أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب الطهارة الجزء (9)

كتاب الطهارة 

الجزء التاسع

271.1

ص44 الصدر، محمد.

كتاب الطهارة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج9(432ص.)؛ 17×24 سم.

  1. الطهارة فقه إسلامي أ – العنوان.

    رقم الإيداع

1692/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1692) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي

9-92-699-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

07706062778

manager@alturaath.com



كتاب الطهارة 

تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ 

آية الله العظمى 

السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره 

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء التاسع  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ



بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

  • الفصل الأول: في أحكام التخلي
  • الفصل الثاني: في الاستنجاء
  • الفصل الثالث: في الاستبراء
  • الفصل الرابع: في موجبات الوضوء ونواقضه

 

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الفصل الأوَّل

في أحكام التخلي



  • مسألة 1: [وجوب ستر العورة]
  • مسألة 2: [حرمة النظر الى عورة الكافر]
  • مسألة 3: [المراد من الناظر المحترم]
  • مسألة 4: [نظر المالك إلى مملوكته المزوّجة]
  • مسألة 5: [عدم وجوب ستر الفخذين والإليتين]
  • مسألة 6: [عدم الفرق بين أنواع الساتر]
  • مسألة 7: [الستر في الظلمة]
  • مسألة 8: [النظر إلى عورة الغير من وراء الزجاج أو في المرآة]
  • مسألة 9: [حكم الوقوف في مكان يعلم فيه بوقوع نظره على عورة الغير]

 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



  • مسألة 10: [حكم الشكّ في وجود الناظر أو في كونه محترماً]
  • مسألة 11: [حكم النظر الى عورةٍ مع الشكّ في كونها عورة حيوان أو إنسان]
  • مسألة 12: [حكم النظر إلى عورة الخنثى]
  • مسألة 13: [حكم النظر الى عورة الغير اضطراراً]
  • مسألة 14: [حرمة استقبال القبلة أو استدبارها حال التخلّي]
  • مسألة21: [المقصود من مقاديم البدن]
  • مسألة 22: [حرمة التخلّي في المدارس التي لا يعلم بكيفية وقفها]

 

ــــــــــ[12]ــــــــــ

كتاب الطهارة، محمد باقر الصدر، ج9



الفصل [الأوَّل]: أحكام التخلي

 

مسألة 1: [وجوب ستر العورة]

 

يجب في حال التخلّي، بل في سائر الأحوال ستر العورة عن الناظر المحترم(1).

[الأدلة اللُّبّية: الإجماع]

وجوب ستر العورة ممّا أدّعُيَ بل استفاض دعوى الاتفاق والإجماع(2) عليه، والظاهر أنه لم يقع فيه خلاف بين فقهاء المسلمين(3)، وهو العمدة في 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

() العروة الوثقى 1: 164، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 1.

(2) انظر: مفتاح الكرامة 1: 215، المقصد الاول، الفصل الثالث، وجوب ستر العورة، مسالك الأفهام 1: 28، كتاب الطهارة، الركن الثاني، أحكام الخلوة، كيفية التخلي، مدارك الأحكام 1: 156، كتاب الطهارة، الركن الثاني، أحكام الخلوة، كيفية التخلي.

(3) انظر: التلقين في الفقه المالكي 1: 27، كتاب الطهارة، باب في الاستنجاء وآداب الاحداث، وفي الكافي في فقه الامام أحمد 1: 96، كتاب الطهارة، باب آداب التخلي، قال ما نصّه: “ويستتر عن العيون لما روى أبو هريرة عن النبي: من أتى الغائط فليستتر…” وقال في شرح صحيح البخاري لابن البطال: 1: 395: “أجمع العلماء على ‌وجوب ‌ستر ‌العورة عن أعين الناظرين”. وقال القرافي في الذخيرة 2: 101: “وقع الاتفاق على ‌وجوب ‌ستر ‌العورة عن أعين الناس”

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إثبات الحكم في المقام.

[الأدلة اللفظية]

وأمّا بلحاظ الأدلة اللفظية فيمكن تصنيفها إلى قسمين: الأوّل: ما قد يُستدَلُّ به لإثبات الحرمة. والآخر: ما قد يُستَدَلُّ به لنفي الحرمة.

القسم الأوّل: ما قد يُستدَلُّ به لإثبات الحرمة 

وهو عدّة طوائف من الروايات:

الطائفة الأولى: [ما ورد في تفسير آية (غض البصر)]

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَـهُمْ(1).

تارةً: يُستدَلُّ بها مباشرةً، وأخرى: بلحاظ الرواية الواردة في تفسيرها.

أمّا الاستدلال بها مباشرةً كما صنع السيد الأستاذ(2) أنها تأمر بحفظ الفرج، وإطلاقه أنه يقتضي حفظه من سائر التفاعلات بما فيه النظر.

ــــــــــ[14]ــــــــــ

(1) النور: 30.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 316، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 20.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلّا أنّ هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنّ الحفظ لا بُدَّ أن يكون له متعلّق محذوف، لا الحفظ في نفسه، بل الحفظ من شيء، وقد تقدّم مراراً(1) أنه في موارد حذف المتعلّق لا يمكن التمسُّك بالإطلاق، وإنما يرجع إلى العرف إلى تعيين المتعلّق المحذوف، فإن كانت تقتضي شيئاً فهو، وإلَّا كانت العبارة مجملةً، وفي المقام إن لم ندّع الانصراف إلى العمل المخصوص، فلا أقلّ من عدم وجود مناسبات تقتضي تقدير غيره، فتكون العبارة مجملةً.

وبالإمكان أن يدعّى -في الآية الكريمة أساساً بقرينة التقابل بين المؤمنين والمؤمنات- أنّ الحفظ في كل قسم هو الحفظ بلحاظ القسم الآخر، وهذا لا إشكال فيه، وإنما الكلام في الحفظ من الجنس المماثل.

وقد يُستدَلُّ بالآية بلحاظ الرواية: “وسُئِلَ الإمام الصادق عن قول الله عزّ وجلّ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَـهُمْ، فقال: كل ما كان في كتاب الله من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا، إلاّ في هذا الموضع فإنه للحفظ من أن يُنظر إليه(2).

وهذه الرواية تدفع المناقشة الأولى التي ذكرها، لأنَّها تعيّن المحذوف بالنظر.

ــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) أنظر: الجزء الأول من هذه التقريرات، ص387. 

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 114، باب غسل يوم الجمعة ودخول الحمام..، الحديث: 235.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلّا أنه مع ذلك لا يمكن الاستدلال بذلك:

أولاً: لإرسال(1) الرواية فلا تتم سنداً.

ثانياً: أنّ الرواية لا تدفع مناقشتنا الثانية، وهو الحفظ من القسم الآخر، لا بلحاظ المماثل، لأنّ الرواية ليست في مقام بيان حدود حرمة النظر، بل هي في مقام بيان ما هو الملحوظ في الآية. وعليه لا يتم الاستدلال.

الطائفة الثانية: ما دلّ من الروايات على حرمة النظر

من قبيل رواية حريز عن أبي عبد الله قال: “لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه(2).

وهي تامّة سنداً، وتدلّ على حرمة النظر، والاستدلال بها يحتاج إلى مقدمة وعناية، فإنّ حرمة النظر غير وجوب الستر، إلاّ إذا قيل عرفاً أنه يلزم من حرمة النظر وجوب الستر، فالدليل الدالّ على عدم وجوب الستر يدلّ على جواز النظر، وتحريم النظر يفهم منه وجوب الستر على الآخر.

الطائفة الثالثة: الآمرة بالإزار في الحمام 

كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما قال: “سألته عن ماء الحمام فقال: أدخله بإزار…” الحديث(3)(4).

ــــــــــ[16]ــــــــــ

() لاحظ إرسال الرواية في المصدر السابق نفسه.

(2) تهذيب الأحكام 1: 374، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 7، وسائل الشيعة 1: 299، الباب 1 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(3) باب 9 من آداب الحمام، (المقرر).

(4) تهذيب الأحكام 1: 379، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 33، وسائل الشيعة 2: 38، الباب 9 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وصحيحة رفاعة بن موسى، عن أبي عبد الله قال: “قال رسول الله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلاّ بمئزر(1).

وهي أحسن من الطائفة السابقة من ناحية، لأنّ مفادها ابتداءً وجوب الستر، إذ إنّ وضع المئزر لأجل ذلك.

إلاّ أنّه يناقش ويقال: إنّها تأمر بالمئزر لا بالستر، ومن الواضح أنّ المئزر بخصوصه ليس واجباً، ولذا كان التغطية باليد كافياً، فالتغطية بالإزار لا بُدَّ أن تُحمل على الاستحباب، فلا تدلّ على وجوب ستر العورة الزامياً.

وطريق جوابها ينحصر بـ: أنّ وجوب اتخاذ الإزار كناية عن ستر العورة، فلو وضع شيء آخر غير الإزار ممّا يستر العورة كان مصداقاً لكلام الإمام عرفاً.

ولو قلنا بخصوصية الإزار فغايته رفع اليد عن وجوبه، لا رفعها عن أصل الوجوب(2) رأساً، فالاستدلال بهذه الطائفة لا بأس به.

الطائفة الرابعة: ما دلّ على إناطة نفي البأس عن التعرّي بعدم الناظر

عن أبي بصير قال: “قلت لأبي عبد الله: يغتسل الرجل بإزار فقال: إذا 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

(1) الكافي 13: 154، كتاب الزِّي والتجمّل والمروءة، الباب 43، الحديث: 3، وسائل الشيعة 2: 40، الباب 9 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 5.

(2) (عن وجوبه) تعني عن وجوب الإزار، (عن أصل الوجوب) تعني عن أصل وجوب الستر.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لم يره أحد فلا بأس(1)(2).

وهو يدلّ بمفهومه على أنه إذا رآه أحد فلا يغتسل بإزار، بل لا بُدَّ له من التستر.

وهي أحسن من السابقة، لأنَّها لا تأمر بالإزار، بل بالتستر.

الطائفة الخامسة: الحرمة من حيثية النظر

حنان بن سدير عن أبيه قال: “دخلت أنا وأبي وجدّي وعمّي حماماً بالمدينة فإذا رجل في بيت المسلخ، فقال لنا: ممّن القوم؟ إلى أن قال: ما يمنعكم من الأُزر فإنّ رسول الله قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام، إلى أن قال: فسألنا عن الرجل فإذا هو علي بن الحسين”(3).

فالسجاد نقل عن رسول الله أنّ عورة المؤمن على المؤمن حرام، ولا إشكال في اتجاهها إلى حيثية النظر، ولا يحتمل أنها ناظرة إلى استمتاعات أخرى، وذلك:

أولاً: باعتبار التطبيق، فإنه يقتضي ذلك.

ثانياً: لو قطع النظر عن التطبيق، فلا يأتي في هذه العبارة ما قلناه في الآية 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

() باب 11 من آداب الحمام، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام 1: 374، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 6، وسائل الشيعة 2: 43، الباب 11 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 2.

(3) الكافي 13: 157، كتاب الزِّي والتجمّل والمروءة، الباب 43، الحديث: 8، وسائل الشيعة 2: 39، الباب 9 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الكريمة من أنّ حفظ الفرج لا بُدَّ له من متعلّق، وهو العمل الخاصّ لا كل ما يتعلّق به، فهذا البيان لا يأتي هنا، وذلك لأنّ كلمة العورة معناها ما يُستحى من إبدائه والنظر اليه، فحين يقال إنّها حرام تنصرف إلى تلك الحيثية، أي: حرمة أن يكشف وينظر إليه، وكلمة الفرج لا تستبطن هذه الحيثية.

هذا هو تمام الكلام في القسم الأوّل من الروايات.

القسم الثاني: الروايات التي قد يُدّعى الاستدلال بها على نفي الحرمة

وهي طائفتان:

الطائفة الأُولى: ما ورد في التفسير النبوي: “عورة المؤمن على المؤمن حرام”

الروايات التي وردت في تفسير الكلام المنقول عن النبي “عورة المؤمن على المؤمن حرام“.

1- حذيفة بن منصور قال: “قلت لأبي عبد الله: شيء يقوله الناس عورة المؤمن على المؤمن حرام، فقال: ليس حيث يذهبون، إنما عُني عورة المؤمن أن يزلّ زلّةً أو يتكلم بشيء يعاب عليه، فيحفظ عليه ليعيره به يوماً ما(1)(2).

ــــــــــ[19]ــــــــــ

() باب 8 من آداب الحمام، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام 1: 375، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 10، وسائل الشيعة 2: 37، الباب 8 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

2- وفي رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله، قال: “سألته عن عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: نعم، قلت: أعني سفليه، فقال: ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره(1)

وهي تامة سنداً.

3- رواية زيد الشحام عن أبي عبد الله: “في عورة المؤمن على المؤمن حرام، قال: ليس أن ينكشف فيرى منه شيئاً، إنما هو أن يزري عليه ويعيبه(2).

وهذه الروايات تارةّ تذكر لأجل مناقشة الطائفة الخامسة السابقة، فهذه الطائفة لا يمكن الاستدلال بها، فإنّ هذه الروايات بمثابة الدليل المفسّر، وهو من أوضح أنحاء الحاكمية، فلا يبقى لتلك الطائفة في إثبات المطلوب.

ويجاب على ذلك: إنّ العبارة الواردة في رواية حنان بن سدير لا يمكن تفسيرها بذلك، لتطبيق الإمام لها على وجوب التستر.

ومن هنا ينبغي أن تُبيَّن هذه الروايات بعنوان أنها معارضة لأصل المسألة، أي لمجموع الروايات الخمس، بأن يقال: إنّ ظاهرها جواز ذلك، ودعوى: أنها ليس لها نظر إلى أن هذا يجوز أو لا، وإنما هي في مقام بيان تفسير هذه العبارة 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

(1) معاني الأخبار، الصفحة: ٢٥٥. وقد صححها في الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، الجزء: ٢، الصفحة: ٣ وآخرون كالشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة، الجزء: ١، الصفحة: ٤١٩. ورتبتها في ملاذ الأخيار: 3: 88: (موثق كالصحيح).

(2) تهذيب الأحكام 1: 375، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 11، وسائل الشيعة 2: 37، الباب 8 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المشهورة عن النبي غريبة على الفهم العرفي، فإنّ العرف لا يفهم أنه نفى بتفسير العبارة.

بل ردع عما ارتكز في الذهن نتيجة هذه العبارة وهو وجوب الستر، وأنّ المطلب الذي فهم من العبارة غير صحيح، لا أنه مجرد كونه غير مراد.

الطائفة الثانية: ما ورد فيها التعبير بالكراهة

رواية ابن أبي يعفور، قال: “سألت أبا عبد الله أيتجرد الرجل عند صبّ الماء، تُرى عورته أو يصبّ عليه الماء، أو يَرى هو عورة الناس، فقال: كان أبي يكره ذلك من كل أحد(1)(2).

قد يستدل بها على الجواز، فإنّ الكراهة ظاهرة في الكراهة المقابلة للحرمة.

وقد يناقش بما تقدّم في أواني الذهب والفضة، من أنّ الكراهة أمرٌ ملائم من الكراهة والحرمة الاصطلاحيين، فإنّ الكراهة لغةً وعرفاً بمعنى المبغوضية والحزازة، فهي تدلّ على الجامع من الكراهة والحرمة، فلا تعارض تلك الروايات.

بل قد يقال على مذاق السيد الأستاذ(3) من أن الكراهة تقتضي الحرمة.

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() باب 3 من آداب الحمام، (المقرر).

(2) الكافي 13: 169، كتاب الزّي والتجمل والمروءة، الباب 43، الحديث: 28، وسائل الشيعة 2: 33، الباب 3 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 3.

(3) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 319، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلاّ أنّنا ذكرنا أنّ الكراهة لا تدلّ على الحرمة بلا إشكال، كما أنها غير ظاهرة بالكراهة المصطلحة، بل الكراهة معنى جامع بين الكراهة والحرمة.

ولكن توجد هنا نكتة: أنّ الكراهة في ألسنة الأئمة تارةً تنسب إلى الشارع صريحاً أو سياقاً، وأخرى تنسب إلى شخص بعينه، فمتى ما نسبت إلى الشارع فالأمر ما قلناه من دلالتها على الجامع، فلا يمكن أن تثبت بها الحرمة ولا أن تنفيها.

ولكن عدل الإمامعن ذلك وقال: “كان أبي يكره ذلك“، يشكل فيه معنى الشخصية، بعد وضوح أنّ الأئمة لم يكونوا مجتهدين ليكون هذا نقل فتوى.

فيناسب أن تكون هذه الكراهة كراهةً أخلاقيةً، ولا يناسب أن تكون حرمةً مولويةً موجبةً لاستحقاق العقاب، لأنَّها لو كانت كذلك فلماذا نسبه إلى أبيه، فيكون له ظهور بعدم الحرمة.

فكلتا الطائفتين لا بأس بدلالتهما على نفي الحرمة.

تقديم ما دلّ على إثبات الحرمة

لكن لا ينبغي الإشكال في تقديم تلك الطوائف لأمرين:

الأمر الأوّل: أنّ تلك الطوائف(1) لا يمكن حملها على الكراهة بحسب الفهم العرفي كقوله: “عورة المؤمن على المؤمن حرام“، ولا إشكال أنّ كلمة حرام دلالتها على الحكم الإلزامي أقوى من دلالة هذه الروايات على الجواز، 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

(1) أي: روايات الطائفة الأولى.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بل الجمع العرفي يقتضي رفع اليد عن هذه الإشعارات التي بيناها للقسم الثاني.

الأمر الثاني: أنّ القضية قطعية للإجماع والارتكاز القطعي، وليست نظريةً لتعالج بصناعة الأخبار.

في عموم وجوب ستر العورة وحرمة النظر

قوله: سواء كان من المحارم أم لا، رجلاً كان أو امرأة، حتى عن المجنون والطفل المميّز، كما أنه يحرم على الناظر أيضاً النظر إلى عورة الغير ولو كان مجنوناً أو طفلاً مميّزاً(1).

هذه التعميمات لا إشكال فيها، باعتبار بعض مَدارك المسألة، وإن كان قد يستشكل في بعض المدارك، كروايات المئزر، ويُقال: إنّ نظرها إلى الكون في الحمامات العامة، والتكشّف فيها يكون أمام كثير من الناس، فيستشكل شمول الحرمة للمحرم أو المجنون أو الطفل المميّز.

وبعبارة أخرى: أنّ النهي عن ذلك نهيٌ عن التكشّف أمام مجامع الناس، فإنّ الحمّام مجمع لهم، وهو قد لا يثبت غير هذه الحصّة.

ولكن سائر مدارك المسألة تشمل ذلك، كقوله: “عورة المسلم على المسلم حرام(2) فإنه ينطبق على المحرم، وعلى الصبي المميّز والمجنون المسلم.

ــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 164، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 1.

(2) مكارم الأخلاق للطبرسي: 56، الباب 3، الفصل الأول، وأما في غيره فقد ورد بلفظ: (إنما كره النظر الى عورة المسلم)، انظر: من لا يحضره الفقيه 1، 114، باب غسل يوم الجمعة ودخول الحمام، الحديث: 236، وسائل الشيعة 2: 36، الباب 6 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وكذلك قوله: “إذا لم يَرهُ أحد فلا بأس(1)، وعنوان (أحد) واسع الانطباق.

وكذلك قوله: “عورة المؤمن على المؤمن حرام(2)، وهو شامل للمحارم والمميزين والمجانين المؤمنين.

وأمّا الطفل غير المميز، فتارةً يقع الكلام في جواز النظر إليه، وأخرى من حيث وجوب الستر منه.

أمّا جواز النظر إليه فلا ينبغي الإشكال فيه، لقصور الأدلّة، فإنّ موضوعات الروايات لا تشمله، فإنه ليس أخاً وليس مؤمناً. وثانياً: إذا كان هناك إطلاق فهي مقيّدة بالسيرة.

وأمّا وجوب الستر منه، فلا يشمله جلّ المدارك السابقة، وما يتصوّر فيه إطلاق هو رواية أبي بصير “إذا لم يَرهُ أحد فلا بأس” فكلمة (أحد) شاملة لمن عمره ست سنوات، كقوله: “لا تقتل أحداً”.

ــــــــــ[24]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 2: 43، الباب 11 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 2.

(2) وسائل الشيعة 2: 39، الباب 9 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 4. وانظر المصادر في الحاشية أعلاه كالكافي والفقيه فالرواية هي عينها رواية سدير الصيرفي وهناك غيرها بلفظ المؤمن حتى ادّعي فيها الاستفاضة فانظر مثلاً: كتاب الصلاة (المحقق الداماد)، الجزء: ١، الصفحة: ٣٢٧.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ولكن مع ذلك لا تشمله لأنّ المناسبات العرفية لهذا الحكم تقتضي الانصراف عنه، كالانصراف عن الحيوان ممن يكون نظره بحكم عدم النظر.

ويؤيده أيضاً السيرة المتشرعية، هذا كله في نطاق المسلمين، وأما الكافر فسيأتي.

معنى العورة عند الرجل والمرأة

والعورة في الرجل: القُبُل والبيضتان والدُّبُر، وفي المرأة: القُبُل والدُّبُر(1).

مطابق لما عليه المشهور، والوجه فيه واضح، وهو أنّ الأدلة المأخوذة في المدارك السابقة هو عنوان العورة، وعنوان التجرّد، والعورة لا إشكال أنّ المفهوم العرفي منها هو ما ذكر لا أزيد، ولا أقل من الإجمال وكون هذا هو القدر المتيقن، والتجرّد يكفي في عدمه ستر هذا المقدار أيضاً، والآية لو قيل بدلالتها فعنوان الفرج ينطبق عليه أيضاً.

نعم، هناك روايات وردت في توسيع هذه الحرمة، وهي ضعيفة السند(2)، معارضة بمثلها في الضعف، فإمّا أن نرفع اليد عنها جميعاً، أو نحملها على الاستحباب. ولو سلم التعارض أدّى ذلك إلى التساقط، فنرجع إلى الأدلة الأولية، ومقتضاها الاقتصار على هذا المقدار.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

() العروة الوثقى 1: 164، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 1.

(2) خبر بشير النبال: وسائل الشيعة: 2: 35: قَالَ‌: “سَأَلْتُ‌ أَبَا جَعْفَرٍ عَنِ‌ اَلْحَمَّامِ‌ فَقَالَ‌ تُرِيدُ اَلْحَمَّامَ‌ قُلْتُ‌ نَعَمْ‌ فَأَمَرَ بِإِسْخَانِ‌ المَاءِ‌ ثُمَّ‌ دَخَلَ‌ فَاتَّزَرَ بِإِزَارٍ فَغَطَّى رُكْبَتَيْهِ‌ وَسُرَّتَهُ‌ إِلَى أَنْ‌ قَالَ‌: ثُمَّ‌ قَالَ‌ هَكَذَا فَافْعَلْ‌“.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

في أنّ الواجب ستر لون البشرة دون حجمها

واللازم ستر لون البشرة دون الحجم، وإن كان أحوط ستره أيضاً وأما الشبح وهو ما يترأى عند كون الساتر رقيقاً فستره لازم، وفي الحقيقة يرجع الى ستر اللون (1).

الشيء الذي تراه العين هو اللون وأما الحجم فهو مدرَك بالتَبع، وهذا يقتضي أنّ معنى رؤية العين لشيء إنما هو رؤية لونه، فما دلّ على حرمة النظر إلى العورة هو حرمة النظر إلى اللون.

وأما النظر إلى الحجم فهو ليس نظرٌ إلى العورة، فلا يشمله الإطلاق، وهناك روايات مؤيدة لذلك، إلاّ أنها ضعيفة السند(2)، نعم لو كان الساتر رقيقاً فهو يكشف لون البشرة.

ــــــــــ[26]ــــــــــ

() العروة الوثقى 1: 164، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 1.

(2) مرفوعة أحمد بن حمّاد، عن أبي عبد اللّٰه، قال: “لا تُصلِّ‌ فيما شَفّ‌ أو وصف، تهذيب الأحكام، الجزء: ٢، الصفحة: ٢١٤. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  





مسألة 2: [حرمة النظر الى عورة الكافر]

لا فرق في الحرمة بين عورة المسلم والكافر على الأقوى(1).

المشهور ذلك، وأنه يحرم عليه النظر إلى عورة المسلم والكافر، ويجب أن يستر من المسلم والكافر، وأما مَدارك ذلك:

المَدرَك الأوّل: الآية الكريمة قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

 لا إشكال أنّ وجوب الغضّ فيها على الإطلاق، فإنه واضح وضوحاً متّصلاً، فلا بُدَّ أن يراد الغضّ عن شيء مخصوص.

وحينئذٍ يفرض بقرينة (التقابل بين المؤمنين والمؤمنات) أنه غضٌ عن الطرف المقابل.

ومعه لا دلالة فيها على ما هو محلّ الكلام، وهو التكليف بالنسبة إلى المماثل نظراً وستراً.

وإن عيّنّا المتعلّق بقرينة التقابل بين (حفظ الفرج والغضّ)، يعني يحفظ فرجه عمّا يغضّ نظره عن غيره. وبناءً عليه تجب على ثبوت الحكمين بالنسبة إلى الغير، ومقتضى إطلاقها الشمول للكافر أيضاً لكِلا الحكمين؛ لأنّ حفظ الفرج والستر 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 164، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

يجب من الجميع، فلو قلنا إنّه يجب الغضّ عما يجب حفظه يشمل الكافر أيضاً.

فإن ركّبنا بين التقابلين، التقابل بين (المؤمنين والمؤمنات)، والتقابل بين (حفظ الفرج والغضّ)، فينتج الحفظ والغضّ عن غير المماثل، فلا تدلّ على محلّ الكلام.

وقد قلنا إنّ الآية ناظرة إلى التقابل الأوّل، فلا تكون دالّة على شيء في المقام.

ولا يستفاد من الاحتمال الثالث أكثر من حرمة النظر إلى فرج المرأة دون غيره، كما هو على الاحتمال الأوّل.

والاحتمال الرابع أن ندع كل تقابل على إطلاقه، فيجب أن يحفظ فرجه عن كلّ أحدٍ ويحرم عليه النظر إلى كلّ أحدٍ، إلاّ ما ثبت جوازه بالضرورة.

والظاهر من الآية هو الاحتمال الأوّل، وهو وجوبه، أو مع الاحتمال الثالث، وهو التقابل بين الرجال والنساء، إمّا وحده، أو مع ضمّ التقابل الآخر.

المَدرَك الثاني: رواية حريز “لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه”(1)

وعنوان الأخ ينصرف بلا إشكال إلى الأخ في الدين، أي: المؤمن أو المسلم، فتكون مساوقةً لرواية حنان بن سدير “عورة المؤمن على المؤمن حرام”(2). ولا يكون فيهما دلالة لحرمة النظر إلى عورة الكافر.

ــــــــــ[28]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 374، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 7، وسائل الشيعة 1: 299، الباب 1 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(2) وسائل الشيعة 2: 39، الباب 9 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأما وجوب التستر من الكافر، فإنَّها تدل بالالتزام على وجوب الستر من المؤمن للتلازم الذي ذكرناه بين وجوب الغضّ والستر، وإذا ثبت وجوب الستر عن المؤمن، فيتعدّى إلى الكافر في الفهم العرفي. نعم، في حرمة النظر لا يتعدّى، إذ لعلّ هذا من شؤون احترام المؤمن، أما وجوب الستر فلا بأس أن يتعدّى، لأنّ المؤمن إذا كان يحتشم أخاه المؤمن فالأولى أن يحتشم من غيره.

المَدرَك الثالث: الروايات(1) التي تأمر باتخاذ المئزر

 إطلاقها محلّ إشكال؛ لأنَّها وردت في الحمامات العامة التي يتواجد فيها المسلمون وغيرهم، وهي خطاب للمسلمين بأن يستروا عورتهم حال الحمام، فيجب الستر عن المسلم والكافر، لكن لا يثبت حرمة نظر المسلم إلى عورة غير المسلم.

المَدرَك الرابع: رواية أبي بصير “إذا لم يره أحد فلا بأس”(2)

 فإنّ مفهومها يشمل الكافر، فهي نِعمَ الدليل على وجوب الستر عن الكافر، إلاّ أنّها لا تدل على حرمة النظر إلى عورة الكافر.

وممّا ذكرناه ظهر الجواب على الاستدلال برواية “عورة المؤمن على المؤمن حرام”(3).

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) المصدر السابق نفسه.

(2) وسائل الشيعة 2: 43، الباب 11 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 2.

(3) تقدّمت قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إذن، ففي الإمكان إثبات وجوب الستر على الكافر، إمّا تمسّكاً بإطلاق مفهوم رواية أبي بصير، أو لفحوى وجوب الستر عن المؤمن. ولا مقتضى في الروايات لإثبات حرمة النظر إلى عورة الكافر.

بل ذكر السيد الأستاذ(1) أنّه يمكن أن يقال: إنّها تدل بمفهوم الوصف على جواز النظر إلى عورة الكافر، فإنَّها تقول: “عورة المؤمن على المؤمن حرام” إذ لو لم يكن للمؤمن دخلٌ لما كان مذكوراً، ولكن هذه الروايات لا يستفاد منها المفهوم، إذ يكفي في أخذ عنوان المؤمن أن يكون حرمة النظر الى عورته أشد من النظر إلى غيره.

وممّا يؤيد ذلك: أنها تقول: “عورة المؤمن على المؤمن حرام” أنه لو كان لها مفهوم لكان لكل المؤمنين مفهوم، فلا تحرم عورة المؤمن على غير المؤمن وهو مما لا يمكن الالتزام به.

ما قد يُستدلّ به على جواز النظر إلى عورة الكافر 

يبقى الكلام في روايتين يستدلّ بهما على جواز النظر إلى عورة الكافر: إحداهما مرسلة(2)، والأخرى يشبّه فيها عورة الكافر بعورة الحمار، وهي 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 324، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 2.

(2) وهي مرسلة الصدوق، انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 114، باب غسل يوم الجمعة ودخول الحمام وآدابه، الحديث: 236، وسائل الشيعة 2: 36، الباب 6 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله قال: “النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل نظرك إلى عورة الحمار(1)(2).

وهي تامّة سنداً، فإنّ ما رواه ابن أبي عمير عن واحد، لا يكون حجّة، وما رواه عن جماعة يكون حجّة، والمقام من هذا القبيل.

ومن حيث الدلالة واضحة، ومن هنا قال السيد الأستاذ(3) أنه لا مناص عن الأخذ بها، وهو إنما قال طبقاً لمبناه من أنّ إعراض المشهور عنها غير مسقط للحجية(4).

ولكن لم نجد واحداً من فقهاء المسلمين من أفتى طبقاً لذلك، ما عدا ما يُنسَب إلى صاحب الوسائل(5)، فتسقط هذه الرواية عن الحجية.

ــــــــــ[31]ــــــــــ

() باب 6 من آداب الحمّام، (المقرر).

(2) الكافي 13: 168، كتاب الزِّي والتجمّل والمروءة، الباب 43، الحديث: 27، وسائل الشيعة 2: 36، الباب 6 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 1. واحتملوا أن تكون الروايتين رواية واحدة رواها الصدوق بالسند مرة وبالإرسال مرة أخرى.

(3) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 322-324، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 2.

(4) أنظر للتعرف على دليله: مصباح الأُصول 203:2. 

(5) عقد صاحب الوسائل باباً تحت عنوان: “بَابُ‌ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى عَوْرَةِ‌ الْبَهَائِمِ‌ وَمَنْ‌ لَيْسَ‌ بِمُسْلِمٍ‌ بِغَيْرِ شَهْوَة”. فانظر: وسائل الشيعة2: 36، الباب السادس من أبواب آداب الحمّام.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ومهمّ المدرَك في حرمة النظر إلى عورة الكافر هو الارتكاز والإجماعات المنقولة، فإنَّها تكفي للاطمئنان بالحرمة، ولا أقل من الاحتياط الوجوبي.

ــــــــــ[32]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  







مسألة 3: [المراد من الناظر المحترم]

المراد من الناظر المحترم من عدا الطفل غير المميّز… (1).

هذا مطلب سبق الإشارة إليه(2) وقلنا: إنّ بعض الإطلاقات وافية لوجوب الستر عن الطفل المميز كقوله: “إذا لم يَرهُ أحد فلا بأس”(3)، فإنّ إطلاق المفهوم يشمل غير المميز أيضاً، لكن يرفع اليد عنه إما بالانصراف بمناسبات الحكم والموضوع الارتكازية، أو تجعل سيرة المتشرعة موسّعاً لهذا الإطلاق.

قوله: والزوج، والزوجة(4).

 هذا الحكم لا يشمل الزوجين لعدّة تقريبات:

التقريب الأوّل: استثناء ذلك من وجوب حفظ الفرج، بعد فرض أنّ الحفظ يشمل الحفظ من النظر أيضاً، بشكل يساوق الستر، وأما إذا فرضنا أنّ 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 164، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 3.

(2) سبقت الإشارة إليه تحت عنوان: (كلام في عموم وجوب ستر العورة وحرمة النظر) فراجع الصفحة 23 من هذا الكتاب. 

(3) وسائل الشيعة 2: 43، الباب 11 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 2.

(4) العروة الوثقى 1: 164، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الحفظ أُريد به الحفظ من العمل المخصوص خاصّة، فلا تكون الآية ناظرةً بالدلالة المطابقية إلى ما هو محلّ الكلام، ونحتاج حينئذٍ إلى تقريب آخر.

التقريب الثاني: أن يستفاد جواز النظر وعدم وجوب الستر من دليل جواز الوطء أو المقاربة، لأنّ الإذن بشيء عرفاً ترخيص، وإذنٌ بما يلازمه؛ للتلازم العادي بين المقاربة والنظر، فالترخيص بالملزوم ترخيص بلازمه الاعتيادي.

التقريب الثالث: الاستناد إلى أدلّة جواز المقاربة أيضاً، فإنّه يدلّ بالفحوى والأولوية على جواز النظر، فإنّ المركوز أنّ النظر إنما يحرم باعتبار وقوعه في طريق هذه المراتب من التفاعل، فإذا جازت هذه المراتب جاز النظر بالملازمة القطعية.

التقريب الرابع: التمسّك بالروايات الخاصّة الواردة في الباب(1)(2). مضافاً إلى التسالم وقطعية الحكم في نفسه. 

قوله: والمملوكة بالنسبة إلى المالك. 

ويمكن أن يستدل على ذلك بأمرين: 

الأمر الأوّل: ما دلّ على جواز المقاربة، بأحد التقريبين السابقين اللذان تقدّما في الزوجة.

الأمر الثاني: روايات الاستثناء الواردة في عدم جواز نظر المالك إلى أمته 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

() باب 49 من أبواب مقدمات النكاح، (المقرر).

(2) انظر: وسائل الشيعة 20: الباب 49 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث: 1،2،4. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المُزوَّجة أو المُعتدّة، فإنَّها تسلّم بأصل الجواز(1)(2).

قوله: والمحلَّلة بالنسبة إلى المحلَّل له.

فإنَّ نفس إمضاء عقد التحليل يقتضي ذلك، إمّا لأنّ نفس عقد التحليل مجوّز للنظر، فيكون دالّاً على الجواز بالمطابقة، أو دلالته بالالتزام بأحد التقريبين السابقين.

قوله: فيجوز نظر كل من الزوجين الى عورة الآخر، وهكذا في المملوكة ومالكها، والمحلّلة والمحلّل له، ولا يجوز نظر المالكة الى مملوكها أو مملوكتها وبالعكس (3).

هنا إذا ملكت المرأة غلاماً أو جاريةً، فلا يوجد دليل على جواز النظر إلى عورة المملوك، وتمام ما تقدّم من الأدلة لا يأتي، فدليل جواز الوطء لا يجري لوضوح حرمته، وكذلك دليل حفظ الفرج لعدم دخوله في الاستثناء، فمقتضى القاعدة التمسّك بإطلاقات الحرمة.

ــــــــــ[35]ــــــــــ

() أبواب نكاح العبيد والإماء، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة 21: 81، أبواب نكاح العبيد والإماء.

(3) العروة الوثقى 1: 164- 165، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة 4: [نظر المالك إلى مملوكته المزوّجة]

لا يجوز للمالك النظر إلى عورة مملوكته إذا كانت مُزوَّجة او مُحلَّلة أو في العدّة.. (1).

الضابط في كل ذلك: أنّه في كل مورد ينتفي دليل جواز الوطء والمقاربة يبقى دليل حرمة النظر على حرمته.

ــــــــــ[36]ــــــــــ

(1) المصدر السابق نفسه، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  




مسألة 5: [عدم وجوب ستر الفخذين والإليتين]

لا يجب ستر الفخذين ولا الإليتين ولا الشعر النابت أطراف العورة.. (1).

تقدّم الكلام في أنّ هذه الأمور خارجة عن العورة التي يجب سترها. نعم، أفتى بالاستحباب باعتبار روايات ضعيفة بأنّ العورة ما بين السرّة والركبة.

ــــــــــ[37]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 165، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  




مسألة 6: [عدم الفرق بين أنواع الساتر]

لا فرق بين أفراد الساتر فيجوز بكل ما ستر… (1).

الستر إنما وجب طريقياً، باعتباره إخفاءً للعورة، فكلّ ما يكون سبباً في الإخفاء يكفي في تحقّق المطلوب، حتّى في مثل الظلمة ونحوها؛ لأنّ الأدلة السابقة لا تنهض عن أكثر من ذلك.

ــــــــــ[38]ــــــــــ

(1) المصدر السابق نفسه، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



مسألة 7: [الستر في الظلمة]

لا يجب الستر في الظلمة المانعة من الرؤية.. (1).

هذا كله مستنبط مما سبق.

ــــــــــ[39]ــــــــــ

(1) المصدر السابق نفسه، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



مسألة 8: [النظر إلى عورة الغير من وراء الزجاج أو في المرآة]

لا يجوز النظر الى عورة الغير من وراء الشيشة… (1).

وهذا مما لا إشكال فيه؛ لأنّه نظر إليه حقيقة، لأنّ الزجاجة لا تحجب النور عن العين، فهي وسيط غير حاجب، فتكون الرؤية حراماً. 

بل ولا في المرآة أو الماء الصافي (2).

هل يجوز رؤية الصورة المنعكسة على المرآة؟

بنى السيد الأستاذ(3) ذلك على الخلاف بين الأقدمين، أنّ الرؤية هل تحصل بالانطباع أو بخروج الشعاع؟ فإنّ هناك نظريتين عند الاغريق للرؤية:

الأولى: أنّه من خواصّ جسم نوراني (العين) لجسم كثيف، انطباق صورة الجسم الكثيف في الجسم النوراني.

الثاني: نظرية الشعاع، أنّ الرؤية تتمّ بخروج شعاع مخروطي من العين، 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

(1) المصدر السابق نفسه، المسألة 8.

(2) المصدر السابق نفسه، من تتمة المسألة 8.

(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 328-329، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

قاعدته على المرئي، ورأسه في عين الرائي.

فقيل هنا: إنّ الرؤية إذا كانت على نحو الانطباع فالنظر جائز؛ لأنّ هنا انطباعين: انطباع على المرآة، وانطباع على العين، فهو رأى الصورة التي على المرآة لا نفس الشيء.

وأمّا بناءً على نظرية خروج الشعاع فقد رأى نفس الشيء، فإنّ الشعاع خرج من العين إلى المرآة، والمرآة تعكس هذا النور على الشيء، فصاحب العين يرى نفس ذلك الشيء الآخر، فيشمله إطلاق الدليل.

بطبيعة الحال كِلتا النظريتين لا بُدَّ من تعديلهما، فإنّ الثابت فعلاً عدم خروج ضوء من العين، وأنّ الانطباع ليس بمعنى التأثير، بل الحُزَم الضوئية الواردة إلى العين تكون مقدّمة للرؤية بالمعنى الحقيقي.

وعلى كِلا التقديرين -بل التقادير- ليست هذه الرؤية بالفهم العرفي رؤية لذلك الشيء، فإنّ الإنسان العرفي يقول: أنا أرى ما في المرآة لا ما في الخارج سواء كان هذا هو الحقّ أو لا. يقول: ولهذا تختلف جهة الشيء عن الصورة، فإنّ الشيء خلفي والصورة أمامي.

فالدليل قاصر عن الشمول لهذا المورد بالإطلاق اللفظي.

نعم، يبقى استفادته من باب تنقيح المناط، فإنّ هذا الحكم ليس تعبّدياً صرفاً، بل هو حكم مركوز ذو مناسبات عرفيّة، فبهذه المناسبات نوسّع موضوع الدليل، وهذه الرؤى تتمتّع بنفس ما للرؤية المباشرة من الخصائص والحساسية. وعليه فما في المتن هو الصحيح.

ــــــــــ[41]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



مسألة 9: [حكم الوقوف في مكان يعلم فيه بوقوع نظره على عورة الغير]

لا يجوز الوقوف في مكان يعلم بوقوع نظره على عورة الغير… (1).

في هذه المسألة فرعان:

الفرع الأوّل: في جواز الوقوف المستلزم للنظر

إذا كان الوقوف في مكان يستلزم النظر إلى ما يحرم النظر إليه، فهل يجوز له الوقوف فيه؟ وفيه فرضان:

أحدهما: أنّ وقوفه يستلزم النظر اختياراً ولو بأن يغمض عينيه أو يحوِّل وجهه.

ثانيهما: أن يكون ترتّب النظر على الوقوف قهريّاً.

ففي الشق الأوّل: لا ينبغي الاستشكال في أنّ الوقوف ليس بمحذور لا شرعاً ولا عقلاً. 

أمّا شرعاً: فلعدم الدليل، ولعدم كونه علَّة للحرام، ليتّصف بالحرمة المقدّمية. 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 165، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأمّا عقلاً: فلأنّ المحذور العقلي هو محذور العصيان ولا عصيان.

وأما الشق الثاني: يكون النظر داخلاً هنا تحت عنوان الاضطرار بسوء الاختيار، وهو لا ينافي الاختيار، فيستحقّ العقاب على النظر، فما هو الحرام حكماً هو النظر، وأمّا الوقوف هنا فهو ذو محذور عقلي لأنّه محقق للحرام.

نعم، قد يقال: إنّه ذو حرمة غيريّة، لأنّه مقدّمة للحرام إلاّ أنّ الحرام الغيري لا يستحقّ عليه العقوبة.

الفرع الثاني: في إجراء الاحتياط أو البراءة حال الشك

إذا شكّ في أنه لو ذهب إلى المكان الفلاني أو التفت أو فتح عينيه، هل سوف يرى عورة الآخرين أو لا؟ هل يجب عليه الاحتياط أو يجري الأصول المؤمّنة؟

وتحقيق الحال في ذلك: أنّ وجوب الغضّ يكون بأحد بيانين: أحدهما: بلحاظ دليل الحكم الواقعي، والآخر: بلحاظ دليل الحكم الظاهري للمسألة.

البيان الأوّل: [بلحاظ دليل الحكم الواقعي]

إنّنا نثبت الوجوب الواقعي للغضّ مع الشكّ بنفس دليل الوجوب الواقعي، ومعه لا حاجة إلى الرجوع إلى الأصول العملية، لأنّه إن كان المدرك في الحرمة بلسان: (لا يجوز للرجل أن ينظر إلى عورة أخيه) فيوجد في المورد شبهة مصداقية للشكّ في تحقق ذلك بالالتفات، فلا يمكن الرجوع إلى دليل الحكم الواقعي.

ولكن إذا تمّت عندنا مَدركيّة الآية الكريمة لوجوب الغضّ عن عورة 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الآخر مماثلاً كان أو مخالفاً، فيقال إنّ الغضّ له معنيان: نسبيّ ومطلق، فالمعنى المطلق للغضّ هو كسر الجفن وإحناء البصر، ولم يؤخذ فيه أنه يوجد ما ينظر إليه أو لا يوجد. وأخرى يلحظ الغضّ كحالة إضافية نسبية، فيقال: غض نظره عن الشيء الفلاني.

فإن طعّمناه بالمعنى الإضافي، أي، عدّيناه إلى المفعول بـ (عن)، فالكلام فيه هو الكلام السابق، لوجود الشبهة المصداقية، وأما إذا جمدنا على حاقّ العبارة، وأعطينا الغضّ معنى نفسيّاً، أي: اكسروا أجفانكم؛ فهنا يوجد عندنا ثلاث حالات: التيقّن بوجود ما يحرم النظر إليه، والتيقّن بعدمه، والشكّ. وإطلاق الآية يقتضي وجوب الغضّ في الحالات الثلاث، لكنّنا نرفع اليد عن الإطلاق في حالة عدم وجود ما يحرم، وأما في صورة الشكّ والعلم بوجوده فيجب الغضّ، ويصير هذا وجوباً واقعياً.

وهذا يتوقف على أن نحمل الغضّ على المعنى النفسي لا الإضافي، وهو في غاية الإشكال، فإنّ المنصرف منه هو المعنى الإضافي، ولا أقلّ من الإجمال من هذه الناحية.

البيان الثاني: [بلحاظ دليل الحكم الظاهري]

أن يقال: إنّ المقام مجرى لأصالة الاشتغال لا البراءة.

وتحقيق الحال في تشخيص ما هو الجاري في المقام: أنّ الشكّ تارةً يكون شكاً في التكليف، وأخرى شكاً في وجود المكلّف به، فالأولى مجرى للبراءة والثانية مجرى للاشتغال.

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

والشبهة المصداقية تُتصوَّر على أنحاء: 

الصورة الأولى: فتارةً تكون راجعةً إلى الشكّ في انطباق عنوان الموضوع على الفرد الخارجي، وفي مثله لا إشكال أنّ الشكّ يكون شكاً في أصل التكليف، لا في المكلف به، لأنّ القضايا الحقيقية ترجع إلى القضايا الشرطية. والشكّ في الشرط شكّ في الجزاء، فيكون شكّاً في التكليف فتجري البراءة.

الصورة الثانية: ترجع الشبهة المصداقية في انطباق عنوان المتعلّق على الفعل أو لا، كالشكّ في أنّ زيارة زيد إكرام له أو لا، وقد يكون التكليف له متعلّق بلا موضوع، كقوله (لا تكذب) وشكّكت في أنّ كلامي مطابق للواقع أو لا.

وفي مثله يرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف أيضاً، لأنّ مصداقية المتعلّق للعنوان من شرائط الوجوب، وهذا هو الفرق بين المتعلّق والموضوع، فإنّ الموضوع منوط بمفاد كان التامة، أي، إذا وجد عالم، والمتعلّق منوط بمفاد كان الناقصة، يعني إذا كانت زيارته إكراماً له، فيكون هكذا: إذا وجد عالم وكانت زيارته إكراماً له فتجب زيارته. فالشكّ في مفاد أي من الجملتين شكّ في التكليف.

ولكن قد يوجد فيها علم إجمالي، كالعلم إجمالاً بأنّ القضية صادقة أو كاذبة، فيكون منجّزاً، فلا يجوز له الإخبار بها.

والصورة الثالثة: أن تكون الشبهة المصداقية راجعةً إلى مفاد كان التامّة للمتعلّق، كما لو علمت بأنّ زيداً عالم، وأنّ زيارته إكرام له، ولكن لا أدري أنها تحقّقت أو لا.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وهذا ليس شكاً في التكليف، ببرهان أنّ التكليف لا يمكن أن يكون منوطاً بمفاد كان التامة لمتعلّقه، وإلاَّ لزم تحصيل الحاصل. إذن، فالتكليف معلوم، والشكّ في المكلّف به، فيكون مجرى لأصالة الاشتغال.

نعم، في هذه الحالات يمكن الرجوع إلى الاستصحاب في غير ما دلّ دليل خاصّ على وجوب الاحتياط فيه في الدماء والفروج. كما لو شككنا أنّ هذا الضرب مميت أو لا. وبالاستصحاب نحرز أنه لا تقع إماتة بهذا الضرب، فنحرز أنّ هذا الضرب غير مميت.

هذا هو الميزان الكلّي للمقام.

وأمّا في محلّ الكلام إذا شك في أنه إذا التفت هل يقع نظره على الحرام أو لا؟ فإن كان الشك في أنّ الشيء الذي سوف ينظره هل هو عورة الغير أو لا؟ يصير من الصورة الأولى، والشكّ في أصل التكليف.

وأخرى يعلم أنّه يرى أشياء، لكن يشكّ أنّه هل يرى مضافاً إلى ذلك العورة أو لا؟ فيشكّ أنه هل هو ينظر إلى العورة أو لا؟ فيكون من الصورة الثالثة، وتجري أصالة الاشتغال لولا جريان الاستصحاب.

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



مسألة 10: [حكم الشكّ في وجود الناظر أو في كونه محترماً]

لو شكّ في وجود الناظر، أو كونه محترماً فالأحوط الستر(1).

إذا شكّ أنه في خلوة أو يوجد ناظر محترم، أو علم بوجود الناظر ولكن شكّ أنه محترم أو لا، فهل يجب التستر أو لا؟

فهنا وجوب التستر تارةً بلحاظ دليل الحكم الواقعي وأخرى بلحاظ دليل الحكم الظاهري.

[حكم التستر في حال الشك بلحاظ دليل الحكم الواقعي]

أمّا التقريب الأوّل: فبأن يرجع إلى أمره سبحانه وتعالى لحفظ الفرج، فإنّ الحفظ أُخذَ عنوان التحفظ والاحتياط، إذ هناك فرق بينه وبين ستر العورة من الناظر، فإنّه في الأخير يكون شبهةً مصداقيةً لعدم إحراز الناظر، وأما حفظ الفرج فهو معنى يستبطن الاحتياط والوقاية والمراقبة، وهو يقتضي الستر في حالة الشكّ أيضاً، إذ لو لم يستر لا يكون متحفظاً.

وهذا لا بأس به في صورة إحراز وجود الناظر مع احتمال كونه محترماً. أو احتمل وجود الناظر احتمالاً كافياً، كما لو وقف في خلوة من الطريق، ولكنه 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 165، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 10.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

طريق وعرضة للاستطراق، وأما إذا كان الاحتمال موجوداً، ولكنه ليس في معرض الانكشاف، ففي مثله لا يكون إهمال التحفّظ مخالفةً لوجوب الحفظ.

حكم التستر في حال الشك بلحاظ دليل الحكم الظاهري

التقريب الثاني: إثبات وجوب الستر بأصالة الاشتغال بأن نلتفت إلى العنوان الثاني: وجوب الستر عن الناظر، فتكون الشبهة مصداقيةً للشكّ في أنّ ستره سترٌ عن الناظر أو لا، فلا يشمله الدليل الواقعي، ولكن يكون المقام مشمولاً لأصالة الاشتغال، لا لأصالة البراءة.

وذلك لنكتة في فهم الأدلة، فإنّ ستر العورة عن الناظر قد نفهم منه جعل العورة بشكل لا يصل إليها نظر الآخرين، ولو بتوسّط الجدار أو الظلام.

وإذا أخذنا الستر بهذا العرض العريض، لو تكشّف في غرفته، وهو يعلم أنّ الناظر هل هو موجود في غرفته، أو في غرفة أُخرى؟ لأنّه يعلم بوجوب الستر، ولا يعلم بتحقّق الامتثال، فإنّ وجوب الستر عن زيد متحقّق على أيّ حال، غاية الأمر إن كان زيد في غرفة أخرى فالستر متحقّق ببركة الجدار الذي بينهما، وإن كان في غرفته فالستر غير متحقّق، فنجري أصالة الاشتغال.

نعم، لو فهمنا الأدلة بفهم آخر، وقلنا إنه يوجد وجوب للستر بمعنى التغطية للعورة بثوب أو بيد، ولكنّه وجوب مشروط بوجود الناظر، فإذا لم يكن الناظر موجوداً في غرفته فليس وجوب التغطية موجوداً أصلاً، فإنّ الوجوب المشروط عدم عند عدم شرطه.

وبناءً عليه: لو شكّ في وجود الناظر وعدمه، يكون من الشكّ في التكليف 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لا في المكلَّف به، أي: يكون شكاً في وجوب الستر.

وهذا التقريب الثاني لو تمّ لا يفرق فيه بين المعرّضيّة وعدم المعرّضيّة، فإنّ المدرَك إن كان هو أصالة الاشتغال يكون الاطمئنان منجّزاً ما لم يحصل الاطمئنان بالعدم.

ولا يبعُد أن يكون الفهم الأوّل هو الفهم الأصوب من الأدلة، فالوجوب ليس متعلّقاً بعنوان التغطية، بل مطلق الإخفاء، وإلاَّ للزم عند تعذّر التغطية أن يسقط الوجوب، ولا يجب عليه الدخول في غرفة أخرى، مع أنه من الواضح وجوب ذلك، فيكون المجرى هو أصالة الاشتغال لا البراءة.

وبذلك ظهر وجه الخلل فيما ذكره الآغايون(1) على ما يُلاحظ.

وهذا التقريب إنما يجري فيما إذا شكّ في وجود الناظر المحترم، لا ما إذا شكّ في احترام الناظر، فإنه في مثل ذلك يكون شكاً في التكليف.

ــــــــــ[49]ــــــــــ

(1) انظر مثلاً: العمل الأبقی في شرح العروة الوثقی، الجزء: ٢، الصفحة: ٧. والمعالم المأثورة، الجزء: ٤، الصفحة: ٦٠. ومهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام، الجزء: ٢، الصفحة: ١٧٤. والتنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 330. وتنقيح مباني العروة (الطهارة)، الجزء: ٤، الصفحة: ٢٧. وشرح العروة الوثقی (مرتضى الحائري)، الجزء: ٢، الصفحة: ٤٩٩.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة 11: [حكم النظر الى عورةٍ مع الشكّ في كونها عورة حيوان أو إنسان]

لو رأى عورة مكشوفة، وشكّ في أنها عورة حيوان أو إنسان فالظاهر عدم وجوب الغضّ عليه…[1] وإن علم أنها من إنسان وشكّ في أنها من صبي غير مميّز أو من بالغ أو مميّز فالأحوط ترك النظر[2] (1).

[1] هذه الشبهة تكون مصداقيةً لدليل وجوب الغضّ عن عورة الإنسان، فتجري الأصول المؤمّنة، إمّا الأصل الحكمي كالبراءة، أو الموضوعي كاستصحاب عدم كونه إنساناً، بناءً على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، حتّى في العناوين الذاتية؛ لأنّ الحرمة مترتّبة على عنوان وجودي، وهو عورة الإنسان، فباستصحاب عدمه ينتفي الوجوب.

[2] هذا الاحتياط يمكن أن يقرّب ببعض التقريبات:

التقريب الأوّل: أنّ مَدرَكه هو التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، لأنّ مقتضى العامّ هو حرمة النظر إلى عورة الغير، خرج منه عورة غير المميّز، ويشك أنّ هذا الصبي مميّز أو غير مميّز، فإن قيل بجواز التمسّك بالعام في الشبهة 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 165- 166، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المصداقية مطلقاً أو إذا كان المخصِّص لُبيّاً، كما فعل الميرزا وغيره، فيجوز النظر في المقام تمسّكاً بالعامّ.

التقريب الثاني: قاعدة الميرزا(1)، فإنّ عندنا عامّاً يقتضي حرمة النظر إلى عورة كلّ إنسان، خرج منه عنوان وجودي هو القاصر، وشكّ أنّ هذا قاصر أو ليس بقاصر، فحين يشكّ في أنّ هذا من الخارج عن العموم أو الباقي فيه، يجب الاحتياط لا تمسّكاً بالعام، هكذا قال الميرزا، وناقشناه في علم الأصول(2).

ففي المقام لو تمّت هذه القاعدة يجب الاحتياط في المقام.

التقريب الثالث: قاعدة المقتضي والمانع، الذي يستفاد من الأدلة أنّ أصل كون هذا إنساناً مقتضٍ للحرمة، وقصوره مانع، والمقتضي محرز، والمانع مشكوك، فيبنى على الحرمة.

وكل هذه التقريبات لا أساس لها.

أما الأوّل: فلأنّ التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية باطل، سواء كان المخصّص لفظياً أو لُبّياً، ولا يوجد عندنا عامّ يشمل الصبي، فإنّ الأدلة خاصة بالبالغ أو المميّز.

وبذلك يجاب على التقريب الثاني والثالث، مضافاً إلى إشكالات أخرى لا 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

(1) سيأتي توضيحها قريباً.

(2) انظر: بحوث في علم الأصول 7: 200-201، العام والخاص، الفصل الثاني، القسم الثاني الشبهة المصداقية، أجود التقريرات 2: المقصد الرابع في العموم والخصوص، فصل إذا كان المخصّص مجملاً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

حاجة إلى التوسُّع فيها.

فالصحيح أنه في حالة الشكّ يجوز النظر، إمّا تمسّكاً بالبراءة، أو بالاستصحاب لعدم كونه مميّزاً.

الشك في كونها من الزوجة أو الأجنبية

(وإن شكّ في أنها من زوجته أو مملوكته أو أجنبية فلا يجوز النظر، ويجب الغضّ عنها، لأنّ جواز النظر معلّق على عنوان خاصّ وهو الزوجيّة أو المملوكية، فلا بُدَّ من إثباته)(1).

في هذا الفرع يوجد عدّة تقريبات لوجوب الغضّ.

التقريبات الثلاثة السابقة تأتي هنا بنحو أمتن مع وجه آخر.

التقريب الأوّل: دعوى التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، حيث دلّ العامّ على حرمة النظر إلى عورة الغير، خرج منه الزوجة والمملوكة، فلو شكّ أنه مصداق للمخصص أو العام، 

فإذا قيل بجواز التمسّك هنا مطلقاً أو فيما إذا كان المخصّص لُبيّاً، وقلنا بلُبيّة المخصّص في المقام فيتمسّك بالعامّ، وهو غير صحيح كما سبق(2).

ــــــــــ[52]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 166، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 11.

(2) كذلك انظر: مباحث الأصول، القسم الأول 4: 301، المقصد الرابع في العام والخاص، تنبيهات، الكلام في تفصيل الشيخ الأعظم.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مضافاً إلى إمكان إنكار العموم؛ لأنّ المطلقات منصرفة عن الزوجة، فإنّ الارتكاز المتشرّعي القطعي يكون قرينةً متّصلة على التخصيص، ومن يقول بجواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، إنما يقول به في المخصّص المنفصل دون المتّصل.

التقريب الثاني: التمسّك بالقاعدة الميرزائية، فإنَّه يوجد حكم إلزامي على عنوان عام هو حرمة النظر إلى عورة الغير خرج منه الزوجة والمملوكة، فعند الشك يجب الاحتياط.

وهذا لا يرد عليه أنّ المخصّص متصل كما كان يرد على التقريب السابق، كما أنّ تطبيق هذه القاعدة في هذا الفرع أوضح من تطبيقها في الفرع السابق، بنكتة أنّ هذه القاعدة الميرزائية(1) لها ركنان:

الركن الأوّل: وجود حكم إلزامي على عنوان العام.

ــــــــــ[53]ــــــــــ

(1) القائلة بأن الاستثناء من الحكم الإلزامي أو ما يلازمه إذا تعلّق بعنوان وجودي فلا بدّ عرفاً من إحراز ذلك العنوان في ارتفاع الحكم الإلزامي أو ما يلازمه. فانظر: أجود التقريرات 465:2. وفي فوائد الأصول 384:3 قال: “وتوضيح ذلك: هو أنّ تعليق الحكم على أمر وجودي يقتضي إحرازه، فمع الشك في تحقق ذلك الأمر الوجوديّ الّذي علق الحكم عليه يبنى ظاهرا على‏ عدم تحققه، لا من جهة استصحاب العدم إذ ربّما لا يكون لذلك الشيء حالة سابقة قابلة للاستصحاب، بل من جهة الملازمة العرفية بين تعليق الحكم على أمر وجودي وبين عدمه عند عدم إحرازه‏”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الركن الثاني: أن يخرج عنوان وجودي منه. 

واجتماعهما في هذا الفرع واضح، فإنّ الخارج هو عنوان وجودي، وهو الزوجة، وأما في الفرع السابق فقد يقال: إنّ الخارج عنوان عدمي وهو غير البالغ أو غير المميّز، فلهذا القاعدة قد لا تنطبق هناك، إلاّ أن هذه القاعدة غير تامّة.

التقريب الثالث: التمسّك بقاعدة المقتضي والمانع. والمقتضي في المقام محرز، والمانع وهو الزوجية مشكوك فتجري أصالة عدم المانع فيحرم النظر.

هذا البيان تطبيقه في المقام أحسن من الفرع السابق. فإنه هناك قد يقال: إنّه مقتضى وشرط، فإنّ البلوغ والتمييز شرط للحكم، إذ الخارج من العامّ عدمي لا وجودي، والمانعيّة إنمّا يمكن انتزاعها من العامّ والمخصّص، فيما إذا كان العنوانان وجوديان، ليكون عنوان العامّ مقتضياً، وعنوان الخاصّ مانعاً، ليكون مصداقاً من القاعدة.

وهذه القاعدة في نفسها غير تامّة.

التقريب الرابع: وهو العمدة، التمسّك بالاستصحاب الموضوعي، فإنّ مقتضى الجمع بين الدليلين العامّ والخاص هو أنّ موضوع الحكم مركّبٌ بين أمر وجودي، وهو عورة مؤمن بالغ، وعدمي وهو أن لا يكون زوجةً أو مملوكةً، والأول مُحرَز بالوجدان، والثاني بالاستصحاب، لأنّ الزوجية والمملوكية مسبوقة بالعدم فيستصحب.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

اشتباه الأمر بين كونه عورة أو غيرها

ولو رأى عضواً من بدن إنسان لا يدري أنه عورته أو غيرها من أعضائه جاز النظر، وإن كان الأحوط الترك (1).

يكون شبهة موضوعية يجري فيها الأصل المؤمّن كالبراءة، واستصحاب عدم كونه عورة للغير، أو بنحو أزلي.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 166، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  






مسألة 12: [حكم النظر إلى عورة الخنثى(1)]

لا يجوز للرجل والأُنثى النظر إلى دبر الخنثى، وأمّا قبلها فيمكن أن يقال بتجويزه لكلّ منهما للشك في كونه عورة، لكن الأحوط الترك، بل الأقوى وجوبه؛ لأنّه عورة على كلّ حال(2) .

 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

() وقد كتب السيد المُقرِّر حول الخنثى أبحاثاً مفصّلة نادرة: طبيعتها، تحديدها، وأحكامها، في كتاب الميراث في: (ما وراء الفقه)، ج 8، فصل في ميراث الخنثى، ص77.

(2) ألقى السيد في هذا اليوم محاضرة عن مسألة الخنثى في العروة، لم يتسنَّ لي كتابتها، (المقرر). 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  






مسألة 13: [حكم النظر الى عورة الغير اضطراراً]

لو اضطر إلى النظر إلى عورة الغير -كما في مقام المعالجة- فالأحوط أن يكون في المرآة المقابلة لها إن اندفع الاضطرار بذلك، وإلا فلا بأس(1).

إذا توقّف الاضطرار على المعالجة جاز النظر: إما باعتبار سقوط التكليف حال الاضطرار، أو باعتبار المزاحمة. فإن كان العلاج أهمّ قُدّم على حرمة النظر، بل يمكن أن يقال: إنّ عدم المعالجة إن كانت توجب شدّة المرض أو طوله كان هذا الحكم ضرريّاً، فيسقط هذا الحكم، وينتفي الحكم بقاعدة الضرر، وكل ذلك لا إشكال فيه.

في تعيين النظر إلى العورة بالمرآة

وإنّما الإشكال فيما إذا كان الواجب أو الاضطرار لا يتوقّف على النظر إلى العورة بالخصوص، بل كان يتمّ به وبالنظر بالمرآة، فالمشهور تعيّن النظر في المرآة.

ــــــــــ[57]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 167، كتاب الطهارة، فصل في التخلي، مسألة13. وقد مرّت المسائل الاثنا عشر في المجلد الثامن من هذه التقريرات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وهذا المطلب يمكن تقريبه بأحد تقريبات:

التقريب الأوّل: مبنيٌ على الاستشكال في حرمة النظر إلى العورة في المرآة، فيكون الأمر دائراً بين الحرام وغير الحرام، فيتعيّن غير الحرام.

إلَّا أنّ المبنى غير تام، وهو إنكار حرمة النظر في المرآة.

التقريب الثاني: أنّ النظر في المرآة وإن كان حراماً إلا أنّ دليله مختلف، فالنظر إلى نفس العورة دليله لفظي “لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه”(1).

وأمّا النظر في المرآة فهو ليس نظراً إلى العورة، بل إلى صورتها، وإنّما دليله الإجماع، وهو دليل لُبيّ نقتصر فيه على القدر المتيقّن، فدليل الحرمة في المرآة قاصر، بخلاف النظر المباشر فإنه مطلق.

وهذا التقريب ممنوع مبنىً، لما أشرنا إليه فيما سبق(2) من أنّ حرمة النظر في المرآة لا ينحصر دليلها بالإجماع.

التقريب الثالث: سلّمنا أنّ الدليل موجود وهو لا ينحصر بالإجماع بل الدليل عبارة عن الفهم العرفي بمناسبات الحكم والموضوع من نفس الدليل الدال على حرمة النظر إلى العورة، وإن كان بنفسه لا يقتضي الشمول، لكنه يُتعدّى منه إلى المرآة بالفهم العرفي.

لكن يقال: إنّ العرف الذي يتعدّى إلى المرآة لا يتعدّى إليها في مثل هذا 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام1: 374، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث: 7، وسائل الشيعة1: 299، الباب 1 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(2) المسألة الثامنة من هذا الجزء، ص40.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المورد الذي يكون أصل الحرمة مرتفعاً عن النظر إلى العورة، فإنَّها حرمة ضمنية فرع الفراغ عن حرمة أصل النظر، فلا يمكنه رفع اليد عن حرمة الأصل في طول هذا التعدّي.

وهذا التقريب أيضاً لا يخلو من إشكال، فإنّ العرف وإن كان لا يرضى أن يرفع اليد عن الحرمة الأصل، وتبقى الحرمة الفرع، لكن ليس باعتبار فهمه من الدليل، بل باعتبار جزمه أو ميله الى أنّ هذه الحرمة أضعف ملاكاً من تلك الحرمة، فلا يفهم أنه يرفع اليد عن الأقوى لحساب الأضعف.

التقريب الرابع: أنّ الباب باب التزاحم، وفي موارد التزاحم يُقدّم محتمل الأهمِّية بل معلوم الأهمِّية، إذ لا يحتمل أنّ توسيط المرآة يوجب التشديد، وأنّ رفع الواسطة يحتمل أن يكون موجباً للتشديد، وهذا هو العهدة.

التقريب الخامس: الروايات(1) الواردة في ميراث الخنثى حيث أمرت بالنظر في المرآة ولا بأس بدلالتها إلّا أنَها ساقطة سنداً.

ــــــــــ[59]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة26: 290، الباب 3 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة 14: [حرمة استقبال القبلة أو استدبارها حال التخلّي]

يحرم حال التخلّي استقبال القبلة واستدبارها(1).

المعروف(2) بين فقهائنا بنحو لم ينقل خلاف بين المتقدمين منهم، وإن وقع بعض التشكيك من المتأخرين(3) هي حرمة استقبال واستدبار القبلة في حال التخلّي.

والفقهاء(4) غير الشيعة اتفقوا على ذلك في الجملة، وإن اختلفوا أنّ الحرمة 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

() العروة الوثقى: 1: 167، كتاب الطهارة، فصل في التخلي، مسألة 14.

(2) انظر: جواهر الكلام: 2: 7، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثاني في أحكام الخلوة، حرمة استقبال القبلة واستدبارها، مسالك الأفهام: 1: 28، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثاني في أحكام الخلوة، الأول في كيفية التخلي، مدارك الأحكام: 1: 156-157، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثاني في أحكام الخلوة، الأول: كيفية التخلي.

(3) وفي الحدائق ذهب جملة من المتأخرين منهم السيّد صاحب المدارك إلى الكراهة مطلقا. تنقیح مباني العروة (الطهارة)، الجزء: ٤، الصفحة: ٣٢. 

(4) انظر: التهذيب في اختصار المدونة: 1: 175، كتاب الطهارة، الفقرة12، التفريع في فقه الامام مالك بن أنس: 1: 48، باب الاستنجاء، باب المنع من استقبال القبلة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

هل تشمل سائر الموارد، أو تختص بالمكان المكشوف، كما هو المشهور؟ وأبو حنيفة(1) على الأوّل.

فإن تحصّل من ذلك اليقين بالحكم الشرعي بهذا الإجماع، فلا إشكال، ولو على مستوى الاحتياط الوجوبي.

وأما لو لم يحصل وثوق بهذا الدليل، وتعيّن الرجوع إلى روايات(2)(3) الباب فإثبات الحكم بها في غاية الإشكال.

ويقع الكلام فيها في مقامين:

المقام الأول: في ما قد يُستدلّ به لإثبات هذا الحكم 

إلا أنّ فيها إشكالين:

الإشكال الأول: أنّها جميعاً ضعيفة، وبعضها مرسلة ومرفوعة، فهي ساقطة سنداً.

الإشكال الثاني: أنّه عطف على استقبال القبلة واستدبارها ما ليس بحرام يقيناً، كاستقبال الريح، فيوجب سقوط هذا النهي عن الظهور بالحرمة.

1- عن محمد بن يحيى بإسناده، رفعه، قال: “سُئِلَ أبو الحسن ما حد 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

(1) انظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف: 1: 327، المسألة 17، الاختلاف في استقبال القبلة، التجريد للقدوري: 1: 148، مسألة 23، حكم استقبال القبلة.

(2) الباب 2 من أحكام الخلوة، (المقرر).

 (3) انظر: وسائل الشيعة: 1: 301، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1،2،3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها(1).

2- وعن عبد الحميد بن العلا وغيره، رفعه، قال: “سئل الحسن بن علي ما هو حد الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها(2).

3- علي بن إبراهيم، رفعه، قال: خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد الله وأبو الحسن موسى قائم وهو غلام فقال له أبو حنيفة: يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال: اجتنب أفنية المساجد وشطوط الأنهار ومساقط الثمار، ولا تستقبل القبلة ببول ولا تستدبرها…”(3) الحديث.

وقد أجاب السيد الأستاذ(4) على ما في تقريرات بحثه عن هذا الإشكال: أنه لا يوجب السقوط، لأنّ الظهور حجّة، ما لم تقم قرينة على خلافه، ومجرّد ضمّ 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

() الكافي5: 52، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث: 3، وسائل الشيعة1: 301، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(2) تهذيب الأحكام1: 26، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 4، وسائل الشيعة1: 301، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(3) الكافي5: 53، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث: 5، وسائل الشيعة1: 301، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(4) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 334، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 14.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المكروه إليه لا يكون قرينةً.

وهذا الكلام بظاهره مما لا يتحصّل، لأنّ جوابه واضح، وهو أنّ ضم 

النواهي الى المكروهات يوجب سياقاً واحداً، ووحدة السياق تكون قرينةً على رفع اليد عن الظهور.

فالظاهر أنّ مراده الإطلاق من مسلكه، هو أنَّ النهي ليس له ظهور بالحرمة أصلاً، وإنما الحرمة ثابتة بحكم العقل، إلا إذا ورد ترخيص على الخلاف، وحينئذٍ يكون الإشكال عليه من الإشكال على المبنى، فوحدة السياق تمنع عن ظهور النهي بالحرمة. نعم، هي لا تكون قرينةً على الكراهة، إذ تلائم مع إرادة الجامع أيضاً، ومعه تكفينا رواية واحدة فيها نهي من دون هذا السياق. وهذا موجود فقد وردت بعض الروايات بدون هذا السياق.

المقام الثاني: في ما قد يُستدَلُّ به على نفي هذه الحرمة

الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن الهيثم بن أبي مشروق عن محمد بن إسماعيل، قال: دخلت على أبي الحسن الرضا وفي منزله كنيف مستقبلة القبلة، وسمعته يقول: من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالاً للقبلة، وتعظيماً لها، لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له”(1)(2).

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() نفس الباب، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 26، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 5، وسائل الشيعة1: 303، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

والنبوي: “من بال حذاء القبلة …”(1) ثم ذكر مثله.

قد يُستدَلُّ بها على عدم حرمة استقبال القبلة في التخلّي بأحد بيانين:

البيان الأوّل: أنّ الإمام كان في بيته كنيف متّجه نحو القبلة، فكيف يتصوّر حرمته؟!

ولا إشكال أنّ وجوده في بيت الإمام من الأمارات الظنّية على عدم الحرمة، إلّا أنّها ما لم تبلغ درجة الاطمئنان واليقين لا تكون حجّةً؛ لأنَّها أمارةٌ خارجيّة، لا ترجع إلى ظواهر الألفاظ أو ظواهر الأفعال لتكون حجّةً، ولا اطمئنان في المقام.

وذلك: لقوة احتمال وجود طوارئ وعوارض اقتضت وجود الكنيف في هذا البيت على خلاف الطبع، وذلك: لأنّ الاستقبال إن لم يكن حراماً فهو مرجوح للشارع.

ولا يحتمل أنّ الإمام يبني على ذلك، فيصير ذلك أمارةً على أنّ تواجد هذا الكنيف باعتبار طوارئ، كما لو كان قد بُني قبل انتقال الإمام، وكان مستعيناً عنه بكنيف آخر، أو لضيق المكان أو عدم رضاء المالك، ومعه لا يحصل الاطمئنان الشخصي من هذه الأمارة.

البيان الثاني: أنّ لسان الجملة الأخيرة هو لسان الاستحباب، حيث رغّب بذلك باعتبار الثواب، إذ لو كان الانحراف واجباً لكان اللازم أمره بذلك وإلزامه به، فالعدول عنه ظاهر بالاستحباب ونفي الإلزام. 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) المصدر السابق.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلّا إن هذا البيان لا يتمّ، فإنه وإن كان الترغيب ظاهراً في الاستحباب ونفي اللزوم، لكن في خصوص هذه الرواية توجد نكتتان تمنع عن هذا الاستظهار.

النكتة الأولى: أنّ هذه الرواية فرضت في الرتبة السابقة وجود الداعي المولوي عند المكلف على الانحراف عن القبلة، وأنّ الاستقبال كان نتيجة النسيان، “ثم ذكر فانحرف” فالداعي المولوي موجود. إذن فهذه الرواية لم تكن في مقام أصل المحرك نحو ذلك ليتم هذا البيان ونطبّق تلك الكبرى.

النكتة الثانية: أنه قال: “فانحرف عنها إجلالاً للقبلة وتعظيماً لها” افرضوا أنّ هذا اللسان يدل على الاستحباب، لكنه يدل على استحباب الحصّة الخاصة وهو الإجلال، وهو مؤونة زائدة خارجة عن الواجب الشرعي فإنه واجب توصُّلي بأيّ داعٍ كان، ولا بأس أن يلتزم باستحباب الحصّة مع ثبوت أصل الوجوب. وبهذا اتضح أن أصل المسألة ينبغي الذهاب إلى الحرمة من باب الاحتياط الوجوبي لا من باب الفتوى للإجماع الذي ذكرناه.

ورواية محمد بن إسماعيل التي هي أمارة على الجواز تنفع في مقابل الإجماع؛ لأنّه بعنوانه ليس حجّةً، بل باعتبار تراكم القرائن، ومعه أيّ أمارة على الخلاف وإن كانت تكوينية توجب تنقيص درجة الاحتمال.

وهذا الإجماع يبدو أضعف حالاً من التخلّي في الأبنية، فإنه ليس إجماعاً بين علماء المسلمين، كذلك ليس إجماعاً بين علمائنا؛ لأنّه نقله عن سلار(1) وابن الجنيد ما 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) انظر: النهاية: 9، كتاب الطهارة، باب آداب الحدث وكيفية الطهارة، مدارك الأحكام1: 156-157، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثاني، الأول: في كيفية التخلي، ذكرى الشيعة1: 119-120، القطب الأول، الباب الأول، خاتمة: النظر في آداب الحمام والاستطابة، النوع الثاني استطابة الخلوة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

يوافق العامّة، خصوصاً مع رواية محمد بن إسماعيل، لأنّ الكنيف في بيت الإمام كان في داخل الأبنية، لكن مع هذا لا ينبغي رفع اليد عن الاحتياط الوجوبي.

هذا هو الكلام في أصل المسألة.

[كون مدار الحرمة هو الاستقبال أو الاستدبار بمقاديم البدن]

بمقاديم بدنه وإن أمال عورته إلى غيرها والأحوط ترك الاستقبال والاستدبار بعورته فقط وإن لم يكن بمقاديم بدنه إليهما (1).

الاستقبال والاستدبار تارةً يُلحَظ إلى ذات المتخلّي، وأخرى إلى بوله وغائطه، وبينهما عموم من وجه، فأيّهما الحرام؟

إن كان المدرَك هو الإجماع؛ فالقدر المتيقن إنما هو حرمة الاستقبال بكِلا النحوين، في البول.

وأمّا في الغائط فالقدر المتيقن هو هذه الوضعية المتعارفة؛ لأنّ الاستقبال بالغائط فقط حالة نادرة لا ينظر إليها بالإجماع.

فلو فهمنا من ذلك أنّ حرمة ذلك يلزم منه حرمة الاستقبال ببوله فقط؛ لأنّ فيه نحواً من التحدّي للقبلة، بخلاف الاستقبال ببدنه، إن جزمنا بذلك فهو، وإلا اقتصرنا على اجتماع كِلا الاستقبالين.

ــــــــــ[66]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 167، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 14.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأمّا إذا كان المدرَك الروايات ففي بعضها تصريح بحرمة الاستقبال بالبول سواء استقبل ببدنه أو لا، وفي بعضها نهي للمتخلّي عن الاستقبال وهي: إن استظهر منها نهي المتخلّي بما هو متخلٍّ عن الاستقبال، فلا تشمل الاستقبال بالبدن، مع صرف البول عنه، فهو ليس استقبالاً بما هو بائل، وإن فهم منها ذات المتخلّي يحرم عليه حتى ذلك.

ولا يَبعُد أن يكون الأقرب استفادةً الأول من الروايات ولا أقلّ من الإجمال.

[عدم الفرق في حرمة الاستقبال بين الأبنية والصحاري]

ولا فرق في الحرمة بين الأبنية والصحاري والقول بعدم الحرمة في الأول ضعيف (1).

إذا كان المدرَك هو الروايات فنتمسّك بإطلاقها، وأما إذا كان هو الإجماع فقد قلنا إنّ دلالته في غير الأبنية أوضح، ويعزز المطلقات قوله: “اذا دخلت المخرج”، فإنه لا يناسب الصحراء(2).

[عدم حرمة استقبال بيت المقدس حال التخلّي]

والقبلة المنسوخة كبيت المقدس لا يلحقها الحكم (3).

ــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 167- 168، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 14.

(2) وسائل الشيعة1: 302، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

(3) العروة الوثقى1: 168، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة: 14.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

واضح، لأنّ اللام إما للعهد فينصرف إلى القبلة الشريفة، وإن كان للجنس فظاهرها فعليّة القبلة، فلا تشمل المنسوخ بعد نسخه.

[عدم حرمة الاستقبال والاستدبار حال الاستبراء والاستنجاء]

 والأقوى عدم حرمتها في حال الاستبراء والاستنجاء وإن كان الترك أحوط (1).

بعد الفراغ عن الحرمة حال التخلّي، فهل في حال الاستبراء والاستنجاء أيضاً يحرم ذلك، أو لا؟ هناك عدّة تقريبات للحرمة:

التقريب الأول: التمسّك بالمطلقات

كقوله: “إذا دخلت المخرج أو الغائط فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها…” الحديث، فلا يجوز له ذلك في جميع الآنات، خرج منه ما إذا لم يكن مشتغلاً لا بالتخلّي ولا بتبعاته بالإجماع.

ونتمسّك بالإطلاق لحالة التخلّي والاستبراء والاستنجاء، لأنهما من تبعاته، وهو باطل مبنىً لأنَّنا لم نلتزم بإثبات الحكم عن طريق الروايات بل بلحاظ الإجماع المدّعى.

مضافاً إلى إمكان منع هذا الإطلاق، فإن قوله: “إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة” يمكن أن يأتي بصدد بيان أمرين:

أحدهما: أنّ المكان حيث إنَّه غير مناسب فلا يجوز استقبال القبلة فيه، كما ــــــــــ[68]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 168، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 14.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

في الصلاة في الحرام، ولو كان كذلك لتمّ الإطلاق.

ثانيهما: أن يكون الدخول إلى بيت الخلاء معدّاً ومشيراً إلى عملية مخصوصة فالخصوصية ليست في المكان، بل في العملية الواقعة فيه، وهي كناية عرفية مستعملة، وهذا المكنّى عنه لم يحرز وجود الإطلاق فيه، فإنه خاصّ بالتبوّل والتغوّط، وغير شامل للاستبراء وغيره، والتعبير -إن لم نَدَّعِ انصرافه إلى المعنى الثاني- فلا أقلّ من الإجمال، فلا إطلاق.

التقريب الثاني: التمسّك بإصالة البراءة

إذا علم بالمستبرئ أنّه سوف يخرج بول بالخرطات المعيّنة، فيكون استقبالاً في حال البول فيكون حراماً، وهذا يخصّص بالاستبراء، وما إذا علم أنه سوف يخرج البول، وإلا فأصالة البراءة جارية.

والسيد الأستاذ(1) لم يرتضِ ذلك، وقال الروايات لا تشمل محلّ الكلام، فإنّ خروج البول شيء وكونه يبول شيء آخر، فلا يصدق على القطرة، وبالتالي لا تشمله الروايات.

إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه، فإن عنوان (يبول) لم يؤخذ في الروايات، بل في أكثرها (لا تستقبل القبلة)، وفي بعضها (لا تستقبل ببولك القبلة)، إلّا في رواية محمد بن إسماعيل(2) التي كانت على الجواز أدل، فإذا اعترفنا أنّ هذا بول 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 337-338، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة 14.

(2) وسائل الشيعة1: 303، الباب 2 من أبواب الخلوة، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وصار مقابل القبلة، يصدق عليه العنوان المحرّم.

إلّا أننا لم نعمل بالروايات عموماً.

التقريب الثالث: الاستدلال برواية عمار

 عن أبي عبد الله(1)(2)، بدعوى أنّ الإمام أمره أن يقعد للاستنجاء كما يقعد للغائط، ومن الخصوصيات الثابتة للغائط حرمة الاستقبال، إذن فهذا ثابت في حال الاستنجاء.

وهذا لو تمّ لخصّ بالاستنجاء، ولا يعم الاستبراء إلّا بمزيد قرينة بأن يقال: إنّه ألصق بالتخلّي من الاستنجاء فإن تمّ فهو، وإلا اقتصر على الاستنجاء. إلّا أنه غير تام:

 أولاً: لأنَّها ضعيفة بسهل بن زياد(3)، 

وثانياً: أنها تأمر أن يقعد للاستنجاء كما يقعد للغائط. هذا التشبيه ظاهر في أن يكون مثله من حيث كونه قعوداً، والاستقبال ليس من خصوصيات القعود، بل من خصوصيات القاعد.

وثالثاً: أنّ هذه الرواية لا يستفاد منها وجوب المماثلة في القعود، بل يستفاد 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() باب 37 من روايات الخلوة، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 355، كتاب الطهارة، الباب 15، الحديث: 24، وسائل الشيعة1: 360، الباب 37 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(3) سهل بن زياد الآدمي الرازي، رجال النجاشي1: 185، باب السين، الرقم: 490.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

جواز ذلك، فإنه أمر في مورد الحضر، لأنّ جملة من فقهاء(1) العامة أفتوا بوجوب تغيير جلسته، وأن يسترخي بحيث يغسل البواطن ومن هنا قال: أنّه ليس عليه أن يغسل الباطن، فالأمر هنا لا يدل على الطلب أصلاً.

التقريب الرابع: إجراء الاستصحاب

فإنّ هذا الإنسان حين كان يتخلّى كان يحرم عليه الاستقبال، ويشك ببقاء الحرمة، فنستصحب.

وهو لا يتم:

أولاً: لانقطاعه، لأنّ الفترة المتخللة بين التخلّي والاستبراء والاستنجاء لا يحرم فيها الاستقبال، إلّا إذا احتملنا أنّ مَن يتخلى لا يجوز له أن يستقبل حتى يطهر، إلّا أنه لا قائل بذلك.

ثانياً: أنّنا إذا استظهرنا من الروايات أنَّ القدر المتيقّن من الإجماع الحرمة للمتخلّي بما هو متخلٍّ، فلا يجري الاستصحاب لتغيّر الموضوع، لأنّه يكون الحرام استقبال القبلة ببوله، أو ببوله وبدنه، وقد ارتفع ذلك، نعم لو فرض أنّ الحرمة كانت متعلقةً بأن يستقبل القبلة بمقاديم بدنه حال التخلّي فقد يدّعى أنها حيثية تعليلية لا تغيّر الموضوع.

فالوجوه الأربعة غير تامة، فلا يحرم حال الاستبراء والاستنجاء الاستقبال والاستدبار.

ــــــــــ[71]ــــــــــ

(1) انظر: النوادر والزيادات على ما في المدونة1: 26، كتاب الطهارة، في الاستنجاء والاستجمار، الجامع لمسائل المدونة1: 112، كتاب الطهارة، باب6، ما جاء في الاستنجاء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الاضطرار إلى الاستقبال أو الاستدبار

ولو اضطر إلى أحد الأمرين تخير (1).

إذا كان المدرَك هو الروايات فدليل كل واحد منهما تامّ، فيقع التزاحم بين حرمة الاستقبال وحرمة الاستدبار، فلا بُدَّ من تقديم ما هو معلوم الأهمِّية أو محتملها، فإن لم يوجد احتمال الأهمِّية في الاستقبال فيتخيّر، وإن كان هذا الاحتمال موجوداً أو معلوماً تعيّن الاستدبار.

تقديم محتمل الأهمِّية

وهذا الاحتمال يمكن أن نقرّبه لتقريبين:

التقريب الأول: باعتبار أكثرية الروايات

ما ذكره السيد الحكيم(2) باعتبار أكثرية الروايات في جانب الاستقبال.

ولا بأس بجعل ذلك دليلاً على الأهمِّية، ولا يورد عليه أنّ الباب ليس باب التعارض حتى يقدّم بالأكثرية، لكن نقول: إنّ الحكم الذي تصدّوا لبيانه بكثرة أهمّ في الشريعة من الحكم الذي تصدّوا لبيانه مرة واحدة، وتفسير الكثرة بكثرة الأسئلة موجود إلّا أنه يكفينا احتمال تفسيره بالأهمية خصوصاً إذا كانت بيانات بدون أسئلة.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 168، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلي، مسألة 14.

(2) مستمسك العروة الوثقى2: 197، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة:14.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلّا أنّ المؤسف أنّ هذه النكتة لا مصداق لها، فإنّ روايات الباب كلها عطف الاستدبار على الاستقبال، ولا يوجد إلّا رواية واحدة “ولا تستقبل القبلة بغائط ولا بول”(1) وهي في الواقع تتضمّن الاستدبار، فإنّ استقبال القبلة بالغائط معناه الاستدبار في الكيفية المتعارفة.

إنّ كثرة البيان له أحد تفسيرات:

التفسير الأول: أنه ينشأ من شدّة اهتمام الشارع بالأول على الثاني، وهو المطلوب.

التفسير الثاني: أنّ كثرة البيانات في الأول من باب أنه لم تصلنا بيانات الثاني، وصل في الأول مئة وفي الثاني واحد من مئة من باب الصدفة، إلّا أنه موهون جداً، بحساب الاحتمالات، فإنّه ينبغي أن يكون ما يضيع من مدرَك أحد الحكمين كنسبة ما يضيع من مَدارك الآخر.

التفسير الثالث: أنّ كثرة البيانات تنشأ من ظروف خارجيّة ككثرة الأسئلة عنه، وهذا أمر محتمل، خصوصاً إذا كانت البيانات بعنوان الأجوبة، لكن هذا لا يضر بوجود الاحتمال الأول، إذ بالنتيجة احتمال الأهمِّية في الأول ثابت.

لكنّ هذه الكبرى لا صغرى لها، كما قلنا.

التقريب الثاني: ملاك الحرمة ملاك تأديبي

أن يقال: إنّ هذين الحكمين يُحتمَل فيهما ثبوتاً احتمالان:

الاحتمال الأول: أن يكون المِلاك فيهما ملاكاً تأدّبياً لاحترام القبلة.

ــــــــــ[73]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 301، الباب2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الاحتمال الثاني: أن يكون مِلاكاً تعبّدياً صرفاً:

فإن كان الأول فمن الواضح أن جنبة التأدّب، وتحاشي استقبال القبلة أكثر من جنبته في الاستدبار، وهذا يعني عرفاً أنّ ملاك ترك الاستقبال أشدّ من ملاك ترك الاستدبار.

وإن كان الملاك تعبّدياً، فنحن لا نعلم شيئاً، فإن استظهر من الروايات بمناسبات الحكم والموضوع الأول ونحّي الاحتمال الثاني فهو يعني أنّ الأوّل أهمّ، وأما إذا لم تستظهر شيئاً فالنتيجة أيضاً كذلك، لأنّ الملاك إن كان تعبّدياً صرفاً فلا نعرف أيهما أشد، بل نسبته إليهما على واحد، وإن كان الأول فهو يرجح الاستقبال، فيكون الاحتمال في حرمة الاستقبال أكبر.

ومعه نقول: بتعيّن الاستدبار حين يدور الأمر بينه وبين الاستقبال، ويكون الاحتياط وجوبياً لا استحبابياً. وأما إن كان المدرك في الحكم هو الإجماع، فإن احتملنا أنّ الاستقبال في حالة يدور الأمر فيها بين الاستقبال والاستدبار، فلا يمكن إثبات المِلاك بالإجماع، لأنّه لا إطلاق له، فيخرج عن باب التزاحم، لأنّه لا يكون إلّا بعد إثبات الملاك، فيدور الأمر بين التعيين والتخيير في كلّ منهما، فأصالة البراءة عن التعيين في كل منهما جارية، ونتيجته الحرمة التخييرية، فيكون الاحتياط بتعيُّن الاستدبار استحبابياً.

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



حكم دوران أمر التخلّي بين ترك التستّر والاستقبال

ولو دار أمره بين أحدهما وترك الستر مع وجود الناظر وجب الستر (1).

هذا إن فرض أنّ دليل وجوب الاستقبال هو الإجماع، فينبغي أن يقال: إنّه لا إطلاق له، بينما دليل حرمة التكشّف لفظي له إطلاق، فيُؤخذ به، فيتعيّن أن يستقبل القبلة مستوراً.

وإن قيل: إنّ مَدرك حرمة الاستقبال من الروايات، وإنّ لها إطلاقاً لكلّ قادر، فيدخل المورد في باب التزاحم، ولا شكّ أنّ احتمال الأهمِّية موجود في جانب التستُّر، لأنَّ ارتكازيته في ذهن المتشرعة تكون كاشفةً ولو احتمالاً عن الأهمِّية.

حكم التخلّي مع اشتباه القبلة

ولو اشتبهت القبلة لا يَبعُد العمل بالظن 

هل يبنى على الظن أو لا؟ ومعنى البناء على الظن: أنه يجب أن يستقبل موهوم القبلة وإن لم يكن الظنّ حجّةً، فيتشكل عنده علم إجمالي بقِبليّة أحد الطرفين منجّز حسب شرائط تنجيز. وإذا كان الظنّ حجّةً شمل مورد العلم ببركة الحجة.

فهل هذا الظن حجة، بعد الفراغ عن حجيته، بالنسبة إلى الصلاة؟ وأهمّ ما ينبغي أن يقال وجهان:

التقريب الأول: التمسّك بدليل حجية الظن في الصلاة، وفي صحيحة 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 168، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة 14.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

زرارة(1)، فإنَّ معناه أنّ الظن يقوم مقام العلم بالقبلة. ومقتضى الإطلاق أنه يكون كذلك في تمام الموارد وليس في الرواية ما يدلّ على الاختصاص بالصلاة، وهو تقريب صحيح.

التقريب الثاني: بعد عدم تمامية الإطلاق، فقد يقال: إنّ الظن يتعيُّن الأخذ به عقلاً في إحدى صورَتَي المسألة.

فإنّ العلم الإجمالي قد لا يمكن موافقته القطعية، كما لو علم بالقبلة في كل الجهات، وأخرى يمكن، كما لو علم في إحدى جهتين يمكن تفاديهما استقبالاً واستدباراً.

ففي الأول إذا كان أحد الأطراف مظنون القبلة، فهذا العلم منجّز، ولكنّ موافقته القطعية غير ممكنة، فيتحوّل العقل إلى موافقته الظنية التي هي الأقرب إلى العلم. وهذا صحيح، لكن لا حاجة له بعد تمامية الأول.

ولو ترددت بين جهتين متقابلتين اختار الأخيرين [1] ولو تردد بين المتصلتين فكالترديد بين الأربع، التكليف ساقط، فيتخيَّر بين الجهات [2] (2).

[1] لأن الأخيرين ليس فيهما استقبال ولا استدبار، فيكون موافقة قطعية للعلم الإجمالي.

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) انظر: الكافي6: 65، كتاب الصلاة، الباب 8، الحديث: 7، الاستبصار1: 295، كتاب الصلاة، الباب 160، الحديث: 3، وسائل الشيعة4: 307، الباب 6 من أبواب القبلة، الحديث: 1.

(2) العروة الوثقى1: 168، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة 14..

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 [2] إذا تردّدت القبلة بين الأربع فتكون الموافقة القطعية غير ممكنة، ولو من التوسّع في الاستقبال، فيحكم بالترخيص في المخالفة الاحتمالية.

نعم، لو كانت فجوة بين نقطتين موجودةً لزمه استقبالها.

ولو تردّد بين الجهتين المتصلتين يصبح علماً إجمالياً بين الأربع، بعد ضم حرمة الاستدبار فيتخيّر.

وهذا الكلام بناءً على ما اختاره من أنّه إذا دار الأمر بين الاستقبال والاستدبار لا يتعيّن الاستدبار، فهذا الكلام صحيح.

وأما إذا بنينا على تقدّم حرمة الاستقبال وتعيّن الاستدبار، فقد يقال: الحكم هنا أن يصلّي إلى إحدى الجهتين التي يعلم أن أحدهما عكس القبلة لا إلى الجهتين التي يعلم أنّ أحدهما هي القبلة.

فإنّه له علمين إجماليين يدور الأمر بين موافقتيهما القطعية، وحيث إنّ الأول أهم ملاكاً يحكم العقل بتعين الموافقة القطعية للعلم الأول على مثلها في الثاني.

تنبيهات في أصل المسألة

هناك أمور في أصل المسألة ينبغي التنبيه عليها في مسألة دوران الأمر بين الاستقبال والاستدبار، فإن الاستدبار له معنيان:

المعنى الأول: الاستدبار حال التغوّط، وهو تعبير آخر عن استقبال القبلة بالغائط، في مقابل استقبالها بالبول فيساوي قولنا: لا تستقبل ببول ولا غائط.

وبناءً عليه: لو توجّه نحو القبلة وتغوّط، أو استدبر القبلة وبال لم يحرم.

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المعنى الثاني: استدبار القبلة حين التخلّي، والاستقبال حاله، سواء كان يبول أو يتغوط.

الروايات الواردة فيها عنوانان: في بعضها: “لا تستقبل ببول أو غائط” وهو ينطبق على المعنى الأول. وفي بعضها: “لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها”. وكأن الفقهاء – على الأقل المتأخرين- فهموا من ذلك المعنى الثاني.

مع أنه قد يدّعى أنها منصرفة إلى المعنى الأول، باعتبار أنها منصرفة إلى حال التخلي، فإنّ الإنسان عادةً يتبوّل ويتغوّط خصوصاً مع استتمام حالة التأدب، وهو يكون بترك الاستقبال لا الاستدبار، وخصوصاً هي ناظرة إلى التغوّط لا التبوّل، “أين يضع الغريب عندكم”، فما هو الغائط؟ ما حد المخرج وهو ظاهر الغائط؟ وعادةً من يتغوّط يتبوّل، فنُهيَ أن يستقبل ببوله وغائطه، فينطبق اللسان الأوّل والثاني.

ويلاحظ هنا: أنه في اللسان الأوّل لم يرد فيه النهي عن الاستدبار، فكأنّ النهي عن الاستدبار يعوض عنه بالنهي عن الاستقبال بالغائط، بالنظر إلى من يقضي كلا الحاجتين.

وفهم ذلك غير بعيد، لولا أنّ الفقهاء لم يبدوا ذلك في كلماتهم مع تمام عُرفيّتهم وسلامة ذوقهمّ وكلمات المتقدّمين لا تخلو من شوب إجمال يمكن حملها على المعنى الأوّل.

وعلى أيّ حال، فإن كانت الروايات هي المدرك فهذا الاحتمال قريب من النفس.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وإن كان المدرك هو الإجماع يمكن أن يقال: إنّه لا إجماع على استدبار القبلة حال التبوّل أو استقبالها حال التغوّط، فإنهم وإن أطلقوا لكن يمكن تنزيل كلماتهم على الحالة الاعتيادية، ولذا يكون البناء على الحرمة في ذلك احتياط في احتياط.

وعليه إذا كان المراد من حرمة الاستدبار حرمة الاستقبال بالغائط، حين تكون القبلة مشتبهةً يتعيّن الاستدبار حال التبوّل، لأنّه مباح على هذا المبنى.

وإن دار الأمر بين الاستقبال بالبول أو بالغائط فكلاهما يصير على خلاف التأدّب، ويسقط الوجه الذي قلناه ويكون الوجه هو التخيير.

نعم، لو بنينا على المعنى الثاني، ودار الأمر بين أن يستقبل القبلة ببوله أو يستدبرها به، فالأدب بأن يستدبرها فهذا صحيح.

ثم إنّ ما قاله السيد الحكيم(1) بأنّ الروايات واردة في الاستقبال أكثر من الاستدبار، فقد قلنا إنه صحيح كبرى، وأما من حيث الصغرى، فإن فسّرنا الاستدبار بالمعنى الأوّل فلا صغرى له كما سبق بأن قلنا.

وأمّا بناءً على المعنى الثاني فقد يقال: إنّه قد انفك الاستدبار عن الاستقبال في بعض الروايات، بحيث يتوفّر العدد، إلّا أنّ الحساب الاستقرائي ينافي ذلك.

أمّا رواية أبي حنيفة(2) فقد نُهيَ عن الاستقبال دون الاستدبار، إلّا أنها 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

() مستمسك العروة الوثقى2: 197، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة 14.

(2) انظر: وسائل الشيعة1: 301، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1. المراد مرفوع علي بن ابراهيم الذي سأل فيه ابو حنيفة الإمام الكاظم.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مروية في الاحتجاج(1) بعنوان “ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها” -وهو من مؤيدات المعنى الأوّل- فهي متهافتة من حيث العبارة.

الرواية الأخرى: “فتجنبوا القبلة”(2)، فقد يدّعى أنه أريد منه التجنب استقبالاً واستدباراً، وفي عدّة روايات نهى عنهما(3) معاً.

وفي مرسلة نبوية: “ونهى رسول الله عن استقبال القبلة ببول أو غائط”(4)، فقد انفصل فيها الاستقبال عن الاستدبار. 

ومن الواضح أنّ هذا المقدار لا يعطي شدّة اهتمام الشارع بالاستقبال دون الاستدبار.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

() الاحتجاج2: 387-388، احتجاج أبي ابراهيم موسى بن جعفر.

(2) كما في حديث المناهي عن النبي، انظر: وسائل الشيعة1: 302، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 3.

(3) كما في روايات الباب الثاني من أبواب أحكام الخلوة في كتاب الوسائل1: 301.

(4) وسائل الشيعة1: 302، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  




مسألة21(1): [المقصود من مقاديم البدن]

المراد بمقاديم البدن الصدر والبطن والركبتان (2).

الكلام يقع في مقامين: 

المقام الأوّل: أن استقبال القبلة بِمَ يتحقّق.

المقام الثاني: في مفاد أدلة الباب.

المقام الأوّل: في تشخيص عنوان الاستقبال.

لا إشكال أنّ الاستقبال مأخوذ من المقابلة، وهذا فرع أن يتصوّر للإنسان مقابلاً وخلفاً، وهي منتزعة من تركيب وجهه، فإنّ الوجه هو محطّ نطقه ونظره، فاعتبر الجانب الوجهي منه هو الجانب المقابل، والجانب الآخر هو الجانب الخلفي، وكلّ ما كان من بدن الإنسان من الأعضاء ممّا لا يتيسر عادةً أن تميل عن الوجه بوضعها ووضعه الطبيعي. بخلاف الأجزاء الأخرى، كالركبتين فإنَّها حرة غير مرتبطة بالحركة بالوجه.

ولهذا يصدق على الإنسان المتربّع أنه يتّجه أو يستقبل للقبلة لأن وجهه 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

() ينتقل السيد المصنف من المسألة 14الى المسألة 21 مباشرة.

(2) العروة الوثقى1: 171، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة 21.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وصدره وبطنه إلى القبلة، وإن لم تكن ركبتاه إلى القبلة، وأما إذا كان رأسه إلى ظهره، وتوجه بصدره وبطنه لا يقال إنّه متجّه إلى القبلة، فالوجه له ركنية في الاستقبال.

هذا هو مفهوم الاستقبال عرفاً، والمعتبر في حال الصلاة، وقد أُكِّد عليه في الآيات والروايات، فإنه صرّح بالوجه أيضاً كتاباً وسنّةً.

المقام الثاني: ما هو المحرّم في التخلّي؟

إن كان المدرَك هو الإجماع فمن الواضح أنّ معقَدَه هو عنوان الاستقبال، فتُحمَل على المفهوم العرفي، فيعرف أنّ ما يكون حراماً حال التخلّي هو عين ما يكون واجباً أثناء الصلاة.

وأمّا بالنسبة إلى الروايات فقد أخذ في بعضها عنوان استقبال القبلة، وحاله حال الأوّل. وعنوان استقبال القبلة بالبول، ولا يبعد أن يكون المراد به استقبالها بالفرج أي آلة البول، فيكون عندنا عنوانان محرّمان، وهما يمكن أن ينفكّا.

اللهم إلّا أن يُدّعى أنّ الظاهر من استقبال القبلة للمتخلّي -أي بما هو متخلّي- أنه متقوّم بأن يكون فرجه إلى القبلة، ومعه فلو أزاح عورته عن القبلة يكون كافياً، وإن استقبلها بوجهه وصدره وبطنه.

ومعه لا يبعُد بناءً على الروايات أنّ المحرّم هو استقبال القبلة بالفرج دون غيره.

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وبذلك اتضح أمران: 

الأمر الأوّل: أنّ الركبتين ليس لهما دخل في الاستقبال على كِلا المدركَين.

الأمر الثاني: أنّ الوجه مقوّم للاستقبال، ولا يمكن إسقاطه إذا كان الموضوع هو استقبال الإنسان للقبلة.

ــــــــــ[83]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  












مسألة 22: [حرمة التخلّي في المدارس التي لا يعلم بكيفية وقفها]

لا يجوز التخلّي في مثل المدارس التي لا يعلم كيفية وقفها من اختصاصها بالطلاب، أو بخصوص الساكنين منهم فيها (1).

الأوقاف التي لا يعلم كيفية وقفها، فهل يجوز لمن لا يصدق عليه القدر المتيقن أن يتخلّى هناك أو لا؟

ويمكن تعميمه بأن يقال: كل وقف لا يعلم أنه وقف على الأعمّ أو الأخصّ هل يجوز للأعمّ الاستفادة منه أو لا؟

ويمكن تعميمه أيضاً في مطلق الأموال المملوكة، لكن لا يُدرى أنّها مملوكة لزيد أو لعمرو، بمعنى أنّها كانت لخالد وقد انتقلت عنه جزماً إما إليّ أو إلى عمرو، فإن كانت إليّ فهي ملكي، وإن انتقلت إلى عمرو فهي ملكه، ولا يأذن لي، فهل يجوز التصرف بها؟ المشهور(2) عدم جواز التصرف مع فرض الشك، 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 171، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة 22.

(2) انظر: مستمسك العروة الوثقى2: 204، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة: 22.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ويُنسب إلى السيد أبي الحسن القول بالجواز وهو الصحيح.

ويمكن أن تُطرح هذه المسألة في إطار أصالة البراءة بأن يقال: إنّ الشبهة موضوعية، فتجري أصالة البراءة عن حرمة التصرف. إلّا أنّ المشهور يرى وجود استصحاب موضوعي حاكم عليها، ومن هنا يقع الكلام في أنه هل يجري مثل هذا الاستصحاب؟

وقد تعرّض السيد الأستاذ للمسألة في موردين: أحدهما: هنا(1)، والآخر: في الماء المشكوك، وفي كليهما وافق المشهور، ولكنه قرَّب ذلك بتقريب يختلف عن التقريب الآخر، فلا بُدَّ من التعرّض لهما معاً.

التقريب الأوّل: استصحاب عدم صدور الإذن من المالك

وهو الذي ذكره في فروع الماء المشكوك(2)، فقد كانت المسألة مطروحةً على مستوى الملك المطلق أنّ المال بِيعَ من مالكه، وهذا لا يدري أنه اشتراه هو أو غيره، فقيل يثبت ببركة الاستصحاب الموضوعي حرمة التصرّف، وصياغته: أنّ حرمة التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه موضوعها مركّب من جزئين:

  1. كونه مال الغير.
  2. والآخر عدم الإذن منه.

وهذا المال مال البائع بلا إشكال، ولكن هل أذن به المالك -ولو إذناً تمليكيّاً- أو لا؟ فيجري استصحاب عدم صدور الإذن من المالك ولو بهذا 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

(1) أي في مبحث أحكام التخلّي. فانظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 149.

(2) في التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 337، تحت عنوان: فصل في الماء المشكوك.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المعنى، فيتنقّح موضوع الحرمة “لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه(1) لأنّه مال مسلم بلا إشكالٍ ويستصحب عدم الطيب.

ولا يعارض هذا باستصحاب عدم الإذن بالآخر الذي يمكن أن يكون مشترياً، لأنّ مجرد أنه لم يأذن للآخر لا يثبت الجواز لهذا، ما لم يثبت الإذن بالنسبة إليه. وهذا التقريب اعترضنا عليه هناك(2).

وذلك: أنّ دليل “لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه” انحلالي بعدد ما يوجد من امرئ مسلم من الأغيار. وكل فرد يكون مصداقاً لهذه القضية، وكل حرمة مركّب موضوعها من جزئين: أحدهما: أن يكون المال لزيد، وثانيهما: عدم إذنه فيه، وكذلك لعمرو وخالد وهكذا.

فهنا يتصوّر لنا حرمتان: 

إحداهما: حرمة التصرّف في مال البائع إلّا بإذنه، وموضوعها مركّب من الجزئين. وهذه الحرمة مقطوعة الارتفاع، لأنّ المال وإن كان قبل البيع ملكاً لزيد إلّا أنه بعده خرج عن ملكه، فالجزء الأوّل من الموضوع مقطوع الارتفاع، وإثبات الجزء الثاني بالاستصحاب لا يكفي.

ــــــــــ[86]ــــــــــ

(1) انظر: عوالي اللئالي1: 222، الفصل التاسع، الحديث: 98، السرائر2: 481، باب الغصب، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

(2) أنظر: بحوث في شرح العروة الوثقى 2: 246. قال هناك: «والتحقيق: عدم جريان هذا الاستصحاب؛ وذلك لأنّ خطاب “لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيب نفسه” ونظائره ينحلّ إلى تكاليف متعدّدةٍ بعدد أفراد المالكين، فَزَيدٌ لا يحلّ ماله إلّا بطيب نفسه، وعمرو كذلك… وهكذا». إلى آخر المطلب فراجع.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الحرمة الثانية: حرمة التصرّف في مال الرجل الثالث الذي يحتمل أن يكون هو المشتري، ونحن نقطع بعدم إذنه، ولكن لا تثبت الحرمة، لأنّ أصل ملكيته لهذا المال مشكوكة الحدوث. فالذي يجري هو استصحاب عدم كون هذا المشتري مالكاً لهذا البيت لنفي الحرمة.

نعم، لو بُنيَ على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي، فلا بأس أن يقال: إنّ طبيعي المالك الجامع بين زيد السابق وخالد اللاحق، كان إنساناً مغايراً لنا ولم يأذن، فنستصحب حرمة هذا المال، إلّا أنه أساساً لا يجري.

التقريب الثاني: عدم مالكية الجهة الأعمّ

الذي ذكر في هذه المسألة(1)، ويمكن إجراء كِلا التقريبين في كِلا المسألتين.

إنّ جواز التصرف في مالٍ منوط بأحد أمرين: إما بأن يكون ملكاً للمتصرف، ولو بمعنى كونه مصداقاً للجهة التي تملك ليدخل الوقف، أو مأذوناً من قبل المالك، فهذا الإنسان الذي هو مصداق من الأعم، جواز تصرفه موقوف على أحد الأمرين، وهذا غير مأذون من قبل المالك بحسب الفرض، وليس هو المالك لاستصحاب عدم كونه مالكاً، وبتعبير آخر: عدم مالكية الجهة الأعم، وبه يثبت حرمة التصرف.

وهذا غير فني أيضاً، لأنّ الجواز بمعنى عدم الحرمة يكفي فيه انتفاء موضوع الحرمة ونقيضه، لأنَّنا لا نريد به إلّا مجرد عدم الحرمة، وهو يتحقق 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

(1) في التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 337، تحت عنوان: فصل في الماء المشكوك. وقد مرّ تخريجه قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بنفي موضوع الحرمة، وموضوع الحرمة مركّب من أمرين:

  1. التصرّف في مال مملوك للغير.
  2. عدم إذنه فيه، فإن تمّ الجزءان ثبتت الحرمة، وإلا ثبت الجواز ولو بالأصل.

ومن الواضح أنه لا يمكن إثبات الجزئين بالاستصحاب، لأنّ هذا الوقف كونه ملكاً للواقف فهو معلوم العدم، وأما كونه مملوكاً لجهة مغايرة (أي: الجهة الأعم) فهو مشكوك الحدوث، بل يجري عدم كونه مملوكاً لجهة مغايرة، لينفي موضوع الحرمة، ولا يجري استصحاب عدم كونه مملوكاً للجهة الأعم، لأنّه لا يكفي لإثبات الحرمة.

فالتحقيق هو جواز التصرف في أمثال المقام وفاقاً لما نُسبَ للسيد أبي الحسن.

وأمّا إذا فرضنا أنّنا بنينا على أنّ رقبة الوقف تكون ملكاً للواقف، فيكون الشكّ منتجاً لحرمة التصرف؛ لأنّه ملك للواقف يقيناً، ولا يأذن بالاستصحاب.

يقول مبنياً على الجواز: ويكفي إذن المتولي إذا لم يعلم كونه على خلاف الواقع (1). 

باعتبار أنّ المتولي صاحب اليد، وهو أيّ مقدار يدعيه فهو مجاز فيه، بل 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 171، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة 22.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أكثر من هذا، فيما إذا كانت اليد النوعية تدلّ على ذلك، وهو ما عبّر عنه: والظاهر كفاية جريان العادة أيضاً بذلك، وكذلك الحال في غير التخلّي من التصرّفات الأُخر (1).

ــــــــــ[89]ــــــــــ

(1) المصدر السابق نفسه.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الفصل الثاني

في الاستحباب



  • [وجوب غسل مخرج البول بالماء]
  • أفضلية غسل موضع البول ثلاث مرات
  • التخيير بين الغسل بالماء والمسح بالأحجار أو الخرق
  • مسألة1: [حرمة الاستنجاء بالمحترمات وعدم كفايته في التطهير]
  • مسألة2: [حكم الاستنجاء بالمسحات فيما لو بقيت رطوبة في المحلّ]
  • مسألة 3: [اعتبار عدم الرطوبة المُسرِية فيما يمسح به]
  • مسألة 4: [تعيّن الماء حال خروج نجاسة أخرى مع الغائط]
  • مسألة 5: [الشك في الاستنجاء]

 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  




  • مسألة 6: [عدم وجوب الدلك في الاستنجاء من البول] 
  • مسألة 7: [كفاية مسح مخرج الغائط بالأرض]
  • مسألة 8: [الشك بما يستنجى به]

 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  





الفصل الثاني: في الاستنجاء

 

[وجوب غسل مخرج البول بالماء]

 

يجب غسل مخرج البول بالماء مرتين (1).

ذكرخصوصيتين:

الخصوصية الأولى: أنه لا بُدَّ من الغسل بالماء ولا يكفي الأحجار ونحوها مما يثبت كفايته في الغائط على ما يأتي.

والخصوصية الثانية: لزوم التعدد مرتين، فيقع الكلام فيهما:

الخصوصية الأولى: لزوم الغسل بالماء

الخصوصية الأولى لزوم الماء وعدم كفاية غيره كالتجفيف والمسح والغسل بالمياه المضافة.

بلحاظ مقتضى القاعدة

قلنا: إنّ مقتضى القاعدة عدم مطهّرية أي شيء سوى الماء، فكل ما دلّ على 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 172، كتاب الطهارة، فصل في أحكام التخلّي، مسألة 22..

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مطهّرية غيره كالأرض والشمس، يكون مقيّداً لقوله: “ويغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء”(1).

وهذا المطلق وإن لم يرد في خصوص الاستنجاء، لكن بإلغاء الخصوصية يتعدّى، ففي مورد البول مقتضى القاعدة الاقتصار في التطهير بالماء.

بلحاظ الروايات

وهناك روايات خاصّة مؤكّدة لما هو مقتضى القاعدة.

1- كصحيحة زرارة عن أبي جعفر قال: “لا صلاة إلّا بطهور، ويجزيك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله، وأما البول فإنه لا بُدَّ من غسله”(2)(3).

2- بريد بن معاوية، عن أبي جعفر أنه قال: “يجزي من الغائط المسح بالأحجار ولا يجزي من البول إلّا الماء”(4).

ــــــــــ[94]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام1: 418، كتاب الطهارة، الباب 21، الحديث: 41، وسائل الشيعة1: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث: 1.

(2) باب 9 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(3) تهذيب الأحكام1: 50، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 83، وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(4) تهذيب الأحكام1: 51، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 86، وسائل الشيعة1: 317، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الروايات المعارضة

هناك روايات ثلاث ذكرها السيد(1) الأستاذ وغيره في مقام إبراز المعارض لتلك الروايات.

الأولى: رواية سماعة

قال: قلت لأبي الحسن موسى: إني أبول ثم أتمسّح بالأحجار، فيجيئ مني البلل ما يفسد سراويلي. قال: ليس به بأس”(2)(3).

وتقريب الاستدلال: لو كان المسح غير مطهّر يبقى موضع البول متنجّساً، فحين يخرج البلل فهو طاهر في نفسه، ولكنّه يلاقي الموضع المتنجس بالبول عادةً، وقد أفسد عليه سراويله، وقال الإمام لا بأس به، فيكون المسح مطهّراً.

وقد يعترض على هذا الاستدلال بعدّة اعتراضات:

الاعتراض الأوّل: أنّها ضعيفة السند، على ما ذكره السيد(4) الأستاذ، 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

() انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 350-351، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، وجوب غسل مخرج البول بالماء.

(2) باب 13 من نواقض الوضوء، (المقرر).

(3) تهذيب الأحكام1: 51، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 89، وسائل الشيعة1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 4.

(4) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 351، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، وجوب غسل مخرج البول بالماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

باعتبار ورود الحكم بن مسكين(1) فيها والهيثم ابن أبي مسروق النهدي(2)، وكِلاهما لم يصرح في توثيقهما.

هذا الإشكال على مبنانا نصفه غير وارد وعلى مبنى السيد الأستاذ فكله غير وارد:

أمّا ابن مسكين فقد روى عنه أحد الثلاثة ونحن نبني على توثيق من يروون عنه.

وأمّا على مبنى السيد الأستاذ فقد ورد في أسانيد كامل الزيارات، فيكون ثقةً.

وأمّا الهيثم فهو على مبنانا لا يمكن توثيقه وأما على مبناه فهو وارد في أسانيد كامل الزيارات. فالإشكال غير تامٍّ على مبناه.

الاعتراض الثاني: أنّ هذا السائل إذا كان نظره إلى جهة النجاسة لهذا البلل، يكون هذا الاستدلال تامّاً، لكن لعلَّ نظره إلى جنبة الحدث، وكأنّ صاحب الوسائل فهم هذا المعنى فأدرجه في أبواب عدم ناقضية البلل المشتبه.

وهذا غير وارد أيضاً؛ إذ أنّ نظر السائل لو كان إلى الحدث لم يكن للتمسح بالحجر دخلٌ أصلاً، لأنّ السؤال يتمّ حتى لو غسل بالماء. مع أنّ ظاهر السؤال كونها لها دخل في إشكاله، فيتعين كون السؤال عن النجاسة.

ــــــــــ[96]ــــــــــ

(1) انظر: رجال النجاشي: 136، باب الحاء، الرقم: 350، رجال بن داود: 130، باب الحاء المهملة، الرقم: 505.

(2) انظر: رجال النجاشي: 437، باب الهاء، الرقم: 1175، الخلاصة: 179، الفصل السادس والعشرون في الهاء، الباب الثالث هيثم.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الاعتراض الثالث: أنّ هذه الرواية يحتمل فيها احتمالان:

أحدهما: أن يكون عدم البأس ناشئاً من ناحية أنّ الموضع قد طهّر بالمسح، وهو مدّعى المستدل.

ثانيهما: أنّ موضع البول لا ينجِّس، لأنّه متنجّس خالٍ من عين النجاسة، وهو لا ينجِّس، وهو خارج عن محل الكلام، والاستدلال يتوقف على تعيين الاحتمال الأوّل.

هذا الاعتراض بهذا البيان غير كافٍ؛ لأنَّها إذا كانت مجملةً ومرددةً بين مطهّرية المسح لموضع البول أو أن المتنجِّس لا ينجِّس فهي تثبت أحد المطلبين إجمالاً، وكلٌّ منهما على خلافه دليل، فيقع التعارض بين الأدلة الثلاثة، فلو لم يوجد مرجِّح يسقط الجميع.

الاعتراض الرابع: أنّها ظاهرة في أنّ المتنجِّس لا ينجِّس، وليس فقط مجملةً، وحملها على مطهّرية المسح على خلاف ظاهرها في نفسها.

والنكتة في ذلك: أنّ الراوي لو كان شاكّاً في مطهرية البول بالمسح، لكان خروج البلل ذكره في السؤال مستأنفاً؛ لأنّ السؤال عن طهارة بدنه ونجاسته، فلماذا ذكر سراويله؟ فيكون ذكر الملاقي دليلاً عرفاً على أنّ السؤال لا يتم إلّا بفرض الملاقي، وهو أنه بعد الفراغ عن أنّ موضع البول لم يطهر بالمسح، لكن هل ينجِّس أو لا؟

نعم، لا بأس بدلالتها على أنّ المتنجِّس الأوّل لا ينجس، ولكن لو كانت معتبرةً لبنينا عليها.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الثانية: رواية حنان بن سدير

قال: سمعت رجلاً سأل أبا عبد الله، فقال: إنّي ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي. فقال: إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئاً فقل هذا من ذاك”(1)(2).

تقريب الاستدلال بالرواية: أنه حين أمر بأنه يمسح ذكره بريقه، فإنّ ذلك يكشف عن أنَّ الموضع قد طهّر بالمسح، وإلّا لكان مسحه بالريق موجباً لزيادة النجاسة.

وفقه هذه الرواية أنّ هذا الرجل ماذا يشتكي، وماذا كان يشتدّ عليه؟ غير واضح. فيه ثلاث احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أنّ هذا الإنسان قد بال، ثُمَّ استبرأ من البول، غاية الأمر لم يجد ماءً ليغسل فمسحه، وكان يشتدّ عليه المطلب؛ لأنّه كان في معرض أن تخرج منه الحبائل الطاهرة في نفسها، فتلامس موضع البول الذي لم يغسل بالماء بعد، فتنجِّس سرواله وبدنه.

وهذا التفسير يفترض أنّ موضع البول يكون نجساً، وهذا يعني أنّ الراوي لم يكن بانياً على أنّ المسح مطهِّر، وإلّا لم يتضايق الرجل من خروج الحبائل، فهو ملتفت إلى أن المسح لا يطهّر، وإلى أنّ المتنجِّس ينجِّس وإلّا لم يقع في شدّة.

ــــــــــ[98]ــــــــــ

() باب 13 من نواقض الوضوء، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 348، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 14، وسائل الشيعة1: 284، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

والإمام في الجواب علّمه طريقةً يستطيع بها أن يشكك نفسه في أنه خرجت منه الحبائل أو لا. ومن الواضح أنّ هذه الطريقة بعد هذا الفهم يتعيّن أن يكون المقصود بمسح ذكره في غير موضع البول، وإلا لم يندفع المحذور، بل استعجله؛ لأنّه عوض عن الحبائل بماء ريقه ليصح الجواب.

وبناءً على هذا لا يمكن الاستدلال بالرواية على مطهّرية المسح، ولا على أنّ المتنجِّس لا ينجِّس، لأنّ طبيعة السؤال فرض أن نقيّد جواب الإمام ومعه تسقط دلالة الرواية.

الاحتمال الثاني: أنّ هذا الرجل بال ولم يستبرأ ولم يجد الماء، فمسح موضع البول، وكان يشتدّ عليه المطلب، باعتبار خروج البلل المشتبه، لأنّه محكوم قبل الاستبراء بأنه بول، وهذا يلائم مع عدم الاعتقاد بمطهّرية المسح، وأنّ المتنجِّس ينجِّس لأنّ الشدّة نشأت من البلل المشتبه نفسه.

والجواب يعلمه طريقة للتشكيك بخروج البلل المشتبه، هنا لا موجب للتقييد السابق بأن يمسح غير الموضع المتنجِّس، إذ هنا لعلَّ ذكره طهر بالمسح، أو أنّ المتنجِّس لا ينجِّس، وبه تندفع المشكلة وهي النجاسة العينية للبلل المشتبه.

وبناءً عليه: تدل الرواية على أنّ المسح مطهِّر، أو على أنّ المتنجٍّس الأوّل غير منجِّس.

وهذا الاحتمال له مبعِّدان في مقابل الأوّل:

المبعِّد الأوّل: أنه لو كانت الشدّة تنشأ من البلل المشتبه قبل الاستبراء، فلماذا لم يأمره الإمام بالطريقة المتعارفة، وهي الاستبراء، وعدل إلى طريقة ــــــــــ[99]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أخرى، بخلافه في الاحتمال الأوّل، فإنّ الاستبراء هناك لا يفيده.

المبعِّد الثاني: أنّ هذه الشدّة في الاحتمال الثاني لا دخل لعدم الماء فيها، إذ لو غسل الموضع بالماء، لكن من دون استبراء تحصل هذه الشدّة لأنّ البلل المشتبه على أي حال محكوم بالبولية، مع أنّ لظاهر كلام الراوي أنّ لعدم الماء دخلاً في المطلب.

وهذا مبنيٌ على فهم قوله (فلا أقدر على الماء) إذ مرّة يكون طريقاً إلى عدم الغسل، فكأنّه قال: لم أغسل الموضع، ومرّةً يكون عدم الماء في نفسه ملحوظ للسائل، فيمكن تصوير دخله حتى بناء على الاحتمال الثاني، أو مع توفّر الماء يستطيع التطهير بعد خروج البلل المشتبه.

الاحتمال الثالث: أنّ الشدة التي يلحظها الراوي ليست من ناحية عدم الاستبراءّ وإنما هي مبنية على مطلب عاميّ، وهو نجاسة الوذي، وهذا المؤمن في معرض خروج الوذي منه، وليس له ماء، فيقع في شدّة.

وهذا مثل الاحتمال الثاني، إلّا من ناحية عدم ورود المبعِّد الأوّل لأنّ علماء العامّة(1) يرون نجاسة الوذي حتى مع الاستبراء.

فإذا كان المبعِّد الثاني غير موجودٍ يصير هذا الاحتمال أقرب من الثاني.

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) انظر: النوادر والزيارات1: 48، كتاب الطهارة، ذكر ما يوجب الوضوء من الأحداث، مختصر القدّوري: 12، كتاب الطهارة، المعاني الموجبة للغسل، الحاوي الكبير1: 176، كتاب الطهارة، باب الحدث.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وبناءً عليه: لا موجب لتقييد المسح بغير الموضع المتنجس أيضاً، بل يشمله، وإمضاء الإمام لهذه المشكلة وإن كان تقيةً، إلّا أنّ كون الموضع طاهراً ليس تقيةً، فتدلّ على أنّ المسح مطهِّر أو أنّ المتنجِّس لا ينجِّس.

ويقرّب هذا الاحتمال: أنّ الطريقة التي ذكرها الإمام أقرب إلى الهزل منها إلى الجد، لعلاج مشكلة غير حقيقية، فإنّ البلل المشتبه ليس فقط يوجد في الخارج، بل يحسّ خروجه وجداناً في الأغلب، مضافاً إلى قلّة ماء الريق، وقلّة زمان بقائه بالنسبة إلى البلل المشتبه فهو ليس طريقاً عرفياً، ولا سليماً، فالإمام أراد أن يتخلّص من مشكلة وهمية.

هذا الكلام في فقه الرواية.

وأمّا الاستدلال بها فلا بُدَّ أن نلحظ قوله: “يمسح ذَكَرَه بريقه”، هل هي مطلقة تشمل الموضع المتنجس بالإطلاق، وقابلة للتقييد أو هي كالصريح عرفاً بخصوص هذا الموضع؟

أمّا على الأوّل، فلا يتمّ الاستدلال حتى بناءً على الاحتمال الثاني والثالث، إذ غايته أنه مطلق يمكن تقييده بما دلّ على أنّ موضع البول لا يطهر إلّا بالماءّ وأن المتنجِّس ينجِّس.

وأما لو كان صريحاً في الموضع المنجِّس، فهذه الصراحة في نفسها تنفي الاحتمال الأوّل، وتعيِّن أحد الأخيرين، وتتم دلالة الرواية.

ــــــــــ[101]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الثالثة: رواية عبد الله بن بكير

قال: “قلت لأبي عبد الله: الرجل يبول، ولا يكون عنده الماء، فيمسح ذَكَرَه بالحائط، قال: كلّ شيء يابس ذكي(1).

تقريب الاستدلال بها: أنّ المنصرف من السؤال أنه يسأل عن طهارته بالمسح، إذ لا يحتمل أنه من المحرّمات، والإمام في الجواب يحكم بالطهارة باعتبار قوله ذكي.

يمكن المناقشة فيها:

سنداً: بمحمد بن خالد(2) الذي لعلَّه محمد بن خالد الأشعري، ولم تثبت وثاقته.

ودلالةً: لأنّ قوله: “كلّ شيء يابس ذكي” يعطي قاعدة عامّة من دون فرق بين موضع البول وغيره، ولا بين المسح والجفاف، فهو يجعل المناط اليبوسة لا المسح. ومن الواضح أنّ مثل هذا العموم من المرتكز في أذهان المتشرعة، أنّ مجرد الجفاف لا يكون مطهِّراً، وإلّا لماذا هذه الروايات المتواترة لتطهير الثياب والبدن والأواني، فيكون هذا الارتكاز قرينة على صرف معنى (ذكيّ) من طاهر إلى كونه غير منجِّس وغير سارٍ، لأنّه حيث لا رطوبة لا سراية.

ــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام1: 49، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 80، وسائل الشيعة1: 351، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

(2) انظر: رجال النجاشي: 335، باب الميم، الرقم: 898، معجم رجال الحديث 6: 92، باب الميم، الرقم: 10681.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

تحقيق الحال

هذه هي الروايات التي يستدل بها على مطهّرية المسح(1)، وظهر أنها كلّها قابلة للخدشة.

ولو سُلِّم دلالتها على ذلك تقع المعارضة بينها وبين ما دلّ على عدم إجزاء غير الماء في موضع البول، في الروايات التي قرأناها فيما سبق، وقد يتخيّل أنّه بعد التعارض يتمّ مطهّرية المسح، باعتبار الجمع العرفي بحمل الروايات الآمرة بالغسل على الاستحباب.

لكن الحمل على الاستحباب في المقام ليس جمعاً عرفياً، لأنّ الروايات الآمرة باستعمال الماء لسانها يأبى عن الحمل على الاستحباب، فيتعيّن أحد أمرين كلاهما في صالح المشهور: 

أحدهما: أنه بعد التعارض يرجع إلى المرجّحات العلاجية، وهو في المقام موافقة العامة ومخالفتهم، وكلهم -حسب ما أعلم- أفتوا بمطهّرية المسح، فتكون الروايات الدالة على مطهّرية المسح موافقة لمَعقَد إجماع العامة تقريباً أو تحقيقاً، وروايات الماء تكون مخالفةً لهم، فتكون هي المتقدِّمة.

ثانيهما: أن نُوقِع التعارض، ونقول بالتساقط وبعده نرجع إلى المرجع الفوقاني، وهي المطلقات التي دلّت على أنه لا يجزي إلّا الماء في أي نجاسة.

ــــــــــ[103]ــــــــــ

(1) أي الروايات الثلاث المعارضة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الخصوصية الثانية: في لزوم التعدّد وعدمه

لا إشكال أنه مع استعمال الماء الكثير فلا يلزم التعدّد، لأنّ روايات التعدّد خاصّة بالماء القليل “صبّ عليه الماء مرتين” وما ورد بلسان (اغسل) ليس فيها (مرتين)، وروايات المرتين جاءت بلسان (صب)، وهو ينصرف إلى الماء القليل، فالتعدّد في الكثير بلا مقتضٍ تمسّكاً بإطلاقات الغسل.

الغسل بالماء القليل

وإنّما الكلام فيما إذا أراد أن يغسل موضع البول بالماء القليل، لأنّ غير هذا الموضع من المتنجِّس بالبول من الثوب والجسد يحتاج إلى التعدّد.

قال المشهور: بأنّ كل متنجِّس بالبول يحتاج إلى التعدّد، فهل يشمل هذا الدليلُ محلَّ الكلام أو لا؟ وعلى تقديره فهل له مقيد أو لا؟

1- صحيحة الحسين بن أبي العلا، قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الجسد، قال: صبّ عليه الماء مرتين فإنما هو ماء…”(1)(2) الحديث.

2- ورواية أبي إسحاق النحوي عن أبي عبد الله: سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صبّ عليه الماء مرتين”(3).

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() باب 1 من النجاسات، (المقرر).

(2) الكافي5: 67، كتاب الطهارة، الباب 13، الحديث: 7، وسائل الشيعة3: 396، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

(3) تهذيب الأحكام1: 349، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 3، وسائل الشيعة3: 395، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ولا نرى محذوراً في إطلاقها لمحل الكلام، فإنّ إصابة البول للجسد يتحقّق من الخارج ومن الخروج. والجسد يراد به ظاهر الجلد، لا الجسد كمجموع. ودعوى الانصراف إلى الإصابة من الخارج بلا موجب عرفيّ.

الروايات التي يستدلّ بها على كفاية المرّة 
1-رواية يونس بن يعقوب

 منها: رواية يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد الله: الوضوء الذي فرضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال، قال: يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرّتين مرّتين”(1)(2).

وتقريب الاستدلال بها: أنَّ مقتضى إطلاق “يغسل ذكره” هو الاكتفاء بالمرّة.

ويؤيد ذلك قوله: “يتوضّأ مرّتين مرّتين”، مع أنّ الغسلة الثانية مستحبة، فكيف يسكت عن الثانية في التطهير إذا كان واجباً.

قال السيّد(3) الأستاذ: إنّه لو تمّ هذا الإطلاق فيها فهو مقيد بما دلّ على 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

() باب 9 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 47، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 73، وسائل الشيعة1: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

(3) ذكر هذا الجواب في رواية نشيط عن أبي عبد الله وقال إنّه يجاب به عن رواية يونس أيضاً، انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 353-355، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، عدم كفاية الغسل لتطهير موضع البول.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وجوب التعدّد. كصحيحة محمد بن أحمد بن أبي نصر، قال: سألته عن البول يُصيب الجسد، قال: صبّ عليه الماء مرّتين فإنما هو ماء”(1)(2).

إلّا أنّ هذه الرواية الصحيحة غير صحيحة، لأنّ ابن إدريس رواها في آخر السرائر عن محمد بن أحمد بن أبي نصر، وسنده إليه غير معروف، فلا بُدَّ من إبدالها إلى رواية الحسين بن أبي العلاء التي قرأناها.

وبعد ذلك: لا بُدَّ من بحث في هذه النكتة، لأنّ بين العمومين عموماً من وجه، لأن روايات التعدّد مطلقة من حيث إنّ البدن هو موضع البول وغيره، ومقيدة بالتعدّد “صبّ عليه الماء مرّتين” فموضوعها وهو البدن مطلق، ومتعلّقها وهو الصبّ مقيّد بالتعدّد.

وهذه الرواية بالعكس، فإنَّها من حيث الموضوع واردة بخصوص موضع البول، ومن حيث المتعلّق وهو الغسل أعم من تلك الرواية، فإذا لاحظنا جانب الموضوع والمتعلّق فالنسبة بينهما هي العموم من وجه.

فإذا لاحظنا جانب الموضوع تكون رواية يونس بن يعقوب أخصّ، وتكون مقيّدةً لتلك المطلقات “صبّ عليه الماء مرّتين” لا مقيّدة.

ــــــــــ[106]ــــــــــ

() باب 1 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة3: 396، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وإن لاحظنا جانب النسبة بين المتعلّقين فتكون تلك الروايات أخصّ، فإنّ صبّ الماء مرتين أخصّ من طبيعي الغسل، فتقيّد هذه الرواية بتلك الروايات.

وإن لاحظنا الموضوع والمتعلّق معاً كما هو مقتضى القاعدة فتكون النسبة هي العموم من وجه.

وحينئذٍ، فالقول بكفاية المرّة الواحدة هنا، وتقديم رواية يونس(1) على تلك الروايات:

إمّا أن يكون بدعوى الأظهرية، باعتبار النكتة التي أشار إليها المستدلّ في كلامه، وهي أنّ الإمام أشار إلى التعدّد في الوضوء دون الغسل، مع أنّ ذلك مستحب فيُقدَّم هذا الإطلاق بالأقوائية.

أو باعتبار أنّ ذاك الإطلاق أضعف، فإنه وقع تشكيك في أنه يشمل التطهير الاستنجائي أو لا، فيكون -لا أقل- أضعف.

وإذا لم يتمّ كلا التقريبين، فيتعارض الإطلاقان ويتساقطان، وحينئذٍ فإن بنينا على وجود مطلقات تدل على كفاية الغسل مرّةً واحدةً فنرجع إليها، وهي عبارة عن نفس أدلة مطهّرية الماء أو الأوامر بالغسل مع إلغاء الخصوصية.

وإن أنكرنا تلك الإطلاقات، فلا بُدَّ من الرجوع إلى الأصول العملية، فإن بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية استصحبنا النجاسة، فيتعيّن الغسل مرتين، وإلا يرجع إلى قاعدة الطهارة، لأنَّها لا حاكم عليها بعد سقوط الاستصحاب.

لكن لدينا إشكال في جريان قاعدة الطهارة، مع وجود العلم بالنجاسة 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث:5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

سابقاً، فإننا نبني على أنه في نفسه لا يجري في مثل هذا المورد خلافاً للمشهور.

ومعه لا بُدَّ من الرجوع إلى أصول أخسّ، وهو أصالة البراءة عن المانعية إذا كانت النجاسة مانعاً، أو الاشتغال إذا كانت الطهارة شرطاً.

ومن الروايات التي استدل بها على كفاية المرّة الواحدة: 

2- رواية نشيط بن صالح

عن أبي عبد الله قال: سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول، فقال: مِثلا ما على الحشفة من البلل”(1)(2).

بتقريب: أنّ الحد الأدنى من الماء هو مِثلا ما على الحشفة من البول، فإذا فرض أنه كان قطرةً واحدةً كان المثلان قطرتين، فيكون المطهِّر مجموع قطرتين، وهما لا يتحمّلان أن يكونا في مرّتين، إذ لو كانت الأولى قطرةً واحدةً، فسوف تجتمع مع قطرة البول وتكون (ماءً) مضافاً، فلا بُدَّ من افتراض كونها في غسلة واحدة، ليغلب الماء البول.

والمهم في المناقشة هو ضعف السند بالهيثم بن أبي مسروق(3).

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() باب 26 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) الاستبصار1: 49، كتاب الطهارة، الباب 29، الحديث: 1، وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث:5.

(3) انظر: رجال النجاشي: 437، باب الهاء، الرقم: 1175.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأما من حيث الدلالة فقد ناقش السيد(1) الأستاذ بمناقشتين:

المناقشة الأولى: أنها تدل على كفاية المرّة بالإطلاق، لا بالخصوصية لأنَّها تحدّد كمية الماء، وهو تارةً يتصوّر مرةً واحدةً وأخرى مرّتين، ومعه يقيّد بروايات التعدّد، ومقتضاه صبّ هذا الماء مرّتين.

وأما دعوى لزوم كون الماء مضافاً مع التعدّد فقد دفعها السيد الأستاذ: أنّ القطرة إن امتزجت بالقطرة البولية لأصبحت مضافة، ولكنّها لا تجتمع بل سوف تسبب سقوط قطرة البول، وتكون قطرة الماء في موضعها. فلا يخرج الماء عن إطلاقه.

وهذا الكلام فيه مواقع للنظر:

أوّلاً: أننا لو سلّمنا أن هذه القطرة المائية في المرّة الأولى حين تنزل على الموضع تسبّب سقوط القطرة السابقة، وتأخذ الموضع كاملاً، ولم نفترض أنها لسرعة حركتها تكون أقرب إلى السقوط من القطرة الأُخرى.

ومعه لا يمكن الالتزام بتقييد هذه الرواية بروايات التعدّد، إذ لا بُدَّ فيها من مسمّى صبّ الماء. ومع إسقاط قطرة واحدة لا يصدق صبّ الماء.

ثانياً: لو سلّمنا أنّ الصبّ يصدق مع إسقاط قطرة واحدة، مع هذا نقول: أنّ التقييد بلا موجب، لأنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه. هذه الرواية 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 354-355، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، عدم كفاية الغسل مرة لتطهير موضع البول.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

تقول: (يجزيك من الاستنجاء قطرة سواء مرّة أو مرّتين)، وتلك تقول: (لا بُدَّ من المرتين في الاستنجاء وغيره).

المناقشة الثانية للسيد(1) الأستاذ: أنّ هذه الرواية لا يمكن العمل بظاهرها أصلاً، لأنّ ما على الحشفة ليس قطرةً بل هو لا يساوي إلّا عشر القطرة غالباً، فيكون ضعفه مقداراً صغيراً أقل من نصف قطرة، فلا يكون كافياً جزماً، لأنّه لا يصدق عليه الغسل، وهو مأخوذ في الروايات الصحيحة الصريحة، ومعه لا بُدَّ من طرح ظاهرها، ولا يمكن العمل بها.

هذا الكلام أيضاً محل إشكال؛ لأنّه لا يحتمل أنه يريد أن يلقي خمس القطرة على موضع البول، لأنّه يسأل عن الاستنجاء، ووضع خمس القطرة لا يصدق عليه الاستنجاء عرفاً، ومن قال إنّ المتعارف هو بقاء عُشر القطرة على الموضع، بل بقاء قطرات بسرعة البول تتضاءل، فتتجمع القطرات على الموضع.

تنبيهان:

التنبيه الأوّل: أنّ ما دلّ على عدم إجزاء غير الماء في الاستنجاء من البول، كانت توجد فيه روايتان: أحداها: لزرارة(2)، والأخرى لبريد بن معاوية(3)، والأخيرة صحّحناها بالرغم من ورود القاسم بن محمد فيها، فإنه مردد بين 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 355، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، عدم كفاية الغسل مرة لتطهير موضع البول.

(2) انظر: وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث:1.

(3) انظر: وسائل الشيعة1: 317، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث:6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المعروف بكاسولا(1)، وبين الجوهري(2)، والأول شُهد أنه غير مرضي، وهو ظاهر بالتضعيف، والثاني: لم يشهد بتوثيقه.

إلَّا أنّنا قُلنا باعتبارها، لأنّ القاسم بن محمد الذي يروي الحسين بن سعيد عنه هو الثاني لا الأوّل، وأنّ اثنين من المشايخ الثلاثة يرويان عن القاسم بن محمد على الإطلاق، فهي شهادة بالإجمال بوثاقة أحد هذين الشخصين، وحيث شهد الأوّل بعدم وثاقته يدلّ بالالتزام على الثقة هو الثاني، فيصحّ سند هذه الرواية.

التنبيه الثاني: أنّ هناك روايةً للحسين بن أبي العلاء، عددناها معتبرةً مع أنّه لم يشهد بتوثيقه، لأنّه ممن يروي عنه اثنان من الثلاثة أحدهما ابن أبي عمير.

الإنصاف أنّ رواية (نشيط) واضحة الدلالة على المدّعى، وهو الاكتفاء بالمرة الواحدة، ولا يصحّ تقييدها بروايات “صبّ عليه الماء مرتين”(3) كما لا يمكن إيقاعها بالمعارضة معها، لأنّ هذا الماء مهما كثرناه لا يتحمّل صبّتين، فهي كالصريح فيها، إلّا أنها لا تخلو من إشكال سندي.

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) انظر: رجال النجاشي: 315، باب القاف، الرقم: 863، معجم رجال الحديث14: 43، باب القاف، الرقم: 9532.

(2) انظر: رجال النجاشي: 315، باب القاف، الرقم: 862، معجم رجال الحديث14: 48، باب القاف، الرقم: 9542.

(3) وسائل الشيعة3: 395، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث:3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وذلك بلحاظين:

اللحاظ الأوّل: الهيثم بن أبي مسروق النهدي(1)، فإنه لم تثبت وثاقته، إلّا بدخوله بأسانيد كامل الزيارات، ولكننا لا نقبل الكبرى، نعم هناك تصريح حمدويه(2) عنه وعن أبيه: “سمعت أصحابنا يذكرونهما كلاهما فاضل” وهو لا يدل على الوثاقة، ونسبته معه هي العموم من وجه.

اللحاظ الثاني: أنّ الرواية يرويها الشيخ عن الشيخ المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه، وهذا الـ(أحمد) لم يثبت وثاقته. وهذه مشكلة متكرّرة في الجزء الأوّل من التهذيب(3)، وقد عالجناها فيما سبق، ووضعنا قاعدة لتصحيح السند وهي: 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

() انظر: رجال النجاشي: 437، باب الهاء، الرقم: 1175. وفي اختيار معرفة الرجال للكشي 2: 670. 

(2) انظر: الخلاصة للحلي: 180، الباب الثالث هيثم، الفصل السادس والعشرون في الهاء.

(3) أحصي ثلاثة عشر ومائة موضعاً في الجزء الأول من التهذيب ورد بعبارة: “أخبرني الشيخ أيده الله عن أحمد بن محمد عن أبيه”، فانظر على سبيل المثال: 1: 6، 11، 15، 21، 15 في موضعين في نفس الصفحة، 21، 23، 27، 31، 33، 86، 100، 101، 114، 147، 252، 262، 267، 276، 325، 329. مجموع الرواة الذين روى عنهم أحمد بن محمد عن أبيه سبعة رواة هم: سعد بن عبد الله: أربعون وأربع روايات، وأحمد بن إدريس: عشرة وتسع روايات، ومحمد بن يحيى: عشرة وثمان روايات، والحسين بن الحسن بن أبان: خمسون وأربع روايات، ومحمد بن الحسن الصفار: عشرة وخمس روايات، وعبد الله بن المغيرة: رواية واحدة، والحسين بن عبيد الله: أربع روايات. والأعداد تقبل الزيادة والنقصان.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أننا نلحظ شخصاً واقعاً في الطريق فوق أحمد بن محمد، ونرى في ترجمته في فهرست الشيخ الطوسي إذا وجد، فإذا قال: أخبرنا بجميع كتبه ورواياته، وذكر طريقين، وكان أحدهما الطريق المصرّح به في الرواية، والطريق الآخر صحيح واضح الصحة، ففي مثل ذلك تصحّ الرواية، لأنّ ظاهر عبارة الشيخ أنّ ما وصل بالطريق الأوّل وصل بالطريق الثاني بما فيه هذه الرواية. وحيث إنّ الطريق الثاني صحيح فتصحّ هذه الرواية.

وهذه القاعدة في المقام لا تنطبق، لأنّ ما فوق أحمد بن محمد الذي للشيخ طريق إليه هو محمد بن يحيى، وسعد بن عبد الله، وكلاهما لم يتفق فيه ذلك، فيبقى الإشكال على حاله.

3- رواية نشيط الثانية

رواية أخرى لنشيط عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله، قال: “يجزي من البول أن يغسله بمثله(1)(2).

هذه ساقطة سنداً؛ لأنَّها مرسلة.

وأما تقريب الاستدلال بها على المدّعى فواضح، إذ كيف يتصوّر فيه التعدّد، فلا بُدَّ من الاكتفاء بالمرّة.

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() باب 26 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 35، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 33، وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إشكالات ترد على الرواية

وقد استشكل السيد(1) الأستاذ عليها بإشكالين:

الإشكال الأوّل: الإجمال في ضمير (مثله) حيث لم يتعيّن مرجعه هل المراد مثل ما على الحشفة، أو مثل البول الذي صدر منه خارجاً؟ والاستدلال موقوف على فهم الأوّل، مع أنّ هذا ليس واضحاً من هذه الرواية.

هذا الاستشكال لا نفهمه، لأنَّها واضحة بأنها تريد ما على الحشفة، بقرينة متصلة وقرينة منفصلة.

أما القرينة المتصلة: فهي أنّ الغسل أضيف إلى نفس البول وغسله أزالته، فقد فرض وجود بول يراد إزالته، وهذا لا يكون إلّا عبارةً عن البول الذي على الحشفة. 

والقرينة المنفصلة الارتكازية: وهو أنه ما معنى أن يحدد الماء بمقدار ما خرج منه من البول، فإنه على خلاف الارتكاز العرفي، فكونه بال كثيراً أو قليلاً لا دخل له في التطهير، فإنّ العرف لا يرى أنّ النجاسة تشتد من كثرة البول وقلّته.

الإشكال الثاني: أنّ المراد من المثل هذا الماء، يعني يجزي الماء، ولا يحتاج إلى الدلك والفرك، وإنما عبّر عن الماء بالمثل إشارةً إلى هذه المؤونة، ومعه تكون أجنبيةً عن محل الكلام.

ــــــــــ[114]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 356، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، عدم كفاية الغسل مرة لتطهير موضع البول.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلّا أنّ هذا الاستظهار لا يتم.

وتوضيحه: أنّ قوله: “يجزي من البول أن يغسله بمثله” هل يراد به في مقابل غير الغسل، أو يراد به غير الخصوصية مع حفظ الغسل؟ فلو قلنا: يجزي الإنسان أن يصلّي في الحمام، هل في مقابل أن يصلّي في غير الحمام، أو لنفي مؤونة زائدة تضاف إلى الصلاة كقراءة الدعاء مثلاً؟ لا إشكال أنّ الذي يفهم عرفاً من إجزاء المقيّد هو الأوّل.

وفي المقام عندنا غسل، وكون الغسل بالمثل، فيكون مقابله: أن يغسله بغير مثله، لا أن يضيف إلى الغسل شيئاً آخر، فيكون المعنى يجزيه الغسل بمثله، ولا يجب أن يضيف إليه شيئاً آخر، أو ماءً آخر.

الإشكال الثالث(1): قد يقال: إنّها عبارة مطلقة غير مختصّة بالاستنجاء، كما كان عليه الحال في الرواية السابقة، ومقتضاه الاكتفاء بالمرّة مطلقاً، وهو لا يمكن الالتزام به؛ لأنّه منافٍ لروايات التعدد.

وحاصل دفعه: أنّ هذه الرواية إن لم ندَّعِ انصرافها في نفسها إلى خصوص موضع الاستنجاء، بقرينة أنه يفرض وجود البول، مع أنّ غير موضع الاستنجاء لا يساوق وجوده، وموضع الاستنجاء يساوق ذلك، ولو لم ندّعِ انصراف روايات “صبّ عليه الماء مرتين” إلى غير الاستنجاء، فتصبح أخصّ مطلقاً منها بتقيّدها.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() الإشكالين الثالث والرابع للمصنف، وقد عنونه في المخطوطة بـ(لاعتراض الثالث والاعتراض الرابع). 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فغايته أنهما مطلقان متعارضان بنحو التباين، ولا إشكال أنّ تقييد ذلك المطلق بخصوص الاستنجاء غير معقول، بينما هذه الرواية تقييدها به أمر معقول، ومعه يعامل بينهما معاملة المطلق والمقيّد.

فهذا الإشكال غير وارد، إلّا أنها ساقطة سنداً فلا يمكن التعويل عليها.

الإشكال الرابع: أنّ هذه الرواية لا يمكن العمل بظاهرها لأنّه متهافت، لأنَّها أخذت قيدين:

أحدهما: الغسل، والآخر: أن يكون الغسل بمثله، وقد استظهرنا أنّ المراد به مثل ما على الحشفة، ومن الواضح أنّ مثل هذه الكمية لا يصدق على استعماله عنوان الغسل، لتقوم الغسل باستيلاء الماء على المغسول، فلا بُدَّ من التصرف وبذل العناية في هذه الرواية، فإما أن يحمل المثل على المثل المسامحي، أو يحمل الغسل على المجاز، ومع عدم تعيّن العناية بأحدهما يسقط الاستدلال بها.

وهذا أوجه الاعتراضات مضافاً إلى ضعف السند.

4-صحيحة زرارة 

عن أبي جعفر، قال: “لا صلاة إلّا بطهور، ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الله وأما البول فإنه لا بُدَّ من غسله”(1). 

بالتمسّك بإطلاق كلمة (الغسل)، فإنّ مقتضاه كفاية طبيعي الغسل، وهو يصدق على الغسلة الواحدة. ثم يقع البحث في نسبة هذا الإطلاق مع “صبّ عليه 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الماء مرتين(1) على التشقيقات السابقة التي أحسنها أنها هي العموم من وجه.

إلّا أنّ الصحيح أنّ هذه الرواية لا يمكن التمسّك بها، لأنّه لو كان قد قال، (وأمّا البول فإنّه يطهر بالغسل)، لأمكن أن يُدّعى التمسّك بإطلاقها، وفي مقابله يمكن أن يدّعى وجود قرينة عن صرف نظر المتكلم، عن خصوصيات الغسل واقتصاره على أصل بيان الغسل، والقرينة هي التقابل بين الأحجار والغسل.

إلّا أنّ عدم تمامية الاستدلال بها أوضح من ذلك، فإنَّها تقول “لا بُدَّ من غسله” وهو لا يدل بمدلوله المطابقي على أنّ التطهير يتوقّف على الغسل، وهي قضية صادقة سواء وجبت المرّة أو المرتان، ولا يتصوّر فيها الإطلاق والتقييد من هذه الناحية.

5- رواية المغيرة 

عن أبي الحسن، قال: قلت له: للاستنجاء حدٌّ؟ قال: لا، يُنقّى ما ثَمّة”(2)(3).

ــــــــــ[117]ــــــــــ

() وسائل الشيعة3: 395، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

(2) باب 13 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(3) الكافي5: 58، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 9، وسائل الشيعة1: 322، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1. وفي رواية التهذيب 1: 29 زيادة (حتى): “قلت للاستنجاء حدّ؟ قال: لا، حتى يَنْقى ما ثمّة”. والكلمة تُقرأ: يَنْقى بالتخفيف فعل للمعلوم، ويُنقّى بالتضعيف للمجهول.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مقتضى إطلاقه للاستنجاء البولي يقتضي كفاية المرّة الواحدة لأنّه ينفي أي حدّ، والتعدّد حدّ من الحدود فينفى بذلك.

والنسبة بين هذه الرواية وروايات “صبّ عليه الماء مرتين” العموم من وجه بلا إشكال، وإن قلنا بالأخصّية هناك.

إلّا أنّ هذا التقريب غير صحيح: 

أولاً: أن ظاهرها عدم اعتبار الغسل أصلاً، بل كأنّ المطهّر زوال العين، وهو لا يناسب إلّا مع الاستنجاء مع الغائط دون البول.

ثانياً: أنها لا يعلم إطلاقها للاستنجاء عن البول، فإنّ الاستنجاء لغةً غسل موضع النجو، وهو موضع الريح والغائط، إلّا بنحو المسامحة والتوسع، وهو لا يؤخذ به.

6- جميل بن دراج 

عن أبي عبد الله قال: “إذا انقطعت دِرّة البول فصبّ الماء”(1)(2).

ومقتضى إطلاقها كفاية الصبّة الواحدة.

وهذا الاستدلال غير تام، لأنَّها لم تقل إنّ صبّ الماء مطهّر، وإنما أمرت بالصبّ، وإنما هذا الأمر أمر إرشادي، لكن المُرشَد إليه هنا يناسب أحد معنيين لا قرينة على تعيّن أحدهما: 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

() باب 31 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) الكافي5: 58، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 8، وسائل الشيعة1: 349، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المعنى الأوّل: أنّ صب الماء مطهِّر وهو المعنى الذي نحمل عليه (اغسل ثوبك). 

المعنى الثاني: أنه لا يشترط في الاستنجاء الانتظار بعد خروج دِرّة البول. وهو معنىً جاءت به روايات أخرى، وإن لم ندّعِ ظهوره في الثاني بقرينة، انقطاع درة البول. فلا أقل من الإجمال.

تحقيق الحال في الروايات

هذه تمام الروايات التي يمكن الاستدلال بها لكفاية المرّة في البول، وكان أحسنها حالاً هي موثقة يونس بن يعقوب لولا إشكال واحد فيها، فالمُحكَّم هو روايات “صبّ عليه الماء مرّتين”(1) وهو الأحوط والأقوى.

لكن يمكن المناقشة في دلالة رواية يونس بن يعقوب؛ لأنّ قوله: “يغسل ذكره” أمر إرشادي، ولكن الأمر المُرشَد إليه ما هو؟ هل هو مطهّرية الغسل، أو هو دخالة الغسل في الوضوء؟ إمّا دخلاً لزومياً أو استحبابياً، ومعه لا يكون الإمام في مقام بيان مطهّرية الغسل، ليتمسّك بإطلاقها.

ويشهد له قوله في السؤال: “الوضوء الذي افترضه الله على العباد”(2) حيث يكون الإمام بصدد بيان شرائط الوضوء وسننه، فلا يكون في مقام بيان الأوّل بل الثاني، ويشهد له أنه قال: “ويذهب الغائط” ولم يقيّده بثلاثة أحجار، إذن فالإمام ليس في مقام بيان شروط الاستنجاء، لا في البول ولا في الغائط.

ــــــــــ[119]ــــــــــ

(1) تقدمت قريباً.

(2) وسائل الشيعة1: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



أفضلية غسل موضع البول ثلاث مرات

 

والأفضل ثلاث بما يسمّى غسلاً (1)

لرواية زرارة قال: “كان يستنجي من البول ثلاث مرات…”(2)(3). الحديث.

فتدلّ على استحباب التثليث، من دون فرق بين أن يكون فاعل (قال) هو زرارة أو الإمام:

إذ على الأوّل: حيث إنّ اسم (كان) غير مذكور في الرواية ينصرف إلى المعصوم، لما ذكرناه في القاعدة في الرواية المضمرة، حيث يوجب الإضمار الانصراف إلى المعصوم، والمعصوم حين تكون عادته ذلك يدل على الاستحباب والرجحان.

وعلى الثاني: من الواضح أنّ الإمام ينقل عن معصوم قبله.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 172، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، أفضلية غسل موضع البول ثلاث مرات.

(2) باب 26 أحكام الخلوة، (المقرر).

(3) تهذيب الأحكام1: 209، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث: 9، وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لا فرق بين الذكر والأنثى

قوله: ولا فرق بين الذكر والأنثى والخنثى(1).

إذا بنينا على وجوب التعدد فلا فرق بينها، أما بالنسبة إلى الرجل فواضح، وأما بالنسبة إلى المرأة فإنّ الخطاب وإن كان إلى الرجل، إلّا أنه شامل للمرأة بالإطلاق، بضم ارتكازية قاعدة الاشتراك (كل حكم قابل للاشتراك بين الرجل والمرأة فهو مشترك بينهما).

وأمّا إذا بنينا على عدم وجوب التعدّد، باعتبار روايات المرّة التي استعرضناها فيختلف الحال باختلافها، فإن كان المدرَك مثل صحيحة زرارة “وأما البول فإنه لا بُدَّ من غسله”(2) فهي تشمل الرجل والمرأة وكذلك حسنة “لا، ينقي ما ثمّة”(3). وكذلك مرسلة نشيط “يجزي من البول أن يغسله بمثله”(4) فيتمسّك بإطلاقها، ولو بضم قاعدة الاشتراك.

نعم، قد يستشكل في نحو رواية يونس بن يعقوب(5) “يغسل ذكره” فإنه لا يمكن تعميمها لا لفظاً كما هو واضح، ولا بضم قاعدة الاشتراك، لوجود 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 172، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، عدم الفرق بين الذكر والأنثى والخنثى. 

(2) وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(3) وسائل الشيعة1: 322، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(4) وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 7.

(5) وسائل الشيعة1: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

متعلّق غير قابل الانطباق على المرأة.

وإذا كان المدرك رواية نشيط الأولى “مثلا ما على الحشفة من البلل”(1) فإنه قد يحمل على أنه مجرّد معرِّف ولو لم تكن حشفةً، وقد يحمل على وضع خارجي محفوظ عند الاستنجاء، فعلى الأوّل يمكن التمسّك بالإطلاق دون الثاني.

لا فرق بين المخرج الطبيعي وغيره

قوله: كما لا فرق بين المخرج الطبيعي وغيره معتاداً أو غير معتاد(2).

هنا أيضاً بناءً على وجوب التعدّد لا فرق بين هذه الصور.

وأمّا إذا بنينا على كفاية الغسل مرّةً واحدةً، فالقدر المتيقن من أدلة هذه الكفاية هو المخرج الطبيعي، فيقع الكلام أنه هل يشمل المخرج غير الطبيعي سواء كان معتاداً أو لا؟

ألسنة الروايات تختلف من هذه الناحية فبعضها يشكل التعدّي إلى المخرج غير الطبيعي، معتاداً أو غير معتاد، كقوله: (يغسل ذكره أو مثل ما على الحشفة)(3).

وبعض ألسنة الروايات يمكن التمسك بالإطلاق فيها لغير الطبيعي سواء 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

(2) العروة الوثقى1: 172، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، عدم الفرق بين الذكر والأنثى والخنثى.

(3) مضمون رواية نشيط الأخرى، انظر: وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

كان معتاداً أو لا؟ كقوله: “وأما البول فلا بُدَّ من غسله(1) ومجرد الانصراف الناشئ من غلبة الوجود خارجاً لا يقيّد اللفظ حقيقة.

وإذا لوحظت بعض الروايات فيمكن أن يفصّل في غير الطبيعي بين المعتاد وغيره، مثل قوله: يسأل عن حد الاستنجاء قال: أن ينقى ما ثمّة” لو تمّت دلالةً، فإذا عمّمنا (النجو) للبول أيضاً، فلا إشكال أنّ هذا العنوان لا ينطبق على الموضع الذي خرج منه البول اتفاقاً.

وأمّا إذا كان الموضع معتاداً فهنا وجهان: فإنّ (النجو) إن أُريد به المعرفيّة للجزء المعيّن من الإنسان فلا يشمله، وإن أُريد به ما خرج من البول مطلقاً، فيشمله كما لا يبعد، فإنّ استنجاء كل شخص بحسبه.

وأمّا بعد البناء على عدم كفاية المرة يلتزم بوجوب التعدّد مطلقاً.

هنا رواية ينبغي الإشارة إليها وهي رواية هارون بن حمزة عن أبي عبد الله قال: “يجزيك من الغسل والاستنجاء ما بلت يمينك”(2)(3).

ويمكن الاستدلال بها:

تارةً: في مقابل رواية نشيط التي تقول: “يجزي من البول أن تغسله

ــــــــــ[123]ــــــــــ

() وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(2) باب 13 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(3) وسائل الشيعة1: 322، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1، الكافي5: 72، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 6، وفي الطبعة الإسلامية بلفظ (مُلئت)، وسائل الشيعة1: 323، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2، وفي بعض نسخ الوسائل (ملأت).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 بمثله(1) أو “مثلا ما على الحشفة من بلل(2)، فإن مثل ما على الحشفة لا يبل اليمين فضلاً عن ان يملأها، وظاهر هذه الرواية أنها في مقام بيان أقلّ مراحل الإجزاء.

وأخرى: يستدل بها في نفسها على كفاية المرّة، فإنّ إطلاقها يقتضي ذلك.

أما الزاوية الأولى: من الاستدلال، فإنّ هذه الرواية لم يتبيّن أنها واردة في البول، غايته أن نقول إنّ الاستنجاء يعمّ البول، فهي -على أفضل تقدير- ناظرة إلى كِلا النجاستين، إن لم ندّع اختصاصها بموضع الغائط، وغير خاصّة بالبول لتتعارض روايات نشيط.

وأما الزاوية الثانية:

أولاً: لم يظهر في هذه الرواية إطلاق للبول؛ لأن الاستنجاء خاص بالغائط.

وثانياً: أنها لو تمّت إطلاقاً تُعارِض “صبّ عليه الماء مرّتين”(3) مضافاً إلى ضعف سندها بيزيد بن إسحاق(4)، فإنّه لم يثبت توثيقه.

ــــــــــ[124]ــــــــــ

(1) رواية نشيط الثانية، انظر: وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 7.

