أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وآله الطاهرين.
على الرغم من أنَّه + كان في حقبة العشرينات من عمره الشريف، إلَّا أنَّ هذا الكتاب – الذي بين يديك عزيزي القارئ- إنَّما ينمّ على دقّة النظر وسعة الاطلاع، وفهم المادّة بما لا يشوبنا الشكّ، بأنَّنا نقول: إنَّما هو(مجتهد المستقبل)، بل و(مرجع الأُمّة) التي قادها بفكره النيّر وأعلميّته الواضحة.
فهذا الكتاب ليس مجرّد كتابٍ فقهيٍّ وحسب، ولا هو مجرّد كتابٍ أُصوليٍّ وحسب، بل قد جمع فيه+ بين علوم الفقه والأُصول؛ لتتبلور أعلى معاني الاستدلال العلمائي بمستوياته العالية، لتتمخّض عن كتابٍ أسماه >قدّس سرّه الشريف< بـ(مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو الأداء).
فتلك مسألة فقهيّة قد وقع الاختلاف والخلاف فيها بين كثيرٍ من فقهائنا الأعلام، والتي ذكرها السيّد الوالد في طيّات ما بين يديك. وقد أخذ على عاتقه مناقشة ما اختاره من رأيٍ، وألمَّ في نفس الوقت بآراء الفقهاء الآخرين وناقشهم على أتمِّ وجه، وبلا خوف أو وجل من شيء. بل هو >قدّس سرّه الشريف< قد ركب أمواج بحار الفقه والأُصول بمركبه المشهور-أعني: مركب الأعلميّة والقدرة على الاستنباط من بابه الواسع- فجزاه الله
ــــــ[5]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
خير جزاء المحسنين، فقد أعطى في هذا الكتاب دروساً وأُسساً في قراءة الروايات وتحديد مسارها ومناقشة أسانيدها، وما إلى ذلك من أُمور.
وقد خطّ فيها بعضاً من الأُسس الأُصوليّة التي لابدَّ للفقيه أن يلمَّ بها كي يستطيع أن يمخر عباب البحر الهائج المتلاطم.
وفعلاً قد وصل في هذا الكتاب إلى برِّ الأمان الذي عوّدنا في كلِّ كتبه عليه.
فالحمد لله الذي مَنَّ الله علينا به، ومَنَّ عليه برجالٍ خلقوا من أجله؛ لكي يظهروا ويطبعوا وينشرا علومه وكتبه من بعده. فجزاكم الله خير جزاء المحسنين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
مقتدى الصدر
21ربيع الثاني 1433
ــــــ[6]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
وبعد؛ كثيرة هي الكتب التي أُلّفت في الفقه وأُصوله. فمنذ بداية تاريخ الغيبة الصغرى وإلى الآن صدرت عن علمائنا الآف الكتب والرسائل في هذا المجال.
نعم، قليلة هي التي احتلّت موقع الصدارة في المكتبة الإسلاميّة، كمؤلّفات الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشريف الرضي والطوسي، حتّى وصلت النوبة إلى المدارس العظيمة المتأخّرة، كالشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني ومن تبعه من طلابه المحقّقين كالمحقّق النائيني ومدرسته. حتّى وصلت النوبة إلى المحقّق الكبير السيّد الشهيد الصدر الأوّل ومدرسته(قدّس الله أسرارهم أجمعين). فقد أثروا المكتبة الإسلاميّة بمؤلّفاتهم الثمينة، وشقّوا العلوم بجهودهم وجهادهم الكبيرين.
إنَّ كلّ منصفٍ متجرّد عندما يطّلع على هذا التراث الكبير والتركة العلميّة الفريدة، لابدَّ له من الخشوع أمام تلك الجهود الجبّارة، ولابدَّ له أن ينحني إجلالاً لعظمة مؤلّفيها؛ فقد جاءت هذه الآثار الكريمة ببركة جهودٍ استثنائيّة.
وأنَّ من جملة آثار الأعلام المتأخّرين التي احتلّت هذا الموقع، وتصدّرت في الطليعة الأُولى لمؤلّفات الطائفة، هي آثار الحجّة الكبير أُستاذ
ــــــ[7]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الجيل وزعيم الحوزة العلويّة النجفيّة آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد الصدر(أعلى الله مقامه الشريف).
لقد كان ومنذ صباه متميّزاً عن أقرانه بكثرة جديّته ومتابعته وتأليفه، حيث إنَّه بدأ بالتأليف وهو لم يتجاوز السادسة عشر من عمره المبارك. وهكذا شقّ هذا المضمار وتميّز قلمه وأنفردت مؤلّفاته وتصانيفه من ذلك الحين.
هذا الكتاب مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء ألَّفه وهو لم يتجاوز العقد الثالث من عمره المبارك. وهو من ثمرة تلك الجهود الاستثنائيّة التي تميّز بها +. فقد تناول فيه كلّ التفاصيل التي يمكن الخوض فيها في هذا الباب.
بالإضافة إلى ذلك فهو يمثّل مرحلة من مراحل المستوى العلمي، وليس بالضروة أن يكون مقبولاً عنده بعد ذلك. ولأهميّته ارتأينا أن يخرج للنور بعد أن كان في طيّات مخطوطاته الثمينة.
* * * *
ــــــ[8]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

موجز عن حياة آية الله العظمى
السيد الشهيد محمّد الصدر+
نسبه الشريف
يرجع نسب السيّد الشهيد محمّد الصدر+ إلى الإمام موسى بن جعفر× في سلسلةٍ نسبيّةٍ قليلة النظير في صحّتها ووضوحها وتواترها، حتّى وصفت بـ(السلسلة الذهبيّة) لما فيها من رجالاتٍ عرفوا بالزعامة والسيادة، ولعلّ هذه المزيّة قد انفردت بها هذه العائلة الكريمة؛ حيث إنَّها من لدن المعصومين عليهم الصلاة والسلام وحتّى الآن في كلّ جيل منهم هو سيّد جيله والمعترف له بالعلم والفضل والزعامة في عصره؛ فهو (1)محمّد بن (2)محمّد صادق بن (3)محمّد مهدي بن (4) إسماعيل بن (5) محمّد صدر الدين بن (6) صالح بن (7) محمّد بن (8) إبراهيم شرف الدين بن (9) زين العابدين إبراهيم بن (10) نور الدين علي بن (11) علي نور الدين بن (12) الحسين عزّ الدين بن (13) محمّد بن (14) الحسين بن (15) علي بن (16) محمّد بن (17) عبّاس تاج الدين أبي الحسن بن (18) محمّد شمس الدين بن (19) عبد الله جلال الدين بن (20) أحمد بن (21) حمزة أبي الفوارس بن (22) سعد الله أبي محمّد بن (23) حمزة القصير أبي أحمد بن (24) محمّد أبي السعادات بن (25) عبد الله أبي محمّد بن (26) محمّد الحارث أبي الحرث بن (27) علي ابن الديلميّة أبي الحسن بن (28) عبد الله أبي طاهر بن (29) محمّد المحدّث أبي الحسن بن (30) طاهر أبي
ــــــ[9]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الطيّب بن (31) الحسين القطعي بن (32) موسى أبي سبحة بن (33) إبراهيم المرتضى الأصغر ابن (34) الإمام موسى الكاظم× ابن (35) الإمام جعفر الصادق× ابن (36) الإمام محمّد الباقر× ابن (37) الإمام علي زين العابدين× ابن (38) الإمام الحسين الشهيد× ابن (39) الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×.
ولادته ونشأته
ولد+ في السابع عشر من ربيع الأوّل عام 1362 هـ .ق، أي: يوم المولد النبوي الشريف.
عاش في كنف جدّه لأُمّه آية الله العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين+، وهو من المراجع المشهورين آنذاك، وقد زامنت فترة مرجعيّته مرجعيّة السيّد أبي الحسن الأصفهاني+، ليعود المرجع الأعلى بعد رحيله.
ومن الجدير بالذكر أنَّ أباه السيّد الحجّة محمّد صادق الصدر+ لم يرزق ولداً بعد زواجه، حتّى اتّفق أن ذهب مع زوجته إلى بيت الله الحرام، وعندما تشرّفا بزيارة قبر النبي’ دَعَوَا ربّهما أن يرزقهما ولداً صالحاً يسمّيانه (محمّد)، فكان أن مَنّ الله تعالى شأنه عليهما بعد فترةٍ يسيرةٍ بهذا المولود المبارك في يوم ولادة جدّه المصطفى’، فكان الولد الوحيد لهما.
نشأ سماحته في بيت علمٍ وفضلٍ، وزقّ العلم منذ صباه بواسطة والده الحجّة+. وقد كان لنشأته وتربيته الدينيّة انعكاسٌ في خُلُقه الرفيع وسماحته وبشاشته وصدره الرحب، فكان قلبه – بعد تسنّمه المرجعيّة العامّة- يستوعب كلّ ما يُطرح عليه من أسئلة وشبهات دون أيّما شعور بالحرج أو الخجل أو التردّد. وليس هذا بعجيب؛ إذ ليست نفسه الشريفة
ــــــ[10]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إلَّا {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}( ).
تزوّج من بنت عمّه السيّد الحجّة محمّد جعفر الصدر+، ورُزق بأربعة أولاد، هم: السيّد مصطفى، والسيّد مرتضى، والسيّد مؤمّل، والسيّد مقتدى، وقد تزوّج ثلاثة منهم من بنات السيّد الشهيد الصدر الأوّل+، وله بنتان تزوّجنَ من ابنَي السيّد الحجّة محمّد كلانتر+.
نشأته العلمية
بدأ+ الدرس الحوزوي في سنٍّ مبكّرةٍ، حيث كان ذلك في سنة 1373 هـ، وقد ارتدى الزيّ الحوزوي وهو ابن إحدى عشرة سنة، مبتدئاً بدراسة النحو والمنطق والفقه وغير ذلك من دروس المقدّمات على يد والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، ثمَّ على يد السيّد طالب الرفاعي، ثمَّ على يد الشيخ حسن طرّاد العاملي، وأكمل بقيّة دروسه على يد السيّد الحجّة محمّد تقي الحكيم+ والحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني+.
دخل كلّيّة الفقه سنة 1379هـ . دارساً على يد ألمع أساتذتها، فدرس:
1. الفلسفة الإلهيّة على يد آية الله الشيخ محمّد رضا المظفّر+.
2. الأُصول والفقه المقارن على يد آية الله السيّد محمّد تقي الحكيم+.
3. الفقه على يد الحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني+.
4. علوم اللغة العربيّة على يد الحجّة الشيخ عبد المهدي مطر+.
كما أفاد من بعض الأساتذة من ذوي الاختصاصات والدراسات
ــــــ[11]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
غير الحوزويّة: كالسيّد عبد الوهّاب الكربلائي مدرِّس اللغة الإنجليزيّة، حيث كان سماحته أفضل طلاب صفّه في هذا المجال، والدكتور حاتم الكعبي في علم النفس، والدكتور فاضل حسين في التاريخ، وكذا درس الرياضيات في الكلّيّة نفسها حيث كان من المتميّزين فيه.
تخرّج من كلّيّة الفقه سنة 1383 هـ . ضمن الدفعة الأُولى من خرِّيجي كلّيّة الفقه.
ثُمَّ دخل مرحلة السطوح العليا، فدرس كتاب الكفاية على يد أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+، وكتاب المكاسب على يد السيّد محمّد تقي الحكيم+. وقد كان لدراسته عند هذين العلمين الأثر الأكبر في صقل شخصيته العلمائية ونموّ موهبته العلميّة التي شهد له بها أساتذته أنفسهم، ثمَّ أكمل دراسة كتاب المكاسب عند الشيخ الحجّة صدر البادكوبي+، الذي كان من مبرَّزي الحوزة وفضلائها.
ثمَّ حضر دروس البحث الخارج عند جملة من أعلام النجف الأشرف، وهم:
1. آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر+ فقهاً وأُصولاً.
2. آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي+ فقهاً وأُصولاً.
3. آية الله العظمى السيّد روح الله الموسوي الخميني+ فقهاً.
4. آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم+ فقهاً.
5. آية الله الحجّة السيّد إسماعيل الصدر+ فقهاً.
ولابدَّ لنا أن نذكر إلى جانب مسيرته العلميّة وأساتذته في هذا المجال
ــــــ[12]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
مسيرتَه في طريق المعرفة الإلهيّة والعلوم الأخلاقيّة، حيث تلقّى المعارف الإلهيّة الحقّة على يد أُستاذه الكبير الحاجّ عبد الزهراء الكرعاوي (رضوان الله عليه)، الذي كان من تلامذة العارف الكبير الشيخ محمّد جواد الأنصاري الهمداني+ وكان هذا الجانب واضحاً جدّاً في شخصيّة المترجم له، بل طغى هذا الجانب على أكثر تصانيفه ودروسه الثمينة، فراجع وتفطّن.
ثُمَّ إنَّ ممّا يدلّ على نبوغه وتقدّمه العلمي أمرين:
الأوّل: اطّلاعه+ على آراء أربعة من أشهر المجتهدين في ذلك الوقت، وهم السيّد الشهيد الصدر الأوّل والسيّد الخوئي والسيّد الخميني والسيّد الحكيم (قدّس الله أسرارهم أجمعين). وهذا الاطّلاع الذي حصل له من خلال حضور أبحاثهم ودروسهم الشريفة أدّى بطبيعة الحال إلى نموّ وتطوّر المستوى العلمي له بوضوحٍ.
الثاني: تميّز أُستاذه السيّد الشهيد الصدر الأوّل بالإبداع والتجديد في الأُصول، وهذا يعني أنَّه قد أفاد – بلا شكٍّ – من هذا التجديد والإبداع.
وبلحاظ هاتين النقطتين يمكن لنا الحكم ابتداءً بألمعيّته وغزارة علمه، بل وأعلميّته على أقرانه، فقد شهد له بذلك كلّ من حضر دروسه من الفضلاء والأعلام، لا سيّما درسه في الأُصول؛ إذ أصبح آنذاك الدرس الرئيس في حوزة النجف الأشرف.
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته
كان+ غاية بالجدّ والاجتهاد في حضوره أبحاث أساتذته؛ حيث كان معروفاً عند أقرانه بتميّزه لكتابة تلك الأبحاث، فلم يكن يترك شاردة
ــــــ[13]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وواردة إلَّا وسجّلها، سواء كان ذلك إشكالاً له أم لغيره في داخل الدرس وخارجه، حتّى أنَّه أثبت تأخّر الأُستاذ عن الدرس أو غيابه، ومن تلك المميّزات أيضاً:
• حضوره المتواصل وعدم انقطاعه عن الحضور، ما أنتج استيعاب كتاباته لتلك الأبحاث.
• جامعيّة ما كتبه لأبحاث أساتذته، وهذه المزيّة تفتقدها أكثر كتابات زملائه.
• كان أغلب زملائه يستعينون بكتاباته؛ حيث كان جملة منهم كثير السفر والانقطاع، حتّى أنَّ أحد التلامذة كان جديد العهد في حضوره عند السيّد الشهيد الصدر الأوّل+ ولم يدرك درس الأُستاذ إلَّا قليلاً، فأخذ من كتابات السيّد الشهيد الصدر الثاني+ قرابة ألف وثمانمائة صفحة. وهذه المزيّة قلّما تُوجد عند الآخرين، فهي تعبّر عن نفسٍ طيّبةٍ همّها خدمة الشريعة سواء كان عن طريق نفسها أم كان عن طريق الآخرين.
نعم، إنَّ جملة من أبحاث أُصول السيّد الصدر الأوّل+ لم نعثر عليها، وأغلب الظنّ أنَّ ذلك كان للسبب المذكور، أي: بسبب إعارته الآخرين كتاباته.
إجازته في الرواية
أمّا إجازته في الرواية فله إجازات من عدّة مشايخ، أعلاها من الملاّ محسن الطهراني الشهير بـ(آغا بزرگ الطهراني+) عن أعلى مشايخه، أي: الميرزا حسين النوري صاحب كتاب >مستدرك الوسائل<.
ــــــ[14]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ومنهم أيضاً والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين+، وابن عمّه السيّد آقا حسين خادم الشريعة+، والسيّد رضا الصدر+، والسيّد عبد الرزّاق المقرّم+، والسيّد حسن الخرسان+، والسيّد عبد الأعلى السبزواري+ والدكتور حسين علي محفوظ&.
اجتهاده
أُجيز بالاجتهاد من قِبَل أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ في سنة 1398 هـ .ق (وكان عمره آنذاك 36 سنة)، حيث اتّفق أنَّ جملة من الفضلاء طلبوا من السيّد الشهيد محمّد الصدر أن يباحثهم على مستوى أبحاث الخارج، وقد سألوا السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر عن ذلك، فبارك لهم وشجّعهم عليه، وذكر لهم تمام الأهليّة للسيّد محمّد الصدر، وقد اتّفقوا على أن تكون مادّة البحث في الفقه الاستدلالي كتاب >المختصر النافع< للمحقّق الحلّي؛ لأنَّه يمثّل دورة فقهيّة كاملة ومختصرة في الوقت نفسه، وكان مكان الدرس آنذاك مسجد الشيخ الطوسي+، وقد استمرّ الدرس قرابة أربعة أشهر، وقد أدّت صعوبة الظروف حينها إلى انقطاع البحث وتفرّق الطلاب.
ثمَّ بتسديد الله وعونه عاد سيّدنا الشهيد+ إلى إلقاء البحث الفقهي بعد سنوات عدّة في جامعة النجف الدينيّة على متن كتاب >المختصر النافع< أيضاً، ثُمَّ توقّف الدرس، على أثر أحداث الانتفاضة الشعبانيّة ليعود بعدها لإلقاء دروسه المباركة في مسجد الرأس الملاصق للحرم العلويّ المقدّس، واستمرّ بحثه إلى آخر يومٍ من عمره الشريف. وكان يلقي في هذا المسجد
ــــــ[15]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
أبحاثه في كلّ يوم كالتالي:
أوّلاً: البحث الفقهي صباحاً.
ثانياً: البحث الأُصولي عصراً.
ثالثاً: إلقاء محاضرات تاريخيّة وأخلاقيّة وعقائديّة.
رابعاً: دروس في شرح كفاية الأُصول.
خامساً: الدروس القرآنية في يومي الخميس والجمعة من كلّ أُسبوعٍ.
وممّا تتميّز به هذه المحاضرات – أي: الدروس القرآنيّة- روح التجدّد والجُرأة في نقد الآراء وتفنيدها، كما اتّخذ سيّدنا+ أُسلوباً مغايراً لأُسلوب سائر المفسّرين في تفسير القرآن الكريم؛ إذ إنَّهم كانوا يبدؤون بتفسير القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، إلَّا أنَّه شرع تفسيره من سورة الناس رجوعاً إلى باقي السور القرآنيّة المباركة، وهو منهجٌ في البحث لم يسبق إليه سابقٌ. وله في اتّخاذ هذا المنهج رأيٌ سديدٌ طرحه في بداية البحث، فقال موضّحاً السبب في ذلك: >سيجد القارئ الكريم أنَّني بدأت من المصحف بنهايته، وجعلت التعرّض إلى سور القرآن بالعكس.
فإنَّ هذا ممّا التزمته في كتابي هذا نتيجة لعاملين نفسي وعقلي: أمّا العامل النفسي: فهو تقديم الطرافة في الأسلوب وترك التقليد للأُمور التقليديّة المشهورة، فيما يمكن ترك التقليد فيه.
وأمّا العامل العقلي فلأنَّ التفاسير العامّة كلّها تبدأ من أوّل القرآن الكريم طبعاً، فتكون أكثر مطالبها وأفكارها قد سردته فعلاً في حوالي النصف الأوّل من القرآن الكريم، وأمّا في النصف الثاني فلا يوجد غالباً إلَّا التحويل على ما سبق أن ذكره المؤلّف؛ الأمر الذي ينتج أن يقع الكلام في
ــــــ[16]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
النصف [الثاني] من القرآن مختصراً ومقتضباً، ممّا يعطي انطباعاً لطبقة من الناس أنَّه أقلّ أهمّيّة أو أنَّه أقلّ في المضمون والمعنى ونحو ذلك.
في حين إنَّنا لو عكسنا الأمر فبدأنا من الأخير، لاستطعنا إشباع البحث في السور القصيرة، وتفصيل ما اختصره الآخرون، ورفع الاشتباه المشار إليه. فإن لم نكن بمنهجنا قد استنتجنا أكثر من هذه الفائدة لكفى<( ).
فاتّخذ سيّدنا هذا المنهج من باب سدّ النقص الذي يُحتمل الوقوع فيه بملاك ما تقدّم، ولغرض إشباع آخر للقرآن بحثاً ودفاعاً، ولأجل سدّ الفراغ الموجود.
من أقوال العلماء في حقّه
قال المفكّر الإسلامي الكبير آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ عند تقديمه لكتاب (موسوعة الإمام المهدي#) للشهيد الصدر الثاني+: >… وسأقتصر على هذا الموجز من الأفكار تاركاً التوسّع فيها وما يرتبط بها من تفاصيل إلى الكتاب القيِّم الذي أمامنا، فإنَّنا بين يدي موسوعةٍ جليلةٍ في الإمام المهدي‏، وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزّاء، وهو العلّامة البحّاثة السيّد محمّد الصدر حفظه الله تعالى، وهي موسوعة لم يسبق لها نظير في تأريخ التصنيف الشيعي حول المهدي# في إحاطتها وشمولها لقضيّة الإمام المنتظر من كلّ جوانبها، وفيها من سعة الأُفق وطول النفس العلمي واستيعاب الكثير من النكات واللفتات، ما يعبِّر عن الجهود الجليلة التي بذلها المؤلّف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة.
ــــــ[17]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وإنّي لأحسّ بالسعادة وأنا أشعر بما تملؤه هذه الموسوعة من فراغ، وما تعبِّر عنه من فضل ونباهةٍ وألمعيّة. وأسأل المولى سبحانه وتعالى أن يقرّ عيني به ويريني فيه عَلَماً من أعلام الدين…<( ).
وقال والده آية الله الحجّة المقدّس السيّد محمّد صادق الصدر+ في حقّه: >… وإنَّ من نعم الله وآلائه على هذا العبد الفقير إلى عفوه وصفحه أن رزقني من الأولاد واحداً كألف، وبه يحفظ الله لنا هذه السلسلة الذهبيّة أن تفقد بعض حلقاتها، وبه تحتفظ السلسلة بكامل نضارتها وهيبتها وجميل هيأتها. ولد حفظه الله في السنة الثانية والستّين بعد الألف والثلاثمائة في ضحى يوم عيد مولد النبيّ الأعظم’ وبهذه المناسبة سميّته محمّداً. نشأ والحمد لله نشأة حسنة تحت ظلّ جدّه شيخنا آية الله العظمى مرجع عصره الشيخ محمّد رضا آل يس رضوان الله عليه، فلمّا تقلّص ظلّ الشيخ عنّا في سنة 1370هـ كان لا يزال ولدي طفلاً في الثامنة. فاشتغل في تعلّم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ثمَّ اشتغل بمقدّمات العلوم فأتمّها، وبعدها درس السطوح فأتقنها. وهو في الوقت الحاضر يحضر دروس الخارج على العلماء الأعلام وآيات الله العظام، وقد دنا من الاجتهاد قاب قوسين أو أدنى إن لم يكن قد لمسه باليسرى واليمنى. وزيادةً على ذلك حصّل من العلوم ما هو خارج عن دائرة اختصاص المجتهدين، وألمّ إلمامة بسيطة بلغةٍ أجنبيّة، وقد أحاط كلّ ذلك بالتقوى والعفاف والطهر. فشكراً لله إن كان الشكر يفي ويكفي … وهذا ولدي العالم الفاضل التقيّ النقيّ
ــــــ[18]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
المؤلّف المجيد والشاعر الناثر محمّد الصدر… ولا أراني بحاجةٍ إلى نصحه ووعظه؛ فإنَّه مستغنٍ عن ذلك بل هو الذي يجب أن ينصح ويعظ الناس، وهنا يأتي المثل المشهور: ما المسؤول بأعلم من السائل، فقد رضع درّ الدين وتربّى في حجر الدين، والمأمول منه أن يصرف همّه وهمّته إلى نصرة الدين…<( ).
وقال آية الله العظمى الشيخ آغا بزرك الطهراني+ في إجازته إيّاه بالرواية: >فإنَّ الفاضل الكامل البارع الباهر المحقّق المصنّف الماهر ثقة الإسلام وعماد الأعلام وسلالة الفقهاء الفخام مولانا الممجّد جناب السيّد محمّد نجل العالم الجليل السيّد محمّد صادق بن العلّامة الأجل السيّد محمّد مهدي الصدر ابن آية الله العظمى السيّد إسماعيل الصدر الموسوي العاملي الكاظمي طاب ثراه وجعل الجنّة مثواه ووفّق حفيده المذكور لإنجاز ما رغب فيه من الخدمة لدين الإسلام الحنيف وإبلاغ أُصوله وفروعه إلى الخاصّ والعامّ والوضيع والشريف…<( ).
وقال العلّامة الحجّة السيّد عبد الرزاق المقرم+ في إجازته إيّاه بالرواية: >… فإنَّ العلّامة البارع في فنون المعارف الإلهيّة والباحث عن مخبّئات حقايق الشريعة وآدابها السيّد محمّد نجل حجّة الإسلام التقي الورع السيّد محمّد صادق آل آية الله السيّد إسماعيل الصدر نوّر الله ضريحه، لما عرف من قدر العلم وقدر مساعي أعلام الأُمّة فأخذ بسيرتهم واستضاء
ــــــ[19]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
بأنوار تعاليمهم…<( ).
وقال آية الله السيّد رضا الصدر+: >قرّة عيوننا المفدّى وكعبة آمالنا المرجّى، ركن التقى وحصن الهدى ملاذ الإسلام وكهفه، وقدوة المتّقين حبيبنا محمّد من آل الصدر حفظه الله بقدرته التي لا تضام، ورعاه بعينه التي لا تنام… قرأت كتابك العزيز فشممت من خلال سطوره رائحة التقوى والعلم، ولقيني منه روح الفضل والصدق، والفضائل النفسيّة والفواضل الإنسانيّة مزيّنة بالهمّة والجدّ والعمل. أسأله تعالى أن يوفّقكم لخدمة الإسلام وأن يجعلكم شرفاً لنا وفخراً، آمين يا ربّ العالمين…<( ).
صفاته وسجاياه
لقد شهد لسيّدنا الشهيد+ جمعٌ غفيرٌ ممّن عرفوه منذ صباه بالتواضع ووضوح الشخصيّة، علاوةً على اتّصافه بسرعة البديهة في الإجابة على الأسئلة الفقهيّة والعلميّة والفكريّة.
وبالاقتراب منه+ يتّضح سلوكه العرفاني الذي يحاول إخفاءه قدر الإمكان، وكثيراً ما كان يؤكّد في عباراته على لزوم اليقظة، والحذر من الوقوع في الانحراف وعدم الاستقامة وعدم اتّباع خطّ أهل البيت^، مؤكّداً في ذلك على جانب الإخلاص مع الله في القول والفعل. لذا نجده لم يكن يرضى أن تقبّل يده، معلّلاً ذلك بقوله: أنت تدخل الجنّة وأنا أدخل النار؟! أي: تدخل الجنة؛ لأنَّك تفعل ذلك قربةً إلى الله، وأنا أدخل النار؛
ــــــ[20]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
لاحتمال حصول الكبر بتقبيل اليد.
وتراه يجيب عن بعض المسائل جواباً ناشئاً من أعلى مراتب التقوى قائلاًً: بحسب القاعدة حلال، لكن إن كنت تحبّ الله وتحبّ أن تكون ورعاً، فلا تفعل ذلك.
ثُمَّ إنَّه يستشفّ أحياناً من بعض إجاباته لسائليه أسرار ما خفي من المعرفة الإلهيّة، حيث يحجب في كثير من الأحيان الإجابة قائلاً: هذا من الأسرار؛ رأفةً بالسائل أن لا يتحمّل الجواب، وهكذا كان الاقتراب منه+ يكشف عن بعض الآفاق المعنويّة والعرفانيّة التي كان عليها، وما خفي أعظم.
وقد امتاز+ بالأمانة العلميّة، كما اتّفق بعض الأحيان – وإن كان نادراً- تأخّره عن بحث أساتذته، ممّا يضطّره إلى أخذ ما فاته من البحث من زملائه، إلَّا أنَّه كان يشير إلى ذلك مع أنَّ ما أفاده منهم لا يتجاوز الصفحة الواحدة، بالإضافة إلى أنَّه كان يقرّر حسب فهمه الخاصّ لتلك الدروس والبحوث، إلَّا أنَّه كان يأبى إلَّا أن يذكر أصحاب تلك الأقوال التي يوردها، وهو قلّما نلحظه عند الآخرين، فراجع وتبصّر.
مرجعيّته الصالحة وقيادة الأُمّة
لا نبالغ إذا قلنا: إنَّ سيّدنا الشهيد محمّد الصدر+ ومرجعيّته أسّست حصناً رفيعاً للإسلام، وقلعة شامخة للمسلمين، وملاذاً للأُمّة الإسلاميّة في العالم الإسلامي.
إنَّ المرجعيّة الدينيّة كانت على وشك الزوال والفناء في النجف الأشرف بسبب ظروف وأوضاع العراق الرهيبة، ووجود نظام جعل جُلّ
ــــــ[21]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
همّه القضاء على شخصيّات المذهب الجعفري، ولم يبق منها إلَّا صُبابة لا تروي من ظمأٍ، ولم يكن هناك من حَلٍّ حقيقي لمعالجة هذا الوضع المعقّد إلَّا تصدّيه+؛ لأنَّه أفضل علاج ناجع لأخطر قضيّة عرفتْها المرجعيّة، برغم معرفته التامّة بما ستقدم عليه السلطة الحاكمة في بغداد من إجراءات؛ إثر الإصلاحات التي قام بها في المجتمع العراقي والحوزوي على وجه الخصوص، والتي كانت تخرج منه على شكل تصريحات بين الحين والآخر.
كما أنَّ تصدّيه سدّ الطريق على المتطفّلين الذين يتربّصون الدوائر ويتحيّنون الفرص لاستغلال المناصب الربّانيّة لمصالحهم الخاصّة، حتّى لو أدّى ذلك إلى الإضرار بالإسلام وقيمه السامية ورموزه المقدّسة.
ويجب أن نعرف أنَّ للمرجع الديني مقوّمات أساسية: منها: الأهليّة واللياقة والخبرة والقدرة على التفاعل مع الأُمّة بالمستوى الذي تترقّبه منه، فضلاً عن الاجتهاد الذي هو شرطٌ ضروري لعمليّة التصدّي. ولكن يجب أن نشير إلى أنَّ شرط الاجتهاد وحده ليس كافياً للتصدّي، بل يجب تَوفّر الشروط الأُخرى التي ذكرناها، ولعلّ عدم توفّرها يجعل تلك المرجعيّة وَبَالاً على الإسلام والمسلمين. ولا نقول ذلك اعتباطاً؛ فإنَّ تأريخ المرجعيّة شاهد صدقٍ على صحّة ذلك؛ إذ إنَّ الساحة قد شهدت وعلى امتداد التاريخ نماذج كان عدم تصدّيهم أنفع للإسلام وأصلح للمسلمين.
كما كان تصدّيه+ يمثّل امتداداً للخطّ المرجعي الصحيح الذي كان يجب أنْ يبقى وأنْ يستمّر؛ لأنَّه مدرسة خاصّة لا في العمق العلمي – الفقهي والأُصولي والمعرفي- فقط، بل وفي الفهم الصحيح للمقام المرجعي وما يتطلّبه ويقتضيه.
ــــــ[22]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إنَّ المرجعيّة بذاتها ليست هدفاً، وإنَّما هي امتداد لخطّ ومدرسة أهل البيت، وما يجب أن يرشح عن هذا الفهم من أدوارٍ ومسؤوليّاتٍ كبيرةٍ وأهدافٍ ساميةٍ.
ولا نتخطّى الحقيقة إذا ما قلنا: إنَّ مرجعيّة سيّدنا الصدر الثاني+ جاءت لتلبّي حاجات الأُمّة الدينيّة والعلميّة والثقافيّة؛ وذلك لأنَّه+ لم يكن فقيهاً محدود الأبعاد بما اعتاد العلماء دراسته والتعمّق فيه من علوم فقهيّة وأُصوليّة فقط، بل تميّز بالشمول والتنوّع في مختلف آفاق المعرفة التي تحتاجها الأُمّة، ولا سيّما تجاه الطبقة الرشيدة المثقّفة.
إنَّ تصانيفه+ المتنوّعة تكشف لنا عن مدى اطّلاعه الواسع وثقافته العميقة من جانبٍ، وعن وعيه الكبير لحاجات الأُمّة الفكريّة والروحيّة والأخلاقيّة من جانبٍ آخر.
ولعلّ هذه الميزة التي اتّسمت بها شخصيّته العلميّة والقياديّة إحدى المحفّزات التي جعلت الأُمّة تلتفّ حوله وتسير تحت رايته.
وسعى شهيدنا السعيد في ظلّ تصدّيه للمرجعيّة إلى الحفاظ على الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، بعد أن تفكّكت وآذنت بخطرٍ كبيرٍ على حاضرها ومستقبلها، فرمّم ما قد تلف، وبنى ما دعت الحاجة إليه، مع أنَّه قد لا يدرك أهمّيّة عمله العظيم مَن لم يعاصر أو يعايش تلك الظروف والأوضاع القاسية، إلَّا أنَّ ما قام به+ وما بذله من جهود جبّارة لأجل حماية هذا الكيان الكبير وإمداده بالحياة والحيويّة كان مشهوداً وملحوظاً عند الجميع، فلولاه لَمَا كان للحوزة العلميّة في النجف الأشرف إلَّا وجودٌ هامشيٌ لا قيمة له.
ــــــ[23]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ومن خطواته الكبيرة إرسال العلماء والفضلاء إلى أنحاء العراق كافّة لممارسة مهامّهم الثقافيّة والتبليغيّة، وتلبية حاجات الأُمّة المختلفة. وعلى هذا الأساس شهدت الساحة حركةً لا سابقة لها في هذا المجال، رغم الصعاب الكبيرة التي تواجه المراجع في أمثال هذه الأُمور، إلَّا أنَّه+ استطاع – وبفترة زمنية قياسيّة – ملء شواغر وفراغات هائلة لم يكن بالإمكان سدّها من دون تصدّيه للمرجعيّة.
كما نلحظ أنَّه+ حرص على انتقاء النماذج الصالحة من العلماء والمبلّغين الذين يمثّلون القدوة الطيّبة، ليمثّلوا المرجعيّة الدينيّة بما تعنيه من قيمٍ وآمالٍ، وتجنّب إرسال مَن لا يتمتّع باللياقة، وحرص كلّ الحرص على سلوك هذا المنهج رغم ما يسبّبه ذلك من مشاكل وإحراجاتٍ كبيرةٍ.
كما سعى إلى تربية طلاب الحوزة العلميّة في النجف الأشرف تربية إسلاميّة نقيّة، موفّراً لهم كلّ ما هو ممكن من الأسباب المادّيّة والمعنويّة التي تتيح لهم جوّاً دراسيّاً مناسباً يمكنهم به تخطّي المراحل الدراسيّة بصورة طبيعيّة.
فبالإضافة إلى تلبية احتياجاتهم المادّيّة المختلفة كانت رعايته المعنويّة واضحةً ومشهودةً في كلّ شيءٍ، ممّا يجعل طالب العلم يشعر بالاطمئنان الذي يحقّق له الراحة النفسيّة اللازمة لمواصلة طلب العلم والعمل به، ثمَّ هداية الناس إلى ما يُرضي الله عزّ وجلّ. كما كان تجاوبه حقيقيّاً مع الأُمّة في تطلّعاتها وحاجاتها وإدراك مشاكلها، ولا سيّما فيما يرتبط بالطبقة المستضعفة منها، فسعى لتقديم كلّ ما هو متاحٌ له من إمكانات مادّيّة، فكان يساعد الفقراء والمحتاجين ويرعاهم بما عُرف عنه من خُلقٍ إسلامي رفيعٍ،
ــــــ[24]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فجذب قلوبهم دون عناءٍ، وشدّ إليه عقولهم دون مشقّةٍ، وهكذا تفعل مكارم الأخلاق التي هي سلاح الأنبياء والصالحين.
آثاره وتصانيفه الثمينة
ترك السيّد الشهيد محمّد الصدر+ مؤلّفات كثيرة، امتازت كلّها بالإبداع والابتكار، ومنها:
1. نظرات إسلاميّة في إعلان حقوق الإنسان.
2. فلسفة الحجّ ومصالحه في الإسلام.
3. أشعّة من عقائد الإسلام.
4. القانون الإسلامي وجوده، صعوباته، منهجه.
5. موسوعة الإمام المهدي#، وتحتوي على:
أ. تاريخ الغيبة الصغرى.
ب. تاريخ الغيبة الكبرى.
جـ . تاريخ ما بعد الظهور.
د. اليوم الموعود بين الفكر المادّي والديني.
هـ . عمر الإمام المهدي# (مخطوط).
6. ما وراء الفقه، في خمسة عشر مجلّداً.
7. فقه الأخلاق، في مجلّدين.
8. فقه الفضاء، وهو رسالة عمليّة في مسائل وأحكام الفضاء المستحدثة.
9. فقه الموضوعات الحديثة، وهو رسالة عمليّة في المسائل المستحدثة أيضاً.
ــــــ[25]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
10. حديث حول الكذب.
11. بحث حول الرجعة.
12. كلمة في البداء.
13. الصراط القويم، وهو رسالة عمليّة مختصرة.
14. منهج الصالحين، وهو رسالة عمليّة موسّعة في خمسة مجلّدات.
15. مناسك الحجّ.
16. أضواء على ثورة الإمام الحسين×.
17. شذرات من تاريخ فلسفة الإمام الحسين×.
18. منّة المنان في الدفاع عن القرآن، في خمسة مجلّدات. صدر منه (الجزء الأوّل) بقلم السيّد الشهيد+، وصدر(4أجزاء) تقريراً لدروسه القرآنيّة، على يد مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر.
19. منهج الأُصول، في خمسة مجلّدات.
20. مسائل في حرمة الغناء.
21. بين يدي القرآن الكريم، وهو فهرست موضوعي للقرآن الكريم.
22. مجموعة أشعار الحياة، وهو ديوان شعر يمثّل مراحل حياة سيّدنا الشهيد.
23. بيان الفقه، وهو بحثٌ فقهي استدلالي يتناول مبحث القبلة ولباس المصلّي.
24. اللمعة في حكم صلاة الجمعة، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد إسماعيل الصدر+.
ــــــ[26]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
25. الإفحام لمدّعي الاختلاف في الأحكام.
26. مسائل وردود.
27. الرسائل الاستفتائيّة.
28. حبّ الذات وتأثيره في السلوك الإنساني.
29. مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء.
30. الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام.
31. حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء.
32. أُصول علم الأُصول.
33. بحوث في صلاة الجمعة. تقرير مؤسّسة المنتظر.
34. عشرات المقالات، كتبها+ في الصحف النجفيّة، وجملة منها لا زال مخطوطاً.
35. مبحث ولاية الفقيه.
36. الأُسرة في الإسلام.
37. رفع الشبهات عن الأنبياء^.
38. الدرّ النضيد في شرح سبب صغر الجسم البعيد. بحث فيزيائي.
ولا زال هناك الكثير من الآثار والأسفار التي لم ترَ النور بعد، رغم أهمّيّتها، ومنها:
1. محاضرات في علم أُصول الفقه (دورتان)، تقريراً لأبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل+. صدر منه الجزء الأوّل.
2. تقريرات في علم أُصول الفقه (دورة كاملة)، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئي+، وتقع في ثلاثة عشر مجلّداً تقريباً. صدر منه الجزء الأوّل
ــــــ[27]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
والثاني.
3. كتاب الطهارة، تقريراً لأبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل+، ويقع في ثمانية مجلّدات تقريباً. صدر منه الجزء الأوّل والثاني.
4. بحوث استدلاليّة في كتاب الطهارة، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئي+.
5. كتاب البيع، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد الخميني+، ويقع في أحد عشر مجلّداً تقريباً. صدر منه أربعة أجزاء.
6. دروس في شرح كفاية الأُصول، من أبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل+.
7. الكتاب الحبيب إلى مختصر مغني اللبيب.
8. تعليقة على رسالة السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ الفتاوى الواضحة.
9. تعليقة على الرسالة العمليّة منهاج الصالحين للسيّد الخوئي+.
10. تعليقة على الرسالة العمليّة مناسك الحجّ للسيّد الخوئي+.
11. تعليقة على كتاب المهدي للسيّد صدر الدين الصدر+.
12. حياة السيّد صدر الدين الصدر+.
13. الكلمة الحيّة في حكم حلق اللحية.
14. تعليقة على الرسالة العمليّة وسيلة النجاة للسيّد أبي الحسن الأصفهاني+.
15. المعجزة في المفهوم الإسلامي.
16. رسالة في الفقه المتكامل.
ــــــ[28]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
17. فوز الأنام في أدعية الليالي والأيّام.
18. قصص من القرآن الكريم.
19. السيّد الشهيد الصدر كما أعرفه. ترجمة أُستاذه الشهيد الصدر الأوّل+. مفقود.
20. تعليقة على بعض كتب اللمعة.
21. تعليقة على بعض كتب شرائع الإسلام.
22. محاضرات أساتذته في كليّة الفقه. فلسفة، فقه، أُصول، علم النفس، علم الاجتماع، والأدب، والتاريخ، وغيرها.
23. تعليقة على مستحدثات المسائل للسيّد الخوئي+.
24. من ثمار الإسلام.
25. ردود نقديّة على كتاب (الشيعة والسنّة) لإحسان الهي ظهير.
26. الكلمة التامّة في الولاية العامّة.
وغيرها ممّا لم نوفّق للاطّلاع عليه.
ومن خلال هذه الآثار والتصانيف القيّمة تتّضح بعض اهتمامات السيّد الشهيد الصدر الثاني+ بالفقه المعاصر، وأنَّ كلّ مؤلَّف من هذه المؤلّفات شكّل قضيّة من القضايا وحاجة من الحاجات الملحّة للكتابة فيها.
جريمة الاغتيال
كان من عادة السيّد+ أنْ يجلس في مكتبه (البرانيّ) بعد صلاتي المغرب والعشاء في يومي الخميس والجمعة، ليخرج بعدها سماحته إلى بيته. وفي تلك الليلة خرج السيّد على عادته ومعه ولداه – السيّد مصطفى والسيّد مؤمّل قدّس سرهما- بلا حمايةٍ ولا حاشيةٍ، وفيما كانوا يقطعون
ــــــ[29]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الطريق إلى بداية منطقة (الحنّانة) في إحدى ضواحي النجف القريبة، وعند الساحة المعروفة بـ(ساحة ثورة العشرين)، جاءت سيّارة أميركيّة الصنع، ونزل منها مجموعة من عناصر السلطة الظالمة وبأيديهم أسلحة رشّاشة، وفتحوا النار على سيّارة السيّد، فاستشهدوا جميعاً.
وبعد استشهادهم حضر جمع من مسؤولي السلطة إلى المستشفى، وذهب آخرون إلى بيته، ولم يسمحوا بتجمهر المعزّين أو الراغبين بتشييع جنازته، ولذا قام بمهمّة تغسيله وتكفينه مع نجلَيه مجموعةٌ من طلاّبه ومريديه، ثُمَّ شيّعوه ليلاً، حيث تمّ دفنه في المقبرة الجديدة الواقعة في وادي السلام.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}( ).
ــــــ[30]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
* * * *

منهجنا في التحقيق
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد +.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لكلِّ ما فيه خير وصلاح، إنَّه سميع مجيب.
كما نستغفره تعالى شانه من كلِّ زللٍ وخطأ، سائلين العلماء والباحثين الكرام أن يتجاوزوا عن كلِّ عيب ونقصٍ لُوحظ في إخراج هذا الكتاب؛ فإنَّ الكمال لله وحده.
والحمد لله أوّلاً وآخراً
الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
ــــــ[31]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[32]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[33]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[35]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[36]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[37]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[38]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّد الأنبياء والمرسلين وآله الطيّبين الطاهرين
ــــــ[39]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[40]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
تمهيد
إذا وجبت الصلاة على شخصٍ في أوّل وقتها قصراً أو تماماً، فصلّى بالنحو الذي يقتضيه تكليفه في ذلك الحين، فلا إشكال في الإجزاء، وارتفاع الأمر بالصلاة أداءً وقضاءً قصراً وتماماً؛ وذلك لاتحاد وقت الامتثال والوجوب، واستحالة بقاء الأمر بعد وجود مصداقه الجامع للشرائط على الفرض.
وإنَّما الكلام فيما إذا لم يصلِّ في ذلك الحين إلى أن انتقل تكليفه من القصر إلى التمام أو بالعكس، ثمَّ أراد إنجاز الصلاة، فهل يصلّي قصراً أو تماماً أو يجمع بينهما، وما هو تكليفه في الأداء والقضاء؟ فهذا هو الذي وقع معركة للآراء ومورداً لتضارب الأدلّة.
والكلام في هذه المسألة يقع في مقامات:
المقام الأوّل: فيما إذا دخل الوقت وهو حاضرٌ، فوجبت عليه الصلاة تماماً، فلم يصلّ، حتّى سافر سفراً موجباً للتقصير في نفسه، وأراد إنجاز الصلاة والوقت باقٍ.
المقام الثاني: في عكس تلك المسألة، أعني: ما إذا دخل الوقت وهو مسافر، فلم يصلّ حتّى حضر، وأراد إنجاز الصلاة حينئذٍ.
المقام الثالث: فيما إذا مرّ بكلا الحالين، أعني: السفر والحضر في الوقت، ولكنّه لم يصلِّ لعذرٍ أو لغير عذر، فهل يقضي صلاته تماماً أو يقضيها قصراً. وبانتهائه تنتهي هذه الرسالة بتوفيق الله العليّ العظيم.
ــــــ[41]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[42]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

المقام الأوّل
مَن دخل عليه الوقت وكان حاضراً ثمَّ سافر

• مايقتضيه الدليل الاجتهادي على وجوب التقصير اعتباراً بحال الأداء
• الأدلّة الأُخرى ومناقشات الأعلام
• ما يقتضيه الأصل العملي

ــــــ[43]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[44]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

أمّا المقام الأوّل: مَن دخل عليه الوقت وكان حاضراً ثمَّ سافر
وهو ما إذا دخل الوقت عليه حاضراً، فلم يصلِّ، أخذاً بالرخصة الشرعيّة بالتأخير، حتّى سافر سفراً موجباً للتقصير، وأراد أن يصلّي، فهل يصلّي قصراً، اعتباراً بحال الأداء أو تماماً اعتباراً بحال الوجوب، أو يجمع بين هذين الأمرين أو يتخيّر بينهما؟ وجوه بل أقوال، ارتفعت في كلماتهم إلى خمسة:
الأقوال في المسألة
القول الأوّل: التقصير اعتباراً بحال الأداء، وهو للمفيد(1) والمرتضى(2)، والشيخ في موضع من المبسوط(3) والتهذيب(4)، على ما حكي عنهم في الجواهر(5)، وغيرها(6).
ــــــ[45]ـــــــ
(1) أُنظر: المقنعة: 211، كتاب الصلاة، الباب23 في أحكام فوائت الصلاة.
(2) لم نعثر عليه. نعم، ذكر ذلك ابن ادريس في السرائر عن مصباحه. راجع السرائر 1: 335، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، مَن دخل عليه وقت الصلاة… .
(3) أُنظر: المبسوط 1: 140، كتاب الصلاة، صلاة المسافر.
(4) أُنظر: تهذيب الأحكام 2: 13، كتاب الصلاة، الباب2 باب فرض الصلاة في السفر، الحديث3.
(5) أُنظر: جواهر الكلام 14: 353، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، حكم من دخل عليه الوقت وهو حاضر ثمّ سافر…
(6) أُنظر: مختلف الشيعة 3: 117، الفصل السادس في صلاة المسافر، رياض المسائل 4: 455، كتاب الصلاة، أحكام صلاة المسافر: الخامس تواري الجدران أو خفاء الآذان، والسرائر 1: 344، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، مَن دخل عليه وقت الصلاة وهو حاضر فسافر وبالعكس.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وفي الرياض(1) أنَّه الأشهر، وفيه عن المعتبر(2) [و] السرائر الإجماع عليه(3).
القول الثاني: الإتمام اعتباراً بحال الوجوب، ويُقصد به أوّل أزمنة وجوب هذه الصلاة على هذا المكلّف، وهو أوّل الوقت. وهذا القول: للصدوق في المقنع(4)، والعماني(5) على ما حكي عنهما(6)، واختاره الفاضل في المختلف(7) والإرشاد(8)، والشهيدان في الدروس(9) وظاهر الروض(10)،
ــــــ[46]ـــــــ
(1) أُنظر: رياض المسائل 4: 455، كتاب الصلاة، أحكام صلاة المسافر، الخامس تواري الجدران أو خفاء الآذان.
(2) أُنظر: المعتبر (المحقّق لحلّي) 2: 480، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، القصر عزيمة لا رخصة.
(3) أُنظر: السرائر 1: 333، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، مَن دخل عليه وقت الصلاة وهو حاضر فسافر وبالعكس.
(4) أُنظر: المقنع: 125، الباب16 باب الصلاة في السفر، الحدّ الذي يجب فيه التقصير.
(5) أُنظر: مجموعة فتاوى ابن أبي عقيل: 55، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، مسألة: لو سافر بعد دخول الوقت.
(6) أُنظر: مختلف الشيعة 3: 117، كتاب الصلاة، الفصل السادس في صلاة المسافر.
(7) المصدر السابق 3: 120.
(8) أُنظر: إرشاد الأذهان 1: 276، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، أحكام متفرّقة في صلاة القصر.
(9) أُنظر: الدروس 1: 213، درس 54 صلاة المسافر، الثامن.
(10) راجع روض الجنان 2: 1060، المقصد الرابع في صلاة المسافر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
بل في الأخير أنَّه المشهور بين المتأخّرين.
القول الثالث: التخيير بين القصر والإتمام، وهو للشيخ في الخلاف(1).
القول الرابع: أنَّه يتمّ مع السعة ويقصر مع الضيق، وقد حكي(2) عن الشيخ في نهايته(3) والصدوق في فقيهه(4).
القول الخامس: الجمع بين القصر والتمام احتياطاً، وهو للسيّد في العروة، ووافقه عليه بعض المحشّين(5).
القول المختار وإثباته في عدّة جهات
وعلى أيّ حالٍ، فالمختار هو القول الأوّل، ويقع الكلام في إثباته والدفاع عنه في عدّة جهات:
الجهة الأُولى: فيما يقتضيه الدليل الاجتهادي.
الجهة الثانية: في ذكر الأدلّة الأُخرى والتعرّض لمناقشات القوم.
الجهة الثالثة: فيما يقتضيه الأصل العملي.
ــــــ[47]ـــــــ
(1) أُنظر: الخلاف 1: 577، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، الخروج إلى السفر بعد دخول الوقت، مسألة: 332.
(2) حكى ذلك عنه العلّامة في مختلف الشيعة 3: 117، كتاب الصلاة، الفصل السادس في صلاة السفر، لو سافر بعد دخول الوقت … .
(3) أُنظر: النهاية: 123، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السفر.
(4) أُنظر: مَن لا يحضره الفقيه 1: 444، صلاة المسافر، حكم مَن دخل عليه الوقت وهو مسافر، ذيل الحديث 1288.
(5) أُنظر: العروة الوثقى (مع تعليق بعض الأعلام) 3: 515، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، أحكام صلاة المسافر، مسألة:9.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

الجهة الأُولى
في الدليل الاجتهادي الدالّ على وجوب التقصير اعتباراً بحال الأداء
التمسك بما دلّ عليه من الكتاب والسنة
فما قيل أو يمكن أن يُقال في تقريب ذلك وجوه:
الوجه الأوّل: التمسّك بما دلَّ من الكتاب والسنّة على وجوب التقصير في السفر. وهذا مسافر على الحقيقة، وإن وجبت عليه الصلاة حال حضره، فيجب عليه التقصير؛ تمسّكاً بتلك الإطلاقات.
إلّاَ أنَّه بهذا المقدار لا يتمّ:
أمّا أوّلاً: فلعدم وجوب الإطلاق في تلك الأدلّة بالنسبة إلى محلّ الكلام؛ فإنَّه إن كان الدليل هو الكتاب، فليس ذلك إلّاَ قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ}(1).
وهذه الآية في مقام بيان أصل تشريع وجوب القصر في السفر في الجملة، ولا يمكن استفادة الإطلاق منها؛ لتمام الصور والحالات والقدر المتيقّن منها ما إذا كان المكلّف مسافراً من أوّل الوقت إلى آخره. وعلى تقدير استفادة الإطلاق منها، فهو معارض بإطلاق المفهوم وغيره ممّا دلّ على وجوب الإتمام في الحضر على ما سنشير.
ــــــ[48]ـــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 101.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وأمّا السنّة، فلم نجد في الروايات المعتبرة وغير المعتبرة ما يعطي قاعدة عامّة أو مطلقة في وجوب القصر في السفر، فغايته هو التواتر الإجمالي المتصيَّد من مجموع الروايات لهذا الوجوب، وهذا التواتر ممّا لا يقوم لإثبات المدّعى؛ لوجوب الأخذ فيه بالقدر المتيقّن، وليس هناك في خصوص مورد الكلام تواتر أو استفاضة.
وأمّا ما إذا كان الدليل على وجوب القصر هو الإجماع أو ضرورة الدين، ونحوه ممّا استدلّوا به، فهو أيضاً ممّا يُؤخذ فيه بالقدر المتيقّن، ولا يقوم بإثبات المدّعى.
فالعمدة هو إطلاق الآية على تقدير وجوده، وسيأتي ما فيه.
وأمّا ثانياً: فلمعارضة هذا الإطلاق على تقدير وجوده بما دلّ على وجوب الإتمام للحاضر من كتابٍ وسنّةٍ، بما فيها مفهوم هذه الآية الكريمة نفسه.
توضيحه: إنَّ أدلّة وجوب القصر في السفر تدلّ عليه، سواء سافر قبل الوقت أو في أثنائه، وأدلّة وجوب الإتمام في الحضر تدلّ عليه، سواء سافر في الوقت أم لم يسافر، فيقع مَن سافر في الوقت طرفاً للمعارضة بين الإطلاقين، ومقتضى القواعد هو التساقط ما لم ننته إلى وجه آخر نشير إليه.
مختار صاحب الجواهر ومناقشته
وأمّا ثالثاً: فلِمَا ذكره صاحب الجواهر: من احتمال إرادة المسافر حال الوجوب من ذلك الإطلاق(1)، فيبقى المكلّف في مورد الكلام تحت إطلاق أدلّة وجوب الإتمام على الحاضر.
ــــــ[49]ـــــــ
(1) جواهر الكلام 14: 354، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، حكم مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر ثمَّ سافر… .
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إلّاَ أنَّ هذا إن لم يرجع إلى المناقشة الأُولى لا يكون تامّاً؛ لعدم قيام الاحتمال في مقابل الإطلاق بعد إحراز الموضوع، وهو كونه مسافراً فعلاً.
وتوهّم: أنَّ المكلّف في محلِّ الكلام، إذا نظرنا إلى حاله في مجموع الوقت فإنَّنا نشكّ لا محالة في صدق المسافر عليه، فإن لم يدخل تحت إطلاقات وجوب التمام أو أصالة التمام ـ على ما يؤسّسه صاحب الجواهر ـ فلا أقلّ من عدم شمول إطلاق أدلّة وجوب القصر له، وقد ينتهى معه إلى الأُصول العمليّة.
مدفوع: بما ذكره في الجواهر(1) من القطع بانصراف عنوان المسافر إلى حال الأداء، دون ما كان قبله من الأحوال الطارئة على المكلّف. وكونه حاضراً قبل ذلك لا يضرّ في شمول الأدلّة له كما هو واضح.
عدم المعارضة بين إطلاقات وجوب التقصير وإطلاقات وجوب الإتمام
الوجه الثاني لوجوب التقصير:- بعد التسليم بإطلاق الآية أيضاً، ومن هنا يعتبر تعميقاً للوجه الأوّل- وهو أن يُقال: إنَّه لا معارضة بين إطلاقات وجوب التقصير وإطلاقات وجوب الإتمام؛ وذلك لإمكان جعل إطلاقات وجوب الإتمام خاصّة بانقلاب النسبة(2)، فتتقدّم عليها لا محالة إطلاقات وجوب التقصير.
ــــــ[50]ـــــــ
( ) المصدر السابق.
(2) كما ذهب إلى القول بانقلاب النسبة الميرزا النائيني+، لاحظ فوائد الأُصول 4: 742، 748، خاتمة في التعادل والتراجيح، المبحث السادس، صور التعارض بين أكثر من دليلين، والسيّد الخوئي في دراسات في علم الأُصول 4: 377، خاتمة في التعادل والتراجيح، موارد ادّعي فيها الجمع العرفي، انقلاب النسبة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وذلك: لأنَّ الروايات المعتبرة الآتية دالّة على وجوب التقصير في مثل هذا المكلّف حال أدائه، فتتقدّم على إطلاقات وجوب الإتمام الشاملة له، فيتقيّد إطلاقها بغير هذه الصورة، ويكون محصّلها: أنَّ الحاضر يجب عليه الإتمام إلّاَ إذا أدّى الصلاة مسافراً في الوقت. ومعه تكون هذه الصورة مشمولة لإطلاقات وجوب التقصير.
إلّاَ أنَّ هذا الوجه إن أُريد به ضمّ الأدلّة العامّة إلى الأدلّة الخاصّة في الاستدلال، فلا مشاحّة، على أنَّه تكفينا الأدلّة الخاصّة على ما سيأتي، وإن أُريد له أن يكون وجهاً مستقلاً، فهو لا يمكن أن يتمّ؛ وذلك:
أوّلاً: أنَّ مبنى انقلاب النسبة ممّا لم يثبت في علم الأُصول(1)، ومعه ننتهي إلى القول بتساقط الإطلاقات المتعارضة، والانتهاء إلى الأدلّة الخاصّة ابتداء.
ثانياً: أنَّ عكس هذا الانقلاب نقوله في أدلّة وجوب التقصير، بعد أن وردت الأدلّة المعتبرة بوجوب الإتمام في نفس صورة مسألتنا أيضاً، فتكون مقيّدةً لأدلّة وجوب التقصير، ومعه تكون المسألة مشمولةً لأدلّة وجوب الإتمام.
ولا يُقال: بأنَّنا سندفع دلالة الأدلّة الخاصّة على وجوب الإتمام في مسألتنا، فلا يأتي هذا الإيراد.
فإنَّه يُقال: إن كان دفعها قائماً على الحمل على التقيّة ونحوه من أنحاء الخدشة في مدلولها الجدّي فهذا صحيح، وإن كان دفعها قائماً على أساس
ــــــ[51]ـــــــ
(1) لاحظ بحوث في علم الأُصول 7: 288، تعارض الأدلّة الشرعيّة، القسم الثاني: التعارض المستقرّ، تطبيقات مشكوك فيها للتعارض المستقرّ، نظريّة انقلاب النسبة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
آخر نعترف به بمدلولها الجدّي فتبقى لها صلاحيّة التقييد، فيكون الإيراد الثاني وارداً.
على أنَّ كلّ ما سبق يدلّ على الخطأ الأساسي في تسلسل التفكير القائم على التمسّك بإطلاقات وجوب التقصير دون الأدلّة الخاصّة.
ومثله في الضعف
الأدلّة الخاصّة
الوجه الثالث لوجوب التقصير: وهو أن يُقال: إنَّ الأدلّة الخاصّة لوجوب التقصير في مسألتنا تكون مؤيّدة للعامّ بنحوٍ بحيث تجعل إطلاقات وجوب التقصير نصّاً في إطلاقها، على حين لا نصوصيّة في إطلاقات وجوب الإتمام، ومع تعارض النصّ مع الظاهر يُقدّم النصّ لا محالة.
وهذا أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه:
أوّلاً: أنَّه إن أُريد من جعل الإطلاق نصّاً فيه النصوصيّة اللفظيّة، فهذا ممّا لا يمكن أن يتمّ لغةً وعرفاً، بحيث يستطيع دليل من الأدلّة تحويل ظهور دليل آخر إلى نصّ. وإن أُريد به النصوصيّة اللّبيّة أو الجدّيّة، بمعنى: زيادة الوثوق واجتماع القرائن المعتبرة على إرادة الشارع من الإطلاق هو ذلك بحسب عالم الجعل والتشريع، فهذا الوثوق وإن كان حاصلاً إلّاَ أنّه – معه- تكون العمدة تلك القرائن، وهي الأدلّة الخاصّة دون الإطلاقات.
وثانياً: إنَّنا نعكس المطلب وندّعي: أنَّ ما دلَّ على وجوب الإتمام في صورة مسألتنا يكون قرينةً على إطلاقات الإتمام، وتوجب نصوصيّتها، فتتقدّم على إطلاقات وجوب التقصير. وما قلناه في الوجه السابق بعنوان (لا يُقال) وارد هنا مع جوابه.
ــــــ[52]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وثالثاً: أنَّه مع تسليم النصوصيّة، فإنَّنا يجب أن نسلّمها في كلا الإطلاقين؛ لعدم الترجيح على الفرض، فينتهي الأمر إلى المعارضة بين النصّين، بعد أن كان معارضة بين الإطلاقين.
لا يُقال في المقام: بأنَّ إطلاقات وجوب التقصير من الكتاب وإطلاقات وجوب الإتمام من السنّة، فبعد تعارضهما بالنصوصيّة، يتقدّم النصّ القرآني على مقتضى القاعدة.
فإنَّه يُقال: إن لم يكن للآية الكريمة مفهوم أو لم يكن لمفهومها إطلاق، تمَّ ما قيل، بغضّ النظر عن الإشكالات الأُخرى. وأمّا لو اعترفنا بإطلاق مفهوم الآية، كان دليلاً قرآنيّاً على وجوب الإتمام، فتكون المسألة من تعارض المنطوق والمفهوم، فإن قيل بتقديم المنطوق على القاعدة، تمَّ ما قيل أيضاً، وإن قيل بالتساقط – كما هو الصحيح- لم يتمّ كما هو واضح.
الغضّ عن الروايات المعتبرة
الوجه الرابع – لوجوب التقصير- وهو قائمٌ على غضّ النظر عن الروايات المعتبرة؛ إمّا لعدم تماميّتها في أنفسها، أو لتساقطها بعد التعارض، فينحصر الدليل بالعمومات. وحينئذٍ فيقال:
إنَّ إطلاقات وجوب الإتمام، علمنا في الجملة عدم إرادة الإطلاق منها جدّاً؛ وذلك للعلم بوجوب التقصير في السفر في الجملة، ولكن حيث إنَّ الأدلّة الخاصّة في صورة مسألتنا غير تامّةٍ على الفرض، فينحصر دليل التقصير بالإجماع والتواتر المعنويّ ونحوها من الأدلّة اللّبيّة التي أشرنا إليها، وتكون هذه الأدلّة مقيّدةً لعمومات الإتمام كما هو واضح.
ولكن حيث نشكّ بشمول الدليل اللبّي لمورد الكلام، يكون ما خرج
ــــــ[53]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
بالتقييد مردّداً بين الأقلّ والأكثر، ولا معيّن للأكثر؛ لعدم وجوب الإطلاق على الفرض، وحيث يكون المقيّد مردّداً فإنَّ إجماله يسري إلى العامّ – كما هو المحقّق في علم الأُصول(1)- ومعه تصبح إطلاقات وجوب التمام مجملة. والمجمل لا يعارض العامّ الظاهر بالعموم، وهو عمومات وجوب التقصير، فيتعيّن الأخذ بها.
إلّاَ أنَّ هذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه أيضاً:
أوّلاً: أنَّ الدليل اللبّيَّ المردّد بين الأقلّ والأكثر لا يكون مجملاً، وإنَّما يكون حجّةً بالأقلّ دون الأكثر، للزوم الأخذ فيه بالقدر المتيقّن. ومعه تبقى إطلاقات وجوب الإتمام على حالها، ولا تنحلّ المعارضة.
ثانياً: إنَّنا نعكس المسألة أيضاً؛ وذلك: لأنَّ الدليل اللبّيَّ قائمٌ أيضاً على وجوب التمام في الجملة، فيكون مقيّداً لإطلاقات وجوب التقصير، فإذا كان مردّداً شموله للمقام سرى إجماله إليها، فتتقدّم عليها عمومات وجوب الإتمام.
لا يُقال: إنَّ الدليل اللبّي الدالّ على التقصير في الجملة مجملٌ، بعد غضّ النظر عن الإشكالات الأُخرى، ولكنّ الدليل الدالّ على التمام مطلق، وهو أصالة التمام التي أسّسها صاحب الجواهر، فتكون عمومات التمام مجملةً وعمومات التقصير مقيّدة.
فإنَّه يُقال: إنَّ أصالة التمام بعينها هي عمومات الإتمام، على تقدير استفادتها منها، فإذا كانت العمومات مجملةً – كما فُرض – لم يتمّ عندنا هذا
ــــــ[54]ـــــــ
(1) لاحظ: فوائد الأُصول 1: 523-536، المقصد الرابع في العامّ والخاصّ، المبحث الثاني.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأصل كما هو واضح. على أنَّ فرض كون الدليل الدالّ على التمام مطلقاً خلاف المفروض في هذا الوجه الرابع، على أنَّنا لم نبتعد عن نتيجة هذا الإشكال الثاني، فإنَّه مع إجمال كلا الإطلاقين أو مع كون أحدهما مجملاً والآخر مقيّداً غير شاملٍ للمقام، ينتهي الأمر على أيّ حال للأُصول العمليّة؛ لانعدام الدليل الاجتهادي على الفرض.
ثالثاً: أنَّ هذا الوجه قائمٌ على الخطأ الأساسي الذي أشرنا إليه، وهو الاعتماد على العمومات دون الأدلّة الخاصّة، التي هي العمدة في المقام.
حل المعارضة بين الإطلاقات
الوجه الخامس لوجوب التقصير: وهو منصبّ – كبعض ما سبق- على حلّ المعارضة بين الإطلاقات، وذلك بأن يُقال:
إنَّ المعارضة بين إطلاق دليل وجوب القصر وبين إطلاق دليل وجوب التمام وإن كانت موجودةً بالدقّة، إلّاَ أنَّها بحسب مناسبات الحكم والموضوع تكون منحلّة.
وذلك: لأنَّنا عرفنا من الشارع المقدّس – بلحاظ هذين الدليلين وغيرهما – تقسيم المكلّف بنحو مانعة الجمع والخلوّ إلى قسمين: حاضر ومسافر، فكلّما ورد من الأحكام على عنوان الحاضر، لا يمكن أن يشمل المسافر، وكذلك العكس.
ومن هنا فإطلاقات وجوب التقصير تشمل المكلّف في مورد المسألة -وهو المسافر حال الأداء- بلا إشكال؛ باعتبار أنَّ موضوعها هو المسافر، وهذا مسافر بالوجدان على الحقيقة. وأمّا إطلاقات وجوب التمام التي أُخذ في موضوعها عنوان الحاضر، فهي تشمل المكلّف ما دام حاضراً، وليس
ــــــ[55]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ذلك إلّاَ في أوّل الوقت، وأمّا إذا أصبح مسافراً بعد ذلك، فلا يمكن أن تشمله؛ لاستحالة سراية الحكم من موضوعٍ إلى آخر لم يُؤخذ في دليله.
فيتحصّل أنَّ المكلّف في فرض المسألة يجب عليه التمام في أوّل الوقت مادام حاضراً، ويجب عليه القصر بعد أن يسافر، وهذا هو المقصود.
وتوهّم المعارضة كان مبتنياً على: كون المأخوذ في الأدلّة المتعارضة هو عنوان المكلّف لا عنوان المسافر والحاضر.
إلّاَ أنّ هذا الوجه غير تامٍّ:
أمّا أوّلاً: فلأنَّه إنَّما يكون له صورة فيما إذا فهم من الأدلّة أخْذ عنوان الحاضر والمسافر بنحو الجهة التقييديّة للموضوع. وأمّا إذا فُهم منها أخذ العنوانين بنحو الجهة التعليليّة للحكم، فلا يمكن أن تنحلّ المعارضة؛ لأنَّ الموضوع يبقى هو عنوان المكلّف بلا قيد.
لا يُقال: تكفينا الجهة التعليليّة، فإنَّ علّة وجوب الإتمام لا تكون موجودةً حال الأداء، بل الموجود هو علّة التقصير، فيتعيّن.
فإنَّه يُقال: معنى ذلك أخذ العلّة قيداً في الدليل، وهو ممّا لا يمكن، على أنَّه خلف المفروض. ومع عدم كونها قيداً فإنَّنا نحتمل أنَّ العلّة علّة لثبوت الحكم لا لارتفاعه، فإذا كان المكلّف حاضراً حال الوجوب، كان ذلك علّة لثبوت وجوب التمام عليه، ولا يرتفع هذا الوجوب بتبدّل حاله إلى القصر، والعكس أيضاً صحيح، فينتج أنَّ الاعتبار بحال الوجوب لا بحال الأداء.
لا يُقال: إنَّ هذا خلف عليّة عنوان السفر للقصر، فإنَّ فرضه علّة هو فرض لزوم تبدّل الحكم بتبدّل العنوان.
ــــــ[56]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فإنَّه يُقال: إنَّنا نحتمل أن يكون العنوان علّةً لثبوت الحكم في أوّل الوقت، دون ما كان في أثنائه.
فإن قيل: إنَّ هذا الاحتمال وأشباهه مدفوع بالإطلاق.
قلنا: إنَّ هذا غير ممكن بعد فرض أخذه في موضوع الإطلاق. هذا أوّلاً.
وأمّا ثانياً: فلأنَّه لا يتمّ حتّى مع العلم بأخذ عنوان الحاضر والمسافر بنحو الجهة التقييديّة في الموضوع؛ وذلك: لأنَّه يرد فيه نحو ما ورد في الجهة التعليليّة من احتمال كون القيد قيداً للثبوت في أوّل الوقت، لا ما كان في أثناء الوقت، فيبقى الحكم ثابتاً بالرغم من تغيّر العنوان.
لا يُقال: كما في الجواهر(1)، بأنَّنا نقطع بأنَّ المراد بالمسافر والحاضر ما كان كذلك حال الأداء لا حال الوجوب.
فإنَّه يُقال: عهدة هذا القطع على مدّعيه، فإنَّه ممّا لا يستفاد من لفظ المسافر بنفسه، ولا بضمّ مناسبات الحكم والموضوع كما عرفنا، إلّاَ أن يراد بذلك كون العنوان إذا أُخذ في الموضوع دار الحكم مداره. وهو أمر على مقتضى القاعدة. فما ذكرناه ثانياً لا يتمّ.
فتحصّل: أنَّ الإطلاقات – على تقدير تماميّتها في أنفسها- كافيةٌ بمجرّدها لإثبات المدّعى، وهو وجوب الإتمام مادام حاضراً والقصر بعد أن يسافر، والمعارضة منتفيةٌ باعتبار ظهور العنوان بالتقييد، فيدور الحكم مداره.
ــــــ[57]ـــــــ
(1) راجع جواهر الكلام 14: 382، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، الاعتبار في القضاء بحال فوات الصلاة لا بحال وجوبها.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إلّاَ أنَّنا في غنى عن الإطلاقات بالأدلّة الخاصّة، فلابدَّ من صرف عنان الكلام إليها.
الاستدلال بالروايات الخاصة
الوجه السادس لوجوب التقصير: الاستدلال بالروايات الخاصّة الواردة في المقام، ومنها ما هو تامّ سنداً ودلالة، وهو الحجّة الأساسيّة في المقام.
الاستدلال بصحيح إسماعيل بن جابر
وهو صحيح إسماعيل بن جابر، قال: قلتُ لأبي عبد الله×: يدخل عليَّ وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أصلّي حتّى أدخل أهلي؛ فقال: >صلّ وأتمّ الصلاة<. قلتُ: فدخل عليّ(1) وقت الصلاة وأنا في أهلي أُريد السفر، فلا أصلّي حتّى أخرج؟ فقال: >فصلّ وقصّر، فإن لم تفعل فقد خالفتَ – والله(2)- رسول الله’<. رواه الشيخ والصدوق(3)، كلٌ بإسناده إلى إسماعيل بن جابر.
وهذا الحديث الشريف نصٌّ فيما هو محلّ الكلام في الجملة؛ فإنَّ الراوي يبدأ السؤال عن المسألة الثانية التي سوف نتعرّض لها في المقام الثاني إن شاء الله تعالى، وهو ما إذا دخل الوقت على المكلّف وهو مسافر، فلم يصلّ حتّى حضر.
ــــــ[58]ـــــــ
(1) في الفقيه: فيدخل عليَّ.
(2) ليس في الفقيه ولا في الاستبصار.
(3) مَن لا يحضره الفقيه 1: 443، أبواب الصلاة وحدودها، باب الصلاة في السفر، الحديث 1287، تهذيب الأحكام 2: 13، كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة في السفر، الحديث3، وسائل الشيعة 8: 512، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب21، باب حكم مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر، الحديث 2.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ثمَّ يسأل الراوي عن فرض مسألتنا في هذا المقام الأوّل، وهو ما إذا دخل الوقت على المكلّف حاضراً فلم يصلّ حتَى خرج، فيفتيه الإمام بأنَّ تكليفه هو الصلاة قصراً، ويؤكّد ذلك بشدّة بقوله: >فإن لم تفعل فقد خالفتَ – والله- رسول الله’<.
تفصيل الكلام في دلالة الصحيح
ويتمّ الكلام في دلالة هذا الحديث بالتعرّض لعدّة نواحٍ:
الناحية الأُولى: أنَّ المراد بالسفر ما كان موجباً لقصر الصلاة شرعاً، فلا يشمل السفر غير الموجب له كسفر المعصية وعادم القصد وكثير السفر، فيجب على هؤلاء التمام في تمام الوقت ما لم يعرض لهم السفر الموجب للقصر.
وهذا – أعني: ظهور لفظ السفر بموجب القصر شرعاً- واضحٌ جدّاً من سياق الحديث، فإنَّ سؤال الراوي وجواب الإمام×- في كلتا المسألتين- منصبّان على حكم القصر والتمام في السفر في هاتين المسألتين، أمّا السؤال الأوّل للراوي فواضح من سياق نصّه، وبقرينة فهْم الإمام له المستكشَفِ من جوابه×. وأمّا السؤال الثاني فلدلالة سياقه، ولوحدة السياق مع السؤال الأوّل ظهور وترتّبه عليه.
وأمّا جواب الإمام× فهو- في كلا الموردين- نصّ أو كالنصّ في فهْم الإمام للمسألة بالنحو الذي قلناه، بقرينة فتواه فيهما.
ولا يحتاج بعد هذا إلى ضمّ ارتكاز المتشرّعة في مسألة القصر والتمام، أو أنَّ للسفر حقيقة متشرعيّة فيما هو الموجب للقصر بعد ظهور اللفظ في ذلك بوضوح. نعم، بعد التنزّل عن هذا الظهور، يستفاد من هذه الوجوه،
ــــــ[59]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ويبقى المراد محفوظاً.
الناحية الثانية: ظهور لفظ >أهلي< بالوطن الشرعي، بل بكلّ موجب للإتمام شرعاً كقصد إقامة عشرة أيام.
فهنا أمران:
الأمر الأوّل: ظهوره بالوطن الشرعي، وهو واضح جدّاً بنفس قرينة السياق التي ذكرناها في الناحية الأُولى، مضافاً إلى الغلبة العظيمة في أن يكون الأهل في الوطن الذي يسكنه الإنسان، في مقابل ما هو نادر، وهو أن يستوطن الفرد في بلدٍ ويجعل أهله في بلدٍ آخر. وهذه الغلبة توجب الظهور بالانصراف إلى الوطن الشرعي الموجب للتمام(1).
يبقى احتمال أن يكون الرجل وأهله ساكنين في غير وطنه الشرعي، وهو ليس أمراً نادراً بحيث يوجب الانصراف إلى ضدّه. إلّاَ أنَّه احتمال موهون غايته؛ وذلك: للتسالم المستكشَف من السياق والجواب الأوّل للإمام، [و] التسالم بين الراوي والإمام بأنَّ المراد من الأهل هو الوطن، بحيث لو كان قد بقي ولم يسافر، لم يكن هناك إشكال في وجوب التمام عليه.
الأمر الثاني: ظهوره بكلّ موجبٍ للإتمام شرعاً، وذلك يكون بالتجريد عن خصوصيّة الوطن المستفاد في الأمر الأوّل.
ويمكن إقامة القرينة على هذا التجريد من عدّة جهات:
الأُولى: ضمّ ارتكاز المتشرّعة، القاضي بتجريد الوطن عن الخصوصيّة
ــــــ[60]ـــــــ
(1) لاحظ: بحوث في علم الأُصول 3: 431، مباحث الدليل اللفظي، المطلق والمقيّد، التنبيه الرابع في الانصراف.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
عندما يكون سياق الحديث فقهيّاً حول القصر والتمام، وإنَّما يُراد به كلّ موجبٍ للإتمام شرعاً.
الثانية: حمل الوطن على المثاليّة، باعتبار أنَّ الغالب في حال الإنسان هو أن يكون الموجب للتمام في حقّه هو البقاء في وطنه، فقد ذكره الراوي باعتبار أنَّه هو نفسه فرد من هذا الغالب، وليس مراده هو الوطن على التعيين.
الثالثة: معرفة ذلك من مقابلته للسفر، الظاهر بالسفر الشرعي كما عرفنا، وما يقابله ليس هو الوطن الشرعي بخصوصه، بل كلّ ما كان موجباً للتمام كقصد الإقامة عشرة أيام.
الناحية الثالثة: في الحديث الشريف أنَّه ظاهرٌ تماماً في جواز الأخذ بالرخصة في أوّل الوقت، ولا يجب عليه المبادرة إلى الصلاة قبل تبدّل حاله إلى السفر أو الحضر.
وذلك لنصّ السؤال في ذلك في قوله: (فلا أصلّي حتّى أدخل أهلي)، وقوله: (فلا أصلّي حتّى أخرج)، وظهور حال الإمام بإقراره على ذلك، بحسب الإطلاق المقامي، فإنَّه كان في مقام البيان ولم يبيّن حكماً معيّناً في ذلك، فكأنَّه يريد أن يقول: إنَّ نفس الحكم الشرعي بالترخيص في تأخير الصلاة من أوّل وقتها ثابت حتّى في مثل هذه الموارد، ولا يجب على المكلّف البدار إلى الصلاة قبل تحوّل حاله.
الناحية الرابعة: في دخل قصد السفر في هذا الحكم وعدمه، وليس المراد التعرّض لكبرى المسألة، بل المراد تحقيقها بحسب ظهور هذا الحديث. أمّا الكبرى فيأتي التعرّض لها في موضعٍ آخر إن شاء الله تعالى.
ــــــ[61]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
لا إشكال أنَّ قصد السفر مأخوذ في السؤال الثاني المتعلّق بفرض مسألتنا فإنَّه قال: قلتُ: فدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر. ومقتضى الظهور السياقي هو أن يبتني الجواب على نفس فرض السؤال، وعليه فيكون قصد السفر مأخوذاً في الجواب، ومن ثمَّ يكون ظاهراً في دخْله قيداً في الحكم، وبأصالة الجهة يثبت دخله في أصل الجعل.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الحكم يكون متكوّناً من قضيّةٍ شرطيّةٍ، مؤدّاها: إذا دخل عليك وقت الصلاة وأنت في أهلك تريد السفر، فتخرج من دون أن تصلّي، فصلّ في السفر قصراً. ومقتضى الشرطيّة انتفاء الحكم عند انتفاء أيّ قيدٍ من قيود الشرط، أو – على الأقلّ- يكون الحديث ساكتاً وغير دالّ على صورة الانتفاء.
وقد أُخذ هذا القيد في أخبار أُخرى، في نفس فرض مسألتنا أيضاً، ولم يُؤخذ مثل هذا القيد، لا في هذا الحديث ولا في غيره في عكس هذه المسألة.
ويمكن تجريد الحكم عن هذه الخصوصيّة بأحد تقريبات:
التقريب الأوّل: استظهار أنَّه وارد مورد الغالب، فإنَّ الغالب فيمَن يخرج من وطنه إلى السفر أن يكون قاصداً له قبل ذلك بزمانٍ مّا، بخلاف المسافر حين رجوعه إلى بلده، فإنَّه قد يحصل له سبب الرجوع من دون سابق توقّع. ومن هنا فرض العزم على السفر ولم يفرض العزم على الرجوع في عكس المسألة.
التقريب الثاني: أنَّ الغالب في حال المسلم – مثل هذا السائل الذي يعتبر من أصحاب الأئمّة^- أن يقدّم صلاته في أوّل الوقت، أخذاً بالاستحباب الشرعي القاضي بذلك، ولا يمتنع عن ذلك إلّاَ لمانع رئيسيّ
ــــــ[62]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
في حياته. ومن أوضح هذه الموانع – وخاصّة في التاريخ السابق – العزم على السفر.
ومن هنا يتّضح أنَّ مَن لم يكن عازماً على السفر، وحصل له قصد السفر بعد دخول الوقت بزمانٍ معتدٍّ به، فالغالب في حاله أنَّه يصلّي أوّل الوقت في وطنه، ويخرج عن موضوع مسألتنا. وإنَّما يكون مؤجّلاً لصلاته باعتبار عزمه على السفر من أوّل الوقت، فيضطرّ إلى أدائها حال السفر، فيدخل في موضوع مسألتنا.
فالغالب – بحسب تصوّر الراوي السائل على الأقلّ- أنَّ الإنسان لا يكون موضوعاً لمسألتنا إلّاَ إذا كان عزم السفر عنده موجوداً من أوّل الوقت، ومن هنا أورده في سؤاله، لا لخصوصيّة دخله في التشريع.
التقريب الثالث: استظهار التجريد عن خصوصيّة قصد السفر، باعتبار وحدة السياق مع عكس المسألة.
توضيحه: أنَّه ممّا لا إشكال فيه أنَّه لم يُؤخذ هذا القيد في عكس المسألة المتمثّل في السؤال الأوّل للراوي، ومن هنا حين يسأل سؤاله الثاني المتعلّق بمسألتنا يَفهم العرفُ من سياق أسئلته وحدة سياقها ومتعلّقها، وأنَّ الراوي يفترض في سؤاله الثاني عكس ما فرضه في سؤاله الأوّل تماماً. وحيث إنَّ هذا القيد غير مأخوذ في السؤال الأوّل، فهو غير مأخوذٍ جدّاً في السؤال الثاني، بحسب الظهور العرفي المستنتج من السياق.
التقريب الرابع: أنَّ الحديث الشريف دالٌّ بمجموعه على قاعدة عامّة يجب على المكلّف اتّباعها في هذه المسألة وعكسها، وهو أنَّ الاعتبار بحال الأداء دائماً دون حال الوجوب، وقد طبّق الإمام× هذه القاعدة في كلتا
ــــــ[63]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
المسألتين. ومن هنا وجب في مسألتنا القصر ووجب في عكسها الإتمام.
وهذه القاعدة المستفادة موضوعها واحد لا محالة، وقد علمنا بحسب تطبيقها على عكس المسألة عدم أخذ القيد. إذن فهو غير مأخوذ في مسألتنا أيضاً، وإلّاَ لاختلف الموضوع في التطبيقين.
وفَرْق هذا التقريب عن سابقه: أنَّ التقريب السابق محاولة لاستظهار الاتّحاد إثباتاً، وهذا التقريب محاولة فهم الاتّحاد ثبوتاً، وإن لم يدلّ عليه ظهور اللفظ، مستنتجاً من وحدة القاعدة العامّة المستفادة من الحديث.
لا يُقال في الإيراد على كلا التقريبين الأخيرين: إنَّهما محاولتان لحمل السؤال الثاني في الرواية على السؤال الأوّل، فلماذا لا يصحّ العكس؟ أو بعبارة أُخرى: إنَّ النظر إلى أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح.
فإنَّه يُقال: إنَّ ما في التقريبين هو المتعيّن دون العكس؛ لأنَّنا نحتمل عدم دخل القيد في حكم السؤال الثاني، ولا نحتمل دخْله في حكم السؤال الأوّل. على أنَّ السؤال الأوّل يصلح للقرينيّة على الثاني؛ لتقدّمه عليه، ولا يصلح السؤال الثاني للقرينية على الأوّل. فإن استنتجنا من وحدة السياق دخْل القيد في حكم السؤال الأوّل، كانت نتيجة مخالفة للظاهر إثباتاً وغير محتملة ثبوتاً.
إلّاَ أنَّ التقريب الرابع لا يتمّ إن لم ينته إلى الظهور اللفظي، كما هو المفروض، فإنَّ استفادة القاعدة العامّة – في أنَّ الاعتبار بحال الأداء دون حال الوجوب- فرع التجريد عن خصوصيّة القيد. وأمّا مع احتمال دخْله فيبقى احتمال اختلاف المسألتين ثبوتاً على حاله، ومعه لا يمكن استفادة القاعدة العامّة.
ــــــ[64]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
نعم، لا يبعد ظهور الحديث في ثبوت هذه القاعدة العامّة – بحسب ظهور اللفظ بالتجريد عن الخصوصيّة – بأحد التقريبات الثلاثة الأُولى.
وعلى أيّ حال، فإن أوجب أحد هذه التقريبات ظهوراً وجدانيّاً في رفض قيد قصد السفر كما لا يبعد، فهو. وإلّاَ فمقتضى القاعدة أخذه قيداً في الجعل في خصوص مسألتنا دون عكسها، كما هو الظاهر الأوّلي للحديث. ومعه يشْكل استفادة القاعدة العامّة بنحو مطلق، في أنّّ الاعتبار بحال الأداء دون حال الوجوب. وسيأتي مزيد كلام حول ذلك إن شاء الله تعالى.
ظهور صحيح إسماعيل في اشتراط تجاوز الحدّ
الناحية الخامسة في الحديث الشريف: في ظهوره باشتراط تجاوز حدّ الترخّص في ثبوت هذا الحكم وعدمه.
الظاهر أنَّه غير ظاهر في ذلك؛ فإنَّ قوله: (فلا أصلّي حتّى أخرج)، مناسب في نفسه مع تجاوز حدّ الترخص وعدمه إن لم يكن ظاهراً بمجرّده في مطلق الخروج.
إلّاَ أنَّ السياق الذي أشرنا إليه – وهو أنّ السؤال والجواب معاً منصبّان حول السفر الموجب للقصر شرعاً والحضر الموجب للتمام- يعيّن اشتراط الخروج عن حدّ الترخّص؛ لأنَّه هو أوّل موارد القصر شرعاً عند السفر، وأمّا قبل ذلك فالصلاة تامّة على أيّ حال. فبضمّ هذا الحكم الشرعي المعلوم من الخارج إلى الموضوع في مسألتنا يتنقّح عندنا ضرورة اشتراط ذلك.
الناحية السادسة: في النظر إلى الأمرين الموجودين في كلام الإمام×، وهو قوله: >فصلّ وقصّر<.
ــــــ[65]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فإنَّه قد يُقال: إنَّ الأمر بالتقصير وإن كان ظاهراً في نفسه بالوجوب، إلّاَ أنَّ قرينة السياق مانعةٌ عن الأخذ بهذا الظهور.
بيان ذلك: إنَّ كلام الإمام× متكوّن من أمرين، أوّلهما: الأمر بالصلاة، والثاني: الأمر بالتقصير، وكلاهما ظاهر بالوجوب في نفسه؛ إلّاَ أنَّه لا يمكن الأخذ بهذا الظهور في الأمر الأوّل جزماً؛ وذلك للجزم بعدم إرادة التشريع التأسيسي منه، وإنَّما هو تأكيد وتكرار للأمر بالصلاة الثابت بضرورة الدين والموجود في القرآن الكريم. وحيث إنَّ الأمر الجدّي بطبيعة واحدة مرّتين ممّا لا يعقل، فيتعيّن أن لا يكون هذا الأمر جدّياً وإلزاميّاً، وإنّما المكلّف إذا تصدّى في فرض مسألتنا للصلاة، فإنَّما هو امتثالٌ للأمر القرآني بالصلاة، لا لهذا الأمر بخصوصه.
وحيث ثبت انتفاء الإرادة الجديّة في الأمر الأوّل، كان مقتضى وحدة السياق انتفاءها في الأمر الثاني. وينتج: أنَّه لا ظهور في هذا الحديث في تعيّن القصر.
إلّاَ أنَّ هذا البيان غير صحيحٍ؛ وذلك:
أمّا أوّلاً: فلإنكار أن لا يكون الأمر جديّاً، بل يُدّعى أنَّه أمر جدّي، فيكون مقتضى وحدة السياق كون الأمر الثاني جديّاً، كما هو واضح.
ويتمّ ذلك بأحد تقريبات ثلاثة:
التقريب الأوّل: هو أن يُقال: إنَّه ليس مقتضى كون الأمر تأكيديّاً كونه غير مرادٍ جدّاً، بل مقتضى المطابقة بينه وبين الأمر المؤكَّد به هو مشابهته له من جميع الوجوه لغةً ولبّاً، بما فيه مطابقته للإرادة الجديّة. فتأمّل.
التقريب الثاني: وهو تعميق للتقريب الأوّل، وهو أن يُقال: إنَّ ما
ــــــ[66]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
طرق سمعك – من أنَّ الطبيعة الواحدة لا يتعلّق بها الأمر الجدّي مرّتين، فيتعيّن أن يكون الثاني غير جدّي- إنَّما هو في الجعل والإلزام الثبوتي دون الإبراز الإثباتي، ولا مانع لأن يكون الجعل الواحد المتعلّق بالطبيعة له مبرّزات متعدّدة في مرحلة الإثبات، ويكون الجعل الثبوتي هو المراد الجدّي من تمام الأوامر.
إذن، فالأوامر مهما تكرّرت كانت جديّة وأصالة الجهة تامّة فيها، غاية ما هناك، أنَّ المبرز الأوّل للجعل الثبوتي هو الأمر الأوّل، وأمّا الأوامر المتكرّرة، فتبرز شيئاً معروفاً فيما سبق. إلّاَ أنَّ هذا لا يعني كونها أوامر غير جديّة.
ولولا ذلك لانسدّ علينا باب التمسّك بالأوامر، إلّاَ بعد إحراز كونها أوّل مبرز للجعل؛ لعدم وجود أصل منقّح لذلك عند الشكّ، وكونه أوّل أمر واصل لا يكفي؛ لاحتمال أن يكون هذا الواصل هو الأمر المكرّر دون الأمر الأوّل. وإحراز انتفاء هذا الاحتمال في كثير من الموارد دونه خرط القتاد.
التقريب الثالث: أنّه بعد تسليم استحالة تعلّق الأمر المتعدّد بالطبيعة الواحدة، يُقال: إنَّ ذلك إنَّما يتمّ – لو تمَّ- في الطبيعة الواحدة بتمام قيودها وحدودها، وأمّا تعلّق الأمر الجدّي بحصّةٍ من حصصها فليس مستحيلاً.
بيان ذلك: إنَّه ثبت في علم الأُصول(1) أنَّ الأمر إذا تعلّق بطبيعة فإنَّه يقتصر عليها سعةً وضيقاً، ويستحيل أن يتعلّق نفس الأمر مستقلاً بحصص هذه الطبيعة أو أفرادها، وإلّاَ كان خلف تعلّقه بالأعمّ منه ومن غيره على ما هو المفروض.
ــــــ[67]ـــــــ
(1) لاحظ: مباحث الأُصول (الحائري) 3، ق1: 251، المقصد الأوّل في الأوامر، الفصل السابع: تعلّق الأمر بالطبائع أو بالأفراد.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إذن، ينتج أنَّ الحصّة مستقلّة، لم يتعلّق بها أمر.
إذن، فمن الممكن أن يتعلّق بها أمر آخر من مثله أو ليس مثله، بل من سنخه أو من غيره، على أن لا يكون منتجاً للجمع بين الضدّين أو النقيضين في مرحلة الامتثال.
وبناءً على ذلك يُقال: إنَّ الأمر الأوّل بالصلاة في كلام الإمام× ليس أمراً بطبيعة الصلاة على إطلاقها، بل هو أمر للمكلّف بحصّة خاصّة من الصلاة، هي ما كانت موجودةً في صورة المسألة. وهذا الأمر بالحصّة مماثل للأمر بالطبيعي، ولا يلزم من الجمع بين امتثاليهما اجتماع الضدّين أو النقيضين. فيتعيّن أن يكون هذا الأمر جديّاً بالحصّة.
إلّاَ أنَّ هذا التقريب لا يتمّ، أمّا نقضاً؛ فلاستلزامه التكرار الذي لا يقول به أحد. وأمّا حلاً فلاجتماعه مع الأمر الانحلالي المتعلّق بالحصّة، وما طرق سمعك بأنَّه خالٍ من الأمر إنَّما هو الفرد الموجود في الخارج، فإنَّه مصداق للأمر وليس متعلّقاً له، وأمّا الحصّة فتكون متعلّقاً للأمر لا محالة في ضمن الحصص الأُخرى للطبيعة. فمع غضّ النظر عن التقريب الثاني يستحيل اجتماع هذا الأمر الضمني مع الأمر المستقل.
هذا كلّه أوّلاً.
وأمّا ثانياً: فبعد تسليم عدم الجديّة في الأمر الأوّل، ويكون مقتضى وحدة السياق هو أن لا يكون الأمر الثاني جديّاً. إلّاَ أنَّ هذه القرينة ساقطةٌ في خصوص المقام؛ لوجود ظهورٍ أقوى منها.
بيان ذلك: إنَّنا عرفنا أنَّ السؤال والجواب بين الراوي والإمام كليهما منصبّان حول مسألة القصر والتمام في فرض المسألة وعكسها. ومن هنا
ــــــ[68]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
يكون المقصود الرئيسي للإمام× هو ذكْر تكليف الفرد من حيث القصر والتمام، لا من حيث أصل إيجاده للصلاة، كما هو واضح. إذن، فالأمر الرئيسي في كلامه× هو قوله: >قصّر< إلى حدٍّ كان من الممكن الاقتصار عليه في مقام الجواب.
وأمّا الأمر بالصلاة فإنَّما ذكره استطراقاً إلى الأمر بالتقصير، وما كان ثانويّاً في الكلام لا يصلح عرفاً قرينةً على ما هو رئيسيٌّ فيه.
فكأنَّه قال: قصّر في صلاتك، أو قال: إذا صلّيت فقصّر؛ بنحو الشرطيّة المسوقة لبيان الموضوع.
ولا يخفى أنَّ سياق السؤال – في كلتا المسألتين – كان يقتضي التوطئة بالأمر بالصلاة في جوابه، فإنَّه قال تارةً: (فلا أصلّي حتّى أدخل أهلي)، وقال أُخرى: (فلا أصلّي حتّى أخرج). ففي السؤال ما يدلّ على نفي الصلاة، ومع انتفائها لا معنى للتقصير أو التمام؛ لاستحالة وجود الصفة من دون موصوف. فمن هنا احتاج الإمام× في الجواب إلى فرض وجود الصلاة أوّلاً ليرتّب عليه الأمر بالتقصير أو بالتمام، فاختار أن تكون توطئته بلسان الأمر بالصلاة، على أنَّ ذلك لا يزيد عرفاً عن إحدى الجملتين اللتين أشرنا إليهما.
فتحصّل أنَّ الأمر بالتقصير في مسألتنا جدّي، يدلّ على تعيّنه ووجوبه في نفسه(1).
الناحية السابعة للكلام عن الحديث الشريف: في النظر في التأكيد الذي ذكره الإمام× لكلامه وهو قوله: >فإن لم تفعل فقد خالفتَ – والله-
ــــــ[69]ـــــــ
( ) في مقابل مواطن التخيير (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
رسول الله’<.
فإنَّه يدلّ على أمرين رئيسيّين:
الأمر الأوّل: مجرّد التأكيد المدلول عليه بالقسم على ثبوت الحكم، وأنَّ عصيانه عصيانٌ لرسول الله’. هذا التأكيد الذي اعتبره صاحب الجواهر مرجّحاً في نفسه في مقام المعارضة(1)، على ما يأتي.
ومثل هذا التأكيد لا يفيد فائدةً مهمّةً لمَن يؤمن بمولويّة الإمام وعصمته. غير أنَّه تتصوّر له فائدتان:
إحداهما: أهميّة المجعول في نظر الشارع واهتمامه به، ولو في طول عصيان بعض المسلمين لهذا الحكم ومخالفتهم له.
ثانيهما: جعل الإمام هذا القسم مرجّحاً عند التعارض، في طول علمه بوجود أحاديثٍ أُخرى معارضة لحديثه هذا، لو صحّ جعله مرجّحاً على ما يأتي.
وأمّا التصديق بأصل ثبوت الحكم، فلا تكاد تظهر له فائدةٌ معيّنةٌ بعد قيام البرهان على مولويّة الإمام وعصمته، وإنَّما تتصوّر هذه الفائدة لمَن لا يُؤمن بذلك على ما نشير إليه.
الأمر الثاني: ممّا يدلّ عليه الحديث: أنَّ رسول الله’ كان يفعل ذلك. ومن هنا كان عصيان هذا الحكم مخالفةً لعمل رسول الله’ وتركاً للأُسوة الحسنة به’.
وهذا أيضاً ممّا لا يثمر ثمرةً مهمّةً لمَن يُؤمن بأنَّ قول الإمام×
ــــــ[70]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 14: 358، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، حكم مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر ثمَّ سافر…
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وعمله متّحد مع قول النبي وفعله، من حيث مطابقتهما للتشريع الإسلامي الواحد. وإنَّما يثمر فيمَن لا يؤمن بذلك، كما سبق ويأتي.
إذن، فالمهم صرف عنان الكلام إلى أمرين آخرين في هذه الجملة:
أحدهما: دلالتها على أنَّ فتوى الإمام× في هذا الحديث مخالفةٌ لفتوى العامّة في المسألة، كما احتمله الفقيه الهمداني+(1) والسيّد الحكيم(2).
وهو أمرٌ ظاهرٌ بعد ما قدّمناه من الأمرين السابقين، وخاصّة الثاني منهما، فإنَّ تحميل الإمام× مسؤوليّة هذا الحكم على عمل رسول الله’، والنصّ على أنَّ مخالفته مخالفةٌ له، مؤكّداً بالقسم، لا يُتصوّر له وجه إلّاَ إلزام مَن لا يُؤمن بمولويّة الإمام× وعصمته، ويحتاج في تصديقهم بالحكم إلى التحويل على النبي’، وليس ذلك إلّاَ أهل السنّة والجماعة.
والوقوف موقف الإلزام بمثل هذا التأكيد، يدلّ بوضوحٍ على أنَّ فتواهم وعملهم على خلاف فتوى الإمام، وكأنّ الإمام× يريد أن يشير إلى أنَّهم بعملهم هذا مخالفون لعمل النبي’ في هذه المسألة.
فصوناً للكلام عن اللغويّة، باعتبار أنَّه لو كان خطاباً للمؤمنين بمولويّة الإمام× أو كان عمل العامّة موافقاً لفتواه×، لكان هذا
ــــــ[71]ـــــــ
(1) أُنظر: مصباح الفقيه 2 ق2: 763، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر ثمَّ سافر.
(2) أُنظر: مستمسك العروة الوثقى 8: 176، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، الثالث من قواطع السفر، الكلام فيمَن دخل عليه الوقت وهو حاضر… .
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
التأكيد لاغياً وعديم الأثر. فيتعيّن أن يكون عملهم على خلافه.
هذا بحسب ظهور الحديث الشريف. أمّا تحقيق فتاوى العامّة، فسنشير إليه في مورد آتٍ إن شاء الله تعالى عند التعرّض لحلّ التعارض بين الأخبار.
ثانيهما: أنَّ هذا الذيل في الرواية هل يعود إلى السؤال الثاني المتعلّق بمسألتنا، أو يعود إلى كلتا المسألتين؟
فإنَّه على تقدير عوده إلى كلتا المسألتين ينتج عدّة فوائد:
الأُولى: أنَّ القسم كما يعود للسؤال الثاني يعود للسؤال الأوّل، فمَن جعله مرجّحاً في هذه المسألة عند التعارض- كصاحب الجواهر – أمكن جعله مرجّحاً في عكسها. فإنَّ التعارض موجود في كلتا المسألتين.
الثانية: أنَّنا كما نستفيد من القسم أهميّة المجعول في مسألتنا على ما احتملنا، نستفيد أهميّة المجعول في عكسها أيضاً.
الثالثة: أنَّنا كما نستفيد- بحسب ظهور الحديث- أنَّ عمل العامّة مخالفٌ لفتوى الإمام في هذه المسألة، في السؤال الثاني، كذلك هو مخالفٌ لفتواه في عكس المسألة، فينتج أنَّ فتوى العامّة هو لزوم العمل على وقت الوجوب في المسألتين لا على وقت الأداء.
إلّاَ أنَّ الظاهر هو رجوع هذا الذيل إلى الحكم الثاني دون الأوّل، وهو واضح جدّاً لمن راجع قول الإمام في جواب السؤال الثاني: >فصلّ، وقصّر، فإن لم تفعل …< الخ، يعني: فإن لم تقصّر فقد خالفت ـ والله ـ رسول الله’. وعوده إلى السؤال الأوّل بالرغم من الفاصل الكبير وتجديد السؤال، يحتاج إلى مؤونةٍ وقرينةٍ مفقودة.
ــــــ[72]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فهذا تمام الكلام في نواحي الحديث من الجهة الدلاليّة.
تبقى نواحٍ في فقه الحديث مرتبطةٌ بتحقيق أصل المسألة، نتعرّض لها بعد الانتهاء من سرد الأدلّة الاجتهاديّة إن شاء الله تعالى.
ومع وجود هذا الحديث الشريف التامّ سنداً ودلالةً، نستغني عمليّاً عن الاستدلال بما ذكروه من الأخبار الأُخرى، فإنَّ أكثرها مخدوشةٌ إمّا دلالةً أو سنداً، كما سنتعرّض له لأجل إتمام الفائدة، ولا تبقى جهةٌ مهمّة في هذا الحديث الشريف إلّاَ التعرّض لمعارضاته من الأخبار، والتي منها ما هو معتبر كصحيح محمّد بن مسلم على ما سنعرف، وسنعرض لهذه الجهة بعد الانتهاء من سرد ما ذكروه من الأخبار المؤيّدة لهذا الحديث الشريف.
* * * * *
الكلام في الأخبار المستدَلَّ بها في المقام
يقع الكلام – فعلاً – في الأخبار التي استدلّوا بها ممّا هو موافق في دلالته – لو تمّت- مع صحيح إسماعيل بن جابر.
صحيحة محمّد بن مسلم
فمن ذلك: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: قلتُ لأبي عبد الله× في الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس، قال: >إذا خرجت فصلّ ركعتين<(1).
ــــــ[73]ـــــــ
(1) الكافي 3: 434، كتاب الصلاة، أبواب السفر، باب مَن يريد السفر أو يقدم من سفر…، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 1: 436، صلاة المسافر، وجوب القصر على مَن قصد ثمانية فراسخ…، الحديث1266، وسائل الشيعة 8: 512، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب21، باب حكم مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر… .
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ونحن إذا لاحظنا هذا الحديث مستقلاً عن الأخبار الأُخرى ـ كما هو مقتضى القاعدة في الفهم الدلالي لكلِّ خبر – فنجد السؤال منصبّاً عن رجلٍ يريد السفر، فيصادف خروجه إلى السفر عند زوال الشمس، فأجاب الإمام× مستعملاً ضمير المخاطب خلافاً لسياق السؤال: >إذا خرجت فصّل ركعتين<. وهذا – لو تمّت دلالته- خاصٌّ بفرض مسألتنا دون عكسها كما هو واضح.
وأهمّ إشكالٍ يمكن توجيهه إلى ظهور الحديث بما مرتبط بمسألتنا، هو أن يُقال: إنَّه لا ظهور في أنَّ المراد بالركعتين المأمور بهما في الحديث، هو صلاة الظهر المأتيُّ بها قصراً، كما هو مراد المستدلّ. بل لعلّ المراد منهما ركعتان مستحبّتان يوقعهما المسافر عند سفره. وربّما يكون لبدء السفر عند الزوال دخلٌ في ثبوت هذا الاستحباب، وخاصّة أنَّ السؤال منصبّ على السفر محضاً، وهو خالٍ من مثل قوله: >فلا أصلّي<، كما كان وارداً في الصحيح السابق. إذن فهو أجنبيّ عمّا هو المطلوب.
أو لعلّ هاتين الركعتين هما نافلة الزوال، وإنَّما أمر بهما للإشارة إلى مطلوبيّتهما مع سقوط نافلة الظهر بعدهما في حال السفر، فكأنَّه يريد أن يقول: صلّ ركعتين لا عشر ركعات.
تقريب مراد المستدلّ في صحيحة محمّد بن مسلم
ويمكن تقريب مراد المستدلّ بعدة قرائن:
القرينة الأُولى: التمسّك بأخذ خصوصيّة زوال الشمس في السؤال، فإنَّه – بغضّ النظر عن الجواب- لا يبدو له وجهٌ معقول إلّاَ السؤال عن حال الفريضة التي يجب إيقاعها بعد الزوال.
ــــــ[74]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وهذا الظهور ممّا لا يخدش فيه الاحتمالان اللذان ذكرناهما في الإشكال، فإنَّ ظهور السؤال هو الذي يكون قرينةً عرفاً على المراد من الجواب دون العكس.
فإذا كان الأمر كذلك، تعيّن أن يكون الجواب حول تعيين وظيفة المكلّف في فريضة الظهر، ومن هنا أمره بأدائها ركعتين قصراً، بعد خروجه.
لا يُقال: إنَّه لو كان مراد الإمام× ذلك، لكان ينبغي أن يأمره بأداء أربع ركعات، ركعتين لصلاة الظهر واثنتين لصلاة العصر.
فإنَّه يُقال: إنَّ جوابه مبنيٌّ على التفريق بين الفريضتين والالتزام بأفضل أوقات أدائهما.
ولا يُقال: إنَّ الخروج كان حين الزوال ، لا بعده، لتكون صلاة الظهر واجبة.
فإنَّه يُقال: إنَّ جواب الإمام× منصبّ على حال المكلّف في سفره، فإنَّه إن خرج مع الزوال زالت الشمس بعد لحظات لا محالة، بحيث إنَّ الفاصل بينهما ملغيٌّ عرفاً وغير مخلٍّ بظهور الكلام.
القرينة الثانية: التمسّك بظهور صيغة الأمر بالوجوب في قوله×: >فصلّ ركعتين<، فإنَّه دالٌ على أنَّه أمرٌ بالفريضة؛ إذ لو كان أمراً بنافلةٍ لكان استحبابيّاً لا محالة؛ لقيام الضرورة على عدم وجوب شيءٍ عند الزوال أو بعده غير الفريضة المعهودة. وحمله على الاستحباب خلاف الظاهر، فيتعيّن إرادة الفريضة.
لا يُقال: إنَّ هذا الأمر تأكيديٌّ لأصل الأمر بالصلاة، وقد عرفنا استحالة كونه أمراً جديّاً.
ــــــ[75]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فإنَّه يُقال: قد عرفنا أيضاً جواب ذلك وإمكان كونه أمراً جديّاً كسائر الأوامر.
القرينة الثالثة: التمسّك بظهور حال الراوي في كون سؤاله عن فرض مسألتنا لا عن أمر آخر.
بيان ذلك: إنَّنا إذا نظرنا إلى ما يتصوّر كونه دافعاً للراوي- وهو من فقهاء أصحاب الأئمّة^- إلى السؤال، سوف لن نجد ذلك إلّاَ في غموض المسألة لديه في لزوم القصر أو التمام في حقّ مَن يخرج عند الزوال أو بعده. وأمّا مسائل النوافل فهي أوضح من أن يُسأل عنها، خاصّة مَن كان مثله في التفقّه والجلالة.
لا يُقال: إنَّ سقوط نافلة الظهر – كما احتملناه في أصل الإشكال – من الأمور التي يمكن أن تقع مورداً للسؤال، وليست بتلك المثابة من الوضوح.
فإنَّه يُقال: إنَّه من المعلوم أنَّه لم يسأل عن نافلة الظهر بالخصوص، وإنَّما سؤاله مردّد بين الأعمّ منها – من النوافل – وبين خصوص الفريضة، ومن المعلوم أنَّ حال النوافل بشكلٍ عامّ واضحٌ لا يحتاج إلى سؤال، فتأمّل؛ فيتعيّن أن يكون المراد هو السؤال عن الفريضة.
وعلى أيّ حالٍ فإن نقّحت هذه القرائن ظهوراً وجدانيّاً في تتميم الحديث وانطباقه على محلّ الكلام فهو، وإلّاَ سقط عن الاعتبار في محلِّ الكلام.
أقول: لا زال في النفس منه شيء، فإنَّه ليس بذلك الظهور المعتبر.
نعم، يمكن تتميمه بضمّ أحد أمرين آخرين:
ــــــ[76]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
أحدهما: فهم الفقهاء ممّا هو مربوط بمسألتنا.
ثانيهما: وقوعه في الكتب كالوسائل وغيرها، في سياق الأحاديث المربوطة بمسألتنا، ووحدة السياق تقتضي وحدة المراد.
وكلا هذين الأمرين كما ترى!
أمّا الأمر الأوّل: فهذا الفهم لو كان مشهوريّاً بل مجمعاً عليه لما كان حجّة علينا، فضلاً عن فهْم البعض من الفقهاء الذين لا يشكّلون شهرةً فضلاً عن الإجماع. واحتمال وجود لفظٍ آخر أو قرينةٍ دالّةٍ على ما فهموه محذوفة ممّا وصلنا، مدفوعةٌ بالأصل، ومقطوعة العدم عند المتأخّرين.
وأمّا الأمر الثاني: فلبطلان كبراه أساساً، فإنَّه لا يخلو من أحد تقريبين:
أحدهما: أن يرجع إلى دعوى حجّيّة ترتيب المؤلّفين للأحاديث، وهو كما ترى. فإنَّ وحدة السياق إنَّما تحفظ في الكلام الواحد، لا في الكلمات المتفرّقة المجموعة في محلِّ واحد.
ثانيهما: أن يرجع إلى الكبرى المؤسَّسة في علم الأُصول، من أنَّ كلام الشارع كان صادراً في مجلس واحد، فيكون بعضه قرينةً على بعض(1). إلّاَ أنَّ هذا – على تقدير تسليمه- إنَّما يتمّ في كلمات الشارع المحرز وحدتها من جهة الموضوع أو المحمول، ليصلح أن يكون بعضها قرينةً على بعض؛ لوضوح أنَّ الكلام الأجنبي لا يصلح للقرينيّة، فإذا شككنا كونه متّحداً موضوعاً أو محمولاً أو قيداً مع مسألتنا أو أنَّه أجنبي، كان التمسّك بتلك
ــــــ[77]ـــــــ
( ) راجع على سبيل المثال الأُصول العامّة للفقه المقارن: 158، سنّة أهل البيت^، الثالثة بيان المراد من أهل البيت^.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
القاعدة من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
بقي الكلام في جهةٍ لابدَّ من التعرّض لها: بناءً على تماميّة دلالة هذا الحديث على المقصود، وهي جهة مهمّة فارقة بينه وبين الحديث السابق، وهي فرض خروج المسافر حين الزوال في هذا الحديث، على حين فرض خروجه بعد الزوال في الحديث السابق.
فإنَّه قد يُقال: إنَّ هذا الفرق فارقٌ فيما هو المهمّ من محلِّ الكلام أيضاً؛ وذلك لأنَّ شكّ المكلّف فيما هو تكليفه من القصر والتمام إنَّما هو فيما إذا حصل له الحالان في داخل الوقت، بحيث وجب عليه التمام أوّلاً ثمَّ شكَّ ببقاء وجوبه عليه عند تغيّر حاله، فكان مقتضى الأصل العملي بقاءه، ومقتضى الدليل الاجتهادي ارتفاعه.
وأمّا لو فُرض خروجه عند الزوال، ففرض ذلك هو فرض بدئه بالسفر مع ابتداء الوقت، وتنجّز القصر عليه من أوّله(1)، ومعناه أنَّه يكون مشمولاً لأدلّة وجوب القصر في تمام الوقت على القاعدة، فيخرج هذا الفرض عن صورة مسألتنا.
إلّاَ أنَّ هذا إنَّما يتمّ لو لم يكن حدّ الترخّص مشروعاً، وكان يجب القصر بمجرّد الخروج، وهو لازم لمَن ينكر ثبوته في بعض الموارد، كما في حدّ الترخّص لبلد الإقامة، حيث أنكره السيّد الأُستاذ (دام ظلّه) على ما يظهر من حاشيته على العروة(2).
ــــــ[78]ـــــــ
( ) ولاستحالة تكليفه بالتّمام في وقتٍ لا يسعه (منه+).
(2) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 461، كتاب الصلاة، فصل في صلاة المسافر، شروط القصر، الشرط الثامن، المسألة (58).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وإذا كفتنا العمومات في هذه الصورة، لم يكن هذا الحديث الشريف إلّاَ تكراراً لِمَا هو مقتضى القاعدة، من وجوب القصر على المسافر.
وأما إذا أخذنا حدّ الترخّص بنظر الاعتبار، وكانت سرعة المسير في السفر على النحو العرفي الاعتيادي؛ فإنَّه تكون ملازمة لا محالة بين الخروج عند الزوال وبين عدم الخروج عن حدِّ الترخّص، بل بينه وبين وجوب التمام عند دخول الوقت وإمكان أداء الصلاة تماماً قبل الوصول إلى حدِّ الترخّص. وذلك لِمَا أشرنا إليه فيما سبق، من: أنَّ مَن يخرج عند الزوال، فإنّه يدخل عليه الوقت بعد لحظات أو دقائق لا تستغرق عادة إلّاَ جزءاً يسيراً من وقت الخروج من حدِّ الترخّص.
إذن، فهذا المكلّف بعد دخول الوقت قد وجب عليه التمام، وبعد خروجه عن حدِّ الترخّص يشكّ في بقاء هذا الحكم في حقّه أو ارتفاعه، فيكون داخلاً في صورة مسألتنا ومشمولاً لأدلّتها، ومعه يتّحد هذا الحديث الشريف مع سابقه موضوعاً وحكماً على تقدير تماميّة دلالته.
لا يُقال: إنَّه ليس المراد من خروجه عند الزوال خروجَه في لحظته بالدقّة، وإلّاَ كان ملازماً عقلاً مع دخول الوقت في الآن الثاني قبل أن يخرج من مكانه عادة، وإنَّما المراد خروجه قبل الزوال بزمانٍ مّا، بحيث تزول الشمس في ابتداء خروجه عرفاً.
إذن، فالالتزام بالمجاز ممّا لابدَّ منه، وحينئذٍ فلا يتعيّن أن يكون قد خرج في زمان لا يسع خروجه من حدِّ الترخّص قبل دخول الوقت، بل يمكن أن نفترض أنَّه خرج في زمانٍ كافٍ لخروجه من حدِّ الترخّص قبل الزوال، ونسبة المجازات إلى اللفظ على حدِّ واحد بعد تعذّر الحقيقة.
ــــــ[79]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فإنَّه يُقال: إنَّ الاستظهار الذي ذُكر في أوّل الإيراد وإن كان صحيحاً، وعليه يبتني الفرق بين هذا الحديث وسابقه؛ إذ لو كان خارجاً عند الزوال حقيقة، لكان خروجه حاصلاً مع دخول الوقت فلا يبقى فارق مهمّ بين الحديثين، إذ يكون الوقت قد دخل عليه حال حضوره لا محالة.
فالالتزام بالمجاز وإن كان متعيّناً، إلّاَ أنَّ المجازات ليست متساوية النسبة إلى اللفظ بعد تعذّر الحقيقة، بل كلّما كان التجوّز أقلّ كان أنسب، وكلّما كان الوقت أقلّ كان التجوّز في المقام أقلّ. فيتعيّن حمله على وقتٍ لا يسع معه الخروج من حدِّ الترخّص إلّاَ بعد دخول الوقت.
على أنَّنا لو لاحظنا أساليب السفر في زمن صدور الحديث، لوجدنا أنَّ المسافر لا يمكنه أن يخرج من حدِّ الترخّص قبل الوقت، إلّاَ إذا خرج قبل الزوال بزمان، يعتبر التعبير عنه بقولنا: (خرج عند الزوال) غلطاً لا أنَّه مجاز مقبول، فالسؤال- بحسب فهم الراوي لأساليب السفر- يتعيّن حمله على ما قلناه.
الاستدلال بخبر الوشّاء
وممّا استدلّوا به في هذا الصدد خبر الحسن بن علي الوشّاء، قال: سمعتُ الرضا× يقول: >إذا زالت الشمس وأنت في المصر، وأنت تريد السفر فأتمَّ، فإذا خرجت وأنت بعد الزوال قصّر العصر<(1).
وحاصل ما يستفاد منه – بعد الغضّ عن سنده غير المعتبر- أنَّ الإمام× تكلّم عن فرعين يخصّان المسافر: أحدهما: ما إذا زالت الشمس
ــــــ[80]ـــــــ
(1) الكافي 3: 434، كتاب الصلاة، أبواب السفر، باب مَن يريد السفر أو يقوم من سفر…، الحديث2، تهذيب الأحكام 3: 161، أحكام فوائت الصلاة، الحديث9، وسائل الشيعة 8: 516، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب21، باب مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر…، الحديث12.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
قبل خروجه، ولازال في مدينته، وأراد الصلاة، وجب عليه أن يصلّي تماماً، ولا يقدح في ذلك إرادة السفر. الفرع الثاني: هو فرض مسألتنا، وهو ما إذا زالت الشمس وهو في الحضر ثمَّ سافر وأراد الصلاة، فإنَّه يصلّيها قصراً.
وفيه إشعار بالفصل بين الصلاتين، فكأنَّ الإمام× أمره بإنجاز صلاة الظهر تماماً قبل سفره في أوّل وقتها ثمَّ البدء بالسفر، فإذا حلَّ وقت فضيلة صلاة العصر أدّاها قصراً في سفره.
أمّا الفرع الأوّل: فهو تكرار لما هو مقتضى القاعدة من وجوب التمام على الحاضر، بعد تسليم ظهورين:
أحدهما: ظهور المصر في كونه وطناً شرعيّاً أو مطلق ما يجب فيه التمام شرعاً. وهو أمر واضح ولو بضمّ مناسبات الحكم والموضوع.
ثانيهما: أنَّ الإتمام يكون حين الحضور وقبل السفر، وهو واضح من السياق خلافاً لِما نُقل عن الكافي في كلمات أكثر من واحد، من احتمال إرادة الإتمام بعد السفر(1).
وأمّا الفرع الثاني: فهو ظاهر فيما نحن فيه إن لم يكن نصّاً، بعد تجريد صلاة العصر عن خصوصيّتها كما هو واضح. نعم، لا تخلو العبارة من نقص، باعتبار أنَّ جملة الجزاء تحتاج إلى وجود (الفاء) المفقود في الرواية.
ــــــ[81]ـــــــ
( ) راجع فقه الرضا (لابن بابويه): 163، باب صلاة المسافر والمريض.
ونصّها: >وإن خرجتَ من منزلك وقد دخل عليك (وقت الصلاة) ولم تصلّ حتّى خرجت فعليك التقصير، وإن دخل عليك وقت الصلاة وأنت في السفر، ولم تصلّ حتّى دخل أهلك فعليك التمام، إلَّا أن يكون قد فاتك الوقت، فتصلّي ما فاتك مثل ما فاتك…<.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الاستدلال بما ورد عن الفقه الرضوي
وممّا استدلّوا به ما عن الفقه الرضوي: فإن خرجتَ من منزلك وقد دخل عليك وقت الصلاة في الحضر، ولم تصلّ حتّى خرجت، فعليك التقصير. وإن دخل عليك وقت الصلاة في السفر ولم تصلّ حتّى تدخل أهلك، فعليك التمام(1).
وهو يستفاد منه- بوضوح- التعرّض إلى صورة مسألتنا أوّلاً، ثمَّ التعرّض إلى عكسها ثانياً. وهو يفترض دخول الوقت قبل تبدّل حال المكلّف، وهو بذلك يطابق ما يستفاد من صحيح إسماعيل بن جابر(2)، مخالفاً لِما يستفاد من صحيح محمّد بن مسلم(3).
غاية فرقه عن الصحيح الأوّل: أنَّ هذا الخبر لم يُؤخذ فيه قصد السفر كما أُخذ في الصحيح، فيكون من هذه الناحية أحسن حالاً منه. كما أنَّنا لا نعاني فيه بعض الصعوبات التي عانيناها في الصحيح، كاحتمال عدم كونه أمراً جديّاً، الذي بحثناه في الناحية السادسة من الكلام عن دلالة الصحيح الأوّل(4).
فتحصّل أنَّ الروايتين الأخيرتين تامّتان من حيث الدلالة، إلّاَ أنَّهما ساقطتان من حيث السند.
* * * *
ــــــ[82]ـــــــ
( ) راجع المصدر السابق.
(2) تقدّم تخريجه في الوجه السادس من مبحث (الاستدلال بالروايات الخاصّة)، فراجع.
(3) تقدّم تخريجه في الوجه السادس من مبحث (الكلام في الأخبار المستدلّ بها في المقام)، فراجع.
(4) فإنَّه يأمر بالتقصير ابتداءً من دون أن يسبقه الأمر بأصل الصلاة (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
تحقيق الكلام في ظهور صحيحة إسماعيل بن جابر
وحيث تمَّ لدينا مقتضى الظهور الدالّ على وجوب التقصير في فرض مسألتنا، وهو ما إذا دخل عليه الوقت حاضراً فلم يصلّ حتّى سافر، وأراد إنجاز الصلاة في السفر، فإنَّه يجب عليه الاعتبار بحال الأداء وإنجازها قصراً، وكان الدليل الأساسي في ذلك هو صحيحة إسماعيل بن جابر.
يقع الكلام في أنَّ هذا الظهور- بعد تماميّته في نفسه – هل هناك موانع خارجيّة عن الأخذ به أو لا؟
وما قيل أو يمكن أن يُقال من الموانع، عدّة أُمور:
الأمر الأوّل: معارضته بعمومات وجوب الإتمام الشاملة للمقام، حيث شملت المكلّف في أوّل الوقت، ولم تقيّد بما إذا سافر بعد ذلك.
إلّاَ أنَّ هذا واضح الدفع، فإنَّها – على تقدير تسليم وجودها- ليست نصّاً في الإطلاق حتّى تعارض الخاصّ، ومن هنا يكون دليلنا الخاصّ مقيّداً لها كما هو واضح.
على أنَّنا قلنا بأنَّ هذه العمومات غير موجودةٍ في الأدلّة، وإنَّما يستفاد هذا الحكم من الأدلّة اللبيّة التي لابدَّ فيها من الاقتصار على القدر المتيقّن.
الأمر الثاني: معارضته بأصالة التمام المستفادة من عمومات وجوب التمام، على ما أسّسه صاحب الجواهر(1)؛ وذلك بتقريب منّا: أنَّ المكلّف كان في أوّل الوقت على يقينٍ من تكليفه، ولكنّه بطروّ السفر عليه شكّ في تغيّر التكليف وبقائه، فيكون مورداً لجريان هذا الأصل.
إلّاَ أنَّ هذا مدفوع، بأنَّ هذا الأصل إن كان أصلاً لفظيّاً كما هو
ــــــ[83]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 14: 355، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، حكم مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر ثمَّ سافر والوقت باق.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
مقتضى استفادته من عمومات وجوب التمام، فهو لا يزيد عليها، فيكون مقيّداً بالدليل الخاصّ، وإن كان أصلاً عمليّاً جارياً عند الشكّ، فهو محكوم للدليل الاجتهادي كما قُرّر في محلّه.
وإن كان المراد به أمر آخر، وهو أنَّ أصل تشريع الصلاة بعنوانها الأوّلي كان على نحو التمام، وإنَّما شرّع قصرها لمصالح وعناوين ثانويّة، فهذا وإن كان صحيحاً إلّاَ أنَّه بهذا المعنى أمرٌ مجمل لا إطلاق له، فيكون الدليل الخاصّ حاكماً عليه، ومثبتاً للعنوان الثانوي الموجب للقصر. وعلى تقدير إطلاقه فإنَّ هذا الدليل يكون مقيّداً له.
الأمر الثالث: معارضته مع عدّة طوائف من الأخبار، منها ما يأتي في الجهة الثالثة كدليلٍ على بعض الأقوال الأُخرى في المسألة.
والمهمّ في المقام هو التعرّض لطائفة معيّنة من هذه الأخبار، وهي الطائفة التي تتعرّض لنفس المسألتين اللتين نتكلّم عنهما، وتتضمّن فتوى مضادّة للفتوى التي تضمّنها صحيح إسماعيل بن جابر وطائفته، فهي تأمر في مسألتنا بالإتمام وفي عكسها بالتقصير، ويتحصّل منها أنَّ المدار هو وقت الوجوب لا وقت الأداء.
وأهمّ هذه الطائفة، ما كان تامّاً سنداً، ولعلّه تامٌّ دلالةً، وهو ما رواه الشيخ بإسناده عن صفوان بن يحيى وفضالة بن أيّوب عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم، قال: سألتُ أبا عبد الله×: عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، فقال: >يصلّي ركعتين، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعاً<(1).
ــــــ[84]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 13، باب فرض الصلاة في السفر، الحديث2. وسائل الشيعة 8: 514. كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب21، باب حكم مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر، الحديث5.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ورواه الشيخ أيضاً بسندٍ آخر عن محمّد بن مسلم(1)، ورواه الصدوق بإسناده عن حريز عن محمّد بن مسلم أيضاً(2).
وخلاصة ما يستفاد منه ابتداءً أنَّه يتعرّض إلى فرعين: فيبدأ بعكس مسألتنا، وهو ما إذا كان المكلّف في السفر ودخل وقت الصلاة على حاله تلك ولم يصلّ أخذاً بالرخصة في تأخير الصلاة عن أوّل وقتها، حتّى دخل بيته أو أيّ بلدٍ يجب فيه الإتمام، فيجب عليه أن يصلّي ركعتين، والمراد بهما – بحسب ما هو الظاهر من السياق الذي أشرنا إليه في الصحيح الأوّل(3)- أن يؤدّي الفريضة قصراً؛ اعتباراً بحال الوجوب؛ لأنَّه دخل عليه الوقت وهو في السفر.
ثمَّ يذكر فرض مسألتنا، وهو ما إذا دخل الوقت على المكلّف حاضراً، فلم يصلّ حتّى خرج إلى سفره، وأراد الصلاة في السفر، فيجب عليه الإتيان بالفريضة تماماً (أربع ركعات).
ولا حاجة إلى التعرّض إلى جهات مدلوله أكثر من ذلك؛ لأنَّ جملة منها مشتركة مع الصحيح الأوّل وقد حقّقناها فيه، وجملة منها تتّضح عند عرض مناقشات التعارض بعد قليل.
ــــــ[85]ـــــــ
(1) راجع الاستبصار 1: 239، كتاب الصلاة، باب المسافر يدخل عليه الوقت فلا يصلّي حتّى يدخل إلى أهله…، الحديث1.
(2) راجع مَن لا يحضره الفقيه 1: 444، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، حكم مَن دخل عليه الوقت وهو مسافر ثمَّ يدخل منزله…، الحديث 1288.
(3) أي: صحيح إسماعيل بن جابر المتقدّم الذكر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فلابدَّ أن يقع الكلام فعلاً عن وجهٍ لحلّ هذا التعارض البادي بين الفتويين، في هذا الصحيح من جهة، والصحيح الأوّل وطائفته من ناحية ثانية، وذلك في حدود مسألتنا، أمّا عكسها فيأتي الكلام عنها في محلّها إن شاء الله.
والتقديم يكون إمّا سنديّاً، أو دلاليّاً، أو جهتيّاً، والتقديم السندي منعدم لتساويهما في الاعتبار، ولا اعتبار بالأورعيّة والأفقهيّة ونحوها كما ثبت في علم الأُصول(1).
فنتكلّم أوّلاً في المرجّحات من جهة الدلالة، فإذا تمّت فهو، وإلّاَ وصلت النوبة للمرجّحات الأُخرى.
وجوه الجمع الدلالي بين الصحيحين
وما قيل أو يمكن أن يُقال حول ذلك، عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما عن العلّامة في التذكرة(2) من حمل خبر إسماعيل على ما خرج بعد الزوال قبل مضيّ زمانٍ يسع الطهارة والصلاة تامّة. على حين يبقى معارضه على ظاهره من الخروج بعد ذلك.
وكأنَّ العلّامة يريد تطبيق مدلولي الحديثين على مقتضى القاعدة، مع غضّ النظر عن التعبّد الخاصّ الذي يأمران به.
فإنَّه يحمل خبر إسماعيل على مَن خرج بعد الزوال بوقتٍ لا يسع
ــــــ[86]ـــــــ
(1) لاحظ: بحوث في علم الأُصول 7: 367، تعارض الأدلّة الشرعيّة، المسألة الثانية، حكم التعارض المستقرّ في زاوية الأخبار الخاصّة، أخبار الترجيح، الترجيح بالصّفات.
(2) تذكرة الفقهاء 4: 354، كتاب الصلاة، صلاة السفر، فروع.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الصلاة، يصبح الفرد مكلّفاً بالتقصير من أوّل الأمر؛ لاستحالة تكليفه بالتمام على ما أشرنا إليه، فيكون مشمولاً لعمومات وجوب التقصير ومصداقاً حقيقيّاً لها.
وأمّا إذا خرج المكلّف بعد الزوال بوقتٍ واسع، فيجب عليه التمام في وطنه، وعندما يشكّ في الارتفاع يكون مشمولاً لعمومات التمام أو الاستصحاب.
وعلى أيّ حال، فهذا الوجه مدفوع:
أوّلاً: بإباء صحيحة إسماعيل عن الحمل على ما ذُكر، فإنَّ قوله: (فلا أصلّي حتّى أخرج) مشعر – بل ظاهرٌ – بتمكّنه من الأداء قبل خروجه، وقد كان هذا هو الفرق الرئيسي بين صحيح إسماعيل وصحيح محمّد بن مسلم الموافق له في المؤدّى كما سبق. وكان الأفضل للعلّامة أن يذكر صحيح محمّد بن مسلم المشار إليه بدل صحيح إسماعيل.
ثانياً: أنَّنا ذكرنا أنَّ المكلّف وإن خرج بعد الوقت بزمان واسع، إلّاَ أنَّه لا يكون مشمولاً لعمومات التمام ولا الاستصحاب. أمّا الاستصحاب فلمحكوميّته للدليل الاجتهادي، وأمّا عمومات التمام فلأخذ عنوان الحاضر قيداً فيها، على ما سبق في حلِّ المعارضة بينها وبين عمومات التقصير.
ثالثاً: أنَّ التمسّك بالقواعد العامّة والإطلاقات مع وجود الدليل الخاصّ، ممّا لا يمكن، فضلاً عن حمل الدليل الخاصّ على ما هو مقتضى القاعدة، وغضّ النظر عن التعبّد الخاصّ الذي يأمر به.
ــــــ[87]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الوجه الثاني: ما عن الشيخ في الخلاف(1) واحتمله في التهذيب(2) والاستبصار(3)، من حمل الأمر على الوجوب التخييري؛ وذلك: بحمل صحيحة إسماعيل على الاستحباب وحمل صحيحة محمّد بن مسلم على الإجزاء.
بتقريب منّا: أنَّ المعارضة إنَّما تنشأ بين الأمرين المتعارضين من إطلاقهما المقتضي للتعيين، وأمّا إذا جعلنا أحدهما قرينةً لتقييد الإطلاق من الآخر، فإنَّ المعارضة ترتفع لا محالة، وينتج وجوب أحد المتعلّقين إن لم يمتثل الآخر، أي: وجوب التمام إن لم يصلِّ قصراً وبالعكس، وهو معنى الوجوب التخييري أو نتيجته على الأقلّ.
وحينئذٍ إذا أتى المكلّف بأيّ منهما كان مصداقاً للواجب لا محالة، ويكون مجزياً، بل قد يستفاد من صحيحة إسماعيل بن جابر أفضليّة القصر واستحبابه.
ويدلّ على الوجوب التخييري صحيحة منصور بن حازم، قال: سمعتُ أبا عبد الله× يقول: >إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله، فسار حتّى يدخل أهله، فإن شاء قصّر وإن شاء أتمّ، والإتمام أحبّ إليّ<(4).
ــــــ[88]ـــــــ
(1) راجع الخلاف 1: 578، صلاة المسافر، الخروج إلى السفر بعد دخول الوقت، مسألة: 332 وما بعدها.
(2) راجع تهذيب الأحكام 3: 222، وما بعدها، أبواب الزيادات في الجزء الثاني من كتاب الصلاة، باب الصلاة في السفر، الحديث66 وما بعده.
(3) راجع الاستبصار 1: 240 وما بعدها، كتاب الصلاة، باب المسافر يدخل عليه الوقت فلا يصلّي حتّى يدخل إلى أهله…، الحديث1 وما بعده.
(4) تهذيب الأحكام 3: 223، كتاب الصلاة، باب 23، الحديث 70، الاستبصار 1: 241، كتاب الصلاة، باب 141، الحديث 7، وسائل الشيعة 8: 515، باب 21، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
أمّا هذا الشاهد فهو ساقط عن الشهادة.
أمّا أوّلاً: فلتعرّضه إلى عكس مسألتنا، وسيأتي الكلام فيما هو مقتضى القاعدة فيها، ولا تعرّض فيه إلى مسألتنا كما هو واضح.
وأمّا ثانياً: فلأنَّه يرجّح الإتمام على القصر في قوله: >والإتمام أحبّ إليّ<، وهو عكس ما ذكره الشيخ من استحباب القصر.
وأمّا ثالثاً: فلِمَا ذكروه من أنَّ هذا الصحيح موهونٌ بإعراض المشهور عنه(1). وهذا تامّ عند مَن سلّم بالكبرى(2).
وأمّا أصل التقريب فهو غير تامٍّ أيضاً؛ وذلك لأنَّه إنَّما يتمّ فيما إذا كان الظهور في كلا الأمرين المتعارضين متساوياً، بحيث يصلح أحدهما عرفاً للقرينيّة على رفع اليد عن إطلاق الآخر. وأمّا إذا كان الظهور في أحدهما أقوى بحيث صلح للقرينيّة على الآخر دون العكس، فيتعيّن الأخذ بإطلاقه على كلّ حال.
ومن الواضح أنَّ ظهور الأمر في صحيح إسماعيل أقوى من ظهوره في معارضه، إلى حدٍّ ادّعي فيه الصراحة في التعيين.
تقريبات في وجه قوّة ظهور صحيحة إسماعيل
ويمكن تقريب قوّة الظهور بأحد تقريبات:
التقريب الأوّل: شهادة الوجدان بذلك، فإنَّ مَن راجع لسان
ــــــ[89]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى 8: 175، كتاب الصلاة، فصل في صلاة المسافر، فصل في أحكام صلاة المسافر، المسألة التاسعة.
(2) مثل الميرزا النائيني في فوائد الأُصول 3: 152-153، المقام الثاني في الظنّ، الفصل الثالث في حجّية الشهرة الفتوائيّة وبيان وأقسامها.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الروايتين يجزم بذلك، وليس عليه إلّاَ أنَّ يقارن بين قوله: >فصلّ وقصّر< في صحيحة إسماعيل، وبين قوله: >يصلّي ركعتين< في صحيح محمّد بن مسلم، ليجد الشعور بقوّة الإلزام في الأوّل دون الثاني.
التقريب الثاني: التمسّك بوحدة السياق المقتضية للظهور بالتعيين في صحيح إسماعيل، وهي ممّا يخلو منه معارضه.
وذلك أنَّ الأمر الأوّل في قوله: >فصلِّ وقصّر< في صحيح إسماعيل ظاهر ـ إن لم يكن نصّاً ـ في التعيين، ولم يتخيّل أحد كونه تخييريّاً. ومقتضى وحدة السياق بينه وبين الأمر الثاني هو أن يكون الثاني تعيينيّاً أيضاً.
التقريب الثالث: أنَّ صحيح إسماعيل يحتوي على تأكيد شديد على الحكم بالتقصير، يخلو من مثله صحيح محمّد بن مسلم، وهو قوله×: >فإن لم تفعل فقد خالفت ـ والله ـ رسول الله’<.
وبعبارة أُخرى: إنَّ لسان صحيح إسماعيل متضمّن لإثبات وجوب التقصير ونفي ما عداه، على حين خلا معارضه من ذلك. فيصلح أن يكون ذيل الصحيح الأوّل قرينةً على رفع اليد عن إطلاق الأمر في الصحيح الثاني، ولا يصلح الثاني للقرينيّة على الأوّل، وهذا معنى ما قلناه من أنَّه في مثل هذا المورد يتقدّم الأوّل على كلّ حال، ولا يمكن القول بالوجوب التخييري.
الوجه الثالث للجمع بين الصحيحين: أن يحمل صحيح محمّد بن مسلم على الصلاة أربعاً قبل الخروج، فيبقى حكم ما بعد السفر مشمولاً لصحيح إسماعيل بن حازم بلا معارض.
إلّاَ أنَّه حمل تبرّعي بلا شاهد، فإنَّ الظاهر من قوله: >وإن خرج إلى
ــــــ[90]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعاً< أنَّ صلاته كائنة بعد خروجه. ولا قرينة على رفع اليد عن هذا الظاهر.
الوجه الرابع: ما عن الفقيه(1) والنهاية(2)، وموضع من المبسوط(3) والكامل(4) ، من حمل الأمر بالتقصير على ضيق الوقت، وحمل الأمر بالإتمام على سعة الوقت، مؤيّداً بشهادة موثّق إسحاق: سمعتُ أبا الحسن× يقول: في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، فقال×: >إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتمّ، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصّر<(4).
أمّا هذا الشاهد فهو ساقط عن الشهادة في المقام:
أمّا أولاً: فلوروده في عكس مسألتنا، وهو ممّا يأتي الكلام فيه، ولا تعرّض له إلى مسألتنا كما هو واضح. وقياس إحدى المسألتين على الأُخرى بلا موجب. وكونه شاهداً على قبول الحديث وتقديمه في جزء منه لا يدلّ على تقديمه في كلا جزئيه في الجهات السنديّة والجهتيّة، فضلاً عن الجهات الدلاليّة.
ــــــ[91]ـــــــ
( ) راجع مَن لا يحضره الفقيه 1: 444، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، حكم مَن دخل عليه الوقت وهو مسافر…، ذيل الحديث 1288.
(2) راجع النهاية: 123، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السفر.
(3) راجع المبسوط 1: 142، كتاب الصلاة، صلاة المسافر.
( ) الظاهر أنَّ المراد به هو (الكامل) للقاضي ابن البراج+، ويبدو أنَّه غير مطبوع. نعم، نقل عنه العلّامة الحلّي+ في المختلف. راجع مختلف الشيعة 3: 118، كتاب الصلاة، الفصل السادس في صلاة المسافر…، لو سافر بعد دخول الوقت.
(4) الاستبصار 1: 240، كتاب الصلاة، باب المسافر يدخل عليه الوقت فلا يصلّي حتّى يدخل إلى أهله…، الحديث 5، وسائل الشيعة 8:514، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب21، باب مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر…، الحديث6.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وأمّا ثانياً: فلإعراض المشهور عن العمل به، فإنَّهم بين قائل بتعيّن القصر(1) وقائل بتعيّن التمام(2)، وأمّا الالتزام بمؤدّى الرواية فنادر جدّاً. وقد قيل: إنَّ إعراض المشهور يوهن الحديث سنداً ودلالة(3).
وأمّا ثالثاً: فلاحتمال أن يكون المراد أنَّه إن كان في سعة فليدخل وليتمّ، وإن كان يخاف الضيق فليقصّر في الطريق، على ما ذكره بعضهم واستشهد عليه بحديثٍ بهذا المؤدّى(4)، إلّاَ أنَّه خلاف الظاهر، وإن كان احتماله قويّاً.
وإذا غضضنا النظر عن هذا الشاهد يبقى ما حملوا عليه الصحيحين حملاً تبرعيّاً مخالفاً للظاهر، وهو إطلاق الأمرين، ومفتقراً إلى قرينةٍ مفقودة.
ودعوى: أنَّ الأفضل في ضيق الوقت الاقتصار على القصر؛ حتّى لا
ــــــ[92]ـــــــ
(1) راجع المقنعة: 211، كتاب الصلاة، الباب 23 في أحكام فوائت الصلاة، والمبسوط 1: 140، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، مختلف الشيعة 3: 117، الفصل السادس في صلاة المسافر، ورياض المسائل 4: 455، كتاب الصلاة، أحكام صلاة المسافر، الخامس تواري الجدران أو خفاء الأذان، جواهر الكلام 14: 353، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، حكم مَن دخل عليه الوقت … .
(2) راجع المعتبر (للمحقّق الحلّي) 2: 480، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، القصر عزيمة لا رخصة، السرائر 1: 333، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، مَن دخل عليه وقت الصلاة وهو حاضر فسافر وبالعكس، مختلف الشيعة 3: 117، كتاب الصلاة، الفصل السادس في صلاة المسافر، روض الجنان 2: 1060، المقصد الرابع، صلاة المسافر.
(3) راجع نهاية الدراية 2: 402، في حجّية خبر الواحد، خاتمة، الثاني الجبر والوهن بالظنّ، أجود التقريرات 2: 161، المقام الثاني.
(4) أُنظر: ذخيرة المعاد (ط.ق) 1 ق2: 415، كتاب الصلاة، النظر الثالث، المقصد الرابع في صلاة السفر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
تدخل بعض أجزاء الصلاة خارج الوقت.
مدفوعةٌ: بكونها مجرّد استحسان، ليس عليه دليلٌ خاصّ ولا عامّ، وإلّاَ لأوجب ضيق الوقت القصر في كلِّ فريضة على كلِّ حال.
لا يُقال: إنَّ مقتضى إطلاق الأدلّة في حال الحضر وجوب التمام، حتّى في ضيق الوقت، فلا يقاس بمحلِّ الكلام.
فإنَّه يُقال: وكذلك مقتضى إطلاق صحيح محمّد بن مسلم هو ذلك. وورود صحيح إسماعيل الآمر بالتقصير لا يعيّن حمْله على صورة السعة.
الوجه الخامس للجمع بين الصحيحين، وحاصله: تقديم صحيح إسماعيل بن حازم على معارضه، لاشتماله على القَسَم، الذي يخلو منه معارضه، إلّاَ أنَّه إن رجع إلى بعض ما ذكرناه سابقاً فهو(1)، وإلّاَ فقد قلنا بأنَّ القَسَم لا يزيدنا تصديقاً بمطابقة الحكم للواقع بعد الاعتراف بمولويّة الإمام× وعصمته، وكون القسم إلزاماً للعامّة، يرجع إلى التقديم الجهتي الذي سنذكره لا إلى التقديم الدلالي الذي نحن بصدده.
الوجه السادس للجمع بين الصحيحين: حمل صحيح إسماعيل بن جابر على صورة قصد السفر، وحمل معارضه على الموارد الأُخرى، وهو مبنيٌّ على الاعتراف بأخذ قيد قصد السفر في صحيح إسماعيل، بمقتضى قوله فيه: (فدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في أهلي وأريد السفر). وقد سبق أن عرضنا ذلك مفصّلاً وناقشنا فيه.
وعلى أيّ حال، يُقال مبنيّاً عليه: إنَّ صحيح إسماعيل يكون بهذا الاعتبار أخصّ من معارضه، فإنَّه يأمر بالتقصير مع وجود هذا القيد،
ــــــ[93]ـــــــ
(1) راجع بداية مبحث (الناحية السابعة).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فيلتزم به في مورده، ويخصّص به صحيح محمّد بن مسلم الآمر بالإتمام بنحوٍ مطلق، ويكون خاصّاً في صورة عدم توفّر هذا القيد، فيجب على المكلّف التمام، إذا حصل له السفر فجأة ودون قصدٍ ثابت من أوّل الوقت.
وهذا تامّ على ذلك المبنى، إلّاَ أنَّنا سبق أنَّ عرضناه ولم نقبله.
الوجه السابع للجمع بين الصحيحين: أن يُقال بانقلاب النسبة بينهما، بضمّ دليلٍ ثالث إلى صحيح إسماعيل بن حازم بحيث يكون أخصّ من معارضه، فيتقدّم عليه.
وذلك بأحد أسلوبين يختلفان باختلاف ذلك الدليل الذي نضمّه، وتكون النتيجة مختلفةً باختلافه.
الأسلوب الأوّل: أن نضمّ صحيحة منصور بن حازم المشار إليها في الوجه الثاني والدالّة على التخيير في عكس مسألتنا، بعد إسراء حكمها إلى مسألتنا؛ للقطع بعدم الفرق بين حكمي المسألتين؛ مثلاً نضمّها إلى صحيحة إسماعيل بن جابر الدالّة على تعيّن القصر بإطلاقها، فتكون مقيّدةً لها بما إذا لم يمتثل الصلاة تماماً، فيصبح مؤدّى صحيح إسماعيل هو التخيير أيضاً، ويكون أخصّ من معارضه الدالّ على تعيّن التمام، فيقيّده بما إذا لم يمتثل الصلاة قصراً، فيعود مؤدّاه إلى التخيير أيضاً.
إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ من عدّة جهات:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ مبنى انقلاب النسبة ممّا لم يثبت صحّته كما حقّق في علم الأصول(1).
ــــــ[94]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 7: 288، تعارض الأدلّة الشرعيّة، تطبيقات مشكوك فيها للتعراض المستقرّ، نظريّة انقلاب النسبة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وأمّا ثانياً: فلأنَّ عهدة القطع بعدم الفرق بين المسألتين على مدّعيه. فلا يمكن إسراء الحكم الوارد في إحداهما إلى الأُخرى.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّ صحيح إسماعيل بن جابر بعد تقييده بالرواية المشار إليها، يصبح مؤدّاه: صلّ قصراً إذا لم تصلِّ تماماً، وهو غير قابلٍ عرفاً للقرينيّة على الأمر بخصوص التمام، بل يكون الأمر بالتمام حاكماً عليه؛ لأخذه شرطاً في موضوع القصر.
الأسلوب الثاني: أن نضمّ موثقة إسحاق المشار إليها في الوجه الرابع(1) الواردة في عكس مسألتنا، بعد تعميم حكمها إلى مسألتنا، والدالّة على التفصيل بين خوف الفوت فيجب التقصير، وعدمه فيجب التمام، نضمّها إلى مؤدّى صحيحة إسماعيل بن جابر، فيتقيّد أمره بالتقصير بما إذا خيف الفوت، فيكون أخصّ من معارضه، فيتقدّم عليه ويقيّد أمره بالإتمام بما إذا لم يخف فوت الوقت.
وهذا أيضاً غير تامٍّ؛ لورود المناقشتين الأوليين اللذين أوردناهما على الوجه الأوّل. مضافاً إلى وهن الموثّقة الذي أشرنا إليه فيما سبق.
فهذه سبع وجوهٍ في محاولة الجمع الدلالي بين هذين الصحيحين المتعارضين، لم يتحصّل منها وجهٌ واحدٌ صحيحٌ خالٍ عن الخدشة.
إذن، فنضطرّ إلى الاعتراف باستحكام التعارض بينهما، كما اعترف به سائر الأعلام(2).
ــــــ[95]ـــــــ
(1) تقدّم تخريجها سابقاً. فراجع.
(2) لاحظ: ذخيرة المعاد (ط.ق) 1 ق2: 415، كتاب الصلاة، النظر الثالث في اللواحق، المقصد الرابع في صلاة السفر، الحدائق الناضرة 11: 480، كتاب الصلاة، الباب الرابع في اللواحق، المقصد الرابع في صلاة المسافر، المطلب الثاني في الأحكام، المسألة الرابعة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وحينئذٍ فنعلم إجمالاً بعدم مطابقة أحدهما للحكم الواقعي، فلابدَّ من الانتهاء إلى مرجّحات باب التعارض بين الأخبار. وقد أشرنا فيما سبق بأنَّ الترجيح من ناحية السند منعدم فيهما؛ لتساويهما في الاعتبار وعدم أخذ الأفقهيّة والأورعيّة بنظر الاعتبار.
الترجيح بين الأخبار في المقام
إذن، فيبقى عندنا مرجّحان مهمّان؛ أحدهما: موافقة الكتاب، والآخر: مخالفة العامّة، والذي نراه أنَّ كلا المرجّحين يقتضيان تقديم خبر إسماعيل بن جابر على خبر محمّد بن مسلم، كما صرّح به أيضاً غير واحد من الأعلام(1).
أمّا الموافقة مع الكتاب، فقد ثبت في علم الأُصول أنَّ الموافقة مع نصّ الكتاب ليس ضروريّاً، لصحّة التقديم(2)، بل يكفي التكاذب ولو من ناحية إطلاق الكتاب، في تقديم ما كان موافقاً وردّ ما كان مخالفاً.
ومن المعلوم أنَّ الكتاب يدلّ على وجوب القصر على المسافر بقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ
ــــــ[96]ـــــــ
(1) لاحظ: الحدائق الناضرة 11: 480، كتاب الصلاة، المقصد الرابع في صلاة المسافر، المطلب الثاني في الأحكام، المسألة الرابعة، مفتاح الكرامة 10: 288، كتاب الصلاة، الفصل الخامس في صلاة المسافر، المطلب الأوّل محلّ القصر.
(2) بحوث في علم الأُصول 7: 357، تعارض الأدلّة الشرعيّة، المسألة الثانية، حكم التعارض المستقرّ من زاوية الأخبار الخاصّة، أخبار الترجيح، (1) الترجيح بموافقة الكتاب.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الصَّلاَةِ}(1)؛ بعد التسالم على أنَّ المراد من نفْي الجناح: الوجوب، كما ورد في مواضع أُخرى من القرآن.
ولا شكَّ أنَّ هذا المكلّف الخارج إلى السفر، مسافرٌ حقيقةً وليس حاضراً، فيشمله حكم الكتاب في نفسه، ومن هنا كان الحديث الآمر بالتقصير موافقاً للكتاب، وهو صحيح إسماعيل، وكان معارضه مخالفاً له.
لا يُقال: إنّنا سبق أن نفينا وجود الإطلاق للآية، وادّعينا أنَّها واردة لبيان أصل التشريع، فكيف تصدق الموافقة والمخالفة معه؟
فإنَّه يُقال: أوّلاً: إنَّه كان ذلك استظهاراً يمكن رفع اليد عنه باجتماع القرائن، ولا يكون ذلك مضرّاً بتسلسل البحث، كما هو واضح لمَن تأمّل.
ثانياً: ليس المراد من ورودها لبيان أصل التشريع كونها مجملةً من جميع الجهات، فإنَّها شاملة – على أيّ حال- لكلّ مسافرٍ في نفسه، فهي مطلقة من هذه الجهة. غاية الأمر أنَّها تكون قاصرةً- حينئذٍ- من تنقيح حكم موارد الشكّ والمعارضة مع الأدلّة أو الإطلاقات الأُخرى.
فإن قيل: إنَّ هذا بهذا المقدار لا يكفي لأن يكون مقياساً للترجيح.
قلنا: إنَّه يكون كافياً لشمول حكم الكتاب للمورد في نفسه، مع غضّ النظر عن كونه مورداً للشكّ والتعارض.
ثالثاً: إنَّه حتّى لو كانت الآية مجملةً، فإنَّها تثبت وجوب القصر على المسافر في الجملة، ويكفي في كونها ميزاناً للترجيح؛ كون الحديث موافقاً مع سنخ الحكم في الآية، وإن لم يكن شاملاً للمورد بشخصه.
ولو فهمنا أنَّ للآية مفهوماً مطلقاً، يقول: إذا كان الإنسان حاضراً
ــــــ[97]ـــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 11.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وجب عليه التمام، وفهم العرفُ اختصاص هذا الوجوب بالحاضر، لأخذ هذا العنوان قيداً أو لغير ذلك، انفتح لدينا مجال جديد من الترجيح؛ وذلك أنّ صحيح محمّد بن مسلم الآمر بالتمام، لا شكَّ أنَّه يأمر به حال كون المكلّف مسافراً حقيقة، وهو خلاف ما استفيد من الآية على الفرض.
وأمّا المخالفة مع العامّة: فهي ثابتة أيضاً، ويمكن فهمها عن طريقين:
الأوّل: النقل، فإنَّ أصحابنا ذكروا أنَّ القول بوجوب التمام ممّا ذهب إليه بعض العامّة، ولم ينقل عن(1) أيّ منهم القول بتعيّن القصر. فمن الواضح حينئذٍ كيف أنَّ الأمر بالتمام موافق لقولهم، والأمر بالتقصير تعييناً مخالفٌ لإجماعهم المركّب، وهو المقصود.
الثاني: عن طريق صحيح إسماعيل بن جابر نفسه، فإنَّه – كما عرفنا- متضمّن للقسم على أنَّ عصيان الحكم بالتقصير عصيانٌ ومخالفةٌ لرسول الله’. وقد سبق أن عرضنا ذلك مفصّلاً، ولم نفهم له وجهاً واضحاً إلّاَ كونه إلزاماً للعامّة.
إذن، فهذا الحديث بنفسه يدلّ على كون مؤدّاه مخالفاً للعامّة، ويكون قرينةً على صحّة ذلك النقل، كما يكون ذلك النقل قرينةً مؤيّدة للمراد من هذا التأكيد. ويكون مقتضى القاعدة تعيُّن الأخذ به وطرح معارضه، والالتزام بعدم حجيّته؛ لعدم تماميّة أصالة الجهة فيه، لصدوره من جهة التقيّة، ولا أقلّ من احتمال ذلك مع القطع بعدم لحاظ التقيّة في صحيح إسماعيل بن جابر.
تبقى مرجّحات أُخرى لصحيح إسماعيل، هي موافقته للشهرة
ــــــ[98]ـــــــ
( ) على ما في مصباح الفقيه (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الفتوائيّة والإجماع المنقول(1)، وهو أمر صحيح على تقدير تسليم كبراه(2).
وبعد فرض رفض خبر محمّد بن مسلم – على صحّته- لا يبقى هناك مزيد حاجة في التعرّض إلى مؤيّداته من الأخبار، فإنَّها كلّها مخالفة للكتاب وموافقة للعامّة، مثله وتزيد عليه بضعفها في أنفسها سنداً أو دلالة، كما نشير إليه عند التعرّض لها قصداً للاستيعاب ومزيد الفائدة.
خبر بشير النبّال
فمنها: خبر بشير النبّال، قال: خرجت مع أبي عبد الله× حتّى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبد الله×: >يا نبّال<، قلت: لبيّك. قال: >إنَّه لم يجب على أحدٍ من أهل هذا العسكر أن يصلّي أربعاً غيري وغيرك، وذلك أنَّه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج<(3).
بسط الكلام في الخبر
وهذا الخبر – لولا ضعفه والمحاذير التي أشرنا إليها- يعطي قاعدة عامّة في أنَّ المدار هو وقت الوجوب دون وقت الأداء، فإنَّه بالرغم من أنَّه
ــــــ[99]ـــــــ
(1) لاحظ: رياض المسائل 4: 455، كتاب الصلاة، المقصد الثالث في التوابع، الخامس في صلاة المسافر، أحكام القصر.
(2) لاحظ بحوث في علم الأُصول 7: 367، المسألة الثانية، حكم التعارض المستقرّ من زاوية الأخبار الخاصّة، أخبار الترجيح، (4) الترجيح في الصفات، الترجيح بالشهرة.
(3) الكافي 3: 434، كتاب الصلاة، أبواب السفر، باب مَن يريد السفر أو يقدم من سفر…، الحديث3، تهذيب الأحكام، كتاب الصلاة، أبواب الزيادات في الجزء الثاني من كتاب الصلاة، باب الصلاة في السفر، الحديث72، وسائل الشيعة8: 515، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب21، باب حكم مَن دخل الوقت وهو حاضر فسافر، الحديث10.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
يتعرّض لفرض مسألتنا دون عكسها، إلّاَ أنَّه يمكن تطبيقه على عكسها أيضاً تمسّكاً بإطلاق التعليل.
موثّقة عمّار
ومنها: موثّقة عمّار عن أبي عبد الله× قال: [أنَّه] سُئل [عن الرجل] إذا زالت الشمس وهو في منزله ثمَّ خرج في سفره؟ قال: >يبدأ بالزوال فيصلّيها، ثمَّ يصلّي الأُولى بتقصير ركعتين؛ لأنَّه خرج من منزله قبل أن تحضره الأُولى<. وسُئل فإن خرج بعد ما حضرت الأُولى؟ قال: >يصلّي [الأُولى] أربع ركعات ثمَّ يصلّي النوافل ثمان ركعات؛ لأنّه خرج من منزله بعدما حضرت الأُولى. فإذا حضرت العصر صلّى العصر بتقصير؛ وهي ركعتان؛ لأنَّه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر<(1).
بسط الكلام في الموثّقة
وهذا الخبر لا يخلو من اضطراب في الدلالة وضعف في التعبير، وحاصل ما يستفاد منه: أنّ السائل يسأل الإمام× عن المكلّف يدخل عليه وقت صلاة الظهر بزوال الشمس وهو في الحضر، ثمَّ يخرج مسافراً ويريد الإتيان بالصلاة حال سفره.
أقول: وهذا هو فرض مسألتنا بعينه.
فيأمره الإمام× بأن يبدأ بالإتيان بنافلة الزوال، ثمّ يصلّي الأولى، يعني: يأتي بصلاة الظهر قصراً. والرواية إلى هنا تتّفق مع ما توصّلنا إليه من وجوب التقصير. ولو اقتصرت على ذلك، لكانت من مؤيّدات صحيحة
ــــــ[100]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 18، باب أوقات الصلاة وعلامة، كلّ وقتٍ منها، الحديث15، وسائل الشيعة 4: 85، كتاب الصلاة، الباب23، باب استحباب نافلة الظهرين في السفر لمَن سافر بعد دخول وقتها، الحديث1.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إسماعيل بن جابر.
إلّاَ أنَّ الإمام× علّل حكمه بالتقصير بأنَّ المكلّف خرج من منزله قبل أن تحضره الأُولى، يعني: قبل دخول وقت صلاة الظهر، مشيراً إلى أنَّ المكلّف إذا دخل عليه الوقت وهو في السفر وجب عليه التقصير، وهو أمر على مقتضى القاعدة، ولا إشكال فيه.
إلّاَ أنَّ فرض هذا التعليل مخالف لفرض السؤال وهو كون الخروج بعد الوقت، وهذا هو وجه الاضطراب الذي أشرنا إليه. وإذ يتعارض فرض المتكلّم مع فرض السائل لابدَّ أن نأخذ بفرض المتكلّم لا محالة، ونلغي قرينيّة السؤال، ومعه ينتفي ما أشرنا إليه من دلالة الرواية على وجوب التقصير في مسألتنا، بل تكون دالّةً على هذا الوجوب مع الخروج قبل الوقت.
وحين عرف السائل أنَّ فرض كلام الإمام× كان عن صورة الخروج قبل الوقت، جدّد سؤاله عن صورة الخروج بعد الوقت وبعد وجوب صلاة الظهر عليه حال حضره.
أقول: وهنا نعود إلى فرض مسألتنا مرّةً أُخرى، فيجيبه الإمام×
– على فرض صحّة الرواية- بوجوب أن يصلّي الظهر تماماً أربع ركعات، ثمَّ أمره بأداء نافلة الظهر ثمان ركعات بعدها؛ باعتبار(1) أولويّة الإتيان بالفرض على الإتيان بالنافلة عند أوّل وقت فضيلته، ومعه تتأخّر النافلة بعد الصلاة لا محالة.
ثمَّ يعلّل الإمام× حكمه بوجوب الإتمام بعلّة مطلقة تدلّ على
ــــــ[101]ـــــــ
( ) كما في (مصباح الفقيه) للهمداني، وهو منقوض بأساس تشريع النافلة قبل الصلاة، فإنَّها توقع بعد ابتداء الوقت وهو أوّل وقت الفضيلة. ومعه لا يبقى وجه واضح لتأخير نافلة الظهر، وهو ممّا يقدّم بالأخذ بهذا الخبر (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
اعتبار وقت الوجوب، مشابهاً للتعليل المستفاد من خبر النبّال السابق، وذلك بقوله: >لأنَّه خرج من منزله بعد ما حضرت الأُولى<، يعني: بعد دخول وقت صلاة الظهر.
ثمَّ يأمر الإمام بأداء صلاة العصر قصراً، وذلك بعد دخول وقتها، والمراد به وقت الفضيلة؛ لأنَّ وقت الوجوب لكلتا الفريضتين كان قد حلّ مع الزوال كما هو واضح.
ثمّ يعلِّل حكمه بالتقصير في هذه الصورة، بكونها تطبيقاً للقاعدة التي ذكرها أوّلاً، وحاصلها: أنَّ المكلّف إذا خرج إلى السفر قبل الوقت وحلّ الوقت في السفر، تعيّن عليه التقصير، فكذلك هذا المكلّف حلّ عليه وقت العصر بعد خروجه، فيجب عليه التقصير. وقد عرفنا أنّ وقت العصر الذي حضر هو وقت فضيلتها لا وقت وجوبها.
فأمر الرواية من هذه الناحية، دائرٌ بين أن تكون دالّةً على أنَّ وقت الفضيلة هو وقت الوجوب، وبين أن تكون دالّةً على أنَّ دخول وقت الفضيلة دون وقت الوجوب هو الميزان في القصر والإتمام، وكلا الأمرين كما ترى. بل هو ممّا يوهن الرواية كما أشار إليه المحقّق الهمداني(1).
لا يُقال: إنَّ الرواية أمرت بقصر صلاة العصر، وهو أمر على مقتضى القاعدة، كما عرفنا.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا وإن كان صحيحاً، إلّاَ أنَّ مقتضى القاعدة هو أن تفهم الرواية مستقلّةً أوّلاً، ثمَّ تنسب إلى القواعد المستفادة من الأخبار الأُخرى. ونحن إذا لاحظناها مستقلّةً نجد أن تطبيق الكبرى التي ذكرت
ــــــ[102]ـــــــ
(1) أُنظر: مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 764، كتاب الصلاة، في صلاة، المسافر، مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر ثمَّ سافر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فيها على صلاة العصر تطبيقٌ مخالف للمشهور جدّاً؛ لأنَّه يعمّم الوقت المأخوذ في الكبرى إلى وقت الفضيلة الذي لا يقول به إلّاَ النادر من الفقهاء(1)، ويستفاد من أدلّة الأوقات خلافه.
صحيحة زرارة المرويّة في المستطرفات
ومنها: صحيحة زرارة المرويّة عن مستطرفات السرائر عن أحدهما‘ أنَّه قال في رجلٍ مسافر نسي الظهر والعصر، وهو مقيم حتّى يخرج؛ قال: >يصلّي أربع ركعات في سفره<. وقال: >إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثمَّ سافر، صلّى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره<(2).
بسط الكلام في الصحيحة
أقول: والمنقول في الوسائل عن السرائر روايتان:
إحداهما: وهي التي نقلناها، تتكفّل – على تقدير تماميّة دلالتها- بيان حكم كلتا المسألتين. وتتكفّل الأُخرى وهي الأُولى في ترتيبه: بيان عكس مسألتنا، وسيأتي التعرّض لها في موضعه، فما ذكره في المصباح(3) – بأنَّهما في
ــــــ[103]ـــــــ
(1) لاحظ: ذخيرة المعاد (ط . ق) 1 ق2: 415، كتاب الصلاة، النظر الثالث في اللواحق، المقصد الرابع في صلاة السفر. وبعد ذكره لهذا الوجه قال: لكنّي لا أعرف أحداً من الأصحاب ذكر هذا التفصيل والمسألة عندي محلّ إشكال.
(2) مستطرفات السرائر: 568، المستطرف من كتاب جميل بن درّاج، وسائل الشيعة 8: 516، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب21، باب مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر، الحديث14.
(3) راجع: مصباح الفقيه 2 ق2: 764، كتاب الصلاة، في صلاة المسافر، مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر ثمَّ سافر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الوسائل روايتان مستقلّتان فلا يقدح بهما اختلاف السياق- غير تامٍّ. فإنَّه إن كان يريد الرواية التي نقلناها، فهي ذات سياقٍ واحد في الوسائل، وإن أراد الرواية التي أشرنا إليها فهي أجنبيّة عن المقام.
والذي يستفاد منها على وجه الإجمال: أنَّ المكلّف إذا نسي صلاة الظهر والعصر التي وجبت عليه حال الحضر، وبقي ناسياً لها إلى حين سفره، فأمره الإمام× بأن يصلّي أربع ركعات في سفره، يعني: يصلّي الظهر العصر تماماً على ما يريد المستدلّ، وسيأتي ما فيه.
ولو تمَّ ذلك لكانت هذه الفقرة قد تعرّضت لصورة مسألتنا وحكمت بوجوب التمام خلافاً لما استنتجناه.
ثمَّ يذكر الإمام× فرض نفس مسألتنا، بنحو لو تمَّ فهْم الفقرة الأُولى كما سبق لكان هذا تكراراً محضاً. ثمَّ يأمر الإمام× بأن يصلّي أربع ركعات في سفره، يعني: يصلّيها تماماً، كما يريد المستدلّ. ولعلّه يستفاد من تأكيده – في قوله: الصلاة التي دخل وقتها وهو مقيم- نحو من التعليل، الذي قد يمكن التمسّك بإطلاقه لعكس المسألة أيضاً، كما أسلفنا في بعض الروايات السابقة.
إلّاَ أنَّه لابدَّ من تنقيح عدّة ظهورات في الرواية حتّى يتمّ المطلوب ويصحّ الاستدلال، أمّا فيما يخصّ الفقرة الأُولى أو الفرع الأوّل:
فالظهور الأوّل: هو أن نفهم من قوله: (نسي الظهر والعصر)، أنَّه نسيهما في أوّل وقتهما، أو بتعبير آخر: أخّرها عن أوّل الوقت أخذاً بالرخصة في ذلك. في مقابل أن نفهم نسيانهما في تمام الوقت، كما هو الأظهر، فإنَّ التعبير بالنسيان بلحاظ أوّل الوقت ليس عرفيّاً، وليس له نكتةٌ زائدةٌ على
ــــــ[104]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
صورة التأخير بالالتفات، فيكون ذكره مستأنفاً. بخلاف ما لو تعلّق النسيان بتمام الوقت كما هو ظاهر.
الظهور الثاني: أن نفهم من قوله: >يصلّي أربع ركعات< أنَّه يصلّي كلاً من الصلاتين أربعاً، لكي ينتج أنَّه يصلّيهما تماماً. في مقابل أن نفهم أنَّه يصلّي كلتا الصلاتين أربعاً، الذي معناه أنَّه يصلّيهما قصراً. ولا أقلّ من إجمال العبارة من هذه الناحية.
فالمتحصّل أنّ للفقرة الأُولى أحد معانٍ ثلاثة أبعدها عن الظهور ما هو مراد المستدلّ:
المعنى الأوّل: أنَّ مَن نسي الصلاة الرباعيّة في تمام وقتها حضراً، وأراد أن يقضيها سفراً، فإنَّه يصلّيها تماماً، كما هو مقتضى القاعدة.
المعنى الثاني: أنّ مَن نسي الصلاة في أوّل وقتها، وأخّرها نسياناً ثمَّ سافر، فإنَّه يصلّيها قصراً، بحيث يكون مجموع ما يصلّي أربع ركعات، وهذا هو فرض مسألتنا مع نفس الحكم المختار.
المعنى الثالث: أنَّ مَن نسي الصلاة في أوّل وقتها وسافر، فإنَّه يصلّي كلاً منهما تماماً، أربع ركعات.
والمعنى الثالث على أنَّه مخالف للظهور كما أسلفناه، فإنَّ هناك قرينة قويّة تدفعه، وهو لزوم التكرار المحض كما أسلفنا؛ إذ يكون الفرعان في الرواية متعرّضين لنفس الموضوع والمحمول، وهو كما ترى.
فإن قيل: فلِمَا يُصرف الفرع الأوّل عن ظهوره – بعد تسليمه- مع أنَّ مقتضى القاعدة صرف الفرع الثاني عن ظهوره لهذه القرينة؟
قلنا: بأنَّ هذا لا يمكن؛ لقوّة ظهور الفرع الثاني فيما هو مراد المستدلّ،
ــــــ[105]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وضعف ظهور الفرع الأوّل، فإذ يتعيّن الفرع الثاني لهذا المعنى، يمتنع أن نحمل الفرع الأوّل عليه، وإلّاَ لزم التكرار.
ويدفع المعنى الثاني: أنَّ الفتوى فيه – لو تمّت- تكون مناقضةً أو مضادّةً للفتوى في الفرع الثاني؛ إذ يكون الإمام× – على فرض تسليمه- قد أفتى في الفرع الأوّل بالتقصير، وأفتى في نفس صورة المسألة بالإتمام في الفرع الثاني. وهو ممّا لا يُعقل.
لا يُقال: بأنَّ هذا غاية ما يعيّن العلم بعدم صدور أحد الفرعين من الإمام×.
فإنَّه يُقال: بأنَّ هذا مضافاً إلى كونه خلاف شهادة الراوي، فإنَّه ينفع مقصودنا لو سلّمناه؛ وذلك لأنَّنا حينئذٍ نعلم إجمالاً بكذب أحد الفرعين، ويتعيّن الأخذ بما كان موافقاً للكتاب ومخالفاً للعامّة، وهو الفرع الأوّل الذي يثبت المختار على الفرض.
فإن قيل: إنَّ هذا الترجيح إنَّما يكون في الروايتين المستقلّتين لا في فرعين لرواية واحدة.
قلنا: [تسقط] معه الرواية عن الحجيّة رأساً كما هو واضح.
وبعد أن امتنع الأخذ بالمعنيين الثاني والثالث، يتعيّن الأخذ بالمعنى الأوّل، وإن كان في نفسه لا يخلو من مخالفةٍ للظهور؛ لإشعار قوله: >يصلّي أربع ركعات< في أنَّه لا يصلّي غيرهما، المنتج أنَّه يؤدّي الصلاتين قصراً. إلّاَ أنَّه لابدَّ من رفع اليد عن هذا الإشعار لتعيّن الأخذ به، وعدم وجود معنى آخر معقول.
فهذا هو حال الفقرة الأُولى.
ــــــ[106]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وأمّا فيما يخصّ الفقرة الثانية، أو الفرع الثاني: فهو ظاهر في ما هو مراد المستدلّ، وربّما يكون مشعراً بالتعليل كما أسلفنا. فإنَّ ظهور قوله: >ثمَّ سافر< في كونه سافر في أثناء الوقت لا بعد انتهائه، محفوظٌ وتامّ. كما أنَّ ظهور قوله: >أربع ركعات< في كونها تعود إلى الصلاة الواحدة التي دخل وقتها وهو مقيم، محفوظٌ وتامّ، فيجب عليه- بمقتضى ذلك- أن يصلّي كلّ رباعيّة يدخل عليه وقتها حال الحضر ويؤدّيها في السفر تماماً أربع ركعات.
إذن، فبعد تسليم تماميّة سندها، لا يبقى إلّاَ كونها كصحيح محمّد بن مسلم، في أنَّها مرجوحة عند التعارض؛ لمخالفتها للكتاب وموافقتها للعامّة، فلابدَّ من طرحها.
مصححّة زرارة
ومنها: مصحّحة زرارة عنه×: عن رجلٍ يدخل مكّة من سفره، وقد دخل وقت الصلاة، قال×: >يصلّي ركعتين، فإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة، فليصلّ أربعاً<(1).
بسط الكلام في المصحّحة
وهي لو تمّت دلالتها، قد تعرّضت لكلتا المسألتين، إلّاَ أنَّ تماميّتها متوقّف على تتميم بعض الظهورات:
الظهور الأوّل: أنَّ مكّة هي الوطن الشرعي للمكلّف المفروض، ولو
ــــــ[107]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 13، باب فرض الصلاة في السفر، الحديث2، وسائل الشيعة 8: 514، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب21، باب حكم مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر، الحديث5. والرواية – حسب اطّلاعنا- مرويّة عن محمّد بن مسلم لا زرارة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
بقرينة مقابلته بالسفر المراد به ما يوجب القصر، بالتقريبات التي سبقت في صحيح إسماعيل بن جابر.
الظهور الثاني: أنَّ المراد من وقت الصلاة، وقت صلاة الفريضة الرباعيّة، وهذا واضح بحسب السياق والمتبادر وارتكاز المتشرّعة القائم على فهم معانٍ معيّنة من بعض الألفاظ.
الظهور الثالث: أنَّ المراد بقوله: >يصلّي ركعتين< هو الصلاة قصراً للفريضة الرباعيّة المدلول عليها في سياق السؤال، ولو بقرينة مقابلتها بالجواب الثاني المتضمّن للأمر بالصلاة تماماً. لا أنَّ المراد به إيجاد ركعتين مستحبّتين عند السفر.
الظهور الرابع: أنَّ المراد من السؤال الثاني أنَّه خرج إلى السفر من وطنه الذي يجب عليه التمام فيه، ولو بقرينة ما سلف في السؤال الأوّل كما استظهرناه.
ولا يبعد أن تكون كلّ هذه الظهورات تامّة، ومعه تكون مماثلةً في المؤدّى لصحيح محمّد بن مسلم ومؤيّداته، ولا يضرّ فيها الإضمار، خاصّة من مثل زرارة الذي لا يسأل عن الأُمور الشرعيّة وقواعد الدين إلّاَ الإمام×.
إذن، فلا يرد عليها إلّاَ ما ورد على صحيح محمّد بن مسلم كما أسلفنا.
رواية المحاربي
ومنها: ما عن المحدّث المجلسي في البحار من كتاب محمّد بن المثنى الحضرمي، أنَّه روى فيه عن جعفر بن محمّد بن شريح، عن ذريح المحاربي قال: قلتُ لأبي عبد الله×: إن خرج الرجل مسافراً وقد دخل وقت
ــــــ[108]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الصلاة كم يصلّي؟ قال: >أربعاً<. قال: قلتُ: وإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر؟ قال: >يصلّي ركعتين قبل أن يدخل أهله، وإن وصل العصر فليصلّ أربعاً<(1). وفي نسخة: >فإن دخل المصر<(2). وكلتا النسختين مثبّتتين في مصباح الفقيه(3).
بسط الكلام في الرواية
وهذه الرواية على ضعفها لا تصلح مؤيّداً لصحيح محمّد بن مسلم مطلقاً؛ وذلك: أنَّ حاصل ما يستفاد منها: أنَّ الراوي يبدأ بالسؤال عن فرض مسألتنا، وأنَّه ماذا يكون تكليف المسافر من حيث عدد الركعات. فيفتيه الإمام× – على تقدير صحّة الرواية- بوجوب التمام، وأنَّه يجب أن يصلّي أربعاً.
لا يُقال: إنَّ الإمام قال: أربعاً، وهو مناسب مع الوجوب ومع الاستحباب، وبعبارة أُخرى: مناسب مع التعيين والتخيير؛ لأنَّ فيه عبارة مقدّرة لا محالة، وهي ممّا يمكن أن تقدّر على الوجهين.
فإنَّه يُقال: إنَّ تقديرها معلوم؛ وذلك لأنَّ الجواب يكون عادةً معتمداً على ألفاظ السؤال، ومعه يكون التقدير: يصلّي أربعاً. ومن المعلوم أنَّ
ــــــ[109]ـــــــ
(1) بحار الأنوار 86: 55، كتاب الصلاة، أبواب القصر وأسبابه وأحكامه، الباب 2، الحديث 18.
(2) كما عن المحدّث النوري، راجع مستدرك الوسائل 6: 530، باب 5، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
(3) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 764، كتاب الصلاة، في صلاة المسافر، مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر ثمَّ سافر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الجملة الخبريّة المستعملة في مقام الإنشاء تدلّ على الوجوب، كما حُقّق في محلّه(1)، وإطلاقها يقتضي التعيين كما حُقّق في محلّه أيضاً(2).
ثمَّ سأله الراوي عن عكس المسألة، بعد حمل السؤال على أنَّ المكلّف أخّر الصلاة حتّى دخل إلى وطنه، كما هو مقتضى السياق، فأجابه الإمام× بما حاصله: أنَّه إن صلّى في السفر قبل وصوله وجب عليه التقصير؛ وهذا أمر واضح على مقتضى القاعدة. وأمّا إذا وصل إلى بلده قبل أن يصلّي وأراد إنجاز الصلاة هناك، فيجب عليه أن يصلّي تماماً، أربع ركعات.
هذا على إحدى النسختين.
ومعه تكون الرواية قد أمرت في عكس المسألة بما هو مفاد صحيح إسماعيل بن جابر، معارضة لصحيح محمّد بن مسلم ومؤيّداته. ويكون المتحصّل منها: أنَّ الواجب في فرض مسألتنا وعكسها هو التمام. كما هو المستفاد من صحيحة زرارة المرويّة عن مستطرفات السرائر(3)، على تقدير إمكان الاستدلال بكلتا فقرتيها وإرادة المعنى الثالث منها. وقد سبق أن ناقشنا في ذلك.
وأمّا على النسخة الأُخرى فيكون المتحصّل: أنَّ المكلّف إن وصل إلى وطنه بعد دخول وقت صلاة العصر، فليصلّ تماماً أربع ركعات، ويدلّ
ــــــ[110]ـــــــ
(1) لاحظ: بحوث في علم الأُصول 2: 55، مباحث الدليل اللفظي، بحوث الأوامر، الجهة الثالثة في الجمل الخبريّة المستعملة في الطلب.
(2) المصدر السابق.
(3) راجع مستطرفات السرائر: 568، باب المستطرفات، ما استطرفناه من كتاب جميل بن دراج.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
بالمفهوم أنَّه إن دخل قبل ذلك وجب عليه القصر.
وهي بهذا تكون من حيث المؤدّى والمخالفة للمشهور كموثّقة عمّار السابقة الذكر، فلا يمكن الالتزام بمؤدّاها لما سبق.
فهذه هي الروايات التي ذكروها باعتبارها مماثلةً في المؤدّى لصحيح محمّد بن مسلم ومؤيّدةً لمضمونه، ويرد عليها جميعاً ما ورد عليه من كونه مخالفاً للكتاب وموافقاً للعامّة. وكثرة الروايات لا تضرّ في ذلك إن لم تصل إلى حدّ التواتر، كما ثبت في محلّه(1). وعليه يكون صحيح إسماعيل بن جابر متعيّن التقديم، والفتوى بالتقصير في مسألتنا اعتباراً بحال الأداء، هو المتعيّن.
فهذا تمام الكلام عن الوجه السادس لوجوب التقصير، وهو التمسّك بالأدلّة الخاصّة الواردة في المسألة.
التعرّض إلى عدّة جهات في صحيحة إسماعيل بن جابر
وحيث تعيّن أنَّ الحجّة الأساسيّة في المقام هي صحيحة إسماعيل بن جابر، يثبت الحكم الذي تدلّ عليه، بتمام الإطلاقات والقيود المأخوذة فيها، مع غضّ النظر عن أيّ دليلٍ آخر.
نعم، يبقى التعرّض بعد ذلك لعدّة جهات:
الجهة الأُولى: أنَّنا ذكرنا في الناحية الثالثة – من النواحي الدلاليّة لهذا الحديث – أنَّه يدلّ على جواز الأخذ بالرخصة في أوّل الوقت لتأخير الصلاة إلى ما بعد السفر.
إلّاَ أنَّ هذا من ناحية الحكم الإلزامي، والإجزاء القهري، ولا تعرّض
ــــــ[111]ـــــــ
(1) تقدّم تخريجها سابقاً. فراجع.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
في الحديث لأكثر من ذلك.
إلّاَ أنَّه يمكن أن يدّعى ثبوت استحباب التقديم بتقريبين:
أحدهما: ضمّ إطلاقات أدلّة أوقات الفضيلة إليه، لو كان السفر واقعاً بعدها، فإنَّه وإن كان بين الدليلين نسبة العموم من وجه، إلّاَ أنَّ تلك الإطلاقات ناظرةٌ إلى عنوان الوقت ومقيّدةٌ له بوقت الفضيلة استحباباً، فتكون مقدّمةً عليها بالحكومة، ومعه لا نلحظ النسبة بينهما، وعنوان الوقت مأخوذٌ في صحيح إسماعيل، فيتقيّد استحباباً بوقت الفضيلة.
ثانيهما: أن يدّعى أنَّ التمام – أساساً- أفضل من القصر؛ إمّا لكونه محتوياً على زيادة ذكْر الله تعالى في الركعتين الأخيرتين، وإمّا لكونه هو المجعول بالعنوان الأوّلي في الشريعة، كما ذكرنا.
وإذا كان التمام أفضل، فالأفضل للمكلّف في مسألتنا أن يختار التمام قبل أن يخرج إلى سفره.
الجهة الثانية: أنَّنا وإن كنّا قد استنتجنا من الأدلّة وجوب القصر على مقتضى القواعد، إلّاَ أنَّ ذلك لا ينافي القول بالاحتياط الاستحبابي في الجمع بين القصر والتمام، وفاقاً لصاحب العروة(1)، وخاصّة في هذه المسألة التي لم يحصل فيها التسالم بينهم على الفتوى بالتقصير كما حصل في عكسها، وهذا يكون مرجّحاً بنظر مَن يرى الشهرة حجّة، ومن هنا ذكر ذلك أحد المحشّين(2).
ــــــ[112]ـــــــ
(1) أُنظر: العروة الوثقى 3: 515، كتاب الصلاة، فصل في صلاة المسافر، فصل في أحكام صلاة المسافر، المسألة التاسعة.
(2) أُنظر: مستمسك العروة الوثقى 8: 186، كتاب الصلاة، فصل أحكام صلاة المسافر في المسألة التاسعة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ذلك مضافاً إلى وجهين آخرين:
أحدهما: حكم العقل برجحان إحراز امتثال الحكم الواقعي.
ثانيهما: التفصّي من مخالفة الروايات التامّة سنداً ودلالةً، وكان أهمّها صحيحة محمّد بن مسلم نفسها مع طائفة مؤيّداته التي تفوق على مؤيّدات معارضه عدداً أو سنداً ودلالةً. وكونها مخالفةً للكتاب وموافقةً للعامّة لا يعني القطع ببطلانها، فإنَّها مخالفةٌ مع إطلاق الكتاب لا مع نصّه، كما أنَّ مجرّد كون الفتوى عاميّةً لا يعني عدم مطابقتها للواقع، وإن كانت مستنتجةً عن طريقٍ خاطئ عندنا، ما لم تكن من ضروريّات المذهب.
هذا، ولكن الاحتياط الوجوبي ممّا لا وجه [له]، كما سنشير إليه في الجهة الثالثة إن شاء الله تعالى.
الجهة الثالثة: أنَّه بعد تماميّة صحيح إسماعيل بن جابر دليلاً على وجوب التقصير في فرض مسألتنا، فحال أدلّة وجوب التمام لا يخلو من أحد حالات ثلاثة(1):
1. فإمّا أن تكون الأدلّة عامّةً أو مطلقةً وقد أُخذ في موضوعها ذات المكلّف، مع لحاظ عنوان الحضر بنحو الجهة التعليليّة. فتكون متّحدة موضوعاً مع ذلك الدليل الخاصّ، وهي أعمّ منه محمولاً، فيكون مخصّصاً لها لا محالة.
2. وإمّا أن تكون تلك الأدلّة عامّةً وقد أُخذ في موضوعها ذات المكلّف مقيّداً بعنوان الحضر، فتكون هذه الأدلّة مباينةً للدليل الخاصّ موضوعاً ومحمولاً، أمّا محمولاً فواضح، وأمّا موضوعاً؛ لأنَّ موضوع
ــــــ[113]ـــــــ
(1) كما قد أشرنا إليه قبل هذا (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
العمومات هو الحاضر، وموضوع الدليل الخاصّ هو المسافر، فإنَّنا قلنا بأنَّ المكلّف في فرض مسألتنا مسافرٌ حال أداء الصلاة على الحقيقة، ولا يضرّ بذلك كونه حاضراً في أوّل الوقت.
فإن قيل: بأنَّه بناءً على إطلاق المشتقّ للأعمّ يكون حاضراً على الحقيقة.
قلنا: إنَّ صدق المشتقّ على الأعمّ إنَّما يكون – على فرض تماميّته- فيما إذا لم يتّصف المكلّف بصفةٍ فعليّةٍ مضادّةٍ للمبدأ السابق، وأمّا إذا اتّصف بصفةٍ مضادّة، فلا يمكن إطلاق المبدأ المنقضي عليه إلّاَ على نحو المجاز؛ وذلك لصحّة إطلاق الصفة الفعليّة عليه على وجه الحقيقة بلا إشكال، واستحالة إطلاق صفتين متضادّتين على الحقيقة في آنٍ واحد، فيتعيّن أن يكون المنقضي مجازاً؛ لعدم احتمال العكس جزماً.
فإن قيل: إنَّ تمام الصفات تنتقل إلى ضدّها أو نقيضها، فيكون إطلاق المشتقّ على الأعمّ محالاً مطلقاً.
قلنا: بأنَّه مضافاً إلى أنَّ هذا ليس محذوراً، فإنَّه غير لازم؛ وذلك لأنَّ أمر التضادّ بين الصفات راجع إلى العرف، فإذا انتقل الفرد إلى صفة غير مضادّة عرفاً، أمكن القول بالتعميم، وإن انتقل إلى صفة مضادّة، استحال التعميم. وتمام الكلام في محلّه.
3. وإمّا أن تكون أدلّة وجوب التمام مجملةً أو لبيّةً كما احتملناه، فيكون الدليل الخاصّ حكماً عليها ومقدّماً في مورده؛ للزوم الأخذ منها بالقدر المتيقّن.
وعلى أيٍّ من الحالات الثلاث، فإنَّ الواجب على المكلّف هو التمام ما
ــــــ[114]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
دام حاضراً؛ لشمول أدلّة وجوب التمام له، والقصر إذا سافر ولو في أثناء الوقت( ).
وبضمّ هذين الدليلين إلى بعضهما، ينتج أنَّ الواجب على المكلّف من أوّل الأمر هو جامع ما بين فردين، كلّ منهما مشروط بشرطٍ مباينٍ للآخر، بمعنى: أنَّ الواجب هو طبيعيُّ الصلاة الجامع بين القصر والتمام. إلّاَ أنَّ التمام مشروطٌ بالحضر، والقصر مشروطٌ بالسفر( ). فكنْ على ذكْرٍ من ذلك في الأبحاث التي تلي إن شاء الله تعالى.
الجهة الرابعة: أنَّهم ذكروا فيما يعارض القول بالتقصير في مسألتنا وجوهاً اعتباريّة عديدة، تصلح في أنفسها أن تكون دليلاً على التمام، ولو صورةً، ولكنّهم جعلوها من موهنات الفتوى بالتقصير ومن معارضات أدلّته. ولم يتعرّض لها أكثر أهل التحقيق( )؛ لوهنها في أنفسها ووضوح الجواب عليها. ونودّ التعرّض لها قصداً للاستيعاب ومزيد الفائدة:
الوجه الأوّل: أنَّهم قاسوا التحوّل الذي يحصل للفرد في أثناء الوقت من حال الحضر إلى حال السفر، مع تمكّنه من الصلاة حين الحضر ولم يصلّ، بما إذا تحوّل حال المكلّف بعد تمكّنه من الصلاة ولم يصلّ، من الطهر إلى الحيض أو من الوعي إلى الإغماء. فكما نعلم في المقيس عليه – إذا استمرّ العذر إلى آخر الوقت- أنَّه يجب عليه أن يقضي الصلاة تامّة، ولم يقتض
ــــــ[115]ـــــــ
( ) لشمول الدليل الخاصّ له بعد تقديمه بأحد الأنحاء الثلاثة (منه+).
(2) ولا يجب على المكلّف تحصيل شرط أيّ منهما (منه+).
(3) وهي موجودة في الجواهر (منه+). أُنظر: جواهر الكلام 14: 355-358، كتاب الصلاة، الفصل الخامس في صلاة المسافر، شروط صلاة المسافر، حكم ما إذا دخل الوقت وهو حاضر … .
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
عذره سقوط الصلاة؛ لأنَّه في آخر الوقت لم يكن مكلّفاً، كذلك في المقام ينبغي أن يُقال بعدم تأثير تجدّد العذر – وهو السفر- في سقوط الركعتين.
وذلك لاشتراكهما في العذر، وإن كانا يختلفان فيما هو الساقط به، فإنَّ الساقط بالإغماء والحيض هو أصل الصلاة، والساقط في السفر هو الركعتان الأخيرتان. فكما لم توجِب تلك الأعذارُ السقوطَ، كذلك ينبغي أن يكون حال السفر.
إلّاَ أنَّ هذا واضح الدفع، ومن القياس المحرّم مع وضوح الفارق، فإنَّه إن كان القياس بلحاظ حال الأداء، فمن المعلوم أنَّ المسافر تجب عليه الصلاة دون الآخرين. وإن كان القياس بلحاظ حال القضاء، فمن المعلوم أنَّه تابع لدليله، وقد ثبت في محلّه أنَّه منوط بعنوان الفوت، وهو صادق على الحائض والمغمى عليه عند بدء عذرهما، والفرض أنَّه كانت تجب الصلاة عليهما تماماً، وقد فاتت على هذا النحو، فيجب قضاؤها كذلك. وأمّا المسافر ـ إنَّما يصدق عليه الفوت في آخر الوقت، حين وجوب القصر عليه ـ فيجب عليه قضاؤها كذلك. ولو ثبت وجوبه عليه تماماً بلحاظ حال الوجوب، فإنَّما هو للدليل الخاصّ.
ومن الطريف أنَّ المستظهر من الدليل قياس حال القضاء بالنسبة للحائض والمغمى عليه بحال الأداء للمسافر، وهو جزافٌ من القول، لا معنى له.
الوجه الثاني: بأنَّه لو وجب الأداء قصراً لوجب القضاء قصراً، وليس كذلك.
إلّاَ أنَّ هذا إنَّما يتمّ – ولو بحسب الصورة- فيمَن تمَّ لديه الدليل على
ــــــ[116]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وجوب قضاء المسافر في مسألتنا تماماً، فإنَّه يمكن أن يُقال بناءً عليه: إنَّ ضمّ هذا الدليل المفروض إلى دليل: اقض ما فات كما فات(1)، يقتضي الدلالة على أنَّ الصلاة قد فاتت تماماً، وإنَّما فاتت في حال السفر. إذن فيجب عليه التمام في السفر.
إلّاَ أنَّ هذا الدليل غير تامٍّ؛ لإمكان التعبّد بالقضاء بلحاظ حال الوجوب لا بلحاظ الفوت، كما أسلفنا، فلا تثبت الملازمة بين حال الفوت وحال القضاء، على أنَّ مبنى هذا الدليل غير تامٍّ، فإنَّنا سنرى في الجهة الثالثة: أنَّ الواجب على هذا المسافر قضاء صلاته قصراً لا تماماً. فلو ثبتت الملازمة لتعيّن فواتها قصراً أيضاً.
الوجه الثالث: أنَّه ثبت في الشريعة الملازمة بين القصر والإفطار في السفر طرداً وعكساً. وحيث نعرف من الخارج في المقام أنَّ هذا المكلّف الذي خرج إلى السفر بعد الزوال لا يجوز له الإفطار في الصوم الواجب، فكذلك ينبغي أن يُقال بعدم جواز التقصير عليه؛ للملازمة.
وقد أورد عليه صاحب الجواهر – ومعه حقّ – إيرادين(2):
ــــــ[117]ـــــــ
( ) إشارة إلى ما ورد عن عليّ بن ابراهيم عن أبيه عن حمّادٍ عن حريز عن زرارة قال: قلت له: رجلٌ فاتته صلاةٌ من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: >يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته<. الكافي 3: 435، كتاب الصلاة، باب مَن يريد السفر أو يقدم من سفر…، وسائل الشيعة 8: 268، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلاة، الباب6 وجوب قضاء ما فات كما فات…، الحديث1.
(2) أُنظر: جواهر الكلام 14: 356-358، كتاب الصلاة، الفصل الخامس في صلاة المسافر، شروط صلاة المسافر، حكم ما إذا دخل الوقت وهو حاضر ثُمَّ سافر … .
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
أحدهما: النقض بما إذا خرج المكلّف مع الزوال بحيث لم يتمكّن من إيقاع التمام، فإنَّ المستدلّ يعترف بوجوب القصر عليه مع وجوب بقائه على الصوم، وحرمة الإفطار عليه.
ثانيهما: الحلّ بما حاصله: أنَّ الملازمة بين القصر والإفطار لم ترد بنصّ كتابٍ ولا سنّةٍ، وإنَّما هي متصيّدةٌ من الموارد، فلابدّ إذن من فحص كلّ موردٍ مستقلاً. وحتّى على تقدير ثبوتها، فإنَّها أمرٌ مطلقٌ قابلٌ للتخصيص، وبناءً عليه فالملازمة وإن كانت تقتضي بإطلاقها الإفطار أيضاً؛ لكون الفرد مسافراً على الحقيقة كما قلنا، إلّاَ أنَّه ثبت بالدليل الخاصّ وجوبُ البقاء على الصوم لمَن خرج مع الزوال أو بعده. فانتفت الملازمةُ في هذا المورد بالتخصيص.
الوجه الرابع: أنّه لو فُرض شروع المكلّف بالصلاة قبل صدق عنوان المسافر عليه، وكان منتقلاً في أثناء الصلاة كما لو كان يصلّي على سفينةٍ أو راحلة، فيجب عليه إتمام صلاته تماماً، بلا إشكالٍ، فإنَّ الصلاة على ما افتتحت به(1)، فكذلك لو بدأها بعد صدق عنوان المسافر عليه؛ لعدم الفصل.
وقد أورد عليه صاحب الجواهر – ومعه حقّ- بمنع المقيس عليه
ــــــ[118]ـــــــ
( ) إشارة إلى ما ورد عن العيّاشي عن جعفر بن أحمد قال: حدّثني علي بن الحسن وعلي بن محمّد عن محمّد بن عيسى عن يونس عن معاوية قال: سألتُ أبا عبد الله× عن رجلٍ قام في الصلاة المكتوبة منها، فظنّ أنَّها نافلةٌ أو قام في النافلة فظنّ أنّها مكتوبة؟ قال: >هي على ما افتتح الصلاة عليه<. تهذيب الأحكام 2: 197، باب أحكام السهو في الصلاة…، الحديث77، وسائل الشيعة 6: 6، أبواب النيّة، الباب2 عدم بطلان صلاة مَن نوى فريضةً ثمَّ ظنَّ أنَّها نافلة…، الحديث2.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
والمقيس(1)، بعد تفسير صدق عنوان السفر عليه بما إذا خرج عن حدِّ الترخّص.
أمّا المقيس عليه، فلإمكان أن يُقال بوجوب القصر حتّى على مَن بدأ بالصلاة قبل حد الترخّص، إذا لم يتجاوز محلّ القصر، وهو تمام الركعتين؛ لكونه مشمولاً لأدلّة وجوب القصر عند خروجه عن حدِّ الترخّص، وعدم قيام الدليل على أنَّ الصلاة على ما افتُتحت حتّى من هذه الجهة.
وقاس صاحب الجواهر(2) المورد بما إذا نوى الإقامةَ في أثناء الصلاة، ثمَّ عدل عنها قبل أن يتجاوز محلّ القصر، فإنَّه يجب عليه القصر أيضاً، فكذلك الحال في المقام. ثمَّ أمر بالتأمّل.
وأمّا في المقيس؛ فلاحتمال اشتراط القصر بما إذا بدأ بالصلاة بعد حدّ الترخّص، وكان تحقّق عنوان السفر سابقاً على افتتاح الصلاة، ولعلّ هذا مستفادٌ من نفس وجوب دليل القصر، فإنَّ صلاة المسافر إنَّما تصدق إذا بدأ بها المكلّف حال السفر.
أقول: كلّ ما في الأمر هو أنَّنا بعد أن عرفنا من ذوق الشارع تقسيم المكلّف إلى مسافرٍ وإلى حاضر، وعرفنا تكليف كلّ قسم، وعلمنا أيضاً بالدليل الخاصّ أنَّه يجب عليه التقصير حتّى لو كان خروجه في أثناء الوقت لو بدأ بالصلاة بعد سفره. وحينئذٍ فدليل: أنَّ الصلاة على ما افتتحت – على
ــــــ[119]ـــــــ
(1) راجع جواهر الكلام 14: 204، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، بيان مبدأ المسافة في البلاد المتّسعة.
(2) أُنظر: جواهر الكلام 14: 358، كتاب الصلاة، الفصل الخامس في صلاة المسافر، شروط صلاة المسافر، ما إذا دخل الوقت وهو حاضر، ثُمَّ سافر … .
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فرض تماميّة إطلاقه- يلحق المكلّف في مورده بالحاضر بنحوٍ من أنحاء الحكومة، فيجب على مَن بدأ بالصلاة قبل حدّ الترخّص إتمامُها تماماً، ويبقى مَن بدأها بعد ذلك تحت إطلاق الدليل العامّ أو الخاصّ المقتضي للتقصير.
ثمّ يَنقضُ صاحبُ الجواهر بصورة العكس، وهي ما إذا افتتح المكلّفُ الصلاةَ مسافراً ثمَّ صار في أثنائها حاضراً، فإنَّ المتَّجهَ- لو مشينا على ذوق المستدلّ- الاقتصارُ على القصر في هذه الصلاة؛ لأنّ الصلاة على ما افتتحت. مع أنّه لا يقول بوجوب القصر لو كان قد بدأ الصلاة حاضراً بلا إشكال. فكما أمكن القول بالفصل هنا، يمكن مثله هناك.
هذا هو تمام الكلام في الجهة الأُولى من المقام الأوّل، وهي في إقامة الدليل الاجتهادي على صورة المسألة.

* * * *
ــــــ[120]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

[الجهة الثانية: الأدلّة على المسألة في طول الدليل الاجتهادي]
الجهة الثانية من المقام الأوّل: في ذكر الأدلّة الأُخرى التي ذكرت أو يمكن أن تُذكر على المسألة في طول الدليل الاجتهادي، وفي التعرّض لذكر أدلّة الأقوال الأُخرى في المسألة ومناقشتها، ومن هنا يقع الكلام في هذه الجهة في فصلين:
الأدلّة على وجوب التقصير في فرض المسألة
الفصل الأوّل: في ذكر أدلّة أخرى أُقيمت أو يمكن أن تُقام على وجوب التقصير في فرض المسألة، بعد غضّ النظر عن الدليل الاجتهادي الذي سبق ذكره، إمّا بفرض عدم تماميّته في نفسه، أو بفرض سقوطه بالتعارض. نذكر منها ما عدا الأُصول العمليّة التي خصّصنا لذكرها الجهة الثالثة الآتية.
الدليل الأوّل: الإجماع المنقول في السرائر(1) والمعتبر(2)، كما في
ــــــ[121]ـــــــ
(1) أُنظر: السرائر 1: 332-334، كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر، مَن كان دخل عليه الوقت … .
(2) حكاه عنه في رياض المسائل 4: 455، كتاب الصلاة، الخامس في صلاة المسافر، أحكام القصر، مسألة: لو دخل عليه وقت الصلاة حاضراً … فسافر والوقت باقٍ … قصّر على الأظهر الأشهر كما هنا، وفي المعتبر … عليه الإجماع. ولم نعثر على الإجماع المنسوب إلى المحقّق في المعتبر. أُنظر: ج2: 480.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الرياض، وفيه قال: وهو الحجّة بعد العمومات القطعية(1). واعتبره أكثر من واحد مرجَّحاً لدليل الخاصّ على القصر(2).
إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ كبرى وصغرى في أصل الاحتجاج به، وفي كونه مرجّحاً.
أمّا كبريات المسألة، فموكولة إلى محلّها من علم الأُصول، حيث ثبت عدم حجيّة الإجماع المنقول(3)، وعدم كونه جابراً للدليل(4) أو مرجّحاً عند التعارض(5).
وأمّا صغرى؛ فللقطع بعدم وجود الإجماع في صورة المسألة؛ وذلك لما رأينا ونراه من الأقوال المتعدّدة، التي لا يكاد يشكّل أحدها شهرةً كافيةً فضلاً عن الإجماع. على أنَّه لو كان الإجماع متحقّقاً لكان معلومَ المدرك، وهو ما تعرّضنا له من الدليل الاجتهاديّ، ومعه يسقط الإجماع المحصّل
ــــــ[122]ـــــــ
(1) رياض المسائل 4: 455، كتاب الصلاة، الخامس في صلاة المسافر، أحكام القصر.
(2) أُنظر: كتاب الصلاة (الأنصاري) 3: 60-61، المقصد الرابع في صلاة المسافر لو سافر بعد الوقت … وصلاة المسافر (السيّد الأصفهاني): 231، المسألة الخامسة إذا دخل الوقت … .
(3) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 317، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مبحث الظنّ، الإجماع المنقول.
(4) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 424-426، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مبحث الظنّ، تحديد دائرة حجّية خبر الواحد.
(5)أُنظر: بحوث في علم الأُصول 7: 317، المسألة الثانية: حكم التعارض المستقرّ من زاوية الأخبار الخاصّة، أخبار الترجيح، الترجيح بالصفات. وأيضاً بحوث في علم الأصول 4: 321، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مبحث الظنّ، حجّية الشهرة الفتوائيّة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
عن الحجيّة فضلاً عن الإجماع المنقول.
والمظنون أنَّ الفقيه من أصحابنا، كان ديدنُه على أنَّه حين تكون الفتوى في ذهنه واضحةً بحيث لا يرى من المناسب لأحد أن يفتي بخلافها، فإنَّه يدّعي الإجماع عليها، دون أخذٍ للأقوال الأُخرى بنظر الاعتبار؛ لكونها بالغة السقوط وواضحة البطلان في نظره، فلا تشكّل نقضاً للإجماع.
إلّاَ أنَّ هذا إن صحّ في بعض الموارد فإنَّه لا يصحّ في المقام؛ لكون المخالفة للفتوى المدّعى عليها الإجماع كثيرةً، وكون الدليل الاجتهاديّ الدالّ على بعضها ممّا لا يمكن إسقاطه عن نظر الاعتبار.
ومن هنا يتّضح أنَّ الإجماع مادام غير موجود، فيكون بالنسبة إلى ترجيح أحد الأدلّة في مقام المعارضة، من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع. نعم، لو فرض وجوده بعد فرض تماميّة كبراه لثبت المدّعى لا محالة، غير أنَّ هذا فرض لا وجود له.
الدليل الثاني: الشهرة الفتوائيّة، وقد اعتبرها في الجواهر عاضدة للإجماع، وذكر أنَّها محكيّة إن لم تكن محصّلة(1). واعتبرها السيّد الحكيم(2) مؤيّدة للدليل الاجتهادي الدالّ على التقصير.
وكلّ ذلك غير تامٍّ أيضاً كبرى وصغرى.
ــــــ[123]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 14: 354، كتاب الصلاة، الفصل الخامس في صلاة المسافر، شروط صلاة المسافر.
(2) أُنظر: مستمسك العروة الوثقى 8: 172 و175، كتاب الصلاة، فصل في أحكام صلاة المسافر، المسألة (9).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
أمّا من ناحية الكبرى؛ فلِمَا ثبت في محلّه من عدم حجيّة الشهرة المحصّلة(1)، فضلاً عن المنقولة، وعدم إمكان قيامها بإثبات الحكم الشرعي. كما أنَّها ليست عاضدة للدليل عند المعارضة، وهي أولى من الإجماع في ذلك كما هو واضح.
وأمّا صغرى؛ فلأنَّ الشهرة إنَّما تكون حجّة – على تقدير التسليم- فيما إذا لم يكن لها شهرةٌ معارضةٌ موهِنةٌ لها. ومثل ذلك غير موجود في عكس المسألة كما سيأتي، ولكنّه موجودٌ في هذه المسألة، فإنَّ غاية ما نُقل في فتوى التقصير أنَّه الأشهر، كما في الرياض(2)، والمراد أنَّ هناك عدداً كبيراً من الفقهاء قائلٌ بخلافه، وبتعبير آخر: إنَّ القول بخلافه مشهورٌ وإن كان هو أشهر منه. ولا شكَّ أنَّ هذه الشهرة المعارضة تكون موهِنةً لحجيّة الشهرة المستدلّ بها، على تقدير ثبوت الحجيّة في نفسها، ومعه لا يمكن الالتزام بالحجيّة.
وأمّا كون الشهرة عاضدةً للإجماع، فهو من العجائب؛ لأنَّنا نقطع بعدم أحدهما لا محالة، فإنَّ الشهرة إن أخذناها لا بشرط عن الزائد، كانت عينَ الإجماع، وإن أخذناها بشرط لا عن الزائد – كما هو المفروض- كانت مضادّةً معه؛ لاستحالة وجود الزائد وعدمه في نفس الوقت. ومعه كيف يُدّعى كونها عاضدةً له.
هذا إذا أُريد الإجماع والشهرة بواقعهما، وأمّا إذا أُريد به نقلهما، بأن
ــــــ[124]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 321، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مبحث الظنّ، حجّيّة الشهرة الفتوائيّة.
(2) أُنظر: رياض المسائل 4: 455، كتاب الصلاة، الخامس في صلاة المسافر، أحكام القصر، والمعتبر في شرح المختصر 2: 480، كتاب الصلاة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
يكون نقل الشهرة مؤيّداً لنقل الإجماع وقرينةً على صدق ناقله خبريّاً، فهذا إنَّما يتمُّ في صورةٍ واحدةٍ من أربع صور:
الصورة الأُولى: أن نعرف من لسان ناقل الشهرة أو قصده أنَّه أخذها لا بشرط عن الزيادة، بحيث إنَّه يتحدّث عن وجود شهرةٍ مع احتمال أن تكون إجماعاً، وأن نفهم من لسان ناقل الإجماع أو مِن قصده كونه أخذاً له بنحو اللابشرط عن النقيصة، بحيث يتحصّل من إخباره وجودُ الشهرة ولو بالانحلال.
ففي هذه الصورة قد يُؤخذ نقلُ الشهرة مؤيّداً لنقل الإجماع، وإن كان – بحسب الدقّة – نقل الشهرة مؤيّداً لنقلها في ضمن الإجماع وغير مؤيّدٍ للزائد.
لا يُقال: إنَّ الشهرة عين الإجماع إن لوحظت لا بشرط فتكون مؤيّدةً له.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا في واقع الشهرة لا في نقلها؛ لاقتصار النقل عليها وعدم الإخبار بالزائد.
الصورة الثانية: أن تُؤخذ الشهرة بشرط لا عن الزيادة، ويُؤخذ الإجماع لا بشرط عن النقيصة، وفي مثله يكون نقل الشهرة مؤيّداً للشهرة المتضمّنة في الإجماع المنقول، ويستحيل أن تكون مؤيّدةً للزائد. فما هو ثابتٌ بحسب الدقّة في الصورة الأُولى ثابتٌ هنا بوضوح.
الصورة الثالثة: أن تُؤخذ الشهرة لا بشرط عن الزائد، ويُؤخذ الإجماع بشرط لا عن الناقص، وفي مثله يكون أحد النقلين مؤيّداً للآخر بوضوح، وإن كان تأييد نقل الإجماع للشهرة أكثر غموضاً من العكس.
ــــــ[125]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الصورة الرابعة: أن تُؤخذ الشهرة بشرط لا عن الزيادة ويُؤخذ الإجماع بشرط لا عن النقيصة، وفي مثله يكون كلٌّ من النقلين مكذّباً للآخر؛ لتهافتهما، وتناقضهما بالدلالة الالتزاميّة.
فالتأييد المدّعى لا يتمّ إلّاَ مع إحراز الصورة الثالثة، أو – على الأقلّ- الصورة الأُولى، مع شيءٍ من التسامح العرفي. وأمّا مع الشكّ في أنَّ المراد من النقل ما هو، فلا يكون مؤيّداً كما هو واضح، بل يحتمل أن يكون متهافتاً ومتناقضاً.
الدليل الثالث: الإجماع، بل ضرورة الدين القائمة على وجوب التقصير عند السفر. فيكون شاملاً للمكلّف في صورة المسألة؛ لأنَّه مسافر على الحقيقة كما قلنا. وفي هذا الوجه تعويضٌ عن عمومات التقصير لو فُرض عدمُها.
وقد اتّضح من بياناتنا السابقة عدم تماميّة هذا الدليل، فإنَّ قيام الإجماع والضرورة – في الجملة- وإن كان صحيحاً، إلّاَ أنَّنا عرفنا لزوم الأخذ فيه بالقدر المتيقّن، وعدم إمكان تتميمه لموارد الشكّ، كمورد مسألتنا.
أدلّة الأقوال الأُخرى ومناقشتها
الفصل الثاني: في التعرّض لأدلّة الأقوال الأُخرى ومناقشتها. وقد عرفنا في مقدّمة الرسالة أنَّها أربعة، ونضيف عليها وجهاً خامساً.
القول الأوّل: القول بوجوب التمام في صورة المسالة، اعتباراً بحال الوجوب
وما قيل أو يمكن أن يُقال في الاستدلال لذلك وجوه:
الدليل الأوّل: التمسّك بعمومات وجوب التمام الشاملة لفرض
ــــــ[126]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
المقام، فإنَّها تعمّ المكلّف في أوّل الوقت سواء سافر أو لا.
إلّاَ أنَّ هذا فرع كون موضوعها هو ذات المكلّف، وأمّا لو أُخذ في موضوعها عنوان المسافر جهة تقييديّة، فيستحيل أن يشمل حالة السفر، إلّاَ بنحو من المجاز وهو خلاف الإطلاق، فيكون مشمولاً لأدلّة التقصير لا محالة.
الدليل الثاني: التمسّك بطائفة الأخبار الدالّة على وجوب التمام في فرض مسألتنا، وهي صحيح محمّد بن مسلم المشار إليه فيما سبق ومؤيّداته. وفي هذه الأخبار ما هو تامّ سنداً ودلالة، كما عرفنا.
إلّاَ أنَّنا عرفنا كيف أنَّ هذه الطائفة لم تثبت في مقام المعارضة، بل كان مقتضى القواعد تقديم ما دلَّ على وجوب التقصير عليها. نعم، يكون وجودها موضوعاً لاستحباب الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام كما قلنا.
وإذا سقط هذان الدليلان الرئيسيّان، لم يبقَ وجهٌ للتمسّك بالوجوه الصناعيّة القائمة عليهما، ممّا قد ذكرنا نحوه في الاستدلال على وجوب التقصير، كالوجه الثاني والثالث والرابع. وقد ذكرنا أنَّه يمكن انعكاس هذه الوجوه لتصبح دليلاً على وجوب التمام، وناقشناها.
كما لم يبقَ وجهٌ للتمسّك بالأدلّة الاعتباريّة الأربعة التي استدلّوا بها على التمام، فإنَّها واضحة الدفع، على ما ذكرناه في خاتمة الجهة الأُولى تفصيلاً.
يبقى الاستدلال بالأصل العملي على هذا الوجه، كما تمسّك به الشهيد الثاني في الروضة(1)، وستأتي تفاصيله في الجهة الثالثة.
ــــــ[127]ـــــــ
(1) الروضة البهيّة (مع حاشية سلطان العلماء، ط. ق) 1: 115، كتاب الصلاة، الفصل العاشر في صلاة المسافر: (ولو دخل عليه الوقت حاضراً …).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
القول الثاني: القول بالتخيير بين القصر والإتمام
وهو ما ذهب إليه الشيخ في الخلاف(1).
وما يصلح أن يكون دليلاً لذلك أحدُ وجهين، سبقت الإشارة إليهما:
الوجه الأوّل: حمل الأمرين المتعارضين بالقصر في صحيحة إسماعيل بن جابر على الاستحباب، والأمر بالتمام في صحيحة محمّد بن مسلم على الإجزاء، وذلك بجعل أحدهما قرينةً على تقييد الحكم الآخر، بما إذا لم يمتثل الآخر، وهو نتيجة الوجوب التخييري، وإن لم يكن قد دلَّ عليه دليلٌ بعينه.
وقد سبق أن ناقشناه، وقلنا إنَّه ممّا لا يقوم به ظاهر الدليلين، بل يكون إطلاق دليل وجوب التقصير محفوظاً.
الوجه الثاني: التمسّك بدليلٍ خاصٍّ دالٍّ على التخيير، وهو صحيحة منصور بن حازم، قال: سمعتُ أبا عبد الله× يقول: >إذا كان في سفرٍ فدخل عليه وقتُ الصلاة قبل أن يدخل أهله، فسار حتّى دخل أهلَه، فإن شاء قصّر وإن شاء أتمّ، والإتمامُ أحبُّ إليّ<(2)، وهي تامّةٌ سنداً ودلالة.
إلّاَ أنَّها متعرّضةٌ لعكس مسألتنا، وسيأتي الكلام عنها في المقام الثاني(3). مضافاً إلى مناقشات أُخرى ذكرناها في محلّها.
ــــــ[128]ـــــــ
( ) أُنظر: كتاب الخلاف 1: 577-578، كتاب صلاة المسافر، المسألة 332.
(2) الاستبصار 1: 241، كتاب الصلاة، باب 141، الحديث 7، تهذيب الأحكام 3: 223، كتاب الصلاة، باب 23، الحديث 70، وسائل الشيعة 8: 515، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.
(3) والقول بالقطع بعدم الفرق بين المسألتين عُهدته على مدّعيه، إن لم تدلَّ عليه دلالةٌ لفظيّةٌ وهي مفقودة (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
القول الثالث: إنَّه يتمّ مع السعة ويقصّر مع الضيق
وقد سبق أن ذكرنا أنّه يمكن الاستدلال لذلك بأحد وجوه، كلّها غير تامّة.
الوجه الأوّل: التمسّك بموثّقة إسحاق: سمعتُ أبا الحسن× يقول في الرجل يقوم من سفره في وقت الصلاة، فقال×: >إن كان لا يخافُ فوتَ الوقت فليتمّ، وإن كان يخافُ خروجَ الوقت فليقصّر<(1).
وقد ناقشنا هذه الموثّقة- بعد تسليم تماميّة سندها ودلالتها- بثلاث إيراداتٍ، ممّا يمنع إمكان التمسّك بها، فراجع.
الوجه الثاني: التمسّك بنفس الأمرين المتعارضين، بالقصر وبالإتمام، وحمل الأوّل على صورة ضيق الوقت، وحمل الآخر على صورة سعته. وقد قلنا إنَّ هذا- بعد دفع الموثّقة- حملٌ بلا شاهد، وإنَّما هو تبرّعٌ محضٌ ينفيه الإطلاق والفهم العرفي.
الوجه الثالث: دعوى أنَّ الأفضل في ضيق الوقت الاقتصارُ على القصر، حتّى لا تدخلَ بعضُ أجزاء الصلاة خارج الوقت، وأمّا إذا كان الوقت واسعاً فلا بأس من الاشتغال بالصلاة المطوّلة التامّة.
وقلنا بأنَّ هذه الدعوى مجرّد استحسان، ليس عليه دليلٌ خاصٌّ ولا عامّ، فإنَّ مقتضى القاعدة الأخذُ بالتكليف مع غضّ النظر عن ضيق الوقت، وإلّاَ لأوجب ضيقُ الوقت القصرَ في كلّ فريضة، بل لأوجب سعتُه
ــــــ[129]ـــــــ
(1) الاستبصار 1: 240، كتاب الصلاة، باب 141، الحديث 5، تهذيب الأحكام 3: 223، كتاب الصلاة، باب 23، الحديث 68، وسائل الشيعة 8: 514، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الإتمامَ حتّى في السفر!!
نعم، لو تمّت الموثّقة لكانت دليلاً تعبديّاً على ذلك، ولكنّنا ذكرنا أنَّها لا تتمّ.
القول الرابع: الجمع بين القصر والتمام احتياطاً
وهذا، إن أُريد به استحباب الاحتياط، فهو صحيح، كما سبق أن ذكرناه في خاتمة الجهة الأُولى، كما أنَّه حينئذٍ يناسب مع أكثر من قولٍ واحد، كوجوب القصر، ووجوب التمام. ولا يمكن أن يعتبر وجهاً مستقلاً في نفسه.
وإن أُريد به وجوب الجمع احتياطاً، فلا وجه له بعد عدم انتهاء المعارضة إلى التساقط، وتقديم دليل وجوب التقصير على معارضه؛ لما سبق.
وأمّا إذا فرض انتهاء الأمر إلى التساقط، فقد يكون لتقريب وجوب الاحتياط صورةٌ؛ وذلك بأن يُقال: إنَّنا وإن كنّا نعلم إجمالاً بعدم مطابقة أحدهما للواقع، إلّاَ أنَّنا نعلم بمطابقة الآخر للواقع.
وبعبارة أُخرى: نعلم بحجيّة الآخر على إجماله، فيكون من اشتباه الحجّة باللاحجّة، وحيث إنَّ العلم الإجمالي منجزٌّ لوجوب الموافقة القطعيّة كما ثبت في محلّه(1)، فيجب الجمع بين امتثاليهما؛ لأجل إحراز امتثالِ ما هو حجّةٌ منهما، وتحقيقاً للموافقة القطعيّة.
إلّاَ أنَّه يمكن الخدشة في هذا البيان:
أوّلاً: بأنَّه يتوقّف على إمكان شمول دليل حجيّة الأمارة للفرد المشتبه
ــــــ[130]ـــــــ
(1) راجع بحوث في علم الأُصول 4: 173-178، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مبحث القطع، الجهة السابعة، منجزيّة العلم الإجمالي.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
المراد في طول اقتضاء العلم الإجمالي لسقوطها في نفسه.
لا يُقال: إنَّه لا يقتضي ذلك؛ لأنَّنا كما نعلم بسقوط حجيّة أحدهما نعلم بثبوتها للآخر.
فإنَّه يُقال: إنَّ العلمَ الإجماليَّ الثاني غير موجود، فإنَّه إن قُصد العلمُ إجمالاً بمطابقة أحد الخبرين للواقع، فهو غير موجود؛ لاحتمال أن يكون الحكم الشرعي شيئاً ثالثاً واقعاً، غير ما دلّا عليه. وإن قصد العلم إجمالاً بشمول دليل الحجيّة لأحدهما، فهو غير موجودٍ أيضاً؛ لأنَّه – على تقدير إمكانه- في طول العلم الإجمالي، فلا يكون متعلّقاً للعلم.
لا يُقال: إنَّ دليل الحجيّة كان شاملاً لكلا الخبرين لولا المعارضة، والعلم الإجماليُّ أوجد المانع في أحدهما، فيبقى الآخر مشمولاً للدليل.
فإنَّه يُقال: إنَّ المانع متساوي النسبة إلى كلٍّ منهما، فيبقى شمول دليل الحجيّة مردّداً، فإن أمكن فهم إمكان الشمول المردّد من دليل الحجيّة، فهو، وإلّاَ امتنع الشمول لكلا الطرفين كما هو واضح.
فإن قيل: إنَّه يشمل الفردَ الواقعيَّ المعلومَ عند الله، المجهولَ عندنا.
قلنا: إنَّ متعلّق هذا العلم الإجمالي مردّدٌ، ولا تعيّن له حتّى في الواقع.
فإن ادّعي: أنَّ تعيّنه بمطابقته للواقع.
قلنا: بأنَّ هذا غير معلومٍ أصلاً كما أسلفنا.
ثانياً: أنَّ تنجيز العلم الإجمالي للموافقة القطعيّة إنَّما يكون بتعارض الأُصول في أطرافه، كما ثبت في علم الأُصول(1)، خلافاً لمبنى العليّة الذي
ــــــ[131]ـــــــ
(1) أُنظر: أجود التقريرات 2: 242، المقصد السابع، المبحث الثالث فيما إذا علم التكليف في الجملة، المقام الأوّل.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
لا نقول به( ). فإن تعارضت الأُصول في الأطراف كان منجّزاً، وإن أمكن جريانُها في الجميع امتنع تنجيزه، بل نعمل بما يقتضيه الأصل في كلِّ طرف.
وفي المقام يجري الأصل في كلا الطرفين بلا معارض؛ وذلك لأنَّ الأصل في كلِّ أمرٍ يحتملُ دليليّتُه عدم الحجيّة إلّاَ إذا أُحرزت حجيّتُه، ومن ثمَّ كان الشكّ في الحجيّة مساوقاً للقطع بعدمها، كما ثبت في محلّه. ونحن في طول العلم الإجمالي بسقوط أحدهما عن الحجيّة، لو لاحظنا كلّ خبرٍ بعينه لشككنا في حجيّته لا محالة، وجرت فيه أصالة عدم الحجيّة.
إذن، فهذا الأصل يجري في كلِّ منهما في نفسه، والعلم الإجمالي بسقوط أحدهما عن الحجيّة لا يمنع عن جريان هذا الأصل فيهما معاً؛ لإمكان أن يكون كلاهما ليسا بحجّة( ).
فإن قيل: إنَّنا نعلم إجمالاً بشمول دليل الحجيّة لأحدهما، وهو حاكم على الأصل لا محالة.
قلنا: إنَّ هذا العلم فرع إمكان شمول دليل الحجيّة للفرد المشتبه، ثبوتاً وإثباتاً. وهو غير ممكن على الصحيح.
وعلى أيّ حالٍ، فنحن في غنى عن مناقشة هذا البيان بعد بطلان مبناه، وهو الانتهاء إلى المعارضة.
ــــــ[132]ـــــــ
( ) أُنظر: نهاية الأفكار 3: 305-307، المقصد السابع في الأُصول العمليّة، الموضع الثاني في الشكّ في المكلّف به.
(2) ولا يلزم من ذلك مخالفة قطعيّة (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
القول الخامس: التوقّف بين القصر والتمام
نسبه صاحب الرياض(1) إلى بعض أفاضل متأخّري المتأخّرين(2)، ونسب إليه قوله: لتعارض الصحيحين فيهما، واحتمال كلٍّ منهما الحمل على الآخر.
ومن المعلوم أنَّ التوقّفَ دليلُ مَن لا دليل له، وقولُ مَن أعجزته الحجّة. فيكون قول مثبت الحجّة حاكماً على قول المتوقّف؛ لأنَّه متوقّف على عدمها كما هو واضح.
ونحن وإن اعترفنا بالتعارض الدلالي، وعدم إمكان حمل أحدهما على الآخر، المنتج للتخيير، إلّاَ أنَّنا قلنا بتقديم دليل وجوب التقصير ببركة مرجّحات باب التعارض كما سبق، ومعه يكون هو الحجّة المتعيّنة.
مضافاً إلى أنَّ المعارضة لو استحكمت فهي توجب التساقط، والمصير إلى دليلٍ آخر، لا أنَّها توجب التوقّف، وإن كان التوقّف ناشئاً من العلم الإجمالي بحجيّة أحدهما، فقد عرضنا لهذا العلم الإجمالي وناقشناه.
إذن، فلم يتحصّل من الأقوال ما يمكن المساعدة عليه، ما عدا وجوب التقصير، مع استحباب الجمع احتياطاً.
ــــــ[133]ـــــــ
(1) أُنظر: رياض المسائل 4: 455، كتاب الصلاة، الخامس في صلاة المسافر، أحكام القصر.
(2) قصد بهما المحقّق السبزواري في ذخيرة المعاد (ط. ق) 1 ق2: 415، كتاب الصلاة، النظر الثالث: في اللواحق، المقصد الرابع في صلاة السفر، والمحدّث البحراني في الحدائق الناضرة 11: 480، كتاب الصلاة، المقصد الرابع في صلاة المسافر، المطلب الثاني في الأحكام، المسألة الرابعة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

[الجهة الثالثة: مقتضى الأصل العملي]
الجهة الثالثة من المقام الأوّل، فيما هو مقتضى الأصل العملي.
من المعلوم أنَّه لا تصل النوبة إلى الأصل العملي إلّاَ بعد عدم الدليل الاجتهادي، ويستحيل أن يكون جارياً في عرضه أو معارضاً له؛ لأنَّه أُخذ في موضوعه الشكّ، والدليل الاجتهادي رافعٌ للشكّ، فما في الجواهر(1) من احتمال جعل الاستصحاب معارضاً لما دلَّ على القصر، ليس على ما يرام، كما هو واضح.
فلابدَّ – من أجل البحث في هذه الجهة- من فرض عدم وجود الدليل الخاصّ، إمّا لعدم تماميّته في نفسه سنداً أو دلالة، وإمّا لسقوطه بالمعارضة. وبذلك تنتفي سائر الأقوال إلّاَ القول بوجوب الاحتياط، الذي ناقشناه وأبطلناه أيضاً. فإنَّها جميعاً متوقّفةٌ على الفهم من تلك الأدلّة، كما هو واضح.
كما لابدَّ من فرض أنَّ إطلاقات وجوب التمام وإطلاقات وجوب القصر غير تامّةٍ، إمّا لكونها مجملةً أو لكون أدلّتها لبيّةً كما احتملناه، وإلّاَ لو
ــــــ[134]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 14: 355، كتاب الصلاة، الفصل الخامس في صلاة المسافر، في شروط صلاة المسافر، البحث في القصر نفسه، حكم ما إذا دخل الوقت وهو حاضر… .
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
تمّت دلالتها لكفت – كما قلنا- في إثبات وجوب التقصير في صورة مسألتنا.
ومعه ينتفي – أيضاً- الأمر الذي استنتجناه من مجموع الأدلّة، وهو كون المكلّف مخيّراً من أوّل الأمر بين القصر والتمام، على أنَّ كلاً منهما مشروط بشرطٍ مباين للآخر، ولا يجب على المكلّف تحصيل شرط أيٍّ منهما، على أنَّه لا يخلو من أحدهما تكويناً.
وبعد فرض عدم الأدلّة ينتفي هذا الأمر أيضاً، على أنَّه لو بقي هذا الأمر معلوماً، ولو من طريقٍ آخر، لأغنى عن جريان الأصل أيضاً؛ لأنَّ تحوّل حال المكلّف إلى السفر، لا يعني شكّه في بقاء التكليف السابق، بل يعني كونه محقّقاً لشرط القصر، الذي هو أحد شقّي التخيير، فلابدَّ في البحث في هذه الجهة من أن يفرض هذا الأمر غير معلوم، بل مشكوك، إن لم يكن معلوم العدم.
نعم، لابدَّ من الالتزام ببقاء ذات الدليل على وجوب التمام ووجوب القصر على إجماله، وإلّاَ لانسدَّ الباب إلى التوصّل إلى معرفة نوع التكليف لا محالة. وإن كنّا قد يمكن أن نتحدّث حتّى على فرض عدم مثل هذا الدليل أيضاً.
فهنا حالات ثلاثة:
أحدها: أن يفرض تماميّة دليل وجوب التمام ووجوب القصر على إجماله، وكون خروجه بعد الزوال بنحو يسع الإتيان بالصلاة تامّةً، ولكنّه لم يصلّ بل سافر.
ثانيها: أن يفرض تماميّة ذاك الدليل مع كون خروجه عند الزوال، أو
ــــــ[135]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
بنحوٍ لا يسع الصلاة التامّة، ولو بلحاظ الخروج عن حدِّ الترخّص.
ثالثها: أن يفرض عدم تماميّة أيّ دليلٍ اجتهاديٍّ على وجوب القصر أو التمام، حتّى اللبّي أو المجمل، بحيث ينسدّ بابُ معرفة الحكم من الدليل الاجتهادي أساساً، سواء كان الخروج عند الزوال أو بعده.
الحالة الأُولى: أن يكون الخروج إلى السفر بعد الزوال بنحوٍ يمكن إيقاع التمام قبل السفر، مع فرض تماميّة دليل وجوب القصر ووجوب التمام في الجملة.
وفي هذه الحالة أيضاً إمّا أن يفرض القطع بعدم المبنى الفقهي الذي ذكرناه، وهو كون المكلّف مخيّراً ابتداءً بين القصر والتمام، وذلك بعد فرض سقوط أدلّته. وإمّا أن يفرض بقاؤه أمراً محتملاً ثبوتاً، وإن لم يكن عليه دليلٌ إثباتاً.
أمّا في الصورة الأُولى: وهي القطع ببطلان المبنى الفقهيِّ المزبور، فيكون المكلّف قبل خروجه مشمولاً لأدلّة التمام لا محالة؛ لأنَّه فرد من القدر المتيقّن فيها؛ لأنَّه(1) المكلّف الحاضر الذي لم تطرأ عليه حالة جديدة توجب الشكّ، وهذا كذلك، فإنَّه لم يسافر بعد. ولكنّه بعد أن يسافر لا يكون مشمولاً لأدلّة وجوب القصر؛ باعتبارها مجملةً أو لبيّةً على الفرض، وهذا المورد خارج عن قدرها المتيقّن؛ لطروّ حالة توجب الشكّ، وهو كونه حاضراً قبل ذلك في الوقت.
ففي مثل ذلك يكون تكليفه – وهو التمام- معلوماً في أوّل الوقت، ويشكّ في قبوله بتبدّل الحال إلى السفر، فيكون موضوعاً تامّاً للاستصحاب
ــــــ[136]ـــــــ
( ) يعني: القدر المتيقّن (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
كما هو واضح؛ وبه يثبت وجوب التمام في صورة مسألتنا.
وهذا هو الأصل الذي تمسّك به الشهيد الثاني في الروضة(1)، وأفتى على طبقه بوجوب التمام، في طول تعارض الأدلّة وعدم ما يدلّ على الترجيح عنده.
إلّاَ أنَّ هذا الاستصحاب لا يتمّ؛ لِمَا أسلفناه من أنَّ الموضوع لوجوب التمام ليس هو ذات المكلّف ليكون محفوظاً في حال الشكّ، بل هو المقيّد بالحضور، وقد ارتفع هذا القيد وجداناً، فلم تتّحد القضيّة المتيقّنة والمشكوكة فلا يصحّ جريان الاستصحاب.
فإن قيل: إنَّه ثبت في علم الأُصول(2) أنَّ الوحدة التامّة بين القضيتين محال، وإلّاَ لم نتصوّر الشك في البقاء، وإنَّما الوحدة في موارد الاستصحاب أمرٌ قائمٌ على المسامحة، وهي أمرٌ منوطٌ بالعرف، فمتى رأى العرف وحدة القضيّتين أمكن جريان الاستصحاب، وفي المقام كذلك كما هو واضح، لانحفاظ ذات المكلّف على أيّ حال.
قلنا: إنَّ ما طرق سمعك في ذلك المطلب الأُصولي إنَّما هو في الصفات المرتفعة المشكوك دخلُها في التكليف ثبوتاً مع عدم دليل عليها إثباتاً، فبالاستصحاب ينفى دخلها فيه كما هو واضح. وأمّا في الصفات
ــــــ[137]ـــــــ
(1) الروضة البهيّة (مع حاشية سلطان العلماء، ط. ق) 1: 115، كتاب الصلاة، الفصل العاشر في صلاة المسافر.
(2) أُنظر: غاية المأمول (محمّد تقي الجواهري) 2: 663، الاستصحاب، خاتمة الأمر الأوّل في اعتبار اتّحاد القضيّة المتيقّنة مع القضيّة المشكوكة، الثاني: أنَّ العبرة بالاتّحاد العرفي أو العقلي.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
التي علمنا دخلها في الموضوع بالدليل الاجتهادي، فإنَّنا علمنا قيديّة عنوان المسافر في الموضوع، فلا يتمّ في مثلها ذلك لا محالة.
وقد يجري الاستصحاب بنحوٍ آخر، وهو استصحاب عدم التقييد في مرحلة الجعل، وهو الذي فهمه أحد محشّي الروضة من كلام الشهيد الثاني( ) .
وذلك بأن يُقال: بأنّنا علمنا بالدليل الاجتهادي جعل وجوب التمام على المكلّف الحاضر في الجملة. ولكنّنا لإجماله نشكّ في أنَّه هل قيّد في مقام الجعل بأن لا يسافر بعد ذلك، بحيث إنَّه لو سافر لا يكون مشمولاً لهذا الدليل، أو أنّه لم يقيّد في مقام الجعل بذلك، فيكون مشمولاً لهذا الدليل في سفره وحضره، فنستصحب عدم جعل القيد، ولو بنحو استصحاب العدم الأزلي بناءً على جريانه.
وكأنَّنا بهذا الاستصحاب نستطيع أن نعوّض عن الإطلاق الذي فقدناه في أدلّة وجوب التمام، فنعطيه الإطلاق عن طريق الأصل مثلاً!!
إلّاَ أنَّ هذا الاستصحاب لا يتمّ أيضاً:
أمّا أوّلاً: فلأخذ عنوان الحاضر قيداً في أدلّة وجوب الإتمام، ومعه لا معنى لتقييده بعدم السفر؛ لوضوح أنَّ انتفاء الحكم عند انتفاء الحضور؛ لانتفاء موضوعه السابق رتبةً عن هذا القيد. مضافاً إلى أنَّهما مترادفان، يرجع أحدهما إلى الآخر، والمفروض أنَّنا علمنا بالدليل الاجتهادي أخذ عنوان الحاضر، فلا مجال لاستصحاب عدمه.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ استصحاب عدم القيد لا يثبت الإطلاق إلّاَ بناءً على
ــــــ[138]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأصل المثبت، المشهور بطلانه في علم الأُصول(1). فإن أُريد إثبات وجوب التمام بنفس استصحاب عدم القيد، كان مثبتاً، وإن أُريد إثباته بالدليل الاجتهادي الأصلي الدالّ على وجوب التمام، فهو باقٍ على إجماله ولم يكتسب الإطلاق بالاستصحاب، والقدر المتيقّن منه هو غير هذه الصورة.
فإن قيل: أليس قد قلت إنَّ هذه الصورة داخلة في قدره المتيقّن؟
قلنا: بأنَّ الداخل في القدر المتيقّن هو ما قبل السفر، ومحلّ الكلام هو إثبات وجوب التمام لِمَا بعده، وهو خارجٌ عن القدر المتيقّن، لعلّةٍ وحالةٍ موجبةٍ للشكّ على موضوعه.
ولا يُعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم التقييد بالركعتين الأخيرتين.
أوّلاً: لكون القصر والتمام متباينين، وليس التمام عبارة عن تقييد صلاة العصر بركعتين، فلا يمكن جريانه.
ثانياً: أنَّه على تقدير المعارضة تصل النوبة إلى استصحاب اشتغال الذمّة الآتي.
وقد يجري الاستصحاب بنحوٍ ثالث، وحاصله: استصحاب اشتغال الذمّة بعد الإتيان بالركعتين.
وذلك بأن يُقال: بأنَّ التكليف بالصلاة بعد السفر، محرزٌ لا محالة؛
ــــــ[139]ـــــــ
(1) أُنظر: أجود التقريرات 2: 415، المقصد السابع في الأُصول العمليّة، المبحث الرابع في الاستصحاب التنبيه الثامن، وكفاية الأُصول: 414، فصل في الاستصحاب، التنبيه السابع الأُصل المثبت، ونهاية الأفكار 4: 177، فصل في الاستصحاب، التنبيه السابع، الأصل المثبت.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
للقطع باشتغال الذمّة به من أوّل الوقت وعدم سقوطه بالامتثال. وقد أصبح هذا التكليف بالسفر مردّداً بين القصر والتمام، بعد فساد الاستصحابين السابقين. ومعناه: الشكّ في إجزاء الركعتين أو مطلوبيّة الأربع بحدّها. وبعد أن يتمّ المكلّف الركعتين يشكّ – لا محالة- في الإجزاء، وسقوط التكليف المحرز، فيستصحب وجوده حتّى يحرز سقوطه بالإتيان بالتمام.
وهذا الاستصحاب إنَّما يُصار إليه، بعد عدم جريان أصالة البراءة عن الزائد، على ما سنذكر، إذ معه يعلم بإجزاء الركعتين فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب.
لا يُقال: بأنَّ الاستصحاب مقدّمٌ على أصالة البراءة بنحوٍ من الأنحاء، كما ثبت في علم الأُصول(1).
فإنَّه يُقال: إنَّ ذلك تامٌّ في المعارضة العرضيّة، وفي المقام تجري البراءة في موضوع الاستصحاب دون العكس. كما هو واضحٌ للمتأمّل.
على أنَّ هذا الاستصحاب يكون معضوداً ومؤيّداً بالاستصحاب الذي نذكره الآن، وهو النحو الرابع: من الاستصحاب المثبت للتمام، وهو استصحاب بقاء جامع التكليف بعد العلم بانتفاء إحدى الخصوصيّتين.
بيانه: إنَّنا كنّا نعلم بوجود جامع تكليف مردّد بين القصر والتمام، ونشكّ لا محالة في سقوط هذا الجامع بعد الإتيان بالركعتين؛ لاحتمال كونه في الواقع متعيّناً في الفرد الآخر، فنستصحب هذا الجامع، وبه يثبت وجود
ــــــ[140]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 6: 358، مباحث الحجّج والأُصول العمليّة، خاتمة، النسبة بين الأمارات والأُصول، تقدّم الأصل المحرز والسببي على غير المحرز والمسبّبي.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
التكليف تعبّداً، فيجب الاستمرار في الصلاة حتّى تمام الأربع ركعات.
ويكون هذا من القسم الثاني من استصحاب الكلّي الذي نقول بجريانه في علم الأُصول(1).
فتحصّل أنَّ الاستصحابين الأخيرين صحيحان، متعاضدان، وإن كان الثاني جارياً في موضوع الأوّل، على أنّ الاستصحاب الأخير حاكمٌ على أصالة البراءة التي سنذكرها؛ لأنَّه محرز للتكليف، فلا تصل النوبة إلى جريان البراءة.
لا يُقال: بمعارضة هذين الاستصحابين باستصحاب اشتغال الذمّة أو جامع الجعل بعد الانتهاء من صلاة التمام.
فإنَّه يُقال: إنَّ الاستصحاب الجاري في أثناء الصلاة أسبق زماناً ورتبةً من الاستصحاب الجاري بعدها، فإنَّه ينقّح الإجزاء وإحراز الامتثال، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب الآخر. فتأمّل.
وعلى أيّ حالٍ فقد يُقال لأجل تقريب إجزاء الركعتين بجريان أصالة البراءة عن الزائد. وذلك بأن يُقال:
بأنَّ المكلّف بعد الانتهاء من الركعتين يشكّ في وجوب الزائد عليه، فإنَّه إن كان الواجب هو القصر فلا يجب شيءٌ.
وإن كان الواجب هو التمام، إذن فيجب إضافة ركعتين أُخريين، وهذا شكّ في التكليف الزائد، فتجري عنه البراءة، بناءً على صحّة جريانها في مورد التردّد بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.
ــــــ[141]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 6: 235، 240، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، الفصل الرابع، تطبيقات، (3) استصحاب الكلّي، الجهة الثانية.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إلّاَ أنَّ هذا ممّا لا يتمّ:
أمّا أولاً: فلأنَّ صحّة جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، إنَّما هو فيما إذا أُخذ الأقل لا بشرط عن الزيادة، وفي المقام ليس كذلك؛ لأنَّ الواجب إن كان هو التمام فإنّ الركعتين تكون باطلة؛ لنقصان عدد من الأركان، ولو كان الواجب هو القصر لا يكون التمام مجزياً بل يكون باطلاً؛ لزيادة عدد من الأركان على ما هو المطلوب.
فقد أُخذ الأقلّ بشرط لا عن الزيادة، ومعه يصبح الأقلّ والأكثر متباينين، وفي مثله لا تجري البراءة كما ثبت في محلّه.
وأمّا ثانياً: فلِمَا قلناه قبل قليل من حكومة استصحاب جامع التكليف على هذا الأصل.
ثمَّ إنَّه بعد ثبوت وجوب التمام بالاستصحاب، فهو الحجّة في هذه الصورة.
نعم، مع فرض التنزّل عنه تصل النوبة إلى أصالة الاشتغال العقليّة، فإنَّه يعلم باشتغال الذمّة بالتكليف بالصلاة في الجملة، ولا يعلم سقوطه، ولا أصل يعيّنه، فلابدَّ من إحراز الفراغ لحكم العقل بلزوم ذلك.
هذا كلّه هو الكلام في الصورة الأُولى من الحالة الأُولى، وهي فرض غضّ النظر عن ذلك المبنى الفقهي والقطع بعدمه.
الصورة الثانية: هي فرض الخروج بعد الزوال بوقتٍ واسع، مع وجود احتمال ذلك المبنى الفقهي، وهو كون المكلّف مخيّراً ابتداءً بين القصر والتمام، على أنَّ كلاً منهما مشروطٌ بحالةٍ مباينةٍ للآخر، وهما السفر والحضر، والإنسان لا يخلو منهما ولا يستطيع الجمع بينهما.
ــــــ[142]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فيكون حال المكلّف دائراً بين أحد أُمور ثلاثة:
أحدها: وجوب التمام. الآخر: وجوب القصر؛ باعتباره تكليفاً ثابتاً له بعنوانه مسافراً. والثالث: وجوب القصر؛ باعتباره محقّقاً لأحد شقّي التخيير من المبنى السابق.
إلّاَ أنَّ هذا الفرض لا يغيّر من الموقف شيئاً، فإنَّ استصحاب جامع الوجوب واستصحاب اشتغال الذمّة يجريان. وعدم جريان استصحاب الوجوب الثابت على المبنى الفقهي من أوّل الأمر؛ لأنَّه غير محرزٍ من أوّل الأمر على الفرض؛ للشكّ في ثبوته أصلاً، وعدم قيام الدليل عليه بخصوصه على الفرض.
وهو على تقدير ثبوته، يكون بنفس إطلاقه معيّناً للتكليف؛ لأنَّنا قلنا بأنَّ الانتقال إلى حالة السفر لا توجب الشكّ في التكليف بعد كونها أحد شقّي التخيير، ويكون حاكماً على استصحاب جامع الوجوب كما هو واضح. إلّاَ أنَّ ثبوته أساساً خلاف الفرض.
الحالة الثانية: أن يكون الخروج عند الزوال، أو بعده بوقت قليل لا يسع الإتيان بالتمام، ولو بلحاظ الخروج من حدّ الترخص. مع تمامية دليل وجوب القصر ودليل وجوب التمام في الجملة.
وفرق هذه الحالة عن سابقتها، إمكان التكليف بالتمام بخصوصه في أوّل الوقت في الحالة الأُولى، وعدم إمكانه في هذه الحالة، فإنَّه ينتج من ضمّ حكم العقل باستحالة للتكليف بشيء في زمان، لا يسعه إلى حكم الشارع بجواز السفر – اختياراً- أنَّه لم يشرع التمام بخصوصه في أوّل الوقت.
إلّاَ أنَّ هذا لا يغيّر من النتيجة شيئاً، فإنَّ الاستصحاب الأوّل – الذي
ــــــ[143]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ذكرناه في الحالة السابقة وهو استصحاب الحكم الفعلي بوجوب التمام- وإن لم يكن جارياً في نفسه، لفرض عدم فعلية هذا الحكم، إلّاَ أنَّ المكلّف على أيّ حالٍ عالمٌ بوجوب الصلاة عليه مردّداً بين القصر والتمام، فيكون هذا – بالتقريبات السابقة- موضوعاً لسائر الاستصحابات الأُخرى، وخاصّة استصحاب بقاء الجعل واستصحاب اشتغال الذمّة الذي اعتبرناه تامّاً.
كما يكون لتقريب البراءة نفس الصورة التي ذكرناها مع جوابها. وإذا غضضنا النظر عن تمام هذه الأُصول، انتهى الأمر إلى أصالة الاشتغال القاضية بوجوب الجمع بين الامتثالين إحرازاً لفراغ الذمّة.
فإن قيل: كيف يمكن الحكم بالتمام مع استحالة التكليف به في أوّل الوقت؟
قلنا: هذا يثبت بما ذكرناه من الأُصول وهي تنتج نتيجة التمام، وما قيل لا ينفي إلّاَ امتناع جريان استصحاب الحكم الفعلي، وقد ذكرنا أنَّه أمرٌ صحيح.
وكذلك لا يكون لضمّ ذلك المبنى الفقهي – المشار إليه فيما سبق- أيُّ أثرٍ في تغيّر الموقف كما أشرنا إليه.
الحالة الثالثة: ما إذا كان الدليل على وجوب التمام وعلى وجوب القصر منعدماً بإجماله وتفصيله، سواء كان خروجه حين الزوال أو بعده، فإنَّه لا يختلف الحال في ذلك على ما سنرى.
ففي هذه الحالة قد يُقال: بوجوب الجمع تمسّكاً بقاعدة تنجيز العلم الإجمالي، بتقريب: إنَّنا نعلم إجمالاً بوجوب أحد الأمرين إمّا القصر وإمّا
ــــــ[144]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
التمام، وقد ذكرنا أنَّهما طرفان متباينان؛ باعتبار أخذ الركعتين بشرط لا عن الزيادة، فيكون مقتضى الموافقة القطعيّة الواجبة هو الجمع بين القصر والتمام؛ ليحرز الامتثال على كلِّ حال.
إلّاَ أنَّ هذا التقريب غير صحيحٍ؛ لِمَا ثبت في محلّه من أنَّ العلم الإجماليّ إنَّما يكون منجّزاً لتعارض الأُصول في أطرافه، وأمّا إذا اختصّ أحد الأطراف بأصلٍ، جرى فيه من دون معارضةٍ، ويكون موجباً لانحلال العلم الإجمالي لو كان متعرّضاً لحكم المعلوم بالإجمال ابتداء(1)، كما في المقام. فإنَّ جريان استصحاب بقاء اشتغال الذمّة واستصحاب بقاء الجعل، يثبتان التمام وينفيان القصر، ولا معارض لهما من مثلهما أو من غيرهما من الأُصول في رتبتهما. إذن، فينحلّ العلم الإجماليُّ بتعيّن الإتمام وعدم جواز الاكتفاء بالقصر.
لا يُقال: بأنَّنا إنَّما نعلم بوجوب القصر أو الإتمام، باعتبار الأدلّة الاجتهاديّة الواردة، والمفروض عدمها جملةً وتفصيلاً في هذه الصورة، فكيف نعلم بوجوب القصر أو التمام؟
فإنَّه يُقال: يكفينا الشكّ المردّد بينهما كما هو واضح. فإن كان مراد السائل أنَّ الأدلّة الاجتهاديّة هي التي تعيّن سنخ الوجوب، فهذا مفروض العدم.
وإن كان مراده أنَّها هي التي توجب التفات المكلّف إلى عنوان القصر والتمام، ومع فرض عدمها كيف يتصوّر الالتفات؟
ــــــ[145]ـــــــ
(1) أُنظر: أجود التقريرات 2: 242، المقصد السابع في الأُصول العمليّة، المبحث الثالث، المقام الأوّل، الدعوى الثانية.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
نقول: هذا مفروض الوجود؛ لاستحالة التكليف مع الغفلة.
وإذا غضضنا النظر عن جريان الاستصحاب، نبقى مع قاعدة تنجيز العلم الإجمالي المقتضية للتنجيز، والموجبة للجمع بين القصر والتمام. وإذا غضضنا عن ذلك أيضاً، فإنَّ قاعدة الاشتغال العقليّة كفيلةٌ بإثبات ذلك أيضاً.
نعم، إذا تمَّ المبنى الفقهيُّ المزبور، أو أمكن استصحاب حكمه، فإنَّه يثبت وجوب القصر بالخصوص. إلّاَ أنَّ تماميّته خلاف المفروض، وإمكان استصحابه غير متحقّق؛ لعدم الشكّ في بقائه كما سبق أن ذكرناه.
ونتيجة هذه الحالة الثالثة لا يختلف فيها ما إذا كان المكلّف خارجاً عند الزوال أو بعده؛ لفرض انعدام أيّ دليلٍ يدلّ على وجوب التمام في الحضر حتّى في سعة الوقت، وانعدام أيّ دليلٍ يدلّ على وجوب القصر في السفر. فيبقى المكلّف مع علمه الوجدانيِّ بوجوب الصلاة المردّدِ بين الأمرين والمنتجِ ما ذكرناه.
فتحصّل: أنَّه في تمام الحالات والصور – مع غضِّ النظر عن الأدلّة الاجتهاديّة – يكون مقتضى قواعد الأُصول العلميّة وجوبَ التمام، وفاقاً للشهيد الثاني(1). ومع الغضّ عنها، يكون مقتضى القواعد العقليّة وجوب الجمع.
فرع: في صورة ضيق الوقت
في كلِّ موردٍ حكمنا فيه بوجوب الجمع بين القصر والتمام بقاعدة الاشتغال، وضاق الوقت عن الجمع بحيث لا يمكن إيقاع ستّ ركعات في
ــــــ[146]ـــــــ
(1) تقدّم تخريجه غير مرّةٍ عن الروضة البهيّة، فراجع.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
داخل الوقت، فهنا فروض عديدة:
الفرض الأوّل: أن يبقى من الوقت بمقدار خمس ركعات، بحيث لابدَّ له تكويناً من إيقاع ركعةٍ خارجَ الوقت، من أيّ الصلاتين كانت. ففي مثل ذلك يبقى المكلّف مخيّراً في تقديم أيٍّ منهما شاء؛ لعدم تعيّن التكليف في أحدهما، ولزوم وقوع هذا المحذور في الثانية منهما.
الفرض الثاني: أن يبقى بمقدار أربع ركعات، بحيث يدور أمر المكلّف بين إيقاع صلاةٍ واحدةٍ من دون زيادةٍ في داخل الوقت، وهي الصلاة التامّة، أو إيقاع صلاة القصر مع ركعتين من التمام. وفي مثله يتعيّن الثاني لا محالة؛ لأنَّه أقلّ محذوراً كما هو واضح.
الفرض الثالث: أن يبقى بمقدار ثلاث ركعات، بحيث يدور أمر المكلّف بين الاشتغال بصلاة التمام، فلا يمكنه أن يتمّها في الوقت، وبين أن يأتي بصلاة القصر وركعةٍ من صلاة التمام فيه، وفي مثله يكون تعيّن الثاني أوضح؛ لوفائه بالغرض أكثر من الأوّل لا محالة.
الفرض الرابع: أن يبقى من الوقت بمقدار ركعتين، فيدور أمر المكلّف بين إيقاع صلاة القصر تامّةً في الوقت، مع إيقاع صلاة التمام كلّها خارج الوقت، أو إيقاع ركعتين من التمام في الوقت وإيقاع باقيها وصلاة القصر كلّها خارج الوقت، وفي مثله يتعيّن الأوّل؛ لوفائه بالغرض، وتحصيل صلاةٍ كاملةٍ في الوقت، دون الثاني كما هو واضح.
الفرض الخامس: أن يبقى من الوقت بمقدار ركعة، بحيث لا يتمكّن المكلّف من أداء صلاةٍ كاملةٍ في الوقت، بأيّ الصلاتين بدأ، وفي مثل ذلك يتخيّر المكلّف في تقديم أيٍّ من الصلاتين شاء؛ لتساوي المحذور بالنسبة
ــــــ[147]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إليهما.
ودعوى أنَّه إن شرع بصلاة التمام وقعت أجزاء منها خارج الوقت أكثر ممّا لو شرع بصلاة القصر، فيتعيّن الثاني، مدفوعةٌ، بأنَّه لا اعتبار بما يقع خارج الوقت من الأجزاء، وإنَّما علمنا من ذوق الشارع أهميّة مصلحة الوقت، وهي ممّا لا يمكن إحرازها في هذا الفرض إلّاَ بركعةٍ واحدة. وهذا أمر متساوي النسبة إلى كلتا الصلاتين.
فتحصّل: أنَّه يجب تقديم صلاة القصر، إلّاَ إذا تساوى المحذور بالنسبة إليهما، وهو في الصورتين الأُولى والأخيرة، وأمّا في سواهما، فلزوم تحصيل الغرض ببعض مراتب التحصيل، بإيقاع صلاةٍ تامّةٍ في الوقت يُلزم بتقديم القصر.
فهذا هو تمام الكلام في الجهة الثالثة من المقام الأوّل، وهو البحث عن مقتضى الأصل العملي.
وبانتهائها ينتهي الكلام عن المقام الأوّل، وهو البحث عن طرد المسألة، وهو ما إذا كان حاضراً ثمَّ سافر، وأراد إيقاع الصلاة في السفر.
* * * *

ــــــ[148]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

المقام الثاني
في عكس المسألة السابقة
 ما يصلح دليلاً على وجوب التمام
 ما يصلح دليلاً على وجوب القصر
 مقتضى الأُصول العمليّة في المقام

ــــــ[149]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

ــــــ[150]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

المقام الثاني: في عكس المسألة السابقة. وهو: إذا دخل الوقت على المكلّف وهو في السفر، فلم يصلّ أخذاً بالرخصة الشرعيّة بالتأخير، حتّى دخل وطنه الذي يجب فيه التمام في نفسه، وأراد أن يصلّي هناك، فما هو تكليفه في مثل هذه الصورة؟
المشهور شهرةً عظيمةً حتّى كادت أن تكون إجماعاً، هو القول بوجوب الإتمام اعتباراً بحال الأداء، والاعتبار بحال الوجوب ضعيف القائل(1)؛ ولذا التزم بعض مَن قال برعاية حال الوجوب هناك باعتبار حال الأداء هاهنا، كالعلّامة(2) والشهيدين(3)، بل عن غير واحدٍ الاعترافُ بعدم معروفيّة القائل بتعيّن القصر، بل عن السرائر(4) أنَّه لم يذهب إلى ذلك أحد، ولم يقل به فقيه، ولا مصنّفٌ ذكره في كتابه، ولا من مخالفينا.
ــــــ[151]ـــــــ
(1) أُنظر: مستمسك العروة الوثقى 8: 176، كتاب الصلاة، فصل في أحكام صلاة المسافر، المسألة (9) قال: كما هو المشهور شهرة عظيمة كادت أن تكون إجماعاً، فإنَّ القول هنا بكون الاعتبار بحال الوجوب ضعيف القائل.
(2) أُنظر: تذكرة الفقهاء 4: 353-354، كتاب الصلاة، المقصد الرابع في التوابع، الفصل الثاني في صلاة المسافر، الأوّل في القصر ومحلّه، مسألة (610-611).
(3) أُنظر: الدروس الشرعيّة 1: 212-213، درس (54) في صلاة المسافر، وروض الجنان (ط. ق): 398، كتاب الصلاة، النظر الثالث في اللواحق، المقصد الرابع في صلاة المسافر.
(4) أُنظر: السرائر 1: 333-334، كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
كذا في مصباح الفقيه(1)، ونحوه في غيره من المصادر(2)، وإن كان يظهر من الشرائع(3)، بل وغيرها(4) على ما نقل وجود الخلاف في ذلك.
فيتحصّل من ذلك أنَّ في المسألة قولين لا أكثر:
أحدهما: ما عليه الشهرة العظيمة وهو وجوب التمام اعتباراً بحال الأداء(5)، وهو المنسوب إلى العامّة أيضاً(6)، وهو متّفق مع ما استفدناه من صحيح إسماعيل بن جابر، بناءً على عود ذيله إلى السؤال الثاني، فراجع(7).
القول الثاني: ما هو خلاف المشهور جدّاً، بل ممّا لا يعرف له قائل بعينه، وهو وجوب القصر اعتباراً بحال الوجوب(8).
ــــــ[152]ـــــــ
(1)أُنظر: مصباح الفقيه 2 ق2: 765، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الخامس في صلاة المسافر، شروط القصر.
(2) أُنظر: الرسائل الفقهية (الخواجوئي) 2: 430، الرسالة الذهبيّة، الفصول الأربعة في مَن دخل عليه الوقت وهو مسافر وبالعكس … وجواهر الكلام 14: 360، كتاب الصلاة، الفصل الخامس في صلاة المسافر.
(3) أُنظر: شرائع الإسلام 1: 103، كتاب الصلاة، في صلاة المسافر.
(4) أُنظر: غاية المرام في شرح شرائع الإسلام (للصيمري) 1: 230-231، كتاب الصلاة، في صلاة المسافر، الفرع الثامن.
(5) تقدّم تخريجه في الصفحة السابقة.
(6) على ما حكاه ابن إدريس في السرائر 1: 333-334، كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر.
(7) راجع الوجه السادس لوجوب التقصير، من مبحث الاستدلال بالروايات الخاصّة.
(8) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 765، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الخامس في صلاة المسافر، شروط القصر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وهذا بنفسه ممّا يكون قرينةً على بطلان الأقوال الأُخرى في المسألة السابقة، لو تمَّ القطع بعدم الفرق بين المسألتين، أو أنَّه يكون قرينةً على بطلان هذا القطع، الذي أشرنا إلى أنَّه غير موجودٍ وجداناً.
ويقع الكلام في هذا المقام في جهات:
الجهة الأُولى: فيما يصلح أن يكون دليلاً على القول الأوّل، وهو وجوب التمام، من غير الأُصول العمليّة.
الجهة الثانية: فيما يصلح أن يكون دليلاً على القول الثاني، وهو وجوب القصر، ممّا سوى الأُصول العمليّة.
الجهة الثالثة: فيما هو مقتضى الأُصول العمليّة في المقام.

ــــــ[153]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

الجهة الأولى: ما يصلح أن يكون دليلاً على وجوب التمام
أمّا الجهة الأُولى: وهو ما يصلح أن يكون دليلاً على القول الأوّل المشهور، وهو وجوب التمام من غير الأُصول العمليّة.
وهذا الدليل إمّا أن يكون اجتهاديّاً أو غيره، فيقع الكلام في هذه الجهة في ناحيتين بهذا اللحاظ:
الناحية الأُولى: في ما هو الدليل الاجتهادي على وجوب التمام(1).
وما قيل أو يمكن أن يُقال في ذلك وجوه:
التمسك بالإطلاقات
الوجه الأوّل: التمسّك بالإطلاقات الدالّة على وجوب الإتمام على الحاضر، فإنَّ المكلّف حاضر على الحقيقة، وإن كان مسافراً قبل ذلك، كما سبق أن ذكرنا في عكسه فيما سبق.
وهذا الوجه – على تقدير تماميّة هذه الإطلاقات- تامٌّ. بعد أن قلنا بانحلال المعارضة بينها وبين إطلاقات وجوب القصر، باستظهار أخذ عنوان الحاضر والمسافر قيداً فيها، وأشرنا فيما سبق إلى أنَّ احتمال إرادة وجوب الإتمام عند وقت الوجوب ساقطٌ بعد تماميّة الاستظهارات السابقة.
ــــــ[154]ـــــــ
( ) لم يذكر+ الناحية الثانية. ولعلّها هي ما أشار إليها في نهاية بحث الجهة الأُولى بقوله في الهامش: (سوى الأُصول العمليّة).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وبعد الاعتراف بانحلال المعارضة بين الإطلاقين، لا حاجة إلى الانتهاء إلى الوجوه الفنيّة المتعدّدة التي حاولنا فيها حلّ المعارضة عند الاستدلال على المسألة الأُولى، وهي الوجوه الأربعة ما بين الأوّل والسادس، فإنَّه قد سبق الكلام فيها فلا نكرّر.
نعم، مع غضّ النظر عن إحراز الانحلال، يكون لتلك الوجوه صورة ببيانٍ معاكس لِمَا ذكرناه هناك، ويأتي جملة ما ذكرناه من الأجوبة معكوسة أيضاً، فراجع وفكّر جيّداً.
التمسك بالأدلّة الخاصّة
الوجه الثاني: التمسّك بالأدلّة الخاصّة الواردة في هذا المجال، ومنها ما هو تامٌّ سنداً ودلالةً على ما سبق، وهو صحيح إسماعيل بن جابر، قال: قلت لأبي عبد الله×: يدخل عليَّ وقت الصلاة وأنا في السفر، فلا أصلّي حتّى أدخل بيتي؟ فقال: >صلّ وأتمَّ الصلاة<. قلت: فدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في أهلي أُريد السفر، فلا أصلّي حتّى أخرج؟ قال: >فصلّ وقصّر، فإن لم تفعل فقد خالفت – والله – رسول الله<(1).
فهو يتعرّض في السؤال الأوّل إلى فرض مسألتنا في هذا المقام بكلِّ وضوحٍ، فيجيب الإمام× بوجوب الإتمام.
وقد سبق أن تكلّمنا في النواحي الدلاليّة لهذا الحديث الشريف وتمّمنا
ــــــ[155]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 443، أبواب الصلاة الصلاة وحدودها، باب الصلاة في السفر، الحديث 1287، وتهذيب الأحكام 2: 13، كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة في السفر، الحديث 3، وسائل الشيعة 8: 512، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب 21، باب حكم مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر، الحديث 2.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ظهوره من تمام الجهات( ). بل إنَّ الظهور في السؤال الأوّل أوضح منه في السؤال الثاني الذي تكلّمنا عنه، كظهور (بيتي) في الوطن الشرعي ونصوصيّة السؤال بكونه مسافراً أوّلاً وحاضراً بعد ذلك، في حين إنَّ الخروج إلى السفر في السؤال الثاني كان ظاهر ولم يكن نصّاً.
كما أنَّ هذه المسألة خاليةٌ من أخذ قيد قصد السفر الذي كان مذكوراً في السؤال الثاني.
إلّاَ أنَّ السؤال الأوّل فاقدٌ للتأكيد الذي ذكره الإمام× تعليقاً على حكمه في جواب السؤال الثاني، فإنَّنا استظهرنا رجوعه إلى الجواب الثاني دون الأوّل. ومن هنا تكون المسألة خاليةً من النتائج التي توصّلنا إليها نتيجةً لوجوده.
ومع تماميّة دلالة هذه الصحيحة على المقصود تكون هي الحجّة الرئيسة في المسألة في هذا المقام، كما كانت كذلك في المقام السابق( ). ومعه لا نحتاج – فنيّاً- إلى التعرّض إلى مؤيّداته من الأخبار، إلّاَ أنّنا نشير إليها قصداً لاستيعاب وتمام الفائدة.
وإذا نظرنا نجد أنَّ بعض الأخبار كانت مؤيّدةً للمسألة السابقة، ولكنّها لا تصلح للتأييد في المقام؛ لاختصاص نصّها بفرض تلك المسألة، كصحيحة محمّد بن مسلم وخبر الحسن بن علي الوشاء، فلا يبقى من المؤيّدات إلّاَ ما هو ضعيفٌ سنداً، ممّا لا يمكن أن يقوم حجّةً بنفسه على المطلوب.
ويؤيّده أيضاً صحيحة العيص بن القاسم قال: سألتُ أبا عبد الله×
ــــــ[156]ـــــــ
( ) وكلّها واردة في المقام ما عدا ما نشير إليه (منه+).
(2) لولا احتمال ابتلائه بالمعارض في المقام كما سيأتي (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر، ثمَّ يدخل بيته قبل أن يصلّيها؟ قال: >يصلّيها أربعاً< وقال: >ولا يزال يقصّر حتّى يدخل بيته<(1). وهي – لولا ذيلها – صحيحة السند تامّة الدلالة، وهي لا تزيد على صحيحة إسماعيل، فالمهمّ تلك الصحيحة. على أنَّ هذه موهونةٌ بذيلها كما هو واضح. فتأمّل.
وهو ما عن الفقه الرضوي الذي رويناه فيما سبق، وقال في آخره: >وإن دخل عليك وقت الصلاة وأنت في السفر ولم تصلّ حتّى تدخل أهلك، فعليك التمام<(2)، وهو ظاهر بالمطلوب كما سبق.
يبقى الكلام فيما قيل أو يمكن أن يُقال ممّا يصلح أن يكون معارضاً لدلالة صحيحة إسماعيل بن جابر على مسألتنا، وهي عدّة أُمور:
الأمر الأوّل: معارضته بعمومات القصر على تقدير وجودها، فإنَّها دالّةٌ على أنَّ مَن دخل عليه الوقت مسافراً وجب عليه التقصير، ولم تقيّد بما إذا حضر بعد ذلك.
إلّاَ أنَّ هذا الوجه واضح الدفع، باعتبار قيام دليلٍ معتبرٍ على التقييد، وهو صحيح إسماعيل بن جابر نفسه، فلا يصلح هذا العموم لمعارضته، على أنَّ هذه العمومات غير شاملةٍ للمكلّف بعد حضوره أساساً؛ لِمَا استفدناه من أخذ عنوان المسافر قيداً فيها، ويستحيل أن يشمل الدليل ما لم يُؤخذ في مدلوله.
ــــــ[157]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 3: 162، كتاب الصلاة، أحكام فوائد الصلاة، الحديث 13، وسائل الشيعة 8: 513، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب 21، باب حكم مَن دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر، الحديث 4.
(2) فقه الرضا: 163، باب صلاة المسافر والمريض.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأمر الثاني: معارضته بالروايات التي تأمر في صورة هذه المسألة بوجوب القصر، وقد سبق أن علمنا أنَّ فيها ما هو تامٌّ سنداً ودلالة.
فمن ذلك صحيح محمّد بن مسلم، قال: سألتُ أبا عبد الله× عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق؟ فقال: >يصلّي ركعتين<(1) الخ الحديث.
وقد ذكرنا في المسألة السابقة وجوهاً لمحاولة الجمع الدلالي بين الصحيحين، إلّاَ أنَّها لم تتمّ هناك، ولكنّ جملةً منها أولى بالتمام في المقام، وإن كان بعضها غير واردٍ هنا أصلاً؛ لاختصاصه بتلك المسألة، كالترجيح بالقَسَم، أو بأخذ قصْد السفر في صحيح إسماعيل. وعلى أيّ حال، فما هو المناسب مع المسألة عدّة وجوهٍ من الجمع:
الوجه الأوّل: حمل صحيح إسماعيل الآمر بالإتمام على ما إذا دخل إلى وطنه قبل مضيّ وقتٍ يكفي للصلاة مع مقدّماتها، على حين يبقى صحيح محمّد بن مسلم على ظاهره من الدخول بعد ذلك.
وقد ذكرنا في عكس هذه المسألة أنَّ في هذا الوجه تطبيقاً للمورد على مقتضى القاعدة بغضّ النظر عن التعبّد الذي يأمران به، فإنَّه قد يتخيّل أنَّ مقتضى الأصل العملي مع سعة الوقت هو التقصير، على حين إنَّ مقتضى القاعدة في الضيق هو التمام، باعتبار استحالة تكليفه حدوثاً بالتقصير.
إلّاَ أنَّ هذا حمل تبرّعيٌّ مخالفٌ لظاهر الصحيحين كما سبق.
ــــــ[158]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 444، أبواب الصلاة وحدودها، باب الصلاة في السفر، الحديث 1288، تهذيب الأحكام 3: 222، كتاب الصلاة، باب 23، الحديث 66، وسائل الشيعة 8: 514، باب 21، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الوجه الثاني: حمل الأمر على الوجوب التخييري، بحمل صحيحة إسماعيل على الاستحباب، وحمل صحيحة محمّد بن مسلم على الإجزاء، وهو الوجه الذي قاله الشيخ(1) في عكس هذه المسألة. واستشهد عليه بحديث يرجع إلى هذه المسألة، وكان خير له أن يعمله وجهاً هنا، لولا التسالم على الخلاف.
وقد سبق أن روينا الحديث الذي يدلّ على التخيير، وهو صحيحة ابن حازم، قال: سمعتُ أبا عبد الله× يقول: >إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله، فسار حتّى دخل أهله، فإن شاء قصّر وإن شاء أتمّ. والإتمام أحبُّ إليّ<(2).
إلّاَ أنَّ هذا الاستشهاد – بالرغم من صحّة سنده وتماميّة دلالته، ووروده في مورد المسألة – لا يتمّ على مبنى الشيخ وغيره، من كون إعراض المشهور موهناً للحديث، وخاصّة إذا كانت شهرةً عظيمةً تكاد أن تكون إجماعاً. وسيأتي ما في هذه الصحيحة عند ذكرها كمعارض لصحيح إسماعيل بن جابر.
وإذا سقط هذا الشاهد عن الاستشهاد، يبقى جمعاً تبرعيّاً لا دليل عليه، إلّاَ أن يرجع إلى التقريب الذي ذكرناه في تلك المسألة، وهو جعل أحدهما قرينةً على تقييد الإطلاق في الآخر، فينتج نتيجة الوجوب التخييري، إلّاَ أنَّه يرد عليه إباء صحيح إسماعيل عن التقيّد للوجهين
ــــــ[159]ـــــــ
(1) أُنظر: الخلاف 1: 577، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، الخروج إلى السفر بعد دخول الوقت، مسألة (332).
(2) تهذيب الأحكام 3: 223، كتاب الصلاة، باب 23، الحديث 70، وسائل الشيعة 8: 515، باب 21، من أبواب صلاة المسافر، حديث 9.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأوّلين من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها هناك(1).
الوجه الثالث: الجمع بين الصحيحين: أن يُحمل صحيح محمّد بن مسلم على الصلاة ركعتين قبل الوصول إلى الوطن، أو قبل الدخول في حدِّ الترخّص. ويبقى حكم ما بعد الدخول مشمولاً لصحيحة إسماعيل من دون معارض.
إلّاَ أنَّنا قلنا إنَّ هذا جمع تبرّعيٌّ يحتاج إلى قرينةٍ مفقودة؛ باعتباره خلاف ظاهر سياق الرواية في صحيح محمّد بن مسلم.
الوجه الرابع للجمع بينهما: أنَّ الأمر بالتقصير على فرض ضيق الوقت، والأمر بالإتمام على فرض سعته مؤيّدٌ بموثّق إسحاق؛ سمعت أبا الحسن× يقول: في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، فقال×: >إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتمّ، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر<(2).
وهذه الموثّقة واردة في صورة مسألتنا هذه، فهي أولى بالشهادة في المقام من المقام السابق، على ما سمعت من تعسّف جماعةٍ في ذلك.
إلّاَ أنَّ هذا الاستشهاد ساقطٌ على المباني العامّة؛ من كون الإعراض موهناً للرواية، لإعراض الشهرة العظيمة عنها، وعدم مَن يفتي على طبقها، فإنّ المخالف للمشهور قائلٌ بوجوب التقصير بخصوصه، ولم يُعلم لمدلول الرواية قائل. وسيأتي بيان حالها – في صناعة الأدلّة – عند ذكرها بصفتها معارضةً لصحيح إسماعيل.
وإذا سقط هذا الشاهد عن الشهادة يبقى الحمل تبرعيّاً لا شاهد له،
ــــــ[160]ـــــــ
(1) راجع مبحث (وجوه الجمع الدلالي بين الصحيحين).
(2) تقدّم تخريجه غير مرّةٍ، فراجع.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
مخالفاً لإطلاق كلّ من الصحيحين.
الوجه الخامس للجمع بين الصحيحين، وهو أن يُقال: بانقلاب النسبة بينهما، بضمّ دليلٍ ثالث إلى صحيح إسماعيل، فيكون أخصّ من معارضه، فيتقدّم عليه لا محالة.
وذلك بأحد أُسلوبين:
الأُسلوب الأوّل: أن تضمّ صحيحة منصور بن حازم الدالّة على التخيير إلى صحيحة إسماعيل، فينتج الأمر بالتمام إن لم يمتثل الأمر بالقصر الذي هو عدله في التخيير، وبذلك يكون أخصّ من صحيحة محمّد بن مسلم، فيتقدّم عليه بالأخصيّة، فيتقيّد هذا الصحيح بوجوب القصر إذا لم يمتثل الأمر بالتمام، الذي هو عدله، فيكون مؤدّى صحيحة ابن مسلم هو التخيير.
إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ؛ لإيرادين من الإيرادات الثلاثة التي أوردناها على مثله في المسألة السابقة، وهما:
أوّلاً: مبنى انقلاب النسبة كبرويّاً.
وثانياً: أنَّ صحيح إسماعيل بعد تقييده يصبح مضمونه: صلِّ تماماً إن لم تصلِّ قصراً، وهو مضمون غير قابل عرفاً للقرينيّة على الأمر بخصوص العصر، بل يكون الأمر بالقصر حاكماً عليه؛ لأخذه في موضوعه.
فقد أوجبت صحيحة منصور بن حازم تقديمَ الأمر بالقصر، وهو ضدّ مقصود المستدلّ.
فإن قيل: إنَّنا نأخذ به بغضّ النظر عن مقصود المستدلّ.
قلنا: إنَّه بغضّ النظر عن بطلان المبنى، سيأتي الكلام فيه عند تحقيق
ــــــ[161]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
التعارض بين مجموعة الروايات المتعارضة.
الأُسلوب الثاني: أن نضمّ إلى صحيح إسماعيل موثّقة إسحاق المفصِّلة بين ضيق الوقت وسعته، فيتقيّد هذا الصحيح بوجوب الإتمام في سعة الوقت، فيصبح أخصّ من صحيحة محمّد بن مسلم فيقدّم عليها، فيصبح مضمونه وجوب القصر في ضيق الوقت.
إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ:
أوّلاً: لإنكار المبنى كما سبق.
وثانياً: أنَّ مضمون التفصيل مع مضمون الأمر بشيءٍ بخصوصه متعارضٌ عرفاً، بحيث لا يصلح الدليل المفصّل تقييد الآخر، وخاصّة إذا أفاد التفصيل بالتخصيص لا بنفسه، والخاصّ إنَّما يكون قرينةً على العامّ مع إمكان حمله عليه، لا مع عدم إمكان ذلك عرفاً.
وثالثاً: أنَّ هذه الموثّقة واهنةٌ بإعراض الشهرة العظيمة عنها كما سبق. وهذا تامٌّ عند من تمّت عنده الكبرى(1).
إذن، فلم يتحصّلْ من مجموع هذه الوجوه وجهٌ تامٌّ في الجمع الدلالي بين صحيح إسماعيل وصحيح ابن مسلم المتعارضين، بل تحصّل وجود معارضَين آخرَين لهما، هما صحيحة منصور بن حازم وموثّقة إسحاق. وسيأتي الكلام عن هذه المعارضة لو فرض استحكامها بعد التعرّض لكلٍّ
ــــــ[162]ـــــــ
(1) كالميرزا النائيني في أجود التقريرات 2: 161، المقصد السادس في الأمارات، خاتمة مباحث الظنّ، الأمر الثالث: اشتهار الفتوى بخلاف ما هو حجّة في نفسه، والمحقّق العراقي في نهاية الأفكار 3: 184، القسم الأوّل في مباحث القطع والظنّ، حجّيّة خبر الواحد، التنبيه على أمور، الأمر السادس، في جابرية مطلق الظن وموهنيّة الرواية.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
من الروايتين الأخيرتين على حدة.
وحيث لم يتمّ الجمع الدلالي بين الصحيحين، لابدَّ من تطبيق قواعد باب التعارض، فإن وجد المرجّح فهو، وإلّاَ انتهينا إلى التساقط لا محالة أو التخيير.
أمّا الترجيح السندي فمنعدم؛ للاشتراك في الاعتبار، وعدم أخذ الأورعيّة والأفقهيّة بنظر الاعتبار، على ما سبق أن قلنا.
وأمّا الترجيح بمخالفة العامّة فهو منعدم أيضاً؛ لأنَّهم على ما عرفنا موافقون للمشهور عندنا، القائل بوجوب التمام، وبذلك تكون فتواهم على طبق صحيحة إسماعيل بن جابر، ومخالفةً لمضمون معارضه، فلا يمكن تقديم صحيح إسماعيل طبقاً لهذا المرجّح كما هو واضح.
فإن قيل: إذن، نأخذ بالعكس ونقدّم صحيح محمّد بن مسلم؛ باعتباره مخالفاً لفتواهم.
قلنا: إنَّ هذا لا يمكن لأمرين:
أحدها: وجود المرجّح[بموافقة] الكتاب في الجملة، على ما سيأتي، وهو مقدّم على الترجيح بمخالفة العامّة.
ثانيهما: عدم إمكان ذلك؛ لموافقة صحيح إسماعيل مع الشهرة العظيمة عندنا ومخالفة معارضه لها، والترجيح بذلك مقدّم أيضاً على الترجيح بمخالفة العامّة، عند مَن يؤمن بكبراه، على ما هي المباني العامّة في علم الفقه والأُصول، فتأمّل.
وأمّا الترجيح بموافقة الكتاب، فهو يختلف باختلاف الإيمان بوجود المفهوم للآية الكريمة وعدمه.
ــــــ[163]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فإن قلنا بأنَّ لها مفهوماً مطلقاً، يحكم بوجوب التمام على الحاضر، فإنَّ صحيح إسماعيل يكون موافقاً له، ومعارضه مخالف له؛ لأنَّ المكلّف بعد رجوعه حاضر على الحقيقة، فيكون مشمولاً للآية، فلو اقتصرنا على ذلك، كان صحيح إسماعيل متقدّماً لا محالة.
وكذلك لو قلنا بأنَّ لها مفهوماً مجملاً، لكفاية الموافقة والمخالفة لسنخ الحكم الموجود في القرآن، على ما أشرنا إليه في غضون كلماتنا السابقة.
إلّاَ أنَّنا لو قلنا بإطلاق منطوق الآية، فإنَّ الأمر ينعكس لا محالة، فإنَّ الآية تدلّ بإطلاقها على وجوب القصر على المسافر حتّى لو رجع إلى أهله. فهي تدلّ على وجوب القصر في هذا المورد، فتكون بذلك موافقةً لصحيح محمّد بن مسلم، ومخالفةً لصحيح إسماعيل بن جابر، فتكون مقتضى القاعدة هو رفض هذا الصحيح الأخير وتقديم معارضه والقول بوجوب القصر.
لا يُقال: إنَّ إطلاق المنطوق والمفهوم في الآية يتساقطان في مورد التعارض، فينتفي الترجيح.
فإنَّه يُقال: إنَّ إطلاق المنطوق يكون مقدّماً عند التعارض؛ باعتباره أسبق رتبةً منه.
فإن قيل: إنَّ المفهوم يصلح لتقييد المنطوق في الآية؛ وذلك لأنَّ انطباق المفهوم على المقام يكون بقدره المتيقّن؛ لأنَّ المكلّف في المقام حاضرٌ على الحقيقة، وأمّا شمول إطلاق الآية فبالإطلاق لمورد الشكّ فيتقيّد المنطوق بالمفهوم، فيصبح دالاً على وجوب القصر، إلّاَ في المورد بناءً على تعنون العامّ بضدّ عنوان المخصّص، ومعه يكون صحيح إسماعيل موافقاً له.
ــــــ[164]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فإنَّه يُقال: إنَّ تقدّم المنطوق رتبةً يمنع من قرينيّة المفهوم عليه، وإنَّما تصحّ القرينيّة للمنطوق على المفهوم، وهي غير متوفّرةٍ في المقام.
إلّاَ أنَّ هذا السير من التفكير نحن في غنى عنه، بعد فهم أخْذ عنوان الحاضر والمسافر قيداً في وجوب الإتمام والتقصير. ومعه لا يكون المنطوق دالاً على وجوب التقصير في المقام. ومعه يكون المنطوق أجنبيّاً عن مدلول كلتا الروايتين؛ لأخذ عنوان المسافر فيه، وأخذ عنوان الحاضر فيهما، فيقتصر الترجيح على المفهوم، وقد قلنا إنَّه يقتضي ترجيح الأمر بالتمام، المدلول لصحيحة إسماعيل بن جابر.
وحيث إنَّنا نقول بمفهوم الشرط، ونقول بالترجيح حتّى في المدلول المجمل للكتاب، إذن يتمّ المطلب عندنا حتّى لو لم يكن لمفهوم الآية إطلاق، ومعه لا تصل النوبة إلى الترجيح بالشهرة، على ما سنشير إليه.
نعم، إذا قلنا بإجمال منطوق الآية – ومن المعلوم أنَّ المنطوق المجمل لا يستفاد منه المفهوم؛ لتوقّفه على إطلاقه، كما ثبت في محلّه- وحينئذٍ تسقط الآية عن إمكان الترجيح؛ لعدم المفهوم وكون المنطوق أجنبيّاً عن مدلول الخبرين.
إلّاَ أنّ يُقال: إنَّ عدم الإطلاق في الآية من الناحية المقصودة لورودها في بيان أصل التشريع كما احتملناه، لا ينافي إطلاقها من نواحٍ أُخرى، ودلالتها على العليّة المنحصرة للحكم، فيستفاد منها مفهوم الشرط. فتأمّل.
وعلى أيّ حال، فإنَّه إذا انسدَّ باب الترجيحات السابقة تصل النوبة إلى الترجيح بالشهرة، لمَن يقول بصحّة كبراه، وهو محرز صغرىً بلا إشكال، فإنَّ الشهرة العظيمة التي كادت أن تكون إجماعاً على وجوب
ــــــ[165]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
التمام، موافقةٌ لصحيحة إسماعيل الآمرة به، ومخالفة لمعارضها الآمر بالتقصير.
وأمّا إذا لم يتمّ عندنا المرجّحَان الأخيران، فينتهي الأمر إلى التعارض أو التخيير، فإن قلنا بالتعارض فقد نقول بعد تساقط هذين الخبرين بالرجوع إلى أخبارٍ أُخرى واردةٍ في المقام، وليس ذلك إلّاَ ما يكون مؤيّداً لصحيحة ابن مسلم ودالاً على وجوب التقصير؛ لأنَّ في مؤيّداته ما يكون معتبراً سنداً وقد يكون تامّاً دلالةً، كصحيحة زرارة المرويّة عن مستطرفات السرائر(1) ومصحّحة، وموثّقة عمّار(2).
إلّاَ أن يُقال: إنّنا أشرنا إلى ما هو مقتضى القاعدة في باب التعارض، سواء في الترجيح أو التساقط، وهو عدم الاعتبار بكثرة الروايات، فينتهي الأمر بالجميع إلى السقوط، وبعد ذلك: إن بقيت روايات أُخرى – كصحيحة منصور بن حازم أو موثّقة إسحاق – سليمةً عن المعارضة، تعيّن العمل بها، وإن سقطت بالمعارضة أيضاً ببعض التقريبات الآتية، انسدّ باب الدليل اللفظي في المقام، فلابدَّ من الرجوع إمّا إلى الشهرة العظيمة أو إلى الأُصول العمليّة.
وأمّا إذا قلنا بالتخيير، فإنَّنا نختار – لا محالة – صحيحة إسماعيل بن جابر الموافقة للشهرة العظيمة، ونطرح مخالفها، وهذا أمرٌ على القاعدة وأجنبيٌّ عمّا يلتزم به القوم من الترجيح بالشهرة وإن أنتج نتيجته.
ــــــ[166]ـــــــ
(1) راجع مستطرفات السرائر: 568، المستطرف من كتاب جميل بن دراج.
(2) تهذيب الأحكام 2: 18، باب أوقات الصلاة وعلامة كلّ وقتٍ منها، الحديث 15، وسائل الشيعة 4: 85، باب 23 من أبواب النوافل، الحديث 1.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إلّاَ أنَّ الأظهر – كما حُقّق في علم الأُصول(1) – هو العمل على التعارض والتساقط دون الترجيح، فبعد تصفية حساب الأدلّة الأُخرى على ما يأتي، تصل النوبة إلى الأُصول العمليّة المنتجة لوجوب التمام، موافقة لصحيحة إسماعيل بن جابر.
وبعد أن سقطت مؤيّدات صحيحة محمّد بن مسلم الآمرة بالقصر، لم يبق حاجة في التعرّض له إلّاَ قصد استيعاب الفائدة.
فمنها: موثّقة عمّار عن أبي عبد الله× التي رويناها فيما سبق، ويقول فيها: فإن خرج بعد ما حضرت الأُولى، قال: >يصلّي أربع ركعات<. إلّاَ أنّها لا تتمّ؛ لورودها في المسألة الأُولى دون هذه المسألة، كما هو واضح، والقطع بعدم الفرق بين المسألتين، عهدته على مدّعيه.
ومنها: صحيحة زرارة المرويّة عن مستطرفات السرائر المرويّة سابقاً(2)، وهي أيضاً خاليةٌ عن التعرّض لصورة مسألتنا، وإنَّما نتعرّض لعكسها في قوله: وإذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثمَّ سافر، صلّى الصلاة التي دخل وقتها وهو مقيم، أربع ركعات، وضمُّ مقدّمة القطع بعدم الفرق بين المسألتين إلى مضمون الرواية لا يتمّ كما قلنا، بل هو من القياس المحرّم.
ومنها: مصحّحة زرارة عنه×: عن رجلٍ يدخل مكّة من سفره،
ــــــ[167]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 7: 236، تعارض الأدلّة الشرعيّة، المسألة الأولى، حكم التعارض المستقرّ من زاوية دليل الحجّيّة، مقتضى الأصل الأولي في التعارض بين الدليلين.
(2) تمّ تخريجها عدّة مرات عن مستطرفات السرائر 3: 568، من كتاب جميل بن درّاج، وسائل الشيعة 8: 516، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وقد دخل وقت الصلاة. قال×: >يصلّي ركعتين<(1)، وهي تامّةٌ دلالةً كما سبق أن ذكرناه في المسألة الأُولى. فلا يرد عليها إلّاَ سقوطها بالمعارضة مع صحيحة محمّد بن مسلم، على أنَّها غير محرزة الاعتبار من ناحية السند.
ومنها: خبر بشير النبّال: قال خرجتُ مع أبي عبد الله× حتّى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبد الله×: >يا نبّال!< قلت: لبّيك. قال: >إنَّه لم يجب على أحدٍ من أهل هذا العسكر أن يصلّي أربعاً غيري وغيرك؛ وذلك أنَّه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج<(2).
وقد رويناه فيما سبق، واستفدنا منه قاعدة عامّة تشمل كلتا المسألتين، فهو يصلح -لولا ضعف سنده- أن يكون مؤيّداً لصحيح محمّد بن مسلم، ومعه يسقط بالمعارضة كما سبق.
ومنها: رواية المجلسي المنتهية إلى ذريح المحاربي، وقد رويناها فيما سبق، وفيها يقول: قال: قلتُ: وإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر. قال: >يصلّي ركعتين قبل أن يدخل أهله. وإن وصل العصر – وفي نسخة: المصر- فليصلّ أربعاً<(3).
وهذه الرواية وإن ذكرت من مؤيّدات صحيحة محمّد بن مسلم في
ــــــ[168]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 13، كتاب الصلاة، باب 2، الحديث 2، والكافي 6: 501، كتاب الصلاة، باب 78، الحديث 4، الوسائل 8: 516، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11، والذي وجدنا أنَّ المصحّحة لمحمّد بن مسلم لا زرارة.
(2) الكافي 3: 434، كتاب الصلاة، أبواب السفر، باب مَن يريد السفر أو يقدم من سفر، الحديث 2، تهذيب الأحكام 3: 161، أحكام فوائت الصلاة، الحديث 9، وسائل الشيعة 8: 516، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.
(3) تقدّم تخريجها، فراجع.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
المسألة الأُولى لأمرها بالتمام هناك، إلّاَ أنَّها في هذه المسألة تأمر بالتمام أيضاً، على أيّ من النسختين، فهي – لولا ضعفها- تصلح أن تكون مؤيّدة لصحيحة إسماعيل، لا لمعارضه كما هو واضح.
في المعارضات لصحيحة إسماعيل
الأمر الثالث: ممّا يصلح أن يكون معارضاً لصحيحة إسماعيل الظاهرة بتعيّن التمام: الروايات التي تأمرنا في صورة المسألة بما سوى القصر من التكليف، على ما سبق أن عرفنا ونشير إليه بعد لحظات.
فمنها: موثّقة إسحاق، قال: سمعتُ أبا الحسن× يقول: في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة. فقال: >إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتمّ، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر<(1).
إلّاَ أنَّه يرد على الاستدلال بهذه الرواية:
أوّلاً: ما ذكره بعضهم من احتمال أن يكون المراد أنَّه إن كان في سعة الوقت، فليدخل وليتمّ، وإن كان يخاف الضيق، فليقصر في الطريق، كما ورد في صحيح ابن مسلم عن أحدهما‘: في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال×: >إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت، فليدخل وليتمّ. وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل، فليصلّ وليقصر<(2).
وهما متّفقان في فرض المسألة، ويصلح الصحيح للقرينيّة على هذا
ــــــ[169]ـــــــ
(1)تقدّم تخريجها غير مرّةٍ، فراجع.
(2) تهذيب الأحكام 3: 164، كتاب الصلاة، باب 10، الحديث 15، وسائل الشيعة 8: 515، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الموثّق عرفاً، على أنّ احتمال إرادة نفس المعنى ابتداءً من الموثّق موجودٌ في الواقع، وإن كان خلاف الظاهر في الجملة، كما ذكرناه في المسألة الأُولى.
لا يُقال: إنَّ قوله: >فليصلّ وليقصر<، قد يُراد به أنَّه يصلّي قصراً في وطنه، فيعود معناه إلى ما هو المستفاد من الموثّقة.
فإنَّه يُقال: إنَّه كالنصّ بإرادة القصر قبل الدخول من السفر، وهذا ظاهر لمَن لاحظ السياق.
ثانياً: أنَّ الرواية موهونةٌ بقيام الشهرة العظيمة على الإعراض عنها، كما هو واضح. فلو تمّت كبرى ذلك لكانت ساقطةً لا محالة.
ثالثاً: إنَّ الأمر لو انتهى إلى التعارض؛ لكانت صحيحة إسماعيل بن جابر مقدّمة؛ لوجود الترجيح السنديِّ فيها.
لا يُقال: إنَّ الأمر لا ينتهي إلى التعارض؛ لكون هذه الرواية أخصّ من الصحيحة فتُقدّم عليها ما دامت معتبرةً سنداً في نفسها، فيتقيّد مفاد الصحيحة بما إذا كان الوقت واسعاً.
فإنَّه يُقال: إنَّ صحيحة إسماعيل بن جابر آبيةٌ عن التقييد، بحسب ما هو المستفاد من سياق بيانها، وهذا هو ما أشرنا إليه سابقاً من أنَّ الأمر بالتفصيل معارض للأمر بالتعيين عرفاً، وإن كان أخصّ منه واقعاً.
ومنها: صحيحة منصور بن حازم، قال: سمعتُ أبا عبد الله× يقول: >إذا كان في سفرٍ فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله، فسار حتّى دخل أهله، فإن شاء قصّر وإن شاء أتمّ. والإتمام أحبُّ إليّ<(1).
وهذه الرواية بعدما قلنا من تماميّتها سنداً ودلالة، وورودها في نفس
ــــــ[170]ـــــــ
(1) تقدّم تخريجها غير مرّةٍ، فراجع.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
فرض مسألتنا هذه، وعدم قبول الكبرى التي يبني عليها الكثير من كون إعراض المشهور موهناً للرواية سنداً أو دلالة، بل إنَّه لا يكون موهناً مهما كانت الشهرة عظيمة.
نعم، إذا وصلت إلى حدِّ الإجماع المحصّل كان دليلاً قطعيّاً مقدّماً على الخبر، إلّاَ أنَّه ممّا لم يتحقّق في المقام.
ونقصد بالإجماع إجماع كلّ العلماء بتمام طبقاتهم وأجيالهم، لا إجماع العلماء في جيلٍ معيّن، حتّى يُقال: إنَّه متوفّر في المسألة في عدّة أجيالٍ لا في جيلٍ واحد. فإنَّنا نقول: إنَّ هذا وإن تخيّل جملةٌ منهم حجّيته، إلّاَ أنَّه غير تامٍّ كما ثبت في علم الأُصول(1).
فبعد تماميّة جهات هذه الرواية، لابدَّ من التمسّك بها في صورة هذه المسألة، وتقييد صحيح إسماعيل بن جابر بها، وبخاصّةٍ بعد أن نفينا وجود القطع بعدم الفرق بين المسألتين.
لا يُقال: أليس قد زعمتَ أنَّ إطلاق صحيحة إسماعيل بن جابر غير قابلٍ للتقييد في نفسه، فكيف قلت بالتقييد هنا؟
فإنَّه يُقال: ذلك الذي قصدناه إطلاقٌ آخر غير ما قيّدناه.
بيان ذلك: إنَّ للفظ موارد للإطلاقات عديدة، وكلّ إطلاق تختلف درجة صراحته وغموضه المستفاد من نفس اللفظ، فقد يكون اللفظ من بعض النواحي مجملاً لا إطلاق فيه، ومن بعض النواحي مطلقاً قابلاً للتقييد، ومن بعضها مطلقاً صريحاً غير قابل للتقييد، ومن المعلوم أنَّ لكلِّ
ــــــ[171]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 306-320، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مبحث الظنّ، حجّية الإجماع.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
واحد من هذه الموارد حكمه المستقلّ بلحاظ ما يعارضه من الأدلّة.
وقد سبق بعض تطبيقات هذه القاعدة قبل عدّة صفحات، حيث قلنا بورود آية التقصير مورد بيان أصل الحكم دون تفاصيله، ومع ذلك أمكن أن نعترف بمفهومها؛ لوجود الإطلاق فيها من نواحٍ أُخرى.
ومن هنا فالدليل المعارض لمورد الإطلاق في الآية يكون مقدّماً عليها بالتخصيص، والدليل المعارض لمورد الإجمال في الآية يكون مقدّماً عليها بالحكومة، والدليل المعارض لنصّها في القدر المتيقّن تكون مقدّمة عليه؛ باعتبارها نصّاً كتابيّاً.
ومن جملة تطبيقاتها مورد الكلام، فإنَّ لصحيحة إسماعيل إطلاقاً يقتضي وجوب الإتمام سواٌء في ضيق الوقت أو سعته، ولها إطلاقٌ يقتضي وجوبه سواءٌ أتى بالقصر أو لم يأت به. والإطلاق الأوّل هو الذي استفدنا من السياق صراحته وعدم إمكان تقييده، ومن هنا قدّمناه على الخاصّ الوارد في موثقة إسحاق.
والإطلاق الثاني لم نستفد ذلك فيه، غايته أنَّه إطلاقٌ قابلٌ للتقييد، فيتقيّد بمضمون الخاصّ الوارد في صحيحة منصور.
فإن قيل: إنَّ الإطلاقين متساويا النسبة إلى اللفظ، فكيف رجّح أحدهما على الآخر؟
قلنا: أوّلاً: هذا ما نراه وجداناً، والوجدان غير قابلٍ للمناقشة.
وثانياً: أنَّ في المقيّد ما يكون دالاً على ذلك، فإنَّ موثّقة إسحاق ليس فيها إلّاَ التقييد كما هو واضح، وأمّا صحيحة منصور بن حازم، بالإضافة إلى التقييد، ترجّح التمام الذي هو نفس مضمون صحيحة إسماعيل بن
ــــــ[172]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
جابر، ومن ثمَّ تدلّ بوضوحٍ أنَّ الإمام× إنَّما أمر بالإتمام في صحيحة إسماعيل أخذاً بالأفضل لا على وجه التعيين، فهذه قرينةٌ زائدةٌ تخلو من مثلها موثّقة إسحاق.
فإن قيل: إذا كان الوقت ضيّقاً فكيف يمكن أن يأمره بالأفضل المفوّت للوقت؟
قلنا: بأنَّه في ضيق الوقت يتعيّن القصر، أخذاً بالميسور من شقّي التخيير، بعد تعذّر عدله.
فإن قيل: إذن، لزم من ذلك تقييد الإطلاق الآبي عن التخصيص.
قلنا: لم يلزم ذلك، فإنَّ ما قلناه إنَّما هو تمسّكٌ بالدليل الخاصّ على التخيير المقيّد للإطلاق الآخر.
نعم، ينتح حينئذٍ أنَّ المكلّف مخيّرٌ بين القصر والإتمام حتّى في ضيق الوقت. وهو أمرٌ صحيحٌ بحسب القاعدة العامّة، لولا ما نعرف من الدليل الخارجيّ القطعيّ خلافه، فنضطرّ إلى رفع اليد عن الإطلاق الآبي للتخصيص أيضاً بالدليل الأقوى.
وبذلك لا نتعدّى بحسب النتيجة عن مدلول موثّقة إسحاق، حيث إنَّ الأفضل في سعة الوقت هو التمام، والمتعيّن في ضيقه هو القصر، غاية الفرق: أنَّ للمكلّف – بمقتضى صحيحة ابن حازم – أن يأتي بالقصر في السعة أيضاً، وإن كان خلاف الأفضل. وإذ تتعارض الروايتان في ذلك، تتقدّم الصحيحة لا محالة؛ باعتبار المرجّح السندي.
التمسّك بالشهرة
الوجه الثالث للاستدلال على وجوب التمام في المقام: هو التمسّك
ــــــ[173]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
بالشهرة العظيمة القائمة على ذلك، بحيث إنَّ مخالفها نادرٌ ومجهول، والشهرة – مطلقاً – حجّةٌ عند جمهور الأصحاب على ما فهموه من الأدلّة، فضلاً عمّا إذا كانت عظيمةً متسالماً عليها، ومؤيّدةً بصحيحة إسماعيل بن جابر.
ومعارضتها بالأخبار الأُخرى – كصحيحة محمّد بن مسلم، أو موثّقة إسحاق أو صحيحة منصور بن حازم – ممّا لا يتمّ عندهم؛ فإنَّ الشهرة بنفسها تكون موهنةً لها سنداً ودلالة ومؤخّرة لها في مقام التعارض. فيتعيّن الفتوى على طبق الشهرة بوجوب التمام.
إلّاَ أنَّ كلّ ذلك ممّا لا يتمّ عندنا، كما هو المحقّق في علم الأُصول، ومجال بحثه هناك، إلّاَ أنَّنا في المقام نشير إجمالاً إلى الوجوه التالية:
الوجه الأوّل: هو أنَّ الشهرة المأخوذة في أخبار الترجيح، ليس المراد بها الشهرة الفتوائية، حتّى تكون دليلاً على حجيّتها، بل المراد بها الشهرة الروائيّة؛ لأُمور أهمّها: كون مورد السؤال في لسان الراوي هو ذلك في مثل قوله: يرد عنكم الخبران المتعارضان.
الوجه الثاني: أنَّ احتمال وجود قرائنَ لفظيّةٍ كانت موجودة عند مشهور القدماء، وغير موجودةٍ عندنا، مدفوعٌ بالأصل. فهو وإن كان موجوداً تكويناً في الذهن، إلّاَ أنَّه غير معتبر ولا منجّز؛ لاندفاعه بالأُصول العقلائيّة. واحتمال صحّة فهمهم أكثر منّا يدفعه الوجدان.
الوجه الثالث: أنَّ احتمال أخذ الفتوى بالحكم الواقعي بطريق حسّي غير اعتيادي مفروض العدم، على أنَّه مدفوع بالأصل، وغير منجز كما هو واضح. وإنَّما القدماء مجتهدون يعملون بالحدس كما عليه المتأخّرون لا
ــــــ[174]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
يختلف بعضهم عن بعض، وقرْب زمانهم لا يجعل لهم ميزة ما داموا غير معاصرين لعصر الظهور. والشهرة عند أصحاب الأئمّة^ غير معلومة، وخاصّة بعد أن كانت الأخبار المخالفة لوجوب التمام أكثر من الأخبار الآمرة به.
الإجماع المحصّل
الوجه الرابع: قد ثبت في علم الأُصول(1) أنَّ الإجماع المحصّل – وهو أعلى درجات هذا السلّم – إذا ثبت استناد المجمعين على مدركٍ معيّن، سقط هذا الإجماع عن الحجيّة، وانتقل الكلام إلى مدركٍ نحاسبه على مقتضى القواعد، فكيف بما دونه من الكواشف الناقصة كالإجماع المنقول والشهرة الفتوائيّة ونحوها! ونحن في المقام نحتمل بالوجدان استناد المشهور إلى عمومات التمام أو إلى صحيحة إسماعيل ونحوها من الأدلّة. أمّا مشهور المتأخّرين عن الشيخ الطوسي فليس لهم مستندٌ إلّاَ نفس هذه الشهرة فيسقط قولهم عن الاعتبار أساساً كما هو واضح.
وحينئذٍ فلابدَّ من إسقاط الشهرة عن نظر الاعتبار، فإنَّها ليست بحجّة، ولا توجب القطع ولا الاطمئنانَ العقلائيَّ حتّى تكون حجّةً بالعنوان الثانويّ.
نعم، هي توجب الظنَّ القويَّ، إلّاَ أنَّه لا يصل إلى درجة الاعتبار، والفتوى على خلاف الظنّ مع اقتضاء الدليل التامّ لها، أمرٌ على مقتضى القاعدة؛ إذ لم نشترط في حجيّة خبر الواحد ألّاَ يكون على خلاف الظنّ
ــــــ[175]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 306-320، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مبحث الظنّ، حجّية الإجماع.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الشخصيِّ أو النوعيّ، كما هو المحقّق في علم الأُصول.
وإذا سقطت الشهرة عن الحجيّة، لم تكن موهنةً لحديث، ولا مرجّحة لآخر عند المعارضة، ومن هنا يتمّ لنا المجال بالسير على ما سرنا عليه من مقتضى القواعد، والذي أنتج القول بالتخيير في صورة مسألتنا؛ تمسّكاً بصحيحة منصور بن حازم.
وأمّا لو تنزّلنا قليلاً وأردنا أخذ الشهرة بنظر الاعتبار، لا باعتبارها حجّة، بل باعتبار التفصّي عن مخالفتها، فإنَّ فيه جرأةً فائقةً قد لا يقوى عليها الفقيه في فتواه أو المكلّف في عمله.
وحينئذٍ فلابدَّ من الاحتياط:
أمّا في سعة الوقت فالأمر واضح، فإنَّه يصلّي تماماً، فإن تمّت الشهرة كان هو المعيّن عليه، وإن تمَّ دليل التخيير فقد أتى بأحد العِدلين من الواجب التخييري وهو صحيحٌ بلا إشكال، بل هو الأفضل كما صرّحت به صحيحة منصور بن حازم نفسها.
أقول: وينبغي القول بالاحتياط الاستحبابي بالتمام في مثل ذلك، فإنَّه محرزٌ لامتثال الحكم الواقعيّ على كلِّ حال، وهذا الإحراز ممّا يحكم العقل والنقل بحسنه.
وأمّا في ضيق الوقت، بحيث لم يبق منه ما يسع الأربع ركعات، فيشكل الأمر على المكلّف في مقام الاحتياط، فإنْ أتى بالقصر وقع بمخالفة الشهرة وهو خلاف المقصود، وإن أتى بالتمام وقع جزءٌ من صلاته خارج الوقت.
ففي مثل ذلك لابدَّ أن يسلّم بعد الركعتين احتياطاً، بما في الذمّة،
ــــــ[176]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ويتمّ بعده ركعتين أخريين، فإن كان المطلوب منه هو القصر، فقد أتى به كاملاً، وإن كان المطلوب هو التمام فقد أتى به، ولا يضرّه السلام الزائد؛ لأنَّه لم ينْوهِ جزءاً من الصلاة بنحوٍ منجّز، وهو من الذكر الصلاتي فلا يكون مبطلاً لها، كما لا يضرّه وقوع ركعةٍ أو أكثر خارج الوقت؛ لأنَّه ممّا لابدَّ منه على الفرض، على تقدير كون المطلوب هو التمام.
إلّاَ أنَّنا في غنى عن هذا الاحتياط الغريب، بعد رفض الشهرة والتمسّك بالقول بالتخيير، إذ معه يتعيّن اختيار القصر لا محالة؛ لأنَّه العدل في الواجب التخييري والمصداق الحقيقي للواجب، ومع التمكّن منه يتعيّن لا محالة، ويحرم الإتيان بالمصداق الذي يفوت به الواجب، ومعه تنتفي أفضليّة التمام والاحتياط الاستحبابي فيه كما هو واضح.
هذا تمام الكلام في الجهة الأُولى، وهو في ذكر ما يصلح دليلاً على وجوب التمام(1)، وقد تحصّل عدم قيام دليل يدلّ عليه، وأنَّ الدليل دالٌّ على التخيير بين القصر والتمام.

* * * *
ــــــ[177]ـــــــ
( ) سوى الأُصول العمليّة (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

[الجهة الثانية: ما يصلح دليلاً على وجوب القصر]
الجهة الثانية: فيما يصلح أن يكون دليلاً على وجوب القصر ممّا سوى الأُصول العمليّة. وقد اتّضح من مجموع ما سبق ما ينبغي أن يُقال فيها وفي مناقشاتها، إلّاَ أنَّنا نعطي بعض التفصيل قصداً لاستيعاب الفائدة، فنقول: يتحصّل ممّا سبق لذلك وجهان:
الوجه الأوّل: التمسّك بعمومات وجوب القصر الشاملة لصورة المقام، فإنَّها تدلّ على وجوبه على المكلّف سواء حضر أم لا. إلّاَ أنَّ هذا ممّا ظهر فساده ممّا سبق؛ باعتبار أخذ عنوان المسافر في دليل وجوب القصر، ممّا يجعله ممتنع الشمول لِمَا بعد العود.
الوجه الثاني: التمسّك بالأدلّة الخاصّة الآمرة بالقصر في مورد المسألة، وهي صحيحة محمّد بن مسلم ومؤيّداته، وقد تمَّ منها دلالة اثنين: مصحّحة زرارة وخبر بشير النبّال، وكلّها سبقت روايتها أكثر من مرّة.
إلّاَ أنَّها لا تتمّ كما سبق؛ لأُمور:
أمّا أوّلاً: فلوهن هذه الأخبار بإعراض الشهرة العظيمة عنها، عند جمهور الأُصوليّين.
وأمّا ثانياً: فلمعارضتها بالأخبار الدالّة على وجوب التمام، كصحيحة إسماعيل بن جابر، وتقديمها عليها باعتبار الموافقة مع الكتاب كما سبق.
ــــــ[178]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وأمّا ثالثاً: فلمعارضتها مع الأخبار الدالّة على غير القصر والتمام من الأحكام، كالتخيير مثلاً، وهما كما عرفنا روايتان: موثّقة إسحاق وصحيحة منصور بن حازم.
ومقتضى معارضتها مع هاتين الروايتين هو تقييدها بها؛ لكون كلّ منهما أخصّ من تلك الأخبار، ومعه ننتهي إلى مثل ما انتهينا إليه سابقاً، وخاصّة بعد تقييدها بمضمون كلتا الروايتين. فإنَّ مقتضى تقييدها بصحيحة منصور هو التكليف بالقصر إن لم يأتِ بالتمام، وهو التخيير الذي أشرنا إليه. ومقتضى تقييدها بالموثّقة كون القصر مطلوباً في ضيق الوقت خاصّة. وبعد تقييده بكلا الأمرين ينتج التخيير في سعة الوقت وتعيّن القصر في ضيقه، وهو الأمر الذي انتهينا إليه سابقاً لكن عن طريقٍ آخر.
لا يُقال: إنَّ هذا من انقلاب النسبة التي لا نقول بها؛ وذلك لأنَّك تقيّد الأمر بالقصر بإحدى الروايتين أوّلاً، ثمَّ تقيّد المضمون الناتج بالرواية الثانية.
فإنَّه يُقال: أوّلاً: إنَّ هذا ليس من انقلاب النسبة، فإنَّ ما لا نقول به هو صيرورة الخاصّ خاصّاً بضمِّ دليلٍ ثالث إليه، بعد كونه عامّاً من وجه مع معارضه بحسب الأصل. وأمّا هنا فالمضمون وهو وجوب القصر لو لاحظناه إلى أيٍّ من الروايتين بعينها، فهو أعمّ منه، وبعد تقييده بالرواية الأُخرى يبقى المضمون أعمّ أيضاً، بحيث يمكن تقييده بالرواية الثانية، وهذا ليس من ذاك كما هو واضح.
ثانياً: إنَّه لا حاجة إلى افتراض التقييد الطولي وإن كان ممكناً، إلّاَ أنَّ التقييد العرضي بكلتا الروايتين ينتج نفس النتيجة أيضاً؛ لتساوي نسبة الروايتين إلى العامّ، وعدم تعارضهما في أنفسهما.
ــــــ[179]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ثالثاً: أنَّه يمكن أن نبدأ بالتقيّد بين الخاصّين أنفسهما، فنقيّد مضمون الصحيحة بمضمون الموثّقة، فإنَّه أخصّ منه وقابل للقرينيّة عليه دون العكس، كما هو واضح، فينتج الوجوب التخييري في سعة الوقت وتعيّن القصر في ضيقه. وهذا بنفسه أخصّ من الأمر بالقصر بالنسبة إلى سعة الوقت، وموافقٌ لمضمونه بالنسبة إلى الضيق، فنقيّده في مورد الأخصيّة، فيصبح دليل القصر دالاً على التخيير في سعة الوقت. وهو نفس تلك النتيجة.
وهذا ليس من انقلاب النسبة؛ لانحفاظها(1) على أيّ حال، فإنَّ الخاصّ كان خاصّاً قبل تقييده وبقي خاصّاً بعده.
نعم، أصبح أخصّ من ذي قبل، وهو أمر لا محذور فيه.
وغاية الفرق بين هذه النتيجة ونتيجة التخيير الابتدائي الذي قلنا به، هو تعيّن التقصير في ضيق الوقت بالأسلوب الذي اخترناه باعتباره مصداق الواجب الذي لا يفوت به الوقت، وتعيّنه بالأسلوب الذي ذكرناه هنا، بأصل التشريع على الفرض، تمسّكاً بدلالة صحيحة محمّد بن مسلم عليه، التي لم تخرج بالتقييد. وهذا ما اتّضح استغناؤنا عنه بعد تقديم صحيح إسماعيل بن جابر الآمر بالإتمام بالموافقة مع الكتاب، وتقييده بصحيحة منصور بن حازم كما سبق.
ثمَّ إنَّه قد اتّضح حال المعارضة الرباعيّة التي أشرنا إليها بين الصحاح الثلاثة والموثّقة، فلا حاجة إلى استئناف القول فيها مكرراً.
عدّة إيرادات على القول بالتخيير ومناقشتها
ثمَّ إنَّه قد يورد على القول بالتخيير بوجوه:
ــــــ[180]ـــــــ
( ) يعني: النسبة (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الوجه الأوّل: إنَّ القول بالتخيير مخالف للكتاب، فإنَّ الآية الكريمة تدلّ بإطلاقها على وجوب القصر عند السفر، سواء حضر بعد ذلك أم لا. وتدلّ بإطلاق مفهومها على التمام عند الحضر، وهذا حاضر على الحقيقة.
إذن، فأمر المكلّف دائر بين وجوب القصر تعييناً أو وجوب التمام تعييناً، وأمّا التخيير فهو مخالف لظاهر كلٍّ من المنطوق والمفهوم للآية الكريمة.
فإن قلت: إنَّنا نفينا أن يكون للآية إطلاق بالنسبة إلى محلِّ الكلام، والمنطوق المجمل يكون مفهومه مجملاً لا محالة.
قلنا: إنَّنا قلنا أيضاً بكفاية الحكم المجمل في الآية في مقام كونه ميزاناً للتقديم؛ لكفاية الموافقة مع سنخ الحكم وإن لم يكن موافقاً مع شخصه.
إلّاَ أنَّ هذا البيان غير تامٍّ أساساً. فإنَّ ما طرق سمعك من كون مخالفة الكتاب موجبةً للوهن إنَّما هو مع اجتماع شرطين، كلاهما غير متوفّرٍ في المقام:
أحدهما: أن يكون الموقف موقف التعارض بين الروايات، فتقدّم الرواية الموافقة وتطرح المخالفة. وأمّا الحكم المستنتج من الروايات بعد تصفيتها وإيقاع التعارض بينها بمقتضى القواعد، فلا يتصوّر أن يقع طرفاً للمعارضة بعد كونه ناتجاً في طول المعارضة. ومن هنا نقول إنَّ هذا الحكم ليس روايةً ولا متعارضاً مع شيءٍ حتّى يدخل تحت تلك الكبرى.
ثانيهما: أن تكون المخالفة والتكاذب بين الكتاب والطرق، ممّا لا يصحّ اجتماعهما عقلاً أو عرفاً، كما لو كان بينهما نسبة التباين أو نسبة العموم من وجهٍ في محلِّ الاجتماع، فإنَّ إطلاق الكتاب في مثل ذلك يكون مقدّماً لا محالة.
ــــــ[181]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وفي المقام – بغضِّ النظر عمّا قلنا في الشرط الأوّل- نسبة القول بالتخيير إلى مضمون كلٍّ من منطوق الآية ومفهومها في نفسه، هو العموم المطلق، أو الأخصيّة بعبارة أُخرى، وهذه النسبة ممّا لا تستحكم فيها المعارضة عرفاً بعد حمل الخاصّ على العامّ، كما ثبت في علم الأُصول(1)، وإمكان تخصيص الكتاب بخبر الواحد، كما ثبت هناك أيضاً(2). وعليه فيتقيّد إطلاق الآية منطوقاً ومفهوماً بغير المقام، ومعه يبقى المجال واسعاً للتمسّك بالأخبار المعتبرة الدالّة على التخيير.
ومعه قد ترتفع المعارضة بين المنطوق والمفهوم بنحوٍ من أنحاء انقلاب النسبة، فإنَّهما بعد أن كانا عامّين من وجه، أصبحا متباينين، وأصبح مورد اجتماعهما محكوماً بحكمٍ آخر هو التخيير، وإذا لم نقبل ذلك كما هو الظاهر، فإمّا أن ينتهي الأمر إلى التساقط فلا يبقى ميزان التعارض في الكتاب، أو يبقى المنطوق دون المفهوم، فيتقيّد بخبر الواحد.
إلّاَ أنَّ كلّ ذلك ممّا لا مجال له، على ما قلناه من أخذ عنوان المسافر قيداً في المنطوق وعنوان الحاضر قيداً في المفهوم. فتكون المعارضة منتفيةً أساساً؛ لاستحالة شمول كلّ منهما لمورد الآخر، إلّاَ أنَّ هذا المكلّف لمّا كان حاضراً على الحقيقة وقت الأداء، يشمله إطلاق المفهوم – على تقدير
ــــــ[182]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 3: 400، مباحث الدليل اللفظي، العامّ والخاصّ، الفصل الثاني في التخصيص، فصل تخصيص العامّ الكتابي بخبر الواحد.
(2) أُنظر: أجود التقريرات 1: 504، المقصد الرابع في العموم والخصوص، فصل جواز تخصيص العامّ الوارد في الكتاب بخبر الواحد، وبدائع الأفكار (الرشتي): 411، رسالة في التعادل والتراجيح، المقصد الأوّل، الأمر الخامس، الصورة الثانية أن يكون النصّ ظنّي الصدور في مقابل الظاهر القطعي.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وجوده- بالأمر بالإتمام، إلّاَ أنَّه يتقيّد بدليل التخيير، ويحمل على أفضل الفردين.
الوجه الثاني: أنَّ القول بالتخيير خلاف الشهرة العظيمة القطعية التحقّق، في طبقات علمائنا بل علماء الإسلام عامّة، وهي خاصّة بالمورد، ومؤدّاها وجوب التمام تعييناً، فلا يمكن أن يكون دليل التخيير حاكماً عليها أو مخصّصاً لها.
وهذا قد يراد به أحد أُمورٍ، قد اتّضح عدم تماميّتها ممّا سبق، بكلِّ تفصيل:
الأمر الأوّل: كون الشهرة موهنةً للدليل الدالّ على التخيير، وهذا ما لا نؤمن بكبراه كما هو المحقّق في علم الأصول(1).
الأمر الثاني: كون الشهرة مقدّمةً لدليل وجوب التمام على دليل وجوب التخيير عند التعارض، وهذا ما لا نؤمن بكبراه أيضاً، مضافاً إلى الطعن في الصغرى أيضاً؛ لعدم التعارض بين الدليلين المشار إليهما، بعد تقييد أحدهما بالآخر كما سبق إيضاحه مفصّلاً.
الأمر الثالث: كون الشهرة موجبةً للظنّ بوجود قرائن لفظيّة أو نحوها لم تصل إلينا، أو الظنّ بمعرفة الحكم الشرعي عن طريقٍ غيبيّ، وكلّ ذلك مدفوعٌ بالأصل على الأقلّ، كما سبق بيانه.
الأمر الرابع: كون الشهرة موجبةً بنفسها للقطع بالحكم الشرعي، وأنَّ الإمام× موافقٌ مع المشهور. وهذا غير تامٍّ كبرى وصغرى: أمّا
ــــــ[183]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 426، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مبحث الظنّ، حجّيّة الأخبار، تحديد دائرة الحجّيّة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
كبرى؛ فلبطلان كون الشهرة موجبةً للقطع، كما حُقّق في محلّه(1)، بل هذا ثابت في بعض أنحاء الإجماع فضلاً عن الشهرة؛ لبطلان مباني الدخول وقاعدة اللطف ونحوها ممّا ذكروه.
وأمّا صغرى؛ فلكونها شهرةً مدركيّةً معلومةَ الاستناد إلى دليلٍ معيّن، أو محتملةً لذلك على أيّ حال، ومعه لا يمكن القول بحجّيتها أو إنتاجها للقطع، بل يتحوّل البحث عن تماميّة الدليل نفسه.
فإن قيل: إنَّ هذه شهرةٌ لا كالشهرات الباقيات، بل هي تسالمٌ عامٌّ وتطابقٌ عظيمٌ بين أقوال العلماء، فهي موجبةٌ للقطع لا محالة، أو على الأقلّ للاطمئنان المعتبر.
قلنا: إنَّ مَن تمَّ لديه هذا القطع أو الاطمئنان لزمه العمل به؛ لحكومته على أخبار الآحاد لا محالة. إلّاَ أنَّه غير موجودٍ لدينا بالتقريبات السابقة.
الوجه الثالث: إنَّ القول بالتخيير ليس فقط مخالفاً للشهرة، بل هو مخالفٌ للإجماع؛ لأنَّه فيه إحداث قولٍ جديدٍ في المسألة لم يقل به أحد. فإنَّه على تقدير وجود القول النادر المخالف للمشهور، فإنَّه قائلٌ بوجوب القصر لا محالة، فالقول بالتخيير خروجٌ عن كلا القولين، ومن ثمَّ خروجٌ عن الإجماع، وهذا – بهذا المعنى- محذورٌ يتجنّبه الفقهاء في فتاويهم.
إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ كبرى وصغرى: أمّا كبرى؛ فلعدم محذوريّة هذا المعنى بعد عدم تماميّة الأُمور السابقة، فإنَّه ليس المحذور إلّاَ القول بخلاف الحجّة وبغير ما أنزل الله تعالى. وهو غير متحقّقٍ في المقام؛ لقيام الحجّة على
ــــــ[184]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 321، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مبحث الظنّ، حجّيّة الشهرة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إثبات التخيير وأنَّه ممّا أنزله الله تعالى في تشريعاته.
وأمّا صغرى؛ فلأنَّ افتراض أنَّ التخيير قولٌ لم يُقل به، وأنَّ التسالم على خلافه، فيكون من إحداث قولٍ جديد، أمرٌ لا يمكن أن نسلّم به. فإنَّ المصدر الرئيسي في نقل الخلاف في هذه المسألة ممّا هو واصل في اليد هو (الشرائع) للمحقّق الحلّي(1)، وعبارته تدلّ بوضوحٍ على انقسام الأقوال في هذه المسألة كانقسامها في تلك المسألة، وقد سبق أن نصّ على وجود القول بالتخيير في تلك المسألة، فتكون عبارته ظاهرةً بوجوده في هذه المسألة أيضاً. وهذا أمرٌ واضحٌ لمَن راجع العبارة.
فافتراض أنَّ المخالفين للمشهور في هذه المسألة على قولٍ واحد، هو القول بتعيّن التقصير، أمرٌ لا يمكن قبوله. على أنَّه نُقل عن ابن الجنيد القول بالتخيير في هذه المسألة كما في المدارك(2).
الوجه الرابع: أنَّ القول بالتخيير في المقام منافٍ للقطع بعدم الفرق بين المسألتين، وحيث قلنا بوجوب القصر في صورة المسألة الأُولى لزمنا أن نقول بالتمام في هذه الصورة لا بالتخيير.
وهذا وإن كان تامّاً كبرويّاً، بمعنى أنَّ هذا القطع لو كان موجوداً للزم اختيار قولين متقابلين في المسألتين، إلّاَ أنَّه غير تامٍّ صغرى:
أمّا أوّلاً: فلشهادة الوجدان بعدم هذا القطع، فإنَّنا نحتمل حقيقةً أن يكون الحكم الواقعي في المسألتين ممّا لم ينحفظ فيه التقابل؛ لوجود مصالح
ــــــ[185]ـــــــ
(1) راجع شرائع الإسلام 1: 103، كتاب الصلاة، في صلاة المسافر.
(2) أُنظر: مدارك الأحكام 4: 479، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الخامس، في صلاة المسافر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
واقعيّة في إحداهما دون الأُخرى.
وأمّا ثانياً: فلعدم قيام الدليل على ذلك، على ما نشير إليه في الوجه الآتي.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّ عدداً من الأقوال – بعد التركيب بين قولي المسألتين- ممّا لا يقوم على التقابل بين المسألتين، كما هو واضح لمَن راجع أقوال العلماء في ذلك، فمنهم مَن قال بوجوب القصر في كلتا المسألتين، وبعضهم قال بوجوب التمام فيهما، ومنهم مَن قال بالتخيير في الأُولى والإتمام في الثانية(1)، وسنعقد له باباً أو تنبيهاً مستقلاً فيما يأتي.
بل الذي سيتّضح هو أنَّ الأقوال التي تنحفظ فيها المقابلة بين المسألتين ثلاثة فقط، هي: الاعتبار بحال الأداء في كلتا المسألتين، والاعتبار بحال الوجوب فيهما، والتخيير فيهما. وكلّ ما سواهما فهو يتضمّن مخالفةً لهذه القاعدة.
إذن، فهذه القاعدة غير موجودةٍ وجداناً وغير متسالمٍ عليها خارجاً، وأمّا عدم قيام الدليل عليها فهو ما نذكره في:
الوجه الخامس: وهو أن يُقال: إنَّ القول بالتخيير منافٍ للقاعدة العامّة المستفادة من الأدلّة، بالتقابل بين المسألتين. وهذا ما يتّفق عليه الصحيحان المتعارضان السابقان، مع بعض مؤيّداتهما ممّا تعرّض لكلا الفرضين، فإنَّه يستفاد من صحيحة إسماعيل بن جابر قاعدةٌ عامّةٌ، حاصلها: أنَّ الاعتبار بحال الأداء، ويستفاد من صحيحة محمّد بن مسلم قاعدةٌ عامّةٌ حاصلها: أنَّ الاعتبار بحال الوجوب. وهما وإن كانا
ــــــ[186]ـــــــ
(1) كالعلّامة والشهيدين، راجع (المقام الثاني في عكس المسألة السابقة).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
متعارضين في أكثر مداليلهما كما سبق، إلّاَ أنَّ في الصحيحين مدلولاً تحليليّاً يقول بلزوم التقابل بين المسألتين، وهو أمر تسالما عليه واتّفقا، فتثبت القاعدة بهذا المقدار. وهو ممّا يكفينا في المقام لإثبات أنَّ التفكيك بين المسألتين باطل وغير صحيح.
إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ بحال، فإنَّه وإن كان لا يبعد دلالة كلّ واحدٍ من الصحيحين على القاعدة في نفسه، إلّاَ أنَّه يرد عليه مع ذلك:
أوّلاً: أنَّ دلالة كلّ من الصحيحين على هذه القاعدة ليست مطلقةً حتّى يمكن أن يستفاد منه ذلك الأمر التحليلي المتسالم عليه، بل من الواضح جدّاً – بحسب سياق كلّ من الخبرين – أنَّ كلاً منهما يدلّ عليها مقيّداً بمفاده، فصحيح إسماعيل يدلّ على التقابل بين المسألتين بلحاظ حال الأداء، وصحيح ابن مسلم يدلّ على التقابل بينهما بلحاظ حال الوجوب. وهذا هو عين المفاد الذي أوجب التعارض فيهما، وقد سبق ما هو مقتضى القواعد في المعارضة. ومعه لا تصل النوبة إلى الدلالة على ذلك الأمر التحليلي.
ثانياً: أنَّ ذلك الأمر التحليلي، على تقدير التوصّل إليه، فإنَّه ليس مدلولاً للحديث، بل هو لازمٌ للازمه، ومعه لا يتنقّح ظهورٌ معتبرٌ يمكن التمسّك به لإثبات الحكم الشرعي.
بيان ذلك: أنَّ ما هو المدلول الابتدائي لصحيح إسماعيل – مثلاً- هو وجوب القصر عند السفر ولو كان في أثناء الوقت، ووجوب التمام عند العود ولو في الأثناء. ولازمه هو أنَّ الاعتبار بحال الأداء لا بحال الوجوب. ولازم ذلك هو انقسام هذه الدلالة الثانية إلى جامع
ــــــ[187]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وخصوصيّة، فالخصوصيّة هي: ما تحت اللفظ من الدلالة الثانية كما سبق، والجامع هو: التقابل بين المسألتين مجرّداً عن خصوصيّة حال الأداء. ونحو هذا يُقال في دلالة صحيح محمّد بن مسلم على هذا الجامع، لكن بعكس ما سبق بمقدار انعكاس دلالته. وهذا الجامع هو المراد التمسّك به في المقام.
وهو، بما أنَّه على أفضل تقديرٍ، لازم اللازم، فهو لا يمكن أن ترقى درجة الدلالة عليه إلى درجة الظهور، فإنَّ الأمر الظاهر هو اللازم بالمعنى الأخصّ، وبعض أنحاء اللازم بالمعنى الأعمّ التي يقوم اللفظ بالدلالة عليها. وهذا وإن سلّمنا أنَّه لازم بالمعنى الأعمّ، إلّاَ أنَّه ممّا لا يقوم اللفظ بالدلالة عليه، كما هو ظاهر وجداناً، غايته أنَّه إشعارٌ غير معتبر.
ثالثاً: أنَّه بعد التنزّل عن الأمرين الآخرين، واعتبار هذه الدلالة ظهوراً معتبراً، فإنَّها تقع طرفاً للمعارضة مع الدلالة على الاختلاف بين المسألتين، المستفادة من أدلّة أُخرى، وذلك بأحد تقريبات:
التقريب الأوّل: هو ضمّ صحيحة منصور بن حازم إلى أيّ من الصحيحتين السابقتين. نأخذ مثالاً ضمّها إلى صحيحة إسماعيل: بأنَّها بتقييدها لصحيحة إسماعيل، إن لم تسقط صحيحة إسماعيل عن الدلالة على الجامع المشار إليه بنحو من أنحاء انقلاب النسبة المعتبرة، فإنَّ المطلق بعد حمله على المقيّد يصبح عين المقيّد في الدلالة، ومعه ينتفي الدلالة على اعتبار حال الأداء في المسألتين في الرواية، فينتفي لازمه وهو الدلالة على جامع التقابل بين المسألتين كما هو واضح. وقل مثل ذلك في صحيحة محمّد بن مسلم، فينتفي أصل الظهور.
إن لم نقل بذلك – وإن كان صحيحاً- فعلى الأقلّ ينتج من الجمع بين
ــــــ[188]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
صحيحة إسماعيل وصحيحة منصور أنَّ القصر واجبٌ في المسألة الأُولى، والتخيير ثابتٌ في المسألة الثانية، فإذا استطعنا [أن] نفهم الجامع بنفس المستوى السابق، فليس هو إلّاَ الدلالة على الاختلاف بين المسألتين. وقل عين هذا التقريب معكوساً في صحيحة محمّد بن مسلم، فإنَّها تدلّ بعد تقييدها بصحيحة منصور أنَّ التمام واجبٌ في المسألة الأُولى، والتخيير ثابتٌ في هذه المسألة، وجامعه هو الدلالة على الاختلاف بين المسألتين، فقد اتّفقت الروايتان على الدلالة على هذا الجامع.
التقريب الثاني: هو ضمّ موثقة إسحاق إلى أيٍّ من الصحيحين المشار إليهما، بنفس التقريب، فينتج في صحيحة إسماعيل وجوب القصر في المسألة السابقة ووجوبه في هذه المسألة في خصوص ضيق الوقت، وأمّا في صورة السعة فيجب التمام. وإذا استطعنا أن نفهم منه الجامع كما استطعنا أن نفهمه أوّلاً، فليس هو إلّاَ جامع الاختلاف بين المسألتين دون الاتفاق بينهما.
وقل عين التقريب في صحيحة محمّد بن مسلم بعد ضمّ الموثّقة إليه، لكن بعكس مدلوله، فإنَّه ينتج وجوب التمام في المسألة السابقة، ووجوبه في هذه المسألة في خصوص سعة الوقت دون ضيقه. وجامعه هو الدلالة على الاختلاف بين المسألتين، فقد اتّفقت الروايتان على الدلالة على هذا الجامع.
التقريب الثالث: هو ضمّ الشهرة العظيمة إلى خصوص صحيحة محمّد بن مسلم الآمرة بالقصر في هذه المسألة اعتباراً بحال الوجوب، وبتقديم الشهرة على هذا القسم من الرواية مع إبقاء القسم الأوّل الدالّ على وجوب التمام في المسألة الأُولى محفوظاً على حاله، ينتج وجوب التمام في كلتا المسألتين. وجامعه هو عدم التقابل بين المسألتين كما يدّعى القطع به.
ــــــ[189]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إلى تقريباتٍ أُخرى: قد ترد أضعف حالاً ممّا ذكرناه. والتقريبان الأخيران، وإن لم يكونا تامّين على مبانينا التي أسّسناها فيما سبق، إلّاَ أنَّهما ينتجان عند مَن يعترف بالمبنى نفس النتيجة التي ينتجها التقريب الأوّل التامّ من حيث المباني، وهي الدلالة على عدم التقابل بين المسألتين، بغضٍّ النظر عن الإيرادات السابقة.
ومع وجود هذه الدلالة، فإنَّها تكون معارضةً للدلالة على التقابل بين المسألتين، فتتساقط الدلالتان بعد فرض تماميّتهما، ونعود إلى ما هو مقتضى القاعدة.
فإن قيل: إنَّ الدلالة على التقابل مستفادةٌ من سياقٍ واحد في كلتا الصحيحتين: صحيحة إسماعيل وصحيحة ابن مسلم، وأمّا الدلالة على عدم التقابل فمستفادةٌ من ضمِّ دليلين بعضهما إلى بعض.
قلنا: بأنَّ هذا لا يضرّ في ضعف الدلالة على عدم التقابل شيئاً، بعد فرض الاعتراف بأنَّ العامّ يتعنْون بضدّ العنوان المأخوذ في الخاصّ كما ثبت في علم الأُصول(1). فتصبح نفس الصحيحة بعد تقييدها دالّةً على الاختلاف بين المسألتين وعدم التقابل.
فتحصّل أنَّ نفس صحيحة منصور بن حازم – التي كانت الحجّة الرئيسيّة على التخيير في هذه المسألة – هي التي أوجبت – بناءً على التقريب الأوّل التامّ من حيث المباني – الدلالة على عدم التقابل بين المسألتين، وقلبت بذلك دلالة الصحيحتين معاً على وجود التقابل، بعد تعنْون العامّ
ــــــ[190]ـــــــ
(1) راجع مجمع الأفكار (الآملي) 2: 143، المقصد الرابع في العامّ والخاصّ، التنبيه الخامس، هل يكون تخصيص العامّ موجباً لتعنون العام ضدّ الخاص.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
في الصحيحتين بضدّ عنوان الخاصّ.
فهذا تمام الكلام فيما يمكن إيراده على القول بالتخيير في هذه المسألة.
وبذلك يتمّ الكلام في الجهة الثانية، وهو ما يمكن أن يصلح دليلاً على وجوب القصر المخالف للشهرة العظيمة.

* * * *
ــــــ[191]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

[الجهة الثالثة: مقتضى الأصل العملي]
الجهة الثالثة: فيما هو مقتضى الأصل العملي في هذه المسألة.
والأُصول الجارية في المقام على نحوين، فإنَّ قسماً منها يقتضي وجوب التمام، وقسماً منها يقتضي وجوب القصر، فيقع الكلام بلحاظ هذا الانقسام، في ناحيتين:
الأُصول المنتجة لوجوب القصر
الناحية الأُولى: في الأُصول المنتجة لوجوب القصر، وهي عدّة أُمور:
الأمر الأوّل: استصحاب الحكم الفعلي الثابت حال السفر. وهو خاصّ كما عرفنا في المقام الأوّل، بما إذا كان العود بعد مرور وقتٍ كافٍ لإيقاع الصلاة مع سائر شرائطها في حال السفر، فلم يصلّ ودخل إلى وطنه وأراد الصلاة، وحيث يشكّ بوجوب القصر أو التمام على الفرض- بعد غضّ النظر عن الدليل الاجتهادي- يستصحب وجوب القصر الذي كان ثابتاً عليه قبل الرجوع، فيثبت تعبّداً وجوب القصر عليه.
وقد سبق أن قلنا بعدم تماميّة مثل هذا الاستصحاب؛ وذلك لاستظهار أخْذ عنوان المسافر قيداً في دليل وجوب القصر، فيستحيل سرايته إلى حال الحضور، فلم تتّحد القضيّة المتيقّنة والمشكوكة ليصحّ الاستصحاب، وإنَّما يتمّ فيما إذا كان المأخوذ في دليل وجوب القصر هو ذات المكلّف، وهو غير تامٍّ.
ــــــ[192]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأمر الثاني: هو استصحاب عدم التقييد في مرحلة الجعل، وذلك للعلم بوجوب القصر على المسافر في الجملة، والشكّ بتقييده بصورة الرجوع في الوقت أو عدمه فيثبت- ولو باستصحاب العدم الأزلي للقيد- عدم التقييد، وينتج وجوب القصر.
وهذا عين الاستصحاب المماثل الذي ذكرناه في المسألة السابقة، لكن بعكس مضمونه، وهو غير تامٍّ للإيرادات السابقة التي ذكرناها هناك، فإنَّها ترد في المقام بعكس المضمون فلا نعيد.
الأمر الثالث: هو استصحاب عدم التقييد في مرحلة الجعل، كالسابق، إلّاَ أنَّ القيد المنفيَّ هنا هو الركعتين الأخيرتين، فيثبت به خصوص وجوب ركعتين وهو المطلوب.
إلّاَ أنَّ هذا لا يتمّ:
أمّا أوّلاً: فلتباين عنوان القصر والتمام، واختلافهما في مقام التطبيق أيضاً؛ لزيادة التسليم في صلاة القصر، وحينئذٍ فنفي أحدهما لا يثبت الآخر إلّاَ بالقول بالأصل المثبت، بل هو من أردأ أنحاء الأصل المثبت.
وأمّا ثانياً: أنَّ نفي القيد لا يثبت الإطلاق، إلّاَ بناءً على الأصل المثبت، ولو أثبت الإطلاق إذن فلا يجب خصوص القصر، بل يجب الجامع بينه وبين التمام لو كان الأصل المثبت حجّةً، وهو خلف المطلوب.
الأمر الرابع: جريان أصالة البراءة بعد الشكّ في الزائد. واعتبار الشكّ بين القصر والتمام من الشكّ في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين. إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ للإيرادات التي ذكرناها في المقام الأوّل.
إذن فلم يتمّ شيء من الأُصول العمليّة الموجبة للقصر.
ــــــ[193]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأُصول المنتجة لوجوب التمام
الناحية الثانية: في الأُصول المنتجة لوجوب التمام في المقام، وهي أمران:
الأمر الأوّل: استصحاب بقاء جامع التكليف بعد العلم بانتفاء إحدى الخصوصيّتين، بنفس التقريب السابق في المقام الأوّل بياناً ومضموناً. وقد سبق أنَّه تامّ لا إشكال فيه.
الأمر الثاني: استصحاب اشتغال الذمّة بعد الإتيان بالركعتين، بنفس التقريب السابق في المقام الأوّل بياناً ومضموناً، لكن سبق هناك بعض الكلام الذي يخصّ تلك المسألة ممّا لا يعود إلى جوهر هذا الاستصحاب، وقد قلنا بتماميّة هذا الاستصحاب أيضاً.
وبعد فرض التنزّل عن هذين الاستصحابين التامّين، وعن تلك الاستصحابات المنتجة لوجوب القصر، تصل النوبة إلى أصالة الاشتغال العقليّة المنتجة لوجوب الجمع بين القصر والتمام إحرازاً للواقع المردّد بين الأمرين.
وقد يُقال: بعدم جريان هذين الاستصحابين؛ وذلك بعد فرض ما قلناه من تباين عنوانَي القصر والتمام، واختصاص القصر عن التمام بالتسليم بعد الركعتين.
فيقال: بأنَّ الأمر ليس دائراً بين الإتيان بركعتين أو أربع ركعات، حتّى يشكّ بعد الركعتين بفراغ الذمّة أو بقاء الجعل، فإنَّه حتّى الفراغ من آخر جزء مشترك بين الصلاتين لا تكون صلاة القصر قد انتهت حتّى يحتمل فراغ الذمّة وسقوط التكليف، بل الذمّة لا زالت مشغولةً بالتكليف
ــــــ[194]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
جزماً، ومعه كيف يجري الاستصحاب! لا في فراغ الذمّة ولا في بقاء جامع التكليف.
وحينئذٍ يُقال: بأنَّكم تكونون بين أحد أمرين:
أمّا أن ترفعوا اليد عن المبنى، وتقولوا بأنَّ صلاة القصر كلّها جزء من صلاة التمام، فيجري الاستصحاب. إلّاَ أنَّ المسألة حينئذٍ تدخل في باب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، الذي تجري فيه البراءة على التحقيق، فنحكم على هذين الاستصحابين؛ لأنَّها ترفع الشكّ في وجوب الباقي.
وبين أن تتحفّظوا على المبنى، فلا يمكن جريان الاستصحاب إلّاَ بنحوٍ تعليقي. بأن يقول المكلّف بعد انتهائه من آخر جزء مشترك بين صلاة القصر وصلاة التمام: لو أنَّي انتهيت من السلام فعلاً وكان المطلوب هو خصوص القصر فأعلم بفراغ الذمّة وسقوط التكليف. ولو كان المطلوب هو التمام فأعلم ببقاء التكليف واشتغال الذمّة.
وحينئذٍ فالمكلّف إمّا أن ينتهي من السلام فعلاً، بحيث يتحقّق شرط الاستصحاب التعليقي ويكون استصحاباً تنجيزيّاً، كان مقتضاه هو الجمع؛ لأنَّه يثبت بقاء التكليف واشتغال الذمّة بعد الانتهاء من صلاة القصر. وإمّا أنَّ المكلّف لا يسلّم، بل يستمر في صلاته حتّى يتمّ، فهذا لا ينفع شيئاً، لا في أثناء الصلاة ولا فيما بعدها: أمّا في الأثناء؛ فللقطع ببقاء التكليف إلى آخر الصلاة. وأمّا بعدها؛ فلاحتمال سقوطه، لا القطع به؛ لأنَّه أتى بأربع ركعات هي صلاة التمام وهي أحد عدلي الاحتمال، فإن كان المطلوب تماماً فقد سقط، وإن كان المطلوب قصراً فالتكليف واشتغال الذمّة على حالهما؛ لعدم تضمّن القصر في التمام على الفرض.
ــــــ[195]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إلّاَ أنَّ هذا البيان على طوله غير تامٍّ:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ ما قلناه في تباين القصر والتمام هو أنَّ القصر مأخوذٌ بشرط لا عن الركعتين الأُخريين، وهو أمرٌ منافٍ مع جريان البراءة لا محالة، ولكنّه ليس أمراً منافياً مع الاستصحاب؛ لأنَّه ليس معنى أخْذه بشرط لا عنها كون الركعتين مبطلتين لصلاة القصر، بل من المعلوم أنَّه لو أتى بهما بنيّة الجزئيّة المنجّزة تكون مبطلة، وإن أتى بهما وفاءً لِمَا هو المطلوب على تقدير ثبوته، فإنَّها لا تكون مبطلة، ولا يكون الركن ركناً إذا لم يكن جزءاً من الصلاة. فغايته تخلّل الذكر بين التشهد والتسليم وهو أمر لا بأس به. فإذا جرى الاستصحاب يثبت جزئيّة الركعتين؛ لأنَّه يثبت وجوب التمام، وتكون الركعتان مصداقاً للواجب. فتأمّل.
وأمّا ثانياً: فلأنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ ما هو المصداق الحقيقي لكلِّ صلاة هو ما قبل التسليم، وإنَّما اعتبر التسليم للخروج من الصلاة والتخلّص من إحرامها. وحينئذٍ تبقى الأجزاء المشتركة هي المصداق الحقيقي لصلاة القصر، ومعه يكون الأمر بها قد سقط على تقدير وجوده والذمّة قد فرغت، فيجري استصحابهما منجّزاً، ويكون التسليم بعد الفراغ من الأربع ركعات على كلّ حال.
فإن قيل: إنَّ هذا فيه رفعٌ لليد عن المبنى.
فإنَّه يُقال: كلّا، فإنَّ القصر لم يؤمر لا بشرط من حيث زيادة الركعتين، وإلّاَ لأمكن صدقه على الركعات الأربع بتمامها، وهذا لم نقل به، وهو غير صحيح. وهو أمرٌ أجنبيٌّ عن كون الركعتين المتأخّرتين لا تبطلان صلاة القصر على تقدير عدم نيّتهما جزءاً للصلاة منجّزاً، كما هو واضح.
ــــــ[196]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وإذا تمَّ هذان الجوابان، لا يكون شيءٌ من اللوازم التي ذُكرت في ذيل الإشكال واردةً، وإذا لم تتمّ فلا تكون البراءة جاريةً- كما قيل- في الجواب؛ لانحفاظ اشتراط ـ البشرط لا ـ العدم في القصر الذي يمنع من جريانها. فيكون المورد مصداقاً لقاعدة الاشتغال الموجبة للجمع.
افتراض التعارض بين الاستصحابات
الناحية الثالثة التي ينبغي التعرّض لها: هي افتراض التعارض بين هذه الاستصحابات، بعد فرض تماميّتها في أنفسها.
وللتعارض بين هذه الاستصحابات صور نذكر أهمّها:
الصورة الأُولى: تعارض استصحاب الحكم الفعليّ المقتضي لوجوب القصر، مع استصحاب بقاء الجعل، أو مع استصحاب اشتغال الذمّة المقتضي لوجوب التمام.
وهذه المعارضة لا تستحكم بين الاستصحابين، بعد العلم بأنَّ استصحاب الحكم الفعليّ متقدّمٌ زماناً ورتبةً على الاستصحابين الآخرين، أمّا زماناً؛ فلإمكان جريانه قبل الصلاة، على حين لا يمكن جريانهما إلّاَ بعد الانتهاء من الأجزاء المشتركة من الصلاتين. وأمّا رتبةً؛ فلجريانه في موضوعهما؛ وذلك لأنَّه يرفع الشكّ المأخوذ فيهما ويبدله إلى العلم بوجوب القصر، كما هو واضح.
ولا يصلح أيٌّ من الاستصحابين الآخرين للجريان في موضوع استصحاب الحكم الفعليّ؛ لعدم وجودهما عند جريانه.
فإن قيل: إنَّهما يعارضانه بقاءً.
قلنا: كلّا؛ لتعرّضه إلى مرحلة الجعل وجوداً وعدماً، وتعرّضهما إلى
ــــــ[197]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
مرحلة سقوطه. فمادام استصحاب الحكم المجعول يثبت خصوص القصر، فإنَّه يثبت عدم الجعل الزائد في المرتبة السابقة على سقوطه بصلاة التمام أو بصلاة القصر. فيتعيّن سقوطه بخصوص القصر لا محالة.
الصورة الثانية: التعارض بين استصحاب عدم التقييد بالرجوع في الوقت المقتضي لوجوب القصر، مع أحد الاستصحابين السابقين: استصحاب اشتغال الذمّة واستصحاب بقاء الجعل.
والتعارض أيضاً لا يستحكم في هذه الصورة أيضاً، فإنَّ استصحاب عدم التقييد حاكمٌ على الاستصحابين الآخرين؛ وذلك لتعرّضه إلى مرحلة الجعل سعةً وضيقاً، وتعرّضهما إلى مرحلة السقوط، وبجريان استصحاب عدم التقييد، يتعيّن السقوط بخصوص القصر لا محالة.
الصورة الثالثة: التعارض بين استصحاب عدم التقييد بالركعتين المقتضي لوجوب القصر وبين ذينك الاستصحابين الآخرين. والكلام فيه عين الكلام السابق؛ لتعرّض الاستصحاب الأوّل لمرحلة الجعل سعةً وضيقاً، فيكون مقدّماً على الاستصحابين الجاريين في مرحلة السقوط، ومعيّناً للسقوط بخصوص القصر.
لا يُقال: إنَّ استصحاب عدم التقييد – بكلا شكليه – من استصحاب العدم الأزلي، واستصحاب بقاء الجعل وبقاء اشتغال الذمّة من الاستصحاب النعتي للوجود الفعلي، واستصحاب العدم النعتي فضلاً عن الوجود حاكم على استصحاب العدم الأزلي.
فإنه يُقال: إنَّ كبرى هذه الحكومة لو فرض تماميّتها، فإنَّها في الاستصحابين العرضيّين، إذا كان متعلّق أحدهما هو العدم الأزلي، وكان
ــــــ[198]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
متعلّق الآخر هو العدم النعتي أو الوجود الفعلي، وأمّا إذا كانا طوليّين فالاستصحاب المتقدّم يكون حاكماً وإن كان استصحاباً أزليّاً بعد فرض تماميّة جريانه في نفسه، على ما هو المحقّق في علم الأُصول(1).
والفرض في المقام هو التقدّم الرتبي؛ لجريان استصحاب عدم التقييد، بكلا شكليه في موضوع الاستصحابين الآخرين، كما أوضحنا مكرّراً.
فتحصّل أنَّ مقتضى جريان الاستصحاب في نفسه هو وجوب التمام؛ لتماميّة الاستصحاب المثبت لوجوبه، وعدم تمامية معارضه، إلّاَ أنَّه لو فرض تماميّة كلتا الطائفتين وانتهت النوبة إلى المعارضة، تقدّمت الاستصحابات الموجبة للقصر؛ لتعرّضها جميعاً لمرحلة الجعل سعةً وضيقاً وتعرّض معارضاتها لمرحلة السقوط، فيتعيّن السقوط بخصوص القصر لا محالة.
هذا تمام الكلام في الجهة الثالثة، وهي في البحث عن مقتضى الأُصول العمليّة في فرض مسألتنا، وقد تبيّن أنَّ مقتضى القاعدة فيها هو وجوب التمام، فينتج أنَّ الأُصول تقتضي في كلتا المسألتين وجوب التمام، إلّاَ بعد لحاظ المعارضة، فإنَّها تنتج وجوب القصر في هذه المسألة. وإذا انتهى الأمر إلى قاعدة الاشتغال العقليّة اقتضت في كلتا المسألتين وجوب الجمع بين القصر والتمام؛ لإحراز الواقع على كلِّ حال، ومعه لا حاجة إلى التعرّض هنا إلى الفرع السابق في صورة ضيق الوقت عن الجمع، فإنَّ الكلام فيه عين الكلام.
ــــــ[199]ـــــــ
(1) أُنظر: أجود التقريرات 2: 495، المقصد السابع في الأُصول العمليّة، المبحث الرابع في الاستصحاب، خاتمة، التنبيه الخامس في تعارض الأستصحابين، وأُنظر: بحوث في علم الأُصول 6: 353، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، خاتمة، العلاقة فيما بين الأُصول العمليّة.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
نعم، ربّما يُقال: بكفاية التمام، ووفائه بالاحتياط، مع الإتيان بالركعتين الأخيرتين بقصد إحراز الأمر الواقعي على تقدير المسمّى بما في الذمّة، فإنَّه تصحّ صلاته سواءً كان المطلوب قصراً أو تماماً، كما سبق أن قلنا. إلّاَ أنَّ هذا وإن تمَّ من الملتفت إلى المسألة، إلّاَ أنَّه بنفسه مخالف للاحتياط التامّ؛ لاحتمال إبطال الركعتين للصلاة واقعاً. ومن هنا كان مقتضى الاحتياط التامّ هو تكرار الصلاة، قصراً تارةً وتماماً أُخرى.
هذا تمام الكلام في المقام الثاني، وهو التكلّم في عكس المسألة الأُولى، وهو ما إذا دخل عليه الوقت مسافراً فحضر، وأراد إنجاز الصلاة في حال الحضر.
* * * *
تعقيب
لابدَّ لنا في نهاية الكلام عن كلتا المسألتين- وبعد أن عرفنا الأقوال فيهما- من أن نعرف أنَّه بعد كثرة الأقوال المتصوّرة فيهما، يكون ضمّ فتوى فقيهٍ في إحداهما إلى فتواه في الأُخرى منتجاً لوجوهٍ كثيرة، قد تربو على الثلاثين بضرب الوجوه الستة في المسألة الأُولى، بخمسة أو ستة في المسألة الثانية.
ونستطيع أن نحمل فكرة محدّدة عن الأقوال في المسألتين لو لاحظنا الأمرين التاليين:
أحدهما: ما ذكر في السرائر(1) وغيرها(2)، من أنَّ القائل بخلاف
ــــــ[200]ـــــــ
(1) أُنظر: السرائر 1: 333-334، كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر.
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 763-765، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الخامس في صلاة المسافر، شروط القصر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الشهرة العظيمة في المسألة الثانية غير معروفٍ من مصنّفٍ ولا قائل.
إذن، فنستطيع أن نعرف أنَّ تمام مَن ذكر اسمه بعينه من ذوي الآراء في المسألة الأُولى، هو مَن يفتي على طبق الشهرة في المسألة الثانية، بحيث نستطيع أن نخبر بذلك جزماً.
ثانيهما: ما ذكر في الشرائع(1) وغيرها(2)، من أنَّ الخلاف كما هو متحقّقٌ في المسألة الأُولى متحقّقٌ في المسألة الثانية، فنعرف بأنَّ الفرد النادر المخالف للشهرة العظيمة في المسألة الثانية غيرُ مقتصرٍ على القول بوجوب القصر، كما أشرنا إليه، بل هنا أقوالٌ كثيرةٌ قد تكون بعدد الأقوال في المسألة الأُولى. ومن هنا يربو عدد الاحتمالات إلى الرقم الذي ذكرناه. إلّاَ أنَّنا لا نستطيع أن ننسبها إلى أحدٍ، إلّاَ فيمَن يُعرف بعينها، بل لا نستطيع الجزم بوجود قائلٍ باحتمالٍ معيّنٍ منها؛ للجزم بعدم وجود ثلاثين قولاً في المسألتين، وعدم معلوميّة الاحتمال الذي عليه الفتوى من الاحتمال الذي لم يفتِ عليه أحد. فاحتمالٌ معيّنٌ من الثلاثين – سوى ما ثبت بالقاعدة الأُولى- لا نستطيع الجزم بوجود قائلٍ فيه.
الأقوال في المسألة
وعليه فمجمل الأقوال في المسألتين – طبقاً لِمَا ذكروه نصّاً، وما هو مستنتج من القاعدة الأُولى – ما يلي:
القول الأوّل: اعتبار حال الأداء في كلتا المسألتين. فيقصّر في الأُولى
ــــــ[201]ـــــــ
(1) أُنظر: شرائع الإسلام 1: 103، كتاب الصلاة، في صلاة المسافر.
(2) أُنظر: غاية المرام في شرح شرائع الإسلام 1: 230-231، كتاب الصلاة في صلاة المسافر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
ويتمّ في الثانية، وهو المنسوب إلى المشهور(1)، والإجماع في المسألة الأُولى، والمطابق للشهرة العظيمة في الثانية(2).
القول الثاني: القول بوجوب الإتمام في كلتا المسألتين.
أمّا في المسألة الأُولى؛ فلاعتبار حال الوجوب، والقائل به الصدوق في المقنع(3)، والعماني(4)، وجماعة ممَّن تأخّر عنهما، على ما حكي عنهما(5)، واختاره الفاضل في المختلف(6) والإرشاد(7)، والشهيدان في الدروس(8) وظاهر الروض(9)، بل في الأخير أنَّه المشهور بين المتأخّرين.
وأمّا في المسألة الثانية؛ فباعتبار الشهرة العظيمة، وقد ذهب إلى هذا
ــــــ[202]ـــــــ
(1) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 763-765، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الخامس في صلاة المسافر، ومستمسك العروة الوثقى 8: 176، كتاب الصلاة، فصل أحكام صلاة المسافر المسألة (9).
(2) راجع رياض المسائل 4: 392-396، كتاب الصلاة، المقصد الثالث في التوابع، الخامس في صلاة المسافر، أحكام القصر.
(3) أُنظر: المقنع: 125، الباب16، باب الصلاة في السفر، الحدّ الذي يجب فيه التقصير.
(4) أُنظر: مجموعة فتاوى ابن أبي عقيل: 55، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، مسألة: لو سافر بعد دخول الوقت.
(5) راجع مختلف الشيعة 3: 117، كتاب الصلاة، الفصل السادس في صلاة المسافر.
(6) راجع المصدر السابق.
(7) راجع إرشاد الأذهان 1: 276، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، أحكام متفرّقة في صلاة القصر.
(8) راجع الدروس 1: 213، درس 54، صلاة المسافر، الثامن.
(9) أُنظر: روض الجنان 2: 1060، المقصد الرابع في صلاة المسافر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
القول – في المسألتين – الشهيدان معاً في اللمعة وشرحها(1).
القول الثالث: القول بالتقصير في كلتا المسألتين، على ما في الروض(2)، اعتباراً بحال الأداء في الأُولى، وحال الوجوب في الثانية، وفيها مخالفةٌ للشهرة العظيمة، وتعيينٌ إجماليٌّ للقائل بخلافها.
القول الرابع: القول بالتخيير في المسألة الأُولى، ووجوب الإتمام في المسألة الثانية.
أمّا في المسألة الأُولى فهو للشيخ في الخلاف(3)، كما عرفنا؛ باعتبار الجمع بين المتعارضين بشهادة صحيحة منصور بن حازم الواردة في عكس المسألة.
وأمّا في المسألة الثانية؛ فباعتبار الشهرة العظيمة.
القول الخامس: أنَّه يتمّ في السعة ويقصّر في الضيق في المسألة الأُولى، ولكنّه يتمّ في المسألة الثانية، أمّا في الأُولى فعن الشيخ في نهايته(4)، والصدوق في فقيهه(5). وأمّا في المسألة الثانية؛ فللشهرة العظيمة التي لا يُعلم لها مخالفٌ في المصنّفين(6).
ــــــ[203]ـــــــ
(1) أُنظر: الروضة البهيّة 1: 789، كتاب الصلاة، الفصل السادس عشر في صلاة المسافر.
(2) راجع روض الجنان 2: 1060، المقصد الرابع في صلاة المسافر.
(3) راجع الخلاف 1: 578، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، الخروج إلى السفر بعد دخول الوقت.
(4) راجع النهاية: 123، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السفر.
(5) راجع مَن لا يحضره الفقيه 1: 444، صلاة المسافر، حكم مَن دخل عليه الوقت وهو مسافر، ذيل الحديث 1288.
(6) تقدّم تخريجها عدّة مرّات عن التمسّك والمصباح والرياض.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
القول السادس: القول بالتوقّف في المسألة الأُولى، ووجوب الإتمام في المسألة الثانية. أمّا في الأُولى فهو – على ما في الرياض(1)- لبعض أفاضل متأخّري المتأخّرين(2)؛ لتعارض الصحيحين. وأمّا في الثانية؛ فطبقاً للشهرة العظيمة(3).
القول السابع: القول بالتخيير في كلتا المسألتين، وهو للشيخ. أمّا في المسألة الأُولى ففي الخلاف(4)، وأمّا في الثانية فهو ما احتمله في كتابي الأخبار(5)، ونقله عنه ابن الجنيد على ما في المدارك(6). وهو مخالفٌ في المسألة الثانية للشهرة العظيمة وموافقٌ لِمَا قلناه، على أنَّه قد قال به في خصوص المسألة الثانية ابن الجنيد على ما في المدارك(7)، ولا يعلم قوله في المسألة الأُولى.
ــــــ[204]ـــــــ
(1) راجع رياض المسائل 4: 395، كتاب الصلاة، المقصد الثالث في التوابع، الخامس في صلاة المسافر، أحكام القصر.
(2) يقصد بالبعض المحقّق السبزواري في الذخيرة، والمحدّث البحراني، وقد تمّ تخريجهما أكثر من مرّة.
(3) أشار إلى ما ذكره صاحب الرياض، والمحقّق الهمداني في المصباح، والسيّد الحكيم في المستمسك، وقد تقدّم تخريج ذلك عدّة مرات.
(4) راجع الخلاف 1: 577، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، الخروج إلى السفر بعد دخول الوقت، م: 332.
(5) راجع تهذيب الأحكام 2: 13، كتاب الصلاة، الباب 2 (فرض الصلاة في السفر)، الحديث 3، الاستبصار 1: 240، كتاب الصلاة، أبواب الصلاة في السفر، باب 141، الحديث 4، وما تحته.
(6) أُنظر: مدارك الأحكام 4: 479، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الخامس في صلاة المسافر، أحكام القصر.
(7) أُنظر: المصدر السابق.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
القول الثامن: القول بالتخيير في المسألة الأُولى، والتفصيل بين سعة الوقت وضيقه في المسألة الثانية وهو للشيخ. أمّا في الأُولى ففي الخلاف(1)، وأمّا في الثانية ففي كتابي الأخبار(2)، تمسّكاً بموثقة إسحاق بن عمار، على ما في المدارك(3)، وهو أيضاً مخالفٌ للشهرة العظيمة.
القول التاسع: القول بوجوب التقصير في المسألة الأُولى والتخيير في المسألة الثانية، وهو ما اخترناه. أمّا في الأُولى فتمسّكاً بصحيحة إسماعيل بن جابر، وأمّا في الثانية فتمسّكاً بصحيحة منصور بن حازم، خلافاً للشهرة العظيمة على ما سبق.
القول العاشر: القول باعتبار حال الوجوب في كلتا المسألتين، وهو قول بعض العامّة، على ما نُقل عنهم(4) في كلٍّ من المسألتين ملفّقاً، واستفدناه من ذيل صحيحة إسماعيل بن جابر كما سبق. ولم يُعرف له قائلٌ من أصحابنا.
القول الحادي عشر: القول بالاحتياط وجوباً أو استحباباً في المسألة الأُولى وبالإتمام في الثانية، على ما أمر به صاحب العروة في المسألة الأُولى وأفتى به في الثانية(5).
القول الثاني عشر: القول بالاحتياط ولو مستحبّاً في المسألة الأُولى،
ــــــ[205]ـــــــ
(1) تقدّمت الإشارة اليه.
(2) تقدّمت الإشارة اليه.
(3) أُنظر: مدارك الأحكام 4: 479، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الخامس في صلاة المسافر، أحكام القصر.
(4) راجع الخلاف 1: 577، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، المسألة (332).
(5) راجع العروة الوثقى 3: 515، أحكام صلاة المسافر، المسألة:9.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وبالتخيير في الثانية على ما اخترناه.
القول الثالث عشر: القول بالاحتياط ولو مستحبّاً في كلتا المسألتين، على ما أمر به صاحب العروة(1) أيضاً.
إلى غير ذلك من الأقوال المتحصّلة من فتاوى المتقدّمين والمتأخّرين، ولا يبعد أن يُقال: إنَّ تعدّد الأقوال إلى هذا المقدار كافٍ في صدق عبارة الشرايع(2) بكون الخلاف كما هو موجودٌ في المسألة الأُولى، موجودٌ في المسألة الثانية، فلا نضطرّ إلى أن نفترض على أنَّه اطّلع على أقوالٍ في المسألة الثانية أكثر ممّا ذكرنا، وإن كان ذلك محتملاً في نفسه. ومن ثمَّ تضعف دلالته على وجود سائر محتملات الأقوال في المسألة. فتأمّل.

* * * *

ــــــ[206]ـــــــ
(1) راجع المصدر السابق.
(2) راجع شرائع الإسلام 1: 103، كتاب الصلاة، في صلاة المسافر.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

[المقام الثالث
فيمَن مرَّ بحالي السفر والحضر في الوقت]

• كبرى مسألة مطابقة القضاء للأداء
• تطبيق الكبرى على المسألتين
• مقتضى الأصل العملي في باب القضاء

ــــــ[207]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

المقام الثالث: فيما إذا مرَّ المكلّف بكلا حالي السفر والحضر في الوقت، فكان حاضراً فسافر أو مسافراً فحضر، وقد عرفنا تكليفه في كلتا المسألتين. إلّاَ أنَّه لم يؤدّ الصلاة في الوقت لعذرٍ كالغفلة ونحوها، أو لغير عذرٍ كالعصيان، فيجب عليه القضاء لا محالة بالدليل القطعي في الجملة، فهل يكون قضاؤه قصراً أو تماماً ؟
يقع الكلام في هذا المقام في جهتين:
الجهة الأُولى: في التكلّم عن كبرى المسألة بمقدار ما هو مربوطٌ بمحلِّ الكلام.
الجهة الثانية: في تطبيق الكبرى على المسألتين في الأداء( ) .
ــــــ[208]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

[الجهة الأُولى: كبرى مسألة مطابقة القضاء للأداء]
الجهة الأُولى: في التكلّم عن كبرى مسألة مطابقة القضاء للأداء من حيث القصر والتمام، بمقدار ما هو مربوطٌ بمحلِّ الكلام. وإلّاَ فإنَّ الدخول في تفاصيل ذلك قد يستدعي بحثاً بمقدار هذه الرسالة.
لا إشكال في وجوب مطابقة القضاء للأداء في الجملة، طرداً وعكساً، بلا خلاف بيننا في شيءٍ منه، نقلاً وتحصيلاً، بل إجماعاً كذلك على ما في الجواهر(1)، بل في المدارك(2) أنَّه قول العلماء كافّة إلّاَ من شذَّ، بل في الذكرى(3): لا خلاف بين المسلمين في الحكم الثاني، يعني قضاء ما فات تماماً في السفر تماماً أيضاً، إلّاَ من المزني بالقصر لو قضيت في السفر(4)، ونحوه ما في التذكرة(5) من إجماع العلماء عليه إلّاَ منه.
ــــــ[209]ـــــــ
(1) راجع جواهر الكلام 13: 112، كتاب الصلاة، كيفيّة قضاء كلّ واحد من صلاة السفر والحضر في السفر.
(2) راجع مدارك الأحكام 4: 304، كتاب الصلاة، حكم قضاء صلاة السفر في الحضر وبالعكس.
(3) راجع ذكرى الشيعة 2: 435، كتاب الصلاة، الباب الثالث في المواقيت، الفصل الرابع في مواقيت القضاء، المسألة الثامنة، الاعتبار في التمام والقصر … .
(4) راجع حلية العلماء 2: 202، كتاب الصلاة، المجموع (للنووي) 4: 367، وما بعدها.
(5) أُنظر: تذكرة الفقهاء 4: 350، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، محلّ تقصير الصلوات الأدائيّة، مسألة: 609.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وأنت خبيرٌ بأنَّ هذا الإجماع لو تمَّ، فإنَّما هو بعد فرض عدم تماميّة الأخبار، فلابدَّ من صرف عنان الكلام إلى الأخبار:
وقد وردت على هذه القاعدة أخبار تامّةٌ سنداً ودلالةً، ومطلقةٌ يمكن التمسّك بها في موارد الشكّ.
فمنها: صحيح زرارة: قال: قلتُ له: رجلٌ فاتته صلاةٌ من صلاة السفر فذكرها في الحضر، قال: >يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر، فليقض في السفر صلاة الحضر [كما فاتته]<(1).
وهو تامٌّ سنداً في الجملة، ولا يضرّ به الإضمار كما ثبت في محلّه، وتامٌّ دلالةً في الجملة أيضاً، فإنَّ المستفاد منه أنَّ الراوي يسأل عن حال القضاء لصلاةٍ فاتت في السفر قصراً، وتذكّرها المكلّف في الحضر، بمعنى أنَّه تذكّر أنَّها فاتت منه، فما هو حكمه؟
فيعطيه الإمام× قاعدةً عامّةً تصلح في نفسها للتطبيق على سائر الموارد. وهو أنَّه يجب قضاء ما فات كما فات. وإطلاق التشبيه يقتضي المماثلة من سائر الجهات على الإطلاق، ثمّ يطبّق الإمام× هذه الكبرى على مورد السؤال ويتبرّع بذكر حكم كلا الفرعين طبقاً لِمَا تقتضيه الكبرى، فإن كانت الفائتة هي صلاة السفر المقصورة، أدّاها في الحضر، يعني أدّى
ــــــ[210]ـــــــ
(1) الكافي 3: 435، كتاب الصلاة، أبواب السفر، باب المسافر يقدم البلدة كم يقصّر، الحديث 7، تهذيب الأحكام3: 162، أحكام فوائت الصلاة، الحديث11، وسائل الشيعة 8: 268، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب6، باب وجوب قضاء ما فات كما فات…، الحديث1.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
قضاءها في الحضر بقرينة سياق الكلام مع الكبرى وما قبلها (مثلها)، يعني مثل ما فاتت، وهو أن يقضيها ركعتين.
وإن كانت الفائتة هي صلاة الحضر التامّة، فليقض في السفر صلاةً تامّةً كصلاة الحضر. فانطباق الكبرى على هذين الفرعين واضحٌ كلَّ الوضوح.
نعم، قد يُقال: إنَّ الكبرى وإن كانت مطلقةً من هذه الناحية- أي: فيما يخصّ مورد التطبيق- إلّاَ أنَّها مجملةٌ من النواحي الأُخرى؛ لأنَّ ذكر الإمام× لمورد السفر والحضر بعد هذه الكبرى مشعرٌ بكون الكبرى مسوقةً لأجل بيان المماثلة من هذه الجهة، دون سائر الأجزاء والشرائط، كالجهر والإخفات مثلاً.
إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ:
أمّا أوّلاً: فلإمكان استفادة المثالية من مورد التطبيق، فلا تكون الكبرى مسوقةً لبيانه بخصوصه. وجعل السؤال قرينةً على تقييد الكبرى غير صحيحٍ أيضاً؛ لظهور الكبرى ابتداءً بكون الإمام× في مقام بيان القاعدة العامّة بعد سؤال الراوي عن أحد مصاديقها.
وأمّا ثانياً: فلو سلّم إجمالها من سائر النواحي، فإنَّها مطلقةٌ على أيّ حالٍ بالنسبة إلى مورد التطبيق، وهو محلّ الكلام ومورد الحاجة، وهو الحجّة الرئيسيّة في المقام.
ويؤيّده عدّة أخبار:
منها: خبر زرارة عن أبي جعفر×، قال: >إذا نسي الرجل صلاة أو صلّاها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر، فذكرها، فليقض الذي وجب عليه لا يزيد
ــــــ[211]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
على ذلك ولا ينقص، مَن نسي أربعاً فليقض أربعاً حين يذكرها، مسافراً كان أو مقيماً، وإن نسي ركعتين صلّى ركعتين إذا ذكر، مسافراً كان أو مقيماً<(1).
وهو – مع غضّ النظر عن ضعف سنده- أصرح من سابقه؛ لِمَا في ذيله من التأكيد والتفصيل. إلّاَ أنَّ كبراه ليست عامّة إلّاَ في حدود ما تنقص فيه صلاة السفر عن صلاة الحضر. أمّا مطابقة القضاء للأداء مطلقاً فلا يمكن أن تستفاد منها.
ورواية عمار: قال: سألتُ أبا عبد الله× عن المسافر يمرض ولا يقدر أن يصلّي المكتوبة، قال: >يقضي إذا قام مثل صلاة المسافر بالتقصير<(2)، وإطلاقها شاملٌ لِمَا إذا قضاها حضراً أيضاً. إلّاَ أنَّ فيها تعرّضاً لإحدى الصورتين دون الأُخرى، وهو ما إذا فاتت الصلاة حال السفر، ولم يتعرّض لعكس ذلك.
والنبويُّ المشهور: >مَن فاتته فريضةٌ فليقضها كما فاتته<(3)، وإطلاقه التشبيه شاملٌ لكلِّ الموارد والصور، بما فيها الصورتان اللتان تعرّضت لهما
ــــــ[212]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 441، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، سبعة يجب عليهم التمام…، الحديث 1282، تهذيب الأحكام 3: 225، أبواب الزيادات…، الحديث77، وسائل الشيعة 8: 269، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب6، باب وجوب قضاء ما فات كما فات…، الحديث4.
(2) تهذيب الأحكام 3: 23، كتاب الصلاة، أبواب الزيادات، الحديث104، وسائل الشيعة 8: 269، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب6، باب وجوب قضاء ما فات كما فات…، الحديث5.
(3) تهذيب الأحكام 3: 164، أحكام فوائت الصلاة، ذيل الحديث14، والخلاف 1: 672، كتاب الصلاة، قضاء الصلاة وتكبيرها، المسألة: 446، وعوالي اللئالي 2: 54، المسلك الرابع في الأحاديث التي رواها الشيخ العلّامة السيوري.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأخبار السابقة وغيرها، بما فيها مثل الإخفات والجهر، إلّاَ أنَّه غير تامٍّ سنداً.
عدّة نواحٍ في فقه الحديث
وحيث تمّت عندنا صحيحة زرارة، وكان لها إطلاقٌ لمورد الكلام، فهي المدار في ثبوت الحكم سعةً وضيقاً. وعليه فلابدَّ من التعرّض إلى عدّة نواحٍ:
الناحية الأُولى: أنَّ الكبرى المذكورة فيها، قد أُخذ فيها عنوان الفوت، إذ قال: >يقضي ما فاته كما فاته<، فيدور وجوب القضاء وكيفيّته على إحراز الفوت وكيفيّته.
وعنوان الفائت متضمّنٌ لأمرين أساسيّين، لابدَّ من تحقّقهما لتحقّقه:
الأمر الأوّل: أن يكون الفائت مفقوداً في المورد الذي يقتضي التشريع وجوده، ومن هنا يجب النظر إلى التشريع الذي لم يحصل امتثاله، هل هو وجوب الإتمام، أو وجوب القصر، أو التخيير مثلاً؟ لنطبّق القضاء على مثاله؛ أخذاً بإطلاق التشبيه.
الأمر الثاني: أنَّ الفائت لا يكون فائتاً إلّاَ مع ضيق الوقت، أو بعبارة أُخرى: إلّاَ مع انقضاء تمام الوقت مع عدم تحقّقه، أو بعبارة ثالثة: إنَّ الفائت هو الفرد الأخير المتصوّر تحقّقه أداءً في الوقت، فإنَّ الأفراد المتقدّمة عليه لا يصدق عليها فوت الطبيعة مادام في الإمكان الإتيان بأفرادٍ أُخرى بعدها. وأمّا الفرد الأخير المتصوّر للطبيعة، فهو الذي يفوت بلا عوض عرفاً.
ومن هنا لابدَّ أن ننظر إلى آخر الوقت؛ لنرى أنَّ التشريع – الذي لم
ــــــ[213]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
يتحقّق امتثاله في آخر فردٍ من الطبيعة – ما هو؟ فإن كان هو وجوب الإتمام، فالفرد الذي فات في آخر الوقت هو صلاة التمام، فيجب قضاؤها كما فاتت، سواء وقع القضاء سفراً أو حضراً. وإن كان ذلك التشريع هو القصر أو أيّ حكمٍ آخر، فعلى غرار ذلك.
الناحية الثانية: أنَّه قال: إن كانت صلاة السفر فكذا وإن كانت صلاة الحضر فكذا. يعني: إن كانت الصلاة الفائتة هي الصلاة التي تكتسب حكمها في السفر، أو كانت هي الصلاة التي تكتسب حكمها من الحضر، ولم يقل: إن كانت الصلاة الفائتة قصراً أو كانت تماماً. وإن كان المنصرف الابتدائي منها هو ذلك.
وعليه فيمكن التمسّك بإطلاقها لِمَا إذا كان حكم السفر في نفسه هو غير القصر، أو كان حكم الحضر في نفسه هو غير التمام، كما لو قلنا في مسألة المقام الأوّل بالتخيير أو في مسألة المقام الثاني به، فإنَّها أيضاً تقضى كما فاتت على ما نتعرّض له إن شاء الله تعالى.
ولا يحول دون الأخذ بهذا الإطلاق إلّاَ إحدى مناقشتين:
الأُولى: دعوى انصراف صلاة السفر إلى خصوص صلاة القصر، وانصراف صلاة الحضر إلى خصوص صلاة التمام. وهذا الانصراف وإن كان موجوداً في الذهن، إلّاَ أنَّه من باب تداعي المعاني، لا أنَّه يشكّل ظهوراً قد يُقال بمنعه عن انعقاد الإطلاق.
الثانية: أنَّ الألف واللام ظاهرةٌ في العهد في المقام – لا أقلّ من احتماله- وهو يمنع عن الأخذ بالإطلاق لغير الحكم بتعيّن القصر في أحد الموردين وتعيّن التمام في عكسها.
ــــــ[214]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إلّاَ أنَّ هذا لو تمَّ، فهو إنَّما يتمّ فيما لو كانت الألف واللام داخلةً على لفظ الصلاة، فيكون عهداً للصلاة التي توقع في السفر والحضر، وهي خصوص التمام والقصر، إلّاَ أنَّ لفظ الصلاة في الرواية مضاف إلى لفظ السفر والحضر، فيمتنع دخول الألف واللام عليه، ومعه تكون هذه الدعوى من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
ودعوى: أنَّ الألف واللام الداخلة على السفر والحضر كافيةٌ في إثبات ذلك. مدفوعة: بأنَّ هذه الألف واللام لو كانت للعهد، فهي عهد للسفر الموجب للتقصير، وهو قصد الثمانية فراسخ ونحوه، وعهد للحضر الموجب للإتمام، وهو الوطن الشرعي ونحوه.
ونفس هذين الموردين قد يُقال فيهما بالتخيير، فتكون صلاة السفر المعهود أو صلاة الحضر المعهود هي الصلاة المخيّرة بين القصر والتمام، ولا يأتي من هذه الناحية إشكال.
نعم، هذا العهد قد يمنع من الأخذ بالإطلاق في صورة القول بالتخيير في المواطن الأربعة، فإنَّ التخيير فيها ليس بسبب السفر المعهود أو بقيده، بل هو بعنوانٍ ثانوي ودليلٍ خاصّ، فلا يشمله إطلاق العهد. نعم، لو كانت الألف واللام للجنس، أمكن التمسّك بإطلاقها لذلك كما هو واضح.
الناحية الثالثة: أنَّ قوله: >إن كانت صلاة السفر< شرطٌ، جوابه قوله: >أدّاها في الحضر مثلها<. كما أنَّ قوله: >وإن كانت صلاة الحضر< جوابُه: >فليقض في السفر صلاة الحضر<.
والمستفاد من ذلك أُمور:
ــــــ[215]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأمر الأوّل: أنَّ الشرطيّة الثانية هي عبارة عن مفهوم الشرطيّة الأُولى، بعد ضمّ الكبرى التي في الرواية إليه، فإنَّ مفهوم الأُولى هو: إنَّه إذا لم تكن الفائتة صلاة السفر، فلا يؤدّيها في الحضر مثلها، يعني لا يقضيها قصراً. وبمقتضى الكبرى أنَّه يقضيها تماماً؛ لأنَّها إن لم تكن الفائتة هي صلاة السفر، فهي صلاة الحضر لا محالة، ومقتضى المماثلة في القضاء هي أنَّه يقضيها تماماً.
الأمر الثاني: أنَّ المراد من جواب الشرطيّة الأُولى بقرينة جواب الشرطيّة الثانية، وما تدلّ عليه الكبرى السابقة من المماثلة؛ المراد به هو أن يُقال: أدّاها في الحضر صلاة السفر، أي: حال كونها مثل صلاة السفر التي فاتت.
الأمر الثالث: أنَّه لم يقل في الجواب في أيٍّ من الجوابين: أدّاها في الحضر قصراً، أو قال: فليقض في السفر تماماً، وإنَّما قال: >مثلها< أي: صلاة السفر، وقال: >صلاة الحضر< وهو بإطلاقه شامل – كما كان الشرط شاملاً – لما إذا كان التشريع الذي فات أداؤه هو القصر أو التخيير في السفر، أو هو القصر أو التخيير في الحضر.
فإن كان هو التخيير تعيّن عليه – بمقتضى هذه الرواية – أن يقضيها كما فاتت، كصلاة السفر أو كصلاة الحضر، يعني: على وجه التخيير.
الأمر الرابع: أنَّنا نفهم من سياق الرواية – باعتبار ما ذكرنا في الأمر الثالث – أنَّ التشريع الفائت أداؤه وتشريع القضاء متّحدان، فإن كان هو تعيّنَ الإتمام كان مثله، وإن كان هو تعيّن القصر كان مثله، وإن كان هو التخيير كان مثله؛ تمسّكاً بإطلاق الشرطيّتين.
ــــــ[216]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الناحية الرابعة: أنَّه اتّضح ممّا قلناه – في الناحية الأُولى- لزوم ملاحظة التشريع الفائت أداؤه في آخر الوقت، بحيث إنَّ أداءه الفائت ليس إلّاَ آخر فردٍ متصوّرٍ للطبيعة في داخل الوقت.
اتّضح من ذلك أنَّ مَن قال بوجوب التمام في سعة الوقت ووجوب القصر في ضيقه، في أيّ من المسألتين السابقتين، يتعيّن عليه القول بوجوب القضاء قصراً؛ لأنَّ وجوب القصر هو التشريع الذي فات أداؤه في آخر فرد للطبيعة، ومقتضى مماثلة تشريع القضاء لتشريع الأداء أنَّه يجب أن يكون قصراً أيضاً.
وقد سقنا هذا مثالاً على القاعدة، وإلّاَ فالتطبيق يأتي في الجهة الثانية من هذا المقام.
الناحية الخامسة: أنَّ المستفاد من الحديث: أنَّ القضاء منوطٌ بحالة الأداء الفائت الذي هذا قضاؤه، ولكنّه غير منوطٍ بحالة الإتيان بالصلاة من سفرٍ أو حضر، فسواء اتّحد الحال أو المكان من هذه الناحية أو اختلف، يصحّ القضاء ويكون مجزياً. وهذا واضح جدّاً من الرواية.
ولعلّه يمكن أن يجرّد السفر والحضر المأخوذان في محلٍّ القضاء عن الخصوصيّة، بأن يُقال: إنَّ نفي دخلهما لم يكن لخصوصيّة فيهما، سوى أنَّهما الفرد الأخفى من هذه الناحية، فإنَّه قد يتخيّل عدم جواز قضاء الصلاة الفائتة في حالةٍ مضادّة، بل لابدَّ أن تقضى في نفس الحالة، فبنفي ذلك ينتفي ما هو الفرد الخفيُّ من احتمال المماثلة، ويثبت بالأولويّة أو بالتجريد عن الخصوصيّة عدمُ دخل المماثلة في الزمان أيضاً، وهي أوقات الصلاة نفسها.
ودعوى أنَّ هذا مدفوعٌ بإطلاق الكبرى بوجوب المماثلة، مدفوعةٌ:
ــــــ[217]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
بأنَّ المقصود هو المماثلة في أجزاء الصلاة وشرائطها ممّا يشكّل ماهيّة الصلاة عرفاً، وليس الوقت من ذلك، كما لم يكن المكان من ذلك، كما هو واضح.
أقول: فهذه هي نواحي دلالة الحديث، وكلّها تامّةٌ كما عرفنا.
في روايةٍ معارضةٍ لصحيحة زرارة
يبقى الكلام في رواية واحدة تصلح أن تكون معارضةً لصحيحة زرارة المشار إليها، وهي خبر زرارة عن أبي جعفر×: عن رجلٍ دخل وقت الصلاة وهو في السفر، فأخّر الصلاة حتّى قدم، وهو يريد أن يصلّيها إذا قدم أهله، فنسي حين قدم [إلى] أهله أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها. قال×: >يصلّيها ركعتين صلاة المسافر؛ لأنَّ الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي أن يصلّي عند ذلك<(1).
وهذه الرواية تتعرّض لصورة المسألة الثانية، المذكورة في المقام الثاني السابق، وهو ما إذا كان مسافراً فحضر، إلّاَ أنَّه انقضى عليه تمام الوقت ولم يؤدّ الصلاة، فيأمره الإمام× – على فرض صحّة الرواية- بأن يقضيها قصراً، ويعلّل ذلك بأنَّ الوقت دخل حال سفره، وكان ينبغي له أن يصلّي أوّل الوقت.
ومن المعلوم أنَّ موردها بما أنَّه خصوص المسألة المشار إليها، بل حتّى لو كانت هي مع عكسها، ولو بالتجريد عن الخصوصيّة إن أمكن أو القطع بعدم الفرق بين المسألتين إن وجد، فإنَّها على أيّ حالٍ أخصّ من صحيحة
ــــــ[218]ـــــــ
( ) تهذيب الأحكام 2: 13، باب فرض الصلاة في السفر، الحديث4، وسائل الشيعة 8: 269، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب6، باب وجوب قضاء ما فات كما فات…، الحديث3. وفي التهذيب: >كان ينبغي له أن يصلّي<.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
زرارة السابقة؛ لشمول الصحيحة صورة: ما إذا كان المكلّف على حالٍ واحدة في تمام الوقت، وما إذا تبدّل حاله إلى الحضر في الأثناء، فبعد تقييدها بهذه الرواية، تختصّ الصحيحة بما إذا كان السفر أو الحضر مستوعباً للوقت. وأمّا إذا رجع إلى أهله في الأثناء، فيكون مشمولاً لهذه الرواية بالخصوص.
إلّاَ أنَّ هذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه:
أوّلاً: لضعف سند الرواية في نفسه، بحيث لا تصلح دليلاً على الحكم الشرعي.
ثانياً: قيام الشهرة أو الإجماع – على تقدير ثبوته – ضدّها، فإنَّ المطابقة بين القضاء والأداء إنَّما تتحقّق – كما قلنا – فيما إذا أصبح القضاء مماثلاً لآخر جزء متصوّر من أفراد الطبيعة في الوقت. إذن، فالإجماع قائمٌ في فرض مسألة الرواية على وجوب القضاء تماماً، فتأمّل. وهو خلاف ما تفتي به الرواية. فيكون موهناً لها على تقدير تسليم كبرى الوهن.
ثالثاً: أنَّ هذه الرواية ليست مخصّصةً لصحيحة زرارة، بل معارضةٌ لها.
بيان ذلك: إنَّنا بعد أن فهمنا من لفظ الفوت المأخوذ في الصحيحة أنَّه إنَّما يتحقّق بعدم آخر جزء من الأجزاء المتصوّرة في الوقت. إذن، فالرواية متعرّضة لوجوب القضاء بهذا اللحاظ، ومعه يكون ضمّ أوّل الوقت إليه كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، ولا معنى للإطلاق من هذه الناحية.
ومن هنا تكون هذه الرواية معارضة للصحيحة من ناحيتين:
إحداهما: من ناحية الحكم المدلول في وجوب القضاء لهما. فإنَّ
ــــــ[219]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الصحيحة توجب في فرض مسألة الرواية الإتمام، والرواية توجب القصر.
ثانيهما: من ناحية القاعدة الكبرويّة التي تعطي: أمّا الكبرى المستفادة من الصحيحة فهو أنْ ندور مدار الفوت الذي لا يصدق إلّاَ في آخر الوقت. وأمّا الكبرى المستفادة من الرواية، فهي الاعتبار بأوّل الوقت. وهذان معنيان متنافيان كما هو ظاهر، وليس أحدهما أخصّ من الآخر.
وإذا انتهى الأمر إلى المعارضة، اقتضى الترجيح تقديم الصحيحة لا محالة؛ لوجود الترجيح السندي.
رابعاً: أنَّ قوله: >كان ينبغي أن يصلّي عند ذلك< دالٌ على أنَّ المدار ليس هو حال السفر فقط، بل هو وقت الفضيلة أو نحوه، ولو باعتبار أنَّ الصلاة كلّما كانت أقدم في الوقت كانت أفضل. وهذا معنى لا يقول أحد باعتباره في القضاء أصلاً.
أو يُقال بعبارة أُخرى: إنَّ الإمام× كأنَّه يأمر في صورة المسألة بأداء الصلاة سفراً قبل أن يتحوّل حال المسافر إلى الحضر، ويجعل هذا مداراً في وجوب القضاء، مع أنَّه لم يقل به أحد، مضافاً إلى كونه أمراً استحبابيّاً، فلا يكون مداراً لتعيين الأمر الإلزامي بالقضاء.
أو يُقال بعبارة ثالثة: كما قيل: إنَّ الرواية دالّةٌ على أنَّ العبرة في الأداء بحال الوجوب، فيشكل لذلك العمل بها؛ لمعارضتها لغيرها ممّا يجب تقديمه عليه. يشير إلى الأخبار الدالّة على أنَّ العبرة بحال الأداء، ممّا سبق أن ذكرناه من الصحاح المتقدّمة سنداً على هذا الخبر لا محالة.
إذن، فلم تتمّ هذه الرواية، ولا معارضتها للصحيحة. ومعه تبقى الصحيحة دالّةً على القاعدة التي أسلفناها دون معارض.
ــــــ[220]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وبه يتضّح فساد ما هو المحكيُّ عن ابن بابويه(1)، ومصباح المرتضى(2)، وبعض كتب المفيد(3)، والمبسوط(4)، من أنَّ العبرة في القضاء بحال الوجوب؛ لأنَّ الفائت هو ما خُوطب به في الحالة الأُولى؛ لأنَّه لو صلّاها حينئذٍ لصلّاها كذلك، فيجب أن يقضي كما فاته. وقد نسب إلى ظاهر الأدلّة وإجماع أصحابنا(5).
أمَّا ظاهر الأدلّة فقد عرفناه بضدّ ما قالوه.
وأمَّا الإجماع فممنوع؛ لقيام الشهرة على الخلاف، ولاحتمال استناده إلى خبر زرارة.
ونكتفي بهذا المقدار في الكلام عن الكبرى والقاعدة العامّة في وجوب مطابقة القضاء للأداء.
مناقشة الفقيه الهمداني في المقام
نعم، لابدَّ من التعرّض إلى الوجه الذي احتمله الفقيه الهمداني(6)،
ــــــ[221]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 14: 383، الفصل الخامس في صلاة المسافر، اللواحق، المسالة الخامسة في أنَّ الاعتبار في القضاء بحال فوات الصلاة.
(2) حكاه المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 480، كتاب الصلاة، المقصد الخامس في صلاة المسافر، النظر في القصر، مسألة لو فاتت هذه الصلاة … .
(3) راجع جواهر الكلام 14: 383، الفصل الخامس في صلاة المسافر، اللواحق، المسالة الخامسة في أنَّ الاعتبار في القضاء بحال فوات الصلاة.
(4) أُنظر: المبسوط 1: 139، كتاب الصلاة، كتاب صلاة المسافر.
(5) أُنظر: جواهر الكلام 14: 383، الفصل الخامس في صلاة المسافر، اللواحق، المسالة الخامسة في أنَّ الاعتبار في القضاء بحال فوات الصلاة.
(6) مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 619، كتاب الصلاة، جواز القضاء احتياطاً.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وحاصله: أنَّ المفهوم من أدلّة وجوب القضاء هو صدق ترك الفعل في تمام الوقت المضروب له، لا في خصوص جزئه الآخر. فالذي فات في الحقيقة هو الطبيعي المقيّد بالوقت، ونسبة الطبيعي إلى سائر أجزائه المتصوّرة في الوقت على حدٍّ سواء. وليس لكلِّ جزءٍ من الوقت وجوبٌ شرعيٌّ مستقلٌّ حتّى يُقال: إنَّه ارتفع وجوبه برخصة الشارع في التأخير، بل الوجوب متعلّقٌ بطبيعة الصلاة في وقتٍ موسّع. وإنَّما يتعيّن فعله في آخر الوقت بواسطة تركه فيما سبق لا لكونه بخصوصه مورداً للوجوب.
قال الفقيه الهمداني: فلو قيل: بكون المكلّف مخيّراً بين مراعاة كلّ من حالتيه في القضاء لكان وجه(1). فكأنّه يرى بأنَّ هذا الوجه ينتج التخيير بين القصر والتمام في القضاء.
إلّاَ أنَّ هذا الكلام غير تامٍّ:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ المأخوذ في الدليل – كما عرفنا – ليس هو عنوان ترك الواجب، ليصدق على جميع المصاديق المتصوّرة في الوقت للطبيعي على حدٍّ سواء، بل هو عنوان الفوت. وهو معنىً زمانيٌّ يصدق بتصرّم الزمان، فهو وإن كان صادقاً عقلاً على الجزء الأوّل كصدقه على الجزء الأخير، إلّاَ أنَّ العرف يرى بارتكازه – كما عرفنا – أنَّ الأجزاء المتقدّمة حيث إنَّه يمكن تعويضها بمصداقٍ آخر وافٍ بالملاك مثلها، فلا يرى صدق عنوان الفوت عليها وإنَّما يصدق الفوت على آخر فردٍ متصوّرٍ وافٍ بالملاك، بحيث لا يمكن تعويضه بفردٍ آخر مثله، وليس ذلك إلّاَ فرد آخر الوقت.
ومن هنا يُقال: إنَّ فوت وقت الفضيلة للصلاة لا يصدق إلّاَ بفوات
ــــــ[222]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
آخر مصداقٍ متصوّرٍ له. هذا في الواجبات الموسّعة. أمّا في الواجبات المضيّقة كالصوم، فإنَّه يصدق عليه الفوت بالإفطار آناً ما؛ لعدم إمكان تدارك مصداقٍ آخر للواجب على الفرض.
فنحن لم نقل بصدق الفوت على ترك الفرد الأخير باعتباره واجباً مستقلاً، حتّى ينفى ذلك، بل باعتبار الصدق العرفي لعنوان الفوت على تركه. والمدار في فهم الأدلّة هو الصدق العرفي دون الدقّة العقليّة في أمثال هذه الموارد، كما هو واضح.
وأمّا ثانياً: فلِمَا ذكره بعض المحقّقين(1) – ومعه حقّ- من إنكار صدق الطبيعي على سائر الأفراد بنسبةٍ واحدة، بعد تحوّل حال المكلّف من موضوعٍ إلى موضوع. فإنَّه مع زوال أحد الحالين وطروّ الحال الآخر، يكون الظاهر من إطلاق وجوب القضاء طبقاً للحال، والعنوان الذي كان عليه الفوت. وليس هو إلّاَ الحال الذي يكون عليه المكلّف في آخر الوقت.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّ هذا الوجه لا ينتج التخيير، بل ينتج وجوب الجمع على أيّ حال، فإنَّه إمّا أن يحرز عنوان الفوت في كلا الحالين. إذن، يكون اللازم هو الجمع. فتأمّل. وإن لم يحرز عنوان الفوت في أحد الحالين، فاللازم هو الجمع؛ لكون الشكّ في المكلّف به، فتجري أصالة الاشتغال.
وهذا الوجه للمحقّق المشار إليه أيضاً بتقريبٍ منّا، وإن كان في شقّه الأوّل تأمّلٌ أشرنا إليه، والعمدة هو الجواب الأوّل، بل الجوابان الأوّلان.
هذا تمام الكلام في الجهة الأُولى في تحقيق كبرى وجوب القضاء.
ــــــ[223]ـــــــ
(1) راجع المستند في شرح العروة الوثقى 5 ق1: 153، كتاب الصلاة، فصل في صلاة القضاء.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

[الجهة الثانية: تطبيق الكبرى على المسألتين في الأداء]
الجهة الثانية: في تطبيق الكبرى المستخلصة في الجهة على الأقوال في المسألتين السابقتين، وهما: فرض تحوّل حال المكلّف في أثناء الوقت من حال السفر إلى الحضر، أو بالعكس. مع فرض ترك الصلاة في تمام الوقت.
من الواضح بعدما ذكرناه من كون المدار هو عنوان الفوت، وكونه لا يصدق إلّاَ على ترك الفرد الأخير، فلابدَّ من ملاحظة التشريع الذي فات أداؤه بهذا الفرد الأخير.
من الواضح: أنَّنا إذا اخترنا في أيٍّ من المسألتين في آخر الوقت تعيُّنَ الإتمام أو تعيُّنَ القصر، وجب الأداء كما فات، فإن كان تماماً وجب القضاء مثله، وإن كان قصراً وجب القضاء مثله، بغضِّ النظر عن محلِّ مكان القضاء وزمانه، كما سبق.
وحيث قلنا في المسألة الأُولى بوجوب القصر على التعيين، وجب عليه بالفوات القضاء قصراً على التعيين.
وإذا قلنا في أيٍّ من المسألتين بوجوب التمام في سعة الوقت والقصر في ضيقه، وجب القضاء قصراً، كما سبق أن ذكرنا؛ لأنَّ وجوب القصر هو التشريع الذي فات أداؤه في الفرد الأخير من الوقت.
في القول بالتخيير ومناقشته
وإذا قلنا في أيٍّ من المسألتين بالتخيير بعد تبدّل حال المكلّف في آخر
ــــــ[224]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الوقت، فمقتضى القاعدة هو وجوب القضاء تخييراً أيضاً. فإنَّ التخيير هو التشريع الذي فات أداؤه في الوقت، وقد فهمنا من الأدلّة مماثلة تشريع القضاء مع التشريع الفائت أداؤه كما سبق، فيتعيّن أن يكون وجوب القضاء بنحو التخيير أيضاً.
إلّاَ أنَّ هنا تقريبين في المقام، أحدهما ينتج وجوب القصر في القضاء، والآخر ينتج وجوب التمام.
أمّا التقريب المنتج لوجوب القصر، فحاصله: أنَّ المكلّف وإن كان مخيّراً في الوقت، إلّاَ أنَّنا سبق أن عرفنا أنَّ التخيير يرتفع في ضيق الوقت ويتعيّن الوجوب بالقصر؛ لأنَّه هو الفرد الذي فيه الصلاة في داخل الوقت. وحيث عرفنا هنا أنَّ المدار هو التشريع الذي فات أداؤه في الفرد الأخير، وليس هو إلّاَ وجوب القصر، فيكون مقتضى مماثلة تشريع القضاء للأداء أن يجب القضاء قصراً. وتكون حال هذا القول كحال القول بوجوب التمام في السعة، والقصر في الضيق.
إلّاَ أنَّ هذا التقريب غير تامٍّ:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ التكليف في آخر الوقت لم يتحوّل إلى تعيّن القصر، بل لا يزال هو التخيير، غاية الأمر يجب على المكلّف للعنوان الثانوي تطبيق هذا الوجوب على أحد الفردين.
وهذا بخلاف القول الآخر المشار إليه، فإنَّ مَن يدّعيه يقول: بأنَّ الواجب على المكلّف هو التمام في سعة الوقت والقصر في ضيقه بالعنوان الأوّلي، فيكون هو التشريع الفائت أداؤه.
وعلى ما قلناه، إن أُريد مماثلة تشريع القضاء مع تشريع التخيير
ــــــ[225]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الساري في تمام الوقت، فهو، وإن أُريد مماثلته مع الوجوب الثابت بالعنوان الثانوي في آخر الوقت، فهذا ممّا لا يمكن الالتزام به؛ لأنَّه تشريع مقيّد بزمانٍ من آخر الوقت يقطع بارتفاعه بعد ذلك، ولا يمكن استفادة مماثلة وجوب القضاء له من الأدلّة.
وبعبارة أُخرى: إنَّه في آخر الوقت يصدق فوت كلٍّ من التخيير ومن تعيُّن القصر؛ باعتبار ثبوت كلٍّ منهما في ذلك الحين، أحدهما بالعنوان الأوّلي والآخر بالعنوان الثانوي، وما يمكن استفادته من الأدّلة هو فوت التشريع الأوّلي دون الثانوي، ولو في طول تعارضهما، والشكّ في التبعيّة لأيٍّ منهما.
وأمّا ثانياً: فلعدم انتقال التكليف إلى تعيّن القصر أصلاً؛ لأنَّه إنَّما يتعيّن للممتثل الذي يضيق وقته. وأمّا مع الغفلة والنسيان على ما هو المفروض، فلا يمكن أن يتنجّز تعيّن القصر عليه، وإذا لم يكن معيّناً لم يصدق فوته، وإذا لم يصدق ذلك تعيّن صدق فوت التشريع بالعنوان الأوّلي وهو التخيير؛ لتنجّزه في سعة الوقت على الفرض، فيتعيّن تبعيّة القضاء له.
نعم، في فرض الالتفات وفوات الصلاة عصياناً لا يرد هذا الإيراد الثاني كما لا يخفى.
وأمّا التقريب المنتج لوجوب التمام، فحاصله: التمسّك بالعمومات المناسبة للمسألة. فإن كان في آخر الوقت حاضراً تمسّكنا بعمومات الإتمام، وإن كان مسافراً نتمسّك بعمومات القصر. ونقول: إنَّ هذه العمومات تثبت في آخر الوقت حكماً معيّناً بالعنوان الأوّلي في أصل الشريعة، رفعنا اليد عنها بشكلٍ استنثائي للدليل الخاصّ الدالّ على التخيير في أيٍّ من المسألتين، وقد قلنا: إنَّ وجوب القضاء إنَّما يكون لِمَا هو ثابت بالعنوان
ــــــ[226]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأوّلي، لا ما هو ثابت بالعنوان الثانوي، فيكون العنوان الأوّلي الفائت امتثاله هو وجوب التمام إذا كان حاضراً في آخر الوقت، ووجوب القصر إذا كان مسافراً، ويكون مقتضى المماثلة بين تشريع القضاء والأداء، أن يكون القضاء تابعاً للأمر الأوّلي الفائت.
وقد يُعكس التقريب، ويقال بالتمسّك بالعمومات بلحاظ ما قبل تحوّل حال المكلّف، ويقال بلزوم مماثلة وجوب القضاء لها؛ باعتبارها الحكم الأوّلي في الشريعة، في حين إنَّ التخيير الذي نقول به بعد تحوّل حال المكلّف في أيٍّ من المسألتين حكمٌ استثنائي، وقد قلنا إنَّه لا يمكن تبعيّة وجوب القضاء لمثله.
وكلا هذين التقريبين قائمان على افتراض أنَّ القول بالتخيير حكمٌ استثنائيٌّ لم يثبت بأصل الشريعة. فإن أُريد بذلك تحديده في صورةٍ معيّنةٍ وفرضٍ خاصٍّ لا يثبت في غيره، فنعم، إلّاَ أنَّ ذلك لا ينافي كونه ثابتاً في الشريعة بالعنوان الأوّلي دون الثانوي كما هو واضح؛ لأنَّ المراد بالعنوان الثانوي هو أحوال الضرورات، والضرر والحرج وضيق الوقت ونحو ذلك من رافعات التكليف أو مغيّراته.
وإن أُريد أنَّ القول بالتخيير هو من سنخ تلك الأُمور الرافعة للتكليف، فعهدته على مدّعيه كما هو واضح، بعد ثبوته بالدليل الاجتهادي كما سبق.
إذن، فيتعيّن أن يكون التشريع الفائت أداؤه في الفرد الأخير هو التخيير، ويكون مقتضى المطابقة هو التخيير عند القضاء أيضاً.
وحيث إنَّنا قلنا في المسألة الثانية بالتخيير. إذن، يكون المكلّف في
ــــــ[227]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
القضاء مخيّراً أيضاً بين القصر والإتمام.
وأمّا إذا قلنا بوجوب الجمع أداءً بمقتضى أصالة الاشتغال العقليّة، فلا شكَّ أنَّ هذا أمرٌ ثانويٌّ احتياطيٌّ وليس حكماً ثابتاً في الشريعة ابتداءً، وحينئذٍ يتعيّن تبعيّة القضاء للأمر المأخوذ بالعنوان الأوّلي في الشريعة، وهو إمّا الأمر الثابت بالإطلاق لِمَا بعد تبدّل حال المكلّف، أو الأمر الثابت بالإطلاق لِمَا قبل التبدّل، طبقاً للتقريبين اللذين ذكرناهما في التخيير وناقشناهما، إلّاَ أنَّهما يتمّان هنا؛ لكون عنوان الاحتياط عنواناً ثانويّاً، ثابتاً في طوله الشكّ في الواقع ووجوب إحرازه على كلِّ حال.
ونحن بعد أن فهمنا أخذ عنوان المسافر والحاضر في إطلاقات وجوب القصر وإطلاقات وجوب التمام، لم يمكن أن يكون الإطلاق الشامل للمكلّف قبل تبدّل حاله شاملاً له بعد ذلك؛ لاختلاف الموضوع. وحيث إنَّ المدار هو التبعيّة في آخر الوقت كما قلنا، فلا يمكن أن يكون ذاك الإطلاق مداراً لها. وإنَّما يكون المدار هو الإطلاق المسانخ في موضوعه لحال المكلّف في آخر الوقت، فيكون القضاء تابعاً له بمقتضى القواعد التي عرفناها، فإن كان المكلّف حاضراً في آخر الوقت وجب عليه القضاء تماماً، وإن كان مسافراً وجب عليه القصر.
لا يُقال: إنَّه مع شمول الإطلاق للمكلّف في آخر الوقت لا تصل النوبة إلى الأُصول العمليّة فضلاً عن الأُصول العقليّة.
فإنَّه يُقال: نحن لم نقل بشمولها له أصلاً، فإنَّه خلف الفرض من وصول النوبة إلى قاعدة الاشتغال، وإنَّما المراد تبعيّة القضاء لسنخ الحكم الثابت في آخر الوقت، لا لشخصه، والتبعيّة بهذا المقدار كافيةٌ لتشخيص
ــــــ[228]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
التكليف بالقضاء بعد تعذّر معرفة شخص الحكم على الفرض.
فإن قيل: بأنَّ سنخ الحكم غير معلوم الثبوت في آخر الوقت لتصحّ التبعيّة.
قلنا: نعم، ولكن بعد كفاية التبعيّة في سنخ الحكم، فإنَّ مماثلة موضوع المسألة مع موضوعٍ سنخُ حكمه ثابتٌ على أيّ حال.
توضحيه: أنَّه لو كان مسافراً فحضر في آخر الوقت، فسنخ الحكم هو وجوب التمام على الحاضر في الجملة، بنحو لا يشمل المسألة؛ لمانعٍ على الفرض، وموضوعه هو الحاضر كما عرفنا، وهذا المكلّف حاضر أيضاً، فالموضوع متماثل، فيبقى وجوب التمام إلى آخر الوقت مسانخاً مع ما ينبغي أن يكون عليه حكم المسألة لو كانت العمومات شاملة. وهو معنى ثابت حتّى في آخر فردٍ متصوّرٍ في الوقت، الذي هو المدار في تبعيّة حكم القضاء له، كما سبق.
وبعبارة أُخرى: إنَّنا لو لاحظنا وجوب التمام أجنبيّاً عن موضوع المسألة بالمرّة، فهو غير ثابتٍ في أيّ من الأفراد المتصوّرة في آخر الوقت. ولكن بعد تعذّر معرفة شخص الحكم على الفرض، وعدم كفاية العنوان الثانوي وهو الاحتياط للتبعيّة، تصل النوبة إلى المماثلة في سنخ الحكم، وهو ثابت في الشريعة لا يتغيّر، فما دام موضوع المسألة محفوظاً إلى آخر الوقت، كانت المسانخة ثابتةً إلى آخر الوقت، ويكون سنخ الحكم هو المدار في التبعيّة.
وأمّا إذا تنزّلنا عن ذلك أو رفضناه، تصل النوبة إلى الأُصول العمليّة الثابتة في طول انعدام الأدلّة، على ما نتعرّض له في الجهة الثالثة من هذا
ــــــ[229]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
المقام إن شاء الله تعالى.
وقد تحصّل من هذا البيان: أنَّه إن كان المكلّف حاضراً في آخر الوقت، ووجب عليه الاحتياط ولم يصلّ في تمام الوقت، وجب عليه القضاء تماماً. وإن كان مسافراً كذلك وجب عليه القضاء قصراً.
فرعان مترتبان على القول بوجوب الاحتياط
يبقى التعرّض لفرعين مترتّبين على القول بوجوب الاحتياط:
أحدهما: ما ذكرناه من أنَّه إذا ضاق الوقت عن الجمع، وجب إيقاع صلاةٍ كاملةٍ هي القصر دائماً في داخل الوقت، مع جزء من الصلاة الأُخرى لو أمكن.
فهنا يُقال: إنَّه بعد تعذّر الجمع يسقط وجوبه لا محالة خاصّةً مع الغفلة ونحوها قبل ذلك، ومع سقوط وجوبه قد يبقى وجوب القصر وحده، كما لو بقي من الوقت ركعتان أو أكثر، فيكون وجوب القضاء تابعاً لوجوبه.
إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ؛ لكون تعيّن القصر في مثل ذلك لعنوانٍ ثانويّ
– وهو ضيق الوقت- طارئ على العنوان الثانوي وهو وجوب الاحتياط. وقد قلنا إنَّ وجوب القضاء لا يكون تابعاً للعنوان الثانوي، فضلاً عمّا إذا كان ثانويّاً في مرتبة ثانية. ومن ثمَّ تبقى التبعيّة لسنخ الحكم الذي قلناه سارية المفعول، فإنَّها ثابتةٌ موضوعاً في سعة الوقت وضيقه.
الفرع الثاني: إنَّنا قلنا في نفس الفرع السابق بوجوب تقديم صلاة القصر عند بقاء مقدار ركعتين فأكثر من الوقت. وعليه فإذا أتى بصلاة القصر وانتهى الوقت قبل أن يبدأ بصلاة التمام – إمّا لأنَّه لم يكن من الوقت
ــــــ[230]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
إلّاَ بمقدار ركعتين، أو لغفلة تبقى عدّة دقائق- فهل يجب بعد ذلك الإتيان بصلاة التمام وفاءً بوجوب الجمع الثابت في الوقت، أو لا يجب لانتقال عنوان الصلاة من الأداء إلى القضاء؟ والجمع كان وجوبه ثابتاً بعنوان الأداء دون القضاء كما ذكرنا.
والصحيح أنَّنا إذا اقتصرنا على الدليل(1) الاجتهادي، فلا يجب عليه الإتيان بالصلاة الثانية؛ لانقطاع الحكم بانقضاء الوقت لا محالة، وارتفاع ضيق الوقت بارتفاعه أيضاً، والقضاء بأمر جديد، وهذا ليس مصداقاً له، وإنَّما ثبت أمره بدليل الأداء على الفرض، ولو في طول الشكّ به، يعني أنَّ الإتيان به إنَّما كان للاحتياط المؤدّي إلى المحافظة على الأمر الأدائي، فلا يكون مصداقاً للأمر بالقضاء، فما هذا مصداقه ليس فعليّاً، وما هو فعليّ ليس هذا مصداقه.
وأمّا من حيث الأُصول العمليّة، فهل تجري البراءة أو الاستصحاب؟ فهذا يأتي التعرّض له في الجهة الثالثة.
هذا تمام الكلام في الجهة الثانية في التطبيق.

* * * *
ــــــ[231]ـــــــ
( ) على فرض وجوده ولو مجملاً. فتأمّل (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

[الجهة الثالثة: مقتضى الأصل العملي في باب القضاء]
الجهة الثالثة: فيما هو مقتضى الأصل العملي في باب القضاء، فيما هو مورد الكلام.
إذا فرضنا وجود الأمر بالقضاء بنحوٍ ثابت بالدليل الاجتهادي
– سواء كان هو الأمر بالأداء نفسه كما قيل، أو بأمرٍ جديد على ما هو الصحيح – فلا تصل النوبة إلى الأُصول العمليّة. فإن كان وجوب القضاء يثبت بنفس أمر الأداء، كان هذا الأمر ثابتاً كما هو واضح. وإن كان وجوب القضاء بأمرٍ جديد، بعد ارتفاع الأمر الأوّل بارتفاع قيده، وقد عرفنا مماثلة وجوب القضاء لوجوب الأداء من حيث سنخ التشريع، كان القضاء واجباً بالنحو الذي كان عليه الأداء.
وأمّا إذا تنزّلنا عن وجود الأمر الأدائي، وانتهى الأمر إلى وجوب الجمع طبقاً لأصالة الاشتغال، ولكن كان الأمر بالقضاء مفروض الوجود، فهذا الأمر لا يفيد شيئاً، أمّا إذا كان القضاء بنفس أمر الأداء، فواضح؛ لتردّد أمر الأداء بين القصر والتمام، فيبقى مردّداً بعد الوقت أيضاً، وأمّا إذا كان القضاء بأمرٍ جديد، فهو بنفسه غير كافٍ حتّى نعرف مقدار مطابقته للحكم الأدائي، والمفروض تردّد الحكم الأدائي بين القصر والتمام، فيكون الحكم القضائي مردّداً أيضاً.
وفي مثله إن أمكن أن يصلّي الإنسان صلاةً جامعةً بين القصر والتمام، كما أشرنا إليه في بعض كلماتنا السابقة، فهو، وإلّاَ وجب الجمع أيضاً قضاءً.
ــــــ[232]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وأمّا إذا عكسنا الأمر فتحّفظنا على الأمر الأدائي، ورفعنا اليد عن الأمر القضائي، فتصل النوبة في القضاء إلى الأُصول العمليّة.
فقد يُقال: بوجوب الجمع بين القصر والتمام؛ للعلم الوجداني بوجوب القضاء وتردّد أمره بينهما، والعلم الإجمالي منجّز؛ لوجوب الموافقة القطعيّة، وهي تقتضي الإتيان بالطرفين معاً.
إلّاَ أنَّنا ذكرنا فيما سبق أنَّنا لا نقول بعليّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة، وإنَّما نقول بتنجيزه لها بعد تعارض الأُصول وتساقطها في أطرافه. وهذا العلم الإجمالي لا تتعارض الأُصول في أطرافه حتّى يكون منجّزاً، بل يجري الأصل في أحد الطرفين دون الآخر.
تصوير الأُصول المنتجة لوجوب القصر
وتصوير الأُصول الجارية تارةً تكون بالنحو المؤدّي إلى وجوب القصر، وأُخرى تكون بالنحو المؤدّي إلى وجوب التمام. فالأُصول المنتجة لوجوب القصر ما يلي:
الأصل الأوّل: استصحاب ذات الأمر الأدائي بعد تجريده من قيده- وهو الوقت – على القول بتركيبه، فإنَّه يشكّ بارتفاعه بعد الوقت لا محالة فيستصحب. وبه يثبت وجوب القضاء بنحو ما كان عليه الأداء.
إلّاَ أنَّ هذا غير فنّيٍّ أساساً؛ وذلك:
أمّا أوّلاً: فلأنَّه على القول بتركيب الأمر الأدائي وانحلاله، فيكون شاملاً لِمَا بعد الوقت بإطلاقه، ويكون الشكّ بانقضاء الوقت ببقائه خلف ذلك كما هو واضح، بل معنى كون الأمر بالقضاء هو بنفس الأمر بالأداء، فما معنى الاستصحاب.
ــــــ[233]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وأمّا ثانياً: فلأنَّنا ننكر القول بتركيب الأمر الأدائي بهذا المعنى؛ لاستحالة بقاء المقيّد بعد ارتفاع قيده. ومعه يقطع بارتفاعه، فلا مجال لاستصحابه.
الأصل الثاني: استصحاب عدم تقييد الأمر القضائي بالركعتين الأخيرتين، بعد إحراز وجوده في نفسه وتعلّقه بركعتين، مع الشكّ في التقييد الزائد.
إلّاَ أنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: لابتنائه على افتراض كون التردّد بين القصر والتمام من قبيل الشكّ في الأقلّ والأكثر، لا من قبيل الشكّ في المتباينين، وقد سبق أنَّ هذا لا يخلو من إشكال؛ لتباين عنوانَي القصر والتمام في أنفسهما، وإن كان لا يبعد إمكان كونهما من الأقلّ والأكثر بحسب الامتثال.
وعليه، فجريان هذا الاستصحاب في نفسه لا يمكن؛ لتباين العنوانين، وجريانه في أثناء العمل بعد الانتهاء من الركعتين ممّا لا يمكن أيضاً؛ لمعارضته باستصحاب بقاء الجعل واستصحاب اشتغال الذمّة كما عرفنا في المسألتين السابقتين، ونشير إليه فيما يلي.
ثانياً: أنَّ استصحاب عدم التقييد لا يثبت الإطلاق إلّاَ بناءً على الأصل المثبت، المشهور بطلانه في علم الأُصول(1).
ــــــ[234]ـــــــ
(1) أُنظر: أجود التقريرات 2: 415، المقصد السابع في الأُصول العمليّة، المبحث الرابع في الاستصحاب، التنبيه الثامن، نهاية الأفكار 4: 177، فصل في الاستصحاب، التنبيه السابع الأصل المثبت، كفاية الأُصول: 414، فصل في الاستصحاب، التنبيه السابع، الأصل المثبت.
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأصل الثالث: أنَّه تصل النوبة بعد بطلان ذينك الاستصحابين إلى أصالة البراءة عن الزائد، التي تنتج إجزاء الإتيان بصلاة القصر بخصوصها.
إلّاَ أنَّ هذا الأصل غير تامٍّ؛ لنفس الإيرادين على الاستصحاب السابق المذكور بعنوان الأصل الثاني، على أنَّها محكومة للاستصحابات المثبتة لوجوب التمام على ما يأتي، وإن كانت حاكمةً على أصالة الاشتغال، لو وصلت النوبة إليها.
تصوير الأُصول المنتجة لوجوب التمام
وأمّا الأُصول المنتجة لوجوب التمام، فهي ما يلي:
الأصل الأوّل: استصحاب بقاء الجعل الجاري في أثناء الصلاة بعد الانتهاء من الركعتين، فإنَّه حينئذٍ يعلم بوجود الأمر بالقضاء ويشكّ في سقوطه لا محالة فيستصحب.
الأصل الثاني: استصحاب اشتغال الذمّة كذلك، فإنَّه يعلم باشتغال ذمّته بالقضاء، ويشكّ بفراغها بعد تماميّة الركعتين فيستصحب.
وكلا هذين الاستصحابين يثبتان وجوب التمام في القضاء، وعدم إجزاء الركعتين، ويكونان جاريين – بناءً على ما قلناه من انحلال القصر والتمام إلى الأقلّ والأكثر – في مقام الامتثال وإن تباين العنوانان، فإنَّ مجرى هذين الاستصحابين هو مقام الامتثال لا مقام العناوين.
الأصل الثالث: أنَّه بعد التنزّل عن سائر الأُصول السابقة يكون العلم الإجمالي بين القصر والتمام منجّزاً، أو بعبارة أُخرى: يكون الشكّ شكّاً في المكلّف به بعد العلم بالتكليف فيكون مجرىً لأصالة الاشتغال، فينتج
ــــــ[235]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
وجوب الجمع بين القصر والتمام بصلاة واحدة إن أمكن، وإلّاَ ففي صلاتين.
وأمّا في مقام المعارضة بين هذه الأُصول، فقد أشرنا في المقام السابق أنَّ الأُصول المثبتة لإجزاء القصر هي الحاكمة على الأُصول المثبتة لوجوب التمام؛ لتعرّض الأُولى لمرحلة الجعل سعةً وضيقاً، وتعرّض الثانية لمرحلة الامتثال، إلّاَ إذا جرى الاستصحاب بالنحو الأوّل الذي ذكرناه في هذا الباب، فإنَّه يكون حاكماً على الجميع باعتباره استصحاباً للحكم الفعلي، فيثبت مضمونه، إلّاَ أنَّه غير تامٍّ أساساً كما ذكرنا.
هذا إذا رفعنا اليد عن الدليل الاجتهادي على القضاء مع التحفّظ على دليل الأداء.
وأمّا إذا رفعنا اليد عن دليل الأداء أيضاً، بمعنى: أنَّنا فرضنا عدمهما معاً، فهذا لا يغيّر من الموقف شيئاً سوى ارتفاع الاستصحاب بالنحو الأوّل موضوعاً، وعدم جريانه أساساً. وأمّا الاستصحابات الأُخرى فتكون جارية باعتبار عدم توقّفها على وجود الدليل، وإنَّما تتوقّف على العلم بالتكليف المردّد.
* * * *
استدراك عن الجهة الثانية
وأمّا الفرع الثاني الذي تعرّضنا له في نهاية الجهة الثانية، وحوّلنا الكلام عنه من حيث الأُصول العمليّة إلى هذا الموضع، وهو:
ما إذا وجب عليه الجمع أداءً احتياطاً، وقلنا بتقديم صلاة القصر في ضيق الوقت، فأتى بها وخرج الوقت بمجرّد الانتهاء منها، فهل يجب عليه
ــــــ[236]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الإتيان بصلاة التمام بعد الوقت أو لا؟
قد يتخيّل جريان الاستصحابات المثبتة لوجوب الإتيان بصلاة التمام هذه، كاستصحاب الحكم الفعلي بالجمع الثابت في الوقت، وقد شكّ في ارتفاعه بخروجه. إلّاَ أنَّ هذا غير صحيحٍ؛ لارتفاع الأمر بالجمع في ضيق الوقت بهذا العنوان الثانوي، واستحالة الإتيان بستّ ركعات في وقتٍ يضيق عنها [هذا أوّلاً].
وثانياً: للجزم بارتفاع الأمر بالجمع بخروج الوقت، فإنَّه مقيّد به على أيّ حال. والمقيّد لا يعقل بقاؤه بعد ارتفاع قيده.
وكاستصحاب بقاء الجعل الثابت قبل الوقت، وقد شكّ بارتفاعه بالإتيان بصلاة القصر وحدها، إلّاَ أنَّه غير تامٍّ لكلا الإيرادين على الاستصحاب السابق، مضافاً إلى أنَّ أصالة الاشتغال المقتضية للجمع أصل عقلي، وليست حكماً شرعيّاً، فليس هناك حكم شرعيٌّ بالجمع في الوقت لنستصحبه، والحكم العقلي يستحيل الشكّ فيه ليُستصحب. نعم، لو تمّت أدلّة وجوب الاحتياط لم يرد ذلك، ولكنّها غير تامّةٍ كما هو المحقّق في علم الأُصول.
وكاستصحاب اشتغال الذمّة بعد الشكّ بفراغها بالإتيان بخصوص القصر، إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ لمثل الإيرادين على الاستصحاب الأوّل، فإنَّ الذمّة إنَّما تكون مشغولةً بالحكم الفعلي، فإذا استحال الحكم أو ارتفع بارتفاع قيده، لا تكون الذمّة مشغولةً لا محالة، وإن قصر الامتثال عن إفراغها.
وكاستصحاب عدم التقييد بالوقت ولو أزليّاً، فيثبت وجوب الجمع
ــــــ[237]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
المطلق من حيث الزمان، فيثبت عليه وجوب الإتيان بالصلاة الثانية، إلّاَ أنَّ هذا غير تامٍّ؛ لكون فرض المسألة قائماً على كون الوقت قيداً في وجوب الجمع؛ لأنَّه(1) ثبت في طول الشكّ بالأمر الأدائي وتردّده بين وجوب القصر والإتمام؛ فإذا كان القيد لكلا طرفي الترديد واحداً – وهو الكون في الوقت – استحال أن يكون الجامع بينهما، أو الجمع بينهما مطلقاً أو مهملاً من هذه الناحية. ومن هنا كان فرض الإطلاق خلف فرض المسألة، ومع إحراز وجود القيد كيف يمكن أن يستصحب عدمه!
لا يُقال: إنَّه بناءً على انحلال الأمر الأدائي إلى ذاته وقيده، فقد وجب الجمع بالنسبة إلى كلا الأمرين في الوقت، وإذا خرج الوقت وارتفع القيد، بقي ذات الأمر ساري المفعول، سواء كان في الواقع قصراً أو كان تماماً، فيكون وجوب الجمع ساري المفعول أيضاً، بلحاظ ذات الأمر.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا ممّا لا يمكن قبوله:
أوّلاً: لارتكاز المبنى في الانحلال المدّعى، فإنَّنا لا نقول به بعد استظهار كون الوقت قيداً للأمر من الأدلّة، واستحالة بقاء الذات بعد ارتفاع قيدها.
وثانياً: أنَّه يثبت حينئذٍ بنفس الدليل الدالّ على وجوب الجمع في الأداء ويكون هذا محرزاً، لفرض إحراز بقاء الذات بعد ارتفاع قيدها، بعد التنزّل عمّا سبق، فكيف يجري الاستصحاب!
وثالثاً: أنَّ استصحاب ذات الحكم – على تقدير إمكانه – لا يثبت وجوب الإتيان بالتمام بعد الوقت، إلّاَ بناءً على الأصل المثبت. نعم، يكون
ــــــ[238]ـــــــ
( ) يعني: الأمر بالجمع (توضيح منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
موضوعاً لأصالة الاشتغال العقليّة في نفسه، إلّاَ أنَّها في المقام لا تكون جاريةً في الأمر المستصحب بعد احتمال سقوطه بالفرد الأوّل. فتأمّل.
توضيحه: أنَّ أصالة الاشتغال تجري لإحراز الحكم الواقعي لا محالة، وتجري لإحراز الأمر الاستصحابي إذا كان الشكّ في بقائه من غير ناحية امتثال أحد فرديه، وأمّا إذا كان الشكّ في بقائه من هذه الناحية، فلا تجري لإحرازه؛ لاحتمال سقوطه بالفرد الأوّل(1)، وحكم العقل بالبراءة عن الفرد الثاني.
إذن، فلا يجري شيءٌ من الأُصول المثبتة لوجوب التمام، وعليه فيتعيّن جريان أصالة البراءة الشرعيّة والعقليّة عنه، فينتج عدم وجوب الإتيان بشيءٍ بعد الوقت.
ثمَّ إنَّه لابدَّ من التنبيه على أمرين في المقام:
الأمر الأوّل: أنَّه لا فرق فيما قلناه بين أن يأتي بالقصر قبل الوقت، وتبقى عليه صلاة التمام كما قلنا، أو تَنزّل عن ذلك القول، فبدأ بصلاة التمام وبقي عليه صلاة القصر. فإنَّ نفس الكلام واردٌ فيه بعين مضمونه.
الأمر الثاني: أنَّ ما قلناه خاصٌّ بما إذا بقيت صلاةٌ كاملةٌ لما بعد الوقت. وأمّا إذا اشتغل بالصلاة الثانية في أثناء الوقت، فيجب عليه إتمامها، خرج الوقت أو لم يخرج؛ لحرمة قطع الفريضة من ناحيته، ولانحفاظ موضوع الاستصحاب في شخص صلاةٍ معيّنة، بحيث لا يُؤثّر خروج الوقت في ارتفاعه، وإنَّما يكون فقط سبباً للشكّ في بقاء حكمه فيستصحب.
ــــــ[239]ـــــــ
( ) على أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ الحكم المستصحب ليس إلّاَ الوجوب الثابت بأصالة الاشتغال، فكيف يكون موضوعاً لها مرّة أُخرى (منه+).
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
هذا هو تمام الكلام في الجهة الثالثة فيما هو مقتضى الأصل العملي في القضاء، وبه ينتهي الكلام عن المقام الثالث في التكلّم عن أصل وجوب القضاء وكيفيّته في كلتا المسألتين اللتين هما مورد الكلام في هذه الرسالة.
وبهذا ينتهي ما هو المقصود من هذه المسألة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين

محمّد الصدر
النجف الأشرف
ربيع الثاني/1389 هـ

ــــــ[240]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

فهرس المصادر
القرآن الكريم
1. أجود التقريرات، السيّد الخوئي+، تقريراً لأبحاث الشيخ النائيني+، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1419 هـ.
2. إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، تأليف العلّامة أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي، تحقيق: الشيخ فارس الحسّون، الطبعة الأُولى: 1410 هـ، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، إيران- قم.
3. الاستبصار، تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي+، تحقيق وتعليق: الحجّة السيّد حسن الموسوي الخرسان، الناشر: دار الكتب العلميّة، طهران، تصحيح: الشيخ محمّد الآخوندي، 1390هـ، الطبعة الرابعة.
4. الأُصول العامّة للفقه المقارن، تأليف: العلّامة السيد محمّد تقي الحكيم، الطبعة الثانية: 1979م، الناشر: مؤسسة آل البيت^ للطباعة والنشر.
5. بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، تحقيق: السيّد إبراهيم الميانجي ومحمّد الباقر البهبودي، الطبعة الثانية: 1403هـ ، 1983م، الناشر: مؤسّسة
ــــــ[241]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الوفاء، بيروت- لبنان.
6. بحوث في علم الأُصول، تأليف آية الله السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي، تقريراً لأبحاث آية الله العظمى السيّد محمد باقر الصدر+ الناشر: مؤسّسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي، الطبعة الرابعة: 1431هـ 2010م.
7. بدائع الأفكار، الميرزا الرشتي، الناشر: مؤسّسة آل البيت^، قم، 1413هـ .
8. تهذيب الأحكام، الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق وتعليق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1390 هـ.
9. جواهر الكلام، محمّد حسن النجفي، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوجاني، الطبعة الثانية: 1365 هـ، دار الكتب الإسلاميّة، طهران.
10. الحدائق الناضرة، المحدّث الشيخ يوسف البحراني+، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة.
11. حلية العلماء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، من دون تاريخ.
12. الخلاف، شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق: جماعة من المحقّقين، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، 1407هـ.
13. دراسات في علم الأُصول، آية الله السيّد علي الشاهرودي، تقريراً لأبحاث سماحة آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي، الناشر:
ــــــ[242]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، الطبعة الثانية:1426هـ، 2005م.
14. الدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة، تأليف: الشيخ شمس الدين محمّد بن مكّي العاملي، تحقيق: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1412هـ .
15. ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد، للعلّامة المحقّق ملّا محمّد باقر السبزواري، الناشر: مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث. ط: قديم.
16. ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، لمحمّد بن جمال الدين مكّي العاملي (الشهيد الأوّل)، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الأُولى: 1419هـ ، قم.
17. الرسائل الفقهية، لمحمّد إسماعيل الخواجوئي المازندراني، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الأُولى: 1411هـ، قم – ايران.
18. روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، للشهيد الثاني، الناشر: انتشارات مكتب التبليغات الإسلامي للحوزة العلميّة في قم، الطبعة الأُولى: 1404هـ .ق، قم، ايران.
19. روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، للشهيد الثاني، طبعة قديمة، الناشر: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، قم المشرّفة.
20. الروضة البهيّة في شرح اللّمعة الدمشقيّة (مع حاشية سلطان العلماء)، للشهيد الثاني، الناشر: انتشارات مكتب التبليغات الإسلامي في حوزة قم، الطبعة الأُولى: 1412هـ.
ــــــ[243]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
21. رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل، الفقيه المدقّق السيّد علي الطباطبائي، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى رمضان المبارك 1412هـ ق.
22. السرائر، ابن إدريس الحلّي، نشر وتحقيق: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، الطبعة الثانية: 1410هـ .
23. شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، المحقّق الحلّي، مع تعليقات السيّد صادق الشيرازي، الطبعة الثانية: 1409، الناشر: انتشارات استقلال، طهران.
24. صلاة المسافر، السيّد أبو الحسن الأصفهاني، تقرير: علوي خوانساري وسيّد حسين، الناشر: مكتب الانتشارات الإسلامي التابع لجامعة المدرّسين في حوزة قم، الطبعة الأُولى: 1415، قم إيران.
25. العروة الوثقى، تأليف آية الله العظمى السيّد محمّد كاظم اليزدي، مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، الطبعة الأُولى: 1417هـ .
26. غاية المأمول من علم الأُصول، محاضرات آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي+، بقلم آية الله محمّد تقي الجواهري+، نشر وتحقيق: مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأُولى: 1429هـ، قم.
27. غاية المرام في شرح شرائع الإسلام، مفلح بن حسن الصيمري، تحقيق: جعفر كوثراني العاملي، الطبعة الأُولى: 1420هـ، الناشر: دار الهادي، بيروت-لبنان.
ــــــ[244]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
28. فقه الرضا، علي بن بابويه القمّي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1406هـ، الناشر: المؤتمر العالمي للإمام الر×، مشهد المقدّسة.
29. فوائد الأُصول، من إفادات الشيخ النائيني+، تأليف: الشيخ محمّد علي الكاظمي الخراساني+، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، 1404هـ.
30. الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الثالثة: 1388 هـ.
31. كتاب الصلاة، مرتضى بن محمّد أمين الأنصاري، نشر وتحقيق: المؤتمر العالمي للشيخ الأعظم الأنصاري، الطبعة الأُولى: 1415هـ، قم-ايران.
32. كفاية الأُصول، الآخوند الخراساني، محمّد كاظم، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، قم المشرّفة، الطبعة الأُولى: 1409هـ .
33. مباحث الأُصول، بقلم سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحائري، تقريراً لأبحاث آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر+، الطبعة الأُولى: 1428هـ، إصدار مكتب السيّد الحائري، قم.
34. المبسوط، شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي، تصحيح وتعليق: السيّد محمّد تقي الكشفي، الناشر: المكتبة المرتضويّة لإحياء آثار الجعفريّة، 1387، طهران.
35. مجمع الأفكار، للميرزا هاشم الآملي، تقريراً لأبحاث المحقّق
ــــــ[245]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
العراقي، الناشر: المطبعة العلميّة: 1395 هـ.ش، قم.
36. المجموع، محيي الدين النووي، دار الفكر، من دون تاريخ.
37. مجموعة فتاوى ابن أبي عقيل، حسن بن علي بن أبي عقيل العماني، تصحيح: عبد الرحيم البروجردي، وتحقيق: علي بناه الاشتهاردي، الطبعة الأُولى، قم- ايران.
38. مختلف الشيعة، تأليف: أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي(العلّامة الحلّي)، نشر وتحقيق: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، الطبعة الثانية: 1413هـ .
39. مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، تأليف الفقيه المحقّق السيّد محمّد بن علي الموسوي العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت ^ لإحياء التراث، مشهد المقدّسة، الناشر: مؤسّسة آل البيت ^ لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1410هـ .
40. مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، تأليف الميرزا النوري، نشر وتحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الأُولى: 1408هـ، 1987م، بيروت لبنان.
41. مستطرفات السرائر، ابن إدريس الحلّي، نشر وتحقيق: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، الطبعة الأُولى: 1411هـ .
42. مستمسك العروة الوثقى، تأليف فقيه العصر آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم+، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1391هـ، الطبعة الرابعة، افسيت منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي
ــــــ[246]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
النجفي، إيران، قم، 1404هـ.
43. مستند الشيعة، العلّامة الفقيه المولى أحمد بن محمّد مهدي النراقي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، مشهد المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1415 هـ، نشر: مؤسّسة آل البيت^ في قم المقدّسة.
44. مصباح الفقيه، للشيخ المحقّق رضا بن محمّد هادي الهمداني+، تحقيق وتصحيح: مجموعة من العلماء، الناشر: المؤسّسة الجعفريّة لإحياء التراث، ومؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى: 1416هـ ، إيران، قم.
45. المعتبر في شرح المختصر،
46. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة، للفقيه المتتبع السيّد محمّد جواد الحسيني العاملي+، تحقيق وتعليق: الشيخ محمّد باقر الخالصي، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، الطبعة الأُولى: 1419هـ .
47. المقنع، تأليف الشيخ الأقدم أبي جعفر الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القميّ، تحقيق ونشر: مؤسّسة الإمام الهادي×، 1415هـ، من دون تاريخ.
48. المقنعة، فخر الشيعة أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي(الشيخ المفيد)، نشر وتحقيق: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، الطبعة الثانية: 1410.
49. مَن لا يحضره الفقيه، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمي الصدوق، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الثانية.
ــــــ[247]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
50. منّة المنان في الدفاع عن القرآن، محمد الصدر، دار الأضواء، لبنان، بيروت الطبعة الأولى، 1423 هـ- 2002 م.
51. موسوعة الإمام المهدي، تأليف الإمام الشهيد السعيد آية الله العظمى السيّد محمّد محمّد صادق الصدر+، الطبعة الأولى، 1428 هـ- 2007 م، دار القارئ، بيروت – لبنان.
52. نهاية الأفكار، تقرير بحث آقا ضياء الدين العراقي+، للشيخ محمد تقي البروجردي النجفي+، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة.
53. نهاية الدراية، الشيخ محمّد حسين الغروي الأصفهاني+، تحقيق وتصحيح وتعليق: مهدي أحدي أمير كلائي، الناشر: سيّد الشهداء، قم- إيران، الطبعة الأُولى: 1374 ش.
54. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الثانية: 1414 هـ، قم المقدّسة.

ــــــ[248]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء

فهرس المحتويات
مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) 5
مقدمة الهيئة……………..7
موجز عن حياة آية الله العظمى السيد الشهيد محمّد الصدر+ 9
نسبه الشريف 9
ولادته ونشأته 10
نشأته العلمية 11
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته 13
إجازته في الرواية 14
اجتهاده 15
من أقوال العلماء في حقّه 17
صفاته وسجاياه 20
مرجعيّته الصالحة وقيادة الأُمّة 21
آثاره وتصانيفه الثمينة 25
جريمة الاغتيال 29
منهجنا في التحقيق 31
تمهيد 41
المقام الأوّل
مَن دخل عليه الوقت وكان حاضراً ثمَّ سافر
أمّا المقام الأوّل: مَن دخل عليه الوقت وكان حاضراً ثمَّ سافر 45
ــــــ[249]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
الأقوال في المسألة 45
القول المختار وإثباته في عدّة جهات 47
الجهة الأُولى: الدليل الاجتهادي الدالّ على وجوب التقصير اعتباراً بحال الأداء 48
التمسك بما دلّ عليه من الكتاب والسنة 48
مختار صاحب الجواهر ومناقشته 49
عدم المعارضة بين إطلاقات وجوب التقصير ووجوب الإتمام 50
الأدلّة الخاصّة 52
الغضّ عن الروايات المعتبرة 53
حل المعارضة بين الإطلاقات 55
الاستدلال بالروايات الخاصة 58
الاستدلال بصحيح إسماعيل بن جابر 58
تفصيل الكلام في دلالة الصحيح 59
ظهور صحيح إسماعيل في اشتراط تجاوز الحدّ 65
الكلام في الأخبار المستدَلَّ بها في المقام 73
تقريب مراد المستدلّ في صحيحة محمّد بن مسلم 74
الاستدلال بخبر الوشّاء 80
الاستدلال بما ورد عن الفقه الرضوي 82
تحقيق الكلام في ظهور صحيحة إسماعيل بن جابر 83
وجوه الجمع الدلالي بين الصحيحين 86
تقريبات في وجه قوّة ظهور صحيحة إسماعيل 89
الترجيح بين الأخبار في المقام 96
ــــــ[250]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
خبر بشير النبّال 99
بسط الكلام في الخبر 99
موثّقة عمّار 100
بسط الكلام في الموثّقة 100
صحيحة زرارة المرويّة في المستطرفات 103
بسط الكلام في الصحيحة 103
مصححّة زرارة 107
بسط الكلام في المصحّحة 107
رواية المحاربي 108
بسط الكلام في الرواية 109
التعرّض إلى عدّة جهات في صحيحة إسماعيل بن جابر 111
[الجهة الثانية: الأدلّة على المسألة في طول الدليل الاجتهادي] 121
الأدلّة على وجوب التقصير في فرض المسألة 121
أدلّة الأقوال الأُخرى ومناقشتها 126
القول الأوّل: القول بوجوب التمام في صورة المسالة … 126
القول الثاني: القول بالتخيير بين القصر والإتمام 128
القول الثالث: إنَّه يتمّ مع السعة ويقصّر مع الضيق 129
القول الرابع: الجمع بين القصر والتمام احتياطاً 130
القول الخامس: التوقّف بين القصر والتمام 133
[الجهة الثالثة: مقتضى الأصل العملي] 134
فرع: في صورة ضيق الوقت 146
ــــــ[251]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
المقام الثاني
في عكس المسألة السابقة
الجهة الأولى: ما يصلح أن يكون دليلاً على وجوب التمام 154
التمسك بالإطلاقات 154
التمسك بالأدلّة الخاصّة 155
في المعارضات لصحيحة إسماعيل 169
التمسّك بالشهرة 173
الإجماع المحصّل 175
[الجهة الثانية: ما يصلح دليلاً على وجوب القصر] 178
عدّة إيرادات على القول بالتخيير ومناقشتها 180
[الجهة الثالثة: مقتضى الأصل العملي] 192
الأُصول المنتجة لوجوب القصر 192
الأُصول المنتجة لوجوب التمام 194
افتراض التعارض بين الاستصحابات 197
تعقيب 200
الأقوال في المسألة 201
[المقام الثالث
فيمَن مرَّ بحالي السفر والحضر في الوقت]
[الجهة الأُولى: كبرى مسألة مطابقة القضاء للأداء] 209
عدّة نواحٍ في فقه الحديث 213
في روايةٍ معارضةٍ لصحيحة زرارة 218
ــــــ[252]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء
مناقشة الفقيه الهمداني في المقام 221
[الجهة الثانية: تطبيق الكبرى على المسألتين في الأداء] 224
في القول بالتخيير ومناقشته 224
فرعان مترتبان على القول بوجوب الاحتياط 230
[الجهة الثالثة: مقتضى الأصل العملي في باب القضاء] 232
تصوير الأُصول المنتجة لوجوب القصر 233
تصوير الأُصول المنتجة لوجوب التمام 235
استدراك عن الجهة الثانية 236
فهرس المصادر 241
فهرس المحتويات 249
ــــــ[253]ـــــــ
مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء