابة كلّ الأطراف لدعوته بنسبٍ متفاوتة، وقد جاءوا عنده وقدّموا توبتهم. بالإضافة إلى جملةٍ معتدٍّ بها من المسيح والصابئة قد أسلموا على يديه، وأصبحوا من أخيار الناس في المجتمع العراقيّ، ومنهم مَن نعرفه شخصيّاً.
شعره
ذكر+ في مقدّمة ديوانه ما نصّه: قضيت حوالي أربعين عاماً من عمري(1) وأنا ناظمٌ للشعر، ولا أقول شاعر؛ لأنَّ الشاعر أحد شخصين: إمّا من يكرّس اهتمامه بشعره ويجعله الأهمَّ في حياته، وإمّا ذاك الذي اتّخذه صبغته الاجتماعية، يشارك في المدح والذمّ، وفي مختلف المناسبات، أو يطبع الدواوين. ولم أكن طيلة حياتي شيئاً من هذا القبيل، ولا طرفة عينٍ بعون ربّي العزيز الحميد.
وإنَّما بدأ شعري منذ صباي لما أحسستُه من القابلية على ذلك من ناحية، ولما كنت أقرأُه وألتهمه من مختلف أجناس الكتب – لو صحّ
ــــــ[29]ـــــــ
( ) كان ذلك في تاريخ: 22/ ربيع الأوّل/ 1419هـ ، أي: في نفس عام شهادته+.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
التعبير- بما فيها دواوين الشعراء من ناحيةٍ أُخرى، غير أنّ الهدف الأسمى ليس هو ذلك، ولا ينبغي أن يكون، وإنَّما هو مجرّد طريقٍ وتمهيدٍ للهدف ليس إلَّا …
يتّضح من تواريخ الشعر أنَّني بدأتُ نظم الشعر بالمستوى المعقول، وأنا في حوالي الاثني عشر عاماً من عمري، وبقيتُ على ذلك إلى حوالي الخمسين من عمري. والفرد بطبيعة الحال يمرّ في هذه الدنيا المتلاطمة بمختلف الحالات عقليّاً ونفسياً وعاطفياً واقتصادياً واجتماعياً، فمنها الحسن ومنها الرديء، ومنها المفرح ومنها المحزن، ومنها ما يتعلّق بالذات ومنها ما يتعلّق بالله سبحانه وتعالى، ومنها ما يتعلّق بالأُسرة، ومنها ما يتعلّق بالمجتمع، ومنها ما له مناسبة، ومنها ما ليس له مناسبة، وهكذا.
وقد فضَّلتُ أن يكون الترتيبُ التاريخيُّ هو المكفولَ في هذا الديوان، فهو أفضل من ترتيباتٍ أُخرى؛ لأنَّه سيكشف للقارئ تطوّرَ شعري من ناحية، والأزماتِ النفسية والاجتماعية التي مرّتْ بي، وكان لها صدىً في شعري من ناحيةٍ أُخرى. وحسْبه أن يحدِّد تاريخ بعض تلك الأزمات ليعرف أنَّ الحديث عن أيٍّ منها في هذه القصيدة أو تلك…
هذا، وقد أثبتُّ الشعر على ما فيه من بعض الأخطاء النحوية القليلة، أو من بعض الزحافات في الوزن أحياناً؛ لأنَّه إنَّما يمثّل مرحلةً من مراحل حياتي ووجودي ليس إلَّا. وممّا ينبغي للقارئ الالتفات إليه أنّ الوقف بالسكون على المنصوب، دون الوقف على الألف، أمرٌ يكاد يكون ملتزماً به في هذا الشعر كلّه.
هذا، وبالرغم من أنّي لم أبلغ – كما هو واضحٌ من هذا الديوان-
ــــــ[30]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
مصاف الشعراء العظماء، إلَّا أنَّه لا يبعد أن يكون بعض شعري جيّداً جدّاً وملفتاً للنظر مادّةً ومضموناً وأدباً. وإنَّما يقاس الفرد بأجود شعره…
وقد أسميته (مجموعة أشعار الحياة) للإشارة إلى أمرين:
أحدهما: أنَّه يمثّل كلَّ ما قلتُه من شعر، ومن البعيد جدّاً حصول غيره في الحاضر والمستقبل. ولئن كان ديوان الشاعر أو كمّية شعره لا يمكن ضبطها ما دام حيّاً؛ لاحتمال الزيادة فيه، فإنَّ شعري أمكن ضبطه لتعذُّر قولي للشعر فيما يلي من الزمان.
إذن، فهذه المجموعة هي كلُّ ما قلتُه في حياتي. ومن هنا صحّ عليها أنَّها (مجموعة أشعار الحياة).
ثانيهما: أنَّني تعمّدت الابتعاد عن العنوان الأدبي البرّاق لكي يمثّل حياتي الفعلية التي يسيطر عليها الجدّ والعمل، وتكاد تخلو من الوهم والخيال. ولو استلزم ذلك إعطاء قيمة أضعف لهذه المجموعة؛ لأنَّني إنَّما نشرتها لمجرّد الاطلاع لا للمفاخرة والابتهاج؛ لأنَّني الآن وبالتأكيد في حال مختلفةٍ كلّ الاختلاف دنيويّاً وأُخرويّاً (1).
ومن جملة أشعاره الثمينة:
حسبي الله(2)
عَلَى اللهِ تَدْبِيرُ الْأُمُورِ وَلَا أَرَى
فَإِنْ كَانَتِ الدُّنيَا رَخَاءً وَفُسْحَةً
فَفَضْلٌ لهُ يَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ دَائِماً
وَإِنْ كَانَتِ الدُّنيَا شَقَاءً وَذِلَّةً
فَخَالِقُنَا أَدْرَى بِمَا نَسْتَحِقُّهُ
يَداً غَيْرَ أَيْدِيهِ تُدِيرُ شُؤُونَنَا
وَفَضْلاً مِنَ الْبَاري يُقِرُّ عُيُونَنَا
مَدَى الدَّهْرِ إنْ كَانَتْ لَدَيْنَا عُقُولُنَا
وَآلَامَ عَيْشٍ تَسْتَذِيبُ قُلُوبَنَا
وَلَمْ يَكُ مُخْتَاراً لَنَا مَا يُشِيُننَا
وَمَادَامَ رَبِّي عَالِماً بِالَّذِي أَرَى
وَرَحْمَةُ رَبِّي خَيْرُ حِرْزٍ وَمَوْئِلٍ
فَلَا تَيْأَسَنْ مِنْ فَضْلِ رَبِّي وَعَفْوِهِ
فَلَسْتُ أَرَى فِي الْأَمْرِ مَا قَدْ يُضِيرُنَا(1)
وخَيْرُ شَفِيعٍ عِنْدَ ذَنْبِ يُدِينُنا
فَلَيْسَ سِوَاهُ مِنْ رَحِيمٍ يُعِينُنَا
بركات الولاية(2)
(وِلَايَتِي لِأَمِيرِ النَّحْلِ تَكْفِينِي
(وَطِينَتِي عُجِنَتْ مِنْ قَبلِ تَكْوِينِي
وَإِنْ أْكُنْ مُذْنِباً فِي جَنْبِ سَاحَتِهِ
وإِنْ أَكُنْ قَاصِراً فِي شُكْرِ نِعْمَتِهِ
وَإِنْ أَكُنْ عَاطِشاً فِي يَوْمِ نِقْمَتِهِ
وَإِنْ أَكُنْ خَائِفاً فِي يَوْمِ مِحْنَتِهِ
وَإِنْ أَكُنْ وَاطِئاً مِمَّا جَنَتْهُ يَدِي
وَإِنْ أَكُنْ خَالِياً مِنْ كُلِّ مَكْرُمةٍ
وَإِنْ أَكُنْ وَاقِفاً لَا أَهْتَدِي سُبُلاً
وَإِنْ أَكُنْ آسِفاً مِنْ فَقْدِ طَاعَتِهِ
فَحُبُّهُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ يُنْجِينِي
وَذِكْرُهُ مَخْرَجٌ مِنْ كُلِّ مَنْقَصَةٍ
كَيْفَ السُّلُوُّ إِذَنْ، مِنْ دُونِ وُصْلَتِهِ
وَهْوَ الَّذِي مِنْ عَظِيمِ الْكُرْبِ يُخْرِجُنِي
وَهْوَ الَّذِي ذِكْرُهُ نُورٌ لِذَاكِرِهِ
مَنَّ الْإِلَهُ بِأَلْطَافٍ مُعَمَّقَةٍ
وِلَايَتِي لِأَمِيرِ النَّحْلِ أَذْخُرُهَا
فَهْوَ الْمَفَازُ لَدَى الرَّبِّ الْعَظِيمِ غَداً
عِنْدَ الْمَمَاتِ وَتَغْسِيلِي وَتَكْفِينِي)
بِحُبِّ حَيْدَرَ كَيْفَ النَّارُ تَكْوِينِي)
فَحُبُّهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ يُعْفِينِي
فَعَطْفُهُ مِنْ ثَوَابِ اللهِ يُعْطِينِي
فَلُطْفُهُ مِنْ لَذِيذِ الْمَاءِ يُرْوِينِي
فَنُورُهُ مِنْ عَظِيمِ الْهَوْلِ يُنْجِينِي
فَمَجْدُهُ فِي مَرَاقِي الْعِزِّ يُعْلِينِي
عَطَاؤُهُ مِنْ عَظِيمِ الْبِرِّ يُغْنِينِي
فَكَفُّهُ فِي بِحَارِ النُّورِ تُجْرِينِي
فَذِكْرُهُ بِجَمِيلِ الذِّكْرِ يُسْلِينِي
وَنُورُهُ لِكَمَالِ الْحَقِّ يَهْدِينِي
وَوَجْهُهُ بِفَضَاءِ النُّورِ يُفْنِينِي
وَهَلْ سِوَاهُ عَنِ الدُّنْيَا يُسَلِّينِي
وَهْوَ الَّذِي فِي رِحَابِ الْحَقِّ يُؤْوِينِي
وَحُبُّهُ الْمِسْكُ يَجْرِي فِي شَرَايِينِي
وَإِنَّ أَعْظَمَهَا فِي أَصْلِ تَكْوِينِي
لِوَحْدَتِي فَهْيَ تَرْتِيبِي وَتَمْرِينِي
فَكَيْفَ أَشْقَى وَكَيْفَ النَّارُ تُخْزِينِي
حبّ الولاية(1)
إِلَهِي أَعْطِنِي مِنْ حُبِّ مَوْلىً
عَظِيمٍ كَيْ أَنَالَ بِهِ الْوِلَايَةْ
(الطاعة)
فَإِنِّي قَدْ وُلِدْتُ بِأَرْضِ قُدْسٍ
وَوُدِّي أَنْ أُكَفَّنَ فِي الْوِلَايَة
(البلدة)
عَسَى رَبِّي إِذَا مَا شَاءَ نَفْعِي
بِرَحْمَتِهِ يُبَارِكُ لِي الْوِلَايَة
(ولايتي)
أُكَرِّرُ حُبَّهُ مَا دُمْتُ حَيّاً
فَلَا يَقْطَعْ بِرَحْمَتِهِ وِلَايَهْ
(تكرار)
تشطير لأبيات في رثاء الحسين×(2)
(جَاءُوا بِرأَسِكَ يَا بْنَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ)
قَدْ كَانَ رُغْمَ سُمُوِّهِ وَعَطَائِهِ
(قَتَلُوكَ عَطْشَاناً وَلَمْ يَتَرَقَّبُوا)
لَمْ يَعْرِفُوا الشَّأْنَ الْعَظِيمَ وَأَسْقَطُوا
(وَكَأَنَّمَا بِكَ يَا بْنَ بِنَتِ مُحَمَّدٍ)
بَلْ إِنَّهُمْ بِنَكِيرِ فِعْلِهُمُ ضُحىً
(وَيُكَبِّرونَ بِأَنْ قُتِلْتَ وإِنَّمَا)
هَلْ يَدَّعِي الدِّينَ الْحَنيِفَ جَمَاعَةٌ
مِنْ فَوْقِ رُمْحٍ يَقْرَأُ التَّنْزِيلَا
(مُتَزَمِّلاً بِدِمَائِهِ تَزْمِيلَا)
غَضَبَ الْإِلَهِ يُصَبُّ وَالتَّنْكِيلَا
(فِي قَتْلِكَ التَّنْزِيلَ وَالتَّأْوِيلَا)
قَتَلُوا الْأَئِمَّةَ وَالْمَلَاكَ قَبِيلَا
(قَتَلُوا جَهَاراً عَامِدِينَ رَسَولَا)
عَصَوُا الْكِتَابَ وَقَدَّمُوا التَّسْوِيلَا
(قَتَلُوا بِكَ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَا)
ــــــ[33]ـــــــ
(1) مجموعة أشعار الحياة: 212.
(2) مجموعة أشعار الحياة: 229.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
تشطير أبيات للحلاج قالها وهو على المقصلة(1)
(مَالِي جُفِيْتُ وَكُنْتُ لَا أُجْفَى)
وَقَطَعْتَ عَنِّيِ الْمَنْهَلَ الْأَصْفَى
وَهَجَرْتَنِي وَالشَّوْقُ فِي كَبَدِي
(وَدَلَائِلُ الْهِجْرَانِ لَا تَخْفَى)
(وَأَرَاكَ تَمْزُجُنِي وَتَشْرَبُنِي)
وَأُرِيدُ مِنْكَ الْمَشْرَبَ الْأَوْفَى
حَاشَـاكَ أَنْ تَجْفُو بِعَادَتِنَا
(وَلَقَدْ عَهِدْتُك شَارِبِي صِرْفَا)
وقال في حقِّ والده الحجّة المقدّس السيّد محمّد صادق الصدر+(2):
أَبِي يَا عَظِيمَ الْمَجْدِ وَالْمَجْدُ مُقْبِلُ
وَيا غُرَّةَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ فِي الضُّحَى
بِكَ افْتَخَرَ الْمَجْدُ الْعَظِيمُ مَهَابَةً
وَفَاخَرَ فِيكَ الْعَصْرُ سَابِقَ عَهْدِهِ
سَطَعْتَ فَحَوَّلْتَ الدُّجَى بَارِقَ الضُّحَى
وَأَذْعَنَتِ الْأَيَّامُ وَالدَّهْرُ والْوَرَى
سَمَوْتَ عُلاً مَا الْفَرْقَدَانِ وَمَا السُّهَا
سَبَقْتَ الْوَرَى شَأْواً وَعِزّاً وَسُؤدُداً
وَلا غَرْوَ يَا لَيْثَ الْمَكارِمِ وَالْعُلَا
شَأَوْتَ بِقُدْسِ النَّفْسِ وَالطُّهْرِ وَالْعُلَا
إلَى اللهِ فِي نُورِ الْهِدَايَةِ خَالِدٌ
لِكَيْ تَحْرِقَ النَّفْسَ الْعَظِيمَةَ بِالتُّقَى
فَلَوْ وُزِّعَ الْخَيْرُ الَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ
وَلَوْ قَبَسُوا التَّقْوَى إذَنْ، لَرَأيتَهُمْ
وَلَو وُزِّعَتْ آيَاتُ زُهْدِكَ بَيْنَهُمْ
فَقَدْ فُزْتَ بِالْقِدْحِ الْمُعلَّى مَكارِماً
***
أَبِي لَا أَرَى فِكْراً وَقَلْباً وَجَانِحاً
تَدانَيْتَ مِنِّي قَابَ قَوْسَيْنِ فِي الْحَشَا
تَفَتَّحَ قَلْبِي حِينَ نَوَّرْتَ قَلْبَهُ
وَلَا غَرْوَ أَنِّي مِنْكَ قَلْبٌ وقَالَبٌ
فَمَا أَرْوَعَ الْحُبَّ الْعَظِيمَ بِجَانِحِي
زَرَعْتَ بِقَلْبِي الطُّهْرَ وَالنُّورَ وَالصَّفَا
تَعَهَّدْتَنِي بِالسَّقْيِ وَالرَّعْيِ سَاهِراً
تَخَيَّرْتَ لِي خَيْرَ الدُّرُوبِ وَسُقْتَنِي
تَخَيَّرتَ لِي الْحَقَّ الصَّرِيحَ مُنَوَّراً
وَذَلَّلْتَ صَعْبَ النَّائِبَاتِ لِصَالِحِي
مَشَيْتَ قَوِيّاً صَامِداً مُتَوَثِّباً
وَعَبَّدْتَ دَرْبِي بِالصَّلاحِ وَبِالتُّقَى
وَإِنِّي وَإنْ لَمْ أَبْلُغِ الْقِمَّةَ الَّتِي
وَلَا زِلْتُ مَحْفُوفاً بِنَقْصٍ وَرِيبَةٍ
وَلَمْ أَرْتَفِعْ شَيْئاً لِمَا هُوَ بُغْيَتِي
وَلَكِنَّ عُذْرِي أَنَّنِي لَسْتُ وَاصِلاً
وَمَهْمَا أَرَى عِنْدِي مِنَ الْفَضْلِ وَالْهُدَى
وَمَهْمَا أَرَى مِنْ خِسَّةٍ وَدَنَاءَةٍ
فَلَسْتَ لِنَفْسِي غَيْرَ مَشْعَلِ دَرْبِهَا
وَلَنْ يُغْمَطَ الْفَضْلُ الَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ
فَذَاكَ بِلُبِّ الْقَلْبِ أَضْحَى مَقَامُهُ
***
أَبِي قَدْ غَمَطْنَا أَيَادِيكَ حَقَّهَا
هَجَرْنَا مَزَايَاكَ الْعِظَامَ وَفَضْلَهَا
جِهَاداً وَجُهْداً وَابْتِلَاءً وَمِحْنَةً
وَجَابَهْتَ أَنْوَاءَ الزَّمَانِ عَظِيمَةً
فَمَا أَثَّرَتْ فِينَا الْجُهُودُ وَرَاعَنَا
لَقَدْ لَعِبَتْ فِينَا الْخِيَانَةُ دَوْرَهَا
وَلَمْ نَتَفَهَّمْ مِن جِهَادِكَ مَوْقِفاً
تَحَكَّمَ فِينَا الْجَهْلُ لَا عَنْ بَلَادَةٍ
وَمَا قَدْ أَجَبْنَا الْفَضْلَ حَقَّ جَوَابِهِ
نَسِينَا جِهَادَ التَّضْحِيَاتِ وَعُنْفَهُ
وَهَلَّا شَكَرْنَا سَعْيَكَ السَّابِغَ الَّذِي
ولَنْ يَبْلُغَ الشُّكْرُ الَّذِي نَسْتَطِيعُهُ
وَلَوْ خُصِّصَتْ كُلُّ الْحَيَاةِ لِشُكْرِهَا
لَمَا بَلَغَتْ مِعْشَارَ مَا أَنْتَ فَاعِلٌ
لَقَدْ زُرِعَتْ آيَاتُ فَضْلِكَ فِي الضُّحَى
وَزادَ عَلَى عَدِّ الْحِسَابِ عَدِيدُهَا
فَلَا غَرْوَ إِنْ ضَاقَ الْبَيَانُ بِمَنْطِقٍ
فَحَسْبُكَ مِنَّا كُلُّ مَا نَسْتَطِيعُهُ
مِنَ الْحُبِّ وَالْإِخْلَاصِ وَالْجَمْرَةِ الَّتي
وَتَقْدِيرُنا لِلْجُهْدِ وَالْحُبِّ وَالْعَنَا
أَبِي قَدْ تَرَى أَنِّي أَتَيْتُ مُكَفِّراً
فَإنِّيَ قَدْ فَرَّقْتُ شِعْرِيَ فِي الْوَرَى
فَشَرَّفْتُ شِعْرِي بِالْمَدِيحِ لَعَلَّنِي
فَذِكْرُكَ بَعْضٌ مِنْ مَزِيجِ عَوَاطِفِي
تَقَبَّلْ إِذَنْ،.. لَا شَكَّ أَنَّكَ فَاعِلٌ
وَعُذْراً إِذَا قَصَّرْتُ فِي شَرْحِ مَوْقِفِي
وَدُمْ سَابِغاً بِالْعِزِّ دَوْماً مُؤَيَّداً
لِتَرْفَعَ مِنْ آيِ الْكِتَابِ وَدِينِهِ
فَقَدْ صَانَكَ الرَّحمَانُ ذُخْراً وَمَوْئِلاً
(وَلَا زِلْتَ مَوْفُورَ الْكَرَامَةِ سَالِماً)
وَلَا زَالَ لُطْفُ اللهِ يَرْعَاك دَائِماً
وَوَفَّقَنِي رَبِّي قِيَامَاً بِوَاجِبِي
لَعَلِّي أُوَفِّي مِنْ ضَمِيرِيَ حَقَّهُ
وَلَكِنَّ ذَا شَأْوٌ مِنَ الْحَقِّ بَالِغٌ
إِذَا كُنْتُ أَرْجُو أَن أُؤَدِّيَ بَعْضَ مَا
وَلَكِنَّ تَوْفِيقَ الْإِلَهِ إِذَا أَتَى
فَدُمْ سَابِغَ النَّعْمَاءِ بِالْبِشْرِ وَالْهَنَا
وَفُزْ بِلِوَاءِ الْعِزِّ بَنْداً مُرَفْرِفاً
فَهَذَا نَشِيدِي، بَلْ عُصَارَةُ فِكْرَتِي
وَمَنْ هُوَ فِي أُفْقِ الْمَكَارِمِ أَوَّلُ
وَيَا بَدْرَ تَمٍّ لِلْعُلَا لَيْسَ يَأْفَلُ
فَفَضْلُكَ مِن جَمِّ الْفَضَائِلِ أَفْضَلُ
وَآتِيهِ. وَالْفَخْرُ بِالْحقِّ يَجْمُلُ
بِأَنْوَارِ قُدْسٍ بَيْنَ جَنْبَيْكَ تَحْمِلُ
بِمَجْدٍ لَهُ هَامُ السَّمَاوَاتِ مَنْزِلُ
وَأَخْفِضْ بِهَا إنْ قَارَنَ الْمُتَأَمِّلُ
وَصَافَحْتَ آفَاقاً لَهَا لَيْس تُؤْمَلُ
وَخَيْرَ بَنِي الدُّنْيَا لَوِ الْمَرْءُ يَعْقِلُ
إِلَى مَوْقِفٍ يَكْبُو بِهِ الْمُتَعَجِّلُ
وَفِي وَمَضَاتِ السَّرْمَدِيَّةِ مِشْعَلُ
وَقَلْباً لِرَفْعِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ يَعْمَلُ
عَلَى النَّاسِ قَدْ نَالُوا الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ
بِمَسْجِدِهِمْ صَلُّوا وَصَامُوا وَأَقْبَلُوا
لَمَصُّوا الْحَصَى حُبّاً بِهِ وَتَبَتَّلُوا
وَأَعْزِزْ بِهِ مَجْداً مِنَ اللهِ يَنْزِلُ
***
لَدَيَّ بِغَيْرِ الْحُبِّ نَحْوَك يَحْفِلُ
وَلَيْسَ بِأَعْصَابِي لِغَيْرِكَ مَنْزِلُ
بِيَوْمِ التَّدَانِي وَالْمُحِبُّونُ جُفَّلُ
كَمَا أَنْتَ مِنِّي وَحْدَةٌ لَيْسَ تُفْصَلُ
لِشَخْصِكَ مَا أَلوَى بِأُفْقِيَ مَفْصِلُ
رَيَاحِينَ مَا عَنْهَا الرَّيَاحِينُ تَفْضُلُ
بِجِدِّ دَؤُوبٍ مُخْلِصٍ .. تَتَأَمَّلُ
وَلَوْ وَجَدَتْ كَفَّاكَ مَا هُوَ أَعْدَلُ…
وَعَرَّفْتَنِي فِي الْكَوْنِ مَا كُنْتُ أَجْهَلُ
وَمَا كُنْتَ فِي ضِيقِ الشَّدَائِدِ تَحْفِلُ
بِقَلْبٍ عَلَى سُوءِ الرُّؤَى لَيْسَ يَجْفِلُ
وَبِالْخَيْرِ وَالإِحْسَانِ، وَالْخَيْرُ يُؤْمَلُ
تُمَثِّلُ أَهْدَافِي الَّتِي أَنَا آمُلُ
وَلَا زِلْتُ أَجْزَاءً مِنَ الْكَوْنِ أجْهَلُ
وَلَمْ يَكْتَنِفْنِي فِي الْحَقِيقَةِ مَنْزِلُ
لِشَأْوِكَ فِي مَجْدٍ لَهُ الْقُدْسُ مَعْقِلُ
فَمِنْ نُورِكَ الزَّاكِي بِهِ الْفِكْرُ يَشْعَلُ
بِطَبْعِي فَمِنْ نَفْسِي الَّتِي تَتَمَلْمَلُ
وَأَبْوَابِ نُورٍ فَوْقَ مَا أَتَخَيَّلُ
بِجُهْدِكَ إِذْ تَبْنِي الْعُلَا وَالتَّفَضُّلُ
وَمَنْ دَمُهُ الْفَوَّارُ يَحْيَا وَيَعْمَلُ
***
وَلَمْ نَتَمَيَّزْ حُسْنَ مَا هُوَ أَجْمَلُ
وَأَشْغَلَنَا عَنْكَ الَّذِي هُوَ يُشغِلُ
تَحَمَّلْتَهَا وَالصَّبْرُ فِيهِنَّ يَجْمُلُ
وَعَبَّدْتَ دَرْباً بِالْمَكَائِدِ يَحْفِلُ
بِأَنَّكَ مِنْ طُولِ الشَّدَائِدِ تَذْبُلُ
وَرَانَ عَلَى الْأَيَّامِ لِلشَّرِّ مَحْمَلُ
كَأَنَّ لَنا قَلْباً مِنَ الصَّخْرِ يَعْمَلُ
وَلَكِنْ تَسَامَحْنَا بِمَا أَنْتَ تَبْذُلُ
عَيِينَا .. وَبْعضُ الْخَيْرِ بالنُّطْقِ يَحْصُلُ
وَكَيْفَ بِتَيَّارَاتِهِ الْقَلْبُ يُؤْكَلُ
يُعَادِلُ ثِقْلَ الْكَوْنِ بَلْ هُوَ أَثْقَلُ
لِبَعْضِ الَّذِي تَسْعَى إِلْيهِ وَتَعْمَلُ
ثَنَاءً وَحَمْداً دَائِماً لَيْسَ نَغْفَلُ
وَكُنْتَ لَهُ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَعْجَلُ
وَعَمَّتْ فَكَانَتْ لِلْبَرِيَّةِ تَشْمَلُ
وَأَفلَجَ عَنْ تصوِيرِهَا المُتَخَيِّلُ
وَلَا عَجَبٌ لَوْ أَقْصَرَ الْحَمْدَ مِقْوَلُ
بِمَا في رُبَى أَكَبْادِنَا يَتَغَلْغَلُ
تُضِيءُ سُفُوحَ الْقَلْبِ وَالْقَلْبُ مُقْفَلُ
وَشُكْرَانُنَا دَوْماً.. لَعَلَّكَ تَقْبَلُ
قَصِيداً بِهِ لُبُّ الْقَرِيحَةِ يَعْمَلُ
بِمَنْ لَيْسَ يَعْلُو عَنْ عُلَاك وَيَفْضُلُ
أَقُومُ بِبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ وَأعْمَلُ
وَنُورُكَ مِنْ شَمِّ الرَّيَاحِينِ أَجْمَلُ
فَعَطْفُكَ أَسْمَى مِنْ نَشِيدِي وأَجْزَلُ
فَفَضْلُكَ يَنْبُو عَنْه شِعْرٌ وَمِقْوَلُ
عَلَى جَنَبَاتِ الْمَجْدِ جَوٌّ مُظَلِّلُ
تُحَصِّلُ فِي الْإِسْلامِ مَا لَيْسَ يَحْصُلُ
فَأَنْتَ الرَّجَا إنْ حَلَّ خَطْبٌ وَمُعْضِلُ
لِقَطْفِ ثِمَارِ العِلْمِ ذُخْرٌ مَؤُمَّلُ
بِرَحْمَتِهِ وَاللُّطْفُ لِلْخَلْقِ يَشْمَلُ
تِجَاهَكَ .. آلَاءً بِهَا لَيْسَ يَبْخَلُ
وَيَغْدُو سُلُوكِي عِنْدَ نَفْسِيَ أَعْدَلُ
وَيَحْتَاجُ عُمْراً بِالْمَتَاعِبِ يَحْفِلُ
عَمِلْتَ.. وَأَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ
يُخَفِّفُ مِن غُلْوَاءِ مَا أَنَا أَعْمَلُ
بِوَارِفِ عَيْشٍ شَمْسُهُ لَيْسَ تَطْفُلُ
لَهُ فِي رُبَى الْعَلْيَاءِ مَجْدٌ مُؤَمَّلُ
أُقَدِّمُهُ طَوْعاً .. لَعَلَّكَ تَقْبَلُ
وقال أيضاً في رثاء والده+(1):
بالْحُزْنِ دَوْماً وَالْأَسَى
خَطْبٌ دَهَى الدِّينَ وَقَدْ
بِهِ المُعَزَّى المُصْطَفَى
وَبِالَّذِي دَهَاهُمُ
وَالْقَلْبُ بِالْخَطْبِ أَسىً
هَذَا النَّبِيّ مُحَمَّدٌ
قَدْ عَاشَ قَلْبٌ والِهُ
ذَوَتْ لَهُ الْحَقَائِقْ
مُحَمَّدٌ وَآلُهُ
يَكُونُ صَبْرٌ رَائِقْ
يَصْرُخُ أَرَّخْتُ لَهُ
يَنْعَى الْإِمَامَ الْصَّادِقْ
وله في رثاء عمّه السيّد محمّد جعفر الصدر+:
بِالْحُزْنِ جَاءَ نَعْيُهُ
مَنْ زَالَ عَنْكُمْ لِلْعُلَى
قَدْ كَانَ ثَبْتاً صَامِداً
مُتَقَلِّداً أَفْكَارَهُ
يَسَعُ الْأَنَامَ بِصَدْرِهِ
لَا غَرْوَ إِنْ كَانَ السَّعَا
وَالصَّبْرَ وَالْإِقْدَامَ والْـ
حَتَّى إِذَا جَاءَ النَّعِيُّ
قُلْتُ: اسْتَفِقْ، مَنْ تَبْتَغِي؟
فَأَجَابَنِي: سَهْمُ الْمَنِيَّةِ
مُتَوَجِّهاً فِي قَصْدِهِ
يَنْعَاهُ رُزْءاً لِلْوَرَى
فِي يَوْمِ ضَمَّتْهُ الثَّرَى
فِي كُلِّ رُزْءٍ قَدْ جَرَى
مُسْتَحْكِماً مُتَبَحِّرَا
وَبِحُبِّهِ كُلَّ الْقُرَى
دَةَ وَالْهَنَاءَ لِمَنْ يَرَى
ـكَفَّ الَّتِي لَنْ تُبْتَرَا
بِشَجْوِهِ مُتَعَثِّرَا
عَلَّ الْمَقُدَّرَ قَدْ جَرَى
بِالْمُبَجَّلِ قَدْ سَرَى
أَرِّخْ: لِيَبْغِي جَعْفَرَا
وله في رثاء أُستاذه آية الله السيّد إسماعيل الصدر+(2):
ــــــ[38]ـــــــ
(1) مجموعة أشعار الحياة: 267.
(2) مجموعة أشعر الحياة: 182.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
يَا رَائِدَ الدِّينِ الْحَنِيفِ وَمَعْقِلَ الـ
وَمُجَاهِداً فِي اللهِ قَلَّ نَظِيرُهُ
للهِ أَيُّ حَرَارَةٍ خَلَّفْتَهَا
تِلْكَ الْقُلُوبُ الصَّافِيَاتُ غَذَوْتَهَا
أَعْطَيْتَهَا الْفِكْرَ الْكَبِيرَ هِدَايَةً
وَوَهَبْتَهَا عُمْراً لِيَأُخُذَ حَقْلَهَا
فِإِذَا اسْتَوَتْ حَلَقَاتُهَا وَتَرَعْرَعَتْ
فَارَقْتَهَا فَغَدَا الْجِهَادُ مُصَوَّحاً
فَعُقُولُهَا مِنْ فَرْطِ نُورِكَ فِي الضِّيَا
خَسِرتْ أَباً يَعْلُو بِثَاقِبِ وَعْيِهَا
وَمُجَاهِداً يَهَبُ انْدِفَاعَ جِهَادِهِ
خَسِئَ التُّرَابُ وَكُلُّ قَلْبٍ عَامِرٌ
وَلْيَخْسَأِ الدَّهْرُ الْخَؤُونُ قَضَيْتَهُ
فَلَأَنْتَ نَجْمُ الْمَجْدِ خُلِّدَ فِي الْعُلَا
عِنْدَ الَّذِي طُلْتَ الزَّمَانَ بِنُورِهِ
وَمَشَيْتَ فِي دَرْبِ الْإِلَهِ بِهِمَّةٍ
فَالْقُدْسُ فِي مَغْنَى لِقَائِكَ حَافِلٌ
خَلَّفْتَ فِي الدِّينِ الْحَنيِفِ مَآتِماً
لَا غَرْوَ أنْ يَأْسَى حَشىً وَشَرِيعَةٌ
ـوَعْي الْكَبِيرِ وَقَائِدَ الْإِقْدَامِ
بِصَرَاحَةٍ وَرَجَاحَةٍ وَتَسَامِي
فِي قَلْبِ كُلِّ فَتىً وَأيُّ أُوَامِ
نَهْلَ التُّقَى وَغَزَارَةَ الْإِسْلَامِ
وَرَفَعْتَهَا عَنْ رِبْقَةِ الْآثَامِ
عُمْراً يَطُولُ عَلَى مَدَى الْأَيَّامِ
وَمَشَتْ بِنُورِكَ ضِدَّ أَيِّ صِدَامِ
مِنْ دِقَّةٍ وَمَهَارَةٍ وَنِظَامِ
وَقُلُوبُهَا مِنْ وَجْدِهَا بِظَلَامِ
مِنْ وَهْدَةٍ نَحْوَ الْمَحَلِّ السَّامِي
وَثِمَارَهُ فِي صَالِحِ الْأَقْوَامِ
بِكَ، وَالْهُدَى فِي يَقْظَةٍ وَمَنَامِ
فِي نَكْبَةٍ وَتَأَوُّهٍ وَضِرَامِ
لَا يَنْطَفِي بِصَرَامَةِ الْأَوْهَامِ
وَلِأجِلِهِ اسْتَهْوَنْتَ كُلَّ صِدَامِ
فَوَصَلْتَهُ بِعَدَالَةٍ وَسَلَامِ
وَالْقَلْبُ يُرْمَى فِي الأَسْى بِسِهَامِ
وَعَلَى الْجِنَانِ مَحَافِلَ الْأَحْلَامِ
وَتَفُوزَ فِيك مَلائِكُ الْعَلَّامِ
مُذْ رُحْتَ لِلْفِرْدَوْسِ فَرْداً أَرِّخُوا:
بُشْرى الْجِنَانِ بِثَلْمَةِ الْإِسْلَام(1)
وله بمناسبة رجوعِ أُستاذه آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصّدر+ من الحجِّ(2):
ــــــ[39]ـــــــ
( ) إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة (منه+).
(2) مجموعة أشعار الحياة: 180.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
تَهَادَتْ بُشْرَيَاتُ النُّورِ
وَبَاهَتْ قِبْلَةُ الْإِسْلَامِ
وَلَا غَرْوَ إِذَا كَانَ
وَنِبرَاساً إِلَهِيّاً
فَمُذْ عَادَ مِنَ الْحَجِّ
أَتَى التَّارِيخَ قَلْبِيّاً
بَدِيهاً: فَخَرَ الْحَجُّ
تَحْدُو مَوْكِبَ الْبَدْرِ
فِيهِ سَالِفَ الْعَصْرِ
إِمَامَ الْعَقْلِ وَالْفِكْرِ
لَدَى إِنْسَانِهِ الْغُرِّ
سَلِيماً وَافِرَ الْفَخْرِ
عَلَى بَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ
بِحَجِّ السَّيِّدِ الصَّدْرِ
وله في رثاء العلّامة الحجّة السيّد حسن الخرسان+(1):
فِي سَوْرَةٍ مِنَ الْأَسَى وَالْحُزُنِ
وَكَيْفَ لَا وَالدِّينُ قَدْ ثُلَّ بِهِ
قَدْ كَانَ لِلْإِسْلَامِ بَنْداً فَانْطَوَى،
بِهِ الْمُعَزَّى أَحْمَدٌ وَآلُهُ
قَدْ كَانَ لِلْأَنَامِ خَيَرُ مُحْسِنٍ
وذَاكَ عِنْدَ اللهِ أَسْمَى عَلَمٍ
أَعْلَى بِهَا الْإِيمَانَ فِي أَبْنَائِهِ
وَمُذْ سَمَا نَحْوَ الْفَرَادِيسِ الْعُلَى
وَجَاوَرَ الرَبَّ الْكَرِيمَ رَحْمَةً
أَوْدَى فَأَضْحَى الْقَلْبُ رَهْنَ الْمِحَنِ
وَالْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ لِلْمُؤْتَمَنِ
بِهِ نَرُدُّ عَادِيَاتِ الزَّمَنِ
فَكَيْفَ مَنْ دَانَ لَهُمْ بِالْعَلَنِ
وَمُنْعِمٍ أَكْرِمْ بِهِ مِنْ مُحْسِنِ
بِالْعِلْمِ وَالتَّقْوَى عَظِيمُ الْمِنَنِ
وَبِالْهُدَى أَحْيَى جَمِيعَ السُّنَنِ
رُوحاً بِنُورٍ فَاقَ كُلَّ الْفِطَنِ
وَالْمُصْطَفَى وَآلَهُ فِي عَدَنِ
تَأَلَّمَ الْقَلْبُ لِفَقْدِ (شَيْخِهِ)(2)
وَبِالْأَسَى يَقُولُ: أَرِّخْ بِبُكَا
وَسَيِّدٍ يَعْلُو جَمِيعَ الْأَلْسُنِ
قَدْ أَثْكَلَ الْمَهْدِيَّ فَوْتُ الْحَسَنِ
ــــــ[40]ـــــــ
( ) مجموعة أشعار الحياة: 269.
(2) هو شيخي في إجازة الرواية رحمة الله عليه (منه+).
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
وقال بمناسبة زيارته لآية الله السيّد رضا الصدر+ في بيته( ):
وَمُذْ رَأَيْنَا الصُّبْحَ فِينَا قَدْ أَضَا
دَلِيلُنَا الشَّيْخُ اللَّطِيفُ فَوْمَنِي
أَدْخَلَنَا فِي دَارِهِ الْمَنِيعَةْ
كَانَ بِهَا السَّيِّدُ مَعْ أَنْجَالِهْ
وَلَمْ يَقُمْ لَنَا لَدَى التَّحِيَّةْ
قَالَ لَنَا بِأَنَّ فِيهِ مَرَضَا
لَكِنَّهُ أَبْدَى كَرِيمَ الْقَالَةْ
وَقَدَّمُوا فَوَاكِهاً وَحَلْوَى
وَالشَّايَ وَالْقَهْوَةَ وَالدُّخَانِ
كَانَ الْكَلامُ فِي أُمُورٍ شَتَّى
رَوَى لَنَا عَنِ الْفَقِيدِ الصَّدْرِ
ذَاكَ الَّذِي سَمِيُّ مُوسَى الْكَاظِمْ
ثُمَّ خَرَجْنَا فِي ارْتِيَاحٍ شَامِلِ
لَقَدْ رَكِبْنَا كُلُّنَا نَحْوَ الرِّضَا
أَدْعُو وَقَاهُ اللهُ شَرَّ الزَّمَنِ
شَامِخَةً لَطِيفَةً رَفِيعَةْ
أَخُوُه أَيْضاً مَعَ بَعْضِ آلِهْ
مُعْتَذِراً عَنْ وَقْفَةٍ حَفِيَّةْ
فَأَذْعَنَ الْجَمِيعُ مِنَّا لِلرِّضَا
وَلَمْ يُقَصِّرْ نَحْوَنَا بِالْحَالَةْ
وَبِسْكِتاً ذَا الْوَرَقِ الْمُقَوَّى
وَكُنْتُ مِنْهُ فِي حِمَى الْأَمَانِ
فِقْهاً وَتَفْسِيراً وَكُلَّ مَأْتَى
أَخِيهِ إِذْ كَانَ سَجِينَ الْغَدْرِ
فَكَمْ لَهُ فِي سِجْنِه مِنْ ظَالِمْ
حَفَاوةً وَاضِحةَ الدَّلَائِلِ
آثاره وتصانيفه الثمينة
ترك السيّد الشهيد محمّد الصدر+ مؤلَّفاتٍ كثيرة، امتازت كلّها بالإبداع والابتكار، ومنها:
1. نظراتٌ إسلاميّةٌ في إعلان حقوق الإنسان.
2. فلسفة الحجّ ومصالحه في الإسلام.
3. أشعّةٌ من عقائد الإسلام.
ــــــ[41]ـــــــ
(1) مجموعة أشعار الحياة: 328.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
4. القانون الإسلاميّ وجوده، صعوباته، منهجه.
5. موسوعة الإمام المهديّ#، وتحتوي على:
أ. تاريخ الغيبة الصغرى.
ب. تاريخ الغيبة الكبرى.
جـ . تاريخ ما بعد الظهور.
د. اليوم الموعود بين الفكر المادّي والدينيّ.
هـ . هل الإمام المهديّ# طويل العمر(مخطوط).
6. ما وراء الفقه، في خمسة عشر مجلّداً.
7. فقه الأخلاق، في مجلّدين.
8. فقه الفضاء، وهو رسالة عمليّة في مسائل وأحكام الفضاء المستحدثة.
9. فقه الموضوعات الحديثة، وهو رسالة عمليّة في المسائل المستحدثة أيضاً.
10. حديث حول الكذب.
11. بحث حول الرجعة.
12. كلمة في البداء.
13. الصراط القويم، وهو رسالة عمليّة مختصرة.
14. منهج الصالحين، وهو رسالة عمليّة موسّعة في خمسة مجلّدات.
15. مناسك الحجّ.
16. أضواء على ثورة الإمام الحسين×.
17. شذرات من تاريخ فلسفة الإمام الحسين×.
ــــــ[42]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
18. منّة المنان في الدفاع عن القرآن، في خمسة مجلّدات. صدر منه (الجزء الأوّل) بقلم السيّد الشهيد+، وصدر(4أجزاء) تقريراً لدروسه القرآنيّة، على يد مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر.
19. منهج الأُصول، في خمسة مجلّدات.
20. مسائل في حرمة الغناء.
21. بين يدي القرآن الكريم، وهو فهرست موضوعيّ للقرآن الكريم.
22. مجموعة أشعار الحياة، وهو ديوان شعر يمثّل مراحل حياة سيّدنا الشهيد.
23. بيان الفقه، وهو بحثٌ فقهيّ استدلاليّ يتناول مبحث القبلة ولباس المصلّي، في خمسة مجلّدات تقريباً. صدر منه الجزء الأوّل.
24. اللّمعة في حكم صلاة الجمعة، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد إسماعيل الصدر+.
25. الإفحام لمدّعي الاختلاف في الأحكام.
26. مسائل وردود.
27. الرسائل الاستفتائيّة.
28. حبّ الذات وتأثيره في السلوك الإنساني.
29. مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء.
30. الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام.
31. حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء.
32. أُصول علم الأُصول.
ــــــ[43]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
33. بحوث في صلاة الجمعة. تقرير مؤسّسة المنتظر.
34. عشرات المقالات، كتبها+ في الصحف النجفيّة، صدر ت تحت عنوان رسائل ومقالات في ثلاثة أجزاء.
35. مبحث ولاية الفقيه.
36. الأُسرة في الإسلام.
37. رفع الشبهات عن الأنبياء^.
38. الدرّ النضيد في شرح سبب صغر الجسم البعيد. بحث فيزيائيّ.
39. محاضرات في علم أُصول الفقه (دورتان)، تقريراً لأبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل+.
40. تقريرات في علم أُصول الفقه (دورة كاملة)، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئيّ+، وتقع في ثلاثة عشر مجلّداً تقريباً.
41. كتاب الطهارة، تقريراً لأبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل+، ويقع في ثمانية مجلّدات تقريباً.
42. بحوث استدلاليّة في كتاب الطهارة، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئيّ+.
43. كتاب البيع، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد الخمينيّ+، ويقع في أحد عشر مجلّداً تقريباً. صدر منه ستة أجزاء.
44. دروس في شرح كفاية الأُصول، من أبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل+.
45. الكتاب الحبيب إلى مختصر مغني اللبيب.
46. تعليقة على رسالة السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ (الفتاوى الواضحة).
ــــــ[44]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
47. تعليقة على الرسالة العمليّة (منهاج الصالحين) للسيّد الخوئيّ+.
48. تعليقة على الرسالة العمليّة (مناسك الحجّ) للسيّد الخوئيّ+.
49. تعليقة على كتاب (المهديّ) للسيّد صدر الدين الصدر+.
50. حياة السيّد صدر الدين الصدر+.
51. الكلمة الحيّة في حكم حلق اللحية.
52. تعليقة على الرسالة العمليّة (وسيلة النجاة) للسيّد أبي الحسن الأصفهاني+.
53. المعجزة في المفهوم الإسلاميّ.
54. رسالة في الفقه المتكامل.
55. فوز الأنام في أدعية الليالي والأيّام.
56. قصص من القرآن الكريم.
57. السيّد الشهيد الصدر كما أعرفه. ترجمة أُستاذه الشهيد الصدر الأوّل+. مفقود.
58. تعليقة على بعض كتب اللّمعة.
59. تعليقة على بعض كتب شرائع الإسلام.
60. محاضرات أساتذته في كليّة الفقه. فلسفة، فقه، أُصول، علم النفس، علم الاجتماع، والأدب، والتاريخ، وغيرها.
61. تعليقة على (مستحدثات المسائل) للسيّد الخوئيّ+.
62. من ثمار الإسلام.
63. ردود نقديّة على كتاب (الشيعة والسنّة) لإحسان إلهي ظهير.
64. الكلمة التامّة في الولاية العامّة.
ــــــ[45]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
وغيرها ممّا لم نوفّق للاطّلاع عليه.
ومن خلال هذه الآثار والتصانيف القيّمة تتّضح بعض اهتمامات السيّد الشهيد الصدر الثاني+ بالفقه المعاصر، وتلبية حاجات الأُمّة معرفيّاً، وأنَّ كلّ مؤلَّف من هذه المؤلّفات شكّل قضيّة من القضايا وحاجة من الحاجات الملحّة للكتابة فيها.
جريمة اغتياله +
كان من عادة السيّد+ أنْ يجلس في مكتبه بعد صلاتي المغرب والعشاء في يومي الخميس والجمعة، ليخرج بعدها سماحته إلى بيته. وفي تلك الليلة خرج السيّد على عادته ومعه ولداه – السيّد مصطفى والسيّد مؤمّل قدّس سرهما- بلا حمايةٍ ولا حاشيةٍ، وفيما كانوا يقطعون الطريق إلى بداية منطقة (الحنّانة) في إحدى ضواحي النجف القريبة، وعند الساحة المعروفة بـ(ساحة ثورة العشرين)، جاءت سيّارة أميركيّة الصنع، ونزل منها مجموعة من عناصر السلطة الظالمة وبأيديهم أسلحة رشّاشة، وفتحوا النار على سيّارة السيّد، فاستشهدوا جميعاً.
وبعد استشهادهم حضر جمعٌ من مسؤولي السلطة إلى المستشفى، وذهب آخرون إلى بيته، ولم يسمحوا بتجمهر المعزّين أو الراغبين بتشييع جنازته، ولذا قام بمهمّة تغسيله وتكفينه مع نجلَيه مجموعةٌ من طلاّبه ومريديه، ثُمَّ شيّعوه ليلاً، حيث تمّ دفنه في المقبرة الجديدة الواقعة في وادي السلام.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}(1).
ــــــ[46]ـــــــ
(1) سورة الفجر، الآيات: 27-30.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ــــــ[47]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
منهجنا في التحقيق
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد +.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لكلِّ ما فيه خير وصلاح، إنَّه سميع مجيب.
كما نستغفره تعالى شأنه من كلِّ زللٍ وخطأ، سائلين العلماء والباحثين الكرام أن يتجاوزوا عن كلِّ عيب ونقصٍ لُوحظ في إخراج هذا الكتاب؛ فإنَّ الكمال لله وحده.
والحمد لله أوّلاً وآخراً
عادل الطائي
مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر
23/شعبان المعظّم/1436
النجف الأشرف
ــــــ[48]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ــــــ[54]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ــــــ[55]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ــــــ[56]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّد الخلق أجمعين وآله الطيبّين الطاهرين
ــــــ[57]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ــــــ[58]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
استدلّوا على حرمة حلق اللّحية بالأدلّة الثلاثة: الكتاب والسنّة والإجماع، فيقع الكلام حول ذلك في مقاماتٍ ثلاثة بهذا اللحاظ، وخاتمة.
المقام الأول
في الدليل القرآني على حرمة حلق اللحية
وهو قوله تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}(1).
وتقريب دلالتها على ذلك: أنَّ الأمر الوارد في الآية بتغيير خلق الله صادرٌ عن الشيطان، كما يدلّ عليه سياق الآية بوضوح؛ قال الله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً}(2).
فالأمر صادرٌ من الشيطان، وكلّ ما أمر به فهو محرّمٌ، والآية صريحةٌ بحرمة هذا العنوان في الجملة، وسياقها دالٌّ على حرمة كلّ ما يأمر به الشيطان وكلّ ما يترتّب على غوايته من ضلال، وخاصّة العناوين التفصيليّة
ــــــ[59]ـــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 119.
(2) سورة النساء، الآيات: 117-119.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
المأخوذة في الآية. ويؤكّده قوله تعالى في ذيلها: {وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً}.
إذن، فالكبرى الثابتة بهذه الآية أمرٌ تامٌّ بلا إشكال.
الكلام في معاني التغيير المأخوذ في الآية
قالوا: وحلق اللّحية من تغيير خلق الله المنصوص على تحريمه في الآية، فيكون حراماً(1).
فيقع الكلام في تحقيق هذه الصغرى، ومصداقيّة حلق اللّحية للتغيير المحرّم؛ فإنَّ المراد بالتغيير لا يخلو من أحد أُمور:
الأمر الأوّل: أن يراد به كلّ تغييرٍ في خلق الله من عالم الطبيعة، ولا إشكال حينئذٍ في الصغرى؛ لأنَّ الإنسان جزءٌ من عالم الطبيعة، واللّحية جزءٌ من الإنسان، فيكون تغييرها محرّماً.
إلّاَ أنَّ هذا الوجه واضح الفساد كبرويّاً؛ وذلك لضرورة حلّيّة جملة من التغييرات في عالم الطبيعة، كغرس الأشجار وحفر الآبار وقطع الأشجار وقلم الأظفار على ما مثّل به في >المصباح<(2). بل يلزم من الالتزام بذلك حرمة جعل القماش ثياباً والخشب أبواباً والأحجار دوراً، وكثير من أمثال هذه التصرّفات المقطوعة الحلّيّة في الشريعة.