(2) رواية نشيط الأولى، انظر: وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

(3) انظر: وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 4.

(4) انظر: رجال النجاشي: 453، باب الياء، الرقم: 1225، رجال الطوسي: 324، باب الياء، الرقم: 4847-64.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

التخيير بين الغسل بالماء والمسح بالأحجار أو الخرق

 

قوله: وفي مخرج الغائط مخيّر بين الماء والمسح بالأحجار، أو الخرق [إن لم يتعدَّ عن المخرج على وجه لا يصدق عليه الاستنجاء وإلّا تعيّن الماء وإذا تعدى على وجه الانفصال – كما إذا وقع نقطة من الغائط على فخذه من غير اتصال بالمخرج يتخيّر في المخرج بين الأمرين ويتعيّن الماء فيما وقع على الفخذ] (1).

أما الماء فلا إشكال في إجزائه تمسّكاً بالمطلقات وبالروايات الخاصة: 

1- كرواية إبراهيم بن أبي محمود، قال: سمعت الرضا يقول في الاستنجاء: يغسل ما ظهر منه على الشرج، ولا يُدخل فيه الأنملة”(2)(3).

2- ورواية عمار، عن أبي عبد الله في حديث: “إنما عليه أن يغسل ما ظهر منها -يعني المقعدة-، وليس عليه أن يغسل باطنها”(4).

ــــــــــ[125]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 172، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، التخيير في غسل مخرج الغائط….

(2) الباب 29 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(3) تهذيب الأحكام1: 31، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 67، وسائل الشيعة1: 347، الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(4) تهذيب الأحكام1: 45، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 66، وسائل الشيعة1: 347، الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأما المسح بالأحجار 

الدليل الأول: الإجماع

وأمّا المسح فالاجتزاء به محلّ اتفاق بين علماء(1) المسلمين جميعاً، وقد استفاض نقل الإجماع عند الإمامية(2)، والعامة(3) (ومن الصحابة)، وهذا الإجماع يورث القطع بالحكم، وإنما نرجع إلى الروايات لأجل تعيين محلّ الخلاف.

الدليل الثاني: الروايات

ومن أحسن الروايات:

1- صحيحة زرارة: “لا صلاة إلّا بطهور، ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الله، وأما البول فإنه لا بُدَّ من غسله”(4).

ــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) انظر: المدونة1: 117-118، كتاب الوضوء، باب الاستنجاء من الريح والغائط، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب1: 94، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء سنة، التفريع في فقه الامام مالك1: 46، كتاب الطهارة، 17 باب الاستنجاء والاستجمار والاستبراء.

(2) انظر: النهاية: 10، كتاب الطهارة، باب آداب الحدث وكيفية الطهارة، الخلاف1: 103، كتاب الطهارة، مسائل، مسألة49، الجواهر2: 35، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثاني، الثاني من أحكام الخلوة.

(3) لنقل الإجماع عند العامة انظر: مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات للقرطبي: 20. وموسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي: 1: 163. وشرح زاد المستنقع: 1: 122.

(4) والاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الجزء: ١، الصفحة: ٥٥، وتهذيب الأحكام، الجزء: ١، الصفحة: ٥٠، ووسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

2- بريد بن معاوية -التي تمّ لنا اعتبارها-، عن أبي جعفر أنه قال: “يجزي من الغائط المسح بالأحجار ولا يجزي من البول إلّا الماء”(1)، فإنَّها واضحة الدلالة على المدّعى، ولفظها يشمل غير الاستنجاء، إلّا أنّ هذا القيد لا بُدَّ من إضافته، إمّا من الخارج للعلم أن الغائط غير الاستنجائي لا يجري فيه غير الماء، وإمّا قيد ارتكازي من أنَّ الغائط من غير موضع الاستنجاء حاله حال النجاسات الأخرى.

3- معتبرة زرارة، عن أبي جعفر قال: سألته عن التمسح بالأحجار، فقال: كان الحسين بن علي يمسح بثلاثة أحجار”(2)(3).

وهي دالّة على أصل الحكم.

الروايات المعارِضة

وهناك روايات قد تجعل معارضة لهذه الروايات بحيث تدلّ على أنّ المسح غير مطهر.

ــــــــــ[127]ــــــــــ

() وسائل الشيعة1: 317، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 6.

(2) باب 3 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(3) تهذيب الأحكام1: 209، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث: 7، وسائل الشيعة1: 348، الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

1- رواية عمار

 عن أبي عبد الله: في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلّى إلّا أنه قد تمسّح بثلاثة أحجار؟ قال: إن كان في وقت تلك الصلاة فليعد الصلاة، وليعد الوضوء، وإن كان قد مضى وقت تلك الصلاة التي صلّى فقد جازت صلاته، وليتوضأ لما يستقبل من الصلاة”(1)(2).

قد يتخيّل أنها تكون معارضةً لما سبق، لأنّه أمر بالإعادة، مع أنه قد تمسّح بثلاثة أحجار.

فإنّ الاستنجاء لو كان يحصل بثلاثة أحجار، مع ذلك أمر بإعادة الصلاة، وهو يكشف عن البطلان. وحيث إنّ النجاسة المنسية كالنجاسة المعلومة يجب الإعادة معها، فتدلّ على عدم مطهّرية المسح.

إلّا أنّه لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية؛ لأنَّها لو اقتصرت على إعادة الصلاة فقط، لكان له وجه، إلّا أنها أمرت بإعادة الوضوء أيضاً. وهذا إشارة إلى شرطية الاستنجاء في صحّة الوضوء، وقد دلّت الروايات الصحيحة على خلافه.

فبعد حمل الأمر بإعادة الوضوء على الاستحباب، لا يمكن التعويل على ظهوره بالأمر بالوجوب.

ــــــــــ[128]ــــــــــ

() باب 10 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) الاستبصار1: 52، كتاب الطهارة الباب 31، الحديث: 4، وسائل الشيعة1: 317، الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وإن شئتم قلتم: إنّ هذه الرواية معارضة مع طائفتين: الطائفة الدالة على مطهّرية المسح، لأنَّها تدلّ على عدم وجوب الإعادة، والدالة على عدم وجوب إعادة الوضوء مع استفاضتها وعمل الأصحاب بها، فلا بُدَّ من حمل الأمر هنا على التنزّه(1).

2- ورواية سماعة

 قال أبو عبد الله: “إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة، فلم تهرق الماء، ثم توضّأت ونسيت أن تستنجي، فذكرت بعدما صلّيت، فعليك الإعادة، فإن كنت أهرقت الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صلّيت، فعليك إعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك، لأنّ البول مثل البراز”(2).

بمعنى: إذا صار دخولك الى الغائط وابتليت بالغائط، ونسيت أن تستنجي إلى أن صلّيت، فعليك الإعادة، وتقريب الاستدلال هو التقريب السابق.

هذه الرواية لا يمكن جعلها معارضةً، لأنَّها مطلقة لم تنصّ على أنه مسح بثلاثة أحجار، كما صرّح به في الرواية السابقة، وقوله: “ونسيت أن تستنجي” إن كان يشمل عدم الأحجار، إذن فقد صرّح بعدمها، وإن كان خاصّاً بالماء كانت مطلقةً، فتقيّد بالروايات الدالة على مطهّرية المسح.

ــــــــــ[129]ــــــــــ

() نفس الباب، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 50، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 85، وسائل الشيعة1: 319، الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

3- رواية دعائم الإسلام(1)(2)

قال: وسُئِلَ رسول الله عن امرأة أتت الخلاء فاستنجت بغير الماء، قال: لا يجزيها إلا أن تجد الماء”.

وتقريب الاستدلال واضح: وظاهر الاستنجاء هو غسل موضع النجو، لا موضع البول.

وحمل قوله: “بغير الماء” على المائعات المضافة ولو تقييداً بعيد غايته:

أولاً: لوضوح أنها لا تكفي للمطهّريّة، حتى مع عدم وجدان الماء.

وثانياً: أنه خلاف الطريقة المعهودة عرفاً.

وهي لو تمّت دلّت على أنّ مطهّرية المسح مطهّرية طولية بعد تعذّر الماء.

إلّا أنّ الرواية لا يمكن التعويل عليها، لأنَّها مرسلة، مضافاً إلى أنّ شُهرة هذه الفتوى توجب الاطمئنان بالحكم، فالحكم في نفسه ثابت.

حدود المطهّرية

يبقى الكلام في حدود هذه المطهريّة، فإنّه:

تارةً: يفرض أنّ الغائط لا يتجاوز موضع خروجه. 

وأخرى: يفرض تجاوزه بمقدار اعتيادي.

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() مستدرك الوسائل، (المقرر).

(2) دعائم الإسلام1: 106، ذكر صفة الوضوء، مستدرك الوسائل1: 277، الباب 25 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 592.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأخرى: يفرض تجاوزه مع أنه لا يخرج عن كونه تابعاً عرفاً، بحيث يصدق على العملية أنها استنجاء.

ورابعاً: أنه لا يصدق عليه استنجاء.

ولا إشكال أنَّ المدلول للفتوى والنصوص هو الأوّل والثاني:

أمّا الأوّل فواضح. وأما الثاني فلأنّ الالتزام بالعدم فيه إلغاء للدليل وحمله على قضية حيثية لا أثر لها في مقام العمل، وإنما يقع الإشكال في الثالث والرابع.

أمّا المرتبة الثالثة فالظاهر شمول المطلقات له، حتى ما أخذ فيها عنوان الاستنجاء، فضلاً عما لم يؤخذ، ودعوى قيام إجماع مقيِّد لإطلاق الدليل، وإن كان أمراً معقولاً، إلّا أنّ هذا الإجماع غير محرز، فلا حجّة على نقله.

ويؤيّد ذلك رواية دعائم الإسلام، إذا لم يتجاوز محلّ العادة، فإنه ناظر إلى المرحلة الثالثة وما قبلها.

نعم، هناك رواية ينقلها في المستدرك عن فخر المحققين روي عن علي أنَّه قال: “كنتم تبعرون بعراً، وأنتم اليوم تثلطون ثلطاً، فاتبعوا الماء الأحجار”(1)(2).

بأن يقال: إنّ مطهرية المسح في الغائط الذي يكون كالبعرة صلباً متماسكاً، وأما إذا كانت مائعة فلا يكفي فيه المسح بالأحجار، ففي المرحلة الثالثة لا 

ــــــــــ[131]ــــــــــ

() جامع أحاديث الشيعة: ص76، ج1، (المقرر).

(2) عوالي اللئالي2: 181، باب الطهارة، الحديث: 74، مستدرك الوسائل1: 278، الباب 25 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 597.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

يكفي فيها المسح، وتكون مقيِّدة لإطلاق الروايات.

وهي ضعيفة سنداً مضافاً إلى غرابتها متناً، لأنَّها تشير إلى عصر أمير المؤمنين، والروايات المتأخّرة لم تشر إلى هذه النكتة مع أنها تتعمّق كلما توسّع الناس في مآكلهم ومشاربهم.

وأمّا المرتبة الرابعة فالظاهر أنها غير مشمولة لإطلاق الدليل، فإننا إن عملنا برواية دعائم الإسلام كانت دليلاً على العدم، وإن لم نعمل فلا إطلاق للروايات، لأنّ العناوين المأخوذة في الروايات لا تشمله، أما عنوان الاستنجاء فواضح، وأما عنوان الغائط، فلا يمكن أخذه على إطلاقه، لأنّه مقيّد بقرينة لُبّيّة متصلة، يعني: غائط الاستنجاء.

يقع الكلام في الصورة الرابعة، في: هل المسح لا يكفي مطلقاً أم أنه لا يكفي في الزائد فقط، دون الداخل في الصورة السابقة؟

الظاهر أنّ المطلقات في نفسها لا بأس بشمولها لإثبات مطهّريّة المسح للمقدار المندرج في الصورة السابقة، فإنَّ المدرك لعدم المطهّرية في الصورة الرابعة هو قصور المطلقات عن الشمول لها، فهذا القصور لا ينافي بمقدار الصور الأخرى، وإن كان المدرك هو الرواية المقيِّدة في المستدرك عن أبي جعفر أنه قال: “يجزي من الغائط المسح بالأحجار، إذا لم يتجاوز محلّ العادة”(1).

يدل بمفهومه أنه إذا تجاوز محل العادة فلا يجزي المسح بالأحجار، ــــــــــ[132]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي2: 181، باب الطهارة، الحديث: 46، مستدرك الوسائل1: 279، الباب 25 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 598.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فيتمسّك بإطلاقه للمقدار الأخصّ والأعم.

وعلى المدرك الأوّل، لا يفرق بين ما إذا كان التجاوز متّصلاً أو منفصلاً، خلافاً للسيد الماتن؛ إذ فصل بينهما بقوله: “وإذا تعدّى على وجه الانفصال، كما إذا وقع نقطة من الغائط على فخذه، من غير اتصال بالمخرج يتخيّر في المخرج بين الأمرين، ويتعيّن الماء فيما وقع على الفخذ”(1).

أفضلية الغسل على المسح بالأحجار

قوله: والغسل أفضل من المسح بالأحجار(2).

وقد وردت فيه رواية عن أبي خديجة عن أبي عبد الله قال: “كان الناس يستنجون بثلاثة أحجار لأنهم كانوا يأكلون البسر فكانوا يبعرون بعراً فأكل رجل من الأنصار الدبا فلان بطنه فاستنجى بالماء…” الحديث(3)(4). وجريان عادة الأئمة على المسح، كما يظهر من بعض الروايات مجمل الوجه، 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 331، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، التعدي عن المخرج على وجه الانفصال.

(2) العروة الوثقى1: 172، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، التخيير في غسل مخرج الغائط.

(3) باب 34 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(4) علل الشرائع1: 286، 205 باب العلة التي من أجلها كان الناس يستنجون بثلاثة أحجار، وسائل الشيعة1: 356، الباب 34 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وربما كان لعدم توفّر الماء خارجاً، فلا يمكن رفع اليد عن ظهورها بالأفضلية لهذا العمل المجمل.

أكمليّة الجمع بين الغسل والمسح

قوله: والجمع بينهما أكمل(1).

لو فرض أنّ الأوامر التي ترد في الأمر بالمسح والأمر بالغسل أوامر تكليفيّةً، فقد يقال: إنّ مقتضى الجمع هو مطلوبية الجمع بينهما، فإذا علمنا من الخارج عدم وجوبهما معاً، لكن لا بأس من استحبابها.

إلّا أنّ الأوامر ليست تكليفيّةً، بل إرشادية إلى حصول الطهارة، ومعه فأيّ دليل يبقى على استحباب الجمع بين الماء والأحجار؟

وقد يُستدل بقوله عن علي: قال: “كنتم تبعرون بعراً وأنتم اليوم تثلطون ثلطاً، فاتبعوا الماء الأحجار”(2).

وضعفها يتمّ بضمّ قاعدة التسامح في أدلة السنن، بناءً على تمامية هذه القاعدة، ولكننا لا نقول بها.

ولكن الصحيح أنها غير دالة على الجمع، لأنّ ظاهرها المفروغية عن الأحجار، وليست تحت الطلب، يعني إذا تمسّحت بالأحجار فلا تكتف به، 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 331، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كمال الجمع بين المسح والغسل.

(2) مستدرك الوسائل1: 278، الباب 25 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 597.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وليس أمراً بالأحجار ثم بالماء، لأنّ العادة كانت على استعمال الحجر، وهذا لا يدلّ إلَّا على أفضلية الماء.

المدار في الغسل النقاء وفي المسح النقاء مع العدّد 

ولا يعتبر في الغسل تعدّد، بل الحدّ النقاء، وإن حصل بغسلة، وفي المسح لا بُدَّ من ثلاث وإن حصل النقاء بالأقل، وإن لم يحصل بالثلاثة فإلى النقاء(1).

بلحاظ مقتضى القاعدة

في مقام غسل موضع الغائط لا يجب التعدّد، بل الميزان هو النقاء.

وهذا هو مقتضى القاعدة، تمسّكاً بمطلقات أدلة مطهّرية الماء؛ لأنّ مقتضاه أنّ الغسل بمقدار لا يبقى معه عين النجس يكفي، والتعدّد يحتاج إلى دليل.

نعم، هنا نكتة أنه في غير الاستنجاء بالخصوص نحن لا نكتفي بالغسلة المزيلة، بل نشترط غسلةً بعدها، بحيث تكون النتيجة هي التعدّد مع وجوب النجاسة، والنكتة فيه مع وجود المطلقات هي: أنّ الغسلة المزيلة بمقتضى مطلقات تنجّس الماء القليل -أي النجس-، أنّ هذا الماء في الغسلة الأولى تتنجّس، ولا يعفى عن رطوباتها، ولا ينافي هذا مع المطلقات، لأنَّها ناظرة إلى تطهير النجاسة السابقة، لا إلى عدم حصول نجاسة جديدة، فلو اكتفى بمرّة واحدة يقع فيما يهرب منه، وهو النجاسة، فيحتاج إلى غسلة أخرى ليطهر المحل، لأنّ الماء القليل لا ينفصل بملاقاة المتنجس عندنا.

ــــــــــ[135]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 172-173، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كمال الجمع بين المسح والغسل.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأمّا في الاستنجاء، فحيث إنَّه ثبت بدليل إما أنه لا يتنجّس كما يقول المشهور، أو أنه لا ينجّس كما نختاره. فالغسلة المزيلة هنا تكفي، لأنّ المقتضي موجود والمانع مفقود، أما المقتضي فهو مطلقات مطهّرية الماء، وأما المانع فهو النجاسة الناشئة من الغسل، وهو مفقود هنا، ويكون حال الماء القليل كالماء المعتصم.

بلحاظ الروايات 

وأمّا الروايات الخاصة فهناك روايتان:

  1. ابن المغيرة، عن أبي الحسن، قال: قلت له: للاستنجاء حدّ، قال: لا ينقى ما ثمّة”(1)(2).

فالاستنجاء حدّه النقاء، وهي إما تختصّ بالاستنجاء بالماء أو مطلقة له.

  1. موثقة يونس، واستدلّ السيّد(3) الأستاذ برواية أخرى هي موثقة يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله: الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال، قال: يغسل ذكره، ويذهب الغائط، ثم يتوضأ مرّتين مرّتين”(4)(5).

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() باب 13 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة1: 322، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(3) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 172-173، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، التمسح بالأقل من ثلاث إذا حصل به النقاء.

(4) باب 9 أيضاً، (المقرر).

(5) وسائل الشيعة1: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

تمسّك بإطلاق “يذهب الغائط” وأنّ معناه أنه يكفي الغسل المزيل للعين.

واستدلاله بها في هذا الفرع يناقض استدلاله بها في الفرع السابق(1)، حين استدلّ بإطلاق الجملة الأولى، وهو كفاية المرّة في البول.

وقال السيد(2) الأستاذ أنها ليست فيها إطلاق، لأنَّها ليست في مقام البيان من ناحية الاستنجاء. واستدلّ هنا بإطلاق الجملة الثانية وقَبِلها السيد الأستاذ، مع أنه لا فرق بين الجملة في مقام الصناعة.

عدم كفاية المسح بأقل من ثلاث وإن حصل به النقاء

قوله: فالواجب في المسح أكثر الأمرين من النقاء والعدد(3).

هل يعتبر فيه كم مخصوص، أو ما يعتبر هو إزالة النجاسة؟ وقع الكلام، والخلاف بينهم في ذلك.

الكلام في الاكتفاء بمطلق المسح

استدلّ بعدّة روايات على كفاية مطلق المسح.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

(1) هذا هو التهافت الأول، وسيعقبه التهافت الثاني بعد سطور قليلة.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 353، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، عدم كفاية الغسل مرة لتطهير موضع البول.

(3) العروة الوثقى1: 173، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، عدم كفاية المسح بما دون الثلاث.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

1- موثّقة يونس بن يعقوب

منها موثقة يونس بن يعقوب(1) المتقدّمة، فإنّ فيها “ويذهب الغائط“، فإنه لم يقيِّد بعدد مخصوص، لا غسلاً ولا مسحاً.

وقد استدل بها السيد(2) الأستاذ وهذا تهافت آخر(3) في استدلاله، فإنَّها إما أن تكون في مقام بيان الوضوء، فلا تكون في مقام البيان لا في جانب البول ولا الغائط، فلا إطلاق لها في الموضعين، أو إذا فهمنا أنّ الإمام في مقام بيان عدة مطالب، فكلّ الجمل تكون ذات إطلاق بما فيها “يغسل ذكره” و”يذهب الغائط“.

فالصحيح أنّ الرواية ليست في مقام البيان، لأنَّها سألت عن الوضوء لمن جاء من الغائط فما يقع من الغائط غير منظور إليه، مضافاً إلى شيء آخر يأتي.

الشيخ الأنصاري(4) ناقش بنقاش آخر، وقال: إنّ “يذهب الغائط” يُنزّل على قوله “ويغسل ذكره“، أي: يغسل موضع الغائط، وإنّما ترك ذلك احتشاماً.

وهذا لا يتمّ، لا لما ذكره السيد(5) الأستاذ من أنه عبّر في الروايات بذلك. 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

(1) تقدمت قريباً.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 353، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية التمسح بأقل من الثلاثة.

(3) التهافت الثاني.

(4) انظر: كتاب الطهارة (الأنصاري): 455-456، الركن الثاني، الفصل الثاني، الثاني في الاستنجاء.

(5) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 363-364، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية التمسح بأقل من الثلاث.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ولم يحتشم كقوله: “يمسح العجّان”، فإنه تعبير كنائي وليس حقيقياً في ذلك الموضع.

إلَّا أنه لا يتم، لأنّه مجرد احتمال بلا قرينة، وإلا فالأصل إنه أراد معنى اللفظ، ولو كانت النكتة هي الاحتشام لأمكن أن يقول: (ويغسل الغائط) وإضافة الغسل إلى العين ممكن أيضاً.

2- رواية ابن المغير

ومنها رواية ابن المغيرة المتقدمة: هل للاستنجاء حدّ؟ قال: لا، ينقى ما ثمّة”(1) فإنّ مقتضاه أنّ المناط هو النقاء. بالغسل أو بالمسح، بثلاث مسحات أو أقل.

نوقش في الاستدلال بها، بأنّها مخصوصة بموارد استعمال الماء، وجعل السيد(2) الأستاذ القرينة على ذلك ذيل الرواية، وهي قوله: “إن الريح يبقى، قال: لا ينظر إلى الريح“، فإنّ الشيء الذي يبقى بعد الغسل هو هذا.

وأمّا مع المسح فيبقى أجزاء صغار أشدّ من الريح، فالعدول من الأجزاء بالسؤال إلى الريح قرينة على أنّ السؤال عن المطهر الذي لا تبقى معه إلّا الريح، وهو الغسل لا المسح.

وهذه القرينة ليست تامة؛ لأنّ غايته الرجوع إلى الراوي، وأنه لماذا التفت 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1) تقدمت قريباً.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 364، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية التمسح بأقل من الثلاث.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلى مشكلة الريح، ولم يلتفت إلى مشكلة أعمق منها هي الأجزاء، هذا لا ينافي إطلاق كلام الإمام.

نعم، لو فرض أنّ هذا يعني (الريح لا ينظر إليه) كان في كلام الإمام لكان هذا التقريب صحيحاً.

إلّا أنّه يرد على الاستدلال بهذه الرواية، كما يرد على الرواية السابقة، وهو أنّ النقاء لا يحصل عادةً بمسحتين ولا بثلاث، فإنّ النقاء مرة يضاف إلى الأحجار فيقال نقِّ بالحجر، يقال: إنّ نقاء كل شيء بحسبه، فيكتفى بنقاء الحجر النقاء الناقص الذي يناسب مع اللزوجة وغيرها.

إلّا انه لم يقل ذلك، بل قال “يذهب الغائط”، وقال “ينقّى ما ثمّة” ومن الواضح أنّ هذا ينصرف إلى المسح الحقيقي عرفاً، بحيث لا يبقى شيء عيني، وهذا لا يحصل بثلاث، فضلاً عن الأقل منها، فالاستدلال بهاتين الروايتين ساقط أساساً ولا موضوع له.

3- رواية بريد بن معاوية

 ومنها رواية بريد بن معاوية: “يُجزي من الغائط المسح بالأحجار، ولا يُجزي من البول إلّا الماء”(1)، (اللام) الداخلة على الأحجار لا يراد بها الاستغراق جزماً، ولا العهد إذ لا عهد، فيتعيّن الجنس، فيكفي المسح بالحجر، ولو مرّةً واحدة.

ــــــــــ[140]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 348، الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وقد ناقش السيد(1) الأستاذ بذلك أنه لو كانت اللام للجنس لكان وجودها كعدمها، كأنه قال: يمسح بأحجار، ومدخول اللام هو الجمع، فهذا على خلاف المطلوب أدلّ، إذ يدلّ على التعدد.

وحلّ هذا الإشكال: أننا حين نعلم من الخارج أنه لا يجب المسح بكلّ الأحجار، هل نحمل اللام على الجنس، فيتم ما قال، أو أنها تبقى للاستغراق؟ ويراد به ملاحظة مجموع الأحجار كمركّب واحد، بحيث يكون المسح بجزئه مسحاً به، كقوله: (مسحت بيدي) يعني بجزئها، أو قوله: (مسحت على رأس اليتيم بكفي)، ومعه قد يتمّ الاستدلال، ويتمّ الإطلاق في الرواية.

إلّا أن هذا كله لا موضوع له. لأنّه لا إطلاق له، لفرض وجود أجزاء عينيّة معتدّ بها، والغالب أنّ العين تبقى موجودةً في المسحة الأولى والثانية.

وإن شئتم قلتم: إنّ ارتكاز أنّ كلّ مطهّر يشترط فيه زوال العين، يكون قيداً للعبارة، وهذا لا ينطبق على الثلاث أيضاً، إلّا أنها القدر المتيقن من أجزائها في نظر الشارع، أما الأقل منها فلا يكون مشمولاً للإطلاق جزماً. 

4- مضمرة زرارة

ومنها مضمرة زرارة: “كان يستنجي من البول ثلاث مرات، ومن الغائط بالمدر والخرق”(2)، فلم يقيّد بعدد مخصوص.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 365، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية التمسح بأقل من الثلاث.

(2) وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من باب أحكام الخلوة، الحديث: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وقد استشكل فيه: بأنّها في مقام التفصيل بين البول والغائط، فالبول لا بُدَّ من غسله، والغائط يكفي فيه المسح، وكيف يتصوّر أنّ الراوي قد أطلع على فعل الإمام، إذن مراد الراوي هو ما ذكرناه.

وهذا الكلام غريب؛ لأنّه كيف يستنكر إطلاع الراوي على ذلك! بعد أن ذكر التعدد في جانب البول، وهو لم يذكر الاطلاع المباشر، فلعلَّه عرفه من إخبار الإمام، فكيف يفترض أنه يراد اختصاص البول بالماء، مع أنّ الماء غير مذكور في الرواية أصلاً! فكيف تحمل الرواية على أنّها في مقام البيان من هذه الناحية!

5- رواية زرارة الأخرى

ومنها رواية زرارة: سمعت أبا جعفر يقول: كان الحسين يمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل”(1)(2).

فلم يذكر فيها العدد، ومقتضاه كفاية أي عدد يحصل من النقاء المترقب من التمسّح.

إلّا أنه لا يتم؛ لأنَّنا إن قلنا إنّ في قوله: “ولا يغسل” قرينةً على أنّ تمام نظر الإمام في مقام الحكاية إلى بيان إجزاء غير الغسل في مقام الاستنجاء من الغائط، وإن لم نقل بقرينيّة ذلك فغاية ما يدل عليه هو أنّ الاستنجاء بالمسح يكون مطهّراً.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

() باب 35 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 354، كتاب الطهارة، الباب 15، الحديث: 18، وسائل الشيعة1: 358، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأمّا كفاية مطلق المسح فلا يكفي؛ لأنَّ الجملة خبرية لا إنشائية، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها من هذه الناحية.

فإنّ الجملة إن كانت إنشائيةً فمدلولها التصديقي هو جعل الحكم، فلو شككنا في قيد أنّ من يجب إكرامه هل يجب أن يكون هاشمياً، أو يكفي أن يكون عالماً؟ تمسّكنا بالإطلاق، بتقريب أن مقتضى الظهور السياقي هو أنّ تمام مرامه مبرزٌ بكلامه، وأنّ كلامه لا ينقص عن مرامه، هذا الذي يسمونه بأصالة المطابقة بين عالم الثبوت وعالم الإثبات، فلو كان الوجوب أُنشأ على المقيّد فقد زاد مقام الثبوت على مقام الإثبات، فلو قال المولى: تمسّح بالحجر، لأمكن التمسّك بإطلاقها كذلك إن شكّكنا في قيد كالتعدّد.

وأمّا إذا كانت الجملة إخباريةً كقوله: “كان الإمام الحسين يتمسّح” فهل نتمسّك بإطلاقها لنفي القيود المشكوكة؟ كلا، فإنّ مقتضى مقدمات الحكمة، وأصالة التطابق هو أنّ ما بُيِّن في الخطاب ليس بأنقص من مرامه.

وهذا تامٌّ في المقام، فإنّ مرام المتكلم ليس هو إنشاء الحكم، بل قصد الحكاية، فمقتضى أنه لم يذكر إلّا المسح أنه لم يقصد إلّا الحكاية عن المسح، إذ لو كان يقصد المسح بخصوصيةٍ ما، لكان على خلاف أصالة المطابقة، وهذا لا يفيدنا، لأنّه يقول: وقع مسح في الخارج، وهو صادق سواء مسح مرةً أو أكثر بالطين أو بالحجر، وهي حكاية فيها فائدة، وهي مطهّرية المسح في الجملة.

نعم، المتكلّم لا يريد أن يحكي أزيد من هذا المقدار، وأما عدم وقوعه فغير معلوم، إذ عدم البيان لا يدلّ على عدم الوقوع، هذا ما لم تقم قرينةً على أنّ 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المتكلم في مقام بيان تمام الخصوصيات كالأخبار البيانية.

6- رواية زرارة الثالثة

ومنها رواية زرارة: “كان يستنجي من البول ثلاث مرّات، ومن الغائط بالمدر والخرق”(1)(2) أيضاً يتمسّك بإطلاقها لنفي التعدد وكفاية الواحد. 

والصحيح في هذه الرواية أن يقال: إنّ التمسّك هنا إن كان بالإطلاق فجوابه هو جواب الرواية السابقة، وهو أنَّها جملة خبرية لا إطلاق فيها. نعم، إذا استظهر بقرينة التصريح بالتعدد في الشق الأوّل، أنّ المتكلم في مقام بيان هذه الناحية، فيكون للكلام ظهور في ذلك، فكأنه قال: بالمدر والخرق مرّةً واحدة.

7- رواية بريد بن معاوية الأخرى

 ومنها رواية بريد بن معاوية: عن أبي جعفر قال: “يجزي من الغائط المسح بالأحجار، ولا يجزي من البول إلّا الماء”(3).

أيضاً قد يتمسّك بإطلاقها بعد حمل اللام على الجنس، وقد تكلّمنا فيها مع إضافة هذه النكتة، وهي أنّ قوله: “ولا يجزي مع البول إلّا الماء” إن كان قرينةً على أنه في مقام التفرقة بين الأحجار والماء، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها، وإن غضضنا النظر عن القرينية كان الكلام فيها هو الكلام السابق.

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() باب 35 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة1: 357، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(3) وسائل الشيعة1: 348، الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الكلام في وجوب التعدّد

بعد هذا يقع الكلام على وجوب التعدّد ثلاث مرّات بحيث يكون مقيّداً للإطلاق، لو تمّ في الروايات السابقة.

صحيحة زرارة

منها صحيحة زرارة: “لا صلاة إلّا بطهور، ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار.. وأما البول فإنه لا بُدَّ من غسله”(1)(2)، يقيّد الاستنجاء بأن يكون بثلاثة أحجار -بناءً على ما هو المحقّق في محلّه من ثبوت المفهوم للعدد-، فلا يجزي أقل من ذلك، بل ظاهر العبارة في نفسها هو التحديد، وبيان أقلّ ما يجزيه، فيقيّد بها إطلاق الروايات السابقة لو كان. 

إشكالات ترد على الصحيحة

وقد يُعترَض(3) على هذا الاستدلال بعدّة وجوه:

الإشكال الأوّل: أنّ التثليث هنا اعتُبِرَ سُنّةً، وهي لها معنيان:

الأوّل: المستحب في مقابل الواجب.

والثاني: ما سنّه رسول الله في مقابل ما افترضه الكتاب الكريم.

وهنا إن ادّعي ظهورها بالمعنى الأوّل سقط الاستدلال، إذ يُستفاد ــــــــــ[145]ــــــــــ

() باب 9 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(3) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 367، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية التمسح بأقل من الثلاث.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

استحباب التثليث، وإن لم يُدّعَ ظهور الأوّل فلا أقل من الإجمال، ويكون من قبيل اتصال الكلام بما يحتمل قرينيّته، ومن المحقّق(1) أنّ احتمال القرينية المتصل يوجب الإجمال بلا إشكال.

هذا الإشكال غير وارد؛ لأنَّنا ندّعي ظهور العبارة في المعنى الثاني، لأنّ السنّة هنا أُضيفت إلى النبي، وهو واضح في ذلك، مضافاً إلى أنّ السنّة بمعنى المستحب اصطلاح وليس لغةً، فإنه في اللغة السنّة بمعنى التشريع، فهذا الإشكال غير وارد.

الإشكال الثاني: الذي أورده(2) على الاستدلال بهذه الرواية: استبعاد الالتزام تعبّداً بالحجر الثاني أو الثالث، لو حصل زوال العين بالأول مثلاً، لأنّ المسح ليس واجباً تعبّدياً كرمي جمرة العقبة.

وبعبارة أخرى: أنّ المركوز في الذهن عرفاً أنّ وجوب المسح لأجل التنظيف والتنقية، فما لا يكون دخيلاً فيها لا يكون واجباً، فيختصّ الثلاثة بما إذا كان دخيلاً في التنقية.

وهذا غير وارد لا لما ذكره السيد(3) الأستاذ من أنّ هذه الأحكام تعبّدية لا 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

(1) انظر: مباحث الأصول، القسم الثاني2: 173، الأمارات الظنية، كبرى حجية الظهور، مع الأصول اللفظية الأخرى، قال ما لفظه: “… ومع عدم احتمال القرينة المتصلة تجري أصالة الظهور ابتداءً”.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 367، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية التمسح بأقل من الثلاث.

(3) المصدر السابق نفسه.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مجال للاستحسانات فيها. فإنَّ الكلام ليس في استعمال الاستحسانات، بل في جعل الارتكازات العرفية قرينةً على فهم الدليل. 

ولكنه غير وارد؛ لأنَّ التنظيف مراتب بعدد المسحات، فالمرتبة التي تحصل من المسح الثاني غير المرتبة التي تحصل من الثالث، فالشارع بعد ملاحظة الكسر والانكسار بين التسهيل وبين التنظيف يطلب ثلاث مسحات، فالمسحة الثالثة تكون دخيلةً في مرتبة من التنقية دائماً، وليس هناك عرف يعيّن على المولى إحدى المراتب.

الإشكال الثالث: أنّ القيد ورد مورد الغالب فإنّ الغالب أنّ إزالة العين لا تكون بأقل من ثلاث، من قبيل: وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ(1) فلا يكون كاشفاً عن اختصاص الحكم بالمقيّد بل يبقى على الطبيعة على إطلاقها.

ناقش السيد(2) الأستاذ فيه صغرويّاً وكبرويّاً:

أما صغرى: أنَّ القيد هنا لم يرد مورد الغالب؛ لأنّه ليس الغالب أنَّ التنظيف يجعل بثلاثة؛ لأنّه قد يحصل بالأكثر. نعم، الغالب أنه لا يحصل بأقلّ.

هذا لم يتحصّل لنا معناه، لأنّ الدليل يشترط التثليث في التطهير، والتثليث هنا أُخذ في مقابل الأقل، لا في مقابل الأكثر، بشرط لا من حيث الزيادة، بل بشرط لا من حيث النقيصة، ومرجعه إلى أنّه يجب أن لا ينقص عن ثلاثة، ومعه 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) النساء:23.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 368، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية التمسح بأقل من الثلاث.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فهذا هو الغالب، إذ الغالب أنّ التنظيف لا يحصل بأقلّ من ثلاثة فكيف يقال: إنّ هذا القيد ليس غالبياً.

وأما الكبرى: أنّ كون القيد وارداً مورد الغالب، لا يمكّننا من التمسّك بالإطلاق، بل نلتزم بالقيديّة مع ذلك، وكذلك في الآية نلتزم بالقيديّة لولا الدليل من الخارج على عدم الفرق.

وقد بحثنا هذه الكبرى في علم الأصول(1)، وما ينبغي أن يقال هنا إن الدليل:

تارةً: يتكفّل حكماً على طبيعة، ويؤخذ مع الطبيعة قيد غالبي كالآية.

وأخرى: يتكفّل إثبات الحكم على هذا القيد الغالبي ابتداءً، كما هو في محل الكلام، فإنّ الثلاثة بنفسها موضوع للحكم.

وما يقال من أنّ القيد الغالبي لا يكون ظاهراً في القيديّة إنما هو في القسم الأوّل، وقد اخترنا ظهوره في القيديّة، وهذا أوضح من القسم الثاني.

نعم، يمكن تطوير هذا الإشكال بأن يقال: إنّ هذا الدليل لا يصلح أن يقيّد المطلقات التي يفترض وجودها سابقاً، بل بينهما العموم من وجه؛ لأنّه يعارض بمفهومه معها (لا يجزيك أقل من ثلاثة أحجار)، وهو مطلق سواء حصل به إزالة العين أو لا. والمطلقات تقول المسح المزيل للعين مطهِّر سواء بثلاثة أحجار أو أقل، ومادة “يجزيك من الاستنجاء ثلاثة” تعارض المسح المزيل الأقل من ثلاثة، وبعد التساقط نرجع إلى استصحاب النجاسة أو أصالة الطهارة.

إلّا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنّ النسبة بينهما وإن كانت هي العموم من وجه، 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) أنظر: بحوث في علم الأصول (عبد الساتر): 7: 503 وما بعدها.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلّا أنّه لا يمكن تقديم هذا العامّ من وجه لأنَّنا لو قدّمنا المطلقات تلغو خصوصية الثلاثة بالمرّة؛ لأنَّها إن كانت منظّفةً يكفي، وإلا لا يكفي، ولا بُدَّ من حملها على الطريقيّة الصِرفة، مع أنّ ظاهرها الموضوعيّة، ومعه يتعيّن تقديم العامّ الآخر عليه. 

إذن، فالصحيح الالتزام بالمقيِّد مع وجود المطلقات، وكيف وأنَّ المطلقات غير تامّة في نفسها! فالمتعيّن هو وجوب التثليث.

كفاية الحجر الواحد ذي الجهات الثلاث

قوله: ويجزي ذو الجهات الثلاث من الحجر… (1).

يقع الكلام في أنه هل يعتبر التثليث في: المسح، أو في الأحجار الممسوح بها، فلو مسح بحجر واحد من ثلاث جهات، هل يكفي أو لا؟

لزوم التعدّد بالحجر

ذكر السيد(2) الأستاذ وجملة من الفقهاء(3) أنّ مقتضى ظاهر النص وهو 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 173، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية ذي الجهات الثلاث من الحجر.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 369، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية الحجر الواحد ذي الجهات الثلاث.

(3) انظر: مستمسك العروة الوثقى2: 217، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية الحجر الواحد ذي الجهات الثلاث، جواهر الكلام2: 42، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثاني، الثاني من أحكام الخلوة، عدم كفاية الأقل من ثلاثة أحجار.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

صحيحة زرارة “ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار”(1)، لزوم التعدد بالحجر لا بالمسح، إذ لو مسح بثلاث جهات لم يصدق كونه مسح بثلاثة أحجار، ورفع اليد عن هذا الظهور الأولي يحتاج إلى قرينة، ولا قرينة.

في كفاية ثلاث مسحات

وفي مقابل ذلك قال فقهاء(2) آخرون: إنّ هذا الظهور الأولي نرفع اليد عنه بقرينة، هي دعوى أنه لا فرق بين المسح بثلاثة أحجار أو بحجر واحد من ثلاث جهات؛ لأنّ ما هو الدخيل في التنظيف إنَّما هو تكثّر الجّر (المسح)، وأما كون الماسح متكثّراً فلا دخل له في عملية التنظيف.

وبتعبير آخر: إنّ هذا الحجر لو كسرناه إلى ثلاثة كان يجزي بلا إشكال، فهل إنّ اتصال هذا الأجزاء يكون له دخل في مقام التطهير؟ كلا، فالميزان هو ثلاث مسحات سواء بحجر أو لا.

 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1. 

(2) نسبه الجواهر الى جملة من كتب العلامة وجماعة من المتأخرين، انظر: جواهر الكلام2: 42، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثاني، الثاني من أحكام الخلوة، عدم كفاية الأقل من ثلاثة أحجار، المهذب البارع1: 127، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الثاني في آداب الخلوة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ما نقض به السيد الأستاذ

وقد ردّ السيد(1) الأستاذ على هذا: 

النقض الأول: بأنَّ هذا إدخال للاستحسانات والأذواق في الفهم من الأدلة، نحن لا نعرف المِلاكات الشرعية.

وإلَّا فلماذا لا يُقال شبيه ذلك، في التعدّد بالبول من الماء، فيقال: بأنّ الميزان ليس هو الانفصال بين الغسلتين، فإنّ الانفصال هنا كالانفصال بين جزئَي الحجر هناك، ليس له دخل في مقام التطهير، فإنَّ التطهير والتنقية من شؤون الغسل، لا من شؤون انقطاع الغسل ولازمه كفاية المرة الواحدة.

والنقض الثاني: ما ورد من وجوب التعدّد في الأواني ثلاث مرّات، إذ أي فرق بين أن يكون الخزف آنيةً، أو أن لا يكون آنيةً، وكونه مقعّراً بشكل معين لا دخل له في تعيين مطهّره ومنجّسه، ومع ذلك لا نتعدّى.

الجواب على تفض السيد الأستاذ

والصحيح في المقام أنّ هذا الاعتراض للسيد الأستاذ يمكن الجواب عليه: 

فإنه مبنيٌ على طريقة نوعية في الاستنباط، نحن لا نسميه عملاً بالذوق والاستحسان والقياس، وإنما هذا نسميه بالفهم العرفي الارتكازي للروايات، يعني أنّ الرواية لا يفهم مدلولها حسب ما وضع لها في القاموسيّة(2)، بل يلتفت 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 369، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية الحجر الواحد ذي الجهات الثلاث. 

(2) أي: الكتب القاموسية.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلى القرائن اللُّبّية المركوزة في الذهن العرفي، وهو ما يسمّيه الفقهاء بمناسبات الحكم والموضوع، وهي تعطي ظهوراً للدليل، فيكون هو الحجّة، إذ إنّ المتكلم بما هو عرفي ينزّل كلامه على هذه المرتكزات.

فيقال هنا: إنّ الحجر أُخذ بما هو معرِّف للمسح لا بما هو حجر، وهذا حمل للحجر على الطريقيّة، فكأنه قال: يكفيك ثلاث مسحات، وذلك لأنّ العرف يفهم أنّ الميزان في التطهير هو في المسح وتعدّد الحجر لا دخل له بوجه أصلاً، فيكون استظهاراً من الرواية بضم المرتكزات العرفية.

وأما النقوض التي ذكرها: 

أما النقض الأوّل: فإنه إن لم نجد خصوصيةً حاكمةً على هذه النكتة في دليل “صبّ عليه الماء مرتين(1) لأعملنا نفس هذا البيان، وقلنا بأنّ الصبّة الطويلة الواحدة كافية، وقد ذهب إليه جملة من الفقهاء كالعلامة(2) والشهيد(3)، وقالوا إنّ التعدد التقديري يكفي.

إذن هذا صحيح، وليس في مقابله إلّا نكتة واحدة قد تكون حاكمةً لو تمّت، وهي أنّ أيّ صبّة عرفية تفرض للماء هي قابلة للتجزئة إلى صبّتين، فلو بُنيَ على كفاية التعدّد التقديري للزم القول بكفاية الصبّة الواحدة، خصوصاً 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 343، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(2) للاطلاع على اختلاف الآراء حول المسألة ومصادرها انظر: مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام 2: 338.

(3) ذكرى الشيعة، ج 1، ص 124.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

برواية نشيط(1) “مِثلا ما على الحشفة” حيث قال السيد(2) الأستاذ أنها تكفي لصبّتين، فعلى أساس هذه النكتة نلتزم أنّ التعدّد ملحوظ.

وأما النقض الثاني: فالوجه فيه واضح، وهو أنه لا يوجد ارتكاز عرفي يقتضي التعدّي لاحتمال أن يكون لطهارة الأواني اهتمام خاص من قبل الشارع، فلا يمكن التعدّي إلى غيره، ولهذا لو ورد الدليل على تطهير جذع نخلة، لتعدّينا منه إلى جذع الرمان، ولا يسمى هذا قياساً، بل فهماً عرفياً بمناسبات الحكم والموضوع.

والصحيح في المقام أن يقال: إنّ الصحيحة بنفسها لا تدل على عدم كفاية المسح بثلاث جهات من الحجر الواحد، كما قيل، لأنّ دلالتها على ذلك بدعوى المفهوم، لأنّ مفهوم العدد يقتضي أنه لا يجزي أقل من ثلاثة أحجار. بينما نحن لا نقول بهذا المفهوم بهذا النحو، فإنه يدلّ على أنّ الثلاثة أحجار تتميّز عن المراتب الأقل منها في الجملة، بمعنى أنّ مفهوم العدد كمفهوم الوصف ليس سالبةً كليةً بل سالبة جزئية، فلو بنى على كفاية المرّة الواحدة لزم إلغاء العنوان، وأما إذا بُنيَ على كفاية المسحات الثلاث فلا يلزم منه إلغاء العنوان، وهو يكفي عرفاً بالأخذ في المفهوم.

وأما كفاية ذلك، فإما أن نرجع إلى المطلقات، أو استظهار الطريقية كما ذكرناه، وهو الصحيح.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 344، الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 354، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، عدم كفاية الغسل لمرة لتطهير موضع البول.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

في كفاية مطلق ما يكون قالعاً

قوله: ويكفي كل قالع ولو من الأصابع… (1).

هل يشترط نوع مخصوص من الماسح أو يكفي ما يكون قالعاً للنجاسة؟ أفتى السيد الماتن بكفاية مطلق ما يكون قالعاً. وهذا الإطلاق قد يستدل عليه بــ: 

الدليل الأوَّل: حسنة ابن المغيرة

 للاستنجاء حدّ؟ قال: لا، يُنقّى ما ثمّة”(2). بدعوى أنّها أعطت ميزاناً للمطهّرية وهي التنقية، وهي كما تحصل بالحجر، فكذلك تحصل بأيّ قالع آخر، ولو كان هو الأصابع.

إلّا أنّ هذا الاستدلال غير تام: لأنَّها ناظرة إلى حدّ نفس الاستنجاء من ناحية كونه واحداً أو متعدداً، ولذا يسأل عن الاستنجاء هل له حدّ أو لا؟ فلا يمكن التمسّك بالإطلاق من ناحية سائر الجهات.

مضافاً إلى ما سبق أن قلنا: إنه لو اقتصرنا عليها لما دلّت على مطهّرية المسح بالأحجار، لأنَّها تشترط النقاء، وهو لا يتحقّق بالأحجار، وإنما دلّ الدليل من الخارج على كفاية النقاء الناقص.

ــــــــــ[154]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 173، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية كل قالع ولو من الأصابع.

(2) وسائل الشيعة1: 322، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الدليل الثاني: موثّقة يونس بن يعقوب

وقد يستدل برواية (موثقة) يونس بن يعقوب، قال: “يغسل ذكره ويذهب الغائط ويتوضأ مرّتين مرّتين”(1).

ومقتضى إطلاقه أنّ المناط إذهاب العين بأي قالع كان، وهو غير تام، لما أشرنا إليه من أنّ هذه الرواية ليست في مقام البيان من هذه الناحية، مضافاً إلى ما تقدّم من أنّ إذهاب الغائط لا يتحقّق بالمسح بالأحجار فضلاً عن غيره.

الدليل الثالث: إلغاء الخصوصية

وقد يستدلّ بدعوى إلغاء الخصوصية، فإنّ الروايات ورد فيها عدّة عناوين كالحجر والمدر والخرق والكُرسُف، فالعرف يُلغي خصوصية هذه العناوين، ويرى فيه القدر المشترك بينها وهو – عرفاً- عن مطلق ما يكون قالعاً للنجاسة، وهذا هو البيان الصحيح.

وبهذا التقريب لا يبعد التعدّي حتى إلى أصابع الإنسان نفسه، فإنه لا فرق في القالعيّة عرفاً بينها وبين غيرها. ومعه فما عليه السيد الماتن من افتراض هذه الكبرى لا يخلو من وجاهة.

نعم، لا يمكن الاستدلال على هذه الكبرى بالإجماع، لأنّه لم يعرف شمول كلمات المُجمِعين على الأصابع، فإنه في بعض كلماتهم اقتصر على الحجر، وفي بعضها اشترط أن يكون من الأرض، وفي بعضها قِيل الحجر والخرق وأشباه ذلك، وهو لا يعلم شموله للأصابع.

ــــــــــ[155]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

اشتراط طهارة الأحجار

ومن المسائل المترتبة: أنه هل يشترط طهارتها السابقة على الاستنجاء أو لا؟

استدلوا على اشتراط الطهارة بوجهين:

الوجه الأوّل: فاقد الشيء لا يُعطيه

إنّ هناك كبرى عقلائيّة مركوزة وهو أنّ المطهّر لا يمكن أن يكون نجساً، لأنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، وهذا الارتكاز يكون قرينةً على تقييد أدلة المطهّرية، لا بمعنى كونه برهاناً عقلياً، إذ من الواضح أنّ الأحكام الشرعية لا يمكن أن تُقاس على الأمور التكوينية، بل المقصود الارتكاز العقلائي، وهو مما لا ينبغي الشك فيه.

وهذه الكبرى لا إشكال فيها، وإنما الكلام في تطبيقها على محل الكلام، لأنّ ذلك فرع أن نستفيد من أخبار الباب مطهّرية أحجار الاستنجاء والكُرسُف، لكن يمكن أن يقال: إنّ المتفاهم عرفاً هو زوال العين لكن بمرتبة منه. وهذا الحجر مقدمة إعدادية لزوال العين، ولذا لا يغني قالعاً عن قالع، بخلاف مطهّرية الأرض أو الماء، فإنّنا نفهم من الدليل عنوان المطهّرية، لخصوصية الماء والأرض لا مجرد زوال العين.

ولا أقلّ من احتمال ذلك، بمعنى أنّ هذه الروايات التي لها إطلاق ليس لها ظهور بمطهرية الحجر، بل تقيّد مطهّرية زوال العين، فلا يمكن ضمِّ ذلك الارتكاز.

ــــــــــ[156]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الثاني: صحيحة زرارة

 استفادة اشتراط الطهارة من صحيحة زرارة: “لا صلاة إلّا بطهور، ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار …” الحديث(1).

بتقريب: أنّ الرواية أعطت أولاً قاعدة عامة، ثم صارت في مقام بيان أنّ الطهور يختلف حاله، ففي البول هو الماء، وفي الغائط هو الأحجار، فهذان تطبيقان للطهور.

وهذا الاستدلال غير تامّ، لأنّه إنما يتمّ لو استظهرنا أنّ الجملة الأولى والثانية تطبيق لعنوان الطهور.

وأما إذا فهمنا أنّ الطهور هو الماء، وهو المركوز في الذهن، فإنّ الطهور ما يكون أداةً للطهارة، والماء هو الأداة العرفية الغالبة للطهارة، ولذا عبّر في الأحجار بالإجزاء، أي: هنا توجد رخصة وهناك لا توجد رخصة.

إذن لا يمكن الاستدلال بالرواية في محلّ الكلام.

وتحقيق الكلام في المقام 

إنّه توجد ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن يفرض أنّ هذا الحجر كونه متنجِّساً بنحوٍ، بحيث تسري نجاسته بالرطوبة، ويكون ملاقياً مع نفس الموضع.

الصورة الثانية: أن يكون متنجِّساً وتسري نجاسته بالرطوبة، ولكنه لا 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

يلاقي مع نفس الموضع، بل مع عين النجاسة الموجودة، هناك فقط كما في المسحة الأولى.

الصورة الثالثة: أن يكون متنجِّساً، لكن بشكل لا تسري النجاسة إلى ما يلاقيه.

الصورة الأولى

أمّا الصورة الأولى فقد يقال: إنّ هذا البحث مستغنىً عنه، وأنه لا ضرورة لإقامة دليل على اشتراط الطهارة في أحجار الاستنجاء، لأنَّنا سواء اشترطنا ذلك أو لا هذا الموضع سوف يكون نجساً على أيّ حال، أما مع الاشتراط فلأنّ النجاسة الموجودة سوف لن ترتفع، وأما مع عدم الاشتراط فلأنّ النجاسة الناشئة من التغوّط ارتفعت، لكن حدثت نجاسة أخرى تقترن مع زوال تلك النجاسة.

وتلك المطلقات لا تنفي هذه النجاسة الثانية الحادثة، لأنَّها إنما تكون مسوقةً لبيان ارتفاع النجاسة الأولى الناشئة من التخلّي.

ولم يكن الدليل على مطهّرية الأحجار خاصّاً بالحجر المتنجِّس، حتى يستفاد منه بدلالة الاقتضاء العرفية أنه طاهر بالفعل، وأنه يتنجّس، وإنما غايته إطلاق الروايات، وهي ناظرة إلى رفع ما كان، لا إلى نفي ما يكون، فمقتضى القاعدة ثبوت النجاسة.

نعم، يمكن أن يدّعى فرقين بين هذه النجاسة على القول بعدم الاشتراط وبين القول بالاشتراط، أي: تصوير الثمرة بين الوجهين بلحاظين:

ــــــــــ[158]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

اللحاظ الأوّل: مسألة تنجيس المتنجِّس، فإنّ الحجر إذا كان متنجّساً لكن ليس منجّساً، كما لو كان متنجّساً ثانياً، 

فلو قيل بأنّ الطهارة شرط بعنوانها في الأحجار، فهنا لا تحصل الطهارة، وتبقى النجاسة الناشئة من التغوّط، وأمّا إذا كان متنجّساً ثانياً فسوف لن يتنجَّس المحلّ، وترتفع عنه النجاسة الأولى، عملاً بالمطلقات كما هو المفروض في هذا الوجه.

وأما إذا كان متنجّساً أوّل، فسوف لن تحدث هذه الثمرة، أمّا على اشتراط الطهارة فواضح، وأما على عدم الاشتراط فلوجود نجاسة ثانية.

لكن يبقى فرق: وهو أنّه على تقدير الاشتراط يكون الموضع متنجساً أوّل، بخلاف عدم الاشتراط فإنه يكون متنجِّساً ثانياً لا ينجِّس ما يلاقيه.

اللحاظ الثاني: أننا إذا بنينا أنّ الطهارة ليست شرطاً في أحجار الاستنجاء، فالنجاسة الأولى تزول، ولكن تحدث نجاسة جديدة، إذن فهذه النجاسة الجديدة لا تزول إلّا بالماء، ولا تطهرها الأحجار.

وأما لو قلنا باشتراط الطهارة فهنا النجاسة الأولى باقية، والنجاسة الناشئة من التغوّط لم ترتفع بعد، والنجس لا يتنجَّس مرّةً ثانيةً. إذن، فهو لا يزال يطهر بالمسح بالأحجار.

وتحقيق الكلام في هذا اللحاظ أنه مبنيٌ على أنّ ما يتنجّس لا يقبل التنجّس مرةً ثانيةً وإن أنكرنا ذلك، فلا يتمّ.

فإن قلنا: إنّه بالإمكان أن يتنجّس عرفاً، ويلزم تأكّد النجاسة وزيادة آثارها، 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فعلى أيّ حال، لا يطهر إلّا بالماء وإن قلنا: إنّ المتنجِّس لا يتنجَّس، يتمّ التقريب.

وتحقيق أنّ المتنجِّس لا يتنجَّس تقدّم، وصفوة القول فيه: أنّ دليله هو اللَّغوية، باعتبار أنه لا تتكثّر الغسلات بتكثّر النجاسات، إلّا أنها إنما تكون إذا لم يكن الالتزام بالنجاسة مؤدّياً إلى أثر عمليّ، وأما إذا كان مؤدّياً إلى أثر، فنتمسّك بإطلاق الأدلة، ولا يكون فيه لَغوية، والمقام من هذا القبيل، إذ يكون لا يمكن طهارته إلّا بالغسل.

وهذا هو البيان الصحيح، لا أن يقال: إنّنا نعترف أن المتنجِّس لا يتنجَّس مرةً ثانيةً، مع ذلك نتمسّك بإطلاق قوله: “إذا لاقى جسمك مع المتنجِّس فاغسله بالماء”، وذلك لأنّه إرشاد إلى النجاسة، فلو لم نلتزم بحدوث النجاسة لم يمكن التمسّك بإطلاق الغسل.

إذن فمن هذه الناحية لا تظهر الثمرة.

الصورة الثانية

أمّا الصورة الثانية: وهو أن يفرض أنّ هذا المتنجِّس يلاقى مع الغائط لا مع الموضع، فإن لاقاه بنحو لا يتصوّر فيه سريان النجاسة، فمن الواضح أنه لا ينشأ محذور حدوث نجاسة جديدة، وأما إذا كان الغائط مائعاً، فقد يدّعى حدوث نجاسة جديدة للموضع.

إلَّا أنّ هذا الكلام هنا أشكل منه في الصورة الأولى، لأنّه مبنيٌ على أنّ عين النجس يتنجَّس، وهذا يمكن أن ينكره، ولو قيل: إنّ المتنجِّس يتنجَّس؛ لأنّه هناك كان بالإمكان التمسّك بإطلاق أغسله لإثبات أنه قد تنجَّس، بخلافه هنا، لأنّ 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

عين النجس لا يغسل ولا يطهر، فما هو الدليل على أنّ عين النجس يتنجَّس؟ فالأدلة قاصرة عنه، والعرف لا يساعد عليه؛ لأنّه يرى أنّ عين النجس بلغ نجاسةً لا يتصوّر فيها الزيادة، فنحتاج في تتميم المطلب إلى تتميم الشرطية.

الصورة الثالثة

ومن هنا ننتقل إلى الصورة الثالثة: وهو ما إذا كان الماسح متنجّساً غير سارٍ، فهل هناك دليل على اشتراط الطهارة أو لا؟ وقد قلنا إنّ أدلة الآغايون على اشتراطها غير تامة، ولكن مع ذلك أنه هو الأحوط إن لم يكن الأقوى(1).

لزوم إزالة الأثر في الغسل بالماء وعدم لزومها في المسح بالأحجار

قوله: ويجب في الغسل بالماء إزالة العين والأثر، بمعنى الأجزاء الصغار التي لا تُرى، لا بمعنى اللون والرائحة، وفي المسح يكفي إزالة العين، ولا يضر بقاء الأثر بالمعنى الأوّل أيضاً(2).

التطهير بالمسح

أما إذا كان التطهير بالمسح، فمن الواضح جداً أنه لا يجب إزالة الأثر بمعنى العرض، مثل الرائحة؛ لأنّه صرّح في روايات الاستنجاء(3) بعدم لزوم 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() لم يتسنّ لي كتابة درس اليوم، (المقرر).

(2) العروة الوثقى1: 173- 174، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، وجوب إزالة العين والأثر في غسل موضع الغائط دون التمسح بالأحجار.

(3) مثل ما مرّ من خبر ابن المغيرة: “قَالَ‌ الرِّيحُ‌ لاَ يُنْظَرُ إِلَيْهَا”، الوسائل: 1: 322.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إزالته، مضافاً إلى أنّ مثل هذا المعنى لا يُزال عادةً بالمسح بالأحجار.

وأما عين النجاسة فلها مرتبتان: 

مرتبة تزال عادةً بنحو ثلاثة أحجار، فلا إشكال في لزوم إزالته، بل لا يصدق عنوان الاستنجاء في أقل من إزالته، لأنّ الاستنجاء مأخوذ من التخلّص والخلاص(1)، وهو لا يصدق مع بقائه، مع ارتكاز أنه لا معنى للمطهّرية مع وجود العين.

وأما المرتبة الأخرى وهي الأجزاء الدقيقة الموجودة بالنظر العرفي، ولكن لا ترى بالعين وإنما تحسّ باللمس، فهي لا يجب إزالتها بالأحجار، لأنّ اشتراط إزالتها لا يناسب مع لسان هذه الأدلة، وتحديد الأحجار بثلاثة أحجار، لأنّ العادة جارية أنّ إزالة هذه الأجزاء لا يكون بثلاثة أحجار، بل يتوقّف على عنايات فائقة صعبة، بينما لسان الأدلّة لسان الإجزاء والتسهيل.

فهذا يكون قرينةً على أنّ المراد إزالة العين بوجودها المعتدّ به، لا بوجودها غير المعتدّ به. فتكون الإزالة بالأحجار مطهِّرة بمجرد إزالة المرتبة الأولى من العين، وهذا ممّا لا إشكال فيه.

وإنّما يقع الكلام في أنّ الحكم بالمطهّرية بزوال المرتبة الأولى، مع وجود الثانية:

هل يرجع محصّله إلى أنّ هذه الأجزاء الدقيقة من عين النجاسة يحكم 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

(1) الاستنجاء: هو طلب النجو بمعنى الخلاص. لسان العرب: 14: 62. القاموس المحيط: 4: 570. والمقصود هو الخلوص.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بطهارتها، وهو أمر غريب على أذهان المتشرعة، وأذهان العرف؟

أو يرجع محصّله إلى أنه باقٍ على نجاسته العينيّة، ولكن يعفى عن تمام آثاره، فيجوز حمله ولا تسري نجاسته إلى الثوب أو الماء أو غيره، بل لو انفصل إلى موضع آخر أيضاً يُقال: إنّ الموضع الآخر لا يتنجَّس؟

وهذا يواجه مشكلة السراية المركوزة عرفاً، خصوصاً إذا انفصل عن المحلّ، فإنه لا يخلو من غرابة.

والاحتمال الثالث أن يكون نجساً، ويكون معفوّاً عنه بمقدار تبعات عملية الاستنجاء، وإزجائها بيسر. فيجوز حمله ولا يسري إلى بدنه وسرواله، لأنّه حكم مبني على التسهيل، أما لو وضع في مكان منفصل فلا يعفى عنه.

والقدر المتيقن من هذه الاحتمالات لو دار الأمر بينها هو الثالث، فإنه أقل محذوراً منها.

التطهير بالماء 

وأما إذا كان التطهير بالماء فيجب إزالة العين والأثر كما قالوا، وتخيَّلوا أنّ المقصود إضافة قيد جديد هنا؛ لأنهم قالوا في أبحاث تطهير الماء إنه يجب إزالة العين دون الأثر.

فقيل: المقصود من الأثر: اللون أو الرائحة، فيجب إزالتها، بينما لا يجب إزالتها في غير هذا المورد، ذكرها صاحب الجواهر(1)، وشرح مقصود الفقهاء بـ(ما هو صفة)، وهو أنه ليس المراد إضافة شرط زائد، بل ما يجب إزالته بالماء هو ذاك 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

(1) أنظر المطلب مفصّلاً في: جواهر الکلام (ط. الحدیثة)، الجزء: ٣، الصفحة: ٤٠8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأثر الذي فرض أنه يجب إزالته بالمسح، وعبّر عنه بالأثر وهو تعبير عرفي، وإنما احتيج إلى هذا التعبير هنا؛ لدفع تخيّل أنّ الغسل بالماء كالمسح بالأحجار.

وعلى أيّ حال، إن كان المقصود الأثر الحقيقي فمن الواضح عدم وجوب إزالته عند الغسل بالماء، تمسّكاً بإطلاقات الغسل التي مفادها هو حصول هذا العنوان من دون زواله، مضافاً إلى التصريح بعدم لزوم إزالة بعض مصاديق هذا العنوان كالريح في رواية ابن المغيرة(1)

وأما الأثر بمعنى العين بوجوده الضئيل فمقتضى القاعدة وجوب إزالته في سائر الموارد، لأنّ الغسل لا يصدق ما لم يزل الوجود العرفي للعين، وفي خصوص المورد عنوان الاستنجاء لعلَّه يتقوّم بذلك، لأنّه مأخوذ من التخلّص. 

تقريبان لعدم وجوب إزالة الأثر 

وفي مقابل ذلك تقريبان: لعدم وجوب إزالة هذه المرتبة(2)

التقريب الأوّل: مادام ثبت عدم وجوب إزالة هذه المرتبة في مقام المسح بالأحجار، فلو وجب إزالتها بالماء لكانت مطهّرية الماء أضعف من مطهّرية الأحجار، فيكون ذلك قرينةً على دلالة الدليل على عدم وجوب زواله.

إن هذه الكفاية لو كانت ترجع إلى شدّة المطهّرية لكانت كما قيل، ولكن حيث إنَّها جعلت لمجرد التسهيل، ولذا اكتفى به في موضع الغائط، ولم يشمل سائر البدن.

ــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 322، الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(2) أي: المرتبة الثانية.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إذن، فيحتمل الفرق بين الحجر والماء، فإنه في الحجر لو اشترط زوال المرتبة الثانية لكان مُزيلاً صعباً، بخلاف الماء فإنّ إزالتها به أمرٌ مُتعارف وغالبي.

التقريب الثاني: التمسّك بإطلاق رواية ابن المغيرة (لا، ينقّى ما ثمّة)(1) ويونس بن يعقوب “يذهب الغائط(2).

بتقريب: أنه بناءً على ما ذهب إليه الفقهاء من التمسّك بإطلاقهما لإثبات مطهّرية المسح، هل أُريد به الإذهاب الكامل أو الجامع بينه وبين الناقص؟ فعلى الأوّل يلزم تعذّر التمسّك بإطلاقهما لإثبات مطهّرية المسح -كما ذهبنا نحن-؛ لأنّه لا يحصل النقاء الكامل بالمسح بالأحجار. وإن أُريد الجامع فمعناه أنّ الإذهاب الناقص يكفي، سواء حصل بالماء أو بالأحجار.

ولعل صاحب الجواهر(3)كان ينظر إلى ذلك حين قال: (إنّ النقاء لكل شيء بحسبه فنقاء الأحجار…إزالة العين دون الأثر، بخلاف الماء).

هذه الكلمة إن كانت جواباً على مثل هذا التقريب فلا يمكن قبولها، لأنَّها صحيحة فيما لو وردنا دليلان، في أحدهما أضيف النقاء إلى الماء، وفي الآخر 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

(1) تقدمت قريباً.

(2) وسائل الشيعة1: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

(3) انظر: جواهر الكلام (الطبعة الحديثة) 1: 382: قال: “أنّ النقاء لكلّ شيء بحسبه، فنقاء الأحجار – للسيرة والطريقة وحصول العسر والمشقّة – إزالة العين دون الأثر، بخلاف الماء، فإنّه بإزالة الآثار كما في سائر النجاسات”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أضيف إلى الحجر، فيحمل الأوّل على الكامل والثاني على الناقص.

وأما إذا ورد عنوان النقاء من دون إضافة فيجب أن يحمل على معناه العرفي.

فإن قيل: إنّ معناه هو الخلو الكامل كما قلنا. فهذا خلف الاستدلال بالروايتين على المطهّرية، وأما إذا قبلنا دلالتهما على المطهّرية فهذا معناه أننا قلنا إنّ النقاء هو الخلو، ولو في الجملة، فنتمسّك بإطلاقه، ومعه لا حاجة إلى ملاحظة مناسبات المضاف والمضاف إليه. والصحيح في الجواب هو أن هاتين الروايتين لا إطلاق لهما للمورد، بل تكونان دليلاً على المدّعى، وهو وجوب إزالة المرتبة الثانية بالماء.

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



مسألة1: [حرمة الاستنجاء بالمحترمات وعدم كفايته في التطهير]

لا يجوز الاستنجاء بالمحترمات[1] ولا بالعظم والروث، ولو استنجى بها، عصى لكن يطهر المحل على الأقوى[2](1).

[1] لا يجوز ذلك تكليفاً، لأنّه هدر لاحترامه اللازم حفظه شرعاً، إلّا أنّ هذا حكم تكليفي صرف، لا يوجب بطلان الاستنجاء، تمسّكاً بإطلاقات الاستنجاء، ولا دليل على كونه غير مطهّر، فمقتضى القاعدة التفصيل بين الحرمة التكليفية، والبطلان الوضعي، كما لو غسل ثوبه بالماء المغصوب.

[2] يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في أصل عدم جواز الاستنجاء بالعظم والروث.

الثاني: بعد افتراض عدم الجواز، هل هي بمعنى الحرمة التكليفية، أو بمعنى بطلان الاستنجاء أو هما معاً؟

ــــــــــ[167]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 174، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المقام الأوّل: في أصل الجواز:

أما المقام الأوّل فمهمّ ما يستدل به على عدم جواز الاستنجاء بالعظم والروث أمران:

الأمر الأوّل: رواية ليث المرادي

عن أبي عبد الله قال: “سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود، قال: أما العظم والروث فطعام الجن، وذلك ممّا اشترطوا على رسول الله، فقال: لا يصلح بشيء من ذلك”(1)(2).

وهي ضعيفة سنداً ودلالةً، أما سنداً فلورود المفضل بن صالح(3) فإنه ليس بثقة.

وأما من حيث الدلالة فإن قوله: لا يصلح – أي الاستنجاء- بشيء من ذلك لا يدل على الحرمة، وذلك لأمرين: 

الأمر الأوّل: أنه علّل ذلك بكونه من طعام الجن، ومن الواضح أنّ هذه العلة لا تناسب مع الحكم الإلزامي، فإنّ غاية ما يقتضيه دخوله تحت عنوان الغصب أو مزاحمتهم. ومن المعلوم أنّ التمسّح بالحجر المغصوب، والغسل 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

() باب 35 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 354، كتاب الطهارة، الباب 15، الحديث: 16، وسائل الشيعة1: 357، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(3) انظر: رجال الطوسي: 307، باب الميم، الرقم: 4541-566-، ابن الخضائري1: 88، رجال البرقي: 34، رجال بن داود: 518، باب الميم، الرقم: 496.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بالماء المغصوب صحيح، فهذه العلّة تكون علَّة للحزازة، لا أنه لا يكون مطهّراً، وهذا البيان في مقابل استفادة الحرمة الوضعية منه.

الأمر الثاني: وأما أن يكون مفاده الحرمة التكليفية فقد بينّا مراراً أنّ (لا يصلح) نفي للصلاح وهو يستعمل عرفاً لإثبات أدنى حزازة ومنقصة.

مضافاً إلى غرابتها متناً، فإنه يشبه الأساطير، وليس منسجماً مع ما هو المفهوم من الجن شرعاً.

الأمر الثاني: الإجماع

الأمر الثاني الذي يستدل به هو الإجماع، وقد نُقِلَ كثيراً وأهمّه نقل الغُنية(1) والمعتبر(2) للمحقّق وتبعهما المتأخرون(3)، ولا شك أنه هو المشهور شهرةً كبيرةً.

إلّا أنّ الإجماع بالمعنى الذي يعوّل عليه في ثبوت الحكم الشرعي غير موجود. وهنا بواعث على التشكيك فيه.

بواعث التشكيك في الإجماع

الأوّل: أنه لم يدّعِ إلّا من طبقة ابن زهرة والمحقق ومن بعدهما، ولم ترد قبله 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

(1) غنية النزوع1: 36، كتاب الطهارة، الفصل الأول، قال: (ويدل على جميع ذلك الاجماع).

(2) المعتبر1: 132، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الأمر الثاني، مسألة: لا يستعمل الروث ولا العظم…، قال ما نصه: (… عليه اتفاق الأصحاب).

(3) انظر: جواهر الكلام2: 47، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الثاني، عدم جواز الاستنجاء بالأعيان النجسة… .

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

دعوى بالإجماع. بل الشيخ الطوسي في الخلاف(1) الذي يتمسّك بالإجماع كثيراً، ويتمسّك به في باب الاستنجاء كثيراً أيضاً، لم يستدل على هذا الفرع بالإجماع، بل قال: (دليلنا الاحتياط والرواية). فسكوته عن نقل الإجماع، وصيرورته إلى الاحتياط أحد البواعث المهمة في التشكيك في وضوح الإجماع في عصر الشيخ الطوسي.

الثاني: ويلاحظ أيضاً أنّ جملةً من الأقدمين لم يُنقل عنهم ذلك كابن حمزة وسلّار، فإنّهم ما تعرضوا لهذه المسألة، فمعرفة آرائهم إنما كان بالحدس. 

ويؤيّد ذلك تردّد بعض المتأخرين والمتوسّطين كالعلامة وصاحب (الوسائل)، مضافاً إلى أنّ المسألة مَدركيّة فيها روايات عامة وخاصّة.

وعليه فلا يحرم الاستنجاء بالعظم والروث لا تكليفاً ولا وضعاً.

المقام الثاني: لو فرضنا الحرمة، فهل هي حرمة تكليفية أم وضعية؟

ذكر السيد(2) الأستاذ: أنّ المَدرك إن كان هو الإجماع، فيتعيّن المصير إلى حرمة الاستنجاء تكليفاً ووضعاً معاً. فإن كلمات المجمعين مختلفة بعد اتفاقهم على أصل الحرمة، فبعضهم يصرّح بالحرمة التكليفية، وبعضهم بالحرمة الوضعية.

وهذا الخلاف لا يضر بالإجماع؛ لأنّه خلاف في تفسير القضية المجملة التي 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) الخلاف: 106، كتاب الطهارة، مسألة 52.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 378، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، حرمة الاستنجاء بالمحترمات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

انعقد عليها الإجماع. فنعلم إجمالاً بأنّ الاستنجاء بالعظم والروث إما حرام تكليفاً أو باطل وضعاً، يعني بالمؤونة الزائدة، وهو يوجب عدم إمكان التمسّك بإطلاق “يذهب الغائط(1)، فإنه يكون من قبيل المخصّص المنفصل الدائر أمره بين المتباينين، لأنّ أحد الجوازين ساقط يقيناً، فالتمسّك بالإطلاق متعذّر فيكون العلم الإجمالي منجزاً.

إلّا أنّ هذا فيه مواقع للنظر:

أمّا أولاً: فلأن قوله “يذهب الغائط” لا يدلّ على الجواز التكليفي بل على الوضعي فقط، فإنه لو كان أمراً تكليفياً كقوله: (صلّ)، لجاء كلام السيد الأستاذ والميرزا، بأنّ الأمر بصرف الوجود يقتضي الترخيص في تطبيقه على كل فرد من أفراده، ولكن (يذهب) أمر إرشادي إلى ما يحصل به الاستنجاء والتطهير، كما هو الحال في سائر الأوامر، فيكون في قوة جملة خبرية.

نعم، يدل بدلالة الاقتضاء أنّ هناك أفراداً متعارفةً جائزةً تكليفاً، لكن لا يدلّ على أنّ تمام أفراده تكون مباحةً، تماماً كقوله: (اغسل) فإنه لا يدل على أنّ كل أفراد الغسل يكون مباحاً، فمفاد الرواية هي الحكم بالمطهّرية فقط.

إذن، فالعلم الإجمالي المأخوذ من الإجماع، أحد طرفيه وهو بطلان الاستنجاء منفي بهذه الرواية، فيتعيّن بالثاني، وهو الحرمة التكليفية.

ثانياً: لو كانت تدلّ رواية يونس بن يعقوب على الحرمتين معاً لأصبحت مجملةً، لكن الدليل على مطهّرية كلّ قالع غير منحصر بها، بل نفس روايات 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 316، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الكُرسُف والخِرَق بعد إلغاء الخصوصية، وقد اعترف السيد(1) الأستاذ بذلك في المسألة السابقة، ومن الواضح أنها ناظرة للمطهّرية فقط.

ثالثاً: لو كانت كل أدلة الباب مجملةً، فهذا العلم الإجمالي منحل لا ينجز كلتا الحرمتين، فإننا إن بنينا على وجود مطلقات فوقانية تقتضي انحصار المطهّر بالغسل، -إلّا ما خرج بدليل-، وشمولها لمورد الاستنجاء ومقتضاها عدم المطهّرية بالاستنجاء بالعظم والروث، فتكون نافيةً لأحد طرفَي العلم الإجمالي، وهو الحرمة التكليفية، ومثبتة للطرف الآخر وهو الحرمة الوضعية، وتنفى الحرمة التكليفية بأصول أخرى كالبراءة.

وإن لم تكن عندنا مطلقات من هذا القبيل رجعنا إلى استصحاب بقاء النجاسة هنا، وأصالة البراءة عن الحرمة التكليفية هناك، والعلم ينحل بجريان أصل يثبت في أحد طرفيه، وأصل نافٍ في الطرف الآخر، كما قرأنا في الأصول.

فلا يمكن أن يكون هذا العلم منجزاً بحيث يثبت كلتا الحرمتين، كما ذهب إليه السيد(2) الأستاذ(3)

ــــــــــ[172]ــــــــــ

() انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 372، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، كفاية كل قالع للنجاسة.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 378، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، حرمة الاستنجاء بالمحترمات.

(3) عطلة محرم الحرام، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة2: [حكم الاستنجاء بالمسحات فيما لو بقيت رطوبة في المحلّ]

في الاستنجاء بالمسحات إذا بقيت الرطوبة في المحلّ يشكل الحكم بالطهارة… (1).

هناك فرق بين أن يكون ما يتبقّى في الموضع من الأجزاء الجامدة، أو أن يكون رطوبةً محسوسةً، فإن كان من الأجزاء الصغار الجامدة فهو موضع العفو الذي ذكرناه سابقاً، وأما إذا كانت هذه الأجزاء رطبةً فلا يعفى عنها.

والوجه في ذلك واضح؛ لأنّ أدلة التطهير عموماً -كما بينّا سابقاً- تقتضي إزالة كل العين، حتى الأجزاء الصغار ما دام لها وجود في نظر العرف، سواء كان بالماء أو بالخِرَق أو بالمشي على الأرض، غاية الأمر في خصوص المسح الاستنجائي قامت قرينة على عدم اعتبار زوال هذه الأجزاء الصغار، وهي إما الإجماع، أو لزوم لَغوية الحكم أو عسريّته عرفاً، لو اعتبر زوال الأجزاء الصغار. وهو مخالف للسان المسح، الذي هو لسان التخفيف والتسهيل.

وهذا غير وارد في الرطوبة؛ لأنّه لا يلزم من الأمر بإزالتها لغوية ولا عسر ولا حرج، لأنّ إزالتها بالأحجار أمر سهل، فيبقى وجوب إزالتها على القاعدة.

 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 174، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مسألة 3: [اعتبار عدم الرطوبة المُسرِية فيما يمسح به]

في الاستنجاء بالمسحات يعتبر أن لا يكون فيما يمسح به رطوبة مسرية(1).

اشتراط عدم الرطوبة المسرية

سوف يأتي(2) أنه يشترط في التطهير بالمسح الاستنجائي أن تكون النجاسة منحصرةً بالنجو لا أن تكون نجاسةً من ناحية أخرى، وهذه المسألة يمكن أن تعتبر من تطبيقات تلك المسألة، لأن الحجر أو (الوصلة)(3) الرطبة إذا استعملت فسوف تتنجَّس بملاقاة النجو، فتنجّس موضع النجو أيضاً، فيكون موضع النجو متنجِّساً بغير النجو، وهو الوصلة المرطوبة.

لا يشترط انعدام الرطوبة المسرية

وفي مقابله قد يقال: بعدم الاشتراط بثلاثة تقريبات مترتبة: 

التقريب الأوّل: التمسّك بإطلاق دليل المسح

 فإنّ مقتضى قوله: “يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار”(4) سواء كانت 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 174، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 3.

(2) في المسألة الرابعة من مسائل الفصل وهي المسألة التالية.

(3) الوصلة: بمعنى الخرقة (قطعة من القماش). 

(4) وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

يابسةً أو مرطوبةً، فإنَّها تشمل كل الحالات التي يمكن أن يتصّف بها الحجر.

هذا التقريب جوابه واضح؛ لأن المدّعي يشترط عدم الرطوبة فإن كان اشتراط عدم الرطوبة شرطاً زائداً مولوياً تعبّدياً في الاستنجاء، لأمكن نفيه بالإطلاق، والدليل ناظر إلى النجاسة النجويّة لا إلى النجاسة الأخرى.

التقريب الثاني: أننا نتمسّك بإطلاق الدليل مع ضمّ الفحوى العرفية

 باعتبار أنّ هذه الوصلة المرطوبة وإن تنجَّست بالنجوّ ونجست موضعه، لكنها حيث إنَّها نشأت من النجو، وكانت بتبعه، فالعرف يرى أن ما يرفع الأصل يرفع الفرع أيضاً.

