أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان

نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
10 جمادي الثانية 1429

ـــــــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن هذا الجهد المتواضع الذي تراه بين يديك، والذي تناول (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) بالنقد الإسلامي البنّاء، ليس هو إلا نتيجة من نتائج “كلية الفقه” التي كان لي شرف التلمذة بها مدة خمس سنوات متتابعة حتى أن وفقني الله عز وجل بمنّهِ ولطفه إلى التخرُّج منها، وقد بذلتِ الكلية جهداً مشكوراً في تغذية تلاميذها من ثمار الفكر الإنساني قديمه وحديثه، واطلاعهم على مختلف وجهات النظر في مختلف حقول المعرفة سواء من الناحية الدينية أو الفلسفية، أو من ناحية العلوم الإنسانية في حقول علم النفس وعلم الإجتماع والتأريخ، أو ما سواها من حقول المعرفة الإنسانية، وذلك ليكون تلاميذها المتخرجون أفذاذاً فضلاء يستطيعون مجابهة صعوبات الحياة، وحل المشاكل البشرية على ضوء الإسلام المنير.
وكان (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) مما استفدته من “كلية الفقه” أيضاً، حيث تلقيته عن الدكتور فاضل حسين في مادة ” التاريخ الحديث “، وقد
ـــــــــــــــــــــــــ[7]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
تفضل بذكره لنا في معرض حديثه عن الثورة الفرنسية بملابساتها المهمة وحوادثها التاريخية، وقد شرحه لنا شرحاً ضافياً، وقد كان لي توفيق كتابته في أثناء إلقاء المحاضرة، وقد أكّد بالخصوص على أن هذا الإعلان إنما يمثل فلسفة ومصالح الطبقة البرجوازية الفرنسية، وإن كان ظاهر العبارة فيه يقتضي أنه شامل لجميع بني الإنسان، بل إنه أكد على أن الثورة الفرنسية نفسها ثورة برجوازية، وإنما نجحت بقوة البرجوازية الفرنسية، وضعف الإقطاع في فرنسا، ومن هنا جاء هذا الإعلان بُعَيدَ الثورة بأيام ممثلاً لجوهر فلسفة الثورة ومصالح البرجوازية.
وكان هذا نفسه ما حاولتُ التأكيد عليه في غضون مناقشة الإعلان، حيث تعرضتُ بالتفصيل إلى التفسير البرجوازي لكل مادة تقريباً في هذا الإعلان. كما حاولت أن أعرض على ضوء هذا التفسير وعلى ضوء الإسلام نقاط الضعف والقوة في هذا الإعلان، وكيف أن هذا التفسير البرجوازي ينزل بهذا الإعلان من البرج العاجي الذي حاول واضعوه أن يضعوه فيه، بالإضافة إلى ضيق الأفق وقصر النظر الذي تميز به هذا الإعلان عند مقارنته إلى عدالة الإسلام وشمول تعاليمه وخلوده. وقد تعرضتُ بشيء من التفصيل إلى شرح وجهة النظر الإسلامية في كل قاعدة مما ذكره الإعلان
ولكنني أود أن اعترف رغم كل ما توسعت به في ذكر التعاليم الإسلامية، أنني قد اختصرت كلامي اختصاراً كبيراً، فقد كان بالإمكان -لو كان المقصود هو الاستيعاب
والشمول- أن يمتد البحث إلى أضعاف هذه الكمية، ولكنني اقتصرت على ما لَهُ صِلةٌ مباشرة بالموضوع، مما يكفي في لفت الأنظار إلى وجهة النظر الإسلامية.
ولما كان ينبغي، أثناء عرض وجهة النظر الإسلامية، لكي تكون الصورة
ـــــــــــــــــــــــــ[8]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
واضحة وصادقة، من تصور الدين الإسلامي مطبَّقاً بجميع أوامره ونواهيه، وخصوصيات تشريعه، فإن الإسلام إنما جاء لكي يطبَّق في المجتمع كوحدة متماسكة يشدُّ بعضها البعض، ليستطيع أن يثمر ثماره شهية ناضجة، كما هو المتوقع منه، وإلا فإنه لن يثمر إلا في الحدود الضيقة التي تسمح بها الظروف الموضوعية في كل جيل.
لهذا، اقتضى تصور مجتمع مسلم يتَّصفُ جميع أفراده أو أغلبهم بالإسلام، وتقوم بينهم الروابط والعواطف على أساس إسلامي، وتحكمه حكومة إسلامية شرعية تقوم بتطبيق القوانين الإسلامية على المجتمع الإسلامي.
فإن لهذا التصور المدخلية الكبرى في معرفة وتشخيص الثمار الحكيمة والأهداف السامية التي قصدها الإسلام من سَنِّ تشريعاته، وعليه فقد تمت مناقشة الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان على هذا الأساس.
هذا وأرجو أن أجد منك أثناء تجشُّمك مطالعة البحث، أذُناً واعية وقلباً منصفاً وعقلاً قريباً من العدالة والإنصاف وبعيداً عن التعصب الأعمى، فإن التعصب آفة البحث، وذلك لكي تستطيع أن تفهمني كما أريد أن تفهمني، وأن تفهم الإسلام كما يريد الإسلام أن تفهمه. ولك مني سلفاً خالص الشكر.

محمد الصدر
النجف الأشرف – العراق
ـــــــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

بسم الله الرحمن الرحيم
-1-
ليس التفكير في حقوق الإنسان، وإدراك أن الظلم والتَّعَسُّف ناشئ من غمط حقوقه، واحتقار كرامته، ليس هذا التفكير حديثاً بالنسبة إلى العهود التاريخية المتأخرة. فقد حدثت في مختلف البلدان اضطرابات سياسية وثورات على الأوضاع الفاسدة، تمخضت عن شكل وآخر من لوائح حقوق الإنسان، فمن أقدم اللوائح البريطانية ((العهد الأكبر)) The Magna Corta الصادر في سنة 1215 حين اضطر البارونات الثائرون ملكهم جون John على توقيع العهد المذكور الذي يحتوي على وعود كثيرة(1) ومنها ((عريضة الحق)) Petition of Right التي أصدرها البرلمان البريطاني سنة 1628 في مقابل منح الملك ((شارلس الأول)) المخصصات المالية التي يطلبها(2) ، ومنها ((لائحة الحقوق)) Bill of Rights التي أصدرها البرلمان البريطاني سنة 1689 على أثر الثورة البيضاء التي نشبت هناك والتي تسمى ((بالثورة المجيدة))(3) Glorious Revolution .
ـــــــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في التأريخ الحديث.
(2) محاضرات في التأريخ الحديث.
(3) محاضرات في التأريخ الحديث.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
ومنها (( عقد التسوية)) ACT of Settlement وهو أيضاً وثيقة صدرت في عهد وليم الثالث سنة 1701 على يد الحكومة الفاشية يومئذ(1).
ولكن هذه الوثائق الدستورية كلها، هي وثائق سياسية بحتة، لم تتعرض إلى حقوق الإنسان بشكل عام بقليل ولا كثير. ولقد كانت الومضة الأولى في إثبات حقوق الإنسان والتمسك بكرامته وإنسانيته بالنسبة إلى أوربا الغربية هو ((إعلان حقوق الإنسان والمواطن))الذي أصدرته الجمعية الوطنية التأسيسية في يوم 26 آب سنة 1789، بعد أن كانت الثورة الفرنسية قد بدأت في 14 تموز من العام نفسه، ومن ثم فقد احتلت هذه الوثيقة في فرنسا وفي سائر البلاد الأوربية مركزاً سامياً، وأصبحت في نظر شعوبها نبراساً يقتدى به، وأثَّرت في الفكر السياسي العالمي خلال القرن التاسع عشر والعشرين، وعلى أصولها ترتكز اليوم فعلاً دساتير الأمم الحرة في أوربا وفي سائر أنحاء العالم(2) .
ولكن الزمان بعد أن تصرّم قليلاً قليلاً، بعد صدور هذا الإعلان الذي كان فاتحة خير في إثبات حقوق الإنسان، ونصراً مُبيناً للطبقة البرجوازية الفرنسية التي كانت قبل صدوره مظلومة مغموطة الحقوق. بدأت تُظهر للعيان ما يحتويه هذا الإعلان من الأخطاء والنواقص، وبدا واضحاً أن حقوق الإنسان أعقد وأعمق من أن يحيط بها هذا الإعلان المقتضب المتكون من سبعة عشرة مادة. كما أنه بدا واضحاً أن الجماعة التي وضعته وإن ادَّعت أنها قد وضعته ((ليكون هذا الإعلان راسخاً في أذهان بني الإنسان يذكِّرهم على الدوام بحقوقهم وواجباتهم))، إلا أنها لم تقصد به إلا مصالحها البرجوازية الخاصة،
ـــــــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــــ
(1) المذاهب الاجتماعية الحديثة ص 36.
(2)محاضرات في التأريخ الحديث.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
والطرق التي تضمن من خلالها الحصول على أكبر فرصة لتوسيع التجارة والصناعة إلى أعظم حدٍّ ممكن، واكتناز المال جهد الطاقة والمستطاع. ثم لا يهمُّها بعد ذلك مصالح الطبقات الدنيا من الشعب، التي تمثل أكثريته الساحقة من العمال والفلاحين وأصحاب الحرف وغيرهم، بل إنه صار من المعلوم بعد ذلك أن هذه الحرية التي نالوها عن طريق هذا الإعلان كانت سبباً في التحكُّم في العمال، وإرهاقهم بالعمل مدة 14 ساعة في اليوم، ثم إعطائهم أقل كمية ممكنة من الأجر.
وقد أحس الشعب الفرنسي نفسه بما في هذا الإعلان من الخطأ والقصور، ومن ثم نراه قد غُيِّرَ مراراً في ظل الملوكية والجمهورية(1) تلافياً لما سبَّبَهُ من كوارث وأضرار.
ومن هنا فقط يظهر الفرق جلياً واضحاً بين هذا الإعلان لحقوق الإنسان، وبين حقوق الإنسان التي أكد عليها الإسلام، ضمن ما أكَّدَ عليه في قانونه الخالد العظيم. وما في الإعلان الفرنسي من ضِيقٍ في الأفق وقُصرٍ في النظر، وما في القانون الإسلامي من عدالة وشمول يضمن بهما سعادة البشرية ورُقِيِّ الإنسان في مدارج الكمال . فالإعلان الفرنسي متناول لبعض حقوق الإنسان التي دعت إلى التأكيد عليها الحاجة الملحَّة القائمة حين صدوره، وأما الإسلام فهو الدين الشامل لكل جزئيّات الحياة، يتابع الإنسان في جميع أقواله وأفعاله، وفي جميع علاقاته وتصرفاته، ويملي عليه التوجيه والإرشاد ما دام موجوداً على سطح هذه الأرض. وإعلان حقوق الإنسان قد وضعته أذهان بشرية قاصرة عن إدراك مصالحها الروحية وكمالها الحقيقي، وأما الإسلام فهو الدين الإلهي الذي
ـــــــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــــ
(1) المذاهب الاجتماعية الحديثة ص 34.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أرسله خالق البشر والمنعم عليهم إلى الناس أجمعين، وهو العالم بحقيقتهم والمطّلع على حوائجهم ومشاكلهم، وبالطريق الصالح الذي يتم فيه حلّ هذه المشاكل والتوافق التام بين البيئة والغريزة، أرسله إليهم ليُخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
كما أن إعلان حقوق الإنسان الفرنسي أيضاً، قد وُضِع لصالح طبقة معينة من البرجوازيين ليضمن حريتهم ورفاههم، ولم يكن يضمن في حساب واضعيه من مصالح سواهم، القليل ولا الكثير. في حين أن الإسلام قد جاء ليخدم البشرية جميعاً بدون تمييز ولا تفريق، لا فرق لديه بين غني وفقير، ولا بين ذليل ووضيع، كلهم ينعمون تحت لواءه بالسعادة والرفاه ضمن مجتمعهم الإسلامي السعيد. وإعلان حقوق الإنسان الفرنسي قد تكشَّفت فيه كثيرٌ من جهات القصور والنقص، وأما الإسلام فهو الدين الإلهي العادل الشامل الخالد الذي لن تبلي حدَّته الأيام ولن يذهب برونقه الزمان، وسوف يبقى مع البشرية ما بقيت ولو كره المشركون.
ولأجل أن يبدو بوضوح تام كيف أن إعلان حقوق الإنسان إنما صدر لمصلحة حفنة معينة من البرجوازيين، لا بد من التعرض باختصار إلى الظروف العامة والخاصة التي أحاطت بصدوره، والملابسات التي اضطرَّت الجمعية الوطنية الفرنسية إلى وضع مثل هذا الإعلان.
ـــــــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
– 2 –
كان الإقطاع مُكلكِلاً على القارة الأوروبية، مسيطراً على جميع شؤونها سيطرة تامة، متنفِّذاً فيها كما يشاء وكما يحلو له. بحيث أن المناطق الإقطاعية كانت تعتبر دولة داخل دولة، فلكل منطقة إقطاعية حاكم مستقل، وأنظمة مستقلة، وجيش مستقل، وبين هذه المناطق الإقطاعية من الحروب والدمار الشيء الكثير، لأن حياتهم كانت قائمة على الطمع بما في أيدي الآخرين والسيطرة عليهم بالقوة المسلحة.
والمجتمع الإقطاعي زراعي بالدرجة الأولى، والطبقة الأكثرية فيه هم الفلاحون الزراعيون الإقطاعيون Serps، وهؤلاء ليسوا إلا أقناناً ترتبط حياتهم بالسيد الإقطاعي من جهة، وبالأرض الزراعية من جهة ثانية، ومن ثم فهو يُباع مع الأرض ويُشترى معها، إذا صادف أن اشترى أحد الإقطاعيين أرضاً من إقطاعي آخر.
تكون العلاقات بين الفلاحين الأقنان وبين أسيادهم علاقات تعاقدية يستأجر الفلاح الأرض من مالكها لقاء محصولات عينية، ويقدم الهدايا لسيده في المناسبات المختلفة من حبوب ومخضرات ودواجن وخمور، كأن يتزوج إبنه أو يبلغ سن الرشد، وعلى الفلاح أن يقوم مع زملائه الفلاحين بتأمين مواد الولائم التي يقيمها السيد الإقطاعي إذا قَدِمَ على المقاطعة ضيف كبير، وعلى
ـــــــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الفلاح أن يقوم بتعبيد الطرق في وقت معين من السنة حين لا يكون هناك عمل زراعي، وأن يخدم في جيشه لرد الغزوات الإقطاعية، وأن يدفع أجور عبور الجسور، وأن يمثُلَ أمام محكمة الإقطاعي، وأن يعصر خمره في معصرته، ويطحن حبوبه في مطحنته.
وللفلاح حق على السيد الإقطاعي أن يحميه، وإنما يحميه بتكوين جيش منه ومن غيره، يكون السيد قائدهم ومنظمهم.
ولا يمكن أن يتحرر الفلاح من سيطرة سيده إلا بأحد طرق ثلاث: إذا هرب من سيده لمدة تزيد على السنة، أو إذا انخرط في سلك رجال الدين، أو إذا دفع ما عليه من ديون وواجبات.
وكأن السبيل الثالث للتحرر هو الذي كان مطمح أنظار الفلاحين، لأنه ليس من السهل الهرب من دكتاتورية الإقطاعي مدة تزيد على السنة، ولا الانخراط في سلك رجال الكنيسة إلا تحت شروط معينة، فلم يبقَ إذن أمام الفلاح القِن إلا الشرط الثالث ليرى من طريقه نور الحرية، ويشمَّ فيه نسيم الاستقلال العليل.
ولم يكن من السهل على الفلاح القِن المرتبط بأرضه، الذي يُباع معها ويُشترى، والمرتبط مع سيده بديونٍ وواجبات أن يدفع هذه الديون ليتحرر من حكمه. ولكن قد تقع قريتهم على طريق تجاري صحراوي أو نهري أو بحري، فتأخذ مدينتهم بالاتّساع، ويأخذ المال طريقه إلى جيوبهم. ويكونون بعد مدة من الزمن قادرين على دفع ما عليهم من ضرائب وديون مستغنين عن هذا الارتباط الوثيق الذي كان يربطهم بالأرض أو بالسيد الإقطاعي.
وحينئذ يبادر الفلاحون بتسليم ما عليهم من ديون للإقطاعي ويصبحون
ـــــــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
لا علاقة لهم به، ويأخذون منه ((وثيقة حرية المدينة)) Charter يعترف الإقطاعي فيها أن هذه المدينة قد أصبحت حرة وليست لها علاقات إقطاعية.
وحيث أن الملك كان يخاف من سطوة الإقطاعيين عليه، فقد اعتمد على هذه الطبقة المتحررة من الإقطاع، والتي تسمى باللغة الإفرنجية Bourgeoisie أي طبقة البرجوازيين وصار حليفاً لهم وأصبح البرجوازيون يكوِّنون جبهة قوية ضد الإقطاع. ولكن حدث -بعد مرور قرنين- أن أصبحت البرجوازية قوية بحيث تهدِّد الملك نفسه، وذلك لأن الجيش الذي كان يمكن تكوينه من سكان المدينة هو جيش أكثر أموالاً وسلاحاً وعدداً من أي جيش إقطاعي، ومثل هذا الجيش يكون خطراً حتى بالنسبة إلى الملك نفسه، وحينئذ استند الملك على القوى الإقطاعية وحالفها -كما حدث بالفعل في فرنسا- ضد القوى البرجوازية.
والثورة الفرنسية إنما نجحت لأن البرجوازية في فرنسا كانت أقوى من الملك ومن رجال الإقطاع، فكانت خطوة في انتقال الحكم من الإقطاع إلى سكان المدينة ((البرجوازيين))(1).
ـــــــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في التأريخ الحديث، التي ألقاها الدكتور فاضل حسين في الصف الرابع من كلية الفقه سنة 1961.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-3-
كان هذا وضعاً مختصراً للأوضاع السائدة في القارة الأوربية بصورة عامة عدة قرون متطاولة من الزمن.
أما الأوضاع في فرنسا نفسها، تلك الأوضاع التي أدَّت بصورة مباشرة إلى قيام الثورة الفرنسية ومن ثم إلى إصدار إعلان حقوق الإنسان والمواطن، والتي كانت ماثلة أمام واضعي هذا القانون يعيشون تفاصيلها ويعلمون بمشاكلها ويدبرون في أذهانهم حلولها.
فكانت تتلخص كالآتي: كان الشعب الفرنسي -ككل مجتمع إقطاعي- مقسماً إلى ثلاث طبقات :
الطبقة الأولى: طبقة الأسياد الإقطاعيين.
الطبقة الثانية : طبقة رجال الدين، أتباع الكنيسة المسيحية.
الطبقة الثالثة : وتسمى الطبقة الثالثة أو العوام.
وتتكون الطبقة الثالثة من:
أ- البرجوازية
ب- الفلاحين
ـــــــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
ج- العمال
د- أصحاب الحرف .
وكان عدد نفوس فرنسا حينما نشبت الثورة الفرنسية 26 مليوناً، منهم نحو مليون نسمة عدد نفوس الطبقتين الأولى والثانية، والباقون يكوّنون الطبقة الثالثة، والبرجوازية هي زعيمة الطبقة الثالثة.
كانت الضرائب تُسَنُّ، وطلبات الملك المالية تُلبَّى، بواسطة مجلس يسمى (مجلس الطبقات العامة (Estates General وذلك قبل حوالي قرنين من الثورة الفرنسية. وكانت الطبقات الثلاث ممثَّلة فيه بالتساوي، لكل طبقة 300 نائب، رغم أن الطبقة الثالثة تكوِّن 95 بالمائة من الشعب. وكان التصويت في المجلس يجري على أساس طبقي، فلكل طبقة صوت واحد فقط. فإذا احتاج الملك إلى المال وأراد فرض الضرائب على الطبقة الثالثة للحصول عليه، فلا بد أن يستشير هذا المجلس بالموضوع، وحيث أن الطبقتين الأوليتين لا تُفرَض عليها الضرائب لأنها كانت محتكرة للإمتياز لنفسها دون الطبقة الثالثة، فإن التصويت عندما يجري في المجلس على فرض الضرائب، يحصل الملك على صوتين في مقابل صوت واحد وهو صوت الطبقة الثالثة. ومن ثم يصدر التشريع بأكثرية الصوتين وتُسَنُّ الضريبة على الطبقة الثالثة.
كان مجلس الطبقات هذا موجوداً في زمان (هنري الرابع) من أسرة (بوربون)، ولكنه عندما توفي وخلَّف ابنه (لويس الثالث عشر) وكان قاصراً، قامت أمه (ماري متيشي) بالوصاية عليه. وقد ذهبت في يوم من الأيام إلى بناية هذا المجلس وأمرت أعضاءه بالإنصراف قائلة: إننا نحتاج إلى ساحة للرقص! فذهب النواب ولم يرجعوا، وذلك في سنة 1614.
ـــــــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
وبعد مضي 175 سنة، تمضي على حلِّ هذا المجلس، يحتاج الملك (لويس السادس عشر) إلى المال، ويضطر إلى معالجة الوضع الاقتصادي المتردِّي في فرنسا. فيستشير الملك كبار الإقتصاديين وهم من الطبقة البرجوازية، ولهم اتجاه مالي معين ويسمون بالفيوقراطيين أي الطبيعيين. فيشيرون عليه بأن يقتصد في مصاريف الشعب والبلاط، وأن يجمع الضرائب من الشعب بموافقته. ولكن (ماري انطوانيت) زوجته رفضت الاقتصاد بالمصاريف، فلم يبقَ إلا فرض الضرائب على الشعب .
وكذلك استشار الملك مجلس الوجهاء ((Assembly of the Notables)) وهو مجلس يتكون من 145 عضواً، فقالوا له إن صاحب الحق الشرعي في فرض الضرائب هو مجلس الطبقات العامة، ثم استشار المحكمة العليا Partement of Paris فقالوا له إنه لا يمكنه جمع الضرائب إلا باستشارة مجلس الطبقات.
وحينئذ أجريت الانتخابات في فرنسا لانتخاب المجلس الجديد، بعد أن أدخل على المجلس تعديلاً يقضي بجعل عدد ممثلي الطبقة الثالثة 600 شخصاً، مع بقاء عدد ممثلي الطبقتين الأوليتين 300 شخصاً، على أن يكون التصويت بالطبقات أيضاً وتقرر اجتماع المجلس في 5 مايس عام 1789 .
واجتمع مجلس الطبقات العامة الجديد، مكوناً من 1200 عضواً، وألقى الملك خطاب العرش، وطلب منهم تقديم المقترحات. ثم طلب الوزير أن يفترق الجمع لتذهب كل طبقة إلى محلها الخاص فرفضوا الاقتراح، ثم أعلن جماعة من ممثلي الطبقتين الأوليتين تنازلهم عن حقوقهم وامتيازاتهم في سبيل الصالح العام، وتأييداً للطبقة الثالثة.
ـــــــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
ويمكن أن يعزى هذا التأييد إلى عدة عوامل: فقسم من ممثلي الطبقتين الأولى والثانية كانوا مقتنعين بفساد الوضع وأنه يحتاج إلى إصلاح، وقسم آخر قالوا بأن الوضع سيتغير فمن الرأي الصائب أن يؤيدوا الطبقة الثالثة ليكونوا زعماء الوضع الجديد. وقسم ثالث كانوا في اقتصاد سيِّئ رغم كونهم من الطبقة الأولى أو الثانية، فكانوا مستائين من أصحاب اللقب، الأغنياء، فوجدوا في ذلك سبيلاً للانتقام منهم.
ثم إن هؤلاء النواب إجتمعوا وأقسموا على أن يخدموا الشعب ويضعوا دستوراً للبلاد. ولما كان الدستور لا يمكن أن يضعه مجلس الطبقات العامة بل الجمعية الوطنية التأسيسية، بدلوا الاسم ليضعوا دستوراً للبلاد، وهكذا تكونت الجمعية الوطنية التأسيسية وقد بدأت أعمالها في يوم 5 تموز سنة 1789.
هذه الجمعية الوطنية التأسيسية بالذات هي التي أصدرت إعلان حقوق الإنسان والمواطن في يوم 26 آب سنة 1789، بعد أن كانت الثورة الفرنسية قد بدأت بالهجوم على الباستيل في يوم 14 تموز من العام نفسه(1).
ـــــــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــــ
(1) كل هذه التواريخ مستقاة من محاضرات الدكتور فاضل حسين في التاريخ الحديث.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
-4-
وإليك نص إعلان حقوق الإنسان والمواطن Decleration of the rights of the man and of citizen الذي أصدرته الجمعية الوطنية التأسيسية:
(( لما رأى نواب الشعب الفرنسي المجتمعون في الجمعية الوطنية، أن ما ينزل بالمجتمع من المصائب وفساد الحكومات يرجع إلى جهل حقوق الإنسان أو تناسيها أو احتقارها قرروا أن يصدروا إعلاناً خطيراً ببيان حقوق الإنسان الطبيعية المقدسة الثابتة، وذلك ليكون هذا الإعلان راسخاً في أذهان بني الإنسان يذكرهم على الدوام بحقوقهم وواجباتهم، ولكي تقارَن أعمال السلطة التشريعية والتنفيذية دائماً مع كل منظمة وبذلك يزداد احترامها، ولكي تتجه دوماً مطاليب المواطنين المبنية من الآن على مبادئ واضحة لا جدال فيها نحو صيانة الدستور وسعادة المجموع، لذلك تقرر الجمعية الوطنية وتُعلن أمام الكائن الأعظم وبعنايته حقوق الإنسان والمواطن الآتية:
1- يولد الناس ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق، لا تمييز ولا تفاضل بينهم إلا فيما تقتضيه المصلحة العامة.
2- الغاية من كل مجتمع إنساني صيانة الحقوق الطبيعية الثابتة للإنسان، تلك الحقوق هي الحرية والتملك والطمأنينة ومقاومة الظلم.
ـــــــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
3- الأمة مصدر كل سلطة، ولا يجوز لأية جماعة وأي فرد أن يمارس سلطة ليست مستمدة منها.
4 – تقوم الحرية على إمكان عمل كل ما لا يضر بالغير، ولذلك فإن ممارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان لا تقف إلا عند الحد الذي يضمن لبقية أعضاء المجتمع المتمتع بهذه الحقوق نفسها، ويمكن تعيين تلك الحدود بالقانون وحده.
5- ليس للقانون أن يمنع غير الأعمال المضرَّة بالهيئة الاجتماعية، ولا يجوز منع أي عمل لم يحضره القانون، ولا يجبر أحد على القيام بعمل لم يفرضه القانون.
6- القانون هو الإعراب عن الإرادة العامة للمجتمع، ولجميع المواطنين الحق في أن يشتركوا في سنِّهِ بأنفسهم أو بواسطة نوابهم. والقانون واحد للجميع في حالتي الحماية وفرض العقوبات، ولما كان المواطنون سواسية أمام القانون، فيحقُّ لهم بالتساوي الوصول إلى جميع المناصب والرُّتب والوظائف العامة بحسب كفاءاتهم، ودون أي تمييز غير فضائلهم ومواهبهم.
7- لا يجوز اتِّهام أحد أو توقيفه أو حجزه إلا في الأحكام المبيَّنة في القانون، وبحسب الإجراءات المحدَّدة فيه. ويجب أن يعاقب جميع الذين يطلبون تنفيذ أوامر تعسُّفية أو يوافقون عليها أو ينفذونها أو يأمرون بتنفيذها، ولكن على كل مواطن يُستدعى أو يوقَف طبقاً للقانون أن يطيع حالاً ويكون مذنباً إذا قاوم.
ـــــــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
8- لا يجوز أن يفرض القانون من العقوبات إلا ما هو ضروري ضرورة جازمة وواضحة، ولا يصح عقاب إنسان إلا بموجب القوانين الموضوعة والمذاعة قبل ارتكاب الجريمة، والمعمول بها شرعاً.
9- يُعدُّ كل إنسان بريئاً إلى أن تثبت إدانته، وإذا اعتُقِدَ بضرورة توقيفه فالقانون يمنع تطبيق الإجراءات الشديدة إلا ما كان منها ضرورياً لبقائه رهن أمر السلطة.
10- لا يجوز إزعاج أحد بسبب آرائه حتى الدينية منها، بشرط أن لا تكون المجاهرة بها مخلَّة بالأمن الذي قرره القانون.
11- حرية نشر الأفكار والآراء أثمن حقوق الإنسان، فلكلِّ مواطن أن يتكلم ويكتب ويطبع بحرية، على أن يكون مسؤولاً عن إساءة استعمال هذه الحرية، في الأحوال التي يقررها القانون.
12- يستوجب ضمان حقوق الإنسان والمواطن، قوة عامة، فهذه القوة تنشأ لمصلحة المجموع لا لمصلحة من تُوكل إليهم إدارتها.
13- لتأمين نفقات القوة العامة، ونفقات الإدارة، يجب جباية الضرائب العامة، ويجب توزيع هذه الضرائب على كل المواطنين بالسواء كلٌّ على حسب طاقته.
14- لجميع المواطنين الحق في أن يتثبَّتوا بأنفسهم أو بواسطة نوابهم من ضرورة الضرائب العامة، وأن يقبلوا بها برضاهم، ويراقبوا إنفاقها ويحددوا نسبتها ومقدارها وكيفية جبايتها ومدّتها.
ـــــــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
15- للهيئة الاجتماعية أن تحاسب كل موظف عمومي عن أعماله.
16- كل هيئة اجتماعية لا تكون الحقوق مصونةً فيها، ولا يُضمن فيها فصل السلطات، تعتبر محرومة من الدستور.
17- الملكية الخاصة هي حق مقدس لا ينقض، فلا يجوز أن تُنتَزع من أحد إلا عندما تقضي بذلك المصلحة العامة الثابتة شرعا، وبشرط أن يمنح مقدماً تعويضاً عادلاً.
ـــــــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

– 5-
بعد هذه الجولة التاريخية، نستطيع أن نتميَّز بوضوح، الحياة السيئة التي عاشتها شعوب أوربا الغربية أعواماً متطاولة من الدهر، كما نستطيع أن نرى كيف أن الفتح الذي أحرزته الفئة المظلومة، لم يرد إلا لمصلحة عدد قليل من أفرادها، على حين بقيت الأكثرية الساحقة من الطبقة الثالثة تعاني أنواعاً من الضنك والحرمان.
وعلينا فيما يلي أن نبدأ بمناقشة هذا الإعلان على ضوء تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، مستعرضين في ذلك هذا الإعلان مادة مادة، لنستطيع أن نتميز بوضوح الفرق الشاسع بين الإسلام وبين الحقوق التي أثبتها هذا الإعلان، وكيف أن هذا الإعلان يتميز بضيق الأفق وقصر النظر، في حين يتميز الإسلام بجميع تعاليمه بالعدالة والسعة والخلود.
ولأجل أن يكون القارئ على اطلاع مفصل على أثر الروح البرجوازية في هذا الإعلان، فسنذكر التفسير البرجوازي لكل مادة يمكن أن ينطبق عليها هذا التفسير، وتنصُّ على ما تخلِّفه تلك الروح من أثر سيِّئ في تعاليم هذا الإعلان ، ثم نتبعه بذكر التعاليم الإسلامية العادلة الخالدة.
ـــــــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
***
ونحن بالطبع لا يهمنا إلا مناقشة هذه المواد السبعة عشر من الإعلان، لأنها هي التي تنصُّ على حقوق الإنسان والمواطن كما تفهمها الطبقة البرجوازية، أما المقدمة فليس فيها ما يجلب الانتباه، فكان ينبغي أن نهملها، وأن نبدأ بمناقشة المادة الأولى وما بعدها، لولا وجود بعض الملاحظات المختصرة فيها. والتي يمكن إيضاحها فيما يلي:
فقد ادَّعى أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية الواضعون لهذا الإعلان أنهم نواب الشعب الفرنسي، وتلك حيلة احتالوها على الشعب، لأجل أن يفرضوا آرائهم عليه بادِّعاء أنهم ممثلون له، بدون أن يكون للشعب الفرنسي حق المناقشة والاعتراض. وقد عرفنا فيما سبق أنهم لم يمثِّلوا بوضعهم لهذا الإعلان إلا الطبيعة البرجوازية، على حين بقيت الأكثرية الساحقة من الشعب الفرنسي ترزح تحت نير الظلم والاستعباد.
ومن هنا يتضح جلياً أيضاً أن ادِّعاءهم في كون هذا الإعلان يتكفل بيان ((حقوق الإنسان الطبيعية المقدسة الثابتة)) إنما هو ادِّعاء فارغ يقصد منه الخداع والتمويه، وإلا فهو لا يمثل إلا مصالح وآراء الطبقة البرجوازية.
ومن ناحية ثالثة فإن تعبيرهم عن الله عز وجل بالكائن الأعظم، ناشئ من أنهم لا يدركون عن حقيقة وجود الله تعالى إلا أنه كائن أعظم وحسب. وذلك لأنهم لم يكن باستطاعتهم أن يدركوا الأوصاف التفصيلية التي أضفاها الإسلام على خالق البشر (عز وعلا)، حتى بلغ بصفاته إلى قمة التنزيه والكمال .
وهذا التعبير قد استعمله (روبسبير) وجماعته الذين قالوا: إننا نعبد الكائن الأعظم، وهو وإن كان تعبيراً غامضاً عن الله (جل وعلا)، إلا انه يعبر عن وجهة تجريدية توحيدية في العقيدة الإلهية. وهذه العقيدة مخالفة للتعاليم
ـــــــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
المسيحية الموضوعة التي كانوا يدينون بها، ويعيشون في بيئتها. وما مجاهرتهم بمثل هذا الرأي إلا للبداهة العقلية الفطرية التي يتميز بها وجود الله (عز وجل) ويتمثل فيها توحيده. مفضِّلين إتباع الحق على التقليد الأعمى للتقاليد المسيحية. تعضدهم بذلك روح التمرُّد والثورة التي اتصفوا بها.
***
وسنبدأ فيما يلي بمناقشة الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن، مادة مادة، على نفس النهج الذي ذكرناه آنفاً، راجين من الله حسن التوفيق، ومنك أن تتابع المناقشة إلى نهايتها بقلبٍ رحب يعمره الحق والإنصاف، وعسى أن أكون بعد ذلك قد حُزتُ شيئاً من رضاك وقناعتك، لأكون قد أسديتُ لك وإلى الإسلام خدمة متواضعة أرجو من الله العلي العظيم أن يجعلها قربة لوجهه الكريم، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.
ـــــــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

– 6 –
المادة الأولى: يولد الناس ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق، لا تمييز بينهم ولا تفاضل، إلا فيما تقتضيه المصلحة العامة.
إن التأكيد على الحرية والتساوي في الحقوق في صدر هذه المادة منقول عن كتابات (روسو)، مما يدل على أن واضعي المادة كانوا متأثرين به. أما بالنسبة إلى عدم التفاضل بين المواطنين إلا فيما تقتضيه المصلحة العامة، فالمصلحة العامة كانت تقتضي تقديم البرجوازيين على مَن دونهم من العمال والفلاحين، لأن الطبقة البرجوازية وحدها هي التي كانت تتمتع بالثقافة والوعي السياسي، ومن ثم تستطيع إدارة دفة الحكم في البلاد، ومن هنا نعرف أن واضعي هذا الإعلان إنما يعنون بالمصلحة العامة، المصلحة البرجوازية، من حيث يعلمون أو لا يعلمون .
أما بالنسبة إلى رأي الإسلام فيما احتوته هذه المادة، فينبغي أولاً أن نقسمها إلى أقسام ثلاثة: ينص القسم الأول على الحرية، وينص القسم الثاني على التساوي بين المواطنين، وينص القسم الثالث على أن التساوي يقف عندما لا تقتضيه المصلحة العامة . وذلك ليتيسَّر لنا أن ننظر إلى رأي الإسلام بوضوح في كل قسم من هذه الأقسام.
أما قولهم ((يولد الناس ويظلون أحراراً)) فالحرية هنا مجملة يمكن أن يراد
ـــــــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
بها حرية التصرف وإبداء الرأي ويمكن أن يراد بها الحرية في مقابل مُلك الإنسان للإنسان. والاحتمال الأول وإن كان مرجَّحاً إلا أنه من المحتمل أنهم يريدون بالحرية تلك الحرية الناشئة من الولادة، وليست تلك الحرية إلا امتلاك ما كان في قبال ملك الإنسان للإنسان.
أما حرية التصرف وإبداء الرأي، فالإسلام إنما يُقِرُّها في حدود معينة. مستقاة من وجهة نظره الخاصة، ولم يكن من الممكن أن يُبِيحَ الحرية المطلقة الخارجة من كل قيد وشرط، لما يترتب عليها من التفسُّخ والفساد واضمحلال الأخلاق واعتداء الإنسان على الإنسان، كما أن سائر القوانين لم تُجِز هذه الحرية بمعناها المطلق، بل وضعتها في حدود معينة مستقاة من وجهة نظرها وفلسفتها الخاصة.
وإذا كان لا بد من تقييد الحرية المطلقة لأجل حفظ النظام واستتباب الأمن وسيادة القانون. فالمشرِّع الحاذق هو الذي يضع الحدود عليها بأحسن شكل، يمكن به تجنب مساويها، وليس هو المشرع الذي يضع أقل كمية من الحدود، وكذلك فعل الإسلام في تشريعه الحكيم لمجتمعات العالم كافة.
فالإسلام ذلك الدين القَيِّم الذي أنزل إلى البشر ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم. قد وضع الحدود على الحرية بشكل يمنع الإنسان من الفساد، وينزِّهُهُ عن الموبقات، ويسمو به في درجات العدالة والكمال. فهو إنما يُبيحُها في حدودٍ من تعاليمه الدينية والواجبات الأخلاقية، وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين. وسوف نستوفي البحث حول سائر جهات الموضوع عند تكرُّر التأكيد على الحرية في هذا الإعلان، وخاصة في المادة الرابعة والحادية عشر منه، إن شاء الله تعالى.
ـــــــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أما رأي الإسلام في الأرِقَّاء والعبيد، فهو بابٌ مُتَشَعِّب الأطراف يمكن أن نُلَخِّص منه شيئاً لنعرف كيف أن الإسلام وإن أجاز الرِّق إلا أنه حَثَّ على العِتْق كثيراً، وأوجبه في بعض الأحيان، ولم يعترف بالرِّق إلا في الحالات التي يكون فيها الاسترقاق أفضل الحلول.
فالدستور الإسلامي لم يُجِز استعباد الفرد إلا لأحد سببين: أولهما إذا وقع أسيراً بيد الجيش الإسلامي الفاتح، واختار الحاكم الشرعي استعباده من أحد خصالٍ ثلاث، فإنه إما أن يطلق الأسير، وإما أن يفتديه، وإما أن يستعبده، وليس له أن يقتله على الإطلاق، والحاكم الشرعي وهو الإمام المعصوم الـمُنزَّه عن الخطأ والزَّلل، أمين الله في أرضه وحجته على عباده، لن يختار إلا ما فيه صالح المسلمين والأسرى، فإن رأى من صالحهم أن يستعبده استعبده، وإلاّ أطلقه أو افتداه.
والسبب الثاني للاسترقاق وهو أن يولد الفرد من أبوين مملوكَين لم يتحرر منهما شيء، فإن ولد المولود من أبوين وكان أحدهما حراً فإن المولود يتبع أشرف النسبين وهو الحرية.
أما طرق الإسلام إلى العتق فهي كثيرة، نذكر منها على وجه الاختصار:
1- المكاتبة: وهو أن يعاقد السيد عبده على أنه إذا جاءه بكمية معينة من المال في مدة معينة فهو حر.
2- التدبير: وهو أن يقول المولى لعبده أنت حر بعد وفاتي، فيتحرر بعد وفاته.
3- يتحرر العبد إذا نكلَ به مولاه، أو إذا أقعد أو أصيب
ـــــــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
بالجذام أو العمى.
4- يتحرر العبد، إذا اشتراه ابنه، أو ابنته، أو أحد أبويه، أو أحد أجداده، أو أحفاده، فإنَّ الشخص لا يملك -في شريعة الإسلام- أولاده وإن نزلوا، ولا آباءه وإن علوا.
5- تتحرر الجارية إذا أصبحت أم ولد، فإنَّ الولد يكون حراً، لأنه يتبع أشرف الشجرتين، ثم هو يرث أمه بعد وفاة أبيه، فتنعتق من نصيبه من الإرث، لأنه لا يملك أمه. وهي في أثناء حياة سيدها يحرم بيعها، لأنها متشبثة بالحرية.
6- وهناك عدة من المحرمات الإسلامية التي إذا ارتكبها الفرد فإنه يجب أن يعتق عبداً كفارة له عن عصيانه لأوامر الإسلام كالظِّهار، وقتل الخطأ، وإفطار يوم من شهر رمضان.
وهناك فوق ذلك كله هذا النداء العام الذي وَجَّهَهُ الإسلام إلى الناس لعتق أرقَّائهم والرحمة بهم، وما وضع عليه من الثواب العظيم والحصول على رضاء الله (عز وجل) الذي هو الهدف الأعلى لكل مسلم في إسلامه. قال نبينا: ((من أعتق مؤمناً، أعتق الله العزيز الجبار، بكل عضو منه عضواً له من النار))(1). وقال عليه الصلاة والسلام: ((من اعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار))(2).
ومن هنا يَتبيَّن أن الإسلام دين حرية للعبيد وليس دين رِقٍّ ولا استعباد كما يريد أن يؤكد عليه المغرضون من دعاة الإلحاد.
***
ـــــــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار: ج101، ص194.
(2) عوالي اللآلي: ج3، ص421.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أما بالنسبة إلى مبدأ تساوي المواطنين بالحقوق والواجبات فهو مما أكد عليه الإسلام ونزل به القرآن، قال الله (عز وجل) في كتابه الحكيم: (مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً)(1) فالمواطنون سواسية أمام القانون الإسلامي الخالد، يجزي كُلاً منهم بإحسانه إحساناً، وبذنوبه عقاباً، من دون تمييز ولا تفضيل.
بل إن الإسلام بنظره الثاقب وعدالته المستقيمة لَيذهب في المساواة إلى أبعد من ذلك. فالحاكم كما يجب أن يطبق القانون على المواطنين بالسَّويَّة وبدون أي تمييز، فإنه أيضاً يجب عليه أن يخضع نفسه وخاصة أهله وأصدقائه، فضلاً عن سائر معارفه ومتعلِّقيه، للقانون نفسه، فيخضع الظالم منهم للمظلوم من غيرهم، وإلا كان ظالما مجحفاً بحق الآخرين. وذلك كما قال سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وسيد الوصيين (عليه الصلاة والسلام) في عهده لمالك الأشتر النخعي عندما ولّاه مصر: ((أَنْصِفِ اَلنَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اَللَّهِ كَانَ اَللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اَللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ وَيَتُوب))(2).
بل إن رئيس الدولة الإسلامية خاضع إلى قانون المساواة، المساواة أمام العدالة، والمساواة في الحالة الاقتصادية، بل إنه أولى من سائر الشعب بذلك وأجدر، لأنه مَثلٌ أعلى للشعب من ناحية فيجب أن يتعلموا منه الخصال الحميدة العالية، وهو من ناحية أخرى رئيس للدولة، فيجب أن يشعر مثل هذا الشخص بآمال وآلام شعبه، ويعيش حالته الاقتصادية كأقل فرد في الشعب لئلا ينسى حالة الفقراء والمعوزين والمظلومين، ولئلا تبطره النعمة، فيستسلم إلى
ـــــــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــــ
(1) النساء: 123-124.
(2) نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج3، ص85.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
عالم الأحلام. ولقد كان سيد الأوصياء أمير المؤمنين  مثلاً رائعاً في ذلك حين نراه يقول: (( ولو شِئتُ لاهتديتُ الطريقَ إلى مُصَفَّى هذا العسل ولُبَاب هذا القمح، ونسائج هذا القَزِّ. ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيُّر الأطعمة، ولعلَّ بالحجاز أو اليمامة مَن لا طمعَ له في القرص، و لا عهد له بالشِّبع، أو أبيتُ مِبطاناً وحولي بُطونٌ غَرثَى وأكبادٌ حَرَّى، أو أكونُ كما قال القائل:
وحسبكَ دَاءً أنِ تَبيتَ بِبِطنَةٍ وحَولَكَ أكبادٌ تحِنُّ إلى القِدِّ
أأقنع مِن نفسي بأن يقال أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكارهِ الدهر، أو أكون لهم أُسوةٌ في جُشُوبَةِ العيش))(1).
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، لقد ضربت بكلماتك السامية مثلاً إسلامياً رائعاً في العدالة والمساواة، وعرّفت البشر كيف يجب أن يعيشوا، وكيف يجب أن يسلكوا حتى يحيوا متحابين متآلفين تسودهم العدالة، ويرفرف فوق رؤوسهم الرفاه والسلام.
…………………….
أما بالنسبة إلى إيقاف المساواة بين المواطنين عند معارضتها بالمصلحة العامة، فهو أمر صحيح بالنسبة إلى الإسلام في حدود معينة. فإن الإسلام الذي نشر تعاليمه لأجل المصلحة العامة، ولأجل أن يرقى بالبشر إلى الكمال، ليقدم الشخص الكفوء الذي يخدم شعبه ووطنه ودينه ويصلح للإدارة وتصريف الأمور، على الشخص الخامل الفاسق، فإن ذلك داخل في الحقيقة ضمن المصلحة العامة، وإن كان يظهر بمظهر تقديم الفرد. ولكننا يجب أن نفهم أولاً من هو الفرد الكفوء بحسب وجهة النظر الإسلامية لنحكم ما إذا كان تقديمه موافقاً حقاً
ـــــــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة، شرح محمد عبده:ج3، ص73.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
للمصلحة العامة أو لا.
إن الفرد الكفوء في الإسلام ليس هو البرجوازي الطامع في اكتساب المال، المندفع وراء مصالحه وأهوائه، بل إن معايير الكمال في الفرد المسلم هي العلم والتقوى والجهاد، قال الله (عز وجل) في كتابه العزيز: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون)(1) وقال : (إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين)(2) وقال : (وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً)(3). كل هذه الأمور صفات نفسية روحية عالية، وهي أولى بأن تسعى بصاحبها نحو الكمال من الصفات المادية الرخيصة، من الطمع في العرض الزائل، والتَّكالُبِ على المتاع الدنيء.
وهو إلى جانب ذلك يأخذ حصافة الرأي، ودقة النظر، والقدرة على الإدارة وغيرها من الصفات في جملة المميزات للموظف في الدولة الإسلامية. ومثل هذا الموظف يستحق التقديم، ويكون -بالتأكيد- تقديمه في الصالح الحقيقي للشعب، بخلاف تقديم البرجوازي، الطامع في توسيع أملاكه، والظالم للعمال والفلاحين.
ـــــــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــــ
(1) الزمر: 9.
(2) هود: 49.
(3) النساء: 95.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
-7-
المادة الثانية: الغاية من كل مجتمع إنساني صيانة الحقوق الطبيعية الثابتة للإنسان، تلك الحقوق هي الحرية والتملك والطمأنينة ومقاومة الظلم.
تتجلى المصلحة البرجوازية في هذه المادة أيضاً بشكل واضح، فإنهم إنما أثبتوا لأنفسهم هذه الحقوق، وجعلوها الغاية في كل مجتمع إنساني، لأجل ان يضمنوا مصالحهم البرجوازية، ويطمئنوا على سعة تجارتهم وصناعتهم. فهم إنما يقصدون بالحرية حرية التجارة والصناعة والتوسُّع بها على أكبر نطاق مستطاع، بدون أن تتدخل القوانين أو السلطات الحكومية في الحدِّ من غلوائها، وإيقاف جُماحِها عند الحدِّ العادل المعقول. كما أنهم يقصدون بالحرية من ناحية أخرى أن يكون لهم الحق في تشغيل العمال أكبر عدد ممكن من الساعات في اليوم، وأن يكون لهم الحق أيضاً في إعطائه أي كمية من المال شاءه لهم هواهم، بدون أن يكون للعامل أو حتى للقانون أو للسلطات الحكومية أي حق في فرض أي قيد على هذه الديكتاتورية الرأسمالية.
ولعلنا لا ننسى في هذا الصدد أن القوانين في بلادهم موضوعة من قبلهم فهي ليست إلا صدى لمصالحهم وأهوائهم، ورجال الحكومة ليسوا إلا أفراداً منهم، ومن ثم فليس هناك أي خطر على التوسُّع البرجوازي ، ولا يبقى لهذا العامل المسكين أي ناصر أو معين.
ـــــــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أما بالنسبة إلى الحقوق الثلاث فالتملك واضح الأهمية بالنسبة إلى المصالح البرجوازية، لأنه داخل في صميم وجهة نظرهم الاقتصادية وذلك بالنسبة إلى الطمأنينة، ويقصدون بها ألا يكون في البلاد قلاقل واضطرابات، لأجل أن تزدهر التجارة والصناعة في ربوع الأمن والسلام. كما أنهم يقصدون من مقاومة الظلم، مقاومة الإقطاع من ناحية، ذلك الإقطاع الذي ذاقوا منه الظلم والتَّعسُّف مدة قرون طويلة، كما يقصدون من ناحية أخرى مقاومة من يتدخل في شؤونهم التجارية والصناعية، ويحاول كفكفتها والحد من توسُّعها المفرط.
أما الإسلام ذلك الدين القيِّم الذي يسعى بالبشرية نحو الكمال والرُّقي والسعادة، فإنه لم يقتصر على هذه الحقوق فقط، فإن هذه الحقوق وحدها أقلُّ شأناً وأضعف خطراً من أن تخدم الإنسانية بجميع وجوه سلوكها وعلاقاتها، حتى وإن أُوِّلَت هذه الحقوق تأويلاً صحيحاً وصُرِفَت عن تفسيرها البرجوازي، لأنها ليست إلا أربعة حقوق! في حين أننا نجد الإسلام قد جعل طائفة كبيرة من الحقوق، لكل واحد تجاه الآخرين، وذلك لكي يضمن سيادة الأخلاق والفضيلة في ربوع المجتمع، ولترفرف عليه أَلْوِيَة السعادة والرفاه.
ويمكن أن نرجع في استعراض هذه الحقوق الإسلامية إلى رسالة الحقوق التي أملاها الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين (عليه أفضل التحية والسلام)، لنرى الأوج السامي الذي بلغته التعاليم الإسلامية في تحديد العلاقات الإنسانية، وإلزامها بأفضل الصفات وأنبلها، فقد حدَّدت تلك الرسالة حقوقاً وآداباً لعلاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه وأفعاله، وعلاقته بغيره سواء كان هذا الغير حاكماً أو محكوماً، معلماً أو تلميذاً، زوجاً أو زوجة، والداً أو والدة، بنتاً أو ولداً، بعيداً أو قريباً، وسواء كان ذلك الغير جاراً أو صاحباً،
ـــــــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
شريكاً أو غريماً، مشيراً أو مستشيراً، سائلاً أو مسؤولاً، صغيراً أو كبيراً، إلى آخر ما فيها من تفاصيل، وقد أثبتت لكل هؤلاء حقوقاً ونصحتهم بنصائح، لو اتَّبعوها لكانوا في أعلى مراقي السعادة والكمال. فمن المستحسن لك أن تراجعها لكي تحصل على كنز إسلامي ثمين.
***
أما بالنسبة إلى رأي الإسلام في هذه الحقوق الأربعة التي أثبتها واضعوا هذا الإعلان، وجعلوها طبيعية ثابتة للإنسان، فإنه قد مضى شيء من الكلام حول الحرية، وسيأتي ما يفي بحق الموضوع أما بالنسبة إلى التملُّك فسيأتي الكلام حوله في المادة السابعة عشر إن شاء الله تعالى.
وأما الطمأنينة فهي تعني السلام، الذي رأينا دعاة الإلحاد من الشيوعيين كَمْ يُطَبِّلُون له ويُزَمِّرُون به في سبيل ترويج دعوتهم الحمراء، ويجعلون دعوتهم إليه مقرونةً مع الخروج على الدين والتَّمرُّد على تعاليمه الإسلامية الخالدة، كأنهم لم يعلموا أنه ليس في العالم جاهلٌ أو مجنونٌ، فضلاً عن العاقل المفكِّر، مَن يَوَدُّ الحرب وإراقة الدماء، فإن حبّ النفس والركون إلى الأمن والطمأنينة غريزة من الغرائز المتأصِّلة في النفس الإنسانية، وأنه ليس أدعى للهَلَعِ والذُّعر للقلب الإنساني من منظر القتل والحروب.
والدين الإسلامي من الموافقين على أساس هذه الفكرة، فكما أن حفظ النفوس وسعة التجارة والصناعة لا يَتُمّان إلا في جوٍّ من الأمن والسلام، فكذلك لا يمكن أن تُطاع التعاليم الدينية أو أن يقوم الإنسان بالواجبات الشرعية، أو يتعلم من العلوم التي حَثَّ عليها الإسلام، أو يقوم بصلةِ أقربائه وأصدقائه، تلك الصلة التي دعا إليها الإسلام ووضع لها النُّظم والنصائح
ـــــــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الثمينة، ولا أن تنفَّذ سائر التعاليم الإسلامية على وجهها الصحيح، إلا في ظلٍّ من السلام والوئام.
إلا أن الإسلام أبعدُ نظراً وأعمقُ تفكيراً من أن يدعو إلى السلام على كل حال، وإن اعتدى على الأمة المعتدون، ونال منها النائلون، وتعرَّض دينهم الحنيف إلى الخطر الشديد، بل إن هذا الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أي تفكير، وهو مما توافِقُ عليه سائر الأنظمة في العالم بالنسبة إلى حماية أنفسها، وحتى هؤلاء الدعاة الملحدون. فإنَّ الدفاع عن النفس حق مقدس ناشئٌ عن حب الإنسان لنفسه، ذلك الحب الذي هو غريزة مُتأصِّلة في نفس الإنسان.
ومن هنا تتَّضح وجهة النظر الإسلامية بالنسبة إلى مقاومة الظلم الذي يرجع في الواقع إلى حق الدفاع عن النفس، وهو حق معترف به في الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

– 8-
المادة الثالثة : الأمة مصدر كل سلطة ولا يجوز لأي جماعة أو أي فرد أن يمارس سلطة ليست مُستمَدَّةً منها.
هذه المادة هي من أكبر ركائز الفكر الحديث، حيث تَنُصُّ على الأسلوب الديمقراطي للحكم، وتوجب أن يصدر القانون عن الأمة أو عن ممثليها، ولا يجوز أن يُفرَض على الأمة فرضاً.
ولكن هذا إنما يتمُّ مع تمامية أحد أمرين، أحدهما: صرف النظر عن التعاليم الدينية. وثانيهما: خشية فرض القوانين على الأمة بصورة تعسفية ظالمة. وحينئذ لا يبقى مجال إلا لأن تعمل هذه القاعدة عملها، وإلا ذاقت الأمة الظلم والحرمان.
ولكن الدين الإسلامي الوارد من المصدر الإلهي العالم بخصائص البشر، والمطلع على سرائرهم، والعالم بمشاكلهم وآمالهم وآلامهم، والعارف بما يحقق تلك الآمال، ويحلُّ تلك المشاكل ويرفع تلك الآلام. هذا الدين الإلهي الحنيف لا يعترف بهذه القاعدة لأنه ليس بحاجة إليها، بعد اعتضاده بالقوة الإلهية السرمدية.
بالإضافة إلى أن القوانين التي تضعها الأمة لن تكون -حتى في حالات
ـــــــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الديمقراطية المثالية- خيراً من القوانين الإلهية التي أنزلها الله تعالى للبشر في سبيل سعادتهم ورُقِيِّهِم نحو الكمال، لأن العقل البشري قاصر عن أن يدرك مصالحه الحقيقية وكمالاته النفسية، وخاصة بعد أن أحاطته عدة أغشية من الغرائز، والانفعالات والمصالح التي تطمس أمامه الطريق الصحيح إلى الحق، ومن المحال على المرء أن يتجرد من صفاته الفردية، كما ينصُّ على ذلك علماء النفس، مهما أوتي من موضوعية ودقة تفكير.
هذا بالنسبة إلى الفرد، فكيف بالنسبة إلى الجماعة، حيث تكون العقول مختلفة والآراء متضاربة والاعتبارات متباينة، مما يجعل القانون مزيجاً عجيباً من هذه الآراء وهذه العقول. بالإضافة إلى باقي المشاكل الاجتماعية من تَشَعُّبٍ وتعقيد، بضمنها بعض الاعتبارات النفسية والفكرية والعاطفية للشعب، والتي قد تخفى أكثرها على واضعي القوانين.
ومن هنا نجد أن القوانين الوضعية غير قابلة لأن تعمِّرَ طويلاً ولا يمكنها أن تَثبُت للزمن، فسرعان ما يبدو خلَلَها وتحتاج إلى إصلاح، ثم يحتاج الإصلاح إلى إصلاح. وهلمَّ جراً.
هذا بالإضافة إلى ما في الدين من قِيَمٍ واعتبارات لم يكن ليدركها البشر لولا تعاليم الدين نفسه، فمنها الجزاء على الإحسان برضاء الله (عز وجل) والجنة. والـمُجازاة على الإساءة بغضبه (عزَّ اسمه) والنار. وكيف يمكن أن تؤخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار من قبل واضعي القوانين مع غض النظر عن الدين؟ مع أنها ثابتة بثبوت العقيدة الدينية.
***
أما ما يمكن أن يُوهِم بذلك من آيات القرآن العزيز، فآيتان: هما قوله عز
ـــــــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
من قائل: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين)(1) وقوله عز وجل: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون)(2).
وكِلا هاتين الآيتين واردتان في مورد التعاليم الأخلاقية، والنصائح الاجتماعية التي تحث الأصدقاء على أن يتشاوروا فيما بينهم لئلا يستبدَّ فرد منهم برأيه فيفشل في حياته، وهما غير متعرضتين على الإطلاق لمسألة التشاور لأجل التشريع وسنِّ القوانين.
أما بالنسبة إلى الآية الأولى فإن في سياقها دلالة صريحة على أن هذا التشاوُر بين النبي  وبين المسلمين ليس إلا للألفة وزرع الوفاق بينهم وبين قائدهم العظيم، ولأجل استئناسهم وتطييب نفوسهم، وأخذ آرائهم في الأمور الجزئية التي قد يقوم بها النبي ، ليتم تنفيذها عن رضاهم وطيب قلوبهم. وهذا هو المعنى المناسب للعفو عنهم والاستغفار لهم.
أما القوانين العامة والتشريعات الأساسية فليس في الآية أي تعرض لها، ولا يمكن أن يكون ذلك، لأن القرآن نفسه نازل من قبل الله تعالى الذي له النهي والأمر، وهو مملوء بالأوامر والنواهي التي يقصد بهما حفظ مصالح المجتمع الإسلامي، ولا يقصد أخذ رأي الأمة في ذلك بقليل ولا كثير. ولم يرِد تاريخياً أن النبي استشار أصحابه في هذه التعاليم الإسلامية في يوم من الأيام. بالإضافة إلى أن هناك آية صريحة على خلاف ذلك، وهو قوله عز وجل: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً)(3).
ـــــــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران: 159.
(2) الشورى: 38.
(3) الأحزاب: 36.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أما الآية الثانية فهي أيضاً تدل تماماً على أنها من باب تشاور الأصدقاء، والمداولة بينهم حول أمورهم الخاصة، لا لأجل سنِّ القوانين حيث مدحهم الله عز وجل: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(1) أي أن الفرد منهم لا يَبُتُّ بأمر من أموره إلا بعد مشاورة أصدقائه وإخوانه في الدين، لأجل أن لا تزلَّ قدمه في حلِّ مشاكل حياته، فيكون التشاور، بذلك، مستمراً بين المسلمين، و لا يعني ذلك بحال من الأحوال إجراء استفتاء شعبي لإقرار أو رفض قانون من القوانين.
بل إن هذه الآية الثانية قد فُسِّرَت بعكس ذلك، فقد ذُكِرَ في تفسيرها أن معنى الآية: «يشاورون الإمام فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم كما قال الله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ)(2)» (3).
والمشورة في الأمور المعاشية والحياتية الإعتيادية أمر مستحسن في الشريعة الإسلامية، وهذا ما قد حثَّت عليه هاتان الآيتان، وذلك لأن الفرد العادي قد يمكن أن لا يهتدي إلى الطريق الصحيح أو أن تخفى عنه جوانب من أموره، فيستعين بعقول أخرى لأجل مساعدته في حلِّ مشاكله وتسوية أموره. وفي ذلك يقول أمير المؤمنين  كما في نهج البلاغة: ((من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها))(4) وقال (عليه أفضل التحية والسلام): ((والإستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه))(5). وقد ورد عن نبي الإسلام : ((ما من رجل يشاور أحداً إلا هدي إلى
ـــــــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشورى: الآية 38.
(2) سورة النساء: الآية 83.
(3) تفسير الصافي للفيض الكاشاني ج4، ص378.
(4) نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج4، ص41.
(5) نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج4، ص48.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الرشد))(1). ولكن ذلك لا يعني على الإطلاق أن يكون القانون الإلهي الإسلامي عرضة للتحوير والتطوير بيد آراءٍ بشرية قاصرة، وأهواء طائشة.
***
ومن هنا يتضح مناقشة القسم الثاني من المادة وهو أنه ((لا يجوز لأي جماعة أو فرد أن يمارس سلطة ليست مستمَدَّة منها)) فإن مثل هذا الفرد إنما يكون مستحقاً للعقاب إذا نَفَّذَ على الأمة قوانيناً تعسفية ظالمة، لا فيما إذا نَفَّذَ في صالحهم القانون الإلهي الحكيم.
ـــــــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر السابق.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

– 9-
المادة الرابعة : تقوم الحرية على إمكان عمل كل ما لا يضر بالغير، ولذلك فإن ممارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان لا تقف إلا عند الحد الذي يضمن لبقية أعضاء المجتمع بهذه الحقوق نفسها، ويمكن تعيين تلك الحدود بالقانون وحده.
تتكفل هذه المادة تعريف الحرية، ثم تبين الحد الفاصل الذي تنتهي به حرية الفرد لتبدأ حرية الآخرين. وإنما يوضع هذا الحد بواسطة القانون وحده، دون أية قوة أخرى. والبرجوازيون هم الذين يضعون القانون ويفسرونه، وهم أصحاب المصلحة فيه. إذن فهم الذين يقررون هذا الحد الذي يضمن لبقية أعضاء المجتمع التمتع بالحقوق. ومن هنا نرى أنه من الحرية بالنسبة إلى مصالح الرجل البرجوازي تشغيل العمال 14 ساعة في اليوم، وإعطاؤهم أقل ما يمكن من الأجر، ومن حرية العامل أن يذهب في الليل إلى كوخه وينام، ثم يستأنف العمل المضني قبل طلوع الشمس.
وعليه فإننا نفهم من ذلك، كما سبق أن أكدناه، إن الطبقة البرجوازية تضع القانون، وحتى هذا الإعلان على حسب مصالحها وبمقدار وعيها السياسي.
والقاعدة التي تقررها هذه المادة قاعدة صحيحة، مع صرف النظر عن التفسير البرجوازي لها، فإن ذلك مما يقتضيه الأمن و النظام، بل مما تقتضيه
ـــــــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الحرية نفسها، فإن معنى الحرية بالنسبة إلى الفرد هو أن يقول ويفعل ما يشاء، وكذلك فإن الحرية تعني أيضاً توفر هذا المبدأ نفسه بالنسبة إلى الجميع، ومن هنا تتصادم مصالح الأفراد وحرياتهم ، مما يضطر المشرع إلى وضع الحدود والسدود أمام الحرية ليسود الأمن ويستتب النظام، وذلك بتقييد حرية كل فرد بما لا يتعارض وحرية الآخرين.
ومن ذلك نفهم أن هذه القاعدة قاعدة صحيحة ولا بد من تشريعها في المجتمعات الإنسانية، ولكن هذه القاعدة لا تعني إلا تقييد الحرية ووضع السدود أمامها. وليس الادعاء بأنها قاعدة إيجابية بالنسبة إلى الحرية، إلا ادعاءً فارغاً لا معنى له. نعم هي قاعدة إيجابية بالنسبة إلى الأمن والنظام والأخلاق.
وحيث عرفنا أن المجتمع لا يمكن أن تتيسر الحياة فيه إلا في ضمن قيود وآداب تحدد سلوكه، وتضبط أقواله وأفعاله، فالمشرع الحاذق -كما سبق أن أشرنا إليه في مناقشة المادة الأولى- هو الذي يضع هذه الحدود بالشكل العادل الذي يضمن به أكبر قدر ممكن من الوفاق والوئام، وليس هو المشرع الذي يقتصر على أقل قدر ممكن من القيود، لأن في هذا الاقتصار أخطاراً ومحاذير تنتج أموراً فاسدة ومضرة بالمجتمع، تلك المفاسد التي لا تزال الإنسانية تنوء بثقلها إلى الآن في أكثر المجتمعات البشرية.
ومن هنا نرى الإسلام لم يكتفِ بوضع هذا القيد وحده على الحرية، لأنه رأى بثاقب نظره أنه غير كاف لتهذيب الفرد وصقل نفسه وسلوكه، فليس من الحكمة أن يطلق عنان الفرد في خلال عدم مساسه بحقوق الآخرين، فإن ثمة أفعالاً يقوم بها الفرد وليس فيها أي اعتداء على حقوق الآخرين ، في حين أن لها النصيب الأوفر في التأثير السيئ على تهذيب الفرد وصفاء نفسه وجمال سلوكه. بالإضافة إلى ما يمكن أن تخلفه من آثار سيئة في الناحية العقلية أو
ـــــــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
النفسية أو الجسمية من كيانه الشخصي.
بل إن هناك أفعالاً وأقوالاً، يمكن أن يقوم بها الإنسان، فيدخل الراحة والسرور على صاحبه من الناحية الحسية المادية كالاجتماع على الفاحشة أو سماع الغناء، فإن لهما آثاراً روحية تسبب غضب الله عز وجل على الفرد ، وتعرضه لعذابه الأليم، وإنما حرمت لأجل مصالح كثيرة ليس هنا موضع سردها، وأوضحها أنها سوف تكون داءً اجتماعياً وبيلاً على تقدير تفشِّيها وانتشارها.
ومن هنا فإن الدين الإسلامي الحنيف قيد الحرية بأن لا يخرج الفرد بواسطتها على تعاليمه، فيشمل بذلك ما يكون اعتداءً على حقوق الآخرين، أو مشاركته على إثم وعدوان، كما يشمل عصيان الأوامر الفردية التي وجهها إلى الناس والتي لا يبدو لها في بادئ الرأي أي أثر اجتماعي، وهي الأمور العبادية التي يقوم بها الفرد بينه وبين ربه. مع العلم أن لها في المدى البعيد آثاراً اجتماعية واسعة النطاق، فإن في الحج، وصلاة الجماعة، وحفظ مظاهر الصيام في شهر رمضان، آثاراً اجتماعية كبيرة كما هو واضح، وكذلك فإن الصلاة التي يصليها الفرد في داره، لها الأثر الكبير -كما ثبت في محله من تعاليم الإسلام- في صقل خلق الفرد وتجريده من روح الغضب والحقد والحسد، وجعله شخصاً مهذباً يطفح وجهه بالإشراق، وأفعاله بالأدب الجم والسيرة الحسنة، وذلك لمدى الأثر الروحي الذي تخلفه العبادة في الشخص الذي يؤدي عبادته بإيمان وإخلاص.
ومما ينبغي ملاحظته أن الفعل الذي يكون فيه اعتداء على الآخرين إنما يحرم في الشريعة الإسلامية، إذا كان ظلماً وتعسفاً، ولكن هناك بعض الأفعال التي لا تُعد في نظر العقل ظلماً، وهي مع ذلك يمكن أن يصدق عليها الاعتداء على الآخرين، ومثل هذه الأفعال ليست محرمة في الشريعة الإسلامية، ويمكن
ـــــــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أن يمثل على ذلك بأمرين:
1- ما نجده في الأسواق التجارية من المنافسة بين التجار، فإنه لا إشكال بأن التاجر لا يرتاح إذا جاء تاجر آخر ببضاعة مشابهة إلى بضاعته، لما سوف يصيبه من الكساد، ولو كان مستطيعاً أن يمنعه لمنعه بما أوتي من قوة وطول. ولكن ذلك لا يعني على الإطلاق أنه لا ينبغي لتاجر أن يؤذي عواطف إخوانه من هذه الناحية، فإن ذلك جائز عرفاً وشرعاً فإن لكل شخص أن يبيع وأن يشتري ما يشاء(1). وكذلك بالنسبة إلى المنافسة في التقدم العلمي، فإن حسد الحاسدين من المتخلفين الذين لا يستطيعون التفهم الصحيح لمحتويات العلوم، لا يعني على الإطلاق أن يترك المجد المتقدم في هذا المضمار اجتهاده وتقدمه في سبيل إرضاء أولئك الحاسدين.
2- العقوبات التي يفرضها الإسلام على العاصين لأوامره والخارجين على حقوق الآخرين. فإن هذا العقاب وإن كان مؤلماً لهم، إلا أنه في صالح الهيئة الاجتماعية، من حيث كونه ردعاً للآخرين عن السقوط في هذا المهوى الوضيع، بل وفي صالحهم أيضاً من حيث كونه تطهيراً لهم مما ارتكبوا، وردعاً لهم عن السقوط مرة أخرى في حضيض الجريمة . ومن هنا كان القيام بمعاقبة مثل هؤلاء شيئاً حسناً يرضاه الإسلام ويثيب عليه.
***
ـــــــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر هذا الحكم في (محاضرات في الفقه الجعفري)، تقريرات بحث السيد الخوئي أدام الله ظله، ص165.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
بعد هذه الجولة في وجهة النظر الإسلامية في الحرية، يمكننا أن نميز كيف أن القانون الإسلامي وضع الحدود على الحرية بشكل عادل يكفل به سعادة البشر ورفاههم، وسيادة المحبة والوئام بينهم بشكل يرقى بهم إلى الكمال والخلود.
ثم إن للفرد بعد تقيده بتعاليم دينه القويم، أن يفعل ما يشاء، وأن يقول ما يشاء، وأن يذهب إلى حيث يشاء، لا حرج عليه في ذلك. إلا أن يده لن تفعل، ولسانه لن ينطق إلا الشيء الذي يرضاه الإسلام، بعد أن يكون قد انصهر في بوتقة تعاليمه، وكوَّن في كيانه نفساً وضميراً إسلاميين يأمرانه بالخير، وينهيانه ويؤنبانه على الشر، والخروج على تعاليم الإسلام.
ولكن الشيء الذي ينبغي ملاحظته في المقام إن هذه الحرية التي ينالها الفرد في الإسلام لا تكون إلا إذا أراد الإنسان أن يقتصر على إطاعته للواجبات، واجتنابه للمحرمات الإسلامية، وإلا فهو إن أراد أن يتابع الإسلام في جميع تعاليمه وإرشاداته، فإنه لا بد أن يلاحظ ذلك في كل نَّفَس من أنفاسه، وكل دقيقة في دقائق عمره، فإن للإسلام طائفة ضخمة من التعاليم والإرشادات لأجل تربية الإنسانية والفرد وتهذيبهما وجعلهما إنسانية وفرداً عادلين بجميع ما في هذه الكلمة من معنى . وإنما يتبع الفرد هذه التعاليم بمقدار إخلاصه الديني، وبمقدار توفيقه إلى نيل الكمال الأعلى.
ـــــــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
– 10-
المادة الخامسة: ليس للقانون أن يمنع غير الأعمال المضرة بالهيئة الإجتماعية، ولا يجوز منع أي عمل لم يحظُرْه القانون، ولا يجبَر أحد على القيام بعمل لم يفرضه القانون.
ما دام البرجوازيون هم الذين يضعون القوانين ويفسرونها وهم أصحاب المصلحة فيها، فإن مقصودهم، في هذه المادة، من الأعمال المضرَّة بالهيئة الاجتماعية، الأعمال التي تُكدِّر عليهم تجارتهم وتحدُّ من نشاط صناعتهم، وليس لأحد أن يمنعهم عن عملٍ لم يمنعوه هم في قانونهم، من التوسُّع في التجارة، واتخاذ الأساليب المشروعة وغير المشروعة من الناحية الإنسانية، في سبيل ذلك. كما أنه ليس لأحد أن يجبرهم على القيام بعمل لم يوجبوه هم، في القانون الذي وضعوه. وهم يشيرون بذلك إلى عدم جواز تحديد نشاطهم البرجوازي. فإن هؤلاء البرجوازيين الذين يدورون في فلك مصالحهم الخاصة لا يمكنهم أن ينظروا إلا إلى تلك المصالح، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يراعوا مصالح غيرهم من الناس، كما رأينا ما وقع فعلاً من التَّعسُّف والجور على رؤوس العمال والفلاحين البؤساء.
أما بالنسبة إلى رأي الإسلام فيما احتوته هذه المادة، فإن الإسلام قانون
ـــــــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
إلهي، ليس لأحدٍ أن يقترح عليه شيئاً، ولا أن يغير منه حكماً، وهو أدرى بما قد نهى عنه وما أمر به، على حسب مصالح البشر وحوائجهم، وما ينزههم عن الموبقات، ويسمو بهم إلى الكمال.
فقولهم : ليس للقانون أن يمنع، أو لا يمنع.
نعم قولهم هذا ليس ذا معنى بالنسبة إلى قانون الإسلام.
ومن ناحية أخرى فإن الأعمال المضرَّة بالهيئة الاجتماعية ليست وحدها هي المضرة من الناحية الإنسانية، فإن الاعتماد على الفرد مضرٌّ أيضاً، ويجب على القانون تحريمه، وهو بالطبع محرم في سائر القوانين، إلا أنّ هؤلاء البرجوازيين تناسوه لأجل أن يتعسَّفوا على حقوق العمال والفلاحين في سبيل مصالحهم البرجوازية.
أما بالنسبة إلى الرأي الإسلامي في الفقرات الأخيرة من المادة، وهي التي تنص على عدم جواز منع العمل الذي لم يحظُره القانون، وعدم جواز إجبار الشخص على القيام بأي عمل لم يفرضه القانون، بصرف النظر عن تفسيرها البرجوازي.
فأما أن يكون الشخص الذي يمنع الفرد عن العمل أو يجبره على القيام بعمل معين، هو شخص مُتسلِّط مُتعسِّف ظالم يريد أن ينال من هذا الشخص بواسطة سيطرته وقوته، وأما أن يكون هو الحاكم الشرعي الإسلامي المنصوب من قبل الله عز وجل رئيساً للدولة الإسلامية، وحجة من الله على خلقه.
فإن كان شخصاً ظالما ًفإنه أهلٌ لأن يجازى على تعسُّفه بالتعسُّف وعلى ظلمه بالعقاب. وخاصة إذا كان التعسُّف يحمل الطابع الديني زوراً وبهتاناً،
ـــــــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
فإنه يرجع في نظر الإسلام، إلى ابتداع تشريع لم يَسنُّهُ الإسلام، وإدخال في الدين ما ليس فيه. وقد شدَّد الإسلام في الردع عن البدعة. فمن ذلك ما ورد عن النبي قوله : ((من سَنَّ سُنَّةً حسنة كان له أجرُها وأجرُ من عَمِلَ بها إلى يوم القيامة. ومن سَنَّ سُنَّةً سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))(1).
أما بالنسبة إلى الحاكم الشرعي الإسلامي، فهو منصوب من قبل الله (عز وجل) لقيادة البشر، وتطبيق النظام الإسلامي في ربوع المعمورة، وهو مُخَوَّل أن يختار ما يشاء من أساليب التطبيق الجزئية الموضعية التي يراها أصلح للبشر، وأقرب إلى النتيجة، وأجدر في إزالة العوائق والعقبات التي تعترض سبيل تطبيق النظام الإسلامي، ومن ثم فهو يختار ما يشاء من الأوامر والنواهي التي تؤدي إلى هذا السبيل، وإن لم تكن واردة في نص القوانين الإسلامية العامة.
ولكن هذا لا يعني أن له حق الابتداع والتشريع من جديد، فهو إنما خُوِّلَ تطبيق الأوامر الإلهية الصادرة سلفاً، وفرق كبير بين التشريع والتطبيق.
ومما ينبغي أن يلاحظ أن الحاكم الشرعي الإسلامي لن يختار من وسائل التطبيق إلا ما هو في صالح المجتمع الإسلامي، وما يضمن به للمسلمين العدل والسعادة، وينزههم عن الفوضى والفساد. وذلك لأن الحاكم الإسلامي المنصوب من قبل الله (عز وجل) وهو الإمام المعصوم (عليه الصلاة والسلام) ومعنى كونه معصوماً، كونه مُبرَّءاً من الذنوب خالياً من العيوب، آمناً من السهو والغفلة والخطأ والنسيان، وبالجملة يجب أن يكون خير البشر في عصره، لأنه ليس من العدالة الإلهية أن يبقى الأفضل خاملاً، ويكون المفضول حاكماً،
ـــــــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــــ
(1) الفصول المختارة للشيخ المفيد: ص136.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
وهذه العصمة هي التي يعتقدها جميع المسلمين في النبي ، ونعتقدها نحن الشيعة الإمامية في الأئمة المعصومين الإثني عشر (عليهم أفضل الصلاة والسلام).
ومثل هذا الشخص لا يمكن أن يظلم أحداً، أو أن يتعسَّف بحق أحد، وإنَّ خير مثال حي بعد نبي الإسلام لذلك الشخص المعصوم هو سيدنا ومولانا أبو الأئمة الهداة أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) وهو الذي يقول حين عُوتِبَ على التَّسوِيَة في العطاء: ((أَتَأمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ مَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَميرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً! لَوْ كَانَ الْمَالُ لي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللهِ. أَلاَ وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهَ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ))(1).
أما في حالة عدم وجود الإمام المعصوم، فإن كان ذلك ناتجاً عن بُعد البلد عن العاصمة الإسلامية، فإن الإمام (عليه الصلاة والسلام) يبعث إليه من يختاره ليقوم نيابة عنه بإدارة شؤون البلد، والحكم فيه طبقاً للقانون الإسلامي، والإمام -بالطبع- لن يختار إلا الشخص الصالح لهذا المنصب الخطير، كما أنه لن يكتفي بإرساله، بل يتعاهده بالنُّصح والتوجيه. ويجعل من نفسه ومن الشعب الذي أرسله إليه، رقيباً عليه، بالإضافة إلى الرقابة الإلهية ورقابة ضميره الإسلامي، الذَّينِ يستعرضان كل حركة وسكون من أفعاله وأقواله. وذلك كما نرى من سلوك أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) مع ولاته وعُمَّاله. فهو
ـــــــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة شرح محمد حسن نائل الرصفي ص296 ج1، نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج2، ص6.
.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
يبعث إلى أحدهم قائلاً: ((وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً صَادِقاً، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ اَلْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لَأشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ اَلْوَفْرِ، ثَقِيلَ اَلظَّهْرِ، ضَئِيلَ اَلْأَمْرِ، وَاَلسَّلاَمُ))(1).
ويبعث  إلى آخر منهم قائلاً: ((أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اَللَّهُ أَجْرَ اَلْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ اَلْمُتَكَبِّرِينَ، وَتَطْمَعُ وَأَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِي اَلنَّعِيمِ، تَمْنَعُهُ اَلضَّعِيفَ وَالأرْمَلَةَ، وَأَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ اَلْمُتَصَدِّقِينَ، وَإِنَّمَا اَلْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفَ، وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ، وَاَلسَّلاَمُ))(2).
وأما إذا كان عدم وجود الإمام ناشئاً عن غيبة الإمام القائم ، فإن القائم مقامه هو وكيله العام للتصرُّف في الشؤون الدينية للمسلمين. وهذا الوكيل هو الذي حدده الإمام الصادق  بقوله: ((انظروا إلى رجل منكم قد روى حديثنا، وعرف أحكامنا، فاجعلوه قاضياً فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه.-وفي بعض الأخبار- فارضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما بحكم الله استخفَّ وعلينا رَدَّ، والرادُّ علينا رادٌّ على الله، وهو على حدِّ الشرك بالله عز وجل))(3) .
ومثل هذا الشخص المتشبِّع بالروح الإسلامية، وبتعاليم الإسلام لا يمكن عادة أن يصدر منه تعسُّف أو ظلم، بالإضافة إلى ما هو فيه من الرقابة الإلهية، ورقابة الإسلام، ورقابة ضميره الإسلامي، ورقابة الأمة الإسلامية، على جميع
ـــــــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ص24 ج2.
(2) نهج البلاغة ص25 ج2.
(3) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني قدس سره كما ورد في كتاب القضاء.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أفعاله وأقواله.
وللمجتمع الإسلامي إن رأى منه أيَّة هفوة أو خطأ، أن ينبِّهه وأن يُلفِتَ نظره، وأن يذكِّرهُ بالطريق الصواب. وعلى الحاكم بعد ذلك أن يتلقَّى هذه الاقتراحات بصدرٍ رَحِبٍ وقلبٍ مفتوح، ثم ينظر في هذه الاقتراحات بتجردٍ وإنصاف من حيث انطباقها على القواعد الإسلامية. فإن رأى أنه كان مخطئاً فعليه أن يُصلِحَ خطأه وإلا كان خارجاً على التعاليم الإسلامية. وخائناً للمسلمين. وإن رأى نفسه مُصيباً، وأن المقترحين هم الذين أخطأوا ألفَتَ نظرهم إلى وجه الخطأ في رأيهم. وجادلهم بالتي هي أحسن.
ـــــــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-11-
المادة السادسة: القانون هو الإعراب عن الإرادة العامة للمجتمع، ولجميع المواطنين الحق أن يشتركوا في سَنِّهِ بأنفسهم أو بواسطة نوابهم. والقانون واحد للجميع في حالتي الحماية وفرض العقوبات، ولما كان المواطنون سواسية أمام القانون فيحق لهم بالتساوي الوصول إلى جميع المناصب والرُّتب والوظائف العامة بحسب كفاءاتهم، ودون أي تمييز غير فضائلهم ومواهبهم.
وفي هذه المادة أيضاً تتجلى المصلحة البرجوازية أيضاً، فالإرادة العامة، في عُرف هؤلاء البرجوازيين، هي إرادتهم هم أنفسهم، من حيث أنهم أقوى طبقة في المجتمع الفرنسي فهم يقولون للعمال والفلاحين نحن نُمَثِّلُكُم. سواء رضى أولئك أم أَبَوْا. ويصدر القانون معتمداً على هذا الادِّعاء الفارغ، وممثلاً للمصالح البرجوازية، ثم يقول البرجوازيون أنه ممثِّلٌ للإرادة العامة للمجتمع. وإلا فإنه ليس من مصلحتهم أن يخضعوا لهذه القاعدة على واقعها، فيأخذوا بنظر الاعتبار آراء العمال والفلاحين، لأنهم سوف يُفسحون المجال لهم حينئذ للشكوى والتَّذمُّر من الظلم البرجوازي، والتَّصويت على القوانين بطريقة تخالف المصلحة البرجوازية، وهذا ما يخشاه البرجوازيون.
ومن ناحية أخرى فإن تمييز الأفراد لأجل فضائلهم ومواهبهم لم يكن ليُفسح المجال ويُتيح الفرصة لنيل المناصب والرُّتب والوظائف العامة، إلا أمام
ـــــــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
البرجوازيين أنفسهم، ومن ثم فإنهم يُكوِّنون الطبقة الوحيدة المسيطرة على الحكم في بلادهم، وبذلك يضمنون مصالحهم كلها على أحسن وجه. وما ذلك إلا لأن الطبقة البرجوازية هي التي كانت متميزة دون غيرها بالثقافة والوعي والمقدرة على إدارة البلاد.
***
والتعبير بالإرادة العامة Volote General تعبير ورد في كتابات (روسو)، الذي هو أحد أعضاء مدرسة (العقد الاجتماعي) Contral Social التي تحتوي على تصوير خاص لطريقة الحكم في الدولة، تلك النظرية التي بدأها (توماس هوبز) Hobbes (1588 – 1679) الفيلسوف الإجتماعي الإنكليزي، بكتابه عن الفلسفة السياسية المسمى Leviathan في سنة 1651 (1). ثم جاء (جون لوك) J. Lock الفيلسوف الإنكليزي الشهير (1621 – 1704)، فصقلها وأضاف إليها. وقد عالج لوك أصل الدولة في رسالتيه السياسيتين اللتَين نُشرتا في سنة 1690 تحت عنوان ((آراء عن الحكومة المدنية))(2) Civil Government Opinion views on ثم جاء (جان جاك روسو) الكاتب والفيلسوف الفرنسي (1712 – 1778) فأضاف إليها آراءه. وقد تأثر (روسو) في صوغ نظرياته السياسية بمبادئ (لوك) وتفكيره تأثراً كبيراً، ولا سيَّما فيما يتعلق بفكرة أصل السلطة في الدولة المدنية، وصوغها في صورة ميثاق أو عقد هو أساس الدولة المدنية(3).
ـــــــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــــ
(1) المذاهب الاجتماعية الحديثة، محمد عبد الله عنان الصفحات بالترتيب 13و15و19.
(2) المصدر السابق نفسه، بعين الصفحات.
(3) المصدر السابق نفسه، بعين الصفحات.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
وكان وقتها، أن نشبت الثورة الفرنسية ووضعت هذا الإعلان في عام 1789 متأثرة بآراء هؤلاء الفلاسفة الاجتماعيين، وخاصة الأخيرَين منهم، فإن آراء (هوبز) لم تكن لتدخل أذهانهم لما فيها من الفساد والإسفاف، على ما سنرى.
وينبغي لنا فيما يلي أن نذكر ملخصاً لآراء هؤلاء المفكرين لننظر بعد ذلك رأي الإسلام، فيما يذهب إليه هؤلاء من نظريات.
أما (توماس هوبز) فهو يرى أولاً أن القوة هي عماد الحكم، وأن الطاعة للقانون هي جزء من طاعة الله، وأن الحاكم يستظل بسلطة الله، فإذا حادَ في أوامره عن قوانين الله فإنه يفقد صفته كحاكم، ويصبح الناس في حلٍّ من عصيانه. ثم إنه يجب أن يكون ثمة سلطة لتقرر بين الناس ما هو الحق وما هو الباطل، وما هو متَّفِقٌ مع قانون الطبيعة وما هو مخالف له، وأنه لا بد للحكومة من السلطان المطلق لكي تحكم، وأن السلطة الروحية يجب أن تنزل عند حكم السلطة الزمنية، وأن الشعب يجب أن يخضع لقوانين الملك والحكومة.
وأما عن نظرية العقد الاجتماعي، فهو يرى أنها ترجع إلى طبيعة الإنسان ذاته، فالإنسان حيوان كثير الحب لنفسه، مفطور على تحقيق شهواته ورغباته وهو لذلك يدفع إلى الاجتماع ويشعر بالضرورة في الانضمام إلى زملائه، لإنشاء مجتمع مشترك، ثم إن رغبة كل إنسان في السلامة تؤدي إلى فقد السلامة إطلاقاً، والعقل يُملي على البشر أن يبحثوا عن مخرج لذلك. ذلك لأنهم يعيشون في المجتمع في حالة كفاح مستمر، تحدوهم نفس المشاعر والأهواء وهم كثيرو الشك ، شديدو المنافسة، ولا سلطان لهم على أهوائهم، ولكن للبشر عقولٌ يبحثون بها في أسباب الأشياء، والعقل يدفعهم إلى التوسع في مدى أهوائهم فيقع الصدام بينهم، وهذا ما يسميه (هوبز) بـ (الحالة الطبيعية). وهذا يشعر البشر أن العيش في غمرة الكفاح المستمر أمر لا يطاق، ويرون أنهم
ـــــــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
يستطيعون أن يؤلفوا مجتمعاً مشتركاً، ذلك أنه تحدوهم جميعاً رغبة السلامة. وهم إذا استعملوا العقل رأوا أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق السلامة هي أن يقيموا سلطة مشتركة يفوِّضون إليها كل سلطتهم، وهنا تَتَّفِق الجماعة فيما بينها على الخضوع إلى سلطة واحدة، وتصبح هذه السلطة عماد الدولة، وعماد الحكم، وهي سلطة يمثلها في الغالب ملك أو حاكم مطلق(1).
وإن الدولة تظهر للوجود كنتيجة لعقد أو اتفاق يعقده كل فرد مع كل فرد آخر، على أن يتنازل عن حقه الطبيعي في حكم نفسه إلى شخص أو جماعة من الأشخاص، ويسمي (هوبز) هذا الشخص أو هذه الجماعة، صاحب السيادة أو السلطان Sovereign ، وليس هو بطرف من أطراف العقد، ولا يحد سلطته أي شرط أو التزام من جانبه. ولا يجوز للرعيَّة بعد التنازل عن حقوقهم في حكم أنفسهم إلى صاحب السيادة أو السلطان، أن يعقدوا عقداً شرعياً فيما بينهم، أو أن يظهروا الطاعة إلى أي شخص آخر دون موافقة صاحب السيادة نفسه، فإن سلطة هذا الأخير مطلقة وغير محدودة ولا يمكن لصاحب السيادة أو لرعيته نقض العقود، ولا يمكن تحررهم منها لأي سبب كان، وإن تغيير الحكومة معناه انحلال الدولة والعودة إلى الفوضى. وإذا رغب أي شخص في سحب موافقته على العقد يعود إلى حالة الحرب التي كان عليها الناس قبل دخولهم في الاتفاق(2).
أما (جون لوك) فقد قال: بأن الناس في حالتهم الطبيعية أحرار ومتساوون ومستقلون، ولا يجوز أن يخضع أي شخص لسلطة الآخرين السياسية دون
ـــــــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــــ
(1) المذاهب الاجتماعية الحديثة : محمد عبد الله عنان ص13 -14.
(2) حق الثورة في تأريخ الفكر السياسي للدكتور فاضل حسين.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
موافقته (1) . بيد أنه لا يتصور هذه الحالة الطبيعية، مثل سلفه (هوبز) حالة توحش واعتداء متبادل، بل إنه يرى أنها حالة اجتماعية في صفتها، وفيها يخضع الناس لحكم العقل الذي يُعلِّم كل إنسان ألا يؤذي أخاه في نفسه أو حريته أو ماله، وقد تقع الحرب أو الاعتداء، ولكن فقط حينما يجانب الناس حكم العقل الذي هو من طبائعهم. على أنه لا توجد في الحالة الطبيعية سلطة مشتركة عليا تنفذ حكم العقل، وكل فرد يحاول أن يفسر الأمور وفق هواه، وهذا ما يؤدي إلى الاضطراب والفوضى(2). كما أنه يرى أن تلك الحالة الطبيعية من الحرية والمساواة، كانت تعوزها ثلاثة أمور:
أولاً: القانون الذي يتفق الجميع على أنه مقياس الصواب والخطأ.
ثانياً: القاضي الذي يفصل في الخلافات وفقاً للقانون.
ثالثاً: السلطة التي تسند حكم القانون والقاضي وتنفذه.
ولهذه الأسباب دخل الناس في عقد أو اتفاق، وتنازلوا عن المساواة والحرية والسلطة التنفيذية إلى الهيئة الاجتماعية، ما دام ذلك -حتماً- أفضل لحماية حقوقهم الطبيعية في الحياة والحرية والتملك. عندما يدخل الفرد في الهيئة الاجتماعية يتنازل عن تفسير قانون الطبيعة وتنفيذه، ولكنه يحتفظ بجميع الحقوق الأخرى التي كان يتمتع بها في الحالة الطبيعية. وإنما وُجِدَت الهيئة الاجتماعية للمحافظة على هذه الحقوق وإدامتها. وقد أدَّى هذا العقد في تكوين الهيئة الاجتماعية إلى ظهور الدولة، وفيها يتنازل الفرد عن إرادته ويسلمها إلى إرادة وتصميم الأكثرية، وهذه الأكثرية تعمل بالنيابة عن الفرد،
ـــــــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــــ
(1) حق الثورة في تاريخ الفكر السياسي.
(2) المذاهب الاجتماعية الحديثة ص16-17
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
ووفقاً لالتزامات القانون الطبيعي.
ولا يجوز للسلطة التشريعية أن تتحكم بصورة تعسُّفية، بل عليها أن تحكم وفق القوانين المشروعة والمنشورة، لكي يَطَّلِعَ الناس على واجباتهم ويكونوا آمنين ومطمئنين ضمن حدود القانون. ولا يجوز نقل السلطة التشريعية أو تقويضها لأن ذلك يعتبر نقضاً للعقد الذي أسَّسَ الناس به السلطة التشريعية، ولا يجوز للسلطة التشريعية أن تفرض الضرائب على أموال الناس دون موافقتهم أو موافقة مندوبيهم، لأن الحكومة إنما توجد من أجل الحفاظ على أرواح الناس وحرياتهم وأموالهم(1).
على أنه توجد وراء السلطة التشريعية، سلطة الأمة العليا، وهي التي تستطيع أن تلغي السلطة التشريعية أو أن تعدِّلها، إذا رأت أنها خرجت في عملها عن حدود التفويض الذي أُلقِي إليها، وبذلك تكون الجماعة هي صاحبة اليد العليا، وبعبارة أخرى يوجد حق الثورة فقط حينما تتصرف السلطة التشريعية أو التنفيذية خلافاً لحدود هذا التفويض(2).
أما (روسو) فإنه يعرض نظرية العقد الاجتماعي بطريقة جديدة، وفي رأيه، إن الحالة الطبيعية هي أسعد حالة للإنسان، وإن الإنسان يتمتع في ظلها بصحة ومتانة لا تشوبهما مفاسد المدنية وهذه في ذاتها سعادة لا تقدر، ويرجع أصل المجتمع إلى الوقت الذي يشعر فيه الإنسان في حالته الطبيعية، بأنه أضحى عاجزاً بقوته الفردية، عن مكافحة العقبات التي تعترض سبيل حياته، أو بعبارة أخرى تغدو الحالة الطبيعية متى زاد عدد البشر، حالة لا تطاق، وتزيد الأخطار
ـــــــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــــ
(1) حق الثورة في تأريخ الفكر السياسي.
(2) المذاهب الاجتماعية الحديثة، ص17.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
المهددة لسلامة الإنسان في هذه الحالة، على ما يمكن أن يستخدمه لسلامة نفسه. وهنا يرى البشر أنه لا معدى لهم عن إنقاذ أنفسهم إلا بالاجتماع. ويرى الفرد نفسه مرغماً على أن ينزل عن حريته الطبيعية، وأن يَتَّفِقَ مع زملائه على أن يستبدل الحرية الطبيعية بالحرية المدنية، وأن تقوم جماعة يمكن أن تحمي بالقوة الاجتماعية المشتركة، النفس والمال لكل عضو فيها. وبما أن الإنسان يكون على هذه الصورة مُتَّحِداً مع جميع زملائه فهو لا يُطيع إلا نفسه، ويبقى مُتمتِّعاً بحريته كما كان، وهكذا ينتظم المجتمع في شكل ميثاق اجتماعي، خلاصته أن يضع كلٌّ منهم في النطاق المشترك، شخصه وكل سلطته تحت إشراف الإدارة العامة للإدارة العامة. ويختص كل عضو بنصيب مُشاع في الكل، وهذا النطاق المشترك يتخذ شكل هيئة أدبية مشتركة أو هيئة عامة، وفي هذه الهيئة يتمثل السلطان أو السلطة. وكل مواطن هو عضو مشترك في هذه السلطة، وهو أيضاً عضو في الدولة، ورعية للسلطة التي يعتبر منذ البداية عضواً مكوناً لها. ومن خواص هذه السلطة أنه لا يمكن التصرف فيها ولا يمكن قسمتها(1).
والهيئة السياسية لا تمثل شخصاً معيناً بالذات بل تمثل كل فرد بوجه عام، فلا يمكن أن تتصرف ضد مصلحة أولئك الذين أوجدوها. إن (الإرادة العامة) هي جوهر نظرية (روسو) السياسية. وقد حاول أن يميز بين (إرادة الجميع) و (الإرادة العامة). فإرادة الجميع تأخذ بنظر الاعتبار المصالح الفردية، وتمثل مجموع إرادات الأفراد. وتهتم الإرادة العامة بالمصالح العامة المشتركة، وهذه الإرادة مصيبة دائماً، وتميل لتحقيق الخير العام واعتقد (روسو) أن السيادة في
ـــــــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــــ
(1) المذاهب الاجتماعية الحديثة 19-20
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الشعب كله وأن القانون هو التعبير المباشر لإرادته العامة التي تمثلها أكثرية الشعب ومن يرفض إطاعة الإرادة العامة تجبره الهيئة الاجتماعية على ذلك. ولا يمكن أن يكون القانون غير عادل لأن العدالة هي إرادة أكثرية الشعب، وأما الحكومة فمجرد وكالة فُوِّضَت إليها سلطات، يمكن سحبها وتعديلها(1).
***
وبعد هذه الجولة بين آراء هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، حين تَنَزَّهنا بين مناظر مختلفة، واطَّلَعنا على الإنسانية في حالتها الطبيعية الهادئة، وعندما يحتدم النزاع بينهما نتيجة تفرق الأهواء والآراء، وعندما يجتمعون ويتعاقدون ليوكلوا أمرهم إلى فرد معين أو إلى جماعة معينة أو إلى الهيئة الاجتماعية، ويتنازلون مختارين، حفظاً لأمنهم ونظام معاشهم، عن إرادتهم وحرياتهم، لهذه الجهات. وعندما تُسَنُّ القوانين على هذا الأساس، وتُحدَّدُ الحريات لأجل حفظ النفس والحرية والتملُّك، ولأجل صيانة الإنسانية عن حالة الفوضى التي أصبحت في نهاية أمرها حالة لا تُطاق.
ولعمري إنني لا أعلم إلى أي حدٍّ حلق هؤلاء الفلاسفة في أجواء الخيال، وإلى كم استندوا في تفكيرهم إلى الصور الشعرية البرَّاقة، مع أنه ليس ذلك من شأن الفلسفة، ولا من شأن الأبحاث الموضوعية التي تبحث عن صميم الواقع.
ففي أي وقت من التاريخ ثَبُتَ وجود مثل هذه الحالة الحرة، التي كان كل فرد فيها يحكم نفسه بنفسه غير ملزم بنظام أو قانون؟ مع أن البشرية لم تُعهَد منذ فجر التاريخ، إلا محكومة لملوك وإلا خاضعة لقوانين أو تقاليد. فإن كان
ـــــــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــــ
(1) حق الثورة في تأريخ الفكر السياسي للدكتور فاضل حسين.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
هذا الذي ذكروه سرداً لوقائع تاريخية، إذن فيجب إقامة الدليل المقنع على ذلك، وليس فيما ذكروه ما يصلح للبرهنة عليه. وإن كان فرضاً وتقديراً للحياة عند عدم وجود الحكومات والقوانين، من حيث أن الأصل في كل فرد أن يحكم نفسه حينئذ، ويكون غير مسؤول عن أي نظام أو قانون، وما دام ذلك غير ممكن فلا بد من خضوع الفرد للقانون من أجل حماية نفسه وحريته وتملُّكِهِ. إذا كان هذا هو المقصود، فما هذا التسلسل المنطقي الذي سلسلوا به الحوادث البشرية في الحالة الطبيعية كأنها قصة من القصص، وما هذا الوصف الدقيق لتلك الحالة، مع أن ذلك التسلسل وهذه الأوصاف لا توافق في كنهها أسلوب الفرض والتقدير. فربما يمكن للمفكر أن يفترض ببساطة، أن الأصل في الإنسان أن يحكم نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يفترض حوادثاً جارية وقصصاً متسلسلة إلا في عالم الخيال.
بالإضافة إلى أنه: متى وُجِدَت أو يمكن ان توجد مثل هذه الحالة الطبيعية، هل هي في ابتداء تكوّن البشرية؟ ويمكن أن يؤيد ذلك، قول (روسو): (إن الحالة الطبيعية تغدو بعد تزايد عدد البشر حالة لا تطاق، أم أنها حالة اجتماع جماعة من الناس ليكوّنوا بعد مرور السنين مجتمعاً جديداً).
فإن كان الأول فكيف اطَّلَع هؤلاء الفلاسفة على تلك الأزمنة السحيقة في القِدَم وعن طريق أي أثر أو كتاب تأريخي، فإن مبدأ البشرية لم يُعرَف إلا من الكتب المقدسة وبخاصة القرآن الكريم. وهذه الكتب خالية من الإشارة إلى الحالة الطبيعية.
ولكنه على كل حال يمكن أن يشابه النظرية الإسلامية في تَكَوُّن البشرية حيث يذهب الإسلام إلى وجود آدم أبي البشر وأن نسله ازدادوا بالتدريج، والإسلام إنما عرف ذلك عن طريق القرآن النازل من عند خالق البشر
ـــــــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
لا عن طريق تأريخي اعتيادي، ولولا التوفيق الإلهي لبقي ذلك في طَيِّ الكتمان. إلا أن الإسلام لا يرى أن أولئك البشر كانوا في حالة فوضى وتسيُّب، فإن آدم نفسه كان مرشدهم وموجههم على ضوء ما عرفه عن طريق الإلهام الإلهي، ما دام حياً، وبعد موته خَلَّفَ عليهم أرشد أولاده بعد أن علَّمه مما يعلم، وأرشده إلى طريق توجيه البشر وإدارتهم. وهكذا فقد بقي التوجيه الإلهي مرشداً للإنسانية، منذ بدئها، وسيبقى ملازماً للبشرية إلى فنائها، ولو كره المشركون. ومن هنا يتَّضح أن العناية الإلهية لم تدع البشرية في حالة فوضى وتسيُّب لما تعلمه في حكمتها البالغة، أن تلك حالة لا يمكن أن تُطاق.
أما إذا كان المقصود من هذه النظرية هو تكوُّن مجتمع جديد، فإن هؤلاء الناس الذين فرضنا اجتماعهم ليكونوا نواة لهذا المجتمع، لم ينزلوا من السماء، وإنما جاءوا من مجتمعات لها عاداتها وتقاليدها وأساليب حكمها، وقد حملوا كل ذلك في أذهانهم، مما لا يدع فرصة لوقوع الخلاف بينهم، فإنهم يبادرون بدون تردد أو تباطؤ إلى تطبيق ما عرفوه واعتادوه في مجتمعاتهم الأولى. بالإضافة إلى أننا نتساءل عما إذا كانت هذه الأرض التي يجتمع عليها هؤلاء الناس غير محكومة لدولة ولا يسودها قانون، فإن كانت تحت سيطرة حكم دولة من الدول كما هي الآن جميع المناطق في العالم، فلا مجال لهم إلى التعاقد فيما بينهم وإصدار قانون جديد، وإن فرضنا –بعيداً- أنها غير محكومة لدولة، فقد أخطأ هؤلاء الناس إلى الذهاب إلى مثل هذه المنطقة المنقطعة عن العالم، وأسرفوا في التَّوَحُّش والغربة، بالإضافة إلى ما أسلفناه من أنهم يبدأون تلقائياً في مثل هذه الحالة من تطبيق مُسبقاتهم الذهنية التي تَلقَّوها في مجتمعاتهم القديمة.
هذا ولكن الكلام حول مثل هذه الفروض، كلام أقرب إلى النوادر
ـــــــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
والطرائف منه إلى الكلام الجدي الصحيح، الذي يُقصَد منه الوصول إلى الواقع عن طريق البرهان الموضوعي.
بالإضافة إلى أن تعاقد الشعب وإيكال إرادته وحريته إلى شخص أو جماعة، وإن كان ينجيهم من حالة الفوضى، إلا أنهم لا يستطيعون أن ينالوا به مصالحهم الحقيقية، لأن العقل البشري كما سبق أن أكدنا لا يستطيع إدراك هذه المصالح بتفاصيلها، ولا بد في ذلك من التوفيق الإلهي. ومن هنا نعرف أن هؤلاء المفكرين لم يصلوا بالقصة إلى نهايتها الطبيعية، تلك النهاية التي هي أقرب إلى واقع البشر من تلك الصور الشعرية التي ألّفوها، فإن هؤلاء البشر سوف يُوكِلُ كل جماعة منهم أمرها إلى فرد غير من أوكلت الجماعة الأخرى إليه، وسوف تضع كل جماعة قانوناً أو مجموعة من القوانين التي تمثل مصالحها ومداركها الخاصة، ثم تبدأ كل جماعة بالتعرُّض بصاحبتها لأجل إخضاعها وتغيير قوانينها لصالحها. وهنا ترجع الحالة إلى الصراع العنيف الذي كان قبل التعاقد، ولعله أقسى وأضرى، لأنه كان أولاً صراعاً بين أفراد، أما الآن فقد أصبح صراعاً بين جماعات، ومثل هذا الصراع لا يمكن أن يحلُّه التعاقد من جديد بعد أن يكون كل فرد منهم قد أوكل إرادته وحريته إلى من يثق به ويعتمد عليه، وخاصة بعد هذا الصراع الذي يسلب ثقة كل جماعة بصاحبتها. وحينئذ يتحتَّم وجود العناية الإلهية لتحلَّ بينهم النزاع، وتعلمهم القواعد اللازمة لأجل حفظ النظام وسيادة العدل.
ولكن الواقع أن العناية الإلهية، لمدى حكمتها البالغة، لم تصِل بالبشرية إلى هذا الحد، بل أسعفتهم من أول الأمر بالتوجيه والإرشاد.
هذا، بالإضافة إلى أننا لم نفهم بالضبط صفات تلك الحالة الطبيعية التي أجمع هؤلاء المفكرون الثلاثة على وجودها أو على افتراضها. حيث أننا نراهم
ـــــــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
قد اختلفوا اختلافاً كبيراً في تحديد صفاتها ورسم معالمها. فإننا نرى من ناحية (هوبز) قد ذهب إلى أنها حالة توحُّش وصراع رهيب، في حين ذهب (روسو) إلى أنها أسعد حالات الإنسان، وأن الإنسان يتمتع في ظلها بصحة ومتانة لا تشوبها مفاسد المدنية، وهذه في حد ذاتها سعادة لا تقدر! على حين توسط (جون لوك) بين ذلك. أما نحن النُظّارَة فما الذي يمكن أن نفهمه من هذا الخلاف. هل يمكن أن نجمع بين أقوالهم على تناقضها، ونقول أنها صفات للحالة الطبيعية؟ أو أن نصدق أحدهم ونرفض قولي المفكرَين الآخرَين! في حين أن هذا منافٍ للموضوعية العلمية. أو أن نقول إن هذه الحالة الطبيعية ليست إلا حالة فرضية خيالية ذهب كل فيلسوف في صفتها ما شاء له فكره أن يذهب؟ وللقارئ تحديد الصواب من هذه الاحتمالات.
ومما ينبغي ملاحظته أن هؤلاء المفكرين، قد ذهبوا جميعهم إلى أن العقل يحكم بضرورة التخلُّص من الحالة الطبيعية، بعد أن تصبح حالة لا تُطاق، وحتى (روسو) الذي لم ينص على ذلك إلا أن قوله: (وهنا يرى البشر أنه لا معدى لهم عن إنقاذ أنفسهم إلا بالاجتماع)، يدل على ذلك بصورة واضحة، فإن هذا الرأي الذي يتكون بين البشر ينشأ عن العقل. وبهذا نرى هؤلاء المفكرين قد أعطوا العقل فرصة للاقتراح وإبداء الرأي، وهذه بادرة جميلة تدل على احترامهم للعقل، وأخذهم بالقواعد العقلية. وهذا نفس ما ذهب إليه الإسلام حيث اعتمد على العقل في كثير من تعاليمه، فمنها عقيدته الرئيسية الأولى، وهي الاعتقاد بوجود الخالق (عز وجل)، فإن ذلك إنما يدرك بقانون العِلِيَّة، وهو قانون مرتكز في فطرة العقل. وكذلك أعطى الإسلام للعقل فرصة إدراك الحسن، والقبح، والظلم، والعدل، واعتبر هذه الأمور أفكاراً عقلية متأصِّلة الوجود لا يمكن التصرف بها أو تحريف مقتضياتها. وكذلك أعطى
ـــــــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الإسلام للعقل فرصة إدراك صدق الإسلام وعدالة أحكامه وتعاليمه، وإدراك أنه وارد من المورد الإلهي الأعلى. كما أنه أعطاه حق استنباط الأحكام الشرعية من القواعد الإسلامية المتوفرة، وذلك تحت شروط معينة.
***
كانت هذه مناقشات عامة لآراء هؤلاء الفلاسفة، أما التعرُّض إلى رأي كلٍّ منهم ونقده على ضوء القواعد والتعاليم الإسلامية، فيمكن أن نلخِّص بعض الملاحظات حول ذلك، فيما يلي:
أما بالنسبة إلى آراء (توماس هوبز)، فقد ذكر أولاً: إن الحاكم يستظل بسلطة الله، وهذا يرجع إلى (نظرية الحق الإلهي في الحكم). وقد برَّر (هوبز) بذلك استبداد (آل ستيوارت) في إنكلترا، الذين عاصرهم(1). وليس هذا المفكر هو أول من أكَّد على ذلك فإن كثيراً من الملوك في العهود السابقة كانوا يدَّعون هذا المدَّعى تثبيتاً لحكمهم وإخضاعاً لشعوبهم. ومنهم أول ملوك هذه الأسرة التي دافع عنها (هوبز)، وهو (جيمس الأول) (1603 – 1625) الذي أصدر كتاباً عنوانه (القواعد الصحيحة للملكيات True Rules of Monarchies )، إدَّعى فيه أن الله هو الذي نَصَّبَ الملوك(2). وكان ذلك قبل حوالي ربع قرن قبل صدور كتاب (هوبز) عن الفلسفة السياسية.
والإسلام وإن كان يذهب إلى أن رئيس الدولة الإسلامية، بالأصالة، إنما هو الإمام المعصوم المنصوب من قبل الله (عز وجل) إلا أن بين هذه النظرية
ـــــــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــــ
(1) حق الثورة في تاريخ الفكر السياسي .
(2) محاضرات في التاريخ الحديث.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الإسلامية وبين نظرية الحق الإلهي في الحكم، بَوناً بعيداً هو البعد الموجود بين العدل والظلم، وبين التَّعَسُّف والرحمة، وبين الظلام والنور. فإن الملك الذي يدعي أنه يستظِلُّ في عرشه بظل الله (عز وجل)، إنما هو ملك جائر مستبد، تذرَّع بهذه النظرية لحفظ ملكه وإخضاع شعبه، ثم إنه هو الذي يَسُنُّ القوانين على أساس أهوائه ومصالحه الخاصة وتفكيره الخاص، وهو الذي يطبقها على شعبه بأي أسلوب شاء، وبدون أن يكون لشعبه حق المناقشة والاعتراض.
أما في الإسلام فإن الله (عز وجل) نَصَّبَ إماماً معصوماً مبرءاً من الذنوب، خالياً عن العيوب، يستحيل عليه الزلل والخطأ، لما في نفسه من مَلَكَةٍ قدسية عالية، هي المسماة بـ (العصمة). نصبه لكي يطبق القوانين التي أنزلها الله عز وجل لسعادة البشرية ورفاهها وانتشار العدل بين ربوعها. ومثل هذا الإمام ومثل هذه القوانين، هي أهل لأن تخضع لها البشرية وتدين بتعاليمها، فإن العقل يحتم على الإنسان أن يختار النظام الأفضل لمعيشته، وليس ذلك، إلا ما أختاره الله تعالى -خالق البشر ورازقهم والمطَّلع على سرائرهم وحاجاتهم وغرائزهم- لهم من القوانين. وحسب الإنسانية من السعادة والكمال أن يُطبَّقَ في ربوعها مثل هذا القانون بواسطة مثل ذلك الإمام المعصوم.
ومن هنا نعرف أن الإمام (عليه الصلاة والسلام) لا يضع القوانين كما هو شأن الملوك الذين يدّعون السلطة الإلهية. بل إنه مخوَّل فقط بأن يختار الطريق الصالح إلى تطبيق القوانين الموضوعة سلفاً من قبل المشيئة الإلهية، كما أنه أَجَلُّ قَدْراً، وأشرف نفساً، وأقرب عند الله تعالى، من أن يظلم أحداً، أو أن يتجاوز على حقوق أمته، أو تعاليم دينه القويم، كما مضى وأكَّدنا على ذلك في غضون مناقشاتنا للمادة الخامسة لهذا الإعلان. حيث استشهدنا هناك بقول سيد
ـــــــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الأوصياء وإمام المتقين أمير المؤمنين  ((أَتَأمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ))(1).
أما ما ذهب إليه (هوبز) من أنه يجب أن يكون ثمة سلطة لتقرر بين الناس ما هو الحق، وما هو الباطل، وما هو متفق مع قانون الطبيعة، وما هو مخالف له، فكأنه يقصد من ذلك أن ما هو حق هو الموافق للطبيعة، وما هو باطل هو المخالف لها، فكأن أهواء الإنسان وغرائزه التي تطلب الإشباع بأي طريق كان، هي شيء مستحسن ينبغي للقانون أن يفسح المجال له، وأن يضع تعاليمه على طبق ما يدعو إليه، وإلا كان القانون مخالفاً للحق! أما الأخلاق، والنظام، وضبط النفس وسائر الأمور التي تقيِّد الطبيعة، فهي أمور باطلة تجب محاربتها وإلغائها، فإذا كان الأمر كذلك فعلى الفكر الإنساني ألف تحية وسلام.
ولكن مهما يكن من أمر، فإن السلطة القانونية ليست هي صاحبة الحق في تحديد الحق والباطل، فإن الحق والباطل لا يتحدد بيد السلطات، وإنما الحق والباطل -كما سبق أن أكدناه- أمران عقليان صِرفاً لا يمكن التعرف عليهما، وغاية ما يفعله المشرعون هو تشخيص المصاديق والجزئيات لهذه القواعد الكلية العقلية، وغاية ما يمكن أن يفتخر به قانون من القوانين أنه قد اقترب من العدالة أو الحق، أكثر فأكثر، وكلا هذين المفهومين من المفاهيم العقلية الصِّرفة.
ولا ينبغي الخلط بين هذه القواعد العقلية وبين ما سماه (هوبز) بقانون الطبيعة، فإن هناك فرقاً شاسعاً بينهما، فإن قانون الطبيعة يعني الإنسان مجرداً عن العقل ومستسلماً لأهوائه ونزواته، تقوده حيث تشاء، أما القواعد العقلية، فإنها تعني الإنسان مُتحلِّياً بالعقل، ومجرَّداً من العواطف والغرائز إلى اكبر حد مستطاع، لكي لا يمكنها أن تؤثر في بحثه وأفكاره، ومن ثم فهو ينظر إلى
ـــــــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــــ
( 1) نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج2، ص6.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الواقع نظرة موضوعية عادلة.
إلا أنه يمكن أن يكون مقصود (هوبز) من قانون الطبيعة، هو القانون العام الساري في الكون، وما يتطلَّبه من تكييف النفس على أساسه، بدعوى أن التَّكيُّف المناسب، حق وعدل، والتَّكيُّف غير المناسب ظلم وباطل. إلا أن هذا إذا امكن إرجاعه في جوهره إلى حكم العقل بالحسن والقُبح والعدل والظلم، من حيث أن العقل لا يمكن أن يحكم بهذه الأمور جزافاً، وإنما يحكم بها من حيث مطابقتها للنظام الكوني العام. فتكون نظرية (هوبز) هذه صحيحة ومطابقة للحقيقة. وإن كان المقصود منها شيئاً آخر كالذي ذكرناه قبل قليل، فهو محل للمناقشة.
أما بالنسبة إلى ما ادَّعاه (هوبز) من أن السلطة الروحية يجب أن تنزل عند حكم السلطة الزمنية، فهو إنما يريد بذلك ان يخضع الكنيسة المسيحية لاستبداد (آل ستيوارت). ولكن هذا الكلام بالنسبة إلى الإسلام، لا يمكن أن يكون له ظل من الحقيقة. أما في الدولة الإسلامية فإن الجهة الدينية هي الجهة الحاكمة والإمام المعصوم (عليه الصلاة والسلام)، الذي هو رئيس هذه الدولة، هو في عين الوقت المرجع الديني الأعلى لجميع المسلمين. وأما في أيامنا هذه فإنه ينبغي للدول، لأجل ضمان سعادتها ورفاه شعوبها، أن تستنير بنور الإسلام وأن تقتدي بهداه، فإن واضعي القانون أنفسهم والحاكمين في كل دولة، مكلَّفون باتِّباع الأوامر الإسلامية، حيث يشملهم نداء الإسلام العام الذي وجهه إلى البشر، يحثُّهم فيه على إتباع أوامره، والسير تحت لوائه وذلك كما في قوله (عز وعلا): ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً, فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً))(1).
ـــــــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــــ
(1) النساء: 174-175.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أما بالنسبة إلى رأي (هوبز) في إسقاط هذه الحكومة التي فرضها تحكم بنظرية الحق الإلهي، فقد اختلف عنه النقل في المصدرين اللذَيْن اعتمدتهما في الاطلاع على آرائه. فقد نقل عنه صاحب (المذاهب الاجتماعية الحديثة) أنه إذا حاد الحاكم في أوامره عن قوانين الله فإنه يفقد صفته كحاكم، ويصبح الناس في حلٍّ من عصيانه، ونقل عنه الدكتور فاضل حسين قوله : إن سلطة هذا الحاكم مطلقة وغير محدودة، ولا يمكن لصاحب السيادة أو لرعيته نقض العقود، و لا يمكن تحررهم منها لأي سبب كان. وقد نقلنا كل ذلك فيما سبق.
ونحن وإن كنا نُرَجِّح أن الرأي الأخير هو ما يذهب إليه (هوبز) من حيث أنه أقرب إلى مذاقه المستنتَج من مجموع كلامه، وخاصة وهو في سبيل الدفاع عن دكتاتورية (آل ستيوارت)، وهذا لا يناسب أن يكون للشعب إسقاط الحاكم في وقت من الأوقات إلا أنه من الممكن أن يكون قد ذهب في الواقع إلى الاعتراف (بحق الثورة).
أما بالنسبة إلى الرأي الإسلامي في الموضوع، فهو أقرب إلى الرأي الأول، لولا أنه يفرق من وجهة النظر الإسلامية بين أن يكون الحاكم الأعلى إماماً معصوماً أو أن يكون شخصاً آخر، فإن كان إماماً معصوماً، فإنه -كما سبق أن أكدنا أكثر من مرة- يستحيل عليه بعصمته الخروج عن الأوامر الإلهية وتعاليم الإسلام، ومن ثم فحق الثورة عليه مُنتفٍ من أساسه، ولا يكون الخروج على حكمه إلا خروجاً على الدين الإسلامي نفسه، أما إذا لم يكن الحاكم معصوماً فإنه مُعرَّض للهفوة والخطأ. ومن ثم فهو مراقب من جهات عديدة، من قبل الله (عز وجل) ومن قبل الإمام  ومن قبل أمّته، ومن قبل التعاليم الإسلامية التي تجعل حسابه عسيراً عند أقل مخالفة لمقتضياتها،
ـــــــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
وإن استلزم ذلك عزله من منصبه، ومعاقبته على فعله.
أما ما هو الذي يقصده (هوبز) من قوانين الله (عز وجل)، فلا بد أن يكون هو قانون الطبيعة، من حيث أن الطبيعة نفسها من خلق الله (عز وجل) وكلُّ ما تتطلبه، إنما تتطلبه بمشيئة من الله (جل وعلا). فإن كان المقصود من قانون الطبيعة هو متطلبات القانون الكوني العام، فذلك شيء صحيح، فإن الإسلام نفسه لم يَوَدُّ إلا تحديد التكيُّف الصحيح مع متطلبات الكون، والملائمة العادلة بين مقتضيات البيئة والغريزة. وإن كان المقصود بقانون الطبيعة، الغرائز والشهوات البشرية فهو وإن كان صحيحاً إلا أنه لا يعني على الإطلاق أن الله تعالى قد أجاز الانطلاق الجنوني للغرائز للوصول بها إلى ما لا يحمد عقباه. فإنه (عز وجل) إنما خلق هذه الغرائز لمصالح مختلفة تتعلق بحفظ النوع، وحفظ النفس، وتيسير المعيشة للفرد، ويمكننا أن نتصور هذه المصالح بوضوح إذا تصورنا حالة الفرد عند عدم وجودها أو انعدام أحدها، وبأية حالة من العسر والحرج سوف تكون حياته. ولكن ذلك لا يمكن أن يعني أن هذه الغرائز يجوز أن تستعمل حتى في الطرق الشاذة المؤدية إلى الفساد، فإن الله (عز وجل) بعد أن خلق تلك الغرائز جعل لها أنظمة وتعاليم ليفهم الإنسان طريقة استعمالها على الأسلوب الصالح الصحيح ويتجنب بها طريق الفساد والرذيلة.
أما أقوال (هوبز) الأخرى في الدفاع عن استبداد (آل ستيوارت) وتبريره الحكم المطلق، فإنها قد أصبحت في عهودنا المتأخرة، أقرب إلى الفُكاهة منها إلى أي شيء آخر.
***
أما (جون لوك) فقد أرسل إرسال المسلمات قوله: (إن الناس في حالتهم
ـــــــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الطبيعية أحرار ومتساوون ومستقلون، ولا يجوز أن يخضع أي شخص لسلطة الآخرين السياسية دون موافقته) وهذا بالنسبة إلى الإسلام غير ذي معنى، لأنه مُنتفٍ أساساً في الدولة الإسلامية. فإن الفرد هناك غير خاضع لأحد غير الله (عز وجل)، خالقه ورازقه وصاحب التصرف في شؤونه. وذلك لأن الإنسان بحسب تكوينه ووجوده هو من فيض الله تعالى إذا لولا نعمة الوجود التي أنعمها الله عز وجل عليه بمنِّه ولطفه لكان في عالم العدم، والله تعالى هو صاحب القدرة عليه في كل زمان ومكان، وليس حراً ولا مستقلاً كما يريد أن يذهب إليه (لوك). وحينئذ فإن الله (عز وجل) بلطفه ورحمته بعباده، ولعلمه أنه لا يمكن أن تحيا الإنسانية في (الحالة الطبيعية) لأنها (حالة لا تُطاق)، قد أنزل على عباده قوانين عادلة وأنظمة حكيمة، لكي يضمن بها البشر نظام حياتهم وسيادة الأخلاق والعدالة في ربوع مجتمعاتهم. وخوَّل الله (عز وجل) أفضلهم صفة وأحسنهم نفساً، وأقربهم إليه (عز وجل) لكي يضطلع بتطبيق تلك القوانين، وهو شخص معصوم يستحيل عليه الزَّلل والخطأ والخروج عن التعاليم الإلهية، كما سبق أن أسلفنا. ثم جعل الله (عز وجل) هذه القوانين، وهذا الحاكم الشرعي الإسلامي، واجبي الإطاعة، يعاقب من خالفهما، وخرج على أوامرهما، وذلك لعلمه (عز وعلا) بأن الغرائز البشرية لا يمكن أن تخضع للقيد إلا تحت سيطرة قوية لما فيها من الاندفاع والطلب الحثيث، فهو يجعل بتعاليمه في نفس الإنسان وازعاً قوياً يستطيع به كَبحَ جُماحَ شهواته، والانخراط في سلك النظام والأخلاق، ولعلمه من ناحية أخرى بما في هذه القوانين، وما في أوامر الإمام  من سعادة للبشرية ورفاهها ورقيها إلى كماله المنشود.
ومن هنا يتبين أنه لا حاجة للناس بأن يتنازلوا لأحد، في الدولة الإسلامية، عن إرادة أو حرية. بعد أن لم يكونوا في وقت من الأوقات في
ـــــــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
(حالة طبيعية) -كما سبق أن أثبتناه- بل إن العناية الإلهية قد أسعفتهم من أول الأمر بالقوانين الصالحة وبالتوجيه والإرشاد. وبعد أن كانت إرادة الفرد وحريته ليست مُلكاً له في الواقع، وإنما هي ملك الله (عز وجل) وتحت تصرفه، وهو الذي أمر باتِّباع أوامر الإسلام.
بالإضافة إلى أن هذا القيد الذي تفرضه القوانين الإسلامية على حرية الفرد، ليس هو شيئاً خارجاً عما يجب أن يكون عليه الواقع إذا أريد التنظيم الأكمل الذي يضمن سعادة المجتمع ورفاهه وسيادة الهدى والنظام فيه. فإن هذا القيد إما أن يحجز الحرية التي في مقابل الخضوع لله تعالى، ومثل هذه الحرية لم تتوفر لدى الإنسان من أساس خلقته التكوينية، إذن فهذا القيد لم يسلبه شيئاً كان يملكه فيما سبق. وإما أن يحجز هذا القيد الحرية من عبادة الله (عز وجل) والتقرب إليه، فإن مثل هذا القيد مما ينبغي أن يكون حتى مع صرف النظر عن تعاليم الإسلام. فإن الله الذي خلق الإنسان، وأنعم عليه بالسمع والبصر والعقل، وهيأ له سُبُلَ الحياة المرفهة الكريمة لَهُوَ أهل لأن يقضي الإنسان هذا العمر البسيط الذي وهبه إياه الله (عز وجل) في عبادته والتقرب إليه. فضلاً عن هذه المظاهر السطحية التي يقوم بها المسلم العادي، وذلك لأن وجوب شكر المنعم قاعدة عقلية منطبقة على كل مُنعم. فإن كل من أعطاك هدية أو قضى لك حاجة يجب عليك أن تشكر له إحسانه وفضله. فكيف لا تنطبق هذه القاعدة على الله (عز وجل) خالق البشر. ولم يفعل الإسلام أكثر من أنه ألفت نظرنا إلى هذه القاعدة العقلية، وحدد الأسلوب الذي ينبغي أن يستعمل في عبادة الله والتقرب إليه (عز وجل) .
وأما أن تحجز التعاليم الإسلامية الحرية مقابل التَّقَيُّد بمراعاة الآخرين ومسايرتهم بالأخلاق والإنصاف، فإن هذا أيضاً مما ينبغي أن يكون حتى مع
ـــــــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
صرف النظر عن التعاليم الإسلامية، فإن كل مجتمع لا يمكن أن يستمر في الوجود بدون الآداب والأنظمة المرعية، إلا كانت الحالة فيه كالحالة الطبيعية جحيماً لا يطاق.
وأما أن تكون الحرية التي تُحجَز بسبب التعاليم الإسلامية هي الحرية في مقابل الخضوع للدولة وتلبية أوامرها، فلعمري إن ذلك مما يدعو إليه العقل، كما ذهب إليه هؤلاء الفلاسفة ولا يكون الأمن والنظام إلا به. والإنسان لم يخرج منذ أول خلقته عن سلطة حاكم يحكمه ويُدير شؤونه، فهلَّا كان هذا الحاكم هو قوانين الله (عز وجل) وشخصٌ معصومٌ هو الإمام ، ليرقى المجتمع إلى قمة العدالة الإنسانية.
أما بالنسبة إلى رأي (جون لوك) من أنه لا بد للتخلُّص من الحالة الطبيعية من وجود القانون الذي يتَّفق الجميع على أنه مقياس الصواب والخطأ. فإن الذي يُعيِّن الصواب من الخطأ
-كما أسلفنا- ليس هو القانون ولا السلطة التشريعية، بل هو العقل. وغاية ما تفعله السلطة التشريعية هو تشخيص مصاديق القواعد العقلية الأولية، وليس اتِّفاق الجميع على شيء يعني أنه صواب ولا رفضهم له يعني أنه خطأ. فإن العقل البشري المختلط بالأهواء والرغبات، والذي تمثله آراء الأكثرية، غير قابل لإدراك مصالحه الحقيقية، بالإضافة إلى أن إسناد تمييز الخطأ من الصواب، إلى اتِّفاق الجميع يؤدي إلى ضياع الخطأ والصواب لما في هذا الاتِّفاق من التَّحوُّل والاختلاف بين زمان وزمان، باختلاف أنواع الثقافة والتقاليد والذوق العام في حين أنه يستحيل على الحقيقة العقلية أن تتغير.
أما (حق الثورة) الذي هو جوهر نظرية هذا المفكر الإنكليزي، فإنه إنما قال به على تقدير مخالفة السلطة التشريعية والتنفيذية لحدود التفويض والتعاقد،
ـــــــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الذي فرضها إليه الشعب أثناء العقد الذي جرى بينهما. ومادام هذا التَّعاقد والتفويض مُنتفٍ في الدولة الإسلامية، من حيث أن كُلاً من الشعب والدولة خاضعان لله (عز وجل) ولقوانينه العادلة، فإن هذه النظرية باطلة أساساً في نظر الإسلام.
ولكن ذلك لا يعني عدم وجود مفهوم الثورة في القانون الإسلامي، فإنه إن كان المقصود من الثورة عزل الحاكم، فذلك راجع إلى التَّفريق الذي قلناه عند مناقشة آراء (هوبز)، من أن هذا الحاكم أما أن يكون معصوماً عن الخطأ والزلل فينتفي هذا الحق بالنسبة إليه من الأساس، لأن طاعته طاعة لله تعالى الذي ولَّاه الحكم وإدارة دفة البلاد، والخروج عليه خروج على الإسلام والأوامر الإلهية. أما إذا لم يكن معصوماً فإنه يجوز عزله بل قد يجب، عند مخالفته لتعاليم دينه الحنيف.
أما إذا كان المقصود من الثورة، هو قلب النظام الأساسي للدولة الإسلامية، فهو بالطبع محرَّم في دين الإسلام، لأنه يكون خروجاً عن الإسلام نفسه، وتمرداً على القوانين الإلهية العادلة وإغضاباً لله تعالى، ومن ثم فهو تعريض للنفس إلى عقابه الشديد، وهو من ناحية أخرى تسافلاً مُشيناً إلى الحضيض، ورفضاً للقوانين المثلى العادلة التي جاء بها الإسلام ليُخرج البشر من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
وأما قوله أنه يجب على السلطة التشريعية أن تحكم وفق القوانين المشروعة والمنشورة لكي يطَّلِع الناس على واجباتهم، ويكونون آمنين ومطمئنين ضمن حدود القانون فإن مناقشة هذا الأمر سوف يأتي عند التَّعرُّض لمناقشة المادة الثامنة من هذا الإعلان، وستعرف هناك أن الإسلام يوافق على هذه القاعدة.
ـــــــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أما قوله أنه لا يجوز للسلطة التشريعية أن تفرض الضرائب على أموال الناس دون موافقتهم أو موافقة مندوبيهم، فهذا ما سوف تأتي مناقشته عند التعرض لمناقشة المادة الرابعة عشر من هذا الإعلان، وسنعرف هناك أن في الإسلام ضرائب معينة وليس للدولة ولا للناس رأي فيها، وأن هذه الضرائب هي من جملة القانون الإلهي الوارد لأجل مصلحة البشر، ولا حاجة بعد ضمان المصلحة إلى إحراز موافقة الناس عليها لأنه ((وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ))(1).
***
أما بالنسبة إلى آراء (روسو)، فإنه قد اتَّضح مما سبق رأي الإسلام في كثير مما قاله، كالحالة الطبيعية، أو العقد الذي عقدوه فيما بينهم للتخلص منها حين أصبحت جحيماً لا تطاق، ومن هنا ينتفي جميع ما أضافه عليها من الآراء والنظريات. إلا أنه ينبغي التعرض إلى بعض ما اختصَّ به من الآراء.
فإنه ذهب إلى أن الحالة الطبيعية هي أسعد حالة للإنسان، أي أن الإنسان يتمتع في ظلها بصحة ومتانة لا تشوبها مفاسد المدنية، وهذه في ذاتها سعادة لا تُقدَّر! وفي هذا الرأي خلط واضح بين الحياة الريفية التي لا تشوبها مفاسد المدنية، ومن ثم يكون الإنسان في ظلها أقوى عوداً وأوفر صحةً، وبين الحالة الطبيعية التي يكون فيها الإنسان مسؤولاً عن حماية نفسه وضمان حاجاته الضرورية، فهو دائماً حائر مُشَتَّت الذهن، فإنه قَلَّما يمكن الحصول على الأمن والحاجات الضرورية في مثل تلك المجتمعات البدائية بل وهذه الحيرة وهذا الغم في نفسه يؤثران على الصحة تأثيراً كبيراً. بالإضافة إلى أن الصحة، من أين يمكن أن تأتيه؟ وليس لديه ثقافة طبية عامة يمكنه بها أن يميِّز المضر من
ـــــــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة: 216.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
النافع، من المأكولات أو المشروبات أو الأمكنة أو الأجواء، فربما عَرَّضَ نفسه لأخطار المرض وهو لا يعلم، وليس هناك طبيب يُشَخِّص مرضه ويصف له الدواء. ولعمري إن اللذة الناشئة من الأخلاق الفاضلة والنظام والأمن لَهِيَ خير من تلك اللذة البدائية البسيطة.
ولعل تلك السعادة التي يُراد أن يدَّعيها (روسو) ناشئة من التحرر الذي تتصف به الحالة الطبيعية المفترضة، حيث ينطلق كل فرد مع شهواته ونزواته ويمارس إشباعها كيفما شاء وأنى شاء، بدون رادع من نظام أو وازع من دين. وهذه بالطبع ليست إلا سعادة مادية صِرفة ناتجة عن إشباع الإنسان لغرائزه من ناحية، والشعور بالتحرر من السيطرة من ناحية أخرى. ولكننا لو علمنا أن تلك الحياة ليست إلا حياة بهيمية، وإن كبح جماح الغرائز والخضوع لسيطرة القانون هي من الركائز الأولى لاستتباب الأمن والنظام وانتشار الأخلاق في ربوع المجتمع. ومن ثم فإنّ الإسلام يرفض بحزم تلك الحياة البهيمية الفاسدة، ويؤكد على السعادة التي ينالها الفرد من دراسة العلوم أو خدمة المجتمع أو التقرب إلى الله تعالى والخضوع له وعبادته بإيمان وإخلاص.
أما نظريته حول (الإرادة العامة) التي هي جوهر فلسفته ونظريته السياسية، ومحاولته الإدِّعاء بأن هذه الإرادة مصيبة دائماً وتميل إلى تحقيق الخير العام، وأن القانون هو التعبير المباشر للإرادة العامة التي تمثلها أكثرية الشعب، ولا يمكن أن يكون القانون غير عادل لأن العدالة هي إرادة أكثرية الشعب.
فإن كل هذه الأمور محل مناقشة من وجهة النظر الإسلامية فإن تمييز الخطأ والصواب ما دام موكولاً إلى العقل لا إلى أي شيء آخر كما عرفنا، فإن الإرادة العامة قد تطابقه فتكون مُصيبة، وقد تخالفه فَتُجانب الصواب، وكذلك بالنسبة إلى العدالة فإن إرادة أكثرية الشعب إن اجتمعت على أمر عادل من
ـــــــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الناحية العقلية فذلك، وإلا فإن الإرادة العامة قد تخطئ إذا اجتمع الشعب على شيء باطل.
ومن هذا يظهر أنه يلزم من جعل الإرادة العامة مقياساً للصواب والخطأ، ضياع هذين المفهومين وانطماس آثارهما، لأنّ هذه الإرادة مُتغيِّرة بين زمان وزمان، بل قد لا يحتاج تغيرها إلى أكثر من عام واحد، بحسب اختلاف الآراء العامة والتيارات السياسية والاجتماعية. مما ينتج أن يكون الفعل صواباً وعدلاً في زمان، وظلماً وخطأ في زمان آخر، وأن يكون الفرد مُستحِقّاً للعقاب على فعلٍ معين في وقت، ومحموداً على نفس الفعل في وقت آخر، وهذا مخالف للوجدان والفطرة العقلية.
كما أن جعل الإرادة العامة مصدراً للقوانين يلزم منه أن لا يصدر القانون برضاء كل فرد من الشعب، وخاصة بعد أن فَرَّقَ (روسو) بينهما وبين (إرادة الجميع)، حيث ذهب إلى أن إرادة الجميع تأخذ بنظر الاعتبار المصالح الفردية، وتمثل مجموع إرادات الشعب، في حين تهتم الإرادة العامة بالمصالح العامة المشتركة، وذلك لأن كل فرد يضطر أن يتنازل أثناء وضع القانون عن بعض آرائه تحت ضغط آراء الآخرين، ومراعاة لحريتهم في التصويت، وتؤثر في عملية التصويت هذه عوامل متعددة نفسية وفكرية واجتماعية تؤثر في وضع القانون, وينتج القانون أخيراً ذو شكل لا هو مُرضي لكل فرد منهم، لأن كُلاً منهم قد اضطر إلى التنازل فلم يكن القانون مُطابقاً لآرائه تمام المطابقة، ولا هو مُرضي لمجموعهم بعد أن كان غير مُرضي عند كل فرد، ولكنه عبارة عن نتاج هذه التفاعلات والتنازلات التي قامت بين الأطراف المشتركة في مناقشة القانون والتصويت عليه.
هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه من عدم استطاعة العقل البشري إدراك المصالح
ـــــــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
البشرية الحقيقية، بالإضافة إلى أنه يلزم من متابعة الإرادة العامة التي هي عبارة عن إرادات الأكثرية، أن تكون هناك دائماً وبصورة مستمرة أقليَّة مظلومة في البلاد، فإنه ما دامت الإرادة العامة غير مضبوطة وقابلة للتَّغيُّر بين تصويتٍ وتصويت، إذن فكل فرد من الشعب مُهدَّد بأن يكون ضمن الأقليَّة، مغموط الحقوق في يوم من الأيام.
ومما سبق يظهر أن السيادة ليست للشعب، وإنما هي لله (عز وجل) ولمن جعلهم أمناء على خلقه وهم الأئمة المعصومون ، وحسب البشرية فخراً أن تكون محكومة بالقوانين الإلهية من قبل أمناء الله تعالى على خلقه. وليس للشعب أن يغير بآرائه التعاليم الإلهية فإن الله (عز وجل) أدرى بمصلحة البشر أكثر من أي فرد منهم كما أنه ليس للفرد أن يرد على قول المعصوم  أو يرفضه لأن قوله من قول الله (عز وجل) والرادُّ عليه رادٌّ على الله تعالى. قال الله تعالى في كتابه الكريم ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ))(1). والإمام بدوره لن يقول إلا صواباً ولن يتصرف إلا على حساب المصلحة العُليا، وذلك لما اتَّصف به من مَلَكَةٍ روحانية متأصلة في نفسه تمنعه من الذنوب والموبقات. وهذه الملكة هي التي تسمى بالعِصمة.
كما أن القانون ليس هو التعبير المباشر للإرادة العامة في رأي الإسلام، بل هو تعبير عن إرادة الله (عز وجل). كما أن الحكومة الشرعية الإسلامية ليست قائمة لتنفيذ رغبات الشعب، بل لتنفيذ أوامر الله (عز وجل)، فإن أوامر الله تعالى أولى بالإتباع وأجدر بأن تهدي إلى الصراط المستقيم، من رغبات الشعب التي كثيراً ما تخطئ الطريق الصحيح، وخير للشعب أن يعيش في ظل القوانين الإلهية العادلة من أن يعيش تحت حكم نفسه وفي حدود عقله البشري
ـــــــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــــ
(1) الأحزاب: 36
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
القاصر.
بعد أن تجولنا هذه الجولة المتَّصلة في (مدرسة العقد الاجتماعي) السياسية، تلك الجولة التي اقتضتها عبارة (الإرادة العامة) التي اقتبسها واضعو هذا الإعلان من كتابات (روسو) وحشروها في هذه المادة، وقد عرفنا قبل لحظات الرأي الإسلامي الصحيح في مناقشة الإرادة العامة، وأكَّدنا بما لا مزيد عليه، إن الإرادة في الدولة الإسلامية إرادة الله تعالى وإرادة من فَوَّضَه الله للحكم بين الناس.
نعود الآن إلى مواصلة مناقشة البقية الباقية من هذه المادة:
يتبين مما مضى بوضوح الرأي الإسلامي: في أن يشترك المواطنون في سَنِّ القانون بأنفسهم أو بواسطة نوابهم، فإن دين الله الحنيف الذي أنزله (عز وجل) لأجل مصلحة البشر وضماناً لسعادتهم ووصولهم إلى كمالهم، ليس بحاجة إلى مثل ذلك، لأن التصويت إنما يجري على أي قانون لأجل إحراز رضا الشعب عنه، لئَلَّا يُطبَّق على الشعب قانون خارج عن إرادته, لأجل أن يثبت أن هذا القانون عادل، لأن العدالة هي إرادة أكثرية الشعب، كما ذهب إليه (روسو). ولكننا ما دمنا نعرف أن الشعب إنما يريد تمامية مصالحه وقضاء حوائجه وضمان رفاهه، وليس التصويت إلا مقدمة لذلك عن طريق افتراض أن آراء الأكثرية إذا انعقدت على قانون ما، فإنه حتماً يكون في صالح الشعب. ولكن الشعب المسلم ما دام يعلم أن القوانين الإلهية الإسلامية هي أبعد نظراً وأوسع أفقاً وأعمق تأثيراً في سعادته ورفاهه من أي قانون آخر، إذن فلا حاجة له إلى التصويت على أي قانون آخر.
وما دام الشعب المسلم يعلم أيضاً من هو إمامه وبأي صفات يتصف, تلك
ـــــــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الصفات الفاضلة التي عرفنا عنها شيئاً فيما سبق. فلا حاجة له حتماً أن ينتخب شخصاً آخر ليتولى إدارة شؤونه، لأنه على كل حال لن يرى شخصاً هو خير من الإمام المعصوم الذي اختاره الله (عز وجل) بحكمته البالغة ليكون حجة على البشر، وليطبق عليهم قوانين الإسلام العادلة.
بالإضافة إلى ما يمكن أن يُقال، على طريقة أولئك المفكرين من أنَّ الشخص المسلم، بصفته مسلماً، قد أوكل إرادته في التشريع والتنفيذ إلى الله (عز وجل), ومن ثم فإن الله (عز وجل)، نصب خير من يمكن أن ينصبه في هذا المحل السامي، ليكون مضطلعاً بواجباته فيه. إلا أن هذا كلام جدلي لا معنى له في الدين الإسلامي بعد أن نعرف أن الإنسان مخلوق لله (عز وجل)، ولم يكن يملك في مقابل إرادة الله (عز وعلا) يوماً من الأيام إرادة أو حرية.
هذا بالإضافة إلى ما سبق أن قُلناه من أن العدالة في القوانين ليست هي إرادة أكثرية الشعب لها، لأنه لم يمر في أية فترة من فترات التاريخ، في أي شعب من شعوب العالم، إن أكثرية الشعب واعية بحيث تتولى بنفسها وضع القوانين وتوافق عليها(1)، فكيف يمكن ضمان العدالة رغم ذلك، مع ما سبق أن قلناه من أن العدالة إنما هي مفهوم عقلي وغاية ما يمكن أن يفتخر به المشرِّع أو القانون هو اقترابه من هذا المفهوم إلى أكبر حدٍّ ممكن.
أما قولهم بأن القانون واحد في حالتي الحماية وفرض العقوبات، فهو بالضبط ما يذهب إليه الإسلام، وبشكل أكثر عدالة وعمقاً من مفهومهم البرجوازي الضيق، الذي يحمي البرجوازيين فقط، ويصب سوط عذابهم على
ـــــــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في التاريخ الحديث للدكتور فاضل حسين في السنة الرابعة في كلية الفقه.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
العمال والفلاحين. فإن المواطنين سواسية أمام القانون الإسلامي سواء في حالتي العقاب والثواب. وهذا ما سبق أن فَصَّلنا فيه القول في المادة الأولى.
ولكن هناك فرقاً صغيراً، ولكنه عميق الأثر في عين الوقت، بين القوانين الوضعية وبين قانون الإسلام، نعرف منه كيف أن الإسلام أكثر عمقاً في المساواة من هذه القوانين. فإن الحماية مفروضة في الإسلام على كل مواطن، ولكن بالشكل الذي لا يتعدى حدود التعاليم الإسلامية، بينما توجد في القوانين الوضعية الحديثة حالة يتمتَّع فيها الشخص (بالحصانة الدبلوماسية), حيث يتمتَّع فيها الفرد بالحرية أكثر من سائر الأفراد في كثير من أعماله وأقواله، ولكن هذا الشيء غير موجود في الشريعة الإسلامية، فإنه من ناحية أولى، لا يوجد في الدولة الإسلامية منصب يمكن أن يُنعَت بهذه الصفة وتُضفَى عليه مثل هذه القدسية، فإن الذين يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية في الدولة الحديثة هم الملك أو رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء والنواب وأعضاء مجلس الأعيان والسفراء والقائمين بالأعمال، إلى مناصب أخرى غيرها وكل هذه المناصب غير موجودة في الدولة الإسلامية آنذاك، فإن الإمام ليس مَلِكاً لأن الملوكية لها أسس خاصة من أوضحها توارث العرش وأن الابن الأكبر لا بد أن يستولي عليه مهما كان فاسد الأخلاق أو قليل العقل أو ضعيف الإرادة، في حين أن منصب الإمامة منصب إلهي لا صلة له بالتوارث وإنما صار أئمتنا  متوارثين لا لأجل خصوصية في التوارث بل لأن الإمام لا بد أن يكون قد تَلقَّى علمه من سَلَفِهِ وتَلقَّى منه القواعد الأساسية للإمامة منه، وليس أقرب إلى الإمام من ابن الإمام  الذي يتربى في ذلك البيت السامي تحت رعاية أبيه المعصوم وعنايته وتنعقد نفسه ومواهبه من نفس أبيه ومواهبه, وهو أقرب الناس إليه لتَلقِّي علومه منه وإرشاداته، وبذلك يكون الإمام قد توفَّرَت لديه المؤهلات
ـــــــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
البيئية والوراثية لأجل هذا المنصب العظيم، وهما العاملان الأساسيان في تكوين نفس الفرد.
ومن الواضح بعد كل ما مضى، أنه لا يوجد في الدولة الإسلامية رئيس للجمهورية. كما أنه لا يوجد هناك رئيس للوزراء ولا وزراء وإنما يوجد موظفون يعينهم الإمام  لأجل تصريف شؤون الدولة وتطبيق نظام الإسلام. كما أنه ليس في الدولة الإسلامية مجلس للنواب ولا مجلس للأعيان. كما أنه لا يوجد هناك سفراء ولا قائمون بالأعمال لأن المفروض أن الدولة الإسلامية دولة عالمية واحدة تحت سيطرة الحكم الإلهي، وفي مثل هذه الدولة ينتفي معنى السفراء والقائمين بالأعمال لأن ذلك إنما يكون بين دولتين ذواتي كيان مستقل. هذا فيما مضى، أما اليوم ففي المسألة اجتهاد آخر.
ومن الناحية الأخرى، فإن الحصانة الدبلوماسية غير متوفرة لأي موظف في الدولة الإسلامية، فإن كل فرد مسلم مهما كان عمله، مسؤول عن سيئاته، كما هو محمود على حسناته، وهو مراقب من جهات عديدة، ذكرناها على نحو الإجمال فيما سبق، وسيأتي تفصيل الكلام حولها عند مناقشة المادة الخامسة عشر من هذا الإعلان.
أما ما ذكره واضعو هذه المادة من تقديم المواطنين بحسب كفاءاتهم في المناصب والرُّتب والوظائف العامة، فهذا نفس ما يذهب إليه الإسلام. غاية الأمر أن ميزان الكفاءة يختلف في نظر الإسلام عنه في نظر هؤلاء البرجوازيين، فإن الفرد الكفوء في الإسلام، أجمع للفضائل الروحية من الفرد الذي يتوخاه البرجوازيون ليتولى حماية مصالحهم الخاصة، وذلك كما سبق أن أشرنا إلى تفصيله في مناقشة المادة الأولى من هذا الإعلان.
ـــــــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-12-
المادة السابعة: لا يجوز اتِّهام أحد أو توقيفه أو حجزه إلا في الأحوال المبيَّنة في القانون، وبحسب الإجراءات المحدَّدة فيه. ويجب أن يعاقب جميع الذين يطلبون تنفيذ أوامر تعسفية أو يوافقون عليها أو ينفذونها أو يأمرون بتنفيذها. ولكن على كل مواطن يُستَدعى أو يُوقَف طبقاً للقانون أن يُطِيعُ حالاً ويكون مذنباً إذا قاوم.
من الملاحظ في المقام بأن الإسلام لم يُشرِّع السجن عقوبة إلا نادراً، فإن من يتصفَّح سجل العقوبات في الفقه الإسلامي لا يجد من عقوبة السجن إلا نادراً كما في المرأة المرتدَّة عن الإسلام فإنها تحبس دائماً وتضرب في أوقات الصلاة(1). والواقع أن الإسلام قد رَتَّبَ العقوبات بشكل فني وعادل بحيث لم يجعل هناك مجالاً لعقوبة السجن.
نعم، هناك في الفقه الإسلامي ما يمكن أن يُسمّى بالاصطلاح الحديث حجزاً أو توقيفاً، كأن يحبس الغريم في الدين لو أدَّعى الإعسار حتى يثبته(2)، وكما إذا أبى المدَّعي أن يحلف بعد ردِّ اليمين عليه من المنكر فإنه يحبس إلى
ـــــــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــــ
(1) اللمعة الدمشقية: كتاب الحدود ص368 ج2.
(2) اللمعة الدمشقية ص403 كتاب الدين ج1.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أن يحلف أو يقضى بِنِكُولِه(1).
وبالطبع فإن الموقوف يجب أن لا يعامل معاملة سيئة إلا ما كان ضرورياً لبقائه رهن أمر السلطة، كما أنه لا يجوز أن يؤخَذ منه الإقرار بالتعذيب والتعسف، فإن ذلك كله ظلم، واعتداء على الآخرين بما لا يستحقونه وهو محرَّم في الشريعة الإسلامية، ولأن لأخذ الاعتراف ولثبوت الحكم في صالح الشخص أو ضده، أصولاً خاصة مشروحة بشكل مُفصَّل في كتب الفقه الإسلامي، وليس منها التعذيب والتعسف. كما أنه لا يجوز حجز أحد أو توقيفه في غير الأحوال المنصوص عليها في الإسلام وإلا كان بدعة، وإدخال في الدين ما ليس فيه بالإضافة إلى ما فيه من الاعتداء على الآخرين وكلاهما من المحرمات الكبرى في الإسلام.
أما بالنسبة إلى عدم جواز اتِّهام أحد إلا في الأحوال المبيَّنة في القانون، فهو أمر بديهي بالنسبة إلى الدين الإسلامي الحنيف، لأن المواطن المسلم لا يكون مُعرَّضاً للعقاب إلا في الحالات المعيَّنة المبيَّنة في القانون الإسلامي، ولا يجوز عقاب أحد في غير تلك المواضع، وإلا كان ذلك بدعة في الدين واعتداء على الآخرين. بالإضافة إلى أن الأصل في الإسلام براءة الذمة، كما سوف تأتي الإشارة إليه في المادة التاسعة من هذا الإعلان. إلا أن ذلك لا يعني أن لا يُنظَر في شأن الشخص الذي تَرجَّحَت التهمة في حقه بتمردٍ على الدولة أو المجتمع أو الدين، أو أشتكى عليه شخص آخر يدعي أنه قد اعتدى عليه وغَمَطَ حقه، فإن مثل هذا الشخص يجب أن يُنظَر في حاله، فإن ثبت كونه مذنباً بحسب القواعد الإسلامية المتوفرة أُدِينَ بها ولَقِيَ جزاءه العادل، وإلا بقي حراً
ـــــــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــــ
(1) اللمعة الدمشقية ص283 كتاب الدين ج1.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
طليقاً.
***
أما بالنسبة إلى معاقبة الذين يطلبون تنفيذ أوامر تعسفية أو يأمرون بتنفيذها، فيجب أن نرجع إلى رأي الفقه الإسلامي في الموضوع، الذي هو المرآة الصادقة للقانون الإسلامي الخالد. فإن الفقهاء يفصلون بين ما إذا كان الفاعل المأمور كالآلة بالنسبة إلى الآمر، كأن يرسل صبياً غير مميز أو مجنوناً لارتكاب الجريمة، فإن الآمر في هذه الحالة هو الذي يعاقب على الجريمة، حيث أن الفاعل لم يكن له وجود مستقل في مقابل وجود الآمر. أما إذا كان الفاعل شخصاً مميزاً عاقلاً فيجب عليه عصيان الأمر بالجريمة مهما كلَّفَه ذلك، ولو كلَّفَه ذلك حياته إذا كان الأمر متوجهاً إليه بجريمة قتل، أما لو فعل فإن العقاب ينزل عليه فقط، ولا يعتبر الآمر كالفاعل في العقاب.
أما الآمر نفسه، فإنه حينئذ لا إشكال بتوجُّه العقاب عليه، ولكنه غير عقاب الجريمة نفسها، وإنما يعاقب لانطباق عنوان آخر عليه كإرادة الإفساد في الأرض الذي هو من المحرَّمات الإسلامية الكبرى، وعلامة ذلك أنه يعاقب سواء فعل المأمور الفعل المقصود أو لا، غاية الأمر أنه بعد تنفيذ الجريمة يزداد عقابه بلا شك. أما بالنسبة إلى الموافق على الجريمة، فإن كان له عمل إيجابي في الموضوع كأن يُوَقِّع ضمن تواقيع واضعي خطة الجريمة مثلاً، فهو يعد أحد الآمرين بالجريمة، وتجري عله نفس الأحكام السابقة. وإن كانت موافقته بمعنى سكوته بعد علمه بصدور الجريمة وغض نظره عنها، فإن ذلك لا يعني مشاركته في الجريمة، إذ لعل سكوته ناشئ عن مُبَرِّرات صحيحة كالخوف – مثلاً- ولكنه يجب عليه -وعلى كل مواطن- أن يمنع وقوع الجريمة بما
ـــــــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أوتي من قوة وطَول، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أولى الواجبات الإسلامية.
ومما مضى يظهر الحكم الإسلامي بالنسبة إلى الذين ينفذون الأوامر التَّعسُّفية. فإن المنفِّذ أما أن لا يكون له اختيار ووجود مستقل في مقابل وجود آمره، كما مثَّلنا له بالطفل والمجنون، فليس عليه شيء ويكون العقاب كله مُنصبّاً على الآمر. وأما أن يكون مختاراً ومالكاً لشعوره وشخصيته في مقابل شعور الآمر وشخصيته، كما هو مقصود واضعي هذا الإعلان، فإنه
-حتما- لا بد أن ينزل عليه العقاب المناسب لجريمته، وخاصة وقد كان مأموراً من قبل دينه بالعصيان ولم يعصِ. أما آمره فيبوء بإثمٍ للأمر فقط، كما مضى تفصيله.
أما بالنسبة إلى وجوب إطاعة الاستدعاء أو الإيقاف، وأن الفرد يكون مذنباً إذا قاوم. فهو صادق بالنسبة إلى الحكومة الشرعية الإسلامية أيضاً، لأنها واجبة الإطاعة حسب القانون الإسلامي على كل فرد مسلم، وعليه فإن أي أمر تأمره الحكومة يجب أن يُمتَثَل بما في ذلك الاستدعاء والتَّوقيف، ويكون العاصي للأمر مذنباً مستحقاً للعقاب. ولكن الحكومة الإسلامية لن تأمر إلا بما فيه صالح الفرد وصالح الأمة، بعد أن عرفنا مما سبق بشيء من التفصيل صفات الحاكم الشرعي الإسلامي : الإمام المعصوم ، وعرفنا أن أوامره ليست إلا تنفيذاً لقانون الإسلام الوارد في المورد الإلهي لسعادة البشرية وكمالها.
ـــــــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

– 13-
المادة الثامنة: لا يجوز أن يفرض القانون من العقوبات إلا ما هو ضروري ضرورة جازمة وواضحة، ولا يصح عقاب إنسان إلا بموجب القوانين الموضوعة والـمُذاعة قبل ارتكاب الجريمة، والمعمول بها شرعاً.
تحتوي هذه المادة -كما هو واضح- على فقرتين، ينبغي أن نناقش كُلّاً منهما على حِدَة.
أما الفقرة الأولى فكأنَّ مقصود واضعيها هو أن الأشياء التي يُعاقَب عليها لا بد أن يوافق عليها الحق العام، ولا يجوز أن تكون جميع القضايا محرَّمة ويُعاقَب عليها(1)، أي أن الأصل في الأشياء هو الإباحة، وليست المحرمات إلا استثناءات من هذا الأصل، لا أن الأصل هو الحضْر والمنع، وتكون الإباحة استثناء منه.
أما بالنسبة إلى الإسلام فهو أيضاً يذهب إلى أصالة الإباحة بمعنى أن كل شيء مباح بحسب الأصل، وما المحرمات التي وردت في الشريعة إلا استثناءات من هذا الأصل. ويمكن أن يُستدَل على ذلك بقوله عزَّ من قائل: ((هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً))(2)، ومن هنا كانت الأشياء التي ليست تحت حيازة
ـــــــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في التأريخ الحديث.
(2) البقرة: 29.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أحد مباحة للمسلمين يملكها أول حائز لها مثل الطير في الهواء، والسمك في الماء، وغير ذلك، ومعنى ذلك أن ما في الأرض قد خُلِق لخدمة البشرية وسهولة معاشها، ولم يُلحَظ فيها فرد دون فرد، فالبشر جميعاً متساوون بالنسبة إليها تخدمهم بمجموعهم دون تمييز وتفضيل، وإنما يأخذ الفرد منها ما يحتاجه لتيسير أموره فيدخل ما أخذه في ملكه.
هذا بالنسبة إلى الأموال وكذلك بالنسبة إلى أفعال الإنسان، فإن هناك قاعدة أصولية تُذكَر، ويُبرهَن عليها في علم أصول الفقه، هي (أصالة الإباحة)، بمعنى أن كل فعل من أفعال الإنسان مُباح بالأصل، وليس محرماً كما أنه ليس بواجب، وإنما وردت المحرمات والواجبات كمستثنيات من هذه القاعدة، ومن ثم إذا شك شخص في وجوب أو حرمة فعل من أفعاله فإنه يدفع هذا الاحتمال بأصالة الإباحة تحت شروط معيَّنة مذكورة في علم أصول الفقه.
أما قولهم: (لا يجوز أن يفرض القانون ……..) فهم إنما يريدون بهذا أن يحددوا الأسلوب الذي يجب أن يُتَّبَع عند سَنِّ القوانين وُفقاً لرأيهم، وذلك لئلا يخرج واضعو القوانين عن الأصول التي يراها واضعو هذا الإعلان، ولئلا يضعوا قوانيناً تعسُّفية، ومن ثم نراهم يفرضون آراءهم على القوانين، لأن هذا الإعلان بصفته الثورية مُقدَّم على القوانين، أي أنه يضع القواعد التي يجب أن يسير عليها واضعو القوانين أنفسهم.
أما بالنسبة إلى الإسلام فقانونه قانون إلهي، ولا يحق لأحد أن يقترح عليه أو يغيِّر منه شيئاً، وهو إنما يستمد جذوره من المصالح الحقيقية للبشر التي يراها الله (عز وعلا) بحكمته البالغة وعلمه اللانهائي.
ومن هنا يتضح أنه لا يجوز أن يُفرض على قانون الإسلام أن تكون
ـــــــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
عقوباته صادرة بمقتضى الحس العام، فإن هذا الحس ليس هو الحكم في تشخيص الأفعال التي يجب أن يُعاقَب عليها أو يُثاب. وإنما الحكم في ذلك هي المصالح الحقيقية للفرد والمجتمع. والذي يدرك هذه المصالح على حقيقتها هو الله (عز وعلا) ومن ألهمه ذلك بطريق خاص.
بالإضافة إلى أنه يرد عليه نفس ما سبق أن أوردناه على نظرية الإرادة العامة لـ (روسو)، لأن العقاب في الحقيقة راجع أيضاً إلى مفهومي العدالة والظلم، وقد قلنا هناك أنهما مُقوِّمان عقليان، واعتبار الحس العام أو الإرادة العامة حكماً فصلاً فيهما يؤدي إلى ضياعهما، للاختلاف الذي يحدث في آراء الناس وإراداتهم وإحساسهم بين زمان وزمان.
***
أما بالنسبة إلى الفقرة الثانية من هذه المادة، وهي التي تَنُصُّ على عدم جواز العقاب إلا بحسب القوانين الموضوعة والمذاعة قبل ارتكاب الجريمة، والمعمول بها شرعاً. فإنها تعني أنه لا يجوز للقانون أن يكون ذا أثر رجعي Retroactive، أي أنه يشمل ما قبله. وهذا هو الأسلوب الفرنسي في سن القوانين(1).
وهذا عين ما يذهب إليه الإسلام، فإنه وإن لم يكن من المعقول صدور قوانين جديدة في الإسلام. إلا أنه يمكن أن يُستدَل عليه بـ(أصالة البراءة) التي تعني براءة الذمة من الأمر المشكوك الوجوب أو الحرمة، وهي قاعدة تُذكر في علم أصول الفقه، ويُفرَّق هناك بينها وبين أصالة الإباحة السالفة الذكر، ومن
ـــــــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في التأريخ الحديث.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
هنا فإن الحكم الشرعي إن لم يصل إلى المكلف، بعد بذل الوُسع في الفحص عنه، أو أنه لم يكن هناك حكم شرعي في الواقع، فإنه ليس على المكلف أي تكليف. وهذا يشمل ما قبل صدور القوانين الجديدة -لو فرضت- فإن الفرد قبلها كان بريء الذمة من التكليف.
كما أنه يمكن أن يُستشهَد لذلك، بأسلوب نبي الإسلام  في تبليغ الأحكام عندما كانت تنزل متتابعة، فإن نزول الأمر لم يكن يعني تلافي ما فَرَّط في السابق من أفعال تُعَدُّ بحسب القانون الجديد ذنوباً، إلا بعض الأحكام الوضعية، أي الضمان ووجوب رد المسروق أو المغصوب ونحوه، بالنسبة إلى الأموال، فإنه يجب الرد بمعنى أن الحكم الجديد يخبر السارق أن ذمته اشتغلت بما سرقه من حين سرقته، وأنه من الآن يجب عليه ردّه. وما هذا إلا لأن هذه الأمور إنسانية يدركها الضمير الإنساني قبل أن يحكم بها الشرع الإسلامي الحنيف.
كما أن في القرآن ما يدل على ذلك بوضح، حيث أن الله (عز وجل) يذكر بعد تأكيده على الحكم أنه يجب أن يُتَّبَع من حين نزول الآية وليس على ما مضى عقاب، فمن ذلك أنه (عز وجل) قال بعد التشديد على حرمة الربا: ((… فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون))(1) ومن ذلك قوله (عز وجل) بعد تبليغه حرمة الصيد في حال الإحرام: ((عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام))(2).
كما أن الكافر إذا أسلم فإنه لا يؤمر بتلافي ما قد سلف منه من عصيان الأوامر الإسلامية، إلا الأحكام الوضعية، رغم أن القانون موجود وساري المفعول على المسلمين: وذلك كما ورد عن الرسول الأعظم :
ـــــــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة: 275.
(2) المائدة: 95.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
(الإسلام يجُبُّ ما قبله)(1) أي يقطعه، فكأن الكافر يحيا حياة جديدة بعد إسلامه. ومن ذلك قوله (عز وعلا): (( قُلْ لِّلَّذِيْنَ كَفَرُوا إن يَّنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفْ))(2).
وهذا هو الموافق للمنطق، لكي يَطَّلع الناس على واجباتهم ويكونوا آمنين ومطمئنين ضمن حدود القانون، كما قال (جون لوك) أما أسلوب سَنِّ القوانين ذوات الآثار الرجعية فهو يدع الفرد في حيرة من أمره، يحتمل أنه سوف يصدر في المستقبل قانون يشمل بالتحريم أحد الأفعال التي قام بها، وهذا تهديد للأفراد لا يمكن التخلُّص منه إلا بالاستغناء عن هذا الأسلوب في سَنِّ القوانين.
ـــــــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــــ
(1) عوالي اللآلي: ج2، ص54.
(2) الأنفال: 38.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-14-
المادة التاسعة: يُعَدُّ كلُّ إنسان بريئاً ما لم تثبت إدانته. وإن اعتُقِدَ بضرورة توقيفه فالقانون يمنع تطبيق الإجراءات الشديدة إلا ما كان منها ضروري لبقائه رهن أمر السلطة.
وهذه المادة كسابقتها مكوَّنة من فقرتين، كما هو بَيِّنٌ، فينبغي أن نناقش كل فقرة منها بشكل مستقل:
أما الفقرة الأولى وهي التي تَنُصُّ على اعتبار كل إنسان بريء قانوناً ما لم تَثْبُتْ إدانته، وهذا عين ما يذهب إليه الإسلام، ومن ثم فهو لا يعامل المتهم معاملة المجرم ما لم يثبت جرمه عن طريق القواعد الشرعية الثابتة، ويكون في أثناء محاكمته في حماية الدولة الإسلامية، ويعد كل من يُنفَّذ عليه عقاب المجرم المتَّهم به معتدياً عليه مستحقاً للعقاب، ثم أنه إن ثبت جرمه بتلك القواعد الشرعية أُدين به، وعوقب بما ينص الإسلام عليه من العقاب، وإلا أُطلق سالماً لم يمسه أي أذى أو مكروه.
ويمكن أن نلمس الرحمة العظمى التي يسبغها الإسلام على الإنسانية بقوانينه هذه وغير هذه، إذا قارنَّا هذا الأسلوب من التشريع بما يجري في بعض البلدان من هذا العالم المترامي الأطراف، كالبلدان الشيوعية والمستعمرات الغربية من إلقاء القبض على شخص بمجرد الظن والتهمة، واعتباره بدون
ـــــــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
تحقيق أو محاكمة من أخطر المجرمين المتمردين على كيان الدولة، ومعاملته كمجرم على هذا الأساس.
أما الإسلام فإنه وإن اعتبر الظن بعد ظهور حال الشخص ظهوراً كافياً في إثارة التهمة حوله، حافزاً كافياً لإلقاء القبض عليه، إلا أنه بالإضافة إلى كونه لا يعاقب كمجرم، لا يجوز أن يرى من أي أحد من حراسه، أو مديري شؤونه أي إهانة لكرامته ولا جرح لعواطفه، فضلاً عن الضرب، أو ما هو أشد منه ، وإلا كان الفاعل مجرماً مستحقاً للعقاب.
ومن هذا يظهر أن الإسلام بقانونه الإلهي الرحيم يؤيد الفقرة الثانية من هذا الإعلان أيضاً. أما الإجراءات التي تضمن بقاءه رهن أمر السلطة، فالإسلام يعترف بها، إلا أنها غير ملازمة على الإطلاق لإهانته أو ضربه، بل لا تعني أكثر من تشديد الحراسة عليه في أغلب الأحيان.
ـــــــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-15-
المادة العاشرة: لا يجوز إزعاج أحد بسب آرائه، حتى الدينية منها، بشرط أن لا تكون المجاهرة بها مُخِلَّةٌ بالأمن العام الذي قَرَّره القانون.
وإنما أكد واضعو هذا الإعلان على حرية الرأي الديني، لأن ذلك ناتج من مسبقاتهم الذهنية الناشئة عن تأريخهم القريب. فقد كانوا قد ذاقوا من الكنيسة أنواعاً من الجور والتَّعَسُّف، وأنواعاً من الخرافات والمفاهيم الباطلة، هذه الخرافات وذلك الجور الذي تستعملهما الكنيسة باسم الدين وعلى أساس أنه أمر إلهي منزل. وذلك لأن الكنيسة -في عهود أوربا المظلمة- كانت منظمة إقطاعية تملك مساحات من الأراضي واسعة النطاق وتستخدم فيها أولئك الفلاحين الأقنان الذين يباعون مع الأرض ويُشترَون معها، تماماً كأي سيد إقطاعي. كما أن رجال الكنيسة كانوا يكوّنون إحدى الطبقتين المتمتعتين بالامتيازات دون الطبقة الثالثة، وهم عامة الشعب. كما أن الكنيسة كانت تناصر الإقطاع بما لها من قوة دينية ودنيوية، يقول جورج جرداق: أما رجال الدين -ويقصد رجال الكنيسة والدِّين منهم بُراء- فقد كانت لهم يَدٌ في تبرير نظام التبعية هذا، وكانوا يلعنون كل تابع لا يخضع الخضوع المطلق لسيده ولو شِرِّيراً دنيئاً؛ ويصبُّون اللعنات الكثيرة بلهجة مقدسة، على رؤوس (المارقين) الذين كانوا يدفعون التابعين إلى ترك الطاعة المطلقة للأسياد، أو إلى التمرد
ـــــــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
على هذا الظلم القاتم)(1) . كما أنها كانت تبثُّ بين أتباعها كمية ضخمة من الخرافات والتَّدجيل، هذه الخرافات التي غضب منها حتى المسيحيون أنفسهم كـ (مارتن لوثر) الذي انشق عن الكاثوليكية، واخترع لنفسه مذهباً جديداً سماه البروتستانتية.
من هذا وغيره نستطيع أن نتميز بوضوح، لماذا صبَّت الثورة بمجرد انبثاقها جام غضبها على الكنيسة، ولماذا حاربتها محاربتها للإقطاع والجهل، لأنها – في الواقع- تمثِّل الإقطاع وتمثِّل الجهل كما أنها حاربت فيها كُلاً من الجانب الديني والدنيوي، لأن الكنيسة استغلت الجانب الديني في سبيل الجانب الدنيوي أبشع استغلال.
فكان أول شيء عملته الثورة الفرنسية أن صادرت أموال الكنيسة وجعلتها مؤسسة خاضعة للدولة. وجعلت الجمعية الوطنية، أملاك الكنيسة رصيداً للعملة الجديدة التي أصدرتها. ثم أصدرت دستوراً مدنياً لرجال الدين، فجعلتهم موظفين عند الدولة وأزالت عنهم صفة رجال الدين كطبقة وأصحاب نفوذ. ثم طلبوا إلى رجال الدين أن يُقسِموا على القانون(2).
يضاف إلى ما مضى، بخصوص -أعمال الكنيسة- أن العقائد الأساسية التي تقوم عليها باطلة لا تقوم على برهان صحيح، كإيمان المسيحيين بالثالوث المقدس الذي أثبت الإسلام عن طريق العقل الذي لا شك في استحالته، وهو موجود في مواضعه من الكتب الإسلامية، وهذا نفسه ما التفت إليه جماعة من أنصار الثورة الفرنسية فعرفوا سخفه وبطلانه وتمردوا عليه، ومن ثم فقد قال
ـــــــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــــ
(1) علي والثورة الفرنسية ص 38.
(2) محاضرات في التأريخ الحديث.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
جماعة: (نحن نعبد الكائن الأعظم)، وقالت جماعة أخرى: (نحن نعبد العقل) واحتفلوا له بصورة رسمية في كنسية(1).
ومثل هذه الكنيسة ذات هذه الأعمال وهذه العقائد هي أهلٌ لأن تُحارَب، وأهلٌ لأن تقف الثورة منها كما تشاء. ولكن الغلط الفاحش الذي يقوم به دعاة الإلحاد المتأثرون بالفكر الحديث على أبشع صوره، وبالشكل الذي هم يفهمونه، وبالشكل الذي يمثِّل مصالحهم الخاصة، دون أن يعرفوا ما قصد إليه الفكر الحديث بالضبط.
إن الغلط الفاحش الذي يرتكبه هؤلاء هو إطلاق القول في الاعتراض على جميع الأديان، والدعوة إلى التخلِّي عنها جميعاً، كأن شرذمة معينة تنسب نفسها إلى دين من الأديان إذا تعسَّفت وأجرمت بحق شعبها ودينها، فكأن دينها مسؤول عما تفعل، أو أن الأديان كلها مسؤولة عن ذلك، وكأن ديناً من الأديان -ولو فرضاً- إذا كان باطلاً وقد ذاق منه معتنقوه الوبال، فشددوا الخناق على رجاله، وتملَّصوا من عقائده، كأن كل الأديان يجب أن يُشدَّد عليها الخناق، وأن يتملص الناس من عقائدها.
وكأنهم لا يعلمون بأن أوربا إنما تمرَّدت على المسيحية، وإنما شدَّدت الخناق على رجال الكنيسة، تلك المسيحية المحرَّفة عن واقعها الذي نزل على عيسى بن مريم (على نبينا وعليه السلام)، وأولئك الرجال الذين أكثروا في البلاد الفساد. وإنما عنت أوربا بالدين، ذلك الدين الذي تمرَّدت عليه لأنه لم يكن بين ظهرانيها دين آخر حتى تستند عليه بعد خروجها عن المسيحية أو
ـــــــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في التأريخ الحديث.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
تستثنيه عن هجماتها، أو حتى لِتُشركه في هجماتها وتمرُّداتها.
يا له من تقليد أعمى، حين ينظر دعاة الإلحاد إلى أوربا فيجدونها تتمرد على المسيحية، فيتمردون في بلادهم على الإسلام. ويرونها تخرج على تعاليم دينها، فيخرجون عن تعاليم دينهم. ويرونها تحتقر رجالها، فيحتقرون رجاله. كل ذلك عن طريق هذا التعميم الباطل الذي استعمل في إطلاق كلمة الدين على المسيحية والإسلام، وهو وإن كان كذلك إلا أنه لا يعني على الإطلاق من بطلان أحدهما بطلان الآخر، فلكلٍ أُسُسَهُ الفكرية وتعاليمه الخاصة، بل إن للإسلام أُسساً فكرية راسخة رسوخ الخلود، وتعاليم عادلة واسعة سعة الفضاء وليس للمسيحية من التعاليم والأُسس الفكرية ما يصلح لقيادة الإنسانية وللخلود.
ألم يعلم دعاة الإلحاد بأن أوربا قد ذاقت من المسيحية تجربة قاسية بشعة، ومن ثم فقد تمردت عليها، ولم يكن لها إلا أن تفعل ذلك، لأنه ليس إلا (الأذلان العِيْرُ والوتد)( ) من يقيم على الضيم المراد به. أما دعاة الإلحاد من أبناء شرقنا المسلم فلم يمروا بتجربة فعَّالة لدينهم القويم لتُريهم العدالة الإنسانية والرفاه الاجتماعي والصفات الخلقية والروحية السامية التي تسود المجتمع تحت لواء الإسلام. بل إن هؤلاء لم يعرفوا من أُسس الإسلام وبراهينه وقواعده الرئيسية شيئاً، وذلك ناشئ من ضعف الدعوة الدينية التي يمارسها المسلمون المتمسكون بدينهم القويم، ولم ينظروا إلى الإسلام إلا من ناحية القشور السطحية التي يتمسك بها السواد الأعظم من المسلمين، والتي هي تحتاج إلى كثير من التصحيح والتعديل، وإنما انحرفت هذه العقائد العامية أيضاً وجَمُدَت على هذا المستوى الضئيل، كأثر آخر لضعف الدعوة الدينية أيضاً.
ألم يعلم دعاة الإلحاد أن الدين يكمن في النفوس إيماناً ويقيناً واطمئنان
ـــــــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــــ
(1) مضمون مقتبس من بيت شعر لجرير
ولا يُقيم على ضيمٍ يُراد به إِلا الأَذَلان عِيرُ الحي وَالوِتَدُ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
ضميره، وفي اليقين والاطمئنان لذَّة لا يجدهما الفاقد لهما، ويحميهم من كثير من العُقَد النفسية والأمراض العقلية، ويخلق بين الشعب تراحماً وتعاطفاً ومحبة، ويصعد بمستواهم الثقافي والعقلي والخُلُقي إلى مرتبة سامية، ويحميهم من الانحدار في مستوى الرذيلة والفساد، وهذا كله مما لا يمكن وجوده بأي شكل من الأشكال مع وجود الانحلال العقائدي، والتفسخ الخُلُقي وتشتت الآراء والأهواء.
***
الذي ينبغي أن يقال، بالنسبة إلى واضعي هذا القانون، إن اعترافهم بعدم جواز إزعاج أحد بسبب آرائه حتى الدينية منها، ليس فيه فسح للحرية الدينية. ولأننا إذا أمعنَّا النظر نجده يعني عكس ذلك تماماً من حيث أنه يعني أيضاً عدم جواز إزعاج الثورة في آرائها ضد الكنيسة أيضاً، ونحن نعلم ما قد عملته الثورة من تنكيل بالكنيسة، كما أشرنا إليه فيما سبق، وليست الثورة إلا عبارة عن الجمعية الوطنية التي أصدرت هذا الإعلان بالذات. فمن المحال بالنسبة إلى وجهات نظرهم الخاصة أن يعطوا الحرية الدينية ويشجبوا أعمال الثورة ضد الكنيسة. إذن فلا تبقى هذه العبارة من الإعلان بالنسبة إلى الدين، أي المسيحية التي بين ظهرانيهم، إلا حبراً على ورق، وكلمة تقال للدعاية والتضليل.
وبالطبع لا معنى للتحدث عن رأي الإسلام في الحرية الدينية الإسلامية، بل ينبغي التحدث عن حرية الاعتقاد بغير الدين الإسلامي، في الدولة الإسلامية المفترضة.
إن هذا الشخص الذي يعتنق غير دين الإسلام، أما أن يكون كذلك من أصله، أو مرتداً عن دين الله العزيز. فإن كان أصلياً فهو مدعو إلى اعتناق الدين
ـــــــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الإسلامي ككل شخص غير مسلم فإن كل شخص رشيد، مكلف عقلاً بالنظر في الأديان والتفحُّص عن الحق في خِضَمِّ هذا الصراع العقائدي الرهيب في العالم، فإن الوصول إلى الحق لا شك أنه أكمل بكثير من الشك أو الركون إلى مبدأ باطل، وما دامت النفس تَوَّاقة بذاتها إلى الكمال، فعليها أن تفحص عن الرأي الصحيح لتعتنقه، ولا شك أنها سوف تصل بعد فحصها، إن أخلصت للحق من ناحية، وكانت سُبُل البحث متوفرة لديها من ناحية ثانية، وتجردت عن العوامل الاجتماعية المعيقة عن موضوعية البحث من ناحية ثالثة. فإنها حتماً سوف تصل إلى الإسلام دين الله الخالد.
ومن ناحية أخرى فإن الإسلام قَرَن أوامره بالإثابة على إطاعتها، ونواهيه بالعقاب على عصيانها، ومعنى ذلك تولُّد الاحتمال ولو ضعيفاً في نفس الفرد المفكر الرشيد بالضرر، وهو الوقوع بالعذاب الذي تَوَعَّد به الإسلام. أي انه تُوَلِّد مثل هذه القضية الشرطية في فكره: لو كان الإسلام صادقاً فإني حتما سأعاقَب، والعقاب الذي توعَّد به الإسلام ضرر بالغ، إذن يجب أن أدفع هذا الاحتمال عن نفسي. ومعنى ذلك وجوب البحث عن أدلته وبراهينه لإثبات صحته، فإن كان صحيحاً اعتنقه وأزال عن نفسه الضرر، وإن لم يوفق إلى الاعتقاد بذلك، فقد دفع احتمال الضرر عن نفسه. وما ذلك إلا لأن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، قاعدة فطرية في نفس الإنسان يتبعها في كل حركاته وأقواله، فلن تطرق طريقاً تحتمل أن فيه لصاً يسرقك أو وحشاً يعتدي على حياتك. ولذا تراك إذا اضطررت إلى الذهاب في مثل هذه الأماكن الخطرة كالغابات والأدغال، فإنك لا بد أن تَتَتَرَّس بالسلاح لكي تحمي نفسك، لكي تُذهِب احتمال الضرر عن نفسك.
ومع صرف النظر عن الأدلة العقلية فإن قوانين الإسلام العادلة وأنظمته
ـــــــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الرشيدة وإرشاداته وتوجيهاته الإلهية القويمة، تلك الأنظمة والإرشادات التي قد تجد منها شيئاً في هذا البحث، فإن هذه القوانين لَتَحُثُّ الفرد على اعتناق الإسلام للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والآخرة، والارتقاء في مراقي الكمال الروحي، والفوز برضا الله (عز وجل)، خالقه العظيم.
أما بالنسبة إلى وجود غير المسلم بالأصل في الأراضي الإسلامية المحكومة للدولة الشرعية الإسلامية، فأما أن يكون هذا الفرد قد جاء من بلاد قبلت بشروط الذمة التي اشترطتها عليهم الحكومة الإسلامية فكانوا تحت سيطرتها وفي حمايتها، تلك الشروط المذكورة في محالِّها من كتب الفقه الإسلامي. فهذا الفرد يكون آمناً على نفسه وماله، محترماً بين المسلمين بالقدر الذي تسمح به قابلياته الشخصية أن يحتَرَم. وأما أن يكون هذا الفرد قد هرب من بلاده ليأتي إلى بلاد الإسلام مستجيراً لاجئاً لما يعلم في الإسلام من عدالة وإنصاف. فعلى الحكومة الإسلامية حماية هذا الفرد حتى تُبلِغَهُ مأمنه، وذلك كما قال الله (عز وجل) لنبيه: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ))(1).
وغنيٌّ عن التنويه لما في هذه الآية من الحكمة البالغة. فإن الكفر والإشراك بالله تعالى وسائر المبادئ الفكرية غير الإسلام، إنما تنشأ عن جهل الفرد أو الجماعة بالحق، وبالبرهان الصحيح وقصورهم عن بلوغهم إلى مصالحهم الحقيقية. فإذا استجار بالنبي  فردٌ منهم، فينبغي له أن يجيره، فإن الذمة مصونة في الإسلام، ولا يجوز نقض العهود ما لم ينقض الطرف الآخر، كما يقول الله (عز وعلا): ((إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين))(2). ومن ثم إن النبي  يستبقيه قبل أن يُبلِغَهُ مأمَنَهُ ليسمع كلام الله تعالى، ولِتِهُزَّ أوتارَ قلبه تلك المعاني
ـــــــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــــ
(1) التوبة: 6.
(2) التوبة: 7.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الروحانية المقدسة، ولتفتح أبواب عقله تلك الحكمة الإلهية البالغة، وليرى بأم عينيه ما عليه الإسلام من سعادة ورفاه، وخلق رفيع، ومجتمع نبيل، ونفوس مُتحابَّة متعاطفة، وما فيه من قوانين عادلة، ونُظُم حكيمة، ولِيتَشَبَّع هو بكل هذه الأمور، وليرجع إلى مأمنه فيتكلم عما رأى وسمع، وليدعو إلى الإسلام في مجتمعه الكافر.
أما إذا كان هذا الفرد، قد جاء من بلد مُعادٍ للإسلام، فإنه -حتماً- سوف يُعرِّض نفسه للقتل، إن لم يخرج هرباً من البلاد، ولم يكن للدولة الإسلامية إلا أن تقتله لئلا يكون فيها جاسوساً لبلاده، ويبث في مجتمعها العقائد الفاسدة أو يبذر بين الأفراد روح الضغينة والفساد، أما بالنسبة إلى الشخص الذي خانه حظّه وتسافلت به نفسه، فارتدَّ عن دين الإسلام الحنيف، ولا يمكن أن ينشأ ذلك إلا عن الجهل بأُسُس الإسلام الحقيقية. فإن هذا الشخص أما أن يكون مُرتداً ملياً أو مُرتداً فطرياً، حسب ما يصطلح عليه الفقهاء المسلمون. والمرتد الملي هو الذي لم يكن مسلماً بالأصل ثم أسلم ثم ارتَدَّ على عقِبِه فكفر، وأما الفطري فهو المرتد عن الإسلام الأصلي.
أما الـمُرتد الملِّي فيُستَتَاب ويُنتَظَر به المدة التي يُحتَمَل فيها رجوعه عن غَيِّهِ إلى الصواب، فإن رَجِعَ وإلا قُتِل. وأما المرتد الفطري فإن كان رجلاً، فإنه يكون كما قال الإمام الباقر ، كما في صحيحة محمد بن مسلم : (من رغب عن الإسلام وكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه، فلا توبة له وقد وجب قتله، وبانَت منه امرأته ويُقَسَّم ما ترك على ولده)(1). (وأما المرأة فلا تُقتَل وإن كانت ردَّتها عن فطرة، بل تُحبَس دائماً وتُضرب في أوقات الصلاة بحسب ما يراه الحاكم كافياً لارتداعها، وتستعمل في الحبس بأسوأ الأعمال
ـــــــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــــ
1- الكافي للكليني: ج 6، ص174.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
وتُلبَس أخشن الثياب وتُطعَم أجشب الطعام إلى أن تتوب أو تموت)(1).
مما مضى يمكن أن نعرف رأي الإسلام بالفقرة الثانية من هذه المادة، وهو الذي ينص على ألا تكون المجاهرة بالآراء -التي اعتبرها الإعلان حرة- مُخِلَّة بالأمن العام الذي قرَّره القانون.
فإن الأمن العام الذي قرَّره القانون الإسلامي هو المحافظة على التعاليم الإسلامية، والدولة الإسلامية والأخلاق الاجتماعية الإسلامية، ومُلَخَّص القول المحافظة على كل قانون من قوانين الإسلام ونصائحه وإرشاداته. وقد قام الإسلام في سبيل ذلك بمنع بقاء أي شخص غير مسلم في بلاده، إلا إذا كان للإسلام ذمة وعهد معه، وإنما ينتظر مع هؤلاء ما داموا محتفظين هم بالعهد، فإن فكروا في يوم من الأيام بنقض العهد والتمرُّد على الإسلام وبذر الشقاق والعقائد الفاسدة بين المسلمين، فإنهم يعودون محاربين للإسلام. والمحارب لا بد أن يُقتَل بإجماع المذاهب القانونية والإنسانية، دفاعاً عن النفس ودفاعاً عن الدين الإلهي الحنيف.
ـــــــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــــ
(1) اللمعة الدمشقية ، كتاب الحدود ص368 ج2
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

– 16-
المادة الحادية عشر: حرية نشر الأفكار. والأفكار أثمن حقوق الإنسان، فلكل مواطن أن يتكلم ويكتب بِحُرِّيَّة، على أن يكون مسؤولاً عن إساءة استعمال هذه الحرية، في الأحوال التي يقرِّرُها القانون.
حق الحرية هو من أهم الحقوق التي أثبتها الفكر الحديث للإنسان الحديث، ومن هنا عبَّر عنه واضعو هذا الإعلان بأنه أثمن حقوق الإنسان، وأكَّدوا عليه مراراً في إعلانهم.
وإنما أكَّد الفكر الحديث على هذا الحق، وإنما أكد هذا الإعلان عليه، بسبب ما مَرَّ عليه في عصوره المظلمة من جور وتَعَسُّف، وكَمٍّ للأفواه، وتقييد للحريات، لئلّا ينبس أحدهم ببنت شفةٍ ضد النظم الإقطاعية والملكية الفاسدة، فيكونوا خطراً ضد هذه الأنظمة الظالمة. وكان يذوق كلُّ مفكر يحاول أن يقول أو يعترض، أنواع التنكيل والعذاب حتى الموت، بصورة تقشعر من تصورها الأبدان.
ومن جَرَّاء هذا الضغط حصل الانفجار مُرَوِّعاً شديداً، بحيث اعتُقِد أن حق الحرية أثمن من حق الحياة، وأثمن من النظام، وأثمن من الأخلاق لو تعارض معها، ومن ثم فقد ذهبوا بالحرية كل مذهب، ونكَّلوا بأولئك الإقطاعيين في فرنسا، إبَّان عهد الإرهاب الذي تزعمه (روبسبير) أشد تنكيل,حيث كان
ـــــــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
مجموع ما قُتِل في تلك الفترة نحو عشرين ألف شخص(1). وكان ذلك من سنة 1792 إلى سنة 1794.
وكذلك ما زلنا نرى أثر هذه الحرية التي حصل عليها الأوروبيون، من تحلُّل خُلُقي واجتماعي وتفشِّي العقائد الإلحادية والدعوات المتضاربة المتناقضة في المجتمعات الأوربية وغير الأوربية، بل إن كل مفكر يَبرُز إلى الوجود يكون له رأي جديد ووجهة نظر جديدة، وتفسير جديد للكون والحياة, مما يجعل الناس في حيرةٍ من أمرهم بعد أن تتبعثر عقائدهم ويضيع معهم يقينهم واطمئنانهم. وكان من جملة تلك الدعوات الإلحادية، الدعوة الماركسية التي وَجَدَت من الانفجار الثوري الذي حصل في موسكو على أثر الضغط القيصري التعسُّفي على الشعب الروسي، مستنقعاً خصباً للتوالد والانتشار.
ومما ينبغي الإشارة إليه أن البرجوازية التي أصدرت هذا الإعلان لم تكن تقصد بالحرية إلا مصالحها الشخصية وما تضمن به الدعوة إلى أفكارها ومذاهبها في الحياة. فإذا وصلت هذه النظرية إلى الحد الذي تطبق فيه على من سواهم من الشعب الفرنسي، وقفوا منها موقفاً صلباً متعنِّتاً، فلم يكونوا بأي حال يقبلون الاعتراض على أساليبهم وأفكارهم الضارة بمصالح العمال والفلاحين من قِبَل هذه الجماعات أنفسها. ومن هنا نرى أن الحرية قد أصبحت بالنسبة إليهم أمراً يستغله البرجوازيون لمصالحهم الخاصة، ويحلم به الفلاحون والعمال كلٌّ لمصلحته الخاصة أيضاً.
وإثبات حق الحرية في كل دولة من دول هذا العالم أجمع، إنما هو بما لا
ـــــــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في التأريخ الحديث.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
ينافي مبادئها الأساسية وقوانينها الرئيسية، ثم هي تعطي الحرية لما سوى ذلك. ومن ثم فإننا نرى أن الدول المؤسسة على أساس مذهب معين ووجهة نظر خاصة، كالدول الشيوعية، تفتقد فيها الحرية بالنسبة إلى مناقشة وجهة النظر التي تتبناها الدولة. ومن هنا نرى أن الدولة كلما قَلَّت فيها المبادئ الأساسية ازدادت نسبة الحرية فيها، وصارت قوانينها عرضة للمناقشة والتغيير أكثر من غيرها. ولكن معنى ذلك في عين الوقت ألا تكون الدولة مهتمَّة بتطبيق القانون الحق، وإنما تطبق في بلادها كل قانون حصلت عليه إرادة أكثرية الشعب.
والواقع أن إطلاق العنان للحرية المطلقة في نشر الأفكار لا يعني إلا بلبلة الأذهان، وضياع الحق من الوسط الفكري، واختلاطه بأكوام نَتِنَةٍ من الباطل. وجعل الرجل العادي متحيِّراً لا يدري إلى أين يتَّجه لكثرة الأصوات والدعوات التي يراها تنطلق حوله، لذا نراه يتوجه نحو الصوت الأقوى والدعاية الأوسع، ولا تعني الحرية أيضاً إلا هذا الصراع الدائم الرهيب بين المذاهب والأفكار المتضاربة، ذلك الصراع الذي لا يقف على مدى الزمان، ولن يمكن الحدّ من غلوائه ما دامت الحرية نافذة المفعول في البلاد. هذا الصراع الذي يترتب عليه كثير من المفاسد والأضرار الاجتماعية والنفسية والدينية والأخلاقية، والذي ربما سبَّبَ نشر مذهب باطل، واقتضى ظهور شرذمة فاسدة في حين يختفي الأناس الصالحون والمذهب الحق تحت الرماد.
ومن ثم فإننا نرى الحكومات الحديثة لم تستطع أن تحفظ الأمن والنظام وسيادة القانون في بلادها، ولم يمكنها الاحتفاظ بسيطرتها وهيبتها، إلا بعد أن جعلت على الحرية قيوداً كثيرة مستمدة – في كل دولة- من قوانينها الرئيسية ومبادئها الأساسية. وحتى هذا الإعلان نفسه قد اشترط على الحرية أن يكون صاحب الرأي مسؤولاً عن إساءة استعمال الحرية في الأحوال التي يقررها
ـــــــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
القانون، ولم يكن يستطيع واضعو هذا الإعلان، ولم تكن تستطيع الحكومات إلا أن تفعل ذلك بعد أن علمت ما في الحرية المطلقة من فساد وانحلال.
بعد كل ما مضى نعرف أن الدولة الإسلامية لم تقيد الحرية إلا بحسب وجهة نظرها الخاصة، وفي ضمن نطاق عقليتها العامة، وقوانينها الإلهية، التي تستهدف نشر العدل والسعادة بين ربوع المجتمع. والإسلام قد أدرك بثاقب نظره، وبالغ حكمته تعذُّر الحياة مع الحرية المطلقة، وتعذُّر الوصول إلى الحق مع حرية نشر الآراء، في حين أن الحياة والوصول إلى الحق أثمن ما لدى الإنسان من أهداف، إذن فلا بد من تقييد الحرية بشكل من الأشكال. وليس من المنطقي حينئذ أن تقيَّد الحرية بقوانين ظالمة، لأنه يكون قد نشر من الجور أكثر مما قصده من العدل. فلا بد إذن من تنظيم القيود على الحرية بشكل عادل يضمن سعادة المجتمع ورفاهه. وهكذا كان، وهكذا صدرت القوانين عن الله (عز وجل) العالم بحقائق المصالح الإنسانية والمطَّلع على سرائر البشر وغرائزهم. لتنشر العدل والسلام بين بني الإنسان.
وما دمنا قد عرفنا أن العدل لا بد أن يسود في البلاد، وأن العدل لا يمكن إلا أن يكون واحداً، لأن الإنسانية واحدة ولأن غرائزها وميولها وآمالها وآلامها واحدة، وأن هذا المذهب العادل الواحد لا يمكن أن تدركه إلا الحكمة الإلهية اللانهائية، وأن الله (عز وجل) قد تفضَّل علينا فعرّفنا بنفسه وبتعاليمه، وما دمنا قد علمنا أن الحرية تنافي العدل، وتنافي سيادة هذا المبدأ الواحد العادل في ربوع الإنسانية، لما تسبِّبه من اضطراب وبلبلةٍ وتشتت في الآراء والأهواء. إذن فلا بد من سيادة العدل بدل سيادة الحرية، وإنما تبقى الحرية سارية المفعول في ضمن هذا المذهب العادل.
وهكذا فعل الإسلام، وهكذا فعلت الدول ضمن نطاق قوانينها التي تراها
ـــــــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
عادلة وفي صالح شعبها، وهكذا عملت الدول المذهبية كالدول الشيوعية في ضمن نطاق مذهبها المعين.
والإسلام بعد هذا، أي بعد سيادة العدل الذي هو عبارة عن سيادة الأخلاق الفاضلة، والمبادئ النبيلة، والتعاطف، والتراحم، والاحترام المتبادل بين الناس، والمسامحات والإيثار والضمان الاجتماعي، إلى غير هذه المبادئ التي نادى بها الإسلام، بعد هذا كله يجيز الإسلام نشر الآراء والتكلم بحرية تامة ضمن نطاق المناقشة البناءة المخلصة التي تهدف إلى مصلحة المجتمع والدين الإسلامي. ومن ثم فقد ورد عن أبي الأئمة الهداة أمير المؤمنين  أنه قال : ((سل تفقهاً ولا تسأل تعنتا))(1) أي سل لكي تفهم وجه الحق لا لأجل أن تهدم رأي غيرك وتحتقره وتظهر أنه باطل على كل حال. بالإضافة إلى ما قد أسلفناه في مناقشة المادة الثالثة من هذا الإعلان من ترحيب الإسلام بالمناقشة المخلصة البنّاءة التي ترمي إلى شدِّ أزر الرأي الشخصي، ونصح الفرد وانتشاله من وهدة المشاكل، ولذلك قال سيدنا ومولانا أمير المؤمنين : ((من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها))(2).
ـــــــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة للإمام علي، شرح محمد عبده: ج4، ص76.
(2) بحار الأنوار: ج72، ص104.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

– 17 –
المادة الثانية عشر: يستوجب ضمان حقوق الإنسان والمواطن قوة عامة، فهذه القوة تنشأ لمصلحة المجموع لا لمصلحة من تُوكَل إليهم إدارتها.
يقول واضعو هذه المادة: إنه لا بد لضمان حقوق الإنسان والمواطن، وهي الحقوق التي سبق أن عددوها في المادة الثانية من هذا الإعلان، وهي الحرية، والتملُّك، والطمأنينة، ومقاومة الظلم على الشكل الذي يفهمونه منها، والذي يمثل مصالحهم البرجوازية الخاصة، ولا بد لضمان هذه المصالح البرجوازية من قوة تمارس الضغط على العمال إذا هم خرجوا عن واجباتهم. والمقصود من هذه القوة هي السجون والمحاكم والقوات المسلحة. وهذه القوة تنشأ لمصلحة المجموع أي لمصلحة الطبقة البرجوازية لا لمصلحة من تُوكَل إليهم إدارتها كالقائد العام للجيش، والقاضي، ومدير السجن، فإن على هؤلاء أن يخضعوا لأوامر البرجوازيين وإلا ذاقوا وبال أمرهم.
وهذا مما لا يمكن أن ينطبق على وجهة النظر الإسلامية تماماً، لأننا قد عرفنا أنه لم تُشرَّع العقوبة بالسجن في الإسلام إلا نادراً. كما أن هذه الأمور الأربعة التي يحرص على ضمانها البرجوازيون ليست هي المثُل العليا في الإسلام. فإنه قد سبق أن قررنا في المادة الثانية رأي الإسلام في هذه الحقوق.
وإنما الذي ينبغي صيانته في نظر الإسلام، وتجنيد هذه القوى للدفاع عنه،
ـــــــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
هو العدل والنظام، وسيادة الأخلاق، والعقائد الإسلامية في ربوع المجتمع، وبالتلخيص هي تعاليمه التي تضمن سعادة المجتمع ورفاه الإنسانية.
وهذه القوة العامة في الدولة الإسلامية إنما تنشأ لخدمة الإسلام ومصلحة المجتمع، وسيادة القانون والنظام فيه. لا لمصلحة من تُوكَل إليهم إدارتها، فإن هؤلاء المشرفين عليها إنما هم -كسائر موظفي الدولة الإسلامية- مسؤولون عن أعمالهم ومراقَبون عليها من قِبَل الله (عز وجل) والإمام (رئيس الدولة الإسلامية)، ومن قِبَل الأمة الإسلامية وضمير الفرد الإسلامي، كما سوف نُفصِّله في المادة الرابعة عشر من هذا الإعلان إن شاء الله تعالى. وهم مسؤولون عن كل زَلَّة أو سوء استعمال سلطة، أو ظلم يمكن أن يصدر منهم.
ومما ينبغي ملاحظته أن الشعب المتشبع بروح الإسلام هو القوة العامة الأساسية في الدول الإسلامية، فليست هذه القوة التي يعنيها واضعو هذا الإعلان بالنسبة إلى المجتمع الإسلامي، إلا قوة احتياطية تراقب ما يمكن أن يقع من الزلل والخطأ، وإلا فإن الفرد الذي رُبِّيَ تربية إسلامية حتى امتزج دين الله القويم وتعاليمه الحكيمة بلحمه ودمه وصارت جزءاً سامياً من نفسه، وصار امتثال التعاليم الإسلامية عادة طيبة له، ولمس بنفسه اللذة الكبرى التي يجدها الفرد في الخشوع لله (عز وجل)، وفي التعاطف والتراحم والمحبة بين الناس. مثل هذا الفرد، وهو عبارة عن جميع المواطنين في المجتمع الإسلامي، يستحيل عادة صدور الذنوب والهفوات والمفاسد منه، إلا ما شَذَّ ونَدَرَ من الحالات.
ـــــــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-18-
المادة الثالثة عشر: لتأمين نفقات القوة العامة، ونفقات الإدارة، يجب جباية الضرائب العامة، ويجب توزيع هذه الضرائب على كل المواطنين بالسواء, كلٌّ على حسب طاقته.
يقول واضعو هذه المادة: إنه يجب لأجل الصرف على القوة العامة: السجون والمحاكم والقوات المسلحة. ولأجل تأمين نفقات الإدارة في الدولة: تجب جباية الضرائب العامة، ويجب أن تكون هذه الضرائب عامة وموزعة على كل المواطنين بالسوية، كلٌّ على حسب مقدار طاقته المالية، ودخله، فيوضع على كلِّ دخل من الدخول نسبة معينة متساوية من الضريبة.
هكذا أراد واضعو هذا الإعلان أن يضمنوا العدالة في سَنِّ الضرائب، وحاولوا أن لا يقع الإجحاف على أحد أو جماعة دون غيرهم، ذلك الإجحاف الذي ذاقوا منه في عهودهم السابقة الأمر الشديد، وقد أرادوا من هذه العدالة بوجه خاص، ألا تؤثر الضرائب على مصالحهم التجارية والصناعية، لأنهم يعلمون أنه لا بد أن يكونوا مشمولين لقانون الضرائب، ولا يصح لهم أن يكونوا كالطبقات السابقة صاحبة الامتيازات التي ثاروا عليها وسحقوها، ومن ثم فلا بد أن يحتاطوا لأجل حفظ مصالحهم من أن تؤثر عليها الضرائب.
ولكن هذا التحديد الذي وضعوه على الضرائب بحقيقته، هو أقصر باعاً،
ـــــــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
وأبسط تأثيراً من أن يؤثر على رؤوس الأموال الضخمة التي يحتكرها هؤلاء البرجوازيون، تلك الأموال التي يريد الإسلام بِسَنِّه لضرائبه أن يَحُدَّ من غلوائها. وكيف يكون مؤثراً بعد أن كان هذا التحديد موضوعاً بعناية تامة لكي لا يكون مؤثراً في مثل هذه المجالات.
ومن ثم نعرف أن الإسلام كان في وضع ضرائبه أبعد نظراً، وأوسع أفقاً، وأصلح للبشرية من هذه القواعد الضيقة التي يضعها هؤلاء البرجوازيون. ففي كُلٍّ من وَضْعِ الضرائب نفسها، ومن توزيعها، مصالح ومصالح يهدف بها الإسلام إلى رُقِيِّ المجتمع ورفاهه.
فإن في وضع الضرائب تحديداً لرأس المال، وإشعاراً للفرد بالمسؤولية بالنسبة إلى أمواله أمام الله (عز وجل) كما هو مسؤول عن شؤونه الأخرى أمامه. وترويضاً للنفس على طاعة الله (عز وجل) حينما يشعر الفرد أنه يعطي هذه الأموال قربة لوجه الله الكريم، وطاعة لأمره العزيز عن طيب خاطر وراحة ضمير, وحثاً للفرد على معونة مجتمعه، وإكرام الفقراء والمساهمة في أموال الدولة، تلك الدولة التي لم تنبثق إلا لخدمة المجتمع والإسلام. وثواباً ضمنه الله تعالى للفرد الذي يعطي هذا القسط من أمواله، ذلك الثواب المتمثِّل في رضاء الله (عز وجل) والقرب المعنوي منه (عز وعلا) من ناحية، والفوز بالجنة والنعيم المقيم في الدار الأخرى من ناحية ثانية.
وفي توزيع الضرائب مصالح كثيرة للمجتمع الإسلامي. فهي إعانة للفقراء والمساكين والمنقطع بهم، وحرية للأرقّاء يُشتَرَون بها من مواليهم ويُعتَقُون, وفَكٌّ لدين المدينين، وتربية إسلامية صالحة لليتامى، وتقريب لقلوب الكافرين إلى الإسلام حين يُعطَون من هذه الضرائب فيذكرون للإسلام فضله وعدله. ومن مصارفها كل عمل يرضى به الله عز وجل يكون في صالح الإسلام أو
ـــــــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
المسلمين كبناء المساجد والمدارس والجسور والشوارع والمستشفيات والمكتبات، وما إلى ذلك من المرافق العامة. فإن بقي بعد ذلك شيء، كان بِيَدِ الإمام المعصوم  يتصرَّف به ما يشاء، وهو بعصمته لن يَتَصَرَّف إلا على حسب المصلحة الحقيقية للمسلمين وللإسلام.
ومن هنا نرى أن هذه الضرائب التي تُجبى ليس للدولة منها إلا جزء يسير، لا كما حَلُم به واضعو هذا الإعلان، من جبايتها لأجل أن تدخل في جيوبهم أثناء تسنُّمِهِم المناصب في البلاد. بل إن هذا الجزء الصغير إنما يُصرَف أيضاً في صالح المجتمع الإسلامي من ضمان سير أمور الدولة على ما يرام وتطبيق قوانينها بصورة عادلة صحيحة.
وللضرائب الإسلامية نظام وضعه الإسلام، لكي يحدَّ من التلاعب الذي قد يتدخل في جباية الضرائب أو توزيعها، وهو ما يسمى باصطلاح الفقهاء بالزكاة والخمس. وهو نظام دقيق مفصَّل مذكور في محله من الفقه الإسلامي. ويمكن أن نلاحظ
-إذا تصفحنا النظام- أن من خصائصه جعل الضريبة على رأس المال بالإضافة إلى جعلها على الربح. وفي ذلك حدٌّ من تضخم الثروة أكثر من اقتصار الضريبة على الربح مع التحفظ على رأس المال، لأن هذا المال الذي يبقى عند صاحبه سوف يُنتج أضعاف ما أخذ منه، أما لو وُضِعَت الضريبة عليه مباشرة لكان في ذلك حداً حاسماً لتضخم الثروة.
كما يمكن أن نلاحظ أن ليس في هذا النظام ضرائب تصاعدية تزيد نسبتها كلما زاد المال. بل الضرائب الإسلامية إما ثابتة النسبة عند زيادة المال، وإما أن تكون (تنازلية) تقل نسبتها بزيادة المال.
كما نلاحظ قلَّة الكمية المدفوعة في الضريبة على نحو العموم، فإن منها ما
ـــــــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
يكون جزءاً واحداً من أربعين جزء، كما في زكاة الذهب والفضة، ومنها ما يكون عُشراً أو نصف العُشر كما في زكاة الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وأكبر نسبة مفروضة من الضريبة هي الخمس.
ولكن رغم هذه الضآلة في كمية الضرائب، فإنه يمكننا أن نلاحظ، بأدنى تفكير، كميات الأموال التي يمكن أن تُجبى بموجب هذه الضرائب، وكم سوف ينتفع منها المجتمع الإسلامي؟ تَصَوَّرْ كَمْ ستكون الأموال الناتجة إذا أُخرج الخمس من أرباح التُّجار ومن المعادن والجواهر وما أُخرج من البحر عن طريق الغوص وما أُخرج من المناجم ومن الأموال المختلطة بالحرام، ومن الأموال التي اكتُسبَت عن طريق الرِّبا والاحتكار والقيام بالفعاليات المحرمة إسلامياً كاحتراف البغاء أو الغناء، وغير ذلك مما يجب فيه الخمس.
وتصور ما إذا أخرج كل زارعٍ زكاة زرعه، وكل راعٍ زكاة أنعامه، وكل مصرف وتاجرٍ زكاة ما يملك من مسكوك الذهب والفضة، وغير ذلك مما تجب فيه الزكاة. كم من الأموال سوف تجتمع حينئذ، ثم توزع مجاناً على مستحقيها من الفقراء والمساكين واليتامى والمحتاجين والعبيد الأرقاء، ممن قد عدَّدنا بعضهم على نحو الإجمال فيما سبق، كما يوزع على المصالح العامة وتعمير المرافق العامة ثم يُصرف باقيه على مصالح الدولة.
كما أننا نلاحظ، حول هذه الضرائب، تلك اللَّفتات الرحيمة التي أوردها الإسلام في شروط وجوب دفع الضرائب، مما يجعل دفعها سهلاً يسيراً من ناحية، وقليلاً من ناحية أخرى، وفي ذلك تيسير للمالك إلى أكبر حدٍّ ممكن. فقد اشترط الإسلام في زكاة الأنعام السَّوم والحَول، فلا زكاة عليها إن أتعب مالكها نفسه على إطعامها وتربيتها، أو كانت في ملكه مدة أقل من العام الكامل. واشترط في دفع العُشر من الغلات الأربع، أن يكون الزرع قد سقي
ـــــــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
بطريقة طبيعية كالمطر أو من نهر مجاور فائض، أو أنه امتصَّ الماء بواسطة جذوره في الأرض. أما إذا كان المالك قد تكلَّف له السِّقاية وبذل عليها مالاً وجهداً فلا يجب أن يدفع إلا نصف العُشر. واشترط في وجوب الخمس في مال التجارة أن يُخرج صاحب المال أولاً مقدار ما يصرفه على نفسه وعياله بحسب متوسط حاله وبالشكل اللائق به عادة، على ألا يكون باذخاً مبذراً وإلا وجب دفع الضريبة على المال الذي يذهب في هذا السبيل أيضاً.
***
من كل ما مضى نعرف كيف وبأية طريقة حكيمة ورحيمة، طبَّق الإسلام ما شرطه هذا الإعلان، من أنه يجب ألا تكون الضريبة أكثر من طاقة الإنسان. كما نعرف أهداف الإسلام السامية العميقة في سَنِّ الضرائب، إنها ليست فقط كما توصل إليه ذهن واضعي هذا الإعلان من الصرف على القوة العامة والإدارة، بل إنه ينبغي أخذ الضرائب لكثير من المصالح الاجتماعية والدينية، تلك المصالح التي أرجو أن قد لاحظتها فيما سبق، والتي من جملتها الصرف على القوة العامة والإدارة.
ـــــــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-19-
المادة الرابعة عشر: لجميع المواطنين الحق في أن يَتَثَبَّتُوا بأنفسهم أو بواسطة نوابهم، من ضرورة الضرائب العامة، وأن يقبلوا بها برضاهم، ويراقبوا إنفاقها، ويحدِّدُوا نسبتها ومقدارها، وكيفية جبايتها ومدَّتها.
وقد جاء واضعو هذا الإعلان بالشروط المذكورة في القسم الأخير من هذه المادة والتي تخصُّ اطِّلاع الشعب على الضرائب التي تُفرَض عليه. لما لديهم من مسبقات ذهنية مستقاة من تأريخهم السابق المباشر، الذي عاصروه والذي كان ممتداً في أوربا من قبلهم طوال قرون. فإن الضرائب في تلك العصور الأوربية المظلمة كانت لصالح الملك أو الإقطاعي، لا لصالح الصرف على الشعب وتمويل القوة العامة والإدارة. ومن ثم فإن الشعب لم يكن يؤخذ له صوت فيها(1) حتى يتثبتوا من ضرورتها أو يقبلوا بها برضاهم.
كما أنه لم تكن نسبتها ولا مقدارها ولا مدتها ولا كيفية جبايتها محددة. فربما طلب الملك في يوم من الأيام نسبة معينة من الضريبة، وربما طلب في يوم آخر مقداراً معيناً من المال لا بد أن يجمعوه من بينهم. كما أنها كانت تجبى في الفصل الزراعي أو تجبيها جماعة معينة(2) إلى آخر ما هنالك من
ـــــــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر ما قلناه في مبدأ هذا البحث من طريقة التصويت في مجلس الطبقات العامة.
(2) محاضرات في التاريخ الحديث، الدكتور فاضل حسين.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أساليب الفوضى والفساد. ولهذا أراد واضعو هذا الإعلان أن يسدُّوا باب هذا الاضطراب لما يجلبه عليهم من وبالٍ وخراب في حياتهم الاقتصادية.
والإسلام بصفته نظاماً إلهيّاً، فهو لا يعترف بالتمثيل البرلماني. لأنه يضع قوانينه حسب المصالح الحقيقية للإنسانية تلك المصالح التي يعلمها الله عز وجل بحكمته البالغة اللانهائية، والتي سبق أن أكَّدنا أن العقل البشري قاصر عن إدراكها بخصوصيتها، لما فيها من ملابسات نفسية شعورية ولا شعورية، وعواطف واعتبارات لا يمكن أن يطَّلع عليها أي واضع بشري لقانون مهما كان محيطاً بأحوال المجتمع وسكانه. والتمثيل البرلماني إنما شُرِّع لأجل التأكد من صحة وعدالة القانون من ناحية، ولكي يُطبَّق على الشعب برضاهم فلا يكونوا محكومين بسلطة غاشمة. ولكن ما دام القانون الإلهي الصادر من القوة اللانهائية العالمة بخصائص البشرية وصفاتها، والقاصد إلى نشر الرفاه والسعادة بين أفرادها وشعوبها, ما دام هذا القانون عادلاً من حين وضعه. وما دام المسلم بصفته مسلماً، راضٍ بالأخذ بهذا القانون وتطبيقه لما يرى فيه من العدالة والخلود. إذن فلا حاجة تبقى لدى الشعب المسلم إلى التصويت على أي قانون من القوانين الإسلامية.
بالإضافة إلى ما سبق أن أكدناه أن إرادة الفرد المسلم وحريته بيد خالقه لا يملك منها شيئاً، فالله (عز وعلا) هو الذي يوجِّهه ويقوده إلى الحق بقوانينه وتعاليمه. ولم تُشَرَّع الانتخابات البرلمانية إلا على أساس الاعتراف بحق الفرد في أن يحكم نفسه، وهو مُنتفٍ أساساً في الدولة الإسلامية ولدى الفرد المسلم.
ـــــــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-20-
المادة الخامسة عشر: للهيئة الاجتماعية أن تحاسب كل موظف عمومي، عن أعماله.
يقصد واضعو هذا الإعلان، من الموظف العمومي، الموظف في دوائر الدولة، في مقابل الموظف في شركة أو منظمة أو حزب.
أما بالنسبة إلى رأي الإسلام في محتوى هذه المادة، فهو يوضع موضع التفصيل. لأن هذا الموظف العمومي إما أن يقصد منه رئيس الدولة الإسلامية، الإمام المعصوم . وإما أن يقصد مَنْ سواه من الموظفين في الدولة.
أما الإمام المعصوم عليه أفضل التحية والسلام. فهو بعصمته وطهارة نفسه وقربه من الله عز وجل، غنيٌّ عن المراقبة والمحاسبة. فإن الذي ينبغي أن يُحاسَب هو الشخص الذي يُحتمَل في شأنه الخطأ والهفوة، أما الإمام المعصوم عليه الصلاة السلام، الذي يستحيل عليه ذلك بما لديه من الملكة القدسية الروحانية، التي يتدرع بها ضد الذنوب والآثام, تلك الملكة التي نسميها بالعصمة, والتي يُبرهَن عليها في محلها من الأدلة الإسلامية، فإنه أجَلُّ قَدْراً وأعظم نفساً من أن يُحاسَب على أعماله، فإن هذه العصمة هي التي جعلته أهلاً لتولِّي هذا المنصب العظيم.
بالإضافة إلى أننا نتساءل عن الشخص أو عن الجماعة أو عن الشعب الذي
ـــــــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
يتولى مراقبته، مع أنه أفضل أهل عصره جميعاً، وأدقهم نظراً، وأوسعهم ذهناً، وأبعدهم بالطرق الصالحة التي ينبغي أن تطبق بها القوانين الإلهية، التي فُوِّضَ إليه تطبيقها. فإن الشعب لن يجد من هو خير منه رأياً، ولا أصوب منه وجهة نظر، بعد أن أختاره الله (عز وعلا) ليكون حجة على عباده. ولن يكون ما يُقتَرَح عليه، من قبل ذوي العقول الأنانية القاصرة، إلا دون ما يرى من حيث العمق والرُّشد.
***
وأما إذا كان المقصود من الموظف العمومي، سائر موظفي الدولة، غير رئيس الدولة الإسلامية. فإن أي موظف من هذه الدولة تتوجه إليه الرقابة الشديدة من عدة جهات، ولكل جهة منها من السلطة والقوة في معاقبة الفرد، وبصورة فعالة وعميقة، الشيء الكثير. وعليه فهو مُراقَب:
1- من قبل الله عز وجل، الذي خلقه وأنعم عليه بالحياة والعقل والمال، وسهَّل له سُبُل المعيشة، ووضع في خدمته الأرض والحيوان والمزروعات وكل العوامل الطبيعية، وشرَّع له من التعاليم والأنظمة ما يسمو به إلى درجات الكمال، وعلّمه من القيم الأخلاقية والروحية ما تُيَسِّرُ له صفاء نفسه وسمو روحه. فهو مراقب من قبله عز وجل في جميع حركاته وسكناته، ومسؤول عن جميع أخطائه وهفواته. يجزيه عليها بعدالته أو يغفرها له برحمته.
2- وهو مُراقَب من ضميره الإسلامي. فإن الإسلام يصهر نفس المسلم في بَوتَقَتِهِ، ويجعل من عواطفه وملكاته النفسية مزاجاً إسلامياً رائعاً، ويوجهها في سبيل الدين والخير وخدمة المجموع. وخاصة وقد تربَّى مثل هذا الفرد في أحضان المجتمع الإسلامي الخاشع لله (عز وعلا) المطيع لأوامره الحكيمة،
ـــــــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
والضمير إنما يتكون عن طريق الشحن فيه من القِيَم والاعتبارات، عن طريق المجتمع الذي يتربى فيه الفرد، ويترعرع فيه عقله وتنضج فيه نفسه. ومن ثم فهو يكون مرآة للمجتمع الذي تكوَّن فيه، يأمر صاحبه وينهاه عن مستلزمات ذلك المجتمع وآدابه، ومن ثم فكلما كان المجتمع مهذباً فاضلاً تسوده العادات الطيبة والقوانين العادلة، كان الضمير أهدى لصاحبه وأوصل به إلى طريق الخير.
ومن ثم كان الضمير الذي تربى بين أحضان المجتمع الإسلامي ضميراً إسلامياً، يهدي للحق ويُرشِد إلى السداد، كما يراه الإسلام بحكمته البالغة. والضمير هو أقوى وأقرب قوى الرقابة من الفرد، وأبعد أثراً من كل التأثيرات الخارجية على نفس الفرد وتصرفاته.
3- وهو مُراقَب من قبل الإمام المعصوم عليه الصلاة والسلام رئيس الدولة الإسلامية، الذي جعله في هذا المنصب ليخدم مواطنيه ويقضي حوائجهم، ويسعى في سبيل مصالحهم، ويخلص أداء واجبه في سبيل شعبه وأمته. فإذا صدر منه أدنى تقصير أو إسفاف، يكون عُرضة للّوم والتأنيب من قبل الإمام. فإذا انصاع إلى الحق فقد اهتدى، وإلا عُزِلَ عن منصبه، وعُوقِبَ بما يستحقه، على حسب القوانين الإلهية العادلة. ويؤتى بدله بشخص آخر يحلُّ محلَّه، يكون أخدم لشعبه وأخلص لدينه ولواجباته.
ونجد من تلك المواعظ والتوجيهات، التي يبعثها الإمام، إلى موظفيه وعماله ليَحُثَّهُم على الخير ويزجرهم عن الشر، نجد من ذلك في نهج البلاغة الشيء الكثير. فقد كان أسلوب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، في الحكم، أسلوباً إسلامياً مثالياً، تجسدت فيه قوانين الإسلام وتعاليمه بما فيها من عدالة وإرشاد وصلابة في سبيل الحق.
ـــــــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
فقد كان عليه الصلاة السلام، يؤكد على إبداء النصيحة والتوجيه إلى عُمَّاله الذين يبعثهم ليحكموا الأقطار الإسلامية، ويشدِّدُ عليهم في التأنيب عند أدنى زلَّة أو مُوبقة ينحرف فيها عن الدين أو يخرج بها على حقوق الأمة، وذلك لما يعلمه في ثاقب بصيرته، من أن ذلك أقوَمُ لعماله، وأجدى من توجيه أعمالهم حتى تكون مطابقة للحق وتعاليم الإسلام.
فمن النصائح والتوجيهات التي بعثها الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، هو عهده المشهور إلى الأشتر النخعي، عندما وَلّاه على مصر. ذلك العهد الجامع لصفات الحكم الصحيح وأسلوب القيادة العادل، وخير الوجوه التي ينبغي أن يكون بها سلوك الحكَّام في معاملتهم مع الناس وتصريف شؤون الدولة. يبدأه  قائلاً: (بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اَللَّهِ، عَلِيٌّ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ اَلْحَارِثِ اَلْأَشْتَرَ، فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ، جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَجِهَادَ عَدُوِّهَا وَاِسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا. أَمَرَهُ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَإِيْثَارِ طَاعَتِهِ وَاِتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، اَلَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا، وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَ إِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ جَلَّ اِسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَ إِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ، وَ أَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسِهِ مِنَ اَلشَّهَوَاتِ وَيَزَعَهَا عِنْدَ اَلْجَمَحَاتِ فَإِنَّ اَلنَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ اَللَّهُ)(1).
ومما يندرج في المقام ذلك التأنيب العنيف الذي بعثه إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها، في حين أنه ينبغي للحاكم العادل أن يَعُفَّ عن مثل هذه الأساليب المادية الدنيئة وألا يبيع قلبه لقاء وليمة أو نقود. قال : (أَمَّا بَعْدُ، يَا اِبْنَ حُنَيْفٍ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ اَلْبَصْرَةِ، دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تُسْتَطَابُ
ـــــــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة للإمام علي: شرح محمد عبده، ج3، ص82.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
لَكَ اَلأَلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ اَلْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ، فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا اَلْمَقْضَمِ، فَمَا اِشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ)(1).
ومن ذلك، ما كتبه عليه الصلاة السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامله على (أردشيرخُرَّة)(2)، وهو من أعنف كتبه وأشدها تأنيباً للحاكم المتجاوز على تعاليم دينه والظالم لرعيته. قال سلام الله عليه: (بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلَهَكَ، وَأَغْضَبْتَ إِمَامَكَ، أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ اَلْمُسْلِمِينَ اَلَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ، فِيمَنِ اِعْتَامَكَ(1) مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ، فَوَ الَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَبَرَأَ اَلنَّسَمَةَ، لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقّاً، لَتَجِدَنَّ بِكَ عَلَيَّ هَوَاناً، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً، فَلاَ تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ، وَلاَ تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ، فَتَكُونَ مِنَ اَلْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً)(2).
4- والموظف في الدولة الإسلامية، مراقَب أيضاً، من قبل أمته وشعبه الذي يتولى فيه بعض الأعمال والإدارات، فإن ذلك من البديهيات الإسلامية، وهذه الرقابة، هي الأسلوب الوحيد الذي التفت إليه واضعو هذا الإعلان، من أساليب الرقابة، وذلك لأنهم إنما يمثِّلون مصالحهم وواقعهم وتأريخهم الخاص، وكل ذلك أبعد ما يكون عن الأفق الواسع الذي ارتقى إليه الإسلام بتعاليمه الحكيمة.
فلكل مواطن أن يرفع ضد أي موظف، في الدولة الإسلامية، شكوى حول أي خروج على تعاليم الدين أو صلاح الأمة، وسوف تُسمَع دعواه برحابة
ـــــــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة للإمام علي: شرح محمد عبده، ج3،ص70.
(2) بلدة من بلاد العجم.
(1) اعتامك: اختارك.
(2) تجد كل هذه النصوص في نهج البلاغة. صفحاتها بترتيب ما ذكرناه منها: 89، 90، 92، ج2.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
صدر، طبقاً لما عهده أمير المؤمنين  إلى مالك الأشتر، حيث يأمره في عهده المشهور قائلاً: (وَاِجْعَلْ لِذَوِي اَلْحَاجَاتِ(1) مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً، فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ اَلَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ (2)عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ(3) حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ(4) فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ  يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ: “لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ(5) لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ اَلْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ”. ثُمَّ اِحْتَمِلِ اَلْخُرْقَ(6) مِنْهُمْ وَاَلْعِيَّ(7) وَنَحِّ عَنْهُمُ اَلضِّيقَ وَاَلْأَنَفَ(8) يَبْسُطِ اَللَّهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ وَيُوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ)(9).
ثم إن الإمام  ينظر في شكوى المشتكي، ويفحص عن حال الموظف بدقة، فإن ثَبُتَ أنه قام بمخالفة لتعاليم الإسلام، أو ظلم لبعض أفراد شعبه، أَنَّبَهُ أو أقصاه عن منصبه وعاقبه، إن كان ذنبه يستحق العقاب. وإلا رَدَّ المشتكي رداً جميلاً، وبقي الموظف في منصبه لخدمة مصلحة الإسلام العُليا.
ولعلنا نستطيع أن نستشهد لهذه الرقابة الشعبية الإسلامية ببعض الحوادث التأريخية، كالذي كان يقوم به أبو ذر عليه الرحمة والرضوان، لما أعطى عثمان بن عفان مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال، واختص زيد بن ثابت بشيء منها. جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بَشِّرِ الكافرين بعذاب أليم، يرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم))(10).
ـــــــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــــ
(1) لذوي الحاجات أي المتظلمين تتفرغ لهم فيه بشخصك للنظر في مظالمهم.
(2) أي تأمرهم بالقعود عنهم وعدم التعرض لهم.
(3) الشُرَط -بضم ففتح-: طائفة من أعوان الحاكم، وهم المعروفون بالضابطة، واحده -شُرْطَة- بضم فسكون.
(4) التعتعة في الكلام: التردد فيه من عجز وعِي، والمراد غير خائف تعبيراً باللازم.
(5) لن تُقدَّس : لن تُطَهَّر.
(6) الخُرق ـ بالضم ـ: العنف ضد الرفق.
(7) العِي ـ بالكسر ـ: العجز عن النطق.
(8) الأنَف ـ محركة ـ: الاستنكاف والاستكبار.
(9) نهج البلاغة للإمام علي: شرح محمد عبده، ج3، ص102.
(10) شرح النهج لأبن أبي الحديد ص256 ج8
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-21-
المادة السادسة عشر: كل هيئة اجتماعية لا تكون الحقوق مَصُونة فيها، ولا تضمن فصل السلطات، تعتبر محرومة من الدستور.
كان الفيلسوف السياسي (مونتسكيو) أول من توسَّع في شرح نظرية (فصل السلطات) والتنويه بأهميتها في كتابه (روح القوانين) ومن رأي (مونتسكيو) أنه يجب أن تفصل كل من السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، عن الأخرى فصلاً تاماً، وإلا حاولت إحداها التدخل في أعمال الأخرى أو السيطرة عليها بأية وسيلة، وإلا انعدم كل ضمان للحرية الفردية.
ويشرح (مونتسكيو) رأيه على النحو الآتي: إذا اجتمعت السلطتان التشريعية والتنفيذية في نفس الشخص أو نفس الهيئة فلا حرية. ذلك أنه يعرض عندئذ خطر قيام نفس الملك أو نفس المجلس بِسَنِّ قوانين ظالمة وتنفيذها بطرق مجحفة. وكذلك لن تكون ثمة حرية إذا لم تكن السلطة القضائية منفصلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. ولو أنها انضمت للسلطة التشريعية لغدت حياة الأفراد وحرياتهم تحت رحمة الأهواء. ذلك لأن القاضي يغدو عندئذ مشرعاً. ولو انضمت للسلطة التنفيذية لأصبح القاضي قوة الظالم المتعسِّف(1).
ـــــــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــــ
(1) المذاهب الاجتماعية الحديثة ص39.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
فكأن واضعي هذا الإعلان كانوا متأثرين بأفكار مونتسكيو(1) وقد نقد الأستاذ محمد عبد الله عنان هذه النظرية، على طريقة الفكر الحديث، بعد أن نقل ملخصاً عنها وهو الذي نقلناه فيما سبق، قال: (وقد كان لهذه النظرية في القرن الثامن عشر وقع عميق، وقد تأثرت بها دساتير الولايات الأمريكية منذ تحريرها. على أنها ما لبثت أن تضاءلت أمام تجارب القرن التاسع عشر، وتبدو اليوم أعرق النظم الديمقراطية، وقد تشابكت فيها السلطات الثلاث، بأوضاع وفي حدود معينة. وليس أدلُّ على ذلك مما هو ملحوظ في نظام الحكم الإنجليزي من أن السلطة التنفيذية، وهي الوزارة، تزاول سلطة الحكم وإعداد مشاريع القوانين. ثم إن الوزارة بأغلبيتها الحزبية البرلمانية، تستطيع أن تحصل على إقرار هذه القوانين على يد الهيئة التشريعية. وهنا تبدو نظرية فصل السلطات ضئيلة الأثر. ولا يمكن أن يقال إن الحريات قد أُهدِرت في ظل نظام برلماني يقوم على أساس الأغلبية الحزبية).
ولم يعلم الأستاذ أن ما ذكره لا يمكن أن يرد نظرية فصل السلطات أو يدحض ما قامت عليه من دليل، فإننا وإن كنا لا نستطيع الآن أن نناقش بالتفصيل خصوصيات النظام البرلماني القائم على أساس الأغلبية الحزبية، لأن ذلك يحتاج إلى سعة في القول لا يتحمله المقام. ولكننا نقول بنحو الإيجاز: إن طريقة التصويت هذه تؤدي إلى نوع من الدكتاتورية أيضاً. غاية الأمر أنها مغطاة بأغشية كثيرة برّاقة من الأسماء والصفات. فإن ما ذكره من وضع الوزراء للقوانين، وأخذ أغلبيتهم الحزبية البرلمانية عليها، لا يعدو أن يكون أكثر من دكتاتورية حزبية ضيِّقة، وذلك لأن جماعة من الحزب وهم الوزراء، تضع القانون
ـــــــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في التاريخ الحديث.
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
وجماعة أخرى من الحزب نفسه وهم النواب، تصادق عليه، ويُطَبَّق القانون على الشعب طبقاً لرأي أحد أحزابه.
أما الزعم بأن أكثرية البرلمان تمثل أكثرية الشعب، إذن فمن الحق أن يطبق القانون على الشعب بقرار أكثرية ممثليه، فباطل. لأنه حتى مع غض النظر عن التساؤل عن معنى كون كل فرد من البرلمان ممثلاً للعدد الذي أصبح نائباً عنه، وعلى أي أساس صحيح يبتني هذا التمثيل، فإن الأكثرية البرلمانية لا تحصل لحزب، حتى تحت النظم الديمقراطية المثالية، إلا تحت عوامل نفسية وعاطفية واجتماعية كثيرة وكثيرة جداً تلازم عملية التصويت وتؤثر فيها آثاراً مختلفة.
بالإضافة إلى أن نسبة معينة من الشعب هي التي يحقُّ لها التصويت دون من سواهم ممن لم تجتمع فيهم الشروط. ثم إنه هناك نسبة معينة ممن يحق لهم التصويت يعتبر إحرازها إحرازاً للأكثرية ثم هناك نسبة معينة من النواب تنعقد بهم الجلسة الرسمية للبرلمان، وهناك نسبة معينة من الحاضرين يخرج بها القانون إلى الوجود ويصبح نافذ المفعول على الشعب. فلو فرضنا أن كل هذه النسب أُخذت بأقل مقدار ممكن تصبح بها نسبة قانونية، فإنه حتى مع صحة التمثيل وضمان الديمقراطية. فإن القانون سوف يصدر بأصوات ممثلي شرذمة صغيرة من الشعب. وفي أقل القليل أن يصادف أكثرية ساحقة في إحدى هذه النسب فضلاً عن جميعها.
من هنا نعرف أنه لا بد من فصل السلطات الثلاث في الدول الاعتيادية غير الإلهية، والتي يتولى فيها كلاً من السلطات الثلاث أفراد عاديون، وإلا ذاق الشعب أنواعاً من الظلم والتَّعسُّف.
أما بالنسبة إلى الدولة الإسلامية، فليس هناك سلطة تشريعية لأن كل
ـــــــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الجهات في الدولة خاضعة لله (عز وعلا) ومؤتمرة بأمره، ومتمسكة بتعاليمه.
إذن فالقوانين في هذه الدولة منفصلة أساساً عن كلٍّ من السلطة التنفيذية والقضائية، ليس لأحد التحكم بها أو تغييرها فكل من القاضي الشرعي والحاكم الشرعي يقومان بتنفيذ القوانين الإلهية بأمانة وإخلاص.
أما بالنسبة إلى الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية، فهو غير موجود في الإسلام. فإن الإمام المعصوم ، هو الذي من حقه أن يحكم بين الناس كقاضٍ، وهو الذي ينفذ الأحكام، كما أنه هو الذي يدير شؤون الدولة. فإن كانت تمنعه أشغاله عن النظر فيها أو كان البلد بعيداً، أو في زمان الغيبة، كزماننا هذا، نصب الإمام من يختاره لأجل فَضِّ المرافعات بين الناس. ومن حق القاضي المنصوب أن ينفذ الأحكام التي يصدرها بحق المجرمين. ولكن ذلك لا يعني التَّعسُّف والظلم في الدولة الإسلامية كما يمكن أن يعينه في الدول الأخرى، فإننا إذا عرفنا صفات الإمام المعصوم عليه الصلاة والسلام، تلك الصفات التي سبق أن أشرنا إليها أكثر من مرة، وعرفنا من الذي يمكن أن ينصبه الإمام ليكون قاضياً بين المسلمين، وكيف أن هذا القاضي مراقب أيضاً من قبل الجهات التي عددناها في المادة الرابعة عشر من هذا الإعلان، تحاسبه على أي شطط أو خروج على تعاليم الإسلام في تحريه أو محاكمته أو في صدور حكمه أو في تنفيذه الحكم. فإذا بان أنه قد ظلم شخصاً، أو تعسف بالحكم ضد أحد، أو خرج على القواعد الإسلامية الموضوعة للقضاء، فإنه يعرض نفسه لغضب الله تعالى عليه، وغضب إمامه وأمته. بالإضافة إلى أن للفرد المظلوم الحق أن يعرض الدعوى على محكمة أخرى لتنظر فيها من جديد أو أن يدَّعي ضد القاضي في محكمة ثانية لتقوم إذا ثبت جرمه، بمعاقبته على جرمه.
ـــــــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
أما كون أن الهيئة الاجتماعية التي لا تكون الحقوق مَصُونةً فيها، لا يضمن فيها الفصل بين سلطاتها الثلاث، تكون محرومة من الدستور، طبقاً لما اعتبره هذا الإعلان. فكأن حرمانها من الدستور بمنزلة العقاب، يريد أن ينزله واضعو هذا الإعلان على مثل هذه البيئة التي تستهين بالحقوق الإنسانية، أي بإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي وضعه هؤلاء البرجوازيون على حسب مصالحهم الخاصة، والتي تستهين بفصل السلطات التي هي جوهر الديمقراطية في رأي (مونتسكيو). والحرمان من الدستور أمر مرعب يعني أن يعامل واضعو هذا الإعلان تلك الهيئة الاجتماعية بالظلم والتعسُّف بالأمور الخارجة عن الدستور بحجة أن هذه الهيئة الاجتماعية غير مشمولة للدستور, لأن الحقوق غير مصونة فيها ولا تضمن فصل السلطات!
وكان الأَوْلى بواضعي هذا الإعلان أن يترفقوا مع هذه الهيئة الاجتماعية ويأخذوها بالإحسان، فإنها هيئة اجتماعية ((ضالَّة))! وكان خيراً لهم لو قرروا الإصرار على تطبيق الدستور في ربوعها، وإلزامها بحقوق الإنسان، حتى تهتدي لرأيهم، وترجع إلى أوامرهم ومتطلباتهم.
أما بالنسبة إلى الإسلام فإن الهيئة الاجتماعية التي تتمرد على بعض تعاليمه، فإنها في الواقع مُتمرِّدة عليه نفسه، فإن تعاليم الإسلام وحدة متماسكة يشدُّ بعضها بعضاً وتأزر إحداها الأخرى، وتؤتي ثمارها مجتمعة كأحسن ما تكون الثمار، وأما تطبيق بعض تعاليمه، فلا يمكن أن يثمر الثمر المرجو كما لو طُبِّقَ في ضمن إخوانه من التعاليم الإسلامية، بل إنه إنما يثمر بالمقدار الذي تسمح له الظروف السائدة المنبثقة من غير الإسلام أن يثمر. ولكن مع ذلك يجب تطبيق حتى الأمر الواحد من أوامر الإسلام فإن لكل أمر ونهي ثواباً وعقاباً مستقلين، بالإضافة إلى ما يرجى من ذلك من تطبيق جميع التعاليم الإسلامية
ـــــــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
في يوم من الأيام لو أخلص المسلمون للأخذ بدينهم القويم وفهموه حق فهمه.
ولكن الإسلام لا يعاقب هذه الهيئة المتمردة بحرمانها من الدستور، بل إنه يوجِّه إلى أفرادها المواعظ والإرشاد، والتفكير بالله عز وجل والثواب والعقاب والقِيَم الإسلامية المختلفة والتعاليم الإلهية العادلة، حتى تفيء إلى أمر الله تعالى. وهذه الهيئة الاجتماعية لا بد أن تتأثر بهذه الدعاية المتضمنة للدعوة إلى الله (عز وعلا) والوصول إلى الكمال الرفيع، ولو بعد مرور بعض الوقت مهما كانت موجة الإلحاد قوية ومستشرية. وإن لم تجد هذه المواعظ البليغة نفعاً، وإن لم تهز منهم الضمائر والأفكار، فإن على الدولة الإسلامية أن تُخضِعَ هذه الهيئة الإجتماعية عن طريق القوة والسلاح، دفاعاً عن الحق الضائع والتعاليم الإلهية المهدرة. لكي ترغم هذه الهيئة الإجتماعية إلى أمر الله عز وجل.
ـــــــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

-22-
المادة السابعة عشر: الملكية الخاصة هي حق مقدس لا ينقض. فلا يجوز أن تنتزع من أحد، إلا عندما تقضي بذلك المصلحة العامة الثابتة شرعاً، وبشرط أن يمنح مقدماً تعويضاً عادلاً.
وهذه المادة أهم مادة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن. هذا، بالنسبة إلى مصالح واضعيه، وذلك لأنها تمثل جوهر فلسفة البرجوازية. حيث إنها تعترف بحق الملكية وتعتبره حقاً مقدساً لا ينقض. وإضفاء هذه الصفات على هذا الحق يعني أن واضعي هذا الإعلان قد أعطوا حق التملك صفة إلهية دينية لأهميته، فلا يجوز أن تنتزع الملكية من أحد، إلا عندما تقضي بذلك المصلحة العامة أي المصلحة البرجوازية الثابتة شرعاً. أي في القوانين التي يضعونها بأنفسهم لتطبق في بلادهم والتي تمثل مصلحتهم وفلسفتهم الخاصة. وبشرط ان يمنح مقدما أي قبل أن تأخذ منه الضرائب تعويضاً عادلاً (1).
إما كون أن الملكية حق مقدس لا ينقض، فلا بد أن يوضع لمناقشته موضع التفصيل: فإنه أما أن يقصد منه كون أن للإنسان الحق في أن يملك شيئا ما، في مقابل أن لا يحق له أن يملك أي شيء. وأما أن يقصد منه أن لا يقف
ـــــــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــــ
(1) مقتبس عن محاضرات في التاريخ الحديث، الدكتور فاضل حسين
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
دون التملك لأكبر كمية من المال عائق، وأن يكون للفرد الحق بامتلاك أية كمية من المال مهما زادت وتضخمت، في مقابل ما يوضع من النظم والقوانين للحد من هذا الاستشراء البغيض.
أما بالنسبة إلى المعنى الأول، فهو وإن لم يكن مقصوداً لواضعي هذا القانون, لأن المصالح البرجوازية إنما تقتضي المعنى الثاني، كما هو واضح، إلا أننا ينبغي أن نتناول كلا الوجهين بشيء من النقد.
فإذا كان المقصود من حق الملكية في مقابلها سلبها سلبا تاماً، بحيث لا يحق للفرد أن يملك أي شيء، فحقاً أن هذا الحق ثابت لا ينقض، كما تريد النظرية الشيوعية أن تقوله، فإن التملك غريزة فطرية في نفس الإنسان، واجهها منذ أن واجه وجوده، فإن كون هذا الشيء راجع إلى هذا الشخص أو ذاك هو أمر من البديهيات الإنسانية التي لا يمكن للإنسانية التخلي عنها. وباستعمال هذا الحق يشعر الإنسان بالسعادة والاطمئنان والحرية، وانه متحكم في شؤون نفسه وعائلته، مسيطر على ما لديه من متاع، حر في أن يبيع وأن يشتري ما يشاء. ولذا نص علم النفس على أن من غرائز الإنسان الأساسية غريزة التملك أو الحيازة أو السيطرة، حتى إن (أدلر) اعتبرها الحافز الرئيسي للسلوك الإنساني، ووضع على أساس هذه النظرية آراءه ونظرياته بعد أن انشق على أستاذه (سيكموند فرويد) زعيم مدرسة التحليل النفسي.
وتخلف هذا الحق من الإنسان يحدث عنده كثيراً من العقد النفسية والانفعالات العاطفية الحادة، وتجعله معرضاً لأنواع من الأمراض النفسية والعقلية، من حيث شعور الإنسان بأنه لا يملك أبسط حق ينبغي أن يكون لديه، بالإضافة إلى أنه دافع غريزي والدافع الغريزي، يتطلب الإشباع فإن بقي خاوياً فإنه يعرض صاحبه إلى أمراض نفسية وعقلية كثيرة، تجعل الفرد بعد
ـــــــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
حدوثها، عالة على المجتمع لا يهتدي إلى وجه الصواب في أعماله. بالإضافة إلى شعور الإنسان بأنه محكوم طول عمره إلى سلطة قاهرة تملك عليه حتى طعامه وشرابه والأدوات الضرورية لأبسط أنواع الحياة. فهل يوجد تهديد للحياة الاجتماعية أعظم من هذا التهديد، إذا كان كل فرد معرضاً لمثل هذا الشعور ولمثل هذه الأمراض النفسية والعقلية.
بالإضافة إلى ما يحدثه منع هذا الحق، الذي يعني تكدس الأموال عند الدولة، من استيلاء زمرة معينة على جميع الثروة القومية دون أي فرد من الشعب، وتكون بذلك مسيطرة على أرواح الناس كما هي مسيطرة على أعمالهم، ويكفي لها في أن تجبر شخصها بالقيام بعمل ما، أن تهدده بمنع الطعام والشراب عنه, فيقوم بالعمل طائعاً خاضعاً وفي ذلك دكتاتورية ورأسمالية لم تشهدها حتى الدول الرأسمالية نفسها. بالإضافة إلى ما يحدثه منع هذا الحق، من هدر لنبوغ النوابغ، وعلم العلماء وعمل العمال الماهرين ومساواتهم بسائر الشعب في الأجر، وتحديده بالحاجات الضرورية وهي متساوية بين الناس عادة.
وقد كان هذا هو العائق الرئيسي عن تطبيق الشيوعية المتطرفة فإنه بدا واضحاً استحالة ذلك بعد وجود هذه الغريزة في نفس الإنسان وما يخلفه منعها من آثار سيئة ومن انعدام وجود الداعي عند العامل الماهر أو النابغة لأن يعمل مهارته أو نبوغه بعد أن كان أجره مساو لأجر الآخرين.
ولهذا السبب نفسه باءت الستالينية بالفشل وهي التي تدعو إلى الجمود على التعاليم الشيوعية كما وضعها ماركس وانجلز ضمن أفقهم وأوضاعهم الاجتماعية والنفسية والفكرية التي اتصفوا بها قبل قرن من الزمان. في حين بدت في الأفق دعوة جديدة إلى إخضاع التعاليم الشيوعية إلى الأوضاع
ـــــــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
المتطورة والمستلزمات البشرية الحالية. هذا في واقعه سقوط من البرج الشيوعي العاجي وخروج على التعاليم الشيوعية، بعد الاصطدام العنيف مع الواقع البشري.
وكان من أثر هذه الدعوة الجديدة أن أعيد التفاضل بين الناس في حدود ضئيلة وأعيد تشريع حق التملك لأكثر من ضروريات الحياة. مع بقاء جميع وسائل الإنتاج في يد الدولة تستخدم فيها العمال، الذين لا يجدون من موارد الرزق غير ذلك كما كان يستعمل الإقطاعي فلاحيه الأقنان.
وإما إذا كان المقصود من كون حق التملك مقدساً لا ينقض، أن يكون للفرد الحق في تملك أكبر كمية ممكنة من المال، مهما كان ذلك تعسفاً واعتداءً على حقوق الآخرين. فقد أصبح الآن مثل هذا الحق أقرب إلى الفكاهة التي تثير السخرية من كونها قاعدة إنسانية متبعة في المجتمعات المتمدنة، بعد أن ذاقت البشرية بعد الثورة الصناعية إلى الآن، الكثير من كوارث وأهوال الرأسمالية في وسائلها التعسفية السافلة من أجل حصولها على المال وتوسيع تجارتها وصناعتها، كما عانت البشرية الويل من نتائجها الموجعة الوخيمة، من تكدس الثروة عند زمرة معينة من الناس، وبقاء أغلبية الشعب في حاجة شديدة، يضطرون معها إلى الخضوع إلى أوامر هؤلاء الرأسماليين والانصياع لأوامرهم في استخدامهم في مصالحهم التجارية والصناعية.
ومن ثم نرى الحكومات بعد هذا الاصطدام المرير بالواقع، اضطرت إلى فرضها الضرائب وجعلها تصاعدية، وفرض بعض القيود والشروط على الإنتاج والتوزيع في سبل كبح جماح تكدس الثروة.
أما الإسلام فهو أقرب إلى الواقع من كل هذين المذهبين المتطرفين،
ـــــــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
بل إنه هو الواقع نفسه بأفضل صوره. فهو يعترف بالملكية الخاصة، ويأمن عن هذا الطريق من مساوئ إلغائها، وهو يضع عليها ضرائب وشروطاً، تضمن وقوفها عند حد غير مجحف بالمجتمع وهو في عين الوقت لا يضر صاحبه ولا يمنعه من التمتع الجميل الهادئ بالحياة. وبذلك يتخلص الإسلام من مساوئ تكدس الثروة بيد واحدة أو جماعة. وهو أيضاً يعترف بملكية الدولة جزءاً معيناً من المال مما يجبى إليها من الضرائب والخراج بعد أن يصرف باقيه في مصارفه الخاصة ويوزع على مستحقيه من الفقراء واليتامى والأرقاء وغيرهم. وبهذا يستفيد الإسلام من الملكية العامة أو التأميم الذي تنادي به الاشتراكية، ولكن في حدود معينة ليس فيها سطو على أموال الآخرين واستيلاء على ممتلكاتهم تعسفاً. ولكنه في عين الوقت يعين كثيراً في بناء المشاريع العامة والصرف على القوة العامة وإدارة الدولة.
***
أما ما قاله واضعوا هذه المادة من أن الملكية الخاصة لا يجوز أن تنتزع من أحد إلا عندما تقضي بذلك المصلحة العامة الثابتة شرعا، وبشرط أن يمنح مقدماً تعويضاً عادلاً. فهل يعني انتزاع الملكية سلب هذا الحق عن الفرد بحيث يصبح محظوراً عليه أن يملك أي شيء، فإن هذا بالإضافة إلى أنه يسبب المشاكل والأمراض التي ناقشناها قبل قليل، فهو مما لا يمكن أن تقضي به المصلحة العامة ولا يمكن أن يقول به قانون منصف مراع لطبيعة الإنسان. كما إنه لا معنى حينئذ أن يمنح الفرد تعويضاً لأنه لا يمكنه أن يتملكه بعد فرض سلب هذا الحق (المقدس) عنه.
أم إن المقصود من ذلك سلب ملكية الشخص عن بعض ما يمتلكه من
ـــــــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
المال عن طريق سن الضرائب أو غيرها. فهذا وإن كان مما تقره المصلحة العامة ويقره الشرع في كل من القانون الوضعي والقانون الإسلامي، إلا إنه لا معنى لأن يمنح مقدماً أو مؤخراً تعويضاً مهما كان نوعه، لانتفاء فائدة أخذ الضريبة منه، فإن ما أخذ منه سوف يرجع إليه عن طريق هذا التعويض. ولعمري أن هذا الاشتراط غريب جداً، فإنه لم تفرض الضرائب إذا لم تكن مؤثرة على اتساع الثروة، لولا أننا نعرف مقدماً أن هؤلاء قوم برجوازيون يخشون على أموالهم وعلى اتساع ثروتهم وتجارتهم وصناعتهم، ومن ثم يشترطون مثل هذا الشرط الغريب, لئلا تمس أمورهم المالية بسوء.
أما بالنسبة إلى الإسلام, فهو إلى جانب اعترافه بالملكية الفردية التي هي غريزة فطرية في الإنسان. لكي يتسنى للبشر أن يعيشوا بأموالهم الخاصة عيشة مرفهة وأن يملكوا حرياتهم ولا يكونوا خاضعين لتعسف الآخرين. إلى جانب ذلك وضع العوائق المتعددة في سبيل تحديد الثروة والوقوف أمام تضخمها واستشرائها لما يعلمه من الفساد الذي تجره الرأسمالية على المجتمع الإنساني.
وليست الضرائب هي السبيل الوحيد الذي حارب بها الإسلام تضخم الثروات، بل هناك أحكام معينة ساعدت على ذلك فمنها: الكفارات التي يجب أن يعطيها مرتكبوا أفعالاً معينة من المعاصي الإسلامية، وهناك الديات التي يعطيها مرتكبوا أنواع أخرى من المحرمات في الإسلام، كما إن هناك في الإسلام تحريم للربا الذي يؤدي إلى الإثراء غير المشروع على حساب الآخرين، وهناك تحريم الاحتكار، وتحريم الاكتساب بجملة من البضائع والأعمال، مما يضر بالأخلاق والآداب العامة وصفاء النفس ويعارض التعاليم الإسلامية.
كما إن هناك النداء الإسلامي العام لإعطاء المال استحباباً في سبيل الله (عز
ـــــــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
وعلا), للفقراء والمحتاجين واليتامى والمرضى وفي سبيل الصالح العام وبناء المرافق العامة والقيام بالشعائر الدينية، إلى غير ذلك من المناسبات الكثيرة التي يجدها من يريد أن يتقرب بماله إلى الله عز وجل. والله تعالى وعد هذا الفرد بالثواب الجزيل وبأن يهبه من رضاه، قربه المعنوي منه عز وعلا.
من كل هذا نرى أن الأموال التي يأخذها الإسلام من الفرد عن طريق الإيجاب أو الاستحباب إنما يأخذها لصالح المجتمع برمته، وطبقاً للمصلحة العامة الحقيقية، بدون ملاحظة طبقة دون طبقة أو جنس دون جنس أو جماعة دون جماعة، فمن صالح الأغنياء أن يؤخذ منهم المال لئلا يكونوا ظلمة متعسفين، وليشعروا ولو بصورة بسيطة بآلام الفقراء وآمالهم، وليحصلوا على الثواب الذي وعدهم الله تعالى به. ومن صالح الفقراء والمحتاجين أن يوزع عليهم فائض أموال الأغنياء لكي يستطيعوا أن يعيشوا برفاه وبكرامة من دون أن يكون لأحد منة عليهم سوى الله عز وجل، ومن صالح المجتمع أن يسعد فقراؤه وأن تسد حوائج محتاجيه ويعتق أرقاؤه ويربى يتاماه على أحسن أسلوب إسلامي مهذب. كما إنه من صالح المجتمع أيضاً أن تبنى فيه المساجد والمدارس والمكتبات والمستشفيات وغيرها. ومن صالح الدولة أن تحصل على ما تصرفه على موظفيها وعلى شؤونها وإداراتها.
وبالطبع فإن الإسلام أبعد نظراً من أن يعطي لقاء ما أخذ من الضرائب عوضاً، لأنه بذلك ينقض غرضه الأساسي من فرض الضرائب وهو محاربة تضخم الثروة، حيث إنه يعود المال إلى صاحبه عن طريق العوض، بل تنتقض جميع تلك الفوائد التي عددناها لفرض الضرائب، حيث لا يبقى من المال ما يوزع على الفقراء أو يصرف في شؤون الدولة بعد أن ينفق في تسديد الأعواض.
ـــــــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر

– 23 –
وختاما أرجو مخلصاً، أن لا تكون قد سئمت من هذه الجولة التي تجشمت عنائها، ولك الشكر أثناء تجوالك في ربوع إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي. لأني أعلم أنك صادفت في أثناء جولتك هذه ما يهز القلب ويخاطب العقل، ويسيطر على الضمير، وينبع من الفطرة والوجدان، من تعاليم إسلامية حكيمة، وأحكام إلهية عادلة، واطلعت على بعض صفات الفرد المسلم، وسمات الدولة الشرعية الإسلامية. ورأيت وجهة النظر الإسلامية في حقوق الإنسان والمواطن، وما يبديه الإسلام في سبيل ذلك من توجيه وإرشاد يرقى بالإنسانية إلى السعادة والكمال. ورأيت بشيء من التفصيل البون الشاسع بين هذا الإعلان الفرنسي ذي الصبغة البرجوازية الضيقة، وبين الدستور الإسلامي الخالد العادل، وما فيه، من سعة أفق وعمق تفكير وحكمة بالغة. كما اطلعت بوضوح على مدى السعادة التي تكتنف البشرية لو اتبعت أحكام الإسلام وطبقت تعاليمه وإرشاداته، وسارت الإنسانية في حل مشاكلها وتصريف شؤونها تحت ظل لوائه الوارف لكي ترقى في مدارج الكمال والسعادة والرفاه والخلود.
كما اطلعت على رأي الإسلام في جملة من الآراء التي يتبناها الفكر الحديث، كالحرية والديمقراطية والتمثيل البرلماني والعقد الاجتماعي، إلى غير
ـــــــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
هذه المفاهيم ووجهات النظر التي حاولت بإخلاص عرضها عرضاً موضوعياً ثم نقدها على أساس إسلامي صحيح، لكي يتبين الفرق بين الأفكار البشرية الضيقة وبين الدين الإلهي الخالد.
وغاية ما أوده هو أن أكون قد استطعت في هذا البحث أن أطلعك على بعض مزايا هذا الدين القيم الذي جاء به سيد المرسلين ورسول رب العالمين، نبي الإسلام العظيم صلى الله عليه وآله، والذي نشره بكد يمينه وعرق جبينه وضحى في سبيله بنفسه وبنفوس آله الكرام عليهم أفضل التحية والسلام وبنفوس كثير من أتباعه المخلصين. وهذا إنما يضحي في سبيل الله الذي خصه بالرسالة وحباه بالكرامة في سبيل هذا البشر، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
أرجو من الله العلي العظيم أن ينظرني بعين رضاه ورحمته، وأن يوفق الإسلام والمسلمين بما يحب ويرضى، وأن يجعل هذا الجهد المتواضع قربة خالصة لوجهه الكريم، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
دعنا قبل الوداع نرتل معاً بخشوع، قوله عز من قائل: ((رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ. رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)).

محمد الصدر
النجف الأشرف العراق
1/8/1382
21/12/1962
ـــــــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــــ
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، السيد محمد الصدر
الفهرس

المقدمة.. …7
تمهيد ..11
تاريخ الإقطاع في أوربا …15
الأوضاع في فرنسا قبل الثورة ..18
نص إعلان حقوق الإنسان والمواطن ..22
مناقشة المقدمة 26
المادة الأولى.. …29
المادة الثانية . ….36
المادة الثالثة …..40
المادة الرابعة .. …45
المادة الخامسة .. …50
المادة السادسة .. …56
المادة السابعة … ..86
المادة الثامنة .. …90
المادة التاسعة .. …95
المادة العاشرة .. …97
المادة الحادية عشر. ….106
المادة الثانية عشر . ….111
المادة الثالثة عشر.. …113
المادة الرابعة عشر.. …118
المادة الخامسة عشر.. …120
المادة السادسة عشر …..126
المادة السابعة عشر. ….132
الخاتمة.. …139
الفهرس. ….141