الجزء العاشر
271.1
ص44 الصدر، محمد.
كتاب الطهارة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج10(416ص.)؛ 17×24 سم.
رقم الإيداع
1693/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1693) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
6-93-699-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
كتاب الطهارة
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى
السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء العاشر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفصل الأوَّل
في غايات الوضوءات الواجبة وغير الواجبة
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
[قوله: فإنّ الوضوء إما شرط في صحّة فعل كالصلاة والطواف، وإما شرط في كماله كقراءة القرآن وإما شرط في جوازه كمس كتابة القرآن أو رافع لكراهته كالأكل…](1)
الوضوء إما أن يقصد به التوصّل إلى معنىً مضاف إلى المولى، إما واجب كالصلاة أو مستحب كالنافلة، أو يكون الشيء بمطلقه مطلوباً، والوضوء دخيلٌ في شدّة مطلوبيّته كقراءة القرآن، فيتوضّأ للحصول على الحصّة الشديدة، وهو قصد مضاف إلى المولى.
وقد يقصد بالوضوء إيقاعه بنفسه، وهذا فرع أن يكون الوضوء مستحباً ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 185- 186، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، اشتراط الصلاة والطواف بالوضوء.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
في نفسه، لكي لا يكون تشريعاً محرماً، فيقع الكلام في ذلك كما سيأتي.
وأما تعلّق النذر بالوضوء فصحّته فرع كونه راجحاً بأحد الأشكال السابقة، فلا يكون هذا قسماً مستقلاً.
يقع الكلام في القسم الأوّل:
ومن أقسامه أن يكون الوضوء دخيلاً في جواز الغاية وهي محرّمة في نفسها، كمسّ المحدث لكتابة القرآن، لو وجبت كإنقاذ القرآن من مكان غير مناسب.
إلَّا أنه وقع الإشكال في صحّة مثل هذا الوضوء، فإنَّه لا يكون مقدمَة لذات المسّ فإنّ المسّ ممكن بدونه كما هو واضح، وإنّما هو مقدمة للحكم الشرعي بجواز المسّ وهو من فعل الشارع، لا من فعل المكلف، فلا يكون الجواز واجباً على المكلف ليكون الوضوء مقدّمةً له.
إلَّا أنّ هذا الإشكال غير تامّ:
أولاً: أنّ طبيعي المسّ وإن لم يكن متوقّفاً على الوضوء، إلاَّ أنه لا يمكن أن يكون الطبيعي مصداقاً للواجب؛ لأننا نقول بعدم إمكان اجتماع الأمر والنهي، فيتقيد الواجب بالحصّة الجائزة أو الصادرة من متوضّئ، فيكون الوضوء مقدمةً للواجب.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ثانياً: أنه حتى لو لم يكن المسّ واجباً، مع ذلك نقول بصحّة الوضوء، كما لو كان للمكلف غرض شخصيّ بمسّ القرآن ليرى نوع الورق -مثلاً- والوجه في ذلك: أنّ هنا ثلاثة احتمالات يمكن أن تصدر من المكلف:
الاحتمال الأوّل: أن يمسّ محدثاً(1).
الاحتمال الثاني: أن يمسّ متوضئاً.
الاحتمال الثالث: أن لا يمسّ أصلاً.
والأول عصيان للحرام، والجامع بين الأخيرين امتثال له، ويكفي أن يكون الوضوء في إحدى حصّتي الجامع الذي يكون امتثالاً للحكم بالحرمة، فإنّ اختيار الجامع على الاحتمال الأوّل كان بقصد إلهي، وإن كان اختيار المسّ الوضوئي على عدم المسّ بقصد شخصيّ، ولا نقصد من القربيّة أكثر من ذلك. ولم يدلّ دليل على نوع معيّن من التقرّب مشترط في الوضوء.
ومنه يظهر الحال في الوضوء الرافع للكراهة، كأكل الجنب أو مطلق الأكل، فإنّ فيها نحواً من الاحتمالات الثلاثة السابقة، ويكون اختيار الجامع بين عدم الأكل والأكل متوضئاً، على الأكل محدثاً بداعٍ إلهيّ، وإن كان تفضيل الأكل متوضئاً على عدم الأكل بداعٍ شخصيّ.
ولكن ناقشوا في استحباب الوضوء للأكل أو كراهة الأكل بدون
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) محدثاً، متوضأ، حال من الفاعل المستتر.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الوضوء(1)، منهم صاحب الجواهر(2)، وهناك روايات(3) تأمر بالوضوء قبل الأكل وبعده، وهي إن تمّت دلالتها تدل على استحباب الوضوء قبل الأكل لا على كراهة الأكل بدونه.
إلَّا أنّ الفقهاء بمناسبات الحكم والموضوع وبضمّ المجمل إلى المبين من الروايات فهموا من الوضوء غسل اليدين قبل الأكل وبعده.
قوله: أو شرط في تحقق أمر كالوضوء للكون على الطهارة أو ليس له غاية كالوضوء الواجب بالنذر(4)
عدّد السيد الماتن من جملة موارد استحباب الوضوء: ما قصد به الوضوء لذاته بدون غاية ورائه، وذكر منها أيضاً ما كان غايته الكون على الطهارة، فنعرف أنه قصد من الوضوء معنىً غير الكون على الطهارة، وذكر جملة من الفقهاء، أنّ محلّ الخلاف في استحبابه إنما هو الوضوء بما هو، وإلا فلا ــــــــــ[18]ــــــــــ
() أنظر مثلاً: ذخيرة المعاد: 1: 53. ومدارك الأحكام: 1: 284. ومشارق الشموس: 2: 449.
(2) جواهر الكلام: 1: 25، قال: “(السادس عشر) قبل الأكل وبعده كما عن النزهة.
(3) انظر: المحاسن2: 425، كتاب المآكل، الباب 30، الحديث224، وسائل الشيعة24: 335، الباب 49 من أبواب آداب المائدة، الحديث: 1.
(4) العروة الوثقى1: 186، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، اشتراط الصلاة والطواف بالوضوء.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
خلاف في استحبابه بصفته مقدمةً للكون على الطهارة.
والتحقيق: أنّ للوضوء بهذا الاعتبار أربعة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أن يكون الوضوء مطلوباً بنفسه، بمعنى استحباب نفس الغسلات والمسحات بدون لحاظ أي شيء آخر زائد.
الاحتمال الثاني: أن يكون الوضوء مطلوباً بصفته طهارةً، فإنّ الطهارة عنوان اعتباري كالملكية والزوجية طبّقه الشارع بالعنوان الثانوي على الوضوء، فأصبح الوضوء طهارةً شرعاً، فكان مطلوباً.
الاحتمال الثالث: أن يكون المطلوب هو الطهارة بمعنى المسبَّب التوليدي عن الوضوء، ويكون نسبة الوضوء إليه كنسبة المقدمة إلى ذيها، لا كنسبة العنوان الثانوي إلى معنونه، كما في الاحتمال الثاني، وعلى أيّ حال، يكون الوضوء هو العلّة التامة لهذا المسبَّب التوليدي.
الاحتمال الرابع: أن ننكر كلّ ذلك، ونقول بعدم مشروعية الوضوء إلاَّ إذا قصد منه الغايات الأخرى، كالصلاة وقراءة القرآن(1).
وقبل الاستدلال على تعيين واحد من هذه الاحتمالات لا بُدَّ أن ننظر في الفرق العملي بينها فنقول:
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) أي الوضوء من القسم الأول.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أنه لا إشكال على الاحتمال الرابع بعدم الحكم بصحّة الوضوء ما لم يقصد به إحدى الغايات المشروعة الأخرى.
كما لا إشكال بناءً على الاحتمال الأوّل بصحته، ولو من دون أن يخطر في بال المكلّف شيء من الغايات، حتى الكون على الطهارة، لفرض تعلق الأمر الاستحبابي بنفس الغسلات والمسحات.
وإنّما يقع الكلام في الاحتمالين الوسطين.
أما الاحتمال الثاني فهو كالاحتمال الأوّل في عدم الحاجة إلى قصد الغاية حتى الكون على الطهارة، وذلك لأنّ الميزان العام في لزوم قصد العنوان أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أن يكون الفعل الخالي من القصد غير مصداق للمأمور به، وإنما يكون كذلك به، وذلك لتقوّم العنوان بالقصد كعنوان التعظيم، فإنَّه لا ينطبق على القيام إلاَّ مع قصد التعظيم.
وهذا هو الذي فهمناه من الأدلّة بالنسبة إلى الصلوات، فإنّ صلاة الصبح وصلاة الظهر والعصر ونحوها ليست مجرد نسبة إلى الأوقات، وإنما هي ماهيات مختلفة تتقوّم بقصد العنوان.
ومن هنا ورد بأنه “إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر…، إلَّا أن هذه قبل هذه في السفر والحضر…“(1)، فلو لم تكن متقومة بالقصد لما
ــــــــــ[20]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 55، كتاب الصلاة، الباب 6، الحديث: 16، وسائل الشيعة4: 130، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث: 20.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
صدق ذلك، إذ إنّ أيّ صلاة يوقعها المكلّف أولاً تكون مصداقاً للظهر، وإنما يصدق ذلك باعتبار كونها ماهيةً متقوّمةً بالقصد. ومن مقرّبات ذلك أيضاً أنه لو لم يكن العنوان قصدياً بل كان زمانياً محضاً لما بقي فرق بين صلاة الصبح ونافلة الصبح، لأنّ كليهما موقّتان صباحاً، فكيف يقال: إنّ نافلة الصبح قبل صلاة الصبح؟! إلاَّ بهذا الاعتبار.
وكذلك الحال في الأغسال إذ يفرق غسل عن غسل باعتبار العنوان القصدي المنطبق عليه، وإلى هذا يرجع قولهم بأنّ الأغسال ماهيات مختلفة(1).
ــــــــــ[20]ــــــــــ
() أقول: هذا الذي ذكره السيد، موافق مع المرتكز متشرعياً وفقهياً، ويؤدّي إلى التمييز بين الماهيات في المرتبة السابقة على الأمر بها.
لكن لا يخفى أنه من الناحية العملية لا نحتاج إلى ذلك، فإنّ تميزها في طول الحكم الشرعي كافٍ في إمكان امتثالها، وذلك بأن يكون التوقيت في الصلوات زمانياً، ويكون التمييز من حيث الحكم، فيكون الفرق بين نافلة الصبح والفريضة هو الوجوب والاستحباب، ووقت المستحبة قبل الواجبة.
وبتعبير آخر: يستحب إيقاع ركعتين قبل الفريضة أو قبل الركعتين الواجبة، وكذلك بعد الزوال، فصلاة الظهر هي الأربع ركعات الأولى، والعصر هي الثانية.
ويكون المراد من قوله: “إلاَّ أنّ هذه قبل هذه” إشارةً إلى ما هو ثابت في المرتبة السابقة ارتكازاً من رجحان تقدّم الأربع الأولى، والإلماع إلى أنَّ هذا تقدم إلزامي بحيث يبطل المتأخّر بدونه، ولا نريد بالأربع الأولى مجرد الرقم بالفريضة المشروعة أولاً، ومن هنا لو جاء بصلاتين من ذوات الأربع بنية الوجوب كفى، ولو قصد عنوان الفريضة الأولى والفريضة الثانية كفى، ولو قصد عنوان صلاة الظهر والعصر كفى. نعم، لو قلب العنوان لم يكف، ولعلّ من أدلة ما قلناه ما دلّ على أنه لو صلّى العصر ناسياً حتى أتمّها وتذكر أنه لم يصلّ الظهر فإنَّه ينويها ظهراً، ويصلي العصر، وهو دال على أنّ المطلوب أربع ركعات غير متعمد فيها الانعكاس.
والأمر في الأغسال أوضح فإنَّها زمانية، بمعنى كونها عقيب الحدث الرافعة له، فغسل الجنابة هو الغسل المتعقّب للجنابة الرافع للحدث، وهكذا ويشهد لذلك الحكم بتداخل الأغسال بدون الحاجة إلى قصد كل العناوين التي يتّصف بها المكلف من الحدث، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الأمر الثاني: أن يكون الفعل العبادي -وهذا أمرٌ ادُّعي في خصوص العبادة- يؤتى به اختياراً، واختيارية العنوان لا يكون إلاَّ بالقصد، فإن التقرّب لا يمكن إلاَّ مع اجتماع أمرين: أحدهما: الاختيار، والآخر: إباحة الحصّة، فلو وقعت منه الحصة المحرّمة بلا اختيار لم يكن عبادةً، كما لو أكرم الأموي بزعم كونه هاشمياً.
إلَّا أنّ هذا الأمر الثاني غير صحيح، لأنّ أخذ الاختيار بهذا المعنى في عبادية العبادة يحتاج إلى دليل، وكلّ ما في الأمر أنه لا بُدَّ في العبادة من توفّر الاختيار بالمقدار الذي يمكن معه قصد القربة، وأما الزائد على ذلك فلا، فلو كان المعنون اختيارياً دون العنوان أمكن التقرب بالمعنون، وإن لم يقصد العنوان.
فإذا تمّ ذلك جئنا إلى تطبيقه على باب الوضوء:
فنرى أنّ كِلا الأمرين غير تامين بالنسبة إليه، أما الأمر الثاني فلكونه ممنوعاً كبرىً -كما قلنا-، وأما الأمر الأوّل فلكونه ممنوعاً صغرى، فإنّ عنوان
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الطهارة ليس من العناوين القصدية التي يتقوّم بها الوضوء، فإنّ الطهور ينطبق على الوضوء ولو لم يقصده، إذن فالاحتمال الثاني كالأول في عدم لزوم قصد الغاية حتى الكون على الطهارة.
وأما الاحتمال الثالث: فالصحيح فيه هو ذلك أيضاً، لأنه فرّق بين نوعين من ذي المقدمة، النوع الأوّل: ما قد يترتّب وقد لا يترتب من قبيل الصلاة بعد الوضوء، والنوع الثاني: ما يكون مسبباً توليدياً عن المقدمة ومترتب عليه قهراً. ولزوم قصد الغاية لو تم فإنما هو في القسم الأوّل دون القسم الثاني، بل يكفي أن يعلم المكلّف إنما حال المؤتى مع الوضوء أحسن من حاله مع عدمه، فيأتي به ويكون عبادياً، من دون حاجة إلى قصد المسبب التوليدي.
فما قد يقال: من لزوم القصد، بدعوى: أنّ الوضوء في هذا الاحتمال غير مطلوب بنفسه، وإنما هو مقدمة إلى غيره، والمقدمية لا تصلح للعبادية، غير تام.
فإنّ المقدمة فيما لا يمكن انفكاكها عن ذيها إذا لم تكن موصلةً، كان وجودها وعدمها سيان لدى المولى، وإنما المولى يريد خصوص الحصّة الموصلة، فلا بُدَّ من القصد إلى ذي المقدّمة، أعني قصد التوصل، وأما المقدّمة التي تكون موصلةً دائماً، لأنَّها سبب توليدي، فهي دائماً حال المولى نحو وجودها أحسن من حاله نحو عدمها. فيكون ذلك كافياً في العبادية.
ومن هنا تكون الاحتمالات الثلاثة الأولى كلّها غير محتاجة إلى قصد الغاية، بخلاف الاحتمال الرابع.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قوله: والوضوء المستحب نفساً -إن قلنا به- كما لا يبعد(1).
استدل السيد الأستاذ(2) بالكتاب الكريم بقوله تعالى: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُـتَطَهِّرِينَ(3).
بتقريب: أنّ الآية بمنزلة الكبرى حيث دلّت على محبوبية كلّ متطهر، فنضمّ إليها صغرى من السنة الشريفة تدل على أنّ الوضوء طهور، فيثبت على أنه محبوب.
والبيان الفني لذلك أن يقال:
إنّ الرواية -لو ثبت وجودها- تكون حاكمةً على الكبرى المبينة في الآية، فإنّ الآية لها فرد حقيقي هو الطهارة من الأوساخ وهي النظافة، والرواية تضيف إليه فرداً تعبّدياً بالحكومة وتوسيع الموضوع، فيتمّ المطلب(4).
ــــــــــ[24]ــــــــــ
() العروة الوثقى1: 186، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، الاستحباب النفسي للوضوء.
(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 468، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، الاستحباب النفسي للوضوء.
(3) البقرة: 222.
(4) أقول: وهنا لا بُدَّ من الإشارة إلى بعض الأُمور:
أولاً: وافق السيد على أن هذا إنما يتم على الحكومة المرزائية لا الحكومة التي يقول هو بها، وهي المتوقفة على عموم التنزيل، لأنّ الرواية لا تدل على العموم، خاصة وأنه مضمون متصيّد فيؤخذ منه بالقدر المتيقن.
ثانياً: وافق السيد أيضاً أن يكون المراد من الآية الأعمّ من الطهارة المعنوية والحكمية، فإنهما يتفقان في المفهوم وإن اختلفا في المحلّ.
وذكر: أنّ الآية كأنها تريد أن تعطي كبرى لتطبّقها على التوبة، وهي أنّ التوبة نحو من التطهير، والله تعالى يحب كلّ متطهر أيّاً كان شكله.
وأمّا الإشكال الذي أورده السيد على أنّ المقصود لو كان هو خصوص الطهارة المعنوية لكان تكراراً للتوابين، فهو غير وارد؛ لأنّ التطهير من الذنوب قد يكون بتركها وقد يكون بالتوبة منها، أعني إما بالدفع أو بالرفع.
والمراد بالتوبة هو الرفع والمراد بالتطهير – بقرينة المقابلة- هو الدفع، فلا يكون تكراراً، ولو كان التطهير هنا أعمّ من الدفع والرفع، أمكن ذلكّ وكان أيضاً بمنزلة الكبرى، وكأنه يريد أن يقول: إنّ التائب عن الذنب كمن لا ذنب له، ومع ذلك تكون كبرى خاصةً بالطهارة المعنوية، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلاَّ أنّ هذا الوجه غير تام؛ لأنه إن أُريد به إثبات الجامع بين الوجوه الثلاثة الأولى السابقة ونفي الرابع، كان تامّاً، إلاَّ أنه خلاف ظاهر كلامهم، وإن أرادوا به إثبات أحد الوجهين الأولين في مقابل الثالث أي استحباب الوضوء بنفسه بعنوانه الأولي أو الثانوي -كما هو ظاهرهم- فهو لا يتم، لأنّ الآية تنسب الحبّ إلى المتطهّر، ولازمه ثبوت الحبّ لمبدأ الاشتقاق، وهو الطهارة.
وثبوت المحبوبيّة للوضوء يتوقّف على أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أن يراد بالطهور الطهارة، فيكون صغرى للكبرى المبيَّنة في الآية.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الأمر الثاني: أن يراد بالطهور فعل الطهارة، أو التطهير كما هو أحد استعمالي (فعول) ويراد بالمتطهّرين ذلك أيضاً، فيكون صغرى على كبرى أيضاً، ويتمّ المطلب.
وأمّا إذا لم يتم الأمران، بأن أريد من الطهور المطهِّر أو فعل الطهارة، ومن المتطهّرين نفس الطهارة، فلا تكون الكبرى منطبقةً على الصغرى، بل يتعين الاحتمال الثالث، إذ يكون الوضوء مقدمةً للطهارة المحبوبة.
ونحن إذا اقتصرنا على روايات (الوضوء طهور) لم نستطع أن نفهم منها الطهارة، فإن (فعول) قد يستعمل بمعنى المصدر وقد يستعمل بمعنى اسم الفاعل، فلا يتم الاستدلال.
إنّ صيغة (الوضوء طهور) لم ترد في رواية أصلاً، وإنما هو متصيّد من الروايات كرواية “لا تعاد”(1) التي منها الطهور(2)، وغيرها.
ولكن يمكن أن يستفاد ذلك من الروايات الدالة على أنّ للوضوء نحواً من البقاء والاستمرار، كالروايات الدالة على نقض الوضوء بالحدث، فإنّ النقض لا يكون إلاَّ لما هو مستمر، وإذا كان الوضوء بغسلاته ومسحاته غير قابل للبقاء فلا بُدَّ من إعمال إحدى عنايتين:
العناية الأولى: العناية في الإسناد بأن يراد نقض أثر الوضوء.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
() من لا يحضره الفقيه1: 279، باب القبلة، الحديث: 857، وسائل الشيعة1: 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث: 8.
(2) ولا صلاة الا بطهور، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
العناية الثانية: العناية السكّاكية في نفس الوضوء، بأن يعتبر شيئاً قابلاً للبقاء والاستمرار عناية. وما يكون قابلاً للبقاء هو الوضوء بما هو طهارة لا بما هو مطهّر، على ما تقتضيه مناسبات الحكم والموضوع، والعرف لا يرى لبقاء المطهِّر أي دخل أو أثر.
إنّ العناية الثانية مقدّمة على العناية الأولى، لأنّ العناية الأولى على خلاف القانون اللغوي العام بخلاف الثانية، فإنَّها حكم شرعي في الحقيقة باستمرار الوضوء أو الطهارة، فيكون صدوره من الشارع أمراً مطابقاً لمولويته(1).
وقولوا نفس الشيء بالنسبة إلى ما دلّ على كون المكلف (على وضوء) حيث يدل على أنّ الوضوء له نحو من البقاء والاستمرار، فإنَّه لا يصح كونه ــــــــــ[27]ــــــــــ
() أقول: ثبوت هذا الحكم الشرعي في طول ثبوت العناية الثانية، فلا بُدَّ من فحصها من زاوية لغوية في المرتبة السابقة على الحكم الشرعي. ولم يثبت كبروياً أنّ العرف يرى تفضيل أو أظهرية العناية السكاكية على عناية التقدير. وقد يكون العرف في المقام أكثر فهماً للعناية الأولى، لأنّ كون الوضوء مؤثّراً وموضوعاً لبعض الأحكام الشرعية أمرٌ مركوز متشرعياً بخلاف الإطالة الاعتبارية لما هو قصير الزمان تكويناً، فإنَّه يحتاج إلى تصرّف اعتيادي زائد.
هذا ولكن أثر الوضوء لو قدّرناه لا ينحصر في الطهارة النورانية التي يقولون بها، بل يكفي أن يكون أثره هو الحكم الشرعي بجواز الدخول في الصلاة وغيرها مما هو مشروط بالطهارة. فإنّ هذا الحكم بعد أن أصبح بالوضوء صفةً للمكلف، يكون قابلاً للاستمرار وقابلاً للنقض أيضاً، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
عليه إلَّا بهذا الاعتبار(1).
وأما الاستدلال بالسنّة فقد استدلوا بعدّة روايات:
منها: رواية الديلمي قال: “قال النبي: يقول الله تعالى: من أحدث ولم يتوضّأ فقد جفاني، ومن أحدث وتوضّأ ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ وصلى ركعتين ودعاني ولم أجبه في ما سألني من دينه ودنياه فقد جفوته ولست برب جافٍ”(2).
ــــــــــ[28]ــــــــــ
() أقول: هذا إنما يؤيد ما ذكرناه من كون الحكم الشرعي بارتفاع الحدث وجواز الإتيان بالمشروط بالطهارة، أصبح صفةً للمكلف، بعد مركوزية سببية الوضوء لذلك، وأنه قد يعبر أن المكلف على صفته كقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (يس: 4)، ولا يعبّر أنه باق على فعله إلاَّ بصفته منتجاً للاتصاف كقولنا (هو باقٍ على فساده)، على أنّ الفعل في هذا المثال يفترض كونه متكرراً بخلاف الوضوء.
هذا وقد يستعمل هذا التعبير فيما لا بقاء له قطعاً، كقولنا عن العطشان هو باقٍ على شربته السابقة أو عن الجوعان، هو باقٍ على وجبته بالأمس، بمعنى أنه لم يتناول بعدها شيئاً، إذن فما لم يحدث الفعل أثراً وصفة في الإنسان لا يكون قابلاً للبقاء والاستمرار، (المقرر).
(2) إرشاد القلوب (للديلمي)1: 60، الباب الثالث عشر، وسائل الشيعة1: 382، الباب 11 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يستدل بقوله: “من أحدث ولم يتوضّأ”، فإنَّه دالّ على محبوبية الوضوء، في الجملة، وقد يستدل به لإثبات الوجه الأوّل، وهو مطلوبية الوضوء بنفسه، إلاَّ أنه خلاف الإنصاف لمركوزية كونه أداةً للطهارة، والمركوز كالمذكور.
ومن هنا قال في الرواية: “ولم يصلّ ركعتين“، فقد لوحظ الحصّة الممكّنة من الصلاة، من حصص الوضوء، وهو الوضوء بما هو طهارة(1).
ومنها: رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: “قال أمير المؤمنين: الوضوء بعد الطهور عشر حسنات، فتطهروا”(2)(3).
وفي جواب ذلك نقول: إنّ الوضوء بعد الوضوء إذا كان مستحباً كان بعد الحدث مستحباً، بل هو أفضل، ولا يحتمل كونه أدنى منه.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
() أقول: عدم دلالة الحديث على الوجه الأوّل لو سلّم، فإنَّه لا يدل على خصوص الثاني، بل الجامع بين الثاني والثالث، فإنَّه يراد منه الطهارة الممكنة من الصلاة سواء كانت عنواناً ثانوياً للوضوء، أو سبباً توليدياً عنه، (المقرر).
(2) المحاسن1: 47، الباب 47، الحديث: 63، وسائل الشيعة1: 378، الباب 8 من أبواب الوضوء، الحديث: 10.
(3) أقول: هذا الحديث خاصّ بالوضوء لمن كان متوضئاً، ولذا قال: بعد الطهور، وقوله: “فتطهروا” وإن كان مطلقاً إلاَّ أن ما سبق قبله قرينة على المراد منه، وهو الأمر بخصوص الحصّة غير اللاحقة للحدث، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
هذا، وقد قال السيد الأستاذ(1) بأن هذه الروايات كلّها ضعيفة السند، فيبقى الدليل منحصراً بالآية الشريفة.
إلَّا أنّ هناك رواياتٍ معتبرةً دالةً على المقصود لم يُلتفت إليها. ومن هذه الروايات الدالة على الاستحباب النفسي للوضوء:
عن أبي عبد الله قال: “الوضوء شطر الإيمان”(2)(3)، رواها الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني، وهي معتبرة عند السيد الأستاذ باعتبار أن السكوني ثقة، والنوفلي وإن لم يكن موثقاً إلا أنه موجود في إسناد كامل الزيارات.
وهي دالة على استحباب الوضوء بعنوانه، لا بصفته مقدمةً للصلاة، وإلا كانت الصلاة شطر الإيمان. وهذا أحسن تعبير عرفي عن الاستحباب النفسي(4).
ــــــــــ[30]ــــــــــ
() انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 467-468، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، الاستحباب النفسي للوضوء.
(2) باب 1 من أبواب الوضوء، (المقرر).
(3) الكافي5: 210، كتاب الطهارة، الباب 46، الحديث: 8، وسائل الشيعة1: 366، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(4) أقول: قد يقال: إنّه كان يوجد بين مجتمع المعصومين احتمال أن يصلّي الفرد بدون وضوء، وقد وردت في محاربة هذا الاتجاه عدّة روايات (باب2 من أبواب الوضوء).
فإذا ضممنا هذه الرواية إلى هذا الأمر أصبحت ظاهرةً بشرطية الصلاة بالوضوء، وأنّ مقتضى الإيمان ذلك، وخاصّة وأنّ التعبير بالشطر يعطي كون الشطر الآخر هو الصلاة، ولا بُدَّ أن يجتمع الشطران ليتمّ الإيمان، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
محمد بن الحسن بإسناده، عن محمد بن علي بن محبوب، عن العباس، عن سعدان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله: “قال سمعته يقول: من طلب حاجةً وهو على غير وضوء، فلم تقض، فلا يلومن إلاَّ نفسه”(1).
وليس في سندها من ينبغي التنبيه عليه إلاَّ سعدان(2)، وهو ثقة لكونه ممن يروي عنه أحد الثلاثة.
ودلالتها على الاستحباب النفسي للوضوء واضحة، باعتبار أنّ العبد كلّما كان في حالة أقرب إلى مولاه أكثر كان حرياً للمولى تبارك وتعالى، أن يقضي حاجته أسرع ويوفّقه أكثر.
إذن، فلا ينبغي أن نفهم كون هذا الحكم تعبدياً محضاً، وإنما أمر بالوضوء، لقضاء الحاجة بصفته مطلوباً مطلقاً.
ويؤيده انه لم يأمر بالوضوء وإنما اكتفى بكون الإنسان على وضوء خلال قضاء حاجته، ولو لسبب آخر.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام1: 359، كتاب الطهارة، الباب 16، ح: 7، وسائل الشيعة1: 374، الباب 6 من أبواب الوضوء، ح: 1.
(2) انظر: فهرست الطوسي: 227، باب السين، باب الواحد، الرقم: 336، معجم رجال الحديث8: 99-100، باب السين، الرقم: 5089.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد عيسى، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن كردوس، عن أبي عبد الله قال: “من تطهر ثم أوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده”(1)(2).
وهي تامة سنداً إلى محمد بن كردوس(3)، وهذا الأخير ثقة، لأنه يروي عنه محمد بن أبي عمير.
وتقريب الاستدلال بها: أنها دالة على استحباب النوم على الطهارة، وإذا استحب النوم على الطهارة استحب الكون على طهارة مطلقاً، لأنه الفرد الأخفى لا الأجلى، فإنّ النوم بما أنه حالة فقدان المسؤولية والوعي من ناحية، وحالة ناقضة للوضوء من ناحية أخرى، فلا يحتمل أن يبقى على طهارة خلال نومه. وإنما المراد أنّ الإنسان يبقى على طهارة أكبر مدّة ممكنة، حتى المدة التي تتخلّل بين اليقظة والنوم، وهذا دالّ على المطلوبية النفسية.
ويمكن أن يستأنس بما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد، عن العباس، عن
ــــــــــ[32]ــــــــــ
() باب 9، كذلك، (المقرر).
(2) الكافي6: 599، كتاب الصلاة، الباب 92، الحديث: 5، وسائل الشيعة1: 378، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(3) انظر: رجال الطوسي: 293، باب الميم، الرقم: 4279-304، معجم رجال الحديث 17: 178، باب الميم، الرقم: 11642.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
علي بن مهزيار، عن أبي داود المشرق، عن هشام، قال “قلت لأبي عبد الله: إني أخرج في الحاجة وأحب أن أكون معقباً، فقال: إن كنت على وضوء فأنت معقب”(1)(2).
فبضمّ مناسبات الحكم والموضوع يفهم أنّ الوضوء حالة مرغوبة، فإنّ التعقيب عبارة عن كون الإنسان في عبادة بعد الصلاة، فكونه مع الوضوء معقباً يدلّ على كون الوضوء عبادةً، فإذا لم نفهم منها التنزيل التعبّدي أمكن أن نفهم منها الاستحباب النفسي.
وكلّ هذه الروايات لا تدلّ على الاحتمال الأوّل حتّى ما كان منها بعنوان الوضوء، كقوله: “الوضوء شطر الإيمان”(3) الإرتكازية كونه طريقاً إلى الطهارة. نعم، لا تدلّ على أحد الوجهين الثاني أو الثالث بالتعيين، بل تعين الجامع بينهما.
ولا أثر عملي في ذلك، وإنما يتعيّن الثاني بالآية الكريمة.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
() باب 17 من أبواب التعقيب، (المقرر).
(2) تهذيب الأحكام 2: 320، كتاب الصلاة، الباب 15، الحديث: 164، وسائل الشيعة 2: 457، الباب 17 من أبواب التعقيب وما يناسبه، الحديث: 1.
(3) وسائل الشيعة1: 366، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قوله: أما الغايات للوضوء الواجب: فيجب للصلاة الواجبة أداء وقضاء عن النفس أو عن الغير(1)
كتاباً وسنة وإجماعاً وضرورةً بكل أشكال الصلاة وإن كانت مستحبّةً.
قوله: ولأجزائها المنسية.
لسان الدليل الدال على وجوب الإتيان بالجزء المنسي كالسجود والتشهد بعد الصلاة لا يخلو من ثلاث احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أن يكون إلغاءً للتوقيت والترتيب مع المحافظة على الجزئية، فبدلاً عن أن يؤتى به في أثناء الصلاة يؤتى به بعدها.
الاحتمال الثاني: أن يكون بلسان القضاء بعد فواته في داخلها.
الاحتمال الثالث: أن يكون من باب الضريبة والعقوبة على التارك.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 186، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، وجوب الوضوء لقضاء الأجزاء المنسية وسجدتي السهو.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الأمر يكون على الاحتمال الأوّل ضمنياً هو نفس الأمر الثابت به بالدليل الأولي، ويكون على الاحتمالين الأخيرين استقلالياً، بعد سقوط الأمر الضمني الأولي.
أمّا بناءً على الاحتمال الثالث، فلا إشكال في عدم وجوب الوضوء خلال الجزء المأتي به بعد الصلاة، لأنه في الإمكان البرهنة، على نفيه إما بإطلاق دليل وجوب الإتيان به، أو بأصالة البراءة عن الشرطية لو نوقش بإطلاق ذلك الدليل، ومجرد كونه واقعاً بعد الصلاة مباشرةً لا يكفي لإثبات وجوب الطهارة، وكذلك الأمر بوجوبها في أجزاء الصلاة، فإنّ هذا المأتي به ليس جزءاً أداءً ولا قضاءً.
وأمّا بناء على الاحتمال الأوّل فبالعكس، أي لا إشكال من اشتراط الطهارة الحدثية، وذلك تمسّكاً بالدليل الأولي لوجوبها في الأجزاء الصلاتية، لأنّه منها.
وأمّا بناءً على الاحتمال الثاني، فقد يقال: إنّ مقتضى دليل القضاء هو الإتيان بهذه الأجزاء الفائتة بتمام خصوصياتها التي فاتت خلالها، بما فيها الطهارة، لأنّ الجزء المقضي لا بُدَّ أن يؤتى به كما كان يتقرّب بالإتيان به أداءً، فيكون نفس دليل وجوب القضاء دليلاً على اشتراط الطهارة.
إلَّا أنَّ تتميم ذلك موقوف على أن نرى كيفية اشتراط الصلاة بالطهارة، فإنّ فيها احتمالين:
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الاحتمال الأوّل: كون الطهارة شرطاً في الأجزاء بعنوانها. ومعه يكون هذا الوجه تاماً.
الاحتمال الثاني: كون الطهارة شرطاً في الأكوان الصلاتية لا بالأجزاء، وإن كان يجب اقتران الجزء بالطهارة بصفته كوناً صلاتياً، وليست الأجزاء بعنوانها مشترطةً بالطهارة.
ومعه لا يكون هذا الوجه تاماً، لأنّ المكلف ليس في كون صلاتيّ حين يأتي بالجزء المنسي، فما يشترط فيه الطهارة غير قابل للقضاء، وهو الكون الصلاتي، وما هو قابل لها وهو الجزء غير مشترط فيه الطهارة.
والمستظهر من هذه الاحتمالات هو الاحتمال الأوّل كما سيأتي في كتاب الصلاة، ومعه يكون الجزء المنسي مشترطاً بالطهارة كما عليه المشهور.
قوله: بل وسجدتي السهو على الأحوط.
الأمر في سجدتي السهو، هو كون دليلها منزل منزلة الاحتمال الثالث من الاحتمالات الثلاثة السابقة، بمعنى كونها بمنزلة العقوبة والضريبة على النسيان.
ومعه لا تكون الطهارة مشترطةً فيها، ويكون الاحتياط لها استحبابياً تمسّكاً بإطلاق دليلها، أو أصالة البراءة، ومجرد كونها بعد الصلاة مباشرةً لا يكفي لإثبات الاشتراط.
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قوله: ويجب أيضاً للطواف الواجب، وهو ما كان جزءاً للحج أو العمرة وإن كانا مندوبين، فالطواف المستحب ما لم يكن جزءاً من أحدهما لا يجب الوضوء له، نعم هو شرط في صحة صلاته(1).
الطواف إن كان فعلاً استحبابياً مستقلاً عن الحج والعمرة، فلا إشكال من عدم وجوب الوضوء فيه، وإن اشترط في صلاته، فلو طاف وتوضّأ وصلّى أجزأ.
وأما الطواف الذي يكون جزءاً من مناسك حجّ أو عمرة، فقد قام الدليل على اشتراط الطهارة فيه، فعن أبي حمزة، عن أبي جعفر أنه: “سُئل أينسك المناسك وهو على غير وضوء؟ فقال: نعم إلاَّ الطواف بالبيت فإنّ فيه صلاة”(2). فقد دلّت على وجوب الوضوء في الطواف بصفته منسكاً من المناسك لا مطلقاً.
ومعه لا يكون لهذه المسألة علاقة بالمسألة الأخرى، وهو كون الحجّ والعمرة الاستحبابيين إذا بدأ بهما وجب عليه أن يستمر بهما، وقد استدلوا عليه بالآية وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّـهِ(3).
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 187، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، وجوب الوضوء لقضاء الأجزاء المنسية وسجدتي السهو.
(2) الكافي 8: 607، كتاب الحج، الباب 134، الحديث: 2، وسائل الشيعة13: 376، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث: 6.
(3) البقرة: 196.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والصحيح أنه غير واجب، وأنه ليس هناك دليل لفظيّ على الوجوب من كتاب أو سنة، وأما الآية، فالمراد بها إيجاد الحجّ والعمرة أساساً كما هو مفسّر في الرواية، ولا دليل إلَّا الإجماع، وقد أخذنا منه بالقدر المتيقّن.
إلَّا أنّ هذا غير مربوط باشتراط الطواف بالوضوء؛ لأنَّه دلّ الدليل على كونه مشترطاً به عند كونه مَنسكاً للحج أو للعمرة، سواء كان مستحباً أو واجباً، وسواء قلنا بوجوب الإتمام أو لا، نعم الطواف المأتي به استقلالاً، لا يكون الدليل شاملاً له، فتنتفي شرطية الطهارة له بالأصل.
قوله: ويجب أيضاً بالنذر والعهد واليمين.
وهذا صحيح بعد القول باستحبابه النفسي بأحد الاحتمالات الثلاثة السابقة ونفي الرابع، فينعقد النذر فيكون واجباً.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ويجب أيضاً لمسّ كتابة القرآن إن وجب بالنذر، أو لوقوعه في موضع يجب إخراجه منه، أو لتطهيره إذا صار متنجّساً، وتوقف الإخراج أو التطهير على مسّ كتابته، ولم يكن التأخير بمقدار الوضوء موجباً لهتك حرمته، وإلا وجبت المبادرة من دون وضوء(1).
يقع الكلام حول ذلك في عدّة فروع:
كما هو المعروف(2) بينهم، ولم ينسب الخلاف إلاَّ إلى الشيخ الطوسي(3) وابن إدريس(4) حيث نسب إليهما القول بالكراهة.
واستدل على ذلك بالكتاب والسنة.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
() العروة الوثقى1: 187، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة.
(2) انظر: مختلف الشيعة1: 303-305، كتاب الطهارة، باب الوضوء، الفصل الرابع، مسألة: يكره للمحدث مس كتابة القرآن.
(3) المبسوط1: 23، كتاب الطهارة، فصل في كيفية الوضوء وجملة من أحكامه، كراهة مس المحدث للمصحف.
(4) انظر: موسوعة ابن ادريس الحلّي 8 (السرائر): 200، كتاب الطهارة، باب الجنابة وأحكامها، حرمة مس كتابة القرآن.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أمّا الكتاب فقوله تعالى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ(1).
بتقريب: أنّ الآية حصرت المسّ بالمتطهرين، فلا يجوز لغيرهم، ونحن حين نتكلّم عن الآية لا بُدَّ أن ننظر إليها مستقلّة عن تفسيرها بالرواية. والاستدلال بها للمطلوب يتوقّف على عدّة أمور كلها مما لا قرينة عليها، أو القرينة على خلافها(2).
الأمر الأوّل: أن تكون لا ناهيةً كقولنا: (لا تشرب الخمر)، أو نافيةً في سياق النهي ليثبت المطلوب، وأما إذا كانت خبريةً صرفةً فلا معنى لإثبات الحكم الإنشائي بها، وهذا مضافاً إلى أنّه لا قرينة عليه فإنّ هناك قرينتين على خلافه.
القرينة الأولى: أنّ قوله تعالى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ وارد ضمن سياق لبيان الصفات الثبوتية الكمالية للقرآن الكريم.
حيث قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ(77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78) لَا يَمَسُّهُ
ــــــــــ[40]ــــــــــ
() الواقعة: 79.
(2) أقول: سنرى أنَّ ما سوف يذكره السيد استبعادات للظهور المطلوب، قد تكون منتجة للظنّ الشخصي بعدمه الموجب لسقوطه عن الحجّية، وإجمال النصّ، وهذا لا يعني عدم إمكان دلالة الآية على هذا الظهور في نفسه لو دلّ عليه دليل خارجي كالرواية، أو دلالتها على الجامع بين الحصّة المادية والحصّة المعنوية من الطهارة لو أمكن، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إِلَّا المُطَهَّرُونَ(79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1) وقد تضمّن السياق الإخبار عن عدّة صفات للقرآن الكريم، وهو قرينة على أنّ الآية المستدل بها إخبارية عن صفة من تلك الصفات.
فإن قلت: يمكن أن تكون إنشائيةً، ويكون الحكم صفةً للقرآن الكريم.
قلنا: إنّ هذه عناية على خلاف السياق.
القرينة الثانية: أنه خلاف السياق العام للآية حيث وردت في سياق الكلام مع الكفّار المنكرين لله عز وجل، وللنبوة والقرآن، ومثل هذا السياق يناسب فيه ذكر الأمور التي تقع محلّاً للخلاف بين الناس، ولا يناسب ذكر الأمور الفقهية الإنشائية.
وبتعبيرٍ آخر: أنّ المولى في المقام يتكلّم مع من ينكر مولويته، فكيف يتصور استعماله لمولويته معهم(2).
الأمر الثاني: أن يراد بالمطهّرين المتطهرون من الحدث. وهو مضافاً إلى أنه لا قرينة عليه، فهناك من القرائن ما هو على خلافه.
القرينة الأولى: أنّ الطهارة من الحدث فرد اعتباري من الطهارة، والسورة نزلت في مكّة قبل تحدّد الارتكازات المتشرّعية والاصطلاحات الإسلامية، بل
ــــــــــ[41]ــــــــــ
() الواقعة، (المقرر).
(2) أقول: هذا ممكن، إذا كان الكفّار مكلّفين بالفروع، أو يدّعى اختصاص الآية بالمسلمين، وأما أنّ السياق لا يناسب الأحكام فهو مجرد استبعاد لا يرد على القرآن الذي عادته الجمع بين أشتات مختلفة بطريق بليغة، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لا يُعلم في ذلك الحين وجود تشريع أصل الوضوء، وإنما وجدت الإشارة إلى الأحداث والوضوء والغسل في القرآن في السور المدنية كسورة البقرة، حيث تحدّد الاصطلاح على كثير منها في زمان متأخّر عن العصر المكّي.
القرينة الثانية: أنّ المُطَهَّرون وردت بصيغة اسم المفعول، وهو يعطي عرفاً كون الطهارة معطاة من الخارج، وكون الإنسان قابلاً محضاً لها، في حين أنّ الطهارة من الحدث يكون الإنسان فيه فاعلاً وقابلاً، ولذا ورد فيه لفظ المتطهِّر ولم يرد فيه لفظ المطهّر ونحوه.
الأمر الثالث: عود الضمير في: لَا يَمَسُّهُ إلى القرآن الكريم. بمعنى النزول الحسّي له المتمثّل بالمصحف كما يناسبه لفظ المسّ الذي يعطي – بطبعه- المسّ الحسّي.
إلَّا أنّ هذا لا يتم لاحتمال عود الضمير إلى الكتاب المكنون، وهو أقرب في العبارة من القرآن حيث قال: إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ(77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ(1) والمراد بالكتاب المكنون الكتاب السماوي، أو اللوح الذي سُجّل عليه القرآن. ويراد بالمسّ المسّ المعنوي ويراد بـالمُطَهَّرُونَ الملائكة.
على أنّ إعادة الضمير للمصحف مما لا يمكن، لعدم وجوده في العصر المكّي، وإنما وجدت له بعض النسخ في العصر المدني من حياة رسول الله صلى الله عليه وآله والقرآن ليس بناؤه على إيراد الأحكام للأمور الافتراضية التي قد تحدث في المستقبل، وإنما كان الحكم ينزل طبقاً للحوادث المعاشة الواقعة فعلاً، فإذا لم يكن
ــــــــــ[42]ــــــــــ
(1) الواقعة: 79.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
هناك مصحف فلا ينزل الحكم بحرمة مسّه. فالاستدلال بالآية غير تام.
وأما السنّة، فمنها:
عن أبي الحسن قال: “المصحف لا تمسّه على غير طهر، ولا جنباً ولا تمسّ خطه (خيطه) ولا تعلقه، إن الله تعالى يقول: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ“(1)(2).
وقد ناقش السيد الأستاذ(3) بهذه الرواية سنداً ودلالةً:
أمّا سنداً فلأن الشيخ يرويها بسنده إلى علي بن الحسين بن فضّال وهو غير معتبر.
وأمّا دلالة فلاحتوائها على أمور غير محرّمة جزماً، فلا بُدَّ أن تحمل على الكراهة، وكِلا المناقشتين صحيحتان.
إلَّا أنّ المناقشة في الدلالة إنما تتمّ على مبنانا لا على مبنى السيد الأستاذ تبعاً للمحقق النائيني(4)، وهو كون صيغة الأمر والنهي موضوعةً لمطلق الطلب،
ــــــــــ[43]ــــــــــ
() باب 12 من أبواب الوضوء، (المقرر).
(2) تهذيب الأحكام1: 127، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 35، وسائل الشيعة1: 384، الباب 12 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(3) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 474، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، وجوب الوضوء لمسّ المصحف.
(4) انظر: فوائد الأصول1: 136، المقصد الأول، الأمر الخامس.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ويتعيّن الوجوب والتحريم بحكم العقل فيما لم يرخّص به الشارع. فإنَّه على هذا المبنى تكون وحدة السياق محفوظةً بالرغم من اختلاف الأحكام.
ومنها مرسلة حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله قال: “كان إسماعيل بن أبي عبد الله عنده، فقال: يا بني أقرأ المصحف، فقال: إنّي لست على وضوء، فقال: لا تمسّ الكتابة ومسّ الورق وأقرأه“(1)(2).
وهي واضحة الدلالة على المقصود، إلاَّ أنّها ساقطة من حيث السند.
ومنها رواية علي بن جعفر، التي نقلها الشيخ بإسناده إليه، ورواها صاحب الوسائل عن كتابه: عن أخيه موسى بن جعفر: “أنه سئل عن الرجل أيحل له أن يكتب القرآن في الألواح والصحيفة وهو على غير وضوء؟ قال: لا”(3)(4).
ــــــــــ[44]ــــــــــ
() أيضا: باب 12 من أبواب الوضوء، (المقرر).
(2) تهذيب الأحكام1: 127، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 35، وسائل الشيعة1: 383، الباب 12 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(3) نفس الباب، (المقرر).
(4) مسائل علي بن جعفر: 168، قسم المسائل، الحديث: 278، وسائل الشيعة1: 384، الباب 12 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والاستدلال لا يكون بمدلولها المطابقي، فإنَّها تدل على حرمة الكتابة على غير وضوء، وإنما يستدل بها على حرمة المسّ بأحد طريقين:
الطريق الأوّل: تنقيح المناط من حيث إنّه إذا كانت الكتابة محرمةً كان مسّها محرماً لوحدة المناط.
والطريق الثاني: أنّ الكتابة بما هي كتابة لم يقل أحد بحرمتها من المحدث، فيكون ذلك قرينةً على أنّ المراد المسّ. بمعنى الكتابة الملازمة للمسّ، ولعل الغالب في تلك الأزمنة التي كان نسخ المصحف الشريف تتكثر عن طريق كتابة اليد، كان المسّ محلّ الابتلاء وغالبياً(1).
ــــــــــ[45]ــــــــــ
() أقول: يكفي في مناقشة هذه الرواية الطعن في هذين الطريقين بعد عدم مساعدة دلالتها المطابقية على المطلوب.
أمّا تنقيح المناط فهو ليس بحجّة ما لم يبلغ القطع، وليس هنا قطعياً وإن كان مظنوناً.
وأمّا مسألة الإجماع على عدم الحرمة فغايته الحمل على الكراهة، ومعه لا حاجة إلى التقدير، كما سوف يشير إليه السيد.
ولو تنزّلنا إلى التقدير كان المحرّم خصوص المسّ المجتمع مع الكتابة لا مطلقاً، إذ مع الإطلاق يكون العنوان المأخوذ في الدلالة المطابقية للرواية لاغياً، وهو على خلاف الفهم العرفي، فإنّ العرف إن رضي بالتقدير فإنَّه إنما يرضى بالتقدير الذي لا يلزم منه إلغاء العنوان، وإلا كان الحمل على الكراهة متعيّناً في مقابله.
وأمّا كون الكتابة ملازمةً مع المسّ غالباً فهو تصور خاطئ، إذ الكتابة بأسلوبها القديم تفسد مع المسّ، فكان الخطّاطون يتعمّدون عدم المسّ لما يكتبون وإن لم يكن قرآناً، فإن لم نقل بأنّ الأغلب هو عدم المس إلاَّ صدفة، فلا أقل أنّ الأغلب ليس هو المسّ، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
عدم إمكان استفادة المطلوب من الرواية
إلَّا أنّ الظاهر أنّنا لا نستفيد من الرواية ما هو المقصود لوجوه:
الوجه الأول: أنّ كتابة القرآن الكريم في ذلك الحين كانت شائعةً فإنّ تكثير نسخه كان عن طريق اليد، خصوصاً مع اهتمام المسلمين بضبط القرآن الكريم، وقراءته، والتبرك به والاستفادة من مناهله، كما أنّ الحدث أمر شائع، وأما الشخص الملتزم بأن يكون على وضوء دائماً فهو الفرد النادر، ومعه فإن كان هذا الحكم الإلزامي موجوداً لتناقله الناس وعرف في المجتمع، ومعه فلا أقلّ من حصول قول بعدم الجواز بحيث لا ينعقد الإجماع على الجواز، مع أننا رأينا إجماع علمائنا بل علماء المسلمين على الجواز. وهذا معناه لزوم الحمل على الحكم التنزيهي(1).
ــــــــــ[46]ــــــــــ
() أقول: هذا الوجه يمكن عرضه بعدّة أشكال أخرى أفضل:
الشكل الأوّل: كون الإجماع قرينةً على الكراهة ابتداءً.
الشكل الثاني: كون السيرة على كتابة المحدث بالأصغر للقرآن منعقدةً في زمان الأئمة عليهم السلام، وهي لا يكفي في الردع عنها وجود هذه الرواية فقط.
الشكل الثالث: أنّ تسجيل علمائنا السابقين لهذه الرواية والتفاتهم إليها مع عدم فتواهم على طبقها يدلّنا على إطلاعهم على نقص فيها سنداً أو دلالة.
ومن الواضح أفضلية أيّ واحد من هذه الأشكال على ما ذكره السيد، في هذا الوجه الأوّل، مع إعمال التأمّل، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الوجه الثاني: أنّنا نفهم من كل رواية وردت بعنوان الأمر أو النهي الظاهر بالوجوب أو التحريم، ولم يكن هناك قول بهما، ونحتمل أن يكون هناك ارتكاز قائم على عدمه في عصر صدور النص، بحيث لم يفهم الراوي التحريم ابتداء من الإمام.
ومعه يكون ذلك من قبيل القرينة اللُّبِّيّة المتصلة الموجبة للإجمال.
الوجه الثالث: معارضتها برواية داود بن فرقد: وهي ما رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله قال: “سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض قال: نعم، لا بأس قال وقال: تقرأه وتكتبه ولا تصيبه يدها”(1)(2).
وهي وإن كانت بعنوان التعويذ، إلاَّ أنّ القرآن هو الفرد الأوضح منه، بحيث إنّ تقييده بعدمه أمر على خلاف المتعارف والفهم العرفي، وحيث دلّت على جواز كتابته يكون ذلك قرينةً على حمل الرواية السابقة على الكراهة(3).
ــــــــــ[47]ــــــــــ
() باب 37 من أبواب الحيض، (المقرر).
(2) الكافي5: 289، كتاب الحيض، الباب 19، الحديث: 5، وسائل الشيعة2: 342، الباب 37 من أبواب الحيض، الحديث: 1.
(3) أقول: قد يقال: إنّه تختصّ رواية ابن فرقد ببعض القرآن، لأنه لا يكتب في التعويذ إلاَّ القليل منه عادة، وتختص رواية علي بن جعفر بكتابة المصحف إلاَّ أنه يقال: إنّ تلك الرواية ظاهرها أيضاً كتابة قسم من القرآن على الألواح والصحيفة، وليس المراد من القرآن المصحف كله. نعم ظاهرها تمحض الكتابة للقرآن مع أنّ التعويذ قد يقرن بغيره، فلو احتمل الفرق من هذه الناحية فلا يكون نافياً له إلَّا إطلاق التعويذ لصورة ما إذا كان قرآناً كلّه، والأمر سهل بعد وضوح عدم الحرمة، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ولكن تكون رواية داود بن فرقد(1) دليلاً في مسألتنا، لأنه قال: ولا تمسه بيدها، وهو وإن كان مطلقاً للقرآن وغيره، إلاَّ أنه يمكن تقييده بعد وضوح الجواز في غير القرآن.
وهل يمكن أن يستدل برواية علي بن جعفر للمقام؟ الظاهر أنه لا يمكن؛ لأنه إذ يدور أمرها بين الحمل على الكراهة، أو استبطان الكتابة للمسّ، يكون الأوّل هو المتعين عرفاً.
ومنها: رواية أبي بصير وهي الدليل المعول عليه قال: “سألت أبا عبد الله عمن قرأ في المصحف وهو على غير وضوء، قال: لا بأس ولا يمسّ الكتاب”(2)(3).
فإن حمل الكتاب على الكتابة فهو المطلوب، وإن حمل على ما فيه الكتابة، فالمقصود هو القدر المتيقّن منه(4).
ــــــــــ[48]ــــــــــ
() مرت قريباً.
(2) باب 12 من الوضوء، (المقرر).
(3) الكافي5: 153، كتاب الحيض، الباب 33، الحديث: 5، وسائل الشيعة1: 383، الباب 12 من أبواب الحيض، الحديث: 1.
(4) أقول: المراد لغةً من الكتاب هو الكتابة، ثُمَّ نقلت إلى مجموعة الأوراق المكتوبة، ولعلّ هذا هو المراد في الرواية، وخاصّة بعد الالتفات إلى أنّ القراءة في الكتاب – بالمعنى الثاني- ملازم مع مسّه وتقليب الورق عادةً فيكون إجازة القراءة إجازةً لها، وقرينةً على صرف لفظ (الكتاب) عن أن يكون هذا هو المراد، وينحصر المراد بالكتابة.
نعم، لو أريد منه المعنى الثاني، فلا معنى لكون الكتابة هي القدر المتيقن، فإنّ الكتاب بهذا المعنى هو مجموعة الأوراق المكتوبة، بحيث أخذت الكتابة جهةً تعليليةً في مفهومه تفريقاً له عن غير المكتوب، فيكون الجزء المكتوب وغيره سواء في الحرمة، فحين يقوم الدليل على جواز مسّ الحاشية لا يمكن التحفّظ على الدلالة التضمنية أو الالتزامية بحرمة مسّ الجزء المكتوب من الكتاب. إلاَّ أنّ الصحيح هو إرادة الكتابة، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفرع الثاني في مشروعية تعلّق النذر ونحوه بمسّ القرآن، فيكون الوضوء واجباً لذلك:
لا يبعد جواز تعلق النذر به؛ باعتبار كون المسّ تعظيماً للقرآن أو تبركاً به، فيكون راجحاً شرعاً، أو ننتقل إلى اليمين التي لا يشترط فيها الرجحان بهذا المعنى بل يكفي فيها التساوي أو الرجحان الدنيوي، فلو أقسم على مسّ القرآن يكون الوضوء مقدمةً واجبةً له.
لا إشكال في وجوب الوضوء مقدمةً له، بناءً على ما اخترناه من الحرمة. وإنما الكلام فيما لو كان تأخير الإنقاذ هتكاً للقرآن، بحيث لا توجد للمكلّف فترة من الوقت للوضوء فهل تنتقل وظيفته إلى التيمم أو لا؟
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
المعروف بين جماعة(1) من الفقهاء هو وجوب التيمّم في هذه الصورة لأنه غير واجد للماء لهذه الغاية، وإن كان واجداً للماء في نفسه؛ لأنّ الأمر تعلّق بالمسّ الفوري، ومعه يكون غير قادر على التيمم، كما لو ضاق الوقت بالنسبة إلى الصلاة، كما لو طهرت الحائض أو بلغ الصبي في ضيق الوقت، فإنَّه لا يكون واجداً للماء لهذه الغاية.
والسيد الأستاذ(2) استشكل في صحّته بل في مشروعية هذا التيمّم، بل منع في المقيس عليه، وهو الصلاة على القاعدة لولا مؤونة خاصّة فيه لا ترد في محلّ الكلام، كما سيشار إليه.
وينحل ما أفاده إلى كلامين:
الكلام الأوّل: أنّ موارد ضيق الوقت سواء للصلاة أو للمسّ غير مشمولة لدليل وجوب التيمم؛ لأنّه أخذ في موضوعه عدم الوجدان، وبقرينة عطف المرض على السفر في الآية نعرف أنّ المراد معنى ملائم مع عدم وجود الماء
ــــــــــ[50]ــــــــــ
() انظر: مستمسك العروة الوثقى2: 274، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء، توقف الاخراج او التطهير على مسّ كتابته، قال ما نصّه: (… نعم لو أمكن التيمّم بقصد الكون على طهارة وجب)، التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 476، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء، توقف الاخراج او التطهير على مسّ كتابته.
(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 477، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء، توقف الإخراج أو التطهير على مسّ كتابته.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
حقيقةً، كما في المسافر، أو عدم التمكّن من استعماله، كما في المريض.
وهذا الجامع بكِلا فرديه غير موجود في المقام؛ لأنّ الماء موجود على الفرض وهو متمكّن منه، غاية الأمر أنه لو توضّأ يفوت الواجب.
ونفس الشيء يقال في ضيق وقت الصلاة، ومقصود السيد الأستاذ الضيق الناتج من غير التسامح والتماهل، وإلا فإنّ في مشروعية التيمم مع التماهل إشكالاً معروفاً غير مربوط بمحلّ الكلام.
الكلام الثاني: في الفرق بين الموردين، فإنّ مشروعية التيمم في ضيق وقت الصلاة، إنّما ثبت بالجمع بين دليلين:
أحدهما: قوله تعالى:أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ(1).
والآخر: “لا صلاة إلاَّ بطهور”(2) فإن القول بعدم مشروعية التيمم تقتضي تقييد أحد الدليلين، فإنَّه إمّا أن يصلّي بلا طهارة، فهو خلاف الرواية، وإمّا أن لا يصلّي فهو خلاف الآية، فيتعيّن القول بمشروعية التيمم، وكونه طهوراً.
وكِلا الكلامين غير تامّ(3).
ــــــــــ[51]ــــــــــ
() الإسراء: 78.
(2) تهذيب الأحكام1: 50، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 83، وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.
(3) أقول: لا يخفى أنّ هذا الوجه بمجرده غير كاف، لوضوح أنه لا ينتج طهورية التيمم، بل طهور شيء ما غير الوضوء، ولو كان هو النظر إلى السماء مثلاً، بل يحتاج إلى تتميم بأن نقول: إنّ ما هو محتمل الطهورية في الشريعة بعد سقوط الوضوء هو التيمّم في=
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ــــــــــ[52]ــــــــــ
=الجملة، وإن لم يكن لدليله إطلاق في نفسه، لكننا لا نحتمل سقوط الطهارة عن الصلاة في ضيق وقتها مع التمكّن من أحد مصاديقها المشروعة في الجملة، فبمناسبات الحكم والموضوع يصبح لدليل التيمّم إطلاق، نستطيع أن نسميه بالإطلاق الثانوي، شامل لهذه الصورة، بعد قصور إطلاقه الأولي، على ما هو المفروض، كما يمكن تتميمه بالإجماع على تعيّن التيمم في ضيق وقت الصلاة عن الوضوء.
وهذا الوجه، من جانب الإجماع لا يرد في مسألة مسّ المصحف الشريف؛ باعتبار عدم إحراز الإجماع فيه، كما قد لا يكون وارداً من جانب القطع بعدم سقوط الطهارة، إذ نحتمل سقوط الطهارة مع تعذر الوضوء للمسّ، لوضوح أنّ شرطية الصلاة بالطهارة أوضح بكثير من شرطية المسّ بها شرعاً، فلا تكون مناسبات الحكم والموضوع منتجةً للإطلاق الثانوي في دليل التيمم.
اللهم إلَّا أن يقال: إنّ هناك وضوحاً متشرّعياً في أنّ كلّ مشروط بالوضوء ينتقل معه إلى التيمم مع تعذر الوضوء، فيكون القطع الموجود في الصلاة سارياً إلى المسّ، إلاَّ أنّ هذه الكبرى غير ثابتة بقطع النظر عن الآية، والمفروض أنّ الآية الكريمة غير شاملة له بإطلاقها الأولي.
وأما إطلاقها الثانوي فهو فرع القطع الذي هو فرع الإطلاق الأولي، فلا يكون موجوداً.
وهذه التقريبات لا يرد عليها شيء مما سنذكره عن السيد في مناقشة السيد الأستاذ، وإن كانت واردةً على الكلامين بشكلهما الساذج المنقول عن السيد الأستاذ، كما هو واضح للمتأمل، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
نبدأ بالكلام الثاني حلّاً ونقضاً:
أما الحلّ: فإنّ مقتضى دليل وجوب الصلاة، مع دليل الطهارة “لا صلاة إلَّا بطهور”(1) هو الإطلاق والتقييد، المنتج لوجود حكم واحد هو وجوب الصلاة عن طهارة، فإذا تعذّر ذلك سقط الأمر بالمقيَّد، لكونه أمراً بغير المقدور، فإنّ المفروض أنّ مصداقه المنحصر هو الوضوء، وهو غير مقدور، وكلُّ أمرٍ مشروطٌ بالقدرة، وليس هذا تقييداً زائداً على دليل الشرطية.
وأما نقضاً: فلأنّ نفس هذا البيان الذي ذكره يأتي في محلّ الكلام أيضاً، فإنّ هناك دليلين:
أحدهما: دليل وجوب التطهير لمسّ القرآن الكريم.
والآخر: وجوب إنقاذه من الهاوية.
ومقتضى الجمع بين هذين الدليلين طهورية التيمّم، إذ لولاه لزم تقييد أحد الإطلاقين، فإنَّه إمّا أن لا ينقذ القرآن الكريم، فهو تقييد للدليل الثاني، أو ينقذه بالمسّ على غير طهور، وهو تقييد للدليل الأوّل.
والجواب عين الجواب، إذ يتحصّل من هذين الدليلين حكم وجوبيّ واحد، هو وجوب الإنقاذ على طهور، ومع انحصار الطهور به – على الفرض- يسقط التكليف باعتباره متعلّقاً بما لا يطاق.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ولو تمّ هذا البيان لتمّ في فاقد الطهورين حيث نستكشف وجود طهور ثالث غير الوضوء والتيمم جمعاً بين دليل وجوب الصلاة ودليل “لا صلاة إلَّا بطهور”(1)(2).
إنّ هذا لا يأتي في الصلاة؛ لأنه لم تلحظ الإجماع القطعي على أنّ الصلاة لا تسقط بحال، وكان من المحتمل سقوط التكليف أساساً بخلافه في المقام، فإنّ وجوب الإنقاذ ثابت على كلّ حال.
وبتعبير آخر: أنّه في جانب الصلاة كان هناك تكليفٌ واحدٌ، وقد وقع التزاحم بين شرطين منه، وتشخيص نتيجة التزاحم هناك للمولى، وهنا يوجد تكليفان مستقلّان وقع التزاحم بينهما.
ونحن قلنا في بحث الترتّب(3) بإمكان الانتقال إلى العبادة، والالتزام ــــــــــ[54]ــــــــــ
() المصدر السابق نفسه.
(2) أقول: أوضحنا عدم ورود كِلا النقضين، باعتبار أننا لا نحتمل سقوط شرطية الطهارة مع ضيق الوقت والتمكن من التيمم، بخلاف محلَّي النقض، أما محلّ الكلام فقد أوضحناه سابقاً. وأمّا فاقد الطهورين، فباعتبار أننا لا نحتمل وجود طهور ثالث، وعند تعذر التيمم لا بديل له في الشريعة، فيكون جامع الطهور متعذّراً. فيكون مقتضى القاعدة سقوط الأمر ما لم نضمّ إليه دليل عدم سقوط الصلاة بحال، (المقرر).
(3) انظر: مباحث الأصول، القسم الأول3: 259، المقصد الأول، الفصل الخامس، ثمرة بحث الضدّ.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
بصحّتها، مع عصيان الواجب الأهم؛ لأننا لا نقول بالنهي عن الضدّ الخاصّ(1).
ــــــــــ[55]ــــــــــ
() أقول: بالنسبة إلى المزاحمة مع الواجب الأهم؛ إن أريد كون الوضوء بنفسه مزاحماً للواجب الأهم -وإن لم يكن عبادياً كما لا يبعد-، فهذا بنفسه دليل على المقصود في المقام، فإنَّه يكون غير واجد للماء شرعاً، والعجز الشرعي كالعجز العقلي، فينتقل إلى التيمّم طبقاً لإطلاق الآية، بغض النظر عن فهم المقدميّة للصلاة، وإن أريد كونه باطلاً باعتباره عبادياً، باعتبار كونه منهياً عنه، فهذا لا يتوقّف على كون الواجب أهم، بل يكفي مزاحمته مع واجب في الجملة، باعتبار عدم اتصاف الوضوء بالوجوب النفسي على أي حال.
وأما الكلام الأوّل: فالصحيح أنّ دليل وجوب التيمّم يشمل محلّ الكلام؛ لأنّ عدم الوجدان الذي أُخذ في موضوعه وإن كان كما قال من أنه عدم الماء خارجاً وعدم التمكن من استعماله، إلاَّ أنه ليس المراد بعدم التمكن منه أساساً، بل عدم التمكن منه لهذه الغاية، وذلك لأن الآية تقول: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (المائدة، الآية: 6)، فهي توجب الوضوء لغاية إقامة الصلاة، فحين يتعذّر هذا الوضوء، يجب التيمّم بدله لهذه الغاية أيضاً، فمع حفظ عنوان (من قام إلى الصلاة) لا يكون المكلّف متمكّناً من الوضوء، لأنه لو توضّأ لفاتته الصلاة.
وكذلك الحال في المقام، فإنَّه وإن كان قادراً على الوضوء في نفسه، ولكنه غير قادر عليه لحفظ القرآن، فبعد أن نفهم من الوضوء (المعنى الحرفي) دون المعنى الاسمي يكون المطلب واضحاً، بل نقول: إنّه غير قادر حتّى على المعنى الاسمي، وذلك لأنه مزاحم مع الواجب الأهم، وهو إنقاذ القرآن، فيكون ضدّاً للواجب الأهم، فيكون غير قادر عليه شرعاً، فينتقل إلى التيمم، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قوله: ويلحق به أسماء الله، وصفاته الخاصّة دون أسماء الأنبياء والأئمة عليهم السلام وإن كان أحوط(1).
بعد أن تحقّق حرمة مسّ المحدث بالأصغر للقرآن الكريم يتكلّم في إلحاق أمور أخرى مقدّسة به، وهذا الإلحاق له مراتب منها:
إلحاق خصوص لفظ الجلالة.
أو إلحاق كل صفة هي بمنزلة الاسم له عزّ وجلّ.
أو إلحاق أسماء الأنبياء والمرسلين.
أو إلحاق أسماء الأئمة عليهم السلام.
أو إلحاق أسماء الملائكة أيضاً.
أو إلحاق أمور أخرى كالكعبة المشرفة.
ويقع الكلام في أصل الإلحاق، فإن ثبت؛ وقع الكلام في مراتبه، وإن لم يثبت كان الكلام في المراتب بلا موضوع.
ذكر السيد الأستاذ(2) وغيره أنه إن كان المدرك في عدم جواز مسّ المصحف
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 187، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة.
(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 477، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، وجوب الوضوء لمسّ المصحف.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
هو الآية الكريمة فالإلحاق يكون صحيحاً، باعتبار دلالتها على أن هذا الحكم إنما هو من أجل احترام القرآن الكريم، فيشمل كل لفظ محترم في الشريعة، بل حتى غيرها كالكعبة والحجر الأسود.
وإن كان المدرك هو الرواية فهي خاصة بالقرآن ولم يذكر فيها ملاك الحكم فلا يمكن التعدّي.
والصحيح أنّ هذا الحكم بملاك الاحترام، بلا فرق بين الآية والرواية، ولكن مع ذلك لا يمكن التعدّي من القرآن إلى غيره.
أما كون الحكم احترامياً، فلأنّ الرواية وإن لم تبين النكتة، كما بينتها الآية الكريمة إلاَّ أنّ مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في الذهن المتشرّعي للقرآن والحدث، من أنّ القرآن صفة عالية والحدث صفة دانية، ولا يناسب للصفة الدانية أن تمسّ الصفة العالية، فليست الحرمة بملاك تعبدّي، وإنما هي بملاك الاحترام، فيحصل انصراف الذهن إلى ذلك، وهذا الانصراف حجّة، لأنه يشكل ظهوراً في الدليل.
بل بحسب الوجدان لا يحتمل أن يكون هذا الحكم ذا ملاك غير الاحترام، إذ إنّ المصالح والمفاسد الراجعة إلى المجتمع والكون غير متصورة هنا، إذ أي مفسدة كونية في مسّ المحدث للمصحف؟! وما الفرق بين أن يكون جملة (الحمد لله رب العالمين) مكتوبة بقصد القرآنية فيحرم مسها، أو بغير قصدها فلا يحرم؟!
ولكن هذا الحكم الاحترامي لا يمكن التعدّي منه إلى غيره من المقدّسات،
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لأنّ الاحترام له درجات ومناسبات، إذ لا بُدَّ في التعدّي من إحراز اهتمام الشارع بأنّ أسماء الله تعالى تكون محترمةً بمقدار احترام المصحف، وهذا غير محرز لدينا في أسماء الله تعالى فضلاً عن غيرها. كما أنّ المناسبات لها دخل في المقام، فإن مسّ شخص النبي أو الإمام من قبل المحدث بالأصغر جائز، وذلك باعتبار أنّ موارد الاحترام وكيفياته مما يعينه مناسبات الحكم والموضوع.
ومعه يكون الاحتياط بالتعدّي من القرآن إلى غيره احتياطاً استحبابياً(1).
ــــــــــ[58]ــــــــــ
() أقول: هناك حوالي أربعة أسطر من عبارة المتن حذفها السيد، ولعلّه لأجل وضوح المدرك فيها، (المقرر). [والأسطر المحذوفة من المتن كما يلي: “ووجوب الوضوء في المذكورات ما عدا النذر وأخويه إنما هو على تقدير كونه محدثا وإلا فلا يجب وأما في النذر وأخويه فتابع للنذر فإن نذر كونه على الطهارة لا يجب إلا إذا كان محدثا وإن نذر الوضوء التجديدي وجب وإن كان على وضوء”].
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إذا نذر أن يتوضّأ لكلّ صلاة وضوءاً رافعاً للحدث، وكان متوضئاً، يجب عليه نقضه، ثم الوضوء، لكن في صحة مثل هذا النذر على إطلاقه تأمّل(1).
وهو فرع غريب، وحاصل إشكاله الذي أشار إليه أنه يشترط في متعلّق النذر أن يكون راجحاً، ونذر الوضوء الرافع بما هو كذلك مساوق مع إيجاد الحدث وهو مرجوح لأنه سلب الصفة المحبوبة شرعاً وهي الطهارة(2).
وتحقيق الكلام في ذلك: أنّه لا إشكال في اشتراط رجحان متعلّق النذر، فإذا كان متعلّقه يستلزم الوقوع في مرجوح، وإن كان في نفسه راجحاً فهنا له لحاظان:
ــــــــــ[59]ــــــــــ
() العروة الوثقى1: 187، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، بعض أقسام وجوب الوضوء بسبب النذر.
(2) أقول: إيجاد الحدث بمعنى التسبيب إلى نقض الوضوء ليس بمرجوح، وإنما المرجوح اتصاف الإنسان بحالة الحدث، ولا يبعد أن يكون الوضوء الرافع ملازماً مع هذه الحالة، فلا يكون راجحاً، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أحدهما: كون فعله أرجح من تركه.
ثانيهما: كونه مرجوحاً باعتبار لازمه.
وهذا يُتصوَّر على أنحاء:
أن يكون الفعل راجحاً في نفسه لكن يوجد للفعل ضدّ أرجح منه شرعاً، بحيث يكون مفّوتاً له على تقدير وجوده كزيارة مسلم المفوّتة لزيارة سيد الشهداء ليلة الجمعة.
فلو نذرها فإن كان الملاك في صحة النذر هو الرجحان في نفسه صحّ، وبه يستطيع الفرد أن يحرم نفسه من الأرجح تماماً، وذلك لأنّ الفعل يقاس إلى نقيضه، فالفعل يقاس إلى الترك وبالعكس.
وإن كان المنذور هو الأرجح منهما كان نافذاً، ولا ينظر أنّ هناك شيئاً في الدنيا أرجح منه.
أو يقال: إنّ هذا النذر إن لوحظ إلى تركه كان نافذاً، فلو ترك زيارة مسلم وزيارة الحسين معاً، بدعوى عدم انعقاد نذره لم يكن عذره صحيحاً، وهذا لا إشكال فيه.
ولكنّ الكلام أنّه لو فعل الأرجح فزار الحسين، هل نقول بعدم جوازه، باعتبار أنّ زيارة الحسين مستحبة وذاك واجب بالنذر، فيقدّم، أو أنّ انعقاد النذر على مقدار الرجحان؛ فمتى كان الرجحان موجوداً كان
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
منعقداً، كما في تركه لا إلى بدل، ومتى كان الرجحان غير موجود كان النذر باطلاً كما في اختيار الأرجح؟
لا يبعد اختيار ذلك بحسب القواعد ومداليل الروايات، فإنّ رواية زرارة في كتاب النذر تقول: “قلت لأبي عبد الله: أيّ شيء لا نذر في معصية فقال: كل ما كان لك فيه منفعة من دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه”(1).
وهذا ينطبق في المقام، لأنه وجد منفعة في الدين في الترك والإبدال بالأرجح، فلا يكون النذر مانعاً عن الأرجح، ولا يكون مندرجاً تحت دليل وجوب الوفاء.
والمستفاد من أدلة النذر ولواحقه أنّها لا تغيّر (ما ينبغي)، وإنما تُصْعِد (ما ينبغي) إلى درجة الوجوب، وهنا عمل المرجوح مع ترك الراجح ممّا لا ينبغي، والنذر لا يعكس الأمر فيه.
إلاَّ أنّ الذي يوقف عن الفتوى بذلك عدم التزام الفقهاء به، حيث لم يفرّقوا في وجوب الوفاء بين وجود الضدّ الأهمّ وغيره، وشبهة الإجماع توجب الاحتياط بالالتزام بالمنذور وإن كان مرجوحاً.
أن يكون الفعل راجحاً في نفسه لكنه يتصّف بالمرجوحية، باعتبار وجود مقدمة تكوينية له صدفةً تتصّف بالمرجوحية، وحينئذٍ يقع التزاحم بين رجحان
ــــــــــ[61]ــــــــــ
(1) الكافي 14: 788، كتاب الأيمان والنذور والكفّارات، الباب 18، الحديث: 14، وسائل الشيعة 23: 317، الباب 17 من أبواب النذر والعهد، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفعل ومرجوحية مقدمته، كالأول. غير أنّ الفرق هو أنّ الراجح المزاحم في الأوّل ليس هو ترك المقدمة، لأنّ ترك الضدّ ليس مقدمةً لوجود ضدّه، وهنا هو ترك المقدمة، وهذا لا يؤثّر في الحساب شيئاً، وإن تخيل السيد الأستاذ(1) ذلك، وقال بالأول بانعقاد النذر، وقال في الثاني بعدمه.
ولكن الظاهر أنهما من باب واحد، وذلك: لأننا إن اعتبرنا الشرط هو لرجحان الفعل في نفسه كان موجوداً في كِلا النحوين، وإن اعتبرنا الشرط هو الرجحان، ولو من ناحية الضمائم والقيود، فلا بُدَّ أن نقول بعدم الانعقاد بكِلا النحوين، إذ كما في النحو الأوّل قسمنا ترك المنذور إلى تركه إلى بدل، وإلى تركه إلى البدل الأهم، وقلنا بعدم رجحان المنذور في مقابل الأهم.
كذلك في المقام: ينقسم ترك المنذور إلى تركه بترك مقدمته، وإلى تركه بعد فعل مقدمته، والأول مرجوح فعلاً، إلاَّ أنّ الثاني ليس مرجوحاً، فينعقد فيه النذر ولو بنحو الترتب -إذا عصيت المقدمة فافعل-.
أن يكون الفعل راجحاً في نفسه، ولكنّه مقيد -بالنذر- بفعل المرجوح، بمقدّمة مرجوحه، فهذا على ثلاث أوجه:
الوجه الأوّل: أن يتعلّق النذر بالتقيد محضاً، ولا إشكال بمرجوحيته وبطلانه.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 478، كتاب الطهارة، فصل في غايات الوضوء الواجبة وغير الواجبة، مسألة:1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الوجه الثاني: أن يكون المنذور ذات المقيد مع خروج القيد والتقيّد عن حريم النذر، بناء على تصور (الحصّة التوأم) وبناء عليه ذكر بعضهم صحّة هذا النذر باعتبار رجحان متعلّقه.
إلَّا أنّه ممنوع موضوعاً ومحمولاً:
أمّا موضوعاً؛ فلأننا في علم الأصول(1) لا نقول بإمكان الحصّة التوأم، فإنَّه ما لم يكن القيد دخيلاً في الحكم لا يمكن قصر الحكم على الحصّة بل يسري إلى سائر الأفراد.
وأمّا محمولاً؛ فلأننا إذا تعقلّنا الحصة التوأم فلا إشكال في بطلان النذر؛ لأننا إنما نتعقّلها بالتعمُّل الفلسفي، وأمّا عند العرف فلا فرق بين التقييد وبينها، فيكون مقيداً عرفاً، فإذا قلنا ببطلان النذر المقيد بالمرجوح قلنا ببطلانه(2).
الوجه الثالث: أن يتعلق النذر، بالمقيد بما هو مقيّد أي بالمقيّد والتقيّد، فيكون المتعلّق منحلاً إلى هذين الجزئين التحليليين.
قد يقال: ببطلان النذر في المقام باعتبار أنّ النذر منحلّ إلى جزئين تحليليين، لكل جزء التزام تحليلي ضمني، ودليل وجوب الوفاء لا يمكن أن يشمل
ــــــــــ[63]ــــــــــ
() انظر: بحوث في علم الأصول 5: 240، مباحث الحج والأصول العملية، منجزية العلم الاجمالي، تطبيقات وتنبيهات، 4 انحلال العلم الاجمالي بالعلم الوجداني.
(2) أقول: بمعنى أنّه يندرج في الوجه الثالث الآتي، فيكون بطلانه منوطاً ببطلانه، لا أنه لا إشكال فيه، انتهى، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أحدهما، وهو الالتزام بالتقيد لكونه مرجوحاً وغير واجد لشرط الوجوب. وإذا سقط أحد الجزئين سقط الجزء الآخر، لتعذر أن يشمل الدليل الجزء الآخر وحده، لكونه على خلاف مقصود الناذر، فإنّ أدلة النذر أدلة إمضاء لقصد الناذر، لا أنها تتضمن -مضافاً الى ذلك- تحميلاً عليه وإذا شمل الدليل الجزء فقط، كان تحميلاً عليه غير مقصود له(1).
وقد يُقال: إنّ دليل وجوب الوفاء يشمل النذر بتمامه باعتبار أنّه غير ناظر عرفاً إلى الأجزاء التحليلية، والالتزامات الضمنية، وإنما هو ناظر إلى الالتزام الواحد المتعلّق بالمجموع، وحينئذٍ ينبغي التفصيل بين ما إذا كانت المقدمة مساويةً لذيها في الأهمية، أو أهم منه، فلا ينعقد النذر، لأنّ هذا المجموع لا يكون فعله أرجح من تركه، فيبطل النذر وبين ما إذا كانت أخفّ من ذي المقدمة، فيشملها دليل الوجوب، وبهذا يظهر الفرق عن السابق، إذ لو قلنا بشمول النذر للالتزامات الضمنية وجب سقوط الوجوب حتى في هذه
ــــــــــ[64]ــــــــــ
() أقول: القصد الضمني إلى الجزء موجود، فيمكن أن يشمله الدليل بغضّ النظر عما سوف يشير إليه السيد.
اللهم إلاَّ أن يقال: إنّه إن أريد من شموله له وجوب تحقيقه، ولو في حصّة أخرى خالية من القيد المرجوح، فهذا غير مقصود له، فيكون إيجابه عليه تحميلاً.
وإن أُريد شمول الوجوب له ضمن هذه المقدمة المرجوحة فالحقّ أنّ الفعل -أي المقيد- يتّصف بنفسه بالمرجوحية، باعتبار مرجوحية مقدمته، ولا يمكن أن يبقى على ملاكه الأولي بعد التقييد، ولا أقل من سقوطه عن الرجحان فيكون تعلّق وجوب الوفاء ولو بالمقيد وحده غير ممكن، لأنه غير جامع للشرط المعتبر، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الصورة، لكون المقدمة مرجوحةً على أيّ حال، بخلافه على هذا الشكل من الاستدلال.
ولا إشكال أنّ هذا الشكل أقرب إلى الفهم العرفي، فإنَّه يرى شمول الوجوب للالتزام الاستقلالي المتعلّق بالمجموع، وليس ناظراً إلى الالتزامات الضمنية، فيكون النذر منعقداً في هذه الصورة.
نعم، لو أراد أن يبدّل المقدمة، يأتي كلامنا السابق، من أنّ انعقاد النذر هل هو مطلق أو حيثي؟ ونتيجته الاحتياط بالاقتصار على مورد المقدمة وإن كانت مرجوحةً(1).
ــــــــــ[65]ــــــــــ
() أقول: تقريب ذلك: إنّ النذر ينعقد في حدود ما هو راجح، فيكون ترك ذي المقدمة لا إلى بدل مرجوحاً، فيعاقب عليه، إلاَّ أنّ ترك المقدمة وإبدالها إلى ما هو أرجح يكون ممكناً.
غير أنّ هناك فرقاً بين هذه الصورة والصورة السابقة من ناحيتين:
الناحية الأولى: أنه في المقام يتصف ذو المقدّمة بعدم الرجحان، باعتبار تقيده بالمقدمة المرجوحة، وإن كانت أخفّ أهميةً، بخلافه هناك، فإنّ فعل أحد الضدّين لا يتّصف بصفة ترك ضدّه، فمن الممكن القول بنفوذ النذر هناك دون المقام.
الناحية الثانية: وهو فرق موضوعي وهو أنّ الترك هناك منقسم إلى قسمين: ما كان إلى بدل أفضل وغيره، بخلافه هنا، فإنَّه لا يفترض ترك ذي المقدمة، وإنما يفترض فعله معها، أو مع غيرها، ولو افترض تركه مع ترك كلّ مقدماته، كان هذا شقّاً ثالثاً، وليس في الصورة الأولى ما يوازي فعله مع فعل مقدّمته المرجوحة؛ لاستحالة اجتماع الضدّين هناك.
اللّهم إلَّا أنَّ يقال: إنّ ترك المقيد يكون بترك قيده وإن وجد ذاتاً، فتكون الأقسام اثنين، لاندراج ترك مقدّمته في الشقّ الثالث، إلاَّ أنّ هذا وإن كان صحيحاً عقلاً، إلاَّ أنه غير صحيح عرفاً، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ثُمَّ إنَّ النحوين الأولين السابقين يشتركان في التخريج الفني للمسألة، إذ إنّ للقول بتبعيض الانعقاد في النذر ثلاثة وجوه، اثنان منهما يمكن استفادتهما مما سبق وهما:
الوجه الأوّل: أن نستفيد من دليل اشتراط الرجحان ليس الرجحان في نفسه، بل الرجحان بعد أخذ تمام الخصوصيات بنظر الاعتبار، فلا يكون الفعل المهمّ مع الاشتغال بالأهمّ راجحاً، فلا ينعقد النذر بهذا المقدار، ولكن لا يجوز تركه لا إلى بدل.
الوجه الثاني: أن نستفيد من دليل اشتراط الرجحان كونه راجحاً في نفسه، إلَّا أنه يوجد حاكم على هذا الدليل، وهو رواية زرارة(1) الدالة على عدم الانعقاد فيما فيه منفعة في الدين أو الدنيا، وهذا المورد أي: ترك المهم للاشتغال بالأهم، فيه منفعة في الدين، فلا ينعقد.
الوجه الثالث: أنَّنا لو تنزّلنا عن الوجهين السابقين ففهمنا من دليل الاشتراط الرجحان في نفسه، وغضضنا النظر عن رواية زرارة.
إلَّا أننا نستشكل في رجحان الفعل في نفسه، فإنّ رجحان زيارة مسلم
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 23: 317، الباب 17 من أبواب النذر والعهد، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
في مثالنا مستفاد من الأمر الاستحبابي بها، وبناءً على شمول قواعد التزاحم للأوامر الاستحبابية -كما هو الصحيح-، ينبغي أن يقال: بعدم شمول الأمر بالمهم لمورد الاشتغال بالأهم، كما يقال عادةً في الأوامر الإلزامية، فلا يبقى لزيارة مسلم أمر استحبابي مع الاشتغال بزيارة الإمام الحسين، فلا يمكن استكشاف رجحانها في هذه الصورة.
والنذر وإن كان مطلقاً، إلاَّ أنّ دليل وجوب الوفاء لا يُمضي النذر على إطلاقه، بل يمضيه بمقدار ما هو راجح، فلو نذرت المرأة قراءة القرآن في كلّ يوم، وقلنا بكراهة قراءة الحائض للقرآن لم يكن دليل وجوب الوفاء شاملاً لأيام الحيض.
إلَّا أن تمامية هذا الوجه تتوقّف على أمرين:
الأمر الأوّل: جريان قواعد باب التزاحم في الأوامر الاستحبابية، فلو نفينا ذلك والتزمنا بإطلاق الأمر، وعدم تقييده بالاشتغال بالأهم في المستحبات لم يتمّ هذا الوجه، إذ يكون ملاك الرجحان مستكشفاً من الأمر الموجود فيه.
الأمر الثاني: أن لا يكون هناك طريق لاستكشاف الملاك إلَّا عن طريق الأمر، فلو استطعنا معرفة الراجحية عن غير طريق الأمر لم يتمّ، ففي المقام نعلم بأنّ زيارة مسلم راجحة على أي حال، غاية الأمر سقط الأمر الاستحبابي فيها للاشتغال بزيارة الحسين(1).
ــــــــــ[67]ــــــــــ
() أقول: لا يخفى أنّ زيارة مسلم مع الاشتغال بزيارة الحسين مستحيلة، إذا كان معنى الزيارة في الموردين واحداً، وهو الكون في الحرم، أو هو قراءة الزيارة. نعم، لو أخذناه بمعنيين لم يكن مستحيلاً، كما لو زار مسلماً من حرم الحسين، ومع الاستحالة يبقى الالتزام بالرجحان بلا معنى، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والوجه الثالث يزيد عن الفرضين الأولين بإشكالين:
الإشكال الأوّل: أنّ دليل اشتراط الرجحان إذا كان ناظراً إلى الالتزامات الضمنية فمقتضى القاعدة البطلان، لأنّ شمول النذر للقيد متعذر، لمرجوحيته، وللمقيّد أيضاً، لأنه خلاف مقصود الناذر كما قلنا.
وجوابه ما قلناه من أنّ دليل الاشتراط ناظر إلى المجموع، أيّ الالتزام الواحد المتعلّق بمجموع القيد والمقيد، وحينئذٍ يأتي:
الإشكال الثاني: وهو أنّ المقدمة إن كانت مرجوحيتها مساويةً مع راجحية ذيها، أو أكثر، لم ينعقد النذر، لأنّ ذا المقدمة لا يكون راجحاً. نعم، لو كانت مرجوحيتها أقل انعقد.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفصل الثاني
في الوضوءات المستحبة
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مسألة6: قوله: واذا اجتمعت الغايات الواجبة والمستحبّة أيضا يجوز قصد الكل ويثاب عليها(2).
الوضوء له غايات بعضها واجب وبعضها متعدّد، فإذا لم يكن له غاية واجبة لا شكّ في إمكان نية الاستحباب. وإذا كان له غايتان واجبة ومستحبة فلا إشكال في قصد الوجوب. فهل يجوز قصد الغاية المستحبة؟
ذهب جماعة إلى عدم صحته، لأنّه بعد تحقّق الوجوب لا يمكن بقاء الاستحباب، لأنه إذ يلزم منه اجتماع الحكمين المتضادّين على فعل واحد، فيسقط الاستحباب، فلا يمكن قصده.
ــــــــــ[71]ــــــــــ
() بدأ السيد من منتصف المسألة السادسة.
(2) العروة الوثقى 1: 197، كتاب الطهارة، فصل في الوضوءات المستحبة، تعدد غايات الوضوء.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الحكيم نقض(1) عليهم: للزم الإشكال في الوجوب أيضاً، لأنّ نسبة الاستحالة إلى الوجوب والاستحباب واحدة، حيث إنّ الوجوب متى ما ثبت كان أقوى، لكنّ الكلام في أصل ثبوته، لأنّ مقتضى الوجوب والاستحباب متكافئان، وهو المقدمية، فليس ملاك الوجوب أقوى، فإنّ ملاك الوجوب النفسي أقوى لكن في الوجوب الغيري ليس كذلك، لأنّ ملاكهما واحد، وهو المقدمية، بل لا بُدَّ من أن تقولوا إنهما متساويان ومتزاحمان.
إلَّا أنه غير وارد؛ لأنّ التنافي لا يقف على الغيريين بل يسري إلى النفسيين، لأننا بعد فرض قبول الملازمة، فإذا تصادم المعلولان، تصادمت العلتان، لأنه لو وجدت العلتان ولم تجب المقدمة، للزم خرق الملازمة العقلية التي لا تقبل التخصيص. ومعه لا بُدَّ من تقديم الوجوب على الاستحباب، لأنه أقوى ملاكاً.
ذكر السيد الماتن لها جوابين(2):
الجواب الأول: أنَّه لا بأس باجتماعهما على الوضوء فإنهما يستحيل ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 308-311، كتاب الطهارة، فصل في الوضوءات المستحبة، تعدد غايات الوضوء.
(2) انظر: العروة الوثقى 1: 366، كتاب الطهارة، فصل في الوضوءات المستحبة، تعدد غايات الوضوء.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
اجتماعهما على عنوان واحد، لا عنوانين متصادقين على مصداق واحد(1)، وقد اخترنا جواز اجتماع الأمر والنهي.
ولم يعرف ماذا يريد بالعنوانين، فلعلّ مراده:
1- أنَّ الوجوب تعلّق بالوضوء بعنوان كونه مقدّمةً للواجب والاستحباب به بعنوان كونه مقدمةً للمستحب.
وجوابه ما في الكفاية(2): أنّ المقدّمية حيثية تعليليّة لا تقييدية، ومصبّ الوجوب الغيري ليس هو المقدّمية بل هو ذات الوضوء بسبب المقدمية، لأنّ المقدّمية بما هي لا دخل لها في حصول الواجب، وما له دخل هو منشأ انتزاع هذا العنوان.
2- أن يريد بالعنوانين ما يذكره أصحاب قصد الوجه أي الوجوب والاستحباب، يقولون: إنّهما لم يتعلقا بالوضوء بل تعلق الأمر الوجوبي بعنوان الإنارة والاستحباب بعنوان التطيب، ولكن حيث إنّهما ليسا عرفيين لم يطرحا في لسان الأدلة، ولكن حيث إنّ مصداقهما واحد، وهو الوضوء، فقال الشارع تسهيلاً: (توضأ)، فكلّ من يمتثل لا بُدَّ أن يقصد عنوان المأمور به، وهو ذاك الشيء الخفي، وهو لا يعرفه. فلو أشار إليه بمعرّفه ائتِ بالوضوء المستحب ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) وذلك بقوله في متن المسألة نفسها: “ولا يضر في ذلك كون الوضوء عملاً واحداً – لا يتصف بالوجوب والاستحباب معا ومع وجود الغاية الواجبة لا يكون إلا واجبا…”.
(2) انظر: كفاية الأصول: 113، المقصد الأول الأوامر، فصل في مقدمة الواجب، الأمر الرابع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لكفى. فالماتن يريد ذلك فلم يلزم اجتماع التكليفين على شيء واحد.
إلاَّ أنه ممنوع لا دليل عليه، لأنّ الأدلة الشرعية لم يؤخذ فيها ذلك.
الجواب الثاني للماتن على هذه الشبهة:(1) سلّمنا سقوط الاستحباب لمنافاته للوجوب، لكنه يمنع عن قصد الندب وصفاً لا عن قصده غاية، (وصفاً) أي: يعنون وضوءه، وهو المسّ بقصد الوجه، وغايته يعني داعياً.
إلاَّ أنّه غريب، فإنَّ الأمر الاستحبابي إن كان ساقطاً كما لا يصح الوصف لا يصح الداعي والغاية، وإذا كان موجوداً يمكن أن يكون وصفاً وغايةً، فالتفكيك بين الوصفية والغائية مما لا يتعقل.
ومن هنا فسّر: أنّ الاستحباب الغيري لا يكون وصفاً باعتبار سقوطه، كما أنه لا يمكن أن يكون غايةً، وما يمكن أن يكون غايةً هو الاستحباب المتعلّق بالغاية، وهو قراءة القرآن فإنَّه لم يسقط.
وهذا التأويل بعيد عن عبارة الماتن؛ لأنّ الإشكال كان في قصد الاستحباب المتعلق بالغاية، لا في قصد الاستحباب المتعلّق بالوضوء، لأنّ الأوامر الغيريّة ليس لها قصد امتثال وليس لها مقربية ومبعدية، وإنما أصبح محطاً للإشكال لما قلناه من أنّ التضاد بين الحكمين الغيريين يسري إلى الحكمين النفسيين، فيسقط الاستحباب النفسي أيضاً.
ويمكن أن يكون مقصود الماتن أنّ الأمر الاستحبابي وإن سقط إلاَّ أنه لا ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) في متن المسألة السادسة نفسها حيث قال: “لأنه على فرض صحته لا ينافي جواز قصد الأمر الندبي وإن كان متصفا بالوجوب فالوجوب الوصفي لا ينافي الندب الغائي…”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يمكن أن يجعل وجهاً للفعل، لكن يمكن أن يكون داعياً إلى الفعل؛ لأنّ الأمر إن كان ساقطاً لسقوط ملاكه كالنسخ، والأمر بالصيام في السفر، فلا يمكن أن يكون داعياً ومحرّكاً.
وأخرى يسقط لضرورة، وهي استحالة اجتماع الضدّين، وإن كان ثابت ملاكاً، وفي مثله يصلح هذا للداعوية.
هذه المشكلة لا ترد مع إنكار وجوب المقدّمة؛ إذ في مرحلة المقدمة لا وجوب ولا استحباب، وفي مرحلة ذي المقدّمة لا تنافي؛ لعدم اتحاد المتعلّق.
وقبل حلّ الإشكال لا بُدَّ من الالتفات إلى نكتة، وهي:
إنّ التنافي إنما يكون إذا تعلّق الوجوب والاستحباب بشيء واحد، وأما إذا كان بينهما عموم من وجه فنحن قرأنا أنّ:
نتكلم على كل منها:
ــــــــــ[75]ــــــــــ
() انظر: الفصول الغروية: 86، المقالة الأولى، القول في الأمر، تنبيهات، الأول.
(2) انظر: دراسات في علم الأصول 1: 347، المقصد الأول، المقام التاسع، ثمرة القول بوجوب المقدمة، قال في جواب: (إنّ الثمرة تظهر فيما لو نذر أن يعطي درهماً لمن أتى بواجب) ما نصه: (وفيه أولاً: لأنه لو قلنا بوجوب المقدمة فالواجب منها خصوص الموصلة).
(3) انظر: بحوث في علم الأصول 2: 255، مباحث الدليل اللفظي، بحوث في الأوامر، صياغة الوجوب الغيري، قال ما لفظه: “… وهكذا اتضح أنّ الصحيح هو اختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة فقط”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الوجوب والاستحباب يتعلّق بالموصلة دون غيرها.
أمّا على المسلك الأوّل تُحلّ الشبهة؛ لأنّ ما هو متعلّق الأمر الغيري بينهما عموم من وجه، لأنّ وجوب الفريضة بوجوب الوضوء الموصل. وكذلك الاستحباب، والنسبة هي العموم من الوجه بينهما؛ لأنّ الوضوء قد يوصل إليهما معاً، وقد يوصل إلى إحداهما، فجاز أن يكون أحدهما واجباً والآخر مستحباً.
وأما على مسلك الشيخ المنسوب إليه، فكذلك؛ لأن بينها أيضاً نسبة العموم من الوجه.
وأما على مسلك صاحب الكفاية وهو وجوب مطلق المقدمة، فالخطب
ــــــــــ[76]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 1: 321، المقصد الأول، الفصل التاسع، تتميم، قال المقرر في هامش الصفحة: “وقد تقدم بناءً على ثبوت الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته لا مناص عن الالتزام بوجوب خصوص المقدّمة الموصلة…”.
(2) انظر: كفاية الأصول: 114، المقصد الأول الأوامر، فصل في مقدمة الواجب، الأمر الرابع، دخل قصد التوصل.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أشكل؛ لأنّ أيّ وضوء هو مقدمة للواجب وللمستحب، فالمصداقان متطابقان دائماً.
لكن مع هذا -إلَّا في النادر- تكون النسبة هي العموم من الوجه، فإنَّ الوضوء شرط للصلاة على نحو الشرط المتقدّم، أي أن يقع قبلها لا بعدها، فلو توضأ بعد الصلاة فليس مصداقاً للواجب الغيري بلا إشكال، فإنّ الوجوب يختص بما يتوقف عليه الواجب، ولا يعمّ غيره، فالوضوء الواجب يكون مؤقّتاً في الوقت، بخلاف المستحب فإنَّه غير مؤقّت، فتكون مقدمته غير مؤقتة، فأصبحت النسبة هي المطلق، والعموم في جانب الاستحباب، ولا محذور فيه.
على مسلك الآخوند يكون الإشكال، ونحن ننقض بنقضين، ونحلّ على ضوء كلٍّ منهما بحلّ.
النقض الأوّل: أنه يجتمع الاستحباب الغيري مع الوجوب النفسي فضلاً عن الغيري، كالنافلة المتأخّرة عن الفريضة، فالفريضة واجبة نفسياً ومقدمة للنافلة، وهي قيد للمطلوب لا للطلب، فلو تركهما يقضيهما معاً، فإذا أمكن ذلك في الوجوب النفسي، أمكن في الغيري أيضاً، كما هو في محل الكلام.
فإن قيل: إنّنا هناك نتخلص من الإشكال بأن نقول: إنّ متعلّق الاستحباب أخصّ من متعلق الوجوب، لأنّ متعلّق الوجوب هو صلاة المغرب ما بين الحدين، ومتعلّق الاستحباب الغيري هو المغرب إلى ذهاب الحمرة، فأمكن اجتماع الوجوب والاستحباب، لأنّ الاستحباب يرخّص في ترك الأخصّ.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ونفسه يقال في المقام أيضاً: فإنّ النافلة يترشّح منها استحباب على الوضوء، إنما يترشح في وقت النافلة، بخلاف الوجوب الغيري المترشّح من الفريضة، فإنَّه يترشّح في كلّ الوقت.
النقض الثاني: ما إذا كان الوضوء مقدمةً لصلاتين واجبتين، فيرشح وجوبان غيّريان على هذا الوضوء، واجتماع المثلين مستحيل.
فإذا قيل لهم ذلك، قالوا: إنّنا نلتزم بالتأكّد بين الوجوبين لا بحدّيهما الاستقلاليين، فلماذا لا تلتزمون بالتأكد في الوجوب والاستحباب الغيريين؟
لأجابوا: لأنّ التأكّد في الوجوبين الغيريين لا يلزم منه خرق قانون الملازمة.
وأمّا التأكّد بين الوجوب والاستحباب في محلّ الكلام واندمج الاستحباب في الوجوب، فيلزم خرق الملازمة في الاستحباب.
حينئذٍ يكون لنا معهم كلامان:
الكلام الأول: أنّ ما يكون خرقاً لقانون الملازمة إنما هو في الاستحبابات الغيرية، مع أنَّ الوضوء مستحب نفسي، وهذا الاستحباب يمكن أن يتأكّد مع اجتماعه مع الوجوب الغيري، فيمكن له أن يأتي به بقصد الاستحباب النفسي المندمج، نعم لو قصده غير مندمج كان داخلاً في الاشتباه في التقييد والتخصيص، وقد قلنا هناك بالصّحة على كِلا التقديرين.
الكلام الثاني: لا يكون اندماج الوجوب والاستحباب الغيريين على خلاف قانون الملازمة، لأنّ هذا القانون يقول: إنّ كل طلب يتعلّق بذي المقدمة
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يعطي مثله للمقدمة، لا أنه يحرم المقدمة من مراتب أخرى من الطلب غير موجودة فيه.
فإنّ الوجوبات على مراتب، فهو يعطي جهة وجدانه لا جهة فقدانه، فلو كان وحده كانت جهة الفقدان ثابتةً لعدم المقتضي لارتفاعها، ومع وجوب طلب آخر فنكتسب هذا وذاك، فتمام ما في الاستحباب من طلب موجود هنا.
وأما في جهة فقدانه فغير موجود، وإلا لوقع الإشكال حتّى في موارد تأكّد الوجوبين الغيّريين الذي لم يستشكلوا به؛ لأنّ القوّة غير موجودة في كِلا الوجوبين، بل نتج من الجمع. هذا نهاية هذا الفصل.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفصل الثالث
في مستحبات الوضوء
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الأوّل: أن يكون الوضوء بمدٍّ. وهو ربع الصاع –وهو ستمائة وأربعة عشر مثقالاً وربع المثقال- فالمدّ مئة وخمسون مثقالاً وثلاثة مثاقيل ونصف المثقال وحمّصة ونصف(1).
وقد ورد في عدة روايات لها أربع صيغ:
الصيغة الأولى كرواية سليمان بن حفص: “الغسل بصاع من ماء، والوضوء بمدٍّ من ماء“(2). ورواية سليمان لا بأس بدلالتها على الطلب المولوي؛ لأنَّها إما مع إنشاء محذوف يجب أن يكون بمدٍ من ماء، أو خبرية في مقام الإنشاء، إلَّا أنّ سندها غير تام، لأنَّها وردت عن سليمان بن حفص وطريق
ــــــــــ[83]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 198، كتاب الطهارة، فصل في بعض مستحبات الوضوء، الأول.
(2) معاني الأخبار للصدوق: 249.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الشيخ إليه مرسل، وسليمان لم تثبت وثاقته.
“كان رسول الله يتوضأ بمدٍّ ويغتسل بصاع”(1)، وكذلك رواية أبي بصير ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر(2).
قد يقال: إنّها في مقام الحكاية عن فعل رسول الله وهو مجمل الوجه في الطلب وغيره.
ويمكن تقريب دلالتها على المطلوبية الشرعية بأحد تقريبين:
التقريب الأول: أنّ هذا الفعل لم يحكه إنسان اعتيادي، بل الإمام الذي ظاهر حاله المولوية.
ولكن يمكن مناقشته أنّ الكبرى مسلّمة ولكن يحتمل أن يكون هو إجزاء المدّ لا مطلوبية المدّ، في مقابل العامّة الذين توسّعوا في مناطق الغسل.
التقريب الثاني: أنّ التعبير جاء بصيغة المضارع، فهو ظاهر بالاستمرار والتكرار، باعتباره كاشفاً عن مطلوبية ذلك.
وجوابه: أنه كما يمكن أن يفسر اعتياده بالمطلوبية، كذلك بنكتة عامّة أخرى، إما عدم الزيادة على المدّ، فباعتبار عدم المقتضي لاستيفاء الوضوء
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام1: 137، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 70، وسائل الشيعة1: 481، الباب 50 من أبواب الوضوء، ح: 1.
(2) تهذيب الأحكام1: 136، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 2، وسائل الشيعة1: 481، الباب 50 من أبواب الوضوء، ح: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
بمستحباته به، وخاصّة مع شحّة المياه هناك، وأما أنه لا ينقص عن مدٍّ، فلأنّ لكلّ إنسان مرتبةً من الغسل تشعره باليقين باستيعاب الغسل، وطبيعة الإنسان لا تختلف، فلعلّ الاستمرار على ذلك، بسبب أنّ اليقين لا يحصل إلَّا بذلك.
“… اغتسل رسول الله بصاعٍ وتوضّأ بمدّ”، وهي أولى بعدم دلالتها من السابقة؛ لأنه يرد عليها ما سبق(1) مع نقطتين:
“سألت أبا عبد الله عن الوضوء، قال: كان رسول الله يتوضأ بمدٍّ بماء ويغتسل بصاع”(2)، وهي كالثانية، ويختلف عنها في أنها ابتداءً من الإمام هنا بعد السؤال، فقد يقال: إنّ وروده بعد السؤال يدل على المطلوبية لا لمجرد الحكاية، فهو أوضح اندفاعاً منه هناك، وبقيّة الجهات هي جهات السابقة. فأصل المطلوبية محلّ إشكال، فينحصر مدرك الحكم بالإجماع، فقد يحصل الاطمئنان على المشروعية، ونفهم الروايات على ضوء الإجماع.
ــــــــــ[85]ــــــــــ
() أي: ما سبق على الصيغة الثالثة التي ناقشت روايتي أبي بصير ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر.
(2) تهذيب الأحكام 1: 134، ووسائل الشيعة 1: 428.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
بناءً على الإجماع فهو استحبابي، إذ لا إجماع على الوجوب، بل الإجماع على خلافه. وأما بناءً على الروايات الحاكية لفعل رسول الله فهو لا يدل على الوجوب، بل غايته جامع الطلب.
وأما الصيغة الأولى فهي في نفسها ظاهرة في الوجوب. لكن لا بُدَّ من رفع اليد عن ظهورها هذا لأمرين:
الأمر الأول: القرينة اللبية وهي التسالم فتوىً وارتكازاً من قبل المؤمنين على عدم وجوبه، وعدم التعبّد به، إذ لو كان واجباً وشرطا به لكان واضحاً جداً، مع أنّ عدمه من الواضحات، بل لعلّ الارتكاز متّصل بالرواية فتكون مجملةً لاحتمال اتصالها بالقرينة اللبية.
الأمر الثاني: والقرينة الثانية الروايات الصريحة في (إجزاء مسّ الماء في الوضوء) رواية زرارة(1)(2)، خصوصاً لو علمنا بروايات التدهين، فلا إشكال في عدم الوجوب.
قد يقال: إنّ مدرك الاستحباب إن كان هو الروايات؛ فهي معارضة بروايات ظاهرها عدم الاستحباب بمعنى أنّ الوضوء بأقلّ من مدّ ليس
ــــــــــ[86]ــــــــــ
() باب 52، (المقرر).
(2) الكافي 5: 73، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 7، وسائل الشيعة1: 485، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
بمرجوح، وهي الأخبار الحاكية لوضوء النبي وغيره، وهو يصرف فيه أقل من مدّ بكثير، فلو كان مستحباً لما تركه المعصومون الذين لا يتركون راجحاً شرعياً إلاَّ وفعلوه في كيفية الوضوء؛ كصحيحة محمد بن مسلم(1)(2)، فهو أقل من مدّ بكثير.
لا يقال: إنّه في مقام بيان ما يمسح وما يغسل في مقابل العامة.
فإنَّه يقال: إنّها بصدد بيان مقدار الغسل بقرينة الرواية (الماء أوسع)، خصوصاً أنَّ الوضوء المستمرّ لرسول الله -وهو وإن كان يترك المستحب- وتلك دلّت على أنّ ذاك هو وضوء رسول الله فيقع التعارض.
ورواية أبي عبيدة الحذّاء(3) كذلك.
والذي يمكن أن يقال: إن هذه الروايات تنقسم الى قسمين:
القسم الأوّل ما كان من الوضوءات البيانية أي في مقام بيان حد الوضوء، والثاني فعل بحت صدر من الإمام، ولم يكن في مقام التعليم.
أمّا القسم الأوّل: فبقرينة تعليم الوضوء، يعرف أنَّ النظر إلى الوضوء المجزي، وإلا فكيف سقطت أكثر المستحبات! فلا منافاة بين هذا البيان وتلك الروايات.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
() باب 15، (المقرر).
(2) الكافي 5: 69، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 1، وسائل الشيعة1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.
(3) وسائل الشيعة1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأما القسم الثاني: فهو واقعة خاصّة في ظرف خاصّ وأرض يقلّ فيها الماء وفي حال السفر كانت ترجح عدم المستحبات، ومنها استعمال المدّ.
بعد استفادة استحباب المدّ، فهل هو بلحاظ الزيادة والنقيصة معاً أو أحدهما؟ فإن كان المدرك هو الإجماع على الاستحباب، فلا يقين بالإجماع على التحديد من الطرفين، بل القدر المتيقّن هو التحديد من طرف النقيصة، يعني أن لا ينقص عن مدٍّ.
وإن كان المدرك الروايات فلا بُدَّ من ملاحظة صيغها.
رواية سماعة قال: سألته عن الذي يجزي من الماء للغسل فقال: رسول الله اغتسل بصاع وتوضّأ بمدّ…(1)، (يعني يجزي بلحاظ الاستحباب) قال: فهو تحديد من طرف النقيصة، ولا يفهم منه التحديد بلحاظ الزيادة، كقوله: “…ثلاث تسبيحات في القراءة، وتسبيحة في السجود”(2)، جواباً عن سؤاله عن أقل ما يجزي المستعجل.
أو لسان: “كان رسول الله يتوضّأ بمدّ”(3)، بلحاظ أنّ عادة النبي علّية تكشف عن الأمر الشرعي، فأيضاً ذلك؛ لأنّ الأزيد منه لا مقتضي له، بل
ــــــــــ[88]ــــــــــ
() مرّ الكلام عليها وتخريجها أعلاه.
(2) الكافي 6: 565، كتاب الصلاة، الباب 58، الحديث: 20، وسائل الشيعة6: 42، الباب 3 من أبواب القراءة في الصلاة، ج: 2.
(3)وهي صحيحة زرارة المارّة أعلاه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
المقتضي النوعي على خلافه كما قلنا لقلّة الماء. نعم عدم نقصانه عن المدّ يمكن أن يكون لنكتة شرعية.
وأما صيغة سليمان بن حفص المروزي “الوضوء بمدٍّ”(1)، فالمطلوب هو المدّ بحدّه، اللهم إلَّا أن يقال إنّ هذه العبادة يحكم فيها مناسبات الحكم والموضوع المركوزة عرفاً، وهي تقتضي أن تكون النكتة زيادة النظافة والإتقان في الوضوء، والإتقان عرفاً يكون بالزيادة في الماء، لا في القلّة، فإنّ القلة لا دخل لها عرفاً في الإتقان، وإن كان تعبداً قد يكون دخيلاً.
فلا يتحصّل استحباب عدم الزيادة على المدّ.
نعم، هناك روايتان تدلّ على الحدّية رواية حريز: “أن لله ملكاً يكتب سرف الوضوء كما يكتب عدوانه”(2)(3)، ولكن يناقش فيها دلالةً وسنداً.
أما دلالةً فمن قال أنه سرف في ماء الوضوء بل سرف في نفس الوضوء: أي زيادة في مناطق الغسل العامة.
فيكون حالها حال رواية داود بن فرقد(4)(5): “أن للوضوء حدٌّ من تعدّاه لم
ــــــــــ[89]ــــــــــ
() مرّ تخريجها والكلام عليها أعلاه.
(2) باب 52 من الوضوء، (المقرر).
(3) الكافي 5: 73، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 9، وسائل الشيعة1: 485، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(4) باب 15 من الوضوء، (المقرر).
(5) الكافي 5: 70، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 3، وسائل الشيعة1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يؤجر”، فالسرف سرف في حدود الوضوء، لا في مائه.
وأما سنداً: فلسهل بن زياد فيها.
مرسلة الصدوق(1): “الوضوء مدّ والغسل صاع، وسيأتي أقوام بعدي يستقلّون ذلك فأولئك على خلاف سنتي”.
فالسنّة هو التقييد بالمدّ، إلاَّ أنَّه غير تامٍّ دلالةً، فمعنى يستقلون، أنهم يستقلّون ذلك عملياً، أي: يتوضؤون بأقلّ من مدّ، أو نحمله على أنهم يرون المدّ قليلاً، فعلى الأوّل فالرواية أجنبية عن استحباب عدم الزيادة، بل تأكيد لعدم النقيصة، وعلى الثاني وهو المنصرف فهم ليسوا على السنّة، باعتبار كونهم معارضين لتشريع النبي ومتحدّين للسنّة، وهو مرسل سنداً.
لو بنينا أنّ استحباب المدّ في مقابل النقيصة فقط، فلا موضوع للكلام.
ولكن لو بنينا على الحدّية من الطرفين كما هو ظاهر جماعة من الأصحاب، فهل كلّ منهما أدب مستقل، أو مطلوبان بطلب واحد؟
وثمرته أنهما لو كانا مستقلّين كان لكلّ امتثال، يمكن عصيان أحدهما وإطاعة الآخر، وأما إذا كان الاستحباب واحداً، موضوعه المدّ بحدّه، فإذا نقص أو زاد لم يأت بالمستحب أصلاً، يمكن أن يستدلّ للاستحباب الواحد بتقريبين:
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 34، باب مقدار الماء للوضوء والغسل، الحديث: 70، وسائل الشيعة1: 483، الباب 50 من أبواب الوضوء، الحديث: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فإنّ الأمر الشرعي تعلّق بهذا العنوان، فزيادته ونقصانه يخرج به عن المدّ، ولا بأس به مع الجمود على هذه العبارة.
إلاَّ أن يقال: إنّه بحسب مرتكز العرف لا يرى العرف نكتةً واحدةً بعنوان المدّ، بل يرى نكتتين: عدم الزيادة، وعدم النقيصة فإذا نزل الخطاب على المناسبات العرفية فيستفاد منه تعدّد الاستحباب.
كانوا يزيدون ولا ينقصون، ومع هذا لم يأتوا بالسنّة، فهو يقتضي وحدة المطلوب.
وجوابه: أنّ نزعة الزيادة ليست من السنّة وهو لا ينافي أنهم على طبق السنّة من جهات أخرى.
وأمّا الاستدلال على تعدد المطلوب بعدة وجوه:
الوجه الأوّل:
رواية: “إن لله ملكاً يكتب سرف الوضوء كما يكتب عدوانه”(2)، لو تمت سنداً ودلالة، فإنّ ظاهرها تعدّد المطلوب فإنَّها تبين نكتتين، وكلّ منهما عرفاً محطّ مستقل للمرجوحية.
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة1: 483، الباب 50 من أبواب الوضوء، الحديث: 6.
(2) وسائل الشيعة1: 485، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الوجه الثاني:
بعض الروايات ظاهرة بعدم النقيصة فقط عن المدّ كرواية سماعة: “سألته عن الماء الذي يجزي للغسل…”(1) قال بعد حمله على إجزاء الفضيلة، فتكون في مقام بيان أنه لا ينقص عن ذلك، لأنّ معنى الإجزاء ذلك، فيتحصّل لنا استحباب على عدم النقصان، فيكون لنا استحبابان، للمدّ ولعدم النقيصة وهو غير مربوط بعدم الزيادة.
الوجه الثالث:
إنّ عدم الإنقاص عن حدّ لا يبعد أنه داخل تحت عنوان الإسباغ الذي أخذ فيه كمية من الماء عرفاً، في مقابل التدهين، فمن زاد على المدّ فقد حصل على فضيلة الإسباغ.
النقطة الأولى: أنّ المدّ ربع الصاع.
النقطة الثانية: المدّ رطلان وربع بالعراقي، ورطل ونصف بالمدني.
النقطة الثالثة: في تحديده بالدراهم أنه 190 درهماً وكسراً.
المدّ ربع الصاع ممّا اتفقت عليه كلمات علماء المسلمين جميعاً، ومما يدل عليه
ــــــــــ[92]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة1: 482، الباب 50 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
رواية زرارة(1): “كان رسول الله يتوضأ بمدّ ويغتسل بصاع”، والمد رطل ونصف والصاع ستة أرطال، فيكون ربعه، كما في روايات زكاة الفطرة فإنّ الصاع أربعة أمداد كصحيحة الحلبي(2)(3).
ويعارض ذلك موثقة سماعة “وكان الصاع على عهده خمسة أمداد”(4)(5).
وقد يتوهم: أنها لا تعارض كل تلك الروايات بل رواية زرارة الحاكية لوضوء النبي، وروايات زكاة الفطرة تنظر إلى الصاع في زمن الأئمة.
وجوابه: أنّ روايات زكاة الفطرة تنظر إلى الصاع الذي في زمن النبي، لأنّ هذا التشريع مأخوذ منه، وجميع علماء المسلمين عليه، وكان متسالماً عليه في زمن الصحابة وما بعده.
ومما يشهد له رواية الأشعري عن أبي الحسن الرضا: “…قال صاع بصاع النبي“(6)(7) وهو أمر قطعي لا إشكال فيه، فالتعارض يكون ثابتاً.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
() وسائل الشيعة1: 481، الباب 50 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(2) باب 6 من زكاة الفطرة، الرواية 12، (المقرر).
(3) تهذيب الأحكام4: 81، كتاب الزكاة، الباب 25، الحديث: 7، وسائل الشيعة9: 336، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، ح: 12.
(4) باب 50 من أبواب الوضوء، (المقرر).
(5) تقدمت قريباً.
(6) باب 6 زكاة الفطرة، (المقرر).
(7) الكافي 7: 73، كتاب الصوم، الباب 75، الحديث: 5، وسائل الشيعة9: 333، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وعلاجه: قد نقول: إنّ رواية سماعة ناظرة إلى صاع شخصية لدى النبيّ، لا الصاع النوعي في عصره، وذلك بقرينة: روايات في غسل الجنابة: “أنّ النبي كان يغتسل بإناء يزيد عن الصاع بمدّ”(1)، ورواية معاوية بن عمار(2)، ورواية محمد بن مسلم (3).
وإلَّا فيتعين طرح رواية سماعة، والعمل على أنّ الصاع أربعة أمداد، لأنّ مسألة الصاع داخلة في حياة المسلمين باعتبار زكاة الفطرة التي تجب على كل مسلم، فلو كان أزيد بمدّ فكيف خفي على المسلمين كلهم ولم يلتفت غير سماعة؟! فتسقط روايته عن الحجّية وتتعين للسقوط.
ومثلها رواية سليمان بن حفص المروزي قال: “قال أبو الحسن موسى بن جعفر: الغسل بصاع من ماء والوضوء بمدًّ من ماء، وصاع النبيّ خمسة أمداد…”(4). فيُلتزم بسقوطها.
ويختلف تقييم الإجماع في الأوزان والمقادير عن الإجماع في الأحكام الشرعية، فهنا يكون حجّة، لأنه يطمئن بمطابقة مضمونه للواقع بدرجة أقوى من الإجماعات والشهرات المنقولة والمتحقّقة وذلك لعدة أمور:
ــــــــــ[94]ــــــــــ
() باب 32 من الجنابة، (المقرر).
(2) انظر: تهذيب الأحكام1: 137، كتاب الطهارة، ب 6، الحديث: 74، وسائل الشيعة2: 243، ب 32 من أبواب الجنابة، ح: 3.
(3) تهذيب الأحكام1: 136، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 73، وسائل الشيعة1: 242، الباب 50 من أبواب الوضوء، ح: 1.
(4) وسائل الشيعة 1: 481، الباب 50 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الأمر الأوّل: أنّ المدّعى في هذه المسألة أمر قابل للحسّ والتجربة، وفي باب الأحكام حدسي قابل للخطأ، فإنّ الإجماع في المقادير يرجع إلى التجربة، فيكون أوكد يقيناً في النفس.
الأمر الثاني: أنها أمور لم ينعكس عليها الخلافات المذهبية، فيمكن أن يستأنس بكلمات العامّة إذا كانت المسألة متفقاً عليها بين الخاصة والعامة.
الأمر الثالث: أنّ هذه الموازين والمكاييل أمور حياتية مبنى السوق عليها، وليست مجرد أحكام شرعية، فيكون الدقة والضبط الاجتماعي أكثر بكثير من الأمور العبادية، وخاصّة إذا كانت دخيلةً أكثر وأكثر في الحياة، كزكاة الفطرة التي كان يدفعها الأعمّ الأغلب من المسلمين، فلا يكون احتمال مخالفة الإجماع للواقع معقولاً، فيكون ما يعارضه ساقطاً، لعدم الوثوق به، بل الوثوق بعدمه.
المد رطلان وربع بالعراقي، ورطل ونصف بالمدني، ورطل وثمن بالمكي، والعراقي مئة وثلاثون درهماً شرعياً، والمدني هذا، ونصفه مئة وخمسة وتسعون درهماً. والمكّي ضعف العراقي مئتان وستون درهماً، والعراقي مصرّح به في جملة من الروايات وكذلك المدني، ولم أجد التصريح بالرطل المكّي، نعم يمكن أن يستأنس برواية حريز عن زرارة الآتية؛ لأنه قدّره بستة أرطال، وهو يناسب مع الرطل المكّي. يكون المدّ رطل وثمن بالمكّي.
ففي صحيحة زرارة “كان رسول الله يتوضّأ بمدّ ويغتسل بصاع والمدّ ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
رطل ونصف، والصاع ستة أرطال”(1). قال الشيخ(2) يعني أرطال المدينة، ليتّفق مع المشهور، وهو أنه رطلان وربع بالعراقي. وإن أريد به التقدير بالعراقي، فسيكون أقلّ من المشهور.
وإن أريد بالمكّي فسيكون أزيد؛ لأنّه سيكون ثلاث أرطال عراقية.
وقرينة ذلك مضافا إلى الإجماع روايات الفطرة، ورد أنّ الفطرة تسعة أرطال بالبغدادي، وستة بالمدني، فإذا ضمننا إلى ذلك أنّ الفطرة صاع ينتج أنّ الصاع هو ذلك، فإذا ضمننا إلى ذلك أنّ المدّ ربع الصاع كان المدّ رطلاً ونصفاً بالمدني، فيحمل هذا على المدني، بقرينة تلك الروايات. والروايات المشار إليها بالفطرة غير تامٍة سنداً، إذ إنّ إحداهما مرسلة، والأخرى ضعيفة. فالمدّ رطل ونصف بالمدني، أي رطلان وربع بالعراقي.
رواية سماعة السابقة تقول: “وكان الصاع على عهده خمسة أمداد”، وكان المدّ رطل وثلاث أواق، والرطل مردّد بين الثلاثة، والأوقية أيضاً، لأنّ لها اصطلاحين:
الاصطلاح الأول: الأوقية في مهر السنّة قدرت بأربعين درهماً ولذا ورد: “… كان صداق النبي اثنتي عشرة أوقية ونشّاً والنشّ نصف الأوقية، ــــــــــ[96]ــــــــــ
() الرواية في التهذيب 1: 136، والاستبصار 1: 121، وفي الخلاف 1: 130.ث.
(2) أي الشيخ الطوسي، وذلك في كتابه الخلاف بعد ذكر الحديث أعلاه، فانظر: الخلاف: 1: 130.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والأوقية أربعون درهماً فذلك خمسمائة درهماً”(1).
الاصطلاح الثاني: أن يراد من الأوقية سبعة مثاقيل، والأول شرعي والثاني عرفي، والفارق بينهما كثير، لأنّ كلّ سبعة مثاقيل شرعية تساوي عشرة دراهم شرعيّة، فثلاثة أواق تصبح ثلاثين درهماً شرعياً، بينما على الأوّل تصبح مئة وعشرين درهماً، فيكون مجموع احتمالات الرواية ستةً، حاصل ضرب ثلاثةً في اثنين، وأقربها أن نحمل الرطل على المكّي وهو أكثر التقادير، ونحمل الأوقية على التقدير الأوّل، فنحصل على نتيجة قريبة من المطلوب. لأنّ المكّي يعادل رطلين عراقيين. فبقي علينا ربع رطل بالعراقي، ورد في الرواية بإزائه ثلاث أواق 3 أواق 10= 30 درهماً، وربع الرطل العراقي اثنان وثلاثون ونصف، لأنّ الرطل العراقي مئة وثلاثون درهماً. فالفرق درهمان ونصف، وليس أنّ الفرق بينهما كبير كما يذهب الفقهاء، وربما قيل: إنَّ هذا ملغى شرعاً، فإنّ الإمام بعد أن قصد الرطل المكّي بقي أقرب كسر إليه هو ثلاث أواق.
وإذا لم يمكن هذا التوفيق تسقط رواية سماعة، للشهرة التامة على أنّ المدّ رطلان وربع بالعراقي، طبقاً للمطلب الكلّي الذي بيناه.
أما إذا لم نقبله، لأنه لا حاجة إلى ذكر الأواق ليكون ذكر الكسر صعباً، بل يقول رطل وثمن، فتسقط عن الحجّية.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) الكافي 10: 707، كتاب النكاح، الباب 45، الحديث: 3،
وسائل الشيعة 21: 248، الباب 4 من أبواب المهور، الحديث: 8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهناك رواية معارضة تقول: (المدّ بالدراهم) على شكل يختلف نؤجلها إلى النقطة الثالثة الآتية.
في تقدير المدّ بالدراهم، وهو الدرهم الشرعي، كلّ عشرة دراهم شرعية تساوي سبعة مثاقيل شرعية، وكل عشرة دنانير شرعية تساوي عشرة مثاقيل، لاختلافها في الثقل النوعي، وأرادوا أن يجعلوا مساحة الدرهم والدينار واحدةً، وكلّ مثقال شرعي هو ثلاث أرباع المثقال الصيرفي الذي استعمل في الفترة المتأخّرة في الإسلام. المدّ رطلان وربع بالعراقي وكل رطل عراقي مئة وثلاثون درهماً شرعياً. فالرطل المدني يساوي مئة وثلاثون ونصف ذلك أي يساوي مئة وخمسة وتسعون درهماً، والمكّي يساوي ضعف العراقي أي مئتان وستون درهما، وهذا مورد الإجماع تقريباً.
وهناك روايتان مؤيدتان، لأنّ سنديهما لم يثبتا:
الأولى: عن إبراهيم بن محمد الهمداني أنّ أبا الحسن صاحب العسكر كتب اليه في حديث: “الفطرة عليك وعلى الناس كلهم… تدفعه وزناً ستة أرطال برطل المدينة والرطل مائة وخمسة وتسعون درهماً…”(1)(2)، فإذا أضفنا إلى ذلك ما دلّ على أنّ كلّ ستة أرطال مدنية هو تسعة أرطال بغدادية عراقية يكون
ــــــــــ[98]ــــــــــ
() باب 7، من زكاة الفطرة، (المقرر).
(2) تهذيب الأحكام4: 79، كتاب الزكاة، الباب 24، الحديث: 1، وسائل الشيعة9: 342، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، ح: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
العراقي مئة وثلاثين ثلثي مئة وخمسة وتسعين.
والثانية: عن جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: “كتبت إلى أبي الحسن- فكتب إليّ: الصاع ستة أرطال بالمدني، وتسعة بالعراقي، وأخبرني أنه يكون بالوزن ألفاً ومائةً وسبعين وزنةً”1).
ويقال إنّ الوزنة تعبير عن الدرهم، لأنه وحدة شائعة في الوزن، فإذا قسّمناه على تسعة فهو البغدادي مئة وثلاثون، وإذا قسمناه على ستة فهو المدني مئة وتسعون(2).
في مقابل ذلك توجد رواية معارضة: سليمان بن حفص المروزي قال: “قال أبو الحسن: الغسل بصاع من ماء، والوضوء بمدٍّ من ماء، وصاع النبي خمسة أمداد…”(3) والمد وزن مئتان وثمانون درهماً، وبحسابنا يكون المد رطلان وربع بالعراقي 12 292 درهماً، فتنقص الرواية بـ 12 12.
ثُمَّ، يقول: “الدرهم ستة دوانيق، والدانق وزن ست حبات”، والمشهور أنّ الدانق ثمان حبات، يقول: “والحبّة وزن حبّتين من حبّ الشعير المتوسط”، فقد قدر الدانق بـاثني عشرة حبةً، فتكون زيادةً بمقدار مهم، لأنه يزيد في كل دانق أربع حبّات.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
() الكافي 7: 661، كتاب الصيام، الباب 75، الحديث: 9، وسائل الشيعة9: 340، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث: 1.
(2) يكون 195 لا 190 فلاحظ، (المقرر).
(3) تهذيب الأحكام1: 136، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 65، وسائل الشيعة1: 481، الباب 50 من أبواب الوضوء، ح: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فهي منافية للإجماع في ثلاث مواضع:
الموضع الأول: والصاع خمسة أمداد.
الموضع الثاني: المدّ وزن مائتين وثمانين درهماً.
الموضع الثالث: أنَّ الدانق اثنتا عشرة حبة، وهو ثمان حبات بالإجماع، فلا بُدَّ من إسقاطها حتى لو كانت تامّة سنداً، وهي غير تامّة سنداً.
إذن المد 12 292 درهماً شرعياً، فلو أردنا أن نحوّل هذه الدراهم إلى مثاقيل شرعية، فإنَّها 14 29 من العشرات من الدراهم، وكلّ عشرة تكافئ سبعة مثاقيل شرعية، فيصير 14 29×7= 34 204 مثقال شرعي، فإذا حولنا ذلك إلى مثاقيل صيرفية متعارفة، الآن في السوق نقول كل مثقال شرعي 34 المثقال الصيرفي، فيجب أن نأخذ 34 هذا المقدار: 12 153 ونصف ثمن المثقال الصيرفي.
فإذا حوّلنا ذلك إلى الغرامات، لا بُدَّ أن نعرف كم يعادل المثقال بالنسبة الى الغرام، يقول أهل الخبرة: إنّ كل مثقال صيرفي = 810 4 من الغرام، وهو ليس أكثر منه قطعاً، وقد يكون أقل منه.
فإذا ضربنا تلك الكمية من المثاقيل في ذلك يقل بمقدار جزئي عن سبعمائة وأربعين غراماً أو أقل بمقدار خمسة عشر غراماً. أي: أقلّ من ثلاث أرباع الكيلو، وإن كان التقدير أقلّ فسوف يقلّ عن ذلك.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثاني: الاستياك بأي شيء كان ولو بالإصبع، والأفضل عود الأراك(1).
من مستحبات الوضوء: السواك بالمسواك أو مسبحته أو إصبعه.
لا إشكال أنه مستحب نفسي، وقد ورد التأكيد عليه، وإنما الإشكال أنه مستحب للوضوء خاصّة.
يدلّ على استحبابه في نفسه صحيحة محمد بن مسلم: “ما زال جبرائيل يوصيني بالسواك حتى خفت أن أحفي أو أدرد”(2)، وفي معتبرة اسحق بن عمّار قال: قال أبو عبد الله: “من أخلاق الأنبياء السواك”(3).
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 199، كتاب الطهارة، فصل في بعض مستحبات الوضوء، الاستياك.
(2) الكافي 5: 75، كتاب الطهارة، الباب 15، الحديث: 3، وسائل الشيعة2: 5، الباب 1 من أبواب السواك، ح: 1.
(3) الكافي 13: 149، كتاب الزي والتجمل والمروءة، ب 42، الحديث: 1، وسائل الشيعة 2: 6، ب 1 من أبواب السواك، ح: 13.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ويدل على استحبابه للوضوء خاصّة روايات: عمدتها رواية معاوية بن عمار: “سمعت أبا عبد الله يقول: كان في وصية النبي لعلي أنه قال: وعليك بالسواك عند كل وضوء”(1) حيث قرن بالوضوء، فهو ظاهر أنه من مطلوبات الوضوء، والرواية تامّة سنداً، لكن ورد في بعضها: “عليك بالسواك عند كل صلاة”(2) كالذي رواه الكافي في باب السواك من الزي والتجمّل.
فقد يقال: بالتعارض بينهما، ولكن هذا غير مضر، لأنه في صيغ أخرى جمع بين الصلاة والوضوء: “عليك بالسواك عند كلّ وضوء وكلّ صلاة”(3) بل لا تنافي بينهما، لأنه ليس فيها دلالة على نفي الآخر، فلا إشكال لا سنداً، ولا متناً، ولا دلالة.
وأما الروايات الأخرى فهي كثيرة إلاَّ أنها لا تخلو من الإشكال سنداً أو دلالةً:
كمرسلة الصدوق: “يا علي عليك بالسواك عند وضوء كل صلاة”(4).
ــــــــــ[102]ــــــــــ
() الكافي 15: 197، الروضة، وصية النبي ’ لأمير المؤمنين، ح: 33، الوسائل 2: 16، ب 3 من أبواب السواك، ح: 1.
(2) الكافي 13: 152، كتاب الزي والتجمل، الباب 42، الحديث: 10، وسائل الشيعة 2: 18، الباب 5 من أبواب السواك، ح: 1.
(3) تهذيب الأحكام 9: 176، كتاب الوصايا، الباب 6، الحديث: 3، وسائل الشيعة 2: 17، الباب 3 من أبواب السواك، الحديث: 5 مع اختلاف يسير في الألفاظ.
(4) وسائل الشيعة 2: 17، الباب 3 من أبواب السواك، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والبرقي في المحاسن، عن محمد بن إسماعيل رفعه الى أبي عبد الله: “في وصية النبي لعلي قال: عليك بالسواك لكلّ وضوء”(1) وغيرها.
البرقي في المحاسن: عن أبيه، عن صفوان، عن المعلّى بن خنيس قال: “سألت أبا عبد الله عن السواك بعد الوضوء؟ قال: السواك قبل أن يتوضأ”(2) وهو سؤال عن محل السواك بعد الفراغ عن مشروعيته، قلت: وإن نسي قبل أن يتوضأ؟ قال: “يستاك”(3). وتماميتها سنداً مبني على توثيق المعلى بن خنيس(4).
الحلبي عن أبي عبد الله قال: “أنّ رسول الله كان إذا صلى العشاء الآخرة أمر بوضوءه وصلاته”(5)(6).
ــــــــــ[103]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 2: 18، الباب 3 من أبواب السواك، الحديث: 6.
(2) المحاسن 2: 561، الباب 123، الحديث: 947، وسائل الشيعة 2: 18، الباب 4 من أبواب السواك، الحديث: 1.
(3) تمام الرواية السابقة.
(4) انظر: رجال الكشي: 376، تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله، في المعلّى بن خنيس، معجم رجال الحديث 18: 237، باب الميم، الرقم: 12496. وبالبحث المفصل تجده في قاموس الرجال: 10: 158، الترجمة رقم (7643).
(5) باب 6 من السواك، (المقرر).
(6) الكافي 6: 536، كتاب الصلاة، الباب 84، الحديث: 13، وسائل الشيعة 2: 21، الباب 6 من أبواب السواك، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
تدلّ على أنّ النبي إذا قام من نومه لصلاة الليل يستاك، وهي صحيحة سنداً، ولكن لم يتّضح أنه مربوط بالوضوء أو بالقيام من النوم، خصوصاً مع آخر الحديث: أنه كان يستاك كلما قام من نومه، وقد ورد انه من آداب القيام من الليل..
رواية زرارة عن أبي عبد الله وهي طويلة: “إذا قمت بالليل من منامك فقل الحمد لله.. الى أن قال: ثم استك وتوضأ”(1) وهي فيها نفس الإجمال.
ــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 123، كتاب الصلاة، الباب 8، ح: 235، وسائل الشيعة 2: 21، ب 6 من أبواب السواك، ح: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثالث: وضع الإناء الذي يغترف منه على اليمين(1)
ومن المستحبات: وضع الإناء على يمين المتوضي:
نقل عن جملة من الفقهاء. وبعضهم فصّل(2) بين ما إذا كان الإناء يغترف منه الماء فيستحب، وإن كان بالإراقة فلا يستحب، فمن يبني على قاعدة التسامح يمكنه أن يبني على الاستحباب باعتبار فتوى الفقهاء، وإلا فيشكل لأنه لم تدل عليه رواية كما اعترف بذلك صاحب الحدائق.
التسامح في أدلة السنن بعد فتوى جماعة بالاستحباب، ونحن لا نقبل هذه
ــــــــــ[105]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 199، كتاب الطهارة، فصل في بعض مستحبات الوضوء، الاستياك.
(2) أنظر مثلاً: جامع المقاصد في شرح القواعد 1 ص 229. ومفتاح الکرامة في شرح قواعد العلامة (ط. الحديثة) 2 ص 492. وذخيرة العقبی في شرح العروة الوثقی 5 ص 121. والحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، الجزء: ٢، الصفحة: ١٤٧.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
القاعدة كليةً، ومن يقبلها ينتج الاستحباب النفسي لا الاستحباب الشرطي للوضوء؛ لأنَّه لا يستكشف من الوعد على الثواب أكثر من طبيعي الطلب.
النبوي في المستدرك مرسلاً، وفي صحاح الستة “إنّ الله يحب التيامن في كلّ شيء، وأنّ رسول الله يحب التيامن في وضوئه وصلاته وكل أعماله”(1).
مضافاً إلى ضعف سند هذه الروايات لم يعمل به الفقهاء في كثير من الموارد، مضافاً إلى أنّ المحبوب هو التيامن وهو حقيقة التوغّل في جهة اليمين في المشي، وبالعناية يعمّم لاستعمال اليمين في عمل من الأعمال، أمّا أن يصنع شيئاً على يمينه، فهو لا يصدق عليه عرفاً أنه تيامن، فإنَّه ربما تياسر من ناحية الإناء.
مرسلة: “إنّ الله يحب السهل السمح الخليقة…”(2) وهذا هو السهل؛ لأنه يستحب أخذ الماء من اليمين، والأسهل الاغتراف من الإناء إذا كان في اليمين، ومن هنا فصّلوا بين ما يغترف به أو ما يصب منه، لأنّ الأسهل حينئذٍ جعله إلى جنب اليسار، مضافاً إلى أنّ هذا وسابقه ينتج الاستحباب النفسي لا الغيري. على أنّ السهولة تختلف بالنسبة إلى الأفراد، وإن كان الإتيان به انقياداً حسناً.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 2: 200، باب الطهارة، الحديث: 101، مستدرك الوسائل 1: 330، الباب 30 من أبواب الوضوء، الحديث: 750.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم: 225، الحديث: 100.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الرابع: غسل اليدين قبل الاغتراف مرة في حدث النوم والبول، ومرتين في الغائط…(1).
من مستحبات الوضوء غسل اليدين: وهو بنحو إجمالي ممّا لا إشكال فيه.
صحيحة الحلبي: “قال واحدة من حدث البول، واثنتان من حدث الغائط، وثلاث من الجنابة”(2)، والإضمار لا يضرّ فيها، لما قلنا من القاعدة العامّة من أنه يرجع إلى الإمام.
ومنها: ما رواه حريز عن أبي جعفر قال: “يغسل الرجل يده من النوم مرّة، ومن البول والغائط مرتين، ومن الجنابة ثلاثاً”(3) وهي جيدة دلالة، ولكنها
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 199، كتاب الطهارة، فصل في بعض مستحبات الوضوء، الرابع: غسل اليدين.
(2) تهذيب الأحكام 1: 36، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 35، وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، ح: 1.
(3) تهذيب الأحكام 1: 36، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 36، وسائل الشيعة 1: 427، ب 27 من أبواب الوضوء، ح: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
سنداً فيها خدشة بعلي بن السندي.
ومنها: عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال: “يدخلها في وضوئه قبل أن يغسلها؟ قال: لا حتى يغسلها”(1). ووقع في سندها ليث المرادي(2) وفيه كلام.
ومنها: مرسلة الصدوق قال الصادق: “اغسل يدك من البول مرةً، ومن الغائط مرتين، ومن الجنابة ثلاثاً” وقال: “اغسل يدك من النوم مرتين”(3).
إنّ غسل اليد هذا يحتمل فيه عدّة احتمالات ربما تختلف في الآثار.
أن يكون غسل اليد مستحباً مستقلاً عن الوضوء، وإن كان مربوطاً بالحدث، ويبعّده مقرّبات الاحتمالات الأخرى. مضافاً إلى أنّ ربط الغسل بحدث النوم والبول والجنابة يناسب أن يكون هذا الغسل مزيلاً لشيء. ومادة الغسل أخذ فيها التنظيف وليس مجرد صبّ الماء.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 39، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 45، وسائل الشيعة 1: 428، ب 27 من أبواب الوضوء، ح: 3.
(2) فهرست الطوسي: 382، باب اللام، الرقم: 587، معجم رجال الحديث 14: 372، باب الميم.
(3) وسائل الشيعة 1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إنّ الأمر بالغسل باعتبار نشوء حزازة ومنقصة، وهو حدث صغير يكفي في إزالته غسل اليد، فالبول يوجد حدثين: أحدهما يوجب الوضوء، والآخر حدث تنزهي يوجب غسل اليدين.
وبناء عليه وعلى السابق، لا يكون الغسل من شؤون الوضوء، بل مستقلاً عنه، فلو غسل يده قبل الوضوء بمدّة فقد امتثل الاستحباب، نعم استفدنا من صحيحة الحلبي(1) أنّ هذا الغسل لا بُدَّ أن يقع قبل الوضوء، فلو غسلها قبل الوضوء بمدةٍ يشمله إطلاق رواية حريز.
وهذا الاحتمال أقرب من السابق، لأنّ نكتة كون الغسل تنظيفاً محفوظة. لكن يوجد ما يبعّده كما سنذكر في الاحتمال الآتي.
إنّ غسل اليدين من مستحبات الوضوء، وهذا لا يمكن استفادته في هذه الروايات التي قرأناها، لأنَّها بين ما هو مطلق وبين ما فرض فيه كون الغسل قبل الوضوء، من دون دلالة على ربطه به، ومن هنا أشكل جملة من الفقهاء في ذلك، لكنّ الصحيح ربطه به، كما في الوضوءات البيانية، فإنَّه ظاهر أنه داخل في عملية الوضوء دخولاً وجوبياً أو استحبابياً.
صحيحة زرارة قال: “قال أبو جعفر: ألا أحكي لكم وضوء رسول
ــــــــــ[109]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الله“ فقلنا بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء، فوضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه،ثم غمس كفّه اليمنى… ثم أمرّ يده على وجهه…”(1) وهذا لا ينافي تلك المطلقات، لأنَّها تحمل عليه بعد العلم بوحدة المطلوب، فلو أتى به بعيداً عن الوضوء لعله لا يكفي، لأنّ ظاهره أنه داخل في العملية، بحيث تقع موالاة بينهما عرفاً.
بعد البناء على أنه مطلوب وضوئي، فهل هو مساهم بالتطهير الحدثي، ولو بمرتبة عليا استحبابية، أو أنّ الملحوظ فيه هو حيثية النجاسة، لأنّ اليد في معرضها؟
قد يقرب الأوّل لصحيحة الحلبي: “واحدة من حدث البول واثنتان من حدث الغائط، وثلاث من الجنابة”(2)، فقد لوحظت جانب النجاسة الحدثية دون الخبثية، وفي مرسلة الصدوق: “اغسل يدك من النوم مرّة”(3) وهو حدث وليس خبثاً.
إلاَّ أنّ هذه القرائن لا يمكن التعويل عليها، أمّا الأوّل فلقوّة احتمال أنّ الإضافة البيانية يعني الحدث الذي هو البول، وقد تكون الجنابة مأخوذةً بوصفها عنواناً مشيراً إلى المني، وأما رواية: “اغسل يدك من النوم وهو ليس فيه
ــــــــــ[110]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(2) مرّت قريباً.
(3) وسائل الشيعة 1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
نجاسة”(1) ففي رواية ليث المرادي عن أبي بصير عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال: “فإنَّه استيقظ من نومه ولم يبل، أيدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها؟ قال: لا، لأنه لا يدري أين باتت يده فليغسلها”(2) لعلها تنجست في النوم فقد لوحظ في النوم جنبة النجاسة.
ولو تمّ ذلك: فهل المقصود التحفّظ من ناحية نجاسة اليد أو التحفّظ من نجاسة الماء؟
فإن كان الأوّل لا يفرق بين اليمنى واليسرى كما لا يفرق بين الوضوء بالماء القليل أو الكثير، وفي القليل لا يفرق بين أن يصبّ منه أو يدخل يده فيه، وأما على الثاني: فقد يحتمل التفصيل بين ذلك، وكلّها جهات يأتي تحقيقها.
المناسب مع رواية أبي بصير هو أنّ الملحوظ النجاسة من حيث اليد: “أين باتت يده” والمناسب مع رواية الحلبي: (هل يفرغ الرجل على يده قبل أن يدخلها في الإناء؟)(3)، فالتحفّظ على الماء إن لم يكن هو تمام النكتة فهو دخيل فيها. وفيها إشعار أنّ الماء ينفعل بملاقاة النجاسة: إما لأنّ الماء القليل ينفعل
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) مرّت قريباً.
(2) الاستبصار 1: 51، كتاب الطهارة، الباب 30، الحديث: 5، وسائل الشيعة 1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 3، مع اختلاف يسير في الألفاظ، ففي التهذيب والاستبصار: (عن ليث المرادي أبي بصير) وليس عن أبي بصير كما في نسخة الوسائل، وفي الاستبصار ورد: (أين باتت يده) بينما في التهذيب وفي الوسائل (حيث باتت يده).
(3) مرت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
بملاقاة النجس الخالي من العين، أو أنّ هذا الماء القليل لا يكون مطهّراً إلَّا بصبه على اليد دون إدخالها فيه؛ لأنه يشترط في التطهير بالماء القليل ورود الماء على المتنجس لا ورود المتنجس على الماء.