هذا التقريب أيضاً غير صحيح؛ فإنّ الدليل الوارد تارةً تلحظ فيه جنبة التسهيل، وأخرى لا تلحظ فيه، فعلى الثاني تكون هذه الفحوى العرفية صحيحةً، وعلى الأوّل بحيث إنّ مقتضى الوضع كانت النجاسة موجودةً، لكن عُفيَ عنها تسهيلاً، كالدم الأقل من الدرهم، وكالمقام، فالتسهيل يقدر بقدره، فقد يكون التسهيل بما يعم به الابتلاء، وقد يكون الابتلاء خاصّاً بنفس النجاسة النجوية لا ما يحدث عنها.

التقريب الثالث: أنّ هذه الوصلة تنجّست بملاقاة النجو 

لكن من قال إنّها تنجِّس موضع النجو؟! فإنَّها متنجِّس أول، ودليل تنجيسه لا إطلاق فيه لمثل هذه الحالة، وهو شموله لنفس ما تنجَّس به، خصوصاً لو تنجست الوصلة بموضع النجو، لا بالنجو نفسه، كما في المسح الثاني. ولا يمكن أن نتعدّى من كل متنجِّس إليه إلّا بالجزم بإلغاء الخصوصية بالارتكاز العرفي، 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وإلا لم يمكن التعدّي. والمسألة مُبتنية على الاحتياط الوجوبي.

والتعدّي في المقام غير ممكن لوجود فرق من المحتمل أن يكون فارقاً، وهو كون هذا مستعملاً في تطهير الموضع، ومن المحتمل عرفاً أنّ ما يستعمل في إزالة القذارة لا يرجعها مرة أخرى.

نعم، في فرض شاذّ لا احتياط وجوبي أصلاً، وهو ما إذا قلع تمام عين النجاسة بالمرة الأولى، واستعمل الحجر الثاني بعد زوالها وكان هو المرطوب، فهو يلاقى مع المتنجِّس الأوّل فيتنجَّس به، إلّا أنه لا ينجّسه لان المتنجِّس الثاني لا يُنجِّس.

وينبغي أن يعلم بهذا الصدد أنّ هذا الشرط أمر في مقابل اشتراط طهارة الأحجار في نفسها، لأنّ مقصود مشترط الطهارة طهارتها في نفسها، لا طهارتها بعد الاستعمال، فلا ينبغي أن يفرع هذا الشرط على ذاك الشرط.

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



مسألة 4: [تعيّن الماء حال خروج نجاسة أخرى مع الغائط]

إذا خرج مع الغائط نجاسة أخرى كالدم، أو وصل الى المحلّ نجاسة من خارج يتعيّن الماء(1).

إنّما يكفي التطهير بالمسح فيما إذا لم تكن نجاسة أخرى، وأما إذا كانت نجاسة أخرى تعيّن الماء. هذا هو المدّعى، وهناك طريقان لتقريبه:

طريقان لإثبات المُدَّعى

التقريب الأوَّل: أن يُدّعى أنّ روايات الباب منصرفة عن مورد وجود النجاسة الأخرى، ومختصّة بتمحّض النجاسة بالنجاسة النجوية.

التقريب الثاني: أنّ روايات الباب تشمل بإطلاقها هذا المورد أيضاً، لكن مفادها جعل المسح مطهِّراً بلحاظ النجاسة النجوية فقط، لا بالنسبة إلى النجاسة الأخرى. 

والفرق بين الطريقين: أنّ الأوّل مقتضاه أنّ نفس النجاسة النجوية باقية فيما إذا اجتمعت النجاستان، وأما على الثاني فالنجاسة النجوية ترتفع بالمسح، وإنما المحذور يبقى في النجاسة الثانية.

ــــــــــ[177]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 174، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أما الطريق الأوّل: فالظاهر أنه لا موجب لهذا الانصراف، فإنّ مقتضى عنوان الاستنجاء الشمول له، فإنه استنجاء، غاية الأمر أنه يوجد نجاسة أخرى، ومجرد شيوع ذاك وأقلّية هذا لا يوجب الانصراف.

وأما الطريق الثاني: فلا ينبغي الاستشكال في صغراه، وأنّ الروايات غير ناظرة إلى النجاسات الأخرى، بل مفادها جعل المسح مطهِّراً من النجاسة الفعلية، إلّا أنّ الكلام في أنّ هذا الطريق هل يكون منتجاً للمطلوب أو لا؟

قد يقال: أنّه ينبغي التفصيل فيه بين صورتين، صورة ما إذا كانت النجاسة قبل النجو، وصورة ما إذا كانت بعده، فإن كانت قبله لم تطهر النجاسة ولا بُدَّ من الماء. 

وأمّا إذا وجدت النجاسة بعد النجو والتخلّي، فقد يقال: إنّ هذا الطريق غير منتج، لأنّ النجاسة النجوية ارتفعت، والنجاسة الثانية لم تحدث، لأن المتنجِّس لا يتنجَّس، إذن، لا توجد نجاسة أخرى تزال بالمسح.

ويستفاد من كلمات السيد(1) الأستاذ الجواب على هذا الإشكال: بأننا نتمسّك بإطلاق دليل (اغسل من الدم)، مثلاً لما إذا وقع الدم عقيب النجو، فالنجاسة النجوية وإن ارتفعت بالمسح، والنجاسة الثانية الدَمّية لم تحدث، ولكن يجب الغسل تمسّكاً بإطلاق دليل وجوب الغسل.

وهذا الكلام غير صحيح، لأنَّنا إذا قبلنا بأن المتنجِّس لا يتنجَّس لا يمكن 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 379، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

التمسّك بإطلاق ذلك الدليل، لأنّ (اغسله) إرشاد لحدوث النجاسة، وكون الغسل مطهِّراً لها، وقد فرضنا أنه لم تحدث نجاسة.

وبتعبيرٍ آخر: إنّ مفادها المطهّرية من النجاسة الحاصلة من الدم، ونحن نريد أن نجعل الماء مطهِّراً من النجاسة النجوية لأنّ النجاسة الدَمّية متعذّرة.

والصحيح في مقام الجواب أن يقال: إنّ المتنجِّس يتنجَّس مرّةً ثانية، فإنّ مقتضى إطلاقات الأدلة هو حصول النجاسة في كل ملاقاة، فإنّ مقتضى دليلَي الملاقاة للغائط وللدم هو عدم التداخل وثبوت النجاستين معاً، غاية الأمر أنه لا يلتزم بالتعدد للزوم اللَغوية، وأما حيث يكون لتعدد النجاسة أثر شرعي زائد، ومقامنا من هذا القبيل، فإنّ النجاسة المتأخّرة لها أثر زائد وهو انحصار مطهّرها بالماء. وبهذا يتم الطريق الثاني.

ولعلنا نشير إلى الثمرات العملية بين الطريقين.

الشك في وجود نجاسة أخرى

قوله: و لو شك في ذلك يبني على العدم فيتخيّر(1) .

ثم يقع الكلام في فرض الشك لو شك أنه هل هناك نجاسة أخرى أو لا؟ فهل يجوز الاكتفاء بالمسح أو لا؟

قيل: إنه يجري في المقام استصحاب بقاء النجاسة بالمسح.

وقيل بأنّ هذا الاستصحاب الحكمي محكوم باستصحاب موضوعي هو ــــــــــ[179]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 174، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

استصحاب عدم الملاقاة مع الدم، فإن ذاك الشك مسبب عن هذا الشك.

وتحقيق الكلام في ذلك يقع في مرحلتين: في الاستصحاب الحكمي في نفسه، ثم في الاستصحاب الموضوعي.

المقام الأوّل: في جريان الاستصحاب الحكمي

الكلام في المقام الأوّل: في تحقيق جريان الأصل الحكمي في نفسه:

هنا ثلاث فرضيات:

الفرضية الأولى: أن نقول: إنّ المتنجِّس يتنجَّس، فنُحرِز النجاسة النجوية سواء كان هناك دم أو لا، وسواء كان الدم قبل النجو أو بعده، فالنجاسة النجوية معلومة وجداناً، ويشكّ في فرد آخر من النجاسة، وبعد أن يمسح بالأحجار الثلاثة يبنى على أنّ النجاسة ترتفع عادةً، لأنّ من يقول بأنّ المتنجِّس يتنجَّس يستند إلى الطريق الثاني السابق.

وحينئذٍ فالفرد المتيقن من النجاسة -وهي النجوية- علم بارتفاعه ويشكّ في بقاء الجامع في ضمن الفرد الآخر المشكوك الحدوث من أول الأمر. فيصبح من استصحاب القسم الثالث من الكلي، فلا يجري، فلا تصل النوبة إلى الأصل الحاكم عليه.

الفرضية الثانية: أن نبني على أن المتنجّس لا يتنجَّس ونفرض أنّ النجاسة الدَمّية محتملة الورود بعد النجو.

تكون النجاسة النجوية معلومة وجداناً، لأن المحل طاهر عند حدوثها، فإن كان قد طرأ عليه دم فسوف لن يطهر بالمسح، وإن لم يطرأ عليه فيطهر 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بالمسح، فهنا عندنا نجاسة شخصية معلومة حدوثاً، مشكوكة بقاء (بناءً على الطريق الأوّل، لأنّ كل من يقول بأنّ المتنجِّس لا يتنجَّس يسلك الطريق الأوّل) فيجري استصحاب بقاء النجاسة النجوية بشخصها.

الفرضية الثالثة: أن نقول: بأنّ المتنجِّس لا يتنجَّس، وكان الدم محتملاً قبل النجو لا بعده، فمن أول الأمر لا يوجد علم تفصيلي بالنجاسة النجوية، بل يوجد علم إجمالي بإحدى نجاستين، فبعد أن يمسح بالأحجار، يقول: إن كانت النجاسة نجويّة فقد ارتفعت، وإن كانت هي الدَمّية فلم تزل، فيكون من تردد المعلوم بالإجمال بين الفرد القصير والطويل، فيجري استصحاب النجاسة. ويكون من القسم الثاني من استصحاب الكلي، لو قلنا بأنّ النجاسة الدَمّية والنجويّة حيثيات تقييديّة.

وإن قلنا إنّها حيثيات تعليليّة، فتكون النتيجة معلومة تفصيلاً، فيجري استصحابها شخصاً، والصحيح أنّ الظاهر أنهما حيثيات تقييديّة.

المقام الثاني: في حاكمية الاستصحاب الموضوعي

إنّ هذا الاستصحاب الحكمي في مورد جريانه هل يوجد أصل حاكم عليه أو لا؟

أما في الفرضية الثانية: وهي مورد جريان الاستصحاب الشخصي، فيكون موضوع مطهّرية المسح مركّب من جزئين:

الأوّل: أن يكون هناك نجو.

والثاني: أن لا يكون هناك دم، (بناءً على الطريق الأوّل وهو الانصراف).

ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

والجزء الأوّل محرز وجداناً، وعدم الدم يحرز بالاستصحاب، فتتم حاكمية الأصل الموضوعي.

وأما الفرضية الثالثة: فيوجد علم إجمالي حدوثاً بوجود إحدى النجاستين، وإحداها ترتفع على تقدير وجودها والأخرى لا ترتفع فيجري استصحاب بقاء النجاسة، فهل يفيدنا الاستصحاب الموضوعي أو لا؟

دعوى السيد الأستاذ في المقام

 ادّعى السيد(1) الأستاذ أنّ هذا الاستصحاب الحكمي محكوم للاستصحاب الموضوعي؛ لأنّ الاستصحاب للقسم الثاني من الكلي وإن كان يجري، إلّا أنه إذا وجد عندنا أصل يُعيّن الفرد القصير، ينحل العلم الإجمالي ولا يجري استصحاب بقاء النجاسة.

وفي المقام كذلك؛ لأنّ حدوث النجو متيقّن وحدوث الدم مشكوك، فباستصحاب عدم حدوث الدم وبضمه الى الوجدان وهو ملاقاة المحل، نثبت أنّ المحل تنجَّس بالنجو، وأنه خالٍ من الدم، فيكون النجو منجِّساً، فتتعيّن النجاسة النجوية، فينحلّ العلم الإجمالي، ويتعيّن الفرد القصير وهو يزول بالأحجار.

مناقشة السيد الأستاذ

وهذا لا يتمّ لما قلناه في بحث استصحاب الكلي من: أنّ أيّ أصل أو قاعدة تهدم اليقين بالحدوث، أو الشك في البقاء، تكون حاكمةً على الاستصحاب. 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 380-381، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

والحاكمية المتعارفة عندنا تهدم الشكّ في البقاء، وهو ما لو غسلنا الثوب المتنجِّس بالماء المستصحب الطهارة.

وفي المقام يريد أن يبيّن الحاكمية بلحاظ اليقين بالحدوث، فإنّ استصحاب القسم الثاني من الكلي يحتاج إلى يقين بالحدوث وهو اليقين بالكلي، أو العلم الإجمالي الجامع بين القصير والطويل، والأصل يعيّن نوع الحادث، فيرتفع هذا الركن من الاستصحاب، فلا يكون جارياً، لأنّه فرع أن يكون العلم متعلّقاً بالكلي، ليجري استصحابه، وأما لو تعيّن في الفرد فلا يجري، كما لو تعيّن الفرد بالعلم أو بالبينة، كما لو تعيّن بقاعدة أو ببرهان، على أنّ الحيوان هو البقّ لا الفيل.

وهذا الكلام ممّا لا يمكن المساعدة عليه، لأنَّنا وإن أحرزنا ملاقاة النجو مع المحل، ونحرز بالأصل خلو الموضع، ونحرز به أنّ الموضع تنجّس بنجاسة نجوية، لكن هذا لا يوجب انحلال العلم الإجمالي، لأنّه علم بالنجاسة النجوية بنحو مفاد كان التامة، لا أنّ النجاسة المعلومة بالإجمال هي النجاسة النجوية، إلّا إذا أمكن باستصحاب مفاد كان الناقصة إثبات مفاد كان الناقصة، وهو من أوضح أنحاء الأصل المثبت، وما لم يتعيّن المعلوم الإجمالي لا ينحل العلم الإجمالي.

نظّر السيد(1) الأستاذ المقام بما إذا شك أنّ الخارج بعد البول هل هو منيّ أو 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 380، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بول؟ فيجري استصحاب عدم خروج المنيّ، ولا يعارضه استصحاب عدم خروج البول؛ لأنّه يكون بولاً على بول، وهو لا أثر له شرعاً، وباستصحاب عدم المنيّ يتنقّح الموضوع للحكم بارتفاع الحدث بالوضوء، أي أننا نعيّن بالأصل الفرد القصير الذي يرتفع بالوضوء، كما عينّا هناك الفرد القصير الذي يرتفع بالأحجار.

وهذا الكلام من السيد الأستاذ يصحّ لو كان الحدث كالخبث اعتبار شرعي مستقلّ يرتفع بالوضوء والغسل، كما يرتفع الخبث بالماء أو المسح، ويكون حكم الخبث هو المانعية، كما أنّ حكم الحدث هو عدم جواز مسح المصحف مثلاً، فإنه لو تمّ ذلك لأمكن استصحاب عدم الحدث الأكبر، وبه يتعيّن الفرد القصير.

إلّا أنّ هذا في نفسه غير تام، لأنّ الموجود في الأدلة هو عنوان الطهارة، كقوله: “لا صلاة إلّا بطهور(1)، وقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ(2) والوضوء على الوضوء نور على نور. ويعبّر أنه (على وضوء، وعلى غسل) وليس الحدث عنواناً مستقلاً في الأدلة، وإنما الطهارة هي شرط الصلاة، فلو فرض أنّ إنساناً لم يحدث من أول عمره إلى حين بلوغه وجب عليه الوضوء. وعبّر في الأدلة: (إذا كنت على غير وضوء أو على غير غسل)، فكل فعل أنيط بالوضوء، أو الغسل وجوداً يحصل شرطه بإيجاده، وكل 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(2) المائدة: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فعل أنيطت حرمته بكونه على غير غسل أو وضوء، يرتفع شرط الحرمة بنفس الوضوء أو الغسل، ولم يؤخذ الحدث في الأدلة كوجود تعبديّ قابل للبقاء، كما أخذت النجاسة الخبثية كذلك.

فإذا تمّ ذلك: أصبح الفرق بين المثال وبين محلّ الكلام واضحاً، فإننا إذا قلنا: إنّ الحدث كالخبث نفينا الحاكمية في كلا الموردين، لأنّ البيان الذي بيّناه في الخبث وارد هنا. وإن فرّقنا بينهما، قبلنا الحاكمية في المثال دون محلّ الكلام، ففي المثال يمكنه أن يستصحب عدم خروج المنيّ، ليثبت عدم وجوب الغسل وكفاية الوضوء (1).

بخلاف محلّ الكلام، فإنه لا يثبت باستصحاب عدم طروّ الدم؛ أنّ النجاسة المعلومة بالإجمال ليست دماً.

الفروق العملية بين الطريقين

ثمَّ إنّنا وعدنا بإبراز الفروق العملية بين الطريقين الأوّل والثاني اللذين ذكرناهما في أول هذه المسألة، حيث ذكرنا أنّ الطريق الأوّل وهو الانصراف ينتج أنّ النجاسة النجويّة لا ترتفع بالمسح مع وجود غيرها منضماً إليها.

وأما بناءً على الطريق الثاني فالنجاسة النجوية ترتفع وتبقى النجاسة الأخرى.

ــــــــــ[185]ــــــــــ

() لا بُدَّ أن يكون مراد السيد استصحاب عدم كون الخارج منياً ولو بنحو العدم الأزلي، أو استصحاب كونه على غسل..، حتى لا يرجع إلى استصحاب كان التامة، ليكون الاستصحاب مثبتاً كما في محل الكلام، بل ما يثبت بالاستصحاب في المثال هو مفاد كان الناقصة ابتداءً، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ومن هنا قد يقال: إنّ الفرق بين هذين الطريقين نظري، لأنّ النجاسة على أي حال موجودة.

ولكن الصحيح أنّ الآثار العملية تترتّب في عدّة موارد:

المورد الأوّل: ما إذا كانت النجاسة الأخرى متنجِّساً أول بحيث جعلت موضع النجو بالملاقاة متنجساً ثانياً، فإن بنينا على الطريق الأوّل كانت النجاسة باقيةً، وإن بنينا على الطريق الثاني ارتفعت النجاسة النجوية وبقي الموضع متنجساً ثانياً، وهو لا ينجّس.

المورد الثاني: ما إذا كان استصحاب عدم النجاسة الأخرى ساقطاً بالمعارضة في نفسه، كما لو كان من صورة توارد الحالتين، وحينئذٍ يجري استصحاب بقاء النجاسة النجويّة بلا معارض.

وهناك موارد أخرى تظهر بالتأمل(1)

ــــــــــ[186]ــــــــــ

() أقول: من ذلك ما إذا كانت النجاسة الأخرى معذوراً عنها، كالدم الأقل من الدرهم، أو دم الجروح والقروح، أو نجاسة مضطر إليها، فإنه بناءً على الطريق الأوّل تكون النجاسة غير معذور عنها لفرض أنّ النجاسة النجوية غير معذور عنها. وعلى الطريق الثاني ترتفع النجاسة النجوية وتبقى النجاسة الأخرى معذوراً عنها، ومن ذلك ما إذا كانت النجاسة الأخرى أخفّ مؤونة في التطهير من النجاسة النجوية، فإنه بناءً على الطريق الأوّل تبقى النجاسة النجوية، وتثبت أكبر المؤونتين، بخلافه على الطريق الثاني، كما هو واضح. إلّا أنّ هذا مما لا نعلم أن له مصداقاً في الفقه، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة 5: [الشك في الاستنجاء]

إذا خرج من بيت الخلاء، ثم شكّ في أنه استنجى أم لا؟ بنى على عدمه على الأحوط، وإن كان من عادته… (1).

الفرع الأول: الشك في الاستنجاء بعد الخروج من بيت الخلاء

هذا هو الفرع الأوّل في هذه المسألة، والأصل الأولي فيه هو جريان استصحاب النجاسة، أو استصحاب عدم ورود المطهّر فيه، ولكن يقع الكلام في أنه هل هناك أصل حاكم عليه أو لا؟

ما يحتمل كونه وارداً عليه هو قاعدة التجاوز الواردة في الشكّ في أصل وجود الفعل بعد الخروج من محلّه، في مقابل قاعدة الفراغ الواردة في الشكّ في صحة الفعل بعد الانتهاء منه، ففي الأوّل يبنى على الوجود، وفي الثاني يبنى على الصحة.

وقاعدة الفراغ لا شك عندهم من إطلاقها للصلاة وغيرها من الموارد، ولكن اختلفوا في قاعدة التجاوز، هل هي شاملة لغير الصلاة أو لا؟ ومن يقول بعمومها اختلفوا أنهما قاعدتان مستقلتان أو أنهما ترجعان إلى مضمون واحد.

ــــــــــ[187]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 174، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

في شمول قاعدة التجاوز للمقام 

وشمول قاعدة التجاوز للمقام مبتنٍ على أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ الفرد الحقيقي من الخروج من العمل هو وجوده وانتهائه وانعدامه، وهذا غير مراد جزماً من صحيحة زرارة(1) ورواية محمد بن إسماعيل(2) ونحوها من روايات قاعدة التجاوز، لأنّ المفروض الشك في وجود العمل، وإنما المقصود هو الفرد العنائي للخروج من العمل وهو أن يكون الفرد خارجاً عن محلّه، وداخلاً في فعل آخر.

الأمر الثاني: أنّ محل الفعل فيه نظر شرعي وعرفي وعادي فالمحل الشرعي هو ما يكون في المركبات الشرعية فالفاتحة لها محل شرعيّ معيّن بعد التكبير وقبل السورة أو الركوع وهكذا، والمحلّ العرفي هو ما اعتاد الناس أداؤه قبل شيء معيّن أو بعده.

وبتعبير آخر: ما اعتاد الناس أداؤه من فعلين أو أكثر على وجه التتابع، فالعادة الجارية على إيجاد الاستنجاء قبل الخروج من الغائط وهكذا، والمحلّ العادي هو ما يمُتّ إلى العادة الشخصية بصلة، كما لو اعتاد الفرد أن يضع مسبحته في الركعة الأولى في جيبه الأيمن، وفي ركعته الثانية في جيبه الأيسر.

والقدر المتيقن من شمول القاعدة الشرعية له هو المحلّ الشرعي وتجاوزه، 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

(1) انظر: تهذيب الأحكام2: 352، كتاب الصلاة، الباب 16، الحديث: 47، وسائل الشيعة1: 237، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث: 1.

(2) الباب 25 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث: 1، والباب 28 من نفس الباب، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأما المحل العرفي والعادي فيتوقف شمولها لها على أحد تقريبين:

التقريب الأوّل: التمسّك بالإطلاق من رواية زرارة(1) حيث يقال بشموله للتجاوز عن المحل العرفي والعادي أيضاً. 

إلّا أن هذا الوجه غير تام، لأنّ المحلّ العرفي والعادي أفراد عنائية من المحلّ، والإطلاق لا يمكن أن يكون شاملاً للفرد العنائي.

فإن قلت: بأنّ الفرد الشرعي عنائي أيضاً كما عرفنا في الأمر الأوّل، ومعه نتمسك بالإطلاق في الشمول لكل الأفراد العنائيّة.

قلنا: هذا غير ممكن، لأنّ شموله للفرد الشرعي وإن كان عنائيّاً، إلّا أنه مما قام الدليل على صحته، وشموله للأفراد الأخرى يحتاج إلى عناية زائدة عن العناية الأولى. والإطلاق إنما يكون شاملاً لأفراد العناية الواحدة لا للعنايات المختلفة.

التقريب الثاني: تنقيح المناط: وهو أن يقال: إنّ هذه القواعد ليست تعبُّديةً صرفةً، وإنما هي لنكتة عرفية، وهي ما يمكن أن نسمّيه بأصالة الالتفات في حال العاقل، بمعنى أنّ ما كان عازماً عليه ارتكازاً وجبلّةً من العمل، قد أتى به في محلّه، وكان ملتفتاً إليه في حينه، ومن هنا يُبنى على أنه قد أتى به وإن كان شاكاً به فعلاً، وقد أُشير إلى ذلك في صحيحة بكير بن أعين بقوله: “هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشكّ”(2). ومن المعلوم أنّ هذه الأذكريّة من العاقل، 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

(1) المارة قريباً.

(2) تهذيب الأحكام1: 101، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 114، وسائل الشيعة1: 471، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لا يفرق فيه بين تجاوز المحل الشرعي وغيره.

إلّا أنّ هذا التقريب غير صحيح، فإنّ معنى أماريّة الأمارة هو كونها كاشفاً محضاً عن الواقع، ولهذا قالوا: إنّها لا بُدَّ أن تكون مثبتةً للوازمها، وأما الأصول فقد لوحظت فيها جنبة نفسية محضة(1).

لهذا قال الشيخ الأنصاري(2) أو غيره: أنّ هذا التعميم يستلزم تأسيس فقه جديد.

ومن هنا يتّضح أنه في هذا الفرع لا تجري قاعدة الفراغ، بل يكون استصحاب بقاء النجاسة موجوداً وجارياً، وهو معنى البناء على عدم الاستنجاء.

ــــــــــ[190]ــــــــــ

() أقول: وليس فيها نظر إلى الكاشفية إطلاقاً، ومن هنا لا تكون مثبتاتها حجة. وهناك قواعد تكون فيها جنبة الأمارة وجنبة النكتة النفسية: كقاعدة التجاوز والفراغ واليد وأصالة الصحة ونحوها، وكانت كِلتا الجنبتين مؤثّرة في تشريعهما؛ إذ لولا الكاشفية لما حدت بالشارع تلك النكتة النفسية إلى جعل حجيتها، كما أن الكاشفية وحدها لا تؤثّر في جعلها. ومن هنا لا تكون مثبتاتها حجّة، لعدم العلم بوجود الكشف في المدلول الالتزامي فيها.

ومعه لا يكون التقريب الثاني صحيحاً؛ لأن شمول هذه القواعد لغير المحلّ الشرعي إنما يكون بدلالة التزاميّة عرفيّة، فلا تكون حجّة، (المقرر).

(2) وقال ذلك في موضعين من مكاسبه: المکاسب (طبعة المؤتمر)، الجزء: ٦، الصفحة: ١٠١، و220.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

قوله: بل وكذا لو دخل في الصلاة ثم شك (1).

الفرع الثاني: الشك في الاستنجاء بعد الدخول في الصلاة

هذا هو الفرع الثاني للشك في الاستنجاء، وهو ما إذا شكّ في حصوله في أثناء الصلاة.

1- التمسّك بقاعدة التجاوز لتصحيح الصلاة بلحاظ أن التطهير شرط متقدِّم

وهناك عدّة تقريبات لتصحيح الصلاة في هذه الصورة:

التقريب الأوّل:

 التمسّك بقاعدة التجاوز بلحاظ الاستنجاء نفسه، بأن يقال: 

1- بأنّ الاستنجاء مرجعه إلى التطهير، والتطهير شرط في صحة الصلاة، وهو من الشروط المتقدّمة على الصلاة لوضوح أنه ليس آنياً بل زمانياً يحتاج إلى مضيّ زمان، ولا يمكن إيقاعه خلال الصلاة، بل يتعيّن إيقاعه قبلها، فإذا دخل في الصلاة فقد مضى وقت الاستنجاء، ودخل في فعل غيره. فيكون مصداقاً لقاعدة التجاوز.

وهذا التقريب لا يختلف فيه الحال بين الأجزاء الصلاتيّة المتقدّمة على الشكّ، والأجزاء المتأخّرة عنه، إذ بقاعدة التجاوز يحرز شرط الصلاة، والشرط في الأجزاء المتقدّمة هو الشرط في الأجزاء المتأخّرة فتصحّ الصلاة. 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 174، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأمّا جواز الاكتفاء بذلك للصلوات الآتية، فهذا ما سوف نبحثه فيما بعد(1).

2- ومثل هذا الفرع تماماً مورد آخر: وهو ما إذا شك في الوضوء بعد الدخول في الصلاة، فإنه قد يقال بجريان القاعدة، والبناء على صحة الصلاة، باعتباره شرطاً متقدّماً قد مضى زمانه بالدخول بالصلاة.

3- ومثله: ما لو شكّ في أدائه لصلاة الظهر بعد الدخول في صلاة العصر.

إلّا أنّ التمسّك بهذه القاعدة في الموارد الثلاثة(2) غير صحيح.

وهناك إشكالات واردة بخصوص الطهارة الحدثية والخبثية، ولا تشمل صلاة الظهر.

وهناك إشكالات مشتركة.

وهناك إشكالات تختصّ بصلاة الظهر ولا تشمل الطهارة.

أمّا الإشكال الخاصّ بالطهارة الحدثية والخبثية، فهو أننا كيف نفهم شرطية الطهارة الخبثية والوضوء في الصلاة.

فإن فهمنا أنّ نفس التطهير والوضوء بوجوده التكويني شرط في الصلاة، كما هو المستفاد بدواً من الآية إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ(3). إذن 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

(1) أقول: إحراز الشرط بقاعدة التجاوز محل إشكال، فإن لسانها لسان الوظيفة العملية، والبناء على صحة ما أتى به. وهو خاص بالأجزاء المتقدّمة على الشك، (المقرر).

(2) أي الاستنجاء ومثال الوضوء ومثال صلاة الظهر. بلحاظ عبارته الآتية: “لأن كُلّاً من التطهيرين وصلاة الظهر”.

(3) المائدة: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فلا يكون هذا الإشكال وارداً. لأنّه عند الدخول في الصلاة يكون محل التطهير والوضوء بوجوده التكويني قد انتهى ما لم يرد إشكالٌ آخر.

وإن فهمنا أنّ الشرط ليس هو الوجود التكويني لهذه الأفعال، ليكون متقدّماً على الصلاة، بل هو شرط مقارن للصلاة، إما هو الحالة النفسية النورانية المسببَّة عن التطهير والوضوء، وأما هو الوضوء بوجوده البقائي الاعتباري العنائي ومن هنا قيل إنه على وضوء، واعتبر الحدث قاطعاً للوضوء(1).

وعلى كِلا التقديرين فإنّ الشرط مقارن للصلاة، فلا يكون مورد قاعدة التجاوز متحقّقاً.

وهذا الإشكال غير وارد في صلاة الظهر والعصر، لوضوح أنّ صلاة الظهر بنفسها شرط في صحة صلاة العصر. وليس وجودها البقائي ولا الحالة المسبّبة عنها(2)

وإذا كانت صلاة الظهر بنفسها شرطاً، كان محلّها قد مضى عند الدخول في العصر، ومعه يكون مورد قاعدة التجاوز موجوداً من زاوية هذا الإشكال.

ــــــــــ[193]ــــــــــ

() أقول: الطهارة الخبثية ليست بهذا المعنى جزماً بل هي حالة عرفية هي النظافة، أو ما يوازيها تعبّداً، قابلة للبقاء مسبَّبة عن استعمال المطهر، (المقرر).

(2) أقول الحالة المسببة متصورة في المقام وهو فراغ الذمة من صلاة الظهر أو إسقاط أمرها بالامتثال عند الشروع في صلاة العصر، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

التقريب الثاني: 

وهو المشترك الورود بين الطهارات والصلاة، وهو: أن نفحص معنى تجاوز المحلّ ومضيه، فإن قيل إنه مجرد الدخول في فعل ثان، كان هذا الإشكال غير وارد.

ولكن قد يقال إنّه ليس المراد به ذلك، بل المراد توقّف الأوّل على الثاني، كتوقّف الثاني على الأوّل. فمثلاً لو شكّ في التكبير خلال القراءة، فلا يكفي الدخول في القراءة ولا توقّفها على التكبير، بل نحتاج إلى أن يكون التكبير متوقّفاً على القراءة.

وهذا المعنى غير منطبق على شيء من الموارد الثلاثة؛ لأنّ كلاً من التطهيرين وصلاة الظهر أمرٌ مستقل بنفسه، ولا يتوقف على ما بعده.

وهناك تدقيق لقاعدة التجاوز بأن يقال: إنّ محل العمل هو الزمان الذي يمكن إيقاعه فيه، فإذا كان الدخول في الفعل الثاني ينهي الزمان الذي يمكن إيقاع الأوّل فيه كان مورداً لقاعدة التجاوز، وإلا كان لازال في محلّ الفعل الأوّل، ويظهر الفرق في مثال ما إذا أحدث بعد الصلاة، وفعل المنافي، وشكّ بأنه سلّم أو لم يسلّم، فإنه يكون قد خرج من الزمان الذي يمكنه إيقاع الصلاة فيه إذ لا يمكن إيقاع الصلاة بعد الحدث.

إلّا أنّ الضابط الأوّل غير منطبق لوضوح أنّ التسليم غير متوقّف على الحدث بعده، ولا الحدث متوقّف على التسليم قبله.

وهذا الضابط هو الصحيح المستفاد من أدلة قاعدة التجاوز، وهو غير منطبق على محلّ الكلام، فيتمّ الإشكال فيه، فإنه له أن يؤخّر الطهارة الخبثية والحدثية عن 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الصلاة، بمعنى أنّ زمان إمكان إيقاعهما لا يرتفع بوجود الصلاة، وإن بطلت بدونها، وكذلك لا يفوت زمان إمكان إيقاع الظهر بإيجاد صلاة العصر.

التقريب الثالث: 

وهو محاولة لإصلاح الإشكال الثاني، على نحو ينتج أنه غير وارد في اثنين من الموارد التي ذكرناها. ومعه يكون هذا الإشكال من الإشكالات المختصّة.

وهو أن يقال: إنّ ما قلناه من أنّ محل الفعل هو مورد إمكان إيقاع الفعل المشكوك فيه، صحيح، وإذا دخل في الصلاة بقي هذا المورد للاستنجاء والوضوء ولصلاة الظهر موجوداً، وهذا صحيح أيضاً.

إلّا أننا تارةً نتكلّم عن ذات التطهير والصلاة، فيكون محلّها موجوداً ومورد القاعدة منخرماً، ولكن يمكن أن نجري قاعدة التجاوز بلحاظ شرطية الفعل المشكوك فيه، والوضوء بما هو شرط للصلاة يفوت بالدخول فيها لا محالة.

وهذا لو تمّ لكان هناك مبرّر واضح في عدم الشمول للصلوات المتأخّرة، وذلك لأنّ زمان شرطية الوضوء لهذه الصلاة قد انتهى بالشروع فيها، فيكون مورداً لقاعدة التجاوز، بخلاف الصلوات المتأخرة فإنّ شرطيتها بالطهارة لا زال محلها موجوداً، إذ يمكن للمكلف أن يتوضّأ قبلها، ولا تفوت محل شرطيتها إلّا بالشروع فيها والمفروض عدمه.

وإذا تمّ ذلك فقد يقال بشمول قاعدة التجاوز للموارد الثلاثة(1)، فكما أنّ شرطية الطهارة الحدثية والخبثية يفوت وقت شرطيتها بالدخول في الصلاة، 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

(1) الواردة في (التقريب الأول) آنفاً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

كذلك صلاة الظهر بالنسبة لصلاة العصر، فإنَّها وإن لم يثبت إيقاع ذاتها لجريان استصحاب عدم إيقاع صلاة الظهر، وعدم كفاية قاعدة التجاوز في إثبات وقوعها، إلّا أنه ثبت بهذه القاعدة تحقّق شرط صلاة العصر، فتقع صحيحةً، ويجب عليه أن يصلّي ظهراً بعد ذلك.

إلّا أنه يقال في مقابله: إنّ قاعدة التجاوز تخصّ موضعين من المواضع الثلاثة وهما موردا الطهارتين، ولا تشمل صلاة الظهر والعصر، وذلك لأنّ هناك روايات تقول: (إنّ من صلّى صلاة العصر، وتذكر خلالها أنه لم يصلِّ صلاة الظهر، وجب عليه أن يعدل بنيّته إلى الظهر)(1)، وإذا كان هذا حال العلم بعدم الإتيان بصلاة الظهر، فكذلك حال استصحاب عدمها، فإنه يقوم مقام العلم ويكون حاكماً على قاعدة التجاوز بهذا اللحاظ، ويبقى الموردان الآخران محلاً لجريانها.

وهذه النكات وإن كانت فنيةً، إلّا أن لنا حولها حديثين: 

الحديث الأوّل: أنّ التفريق بين ذات الفعل المشكوك فيه وشرطيته، وإن كان ضرورياً، إلّا أننا نقول: إنّ محل الشرطية لم يفت، فلا تكون الشرطية مورداً لقاعدة التجاوز أيضاً.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() انظر: الكافي6: 80، باب فرض الصلاة، الباب 12، الحديث: 1: قَالَ‌ أَبُو جَعْفَرٍ‌: “وَإِنْ‌ كُنْتَ‌ قَدْ صَلَّيْتَ‌ الظُّهْرَ، وَقَدْ فَاتَتْكَ‌ الْغَدَاةُ‌، فَذَكَرْتَهَا، فَصَلِّ‌ الْغَدَاةَ‌ أَيَّ‌ سَاعَةٍ‌ ذَكَرْتَهَا وَلَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَمَتى مَا ذَكَرْتَ‌ صَلَاةً‌ فَاتَتْكَ‌، صَلَّيْتَهَا“، وسائل الشيعة4: 290، الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وذلك لأنّ للشرطية معنيين محتملين:

أحدهما: توقّف الصلاة على الوضوء -مثلاً- وعدم صحتها بدونه. والشرطية بهذا المعنى فات وقتها، فتكون مورداً لقاعدة التجاوز.

ثانيهما: كون العمل -كالوضوء مثلاً- متهيئاً للإتيان بالمشروط، وقابلاً لتعقّبه بعده، ومن الواضح أنّ الوضوء سواء أتى به قبل الصلاة أو بعدها أو لم يؤتَ معه بالصلاة أصلاً، فتهيؤه لتعقّب الصلاة موجود، ومعه يكون وقت الشرطية موجوداً، فلا يكون مورداً لقاعدة التجاوز(1).

الحديث الثاني: في استظهار معيّن بالنسبة إلى الروايات التي أشرنا إليها حول نقل النيّة، فإنّ فيها فهمين محتمَلَين:

الفهم الأوّل: أنها وإن كانت على خلاف القاعدة من حيث نقل النيّة واعتبار الجزء الأوّل السابق على التذكُّر ظهراً، بالرغم من أنه وقع عصراً، إلّا أنها على وفق القاعدة من حيث وجوب نقل النيّة، فإنه باعتبار الترتُّب بين الصلاتين، وليس أمراً زائداً عليها.

فإذا كان الأمر كذلك، فلا مجال لجريان الاستصحاب.

الفهم الثاني: أنّ هذه الروايات تتكفّل حكماً تعبّدياً صِرفاً، بحيث حتى لو 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

() أقول: يراد بها أن قابلية الوضوء لتعقب الصلاة موجود حال الاشتغال بالصلاة، ليكون وقت الشرطية موجوداً، وهذا لا يخلو من تسامح، إذ لا معنى للإتيان بفعل مشروط بالطهارة خلال الصلاة -بدون إبطالها- إلاَّ الأجزاء المتأخرة عن الشك، وترتّبها على الشرطية بهذا المعنى كما ترى، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

استطاع محالاً إيجاد الترتيب خلال صلاة العصر، مع ذلك يجب عليه نقل النيّة، فيجري الاستصحاب، إلّا أنه لا إشكال أنّ المستفاد من الأخبار هو الفهم الأوّل.

التقريب الرابع:

على جريان قاعدة التجاوز في الموارد الثلاثة السابقة، وهو إشكال مشترك فيها، فإنَّها إنما تجري فيما إذا كانت هناك إرادة كلية مشتركة -كما يقول الميرزا-(1)، وفي جميع الموارد الثلاثة لا يتوفّر ذلك، فلا تكون مورداً لقاعدة التجاوز.

توضيحه: أنّ الميرزا يرى أنّ قاعدة التجاوز تجري فيما إذا كانت هناك إرادة متعلّقة بمجموع الجزء المشكوك فيه، والجزء المأتي به، فإذا شكّ خلال الجزء الثاني بالأول بنى على وجوده، لأنّ الإرادة الكلية المتعلّقة بالمجموع تتحلل إلى إرادات تفصيلية تدريجية بحسب طبع وجود الأجزاء. والظاهر من حال العاقل هو أنه لا يغفل بالإرادة التفصيلية عما كان قد أراده بالإرادة الإجمالية.

وفي المقام لا توجد إرادة كلية متعلّقة بمجموع التطهير والصلاة، فإنه قد يتطهر بإحدى الطهارتين، وهو غافل عن الصلاة تماماً، وكذلك قد يصلّي الظهر، وهو غافل عن العصر، ومعه لا تكون قاعدة الفراغ جاريةً.

إلّا أنّ هذا الإشكال غير وارد، بل إنّ مورد القاعدة هو مضيّ محل العمل المشكوك فيه -بالمعنى الذي سبق أن قلناه- والدخول في غيره، وهو منطبق على الموارد الثلاثة.

ــــــــــ[198]ــــــــــ

(1) أنظر: أجود التقريرات 2: 463، فوائد الاُصول 4: 618، و650.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وما يمكن أن يكون دليلاً على كلام الميرزا أحد أمرين(1):

الأمر الأوّل: الأمثلة المذكورة في الروايات لقاعدة التجاوز، فإنَّها جميعاً من موارد وجود الإرادة الكلية المتعلقة بالمجموع، فنقتصر عليها، ولا تشمل الموارد الأخرى.

إلّا أنّ هذا الأمر غير تام، لأنّ الأمثلة أُلحِقَت بالقاعدة الكلية “كل ما شككت فيه مما قد مضى، فأمضِه كما هو(2) وإطلاقها يقتضي العموم.

الأمر الثاني: أن الإطلاق وإن لم يكن قاصراً إلّا أن هناك قرينةً على اختصاص القاعدة بمورد كلام الميرزا. وهي أنّ قاعدة التجاوز مرجعها إلى أصالة عدم الغفلة في حال العاقل، ولا يوجد هناك أصل يقتضي عدم الغفلة في كل شيء، إذ ما أكثر الغفلات التي يقع فيها الناس، وإنما يجري هذا الأصل في موارد معيّنة ودوائر خاصة منها ما ذكره الميرزا من وجود إرادة كلية متعلّقة بالمجموع، والأصل في حال العاقل أن يريد الجزء بالإرادة التفصيلية، كما أراده بالإرادة الإجماليّة أو الكليّة.

إلّا أنّ هذا الكلام غير صحيح، وذلك لأنَّنا لا نريد بأصالة عدم الغفلة وجودها في كل شيء(3)، بل نقول: إنّ من تصدّى لعمل يعرف أجزائه وشرائطه، 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

() كِلاهما غير صحيح، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام2: 344، كتاب الصلاة، الباب 16، الحديث: 14، وسائل الشيعة8: 238، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث: 3.

(3) يمكن إثباتها أيضاً بحساب الاحتمالات في غفلات العاقل والتفاتاته، فإنه يثبت أن أي عمل بعينه صادر عن التفات. وكذلك بالنسبة إلى شرائطه وأجزائه بدرجة أقل، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فالأصل فيه أن يأتي به على وجهه غير ناقص، وهذا الأمر متوفّر في المقام في موارده الثلاثة.

فهذا هو الكلام في التقريب الأوّل لتصحيح الصلاة في مورد الكلام، وهو إجراء قاعدة التجاوز في التطهير المشكوك، وقد تبيّن أنّ الإشكال الأوّل وارد والإشكال الثاني وارد دون الأخيرين، وأنّ هذه القاعدة لو جرت فهي تجري لتصحيح هذا العمل دون الأعمال اللاحقة له، لأنّ نكتتها الأساسية هي ما ذكرناه في الإشكال الثالث، ومعه فالصحيح عدم صحة التقريب الأوّل.

2- التمسّك بقاعدة الفراغ لتصحيح الصلاة

التقريب الثاني لتصحيح الصلاة في محل الكلام، التمسّك بقاعدة الفراغ بالنسبة إلى الأجزاء التي أتى بها قبل الشك، ويتطهّر بالنسبة إلى الأجزاء الأخرى، بشكل لا يلزم منه مبطل للصلاة ككشف العورة أو الاستدبار أو فعل الكثير، ومعه تصحّ الصلاة بضم التعبّد إلى الوجدان فإن الطهارة بعد التسليم بكونها شرطاً مقارناً لا متقدّماً مُحرزة وجداناً في الأجزاء المتأخرة ومُحرزة تعبّداً في الأجزاء المتقدّمة.

إلّا أنّ جريان قاعدة الفراغ في المقام يتوقف على عدّة أمور:

الأمر الأوّل: أن يقال بجريان القاعدة في الأجزاء كجريانها في المركّب، فإنّ هذا وقع محلاً للكلام. وقد منعه البعض، وتخيّلوا أنّ الفرق بين قاعدة التجاوز 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وقاعدة الفراغ هو ذلك من حيث جريان قاعدة التجاوز في الأجزاء دون قاعدة الفراغ. إلّا أنّ الصحيح شمولها للأجزاء أيضاً، ومعه يكون الأمر الأوّل تامّاً، ولا مانع من جريان قاعدة الفراغ من هذه الناحية.

الأمر الثاني: أن نقول بأنّ الطهارة شرط في الأجزاء لا في أصل الصلاة، فإنّ الشرط قد يكون قيداً في الجزء ويكون دخيلاً في المركّب باعتبار دخله في الجزء، كشرطية السجود بطهارة محلّه. وقد يكون الشرط قيداً في المركّب ويكون دخله في الجزء باعتبار ذلك، كاشتراط الصلاة بالطهارة والاستقبال ونحوها مما هو مستفاد من رواية “لا تعاد”(1).

والطهارة قد تُعتبر شرطاً في الجزء، ومعه يمكن إجراء قاعدة الفراغ وبها يحرز وجود الطهارة في الأجزاء تعبّداً، وأما لو اعتبرت شرطاً في المركَّب، فلا يمكن إجراء القاعدة، لأنّ ما تجري عنه القاعدة -وهو الأجزاء- غير مشترط بالطهارة، وما هو مشترط بها -وهو المركّب- لم يفرغ منه.

والصحيح أنّ الطهارة شرط للمجموع لا للأجزاء، فلا تكون قاعدة الفراغ جاريةً(2).

ــــــــــ[201]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه1: 279، أبواب الصلاة، باب القبلة، الحديث: 857، تهذيب الأحكام2: 152، كتاب الصلاة، الباب 9، الحديث: 55، وسائل الشيعة1: 372، الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث: 8.

(2) أقول: لا يخفى أن رواية “لا تعاد” لا تتعين بهذا الظهور، فإن وجوب الإعادة يمكن أن يكون باعتبار اختلال الجزء باختلال شرطه كما يمكن أن يكون باعتبار اختلال شرط المركب.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأمر الثالث: أن نقول بعدم اشتراط الطهارة في الأكوان الصلاتية، والمراد بها الآن ما بين الأجزاء من الوجودات الصلاتية، فإن جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الأجزاء لا يثبت وجود الطهارة في الأكوان الصلاتية، وخاصّة بالنسبة إلى الكون الذي هو فيه، فإنّه خالٍ من الطهارة الوجدانية والتعبّدية:

أمّا الطهارة الوجدانية فواضح؛ لأنَّها لا توجد إلّا بعد التطهير، وهو يحتاج الى مضيّ زمان.

وأمّا الطهارة التعبّدية؛ فلأنها لا تثبت بقاعدة الفراغ، لأنّه لم يفرغ منها، وإذا بطل هذا الكون الصلاتي حال الشكّ وهو مشترط بالطهارة وغير مُتّصف بها بطلت الصلاة المشترطة بطهارته.

والصحيح هو اشتراط الكون الصلاتي بالطهارة، فلا تكون قاعدة الفراغ جاريةً من هذه الناحية.

الأمر الرابع: أنّ قاعدة الفراغ ليست كقاعدة التجاوز مشترطة بالمضي والدخول في الغير، وهذا ما وقع فيه الكلام أيضاً، فإن استفدنا من دليلها أنها كقاعدة التجاوز، تعذّر جريانها في محلّ الكلام، لأنّه لم يفرغ ممّا في يده، وإن استفدنا جريانها من دون ذلك، كان جريانها في المقام ممكناً(1).

ــــــــــ[202]ــــــــــ

() أقول: يمكن أن يقال بأنّه حتى مع اشتراط قاعدة الفراغ بالمضي والدخول في الغير، فإن ذلك واضح الانطباق على ما سبق من الأجزاء والأكوان الصلاتيّة. نعم، يقع الإشكال في الكون الصلاتي حال الشكّ، فإنّه لم يفرغ منه. إلّا أن يقال: إن التطهير إذا كان آنياً، وغضضنا النظر عن الأمر السابق، فإن الآن الأوّل يكون ماضياً، والآن الثاني يكون معاصراً للتطهير؛ فلا إشكال. إلاَّ أن هذا فرض نظري غير واقعي.

نعم، إذا أردنا بقاعدة الفراغ تصحيح مجموع الصلاة لم تجرِ، لفرض أن أجزائها المتأخرة غير واقعة بعد.

إلاَّ أنه خلاف المفروض، وقد سلّم السيّد عدم جريانها في هذا المورد، وإذا تمّ ما قلناه في هذا الأمر وما قلناه في الأمر الثاني من الطعن في الإشكال فيها، وضممنا إلى ذلك الطعن في الأمر الثالث أيضاً، من زاوية أننا نستفيد من لسان “تطهر وبنى” العفو عن زمان التطهير إذا لم يوجد في تطويله أو تأخيره تقصير، فزمان التطهير وإن لم يكن آنياً إلاَّ أنه مغتفر، ومعه تكون هذه الأمور الأربعة كلّها تامّة، وقاعدة الفراغ جارية، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إشكال السيد الحكيم

وللسيد الحكيم في المستمسك(1): إشكال على جريان قاعدة الفراغ في المقام، وتصحيح الصلاة بها بضم التعبّد إلى الوجدان، وذلك لأنّه يقول: إنّ المكلف يعلم وجداناً بأنّ التطهير لا أثر له أصلاً، لأنّه إن كان متطهّراً يقع هذا التطهير منه لغواً، وإن لم يكن متطهّراً وقعت الأجزاء السابقة منه باطلةً، ومعه لا تصح الصلاة.

ــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) انظر: مستمسك العروة الوثقى2: 222، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلَّا أنّ هذا الإشكال غير تامّ، لأنّه إمّا أن يراد أنّ هذا التطهير لا أثر له في نفسه، أو يراد أنّه لا أثر له في تصحيح الصلاة، فإن أريد به أنّه لا أثر في نفسه، أوردنا عليه:

أولاً: بمنع الصغرى، وذلك لأنّ هذا التطهير محتمل التأثير وليس أنه لا أثر له أصلاً، وذلك على أحد التقديرين المحتملين، وهو احتمال أنه لم يكن متطهّراً، فإنه على هذا التقدير يكون مزيلاً للنجاسة، وإن لم يكن مصحِّحاً للصلاة.

ثانياً: أنّ لغوية العمل هنا لا تمنع من الإتيان به، فإنّ التطهير ليس فعلاً عبادياً.

فإن هناك مورداً ذكروا فيه جريان الأصول في طرفي العلم الإجمالي لعدم لزوم المخالفة العملية في جريانها. وذلك: ما إذا توضّأ بمائع مردد بين البول والماء، فإنّ استصحاب الحدث يجري مع استصحاب طهارة البدن، ولا يتعارضان بالرغم من العلم الإجمالي بتبدّل إحدى الحالتين؛ لأنّه لا يلزم من جريانهما مخالفة عملية.

وقلنا(1) في مناقشة ذلك أنه يظهر أثره فيما لو توضّأ مرةً ثانية، فإنه لا يستطيع أن يتقرّب بهذا الوضوء الثاني، لأنّه لو كان قد توضّأ بالماء فهذا الوضوء 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

(1) أنظر المطلب مفصلا في: دروس في علم الأصول (طبع دار إحياء التراث العربي)، ج‏6، ص: 187. وبحوث في علم الأصول (عبد الساتر) 8: 482. وأنظر أيضا: بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 5: 227.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الثاني لا أمر فيه فيقع باطلاً، وإن كان قد توضأ بالبول، فأعضاء وضوئه نجسة، فيقع الوضوء الثاني باطلاً أيضاً، فعلى كلا التقديرين لا يمكنه أن يقصد القربة.

وأجبنا عن ذلك: بأن يستطيع أن يقصد القربة لأنّه على أحد التقديرين يقع عبادياً، وهو ما إذا كان الوضوء الأوّل صحيحاً والآخر تجديدياً، فإنّ الوضوء على الوضوء نور على نور.

إلّا أن هذا الإشكال يرد في العبادة، ولا يرد في غيرها، فيمكنه الإتيان بالتطهير وإن كان لغواً.

وإذا كان المراد أنه لا أثر له في تصحيح الصلاة فهذا صحيح في محل الكلام، لكنه له أثر بمقدارٍ ما، وهو قطع الاستصحاب أو النجاسة الحكمية الثابتة بالاستصحاب لولا الغسل. وبالغسل يتبدّل الحال إلى العلم بالطهارة وهو أثر مهم، مضافاً إلى إمكان القول بأنّ التطهير بعد التطهير مطلوب شرعاً، كما في رواية الاستنجاء بالماء بعد الأحجار(1).

3- التمسك بقاعدة التجاوز لتصحيح الصلاة بلحاظ أن التطهير شرط مقارن

التقريب الثالث لتصحيح الصلاة في محلّ الكلام: التمسّك بقاعدة التجاوز، لا بلحاظ التطهير الذي أعتبر في التقريب الأوّل شرطاً متقدماً، بل بعد الاعتراف بكون الطهارة شرطاً مقارناً، يقال بإجراء هذه القاعدة في الجزء 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

(1) انظر: تهذيب الأحكام1: 46، كتاب الطهارة، الباب 53، الحديث: 69، وسائل الشيعة1: 349، الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

السابق من الطهارة، ويتطهّر لما يأتي، فتصحّ صلاته بضم الوجدان إلى التعبّد، لكن تعبّد قاعدة التجاوز لا قاعدة الفراغ.

والكلام في هذا التقريب يقع على تقديرين؛ فإننا إما أن نقول بأنّ الطهارة شرط في مجموع الصلاة، أو نقول إنها شرط في الأجزاء دون الأكوان.

التقدير الأوَّل: الطهارة شرط في مجموع الصلاة

فإن قلنا بالأول لم يمكن إجراء قاعدة التجاوز، باعتبار أنّ هذه الطهارة الواحدة الموجودة خلال الصلاة لم يتجاوز عنها، ولم يمضِ وقتها حتى تكون مورداً لهذه القاعدة.

مضافاً إلى أنّ التجاوز فرع الإحراز لأصل الوجود، وهو غير مُحرَز في المقام.

مضافاً إلى إمكان أن يقال: إنّ مرجع اشتراط الطهارة في مجموع الصلاة، اشتراط وجودها من أول الصلاة إلى آخرها بشكل مستمر، ومعه يكون حال الشك والتطهير خارجاً عن قاعدة التجاوز، فلم يحرز الطهارة خلال هذا الكون الصلاتي تعبّداً ولا وجداناً، فتبطل الصلاة.

إلّا أنّ الصحيح أنّ ذلك مربوط باشتراط الطهارة بالأكوان الصلاتية، فإنّنا إن فسّرنا اشتراط الطهارة في مجموع الصلاة اشتراطها في الأجزاء والأكوان بشكل مستمر، فالإشكال محكم(1)، وإن فسّرنا ذلك باشتراط الطهارة في مجموع 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

() إلا فيما إذا كان محرزاً لوجود الشرط فعلاً ويشك في وجوده سابقاً كالتستر او الاستقبال مثلاً، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أجزائها دون الأكوان، كان الإشكال غير وارد، لوضوح أنّ الكون الصلاتي الذي يتم التطهير خلاله لا تجب فيه الطهارة، والمفروض أنّ الأجزاء السابقة تتوفّر فيها الطهارة تعبّداً، والأجزاء اللاحقة وجداناً فتكون الصلاة صحيحةً.

التقدير الثاني: الطهارة شرط في الأجزاء دون الأكوان

وإن قلنا: إنّ الطهارة شرط في الأجزاء دون الأكوان، ودون مجموع الصلاة، توقّف جريان القاعدة على الاستفادة من دليلها:

فإن كان لها ركن واحد هو مضي زمان العمل، ولم نشترط الدخول في جزء آخر، بأن فهمنا من العبارة الثانية تأكيداً وشرحاً للعبارة الأولى، باعتبار أنّ الغالب أنّ المضي من العمل لا يكون إلّا بالدخول في عمل آخر، فتكون قاعدة التجاوز جاريةً.

وإن فهمنا أنَّ العبارة الثانية تتكفّل بيان شرط آخر هو الدخول في جزء آخر، فهذا غير منطبق على المقام، فلا تكون قاعدة التجاوز جاريةً.

تعليق على التقدير الأول

إنّ المحلّ(1) الشرعي لم يرد في آية أو رواية ليتعبّد في حدود وجوده، وإنما نبقى نحن ونصّ قاعدة التجاوز، ونحن إذا فحصنا المحل للشيء المتجاوز عنه نجد أنه على نحوين:

ــــــــــ[207]ــــــــــ

() علّق السيد على أحد التقديرين السابقين: وهو ما إذا فرضنا كون الطهارة شرطاً لمجموع الصلاة، الذي كان قد منع جريان قاعدة التجاوز فيه، فقال: إنّ المحل … (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

النحو الأوّل: ما لا يعتبر محلاً له إلّا بضم عناية خارجية إلى الأمر الشرعي. فمثلاً الأمر الشرعي بالاستنجاء لو قصرنا نظرنا إليه لا نجد أنّ محلّه قبل الخروج من بيت الخلاء وإنما يكون كذلك بضم العادة الخارجية الجارية على ذلك. وكذلك الأمر الشرعي بالصلاة متطهّراً لو قصرنا النظر عليه لا نجد أنّ محل الوضوء قبل الصلاة إلّا بضم قرينة عقلية هي أن الوضوء لا يمكن إيقاعه موازياً مع همزة التكبير، ولو أخّره المكلف إلى حين التكبير لوقع قسم من الصلاة بدون طهارة.

النحو الثاني: ما يعتبر محلّا له بمجرد النظر إلى ما هو تحت الأمر الشرعي بدون ضميمة زائدة، وذلك في حالتين:

الحالة الأولى: أن تكون القبليّة والبعديّة مجعولةً استقلالاً من قبل الشارع، فنفهم أن ما جُعل قبلاً محله سابق على ما جُعل بعداً، كقوله: “كبِّر ثُمَّ أقرأ ثُمَّ اركعْ”، فإن العطف بـ (ثُمَّ) يدل على الجعل الاستقلالي للقبليّة والبعديّة(1).

الحالة الثانية: أن تكون القبليّة والبعديّة مستفادة من ذات المأمور به، كما لو أمر بالمشي، فإنّ أجزاءه تتقدّم بعضها على بعض بالطبع، ولا يحتاج في فهمها إلّا ملاحظة الأمر الشرعي بدون ضم قرينة خارجية، ومعه يكون محلّ الأجزاء السابقة قبل محلّ الأجزاء اللاحقة.

وفي المقام يكون الأمر من هذه الحالة الثانية، فإنّ شرطية الاستقبال أو 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

() السيد يشترط أن يكون المجعول شرعاً أنّ هذا قبل هذا او أنّ هذا بعد هذا كما سبق، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

التستّر مثلاً منقسمة عقلاً إلى أجزاء بمقدار مدّة الصلاة، فيكون الجزء المتقدم منها سابقاً بالطبع على الجزء المتأخر، فيكون محلّها قبلها من دون حاجة إلى عناية خارجية.

ومعه نقول: بإمكان إجراء قاعدة التجاوز في كل شرط كان محرز الوجود حال الشكّ، وتعلّق الشك بوجوده في أول المركّب كالاستقبال والتستّر لو كان مستقبلاً أو متستراً حال الشك. نعم هذا الفرض في الاستنجاء فرض نادر.

نعم، لو قلنا باشتراط الدخول في عمل آخر لجريان قاعدة التجاوز امتنع جريانها في المقام، إذ لا يكفي مجرد الانحلال الزماني في صدق أنّ الجزء المتأخّر هو غير المتقدّم، بعد اعتبار الطهارة شرطاً واحداً في مجموع الصلاة. ولكننا لا نبني على هذا الشرط، بل نفهم من قوله: “ودخل في غيره”(1) الطريقيّة إلى إحراز المضي عادةً، لا الموضوعية. ومعه تكون قاعدة التجاوز جاريةً.

فهذه هي التقريبات الثلاثة لتصحيح الصلاة في المقام، وقد تبيّن أنها في الاستنجاء جميعاً غير صحيحة، فتكون الصلاة باطلةً.

هذا هو الكلام في الفرع الثاني.

ــــــــــ[209]ــــــــــ

() مقتنص من عدد من الروايات في أبواب الخلل الواقع في الصلاة، انظر: وسائل الشيعة8: 237، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث: 1. تهذيب الأحكام 1: 101: “إِذَا شَكَكْتَ‌ فِي شَيْ‌ءٍ‌ مِنَ‌ الْوُضُوءِ‌ وَقَدْ دَخَلْتَ‌ فِي غَيْرِهِ‌ فَلَيْسَ‌ شَكُّكَ‌ بِشَيْ‌ءٍ‌ إِنَّمَا الشَّكُّ‌ إِذَا كُنْتَ‌ فِي شَيْ‌ءٍ‌ لَمْ‌ تَجُزْهُ‌”. وأيضا: 2: 352، والاستبصار 1: 358.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الفرع الثالث: الشك في الاستنجاء بعد الانتهاء من الصلاة

الفرع الثالث ما إذا انتهى من الصلاة وشكّ في حصول الاستنجاء، فهنا لا إشكال في جريان قاعدة الفراغ لتصحيح شخص هذه الصلاة(1).

في جريان قاعدة الفراغ لتصحيح الصلوات الآتية

وإنّما الكلام في أنّ جريانها هل يصحّح الصلوات الآتية، باعتبار أنها محرزة لشرط هذه الصلاة، وهو بعينه شرط الصلوات الآتية، أو لا؟

نكات عدّة لعدم شمول القاعدة للصلوات الآتية

ما يمكن أن يقال لعدم شمول القاعدة للصلوات الآتية عدة بيانات أو نكات.

النكتة الأولى: أنّ المستفاد من لسان روايات قاعدة الفراغ ليس هو إحراز الشرط حتى يكون باقياً بعد الصلاة، وإنما الوارد فيها ليس أكثر من قوله: “فلا تُعِد(2)، أو “شكّك ليس بشيء(3)، ونحوه مما يرجع إلى جواز الاكتفاء بالمأتي به، وعدم وجوب الإعادة، وهذا يرجع إلى الوظيفة العملية، لا إلى الإحراز ولو تعبّداً. ومعه يكون من الواضح عدم شمول الشرط للصلوات الآتية.

النكتة الثانية: أنّنا لو تنزّلنا عن النكتة الأولى، وفهمنا من القاعدة إحراز الطهارة، باعتبار أنها مطعّمة بدرجة من الكشف وغير متمحّضة بالنكتة 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() أنها قاطعة لاستصحاب النجاسة، إمّا الورود، أو التخصيص، (المقرر).

(2) كما في رواية الكافي (إسلامية) 3: 285: “فَإِنْ‌ فَاتَكَ‌ الْوَقْتُ‌ فَلاَ تُعِدْ”.

(3) في رواية التهذيب الآنفة في الحاشية الماضية “فَلَيْسَ‌ شَكُّكَ‌ بِشَيْ‌ء”. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

النفسية، كما سبق أن قلنا إلّا أنّ غاية ما يثبت بها كون الصلاة السابقة واجدة للطهارة، أي: يثبت بها التقيّد دون القيد، فإنّ الشرط ليس هو الوضوء، بل هو الطهارة المقارنة، وغاية ما يثبت هو وجدان هذه الصلاة لهذا الشرط.

وأما وجدان الصلوات الأخرى للشرط، فهو لا يثبت إلّا بالملازمة العقلية التي لا تقوم بها قاعدة الفراغ.

النكتة الثالثة: أنّنا لو تنزّلنا عن النكتة الثانية وفرضنا أنّ قاعدة الفراغ تثبت القيد، وهو ذات الطهارة إلّا أنها لا يثبت وجودها في الأزمنة المتأخّرة إلّا باللازم العقلي. وذلك: لأنّ وجود الطهارة في الزمان الثاني لازم عقلي لوجودها في الزمان الأوّل وليس حكماً شرعياً له، بل هما معلولان للوضوء، بمعنى أننا لو أحرزنا الوضوء أحرزنا الطهارة على عمود الزمان، إلّا أننا لم نحرزه، وإنما أحرزنا الطهارة في الزمان الأوّل، وبقاؤها إلى الزمان الثاني عقلي.

وهم ودفع

وحاصل الوهم احتمال استصحاب الطهارة الظاهرية الثابتة، خلال الصلاة السابقة بقاعدة الفراغ، بناءً على هذه النكتة الثالثة، فقاعدة الفراغ نفسها وإن لم تكن جاريةً، إلّا أننا أحرزنا بها الطهارة خلال الصلاة المشكوكة، فنستصحب، وبه تصح الصلوات الآتية.

والدفع: أنّ الشك في الطهارة عند الصلاة الثانية مثلاً ليس شكّاً استصحابياً، فإنّ الشك الاستصحابي ما كان شكّاً بالارتفاع بعد إحراز الوجود، وفي المقام ليس كذلك، فإنّ الطهارة الظاهرية الثابتة خلال الصلاة لم 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

نشك بارتفاعها، لأنَّنا لا نحتمل الحدث مثلاً، وهذا الشكّ الموجود في الطهارة ناشئ من احتمال عدم طرو الطهارة من أول الأمر، وهو عين الشكّ الذي كان خلال الصلاة، فلا يكون الاستصحاب جارياً.

وبتعبير آخر: أننا إن أردنا أن نثبت الطهارة في الزمان الثاني بقاعدة الفراغ، كان ذلك باللازم العقلي، وهو ليس بحجة، وإن أردنا إثباتها بالاستصحاب لم يكن جارياً لأنّه لا شكّ في البقاء.

ــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  








مسألة 6: [عدم وجوب الدلك في الاستنجاء من البول] 

لا يجب الدلك باليد في مخرج البول عند الاستنجاء [1] وإن شك في خروج مثل المذي –أي ما يحتمل أن يكون مانعاً على تقدير وجوده- يبني على عدمه لكنّ الأحوط الدلك في هذه الصورة[2](1)

[1] وهذا واضح تمسّكاً بإطلاقات أدلة الغسل، بعد وجدانية عدم وجود المانع من وصول الماء إلى البشرة بمجرد البول.

[2] وحاصله: الشك في وجود المانع من وصول الماء إلى البشرة كالمذي أو القير أو نحوه.

وما يمكن أن يكون تقريباً لعدم وجوب الاحتياط أحد أمرين:

الأمر الأوّل: التمسّك باستصحاب عدم وجود المانع. وهذا الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا ادُّعِيَ أنّ موضوع التطهير مركّب من أمرين أحدهما: توجيه الماء إلى الموضع، والآخر: عدم وجود المانع، فيحرز الأوّل بالوجدان والآخر بالأصل.

لكن الصحيح خلاف ذلك، لأنّ المأمور به في الروايات إنما هو صبّ الماء، 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 175، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وهو مستبطن عرفاً لوصول الماء إلى البشرة، وإحراز الوصول باستصحاب عدم المانع مثبت، فلا يكون جارياً.

الأمر الثاني: التمسّك بسيرة المتشرعة، حيث ادّعى جماعة وجود السيرة على أنه متى شكّوا في وجود المانع بنوا على التسامح في الفحص، وعدم الاحتياط. وإذا شكوا في مانعية الموجود بنوا على الفحص والتدقيق، والمقام من الشكّ في وجود المانع، فلا يجب الفحص.

ونحن إذا أحرزنا وجود هذه السيرة ووصولها إلى أيام المعصومين، فلا بأس بالاستدلال بها على الحكم الشرعي. ولكن الشكّ في الصغرى، وهو أننا لم نحرز وجود مثل هذه السيرة، فإنّ المتشرّعة وإن كان بناؤهم على التسامح وعدم الاحتياط، إلّا أنّ ذلك لعلَّه من الغفلة، أو من الاطمئنان بعدم الحاجب، لكونه قليلاً في حياته ونحو ذلك. وأمّا أولئك الذين يبتلون بالمانع بكثرة في أيديهم، كما لو كانت صنعتهم تقتضي ذلك، كالسمّاكين والقصّابين وغيرهم، فإنّه لا توجد سيرة منهم إذا كانوا متشرّعةً على عدم الفحص(1).

 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

() أقول: وهنا قلت له: هؤلاء عندهم علم إجمالي بوجود المانع.

فأجاب: أنه إذا تمت سيرة هؤلاء يكون الاستدلال بالسيرة تامّاً، وأمّا سيرة غيرهم فلا تكفي.

أقول: يمكن أدعاء السيرة ما لم يتم علم إجمالي على وجود المانع، حتى القصّابين في غير مورد عملهم أيضاً بناؤهم على التساهل، والمقام ليس من موارد العلم الإجمالي كما هو مفروض.

نعم، إذا حصل العلم الإجمالي ولو تدريجاً كان الفحص لازماً، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مسألة 7: [كفاية مسح مخرج الغائط بالأرض]

إذا مسح مخرج الغائط بالأرض ثلاث مرات كفى مع فرض زوال العين منها(1).

لا بُدَّ من بناء المطلب على نكتتين حصل الخلط بينهما في كلماتهم:

النكتة الأولى: أنه هل أخذ في لسان روايات الاستنجاء بالأحجار عنوان المسح، أو لم يؤخذ بحيث يمكن الاكتفاء بمجرد إزالة العين؟

النكتة الثانية: أنّ المسح هل يصدق مع تحريك أي من الطرفين وسكون الآخر، أو لا بُدَّ من تحرّك الماسح، وسكون الممسوح؟

النكتة الأولى: في أنّ عنوان المسح هل أخذ في لسان الأدلة أو لا؟ 

الصحيح: أنّه مأخوذ في عدد من الروايات، منها: رواية بريد بن معاوية التي يقول فيها: “يجزي من الغائط المسح بالأحجار”(2) وقد تقدّمت.

النكتة الثانية: في أنّ المسح هل يصدق مع تحريك أيّ من الطرفين، أو من تحريك أحدهما وسكون الآخر؟

الصحيح أنّ لصدق المسح عرفاً، -بحيث يصدق على أحد الطرفين كونه ــــــــــ[215]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 175، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة:76.

(2) وسائل الشيعة1: 317، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ماسحاً والآخر ممسوحاً- منشأين:

المنشأ الأوّل: أن يكون أحدهما وسخاً، والآخر مزيلاً لهذا الوسخ، فيسمى الأوّل ممسوحاً، والآخر ماسحاً، ولا يفرّق هنا بين ما إذا كان المزيل متحركاً والآخر ساكناً، أو العكس.

المنشأ الثاني: حين لا يوجد وسخ يطلق العرف عنوان الماسح على الطرف المتحرك، والممسوح على الطرف الساكن. 

مثال الأوّل: (مسحت يدي بالمنديل)، أو (مسحت يدي بالحائط)، إذا كانت اليد وسخة في المثالين، بخلاف ما لو كان الحائط وسخاً، وأردت تنظيفه بيدك، فإنك لا تقول: (مسحت يدي بالحائط)، بل تقول: (مسحت الحائط بيدي)، ومن هنا يتّضح عدم الفرق عرفاً في كون الماسح متحرّكاً أو ساكناً.

ومثال الثاني: باب المسح في الوضوء. فإنّه لا يصدق إلّا إذا كانت اليد متحركةً، بخلاف العكس.

ومقامنا من قبيل الأوّل، فإنّ الحجر يزيل القذارة الموجودة على موضع النجو، فلا يفرق فيه بين أن يكون الحجر متحرّكاً والموضع ساكناً أو بالعكس. بخلاف باب الوضوء، فإنّه لا بُدَّ من تحريك اليد دون القدم ولو عكس بطل.

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  






مسألة 8: [الشك بما يستنجى به]

يجوز الاستنجاء بما يشك في كونه عظماً أو روثاً أو من المحترمات ويطهر المحل، وأما إذا شك في كون مايع ماءً مطلقاً أو مضافاً لم يكفِ في الطهارة بل لا بُدَّ من العلم بكونه ماءً(1).

الفرع الأول: الاستنجاء بما يُشك كونه عظماً أو روثاً

هذا كلّه على تقدير ثبوت حكم خاص لهذه العناوين تتميز به عن سائر الأجسام القالعة للنجاسة، وقد سبق الإشكال فيه(2). ولكننا نتكلّم الآن على تقدير تميّزها، وحينئذٍ فهي إما أن تتميّز بالحرمة التكليفية فقط، أو الحرمة الوضعية فقط، بمعنى عدم المطهّرية وبقاء النجاسة، أو كلاهما، ونحن نتكلّم على كل هذه التقادير الثلاثة.

الكلام في الحرمة التكليفية

أمّا على تقدير ثبوت الحرمة التكليفية لها فقط، فمن الواضح أنه يعلم 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 175، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 8.

(2) سبق الكلام والإشكال والمناقشة فيه في هذا الكتاب فراجع: الفصل الثاني، مسألة1: (حرمة الاستنجاء بالمحترمات وعدم كفايته في التطهير) ص167ما بعدها.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بحصول الطهارة على كلا التقديرين. وإنما يشك بثبوت الحرمة فتجري أصالة البراءة، أو الاستصحابات الموضوعية النافية لعناوين الحرام.

نعم، لو كان الحكم الواقعي شاملاً للفرد المشكوك والفرد المعلوم معاً، وهذا غير متصوّر في العظم والروث، فإنّ الحرمة على تقدير وجودها ثابتة لواقع هذه الأشياء، ولكن من جانب المصحف يمكن أن يقال: بثبوت حرمة الإهانة لوجوده الواقعي ولوجوده المحتمل.

فإنّ القرآن –ككل كتاب- له اعتباران: اعتبار التعدد بتعدد النسخ، واعتبار الوحدة، وهو المحكي بهذه النسخ. والمكلّف وإن لم يحرز هتك النسخة، ولكنه أحرز هتك المحكي القرآني باستعمال هذا الفرد المشكوك، ومعه يحرز شمول الحرمة الواقعية له(1).

الكلام في الحرمة الوضعية

وأمّا على تقدير ثبوت الحرمة الوضعية، فهنا إما أن نقول بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية أو لا نقول، فهنا تقديران:

التقدير الأوّل: أن نقول بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، فهنا يختلف الحكم باختلاف الاستفادة من الأدلة، فإن استفدنا منها أنّ ما يجوز الاستنجاء به هو عناوين معيّنة واردة في الروايات، كالحجر والمدر والخِرَق والقطن دون غيرها، فهنا يجري استصحاب عدم كون المستنجى به من هذه ــــــــــ[218]ــــــــــ

() أقول: واستصحاب عدم كونه من المصحف بنحو العدم الأزلي أو النعتي قد لا يفيد؛ لأن استعماله هتك له عرفاً، وإن كان مجرى للاستصحاب، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأمور، ومعه يكون غير مطهّر لا محالة.

وإن استفدنا من الأدلة قاعدةً عامّةً هي مطهّرية كل قالع عدا ما استثنى
–وهو ما استثنى في روايات الجن(1)– وهذا العموم يشمل المستنجى به وإن كان عظماً، فيجري استصحاب عدم كونه من العظم والروث بنحو العدم الأزلي. فيثبت كونها مطهّرةً، وهذه الأمور وإن كان لها أعدام نعتية حين كانت غذاءً، ولكن تحوّلها إلى العظمية والروثية من الاستحالة عرفاً، فلا يجري استصحاب عدم كونها عظماً من العدم النعتي، بل منذ وجدت فهي مشكوكة العظمية، فيجري استصحاب عدم كونها عظماً بنحو العدم الأزلي.

التقدير الثاني: أن ننكر جريان استصحاب العدم الأزلي، فهنا إن لم نستفد مطهّرية كل قالع فجريان استصحاب النجاسة واضح، وإن استفدنا ذلك وأخرجنا ما خرج بالتخصيص كان شبهةً مصداقيةً للعام، فلا يمكن التمسّك به فيجري استصحاب النجاسة أيضاً.

الفرع الثاني: الاستنجاء بما يُشك كونه ماءً مطلقاً أو ماءً مضافاً

قوله: وأما إذا شك في كون مايع ماء مطلقاً أو مضافاً لم يكفِ في الطهارة بل لا بُدَّ من العلم بكونه ماء(2).

لو شكّ في كون الماء مطلقاً أو مضافاً، فالمأخوذ في لسان الأدلة هو عنوان الماء. 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 357، كتاب الطهارة، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(2) العروة الوثقى1: 175، كتاب الطهارة، فصل في الاستنجاء، مسألة: 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فإن قلنا بجريان الاستصحاب في العدم الأزلي جرى استصحاب عدم كونه ماءً، فلا يكون مطهّراً، وإن لم نقل بجريانه كان استصحاب النجاسة في الموضع جارياً(1).

ــــــــــ[220]ــــــــــ

() أقول: لا يجري استصحاب عدم كونه ماء مضافاً بنحو العدم الأزلي؛ لأنّه ليس له أثر مباشر، وإن أريد إثبات كونه ماء كان ذلك بالملازمة العقلية.

نعم، إذا كان دليل المطهّرية وارداً على عنوان السائل، وأن لا يكون مضافاً، أمكن إحراز الأوّل بالوجدان، والثاني بالأصل لو كان بنحو الترتيب لا التقييد.

إلاَّ أنّ المستفاد من الأدلّة هو عنوان الماء خاصّة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



الفصل الثالث

في الاستبراء



  • الجهة الأولى: في كيفية الاستبراء 
  • الجهة الثانية: في فائدة الاستبراء
  • الجهة الثالثة: في حكم الاستبراء
  • فروع تفصيلية
  • مسألة 1: [استبراء مقطوع الذكر]
  • مسألة 2: [منجسيّة الرطوبة المشتبهة عند ترك الاستبراء]
  • مسألة 3: [عدم لزوم المباشرة في الاستبراء]
  • مسألة 4: [حكم الاستبراء لو كان الشك من الغير]
  • مسألة 5: [الشك في الاستبراء]
  • مسألة 6: [الشك في خروج الرطوبة]

 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



  • مسألة 7: [لو علم بخروج المذي وشكّ في خروج البول معه]
  • مسألة 8: [حكم الرطوبة المشتبهة بين البول والمني]



ــــــــــ[222]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  






الفصل الثالث: في الاستبراء

 

قوله: والأولى في كيفياته أن يصبر حتى تنقطع دريرة البول، ثم يبدأ بمخرج الغائط فيطهره ثمَّ‌ يضع إصبعه الوسطى من اليد اليسرى على مخرج الغائط و يمسح إلى أصل الذكر ثلاث مرات ثمَّ‌ يضع سبابته فوق الذكر و إبهامه تحته و يمسح بقوة إلى رأسه ثلاث مرات ثمَّ‌ يعصر رأسه ثلاث مرات و يكفي سائر الكيفيات مع مراعاة ثلاث مرات و فائدته الحكم بطهارة الرطوبة المشتبهة و عدم ناقضيتها و يلحق به في المائدة المذكورة طول المدة على وجه يقطع بعدم بقاء شيء في المجرى بأن احتمل أن الخارج نزل من الأعلى و لا يكفي الظن بعدم البقاء و مع الاستبراء لا يضر احتماله و ليس على المرأة استبراء نعم الأولى أن تصبر قليلاً و تتنحنح و تعصر فرجها عرضاً و على أي حال الرطوبة الخارجة منها محكومة بالطهارة و عدم الناقضية ما لم تعلم كونها بولاً (1)

ويقع الكلام فيه في ثلاث جهات رئيسية:

الجهة الأولى: في كيفيته.

الجهة الثانية: في فائدته.

الجهة الثالثة: في حكمه الشرعي.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 176- 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، كيفية الاستبراء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

الجهة الأولى: في كيفية الاستبراء

 

خصائص الاستبراء

فقد ذكر الماتن للاستبراء عدّة خصائص:

الخصوصية الأولى: أن يصبر حتّى ينقطع البول، ثم يبدأ بالاستبراء

وثبوت هذه الخصوصية على القاعدة؛ لأنّ العرف لا يفهم من الاستبراء الموضوعية، وإنما يفهم الطريقية إلى البراءة والخلوّ من البول، وأنه لإخراج البول المتبقّي في المجرى، ومعه فالبول الخارج بنفسه لا معنى لإعمال المؤونة لإخراجه، إذن، فلا بُدَّ من الانتظار إلى حين الانقطاع.

وهذا الدليل يغني عمّا قاله السيد(1) الأستاذ من الاستدلال برواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله الآتية، وفيها يقول: “إذا بال فخرط ما بين المقعدة والأنثيين”(2). حيث دلّت الفاء على الترتيب، فتدل على تأخر الخرطات عن البول.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 389، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، اعتبار انقطاع البول في تحقق الاستبراء.

(2) تهذيب الأحكام1: 65، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 5، وسائل الشيعة1:

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلّا أنّ هذا الاستدلال غير تام. لأنّ الفاء وإن دلّت على الترتيب إلّا أنه قد يكون ما بعد الفاء بعد الشروع بما قبلها، كقولنا: (قام فذكر الله واستعاذ من الشيطان). فإنه لا يشترط فيه انتهاء القيام، كما قد يكون بعد الانتهاء، كقولنا: (توضّأ فصلّى).

ومعه لا يتعيّن شيء من الاحتمالين، ما لم نضم الارتكاز العرفي، ومعه نرجع إلى الفهم العرفي الذي ذكرناه(1).

الخصوصية الثانية: أن يبدأ بمخرج الغائط فيطهّره

هل هناك استحباب تقديم غسل المخرج على الاستبراء؟ أنكر جماعة هذا الاستحباب لعدم الدليل عليه. وقد استدل(2) عليه السيد الأستاذ بوجهين:

ــــــــــ[225]ــــــــــ

() أقول: ضمّ الارتكاز العرفي ضروري، إلاَّ أنه لا يكفي ما ذكره السيد من الارتكاز الجاري في الترتيب، وإنما هو ارتكاز عرفي جارٍ في الفعل نفسه بالقياس إلى متعلّقه.

أو بتعبيرٍ آخر: بالقياس إلى ما بعد الفاء، فقد يكون من المناسب عرفاً كون الترتيب بعد الشروع، كما في المثال الأوّل، كما قد يكون من المناسب كون الترتيب بعد الانتهاء، كما في المثال الثاني، ومقامنا من قبيل الأخير، (المقرر).

(2) القزويني في ينابيع أحكامه 2: 403: «السابع: نصّ‌ جماعة باستحباب البدءة في الاستنجاء بالمقعدة ثمّ‌ بالإحليل، وخبر موثقة عمّار الساباطي عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الرجل إذا أراد أن يستنجي فأيّما يبدأ بالمقعدة أو بالإحليل‌؟ فقال: بالمقعدة ثمّ‌ بالإحليل». وربّما يعلّل بأنّه لئلّا ينجس اليد بالغائط عند الاستبراء”. وأنكر النراقي هذا التقديم في مستنده 1: 385: مع خوف سراية النجاسة من الإحليل إلى اليد. والآملي في مصباح هداه 3: 62. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الأوّل: موثقة عمار الساباطي، عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الرجل يستنجي بالماء يبدأ بالمقعدة أو بالأحليل، فقال: بالمقعدة ثُمَّ بالأحليل(1). فإنّ مقتضى العطف بـ (ثُمَّ) الترتيب. إلّا أنّه غير تام(2).

الوجه الثاني(3): أنّ مبدأ المسح الأوّل من المقعدة، فإذا لم تكن قد غُسلت اتسعت النجاسة، وابتلى بمحذور أشد.

وهذا وجهٌ عرفيّ، وهو لا يُثبت المدّعى على سعته، فإنه أضيق منه، إذ لو كان قد مسح مقعدته مرّتين، ولم تبقَ عين ولا رطوبة، فاستبرأ لم تتّسع النجاسة وإن بقيت المقعدة نجسة، باعتبار توقفها على المسح الثالث، فهذا الوجه يدور مدار تحقّق مورده وليس شاملاً لكل الصور.

ــــــــــ[226]ــــــــــ

() الكافي5: 57، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 4، وسائل الشيعة1: 323، الباب 14 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(2) أقول: لأنّه لا ملازمة بين تأخير استنجاء البول وتأخير الاستبراء.

نعم، لو كان الاستبراء مما له دخل في تطهير البول ولو استحبابياً، كالفرك مثلاً لكان مقتضى تأخير الاستنجاء تأخير الفرك أيضاً، إلّا أنه لا ملازمة من هذا القبيل، (المقرر).

(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 390، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، كيفية الاستبراء والمسحات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الخصوصية الثالثة: أن يستعمل إصبعه الوسطى في المرات الأُولى من الخرطات.

وهذه الأولوية لم تثبت إلّا برواية الجعفريات الذي هو أحد مصادر المستدرك، عن علي عن النبي. وهي ضعيفة السند، فيتوقّف ثبوت الخصوصية على قاعدة التسامح في أدلة السنن وهي غير ثابتة.

الخصوصية الرابعة: أن تكون اليد المستعملة هي اليد اليسرى 

ويمكن الاستدلال على ذلك بوجهين:

الوجه الأوّل: الروايات الناهية عن الاستنجاء باليمين ومسّ الذكر بها، وهي موجودة في باب 12 من أحكام الخلوة من الوسائل(1).

وهذا الوجه غير تامٍّ؛ لأن عنوان الاستنجاء لا يصدق على الاستبراء، كما أنّ مسّ الذكر لا يحصل في المرحلة الأولى من الاستبراء.

الوجه الثاني: المرسلة عن عائشة عن النبي(2) أنه كان يستحسِن أن تجعل اليمنى لأعالي الأمور، واليسرى لما هو أدنى. والاستبراء من الأمور الدانية، فالدلالة واضحة، إلّا أنّ السند غير تام، فيتوقّف على قاعدة التسامح في أدلة السنن.

بيان كيفية الاستبراء

بقي أن نعرف كيفية الاستبراء، ونحن إذا استثنينا من روايات الباب ما 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 321، الباب 12 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث:1. 2. 3… .

(2) سنن أبي داود1: 9، كتاب الطهارة، باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

كان متيقّن الضعف، بقيت عندنا ثلاث روايات:

الأولى: رواية محمد بن مسلم

الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم، قال: “قلت لأبي جعفر: رجل بال ولم يكن معه ماء، قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات، وينتر طرفه، فإن خرج بعد ذلك شيء فليس من البول، ولكنه من الحبائل(1)(2)..

وهذا الحديث متيقّن الصحة.

الثانية: رواية عبد الملك بن عمرو

الشيخ الطوسي عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد الله: “في الرجل يبول، ثم يستنجي، ثم يجد بللاً، قال: إذا بال فخرط ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات، وغمز ما بينهما، ثم استنجى، فإن سال حتى يبلغ السوق-جمع ساق- فلا يبالي(3)(4).

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() 11 من أحكام الخلوة، (المقرر).

(2) الاستبصار1: 49، كتاب الطهارة، الباب 28، الحديث: 2، وسائل الشيعة1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(3) الباب 13 من نواقض الوضوء، (المقرر).

(4) تهذيب الأحكام1: 20، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 50، وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

والسند إلى جميل بن صالح صحيح، وإنما الكلام في عبد الملك بن عمرو(1)، فإنه لم يرد توثيقه.

نعم، وردت رواية(2) اعتبرها الأصحاب أنها تلحقه بالحِسان، وهي مروية عن عبد الملك نفسه، وفيها أن الإمام يدعو له ولدابته.

إلّا أنّ هذا الاستشهاد غير صحيح: 

أولاً: لأنّ الاهتمام به من قبل الإمام والدعاء له لا يُثبت وثاقته، بل قد يكون له مناشئ أخرى، كالاهتمام بفقراء الشيعة أو ضعفائهم.

ثانياً: أنّ مضمونها غريب وهو اشتمالها على الدعاء للدابة، بل قد تكون دليلاً على ضعفه من حيث إنَّه هو نفسه يروي هذا المضمون.

ثالثاً: أنّه هو نقل الرواية، فقد يقال: إنّ الاستدلال بها لتوثيقه دوريٌّ، لأنّ تمامية الاستدلال فرع توثيقه، فإذا توقف توثيقه على الاستدلال بها لزم الدور.

وهذا الدور صحيح إلّا في حالة واحدة وهي: ما إذا كان الراوي بحيث يُعلم بعدم كذبه الصريح على المولى، كنقل مدحه عن الإمام كذباً، فإنه من أفظع الكذب، فإذا روى رواية في مدح نفسه انحلّ الدور، لأنّه بالوثاقة القليلة المقابلة للكذب الصريح، نثبت صحة هذه الرواية، وبها نثبت وثاقته المطلقة فلا 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

(1) انظر: رجال الطوسي: 265، الرقم: 3804-713، معجم رجال الحديث11: 27، باب العين، الرقم: 7308.

(2) انظر: الخلاصة للحلّي: 115، الفصل الثامن عشر في العين، الباب الخامس عبد الملك، الرقم: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

دور، وبدونه يكون الدور صحيحاً، وفي المقام لم نعلم في عبد الملك أي درجة من الوثاقة، فلا يكون هذا الاستدلال تامّاً، فلا يكون سند روايته في هذا الباب صحيحاً.

الثالثة: حفص بن البختري

الشيخ المفيد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد ومحمد بن خالد البرقي، عن محمد بن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله: في الرجل يبول، قال: ينتره ثلاثاً ثم إن سال حتى يبلغ السوق فلا بأس”(1)(2).

وفي سندها أحمد بن محمد بن يحيى، ولم يثبت توثيقه، وهو إشكال سيال في كثير من الروايات التي وقع فيها أحمد بن محمد هذا، وقد صحّحنا السند بإبدال السند، إذا علم أنّ للشيخ سنداً صحيحاً آخر ينتهي بما بعد الضعف، وظاهره أنّ تمام ما وصله بهذا الطريق وصله بهذا الطريق. فتكون الرواية معتبرةً.

تخريج فتوى المشهور بالخرطات التسع

كيف يمكن تخريج فتوى المشهور القائلة بالخرطات التسع من هذه الروايات؟

مع أنّ هذه الفتوى غير موجودة في أي رواية من هذه الروايات. ومن هنا 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

() نفس الباب، ورواه الشيخ في التهذيب، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 27، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 9، وسائل الشيعة1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

استشكل بعضهم في فتوى المشهور، وهناك من حاول الجمع بين هذه الفتوى وهذه الروايات، وذلك بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقق الهمداني(1)

وتابعه عليه السيد الأستاذ(2).

وحاصله: أنّ هذه الروايات غير متعارضة أصلاً، وغير معارضة لفتوى المشهور، بل إنّ كل واحدة منها تدلّ على كلّ الخرطات التسع.

أمّا رواية عبد الملك بن عمرو فيقول فيها: “إذا بال فخرط ما بين المقعدة والأنثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما(3) والمراد من الخرط الأوّل هو المرحلة الأولى من فتوى المشهور.

ولكن ما المراد بقوله: “وغمز ما بينهما”؟ فيه ثلاثة احتمالات:

الأوّل: أن يُراد به ما بين المقعدة والأنثيين كالأول، فيكون كالتكرار للأول، وهو خلاف الظاهر.

الثاني: أن يُراد به ما بين الأنثيين حقيقةً، وهو ممّا لم يُفتِ به فقيه، وأنّه له دخل في الاستبراء.

ــــــــــ[231]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الفقيه3: 401-406، كتاب الطهارة، الركن الثاني، غسل الجنابة، سنن الغسل، الاستبراء.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 391-394، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، كيفية الاستبراء والمسحات.

(3) وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الثالث: أن يُراد بما بينهما نفس العضو المخصوص ويكون المراد بغمزه مسحه بالنحو المشهور. فتكون العملية مستوعبة لتمام الفتوى.

وأمّا رواية محمد بن مسلم التي يقول فيها: “يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات، وينتر طرفه(1) فإن فهمنا من أصل الذكر أوله كان ذلك تعبيراً عن المرحلة الثانية من فتوى المشهور.

ولكن لا يراد به ذلك، وإنما المراد منه أصل الأعصاب والعروق الداخلة في البدن، كأصل الشجرة فإنّ المراد بها العروق الداخلة في الأرض، ومعه يكون شاملاً لما بين المقعدة والقضيب.

وأمّا نتر طرفه، فلا ينبغي أن نفهم منه الاكتفاء بالمرّة، بل المراد التأكيد على أنّ العملية السابقة تمتد إلى الطرف بعددها الذي هو ثلاثة. فكأنه قال: وينتر طرفه ثلاث مرّات. فقد تحصّل منها فتوى المشهور أيضاً.

وأمّا رواية حفص التي يقول فيها: “ينتره ثلاثاً(2) فإن أرجعنا الضمير إلى العضو المخصوص كانت الرواية ساكتةً أو نافيةً للمرحلة الأولى. ولكنه غير موجود في العبارة. والأصل في المرجع أن يكون مذكوراً في العبارة، وما هو مذكور هو البول المستفاد من قوله: “يبول“، والمراد من النتر لغةً السحب والجذب، فالمراد به جذب البول، وجذب البول لا يكون إلّا من أول مكان تجمعه هو ما بين المقعدة والقضيب، فتكون الرواية دالةً على فتوى المشهور أيضاً.

ــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(2) وسائل الشيعة1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

والإنصاف أنّ استفادة فتوى المشهور بهذا النحو على خلاف الإنصاف، فإنّ من هذه الاستفادات ما لا يكون عرفياً(1).

الوجه الثاني: حمل المطلق على المقيد

الوجه الثاني إنّ غاية ما يُدَّعى من التنافي بين مداليل الروايات إنما هو بالإطلاق، وبعد حمل المطلق على المقيّد، يتحصّل فتوى المشهور، أما المرحلة الأولى فتستفاد من رواية عبد الملك حيث يقول: “فخرط ما بين المقعدة 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

() أقول: وقد ذكر السيد مناقشة لنكتتين مما سبق:

الأولى: أن مرجع الضمير في قوله: “ينتره” من رواية حفص، ليس هو البول، باعتبار ظهور النتر بالفعلية، والبول لا يسحب فعلاً، وإنما يحاول ذلك.

وقد لا يوجد هناك بول، فلا يكون السحب فعلياً، فظهوره بالفعلية ينفي ذلك. وإنما يرجع الضمير إلى العضو المخصوص، وهو حاضر ذهناً في ذهن السائل، باعتبار أنّ الحديث عن البول، ومعه لا تكون الرواية متعرضة للمرحلة الأولى.

الثانية: أنّ اعتبار الأعصاب الداخلة في البدن، هي أصل العضو المخصوص، غير صحيح، وهو يخالف الإطلاق في الشجرة، فإن الموجود تحت الأرض منها يصدق عليه عنوان الشجرة، غايته أنّه قسم مستور منها، بخلاف تلك الأعصاب، فإنَّها لا يصدق عليها عنوان العضو المخصوص.

أقول: وهذه مناقشة لدلالة رواية محمد بن مسلم على المطلوب؛ إذ معه لا تكون دالة على المرحلة الأولى، ويمكن المناقشة في عدد آخر من النكات منها ظهور قوله: (وينتر طرفه في ثلاث مرات)، ومنها أن المراد بما بينهما نفس العضو المخصوص، وتقريب ذلك عرفاً لا مجال له، ولا أقلّ من الاحتمال فيسقط الاستدلال، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

والانثيين ثلاث مرات”(1) وأما المرحلة الثانية فتستفاد من صحيحة محمد بن مسلم حيث يقول: “يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث مرات وينتر طرفه”(2). وأما المرحلة الثالثة فتستفاد من هذه الصحيحة بعد تقييدها بالثلاث من رواية حفص إذ يقول فيها: “ينتره ثلاثاً”(3).

ولا أرى فرقاً بين هذا المورد وسائر موارد الجمع بين المطلق والمقيّد.

كلامان في المقام

ونحن لنا كلامان حول ذلك:

الكلام الأوّل: تعدُّد الشرط واتحاد الجزاء

إنّ المورد يكون داخلاً تحت كبرى أصولية هي ما إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، كقوله: إذا خفي الأذان فقصر، وإذا خفيت الجدران فقصر، فإنّ الجزاء هنا واحد، وهو العفو عن البلل الخارج، وعدم ترتيب الأثر عليه، في حين أنّ الشرط مختلف، فرواية عبد الملك تقول: “إذا خرط ما بين المقعدة والانثيين فهو عفو” وصحيحة محمد بن مسلم تقول: “إذا عصر أصل ذكره إلى طرفه فهو عفو“.

وفي الأصول مسلكان لحل هذه المشكلة: 

الأوّل: تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الأخرى المنتج لكون كل شرط مستقلّ في التأثير.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(2) وسائل الشيعة1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(3) تقدمت قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وهذا المسلك ينتج في المقام خلاف المقصود، فإنه ينتج التخيير بين ما تقوله الروايات، لا فتوى المشهور.

الثاني: التعارض والتساقط والرجوع إلى قواعد أخرى وهذا هو الصحيح، فإن التعارض بين منطوق كل منهما ومفهوم الآخر ليس هو العموم المطلق ليمكن تقييده به، وإنما هو العموم من وجه، فلا وجه للتقييد.

ومع الرجوع إلى القواعد الأخرى ينتج في المقام: أنه مع اجتماع الشرطين يكون الجزاء متحقّقاً جزماً، وأما مع عدمه فالأصول في المقام مؤمّنة كأصالة الطهارة، واستصحاب عدم خروج البول، فإنَّها هي التي كنّا نرجع إليها لولا هذه الأدلة. ومعه لا ينتج فتوى المشهور أيضاً(1).

ــــــــــ[235]ــــــــــ

() أقول: هذا إذا كان كِلتا الشرطيتين واحدة الجزاء، ومتباينة الشرط، وهذا متوفّر في المثال المذكور في علم الأصول، ولكنه غير متوفّر هنا، فإنّ الشرط في الروايات الثلاث غير متباينّ كما أنّ الجزاء ليس واحداً.

أمّا عدم وحدة الجزاء؛ فلأنّ القدر المتيقن من رواية عبد الملك ورواية حفص هو العفو عن الخبث، وربما شمل الحدث أيضاً. وأما الجزاء في صحيحة محمد بن مسلم فهو خاص بالحدث، ولا يشمل الخبث لفرض وجود النجاسة على كل حال، لأنّه يفرض في السؤال عدم الماء، فيكون الخارج إما بولاً، أو متنجِّساً بالبول، فالنظر منحصر إلى الحدث.

ومعه يمكن التفصيل في إشكال الاستبراء من حيث إن بعضه منتج للعفو عن الحدث، والآخر منتج للعفو عن الخبث فتأمل.

وأمّا عدم تباين الشرط فأوضح؛ لأنّ المأخوذ في رواية محمد بن مسلم المرحلة الثانية والنتر، والمأخوذ في رواية حفص النتر، ومن الواضح كونه أعم منه وليس مبايناً له.

وبتعبيرٍ آخر: إنّ رواية محمد بن مسلم تكون أخصّ من حيث المراحل، ورواية حفص أخصّ من حيث العدد في النتر فأين التباين.

وأمّا رواية عبد الملك فلو كان قد اقتصر على بيان المرحلة الأولى، لكان مبايناً لمجموع الروايتين الأخريين، إلّا أنه قال: “وغمز ما بينهما“() والظاهر أنه ليس تكراراً، فهو -على كلّ حال- إشارة إلى مرحلة جديدة لم تشرح بوضوح، فتكون النسبة بينها وبين رواية محمد بن مسلم العموم من وجه، يشتركان في المرحلة الثانية، وتزيد رواية عبد الملك المرحلة الأولى، وتزيد رواية محمد بن مسلم المرحلة الأخيرة وهي النتر، وكذلك مع رواية حفص بعد تقييدها برواية محمد بن مسلم لو قلنا بانقلاب النسبة.

نعم، لو لم نقل بها كان الشرطان متباينين، ولكن الجزاء متعدّد، إذ ظاهر رواية محمد بن مسلم -كما قلنا- الاختصاص بالحدث، بخلاف رواية حفص، فإن كانت رواية حفص مطلقةً أمكن تقييد جزائها بشرط رواية محمد بن مسلم، وإن كانت خاصّةً بالخبث، واقتصرنا على هاتين الروايتين تعيّن التفصيل في العفو بأن نقول: بأنّ المرحلة الأولى من الاستبراء تنتج العفو عن الحدث، طبقاً لرواية محمد بن مسلم، والمرحلة الأخيرة وهي النتر تنتج العفو عن الخبث، طبقاً لرواية حفص، وعلى كلّ حال، لا يكون المقام صغرى من تلك الكبرى الأصولية، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الكلام الثاني: بناء على عدم صحة رواية عبد الملك بن عمرو

إنّ الكلام الأوّل كان مبنياً على ما بنوا عليه من العمل برواياتٍ ثلاث في الباب، وأما لو بنينا على ما بنينا عليه من عدم صحة رواية عبد الملك بن عمرو، 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فلا يبقى لمسح ما بين المقعدة وأصل القضيب دليل. بل تبقى رواية محمد بن مسلم التي تقول: “يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث مرات وينتر طرفه(1)، ورواية حفص التي تقول: “ينتره ثلاث مرات(2).

فهنا قد يقال: إنّ النسبة بينهما هي الأقل والأكثر فلا بُدَّ من الجمع ما بينهما لحمل الأقل على الأكثر، فيكون كما لو ورد: “إذا خفي الأذان فقصر”، وورد إذا خفي الأذان والجدران فقصر، فيحمل المطلق منهما على المقيّد.

إلّا أنّ الصحيح أنهما ليسا كذلك، بل النسبة بينهما هي العموم من وجه، لأنّ مقتضى إطلاق النتر في رواية محمد بن مسلم الاكتفاء بالمرّة، في حين تقيّد رواية حفص بالثلاث، فهي أخصّ من هذه الجهة، فتكون النسبة بينهما هي العموم من وجه، فتدخل تحت تلك الكبرى الأصولية.

وأمّا ما قيل: من أننا لا نجد فرقاً بين هذا المورد من العامّ والخاص وسائر الموارد.

فنقول: إن هناك فرقاً بينهما من وجهين:

الوجه الأوّل: أنّ كون المولى في مقام بيان سائر الخصوصيات، يستفاد من موارد الإطلاق عادةً من ظهور حال المتكلم الملتفت في أن يجعل كلامه بمقدار 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(2) وسائل الشيعة1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مرامه، وحيث لم يقيّد كلامه فنعلم أنّ مرامه هو المطلق أيضاً، وأما في الروايات البيانية فيستفاد كون المولى في مقام بيان سائر الخصوصيات من نفس سياق الكلام “ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(1) من الظهور اللفظي لكلام الإمام. والمقام من هذا القبيل، فإن هذه من الروايات البيانية فيكون فيها الإطلاق لفظياً(2).

الوجه الثاني: أنّ القيد لو كان غالباً لأمكن للمولى الإطلاق اعتماداً على أنّ الغالب من الناس يعملون الحصّة المقيّدة. ولكن الأمر هنا ليس كذلك، بل القيد فردٌ نادر، فإنه بغضّ النظر عن الحكم الشرعي بالاستبراء، ليس كل من مسح ما بين المقعدة والقضيب سوف يمسح بين أصل القضيب والحشفة، ولا من عمل ذلك سوف ينتره، لأنّ ذلك مؤونة زائدة خارجة عن الفهم العقلائي، ومعه: فإمّا أن نقول بالتخيير بين العصر ثلاثاً والنتر مرةً، وبين النتر ثلاثاً، وإمّا 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام1: 75، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث: 39، وسائل الشيعة1: 287، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.

(2) أقول: ذكرنا للسيد أنّ ما استفاده المحقق الهمداني من ابتناء قوله: “وينتر طرفه” على ما قبله، ذكرتموه ولم تناقشوه، وظاهره موافقتكم عليه.

فأجاب: كلا، لا أوافق عليه، فإنه لو أخّر قوله: “ثلاث مرات“، أو حذفه، لأمكن استفادة ذلك، ولكنه فصل ما بين العصر والنتر بقوله: “ثلاث مرات“، ففصل بين الجملتين وظاهره عدم الابتناء، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أن نقول بالجمع ما بينهما(1)

هذا تمام الكلام في الجهة الأولى في كيفية الاستبراء.

ــــــــــ[239]ــــــــــ

() أقول: هذا الوجه غير تامٍّ من وجهين:

أولاً: لو اختصر الإطلاق بموارد القيود الغالبة، وكان في موارد القيود النادرة غير جائز، لكان إشكالاً على كثير من موارد الفقه، بل نعلم إجمالاً بصدور هذه الإطلاقات منهم، ولا أقل من أن يكون هذا العلم دليلاً على وجود هذا الديدن للمولى.

وإذا كان ديدنه ذلك، وعرف ذلك منه، أمكنه الإطلاق في كلتا الصورتين.

ثانياً: أن القيد في المقام ليس نادراً فإننا في المقام نحتاج الى أحد تقييدات.

الأول: تقييد رواية عبد الملك التي تذكر المرحلة الأولى فتقيّدها بالمراحل الأخرى، وهذا وإن كان قيداً نادراً كما ذكره السيد هنا، إلّا أنه أسقط هذه الرواية عن الحجيّة.

الثاني: تقييد “ينتر طرفه” بكونه ثلاث مرات، وهنا يمكن القول أنّ الغالب هو الحصة المقيّدة، فإنّ من لا ينتر لا يقتصر على المرة، بل يكرر بطبعه، ما لم تكن هناك عجلة ونحوه لديه، فلا يكون القيد نادراً.

الثالث: تقييد “ينتره ثلاثاً” بالمرحلة السابقة وهي العصر، وهذا وإن لم يكن غالباً إلّا أنه لا يمكن الجزم بندرته، بل لا يبعد أنّ من يريد أن يطمئن بعدم الرطوبة، فإنه يعصره قبل النتر في الجملة، إذن فالقيد ليس نادراً أيضاً، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  




الجهة الثانية: في فائدة الاستبراء

 

وتظهر فائدته في البلل المشتبه الخارج بعد الاستبراء، فإنه لا يحكم بكونه بولاً.

الاستدلال بعدّة طوائف

والطوائف التي يمكن الاستدلال بها في المقام عديدة:

الطائفة الأولى: التي تدل على العفو مطلقاً، كرواية عبد الله بن أبي يعفور، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل بال، ثم توضأ، ثم قام إلى الصلاة، ثم وجد بللاً. قال: لا يتوضأ، إنما ذلك من الحبائل(1).

الطائفة الثانية: التي تدل على عدم العفو مطلقاً، كرواية: محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر: من اغتسل وهو جنب قبل أن يبول، ثم يجد بللاً، فقد انتقض غسله، وإن كان بال، ثم اغتسل، ثم وجد بللاً، فليس ينقض غسله، ولكن عليه الوضوء، لأنّ البول لم يدع شيئاً”(2)(3).

ــــــــــ[240]ــــــــــ

() الكافي5: 64، كتاب الطهارة، الباب 13، الحديث: 2، وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من نواقض الوضوء، الحديث: 1، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

(2) باب 13 من أحكام الوضوء، (المقرر).

(3) تهذيب الأحكام1: 75، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث: 98، وسائل الشيعة1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

محل الاستشهاد بالقسم الأخير من الرواية، حيث أمر بالوضوء من البلل المشتبه بدون تفصيل.

الطائفة الثالثة: التي تدل على التفصيل بين صورة الاستبراء وعدمه، وهي روايات الاستبراء السابقة(1).

ولو بقينا نحن وهذه الطوائف الثلاث لقلنا: إنّ الطائفة الأخيرة تقيّد الطائفة الأولى بما بعد الاستبراء. وتقيّد الثانية بما قبله. ولا حاجة معه إلى انقلاب النسبة؛ لأنّ هذا إنّما هو فيما إذا قيّدت إحدى الطائفتين، وكانت هذه الطائفة المقيّدة مقيّدةً للطائفة الأولى، وهذا لا نقول به، إلّا أنّنا لا نحتاج إليه، لأنّ الطائفة الثالثة تقيّد كِلتا الطائفتين ابتداءً.

الطائفة الرابعة: ما دلّ على عدم العفو حتى بعد الاستبراء، وهذا هو فرقها عن الطائفة الثانية. وهي رواية محمد بن عيسى قال: “كتب إليه رجل: هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء؟ فكتب نعم(2)(3).

فقد يقال: إنّ هذه الطائفة تعارض الطائفة الثالثة، فلا بُدَّ من النظر في النسبة بين هذه الطوائف.

ــــــــــ[241]ــــــــــ

() انظر: وسائل الشيعة1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(2) نفس الباب، (المقرر).

(3) تهذيب الأحكام1: 28، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 11، وسائل الشيعة1: 285، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وجوه الجمع بين الطوائف

ويمكن الجمع بين هذه الطوائف بأحد وجوه:

الوجه الأوّل: حمل الطائفة الرابعة على الاستحباب، فيكون الوضوء مستحباً، باعتبار احتمال كون البلل بولاً، وإن كان احتمالاً مؤمّناً عنه.

إلّا أنه قد يقال بعدم عرفية هذا الحمل، باعتبار أنّ الوارد في الرواية ليس هو صيغة الأمر ليمكن حمله عرفاً على الاستحباب. وإنما الوارد فيها لفظ يجب، وهو ظاهر بالإلزام وحمله على الاستحباب غير عرفي.

إلّا أنّ هذا غير صحيح، لأنّ الوجوب وإن كان بالمعنى الاصطلاحي دالاً على الإلزام، إلّا أنه متأخرّ عن عصر المعصومين، والمعنى اللغوي له هو مطلق الثبوت المناسب مع الإلزام والاستحباب، فيكون حمله على الاستحباب ممكناً عرفاً.

الوجه الثاني: الجمع بين الروايات بحسب صناعة الإطلاق والتقييد، إذ يقال: إنّ الرواية الأخيرة مطلقة من حيث كون الخارج بعد الاستبراء معلوم البولية أو مشكوكها، فنقيّدها بإخراج مشكوك البولية بالروايات السابقة. وتبقى هذه الرواية خاصةً بمعلوم البولية.

وهذا الوجه لو تم فهو مقدّم على الوجه الأوّل، لأن التقييد مقدّم على الحمل على الاستحباب.

إلّا أنه وجه غير صحيح، لأنّ تقييد هذه الرواية بمعلوم البولية تقييد غير عرفي، فإنّ الذهن العرفي المتشرعي يفهم بأنّ الاستبراء إنما هو طريق إلى رفع 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الاشتباه عن المشكوك البولية، لا أنه طريق إلى رفع حكم البول من النجاسة والناقضية.

وبتعبير آخر: أنّ المرتكز متشرعياً هو أنّ نتيجة الاستبراء حكم ظاهري عند الشك، لا حكم واقعي رافع لحكم البول. ومعه فحمل الرواية على معلوم البولية بعيد من هذا الارتكاز.

الوجه الثالث: أنه بعد عدم تمامية الوجهين السابقين يستحكم التعارض بين الطائفتين، ولا بُدَّ من تطبيق قواعد باب التعارض ومقتضى القاعدة سقوط هذه الرواية عن الحجية، لموافقتها العامة، فإنّ العامة مجمعون على ناقضية المذي والوذي عن الوضوء، في حين أنّ الاستبراء مبنيٌ على فكرة عدم ناقضية هذه الرطوبات، كما أنّ العامة يمنعون عن الوضوء، قبل الاستبراء، باعتبار أنّ البول بوجوده في المجرى مانع عن صحة الوضوء.

ــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

الجهة الثالثة: في حكم الاستبراء

 

قد يقال: باستحبابه نظراً إلى استفادة ذلك من الروايات، إلّا أنّ هذا غير صحيح.

فإنه في رواية عبد الملك لم ترد صيغة الأمر أصلاً، وإنما وردت جملة شرطية شرطها الاستبراء وجزاؤها العفو، قال: “إذا بال، فخرط ما بين المقعدة والأنثيين ثلاث مرات…(1)الحديث.

وفي الروايتين الأخريين لحفص(2) ومحمد بن مسلم(3) ورد الأمر ولو بصيغة الجملة الخبرية المراد بها الإنشاء: “ينتره ثلاثاً” و”يعصر أصل ذكره..” إلّا أن هذا الأمر ليس مولوياً، وإنما هو إرشادي إلى الحصول على نتيجة الاستبراء، بدليل ذكر هذه النتيجة، بعد هذا الأمر في كلتا الروايتين، حيث قال في – رواية محمد بن مسلم-: “فإن خرج بعد ذلك شيء فليس من البول ولكنه من الحبائل“، وقال في رواية حفص: “ثم إن سال حتى يبلغ السوق فلا بأس“.

ومعه فلا دليل على الاستحباب النفسي للاستبراء.

هذا تمام الكلام في الجهات الثلاث للاستبراء.

 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(2) وسائل الشيعة1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 3.

(3) وسائل الشيعة1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فروع تفصيلية

 

بعد هذا يقع الكلام في الفروع التفصيلية للمتن:

الفرع الأوّل: اشتراط الترتيب

فمن ذلك اشتراط الترتيب بالنحو الذي ذكره المشهور، بشكل لا يجوز معه أن يمسح المرحلة الأولى مرةً واحدةً، والثانية مرةً، والثالثة مرةً، ثم يعود إلى ثلاث مرات.

ذكر المحقق الهمداني(1): أننا غاية ما استطعنا عمله هو إثبات فتوى المشهور في الجملة كما سبق أن نقلناه عنه. وأما استفادة الترتيب فلا يمكن.

والحقّ معه في ذلك: فإنّ الأدلة قاصرة عن إثبات ذلك(2).

ــــــــــ[245]ــــــــــ

() انظر: مصباح الفقيه3: 404، كتاب الطهارة، الركن الثاني، غسل الجنابة، سنن الغسل، الاستبراء.

(2) أقول: هناك ترتُّب طبعي بين المراحل إذ لا معنى -مثلاً – لتقديم النتر على المسح السابق أو الأسبق، إذ لا يكون لهذا النتر أي مشاركة أو تأثير في تنقية المجرى كما هو المطلوب في الاستبراء. نعم، كل أسلوب لا يضر بهذا الملاك فلا بأس من اتخاذه، كالأسلوب المشهور، أو المسح في كل مرحلة مرة وتكرره ثلاث مرات، أو الملفق ما بين ذلك، وأما الترتُّب الطبعي فهو مما لا يمكن رفع اليد عنه، ويمكن استفادته من الروايات كما هو واضح لمن يتأمل.

ومن ذلك: أنّ طول المدّة بحيث يطمئن، أو يحصل العلم العرفي بعدم وجود الرطوبة في المجرى، له أثر الاستبراء.

وهذا واضح بعد أن نفهم من أدلة الاستبراء مشروعيته من أجل كونه طريقاً إلى التنقية، لا أنّ له موضوعيةً في نفسه تعبّداً، والاستبراء مجعول لأجل رفع احتمال بقاء شيء في المجرى، ومع وجود هذا الاطمئنان فإن خرج شيء، فإن احتمل كونه من المتبقى كان منفياً بالاطمئنان، كما كان منفياً بالاستبراء، وإن احتمل كونه نازلاً من أعلى – أي بولاً مستأنفاً- فهو مدفوع بالأصل، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الفرع الثاني: عدم شمول الاستبراء للمرأة

ومنها أنّ حكم الاستبراء غير شامل للمرأة، لعدم شمول أدلة الاستبراء لفظاً للمرأة، ولا يمكن التعدّي إليها إلّا بعد العلم بعدم الخصوصية للرجل عرفاً، لكن هذا غير ممكن بعد احتمال الفرق والتفات العرف إلى الاختلاف التكويني بين الجنسين، فكأنه أُريد للمرأة شرعاً أن تبقى تحت القواعد الأولية، وهي الأصول المؤمِّنة كأصالة الطهارة، وأصالة عدم خروج البول، ولا يكون استحباب الاستبراء ثابتاً لها، وإن سلّمناه للرجل.

نعم، يمكن لها الاحتياط بالاستبراء بالنحو المذكور في المتن(1).

ــــــــــ[246]ــــــــــ

() أقول: الاستبراء يفيد المرأة لدفع ما قد يحدث من الاطمئنان ببولية الخارج الذي لا تجري معه الأصول، إذ مع الاستبراء لا يحدث هذا الاطمئنان عادةً، فيبقى البلل تحت الأصل. نعم، يكون الحجة هو الأصل، لا الاستبراء بصفته أمارةً، إلّا على 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقدير شمول الأدلة للمرأة.

والإنصاف عدم تعذّر ذلك، وخاصّة بعد أن نفهم الطريقية إلى التنقية وهي لا تختلف بين الجنسين، على أنّ المرحلة الأولى من الاستبراء -بعد تغيير صيغتها- ممكنة للمرأة. تضيف إليه العصر المذكور في المتن. وهذا العصر يمكن استفادته من رواية محمد بن مسلم بعد فهم الطريقية المحضة منها. ومعه فأمارية الاستبراء للمرأة غير بعيدة، (المقرر)

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  




مسألة 1: [استبراء مقطوع الذكر]

من قطع ذكره يصنع ما ذكر فيما بقي(1).

إذا استفدنا الموضوعية من أدلة الاستبراء يكون ما ذكر في المتن غير تام، إذ يقال بأنّ مجموع ما أمر به هناك متعذّر، والباقي لا دليل على وجوبه أو استحبابه.

ولكن الصحيح، هو استفادة الطريقية من تلك الأدلة، وأنّ المراد بالاستبراء التوصُّل إلى التنقية، ومعه ينعقد للروايات إطلاق في الشمول لا يعارض تلك العملية.

وبتعبير آخر: أنه يستفاد من الروايات -باعتبار الطريقية- أنّ استبراء كلٍّ بحسبه، فالشخص الكامل استبراؤه كامل، والشخص الناقص استبراؤه ناقص.

وليست هذه النتيجة من أجل مجرد التعذّر، إذ لو كان كذلك لكان تعذّر بعض الاستبراء مع وجود العضو الكامل موجباً للحكم بكفاية ما بقي، ولا يلتزم بذلك، بل تبقى الروايات شاملةً له، وإنما ذلك باعتبار فهم الطريقية، 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وهي متوفّرة في الناقص، غير متوفّرة في الكامل العاجز.

وقد حاول السيد(1) الأستاذ أن لا يكتفي بهذا الوجه المعتمد على الفهم الارتكازي لمناسبات الحكم والموضوع، وحاول التمسّك بإطلاق لفظي لإثبات ما في المتن. وهو قوله في رواية حفص: “ينتره ثلاثاً(2) وهو مبنيٌ على مبناه من إرجاع الضمير إلى البول، حيث يكون له شمول للمراحل الثلاث، فإذا تعذّرت إحداها أو اثنين منها بقي الباقي، وهو استدلال صحيح على هذا المبنى.

إلّا أنّنا قلنا إنّ مرجع الضمير ليس هو البول(3)، وإنما هو العضو المخصوص، وذكرنا القرينة على ذلك، ومعه لا يكون للرواية إطلاق للمرحلة الأولى، لكي تكون هي الباقية بعد تعذّر الأولى.

وكان الأحسن لو تمسّك السيد الأستاذ بإطلاق رواية عبد الملك حيث يقول: “إذا بال فخرط ما بين المقعدة والأنثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما”(4) 

ــــــــــ[249]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 397-398، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 1.

(2) وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 3.

(3) قال في حاشية سابقة: أن مرجع الضمير في قوله: “ينتره” من رواية حفص، ليس هو البول، باعتبار ظهور النتر بالفعلية، والبول لا يسحب فعلاً، وإنما يحاول ذلك. وقد لا يوجد هناك بول، فلا يكون السحب فعلياً، فظهوره بالفعلية ينفي ذلك. وإنما يرجع الضمير إلى العضو المخصوص، وهو حاضر ذهناً في ذهن السائل، باعتبار أنّ الحديث عن البول”.

(4) وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بناءً على استفادته من أن المراد من الغمز المرحلة الأولى والثانية من الاستبراء، فحيث تتعذر المرحلتان المتأخرتان تبقى المرحلة الأولى.

إلّا أنه تبيّن مما سبق عدم صحة التمسّك بهذه الرواية:

أولاً: لضعف سندها.

وثانياً: لكون المراد من الغمز بينهما ليس هو ما فهمه الأصحاب بل هو الغمز فيما بين الانثيين حقيقةً، غاية الأمر أنه إذا قام الإجماع أو التسالم على عدم وجوبه، فليُحمَل على الاستحباب. فالعمدة هو الوجه الأوّل(1).

ــــــــــ[250]ــــــــــ

() أقول: لا معنى للحمل على الاستحباب بعد أن ناقش السيد في أصل استحباب الاستبراء، وإنما غاية ما هو محتمل كونه دخيلاً في الاستبراء، فإذا حصل إجماع على عدم دخل ذلك لزم كونه بمنزلة الساقط من الرواية ورُدّ علمه إلى أهله، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة 2: [منجسيّة الرطوبة المشتبهة عند ترك الاستبراء]

مع ترك الاستبراء يحكم على الرطوبة المشتبهة بالنجاسة والناقضية(1).

وهي مسألة مهمة، والقدر المتيقن من الرطوبة الخارجة بدون الاستبراء هو كونه ناقضاً للحدث، وإنما يقع الكلام في أنّ هذه الرطوبة هل تكون منجسةً أو لا؟

قد يقال: بأنّ هذا غير صحيح؛ لأن فيه تفكيكاً بين حكمين متلازمين، فإنّه إن كان بولاً كان ناقضاً للطهارتين، وإلا فتكون كِلتا الطهارتين موجودتين، فالقول بانتقاض الطهارة الخبثية، وانحفاظ الطهارة الحدثية غير ممكن.

إلّا أنّ هذا غير صحيح؛ لأنّ الحكم ببقاء الطهارة الحدثية حكم ظاهري والتفكيك بين الأحكام في عالم الظاهر غير عزيز.

وقال صاحب الحدائق: إنّ المشهور هو الحكم بالنجاسة الخبثية، وهذا لا ينسجم مع مبانيهم وأذواقهم في التفكيك بين الأحكام الظاهرية، حيث بنوا في ملاقى الشبهة المحصورة على الطهارة مع حكمهم على الطرف الملاقى بالنجاسة.

ــــــــــ[251]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

قال ما نصّه: (وأعلم أنّ الظاهر كما عرفت من كلامهم، أنه كما لا خلاف في نقض هذا البلل المشتبه للوضوء، كذلك لا خلاف في وجوب غسله، وهو يشعر بحكمهم بنجاسته. ويشكل عليهم بمقتضى ما قرروه في مسألة الإناءين -كما تقدّم ذكره-، بأنّ أقصى ما يستفاد من الأدلّة المذكورة النقض خاصّة…)(1).

المقام الأول: أدلة القول بالنجاسة

ويمكن الاستدلال للقول بالنجاسة الخبثية بعدّة وجوه:

الوجه الأوّل: روايات الاستنجاء

 إنّ القدر المتيقَّن من بعض روايات الاستنجاء هو الخبث، وإن قالوا إنّ القدر المتيقَّن منها هو الحدث.

فلئن كانت رواية حفص ورواية عبد الملك(2) يمكن أن تشمل كِلا النجاستين -على كلام سوف يأتي- فإنّ رواية محمد بن مسلم(3) التي هي القدر المتيقّن في الاعتبار والصحّة تكاد أن تكون خاصة بالخبث، حيث قيّده بكونه “ولم يكن معه ماء“، فإنّ هذا القيد في كلام السائل لم يؤخذ من أجل افتراض العجز عن الوضوء، إذ لم يفترض فيه وجوب الصلاة، وإنما أخذ فيه لأجل بيان العجز عن التطهير بالماء، وقد بيّن له الإمام بياناً يتخلّص فيه من هذا 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

(1) الحدائق الناظرة:2: 62: كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الأول، الاستبراء.

(2) المتقدمتان قريباً.

(3) وسائل الشيعة1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المحذور، ومعه فتكون خاصّةً بالحدث(1).

ــــــــــ[253]ــــــــــ

() أقول: وهنا قال بعض الطلاب (وكنت قبل أيام قد سألته نفس السؤال: أنه لم يرتفع المحذور بذلك، إذ أنّ الرطوبة تلاقي الرطوبة البولية الموجودة على العضو فتنجس). 

وقد أجاب السيد على هذا السؤال بجوابين:

الأوّل: بيّنه لي حين سألته أولاً، وحاصله: أنّ الرواية بيّنت ارتفاع المحذور من جهة البولية، فجميع أحكام البول لا تترتّب على الرطوبة الخارجة بعد الاستنجاء. وأما وجود نجاسة من جهة أخرى فهذا لا ربط له بسياق الرواية.

أقول: وهذا أولاً: منافٍ مع ظاهر الرواية بالعفو الفعلي دون الحيثي، وثانياً: مبنيٌ منه على شمول الرواية للحدث. إذ مع اختصاصها بالخبث يكون الحكم الحيثي ضيّقاً جداً، بل لغواً مع فرض اتحاد طريقة التطهير في المتنجّس بالبول والمتنجّس بهذا المتنجّس.

الثاني: ما أجاب به في هذا الدرس، وحاصله: أنّ هذه الرواية تكون دالةً على طهارة المتنجّس الثاني من البول، ولو كان سائلاً. فإنّ جسم العضو يكون متنجساً بالبول وتكون الرطوبة ملاقيةً معه، فمع الحكم بالطهارة عليه يرتفع المحذور ويكون فقه الرواية مفهوماً وصحيحاً.

قلت له: بأنّ هذه الروايات لا مفهوم لها ليستدل به على ما هو القدر المتيقّن مشهورياً وهو الحكم بالناقضية، وذلك: لأنّ رواية حفص تقول: “ينتره ثلاثاً”، وليس فيها أداة شرط أصلاً. ورواية عبد الملك ضعيفة السند. وأمّا رواية محمد بن مسلم ففيها شرطيتان كِلتاهما مسوق لبيان الموضوع، من قبيل: (إذا رزقت ولداً فاختنه)، فإنه قال أولاً: “إذا بال فخرط”، ومفهومه إذا لم يبل، ثم قال: “فإن خرج بعد ذلك شيء”، ومفهومه إذا لم يخرج بعد ذلك، وهو يناسب مع عدم الخروج أصلاً.

فأجاب عن ذلك مستشهداً بذيل رواية حفص، وهو قوله: “ثُمَّ إن سال حتى يبلغ السوق فلا بأس“.

وذكر في تقريب المفهوم: أنّ السيلان ليس هو الشرط بل هو موضوع القضية، بدليل على أنّه أخذ مسلم الوجود، إذ بدون ذلك لا مجال للسؤال أصلاً، والشرط في القضية هو تأخّره عن الاستبراء، فيكون المفهوم: أنه إذا لم يتأخّر عن الاستبراء ففيه بأس، وهو دالّ على المطلوب.

أقول: هذا لا يخلو من مناقشة، فإن التأخّر بلفظ (بعد ذلك) ورد في صحيحة محمد بن مسلم، وهي لا يتمّ فيها هذا التقريب؛ لأنّ السؤال عن عدم الماء لا عن مجرد التأخّر، كما هو واضح.

وأمّا رواية حفص فليس فيها لفظ (بعد ذلك) ليستشهد به. اللهم إلاَّ أن يستفاد من لفظ (ثم).

ولكن جعل هذا الظهور معارضاً لظهور كون الشرط هو مدخول الأداة.. دونه خرط القتاد، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

تقريب الوجه الأول(1)

إنّ روايات الباب ينبغي أن تُضَمّ إليها روايات عدم العفو مطلقاً التي عرفناها. فإننا بعد أن عرفنا أنّ مقتضى الأصل والقاعدة الأولية هو العفو، فهذه الروايات تكون مخالفة للقاعدة كروايات الاستبراء من هذه الناحية، فتكون الروايات أكثر من ثلاث.

وحينئذٍ تكون الروايات من حيث اختصاصها بالحدث أو هو القدر 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

() قرّب السيد الوجه الأول بشكل فيه بعض النكات الزائدة عما سبق فقال: (إن روايات الباب… (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المتيقن منها كما فهم المشهور، أو عدم ذلك على ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: ما دلّ على أنّ الملحوظ جهة الحدث بصراحة 

وهي روايات عدم العفو مطلقاً، كرواية محمد بن مسلم قال: “قال أبو جعفر: من اغتسل وهو جنب قبل أن يبول، ثم يجد بللاً، فقد انتقض غسله، وإن كان بال، ثم اغتسل، ثم وجد بللاً، فليس ينقض غسله، ولكن عليه الوضوء، لأنّ البول لم يدع شيئاً(1).

فأخذ الوضوء فيها يدل على كون المنظور هو الحدث.

القسم الثاني: ما لم يؤخذ فيه من ناحية السؤال أيّ إشعار بالمشكلة المنظورة للسائل “في الرجل يبول”(2)

القسم الثالث: ما يستشعر منه أنّ القدر المتيقن هو الخبث، وهو صحيحة محمد بن مسلم، فإنّ أخذ السائل جهة عدم الماء في سؤاله، ظاهر بدخله في المشكلة المنظورة له، وهو إنما يكون دخيلاً في الطهارة الخبثية، لا في الطهارة الحدثية، إذ من ناحية الحدث لو لم يكن له ماء فإنه يتيمّمّ وتكون الرطوبة بدون الاستبراء ناقضة للتيمّم، فتبقى المشكلة قائمة، فلا أثر لعدم الماء فيها، بخلافه على النجاسة الخبثية، فإنه يطهر بالماء لو كان موجوداً، فلعدم الماء دخل في المشكلة هنا.

ــــــــــ[255]ــــــــــ

() وسائل الشيعة1: 283، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 5.

(2) رواية حفص، وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ومعه تكون هذه الرواية دليلاً على المدّعى هو عدم العفو من ناحية الخبث.

الوجه الثاني: رواية محمد بن مسلم

الوجه الثاني التمسّك برواية محمد بن مسلم من ناحية أخرى غير الجهة المنظورة في الوجه الأوّل، وهي قوله فيها: “فإن خرج بعد ذلك شيء فليس من البول(1). حيث احتوى هذا النص على شرطية شرطها خروج البول بعد الاستبراء، وجزاؤها عدم كون الرطوبة المشتبهة بولاً، والمفهوم هو ترتُّب نقيض التالي على نقيض المقدّم، فيكون المؤدّى(2): أنه إن خرج البول قبل الاستبراء، فهو من البول، ومقتضى عموم التنزيل الشمول لكل أحكام البول، وتترتب كلتا النجاستين عليه(3).

ــــــــــ[256]ــــــــــ

() وسائل الشيعة1: 320، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 2.

(2) سبق أن ناقشنا ذلك، (المقرر).

(3) أقول: وهنا قلت له: ولكن التقريب الأوّل حاكم على الثاني لأن السائل أخذ قيد عدم الماء في السؤال وهو دال على الاختصاص بالنجاسة الخبثية، فيكون المراد من الجواب هو ذلك أيضاً؛ لأن السؤال يكون قرينة على الجواب، والجواب ينبغي أن يكون على قدر السؤال.

فأجاب: بأنه ليس ينبغي أن يكون بقدره، بل يمكن أن يكون أوسع منه بأن يتبرع الإمام ببيان شيء زائد.

أقول: وواضح كون جوابه ناظر إلى نكتة المساواة بين السؤال والجواب لا إلى نكتة قرينية السؤال على الجواب، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الثالث: ما ذكره السيد(1) الأستاذ 

ما ذكره السيد الأستاذ من أنّ حكم النجاسة الخبثية نستفيده من ضمّ أمرين:

الأمر الأوّل: مفهوم روايات الاستبراء الذي يقول: إن كان خروج البلل المشتبه قبل الاستبراء ففيه بأس، أو ينبغي أن يُعتنى به.

الأمر الثاني: الروايات التي تخصّ الحدث بما خرج من السبيلين من العناوين المعروفة والنوم بلسان لا ينقض الوضوء إلّا ذلك. فالبلل المشتبه حيث إنَّه ناقض -حسب الأمر الأوّل- ولا ناقض إلّا هذه الخمسة -حسب الأمر الثاني- إذن فهذا البلل من هذه الخمسة، وحيث لا يحتمل أن يكون إلّا البول، إذن فهو من البول فيشمله حكم الحدث والخبث معاً.

إلّا أن هذا الوجه غير تام، لأن المراد من روايات حصر الحدث بالخمسة بيان الحكم الواقعي، والمراد من روايات الاستبراء بيان الحكم الظاهري، فلا يكون القسم الثاني دليلاً على بولية البلل المشتبه واقعاً(2). 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

() انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 398-399، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 2.

(2) أقول: لعلَّ الجواب بالنحو الذي سنذكره أحسن وهو أن يقال: إنّ الأمر الأوّل من الأمرين إما هو المفهوم القائل إن كان خرج قبل الاستبراء ففيه بأس، أو القائل إن كان خرج قبله فهو بول، وليس هناك قسم آخر.

فإن كان الثاني ثبت كونه بولاً بالنص ولا حاجة إلى ضم الأمر الثاني كما هو واضح، وإن كان الأوّل أمكن التمسك بإطلاقه من دون ضمّ الأمر الثاني أيضاً، فضمّ الأمر الثاني لغو، بل هو ممتنع لما ذكره السيد ، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ وجماعة(1)

من أنّ الحكم ببولية الرطوبة المشتبهة إن كان من باب منجّزية الاحتمال ولمجرد الاحتياط، فلعل الشارع يهتم باحتمال الحدث أكثر من احتمال الخبث.

إلّا أن الأمر ليس كذلك، بل إنّما يحكم بالبولية باعتبار الكاشفية وظهور الحال في أن الخارج هو من البول المتبقّي، وإذا كانت هذه الكاشفية والأمارية موجودةً لم يفرق فيها بين نوعي النجاسة.

إلّا أنّ هذا الوجه غير صحيح، وذلك لما قلنا في علم الأصول(3) من أنّ جعل الحكم الظاهري يكون على ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: ما يكون متمحّضاً في الكاشفية من دون نظر إلى المؤدّى أصلاً، كحجية الظواهر، وهو المسمى بالأمارة.

القسم الثاني: ما يكون متمحّضاً في جانب المؤدّى من دون أن يكون له جنبة كشف أصلاً، وهو الأصل العملي غير المحرز أو غير التنزيلي، كأصالة الطهارة والحلّ والبراءة.

ــــــــــ[258]ــــــــــ

(1) المبسوط في فقه الإمامية 1: 29. والجمل والعقود 42. وانظر الحدائق 3: 115.

(2) انظر: بحوث في علم الأصول5: 11-12، مباحث الحجج والأصول العملية، الجزء الثاني البراءة التخيير الاحتياط، المقدمة الثانية، دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة: 75،76، الأمارات والأصول.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

القسم الثالث: ما يكون فيه النظر إلى كلتا الجهتين، فله جنبة كاشفية، وجنبة نفسية في المؤدّى، كأصالة الصحّة، وقاعدة اليد، وغيرها.

وقد قلنا: إنّ مُثبتات القسم الأوّل حجّة دون القسمين الأخيرين.

فلو كانت الأمارية في محلّ الكلام من القسم الأوّل كان ما قيل في هذا الوجه صحيحاً فإنّ هذه الأمارية تثبت كلا نوعي النجاسة، إلّا أنها ليست كذلك، بل هي كاشفية مطعّمة بجنبة نفسية هي جنبة التسهيل على العباد. ومعه لا يمكن إحراز شمول الحكم لكِلتا النجاستين(1).

ــــــــــ[259]ــــــــــ

() أقول: لعلَّ الأحسن في جوابه أن يقال: 

إنّ هذا الوجه إمّا أن يضم إلى روايات الاستبراء التي جعلت الاستبراء أمارةً على الطهارة، وعدمه أمارة على النجاسة، أو لا، فإن ضمّ إليها كانت دلالتها كافيةً، باعتبار ما لها من الإطلاق الشامل لكِلتا النجاستين، وهذا البيان لا يوفّر لها الإطلاق لو فرض عدمه كما هو واضح، وإن لم يضمّ له تلك الروايات، فيصبح الدليل على أمارية عدم الاستبراء على بدلية البلل غير موجود، فلا يكون لظهور الحال المشار إليه في الوجه حجّية لإثبات مؤداه، وليس هناك سيرة عقلائية تثبته أيضاً، فإذا لم تكن الأمارة حجّةً كانت عاجزةً عن إثبات إحدى النجاستين فضلاً عن كِلتيهما، وعاد الأمر إلى مجرد الاحتياط، ومنجّزية الاحتمال التي فرّ صاحب هذا الوجه منها.

وهذا الوجه حاكمٌ على الوجه الذي ذكره السيد؛ لأنّه يثبت انتفاء الأمارة التي سلمها في جوابه.

أقول: وهناك وجهان آخران محتملان للاستدلال على ناقضية البلل الخارج للطهارة الخبثية، مستفادة من مناقشة السيد مع طلابه:

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

ــــــــــ[260]ــــــــــ

الوجه الأوّل:

ذكره له كاتب هذه السطور وحاصله: أن قوله: “حتى يبلغ السوق” دالّ على كثرة البلل، والكثرة إنّما هي محذور في الخبث دون الحدث، وكذلك في طرف المفهوم بل لعلَّه أوضح.

فأجاب عليه بما حاصله: بأن كثرة البلل إنّما ذكرها الإمام باعتبار احتمال أن يكون هذا البلل بولاً مستأنفاً، فكأنه يقول: حتى لو كان بولاً مستأنفاً فلا تعتني به، وهذا الاحتمال مع كثرة البلل وارد، فإنّ من النادر أن يزداد الوذي بهذا المقدار.

فقلت له: هناك قرينة معاكسة وهي: أنّ الأمر يدور بين ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن يكون البلل بولاً مستأنفاً وهو منفيٌّ بالأصل.

الاحتمال الثاني: أن يكون من البول المتبقّي.

الاحتمال الثالث: أن يكون مذياً.

ومن الواضح أنّ المذي الخارج يكون أكثر عادةً من البول المتبقّي.

فقال: نعم، هذه هي النكتة التي حدت بالإمام إلى هذا الحكم، بمعنى أنه أكدّ على هذا الأصل الذي أشرت إليه وأمضاه، وأنّه حتى مع احتمال كونه بولاً مستأنفاً فلا تعتني.

الوجه الثاني: التمسّك ببعض ظواهر رواية عبد الملك حيث يقول: “في الرجل يبول ثم يستنجي.. ثم يقول: إذا بال فخرط.. ثم استنجى“… فذكر الاستنجاء لا يكون له محلّ لو كان النظر إلى الحدث، وإنّما يكون له مجال لو كان النظر إلى الخبث.

وهذا الوجه إنّما يتمّ فيما لو قيل بأنّ المتنجِّس ينجِّس، فإنه لو أنكرنا ذلك لم يكن الاستنجاء مؤثّراً في المورد أيضاً. ثم لو قلنا به، فإن كان قد استنجى كان طاهراً من ملاقاة البول المتبقّي على العضو، بخلافه لو لم يكن مستنجياً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

إلّا أن هذا الوجه غير تام:

أولاً: لضعف الرواية كما سبق.

ثانياً: أنّه يستبطن أن يكون السائل مسبوقاً بالحكم بنجاسة المتنجِّس، ليكون إدخاله لفرض الاستنجاء مبنياً عليه، ولا دليل على علمه بهذا الحكم، إلاَّ إذا ثبت وضوحه في أذهان أصحاب الأئمة، واشتهاره بينهم، وهو ليس كذلك بدليل بقائه محلّاً للخلاف إلى عصرنا الحاضر.

ووجوده في كلام الإمام لا يرفع هذه المناقشة؛ لأنّ الاستنجاء وارد في كلام السائل، والجواب يتحدّد بحدود السؤال لا محالة، فتأمّل.

وهناك وجهٌ آخر محتمل للتوصّل إلى إثبات المطلوب وهو: أنّ المذي يلاقي في طريقه الرطوبة البولية الموجودة في المجرى فيتنجّس، فالخارج المشتبه إما هو بول، أو متنجِّس بالبول، فيكون موجباً لارتفاع الطهارة الخبثية. 

وهذا الوجه خاصّ بإثبات النجاسة الخبثية.

إلّا أن يقال: إنّ المذي الملاقي لذرّات البول في المجرى يخرج معه أجزاء بولية، فيكون ناقضاً للحدث أيضاً.

إلاَّ أن هذا المقدار من الأجزاء المستهلكة لا يعدّ بولاً، والمهم في النقض هو صدق عنوان البول في الأدلة.

ولكن الإشكال في هذا الوجه هو: أنه مبنيٌ على أنّ الملاقاة في الداخل منجِّسة، أو أنّ ما يحمله المذي من أجزاء البول من المجرى إلى الخارج منجِّس لهذا المذي بعد خروجه، على أنّ وجوده منفي بالأصل، إلا إذا كان ساقطاً بعلم إجمالي أو نحوه، وكِلاهما محلّ إشكال، وإن كان أوفق بالاحتياط.

نعم، هذا الوجه ينتج الفرق في سبب العفو، فبينما يكون العفو -لو استبرأ- ناتجاً من الاستبراء، يكون العفو في هذه الصورة ناتجاً من الأصل، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الخامس: المنظور في روايات البلل المشتبه هو النجاسة الخبثية

الوجه الخامس أننا لو راجعنا روايات البلل المشتبه وهي روايات الاستبراء الثلاث مع الطائفة الأولى من الطوائف الأربع السابقة الدالة على العفو مطلقاً، والطائفة الثانية الدالة على عدم العفو مطلقاً، لو راجعناها لوجدنا أنّ هاتين الطائفتين المطلقتين ينصّ فيهما على الوضوء، وهو دليلٌ على أنّ المنظور فيهما مشكلة النجاسة الحدثية.

وأما روايات الاستبراء فليس شيء منها ذكر فيها الوضوء أصلاً، وهذا يدلّ على أنّ المشكلة التي في ذهن الراوي سنخ مشكلة تتمّ بدون الوضوء، وليس ذلك إلّا النجاسة الخبثية، إذ لو كان للوضوء دخل لكان المناسب عرفاً ذكره، فحذفه عمداً من قبل السائل يدل على ما قلناه.

الوجه السادس(1): رواية عبد الملك بن عمرو 

الوجه السادس أنّ رواية عبد الملك بن عمرو تحتوي ذكر الاستنجاء في كلام الإمام وكلام السائل معاً، وقد قلنا: إنّ ذكر شيء لا بُدَّ أن يكون له دخل في المسألة، لا لمجرد ذكر القصة، إذن فالمشكلة المنظورة سنخ مشكلة يكون للاستنجاء دخل فيها.

ــــــــــ[262]ــــــــــ

() هو الوجه الثاني الذي ذكرناه في آخر درس أمس وقد عرضه السيد مفصلاً ونسبه إلى صاحبه وهو السيد صدر الدين القبانجي… قال: (الوجه السادس….)، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فلو كانت المشكلة المنظورة هي النجاسة الحدثية لما كان للاستنجاء دخل، لا في كلام الراوي، ولا كلام الإمام، إذ أنّ الاستنجاء لا يزيد من مشكلة الحدث ولا يرفعه.

وأما لو كان المنظور هو النجاسة الخبثية، فيكون للاستنجاء دخل في وجودها، كما هو ظاهر كلام السائل، كما يكون للاستنجاء دخل في رفعها، كما هو ظاهر كلام الإمام.

أما دخل الاستنجاء في إيجاد المشكلة، فهو مبنيٌ على القول بتنجيس المتنجّس، عكس المبنى الذي بنينا عليه الوجه الأوّل، إذ عليه يكون الخارج بدون الاستنجاء إما بولاً، وإما متنجّساً بالبول. وأمّا مع الاستنجاء، فينتفي كِلا الاحتمالين: أمّا احتمال البولية فينتفي بالاستبراء، وأما احتمال التنجّس بالبول فينفى بالاستنجاء، وهذا هو الوجه في دخل الاستنجاء في رفع المشكلة.

إلّا أنّ هذا الوجه يمكن مناقشته، من حيث إنّ ذكر الاستنجاء كما يمكن أن يكون لما ذكرناه، يمكن أن يكون لسبب آخر، ولا أقلّ من الإجمال، بحيث لا يكون له ظهور بذلك السبب.

أمّا ذكره في كلام السائل: فقد يكون الوجه فيه هو خروج الفرد من بيت الخلاء، فإنّ العادة العرفية تقضي بإيجاد الاستنجاء في بيت الخلاء، فذكر الانتهاء منه كناية عن الخروج من هناك، واستئناف الحياة الاعتيادية. ومن الواضح أنه لا يواجه مشكلة النقض إذا خرج الاستنجاء في بيت الخلاء، إذ لا يكون الفرد على وضوء، وإنّما يواجهها بعد خروجه إذ من المحتمل أن يكون قد توضّأ، ثم 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

خرج البلل، بعد التنزّل عما ذكرناه في الوجه السابق من أن عدم ذكر الوضوء دليل على عدم كونه منظوراً.

وأمّا ذكره في كلام الإمام: فقد يكون باعتبار بيان محلّ الاستبراء وظرفه، وهو أن يعمله قبل الاستنجاء.

ومعه تسقط الرواية عن الدلالة على المطلوب(1).

الوجه السابع(2) 

الوجه الثامن: الملازمة العرفية

قاعدة عامة تفيد في الموارد الاستظهارية

الوجه الثامن يتوقّف على مقدمة تعطي قاعدةً عامةً تفيد في الموارد الاستظهارية، وهي: أنّ الملازمة العرفية على قسمين: تصوّرية وتصديقيّة:

ــــــــــ[264]ــــــــــ

() أقول: ولم يذكر السيد المناقشتين اللتين ذكرناهما لهذا الوجه:

أما المناقشة الأولى: فهي محكمة بوضوح، لبناء السيد نفسه على ضعف الرواية.

وأما الثانية: فهي غير واردة على أسلوب البيان الذي ذكره هذا اليوم، إذ علم الراوي بحكم تنجيس المتنجّس لا دخل له في كلام الإمام وحيث أنّ كلام الإمام ظاهر في دخل الاستنجاء في رفع المشكلة -على الفرض-، فيكون كلام السائل ظاهراً في وجودها، إذ لا معنى لدخله في رفعها، وهو غير دخيل في حدوثها، أو قل يكفينا من الرواية دخل الاستنجاء في رفع المشكلة، (المقرر).

(2) أقول: وهو الوجه الأوّل الذي ذكرناه في آخر درس أمس ذكره السيد ونسبه إلى صاحبه. ولم أجد في كلامه اليوم زيادة عما سبق وجهاً() ومناقشة، فلا حاجة إلى الإعادة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فالتصوّرية: ما كان الارتباط الذهني بين شيئين قوياً، بحيث ينتقل الذهن من أحدهما إلى الآخر، كالذي يقال عادةً من أنّ لفظ الشمس يدل على الضوء المنتشر منها.

والتصديقية: هي ما كان الذهن العرفي إذا صدق بشيء فإنه يصدق بالآخر، ولا يرضى بالتفكيك بينهما، مثاله: أنّ العرف إذا صدّق بنجاسة نصف الماء فإنه يصدّق بنجاسة النصف الآخر، ولا يرضى بالتفكيك بين النصفين في النجاسة، بالرغم من عدم لزوم محذور عقلي فيه.

والملازمة التصورية تشكّل في الألفاظ نحو ظهور، لأنّ الظهور ليس إلّا ما ينسبق إلى الذهن من اللفظ، وهذا لا يختلف فيه بين الدلالة المطابقية والالتزامية العرفية.

وإذا كان الحاضر في الذهن هو الملازم حضر لازمه لا محالة، ولكن في صورة اندراج الملازم في عموم لفظي أو إطلاق، فإنّ هذه الملازمة لا تتحقّق لعدم حضور الملازم بنفسه ذهناً، وإنما يحضر إجمالاً، وهو غير كافٍ لحضور لازمه.

وأما في الملازمة التصديقية، فتبقى صادقةً مع الإطلاق أيضاً، لأنّ الحكم شامل للمورد بالإطلاق، والمفروض أنّ الحكم الآخر لازم له، فيتبعه في التصديق.

ونستنتج من ذلك نتيجتين:

النتيجة الأولى: أنه لو كان لإطلاق دليل الاستصحاب ملازم تصديقي، فإنه يثبت به، فلو كان نصف الماء مجرىً لاستصحاب النجاسة كان ذلك دالّاً 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

على نجاسة النصف الآخر، وهذه دلالة لدليل الاستصحاب، فتكون حجّةً لا للاستصحاب نفسه.

النتيجة الثانية: لو ورد حكم على موضوع، وكان لهذا الموضوع لازم تصوّري، قلنا بشمول الحكم له.

وذلك: كما في المقام، فإنّ حكم الشارع بوجوب الوضوء لخروج البلل المشتبه، بعد ضمه إلى ارتكاز سببية البول للوضوء دون غيره، يفهم العرف أنّ البلل المشتبه إنما كان موجباً للوضوء باعتباره بولاً، أو منزّلاً منزلة البول، ومن هنا نفهم من إيجاب الوضوء عليه تنزيله منزلة البول، ومقتضاه ترتيب جميع آثار البول عليه.

ولعل هذا هو مراد السيد(1) الأستاذ (دامت بركاته) من الوجه الثالث الذي قلنا إنّه لا يناسب أن يصدر منه، وهو أنه يفهم من ضمّ روايات الاستبراء إلى روايات حصر النواقض أنّ البلل المشتبه منزل منزلة البول، وهو بظاهره واضح الفساد – كما قلنا-، لأنّ روايات الاستبراء تتعرّض للحكم الظاهري وتلك الروايات تتعرّض للحكم الواقعي، ولا ضير بأن نحكم ظاهراً ببولية ما ليس ببول واقعاً.

ولعل مُراده لُبّاً ما قلناه من ضمّ روايات الاستبراء إلى ارتكاز تسبيب البول دون غيره للوضوء عرفاً، وأنّ الوضوء من شؤون البول، فيكون وجهاً 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 398-399، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

صحيحاً، وهذا تخريج عرفيّ لما نشعر به وجداناً ابتداءً، من أنّ المراد من روايات الاستبراء تنزيل البلل منزلة البول في كل الآثارّ بغضّ النظر عن خصوصيات ألسنة الروايات.

المقام الثاني: في مناقشة صاحب الحدائق

فإنه ذكر أنّ المشهور حكم بطهارة ملاقي الشبهة المحصورة، باعتبار أنه لم يستفد من رواية: “فأهرقهما جميعاً وتيمّم”(1) إلّا مجرد عدم إجزاء الصلاة مع الوضوء بالماء لا النجاسة، ففرقوا بين الحكمين المتلازمين، وكان عليهم -بناءً على هذا الاتجاه- أن يحكموا بناقضية البلل المشتبه دون نجاسته أيضاً. مع أنهم حكموا بناقضيته ونجاسته معاً، وهذا على خلاف أذواقهم(2).

يقول: ولكننا في فسحة من ذلك، لأنَّنا استفدنا هناك من رواية الإهراق نجاسة الماء ظاهراً إلى جانب عدم إجزاء الصلاة فيه.

إلّا أنّ الإنصاف أنّ قياس المقام بتلك المسألة خلاف الإنصاف، وذلك لأنّ الموجب بالفتوى بالنجاسة هنا موجود، وهناك غير موجود في حدود رواية الإهراق.

لأننا نسأل أن قوله: “فأهرقهما جميعاً وتيمّم” هل يدل على إلغاء الموافقة 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه1: 7، باب المياه طهارتها ونجاستها، الحديث: 3، مستدرك وسائل الشيعة2: 526، الباب 3 من أبواب التيمم، الحديث: 2627.

(2) انظر: الحدائق الناظرة1: 514، كتاب الطهارة، الباب الأول، الفصل السادس، المقام الثاني، الصورة الأولى.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الاحتمالية، وهي الوضوء بأحد الماءين والاقتصار عليه، أو على إلغاء الموافقة القطعية وهي الوضوء بكِلا الماءين، والصلاة لكل وضوء؟

فإن قيل: إنه دال على إلغاء الموافقة القطعية، فهذا غير محتمل؛ لأنّ النجاسة الظاهرية لا تفيد مع العلم بالواقع، وأنّ أحد الوضوءين وقع في ماء طاهر.

وإن قيل: إنّه دال على إلغاء الموافقة الاحتمالية، فعدم كفاية هذه المرتبة من الطاعة مطابق للقواعد الأولية، بغضّ النظر عن هذه الرواية، طبقاً لقوانين تنجيز العلم الإجمالي.

وهذا بخلاف محل الكلام، فإنّ القواعد الأولية فيه تقتضي الطهارة كما قلنا، وإنما خرجنا عن ذلك ببعض الوجوه الثمانية السابقة التي إن لم يصح كلّها لم تبطل كلها.

وأما تلك الرواية فهي لا تدلّ على النجاسة الظاهرية، وإنما تدل على عدم وجوب الموافقة القطعية، وإلحاق مؤونتها بالفاقد للماء، فإنّ الموافقة الاحتمالية غير مجزية، والقطعية غير لازمة(1).

ــــــــــ[268]ــــــــــ

() أقول: قلت له: لعلَّ الحكم بالإهراق ناشئ من الحكم بوجوب الجزم في النية، كما عليه بعض مشهور القدماء.

فقال: لكنّنا لا نقول بذلك. 

قلت له: لكن الرواية تدلّ على ذلك.

فقال: لكنّنا لولا هذه الرواية لم يمكن أن نصحح الإهراق.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ــــــــــ[269]ــــــــــ

فقال: نعم هذا محتمل.

أقول: فقد يقال: إنّ هذه الرواية منطلقة من هذا المنطلق، لا باعتبار إلغاء مؤونة الموافقة القطعية، بل باعتبار عدم إجزاء مثل هذه الموافقة القطعية، فإنّ الموافقة القطعية مخالفة للاحتياط من ناحية عدم الجزم بالنية.

وبتعبير آخر: أنها غير مجزية واقعاً -كما تدل عليه هذه الرواية- باعتبار ذلك.

أقول: إلاَّ أن هذا غير تام، إلاَّ إذا كان اشتراط الجزم بالنية مطلق لصورة العجز، بحيث يسقط التكليف المشترط به معه، وهذا يعني أنّ الانتقال إلى التيمم على القاعدة لو ثبت هذا الإطلاق. إلاَّ أنه لم يقل أحد بذلك، بل يقال عادةً من قبل القائلين بوجوب الجزم بالنية بالانتقال إلى النية الإجمالية مع العجز عن الجزم بها، وتكون في صورة العجز مصداقاً للموافقة القطعية.

وبتعبير آخر: لا يبقى مانع من هذه الناحية من مصداقية العمل للموافقة القطعية للعلم الإجمالي، فيتعيّن أن يكون الأمر بالإهراق ناشئاً من التسهيل واعتبار مؤونة الموافقة القطعية كفقدان الماء.

إلاَّ أنّ هذا التنزّل صحيح فيما لا بدل له، وأما فيما له بدل – كالتيمم- أو حين يدور الأمر بين النية الإجمالية والبدل، فهو وإن كان -لولا هذا النص- يتعيّن الوضوء الإجمالي، تبعاً لإطلاق مفهوم: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً (النساء: 43، المائدة: 6) إلاَّ أنه من المحتمل أنّ هذا الإطلاق غير مراد، وأنّ الإمام يرى لزوم الانتقال إلى البدل. وقد دلت الرواية على ذلك، فلها نحو حكومة ظاهرية على إطلاق الآية، والله العالم، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

نجاسة البلل المشتبه به مع الاضطرار لترك الاستبراء

قوله: وإن كان تركه من الاضطرار وعدم التمكّن منه(1).

شمول الحكم(2) لصورة الاضطرار واضح، تمسّكاً بإطلاق الروايات التي لم تقيّد بعدم الاضطرار.

وجهان لسقوط الحكم بالنجاسة

وفي مقابل ذلك وجهان لسقوط الحكم بالنجاسة في صورة الاضطرار:

الوجه الأوّل: عدم شمول الأمر بالاستبراء للعاجز

إنّ الأمر بالاستبراء خاص بالقادر وغير شامل للعاجز، فيبقى العاجز تحت الدليل الأولّي، وهو الأصل المؤمّن الذي هو مقتضى القاعدة الأولية لولا أدلة الاستبراء، كما سبق.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تامٍّ لأمرين:

الأمر الأوّل: أنّ روايات الاستبراء غير محتوية على صيغة الأمر، وإنما تحتوي على جمل شرطية “إذا بال فخرط..، فإن سال حتى يبلغ السوق(3) وهي متساوية الصدق بالنسبة إلى القادر والعاجز.

وبتعبيرٍ آخر: أنه لا مانع لشمولها للعاجز.

ــــــــــ[270]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة: 2.

(2) وهو النجاسة والناقضية. 

(3) وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأمر الثاني: أنه لو فرض احتواء بعض هذه الروايات أو جميعها على الأمر، فإنّ المفهوم منها، ليس هو الحكم التكليفي، ولذا استشكلنا من فهم الاستحباب منها، فضلاً عن دلالتها على الوجوب، وإنما هي أوامر إرشادية إلى تحصيل النتيجة من الاستبراء. ومعه لا يبقى مانع عن شمولها للعاجز.

وقد يقال: بقياس هذا الفرع على الفرع السابق الخاصّ بمقطوع الذكر، حيث قلنا هناك بأنه يمسح على الباقي، وذلك باعتبار اختصاص الأمر بالقادر، فيسقط بمقدار العجز، ويبقى الباقي مأموراً به، وكذلك الحال في المقام ينبغي أن يقال بسقوط الأمر للعجز، فكيف اختلف الكلام في المسألتين؟!

إلّا أن هذا الكلام غير صحيح، وذلك لوجهين(1):

الوجه الأوّل: حمل روايات الاستبراء على الطريقية إلى التنقية من البلل المتبقي، وليس للاستبراء موضوعية. ومعه فإذا سقط قسم من الاستبراء للتعذّر بقي الباقي، باعتبار رجحان تنقيته من البلل أيضاً(2).

الوجه الثاني: أن القضايا الإنشائية ترجع إلى قضايا شرطية، شرطها وجود الموضوع أو متعلق المتعلق، وجزاؤها الحكم الشرعي مثل قولنا: إذا وجد عالم فأكرمه، وإذا وجد خمر فلا تشربه.

ــــــــــ[271]ــــــــــ

() ذكر السيد أحدهما هناك والآخر هنا، ونحن نذكرهما معاً، (المقرر).

(2) أقول: ومن الواضح عدم جريان هذا الوجه في المقام، وذلك: لأن الاضطرار إلى ترك الاستبراء يُبقي البلل في المجرى، فيكون فهم الطريقية مؤكداً للنجاسة المستفادة من الأدلة الاجتهادية، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وكذلك الحال في المقام: إذا وجد عضو فامسحه، فإذا كان العضو مقطوعاً كانت هذه القضية سالبةً بانتفاء الموضوع. وارتفع الحكم بارتفاع موضوعه. ويبقى الباقي ذا موضوع متحقق فيشمله الحكم.

فإن قلت: إنّ ارتفاع الموضوع لبعض الاستبراء موجب لسقوط جميعه.

قلنا: كلا، فإنّ الروايات تحتوي على قضايا متعدّدة من هذا القبيل، فإن كان ما بين المقعدة وأصل الذكر موجوداً مسح عليه، وإن لم يكن العضو موجوداً.

الوجه الثاني: حديث الرفع

الوجه الثاني التمسّك بحديث الرفع أعني قوله: “رفع عن أمتي تسعة أشياء… وما اضطروا إليه”(1) ليقال برفع حكم الاستبراء عن المضطر، فيبقى البلل لديه داخلاً تحت الأصل المؤمّن.

دفع وهم مع مناقشته

ولا يتوهم هنا أنّ غاية ما يدلّ عليه حديث الرفع هو انتفاء الحكم عن الموضوع الموجود، ولا يشمل إيجاد الحكم على الموضوع المنتفي. فلو شرب خمراً للاضطرار حكم عليه برفع الحرمة، باعتبار رفع موضوعها، وأما لو ترك البيع اضطراراً فلا يحكم بترتّب حكم البيع، نتيجةً لرفع الاضطرار.

ــــــــــ[272]ــــــــــ

(1) الكافي4: 289، كتاب الإيمان والكفر، الباب 208، الحديث: 2، وسائل الشيعة15: 369، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث: 1، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وفي المقام كذلك، فإننا نريد بحديث الرفع أن نرتّب آثار الاستبراء مع عدم تحقّقه نتيجة للاضطرار، وهو غير ممكن.

دفع التوهم: أننا في المقام لا نريد أن نثبت حكم الاستبراء للمضطر، بل أن ننفي حكم عدمه، حيث دلّت الروايات – كما عرفنا- على النجاسة والناقضية مع ترك الاستبراء، وترك الاستبراء موضوع متحقّق وجداناً، وأثر الاضطرار إليه عدم ترتُّب حكمه عليه، وهو النجاسة والناقضية، وكل ما في الأمر أنّ الموضوع هنا عدميّ، وفي غيره وجوديّ.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تامّ، وذلك لثلاث نكات(1)

النكتة الأولى: أنّ حديث الرفع مختصٌّ بالموضوع الوجودي ولا يعم الموضوع العدمي، فاسم الموصول (فيما اضطروا) خاصّ بالوجودي، بقرينة الرفع، فإنه لا يكون إلّا على ما هو موجود، فيكون الحديث دالاً على رفع الحكم عن الموضوع الموجود، باعتباره مرفوعاً أو معدوماً تنزيلاً، لا على إيجاد الحكم على الموضوع العدمي باعتباره موجوداً تنزيلاً، فإنّ هذا يحتاج إلى مؤونة زائدة لا يتكفّلها الحديث.

إلّا أنّ هذه النكتة غير تامة، وذلك: لأنّ المرفوع إن كان هو الوجود الخارجي للموضوع وبتبعه يرتفع الحكم، كان ما قيل صحيحاً من أنّ الرفع يختصّ بالموجود، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، بل المستفاد منه رفع الحكم ابتداءً، ومعه لا 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

() ذكر السيد نكتتين منها هي الثانية والثالثة: وأما الأولى فلم يوافق عليها، لكننا نذكرها مع مناقشتها، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

يفرق بين الحكم ذي الموضوع الوجودي وبين الحكم ذي الموضوع العدمي.

نعم، لو تمّت هذه النكتة فانطباقها على المقام واضح، باعتبار أنّ الموضوع في المقام هو ترك الاستبراء وهو عدمي، فلا يكون مشمولاً للدليل، فلا يتمّ هذا الوجه الثاني.

النكتة الثانية: أنّ الاضطرار والاختيار صفتان متقابلتان، موضوعهما معاً فعل المكلّف، فكما لا يتّصف بالاختيار إلّا فعله، كذلك لا يتّصف بالاضطرار إلّا ذلك.

وظاهر حديث الرفع أنّ مورد الاضطرار، ومورد الحكم المرفوع واحد، فإذا كان الفعل مضطراً إليه كان حكمه مرفوعاً. 

فكل دليل استفيد منه استناد الحكم إلى العنوان بصفته فعلاً اختيارياً للمكلف، كان مرفوعاً عند الاضطرار، كشرب الخمر مثلاً، وكلّ دليل استفيد استناد حكمه إلى العنوان بصفته الواقعية، لم يكن مرفوعاً كالملاقاة التي تترتّب عليها النجاسة، سواء كانت بفعل مكلف، أو بفعل الريح.

إلّا أنّ هذه النكتة غير وافية بتمام موارد حديث الرفع، إذ تبقى بعض الموارد مندرجةً فيه، مع عدم شمول الرفع لها. كمورد (ضمان الإتلاف) الذي يستفاد من قوله: “من أتلف مال الغير فهو له ضامن”(1) فإن موضوع 

ــــــــــ[274]ــــــــــ

(1) مُتصيّد من مجموعة روايات، انظر: الكافي14: 480، كتاب الحدود، الباب 41، الحديث: 3،8. الجغرافيات: 118، كتاب الحدود، باب في فارسين تصادما. وسائل الشيعة29: 241، الباب 8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث: 2. وسائل الشيعة29: 245، الباب 11 من أبواب موجبات الضمان، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الضمان هو فعل المكلف، وهو الإتلاف، فيكون مشمولاً للحديث، ويلزمه رفع الحكم بالضمان عند الاضطرار إلى الإتلاف، وهو ما لا يُلتزم به.

النكتة الثالثة: أنّ المستفاد عرفاً من حديث الرفع تنزيل الاختيار الناقص الموجود حال الاضطرار والإكراه منزلة اللا اختيار. فإنّ المكلف عند هذه الموارد يفعل بالإرادة، فالاختيار متوفّر لديه عقلاً، إلّا أنّ الشارع اعتبره كلا اختيار، باعتبار نقصانه، ووجود العوائق الخارجية ضدّه.

فكل دليل استفيد منه استناد الحكم إلى الفعل الاختياري كان مرفوعاً بالاضطرار، وكل فعل استفيد منه استناد الحكم إلى الموضوع في نفسه، حتى لو لم يكن هناك اختيار أصلاً، فأولى ثبوته مع الاختيار الناقص، ولا يكون مرفوعاً. ففي مورد السراية استفيد استناد النجاسة إلى الملاقاة، ولو من دون توسّط الاختيار أصلاً، ولو بفعل الريح أو نزول المطر، فلا يكون مرفوعاً بالاضطرار.

وكذلك الحال في ضمان الإتلاف، فإنّ المستفاد من دليله وجود الضمان حتّى مع عدم الاختيار، كما لو أتلفه في حال نومه أو غفلته ونحو ذلك، فلا يكون مرفوعاً بحديث الرفع.

وهذه نكتة شاملة لكلّ موارد حديث الرفع للاضطرار والإكراه(1).

ــــــــــ[275]ــــــــــ

() أقول: قد يقال: إنّ هذه النكتة شاملة للبيع المضطر إليه ونحوه، وتكون منتجةً لعكس المقصود، فإنه يكون -أيضاً- باختيار ناقص، ومعنى تنزيله منزلة المنعدم الحكم ببطلان البيع، مع أنه خُلف المقصود وإيقاع للبائع بالحرج.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  





ــــــــــ[276]ــــــــــ

فإنه يقال: إنّما قال السيد ظله بأنّ هذه النكتة شاملة لكلّ الموارد، باعتبار حيثيتها، لا باعتبار مجموع النكات والقرائن المستفادة من حديث الرفع، بما فيها سياق الامتنان الذي قيل بموجبه بصحّة البيع المشار إليه.

وعلى أي حال، فكلا النكتتين الأخيرتين موجودتان في الاستبراء.

أما الثانية -وهي الأولى في كلام السيد، فباعتبار أننا- بعد فهم الطريقية من أدلّة الاستبراء- نستفيد أنّ الحكم بعدم الاعتناء بالبلل مترتّب على نقاء المجرى بصفته الواقعية لا بصفته فعلاً للمكلف.

وأما النكتة الثالثة: فباعتبار أنه لم يؤخذ في شيء من أدلة الاستبراء صدوره عن اختيار المكلف، أو تركه عن اختيار بالنسبة إلى حكم تركه.

أقول: وقد عرفنا انطباق النكتة الأولى أيضاً، وعلى أي حال فالتمسك بحديث الرفع في المقام لا يكون صحيحاً، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مسألة 3: [عدم لزوم المباشرة في الاستبراء]

لا يلزم المباشرة في الاستبراء فيكفي في ترتّب الفائدة إن باشره غيره كزوجته أو مملوكته(1).

هذا نتيجة الاتجاه بأنّ روايات الاستبراء(2) لاحظت الاستبراء بنحو النتيجة لا العملية، واسم المعنى المصدري لا المعنى المصدري، وهو أمر صحيح بعد فهم الطريقية من هذه الأخبار، وإن كان الظاهر الأولى للروايات استناده إلى المكلف(3).

ــــــــــ[277]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 3.

(2) الواردة في الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء من وسائل الشيعة1: 282.

(3) أقول: حتّى لو كان ملحوظ الروايات هو العملية والمعنى المصدري، فإنه حاصل بفعل الغير.

وبتعبيرٍ آخر: أنّ هذا لا ربط له بالطريقية بالمعنى السابق -أعني التنقية-، وإنما هو مربوط بوجه آخر من الطريقية، بمعنى القطع العرفي بعدم دخل الفاعل في العملية ولا النتيجة، وعدم احتمال التعبد الزائد في المقام.

وبتعبير آخر: أن شرط القضية -وهو الاستبراء- يحصل فيتحقّق الجزاء، والشرط أخذ 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ــــــــــ[278]ــــــــــ

مطلقاً من حيث الفاعل، وإن كان مورده هو صاحب البلل باعتبار الغالب، إلاَّ أنّ العرف لا يفهم منه القيدية، ولعل هذا هو مراد السيد.

وعلى أي حال فينبغي أن نمنع ظهور الروايات باستناد الفعل إلى صاحب البلل خاصّة، بل ظاهرها العرفي الإطلاق من هذه الناحية، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة 4: [حكم الاستبراء لو كان الشك من الغير]

إذا خرجت رطوبة من شخص، وشكّ شخص آخر في كونها بولاً أو غيره، فالظاهر لحوق الحكم أيضاً من الطهارة إن كان بعد استبرائه، والنجاسة إن كان قبله وإن كان نفسه غافلاً بأن كان نائماً مثلاً فلا يلزم أن يكون من خرجت منه هو الشاك وكذا إذا خرجت من الطفل وشك وليه في كونها بولاً فمع عدم استبرائه يحكم عليها بالنجاسة (1).

البلل المشتبه من الغير بعد الاستبراء

لا شكّ أنه لو كانت ملاقاة البلل المشتبه من الغير بعد الاستبراء، فلا شك بطهارته الخبثية والحدثية معاً، بالنسبة إلى كِلا الشخصين:

أمّا المكلّف نفسه فباعتبار روايات الاستبراء.

وأمّا الآخر فإمّا باعتبارها أيضاً إذا قيل بشمولها له، أو بحسب الأصل المؤمّن الذي هو مقتضى القاعدة الأولية في المقام، ولا حاجة معه إلى استئناف بحث في شمول روايات الاستصحاب للغير.

ــــــــــ[279]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

البلل المشتبه من الغير قبل الاستبراء

وإنما يقع الكلام فيما إذا خرج البلل قبل الاستبراء وحكمنا بالنجاسة على نفس من خرج منه البلل، فهل يشمل الآخرين أو لا؟ 

وهنا لا بُدَّ من النظر في دلالة الروايات، إذ لا إشكال أنّ القاعدة الأولية لكلّ أحد هو الطهارة، خرجنا بالنسبة إلى المكلف نفسه بأخبار الاستبراء، فيحتاج الآخرون إلى الخروج عنها بهذه الأخبار لو كانت شاملةً للغير، إذ لا مخصّص غيرها.

وقد يقال: إنّ هذا بحث مستأنف بعد أن استفدنا في خلافنا مع صاحب الحدائق التعبّد بالموضوع وهو البولية، فإذا كان البول موجوداً لم يفرق بين إنسانٍ وإنسانٍ.

إلّا أنّ هذا البيان غير تام، باعتبار أنّ ما يثبت هو البول التعبّدي لا البول الوجداني، والوجداني منه وإن لم يكن يفرّق بين الأشخاص إلّا أنّ التعبديّ منه قابل للتبعيض فلا بُدَّ من الاستدلال على شمول هذا التعبّد.

لا شك أنّ الجمود على حاق ألفاظ الروايات يقتضي الجمود على نفس المكلف، والاقتصار بترتيب الآثار عليه، فإنّ قوله مثلاً: “…قال: إذا بال فخرط ما بين المقعدة والأنثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثم استنجى فإن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي(1) مفهومه أنه إذا لم يخرط ويمسح فليبالِ، وهو خاصّ بالمكلف دون غيره، وكذلك صحيحة محمد بن مسلم الدالة على عدم 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

العفو مطلقاً فإنَّها تقول: “عليه الوضوء(1) أي المكلّف.

ففي إمكان الغير أنّ يستصحب كِلتا الطهارتين، فيه وفي صاحبه، فيصلّي في الثوب الملاقي، ويصلّي خلف من خرج منه البلل، طبقاً للأصل الأولي.

هذا ولكن الصحيح أنّ المتفاهم عرفاً من الروايات شمول حكم عدم الاستبراء للمكلّف وغيره، وذلك: لأنّ الاختصاص المتوهّم إنما يكون لأحد أمرين:

الأمر الأوّل: اختصاص الكاشفية، كالذي يقال في الاستصحاب، بأنّ من تم لديه أركانه يكون هذا الجسم طاهراً بالنسبة إليه -مثلاً- دون من لم يتم لديه الأركان، فكذلك هنا من خرج منه البلل يكون عدم الاستبراء كاشفاً بالنسبة إليه عن بولية الخارج دون غيره.

إلّا أنّ هذا الأمر غير تام، لأّن الكاشف ليس إلّا ظهور الحال ببقاء بعض الرطوبات في المجرى وخروجها بعد البول، وهو متساوي النسبة بين من خرج منه البلل وغيره.

الأمر الثاني: التبعيض بلحاظ المنكشف، بمعنى أنّ اهتمام المولى في التحفّظ على الطهارة بالنسبة إلى المكلّف أكثر من غيره، ومن هنا أمره بترتيب آثار النجاسة دون غيره.

إلّا أنّ هذا الاختصاص بالاهتمام غير محتمل لتساوي المكلف وغيره تجاه المولى، من حيث كونه مكلفاً، ومن حيث كونه ملاقياً للرطوبة، ومن هنا لو خرجت هذه الرطوبة من الآخر لوجب عليه ترتيب آثار النجاسة، واختصاصه 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 282، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لمجرد خروج الرطوبة منه، ليس احتمالاً عرفياً، فيكون ملغياً، فتكون الروايات دالّةً على الشمول للغير أيضاً(1).

 

ــــــــــ[282]ــــــــــ

() أقول: هذا على تقدير استفادة المفهوم من روايات الاستبراء الدال على النجاسة والناقضية على تقدير عدمه، وقد ناقشنا في ذلك فيما سبق، وأصبح الحكم بذلك في المكلّف نفسه مبنياً على الاحتياط الوجوبي، خروجاً عن الإجماع واحتمال المفهوم، وإن كان مرّ الحقّ خلاف ذلك، لمدركية الإجماع، وعدم المفهوم ووجود الأصل المؤمّن.

وأما بالنسبة إلى الغير: فهو بمرّ الحقّ أولى بالطهارة، للشك في شمول الإجماع له -لو كان حجّةً-، ووجود الأصل المؤمّن أيضاً، نعم المفهوم لو سلّمناه كان شاملاً له للتقريبات التي ذكرها السيد، إلاَّ أنه غير موجود كما عرفنا، ومعه يبقى الحكم بالنجاسة بالنسبة إليه مبنياً على الاحتياط الوجوبي.

أقول: وهناك فرع في الاستبراء لا يتعرّض له الفقهاء عادةً مع أنه قد يحدث، وهو ما إذا حصل (النعوظ) لديه بدرجة تمنع من خروج البول لو حصلت قبله. فإنّ مثل هذه المرتبة تمنع عن تأثير الخرطات، لصلابة الموضع عن ذلك، فإذا بال المكلّف، ثم حصلت له هذه المرتبة من الصلابة، امتنع عليه الاستبراء بمعنى أنّه لا يؤثّر، بعد فهم الطريقية من الأخبار دون الموضوعية.

ومن الواضح أنّه في هذه المرتبة يبقى البلل موجوداً في المجرى، فلا يكون الحكم بالطهارة مترتّباً، بل يبقى المكلّف على حكم عدم الاستبراء فتوىً أو احتياطاً بالنجاسة.

ومن هنا كان ينبغي أن يشترط في صحة الاستبراء عدم وجود تلك الصلابة أو الإشارة على الأقل، بلزوم الضغط غير الاعتيادي في الخرطات عند وجودها، بحيث توجّب احتمال التنقية على الأقل ليمكن أن تكتسب الحجيّة حينئذ، إذ لا حجيّة لها بعد القطع ببقاء الرطوبة على تقدير وجودها بعد فهم الطريقية، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مسألة 5: [الشك في الاستبراء]

إذا شك في الاستبراء يبني على عدمه [1]، ولو مضت مدة بل ولو كان من عادته[2](1).

الشك في أصل الاستبراء

[1] لاستصحاب عدم حصوله، ولا تجري قاعدة الفراغ والتجاوز، لعدم إحراز الفراغ والتجاوز.

[2] لأنّ تجاوز المحلّ العادي لا يكون مجرى لقاعدة التجاوز كما سبق.

الشك في صحة الاستبراء

قوله: نعم لو علم أنه استبرأ وشك بعد ذلك في أنه كان على الوجه الصحيح أم لا، بنى على الصحة(2).

إذا شكّ في صحة الاستبراء كما لو علم بإتيانه بالخرطات التسع، واحتمل أنه بدأ بها بالعكس في ترتيبها مثلاً، كان مجرى لقاعدة الفراغ، فيبني على صحّة ما أتى به.

ــــــــــ[283]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 5.

(2) العروة الوثقى1: 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأما لو شكّ في أنه أتى بالمسحات الثلاث الأخيرة أو لا، فلا تجري قاعدة الفراغ على مبنانا من عدم جريانها في صورة الشك بالفراغ، كما لو شك بعد الوضوء مباشرة بأنه مسح رجليه أو لا؟ إلّا إذا كان قد دخل في فعل جديد، كما لو كان يلبس جورابه بعد الوضوء وشك بمسح الرجلين، فإنه يجري قاعدة الفراغ، لأنّه في مثل ذلك تكون صلته بالوضوء قد انقطعت.

ولذا لا نقول بجريان هذه القاعدة في الغسل فيما لو شك بالإتيان بالجزء الأخير، وهو غسل الجانب الأيسر، لأنّ الموالاة غير معتبرة فيه، فليس هو منقطع الصلة عن الغسل وإن طالت المدة، بل يمكنه أن يغسل جانبه الأيسر متى شاء فلا يكون مجرى للقاعدة.

وكذلك الحال فيما لو شكّ في التسليم للصلاة، فإنه يجب عليه أن يأتي به، ما لم يدخل في فعل جديد، كالتكلّم أو الاستدبار أو الحدث.

فكذلك في المقام فيما لو شكّ بالإتيان بالخرطات الأخيرة، ما لم تنقطع صلته بالاستبراء، فإنه متى شكّ يمكنه أن يأتي بها فلا تكون صلته منقطعة.

ــــــــــ[284]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  





مسألة 6: [الشك في خروج الرطوبة]

إذا شك من لم يستبرئ في خروج الرطوبة منه وعدمه بنى على عدمه [1] ولو كان ظاناً بالخروج، كما لو رأى في ثوبه رطوبة وشك في أنها خرجت منه أو وقعت عليه من الخارج[2](1).

[1] لاستصحاب العدم، والروايات بمفهومها تدل على بولية الموجود لا على وجود البلل، فلا حاكم على الاستصحاب في هذا المورد.

[2] لأنّ الظن ليس بحجة فلا يكون مانعاً عن جريان الأصل.

ــــــــــ[285]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة 7: [لو علم بخروج المذي وشكّ في خروج البول معه]

إذا علم بأن الخارج منه مذي، ولكن شكّ في أنه هل خرج معه بول أم لا؟ لا يحكم بالنجاسة[1] إلّا أن يصدق عليه الرطوبة المشتبهة بأن يكون الشكّ في أنّ هذا الموجود هل هو بتمامه مذي، أو مركّب منه ومن البول[2] (1).

[1] لوجود الأصل المؤمّن، لأنّ ما هو الخارج يقيناً ليس بنجس، وما هو نجس مؤمّن عنه بالأصل.

[2] فيكون حينئذٍ مصداقاً لروايات الاستبراء.

والفرق بين الموردين أنه تارةً يعلم بأنّ الخارج مذي، ويشكّ بوجود البول منضمّاً إليه، وأخرى: يعلم بأنّ بعض الخارج هو مذي، ويكون الباقي مشكوك الهوية(2).

 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 177، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 7.

(2) أقول: وقد يقال: إنّ الفرق بينهما هو بخروج المشكوك أو بمشكوكية الخارج. إلّا أنّ أحدهما بالدقّة يعود إلى الآخر لوضوح أنّ خروج المشكوك ثبوتاً لا معنى له، والمشكوك إثباتاً يرجع إلى النحو الثاني. فلا فرق بين ظاهر الموردين، إلاَّ أن يكون خروج البول في الفرع الأوّل مستقلاً عن خروج المذي على تقدير وجوده -أي البول- فتجري عنه الأصول المؤمّنة، وتُحمل المعيّة في العبارة على الاجتماع بعد الخروج، وهو خلاف الظاهر، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مسألة 8: [حكم الرطوبة المشتبهة بين البول والمني]

إذا بال ولم يستبرئ، ثمّ خرجت منه رطوبة مشتبهة بين البول والمني يحكم عليها بأنها بول، فلا يجب عليه الغسل، بخلاف ما إذا خرجت منه بعد الاستبراء، فإنه يجب عليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء والغسل، عملاً بالعلم الإجمالي. هذا إذا كان ذلك بعد أن توضّأ و أما إذا خرجت منه قبل أن يتوضّأ فلا يبعد جواز الاكتفاء بالوضوء لأن الحدث الأصغر معلوم و وجود موجب الغسل غير معلوم فمقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء و عدم وجوب الغسل(1)

تتكفّل هذه المسألة بيان صورة تردّد أمر الرطوبة الخارجة بين البول والمني، بينما كانت المسائل السابقة تتكفل بيان ترددها بين البول والحبائل.

وقد ذكر الماتن لها ثلاثة فروع؛ لأنّ الرطوبة المشتبهة:

1- إما أن تخرج قبل الاستبراء والوضوء.

2- أو بعد الاستبراء وقبل الوضوء.

3- أو بعد الاستبراء والوضوء.

ــــــــــ[287]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 178، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وقد أفتى السيد الماتن في الفرع الأوّل بوجوب الوضوء خاصّة، تمسّكاً بإطلاقات روايات الاستبراء(1) لمحلّ الكلام، لأنَّها تنفي عن البلل المشتبه كونه بولاً، فيشمل محل الكلام.

كما أفتى في الفرع الثاني -وهو الثالث في المتن- بوجوب الوضوء خاصّة أيضاً، باعتبار العلم بوجود الحدث الأصغر، وأصالة عدم الحدث الأكبر.

وبتعبير آخر: أنه يعلم أنه كان قبل خروج الرطوبة المردّدة أنه كان على غسل، ولم يكن على وضوء، فيستصحب كلتا الحالتين، فيجب عليه الوضوء خاصّة.

وقد أفتى السيد في الفرع الثالث -وهو الثاني في المتن-، بوجوب الجمع بين الوضوء والغسل، لأنّه كان يعلم بعدم كلا الحدثين بالنسبة إليه قبل خروج البلل، ونسبة الخارج إلى كل منهما على حدٍ سواء، فيعلم إجمالاً بانتقاض إحدى الطهارتين، فيجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل طبقاً لقواعد تنجيز العلم الإجمالي.

ولا بُدَّ من تحقيق الحال في كل من الفروع الثلاثة:

الفرع الأوّل: ما إذا خرجت الرطوبة المردّدة بين البول والمني قبل الاستبراء

وقد تمسّك الماتن فيه بروايات الاستبراء المثبتة لاحتمال البولية مع عدم الاستبراء.

ــــــــــ[288]ــــــــــ

(1) الواردة في الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء من وسائل الشيعة1: 282.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وقد اعترض السيد الحكيم(1) في المستمسك على ذلك: بأنّ ظاهر روايات الاستبراء ترتيب حكم البول على تقدير عدم الاستبراء، لو كان الأمر مردداً بينه وبين الودي.

ولا تعرّض لها لصورة القطع بعدم كونه من الحبائل، فإما أن نعمل بهذا الظاهر أو لا نعمل، فإن عملنا بهذا الظاهر كانت أجنبيةً عن محل الكلام، كما هو ظاهر، وإن لم نعمل بهذا الظهور، وقلنا بشمولها لصورة القطع بعدم الودي، كان اللازم أن لا يحكم الماتن في الفرع الثاني بوجوب الوضوء، لأنّ البلل خارج بعد الاستبراء، فالروايات دالة على أنه ليس بولاً، فكيف حكم بوجوب الوضوء(2)؟!

الحقّ مع الماتن ووجه ذلك أنّ روايات الاستبراء تدلّ على أمرين عرفيين:

الأمر الأوّل: أنه إذا شك في بللٍ أنه من المتخلّف، أو أنه نازل من أعلى، حكم أنه من المتخلّف وليس نازلاً من أعلى. ولعل هذا هو المراد من قوله: 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

() مستمسك العروة الوثقى2: 138، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 8.

(2) أقول: وبتعبير آخر: إنّ الروايات على تقدير عدم الاستبراء تثبت البولية بصفتها أشد الاحتمالين في التردد الذي هو موردها، وأما إذا أصبحت البولية أخف الاحتمالين، فلا تتعرّض لتعينه، يعني أنها تعين البولية بصفتها نفياً لاحتمال الطهارة، لا مطلقاً.

وبتعبير آخر: أنها تتعبد بمجموع البولية وعدم الودي على تقدير عدم الاستبراء وبمجموع العكس على تقدير الاستبراء، كما هو ظاهرها العرفي. هذا ولكن السيد قال: إنّ الحق مع الماتن، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

حتى يبلغ السوق“.. فإن الكثرة تكون أمارةً عادةً على كونه نازلاً من أعلى، ولكن بالرغم من قوة احتمال ذلك، ووجود أمارة عليه، فإنه مُلغى شرعاً.

ولا يختلف الحال في الحكم بذلك بين ما قبل الاستبراء وبعده.

فإن كان قبل الاستبراء في الفرع الأوّل كان احتمال كونه منيّاً يعني كونه نازلاً من أعلى، إمّا لأنّه لم يسبق له المني، أو لأنّه بال والبول لم يخلف شيئاً، كما تقول الرواية، وأما احتمال كونه بولاً، فهو مساوق مع كونه من المتخلّفات، فيتعيّن الاحتمال الأخير.

وأمّا في الفرع الثاني فيكون كِلا الاحتمالين مساوق للنزول من أعلى كما سوف نشير(1).

ــــــــــ[290]ــــــــــ

() أقول: احتمال كونه نازلاً من أعلى في البول والمني نادر جداً، لأن لخروجهما الابتدائي في الإنسان السوي ونحوه علامات لا يمكن أن تخطا عادة، فتشكلهما بصورة البلل المشتبه نادر. وقوله: “حتى يبلغ السوق” إما متعرّض للنجاسة الخبثية كما أشرنا هناك، أو لهذا النادر، أو متعرّض لاحتمال زيادة الودي أحياناً، وكونه واصلاً إلى الساق لا يعني تفاحشه حتى يكون احتمال كونه ودياً نادراً، بل يكفي أن يكون قطرةً كبيرةً واحدة تنزل على الرجل إلى الساق أو قطرتان، واتصاف الودي بهذه الكثرة غير نادر.

ومعه فالنزول من أعلى على أيّ حال منفي عادة بالاطمئنان ولا تتعرض له الروايات وهو أمر أخذ مفروض الوجود ارتكازاً في الروايات لوضوحه. ولو صحّ تعرضها له لكانت شاملةً للودي أيضاً، فإنه ينزل من أعلى بعد البول وليس من المتخلفات دائماً، فمقتضى تعين كون البلل متخلفاً أنه بول وليس ودياً حتى بعد الاستبراء.

وبتعبير آخر: أنّ الاستبراء منظّف من بقايا البلل مهما كانت صفته، فخروجه بعده يعين كونه نازلاً لا من أعلى، فلا يكون للودي بالخصوص تعيّن طبقاً لهذا الوجه الأوّل الذي ذكره السيد.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأمر الثاني: مما تدل عليه الروايات في أنه مع تردد الأمر بين البول والودي، فالروايات تفصل بين صورتي الاستبراء وعدمه، فإن كان لم يستبرأ حكم بكونه بولاً، وأن استبرأ حكم بكونه ودياً طاهراً(1).

يَتضح بناءً على هذين الأمرين كون الماتن مصيباً في هذا الفرع، فإنّ احتمال كونه منيّاً مساوق لنزوله من أعلى، وهو منفي بمقتضى الأمر الأوّل، وأما احتمال كونه بولاً فلعلَّه من المتبقيات في المجرى فيتعيّن هذا الثاني، فيجب عليه الوضوء خاصة(2).

ــــــــــ[291]ــــــــــ

() أقول: وهذا هو المدلول الوحيد للروايات بعد ما قلناه من عدم تعرضها لصورة تردد الأمر بين البول والمني، ولا لمسألة نزول البلل من الأعلى، (المقرر).

(2) أقول: تحصّل مما قلناه أمران:

أحدهما: عدم تعرض الروايات لهذا الشك.

ثانيهما: أنّ الشك المفترض في هذا الفرع يكون إما باعتبار أنه قد أمنى ثم بال، واحتمل أن يكون البلل من أحدهما، أو باعتبار الاحتمال النادر، وهو نزول المني من أعلى من دون أن يشعر مع احتمال كونه بولاً.

واحتمال المنوية في كلا الفرضين مدفوع على القاعدة: أما الأوّل فباعتبار أنه بال بعد المني، فيتعيّن البلل في البول تعبداً. وأما الثاني فلعدم وجود علامات المني على الفرض، فتكون الروايات الدالة على العلامات نافية بمفهومها لكونه منياً فيتعين بالبولية. ومعه لا حاجة إلى روايات الاستبراء على كل حال ويكون ما أفاده الماتن صحيحاً، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الفرع الثاني: ما إذا خرج البلل المردَّد بين البول والمني بعد الاستبراء

وفي مثل ذلك لا تنفع الروايات لعدم توفّر كِلا الأمرين في المقام. أما الأمر الأوّل فلعدم كون البلل من المتخلّف، بعد البول والاستبراء، وأما الأمر الثاني فلعدم وجود احتمال كونه ودياً.

هنا حكم الماتن بوجوب الوضوء خاصّة، استصحاباً لعدم الحدث الأكبر، منضماً إلى العلم بتحقّق الحدث الأصغر.

وذكر السيد الحكيم(1)(2) في المستمسك بأننا لا يخلو إما أن نقول بعدم إمكان اجتماع الحدث الأكبر مع الأصغر، بحيث عندما يوجد الأكبر ينتفي الأصغر، أو نقول بإمكانه:

فإن قلنا بعدم إمكان اجتماعهما كان المورد من موارد استصحاب القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي.

وذلك: لأنّه بعد خروج هذا البلل المشتبه إذا توضّأ، فهو يعلم بارتفاع 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

() المستمسك، ج2، (المقرر).

(2) مستمسك العروة الوثقى2: 232، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الحدث على تقدير كونه بولاً، ويعلم ببقائه على تقدير كونه منيّاً، وحين تردد أمر الكلي بين الطويل والقصير يمكن استصحاب الكلي الجامع بينهما، وهو في المقام كلي الحدث، وبه يثبت عدم إجزاء الوضوء، وإن لم يثبت كونه جُنُباً، ويجب عليه الغسل، لأنّه يكون بالملازمة العقلية، لأنّ لازم نفي الفرد القصير أنّ الجامع موجود ضمن الفرد الطويل(1).

وأما إذا قلنا بإمكان اجتماع الحدثين الأكبر والأصغر، فيكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي، إذ نحتمل أنه وجد فرد آخر من الكلي بعد ارتفاع الفرد الأوّل.

ــــــــــ[293]ــــــــــ

() أقول: لا يخفى أن كلام السيد الحكيم خاص بما إذا بال واستبرأ، ثم خرج منه البلل، ولم يكن مسبوقاً بجنابة، وأما إذا كان أمنى ثم بال ثم استبرأ ثم خرج منه البلل المشتبه، فمن الواضح بناءً -على التنافي بين الحدثين- أنه الآن مجنب، ولا يجب عليه إلاَّ الغسل، ولأن البول المتأخر عن الجنابة لم يؤثر شيئاً.

هذا، وقد حسب السيد حساب المطلب بعد أن يتوضّأ المكلّف مع أنه يجب حسابها قبل الوضوء، إذ قد يكون ما يجري من القواعد حينئذٍ حاكماً على ما ذكره.

إذ قبل الوضوء وإن تعارض أصالة عدم خروج المني مع أصالة عدم البول، إلاَّ أنّ حالته الحدثية يمكن استصحابها من دون مخالفة عملية قطعية، لأنّه قبل خروج البلل كان على علم بالحدث الأصغر، وعدم الحدث الأكبر، في فرض كلامه، وبعد البلل يحتمل انقطاع الأصغر وحدوث الأكبر، فيستصحب وجود الأصغر وعدم الأكبر، ولا يلزم من ذلك مخالفة قطعية، لأنّه يكون موضوعاً لوجوب الوضوء، فإذا توضّأ يكون قد امتثل احتمالاً، وخالف احتمالاً، وفي مثل ذلك يمكن جريان الأصول، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ويأتي التعرّض إلى تمام تفاصيل كلامه(1).

بيان كلام السيد الحكيم

ينبغي أن نبيّن كلام السيد الحكيم في خمس نقاط:

النقطة الأولى: استصحاب القسم الثاني أو الثالث من الكلي

النقطة الأولى -وقد سبقت- أنه على تقدير التنافي بين الحدثين الأصغر والأكبر، وعدم إمكان اجتماعهما يكون الجاري استصحاب القسم الثاني من استصحاب الكلي، وعلى تقدير إمكان اجتماعهما يكون الجاري هو القسم الثالث الذي لا نقول به.

ــــــــــ[294]ــــــــــ

() أقول: لا بُدَّ من النظر هنا إلى ما قبل أن يتوضأ أيضاً: فإنه بعد خروج الرطوبة المشبهة يقول المكلف: إن كانت الرطوبة بولاً، فأنا مستمرّ على الحدث الأصغر فقط، وهي نتيجة واقعية ليست استصحابية.

وإن كانت الرطوبة منيّاً، فقد انضمّ إلى الحدث الأصغر حدث أكبر، فالأصغر محرز وجداناً حتى بعد حدوث الأكبر، والأكبر مشكوك فيه، فيجري فيه الأصل المؤمّن، ولا يعارضه الأصل في الطرف الآخر؛ لأنّه قطعي. وأصالة عدم كون الخارج بولاً لا تجري؛ لأنّه لا أثر له بعد أن كان بولاً على بول، فيجري استصحاب عدم كونه منياً وعدم كونه مجنباً كِلاهما بلا معارض.

ومعه فيتعيّن عليه الوضوء ويجزيه مع أصالة البراءة من وجوب الغسل أيضاً، وهذه بعينها نتيجة عدم القول باستصحاب القسم الثالث من الكلي لو كان المورد منها، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وهذا الكلام غير تامٍّ، لا لما هو ظاهر السيد(1) الأستاذ من المنع عن جريان أمثال هذه الاستصحابات الكلية، باعتبار أنّ استصحاب الكلي إنّما يجري فيما إذا لم يكن هناك استصحاب معيّن للفرد.

وأما إذا كان الفرد مورداً للاستصحاب كان حاكماً على استصحاب الكلي، وفي المقام كذلك، فإنّ المكلف كان يعلم قبل خروج البلل المشتبه بكونه محدثاً بالأصغر، وغير محدث بالأكبر، فيستصحب كلا الأمرين، ومعه لا مجال لاستصحاب الكلي.

إلّا أنّ هذا الكلام لا يصلح جواباً لما سبق في بعض الأبحاث السابقة من أنّ استصحاب الفرد لا يعيّن المعلوم بالإجمال، لأنّ استصحاب الفرد يثبت وجوده بنحو كان التامة، واستصحاب الكلي يثبت وجوده بنحو كان الناقصة، وإثبات مفاد الناقصة من التامة من أوضح أنحاء الأصل المثبت.

وبتعبير أوضح: أنه لا يمكن باستصحاب الحدث الأصغر أن نثبت أصغرية الحدث(2).

ــــــــــ[295]ــــــــــ

() انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 405-406، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 8.

(2) أقول: أصغرية الحدث وإن لم تثبت، إلاَّ أنه إذا كان مفاد الاستصحاب هو بعينه مفاد العلم الإجمالي، انحل العلم الإجمالي بانطباق المستصحب على المعلوم إجمالاً، والمعلوم إجمالاً هو كونه على حدث أصغر، والمستصحب هو ذلك أيضاً فينحل.

وبتعبيرٍ آخر: أنّ مفاد الاستصحاب كالمعلوم بالإجمال هو مفاد كان الناقصة، لأنّ الحالة السابقة ليس هو وجود الحدث الأصغر، بل هو اتصافه به، فيستصحب، فيثبت اتصافه الآن به أيضاً، وهو نفس المعلوم بالإجمال.

وبتعبير آخر: أنّ المستصحب والمعلوم إجمالاً معاً هو نفس ذلك الحدث الأصغر الذي كان قبل البلل، لكن بوجوده في الآن الثاني، ومعه فيكون كلام السيد الأستاذ له وجه من الصحة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فهذا الوجه لا يصلح للجواب، وإنما الجواب الصحيح يكون ببيانين:

البيان الأوّل: أنّ الأصل لا يجري إلّا باعتبار الأثر المترتِّب عليه، فما هو الأثر المطلوب ترتُّبه في المقام، يمكن أن يكون لأحد أمرين:

الأمر الأوّل: ما هو ظاهر صدر عبارة السيد الحكيم: من أنّه يراد باستصحاب الحدث الأصغر إثبات المانعية عن الدخول إلى الصلاة، فإنّ المحدث لا يجوز له الدخول في الصلاة، وهذا محدث بالاستصحاب، إذن لا يجوز له الدخول فيها(1).

ــــــــــ[296]ــــــــــ

() أقول: عرض السيد الأمر الأوّل من البيان الأوّل الذي ذكره كما يلي: بأنه إن أريد وجود مانعية الحدث بدل شرطية الطهارة فهذا خلاف ضرورة الأدلة المستفيضة الدالة على شرطية الطهارة، كقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (المائدة: 6)، وقوله: “لا صلاة إلاَّ بطهور” وقوله: “لا تعاد الصلاة إلاَّ من خمس“. وعدّ منها الطهور، وإن أريد الجمع بين مانعية الحدث وشرطية الطهارة فهذا ممنوع ثبوتاً وإثباتاً، أما إثباتاً فلعدم وجود الدليل على مانعية الحدث بالمرّة، وأما ثبوتاً فلاستحالة الجمع بين شرطية أحد الضدين ومانعية الآخر كما أشرنا.

وذكرت له الوجه السابق من أنّ استصحاب الفرد يثبت مفاد كان الناقصة لا كان التامة.

فأجاب: بأنّ اسم كان هو الحدث وخبرها هو كونه المعلوم بالإجمال، فإن أمكن إثبات ذلك بالاستصحاب فهو وإلّا لم ينحل العلم الإجمالي، وهنا لا يثبت إلاَّ بالملازمة العقلية، لأنّه يقال: لو كان الحدث بولاً لكان هو ذلك الحدث الأصغر الذي كان قبل خروج البلل، لأنّ الحدث الأصغر لا يجتمع مع مثله ولا مع الأكبر.

فقلت له: هذه ملازمة شرعية إذ لا استحالة عقلاً في الجمع بين الحدثين.

فقال: إنّ ما يخرج الأصل عن كونه مثبتاً هو الحكم على الموضوع لا ما كان من هذا القبيل، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأمر الثاني: ما هو ظاهر ذيل عبارته أنّ الجامع المعلوم إجمالاً المردد بين الحدثين يرجع إلى العلم إجمالاً بالجامع بين الموضوعين، فباستصحاب هذا الجامع إلى ما بعد الوضوء يثبت وجوده تعبّداً، أي يكون المكلف عالماً إجمالاً بالجامع تعبّداً. وحيث إنّ الحدث الأصغر لا يحتمل ترتُّب وجوب الوضوء عليه، لفرض أنه قد توضّأ فيكون هذا العلم الإجمالي التعبّدي منجّزاً للطرف الآخر، وهو الحدث الأكبر. بمعنى أنه تجري أصالة الاشتغال لإثبات وجوب الغسل.

وأظن أنّ مقصود السيد الحكيم هو هذا الأمر الثاني، لكون ذيل عبارته أصرح فيه من صدر كلامه في الأمر الأوّل.

وكِلا الأمرين غير صحيح:

أما الأمر الأوّل: فللمناقشة فيه فقهياً، فإننا نمنع وجود مانعية الحدث في مقابل شرطية الطهارة، والدليل فقهياً دال على شرطية الطهارة لا على مانعية 

ــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الحدث، ولا يُعقَل فرضهما معاً، لما قلناه في محله من أنّ شرطية أحد الضدين لا يُعقَل أن تجتمع مع مانعية الضد الآخر، وأما أنّ المحدث لا يجوز له الدخول في الصلاة، فباعتبار فقدانه للشرط، لا باعتبار وجدانه للمانع.

وأما الأمر الثاني: فإما أن نقول بحجية الاستصحاب بتنزيل المؤدّى منزلة الواقع، أو بجعل الطريقية.

فإن قلنا بالتنزيل وجعل الحكم المماثل، ففي المقام ليس للجامع حكم أصلاً، بناءً على هذا الأمر الثاني، وإنما الحكم لخصوص الحدث الأكبر والحدث الأصغر، فليس للجامع حكم ليكون دليل الاستصحاب جاعلاً للحكم المماثل له.

وأمّا بناءً على جعل الطريقية، فقد يقال: إنّنا نتفادى ذلك الإشكال، لأنّ مفاد الاستصحاب بناءً على ذلك هو جعل العلم بالجامع فيقوم مقام العلم الوجداني به.

إلّا أنّ الصحيح أنّ العلم التعبّدي ليس بأقوى من العلم الوجداني، ففي العلم الوجداني إذا كان العلم متعلّقاً إجمالاً بين موضوعين، أحدهما له أثر، والآخر ليس له أثر، لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، كما لو علم بنجاسة ثوبه أو طيران الطير في السماء، فإنه لا يكون علماً إجمالياً منجزاً، وإنما يكون منجّزاً فيما إذا كان كِلا الطرفين قابلاً للمنجزية في نفسه.

وفي المقام لا يمكن أن يكون الحكم بوجوب الوضوء منجّزاً، باعتبار فرض أنه قد توضّأ، فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً للطرف الآخر.

ــــــــــ[298]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وقلنا في باب استصحاب القسم الثاني من الكلي(1): بأنّ الحكم إذا كان مترتّباً على الجامع بنحو صرف الوجود أمكن جريان استصحابه، وترتّب الحكم عليه، وأما إذا كان الحكم مترتّباً على الحصص بذواتها، فلا يكون الاستصحاب جارياً لإثبات ترتُّب الحكم على أي من الحصتين، ففي المثال المعروف: لو كان الحكم وارداً على صرف وجود الحيوان أمكن استصحاب الكلي، وترتيب الحكم عليه، وأما إذا قال: إذا كان البقّ في الغرفة فتصدّق وإذا كان الفيل في الغرفة فصلِّ، ولا يثبت باستصحاب طبيعي الحيوان أيّاً من الحكمين.

وبعبارة أخرى: أنّ استصحاب طبيعي الحدث محكوم لاستصحاب بقاء الحدث الأصغر، واستصحاب عدم الحدث الأكبر.

والوجه في ذلك: أننا نستفيد من الآية الكريمة أنّ موضوع وجوب الوضوء مركّب من أمرين: 

أحدهما: أن يكون محدثاً بالأصغر.

وثانيهما: أن لا يكون محدثاً بالأكبر، وذلك لأنّ قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ(2) المفسر في الصحيحة بالقيام من النوم(3)، والذي يعمّم بالفهم العرفي 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

() انظر: مباحث الأصول القسم الثاني5: 329-330، الاستصحاب، تنبيهات الاستصحاب، جريان الاستصحاب في الكليات.

(2) المائدة: 6.

(3) “اِبْنِ‌ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ‌ عُمَرَ بْنِ‌ أُذَيْنَةَ‌ عَنِ‌ اِبْنِ‌ بُكَيْرٍ قَالَ‌: قُلْتُ‌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ‌ قَوْلُهُ‌ تَعَالَى إِذٰا قُمْتُمْ‌ إِلَى الصَّلاٰةِ‌ مَا يَعْنِي بِذَلِكَ‌ إِذَا قُمْتُمْ‌ إِلَى الصَّلاَةِ.‌ قَالَ:‌ إِذَا قُمْتُمْ‌ مِنَ‌ النَّوْم“، الاستبصار 1: 80.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلى كل حدث أصغر، فيكون معناه إذا كان على حدث أصغر، فيجب عليه الوضوء، وهذا بإطلاقه شامل لصورة ابتلائه بالحدث الأكبر وعدمه.

إلّا أنّ ذيل الآية، وهو قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا(1) قيّد صدرها بما إذا لم يكن على جنابة، فإنه إذا كان على جنابة لم يكن طهوره الوضوء، بل الغسل. فيتحصّل من ضمّ ذيل الآية لصدرها أنّ من كان محدثاً بالأصغر، وغير محدث بالأكبر، فطهوره الوضوء.

وحينئذٍ فكلا شقّي الموضوع يمكن إحرازه بالاستصحاب، فإنه قبل البلل كان محدثاً بالأصغر، وغير محدث بالأكبر، فيستصحب كلتا حالتيه، فيتمّ موضوع وجوب الوضوء ويكون هو طهوره من دون حاجة إلى غسل.

وحيث إنّ استصحاب كلي الحدث متأخّر رتبةً عن ذينك الاستصحابين، لأنّ الشك فيه مسبب عن الشك في نوعية الخارج، بمعنى الشك في الأفراد، أي الشك في حدوث الجنابة، وارتفاع الحدث الأصغر، فيكون هذان الاستصحابان حاكمين على الاستصحاب.

النقطة الثانية: تعارض الاستصحابين وتساقطهما

النقطة الثانية في كلام السيد الحكيم(2): انه بعد أن أجرى استصحاب بقاء 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

() المائدة: 6.

() انظر: مستمسك العروة الوثقى2: 232-233، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 8، قال ما نصه: “… نعم يعارضه استصحاب عدم الأكبر، فإنه ينفي وجوب الغسل لأنّه من أحكامه، وبعد التساقط يرجع الى استصحاب عدم وجوب الغسل”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

كلي الحدث أبرز له معارضاً، وهو استصحاب عدم الجنابة، وقال بتساقطهما، والرجوع إلى أصول أخرى.

إلّا أنّ هذا الاستصحاب يرجع في الحقيقة إلى استصحاب عدم الفرد الطويل، وقد وقع الكلام في علم الأصول بأنه هل يعارض استصحاب الكلي من القسم الثاني أو لا؟

وقد قلنا: في محله(1) أنه لا تعارض بينهما، لأنّه لا يوجد مورد يمكن جريان الاستصحابين معاً فيه، فإنّ الأثر إن كان وارداً على الكلّي بنحو صرف الوجود جرى استصحاب الكلي، ولم يجرِ استصحاب الفرد الطويل، لأنّه ماذا يراد من استصحاب الفرد الطويل، إن أُريد به إثبات عدم الفرد الطويل بخصوصيته فهو مما لا أثر له بحسب الفرض، وإن أُريد منه إثبات عدم الكلي بضم وجدانية القطع بارتفاع الفرد القصير واستصحاب عدم الفرد الطويل، فهذا من الأصل المثبت.

وإن كان الأثر مترتّباً على الفرد الطويل بخصوصه جرى استصحاب عدمه، ولم يجر استصحاب الكلي لعين البيان، إذن فلا يوجد مورد يتعارض فيه الاستصحابان.

ــــــــــ[301]ــــــــــ

(1) انظر: مباحث علم الأصول القسم الثاني5: 356-357، الاستصحاب، تنبيهات الاستصحاب، جريان الاستصحاب في الكليات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وفي المقام إن كان الأثر مترتّباً على كلّي الحدث جرى استصحابه دون استصحاب عدم وجوب الغسل، وبالعكس.

النقطة الثالثة: الرجوع إلى استصحاب عدم وجوب غسل الجنابة

إنه بعد التساقط حكم بوجوب الرجوع إلى استصحاب عدم وجوب غسل الجنابة.

وهذا منه مبنيٌ على أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ نسبة استصحاب عدم وجوب غسل الجنابة إلى استصحاب عدم الجنابة هي نسبة الأصل السببي إلى الأصل المسبّبي، لأنّ الشك في وجوب الغسل ناشئ من الشك في حدوث الجنابة.

الأمر الثاني: أنه إذا تعارض استصحابان، وتساقطا، وكان هناك استصحاب طولي مسبّبي موافق لأحدهما، فإنه لا يسقط بالمعارضة مع موافقة السببي، وإنما يبقى موجوداً بعد التساقط، ويكون هو المرجع حينئذٍ.

وكلا الأمرين غير صحيح:

أما الأمر الأوّل: فالمشهور(1) هو أنّ الأصل المسبّبي محكوم مطلقاً للأصل السببي(1)، وقد قلنا في علم الأصول(3) بأن الأصل المسبّبي الموافق لا يكون 

ــــــــــ[302]ــــــــــ

() انظر: فوائد الأصول2: 424، المقصد الثالث، المقام الأول الشبهة المحصورة، قال ما نصه: “وقد تقرر في محله أنّ الأصل في الشك السببي حاكم ووارد على الأصل في الشك المسبّبي سواء كان مخالفاً كما في … أم موافقاً”.

(2) انظر: موسوعة الشهيد السيد محمد باقر الصدر 6: 439.

(3) انظر: مباحث علم الأصول القسم الثاني5: 556، الاستصحاب، تنبيهات الاستصحاب، خاتمة، المقام الثاني.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

محكوماً (يعني لا يكون طولياً). 

وأما الأمر الثاني: فهو مما ذهب إليه الشيخ في الرسائل(1)، وطبّقه في ملاقي أحد طرفي الشبهة المحصورة، إذ قال: إنّ أصالتَي الطهارة الجارية في الطرفين تتساقطان، ويرجع إلى أصالة الطهارة في الملاقي بدون معارض.

إلّا أننا قلنا: إن هذا لا يتم وذلك لأنّ الميزان في التعارض هو أن يكون المتعارضان في رتبة واحدة، لا أن يكون الأصلان المتساندان (المتوافقان) في رتبة واحدة، فلئن كان أصل الطهارة الجاري في الملاقي في طول الأصل الجاري في ملاقاه، إلّا أنه ليس في طول الأصل الجاري في الطرف الآخر من الشبهة المحصورة. ومعه يكون هذا الأصل واقعاً طرفاً للمعارضة مع كلا الأصلين الجاريين في الملاقي والملاقى. وتسقط الأصول الثلاثة كلها بالمعارضة، ولذلك قلنا هناك بوجوب الاجتناب عن ملاقي الشبهة المحصورة خلافاً للمشهور.

وفي المقام يكون استصحاب عدم الجنابة، واستصحاب عدم وجوب غسلها ساقطين معاً بالمعارضة مع استصحاب طبيعي الحدث.

ــــــــــ[303]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول2: 425، المقصد الثالث، المقام الأول الشبهة المحصورة، قال ما لفظه: “فالتحقيق في تعارض الأصلين مع اتحاد مرتبتهما لاتحاد الشبهة الموجبة لهما الرجوع الى ما ورائهما من الأصول التي لو كان أحدهما سليما عن العارض لم يرجع اليه…”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

النقطة الرابعة: استصحاب وجوب الطهارة معارض لاستصحاب عدم وجوب الغسل

أنه يوجد إلى جنب استصحاب عدم وجوب الغسل الذي أصبح المرجع -في رأي السيد الحكيم- بعد التساقط يوجد إلى جنبه، وفي رتبته استصحاب معارض هو استصحاب وجوب الطهور.

إلّا أنّ هذا الاستصحاب فيه تفصيل عنده: فإنه تارةً نقول: بأنّ الطهور طهوران: طهور وضوئي، وطهور غسلي، وأخرى نقول: بأنه طهور واحد، بالمعنى الآتي.

فإن قلنا: بأنهما طهوران لم يجرِ استصحاب وجوب الطهور، لأنّه من استصحاب الفرد المردّد، وذلك: لأنّ المراد إن كان هو استصحاب الطهور الوضوئي فهو مقطوع الارتفاع، وإن كان هو استصحاب الطهور الغسلي فهو مشكوك الحدوث(1).

وإن كان المراد استصحاب الواقع المردّد بينهما كان من استصحاب الفرد المردد، وهو لا يجري.

وإن قلنا: بأنّ الطهور واحد، بمعنى الحالة النفسانية النورانية المعينة، المسبّبة عن الوضوء وعن الغسل، فيمكن إجراء استصحاب الوجوب، فإنّ المكلف قبل الوضوء كان يجب عليه إيجاد هذه الحالة، ولا يعلم بسقوط الوجوب فيستصحب، وكلا الشقين محلّ الكلام:

ــــــــــ[304]ــــــــــ

() تعبير المستمسك والسيد بأنه: غير معلوم الارتفاع، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أما الشق الأوّل: فيرد عليه، أنّ هذا ليس من استصحاب الفرد المردّد، وإنما هو من استصحاب الكلي من القسم الثاني، كما أجرى السيد الحكيم في النقطة الأولى، استصحاب بقاء الحدث، فإننا في هذا القسم من الاستصحاب إن أردنا استصحاب الفرد الواقعي كان إشكاله تامّاً، إلّا أنه يمنع حينئذٍ من جريان هذا القسم من الاستصحاب بالمرّة، حتّى استصحاب الحدث الذي التزم به، فإنه مرددٌ بين ما هو مقطوع الارتفاع وغيره (مشكوك الحدوث)، والفرد المردّد بينهما مستحيل.

لكننا كنّا نتخلّص عن إشكال الفرد المردّد بتحويل الاستصحاب من الفرد إلى الكلي، والكلي غير معلوم الارتفاع مع كونه معلوم الحدوث، فيستصحب، ففي المقام يستصحب جامع الوجوب الذي كان معلوماً قبل الوضوء، ولا يعلم بسقوطه، فهذا لا يصلح جواباً.

وإنما الجواب الصحيح على هذا الاستصحاب هو أنّ أحد فردي الكلي غير قابل للتنجيز، وهو وجوب الوضوء، بعد فرض وقوعه، كما قلنا في استصحاب كلي الحدث أيضاً.

وأما الشق الثاني، فيرد عليه:

أولاً: كان من الأفضل تبديل صيغة الاستصحاب من استصحاب عدم وجوب الطهور إلى استصحاب عدم وقوع الطهور، فإنّ الشكّ في بقاء الوجوب ناشئ من الشكّ في تحقّق الواجب، والأصل السببي حاكم على المسببي عندهم، فيكون استصحاب عدم تحقق الواجب جارياً، كما لو شكّ في 

ــــــــــ[305]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوقت أنه صلّى أو لا، فإنه لا يجري استصحاب بقاء الوجوب، بل عدم الواجب، إذن فمن الأفضل التبديل إلى استصحاب عدم تحقق الطهور.

ثانياً: أنه بناءً على المبنى في هذا الشقّ -وهو كون الطهور هو الحالة النفسانية النورانية- لا يجري استصحاب عدم وجوب الغسل، لأنّ الغسل في نفسه لا يكون مورداً للوجوب، وإنما يكون مقدّمةً للواجب، وهو إيجاد تلك الحالة النفسانية. والوجوب المقدّمي لا يجري استصحابه، لأنّه غير قابل للتنجيز، ويشترط في الحكم المستصحب كونه قابلاً له ليكون الاستصحاب مؤمّناً عنه، أو منجّزاً له، إذن فاستصحاب عدم وجوب الغسل لا يجري، وإنما يجري استصحاب وجوب الطهور، وهو وجوب ضمني نفسي يمكن استصحابه.

وبالجملة فلا مورد لتعارض هذين الاستصحابين فإنّنا إن قلنا: إنّ الطهور هو الحالة النفسانية، لم يجرِ استصحاب عدم وجوب الغسل، كما قلنا قبل لحظة.

وإن قلنا: بأنّ الطهور هو الغسل نفسه والوضوء، لم يجرِ استصحاب وجوب الطهور، كما قلنا في الشقّ الأوّل(1).

ــــــــــ[306]ــــــــــ

() أقول: وقد يقال: بأنه يرد عليه أيضاً: أنّ الحالة النورانية ليست واحدةً بل حالتان، فيرد عليه إشكال السيد الحكيم والسيد الصدر في الشق الأوّل. ويستدل لتعددهما إما بالقاعدة الفلسفية بأن (الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد)، وما دام الوضوء والغسل علّتين لا يمكن أن يكون معلولهما واحداً.

وأمّا يستدل عليها فقهياً بقرينة الانفكاك بين الحالتين أحياناً فقد يكون له الحالة الغسلية فقط، كما في غسل المس، وقد يكون له الحالة الوضوئية فقط، كما لو جاز أن يتوضّأ المحدث بالأكبر قبل الغسل، كما هو المشهور في غسل المسّ ونحو، وسيأتي بعد قليل من السيد التمسّك بإطلاق الآية لذلك، كل ما في الأمر أنه يشترط للدخول في الصلاة وجود كلتا الحالتين، ولا تكفي إحداهما، والله العالم، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

النقطة الخامسة: إمكان اجتماع الحدث الأصغر والأكبر

النقطة الخامسة كانت النقاط السابقة دائرةً في فرض التنافي بين الحدث الأصغر والأكبر، وفي هذه النقطة يتكلّم السيد الحكيم في فرض عدم التنافي بينهما، وإمكان اجتماعهما، ففي مثل ذلك يعلم قبل الوضوء ببقاء الحدث الأصغر، ويشكّ بانضمام الأكبر إليه.

قال(1): (أنه في مثل ذلك لا يجري استصحاب بقاء الحدث؛ لأنّه من القسم الثالث من الكلي، لأنّ أحد فردَيه -وهو الأصغر- مقطوع الحدوث، ومقطوع الارتفاع).

لكننا لا نحتاج إليه، بل يجري استصحاب الفرد، وهو استصحاب بقاء الحدث الأصغر، لأنّ الوضوء من الجنب لا دليل على صحّته، لأنّ صحته ورافعيته إنما تكون باعتبار استباحة الدخول في الصلاة منه، وهذا الوضوء لا يمكن الدخول منه في الصلاة، فهذا المكلّف الذي يحتمل كونه مجنباً يحتمل وقوع وضوئه خلال الجنابة، ومن ثم كونه باطلاً، ومن ثَمّ بقاؤه على الحدث 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

(1) انظر: مستمسك العروة الوثقى2: 232-233، كتاب الطهارة، فصل في الاستبراء، مسألة 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأصغر، فيكون الحدث الأصغر معلوم الحدوث مشكوك البقاء فيستصحب.

إلّا أنّه لا يمكن المساعدة على ذلك: لأنَّنا نسأل، هل أخذ في موضوع رافعية الوضوء للحدث الأصغر عدم الحدث الأكبر أم لا؟

فإن لم يؤخذ في موضوعه ذلك كما هو مقتضى التمسّك بإطلاق الآية الكريمة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا..(1)، فهذا الوضوء يكون رافعاً بالرغم من وجود الجنابة، فيكون الحدث الأصغر مقطوع الارتفاع، ولا يكون مورداً للاستصحاب.

وإن أخذ في موضوع رافعية الوضوء عدم الحدث الأكبر لاستفادة قرينيّة ذيل الآية على صدرها، فيكون موضوع الرافعية مركّباً من أمرين:

أحدهما: كونه محدثاً بالأصغر.

والآخر: عدم كونه محدثاً بالأكبر، والجزء الأوّل (قبل الوضوء) محرز بالوجدان والجزء الثاني محرز بالتعبّد، فيكون موضوعاً لرافعية الوضوء، ويكون استصحاب عدم الحدث الأكبر جارياً، وحاكماً على استصحاب الحدث الأصغر، لكونه جارياً في موضوعه كما شرحنا. وإن كانت أركان استصحاب الحدث الأصغر تامّةٌ في أنفسها.

ومن مجموع ما ذكرنا تحصّل: أنّ الحق مع المشهور في خروج الرطوبة المشتبهة بعد الاستبراء وقبل الوضوء، إذ يجري استصحاب الحدث الأصغر، لو قيل بالتضاد بين الحدثين، واستصحاب الأكبر بخصوصه لو لم نقل بالتضاد.

ــــــــــ[308]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الفرع الثالث: ما إذا خرج البلل المشتبه المردّد بين البول والمني بعد الوضوء

هنا يعلم المكلف إجمالاً أنه حدث له حكم إلزامي هو: إما الأمر الضمني بالوضوء، أو الأمر الضمني بالغسل، واستصحاب العدم في الطرفين متعارض، سواء بنحو العدم النعتي، أو العدم الأزلي، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً.

شبهة في المقام مع مناقشتها

ولا يوجد في مقابل هذا الرأي المشهور إلّا شبهة واحدة لا بُدَّ من عرضها ومناقشتها، وهي:

 إنّ المستفاد من الأدلة الشرعية أنّ الوضوء واجب لكل صلاة بشكل غير مرتبط بالحدث، كما هو مقتضى إطلاق “لا صلاة إلّا بطهور(1)، فلو أنّ إنساناً حصّنه الله تعالى من الحدث حتى وجبت عليه الصلاة لكان يجب عليه الوضوء، لا أنّ صلاته تقع صحيحة باعتبار عدم الحدث، وهذا هو المطابق مع مرتكز المتشرعة أيضاً.

يستثنى من ذلك الجنب: فإنه لا يكفيه الوضوء، بل يجب عليه الغسل، إذن فيكون موضوع طهورية الوضوء عدمياً وهو الإنسان غير المجنب، فيجري استصحاب عدم حدوث الجنابة لتنقيح الموضوع بضم التعبّد إلى الوجدان، ولا 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام1: 50، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 83، وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

يعارضه استصحاب عدم خروج البول، لأنّ خروج البول لا أثر له في وجوب الوضوء، فجريان استصحابه غير ممكن، ولو أُريد به إثبات أنّ الخارج منيّ ليتمّم به موضوع وجوب الغسل كان مثبتاً، فينحلّ العلم الإجمالي ولا يكون منجّزاً.

إلّا أنّ هذه الشبهة غير تامة، لأنّ موضوع وجوب الوضوء وإن كان عدمياً كما قيل، إذ لا دخل للحدث في وضوئه، إلّا أننا لو اقتصرنا على ذلك لما أوجبنا عليه الوضوء في محل الكلام، لأنّه كان قد توضّأ قبل ساعة أو أكثر، وإنما الكلام في الوضوء التجديدي، متى يجب؟ وموضوع هذا الوضوء وجودي بلا إشكال، فيتعارض الاستصحابانّ فيكون العلم الإجمالي منجّزاً(1).

وهناك فروض أخرى لخروج هذه الرطوبة المشتبهة المردّدة بين البول والمني، لا بأس من ذكر بعضها:

منها: لو تردّد أمر الرطوبة المشتبهة بين أن تكون خارجةً قبل الوضوء؛ لكيلا يترتّب عليها أثر كما سبق، أو بعده لكي يترتب عليها الأثر كما قلنا قبل لحظات، ففي مثل ذلك يجري استصحاب عدم خروج البلل بعد الوضوء، لنفي الأثر المترتّب، ولا يعارضه استصحاب عدم خروجه قبله، لأنّه لا أثر له، فلا يجب عليه شيء.

ومنها: أنّ المكلّف علم إجمالاً أنّ هذه الرطوبة إما منيّ قبل الوضوء أو بول بعد الوضوء؟ ففي مثل ذلك: يعلم تفصيلاً ببطلان وضوئه فعلاً، لأنّه إما كان 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

() فيجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مجنباً حال الوضوء، أو محدثاً بالأصغر بعده، فهنا يجري استصحاب عدم خروج المني، فيكون طهوره الوضوء، ولا يعارضه استصحاب عدم خروج البول(1).

ومنها: عكس هذه الصورة، وهو ما إذا علم أنها بول قبل الوضوء أو منيّ بعده، فلا يجب عليه شيء؛ لأنّ استصحاب عدم كونه بولاً قبل الوضوء لا أثر له، كما قلنا، فيجري استصحاب عدم كونه منيّاً، فينحلّ العلم الإجمالي، ولا يجب عليه شيء.

هذا تمام الكلام في هذا الفصل.

ــــــــــ[311]ــــــــــ

() أقول: لأنّه إن أريد به إثبات الجنابة كان مثبتاً، وإن أريد به صحّة الوضوء وعدم انتقاضه فهو غير ممكن، للعلم تفصيلاً بانتقاضه، أو أنّ استصحاب عدم خروج البول لا يجري لحكومة استصحاب عدم خروج المني قبل الوضوء عليه، باعتباره جارياً في موضوعه، فتأمّل، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  






الفصل الرابع

في موجبات الوضوء ونواقضه



  • الأول والثاني: ناقضية البول والغائط
  •  الثالث: ناقضية الريح
  • الرابع: ناقضية النوم
  • الخامس: ناقضية كل ما يُزيل العقل
  • السادس: ناقضية الاستحاضة
  • مسألة 1: [الشك في أصل الناقض أو ناقضية الموجود]
  • مسألة 2: [خروج ماء الاحتقان]
  • مسألة 3: [القيح والدم وكذا المذي ونحوه ليست نواقضاً]
  • مسألة 4: [مواضع استحباب الوضوء وأدلتها]

 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

الفصل الرابع: في موجبات الوضوء ونواقضه

 

ثم إنّ السيد الماتن ذكر فصلاً في مستحبات التخلي ومكروهاته، وأقل القليل منه ما ثبت بدليل تامٍّ سنداً ودلالةً، والباقي إما وارد في أخبار غير تامة سنداً، أو غير تامة دلالةً، ولو باعتبار احتمال الحمل على الإرشاد. فيكون الحكم بهذه المستحبات مبنياً على قاعدة التسامح التي لا نقول بها. وبعضها وارد في أخبار عامية، وبعضها لم يرد فيها خبر أصلاً، وإنما ادُّعِيَ عليها الإجماع المنقول، وبعضها ليس فيها ذلك أيضاً، بل أفتى بها بعض الفقهاء، فمن الأفضل أن نضرب عنها صفحاً، وندخل في الفصل الجديد من المتن.

قوله: في موجبات الوضوء ونواقضه، وهي أمور: الأوّل والثاني: البول والغائط من الموضع الأصلي ولو غير معتاد أو من غيره مع انسداده، أو بدونه بشرط الاعتياد أو الخروج على حسب المتعارف ففي غير الأصلي مع عدم الاعتياد ومع عدم كون الخروج على حسب المتعارف إشكال والأحوط النقض مطلقاً خصوصاً إذا كان دون المعدة (1).

ــــــــــ[315]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 183، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الأول والثاني البول والغائط.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

الأول والثاني: ناقضية البول والغائط

 

لا إشكال في ناقضية البول والغائط للوضوء مع خروجهما من الموضع الطبيعي، وإنما وقع الكلام في ناقضيته لو خرج من غير الموضع الأصلي، فاختلفوا في ذلك على أقوال:

لو خرج من غير الموضع الطبيعي ففيه أقوال

القول الأوّل: القول بالناقضية مطلقاً، سواء كان المخرج الطبيعي منسداً أو غير منسد، وسواء أصبح المخرج الآخر معتاداً أو غير معتاد، ونسبه صاحب الحدائق(1) إلى ابن إدريس ووافق عليه المحقّق الهمداني(2).

القول الثاني: القول بعدم الناقضية مطلقاً، سواء انسد المخرج الطبيعي أو 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

(1) انظر: الحدائق الناظرة2: 87، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، الأول انتقاض الوضوء بالبول والغائط والريح.

(2) انظر: مصباح الفقيه2: 11، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الأول في الأحداث الموجبة للطهارة، قال ما لفظه: “.. ولو خرج شيء منها من غير مخرجه الطبيعي فكالطبيعي نقض مطلقاً وإن لم يصر مخرجه معتاداً..”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لا، ونسبه صاحب الحدائق(1) إلى السبزواري في الكفاية(2)، واستقربه هو من الناحية الصناعية، وإن أمر بالاحتياط، والمظنون أنّ صورة انسداد المخرج الطبيعي، خارج عن محل الكلام في هذا القول، لما قاله العلامة في المنتهى(3) وآخرون، من أنه لا إشكال في الناقضية في الخروج من غير الموضع المعتاد إذا انسد المخرج المعتاد، وإنما يقال بعدم الناقضية مع عدم انسداده.

ولو قصد الإطلاق لكان له نتيجة عجيبة، وهو: أنه مع انسداد الموضع المعتاد لا يكون له حدث ناقض للوضوء سوى النوم، وهي نتيجة غريبة متشرعياً.

القول الثالث: القول بالتفصيل بأنّ الخارج من غير الموضع المعتاد، يكون ناقضاً إذا كان الموضع المعتاد منسداً، أو الموضع الجديد معتاداً، وإلا فلا.

وكأنّ الأوّل: ناظر إلى المطلقات الواردة في المقام، وهي شاملة لسائر الموارد.

وأما الثاني: فنظر إلى المقيّد، وهي صحيحة زرارة الآتية ونظائرها التي تحصر الناقض بما خرج من الطرفين الأسفلين.

ــــــــــ[317]ــــــــــ

() انظر: الحدائق الناظرة2: 87، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، الأول انتقاض الوضوء بالبول والغائط والريح.

(2) كفاية الفقه 1: 14.

(3) منتهى المطلب للعلامة: 1: 183: “لو خرج أحد الثّلاثة من غير المعتاد، فالوجه انّه لا ينقض”. وأنظر: جامع المقاصد: 1: 80. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الاستدلال على القول بالتفصيل

وأما القول الثالث: فيمكن الاستدلال له بوجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره السيد(1) الأستاذ 

حيث قَبِل وجود المطلقات(2) وقَبِل وجود المقيّد، وهو ما كان من قبيل صحيحة زرارة، قال: “قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر والدبر من الغائط أو البول أو مني أو ريح…(3)(4) الحديث.

إلَّا أنّ السيّد(5) الأستاذ قال بأنَّ صحيحة زرارة لا يراد بها القضية الحقيقية، وإنّما يراد بها القضية الخارجية المتعلّقة بزرارة نفسه حيث يقول: “من طرفيك 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

() انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 431، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، ناقضية البول والغائط.

(2) أقول: هي من قبيل قوله في رواية زكريا ابن آدم: “إنّما ينقض الوضوء والغائط والريح ونحوها” (باب 2 من نواقض الوضوء) وهي روايات قليلة ضعيفة، (المقرر).

(3) باب 2، من نواقض الوضوء، (المقرر).

(4) الكافي5: 114، كتاب الطهارة، الباب 23، الحديث: 6، وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

(5) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 432، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، ناقضية البول والغائط.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأسفلين“. وزرارة إنسان سويّ، ومع التعميم تشمل الأفراد الأسوياء دون غيرهم، فيكون ما يخرج من خصوص الأسوياء ناقضاً، فيطابق فتوى المشهور.

وهذا الوجه لعلَّه لا يمكن المساعدة عليه:

أولاً: لأنّ زرارة لا ينظر إليه بشخصه بل بصفته قنطرة إلى مطلق المكلّف، ولا فرق عرفاً بين أن يقول: “من الطرفين الأسفلين” أو “من طرفيك الأسفلين“.

ثانياً: أنها لو كانت خاصّةً بزرارة، فإنّ لها إطلاقاً أحوالياً وأزمانياً بالنسبة إليه شاملاً لصورة ما إذا أصبح غير سوي، فيتمّ المطلوب، واستعمال الإمام لعلم الغيب بأنّ زرارة يبقى سوياً طول عمره، خلاف المبنى، وإلّا لانسدّ باب التمسّك بالإطلاق على الإطلاق.

ويؤيد ذلك أيضاً: كون السؤال سؤالاً عن القضية الحقيقية.

الوجه الثاني: الحمل على الموضوعية

إنّه بعد التسليم بوجود المطلق والمقيّد، إلّا أنّ الطرفين الأسفلين فيه عدّة احتمالات:

أحدها: الحمل على المعرفية الصِّرفة للبول والغائط، ومعه لا تكون مقيّدةً، بل تكون موازية للمطلقات، فلا تكون في صالح المشهور.

ثانيها: الحمل على الموضوعية، لا بصفتهما ذكراً ودبراً، بل بصفتهما مخرجاً معداً للحدث.

ثالثها: الحمل على الموضوعية الصرفة، وهذا الاحتمال أيضاً ليس في صالح المشهور، باعتباره مؤدّياً إلى عدم النقض فيما يخرج من غير الموضع الطبيعي وإن أصبح معتاداً.

ــــــــــ[319]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فلا بُدّ لأجل تتميم هذا الوجه الثاني اختيار الاحتمال الثاني ونفي الاحتمالين الأوّل والثالث، أما الأوّل فباعتبار ظهور العنوان بالدخل، كما هو ظاهر كلّ عنوان، وأما الثالث فلإلغاء الخصوصيات بمناسبات الحكم والموضوع العرفية، فيتعين الثاني.

إلّا أن هذا الوجه غير تام، لاستضعاف النقاش في الاحتمالين السابقين: أما الاحتمال الأوّل فللنصّ على اسم المخرجين قال: “ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر والدبر” ومع النصّ عليه يصعب الحمل على المعرفية الصرفة، مضافاً إلى تسمية البول والغائط أيضاً. فيكون تكراراً على تقدير المعرفية، لولا ما سوف نشير إليه.

وأما الاحتمال الثالث، فلأنه يكفي نكتة للجمع بين عنوان الطرفين الأسفلين واسم المخرجين واسم الحدثين. يكفي نكتة لذلك إيضاح الحقّ في مقابل ما يذهب إليه العامة من وجود نواقض أخرى للوضوء، كخروج النخامة والدمع والدم ونحوه ولو من غير المخرجين.

والإنصاف أنّ الحمل على المعرفية قريب جداً، لكن لا يمكن الجزم به، كما لا يمكن الجزم بالموضوعية.

الوجه الثالث: حمل البول على المعنى المصدري

 إننّا بعد أن شكّكنا بالحمل على المعرفية والموضوعية معاً، سقط الاستدلال بالمقيّد فنبقى نحن والمطلقات “لا يوجَب الوضوء إلّا من غائط أو 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بول”(1) إلّا أنّ المستظهر منها أنّ الناقض ليس هو العين الخارجية للبول والغائط، بل البول بالمعنى المصدري، أي التبول، وهو خروج البول بالدفع الطبيعي، فإذا خرج بالدفع الطبيعي من المخرج المعتاد، أو من غيره كان ناقضاً، لا ما إذا أخرج بالمؤونة من غيره. نعم، لو أخرج من المخرج المعتاد بالمؤونة كان ناقضاً أيضاً. تمسّكاً بإطلاق صحيحة زرارة نفسها “ما خرج من طرفيك الأسفلين(2). فإنَّ هذا مما خرج منهما. 

ولعلّ مراد المشهور هو ذلك، وأنه لا يصدق البول على ما يخرج بالمؤونة من غير المخرج المعتاد، وبذلك يتم الاستدلال على الفتوى المشهورة. 

وباختصار: إنّ المأخوذ في الأدلة عنوانان: (عنوان ما خرج من أحد السبيلين)، و(عنوان البول والغائط)، وكِلاهما لا يصدق على ما أخرج بالتعمّل من غير المخرج الطبيعي، والميزان فيه هو صدق المعنى المصدري الذي يشتق منه الأفعال: بال يبول، فمتى صدق أنه بال صدق المعنى المصدري، وهذا غير متحقّق في الإخراج في العناية، ومعنى ذلك أنّ البول مستبطن لمعنى أزيد من الخروج، وهو الخروج بالدفع الطبيعي غير الحاصل بالصورة المشار إليها(3).

 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام1: 10، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث: 83، وسائل الشيعة1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 1.

(2) وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(3) أقول: حمل البول على المعنى المصدري ممكن، إلاَّ أنّ حمل لفظ الغائط عليه غير ممكن، كما هو واضح، إلاَّ أن يبدل باسمه الحقيقي، فإنه قابل للحمل على المصدرية، لكن

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ــــــــــ[322]ــــــــــ

الوارد في الرواية هو لفظ الغائط، إلاَّ أن نفهم منه المعرّفية إلى ذلك العنوان، ونفهم من ذلك العنوان المصدرية وهو كما ترى؛ لأنّ هذا التبديل جائز في حدود كاشفية لفظ الغائط، وهي خاصة بالمعنى الاسم المصدري.

على أنّ ظاهر الرواية كون نفس المادة الخارجة هي الناقضة (ما يخرج من طرفيك الأسفلين)، وظاهره أخذ خصوصية أحدهما كونه بولاً وغائطاً، والثانية كونه خارجاً من المخرج الطبيعي، فإذا استطعنا إلغاء الخصوصية الثانية بالتجريد العرفي بقيت الأولى وحدها، وهي ليست في صالح المشهور. إلاَّ أن يقال بأحد أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ العرف لا يوافق على التجريد في الخصوصية الثانية إلَّا بمقدار ما هو في مصلحة المشهور، كالمخرج المعتاد، وإن لم يكن طبيعياً أصلياً. وأما الخارج بالمؤونة من ثقب، فلا يمكن الشمول إليه فيثبت دعوى المشهور.

الأمر الثاني: ما ذكره السيد إشارةً وهو عدم صدق البول والغائط على ما خرج بالمؤونة من ثقب، وهو أمر قريب إلى النفس.

نعم، لو أصبح المخرج الطبيعي وغيره معتاداً لم يكن فيما ذكرناه من الوجوه نافياً لناقضيته، مع أنّ المنسوب إلى المشهور اشتراط انسداد المخرج الطبيعي فتأمل، كما انه مع انسداده وانحصار الأمر بالإخراج بالمؤونة من غيره ينبغي أن يقال بعدم النقض، طبقاً للوجوه التي ذكرت إلى الآن، مع أنّ ظاهر تقييد المشهور بالانسداد كونه ناقضاً.

إلاَّ أنَّ الحق في هذه الصورة كونه ناقضاً، لصدق كلا النكتتين الأخيرتين عليه، كما هو واضح لمن يفكر، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الرابع: الرجوع إلى الحمل على الموضوعية

أن نعترف بالحمل على الموضوعية التي شكّكنا بها في الوجه السابق وبذلك تصلح صحيحة زرارة(1) للتقييد، ويكون في مقابلها طائفتان:

الطائفة الأولى: مطلقات ناقضية البول والغائط، بعد التنزّل عمّا قلناه في الوجه الثالث من عدم صدقه على البول المستخرج بالعناية، فتكون النسبة بين صحيح زرارة وهذه المطلقات هو العموم من وجه. ولو اقتصرنا على ذلك ينتج فتوى مشابهة لما ذكره صاحب الحدائق والسبزواري في الكفاية.

الطائفة الثانية: وأوضح مصاديقها الآية الكريمة: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ(2) بمعنى رجع من الغائط، وهو المحل المنخفض الذي كان مرتاداً لمن يقضي حاجته، ويكون المعنى أنّ من انتهى من قضاء حاجته فعليه التيمم بدون الماء، أو الوضوء معه.

والنسبة بين الآية وبين صحيحة زرارة هي العموم من وجه، يلتقيان فيمن ذهب إلى بيت الخلاء وقضى حاجته من المخرج الطبيعي، حيث يتفق الحديث والآية على كونه ناقضاً، وأما صورة ما إذا ذهب إلى بيت الخلاء وقضى حاجته من غير المخرج الطبيعي فهو تنفيه الرواية وتثبته الآية.

وعند إعمال قواعد باب التعارض يكون هنا عدّة صور:

الصورة الأولى: ما إذا دخل بيت الخلاء وقضى حاجته من طريقه الطبيعي، 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(2) المائدة: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فهو مورد الرواية ولا تنفيه الآية.. فيؤخذ بالرواية. 

الصورة الثانية: إذا خرج البول أو الغائط بالعناية من غير المخرج الطبيعي، فهو ما تنفي الصحيحة ناقضيته، ولا تعارضها الآية، فيؤخذ بالصحيحة.

الصورة الثالثة: إذا دخل بيت الخلاء وقضى حاجته بالدفع الطبيعي من غير المخرج الطبيعي، فهو مورد التعارض، فإما أن نقدّم إطلاق الآية، فينتج أنه إذا خرج من غير المخرج الطبيعي لا ينقض إلّا إذا صدق عنوان بيت الخلاء المتعارف، أو نقول بالتساقط، ونرجع إلى عموم ناقضية البول والغائط، وهي شاملة لتمام الصور ما دام البول والغائط صادقاً بالمعنى المصدري(1).

ــــــــــ[324]ــــــــــ

() أقول: بالنسبة إلى النسبة بين الآية والرواية، ليس لأيّ منهما مفهوم ليتعارضان، وإن كان بينهما نسبة العموم من وجه موضوعاً، إلاَّ أنّ ما تثبته إحداهما تسكت عنه الأخرى لعدم المفهوم، ومعه يمكن -بل يجب- الأخذ بكِلا الدليلين بكل حصصهما، فمتى ما صدق الذهاب إلى بيت الخلاء وقضاء الحاجة فيه، حكمنا بالنقض، سواء كان من المخرج الطبيعي أو غيره، وسواء كان بالدفع الطبيعي أو غيره إذا أصبحت المؤونة معتادةً، إذ بدونه لا يصدق بيت الخلاء، ويتوقّف عليها قضاء الحاجة، ومتى ما صدق خروج البول والغائط من السبيلين الطبيعيين حكمنا بالناقضية، سواء كان في بيت الخلاء أو غيره، وسواء كان بالتعمّل وغيره.

وتوهّم التعارض فرع إفادة أحد الدليلين أو كِلاهما المفهوم بنحو الشرط أو الحصر، وكِلاهما غير موجود عرفاً، ومفهوم القيد أو الوصف لا نقول به، وارتفاع شخص الحكم لا ينافي إثبات حكم مشابه بسبب آخر، فلا تعارض.

ثُمَّ إنّه لو شكّ في كون الخارج غائطاً -مثلاً- ولم يكن هناك ارتكاز عرفي بعينه -كما لا يبعد وجوده في كثير من الأفراد، ولكن مع عدمه- يرجع إلى الاستصحاب، ومع عدم جريانه أحياناً يرجع إلى أصالة الاشتغال للصلاة لا البراءة من وجوب الوضوء، كما هو واضح.

ولكن لا يبعد أن يكون لكيفية خروجه، ونوع الخارج، وموضع الخروج دخلاً في التعيين العرفي، فلو خرج بالدفع الطبيعي من الموضع المعتاد -وإن لم يكن طبيعياً- فهو غائط، وإن خرج شيء مشكوك من جرح بالتعمّل فهو ليس بغائط، ولو باستصحاب العدم الأزلي أو النعتي، فتستصحب الطهارة إن كانت، وإلا رجع إلى قاعدة الاشتغال كما أشرنا، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لا فرق في البول والغائط بين القليل والكثير

قوله: ولا فرق فيهما بين القليل والكثير حتى مثل القطرة أو مثل تلوّث شيشة الاحتقان بالعذرة، نعم الرطوبات الأُخَر غير البول و الغائط الخارجة من المخرجين ليست ناقضة و كذا الدود أو نوى التمر و نحوهما إذا لم يكن متلطخاً بالعذرة(1).