إذن، فلا يمكن أن يكون الإطلاق مراداً من الآية على عمومه وشموله.
ــــــ[60]ـــــــ
(1) راجع الوافي (للفيض الكاشاني) 6: 658، باب 71، باب جزّ اللّحية والشارب …، والحدائق الناضرة 5: 560، ما ورد في اللّحية والشارب، ومصباح الفقاهة 1: 407، مسألة حرمة حلق اللّحية.
(2) أُنظر: مصباح الفقاهة 1: 407، حرمة حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
على أنَّ الآية بنفسها ممّا لا يستفاد منها الإطلاق، فإنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ التغيير المنهيّ عنه مقيّدٌ بتعلّق أمر الشيطان به، فتأمّل(1).
ومعه يكون التمسّك بإطلاق الآية في المورد المشكوك تعلّق أمر الشيطان به، من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
ومعه تكون الآية خاصّةً بموارد إحراز الحرمة في المرتبة السابقة؛ لكي يثبت كونه ممّا يأمر به الشيطان، ولا إطلاق لها لغير ذلك من الموارد.
الأمر الثاني: أن يُراد به كلّ تغييرٍ في الإنسان خاصّة، دون سائر عالم الطبيعة، ولو بدعوى أنَّ ذلك ممّا يُفهم من عنوان خلق الله بعد ثبوت عدم إرادة مطلقه؛ فإنَّ الإنسان هو المعنى الأخصّ لهذا العنوان. ومعه تكون الصغرى في محلّ الكلام محرزةً أيضاً؛ فإنَّ اللّحية جزءٌ من الإنسان، فيكون تغييرها حراماً.
إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ من وجوه:
أوّلاً: منع الكبرى؛ لضرورة حلّيّة جملةٍ من التغييرات في الإنسان كقصّ الأظفار وحلق شعر الرأس وحفّ الشارب، بل وجوب بعضها أيضاً كقطع الأعضاء الفاسدة الموجب بقاؤها للخطر، ومعه لا يمكن أن يكون المراد من الإطلاق شاملاً لمثل هذه الأُمور.
ثانياً: أنَّ المأخوذ في الآية هو عنوان التغيير لا خصوص الحلق، وتغيير اللّحية إن كان حراماً فإنَّه يشمل الأخذ منها أيضاً، وهو ممّا لا دليل على
ــــــ[61]ـــــــ
( ) إشارة إلى إمكان التمسّك بإطلاق المادّة في المرتبة السابقة عن ذلك، مع غضّ النظر عمّا قلناه في المناقشة السابقة (منه+).
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
حرمته جزماً، بل ورد استحبابه في الجملة(1)، على ما ستعرف. فتخصيص التغيير بخصوص الحلق ممّا لا وجه له.
ثالثاً: أنَّ المدّعى في هذا الوجه في نفسه ممّا لا يتمّ؛ وذلك لعدم القرينة عليه بخصوصه، وانصراف المراد عن الإطلاق لا يقتضي تعيّنه في الإنسان، بل غاية ما يلزم هو إجمال الآية وتردّدها بين أُمورٍ خاصّة كثيرة. وكون الإنسان هو الخلق بالمعنى الأخصّ لا يخلو من منع، على أنَّه ليس بمقدارٍ موجبٍ للتقييد.
الأمر الثالث: أن يكون المراد بالتغيير أُموراً خاصّة في الإنسان، لا مطلق التغيير. ومثّلوا له بالخصاء والوشم وفقء العين في الجملة، والختان وخضاب اللّحية وقصّ ما زاد منها على السنّة(2).
إلّاَ أنَّ هذا التغيير الخاصّ في الإنسان مجملٌ في نفسه، ويحتاج إلى تحصيلِ جامعٍ له، وهذا الجامع يُتصوّر على ثلاثة أنحاء:
النحو الأوّل: أن يراد به مطلق التصرّف في أعضاء الإنسان وأجزاء بدنه، كقطع العضو أو تغيير شكله أو لونه أو نحو ذلك.
ولا إشكال أنَّ مثل هذا الجامع يشمل حلق اللّحية كما يشمل سائر ما
ــــــ[62]ـــــــ
(1) راجع ذلك في الكافي 6: 486، وما بعدها، باب اللّحية والشارب، وسائل الشيعة 2: 113، وما بعدها، كتاب الطهارة، أبواب آداب الحمّام، باب 65، باب استحباب قصّ ما زاد عن قبضة من اللّحية.
(2) راجع البيان (للشهيد الأوّل): 128، كتاب الصلاة، النظر الأوّل: في المقدّمات، المقدّمة الثالثة: في اللباس، ومسالك الأفهام إلى آيات الأحكام (للجواد الكاظمي) 2: 402، كتاب الأمر بالمعروف، الآية الثامنة، والمنية في حكم الشارب واللّحية (للطبسي): 31- 32، الأمر الأوّل، الأدلّة القرآنيّة.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ذكروه من الأمثلة لهذا الأمر الثالث. إلّاَ أنَّه لرجوعه إلى مطلق التغيير في خلقة الإنسان، فيرد عليه ما أوردناه على الأمر الثاني.
النحو الثاني: أن يكون الجامع هو عنوانٌ غير ما خرج بالدليل على الجواز، وذلك بأن يُقال: إنَّ الآية دلّت على عدم حرمة التغيير في مطلق أجزاء الإنسان، فيكون ما دلّ الدليل على جوازه، من قبيل التخصيص لهذا الإطلاق. فإذا شككنا في خروج شيءٍ – كحلق اللّحية- عن العامّ بدليلٍ خاصّ أو عامّ، أو شككنا باندراجه تحت عنوانٍ جائز، كان مقتضى القاعدة هو التمسّك بالعموم لا محالة، كما ثبت في محلّه من الأُصول(1).
إلّاَ أنَّ هذا مضافاً إلى الطعن باختصاص الآية بخصوص الإنسان – كما قدّمنا- يكون ما خرج بالدليل المجوِّز كثيراً، بحيث يكون من التقييد المستهجن. فليُتأمّل(2).
وهذا الجامع لو تمَّ – وإن دلّ على حرمة الحلق على الفرض- إلّاَ أنَّه لا يشمل بعض ما مثّلوا به ممّا ذكرناه كالختان وخضاب اللّحية، فإنَّه ممّا دلّ الدليل على جوازه بل رجحانه، فيكون خارجاً بالتقييد.
النحو الثالث: أن يكون الجامع هو ما دلّ الدليل على حرمته بالخصوص، في المرتبة السابقة، بالتقريب الذي سبق أن ذكرناه، بعد تماميّة منع اختصاصها بالإنسان وإطلاقها من هذه الناحية.
ــــــ[63]ـــــــ
(1) راجع نهاية الدراية (للمحقّق الأصفهاني) 1: 638، وما بعدها، العمل بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، ونهاية الأفكار (للمحقّق العراقي) 1-2: 521، تقريب جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص.
(2) إشارة إلى إمكان ادّعائه باعتبار العناوين لا الأفراد (منه+).
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
وهذا النحو من التصوّر مساوقٌ لعدم دلالة الآية في نفسها على التحريم، بل يكون المدار غيرها ممّا دلّ على الجواز أو التحريم، فيكون حرمة اللّحية متوقّفاً على تماميّة الأدلّة الأُخرى عليه لا محالة، ولا يتمّ الاستدلال عليه بهذه الآية.
على أنَّه يخرج بهذا الجامع جملة ممّا ذكروه، كالختان وخضاب اللّحية وقصّ ما زاد منها على السنّة؛ فإنَّه ممّا لم يدلّ الدليل على حرمته.
نعم، يكون شاملاً لمثل قطع العضو ظلماً بلا موجب، أو حلق اللحية لأجل الهتك والإهانة، وفقء العين ونحو ذلك.
الأمر الرابع: أن يكون المراد بالتغيير هو خصوص اللواط والمساحقة، كما احتمله سيّدنا الأُستاذ في >المصباح<(1)، وقال: لأنَّ الغاية التي خُلق لها الرجال هو الحرث لإيجاد النسل، والنساء كالأرض الصالحة للحرث، فإعراض كلّ منهما عمّا خُلق له تغييرٌ لخلق الله تعالى.
وهذا لعلّه أردأ الوجوه:
أوّلاً: لعدم القرينة على التقييد بذلك، كما هو واضح.
ثانياً: أنَّه يتضمّن تعميم معنى الخلق للأُمور الانتزاعيّة والاعتباريّة، كالنكاح الصحيح والجماع ونحو ذلك، ولا إشكال في أنَّه خلاف أصالة الحقيقة.
ثالثاً: أنَّه يرجع إلى التمسّك بما كان محرّماً في المرتبة السابقة على الآية، ومعه لا يختصّ التحريم باللواط والمساحقة كما هو واضح.
ــــــ[64]ـــــــ
(1) أُنظر: مصباح الفقاهة 1: 336، تشبّه الرجل بالمرأة وتشبّه المرأة بالرجل، ومحاضرات في الفقه الجعفري 1: 287، أدلّة حرمة حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الأمر الخامس: أن يكون المراد بالتغيير للخلق، تغيير دين الله سبحانه وتعالى، كما عن >تفسير الصافي<(1) عن >المجمع<(2) في تفسير الآية أنَّه قال: لأنَّ >كلّ مولودٍ يولد على الفطرة- التي فطر الله عليها الناس- وإنَّما الأبوان يهوّدانه وينصّرانه<(3)، فإيجاد المانع من القول بالتوحيد تغييرٌ لخلق الله وفطرته. ونُسب(4) هذا القول إلى الشيخ في تفسيره(5).
إلّاَ أنَّ هذا لا يتمّ؛ لورود نفس ما أوردناه على الأمر السابق هنا؛ وذلك:
أوّلاً: لأنَّ التخصيص بخصوص هذا الخاصّ من الخلق دون غيره، ترجيحٌ بلا قرينة. وقد قلنا إنَّه بعد انتفاء إرادة المطلق، لا تتعيّن الآية في أيّ أمرٍ خاصّ.
ثانياً: أنَّ فيه تعميماً للأُمور الاعتباريّة؛ فإنَّ الدين ليس إلّاَ التشريعات والأحكام الصادرة عن الشارع المقدّس أو الصادرة عن العقل، كوجوب
ــــــ[65]ـــــــ
( ) أُنظر: تفسير الصافي مج1، 5: 396، نفس المضمون بلفظٍ آخر (منه +). وأُنظر: تفسير الصافي (ط.ج) 1: 501، تفسير سورة النساء.
(2) أُنظر: تفسير مجمع البيان 8: 59، تفسير الآيات: 26 إلى 30، من سورة الروم، وتفسير جوامع الجامع 3: 195، تفسير الآيات: 30 إلى 37، من سورة الروم.
(3) من لا يحضره الفقيه 2: 49، الخراج والجزية، الحديث 1668، و كذلك علل الشرائع 2: 376، الباب 104، العلّة التي من أجلها سقطت الجزية عن النساء، الحديث 2، ووسائل الشيعة 15: 12، الباب 48 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3.
(4) نسبه السيّد الخوئي في مصباح الفقاهة 1: 408، حرمة حلق اللّحية.
(5) هذا صحيح. أُنظر: تفسير هذه الآية 3: 334، [تفسير سورة النساء]. (منه+). وراجع أيضاً الموضع الآخر من التبيان في تفسير القرآن 8: 247، تفسير سورة الروم.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الالتزام بالتوحيد ونحوه، وكلّها من سنخ الأُمور الاعتباريّة، فيكون شمول الآية لها شمولاً للفرد المجازيّ لا محالة.
ثالثاً: أنَّ ذلك راجعٌ إلى التحويل على أُمورٍ مشروعةٍ أو محرّمةٍ في المرتبة السابقة عن الآية، ليكون منهيّاً عنه، ضرورة أنَّه لو كان جائزاً لما كان تركه من أوامر الشيطان.
فهذا الوجه في نفسه لا يتمّ. نعم، لو صحّت هناك روايةٌ تدلّ عليه للزم القول به؛ لكون تفسير القرآن بخبر الواحد حجّة، ويعطي للآية ظهوراً تعبّديّاً، وإن كان مخالفاً للظاهر العرفيّ كما ثبت في محلّه(1). إلّاَ أنَّ مثل هذه الرواية غير موجودةٍ، فضلاً عن أن تكون معتبرةً أو صحيحة.
ومن هنا قال في >المحاضرات<: وهذه الرواية لا نريد التمسّك بها؛ لعدم الوقوف على صحّة سندها …(2) إلخ.
المختار في معنى الآية
إذن، فبعد انتفاء سائر هذه الوجوه المحتملة، يتعيّن أن يكون المراد من الآية ما أشرنا إليه في الوجه الأوّل وغيره من كونها غير مستقلّة بالتشريع، وإنّما هي تنهى عن العصيان للتشريعات الثابتة في المرتبة السابقة عليها. ولا يختلف الحال في ذلك بين ما إذا كان مجال العصيان هو الدين أو الإنسان أو سائر مجالات الكون والطبيعة. وكلّ تغيير لم يدلّ الدليل عل حرمته أو دلّ على جوازه لا يكون مشمولاً للآية، سواء كان في الإنسان أو غيره.
ولعلّ هذا هو مراد القائل بكون المراد من الآية هو خصوص تغيير
ــــــ[66]ـــــــ
(1) أُنظر: البيان في تفسير القرآن: 395- 399، أُصول التفسير.
(2) راجع محاضرات في الفقه الجعفري 1: 287، حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الدين، فإنَّه وإن لم يثبت كون المراد هو ذلك بعنوانه، إلّاَ أنَّ التغيير المحرّم لمّا اختصّ فيما كان حراماً في المرتبة السابقة، كان خاصّاً بموارد التشريع والدين لا محالة.
ويدلّ على ما ذكرناه من سياق الآية، بل يعيّنه نسبة الأمر بالتغيير إلى الشيطان، والشيطان إنَّما يأمر بما فيه ضلالٌ وفساد، وذلك إنَّما يكون ثابتاً في العصيان للأوامر الشرعيّة النافذة في المرتبة السابقة كما هو واضح، ولا دليل على ثبوته في المرتبة المتأخّرة عن أمر الشيطان وإن كان مباحاً شرعاً، ولا هو ممّا يمكن فهمه من الآية عرفاً.
ومعه تسقط الآية عن الاستدلال لما هو محلّ الكلام، فإنَّ كون تغيير اللّحية أو حلقها ممّا أمر به الشيطان، فرع النهي عنه في المرتبة السابقة، فلابدَّ من البحث في الأدلّة الأُخرى، ولا تصلح أن تكون هذه الآية في نفسها دليلاً عليه(1).
إذن، فلم يتحصّل من القرآن دليلٌ على حرمة حلق اللّحية، وبهذا ينتهي الكلام في المقام الأوّل في الدليل القرآني المتكفّل لذلك.
ــــــ[67]ـــــــ
( ) ومعه تكون دعوى إجمال الآية على ما ادّعى صاحب الحاشية على المحاضرات واضحة الدفع، كما أنَّ التحميل لحملها على الوجه الأخير على ما قام به السيّد الأُستاذ غير تامٍّ (منه+). راجع: محاضرات في الفقه الجعفري 1: 288، حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ــــــ[68]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
المقام الثاني
في الدليل الدال على حرمة الحلق من السنة الشريفة
والكلام يقع في ذلك في جهتين: بلحاظ انقسام الأخبار إلى ما هو معتبر سنداً وإلى غيره.
الجهة الأُولى: في الأخبار المعتبرة من جهة السند، المدّعى دلالتها على ذلك
صحيحة البزنطي: وهي روايةٌ واحدة، هي صحيحة البزنطي المرويّة في الوسائل، عن السرائر، نقلاً من كتاب (الجامع) لأحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي صاحب الرضا×، قال: وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته؟ قال: >أمّا من عارضيه فلا بأس، وأمّا من مقدّمها فلا<(1).
ورواه الحميري في >قرب الإسناد< عن عبد الله بن الحسن، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه مثله(2). ورواه عليّ بن جعفر في كتابه، إلّاَ أنَّه قال في آخره: >فلا يأخذ<(3).
وقد اعتبرها السيّد الأُستاذ في >المصباح< العمدة في أدلّة حرمة حلق اللّحية وأخذها(4)، ولم يبيّن وجه دلالتها على ذلك.
ــــــ[69]ـــــــ
(1) مستطرفات السرائر: 574، مستطرفات جامع البزنطي، ووسائل الشيعة 2: 111- 112، الباب 63 من أبواب الحمّام، الحديث 5.
(2) قرب الإسناد: 296، باب ما يجوز من الأشياء.
(3) مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 139، قسم المسائل.
(4) راجع مصباح الفقاهة 1: 412، حرمة حلق اللّحية، الوجه السابع.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
والتحقيق أنَّها ساقطةٌ من حيث الدلالة على المقصود:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ المأخوذ في موضوع حكمها هو عنوان الأخذ، لا عنوان الحلق أو النتف ونحوه. ومن المعلوم أنَّ عنوان الأخذ من الشعر عبارةٌ عن تقصيره والقطع منه عرفاً، ولا يكاد يكون شاملاً لإزالته. ومعه يكون العنوانان متباينين، ويكون إسراء حكم أحدهما إلى الآخر من القياس المحرّم.
ولا يُقال: إنَّه إذا كان الأخذ محرّماً كانت الإزالة محرّمة أيضاً؛ إمّا باعتبار كون الأخذ مقدّمة لها، أو باعتبارها أولى منه بالحرمة.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا غير تامٍّ كبرى وصغرى: أمّا من جهة الكبرى، فإنَّ الصحيحة وإن كان لا يبعد دلالتها على حرمة الأخذ من مقدّم اللحية، فإنَّ نفي الصلاح في مثل هذا السياق نفيٌ للجواز عرفاً، وهو ملازمٌ للتحريم إن لم نقل إنَّه عينه لبّاً.
إلّاَ أنَّ نفس هذا المدلول مخالفٌ للضرورة القائمة على جواز الأخذ من المقدّم، بل المندوب إليه في الأخبار فيما زاد عن القبضة، ومعه لا يكون الحكم في المقيس ثابتاً ليسرّى إلى المقيس عليه بأحد الوجهين.
وأمّا صغرى: فلإنكار المقدميّة؛ لإمكان نتف الشعرة من دون قطع بعضها أوّلاً، وإنكار الأولويّة [ثانياً]؛ لاحتمال اشتمال الأخذ على ملاكٍ خاصٍّ به على تقدير ثبوت حكمه. فتأمّل.
هذا كلّه إذا كان الأخذ مبايناً مفهوماً للحلق والنتف.
وكذلك إذا كان أخصّ منه، بمعنى: أنَّ الحلق يصدق عليه الأخذ دون العكس، فإنَّه يرد عليها ما أورده السيّد الأُستاذ في >المحاضرات<، حيث قال: وحيث إنَّ ظاهر هذه الرواية حرمة الأخذ من مقدّم اللّحية،
ــــــ[70]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ولو لم يصدق عليه الحلق، وهو مقطوع البطلان، فلا يعتمد عليها( ).
وخلاصة المراد في ذلك: أنَّ الرواية على فرض الأخصّيّة، تكون دالّة ضمناً على حرمة حلق مقدّم اللّحية، ودالّة بالملازمة على وجوب إبقاء شيء منها وعدم حلق الجميع. إلّاَ أنَّ عنوان الأخذ شاملٌ – لا محالة- للقطع الذي يكون دون الحلق، وهو مقطوع الحلّية بالضرورة، كما أشرنا.
إذن، فتكون الرواية ساقطةً بجزء مدلولها لا محالة، وإذا سقطت بجزء مدلولها سقطت بجميع المدلول( ).
إلّاَ أنَّ الكلام في هذه الكبرى؛ فإنَّ سقوط بعض المدلول لا يستلزم سقوط الجميع، وإلّاَ لانسدّ باب التقييد أساساً، ولأوجب التقييد سقوط العامّ كلّه، وهو ممّا لا يلتزم به أحد، وخلاف القواعد التي أسّسوها ويقتضيها الفهم العرفيّ، ومعه تكون الرواية دالّةً على حرمة الحلق، ويكون ما سواه خارجاً بالتخصيص.
ودعوى: أنَّ تعرّضها لما هو مخالف للضرورة – ولو بجزء المدلول- مسقطٌ لها عن الحجّية، مدفوعةٌ: بوضوح كون ذلك ممّا لا يُخرج الرواة عن الوثاقة، ولا احتمال صدور الكلام عن الإمام× لوجود مصالح محتملة في بيان ذلك، غايته أن لا يؤخذ بما هو مخالفٌ للضرورة، ويبقى الباقي على حجيّته لا محالة.
ــــــ[71]ـــــــ
() محاضرات في الفقه الجعفري 1: 292، حلق اللّحية.
(2) وإذا سقطت الدلالة المطابقية سقطت الدلالة الالتزاميّة الثابتة بملاك الأولويّة (منه+)، هذه العبارة موجودةٌ على جانب الصفحة، ولم يعيّن مكانها، فأُنزلت للهامش في هذا المكان، لوحدة السياق والموضوع.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
إذن، فدلالة الرواية على تقدير عموم الأخذ للحلق تامّة، إلّاَ أنَّ العمدة في مناقشة الرواية هو إنكار ذلك، ودعوى ثبوت المباينة بينهما عرفاً. وخاصّة إذا تعدّى بـ (من) الدالّة على التبعيض، كما ورد في كلام السائل بوضوح، بل لا يبعد أنَّ القصّ والحفّ أيضاً إذا اقترن بـ (من) كان دالاً على التقصير دون الإزالة.
ويؤيّده جملةٌ من الروايات الواردة في هذا الباب، وهي وإن لم تكن تامّةً سنداً إلّاَ أنَّها تدلّ على المعنى اللغويّ لا محالة.
منها: رواية محمّد بن مسلم قال: رأيتُ أبا جعفر× والحجّام يأخذ من لحيته …(1).
ومنها: ما عن النبي’ قال: >ليأخذ أحدكم من شاربه والشعر الذي في أنفه<(2).
ومنها: ما عن السكونيّ عن أبي عبد الله× قال: >قال رسول الله’: من السنّة أن تأخذ من الشارب حتّى يبلغ الإطار<(3).
وأمّا إذا تعلّق المقصود في الروايات ببيان حكم الإزالة، ورد عنوان الحفّ والقصّ والحلق ونحوها.
ــــــ[72]ـــــــ
(1) الكافي 6: 487، باب اللّحية والشارب، الحديث 5، مَن لا يحضره الفقيه 1: 130، باب تقليم الأظفار وأخذ الشارب والمشط، حكم حلق اللّحية، الحديث 333، وسائل الشيعة 2: 111، الباب 63 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 1.
(2) قرب الإسناد: 67، أحاديث متفرّقة، وسائل الشيعة 2: 118، الباب 68 من أبواب آداب الحمّام، باب استحباب أخذ الشعر من الأنف، الحديث 2.
(3) الكافي 6: 487، باب اللّحية والشارب، الحديث 6، وسائل الشيعة 2: 114، الباب 66 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 2.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
فمنها: ما عن عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن قال: سألته عن قصّ الشارب أمِنَ السنّة؟ قال: >نعم<(1). على إحدى النسختين.
ومنها: ما عن رسول الله’: >حفّوا الشوارب وأعفوا اللحى<(2).
ومنها: ما عن أمير المؤمنين× وفيها: قال فقال له: >أقوامٌ حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمُسخوا …<(3).
ولا يُقال: إنَّ هذه الروايات الأخيرة تكون قرينةً على أنَّ المراد من الأخذ من الشارب في الروايات التي قبلها حلقه وإزالته.
فإنَّه يُقال: لا وجه للقرينيّة؛ لعدم المنافاة بين استحباب تقصيره واستحباب إزالته. على أنَّ هذا غير شاملٍ للرواية الأُولى؛ لعدم القرينيّة كما هو واضح.
هذا كلّه أوّلاً.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ الرواية تفرّق بين الأخذ من العارضين والمقدّم، وهو ممّا لم يقل به أحد. فتكون مخالفةً للإجماع المركّب، فيكون ذلك موهناً لها ومسقطاً لها عن الحجّية.
إلّاَ أنَّ هذا لا يكاد يتمّ:
أمّا أوّلاً: فلأنَّه متوقّفٌ على الاعتراف بكبرى الإسقاط عن الحجّية،
ــــــ[73]ـــــــ
(1) الكافي 6: 487، باب اللّحية والشارب، الحديث 4، وسائل الشيعة 2: 114، الباب 66 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 1.
(2) مَن لا يحضره الفقيه 1: 130، باب تقليم الأظفار وأخذ الشارب والمشط، الحديث 329، وسائل الشيعة 2: 116، الباب 67 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 1.
(3) الكافي 1: 346، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة، الحديث 3، وسائل الشيعة 2: 116- 117، الباب 67 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 4.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
وهو مما لا يتمّ في الإجماع التعبّدي المحصّل فضلاً عن المركّب، كما ثبت في محلّه(1).
وأمّا ثانياً: فلأنَّه متوقّفٌ على غضّ النظر عمّا قلناه من دلالتها بالملازمة على لزوم إبقاء بعض اللّحية، فيكون هذا التفصيل راجعاً إلى ذلك بعد التجريد عن الخصوصيّة عرفاً. وإنَّما أمر بإبقاء خصوص المقدّم باعتبار أهميّته. وهذا أمرٌ قريبٌ من النفس ثبوتاً على تقدير دلالتها على حرمة الحلق، وإن كان خلاف الظاهر بحسب مقام الإثبات.
وعلى أيّ حال، فهذه الصحيحة ساقطةٌ عن الدلالة على المطلوب، وفاقاً للسيّد الأُستاذ في >المصباح<(2)، وخلافاً له في >المحاضرات<(3)!!
وإذا لم تتمّ هذه الصحيحة، لم يبقَ على حرمة حلق اللّحية حديث معتبر، والروايات التي استشهدوا بها واستدلّوا وإن كانت كثيرة، إلّاَ أنَّ سائرها لا تكاد تتمّ من حيث السند.
فهذه هي الجهة الأُولى في الأخبار المعتبرة.
الجهة الثانية: في الأخبار غير المعتبرة من حيث السند
وهي كثيرة في الجملة كما أشرنا، إلّاَ أنَّ تماميّتها من حيث الدلالة لا يجدي في تتميم الفتوى بحرمة الحلق، كما هو واضح؛ لسقوطها سنداً في المرتبة السابقة.
ــــــ[74]ـــــــ
(1) أُنظر: أصول الفقه (للمظفّر) 3: 116، وما بعدها، الإجماع عند الإماميّة، وبحوث في علم الأُصول 4: 305، وما بعدها، حجيّة الإجماع.
(2) راجع مصباح الفقاهة 1: 411- 412، حرمة حلق اللّحية، الوجه السادس.
(3) راجع محاضرات في الفقه الجعفري 1: 292، حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
أخبار النهي عن التشبّه باليهود والمجوس
فمنها: مرسلة الصدوق قال: قال رسول الله’: >حفّوا الشوارب وأعفوا اللحى ولا تشبّهوا باليهود<(1).
قال: وقال رسول الله’: >إن المجوس جزّوا لحاهم ووفّروا شواربهم، وإنّا نحن نجزّ الشوارب ونعفي اللحى، وهي الفطرة<(2).
ونحوها رواية عليّ بن غراب عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله’: >حفّوا الشوارب وأعفوا اللحى ولا تشبّهوا بالمجوس<(3). [وهي] ضعيفة بعليّ بن غراب وغيره(4).
فهذه الروايات ناهيةٌ عن التشبّه في اللّحى باليهود والمجوس. وقد قالوا: إنَّنا نعلم من الخارج أنَّ من عادة اليهود إطالة اللّحى ومن عادة المجوس حلقها(5).
ــــــ[75]ـــــــ
( ) مَن لا يحضره الفقيه 1: 130، باب تقليم الأظفار وأخذ الشارب، الحديث 329، وسائل الشيعة 2: 116، الباب 67 من أبواب آداب الحمّام، باب عدم جواز حلق اللّحية …، الحديث 1.
(2) مَن لا يحضره الفقيه 1: 130، باب تقليم الأظفار وأخذ الشارب، الحديث 331، وسائل الشيعة 2: 116، الباب 67 من أبواب آداب الحمّام، باب عدم جواز حلق اللّحية …، الحديث 2.
(3) معاني الأخبار: 291، باب معنى قول النبي’: >حفّوا الشوارب<، الحديث 1، وسائل الشيعة 2: 116، باب 67 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 3.
(4) أُنظر: فهرست الشيخ الطوسي: 160، باب علي، رقم [411] 38، ورجال الشيخ الطوسي: 266، أصحاب أبي عبد الله×، باب العين، ورجال البرقي: 25، ومعجم رجال الحديث 13: 79، باب العين، رقم 8263.
(5) أُنظر: محاضرات في الفقه الجعفري 1: 290، حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
وتقريب الاستدلال بها على المقصود: هو أنَّها أمرت بإعفاء اللّحى، وأقلّ مصداقٍ لذلك هو عدم إزالتها بالحلاقة؛ فتكون إطالتها في الجملة واجبةً وهو المقصود. إلّاَ أنَّ هذا واضح الاندفاع؛ لوجوه:
أوّلاً: إنَّ حفّ الشوارب مستحبّ بلا إشكال، ولم يقل أحدٌ بوجوبه، ومقتضى وحدة السياق هو أن يكون الأمر بإعفاء اللّحى للاستحباب أيضاً.
ولا يُقال: إنَّنا نعكس المطلب فنجعل وجوب الإعفاء قرينة المراد من الأمر بحفّ الشوارب.
فإنَّه يُقال: بأنَّ ذلك ممنوع؛ لضرورة استحباب الحفّ، وكون وجوب الإعفاء أوّل الكلام.
ثانياً: إنَّ الإعفاء بمطلقه غير واجبٍ جزماً؛ لضرورة جواز الأخذ من اللّحية في الجملة، بل الزائد عن القبضة الواحدة مذموم. نعم، غاية الأمر أنَّه يستفاد منها الاستحباب.
كذا أورد السيّد الأُستاذ(1). وإن كان يمكن أن يُقال: إنَّ الأمر وإن كان شاملاً لحصصٍ من المتعلّق لا يمكن القول بالوجوب فيها، إلّاَ أنَّ بعض الحصص يمكن القول فيه بالوجوب، وهو الإعفاء المقابل للحلق المطلق. ومن هنا يمكن رفع اليد عن الوجوب في بعض مدلول الأمر بلحاظ ما دلّ الدليل على جوازه، ويبقى البعض الآخر على ظهوره في الوجوب، ولا حاجة إلى رفع اليد عنه.
إلّاَ أنَّ هذا وإن كان ممكناً بالدقّة، إلّاَ أنَّه ممّا لا يستساغ عرفاً، وخاصّة
ــــــ[76]ـــــــ
( ) في التقريرين (منه+). راجع محاضرات في الفقه الجعفري 1: 289، حلق اللّحية، ومصباح الفقاهة 1: 408، حرمة حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
بلحاظ أنَّ الحصص المشمولة للاستحباب متعدّدةٌ والحصة المشمولة للوجوب واحدة، ومعه يكون هذا الإيراد الثاني تامّاً.
ثالثاً: وهو خاصٌّ بالرواية الناهية عن التشبّه باليهود، فإنَّنا بعد أن علمنا أنَّ اليهود لا يحلقون اللحى بل يطيلونها، يكون النهي عن التشبّه بهم منحصراً في ناحية الإطالة لا محالة. ومعه يكون المراد هو التوسّط في إطالة اللّحية وعدم إطالتها المفرطة كاليهود. ومعه يكون أجنبيّاً عن حرمة الحلق ووجوب صرف الوجود للّحى.
وقد نقل السيّد الأُستاذ هذا المعنى عن المحدّث الكاشاني(1)، ووافق عليه في >المصباح<(2).
ولكنّه لا يخلو من مناقشة؛ إذ يمكن أن يُقال: إنَّ ما قيل إنَّما يتمّ فيما إذا أخذ النهي عن التشبّه باليهود قيداً في هيئة الأمر بإعفاء اللّحى، بحيث تكوّن منهما سياقٌ واحدٌ وهيئةٌ واحدةٌ، فينحصر أن يكون المراد هو النهي عن الإطالة المفرطة، بعد العلم بأنَّ ديدن اليهود على ذلك.
إلّاَ أنَّ ذلك خلاف الظاهر جزماً، ومقتضى وحدة السياق هو استقلال التشريعات الثلاثة الواردة في الرواية، حول حفّ الشوارب وإعفاء اللّحى والتشبّه باليهود. ومعه يمكن أن يُقال – بغضّ النظر عن الإيراد الثاني السابق-: إنَّ رسول الله’ أوجب أوّلاً إطالة اللّحية بنحو صرف الوجود المقابل لحلقها، وذلك في قوله وأعفوا اللحى. ثُمَّ أعطى
ــــــ[77]ـــــــ
(1) راجع الوافي 6: 658، كتاب الطهارة والتزيّن، الباب 71، باب جزّ اللّحية والشارب وشعر الأنف.
(2) راجع مصباح الفقاهة 1: 409، حرمة حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
تشريعاً مستقلاً، وهو أنَّ الإطالة لا ينبغي أن تكون مفرطةً كاليهود، ومعه يكون الأمر بإعفاء اللّحى دالاً على المطلوب. ولا تتمّ هذه المناقشة.
رابعاً – وهو خاصّ بالرواية أو الروايتين الناهيتين عن التشبّه بالمجوس-: إنّه من المحتمل أن يكون المراد حرمة مجموع الشكل الناتج من عمل المجوسيّ، وهو حلق اللّحية وتوفير الشارب. ومعه تكون أجنبيّةً عن التعرّض لحرمة خصوص الحلق. ويكون المحرَّم مجموع الأمرين. وأمّا حلق اللّحية أو حلق الشارب فقط، فلا تستفاد حرمته من هذه الرواية، على ما يعبّر في >المحاضرات<(1).
وقد استشهد لذلك هناك بالرواية الآتية، حول رسولي كسرى إلى النبي’، حيث كانا قد حلقا لحاهما وأعفيا شاربيهما، فكره النظر إليهما، إلى آخر الرواية(2). وهي دالّةٌ على حرمة المجموع – على الفرض- وتكون قرينةً على المقام أيضاً؛ لاتّحاد الموضوع، وهو الشكل الخاصّ بالمجوسيّ.
أقول: وهذا أمر منسجمٌ مع ظاهر الرواية الثانية بلا إشكال، وهو قول النبيّ’ – لو صحّت الرواية-: >إنَّ المجوس جزّوا لحاهم ووفّروا شواربهم، وإنّا نحن نجزّ الشوارب ونعفي اللّحى، وهي الفطرة<(3). ويكون هذا الضمير عائداً إلى المجموع لا محالة، كما هو واضح. ومعه تكون هذه المناقشة الرابعة
ــــــ[78]ـــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في الفقه الجعفري 1: 291، حلق اللّحية.
(2) راجع ذلك في مستدرك الوسائل 1: 406- 407، الباب 40 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 2.
(3) مَن لا يحضره الفقيه 1: 130، باب حكم حلق اللّحية، وسائل الشيعة 2: 116، الباب 67 من أبواب آداب الحمّام، باب عدم جواز حلق اللّحية واستحباب توفيرها قدر قبضة أو نحوها.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
تامّةً في هذه الرواية. ولا تكون دالّةً على حرمة خصوص حلق اللّحية.
وأمّا انسجامه مع رواية عليّ بن غراب، فهو متوقّفٌ على ما ذكرنا نحوه في المناقشة الثالثة، وهو استفادة كون الأمر الأوّل قيداً للأمر الثاني؛ ليكون الواجب هو المجموع لا خصوص أحدهما، والتجريد عن خصوصيّة هذا القيد غير ممكنٍ عرفاً؛ لأنَّ احتمال دخله راجحٌ إلى حدٍّ يمنع العرف لو التفت إليه من التجريد.
إلّاَ أنَّ هذا في نفسه – كما قلنا- خلاف الظاهر، ويحتاج إلى قرينةٍ معيّنةٍ له، ولا يبعد وجود القرينة عليه في المقام، وهو قوله: >ولا تشبّهوا بالمجوس<؛ باعتبار أنَّ شكل المجوسيّ هو حلق اللّحى وإطالة الشارب، ومعه لا تبقى دلالةٌ على حرمة خصوص حلق اللّحية، وهذه الدعوى قريبة. ولا أقلّ من دعوى إجمال الرواية عن الدلالة على حكم خصوص حلق اللّحية.
رواية المثلة
ومن الروايات المندرجة في هذا القسم: رواية الجعفريّات المرويّة في >المستدرك<(1) – على ما في >المصباح<(2)- عن علي× قال: >قال رسول الله’: حلق اللّحية من المثلة، ومَن مثّل فعليه لعنة الله<.
سند الرواية
قال في >المصباح<: مجهولة؛ لموسى بن إسماعيل(3). وهو أمرٌ صحيح؛
ــــــ[79]ـــــــ
(1) الجعفريّات: 157، باب السنّة في حلق الشعر يوم السابع للمولود، ومستدرك الوسائل 1: 406، الباب 40 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 1.
(2) راجع مصباح الفقاهة 1: 410، حرمة حلق اللّحية.
(3) أُنظر: المصدر السابق.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
لعدم تناوله في كتاب الرجال بمدحٍ ولا قدح، بل ولا أيّ شيءٍ يشير إلى عقيدته أو سلوكه.
وقد اعتبرها في >المحاضرات<(1) معتبرة السند؛ لما حقّقه النوريّ في >خاتمة المستدرك<(2). وهو لا يتمّ؛ لاعتماد الحاج النوريّ على أُمورٍ ظنيّةٍ غير معتبرةٍ في تخريج الروايات، وليس لديه من المصادر من كتب الرجال إلّاَ ما لدينا، وهي خاليةٌ من التعريف بحال هذا الراوي. وعلى أيّ حالٍ، فإنَّ تقريرات >المصباح< متأخّرةٌ عن تقريرات >المحاضرات<، ومعه نستكشف أنَّ السيّد الأُستاذ قد رفع يده عن زعم اعتبار هذه الرواية سنداً في وقتٍ لاحق.
تماميّتها من حيث الدلالة
وأمّا من [حيث] الدلالة – مع الغضّ عن ضعف السند- فلا يبعد قيامها بالدلالة على حرمة حلق اللّحية بعنوانه؛ وذلك بتقريب: أنَّها مشتملةٌ على صغرى وكبرى، فالصغرى هي كون حلق اللّحية من المثلة، والمثلة وإن كانت هي التنكيل بالإنسان أو الحيوان كقطع عضوٍ منه ونحو ذلك، فلا يكون شاملاً للحلق باعتبار عدم الشعور بالألم عند الحلق، وهو أمرٌ مأخوذٌ في التمثيل بالحيّ كما هو واضح، وعدم تغيّر شكل مجموع الجسم، على ما هو مأخوذ في المثلة بالميّت عرفاً. إذن فالمدلول اللغويّ والعرفيّ لا يشمل حلق اللّحية بحال.
إلّاَ أنَّ المستفاد من الرواية، هو كون الحلق منزَّلٌ منزلة المثلة، وأنَّه فردٌ
ــــــ[80]ـــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في الفقه الجعفري 1: 291، حلق اللّحية.
(2) لاحظ: مستدرك الوسائل 1: 406، الباب 40 من أبواب آداب الحمّام.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
تعبّديٌّ منه ثابتٌ في رأي الشارع وعلى مستوى التشريع، فيكون هذا الدليل موسّعاً لموضوع المثلة، وحاكماً على دليل حرمتها، كقوله: >الطواف في البيت صلاة<(1)، وإذا كان فرداً من المثلة – ولو تعبّداً وتنزيلاً- شمله حكمها لا محالة، وهو التحريم الثابت في هذه الرواية – على ما نشير- وروايات أُخرى، كقوله×: >المثلة حرام ولو بالكلب العقور<(2) وغيره(3).
إذن، فالصغرى تامّة بالتنزيل لا محالة.
وقد ذكرنا في بعض >رسائلنا<(4) أنَّ ضابط استفادة التنزيل من الدليل هو الحمل، وهو موجود في هذه الرواية، حيث قال’: >حلق اللّحية من المثلة<(5)، وحرف الجرّ الدالّ على التبعيض يستفاد منه كون الحلق مصداقاً من بعض مصاديق المثلة تعبّداً، كما ذكرنا.
ــــــ[81]ـــــــ
( ) عوالي اللئالي 2: 167، باب الطهارة، ومستدرك الوسائل 9: 410، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث 2.
(2) ورد نحوه في نهج البلاغة: 362، وصيّته× للحسن والحسين‘، وسائل الشيعة 29: 128، الباب 62 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6، وفيهما: >إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور<.
(3) جاء في اختصاص المفيد عن أمير المؤمنين× قال في وصيّته للحسن×: >يا بني اقتل قاتلي وإيّاك والمثلة؛ فإنَّ رسول الله’ كرهها ولو بالكلب العقور<. الاختصاص: 150، فضل أمير المؤمنين×.
(4) أُنظر: الوافية في حكم صلاة الخوف (للمؤلِّف): 363، وما بعدها، المقام الثالث، الناحية الثالثة.
(5) الجعفريّات: 157، باب السنّة في حلق الشعر يوم السابع للمولود، ومستدرك الوسائل 1: 406، الباب 40 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 1.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
وأمّا من حيث الكبرى، وهو حرمة المثلة، فهو ممّا يكاد أن يكون ضروريّاً في الشريعة المقدّسة، وقد دلّت عليه جملةٌ من الروايات، ومنها هذه الرواية نفسها، فالمهمّ هو التعرّض لبيان دلالتها على ذلك.
وبيان ذلك: أنَّه قال: >ومن مثّل فعليه لعنة الله<(1). وحيث إنَّ لعن المؤمن حرام ويستحيل صدوره من المعصوم×، فإذا لعن أحداً على فعلٍ، نستكشف منه حرمة ذلك الفعل، وأنَّه يوجب الفسق.
وهذا هو البيان الذي ذكره في >المحاضرات<(2)، وهو تامّ في نفسه، ومن الغريب أنَّه اكتفى به عن الصغرى التي ذكرناها، مع أنَّ غاية ما ينقّح حرمة المثلة لا حرمة الحلق كما هو واضح، إلّاَ بضمّ الصغرى السابقة. وقد اعتبر التنزيل مشعراً بالحرمة، مع أنَّه ممّا لا يتمّ الدليل إلّاَ به.
ولا يُقال – كما في المصباح(3)-: بأنَّ اللعن مناسبٌ مع الحرمة ومع الكراهة، فإنَّه بمعنى البعد عن ساحة القدس الإلهيّ، وهو كما يحدث عند ارتكاب الحرام يحدث عند ارتكاب المكروه. فترجيح أحدهما على الآخر يحتاج إلى قرينةٍ معيِّنة.
فإنَّه يُقال: أوّلاً: إنَّ المراد باللعن هنا خصوص الحرمة؛ للعلم الخارجي بحرمة المثلة في الشريعة الإسلاميّة، فتكون الأدلّة الدالّة على حرمتها قرينةً على تعيّن الحرمة. وبعبارة أُخرى: إنَّ هذه الرواية لو فرض قصورها عن الدلالة على الكبرى، كفت الأدلّة الأُخرى في الدلالة عليها،
ــــــ[82]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) راجع محاضرات في الفقه الجعفري 1: 291، حلق اللّحية.
(3) أُنظر: مصباح الفقاهة 1: 410، حرمة حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
وكفت هذه الرواية في الدلالة على الصغرى كما ذكرناه.
ثانياً: ما ذكره في >المحاضرات<(1)، من أنَّ إنشاء الدعاء باللعن دالٌّ على الحرمة لا محالة؛ لحرمة تعلّقه بالمؤمن جزماً. وليس هذا اللعن من سنخ الإخبار عن اللعن والبعد عن الله تعالى، كقوله: >ملعون من أخّر الصلاة<(2) أو قوله’: >يا عليّ لعن الله ثلاثة: آكل الزاد وحده، وراكب الفلاة وحده، والنائم في بيتٍ وحده<(3)، على ما مثّل بها في >المصباح<(4).
فإنَّ هذا إخبارٌ عن بعد العبد عن ساحة المولى عزّ وجلّ، والمكروهات قد يوجب ارتكابها البعد عنه سبحانه، فيكون الإخبار مناسباً مع الكراهة، وأمّا إنشاء الدعاء باللعن، كما هو وارد في هذه الرواية، فيتعيّن فيه الحمل على الحرمة، كما ذكرنا.
إذن فالكبرى تامّة في نفسها، فإذا انضمّت إلى الصغرى أنتجت المقصود لا محالة، وذلك بأن يُقال: حلق اللّحية فردٌ من طبيعة المثلة تعبّداً، والمثلة محرّمةٌ في الشريعة، إذن فيكون حلق اللّحية محرّماً في الشريعة، ومعه تكون دلالة هذه الرواية تامّةً كبرى وصغرى.
ــــــ[83]ـــــــ
( ) أُنظر: محاضرات في الفقه الجعفري 1: 291، حلق اللّحية.
(2) راجع نحوه في: مَن لا يحضره الفقيه 1: 220، باب مواقيت الصلاة، الحديث 661، وتهذيب الأحكام 2: 33، كتاب الصلاة، الباب 4، الحديث 51، وسائل الشيعة 4: 188، الباب 18، من أبواب المواقيت، الحديث 6.
(3) مَن لا يحضره الفقيه 4: 359، باب النوادر، من وصايا النبيّ’ لأمير المؤمنين×، وسائل الشيعة 5: 332، الباب 20 من أبواب أحكام المساكن، الحديث 9.
(4) راجع مصباح الفقاهة 1: 410: حرمة حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
مناقشة الإشكال الوارد في أبحاث السيّد الأُستاذ
لا يبقى بعد هذا إلّاَ التعرّض إلى إشكالٍ واحد على الصغرى، مذكورٍ في التقريرين.
وحاصله: أنَّ التمثيل معناه التنكيل بشخصٍ بقصد هتكه وإهانته، كقطع أنفه وأُذنه. إذن فيكون مقتضى تنزيل الحلق منزلته: أنَّ المحرّم من الحلق هو خصوص ما كان بقصد الهتك والإهانة، ولا إشكال في حرمته في نفسه، ولا تكون الرواية دالّةً على حرمة مطلق الحلق.
إلّاَ أنَّ هذا الإشكال منتفٍ موضوعاً على ما قلناه. فإنَّه وإن سُلّم كون التنكيل هو ما ذكر، إلّاَ أنَّ مقتضى التنزيل ليس هو خصوص ما أُشير إليه، بل المستفاد من الرواية تنزيل طبيعيّ الحلق منزلة التنكيل والمثلة، وكونه مصداقاً تعبّدياً منه، ومن المعلوم أنَّ التنزيل التعبّديَّ لا يُقصد به إلّاَ إسراء الحكم الشرعي إلى الفرد المنزل، ولا يختلف الحال في ذلك بين ما إذا كان الفرد المنزل كالفرد المنزل عليه أو لم يكن، بل لا يكون الدليل المتكفّل للتنزيل في مقام البيان من هذه الجهة أصلاً.
فما ذكره في >المحاضرات<(1)، من أنَّه أُخذ في التنكيل أمران:
أحدهما: وقوعه من أحدٍ على غيره.
والثاني: كونه بعنوان الهتك.
وإن سلّمناه على إشكال، إلّاَ أنَّه لا يهمّ، وليس ممّا يُؤخذ بنظر الاعتبار في العنوان المنزل عليه، بعد ظهور الدليل بتنزيل طبيعيّ الحلق منزلته، وإسراء حكمه إليه.
ــــــ[84]ـــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في الفقه الجعفري 1: 292، حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
بل إنَّ معنى التنزيل التعبّدي هو ذلك، وإلّاَ فمن الواضح أنَّ الفرد المنزّل لو كان مشتملاً على تمام خصوصيّات المنزل عليه، لكان فرداً حقيقيّاً له، وهو خلف التنزيل كما هو واضح.
وأوضح منه ما ذكره في >المصباح<(1)، من أنَّ المثلة هو التنكيل بالغير بقصد هتكه وإهانته بحيث تظهر آثار فعل الفاعل بالمنكّل به. فإنَّ ظهور الآثار مشتركٌ بين الحلق والتنكيل كما هو واضح، وأمّا الإهانة فقد ظهر ممّا قدّمناه عدم أخذها بنظر الاعتبار.
إذن فلا يكون هذا الإشكال وارداً، وتبقى هذه الرواية تامّةً من حيث الدلالة. فلو تمّت من حيث السند أو قلنا بحجيّة سائر الأخبار الواردة عن أهل البيت^ – كما عليه بعض علمائنا المحدّثين(2)- لزم القول بحرمة حلق اللّحية لا محالة.
وعنوان الحلق، وإن كان خاصّاً بإزالة الشعر، بالقصّ بالمقراض أو بالآلة، ولا يعمّ الإزالة بالنتف أو بالدواء المزيل، بحسب اللغة، إلّاَ أنَّ المفهوم عرفاً من الرواية أنَّ المدار هو إزالة الشعر عن الوجه، ولا خصوصيّة للحلق إلّاَ كونه الطريق الأغلب إلى ذلك، ومع تجريد الدليل عن الخصوصيّة يكون شاملاً للإزالة بسائر الأسباب الموجبة لها لا محالة.
حديث حبّابة الوابليّة
ومن الروايات المندرجة في هذا القسم حديث حبّابة الوالبيّة، وهو ما رواه الكليني عنها، قالت: رأيت أمير المؤمنين× في شرطة الخميس ومعه
ــــــ[85]ـــــــ
(1) أُنظر: مصباح الفقاهة 1: 410، حرمة حلق اللّحية.
(2) أُنظر: الحدائق الناظرة 1: 14، المقدّمة الثانية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
درّة لها سبّابتان، يضرب بها بُيّاع الجري والمارماهي والزمار، ويقول لهم: >يا بيّاعي مسوخ بني إسرائيل وجند بني مروان<. فقام إليه فرات بن أحنف، فقال: وما جند بني مروان؟ قال: فقال له: >أقوام حلقوا اللّحى وفتلوا الشوارب فمُسخوا …< الحديث(1).
ورواه الصدوق في كتاب >إكمال الدين< عن عليّ بن أحمد الدقّاق، عن محمّد بن يعقوب مثله، إلّاَ أنّه قال: >والزمّار والطافي<(2).
وهذه الرواية مضافاً إلى جهالة جملة من رواتها(3)، تشتمل على جملة من الأُمور البعيدة عن روح التشريع وأسلوبه، بحيث أصبحت أقرب إلى روايات الملاحم وأخبار الزمان، منها إلى روايات التشريع المتعارفة.
وعلى أيّ حال، فقد ذهب السيّد الأُستاذ في كلا التقريرين(4)، إلى تماميّة دلالتها على الحرمة، وقرّبه في >المحاضرات<، بأنَّ المسخ على ارتكاب شيءٍ يدلّ على شدّة حرمته(5). انتهى.
ولا إشكال أنَّ الرواية دالّةٌ على كون المسخ عقاباً على ما ذكره فيها بعنوانه، لا على أمرٍ آخر ملازمٍ له أو اتّفاقيٍّ معه.
ــــــ[86]ـــــــ
(1) الكافي 1: 346، كتاب الحجّة، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة، الحديث 3، وسائل الشيعة 2: 117، الباب 67، من أبواب آداب الحمّام، باب عدم جواز حلق اللّحية واستحباب توفيرها قدر قبضة أو نحوها، الحديث 4.
(2) إكمال الدين: 536، الباب 49، باب حديث حبّابة الوالبيّة، الحديث 1.
(3) المقصود بهم: محمّد بن إسماعيل، وعبد الله بن أيّوب، وعبد الله بن هاشم.
(4) أُنظر: مصباح الفقاهة 1: 412، حرمة حلق اللّحية، الوجه السادس، ومحاضرات في الفقه الجعفري 1: 292، حلق اللّحية.
(5) محاضرات في الفقه الجعفري 1: 292، حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
إلّاَ أنَّه من الغريب أن تتمّ دلالتها عند السيّد الأُستاذ، وهو الذي استشكل في دلالة الرواية الأُولى عن رسول الله’ ورواية رسل كسرى إلى النبيّ’؛ باحتمال كون المراد منها حرمة المجموع المتكوّن من حلق اللّحية وتوفير الشارب، وقد سبق أن قرّبنا تماميّته هناك.
وهذا بنفسه واردٌ في المقام أيضاً، فإنَّ القوم الذين مُسخوا كانوا قد حلقوا اللّحى وفتلوا الشوارب، فيكون المسخ عقاباً على مجموع الفعلين، بل ربّما يكون لفتل الشارب دخلٌ في المسخ أيضاً. فتأمّل.
وعلى أيّ حال، لا تكون الرواية دالّة بحالٍ على كون المسخ عقاباً على خصوص حلق اللّحية، لتدلّ على شدّة حرمته، كما هو مقصود السيّد الأُستاذ. بل غاية ما تدلّ عليه هو حرمة المجموع، وهو أمرٌ خارجٌ فعلاً عن محلّ الكلام.
خبر رسولَي كسرى إلى النبي’
ومن الروايات التي تندرج في هذا القسم أيضاً: ما سبق أن أشرنا إليه، وهو ما رواه [السيّد الأُستاذ] في التقريرين(1).
عن المستدرك للنوريّ أنَّه قال: لمّا كتب النبيّ’ إلى الملوك وفيهم كسرى، كتب كسرى إلى عامل اليمن أن يبعث إليه النبيّ’. فأرسل كاتبه مانويه ورجلاً معه إلى رسول الله’ فدخلا عليه، وقد حلقا لحاهما وأعفيا شاربيهما، فكره النظر إليهما. وقال: >ويلكما مَن أمركما بهذا؟< قالا: ربّنا كسرى. فقال النبي’: >لكن ربّي أمرني بإعفاء لحيتي وقصّ شاربي<(2).
ــــــ[87]ـــــــ
(1) راجع محاضرات في الفقه الجعفري 1: 291، حلق اللّحية، ومصباح الفقاهة 1: 411، حرمة حلق اللّحية، الوجه الخامس.
(2) مستدرك الوسائل 1: 406- 407، الباب 40 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 2.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
سند الخبر
وهذا النصّ ممّا لم يُعلم كونه روايةً ذات سندٍ، فضلاً عن أن يكون السند صحيحاً، فقد نقله الحاجّ النوريّ بلفظٍ مقاربٍ لما نقلناه عن التقريرين، نقله عن الكازروني في المنتقى(1) في حوادث السنة السادسة، بعد أن ذكر كتابة رسول الله’ إلى الملوك. ومن المعلوم أنَّ أسناد التاريخ ممّا لا يمكن أن يعوّل عليها لإثبات الحكم الشرعي.
دلالة الخبر ومناقشته
وأمّا من حيث الدلالة، فمن الممكن التمسّك بفقرتين منه للتوصّل إلى المقصود.
الأُولى: قوله: فدخلا عليه وقد حلقا لحاهما وأعفيا شاربيهما، فكره النظر إليهما، وقال: >ويلكما مَن أمركما بهذا؟<.
وذلك بتقريب: أنَّ النبيّ إنَّما كره النظر إليهما، باعتبار كون آثار الحرام باديةً على وجهيهما، ولو كان أمراً مباحاً لما كرهه، وكذلك قوله: >ويلكما< الدالّ على الاستنكار والتهديد، فإنَّه إنَّما يكون عند فعل القبيح والحرام دون سواه.
الثانية: قول النبيّ’ – لو صحّت الرواية-: >لكنّ ربّي أمرني بإعفاء لحيتي وقصّ شاربي<.
إلّاَ أنَّ كلا الفقرتين ممّا لا يكادان يوصلان إلى ما هو المقصود.
أمّا الفقرة الأُولى، فيرد على الاستدلال بها:
ــــــ[88]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
أوّلاً: أنَّ دعوى: كون كره النظر والاستنكار منسجماً مع الكراهة كانسجامه مع الحرمة، قريبةٌ وغير مجازفةٍ، فيحتاج في تعيين الحرمة إلى قرينة، وهي منتفيةٌ في المقام.
ولا يُقال: بأنّ الفقرة الثانية تكون قرينةً عليه.
فإنَّه يُقال: إنَّنا سنرى عدم دلالة الفقرة الثانية على الوجوب فضلاً عن الحرمة، على أنَّ الفقرة الأُولى صالحةٌ عرفاً للقرينيّة على الثانية دون العكس.
وثانياً: أنَّ حلقهما للّحية لم يكن باختيارهما، وإنَّما كان بأمر كسرى، كما دلّت عليه الرواية، ومن المعلوم أنَّهما لو خالفا أمره يكون ذلك تغريراً بحياتهما لا محالة.
إذن فيكونان مضطرّين ومكرَهين على ذلك. ومن المعلوم أنَّ المكرَه لا يعتبر مرتكباً للقبيح عقلاً ولا للحرام شرعاً.
وإذا كانت حلاقتهما قد وقعت على وجهٍ جائزٍ على كلّ حالٍ، فلا وجه لاستفادة كون كراهة النظر إليهما واستنكار فعلهما ناشئاً من فعلهما للحرام أو القبيح، بل تكون الآثار الظاهرة عليهما أثراً للفعل الجائز لا للفعل الحرام.
نعم، يبقى الأمر بحلق اللّحية من قبل كسرى؛ إذ قد يستفاد من هذه الرواية – مع الغضّ عن سائر المناقشات- كونه محرّماً باعتبار كونه أمراً بمحرّم في نفسه، وهو يدلّ بالملازمة على حرمة الحلق في نفسه.
إلّاَ أنَّ هذا لو تمّ فإنَّه لا يبرّر كراهة النظر إليهما ولا تهديدهما؛ إلّاَ باعتبار مصلحةٍ نفسيّةٍ في ذلك، هو لبيان الحكم الشرعيّ، وإن لم يكن له
ــــــ[89]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
مبرّرٌ خارجيّ. وهذا في نفسه خلاف الظاهر جدّاً، كما هو واضح، وهذا في نفسه ممّا يوهن النقل في هذه الرواية، ويضعّف احتمال مطابقتها للواقع.
وثالثاً: أنَّ حرمة فعل هذين الشخصين وحرمة الأمر به، متوقّف على تكليف الكفّار بالفروع. وهو وإن ذهب إليه جماعةٌ من الأصحاب(1)، إلّاَ أنَّ المحقّق في محلّه(2): أنَّ تكليفهم منحصرٌ بما يكون منجّزاً عليهم عن طريق العقل، كالعقائد ووجوب الفحص عن الحقّ وقبح الكذب وقتل النفس المحترمة ونحوه، دون المحرّمات والواجبات غير المنجّزة عقلاً، كوجوب الصلاة أو حرمة الربا أو بطلان العقد الغبنيّ ونحوه.
ومن المعلوم أنَّ حلق اللّحية، ليس ممّا يكون منجّزاً حرمته عن طريق العقل، فلا يكون حراماً منجّزاً على هذين الرجلين، ولا الأمر به على كسرى. وإذا لم يكن حراماً، لم يكن لاستنكاره وجهٌ إلَّا المصلحة النفسيّة التي أشرنا إليها.
ورابعاً: أنَّ ما فعله هذان الشخصان وأمر به كسرى هو المجموع المتكوّن من حلق اللّحية وتوفير الشارب. وهو المشار إليه بقوله: >مَن أمركما بهذا<، لا خصوص الحلق كما هو واضح.
وبذلك تخرج الرواية عن محلّ الكلام، وتكون دالّةً على خصوص
ــــــ[90]ـــــــ
(1) راجع ذلك في: تذكرة الفقهاء 3: 85، شرائط وجوب الجمعة، المسألة 414، وكتاب الطهارة (للأنصاريّ) 5: 276، والعناوين الفقهيّة (للمراغي) 2: 714، عناوين الشرائط العامّة للمباشرين في العبادة، العنوان الحادي والستّون.
(2) راجع موسوعة الإمام الخوئي 23: 121، كتاب الزكاة، مسائل، مسألة: 16، الكافر تجب عليه الزكاة.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
حرمة المجموع، كما تكرّر غير مرّةٍ في أمثاله.
إذن فالفقرة الأُولى غير دالّةٍ على المقصود بأيّ وجه.
وأمّا الفقرة الثانية؛ فيرد عليها: أنَّ مادّة الأمر المستعملة في الرواية ليست كصيغته دالّةً على الوجوب؛ بل هي موضوعةٌ لجامع الطلب المجامع مع الوجوب ومع الاستحباب، ومعه يحتاج تعيين الوجوب إلى قرينةٍ معيّنة، وهي مفقودة. على أنَّها قد استعملت في العبارة للاستحباب بالنسبة إلى قصّ الشارب بلا إشكال، فالقرينة على الاستحباب موجودة.
ولا يُقال: إنَّ الفقرة الأُولى قرينة على الوجوب.
فإنَّه يُقال: قد عرفتَ حال الفقرة الأُولى، وقرينيّتها موقوفةٌ على دلالتها في نفسها على الوجوب، وهو ما أنكرناه كما سبق.
نعم، لو تمّت دلالة مادّة الأمر على الوجوب، لا وجه لأن يُقال: إنَّ المأمور – بحسب ظاهر الرواية- هو خصوص النبيّ’، فإنَّه قال: >لكن ربّي أمرني<، فيختصّ الحكم به.
فإنَّه يُقال: بل هو ظاهرٌ بالتعميم عرفاً؛ لظهور كونه مأموراً بصفته مكلّفاً بتعاليم الإسلام لا بصفته نبيّاً أو نحو ذلك. ومعه يعمّ الحكم سائر المكلّفين. بل إنَّ نفس احتجاجه’ – لو صحّت الرواية بذلك أمام هذين الرجلين- دليلٌ على التوسعة والتعميم.
كما لا يُقال: بأنَّنا نستفيد من العبارة تعلّق الأمر بالمجموع المركّب من إعفاء اللّحية وقصّ الشارب.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا متوقّفٌ على ما سبق – غير مرّةٍ- من جعل الأمر الثاني قيداً للأمر الأوّل. وهو ممّا يحتاج إلى قرينةٍ، ولا قرينة في المقام.
ــــــ[91]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
على أنَّنا لو قلنا بذلك، لوجب الالتزام بوجوب قصّ الشارب أيضاً، وهو خلف المطلوب.
إذن فهذه الرواية، بكلا فقرتيها، ممّا لا تصلح دليلاً على المطلوب.
رواية ما أُنزل على إبراهيم× من الحنيفيّة
وممّا يصلح أن يندرج في هذا القسم من الروايات:
ما في الوسائل، عن مجمع البيان، نقلاً عن تفسير عليّ بن ابراهيم، عن الصادق× في قوله تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ …}(1).
يقول فيها: ثُمَّ أنزل عليه الحنيفيّة وهي عشرة أشياء: خمسة منها في الرأس، وخمسة منها في البدن.
فأمّا التي في الرأس: فأخذ الشارب، وإعفاء اللّحى، وطمّ الشعر، والسواك، والخلال.
وأمّا التي في البدن: فحلق الشعر من البدن، والختان، وتقليم الأظفار، والغسل من الجنابة، والطهور بالماء.
فهذه الحنيفيّة الطاهرة التي جاء بها إبراهيم×، فلم تنسخ ولا تنسخ إلى يوم القيامة، وهو قوله: {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}(2)(3).
والإنصاف أنَّ هذه الرواية بالاستحباب واضحة، ودلائله عليها
ــــــ[92]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 124.
(2) سورة النساء، الآية: 125.
(3) تفسير القمّي 1: 59، قصّة هاروت وماروت، ومجمع البيان 1: 374، في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ …}، ووسائل الشيعة 2: 117، الباب 67 من أبواب آداب الحمّام، باب عدم جواز حلق اللّحية واستحباب توفيرها قدر قبضة أو نحوها، الحديث 5.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
واضحة. فإنَّ مقتضى وحدة السياق في الخمسة التي في الرأس هو ذلك، فإنَّه ليس هناك ممّا هو محتمل الوجوب إلَّا إعفاء اللّحى، فلابدَّ من حمله على الاستحباب. على أنَّ الإعفاء بمطلقه غير واجبٍ جزماً كما سبق، فلا ينبغي أن يكون مراداً على أيّ حال.
ولا يُقال: إنَّ لنا – مع غضّ النظر عن وحدة السياق- أن نتمسّك ببعض مدلول الإعفاء، وهو الحصّة المقابلة للحلق والإزالة، فيثبت وجوبها لا محالة.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: لكونه ليس أمراً عرفيّاً كما سبق أن أشرنا، وإن كان ممكناً بحسب الدقّة.
وثانياً: أنَّه منتفٍ موضوعاً في المقام؛ وذلك لعدم تعلّق الأمر بالإعفاء أصلاً في الرواية، يعني: يُقال بوجوب بعض حصصه. غايته أنَّه قال: >أنزل عليه الحنيفيّة<، وهو إن لم يكن أقرب إلى الاستحباب، فإنَّه مناسبٌ معه على أيّ حال.
وهناك بعض رواياتٍ أُخرى غير تامّةٍ سنداً ولا دلالة، ذكرها الحاجّ النوريّ في المستدرك(1)، أعرضنا عنها لقلّة جدواها.
إذن، فقد تحصّل من هذا المقام: أنَّه ليس في الروايات الخاصّة بحلق اللّحية ما يقوم بالدلالة على حرمته؛ فإنَّ منها ما هو ساقطٌ دلالةً وإن كان تامّاً سنداً، وهو صحيحة البزنطيّ، ومنها ما هو غير تامٍّ سنداً وإن كان تامّاً دلالةً، وهي رواية المثلة المنقولة عن الجعفريّات. وغالب الروايات – غيرهما- غير
ــــــ[93]ـــــــ
(1) راجع مستدرك الوسائل 1: 407، الباب 40 من أبواب آداب الحمّام.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
تامٍّ لا سنداً ولا دلالة.
تبقى هناك رواياتٌ عامّةٌ قد يدّعى تطبيقها على المقام، نتعرّض لها في بعض فصول الخاتمة إن شاء الله تعالى.
هذا تمام الكلام في المقام الثاني.
ــــــ[94]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
المقام الثالث
في الأدلّة اللبية على حرمة حلق اللحية
والأدلّة اللّبيّة المدّعاة أو المتصوّرة ثلاثة:
الأوّل: الإجماع، وقد نقل في >المصباح< دعواه، قال: ويؤيّد ما ذكرناه دعوى الإجماع عليه، كما في كلمات جملة من الأعلام، وعدم نقلهم الخلاف في المقام من الشيعة والسنّة، كما هو كذلك، والله العالم(1).
ويرد عليه: أوّلاً: أنَّ الإجماع المنقول ليس بحجّةٍ، كما ثبت في محلّه(2)، وأولى منه عدم نقل الخلاف، فإنَّه لا يدلّ على عدم وجوده ثبوتاً، ولا يكاد يشكّل إجماعاً محصّلاً.
ثانياً: أنَّ الإجماع في المقام وإن فرض كونه محصّلاً، فإنَّه لا يكون حجّةً؛ لاحتمال بل وثوق استناد المجمعين إلى الأدلّة الأُخرى التي ذكرناها ونذكرها. ومعه يكون إجماعاً مدركيّاً لا حجّيّة فيه، كما ثبت في محلّه(3).
ومن الغريب أنَّ السيّد الأُستاذ يوافق على هذه المباني، ومع ذلك يستشهد بمثل هذا الإجماع.
ــــــ[95]ـــــــ
(1) مصباح الفقاهة 1: 412، حرمة حلق اللّحية، الوجه السابع.
(2) راجع بحوث في علم الأُصول 4: 317، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، الإجماع المنقول.
(3) راجع المصدر السابق 4: 305- 317.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الثاني: الشهرة، وهي تكاد أن تكون محصّلة.
إلَّا أنَّها لا تكون بحجّة، أمّا أوّلاً: فلعدم حجّيّة الشهرة في نفسها كما ثبت في محلّه(1).
وأمّا ثانياً: فلكون الشهرة مدركيّة في المقام، كما ذكرنا في الإجماع. ومعه تكون أولى من الإجماع بالسقوط لا محالة.
الثالث: السيرة من المتشرّعين والبناء العملي من المتديّنين، قديماً وحديثاً على عدم الحلق.
قال في >المحاضرات<: إنَّه كاشف عن ارتكاز الحرمة(2).
وفيه: أنَّه غاية ما يكشف عن جامع المطلوبيّة والرجحان، وهو ممّا لا شكّ فيه ولا ريب يعتريه، بل هو شعار المتديّنين وأوضح سمات الإلهيّين، إلَّا أنَّ كلّ ذلك ممّا لا يدلّ على الوجوب بحسب الدقّة كما هو واضح.
ودعوى: كونه كاشفاً عن دليلٍ تامّ الدلالة والسند دالٍّ على الوجوب، وإن لم يصل إلينا، عهدتها على مدّعيها، بل هو على فرض وجوده لا يكون منجّزاً، كما هو واضح، بعد أن لم يتعلّق به علم ولم تقم عليه حجّة، ولا تصلح هذه السيرة أن تكون أمارة عليه، ما لم تفد الكشف الاطمئناني عنه، وهو غير موجود وجداناً.
إذن فلم يتحصّل إلى الآن دليلٌ يصلح أن يكون حجّةً منجّزةً لحرمة حلق اللّحية، أو وجوب بقائها، لا من القرآن ولا من السنّة، ولا من الأدلّة اللّبيّة.
ــــــ[96]ـــــــ
(1) راجع المصدر السابق 4: 321، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، حجيّة الشهرة.
(2) محاضرات في الفقه الجعفري 1: 293، حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
خاتمة
في لواحق هذا الموضوع وتوابعه
ويتمّ الكلام فيها ضمن فصول:
الفصل الأوّل: [في التحريم بالعنوان الثانويّ]
فيما قيل أو يمكن أن يُقال ممّا يصلح أن يكون دليلاً على حرمة حلق اللّحية بالعنوان الثانوي بعد أن أعددنا الدليل على الحرمة بالعنوان الأوّلي كما سبق.
وذلك عدّة وجوه:
● الوجه الأوّل: التمسّك بما دلّ على عدم جواز السلوك مسلك أعداء الدّين، ومن شعارهم حلق اللّحية.
وقد أشار الى هذا الوجه صاحب >الوسائل<(1) وذكره السيّد الأُستاذ في >المصباح<(2).
وكلٌّ من الكبرى والصغرى محرزتان في الجملة بلا إشكال.
أمّا الكبرى: – وهو حرمة التشبّه بأعداء الدين والفسّاق والمنحرفين- فهو من الواضحات، ولا يحتاج إلى سرد حديثٍ ضعيفٍ عليه، مع الطعن
ــــــ[97]ـــــــ
(1) راجع وسائل الشيعة 15: 146، الباب 64 من أبواب جهاد العدو.
(2) راجع مصباح الفقاهة 1: 410، حرمة حلق اللّحية، الوجه الرابع.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
في سنده، كما فعل في >المصباح<(1). وهو ما رواه في >الوسائل< عن الفقيه بإسناده عن الصادق×، قال: >أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائه: قلْ للمؤمنين لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي، فتكونوا أعدائي، كما هم أعدائي<(2).
إلَّا أنَّ المأخوذ في موضوع الحرمة هو التشبّه بهم بصفتهم منحرفين وأعداء لربّ العالمين، لا مطلقاً. فلو اتّخذ الإنسان شعارهم أو لبس لباسهم أو طرق طريقهم أو أكل من طعامهم، ممّا يختصّون به، كان ذلك من أعظم المحرّمات المشتمل على الدعوة ضدّ الدّين وعلى محاربة الله ورسوله.
إذن فالكبرى ثابتة في هذه الحدود بلا إشكال.
وهي شاملةٌ لكلِّ جزئيٍّ من جزئيّات التشبّه الموجب للماثلة مع المنحرفين ولو في وصفٍ واحد. فما أورده السيّد الأُستاذ على هذا الوجه(3) – من: أنَّ السلوك مسلك أعداء الدين عبارةٌ عن اتّخاذ سيرتهم شعاراً وزيّاً، وهذا لا يتحقّق بمجرّد الاتّصاف بوصفٍ من أوصافهم- لا يكون تامّاً.
وأمّا الصغرى: فهي ثابتة في الجملة أيضاً؛ فإنَّ الحلق إنَّما ورد إلى بلادنا الإسلاميّة من الإفرنج والمسيحيّين، وقلّدهم أوّلاً جماعة من المنحرفين الفارغين عقائديّاً، الذين لا حريجة لهم في الدّين، ثُمَّ شاعت منهم في المجتمع المسلم، مع شديد الأسف.
ــــــ[98]ـــــــ
(1) راجع المصدر السابق 1: 411.
(2) مَن لا يحضره الفقيه 1: 252، فيما يكره من اللباس للمصلّي، الحديث 770، وسائل الشيعة 4: 385، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلّي، الباب 19، باب كراهة لبس السواد إلّاَ في الخفّ والعمامة والكساء، وزوال الكراهة بالتقيّة، الحديث 8 .
(3) أُنظر: مصباح الفقاهة 1: 411، حرمة حلق اللّحية، الوجه الرابع.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ومن هنا نستطيع أن نقول بكلِّ تأكيد، بعد تطبيق تلك الكبرى على هذه الصغرى: إنَّ كلّ مَن حلق لحيته بقصد تقليد الإفرنج والحضارة الأوروبيّة أو بقصد التشبّه بفردٍ أو جماعةٍ من علمائهم أو عظمائهم أو غيرهم، أو التشبّه ببعض الفَسَقة والمنحرفين ممّن يدّعون الإسلام، كان كلّ ذلك حراماً وحرباً للدّين الإسلاميّ بلا إشكال.
ولا يقال: إنَّنا بعد أن لم يثبت لدينا الدليل على الحرمة، لم يكن هذا التشبّه حراماً.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا التشبّه بنفسه وعنوانه حرامٌ حتّى فيما كان مباحاً بالعنوان الأوّلي، كلبس ثوبٍ معيّن، أو قصّ الشعر بشكلٍ معيّن كالخنافس مثلاً، أو المشي في طريقٍ معيّن، وغيره، فضلاً عن المستحبّ المؤكّد في الشريعة، فضلاً عمّا قامت عليه سيرة المتديّنين وشعار المتشرّعين.
وعليه، فلا إشكال أنَّ الروّاد الأوائل في بلادنا لتقليد الإفرنج في حلق اللّحية، قد تحمّلوا الجريمة الكبرى في ذلك، وكذلك كلّ من يجري على ديدنهم، ويقصد مثل قصدهم في سائر الأزمان.
وأمّا في أيّامنا المتأخّرة، فقد أصبح الفرد العادي ممّن يحلق لحيته لا يتشبّه بالإفرنج ابتداءً ولا بالمنحرفين، وإنَّما يتشبّه بالآلاف من المجتمع المسلم، وفيهم أشكال وأنحاء من الأفراد على غير تعيين. ومعه يخرج عمله هذا عن أن يكون صغرى لكبرى التشبّه بأعداء الدين، و لا تصلح أن تكون دليلاً على تحريمه.
ولا يُقال: إنَّ الحرمة تشمله باعتباره تشبّهاً بالمتشبّهين، فيكون تشبّهاً ولو بالواسطة.
ــــــ[99]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
فإنَّه يُقال: إنَّ ذلك ممّا لا دليل على حرمته في نفسه، إلَّا إذا أصبح المتشبّهون من الفَسقة وأعداء الدين، فيحرم التشبّه بهم.
إلَّا أنَّ هذا في خصوص حلق اللّحية أوّل الكلام، بعد عدم ثبوت الحرمة في نفسها، وعدم كفاية التشبّه بالوصف الواحد، في صدق عنوان العداء للدّين أو كونه من أهل الفسق والفجور على الفرد.
● الوجه الثاني: التمسّك بما دلّ على حرمة تشبّه الرجال بالنساء، كما أشار إليه صاحب >الوسائل<(1).
إلَّا أنَّه غير تامٍّ كبرى وصغرى.
أمّا من حيث الكبرى؛ فلعدم الدليل على حرمة هذا التشبّه بعنوانه. وما دلّ على ذلك من الروايات مخدوشٌ سنداً أو دلالة.
فمنها: ما في >الوسائل< عن >مكارم الأخلاق< عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله× وأبي الحسن في الرجل يجرّ ثيابه، قال: >إنَّي لأكره أن يتشبّه بالنساء<(2). ومن المعلوم أنَّ الكراهة، وإن لم تكن هي المصطلحة لكنّها تناسب معها كما هو واضح، ولا دليل على اشتمالها على الملاك الإلزامي.
ومنها: ما عن أبي عبد الله× عن آبائه^ قال: >كان رسول الله’
ــــــ[100]ـــــــ
(1) راجع وسائل الشيعة 2: 118، الباب 67 من أبواب آداب الحمّام، ذيل الحديث الخامس.
(2) الكافي 6: 458، كتاب الزيّ والتجمّل والمروءة، باب تشمير الثياب، الحديث 12، ومكارم الأخلاق: 118، الفصل السادس: في كراهيّة لباس الشهرة …، في تشبّه الرجال بالنساء، وسائل الشيعة 5: 25، الباب 13 من أبواب أحكام اللباس، باب عدم جواز تشبّه النساء بالرجال، والرجال بالنساء، والكهول بالشباب، الحديث 1.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
يزجر الرجل أن يتشبّه بالنساء، وينهى المرأة أن تتشبّه بالرجال في لباسها<(1). وهي – كما في الوسائل(2)- مرسلة لم يُذكَر لها أيُّ سندٍ حتّى الراوي الأوّل عن الإمام×، ومعه تكون ساقطةً عن الحجّية أساساً.
وأمّا من حيث الصغرى؛ فإنَّ القصد في حلق اللّحية ليس هو ذلك جزماً عند جمهور الحالقين.
وكون الشبه حاصلاً من دون قصد، غير مجدٍ في إثبات الحرمة؛ فإنَّ ما هو المحرّم على الفرض هو التشبّه، وقد أخذ فيه القصد والاختيار لا محالة.
نعم، على تقدير تسليم تماميّة الكبرى، ويكون عند شخصٍ من الحالقين قصد التشبّه بالنساء في حلاقته للّحيته، كان مصداقاً لما هو المحرّم لا محالة.
● الوجه الثالث: التمسّك بما دلّ على حرمة لباس الشهرة، مع دعوى كون حلق اللّحية من لباس الشهرة.
والكبرى – وهي حرمة لباس الشهرة- ثابتةٌ في الشريعة، تدلّ عليها صحيحة أبي أيّوب الخزّاز عن أبي عبد الله× قال: >إنَّ الله يبغض شهرة اللباس<(3). وغيرها من الأخبار.
ــــــ[101]ـــــــ
(1) مكارم الأخلاق: 118، الفصل السادس: في كراهيّة لباس الشهرة …، في تشبّه الرجال بالنساء، وسائل الشيعة 5: 25، الباب 13 من أبواب أحكام اللباس، باب عدم جواز تشبّه النساء بالرجال، والرجال بالنساء، والكهول بالشباب، الحديث 2.
(2) المصدر السابق، وكذا في مكارم الأخلاق.
(3) الكافي 6: 445، كتاب الزيّ والتجمّل والمروءة، باب كراهيّة الشهرة، الحديث 1، ومكارم الأخلاق: 116، الفصل السادس: في كراهيّة لباس الشهرة …، في لباس الشهرة، وسائل الشيعة 5: 24، الباب 12 من أبواب أحكام اللباس، باب كراهة الشهرة في الملابس وغيرها، الحديث 1. وأمّا غيرها من الأخبار فراجع الباب 12، باب كراهة الشهرة بالملابس وغيرها، من أبواب أحكام اللباس من الوسائل 5: 24.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
إلَّا أنَّ إنتاج النتيجة المقصودة في المقام يتوقّف على أمرين:
أحدهما: تجريد هذه الصحيحة عن خصوصيّة اللباس بحسب الفهم العرفيّ، والتعميم إلى كلّ وصفٍ في اللباس أو البدن، بحيث يكون الفرد مشهوراً به بنحوٍ غير لائق. وهذه دعوى قريبةٌ تكاد أن ترتقي الى درجة الظهور من الرواية.
ثانيهما: كون حلق الفرد لحيته أمراً شاذّاً يشتهر به في المجتمع، وهذا أمر لا كلّية له، وهو منتفٍ في أيّامنا الحاضرة جزماً، بعد تزايد عدد الحالقين آلافاً. ولكنّه ممكن التحقّق في مجتمعٍ أو بلدةٍ لا تعرف الحلق، فإنَّ الحالق فيها يكون مشتهراً لا محالة، فيكون مشمولاً للحرمة بعد تجريد دليلها عن الخصوصيّة كما أشرنا.
فهذه هي الوجوه المتصوّرة لتحريم حلق اللّحية، بحسب العنوان الثانويّ، وهي ما بين غير التامّ كبرى أو غير المنطبق صغرى.
نعم، في حدود تماميّة الكبرى وانطباق الصغرى يكون محرّماً جزماً. وهو أيضاً غير خاصٍّ بالكبريات والقواعد التي ذكرناها. بل لو ترتّب على الحلق خطرٌ على النفس أو المال أو الشرف، أو ترتّب عليه مفسدةٌ دينيّةٌ أو أخلاقيّة كالتعرّض للنساء الأجنبيّات ونحو ذلك، كان محرّماً في كلّ ذلك بلا إشكال.
كما أنَّ العكس أيضاً صحيح، وهو ما إذا توقّف أحد هذه الأُمور على الحلق، وكان وجود اللحية في بعض لحظات الزمان خطراً على النفس أو المال أو الشرف، أو كان في الحلق رجاء النجاة من الخطر، أو تترتّب على الحلق مصلحةٌ دينيّةٌ كبرى، فإنَّه يصبح جائزاً، بل واجباً حتّى على القول بالحرمة، فضلاً عمّا إذا أنكرناها.
ــــــ[102]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الفصل الثاني: في ذكر دليلين ذكرهما صاحب >الوسائل<
وهما يدلّان على حرمة الحلق بالملازمة، لا بالمطابقة على الفرض.
الدليل الأول(1): التمسّك بما دلّ على وجوب الدّية في حلق اللّحية. ومن المعلوم أنَّ الدّية إنَّما تدفع عند ارتكاب أمرٍ محرّم، فيستكشف حرمة الحلق لا محالة.
ويدلّ عليه في باب الدّيات رواية مسمع عن أبي عبد الله×، قال: >قضى أمير المؤمنين× في اللّحية إذا حلقت فلم تنبت، الدّية كاملة، فإذا نبتت فثلث الدّية<(2).
إلَّا أنَّ هذا واضح الدفع، فإنَّ الدليل خاصٌّ بما إذا كان الحلق ظلماً وجنايةً، دون غيره.
بيان ذلك: إنَّ الحلق يتصوّر من هذه الناحية على نحوين: باعتبار أنَّ المحلوق إمّا أن يكون راضياً بالحلق وطيّبة به نفسه، بحيث يصحّ نسبة الفعل إليه مجازاً فيقال: زيدٌ حلق لحيته، كما يقال: فتح الأمير البلدة، وإن كان صادراً عن الغير، وأولى منه ما إذا باشر الحلق بنفسه، وإمّا أن لا يكون
ــــــ[103]ـــــــ
(1) راجع الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء – باب أنَّ في اللّحية الدّية، فإن نبتت فثلث الدّية، وفي شعر رأس الرجل الدّية إذا لم ينبت، وفيمَن داس بطن إنسان حتّى أحدث في ثيابه ثلث الديّة- من الوسائل 29: 341.
(2) الكافي 7: 316، باب ما تجب فيه الدّية كاملة من الجراحات التي دون النفس، وما تجب فيه نصف الدّية والثلث والثلثان، الحديث 23، ومَن لا يحضره الفقيه 4: 150، ما يجب في اللّحية إذا حلقت، الحديث 5332، وسائل الشيعة 29: 341، الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء، باب أنَّ في اللّحية الدية، فإن نبتت فثلث الدّية، وفي شعر رأس الرجل الدّية إذا لم ينبت …، الحديث 1.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
المحلوق راضياً، بل حُلقت لحيته إكراهاً مع حرصه على بقائها ولو في طول الإكراه، وقصد بذلك عقابه على أمرٍ شخصيٍّ أو هتكه أو التنكيل به ونحو ذلك، فإنَّ كلَّ ذلك ممّا يكون محرّماً، ولو بالعنوان الثانويّ بلا إشكال. ويكتسب المحلوق – شرعاً- حقّاً، وظلامة لا تستوفى إلَّا بالدّية أو القصاص ونحوه.
ومع الالتفات إلى هذين القسمين، يرى العرف – بكلِّ وضوح- اختصاص دليل وجوب الدّية بالقسم الثاني لا محالة؛ فإنَّه المنساق والمنصرف من تلك الرواية جزماً. كيف وإنَّ الحلق بالاختيار لا ظلامة فيه، فلماذا تثبت فيه الدّية، فيكون وجودها قرينةً على اختصاصها بالمورد الآخر.
الدليل الثاني(1): التمسّك بما دلَّ على عدم جواز نتف الشيب وتهديد فاعله بالعذاب. ولم يصرّح صاحب >الوسائل< بالصغرى، وهي: أنَّه إذا حرم نتف البعض وإزالته، حرم إزالة الجميع لا محالة، إمّا للانحلال أو للأولويّة. بل ربّما يكون الشعر الأسود أولى بالتحريم من الأبيض.
إلَّا أنَّ هذا من غرائبه+، فإنَّه غير تامٍّ كبرى وصغرى:
أمّا من حيث الكبرى؛ فلعدم ثبوت حرمة نتف الشيب، وكفانا إلزاماً لصاحب >الوسائل< أنَّه يعنون الباب المختصّ بذلك بقوله: جواز جزّ الشيب وكراهة نتفه وعدم تحريمه. فانظر إلى هذا التهافت الغريب.
وقد نقل في هذا الباب روايتين دالَّتين(2) على حرمة نتف الشيب
ــــــ[104]ـــــــ
( ) راجع الباب 79 من أبواب آداب الحمّام، باب جواز جزّ الشيب وكراهة نتفه وعدم تحريمه من الوسائل 2: 130- 131.
(2) وهما: الأُولى: عن الصدوق في الخصال… عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله×يقول: >ثلاثةٌ لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: الناتف شيبه، والناكح نفسه، والمنكوح في دبره<. والثانية: بإسناد الصدوق- أيضاً- عن عن علي×- في حديث الأربعمائة – قال: >لا تنتفوا الشيب فإنَّه نور المسلم، ومَن شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة<. الخصال: 106، الحديث 68، و: 612، الحديث 10، وسائل الشيعة 2: 130-131، الباب 79، الحديث 5 و 6.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
بظاهرهما، إلَّا أنَّهما لا تكادان تتمّان من حيث السند، ومن هنا لم يُفتِ+ على طبقهما في العنوان كما سمعنا. على أنَّها معارضةٌ بالصحيحة الدالَّة على الجواز، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله× قال: >لا بأس بجزّ الشمط ونتفه، وجزّه أحبّ إليّ من نتفه<(1).
والشمط ليس إلَّا الشعر الأبيض، فإنَّه يقال: شمط الرجل إذا غلب الشيب على سواد شعره(2).
إذن فالنتف جائز، والكبرى غير تامَّة.
وأمَّا من حيث الصغرى، فبإنكار الأولويّة المزعومة، وذلك لاختصاص نتف الشيب بمعنىً يتجرّد عنه حلاقة مجموع الرأس أو اللّحية.
والمعنى الذي قد يقترن بنتف الشيب هو التذمّر منه والضجر من وجوده بحيث قد يسري الاعتراض في قلب المكلّف إلى الله تعالى الذي سبّب إنبات الشيب، فيكون النتف هو المبرز لهذه الفكرة الخاطئة. وفي هذه
ــــــ[105]ـــــــ
(1) الكافي 6: 492، باب جزّ الشيب ونتفه، الحديث 1، ومَن لا يحضره الفقيه 1: 131، الحديث 340، وسائل الشيعة 2: 130، الباب 79 من أبواب آداب الحمّام، باب جواز جزّ الشيب وكراهة نتفه وعدم تحريمه، الحديث 1.
(2) أُنظر: الصحاح (للجوهريّ) 3: 1138، فصل الشين، مادّة (شمط)، ولسان العرب 7: 336، مادّة (شمط).
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الحدود يكتسب نتف الشيب عنواناً ثانويّاً محرّماً لا محالة، ويستحقّ فاعله العقاب بلا إشكال، وعليه تُحمل الروايتان الدالَّتان على الحرمة، على حين تُحمل الروايات المجوّزة على ما إذا تجرّد النتف عن هذا القصد. ولو شملته بإطلاقها للزم صرفها عنه بالتقييد لا محالة.
فهذا هو حال نتف الشيب، وأين هو من حلاقة اللّحية بياضها وسوادها، بنحوٍ لا يكاد يمكن أن يكون مورداً لمثل ذلك التصوّر الخاطئ. بل لو كان تحريم نتف الشيب دليلاً على تحريم الحلق، لحرم حلق الرأس أيضاً، لاتّحاده مع اللّحية في هذا الحكم لا محالة، وهو ممّا لم يقل به أحد، والتفصيل بينهما في حرمة النتف ممّا لم يقل به أحدٌ أيضاً، وخلاف إطلاق كلتا الطائفتين من الروايات الدالَّة على الحرمة، والدالَّة على الجواز.
وأمَّا حمل صاحب >الوسائل< للروايات الدالَّة على الحرمة، على نتف جميع الشيب واستيعاب ذلك اللّحية أو أكثرها(1)، فهو وجهٌ تبرّعيّ غير عرفيّ، لم تقم عليه قرينةٌ خاصَّةٌ أو عامَّة.
على أنَّه منقوضٌ بالرأس كما ذكرنا، بخلاف الحمل الذي ذكرناه، فإنَّه موافقٌ للاتّجاه العامّ في الاستياء من الشيب إلى حدٍّ يصلح أن يكون قرينةً عليه. على أنَّنا نلتزم بتحريم النتف بذلك القصد في اللّحية والرأس معاً، سواء قلّ النتف أو كثر.
إذن فهذه الأخبار أجنبيّةٌ عن الدلالة على حرمة حلق اللّحية في نفسه. ومعه لم يتمّ هذان الوجهان لصاحب >الوسائل<، كما لم تتمّ الوجوه الأسبق منهما.
ــــــ[106]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 2: 131، الباب 79 من أبواب آداب الحمّام، في ذيل الحديث 6.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الفصل الثالث: [في حكم المقلّد وغير المقلّد في الحلق]
لا إشكال أنَّنا بعد أن لم يتمّ لدينا الدليل الاجتهاديّ على الحرمة بالعنوان الأوّلي، ولم يكن الحلق مورداً للتحريم بالعنوان الثانويّ، فإنَّه يكون مورداً للأصل المؤمّن لا محالة، كأصالة البراءة أو استصحاب عدم الجعل. وكان لنا ترتيب الأثر على الجواز فتوىً وعملاً بلا إشكال.
إلَّا أنَّ الشأن كلّ الشأن، فيمَن حلق لحيته وهو مقلّد لمجتهدٍ يرى الحرمة، أو حلق لحيته بدون تقليد. فإنَّ عمله يكون محرّماً بلا إشكال.
أمَّا بالنسبة إلى المقلّد فواضح، إذا كان المجتهد الذي قلَّده هو الحجّة عليه بحسب شرائط التقليد.
وكذلك لو قصَّر في الفحص وقلّد مجتهداً آخر بقصد تحليل حلق اللّحية، وكان المجتهد الحجَّة يرى حرمة حلقها واقعاً.
فإنَّ كلا النحوين من المكلّفين، يكون المنجّز عليهم التحريم، وإن كان الحكم في الواقع هو التحليل.
وأمَّا لو كان مجتهده الحجَّة عليه ممّن يرى الجواز ، وكان مقلّداً له فعلاً، جاز له الحلق بلا إشكال، ولا يضرّه تبدّل الحجّة بموت المجتهد، فلو حدث ذلك وجب على المكلّف إتّباع فتوى المجتهد الحجَّة عليه فعلاً، فإن أفتاه بالجواز فهو، وإلَّا وجب عليه إبقاء اللّحية وحرم عليه الحلق.
ولو كان قد قصّر في الفحص، وقلّد مَن لا حجّية لقوله عليه من المجتهدين ممّن يرى الحرمة، فإن أطاعه في إبقاء اللّحية فهو، وإن حلق لحيته، فإن كان المجتهد الحجَّة عليه يرى التحريم أيضاً كان هذا المكلّف عاصياً، وإن كان ممّن يرى الجواز كان متجرّياً. وعلى كلا الحالين يستحقّ
ــــــ[108]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
العقاب على التحقيق.
فهذا هو حال المكلّف المقلّد بنحو الاختصار.
وأمَّا من حلق لحيته من دون تقليد، كما هو ديدن الكثير ممّن يتهاون بالدين ولا يسلك طريق إطاعة شريعة سيّد المرسلين.
فمثل هؤلاء، إمّا أن يكون الفرد منهم قاصداً العصيان على كلّ حال، ولو كان الحكم الواقعيّ هو حرمة الحلق، وهو مسبوقٌ ذهناً باحتمال الحرمة أو الحكم بها، كما هو المشهور على الألسن كثيراً، فمثل هذا يستحقّ مضافاً إلى عقاب التجرّي – إذا كان الواقع هو الحرمة- يستحقّ حرمة التهاون بالدين وتعمّد العصيان، على كلّ حال، فإنَّه في نفسه من أهمّ المحرّمات.
وأمّا مع غضّ النظر عن هذا القصد، أو غفلة المكلّف عنه، فعلى ما قلناه من وجود المؤمّن الظاهري عن التحريم، يدخل هذا المكلّف في المسألة التي تبحث عادةً في علم الأُصول وحاصلها: أنَّ الواقع إذا كان موجوداً ولو احتمالاً، وكان المؤمّن عنه موجوداً أيضاً، وجرى المكلّف على طبق المؤمّن من دون علم به، فخالف عمله الواقع، فهل يكون مستحقاً للعقاب أو لا؟
والمحقّق هناك هو استحقاقه للعقاب؛ لأنَّ المؤمّن إنَّما يكون معذّراً عند وصوله، والمفروض عدمه، ولا يكفي كونه في معرض الوصول عند مخالفته للواقع، وإن كفى ذلك في الدليل المنجّز؛ لاختلافهما بحسب الوظيفة العقليّة؛ لاستقلال الدليل المنجّز بوجوب الفحص عقلاً دون المعذّر، فإذا لم يكن الدليل المؤمّن معذّراً، يكون احتمال الواقع منجّزاً على المكلّف لا محالة؛ لعدم جريان الأصل فيه على الفرض، وعليه فإن كان الواقع موجوداً كان عاصياً لا محالة ومستحقّاً لعقاب العصيان. وإن لم يكن موجوداً كان متجرّياً، ومخالفاً لما هو المنجّز عليه في مرتبة الظاهر، فيستحقّ
ــــــ[108]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
عقاب المتجرّي، على ما هو التحقيق من استحقاقه(1).
وهذا النحو من التصوّر والسلوك، وهو حلق اللّحية بدون تقليد ولا عزم على العصيان الأكيد، هو الغالب من جمهور الحالقين، مع شديد الأسف، وقد عرفنا أنَّ مؤدّاه التحريم لا محالة، وإن قلنا بالجواز أساساً، ووجود المؤمّن الظاهري عليه.
الفصل الرابع: [في انتفاء اللّحية موضوعاً]
ذكروا أنَّ انتفاء اللّحية موضوعاً جائز، وإن قلنا بتحريم الحلق في ناحية المحمول.
وذلك: بأن يلتزم الفرد من أوّل ما تنبت لديه شعرات اللّحية، وقبل صدق وجودها عرفاً، أن يلتزم بحلاقتها دائماً، بحيث لا يصدق وجود اللّحية عنده طول عمره، ويوجب ذلك انتفاءها موضوعاً، وإذا انتفى الشعر موضوعاً لم يصدق حلق اللّحية، و إذا لم يصدق لم يترتّب عليه حكمه، وهو الحرمة على الفرض.
وهذا لا يرد عليه ما أورده شيخنا في الإجازة العلاّمة الحجَّة السيّد حسن الخرسان(2)، وأيَّده سيّدنا الوالد(3)، من كون هذا الفعل بنفسه تمرّداً
ــــــ[109]ـــــــ
( ) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 53، مباحث الحجج والأمارات، مبحث التجرّي.
(2) ذلك مثبّت في كتاب الإجازات عن الأئمّة الهداة (مخطوط)، بقلم السيّد الشهيد محمّد الصدر+. وأضاف العلّامة السيّد حسن الخرسان في الإجازة: إنّي اعتبر ارتكاب كلّ محرّم موجباً للفسق، وأنَّ المحرّمات أقرب إلى السبعمائة منها إلى السبعين، بما فيها الالتزام بالمكروهات أو بترك المستحبّات. كان ذلك بتاريخ: يوم الأحد 18 جمادى الأُولى من سنة 1387هـ .
(3) لم نقف على أثرٍ بهذا الخصوص للحجّة المقدّس السيّد محمّد صادق الصدر+. والظاهر أنَّ ذلك من المسموعات.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
على طاعة الله سبحانه، وتفويتاً للملاك الملزم المتعلّق بإبقاء اللّحية.
فإنَّه يرد عليه: أنَّه إنَّما يكون تمرّداً في طول شمول الحرمة له، وشمولها له أوّل الكلام، بل المدّعى هو أنَّ مقتضى القاعدة عدم الشمول. كما أنَّ تفويت الملاك إنَّما يحرز مع إحراز وجوده، والمحقّق في محلّه أنَّ إحراز الملاك دائرٌ مدار تنجّز الحكم، وتنجّز الحكم في المقام أوّل الكلام، بل المدّعى عدمه كما قلنا. على أنَّنا نحتمل تعلّق الملاك بخصوص حلاقة اللّحية الموجودة فعلاً، دون التسبُّب إلى انعدامها موضوعاً، ومعه فلا يكون الملاك في هذا المورد محرزاً، فكيف يحرز تفويته؟!
نعم، لو كان الملاك هو إبراز شعار الرجولة ونحوه، لدارت الحرمة مداره، ومن المعلوم أنَّ نفيها موضوعاً مفوّت لهذا الملاك لا محالة. إلَّا أنَّه لا دليل على كون الملاك هو خصوص ذلك، وإن ورد في بعض الأخبار غير المعتبرة. على أنَّها لو تمّت سنداً، حُملت على كونه من قبيل الحكمة لا العلَّة(1)، بل يكفي احتمال ذلك في عدم إحراز الملاك كما هو واضح.
مناقشة القول بالجواز
إلَّا أنَّه مع ذلك لا يكاد يتمّ على التحقيق:
ــــــ[110]ـــــــ
(1) والفارق بين العلّة والحكمة: أنَّ العلّة هي الأمر الداعي للمشرّع إلى تشريعه، وقد أخذ فيها قيد الانضباط، على نحوٍ يدور مدارها التشريع في ناحيتي الوجود والعدم.
أمّا الحكمة فهي عبارة عن الفائدة أو الثمرة المترتّبة على التشريع للحكم بصفةٍ نوعيّة، لا ينظر فيها إلى الأفراد والأشخاص، ولم يُؤخذ فيها قيد الانضباط.
كما أنَّ الحكمة كالعلّة في أنَّها قد تكون منصوصة؛ وذلك بأن يرد التصريح بها أو الإيحاء إليها في لسان النصّ والتشريع، أو لا تكون كذلك. راجع في هذا المجال: القرآن والعقيدة (للسيّد مسلم الحلّي): 230.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
وذلك: لأنَّنا إذا بنينا على حرمة حلق اللّحية على ما هو المفروض لهذا القائل بالجواز في مورد الكلام، فلا يخلو مستندنا: إمَّا أن يكون هو الآية الكريمة(1)، أو رواية النهي عن التشبّه بالمجوس(2)، أو صحيحة البزنطيّ(3)، أو رواية المثلة(4)، أو الإجماع ونحوه من الأدلَّة اللّبيّة.
فإن كان المستند هو الآية الكريمة؛ باعتبار أنَّها تدلّ على حرمة تغيير خلق الله، وحلق اللّحية مصداقٌ لذلك، بغضّ النظر عمّا ذكرناه من المناقشات، فما ذكروه لا يتمّ لا محالة؛ لأنَّ تغيير الخلقة يصدق بإزالة اللّحية مع إمكان إنباتها، سواء كانت موجودةً سابقاً أو غير موجودة. فالتسبّب إلى نفيها موضوعاً تغييرٌ لخلق الله بلا إشكال؛ باعتبار مخالفته للنوع المقتضي
ــــــ[111]ـــــــ
( ) وهي قوله تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}.
(2) وهي المرويّة عن أهل البيت^ عن جدّهم رسول الله’ أنَّه قال: >حفّوا الشوارب وأعفوا اللحى ولا تشبّهوا بالمجوس<. معاني الأخبار: 291، باب معنى قول النبي’: >حفّوا الشوارب<، وسائل الشيعة 2: 116، باب 67 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 3.
(3) وهي المرويّة في الوسائل عن السرائر نقلاً عن كتاب الجامع لأحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ صاحب الرضا×، قال: وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته؟ قال: >أمّا مِن عارضيه فلا بأس، وأمّا مِن مقدّمها فلا<. مستطرفات السرائر: 574، مستطرفات جامع البزنطي، وسائل الشيعة 2: 111- 112، الباب 63 من أبواب الحمّام، الحديث 5.
(4) وهي رواية الجعفريّات المرويّة في >المستدرك< عن علي× قال: >قال رسول الله’: حلق اللّحية من المثلة، ومَن مثّل فعليه لعنة الله<. الجعفريّات: 157، باب السنّة في حلق الشعر يوم السابع للمولود، ومستدرك الوسائل 1: 406، الباب 40 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 1.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
للإنبات. ومعه يكون مشمولاً للحرمة على حدِّ شمولها لحلق اللّحية الموجودة ابتداء.
وإذا كان المستند هو مرسلة الصدوق ونحوها من روايات النهي عن التشبّه بالمجوس(1)، فالمأخوذ فيها عنوان إعفاء اللّحى، ومن المعلوم أنَّ هذا العنوان كما هو منافٍ لحلق اللّحية الموجودة، منافٍ مع انتفائها موضوعاً، فيكون الفاعل عاصياً لوجوب الإعفاء لا محالة.
وأمَّا إذا كان المستند رواية المثلة المأخوذ في موضوعها الحلق، أو صحيحة البزنطي، المستفاد من إطلاقها – على الفرض- حرمة إزالة مجموع اللّحية؛ فإنَّه وإن كان يمكن أن يقال بعدم صدق الحلق أو الإزالة عند انتفاء اللّحية موضوعاً، إلَّا أنَّ هذا متوقّفٌ على انتفاء مناقشتين:
● [المناقشة] الأُولى: دعوى صدق الحلق عرفاً، حتّى في مثل ذلك، بأحد تقريبات:
[التقريب] الأوّل: دعوى أنَّ إجراء صورة الحلق ممّا يصدق عليه الحلق عرفاً، ومن هنا أوجبوا على الأصلع إمرار الموس للتحلّل من الإحرام(2)، واستحبّوا لمَن وُلد مختوناً إمرار الموس تنفيذاً للسنّة والحنيفيّة، كما ورد في بعض الأخبار(3). وما ذلك إلَّا لصدق الصورة مع انتفاء
ــــــ[112]ـــــــ
(1) مرّ تخريجها.
(2) راجع كشف الرموز (للفاضل الآبي) 1: 372، كتاب الحجّ، المقصد الأوّل، القول في مناسك منى، الطرف الخامس، وتذكرة الفقهاء 8: 337، كتاب الحجّ، المقصد الثالث، الفصل السادس في الحلق، مسألة 660، والرسائل العشر (لابن فهد): 216، كتاب الحجّ، الباب الثاني، الفصل الرابع في التقصير.
(3) راجع ذلك في الباب 53 من أبواب أحكام الأولاد من الوسائل 21: 438.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الموضوع، وإلَّا لما كان لذلك الوجوب وهذا الاستحباب وجهٌ معقول، فتأمّل.
التقريب الثاني: دعوى: أنَّ الحلق اللولائي ممّا يصدق عليه الحلق عرفاً؛ فإنَّ هذا المكلّف لولا انتفاء لحيته موضوعاً لصدق عليه الحلق بلا إشكال، إذن فهو يصدق عرفاً عند انتفائها أيضاً.
التقريب الثالث: دعوى: أنَّ الحلق صادق عرفاً بالفعل، بالنسبة إلى أجزاء صغيرةٍ جدّاً من الشعر، فإنَّ عمل الحلاقة يقطعها ويزيلها لا محالة. فيصدق عليه الحلق عرفاً.
ولم يُؤخذ في مفهومه أن يكون واقعاً على الشعر الطويل أو الظاهر للعيان جزماً.
التقريب الرابع: أنَّه بعد التنزّل عن التقريب الثالث، ولو بدعوى: عدم كفاية زوال الأجزاء غير المنظورة لصدق الحلاقة عرفاً، وعدم أخذ ظهور الشعر فيه وإن كان تامّاً، إلَّا أنَّه لا يلازم صدقه على إزالة تلك الأجزاء؛ لعدم صدق الشعر عليها عرفاً كما هو واضح، وإنَّما تصدق الحلاقة على أقلِّ مراتب الشعر، وإن قلّت.
إلَّا أنَّه مع ذلك يدّعى في هذا التقريب: صدق حلاقة الشعر وإزالته باعتبار إزالة علّته، وهي الأجزاء الصغيرة. وأنَّ هذا كما هو صادق عقلاً، صادق عرفاً أيضاً.
وعلى أيِّ حال، فإن صدقت الحلاقة أو الإزالة، بأحد هذه التقريبات، أصبح فعل المكلّف موضوعاً للتحريم المأخوذ في صحيحة البزنطي، ورواية المثلة، حتَّى مع انتفاء لحيته موضوعاً. نعم، لو لم يصدق الحلق
ــــــ[113]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
والإزالة، كانت هذه المناقشة الأُولى غير تامَّةٍ لا محالة.
● المناقشة الثانية: دعوى: أنَّ انتفاء الموضوع إنَّما يوجب انتفاء الحكم، فيما إذا كان انتفاء الموضوع في المرتبة المتقدّمة على المتعلّق، لا في المرتبة المتأخّرة عنه.
توضيح ذلك: أنَّ عندنا في المقام حكماً وموضوعاً ومتعلّقاً. فالحكم هو الحرمة، والموضوع هو اللّحية، والمتعلّق هو فعل المكلّف، وهو الحلق. كما أنَّ الخمر موضوعٌ للحرمة والشرب متعلّقٌ لها، أو أنَّ الوقت موضوعٌ لوجوب الصلاة، والصلاة نفسها متعلّقٌ له.
فإذا عرفنا ذلك، نقول: إنَّ انتفاء الموضوع إذا كان في المرتبة السابقة على المتعلّق، كان موجباً لانتفاء الحكم لا محالة على مقتضى القاعدة، كما لو أريقت الخمر، بنحوٍ لا ارتباط له بشربها، وصدق انتفاؤه سواء شرب أو لم يشرب، وكما لو لم يدخل وقت الصلاة وصدق انتفاؤه صلَّى أو لم يصلِّ. فإنَّ حرمة شرب الخمر ووجوب إقامة الصلاة، لا يكون منجّزاً لا محالة، لكونه سالباً بانتفاء الموضوع.
وأمَّا إذا كان انتفاء الموضوع في طول وجود المتعلّق، كما لو أدّى شرب الخمر إلى زوالها أو التطهير في الكرّ إلى نقصانه، فإنَّه لا يؤدّي ذلك إلى انتفاء الحكم، بل يكون موجوداً لا محالة، ويترتّب عليه العصيان في المثال الأوّل والطهارة في المثال الثاني.
والمقام من هذا القبيل لا من قبيل الأوّل.
وذلك: لأنَّ المكلّف بإيجاده للمتعلّق – وهو الإزالة أو الحلاقة ولو للأجزاء الصغيرة جدّاً- تسبّب إلى انعدام اللّحية التي هي موضوع الحرمة.
ــــــ[114]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
وقد عرفنا أنَّ الحكم في مثل ذلك لا يكون منتفياً، إذن فالحرمة تبقى سارية المفعول لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا ممّا لا يكاد يتمّ؛ فإنَّه إن أُريد به تماميّته مع غضّ النظر عن المناقشة الأُولى وتسليم عدم صدق حلق اللّحية وإزالتها عرفاً، فمن المعلوم أنَّ المكلَّف بناءً على ذلك لا يكون موجداً للمتعلّق، فإنَّ المحرّم – على الفرض- هو حلق اللّحية، وهو ممّا لم يتحقّق؛ لتوقّفه على وجودها لا محالة، وإزالة الأجزاء الصغيرة ممّا لا يصدق عليه الحلق على الفرض.
وإن أُريد تماميّته بالانضمام إلى المناقشة الأُولى، كانت الأُولى كافيةً في نفسها، وكان ضمّ هذا المعنى إليها كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، وذلك لتحقّق المتعلّق وهو الحلق والإزالة، وأمّا توقّفها على وجود اللّحية فيجاب عنه بأحد تقريبين:
الأوّل: أنَّ ما يتوقّف عليه الحلق – بعد فرض صدقه في المقام- ليس هو وجود اللّحية المنظورة، بل هو الأجزاء الصغيرة منها.
الثاني: أنَّ الحلق لا يتوقّف على شيءٍ أصلاً، وإنَّما هي عمليّةٌ مستقلّةٌ في نفسها، تقع على علّة اللّحية، لا على اللّحية نفسها.
وعلى أيِّ حال، فمتعلّق الحكم إذا كان ممكن التحقّق، كان الحكم منجّزاً لا محالة، ولا ضرورة أن يكون للحكم موضوعٌ في نفسه أصلاً، كما في الأحكام الوضعيّة، فتأمل.
فتحصّل: أنَّه إذا كان الدليل هو الكتاب أو السنّة، فلا يكاد يتمّ دعوى انتفاء الحكم بانتفاء اللّحية موضوعاً.
وكذلك الحال لو كان مستند الحكم بالتحريم هو سيرة المتشرّعة،
ــــــ[115]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
فإنَّها قائمةٌ على إبقاء اللّحية في الجملة، وهذا كما هو مناقضٌ لحلق اللّحية الموجودة، كذلك هو مناقضٌ مع التسبّب إلى انتفائها موضوعاً.
نعم، لو كان المستند في ذلك هو الإجماع أو الشهرة، وهما ممّا لم يستدلّ بهما أحدٌ مستقلاً فيما نعلم، فإنَّ مقتضى القاعدة هو جواز التسبّب إلى انتفائها موضوعاً؛ لكون القدر المتيقّن من هذين الدليلين هو غير ذلك، وهما إنَّما تتمّ حجّيتهما في القدر المتيقّن، كما حُقّق في محلّه.
وعلى أيِّ حال، فنحن في فسحةٍ من ذلك كلّه، بعد أن لم يتمّ لدينا دليلٌ على التحريم، وكان مقتضى الأصل هو الجواز، في صورة وجود اللّحية فعلاً، فضلاً عن انتفائها موضوعاً. وإن كنّا يمكن أن نستفيد من هذا الوجه، في بعض موارد الحرمة التي ذكرناها في بعض الفصول السابقة، كالحلق بدون تقليدٍ لمجتهد، فإنَّ هذا الفصل لو تمّ ينقّح لنا الجواز في التسبّب إلى انتفاء اللّحية موضوعاً، ولو من دون تقليد، على إشكالٍ فيه يظهر بالتأمّل.
ثُمَّ إنَّ المكلّف لو تمّت لديه نتيجة هذا الفصل اجتهاداً أو تقليداً، فلابدّ أن يلتزم طول عمره بالحلاقة المستمرّة من دون أن يهملها في بعض الأيام حتّى تنبت، فتكون موضوعاً للحرمة المفروضة في هذا الوجه. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون إهمالها اختياريّاً، إمّا اعتباطاً أو لداعٍ دينيّ كالتورّع عن الحلق أو لداعٍ دنيويّ كالحزن على قريب، وبين أن يكون إهمالها اضطراريّاً، كالغفلة والنسيان والإكراه، فإنَّ هذه العناوين ترفع الحكم لا أنَّها ترفع الموضوع تعبّداً مع وجوده وجداناً وعرفاً، كما هو واضح.
ــــــ[116]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الفصل الخامس: فيما يجب إبقاؤه من اللّحية، على تقدير القول بالحرمة
ويقع الكلام تارةً من حيث طول الشعر المطلوب، وأُخرى من حيث كمّية المساحة المطلوبة للشعر من حيث إمكان حلاقة بعضها وعدم إمكانه شرعاً.
من حيث طول شعر اللّحية
أمّا من حيث الطول المطلوب للشعر، فما قاله السيّد الأُستاذ في >المصباح<(1) تامّ، وهو أنَّه لم يرد في تحديده نصٌّ خاصّ، فالمدار في ذلك هو الصدق العرفيّ.
وعلى هذا، فإذا أخذت بمثل الماكنة والمقراض أو بغيرهما – بحيث لم تصدق اللّحية على الباقي- كان حراماً.
فهذا من ناحية القلّة، وأمّا من حيث الكثرة، فالإنسان حرٌّ في ذلك ما لم يزد طول شعره عن القبضة، فيكون مذموماً ومكروهاً شرعاً. وقد وردت في النهي عنه أخبارٌ لا تتمّ سنداً، فحُملت على الكراهة من باب التسامح في أدلّة السنن. فتأمّل(2).
وقد سمعنا في صحيحة البزنطيّ النهيَ عن أخذ المقدّم من اللّحية، وقد حمله صاحب >الوسائل< على القبضة فما دونها(3)، وعلى أيِّ حال فقد سبق عدم إمكان الأخذ بإطلاقها، للقطع ببطلانه.
نعم، قد يتحصّل بضمّ هذه الصحيحة إلى تلك الأخبار، استحباب
ــــــ[117]ـــــــ
( ) أُنظر: مصباح الفقاهة 1: 412، حرمة حلق اللّحية، الوجه السابع.
(2) إشارة إلى أنَّه من الحمل على خلاف الظاهر لو كانت القاعدة شاملةً للمكروهات (منه+).
(3) راجع وسائل الشيعة 2: 112، الباب 63 من أبواب آداب الحمّام، باب استحباب تخفيف اللّحية وتدويرها، والأخذ من العارضين، وتبطين اللّحية، ذيل الحديث 5.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
إطالة اللّحية إلى حدّ القبضة، لو أمكن الأخذ بالمدلول التحليليّ للصحيحة وبالمدلول الالتزاميّ لتلك الأخبار.
فيتحصّل مبغوضيّة الزيادة عن القبضة، والنقيصة عنها.
وعلى أيِّ حال، فإنَّ تخفيف اللّحية، مع انحفاظها ما بين هذين الحدّين، مشروع بلا إشكال، وقد ورد على ذلك خبر الحسن الزيّات قال: رأيت أبا جعفر× قد خفّف لحيته(1).
من حيث الشارب
وأمّا الشارب، فلم يرد فيه حكمٌ إلزاميٌّ بالعنوان الأوّليّ. وأمّا بحسب السنّة فيستحبّ حفّه وإزالته أو الأخذ منه. ففي الحديث عن عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن× قال: سألته عن قصّ (أخذ) الشارب، أمِن السنّة؟ قال: >نعم<.
وعن السكونيّ عن أبي عبد الله× قال: >قال رسول الله’: مِن السنّة أن تأخذ من الشارب حتّى يبلغ الإطار<(2).
والإطار هو حرف الشفة الأعلى الذي يحول بين منابت الشعر والشفة، على ما تقول اللغة(3). فيكون ما في الرواية كنايةً عن أخذ المجموع،
ــــــ[118]ـــــــ
(1) الكافي 6: 487، كتاب الزيّ والتجمّل، باب اللّحية والشارب، الحديث 4، وسائل الشيعة 2: 111، الباب 63 من أبواب آداب الحمّام، باب استحباب تخفيف اللّحية وتدويرها، والأخذ من العارضين، وتبطين اللّحية، الحديث 2.
(2) الكافي 6: 487، باب اللحية والشارب، الحديث 6، وسائل الشيعة 2: 114، الباب 66 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 2.
(3) راجع كتاب العين 7: 449، باب (الطاء)، والمصباح المنير 2: 16.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
بحيث يؤول إلى إزالته أو تخفيفه إلى حدٍّ كبير. وغير ذلك من الأخبار.
كما أنَّ إطالة الشارب مكروهٌ في الشريعة، على ما سنورد عليه بعض الأخبار.
نعم، يتحصّل من ذلك: عدم وجود حكمٍ إلزاميّ في الشارب. فإذا ضممناه إلى ما اخترناه من جواز حلق اللّحية بالعنوان الأوّلي، كانت جميع الصور المتصوّرة في اللّحية والشارب جائزةً شرعاً بالعنوان الأوّلي، وهي: إطالتهما معاً، وإزالتهما معاً، وإطالة اللّحية مع حفّ الشارب، وبالعكس.
نعم، إذا لزم من بعض هذه الصور مفسدةٌ دينيّةٌ أو تأييدٌ للانحراف أو الفساد، أصبح محرّماً جزماً، كصورة حلق اللّحية مع إطالة الشارب، بفتل أو من دون فتل، فإنّه شعار الملحدين والمنحرفين في زماننا هذا. فتقليده والتشبّه به يدخل في حرمة التشبّه بأعداء الدين، كما ذكرنا في فصلٍ سابق.
وقد يستدلّ على حرمة هذه الصورة مطلقاً – أي: وإن لم يلزم منها مفسدة- بالروايات السابقة الناهية عن التشبّه بالمجوس، فإنَّنا سبق أن قلنا إنَّها إنَّما تدلّ على النهي عن مجموع حلق اللّحية وتوفير الشارب، لا على النهي عن الحلق فقط. فدلالتها تامّة، إلَّا أنَّ الإشكال في سندها، وقد سبق أن عرفنا ضعفه، ومعه لا تصلح أن تكون دليلاً على حرمة ذلك مطلقاً.
ومعه فلابدَّ من حملها على أحد أمرين:
أحدهما: الاختصاص بصورة قصد تقليد المجوس، الراجع(1) إلى ما قلناه من تأييد الانحراف والفساد. وهو يكون محرّماً بلا إشكال.
ثانيهما: حملها على الكراهة؛ باعتبار قاعدة التسامح في أدلّة السنن، مع
ــــــ[119]ـــــــ
( ) بعد تجريده عن الخصوصيّة (منه+).
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
حفظ التأمّل السابق الذي قلناه في كراهة إطالة اللّحية أكثر من قبضة.
هذا، على أنَّ نفس إطالة الشارب له عادةً عللٌ ومعلولاتٌ نفسيّةٌ واجتماعيّةٌ منحرفةٌ دينيّاً وأخلاقيّاً.
ومن هنا، ورد عن رسول الله’ أنَّه قال: >لا يطوِّلنْ أحدكم شاربه، فإنَّ الشيطان يتّخذه مجنّاً يستتر به<(1).
والمراد به ما ذكرناه، وهو كونه طريقاً إلى الانحراف وإطاعة الشيطان.
وبهذا الحديث ونحوه يستدلّ على كراهة إطالة الشارب بعنوانها، مع غضّ النظر عن حكم اللّحية. وهذا يقال بتماميّته مع حفظ التأمّل السابق الذي أشرنا إليه.
فهذا هو حاصل الكلام في مسألة كمّية طول الشعر المطلوب في اللّحية والشارب.
من حيث المساحة المطلوبة للشعر
وأمّا من حيث المساحة المطلوبة للشعر، من حيث إمكان حلق بعضها والاقتصار على البعض – و للناس في ذلك أذواقٌ واتّجاهاتٌ كثيرة وطريفةٌ لا حاجة إلى سردها- فإنَّها تُعرَف بتصفّح الوجوه لا بتصفّح الكتاب.
وعلى أيِّ حال، فقد احتاط بعضهم احتياطاً وجوبيّاً في ذلك، وذكر:
ــــــ[120]ـــــــ
(1) الكافي 6: 448، باب اللّحية والشارب، الحديث 11، ومَن لا يحضره الفقيه 1: 127، باب تقليم الأظفار وأخذ الشارب والمشط، الحديث 307، وسائل الشيعة 2: 114، الباب 66 من أبواب آداب الحمّام، باب استحباب الأخذ من الشارب …، الحديث 3. وفي الكافي: >يتّخذه مخبئاً< بدل: >يتّخذه مجنّاً<.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
أنَّ الأحوط ترك حلق اللّحية حتّى من جوانبها وأطرافها فوقها أو تحتها، على ما في هامش >المحاضرات<(1). وهو على إطلاقه من الغرائب التي لم يقل بها أحدٌ سواه؛ إذ لا إشكال في جواز إزالة الشعر من أسفل اللّحية النابت على الرقبة، كما لا إشكال في جواز تسوية العارضين وحلاقة شيءٍ من قسمها الأعلى، وعلى ذلك نرى ديدن المتشرّعين والعلماء العاملين.
إذن، فما كان خارجاً عن حدّ اللّحية عرفاً، أي: ما كان فوقها أو تحتها، على حدّ تعبير البعض الذي نقلناه، لا إشكال في جوازه. بل من الممكن دعوى كونه ليس من اللّحية أساساً، وإن شمله اسمها بالمعنى الأعمّ.
وإنَّما الكلام في العارضين والمقدَّم ممّا يكون داخلاً في مفهوم اللّحية عرفاً، هل يجوز حلاقة بعضه وإبقاء البعض بناءً على القول بتحريم حلق اللّحية أو لا؟
وهذا يختلف باختلاف ما هو المستند في الفتوى بالتحريم، فلابدَّ من استعراض الأدلّة السابقة لنرى مقدار دلالتها على ذلك.
فإن كان مستند التحريم هو الآية الكريمة الناهية عن تغيير خلق الله، وكان هذا التغيير صادقاً على حلق اللّحية، على الفرض، فمن المعلوم أنَّه صادقٌ على حلق البعض كما هو صادقٌ على حلق الكلّ، فإنَّ كليهما مخالفٌ للخلقة الأصليّة النوعيّة المقتضية لإنبات الشعر على مجموع المساحة.
وإن كان المستند هو صحيحة البزنطي، كان الأقرب هو جواز ذلك، فإنَّه وإن فرضنا إمكان تعميم الأخذ إلى الحلق، ولو بالإطلاق، وتعميم
ــــــ[121]ـــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في الفقه الجعفري 1: 294، الأقوال في حلق اللّحية.
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
المقدّم إلى سائر أجزاء اللّحية على البدل بإلغاء الخصوصيّة، إلَّا أنَّها غاية ما تدلّ عليه – كما سلف- حرمة حلق المجموع، الراجع ولو بالملازمة إلى لزوم إبقاء البعض، مع إمكان حلاقة البعض الآخر، وخاصّة إذا حلق العارضين وأبقى المقدّم على ما هو موردها.
فإن قيل: إنَّ المأخوذ فيها عنوان الأخذ، وهو غير عنوان الحلق لا محالة، فلا تكون دالّةً على جواز حلاقة البعض.
قلنا: إنَّنا سبق أن أشرنا هناك، أنَّ عنوان الأخذ إمّا أن يُجعل مبايناً للحلق وإمّا أن يُجعل أعمّ منه، بحيث يشمله بإطلاقه.
فإن قلنا بالأوّل، سقطت الرواية عن الاستدلال على حرمة الحلق أصلاً كما سبق.
وإن قلنا بالثاني، مع العلم باتّحاد معنى الأخذ من العارض مع الأخذ من المقدّم، لاتّحاد اللّفظ الراجع إليهما في كلام السائل، ولوحدة السياق، فيكون كلا الأخذين شاملاً للحلق لا محالة. وتكون الرواية قد جوّزت حلق العارضين، ومنعت عن حلق المقدَّم.
وبالتجريد عن الخصوصيّة – لو أمكن(1)- يعمَّم جواز الحلق إلى أيّ جزءٍ من اللّحية، مع إبقاء الجزء الآخر، إذا كان جزءاً معتدّاً به، بحيث لا يصدق عليه حلق المجموع عرفاً.
وأمّا دعوى كون الأخذ شاملاً للحلق بالنسبة إلى المقدّم، وغير شامل له بالنسبة إلى العارضين، فهو مخالفٌ لظاهر الرواية بل لنصّها كما أسلفنا.
وإن كان مستند القول بالتحريم رواية المثلة المأخوذ فيها عنوان حلق
ــــــ[122]ـــــــ
( ) إشارةٌ إلى احتمال أهمّيّة المقدّم في نفسه بنحوٍ مانع عن التجريد (منه+).
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
اللّحية، أو روايات النهي عن التشبّه بالمجوس، فإنَّ الأقرب هو الجواز أيضاً، فإنَّ عنوان اللّحية وإن كان اسماً للمجموع، إلَّا أنَّه منطبقٌ على قسم معتدٍّ به منها عرفاً بلا إشكال، بل لا يبعد كون هذا العنوان من قبيل العناوين التي تصدق على القليل والكثير على الحقيقة، كعنوان الماء الصادق على القطرة والكرّ والنهر والبحر، وعنوان القرآن الصادق على الآية والسورة والمصحف. فكذلك عنوان اللّحية بشرط أن يكون الأقلّ معتدّاً به عرفاً. ومعه يجزي في امتثال التكليف أن يكون الفرد ممّن له لحيةٌ عرفاً ولم يحلق المجموع.
على أنَّ روايات التشبّه بالمجوس تختصّ بقرينةٍ زائدة، وهو العلم بأنَّ هذا التشبّه المنهيّ عنه لا يحصل جزماً مع وجود قسمٍ من اللّحية، سواء بقي معه الشارب أو لم يبقَ.
وأمّا الأدلّة اللّبيّة، فإن كان هو الإجماع أو الشهرة، فالأقرب الجواز أيضاً، لأنَّ القدر المتيقّن في معقدها هو حلق المجموع لا حلق البعض.
وأمّا إن كان الدليل اللبّي هو سيرة المتشرّعة، فيشكل الأمر بعض الشيء؛ لأنَّ من سيرتهم توفير تمام اللّحية وعدم إزالة الجميع، فإزالة بعضها قد يكون مخالفاً لسيرتهم.
فهذا هو الكلام في حلاقة البعض، وقد اتّضح جوازه في الجملة، بناءً على غالب أدلَّة التحريم.
فرع
رأينا قوماً من الهند أو ما والاها، أطالوا ما تحت الذقن وما ينبت على الرقبة من الشعر بطول حوالي ثلاث أصابع، حتّى أصبح كاللّحية لهم، وقد
ــــــ[123]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
حلقوا العارضين والمقدّم كلّه، فهل يكون ذلك جائزاً بناءً على التحريم وجواز حلق البعض أو لا؟
قد يقال بجوازه، باعتبار صدق اللّحية عرفاً على مثل هذا، فيكون مجزياً في امتثال التكليف. إلّاَ أنَّ هذا ممّا لا يكاد يتمّ، فإنَّه وإن سلّم صدق اللّحية على مثل ذلك إلَّا أنَّ عنوانها يصدق بشكلٍ أتمّ وأحقّ على العارضين والمقدّم، ولا إشكال أنَّها المراد عند إطلاق عنوان اللّحية؛ لا مجرّد الصدق العرفيّ كيف كان. ومعه يكون العصيان واقعاً بحلق العارضين والمقدّم، سواء أنبت المكلّف شيئاً بدلها أم لا؟ خاصّة بالنسبة إلى صحيحة البزنطيّ الناهية عن حلق المقدّم بالخصوص على الفرض.
هذا بناءً على القول بالتحريم، وأمّا بناءً على ما اخترناه، فلا يبعد الجواز، ما لم ينطبق عليه بعض العناوين الثانويّة المحرّمة، كتقليد الكفّار والمنحرفين أو أن يترتّب عليه مفسدةٌ دينيّةٌ أو أخلاقيّة.
الفصل السادس: [الحلق في الوعي الإسلاميّ]
إنَّنا بعد أن عرفنا تفاصيل مسألة حلق اللّحية فقهيّاً، ينبغي أن نقول كلمةً عن حلقها بحسب الوعي الإسلامي اجتماعيّاً.
إنَّنا وإن قلنا بجواز حلق اللّحية في الجملة؛ لعدم قيام الدليل على التحريم، إلَّا أنَّ مقتضى الوعي الإسلامي هو إبقاؤها بلا إشكال؛ وذلك لعدّة وجوه:
[الوجه] الأوّل: كون إبقائها هو شعار المتديّنين وديدن المتشرّعين، وكان عليه عمل النبي’ والأئمّة^ والعلماء والصالحين؛ فمن المخلّ حقّاً بالمسلك الإسلاميّ والوعي الكامل، الخروج على هذا التقليد المقدّس
ــــــ[124]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
لسلفنا الصالح، كيف وهم المُثل العليا لنا في الإنسانيّة وفي الإسلام وفي العدل المطلق، كيف والفرد يحاول أن يطرق طريقهم ويسلك مسلكهم ويهتدي بهداهم، ويأخذ بفلسفتهم وطريقتهم في الدين والحياة.
ويتأكّد ذلك فيمَن سلك مسلك الدعاة إلى الإسلام والتزم على نفسه القيام بواجب إعلاء كلمة الحقّ ورفع كلمة التوحيد على وجه الأرض. فمن المشين حقّاً بالنسبة إليه، وهو يدّعي هذا المسلك ويحاول هداية البشريّة نحو العدل الإسلامي الأعلى، أن يزلّ في الطريق ويخالف سيرة المتشرّعين ويخرج على شعار المتديّنين، وهو ما زال على الأبواب. ولئن كان قصده هداية البشر إلى سيرة المتديّنين، فكيف يكون عليها أوّل الخارجين!!
الوجه الثاني: أنَّنا نعلم ممّا نعيشه في حياتنا بكلِّ وضوح، وباعتبار خصوصيّاتٍ وملابساتٍ معيّنةٍ في مجتمعاتنا الحاضرة، نرى أنَّ حلق اللّحية مزلقةٌ للفرد نحو المحرّمات وطريقٌ له إلى الانحرافات، وذلك لما يفتحه الحلق أمام الفرد من فرص الارتياد في الأماكن المشبوهة والاجتماع في المجالس المنحرفة، بحيث يؤثّر على اتّجاهه الفكري والسلوكي لا محالة.
على حين نرى أنَّ بقاء اللّحية وقارٌ لصاحبها وصيانةٌ ورزانة، ودفعٌ لاحتمالاتٍ كبيرةٍ من الانحراف والفساد، ومدعاةٌ لأن يشعر الفرد بمسؤوليّة دينه وإطاعة ربّه وضميره، عادةً.
وغير قابلٍ للشكّ والمقارنة، لو خيِّر الفرد الواعي والمتشرّع إسلاميّاً بين احتمال الانحراف أو احتمال الصيانة والحفاظ. ومن المشين والمؤسف حقّاً أن يفتح الفرد باختياره أمام نفسه أبواب الانحراف وفرص الفساد.
ويتأكّد ذلك في حقّ الداعية الإسلامي الملتزم، وهو يريد سدّ أبواب
ــــــ[125]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الانحراف وقطع دابر الفساد عن سائر البشريّة، فكيف يحاول فتحها على نفسه، في مبدأ الطريق؟
الوجه الثالث: أنَّنا رأينا من عالم اليوم والأمس، أنَّ حلق اللّحية -مهما كان تاريخه القديم- قد اقتبسه شرقنا الإسلامي من أوروبّا ذات الحضارة المادّية المعادية لله، والمسيحيّة الصليبيّة المعادية للإسلام، وقد دَخَلَنا هذا المسلك منهم عن طريق الغزو الفكريّ الاستعماريّ من قِبل أشخاصٍ منّا اعتقدوا بعظمة أوروبا وصواب رأيها وعدالة حضارتها، فانزلقوا بهذا المزلق العميق، وانحرفوا هذا الانحراف المشين، وتسبّبوا شيئاً فشيئاً إلى انحراف جماهيرنا المسلمة السالمة قلبيّاً والفارغة عقائديّاً، عن طريق استيلائهم على الدراسة ووسائل الإعلام.
وكان من أهمّ الشعارات السلوكيّة التي نقلوها عن آبائهم المادّيين، حلق اللّحية، الذي لم يكن له أيّ وجودٍ واضحٍ في شرقنا الإسلامي. وقد كانت هذه الطليعة المادّية المنحرفة ومن بعدها من أبنائنا وإخواننا من أهمّ المطبّقين، من حيث يشعرون أو لا يشعرون للأهداف الاستعماريّة الكبرى في الغزو الفكري وإبعاد الجمهور الإسلاميّ عن دينهم، وفصلهم عن عقيدتهم سلوكيّاً وفكريّاً وأخلاقيّاً، فتحمّلوا بذلك على عاتقهم هذه الجريمة الكبرى والخيانة العظمى. والحديث عن ذلك ذو شجون.
وقد سبق أن ذكرنا: أنَّ تكليف هؤلاء في حلق اللّحية هو الحرمة بلا إشكال؛ باعتباره مقتبساً مباشرةً عن المسيحيّين والمادّيين وأعداء الدين.
وقد ذكرنا أيضاً: أنَّ الحلق في أيّامنا الحاضرة قد انتفت عنه – على وجه العموم- هذه الصيغة، وأصبح الفرد يباشر الحلاقة من دون التفاتٍ
ــــــ[126]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
إلى ذلك بلا إشكال، فلا يشمله هذا التحريم.
إلَّا أنَّ الفرد الواعي إسلاميّاً والملتزم دينيّاً، وخاصّةً إذا كان داعياً للإسلام وعاملاً لرفع راية الحق، ودحر الانحراف والفساد الناتج عن الغزو الاستعماريّ الكافر؛ والمستنكر لأساليبه المنحرفة في إبعاد الأمّة الإسلاميّة عن دينها القويم وإلقائها في أحضان العلمانيّة والإلحاد … .
إنَّ الفرد إذا كان على هذا المستوى من الوعي، فضلاً عمّا إذا كان يفهم من التفاصيل ما هو أكثر وأعمق، لحريٌّ به أن لا يتّخذ شعار الانحراف الذي فرضته الحضارة الأوروبيّة عن طريق الطلائع المنحرفة من شرقنا الإسلامي، ألا وهو حلق اللّحية، بل ينبغي له، بل يجب عليه أن يحتجّ على ذلك ويستنكره، وإنَّ أوضح طريق وأسهله لإظهار هذا الاحتجاج هو أن يبقي لحيته إطاعة لله تعالى والتزاماً بالعدل الإسلامي الصحيح.
على أنَّ الفرد الحالق اليوم وإن لم [يكن] متشبّهاً مباشرةً – كما قلنا- بالمسيحيّين ولا بالطلائع المنحرفين، ولكنّه متشبّهٌ بالمتشبّه، وهو راجعٌ إلى الشبه في نهاية المطاف، وراجعٌ إلى القبول من حيث يعلم أو لا يعلم، يريد أو لا يريد، يرفع شعارهم والالتزام بمسلكهم. والفرد الواعي ينبغي له، بل يجب عليه أن ينزّه نفسه عن ذلك، فلا يكون متشبّهاً بالمتشبّهين ليكون ماتّاً إلى الانحراف والفساد بأيّ صلةٍ من الصلات.
وإنَّ طريق القول بوجوب ذلك لواضح كلّ الوضوح؛ وذلك: لتعلّق مصلحةٍ إسلاميّةٍ دينيّةٍ وأخلاقيّةٍ بذلك كما رأينا، ومعه يكون الإبقاء واجباً بالعنوان الثانويّ كما أشرنا، وإن كان جائزاً بالعنوان الأوّلي.
وهذا الوجوب لا شكّ ثابتٌ في حقّ الداعية الإسلاميّ إذا توقّفت
ــــــ[127]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
دعوته وإظهار استنكاره على ذلك، كما هو كذلك. نعم، بالنسبة الى الفرد العادي الذي لم يلتزم بواجب الدعوة والتبشير الإسلامي، لا يعدو ذلك صعيد الاستحباب.
الوجه الرابع: أنَّنا وإن لم يتمّ لدينا الدليل على حرمة الحلق أو وجوب الإبقاء بالعنوان الأوّلي؛ إلَّا أنَّ الاستحباب ثابتٌ بالعنوانين الأوّلي والثانوي معاً. أمّا بالعنوان الثانوي فلما أشرنا إليه في الوجه الثالث، وأمّا بالعنوان الأوّلي، فهو مقتضى السيرة والتسامح في أدلّة السنن، بل الأخبار المستفيضة، بلا إشكال.
ومن المعلوم أنَّ مقتضى الوعي الإسلامي الكامل، هو الالتزام بتمام تعاليم الإسلام وأوامره، سواء الإلزاميّة منها أو الاستحبابيّة، وعدم الإعراض عن المستحبّ إلَّا لمصلحةٍ إسلاميّةٍ توجب ذلك، كمزاحمته مع واجبٍ أو مستحبٍّ أهمّ. وإبقاء اللّحية مستحبٌّ أكيد في الإسلام، ولا مزاحم له كما هو واضح، فينبغي للفرد الواعي إسلاميّاً الملتزم عقائديّاً أن يقوم بهذه الوظيفة الدينيّة المقدّسة.
وإذ تتظافر هذه الوجوه الأربعة على استحباب إبقاء اللّحية بالعنوان الأوّلي ووجوبه بالعنوان الثانوي، يتّضح بكلِّ جلاءٍ مطابقة إبقائها للوعي الإسلامي، وما هو مقتضى الواعي والداعي الإسلاميّين نحو هذا التشريع الإسلامي المقدّس.
وأمّا بناءً على تماميّة الدليل على حرمة الحلق، فمن الواضح أنَّه يصبح لزاماً على كلِّ المكلّفين إطاعة هذا التشريع بصفته أحد الأحكام الإلزاميّة في الإسلام، إلّاَ [أنَّ] هذا ممّا عرضناه وناقشناه فيما سبق.
ــــــ[128]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
في عدم التشبّه بلحى أعداء الإسلام
ثُمَّ إنَّه ممّا ينبغي الإشارة إليه في هذا الصدد: أنَّ إبقاء اللّحية ليس مجزياً على كلّ حال ولا مطابقاً للوعي الإسلامي، بل هو مشترطٌ لا محالة بأن يخلو من التقليد لأعداء الإسلام من المنحرفين أو غير المسلمين، سواء كان المشبّه به فرداً أو شعباً أو جماعةً أو هيئةً أو غير ذلك. فلو قلّد المكلّف في لحيته الطريقة الفرنسيّة مثلاً، أو (كارل ماركس) أو (سارتر) أو (كاسترو) مثلاً، كان قد عمل محرّماً في الإسلام بلا إشكال. فإنَّه كما قد يكون الحلق تشبّهاً بأعداء الإسلام، كذلك يكون الإبقاء في بعض الأحيان، وقد عرفنا أنَّ كلَّ تشبّهٍ بأعداء الإسلام محرَّمٌ في الشريعة.
إذن فيجب على المكلَّف أن يتجنّب في لحيته (القَصَّة) المعيَّنة التي تورّطه في المحرّم، وأن يبقي لحيته أو يطيلها بعض الشيء بالنحو الذي يتجنّب فيه هذا المزلق؛ لكي لا يقع بالحرام من حيث يريد الإطاعة.
بل على ما اخترناه من عدم الحرمة، يكون الحلق أفضل بكثيرٍ من هذه (اللّحى المنحرفة) المتضمّنة لسوء النيّة والفساد؛ باعتبار كون الحلق جائزاً في نفسه، على حين إنَّ مثل هذا الإبقاء مشتملٌ على الحرام بلا إشكال.
عصمنا الله تعالى من الزلل، ووفّقنا إلى طريق العلم والعمل، إنَّه وليّ كلِّ خيرٍ وسداد.
والحمد لله ربِّ العالمين.
ــــــ[129]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
ــــــ[130]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
فهرس المصادر
القرآن الكريم.
نهج البلاغة.
1. أُصول الفقه، تأليف: العلّامة الشيخ محمّد رضا المظفّر، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة. من دون ط وتاريخ.
2. إكمال الدين وتمام النعمة، لأبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (الصدوق)، تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، سنة الطبع: 1405هـ، بدون ط.
3. بحوث في علم الأُصول، تقرير بحث آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر، بقلم السيّد محمود الهاشمي، الناشر: مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، الطبعة الثالثة: 1417هـ – 1997م، قم- إيران.
4. البيان، لمحمّد بن مكّي الجزيني العاملي، الشهيد الأوّل، تحقيق: الشيخ محمّد الحسّون، الطبعة الأُولى: 1412هـ، الناشر: محقّق، قم- إيران.
5. تاج اللّغة وصحاح العربيّة، لإسماعيل بن حمّاد الجوهريّ، الطبعة الرابعة: 1407 هـ، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت- لبنان.
6. التبيان في تفسير القرآن، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي، الطبعة الأُولى: 1409هـ، الناشر: مكتب الإعلام الإسلاميّ.
ــــــ[131]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
7. تذكرة الفقهاء، لآية الله العلّامة الحسن بن يوسف بن مطهّر الأسديّ، الملقّب بالعلّامة الحلّي، نشر وتحقيق: مؤسّسة آل البيت^، الطبعة الأُولى: 1417هـ، إيران، قم.
8. تفسير القمّي، لعليّ بن إبراهيم القمّي، (ت 329 هـ )، تحقيق السيّد طيّب الجزائري، مؤسّسة دار الكتاب، قم، الطبعة الثالثة سنة 1404 هـ.
9. تفسير جوامع الجامع، للمفسر الكبير الشيخ أبي عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي+، من أعلام القرن السادس الهجري، تحقيق: مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرفة، الطبعة الأُولى: 1418هـ ، قم- إيران.
10. تفسير مجمع البيان، تأليف: أمين الإسلام أبي عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي+، من أعلام القرن السادس الهجري، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحقّقين والأخصائيّين، قدّم له: السيّد محسن الأمين العاملي، الطبعة الأُولى: 1415هـ = 1995م، الناشر: مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت- لبنان.
11. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للفقيه المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، قم، إيران، سنة الطبع: 1409هـ.
12. تهذيب الأحكام، الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق وتعليق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1390 هـ.
13. الجعفريّات، لأبي عليّ محمّد بن محمّد بن أشعث الكوفي، الطبعة الأُولى، الناشر: مكتبة نينوى الحديثة، طهران، إيران، من دون تاريخ.
14. الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للشيخ المحدّث يوسف بن
ــــــ[132]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
أحمد بن إبراهيم البحراني، تحقيق: السيد عبد الرزاق المقرّم، ومحمّد تقي الإيرواني، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، الطبعة الأُولى، قم، إيران، سنة الطبع: 1405هـ.
15. الخصال، للشيخ محمّد بن عليّ بن حسين بن بابويه القمّي الصدوق، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفّاري، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، 1403هـ ق. من دون ط.
16. الرسائل العشر، لجمال الدين أحمد بن محمّد الأسدي، الشهير بابن فهد الحلّي، تحقيق: السيّد محمّد رجائي، الناشر: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، الطبعة الأُولى، قم، إيران، سنة الطبع: 1409هـ.
17. العناوين الفقهيّة، تأليف: الفقيه المحقّق الأُصولي السيّد مير عبد الفتاح الحسينيّ المراغي، الطبعة الأُولى: 1418هـ، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.
18. عوالي اللئالي العزيزيّة، للشيخ المحقّق محمّد بن عليّ، المعروف بابن أبي جمهور الإحسائي، قدّم له: سماحة آية الله العظمى السيّد المرعشي النجفي، تحقيق: المتتبّع الحاجّ آقا مجتبى العراقي، الطبعة الأُولى: 1403هـ = 1983، مطبعة: سيّد الشهداء، قم- إيران.
19. القرآن والعقيدة، لآية الله السيّد مسلم الحلّي، تقديم: الدكتور محمّد طه السلامي، تحقيق: فارس حسّون كريم، من دون ط وتاريخ.
20. قرب الإسناد، لأبي العباس عبد الله بن جعفر الحميري، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، قم، إيران، سنة الطبع: 1413هـ.
ــــــ[133]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
21. الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الثالثة: 1388 هـ.
22. كتاب الإجازات عن الأئمّة الهداة (مخطوط)، بقلم السيّد الشهيد محمّد الصدر+.
23. كتاب الطهارة، للشيخ مرتضى بن محمّد أمين الأنصاري الملقّب بالشيخ الأعظم وأُستاذ المجتهدين، الناشر مجمع الفكر الإسلامي، قم، إيران، الطبعة الثالثة: 1428هـ.
24. كتاب العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، الناشر: نشر هجرت، الطبعة الثانية، قم، إيران، سنة الطبع: 1409هـ.
25. كشف الرموز في شرح المختصر النافع، لزين الدين أبي عليّ الحسن بن أبي طالب ابن أبي المجد اليوسفيّ، تحقيق: الشيخ عليّ بناه الإشتهاردي والحاجّ آغا حسين اليزدي، سنة الطبع: 1408هـ، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، من دون ط.
26. لسان العرب، لابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمّد بن مكرم الإفريقي المصري، قم، نشر أدب الحوزة، 1405 هـ ق.
27. محاضرات في الفقه الجعفري (المكاسب المحرّمة)، تقريراً لأبحاث سماحة آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي، بقلم المرحوم العلّامة الحجّة السيّد علي الحسيني الشاهروديّ، الطبعة الأُولى: 1408هـ، الناشر: دار الكتب الإسلاميّ، قم – ايران.
28. مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، للعلّامة الفهّام الفاضل الجواد
ــــــ[134]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الكاظمي، المتوفّي أواسط القرن الحادي عشر، علّق عليه وخرّج أحاديثه: المحقّق الشيخ محمّد باقر شريف زادة، تصحيح: محمّد باقر بهبودي، سنة الطبع: 1327هـ، عنيت بنشره: المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة، من دون ط.
29. مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها، لعلي بن جعفر×، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، قم، إيران، سنة الطبع: 1409هـ.
30. مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، المحدّث الميرزا حسين النوري الطبرسي، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، بيروت، لبنان، سنة الطبع: 1408هـ.
31. مستطرفات السرائر، ابن إدريس الحلّي، نشر وتحقيق: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، الطبعة الأُولى: 1411هـ، قم- إيران.
32. مصباح الفقاهة، تقرير أبحاث سماحة آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي+، بقلم: الشيخ محمّد عليّ التوحيدي، الطبعة الأُولى، الناشر: مكتبة الداوري، قم – إيران، من دون تاريخ.
33. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، لأحمد بن محمّد المقري الفيومي، الناشر: منشورات دار الرضي، الطبعة الأُولى، قم – إيران، من دون تاريخ.
34. معاني الأخبار، للشيخ الجليل الأقدم الصدوق، أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي، عني بتصحيحه: عليّ أكبر الغفاري، سنة
ــــــ[135]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الطبع: 1379هـ، الناشر: انتشارات إسلامي، قم- إيران.
35. معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرجال، لأبي القاسم الخوئي، مطبعة الآداب، الطبعة الخامسة، النجف الأشرف، العراق، سنة الطبع: 1413هـ.
36. مكارم الأخلاق، لرضي الدين الحسن بن الفضل الطبرسيّ، قم، انتشارات الشريف الرضي، 1412 هـ ق.
37. مَن لا يحضره الفقيه، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمي الصدوق، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الثانية.
38. المنية في حكم الشارب واللّحية، للشيخ محمّد رضا الطبسي النجفي، الطبعة الأُولى، قم – إيران، من دون بيانات.
39. موسوعة الإمام الخوئي، لآية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي، تحقيق ونشر: مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي، الطبعة الأُولى، قم – إيران، سنة الطبع: 1418هـ.
40. نهاية الأفكار، تقرير بحث آقا ضياء الدين العراقي+، للشيخ محمد تقي البروجردي النجفي+، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، سنة الطبع: 1405.
41. نهاية الدراية، الشيخ محمّد حسين الغروي الأصفهاني+، تحقيق وتصحيح وتعليق: مهدي أحدي أمير كلائي، الناشر: سيّد الشهداء، قم- إيران، الطبعة الأُولى: 1374 ش.
42. الوافي، للفقيه الشيخ محمّد محسن بن شاه مرتضى الشهير بالفيض
ــــــ[136]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
الكاشاني، تحقيق: ضياء الدين الحسيني الأصفهاني، الناشر: مكتبة الإمام أمير المؤمنين×، الطبعة الأُولى: 1406هـ، أصفهان، إيران.
43. الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام، تأليف: آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد الصدر+، تحقيق: مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر، الطبعة الأُولى: 1433هـ = 2012م، الناشر: المحبّين، قم- إيران.
44. علل الشرائع، تأليف: الشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، منشورات المكتبة الحيدريّة ومطبعتها في النجف الأشرف، تاريخ الطبع: 1385 ه = 1966 م.
45. الفهرست، تأليف: شيخ الطائفة الإمام أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، الطبعة الأُولى: 1417هـ، طبع ونشر مؤسّسة (نشر الفقاهة)، المطبعة: مؤسّسة النشر الإسلامي.
46. رجال الطوسي، تأليف: شيخ الطائفة أبى جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، الطبعة الأُولى: 1415هـ، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة.
47. الرجال، لأحمد بن محمّد بن خالد البرقي، الناشر: انتشارات دانشگاه تهران، من دون بيانات.
48. الاختصاص، تأليف: فخر الشيعة أبي عبد الله محمّد بن النعمان العكبري البغدادي، الملقب بالشيخ المفيد، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، رتّب فهارسه: السيّد محمود الزرندي، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، السيد محمود الزرندي، الطبعة الثانية: 1414هـ = 1993م، الناشر : دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان.
ــــــ[137]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
49. تفسير الصافي، تأليف: فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة، أُستاذ عصره ووحيد دهره، المولى محسن الملقّب بـ (الفيض الكاشاني)، صحّحه وقدّم له وعلّق عليه: العلّامة الشيخ حسين الأعلمي، الطبعة الثانية: 1416هـ، الناشر: مكتبه الصدر، إيران- طهران.
ــــــ[138]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
فهرس المحتويات
مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) 5
مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره…………….7
محطّات سريعة من حياة آية الله العظمى السيد الشهيد محمّد الصدر+ 11
نسبه الشريف 11
ولادته ونشأته 12
نشأته العلمية 13
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته 16
إجازته في الرواية 17
اجتهاده وتدريسه 17
من أقوال العلماء في حقه 20
صفاته وسجاياه 23
أفكاره الاجتماعية إبان شبابه 25
مرجعيّته الصالحة وقيادة الأُمّة 25
شعره 29
حسبي الله 31
بركات الولاية 33
حبّ الولاية 34
تشطير لأبيات في رثاء الحسين× 33
تشطير أبيات للحلاج قالها وهو على المقصلة 34
ــــــ[139]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
آثاره وتصانيفه الثمينة 41
جريمة اغتياله + 46
منهجنا في التحقيق 47
المقام الأول
في الدليل القرآني على حرمة حلق اللحية
الكلام في معاني التغيير المأخوذ في الآية 60
المختار في معنى الآية 66
المقام الثاني
في الدليل الدال على حرمة الحلق من السنة الشريفة
الجهة الأُولى: في الأخبار المعتبرة من جهة السند، المدّعى دلالتها على ذلك 69
الجهة الثانية: في الأخبار غير المعتبرة من حيث السند 74
أخبار النهي عن التشبّه باليهود والمجوس 75
رواية المثلة 79
سند الرواية 79
تماميّتها من حيث الدلالة 80
مناقشة الإشكال الوارد في أبحاث السيّد الأُستاذ 84
حديث حبّابة الوابليّة 85
خبر رسولَي كسرى إلى النبي’ 87
سند الخبر 88
دلالة الخبر ومناقشته 88
رواية ما أُنزل على إبراهيم× من الحنيفيّة 92
ــــــ[140]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية
المقام الثالث
في الأدلّة اللبية على حرمة حلق اللحية
خاتمة 97
في لواحق هذا الموضوع وتوابعه 97
الفصل الأوّل: [في التحريم بالعنوان الثانويّ] 97
الفصل الثاني: في ذكر دليلين ذكرهما صاحب >الوسائل< 103
الفصل الثالث: [في حكم المقلّد وغير المقلّد في الحلق] 107
الفصل الرابع: [في انتفاء اللّحية موضوعاً] 109
مناقشة القول بالجواز 110
الفصل الخامس: فيما يجب إبقاؤه من اللّحية، على تقدير القول بالحرمة 117
من حيث طول شعر اللّحية 117
من حيث الشارب 118
من حيث المساحة المطلوبة للشعر 120
فرع 123
الفصل السادس: [الحلق في الوعي الإسلاميّ] 124
في عدم التشبّه بلحى أعداء الإسلام 129
فهرس المصادر 131
فهرس المحتويات 139
ــــــ[141]ـــــــ
الفكرة الحيّة في حُكم حلق اللحية