إلَّا أنّ الإنصاف أنّ حيثية احتمال النجاسة ينبغي أن تحتمل على الحكمة لا على العلة، لعدة قرائن: منها: رواية عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، لأنّه لا يدري أين باتت يده، لأنّ الغالب أنّ الإنسان يدري أين باتت يده، فهو كلام يناسب مع الحكمة لا العلة، وإلا لزم تخصيص الأكثر.
ومنها أنَّه يأمر بالغسل مرتين من الغائط وثلاث من الجنابة(1)، وهذا لا يستدعيه النجاسة الخبثية، بل تكفي المرّة في الغائط والمني بعد زوال العين فليس هذا أمراً احتياطياً للنجاسة وإلا لما زاد العدد.
فالأمر بالغسل يرجع إلى كونه أدباً للوضوء، وحكمته احتمال النجاسة.
هل يختصّ هذا الحكم بالمحدث بالنوم والبول والغائط والجنابة، أو يعمّ غيره كالريح والاستحاضة القليلة، وما يزيل العقل، أو يعم الوضوء التجديدي؟
المشهور هو الاختصاص بالموارد الأربعة باعتبار النصّ، وتقريبه أن التعدي يحتاج إلى أمور ثلاثة:
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الأمر الأول: أن يوجد إطلاق لفظي ليتمسّك به وهو غير موجود، فإنَّها كلها أمرت بغسل اليد من أحداث معينة.
الأمر الثاني: أن توجد علّة منصوصة يُتعدّى ببركتها، وهو أيضاً منتفٍ، لأنّ ما يتوهم أنه كذلك هو ما ورد في رواية عبد الكريم الهاشمي: “لا يدري أين باتت يده”(1) وهو لا يفرق فيها بين الموارد، لأنَّ مرجعها إلى المعرضية للنجاسة، وهي كما هي موجودة في البائل والمتغوّط والنائم، موجودة في المستحاضة.
إلَّا أنه لا يتم لأمرين:
أولاً: لما ذكرناه من أنها ليست علّةً وإنما هي حكمة، وما يدور الحكم مداره هو العلّة لا الحكمة، والحكمة لا يتعدّى على أساسها.
ثانياً: أن هذه الحكمة لا تصدق في الريح، لأنّه ليس من الأعيان النجسة كالبول، ولا بفقد الوعي كالنوم.
الأمر الثالث: أنّ مناسبات الحكم والموضوع العرفية تلغي المورد وتعتبره مثالاً، وهي غير موجودة في التعدّي من الأربعة إلى غيرها. خصوصاً مثل الريح الذي لا يتصور فيه المعرضية للنجاسة، فيقتصر على خصوصها.
ولكن لا يبعد إمكان التعدّي إلى الأحداث الأخرى بل إلى الوضوء التجديدي، عملاً بصحيحة زرارة(2) في الوضوءات البيانية. وقد غسل كفيه
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(2) وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أولاً، وهو ظاهر أنه جزء من الوضوء استحباباً، ومقتضى إطلاقه أنه جزء من الوضوء بما هو وضوء، لا بما هو وضوء المحدث أو البائل أو النائم، لأنّ زرارة سأل عن طبيعي الوضوء، فلو كان على غير ذلك لبينه الإمام.
هل يختصّ هذا الاستحباب بخصوص اليمنى أو يشمل اليسرى؟ المتيقّن هي اليمنى، لأنَّها المصرح بها كصحيحة الحلبي(1): (كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلها الإناء) أو رواية عبد الكريم الهاشمي(2)، وبقية الروايات وإن كان فيها إطلاق إلاَّ أنها غير تامة سنداً، كمرسلة الصدوق(3)، ورواية حريز(4)، فقد يقال إنّ ما هو تامّ سنداً مخصوص باليمنى، وغيره غير تامّ سنداً، والتعدّي مبنيٌ على إنكار عدم الفرق، وهو غير موجود خصوصاً إذا كان للتحفظ على الماء دخل ولو استحباباً، والمستحب الغالب هو إدخال اليمنى.
ومع هذا فالأقرب هو التعدي رجوعاً إلى صحيحة زرارة البيانية فإنَّه ورد فيها: “غَسَلَ كفيه”، فيستحب غسلهما معاً.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) وسائل الشيعة 1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(3) وسائل الشيعة 1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
(4) وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مقتضى الإطلاق في صحيحة زرارة(1) البيانية كفاية الغسل مرةً واحدةً في كل وضوء، ما لم يثبت المقيد.
رواية الحلبي(2): “واحدة من حدث البول”، وهو موافق مع رواية زرارة. “واثنتان من حدث الغائط، وثلاث من الجنابة”، فنقيّد تلك الرواية به، فينتج في غير الغائط من الأحداث الصغيرة يكفي مرّةً، وفي الغائط مرّتين.
وقد يقال: إنّه لا موجب للتقييد في باب المستحبات، بناء على مسلك الكفاية القائل: إنّ حمل المطلق على المقيد فيما إذا علم من الخارج وحدة الحكم، وفي المستحبات لا نعلم ذلك بل لعلهما معاً مستحبان مختلفان في الدرجة، ولكن هذا إنما يتم فيما إذا كان الأمر بالمقيد غير ناظر إلى الأمر بالمطلق، وأما إذا كانت هناك وظيفة شرعية معينة كل من المطلق والمقيد ناظر إلى تعيينها، فالحلبي يعرف بأساس الوظيفة ويسأل عن عدده، فمقتضى القاعدة التقييد بالنسبة إلى الغائط، ويبقى الباقي على المرّة، وفاقاً للأصحاب.
وهناك رواية قد تعتبر معارضةً لصحيحة الحلبي: “يغسل… من البول ومن الغائط مرتين”(3)، إلاَّ أنها أولاً: ضعيفة سنداً، وثانياً: أنّها تحمل على
ــــــــــ[115]ــــــــــ
() تقدمت قريباً.
(2) تقدمت قريباً.
(3) كرواية حريز المتقدمة، فقد ورد فيها: (ومن الغائط والبول مرتين…). ورواية مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : اغْسِلْ يَدَكَ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً ومِنَ الْغَائِطِ مَرَّتَيْنِ ومِنَ الْجَنَابَةِ ثَلاَثاً. كما في الوسائل: 1: 428. وأرسلها الصدوق في: من لا يحضره الفقيه: 1: 46.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الاستحباب؛ لأنّ تلك الرواية صريحة في كفاية الواحدة، ولا يمكن حملها على التقية مع صراحة تلك الرواية، بل تحمل على تعدد مراتب الاستحباب، مضافاً إلى أنه قد يكون المراد أنه من البول والغائط مجتمعين مرّتين فلا تعارض، فإن استظهرنا ذلك فهو وإن أجملت الرواية فلا تقع طرفاً للمعارضة. ومنشأ الاحتمال في الرواية عدم تكرار لفظ (من)، مضافاً إلى التلازم الغالبي، وأنّ المتغوِّط في الغالب أن يكون متبوِّلاً.
هل بمقدار التيمم أو بمقدار الوضوء أو بينهما؟ المعروف بين الأصحاب أن متعلق الاستحباب هو اليد إلى الزند فلا يشمل الذراع.
أن يدّعى قصور المقتضي، لأنّ هذا هو المتيقّن من الروايات، ولا يستفاد منها مطلوبية الأكثر.
لو سلّم الإطلاق يدّعى وجود المقيد.
أما الدعوى في التقريب الأوّل، فهي مبنية على أنّ المعوّل عليه في هذا الباب
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ما صحّ سنده وهي رواية الحلبي، وعبد الكريم بن عتبة الهاشمي، ففي رواية الحلبي: سألته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلها في الإناء، قال: “واحدة من حدث البول..”(1) الحديث.
ولفظ اليد اليمنى لا بأس بأن يدّعى إطلاقها، إلاَّ انه لا يمكن التمسّك بإطلاقها من هذه الجهة، لأنّ الرواية مسوقة لبيان حكم آخر. مع الفراغ عن أصل استحباب الغسل. مضافاً إلى أنه يمكن أن يستأنس من قوله: “قبل أن يدخلها الإناء” أنّ المغسول هو الكفّ خاصّة، لأنه هو الذي يدخلها، وهو للاستئناس، لأنّ اليد بكل معنى تدخل في الإناء بنحو الموجبة الجزئية.
ورواية الهاشمي: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يبول ولم يمسّ بيده اليمنى شيئاً… قال: لا لأنه لا يدري حيث باتت يده فليغسلها”(2)، لا يمكن التمسّك بالإطلاق أيضاً لعين النكتتين، مضافاً إلى الاستئناس من اليد التي تدخل الإناء حقيقةً هو الكفّ، والباقي يدخل مسامحةً.
والروايات الأخرى غير تامة سنداً كرواية حريز(3) ومرسلة الصدوق(4)، وهي مسوقة لبيان أصل الحكم، فصحّ لشخص أن يتمسّك بإطلاقها، وفي باب الجنابة ورد الغسل إلى نصف الذراع وهي أيضاً غير تامة سنداً. فالمقتضي غير
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) وسائل الشيعة 1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(3) وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(4) وسائل الشيعة 1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
تام للاستحباب الزائد على الكفّ.
وأما الدعوى في التقريب الثاني: لو سلّمنا الإطلاق فيمكن أن يقال بوجود المقيد، وهو ما ورد في الوضوءات(1) البيانية، والأغسال البيانية، فإنَّه ورد غسل الكفين، وهو عبارة عن يد التيمّم، لا يد الوضوء.
وظاهرها حصر الاستحباب بالكفين، فيقيد إطلاق تلك الروايات.
والإنصاف أنّ التقييد مشكل؛ لأنَّها ليس لها مفهوم يدلّ على أنّ الزائد غير مستحب. نعم هو يؤدّي الوظيفة الشرعية، أي إنّه مستحبّ ولا ينفي أنّ إضافة الذراع عليه مستحبة، ولا دليل على أكثر من ذلك.
فلو غسل يده للتنظيف بدون قصد القربة والوضوء فهل يجزي أو لا؟
نقلنا في علم الأصول(2) أنّ الأصل في الأمر هو التمسّك بالإطلاق لأثبات التوصّلية، ما لم يقم دليل على التعبدية.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
(1) كصحيحة زرارة الواردة في: وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(2) انظر: مباحث الأصول القسم الأول 2: 199، المقصد الأول، الفصل الثاني، هل الأصل في الواجبات التعبّدية او التوصلية، قال قدس الله روحه ما لفظه: “وأما على مسلكنا من أنّ الأمر التعبدي كالتوصّلي متعلق بذات الفعل وإنما يختلف عنه في تجدّد الأمر اذا لم يأت بقصد القربة بالنحو الذي عرفت، فأيضاً يتم التمسّك بالأطلاق اللفظي لنفي التعبديّة”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ويمكن أن يستأنس للتوصّلية بناء على أنّ هذا الطلب هو بنكتة النجاسة التوهّمية، لارتكازية أنّ الغسل الخبثي من المطلوبات التوصلية.
وفي مقابله يوجد كلام واحد لاستظهار التعبديّة، وهو أنّ صحيحة زرارة(1) البيانية ظاهرها أنّ غسل اليد جزء مستحب للوضوء. فنضمّ إليه الدليل على أنّ الوضوء عبادي، فهذا من الوضوء، والوضوء عبادي، فهذا عبادي، وهو بيان لو تمّ لدلّ على عبادية كل مستحب ورد في لسان استحبابه أنه من الوضوء، كالمضمضة والاستنشاق على ما سيأتي.
إلاَّ أنّه قابل للخدشة من وجوه ولا أقل أن نقول: إنّ الدليل على عبادية الوضوء ليس دليلاً لفظياً يتمسّك بإطلاقه، وإنما دليله الإجماع، والقدر المتيقّن منه الأجزاء الوجوبية دون الاستحبابية.
نعم، يمكن أن يقال: إنّ المعتبر من الروايات لا إطلاق فيه لنفي قصد القربة، وما يمكن أن يُدّعى أنّ فيه إطلاقاً لم يتم سنده، وأما نفيها بالأصل العملي فلا معنى له أيضاً بناءً على ما ذكرناه من أنّ البراءة لا تجري في أجزاء المستحب، ولعلّ الذهن المتشرّعي يناسب مع التعبدية وهو الأحسن.
فهل يبنى على التداخل فيكتفى بمرتين أو لا بُدَّ من ثلاث غسلات؟
إن كان المدرك صحيحة زرارة(2) البيانية فهي لا تقتضي التعدد بوجه، بل
ــــــــــ[119]ــــــــــ
(1) المارّة قريباً.
(2) المارة قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مطلوبية غسل اليد على وجه الإطلاق، فلا بُدَّ أن نرى ما أوجب التعدد هل يقتضي التداخل أو لا؟
وضابط المطلب مع تطبيقه على محل الكلام، أنّ أمر “اغسل يدك مرة من حدث البول واغسل يدك مرتين من حدث الغائط”، تارةً نبني على أنها أوامر نفسية، وأخرى على أنها إرشادية إلى الطريقة الأفضل في رفع الحدث، فعلى الأوّل القاعدة فيه عدم التداخل، كما في سائر الأوامر النفسية، كقوله إذا خسف القمر فصلّ الآيات، وإذا زلزلت الأرض فصلّ، فتجب صلاتان، فإنّ كُلّاً منهما تحريك تشريعي، وإذا تعدّد التحريك تعدّد التحرك قياساً للدفع التشريعي على الدفع التكويني، فيكون مقتضى القاعدة في الصلاة وفي الغسل عدم التداخل.
وأما إذا كانت الأوامر إرشاديةً، كالأوامر بالغسل من النجاسة الخبثية، فإنّ مقتضى القاعدة هو التداخل، لأنّ الأمر إرشاد إلى أنّ المطهِّر هو الغسل بالماء، ولا مانع أن يكون غسل واحد مطهر لنجاستين، فإنّ الأمر الإرشادي لا يحمل الدفع والتحريك، ففي المقام يكون مقتضى القاعدة التداخل، كما يبنى في أصل الوضوء على التداخل، لأنّ الأمر به إرشادي.
ويمكن جعل رواية حريز مؤيداً للتداخل: “يغسل الرجل يده من النوم مرةً، ومن الغائط والبول مرتين”(1) بناءً على إرادة المجموع، وهو مبنيٌ على التداخل، وإلَّا احتاج إلى ثلاث مرّات، وهي غير تامّة سنداً.
ــــــــــ[120]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
هل يختصّ الاستحباب بالماء القليل الذي يغترف منه، ولا يشمل القليل الذي يصبّ منه أو الماء الكثير، أو يشملهما؟
إن كان المدرك الإجماع فالقدر المتيقّن منه هو ذاك بالخصوص، إذ في غيره لا إجماع على الاستحباب.
وإن كان المدرك الروايات فهي مختلفة، فمن يعتمد على لسان رواية حريز: “يغسل الرجل يده من النوم مرة ومن الغائط والبول مرتين”(1) أو مرسلة الصدوق: “اغسل يدك من البول مرّة، ومن الغائط مرّتين”(2) فلا بأس أن يتمسّك بإطلاق هذه الروايات، لأنَّها لم تقيد بحالة مخصوصة.
وكون الروايات الأخرى واردةً في موارد خاصّة لا ينافي هذا الإطلاق، لأنَّها لا تدل بالمفهوم على نفي الغير ليكون مقيداً.
وأما الروايات الأخرى فيمكن أن يقال إنّها لا إطلاق فيها.
الحلبي: (سألته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلها الإناء…)(3) فمورد الرواية من يدخل يده في الإناء، فلا إطلاق فيها لغير هذا الفرض، وكذلك رواية الهاشمي: (الرجل يبول.. أيدخلها في وضوئه قبل أن يغسلها)(4).
ــــــــــ[121]ــــــــــ
(1) المارة قريباً.
(2) وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
(3) وسائل الشيعة 1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(4) وسائل الشيعة 1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ويمكن أن يستفاد الإطلاق من صحيحة زرارة وبكير البيانية: أنهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول الله “فدعى بطست او تَور فيه ماء، فغمس يده اليمنى”(1) لا شك أنّ المورد ماء مفتوح الفم، ولكن السؤال لم يكن عن وضوء رسول الله بالماء القليل، بل بما هو، فمقتضى إطلاق تطابق السؤال مع الجواب أنّ هذا هو وضوء رسول الله على الإطلاق.
وإلا لاحتمل زرارة أن يكون الواجب غسل الوجه مرتين، أو اليد إلى الكتف في الماء الكثير أو ماء غير مفتوح الفم، مع أنّ زرارة اكتفى بهذا الجواب، لأنه بيان لطبيعي الوضوء.
ويقع الكلام في عدّة مقامات:
فيمكن أن يقال: إنّه لا مقتضى للوجوب ففي رواية الحلبي قال: سألته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يُدخلها في الإناء… (2) وهو ليس مسوقاً للأمر بغسل اليد حتى يكون ظاهراً بالوجوب.
ورواية عبد الكريم بن عتبة الهاشمي(3) ورد الأمر بالغسل؛ لأنه لا يدري
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(2) الكافي5: 41، كتاب الطهارة، الباب 8، الحديث: 5، وسائل الشيعة1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(3) انظر: تهذيب الأحكام1: 39، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 45، وسائل الشيعة1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أين باتت يده فليغسلها، ولكنه فيه قرينة متّصلة على الاستحباب، وهو التعليل الذي سميناه بالحكمة، ومن المرتكز عند المتشرعة أنّ الشبهة الموضوعية للطهارة والنجاسة لا تكون سبباً لوجوب الغسل، وحين تكون الحكمة استحبابيةً تصرف الأمر عن الوجوب.
نعم، في رواية حريز: “يغسل الرجل يده من البول مرة…”(1) ومرسلة الصدوق: “اغسل يدك من البول مرة”(3) ولكنها غير معتبرة عندنا.
لكن يمكن استفادة الوجوب عن صحيحة بكير وزرارة ابن أعين في الوضوءات البيانية؛ أنهما سألا أبا جعفر: “عن وضوء رسول الله فدعا بطشت او بتور(4) فيه ماء فغسل كفيه“.(5) فنقول إنها ظاهرة بأنّ الوضوء هو مجموع هذه الأفعال التي بدأت بغسل اليد وانتهت بمسح القدمين، فيشمله كلّ ما دلّ على وجوب الوضوء، وهو يثبت الوجوب الوضعي كجزء من الوضوء.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام1: 36، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 36، وسائل الشيعة1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، ح: 2.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 46، ح: 91، وسائل الشيعة1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، ح: 4.
(3) في حاشية الاستبصار 1: 57: التور بالفتح فالسكون إناء صغير من صفر أو خزف يشرب منه ويؤكل ويتوضأ فيه.
(4) تهذيب الأحكام1: 56، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 7، وسائل الشيعة1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فقد يستدلّ على نفي الوجوب(1) بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما قال: “سألته عن الرجل يبول ولم تمسّ يده اليمنى شيئاً أيغمسها في الماء؟ قال نعم وإن كان جنباً”(2)
فهي تدل على جواز ابتداء الوضوء بلا غسل اليد. لأنّ السؤال عن أنّ الإنسان يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها، وليس في الرواية أية إشارة إلى أنّ هذا الغمس هو بعنوان الوضوء، وإنما النظر إلى انفصال الماء بيد الإنسان الجنب أو البائل، فيجيب بالجواز. نعم، تصبح هذه قرينةً على حمل النهي عن إدخال اليد قبل الغسل على الكراهة.
وإنّما الذي يجب أن يجعل قرينةً على عدم وجوب غسل اليد بعض الروايات البيانية، وما أشبه، كرواية زرارة قال: قال أبو جعفر “ألا أحكي لكم وضوء رسول الله؟ فقلنا بلى، فدعا بقعب فيه ماء.. ثم غمس فيه كفّه اليمنى… ثم قال هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة…”(3) فبالمفهوم يدل على أنها إذا لم تكن طاهرةً فليس كذلك، فهي تدل على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجّس
ــــــــــ[124]ــــــــــ
() باب 28 الوضوء، (المقرر).
(2) تهذيب الأحكام1: 37، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 37، وسائل الشيعة1: 429، الباب 28 من أبواب الوضوء، ح: 1.
(3) الكافي5: 81، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث: 4، وسائل الشيعة1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
سواء كان عين النجس موجوداً على اليد أو لا.
فهذا يكون دليلاً على رفع اليد عن الوجوب لمثل رواية زرارة السابقة: “يغسل يديه” التي قلنا إنها تشعر بالوجوب الوضعي، فهذه الرواية صريحة بالعدم، فرفع اليد عن ظهور تلك الرواية بها.
وأما مثل روايات “اغسل” كمرسلة الصدوق(1) ورواية حريز(2) فلا يكون هذا قرينة على رفع الوجوب منها.
ومثلها صحيحة محمد بن مسلم التي ورد فيها محمد بن عيسى(3) عن يونس بناء على وثاقته – قال: “فأدخل يده في الإناء ولم يغسل يده”(4)، الكلام فيه هو الكلام في الرواية السابقة، فإنَّها تدلّ على عدم الوجوب الوضعي للوضوء، وأما أوامر “اغسل” فلا يكون قرينةً.
ورواية أبي عبيدة الحذّاء قال: “وضّأت أبا جعفر بجُمَع وقد بال فناولته ماءً فاستنجى ثم صببت عليه كفّاً فغسل به وجهه..”(5)، وهي واضحة
ــــــــــ[125]ــــــــــ
() وسائل الشيعة1: 428، الباب 27 من أبواب الوضوء، ح: 4.
(2) وسائل الشيعة1: 427، الباب 27 من أبواب الوضوء، ح: 2.
(3) انظر: رجال النجاشي: 334، باب الميم، الرقم: 896، فهرست الطوسي: 402، باب الميم، باب محمد، الرقم: 612.
(4) الكافي 5: 80، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث: 3، وسائل الشيعة1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.
(5) تهذيب الأحكام1: 58، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 11، وسائل الشيعة1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح: 8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
جداً في أنّ الإمام لم يغسل يده من البول أصلاً من حين بال إلى حين توضّأ، وهي أحسن من سابقتها؛ لأنَّها تدلّ على نفي الوجوب التكليفي، لأنّ تمام الفترة بين الوضوء والبول ملحوظة للراوي، ويتحدث عنها. ولم يغسل الإمام يده، فتكون قرينةً على حمل الوجوب على الاستحباب.
مضافاً إلى القرينة اللُّبِّيّة، وهو تسالم الأصحاب على عدم الوجوب، فإن لم يصلح إجماعاً فلا أقلّ من أنه يدخل المورد في قاعدة نقّحناها: أنه كلما ورد أمر من الإمام وكان الإجماع على خلافه يكون قرينةً على احتمال وجود ارتكاز في عصر الصدور على عدم الوجوب. واحتمال القرينة كافٍ في احتمال عدم الوجوب.
ــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الخامس: المضمضة والاستنشاق، كل منهما ثلاث مرات بثلاث أكفّ(1).
ممّا اتفق عليها(2) علماء المسلمين جميعاً، ولم يرد الخلاف إلاَّ عن النادر، كابن أبي عقيل(3) من علمائنا، ولم ينقل من أحد من علمائنا احتمال أنها على وجه الوجوب.
وعلماء العامة اتفقوا على أصل المطلوبية. وبعضهم أفتى بوجوبها كالعلماء الظاهريين تمسّكاً بالأمر الوارد من رسول الله، وذهب إلى الوجوب -في كليهما أو أحدهما- عدد كبير بما فيهم أئمة ثلاث مذاهب منهم(4).
ــــــــــ[127]ــــــــــ
() العروة الوثقى 1: 199، كتاب الطهارة، فصل في بعض مستحبات الوضوء، المضمضة والاستنشاق.
(2) انظر: مختصر القدوري: 11، كتاب الطهارة، سنن الطهارة، مختلف الشيعة 1: 278، كتاب الطهارة، باب الوضوء، الفصل الثالث.
(3) انظر: مختلف الشيعة 1: 278، كتاب الطهارة، باب الوضوء، الفصل الثالث.
(4) نقل أبو عبد اله المروزي اختلاف المذاهب في كتابه: اختلاف الفقهاء، في بَاب الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، ص 97. وانظر: الخلافيات للبيهقي: 1: 418.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأمّا روايات المسألة في باب استحباب المضمضة والاستنشاق من الوسائل(1).
عن أبي عبد الله قال: “المضمضة والاستنشاق مما سن رسول الله”(2).
أما فقه الرواية فلا إشكال أنها تدل على استحبابهما، لأنه مما سنّه رسول الله.
وأما استحبابها النفسي أو الغيري فالرواية لا تفيد الاستحباب الوضوئي. اللهم إلاَّ أن يُدّعى أنّ الـ(لام) لام العهد إلى ما هو المتعارف بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم، فيمكن حمله على أنه من المستحبّات المطلوبة في الوضوء، وإن حملناه على الجنس، فلا يمكن أن نستفيد ذلك.
وأمّا سنداً، فإنّ الشيخ الحر(3)بسنده إلى الشيخ الطوسي، يسنده إلى الحسين
ــــــــــ[128]ــــــــــ
() بَابُ اِسْتِحْبَابِ الْمَضْمَضَةِ ثَلاَثاً والاِسْتِنْشَاقِ ثَلاَثاً قَبْلَ الْوُضُوءِ وعَدَمِ وُجُوبِهِمَا. الوسائل: 1: 430.
(2) تهذيب الأحكام 1: 79، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 52، وسائل الشيعة 1: 430، الباب 29 من أبواب الوضوء، ح: 1.
(3) ذكر الشيخ الحر مشيخته في آخر الوسائل 30: 134.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
بن سعيد، وطريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد ضعيف، وهذا يشعر بأنّ الشيخ:
تارةً في كتبه يبدأ بالحسين بن سعيد، فإنَّه يبدأ بصاحب الكتاب، ويذكر سنده في المشيخة أو غيرها.
وأخرى يذكر الشيخ كلّ السند، وهذا يكثر في الجزء الأوّل من التهذيب.
وهاتان الحالتان للشيخ الطوسي لهما أثر عملي هو:
أنّه متى بدأ بصاحب الكتاب ويحوّل طريقه على المشيخة والفهرست، فإذا بيَّن طريقاً له إلى صاحب الكتاب:
1-فإن اقتصر على طريق واحد وكان ضعيفاً، سقطت الرواية عن الحجية.
2-وإن ذكر أكثر من واحد أحدهما صحيح عملنا بالرواية.
وأمّا إذا ذكر الطريق إلى صاحب الكتاب، فلا بدَّ من النظر إلى هذا الطريق الشخصي، فإن كان صحيحاً عملنا بالرواية، وإلَّا سقطت، حتى لو كان للشيخ طرق أخرى صحيحة إلى صاحب الكتاب.. إلى شخصٍ فوق الضعيف، إلاَّ في حالة واحدة سميناها بـ (حالة التعويض)، وهو أنّ هذا الطريق بنفسه ذكره في الفهرست، وأضاف إليه طريقاً آخر بأن قال: أخبرني بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان وفلان عن فلان.
حينئذٍ نعوِّض عن الطريق الضعيف بالصحيح، لأنه يدل على أنّ كل ما وصل بأحد الطريقين وصل بالطريق الآخر، وهذه الرواية وصلت بأحدهما، فقد وصلت بالطريق الآخر (الصحيح).
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فهنا ظاهر عبارة الشيخ الحر(1): أنّ الشيخ الطوسي بدأ الرواية بالحسين بن سعيد، وطريقه إليه صحيح، أو واحد منها صحيح، ولكن الشيخ لم يبدأ بها بل نقل طريقه: (أخبرني محمد بن محمد بن النعمان، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن عروة، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله)(2).
هذا السند فيه ثلاث إشكالات:
الإشكال الأوّل: أنّ المراد بأحمد بن محمد(3) الذي هو -اطمئناناً- بن الحسن بن الوليد، وهو لم يصرّح بوثاقته.
هذا الإشكال يمكن حلّه بـ(نظرية التعويض)؛ لأنّ أحمد هذا وقع بعده أبوه محمد بن الحسن بن الوليد، والشيخ ذكر في الفهرست: أخبرنا بجميع رواياته الشيخ المفيد، عن أحمد ابنه عنه، والشيخ المفيد، عن الصدوق، عن أبيه -أعني محمد بن الحسن بن الوليد-، فتتمّ نظرية التعويض.
الإشكال الثاني: في الحسين بن الحسن بن أبان(4) لأنه لم تثبت وثاقته، ولا ترد فيه نظرية التعويض، فإنّ الشيخ له طرق إلى ما بعد هذا الراوي، لكنه لا يذكر هذا الطريق.
ــــــــــ[130]ــــــــــ
() أي في بداية هذا الباب الذي نقلنا مصدره في الوسائل آنفاً.
(2) ص 66 الاستبصار، و78 التهذيب، (المقرر).
(3) انظر: معجم رجال الحديث 2: 255، باب الألف، الرقم: 839.
(4) انظر: رجال الطوسي: 398، باب الحاء، الرقم: 5854، معجم رجال الحديث 5: 213، باب الحاء، الرقم: 3341.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الإشكال الثالث: في القاسم بن عروة(1) -بعد الحسين بن سعيد محلّ الإشكال- من ناحية وثاقته ولكننا وثّقناه برواية أحد الثلاثة عنه.
محمد بن الحسن بإسناده إلى الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته: عنهما؟ قال: “هما من السنة، فإن نسيتهما لم يكن عليك إعادة”(2).
لا إشكال في ظهور استحبابهما، ويمكن استفادة استحبابهما الوضوئي، فإنّ الإعادة لا بُدَّ أن يفرض لهما محلاًّ تنسى فيه، وليس ذلك إلاَّ الوضوء، وعدم وجوب الإعادة يدل على الاستحباب.
وأما من حيث السند، فالكلام فيه نفس الحديث عن الرواية السابقة، لأنّ الشيخ ذكر سنده إلى الحسين بن سعيد وهو يحتوي على الإشكال الأوّل، وهو وقوع أحمد بن محمد. والإشكال الثاني موجود، والإشكال الثالث غير موجود.
نعم، فيه إشكال الإضمار، وهو محلول ببيان كلي تقدّم أكثر من مرة.
رواية مالك بن أعين قال: سألت أبا عبد الله عمن توضّأ ونسى
ــــــــــ[131]ــــــــــ
(1) انظر: رجال النجاشي: 314، باب القاف، الرقم: 860، معجم رجال الحديث 14: 26، باب القاف، الرقم: 9519.
(2) الاستبصار 1: 66، كتاب الطهارة، الباب 38، الحديث: 1، وسائل الشيعة 1: 430، الباب 29 من أبواب الوضوء، ح: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
المضمضة والاستنشاق، ثم ذكر بعدما دخل في صلاته، قال: “لا بأس”(1).
أمّا فقه الرواية بأن يقال: إنّ الإمام وإن لم يصدر منه أمر بالمضمضة والاستنشاق، لكن ظاهر عبارة الراوي أنّ هذا أمر مطلوب من المتوضّي، ولهذا استشكل في صورة النسيان، وفي الجواب أمضى هذا الارتكاز في ذهن الراوي.
وأمّا السند فنفس السابقة محمد بن الحسن بإسناده إلى الحسين بن سعيد.
والإشكال فيها تارة بلحاظ أحمد بن محمد وقد حللناه، وأما بلحاظ الحسين بن الحسن بن أبان فلم ينحل، وأما بلحاظ مالك بن أعين(2) الذي يستشكل في وثاقته، ولكنّ الظاهر وثاقته، لرواية أحد الثلاثة عنه.
قال: سألت أبا عبد الله عنهما، فقال: “هما من الوضوء، فإن نسيتهما فلا تعد”(3).
دلالتها في غاية الوضوح تدل على المطلوبية الوضوئية، وأن الوضوء لا يبطل مع تركهما نسياناً.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 1: 78، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 47، وسائل الشيعة 1: 430، ب 29 من أبواب الوضوء، ح: 3.
(2) انظر: رجال بن داود: 497، باب الميم، الرقم: 404، معجم رجال الحديث 14: 155، باب الميم، الرقم: 9791.
(3) الكافي 5: 78، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 2، وسائل الشيعة 1: 431، ب 29 من أبواب الوضوء، ح: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وقوله: “هما من الوضوء“، مشعر بأنّه جزء لزومي في الوضوء، فإن كون شيء جزء من فريضة ظاهر بكونه جزءاً حقيقياً لا عنائياً استحبابياً وكونهما لا يبطل الوضوء بنسيانهما لا ينافيه كسورة الفاتحة في الصلاة، فإنَّها تسقط بالنسيان ولكن تحمل على الاستحباب بقرينة الروايات الدالة على الاستحباب.
وسندها لا بأس به: الحرّ عن الطوسي في التهذيب والاستبصار، وفي الأخير عن المفيد، عن أحمد بن محمد (بن الحسن بن الوليد)، عن أبيه عن أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن شعيب، عن أبي بصير(1).
والإشكال في أحمد بن محمد مدفوع بالتعويض كما سبق. نعم، في التهذيب وقع خطأ في السند.
ثواب الأعمال، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبي: “ليبالغ أحدكم في المضمضة والاستنشاق فإنَّه غفران لكم ومنفرة للشيطان”(2).
لا بأس بدلالتها على المطلوبية، ولا بأس بكونها مطلوبية استحبابية بقرينة التعليل، “لأنّه منفرة الشيطان”، وهو معنى تنزيهي.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 431.
(2) ثواب الأعمال: 19، ثواب المبالغة في المضمضة والاستنشاق، وسائل الشيعة 1: 433، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 11.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
نعم، لا دلالة فيها على أنه طلب وضوئي، لأنه لا ذكر للوضوء فيها إلاَّ بتقريب أشرنا إليه، وهو فهم العهد من المضمضة والاستنشاق، فيكون إمضاءً له.
ولعلّ ممّا يؤيد ذلك في هذه الرواية قوله: “ليبالغ..” فكأنّ أصل المطلوبية فرضه واقعاً، وأمر بالمبالغة فيه. وهذا الأمر الواقع إنما هو واقع عادةً في كونه من آداب الوضوء.
ولكنها ساقطة سنداً؛ لأن طريق الصدوق إلى السكوني يرد فيه النوفلي(1) وهو لم يثبت وثاقته عندنا.
وكذلك حديث الأربعمائة إلاَّ أنه يدل على مطلوبيتها في نفسها وهو ساقط سنداً.
الحرّ عن الطوسي بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن موسى بن القاسم، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر قال: “وسألته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر…”(2)(3).
ــــــــــ[134]ــــــــــ
() انظر: رجال النجاشي: 38، باب الحاء، الرقم: 77، معجم رجال الحديث 6: 113، باب الحاء، الرقم: 3705.
(2) باب 36 من أبواب الوضوء، (المقرر).
(3) تهذيب الأحكام 1: 360، كتاب الطهارة، الباب 16، ح: 12، وسائل الشيعة 1: 454، ب 36 من أبواب الوضوء، ح: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
رواه الحميري في قرب الإسناد(1).
ولكن ورد في كتاب علي بن جعفر(2) -وهو المفيد لنا لأنه جاء فيه عن كيفية الوضوء ضمن ماء المطر – زيادة وهي: “وليتمضمض وليستنشق”، وإنما أمر بهما، لأجل أن لا يتخيل سقوطهما في ذلك الحين، وطريق صاحب الوسائل إلى علي بن جعفر صحيح.
نعم، إذا لم نعمل بالجزء الأوّل من الرواية أوجب وهن الجزء الأخير منها.
عن أبي عبد الله يصف فيها وضوءاً لأمير المؤمنين وهي طويلة وفيها: قال: “ثم تمضمض… ثم استنشق…”(3)(4).
إلاَّ أنها ساقطة سنداً، لأنّ عبد الرحمن بن كثير الهاشمي(5) لم تثبت وثاقته.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
() قرب الإسناد (ط. الحديثة)، الصفحة: ١٧٨.
(2) مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها، الصفحة: ١٨٣: ” وَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَيُصِيبُهُ الْمَطَرُ حَتَّى يَسِيلَ رَأْسَهُ وَجَبْهَتَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ هَلْ يُجْزِيهِ ذَلِكَ مِنَ الْوُضُوءِ، قَالَ: إِنْ غَسَلَهُ فَهُوَ يُجْزِيهِ وَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِق“.
(3) باب 16 من الوضوء، (المقرر).
(4) تهذيب الأحكام 1: 53، كتاب الطهارة، ب 4، الحديث: 2، وسائل الشيعة 1: 401، ب 16 من أبواب الوضوء، ح: 1.
(5) انظر: رجال النجاشي: 424، ب العين، الرقم: 621، معجم رجال الحديث 9: 343، باب العين، الرقم: 6429.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
عن زيد بن علي عن آبائه، عن علي قال: “جلست أتوضّأ، فمرّ رسول الله فقال: تمضمض واستنشق واستنّ”(1)(2). إلاَّ أنها غير تامة سنداً.
وهناك روايات(3)(4) في كتاب الصوم منها:
ما دلّ على أن من تمضمض ودخل الماء إلى جوفه في وضوء الفريضة فلا شيء عليه(5)، فالقاعدة الثانوية هي البطلان خرج منه وضوء الفريضة إكراماً له.
ومن الواضح أنه إنما يمنع عن البطلان إذا كانت المضمضة من شؤونه، وهي صحيحة السند، فتكون من أحسن الأدلة على المطلوب.
ــــــــــ[136]ــــــــــ
() باب 25 من الوضوء، (المقرر).
(2) تهذيب الأحكام 1: 93، كتاب الطهارة، ب 4، الحديث: 97، وسائل الشيعة 1: 421، ب 25 من أبواب الوضوء، ح: 15.
(3) باب 23 ما يمسك عنه الصائم، (المقرر).
(4) الكافي 7: 107، كتاب الصيام، ب 26، الحديث: 1، وسائل الشيعة 10: 70، ب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح: 1.
(5) ونصُّها كما في المصدر أعلاه أي: الباب 23 من الوسائل 10: 70: “مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ اِبْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فِي الصَّائِمِ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ فَيَدْخُلُ الْمَاءُ حَلْقَهُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ وُضُوؤُهُ لِصَلاَةٍ فَرِيضَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ وُضُوؤُهُ لِصَلاَةٍ نَافِلَةٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وفي الباب 28 روايتان(1) يستفاد منهما المطلوب، إلاَّ أنّ إحداهما ضعيفة بأبي الحسن الرازي(2).
فهذه الروايات فيها ثلاث تامّة سنداً، رواية أبي بصير، ورواية ماء المطر، ورواية حماد الواردة في مضمضة الصائم. وكلها تدلّ على المطلوبية الوضوئية.
بعد هذا يقع الكلام بما يقع معارضاً لذلك.
هناك روايات قد يدعى أنها معارضة تنفي المضمضة والاستنشاق.
1- الشيخ، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر قال: “المضمضة والاستنشاق ليسا من الوضوء”(3)، وهي تامة سندا.
وقد يُدّعى دلالتها على نفي الاستحباب الوضوئي للمضمضة والاستنشاق، لا الاستحباب النفسي لهما. فتعارض ما دل على الاستحباب الوضوئي.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 10: 83، الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث: 24.
(2) انظر: رجال النجاشي: 413، باب الميم، الرقم: 1102، معجم رجال الحديث 18: 350، باب الميم، الرقم: 12681.
(3) تهذيب الأحكام 1: 78، كتاب الطهارة، الباب 4، ح: 48، وسائل الشيعة 1: 431، ب 29 من أبواب الوضوء، ح: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ومن هنا التزم بعض المتأخرين بالاستحباب النفسي دون الوضوئي، لأن النفسي دل عليه الدليل بلا معارض، والوضوئي دل عليه الدليل مع المعارض.
ولكن سبق أن عرفنا أن ما تم الدليل فيه يدل على الاستحباب الوضوئي لا النفسي، فإن تمت دلالة هذه الرواية فيشكل أصل الاستحباب وسيأتي مناقشة ذلك.
2- الحسن بن راشد قال: “قال الفقيه العسكري ليس في الغسل ولا في الوضوء مضمضة ولا استنشاق”(1).
والكلام هو الكلام في المتن، إلاَّ أنّ سندها غير تام بالحسن بن راشد(2).
3- الكليني، عن الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن الوشّاء، عن حماد بن عثمان، عن حكم بن حكيم، عن أبي عبد الله قال: “سألته عن المضمضة والاستنشاق أمن الوضوء هي؟ قال: لا”(3).
والدلالة كما سبق والسند تامّ إلاَّ في المعلّى بن محمد(4)، وهو لم يثبت وثاقته، إذ لم يثبت ضعفه.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 1: 131، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 52، والاستبصار 1: 118. ووسائل الشيعة 1: 432، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.
(2) انظر: رجال النجاشي: 38، باب الحاء، الرقم: 76. وضعفه الغضائري 49.
(3) الكافي 5: 77، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 1، وسائل الشيعة 1: 432، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 8.
(4) انظر: رجال النجاشي: 418، باب الميم، الرقم: 1117، معجم رجال الحديث 18: 357، باب الميم، الرقم: 12507.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
4- الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن شاذان بن الخليل، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهقال: “سألته عن المضمضة والاستنشاق، قال: ليسا من الوضوء هما من الجوف”(1).
الدلالة كما سبق مع التعليل ولكنّها ليست تامةً سنداً بشاذان بن الخليل(2).
5- الكليني بسند بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله قال: “ليس عليك مضمضة ولا استنشاق لأنّهما من الجوف”(3). دلالتها على نفي الاستحباب هنا أضعف ممّا سبق. إذ (ليس عليك) في مقابل (عليك)، وهو الوجوب، فهي نافية للوجوب.
ولا يستفاد منها نفي أصل الاستحباب، وهي معتبرة السند؛ لأنّ أبا بكر الحضرمي(4) ثقة برواية أحد الثلاثة عنه.
6- الصدوق في العلل، بسنده عن إسماعيل بن مرّار عن يونس، عمن أخبره، عن أبي بصير، عن أبي جعفر، وأبي عبد الله أنّهما قالا: “المضمضة ــــــــــ[139]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 78، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 2، وسائل الشيعة 1: 432، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 9.
(2) انظر: رجال الطوسي: 376، أصحاب أبي الحسن الثاني، باب الشين، الرقم: 5558-1-، معجم رجال الحديث 9: 7، باب الشين، الرقم: 5670.
(3) الكافي 5: 78، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 3، وسائل الشيعة 1: 432، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 10.
(4) عبد الله بن محمد أبو بكر الحضرمي الكوفي. وانظر قاموس الرجال: 6: 569.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والاستنشاق ليسا من الوضوء، لأنهما من الجوف”(1).
7- الشيخ بإسناده الصحيح إلى محمّد بن علي بن محبوب عن العباس بن معروف، عن القاسم بن عروة، عن ابن بُكير، عن زرارة عن أبي جعفر قال: “ليست المضمضة والاستنشاق فريضةً ولا سنّة إنما عليك أن تغسل ما ظهر”(2).
وهي أقوى المعارضات، ولعلّها مدرك الشيخ ابن أبي عقيل في نفي مشروعية المضمضة والاستنشاق.
وأمّا ما تقتضيه القواعد في التعامل مع هذه الروايات، فهناك عدّة وجوه:
أن نتعامل معهما معاملة المتعارضَين ولا يبقى دليل على الاستحباب أصلاً، لا الوضوئي، لأنه سقط بالمعارضة دليله، ولا النفسي، لأنه لا دليل عليه.
وهذا الوجه يتوقّف على:
أولاً: على عدم وجود جمع عرفي بين الطائفتين.
ثانياً: على عدم وجود عيبٍ في إحدى الطائفتين بحيث يوجب سقوطه رأساً بحيث يكون من تعارض الحجّة واللاحجّة.
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) علل الشرائع 1: 287، ب 206، ب العلّة في المضمضة والاستنشاق، الوسائل 1: 433، ب 29 من أبواب الوضوء، ح: 12.
(2) تهذيب الأحكام 1: 79، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 51، الوسائل 1: 431، ب 29 من أبواب الوضوء، ح: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ثالثاً: أن لا يوجد مرجّح في إحدى الطائفتين.
الوجه الثاني أنّهما يتعارضان، ولا بُدَّ من الترجيح، وحينئذٍ نرجّح الروايات الدالّة على نفي الاستحباب.
فإنّ أوّل المرجّحات هو موافقة الكتاب، وهو لا ينطبق في المقام.
والمرجّح الثاني الأخذ بما خالف العامة. وهو يكون في صالح الروايات النافية، لأنّ العامة متفقون على أنَّ المضمضة والاستنشاق ممّا سنّه رسول الله، واختلفوا في الوجوب والاستحباب، فتكون الروايات النافية من أشدّ الروايات مخالفةً للعامة. وتحمل روايات الاستحباب على التقية.
وهذا الوجه إنما يتم:
أولاً: على عدم وجود جمع عرفي بين الطائفتين.
ثانياً: أن تكون كلِا الطائفتين حجّة، لا من تعارض الحجة مع اللاحجة.
ثالثاً: أن تكون الروايات الدالة على الاستحباب الوضوئي قابلةً للحمل على التقية.
أما الأمر الأوّل والثاني فسيأتي.
وأما الثالث فمن البعيد حمل الروايات على التقية، لا من حيث كثرتها، بل باعتبار خصوصيات فيها ففي واحدة منها يسأل عن الوضوء(1) تحت ماء المطر، ولم يكن يفكّر بالسؤال عن المضمضة والاستنشاق، فأجازه الإمام، ثم
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 454، الباب 36 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أمره بهما لدفع احتمال أن يكون المتوضّأ يتركهما في مثل هذه الحالة. فكان الاستغناء عن ذكر الحكم أمراً عرفياً، وقد ذكرهما وهذا يدلّ على مزيد الاهتمام من الإمام، ولا يمكن الحمل على التقية.
كذلك رواية حماد(1) في الصائم التي استدللنا بها على المشروعية، فإنَّها تفصّل بين وضوء الفريضة وغيرها، وهي فتوى لم أجدها في كتب العامّة، فلو كان أصل الاستحباب غير واقعي فلماذا يبني الإمام عليه أمراً آخر غير واقعيّ، مع أنّ العامّة لا يفتون بذلك، إذن فهذا حكاية عن الواقع.
مضافاً إلى شاهد معنوي: أنه غالباً في الموارد التي تصدر من الأئمة بيانات للتقية لا تخفى على الطائفة، بل يلتفتون إلى كونها تقيةً لقرائن عندهم ولا يغفل عنها غفلةً إجماعيةً، مع أنّ الطائفة متفقة على أنه حكم واقعيّ جدّي.
إنّ هذا التعارض من تعارض الحجّة واللاحجّة، يعني إحداهما في نفسها ساقطة عن الحجّية وهي الروايات التي تنفي الاستحباب.
وذلك لمنافاتها مع إجماع المسلمين، -غير ابن أبي عقيل- في أنهما مطلوبان شرعاً، وأنه مما سنّه رسول الله فيوجب الاطمئنان بوجود خلل في هذه الروايات، فإمّا أن تؤوّل أو تطرح. فلا تعارض الطائفة الدالة على الاستحباب.
وقد يقال في المقام: بأنّ الإجماع مركّب، إما إجماع الخاصّة فهو مدركي لتقديم روايات الاستحباب، لا أنّه إجماع تعبدي، وإما إجماع العامة فلا حجّية فيه.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 10: 70، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهذا لا يخلو من وجه، لكن يبقى في النفس أنّ مثل هذا الحكم إذا لم يكن له أي أساس لدى رسول الله، وكان مجرد حكم خلقه السنة، وأفتروه على النبي لا يخفى على الشيعة. ولم يتفق حكم أجمع عليه السنة وأجمع عليه الشيعة مثل هذا، فهذا الوجه لا يخلو من قرب.
الوجه الرابع أنّ من قواعد الترجيح أن تقدم الرواية المشهورة على غيرها، ولا إشكال أنها في جانب الروايات الدالة على الاستحباب.
وهذا الوجه أيضاً موقوف على التعارض وعدم وجود الجمع العرفي.
ثُمَّ إن أريد بالشهرة هنا الشهرة الفتوائية فالصغرى صحيحة، والشهرة موجودة لكن الكبرى غير تامّة، لأننا لا نرى أنّ الشهرة الفتوائية من المرجّحات، وإنما المرجح هو شهرة الرواية.
وإن أريد بالشهرة اشتهار الرواية فهذا له معنيان:
الأوّل: أن تكون الرواية مستفيضةً ومتواترةً، والأخرى ليست كذلك لا إشكال في كونها مرجّحاً، بل هو من تمييز الحجّة عن اللاحجّة، لكن هذه الشهرة غير موجودة في كلتا الطائفتين.
الثاني: أن تكون الرواية ذائعة الذكر ما بين مجامع الحديث والفقهاء، والأخرى بخلافها، وهذا المعنى موجود في كلتا الطائفتين. إذن فالشهرة لا تنتج في المقام شيئاً.
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الوجه الخامس دعوى الجمع العرفي على ما أشار إليه الشيخ الحرّ(1)، وادّعاه الشيخ الطوسي، ومعه لا تصل النوبة إلى الوجوه الأربعة المتقدمة، وهو أنّ رواية: “ليس المضمضة والاستنشاق فريضةً ولا سنةً”، تحمل على معنى ما فرضه الله، وما فرضه رسول الله، فإنّ السنّة لها اصطلاحان في الأخبار:
وبالفرض ما فرضه الله سبحانه وتعالى، ومنه قيل: الطواف فريضة، والرمي سنّة وليست السنة كالفريضة، لأنّ الطواف أمر به في القرآن الكريم دون الرمي. ومن هنا رتّب عليه أثر، وهو وجوب تدارك الطواف دون الرمي.
فإنّ هذه الرواية إن حملناها على الاصطلاح الأوّل تكون صريحةً في المعارضة مع الروايات الدالّة على استحباب المضمضة والاستنشاق.
وأما إن حملناها على المعنى الثاني فيكون مقتضى إطلاقها أنه لم يشرّعه النبي، لا بنحو الوجوب، ولا بنحو الاستحباب، فيكون مطلقاً وقابلاً للتقييد. فالروايات الدالّة على الاستحباب تقول: سنّه رسول الله استحباباً، أي: لم يسنّه على وجه الوجوب، وأما على الوجه الأوّل فتنفي الاستحباب بالنصوصية.
وهذا الكلام تامّ، فيما إذا كان اللفظ ظاهراً بالاصطلاح الثاني، وكذلك إذا
ــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) أنظر كلامه وما نقله عن الشيخ في الوسائل: 1: 430، باب استحباب المضمة ثلاثاً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
كان مجملاً ومردّداً بين الاصطلاحين، فإنَّه لا يكون صريحاً في نفي الاستحباب. ولكن إذا كان ظاهراً بالمعنى الأوّل، فلا يتم هذا الجمع العرفي.
والإنصاف أنه ليس في هذه العبارة ظهور يأبى عن الحمل على المعنى الثاني، ولو كان هناك ظهورٌ بدويٌّ فيمكن جعل الطائفة الثانية قرينةً عليه.
ولا يقال: إنّ الرواية صدرت لنفي الحكم المحتمل للاستنشاق، وليس هو إلَّا الاستحباب، فحملها على نفي الوجوب غير عرفي.
جوابه: أنّ نفي الوجوب أمر مفروغ عنه في الفقه الإمامي، لكننا يجب أن ندرس ظروف صدور الرواية ضمن فقه المخالفين، والقول بالوجوب عندهم مشهور، وفصّل بعضهم، فقال بوجوب الاستنشاق دون المضمضة، وفصّل آخرون، فقالوا بالوجوب في الوضوء دون الغسل.
فمن المعقول أنّ يرد من الإمام بيان لعدم الوجوب.
والمظنون أن هذه الروايات بما فيها صحيحة زرارة المشار إليها، وكذلك القائلة: “المضمضة والاستنشاق ليسا من الوضوء هما من الجوف” للتنبيه على هذه النكتة وهي أنه لا يمكن استفادة استحبابهما أو مطلوبيتهما من وجوب غسل الوجه، ويراد بالوضوء، الوضوء المأمور به في القرآن، وقد حاول بعض العامّة جعلهما من غسل الوجه، لأنّ الأنف والفم من الوجه، كما في المغني لابن قدامة(1).
ــــــــــ[145]ــــــــــ
(1) انظر: المغني (لابن قدامة) 1: 77، كتاب الطهارة، باب السواك، مسألة المبالغة في الاستنشاق، قال: (… ولأنه من أعضاء الطهارة فاستحبت المبالغة فيه كسائر أعضائها).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والأئمة صاروا في مقام حلّ هذه الشبهة: أنهما ليسا من الوضوء، يعني ليسا من الأفعال المأمور بها في القرآن حتى يتوهّم وجوبهما بإطلاق الآية الكريمة. وكذلك في صحيحة زرارة: “ليس المضمضة والاستنشاق فريضةً ولا سنّة”(1): أي إنّ ما جاء به الكتاب من الفريضة والسنّة، لا يشمل المضمضة والاستنشاق فهما ليسا من غسل الوجه الواجب، ولا الغسل المستحب، وهذا معنى يلائم حتّى مع حمل الفريضة والسنة على الوجوب والاستحباب.
ويشهد لذلك التعليل الوارد في ذيل هذه الروايات: “إنما عليك أن تغسل ما ظهر”(2)، “ليسا من الوضوء هما من الجوف”(3)، إذ المطلوب غسل ظاهر الوجه وجوباً واستحباباً، وهما من الجوف لا من الظاهر.
ومعه فهذه الروايات لا تعارض بوجه ما دلّ على استحباب المضمضة والاستنشاق.
روايات عدم الاستحباب ثلاثة أصناف:
الصنف الأوّل: ما لا دلالة فيه على عدم المشروعية، وإنما ينفي الوجوب كرواية أبي بكر الحضرمي “ليس عليك..”(4) وهو في مقابل (عليك) يعني ينفي الوجوب.
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 431، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 6.
(2) المصدر السابق نفسه.
(3) كما في رواية شاذان المتقدّمة، انظر: وسائل الشيعة 1: 432، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 9.
(4) وسائل الشيعة 1: 432، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 10.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الصنف الثاني: ما دلّ على نفي كون المضمضة والاستنشاق من الوضوء، كرواية حكم بن حكيم عن أبي عبد الله قال: “سألته عن المضمضة والاستنشاق أمن من الوضوء هي؟ قال: لا”(1).
وقد يقال: إنّ نفي كونها من الوضوء يدلّ على عدم كونها منه وجوباً ولا استحباباً، والإنصاف أن نفي كونها من الوضوء في مقابل كونها منه يعني جزء واجب منه، لا نفي أن يكون من آدابه المستحبة، فضلاً عن أن يكون من مقدماته المستحبة.
الصنف الثالث: رواية زرارة: “ليس المضمضة والاستنشاق فريضةً ولا سنةً”(2)، وهي أصرح الروايات في نفي الاستحباب وقد سبق الكلام فيها.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 432، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(2) تقدّمت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
السادس: التسمية عند وضع اليد في الماء، أو صبّه على اليد(1).
المستحب الآخر: التسمية على الوضوء.
وهو على نحو القضية الإجمالية ممّا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين(2) خاصةً وعامةً، نعم اختلاف العامّة أنها على وجه الوجوب(3) أو الاستحباب.
وفي النصوص الخاصة والعامّة يوجد ما يدل على الوجوب، حيث رووا مرفوعاً: “لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه”(4).
ــــــــــ[148]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 199، كتاب الطهارة، فصل في بعض مستحبات الوضوء، التسمية عند وضع اليد في الماء.
(2) انظر: المبسوط 1: 20، كتاب الطهارة، فصل في كيفية الوضوء وجملة من أحكامه، المغني (لابن قدامة) 1: 76، كتاب الطهارة، مسألة التسمية عند الوضوء.
(3) نفس المصدر السابق.
(4)الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف 1: 367، ومصنف ابن أبي شيبة 2: 9، ومسند أحمد 1: 69.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
في استحباب أصل المطلوبية في الروايات، جمعها الشيخ الحر في الباب السادس والعشرين من أبواب الوضوء، وهناك روايات متفرقة أيضاً.
الكليني بسند صحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله في حديث قال: “فإذا توضّأت فقل: أشهد أن لا إله إلّا الله…”(1)
وهي تامّة سنداً، وتامّة دلالةً، كما هو واضح، إلاَّ أن يراد بالتوضّي الغسل من الاستنجاء، وهو خلاف ظاهر الرواية.
الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر قال: “إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم الله وبالله…”(2).
وهي سنداً: ذكر الطوسي في التهذيب والاستبصار معاً، بادئاً بأحمد بن محمد (جعفر بن عيسى)، عن الحسين بن سعيد، وبذلك تكون صحيحةً، لأنّ طريق الشيخ إلى أحمد بن بن محمد صحيح.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 1: 25، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 2، وسائل الشيعة 1: 423، الباب 26 من أبواب الوضوء، الحديث: 1، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
(2) تهذيب الأحكام 1: 76، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 41، وسائل الشيعة 1: 423، الباب 26 من أبواب الوضوء، ح: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وفي الاستبصار بادئاً بنفسه “حدثني الشيخ المفيد، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه” وهي مشكلة عرضناها وعالجناها(1).
وأما دلالة: فلم يذكر فيها اسم الوضوء، ومن هنا احتمل صاحب الحدائق(2) أنها ناظرة إلى آداب الاستنجاء لا الوضوء، وقال: إنّ صيغة الدعاء تؤيد ذلك، فإنّ فيه إشارةً إلى الآية(3)، وهي نازلة في البرَّاء الذي استنجى بالماء، فنزلت الآية الكريمة(4).
وهذا الكلام إن تمّ، فهو مجرد استئناس، ولا يكون قرينةً عرفيةً توجب ظهوراً في اللفظ. مضافاً إلى أنّ مورد النزول لا يخصّص الآية، على القاعدة، وبروايات(5) الجري مجرى الشمس والقمر، ولذا استندنا وغيرنا إلى نفس الآية في الاستحباب النفسي للوضوء.
بل يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من الرواية الوضوء لا الاستنجاء، فإنّ المنصرف إلى الذهن حين لا يصرح بالعملية هو الوضوء، فإنَّه أكثر انصرافاً إلى ذهن المتشرّعة من الاستنجاء.
ــــــــــ[150]ــــــــــ
() أي: من خلال نظرية (التعويض السندي) التي مرّت آنفاً.
(2) انظر: الحدائق الناظرة 2: 150، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الأول، التسمية والدعاء عند وضع اليد في الماء.
(3) المقصود هو الآية 222 من سورة البقرة: إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ.
(4) هو البراء بن معرور الأنصاري، كما في من لا يحضره الفقيه 1: 30..
(5) انظر: بصائر الدرجات 1: 203، الباب 10، الحديث: 2، وسائل الشيعة 27: 196، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 49.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مضافاً إلى أنّ إدخال اليد في الماء لا يكون في الاستنجاء، وخاصّة استنجاء البراء الذي أشار إليه، وهو من الغائط، مضافاً إلى أنّ نفس هذا الدعاء ورد في الرواية السابقة مطبقاً على الوضوء.
الشيخ بإسناده إلى أحمد بن محمد عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن المغيرة، عن العيص بن القاسم، عن أبي عبد الله قال: “من ذكر اسم الله على وضوئه فكأنما اغتسل”(1).
كالرواية السابقة أسقط الشيخ طريقه في التهذيب إلى أحمد بن محمد، وفي الاستبصار ذكره، فهي صحيحة في التهذيب بلا عناية، وفي الاستبصار بالعناية.
الشيخ بسنده إلى داود العجلي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله: “من توضّأ فذكر اسم الله طهر جميع جسده، ومن لم يسمّ لم يطهر، إلاَّ ما صار عليه الماء” ونفس المضمون ورد في طرق العامة(2).
إلاَّ أنها ساقطة سنداً بداود العجلي.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
() الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الجزء: ١، الصفحة: ٦٧، وتهذيب الأحكام، الجزء: ١، الصفحة: ٣٥٨.
(2) في كتاب: الأحكام الوسطى 1: 162: “سعيد بن منصور قال: حدّثنا عتاب، أخبرنا خصيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من توضأ ولم يسم الله تعالى على وضوئه بإعادة الوضوء”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله: “إذا سميت في الوضوء…”(1).
سننها في المتن(2)، ورواها الكليني عن ابن أبي عمير: ونحن مبنانا في مراسيل بن أبي عمير على التفصيل بين حالتين.
فإنه إن قال: عن رجل أو عن بعض أصحابنا لا نبني على حجية الرواية.
وأما إذا قال: عن جماعة، أو رهط، أو غير واحد من أصحابنا، نقول بحجّية الرواية، والرواية من القسم الأوّل.
وباختصار: في رواية ابن أبي عمير المرسلة عن رسول الله أمر بتكرار الوضوء والصلاة، لمن ترك المضمضة والاستنشاق الدال على الجزئية الوضعية، وأجبنا عنه بوجوه:
ــــــــــ[152]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 55، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 2، وسائل الشيعة 1: 422، الباب 26 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(2) أي: متن الماتن صاحب العروة، وهي قوله: “وأقلها بسم الله والأفضل بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل منهما”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلاَّ أنّ هذا لا يتم، لأنّ حمل الأمر التعبدي على الاستحباب ممكن إلاَّ أنّ حمل الأمر الإرشادي الذي يدل على البطلان على الاستحباب ليس جمعاً عرفياً.
والصحيح: أنه على بعض المسالك يكون الجمع العرفي في الموردين ممكناً، وعلى بعضها في الأوامر التكليفية أوضح، وعلى كلّ حال الجمع العرفي صحيح.
فهناك مسلك(1) النائيني الذي يقول:
إنّ الأمر يدل على الطلب وأما الوجوب والترخيص، فإنما هو باعتبار ما يرد من الترخيص، فإن لم يرد حكم العقل بالوجوب، وإن ورد حكم العقل بالاستحباب.
فالحمل على الاستحباب مع وجود الترخيص لا يكون تصّرفاً في الأمر، لأنه لم يكن دالاً على الوجوب، بل على مطلق الطلب في الأمر التكليفي، وأما في الإرشادي فليس بهذا الوضوح.
مسلك(2) الآخوند:
أنّ صيغة أفعل تدل على الوجوب بالإطلاق، فإنَّها موضوعة للطلب، لكن إطلاق الطلب يدلّ على الوجوب، لأنّه ينصرف إلى الفرد الأكمل أو الشديد.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 136، المقصد الأول، الأمر الخامس.
(2) انظر: كفاية الأصول: 72، المقصد الأول، الفصل الثاني، المبحث الرابع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وبالترخيص يرفع اليد عن هذا الإطلاق، فيصير طلباً مقيداً، وهو الاستحباب بعينه.
وهو لا ينطبق في محل الكلام، لأنّ البطلان لم ينشأ من الإطلاق بل من أصل العبارة فكأنه قال: صلاتك باطلة.
المسلك الثالث المشهور(1): الصحيح أن (افعل) موضوعة للطلب الوجوبي، ففي مثل ذلك لا يكون دليل الترخيص دليلاً على الاستحباب، بل على عدم الوجوب، بل لعلّ الدليل الأوّل صدر تقيةً.
وجوابه: أنّ صيغة (افعل) لها ظهوران طوليان: ظهور في الوجوب وظهور ثانويّ بالاستحباب، وهو أقرب المجازات إلى الحقيقة، لا يمنعه من الفعلية إلاَّ سقوط الظهور الأوّل.
هذا التقريب بعينه يأتي في محلّ الكلام، فإنّ البطلان عبارة عن النقص، وهو كالطلب مقول بالتشكيك، فهناك نقص شديد، ونقص قليل، فقد يوجب الإعادة، وقد يستحب، وقد لا يستحب أيضاً. ومعه ينطبق هذا البيان فيكون هذا الجمع جمعاً عرفياً.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول : 70، المقصد الأول، الفصل الثاني، المبحث الثاني، وكذا: قوانين الأصول 1: 83، قانون: اختلف الأصوليون في صيغة افعل وما في معناه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ثُمَّ تكلّم(1) عن صيغ التسمية، ولا حاجة إلى تفصيله.
البسملة في رواية محمد بن قيس(2)(3)، والتسمية في المطلقات كمرسلة الصدوق(4)، وفي صحيحة زرارة البيانية(5).
وكون الصيغة الأولى (في العروة) فلا شك في أنه أفضل، لأنه ورد بها الأمر الاستحبابي التعييني به، ولم يرد أمر بالصيغتين الأخريين.
وأما أن البسملة أفضل من (بسم الله) لا يمكن تخريجه بشكل فنيّ، وإن كان مناسباً مع الذوق، لكونه أكثر ذكراً لله تعالى. نعم قد يستفاد من رواية محمّد بن قيس أنّ البسملة يترتّب عليها تناثر الذنوب، فتكون أفضل من جزئها (بسم الله).
ــــــــــ[155]ــــــــــ
() أي: الماتن وهو قوله: “وأقلها بسم الله والأفضل بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل منهما: بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين“.
(2) الباب 15، (المقرر).
(3) من لا يحضره الفقيه 2: 202، كتاب الحج، باب فضائل الحج، الحديث: 2138، وسائل الشيعة 1: 306، الباب 5 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.
(4) وسائل الشيعة 1: 424، الباب 26 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.
(5) وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
السابع: الإغتراف باليمنى ولو لليمنى، بأن يصبه باليسرى، ثمّ يغسل اليمنى(1).
من مستحبات الوضوء التي ذكرها الماتن: الاغتراف باليمين حتى في غسل اليد اليمنى بأن يديره إلى اليسرى ويغسل به.
يمكن تقسيمها إلى فرعين:
الأوّل: الأخذ باليمنى لغيره.
والثاني: الأخذ لها.
فمدركه هو الروايات الواردة في الوضوءات البيانية. حيث يقول: “…ثمّ غمس فيه كفّه اليمنى…ثمّ أمرّ يده على وجهه…ثمّ غمس يده اليسرى”(2) كذلك في صحيحة زرارة البيانية.
ــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 199، كتاب الطهارة، فصل في بعض مستحبات الوضوء، الإغتراف باليد اليمنى.
(2) وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لكن يمكن أن يستشكل في مدركية هذا المدرك:
أنّه لم يعلم أن استعمال اليمنى كان على وجه الاستحباب.
أمّا بالنسبة إلى غسل اليسرى باليمنى فهو المتعين بالطبع.
وأمّا غسل الوجه فهو وإن لم يكن متعيناً، لأنّ نسبته التكوينية إلى اليدين واحد، ولكنه أحد الفردين، ولعله متعين استعمالاً لأنّ الأغلب استعمال اليد اليمنى للإنسان. وهذا الوضوء وإن كان بيانياً إلاَّ أننا إنما نستفيد الطلب المولوي من البيانيات في غير ما كان وجوده على طبع القضية، كما لو توضّأ الإمام وهو قاعد، والفرق: أنّ الراوي نبّه على الغمس ولم ينبه على القعود.
فحينئذٍ يقال: إنّ الخصوصية إذا لاحظها الراوي ونقلها يكون هذا قرينةً على أنه أمرٌ شرعي، وليس أمراً عادياً، وإلا لأهمله الراوي مع جلالة شأنه.
إلاَّ أن هذا المقدار أيضاً لا يكفي، لأنه يكفي في تنبيه الراوي أن يكون قد احتمل دخله في الغرض وفي البيان. ولا يدل على وجود قرينة خاصة على هذا الدخل.
كما أن قول الإمام: “ألا أحكي لكم وضوء رسول الله”(1) لا يدل على الحصر، لأنّه لو صنع العكس لم يدل، لأنَّها بدائل لا بُدَّ من أحدها.
نعم، قد يُضمّ أمرٌ آخر: وهو أنّ هذا ملحوظ في تمام الوضوءات البيانية.
وجوابه: أنّه أمر عاديّ يقتضيه طبع القضية، فتكراره يمكن أن يكون على أساس العادة.
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) نفس المصدر السابق.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فلو بقينا نحن وهذه الروايات يشكل مدركيتها، ولكن يكفينا مدرك الفرع الثاني.
وقد دلّت عليه روايتان: فإذا تمّ كان دليلاً على الفرع الأوّل، لأنه هنا ليس أمراً عادياً على مقتضى الطبع.
إنّهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول الله… “ثم غمس كفه اليمنى في التور… فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع”(1)، فقد غمس ثلاث مرات يده اليمنى، والظاهر عرفاً منها أنها عناية مولوية.
ولكن متنها لا يخلو من تهافت، لأنّ هذا المتن رواه الشيخ الطوسي(2) ورواه الكليني في اختلاف في الألفاظ، وفيه يقول: “ثم غمس كفه اليسرى، فغرف بها غرفةً فأفرغ على ذراعه اليمنى…”(3)، وإن لم نقل بتقديم الكافي، لأنه أضبط من الطوسي بمراتب، فلا أقل من التساقط.
أبو جعفر: “ألا أحكي لكم وضوء رسول الله…ثم أخذ كفاً
ــــــــــ[158]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 1: 56، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 7.
(2) تهذيب الأحكام، الجزء: ١، الصفحة: ٥٦. الکافي (ط اسلامية)، الجزء: ٣، الصفحة: ٢٦.
(3) الكافي 5: 83، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
آخر بيمينه فصبّه على يساره ثمّ غسل به ذراعه الأيمن”(1) وهذه ألطف من عبارة الطوسي في الرواية السابقة، لأنه لم يشر إلى عبارة التفريغ في اليسرى، وعدم الإشارة إلى ذلك هناك قرينة في مصلحة نسخة الكافي، لأنه لو أفرغه في اليسرى لكان على الراوي أن يذكره لأنَّها عملية على خلاف الطبع.
وهذه الرواية كافية للمدركية في هذا الفرع، بل في الفرع الأوّل، لأنه لو ثبت ذلك هناك لا يرى العرف فرقاً بين الفرعين.
نعم، قد يتوهّم أنها تقع طرفاً للمعارضة مع روايات بيانية عديدة تصرح أنه كان يغمس يده اليسرى (كما في صحيحة زرارة البيانية(2)): “ليغسل يده اليمنى” وكذلك رواية بكير بن أعين(3).
لكن الظاهر عدم التعارض؛ إذ إنّ الأصل في الوضوءات البيانية هو الاقتصار على الحدّ الأقل في بيان وضوء رسول الله، لأنّ الوضوءات البيانية في مقام التعليم، وهو مقام الاقتصار على الأقل، ولذا ترك عدداً من المستحبّات المسلّمة كالمضمضة والاستنشاق، إذن لا ينافي أن يكون شيء مستحبّ قد سكتت عنه كل الوضوءات البيانية. فيمكن أن تسكت عنه بعضها.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 80، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث: 3.
(2) وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(3) تقدّمت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
التاسع: غسل كل من الوجه واليدين مرتين(2).
من المستحبات غسل الوجه واليدين مرتين، وهي من المسائل المشكلة.
فقد ذهب بعضٌ إلى الاستحباب(3)، وبعضٌ إلى الجواز(4)، وبعضٌ أنكر الجواز أيضاً(5).
والغسلة الثالثة متسالم على عدم استحبابها(6).
ــــــــــ[160]ــــــــــ
() الثامن: قراءة الأدعية المأثورة عند كل من المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين ومسح الراس. ولم نجده في ما بين أيدينا من المخطوطة.
(2) العروة الوثقى 1: 199- 200، كتاب الطهارة، فصل في بعض مستحبات الوضوء، غسل الوجه واليدين مرتين.
(3) انظر: غنية النزوع 1: 60، كتاب الطهارة، الفصل الرابع، مسنونات الوضوء.
(4) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 320، كتاب الطهارة، فصل في بعض مستحبات الوضوء، غسل الوجه واليدين مرتين.
(5) انظر: الخلاف 1: 87، كتاب الطهارة، مسألة 38، قال: موسوعة ابن ادريس الحلي 8: 177، كتاب الطهارة، باب في كيفية أحكام الاستنجاء والاستطابة وكيفية الوضوء وأحكامه.
(6) انظر: البسوط 1: 23، كتاب الطهارة، فصل في كيفية الوضوء وجملة من أحكامه، قال: “… والثانية سنّة في المغسولة لا غير، والثالثة بدعة…”
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأما فقهاء العامة فقد تسالموا على أنّها مستحبة، ونقلوا ذلك عن النبي(1).
ــــــــــ[161]ــــــــــ
(1) انظر: التفريع في فقه الامام مالك 1: 17، كتاب الطهارة، باب في صفة الوضوء، فصل في غسل اليدين وتكرار التطهير، المدونة 1: 113، كتاب الوضوء، ما جاء في الوضوء.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وبعبارة أخرى: هناك فروع:
الفرع الأوّل: الإجزاء بالغسل مرّة واحدة:
لا إشكال عند أصحابنا إلى الاجتزاء بمرة واحدة ولم يذهب أحد إلى وجوب التعدد، بل هذا متسالم عليه عند العامة أيضاً، والروايات به مستفيضة وتامة.
الفرع الثاني: حكم الغسلة الثانية:
اختلف أصحابنا على ثلاثة أقوال:
1- أنها مستحبّة، ولعله هو القول المشهور خصوصاً بين المتقدمين.
2- أنها غير مشروعة، ويأتي فيها ما يأتي في حكم الغسلة الثالثة.
3- أنها لو وقعت فهي من الوضوء، لكن لا يثاب عليها المتوضّئ وإن لم تقع فليس عليه شيء، كما هو مضمون بعض روايات الباب.
الفرع الثالث: الغسلة الثالثة غير مشروعة:
أجمع أصحابنا أن الغسلة الثالثة غير مشروعة مشروعيةً وضوئيةً، وأجمع غيرنا على مشروعيتها مشروعيةً وضوئيةً.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وقال أصحابنا أنها محرّمة، فهل هي حرمة تكليفية أو وضعية أو هي كلتا الحرمتين، وعلى الأوّل فهل من باب التشريع أو ذاتية؟
وعلى الثاني: إن مبطلية الغسلة الثالثة هل مجعولة شرعاً بهذا العنوان، أو لأنَّها توجب خللاً بأجزاء الوضوء الأخرى كتعذر المسح ببلة الوضوء؟(1)
نبدأ بالفرع الثاني؛ لأن الأوّل لا كلام فيه.
والكلام في مقامين: في الثبوت والإثبات.
هناك ثلاثة أقوال منها اثنان معقولان ثبوتاً، إن دلّ الدليل عليه أخذنا به.
وإنما يستشكل في القول الثالث: أنها لو وقعت لكانت من الوضوء ولكن لا يؤجر عليها صاحبها.
هذا يصعب تصويره ثبوتاً؛ لأنّ معنى مشروعيتها كونها جزءاً من الوضوء ولو مستحباً، ومعنى أنّه لا يؤجر عليها أنّها غير مطلوبة منه لا وجوباً ولا استحباباً، فكيف يمكن ذلك؟
ويمكن أن يقال: في تصوير ذلك أنّ الغسلة الثانية مشروعة لا بمعنى أنها تعلّق بها أمر تعييني لا وجوبي ولا استحبابي، بل من باب أنها أحد فردي
ــــــــــ[163]ــــــــــ
(1) سيأتي في خلال الفروع مصادر هذه الأقوال وتخريج أحاديثها فانتظر.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
التخيير، بأن نتصوّر أنّ الأمر الوجوبي الوضوئي متعلّق بين الأقل والأكثر: (اغسلوا وجوهكم مرّة أو مرّتين)، فإن غسل مرّتين فقد أتى بأحد فردي الواجب التخييري، فيكون مشروعاً، لكن لا يثاب عليه، لأنّ المولى لا يرجح هذا الفرد على ذلك، فالفرد باختيار أشقّ الفردين لم يحصّل للمولى شيئاً جديداً، بل يثاب عليه نفس الثواب الذي يثاب به لو لم يأت بالغسلة الثانية، باعتبار امتثال الأمر المتعلّق بالجامع.
هنا يمكن أن يقال: إنّ التخيير بين الأقل والأكثر معقول بشرط غير متوفّر هنا، فإنهم أشكلوا على هذا التخيير: أنه لا معنى له، لأنّ الأمر يسقط بالأقل، والملاك يستوفى به، فلا معنى للتخيير بين الأقل والأكثر.
وقد أجاب في الكفاية(1) وغيرها(2) بأن أرجعوا الأقلّ والأكثر إلى المتباينين، بأنّ الأقل إن كان مأخوذاً “لا بشرط” فالإشكال وارد، ولكن الأقل إن كان مأخوذاً “بشرط لا”(3) من حيث الزيادة فهو مباين للواحد في ضمن الأكثر، فيمكن التخيير بينهما.
وقلنا هناك(4): إنّ الأقل “بشرط لا” مع الأكثر تارةً يكون شقّ ثالث
ــــــــــ[164]ــــــــــ
() كفاية الأصول مع تعليقات زارعي: 3: 95- 96.
(2) أنظر مثلاً: فوائد الأصول للنائيني 1: 236. والفوائد الأصولية للشيخ الأنصاري 534.
(3) أنظر مثلاً: أجود التقريرات 1: 186.
(4) أنظر كلام المصنف في بحوث في علم الأصول (تقريرات الهاشمي) 6: 254.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
غيرهما، وأخرى لا يكون:
فإن كان هناك شقٌّ ثالثٌ فهذا التخيير معقول كالتخيير بين الواحد والثلاث ولا يجزي أن يأتي باثنين.
وأما إذا لم يوجد شقّ ثالث بل كان الفردان لا ثالث لهما، كالتخيير بين الواحد فقط، أو الاثنين فهذا غير معقول، فإنَّه أمرنا ضمناً بالواحد ثم أمرنا ضمناً به إما وحده وإما مع غيره، وهذا تكليف بالحاصل، لأنه تكويناً إما أن يقع وحده أو مع غيره، لأنّ ارتفاع النقيضين غير معقول، وهذا الإشكال لا يأتي على الفرض الأوّل.
ففي المقام: الشرط الأوّل وهو أخذ الأقل “بشرط لا” يعقل افتراضه، وأما الشرط الثاني وهو وجود البدل الثالث للتخيير فهو غير موجود، لأنه لا يوجد شقّ ثالث في المقام.
إلَّا أنّ هذا الإشكال يمكن دفعه بعدة تقريبات نذكر بعضها:
أولاً: أنه يمكن تصوير الشقّ الثالث وذلك إذا كانت الغسلة الثانية مترابطة، بأنه إما أن يغسل كل أعضاء وضوئه مرةً، أو تمام الأعضاء مرتين، والشقّ الثالث هو التبعيض في التعدّد، بل يمكن تطبيق ذلك في العضو الواحد، إمّا أن يغسل تمام وجهه مرّةً أو تمامه مرّتين، وغسل جزء الوجه ثالثاً.
ثانياً: أنّ الأمر لم يتعلّق بنحو التخيير أصلاً، بل تعلّق الأمر بالغسلة الأولى فقط، ولكن الثانية جزء من الوضوء وإن لم يكن مأموراً به، لأنه دخيل في رفع الحدث. الأتم الأكمل، ولكنّ المولى لا يريد هذا الفرد الأكمل، فهي مشروعة،
ــــــــــ[165]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ولكنها لا يثاب عليها، لأنَّها غير مأمور بها، وهو من التفصيل بين الحكم التكليفي والوضعي.
وبهذا ينتهي المقام الأوّل.
المقام الثاني في مقام الإثبات للأقوال الثلاثة السابقة:
روايات الباب تنقسم إلى صنفين:
1- صحيحة زرارة
صحيحة زرارة : “الوضوء مثنىً مثنىً من زاد لم يؤجر عليه وحكى لنا وضوء رسول الله…”(1)
وليس في الحديث مشكلة سنديّة سوى من ناحية القاسم بن عروة(2)، وهو موثق عندنا.
وأمّا من ناحية دلالية: فلا إشكال أنّ هذا التعبير (مثنىً مثنىً) ينصرف إلى ما عليه عمل المسلمين يومئذٍ من التعدّد في الغسل، فهو إمضاء لهذا الواقع الشائع.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 81، كتاب الطهارة، ب 4، الحديث: 59، وسائل الشيعة 1: 436، الباب 31 من أبواب الوضوء، ح: 5.
(2) ترجمته عند النجاشي 314، والكشي 2: 670، والطوسي 273.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأيّ احتمال آخر للتثنية على خلاف هذا الانصراف؟! وحيث إنّها تحمل على الوضوء، إذن فهي من شؤون الوضوء، غايته تحمل على الاستحباب بالإجماع والروايات.
إلَّا أنّ جملة منهم ناقشوا في ذلك، منهم صاحب الوسائل “يعني غسلتين ومسحتين”(1)، وهو موافق لما روى عن عبد الله بن عباس في الردّ على العامة(2) الذين يرون أنه يشتمل على ثلاث غسلات، وقد ورثها إلى الشيعة بعده.
وهناك قرينة على ذلك وهو ذيل الرواية الناقل لوضوء رسول الله وهو لم يغسل وجهه مرتين، وظاهرها أنه بيّن قاعدةً في الوضوء وطبّقها خارجاً، فلو أراد تعدّد الغسل لم ينسجم مع التطبيق.
إلاَّ أنّ هذا الحمل بعيد، غايته لا باعتبار أنه يتضمّن غسل اليدين غسلاً واحداً، بل كان ينبغي أن يقول ثلاث غسلات ومسحات.
وقد يجاب: أنّ هذا التعبير تبع لطرز تعبير القرآن الكريم: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ…. والمبعّد الأهم قوله: “من زاد لم يؤجر عليه“، فإنَّه واضح في نقد الزيادة، لا في مقام نقد النقل من المسح إلى الغسل كما عمل العامّة، وهذا إنّما يتصور في تعدّد الغسلات.
وأما أنّ الإمام طبق ولم يعمل بالتعدد فإنَّه أول الكلام، فإنَّه لم يُعلم أنّ
ــــــــــ[167]ــــــــــ
(1) عبارته في الوسائل 1: 437: «وقوله: “مثنى مثنى” ينبغي حمله على أن المراد غسلان ومسحان والقرينة هنا ظاهرة، أو على التجديد أو على الجواز لا الاستحباب أو على التقية».
(2) ذكر ذلك المحقق الحلي في المعتبر: 159.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
هذا كان تطبيقاً لذلك المستحب الشرعي، بل لم يُعلم أنه في مجلس واحد.
فالإنصاف أن لا بأس بدلالتها على المدّعى.
2- رواية أبي جعفر الأحول
وبإسناده عن أبي جعفر الأحول عمّن رواه عن أبي عبد الله قال: “فرض الله الوضوء واحدةً واحدةً ووضع رسول الله للناس اثنتين اثنتين”(1).
وهي جيدة دلالةً، ساقطة سنداً، وفي هذا التعبير نقطتان:
النقطة الأولى: جعل رسول الله في مقابل الله، وجوابه أنه فوض الله تعالى لرسوله عدداً من التشريعات، ومنها أعداد الصلوات.
النقطة الثانية: كلمة “للناس”، ولم يقل فرض الله للناس، هذا يمكن أن يفسره بعض الروايات الآتية: (إنّ الحكمة من جعل استحباب الغسلة الثانية أنّ الناس يتسامحون في الغسل ويسرعون إلى الاطمئنان بالاستيعاب، فتكون الثانية جابرةً لنقصان الأولى فقد لوحظ حال الناس العوام).
إلَّا أن شيخنا الصدوق الذي أصر على إنكار الاستحباب حمل الرواية على محمل غريب هو الاستنكار(2). وهو على خلاف الظاهر جداً، ولو كان الإمام في
ــــــــــ[168]ــــــــــ
() من لا يحضره الفقيه 1: 38، باب صفة وضوء رسول الله ’، الحديث: 77، وسائل الشيعة 1: 439، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 15.
(2) انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 38، باب صفة وضوء رسول الله ’، الحديث: 77، قال في ذيل الحديث ما لفظه: “وهذا على حجة الإنكار لا على حجة الإخبار كأنه يقول حدّ الله حدّاً فتجاوزه رسول الله وتعدّاه…”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مقام الاستنكار بإشارة يديه أو رأسه لكان على الراوي نقله.
3- رواية عمر بن أبي المقدام
وبإسناده عن عمر بن أبي المقدام حدّثني من سمع من أبي عبد الله يقول: “أني لأعجب ممن يرغب أن يتوضّأ اثنتين اثنتين وقد توضّأ رسول الله اثنتين اثنتين”(1).
ضعيفة سنداً، وأما دلالةً فلا يستفاد منها الاستحباب بل الجواز؛ لأنه قال توضّأ رسول الله اثنين، لا أنه ديدنه على ذلك، وهذا كافٍ في الاستغراب ممّن يتورّع عن ذلك.
لكن عن الذي كان يرغب عن الوضوء اثنين تعرّض به هذه الرواية.
أما السنّة فلم يستشكل أحد منهم في استحبابه، وأمّا الخاصّة فهذا اللحن من المناقشة والاستعانة بفعل رسول الله لا يكون من الخاصّة؛ لأنهم يقبلون الحكم من الإمام، ولم يكن للخاصّة اتجاه محدّد يكون الإمام في مقام مناقشته.
ولذا يخطر على البال: أنها في مقابل ومناقشة الإسراف في الوضوء، فإنّ هذا كان مركوزاً، وبهذا كانوا يكتفون بغرفة واحدة، بل الإسباغ يكفي فيه الغرفة الواحدة، كما قال صاحب الحدائق(2)، فهذا الردّ في مقام الردّ على ذلك.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
() من لا يحضره الفقيه 1: 39، باب صفة وضوء رسول الله، الحديث: 80، وسائل الشيعة 1: 439، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 16.
(2) الحدائق الناضرة 2: 338، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المطلب الرابع، المسألة الأولى، السابع، قال: “… فالإسباغ حينئذٍ يحصل إما بملء الكفّ من الماء مرّةً واحدةً…”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فإن قيل: إنّها ناظرة لمن يرغب عن الغسلة الثانية تكاسلاً وزهداً في الثواب.
قلنا: هذا الاحتمال غير وارد، إن الرواية تستدل أنّ النبي صدر منه الوضوء والغسل مرّتين، وهو لا يكفي في مناقشة المتكاسل، وإلا كان اللازم بيان عادة النبي على ذلك. فإنّ غسله مرّةً واحدةً لا يدل على أكثر من الجواز، وهو لا يحرك المتكاسل، نعم، هو ضدّ التحرّج في الدين.
نعم، قد يكون النظر إلى بعض الخاصّة الذين وُلِد عندهم ردّ الفعل من التزام العامة بالغسلة الثانية في تركه، وهو ما لا يرضى بها الأئمة.
4- رواية الفضل بن شاذان
عن الفضل بن شاذان عن الرضا في حديث قال: “إنّ الوضوء مرّةً فريضةً، واثنتان إسباغ”(1).
وهي واضحة في الاستحباب، لأنّ الإسباغ هو الإتيان بالوضوء على الوجه الأكمل.
ولكن قد يقال: إنّ هذا الاستحباب ليس للغسلة الثانية بعنوانها، بل بعنوان كونها إسباغاً، ولهذا نفس هذا الاستحباب يمكن أن يُؤدّى في الغسلة
ــــــــــ[170]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 440، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 23.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الأولى، بل إنّ صاحب الحدائق(1) جعل هذه الرواية أحد شواهد الجمع، وإن الغسلة الثانية ليست مستحبةً بعنوانها بل باعتبارها إسباغاً، وحمل ما دلّ على الاستحباب على استحباب الإسباغ، وما دلّ على عدمه على عدم استحباب الغسلة بعنوانها.
إلَّا أنّ هذا ليس بصحيح، لأنه مبني على أصل موضوعي فرضه صاحب الحدائق، وهو أن يكون للإسباغ اصطلاح شرعيّ هو الإكثار من الماء. إلاَّ أنّ هذا لم يثبت في مقابل المعنى اللغوي الذي هو الإتقان والتوسعة. وأحد مصاديقه في الوضوء هو الإكثار من الماء. فقوله: “واثنتان إسباغ” يعني إتقان الوضوء، فلا دلالة لها على أنّ الثانية لأجل كونها إكثار الماء. إلاَّ أنّ سندها ضعيف.
5- رواية معاوية بن وهب
وعن معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله عن الوضوء، فقال: “مثنىً مثنىً”(2) وهو واضح في استحباب الغسلة الثانية.
6- معتبرة صفوان
وفي معتبرة صفوان عن أبي عبد الله قال: “الوضوء مثنىً مثنىً”(3).
ــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) انظر: الحدائق الناضرة 2: 338، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المطلب الرابع، المسألة الأولى، السابع.
(2) الاستبصار 1: 70، كتاب الطهارة، الباب 41، الحديث: 5، وسائل الشيعة 1: 441، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 28.
(3) الاستبصار 1: 70، كتاب الطهارة، الباب 41، الحديث: 6، وسائل الشيعة 1: 442، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 29.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وقد يقال إنّها فيها إطلاق حتّى للمسح إذا أريد منه العملية الشرعية لا الغسل.
وقد تمسّك الشافعي بإطلاقها لورودها عندهم.
ولكنها على أي حال قابلة للتقييد.
7- رواية يونس بن يعقوب
قال: “قلت: لأبي عبد الله الوضوء الذي افترضه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال. قال: يغسل ذكره ويُذهب الغائط ثم يتوضّأ مرتين مرتين”(1)(2).
إلاَّ أنّ السائل يسال عما افترضه الله، والجواب ليس عما افترضه الله يقيناً، فقد يقال: إنّ ظاهرها الوجوب والفرض، وهو لا يمكن العمل به، والاستحباب لا تدلّ عليه ولا يمكن حمله على الاستحباب كصيغة (افعل)؛ لأنَّها كالصريح في الوجوب.
8- روايات أُخر
وهناك روايات تعلّم الوضوء السنّي عند التقية، وقد وقعت لدى عدّة أشخاص:
ــــــــــ[172]ــــــــــ
() باب 9 من الخلوة، (المقرر).
(2) تهذيب الأحكام 1: 47، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 73، وسائل الشيعة 1: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
منهم: (داود بن زربي)(1) وقد أمر في صدر الرواية وذيلها بالتثنية.
ومثلها (لعلي بن يقطين)(2) إلاَّ أنّ أسانيدها لا تخلو من مناقشة.
ثُمَّ إنَّه لا بُدَّ من ملاحظة الطائفة المعارضة.
القسم الأول: ما دلّ على عدم المشروعية
1- الوضوءات البيانية
منها: الوضوءات البيانية التي استدل بها صاحب الحدائق(3) على عدم استحباب الغسلة الثانية؛ لأنّ الإمام في جميعها لم يشر إلى استحبابها، فالسكوت عنها وهو في مقام البيان وحكاية وضوء رسول الله الذي هو أحسن الوضوءات وأمثلها، فلو كانت عنه لحكاها.
ولكن لا دلالة لها على عدم الاستحباب، لوجود قرينة نوعية عامّة في الوضوءات البيانية في أنّ الإمام في مقام بيان حكاية الواجب والحدّ الأدنى، وهي كونه واقعاً موقع التعليم ولذا لم تذكر المضمضة والبسملة وغيرها.
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) انظر: تهذيب الأحكام 1: 82، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 63، وسائل الشيعة 1: 443، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) وسائل الشيعة 1: 444، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(3) انظر: الحدائق الناضرة 2: 338، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المطلب الرابع، المسألة الأولى، السابع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
نعم، يمكن الاستيناس برواية عبد الرحمن الهاشمي(1) التي تصف وضوء أمير المؤمنين في ثواب الأعمال، ولم يكن فيها الغسل مرّةً ثانية مع أنه في مقام بيان الامتيازات، لكنه استيناس وهو إطلاق يقبل التقييد، مضافاً إلى سقوطها سنداً.
2- رواية ميسر
عن ميسر، عن أبي جعفر قال: “الوضوء واحد”(2) وفي طريق آخر قال: “الوضوء واحدة واحدة” ووصف الكعب في ظهر القدم (3).
والكليني بصيغة: “الوضوء واحدة واحدة”(4)، والشيخ رواها في كتابيه على نحوين تارة هكذا(5)، وتارة: “الوضوء واحد”(6).
والعبارة الأولى: قد يقال: إنّه ليس له ظهور في ما هو المقصود، وهو وحدة الغسل، بل لعلّها في مقام بيان أنّ الوضوء نزل على صور متعدّدة، كما يبدو عند ــــــــــ[174]ــــــــــ
() ثواب الأعمال: 16، ثواب من توضّأ وضوء أمير المؤمنين.
(2) تهذيب الأحكام 1: 75، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 38، وسائل الشيعة 1: 435، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(3) تهذيب الأحكام 1: 80، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 54.
(4) الكافي 5: 85، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث: 7.
(5) الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الجزء: ١، الصفحة: ٦٩: “عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: الْوُضُوءُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً ووَصَفَ الْكَعْبَ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ”.
(6) تهذيب الأحكام، الجزء: ١، الصفحة: ٧٥.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
استعراض حال المسلمين، فالوضوء واحد، وإنما اختلفوا في كيفيته.
والعبارة الثانية أوضح من الأوّل لتأنيثه، وتكراره، وقد يقال: إنّها حيث إنّها غير مضبوطة الصيغة فتكون مجملةً، ومتهافتةً متناً.
إلاَّ أنّ الصحيح هو الأخذ بعبارةِ “واحدة واحدة”، لا لأنّ الكليني أضبط من الشيخ الطوسي، ولا من أجل أنّ الطوسي نفسه تعارض في مقام النقل، بل لأنّ طريق الشيخ الطوسي ضعيف بالحسين بن الحسن بن أبان(1)، والطريق الصحيح هو طريق ثقة الإسلام.
لكن هل المراد من قوله: “واحدة واحدة”، بيان مانعية الغسلة الثانية، أو عدم وجوبها؟ فعلى الأوّل يكون صريحاً في عدم الاستحباب، وهو محتاج إلى عناية زائدة، وما هو مقتضى الطبع هو الثاني، وأنّ الوضوء يتحقّق بواحدة، والثانية ليست جزءاً من الوضوء، فهي لا تدلّ على نفي الاستحباب.
3- رواية عبد الكريم
وعن عبد الكريم بن عمرو، قال: سألت أبا عبد الله عن الوضوء، فقال: “ما كان وضوء عليّ إلاَّ مرةً مرةً”(2)، ولعلّها أقوى الطائفة الثانية عدم الاستحباب. وهي تامّة سنداً.
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) انظر: رجال الطوسي: 398، باب الحاء، الرقم: 5854-8-، معجم رجال الحديث 5: 212، باب الحاء، الرقم: 3341.
(2) تهذيب الأحكام 1: 80، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 56، وسائل الشيعة 1: 437، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
تقريبه بأحد وجهين:
التقريب الأوّل:
أن يستدلّ بنفس حكاية الإمام الصادق، فإنّ غرضه هو بيان الوظيفة الشرعية إثباتاً ونفياً، ومعناه نفي استحباب الغسلة الثانية.
وجوابه: أنّ هذا كما يمكن أن يقصد به نفي الاستحباب، كذلك يمكن أن يقصد به نفي الوجوب.
ولا يتوهّم: أنّ الوجوب ليس في معرض الإثبات ليتصدّى الإمام إلى نفيه؛ لأنّ العامة لم يفتوا بوجوب الثانية بل باستحبابها.
ولكن الغسلة الثانية وإن كانت بفتوى العامة مستحبةً لا واجبةً، لكن كان يلتزم بها المسلمون من غيرنا التزاماً شديداً بل بالثلاث أيضاً حتى أصبح شعاراً لهم، فمثل هذه المستحبّات تكون مشوبةً بالوجوب في أذهان عوام المتشرّعة كالقنوت عندنا، فيحدث الاستيحاش من تركه، فيقول كيف تستوحش من عمل كان يعمله أمير المؤمنين، وعمله حجّة لدى المسلمين جميعاً.
التقريب الثاني:
كيف يلتزم أمير المؤمنين بترك المستحب؟ نعم تركه أحياناً لا بأس، ولو للمزاحمة، ولكن ظاهره الاستمرار على المرّة، فيدل على عدم الاستحباب.
وهذا قابل للجواب أيضاً: إذ من المحتمل أن يكون استحباب الغسلة الثانية بنكتة لا تشمل أمير المؤمنين “ووضع رسول الله للناس اثنتين
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
اثنتين”(1) فلم تكن مستحبة له أو مبتلاة دائماً بالمزاحم، وهو لا ينفي الاستحباب لغيره.
4- رواية حماد بن عثمان
قال: كنت قاعداً عند أبي عبد الله فدعا بماء… وقال: “هذا وضوء من لم يحدث حدثاً…”(2)، يعني به التعدي في الوضوء. وهناك عدّة روايات مثلها. والغسلة الثانية تعد في الوضوء.
ولكن من الواضح أنه لو تم استحباب الثانية يكون حاكماً، لأنه يخرجه عن كونه تعدّياً في الوضوء، لأنّ التعدّي هو الزائد عما يريده الله تعالى كما يفعل غيرنا.
القسم الثاني: ما دلّ على نفي الاستحباب
إنّ الروايات السابقة مشتركة في هذه النكتة، وهي أنّها لو تمّت دلالتها لدلت على عدم المشروعية رأساً، وهناك روايات تتكفّل المشروعية مناسبة مع مختار صاحب الحدائق.
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 1: 439، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 15.
(2) الكافي 5: 86، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث: 8، وسائل الشيعة 1: 437، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 8. وهي كما يلي: حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: “كُنْتُ قَاعِداً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَلَأَ بِهِ كَفَّهُ فَعَمَّ بِهِ وَجْهَهُ ثُمَّ مَلَأَ كَفَّهُ فَعَمَّ بِهِ يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ مَلَأَ كَفَّهُ فَعَمَّ بِهِ يَدَهُ الْيُسْرَى ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ ورِجْلَيْهِ وَقَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ حَدَثاً يَعْنِي بِهِ التَّعَدِّيَ فِي الْوُضُوءِ”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مع نفي الاستحباب كما عليه الكليني والصدوق وصاحب المدارك(1)، ويمكن أن نجعله القسم الثاني من الطائفة الثانية.
1- رواية الأعمش
الصدوق في الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد قال: “هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسك بها وأراد الله هداه، إسباغ الوضوء كما أمر الله تعالى في كتابه الناطق… مرّةً مرّةً ومرتان جائز…”(2) والرواية طويلة.
فإنه صريح في أصل المشروعية والجواز. وقوله مرّةً مرّةً بيان لما هو المطلوب، ولو كان الثاني مستحباً لما بين بعنوان الجائز، بل بعنوان الأمر ولو استحباباً.
إلَّا أنّ هذا غير صحيح، فإن قوله “مرّةً مرّةً” لبيان الحدّ الأوّل، وليس فيه دلالة على نفي استحباب أزيد من ذلك، وقوله: “ومرّتان جائز” يدلّ على الرخصة في المرة الثانية، والمرتان ذكرت عقيب الغسل والمسح معاً.
فإن قيل بشموله لتمام ما تقدم فمعناه أنه يشمل المسح أيضاً، مع أنّ المسحة الثانية غير مطلوبة بل هي جائزة، وحيث إنّها تعود إلى جميع ما تقدم، فصيغت بنحو يناسب عوده إلى الجميع، فلا تدلّ على نفي الاستحباب.
ــــــــــ[178]ــــــــــ
(1) انظر: مدارك الأحكام 1: 233، كتاب الطهارة، الركن الثاني، مسائل ثمان، الثالثة، وأما كلام صاحب الحدائق وما عليه الكليني من عدم استحباب الثانية وما نسب الى الصدوق، في الخلاف من ذهابه الى عدم مشروعية الثانية فقد تقدّم قريباً.
(2) الخصال 2: 603، خصال من شرائع الدين، الحديث: 9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
2- رواية بن أبي عمير
عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله: “الوضوء واحدة فرض، والثانية لا يؤجر والثالث بدعة”(1).
أولاً: يستدل بها على أنّ الغسلة الثانية ليست بمستحبة، لأنه لا يؤجر، لأنّ الاستحباب من لوازمه الأجر والثواب.
ثانياً: أنّ الثانية جائزة في نفسها بقرينة التقابل بين الثانية والثالثة، لأنه قال: إنّ الثالثة بدعة، وهي إدخال ما ليس من الدين في الدين، والثانية ليست بدعةً وليست أجنبيةً عن الدين.
لكنها ساقطة سنداً، لأنّ رواية ابن أبي عمير عن واحد.
3- رواية عبد الله بن بكير
عن أبي عبد الله قال: “من لم يستيقن أنّ واحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين”(2).
قد يستدلّ بها على نفي استحباب الثانية، لأنَّها تنفي الأجر، ولكن ليس فيها قرينة على إثبات أصل الجواز.
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 81، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 61، وسائل الشيعة 1: 436، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(2) تهذيب الأحكام 1: 82، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 62، وسائل الشيعة 1: 436، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وغايته أن يقال: إنّ لسان نفي الأجر بنفسه دالّ عرفاً على أنه لا حزازة أزيد من ذلك، ولو كانت بدعةً لكان الأنسب النصّ على ذلك؛ لأنّ اللسان لسان التزهيد بالغسلة الثانية، ولو كانت بدعةً لكانت أنسب بالتزهيد.
ويمكن أن يستدلّ بها على استحباب الغسلة الثانية وذلك بمفهومها، فإنَّه يدلّ على نفي الاستحباب عمّن لم يستيقن، وبالمفهوم يدل على أنّ من استيقن إجزاء الأولى يؤجر على الثانية، لأنه لو كان لا يؤجر على كلّ حال يكون ذكر القيد لغواً.
ومن هنا قد تجعل مقيدةً للرواية السابقة، فإنّ السابقة مطلقة من حيث إنّه يستيقن أنّ الواحدة تجزيه أو لا، فنقيد بها السابقة، بل قد تجعل شاهد جمع بين هذه الرواية وروايات الوضوء: “مثنىً مثنىً” فتخصّ الاستحباب بمن يستيقن، وتنفيه عمن لا يستيقن.
ولكن من هذا الذي لا يستيقن حتى يكون هذا تعريضاً به؟!
قد يقال: إنّه لا يوجد ذلك إذ أجمع المسلمون على كفاية الغسلة الواحدة.
ولهذا يمكن أن يجعل هذا بنفسه قرينةً أنه يراد الغرفة والغرفتين، ويكون النظر إلى الاستيقان بنحو الشبهة الموضوعية، كما لو غلب عليه الوسواس وهم ناسٌ كثيرون.
فيريد الإمام أن يشجب هذا الاحتياط، فتكون أجنبيةً عن محلّ الكلام.
لكنّ الإنصاف أنّها من روايات الباب، وأمّا من كانت الرواية تحاسبهم فهو ما أشرنا إليه آنفاً من التمييز بين الموقف العلمي للمسألة والموقف النفسي
ــــــــــ[180]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لها، لأنهم التزموا بالثانية والثالثة، فكل مستحبّ يواضب عليه يوجب هذا التشكيك ارتكازاً عنده، كالقنوت إذا ترك كان غريباً.
إلاَّ أنها ساقطة سنداً بزياد بن مروان(1) الذي لم يثبت توثيقه.
4- رواية السرائر
من كتاب النوادر لابن أبي نصر: “في الوضوء قال: اعلم أنّ الفضل في واحدةٍ ومن زاد على اثنتين لم يؤجر”(2).
أفضل الأشكال هي الواحدة، ومعناه عدم استحباب الثانية، ولكنها مشروعة فإنّ قوله “لم يؤجر” هل على الثالثة أو على الوضوء؟ إن أريد أنه لم يؤجر على الغسلة الثالثة فهو بعيد، لأنّ من زاد على الواحد، لم يؤجر أيضاً كما في صدر الرواية.
وإن حملت على نفي الأجر على نفس الوضوء، يكون المعنى أنه لو غسل مرّتين يؤجر على أصل الوضوء، وإن لم يؤجر على نفس الغسلة.
إلاَّ أنها ساقطة سنداً، لأنّ سند ابن إدريس إلى النوادر مجهول.
إذن، فالطائفة الثانية غير تامّة أصلاً إما سنداً وإما دلالةً، فالروايات الدالة على الاستحباب تبقى بلا معارض.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) انظر: رجال النجاشي: 171، باب الزاي، الرقم: 450، معجم رجال الحديث 7: 315، باب الزاي، الرقم: 4801.
(2) وسائل الشيعة 1: 441، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 27.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
صاحب الحدائق(1) ذكر وجوهاً في علاج هذا التعارض نذكر أهمها:
الوجه الأوّل: حمل الروايات النافية على من لم يستيقن
إنّ الروايات الدالة على الاستحباب نحملها على من كان مستيقناً أنّ الغسلة الأولى تجزيه، والنافية للاستحباب نحملها على من لا يستيقن، وذلك باعتبار رواية عبد الله بن بكير(2) التي تقدمت آنفاً.
وهذه الرواية إن بنينا على عدم صحّة سندها بزياد بن مروان، فلا تكون شاهداً للجمع، وإن بنينا على صحّتها بناءً على أنّ زياداً يروي عنه ابن أبي عمير، فهل تصحّ أن تكون شاهد جمع؟ هنا ملاحظتان:
الملاحظة الأولى: أنّ هذه الرواية لا تصلح أن تكون قرينةً على كل روايات عدم الاستحباب، فإنّ بعضها آبٍ عن الحمل على من لم يستيقن على أنّ الغسلة الثانية تجزيه، لو تمّت سنداً ودلالةً.
فرواية: “ما كان وضوء علي إلاَّ مرة مرة”(3) لا معنى لحملها على من لم يستيقن.
الملاحظة الثانية: أنّ شاهد الجمع فيه افتراضان:
الافتراض الأوّل: أن نحملها على قضية خارجية، بمعنى الإشارة إلى
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) انظر: الحدائق الناضرة 2: 340، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المسألة الأولى، السابع.
(2) وسائل الشيعة 1: 436، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
(3) وسائل الشيعة 1: 437، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الناس الذين لم يكونوا يستيقنوا، فعدم الاستيقان ليس هو مناط الحكم، بل هو مجرد مشير إلى الأفراد.
والذين لم يستيقنوا هم العامّة، فإنهم لا يؤجرون على الغسلة الأولى ولا الثانية، فتكون أجنبيةً عن محلّ الكلام. إذ لعلّ عدم الأجر باعتبار نكتة مشتركة في كل أعماله.
الافتراض الثاني: أن نحملها على القضية الحقيقية وعلى الموضوعية، كالمؤمن الذي لا يمكنه الرجوع إلى المجتهد فهو يحتاط بالغسلة الثانية، فهو لا يثاب عليها.
هذا الافتراض بعيد عن أذهان العرف بأنّ اليقين بالغسلة الأولى بعنوانه دخيل في الثواب على الغسلة الثانية، بحيث يشمل حتّى القاصر.
فأخذ العنوان هنا حيث كان أخذه على الموضوعية مخالفاً لمناسبات الحكم والموضوع، فيحمل على المعنى الأوّل.
الوجه الثاني: حمل روايات الاستحباب على إسباغ الوضوء
الوجه الثاني للعلاج ما اختاره صاحب الحدائق(1) نفسه، بأن تحمل روايات الاستحباب على استحباب الغسلة الثانية بما هي إسباغ وإكثار من الماء، والدالّة على عدم الاستحباب على عدمه بما هي هي.
وهذا الكلام يمكن تخريجه بإحدى صيغتين:
الصيغة الأولى: أنّ الغسلة الثانية فيها حيثيتان: حيثية العدد وحيثية الإكثار
ــــــــــ[183]ــــــــــ
(1) انظر: الحدائق الناضرة 2: 338، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المسألة الأولى، السابع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
من الماء، فمن حيثية العدد ليست مستحبةً وبالثانية مستحبة، فتحمل روايات الاستحباب على الثانية، والروايات النافية على الأولى.
إلَّا أنّها ليست صيغةً صحيحةً، لأنه بعد التلازم بين الحيثيتين يكون عدم الاستحباب حكماً حيثياً صرفاً. مع أنّ المنفي الثابت من جهة أخرى لا يكون بياناً عرفياً، فهو في قوة إلغاء هذه الطائفة.
الصيغة الثانية: أن المتوضّي على قسمين:
الأوّل: من توضّأ وأسبغه في الغسلة الأولى.
الثاني: الذي اقتصر في الغسلة الأولى.
فروايات عدم الاستحباب نخصّصها بالقسم الأوّل، فإنّ من أسبغ في الأولى لا تستحبّ له الثانية. والدالّة على الاستحباب نخصّصها بالقسم الثاني.
أيضاً غير صحيحة؛ لأنه جمع تبرّعي محض، لأنّ روايات الاستحباب وروايات عدمه كلّ منهما مطلق. فهما مطلقان متعارضان بتمام مدلولهما فحمل أحدهما على قسم والآخر على قسم آخر بلا شاهد جمع.
الوجه الثالث: حمل روايات الاستحباب على بيان الحد الأعلى
الوجه الثالث للعلاج أنّ روايات الاستحباب “الوضوء مثنى مثنى…”(1)، نحملها على بيان الحدّ الأعلى للجواز، لا الحدّ المطلوب.
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 80، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 58، وسائل الشيعة 1: 442، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 29.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فلا ينافي ما دلّ على عدم الاستحباب، وهذا يلوح من كلمات السيد صاحب المدارك.
إلَّا أنّه ليس بصحيح لو لوحظت جميع روايات الباب، لأنّ بعض روايات الاستحباب لا ينحصر بلفظ “مثنى مثنى“، بل إنّ بعضها يقول: “…واثنتان إسباغ“(1) وهو كالصريح في الاستحباب ولماذا لا نحمل قوله “مرّةً مرّةً” على الحدّ الأدنى للجواز، أي: الفرض، وتبقى الثانية على الاستحباب.
الوجه الرابع: حمل روايات الاستحباب على التقية
الوجه الرابع الحمل على التقية، وما وافق العامّة ما دلّ على استحباب الغسلة الثانية.
إلَّا أنّ جملة منها تأبى عن هذا الحمل، كما أشار إليه صاحب الحدائق(2) نفسه، ومنها الروايات(3) التي تشجب الغسلة الثالثة. فإنَّها على خلاف مذهب العامّة.
والصحيح أنه لم يتمّ دليل على عدم الاستحباب ليعارض به دليل الاستحباب.
تمّ الكلام في هذه المسألة.
ــــــــــ[185]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 440، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 23.
(2) انظر: الحدائق الناضرة 2: 331، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المطلب الرابع، المسألة الأولى، الثالث.
(3) وسائل الشيعة 1: 436، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لا ينبغي الاستشكال في عدم استحبابها لإجماع الطائفة، وكان من العمق بحيث أصبح عدمها شعاراً للطائفة، بحيث يقطع بأنه متلقّى من قبل الأئمة، مضافاً إلى بعض الروايات في المقام.
كصحيحة زرارة: “الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر”(1) ورواية ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله: “اعلم أنّ الفضل في واحدة ومن زاد على اثنتين لم يؤجر”(2) وكذلك روايات: “الوضوء مثنى مثنى”.
ولا إشكال أنها ليست في مقام بيان حدّ الوجوب، بل هي إمّا في مقام بيان الاستحباب أو الحدّ الأقصى للجواز، وعلى كِلا التقديرين تدلّ على أنّ الغسلة الثالثة ليست مطلوبةً.
وكل ما يثبت النقطة الثانية يثبت الأولى؛ لأنَّها أخصّ.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 436، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(2) وسائل الشيعة 1: 441، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 27.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وإن لم تكن مطلوبةً بالنحو الذي أدعاه صاحب المدارك(1) في الغسلة الثانية.
يدل عليه رواية بن أبي عمير عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله قال: “الوضوء واحدة فرض، واثنتان لا يؤجر، والثالثة بدعة”(2) فلو كان مشروعاً -ولو جوازاً- لم يكن بدعةً، إلاَّ أنها مرسلة.
والروايات التي تقيد في النقطة الثالثة تقيد هنا أيضاً لأنَّها أخصّ. لكن يكفي في نفي المشروعية رأساً عدم الدليل على المشروعية، لأننا قلنا أنّ مشروعية الغسلة الزائدة من دون كونها مطلوبةً مرجعها إلى التخيير بين الأقل والأكثر، وقلنا: إنّ هذا يحتاج إلى فرض عناية كأخذ الأقل بشرط لا من حيث الزيادة، وكلّ هذه العنايات منفية بإطلاق الآية، فمقتضى الأصل عدم المشروعية وعدم الجواز. ومرادنا به الأصل اللفظي.
والمبطلية تارةً تدّعى بالمبطلية بالعرض، يعني باعتبارها مفوّتةً لواجب في الوضوء، وأخرى يدعى المبطلية بالذات.
أما الدعوى الأولى: فتقريبها: أنها حين لم تكن مشروعةً فماؤها ليس بماء
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) انظر: مدارك الأحكام 1: 233، كتاب الطهارة، الركن الثاني، مسائل ثمان، الثالثة.
(2) وسائل الشيعة 1: 436، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الوضوء، فلا يجوز المسح به الذي يجب أن يكون ببلة الوضوء، فيبطل الوضوء لأجل ذلك.
وهذه المبطلية تامّة إلَّا أنّها ليست مطّردة، لأنَّها تكون في اليد اليسرى فقط بل في الكف اليسرى فقط، فلو اقتصر فيه على اثنين كان الوضوء صحيحاً.
وأما الدعوى الثانية: فهي تحتاج إلى دليل شرعي على أنّ الوضوء أُخذ بشرط لا من حيث الزيادة أي الغسلة الثالثة.
السكوني عن أبي عبد الله قال: “من تعدّى في الوضوء كان كناقضه“(1) والتعدّي في الوضوء عنوان ينطبق على الغسلة الثالثة بعد أن ثبت أنها ليست بمشروعة، فلا وضوء له.
إلَّا أنها تختصّ فيما إذا أتى بالثالثة بقصد الجزئية حتّى يكون تعدّياً في الوضوء، لأنه لا يكون إلاَّ بعنوان الزيادة والزيادة في المركبّات الاعتبارية لا يكون إلَّا بقصد الجزئية.
إلَّا أنّ هذه الرواية غير تامّة سنداً لوجود النوفلي.
ولولا السرّ في الرواية التي أمر الإمام بالوضوء ثلاثاً تقيةً، وبعد ذلك قال له: توضّأ مثنى مثنى ولا تزدن عليه، فإن زدت عليه فلا صلاة لك؛ لأنه إذا بطل الوضوء بطلت الصلاة، وحمْل المبطلية هنا على المبطلية بالعرض خلاف إطلاق العبارة، إلَّا أنها غير ثابتة سنداً. فلا دليل على المبطلية.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
() من لا يحضره الفقيه 1: 39، باب صفة وضوء رسول الله، الحديث: 79، وسائل الشيعة 1: 440، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 24.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لا يوجد أيّ شيء في الروايات ما يدل على ذلك، وأقصى ما يمكن استفادته هو الحرمة التشريعية البدعية، بل فيها ما يدل على عدم الحرمة الذاتية. كقوله: “والثالث بدعة”(1)، فإنّ الالتفات إلى العنوان الثانوي دون الأوّلي يدلّ على عدم وجود العنوان الأوّلي، وكذلك قوله: “من زاد على اثنتين لم يؤجر”(2) لأنه كان الأولى ذكر العقاب.
ويكفي في نفي الحرمة الذاتية الأصل الذي يرجع إليه في مثل ذلك.
هل هو ميزان واقعي، فمتى ما استوعب الماء تمام الوجه فقد تمت الغسلة الأولى سواء أحرز ذلك أم لا. وسواء لا زال يعنون غسله بعنوان الغسلة الأولى أو لا؟
أو أنّ الميزان أن يحرز ذلك، فالماء الذي يريقه عند الشكّ في الاستيعاب يدخل في الأولى، أو أنه أمرٌ اعتباريّ وهو بناء المكلف على الغسلة الأولى ولو أحرز الاستيعاب؟
فعلى الميزان الأوّل: يكون ما يصبّه من الماء بعد الثانية يصبح ماءً غير وضوئيّ لا يجوز المسح به.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
() رواه الشيخ في التهذيب 1: 81: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: “اَلْوُضُوءُ وَاحِدَةٌ فَرْضٌ وَاثْنَتَانِ لاَ يُؤْجَرُ وَالثَّالِثَةُ بِدْعَةٌ“.
(2) وسائل الشيعة 1: 441، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث: 27.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وعلى الثاني: مادام يشكّ يكون بلّةً وضوئيةً.
وعلى الثالث: يدخل في الغسلة الثانية.
وأبعدها هو الاحتمال الثالث؛ لأنه يستبطن افتراض أنّ الغسلة عنوان اعتباري، لأنَّها لو كانت مجرد فعلٍ تكويني كالقيام الأوّل والقيام الثاني، لما كان هذا الاحتمال صحيحاً؛ فإنّ الغسل معناه جريان الماء على العضو، فلو تحقّق هذا مرّتين فلا معنى لأن نقول إنّ الماء الجديد من شؤون الغسلة الثانية، هذا غير معقول إلاَّ بالتطعيم بمعنى اعتباريّ حسب قصد المكلّف، وتطعيم المطلب بالاعتبار على خلاف المتفاهم العرفي، فإنّ الغسل كغيره من الأفعال.
وأقرب الاحتمالات هو الأوّل؛ لأنه مقتضى حمل اللفظ على معناه الواقعي.
ومعه فإن أحرز غايته الاستيلاء مرّتين، لا يكون من حقّه الزيادة على الغسلة الثانية. نعم، في حالة الشك في أنه هل تمّت الغسلة الثانية أو لا؟ لا بأس من ناحية الاستصحاب لعدم تمامية الغسلة الثانية، ويكون غسلاً وضوئياً بالتعبد، وعلاج ذلك للوسواسي أن يقصد الوضوء بآخر غسلتين من الغسلات الكثيرة التي يوجدها.
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
العاشر: أن يبدأ الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الأولى…(1)
يستحب للرجل أن يبدأ بظاهر الذراع.
مدركه رواية واحدة، الصدوق مرسلاً والكليني بسنده عن أبي الحسن الرضا قال: “فرض الله على النساء في الوضوء للصلاة أن يبتدئن بباطن أذرعهنّ وفي الرجال بظاهر الذراع”(2).
وفي متنها ملاحظتان:
الملاحظة الأولى: أنّه استعملت كلمة (الفرض)، وقد يقال: إنّها صريحة في الوجوب، وحيث إنّنا نعلم بعدم وجوبه للإجماع وسكوت الوضوءات البيانية عنه، إذن فلا بُدَّ من طرحها؛ لأنّ ما هو مدلولها – وهو الوجوب – غير ثابت، وما هو المحتمل الثبوت – وهو الاستحباب – لا ينطبق على مدلولها.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 200، كتاب الطهارة، في بعض مستحبّات الوضوء، البدء بظاهر الذراع.
(2) الكافي 5: 92، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 6، وسائل الشيعة 1: 467، الباب 40 من أبواب الوضوء، الحديث: 1، وقد رواه الصدوق مرسلاً في نفس هذا المصدر، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهذا مبنيٌ على أنّ كلمة الفرض في عصر صدور الرواية كانت صريحةً في معنى شرعيّ وهو الوجوب، وأما إذا كانت باقيةً على المعنى اللغوي وهو التقدير. ومعه لا يكون نصّاً في الوجوب، فيُحمَل على الاستحباب.
الملاحظة الثانية: أنها لم تتعرّض إلى الغسلة الثانية، فإن حملنا الابتداء بالوضوء على الابتداء بتمام عملية الوضوء تكون ناظرةً إلى الغسلة الأولى فقط، وساكتةً عن الثانية.
وإن قلنا إنه ابتداء لكلّ غسلة، فيثبت أنّ الثانية كالأولى في الابتداء، وأما التعاكس بين الغسلتين كما عليه جملة من الفقهاء(1)، ومنهم السيد الماتن، فهو مما لا يفهم من الرواية.
وهي ساقطة سنداً؛ لأنَّها عن علي بن إبراهيم عن أخيه إسحاق(2) بن إبراهيم ولم تثبت وثاقته، إلَّا أنّ فتوى جماعة كثيرين يفتح باب احتمال الاستحباب، وهو يفتح باب الانقياد.
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) أنظر: کشف اللثام عن قواعد الأحکام، الجزء: ١، الصفحة: ٥٦٩، ومستند الشيعة في أحکام الشریعة، الجزء: ٢، الصفحة: ١٧٣، ومصباح الفقيه، الجزء: ٣، الصفحة: ١٤٤، ومصباح الهدی في شرح العروة الوثقی، الجزء: ٣، الصفحة: ٢١٠، وکتاب الطهارة (انصاري)، الجزء: ٢، الصفحة: ٤٣٧، والحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، الجزء: ٢، الصفحة: ١٦٤، وجواهر الکلام (ط. القديمة)، الجزء: ٢، الصفحة: ٣٤٠.
(2) انظر: معجم رجال الحديث 3: 32، باب الألف، الرقم: 1105.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الحادي عشر: أن يصبّ الماء على أعلى كل عضو…(1)
استدلّ له ببعض الوضوءات البيانية، ففي بعضها كرواية زرارة: “فوضعها على جبهته… ثُمَّ وضعه على مرفقه اليمنى”(2).
إلاَّ أنه مخدوش، لأنّ هذا التصرّف من الإمام تصرّف طبيعي لا يحتاج إلى افتراض عناية مولويته -بناء على عدم جواز النكس بالغسل-، إذ لو وضعه في وسطه لاحتاج إلى تصعيد الماء، ثم ينزله بنية الوضوء.
ــــــــــ[293]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 200، كتاب الطهارة، في بعض مستحبّات الوضوء، صبّ الماء في أعلى العضو.
(2) انظر: وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثاني عشر: أن يغسل ما يجب غسله من مواضع الوضوء بصبّ الماء عليه لا بغمسه فيه(1).
واستدل له بالوضوءات البيانية، وهو لا محصّل له. لأنّ الوضوء لا بُدَّ له من إحدى الكيفيتين: الصبّ أو الغمس، فاختيار أحدهما لا يكون كاشفاً عن اختيار مولويّ له. بل هو المناسب لمقام التعليم، لأنه بذلك يبرز نكات الوضوء لمقدار العضو المغسول، ومقدار الماء المصروف، وغير ذلك.
ــــــــــ[194]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 200، كتاب الطهارة، في بعض مستحبّات الوضوء، صبّ الماء في أعلى العضو.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثالث عشر: أن يكون ذلك مع إمرار اليد على تلك المواضع وإن تحقق الغسل بدونه.(1)
استدلّ له ببعض الروايات البيانية، كرواية أبي جرير الرقاشي: “قلت لأبي الحسن موسى… قال: ولا تلطم وجهك بالماء لطماً”(2).
لأنّ المسح بالماء على الذراع لا يكون إلاَّ بالاستعانة باليد. إلاَّ أنها غير تامة دلالةً وسنداً.
أما دلالةً: فلأنّ المسح لوحظ في مقابل اللطم، وهذا يوجب قوة احتمال أن يراد الوضوء الهادئ لا العنيف (اللطم)، لا أنّ المسح باليد بما هو مطلوب.
وأما سنداً: فأبو جرير الرقاشي لا نعرف وثاقته.
والباقي من المستحبات فلا محلّ لها في مقام الاستدلال، وإن كان يحسن الالتزام بها استحباباً.
ــــــــــ[195]ــــــــــ
(1) المصدر السابق نفسه.
(2) قرب الإسناد: 312، أحاديث متفرقة، الحديث: 1215، وسائل الشيعة 1، 398، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 22.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفصل الرابع
في مكروهات الوضوء
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قوله: في مكروهاته: الأول: الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة، كأن يصبّ الماء في يده..(1).
للفقهاء عنوانان: الاستعانة والتولية:
وقالوا: إنّ الاستعانة مكروهة، والتولية غير جائزة، إلاَّ أنّ ابن الجنيد(2)
ــــــــــ[199]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 200، كتاب الطهارة، في بعض مكروهات الوضوء، الاستعانة بالغير.
(2) انظر: مختلف الشيعة 1: 305، كتاب الطهارة، باب الوضوء، الفصل الرابع، مسألة: قال ابن الجنيد…، ونقل البهائي رأي ابن الجنيد في مشرق الشمسين وإكسير السعادتين، الصفحة: ١٠٨، واستظهره العاملي في مدارك الأحکام في شرح شرائع الإسلام، الجزء: ١، الصفحة: ٢٤٠، وكذلك الشهيد الأول في موسوعة الشهيد الأول 6: 89.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ذهب إلى جواز التولية مع الكراهة، وصاحب الحدائق(1) ذهب إلى عدم الكراهة في الاستعانة.
وتفصيل الكلام فيه: أنّ الوضوء بالنسبة إلى ضمّ شخص آخر يتصور على أنحاء:
النحو الأوّل: أن يستعين بالمقدّمات البعيدة كإخراج الماء من البئر.
النحو الثاني: أن يستعين بمقدّمات قريبة غير صبّ الماء، كفتح أزرار الثوب، وكشف الذراع.
النحو الثالث: الاستعانة في صبّ الماء في كفه الذي بها يغسل وجهه ويديه.
وكلها داخلة تحت عنوان الاستعانة، والمشهور هو كراهة القسم الثالث، ولا إشكال في عدم كراهة الأوّل، والثاني محلّ كلام.
النحو الرابع: أنّ الغير يصبّ الماء مباشرة على وجهه ويديه، لكنه لا يقصد الوضوء بهذا الصبّ، وإنما يقوم بالوضوء بإجراء الماء الذي على وجهه بعد ذلك.
النحو الخامس: أن يصبّ الماء على وجهه ويديه مع قصد الوضوء بنفس هذا الصب.
النحو السادس: أنّ المتوضّئ جالس لا يقوم بأيّ عمل، ويأتي شخص آخر
ــــــــــ[200]ــــــــــ
(1) انظر: الحدائق الناضرة 2: 364، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المطلب الرابع، المسألة الرابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ويصب عليه الماء، ويقصد الوضوء، وفرقه عن الخامس أنّ المتوضّئ هناك يقوم إلى (الحنفية).
وهذا أشدّ أنحاء التولية، والقدر المتيقّن منها.
وقد يقال: إنّ القسم الذي قبله أو القسمين من التولية أيضاً.
ونحن إذا بقينا ومقتضى القاعدة فإنّه جواز كلّ هذه الأقسام ما عدا الأخير، على ما يأتي في أدلة الوضوء؛ فإنّ المستفاد من الأدلة هو الأمر بالمباشرة في الوضوء، كما في سائر موارد الأوامر، فإنّ ظاهر الأمر حين يطلق أن يصدر منه بالمباشرة، إلاَّ إذا قامت قرينة على أنه لم يرد المباشرة.
وهذه القرينة إمّا أن ترجع إلى نوع الفعل، كقوله: (ابن لنا مسجداً)، فإنَّه مما لا يترقّب صدوره من المأمور مباشرة، بل المراد التوصّل إلى ذلك ولو بالتسبيب.
أو تقوم قرينة على أنّ الواجب توصّلي بحت، فإنَّها تلغي خصوصية المباشرة.
وإلا فالظاهر من الأمر هو المباشرة في إنجاز الفعل، والوضوء لم تقم قرينة فيه على عدم المباشرة، فمقتضى القاعدة هو صدور الوضوء على نحو المباشرة.
وهذا مختلّ في القسم السادس؛ لأنّ المباشرة غير متوفرة.
كما لا ينبغي الإشكال أنّ المباشرة موجودة في الأقسام الأربعة.
أما الثلاثة الأولى فلأنها استعانة بالمقدمات وهو يتوضّأ، وكذلك الرابع
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لأنه هو يقصد الوضوء بالمباشرة.
يبقى الإشكال في القسم الخامس، والظاهر أنّ المباشرة محفوظة.
فإنّ هذا الوضوء له استنادان: استناد إلى الصاب وآخر إلى المتوضِّئ، فحاله ما لو فُتحت الحنفية تلقائياً، ووضع الإنسان وجهه تحت الحنفية، فيكون فاعلاً للوضوء.
نعم، في القسم الخامس يوجد فاعلان للوضوء، وهذا لا ينافي عنوان المباشرة، وسيأتي مزيد توضيح في شرائط الوضوء(1).
وأما ملاحظة الروايات الخاصّة وقد حملها المشهور على الاستعانة واستظهروا(2) منها الكراهة، والشيخ صاحب الحدائق(3) حملها على التولية، وحملها على الحرمة.
مرسلة الصدوق: كان أمير المؤمنين إذا توضّأ لم يدع أحداً يصبّ عليه الماء،
ــــــــــ[202]ــــــــــ
(1) في الشرط التاسع من شرائط الوضوء بحسب متن العروة الوثقى.
(2) انظر: مختلف الشيعة 1: 305، كتاب الطهارة، باب الوضوء، الفصل الرابع، مسألة: قال ابن الجنيد…، مستمسك العروة الوثقى 2: 323، كتاب الطهارة، فصل في بعض مكروهاته، الاستعانة بالغير.
(3) انظر: الحدائق الناضرة 2: 364، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المطلب الرابع، المسألة الرابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فقيل له يا أمير المؤمنين لم لا تدعهم يصبّون عليك الماء فقال: “لا أحب أن أشرك في صلاتي أحداً وقال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا “. (1)
وهي ساقطة سنداً.
وأما دلالة: فعنوان صبّ الماء ظاهر فيما استظهره صاحب الحدائق، وهو الصبّ على أعضاء الوضوء مباشرة، فإنّ الكفّ باعتبار ملاحظتها كأداة لوجهه وذراعيه لا يناسب الصبّ إلى صاحب اليد، بل إلى اليد فيقال يصبّ على يده، أو في يده، وأما إذا قيل يصبّ عليه الماء فهو ظاهر بالصبّ على جسمه بما هو جسمه.
فهذه الروايات لا إطلاق لها في الاستعانة، فلا تشمل الأقسام الثلاثة الأولى، وإنما هي واردة في بعض الأقسام الأخرى. نعم، قد يقال: إنّها تشمل القسم الرابع.
وأما الاستشهاد بالآية(2)، فلا يوجد صراحة بأنه تعليل للحكم، وهو قابل للحمل على الاستيناس، وإلّا فلا يخلو من إشكال على ما سوف يأتي من معنى الآية الكريمة.
الكليني في الكافي، والطوسي في التهذيب عن الحسن الوشاء: “دَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ إِبْرِيقٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَهَيَّأَ مِنْهُ لِلصَّلَاةِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ لِأَصُبَّ
ــــــــــ[203]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 43.
(2) الكهف: 110.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
عَلَيْهِ فَأَبَى ذَلِكَ فَقَالَ: مَهْ يَا حَسَنُ. فَقُلْتُ لَهُ لِمَ تَنْهَانِي أَنْ أَصُبَّ عَلَى يَدَيْكَ تَكْرَهُ أَنْ أُؤْجَرَ؟ قَالَ: تُؤْجَرُ أَنْتَ وَأُوزَرُ أَنَا. فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَد“ الحديث(1).
أيضاً ساقطة سنداً؛ لأنّ إبراهيم بن إسحاق(2) الأحمر مضعّف في كلماتهم.
وأما من حيث الدلالة، فقد ناقش صاحب الحدائق فيها، وحملها على التولية لا على الاستعانة. وهذا الحمل منه صحيح على النحو الذي نقله في الحدائق، “قلت له: لِمَ تنهاني أن أصبّ على يديك؟” حذفها في الحدائق وقال: (أن أصبّ عليك الماء) فيكون ظاهرها التولية كالسابقة.
ولكن بناء على التعبير الآخر: فليس المراد ذلك، وهو ليس متعارفاً أيضاً في مقام المجاملة والاحترام بأن يصبّ على أعضاء الوضوء، بل الظاهر منها القسم الثالث.
والذي يبدو أنّ فيها اختلافاً، فالوسائل “على يديك“(3) والشيخ رواها
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 69، كتاب الطهارة، الباب 46، الحديث: 1، تهذيب الأحكام 1: 365، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 37.
(2) انظر: رجال النجاشي: 19، باب الألف، الرقم: 21، معجم رجال الحديث 1: 179، باب الألف، الرقم: 54.
(3) انظر: وسائل الشيعة 1: 477، الباب 47 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أيضاً(1)، إلَّا أنّ البروجردي والحدائق نقلها “عليك“.
فالكافي فيه نسختان نسخة اطلعنا عليها “على يديك“، ونسخة أطلع عليها صاحب الحدائق “عليك.”
والشيخ الطوسي في التهذيب ينقلها عن الكليني، وقد أشتبه في نقل السند، فقد جعل شخصين عرضيين(2) وهما طوليان. فقد يقال: إنّه كما اشتبه في المتن اشتبه في السند، إلاَّ أنه ليس بحجة.
ونسخ الكافي بما هي نسخة لا تعويل عليها إلاَّ بحصول الاطمئنان بعدم حصول الخطأ من النّساخ، وإذا لم يحصل الاطمئنان تسقط كل النسخ عن الحجّية، أما التهذيب فلم تختلف نسخه، وهو له طريق معتبر إلى الكليني، فالثابت هو “كلمة على يديك” فتكون أقرب إلى مذاق المشهور.
وأمّا استشهاد الإمام بالآية: فالظاهر أنه تعليل، مع أنّ الآية تكاد تكون واضحةً في أنّ المراد بها معنىً آخر، كما يتّضح من سياقها، فإنَّها في مقام شجب الشرك، بأن يكون هناك إله ثان، فيكون الشرك هو الإشراك بالمعبودية، وحمله على الإشراك في العابدية لا في المعبودية يكون تأويلاً على خلاف المتفاهم، ومثل هذه التأويلات لا تقبل إلاَّ إذا كان الخبر قطعي السند، وإلا فيكون مشمولاً لقوله: “… وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) عبارة التهذيب 1: 365: (أن أصبه على يدك).
(2) ففي التهذيب: (عن عليّ بن محمد وعبد الله بن إبراهيم الأحمر…) بينما في الكافي: (عليّ بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الأحمر…).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
زخرف”(1)، أو قوله: “… وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله”(2).
ويمكن أن يقال: إنّه استدلال بباطن القرآن الكريم، فإنّ القرآن له مدلول عرفي، وله مداليل طولية خلفية أرادها الله تعالى، ويختص الاستدلال بها بالمعصومين، فلا يكون الخبر نافياً للآية.
إلَّا أنّ هذا غير تام؛ لأنه يقول للراوي: أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا.. الآية. فلو كان مدلولاً طولياً خلفياً فإنَّه لا يفهم من الناس العاديين، فهذا يكون نقطة ضعف في الرواية، مضافاً إلى نقطة الضعف في سندها.
قد يقرّب(3) استبعاد ذلك: أنّها تنقل حالةً خاصّةً في أمير المؤمنين هي أنه كان يأبى دائماً عن أن يصبّ عليه الماء.
وهذا يصدق بالنسبة الى الاستعانة لا التولية، لأنّ السيرة بين الخدمة والمخدومين كانت على الاستعانة لا على التولية.
إلَّا أنّها موقوفة على أن نثبت أنّ الجمهور من المسلمين سيرتهم قائمةٌ على
ــــــــــ[206]ــــــــــ
() الکافي (اسلامية)، الجزء: ١، الصفحة: ٦٩: عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ: “سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّـهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ مَرْدُودٌ إِلَى اَلْكِتَابِ والسُّنَّةِ وكُلُّ حَدِيثٍ لاَ يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّـهِ فَهُوَ زُخْرُف”.
(2) انظر: الكافي 1: 173، كتاب فضل العلم، الباب 22، الحديث: 3،5، وسائل الشيعة 27: 111، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 14،15.
(3) قرّب استفادة صاحب الحدائق، ثم قال: (قد يقرّب استبعاد..)، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أنّ كلّ أقسام التولية غير جائزة، ولا أقلّ أنّه مكروه، فلماذا يُراجع الإمام في أمر مكروه.
إلَّا أنّه لا يظهر في مصادرهم حرمة التولية، والاستعانة ذكرت مكروهة، والتمييز بين الاستعانة والتولية غير موجود في حدود ما راجعنا، والعلامة الحلّي في التذكرة(1) بقوله: (وبه قال داود)، مما يدل أنه لم يحصّل غيره، فهذا المقرّب غير موجود.
والرواية غير تامة سنداً، الصدوق في الفقيه(2) ذكرها مرسلةً، وفي المقنع(3) مرسلاً، وفي العلل للصدوق(4) مسنداً عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن إسحاق، وهو لم يثبت وثاقته(5).
والشيخ(5) في التهذيب: بإسناده عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد الرحمن بن حمّاد بن عبد الحميد، عن شهاب بن عبد ربِّه، وهو سند لا بأس به، إلَّا أنّ طريق
ــــــــــ[207]ــــــــــ
() انظر: تذكرة العلماء 1: 203، كتاب الطهارة، الباب الثالث، الفصل الخامس، خاتمة.
(2) انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 43، باب صفة وضوء أمير المؤمنين، الحديث: 85.
(3) المقنع: 11، كتاب الطهارة، باب الوضوء.
(4) علل الشرائع 1: 278، 188، باب العلّة التي من أجلها يكره صبّ الماء على المتوضّئ.
(5) انظر: رجال النجاشي: 19، باب الألف، الرقم: 21.
(6) تهذيب الأحكام 1: 354، كتاب الطهارة، الباب 15، الحديث: 20.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الشيخ إلى إبراهيم بن هاشم غير مذكور في مشيخة التهذيب. نعم في الفهرست(1) يذكر طريقه إلى كتابين لإبراهيم بن هاشم، ولكننا لا نعلم أنّ هذه الرواية كانت موجودةً في هذين الكتابين.
ورواية الوشّاء(2) يمكن الإشكال فيها بعدّة وجوه:
النقطة الأولى: سقوطها سنداً بإبراهيم بن إسحاق الأحمر.
النقطة الثانية: أنّ الإمام يستشهد بالآية الكريمة كما سبق.
مضافاً إلى أنّ الرواية طبقت الآية على الصلاة لا على الوضوء، والوضوء عبادة في الفقه الشيعي، مع أنه لو طبقه على الوضوء لكان التطبيق أوضح.
إلَّا أنه يمكن الجواب عليها أنّ العبادة لها معنيان:
المعنى الأوّل: المعنى الأصولي: الفعل الذي يعتبر فيه قصد القربة، وهو يشمل الوضوء.
المعنى الثاني: ما لا يكون لغير الله، بما فيه الركوع والسجود، وهذا يكون في الصلاة لا في الوضوء.
والعبادة في الآية يقصد به المعنى الثاني لا الأوّل، لأنّ المراد به المعنى اللغوي لا الأصولي.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
(1) فهرست الشيخ الطوسي 35. وذكر له كتاب النوادر وكتاب قضايا أمير المؤمنين.
(2) تهذيب الأحكام 1: 365، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 37.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لكن ينفتح من هذا الباب إشكال آخر مفاده:
أنّ الوضوء إذا لم يكن عبادةً فتعميمها للوضوء من باب أنه مقدمة للصلاة، وشأن من شؤونه، فهو تعميم تعبّدي من الإمام، ولا يمكن أن يفهمه الوشاء، إذ لا إشكال أنّ مقدمات الصلاة كثيرة كلبس الساتر الطاهر، ولا يحتمل عدم جواز الاستعانة فيها، فاستفادة ذلك في خصوص الوضوء ليست عرفيةً عامةً، فلماذا قال: “أما سمعت الله يقول…”(1)
النقطة الثالثة للضعف: أنّ الرواية ظاهرها الحرمة كما ذهب إليه صاحب الحدائق(2)، وهذا بنفسه قرينة على أنّ المراد التولية لا الكراهة.
إلَّا أنّ هذا في غير محلّه؛ لأنّ الرواية ليست ظاهرةً في الحرمة، بل تناسب مع الكراهة، لا لأنّه قال: “فأكره أن يشركني فيها أحد”.
واحتمال صاحب الحدائق يجاب عليه بأنه على المعنى اللغوي.
بل لأنّه قال: “لتؤجر أنت وأوزر أنا”، كيف يتصور أنّ الإعانة على الحرام يؤجر عليها على خلاف المتفاهم العرفي، بخلاف المكروه؛ لأنه قضاء حاجة المؤمن.؟!
النقطة الرابعة: إبداء احتمال أنّ الوشّاء حين أراد أن يصبّ الماء على أعضاء الوضوء، كما ادّعى صاحب الحدائق. وصدر الرواية يناسب ذلك “لأصبّ ــــــــــ[209]ــــــــــ
(1) المصدر السابق نفسه.
(2) الحدائق الناضرة 2: 363، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المطلب الرابع، المسألة الرابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
عليه” وبعد ذلك قال: “لِمَ تنهاني أن أصبّ على يديك“.
ظاهر الرواية أنّ الوشّاء أراد أن يصبّ الماء على كفّ الإمام، وفي مقابله احتمال آخر هو أن يصبّ الماء على أعضاء وضوء الإمام مباشرةً، فيكون من قبيل التولية، فلا تكون مدركاً للكراهة.
وقد جزم به صاحب الحدائق، ولا أقلّ من الإجمال.
أمّا القرائن المقربة لاحتمال صاحب الحدائق فثلاثة، وهذه المقربات هي:
المقرّب الأوّل: أنّ الراوي قال: “لأصبّ عليه الماء“، وقلنا إنّه ظاهر بالصب على الجسم مباشرةً، لا على اليد بما هي أداة، فلا تخدش في السياق لأنَّها تصبح غيره، وإذا أضيف الصبّ إليه يكون ظاهراً بالصبّ المقصود بالذات، أي، على أعضاء الوضوء.
وقد يقال: إنّ هذا المقرّب منخرم؛ لأنه قال بعد ذلك: “لأصبّ على يديك” فيحكم ظهورها على العبارة الأولى، لأنّ الصبّ كما يناسب مع الكف بما هي أداة، يناسب الصبّ على الأعضاء، وليس لها ظهور في الصبّ بالكف لكي تحكم على العبارة الأولى.
المقرب الثاني: أن يدّعى أنّ هذا أنسب باستشهاد الإمام بالآية الكريمة، فإنّ الوضوء إذا أريد فيه التولية فهو إشراك حقيقي في الوضوء بمعنى من المعاني، بمعنى أنّ الثاني سيكون شريكاً في إيجاد عملية الوضوء، بخلاف ما لو حملناه على الاستعانة بالمقدمات. فيكون الاستشهاد بالآية دليلاً على إرادة التولية.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وجواب ذلك: أنّ الإمام لم يطبق الآية على الوضوء، بل على الصلاة، فالشركة على كل حال عنائية لا حقيقية، لأنّ الشركة في المقدّمات اعتبرت لشركة في الصلاة.
المقرب الثالث: قال: “لِمَ تنهاني أن أصب على يديك” بالتثنية -بناء على أنه من مستحبات الوضوء-، دائماً باليد اليمنى ولا بد أنّ الأئمة كانوا يعملون بهذا المستحب، فلو كان الصبّ على الكف بمعناها الأداتي لكان المناسب إفراد كلمة اليد، لأنه دائماً يصبّ على يده اليمنى عملاً بالاستحباب، مع أنّ الرواية وردت بالتثنية، وهذا يناسب أن يكون المراد من اليدين بما هما عضوا الوضوء.
إلَّا أنّه يمكن المناقشة فيه: لأنّ استحباب الاغتراف دائماً باليمنى، فمن قال أنه كان واضحاً في ذهن الراوي، وأنّ الإمام ملتزم بذلك، فإنَّه ليس من الضروريات.
وأمّا المقرّبات لكلام المشهور: فهو أن يحمل على الاستعانة لا على التولية، فيمكن أن يذكر له عدّة مقربات:
المقرّب الأوّل: أنّ الوشّاء أراد أن يعمل عملاً بنية أن يؤجر، وحين منعه استغرب، ومعناه أنّ المركوز عنده استحباب ذلك، ولذا حين منعه حمل ذلك على التواضع وهو تعبير عرفي حتى الآن، وهذا يناسب أن يكون بنحو الاستعانة لا بنحو التولية، فإنّ التولية إن لم نقل أنّ المركوز فيها عدم الجواز فلا
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أقلّ من كونه في معرض الثبوت بحيث لا يستغرب من نهي الإمام.
المقرّب الثاني: أنّ الوشّاء دخل على الإمام وهو يريد أن يتهيّأ للصلاة، أي إنّه لم يبدأ بالوضوء. وإذا كان مقصود الوشّاء التولية، فأين ذهب غسل الوجه؟
ولا يمكن حمل الرواية على أنّ الوشّاء دخل بعد غسل الوجه. فالطفرة من الوجه إلى اليدين قرينة على الصبّ على الكفّ، وهو الأمر المتعارف في مقام الخدمة، والوشّاء كان يريد أن يطبّقه.
المقرّب الثالث: أنه لو كان مقصود الوشّاء التولية، فنسأل صاحب الحدائق: أنّ الاستعانة بالمقدمات هل هي مكروهة أو لا؟
إن قلنا مكروهة ثبت المطلوب، وإن لم تكن مكروهةً فكان حلّ المطلب بين الإمام والراوي أن يقدم الإمام كفّه له، فامتناع الإمام عن ذلك، ونقله الكلام إلى باب المزاحمة ظاهر بأنّ مطلق ما يطلبه من الخدمة غير راجح.
والإنصاف أنّ هذه المقرّبات تجعل الرواية ظاهرةً بما عليه المشهور من أنّ المراد بها الاستعانة لا التولية.
فهذا الاعتراض الرابع غير وارد، وإنما الوارد الاعتراضان الأوّلان.
الصدوق في الخصال، حدثنا أبي رضي الله عنه، قال حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه عن علي قال: “قال رسول الله: خلّتان لا أحبّ أن يشاركني
ــــــــــ[212]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فيها أحد وضوئي فإنَّه من صلاتي، وصدقتي فإنَّها من يدي إلى يد السائل، فإنَّها تقع في يد الرحمن”(1).
فالذي لا يحبه عنوان الشركة، ومقتضاه حمله على ما يريده صاحب الحدائق، لأنّ التولية شركة حقيقية، والاستعانة شركة مسامحية.
فالرواية غير تامّة الدلالة على مذهب المشهور، إلاَّ أنها ضعيفة السند.
فجميع الروايات غير تامّة على كراهة الاستعانة بالمقدمات، فيبقى الاحتياط لفتوى المشهور.
وعلى تقديره فهي ثابتة بالاستعانة بصبّ الماء، وأما الاستعانة بالمقدمات فلا يوجد في الرواية ما يدل على الكراهة فيه.
الشيخ في التهذيب(2) نقل قوله: “لأصب على يديك” -الذي ورد بصيغة التثنية في الوسائل- بصيغة الإفراد، قال: “لأصبّ على يدك” والمقرّب السابق لصاحب الحدائق كان مبنياً على متن الوسائل.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
(1) الخصال 1: 33، باب الاثنين، معرفة التوحيد بخصلتين، الحديث: 2، وسائل الشيعة 1: 478، الباب 47 من أبواب الوضوء، الحديث: 3، باختلاف يسير في الألفاظ، ففي الوسائل: (خصلتان) بدل (خلّتان) في الخصال.
(2) ففي الوسائل وردت بالتثنية، والشيخ في التهذيب نقلها بالأفراد كما هو موضّح في المتن، انظر: تهذيب الأحكام 1: 365، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 37، وسائل الشيعة 1: 477، الباب 47 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والصحيح في النتيجة: أنّ الصحيح ما اختاره صاحب الحدائق من عدم الدليل على كراهة الاستعانة. وعلى تقديره فهي خاصّة بصبّ الماء على كفه دون ما قبله من مقدّمات الوضوء.
وقد يتوهّم وجود الإطلاق بلحاظ التعليل بالآية، فإنَّه قانون لا يفرق فيه بين الاستعانة بصبّ الماء وغيره.
إلَّا أنه غير تامّ؛ لأنّ هذه الروايات على فرض صدورها فهذا التعليل فيها باعتبار علم إمامي وتطبيق عنائي، لا باعتبار فهم عرفيّ، وتطبيق صناعي، فهذا الاستدلال فيه عناية مولوية فلا يمكن التمسّك بإطلاقه، لأنّ العناية بذلت هنا، ولا نعلم بذلها في مقدّمة أخرى.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثاني: التمندل: بل مطلق مسح البلل(1).
يعني يكره استعمال منديل في تجفيف ماء الوضوء، وعليه المشهور(2) وخالف بعض المتقدّمين(3)، ونقل الخلاف عن السيد المرتضى(4).
والأصل في هذا الحكم: رواية محمد بن حمران، عن أبي عبد الله قال: “من توضّأ وتمندل كتبت له حسنة، ومن توضّأ ولم يتمندل حتى يجفّ وضوئه كتب له ثلاثون حسنة”(5).
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 201، كتاب الطهارة، فصل في مكروهات الوضوء، التمندل.
(2) انظر: مدارك الأحكام 1: 252، كتاب الطهارة، الركن الثاني، سنن الوضوء، الحدائق الناضرة 2: 413، كتاب الطهارة، الفصل الثاني، المطلب الرابع، المسألة التاسعة عشر.
(3) انظر: النهاية: 16، كتاب الطهارة، باب آداب الحدث وكيفية الطهارة.
(4) انظر: مدارك الأحكام 1: 252، كتاب الطهارة، الركن الثاني، سنن الوضوء.
(5) الكافي 3: 70، كتاب الطهارة، الباب46، الحديث: 4، وسائل الشيعة 1: 474، الباب 45 من أبواب الوضوء، الحديث: 5، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يقع الكلام في مقامين:
فيها عدّة احتمالات، بعد الفراغ من أنّ ترك بلل الوضوء أكبر إطاعة وثواباً من الذي يجفّف، وهذا يتصور له ثلاثة أنحاء:
النحو الأوّل: أن يكون مرجعه إلى الكراهة في العبادة، بمعنى أنّ التمندل مكروه في الوضوء، فإنّ العبادة فيها استحقاق ثواب وما ينضمّ إليه مما يقلّل شأنها كالصلاة في الحمام، كانت العبادة مكروهةً. ولو انضمّ إليه ما يعظم شأنها كالمسجد كانت العبادة مستحبة، فالوضوء بنفسه يقتضي ثلاثين حسنة، لكن مع التمندل نزل من ثلاثين إلى واحد.
النحو الثاني: أن يكون من باب الاستحباب في العبادة، بمعنى أنّ الوضوء في نفسه يقتضي حسنةً واحدةً، ولكن حين لا يوجد التمندل يزيد من واحد إلى ثلاثين.
النحو الثالث: أن يكون الأمران مستحبّان مستقلان:
أحدهما: الوضوء.
والثاني: التحفّظ على رطوبات الوضوء بشكل مستقلّ عن الوضوء.
أجر الأوّل حسنة واحدة، وأجر الثاني تسع وعشرون حسنة.
وتعبير الفقهاء يناسب مع التعبير الأوّل.
وصناعة استظهار هذه الاحتمالات من هذه الرواية أنّ مقتضى القاعدة هو استفادة الاحتمال الأوّل، حيث ذكر في الشقّ الأوّل أمران وجوديان: توضّأ وتمندل. وفي الشقّ الثاني أمران: وجودي توضأ، وعدمي: ولم يتمندل فله ثلاثون حسنة.
وبارتكازية أنّ الأمر العدمي لا يكون مؤثّراً في زيادة الفضيلة، وأمّا الأمر
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الوجودي شأنه ذلك، فالعرف يستفيد من ذلك: أنّ الوضوء هو المقتضي للثلاثين، والتمندل هو المانع عن ذلك، فينزله بالمانعية والمزاحمة إلى واحد. فالعرف يفهم المزاحمة بين الأمرين الوجوديين الوضوء والتمندل، وهذا معناه الكراهة في العبادة. وهذا التخريج مبنيٌ على أن نحمل التمندل على الموضوعية، كأمر وجودي بما هو.
وأخرى، يلاحظ على وجه الطريقية لإزالة الرطوبات الوضوئية، فإنَّه إن أُخذ على نحو الطريقية تصبح القضية الثانية معلقةً على أمرين وجوديين: (الوضوء) و(بقاء) الرطوبات، بناء عليه لعلّ الأنسب هو الاحتمال الثاني، بل ينفتح باب الاحتمال للثالث، وهو أنهما مستحبان مستقلان.
ولو لم نجزم بالحمل على الطريقية بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة عرفاً، فلا أقلّ من أنّ استفادة الموضوعية غير ممكنة، فلا تكون الرواية دالّةً على الاحتمال الأوّل.
ففي مقابلها عدّة روايات:
1- محمد بن مسلم: “سألت أبا عبد الله عن التمسّح بالمنديل قبل أن يجفّ قال: لا بأس به”(1).
ــــــــــ[217]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 364، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 31، وسائل الشيعة 1: 474، الباب 45 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
2- ورواية الحضرمي عن أبي عبد الله قال: “لا بأس بمسح الرجل وجهه بالثوب إذا توضّأ…”(1)
وهذه الروايات لا يمكن أن تكون معارضةً، لأنّ نفي البأس ظاهر بنفي الحرمة، كما نستفيد من البأس الحرمة، خصوصاً إذا حملنا تلك الرواية على الاستحباب لا على الكراهة، لأنه لا يوجد بأس أصلاً، بل مزيد فضيلة.
1- الصدوق بإسناده عن منصور بن حازم: “رأيت أبا عبد الله وقد توضّأ وهو محرم ثم أخذ منديلاً فمسح به وجهه”(2).
وهذا لا ينافي الاستحباب أو الكراهة، لأنّ المعصوم قد يخالف الحكم غير الإلزامي لنكتة أو مزاحمة أو غيرها.
2- إسماعيل بن الفضل قال: “رأيت أبا عبد الله توضّأ للصلاة، ثم مسح وجهه بأسفل قميصه، ثم قال: يا إسماعيل افعل هكذا فإني هكذا أفعل”(3).
ــــــــــ[218]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 364، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 32، وسائل الشيعة 1: 474، الباب 45 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(2) من لا يحضره الفقيه 2: 354، الظلال للمحرم، الحديث: 2679، وسائل الشيعة 1: 474، الباب 45 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
(3) تهذيب الأحكام 1: 357، كتاب الطهارة، الباب 15، الحديث: 32، وسائل الشيعة 1: 474، الباب 45 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قد يقال: إنّها أحسن من السابقة في نفي الاستحباب؛ لأنَّها ظاهرة بأنّ هذا ديدن الإمام، ولا يكون ديدنه على ترك الاستحباب، بل هي ناظرة إلى نفي الاستحباب، وإلا فلماذا يقول له ذلك، إلاَّ لانتزاع هذه الشبهة من ذهنه.
لكن من المحتمل قوياً: أنه كان ناظراً إلى شبهة أخرى نشأت من فتوى العامّة كأبي حنيفة كأنه نجس(1)، فأوجبت التحاشي أن يمسّ بالماء ثوبه، أو قميصه لأنه بحكم النجس، فلعله ناظر إلى هذه الحيثية، ولذا مسح بقميصه لكي يؤكّد أنه لا غضاضة من ماء الوضوء.
قوله: “افعل هكذا..” أمر في مورد الحضر فلا يدل على أكثر من نفي الحرمة، وقوله: “فإني هكذا أفعل” أيضاً كذلك، ولا تدلّ على استمرار العمل بذلك. بل افعل ذلك ولو أحياناً. ومن البعيد جداً أنّ الإمام كان يداوم على مسح وجهه بأسفل قميصه.
3- وهناك عدد من الروايات: أنّ الإمام أمير المؤمنين كان يعد منديلاً معيناً يمسح به ماء وضوئه(2).
وهي واضحة على أنّ ديدن الإمام كان على التجفيف، وهذا لا يناسب مع الاستحباب.
لكنها ليست معارضةً، بل أخصّ مطلقاً، لأنّ موردها المنديل الخاص
ــــــــــ[219]ــــــــــ
() أنظر لرأي أبي حنيفة في نجاسة ماء الوضوء: فتح باب العناية بشرح النقاية 1: 89.
(2) انظر: المحاسن 2: باب التمندل لوضوء الصلاة، الحديث: 247،248، وسائل الشيعة 1: 475، الباب 45 من أبواب الوضوء، الحديث: 8،9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الذي يعد للوضوء. ومن المحتمل الفرق بين التمندل كيفما اتفق، وإعداد المنديل، فإنَّه بالإعداد يبقى الجانب الرمزي للرطوبة بيّناً.
فمقتضى الصناعة التقييد والحكم بالكراهة إلَّا مع المنديل المعدّ الخاص للوضوء. فليس لتلك الرواية معارض حتى تحمل على التقية -كما قيل- فإنَّه بعيد أن تحمل الروايات التي تحكي فعل أمير المؤمنين على التقية، مضافاً إلى أنه لم يعلم أنّ علماء العامة يرون استحباب التمندل.
إلَّا أنّ أصل الرواية الدالّة على الاستحباب ضعيفة السند بإبراهيم فلا دليل على هذا الحكم من أول الأمر، فنبقى نحن والشهرة فلا أقل من الاحتياط.
وهذه الروايات(1) التي تشير إلى أنّ أمير المؤمنين كان يتمندل على هذا النحو محتوية بنفسها على القرينة على هذا الجمع العرفي، أي تدلّ على وجود محذور في أصل التمندل، لا أنها تنفي أصل المحذور، فإنّ لسانها مشعر على الفراغ عن وجود محذور في هذه العلمية، غايته أنّ هناك حصّةً خاصّةً ليس فيها محذور، فإنَّه في كل الروايات ذكرت بتحفظ وعنايات لفظية “معلق على وتد” و“لا يمسه غيره” فهي تفترض أصل المحذور، لا أنها بصدد نفيه.
وأما الحصّة الخاصّة المستثناة فقد أخذت فيها خصوصيتان:
الخصوصية الأولى: أنّ المنديل للوجه.
الخصوصية الثانية: أنّها خرقة للوضوء يعلّقها في مسجد بيته.
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) تقدّمت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فالخصوصية إما للوضوء، أو للوجه، والثاني بعيد جداً فإنّ حمل رواية “ثلاثين حسنة” على خصوص مندلة الذراعين بعيد جداً، فالخصوصية للوضوء.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثالث: الوضوء في مكان الاستنجاء(1).
قال جملة(2) منهم أنه مكروه، ومدركه ما ذكره في المستدرك(3) عن جامع الأخبار(4) حيث يذكر الخصال التي تورث الفقر وفيها: غسل أعضاء الوضوء في موضع الاستنجاء والبول في الحمام.
نتكلم في مقامين:
إنَّه لا معوّل على هذه الرواية؛ لأنَّها منقولة عن جامع الأخبار الذي لم يثبت لا هو ولا سنده.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 201، كتاب الطهارة، في مكروهات الوضوء، الوضوء في مكان الاستنجاء.
(2) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 325، كتاب الطهارة، فصل في مكروهات الوضوء، الثالث.
(3) مستدرك الوسائل 1: 284، الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 7.
(4) جامع الأخبار (للشعيري) : 124، الفصل الثاني والثمانون.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهي تدلّ على الكراهة؛ لأنّه عدها من الخصال التي تورث الفقر، وغسل الأعضاء عبارة عن الوضوء، لأنّ هناك عمليةً معهودةً بعد الاستنجاء هو الوضوء، أو أن يقال إنّ الوضوء أحد مصاديق غسل الأعضاء، إذ لا يحتمل إرادة غسل تمام الجسم عرفاً.
ويمكن أن يناقش بمناقشة سيالة: وهي أنّ الرواية لم تأمر ولم تنه، وإنما هي في مقام بيان مراجعة خارجي هو الفقر، فغايته الإرشاد إلى ذلك.
إلاَّ أنّها غير تامة:
أولاً: لأنّ هذا البيان -مع ضمّ ظهور أنّ الشارع مربٍّ للناس- ظاهر بأنّ هذا في مقام الترغيب والترهيب.
ولو كان خالياً من الأمر والنهي لأنّه في مقام المولوية وليس مجرد إخبار وقصّة، والحثّ عبارة أُخرى عن الكراهة.
وثانياً: لو سُلّمت المناقشة، فإنَّها إنما تُسلّم في فوائد يكون ترتّبها على أسبابها ترتّباً طبيعياً، ولو غير ملتفت إليه بالنسبة للسامع، كقوله (السفرجل مقوٍ للقلب)، وأما الفوائد التي يكون ترتبها غيبياً لا طبيعياً، فهو يكون قرينةً على أنّ المولى في مقام الحثّ والترغيب بالمولوية، والمقام من هذا القبيل، لأنّ ترتّب الفقر على هذه الخصال ترتّب غيبي غير طبيعي.
إنَّه يمكن جعل بعض الروايات معارضةً لهذه الرواية، كرواية أبي عبيدة الحذاء: “فاستنجى ثم صببت عليه كفّاً فغسل وجهه وكفّاً غسل به ذراعه
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الأيمن…”(1).
لاستظهار أنّ الإمام قد توضأ في نفس موضع الاستنجاء، فإنَّه وإن لم يصرح به في الرواية، غير أنّ الراوي في مقام نقل القصة بتمام أحداثها، فلو كان الإمام قد انتقل إلى مكان آخر لسجّله الراوي، ولكنه لم يشر إلى ذلك، وهي تامة السند.
وهناك رواية تجعل مؤيدةً لهذه الرواية، هي رواية الهاشمي(2). يذكر الشاهد ولا يذكر تحوّل الإمام إلى مكان آخر.
إلَّا أنّهما لا تصلحان للمعارضة.
أولاً: لأنَّها في مقام نقل واقعة خاصّة ولا يستفاد منها أنه مطلب قد تكرّر، ووقوعه مرّةً أو مرّتين لا ينافي كونه مكروهاً، لطرو عناوين ثانوية ونحوها.
ثانياً: لا نسلّم ظهور الروايتين في أنّ الإماملم يغيّر من موضعه، ودعوى أنه لو كان غيّره لأشار إليه الراوي، غير صحيحة؛ لأنه لا يثير انتباه السائل فهو أمر عاديّ عرفيّ، خصوصاً في رواية الهاشمي التي لا يفترض أنّ الإمامكان في صحراء ونحوها، ويظهر أنه كان في مقام تعليم مستحبات الوضوء، فانتقاله أمر عاديّ لا يقتضي الإشارة إليه.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 1: 58، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 11، وسائل الشيعة 1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 8.
(2) مرّ تخريجها في (الرابع: غسل اليدين قبل الاغتراف)، الصفحة:80.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ثم لو فرضت المعارضة فلا بُدَّ من الالتفات إلى عدّة نقاط:
النقطة الأولى: أنّ رواية الكراهة ورد فيها عنوان الاستنجاء، وهو المكان الذي يغسل به محل النجو، وهو الغائط، ولا يطلق على البول إلاَّ مسامحةً للتلازم الغالبي، ورواية أبي عبيدة تقول: “بال فناولته ماءً فاستنجى” فموردها الاستنجاء المسامحي، فيمكن أن يفترض أنّ الكراهة خاصّة بموضع غسل النجو.
النقطة الثانية: رواية الكراهة تقول: “موضع الاستنجاء“، مرّة يراد به الموضع الذي أصبح موضعاً صدفةً، أو يراد به الموضع الذي يعتاد الاستنجاء به. والانصراف إلى الثاني. في حين أنّ رواية أبي عبيدة في استنجاء الإمامفي (جُمَع)، وهي صحراء ليس فيها مكان معدّ للاستنجاء.
وأما إذا كان غسل الأعضاء مطلقاً من حيث الوضوء وعدمه، ورواية أبي عبيدة وردت في الوضوء، فنقيد الكراهة بخبره، إلاَّ أنه صعبّ لأنه إما أن يراد به خاصة أو هو أوضح أفراده.
إلاَّ أنها ضعيفة إلى حدّ أنّ صاحب الحدائق مع اهتمامه لاستيعاب مداليل الروايات لم يتعرّض إلى هذا الحكم أصلاً.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الرابع: الوضوء من الآنية المفضّضة أو المذهّبة او المنقوشة بالصور(1).
الآنية إن كانت من ذهب أو فضة فالوضوء حرام مشهورياً، وإن كانت منقوشةً بهما ونحوها فأفتوا بالكراهة، لرواية إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله: “عن الطست يكون فيه التماثيل، … او فضّة لا يتوضّأ منه ولا فيه”(2).
والسند لا بأس به، والدلالة تارةً في الموضوع، وأخرى في المحمول.
أمّا الموضوع: فلم يذكر فيها الذهب وإنّما هو إلحاق من الفقهاء. وهو مبنيٌ على تبادر متشرّعي أنّ موضوع الحكم الكراهتي -كالحكم التحريمي- تحريم استعمال آنية الذهب والفضة، غايته أنه تنزيهي، لأنه لا يحتوي كلّه على المادتين.
وأمّا المحمول: فهي ظاهرة بالتحريم، وفي باب النجاسات استشكلنا في
ــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 201، كتاب الطهارة، فصل في مكروهات الوضوء، الوضوء من الآنية المفضّضة أو المذهبّة.
(2) تهذيب الأحكام 1: 425، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث: 26، وسائل الشيعة 1: 491، الباب 55 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
استعمال آنية الذهب والفضة للوضوء(1)، لأنَّها كانت خاصّةً ظهوراً أو إجمالاً بالاستعمال العرفي بالآنية، كالأكل والشرب، ولو وردت هذه الرواية في آنية الذهب والفضة لكانت دليلاً هناك على ما هو المشهور. ولكنها وردت في المفضّضة، وهو حكم لم يقل به أحد، أعني التحريم.
نعم، لو علمنا هنا بمدلولها المطابقي، لصحّ دلالتها الالتزامية بالحرمة في الآنية الذهب والفضةّ.
ولكن مدلولها المطابقي ساقط لقرينتين:
القرينة الأولى: القرينة المتصلة: بناءً على أن يكون للرواية ذيل كما في الوسائل، فإنَّها ذكر بعدها أحكامٌ لا إشكال في حملها على التنزيهية.
القرينة الثانية: القرينة المنفصلة: الإجماع على عدم الحرمة في المفضّضة والمذهّبة، وله تقريبان:
التقريب الأول: أنّ الإجماع بنفسه يكون حجّةً على الحكم الشرعي، فيكون دليلاً على بطلان ظهور هذه الرواية الدالّة على الوجوب.
التقريب الثاني: كلما ورد أمر أو نهي، وكان الإجماع ونحوه من قبل الطائفة على عدم اللزوم، فهو يكشف كشفاً احتمالياً عن قيام ارتكاز متشرعيٍّ معاصر للمعصومين، قاضٍ بعدم اللزوم واحتمال هذا الارتكاز يكون من احتمال القرينة المتّصلة، فيكون الكلام مجملاً. فالحكم بالكراهة ثابت ولا حكم تحريمي.
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) مرّ ذلك في الجزء الثامن من هذه التقريرات، فانظر: الفصل الثالث، (مسألة 4: الكلام في أواني الذهب والفضة) ص329.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الخامس: الوضوء بالمياه المكروهة كالمُشَمَّس وماء الغسالة من الحدث الأكبر، والماء الآجن، وماء البئر قبل نزح المقدّرات، والماء القليل الذي ماتت فيه الحيّة او العقرب او الوزغ، وسؤر الحائض والفأر والفرس…(1).
وقد تقدمت في أبحاث المياه.
ــــــــــ[228]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 201- 202، كتاب الطهارة، في مكروهات الوضوء، الوضوء بالمياه المكروهة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفصل الخامس
واجبات الوضوء
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وحده من قصاص الشعر الى الذقن طولاً وما اشتمل عليه الإبهام والوسطى عرضاً(1).
وهو واجب في الوضوء كتاباً(2) وسنّةً(3) وإجماعاً من المسلمين، وإنما الخلاف في تحقيق جهات:
ــــــــــ[231]ــــــــــ
() العروة الوثقى 1: 202، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل الوجه.
(2) قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ، المائدة: 6.
(3) كالوضوءات البيانية عندنا، انظر: وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2، وعند باقي المسلمين، انظر: مختصر القدوري: 11، كتاب الطهارة. وانظر حديث الوضوء وغسل الوجه بلفظ النبي: مسند الدارمي: 2: 839، وسنن ابن ماجه 139، وسنن أبي داود 1: 321، وسنن النسائي2: 226، وسنن الدارقطني 1: 167، والسنن الكبرى – البيهقي 2: 487.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
كاد فقهاء الطائفة أن يتفقوا على حدود الوجه، والمشهور بينهم أنّ الواجب ما وقع من منابت الشعر إلى الذقن، وعرضاً ما دارت عليه الإبهام والوسطى.
ومعه فالجبهة تكون من الوجه وهي موضع السجود بين قصاص الشعر من مقدم الرأس، وخط الحاجبين، وكذلك الجبينان وهما العظمان الواقعان على طرفي الجبهة من اليمين واليسار مع طرفي الحاجب وقصاص الشعر من أعلى.
وأما النزعتان: وهما الموضعان اللذان ينحسر عنهما شعر الرأس، وإن كان قد يوجد ويسمى صاحبه بالأغم.
فالمشهور أنهما خارجتان، لأنّهما فوق الخط الذي بدأ به مسحاً.
والصدغان: فقد يفسر ما بين منتهى العين والأذن، فيكون أكثره خارج عن المقدار الواجب. نعم مقدار قليل قريب من منتهى العين يجب غسله، وقد يفسر بما ينحدر عليه شعر الرأس، وقد يطلق على نفس الشعر، ولا إشكال أنه خارج عن الحدّ.
مواضع التحذيف: ويريدون به المنطقة الواقعة بين النزعتين والصدغ؛ لأنَّها المواضع التي تحرص النساء على حذف الشعر وإزالته منها، خارج عن دائرة المسح.
والعذار: تحت الصدغ، وهو مواز للأُذن من اللحية، وهو خارج عن التحديد المذكور، فضلاً عن البياض المتوسّط بين اللحية والأذن، وأظن اسمه الشاكل.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والعارض: عبارة عن طرف الخدّ الذي تمتد عليه اللحية وهو خارج عن الحدّ الموصوف.
وأمّا علماء العامة(1) فجلّهم أفتوا بوجوب ما قلناه تقريباً حتى البياض القريب من الأذن، فكأنهم يقولون: إنّ الوجه ما وقع بين الأذنين عرضاً.
وأما الأدلة: لا إشكال أنّ المطلقات تدلّ على وجوب غسل تمام الوجه، كل ما دلّ عليه الوجه عرفاً، كالآية الكريمة(2) والوضوءات البيانية “فغسل بها وجهه”(3) يحمل على المعنى العرفي.
وهناك من الروايات ما يعزز وجوب الغسل لتمام الوجه:
1- صحيحة زرارة وبكير: “..فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلا غسله…”(4). والوجه هنا بالمعنى العرفي.
2- ومعتبرة زرارة: “حكى لنا أبو جعفر وضوء رسول الله…، ثمّ مسح وجهه من الجانبين جميعاً”(5) يعني آخر الوجه من هذا الطرف
ــــــــــ[233]ــــــــــ
(1) انظر: تحفة الفقهاء 1: 8، كتاب الطهارة.
(2) المائدة: 6.
(3) وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(4) نفس المصدر السابق.
(5) وسائل الشيعة 1: 390، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وآخره من ذاك الطرف.
3- وعن زرارة: “ليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلَّا غسله”(1).
فالمقتضي لغسل الوجه بالمعنى العرفي تامّ؛ فإن لزم رفع اليد عن قسم من الوجه العرفي لزم قيام دليل عليه.
والوجه العرفي الظاهر أنّه متوسّط بين الوجه الشيعي والوجه السنّي.
فالوجه السنّي يقول: إنّ الوجه من الأذن إلى الأذن، وإن خالف مالك(2) في البياض بين الأذن والعذار، وهذا بعيدٌ عن المتفاهم العرفي، وإدخال البياض إلى جانب الأذن، بل إدخال الصدغ بمعنى انحدار الشعر في الوجه غير العرفي، بحيث لو مسّ صدغه فلا يقال أنّه مسّ وجهه، كذلك الشرعتان.
والوجه العرفي أوسع من الوجه الشيعي الذي يقتصر على ما دارت عليه الوسطى والإبهام ويخرج العارضين ومرتكز شعر اللحية لعله على خلاف المتفاهم العرفي ولحية الإنسان تدخل في وجهه عرفاً.
وما يقال: بأنّ الوجه مأخوذ من المواجهة، وإن كان له أصلٌ صحيح لغةً وعرفاً ولذا يُقال للأشياء كلها وجه بمعنى من المعاني لكن هل هذا علّة أو حكمة؟ يعني تقتصر على نقاط المواجهة الحقيقية من الوجه حتى يقال إنّ
ــــــــــ[234]ــــــــــ
(1) مرّت قريباً..
(2) انظر: عيون المسائل: 67، مسائل الطهارة، مسألة 12. وانظر: الجامع لمسائل المدونة 1: 55، والنوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات 1: 33: “قال مالك: وليس ما خَلْفَ الصُّدْغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الأذن من الوجه”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
العارضين ليس كذلك. أو أنه حكمة يعني إنما سمّي هذا الجزء المتميز من الإنسان في نفسه بقطع النظر عن الإضافات وجهه بذلك السبب.
وإلَّا فلا إشكال أنّ أسفل الأنف لا يواجه الإنسان المقابل، مع أنه لا إشكال أنه من الوجه. أو أنه يراد المواجهة بالمسامحة بحيث يصدق على تمام الوجه العرفي.
إذن فلا بُدَّ من رفع اليد عن وجوب تمام غسل الوجه العرفي من دليل، وقد دلّت عليه الروايات بعضها إشارة وبعضها صراحة.
1- صحيحة زرارة في الروايات البيانية إلى أن يقول: “…فملأها ماءً، فوضعها على جبهته… ثُمَّ أمرّ يده على وجهه وظاهر جبينيه مرّةً واحدةً”(1).
إنّ الاقتصار بالخصوص من الراوي، -مع أنّ المقام مقام البيان- لا يخلو من دلالة على أنّ الإمام اقتصر على الجبينين ولم يخرج منهما إلى الصدغين وإلا لكان الأنسب ضبط ذلك.
2- رواية إسماعيل بن مهران -المخدوشة سنداً بسهل بن زياد-، قال: “كتبت الى الرضا أسأله عن حدّ الوجه، فكتب إليّ: من أول الشعر إلى آخر الوجه وكذلك الجبينين”(2).
ــــــــــ[235]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 81، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث: 4، وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(2) الكافي 5: 90، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 4، وسائل الشيعة 1: 404، الباب 17 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فالحدّ ينتهي بنهايتهما.
3- والعمدة هي صحيحة زرارة التي استقرّت فتوى الطائفة على العمل بالتحديد المذكور فيها.
فعن زرارة بن أعين أنه: “قال لأبي جعفر الباقر أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يُتوضّأ، الذي قال الله عزّ وجلّ، فقال: الوجه الذي قال الله وأمر الله –عزّ وجلّ- بغسله… ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الأصبعان مستديراً فهو من الوجه، فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال: لا..”(1).
بلحاظ السند
رواها المشايخ الثلاثة الكليني بطريق صحيح، والطوسي بتوسط الكليني، والصدوق بإسناده إلى زرارة(2).
نعم فيها نقطتان:
أحداهما: الإضمار الواقع في طريق الكليني والطوسي. وهذا الإضمار ليس بضائر:
ــــــــــ[236]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 44، باب حدّ الوضوء، الحديث: 88، وسائل الشيعة 1: 403، الباب 17 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) انظر: تهذيب الأحكام 1: 54، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 3، وكذا: من لا يحضره الفقيه 1: 44، باب حدّ الوضوء، الحديث: 88.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أوّلاً: لأنه ارتفع بطريق الصدوق (1).
ثانياً: أنّ الإضمار لا يضرّ، إما بتعبير يختصّ بزرارة وأمثاله من أنه من المعهود تلمذته على الإمام وأخذه العلم منه فحين يطلق ويضمر ينصرف إلى مصدر علمه وهو الإمام.
وأما بتقريب أعمّ: من أنّ الإضمار ينصرف إلى الإمام؛ لأنه لو كان هو الإمام فقد اعتمد على قرينة نوعية هي معهوديّة الإمام، بخلاف ما لو قصد غيره فبالإطلاق تعيّن أنّه هو الإمام، إذ لو أراد غيره لكان عليه نصب القرينة.
الأخرى: الشيخ في الخلاف(2) قال: روى حمّاد عن حريز، عن أبي عبد الله…، مع أنّ الألفاظ عين الألفاظ فهناك تهافت في السند بين الخلاف والتهذيب.
ولكنه غير مضرّ؛ لأنه على فرض التهافت فهو مسقط لكلام الشيخ دون غيره، ولكن إن لم يحصل الاطمئنان بسهو الشيخ. وطريقه إلى حمّاد منقطع، وطريقه إلى زرارة متّصل.
وأما سنداً فهناك فروق جزئية بن رواية الصدوق ورواية الكليني والشيخ.
وأهمها: أنه في التهذيب استعمل ثلاث أصابع السبابة والوسطى والإبهام ــــــــــ[237]ــــــــــ
() انظر سند الفقيه في المصدر السابق فقد ورد فيه: قال زرارة ابن أعين لأبي جعفر…
(2) انظر: الخلاف 1: 76، كتاب الطهارة، مسألة 23.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والصدوق حذف السبابة، وسنعالجها بعد ذلك.
بلحاظ فقه الحديث
الآن نتكلم عن فقه الحديث مفترضين إصبعين كما عليه المشهور ثم نتكلّم عن الرواية الأخرى.
أما فقه الحديث من حيث التسلسل التركيبي.
“الوجه” مبتدأ، “الذي أمر الله عزّ وجلّ بغسله” صفة للمبتدأ، “الذي لا ينبغي لأحدٍ أن يزيد عليه ولا ينقص منه“. صفة ثانية للمبتدأ إما أن تكون تأكيداً للأولى، أو المقصود إيضاح طرف الزيادة عليه أيضاً.
“إن زاد عليه لم يؤجر وإن نقص عنه أثم” هذا تأكيد وتوضيح لصلة الموصول وهي قوله “لا ينبغي لأحد…” أو صلة بعد الصلة إن جاز، “ما دارت عليه الوسطى والإبهام” هذا هو الخبر، “من قصاص شعر الرأس إلى الذقن” انتهى الخبر، “وما جرت عليه الأصبعان من الوجه مستديراً فهو من الوجه” جملة لها مبتدأ ولها خبر.
وكلمة “مستديراً” يحتمل فيها احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أن تكون حالاً من اسم الموصول وهو (ما).
الاحتمال الثاني: أن تكون حالاً راجعاً إلى الضمير المجرور بـ على (عليه)، وهو عين اسم الموصول بنفسه.
الاحتمال الثالث: أن تكون حالاً للفاعل وهو (إصبعان).
ولكن لماذا وردت الحال من المثنى؟
ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وجوابه: أنه لو فرض إرجاع الحال إلى الفاعل فلا بُدَّ من فرض عناية النظر إلى الإصبعين بحدٍّ واحدٍ تلغى فيه جنبة التثنية وهذه العناية لها مقتضٍ وليست جزافاً لأنّ الاستدارة هي حال مجموع الإصبعين لا أحدهما. وحيث إنّ القوس قوس واحد، فيقتضي لحاظ الإصبعين إصبعاً واحداً، فيعود إليه الحال مفرداً.
الاحتمال الرابع: أن تكون صفةً لمفعول مطلق محذوف (جرت جرياً مستديراً)، فتكون صفةً للجري بنفسه.
الاحتمال الخامس: أن تكون تمييزاً لرفع احتمال نسبة، لا إجمال ذات، كطاب زيد نفساً يعني طابت نفس زيد فهذا يعني جري المستدير من الإصبعين، فيكون هو الفاعل في الحقيقة.
“وما سوى ذلك فليس من الوجه فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال لا“. كذا في متن الفقيه، وفي الكافي: “الصدغ ليس من الوجه؟”(1) وكذلك في التهذيب، وسيأتي نكتة الفرق بين التعبيرين.
وأمّا محصّل معنى هذه الرواية، فالفقهاء نزّلوها على الفتوى المشهورة لأنَّها تحدد الوجه طولاً وعرضاً، ومردّه الى أنه إذا وضع إبهامه ووسطاه على قصاص شعر، ثم أجراهما على وجهه كان داخلاً في الحدّ، والباقي ليس من الوجه.
وفي مقام التحديد توجد جملتان في الرواية: فيوجد للمشهور افتراضان:
الافتراض الأوّل: قوله: “الوجه ما دارت عليه الوسطى والإبهام من ــــــــــ[239]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 89، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قصاص شعر الرأس إلى الذقن“، بيان لطول الوجه.
وقوله: “وما جرت عليه الإصبعان مستديراً من الوجه، فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه” فهو في الحدّ العرضي.
هذا التوزيع يبقى في مقابله هذا السؤال: وهو أنّ الجملة الأولى لو كانت متمحّضةً في بيان الحدّ الطولي، فلماذا أدخلت قصة الوسطى والإبهام فيه.
الافتراض الثاني: أنّ الجملة الأولى تتكفّل كِلا التحديدين، وتكون الجملة الثانية بياناً آخر للحدّ العرضي.
أيضاً في مقابله سؤال: وهو أنه ما هي نكتة التكرار لبيان الحد العرفي؟
أما الافتراض الأوّل: فدسُّ قصة الوسطى والإبهام مربوط بأمر عرفي في عملية الوضوء لأنّ من يلقي الماء على الوجه عادةً يستعمل أصابعه لإنزال الماء الوسطى والسبابة والإبهام.
فقوله: “ما دارت” ليس ناظراً إلى تحديد آخر بل باعتبار أنّ غسل طول الوجه إنما يكون عادةً بذلك. وهذا يتناسب أكثر فأكثر مع تثليث الأصابع، وإلا لكان دسّ السبابة بلا وجه؛ لأنّ الدائرة أضيق.
وأما الافتراض الثاني: فالتكرار إنما حصل باعتبار أحد نكتتين:
الجواب الأوّل: أن نعترف أنَّ العبارة الثانية تكرار محض ليس فيه مطلب جديد لكنّ التكرار فيه نكتة، لأنّ الرواية مسوقة -سؤالاً وجواباً- عن الحدّ العرضي، لا الطولي، لأنّ الطولي لم يكن محلّ خلاف أصلاً بين المسلمين وفيه تعريض بالفقهاء العامة الذين رأوا أنّ الزائد من الوجه.
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الجواب الثاني: أنّ العبارة الثانية وإن كانت بياناً مكرراً للحدّ العرضي إلاَّ أنها تستبطن نكتةً جديدةً، لأنّ قوله في الأولى: “ما دارت عليه الوسطى والإبهام” يعني ما مسحته الوسطى والإبهام فقد يُتخيّل أنهما يبقيان مفتوحين من الجانبين فإنّ مسح الوجه لا يكون بخط مستقيم إلى أسفل الوجه، بل يضيق من الأسفل حتى يلتقي عند الذقن. وعلى الأوّل يضطر إلى المسح على العنق فأراد الإمام أن يوضّح هذا المطلب “وما جرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه” يعني يشكل شيئاً يشبه الاستدارة لا بشكل طولي.
هذا ما يمكن أن يقال لتطبيق فتوى المشهور على الرواية.
مناقشة الشيخ البهائي للمشهور
إلَّا أنّ الشيخ البهائي(1) ناقش فيه ووافقه الفيض الكاشاني(2) وبعده صاحب الحدائق(3) ولم يوجد موافق للبهائي غير هذين العلمين.
والاعتراضات التي يمكن توجيهها إلى المشهور:
الاعتراض الأوّل: أنّ التفسير المشهوري يفترض دخول النزعتين في الوجه، لأنّ الحدّ الطولي يقول: “من قصاص الشعر إلى الذقن” وقصاص
ــــــــــ[241]ــــــــــ
(1) انظر: الحبل المتين: 14، الباب الأول في مقدمات الصلاة، المقصد الأول في الطهارة، الجملة الأولى، الفصل الثاني.
(2) انظر: الوافي 6: 278، أبواب الوضوء، الباب 25 صفة الوضوء، 10.
(3) الحدائق الناظرة 2: 228، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المطلب الثالث، الفصل الثاني، الركن الثاني، المسألة الثانية.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الشعر يمتدّ إلى النزعتين أيضاً مع أنّ إجماع الطائفة على عدم وجوب غسلهما.
الاعتراض الثاني: أنه يلزم أنّ الصدغين داخلان فإن أراد من الصدغ تمام المساحة، فمن الواضح أنّ هذا التحديد يدخل جزءا معتدّاً به منها.
يقول الشيخ(1): مع أنّ الصدغ لا يجب غسله إجماعاً، وبنصّ نفس الرواية، فكيف تتهافت الرواية؟!
وهنا تخرج أهمية كلمة (ليس) بناءً على وجودها، لأنَّها تكون ظاهرةً بالاستفهام الاستنكاري، وهو فرع أنّ زرارة بنفسه فهم من الكلام الأوّل ما لا يشمل الصدغ فلا يقال دفاعاً عن المشهور: أن ذيل الرواية يقيّد صدرها لأنه يقال: إنّ زرارة نفسه فهم عدم دخل الصدغ، والتقييد غير مناسب، مع أنه لبيان التحديد.
الاعتراض الثالث: أنه ورد الدوران في الرواية مرتين وفي التفسير المشهوري لا يوجد هناك دوران ولا دائرة فتكون كلمة (دار) مستعملة بالعناية.
قال(2): والذي يغلب على ظني أنّ الوسطى والإبهام كالفرجال الهندسي إذا تم إثباته وحُرّك سيشكل شبه دائرة حقيقيةً، وإنما قال (شبه دائرة) باعتبار الأنف، وهذا أقلّ من الوجه المشهوري، أقلّ من دائرة مرسومة في داخل مربع.
ــــــــــ[242]ــــــــــ
(1) الحبل المتين: 14، الباب الأول في مقدمات الصلاة، المقصد الأول في الطهارة، الجملة الأولى، الفصل الثاني.
(2) المصدر السابق نفسه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وبه تنحلّ الإشكالات الثلاثة، فلا تدخل النزعتان في الدائرة، وكذلك الصدغان، وتكون الاستدارة بمعنى حقيقي لا عنائي.
الجواب عن إشكالات الشيخ البهائي
أمّا الإشكال الأوّل المتعلّق بدخول النزعتين في تحديد المشهور.
ويجاب عليه:
أولاً: بإنكار الإطلاق في الرواية فإنّ قصاص الشعر إن أريد منه خطّ منتهى الشعر فهو لا يقتصر على ما فوق الجبهة، بل يمشي إلى النزعتين والصدغين ولكن يحتمل أن يراد به شيء آخر هو نهاية الشعر مما يليه الوجه مباشرةً وهذا ممّا يظهر من جملة من اللغويين كابن سيده في المخصّص(1).
ومعه فلا يمكن التمسّك بإطلاق قصاص الشعر ليشمل منتهى النزعتين أيضاً. أمّا على فرض اختصاصه بالمعنى الثاني فواضح وأما على فرض أن له معنيين، فيكون مشتركاً بين معنيين أعمّ وأخصّ، ولا معنى لإجراء مقدمات الحكمة فيه لإثبات الأعم.
ثانياً: لو سلّم أنّ قصاص الشعر عبارة عن منتهى منابت الشعر مطلقاً فيمكن أن يقال: إنّ هذا الإطلاق غير منعقد لقوة احتمال أن يكون تمام نظر الإمامفي مقام التحديد إلى التضييق لا التوسيع بمعنى: أنّ أصل كون
ــــــــــ[243]ــــــــــ
(1) المخصّص (لابن سيده) 1: 75، الرأس، قال ما لفظه: “والقصاص منهى منبت الشعر في الرأس مما يلي الوجه”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الشيء وجهاً عرفياً أُخذ مفروغاً عنه وإنما ذكر الحدّ الذي يجب غسله من الوجه العرفي لا في مقابل جعل وجه في مقابل الوجه العرفي ولا إشكال في عدم دخول النزعتين في حد الوجه العرفي فلا يكون للرواية إطلاق من هذه الناحية.
وإن أبيت عن ذلك نتنزّل إلى الجواب الثالث: وهو:
ثالثاً: الالتزام بالتقييد أنّ مراد الإمامليس هو تمام الخطّ للشعر، بل وسطه، والمقيّد هو الإجماع الذي تقولونه، فإن كان حجّةً قيّدنا به، وإن لم يكن حجّةً عملنا بالإطلاق، ولا يكون إشكال إلاَّ من حيث النقض.
ولا يقال: بأن التقييد هنا غير عرفي؛ لأنّ الرواية مسوقة مساق التحديد.
وجوابه: أنّ التقييد في المقام تقييد في الحدّ لا في المحدود، فإنّ الإمام استعمل حدّين: أحدهما سمّاه قصاص الشعر، والآخر سمّاه الذقن. فلو تعيّنت المساحة بذلك كان الاستثناء منها غير عرفي؛ لأنّ الاستثناء معناه عدم الضبط في المستثنى منه، والتحديد معناه تمام الضبط، ونحن نناقش في أصل الحدّ ونقول إنَّه ليس قصاص الشعر على الإطلاق، بل قسم منه، فهو تقييد للحدّ لا للمحدود.
الإشكال الثاني: لزوم دخول الصدغين، وهو أهمّ ما في ذهن الشيخ البهائي الذي حمله على العدول عن تفسير المشهور.
إن أريد منها المعنى الأعم، أي: من منتهى الحاجب إلى الأذن فلا نلتزم بعدم وجوب غسله بتمامه بل لا يجب غسل جملة منه أما الإجماع فهو غير موجود على ما سيأتي.
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأمّا نفي كون (الصدغ) من الوجه في الرواية، فلا بُدَّ من حمله على (الصدغ) بالمعنى الأخص، بقرينية صدر الرواية وهي قوله: “وما سوى ذلك فليس من الوجه”، فإنَّه على كِلا تفسيري المشهور، والبهائي يدخل قسم من الصدغ بالمعنى الأعم فصدر الرواية يكون نصّاً بوجوب هذا الغسل، فيكون قرينةً على المعنى الأخص.
وإن أراد المستشكل الصدغ بالمعنى الأخصّ، فهو لا يندرج في تفسير المشهور في كثير من الأفراد، ولو سلّم أنّ بعض الأفراد النادرة من الأفراد المتعارفة يصل إلى الصدغين فإنّ هذا يزيد وينقص بحجم عاملين: حجم الرأس، وحجم الإصبع، لكن يمكن أن تأخذ إنساناً طبيعياً صغير الرأس بمقداره، وإصبعاه طويلان لا بنحو يكون شاذّاً كما أدّعى بعضهم، فإن كان هذا واقعاً ولم يُدّع أنه غير متعارف بلحاظ النسبة، فإنّ تحديد “ما دارت عليه الوسطى والإبهام“:
تارةً: نأخذه بنحو الموضوعية.
وأخرى: بنحو الطريقية.
فإن بنينا على الموضوعية فنلتزم بأنّ مثل هذا الإنسان يجب عليه غسل الصدغين أيضاً، ولا نعلم من كلمات الفقهاء الإجماع على عدم غسل الصدغين في مثل ذلك.
وقوله: “والصدغ ليس من الوجه“، لا يعلم أنه يراد به ذلك ولو فرض
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لوقع تناف بين إطلاق صدر الرواية، وإطلاق ذيلها لهذا الفرد وهو ليس بعزيز في الروايات.
وبناءً على الطريقية يكون هذا التحديد معرّفاً إلى الجزء الذي يجب غسله، وحيث إنّ هذا الجزء يزيد وينقص، فالميزان هو أنقص صورة من الصور الاعتيادية، وهي لا تشمل الصدغين، فلا يجب عليه غسل الصدغين.
الإشكال الثالث: مسألة استعمال كلمة الدوران مرّتين في الرواية، بينما لا يوجد هنا دوران. وكأنّ هذا الاستشكال نشأ عن أنّ الدائرة بالمعنى الهندسي معنى عرفيّ لغويّ كان يعيشه العرب، بينما هو ليس معنى للدوران بوجه من الوجوه، فإنّ كلمة دائرة كانت تعبر عن الحلقة المفرغة. ومن هنا يقال: دارة بني فلان، يعني: حائط حول خيم عشيرة معينة(1). سواء كان الحائط مدوراً أو مستطيلاً أو مربعاً.
ودار: بمعنى أنه تحرّك ورجع إلى مكانه الأوّل سواء تحرك حركةً دائريةً على أشكال أخرى ومنه الطّواف يعني: تحرّك ورجع إلى مكانه الأوّل.
فلا ينبغي أن يعطينا هذا التحديد معنى الدائرة الهندسية.
معنى قوله: “ما دارت عليه الوسطى والإبهام”
وأما معنى قوله: “ما دارت عليه الوسطى والإبهام” فالذين صحّحوا
ــــــــــ[246]ــــــــــ
(1) قال الخليل في كتاب العين: 8: 57: “وكل موضع يدار به شيء يحجزه فاسمه دَارَة، نحو الدارات التي تتخذ في المباطح ونحوها”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
تفسير المشهور كصاحب الجواهر(1) والهمداني(2) والشيخ الأنصاري(3).. ذكروا أنه بمعنى ما أحاطت به الوسطى والإبهام، بمعنى الإحاطة والاشتمال.
لكن الظاهر أنّ هذا من معاني المزيد من هذا الفعل لا المجرد، فدار ليس بمعنى أحاط واشتمل، بل بمعنى تحرّك فرجع، والرباعي منه تارةً يعني حرّك غيره، وأخرى له معنى آخر هو السيطرة والاشتمال، ومنه الإدارة ومدير المدرسة(4).
والظاهر أنّ المراد من قوله: “دار يعني المسح” لهذه الكلمة أحد أمرين.
ويمكن تنزيل الرواية على المعنى الأوّل وهو الحلقة “ما دارت عليه”، أي: الحلقة التي يحقّقها حركة الإبهام والوسطى على الوجه من دون أن يشترط فيها الدقّة الهندسية. بل سواء كانت بيضوية أو دائرية.
وكذلك المعنى الثاني يعني ما طافت عليه الوسطى والإبهام. صحيح أنّ الوسطى تشكّل نصف الشوط، والإبهام نصفه لكن بلحاظ المجموع يتكامل الشوط. وكذلك المعنى الثالث أما الوسطى والإبهام بتفسير المشهور حيث
ــــــــــ[247]ــــــــــ
(1) انظر: جواهر الكلام 2: 140-142، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الثاني، تحديد الوجه.
(2) انظر: مصباح الفقيه 2: 289، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الثاني غسل الوجه.
(3) انظر: كتاب الطهارة (الأنصاري) 2: 162، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الثاني غسل الوجه.
(4) معجم الألفاظ المتداولة: 236.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يبدآن من وسط الجبهة مضمومتين، ثم ينفرجان، ثم يجريهما من أعلى إلى أسفل، ثم يرجعان في الذقن إلى الانضمام، فهو دوران، لأنَّها في مبدأ الحركة وفي نهايته كانتا منضمّتين ووضع الإصبعين منضمّين على الجبهة غير واجب، لكنه أمر مقدّر ولا يكون شيء من ذلك على ما يسميه صاحب الجواهر بالدائرة البهائية(1).
[اعتراضات عدّة ترد على فهم الشيخ البهائي]
على أنه قد أورد على فهم الشيخ البهائي عدّة إشكالات مرجعها إلى ثلاثة اعتراضات:
الاعتراض الأوّل: يلزم منه أنّه يلزم أن يخرج جزء من الجبهة، فإنّ تحدّب الدائرة الهندسية أكثر مكنةً من تحدّب الجبهة، فيأخذ القوس الدائري مجراه وينحدر إلى أسفل، قبل أن يستوعب الجبهة بكاملها، فيخرج جزء من اليمين واليسار من الجبهة بخلافه على المشهور، فإنّ تمام الجبهة والجبينين داخلان في تحديد المشهور، وهو واضح الورود على البهائي.
الاعتراض الثاني: أنّ فرجاله الهندسي هو الوسطى والإبهام، مع أنهما لو استعملا كذلك فسوف تكون أسفل من الذقن ممّا يعتبر خارجاً من الوجه جزماً، بخلاف تفسير المشهور.
ــــــــــ[248]ــــــــــ
(1) قال ما لفظه: وأما النزعتان فقد عرفت أنّ عدم وجوب غسلها إجماعيّ، وأنّ الدائرة البهائية لا تثمر في دفع ذلك، انظر: جواهر الكلام 2: 144، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الثاني في تحديد الوجه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وقد يقال: إنّه على ذلك يكون العرض أطول من الطول، مع أنهم يسمّون من قصاص الشعر إلى الذقن طولاً.
وجوابه: أنّهم إنّما جعلوه طولياً لأسباب:
لكن هذا سوف ينفع الشيخ البهائي؛ لأنه سوف يدخل الجهة في الدائرة البهائية، فيقرّب اندفاع الوجه الأوّل من الاعتراض. وأما أنّه لا يتضرّر الشيخ البهائي بذلك، إذ لا يلزم أنّه يجب غسل تمام هذه الدائرة بتقييد الإمام في الرواية.
مضافاً إلى ما قلناه من أنّ أصل الشيء وجهاً عرفياً مفروغاً عنه في الرواية، والجوانب التحتية من الذقن خارجة عن الوجه.
الاعتراض الثالث: أنّ ما سوف يدور من فوق إلى أسفل إصبع واحد وبالعكس، مع أنّ هذا خلاف كل صريح من الرواية من أنّ الوسطى والإبهام يدوران معاً من قصاص الشعر إلى الذقن.
إلَّا أنه غير وارد؛ لأنّ قوله: “من قصاص شعر الرأس إلى الذقن” يحتمل فيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أن يكون تحديداً للمساحة التي يقع الدوران ضمنها. أي: محل الدوران.
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الاحتمال الثاني: أن يكون تحديداً لنفس عملية الدوران.
فعلى الاحتمال الأوّل لا يرد هذا الاعتراض كما هو واضح. نعم، على الاحتمال الثاني لا يخلو من دلالة، لكن حمله على ذلك بلا موجب.
الاعتراض الرابع: نعم، يمكن تقديم اعتراض رابع، ولعلّه أحسن من هذه الاعتراضات، وهو: باعتبار ضمّ السبابة إلى الوسطى والإبهام في الكافي(1) والتهذيب(2)، فلو أخذنا به فذكر السبابة أمر لا معنى له بوجه من الوجوه؛ لأنّ الفرجال له طرفان فقط، ولا معنى لوجود طرف ثالث أقصر، لأنه سوف يبقى معلّقاً ولا يؤثّر في رسم الدائرة الهندسية البهائية.
وأما على المشهور، فذكر السبابة أمر عرفي؛ لأنّه عادة يكون بالأصابع الثلاثة، لأنَّها كلها تتحرّك على الوجه.
نعم، الاستثناء عنها ممكن، لكن وجودها باعتبار العادة، مضافاً إلى أنه إجمالاً المعنى المشهوري هو المنصرف من الرواية.
ولو فرض الإجمال وتساوي التفسيرين، فحيث إنّه من قبيل الأقل والأكثر، فيكون هنا المخصّص المنفصل الدائر أمره بين الأقل والأكثر، لأنّ المطلقات تدخل على غسل الوجه العرفي وقد سبق بأحد تضيقين كما يقول البهائي وقليل كما يقول المشهور. وفي الزائد يتمسّك بالمطلقات الدالّة على وجوب غسله.
ــــــــــ[250]ــــــــــ
(1) انظر: الكافي 5: 88، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 1.
(2) انظر: تهذيب الأحكام 1: 54، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
نعم لو كان التفسيران بينهما عموم من وجه لكان من دوران أمر المخصّص بين المتباينين.
بحث في اختلاف نسخ الرواية
إذن: فاختلاف النسخ يدفعنا الى أن نرى الفرق بينهما.
فعلى متن الكافي يصبح التساؤل عن الصدغ استغرابياً بخلافه على متن الشيخ. وقلنا: إنّ الاستغراب يكون في مصلحة الشيخ البهائي على بعض التقادير.
والسبّابة جعلت في متن الكافي دون الفقيه(1) وقلنا أنها أهم القرائن لنفي تفسير البهائي.
وهناك من احتمل أنّ وجود السبابة يغير من أصل التحديد بأن يقال: إنّ الأصل فيما يذكر في التحديد أن يكون له دخل في التحديد.
ففي متن التهذيب(2) ذكرت إصبعين يكون الفتحة فيهما هو الحدّ العرضي للوجه. واما مع وجود السبابة والأصل فيها أنها دخيلة في التحديد وهو مستدرك على تفسير البهائي والمشهور معاً؛ لأنّ الوسطى أطول من السبابة، فيكون ذكر السبابة قرينة على أنّ التحديد يكون بفرضيتين:
الفرضية الأولى: بين الإبهام والوسطى.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
(1) الفقيه 1: 44، باب حدّ الوضوء وترتيبه…، الحديث: 88.
(2) وهي رواية التهذيب التي مرّ تخريجها أعلاه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفرضية الثانية: بين السبابة والوسطى.
وبالجمع بين الفرضيتين يكون حدّ الوجه. فيكون الوجه سنياً لا شيعياً.
وهذا خلاف الظاهر جداً؛ إذ الظاهر التحديد بدوران واحد لا بالجمع. والنكتة في ذكر السبابة عرفاً هو أنّ الإنسان لا يفرز السبابة عند التحديد.
والصحيح الذي عليه المعوّل هو متن الكافي والتهذيب دون متن الفقيه للصدوق؛ لأنّ الصدوق لا يرويه عن زرارة ليشمله طريق مشيخته، فهو شبه المرسل.
مشكلة الاختلاف بين الأصابع والوجه
هذا التحديد يواجه مشكلة هي الفوارق بين الأصابع وبين الوجوه، فإنّ الناس يختلفون في طول الأصابع وقصرها وانبساط الوجوه وضيقها.
والاختلاف:
تارةً: يكون في كلّ من الوجه والأصابع.
وأخرى: يكون في واحد منهما.
فإن فرض أنّ الاختلاف فيهما معاً، أي: أنه أوسع وجهاً، وأطول أصابعاً من ذاك فالقياس الشرعي يكون واحداً، لأنّ هذه الأصابع تتناسب مع هذا الوجه.
وإن اختلف أحدهما، كما لو كان وجهه كبيراً وأصابعه ليست طويلة، أو بالعكس، فيكون الحدّ مختلفاً.
وتحقيق كليهما يكون في ثلاث جهات:
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الجهة الأولى: هل التحديد بنحو الموضوعية أو الطريقية؟
إنّ التحديد بما جرت عليه الوسطى والإبهام هل يؤخذ بنحو الموضوعية أو الطريقية؟
فعلى الأوّل يجب على كل إنسان أن يغسل ما دارت عليه وسطاه وإبهامه، ولا يوجد أي تناقض ناتج من اختلاف الخلقة.
وأما بناءً على الطريقية، وهي أخذه طريقاً مشيراً إلى الحدود الوجهية الثابتة في أنفسها، حينئذٍ يحصل نحو من التهافت في الرواية، لأنّ صاحب الوجه العريض والأصابع القصيرة سوف يغسل نسبة ستين بالمئة من وجهه، والعكس قد يغسل ثمانين بالمئة من وجهه والحدّ الواقعي لا يمكن أن يختلف، فإنَّه خلف الطريقية.
والصحيح هو الطريقية لا الموضوعية، لأنَّ الأصل فيما يؤخذ عنواناً وإن كان هو الموضوعية، إلا أنّ الحلّ على الطريقية يحتاج إلى قرينة.
وهي موجودة بأحد بيانين:
البيان الأوّل: أنّ المنصرف من نفس ألفاظ الإمام في مقام التعليل هو أنّ الواجب مسح مقدار محدّد من الوجه، ويكون جريان الوسطى والإبهام مجرد علامة عليه.
وهذا ليس من أجل ظهور كلام الإمام في التحديد، كما قيل إنّه يقتضي ذلك؛ لأنّ التحديد هل هو تحديد كمّي أو كيفي؟ والحمل على الموضوعية يقتضي أن يكون المحدّد كيفياً أو نوعياً، والحمل على الطريقية يقتضي أن يكون كمّياً.
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلَّا أنّ الذي يوجب انسباق الذهن العرفي إلى التحديد الكمّي لعلّه هو قوله: “الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه، ولا ينقص منه”(1) ينصرف إلى أنه في نفسه لا يزيد ولا ينقص إذ لو حملناه على الموضوعية لكان يزيد وينقص.
البيان الثاني: الارتكاز العرفي، بعد الالتفات أنّ الإمام لم يكن في مقام تحديد ما يجب غسله من الوجه، بل في مقام تحديد الوجه بالذات، ولذا قال: “وما جرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه”(2)، غاية الأمر أنه ليس في مقام تحديد الوجه الكبير، بل في مقام تحديد الوجه الصغير، فإنّ الوجه لا يخلو من تشكيك كثير من الكلمات العرفية.
والوجه وإن كان له معنى عرفيّ أعمّ من الوجه الشيعي، والوجه بالمعنى الأخصّ هو ما يتمحّض بالمواجهة، والظاهر من الرواية هو أنه في مقام تحديد ذلك.
وحينئذٍ يقال: إنّ الارتكاز العرفي قاضٍ أنّ الوجه بأيّ معنى كان لا يتأثر بطول الأصبع ولا بقصره. وعلى ذلك لا بدَّ من استفادة الطريقية لا الموضوعية. ومعه يحصل التهافت المشار إليه.
الجهة الثانية: حمل الرواية على الإنسان المتعارف
الصحيح تنزيل الرواية على الإنسان المتعارف، وهو من انحفظت فيه النسبة بين أصابعه ووجهه.
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 403، الباب 17 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) المصدر السابق نفسه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فهناك المتعارف من حيث النسبة، وهناك غير المتعارف فيها، وفي المتعارف درجات.
وإذا دار الأمر بين المتعارف وغير المتعارف يقال: إنّ الرواية تجعل هذا المسح طريقاً إلى ما هو المتعارف دون غيره، وهذا لا ينبغي الاستشكال في نتيجته العملية.
التقريب الصناعي لتنزيل الوجه على المتعارف
وإنّما الكلام في تقريبه الصناعي وذلك بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ الإصبع والوجه بنفسه مطلق يشمل الطويل والقصير لكن قامت قرينة على أنّ هذا الإطلاق غير مراد بل غير معقول، لأنّ الرواية تدل على التحديد على وجه الطريقية.
إذن، فلا يُعقل بقاء ذاك الإطلاق فهذا الظهور بالتحديد يكون مقيّداً لكنه مقيّد مجمل، لا يُدرى أنّ القيد هل هو المتعارف من الأصابع، أو غير المتعارف منها؟
حينئذٍ يقال: إنّنا لو حملناه على غير المتعارف يلزم تخصيص الأكثر ويراد فرد نادر من المطلق، بخلاف ما لو حملناه على المتعارف لأنّ المتعارف هو غالبيّ الوقوع في الخارج فيتعين هذا التقييد الذي هو أقل محذوراً.
وقد يستشكل ويقال: بأنّ حمل المطلق على الفرد غير المتعارف أيضاً ليس فيه محذور؛ لأنّ التقييد بالنادر إن كان بمقيّدٍ منفصلٍ كان على خلاف الطبع العرفي، وأمّا بالمتّصل فلا إشكال فيه على المولى.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والمقيّد في المقام متّصل، وهو التحديد على وجه الطريقية، فلا حراجة أن نحمله على الفرد النادر.
وجوابه: أنّ التقييد بالفرد النادر بالمتّصل لا حزازة فيه لكن هذا فيما إذا كان المقيّد ناصّاً على الفرد النادر كقوله: “اعتق رقبة بلغت مئة سنة” لا ما إذا كان المقيد مجملاً مردداً بين النادر وغير النادر. فأيضاً في مثل ذلك يرى الفهم العرفي بكون التقييد بالفرد النادر على خلاف الطبع العُرفي، لأنَّ المفارقة بين المطلق والمراد الجدّي تكون مفارقةً كبيرةً، فيحمله على الفرد الغالب.
الوجه الثاني: أنّ المقيّد ابتداءً ينصرف إلى المتعارف في المدلول التصوري؛ لأنّ المتعارف وشيوع وجوده يوجب ذلك.
ولا يستشكل في ذلك أنّ المطلقات دائماً تحمل على الفرد الشائع، ولا تكون شاملةً للفرد النادر.
جوابه: أنه إذا صدر مطلق لم نعلم بتقييده نتمسّك بإطلاقه، وإنما هنا قامت قرينة على لزومٍ أُخذ فيه مردّد بين المتعارف وغير المتعارف فينسبق إلى المتعارف.
الوجه الثالث: أن نتمسّك بمقدمات المولى بتقريب: أنّ المولى في مقام البيان كما هو الأصل إن أراد غير المتعارف بالخصوص، فهو إجمال محض ولا معذّر للمتكلّم الذي في مقام البيان في إيراده، لكنه إذا أراد المتعارف يحتمل أن يكون قد استند إلى التعارف فيه، فلو أراد غير المتعارف لنصب قرينةً عليه ولو أراد المتعارف فلعلّه اعتمد على قرينة هي التعارف.
وقد يقال: إنّ هذا التقريب يجب أن يرجع إلى تقريب سابق؛ لأنّ التعارف
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إن كان قرينةً على حمل الأصابع على المتعارف بالتقريب الأوّل أو الثاني فلا نحتاج إلى ضمّ أصالة، كون المولى في مقام البيان بل نفس ذلك يكفي.
وإن فرض أنّ التعارف لا يكون قرينةً على ذلك، فالمولى الذي في مقام البيان سواء أراد المتعارف أو غيره لم ينصب قرينةً، فالمحذور على المولى ثابت على كِلا التقديرين، فلا تكون مقدّمات الحكمة هي المنشأ في الدلالة.
اللهم إلَّا إذا كان هذا المطلب يمكن التعويل عليه من قبل المولى ولو استئناساً، فإن أراد غير المتعارف فلا يوجد ما يعوّل عليه ولو استئناساً، ولو قصد المتعارف فيوجد ما يعوّل عليه استئناساً.
والاستئناس ليس بظهور، فلا يكون حجّةً وحده، لكن بمقدمات الحكمة يتمّ المطلب.
الوجه الرابع: أنّ القدر المتيقّن من هذا الكلام من الإمام زرارة؛ لأنّه المخاطب، فإمّا أن ندّعي الاطمئنان بذلك ابتداءً أو نقول: إنّ زرارة إمّا أن يكون له حالة شاذّة واضحة تبدو من أوّل نظرة، أو لا. فإن كانت فيه حالة شاذّة اعتمد عليها الإمام في أرادة الشاذّ، لكان على الراوي أن يسجّل هذه النقطة؛ لأنّ لها دخلاً في فهم المعنى.
إذن، فلم يكن شيء يلفت النظر في زرارة، فمقتضى أصالة السلامة والمتعارف في زرارة، هو كونه متعارفاً.
وزرارة هو القدر المتيقّن في هذا الميزان، فلو كان قد طبّق على غير المتعارف لخرج زرارة، ولو أريد المتعارف إذن يدخل زرارة.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فقد اتّضح أنّ غير المتعارف يرجع إلى المتعارف، بمعنى: أنّ الرواية واردة للتحديد للمتعارف، وغيره مسكوت عنه بالدلالة المطابقية على كلام يأتي.
وبتعبير آخر: أنّ غير المتعارف يرجع إلى المسافة التي يشملها أصابع الشخص المتعارف، وأمّا بالنسبة إلى درجات المتعارف فإنّ المتعارفين يختلفون وهي المرحلة الثالثة.
الجهة الثالثة: المتعارف له درجات نسبية
إنّ المتعارف أيضاً درجات في النسبة، فنواجه تهافتاً من هذه الناحية في الرواية.
فلا بُدَّ: إما أن نلتزم أنّ الرواية تنطبق على أطول الأصابع المتعارفة، أو أقصرها، أو أوسطهما.
فبعد فرض حمل الرواية على التحديد والطريقية، لا يعقل حمل الرواية على مطلق أفراد المتعارف، بل على مرتبة معيّنة.
وهذه الرواية ظاهرة في ثلاث نكات:
النكتة الأولى: أنّ الأمر بغسل ما انطبق عليه المقياس أمر واقعي لا ظاهري ولا مركّب منهما فإنّ البيان صادر في مقام علاج الشبهة الحكمية، فيكون ظاهراً بأنّه لبيان الحكم الواقعي.
النكتة الثانية: أنّ ظاهر الرواية -ولو ظهوراً حالياً أو مقامياً- أنّ كلّ مكلّف لو أعمل هذا المقياس على أصابعه أجزأه، ولا يكلّف أن يمدّ يد غيره على وجهه.
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
النكتة الثالثة: أنّ الاكتفاء بهذا المعنى حكم واقعي لا ظاهري، لأنّ هذا هو الأصل في علاج الإمام للشبهة الحكمية.
ولا بُدَّ أن نتكلّم على ضوء هذه النكات الثلاث:
الاحتمال الأوّل: الحمل على أقصر المسافات المتعارفة
الاحتمال الأوّل: أن نحمل الرواية على أقصر المساحات المتعارفة من حيث التناسب بين الأصابع والوجه، لأنّ أصل التقييد ضروري.
الظاهر أنّ النكات الثلاثة كلها محفوظة.
أمّا النكتة الأولى: أنّ الأمر بما ينطبق عليه المقياس أمر واقعيّ وفي المقام كذلك لأنه أصغر الوجوه فوجوب غسله واقعي بلا إشكال.
وكذلك النكتة الثانية، لا يكلّف الفرد في الرجوع إلى غيره؛ لأنه يقول: إمّا أنا أصغر المتعارفين، أو أكبر من ذلك، فعلى كِلا التقديرين يجزي ما أغسله من وجهي بمقدار ما دارت عليه أصابعي.
والثالثة: أيضاً محفوظة، وهو الإجزاء الواقعي، ولا يحتاج إلى إعمال تعبّد ظاهري.
الاحتمال الثاني: الحمل على أكبر درجات المتعارف
أن نحمل النسبة على أكبر درجات المتعارف.
النكتة الأولى محفوظة، إذ يكون غسل تمام الوجه المحدّد واجباً واقعياً.
وأما النكتة الثانية، فلا تكون محفوظة إلاَّ بعناية إضافية؛ لأنّ الفرد لا يدري أنه أكبر أو أصغر المتعارفين من حيث التناسب، فلو غسل مقدار أصابعه
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لا يدري أنه غسل المقدار الواجب؟
بل لا بدَّ من أحد أمور:
الأوّل: أن يستعير أصابع الآخرين ليعرف المساحة التي يشار بها إلى أطول الأصابع وهو خلاف النكتة الثانية.
الثاني: أنّ هذا الظهور المقامي يفيد: أنّ المولى تعبّد كلّ فرد بأنه من أعلى الأصابع بالنسبة فهنا حكمان: واقعي وظاهري وبه تتم النكتة الثانية إلاَّ أنه خلاف النكتة الثالثة فلو انكشف الخلاف ظهر عدم الإجزاء.
الثالث: أن لا نجعل القيد، بل على فرض كونها أطول الأصابع، فالحكم واقعيّ، وإن كانت أقصر فهو حكم ظاهري وهو أسوأ من السابق، لأنه خلاف النكتة الأولى.
الاحتمال الثالث: الحمل على النسبة الوسطى
الاحتمال الثالث: أن تكون النسبة الوسطية هي المأخوذة في الموضوع فإنّ نفس المحاذير في أكبر الأصابع يأتي هنا مع فروق كيفية.
وينبغي أن يعلم: أنّ الاحتمال الثالث لعلّه هو الظاهر عرفاً، لكن في المقام بالخصوص لا يمكن ذلك كالذراع والجبهة.
ونكتة الفرق: انه لم يجر العرف على إيكال القياس إلى كلّ فرد بل تقاس المسافات والأوزان قياساً نوعياً عرفياً ومن هنا يحمل على المعدّل فإنَّه يكون عرفياً بخلاف محلّ الكلام، فإنّ القياس مشخّص لا نوعيّ، فإنّ كلّ فرد يقيس وجهه بيديه ولذا تولّدت النكات الثلاثة فإنّ الفرد لا يسأل العرف عن وجه نفسه.
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إذن فالتحديدات الشخصية يرجع فيها إلى أقصر المتعارف وفي القياسات النوعية يرجع إلى المعدل.
فالصحيح -بناءً على الطريقية- هو أقصر النسب المتعارفة.
وهذا ينتج نتيجتين:
النتيجة الأولى: أنّ كلّ إنسان متعارف إذا غسل وجهه أجزأه ذلك؛ لأنه إما أصغر أو أكبر من ذلك.
النتيجة الثانية: أنّ إنساناً لو أحرز أنه أكبر من المتعارف، يجوز له أن يستثني شيئاً مما دار عليه أصابعه.
وبتعبير آخر: أنه يجوز لكلّ إنسان أن يستثني إلى أن يصل إلى أقلّ الدرجات.
وحينئذٍ قد يقال: إنّ هذا ليس فيه محذور لأنّ هؤلاء الأكثر لا يحرزون أنّ وجههم يزيد على المقدار الأدنى، ليقوموا بالاستثناء.
وقد يقال: إنّ هذا على خلاف ظاهر الرواية جداً إذ إنّ هذه الرواية تعني الأفراد الذين وقفوا على الحدّ الأدنى من المتعارف، ولا يدخل الأكثر فيه. ولعلّه ليس أقلّ مخالفةً للظاهر من الحمل على الموضوعية من أول الأمر. فيكون الظهور بالطريقية معارضاً بالظهور بعدم إمكان استثناء أكثر الأفراد من التحديد، وأنها شاملة لتمام المكلّفين.
فكلّ الاحتمالات تكون متساويةً، وذات عناية، فتجمل الرواية، ثمّ نرجع إلى المطلقات، ومقتضاها إنّ إنساناً لو علم أنّه أطول نسبةً من المتعارف يجب غسله،
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ولو من باب الاحتياط الوجوبي؛ لأنّ الحمل على الطريقية ابتلي بالإجمال.
مقتضى الموضوعية أنّ المتعارف، والأصغر منه، والأوسع منه يجب عليه غسل ما دارت عليه أصابعه، إلاَّ أنّ الأخير سوف يقع طرفاً للمعارضة مع ذيل الرواية: “فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال لا”(1)، سواء أحاطت به الأصابع غير المتعارفة، أو لا.
ومحذور الموضوعية: أنّ الوجه يختلف من إنسان لإنسان فإنّ ظاهر الروايات أنّها في مقام تحديد الوجه لا تحديد الواجب مع أنّ هذا خلاف المنساق من قوله: “لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص”(2)، وخلاف الارتكاز العرفي.
وأمّا الطريقية فيتعين الحمل على أقل درجات المتعارف وهو الذي يكون المرجع لكل مراتب المتعارف.
ومحذورها: أنّ كلّ إنسان يجوز له أن ينقص شيئاً ممّا دارت عليه الأصابع لو كان غير الدرجة الأقل من المتعارف مع أنّ الرواية لا يفهم منها الإذن في مثل ذلك.
فقد يقع التعارض بين الظهورين فتصبح مجملةً فتكون من المخصّص المجمل فنطبّق عليه قواعده.
ولكن يمكن دفع المحذور بأنّ التفاوت، إذا لم يكن يلتفت إليه العرف، بل كان المتعارف في نظر العرف شيئاً واحداً، فلا يرد الإشكال؛ لأننا إذا حملنا
ــــــــــ[262]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 403، الباب 17 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) المصدر السابق نفسه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الرواية بعد إخراج غير المتعارف على المتعارف لا يكون هناك إشكال، لا على الموضوعية، ولا على الطريقية.
أمّا على الموضوعية: فلأنّ الوجه لا يزيد ولا ينقص، والوجه مراتب بالدقة الهندسية لا الفهم العرفي.
وأمّا على الطريقية: فلا يستثنى شيئاً من المساحة؛ لأنَّها بحسب النظر العرفي واحدة.
وإن شئتم قلتم: إنّها بلحاظ المتعارف تحمل على الموضوعية، وبلحاظ غيره تحمل على الطريقية.
قوله:”ويجب إجراء الماء فلا يكفي المسح به وحده أن يجري من جزء إلى جزء آخر ولو بإعانة اليد ويجزي استيلاء الماء عليه وإن لم يجر إذا صدق الغسل”.
أيّ مقدار من الوجه يجب غسله من حيث الغسل، لا من حيث المغسول؟
ثُمَّ إنَّه توجد مراتب من استعمال الماء وهي:
المرتبة الأولى: مرتبة التدهين والمسح، كما لو وضعت يدك على مكان مبتلّ، فتترطّب، فتمرّر يدك على وجهك.
ــــــــــ[263]ــــــــــ
() متعلقة بقول الماتن: “ويجب إجراء الماء فلا يكفي المسح به وحده أن يجري من جزء إلى جزء آخر ولو بإعانة اليد ويجزي استيلاء الماء عليه وإن لم يجر إذا صدق الغسل”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ولا إشكال أنّ هذا ليس مصداقاً للغسل المأمور به في الآية الكريمة فإنَّه لا إشكال أنّ الغسل متقوّم بالماء وهذا غسل بالرطوبة لا بالماء والرطوبة بالدقّة ماء، ولكنها ليست ماءً عرفاً كما في كثير من المواد.
المرتبة الثانية: أن نفرض أنه يغمس يده في ماء، ثمّ يمرّر كفّه على وجهه، بحيث ينتقل مقدار من الماء إلى الوجه؛ لأنّ اليد مبتلّة لا رطبة لكن هذه الأجزاء من القلّة بحيث تكون تابعةً للوجه، ومعلقةً به، لا مسيطرةً عليه عرفاً.
والماء هنا موجود لكن لا ينبغي الاستشكال أنه لا يصدق عليه الغسل لغةً وعرفاً لأنّ الغسل أُخذ فيه معنى الهيمنة والسيطرة للماء، وهو لا يتحقّق هنا.
المرتبة الثالثة: أنّ الماء يستولي على الوجه ويهيمن عليه.
المرتبة الرابعة: أنّ الماء يجري على الوجه من موضع إلى موضع، وقد قالوا في تفسير الغسل(1): أن يجري جزء من الماء على جزئين من المغسول، فتتحقّق الحركة والانتقال.
فإن أريد بالجريان الجريان عن الشيء، فسيحصل الفرق بين المرتبتين الأخيرتين وإن أريد الجريان مطلقاً، سواء كان منه أو إليه، فلا يحصل فرق بينهما.
ــــــــــ[263]ــــــــــ
(1) قال الكميت يصف حمار الوحش:
تحت الألاءةِ في نوعين من غُسُلٍ بـانا عليـه بـتَسـجـالٍ وتَـقـطارِ
ومعناه –كما في لسان العرب-: يسيل عليه ما على الشجرة من الماء ومرة من المطر، انظر: لسان العرب 10: 70، باب الغين.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
توضيحه: منهم من اشترط المرتبة الرابعة، ومنهم من اكتفى بالمرتبة الثالثة والجريان من جزء إلى جزء، فمن يقول باعتبار المرتبة الرابعة هل يقول بها؟ بمعنى يجري عنه الماء، فإذا جرى الماء من محلّ إلى محلّ، فقد غسل المحل الأوّل دون الثاني، لأنّ الثاني جرى إليه الماء، لا منه الماء. فيحصل الفرق بين المرتبتين.
لأنه إذا وجد ماءٌ معتدّ به على الوجه فسوف يتحرّك، فمن قال بـ(الرابعة)، بمعنى: الجريان عن الشيء، يقول قد تمّ غسل الجزء الأوّل فقط. وأمّا من يقول بكفاية الثالثة، يقول: قد حصل غسل كِلا الجزئين؛ لأنه بالنسبة إلى كِلا الجزئين حصل استيلاء الماء عليه.
وأما إذا فسرنا المرتبة الرابعة، بمعنى مطلق الجريان منه وإليه، فقد حصل غسل كِلا المحلّين، فلا يبقى فرق بين الرتبتين، خصوصاً إذا قلنا -كما صرّحوا-: إنّه لا فرق بين الجريان في نفسه، أو الجريان باليد.
فالمرتبة الرابعة أشدّ من الثالثة، فما يفهم من تضاعيف المستمسك(1) من جعل الاستيلاء أشدّ من الجريان غريب، فإنّ الماء الذي يجري لا إشكال أنه مستولٍ، فهل يكفي في الغسل المرتبة الثالثة أو يشترط فيه الرابعة؟
ــــــــــ[265]ــــــــــ
(1) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 333، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، الأول غسل الوجه، قال: (… بل الظاهر أنه يعتبر في الغسل استيلاء الماء على المحلّ).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
المعروف بين الفقهاء(2) وخاصة المتأخرين(3) هو اشتراط الجريان ونقل عن اللغويين(4): أخذ الجريان في مفهوم الغسل.
إلاَّ أنّ الصحيح أنّ الغسل المذكور في الآية الكريمة غير متقوّم بالجريان عن الشيء نعم هو متقوّم حينئذٍ بجريان الماء عليه المساوق مع استيلاء الماء، وهو المرتبة الثالثة، وأمّا أن يتجاوزه الماء إلى جزء آخر فهو غير مأخوذ عرفاً ولا لغة.
وفي إمكان تنزيل كلمات اللغويين والفقهاء الذين اشترطوا الجريان، الجريان على الشيء، لا عن الشيء الذي هو المرتبة الثالثة.
إذن يمكن التمسّك بإطلاق الآية الكريمة(5) لإثبات ذلك.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
() من تتمة قول الماتن المنقول في حاشية سابقة: “ويجب إجراء الماء فلا يكفي المسح به وحده أن يجري من جزء إلى جزء آخر ولو بإعانة اليد ويجزي استيلاء الماء عليه وإن لم يجر إذا صدق الغسل”.
(2) انظر: كشف اللثام 1: 524، كتاب الطهارة، المقصد الرابع، الفصل الأول، الثاني من فروض الوضوء.
(3) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 332، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، الأول غسل الوجه.
(4) كما تقدّم قريباً عن لسان العرب.
(5) المائدة: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ونحتاج في رفع اليد عن هذا الإطلاق إلى مقيّد.
وقد يقال: إنّ القرينة على المقيّد موجودة في الآية، وهو التقابل بين الغسل والمسح فيها فيحمل على المرتبة الرابعة.
إلاَّ أنّها غير صحيحة؛ لأنَّها إن أريد بها: أنّ التقابل بين الغسل والمسح إن أريد بينهما تباين في المورد فلا يصدق على عملية واحدة أنها غسل ومسح.
والتباين بناءً على أنّ الغسل واسع لا يتصوّر(1)، ولكن بناءً على فهم المشهور التباين بأن يقال: إنّ الغسل يصدق مع الجريان، والمسح لا يصدق معه.
فجوابه: أنّ التقابل لا يقتضي التباين، بل التغاير بنحو العموم من وجه، بل بنحو العموم المطلق وإلا كان ذكرهما معاً بلا نكتة، وأمّا التباين فهو بلا موجب.
وإن أريد بهذه الدعوى أننا نكتفي بمجرد التغاير، إلاَّ أنه لا يتحقق مع توسعة الغسل إلاَّ بناءً على المشهور؛ لأنّ المراتب كلّها يصدق عليها أنها مسح، وأنها غسل.
وجوابه: أنّ التغاير محفوظ بلا إشكال؛ لأنّ المسح أخصّ من الغسل من ناحية، لأنه متقوّم بإمرار العضو الماسح على الممسوح، والغسل يحصل بمجرد إيصال الماء إلى البشرة فالمسح أخصّ.
ــــــــــ[267]ــــــــــ
() إذ في المرتبة الثالثة يصدق الغسل والمسح معاً، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأمّا الغسل بمعناه الأوسع الذي يشمل المرتبة الثالثة والرابعة. والرابعة لا تناسب المسح فيكون بينهما العموم من وجه.
والمسح أعمّ من ناحية أخرى، لأنه يشمل المرتبة الأولى والثانية، والغسل لا يشملها.
وإن قلنا: إنّ المسح يشمل المرتبة الرابعة أيضاً، فيكون المسح أخصّ مطلقاً فيكون التغاير موجوداً.
وإطلاق المسح على الغسل موجود في رواية أبي جرير الرقاشي(1)، وفي عدّة من الروايات البيانية(2) فلا يكون بينهما تغاير موردي.
والآن يجب أن نقارن الروايات بالآية الكريمة وهي على ثلاث طوائف:
إنَّه يكفي مسّ الجلد للماء فقد يقال: إنّها أوسع من الآية الكريمة فإنَّها تشمل المرتبة الثانية فما فوقها.
إلَّا أنّ هذا الإطلاق لا يمكن الأخذ به، لأمور:
أولاً: للأمر بالغسل في الآية، وقد عرفنا أنَّه لا يصدق على المرتبة الثانية
ــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 1: 398، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 22.
(2) كرواية زرارة، انظر: وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فتكون الآية أخصّ؛ لأنّ المسّ يشمل المراتب الثلاثة والآية تشمل المرتبتين الأخيرتين، فتقيّد هذا الإطلاق بظهور (اغسل).
ثانياً: ولو احتملنا شمول (اغسل) للمرتبة الثانية، كان لنا مقيّد آخر وهو رواية علي بن جعفر باب 36، سألته عن الرجل لا يكون على وضوء، فيصيبه المطر حتى يبتلّ رأسه ولحيته قال: “إن غسله فإنّ ذلك يجزيه”(1).
فالغسل هنا صريح في عدم الشمول للمرتبة الثانية لأنّ المرتبة الثانية مفروضة بقوله: “حتى يبتلّ” فلو كانت كافيةً بمجردها لكان قوله: “إن غسله” لغواً وخلفاً.
اللهم إلَّا أن يقال: إنّ قوله: “إن غسله” ناظر إلى القصد، أي: الغسل قاصداً الوضوء ولا يكفي إصابة المطر بدون ذلك. فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية على ذلك إلاَّ أنّ الوجه الأوّل تامّ.
ويؤيد الآية الكريمة الطائفة الثانية التي تأمر بإجراء الماء.
فيمكن التمسّك بإطلاق الآية، باعتبار المرتبة الرابعة بأحد سبيلين:
السبيل الأوّل: أنّ الغسل مأخوذ فيه الجريان الذي هو المرتبة الرابعة كما صرح به كثير من الفقهاء.
ــــــــــ[269]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 360، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 12، وسائل الشيعة 1: 454، الباب 36 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وجوابه: أن الغسل ليس له معنى متشرّعي، ولم يثبت اعتبار الجريان بهذا المعنى إلاَّ بما يناسب المرتبة الثالثة أيضاً وأقوال الفقهاء واللغويين لا حجّية فيه ومحتمل لِما يناسب المرتبة الثالثة.
السبيل الثاني: التقابل بين الغسل والمسح في الآية الكريمة، وقد سبق ذلك…
بعد هذا ننتقل إلى الروايات وهي طوائف:
ما دلّ على تقابل المسح والغسل، فيستدل على أنّ الغسل لا يشمل المرتبة الثالثة، سنخ التقريب الثاني بالآية، لكنه هنا أوضح.
1- رواية محمد بن مروان، عن أبي عبد الله: “لأنّه يغسل ما أمر الله بمسحه”(1)(2).
وهي دالة على التقابل بينهما، بل قد يقال: إنّها تدلّ على التقابل التبايني، لأنه لو كان بينهما عموم من وجه، فهذا الذي يغسل قد يأتي بمادة الاجتماع، فيكون مجزياً، فلماذا يحكم ببطلان صلاته ستين سنةً؟! وربما يجعل ذلك قرينةً منفصلةً على المراد بالآية؛ لأنَّها ناظرة لها.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
() باب 25 من الوضوء، (المقرر).
() الكافي 5: 94، كتاب الطهارة، الباب 19، الحديث: 2،
وسائل الشيعة 1: 418، الباب 25 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهذا التقابل التبايني بناءً على أنّ المراد بالغسل المرتبة الرابعة لأنَّها ليست مسحاً حتى لو استعان بيده، وغيرها مسح وليس بغسل.
إلَّا أنّ هذا لا يتم، لأنه يمكن تقدير بطلان الوضوءات، حتى مع كون النسبة هي العموم من وجه فإنّ أحدهما غير الآخر مفهوماً وظاهر قوله: “يغسل ما أمر الله بمسحه” يعني بفرض أنّ هذا هو الفريضة، فلو غسل بالمرتبة الثالثة التي هي محلّ الاجتماع، لكنه بقصد أن يمتثل الأمر بالغسل لا بالمسح التوأم منها فيكون وضوئه باطلاً.
2- وهي من هذه الناحية تكون شبيهةً برواية أخرى وهي صحيحة زرارة: قال: “قال لي: لو أنك توضّأت، فجعلت مسح الرجلين غسلاً ثُمَّ أضمرت أنّ ذلك من المفروض، لم يكن ذلك بوضوء…”(1).
1- صحيحة زرارة: قال: “قلت له: أرأيت ما كان تحت الشعر.. ولكن يجري عليه الماء”(2)(3).
2- وهناك ما ورد في الغسل، ويعمّم إلى الوضوء من باب عدم الفصل،
ــــــــــ[271]ــــــــــ
() الكافي 5: 98، كتاب الطهارة، الباب 19، الحديث: 8، وسائل الشيعة 1: 420، الباب 25 من أبواب الوضوء، الحديث: 12.
(2) الباب 46 من أبواب الوضوء، (المقرر).
(3) تهذيب الأحكام 1: 364، الباب 16، الحديث: 36. وسائل الشيعة 1: 476، الباب 46 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أو عدم احتمال الفرق فعن محمد بن مسلم، عن أحدهما قال: “…فما جرى عليه الماء فقد طهر”(1).
3- وصحيحة زرارة: عن أبي جعفر قال: “الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد أجزأه”(2).
فقد يستدل بها على لزوم المرتبة الرابعة بحيث تكون مقيدة للآية الكريمة.
إلَّا أنّه غير صحيح:
أوّلاً: أنّها أجنبية عن المرتبة الرابعة رأساً، فإن قوله: “يجري عليه الماء” وهو يصدق على مجموع الجزء المتحرّك منه، والجزء المتحرّك إليه، وهذا عين المرتبة الثالثة. والرابعة هي أن يجري عنه الماء وهو التجاوز عنه، وهذا لم يؤخذ في الروايات، فتكون مؤكّدةً للمرتبة الثالثة.
ثانياً: على أنّ الأخيرتين لا تدلّان على الوجوب؛ لأنهما تقولان: “فقد أجزأه”، أو “فقد طهر” والمفهوم ليس بحجّة؛ إذا لم يجرِ فلا يجزئ.
صحيحة زرارة: “إذا مسّ الماء جلدك فحسبك”(3) ويدّعى أنّها توسع
ــــــــــ[272]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 133، كتاب الطهارة، الباب 29، الحديث: 1، وسائل الشيعة 2: 229، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث: 1.
(2) الكافي 5: 71، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 4،
وسائل الشيعة 2: 241، الباب 31 من أبواب الجنابة، الحديث: 3.
(3) الكافي 5: 73، كتاب الطهارة، الباب 73، الحديث: 7، وسائل الشيعة 1: 485، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مفهوم الغسل ممّا هو مستظهر من الآية الكريمة لأنَّها تشمل المرتبة الثانية، وإن لم يشمل الأولى.
وتقريب الاستدلال بها بأربعة أوجه:
الوجه الأوّل: التمسّك بالإطلاق: “إذا مسّ الماء” سواء كان بنحو الاستيلاء أو لا.
وهذا بمجرده لا يكفي؛ لأنّ الأمر بالغسل في الآية يكون مقيّداً لهذا الإطلاق، وصحيحة زرارة الحاكمة بالإجزاء تكون مقيّدة أيضاً.
وكذلك من مقيّداته: صحيحة علي بن جعفر الواردة في ماء المطر قال: “…إن غسله أجزأه وإلّا تيمّم”(1) فإنَّها كالصريحة في أنّ مجرد المسّ لا يكفي؛ لأنّ ماء المطر قد بلّله ومع ذلك قال: (إذا غسل فلا بأس).
الوجه الثاني: أنّ الرواية فيها إطلاق ولكنها صريحة في هذا الإطلاق بقرينة قوله: “فحسبك” يعني يكفي ولا حاجة إلى شيء آخر فلا تكون قابلةً للتقييد.
إلَّا أنّ هذا في الحقيقة يشكل الإطلاق فإنَّها تنفي الاحتياج إلى شيء آخر وهذا الشيء الآخر أيضاً أمور متعددة فيكون فيه إطلاق.
الوجه الثالث: أنها صريحة في الإطلاق لا باعتبار نكتة “فحسبك” بل باعتبار أنه تحديد للحدّ الأدنى وهو المسّ.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
(1) مسائل علي بن جعفر: 183، قسم المسائل، الحديث: 355، وسائل الشيعة 2: 232، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث: 11.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فلو قيّدنا هذه الرواية بما هو فوقه فهذا ليس تقييداً، بل هو إلغاء للمسّ رأساً، واستبدال له بدرجة أعلى منه.
إنّ المسّ لا يؤخذ بالمعنى الجامع الشامل للجريان والاستيلاء بل معناه أنّ مجرد المس يكفي.
هذا التقريب أيضاً قابل للجواب بتقييد الرواية بنحو لا يلزم منه ذلك، لقوّة احتمال أن تكون هذه الرواية واردةً بلحاظ ما هو المتعارف بحسب الخارج، من أنّ الإنسان يأخذ غرفةً من الماء، فيضعها على وجهه، ففي الآن الثاني أينما يصل وأينما يمسّ كان كافياً، ولا حاجة إلى عملية اليد، ولذا عبّر بالمسّ لا بالإمساس؛ لأنه يجري بنفسه، فمن المحتمل أن تحمل هذه الرواية على ما بعد إلقاء الماء على الوجه.
فإن لم نقل إنّها منزّلة على المتعارف، فلا أقلّ من أنها مطلقة بكفاية المسّ ابتداء، وبعد وضع الماء فنقيّدها بالحالة الثانية والمسّ بهذا المعنى عين الجريان، لأنّ الماء بنفسه يتحرّك فيمسّ مساحةً كبيرة من الجسم.
الوجه الرابع: أن يقال إنّها حاكمة ومفسّرة؛ لأنّ الميزان في حكومة دليل على دليل أن يكون ناظراً إليه لكن لا النظر إلى شخص دليل معين بل إلى ذات مدلول الدليل.
ومن هنا قلنا: إنّ دليل (لا ضرر) حاكم على الأدلة الأولية فإنَّه ناظر إلى الشريعة، وهو نظر إلى ذوات مدلولات كل الأدلة.
وهذا ينطبق في المقام: فإنَّه يفترض أصل وجوب الوضوء واستعمال الماء
ــــــــــ[274]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
للوجه واليدين ويكون في مقام بيان سعته وضيقه فيكون حاكماً على كلّ أدلّة الوضوء حتى أدلة وجوب الغسل.
وبتعبير آخر: أنّ تلك فيها مزيّة الأخصّيّة، وهذه فيها مزيّة الحاكمية، وكلما تعارض دليلان على هذا النحو قدّم الحاكم؛ لأنّ نكتة الحاكمية أقوى. وسيأتي ما فيه.
1- صحيحة محمد بن مسلم
عن أبي جعفر “يأخذ أحدكم الراحة من الدهن، فيملأ بها جسده، والماء أوسع، ألا أحكي لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قلت: بلى…”(1). وقد وردت العبارة الأولى وحدها مرةً، ومع الباقي أخرى.
وطريق الاستدلال بها: أنّ قوله: “الماء أوسع” أنّ ذاك المقدار الذي يمكن أن يدهن الإنسان جسده يكفي مثله من الماء، بل هو أوسع فتدلّ على كفاية التدهين بالملازمة العرفية لأنّ هذا المقدار لا يستولي على البشرة، أي استعماله بالمرتبة الثانية على الأكثر.
أو يراد بها أنّ الماء يجب استعماله بنحو التدهين لا أكثر، فتدلّ على ذلك بالمطابقة.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 69، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 1، وسائل الشيعة 1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 7، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وعلى كِلا التقديرين، فدلالتها على المطلوب واضحة.
إلَّا أنه يوجد مبعّدان لأنّ يكون مقصود الإمامهو هذا المعنى الغريب المخالف لظواهر الكتاب والسنة.
المبعّد الأوّل: طرز التعبير، فإنَّه يشعر بأنه مناقشة عرفية لا مناقشة تشريعيّة بحيث يكون شجباً للعادة العامّة عند المسلمين وتأويلاً غريباً للآية الكريمة وأدلّة الوضوء، فهل هذا المقصد يكفي فيه هذه العبارة المبينة بنحو اللّف والدوران؟
هذا واضح في أنها مناقشة للشبهة الموضوعية، لا الحكمية يعني أنّ الغسل لا يحتاج إلى إفراط وماء كثير، وقد ورد التعبير بالدهن عقيب ما يعتبر غسله في روايات الوضوء وروايات الجنابة.
كقوله: “… ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرتين، وعلى منكبه الأيسر مرتين…”(1)، وقوله: “يأخذ أحدكم الراحة من الدهن”(2).
وقوله: “أوسع من ذلك” مناقشة للشبهة الموضوعية، أي: سريع الانتشار وهذا نحو من المبالغة، والمبالغة التي تُفهم من التعبير أنها مبالغة جائزة على الإمام.
هذا مضافاً إلى ذيل هذه الرواية لأنه قال: “ألَا أحكي لكم وضوء رسول
ــــــــــ[276]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 133، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 59. وسائل الشيعة 2: 229، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث: 2.
(2) تقدّمت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الله صلى الله عليه وآله…” وهذا تطبيق لهذا المطلب، وهو محتمل، ولا أقل من الإجمال.
2- صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم
عن أبي جعفر قال: “إنما الوضوء حدّ من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وإنّ المؤمن لا ينجّسه شيء، إنما يكفيه مثل الدهن”(1).
والاستدلال بها عين الاستدلال، والمناقشة عينها، وقوله: “إنّما الوضوء حدّ من حدود الله”، ظاهر بأنَّه ناظر إلى الحدود الموجودة في الكتاب والسنة.
3- رواية التهذيب
روايةٌ في التهذيب: “… يجزي منه ما أجزأ من الدهن…”(2)، وفي الاستبصار(3) مثله، وفي نسخةٍ: “ما أجرى من الدهن”(4)، وليس فيها مزيّة زائدة على الروايتين السابقتين من حيث الدلالة.
وقد عرفنا أنّه لا دلالة فيها على ما يخالف المشهور، ويوجب رفع اليد عن
ــــــــــ[277]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 70، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 2، وسائل الشيعة 1: 484، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) انظر: تهذيب الأحكام 1: 138، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 76. وسائل الشيعة 1: 485، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(3) انظر: الاستبصار 1: 122، كتاب الطهارة، الباب 73، الحديث: 7.
(4) انظر: شرح فروع الكافي 1: 243، باب مقدار الماء الذي يجزي للوضوء والغسل.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الظواهر والارتكاز المتشرعي، ولو تمّت وكانت في مقام علاج الشبهة الحكمية، ففي مقام علاج العلاقة بينها وبين الأدلة الأخرى عدّة أوجه:
الوجه الأوّل: أن يحمل الغسل على الاستحباب، والواجب هو مطلق إيصال الماء.
إلَّا أنها ليست جمعاً عرفياً لأنّ الآية والروايات جاءت في مقام بيان الفريضة، وقد أمرت بالغسل كما أنّ روايات الجريان واردة في مقام تفسير ذلك الفرض.
فلا معنى لحمله على الاستحباب.
الوجه الثاني: أن يحمل الأمر بالغسل في الآية على التخيير، أي: أحد فردي الواجب التخييري كما احتمل صاحب الحدائق(1). إلَّا أنَّ هذا ليس جمعاً عرفياً فإنّ الحمل على التخيير الشرعي مع التحفظ على خصوصية الواجب في كل منهما أمرٌ عرفي، لكن إذا بنى على روايات التدهين فمعناه: أنّ الواجب هو الجامع، أي: مطلق إيصال الماء أي: التخيير العقلي فيلزم من ذلك إلغاء خصوصية عنوان الغسل فلا يكون واجباً لا تعييناً، ولا تخييراً. فلا يكون جمعاً عرفياً.
الوجه الثالث: تقديم روايات الدهن على نصوص الأمر بالغسل إما باعتبارها نصاً، وتلك ظاهر، وإما باعتبارها حاكمةً بالتقريب الرابع في الطائفة السابقة.
ــــــــــ[278]ــــــــــ
(1) انظر: الحدائق الناضرة 2: 224، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الركن الثاني، المسألة الأولى.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
هذا البيان غير صحيح فإننا لم نقبلها هناك، وأجلّنا الجواب إلى هنا لأنّ هذا التقديم يوجب تأويلاً في ظاهر القرآن الكريم وحمل الغسل على معنى غير عرفيّ بوجه من الوجوه بنحو المجاز غير المتعارف فيدخل في الأخبار المخالفة للقرآن الكريم الساقطة عن الحجّية رأساً.
وكونها حاكمةً، أو ناظرةً، لا ينفي عنها عنوان المخالفة، لما قلنا في التعادل والتراجيح(1) من أنّ ميزان المخالفة مخالفة الظهور، وهي ثابتة حتى في الإطلاق والتقييد. فإن كان يمكن حملها على الشبهة الموضوعية فهو وإلا سقطت عن الحجية لمخالفتها للقرآن الكريم.
والنتيجة: أنّ الواجب المرتبة الثالثة(2) من الغسل دون الأولى والثانية، ولا يجب المرتبة الرابعة، ولعل هذا هو المشهور.
قوله: ويجب الابتداء بالأعلى، والغسل من الأعلى الى الأسفل عرفاً…(3)
في وجوب الابتداء من الأعلى في الوجه خاصّة.
ــــــــــ[279]ــــــــــ
() انظر: مباحث الأصول، القسم الثاني 5: 744، مبحث التعادل والتراجيح، أخبار الترجيح، تنبيهات، قال: (… لكن المستفاد من الأخبار العلاجية هو أنّ الموضوع لأحكامها هو الخبران المتعارضان في الدلالة والمضمون، والتعارض الدلالي والمضموني ثابت حتى مع وجود الجمع العرفي…).
(2) وهي قوله: ” أنّ الماء يستولي على الوجه ويهيمن عليه”.
(3) العروة الوثقى 1: 203، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل الوجه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قيل إنّه لا يجب، كما ذهب إلى ذلك السيد المرتضى(1) وابن إدريس(2)، ومال إليه جملة من المتأخرين كالبهائي وغيره.
لا إشكال أنّ مقتضى الإطلاقات عدم وجوب ذلك، ومنه إطلاق الآية الكريمة؛ لأنّ غسل الوجه كما ينطبق على هذا ينطبق على ذلك.
ودعوى الانصراف ناشئة من غلبته عند المتشرّعة خاصّة وعامة، ولا يوجب تقييداً.
ودعوى أنّها ليست في مقام البيان من هذه الناحية، بل في مقام أصل تشريع الوضوء مدفوعة: بـ :
أولاً: أنّها دعوى بلا شاهد، وكونها أوّل دليل لوجوب الوضوء لا يلازم ذلك.
ثانياً: أنّ سياقها يُشعر بأنها ناظرة إلى ذلك؛ لأنه قال: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ… وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ(3) فليست في مقام أصل وجوب الوضوء.
ويؤيد ذلك ويؤكّده استدلال الإمامبالآية في صحيحة زرارة “لمكان
ــــــــــ[280]ــــــــــ
(1) الانتصار للمرتضى 106.
(2) انظر: موسوعة ابن إدريس 8: 175، كتاب الطهارة، باب في أحكام الاستنجاء والاستطابة وكيفية الوضوء وأحكامه.
(3) المائدة: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الباء“(1)، فقد تمسّك الإمام بإطلاق الآية، وعلّم زرارة الفرق بين الغسل والمسح.
فالإطلاق ثابت، ويحتاج نفيه إلى مقيّد. وما يدّعى كونه مقيّداً أحد أمرين:
الأمر الأوّل رواية أبي جرير الرقاشي: “ولا تلطم وجهك بالماء لطماً، ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحاً…”(2)(3).
وتقريب الاستدلال بها أن يكون مراده من قوله “من أعلى وجهك إلى أسفله” تحديداً للغسل لا للمغسول، وهو لعله المستظهر فتدلّ على وجوب ذلك.
إلَّا أنَّ الاستدلال بها يواجه إشكالين:
أولاً: ضعفها سنداً ودعوى انجباره بعمل الأصحاب غير معلوم، حتّى لو كان الانجبار صحيحاً لأنهم لعلهم لم يستندوا إليها بل إلى الروايات البيانية.
ثانياً: أنها لا بُدَّ من حملها على الاستحباب، لأنَّها تأمر بالغسل على وجه المسح، أي: الاستعانة باليد، ومن المعلوم أنه مستحبّ.
قالوا في كلماتهم في مقام توضيح هذا الإشكال: إنّ كلمة (اغسل) في قوله:
ــــــــــ[281]ــــــــــ
() وهو خبر حريز عن زرارة في التهذيب 1: 61.
(2) باب 15 من الوضوء، (المقرر).
(3) وسائل الشيعة 1: 399، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 22.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
“اغسله” قد يراد به الأمر بالغسل حقيقة وقوله: “مسحاً” يكون حالاً منه.
أو مع تقدير موصوف، أي: مفعول مطلق وقد يراد بالغسل المسح ابتداءً ويكون قوله: “مسحاً” بالمعنى المصدري هو المفعول المطلق، أي: امسحه مسحاً.
فعلى الثاني: يرجع معناها: امسح وجهك بالماء من أعلى إلى أسفل مسحاً فالأمر تعلق ابتداءً بالغسل المسحي، وهو مستحبّ، والتحديد يكون تحديداً للمستحب، لا للواجب وهو أصل الغسل.
وأمّا على الأوّل: يكون (اغسل) هو الأمر بالفريضة وجوبياً فقوله: “من أعلى وجهك إلى أسفله” تحديدٌ للفريضة، فيثبت المقصود.
وتحقيق الحال في المقام هو أن يقال:
إنّ الوجوب إن كان مستفاداً لفظياً، كما هو المشهور المنصور، ولهذا يخضع لقرينية وحدة السياق، فلا ظهور في هذا الأمر في الوجوب، بقطع النظر عن كلمة (مسحاً)، حتّى لو لم تكن موجودة أصلاً، باعتبار أنّه جعل في مقابل “ولا تلطم“، مع أنه مصداق للواجب، فهو لم يكن في مقام بيان كلّي الواجب، بل أفضل فردي الواجب، فقوله: “ولا تلطم” يكون دالاً على الاستحباب.
وأمّا على مسلك الميرزا(1) وتلامذته من أنّ صيغة (افعل) تدلّ على الطلب، وأما الوجوب فهو بحكم العقل عند عدم الترخيص بالترك. وفرع عليه إبطال دلالة وحدة السياق التي كان عليها الفقهاء لأنّ مدلول اللفظ محفوظ.
ــــــــــ[282]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 129، مباحث الألفاظ، المقصد الأول الأوامر، الأمر الثاني.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فقد يتوهّم: أنه في المقام عندنا طلبان: طلب الغسل وطلب المسح. والأول يحمل على الوجوب، والثاني على الاستحباب، والنهي عن اللطم على الكراهة فيكون التحديد للواجب.
إلاَّ أنّ هذا غير صحيح لأنه لا يوجد إلاَّ طلب واحد تعلق بالحصّة المقيدة (اغسله مسحاً)، وهذه الحصّة ثبت أنها غير واجبة؛ لأنّ المسح ليس بواجب، فكيف نثبت وجوب باقي خصائص الحصة!
الأمر الثاني الروايات البيانية فإنّ فيها ما يدلّ على وجوب الابتداء من الأعلى.
قال: قال أبو جعفر: “ألا أحكي لكم وضوء رسول الله… ثمّ غرف ملأها ماءً، ثم وضعها على جبهته… ثم قال بسم الله وسدله على أطراف لحيته، ثم أمرّ يده على وجهه وظاهر جبينه مرةً واحدةً”(1).
وهي تامة سنداً.
ومن حيث الدلالة: إنّ الضمير في قوله: “فوضعها” يرجع إلى اليد، باعتبار تأنيثه. وهو في مقام أقلّ ما يجزي من الوضوء كما ذكرنا، ولذا لم يتعرّض للمستحبات إلاَّ للتسمية. فظهور حاله التعليمي حين نضمّه إلى فعله – وهو
ــــــــــ[283]ــــــــــ
(1) الکافي (اسلامية)، الجزء: ٣، الصفحة: ٢٥. والرواية بهذا اللفظ من كتاب الكافي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الابتداء بالأعلى- يكون هذا واجباً، وهو المطلوب.
إلاَّ أنه ينبغي ملاحظة أنّ العبارة فيها تهافت، فإنّ ما قرأته يرجع إلى رواية الكافي، والصدوق نقله بضمير المذكر “فوضعه على جبهته“(1)، فيرجع إلى الماء. فلا نعلم أنّه في مقام الغسل باليد من أين بدأ، وإنما وضع الماء على جبهته.
إلَّا أنّ هذا التهافت غير مضرّ؛ لأنَّها منقولة في الفقيه عن الإماممباشرةً فهي ضعيفة السند، والمعوّل على متن الكافي.
ومن حيث الدلالة نقول:
أولاً: أنه لا يتعيّن أن يكون الضمير راجعاً إلى الكفّ بل يمكن أن يرجع إلى غرفة الماء فيتطابق في النتيجة مع عبارة (الفقيه) من حيث إنّه بدأ بصبّ الماء من أعلى، وأمّا في تحريك اليد من أين بدأ فلا نعلم.
فلا بُدَّ من ضمّ دعوى أنّ وضع الماء ليس مقدّماً للغسل، بل هو مبدأ الغسل الوضوئي، فقد ابتدأ من أعلى.
ثانياً: لكن إذا سلّمنا ذلك: فكيف نثبت وجوب ذلك؟ فإنّ الإمامفي مقام حكاية وضوء رسول الله فكيف نثبت وجوب الفعل بحكاية الفعل؟ فإنّ صنع رسول الله لا يدل على الوجوب؛ لأنّ مقتضى الطبع في غسل الوجه هو من الأعلى، حتّى في غير الوضوء وعكسه يحتاج إلى عناية فائقة وإذا أريد ضمّ عناية شرعية، فليكن مستحباً كما يقول العامّة وهو كافٍ في فعله.
ــــــــــ[284]ــــــــــ
() قال في من لا يحضره الفقيه 1: 36: “ثُمَّ غَرَفَ مِلْأَهَا مَاءً ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى جَبْهَتِه…”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأما حكاية الإمام وتنبيه زرارة عليه، فإنّ الفعل لا بُدَّ أن يتشخّص خارجاً فلعلها أحدى مصاديق الواجب. ولو فرض أنّ هناك عنايةً شرعيةً فتكون هي الاستحباب.
والظهور التعليمي الذي قلناه مقتضاه ألا تذكر مستحبّات إضافية وأما إذا كان للواجب شكلان عالٍ ودانٍ فلا بأس أن يختار العالي في مقام التطبيق.
وتسجيل زرارة لهذه الخصوصية لا يدلّ على أنه فهم الوجوب، بل يكفي أنه احتمل الوجوب؛ لأنّه قد ذكر عدّة خصوصيات لا يحتمل فيها الوجوب: كغمس الكفّ اليمنى، والتسمية، وملأ الكفّ، والوضع على الجبهة غير واجب حتّى بناءً على الغسل من أعلى، بل قد يضع على الجبين وكذلك إمرار اليد على الوجه. فإنَّه إما مستحبّ، وإما أحد مصاديق الواجب. فليس كل ما ينبّه عليه زرارة يدلّ على أنه واجب.
وممّا يؤيّد ذلك أنّ نفس زرارة في روايات بيانية أخرى لم يشر إلى خصوصية أنّه وضع الماء على جبهته، وأنّه غسل من أعلى إلى الأسفل. بل قال غسل وجهه.
ولا يقال: إنّ هذا من قبيل المطلق والمقيّد فإنَّه يقال: إنّ هذا إنما يكون من النقل اللفظي، لا في نقل فعل الإمام، فإنَّه في الروايات الأخرى إن كان الإمامقد بدأ بالأسفل فهو دليل الاستحباب، وإن كان بدأ بالأعلى -مع أنّ زرارة أهملها في الروايات الأخرى- فهو قرينة على أنه لم ير هذا دخيلاً في الوضوء. فهذه الرواية لا يمكن التعويل عليها في مقام استفادة الوجوب.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الحر، عن الكليني، بسنده عن زرارة، قال: “حكى لنا أبو جعفر وضوء رسول الله فأخذ كفّاً من ماء فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه ثم مسح بيده الجانبين جميعا”(1).
وهذه أحسن قليلاً من الأولى، لأنّ الإشارة إلى هذه العناية أكبر من تلك.
إلَّا أنّ الشيخ الحر اشتبه في النقل عن الكافي، فإنّ قوله: “من أعلى الوجه” غير موجودة في الكافي(2)(3). والعصمة لأهلها.
“حكى لنا أبو جعفر وضوء رسول الله… فأخذ كفاً من ماء، فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه، ثم مسح بيده الجانبين جميعاً”(4).
وهي من حيث الدلالة لا جديد فيها على ما ذكرنا سابقاً.
وأما سنداً فالشيخ في كتابيه بإسناده صرّح به، ولم يبدأ بالحسين بن سعيد، كما هو ظاهر الشيخ الحرّ.
نعم، ما أرسله الشهيد(5) والعلامة من تتمّة الرواية على ما نقل عنهما أنهما
ــــــــــ[286]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 1: 392، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 10.
(2) ج3: ص24، (المقرر).
(3) الكافي (ط الإسلامية) 3: 24، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، الحديث: 1.
(4) وسائل الشيعة 1: 392، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 10.
(5) انظر: مختلف الشيعة 1: 283، كتاب الطهارة، باب الوضوء، الفصل الثالث، مسألة: لا خلاف في أنه يجب غسل الوجه…
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قالا: “… وتوضّأ النبي مرّةً مرّةً فقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به”(1).
والمتلخّص: أنه لا يوجد من الروايات البيانية ما يدلّ دلالة كاملة على هذا المدّعى: الغسل من الأعلى.
وهي رواية “لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً ومدبراً”(3)، حيث تدلّ بمفهومها أنّ الغسل لا يصحّ مقبلاً ومدبراً.
وهذه الرواية فيها احتمالان:
فبناءً على الوجه الأوّل قد يستدلّ بها كما ذكر في الحدائق، إلاَّ أنّ هذه الرواية ليس لها مفهوم بهذا المعنى. فإنّ غاية ما يستفاد منها مفهوم يشبه مفهوم اللقب، أو الوصف وهو غير معترف به، وهو غاية ما يدل عليه النفي بنحو
ــــــــــ[287]ــــــــــ
() انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 38، باب صفة وضوء رسول الله، الحديث: 76.
(2) انظر: الحدائق الناضرة 2: 235، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، الركن الثاني.
(3) تهذيب الأحكام 1: 58، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 10.
وسائل الشيعة 1: 406، الباب 20 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
السالبة الجزئية وهذا حاصل، لأنّ غسل اليدين لا يجب فيها النكس.
ولعلها تعود إلى رواية أخرى هي: “لا بأس بمسح القدمين مقبلاً ومدبراً”(1).
مركّب من صغرى وكبرى:
الصغرى: أنّ رسول الله كان يتوضّأ، ويغسل وجهه من أعلى إلى أسفل، إما بتخريج الوضوءات البيانية، أو باعتبار الجزم أنه لا يترك أمراً راجحاً، وهذا راجح؛ لأنه إما واجب أو مستحبّ.
والكبرى: هي وجوب التأسّي برسول الله، فيكون الغسل من أعلى إلى أسفل واجباً.
إلَّا أنه غير صحيح لأنه يرد عليه:
أولاً: أنّ الكبرى وجوب التأسي فيما يصدر منه بما هو متشرّع، لا بما يصدر منه بصفته إنساناً اعتيادياً كان يتكلّم العربية ويأكل التمر، فهل يكون هذا واجباً في المقام؟ فلا يُعلم أنّ غسل الوجه من أعلى إلى أسفل صدر منه بما هو متشرّع، بل لعلّه باعتباره أمراً عادياً عرفياً.
ثانياً: أنّه لو صدر منه بما هو متشرّع فمعنى وجوب التأسّي هو أخذ تقييم الأفعال منه. ومن الواضح أنّ التأسّي بالمستحب لا يكون واجباً،
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 83، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 66.
وسائل الشيعة 1: 406، الباب 20 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فإذا احتملنا في الفعل أن يكون مستحباً لا يكون دالاً على الوجوب، وإلا كان معنى ذلك إلغاء المستحبات في الشريعة وهو مقطوع البطلان، وكالقرينة المتّصلة بحمل أدلّة التأسي على ما يناسب المستحب، فلا يمكن الحمل على الوجوب في الفعل المراد.
ثالثاً: لو سلّم كلّ ذلك، فلا نعلم أنّ النبي أنه صدر منه بما هو جزء من الوضوء فلعلّه صدر منه بصفته واجباً نفسياً فإنَّه يصبح وجوب التأسّي عنواناً ثانوياً، كإطاعة الوالد. ولكن لو عكس لا يكون الوضوء باطلاً.
فهذه الأدلة غير تامة.
والمهم في هذه المسألة أمران:
الأمر الأوّل: أنّ نفس الإطلاقات يمكن أن يدّعى أنّها دالّة على ذلك، ولو في الجملة فإنّ غسل الوجه نكساً بالمعنى
الحقيقي غريب وغير مألوف، بحيث يصلح أن يعتمد عليه المولى عند الإطلاق. بل أكثر من ذلك: أنّ المنصرف منه ذلك، لأنه يريد الطريقة المألوفة للغسل.
الأمر الثاني: الشهرة المتحقّقة بين المتقدمين بغير السيد المرتضى الذي له أقوال تختصّ به.
فالأحوط وجوباً هو الغسل من أعلى إلى أسفل، لكنه بنحو المسامحة لا بنحو المداقّة؛ لأنه القدر المتيقّن من الشهرة.
ــــــــــ[289]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يجب إدخال شيء من أطراف الحد من باب المقدّمة(1).
من باب المقدمية يجب التوسع عن حدّ الوجه.
والمقدّمة تارةً للعلم، وأخرى للوجود.
وعبارة المتن لا تخلو من غموض بهذا اللحاظ.
فقد يريد المقدمة الوجودية؛ بتقريب: أنّ غسل الوجه بالحدود المبينة شرعاً لا ينفكّ عادةً عن غسل حواشي الوجه، فيكون واجباً بالوجوب الغيري.
وهو في نفسه غير صحيح؛ لأنّ غاية ما يقتضيه التلازم بين غسل الوجه وغسل حواشيه. والمقدميّة غير التلازم، وغسل الذقن مثلاً لا يكون علّة لغسل الوجه.
ولا يكون أيضاً مراداً للماتن، لأنه لا ينحصر بالمقدار المغسول في الأعلى الذي يقع زماناً قبل غسل الوجه، بل يشمل المغسول تحت الذقن الذي يقع بعده، وهو منبّه عرفي واضح في أنّه ليس مقدّمة.
وقد يريد منه المقدّمية العلمية؛ لأنّه لا يحصل له اليقين بأنّه غسل وجهه إلاَّ إذا تعدّى.
وقد استشكل فيه: أنّ المقدميّة العلميّة إنما تكون فيما إذا كان الواجب مردّداً وفي المقام ليس الواجب مردّداً، فلا معنى للمقدميّة.
ــــــــــ[290]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 203، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل الوجه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهذا الاستشكال مبنيٌ على الجمود على مصطلحات المقدّمة العلمية المذكورة في الأصول.
ولكنّه لا ينحصر بصورة التردّد من حيث الشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة، بل تتصوّر حتى مع تعيّن الواجب حكماً وموضوعاً، فإنّ الوجه معيّن كذلك، ولكن مع هذا لا يحصل للإنسان يقين أنّه غسل إلاَّ إذا غسل منطقةً أوسع منه؛ لأنّ اليقين بغسل الوجه إنما يكون بمجموعة من الأحاسيس اللمسيّة والبصريّة، وهي لعدم دقّتها غالباً لا يحصل يقين بالاستيعاب، إلاَّ مع المقدمة العلمية.
وهو مطلبٌ عرفيٌ خارجيٌ كثيراً ما يتّفق، وهو الذي يريده السيد(1)، وهو يرجع إلى حكم العقل باليقين بالامتثال.
وما لا يظهر من الشفتين بعد الانطباق من الباطن فلا يجب غسله(2).
مَطْبَقُ الشفتين لا يظهر عند الانطباق وإنما يظهر بفتحهما فهل يجب غسله أو لا؟
عندنا دليل فوقاني: هو الآية الكريمة(3) ولنا مخصّصات.
ومقتضى العموم أنّ كل ما هو من الوجه يجب غسله والمخصّصات مختلفة في ألسنتها فنتكلم أولاً: في العموم ثم في المخصّصات.
ــــــــــ[291]ــــــــــ
() أي السيد الماتن صاحب العروة.
(2) نفس المصدر السابق.
(3) المائدة: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فهل نقول طبقاً للعموم بوجوب غسل مطبق الشفتين؟
الجزم بصدق عنوان الوجه على ذلك بعيد جداً إن لم ندّع الجزم بعدمه. لأنه إذا مسّه لا يصدق أنه مسّ الوجه. فإن جزمنا بالعدم يكفينا إطلاق هذا الدليل في نفي وجوب الغسل بلا حاجة إلى المخصصّات، لأنّ كلّ ما لم يذكر في الآية، فمقتضى الإطلاق عدم وجوبه. وإن شككنا كان شبهةً مفهوميةً للعموم، لا للوجوب، ولا لعدمه. فيكفينا الرجوع إلى البراءة عنه.
ولو سلمنا أنّ مطبق الشفتين من الوجه فتشمله الآية بإطلاقها فنحتاج إلى مخصّص.
والمخصّصات لها ثلاثة ألسنة:
اللسان الأوّل: أُخذ فيه عنوان الجوف، “سألته عن المضمضة والاستنشاق، قَالَ ليس هما من الوضوء، هما من الجوف”(1).
اللسان الثاني: أُخذ فيه عنوان الظاهر (صحيح سنداً): “ليس المضمضة والاستنشاق فريضةً ولا سنةً، وإنما عليك أن تغسل ما ظهر”(2)، والظاهر
ــــــــــ[292]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 433، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 9. الكافي (اسلامية)، الجزء: ٣، الصفحة: ٢٤.
(2) وسائل الشيعة 1: 431، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 6. والاستبصار 1: 67، والتهذيب: 1: ق79.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والجوف ضدّان، فتارة يقيّد بهذا الضد، وأخرى بعدم هذا الضدّ.
وصدق عنوان الجوف على المطبق لا يخلو من إشكال، لأنه منصرف إلى عمق أكثر من ذلك. ومعه يبقى إطلاق الآية على حاله.
وأمّا عنوان الظاهر فلا يبعد شموله لمطبق الشفتين لأنّ المراد به الظهور بلا عناية. في حين أنّ ظهور المطبق يكون بعناية، وهو فتح الشفتين فإنّ الأصل في الإنسان كونه منطبق الشفتين ويتنفّس من أنفه، ولا يحتاج إلى فتحهما إلاَّ عند الطعام، فيكون من غير الظاهر.
ويؤيّد ذلك اللسان الثالث وهو: الروايات البيانية(1)، فإنَّها تدلّ على أنّ غسل الوجه لم يكن فيه عناية ملفتة لنظر الراوي، ولو حاول غسلهما للفت نظره.
فهذه الفتوى صحيحة، وهي أنّه لا يجب غسل مطبق الشفتين.
الشعر الخارج عن الحدّ كمسترسل اللحية في الطول، وما هو خارج عمّا بين الإبهام والوسطى في العرض لا يجب غسله(2).
الكلام فيما زاد عن الحدّ من اللحية يقع في مقامين:
المقام الأوّل: أنه هل يجب غسله أو لا؟
ــــــــــ[293]ــــــــــ
(1) الواردة في الباب 15 من أبواب الوضوء من كتاب الوسائل 1: 387.
(2) العروة الوثقى 1: 203، كتاب الطهارة، فصل في أبعاد الوضوء، غسل الوجوه، مسألة 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
المقام الثاني: هل يستحب غسله أو لا؟
المعروف(1) الذي لم ينقل فيه خلاف عدم الوجوب لقصور المقتضي، ووجود المانع أيضاً.
أما قصور المقتضي فلأنّ الآية الكريمة لا يقتضي إطلاقها الشمول للحية الموجودة خلف الذقن، لأنَّها ليست من الوجه، فهي ليست جزءاً منه، ولا يمكن أن يقال بوجوب غسلها بملاك التبعية.
كما أنّ ما دلّ على وجوب غسل الشعر: “كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه”(2) لو استفدنا منه ذلك، فإنَّه يتعرّض للشعر المحيط وهو ما كان على مقربة من البشرة، وهذا المسترسل لا يصدق عليه أنه أحاط بالبشرة.
ولو سلّم المقتضي في مقام الإثبات، وكان الوجه يشمل اللحية على طولها عرفاً بدعوى: أنّ الوجه هو مطلق ما يواجه الإنسان فهناك المانع عن الأخذ
ــــــــــ[294]ــــــــــ
(1) انظر: جواهر الكلام 2: 153، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث. وإيضاح الفوائد في شرح إشکالات القواعد، الجزء: ١، الصفحة: ٣٩، وقواعد الأحکام، الجزء: ١، الصفحة: ٢٠٢، وجامع المقاصد في شرح القواعد، الجزء: ١، الصفحة: ٢١٤، ورسائل المحقق الکرکي (الرسالة الجعفرية)، الجزء: ١، الصفحة: ٨٧، ومشارق الشموس في شرح الدروس، الجزء: ٢، الصفحة: ٧٦.
(2) تهذيب الأحكام 1: 364، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 36، وسائل الشيعة 1: 476، الباب 46 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
بهذا الإطلاق، وهو ما في صحيحة زرارة: “الوجه الذي قال الله وأمر الله عزّ وجلّ بغسله… من قصاص شعر الرأس الى الذقن”(1). وهو لا يشمل محلّ الكلام.
إذن فاللحية المسترسلة المتهدّلة عن الذقن، بحيث لا يصدق أنها تغطّي الوجه لا يجب غسلها.
استدلّ عليه بوجهين:
ما ورد في بعض الوضوءات البيانية: “وسدله على أطراف لحيته”(2). وعمل الإمام وإن كان لا يدلّ على الوجوب، لكنه يدلّ على الطلب، ولو بنحو الاستحباب.
وهو في غير محلّه:
أولاً: لأنه حكاية فعل مخصوص لا إطلاق له لأننا إن لم نجزم بعدم اللحية المسترسلة له فلا أقلّ من عدم ثبوته. فقد تكون لحيةً متعارفةً، فيكون إسدال الماء باعتبار الوجوب.
ثانياً: لو كانت لحيةً مسترسلةً، فهذا الفعل لا يدلّ على الوجوب، ولا على
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 403، الباب 17 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الاستحباب، بل طبع المطلب يقتضي ذلك(1) ولو من باب المقدمة العلمية.
يكون بملاحظة مجموع دليلين:
الدليل الأوّل: ما دلّ على أنّ المسح يجب أن يكون ببلة(2) الوضوء فلو استأنف ماءً جديداً بطل وضوءه.
الدليل الثاني: أنّه لو جفّ الكفّ أخذ الماء من وجهه(3) ولحيته ومقتضى إطلاقه شموله للّحية المسترسلة.
فينتج أنّ الرطوبة في اللحية ينبغي أن تكون رطوبةً وضوئيةً لكي يكون المسح بها كافياً بمقتضى الدليل الأوّل. إما واجباً أو مستحباً فيثبت الاستحباب بعد معلومية عدم الوجوب.
وهذا يرجع إلى التمسك بالعام في دوران الأمر بين التخصيص والتخصص؛ لأن بلة اللحية إن كانت بلة وضوء فهو خارج تخصصاً عن دليل عدم الجواز. وإن لم يكن بلة وضوء ومع هذا يجوز المسح به. فهو تخصيص له. فتجري أصالة عدم التخصيص لإثبات التخصّص وأنها من بلة الوضوء فيثبت الاستحباب.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
() فإنّ المقصود من الإسدال إرخاء الماء، فهو ينزل لا ببذل عناية في ذلك، وانتباه الراوي لذلك لا يعني أكثر من وفرة الماء، (المقرر).
(2) انظر: وسائل الشيعة 1: 448، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(3) انظر: وسائل الشيعة 1: 407، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلَّا أنّ هذا الاستدلال في غير محلّه؛ فإننا إن منعنا الكبرى فواضح وإن سلمناها فالمقام ليس من مواردها؛ لأنّ الدليل الذي دلّ على أنه لا يجوز المسح بغير بلّة الوضوء خصّص بقوله: “امسح ببلة يمناك” وبالجمع ينتج: امسح ببلة الوضوء الموجود في كفّك ومن الواضح أنّ بلّة اللحية ليست من بلّة الوضوء الموجود في الكفّ.
بالنسبة إلى استحباب غسل مسترسل اللحيّة.
في الوجه الثاني: الدليلان بينهما نسبة العموم من وجه. مادّة التعارض هو اللحيّة المسترسلة في حالة الاضطرار والجفاف، فيقع التعارض بينهما على هذا التقدير وهو ما إذا قلنا بأنّ بلّة اللحية ليست واجبةً ولا مستحبة.
هنا نريد أن نقول: بأن غسل اللحية مستحبّ بأحد وجوه:
التقريب الأوّل: أنه إذا لم يكن مستحباً يقع التعارض أو التخصيص في الروايتين وأما إذا كان مستحباً فيرتفع التعارض، وتكون بلّة اللحيّة بلّةً داخلية.
التقريب الثاني: أن تستفيد ذلك من نفس لسان الروايات(1): لأنَّها تقول: إذا وجدت بللاً في لحيتك أو أشفار عينيك وحاجبيك فخذ منه. فكأنّها تفصّل بين هذا البلل وبلل آخر وهذا التفصيل ينصرف إلى وجود نكتة مشتركة بين كلّ ذلك وهو بلة الوضوء. وأنّ الشارع لم يسمح للمكلّف أن يأخذ بلّة خارجية
ــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 1: 448، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فحال اللحية حال الحاجبين في أنه بلّة الوضوء. ومقتضى الإطلاق شمولها للمسترسلة.
التقريب الثالث: أن يستدل بمرسلة الصدوق التي تذكر هذا التفصيل ثم تقول: “فإن لم يبق من بلّة وضوئك شيء أعدت الوضوء”(1) وهو ظاهر عرفاً في أنّ ما ذكره أولاً كله بلة وضوء بما فيه بلة اللحية نفسها.
وهذا التقريبات الثلاثة كلّها محلّ الإشكال:
أمّا التقريب الأوّل: فإن أنكرنا كبرى دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص فواضح.
فإن رواية علي بن يقطين(2) ظاهرة بالوظيفة الاختيارية، ونحن نعلم من الخارج أنّ الوظيفة الاختيارية ليس هو أن يمسح ببلّة الوضوء كيفما اتفق، بل ببلّة الكفّ خاصّة فهو نعلم أنه مخصص ولا يمكن الأخذ بإطلاقه.
وبتعبير آخر: أنّ رواية علي بن يقطين تعين الوظيفة الأولية، وتلك الروايات مسوقة لبيان الوظيفة الثانوية فلا تصلح أن تكون مخصصّةً لها لاختلاف الموضوع بينهما.
وأمّا التقريب الثاني، فجوابه: أنّ التفريق لا يصلح بعنوان أنّ غسل اللحية المسترسلة مستحبّ، بل يكفي كونها بلة استعملت في الوضوء، بل لعلّها بلّة وضوء حقيقةً، ولكنها سقطت من الوجه إلى اللحية. وبهذا يفرق عن الماء
ــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 448، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(2) انظر: وسائل الشيعة 1: 444، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الخارجي الموجود في الإناء.
ومن ذلك يعرف الإشكال في التقريب الثالث؛ فإنّ بلّة الوضوء تعبير عرفي.
فإنّ هذا بلّة وضوء وإن لم يثبت الاستحباب.
فلم يبق لهذا الاستحباب إلاَّ قاعدة التسامح في أدلّة السنن، وهي على تقدير قبولها لا تثبت الاستحباب الوضوئي، وأنّ هذا بلّة وضوء بل الاستحباب النفسي.
إن كانت للمرأة لحية فهي كالرجل(1).
لو كان للمرأة لحية كلحية الرجل فهل يكتفي بغسل ظاهر اللحية، ولا يجب غسل البشرة، أو لا؟
هنا يجب أن نرجع إلى المدارك التي استندنا فيها إلى عدم وجوب غسل البشرة للرجل.
أحدها: الوضوءات البيانية(2): أنّ الإمام لم يعمل العناية في التخليل وهذا خاصّ بالرجل.
ــــــــــ[299]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 203، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل الوجه، مسألة 3.
(2) انظر: الباب 15 من أبواب الوضوء، وسائل الشيعة 1، 387.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ثانيها: “كلّ ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه”(1) وقد وردت
-كما ذكرنا(2)– في طريق للصدوق، وطريق الشيخ.
وبطريق الشيخ: “كلّ ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه”.
وبطريق الصدوق ورد بعد حوار سابق على هذا السؤال: “فليس للعباد أن يطلبوه”(3).
وهي لا عموم فيها لوجه المرأة؛ لأنّ زرارة قال: “أرأيت ما كان تحت الشعر”(4) تنصرف عن وجه المرأة التي لها لحية لشدّة المناسبة والاشراط بين اللحية والرجل.
ثالثها: أنه ليس وجهاً، بعنوان أنّ الوجه هو ما يواجه وهذا لا يواجه.
هذا أيضاً لا يشمل؛ لأنّ ما يواجه هو ما بحسب طبعه يواجه ووجه المرأة بحسب طبعه يواجه أيضاً.
نعم لو استظهر إلغاء الخصوصية بالفهم العرفي من قوله: “فليس للعباد أن يغسلوه”(5) وأنّ غسل الوجه ليس يجب فيه المؤونة، فيتعدّى.
ــــــــــ[300]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 364، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 36، وسائل الشيعة 1: 476، الباب 46 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(2) في المقام الأول: أنّه هل يجب غسله أو لا؟ فانظر: ص294 من هذا الكتاب، وفي حاشيته رواية الشيخ في التهذيب.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 45، باب حدّ الوضوء وترتيبه…، الحديث: 88.
(4) وسائل الشيعة 1: 476، الباب 46 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(5) تقدّمت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلاَّ أنّه محلّ الإشكال إن لم يثبت إجماع تعبدّي على الوجوب.
لا يجب غسل باطن العين والأنف والفم…
أولاً: لعدم المقتضي لوجوب غسلها، لأنّ العناوين التي وجب غسلها في أدلة الوضوء لا تشملها.
فالآية أُخذ فيها عنوان الوجه، وهو لا يشمل البواطن.
ثانياً: لو سلم ذلك فيرفع اليد عنها بالقاعدة المقرّرة في الروايات “لا يغسل إلَّا ما ظهر“.
مضافاً إلى أنّ باطن الأنف والفم منصوصة في أدلة المضمضة والاستنشاق.
في ما أحاط به الشعر لا يجزي غسل المحاط عن المحيط(1).
وقد سبق أن تحدثنا فيه.
الشعور الرقاق المعدودة من البشرة يجب غسلها معها.
وقد سبق أيضاً الكلام فيها.
ــــــــــ[301]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 203، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل الوجه، مسألة 4..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إذا شك في أنّ الشعر محيط أم لا يجب الاحتياط بغسله.
وقد سبق أن بحثناه.
إذا بقي ممّا في الحدّ ممّا لم يغسل لم يصحّ الوضوء ولو مقدار رأس إبرة.
وهذا هو مقتضى القاعدة الأولية المستفاد من إطلاق الآية الكريمة. ولا يوجد ارتكاز عرفي يقتضي الحمل على التبعيض كما في قوله: “فامسح على كفّيك من حيث موضع القطع”(1)، فإنَّه لا يفهم المسح بكلّ الكفّ وهذا لمناسبات عرفية. وإلَّا فيجب غسل الجميع.
ويؤكّد هذا الإطلاق عموم الروايات كقوله: “فليس له أن يدع شيئاً من الوجه إلاَّ وغسله…”(2).
ولا يوجد ما يتوهّم منه عدم وجوب الاستيعاب إلاَّ من ناحية ما دلّ على كفاية الماء القليل جداً بدعوى: أنّه كيف يمكن معه الاستيعاب؟
إلَّا أنّ المتأمّل يرى أن نزاعها صغروي، وأنّ الاستيعاب يحصل بذلك، لا أنه لا يجب الاستيعاب ولذا قال: “يأخذ أحدكم الراحة من
ــــــــــ[302]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 183، كتاب الطهارة، الباب 40، الحديث: 2. وسائل الشيعة 3: 365، الباب 13 من أبواب التيمم، الحديث: 2.
(2) وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الدهن،…فيملأ بها جسده والماء أوسع”(1)، يريد أن يشير إلى سرعة انتشار الماء.
إذا تيقن وجود ما يشك في مانعيته يجب تحصيل اليقين بزواله أو وصول الماء إلى البشرة، ولو شك في أصل وجوده يجب الفحص أو المبالغة حتى يحصل الاطمئنان بعدمه أو زواله أو وصول الماء إلى البشرة على فرض وجوده(2).
(إذا شكّ في وجوده يجب الفحص عنه حتّى يحصل العلم بوصول الماء إلى البشرة)، ظاهرها التفصيل بين الشكّ في مانعية الموجود، ووجود المانع.
ففي الأوّل: لا بُدَّ من تحصيل اليقين لعدم مانعيته، ولا يكفي الاطمئنان.
وأما في الثاني: فلا بأس بتحصيل الاطمئنان.
وهنا نقطتان من الكلام:
النقطة الأولى فيما ذكره من كفاية الاطمئنان في الفرع الثاني دون الأوّل، وهو لا موجب له، لأنّ الاطمئنان حجة عقلائية وهو أمارة من أقوى الأمارات في إحراز الغسل وهو لا يختصّ بأحد الفرضين دون الآخر. فمع حصول الاطمئنان لا إشكال في صحة الوضوء.
ــــــــــ[303]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.
(2) العروة الوثقى 1: 203- 204، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل الوجه، مسألة 9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مقتضى القاعدة في تمام الحالات هو وجوب الاحتياط وعدم الاكتفاء بالغسل مع احتمال المانعية بل مع الظن بعدمها في كِلا الفرعين. لأنّ المورد من موارد الاشتغال بعدم العلم بوجوب غسل البشرة.
وفي مقابل هذه القاعدة نحتاج إلى مؤمّن نرفع اليد به عنها، إمّا في كِلتا الحالتين، أو إحداهما، تقريب ذلك أمور:
بأن يقال: إنّنا نستصحب عدم وجود الحاجب؛ أمّا في موارد الشكّ في أصل وجود المانع فواضح، وأمّا في مانعية الموجود فإنّ مانعيته مسبوقة بالعدم، ولو قبل أن يوجد.
وجوابه: أنّ الاستصحاب مُثبت؛ لأنّ الواجب الشرعي هو غسل البشرة، وهو لازم عقلي لعدم وجود المانع.
ويمكن أن نطوّر هذا الاستصحاب بأن نجعل الاستصحاب تعليقياً لو صببنا الماء قبل ساعة لغسلت البشرة، والآن كما كان، بناءً على جريان الاستصحاب التعليقي.
إلَّا أنّه غير صحيح؛ لأنّ هذا الاستصحاب من الاستصحاب التعليقي في الموضوعات(1) ونحن إنما نقول بجريانه في الأحكام لا في الموضوعات، وهو ما
ــــــــــ[304]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول، القسم الثاني 5: 417، الاستصحاب، تنبيهات الاستصحاب، الاستصحاب التعليقي، تنبيهات الاستصحاب التعليقي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إذا كان الجزاء في القضية الشرطية المستصحبة نفس الحكم لا الموضوع.
إنّ رواية علي بن جعفر الواردة في الخاتم والسوار تكون دالّةً على عدم الاعتناء بمانعية الموجود، فضلاً عن وجود المانع. وقد يستدل بها على وجوب الاحتياط باعتبار ما يُرى من التهافت بين عبارتين:
1- قال: سألته عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها… كيف تصنع إذا توضّأت أو اغتسلت؟ قال: “تحركه حتى يدخل الماء تحته…”(1).
فلو بقينا نحن وهذه العبارة استفدنا منها ما هو القاعدة من وجوب الاحتياط في صورة الشك بمانعية الموجود.
2- كقوله في ذيل هذه الرواية فيما يخصّ الخاتم الضيق: “فليخرجه إذا توضأ”.
وهذا في مانعية الموجود فلو كان شاكّاً في جريان الماء تحته، فليس عليه أن يخرجه، بل يكتفي بالامتثال الاحتمالي، وهو مخالف للقاعدة.
ولذا قد يقال: إنّ هاتين الفقرتين متهافتتان؛ لأنّ الثانية تدل على الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي، والأولى تدلّ على عدم كفايته، بعد عدم الفرق بين موضع الخاتم وموضع السوار، ولا يمكن التعويل عليهما، فيرجع إلى مقتضى القاعدة وهو وجوب الاحتياط.
ــــــــــ[305]ــــــــــ
(1) مسائل علي بن جعفر: 204، قسم المسائل، الوضوء وأحكامه، الحديث: 435، وسائل الشيعة 1: 467، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ويمكن أن يعالج هذا التعارض بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أنّ الفقرة الثانية إنما تعارض الأولى بمفهومها: إن لم يعلم أنّ الماء يدخل وفرض عدم العلم له شقّان: الشكّ والعلم بالعدم، ففرض العلم بالعدم لا معارضة فيه، وإنّما التعارض في الشق الأوّل وهو الشكّ، فيقيد إطلاق العبارة الثانية بالعبارة الأولى.
وهو غير صحيح: فإنَّه مضافاً إلى أنه يلزم إلغاء خصوصية العلم، وحمله على الطريقية الصرفة، مع أنّ السؤال عن الوظيفة العملية لا عن الحكم الواقعي هذا، فإنّ مورد السؤال هو الشكّ، فلا يمكن إخراجه من تحت إطلاقه.
التقريب الثاني: أننا نلاحظ فرقين بين الروايتين.
الأوّل: أنّ العبارة الأولى تحكم بوجوب الاحتياط والثانية لا توجبه.
الثاني: أنّ العبارة الأولى تتعرّض إلى التحريك دون الثانية مع أنه واضح الكفاية، إذ لا تحتمل أنّ الإخراج واجب تعبّدي بما هو إخراج.
إذن فلا بُدَّ من أعمال عناية:
إمّا بأن نجعل عدلاً للإخراج في العبارة الثانية (فليخرجه أو يحركه)، ولذا الإمام سكت عنه اكتفاءً بما مضى من البيان.
وإما بأن نقول: إنّ السؤال ليس مورده عين مورد السؤال الأوّل، بل في مورد أنّ الخاتم ضيّق بنحو لا يدخل الماء تحته حتى بالتحريك، ولذا اقتصر الإمام على إخراجه.
ــــــــــ[306]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
حينئذٍ ينحلّ هذا التعارض؛ لأنّ معنى العبارة الثانية: (إذا لم يعلم): إذا علم أن الماء لا يدخله يعني: إذا احتمل أنّ الماء يدخله فلا يجب عليه أن يخرجه بل له أن يحرّكه وهو يتضمّن جعل التحريك إمارةً نوعيةً على وصول الماء.
وحمل السؤال الثاني على غير السؤال الأوّل يناسب مع وحدة الراوي ووحدة المجلس، إذ يمكن أن يفهم الراوي من حكم السوار حكم الخاتم.
نعم لو بنينا على التقريب الأوّل تكون العبارتان متعارضتين.
وهذا المطلب يناسب مع روايات أخرى، كرواية الحسين بن أبي العلاء التي أمر فيها بالتحويل في الغسل وفي الوضوء أمر بالإدارة(1)، فكأنّ الإدارة جعلت كافيةً في إيصال الماء، وعليه فلا يمكن أن يستفاد من رواية علي بن جعفر(2) عدم وجوب الاحتياط مطلقاً.
فإنَّها قائمة على عدم الفحص عن الحواجب عند الوضوء والغسل خصوصاً بالنسبة إلى الغسل، لأنّ الحاجب قد يكون في موضع لا يسهل الاطلاع عليه.
ــــــــــ[307]ــــــــــ
() يشير السيد الشهيد إلى خبر الكليني في الکافي (اسلامية)، الجزء: ٣، الصفحة: ٤٥ “اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلاَءِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنِ الْخَاتَمِ إِذَا اغْتَسَلْتُ قَالَ: حَوِّلْهُ مِنْ مَكَانِهِ. وَقَالَ فِي الْوُضُوءِ: تُدِيرُهُ. وَإِنْ نَسِيتَ حَتَّى تَقُومَ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ آمُرُكَ أَنْ تُعِيدَ الصَّلاَةَ“.
(2) مسائل علي بن جعفر: 204، وسائل الشيعة 1: 467، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهذا معناه عدم وجوب الفحص إمّا مطلقاً، أو مع حصول الظن بعدم الحاجب لأنّ السيرة لا إطلاق فيها لغيره فينتج حجيّة الظن بعدم الحاجب.
ولكن هذا الكلام غير واضح صغرًى، لإمكان منع هذه السيرة، لأنّ ما يرى هو السلوك الخارجي، وهو أنّ المتوضّي المتشرّع لا يفحص أعضاء وضوءه. لكن هذا هل هو بملاك حجيّة الظن أو كفاية الامتثال الاحتمالي؟ وارتكاز هذه النكتة محلّ المنع جداً في أذهان المتشرعة.
وإذا سألته عن أنّه لم يفحص، هل يعتذر بعدم العلم بعدم وجوده!
والسيرة ناتجة إمّا من الاطمئنان بعدم الحاجب، ولو من باب التسامح في مقدماته. وإما بالغفلة عنه.
فوجود هذه السيرة غير معلوم، إن لم يكن معلوم العدم. وبذلك يظهر أنّ القاعدة هي المرجع وهي وجوب الاحتياط في مانعية الموجود، ووجود المانع.
ــــــــــ[308]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثاني: غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع…(1)
الكلام في ذلك بعد الفراغ عن أصل وجوب غسلها الذي هو موضع التسالم بين المسلمين،(2) والنص عليه قرآناً(3) وسنّة.
ويقع الكلام في جهات:
بمعنى: وجوب غسل المرفق وعدمه.
المعروف بين علمائنا وجوب غسله، بل لم ينقل تشكيك يعبأ به، وهو المعروف بين علماء العامّة، لكن نقل الخلاف عن مالك(4) وزُفر(5).
ــــــــــ[309]ــــــــــ
() العروة الوثقى 1: 204، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين.
(2) انظر: جامع المقاصد 1: 215، كتاب الطهارة، المقصد الرابع، الفصل الأول، الثالث، وكذا: مختصر القدوري: 11، كتاب الطهارة.
(3) المائدة: 6.
(4) أنظر: (المغني) لابن قدامة 1: 172: عيون المسائل، للقاضي عبد الوهاب المالكي 67: في بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1: 18.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 6، كتاب الصلاة، كيفية الوضوء، قال: “وقال زفر بن الهذيل –رحمه الله- لا يدخل، لأنه غاية في كتاب الله –تعالى- والغاية حدّ، فلا يدخل تحت المحدود…”. وانظر: البيان في مذهب الشافعي 1: 120، والتعليقة للقاضي حسين 1: 267، وقال المرتضى في المسائل الناصريات 118: “يدخل المرفقان في الوضوء. وهذا صحيح، وعندنا أن المرافق يجب غسلها مع اليدين، وهو قول جميع الفقهاء إلا زفر بن الهذيل وحده”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والذي يمكن أن يستدلّ به على وجوب غسله مع اليد أحد وجوه:
وهو يتوقّف على أحد أمرين:
الأوّل: أن نفسّر هنا (إلى) بمعنى (مع) أي مع المرافق.
الثاني: أنّ (إلى) بمعنى الغاية.
لكن يستشكل أنها داخلة في المغيّا ولا يبعد أنّ أصل الأمر الأوّل يرجع إلى الأمر الثاني.
أما الأمر الأوّل: فهو على تقدير تسليم صحة استعماله مجازاً فهو يحتاج إلى قرينة.
وأما الثاني: فالغاية تارةً تكون أمراً حدّياً كجعل السطح حداً للجسم والنقطة حداً للخط. وهي النهاية التي لا تقبل الانقسام إلى جزئين. وأخرى تكون الغاية غايةً عرفيةً مسامحيةً، وتنقسم إلى أجزاء.
أما في القسم الأوّل فلا معنى للبحث في دخوله وعدم دخوله لأنَّها أمر وهمي حدّي.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وإنّما الكلام في القسم الثاني والمرفق منه.
وهنا قد يقال: إنّ مقتضى القاعدة هو الإجمال لأنّ مقتضى جعل الغاية غايةً مع كونها ذات أجزاء هو جعل كلّ جزءٍ جزءٍ منها غايةً، مع أنه هذا متهافت. لأجل أنّ جعل الجزء الأوّل غاية يخرج الجزء الثاني، وبالعكس والغائية غير قابلة للتعدّد وللتكثر.
وبتعبير آخر: إنّ إطلاق غائية هذا المركب للجزء الأوّل يعارض إطلاقه للجزء الأخير.
فلا يمكن جعل الجزء الأوّل غايةً، ولا الأخير، لا بمعنى جعل الغاية التي تخرج عن المغيّا، ولا الغاية التي تدخل فيها.
وقد يقال: إنّه لا إجمال، لأنّ المركّب وإن كان منحلّاً إلى أجزاء متعددة تحليلاً، لكنه عرفاً لوحظ بما هو أمرٌ واحد وجعل غايةً ونهايةً، فليس عندنا تطبيقات متعدّدة للغائية، بل غائية واحدة قائمة بوجود واحد عرفاً، فلا يحصل تهافت بين الإطلاقين.
وإنّما يبقى الكلام في معنى الغاية؛ هل بمعنى أنها طرف الشيء فتكون داخلةً، أو نهايته لتكون خارجةً؟
ولا شك أننا إن لم نستظهر أنّ الغاية بمعنى النهاية فلا أقل من الشكّ.
إذن: فالآية الكريمة لا يمكن الاستدلال بها في غسل المرافق مع اليدين وإنّما العمدة في ذلك هو الروايات.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إنّ كلمة (إلى المرافق) إن كانت مجملةً، ولا يثبت بها الوجه الأوّل؛ لأنّ (إلى) بمعنى الغاية، لكنها مجملة من حيث إنّها داخلة في المغيّا أو خارجه، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها لإثبات وجوب غسل المرفق.
فنتمسّك بقوله: “اغسل يديك” في الروايات.
داود بن فرقد قال: “سمعت أبا عبد الله قال: إنّ أبي كان يقول: إنّ للوضوء حدّاً… تغسل وجهك ويديك وتمسح رأسك ورجليك…”(1).
ومقتضى إطلاقه وجوب غسل تمام اليد إلى العضد وهذا الإطلاق نعمل به، ونرفع اليد بمقدار ما قام الدليل على خلافه، وهو مقدار ما فوق المرفق من العضد، فنتمسّك به لإثبات وجوب غسل المرفق.
هذا لو فرض إجمال الآية الكريمة. وأما لو كانت ظاهرةً في الغائية، وخروج الغاية عن المغيّا، فهذا الاستدلال لا يتم؛ لأنَّها تدلّ على عدم وجوب غسل المرفق حينئذٍ بمفهوم الغاية.
وكذلك لو لم نقل بالمفهوم لأنّ معنى عدم القول بالمفهوم أنّها لا تدلّ على انتفاء سنخ الحكم بوقوع الغاية، ولكنها تدلّ على انتفاء شخص الحكم على أيّ حال وهو كافٍ، لعدم احتمال أن يكون هناك مكان لوجوب الغسل.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 71، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 3، وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلَّا أنه مع هذا لا يمكن التعويل على هذا الوجه:
أولاً: أنّ كلمة (اليد) وإن كانت تطلق على ما يشمل اليد إلى الكتف، إلَّا أنه لا يعلم أن هذا هو معنى كلمة اليد منحصراً بحيث لو أريد منه البعض كان من باب التقييد. ولا يبعد أن تكون مشتركة اشتراكاً لفظياً بين أجزاء اليد كلها فلا يمكن التمسّك بالإطلاق.
ثانياً: لو سلّم الإطلاق في نفسه لا يمكن التمسّك بالإطلاق في أمثال رواية داود التي نقول: “تغسل وجهك ويديك”(1).
ونكتته: أنه يعلم علما ارتكازياً متصلاً أنه لم يرد من اليد هذا المعنى على إطلاقه؛ لأنّ عدم وجوب غسل اليد إلى الكتف ممّا أجمع عليه المسلمون المتشرّعة، فهذا الارتكاز في اليد يكون قرينةً أنه أريد من اليد حدّ من الحدود العرفية في اليد.
اللهم إلَّا أن يقال: إنّ الضرورات تقدّر بقدرها. فالارتكاز إنما يكون محدّداً للرواية بالنسبة إلى المتيقّن خروجه وأما المرفق فلا يكون موجباً للإجمال من ناحيته.
رواية علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضّأ قال: “يغسل ما بقي من عضده”(2)(3).
ــــــــــ[313]ــــــــــ
() تقدّمت قريبا.
(2) باب 49 من الوضوء، (المقرر).
(3) الكافي 5: 93، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 9، وسائل الشيعة 1: 479، الباب 49 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
حيث يقال: إنّ المرفق إذا كان خارجاً عن وجوب الغسل، إذن: فمن قطعت ذراعه من المرفق لا يجب عليه شيء، مع أنّ الإمام قال: “يغسل ما بقي من عضده” وهو دليل على أنّ المقدار الواجب يمتد إلى العضد إذن فهو يشمل المرفق.
وهذا يتوقّف على أمور ثلاثة:
الأوّل: أنّ المرفق يأخذ من العضد شيئاً.
وأما إذا قلنا: إنّ المرفق هو نقطة الفصل ما بين العظمين، بحيث لا يؤخذ من عظم العضد شيئاً، فلا يمكن الاستدلال بالرواية لأنه أمر بغسل العضد، وهو ليس من المرفق. فيكون أمراً تأسيسياً، لا أنه تحفّظ على ما يجب عليه غسله قبل ذلك.
الثاني: أن يكون ظاهر هذه العبارة: “يغسل ما بقي” ممّا كان يجب عليك أن تغسله من العضد، حتى يحمل على المرفق.
وأما إذا قلنا: إنّ معناها اغسل عضدك بتمامه، فيكون منحصراً بأن يكون أمراً تأسيسياً من باب التعويض فنحمله على الوجوب، أو الاستحباب.
الثالث: لو سلّمنا أنّ المقصود هو المرفق بعنوانه، بحيث يكون هو مصبّ الأمر كما لو قال: اغسل المرفق، فيتوقّف هذا على استظهار أنّ هذا الأمر هو نفس الأمر الأوّلي، لا أمر ثانوي نشأ عن التعويض عن الأمر الأوّلى.
وهذه الأمور بمجموعها ليست بتامّة، على الأقل الوجه الأوّل منها.
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فإنّه غسل المرفقين، وانتبه إليه الراوي وسجله؛ فيستدلّ به على الوجوب بالتقريب المتقدّم من أنّ ظاهر الوضوءات البيانيّة تعليم الحدّ الأقلّ الواجب، ما لم تقم قرينة على الخلاف.
وليس في مقابله إلاَّ شبهة واحدة وهي: أن يكون غسلها من باب المقدمة العلمية. إلاَّ أنّ هذا الاحتمال لا يضر بظهور هذا الفعل، كما أشار إليه صاحب الجواهر(2). فإن ظاهرها هو بيان الوضوء المجعول في نفسه فيكون ظاهره أنّ المرفق بعنوانه يكون واجباً، لا أنه مقدمة.
وحيث إنّه وضوء بياني، فيكون كاللفظ يكون ظاهره الوجوب النفسي لا المقدّمي ويدعمه الإجماع من قبل المسلمين جميعاً إلَّا الشواذ(3).
الترتيب في غسل اليدين، وفيه مسائل:
وهذا لا يمكن استفادته من الآية الكريمة، لأنَّها معطوفة بالواو. ولذا تمسّك أغلب علماء العامة بالإطلاق(4)، وجوّزوا غسل اليد قبل الوجه، إلاَّ أنّ
ــــــــــ[315]ــــــــــ
(1) الواردة في الباب 15 من أبواب الوضوء، وسائل الشيعة 1: 387.
(2) انظر: جواهر الكلام 1: 500-501، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الثالث.
(3) وهو ما ذهب إليه مالك وزُفر كما تقدّم.
(4) انظر: عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكي: 66، مسائل الطهارة، مسألة 9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
هذا الإطلاق مقيّد بالأخبار الدالة على وجوب غسل اليد بعد الوجه، ولا خلاف فيما بنينا.
ويدلّ عليه صحيحة منصور ابن حازم، عن أبي عبد الله: في الرجل يتوضّأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين، قال: “يغسل اليمين، ويعيد اليسار”(1) فتكون مقيدة للمطلقات.
بمعنى الابتداء من الأعلى، والانتهاء إلى الأسفل.
وهو المشهور بين الإمامية(2) وإن نقل عن بعض علماء الإمامية كما نقل عن السيد المرتضى(3)، وابن إدريس(4)، واستقرب ذلك جملة من العلماء المتأخرين.
وأمّا العامة(5) فهم عملاً ملتزمون بالنكس ولكن لم أجد في كلمات أيّ من علمائهم بوجوب ذلك فإنّ مذاقهم واسع، فإنهم لا يقولون بالترتيب بين اليدين
ــــــــــ[316]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 97، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 102، وسائل الشيعة 1: 451، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(2) انظر: جواهر الكلام 1: 503، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الثالث.
(3) نقلنا مصدر قوله في بعض الحواشي فانظر: (وجوب الابتداء من الأعلى في الوجه – القول بعدم الوجوب)، ص280.
(4) موسوعة ابن ادريس: 177.
(5) انظر: المبسوط للسرخسي 1: 6، كتاب الصلاة، كيفية الوضوء.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والوجه، فكيف باليد الواحدة!
والشيخ في الخلاف(1) نقل عن علماء العامة الإجماع على الجواز والتخيير، وهم –عملا- على النكس، ويسمّون عملنا نكساً، ولعلّ ذلك بسبب أنّ هذا هو الأسهل.
وفي أخبارهم(2) أنّ الصحابة كانوا يتوضؤون بذلك.
وأمّا بالنسبة إلى المدرك، فلو خلينا نحن والآية الكريمة(3) فلا يمكن أن نستفيد منها وجوب الغسل من المرفقين إلى الأصابع لأنّ (إلى) إما أن تكون بمعنى مع فيكون مفادها: اغسلوا أيديكم مع المرافق فتكون مطلقةً من حيث اتجاه الغسل.
فإن قلنا: إنّ (إلى) بمعنى الغاية، فإن فرضنا أنّها تحديد للمغسول، فأيضاً الكلام هو الكلام وإن فرضنا أنها للغسل فيكون ظاهره وجوب النكس من الأصابع إلى المرفقين.
ــــــــــ[317]ــــــــــ
() كتاب الخلاف للشيخ الطوسي 1: 83، ونقل محقق الكتاب المصادر التالية: مسائل الامام أحمد بن حنبل: 6، وأحكام القرآن لابن العربي 572:2 وتحفة الاحوذى 134:1، ونيل الأوطار 192:1.
(2) رووا ذلك عن عثمان، وأبي بكر، بل وعن عليّ برواية عبد خير عنه، انظر: المصدر السابق نفسه، وكذا: المدونة 1: 114، كتاب الوضوء، ما جاء في الوضوء.
(3) المائدة: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وإن فرضنا أنّها مردّدة ومجملة فلا يمكن التمسّك بها فهي لا تدلّ على وجوب النكس، كما عليه العامة.
أولاً: لعدم ظهور الآية بالاحتمال الثالث، بل يناسب أن يكون غايةً للمغسول.
ثانياً: أنه خلاف إجماع المسلمين على ما نقل الشيخ والخلاف بيننا وبينهم في جوازه لا في وجوبه فالاستدلال بالآية لا ينفعهم.
وتأويله بحمله على الاستحباب ليس بأقرب من تأويل الغاية بأنّها للغسل لا للمغسول، فالمعوّل على الروايات.
1- مكاتبة علي بن يقطين
على تقدير صحة الرواية، علّمه الوضوء الصحيح: قال: “واغسل يديك من المرفقين”(1) وظاهره وجوب الابتداء بالمرفق.
وناقش السيد الحكيم(2) في المستمسك: بأنه كما يمكن أن يكون نقطة ابتداء للغسل، كذلك يمكن أن يكون نقطة ابتداء للمغسول سنخ ما نقوله في الآية.
وهذه الرواية بعد ملاحظة تمامها لا يحتمل فيها ذلك؛ لأنه أولاً علّمه
ــــــــــ[318]ــــــــــ
(1) الخرائج والجرائح 1: 336، الباب الثامن، الحديث: 26، وسائل الشيعة 1: 444، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(2) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 345، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، الثاني غسل اليدين.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وضوء العامّة، فقال: “تغسل يديك إلى المرفقين“. ثم قال: “تغسل يديك من المرفقين“، وعند ملاحظتهما لا يشكّ أنه قيد للغسل، لا للمغسول، وإلا لكانت العبارتان بمعنى واحد.
إلَّا أنه لا يمكن الاستدلال بها باعتبار ضعف سندها.
2- رواية الهيثم بن عروة التميمي
“سألت أبا عبد الله عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ فَقُلْتُ هَكَذَا وَمَسَحْتُ مِنْ ظَهْرِ كَفِّي إِلَى الْمِرْفَقِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا تَنْزِيلُهَا إِنَّمَا هِيَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنَ الْمَرَافِقِ ثُمَّ أَمَرَّ يَدَهُ مِنْ مِرْفَقِهِ إِلَى أَصَابِعِهِ“(1).
وهي واضحة دلالة، بل تكون ناظرة إلى الآية ومؤوّلة لها، إلَّا أنها لا يكون التعويل عليها.
أولاً: لضعفها بسهل بن زياد(2).
ثانياً: ضعف مضمونها؛ لأنَّها تقول: هذا “تنزيلها” لا تأويلها، فهي ليست في مقام شرح معنى الآية لتكون حاكمةً، بل في مقام بيان النصّ المنزل، فتكون مقطوعة البطلان لتواتر النصّ القرآني.
ــــــــــ[319]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 91، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 5، وسائل الشيعة 1: 406، الباب 19 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) انظر: رجال النجاشي: 185، باب السين، الرقم: 490،
معجم رجال الحديث 8: 494، باب السين، تفصيل طبقات الرواة، سهل بن زياد.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مضافاً إلى معارضتها بروايات أخرى، كرواية صفوان التي يستدلّ فيها الإمام بالآية ويقرئها، قال: “…ثمّ يفيضه على المرفق…”(1).
3- ما نُسب إلى زرارة
وهناك رواية أخرى اختصّ بالاستدلال بها السيد الحكيم(2)، قال: في صحيحة زرارة: “ولا تردّ الشعر في غسل اليدين”(3). ومعناه الغسل منكوساً.
وقد خرّجه عن الفقيه للصدوق وقد غفل فإنّ الظاهر أنها ليست روايةً، بل عبارة للصدوق، ولذا لم يستدل بها أحد من العلماء أصلاً، كما أنه لم يستدل هو بالفتاوى الأخرى للصدوق الواردة مع هذه العبارة.
4- رواية صفوان
العياشي عن صفوان عن أبي الحسن، “قلت: يرد الشعر قال: إذا كان عنده آخر فعل وإلا فلا”(4).
يرد الشعر يعني: الغسل بعكس اتجاه الشعر، وقوله: “إذا كان عنده آخر“، يعني: إنسان آخر وهو منصرف إلى مسألة التقية يعني: إذا كان الآخر عامياً
ــــــــــ[320]ــــــــــ
(1) انظر: مستدرك الوسائل: 312، الباب 18 من أبواب الوضوء، الحديث: 698.
(2) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 345، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، الثاني: غسل اليدين.
(3) الفقيه 1: 44-45، باب حدّ الوضوء وترتيبه، الحديث: 88، الا أنّ هذا النصّ مذكور بعد الرواية مباشرةً بوصفه تعليقا من الصدوق رحمه الله، كما ذكر المصنف.
(4) تفسير العياشي 1: 300.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
اتّقاه ورد الشعر وإلا فلا. وهو ظاهر بالنهي عن ردّ الشعر وهي واردة في مستدرك الوسائل(1)، وهي ساقطة سنداً لإرسالها من العياشي إلى صفوان.
وناقش في المستمسك(2): أنَّ (لا) وإن كانت نهياً إلاَّ أنها في مورد توهّم الوجوب فإنّ أكثر المسلمين كانوا ملتزمين بردّ الشعر فهو في معرض أن يكون واجباً فقوله: “يرد الشعر“، يعني: هل يجب ردّ الشعر فلا يكون ظاهراً بالحرمة؟
إلَّا أنّ هذه المناقشة كأنها كانت مبنية على هذه القطعة من الرواية فإن الرواية أطول من ذلك قال: “قلت: فإنَّه قال: فاغسلوا أيديكم إلى المرافق فكيف الغسل؟ قال: هكذا أن يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبّه على اليسرى ثم يفيضه على المرفق.. قلت: يرد الشعر …”(3).
فيمكن أن يتمسّك بظهور الأمر بالوجوب فإنَّه ظاهر بوجوب البدء بالغسل بالمرفق نعم لو كانت هناك مناقشة هناك فيمكن أن تكون بتقريب: أنّ العبارة فيها مستحبات بلا إشكال، فقد يقال: إنّ الأمر بالصبّ للاستحباب، إلَّا أنّ هذا بعيدٌ إذ يعني أنّ قوله: “يأخذ الماء في اليمنى، فيصبه على اليسرى” يصير قرينةً على قوله: “ثمّ يصبّه على المرفق” فإنّ الشبهة كانت على ظهور الآية بالنكس فالمناقشة إن كانت فهي هذه، لا تلك.
ــــــــــ[321]ــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل 1: 312، الباب 18 من أبواب الوضوء، الحديث: 698.
(2) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 345، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، الثاني: غسل اليدين.
(3) مستدرك الوسائل 1: 312، الباب 18 من أبواب الوضوء، الحديث: 689.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
5- [رواية علي بن عيسى]
عن علي بن عيسى، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه في حديث طويل: “فعلمه جبرائيل الوضوء على الوجه واليدين من المرفق، ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين”(1)(2).
فابتداء الغسل يكون من المرفق.
إلَّا أنها ساقطة سنداً لإرسالها بين (كشف الغمّة) وعلي بن إبراهيم وكذلك ما بعده، هذا أولاً.
وثانياً: إنّ غاية ما يقتضيه: أنّ جبرائيل علّم رسول الله الوضوء بهذا النحو، وهو أعمّ من الاستحباب.
وثالثاً: أنه من المحتمل أن قوله: “من المرفقين” أن يكون تحديداً للمغسول لا للغسل ويؤيده قوله: “إلى الكعبين” بناء على ثبوت جواز النكس في الرجلين على ما يأتي في الروايات الصحيحة، فقوله: “إلى الكعبين” حدّ للممسوح لا للمسح فيكون قوله: “من المرفقين” حدّاً للمغسول.
6- رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع
عن أبي الحسن قال: “فرض الله على النساء الوضوء للصلاة أن
ــــــــــ[322]ــــــــــ
() كشف الغمّة، (المقرر).
(2) كشف الغمّة 1: 88، ما جاء في إسلامه وسبقه وسنّه يومئذ، وسائل الشيعة 1: 400، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 24.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يبتدئن بباطن أذرعهنّ وفي الرجال بظاهر الذراع”(1).
وهذا لا يناسب إلاَّ بالابتداء من أعلى إذ لو كان الابتداء من الكفّ لا يسمى باطن الذراع وظاهرها.
إلَّا أن هذا لا يتم:
أولاً: باعتبار ضعف السند، لأنَّها رواها الصدوق مرسلاً عن الإمام الرضا. ورواه في الكافي عن إسحاق بن إبراهيم(2) وهو ممن لم نعرفه بالوثاقة.
ثانياً: أنه لا يمكن الاستدلال بها على وجوب القدر المشترك، لأنّ كليهما محمول على الاستحباب فلا يبقى دليل على القدر المشترك يكون واجباً، بل لعلّه مستحب.
والوضوءات البيانية هي التي يمكن الاستدلال بها مدعومة بما استقرّ عليه عمل الطائفة. فإنّ الراوي أشار في عدد منها أنّ الإمام كان يضع الماء على المرفق، وكان لا يردّ الشعر وهذا بنفسه دليل كافٍ على الوجوب.
ولا يتوهّم أنه لا يدل على ذلك: لأنّ الغسل من أعلى إلى أسفل هو أحد الوجهين. فاختيار الإمام له لا يدل على وجوبه.
وجوابه: أنّ هذه الوضوءات البيانية وردت في مقام تعليم الوضوء
ــــــــــ[323]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 92، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 6، وسائل الشيعة 1: 467، الباب 40 من أبواب الوضوء، الحديث: 1، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
(2) انظر: رجال الطوسي: 162، أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، باب الهمزة، الرقم: 1832-136،
معجم رجال الحديث 3: 33، باب الألف، الرقم: 1105
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الصحيح الذي جاء به النبي، وإخراجه من تحريفات المحرّفين الذي عليه علماء العامّة.
فإنها جميعاً واردة بصدد شجب هذا الاتجاه ولذا يقول: “ألا أحكي لكم وضوء رسول الله“(1)، ففي هذا الخبر يكون له ظهور في الوجوب.
كما أنّ استقرار بناء الطائفة على ذلك وإن خالف بعض علمائهم أيضاً يكشف عن الوجوب، إذ بنائهم عليه مع بناء غيرهم على غيره يحتاج إلى عناية شديدة صارفة. فلماذا اختارت ذلك حينئذ؟ إنّها خلاف التقية ومجاملة العامة الذي كانت تحرص عليه الطائفة، خصوصاً إذا عرفت ما قلنا: من أنّ الغسل من أسفل إلى أعلى أسهل، فهو يكشف كشفاً اطمئنانياً عن وجود عناية شديدة أوجبت ذلك، وهو بيانات الأئمة.
والمرفق مركّب من شيء من الذراع وشيء من العضد، ويجب غسله بتمامه…(2)
ما هو المرفق؟ كلمات أرباب اللغة(3) تتّجه إلى تعريف المرفق بما يجعله
ــــــــــ[324]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15، من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(2) العروة الوثقى 1: 204، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين.
(3) انظر: لسان العرب لابن منظور 5: 274، حرف الراء، قال ما لفظه: “الجوهري: والمِرفَق والمَرفِق مَوصِل الذراع في العضد…، ابن سيده: المِرفَق والمَرفِق من الإنسان والدابّة أعلى الذراع وأسفل العضد”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
المفصل بحيث يكون بينهما العموم المطلق، يعني أحد المفاصل هو المرفق، فيكون أحد مصاديق المفصل، فيكون هو الفاصل والالتقاء بين العظمين، ولا يدخل فيه شيء من عظم العضد، ولا عظم الساعد.
وكلمات الفقهاء تتّجه إلى أنّ المرفق هو جزء عيني بين العظمين، ويعبّر عنه عادة بمجموع رأسي العظمين.
والظاهر أنه لا تعارض بين هذه الكلمات، فإنّ المرفق هو ما قاله أرباب اللغة من أنه المفصل، فليس شيء من العظمين داخلاً فيه.
ولكن حين يقع المرفق موضوعاً في الدليل نُعمل مناسبات الحكم والموضوع حين يرد أمر بغسله، فيحمل لا على الحدّ الفاصل، بل على المنطقة التي تكون مركّبةً من جزء من هذا الجانب، وجزء من ذلك الجانب، إذ إنّ الحدّ الفاصل لا معنى لغسله. فإنّ الغسل إنما يكون للبشرة بالمقدار الذي يكون موازياً لها من العظمين فالفقهاء فسّروا المرفق بحسب هذه المناسبات.
فبحسب النتيجة يجب غسل جزء من هذا العظم، وجزء من هذا العظم لا من باب أنه المرفق، بل للمناسبات التي قلناها.
ويظهر الأثر العملي فيما إذا قطعت الذراع؛ فلو كان المرفق كما فسّره الفقهاء جزءاً من هذا العظم، وجزءاً من هذا العظم، بحيث يكون هذا تخطئةً لأرباب اللغة من قبلهم، يكون مقتضى القاعدة غسل جزء من عظم العضد، بمقتضى قاعدة الميسور المسلّمة في باب الوضوء.
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأمّا بناءً على ما شرحناه من أن معنى المرفق هو الذي قاله أرباب اللغة، وإنّما الفقهاء استفادوا ذلك من موضوعيته للدليل، حينئذٍ لا دليل على وجوب غسل شيء من العضد على القاعدة؛ فإنّ المفصل والحدّ الفاصل لا معنى له إلاَّ مع وجود شيئين: ساعد وعضد، وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال فيها.
وكل ما هو في الحدّ يجب غسله وإن كان لحماً زائداً أو إصبعاً زائدة(1)
هذا الشيء الزائد يتصور على نحوين:
النحو الأوّل: ما كان داخلاً في تركيب اليد كالإصبع السادسة.
النحو الثاني: أن لا يدخل في تركيب اليد كاللحم الزائد.
أما في القسم الأوّل فلا ينبغي الاستشكال في وجوب غسله فإنَّه مشمول لليد المذكورة في الآية الكريمة.
وأما في القسم الثاني: فإثبات وجوب غسل ذلك في غاية الإشكال.
وإن أدّعي عليه الإجماع(2) فإن ثبت فهو الحجّة وإلا فهو في غاية الإشكال.
ــــــــــ[326]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 204، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين.
(2) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 348، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، الثاني غسل اليدين.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لأنه لا يصدق عليه عنوان اليد، والذراع هيئة مخصوصة مركوزة في الأذهان عرفاً وليس كلّ زيادة فيه تكون منه؛ فدعوى شمول عنوان اليد بالإطلاق له إن لم نجزم بعدمه فلا أقل من الشك.
فإن جزمنا بعدم شموله يكون مرجعنا الإطلاق في الأدلة من حيث دلالتها على عدم وجوب غسل غير ما ذكر.
وأمّا إذا ادّعينا الإجمال، ولم نجزم بصدق عنوان اليد عليه، أو قلنا إنّنا نحتمل أنّ الأمر بغسل اليد يشمله، ولو بالتبعية، بنحو أوجب إجمال الدليل، فيرجع إلى الأصول العملية وهو أصالة البراءة عن الزائد ولا يكون المرجع أصالة الاشتغال كما سبق.
وقد يقال: بالتفصيل بين أن يكون الشيء الزائد خارجاً عن حدود الأصابع أو أنها داخلة في حد الأصابع، فإن كان خارجاً فلا يجب غسلها أو لا يجب غسل الخارج منها وعلى الثاني يجب غسله.
ووجه هذا التفصيل -على ما في المستمسك(1)-: أنّ أطراف الأصابع جعل غاية لغسل اليد كما في حدود الوجه، فاللحية المسترسلة. وإن قلنا أنها من الوجه، إلاَّ أنها لا يجب غسلها؛ لأنَّها خارجة عن الحدّ، فما خرج عن أطراف الأصابع لا يكون داخلاً في الحد، ولو صدق عليه عنوان اليد.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
(1) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 348-349، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، الثاني غسل اليدين.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلَّا أن هذا مبنيٌ على العبارة التي افترضها السيد وعرفنا أنها للصدوق(1) فإنَّه ورد فيها: “يغسل من المرفقين إلى أطراف الأصابع” فلا يمكن الاستدلال بها على حكم شرعيّ. وفي الروايات الحقيقية لا يوجد ذكر الحدّ بالأصابع حتى يتمسّك به لإثبات التحديد.
ولو وجد ذلك لا يفهم منه العرف التحديد، بل يفهم منه أقصى ما يتصور من الامتداد فلا يكون نفياً للزائد.
وهذا بخلاف الوجه؛ فإنَّه إذا قيل: إلى الذقن مع وجهية اللحية ينسبق إلى العرف أنه تحديد للزيادة والنقصان.
إذن فالصحيح هو التفصيل بين النحوين الأولين.
ويجب غسل الشعر مع البشرة…(2)
مسألة الشعر في اليدين:
والشعر في اليدين كالوجه يمكن افتراضه محيطاً وغير محيط، وإن كان الغالب فيه عدم الإحاطة فهنا فرضان:
ــــــــــ[328]ــــــــــ
(1) إشارة الى ما تقدّم من تعليق الصدوق رحمه الله على رواية زرارة المروية في الفقيه 1: 44-45، باب حدّ الوضوء وترتيبه، الحديث: 88، والتي اعتقد السيد الحكيم أنها جزء من الرواية، فاستدلّ بها.
(2) العروة الوثقى 1: 204، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ولا إشكال بوجوب إيصال الماء إلى البشرة تمسّكاً بالإطلاقات، وهو غسل اليد التي تتمثل في البشرة ولا يوجد ما يقيدها.
وأما وجوب غسل الشعر فهو نظير ما قلناه في الوجه؛ فإن كان ناعماً يجب غسله من باب التبعية والاندكاك عرفاً فإنَّه من الجلد، وغسله غسل الجلد.
وأما إذا كان شعراتٍ متفرقةً طويلةً لها وجودٌ عرفيٌ في مقابل البشرة فإثبات وجوب غسلها لا يخلو من إشكال.
إلَّا أنّ نفي وجوبها أيضاً لا يخلو من إشكال، لما تقدّم من الإطلاق المقامي، بعد تعذّر اللفظي، لأنه ليس يداً، لا شرعاً ولا عرفاً، إلاَّ أنّ الإطلاق المقامي تامّ فاليد لها وضع عرفيّ مألوف، وكل من يغسل يده يغسل معه الشعر عادةً.
وهذا قد يوجب انصرافاً في الآية والروايات إلى ذلك، ومنه يحتاج بغسله احتياطاً وجوبياً.
أمّا البشرة فمقتضى الإطلاقات هو وجوب غسلها؛ لأنَّها أُخذ فيها عنوان اليد، وكونها مستورةً بالشعر لا يخرجها عن كونها يداً.
وما قد يتوهّم كونه مقيداً لهذا الإطلاق أحد أمرين:
الأمر الأوّل: ما دلّ على أنّ الواجب في الوضوء غسل الظاهر(1) دون الباطن، وبشرة اليد لا تكون ظاهراً، فلا يجب غسله.
ــــــــــ[329]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 1: 431، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وقد تعرّضنا إليه في الوجه(1)، وقلنا: أنّه يراد بقرينة المضمضة والاستنشاق ما كان ظاهراً بحسب طبيعة تكوينه، في مقابل ما يكون باطناً بحسب تكوينه، كباطن الفم والأنف.
الأمر الثاني: العموم الوارد في صحيحة زرارة: “أرأيت ما تحت الشعر؟ فقال: كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ولكن يُجرى عليه الماء“(2).
وإذا لوحظت رواية الشيخ الطوسي(3)، فإن الوجه لم يكن مورداً للحديث بين الراوي والإمام.
وإذا لوحظت رواية الصدوق(4) فقد كان يتكلم عن حدّ الوجه غير أنّ العبارة عامّة: “كل ما أحاط به الشعر”، والعبرة بإطلاق الجواب لا بمورد السؤال.
والنسبة بينه وبين ما دلّ على وجوب غسل اليد هي العموم من وجه، إلَّا أنّ هذه الرواية مقدّمة بوجوه، لا أقلّ بملاك النظر والحكومة؛ فينتج عدم وجوب غسل البشرة التي تحت الشعر.
إلَّا أنّ فقهائنا -بعد نسبتهم- لم يفهموا العموم، وقالوا: إنّها خاصّة بالوجه، ولا تشمل اليد.
ــــــــــ[330]ــــــــــ
(1) في هذا الكتاب فراجع الكلام عنه بمقتضى المخصّص)، ص292، و301.
(2) وسائل الشيعة 1: 476، الباب 46 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(3) انظر: تهذيب الأحكام 1: 364، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث: 36.
(4) انظر: من لا يحظره الفقيه 1: 45، باب حدّ الوضوء، وترتيبه وثوابه، الحديث: 88.تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قال الشيخ(1): إنّ هذا لا يناسب قوله: “ولكن يجري عليه الماء”، لأننا لو فهمناه على عمومه لشمل مواطن المسح أيضاً، فإما أنّ هذا العموم أريد به البعض، أو الالتزام بالعهدية في قوله: “الشعر”، وهو شعر الوجه لا الشعر على الإطلاق.
وبناءً على التخصيص يتمّ الاستدلال بالرواية لأنّ القدر المتيقّن هو إخراج موارد المسح، وأما إخراج بعض مواطن الغسل فهو بلا موجب، وأما مع العهد فلا يمكن التمسّك بالإطلاق فظني أنّ مراد الشيخ هو ذلك.
إلَّا أنّه مع ذلك محل إشكال لأنّ التخصيص بقرينة متصلة وهو ليس فيه تلك العناية والعهدية فيها عناية، لأنه خلاف ظهور اللام بالجنس فيمكن أن يقال: إنّ هذه العبارة غاية ما تقتضي هو رفع اليد عن العموم بمقدار موارد المسح ونتمسّك بالعموم بالنسبة إلى الباقي.
إلَّا أنّ أصل المدّعى لا ينبغي الاستشكال فيه وهو أنّ العرفي لا يتمسّك بالإطلاق وأنّ المراد غسل الوجه، ولا يتعدى إلى غيره.
أمّا في رواية الشيخ الطوسي التي وردت بلا مقدمة، فهي ينبغي تنزيلها على رواية الفقيه أما للجزم بوحدة الرواية كما تقدم أو لأنه لا يصح أن يبدأ الحوار بقوله: “أرأيت ما تحت الشعر” فهي تفترض حواراً سابقاً.
وفي الفقيه ذكر الراوي الوجه، وبيّن الإمام حدّه، ثُمَّ قال الراوي:
ــــــــــ[331]ــــــــــ
(1) أي: الشيخ يوسف البحراني، أنظر: الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، الجزء: ٢، الصفحة: ٢٤٩.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أرأيت ما أحاط به الشعر فقال: “كل ما أحاط به الشعر…”(1).
ولا إشكال أنّ مورده شعر الوجه فهل يتمسّك بالعموم بدعوى: أنّ المورد لا يخصّص الوارد؟
ونحن لنا تشكيك عام في أمثال المقام، وهو ما كان اسم موصول ونحوه، ممّا فيه إبهام، فإنّنا قلنا: إنّ الإطلاق الحكمي لا ينطبق على المبهمات؛ لأنَّها موضوعة بالوضع العام والموضوع له الخاصّ، فإذا شكّ في أنّ المراد هو المطلق أو المقيد، فعلى تقدير إرادة المطلق، فالمبهم مستعمل فيه، وإن أريد المقيد فقد استعمل فيه المبهم أيضاً، وليس من قبيل أسماء الأجناس الموضوعة للطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيد، فإنّ اسم الموصول يمكن أن يعبّر به عن أي شيء وسيع أو ضيق فيكون من قبيل المشترك اللفظي بين أمرين وسيع وضيق. فلم يستعمل اللفظ في المقسم، بل في القسم فلا تجري فيها مقدمات الحكمة.
نعم، فيها شيء يعوّض عن مقدمات الحكمة وهو أنّ المتكلّم لو أراد من اسم الموصول حصّةً خاصّةً، وهو لم يبيّنها في كلامه؛ لكان الكلام لغواً فبدلالة الاقتضاء ينعقد الإطلاق وهو دلالة عقلية وعرفية، ولكن هذه الدلالة تنثلم لو كان هناك قدرٌ متيقّنٌ في الكلام يحسن أو يحتمل أن يكون هو تمام المقصود، فلا مقتضى للإطلاق.
وهذا الذي أحسه الفقهاء من عدم التمسّك بالإطلاق في الرواية أمرٌ صحيح.
ــــــــــ[332]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 44، باب حدّ الوضوء وترتيبه…، الحديث: 88.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إذن فلا يوجد ما يقيّد إطلاق الأدلّة فالواجب غسل البشرة التي أحاط بها الشعر وأما بالنسبة إلى الشعر المحيط فلا يمكن الالتزام بوجوب غسله بالتبعية، فإن كان ملاك فهو الإطلاق المقامي الذي أشرنا إليه.
الوسخ تحت الأظافر إذا لم يكن زائداً على المتعارف لا تجب إزالته…(2)
فروض الوسخ أربعة؛ لأنّ الوسخ:
تارةً: يكون شاذّاً خارجاً عن المألوف من حيث كميته.
وأخرى: لا يكون.
وعلى كِلا التقديرين:
فتارة: يفرض أنّ الوسخ يغطّي جزءاً من بشرة الإنسان، بحيث لولاه لكان ظاهراً للعيان بلا عناية.
وأخرى: يغطّي بشرةً غير ظاهرة إلاَّ بعناية.
إنّ الوسخ غير زائد على المتعارف، أو ليس شاذّاً، ويكون ساتراً لما يكون مستتراً بالأظفر نفسه، وهو القدر المتيقّن من العضو، ولا موجب للالتزام
ــــــــــ[333]ــــــــــ
(1) المسائل (13،15،16،17،20) لم نعثر عليها فيما وصل إلينا من المخطوطة.
(2) العروة الوثقى 1: 205، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين، مسألة 12.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
بالعفو عنه؛ لأنّه ما يحجبه الوسخ يعتبر من الباطن.
إنّ الوسخ خارج عن المتعارف، وكان يغطّي البشرة الظاهرة بطبعها، وهو القدر المتيقّن من عدم الجواز ووجوب الإزالة، ومجرد وجود الوسخ عليه لا يؤدّي إلى صيرورة الظاهر باطناً، فينبغي أن لا يستشكل فيه.
إنّ الوسخ خارج عن المتعارف، إلاَّ أنه يغطي بشرةً باطنةً.
قد يقال: إنّه لا يضرّ، لأنّ الواجب غسل ظاهر البشرة دون الباطن، وهذا الوسخ وإن كان غير متعارف، إلاَّ أنه يحجب الباطن دون الظاهر.
نعم، لو فرض أن تجمعه وزيادته أوجبت شبهةً موضوعيةً بأنه قد يحجب شيئاً من الظاهر، فبقاعدة الاشتغال لا بُدَّ من الاحتياط بعد العلم بوجوب غسل الظاهر كله.
وقد يقال: في مقابله بوجوب الإزالة تمسّكاً بالإطلاق المقامي لأدلة الوضوء، بعد تنزيل الغسل فيها على الغسل العرفي المألوف في هذه المقامات؛ لأنّ الغسل كما أشرنا ليس أمراً تأسيسياً شرعاً بل هو أمرٌ عرفي، والشارع نظّمه في عبادة سمّاها الوضوء.
ومن الواضح أنّ الطريقة العرفية هي تنظيف اليد بالغسل والنظافة عرفاً تتنافى مع وجود هذا الوسخ فإذا غسل يده، وبقي هذا المقدار من الوسخ، لا يجدها العرف قد غسلت فيكون من شؤون غسل اليد هو إزالته، وتنزيل الأدلة عليه.
ــــــــــ[334]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهذا هو المناسب مع عبارة السيد الماتن فإنّ مقتضى إطلاق العبارة أن الأزيد من المتعارف يجب إزالته، حتى وإن كان محشواً في باطن البشرة.
إلَّا أنّ هذا التقريب لا يخلو عن إشكال؛ لأنّ الأدلة وإن كان مقتضى إطلاقها المقامي التنزيل على الطريقة العرفية وهي تقتضي هذه النظافة، لكن إنما كانت الطريقة العرفية على ذلك، لأنّ الغرض هو تنظيف الظاهر والباطن معاً، وأمّا الشارع فقد علّمنا أنّ غرضه ينحصر بغسل الظاهر، وليس عليه من الباطن شيء.
إنّ الوسخ كان غير خارج عن المتعارف، ولكنّه يغطي شيئاً من الظاهر.
هنا يقال -من ناحية- أنّه يجب إزالة هذا الوسخ تمسّكاً بإطلاقات وجوب غسل الظاهر(1).
في مقابل ذلك يمكن أن يبين عدم وجوب الإزالة ببعض التقريبات:
التقريب الأوّل: أن يقال: إنّ العادة جارية على وجود مثل هذا الوسخ الذي هو مألوف ومتعارف.
وجريان العادة:
تارةً: يبين بالتمسّك بالسيرة، وأنّ سيرة المتشرعة على إهمال هذا الوسخ وعدم الاهتمام به؛ فإنّ المتوضّئ لا يفتّش أظافره وأصابعه.
ــــــــــ[335]ــــــــــ
(1) كما في خبر زرارة المنقول في التهذيب1: 79، والاستبصار 1: 67: “وإنما عليك أن تغسل ما ظهر”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأخرى يقال: إنّه لو كان اللازم إزالته كان اللازم على الوضوءات البيانية الأمر بإزالته؛ لأنه ممّا يغفل العامة عنه، والإطلاقات وحدها لا تكفي فيتمسّك بما يشبه الإطلاق المقامي لعدم الوجوب.
وكِلا التقريبين محلّ الإشكال: أما سيرة المتشرعة(1) فهو لا ظن لنا به فضلاً عن اليقين به مع الالتفات إليه موضوعاً.
وأما التقريب الثاني(2): فلقوّة احتمال أنّ الوضوءات البيانية للتعليم في الشبهة الحكمية لمناقشة العامّة في وضوءاتهم، لا للتعليم في الشبهة الموضوعية، وورد فيها: “ألا أحكي لكم وضوء رسول الله”(3) فلا يكون السكوت عن مثل هذه التدقيقات يعني وجود إطلاق مقاميّ منافٍ لها، بل يرجع إلى ما هو مقتضى القاعدة.
التقريب الثاني: أنّ هذا الوسخ بعد أن فرضناه متعارفاً فهو بنفسه يقتضي أن يكون محجوبه باطناً لا ظاهراً وهذا ينتج التخصّص، وخروج ما تحته عن موضوع الإطلاق.
هذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه بعد ملاحظة جهات ثلاث:
أولاً: أنّ معنى كونه متعارفاً ليس أنه موجود في أكثر الناس بل ليس شاذاً ومستهجناً عرفاً.
ــــــــــ[336]ــــــــــ
(1) وهي الصورة الأولى في التقريب الأول.
(2) وهي الصورة الثانية في التقريب الأول.
(3) وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ثانياً: أنّ هذا الوسخ ليس له موضع ثابت وليس هناك جزء مستور بالوسخ ليقال أنه مستور وباطني.
ثالثاً: أنها باطنية بلحاظ الحاجب الخارجي ونحن استظهرنا مراد الأدلة ما يكون باطناً بحسب طبعه الجسمي.
إذا انقطع لحم من اليدين وجب غسل ما ظهر بعد القطع…(1)
الكلام في نقطتين:
النقطة الأولى: أنّ انفصاله أوجب أن يظهر ما تحته فهل يجب غسله أو لا؟
النقطة الثانية: أنّ هذه القطعة المعلّقة هل من الواجب غسلها أو لا؟ أو يجب قطعها أو لا؟
أمّا النقطة الأولى: فمن الواضح أنّ الذي انكشف يجب غسله لأنّ غسله غسل لليد، وغسل لما ظهر، لأنه وإن كان باطناً لكنه أصبح ظاهراً وليس الميزان في الظاهر والباطن ما كان كذلك بحسب أصل الخلقة، لكن ما كان كذلك بحسب الخلقة الآنية الفعلية فيجب غسله ولا إشكال فيه.
وأمّا النقطة الثانية: في القطعة المتدلّية التي يجب غسلها يصدق عليها أنه غسل لليد، بعد أن كانت جزءاً أصلياً، فتكون مشمولةً للإطلاق.
ــــــــــ[337]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 205، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين، مسألة 14.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أمّا وجوب قطعها فباعتبار أنّ خط الاتصال ضعيف وموهون، فكأنه لحم خارجي ألصق بالبشرة، فيجب إزالته.
إلاَّ أنّه غير تام؛ لأنه نظر مسامحيّ للعرف، وليس نظراً حقيقياً.
الوسخ على البشرة إن لم يكن جرماً مرئياً لا يجب إزالته…(1)
الوسخ الذي على البشرة له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن لا يكون له إدراك عرفيّ وإنما يدرك بالمجهر، أو بالتجميع كالفرك ونحوه فلا يصدق عنوان الوسخ عرفاً، ولا إشكال في عدم الحاجبية.
الحالة الثانية: أنّ الوسخ محسوس، ولكنّه عرض عرفاً، وليس جوهراً بل صفة لليد من قبيل الدسومة لليد فهذا أيضاً لا يشكّل حاجباً ومانعاً عن وصول الماء إلى البشرة لأنَّ هذا هو معنى العرضية.
الحالة الثالثة: أن تكون الوساخة محسوسةً، وتُرى عرفاً جرماً جوهرياً فيشكّل حاجباً؛ لأنّ معنى اعتراف العرف أنّه جسم وجرم، هو اعتراف منه بكونه مانعاً للماء، إلا بارتفاعه.
واحتمال أن تكون هذه الأجزاء الصغيرة مستهلكةً عرفاً وتابعةً للبشرة بعيد جداً فإنَّه إن كان المراد عدم اعتراف العرف بوجودها فهذا خلف
ــــــــــ[338]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 206، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين، مسألة 18.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
المفروض. وإن أريد كونه يراها جزءاً من البشرة فهو لا معنى له، لأنّ التراب يكون جزءاً من البشرة فهو لا يمكن بخلاف الشعر الرقيق فإنَّه يمكن أن يكون تابعاً للبشرة.
وإذا شكّ في شيء حاجباً أو لا يجب إزالته لجريان أصالة الاشتغال كما سبق.
الوسواسي الذي لا يحصل له قطع بالغسل يرجع الى المتعارف…(1)
من يشكّ بالغسل لو شكّ بنحو الشبهة الموضوعية يجري استصحاب عدم الوصول.
ويستثنى فيه الوسواسي الذي لا يقطع حين يقطع غيره؛ فإنَّه لا يجب عليه أن يحصّل اليقين الشخصي، بل يحصّل يقين غيره المتعارف، وقد سبق أن تكلّمنا في هذه المسألة(2).
فإنّ اليقين لا يراد به معناه الصفتي، بل بلحاظ كاشفيته، وهو موجود في اليقين الموجود عند الآخرين وتفصيل الكلام في تلك المسألة.
ــــــــــ[339]ــــــــــ
() العروة الوثقى 1: 206، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين، مسألة 19.
(2) وهي من مسائل الماتن في هذا الكتاب، والتي مرّت تحت مسألة: “لا اعتبار بعلم الوسواسي”، وقد فصّل البحث فيها السيد الشهيد المصنّف قدس الله روحه في الجزء الثالث من هذه التقريرات، فانظر: ص78.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يصحّ الوضوء بالارتماس مع مراعاة الأعلى فالأعلى ولكن في اليد اليسرى لا بُدَّ أن يقصد الغسل حال الإخراج…(1)
الارتماس في باب الغسل(2) وردت فيه روايات خاصّة.
وأما الوضوء الارتماسي فلم يرد فيه شيء، بل يجب تخريجه على مقتضى القاعدة، فنتمسّك بإطلاق الآية(3)، فإنّ الغسل لم يؤخذ في طريقة خاصّة. ومقتضى الإطلاق حصوله بأيّ وجه، فيصحّ الوضوء.
وفي مقابله لا بُدَّ من إبراز ما يوجب رفع اليد عن هذا الإطلاق هناك بيانان:
إنّ الوضوء الارتماسي على خلاف الوضوءات البيانية، وحيث إنّها في مقام بيان الوظيفة الواجبة، فيحمل كل ما يقع فيها على الوجوب فيقيّد الإطلاق.
ــــــــــ[340]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 207، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين، مسألة 21.
(2) انظر: الكافي 5: 73، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 8، وسائل الشيعة 2: 232، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث: 13.
(3) المائدة: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلَّا أنّه غير تام؛ لما بيناه من طريقة فهم الأحكام من الوضوءات البيانية؛ فإنّ ظاهرها تعليم الوظيفة الواجبة، لكن في كلّ خصوصية عملها الإمام إن كان هناك عنايةٌ عرفيةٌ للقيام بها، فيرى أنّ منشأها هو لزومها في الوضوء، وأما إذا لم يكن هناك عناية عرفية لا يكون الوجوب مستفاداً، وفي المقام لا عناية في أخبار الوضوء الترتيبي:
أولاً: لأنّ هذا هو مقتضى طبع القضية، لعدم وجود الإناء الكبير، أو الحوض ليرمس يده فيه.
وثانياً: أنّ غرض الإمام الردع عن فكر العامّة الذي غيّر معالم وضوء رسول الله، وهو لا يحصل بالوضوء الارتماسي، بل الترتيبي مضافاً إلى أنّ الترتيبي هو الأمر الشائع بين المتشرعة، فالإمام يهتمّ بتعليمه.
لو سلم دلالة الوضوءات البيانية على الكيفية المخصوصة فيها، فلا بُدَّ من رفع اليد عن ظهورها بذلك، باعتبار روايات:
1- معتبرة علي بن جعفر
عن أخيه موسى قال: “وسألته عن الرجل يكون على غير وضوء، فيصيبه المطر حتى يسيل رأسه وجبهته ويديه… قال: إن غسله فإنّ ذلك يجزيه”(1).
فإنّ الكيفية التي لوحظت في الوضوءات البيانية غير موجودة هنا مع ذلك ــــــــــ[341]ــــــــــ
(1) مسائل علي بن جعفر: 183، قسم المسائل، الحديث: 353، وسائل الشيعة 1: 454، الباب 36 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قال: “إن غسله فإنّ ذلك يجزيه“. فالضابط هو صدق عنوان الغسل.
إلَّا أنه لا يتم؛ لأنّ قوله: “إن غسله فإنّ ذلك يجزيه” فيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أنّ فاعل غسله هو ماء المطر بمعنى أنه لو نزّل بمقدار يصدق عليه الغسل يجزيه.
الاحتمال الثاني: أنّ فاعل غسله هو المكلّف، يعني إن غسل وجهه ويده فلا بأس أي: لا ينبغي أن يكتفي بنزول المطر بل يجب أن يغسله ويتحقّق فيه الغسل فلا بأس، وإلا فلا يجزي.
وبناءً على الاحتمال الأوّل: فهي وإن لم تدلّ على اعتبار كيفية مخصوصة، إلاَّ أنّ مفادها يكون أجنبياً عن محلّ الكلام، لأنّ ظاهرها هو كفاية إصابة المطر صدفةً، وبدون أية عناية يجزي عن الوضوء، كرفع الخبث، وضمّ الجسد هنا قرينة على أنّ الإصابة عفوية غير متقصدة، فكأنه يقول: هذه الإصابة لأعضاء الوضوء كافية وهو أمر لا يمكن الالتزام به في نفسه.
وعلى الاحتمال الثاني: لا يأتي هذا الإشكال، لأنه يكون قابلاً للالتزام به ولكن لا يمكن الاستدلال به لأنه فرض عناية الغسل.
2- رواية إسحاق بن عمار
عن أبي عبد الله: “عن الطست يكون فيه تماثيل، أو الكوز أو التور يكون فيه تماثيل أو فضّة، قال: لا يتوضّأ منه ولا فيه”(1).
ــــــــــ[342]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 425، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث: 26،
وسائل الشيعة 1: 491، الباب 55 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وقد يقال: إنّ معناه الوضوء الارتماسي فهو في نفسه جائز، وإنما منع عنه باعتبار التماثيل أو الفضّة.
إلَّا أنّه غير ممكن؛ لأنّ الوضوء فيه ظاهر أو قابل بمعنى أن يصبّ الماء فيه، لا أن يدخل الأعضاء فيه فإنَّه ذكر الطشت والكوز والتور، وهذه وظائفها تختلف، فالطشت يصبّ فيه، والكوز يصبّ منه، لا أنّ الطشت يغمس فيه.
البيان الثاني من الإشكال على الإطلاق: أن المتوضي وضوءاً ارتماسياً، إن نوى الوضوء بإدخال العضو، أو ينوي به بعد استقراره في الماء بتحريكه، أو في حالة إخراجه من الماء.
أمّا أن ينوي الغسل الوضوئي حال إدخال العضو في الماء، مراعياً الترتيب في مقام الإدخال، يعني من المرفق، فهذا أمرٌ صحيح لا غبار عليه بالنسبة إلى الوجه، لكن الإشكال في اليد، لأنّ الغسل ينتهي بانتهاء الإدخال، فعند الإخراج أصابها ماء جديد، مع أنّه يجب المسح ببلة الوضوء.
وبعض الفقهاء(1) قال: هذا لا يصدق عليه أنه ماء مستأنف؛ فإنَّه نفس الماء الذي يتوضّأ منه.
ــــــــــ[343]ــــــــــ
(1) هو المحقق الثاني في جامع مقاصده: 1: 223، قال: “ويشكل بأن الغمس لا يصدق معه الاستئناف عرفا”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لكن ليس عندنا لا يستأنف ماء فقط، بل عندنا “امسح ببلة وضوئك”(1) أو “ببلة يمناك”(2) فلا يصدق.
وإن نوى الوضوء في الماء فهنا ثلاث فروض:
الفرض الأوّل: أن ينوي الوضوء وهي ساكنة في الماء.
الفرض الثاني: أن ينوي ويحركّها يسيراً.
الفرض الثالث: أن يحركّها تحريكاً كبيراً يساوي ذراعه.
وكلّها محل الإشكال.
فالفرض الأول: يختصّ عن الفرضين الآخرين بإشكال ويشترك بإشكال والإشكال المختصّ هو فقدان الترتيب، لأنه نوى غسلها في لحظة واحدة.
والفرض الثاني: يأتي نفس الإشكال السابق لكن بنحو أخفى؛ لأنّ هذا التحرك اليسير اختلفت مواطن الذراع كلها في وقت واحد وكلّ جزء احتل موضع الجزء الذي كان قبله فلا بُدَّ من تحريكات يسيرة كثيرة ينوي في كل واحد غسل جزء منها.
وحينئذٍ يحصل الفرض الثالث، ومن هنا كان هذا الفرض أبعد عن هذا الإشكال.
ــــــــــ[344]ــــــــــ
() كما في الفقيه عن الإمام الصادق: من لا يحضره الفقيه، الجزء: ١، الصفحة: ٦٠.
(2) كما في الكليني عن زرارة: الکافي (إسلامية)، الجزء: ٣، الصفحة: ٢٥.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأما تحصيل الترتيب بالترتيب بالنية في الفرض الأوّل فضلاً عما بعده وقد اكتفى به صاحب الجواهر(1). وهو غير واضح لأنّ الواجب هو الترتيب في الغسل لا الترتيب في النية، اللهم إلاَّ إذا افترضنا أن بقاء اليد في الماء غسل، يعقل الترتب بهذا النحو.
وأما الإشكال المشترك الذي يرد حتى على الفرض الثالث: يمكن أن يُبيَّن بعدّة تقريبات:
التقريب الأوّل: نفس الإشكال السابق على نية الوضوء بالإدخال لأنه في حالة الإخراج تكون رطوبة جديدة.
التقريب الثاني: دعوى أنّ الغسل لا يرد على المغسول حتى في الوضوء الترتيبي فضلاً عن الارتماسي وأنا رأيت بعض المتشرعة يجفّف وجهه قبل أن يغسله، وهذا سخيف؛ لليقين بأنّ الغسل غير متقوّم بالجفاف.
التقريب الثالث: أنه يشترط في الغسل عنوان الحدوث، ولا يكفي قصد الوضوء بقاء الغسلة.
وقد يقال: إنّ اشتراط الحدوث يلائم مع الفرض الثالث، لأنه يحرّك يده كثيراً، فيوصل كلّ موضع إلى مواطن متعدّدة من الماء فيكون مجزياً.
إلاَّ أنّ الظاهر أنّ عنوان الحدوث غير محفوظ أيضاً لوحدة الماء عرفاً؛ لأنّ التعدّد لا يحصل بالتحريك، بل بتعدّد الماء الوارد على اليد، أو يخرج يده
ــــــــــ[345]ــــــــــ
(1) انظر: جواهر الكلام 2: 84-85، كتاب الطهارة، الركن الثاني، كيفية الغسل.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ويدخلها مرةً واحدةً، فلو أمر بغسل الإناء مرّتين لا يجزي تحريكه لأنّ وحدة الماء توجب وحدة الغسل عرفاً. فهذا إشكال مشترك.
ومنه يتّضح حال الحالة الثالثة: وهي أن ينوي الوضوء بالإخراج، ولا يرد إشكال الماء الجديد كما أنّ الترتيب محفوظ، وإنما يرد الإشكال الأخير فإنَّه ليس حدوثاً، بل هو بقاء، لأنّ الماء واحد.
قد يتوهم أنّ الشروط التي تختلّ بالوضوء الارتماسي لا دليل على شرطيتها في الارتماسي، وإنما هي شرط في الترتيبي.
فاستئناف الماء الجديد دليله ورد في مورد الوضوء الترتيبي دون الارتماسي.
وكذلك بالنسبة إلى الترتيب من الأعلى إلى الأسفل فإنّ مهمّ الدليل عليه هو الوضوءات البيانية(1) وهو وارد في مورد الوضوء الترتيبي ولا يشمل الارتماسي.
نعم يبقى الإجماع على هذين الشرطين، إلاَّ أنه لا يبطل الارتماسي إذ لا إجماع على بطلانه.
والصحيح أنّ هذه الشرطيات دليلها مطلق؛ لأنّ مسألة بلّة الوضوء ليس كل دليلها وارداً في الوضوء الترتيبي، أو الوضوءات البيانية، بل فيه أمرٌ
ــــــــــ[346]ــــــــــ
(1) الواردة في الباب 15 من أبواب الوضوء، وسائل الشيعة 1: 387.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يتمسّك بإطلاقه للترتيبي وغير الترتيبي كصحيحة زرارة، عن أبي جعفر: “…وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك”(1) لو كان في مقام إنشاء شرطية جديدة فلا موجب لتقييدها بالوضوء الترتيبي.
ولو التفتنا إلى الوضوءات البيانية فهل يصحّ أن نقول: إنّها موردها الوضوء الترتيبي فكلّ ما يكون فيها خاصّ به؟ هذا ليس بصحيح؛ لأنّ ظاهر الإمام أنه في مقام بيان ماهية الوضوء شرعاً، إلاَّ ما قامت قرينة متّصلة أو منفصلة على عدم وجوبه، وحينئذٍ يقال: إنّ هناك عدّة خصوصيات.
منها: أنه توضّأ باغتراف الماء. ولو جمدنا على هذا المقدار لقلنا: إنّ الترتيبي واجب، لكن هناك قرينة كالمتصلة على نفي ذلك لأنّ هذا الفعل ليس له عناية، فلا يكون له ظهور في الوجوب.
والإماملم يستأنف ماءً جديداً، وابتدأ من الأعلى إلى الأسفل وهاتان الخصوصيتان فيهما عناية فيكون له دخل في ماهية الوضوء، لا في هذه الطريقة الخاصة؛ لأنّ الإمام في مقام بيان ماهية الوضوء.
فالاكتفاء بالوضوء الارتماسي غير صحيح ما لم يستثنِ كفه اليسرى منه بل جعلها من الوضوء الترتيبي وكذلك لو غسل الغسلة الثانية ترتيباً.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 82، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث: 4، وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يجوز الوضوء بماء المطر …(1)
هنا ثلاث أنحاء:
النحو الأوّل: أنّ ماء المطر ينصبّ بغزارة، فيتوضّأ وضوءاً ترتيبياً من أعلى إلى أسفل وهذا يكون صحيحاً كما لو كان تحت فوهة هذا الأنبوب، وليس هذا من التولية، لأنه اختياري.
النحو الثاني: أن يقف تحت المطر، فيبتلّ، ثم يمسح على وجهه بقصد الوضوء، وهذا كافٍ إذا حصل الغسل والجريان.
النحو الثالث: أن يصنع ذلك في الماء غير ماء المطر كالكر والكلام فيه نفس الكلام.
ــــــــــ[348]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 207، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، غسل اليدين، مسألة 22.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثالث: مسح الرأس بما بقي من البلّة في اليد، ويجب أن يكون على الربع المقدّم من الرأس، فلا يجزي غيره(1).
الكلام في مسح الرأس. ولا إشكال فيه في الجملة لإجماع المسلمين(2) عليه وإنما يقع الكلام فيه ضمن جهات:
وهذا هو المعروف بين فقهائنا(3)، إلَّا ما ينقل عن ابن الجنيد(4) ولم يثبت.
ــــــــــ[349]ــــــــــ
() العروة الوثقى 1: 208، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، مسح الرأس.
(2) انظر: مختصر القدوري: 11، كتاب الطهارة، المدونة 1، 113، كتاب الوضوء، ما جاء في الوضوء، المبسوط 1: 21، كتاب الطهارة، فصل في كيفية الوضوء، شرائع الإسلام 1: 13، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الرابع.
(3) اُنظر مثلاً: ابن حمزة في الوسيلة إلی نيل الفضيلة، الصفحة: ٥٠، والعلامة في تبصرة المتعلمين في أحکام الدين، الصفحة: ١٨، والمحقق الثاني في رسائل المحقق الکرکي (شرح ألفية الشهيد الأول)، الجزء: ٣، الصفحة: ١٩٧، والفيض في معتصم الشيعة في أحکام الشريعة، الجزء: ١، الصفحة: ٣٣٠، ومفاتيح الشرائع، الجزء: ١، الصفحة: ١٢٦، والخونساري في التعليقات علی شرح اللمعة الدمشقية، الصفحة: ٣٤، والبحراني في الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، الجزء: ٢، الصفحة: ٣٤٦.
(4) انظر: جواهر الكلام 2: 181، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الرابع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أما علماء السنة فيرون أنّه يجب تجديد الوضوء؛ لأنه أصبح مستعملاً في رفع الحدث، وهو لا يجوز استعماله في رفع الحدث.
ورواياتهم واضحة عليه في البخاري(1) ومسلم(2).
الشيخ في الخلاف(3) استثنى مالكاً: لأنّه لا يرى عدم جواز رفع الحدث في الماء المستعمل في رفع الحدث.
ولا شك أنّ الإطلاقات الأولية على خلاف ما يقتضيه فتوى الشيعة والسنة معاً، فإنَّها تقتضي التخيير، فهل يوجد ما يقيد هذا الإطلاق؟
يقع الكلام في مرحلتين(4).
استدل على وجوب المسح ببلّة نفس الوضوء بروايات عديدة:
قال: وقال أبو جعفر “إنَّ الله وتر يحبّ الوتر فقد يجزئك في الوضوء ثلاث غرفات، واحدة للوجه واثنتان للذارعين وتمسح ببلة يمناك ناصيتك…”(5).
ــــــــــ[350]ــــــــــ
() أنظر: (صحيح البخاري) (1/ 79 ت البغا): (بَاب: مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ).
(2) أنظر: (صحيح مسلم) (1/ 141 ط التركية): (بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَكَمَالِهِ).
(3) انظر: الخلاف 1: 80، كتاب الطهارة، مسألة 28.
(4) المرحلة الأولى تتمثل بالمقيدات، والمرحلة الثانية هي المعارض وهي نفسها المقام الثاني.
(5) وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الطهارة، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
حيث أمر بمسح مقدم الرأس ببلّة اليمنى، وكذا القدمين، فيدلّ على الوجوب.
وهذا الاستدلال يمكن أن يناقش بتقريبين:
التقريب الأوّل: أن يقال: إنّها في مقام بيان تقليل الماء (ثلاث غرف)، فالمسح يكون بنفس تلك البلة، لتقلّ كمية الماء المستعمل في الوضوء فليس هو أمراً مولوياً في مقام إنشاء الشرطية ليتمسّك به لإثباتها ولا أقلّ من أنها تكون مجملةً من هذه الناحية.
وهذا الاحتمال ليس مرجعه إلى أنّ قوله: “وتمسح” معطوف على فاعل يجزيك، كما ذكر في المستمسك(1)، أي: يجزيك أن تمسح ببلة يمناك، فيدلّ على الإجزاء لا الوجوب.
وحينئذٍ أجاب: أننا إذا جعلناه معطوفاً على الفاعل فلا بُدَّ أن نؤوله بالمصدر بتقدير (أنْ) المصدرية. ولكن (تمسح) جملةً مستقلةً، ولكنها في مقام شرح الإجزاء.
التقريب الثاني: لو قطع النظر عن ذلك فيقال: إنّه ليس له ظهور في الوجوب، لأن تاريخ المسألة، وعلماء العامة متفقون على وجوب تجديد الماء فكان يوجد شبهة أنّ المسح بالبلّة لا يجوز، والأمر في مورد الحصر لا يدلّ على الوجوب، بل على عدم الحرمة.
ــــــــــ[351]ــــــــــ
(1) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 360، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، الثالث مسح الرأس بما بقي من بلّة اليد.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
عن أبي عبد الله: في حديث المعراج الطويل قال: “فدنا رسول الله من صادٍ وهو ماء يسيل من ساق العرش الأيمن فتلقى رسول الله الماء بيده اليمنى… ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء”(1).
وهذا الأمر ظاهر في الوجوب.
وتقريب دلالته يتوقف على الجمع بين أمرين:
الأمر الأوّل: أنّ الأمر المتوجّه إلى النبي كان مفاده الوجوب لا الاستحباب وهذا يكفي في إثباته ظهور صيغة (افعل) في الوجوب وحمله على الاستحباب يحتاج إلى قرينة، وهي غير موجودة.
الأمر الثاني: تعميم الوجوب على غيره، إذ لا
يحتمل اختصاص النبي بحكم في باب الوضوء إذ لم يذكر ذلك في مختصّاته كما لا يحتمل اختصاص هذا الوضوء بشخصه حكماً، ولا اختصاص الوضوء من السماء بحكم، لأنّ الظاهر تعليم الوضوء وهذا الدليل لا بأس به.
مكاتبة علي بن يقطين(2) التي علّم الإمام موسى بن جعفر الوضوء
ــــــــــ[352]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 636، باب فرض الصلاة، الباب 100، الحديث: 1، وسائل الشيعة 1: 390، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(2) انظر: وسائل الشيعة 1: 444-445، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
السنّي، ثم الوضوء الصحيح فأمره أن يمسح رأسه ببلّة وضوءه، وظاهره الشرطية وليس أمراً في مورد توهم الحضر فإنَّ ظاهرها أنها في مقام تعليم الوظيفة إلاَّ أن الرواية ضعيفة السند.
ومنها الروايات البيانية(1) فإنّ الإمامين مسحا ببلّة الوضوء، ولم يستأنفا ماءً جديداً، وقد ذكرها الراوي في بعضها؛ لأنه على خلاف المألوف عند المسلمين.
وهذا صحيح ولا يرد عليه ما أورد: من أنه فعل لا يدل على أكثر من الاستحباب بل لا يدلّ حتى على الاستحباب.
وجوابه: أننا أسّسنا القاعدة في كيفية الاستفادة من الوضوءات البيانية. من أنَّ كل تصرّف يقوم به الإمام إذا كان ينعكس منه عناية على الرأي العرفي فهذا يجعله ظاهراً أنه داخل في الوضوء الفريضة.
وهذا ينطبق على المقام؛ لأنّ عدم أخذ ماء جديد، مع استقرار السنّة عليه، ورواياتهم عليه، ومقتضى الطبع عليه، ومقتضى النظافة، فيكون ظاهراً بالوجوب.
وأحد الأدلّة على العناية التفات الراوي في بعض الوضوءات البيانية.
عن أبي عبد الله قال: “من نسي مسح رأسه، ثم ذكر أنه لم يمسح رأسه
ــــــــــ[353]ــــــــــ
(1) الواردة في وسائل الشيعة 1: 387، الباب 15 من أبواب الوضوء.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه، وليمسح رأسه، وإن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف، وليعد الوضوء”(1).
فلو فرض أنه لا يعتبر المسح ببلّة الوضوء، فلماذا أمر بالأخذ من اللحية، ولماذا أمر بالإعادة فيكون دليلاً على شرطية المسح بها. ودلالتها تامة.
إلَّا أنّ الإشكال في سندها بمالك بن أعين(2). فإنَّه مردّد بين شخصين أحدهما أخو زرارة بن أعين، والآخر مالك بن أعين الجهني وكلاهما لم يوثّق.
غير أنّ ابن أبي عمير روى عن مالك الجهني تارةً، وعن مالك بن أعين أخرى، إلَّا أنّ السند بيننا وبين ابن أبي عمير ضعيف في روايته عن مالك الجهني.
مضافاً إلى احتمال تغاير ابن أبي عمير عن ذلك الذي تكون مراسيله كمسانيده بناءً على ما احتملناه(3) من تعدّده، وأنّ المشهور كان من أصحاب الإمام الكاظم وعاش إلى زمان الإمام الجواد، والآخر المدّعى كان في
ــــــــــ[354]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 2: 201، كتاب الصلاة، الباب 10، الحديث: 89، وسائل الشيعة 1: 409، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.
(4) انظر: رجال بن داود: 283، باب الميم، الرقم: 1231، معجم رجال الحديث 14: 155، باب الميم، الرقم: 9790.
(3) فصّل السيد الشهيد هذا البحث في كتابه بحوث في شرح العروة الوثقى في الجزء الرابع منه، فانظر: موسوعة الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الجزء: ١٢، الصفحة: ٣٠٣.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
زمن الإمام الصادق فلعلّ الراوي هنا هو الثاني دون الأوّل فلا تكون روايته عنه حجّةً.
ودعوى: أنّ البطلان ينشأ على أنّ جفاف بلّة الوضوء يكون قرينةً على الإخلال بالموالاة فالأمر بالإعادة ليس لتعذّر المسح، بل لعدم حفظ الموالاة.
مدفوعة؛ لأنّ العبارة مطلقة في نفسها، فالجفاف ليس موازياً مع فوات الموالاة العرفية. كما في الجو الحار، أو هو يجفّفه عند الجو البارد وظاهر الدليل في نفسه أنّ الأمر بالإعادة إنما هو لتعذّر المسح، لا لمحذور آخر لم يكن منظوراً إليه في السؤال والجواب.
فهذه الرواية لا بأس بدلالتها على المطلوب، إلاَّ أنّ الكلام في سندها كما سبق.
عن أبي عبد الله: “في رجل نسى مسح رأسه؟ قال: فليمسح، قال: لم يذكره حتى دخل في الصلاة، قال: فليمسح رأسه من بلل لحيته”(1).
قد يستدل بها لنقيض المطلوب، تمسّكاً بإطلاق قوله: “فليمسح” في صدر الرواية لأنه لم يقيّد ببلّة الوضوء.
إلاَّ أنّه غير صحيح لأنّ قوله: “فليمسح” ليس في مقام بيان واجب جديد بل في مقام بيان أنّ الواجب لم يسقط حسب قواعده.
ــــــــــ[355]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 60، باب فيمن ترك الوضوء..، الحديث: 135، وسائل الشيعة 1: 410، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث: 9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأمّا الاستدلال بها على المطلوب فيكون بذيل الرواية وظاهر الأمر الوجوب ولو كان المسح بغير بلّة الوضوء جائزاً فلماذا يمسح بها.
يمكن الإيراد عليه بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: وهو الأقوى، لعله أمرٌ في معرض توهّم الحضر لأنّ المسح من بلّة اللحية أمرٌ غير متعارف عند المسلمين لا السنة ولا الشيعة، فلا يدلّ على تعيّن ذلك فلا يمكن استعادة الشرطية.
الوجه الثاني: أنّ الرواية فرض فيها أنّه دخل في الصلاة فلعلّها في مقام تشخيص وظيفة فعلية تناسب التحفّظ على الصلاة. وهي المسح ببلّة لحيته لأنّ خلاف ذلك سوف يقطع صلاته.
وهذا غير تامّ؛ لأنه إن أدّعي ظهور الرواية بصحّة الصلاة فلا إشكال أنها لا تدلّ على صحتها، وإمضاء ما وقع من الصلاة وإن أدّعي أنها ساكتة ومجملة فلعل لبّ مرادها هو ذلك، فجوابه:
أولاً: أنّ هذا الإجمال مرفوع بالبيان المنفصل على أنّ الصلاة ليست بصحيحة بالروايات الدالّة على أنّه: (إذا نسى شيء من الوضوء وجب عليه الإعادة)(1).
ثانياً: أنّ هذا خلاف إطلاق الرواية إذ لعلّ الماء يكون قريباً من المصلي
ــــــــــ[356]ــــــــــ
() مضمون لرواية الحلبي عن أبي عبد الله، انظر: الكافي 5: 107، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث: 3، وسائل الشيعة 1: 470، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ومقتضى إطلاقه أنه يأخذ من بلل اللحية حتى لو كان الماء قريباً.
عمن أخبره، عن أبي عبد الله، قال: “قلت له: الرجل ينسى مسح رأسه وهو في الصلاة، قال: إن كان في لحيته بلل فليمسح به، قلت: فإن لم يكن له لحية، قال: يمسح من حاجبيه، أو من أشفار عينيه”(1).
وهذه الرواية أوضح، إذ لعلّ الإشكال بأنّ الأمر كان في مورد الحضر لا يأتي هنا، إما لأنه عطف الحاجبين عليها أو لأنّ الراوي فهم الإلزام ولذا استشكل في أنه إذا لم يكن له لحية. نعم يرد الإيراد الثاني مع جوابه.
حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله قال: “إن ذكرت وأنت في صلاتك أنك قد تركت شيئاً من وضوئك المفروض عليك، فانصرف وأتمّ ما نسيت من وضوئك، وأعد صلاتك”(2).
وهي أضعف دلالة من الروايتين السابقتين؛ لأنّ الإيراد الأوّل واضح، لأنه قال: (ويكفيك أن تأخذ من رطوبة لحيتك). ولكنّ الإيراد الثاني لا يردّ، لأنه أمر بإعادة الصلاة.
ــــــــــ[357]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 59، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 14، وسائل الشيعة 1: 407، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) وسائل الشيعة 1: 470، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
عن أبي عبد الله في الرجل ينسى مسح رأسه حتى دخل في الصلاة، قال: “إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصلّ”(1).
والإيراد الثاني واضح الانتفاء؛ لأنه أمر بالإعادة وأما الإيراد الأوّل فيبقى على حاله.
“قال: فإذا قمت عن الوضوء، وفرغت منه، وقد صرت في حال أخرى في الصلاة، أو في غيرها… فإن لم تصب بللاً فلا تنقض الوضوء بالشك”(2)(3)، لأنه إذا لم يصب بللاً فمعناه إعادة الوضوء، ولو كان بالبلّة الجديدة جائز لما كان معناه ذلك، ولا بأس بهذه الدلالة.
إنّه بعد أن تم مقيّد للإطلاقات يوجب المسح ببلّة الوضوء، هل يوجد له ــــــــــ[358]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 1: 89، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 84، وسائل الشيعة 1: 408، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(2) باب 42 من الوضوء، الواردة في قاعدة الفراغ، (المقرر).
(3) تهذيب الأحكام 1: 100، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 110، وسائل الشيعة 1: 469، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
معارض أو لا؟ ذكرت عدة روايات جعلت معارضة، منها:
قال: “سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ أَيُجْزِي الرَّجُلَ أَنْ يَمْسَحَ قَدَمَيْهِ بِفَضْلِ رَأْسِهِ، فَقَالَ: بِرَأْسِهِ: لَا، فَقُلْتُ: أَبِمَاءٍ جَدِيدٍ؟ فَقَالَ: بِرَأْسِهِ نَعَمْ”(1).
استدلّوا بها على أن المسح لا يجوز ببلّة الوضوء، بل بماء جديد فتكون معارضةً لما سبق. فيتساقط ويرجع إلى الآية إما بنحو المرجعية أو المرجِّحية.
إلَّا أنّ هذه الرواية فيها إشكالان:
أحدهما: كيف يمسح قدميه بفضل رأسه؟! يمسح قدمه اليمنى بفضل رأسه، معقول! أمّا قدمه اليسرى فكيف يصحّ ذلك! مع أنه يمسحها بيده اليسرى، وهي لم يصب بها رأسه.
وإنّما يصدق هذا التعبير على أساس الوضوء المتعارف عند العامّة؛ لأنهم يستأنفون ماءً جديداً للرأس، ويمسحونه بكِلتا اليدين، فيصدق على كِلتيهما أنّه فضل الرأس، فكأنّ السائل فرغ عن الوضوء العامّي بهذا المقدار.
لكن هل يجب أن يأخذ للرجلين ماءً جديداً، أو يجوز له أن يمسح بنفس الماء الأوّل؟ فيكون سؤالاً عامّياً، وجوابه مطابق له.
ثانيهما: ولو قطعنا النظر عن ذلك فهي تعارض ما سبق، فتحمل على التقية؛ لأنَّها موافقة للعامة.
ــــــــــ[359]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 58، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 12، وسائل الشيعة 1: 409، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قال: سألت أبا عبد الله عن مسح الرأس قلت: أمسح بما في يدي من الندى رأسي؟ قال: “لا، بل تضع يدك في الماء ثم تمسح”(1).
وهي تامة سنداً وواضحة دلالة.
إلَّا أنّ السائل لا يسأل عن جواز استئناف ماء جديد، بل عن جواز المسح بالرطوبة السابقة، لا عن تعيّن ذلك.
ومثله سؤال عن الجواز بعد الفراغ عن أنّ غيره جائز.
وهذا أمرٌ في غاية البعد بالنسبة إلى أبي بصير في أيام الإمام الصادق بحيث لم يعرف أنّ المسح ببلّة الوضوء جائز، ومقتضى سؤاله أنه كان طيلة المدّة يستأنف ماءً جديداً، ويرى القدر المتيقن، ويحتمل أنّ الفرد الآخر لا يجوّز، وأنه يرى زملاء يعملون بالمسح ببلّة الوضوء ولا يعمل عليه حتى سأل الإمام.
ونفس بُعْد هذا المطلب يقرّب أنه سؤال عن حال غير طبيعي وموجّه ابتداءً بلحاظ العنوان الثانوي فتسقط عن الحجّية.
ولو قطع النظر عن ذلك ورد فيها البيان السابق، وهو حملها على التقية.
قال: سألت جعفر بن محمد أمسح رأسي ببلل يدي قال: “خذ
ــــــــــ[360]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 59، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 13، وسائل الشيعة 1: 408، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لرأسك ماءً جديداً”(1).
وهي واضحة الدلالة على لزوم أخذ ماء جديد للرأس فإنّ (خذ) بظهوره دلّ على وجوب أخذ الماء الجديد.
وإن قيل إنّ الوجوب غير محتمل باعتبار الوضوءات البيانية(2)، أو رواية أبي عبيدة الحذّاء(3) فيكون مقتضى الجمع بين هذه الرواية وبينها حمل الأمر على الاستحباب والأفضلية وعلى كلّ حال فيدلّ على جواز أخذ الماء الجديد، وعدم شرطية المسح ببلّة الوضوء.
وهذه الرواية لا يمكن التعويل عليها لضعف سندها.
عن أبي عبد الله، في الرجل نسى أن يمسح على رأسه، فذكر وهو في الصلاة، فقال: “إن كان قد استيقن ذلك انصرف، ومسح على رأسه، وعلى رجليه، واستقبل الصلاة وإن شكّ ولم يدر مسح أو لم يمسح، فليتناول من لحيته إن كانت مبتلّةً، وليمسح على رأسه، وإن كان أمامه ماء فليتناول منه، فليمسح به رأسه”(4).
ــــــــــ[361]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 1: 59، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 15، وسائل الشيعة 1: 409، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث: 6.
(2) الواردة في الباب 15 من أبواب الوضوء، وسائل الشيعة 1: 387.
(3) انظر: وسائل الشيعة 1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 8.
(5) تهذيب الأحكام 2: 59، كتاب الصلاة، الباب 10، الحديث: 88، وسائل الشيعة 1: 471، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث: 8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يمكن أن يستدلّ بفقرتين منها:
الفقرة الأولى: “انصرف ومسح على رأسه وعلى رجليه“، حيث جعل هذا المسح في قبال أن يأخذ من لحيته، أو من ماء يكون موجوداً أمامه.
فيدّعى: أنّ ظاهر ذلك أنّ المراد من المسح المسح بماء جديد.
وجوابه: أنّ ظاهر الرواية وإن كان هو التقابل، لكن لا يعلم أنّ المغايرة كانت بلحاظ نوعيّة المسح بل من الانصراف وعدمه، فإن كان قد تيقّن فهو ليس على وضوء، فقد بطلت صلاته وإن شكّ فقاعدة الفراغ تحكم بصحّة الوضوء والصلاة فلا موجب لبطلان الصلاة إلاَّ إذا أراد الاحتياط.
الفقرة الثانية: “فليمسح على رأسه وإن كان أمامه ماء فليتناول منه فليمسح به رأسه”، فلو كان الماء الجديد غير مجزٍ لما علّمه الإمام طريقتين.
وقد يشكل على ذلك كما أشكلوا: أنّ المسح لا يجب على هذا المؤمن، فهو من باب الاحتياط الاستحبابي، لجريان قاعدة الفراغ ولو لم تجر لبطلت صلاته أساساً فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية.
ويمكن دفع هذا الإشكال بأن يقال: إنّ الاحتياط وإن لم يكن واجباً عليه ولكن معنى الاحتياط هو الإتيان بما يحتمل كونه واجباً في الواقع، بحيث مع الإتيان به يكون جازماً بالإتيان بما هو واجب واقعاً وإذا كان المسح ببلّة الوضوء واجباً لا يكون المسح بالماء الجديد احتياطاً.
وبتعبيرٍ آخر: إنّ أمر الإمام بالمسح بماء جديد، إما أن يكون أمراً بالاحتياط مراعاةً للواقع ولو استحباباً، أو أنه حكم واقعيٌّ جديد ولو
ــــــــــ[362]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
استحباباً. ومن الواضح أنّ الثاني خلاف الظاهر، فإنّ ظاهرها أنه في مقام تعليم طريقة يحرز بها الواقع فيتعيّن الشقّ الأوّل، وهو لا يمكن إلاَّ بأن يبنى على أنّ الوظيفة الواقعية لا يشترط فيها المسح ببلّة الوضوء، ولو في حال الاضطرار.
إلاَّ أنّها ساقطة سنداً لورود محمد بن سنان(1) الذي لم يثبت توثيقه عندنا.
فالروايات إما غير تامة سنداً أو دلالةً.
ولو تمّ لوقع طرفاً للمعارضة مع ما تقدّم، ويحمل على التقية، لأنَّها موافقة للرأي السائد للعامّة في عصر الإمام الصادق عليه السلام.
هل يجب أن يكون المسح ببلّة نفس اليد، أو لا بأس أن يكون ببلّة غيره في حالة الاختيار؟ جملة من الروايات السابقة لا تصلح أن تكون دليلاً في المقام.
منها: الوضوءات البيانية؛ تطبيقاً للقاعدة التي بيّناها في فهم هذه الروايات فالمسح ببلّة اليد موافقة للطبع وليس فيه عناية.
وكذلك: قوله: “المسح ببلّة وضوءك”، كمكاتبة علي بن يقطين(2).
كذلك: لا يمكن الاستدلال بروايات نسيان المسح(3) على الرأس، فأمره
ــــــــــ[363]ــــــــــ
() انظر: رجال النجاشي: 328، باب الميم، الرقم: 888، معجم رجال الحديث 16: 151، باب الميم، الرقم: 10911.
(2) وسائل الشيعة 1: 444، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(3) وسائل الشيعة 1: 471، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث: 8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
أن يأخذ من لحيته، لأنه ليس فيها مثل هذا الترتب، إلاَّ مرسلة الصدوق(1) إلاَّ أنها ليست تامة سنداً ولا دلالةً.
لكن هناك روايتان يمكن أن يستدل بهما:
الأولى: رواية المعراج السابقة عن عمر بن أذينة، عن أبي عبد الله في حديث طويل أنّ رسول الله قال: “…ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء، ورجليك إلى كعبيك”(2)، والأمر ظاهر في الوجوب.
وما ذكره في المستمسك(3) في الاستشكال في هذه الرواية أنّ الإمام ليس في مقام نقل الحكم الشرعي بل قصة المعراج، وقد اشتملت على كثير من الحكم والنوادر لم أفهمه؛ لأنّ الاستدلال ليس بنقل الإمام الصادق، بل بكلام الله تعالى لنبيه.
الثانية: صحيحة زرارة قال: وقال أبو جعفر: “إنّ الله وتر يحبّ الوتر، فقد يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات…، وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك، وما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى…”(4).
ــــــــــ[364]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 60، باب فيمن ترك الوضوء أو بعده…، الحديث: 133، وسائل الشيعة 1: 472، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(2) وسائل الشيعة 1: 390، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(3) انظر: مستمسك العروة الوثقى 2: 360، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، الثالث: مسح الرأس.
(4) وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهو واضح بالتقييد ببلّة اليمنى فلو أخذ بللاً من لحيته وأشفار عينيه، ومسح رأسه لم يصدق أنه مسح ببلّة يمناه.
وهذا يستشكل(1) فيه بأنّ قوله: “وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك”، أنه لا يعلم أنّ الشرط ببلّة اليمنى في مقابل سائر البلل، بل المراد اشتراط أن يكون المسح باليمنى، لأنّ المسح ببلّة اليمنى نفس المسح باليمنى. وهذا غير ما هو محلّ الكلام.
هذا الإشكال لم أفهمه، فإنَّه تارةً يُدّعى أنَّ بلة اليمنى أخذت مجرّد استطراق إلى ذي البلّة وتمام النظر إلى ذيها فهذا خلاف ظاهر الدليل في نفسه، فإنَّه حينئذٍ يكون حشواً في الكلام.
وأخرى يعترف أنّ البلّة مأخوذة بنحو الموضوعية لكن من قال إنّ بلّة اليمنى يراد بها البلّة الوضوئية التي تخلفت فيها، بل كلّ ماء في اليمنى هو بلّة اليمنى فهي لا تدلّ على المسح ببلّة الوضوء فضلاً عن البلّة اليمنى.
إلَّا أنه غير صحيح؛ لأنّ المنصرف من بلّة اليمنى البلّة التي خلّفها الوضوء في اليمنى لا أيّ بلّة تقع في اليمنى، لأنّ وجود بلّة على اليد أمرٌ مفروض مفروغ عنه ويأمر بالمسح بها، ومن المعلوم أنّه لا مبرّر للمفروغية منه
ــــــــــ[365]ــــــــــ
(1) انظر: موسوعة الخوئي، الجزء: ٥، الصفحة: ١١٠. الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، الجزء: ٢، الصفحة: ٢٨٣. وأوضح منه الهمداني في مصباح الفقيه، الجزء: ٢، الصفحة: 368.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلَّا تلك البلّة الوضوئية.
وممّا يؤكد ذلك قوله: “وما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى“، إذ لو كان من بلّة اليمين -كلّ بلّة تكون على اليمنى- لما كان لهذا معنى، بل معنى ذلك التحفّظ على بلّة معيّنة لها أصل، ولها بقية، وليست إلاَّ بلّة الوضوء.
إلَّا أنّنا سبق أن أبدينا هذا الفهم، وأنّ الرواية في صدد بيان قلّة الماء للوضوء، فيكون بياناً عرفياً لكيفية ما أوتي أولاً، وهو كفاية ثلاث غرفات، لا أمرٌ جديد لإنشاء الشرطية ومعه تكفينا رواية المعراج(1).
ويجب أن يكون على الربع المتقدّم من الرأس فلا يجزي غيره(2).
يوجد اتفاق(3) بين الإمامية على أنه لا يجب مسح جميع الرأس، بل البعض وعبّر عنه بالمقدّم تارةً، والناصية أخرى.
ــــــــــ[366]ــــــــــ
() رواية المعراج الطويلة وقد مرّت مراراً، انظر: وسائل الشيعة 1: 390، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(2) العروة الوثقى 1: 208، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، مسح الرأس.
(3) انظر: الحدائق الناضرة 2: 252-253، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، الركن الرابع، قال ما لفظه: “… مما انعقد عليه الإجماع فتوى، وهو الأشهر روايةً”، وكذا: جواهر الكلام 2: 178، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الرابع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وأيضاً المعروف بين الجماعة(1) فتوى(2) ونصّاً(3) عدم وجوب مسح تمام الرأس إلاَّ مالك(4) فإنَّه نسب إليه وجوب مسح تمامه وشذّ في ذلك عن بقية العلماء. نعم يفتون باستحباب مسح تمام الرأس، بأن يمسح من المقدّم إلى المؤخر، ثم يرجعها إلى المقدّم ولكنهم اختلفوا في البعض الممسوح.
وفي الروايات لا إشكال من عدم وجوب مسح تمام الرأس إلاَّ الإطلاق: “وامسح رأسك ورجليك“، إلَّا أنّ هذا الإطلاق على فرض وجوده لا بُدَّ من رفع اليد عنه بالروايات المقيّدة، بحيث يدّعى قطعية صدورها إجمالاً، وهي الروايات الآمرة(5) بمسح مقدّم الرأس والمفسرة للآية(6)، أنّ المراد بالمسح ببعض الرأس
ــــــــــ[367]ــــــــــ
() انظر: مختصر القدوري: 11، كتاب الطهارة، المبسوط للسرخسي 1: 7، كتاب الصلاة، كيفية الوضوء.
(2) أما فتوًى فانظر مثلاً: (معالم السنن للبستي) (1/ 57): “مسح الرأس بمسح الناصية إذ هي جزء من الرأس”، و (اختلاف الأئمة العلماء لابن هبيرة) (1/ 42): “اختلفوا في مقدار ما يجزي من مسح الرأس”.
(3) وأما نصّاً فانظر مثلاً: (صحيح مسلم) (1/ 141 ط التركية): (بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَكَمَالِهِ).
(4) انظر: التهذيب في اختصار المدوّنة 1: 169، كتاب الطهارة، 2. و(شرح صحيح البخاري) لابن بطال (1/ 281).
(5) انظر: تهذيب الأحكام 1: 62، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 20، وسائل الشيعة 1: 410، الباب 22 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(6) المائدة: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لمكان الباء(1)، وكذلك الروايات التي تحكي الوضوء الشخصي للإمام(2)، وكذلك الوضوءات البيانية(3) التي حكي فيها وضوء رسول الله.
ومجموعها يوجب الاطمئنان الشخصي بصدور جملة منها عن أهل بيت العصمة فلا إشكال من المسح ببعض الرأس.
يبقى أنّ مسح تمام الرأس أمر مشروع في نفسه -كما يقول علماء السنة- أو لا؟
وعدم المشروعية هو الصحيح بأحد تقريبين:
قال: “قلت لأبي جعفر: ألا تخبرني من أين علمت وقلت أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين… فقال: وامسحوا برؤوسكم فعرفنا حين قال (برؤوسكم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء…”(4).
وهذا التعبير الأخير فيه مزيّة على الباقي إذ قد يُشكّ في دلالة الروايات
ــــــــــ[368]ــــــــــ
() كصحيحة زرارة الآتية.
(2) كرواية أبي عبيدة الحذاء: تهذيب الأحكام1: 58، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 11، وسائل الشيعة1: 391، الباب 15 من أبواب الوضوء، ح: 8.
(3) الواردة في الباب 15 من أبواب الوضوء، وسائل الشيعة 1: 387.
(4) الكافي 5: 328، كتاب الطهارة، الباب 19، الحديث: 4، وسائل الشيعة 1: 413، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الأخرى في نفي المشروعية، ولكن هذه العبارة لا بأس بها لو كانت ترجع إلى الجميع، فإنّ العامة لم يلزموا بذلك عملاً، بل قالوا بالاستحباب، فيكون هذا من قبيل التضييع.
والتقريب الثاني اتفاق فقهاء الإمامية، وعدم وجود قول بالاستحباب في ذلك، بعد الالتفات إلى أنّ التوسع بالمسح لو كان مستحباً لكان مقتضى الطبع أن يتّضح ويشتهر، مع التزام العامة باستحبابه، ولكن حين لا يصل إلينا ذلك، ويكون الإجماع على خلافه، يكون دليلاً على عدم الاستحباب أصلاً، وبنفي هذا البيان يثبت عدم استحباب ما التزم به العامّة من مسح المقدّم والمؤخّر.
في مقابل ذلك يوجد عدّة روايات:
قال: “قال أبو عبد الله: امسح الرأس على مقدّمه ومؤخّره”(1).
ويحتمل فيها التخيير، لكن الجمع أظهر بمقتضى وجود الواو وهذا ما يفعله أبناء العامّة.
إلَّا أنّ هذا الظهور معارض من الروايات التي قلنا إنّها قطعية الصدور
ــــــــــ[369]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 62، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 19،
وسائل الشيعة 1: 412، الباب 22 من أبواب الوضوء، الحديث: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إجمالاً الدالّة على عدم وجوب أكثر من المقدّم. والرواية التي تكون مخالفةً مع السنّة القطعية ساقطة عن الحجّية في نفسها. فضلاً عن حملها على محل آخر.
قال: “سألت أبا عبد الله عن المسح على الرأس فقال: كأنّي أنظر إلى عكنة في قفا أبي يُمِرُّ عليها يده، وسألته عن الوضوء يمسح الرأس مقدّمه ومؤخّره، قال: كأنّي أنظر الى عُكنة في رقبة أبي يمسح عليها”(1).
العكنة مكان كثرة اللحم عند السمنة وهي لا تدلّ على وجوب مسح مؤخر الرأس، لأنَّها حكاية الفعل، وهو لا يدلّ على الوجوب.
إلَّا أنّه قد يقال إنّها تدلّ على المشروعية، ولو استحباباً؛ إذ لو لم يكن مشروعاً لما صنعه الإمام الباقر، ولما حكاه الإمام الصادق.
إلَّا أنّ هذا ساقط لما بيّناه سابقاً: من أنّ ما يكون استحبابه مفروغاً عند المخالفين وديدنهم عليها، فلو كان ذلك واقعياً لاشتهر والتزم به الخاصة لأنّ الشيعي كان يريد مماثلة السنّة في أعماله لكي يتّقي شرهم فحينما نجد أنّ من الواضحات عند الطائفة عدمه، نعرف أنه ليس مستحبّاً واقعيّاً، ومعه يجب تأويل هذه الرواية.
وممّا يؤيّد تأويلها أنه اكتفى بنقل عمل أبيه، ولم يفتِ، فرائحة التقيّة واضحة في هذه الرواية.
ــــــــــ[370]ــــــــــ
(1) الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الجزء: ١، الصفحة: ٦١، وتهذيب الأحكام، الجزء: ١، الصفحة: ٩١.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يمسح على رأسه من خلفه وعليه عمامة بإصبعه، أيجزيه ذلك؟ فقال: نعم”(1).
وهي تدلّ على التخيير بين المقدّمة والمؤخّرة. ولا ينبغي الإشكال في ظهورها على ذلك. وما حمله الشيخ الطوسي(2): بأنه يمرّ يده من خلفه فيمسح مقدم رأسه بعيدٌ، وخاصّة وأنّ المفروض أنّ عليه عمامةً فهو يمسح ما خرج عن نطاقها من خلف.
ولهذا تكون معارضة مع روايات شرطية المقدم وهنا إلغاء لعنوان المقدم، وأنّ المسح على أيّ جانب جائز، إذ لا يحتمل الفرق بين المؤخّرة وغيرها. ولا يمكن حمل الأمر بالمقدّم على الاستحباب، لأنه إرشاد إلى الشرطية والجزئية، وهو لا يحمل على الاستحباب.
ومعه تتقدّم روايات المقدّم، إما باعتبار قطعيتها أو مخالفتها للعامة.
ــــــــــ[371]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 91، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 89، وسائل الشيعة 1: 411، الباب 22 من أبواب الوضوء، الحديث: 4.
(2) انظر: تهذيب الأحكام 1: 91، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 89، قال ما لفظه: (…لأنه ليس يمتنع أن يدخل الإنسان إصبعه من خلفه ومع ذلك فيمسح بها مقدّم رأسه…).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
والأولى والأحوط الناصية، وهي ما بين البياضين من الجانبين فوق الجبهة…(1)
الجهة الرابعة هل يكفي مطلق المقدّم أو يجب المسح على الناصية، وهو الجزء الأخير من المقدّم؟ فإنّ المقدّم يراد به من قصاص الشعر إلى اليافوخ، والناصية يراد بها فقهياً ما بين النزعتين.
هذا الكلام نشأ من ألسنة الروايات فإنّ جلّ الروايات ذكر فيها مقدّم الرأس، ومقتضى الإطلاق عدم الاختصاص بالناصية، وورد عنوان الناصية في رواية واحدة هي رواية زرارة: تقول: “وتمسح ببلة يمناك ناصيتك”(2)، فلا بُدَّ من علاج هذه الحالة، ويوجد عدّة أوجه:
الوجه الأوّل: أن يقال: بحمل المطلق على المقيد، فإنّ الناصية أخصّ من مقدّم الرأس وينتج وجوب مسح الناصية، ولا يكفي مسح الأعلى منه.
ــــــــــ[372]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 383، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، مسح الرأس.
(2) الكافي 5: 82، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث: 4، وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الوجه الثاني: أن يقال: بحمل الأمر بمسح الناصية على الاستحباب فنقول: بإجزاء مسح المقدم مطلقاً لكن الأفضل المسح على الناصية.
فإن أريد به الحمل على الاستحباب، لا بقرينة خاصّة، فمقتضى الأدلّة تقدّم الخاصّ على العام لا حمل الخاصّ على الاستحباب، وإنما يصار إليه إذا تعذّر الجمع الموضوعي.
وإن ادّعي الحمل على الاستحباب بقرينة، فلا بُدَّ من إبراز قرينة وهي ظهور العبارة في كون المسح على تمام الناصية؛ لأنّه لم يقل على ناصيتك، أو بناصيتك مع أنّ مسح تمام الناصية ليس بواجب بلا إشكال، فيتعيّن حمله على الاستحباب بهذه القرينة، ومعه لا موجب لرفع اليد عن إطلاق المطلق.
إلَّا أنّها غير تامة صناعةً؛ لأنّ حال “امسح ناصيتك” حال امسح مقدّم رأسك، فإنّ فرض أنّ ظهور مسح الناصية بالاستيعاب، وكنا نعلم بعدم وجوبه، فمقتضى القاعدة تقييده لا حمله على الاستحباب ومعه فهذا الوجه محكوم للوجه الأوّل.
الوجه الثالث: أنّها ليست نسبتها إلى المطلقات هي نسبة المقيد، فإنّ الناصية جزء ضئيل جداً من مطلقات الرأس ومن مقدّم الرأس، من رواياته.
وخاصّة إذا فسرناه بآخر الشَّعَر فيشبه التقييد بالفرد النادر، فلو قدّمنا هذه الرواية على تلك الروايات(1) لكان اللازم تفسير المقدّم بمعنى آخر، وهو تأويل.
ــــــــــ[373]ــــــــــ
() وهذا الوجه حاكم على الأوّل، لأن التقييد إنما يتم إذا لم يكن التقييد مستهجناً ومعه فقد نرجع إلى الوجه الثاني، وهو الحمل على الاستحباب إلاَّ أنه لا يتم لأنه أمر إرشادي إلى الجزئية وحمله على الاستحباب ليس عرفياً، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلَّا أنّ هذا الكلام عهدته على مدّعيه(1)؛ لأنّ تقييد مقدّم الرأس بالناصية ليس أمراً شاذاً، خصوصاً على المفهوم عرفاً منها، وهو أنّها ما بين النزعتين، خصوصاً أنّ كثيراً من هذه الوضوءات البيانية الراوي قال: (مسح على مقدّم رأسه).
فلا إطلاق فيه بحيث يكون حمله على الناصية حملاً غير متعارف.
الوجه الرابع: أنّ الناصية ومقدّم الرأس مجمل لا نعلم أنّهما متغايران، بل لعلّهما متفقان، فإنّ الناصية فسّرها بعض اللغويين بمقدّمة الرأس(2).
إلَّا أنّ هذا بعيد، والاختلاف بين كلمات اللغويين غير معلوم، والتعبير بمقدّم الرأس وإن وجد، إلَّا أنه لا يصلح المعنى الذي نريده فإنّ المقدّم له معنيان عرفيان:
أحدهما: المقدّم في مقابل المؤخّر وهو الذي يمتدّ إلى اليافوخ.
والثاني: المقدّم في نفسه، وهو الجزء الذي يكون فوق الجبهة رأساً.
فمن المحتمل أنّ ذلك اللغوي قصد المعنى الثاني ونحن نريد أن نوحّد بين الناصية والمعنى الأوّل.
فكون هذا العنوان أخصّ من ذلك لا ينبغي الإشكال فيه.
إلَّا أنّ الذي ينبغي أن يقال: إنّها لا تدلّ على وجوب مسح الناصية، لأنَّها
ــــــــــ[374]ــــــــــ
() وهو الهمداني في مصباح الفقيه 2: 362.
(2) وهذا الوجه يحكم على كل الوجوه السابقة؛ لأنَّها كانت مبنية على التعارف وهو يزيله، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وردت في قوله: “إنَّ الله وتر يحب الوتر“.. وقلنا إنّها في مقام الاقتصاد بالماء ومقتضى البلاغة التعبير بالناصية هنا فلا يستفاد منها وجوب المسح على الناصية.
الوجه الخامس: أنّ الرواية غير دالّة على وجوب مسح الناصية لكي تأتي الوجوه السابقة لأنَّها ظاهرة أو قابلة لأن تحمل على كيفية الاقتصاد في الماء.
نعم لولا هذا الوجه الذي يحكم على الوجوه السابقة لكان الوجه الأوّل هو الصحيح لأنّ الإطلاق هنا بدليّ، وحمله على الفرد الظاهر وهو الناصية ليس مستهجناً.
وعليه فالمسح يكون على مطلق مقدّم الرأس، سواء كان ناصيةً أو لا.
ويكفي المسمّى، ولو بقدر عرض إصبع واحدة أو أقلّ…(1)
الجهة الخامسة أنّ المسح على مقدّم الرأس هل يجب أن يكون له حدّ أدنى، أو مطلق ما يصدق عليه المسح؟
المشهور بين علماء الإمامية(2) بل بين علماء المسلمين(3) عموماً إلى كفاية
ــــــــــ[375]ــــــــــ
() العروة الوثقى 1: 308، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، مسح الرأس.
(2) انظر: الخلاف 1: 81، كتاب الطهارة، مسائل، مسألة 9، جواهر الكلام 1: 510، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثالث، الفرض الرابع.
(3) انظر: المبسوط للسرخسي 1: 6، كتاب الصلاة، كيفية الوضوء. وانظر (التمهيد – ابن عبد البر) (12/ 485 ت بشار).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مطلق المسح وذهب البعض من الفريقين إلى التحديد بثلاثة أصابع(1).
لا إشكال أنّ مقتضى الإطلاقات هو عدم التحديد، ومن كلّ ما يصدق عليه أنه مسح يكون كافياً.
1- زرارة عن أبي جعفر أنه قال: “فإذا مسح بشيء من رأسه، أو بشيء من قدميه .. فقد أجزأه”(2)، فكلّ ما صدق عليه أنه شيء من الرأس يكفي.
2- بإسناده عن زرارة قال: “قلت لأبي جعفر ألا تخبرني من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين… ثمّ فصل بين الكلام فقال: (وامسحوا برؤوسكم) فعرفنا حين قال (برؤوسكم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء”(3).
فنحتاج في مقام رفع اليد عن هذه المطلقات إلى مُقيّد.
يذكر في المقام روايتان:
شاذان بن الخليل النيشابوري عن معمّر بن عمر، عن أبي جعفر قال: “يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع وكذلك الرجل”(4).
ــــــــــ[376]ــــــــــ
() انظر: الحاوي الكبير 1: 114، كتاب الطهارة.
(2) وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(3) وسائل الشيعة 1: 412، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.
(4) الكافي 5: 94، كتاب الطهارة، الباب 19، الحديث: 1، وسائل الشيعة 1: 418، الباب 24 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فإنه يدلّ بمفهومه على عدم إجزاء الأقلّ بمفهوم العدد الذي هو أقوى من مفهوم اللقب، ومعترف به.
ويردّ عليه:
أولاً: ضعف السند بشاذان بن الخليل(1) أو معمر بن عمر(2).
ثانياً: أنها غير دالة على المطلوب، لأنّ الإجزاء هنا إجزاء بلحاظ الوظيفة المنظورة له أي يجزيه بلحاظ غرضه، ولكن غرضه هل هو إطاعة الوجوب، أو الاستحباب؟
وبتعبير آخر: أنّ كلّ وجوب له مرتبتان من الخروج عن عهدته:
الأولى: الذي يدفع العقاب.
الثانية: أن يكون وافياً بحقّه.
والإجزاء معنى إضافي لا يعني المجزي عنه فلا يدلّ على بطلان الأقل هذا لو سلم المفهوم.
ثالثاً: أنّ الرواية معارضة بتلك المطلقة لزرارة “بشيء من رأسك“(3) وليست صالحة لتقييدها والنكتة في ذلك أنّها تعطف الرجل على الرأس، ممّا
ــــــــــ[377]ــــــــــ
() انظر: رجال الطوسي: 376، أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الثاني، باب الشين، الرقم: 5558-1-، الخلاصة للحلّي: 87، الفصل الثالث عشر، الباب الثاني، الرقم: 3.
(2) انظر: رجال الطوسي: 308، باب الميم، الرقم: 4550-575-، رجال البرقي: 11.
(3) مرّت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
يعني أننا نحتاج فيها إلى ثلاثة أصابع، وهو يكون أكثر من نصف عرض القدم وهو لا يعبر عنه (بشيء من القدم)، فيتعارضان، فإما أن نقدّم تلك الرواية، أو نقول بالتساقط والرجوع إلى مطلق فوقاني، أو إلى الأصول العملية، فينتج عدم وجوب المسح بثلاثة أصابع.
رابعاً: أن هذه الرواية لو أغمضنا عن سندها فهناك روايتان يمكن أن نغض النظر عن سندهما أيضاً، فنعارض الضعيف بالضعيف.
1- رواية حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما: “… قال: يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه، فيمسح على مقدّم رأسه“(1).
إلاَّ أنها ضعيفة لأنّ حماد يرويه عن بعض أصحابه، فلو فسّرنا أصحابه يعني له صحبة في أخذ الحديث عنهم، لا مجرد أصحابه في العقيدة، فنرجع إلى مشايخ بن عيسى ورواياته في الفقه (وهي تزيد على ألف رواية).
ومشايخه خمسون، فنسقط عنهم غير أصحاب الإمام الباقر الصادق فإن كان الباقون كلّهم ثقات فيحصل ظنّ اطمئناني أنّ المرسل عنه ثقة.
واحتمال أن يكون هذا شخصاً مجهولاً غير من وصلت رواياته عنهم منفيٌ بعد تفسير الأصحاب بما سمعنا.
ــــــــــ[378]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 411، الباب 22 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إلَّا أنّ هذا الطريق أظنه غير صحيح لأنّ هناك خمسةً، أو ستةً من مشايخه ممّن لم يثبت وثاقتهم رووا عن الإمامين.
وقد يقال: إنّه بالرغم من وجودهم لا يضرّ بالاطمئنان؛ لأنَّها لا تكون بعدد الخمسين، بل بنسبة رواياته عنه، لأنه يروي عن حريز نصف رواياته في الفقه، وعن معاوية بن عمار كثيراً، فلو فرض أنّ هؤلاء الضعاف كانت مروياته عنهم قليلاً، خصوصاً إذا لم تكن رواياته عنهم في غير الوضوء والطهارة؛ فيحصل الاطمئنان.
إلَّا أنّ هذا فرع قوله: بعض أصحابه، لا بعض أصحابنا إلاَّ أنها نسخة بدل، والمراد من قوله بعض أصحابنا مجرد كونه شيعياً.
مرسلة حماد بن عيسى.. “في الرجل يتوضأ، وعليه العمامة قال: يرفع العمامة بمقدار ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدّم رأسه”(1).
فتكون قرينة على أنّ المراد بالثلاث حدّ الفضيلة.
2- عن الحسين قال: “قلت: لأبي عبد الله رجل توضّأ وهو معتمّ، فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد فقال: ليدخل إصبعه”(2).
فيدلّ على كفاية الإصبع في مقام المسح.
ــــــــــ[379]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 411، الباب 22 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(2) الكافي 5: 95، كتاب الطهارة، الباب 19، الحديث: 3، وسائل الشيعة 1: 416، الباب 24 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وقد يتوهّم أنها مقيّدة لتلك الرواية في صورة الاضطرار فيفصل بين الاختيار والاضطرار ويبقى الاختيار بثلاث.
إلَّا أنّ هذا لا يتم؛ لأنَّها لم يؤخذ فيها الاضطرار بالمعنى العرفي بل يوجد فيه شيء من الصعوبة، فيدلّ على أنه حكم واقعي أوليّ، وليس اضطرارياً وإناطته بمطلق الصعوبة لا يضرّ، لأنّ العرف يفهم التعميم، لأنّ الأحكام الإلزامية لا يرفع اليد عنها بمطلق الصعوبة، فيفهم أنّ الحكم الآخر الذي رفع اليد عنه حكم استحبابي.
لكن هناك إشكال مشترك بين كِلتا هاتين الروايتين:
وهي أنّه أمر بإدخال الإصبع، ولكنه لم يبيّن كيف يمسح به. فإنَّه تارةً يمسح بطوله فقط، وأخرى يحرّكه فيمسح مكان ثلاث أصابع، ورواية معمّر تقول: “يجزي من المسح موضع ثلاث أصابع“(1) فلا معارضة بينهما.
إلَّا أن يدّعى الانصراف إلى صورة ما إذا كان في مقام بيان أقل مراتب المسح مؤونةً وهو أن يدخل إصبع ويخرجه ولم يأمر أكثر من ذلك إلاَّ أنّ هذا الانصراف بلا موجب، فتكون هذه الرواية مطلقة فتلك تكون مقيّدةً لها، فيجب أن يحرّكه يَمنةً ويَسرةً بمقدار ثلاث أصابع.
قال: “قال أبو جعفر: المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه
ــــــــــ[380]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 418، الباب 24 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
قدر ثلاث أصابع ولا تلقي عنها خمارها”(1).
أيضاً يكون الاستدلال بها بمفهوم العدد بعد عدم احتمال الفرق بين المرأة والرجل للإجماع إلاَّ ما نقل عن الإسكافي(2). أو لظهور نفس الرواية.
وهي صحيحة السند، ولم يعطف الرجل على الرأس، فلا يرد الاعتراض الأوّل، ولا الثالث السابق.
إلَّا أنّ الإشكال الثاني وارد وهو أن الإجزاء لا يتعيّن أن يكون بلحاظ الواجب، بل يحتمل أن يكون بلحاظ المناسب مضافاً إلى أنه من المحتمل أن يكون الإجزاء إجزاءً عن إلقاء الخمار.
فالصحيح أنّ الواجب في المسح هو مطلق ما يصدق عليه المسح، والتحديد بالإصبع بلا موجب، والتعبير بأنّه يدخل إصبعه ليس لبيان الحدّ الأدنى؛ لأنّ إدخال الإصبع شيء، والمسح بمقداره شيء آخر.
ــــــــــ[381]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 97، كتاب الطهارة، الباب 19، الحديث: 5، وسائل الشيعة 1: 417، الباب 24 من أبواب الوضوء، الحديث: 3.
(2) انظر: الحدائق الناضرة 2: 467، كتاب الطهارة، الباب الثاني، المطلب الثالث، الفصل الثاني، الركن الرابع، الثاني.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
ويجب أن يكون المسح بباطن الكفّ، والأحوط أن يكون باليمنى، والأولى أن يكون بالإصبع(1).
بقي الكلام في آلة المسح: لا إشكال أنها هي اليد فلو أخذ رطوبة يده بعضو آخر فمسح به لم يكف.
كما لا ينبغي الإشكال أنّ المراد من اليد الكفّ. كما لا إشكال أنّ المراد به باطنه.
لكن هناك كلام في أنه يجب أن يمسح باليمنى أو هو مخيّر، فالمشهور هو التخيير، وهناك من ذهب إلى الوجوب.
وعنوان اليد ورد في بعض روايات الباب:
منها صحيحة عمر بن أذينة الواردة في المعراج “ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء”(2).
ومقتضى الجمود على حاقّ العبارة هو المسح بفضلة بلّة اليد ولو نقلها إلى عضو آخر، إلاَّ أنه حيث إنّها ملتصقة باليد، ولا يرى لها وجوداً منحازاً فيكون المسح باليد، ولا يفهم استقلال البلّة بالمسح، فيكون المسح بالمبتلّ بهذه البلة،
ــــــــــ[382]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 208، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، مسح الرأس.
(2) وسائل الشيعة 1: 390، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فتدلّ على وجوب المسح باليد.
وأمّا الكفّ بعنوانها فقد وردت في الوضوءات البيانيّة(1)، وأنّه مسح بكفّه على رأسه. إلاَّ أنّ الاستدلال به غير تام؛ لأن اختيار الكف على الذراع ليس فيه عناية عرفية، وكذلك روايات “يدخل إصبعه“(2) فإنَّها ليست في مقام البيان من هذه الناحية؛ لأنَّها تعالج مشكلة عدم إمكان نزع العمامة.
ومن هنا استشكل بعض الفقهاء بوجوب المسح بالكفّ، وقال(3): يمكن التمسّك بالإطلاقات بالمسح باليد، وهو عنوان ينصرف إلى اليد الوضوئية ولو فرض الإجمال في اليد فنتمسّك بإطلاقات المسح بالآية الكريمة(4) خرج منه غير اليد الوضوئية، وأمّا خصوص الكفّ فلا دليل عليه.
إلَّا أنّ الصحيح هو ما عليه المشهور، لانصراف هذه الروايات المطلقات إلى خصوص الكيفية المعهودة المركوزة عرفاً فإنَّه يوجد كيفية معهودة للمسح عرفاً حين يؤمر بالمسح، فإنَّه يستعمل كفّه، بل باطن كفّه في مقام المسح.
وهل يجب المسح باليمنى، أو يكون مخيراً؟
وما يمكن أن يستدل به على ذلك:
أولاً: لا بُدَّ أن يرجع إلى الإطلاقات فمقتضاها كفاية مطلق المسح، سواء ــــــــــ[382]ــــــــــ
() الواردة في الباب 15 من أبواب الوضوء، وسائل الشيعة 1: 387.
(2) انظر: وسائل الشيعة 1: 416، الباب 24 من أبواب الوضوء، الحديث: 1،2.
(3) أنظر: مصباح الفقيه للهمداني: 2: 370 وما بعدها.
(4) المائدة: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
كان باليمنى أو بغيرها فإن تمّ مخرج عنها عملنا به، وإلَّا رجعنا إليها.
والمخرج هو أحد وجوه:
الوجه الأوّل: صحيحة زرارة(1).
الوجه الثاني: صحيحة عمر بن أذينة المتقدّمة(2).
الوجه الثالث: صحيحة زرارة “وتمسح ببلة يمناك ناصيتك”(3).
ولكنه لا يتمّ؛ لما قلناه من أنها في مقام قلّة استعمال الماء. وليس في مقام إنشاء الشرطية ليتمسّك بظهورها.
ولكن في النفس من عدم دلالتها شيء، فإنَّه لماذا استعملت كلمة اليمنى، مع أنه ليس لها أيّ دخل في الغرض المقصود؟ وهذا التصريح ليس له نكتة إلاَّ أنّ هذا هو اللازم في الوضوء.
نعم، قد يقال: بنكتة أنه هو المستحبّ المتعارف، لكنها لم تكن في مقام بيان ذاك الاستحباب، فإنّ أَخْذَ هذا المستحب مفروغاً عنه بلا موجب، بينما أخْذُ الواجب مفروغاً عنه بموجب، فتكون دالّةً على هذا المعنى، فإن لم يوجب ظهورها بذلك فلا أقلّ من الاحتياط الوجوبي(4).
ــــــــــ[384]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 1: 390، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 6.
(2) وسائل الشيعة 1: 390، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 5.
(3) وسائل الشيعة 1: 388، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.
(4) كتبت بعض المحاضرة، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الرابع: مسح الرجلين من رؤوس الأصابع الى الكعبين، وهما قبّتا القدمين على المشهور(1).
الواجب الأخير للوضوء -مسح الرجلين- وقع موضعاً للاختلاف بين المسلمين، بينما كان أصل المطلب في الباقي مُسلَّماً، وإن وقع الكلام في الخصوصيات.
فذهب علماء الإمامية(2) قاطبةً على أنّ الواجب هو المسح؛ تبعاً لأئمة أهل البيت، وذهب جمهور المسلمين إلى وجوب الغسل، وأنه لا يجزي غير الغسل.
نعم، قالوا: بإجزاء المسح على الخفّين فالمسح على الخفّ مجزٍ، ولكنّ المسح
ــــــــــ[385]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 209- 210، كتاب الطهارة، فصل في أفعال الوضوء، مسح الرجلين.
(2) انظر: الحدائق الناضرة 2: 288، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، الركن الخامس.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
على نفس القدم غير مجزٍ(1). وذهب بعض علماء الزيدية المتسنّنين إلى التخيير(2)، وذهب بعض المتشدّدين من علماء السنّة إلى وجوب الاحتياط لتعارض ظاهر الآية وعمل السلف، وفيهم الطبري(3) صاحب التفسير والتاريخ المعروف.
والكلام يقع في ثلاثة مقامات:
قال الله تعالى: وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ(5). وردت منصوبةً في بعض القرآن كما هو في المصحف المتعارف، ووردت في بعض القراءات مجرورةً.
إنّ القرّاء السبعة وهم أشهر القراء في عصرهم اختلفوا، فثلاثة قرأوا ــــــــــ[386]ــــــــــ
() أنظر لإجماعهم على وجوب الغسل وعدم إجزاء المسح على القدمين وإجزاء المسح على الخفين: (الاستذكار) (1/ 140)، و(المغني) لابن قدامة (1/ 184 ت التركي)، و(المجموع شرح المهذب) (1/ 417 ط المنيرية)، و(الحاوي الكبير) (1/ 123).
(2) فانظر: شرح التجريد في فقه الزيدية للإمام المؤيد: 1: 145. ونقل الطبرسي التخيير بين الغسل والمسح مطلقً عن الجبائي المعتزلي والحسن البصري والطبري في مجمع البيان 2: 164.
(3) انظر: تفسير الطبري 8: 200، ذكر من قال: عنى الله بقوله: وأرجلكم الى الكعبين، الغسل.
(4) وهنا ينتهي الكلام عند المقام الأوّل.
(5) المائدة: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
بالجرّ، وثلاثة بالنصب وواحد وهو عاصم اختلف تلامذته فيما قرأ.
فالمسألة في القرّاء السبعة متعادلة، وكلاهما قراءتان مشهورتان في عموم المسلمين. فالكلام في جهتين في مدلول الآية بناء على الجرّ والنصب.
أمّا بناءً على قراءة الجرّ، فلا ينبغي الاستشكال في أنّ الظاهر من الآية الكريمة هو وجوب المسح؛ لأنّ الأرجل معطوفة على الرأس المجرور بالباء المتعلّق بالمسح بل يكون كالنصّ في ذلك…
وما حاول العلماء المتسنّنون تصويره في الآية بحيث تخرج على وجوب الغسل -بناء على قراءة الجرّ- لا يرجع إلى محصّل معقول، وما ذكروه:
إنّها وإن كانت مجرورةً، لأنَّها معطوفة على الرؤوس، إلاَّ أنه عطف بلحاظ الإعراب لا العطف بلحاظ المسح(1).
هذا المطلب ممّا لا معنى له، لأنه يرد عليه مضافاً إلى ما يرد على الوجوه الأخرى أولاً: العطف بلحاظ الإعراب أمرٌ غير معقول لأنه شأن اللفظ، لا شأن مدلول اللفظ، والواو يدلّ على عطف مدلول على مدلول، لا لفظ على لفظ كسائر الحروف، فحين يقول: (العصفور في الغرفة) يعني مدلول كلمة
ــــــــــ[387]ــــــــــ
(1) أنظر لذلك: التفسير البسيط للواحدي: 7: 281 وما بعدها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
العصفور في مدلول كلمة الغرفة لا الكلمة.
ثانياً: لو تعقّلنا أنّ العطف بلحاظ الإعراب، أنّ الواو التي استعملت في العطف بلحاظ الإعراب، هل استعملت العطف بالمعنى على الأمر بالغسل؛ فتدلّ على عطفين:
أحدهما: على الرؤوس لفظياً، وثانيهما: وعلى الوجوه بلحاظ المعنى؟
فهذا يلزم منه استعمال اللفظ في أكثر من معنى؛ لأنّ كلّ عطف فرد من النسبة العطفية.
وإن قيل: إنّه لا يراد بها عطف آخر إلَّا العطف اللفظي.
قلنا: يكون للكلمة معنى غير معناها الأفرادي، ولا يثبت أنها متعلقة بأيّ عامل في الآية، لا (امسحوا) ولا (اغسلوا).
إنّ الأرجل معطوفة على مفعول (اغسلوا)، وليس معطوفاً على (الرؤوس)، لكن حيث إنّه جاور مجروراً ولهذا اكتسب منه الجرّ بالمجاورة. وهذا أمر متّفق في لغة العرب مثل (جحر ضب خربٍ) و(ذوو الحاجات كلهم)(1).
هذا الكلام بنحو الموجبة الجزئية لا إشكال في صحته، إلاَّ أنه لو سلم أنه ليس بعناية ترجع إلى ذات المعنى، لأنّ خراب البيت خراب لصاحب البيت،
ــــــــــ[388]ــــــــــ
(1) نقل هذا الوجه ابن عطية في تفسيره عن الأخفش وأبي عبيدة: (الهداية الى بلوغ النهاية) (3/ 1613)، وأبو حيان في (البحر المحيط في التفسير) (4/ 192).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
فيرجع الوصف إليه وكان اكتساباً تعبدياً، وسلّمنا أنّ هذا الاكتساب كما يكون في النعت والتوكيد يكون في العطف أيضاً.
إلَّا أنه إنما يحسن في أساليب المحاورة إذ لم يكن فيه إبهام على خلاف المقصود، وهو غير موجود في هذه الأمثلة.
ولكنه في الآية الكريمة موجود؛ فإنّ الجرّ ذو معنى يدلّ على أنه واقع في موقع يناسب أن يكون مجروراً فيدلّ على مساواته في الجملة مع كلمة (الرؤوس) خصوصاً مع وجود جملة فاصلة مستقلّة بين المتعاطفين الافراديين وهي قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ فهذا الإبهام موجود وشديد في الآية على هذا التقدير.
ويكون هذا محض الإبهام وإلَّا فلا، وهو كيف يتصور في القرآن، خصوصاً في آيات الأحكام التي تعلّم الناس، وهو مقطوع البطلان، مضافاً إلى أنه خلاف ظاهر المتكلم.
والعطف بجملة مستقلة من أغرب الغرائب واعترف عدد من علماء العامّة(1) بأننا لم نجده في لغة العرب أصلاً.
وقد جاؤوا بتفسيرين له:
أحدهما: أن هذا الفصل للترتيب، لأنَّها لو عطفت الأرجل مباشرةً على الأيدي لم يفهم الترتيب.
ــــــــــ[389]ــــــــــ
(1) أنظر (البحر المحيط في التفسير) (4/ 192).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثاني: ما ذكره الزمخشري(1) في كشافه: أنه لأجل الإشعار بأنه لا ينبغي فيه المبالغة، فإنّ العادة في الغسل هو المبالغة وبجعله غسلاً كالمسح.
إلاَّ أنّه لا يتم؛ لأنّ هذه المعاني لو كانت مقصودةً فهو أقدر القادرين على بيانها بوضوح، دون تضييع أصل الفريضة.
مضافاً إلى أنّ الآية تعطف بالواو وهي لا تدلّ على الترتيب، ولو بقينا نحن والآية لما قلنا بالترتيب. والوجه الثاني شعر وليس كلاماً، لأنّ مجرد المجاورة لا تكون بذلك الغرض.
إنّ (أرجلكم) مفعول لفعل محذوف مقدّر مع حرف جر محذوف ونقدره بنحو مناسب مع فتوى العامّة.
قالوا نقدِّر: (أو افعلوا بأرجلكم الغسل)، وقد يحذف حرف الجرّ(2).
إلَّا انه من المضحكات، لأنه يفرض فعلاً لا قرينة عليه، ويمكن تقدير أيّ فعل آخر ثم يحذف حرف الجرّ، أيضاً كيف يتصوّر في الآية التي نزلت، فيها الحكم الشرعي، التي يعمّ بها الابتلاء!
إنّ الأرجل مفعول لـ امسحوا، لكن يقال: إنّ المسح متقوّم بإمرار اليد ــــــــــ[390]ــــــــــ
(1) الكشّاف 1: 611، المائدة: 6.
(2) ذكر أبو حيان هذا الوجه في (البحر المحيط في التفسير) (4/ 192).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
لا بعدم الغسل فلو صبّ كفاً من الماء على قدمه وأمرّه عليه كان غسلاً ومسحاً.
ومن هنا ذهب الطبري -جمعاً بين الأمرين- إلى أنّ المسح واجب بمعنى إمرار اليد، وهو لا ينافي مع وجوب الغسل.
فكأنه يريد أن يقول: إنّ الآية تدلّ على وجوب المسح بمعنى إمرار اليد. ولا تدلّ على عدم وجوب الغسل إلَّا بالإطلاق. فنقيّده بعمل الصحابة والروايات التي رووها عن النبي من أنه كان إذا توضّأ غسل رجليه.
إلَّا أنّ هذا الكلام غير صحيح، مضافاً إلى أنّ المقيّدات غير تامّة كما يأتي، فإنَّه بعيد جداً عن ظاهر الآية، فإنّ المسح مرتبة مقابلة للغسل إذا أخذ المسح بالماء لا باليد. فإنَّه إمرار لليد وللبلّة عليه. وهذا غير جريان الماء عليه.
وممّا يؤكد ذلك أنّهم لا يلتزمون في الرأس بذلك، وهذا معنى أنّهم يعترفون أنّ المسح مقابل الغسل، فهل أُستعمل المسح وأُرِيد من المفعول الأوّل حصّةً، ومن الثاني حصّةً أخرى؟ وهذا ينافي وحدة السياق بأتمّ أنحاء المخالفة؛ لأنه بنحو المباينة فيكون أشبه باللُغز.
ما تعرّض له الشيخ الطوسي(1) في التهذيب: أنّ الأرجل بمعنى الخفّ؛ لأنهم قالوا بجواز المسح على الخفّ دون الرجل، وهذا من غرائب الفتوى وهذا لا يحتاج إلى جواب.
ــــــــــ[391]ــــــــــ
(1) انظر: التهذيب 1: 70، كتاب الطهارة، الباب 4، ذيل الحديث: 36.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهذه الوجوه ناشئة من ضيق الخناق لأنهم تبنوا فتوى معينة، وأرادوا حمل الآية عليها على كل حال.
فالآية بناءً على الجرّ تكون كالصريح في وجوب المسح على القدمين.
ــــــــــ[392]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفصل [الأوَّل] في غايات الوضوء 15
[أقسام الوضوء بلحاظ أغراضه] 15
القسم الأول: قصد التوصل إلى معنى مضاف إلى المولى 16
كلام في مسّ المحدث للقران الكريم 16
الوضوء الرافع للكراهة 17
القسم الثاني: استحباب الوضوء لذاته 18
احتمالات أربع في المقام 19
الفرق العملي بين الاحتمالات 19
الاستدلال على الاستحباب النفسي للوضوء 24
الدليل الأوَّل: الكتاب الكريم 24
الدليل الثاني: الروايات 28
1- رواية الديلمي 28
2- رواية محمد بن مسلم 29
3- رواية السكوني 30
ــــــــــ[393]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
4- رواية عبد الله بن سنان 31
5- رواية محمد بن كردوس 32
6- الاستئناس برواية هشام 32
الكلام في غايات الوضوء الواجبة 34
الأجزاء المنسية من الصلاة 34
سجدتي السهو 36
الطواف في حجّ أو عمرة 37
وجوب الوضوء بنذر ونحوه 38
مسّ كتابة القرآن 39
الفرع الأوّل: في حرمة مسّ المحدث كتابة القرآن 39
الاستدلال بالكتاب الكريم 40
الاستدلال بالسنّة الشريفة 43
1- رواية إبراهيم بن عبد الحميد 43
2- مرسلة حريز 44
3- رواية علي بن جعفر 44
عدم إمكان استفادة المطلوب من الرواية 46
4- رواية أبي بصير 48
الفرع الثاني: هل ينعقد النذر بمسّ الكتاب 49
الفرع الثالث: فيما لو توقّف إنقاذ القرآن الكريم على مسّه 49
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إشكال السيد الأستاذ في المقام 50
مناقشة السيد الأستاذ 53
إلحاق أسماء الله وصفاته الخاصة بكتابة القرآن 56
الكلام في أصل الإلحاق: 56
مسألة 1: [في نذر الوضوء الرافع للحدث] 59
التحقيق في المقام 59
متعلق النذر مرجوح باعتبار لازمه 60
النحو الأوّل: لمتعلق النذر ضدّ أرجح منه شرعاً 60
النحو الثاني: لمتعلق النذر مقدمة تتّصف بالمرجوحية 61
النحو الثالث: متعلق النذر مقيَّد بفعل المرجوح 62
وجوه تبعيض انعقاد النذر 66
الفصل الثاني في الوضوءات المستحبة 71
اجتماع غايتين واجبة ومستحب 71
في قصد الغاية المستحبة عند تعدّد الغايتين 71
جواب السيد الماتن عن شبهة اجتماع الحكمين المتضادّين 72
حلّ الشبهة 75
مسالك وجوب المقدمة ثلاثة 75
نقضان في المقام 77
ــــــــــ[395]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفصل الثالث في مستحبات الوضوء 83
الأول: الوضوء بمدّ من ماء 83
الجهة الأولى: في أصل استفادة مطلوبية ذلك 83
الصيغة الأولى: ما ورد في رواية سليمان بن حفص 83
الصيغة الثانية: ما ورد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر 84
الصيغة الثالثة: ما ورد في رواية سماعة 85
الصيغة الرابعة: [ما ورد في رواية أبي بصير] 85
الجهة الثانية: هل هو طلب وجوبي أو استحبابي 86
الجهة الثالثة: [مدرك الاستحباب] 86
الجهة الرابعة: [لحاظ الزيادة والنقيصة] 88
الجهة الخامسة: [الحدّية في النقيصة والزيادة] 90
التقريب الأوّل: روايات الوضوء بمدّ 91
التقريب الثاني: رواية “فأولئك على خلاف سنتي” 91
الجهة السادسة: في تحديد الموضوع أي تحديد المدّ وهو في عدة نقاط: 92
النقطة الأولى 92
النقطة الثانية 95
روايتان معارضتان 96
النقطة الثالثة 98
[الثاني: الاستياك] 101
ــــــــــ[396]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
[أدلة استحبابه النفسي] 101
[أدلة استحبابه للوضوء] 102
[الثالث: وضع إناء الماء على اليمين] 105
وقد استدل عليه بعدّة وجوه 105
الوجه الأول 105
الوجه الثاني 106
الوجه الثالث 106
الرابع: غسل اليدين قبل الاغتراف 107
وتدل عليه روايات منها 107
وتحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في عدّة جهات 108
الجهة الأولى: تعدد احتمالات المراد 108
الاحتمال الأوّل 108
الاحتمال الثاني 109
الاحتمال الثالث 109
الجهة الثانية: هل هو مطهرٌ حدثيٌّ أيضاً 110
الجهة الثالثة: هل الحكم خاص أو أعم 112
الجهة الرابعة: هل يختص باليمنى 114
الجهة الخامسة: كم مرّة تغسل اليد 115
الجهة السادسة: ما هو مقدار اليد التي يستحب غسلها 116
ــــــــــ[397]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
وهذا له تقريبان 116
الأوّل 116
الثاني 116
الجهة السابعة: أنّ غسل اليد هل هو مستحبّ تعبدّي أو توصّلي 118
الجهة الثامنة: إذا صدر منه بول وغائط 119
الجهة التاسعة: في اختصاص الاستحباب بالماء القليل 121
الجهة العاشرة: في احتمال وجوب غسل اليدين 122
المقام الأوّل: في أصل المقتضي للوجوب. 122
المقام الثاني: هل هناك قرينة لرفع اليد عن الظهور في الوجوب أو لا 124
الخامس: المضمضة والاستنشاق 127
روايات المسألة 128
الأولى: رواية عبد الله بن سنان 128
فقه الرواية 128
الثانية: رواية سماعة 131
الثالثة: رواية مالك بن أعين 131
الرابعة: رواية أبي بصير 132
الخامسة: رواية السكوني 133
السادسة: رواية علي بن جعفر 134
السابعة: رواية عبد الرحمن الهاشمي 135
ــــــــــ[398]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثامنة: رواية زيد بن علي 136
التاسعة: روايات مضمضة الصائم 136
الروايات المعارضة 137
مناقشة الروايات المتعارضة 140
الوجه الأوّل: التساقط 140
الوجه الثاني: ترجيح الروايات النافية للاستحباب 141
الوجه الثالث: سقوط الروايات النافية للاستحباب عن الحجية 142
الوجه الرابع: الترجيح بالشهرة 143
الوجه الخامس: الجمع العرفي 144
تصنيف الروايات النافية للاستحباب 146
السادس: التسمية عند وضع اليد في الماء 148
الجهة الأولى: في أصل المطلوبية 149
1- رواية معاوية بن عمار 149
2- رواية زرارة 149
3- رواية العيص بن القاسم 151
4- رواية أبي بصير 151
5- رواية ابن أبي عمير 152
الجهة الثانية: في صيغة التسمية 155
السابع: الاغتراف باليد اليمنى 156
ــــــــــ[399]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الفرع الأوّل: استحباب أخذ الماء باليمنى للوجه واليسرى 156
الفرع الثاني: أنّ اليد اليمنى يحمل الماء إليها باليمنى 158
1- صحيحة زرارة وبكير ابنا أعين 158
2- صحيحة محمد بن مسلم 158
التاسع: غسل الوجه واليدين مرّتين 160
استحباب تكرار الغسل 162
الكلام عن فروع المسألة إجمالاً 162
الكلام عن فروع المسألة تفصيلاً 163
الكلام في الفرع الثاني وهو حكم الغسلة الثانية 163
المقام الأوّل: في مقام الثبوت 163
المقام الثاني: في مقام الإثبات 166
الصنف الأوّل: الذي يمكن أن يستدل به على الاستحباب 166
1- صحيحة زرارة 166
2- رواية أبي جعفر الأحول 168
3- رواية عمر بن أبي المقدام 169
4- رواية الفضل بن شاذان 170
5- رواية معاوية بن وهب 171
6- معتبرة صفوان 171
7- رواية يونس بن يعقوب 172
ــــــــــ[400]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
8- روايات أُخر 172
الصنف الثاني: ما يستدلّ به على عدم الاستحباب 173
القسم الأول: ما دلّ على عدم المشروعية 173
1- الوضوءات البيانية 173
2- رواية ميسر 174
3- رواية عبد الكريم 175
التقريب الأوّل 176
التقريب الثاني 176
4- رواية حماد بن عثمان 177
القسم الثاني: ما دلّ على نفي الاستحباب 177
1- رواية الأعمش 178
2- رواية بن أبي عمير 179
3- رواية عبد الله بن بكير 179
4- رواية السرائر 181
ما ذكره صاحب الحدائق في المقام 182
الوجه الأوّل: حمل الروايات النافية على من لم يستيقن 182
الوجه الثاني: حمل روايات الاستحباب على إسباغ الوضوء 183
الوجه الثالث: حمل روايات الاستحباب على بيان الحد الأعلى 184
الوجه الرابع: حمل روايات الاستحباب على التقية 185
ــــــــــ[401]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الكلام في الفرع الثالث وهو حكم الغسلة الثالثة 186
النقطة الأولى: هل هي مستحبة 186
النقطة الثانية: أنّها هل هي من الوضوء 187
النقطة الثالثة: هل الغسلة الثالثة مبطلة للوضوء أو لا 187
النقطة الرابعة: الحرمة الناتجة للغسلة الثالثة 189
ما هو الميزان في انتهاء الغسلة 189
العاشر: بدء الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الأولى 191
الحادي عشر: استحباب الصبّ في أعلى العضو 193
الثاني عشر: أن يكون الغسل بصبّ الماء على العضو لا بغمسه فيه 194
الثالث عشر: إمرار اليد على المواضع 195
[الفصل الرابع في مكروهات الوضوء] 199
الأول: الاستعانة بالغير 199
حكم الاستعانة والتولية 199
بلحاظ مقتضى القاعدة 201
بلحاظ الروايات الخاصة 202
[الأولى: مرسلة الصدوق] 202
الثانية: رواية الوشاء 203
الكلام في الدلالة 204
الكلام في السند 207
ــــــــــ[402]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
إشكالات عدّة ترد على الرواية 208
مقرّبات صاحب الحدائق لحمل الرواية على التولية 210
مقرّبات لكلام المشهور بحمل الرواية على الاستعانة 211
الثالثة: رواية السكوني 212
نتيجة البحث 213
الثاني: كراهة التمندل 215
رواية محمد بن حمران 215
المقام الأوّل: فقه الرواية في نفسها 216
المقام الثاني: الروايات المعارضة 217
القسم الأوّل: الروايات اللفظية. 217
القسم الثاني: ما كان دالاً على الفعل 218
الثالث: الوضوء في مكان الاستنجاء 222
مدرك الحكم بالكراهة 222
المقام الأوّل: الكلام في الرواية سنداً ودلالةً 222
المقام الثاني: في الروايات المعارضة 223
الرابع: الوضوء في الآنية المفضّضة أو المذهّبة 226
الخامس: الوضوء بالمياه المكروهة 228
الفصل الخامس واجبات الوضوء 231
الأول: غسل الوجه 231
ــــــــــ[403]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الجهة الأولى: في تحديد الوجه الذي يجب غسله 232
الجهة الثانية: البحث في الأدلة] 233
الروايات الدالّة على وجوب غسل تمام الوجه العرفي 233
الروايات الدالّة على عدم وجوب غسل تمام الوجه العرفي 235
الكلام في صحيحة زرارة 236
بلحاظ السند 236
بلحاظ فقه الحديث 238
مناقشة الشيخ البهائي للمشهور 241
الجواب عن إشكالات الشيخ البهائي 243
معنى قوله: “ما دارت عليه الوسطى والإبهام” 246
[اعتراضات عدّة ترد على فهم الشيخ البهائي] 248
بحث في اختلاف نسخ الرواية 251
مشكلة الاختلاف بين الأصابع والوجه 252
الجهة الأولى: هل التحديد بنحو الموضوعية أو الطريقية 253
الجهة الثانية: حمل الرواية على الإنسان المتعارف 254
الجهة الثالثة: المتعارف له درجات نسبية 258
مقدار ما يجب في غسل الوجه 263
مراتب استعمال الماء في غسل الوجه 263
أخذ الجريان في مفهوم الغسل 266
ــــــــــ[404]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الجريان على الشيء لا عن الشيء 266
مقارنة بين الآية الكريمة والروايات 268
الطائفة الأولى: كفاية مسّ الجلد 268
الطائفة الثانية: الآمرة بإجراء الماء 269
الروايات في المقام على عدّة طوائف 270
الطائفة الأولى: في تقابل المسح والغسل 270
الطائفة الثانية: روايات الجريان 271
الطائفة الثالثة: كفاية مسّ الجلد 272
الطائفة الرابعة: روايات التدهين 275
1- صحيحة محمد بن مسلم 275
2- صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم 277
3- رواية التهذيب 277
[وجوب الابتداء من الأعلى في الوجه] 279
القول بعدم الوجوب 280
التمسّك بمقتضى الإطلاقات 280
القول بالوجوب 281
الوجه الأول: رواية أبي حريز 281
الوجه الثاني: الروايات البيانيّة 283
1- صحيحة زرارة 283
ــــــــــ[405]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
2- رواية زرارة الأخرى 286
3- صحيحة زرارة الثالثة 286
الوجه الثالث: ما أشار إليه الشيخ صاحب الحدائق 287
الوجه الرابع: التأسّي برسول الله 288
المهم في المسألة أمران 289
مسألة 1: [إدخال شيء من الحد من باب المقدّمة] 290
عدم وجوب غسل مطبق الشفتين 291
وجوب غسل المطبق بمقتضى العموم 292
الكلام عنه بمقتضى المخصّص 292
مسألة2: [ما زاد عن الحدّ من اللحية] 293
المقام الأوّل: أنّه هل يجب غسله أو لا 294
المقام الثاني: هل يستحب غسله أو لا 295
الوجه الأوّل: الوضوءات البيانية 295
الوجه الثاني: الرطوبة الوضوئية في اللحية 296
في استحباب غسل مسترسل اللحية 297
مسألة 3: [حكم لحية المرأة] 299
مسألة 4: [عدم وجوب غسل باطن العين والأنف والفم] 301
مسألة 5: [ما أحاط به الشعر] 301
مسألة 6: [في الشعر الرقيق] 301
ــــــــــ[406]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
مسألة 7: [الشك في الشعر أنّه محيط أو لا] 302
مسألة 8: [عدم صحة الوضوء فيما لو بقي رأس إبرة لم يغسل] 302
مسألة 9: [الشكّ في وجود المانع والشكّ في مانعية الموجود] 303
النقطة الأولى: في كفاية الاطمئنان 303
النقطة الثانية: إذا لم يحصل اطمئنان 304
الأمر الأوّل: التمسّك بالاستصحاب 304
الأمر الثاني: رواية علي بن جعفر 305
الأمر الثالث: الاستدلال بالسيرة 307
الثاني: غسل اليدين 309
الجهة الأولى: في وجوب غسل المرفق مع اليدين 309
الوجه الأوّل: التمسّك بالغاية في الآية الكريمة. 310
الوجه الثاني: رواية داوود بن فرقد 312
الوجه الثالث: رواية علي بن جعفر 313
الوجه الرابع: التمسّك بالوضوءات البيانية 315
الجهة الثانية: الترتيب في غسل اليدين 315
المسألة الأولى: الترتيب بما بعده وما قبله 315
المسألة الثانية: الترتيب في اليدين وغسل اليمنى قبل اليسرى. 316
المسألة الثالثة: وجوب الترتيب في العضد الواحد 316
مدرك الحكم في المسألة 317
ــــــــــ[407]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الاستدلال بالروايات منها 318
1- مكاتبة علي بن يقطين 318
2- رواية الهيثم بن عروة التميمي 319
3- ما نُسب إلى زرارة 320
4- رواية صفوان 320
5- [رواية علي بن عيسى] 322
6- رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع 322
الجهة الثالثة: المراد بالمرفق 324
[عند أهل اللغة] 324
[عند أهل الفقه] 325
حكم الزيادة في الأعضاء 326
النحو الأول: ما كان داخلاً في تركيب اليد 326
[النحو الثاني: أن لا يدخل في تركيب اليد 326
وجوب غسل الشعر مع بشرة اليدين 328
الفرض الأوّل: أن يكون الشعر غير محيط. 329
الفرض الثاني: ما إذا كان الشعر كثيفاً ومحيطاً بالبشرة. 329
مسألة 12: [حكم رفع الوسخ تحت الأظفر] 333
الصورة الأولى: ما كان غير زائد عن المتعارف 333
الصورة الثانية: ما كان خارجاً عن المتعارف ويغطي بشرة ظاهرة 334
ــــــــــ[408]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الصورة الثالثة: ما كان خارجاً عن المتعارف ويغطي بشرة باطنة 334
الصورة الرابعة: ما كان غير خارج عن المتعارف ويغطي شيئاً من الظاهر 335
مسألة 14: [غسل ما ظهر بعد قطع لحم اليدين] 337
مسألة 18: [حالات للوسخ الموجود على البشرة] 338
مسألة 19: [وظيفة الوسواسي] 339
مسألة 21: [الوضوء الارتماسي] 340
مقتضى اطلاق الآية صحّة الوضوء 340
تقييد الاطلاق 340
البيان الأوّل: أنّه خلاف الوضوءات البيانية 340
رفع اليد عن ظهورها بالكيفية المخصوصة 341
1- معتبرة علي بن جعفر 341
2- رواية إسحاق بن عمار 342
البيان الثاني: إشكال في نية المتوضئ 343
نية الوضوء حال إدخال العضو في الماء 343
نية الوضوء بعد استقرار العضو في الماء 344
أن ينوي الوضوء حال إخراج العضو من الماء 346
هل شروط الوضوء الترتيبي معتبرة في الارتماسي 346
مسألة22: [الوضوء بماء المطر] 348
ــــــــــ[409]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الثالث: مسح الرأس 349
الجهة الأولى: هل يجب المسح ببلة الوضوء أم هناك معارض 349
المقام الأول: أنّ المسح يجب أن يكون ببلّة الوضوء 349
مقيّدات الإطلاقات الأولية 350
الأولى: صحيحة زرارة 350
الثانية: صحيحة عمر بن أُذينة 352
الثالثة: مكاتبة علي بن يقطين 352
الرابعة: الروايات البيانية 353
الخامسة: مالك بين أعين 353
السادسة: رواية أبي بصير 355
السابعة: رواية خلف بن حماد 357
الثامنة: رواية الحلبي 357
التاسعة: معتبرة زرارة 358
العاشرة: صحيحة زرارة 358
المقام الثاني: في وجود روايات معارضة 358
الأولى: معتبرة معمّر بن خلاد 359
الثانية: موثّقة أبي بصير 360
الثالثة: رواية جعفر بن عمارة بن أبي عمارة 360
الرابعة: أبي بصير 361
ــــــــــ[410]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
الجهة الثانية: في وجوب المسح ببلّة اليد 363
الجهة الثالثة: ما هو المقدار الذي يمسح من الرأس 366
كلام في عدم مشروعية مسح تمام الرأس 368
التقريب الأول: صحيحة زرارة 368
التقريب الثاني: اتفاق فقهاء الإمامية 369
الروايات المعارضة 369
الرواية الأولى: الحسين بن أبي العلاء 369
الرواية الثانية: الحسين بن أبي العلاء الأخرى 370
الرواية الثالثة: رواية الحسين بن عبد الله 371
الجهة الرابعة: في المسح على مطلق مقدّم الرأس أو الاختصاص بالناصية 372
وجوه عدّة لعلاج التعارض 372
الجهة الخامس: في مقدار المسح 375
[الكلام بمقتضى الإطلاق] 375
مقيّدات الإطلاق 376
الأولى: رواية معمّر بن عمر 376
المعارضة بروايتين 378
الثانية: معتبرة زرارة 380
الجهة السادسة: في وجوب المسح باليمنى أو مطلق اليد 382
الرابع: مسح الرجلين 385
ــــــــــ[411]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج10
المقام الأوّل: في دلالة القرآن على ذلك 386
الجهة الأولى: بناءً على قراءة الجرّ 387
محاولات تأويل الآية إلى الغسل 387
الوجه الأوّل: العطف على الرؤوس بلحاظ الإعراب 387
الوجه الثاني: العطف على مفعول (اغسلوا) 388
الوجه الثالث: تقدير فعل وحرف محذوفين 390
الوجه الرابع: [الجمع ما بين الغسل والمسح] 390
الوجه الخامس: [حمل الأرجل على معنى الخُفّ] 391
الفهرس 393