تمسّكاً بالإطلاقات(2)، أو الإجماعات(3)، أو الأدلة الخاصة الواردة في البلل 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الأول والثاني البول والغائط.

(2) كما في صحيحتي زرارة وصحيحة سالم ورواية زكريا بن آدم، وقد نقلها كلها في الحدائق: 2: 87. 

(3) نقل الإجماع في مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام، الجزء: ٢، الصفحة: ٢٤٢.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المشتبه الذي لا يكون عادةً كثيراً، والروايات الواردة في ناقضية الغائط الخارج مع النوى ونحوه(1)، وهو أيضاً يكون قليلاً عادةً. فإنَّها دالة على ناقضية القليل أيضاً.

تنبيهات:

التنبيه الأوّل: في سراية النجاسة الخبثية

وهنا لا بُدَّ أن نشير إلى أنّ هذا الخلاف في كون خروج البول والغائط ناقضاً أو لا، لا يسري إلى نجاسته الخبثية، بل هو منجّس وناقض للطهارة الخبثية على أي حال.

التنبيه الثاني: التفصيل بين ناقضية ما دون المعدة وما فوقها

ولا بُدَّ أن نشير إلى أنّ قول الشيخ(2) إنّ ما خرج ممّا دون المعدة يكون ناقضاً، وما خرج مما فوقها لا يكون ناقضاً، إن أراد به كون الخروج مما فوق المعدة يكون أمارةً على عدم مرور الطعام بمراحل الهضم المختلفة، والشكّ في صيرورته غائطاً، فهذا صحيح. وأما لو غضضنا النظر عن ذلك، وفرضنا الطعام قد مر بمراحل الهضم، ولكن جعل للخروج مما فوق المعدة نحواً من الموضوعية، بحيث لو أمكن إخراج الطعام المهضوم مما فوق المعدة، فهو لا يكون ناقضاً أو لا يكون غائطاً؛ لمكان بعده عن الموضع الطبيعي، فهذا غير صحيح. لأنّ هذا الطعام المهضوم هو الغائط من أيّ جهة من الجسم خرج.

ــــــــــ[327]ــــــــــ

(1) كما في روايات الكليني في الكافي (إسلامية)، الجزء: ٣، الصفحة: ٣٦. 

(2) المقصود هو قول الشيخ الطوسي في الخلاف: 1: 115- 116.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

التنبيه الثالث: حدود العادة للموضع غير الطبيعي

 تحصّل ممّا قلناه أنّ البول والغائط إذا خرج من المخرج الطبيعي يكون ناقضاً مطلقاً سواء خرج بدفع الطبيعة أو بالعناية، ويكون ناقضاً إذا خرج من غيره بدفع الطبيعة لا بالعناية. والمشهور يرى كونه ناقضاً حتى لو خرج بالعناية من غيره إذا أصبح معتاداً.

فإن أراد المشهور من الاعتياد ما قلناه من كونه خارجاً بدفع الطبيعة، فهو المطلوب، وإن أراد العادة بعنوانها، فقد وقع الخلاف بينهم: أنها بأيّ مقدار تتحقق؟ 

 هل تتحقق بمرتين؛ كما عليه الشهيد الثاني(1)؟ أو ثلاث؛ كما عليه المحقق القطيفي(2)؟ أو يرجع إلى نظر العرف؟ والعرف أيضاً قد يشكّ.  ثم إنّ المرة الأخيرة التي تتحقق بها العادة: هل هي ناقضة؟ كما عليه المحقق الاسترابادي(3). أو لا؟ كما عليه ظاهر المشهور(4).

فهذه خلافات ليس فيها أمرٌ بَيّن، أو يرجع فيها إلى رُكن رَكين نتيجة للفساد في أصل المبنى.

ــــــــــ[327]ــــــــــ

() انظر: روض الجنان1: 72، كتاب الطهارة، النظر الثاني، القول في مبطلات الوضوء.

(2) انظر: الهادي الى الإرشاد1: 77، كتاب الطهارة، النظر الثاني، موجبات الوضوء.

(3) انظر الحدائق الناظرة2: 93، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، الرابع.

(4) انظر الحدائق الناظرة2: 93، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، الرابع.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وكذلك لو قارنّا مسلك السيد(1) الأستاذ بمسلكنا، فإنه بنى على أنّ ما يخرج من مثل زرارة من غير المخرج الطبيعي لا يكون ناقضاً، فما هو مثل زرارة لو كان زرارة إنساناً نموذجياً في الصحة الجسمية، ومن هو مخالفه، هل يخالفه ذاك الذي انسدّ مخرجه تماماً أو لمدة شهر، أو لمدة أسبوع، أو لمدة يوم، أو الذي تماثل للشفاء؟ كل ذلك ليس فيه ضابط محدد نتيجة لفساد المبنى.

على أنّ المشهور حكموا فيمن له ثقب غير طبيعي يخرج منه الغائط، أنه لو خرج الغائط أو البول من ثقب آخر غير معتاد لم ينقض، ولكن على مسلك السيد الأستاذ لا بُدَّ أن يحكم بكونه ناقضاً، بحيث يكون النقض فيه أشد من الإنسان الاعتيادي، لأنّ الإنسان الاعتيادي لا ينتقض في هذه الصورة.

ــــــــــ[328]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 432، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، ناقضية البول والغائط.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الثالث: ناقضية الريح

 

قوله:(الثالث: الريح الخارج من مخرج الغائط إذا كان من المعدة…)(1).

لا إشكال في ناقضيّة الريح في الجملة إجماعاً ونصّاً، وإنما يقع الكلام سنخ ما وقع في البول والغائط، من أنّ الريح إن خرج من المخرج غير الطبيعي هل يكون ناقضاً أو لا؟

وظاهر الماتن كونه ناقضاً إذا خرج من مخرج الغائط، سواء كان طبيعياً أو لا، ومنهم من ذهب إلى كونه ناقضاً مطلقاً تمسّكاً بالمطلقات.

لو خرج من غير الموضع الطبيعي

والحقّ ما ذهب إليه الماتن، وذلك: أننا إما أن نمشي على مسلكنا في الفرع السابق من التشكيك في المقيد، وهو صحيحة(2) زرارة لاحتمال حملها على الموضوعية أو الطريقية، فنجد أمامنا مطلقات بعنوان الريح، وروايات بالعنوانين المعروفين، وعنوان الريح إن لم نقل بكونه إشارةً إلى العنوانين 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 183، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الثالث: الريح.

(2) وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

المعروفين فلا أقلّ من كونه مطلقاً يمكن تقييده بالعنوانين، فلا يكون غيرهما ناقضاً، ونحتاج إلى فرض صدقهما، وهما إنما يصدقان إذا خرج الريح من مخرج الغائط دون ما إذا خرج من غيره، فإنّ بين الريح والبول والغائط فرقاً عرفياً، فإنّ بولية البول، وغائطية الغائط بنوعيته من أيّ مكان خرج.

ولذا استشكلنا على الشيخ الطوسي في الخارج مما فوق المعدة إن كان يصدق عليه الغائط عرفاً، بخلاف الريح فإنّ للمكان دخلاً عرفاً في تعنونه بالعنوانين المعروفين، ولا يميزه العرف لو خرج من غير مخرج الغائط، لا فرق في ذلك بين المخرج الطبيعي وغيره.

وأما على مسلكهم من حمل الصحيحة على الموضوعية، فيقع التعارض بين إطلاق نفي النقض فيها، وإطلاق النقض في روايات العنوانين، (يعني فيما إذا صدقا من غير المخرج الطبيعي) بنحو العموم من وجه، وبعد التساقط يرجع إلى عمومات ناقضيّة الريح فينتج نفس النتيجة(1).

 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

() أقول: لا يبعد عدم صدق العنوانين المعروفين على ما خرج من فتحة أخرى مهما كان لاحتمال كون حلقة الدبر لها دخل في إعطاء الشكل العرفي لهما، فإنّ خروج الريح من فتحة أخرى يكون (تنفساً) أو تسرباً لا يتّخذ كمية وكيفية قابلة لذلك الصدق عرفاً، نعم لو كان خروجه مصاحباً للتغوط فلا يبعد كونه قرينةً عرفيةً على صدقه، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لا فرق في الريح بين الصوت وعدمه

قوله: (صاحب صوتاً أو لا…)(1).

تمسّكاً بإطلاقات الريح، وما أخذ فيه العنوانين المعروفين، فإنهما يصدقان على مثل ذلك بل أقل منه. وقد يدّعى كون رواية عمر بن أُذينة(2) عن زرارة مقيِّدة(3).

إلّا أنّ ظاهرها فعليّة السماع والشم وهو غير محتمل عرفاً، فإنّ العرف لا يرى دخلاً للسماع في حدثية الحدث، فلو كان المحدث نائماً أو غافلاً أو أصم، لم يفرق العرف بين حدثه وحدث غيره، وعليه فلا بُدَّ من تأويل هذه الرواية بأحد وجوه:

الوجه الأوّل: تأويل القيد بأن نحمل السماع على السماع الشأني، يعني لو كان هناك إنسان سامع ملتفت.

الوجه الثاني: تأويل المقيِّد، بأن نحمل الحكم المقيد على الحكم الظاهري، فالسماع لا دخل له في الحكم الواقعي، وإنما هو طريق لإثبات الحدث ظاهراً.

ــــــــــ[331]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 183، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الثالث: الريح.

(2) تهذيب الأحكام1: 346، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 8، وسائل الشيعة1: 245، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(3) أقول: وهي صحيحة زرارة، “لا يوجب الوضوء إلاَّ غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها” وغيرهما كصحيحة معاوية بن وهب: “أن الشيطان ينفخ… الخ”، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الثالث: تأويل التقييد، بأن نحمل التقييد على التعريف والإشارة إلى واقع هذين الحدثين.

وحيث امتنع الأخذ بظاهر الرواية، وكان لا بُدَّ من أحد هذه التأويلات، فإن لم نستظهر الثاني الذي عليه شواهد أخر من الروايات فلا أقل من تكافؤ الاحتمالات، والإجمال، فلا تصلح للتقييد، فيبقى ما ذكره الماتن هو الصحيح.

كما أن هناك قرينةً خارجيةً على خلاف هذه الرواية، وهي معتبرة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: وسألته عن رجل يكون في الصلاة فيعلم أن ريحاً قد خرجت، فلا يجد ريحها، ولا يسمع صوتها، قال: “يعيد الوضوء والصلاة، ولا يعتدّ بشيء مما صلّى إذا علم ذلك يقيناً(1).

وهي واضحة في عدم اعتبار الصوت، فإن لم تكن مقدّمةً على تلك الرواية لكونها أوضح فلا أقلّ من التعارض والتساقط والرجوع إلى مطلقات النقض بالريح.

في خروج الريح من القُبُل

قوله: دون ما خرج من القُبُل (2).

بناءً على ما تصوره بعض الفقهاء من إمكان خروج الريح من مخرج البول، وقال بعضهم: بأن ذلك في المرأة ممكن، وهو لا يقوم على أساسٍ لا في الرجل 

ــــــــــ[332]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 248، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 9.

(2) العروة الوثقى1: 183، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الثالث: الريح.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ولا المرأة، وقد أفتوا بالناقضية فيه، على تقدير حصوله. والمهم الاستدلال للحكم وإن لم يكن له موضوع.

والصحيح كونه ناقضاً تمسّكاً بعمومات الريح، وروايات ما خرج من أحد طرفيك الأسفلين، فإنه خرج من أحد الطرفين، بما في ذلك صحيحة زرارة: “ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر والدبر من الغائط والبول أو مني أو ريح ..(1).

وقد يُعارض ذلك بالروايات التي أوردت العنوانين المعروفين، لعدم صدقهما على ما يخرج من القُبُل من الريح، فيقع التعارض بنحو العموم من وجه، يلتقيان في محلّ الكلام، وبعد التساقط يرجع إلى عمومات النقض، فما عليه المشهور من الحكم صحيح، وإن كان موضوعاً غير صحيح.

ريح لم تكن من المعدة

قوله: أو لم يكن من المعدة كنفخ الشيطان(2).

نفخ الشيطان ليس قسماً من الريح، وإنما معناه ما يجعله الشيطان من وسوسة وخيال في نفس الفرد من احتمال خروج الريح من دون أن يكون مطابقاً للواقع، فليس هذا قسماً ثابتاً موضوعاً بحد ذاته لنتكلم عن حكمه. 

ــــــــــ[333]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(2) العروة الوثقى1: 183، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الثالث: الريح.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

قوله: أو إذا دخل من الخارج ثم خرج(1).

لعدم صدق العنوانين عليه، وكذلك عنوان الريح، فإنه إشارة إلى الريح الذي أعدّه الله تعالى في البطن لأن يؤدي وظيفته، فما دخل من الخارج ليس كذلك(2).

ــــــــــ[334]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 183، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الثالث: الريح.

(2) أقول: هذا الحكم لا يخلو من إشكال، فإنّ كلّ الريح الداخلي ليس موجوداً في الجوف من أصله، وإنما هو داخل عن طريق الفم في الغالب بنفسه، أو من خلال الطعام والشراب، وقد يدخل الريح عن طريق الدبر قليلاً، أما ما دخل عن طريق الفم، فلا إشكال في كونه ناقضاً، لأنّه القدر المتيقن من الأدلة كما هو واضح. وأما الداخل عن طريق الدبر فقد يبقى مدّة ويخرج بأسلوب يصدق معه أحد العنوانين، فهو ناقض أيضاً لعدم تفريق العرف بينه وبين غيره، وعدم دخل سببه في ناقضيته أو صدقه عرفاً فيدخل تحت الإطلاقات.

نعم، لو مكث قليلاً وتسرّب بحيث لا يصدق عليه العنوانان أمكن دعوى انصراف الأدلة عنه، وإن كان شمول (ما خرج من أحد طرفيك الأسفلين) له غير بعيد، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

الرابع: ناقضية النوم

قوله: الرابع: النوم مطلقاً وإن كان في حال المشي إذا غلب على القلب والسمع والبصر(1).

لا إشكال في ناقضية النوم في الجملة وهو مشهور العامة، وإجماع الإمامية(2) فيما عدا ما ينقل عن الصدوق في المقنع(3)، والهداية ووالده في رسالته(4)، حيث حصرا الناقض في أربعة هي البول والغائط والريح والمني، ومقتضاه عدم كون النوم ناقضاً.

إلّا أنَّه -كما قال صاحب الحدائق- بعيد جداً أن يذهب الشيخ الصدوق إلى عدم كونه ناقضاً، وهو الذي روى الأخبار الصحيحة الصريحة في ناقضيته، 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 183: كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الرابع: النوم.

(2) نقل الاجماع الشيخ في الخلاف 1: 107، والعالمة في التذكرة 1: 102، والمقداد السيوري في التنقيح الرائع 1: 67، وهو كثير في كتب الفقه.

(3) المقنع للصدوق: 11. والهداية له أيضاً: 84. لكنه في من لا يحضره الفقيه: 1: 61 ذكر النوم من نواقض الوضوء. 

(4) استظهر صاحب الحدائق ذلك من رسالة ابن بابويه إلى ولده: الحدائق: 2: 94.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ولم ينقل المعارض، ولذا احتمل أن يكون حصراً إضافياً بالنسبة إلى ما يخرج من البدن من قيْء ونخامة ووذي وغيرها.

إذن فالمسألة بحسب الروح والجوهر إجماعية.

طوائف أخبار ناقضية النوم

ويمكن تقسيم الأخبار إلى عدّة طوائف، كل منها متعرّض لوجه برأسه من احتمالات ناقضية النوم.

الطائفة الأولى: ناقض واقعي بالعنوان الأوّلي

كون النوم ناقض واقعي بالعنوان الأولي، كالبول. 

وعلى هذا الوجه تدلّ الأخبار الصحيحة الصريحة.

1- منها صحيحة زرارة السابقة: قال: “قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله إلى أن يقول: والنوم حتى يذهب العقل(1).

2- وصحيحة أخرى له أيضاً: عن أحدهما، قال: “لا ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك أو النوم(2)(3).

3- وموثقة عبد الله بن بكير قال: “قال لأبي عبد الله قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ما يعني بذلك إذا قمتم إلى الصلاة؟ قال: إذا قمتم من النوم، 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

() وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(2) باب 3 من نواقض الوضوء كلها، (المقرر).

(3) تهذيب الأحكام1: 6، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 2، وسائل الشيعة1: 249، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

قلت: ينقض النوم الوضوء؟ فقال: نعم، إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت(1).

4- ورواية إسحاق بن عبد الله الأشعري، عن أبي عبد الله: قال: “لا ينقض الوضوء إلّا حدث والنوم حدث(2).

لكنهم اختلفوا في فقه هذه الرواية، فإنَّ المراد من الحدث إن كان الحدث الشرعي بمعنى الناقض للوضوء، كانت قضية تكرارية لا معنى لها. 

وإن أُريد بها كل حدث في العالم، فالكبرى لا تستقيم.

 فكأنهم أرادوا أن يتعاملوا مع هذا التعبير معاملةً منطقيةً؛ ليجعلوه من الشكل الأوّل من القياس، فلم يتيسر لهم. 

ولا حاجة إلى ذلك فإنّ المراد تقريب ناقضية النوم تقريباً عرفياً، والمراد أنه لا ينقض الوضوء إلّا شيء مهم في الحياة الفردية، وليس كخروج النخامة والودي ونحوها، والنوم مهم في الحياة، فيكون ناقضاً، ومعه لا يمكن أن يورد أنّ الكبرى لا تستقيم، لأنّه إذا انكسرت رجله كان حدثاً مهماً ولا ينتقض الوضوء بذلك.

ــــــــــ[337]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام1: 7، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 9. وسائل الشيعة1: 254، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 7.

(2) تهذيب الأحكام1: 6، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 5، وسائل الشيعة1: 253، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الطائفة الثانية: ناقض واقعي احتياطي

إنّه ناقض واقعيّ احتياطيّ، بمعنى أنّ النائم حيث يكون في معرض خروج الحدث، فقد احتاط المولى لذلك، وجعل النوم ناقضاً، وهو ليس أمراً بالاحتياط ليكون منوطاً بشكّ المكلف، بل هو احتياط في ملاكات المولى، فيكون منوطاً بموضوعه الواقعي.

ويناسب هذا الوجه الروايات المفصّلة بين الاضطجاع وعدمه، فإنّه يفهم منها بمناسبات الحكم والموضوع أنّ نكتة هذا التمييز هو كثرة تعرّض الفرد للريح مع الاضطجاع والانفراج، دون ما إذا لم يكن كذلك.

ومن ذلك أيضاً رواية الفضل بن شاذان، عن الإمام الرضا، قال: “إنما أوجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصّة... إلى أن قال: وأما النوم، فإنّ النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شيء منه، واسترخى، فكان أغلب الأشياء عليه فيما يخرج منه الريح، فوجب عليه الوضوء لهذه العلة(1)(2).

على أن نفهم من العلّة هنا علَّة الجعل لا المجعول، أي الحكمة بالمصطلح الأصولي لا العلّة.

الطائفة الثالثة: ناقض ظاهري احتياطي

أن يكون النوم ناقضاً ظاهرياً، بمعنى كونه ناقضاً احتياطياً يرجع أمره إلى شكّ المكلف، لاحتمال خروج الحدث في أثنائه، وقد أُلغي الاستصحاب في 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

() نفس الباب، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة1: 255، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 13.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

حقّه، كما هو الحال في الحدث المشتبه الذي أُلغي معه استصحاب الطهارة الحدثية، تقديماً لظهور الحال على الاستصحاب فكذلك في المقام.

1- ومن روايات هذا الوجه رواية (الفضل بن شاذان) السابقة لو حملنا العلّة فيها على علَّة الحكم المجعول.

2- وكذلك رواية أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة، فقال: إن كان لا يحفظ حدثاً منه إن كان، فعليه الوضوء وإعادة الصلاة، وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا إعادة(1).

فإنّ معنى ذلك الحكم الظاهري بالناقضية المنوط بشك المكلف وعلمه.

الطائفة الرابعة: ناقض تنزيهي

 كون النوم ناقضاً استحبابياً وحدثاً تنزيهياً.

يدل على ذلك: رواية: عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله: “في الرجل هل ينقض وضوءه إذا نام وهو جالس؟ قال: إن كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه، وذلك أنه في حال ضرورة(2)(3). على أنّ تحمّل الضرورة على أدنى مراتب الصعوبة العرفية، وهو تكليفه بالوضوء بالرغم من الزحام، فإنه لم 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام1: 7، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 9، وسائل الشيعة1: 253، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 6.

(2) نفس الباب، (المقرر).

(3) الاستبصار1: 81، كتاب الطهارة، الباب 47، ح: 11، وسائل الشيعة1: 256، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 16.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

يفرض في الرواية أكثر من ذلك، وهذا يناسب كون النوم ناقضاً تنزيهياً، لأنّ هذه الشقّة لا توجب سقوط الوضوء على تقدير انتقاضه(1).

قولان في المسألة

قد يقال(2): إنّه يستفاد من أدلة الباب بقطع النظر عن الروايات الخاصة كون النوم ناقضاً، وقد يقال: إنّ المستفاد منها عدم كونه ناقضاً، فهنا قولان:

الأوّل: القول بالناقضية 

القول الأوّل أنّ المطلق الفوقاني دالّ على ناقضية النوم:

1- التمسك بالآية المباركة إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا….

وهنا قد يتمسّك بالآية الكريمة: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا... حيث تمسّك بها السيد(3) الأستاذ في المقام، وقال: إنّه لا فرق بين وجود الرواية المفسّرة 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

() أقول: غاية ما يمكن ادعاؤه هو أنّ هذه الرواية حين تنفي ناقضية النوم بالمرّة تكون قرينةً على كون ما دل على ناقضيته محمول على الاستحباب، وإلا فمن الواضح أنّ هذه الرواية لا تثبت له الناقضية لتحمل على الكراهة أو الاستحباب.

وقبل تمحيص هذه الروايات، لا بُدَّ أن نفحص عن وجود مرجع فوقاني لناقضية النوم إيجاباً أو سلباً حتى يرجع إليه بعد التساقط لو حصل، أو يكون مرجحاً لأحد الطرفين المتعارضين لو كان قرآناً، (المقرر).

(2) هذا الدرس لم يتيسر لي الحضور فيه، فنقلته عن السيد محمد علي الحائري (سلّمه الله تعالى)، مع ما يخطر في الذهن من التعليق، (المقرر).

(3) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 437، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الرابع: النوم.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لها وعدمه، فإنَّها في نفسها ذات إطلاق.

وذكر في وجه ذلك: أنّ الآية بإطلاقها تشمل أربع حالات:

الحالة الأولى: أن يكون المكلف غير متوضئ من قديم الزمان.

الحالة الثانية: أن يكون متوضئاً ولكنه أحدث بغير النوم كالبول مثلاً.

الحالة الثالثة: أن يكون متوضئاً ولكنه نام.

الحالة الرابعة: أن يفرض كونه متوضئاً ولم يصدر منه بعد ذلك شيء حتى النوم.

ومقتضى إطلاق الآية هو وجوب الوضوء مطلقاً، إلّا أنه لا إشكال في الحالة الرابعة من عدم وجوب الوضوء، فيخرج من إطلاق الآية(1).

كما أنّ الحالة الأولى والثانية داخلة في إطلاق الآية يقيناً، وإنما يبقى الكلام في الحالة الثالثة في أنها كالأوليين، أو كالرابعة. ومقتضى الإطلاق هو وجوب الوضوء فيها، وهذا يعني ناقضية النوم، إذ المفروض عدم صدور شيء منه سوى النوم.

إلّا أنّ التحقيق: أنّ هذا الاستدلال لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّ القيام في الآية: إما أن يُحمَل على مجرد النهوض والاستعداد إلى الصلاة، فيكون ظرف الوضوء هو زمان الاستعداد. وإما أن نقول إنّ هذا تعبير عرفي كنائي عن أنّ الصلاة لا بُدَّ فيها من وضوء، وليس النظر إلى إيقاع الوضوء عند التهيؤ، وذكر التهيؤ يكون باعتبار أنّ الإنسان إنما يأتي بالوضوء وبقية المقدمات عادةً في حال 

ــــــــــ[341]ــــــــــ

() أقول: بمعنى قيام القرائن المنفصلة على الاستحباب في هذه الحصة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

التهيؤ، ولا إشكال أنّ المتفاهم عرفاً هو الاحتمال الثاني، إلّا أننا سوف نتكلم على كلا الاحتمالين.

أمّا بناءً على الاحتمال المستظهر فيكون مرجع الآية إلى قولنا: إنّ الصلاة أحد شرائطها الوضوء، وحينئذٍ فلو خُلّينا نحن والآية تكون مخصوصة بالحالة الأولى فقط، وأما الإلزام بالوضوء بعد البول من جديد، فهذا يحتاج إلى دليل آخر غير الآية.

وأمّا بناءً على الاحتمال الأوّل: أن يكون النهوض مأخوذاً كتوقيت للضوء مثلاً، فحينئذٍ يمكن أن يقال: إنّ مقتضى إطلاق الوجوب أنه يجب الوضوء تهيئاً للصلاة، سواء كان توضأ أو لا، وخرّجنا من هذا الإطلاق الحالة الرابعة فقط، لكن في مقابل ذلك يوجد إطلاق في المادّة أيضاً، فإننا إذا أخذنا ظرف التهيؤ على نحو الموضوعية، فحينئذٍ إذا فرض أنّ الإنسان أراد أن يصلّي فقام وتوضأ وذهب إلى المسجد، وجلس لكي يصلّي مع الجماعة، فنام، فمقتضى إطلاق المادة عدم وجوب الوضوء، فإنّ الوضوء الذي هو واجب عليه مطلقاً من ناحية أنه نام بعده أو لا، فيثبت التعارض بين إطلاق الهيئة الذي يقتضي الناقضية، وإطلاق المادة الذي يقتضي عدم الناقضية، فتصبح الآية مجملةً(1).

ــــــــــ[342]ــــــــــ

() أقول: إذا فهمنا من القيام إلى الصلاة معناه الأخصّ، وهو القيام المباشر الذي يستتبع الإقامة أو التكبير، فيكون معنى الآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ قياماً مباشراً، فاجعلوا بين قيامكم وصلاتكم الوضوء، وهذا يدل على شرطية الوضوء، كما أنه لا يلغي موضوعية القيام.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ــــــــــ[343]ــــــــــ

فإن توجه إلى الصلاة بعد الوضوء مباشرةً من دون أي عمل آخر، فهو القدر المتيقن من إطاعة الآية، وإلا فلا يكون القيام مباشراً، لو أراد الصلاة بعده، ويكون إطلاق الآية يقتضي الوضوء لدى القيام المباشر مرّةً أخرى، مضافاً إلى إطلاقها لصورة عدم سبق الوضوء، ويكون إطلاقها واسع الذيل يشمل مضافاً إلى الصور الأربعة ما إذا قام بين الوضوء والصلاة بأي عمل آخر، بما فيها القيء ونحوه مما قال العامة بناقضيته، وبما فيه النوم أيضاً.

وقد وجدت لهذا الإطلاق عدّة مقيدات أخرجت عدّة صور:

الصورة الأولى: ما إذا قام بعد الوضوء بعمل لا يحتمل بالضرورة كونه حدثاً ناقضاً، كالقراءة في كتاب.

الصورة الثانية: ما إذا قام بعد الوضوء بأحد الأعمال التي يعتبرها العامة حدثاً كالقيء.

ففي هاتين الصورتين ونحوهما دلّ الدليل على تقييد إطلاق الآية، وعدم وجوب تكرار الوضوء عند القيام المباشر للصلاة.

وبقي تحت إطلاق الآية عدّة صور:

الصورة الأولى: ما إذا لم يكن متوضئاً من الأوّل أصلاً.

الصورة الثانية: ما إذا أحدث بعد الوضوء بأحد الأحداث المتيقنة كالبول.

الصورة الثالثة: ما إذا نام بعد الوضوء.

ففي جميعها يحتاج القيام المباشر إلى الصلاة إلى تكرار الوضوء، تمسّكاً بإطلاق الآية.

ومن هنا ظهرت عدّة أمور:

الأمر الأوّل: أنّ الآية تدل على وجوب الوضوء عند الأحداث الأربعة المتيقّنة، وإن خلت من الأدلة الخاصة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

2- رواية عبد الله بن بكير المُفسّرة للآية الكريمة

وأمّا لو لاحظنا رواية عبد الله بن بكير(2) التي تفسّر الآية الكريمة فيمكن أن يقال: إنّها أصرح الروايات في الناقضية، ولا يحتمل أن يكون النظر فيها إلى الناقضية الاحتياطية.

إلّا أنّ الكلام في أنّه لو تمّت دلالة الآية بضميمة الرواية، فهل هذا يترتب عليه فائدة الدليل القرآني أو لا؟

ــــــــــ[344]ــــــــــ

الأمر الثاني: أنها تدل على وجوب الوضوء عند النوم، وهو معنى الناقضية، إذ لا معنى لها أكثر من هذا الوجوب الشرطي.

الأمر الثالث: أنها تدل على وجوب الوضوء بالنسبة إلى ذلك الإنسان الذي لم يسبق له الحدث، كما لو كان خُلق الساعة.

الأمر الرابع: أنّ القيام إلى الصلاة بالمعنى الذي فهمناه لا يمكن إلغاؤه وجعله مجرد معنى كنائي، لوضوح أن تركه ترك للصلاة، ومع ترك الصلاة عصياناً، أو لغير ذلك لا يكون الوضوء واجباً لذاته.

الأمر الخامس: عدم ورود النقض الذي ذكره السيد، فإن هذا الذي نام في المسجد مشمول لإطلاق الآية بوجوب الوضوء لدى القيام المباشر للصلاة، ولم يخرج بدليل مقيد على الفرض.

الأمر السادس: عدم تعارض إطلاق الهيئة وإطلاق المادة؛ لأن هذا الذي دخل المسجد ونام متهيئاً بالمعنى الذي فهموه لا بالمعنى الذي فهمناه، فتتصادق الآية بهيئتها ومادتها على وجوب الوضوء له.

وعلى أي حال، فإطلاق الآية تامّ، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة1: 253، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فوائد متصورة في الرواية

فإنّ هنا ثلاث فوائد متصوّرة:

الفائدة الأولى: أنه بعد تعارض الروايات الخاصة يرجع إلى العموم أو الإطلاق الفوقاني.

الفائدة الثانية: أنه إذا كان يوجد مطلق فوقاني قطعي السند مثل القرآن الكريم، أو السنّة المتواترة، فيكون هذا المطلق الفوقاني مرجِّحاً لأحد المتعارضين على الآخر.

الفائدة الثالثة: إسقاط الخبر المخالف له عن الحجية رأساً وذلك: لأنّه إذا وقع التعارض بين خبر الواحد ودليل قطعي السند، بنحو لا يمكن الجمع العرفي بينهما، يسقط خبر الواحد عن الحجية رأساً من باب عدم شمول أدلة الحجية له، لا من باب التعارض والتساقط.

أما الفائدة الأولى: فلا تستفاد؛ إذ لو كانت الرواية شاملةً للنوم بالإطلاق لحصل الإطلاق الذي يرجع إليه في الآية بعد تفسيرها أو الرواية، ولكنها -أي الرواية- خاصة بالنوم، فتكون بنفسها مبتلاةً بالمعارضة، فتسقط، وبعد التساقط لا يوجد إطلاق فوقاني نرجع إليه، لأنّ الآية لم يثبت فيها الإطلاق(1).

وأما الفائدة الثانية: وهي المرجّحية، فالظاهر أنها لا تترتّب أيضاً لأمرين:

الأمر الأوّل: أنّ ظاهر أخبار الترجيح هو الموافقة مع ظاهر الكتاب، لا مع واقع المراد المستكشف، ولا بخبر واحد أو قرينة منفصلة، فإنّ الموافقة والمخالفة 

ــــــــــ[345]ــــــــــ

() أقول: قد أثبتنا الإطلاق في الآية بغض النظر عن التفسير. انتهى، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مع ذلك الواقع لا يصدق عليه الموافقة والمخالفة مع الكتاب.

وبتعبيرٍ آخر: أنّ الموافقة والمخالفة أضيفت إلى الكتاب بما هو لفظ دال على المعنى، لا إلى المراد الواقعي.

الأمر الثاني: أننا لو غضضنا النظر عن الأمر الأوّل، وقلنا إنّ الميزان هو المخالفة والموافقة مع المراد الواقعي تكون صحيحة زرارة(1) الدالة على ناقضية النوم موافقة، ورواية عبد الله بن سنان(2) الدالة على عدم الناقضية مخالفة للمراد الذي استكشف برواية عبد الله بن بكير(3).

لكن عندنا معارضة أخرى، فإن رواية عبد الله بن بكير دالّةٌ بالالتزام على ناقضية النوم، ورواية عبد الله بن سنان تدل بالالتزام على أن هذا التفسير للآية خطأ، وفي هذه المعارضة لا نجد رواية بن بكير موافقة للكتاب، لأنَّنا يجب أن ننظر إلى الكتاب بغضّ النظر عنها لا بلحاظها، وقد عرفنا أنّ الكتاب غير دالّ في نفسه على الناقضية.

وأما الفائدة الثالثة: وهي المسقطية، فلا تتم باعتبار ورود النكتة الأولى التي أبطلنا بها المرجحية، وذلك بأن يقال: إنّ ظاهر الأخبار العلاجية أنّ الساقط هو المخالف للكتاب بما هو دليل قطعي لا بضم أحد أخبار الآحاد إليه، وإنما هو مقياس كلي لتمييز مجموع أخبار الآحاد، فلا يمكن أن يكون 

ــــــــــ[346]ــــــــــ

() وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(2) الاستبصار1: 81، كتاب الطهارة، الباب 47، ح: 11، وسائل الشيعة1: 256، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 16.

(3) وسائل الشيعة1: 253، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بعضها دخيلاً في هذا المقياس.

ومع غضّ النظر عن ذلك تتم المسقّطية، ولا تأتي النكتة الثانية التي أوردناها على المرجّحية، لأنّ الأخبار الدالة على عدم ناقضية النوم تكون مخالفةً للكتاب، فتسقط عن الحجية، وخبر عبد الله بن سنان وإن كذّب موثقة ابن بكير، إلّا أنه لا يقول إنها مخالفة للكتاب، فتكون موثقة ابن بكير مخرجةً لرواية ابن سنان عن موضوع دليل الحجية، دون العكس، إذ غاية ما يثبت برواية ابن سنان كذب الموثقة، لا مخالفتها للكتاب، فتكون الموثقة حاكمةً على الرواية الأخرى.

إذن، فلا مرجعية، ولا مرجحيّة، ولا مسقطية.

الثاني: القول بعدم الناقضية

القول الثاني أنّ المطلق الفوقاني دالّ على عدم ناقضية النوم؛ وذلك في طائفتين:

الطائفة الأولى: الروايات التي دلّت على حصر النواقض بما يخرج من الطرفين الأسفلين، ولم تذكر النوم.

كرواية أديم بن الحر أنه سمع أبا عبد الله يقول: “ليس ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك الأسفلين(1)(2).

ــــــــــ[347]ــــــــــ

() باب 2، من نواقض الوضوء، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 16، كتاب الطهارة، الباب 1، ح: 36، وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ورواية سالم أبي الفضل عن أبي عبد الله قال: “ليس ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك الأسفلين اللذين أنعم الله بهما عليك(1)(2). ومقتضى حذف المستثنى منه داخل في قاعدة أنّ مقتضى حذف المتعلّق هو الإطلاق، فكأنه قال: لا ينقض الوضوء شيء إلّا ما خرج من طرفيك الأسفلين.

إلّا أن هذا يتوقف على القول بأنه عند حذف المتعلّق لا بُدَّ من تقدير أوسع كلمة ممكنة، وقد بحثنا ذلك أكثر من مرة وقلنا إنّه لا أصل لهذه القاعدة، وهي: أنّ حذف المتعلّق يدل على الإطلاق، وأنّ مقدمات الحكمة لا تعيّن تقدير الكلمة الأوسع.

ففي المقام إذا دار الأمر بين أن تكون الكلمة المقدّرة هي (شيء) كما سبق أو (خارج) “لا ينقض الوضوء خارج إلّا ما خرج” إلخ. فلا معيّن لأحد التقديرين، فإنّ مقدمات الحكمة تجري فيما إذا تعيّن المتعلّق، ودار أمره بين إرادة تمام الأفراد أو بعضها، وبها نعيّن أنّ المراد تمام الأفراد، وأما إذا لم يتعيّن المتعلّق فلا معنى لأن نثبت بمقدمات الحكمة أنّ الموضوع هو الأعم، بل المرجّح هو مناسبات الحكم والموضوع، فإن اقتضت شيئاً عملنا به، سواء كان هو الأعمّ أو 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام1: 10، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 17، وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 4.

(2) أقول: وكذلك رواية: إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا.. فراجع نفس الباب، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

هو الأخصّ كـحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ(1) أو (حرمت عليكم الخمر)(2) مثلاً، وإن لم تقتض شيئاً كان الكلام مجملاً يقتصر فيه على القدر المتيقن، وهو الأقل.

ومقامنا من هذا القبيل، فإننا إن لم نقل إنّ مناسبات الحكم والموضوع تقتضي الأقل، فلا أقلّ من الإجمال.

الطائفة الثانية: ما دلّ على حصر النواقض في أمور معيّنة ليس منها النوم.

كرواية: زكريا بن آدم، قال: “سألت الرضا عن الناسور أينقض الوضوء؟ قال: إنما ينقض الوضوء ثلاث: البول والغائط والريح(3)(4)، وهذه الرواية ليس فيها متعلّق محذوف، بل دلّت على الحصر بلفظ (إنّما).

ورواية: سماعة قال: “سألته عمّا ينقض الوضوء، قال: الحدث تسمع صوته، أو تجد ريحه(5)(6)، الحديث.

ــــــــــ[349]ــــــــــ

() النساء: 23.

(2) مقتنص من مجموعة روايات تنهى عن شرب الخمر، انظر: وسائل الشيعة16: 274، الباب 41 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الحديث: 3،7،8.

(3) باب 2 من نواقض الوضوء، (المقرر).

(4) الكافي5: 112، كتاب الطهارة، الباب 23، الحديث: 2، وسائل الشيعة1: 250، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 6.

(5) باب 1 من نواقض الوضوء، (المقرر).

(6) تهذيب الأحكام1: 12، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 23، وسائل الشيعة1: 246، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ودلالتها على الحصر الإضافي محتمل، إلّا أنّه خلاف حاقّ اللفظ، ويحتاج إلى قرينة. وبناءً على ذلك تكون مطلقاً فوقانياً، بل تكون مقيّدةً للآية على تقدير فهم الإطلاق منها(1)(2).

ــــــــــ[350]ــــــــــ

() أقول: لم يثبت دلالة هذه الرواية على المطلوب فلا تكون مقيّدة لإطلاق الآية الذي أثبتناه، (المقرر).

(2) أقول: أما رواية زكريا، ففيها هذه القرينة في السؤال، فإن السؤال ليس عن كون وجود الناسور ناقضاً، بل ما يخرج منه، وكان هذا محتملاً بلحاظ فتوى العامة به.

وأما الثانية ففيها عدة نقاط ضعف:

أولاً: كونها مضمرةً.

ثانياً: كونها لم تذكر البول والغائط، ولا أقلّ من كون ذلك دليلاً على عدم إرادة الحصر، فتسقط عن الاستدلال.

ثالثاً: كونها مبتورة الآخر، حيث قال صاحب الوسائل (الحديث)، ولعلَّه فيما بعد ذكر النوم، أو لا أقل ذكر ما يدل على عدم الحصر -بعد التنزّل عن الوجه السابق-، وشهادة صاحب الوسائل وإن كانت حجّةً في دفع احتمال ذكر النوم، إلاَّ أنها ليست حجّةً في دفع الاحتمال الآخر، لاحتمال غفلته عنه، وهو مما يغفل عنه عادةً، فلا يكون الأصل هو الالتفات إليه.

ومعه تسقط هذه الروايات بالمرّة عن دلالتها على المقصود، وبعد صحة ما أورده السيدعلى الطائفة الأولى، لا يبقى مطلق فوقاني إلاَّ الآية على ما قلنا، وأكرم بها وأنعم، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

تحقيق الحال في أخبار ناقضية النوم

بعد أن انتهى الكلام في المطلق الفوقاني يقع الكلام في الطوائف الأربع السابقة، وهنا -أي: في أصل حدثية النوم- لا أثر للفرق بين الطائفة الأولى والثانية، وإن كانتا تفترقان عند بعض التفاصيل، وإنما الكلام في الطائفة الثالثة والرابعة. 

الكلام في الطائفة الرابعة

ونبدأ بالحديث عن الطائفة الرابعة. ويُستشهد لها بحديث واحد هو رواية: عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله: “في الرجل هل ينقض وضوءه إذا نام وهو جالس؟ قال: إن كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه، وذلك لأنّه في حال ضرورة(1).

وقد تقدّم تقريب استفادة الوجه الرابع وهو عدم ناقضية النوم منها، وقد نوقشت بوجهين:

الوجه الأوّل: ما ذكره الشيخ (2).

من أنّ الضرورة هنا لعلَّها ضرورة حقيقية، ومعه يصدق عليه في هذا الحال أنّه غير واجد للماء، فتنتقل وظيفته إلى التيمم ولا يجب الوضوء.

ــــــــــ[351]ــــــــــ

() وسائل الشيعة1: 256، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 16.

(2) انظر: الاستبصار1: 81، كتاب الطهارة، الباب 47، الحديث: 11، حيث علّق الشيخ قائلا: (فهذا الخبر محمول على أنه لا وضوء عليه ولكن عليه التيمم…).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلّا أنَّ هذا الوجه غير تامٍّ لأمرين:

الأمر الأوّل: أنّ الضرورة لم تفرض سؤالاً ولا جواباً، بالنحو المؤدّي إلى سقوط الوضوء شرعاً، فتحميل الرواية قيوداً زائدةً تجعل منها ضرورة حقيقية يحتاج إلى قرينة.

الأمر الثاني: (ما ذكره السيد محمد -يعني كاتب هذه السطور-) أنّه كان ينبغي التنبيه على التيمم مع أنه لم يشر إليه أصلاً، وظاهر الرواية كونه على وضوء وأنّ وضوئه لم ينتقض(1).

الوجه الثاني: ما ذكره الشيخ حسن في المنتقى(2).

 على ما نقله صاحب الحدائق(3)، وهو حمل الخبر على التقية، لأنّ هذا المكلّف الذي في المسجد لو توضّأ لأعلن عن إيمانه بناقضية النوم، مع أنّ المشهور عند العامة أنّ هذه الحصة من النوم غير ناقضة للوضوء، فيكون مخالفاً للتقية، باعتبار كون الحكم بالناقضية فيها حكماً شيعياً. والمعيّن لذلك هو كلمة الضرورة، فإنَّها ظاهرة بمعناها الحقيقي، وهو لا يتم في المعنى إلّا في حالة التقية.

ــــــــــ[352]ــــــــــ

() أقول: وهناك تقريب لذلك وافق عليه السيد -وهو أنّ السؤال ظاهر بالسؤال عن النقض، فمقتضى مطابقة الجواب للسؤال، كون نفي الوضوء فيه ناظر إلى عدم ناقضية النوم له-، (المقرر).

(2) منتقى الجمان للشيخ حسن بن الشهيد الثاني: 1: 125. قال: “ولعل الوجه في ذلك مراعاة التقية بترك الخروج للوضوء في تلك الحال أو عدم تحقق القدر الناقض من النوم مع رجحان احتماله … إلخ”. 

(3) انظر: الحدائق2: 102، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، فوائد، الثالثة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وقد استشكل صاحب الحدائق على هذا الوجه: 

بأنّ الحدث لا ينحصر في النوم، بل هناك أحداث أخرى محتملة لا يطلع عليها غيره ممكن أن تكون ناقضةً لوضوئه. وذكر صاحب الحدائق لمخالفة التقية وجهاً آخر وهو: خروج المكلّف من المسجد والإعراض عن جماعة المسلمين عند إقامتها.

ولعل هذا هو مراد السيد(1) الأستاذ حين قال: إنّ هذا المكلف إن بيّن سبب خروجه، وهو انتقاض وضوئه بالنوم كان مخالفاً للتقية بالوجه الأوّل، وإن لم يبيّن كان مخالفاً لها بالوجه الثاني، وهو كونه مفارقاً لجماعتهم(2).

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام، لأنّ الأمر ليس دائراً بين بيان السبب الصريح وعدم البيان، بل يمكن أن يبيّن بالإجمال فيقول: انتقض وضوئي، أو أنني لست على وضوء.

إلّا أنّه مع ذلك فإنّ خروجه مخالف للتقية بالوجه الذي ذكره صاحب 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

() انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 444-445، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، ناقضية النوم.

(2) قلت له: بأن التعليل الموجود في ذيل الرواية دال على أنّ الحدث لا ينتقض عند الضرورة، حتى لو كانت هي التقية، وأنّ الضرورة كما تعمل عملها في الأحكام التكليفية، تعمل أيضاً في الأحكام الوضعية.

فأجاب: بأنّ رفع الحكم التكليفي في المقام مساوٍ للضرورة مقداراً، وأما رفع الحكم الوضعي فهو أوسع من الضرورة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الحدائق، فإنّ خروجه ملفت للنظر بالنسبة إليهم، وخاصة بأنّ الشيعي كان مراقَباً، تُحسَب أعماله، ويُشَكّ في تصرفاته، فلعلّ الشخص السني لو خرج من المسجد لم يكن عليه أي استفهام، وأما الشيعي لو خرج كان فعله مخالفاً للتقية، وخاصّة وأنه إذا بيّن السبب فهو لا يبيّنه للجميع، بل للقليل لا محالة، فيبقى الكثير ممن لا يعرف السبب ويحمله على السوء(1).

الكلام في الطائفة الثالثة

 الوجه الثالث الذي ذكرناه لناقضية النوم هو أن يكون النوم ناقضاً ظاهرياً، بمعنى إلغاء الاستصحاب في حقّ النائم، وأثره العملي أنه لو قطع بعدم حدث آخر لم ينتقض وضوئه.

ويستدل لذلك برواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة، فقال: إن كان لا يحفظ حدثاً منه إن 

ــــــــــ[354]ــــــــــ

() أقول: كونه أوسع من الضرورة إن كان جهة يرجع تشخيصها إلى المكلف، كان هذا الإشكال وارداً، فإن الضرورات تقدّر بقدرها.

إلاَّ أنّ هذا التشخيص قام به الشارع، ورأى بحسب المصالح التي عنده توسيع أثر الضرورة بشكل أوسع من زمان وجودها، بأن يبقى المكلف على وضوء حتى بعد ارتفاعها، فلا يكون الإشكال وارداً. وكونها واردةً في خصوص التقية لا ينافي إطلاق التعليل لكلّ ضرورة، ولكل حدث، إلاَّ أن الكلام في سند الرواية.

هذا ويمكن أن يقال: بارتفاع الحكم التكليفي بمقدار الضرورة، وهو تصحيح هذه الصلاة، وسقوط شرطيتها بالوضوء، دون ما بعدها من الصلوات على تقدير كون الإمام ممن يقتدى به، فتأمّل، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

كان فعليه الوضوء، وإعادة الصلاة، وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا إعادة(1).

 ولا بُدَّ أن يُراد بالحدث الذي لا يحفظه المكلّف حدث آخر غير النوم، ليكون النوم منوطاً بحدوثه.

وقد نوقشت(2) دلالة الرواية على ذلك: بأنّ مرادها الناقضية الواقعية للنوم، وذلك: بالتنبيه على مرتبة معيّنة للنوم، وهي: المرتبة التي لا يحسّ فيها المكلّف بخروج الحدث على تقدير وجوده، فتلك هي المرتبة التي تكون موضوعاً للحكم بالناقضية ووجوب الوضوء.

وهذا الاحتمال في فهم الرواية إن كان هو الظاهر فلا إشكال من سقوط الاستدلال بالرواية، أو كانت دلالتها مرددة بينه وبين الاحتمال الأوّل بحيث لزم إجمالها، فأيضاً كذلك.

لكن إذا أمكن إيجاد قرائن في صالح الاحتمال الأوّل بحيث يكون بها هو الظاهر من العبارة، إذن يكون ذلك في مصلحة الاستدلال بها للوجه الثالث، وهي عدّة قرائن:

القرينة الأولى: أنّ قوله: “إن كان لا يحفظ حدثاً منه إن كان” يكون ظاهراً بالموضوعية على تقدير أن يكون المراد هو الحكم الظاهري، وأمّا إذا كان المراد 

ــــــــــ[355]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام1: 7، كتاب الطهارة، الباب 1، ح: 8، وسائل الشيعة1: 253، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 6.

(2) أنظر مثلاً: مصباح الفقيه للهمداني 2: 23. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

هو الحكم الواقعي فلا بُدَّ من حمله على الطريقية، إذ لا خصوصية للحدث عندئذٍ، وإنّما المراد الإشارة إلى مرتبة معيّنة معتدٍ بها من النوم، ولا إشكال أنّ ظاهر العبارة هو الموضوعية للعنوان المأخوذ، دون الطريقية(1).

القرينة الثانية: العدول من العلامة العرفية الواضحة لحدوث النوم وهو غلبته على السمع، باعتبار غالبية وجود الصوت إلى جنب النائم، فترك ذلك إلى علامة غير عرفية، والتحويل على شيء نادر نسبياً يجعل العبارة ظاهرةً بالحكم الظاهري، إذ لو أريد بيان الحكم الواقعي لكان البيان المعدول عنه أولى(2).

ــــــــــ[356]ــــــــــ

() أقول: هذا إنّما يتم مع حمل الحدث على الحدث الناقض، وأما مع حمله على المعنى اللغوي، فيكون ظاهراً في الطريقية كما هو واضح، وإنما عبّر بالحدث باعتبار الإعراب عمّا يصدر من الإنسان من أفعال خلال النوم، من سعال أو حركة أو حدث ناقض، ومعه يكون عدم الخصوصية لأيّ حدث بعينه، والإشارة إلى مرتبة عميقة من النوم واضحاً، ولا أقلّ من احتمال حمله على المعنى اللغوي ليكون مجملاً، فتأمّل، (المقرر).

(2) أقول: هذا قد يكون مجرد استحسان، فإن إعطاء الأمارات والضوابط بيد الإمام كيفما شاء، مضافاً على احتمال كون المصلحة في اختيار هذا الضابط هو كونه نافعاً في الحالة النادرة نسبياً، وهو عدم وجود الصوت إلى جنب الإنسان، فإنه تحويل على الوجدان لا على شيء قد يحدث وقد لا يحدث في الخارج وهو الصوت.

ويمكن أن نعرض هذه القرينة بشكل آخر أقرب إلى عبارة السيد، وحاصله: أنّ التحويل على غلبة السمع تحويل على أمر فعلي ومتوفر دائماً، في حين أنّ التحويل على عدم حفظ الحدث تحويل على قضية شرطية مفادها (إن وجد حدث ولم يحفظه) فالعدول من التحويل من الأمر الفعلي إلى القضية الشرطية التي لا تكون أحياناً أمارةً على النوم، بدليل أنّ حدوث الحدث قد يوقظ النائم، فيكون ذلك دليلاً على إرادة الحكم الظاهري.

أقول: قد يجعل التحويل على القضية الشرطية بنفسه دليلاً على إرادة الحكم الواقعي، وذلك: لأنّه لم يفرض وجود الحدث فعلاً، بل قدّره تقديراً، فالحدث خلال النوم قد يحدث وقد لا يحدث، ولم تُنط الرواية فعلية النقض بحدوث الحدث، وإنما أناطته بحالة النوم التي لا ينحفظ معها الحدث على تقدير وجوده، وهي حالة فعلية محفوظة، سواء حصل الحدث أم لا، فظهور العبارة بالفعلية وظهور (لا يحفظ) بعدم القابلية على الحفظ قابلية فعلية، وظهور رجوع الحدث إلى متعلق هذه القابلية، أي إلى متعلّق الأمارة على النوم، لا أنه يكون أمارة على النوم بنفسه، ومعه يكون التعليق في متعلق الإمارة لا في الإمارة نفسها. 

كل ذلك يعيّن الحكم الواقعي. وفرض أنّ الحدث قد يوقظ النائم لا ينافي ذلك لما قلناه من انحفاظ تلك المرتبة من النوم بدون الحدث أصلاً، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

القرينة الثالثة: أنه بناءً على أن يكون المراد هو الاحتمال الثاني، كان ينبغي أن يذكر في أمارة عدم النوم نقيض ما ذكره في طرف الأمارة على وجوده، فحين قال: “إن كان لا يحفظ حدثاً إن كان” أمارةً على النوم، ينبغي أن يقول: إن كان يحفظ حدثاً إن كان أمارةً على النوم، فكما كانت الشرطية أمارةً تكون هنا كذلك، ولكنه عدل من الشرطية إلى الفعلية، وقال: “وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا إعادة“، فهذا قرينة على أن النظر إلى وجود الحدث وعدمه.

ــــــــــ[357]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لكن يمكن أن يقال: إنّ العدول إلى القضية الفعلية باعتبار أنّ الصحة الفعلية منوطة بذلك، فإن الشرطية (إن خرج الحدث لالتفت) إن صدق شرطها فالناقض موجود، ولا أثر للنوم، وإن كذب شرطها فهو على طهارة، لعدم الحدث، وعدم النوم معاً، فالعدول إلى القضية الفعلية باعتبار الحكم بصحّة الصلاة فعلاً.

فهذه القرائن الثلاث إن لم توجب أظهرية الاحتمال الأوّل، فتسقط الرواية عن الاستدلال، وإذا أوجبته بحيث يكون المراد النقض الظاهري فينبغي رفع اليد عنه بالروايات الصريحة بالناقضية الواقعية، كصحيحة(1) عبد الله بن بكير المفسّرة للآية(2).

الكلام في الطائفتين الأولى والثانية

وبعد عدم وجود دليل معتبر على الوجهين الأخيرين، يدور الأمر بين الوجهين الأولين، فلا بُدَّ من النظر في ذلك:

ــــــــــ[358]ــــــــــ

() وسائل الشيعة1: 253، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 7.

(2) أقول: قلت له: كان هناك رواية أخرى يحتمل أن تكون مدركاً للوجه الثالث، وهي: رواية: (الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا)، على تقدير حمل العلة فيها على كونه علَّة للمجعول، كما سبق. 

فأجاب: بأنها رواية ضعيفة سنداً. 

أقول: ولا يتعيّن فيها هذا الحمل المشار إليه، بل لعلَّه خلاف الظاهر، كما هو معلوم لمن قرأ الرواية وتدبّر فيها، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أما الوجه الثاني وهو كون النوم ناقضاً احتياطياً من قبل الشارع، فالروايات الدالة عليه عديدة:

1- منها: مرسلة الصدوق، قال: “سُئِلَ موسى بن جعفر عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه الوضوء؟ فقال: لا وضوء عليه مادام قاعداً ما لم ينفرج(1)(2).

2- ورواية: بكر بن أبي بكر الحضرمي قال: “سألت أبا عبد الله: هل ينام الرجل وهو جالس؟ فقال: كان أبي يقول: إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، وإذا نام مضطجعاً فعليه الوضوء(3). وغيرهما. وهي وإن كان لا بأس بدلالتهما إلّا أنه مضافاً إلى ضعف السند معارضة بما هو صحيح وصريح بالحكم الواقعي المنجّز لناقضية النوم، كصحيحة(4): (عبد الله بن بكير) المفسّرة للآية، وصحيحة زرارة(5) التي تعد النوم ناقضاً إلى جنب الأربعة الأخرى من النواقض، وعلى تقدير التساقط نرجع إلى المطلق الدال على 

ــــــــــ[359]ــــــــــ

() باب 3 من نواقض الوضوء، (المقرر).

(2) من لا يحضره الفقيه1: 63، باب ما ينقض الوضوء، ح: 144، وسائل الشيعة1: 254، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 11، وفي الوافي نقلاً عن الفقيه ورد الحديث (ما لم ينفرج).

(3) وسائل الشيعة1: 256، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 15.

(4) تقدمت قريباً.

(5) وسائل الشيعة1: 252، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ناقضية النوم(1).

3- وهناك رواية أخرى قد يستدل بها على الوجه الثاني وهي رواية: سماعة بن مهران أنه: “سأله عن الرجل يخفق برأسه وهو في الصلاة قائماً أو راكعاً، فقال: ليس عليه وضوء(2)(3).

وقد يستدل بها بتقريب: أنها جمعت بين فرض النوم وعدم وجوب الوضوء، أو بتقريب التمسّك بإطلاقها باعتبار أنّ الخفق بالرأس قد يكون مقترناً مع النوم، وقد لا يكون، وقد حكمت بعدم وجوب الوضوء على الإطلاق.

إلّا أنّ هذا الاستدلال غير تام:

أما التقريب الأوّل: فواضح؛ لما بيّن في التقريب الثاني، من أنّ الخفق بالرأس غير ملازم مع النوم، مضافاً إلى أنّ الأغلب فيه هو عدم النوم إذا وقع في الصلاة.

ــــــــــ[360]ــــــــــ

() أقول: ذكر السيد، عن ذلك ما حاصله: أنّ الطائفة الأولى على قسمين:

منها ما كان نصاً بالنقض في حال الجلوس والقيام، فهذه طائفة معارضة لما دل على عدم النقض في هذه الأحوال.

وإذا تعارضا وتساقطا نرجع إلى القسم الثاني، وهو ما دل على النقض مطلقاً من ذكر الأحوال، كصحيحة زرارة وعبد الله بن بكير. وهذا المطلق الفوقاني مخصص للمطلق الفوقاني الدال على عدم النقض والذي سبق أن ذكره السيد، (المقرر).

(2) نفس الباب، (المقرر).

(3) من لا يحضره الفقيه1: 63، باب ما ينقض الوضوء، ح: 143، وسائل الشيعة1: 255، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 12.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأما التقريب الثاني: فقد يجاب عليه: بأنّ الإطلاق مقيّدٌ بما دلّ على ناقضية النوم، فتحمل على خفقة النعاس تقييداً.

وقد يستشكل في هذا الجواب بأنّ النسبة بين هذه الرواية وروايات ناقضية النوم هي العموم من وجه، فلا يمكن المصير إلى التقييد، يجتمعان في النوم في الصلاة، وتنفرد هذه الرواية بخفقة النعاس بالصلاة، وتنفرد تلك الروايات بالنوم في غير الصلاة، وإذا تعارضا نرجع إلى الإطلاق الدال على عدم الناقضية(1).

إلّا أنّ هذا التقريب غير تام، حتى لو احتملنا الفرق بين الصلاة وغيرها، فإنه إنما يتم في غير رواية ابن سنان عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله قال: “ليس يرخص في النوم في شيء من الصلاة(2)(3)، فإنَّها واردة في خصوص النوم في الصلاة.

ــــــــــ[361]ــــــــــ

() أقول: مضافاً إلى ضعف السند لهذا الإطلاق الدال على عدم الناقضية، فإنه مخصص كما بيّن بإطلاق دال على الناقضية أصحّ منه وأصرح، كما أشار السيد بنفسه، وأما لو عملنا بإطلاق الآية لصورة ناقضية النوم فالأمر أوضح. ومعه فالجواب عن التقريب الثاني -على ما اخترناه- يكون بهذه الصيغة، أو أن يقال ابتداءً بأنّ رواية سماعة مخالفة لإطلاق القرآن الكريم فتكون ساقطةً عن الحجية، (المقرر).

(2) نفس الباب، (المقرر).

(3) الكافي6: 317، باب فرض الصلاة، الباب 48، ح: 16، وسائل الشيعة1: 254، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 10.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ومعه تسقط هذه الاحتمالات الثلاثة ويبقى الوجه الأوّل الذي تدل عليه الروايات الصحيحة الصريحة. وهو الناقضية الواقعية.

هل موضوع الحكم مطلق النوم أو حصّة معيّنة منه؟

ثُمَّ يقع الكلام في موضوع هذا الحكم، هل هو كل ما يصدق عليه نوم عرفاً، أو حصّة معينة منه؟

إناطة الحكم بطبيعي النوم

الظاهر من روايات الطائفة الأولى أنه مطلق النوم كرواية: عبد الرحمن بن الحجاج عن زيد الشحّام، قال: “سألت أبا عبد الله عن الخفقة والخفقتين، قال: ما أدري ما الخفقة والخفقتين، إن الله تعالى يقول: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(1) إنّ علياً كان يقول: من وجد طعم النوم فإنما أوجب عليه الوضوء(2).

وهي دالة على إناطة الحكم بطبيعي النوم، إما بالإطلاق، أو بالصراحة العرفية، لأنّه فرق بين أن يعلّق الحكم على المطلق، أو يجعل الميزان والحدّ هو المطلق، فمثلاً صحيحة زرارة(3) التي عطفت النوم على النواقض الأخرى دالة على ناقضية الطبيعي بالإطلاق. وأما هذه الرواية فهي تعطي ميزان النوم الناقض وتحدّده بالطبيعي.

ــــــــــ[362]ــــــــــ

() القيامة: 14.

(2) الكافي5: 119، كتاب الطهارة، الباب 23، ح: 15، وسائل الشيعة1: 254، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 8.

(3) وسائل الشيعة1: 252، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الناقض هو مرتبة خاصّة من النوم

ومقابل ذلك طائفتان قد يستدل بهما من أجل القول بأنّ الناقض هو مرتبة خاصّة من النوم لا مطلق النوم.

الطائفة الأولى: ما أناطت الناقضية بذهاب العقل(1)

1- كرواية عبد الله بن المغيرة، ومحمّد بن عبد الله، قالا: “سألنا الرضا عن الرجل ينام على دابته، فقال: إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء(2)(3).

2- وصحيحة زرارة، قال: “قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الأسفلين.. إلى أن قال: والنوم حتى يذهب العقل(4)(5).

إلّا أنّ هذه الطائفة في الواقع غير مقيّدة لتلك الروايات، لأنَّها متحدة معها مفاداً، فإنَّ النوم لا يصدق عرفاً إلّا بهذه المرتبة التي أشير إليها هنا، ومعه لا تكون هذه الروايات بصدد بيان قيد جديد، وإنما ذكرت هذا التحديد لأجل التنبيه على ما هو نوم عرفاً، أو الحد العرفي للنوم.

ــــــــــ[363]ــــــــــ

() هذا العنوان ليس من السيد، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 6، كتاب الطهارة، الباب 1، ح: 24، وسائل الشيعة1: 252، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 2.

(3) نفس الباب، (المقرر).

(4) باب 2 من نواقض الوضوء، (المقرر).

(5) وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الطائفة الثانية: ما أناطت الناقضية بالسيطرة على الأذن والقلب

الطائفة الثانية ما أناطت النوم فيها بالسيطرة على الحواس والقلب:

1- صحيحة زرارة الاستصحابية: قال: “قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء، فقال: يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن، فإذا نامت العين والأذن والقلب وجب الوضوء(1)(2). الرواية.

2- ورواية سعد عن أبي عبد الله: قال: “أذنان وعينان تنام العينان ولا تنام الأذنان وذلك لا ينقض الوضوء، فإذا نامت العينان والأذنان انتقض الوضوء(3)(4).

يستدل بها بتقريب أنها أناطت الناقضية بسيطرة النوم على الأذن والقلب، وهي مرتبة معيّنة من النوم، فليس الناقض هو الطبيعي، بعد تقييد تلك الروايات بهذه.

والنوم له نسبة حقيقية إلى الإنسان ككل، ونسبة مجازية إلى أعضائه منظوراً 

ــــــــــ[364]ــــــــــ

() باب 1 من نواقض الوضوء، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 8، كتاب الطهارة، الباب 1، ح: 11، وسائل الشيعة1: 245، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 1.

(3) نفس الباب، (المقرر).

(4) الكافي5: 120، كتاب الطهارة، الباب 23، ح: 16، وسائل الشيعة1: 247، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح: 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إليه بالنظرة التجزيئية. ومن هنا نسب النوم إلى الأذن والعين، وليس المراد من نوم العين إطباق الجفنين كما هو معلوم، وإنما المراد به بلوغ النعاس بدرجة بحيث تنطبق الأجفان لو تركت على طبعها، وهو أمرٌ سابق على نوم الأذن، إذ قد تحصل هذه الحالة وهو يسمع الصوت لو كان إلى جنبه صوت، ولكن الظاهر أنّ نوم الأذن ونوم القلب متلازمان بمعنى أنّ امتناع سماع الصوت، وامتناع التفكير الواعي متساويان في الحدوث دائماً.

فقد يقال في المقام: إنّه لو لم تنم الأذن لم ينتقض الوضوء، والثمرة العملية بين الطائفتين، تظهر فيمن لا سماع له، فإنه يذوق طعم النوم، فيصدق عليه موضوع تلك الروايات، ولكنه لا تنام أذنه لأنَّها نائمة دائماً، فلا يصدق عليه العنوان لو أخذ على وجه الموضوعية، لكن لو اخذ على وجه الطريقية بالإشارة إلى ذات النوم، فذات النوم متحقق.

إلّا أنّ هذه الثمرة ليست بصحيحة حتى لو استفدنا الموضوعية، فإنّ ما هو الموضوع هو النوم التقديري – للأذن- يعني السالبة بانتفاء المحمول، لا السالبة بانتفاء الموضوع، والقرينة على ذلك: أنّه جُعل في مقابل النوم: “أن لا تنام الأُذنان” ولم يجعل في مقابله ألا يكون لديه أذن، أي جعل في مقابله السالبة بانتفاء المحمول، لا السالبة بانتفاء الموضوع، والنوم التقديري من لوازم طبيعي النوم أو النوم العرفي، فترجع الروايات كلها إلى محصّل واحد(1).

ــــــــــ[365]ــــــــــ

() أقول: النوم التقديري أمر لا يعرفه لا النائم ولا الآخرون، أما الآخرون فواضح، وأما النائم، فلفرض كونه أصمّ في المرتبة السابقة فلم تتجدّد عليه بالنوم حالة فقدان الحس، ليعرف هذه الأمارة، وكان الأولى بالنسبة إلى مثل هذا الشخص الالتزام بسقوط هذه العلامة، وبقاء (نوم القلب) بالنسبة إليه، وهو مساوق للنوم العرفي وجداناً أيضاً، وإنما ورد ذكر نوم الأذن بناءً على الفرد الأعمّ الأغلب، وهو الصحيح الأذنين، وإلا وقع الإشكال فيمن يكون ثقيل السمع بحيث يفقده قبل أن ينام قلبه.

ولعل أوضح دليل على ذلك قوله في صحيحة زرارة الاستصحابية: قلت: فإن حرك إلى جنبه شيء ولم يعلم به، قال: “لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمرٌ بيّن”.

فإن هذا مستبطن لافتراض إمكان نوم الأذن قبل القلب، بل إلغاء أمارية نوم الأذن على حدوث النوم الناقض.

وتبديله بنوم القلب، وإن صلح نوم الأذن دليلاً غالبياً على نوم القلب، وإذا كان نوم القلب هو الميزان الأساسي كان متوفّراً للأصم والسميع على حد سواء، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

حل التعارض بين رواية سماعة ورواية عمر بن يزيد

وهل يوجد تعارض بين رواية سماعة ورواية عمر بن يزيد(1)؟ هنا يوجد كلام واحد، وهو أن يقال: إنّه لا تعارض بين هاتين الروايتين، لأنّ رواية سماعة تدلّ على عدم النقض، ورواية عمر بن يزيد تدلّ على عدم جواز النوم في الصلاة، وهو كما يناسب مع النقض يناسب مع المانعية، إن لم يكن إلى المانعية أقرب، فلا تعارض بينهما(2).

ــــــــــ[366]ــــــــــ

() اُنظر: (الكلام في الطائفتين الأولى والثانية) ص358 من هذا الكتاب.

(2) أقول: وهذا الإشكال له أحد جوابين يرجعان معاً إلى توحيد مصبّ الروايتين:

الأوّل: ما ذكره السيد وهو راجع إلى إرجاع موضوع رواية سماعة إلى موضوع رواية عمر بن يزيد حيث قال ما حاصله: إنّ رواية سماعة لا تدلّ على مجرد النقض، بل تدلّ على جواز استمرار المكلّف على صلاته، ولا يناسب عرفاً أن نفهم منها أنّ الوضوء لم ينتقض إلاَّ أنّ صلاته باطلة، فرواية عمر بن يزيد وإن دلّت على مجرد المانعية إلاَّ أنّ رواية سماعة دلّت على عدمها فيتعارضان.

الثاني: إرجاع مضمون رواية عمر بن يزيد إلى النقض الذي هو مضمون رواية سماعة، فيحصل التعارض وذلك بأن يقال: إنّ عدم تجويز النوم في الصلاة، يفهم منه متشرعياً كونه ناقضاً أو أنّ العلة له هو النقض، وخاصة مع صدور الرواية في الجو الفقهي الذي وقع فيه الخلاف في كون النوم في الصلاة ناقضاً أو لا؟ وليست مانعيته عن الصلاة من غير جهة الحدث، مسألة مثارة فقهياً بل هو أمر غير محتمل فقهياً، ما لم يخل بصورة الصلاة، فتأمّل، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ولا إشكال أنّ الأقرب في حلّ التعارض –إن ادّعي- أنّ مطلقة سماعة مقيّدة بغير النوم، على أنّ ظاهر رواية سماعة أنّ نظرها ليس إلى خصوصية الصلاة، بل القيام والركوع بما هما حالتان متماسكتان، إذ لا يوجد التفصيل بين النوم في الصلاة وغيره في أقوال العامّة، وإنما يوجد عندهم التفصيل بين النوم حال القيام والجلوس والنوم اضطجاعاً، فالثاني ناقض دون الأوّل، فتكون هذه الرواية دالّة على أنّ النوم حال القيام غير ناقض، سواء كان في الصلاة أو غيرها، فيعارضه ما دلّ على الصراحة في النقض حال القيام كرواية ابن الحجاج وغيرها(1).

ــــــــــ[367]ــــــــــ

() أقول: هذا الاستظهار مخالف جداً لسياق رواية سماعة، التي نصّت على عدم النقض حال الركوع، فإنّ وجود الركوع في غير الصلاة نادر، وقصد مطلق الركوع ولو في غير الصلاة أندر، وباتحاد السياق نعلم أنّ القيام يراد به الحصّة التي في الصلاة، فتكون دالّة على التفصيل بين الصلاة وغيرها، أو بالدّقة دالّة على عدم النقض في القيام والركوع الصلاتيين، ما لم يعمم إلى الأجزاء الأخرى بإلغاء الخصوصية، ومع عدم التعميم تكون الرواية أخصّ مما دلّ على النقض في الصلاة، كرواية عمر بن يزيد، ومما دلّ على النقض في القيام والجلوس، كرواية عمر بن الحجاج، لولا أنه يصبح حكماً لم يفتِ على طبقه أحد، فتسقط الرواية عن الاعتبار، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ويمكن أن نستظهر أنّ الخفقة مختصّة بغير النوم، فننكر إطلاقها للنوم، ولو باعتبار إضافة الخفقة إلى الرأس لا إلى الإنسان، والنوم يناسب إضافته إلى الإنسان، مضافاً إلى بعد تحقّق النوم الحقيقي في صورة القيام(1).

ــــــــــ[368]ــــــــــ

() أقول: فتأمّل، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

الخامس: ناقضية كل ما يُزيل العقل

 

 (الخامس) كل ما أزال العقل مثل الإغماء والسكر والجنون دون مثل البهت(1).

ناقضية النوم ملحوظة في كلمات علماء المسلمين بما هو مُذهِب للعقل، لا النوم على وجه الموضوعية، فيشمل كل ما يُذهِب العقل.

الاستدلال بالإجماع

وقد استفاض نقل الإجماع عليه وكل المصادر الواصلة تتفق في الفتوى به، ولم ينقل التشكيك به في الطبقات المتقدّمة التي هي الوريث المباشر لآراء عصر الأئمة. وهم الذين يكون وجود الخلاف فيهم مهماً دون من تأخّر عنهم ممّن حاله كحالنا في استفادة المسألة من الأدلة استفادةً اجتهاديةً، ومن هنا لا يكون خلاف صاحب الوسائل(2) وصاحب الحدائق(3) مهماً في المقام.

ــــــــــ[369]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 183، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الخامس: كل ما أزال العقل.

(2) انظر: الحدائق الناظرة2: 104-107، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، فوائد، الرابعة.

(3) أنظر: الحدائق الناضرة: 2: 104- 106.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وربما يسند الإجماع وضوح ضعف المسألة من حيث المدرَك اللفظي، إذ لا يحتمل اعتماد المُجمعين على مثل هذه الاستفادات الضعيفة، مع أنّ أذواقهم العرفية عالية.

ومن هنا قال المحقق الهمداني(1): إنّ هذه المسألة من المسائل القليلة التي يحصل الوثوق الشخصي بالإجماع فيها.

ومعه لا حاجة إلى ما ذُكر دليلاً لفظياً عليه. ومما يدلّ عليه:

الاستدلال بالروايات

أولاً: التمسّك بإطلاق “حتّى يذهب العقل“، كصحيحة زرارة وغيرها: “والنوم حتى يذهب العقل(2)، فإنه اشتراط وليس تعليلاً ليستفاد منه القاعدة الكلية.

اللهّم إلّا أن يقال: إنّ الاشتراط ليس عرفياً، لأنّ النوم يُذهِب العقل دائماً، وليس له حصّتان لكي تشترط إحدى الحصّتين في النقض، فالعرف يحوّله دائماً إلى التعليل.

إلّا أنّ هذا غير تامٍّ أيضاً؛ لأنّ قوله: “حتى يذهب العقل” وإن لم يكن للاشتراط، إلّا أنّه كما يمكن أن يكون للتعليل، يمكن أن يكون لتمييز النوم عن غيره.

ــــــــــ[370]ــــــــــ

() مصباح الفقيه2: 28، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الأول، الخامس.

(2) وسائل الشيعة1: 249، الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

ثانياً(1): رواية معمر بن خلاد، قال: “سألت أبا الحسن عن رجل به علَّة لا يقدر على الاضطجاع، والوضوء يشتد عليه … قال: يتوضّأ، قلت له: إنّ الوضوء يشتدّ عليه لحال علته، فقال: إذا خفى عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء…(2) الحديث.

يستدل بقوله: “إذا خفى عليه الصوت” بتقريب: أنّ المكلّف فرض كونه مريضاً غير قادر على الاستلقاء، فهو جالس يغفو حال جلوسه، والإغفاء هو النوم وحمله على الإغماء خلاف الظاهر، ومجرد كونه مريضاً لا يمكن جعله قرينةً على إرادة الإغماء.

وحينئذٍ يقال: إنّ قوله: “إذا خفى عليه الصوت” يعطي ميزاناً للنقض، فيتعدّى إلى الإغماء، باعتبار عموم العلة.

إلّا أنّ هذا الاستدلال غير تام؛ لما أشرنا إليه من أنّ هذا من قبيل الاشتراط لا التعليل، وعلى تقدير استفادة ناقضية الإغماء، لا يمكن أن نستفيد ناقضيّة الجنون والسكر، لوضوح أنه لا يخفى معهما الصوت فتكون أخصّ من المدّعى.

ــــــــــ[371]ــــــــــ

() هذا منقول عن بعض الفضلاء سلمه الله، (المقرر).

(2) الكافي5: 118، كتاب الطهارة، الباب 23، الحديث: 14، وسائل الشيعة1: 257، الباب 4 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 1، باختلاف يسير في الألفاظ.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



السادس: ناقضية الاستحاضة

 

السادس: الاستحاضة القليلة، بل الكثيرة والمتوسطة، وإن أوجبتا الغسل أيضاً، وأما الجنابة فهي تنقض الوضوء، لكن توجب الغسل فقط(1).

سوف يأتي في مبحث الاستحاضة الكلام عن ذلك، وأنّ الظاهر أنها من النواقض، غاية الأمر أنّ أغسال المستحاضة -وخصوصاً الكبيرة- تُغني عن الوضوء. وأما الجنابة فهي تنقض الوضوء، لكن توجب الغسل فقط، وسيأتي الكلام عنه في بحث الجنابة، وأما الكلام عن الجنابة فكما أُفيد.

ــــــــــ[372]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 184، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، الخامس: الاستحاضة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة 1: [الشك في أصل الناقض أو ناقضية الموجود]

إذا شك في طروء أحد النواقض بنى على العدم.

يبنى على الطهارة سواء كان الشكّ في أصل الناقض أو ناقضية الموجود، إذ يجري استصحاب عدم الحدث، نعم، في خصوص الرطوبة المشتبهة قبل الاستبراء دلّ الدليل بالخصوص على عدم جريان الاستصحاب.

ــــــــــ[373]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



مسألة 2: [خروج ماء الاحتقان]

إذا خرج ماء الاحتقان ولم يكن معه شيء لم ينتقض الوضوء.

الحكم في ماء الاحتقان واضح، حيث تقتضي الأدلة الحاصرة للناقض بالخمسة عدم ناقضية غير المنصوص، فإذا فرض عدم خروج شيء من الغائط أو شكّ فيه يجري استصحاب عدمه.

ــــــــــ[374]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  




مسألة 3: [القيح والدم وكذا المذي ونحوه ليست نواقضاً]

القيح الخارج من مخرج البول أو الغائط ليس بناقض، وكذا الدم الخارج منهما إلا إذا علم أن بوله أو غائطه صار دماً.

تارةً يفرض أنّ الدم يخرج من مخرج البول أو الغائط، فهذا لا يكون ناقضاً بدليل الروايات الحاصرة، وأخرى يكون بوله دماً، فهذا يشمله إطلاق أدلة ناقضية البول.

الكلام في الوذي والودي والمذي

وكذا المذي والوذي والودي(1).

يحكم بعدم ناقضيته للوضوء، وهذا المطلب مما استفاض نقل الإجماع عليه من قبل الإمامية، ولم ينقل الخلاف فيه، بحيث جُعل إحدى العلامات الفارقة بين المذهب الإمامي والمذهب السنّي(2).

ــــــــــ[375]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 184، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، المسائل: 1- 3.

(2) انظر لنقل الإجماعات مقابس الأنوار للكاظمي: 86. وقال: وفي الأمالي للصدوق أنه من دين الإمامية.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

تصنيف الروايات في المقام

وأما من حيث الروايات فيمكن تصنيفها إلى طائفتين:

الطائفة الأولى: ما دلّ على عدم ناقضية المذي للوضوء.

الطائفة الثانية: ما دلّ على ناقضيته.

ويمكن تقسيم كل طائفة إلى قسمين:

فالطائفة الأولى تنقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل: ما دلّ على عدم الناقضية مطلقاً من دون تفصيل.

والقسم الثاني: ما دلّ على عدم الناقضية ولو كان بشهوة، يعني كان مصرّحاً بالإطلاق.

ولا يوجد مكسب علمي في تقسيم الطائفة الأولى، غير أنّ الثانية أصرح من الأولى، إلّا أن الأولى كالصريحة أيضاً، لأنّه لا يمكن تقييدها بالمذي الخارج بدون شهوة، فهو ليس من الإطلاق القابل للتقييد، ومعه يمكن اعتبار الطائفة الأولى مجموعةً واحدةً.

والطائفة الثانية تنقسم الى قسمين أيضاً:

القسم الأوّل: ما دلّ على الناقضية مطلقاً.

والقسم الثاني: ما دلّ على الناقضية إذا خرج بشهوة خاصّة.

ولو خُلّينا نحن وهذين القسمين لأصبح القسم الثاني مقيِّداً للقسم الأوّل.

إلّا أنه يوجد قسم ثالث، وهو ما دلّ على الناقضية ولو خرج المذي بدون 

ــــــــــ[376]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

شهوة، فتعارض القسم الثاني، كما أنّ الطائفة الثانية تعارض الأولى.

وجوه الجمع بين الروايات

وما قيل أو يمكن أن يقال في الجمع بين الروايات وجوه:

الوجه الأوّل: الرجوع إلى الطائفة الأولى

غضّ النظر عن القسم الأوّل من الطائفة الثانية باعتباره مطلقاً لا يقاوم القسم الثاني، وإيقاع التعارض بين القسمين الأخيرين منها، وبعد التساقط يرجع إلى الطائفة الأولى.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام

أولاً: أنّه لا موجب فنيّ لتقديم المعارضة بين القسمين للطائفة الثانية على المعارضة مع الطائفة الأولى، بل القسم الثاني له معارضان عرضيان، هما القسم الثالث والطائفة الأولى، كما أنّ القسم الثالث له معارضان عرضيان، هما القسم الثاني والطائفة الأولى، وحينئذٍ لا بُدَّ أن يحكم بتساقط الجميع بالمعارضة.

ثانياً: أنّه لا موجب لغضّ النظر عن القسم الأوّل من الطائفة الثانية، وإن كان محكوماً ومقيَّداً بالقسم الثاني، إلّا أنه بعد غضّ النظر عن المناقشة الأولى، والاعتراف بسقوط مقيِّده عن الحجية، تعود له الحجية، ويقع طرفاً للمعارضة مع الطائفة الأولى، فالقول: بأنه إذا أُسقط القسمان الأخيران من الطائفة الثانية نرجع إلى الأولى بلا معارض، كلام غير صحيح، إذ يكون القسم الأوّل من الثانية قابلاً للمعارضة.

ــــــــــ[377]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الثاني: حمل الروايات الآمرة بالوضوء على الاستحباب 

دعوى وجود الجمع العرفي في الجمع بين الروايات، بحيث لا يصار معه إلى قواعد باب التعارض، وذلك بحمل الروايات الآمرة بالوضوء على الاستحباب، باعتبار أنّ الروايات النافية له صريحة في ذلك، والآمرة ظاهرة فيه، فيقدّم الصريح على الظاهر.

إلّا أنّ هذا الوجه لا يتم؛ لأنّه إن أمكن حمل جملة من الروايات الآمرة بالوضوء على الاستحباب، وغضضنا النظر عن كون الأمر إرشادياً إلى النقض، ولا معنى لحمل الأمر الإرشادي على الاستحباب. لكن لو حملنا الأمر الإرشادي على الاستحباب، لا يمكن أن يتمّ هذا الوجه لنكتتين:

النكتة الأولى: أنّ بعض الروايات وإن كانت آمرةً بالوضوء إلّا أنّ بعضها بلسان المذي ينقض الوضوء، كرواية علي بن يقطين، قال: “سألت أبا الحسن عن المذي أينقض الوضوء، قال: إن كان من شهوة نقض(1)، وحمل النقض على الاستحباب ليس عرفياً(2)

ــــــــــ[378]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام1: 19، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 45، وسائل الشيعة1: 279، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 11.

(2) أقول: سنذكر بقية الوجوه، والسيد لم يذكر مصاديق الطوائف وأقسامها من الروايات، وأودّ في المقام ذكرها:

أما الطائفة الأولى الدالة على عدم الناقضية: فيمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام: 

القسم الأوّل: ما دلّ على الناقضية مطلقاً بدون مزية زائدة، كرواية: عمر بن يزيد التي تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

ــــــــــ[379]ــــــــــ

يقول فيها: … “فأمذيت أنا وأمنت هي فدخلني من ذلك ضيق فسألت أبا عبد الله عن ذلك، فقال: ليس عليك وضوء ولا عليها غسل“.

القسم الثاني: ما دلّ على عدم الناقضية مطلقاً، مع التأكيد عليه كرواية زيد الشحام، قال: “قلت لأبي عبد الله المذي ينقض الوضوء، قال: لا، ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد، إنما هو بمنزلة البزاق والمخاط“، ونحوها غيرها.

أقول: القسم الأول في كلام السيد أعم من هذين القسمين ولم يتعرض للقسم الثالث.

القسم الثالث: ما كان نصّاً في الاستحباب عرفاً، كرواية محمد بن إسماعيل عن أبي الحسن قال: “سألته عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه سنةً أخرى، فأمرني بالوضوء منه، وقال: إنّ علياً أمر المقداد أن يسأل رسول الله: واستحيا أن يسأله، فقال: فيه الوضوء، قلت: وإن لم أتوضّأ، قال: لا بأس“.

القسم الرابع: ما دلّ على عدم الناقضية، سواء كان بشهوة أو بدون شهوة، ذكره السيد: ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله، قال: “ليس في المذي من الشهوة وضوء“، الحديث. 

الطائفة الثانية: ما دلّ على الناقضية، وهي على ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: ما دلّ على الناقضية مطلقاً، ذكره السيد كرواية محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: “سألت الرضا عن المذي فأمرني بالوضوء منه… فقال: فيه الوضوء.

القسم الثاني: ما دلّ على الناقضية إذا كان بشهوة، وهي عدّة أخبار: منها: ما عن أبي بصير قال: “قلت لأبي عبد الله: المذي يخرج من الرجل، قال، أحدّ لك فيه حدّا، قال، قلت: نعم، جعلت فداك، قال: فقال: إن خرج منك على شهوة فتوضّأ، وإن خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء“.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 الوجه الثالث: تقديم الطائفة الموافقة للسنة النبويّة

ما ذكره السيد(1) الأستاذ من تقديم الطائفة الدالة على عدم الناقضية بصفتها موافقةً مع السنّة الدالة على حصر النواقض بغير المذي كما سبق، وموافقة السنة كموافقة الكتاب موجبة للترجيح.

وجوابه: أنّ ما هو موجب للتقديم هو موافقة السنة القطعية دون غيرها، لأنّ دليل ذلك هو أدلة الترجيح بموافقة الكتاب مع تجريد الجانب الإعجازي عن الخصوصية، والالتفات إلى قطعية سنده، فيشمل كل دليل قطعي السند.

وأدلّة حصر النواقض على نحوين: منها: ما دلّ على الحصر بالأربعة والنوم، وهو النافع في الاستدلال في هذا الوجه، والآخر ما دلّ على الحصر بما يخرج من الطرفين الأسفلين، وهو غير نافع في المقام، لأنّ المذي يخرج منها أيضاً.

ودعوى استفاضة كِلا القسمين إجمالاً غير بعيدة، إلّا أنّ ثبوت ذلك في خصوص النحو الأوّل النافع في الاستدلال ممنوع.

ــــــــــ[380]ــــــــــ

القسم الثالث: ما دلّ على الناقضية ولو بدون شهوة، كرواية يعقوب بن يقطين، قال: “سألت أبا الحسن عن الرجل يمذي وهو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة، قال: المذي منه الوضوء، (المقرر).

() انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 453، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، عدم ناقضية المذي والوذي والودي.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الرابع: تقديم الطائفة الموافقة للشهرة

ترجيح روايات عدم الناقضية لموافقتها للشهرة.

إلّا أنّه لا يتم؛ لأنّه إن أُريد بالشهرة الشهرة الروائية فهي غير مسلّمة، بحيث تلحق روايات الناقضية بالشاذ النادر، فإنَّها مروية في الكتب المعتمدة للإمامية.

وإن أُريد الشهرة الفتوائية فلا إشكال في الصغرى، إلّا أنها ليست بمرجحة ما لم ترجع إلى إجماع قطعيّ تعبديّ، ومعه يكون هو الحجة دون الأخبار الموافقة له.

الوجه الخامس: تقديم الطائفة الموافقة للكتاب

ما ذكره السيد(1) الأستاذ من ترجيح روايات عدم النقض بلحاظ موافقتها للكتاب الكريم، تمسّكاً بإطلاق المادة في قوله تعالى: فَاغْسِلُوا(2)، فإنّ هذه العملية المأمور بها مجزية في الصلاة، سواء خرج المذي بعده أو لا؟

إلّا أنّ هذا الوجه لا يتم، وينقدح ذلك مما قلناه في الآية الكريمة سابقاً، فإننا إن نظرنا إلى الآية بحيالها من دون تفسير بالرواية، فإنَّها تدل على لابُدّيّة الوضوء للصلاة، دون القيام من النوم، ودون الاقتراب من الصلاة، فقد أخذت وجوب الصلاة مفروغاً عنه، وحكمت بأنّ من يريد الصلاة لا بُدَّ له من الوضوء، فيكون الأمر إرشادياً، وتعود الآية بمنزلة الجملة الخبرية، وهي صادقة سواء كان المذي ناقضاً أو لم يكن. نعم، لا بُدَّ من التحفّظ على الوضوء 

ــــــــــ[381]ــــــــــ

(1) المصدر السابق نفسه.

(2) المائدة: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلى حين الصلاة، وهي لابُدّيّة أخرى تستفاد من أدلّة أخرى.

والشاهد العرفي على ذلك: أنها لم تتعرّض إلى النواقض الواضحة، فهل يقال: إنّها تدلّ على عدم ناقضيتها؟ وهل الدليل الدال على ناقضية شيء دال على عدم ناقضية غيره(1)؟

وأمّا لو فسّرناها بالرواية، فأوضح؛ لأنَّها تكون دليلاً على ناقضية النوم، والدليل الدال على ناقضية شيء لا ينفي ما سواه، على أنّ كبرى موافقة الكتاب في المقام منثلمة على مبنى السيد الأستاذ، فإنه يفرّق بين الإطلاق والعموم، فيرى أنّ الموافقة مع العموم القرآني مرجحاً دون الإطلاق، وفي المقام لو تمّ ما قاله صغروياً، فغايته أن نفهم الإطلاق.

الوجه السادس: إعراض المشهور عن أخبار الناقضية

إنّ أخبار الناقضية ساقطة باعتبار إعراض المشهور عنها، أما الصغرى فواضحة، وأما الكبرى فنختارها في علم الأصول.

ــــــــــ[382]ــــــــــ

() أقول: بغضّ النظر عما قلناه في الآية سابقاً، فإنّ مقتضى القاعدة أن يكون إطلاق الدليل الدالّ على ناقض دال على عدم الناقض الآخر بمفهوم الشرط ونحوه، إلاَّ أنه لا مصداق له في الخارج، فإنّ الأدلة جمعت خمسةً أو ستةً من النواقض في سياق واحد، أما بالنسبة إلى الآية فعدم دلالتها يستند إلى أنها ليست في مقام البيان من حيث ما يقع بعد الوضوء، وقبل الصلاة، وإنما يفهم العرف منها أصل تشريع الشرطية دون الدخول في التفاصيل، فلو تمسّكنا بالإطلاق كان من قبيل التمسك بقوله: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ لإثبات طهارة موضع الملاقاة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

إلّا أنّه غير تامٍّ أيضاً؛ لأنّ إعراض المشهور وإن كان مسقطاً، لأنّه إن حصل من علمائنا الأقدمين فإنّه يدلّ على اطلاعهم الحسّي على خدشة في سند الرواية أو غير ذلك مما أوجب إعراضهم، مع أنّهم رووها والتفتوا إليها، إلّا أنّ هذا فيما لا معارض له، وأمّا ترجيح المشهور لأحد المتعارضين على الآخر لأحد الوجوه الصناعية فهو ترجيح اجتهادي قد يصيب وقد يخطئ، والأمر في المقام كذلك، ما لم يعد إلى إجماع تعبّدي يكون هو الحجّة في نفسه(1).

الوجه السابع: أخبار الناقضية صريحة بالحكم الإلزامي 

 إنّ أخبار الناقضية منها ما هو صريح بالحكم الإلزامي كلسان (ينقض) ومنها ما هو ظاهر فيه كلسان (يتوضأ). 

فاللسان الأوّل يسقط بالمعارضة مع الروايات الدالة على عدم النقض، ويبقى اللسان الثاني دالاً على الناقضية، ولا يسقط بالمعارضة؛ لأنّ مرتبته متأخرة عن اللسان الأوّل، لأنّه لا يقاومه.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تامٍّ أيضاً، فإنّه ليست أخبار (ينقض) آبية عن الحمل على الاستحباب فقط، بل أخبار عدم النقض أيضاً آبية عن الحمل عليه كقوله: “هو عندي كالنخامة(2) الدالّ على أنه لا معنى للوضوء معه أصلاً.

ــــــــــ[383]ــــــــــ

() أقول: قد يتصور ما ذكره من اطّلاعهم الحسّي على نكتة مضعفة، مع الترجيح في حال التعارض أيضاً، بحيث يكون الترجيح لأجل ذلك لا لنكتة اجتهادية أو صناعية، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 17، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 38، وسائل الشيعة1: 278، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الثامن: التساقط والرجوع إلى مطلق الفوقاني

إنّ الطائفتين عموماً تتساقطان، ونرجع إلى مطلق فوقاني هو الأخبار الحاصرة للنواقض.

وفرق هذا الوجه عن الوجه الثالث الذي ذكره السيد الأستاذ أنه جعل أخبار الحصر مرجّحاً، وقد ناقشناه، ونحن هنا جعلناها مرجعاً فوقانياً بعد التساقط. وهذا وجه صحيح في نفسه إن لم يحصل وجه حاكم عليه.

الوجه التاسع: التساقط والرجوع إلى الاستصحاب

 التساقط والرجوع إلى استصحاب الطهارة لو كان متوضئاً، وهو أيضاً صحيح في نفسه.

الوجه العاشر: الترجيح بمخالفة العامّة

ترجيح أخبار عدم النقض باعتبار مخالفتها العامة، فإنّ مشهور العامة بل يكاد أن يكون إجماعهم على النقض في المذي(1)، حتى جعلت هذه المسألة من العلامات الفارقة بين الفقهين الشيعي والسني، ومعه تكون هذه المسألة من أوضح الصغريات والتطبيقات لكبرى الترجيح، بمخالفة العامة، وهذا صحيح أيضاً.

ــــــــــ[384]ــــــــــ

(1) انظر: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف للنيسابوري 1: 133، والمحلى بالآثار لابن حزم 1: 118، واختلاف الأئمة لابن هبيرة 1: 60، والإقناع لابن القطان 1: 79.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الحادي عشر: تقديم قطعي الصدور على غيره

إنّ إحدى الطائفتين قطعية الصدور، والأخرى غير قطعية، فيكون من تعارض القطعي مع اللاقطعي، فيقدّم القطعي.

والوجه في كون أخبار عدم الناقضية قطعية يظهر من الالتفات إلى ثلاث نكات:

النكتة الأولى: عددها، فإنَّها وافرة عدداً، وذات مراتب عالية من الصحّة.

النكتة الثانية: أنها مخالفة للتقية، وصادرة في الجو الفقهي المشحون بالخلاف مع العامة، بخلاف الطائفة الأخرى المعارضة فإنه مما يضعّف صدورها كونها موافقة للتقية.

النكتة الثالثة: التوافق الفتوائي بين الإمامية على طبقها، فإنه مع الالتفات إلى هذه النكات الثلاث يحصل الاطمئنان الشخصي بصدور بعضها، فتكون حجّةً ولا يكون معارضها حجّةً، وهذا الوجه أيضاً صحيح(1).

 

ــــــــــ[385]ــــــــــ

() أقول: ينبغي الالتفات إلى أنّ النكتة الأولى لا تعني وصول العدد إلى الاستفاضة، مضافاً إلى وجود المعارض، فإنّ مجرد وجوده من مضعفات الاحتمال، فضلاً عما إذا كان المعارض متعدّداً كما في المقام. وخاصّةً فيما إذا كان بعضه غير موافق للتقية، كالأخبار المفصِّلة في المذي بين الشهوة وعدمها، فإنّ المشهور بين العامة عدم التفصيل، فالإنصاف أنّ هذا الوجه لا يكاد يكون تامّاً، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

محصّل الكلام

ومُحصّل الوجوه السابقة(1) أنّ واحداً منها وهو السابع إن تمّ دلّ على ترجيح جانب الناقضية.

وعشرة منها تتمّ في جانب عدم الناقضية، قبلنا منها أربعة، وتسلسلها الصناعي هو الأخير، ثم العاشر، ثم الثامن، ثم التاسع، كما هو واضح لمن لاحظها.

حكم الوذي

ثمّ إنّ الفقهاء عنونوا من السوائل غير البول والمني ثلاثةً: المذي والودي والوذي.

ولكنّ أهل اللغة لم يذكروا الوذي، مضافاً إلى التشويش في تفسيره، فإنّ الفقهاء فسّروه بما يخرج عقيب المني.

ولكن مرسلة ابن رباط فسّرته بما يخرج من الأدواء، وهو جمع داء، وهو المرض.

وهو ما رواه ابن رباط عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله قال: “يخرج من الإحليل المني والمذي والوذي والودي…وأما الوذي فهو الذي يخرج من الأدواء ولا شيء فيه(2)(3).

ــــــــــ[386]ــــــــــ

() نظّم السيدالوجوه الأحد عشر السابقة، فقال: (ومُحصّل الوجوه السابقة أن واحداً منها…)، (المقرر).

(2) باب 12 من النواقض، (المقرر).

(3) الاستبصار1: 81، كتاب الطهارة، الباب 56، الحديث: 11، وسائل الشيعة1: 278، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وقيل: إنه في بعض نسخ الاستبصار الأوداج(1) بدل الأدواء، يعني العروق تسامحاً.

وفي رواية ابن سنان لم يذكر الوذي(2)، وهو ما رواه ابن سنان يعني: عبد الله عن أبي عبد الله: “ثلاث يخرجن من الإحليل وهن: المنيّ فمنه الغسل، والوديّ فمنه الوضوء…قال: والمذيّ ليس فيه وضوء، إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف(3)(4).

ومعه لم يثبت كون الوذي حقيقةً مستقلةً، ولعلَّه من التحريف وخاصة أنه بين الوذي والودي نقطة واحدة. ولكن الأمر -كما ذكر صاحب الجواهر(5)– سهل، فإنّ الحكم واضح، وإن كان الموضوع مجهولاً، وهو عدم الناقضية(6).

ــــــــــ[387]ــــــــــ

() انظر: جواهر الكلام1: 415، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الأول، عدم ناقضية الودي والوذي

(2) أقول: وكذلك في رواية زرارة الآتية (نفس الباب)، (المقرر).

(3) نفس الباب، (المقرر).

(4) تهذيب الأحكام1: 20، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 47، وسائل الشيعة1: 280، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 14، باختلاف يسير في الألفاظ.

(5) جواهر الكلام1: 415، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الأول، عدم ناقضية الودي والوذي.

(6) أقول: ذكر الوذي في هاتين الروايتين فقط على ما هو موجود في الوسائل، وفي كِلاهما نصّ على عدم كونه ناقضاً، وخاصّةً صحيحة ابن سنان، مضافاً إلى الأصل والإجماع، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

حكم الودي 

ومن هنا يقع الكلام في حكم الودي وهو ما يخرج بعد البول، وقد عطف في صحيحة زرارة على المذي في كونه غير ناقض، وهي: 

1- ما رواه زرارة عن أبي عبد الله قال: “إن سال من ذكرك شيء من مذيّ أو وديّ، وأنت في الصلاة، فلا تغسله، ولا تقطع له الصلاة، ولا تنقض له الوضوء، وإن بلغ عقبيك فإنما ذلك بمنزلة النخامة..(1)(2) الرواية.

2- وهناك رواية تفصل بين المذي والودي وهي رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: “ثلاث يخرجن من الاحليل، وهي المني فمنه الغسل، والودي فمنه الوضوء، لأنّه يخرج من دريرة البول، قال: والمذي ليس فيه وضوء إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف(3)(4).

فيحصل التعارض بين هذه الصحيحة وصحيحة زرارة.

ــــــــــ[388]ــــــــــ

() نفس الباب، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 21، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 52، وسائل الشيعة1: 276، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(3) نفس الباب، (المقرر).

(4) وسائل الشيعة1: 280، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 14.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وجه الجمع بين الروايتين المتعارضتين

وقد ذكر الشيخ وجه جمع(1) بين الروايتين بحمل رواية ابن سنان على البلل المشتبه قبل الاستبراء، فإنّ الودي محلّه بعد البول عادةً، وهي وإن كانت مطلقةً لما قبل الاستبراء وبعده، إلّا أننا نقيده بما قبله، واستجوده صاحب الحدائق.

واعترض عليه المتأخّرون كالسيد(2) الأستاذ بأنّ ذلك في البلل المشتبه المردد بين البول والودي، وفي هذه الرواية فرض خروج الودي بشكل معلوم غير مشتبه.

إلّا أنّ القدماء لعلَّهم أرادوا الحمل على وجه له قرينة في داخل الرواية، فلا بُدَّ من ذكر ما يحتمل أن يكون قرينةً مع مناقشته، وهو التعليل: “لأنه يخرج من دريرة البول“.

إلّا أنّه غير تام؛ لأنّ هذا التعليل يحتمل أمرين:

الأمر الأوّل: ما هو ظاهره من أنّ الودي حيث إنَّه يخرج من عرق البول يكون ناقضاً، إلّا أنّ كبرى “كل ما يخرج من عرق البول يكون ناقضاً” فهي كبرى تعبديّة -لو ثبتت- غير مركوزة في أذهان المتشرعة.

ــــــــــ[389]ــــــــــ

() انظر: الاستبصار 1: 94، والتهذيب 1: 20، قال: “قَوْلُهُ‌ وَالْوَدْيُ‌ فَمِنْهُ‌ الْوُضُوءُ‌ مَحْمُولٌ‌ عَلَى أَنَّهُ‌ إِذَا لَمْ‌ يَكُنْ‌ قَدِ اسْتَبْرَأَ مِنَ‌ الْبَوْل … إلخ “. الحدائق الناظرة2: 119، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني، تذنيب. 

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 456، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، النواقض عند العامة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأمر الثاني: أنّ خروجه من مجرى البول يجعله يختلط بالبول فيحمل على الرطوبة المشتبهة.

إلّا أنّه لا يتم؛ لأنّ كونه يخرج من مخرج البول أمر تشريحي لا معنى لجعله سبباً لشكّ المكلّف.

والسيد(1) الأستاذ عطف هذا التعارض على ذلك التعارض، وقال: إنّ ما قلناه -وإن كان قد ذكر أربعة وجوه- هناك يأتي هنا أيضاً. إلّا أن هناك فوارق بين التعارضين نشير إلى نكتتين منه.

النكتة الأولى: أنه لا يمكن حمل رواية عبد الله بن سنان على موافقة العامة، لأنَّها تفصل بين الودي والمذي، وتصرّح بأنّ المذي لا وضوء فيه، مع أنه أكثر استحكاماً في مذهب العامة روايةً وفتوىً من الودي، فلا يمكن حمل هذه الرواية على التقية.

النكتة الثانية: أنّ مسألة قطعية السند هناك في أخبار عدم الناقضية محتمل، وهنا ليس كذلك، لأنّ أكثر روايات الباب اختصت بذكر المذي، ولم تتعرّض لغيره.

ولكن النتيجة واحدة لكفاية الوجوه الأخرى(2).

ــــــــــ[390]ــــــــــ

() المصدر السابق نفسه

(2) أقول: هاتان النكتتان يسببان عدم جريان وجهين من الوجوه الأربعة المختارة، وأما الاثنان الآخران وهما التساقط والرجوع إلى أدلة حصر النواقض أو التساقط والرجوع إلى الاستصحاب، فيأتيان في المقام أيضاً، ولعلّ عدداً من الوجوه الأخرى يأتي لو تمّت، كما أن بعضها لا يأتي كما هو واضح للمتأمل، ولا حاجة للتطويل بذلك، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

تطبيق الوجوه الأربعة المختارة على المقام

 الآن(1) سوف نطبّق الوجوه الأربعة المختارة(2) في المسألة السابقة على المقام.

فالوجه الأوّل(3): هو أنّ ما دلّ على ناقضية المذي خبر آحاد، وما دلّ على عدم ناقضيته سنة قطعية.

هنا لا بُدَّ من استئناف بحث لنرى أنّ ما دلّ على عدم ناقضية الودي أيضاً قطعية أو لا؟ 

فإن هناك حوالي عشر روايات تذكر عدم ناقضية المذي من دون أن يعطف عليه الودي. فحينئذٍ قد لا تكون السنّة قطعية في المقام. 

وفي مقابل نقصان عشر روايات يوجد هناك بعض الجبران لمسألة عدم ناقضية الودي، وهذا الجبران يتمثّل في:

1- الروايات الدالة على أنه لا وضوء من الحبائل، إما مطلقاً أو بعد الاستبراء، بناءً على أنّ ما يترقب صدوره مباشرةً بعد البول إنما هو الودي عادةً. 

ــــــــــ[391]ــــــــــ

() هذه المحاضرة منقولة من خط السيد محمد علي الحائري دام تأييده، (المقرر).

(2) وهي الوجوه الآتية: (الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر) من الوجوه التي سبقت. 

(3) وهو الوجه الحادي عشر آنف الذكر. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فتكون هذه الروايات دالة على عدم ناقضية الودي.

2- وكذلك هناك رواية تختصّ بالودي، ولكنها مرسلة، وهي رواية حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله قال: “الودي لا ينقض الوضوء، إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق(1)(2).

3- وأيضاً ينبغي أن يقال: إنّ الإجماعات في الودي يمكن اقتناصها من مناشئ متعدّدة فيمكن تحصيل الإجماع على عدم ناقضية عنوان الودي، وعنوان الحبائل وعنوان الرطوبة المشتبهة بعد الاستبراء.

إلّا أنه مع كل ذلك، الظاهر أنه يبقى فارق بين دليل عدم ناقضية المذي، ودليل عدم ناقضية الوذي، بحيث يكون الأوّل قطعياً دون الثاني.

ــــــــــ[392]ــــــــــ

() باب 12 من نواقض الوضوء، (المقرر). [وسائل الشيعة1: 281، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 15].

(2) أقول: هذا التعبير من السيد مبنيٌ على اعتقاده تعدد مخارج هذه الرطوبات، وأنّ الميزان في تعددها وصدقها هو مخارجها، ومن هنا كان خروج المذي -مثلاً- بعد البول محتملاً، وإن كان بعيداً، لكننا قلنا إنّ الميزان في تمييزها -سوى البول والمني- هو وقت الخروج، فكلّ سائل خرج بعد البول هو ودي، وكلّ سائل خرج عند الشهوة فهو مذي، وهكذا، ومعه فإن أريد من الحبائل في الروايات المشار إليها خصوص ما يخرج بعد البول -كما ربما هو المنصرف منها- إذن فهي متعرضة لخصوص الودي، وإن كانت أعمّ ممّا يخرج بعد البول، كانت شاملةً له بالإطلاق وعلى مبنى السيديتعين أن تكون بالإطلاق، حتى لو أريد بها ما خرج بعد البول من الرطوبات، كما هو واضح، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الثاني(1): أن نرجع إلى تطبيق الترجيح إلى مخالفة العامة، وقد أشرنا إلى أنّ رواية ابن سنان لا يمكن حملها على التقية؛ لأنَّها صريحة في مخالفة العامة.

الوجه الثالث(2): أن يتعارضا ويرجع إلى المطلق الفوقاني.

هنا أيضاً يقال: إنّه بعد التساقط يرجع إلى المطلق الفوقاني الدال على حصر النواقض.

وقد يقال: بأنه على فرض التعارض والتساقط يشكل الرجوع إلى المطلق الفوقاني، إما في كلتا المسألتين، وإما في خصوص هذه المسألة.

وتوضيح الحال في ذلك: أنّ المطلق الفوقاني إن كان هو ما دلّ على حصر النواقض بما يخرج من أحد السبيلين، من دون تخصيص بالعناوين التفصيلية، فمن الواضح أنه لا يدلّ على عدم ناقضية الوذي والودي، وإن كان هو ما دلّ على حصر النواقض في الأمور الأربعة أو الخمسة.

فقد يقال: بأنّ هذا مطلق لا يقبل التقييد بمثل المذي والودي، بل ما دلّ على ناقضية الوذي أو الودي نقض لهذا المطلق، فإنّ هذا الدليل المطلق مسوق لبيان هذه العناوين الناقضة فيكون صريحاً في الإطلاق، ومعه يدخل كطرف في المعارضة ويسقط، ولا يبقى عندنا مطلق فوقاني نرجع إليه. بل هناك مرجعان آخران يثبتان الناقضية لا عدمها.

المرجع الأوّل: ما دلّ على ناقضية ما خرج من أحد الطرفين الأسفلين 

ــــــــــ[393]ــــــــــ

(1) وهو الوجه العاشر آنف الذكر.

(2) وهو الوجه الثامن آنف الذكر.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بقول مطلق، وهذا المرجع يمكن الخدشة فيه على ضوء ما تقدّم، فإنّ عنوان ما يخرج من الطرفين مردّد بين أن يكون مأخوذاً على وجه الموضوعية، أو على وجه الطريقية، وقد قلنا إنّ الرواية مجملة. 

وحينئذٍ لو كان العنوان مأخوذاً على نحو الموضوعية لأمكن أن يقال بكونه مرجعاً فوقانياً يؤخذ بإطلاقه، وأما لو كان مأخوذاً على نحو المعرفية فلا يعلم أنه جعل معرفاً إلى ماذا، فقد يكون معرفاً إلى النواقض المعروفة، وبعد إجماله لا يمكن أن يكون مرجعاً فوقانياً.

المرجع الثاني: أن يقال: أن يرجع إلى ما دلّ على وجوب الوضوء إذا خرج بلل بعد الاستبراء من الجنابة بالبول، فإنّ هذه الروايات مطلقة تشمل صورة ما إذا شكّ وتردّد بين البول والودي، وصورة ما إذا علم أنه من الودي.

إلّا أنّ هذا غير صحيح، فإنّ هذا الإطلاق مقيد بروايات الاستبراء، وبعد هذا التقييد يصبح الحكم ظاهرياً.

اللهم إلّا أن يقال: إنّ ذلك المقيد هو بنفسه من أدلة عدم ناقضية الودي، باعتبار أنه لا توجد عادةً رطوبة غير الودي تشتبه مع البول.

إلّا أنّ الصحيح من أوّل الأمر أنّ الروايات الدالّة على حصر النواقض في العناوين الخاصّة، إطلاق قابل للتقييد، ولهذا من المعقول أن يتصّل به بقية العناوين، ومجرد أنّ الإمام كان في مقام التعداد لا يجعله مفيداً للحصر، إلّا باعتبار سكوته عن غيره، وهذا يكون بمقدمات الحكمة(1).

ــــــــــ[394]ــــــــــ

() أقول: هذا على خلاف الوجدان بالنسبة إلى التقييد بالمنفصل، وإن كان التقييد بالمتصل بالعطف ممكنا مهما كثرت العناوين، والسرّ العرفي في ذلك هو أنّ الكلام يكون له ظهور قوي كالصراحة في الاستيعاب، وإيراد كل ما يكون دخيلاً، فالعطف بالواو في الدليل المتّصل عليه ممكن؛ لأنّه يدلّ حينئذٍ على عدم الاستيعاب بدونه فله أن يلحق به ما شاء، وأما بعد انعقاد الظهور بالاستيعاب، فلا معنى للتقييد عرفاً، لأنّه مهافت لفكرة الاستيعاب، وهو واضح في الدليل المنفصل، بل يمكن أن يقال بثبوته في المتّصل أيضاً، إذا كان بغير العطف بالواو كالاستثناء بإلا أو بغير، كما لو قال: إنّما ينقض الوضوء كذا وكذا، إلاَّ كذا وكذا، يعني: فإنه ناقض. فإنه قبيح عرفاً. ومعه يكون الوجه الثالث غير منطبق على هذه المسألة بل على كلا المسألتين، لكن الوجه الرابع تامٌّ على ما يأتي، ويكون هو الوحيد التام في هذه المسألة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

وأمّا أنّ هذه الرواية تكون للردع عمّا يذكره العامة بالصراحة، فهذا أيضاً لا يوجب كونها صريحةً في عدم ناقضية الودي بالخصوص، وإن كانت صريحةً في أصل الردع، فظهر بطلان ما ذكره السيد(1) الأستاذ من كون الرواية صريحةً في الإطلاق، فيكون طرفاً للمعارضة.

الوجه الرابع(2): وهو الرجوع إلى الاستصحاب يجري في كلتا المسألتين. 

ــــــــــ[395]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 456، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، مسألة 3.

(2) وهو الوجه التاسع آنف الذكر.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

مسألة 4: [مواضع استحباب الوضوء وأدلتها]

 

ذكر جماعة من العلماء استحباب الوضوء عقيب المذي والودي، والكذب والظلم والإكثار من الشعر الباطل والقيء والرعاف والتقبيل بشهوة ومس الكلب ومس الفرج ولو فرج نفسه، ومس باطن الدبر، والاحليل، ونسيان الاستنجاء قبل الوضوء والضحك في الصلاة، والتخليل إذا أدمى. لكن الاستحباب في هذه الموارد غير معلوم(1).

هناك عناوين عديدة ورد كونها ناقضةً، وورد في دليل آخر عدم ناقضيتها، وبعضها لم يرد على عدمه دليل، ومن هنا يمكن أن نقسم البحث إلى قسمين:

الأوّل: ما ورد كونه ناقضاً، وورد بخلافه.

والقسم الثاني: ما ورد كونه ناقضاً بلا معارض.

القسم الأوّل: ما دلّ على وجوب الوضوء فيه مع المعارض 

القسم الأوّل ما ورد فيه كونه ناقضاً، وورد فيه ما دلّ على عدم كونه ناقضاً بعنوانه.

ــــــــــ[396]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 185، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، النواقض عند العامة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

فهنا قد يقال: بأننا نحمل الأمر بالوضوء على الاستحباب، بقرينة الطائفة المعارضة لصراحة هذه الطائفة بعدم الوجوب مع ظهور الأمر به، فيكون مقتضى الجمع العرفي بينهما ذلك.

واعترض عليه السيد(1) الأستاذ بأنّ هذا إنما يتم في الأحكام أو الأوامر النفسية التكليفية، وأما في المقام فالأمر بالوضوء إرشادي إلى الناقضية، والناقضية لا يتصوّر فيها الاستحباب.

وعلى تقدير عدم عرفية هذا الجمع يحكم بالتعارض والتساقط، والرجوع إلى مرجع فوقاني هو الأخبار الحاصرة(2) أو الاستصحاب. ولكن معه لا يمكن أن نفتي باستحباب الوضوء لهذه العناوين، بخلاف ما لو عملنا بالروايات الآمرة بالوضوء بعد حملها على الاستحباب.

ولكن كلام السيد الأستاذ غير تام: لأنّ الاستحباب بمفهومه وإن لم يكن له معنى في النقض، إلّا أنّ المراد هو الجمع العرفي بين الدليلين، والنقض له مرتبتان شديدة وضعيفة، فلو بقينا نحن والروايات الآمرة بالوضوء وحدها لدلّت على المرتبة الشديدة، ولكن الطائفة المعارضة أصبحت قرينةً على المرتبة الضعيفة، وبهذا يستوفي الجمع العرفي غرضه.

ــــــــــ[397]ــــــــــ

() انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 462، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، مسألة 3.

(2) أقول: فيها ما سبق في مسألة الودي، فراجع، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

لكن أحياناً توجد بعض القرائن الدالّة على عدم إمكان الحمل على المرتبة الضعيفة:

منها: ما لو ورد لفظ النقض نفسه في الرواية، “الرعاف ينقض الوضوء” -مثلاً- فإنه يكون بنفسه متعرّضاً للمرتبة الشديدة، ولا يمكن عرفاً حمله على المرتبة الضعيفة.

ومنها: ما إذا استفدنا من الروايات عدم مشروعية الوضوء أصلاً: “ما هو عندي إلا كالنخامة والبزاق(1)(2) -مثلاً- فإنه نافٍ لأصل المطلوبية، فلا يمكن حمله على الاستحباب.

ومعه فإن كان الدليل الوارد في هذه العناوين بلسان الأمر بالوضوء، أمكن حمله على النقض الناقص. وإن كان بعنوان النقض كان معارضاً للروايات النافية للوضوء، وبعد التعارض يرجع إلى الدليل الفوقاني من عموم أو استصحاب، أو نرجّح روايات عدم وجوب الوضوء بمخالفة العامة(3).

ــــــــــ[398]ــــــــــ

() أقول: هذا لا مصداق له إلاَّ في المذي والودي خاصة، وأما العناوين الأخرى فالروايات النافية فيها يمكن حملها على الاستحباب وأنها لمجرد نفي الوجوب، فراجع، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة1: 281، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 15.

(3) أقول: في الرجوع إلى العامّ الفوقاني ما ذكره في باب الودي فراجع، ولعلَّه هنا أوضح؛ إذ أنّ تقييد الروايات الحاصرة بما يكون احتمال وجوب الوضوء فيه أضعف، يكون أكثر شناعة مما يكون احتماله فيه أقوى كما هو معلوم.

وأما الرجوع إلى مخالفة العامة، فهو فرع وجود شهرة بينهم على وجوب الوضوء في هذه العناوين، وهذا مما لم يثبت في الجميع -على الأقل- فلا بُدَّ أن يحسب لكلّ عنوان حسابه، ومعه لا يكاد يبقى إلاَّ الاستصحاب، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

القسم الثاني: ما دلّ على وجوب الوضوء فيه من دون معارض 

ومصداقه مسّ الكلب، ففي صحيح أبي بصير: “من مسّ كلباً فليتوضأ(1). ومع عدم المعارضة لا مجال للرجوع إلى مخالفة العامة، ولا العامّ الفوقاني، ولا الاستصحاب.

إلّا أنّ علاج ذلك على مسلكنا واضح، فإنّ إعراض الأصحاب عن العمل بها، مع أنهم أثبتوها في كتبهم، وهي صحيحة وصريحة، يدل على التفاتهم إلى خلل فيها لم يصل إلينا، ويوجد بذلك الظن القوي الشخصي به، فيسقط الدليل عن الحجية.

وأما السيد الأستاذ الذي لا يقبل هذا المسلك، فقد وقع في صعوبة، ومن هنا اعتبر الروايات الحاصرة نصّاً في الإطلاق ليوقع المعارضة بينها وبين دليل الوضوء عند مسّ الكلب، وبعد التساقط يرجع إلى المرجع الفوقاني(2).

ــــــــــ[399]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام1: 23، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث: 60، وسائل الشيعة1: 275، الباب 11 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 4.

(2) أقول: يمكن أن يكون المراد من الوضوء هنا التطهير من الخبث، وهو مما يساعد عليه الوضع اللغوي مضافاً إلى الجو الفقهي الذي يبني على نجاسة الكلب، وخاصة أنه لم يثبت فتوى العامة بوجوب الوضوء -بالمعنى الاصطلاحي- لهذا المس، بل ثبُت عدمه على ما سيقول السيد، كما لم يثبت وجوده كاحتمال معتدّ به في أذهان المتشرعة يومئذٍ، ولازالت بعض الأوساط إلى الآن تستعمل لفظ الوضوء للتطهير من الخبث، وهو مستفاد أيضاً -على ما أتذكر- من بعض الروايات الأخرى الواردة في التطهير من البول. وقد عرضت مختصر هذه الفكرة على السيد.

فأجاب: بأنّ الوضوء في أيام الإمام الصادق كان قد اكتسب حقيقةً شرعية في الوضوء للصلاة، ولا يمكن حمله على المعنى اللغوي إلاَّ بعناية.

أقول: وفيما ذكرناه في تقريب الاستفادة ما يكفي لتضعيف هذا الكلام، ولا أقل من إجمال الرواية المسقط لها عن الاستدلال، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مناقشة جواب السيد الأستاذ

 لم يفتِ طبقاً لهذه الرواية أحد من علمائنا، ولا أحد من علماء العامة أصلاً فيما نعلم على ما سنذكر، وهذا هو المسقط لها عن الحجية على مسلكنا.

ذكر [المصنف] مسلك السيد الأستاذ في الجواب على الاستدلال بهذه الرواية، وقال: قبل الدخول في المناقشة لا بُدَّ من الإشارة إلى أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ كون صحيحة زرارة(1) (الحاصرة للنواقض) صريحة في الإطلاق، بكلفة التنازل عما سبق أن قاله من كونها مرجّحاً عند التعارض، أو على ما قلناه كونها مرجّحاً بعد التساقط، بل تكون بنفسها طرفاً للمعارضة(2).

ــــــــــ[400]ــــــــــ

() وسائل الشيعة1: 246، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 2.

(2) أقول: لا يلزم ذلك؛ لأنّ العرف مع ذلك يرى فرقاً بين الروايات الخاصّة النافية للوضوء في مواردها وبين هذه الصحيحة، وإن كانت صريحة في الإطلاق، فإنّ تلك الروايات الخاصّة أصرح في مواردها، وشمول الصحيحة لهذا المورد أو ذاك ليس بمنزلة ذكره حقيقة، وإن كان صريحاً، فغاية ما يترتّب على هذه الصراحة عدم إمكان تقييدها بالروايات الخاصّة الآمرة بالوضوء.

وأما كونها مرجّحاً أو مرجعاً، فهو ممكن عرفاً، لأنّ نسبتها إلى الروايات الخاصّة كنسبة المطلق إلى المقيد، وإن لم تكن متّصفةً بكل خصائص المطلق، إلاَّ أنها حيث لم تدخل في ضمن الروايات الخاصة يقبل العرف مرجعيتها بوضوح، وإن كان في مرجحيتها شيء من التردد.

ومن هنا نفهم أنه مع عدم وجود المعارض الخاصّ تصلح هذه الصحيحة بنفسها للمعارضة، فيتم كلام السيد الأستاذ بدون ورود هذا النقض عليه، إذ أنّ كلامه السابق في المذي والودي كانت توجد روايات خاصّة متعارضة، وهنا لا توجد، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأمر الثاني: أنّ صحيحة زرارة لو كانت صريحةً في الإطلاق لأصبحت معارضةً مع كلّ ما دلّ على شيء من النواقض المحتملة، غير ما ذكر فيها.

ومعه لعلّ المجموع لتلك الروايات يكون بمنزلة التواتر إجمالاً، فتكون صحيحة زرارة مخالفة للسنة القطعية، فتسقط عن الحجية في نفسها، ومعه لا مجال لترجيحها بمخالفة العامّة لأنّ ذلك إنما يكون في الخبرين الجامعين لشرائط الحجيّة التي من جملتها عدم المعارضة مع الدليل القطعي، والمفروض أنّ هذه الصحيحة غير واجدة لهذا الشرط(1).

ــــــــــ[401]ــــــــــ

() أقول: هذا لا يتم: 

أولاً: بناءً على ما قلناه قبل قليل من عدم ملاحظة العرف لها في نفس مرتبة الروايات الخاصة فواضح، باعتبار أنّ أكثر تلك الروايات المشار إليها مبتلاة بالمعارض الخاصّ، فلا تدخل الصحيحة كطرف ثالث في المعارضة، وما يبقى ليس متواتراً ولو إجمالاً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  



ــــــــــ[402]ــــــــــ

ثانياً: أنه لو سلّمنا أنّ الصراحة تدخلها في المعارضة مع الروايات الآمرة بالوضوء، إلَّا أنها لا تكون من الروايات القطعية، فإنّ معارضها الدال على عدم الوضوء أكثر منها، فكيف يحتمل أن يكون ذاك المجموع قطعياً، ليتمّ سقوط الصحيحة!

ثالثاً: لو سلّمنا أنّ مجموع الروايات الآمرة بالوضوء والدالة على الانتقاض قطعياً، إلَّا أنّ هذا من جهة السند والصدور، لا من جهة أصالة الجهة، بعد موافقتها للعامّة، فإن صدور الموافق لهم من الشارع المقدس ليس بعزيز، بل هو فوق التواتر في الفقه، ومن المعلوم أنّ تواتر ما ليس بحجّة لا يجعله حجّة.

فإن قلت: فإنَّها تحمل على التقية مع وجود المعارض لا في نفسها.

قلت: لها معارض، فإنّ في كل عنوان تفصيلي منها -ما عدا مسّ الكلب- طائفتين متعارضتين، فيمكن حمل الطائفة الآمرة بالوضوء على التقية، ومعه لا يكون مسقطاً لحجية رواية زرارة.

فإن قلت: – كما قال السيدفي بعض كلامه-: بأنّ غاية ما تدل عليه أخبار الترجيح بمخالفة العامة هو حجية الطائفة المخالفة لفتواهم، لا صدور الطائفة الموافقة عن تقية، لاحتمال مطابقتها للواقع ثبوتاً، وهذا هو مقتضى لسان (خذ بما خالف العامة والرشد في خلافهم)، ومعه لا يتعين أن تكون الروايات الآمرة بالوضوء صادرةً عن تقية.

قلنا: سلّمنا، لكن هذه الروايات الآمرة ليست بحجّة في أنفسها، بل الحجّة بخلافها، بعد أن أصبح معارضها حجّةً، فقد قامت حجة ظاهرية على بطلانها مضموناً، فكيف تكون مسقطةً لرواية زرارة عن الحجية!

فإن قلت – كما قال السيد أيضاً-: بأنه يكفي في إسقاط الدليل القطعي لحجية خبر الواحد 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

ــــــــــ[403]ــــــــــ

كونه قطعيّ السند، ومحتمل المطابقة للواقع مضموناً، وهذا متوفّر هنا بعد أن فرضنا عدم دلالة أخبار الترجيح صدورها عن تقية.

قلنا: إنّ جعل الدليل القطعي ميزاناً ليس مأخوذاً على وجه الموضوعية عرفاً، بل على وجه الطريقية لكون معارضه مقطوع البطلان، وما دامت أصالة الجهة غير جارية في الروايات الآمرة، إذن فظهورها من هذه الجهة ليست بحجّة، فتبقى صحيحة زرارة محتملة المطابقة للواقع، فلا تسقط عن الحجيّة.

فإن قلت -كما قال السيد أيضاً-: كلا بل جعل الدليل القطعي ميزاناً أخذ على وجه الموضوعية، من باب أهميته، وهو أمرٌ عرفي، فإنّ العرف يفرّق حتماً بين ما سمع من المولى وما نقل عنه.

قلنا: إنّ العرف إنما يقوم بذلك غفلةً منه عن أصالة الظهور، وأصالة الجهة، وإنما يحصل الاطمئنان بالظهور ابتداءً.

فإن قلت – كما قال أيضاً-: هذه أمور مرتكزة في ذهن العرف بأخذها بنظر الاعتبار وإن لم يلتفت إليها، فالميزان هو قطعية السند على وجه الموضوعية.

قلنا: كيف يتمّ ذلك، مع أنّ دليل الترجيح بالقطعي إنما هو دليل الترجيح بالكتاب الكريم، والكتاب الكريم فيه السند والجهة والظهور، والأوليان قطعيان فيه، والثالث ظني، فإن أمكن التجريد عن الخصوصية، فإنما نعمّمه للدليل الذي يكون قطعيّ السند والجهة معاً، ولا يمكن تعميمه للدليل القطعي السند، وإن كان ظني الجهة، لاحتمال الفرق عرفاً.

فإن قلت: -كما قال السيد أيضاً- إنّ هذا بحث في الكبرى وقد سبق الكلام فيه في محله، ويؤخذ الآن أصلاً موضوعياً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

 

 ــــــــــ[404]ــــــــــ

قلنا: سلّمنا، ولكن في المقام الأخبار المرخصّة بترك الوضوء أكثر من الآمرة به، وهي تشكّل حجّةً قطعيّةً على بطلان مضمون الأخبار الآمرة به في كل مورد مورد منها، فلو كانت الأخبار الآمرة من أخبار الآحاد لدلّ معارضها على الجامع بين عدم الصدور والصدور تقية، ولكن معارضها قطعي الصدور، فيتعين أن يكون بطلانه من جهة التقية.

فإن قلت: هذا موقوف على أن تكون الأخبار المرخصّة حجّةً قطعيةً في بطلان مضمون معارضها، إلاَّ أنّ الصحيح -على ما يبدو- خلاف ذلك، فإنّ الحجّة من طرف الأخبار المرخصّة، في كل مورد مورد هي من أخبار الآحاد، والمجموع من حيث المجموع. غاية ما ينتج قطعية مضمونه وبطلان مجموع الطائفة الآمرة المعارضة، ولكن بطلان مجموع تلك لا ينافي مع احتمال الصحة في كل مورد بعينه.

قلنا: ما جعل معارضاً لصحيحة زرارة هو مجموع أسناد الروايات الآمرة، وقد أصبح الآن مجموع مداليلها باطلاً، أي: أنّ بعضها يقطع بصدوره عن تقية، وحينئذٍ نقول: إنّ ما يقطع بصدوره عن تقية لا يكون مشاركاً في إسقاط حجّية معارضه، وأما الباقي
-على إجماله- فغير قطعيّ السند ليكون مسقطاً لمعارضه.

ومعه لا خطر على رواية زرارة من قبل هذه الروايات حتى لو كانت نصّاً في الحصر، على مبنى السيد الأستاذ وعلى ما اخترناه وقرّبناه فيما سبق، باعتبار صراحتها في الاستيعاب، فراجع، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

اعتراضات عدّة في المقام

ويرد عليه عدة اعتراضات:

الاعتراض الأوّل: النقض بموارد مختلفة في الفقه كصحيحة محمد بن مسلم: “لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء(1). فإنَّها أوضح في الإطلاق من صحيحة زرارة لوجود التصريح برقم الأربعة الذي تخلو منه صحيحة زرارة، ومع ذلك قال الفقهاء بتقييدها بعدد من المفطرات، كتعمد البقاء على الجنابة، والكذب على الله ورسوله، وغيرها. ولم يقولوا إنها غير قابلة للتقييد.

وقد التفت السيد(2) الأستاذ بنفسه إلى هذا الاعتراض وأجاب عليه بما حاصله: أننا لا نستفيد من صحيحة زرارة الصراحة في الإطلاق باعتبار الحصر، أو باعتبار التعداد، ليقال إنّه موجود في صحيحة محمد بن مسلم أيضاً، وإنما باعتبار كون صحيحة زرارة ناظرةً إلى ما يحتمل كونه ناقضاً بحسب فتوى العامّة، فتكون صريحةً بملاك النظر.

إلّا أنّ هذا الجواب غير تامّ، لأنّ صحيحة محمد بن مسلم حالها أيضاً ــــــــــ[405]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام4: 189، كتاب الصيام، الباب 45، الحديث: 2، وسائل الشيعة10: 31، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث: 1.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 457، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، مسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

كذلك، فإنَّها ليست ناظرةً إلى ما لا يحتمل كونه مفطراً كالنظر إلى السماء، وإنما هي ناظرة إلى ما يحتمل فيه ذلك، وكان قد وقع فيه البحث والجدل على الصعيد الفقهي يومئذٍ، وبعضه ممّا أجمع العامّة على مفطريته، وبعضه ممّا اختلفوا فيه، فالروايتان من باب واحد، والنقض وارد.

الاعتراض الثاني: أنّنا لو فرضنا أنّ صحيحة زرارة صريحة في الردع عما خالف العامة، فغايته الرد عن الأخذ بجميعه أو بنصفه أو بربعه مثلاً، وهذا لا يمنع عن الأخذ بواحد فقط ممّا يكون موافقاً للعامّة، فإنّ شمول الردع له بالإطلاق ومقدمات الحكمة لا بالصراحة.

وفي المقام كذلك؛ لأنَّنا لو نظرنا إلى هذه العناوين التي ورد كونها ناقضةً نجدها جميعاً مبتلاة بالمعارض، غير مورد واحد هو مسّ الكلب، ومعه لا يكون بالالتزام بالتخصيص محذور(1).

ــــــــــ[406]ــــــــــ

() أقول: هذا الاعتراض لا يتم لما سبق وسيأتي في الاعتراض الثالث، بأن وجوب الوضوء عند مس الكلب ليس من فتاوى العامة أصلاً، ومعه إن جعلنا صراحة صحيحة زرارة من باب كونها ناظرة إلى ما أفتوا بناقضيته كان هذا الملاك غير متوفّر في مسّ الكلب، فالأصل الموضوعي لهذا الاعتراض وهو التسليم بموافقة هذه الفتوى للعامة باطل.

وإن كانت نتيجته صحيحة وهي أنه حين لا يكون موافقاً للعامّة لا تكون ناظرة إليه، فلا تكون صريحةً في نفيه، فيمكن أن يقيدها.

وأمّا إذا جعلنا صراحة الصحيحة باعتبار ظهورها بالحصر والاستيعاب، كما اخترنا فيما سبق، فيكون تقييدها بمسّ الكلب مستهجناً أيضاً، وخاصّة مع ضعف احتمال ناقضيته -كما أشرنا- ومعه يكون الاستهجان شاملاً لكلّ واحد من المقيّدات، لا للنصف والربع كما قيل في الاعتراض، فالاعتراض على كلا التقديرين غير تام، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الاعتراض الثالث: أنّنا لم نطلع على أنّ أحداً من العامة أفتى بناقضية مسّ الكلب للوضوء، بل لم أجد له تعرّضاً في كتبهم لوضوحه، وإنما ذكروا احتمال كون مسّ الدابة وفرجها ناقضاً، ولم يتعرّضوا للكلب، ومعه لا تكون صحيحة زرارة ناظرةً إلى نفيه ليكون معارضاً معها.

نعم، هناك بيان يمكن التبرّع به عن السيد الأستاذ لتتميم مقصوده، وذلك بأن يقال: 

بأنه بعد وقوع التعارض بين صحيحة زرارة والروايات الآمرة بالوضوء في هذه العناوين، تكون قواعد باب التعارض مقتضيةً لتقديم الصحيحة باعتبارها مخالفةً للعامة، وهذا التعارض إنما هو بين الصحيحة وبين مجموع معارضاتها، وهذا يعني دلالتها على كذب بعض تلك الروايات الآمرة بالوضوء، ومن هنا يقع التعارض الداخلي بين تلك الروايات، وتتساقط ونرجع إلى مرجع فوقاني دالّ على عدم الناقضية كما سبق، وهذا البيان يتفادى معه الاعتراض الثاني السابق.

ولكنه غير تامّ، لأنّ العلم الإجمالي بكذب بعضها الموجب لتعارضها في أنفسها منحلّ بعد أن نكون قد وجدنا لكل مورد منها معارضاً، فسقطت تعيّناً إلّا مورداً واحداً هو مسّ الكلب، فينحلّ العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي 

ــــــــــ[407]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بسقوط البعض عن الحجية، والشك البدوي فيما لا معارض له، فيكون في نفسه حجّةً. فهذا التخريج غير تامٍّ(1).

من موارد الاستحباب

نسيان الاستنجاء قبل الوضوء

قوله: (ونسيان الاستنجاء قبل الوضوء…)(2).

ذكر الماتن من جملة الأمور التي يحتمل كونها ناقضة للوضوء: نسيان الاستنجاء قبل الوضوء. وهناك رواية تأمر بإعادة الوضوء والصلاة في مورد نسيانه(3)(4)

ــــــــــ[408]ــــــــــ

() أقول: هذا مضافاً إلى أنَّ صحيحة زرارة لو كانت صريحةً بملاك النظر لكانت نافية للجميع لا للمجموع، ومعه لا يبقى وجه لهذا البيان التبرعي بالمرة، لأنّ تشكيل العلم الإجمالي فرع كونها نافية للمجموع لا الجميع، (المقرر).

(2) العروة الوثقى1: 185، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، مسألة4.

(3) . أقول: هي ما رواه عمار الساباطي() عن أبي عبد الله: “في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلّى، إلاَّ أنه قد تمسّح بثلاثة أحجار، قال: إن كان في وقت تلك الصلاة فليعد الصلاة وليعد الوضوء، وإن كان قد مضى وقت تلك الصلاة التي صلّى، فقد جازت صلاته، وليتوضّأ لما يستقبل من الصلاة“. 

وهناك رواية تأمر بإعادة الصلاة فقط. أقول: وهي ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: “سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنه لم يستنج، قال: ينصرف ويستنجي من الخلاء، ويعيد الصلاة، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته فقد أجزأه ذلك، ولا إعادة عليه”. باب 10، من أحكام الخلوة، (المقرر).

(4) وسائل الشيعة1: 318، الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

والرواية الآمرة بالإعادة، لو تمّ الاستدلال بها لدلّت على بطلان الوضوء من أصله، واشتراط صحّة الوضوء بطهارة موضع النجو، لا أنّ النسيان ناقض على حدّ ناقضية المذي أو إنشاد الشعر، على تقدير ثبوتها، إلاَّ أنّ هذا مما دلّ الدليل على خلافه، فيحمل الأمر بالوضوء على الاستحباب(1).

التوضؤ بنية رجاء المطلوبية في المقام

قوله: لكن الاستحباب في هذه الموارد غير معلوم، والأولى أن يتوضّأ برجاء المطلوبية ولو تبين بعد هذا الوضوء كونه محدثاً بأحد النواقض المعلومة كفى، ولا يجب عليه ثانياً. كما أنه لو توضّأ لاحتمال حدوث الحدث ثم تبين كونه محدثاً كفى، ولا يجب ثانياً(2).

ــــــــــ[409]ــــــــــ

() أقول: وهناك قرينة داخلية في الرواية تدلّ على خلاف المطلوب وهي افتراض السائل كون المحلّ طاهراً بالاستنجاء بالأحجار، إذن فالنجاسة غير موجودة حال الوضوء ليستند بطلانه إليها، لتكون الرواية دالّةً على شرطية صحّته بالطهارة الاستنجائية. وإنما يكون ذلك قرينةً داخليةً واضحةً على الاستحباب في المرتبة السابقة على المعارضة، مع صحيحة علي بن جعفر، (المقرر).

(2) العروة الوثقى1: 185، كتاب الطهارة، فصل في موجبات الوضوء ونواقضه، مسألة4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أمّا عدم معلومية الاستحباب في هذه الموارد، فلأنّه موقوف -كما سبق- على الجمع العرفي بالحمل على الاستحباب، ولم يتمّ.

وأمّا لو توضّأ برجاء المطلوبية ثم تبين كونه محدثاً.

فإن قلنا: باستحباب هذا الوضوء في نفسه للجمع العرفي، فالوضوء صحيح ورافع للحدث، لأنّ الوضوء الرافع هو الوضوء العبادي، ولا يشترط فيه قصد رفع الحدث، وإنّما هي نتيجة تترتّب عليه قهراً، فإنه أثر وضعي، لا أمر قصدي.

وأمّا إذا أنكرنا الاستحباب، فهذا الوضوء يكفي أيضاً؛ لأنّ صحّة الوضوء تتقوم بركنين -على الأكثر-:

الأوّل: كونه مأموراً به.

والثاني: كونه مأتيّاً به بقصد التقرّب.

وكِلا هذين الركنين متوفّر في المقام:

أمّا الركن الأوّل: فلفرض كونه محدثاً، والوضوء مستحبّ بالنسبة إليه، وإن لم يكن هو الأمر الذي رجاه وتوخّى وجوده.

وأمّا الركن الثاني: فموجود أيضاً؛ لأنّ مقرّبيّة الاحتمال كافيةً، فإنه إن جاء بالفعل لاحتمال الأمر كان مأتياًّ به بداعٍ إلهيٍّ، فيكون قُربيّاً، وهذه القُربيّة فعليّة، لأنّ الاحتمال أمر فعليّ، وإن كان المحتمل مشكوكاً، فيقع الوضوء صحيحاً. وانكشاف الخلاف لا يضر بالقُربيّة، ولا يقلب الواقع عمّا وقع عليه.

ولذا نقول: بإمكان الوضوء قبل الوقت من أجل الاستعداد للفريضة، فإنّ ــــــــــ[410]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الركن الأوّل متوفّر باعتبار الأمر النفسي به، والركن الثاني متوفّر باعتبار الإتيان به بداعٍ إلهيٍّ.

ولا يلزم أن يكون الأمر في الركن الأوّل هو المحرّك إلى التقرّب في الركن الثاني، فإنّ هذا مما لم يدلّ عليه دليل، فإنّ أصل القربية في العبادات ممّا لم يدلّ عليها دليل لفظيّ، وإنما ثبتت بالإجماع والارتكاز، فهذا المقدار من توفّر الداعي الإلهي يكون كافياً.

بل يمكن القول بكفاية الركن الثاني في أمر عبادية الوضوء، دون الركن الأوّل، أي سواء كان هناك أمر أو لا، والأمر إنما يكون دخيلاً لتمكين المكلّف من التقرّب، لا أنه ركن في عرضه، فإنّ العبادات على قسمين:

القسم الأوّل: ما يكون صحّته بلحاظ وفائه بملاكه النفسي كالصلاة.

والقسم الثاني: ما يكون صحّته بلحاظ وفائه بملاكه الشرطي كالوضوء، فإنّ صحّته بلحاظ إيجاده لشرط الصلاة، فلا بُدَّ أن نرجع إلى دليل الشرطية لنرى حدوده.

ودليل الشرطية يقول: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ(1) الآية. مطلقاً من حيث وجود الأمر وعدمه، ومن حيث قصد القربة وعدمها. غاية الأمر أننا قيّدناه بالارتكاز والإجماع بأن يكون عن قصد قربيّ.

فثبت أنّ الغسلات والمسحات إن جاء بها بقصد قربيّ كان شرط الصلاة متوفّراً، وهذا لا يحتاج معه إلى فرض أمر نفسي بالوضوء، بل يمكن أن يؤتى به 

ــــــــــ[411]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بقصد التوصّل إلى الصلاة، ويكون ذلك داعياً قربيّاً كافياً في صحة وضوئه، بل نقول ذلك حتّى في الوضوء قبل الوقت إذا قصد التوصّل إلى الفريضة التي سوف يتنجّز وجوبها، فالوضوء قبل الوقت حتى مع إنكار الاستحباب النفسي صحيح.

ــــــــــ[411]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  





الفهرس 

 

الفصل [الأوَّل]: أحكام التخلي 13

مسألة 1: [وجوب ستر العورة] 13

[الأدلة اللُّبّية: الإجماع] 13

[الأدلة اللفظية] 14

القسم الأوّل: ما قد يُستدَلُّ به لإثبات الحرمة 14

الطائفة الأولى: [ما ورد في تفسير آية (غض البصر)] 14

الطائفة الثانية: ما دلّ من الروايات على حرمة النظر 16

الطائفة الثالثة: الآمرة بالإزار في الحمام 16

الطائفة الرابعة: ما دلّ على إناطة نفي البأس عن التعرّي بعدم الناظر 17

الطائفة الخامسة: الحرمة من حيثية النظر 18

القسم الثاني: الروايات التي قد يُدّعى الاستدلال بها على نفي الحرمة 19

الطائفة الأُولى: ما ورد في التفسير النبوي: “عورة المؤمن على المؤمن حرام” 19

الطائفة الثانية: ما ورد فيها التعبير بالكراهة 21

ــــــــــ[413]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

تقديم ما دلّ على إثبات الحرمة 22

في عموم وجوب ستر العورة وحرمة النظر 23

معنى العورة عند الرجل والمرأة 25

في أنّ الواجب ستر لون البشرة دون حجمها 26

مسألة 2: [حرمة النظر الى عورة الكافر] 27

المَدرَك الأوّل: الآية الكريمة قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ 27

المَدرَك الثاني: رواية حريز “لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه” 28

المَدرَك الثالث: الروايات التي تأمر باتخاذ المئزر 29

المَدرَك الرابع: رواية أبي بصير “إذا لم يره أحد فلا بأس” 29

ما قد يُستدلّ به على جواز النظر إلى عورة الكافر 30

مسألة 3: [المراد من الناظر المحترم] 33

مسألة 4: [نظر المالك إلى مملوكته المزوّجة] 36

مسألة 5: [عدم وجوب ستر الفخذين والإليتين] 37

مسألة 6: [عدم الفرق بين أنواع الساتر] 38

مسألة 7: [الستر في الظلمة] 39

مسألة 8: [النظر إلى عورة الغير من وراء الزجاج أو في المرآة] 40

مسألة 9: [حكم الوقوف في مكان يعلم فيه بوقوع نظره على عورة الغير] 42

الفرع الأوّل: في جواز الوقوف المستلزم للنظر 42

الفرع الثاني: في إجراء الاحتياط أو البراءة حال الشك 43

ــــــــــ[414]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

البيان الأوّل: [بلحاظ دليل الحكم الواقعي] 43

البيان الثاني: [بلحاظ دليل الحكم الظاهري] 44

مسألة 10: [حكم الشكّ في وجود الناظر أو في كونه محترماً] 47

[حكم التستر في حال الشك بلحاظ دليل الحكم الواقعي] 47

حكم التستر في حال الشك بلحاظ دليل الحكم الظاهري 48

مسألة 11: [حكم النظر الى عورةٍ مع الشكّ في كونها عورة حيوان أو إنسان] 50

الشك في كونها من الزوجة أو الأجنبية 52

اشتباه الأمر بين كونه عورة أو غيرها 55

مسألة 12: [حكم النظر إلى عورة الخنثى] 56

مسألة 13: [حكم النظر الى عورة الغير اضطراراً] 57

في تعيين النظر إلى العورة بالمرآة 57

مسألة 14: [حرمة استقبال القبلة أو استدبارها حال التخلّي] 60

المقام الأول: في ما قد يُستدلّ به لإثبات هذا الحكم 61

المقام الثاني: في ما قد يُستدَلُّ به على نفي هذه الحرمة 63

[كون مدار الحرمة هو الاستقبال أو الاستدبار بمقاديم البدن] 66

[عدم الفرق في حرمة الاستقبال بين الأبنية والصحاري] 67

[عدم حرمة استقبال بيت المقدس حال التخلّي] 67

[عدم حرمة الاستقبال والاستدبار حال الاستبراء والاستنجاء] 68

التقريب الأول: التمسّك بالمطلقات 68

ــــــــــ[415]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

التقريب الثاني: التمسّك بإصالة البراءة 69

التقريب الثالث: الاستدلال برواية عمار 70

التقريب الرابع: إجراء الاستصحاب 71

الاضطرار إلى الاستقبال أو الاستدبار 72

تقديم محتمل الأهمِّية 72

التقريب الأول: باعتبار أكثرية الروايات 72

التقريب الثاني: ملاك الحرمة ملاك تأديبي 73

حكم دوران أمر التخلّي بين ترك التستّر والاستقبال 75

حكم التخلّي مع اشتباه القبلة 75

تنبيهات في أصل المسألة 77

مسألة21: [المقصود من مقاديم البدن] 81

المقام الأوّل: في تشخيص عنوان الاستقبال. 81

المقام الثاني: ما هو المحرّم في التخلّي 82

مسألة 22: [حرمة التخلّي في المدارس التي لا يعلم بكيفية وقفها] 84

التقريب الأوّل: استصحاب عدم صدور الإذن من المالك 85

التقريب الثاني: عدم مالكية الجهة الأعمّ 87

الفصل الثاني: في الاستنجاء 93

[وجوب غسل مخرج البول بالماء] 93

الخصوصية الأولى: لزوم الغسل بالماء 93

ــــــــــ[416]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

بلحاظ مقتضى القاعدة 93

بلحاظ الروايات 94

الروايات المعارضة 95

الأولى: رواية سماعة 95

الثانية: رواية حنان بن سدير 98

الثالثة: رواية عبد الله بن بكير 102

تحقيق الحال 103

الخصوصية الثانية: في لزوم التعدّد وعدمه 104

الغسل بالماء القليل 104

الروايات التي يستدلّ بها على كفاية المرّة 105

1-رواية يونس بن يعقوب 105

2- رواية نشيط بن صالح 108

تنبيهان 110

3- رواية نشيط الثانية 113

إشكالات ترد على الرواية 114

4-صحيحة زرارة 116

5- رواية المغيرة 117

6- جميل بن دراج 118

تحقيق الحال في الروايات 119

ــــــــــ[417]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

أفضلية غسل موضع البول ثلاث مرات 120

لا فرق بين الذكر والأنثى 121

لا فرق بين المخرج الطبيعي وغيره 122

التخيير بين الغسل بالماء والمسح بالأحجار أو الخرق 125

وأما المسح بالأحجار 126

الدليل الأول: الإجماع 126

الدليل الثاني: الروايات 126

الروايات المعارِضة 127

1- رواية عمار 128

2- ورواية سماعة 129

3- رواية دعائم الإسلام 130

حدود المطهّرية 130

أفضلية الغسل على المسح بالأحجار 133

أكمليّة الجمع بين الغسل والمسح 134

المدار في الغسل النقاء وفي المسح النقاء مع العدّد 135

بلحاظ مقتضى القاعدة 135

بلحاظ الروايات 136

عدم كفاية المسح بأقل من ثلاث وإن حصل به النقاء 137

الكلام في الاكتفاء بمطلق المسح 137

ــــــــــ[418]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

1- موثّقة يونس بن يعقوب 138

2- رواية ابن المغير 139

3- رواية بريد بن معاوية 140

4- مضمرة زرارة 141

5- رواية زرارة الأخرى 142

6- رواية زرارة الثالثة 144

7- رواية بريد بن معاوية الأخرى 144

الكلام في وجوب التعدّد 145

صحيحة زرارة 145

إشكالات ترد على الصحيحة 145

كفاية الحجر الواحد ذي الجهات الثلاث 149

لزوم التعدّد بالحجر 149

في كفاية ثلاث مسحات 150

ما نقض به السيد الأستاذ 151

الجواب على تفض السيد الأستاذ 151

في كفاية مطلق ما يكون قالعاً 154

الدليل الأوَّل: حسنة ابن المغيرة 154

الدليل الثاني: موثّقة يونس بن يعقوب 155

الدليل الثالث: إلغاء الخصوصية 155

ــــــــــ[419]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

اشتراط طهارة الأحجار 156

الوجه الأوّل: فاقد الشيء لا يُعطيه 156

الوجه الثاني: صحيحة زرارة 157

وتحقيق الكلام في المقام 157

الصورة الأولى 158

الصورة الثانية 160

الصورة الثالثة 161

لزوم إزالة الأثر في الغسل بالماء وعدم لزومها في المسح بالأحجار 161

التطهير بالمسح 161

التطهير بالماء 163

تقريبان لعدم وجوب إزالة الأثر 164

مسألة1: [حرمة الاستنجاء بالمحترمات وعدم كفايته في التطهير] 167

المقام الأوّل: في أصل الجواز 168

الأمر الأوّل: رواية ليث المرادي 168

الأمر الثاني: الإجماع 169

بواعث التشكيك في الإجماع 169

المقام الثاني: لو فرضنا الحرمة، فهل هي حرمة تكليفية أم وضعية 170

مسألة2: [حكم الاستنجاء بالمسحات فيما لو بقيت رطوبة في المحلّ] 173

مسألة 3: [اعتبار عدم الرطوبة المُسرِية فيما يمسح به] 174

ــــــــــ[420]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

اشتراط عدم الرطوبة المسرية 174

لا يشترط انعدام الرطوبة المسرية 174

التقريب الأوّل: التمسّك بإطلاق دليل المسح 174

التقريب الثاني: أننا نتمسّك بإطلاق الدليل مع ضمّ الفحوى العرفية 175

التقريب الثالث: أنّ هذه الوصلة تنجّست بملاقاة النجو 175

مسألة 4: [تعيّن الماء حال خروج نجاسة أخرى مع الغائط] 177

طريقان لإثبات المُدَّعى 177

الشك في وجود نجاسة أخرى 179

المقام الأوّل: في جريان الاستصحاب الحكمي 180

المقام الثاني: في حاكمية الاستصحاب الموضوعي 181

دعوى السيد الأستاذ في المقام 182

مناقشة السيد الأستاذ 182

الفروق العملية بين الطريقين 185

مسألة 5: [الشك في الاستنجاء] 187

الفرع الأول: الشك في الاستنجاء بعد الخروج من بيت الخلاء 187

في شمول قاعدة التجاوز للمقام 188

الفرع الثاني: الشك في الاستنجاء بعد الدخول في الصلاة 191

1- التمسّك بقاعدة التجاوز لتصحيح الصلاة بلحاظ أن التطهير شرط متقدِّم 191

ــــــــــ[421]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

التقريب الأوّل 191

التقريب الثاني 194

التقريب الثالث 195

التقريب الرابع 198

2- التمسّك بقاعدة الفراغ لتصحيح الصلاة 200

إشكال السيد الحكيم 203

3- التمسك بقاعدة التجاوز لتصحيح الصلاة بلحاظ أن التطهير شرط مقارن 205

التقدير الأوَّل: الطهارة شرط في مجموع الصلاة 206

التقدير الثاني: الطهارة شرط في الأجزاء دون الأكوان 207

تعليق على التقدير الأول 207

الفرع الثالث: الشك في الاستنجاء بعد الانتهاء من الصلاة 210

في جريان قاعدة الفراغ لتصحيح الصلوات الآتية 210

نكات عدّة لعدم شمول القاعدة للصلوات الآتية 210

وهم ودفع 211

مسألة 6: [عدم وجوب الدلك في الاستنجاء من البول] 213

مسألة 7: [كفاية مسح مخرج الغائط بالأرض] 215

مسألة 8: [الشك بما يستنجى به] 217

الفرع الأول: الاستنجاء بما يُشك كونه عظماً أو روثاً 217

ــــــــــ[422]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الكلام في الحرمة التكليفية 217

الكلام في الحرمة الوضعية 218

الفرع الثاني: الاستنجاء بما يُشك كونه ماءً مطلقاً أو ماءً مضافاً 219

الفصل الثالث: في الاستبراء 223

الجهة الأولى: في كيفية الاستبراء 224

خصائص الاستبراء 224

الخصوصية الأولى: أن يصبر حتّى ينقطع البول، ثم يبدأ بالاستبراء 224

الخصوصية الثانية: أن يبدأ بمخرج الغائط فيطهّره 225

الخصوصية الثالثة: أن يستعمل إصبعه الوسطى في المرات الأُولى من الخرطات. 227

الخصوصية الرابعة: أن تكون اليد المستعملة هي اليد اليسرى 227

بيان كيفية الاستبراء 227

الأولى: رواية محمد بن مسلم 228

الثانية: رواية عبد الملك بن عمرو 228

الثالثة: حفص بن البختري 230

تخريج فتوى المشهور بالخرطات التسع 230

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقق الهمداني 231

الوجه الثاني: حمل المطلق على المقيد 233

كلامان في المقام 234

ــــــــــ[423]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الكلام الأوّل: تعدُّد الشرط واتحاد الجزاء 234

الكلام الثاني: بناء على عدم صحة رواية عبد الملك بن عمرو 236

الجهة الثانية: في فائدة الاستبراء 240

الاستدلال بعدّة طوائف 240

وجوه الجمع بين الطوائف 242

الجهة الثالثة: في حكم الاستبراء 244

فروع تفصيلية 245

الفرع الأوّل: اشتراط الترتيب 245

الفرع الثاني: عدم شمول الاستبراء للمرأة 246

مسألة 1: [استبراء مقطوع الذكر] 248

مسألة 2: [منجسيّة الرطوبة المشتبهة عند ترك الاستبراء] 251

المقام الأول: أدلة القول بالنجاسة 252

الوجه الأوّل: روايات الاستنجاء 252

تقريب الوجه الأول 254

الوجه الثاني: رواية محمد بن مسلم 256

الوجه الثالث: ما ذكره السيد الأستاذ 257

الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ وجماعة 258

الوجه الخامس: المنظور في روايات البلل المشتبه هو النجاسة الخبثية 262

الوجه السادس: رواية عبد الملك بن عمرو 262

ــــــــــ[424]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه السابع 264

الوجه الثامن: الملازمة العرفية 264

قاعدة عامة تفيد في الموارد الاستظهارية 264

المقام الثاني: في مناقشة صاحب الحدائق 267

نجاسة البلل المشتبه به مع الاضطرار لترك الاستبراء 270

وجهان لسقوط الحكم بالنجاسة 270

الوجه الأوّل: عدم شمول الأمر بالاستبراء للعاجز 270

الوجه الثاني: حديث الرفع 272

دفع وهم مع مناقشته 272

مسألة 3: [عدم لزوم المباشرة في الاستبراء] 277

مسألة 4: [حكم الاستبراء لو كان الشك من الغير] 279

البلل المشتبه من الغير بعد الاستبراء 279

البلل المشتبه من الغير قبل الاستبراء 280

مسألة 5: [الشك في الاستبراء] 283

الشك في أصل الاستبراء 283

الشك في صحة الاستبراء 283

مسألة 6: [الشك في خروج الرطوبة] 285

مسألة 7: [لو علم بخروج المذي وشكّ في خروج البول معه] 286

مسألة 8: [حكم الرطوبة المشتبهة بين البول والمني] 287

ــــــــــ[425]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الفرع الأوّل: ما إذا خرجت الرطوبة المردّدة بين البول والمني قبل الاستبراء 288

الفرع الثاني: ما إذا خرج البلل المردَّد بين البول والمني بعد الاستبراء 292

بيان كلام السيد الحكيم 294

النقطة الأولى: استصحاب القسم الثاني أو الثالث من الكلي 294

النقطة الثانية: تعارض الاستصحابين وتساقطهما 300

النقطة الثالثة: الرجوع إلى استصحاب عدم وجوب غسل الجنابة 302

النقطة الرابعة: استصحاب وجوب الطهارة معارض لاستصحاب عدم وجوب الغسل 304

النقطة الخامسة: إمكان اجتماع الحدث الأصغر والأكبر 307

الفرع الثالث: ما إذا خرج البلل المشتبه المردّد بين البول والمني بعد الوضوء 309

شبهة في المقام مع مناقشتها 309

الفصل الرابع: في موجبات الوضوء ونواقضه 315

الأول والثاني: ناقضية البول والغائط 316

لو خرج من غير الموضع الطبيعي ففيه أقوال 316

الاستدلال على القول بالتفصيل 318

الوجه الأوّل: ما ذكره السيد الأستاذ 318

الوجه الثاني: الحمل على الموضوعية 319

ــــــــــ[426]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الوجه الثالث: حمل البول على المعنى المصدري 320

الوجه الرابع: الرجوع إلى الحمل على الموضوعية 323

لا فرق في البول والغائط بين القليل والكثير 325

تنبيهات 326

التنبيه الأوّل: في سراية النجاسة الخبثية 326

التنبيه الثاني: التفصيل بين ناقضية ما دون المعدة وما فوقها 326

التنبيه الثالث: حدود العادة للموضع غير الطبيعي 327

الثالث: ناقضية الريح 329

لو خرج من غير الموضع الطبيعي 329

لا فرق في الريح بين الصوت وعدمه 331

في خروج الريح من القُبُل 332

ريح لم تكن من المعدة 333

الرابع: ناقضية النوم 335

طوائف أخبار ناقضية النوم 336

الطائفة الأولى: ناقض واقعي بالعنوان الأوّلي 336

الطائفة الثانية: ناقض واقعي احتياطي 338

الطائفة الثالثة: ناقض ظاهري احتياطي 338

الطائفة الرابعة: ناقض تنزيهي 339

قولان في المسألة 340

ــــــــــ[427]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

الأوّل: القول بالناقضية 340

1- التمسك بالآية المباركة إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا…. 340

2- رواية عبد الله بن بكير المُفسّرة للآية الكريمة 344

فوائد متصورة في الرواية 345

الثاني: القول بعدم الناقضية 347

تحقيق الحال في أخبار ناقضية النوم 351

الكلام في الطائفة الرابعة 351

الكلام في الطائفة الثالثة 354

الكلام في الطائفتين الأولى والثانية 358

هل موضوع الحكم مطلق النوم أو حصّة معيّنة منه 362

إناطة الحكم بطبيعي النوم 362

الناقض هو مرتبة خاصّة من النوم 363

الطائفة الأولى: ما أناطت الناقضية بذهاب العقل 363

الطائفة الثانية: ما أناطت الناقضية بالسيطرة على الأذن والقلب 364

حل التعارض بين رواية سماعة ورواية عمر بن يزيد 366

الخامس: ناقضية كل ما يُزيل العقل 369

الاستدلال بالإجماع 369

الاستدلال بالروايات 370

السادس: ناقضية الاستحاضة 372

ــــــــــ[428]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

مسألة 1: [الشك في أصل الناقض أو ناقضية الموجود] 373

مسألة 2: [خروج ماء الاحتقان] 374

مسألة 3: [القيح والدم وكذا المذي ونحوه ليست نواقضاً] 375

الكلام في الوذي والودي والمذي 375

تصنيف الروايات في المقام 376

وجوه الجمع بين الروايات 377

الوجه الأوّل: الرجوع إلى الطائفة الأولى 377

الوجه الثاني: حمل الروايات الآمرة بالوضوء على الاستحباب 378

الوجه الثالث: تقديم الطائفة الموافقة للسنة النبويّة 380

الوجه الرابع: تقديم الطائفة الموافقة للشهرة 381

الوجه الخامس: تقديم الطائفة الموافقة للكتاب 381

الوجه السادس: إعراض المشهور عن أخبار الناقضية 382

الوجه السابع: أخبار الناقضية صريحة بالحكم الإلزامي 383

الوجه الثامن: التساقط والرجوع إلى مطلق الفوقاني 384

الوجه التاسع: التساقط والرجوع إلى الاستصحاب 384

الوجه العاشر: الترجيح بمخالفة العامّة 384

الوجه الحادي عشر: تقديم قطعي الصدور على غيره 385

محصّل الكلام 386

حكم الوذي 386

ــــــــــ[429]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9  

حكم الودي 388

وجه الجمع بين الروايتين المتعارضتين 389

تطبيق الوجوه الأربعة المختارة على المقام 391

مسألة 4: [مواضع استحباب الوضوء وأدلتها] 396

القسم الأوّل: ما دلّ على وجوب الوضوء فيه مع المعارض 396

القسم الثاني: ما دلّ على وجوب الوضوء فيه من دون معارض 399

مناقشة جواب السيد الأستاذ 400

اعتراضات عدّة في المقام 405

من موارد الاستحباب 408

نسيان الاستنجاء قبل الوضوء 408

التوضؤ بنية رجاء المطلوبية في المقام 409

الفهرس 413

ــــــــــ[430]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج9