أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب الطهارة الجزء (7)

كتاب الطهارة 

الجزء السابع

271.1

ص44 الصدر، محمد.

كتاب الطهارة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج7(416ص.)؛ 17×24 سم.

  1. الطهارة فقه إسلامي أ – العنوان.

    رقم الإيداع

1690/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1690) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي

5-90-699-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

07706062778

manager@alturaath.com



كتاب الطهارة 

تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ 

آية الله العظمى 

السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره 

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء السابع  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 





بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



  • تمهيد تأسيس الأصل عند الشكّ في المطهريّة
  • الفصل الأول: (المطهر الأوَّل الماء)
  • الفصل الثاني: (المطهر الثاني الأرض)
  • الفصل الثالث: (المطهر الثالث الشمس)

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 

تمهيد

تأسيس الأصل عند الشكّ في المطهرية

 

  • المرجع الأول: إطلاق نجاسة المتنجّس 
  • المرجع الثاني: استصحاب بقاء النجاسة
  • المرجع الثالث: إجراء أصالة الطهارة

 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



[تمهيد                                                                                             تأسيس الأصل عند الشكّ في المطهريّة]

قوله: في المطهّرات… (1)

الكلام في المطهرات: ينبغي قبل الشروع في تحقيق هذه المطهّرات من تأسيس الأصل والمرجع لو شك في مطهرية شيء بنحو الشبهة الحكمية بدون فرق بين أن يشك في أصل المطهرية كما في مطهرية الشمس، أو يشك في قيد زائد لها كالغسلة الواحدة للماء أو الاثنين، ولم يكن هناك دليل اجتهادي يقتضي إطلاق المطهرية، فما هو المرجع في ذلك؟

في هذا المقام يمكن تصوير ثلاثة أشياء يدّعى مرجعيتها في ذلك:

 

[المرجع الأول: إطلاق نجاسة المتنجّس] 

 

الأول: إنّ المرجع هو إطلاق نجاسة المتنجّس، مثلاً الثوب تنجّس بالبول، فدلّ الدليل على أنه نجس، وشككنا أنه هل يطهر بالشمس أو بمرة واحدة من 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) بداية فصل جديد من فصول (كتاب الطهارة) بحسب الماتن، العروة الوثقى 1: 107.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الغسل أو لا؟ فنتمسك بإطلاق دليل نجاسته، ونقول إنّ مقتضاه أنه لا نحكم بالمطهرية سواء أصابته الشمس أم لا، أو غسل مرة أم لا.

إلّا أنّ هذا لا يتم لنكتتين: 

[النكتة] الأولى: أنّ الأدلة التي دلّت على نجاسة الأشياء بعد وجود ارتكاز في ذهن المتشرّعة وجود مطهرات في الجملة، فيكون بمثابة مقيّد لبّي متّصل بالإطلاق، فكأنه يقول: (لا تُصلِّ فيه حتى تطهّره). فيكون الدليل الدال على نجاسة شيء في كل مورد يشك أنه مطهّر أو لا، يكون شبهةً مصداقيةً لدليل النجاسة، ولا يمكن التمسك به لنفي المطهّرية.

النكتة الثانية: وهي تختص بخصوص مطهّرية الماء.

وحاصلها: أنّ الأمر بالعكس، فإنّ الإطلاق المقامي لدليل نجاسة الشيء يقتضي مطهّرية الماء بالنحو الذي يكون به الماء مطهراً للقذارات العرفية، فكما لا يشترط عرفاً إلّا إزالة القذر كذلك في النجاسات، فكلما شك في اعتبار أمر آخر يكون ذلك الأمر منفياً بالإطلاق المقامي.

توضيحه: أنّ لسان أدلة النجاسة لسان التنزيل، يعني هذا حاله حال ما يراه العرف نجساً وقذراً، فدليل النجاسة يقتضي الحوالة على النظر العرفي في كيفية إزالة القذر. فكلّما شكّ في الزائد نفيناه بهذا الإطلاق.

إذن فمرجعية الإطلاق اللفظي لدليل النجاسة غير صحيحة، بل في دليل الماء الإطلاق يقتضي المطهرية لا بقاء النجاسة.

ــــــــــ[14]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 

المرجع الثاني: استصحاب بقاء النجاسة

 

بعد التنزل عن المرجع الأول، والاعتراف بعدم الإطلاق، هو جريان استصحاب بقاء النجاسة، لأنّ هذا الثوب قبل إشراق الشمس عليه لم يكن طاهراً فنستصحبه، وهذا الاستصحاب لا بأس به وهو المرجع الصحيح لو لم يكن حاكم عليه من قبل الإطلاق المقامي الذي أشرنا إليه.

وقد منع السيد الأستاذ(1) من جريانه، لأنه منع من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الإلزامية، فإن النجاسة حكم إلزامي ولكن المختار(2) عن جملةٍ عدم صحة هذا التفصيل.

ــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 8، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) بحوث في علم الاصول6: 128-129، مباحث الحجج والاصول العملية، الاستصحاب، الفصل الثاني، 1- التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية، ودراسات في علم الاصول4: 62، المبحث الخامس الاستصحاب، الاقوال في حجية الاستصحاب، التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



المرجع الثالث: إجراء أصالة الطهارة

 

هو المرجع الذي افترضه السيد الأستاذ(1) بعد المناقشة في المرجعين السابقين، هو إجراء أصالة الطهارة فيه، فإنه يشك في ارتفاع النجاسة فيدخل تحت قوله: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ نَظِيفٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذرٌ”(2)، وهذا لا يعلم أنه قذر فيكون طاهراً.

ولكن هذا الكلام مما لا يمكن المساعدة عليه. 

ونكتة المطلب: أنّ عدم جريان أصالة الطهارة في موارد الشك في بقاء النجاسة هل هو من ناحية حاكمية الاستصحاب عليها، أو لقصور المقتضي في دليلها؟

 فإن بنينا على أنّ دليلها مطلق يشمل موارد الشك في بقاء النجاسة، وإنما لا نرجع إليه لحكومة الاستصحاب عليه. فيتم حينئذٍ الرجوع إلى دليل أصالة الطهارة، لأنّ المقتضي موجود وهو إطلاق دليلها بحسب الفرض، والمانع مفقود، لأنّ الاستصحاب لا يجري على الفرض.

ــــــــــ[16]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 7، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) تهذيب الأحكام 1: 285، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 119، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ولكن هناك مبنى آخر، وهو أنّ دليل أصالة الطهارة قاصر الاقتضاء عن الشمول لموارد الشك في بقاء النجاسة، وذلك لأننا قلنا بأنّ دليل قاعدة الطهارة مجمل من هذه الناحية “حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذرٌ” بالكسر أو بالضم.

فإن قرأناه بالكسر يكون بالمعنى الوصفي، فيشمل مورد الشك في بقاء النجاسة.

وإن قرأناه بالضم بالمعنى الفعلي فمعناه: حتى تعلم أنه قد حدثت فيه النجاسة، فأنا أعلم أنّ هذا قد حدثت فيه الطهارة، وإنما أشك في أن ما حدث باقٍ أو لا.

وحيث لا يعلم أنه بالمعنى الوصفي أو الفعلي فتكون القاعدة مجملةً.

فتحصّل: أنّ الأصل في المقام هو استصحاب بقاء النجاسة، إلّا إذا تم إطلاق مقامي في أصل نجاسة الشيء في إمضاء طريقة التطهير العرفية.

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



الفصل الأوَّل

(المطهر الأوَّل الماء)

 

  • القسم الأول من المتنجِّسات: الاجسام الجامدة
  • القسم الثاني من المتنجِّسات: الأجسام المائعة
  • تطهير الماء للأعيان النجسة

 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  






الفصل الأوَّل: (المطهر الأوَّل الماء)

 

قوله: وهي أمور أحدها الماء (1).

أوّل المطهرات: الماء، وأصل مطهريته(2) من ضروريات المتشرعة بل من ضروريات الشرع، وإنما المهم قيام دليل على إطلاق مطهريته، والمتنجسات على قسمين: جسم جامد وجسم مائع.

 

القسم الأول من المتنجِّسات: الاجسام الجامدة

 

أما الأجسام الجامدة التي تقبل الغسل بالماء، فلا إشكال في أنّ عدداً كبيراً منها ورد فيها الأمر بالغسل بالماء، وهو دليل على مطهّرية الماء كما تقدم، فتثبت مطهّريته بالروايات الخاصّة.

شبهة مع جوابها

إلّا أنّه قد يتوهّم أنّ هذه الروايات لم تستوعب كل الأشياء الجامدة 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() العروة الوثقى 1: 107.

(2) وقد سبق الكلام في ذلك في أول باب المياه، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وخاصة الأشياء التي لم تكن معروفةً يومئذٍ، فلا بُدّ من الالتزام بعدم مطهّرية الماء لها، وهذه الشبهة يمكن الجواب عليها بعدّة وجوه:

الوجه الأول: أننا نتمسّك بالإطلاق المقامي لنفس دليل النجاسة لإثبات مطهّرية الماء في إمضاء الطريقة العرفية في التطهير ومن الواضح أنّ هذا عبارة أخرى عن مطهّرية الماء باعتبار مركوزيّة ذلك.

الوجه الثاني: أن خطاب (اغسل) وإن ورد في موارد مخصوصة، ولكن إما أنّ العرف يتعدّى إلى الأمور الأخرى أو لا. فإن كان يتعدّى كما هو كذلك، لأنّ العرف يرى أنّ هذه أمثلة لأمر كلي واحد، وإن كان لا يتعدّى فنحن نستشكل في أصل النجاسة، فإن كثيراً من النجاسات لم تثبت نجاستها إلّا بلسان (اغسل)، فإذا لم نتعدَّ إلى الأمور الأخرى لم تثبت النجاسة أصلاً.

الوجه الثالث: التمسّك بعموم موثقة عمار(1) التي يقول فيها: “يغسل كل ما أصاب ذلك الماء”(2)، وهذا عموم يشمل كل ما أصاب. فلا إشكال بوجوب موجبة كلية لمطهّرية الماء لكل الأجسام الجامدة.

الوجه الرابع: إطلاق دليل مطهّرية الماء، فإنّها:

تارةً: تكون مستفادةً من لسان (اغسل).

ــــــــــ[22]ــــــــــ

() الموجودة في باب 4 من أبواب الماء المطلق، (المقرر).

(2) من لا يحضره الفقيه1: 20، باب المياه طهرها ونجاستها، الحديث: 1، ولاستبصار1: 32، الباب17 من ابواب المياه واحكامها، الحديث:7، ووسائل الشيعة1: 142، الباب 4 من ابواب الماء المطلق، الحديث1، مع اختلاف يسير.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأخرى: تكون مستفادةً من عنوان: “جعل لكم الماء طهوراً”، والشبهة مُبتنية على أنّ الاستفادة بالنحو الأول.

واللسان الثاني بقرينة صدر الرواية يفهم أنّ المراد من (الطهورية) المطهّرية: محمد بن الحسن الطوسي بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله: قال: “كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض وقد وسع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض وجعل لكم الماء طهوراً فانظروا كيف تكونون”(1)(2).

فلا بأس بالتمسك بإطلاق المطهّرية هنا إما باعتبار حذف المتعلّق، وكلمة لكم متعلّقة بجعل لا بطهور، من هنا جاءت متقدّمةً على كلمة طهور، فمتعلّق المطهّرية محذوف فيقال: إنّ حذف المتعلّق يدلّ على العموم. أو باعتبار أنّ ارتكازية العموم في الأذهان العرفية بنحو الموجبة الكلية، فيكون قرينة في الدليل.

ــــــــــ[23]ــــــــــ

() باب:1 من ابواب الماء المطلق، (المقرر).

(2) من لا يحضره الفقيه1: 10، باب المياه طهرها ونجاستها، الحديث: 3، وتهذيب الاحكام1: 356، كتاب الطهارة، الباب15، الحديث: 27، ووسائل الشيعة1: 134، الباب 1 من ابواب الماء المطلق، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



القسم الثاني من المتنجِّسات: الأجسام المائعة

 

القسم الثاني المائعات، وهي: إما ماء مطلق أو غيره. 

أمّا الماء المطلق فيطهر بإيصاله بالمعتصم إما مطلقاً أو بشرط الامتزاج، وقد تقدّم في أبحاث(1) المياه، وذكرنا أنه لا يحتاج إلى الامتزاج. نعم إذا كان متغيراً احتاج إلى زوال التغيّر ثمّ الاتصال.

أمّا الماء المضاف فلا يطهر لا بالاتصال ولا بالامتزاج، وقد تقدّم ذلك(2) أيضاً، نعم لو استهلك في الماء المعتصم طهر وقد تقدّم أيضاً.

مناقشة في الجهة اللفظية فنيّاً

نعم، تبقى جهة لفظية لا بأس بالتكلّم عنها، حيث إنّ التعبير بـ (مطهّرية الماء المطلق للمضاف بالاستهلاك) ليس تعبيراً فنيّاً دقيقاً، لأحد أمرين:

الامر الأوّل: أنّ المطهر ليس هو الماء بل هو الاستهلاك

وقد يجاب عن ذلك: أنّ الاستهلاك وحده لا يكفي بل يحتاج إلى أن يكون استهلاكاً في الماء المطلق المعتصم، فلو استهلك في كرّ مضاف فلا تحصل 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

(1) بحوث في شرح العروة الوثقى1: 322، كتاب الطهارة، فصل في المياه، المسألة 13.

(2) بحوث في شرح العروة الوثقى1: 197، كتاب الطهارة، فصل في المياه، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الطهارة، فالمطهر مجموع الأمرين: (الاستهلاك) و(الماء المعتصم).

وهذا غير تام، لأنّ تمام المطهر ليس إلّا الاستهلاك، وأما مسألة ما لو استهلك في كرّ مضاف فجوابه واضح، فإنه بمجرد إلقائه في الكر يتنجس كله، فلم يستهلك المتنجّس بما هو متنجّس، وإن استهلك المضاف المتنجّس الأول ذاتاً، فلم يحصل استهلاك.

وتفصيل الكلام في ذلك: أنّ المضاف المتنجّس الذي يُلقى على الماء المطلق:

تارةً: يفرض أنه تستهلك صفته لا ذاته، بمعنى أنه يصبح ماءً مطلقاً، كما إذا ألقينا مقداراً من الماء المضاف بالتراب وهو متنجّس في كُرٍّ معتصم مطلق، فتقلّ نسبة التراب ويصبح مطلقاً فذاته محفوظة، وإضافته تزول، وهنا لا إشكال في أنّ الماء هو المطهّر، ولا دخل للاستهلاك إلّا تحويل المضاف إلى المطلق، وبعد إطلاقه يتصل بالمطلق المعتصم فيطهر.

وأخرى: يفرض أنّ ذات المضاف تُستهلك كالكوب من الحليب إذا ألقي في كُرٍّ من الماء المطلق، كما أنه لو أُلقي في كُرٍّ من الشاي تستهلك ذاته أيضاً، في هذا الفرض الاستهلاك هو المطهّر، والماء يكون دخيلاً بنحو المقدمة الإعدادية، لأنّ الماء المطلق المعتصم يحدد دائرة النجاسة، لأنه معتصم لا يكتسب النجاسة، فتبقى النجاسة واقفة على الكوب، فتستهلك باستهلاكه، وأما الكُر من الشاي فسوف يتنجس بكوب الحليب، وسوف تنتشر النجاسة لا أنها تستهلك.

إذن فنسبة المطهّرية إلى الماء صحيحة في الفرض الأول، وأما في الفرض الثاني فكما قلناه.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأمر الثاني: أنّ عدّ الاستهلاك من المطهّرات مسامحة 

لأنّ الاستهلاك عبارة عن انعدام الموضوع في نظر العرف، وبعد انعدامه لا يكون موجوداً حتى يطهر.

وتفصيل الكلام في ذلك أيضاً، أنه:

تارةً: يفرض أنّ الاستهلاك استهلاك الصفة لا استهلاك الذات -كما أشرنا إليه-، فلا إشكال في أنّ هذه المطهرية حقيقية، لأنّ الذات محفوظة بعينها، وإنما الذي استهلك هو الصفة.

وإن فرض أنّه استهلاك للذات والصفة معاً، فعدُّ هذا مطهّراً أو لا مبني على مطلب سوف يأتي في مبحث مطهّرية الاستهلاك، وهو أنه لو استهلك المضاف القليل في كُرٍّ، ثمّ أمكن سحب الأجزاء فهل يحكم عليها بالطهارة أو بالنجاسة؟ فإن حكم عليها بالطهارة فالاستهلاك مطهّريته حقيقية، على شرط أنّ القائل بالطهارة يقول: إنّ هذه الأجزاء هي عين تلك الأجزاء عرفاً، لا أنها غيرها.

وأما إذا قلنا بأنّ هذه الأجزاء محكومة بالنجاسة أو بالطهارة لكن بصفتها فرداً آخر، لأن المعدوم لا يرجع، فالحكم بطهارته لا يكون من باب مطهّرية الاستهلاك.

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



تطهير الماء للأعيان النجسة

 

قوله: بل يطهر بعض الأعيان النجسة كميّت الإنسان فإنه يطهر بتمام غسله(1).

فإنه يحكم على ميّت الإنسان بالنجاسة كما سبق، ويحكم عليه بالطهارة بالماء على ما يأتي، ولكن يطهّر على وجه مخصوص لا كالنجاسات الأخرى، وهو الغسل.

الكلام في شرائط التطهير 

قوله: ويشترط في التطهير به أمور بعضها شرط في كل من القليل والكثير وبعضها مختص بالتطهير بالقليل. أما الأول: فمنها زوال العين و الأثر بمعنى الأجزاء الصغار منها(2).

شروط التطهير:

وقد قسمها السيد الماتن إلى قسمين:

الأول: شرائط للتطهير بمطلق الماء سواء كان معتصماً أو لا.

ــــــــــ[27]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 107، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

(2) العروة الوثقى1: 107، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها الماء..

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الثاني: شرائط للتطهير بالماء غير المعتصم، فيقع الكلام في الشروط من القسم الأول.

القسم الأول: شرائط للتطهير بمطلق الماء

الشرط الأول: زوال عين النجاسة

أما الأول: فمنها زوال العين والأثر بمعنى الأجزاء الصغار منها. زوال الأجزاء الصغار فضلاً عن الكبار من العين النجسة، فما لم يتحقق إزالة الأجزاء التي يصدق عليها عرفاً أنها دم أو منيّ أو غائط، فلا تتحقّق الطهارة.

أدلّة إثبات الشرط الأول

والعمدة في إثبات ذلك أمران:

الأمر الأول: أنّ أدلة مطهّرية الماء على قسمين:

القسم الأول: ما دلّ على المطهّرية بعنوانها كـ “جعل لكم الماء طهوراً” في رواية ابن فرقد. 

القسم الثاني: الأمر بالغسل الذي قلنا إنه يدل على مطهّرية الغسل.

الأمر الثاني: الإطلاق المقامي في دليل نجاسة الشيء بالتحويل على أسلوب التطهير العرفي، فكما يطهر النجس العرفي بالماء كذلك هذا.

وكل هذه المَدارك الثلاثة تناسب هذا الشرط المذكور. 

أمّا المَدرَك الأول: فهو لا يتعرّض إلى أنه كيف يطهر الماء.

فإمّا أن يقال: إنه مجمل من هذه الناحية، والقدر المتيقن منه هو المطهّرية بإزالة القذر.

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أو يقال: إنه حوالة على النظر العرفي في مقام التطهير، فينعقد إطلاق مقامي له في تطهير الماء، ونحن نرى في ارتكازاتنا العرفية أنّ الشيء لا يطهّر إلّا بإزالة القذر عن الشيء.

وأمّا المدرَك الثاني: وهو ما كان بلسان الأمر بالغسل، فهو يقتضي اشتراط إزالة القذر، ويكون دليلاً عليه، لأنّ الأمر بالغسل ظاهر بالإرشاد إلى أنّ التطهير منحصر بالغسل، وهو يستبطن معنى الإزالة، إذ لولاه لا يتحقق الغسل، أو على الأقل إنّ هذا هو المتفاهم عرفاً منه حين يكون الغسل للتطهير.

وأمّا المَدرَك الثالث: وهو الإطلاق المقامي فقد ظهر حاله، فإنه حوالة على العرف، وقد عرفنا معنى هذه الحوالة، وأنّ العرف يرى مقوّمية الإزالة للتطهير.

ولو تنزّلنا عن المدرك الثاني من القسم الأول وقلنا إنّ الغسل غير مستبطن لمعنى الإزالة، ولذا يصدق حتى في مورد نظافة المحل، فيكون معناه غمس الشيء بالماء أو إحاطته به، فيكون الأمر بالغسل مطلقاً ودالاً على المطهرية، ولو كان عين النجس باقياً.

إلّا أنّ هناك إطلاقاً آخر معارضاً له، وهو إطلاق ما دلَّ على التنجُّس بالملاقاة، فإنّ هذه الأجزاء الباقية هي عين النجس، والملاقاة حاصلة معه، فيشمله ذلك الدليل، والنسبة بين الدليلين هو العموم من وجه يجتمعان في محل الكلام وهي الملاقاة المتبقية بعد الغسل.

وحينئذٍ يُقال: إنّ دليل المتنجِّس بالملاقاة حيث إنّ الارتكاز العرفي يأبى 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

عن التفكيك بين الملاقاة القبلية والبعدية، ووجود الماء لا يؤثر في المطلب شيئاً، ومعناه أنّ دليل الانفعال حينئذٍ يعدُّ أخصّ مطلقاً من دليل الأمر بالغسل، لأننا لو أخذنا بدليل الغسل، لكان معناه أنّ الغائط بعد الغسل لا ينجّس الثوب وحيث لا فرق عرفاً بينهما، فمعناه أنه لا ينجس قبل الغسل أيضاً، فيلغي دليل الملاقاة، فلا بدّ من تقديمه أساساً.

ولو تعارضا وتساقطا فالمرجع استصحاب النجاسة في كل مورد لا يوجد فيه إطلاق مقامي، وهو هنا غير موجود، لأنّ العرف لا يرى الطهارة في هذه الصورة فيثبت المطلوب أيضاً.

اشتراط إزالة اللون والطعم ونحوها

قوله: لا بمعنى اللون والطعم ونحوهما(1).

أي ما يكون صفةً وعرَضاً عرفاً -لا جزءاً- لا يجب إزالته، وهذا أيضاً واضح بالرجوع إلى تلك المدارك، فإن إطلاقات الأمر بالغسل شاملة للمقام لصدق الغسل في المقام، ويؤيده أمران:

الأمر الأول: وهو أنه في أغلب الأحيان يبقى شيء من هذه الخصوصيات بعد إزالة العين فعدم الأمر به في جميع الروايات التي وردت في مقام التطهير مؤكد لذلك.

الأمر الثاني: ما ورد في الموارد المتفرقة كالاستنجاء ودم الحيض أنه لا 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 107، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها الماء..

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

يشترط زوال الرائحة أو اللون، فتكون مؤيدةً للإطلاق وهو المدرك الثاني.

وأما إذا لاحظنا الإطلاقين المقامِيَّين، فهو يرجع إلى النظر العرفي في مقام التطهير، ولا شك أنه لا يشترط عرفاً إزالة ذلك، فإنها ليست أعياناً نجسةً، بل هي عوارض ولا صفات لها، لو شك في ذلك، فلا بأس بالإجمال في ذلك بعد وجود الإطلاق في المدرك الثاني.

ولكن قد يتوهّم اعتبار زوالها ببيان: أنّ هذه الأمور أجزاء صغيرة من النجاسة وليست أعراضاً لأنّ العرض يستحيل أن ينتقل من موضوعه إلى موضوع آخر، لأنه يلزم منه عدم تقوّمه بموضوعه، إذن فعين النجس لا يزال موجوداً.

وهذا ليس كلاماً فقهياً بل فلسفيٌ، فإنّ الكلام ليس في كيفية انتقال الرائحة واقعاً، وإنما الكلام في الفهم العرفي لهذه الصفات، ولا شكّ أنه في الفهم العرفي يؤخذ (كمّ مخصوص) في صدق العنوان العرفي، فالدم والطحين وغيرهما لا ينطبق على ما كان صغيراً إلى درجة لا تُرى، فإذا قلّ عن ذلك الكم فلا يكون دماً، فعين النجس غير موجود.

مضافاً إلى أنّ استحالة انتقال العرض لا يبرهن على انتقال الرائحة بواسطة أجزاء مادية، بل لعله بواسطة السببية والتأثير، بمعنى أنّ الرائحة هنا أوجدت رائحةً هناك، لا أنها انتقلت وحدها، ولا في ضمن أجزاء أخرى، نعم في ذمّة العلم نقض ذلك.

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الشرط الثاني: عدم تغيّر الماء أثناء الاستعمال

قوله: ومنها عدم تغيّر الماء في أثناء الاستعمال(1).

من جملة الشروط العامة للتطهير بالماء عدم تغيّر الماء في أثناء الاستعمال.

والتغيّر على قسمين: تغيّر بأوصاف المتنجّس وتغير بأوصاف النجس.

التغيّر الأوّل بأوصاف المتنجّس

أما التغيّر بأوصاف المتنجّس، فإن بنينا على أنه منجّس كوصف النجس، وقلنا بأنّ دليل نجاسة الماء المتغير يشمله، إذن يتضح حال هذا القسم من الكلام في القسم الثاني.

وإن قلنا بأن التغيّر بأوصاف المتنجّس ليس منجِّساً للماء المعتصم، فلا يوجد موجب لعدم حصول الطهارة مع هذا التغير، لأنّ إطلاقات الأمر بالغسل تكون محكّمةً.

التغيّر الثاني بأوصاف عين النجس

وأما المتغير بأوصاف عين النجس، فهل يحصل به التطهير أو لا؟

كان المعروف بين المتأخرين(2) اشتراط عدم حصول هذا التغيّر في حصول التطهير.

ــــــــــ[32]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 107، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها الماء.

(2) انظر مصباح الفقيه8: 346، كتاب الطهارة، الركن الرابع القول في احكام النجاسات، نجاسة ماء الغسالة، ومستند الشيعة1: 88، كتاب الطهارة، المقصد الاول، الباب الاول في المطلق، الفصل السابع في المستعمل.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

واستدل السيد الأستاذ(1) على ذلك: بأنه يوجد عندنا دليلان:

  • أحدهما: دليل انفعال الماء بالملاقاة.
  • والآخر: انفعال الماء المتغير ونجاسته.
  • وفي مقابلهما يوجد الأمر بالغسل.

فلو لاحظنا الدليل الأوّل وأردنا إعماله في مقابل الثالث لزم إلغاء دليل التطهير رأساً لأنّ كل ماء أردنا التطهير به يقول لنا دليل الانفعال إنه قد تنجس، فلا يمكن التطهير رأساً، فقد امتنع إعمال دليل انفعال الماء القليل في المقام، فلا بُدّ إذن من الأخذ بدليل المطهّرية ومن هنا لم نشترط عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة.

ولكن إذا لاحظنا دليل نجاسة الماء المتغير، فهو لا يلزم من إعماله إلغاء دليل المطهّرية، لكي نقدّم هذا الثاني لأنه أمر اتفاقي، ومعه نأخذ بدليل نجاسة الماء المتغير، فلا تحصل الطهارة.

وهذا فيه مواقع للنظر: 

الموقع الأول: بلحاظ دليل انفعال الماء القليل

وهو مربوط بما أشير إليه من أنّ دليل انفعال الماء القليل بنحو مطلق يوجب إلغاء دليل المطهّرية، فلا نعمل بالأول، وهذا مبني على أصل موضوعي لا نقبله، لأنّ دليل الانفعال لو كان له إطلاق يشمل ملاقاة الماء القليل لعين ــــــــــ[33]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 7-8، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

النجس والمتنجِّس والمتنجَّس به وهكذا، حينئذٍ يقال: إنّ دليل انفعال الماء القليل يقتضي -مثلاً- أنّ الماء ينجس، لكن الصحيح على ما سبق في بحث المياه أنّ الماء القليل لا ينفعل إلّا بملاقاة عين النجس، فلا يلزم من تقديم دليل الانفعال على دليل المطهّرية إلغاؤه، وغاية ما يلزم عدم احتساب الغسلة المزيلة للعين في التطهير، لأنّ العين إن كانت موجودةً فالماء يتنجس، وأما لو زالت فالماء لا يتنجّس أصلاً.

الموقع الثاني: بلحاظ أن التغيّر اتفاقي

أنه فُرض دليلان: دليل انفعال الماء القليل، ودليل نجاسة الماء المتغير، وقيل إنّ إعمال هذا الثاني لا يوجب إلغاء دليل المطهّرية، لأنّ التغيّر أمر اتفاقيّ.

ويرد عليه: أنه لا تعارض أصلاً بين دليل نجاسة الماء المتغير ودليل (اغسل)، حتى نقول: إننا نُعمل ذاك الدليل دون هذا، فإنّ دليل النجاسة يقتضي أنّ هذا الماء الذي غسلنا به الثوب وتغير يكون محكوماً بالنجاسة والدليل الآخر: يقتضي أننا غسلنا الثوب بماء تغير عند الغسل يكون الثوب طاهراً، فنتيجة الأول أنّ الماء نجس ونتيجة الآخر: أنّ الثوب طاهر، فليس هناك تعارض مع تعدد الموضوع.

وإنما يحصل التعارض عند ضم دليل آخر إلى دليل نجاسة الماء المتغير، وهو دليل تنجيس الماء المتغير. فإنه يقول: إنّ هذا الماء المتغير ينجِّس الثوب، لأنّه ملاقٍ مع الثوب حين التطهير، ودليل التطهير يثبت طهارة الثوب فيحصل التعارض مثلاً.

ــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وحينئذٍ يقال: إنّ هذا الدليل الثاني وهو دليل تنجيس الماء المتغير، ليس له إطلاق يشمل صورة الملاقاة الغسلية، فإنّ هذا الدليل إنما هو الروايات الواردة في الموارد المخصوصة، “كالبارية يبلّ قصبها بماء قذر قال: لا تُصلِّ عليها“، وكلها لم ترد في مورد الملاقاة التطهيرية، فلا إطلاق لها لمثل هذا الماء، واحتمال الفرق موجود عرفاً، فإنّ العرف يرى في مقام التطهير بأنّ الماء يحمل القاذورات والجسم يصبح نظيفاً. فكون الماء يتنجّس، والجسم يطهر أمر عرفي غير غريب، فإنّ الماء الذي أخذ القذارة لا يرجعها مرة ثانية.

ونتيجة ذلك نتمسك بإطلاق خطاب (اغسل)، ونقول: إنّ التطهير حصل سواء تغير الماء عند الاستعمال أو لا، ولا يعارضه دليل تنجيس الماء المتغير فضلاً عن دليل نجاسته.

الموقع الثالث: بلحاظ أن دليل التنجّس إنما هو دليل واحد

لو التفتنا إلى أنّ طرف المعارضة مع (اغسل) هو إطلاق دليل تنجيس الماء المتغير، ولكن افترضنا أنّ هذا الدليل فيه إطلاق، فسوف يتوهم المعارضة بينهما.

ولكن هنا نكتة أخرى وهي أنّ دليل تنجيس الماء المتنجس ليس له دليلان: دليل على تنجيس الماء المتنجس بالملاقاة، ودليل على تنجيس الماء المتغير، وإنما يوجد عندنا دليل واحد، وهو يدلُّ على تنجيس الماء المتنجس مطلقاً، سواء كان متنجساً بالملاقاة أو متنجساً بالتغيّر.

ومعه لا بُدّ من تقديم (اغسل) على هذا الدليل الواحد، إذ يصبح أخص مطلقاً منه، بناء على ما اعترف به من أنه لا بُدّ من تقديم دليل (اغسل) على 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

دليل تنجيس ماء الغُسالة في صورة عدم التغيّر.

ولو أعملنا ذاك الدليل لزم إلغاء دليل (اغسل) مطلقاً، لأنّ الماء متنجس دائماً إما بالملاقاة وإما بالتغيّر.

الموقع الرابع: بلحاظ توهّم وجود المعارضة

أنّ كل ما ذكرناه كان مبنياً على التنزُّل بوجود معارضة بين دليل (اغسل) وأدلة تنجيس الماء المتنجّس بالملاقاة، وتنجيس الماء المتغير، فإنّ طرف المعارضة كان هو دليل نجاسة الماء المتغير إما وحده أو مع دليل تنجيس الماء المنجس، وهنا لا توجد معارضة أصلاً.

والنكتة في ذلك: أنّ دليل (غسل) إرشاد إلى أنّ الغسل يوجب ارتفاع النجاسة السابقة على الغسل، والدليل الآخر يدل على الثوب قد تنجس نجاسةً جديدةً بهذا الماء، وأي منافاة بين أن تكون النجاسة السابقة قد ارتفعت، وهل ثَمّة نجاسة أخرى؟ والأثر العملي يحصل في موارد تعدد الغسل، فإنّه زالت النجاسة البولية فلا يحتاج الآن إلى تعدد في النجاسة الثانية.

فإن قيل: إنّ مفاد (غسل) هو حصول الطهارة الفعلية لا الطهارة الخبثية، قلنا: إنّ (غسل) إرشادٌ إلى تلك النجاسة التي ترتفع بالغسل، وليس له نظر إلى نجاسة أخرى ليكون دليلاً على عدمها.

نعم، لو فرض في تمام موارد الغسل يكون توأماً مع حدوث نجاسة أخرى، كان خلاف الفائدة العرفية لدليل الأمر بالغسل، وهذا بخلاف ما إذا فرض أنّ هذا الاقتران أمراً اتفاقياً لا دائمياً.

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الموقع الخامس: بعد التساقط فالأصل عدم حدوث نجاسة جديدة

لو سلّمنا أنّ الأمر بالغسل يدل على رفع النجاسة السابقة وعلى رفع النجاسة اللاحقة، وعدم حدوث نجاسة أخرى، إذن فله مدلولان عرفياً، ودليل نجاسة الماء المتغير يكون معارضاً مع المدلول الثاني لا الأول، والمعارضة بنحو العموم من وجه، لأنّ دليل (اغسل) يقول: لا تحدث نجاسةً جديدةً لا في مورد التغير ولا غيره، والآخر يقول: إنّ الماء المتغير نجس سواء في مورد التطهير أو غيره.

وبعد التساقط فالأصل مع عدم حدوث هذه النجاسة الجديدة، وأما النجاسة السابقة فقد دلّ دليل الأمر بالغسل على دفعها بلا معارض.

فالصحيح في المقام أنّ الأمر بالغسل يكون محكّماً في نفسه، ومقتضاه عدم اشتراط عدم التغير بأوصاف عين المُنجِّس، غاية الأمر أنه يحكم على الماء بالنجاسة.

الشرط الثالث: طهارة الماء

قوله: ومنها طهارة الماء ولو في ظاهر الشرع(1).

من الشرائط العامة للتطهير بالماء أن يكون الماء محكوماً عليه بالطهارة، فلو كان محكوماً عليه بالنجاسة لم يكن مطهّراً.

أدلّة إثبات الشرط الثالث

والعمدة في الدليل على ذلك هو بحكم الارتكاز على أدلة المطهّرية وأدلة الأمر بالغسل، فإنّ أدلة المطهّرية سواء كانت هي الإطلاق المقامي في أدلة 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 107، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

النجاسة أو “جعل لكم الماء طهوراً”، أو الأمر بالغسل، يطبق عليها الارتكاز بأن فاقد الشيء لا يُعطيه بصفته أمراً بديهياً مركوزاً في أذهان العرف.

فإطلاق(1) الأمر بالغسل للغسل بالماء النجس نرفع عنه اليد بهذه القرينة الارتكازية المتصلة، وهي أنّ النجس والقذر لا يكون منشئاً للطهارة في غيره.

ومعه فلا يوجد في أدلة المطهرية ما يقتضي التطهير بالماء النجس، فنرجع إلى المرجع الأصلي وهو استصحاب النجاسة.

إذن فغاية ما ذكرناه أنّ أدلة المطهّرية لا إطلاق لها يدل على المطهّرية بالماء النجس، لا أنها تدل بالمفهوم على عدم التطهير بالماء النجس.

نعم لو قلنا إنّ الحوالة على العرف نفياً أو إثباتاً لكان لهذا المفهوم وجهٌ، فإنّ العرف كما يثبت التطهير بالماء الطاهر كذلك هو ينفي التطهير بالماء النجس، فيكون دليل التطهير دالاً على عدم صحة هذا التطهير.

مناقشة التمسُّك بأدلة تنجيس الماء المتنجِّس

ولا يمكن الاستدلال على هذا المدّعى بما ذكره الآغايون(2) من التمسك بأدلة تنجيس الماء المتنجّس، فإنّ الثوب المغسول بالماء المتنجّس ينجس، لأنّ المقصود ليس هو إثبات الطهارة الفعلية للثوب لو غسل بالماء المتنجّس. فإنّ 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

() والإطلاق المقامي حوالة على العرف وهي تقتضي الأخذ بما هو مطهّر عرفاً وهو غير الماء النجس، (المقرر).

(2) انظر: دليل العروة الوثقى2: 336، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، المسألة:2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

هذا غير محتمل وذلك:

أولاً: لأن الأمر بالغسل إنما هو ناظر إلى ارتفاع النجاسة بالغسل، لا إلى عدم حدوث نجاسة أخرى بالغسل أحياناً، إذن فالنجاسة الفعلية ثابتة على كل حال، ولا يمكن نفيها بدليل الأمر بالغسل، وإنما الذي يتوهم هو أنّ الأمر بالغسل يكون دليلاً على رفع النجاسة السابقة، والثمرة العملية تظهر في مورد الاحتياج إلى تعدد الغسل، فالمتنجّس بالبول نغسله مرتين بالماء المتنجس، فترتفع النجاسة البولية، فنغسله مرةً واحدةً بالطاهر.

والتمسُّك بإطلاقات تنجيس الماء إنما يتمّ لو كان المدّعى أنه لو غسل به لأصبح طاهراً بالفعل، وليس المدّعى هو ذلك.

ثانياً: لو سلّم أنَّ الأمر بالغسل ناظرٌ إلى الطهارة الفعلية، فلا بُدّ من رفع اليد عنه، إذ كيف يتصور أنّ الماء المتنجّس إذا أٌلقي على الثوب النجس يطهر، وإذا أُلقي على الثوب الطاهر ينجس، فإن هذا غير محتمل عرفاً حتى لو لم يكن لدليل تنجيس الماء المتنجس إطلاقٌ لمحل الكلام.

مناقشة الاستدلال بإراقة الماء المتنجّس

وكذلك لا ينبغي الاستدلال بالروايات الآمرة بإراقة الماء النجس(1) بتقريب: أنّ الماء النجس لو كانت له فائدة التطهير فلماذا أمر بإراقته.

وإن شئتم قلتم بأنّ هذا الأمر موجب لسقوط الانتفاع به عرفاً، ولو كان مطهراً لما سقط عن الانتفاع عرفاً.

ــــــــــ[39]ــــــــــ

(1) التقيح في شرح العروة الوثقى4: 9، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ظهر وجه جوابه وهو أنه إذا كان المدّعى هو حصول الطهارة الفعلية لتم ما قيل. ولكن المدّعى هو ارتفاع النجاسة السابقة بالأمر بالغسل، وأثره العملي ينحصر فيما ذكرناه من مورد تعدد الغسل، ومثل هذه الثمرة التعمُّلية ليست منفعةً عرفيةً تنافي مع الأمر بالإراقة، خصوصاً وأنّ استعمال الماء النجس يوجب انتشار النجاسة أكثر، فلا يقدم العاقل على انتشار النجاسة لأجل تحصيل تلك الثمرة التعمُّلية.

مناقشة الاستدلال بالروايات الناهية عن الشرب والوضوء بالماء النجس

وكذلك لا يمكن الاستدلال عليه بالروايات الناهية عن الوضوء والشرب بالماء النجس(1)، لأنّ الاستدلال بها يتوقف على إلغاء خصوصية المورد والتعدّي من الوضوء والشرب إلى الغسل والتطهير، وهذا التعدّي وإن كان صحيحاً إلّا أنّه بارتكاز أنّ الماء النجس لا يكون مطهّراً، ولولاه لا يمكن التعدّي.

فالمهم هو قصور الأدلّة المقامية واللفظية على التطهير، فيرجع إلى استصحاب النجاسة.

وواضح أنه لا فرق بين الطهارة الظاهرية والواقعية، غاية الأمر أنه لو كانت أدلةٌ ظاهريةٌ تكون آثارها ظاهريةً أيضاً.

ــــــــــ[40]ــــــــــ

(1) التقيح في شرح العروة الوثقى4: 10، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الشرط الرابع: إطلاق الماء

قوله: ومنها إطلاقه بمعنى عدم خروجه عن الإطلاق في أثناء الاستعمال(1).

يشترط عدم خروجه من الإطلاق إلى الإضافة في أثناء الاستعمال، أي خلال عملية الغسل، وهذا شرط واضح. 

وذلك أنه تارةً يكون مَدرَكنا في اعتبار الإطلاق هو الأدلة اللفظية، وأخرى هو الإجماع.

بمعنى أنه يوجد عندنا مسألتان:

المسألة الاولى: أنّه هل يصح الغسل بالماء المضاف؟ وهذه مسألة فرغنا عنها في بحث المياه وفرغنا من عدم الصحّة(2). أما لأجل الأدلة اللفظية حيث قيّد الغسل بكونه بالماء، أو بدليل لُبّي كالإجماع. فلا بُدّ أن يكون الماء الذي يغسل به مطلقاً.

المسألة الثانية: التي هي محلّ الكلام أنّ هذا الماء المطلق الذي نغسل به، لو عرض له الإضافة في أثناء الغسل، فهل يتم به الغسل أو يشترط بقائه على إطلاقه؟ 

وحينئذٍ نقول: بأنّ المدرَك في المسألة الأولى إن كان هو الأدلة اللفظية باعتبار تقييد الغسل بالماء أو انصراف الغسل إليه، فهذا المدرَك كما يشترط الإطلاق حدوثاً يشترطه بقاءً ما دام الغسل مستمراً.

ــــــــــ[41]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 107، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) بحوث في شرح العروة الوثقى (الموسوعة) 9: 96، 113.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأما إذا كان المدرك هناك لم يكن هو الدليل اللفظي، فإن الغسل كما ينطبق على المطلق كذلك ينطبق على المضاف، وإنما المدرك هو الإجماع مثلاً. 

فقد يُتوهّم أنَّه إذا كان المدرك هو الإجماع فلا بُدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن وهو اعتبار الإطلاق حدوثاً، لا حدوثاً وبقاء، فلو أصبح الماء مضافاً فلا إجماع على إخراجه، لأنّ القدر المتيقن من الإجماع غيره.

إلّا أنّ هذا الكلام غير صحيح، فإنه لا يمكن الالتزام بحصول الطهارة وإن فُرِضَ أنّ الإجماع دليل لُبّي، والقدر المتيقّن منه هو الحدوث لا البقاء، لأنه إن خرج إلى الإضافة فسوف ينفعل بملاقاة المتنجس -الأول على الأقل-، وإذا انفعل به فإن انفعاله بمقتضى إطلاقات تنجيس الماء النجس، وأدلة التطهير ليس نظرها إلى رفع نجاسة جديد بل رفع النجاسة الأولى، فلا يمكن أن نحكم بالطهارة الفعلية، فلا محيص في مقام تحصيل الطهارة الفعلية أن يبقى الماء مطلقاً في تمام عملية الغسل.

القسم الثاني: شرائط للتطهير بالماء غير المعتصم

قوله: وأما الثاني: فالتعدُّد في بعض المتنجّسات كالمتنجّس بالبول وكالظروف والتعفير كما في المتنجّس بولوغ الكلب والعصر في مثل الثياب ونحوها مما يقبله. والورود أي ورود الماء على المتنجّس دون العكس على الأحوط(1).

كل واحد من هذه الشروط سوف يكون موضوعاً لمسألة قادمة، فلا مجال 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 107- 108 كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

للكلام فيها الآن إلّا الشرط الأخير، وهو “ورود الماء على المتنجّس دون العكس”.

اشتراط ورود الماء على المتنجّس دون العكس

الدليل على عدم اشتراط الورود هو التمسّك بالإطلاقات، بأن يقال إنّ الأدلة على مطهّرية الماء لم تذكر حالةً بعينها، بل هي مطلقة، وإنّ الماء كما يطهر بوروده على المتنجّس، كذلك بورود المتنجّس عليه، فلا بُدّ من النظر إلى أدلة اشتراط الورود، وهي عدّة وجوه:

أدلة اشتراط ورود الماء

الوجه الأول: الارتكاز العرفي

أنّ أدلة مطهّرية الماء حيث إنها لم تتعرض إلى كيفية التطهير وخصوصياته فقد انعقد لها إطلاق مقاميّ في الحوالة على العرف، في كيفيته، والارتكاز العرفي يقتضي اشتراط ورود الماء على المتنجّس، ويكون شرطاً في التطهير.

ويرد عليه: 

أولاً: أنّ العرف لو لم ندّعِ الجزم بأنّ ارتكازه أوسع من ذلك، وأنه لا يرى اشتراط ورود الماء على المتنجّس، فلا أقل أننا لا نحتمل جزم العرف بهذا الاشتراط، بل العرف له تَحيُّر ولا بشرطية تجاه هذا الاشتراط. والنظر العرفي توصّلي لا تعبّدي، فإنّ تمام همّ العرفي هو نظافة اليد، وهو يحصل بورود الماء على النجس، ويحصل بالعكس، فإذا جزمنا بأنّ العرف لا يفرّق بين الحالتين فالإطلاق المقامي يقتضي الطهارة، لأنه حوالة على العرف، والعرف لا يفرّق، 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وإن فرضنا أنّ العرف له نحو تحيُّر في هذه المسألة فغايته الإجمال، ولا يضرّنا إجماله، لأنّ دليل مطهّرية الماء لا ينحصر بلسان “جعل لكم الماء طهوراً”، بل نرجع إلى إطلاقات الأمر بالغسل، وإطلاقها لفظي لا مقامي، وهو لا يفرّق فيه من هذه الناحية.

ثانياً: لو سلمنا أنّ الارتكاز العرفي يقتضي اشتراط الورود، فلا نسلّم أنّ الإطلاق المقامي يكون دليلاً على الاشتراط، بل غايته أنه لا يكون فيه إطلاقٌ، ولا يكون دليلاً على عدم الاشتراط. 

ونكتة ما أشرنا إليه من أنّ الإطلاق المقامي هل يرجع إلى إمضاء الطريقة العرفية إثباتاً ونفياً، أو إثباتاً فقط؟ فكل ما يراه العرف مطهِّراً فهو مطهِّر، وكل ما لا يراه فهو غير مطهِّر، أو أنّ جهة النفي غير ممضاة؟ لا، الصحيح هو الثاني، لأنّ ظهور بيان: “جعل لكم الماء طهوراً” أنه بيانٌ عملي لا قصصي مع أنه لم يبيّن طريقة التطهير فهو حوالة على العرف، وهذا التقريب لا يمضي أكثر من جهة الإثبات لا جهة النفي.

فهذا ينتج أنّ دليل المطهرية لا إطلاق له، فلنتمسك بإطلاقات الأمر بالغسل.

الوجه الثاني: الغلبة الخارجية

إنّ الإطلاق المقامي غير موجود للوجه الأول، والأوامر بالغسل أيضاً منصرفة، لأنّ الغالب في التطهير هو ورود الماء على الشيء دون العكس. فلا يبقى عندنا إلّا المرجع الفوقاني، وهو استصحاب النجاسة.

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وهذا أيضاً غير صحيح، لإمكان الجواب عليه على الأقل في منع الانصراف في إطلاقات الأمر بالغسل، لأنها لو كانت واردةً في خصوص الغسل بالماء القليل، لكان لذلك التوهم مجال، باعتبار انصراف الذهن العرفي إلى ما هو اعتيادي عنده من صب الماء القليل على النجس، ولكن بعض هذه الإطلاقات لم ترد في خصوص القليل، بل في طبيعي الماء، فلا وجه لانصرافها إلى ورود الماء على المتنجس. هذا مضافاً إلى أنّ مجرد الغلبة الخارجية لا توجب الانصراف كما بُيّن في الأصول(1)

الوجه الثالث: دليل انفعال الماء القليل

ما ذكره السيد الأستاذ(2) من أنّ دليل انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة يقتضي أنّ الماء القليل ينجُس بورود المتنجِّس عليه، فلا تحصل الطهارة الفعلية لليد المتنجّسة، وهو يستفيد من الأمر بالغسل الطهارة الفعلية.

فإن قيل: إنّ هذا يأتي بورود الماء على المتنجّس، فإنه ينفعل إذا صببناه على المتنجّس.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات1: 532، المقصد الخامس، التنبيه الاول، وبحوث في علم الاصول3: 431، مبحث المطلق والمقيد، الفصل الثاني في مقدمات الحكمة، التنبيه الرابع.

(2) قال: “إن القاعدة المرتكزة في أذهان المتشرعة… تقتضي الحكم بنجاسة الماء عند إيراد المتنجّس عليه لأنه قليل، ومع الحكم بنجاسته لا يتيسر التطهير به”. التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 17، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

قلنا: نعم، ولكن لو بنينا على ذلك لزم إلغاء أدلة التطهير بالماء القليل، فلا بُدّ من التفصيل.

وهذا الكلام مما لا يمكن المساعدة عليه، وتحقيقه: 

أنّه تارةً نبني على أنّ الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجّس كما هو الصحيح، فلا موجب للخروج عن أدلة التطهير بالماء القليل، سواء ورد الماء على المتنجّس أو ورد المتنجّس على الماء.

وأما إذا بنينا على أنّ دليل انفعال الماء القليل يشمل الملاقاة للمتنجّس أيضاً، فيجب أن نلاحظ دليل (اغسل بالماء القليل)، لنرى أنه هل هو الطهارة الفعلية، أو هو رفع النجاسة السابقة فقط؟

فإن كان مدلوله هو الطهارة الفعلية فيحصل تعارض بين (اغسل) ودليل انفعال الماء القليل، ومقتضى القاعدة تقديم دليل (اغسل)، لأنّه أخصّ من الآخر، فإنه يختص بمورد التطهير والآخر يشمله وغيره ويقدّم عليه بتمام مدلوله، ولا يفرق بين الماء الوارد والماء المورود عليه.

وأما إذا فرضنا أنّ مفاد (اغسل) ارتفاع النجاسة السابقة فقط، فليس هناك تعارض في المدلول اللفظي بينه وبين دليل نجاسة الماء القليل، لأنّ الأول يقول النجاسة السابقة ارتفعت، والآخر يقول: حدثت نجاسة جديدة.

نعم لو التزمنا بمفاد كِلا الدليلين يصبح مفاد (اغسل) مفاداً نظرياً لا عملياً، فلا بُدّ من الالتزام ولو بنحو الموجبة الجزئية بأنّ النجاسة الأولى ترتفع، ولا تحدث نجاسة أخرى. 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والقدر المتيقن من هذه القضية هو ورود الماء على المتنجّس، لا ورود المتنجّس على الماء.

الوجه الرابع: الأمر بصبِّ الماء

الأمر بصب الماء في بعض روايات الأمر بالغسل بالماء القليل، والصب عبارة أخرى عن إيراد الماء على المتنجِّس.

فإنّ الروايات الواردة للتطهير بالماء القليل على قسمين:

أحدها: وارد بعنوان (اغسل) (1).

والآخر: عنوان الصبّ من قبيل: “صبّ عليه الماء مرتين”.

فالقسم الأول:

1- من قبيل رواية العلاء عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرتين. فإن غسلته في ماء جارٍ فمرةً واحدة” (2).

2- ورواية ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الجسد قال: اغسله مرتين” (3).

ــــــــــ[47]ــــــــــ

() من قبيل: قوله: “اغسله في المِرْكَن مرّتين، فإنْ غَسَلْتَهُ في ماءٍ جارٍ فمرّةً واحدةً“. (باب 2 من ابواب النجاسات ورواية ابن أبي يعفور في باب 1 من النجاسات).

(2) تهذيب الاحكام1: 250، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 4، ووسائل الشيعة3: 397، الباب 2 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

(3) تهذيب الاحكام1: 251، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 9، ووسائل الشيعة3: 395، الباب 1 من ابواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والقسم الثاني: 

من قبيل رواية الحسين بن أبي العلاء: في البول يصيب الجسد قال: صبّ عليه الماء مرّتين”(1).

فلو اقتصرنا على القسم الأول لقلنا إنها مطلقة تشمل ورود الجسم على الماء، ولكن لو التفتنا إلى القسم الثاني، فهي مختصة بخصوص حالة ورود الماء على المتنجس، وحيث إنّ الأمر بالغسل إرشاد إلى ما هو المطهِّر، فيكون الأمر بالصبّ إرشاداً إلى أنّ المطهِّر هو صب الماء عليه مرّتين، وتكون روايات القسم الثاني مقيِّدةً للقسم الأول، لأنّ الأول يأمر بمطلق الغسل صباً أو غيره، والثاني يأمر بقسم مخصوص من الغسل وهو ما كان بالصب، فيقيّد به، فينتج أنّ المطهر بالماء القليل هو الغسل بالصب.

مناقشة الوجه الرابع

والكلام في هذا الاستدلال يقع في نقطتين:

النقطة الأولى: في دلالة روايات الصبّ على الاشتراط

في أصل دلالة روايات الصب على اشتراط ورود الماء على المتنجّس أو لا، فجملة من روايات هذه الطائفة الآمرة بالصبّ في الإمكان بسهولة المناقشة في 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

(1) الكافي5: 163، كتاب الطهارة، الباب36، الحديث:1، وتهذيب الاحكام1: 249، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 1، ووسائل الشيعة1: 343، الباب 26 من ابواب احكام الخلوة، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

دلالتها على ذلك كرواية الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الجسد قال: صبّ عليه الماء مرّتين فإنما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله مرّتين”(1)(2).

فإنه من الواضح بقرينة المقابلة بين الجسد والثوب وتعليل الصبّ بأنه ماء، بأنّ العناية الملحوظة بالأمر بالصبّ ليست هي ورود الماء على المتنجّس، بل عدم احتياجه إلى الفرك باعتباره ماءً يزول بصبّ الماء. 

بخلافه في الثوب، فإنّ البول يترسّب فيه فيحتاج -مثلاً- إلى الفرك والغمز.

لكن يوجد في رواية القسم الثاني رواية أبي إسحاق النحوي عن أبي عبد الله قال: سألته عن البول يصيب الجسد قال: صبّ عليه الماء مرّتين”(3)(4). فإنّ مقتضى الجمود على حاقّ العبارة أنه إرشاد إلى مطهّرية المادة، وهو الصبّ، وحيث لا صبّ، فلا دليل على كونه مطهِّراً.

ولا يبقى نقاش في دلالة الرواية إلّا ما قد يقال: من أنّ خصوصية الصب من السائد في الخارج، ولهذا لا يبقى ظهور لأخذ عنوان الصبّ في موضوع الدليل في أنه يكون بعناية مولوية، بل يكون أخذاً عرفياً من باب العادة أنّ 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() باب 1 من النجاسات، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة3: 396، الباب1 من ابواب النجاسات، الحديث: 4.

(3) نفس الباب، (المقرر).

(4) وسائل الشيعة3: 395، الباب 1 من ابواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الغسل بالماء القليل يكون بنحو الصبّ، بخلاف القيود الأخرى، فإنها ظاهرة بالمولوية، كالأمر بالتعدد.

النقطة الثانية: في التعامل مع الروايات تعامل المطلق والمقيد

لو تمّت دلالة الروايات على اشتراط الصبّ، فهل نعامل الطائفة الأولى والثانية معاملة المطلق والمقيّد في باب التكاليف، كخطاب (أعتِق رقبة) و(أعتِق مؤمناً)، أو لا يكون كذلك؟

توضيحه: إذا ورد أمران تكليفيان مولويان كالوجوب في المثال، فهنا يقال: لو تحفّظنا على كِلا الدليلين يلزم إما التهافت، وإما تعدّد الوجوب، والتهافت غير معقول، وتعدد الوجوب مفروض العدم لقرينة من خارج الخطاب أو داخله، إذن فلا بُدّ من حمل أحدهما على الآخر، فإما أن نحمل المطلق على المقيّد، أو العكس، ولا إشكال في أنّ الأول أولى.

ولو كان الأمر بالغسل مولوياً لجرى فيه نفس الكلام السابق، ولكن المفروض أنّ خطاب (اغسل) و(صبّ) إرشاديان إلى مطهّرية المادة. ولا بأس بالعمل بكِلا المدلولين بلا لزوم تهافت أو تعدد في المطهّرية، فإنّ مطهّرية الصبّ مندرجة في مطهّرية الغسل، لأنّ الغسل مطهّر صبّاً كان أو غيره، ولا يلزم تهافت ولا تعدّد ولا محذور من إعمال كِلا المدلولين.

نعم، ينشأ محذور في أنّ الأمر بالصبّ ظاهر في حصر المطهّر بالصبّ باعتباره أمراً تعيينيّاً، فكأنه إرشاد إلى أنّ الصب مطهر منطوقاً، وغيره غير مطهر مفهوماً. فتحصل معارضة بين مفهوم الحصر هنا والأمر بالغسل هناك، 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فإنّ المفهوم يدل على أنه بغير الصب لا يطهر سواء غسل بنحو آخر أو لا، و(اغسل) يدل على الطهارة سواء كان بنحو الصبّ أو لا، يجتمعان في الغسل بغير الصب فيتساقطان، وبعده لا بُدّ من الرجوع إلى مرجع فوقاني كلٌّ حسب مبناه.

استدراك

وقد يقال في المقام: إنّ روايات الأمر بالصبّ حتى لو سلّم وجود الحصر فيها، مع هذا يوجد لها مقيّد، لأنّ روايات الأمر بالغسل بعضها وارد بلا قيد لتحديد نوعية الغسل، لكن توجد رواية واحدة فيها قرينة على أنّ الغسل فيها ليس غسلاً صبيّاً، بل بورود المتنجّس على الماء، فتكون أخصّ مطلقاً من مفهوم الحصر في روايات الصبّ، ونتيجة التقييد أنه لا يعتبر الصبّ.

وهي معتبرة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرّتين فإن غسلته في ماء جارٍ فمرّةً واحدةً”(1).

والمركن هو ما نسميه بالإنجانة، وهو عادةً ظرف للماء القليل، ومن الواضح أنّ الغسل في الماء الجاري غسل غير صبّي، وهو بأن يغمس الثوب في الماء الجاري، فإنه لو صبّ الماء عليه من الماء الجاري لم يكن جارياً، ومقتضى سياق الغسل في الموردين أنّ الغسل بالمركن يراد به الغسل غير الصبّي. فيكون هذا قرينةً على أن يُراد بالغسل في المركن إدخال الثوب فيه، فتقيّد إطلاق الحصر.

ــــــــــ[51]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام1: 250، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 4، ووسائل الشيعة3: 397، الباب 2 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

هذا الاستدلال لو كان يُراد بالمركن ماء المركن، كما استعمل في كثير من الموارد كقوله: “إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسله فلا بأس إلّا أن يكون أصابه قذر… فأهرِق ذلك الماء”(1) يعني الماء ولا معنى لإراقة الإناء-، فيكون ظاهراً بأنّ الغسل في الماء القليل يكون غير صبّي، لوحدة السياق ولظهور (في) بالظرفية، وأما الماء فهو ظرف للمغسول.

وأما إذا لم نحمل المركن على مائه، بل يراد نفس المركن والمراد بالغسل به كون المركن ظرفاً للغسل، وهو إنما يكون إذا كان ظرفاً للمغسول، إذن فالثوب في داخل المركن، وهذا يكون من طريقتين:

إحداهما: إدخال الثوب في الماء الذي في المركن.

والأخرى: أن أضع الثوب في المركن وأصبّ عليه الماء من إبريق ونحوه(2). وليس هنا طريقة غالبية لينزل عليها الإطلاق فيبقى إطلاقاً بأنّه سواء كان في المركن أو لا، بل يمكن أن يقال: إنها لا إطلاق فيها، لأنّ الرواية ليست في مقام البيان من سائر الجهات، بل هي في مقام بيان العدد ليس إلّا(3)

ــــــــــ[52]ــــــــــ

() الكافي5: 40، كتاب الطهارة، الباب8، الحديث:1، ومن لا يحضره الفقيه1: 81-82، المياه وطهرها ونجاستها، باب صفة غسل الجنابة، ذيل الحدبث:177، ووسائل الشيعة1: 152، الباب 8 من ابواب الماء الطلق، الحديث4.

(2) ويؤيد الأول وحدة السياق ومقابلته بالجاري ولكن لا يوجب ذلك رفع اليد عن المركن بالمركنية ولا أقل من الإجمال، (المقرر).

(3) انتهى الاستدراك، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 1: [مدار التطهير زوال العين دون الأوصاف]

المدار في التطهير زوال عين النجاسة دون أوصافها فلو بقيت الريح واللون مع العلم بزوال العين كفى [1] إلّا أن يستكشف من بقائها بقاء الأجزاء الصغار [2] أو يشك في بقائها فلا يحكم حينئذٍ بالطهارة [3] (1).

[1] تقدم الكلام عنه.

[2] كما تقدم أيضاً.

[3] فإن معناه هو الشك في تحقق عنوان الغسل، فإنه يستبطن الإزالة، ومع الشك فيه لا يحكم بالطهارة.

مسألة 2: [اشتراط طهارة الماء قبل الاستعمال]

إنما يشترط في التطهير: طهارة الماء قبل الاستعمال فلا يضرّ تنجّسه بالوصول إلى المحل النجس (2).

ظرف شرطية طهارة الماء رُتبي أم زماني؟

تحصّل فيما سبق ثلاثة شرائط للتطهير بمطلق الماء: طهارة الماء، وإطلاقه، وعدم تغيّره عند الاستعمال. 

الآن يبيّن الماتن أنّ هذه الشروط ما هو ظرفها؟ هل من ابتداء الغسل أو انتهائه أو إلى حين انتهاء العصر؟

ــــــــــ[53]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 108، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

(2) العروة الوثقى1: 108، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فبدأ بالشرط الأول فقال: “وأما الإطلاق فاعتباره إنما هو قبل الاستعمال وحينه”.

فمحطُّ شرطيّة طهارة الماء أن يكون طاهراً لولا الاستعمال.

وتوضيح ذلك: أنّ الدليل على شرطية طهارة الماء إنما هو تحكيم الارتكاز العرفي بأنّ ما يكون قذراً في نفسه لا يزيل القذارة عن غيره.

ومن الواضح أنّ هذا الدليل إنما يقتضي رفع اليد عن إطلاقات المطهرية بمقدار الارتكاز لا أكثر. وهذا المقيد إنما يأبى عن استعمال الماء النجس، إذا كان نجساً قبل الاستعمال، لا ما إذا كان الماء متحملاً للنجاسة بالغسل، فلا يوجد ارتكاز عرفي نافٍ للمطهرية، بل المطهرية العرفية إنما تكون بذلك، ومعه لا مانع من الرجوع إلى إطلاقات أدلة المطهرية.

ومن هنا يعرف أنّ هذا الارتكاز ليس المدار فيه القبل والبعد الزماني، بل القبل والبعد الرُّتَبي، فلو لاقى مع الثوب والعذرة في وقت واحد فلا يطهر، لأنّه نجس لولا الاستعمال وإن لم يكن نجساً قبله.

نعم، لو التزمنا أنّ هذا الماء يطهر من النجاسة السابقة حتى لو تنجس، يأتي إشكال بأحد أمرين:

أنّ هذا الثوب كيف يُحكم بطهارته الفعلية؟

1- إما لأن الماء حين يتنجّس سوف ينجّس الثوب مرةً أخرى، لإطلاق أدلة تنجيس الماء القليل.

ــــــــــ[54]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

2- وإما لإطلاق أدلة انفعال الماء القليل، وهذا الماء سوف يبقى في الثوب نجساً.

إلّا أنّ كِلا المطلبين لا يضران بمفاد (اغسل)، لأنّ مفاده عبارة عن رفع النجاسة السابقة، وليس له نظر إلى فعلية النجاسة إلّا بمقدار ما تقتضيه دلالة الاقتضاء، وكلا الإشكالين يرتفعان بعد البناء على عدم انفعال الماء القليل من المتنجس الخالي من عين النجاسة، فضلاً عن أن يُنجِّس الثوب.

فـالأمر بالغسل له دلالتان:

الأولى: زوال النجاسة الأولى وهي دلالة مطلقة.

والأخرى: عدم حدوث نجاسة أخرى في كل الموارد وهي دلالة اقتضائية.

فإذا بنينا على عدم تنجس الماء القليل بالغسل، فإن غسلنا الثوب مع ارتفاع عين النجاسة فكلا الدلالتين متحققة. وأما إذا غسلناه مع عين النجاسة، فهذا الماء وإن تنجس إلّا أنه تنجس في طول الغسل، ولا ارتكاز على أنّ مثله لا يكون مطهراً، فالنجاسة الأولى ارتفعت. ولكن الماء سوف تحدث فيه نجاسة جديدة. وهذه المشكلة لا تندفع بـخطاب (اغسل) بكلا دلالتيه؛ لأنّ دلالته الأولى ناظرة إلى الرفع لا إلى الدفع، والثانية مجملة.

وهناك مشكلة أخرى وهي أنّ الماء الذي تنجس هل ينجِّس الثوب أو لا؟

لا يبعُد القول إنه لا ينجّسه لا لإطلاق أمر (اغسل) بل لعدم المقتضي، فإن دليل (أنّ الماء المتنجِّس ينجِّس) لا يشمل المورد الذي طهر به، فإنه وارد في موارد مخصوصة كانت النجاسة فيه ثابتةً قبل الملاقاة، أما إذا أخذ الماء النجاسة ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

من الثوب فهو لا يرجعها إليه، ولا يوجد مقتضٍ عرفيٍّ للتعميم، فإنّ العرف يرى الماء فدائياً يأخذ النجاسة ويذهب.

وأما إذا بنينا على أنّ انفعال الماء القليل يشمل المتنجس أيضاً، فدليل (اغسل) يدل على أنّ النجاسة الأولى ارتفعت وإن تنجس الماء.

ولكن تحدث مشكلة من حيث المدلول الاقتضائي له، فإنه سوف ينفعل هذا الماء القليل سواء قلنا بأنه ينجس الثوب من جديد أو لا، بحيث توجد المشكلة في تمام الموارد. ومن هنا لا بُدّ من رفع اليد عن دليل انفعال الماء القليل، ولذا قالوا بطهارة ماء الغُسالة بنحو الموجبة الجزئية، والكلام في ذلك موكول إلى ماء الغُسالة.

ظرف شرطية إطلاق الماء حدوثاً أو بقاءً؟

قوله: وأما الإطلاق فاعتباره إنما هو قبل الاستعمال فلو صار بعد الوصول إلى المحلّ لم يكفِ كما في الثوب المصبوغ فإنه يشترط في طهارته بالماء القليل بقاؤه على الإطلاق حتى حال العصر فما دام يخرج منه الماء الملون لا يطهر إلّا إذا كان اللون قليلاً لم يصِر إلى حدّ الإضافة، وأما إذا غُسِلَ في الكثير فيكفي فيه نفوذ الماء في جميع أجزائه بوصف الإطلاق وإن صار بالعصر مضافاً بل الماء المعصور المضاف أيضاً محكوم بالطهارة(1)

ــــــــــ[56]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 108، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء. وتتمّة المسألة المعنيّة: “وأما إذا كان بحيث يوجب إضافة الماء بمجرد وصوله إليه ولا ينفذ فيه إلّا مضافاً فلا يطهُر ما دام كذلك“.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الكلام في شرطية الإطلاق وأنه هل يعتبر إطلاق الماء حدوثاً، أو لا بُدّ من بقائه إلى حين انتهاء عملية الغسل؟

لابدّ من الرجوع إلى المَدَارك التي على أساسها يقال باعتبار الإطلاق في التطهير بالماء، لنرى مفادها.

فإن كان المدرك هو الإجماع بحيث لولاه لتمسّكنا بإطلاق (اغسل) للمطلق والمضاف كما نُسِبَ إلى السيد المرتضى(1)، فمن الواضح أنّ الإجماع بصفته دليلاً لُبّياً لا بُدّ أن يُقتصر فيه على المتيقّن، ويرجع في الباقي إلى إطلاقات الأمر بالغسل، والمتيقن اعتبار ذلك حدوثاً، وأما إذا عرضت له الإضافة فلا إجماع على عدم حصول التطهير به، ويرجع حينئذٍ إلى إطلاق (اغسل).

وإن كان المَدرَك هو أنّ الأمر بالغسل مُنصرِف إلى الغسل بالماء المطلق فلا إطلاق فيه، فأيضاً ينبغي أن يقال: إنه لا يقتضي أكثر من اعتبار الإطلاق حدوثاً لا اعتباره بقاءً، فإنّ عدم شموله للغسل بالماء المضاف -لو سلّم- إنما هو للعادة الجارية بعدم الغسل بماء الرمان، وهو إنما يوجب انصرافه إلى ما كان مضافاً في نفسه، لا ما إذا كان مطلقاً وأصبح مضافاً بالتوسخ، فلا توجد عادة بخلافه، فالإطلاق في الأمر بالغسل محكّم من هذه الجهة.

وإن كان مَدرَك اعتبار الإطلاق هو تقييد الأمر بالغسل بكونه بالماء -في ــــــــــ[57]ــــــــــ

(1) قال في التعليق على المسألة الثانية والعشرين من (المسائل الناصريات): كتاب الطهارة، المسألة الثانية والعشرون.: “لا يجوز إزالة النجاسات بشيء من المائعات سوى الماء المطلق” ما نصه: “عندنا يجوز إزالة النجاسة بالمائع الطاهر وإن لم يكن ماءً…”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بعض الروايات(1)– الذي هو حقيقة في المطلق دون المضاف، إذن فلا بُدّ أن يكون الماء مطلقاً في كل مدة الغسل، ولو خرج من الإطلاق لم يكن هذا الحين غسلاً بالماء، وهذا معناه اعتبار الإطلاق حدوثاً وبقاءً.

في اعتبار بقاء الإطلاق إلى حين انتهاء عملية العصر

نعم، يبقى سؤالٌ واحدٌ وهو أنه هل يعتبر بقاء الإطلاق إلى حين انتهاء عملية العصر أو لا؟ 

فإن قلنا إنه غير دخيل في التطهير -على ما يأتي- فلا إشكال من عدم لزوم بقاء الإطلاق إلى حين العصر، لأنّ الطهارة تحدث قبله، وإن قلنا بعدم اعتبار العصر في الماء الكثير فكذلك.

وإنما يقع السؤال في الماء القليل لو بنينا على ما عليه المشهور(2)من اعتبار العصر فيه، أو في الكثير لو ذهب أحد إلى اعتبار العصر فيه كالسيد الأستاذ(3)

ــــــــــ[58]ــــــــــ

() كقوله: “تصبّ عليه الماء قليلاً ثم تعصره“، وسائل الشيعة3: 397، الباب2 من ابواب النجاسات، الحديث: 1، أو كقوله: “فإن غسلته في ماء جارٍ فمرةً واحدةً“، وسائل الشيعة3: 397، الباب2 من ابواب النجاسات، الحديث: 1، ومثله ما ورد في رواية عمار الساباطي: “… قال: يغسل ثلاث مرات يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه ثم يفرغ منه ثم يصبّ فيه ماء آخر“، وسائل الشيعة3: 396-497، الباب53 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

(2) نقل الشهرة والأقوال فيها في تبصرة الفقهاء 2: 465.

(3) انظر في ذلك: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 19، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والصحيح في ذلك أن ينظر إلى مدارك اعتبار العصر.

فإنه إن قيل بلزومه شرطاً تعبدياً من دون أن يكون مقوّماً لعنوان الغسل، إذن فلا يعتبر بقاءه على الإطلاق إلى حين العصر، لأنّ الدليل – في المدرك الثالث من المدارك السابقة- هو الغسل بالماء، وهو قد غسل بالماء، وبعد الغسل أصبح مضافاً فهو لا يضر بطهارته.

وأما إذا بنى على اعتبار العصر(1) باعتبار كونه مقوّماً لمفهوم الغسل، فإن بنى على مقوّميّته بنحو الشرط المقارن بحيث يدّعى بقاء العصر إلى حين انتهاء الغسل، فيعتبر بقاء الإطلاق إلى حين العصر، لأننا استفدنا من (اغسل بالماء) لزوم الإطلاق مادام الغسل، والعصر دخيل في الغسل.

وإن قلنا إنّ الغسل دخيل بنحو الشرط المتأخر بمعنى إيصال الماء الذي يعقبه العصر هو الغسل دون ما لا يعقبه، فأيضاً لا يعتبر اعتبار بقاء الماء على إطلاقه إلى حين العصر، فإنه قد أعقبه عصر، غاية الأمر أنه حين العصر أصبح مضافاً، فالغسل كان بالماء وإن كان حين العصر ليس عصراً بالماء.

وإن كان المَدرَك في اعتبار الإطلاق دعوى أنّ الماء المغسول به لو كان مضافاً إذن ينجس بملاقاة المتنجّس، فدليل (اغسل) يعارض دليل انفعال الماء المضاف بناءً على دلالة الأول عل الطهارة الفعلية، وبعد التساقط لا يبقى دليل على المطهّرية.

فهذا المدرَك يوجب أشدّ مراتب الاعتبار، إلى حين انتهاء العصر، سواء 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

(1) المصدر السابق.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

قيل إنه شرط تعبّدي أو أنه دخيل في المفهوم.

فلو قلنا إنه شرط تعبّدي وأنّ الغسل قد تم، فالغسل حصل بالماء إلّا أنّ الثوب نجس ما لم نعصر، والماء انقلب الآن إلى مضاف فينجس الماء، فينجس الثوب ويحصل التعارض السابق.

في ظرفية اشتراط عدم التغير حدوثاً أو بقاءً؟ 

قوله: والظاهر أنّ اشتراط عدم التغيّر أيضاً كذلك فلو تغيّر بالاستعمال لم يكفِ ما دام كذلك ولا يحسب غسلةً من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد(1).

وهذا شرط، أخصّ منه شرطية طهارة الماء؛ لأنّ كل ماء متغيّر فهو ليس بطاهر. وقد بيّنا أنّ هذا الشرط ليس بصحيح كما سبق.

ولو فرضنا أنه شرط وتكلّمنا في الغسلة الأخيرة فهل يعتبر بقاء عدم التغيّر إلى آخر عملية التطهير أو لا؟ من الواضح أنه يعتبر ذلك، إذ لو تغير تقع المعارضة ما بين دليل (اغسل) ودليل انفعال الماء بالتغير.

نعم، فرض حصول التغيير في آخر العملية خصوصاً في العصر، فرض نادر، فإنّ التغيّر المنجّس هو التغير بأوصاف عين النجس، لا بأوصاف المتنجِّس، نعم أوصاف عين النجس إذا انتقلت إلى الماء من المتنجِّس أوجبت انفعال الماء على ما هو التحقيق، إلّا أنّ بقاء هذه الأوصاف بحيث توجب تغير الماء عند العصر بعيد جداً…

ــــــــــ[60]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 108- 109، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بيان عبارة الماتن

لماذا قال: (ما دام كذلك). يعني مادام الثوب يتمتع بدرجة عالية من صفات النجاسة وإن كان يخفّ بالتدريج، فإن خفّ إلى حد لا يتغير الماء فلا بأس.

وهناك تفسير آخر للعبارة: أن يكون المراد مادام الماء كذلك -لا ما دام الثوب كذلك- فالثوب لا يطهر مادام الماء متغيراً، فإذا زال عنه التغير صدفةً فلا بأس بالتطهير به، فلو تغير في أثناء عملية التطهير، ثمّ ارتفع عنه التغير في أثنائه كان مطهراً، وإنما لا يصح التطهير مادام متنجساً، فالذي يمنع عن المطهرية هو التغير المستمر، لا الذي يرتفع في الأثناء.

وقد استهجن السيد الأستاذ(1) واستغرب هذا التفسير وإن ذكره السيد الحكيم(2) في المستمسك، وقال: إنه لا يتصور وجهه، إذ كيف يكفي هذا الماء للتطهير، فإنّ المدرك في عدم إمكان التطهير جارٍ في المقام أيضاً، إذ المدرَك هو دليل انفعال الماء بالتغير، لأنّ الماء يكون نجساً، فلا تحصل به الطهارة الفعلية، وهذا لا يفرّق فيه بين زوال التغير وعدمه؛ لأنّ زوال التغيّر لا يكون مطهّراً حتى عند السيد الحكيم.

ــــــــــ[61]ــــــــــ

() التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 19-20، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) مستمسك العروة الوثقى2: 9، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، قال ما لفظه: “فلو ذهب تغيره كان مطهراً… بل إطلاق المطهرية له محكم“.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والصحيح في المقام أن يقال: إنّ تفسير عبارة الماتن بذلك فيه عدول من الأوضح إلى الأخفى، إلّا أنّ ذلك الرأي لا يكون مستهجناً، فإنّ فرض النجاسة بالتغير عادةً هو الماء الكثير، والعادة أنّ التغير يطرأ على أطراف الثوب، لا على الكر كله. ومن هنا فرض زوال التغير، لاتصاله بالماء المطلق، وأما زواله عن نفسه فلا يمكن إلّا بمدة طويلة، ففرض زوال التغير في أثناء الاستعمال المنظور فيه غسل الثوب في الماء الكثير، فيكون زوال التغير بالمعتصم.

وما يقال من أنّ زوال التغير ليس من المطهرات هو ما إذا كان الزوال في نفسه لا في المعتصم، ففي مثل هذا المورد لا بأس أن يقال بحصول الطهارةّ لأنّ مقتضى إطلاق (اغسل) طهارته ولا يعارضه دليل نجاسة الماء بالتغير، لأنّه يطهر بالاتصال بالكثير.

مسألة 3: [حكم غسالة الاستنجاء]

يجوز استعمال غسالة الاستنجاء في التطهير على الأقوى(1).

المشهور(2) الحكم بطهارة هذه الغسالة مع توفر شرائط معينة، فإن بنى على 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 109، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) انظر: مفتاح الكرامة1: 381، كتاب الطهارة، المقصد الثاني: الفصل الثالث، ماء الاستنجاء، والمعتبر1: 91، كتاب الطهارة، الركن الاول، فروع، الرابع مسألة: وفيما يزال به الخبث… وجامع المقاصد1: 129، كتاب الطهارة، المقصد الثاني، الفصل الثالث، ماء الاستنجاء، وتذكرة الفقهاء1: 36، كتاب الطهارة، الباب الأول، الفصل الثاني، مسألة: 10.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الطهارة ترتب تمام آثارها ما لم يرد دليل مخصص، ومنها رفع الخبث به؛ لأنه ماء طاهر، فيشمله إطلاق (اغسل). 

إلّا أننا خالفنا المشهور وقلنا إنه نجس على الأحوط وجوباً، ويترتب عليه تمام أحكام النجاسة، إلّا تنجس ملاقيه فهو على خلاف القاعدة للروايات الخاصة، فإنها وردت في العفو عن الملاقي، ولا نعمّم إلى الحكم بطهارة نفس الماء بل يحكم بنجاسته، طبقاً لقاعدة انفعال الماء القليل بالنجاسة، ويحكم بطهارة ملاقيه تخصيصاً لقاعدة تنجيس الماء النجس. وتفصيل الكلام في أبحاث المياه.

حكم غسالة سائر النجاسات

قوله: وكذا غسالة سائر النجاسات على القول بطهارتها، وأما على المختار من وجوب الاجتناب عنها احتياطاً فلا.

سائر الغُسالات تارةً يقال بنجاستها -ولو بنحو الاحتياط الوجوبي على ما هو رأي الماتن- ومعه لا إشكال في عدم جواز إزالة الخبث به، لاشتراط طهارة الماء، وأخرى يقال بطهارتها، ومقتضى إطلاق أدلة الغسل والصبّ جواز ذلك، وحصول التطهير.

ورواية عبد الله بن سنان التي استدل بها المشهور على عدم جواز رفع الحدث بماء الغسالة، لو تمّت دلالتها فلا تكون دليلاً على عدم جواز رفع الخبث.

وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: لا بأس أن يتوضأ بالماء المستعمل، فقال: الماء الذي يغسل به الثوب ــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ويغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضّأ منه وأشباهه”(1)(2).

فإن قرأناه بالكسر فيعود إلى الوضوء(3)، والقدر المتيقن من أشباه الوضوء هو مزيل الحدث، فلا يشمل مزيل الخبث.

وهنا رواية عمار التي تأمر بغسل الإناء ثلاث مرّات قد يدّعى كونها دليلاً على عدم جواز رفع الخبث بماء الغُسالة، حيث استدل بها السيد الحكيم(4) على ذلك لأنها تأمر بتحريك الماء وإخراجه، وهذا معناه أنه لا يمكن أن يغسل بالماء مرةً أخرى وإلّا لاكتفى بماء واحد.

الشيخ بإسناده عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله قال: سئل عن الكوز والإناء يكون قذراً كيف يغسل وكم مرّة يغسل قال: يغسل ثلاث مرّات يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ ذلك الماء ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمَّ يفرغ منه وقد طهر”(5)(6).

ــــــــــ[64]ــــــــــ

() باب 9 من ابواب الماء المضاف، (المقرر).

(2) الاستبصار1: 27، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث: 1، وتهذيب الاحكام1: 221، كتاب الطهارة، الباب10، الحديث: 13، ووسائل الشيعة3: 215، الباب 9 من ابواب الماء المضاف، الحديث: 13.

(3) لا إلى الماء، (المقرر).

(4) مستمسك العروة الوثقى2: 10، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(5) باب 53 من النجاسات، (المقرر).

(6) تهذيب الاحكام1: 284، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 119، ووسائل الشيعة3: 497، الباب53 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والسيد الأستاذ(1) استغرب هذا البيان، لأنّ هذه الرواية من أدلة نجاسة ماء الغُسالة ونحن الآن نتكلم في ماء الغُسالة الطاهرة لا النجاسة.

وكذلك الأمر بصبّ الماء مرّةً ثالثةً – مع أنّ الغسالة الثالثة طاهرة عند السيد الأستاذ- إنما هو لتحقق عنوان الغسل، فإنه لا يتحقق إلّا بانفصال الماء.

أما ما أُفيد من أنها من أدلة نجاسة ماء الغسالة، ولكنها بمدلولها المطابقي ليست كذلك، فإنّ غايته أنّ الماء الذي غسل به الإناء في المرة الأولى لا يصلح للغسل الثاني وهذا كما يلاءم مع النجاسة يلاءم مع عدم إمكان التطهير، فيقول السيد الحكيم(2) بأن من تم لديه دليل طهارة الغُسالة يمكنه أن يقول: إنّ هذا الماء لا يمكن التطهير به حتى لو كان طاهراً تمسّكاً بهذه الرواية.

وأما ما أفيد من أنّ الأمر بإراقة الماء إنما هو لأجل أن يتحقق عنوان الغسل، والغسلات الثلاث لا تتحقّق إلّا بإراقات ثلاث.

فإن أريد به توجيه إشكال آخر إلى السيد الحكيم بدعوى أنّ الإراقة لعله ليس لأنه لا يطهر، بل لتحقيق عنوان الغسل.

فجوابه: أنّ السيد الحكيم يريد أن يستدل بكلمة: ماء آخر، وهي تدل على 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) قال: (ولكنه من الفساد بمكان لا ينبغي التعرض له، وذلك لأنّ الموثقة اجنبية عما نحن بصدده)، والتنقيح في شرح العروة الوثقى4: 22، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) مستمسك العروة الوثقى2: 10، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أنه لا يمكن أن يستعمل نفس الماء مرةً أخرى، ولو كانت النكتة هي لتحقق الغسل، فهو مما لا يختلف فيه الحال بين صبّ الماء نفسه، أو صبّ ماء آخر.

فهذا الاستدلال من السيد الحكيم وجيه لو تمّ سندها، ويعبّر عنها بالموثّقة، ولكنها غير تامة لورود أحمد بن يحيى في سندها، وقد ذكرناه في البحوث(1).

مسألة 4: [المتنجس بالبول]

يجب في تطهير الثوب أو البدن من بول غير الرضيع الغسل مرتين(2).

اعتبار تعدد الغسل فيما تنجّس بالبول

في مقام تطهير الثوب من البول لا بُدّ من غسله مرتين، ولا تكفي مرةً واحدةً، وهذا مورد نصوص صحيحة واضحة الدلالة في وجوب التعدّد.

من قبيل:

1- صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرتين”. الخبر(3)(4).

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() لاحظ: بحوث في شرح العروة الوثقى2: 216، كتاب الطهارة، الماء المشكوك، فصل الماء المشكوك نجاسته طاهر.

(2) العروة الوثقى1: 109، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(3) باب 1و 2 من النجاسات، (المقرر).

(4) تهذيب الاحكام1: 250، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 4، ووسائل الشيعة3: 397، الباب2 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

2- وصحيحة العلاء عن أحدهما قال: سألته عن البول يصيب الثوب فقال: اغسله مرتين”(1).

3- وصحيحة ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الثوب قال: اغسله مرتين”(2).

وكذلك غسل الجسد مرتين من البول.

4- كرواية الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الجسد قال: صبّ عليه الماء مرتين فإنما هو ماء”(3).

5- ورواية أبي إسحاق النحوي -وهي معتبرة أيضاً-، قال: سألته عن البول يصيب الجسد قال: صبّ عليه الماء مرتين”(4).

ــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) تهذيب الاحكام1: 251، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 8، ووسائل الشيعة3: 395، الباب1 من ابواب النجاسات، الحديث: 1

(2) تهذيب الاحكام1: 251، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 9، ووسائل الشيعة3: 395، الباب1 من ابواب النجاسات، الحديث: 2.

(3) الكافي5: 67، كتاب الطهارة، الباب 13، الحديث: 7، ووسائل الشيعة3: 396، الباب1 من ابواب النجاسات، الحديث: 4.

(4) تهذيب الاحكام1: 249، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 3، ووسائل الشيعة1: 344، الباب26 من ابواب احكام الخلوة، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أدلة القائلين بكفاية المرّة

وليس في مقابل هذه الروايات إلّا توهم أمرين:

الأمر الأول: الإطلاق

إطلاق (اغسل) في جملة من الروايات كصحيحة عبد الله بن سنان(1) قال: قال أبو عبد الله: “اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه”(2).ورواية عبد الله بن سنان: “اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه”(3). بأن يُدّعى أنّ مقتضى هذا الإطلاق هو الغسل مرةً واحدةً. 

ولكن لا يمكن التمسّك به في مقابل تلك الروايات.

أما أولاً: فلإمكان تغاير الموضوع أصلاً، لأنّ هاتين الروايتين أُخذ في موضوعها أبوال ما لا يؤكل لحمه، وهو منصرف إلى غير الإنسان، فإنّ لحم الإنسان ليس في معرض أن يؤكل أو لا يؤكل، بخلاف الحيوانات الصامتة، فإنها في معرّضيته، فلا يشمل بول الإنسان أصلاً، وروايات التعدّد منصرفة إلى بول الإنسان خاصّة.

ــــــــــ[68]ــــــــــ

() الباب 2 من ابواب النجاسات، (المقرر).

(2) الكافي5: 170، كتاب الطهارة، الباب 37، الحديث: 3، ووسائل الشيعة3: 405، الباب8 من ابواب النجاسات، الحديث: 2.

(3) الكافي6: 67، كتاب الطهارة، الباب 61، الحديث: 12، ووسائل الشيعة3: 405، الباب8 من ابواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وثانياً: لو سلّم الإطلاق في هذه الرواية أو في غيرها يقال: إن مقتضى القاعدة هو التقييد بالروايات الدالة على لزوم التعدّد.

الأمر الثاني: ما رواه الشهيد في الذكرى

الرواية التي ذكرها الشهيد في الذكرى مرسلاً عن الإمام الصادق: “في الثوب يصيب البول اغسله مرّتين”(1) أحدهما للإزالة والثانية للإنقاء. 

فيفسّر التعدّد بهذه الرواية، ومعناه أنّ التعدّد لأجل أن تكون الغسلة المطهرة هي غير الغسلة المزيلة، وأما إذا لم تكن العين موجودةً فلا موجب للالتزام بالتعدّد في مثل ذلك.

وكأنّ هذه الرواية أُخذت من المحقق في المعتبر، فإنه نقل رواية الحسين بن أبي العلاء السابقة، قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الجسد قال: صبّ عليه الماء مرتين فإنما هو ماء” الخبر(2). وأضيفت إليها جملة: الأولى للإزالة والأخرى للإنقاء، وحيث إنّ هذه الجملة غير موجودة في مصدرٍ أصلاً، يطمئن أنّ المحقق كان مفسّراً للرواية واشتبه الشهيد فأدرجها جزءاً من الرواية. ولو صحّت روايته دلالةً فإنها لا تصحّ سنداً، لإرسالها، فلا تصلح أن تكون مفسّرةً لرواية التعدد.

ــــــــــ[69]ــــــــــ

() موسوعة الشهيد الأول5: 84، والزيادة: “الأوّل للإزالة، والثاني للإنقاء”، والكافي3: 55، باب البول بجيب الثوب، الحديث: 1، وتهذيب الاحكام1: 251، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 8.

(2) المعتبرة 1: 435، وعبارته: “قال: اغسله مرتين الأول للإزالة والثاني للإنقاء”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

خصائص تعدّد الغسل

هذا تمام الكلام في تطهير البول بنحو القضية المهملة، ويقع الكلام في خصائصه ضمن أمور:

الأمر الأول: في اختصاص التعدد بالبدن والثوب

الأمر الأول أنّ وجوب التعدد هل يشمل كل الأمور، أو يختص بالبدن والثوب؟

لا إشكال في أنّ الروايات السابقة التي هي المَدرَك أُخذ فيها عنوان الثوب والبدن، ولهذا يكون التعدّي منهما إلى غيرهما مما يتنجّس بالبول يتوقّف على أحد وجهين:

الوجه الأول: إلغاء الخصوصية 

الوجه الأول إلغاء الخصوصية للثوب والجسد، باعتبار أنه لم يؤخذ موضوعاً للحكم الشرعي في كلام الإمام، وإنما أخذ مورداً في كلام السائل، باعتبار أنّ الغالب هو الابتلاء بثوبه وجسده، فيُتعدّى بالفحوى العرفية، وبتنقيح المناط إلى غيرها.

وبتعبير آخر: إنّ العرف يفهم أنّ نجاسة البول شديدة، ولا دخل في ذلك للثوب والبدن فيه، ولا يتعقّل العرف أنّ التنجيس فيهما أشد مما هو في غيرهما بمناسبات الحكم والموضوع، فيُتعدّى من المورد إلى غيره.

وهذا الوجه وإن كان وجيهاً عرفاً، لكن فيه شيء وهو: أنّ وجوب التعدد يرتبط بعاملين:

ــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أحدهما: مرتبة التنجيس.

والثاني: مرتبة اهتمام المولى بتنظيف الشيء.

فقد تكون النجاسة على شكل واحد ولكنّ اهتمام الشارع بالتنظيف هنا أكثر كما في الأواني، حيث قال المشهور بلزوم غسلها ثلاثاً، وهي خصوصية مفهومة عرفاً فكذلك الثوب والجسد حيث اعتبر التعدد لزيادة اهتمامه بالنظافة فيها، وهو أمر مفهوم عرفاً، ومعه يكون التعدّي منها إلى غيرهما بلا وجه.

الوجه الثاني: الروايات خاصة بالجسد والثوب

الوجه الثاني أنّ الروايات لا تشمل غير الثوب والجسد، ولكن يشك في أنه يطهر في المرة الواحدة أو لا، وليس عندنا إطلاق مثبت له، فيرجع إلى استصحاب النجاسة، وهذا الوجه مبتنٍ على إنكار الإطلاقات. 

ولا يقال: إنّ المطلق الذي نرجع إليه هو ما قرأناه من قوله: (اغسل من كل ما لا يؤكل لحمه)، فإنه يقال: إنها منصرفة عن بول الآدمي، ونحن نتكلم عن بوله فيما إذا أصاب غير الثوب والجسد، ومعه فالمرجع هو الاستصحاب.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام، لأنه يكفينا إطلاق أدلة المطهّرية للماء: “جعل لكم الماء طهوراً” لانعقاد الإطلاق المقامي له، وكذلك الإطلاق المقامي له في أدلة تنجيس البول، الذي هو حوالة على العرف وهو بانٍ على الاكتفاء بالغسلة الواحدة.

ومعه فالأقرب عدم لزوم التعدد في غير الجسد والثوب.

ــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأمر الثاني: اختصاص التعدّد ببول الآدمي

إنّ البول الذي يوجب التعدّد هل يخصّ بول الآدمي، أو يعمّ كلّ بول محكوم عليه بالنجاسة؟ 

قد يقال: إنه يخصّ بول الآدمي وهو يتوقف على مجموع أمرين:

الأمر الأول: أنّ الروايات الآمرة بالتعدد فرضت إصابة البول للثوب والجسد، وبقرينة غالبية أن ما يصيب الثوب والجسد هو بول الإنسان دون غيره. حينئذٍ يُجعل ذلك قرينةً على أنّ المراد بول الآدمي، ولا أقلّ من أنه أمر صالح للقرينية في نفسه بحيث يوجب إجمال هذه الروايات.

ومن الواضح أنه ليس المدّعى أنّ كل مطلق ينصرف إلى ما هو الغالب، وإنما يكون للروايات مدلولان:

أحدهما: أنّ ما أصاب هو البول.

والآخر: أنه بول الآدمي، وهو مدلول التزامي غالبي.

الأمر الثاني: وجود مطلقات تقتضي الغسل مرةً واحدةً من بول غير الآدمي، ولا أقل من قوله: “اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه”(1).

ولم نفهم وجهاً لما ذكره السيد الأستاذ(2) من أنّ هذه الرواية واردة لبيان أصل النجاسة ولا إطلاق فيها، إذ لا فرق بين هذا الأمر بالغسل وبين غيره.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 405، الباب8 من ابواب النجاسات، الحديث: 3.

(2) انظر التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 28، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، قال: “… فتعميم الحكم إلى مطلق الأبوال النجسة مما لا وجه له”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وحينئذٍ يقال: إنّ المقتضي للمرة موجود والمانع مفقود، أما المقتضي فهو هذه الإطلاقات، وأما المانع فهي روايات التعدد، وهي إما مقيّدة أو مجملة.

تقريبان في شمول التعدد لأبوال غير الإنسان

وفي مقابل هذا يوجد تقريبان لإثبات التعدد في بول غير الآدمي.

التقريب الأول: الفحوى العرفية

الفحوى العرفية في أبوال نجس العين، فيقال: إنّ احتمال الفرق عرفاً بين بول الآدمي وبين بول السنّور موجود، فلا يمكن التعدّي إليه.

وأما التعدّي إلى بول نجس العين فهو مطابق مع الارتكاز العرفي، لأنّه يرى أنّ التعدد من شؤون شدّة النجاسة، ونجاسة العين يوجب شدّة نجاسة بوله، بحيث يكون صفة نجاسته فرض غير عرفي، فيكون الدليل الدال على التعدد في بول الآدمي دال على التعدد في نجس العين.

وهذا تقريب وجيه إلّا أنّ الجزم به عهدته على مدّعيه.

التقريب الثاني: رواية سماعة

قال: سألته عن بول السنّور والكلب والحمار والفرس قال: كأبوال الانسان”(1)(2) فيُتمسك بإطلاق التنزيل لترتيب تمام الأحكام بما فيها النجاسة 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

() باب 2 من ابواب النجاسات، (المقرر).

(2) تهذيب الاحكام1: 422، كتاب الطهارة، الباب22، الحديث: 9، والاستبصار1: 179، كتاب الطهارة، الباب 108، الحديث: 8، ووسائل الشيعة3: 406، الباب8 من ابواب النجاسات، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والتنجيس والتعدّد في مقام التطهير.

والاستدلال بهذه الرواية فيه إشكال، فإنه سُئِلَ عن أبوال الكلب والسنّور والحمار برغم وضوح البناء على طهارة أبوال الحمار والفرس، مع أنه قيل إنها كأبوال الإنسان، فتعارض ما دلّ على طهارة أبوال الفرس والحمار. ومقتضى الجمع العرفي هو حمل هذه الرواية على الاستحباب أو على مطلق التنزّه. ومعه لا يمكن أن نستفيد حكماً إلزامياً في بول السنّور.

وهذا الإشكال يمكن أن يُجاب عليه بأن يقال: إنّ هذه الرواية غير قابلة للحمل على التنزّه، فإنه لو كانت بعنوان (اغسل) لأمكن حملها على التنزّه ولكن لسانها لسان التنزيل، ومن المركوز عند المتشرعة نجاسة بول الإنسان، فكيف تُحمَل على التنزّه، فإنه لا يكون جمعاً عرفياً بل تأويل.

بل المتعيّن هو حملها على التقييد، فإنّ الفتوى عند العامة هي نجاسة أبوال الحيوانات المركوبة مما يحل لحمه، ومعه فيمكن التبعيض في التقية، فنرفع اليد عن أصالة الجهة في الحمار والفرس ويبقى الباقي على هذا الأصل. 

إلّا أنّ الصحيح في مقام الجواب: أنّ هذه الرواية ليست ناظرةً إلى التنزيل في تمام الأحكام بل خصوص النجاسة، فإنّ ظاهرها أنه سأله عن حكم نفس البول لا حكم المتنجّس به، وهذا ليس حكماً للبول إلّا بعناية.

فدعوى اختصاص الأمر بالتعدّد بخصوص بول الآدمي قريبة.

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأمر الثالث: في اشتراط تخلل الفاصل

الأمر الثالث هل يكفي عن التعدد الصبّة الممتدة التي تساوي غسلتين، أو لا بُدّ من تخلل فاصل في الوسط؟

لا إشكال أنه لا يصدق عنوان المرتين ما لم يتخلل العدم في الأثناء، إلّا أنّ الكلام في قوله: “اغسله مرتين”(1)، هل نجمد على حاقّ لفظه، أو نقول: إنه تقدير بحجم الماء المستعمل في تطهير الثوب، فالمرتان عنوان طريقي لا موضوعي، فلو حصل هذا الحجم كفى؟

لا ينبغي الإشكال في أنّ هذا في نفسه خلاف ظاهر الدليل، فإنّ ظاهر العنوان هو الموضوعية لا الطريقية ما لم يقم دليل عرفي على الحمل على الطريقية.

والسيد الأستاذ(2) قرّب انحفاظ ظهوره بالتعدد، بقياسه إلى (اسجد مرتين) حيث لا يحتمل كفاية السجدة الطويلة.

والإنصاف أنّ هذه المقايسة في غير محلها. فإنّ (اسجد مرّتين) لا يمكن أن يعوض عنها بسجدة طويلة.

والنكتة في ذلك مناسبات الحكم والموضوع التي تقتضي الجمود، فإنّ مقتضى ظهوره هو الموضوعية، والالتزام بهذا الظهور مناسب للفهم العرفي، فإنّ السجود إنما هو للخضوع والخشوع، وهو يزداد بازدياد السجود. وأما 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة3: 395، الباب1 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(2) انظر: فقه الشيعة5: 59-60، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، وكذا التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 27، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الغسل فهو ليس إلّا للتوصُّل إلى النظافة، والنظافة إنما تحصل بوصول الماء إلى الثوب لا انقطاعه في الأثناء، مضافاً إلى أنّ إحداث المرة الثانية ليس لها أثر في الطهارة العرفية، بخلاف السجود فإنّ له دخلاً في الخشوع، ففهم التعدد في السجود لا يلازم فهم التعدد في الغسل.

فدعوى كفاية الغسلة الطويلة غير بعيدة، وإن كان مقتضى الاحتياط خلافها، وإذا كان يكفي في ذلك احتمال كفاية الغسلة الطويلة، فإنّ دليل التعدد يكون مجملاً، فنرجع إلى إطلاقات (اغسل)، والقدر المتيقّن مما خرج منها هو الغسلة القصيرة، فيكفي الغسلة الواحدة الطويلة.

الأمر الرابع: ما هو دور الغسلة المزيلة

 ويقع الكلام في جهتين:

الجهة الأولى: احتساب الغسلة المزيلة في التطهير

 أنّ هذا المتنجّس بالبول لو زال البول عنه وغسلناه مرتين؛ فلا إشكال، وأما إذا كانت العين موجودةً، وأصبحت الغسلة الأولى مزيلةً، فهل تحتسب هذه الغسلة ولا نحتاج إلّا إلى غسلة واحدة، أو لا تحتسب فنحتاج إلى غسلتين؟

نعم، لو عملنا برواية الشهيد في الذكرى(1) فلا إشكال، لصراحتها في احتساب الغسلة المزيلة، وإنما نتكلم بعد الفراغ عن سقوطها.

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) موسوعة الشهيد الأول5: 84، الباب الأول في الطهارة، الفصل الأول: الثالث: يكفي الغسل مرة في الإناء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مقتضى إطلاق الأدلة هو الاحتساب، لأنّ هذا غسل بالماء، فيشمله إطلاق (اغسل وصبّ)، وما يتصوّر كونه مانعاً عن هذا الإطلاق أحد أمور:

الأمر الأول: أنّ هذا الماء المزيل ماء قليل ملاقٍ مع عين النجاسة، فينجس بالملاقاة، والماء النجس لا يمكن أن يكون مطهّراً، فيرفع اليد عن إطلاق (اغسل).

وهذا انقدح جوابه مما سبق، حيث قلنا إنّ قاعدة أنّ النجس غير مطهّر وإن كانت ارتكازيةً في أذهان العقلاء، لكن المقصود منها ما يكون نجساً لولا التنظيف، لا ما تقذّر بهذا التنظيف، بل قلنا إنّ التنظيف بحسب الفهم العرفي معناه الفدائية، أي: يأخذ القذارة مع الشيء ويصحبها معاً، وفي المقام نجاسة في طول التنظيف، فيكون إطلاق (اغسل) محكّماً.

الأمر الثاني: سلّمنا أنّ الطهارة السابقة على الاستعمال كافية للتطهير، فالماء سوف يلاقي عين النجاسة فيتنجّس، وحين نصبّ الماء الثاني يتنجّس أيضاً، وهذا لا يرد في المتنجس الخالي من عين النجاسة -بناءً على أن الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجّس الجامد الخالي من عين النجاسة-، فإنّ الماء الأول سوف لن يتنجّس، ولكن في المقام الماء الأول سوف يلاقي عين النجاسة، وسوف يلاقيه الماء الثاني، ونحن بنينا في بحث -المياه ولو بنحو الاحتياط الوجوبي- بأنّ المائع ينفعل بالمتنجّس المائع.

إذن فنحن ابتلينا بماء نجس في هذا الثوب، وهو ينافي الطهارة الفعلية.

وهذا التقريب لو تم لا ينفي احتساب الغسلة الأولى في التطهير، بل يمكن 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

احتساب كِلا الغسلتين لكن يبتلي بنجاسة جديدة ما لم يجف أو يطهر، لما قلناه من أن مفاد (اغسل) هو ارتفاع النجاسة السابقة، فلا بأس في التمسّك به، ولكن يبتلي بنجاسة جديدة.

ويمكن الجواب على ذلك: بإنكار تنجّس الماء الثاني بالماء الأول، فإنّ قاعدة عدم انفعال الماء القليل قاعدة محكمة، والذي خرج منها بنحو الاحتياط الوجوبي هو الماء الملاقي لماء متنجِّس لا في مقام التطهير، وأما في مقام التطهير فننكر وجود إطلاق في دليل انفعال الماء القليل يشمله.

الأمر الثالث: أنّ الماء الثاني وإن كان لا يتنجس بالأول، لكننا حين نلقيه على الثوب فقد ارتفعت النجاسة البولية، ولكن لا إشكال في أنه بقي من الماء الأول المتنجس على الثوب موجوداً، وهذا لا مطهِّر له.

وهذا التقريب غير وارد أيضاً، لأنّ الماء الأول بعد صبّ الماء الثاني، وإن كان يبقى منه أجزاء صغيرة، لكنها تندكّ في رطوبات الغسلة الثانية، فلا يبقى لها موضوع عرفاً ليحكم بنجاستها.

فالصحيح أنّ مقتضى إطلاق (اغسل) احتساب الغسلة المزيلة. نعم في موارد عدم اشتراط التعدد نشترط أن تكون غسلةً واحدةً بعد الإزالة، إذ مع وجود العين تكون الغسلة نجسةً، ولا موجب للالتزام بطهارتها إلّا إذا جفّت.

الجهة الثانية: عدم الاكتفاء بالغسلتين مع عدم زوال عين النجاسة

لو كان في البول نوع من اللزوجة بحيث لم يزل بالغسلة الأولى، بل زال بمجموع الغسلتين، فهل يُكتفى بها تمسكاً بإطلاق (اغسل) أو لا؟

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

يمكن تقريب عدم الاكتفاء بعدّة تقريبات:

التقريب الأول: أنّ دليل (اغسل مرّتين)، لا يصدق في المقام، بل حصل غسل واحد بحسب الحقيقة لا غسلان، لما أشرنا إليه فيما سبق من أنّ الغسل أُخذ فيه التنقية، وأن لا تكون العين باقيةً معه، ولذا ذهبوا إلى لزوم زوال العين في التطهير، واستدلوا عليه بأنّ الغسل لا يصدق ما لم تكن العين زائلةً. فهنا وإن تحقق صبّ الماء مرتين، لكن لا يصدق عليه عنوان الغسل أصلاً، ولذا لو لم يجب التعدد لما قلنا بالاكتفاء بالواحد ما لم تكن العين زائلةً، فإذا لم يتحقق غسلان فيعتبران غسلةً واحدةً.

التقريب الثاني: أن نقطع النظر عما سبق ونفرض أنه قد تحقق في المقام غسلتان. فيقال: إنّ الماء الثاني الذي هو الغسلة المزيلة قد تنجس، لأنه لاقى مع عين النجاسة، فما الذي يطهره، وهذا عين البيان في صدد عدم لزوم التعدد في عدم الاكتفاء بالغسلة المزيلة.

التقريب الثالث: ما ذكره السيد الأستاذ(1) من أنه بعد الغسلة الأولى يبقى الثوب ملاقياً مع البول، فيشمله إطلاق (اغسله مرتين)، إذ لا يفرق في موضوعه بين الملاقي ابتداءً أو استمراراً، وهذا تقريب جيد لطيف.

ــــــــــ[79]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 29، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء، قال: (فإذا غسلناه مرّة واحدة ولم يزل بذلك فهو أيضاً بول متحقّق في الثوب أو البدن وجب غسله أو صبّ الماء عليه مرّتين كما دلت عليه الأخبار المتقدّمة).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التقريب الرابع: ما ادّعاه السيد الأستاذ(1) من دعوى الانصراف في دليل (اغسل مرتين) عن مثل هذا البول الذي له لزوجة توجب عدم زواله بالغسلة الأولى، فإنه بول غير متعارف، وإنما الدليل ناظر إلى البول المتعارف الذي أخذ إنما هو جاء على ما في بعض الروايات.

وهذا التقريب وحده غير كافٍ لوضوح أنّ روايات (اغسل مرتين) منصرفة عن محل الكلام، فغايته أنها لا تدل على كفاية الغسل مرتين، لا أنها تدل على الغسل ثلاث مرات، فنرجع في نفي الثالثة إلى المطلقات الفوقانية.

فالصحيح في المطلب هو التقريبات الثلاثة الأولى المنتجة لعدم الاكتفاء بهاتين الغسلتين.

الأمر الخامس: في التقابل بين الصبّ والغسل

الأمر الخامس في القضية المهملة الروايات الآمرة بالتعدد يختلف فيها الحال في الثوب بلسان (اغسل مرتين)، وفي الجسد (صبّ عليه مرتين).

فما هو هذا التقابل الملحوظ بين الغسل والصبّ؟ فإن الصبّ غسل، لأنّ الغسل هو استيلاء الماء على المغسول، والصب كذلك بمراتبه غير الدانية، فالنسبة بينهما العموم المطلق، لأنّ كل صبّ غسل دون العكس، فكيف جُعل تقابل ما بينهما! فإنّ الغسل قد يكون بلا صبّ بإدخال المتنجّس في الماء. فهل الثوب أصبح أخفّ من البدن؟ هذا خلاف اللسان القطعي في الروايات.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

(1) المصدر نفسه.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

افتراض أن الغسل أخصّ من الصبّ

ومن هنا افترض بعض الفقهاء(1) في مقام التمييز بينهما أن الغسل أخص من الصبّ وأشد مؤونة منه، بنكتة: أنّ الغسل متقوّم بالعصر بخلاف الصبّ، فإنه إلقاء الماء على الشيء، ومن هنا خُصّ به الثوب لقابليته للعصر، ولأجل ذلك التزم بوجوب العصر في الثوب.

لكن هذا غير تام، فإنّ الإنصاف العرفي أنّ العصر غير دخيل في مفهوم الغسل، فإن دخالته تُتصور على نحوين: 

النحو الأول: أن تكون دخالة العصر في الغسل بنحو الجزئية، فالعصر جزء من الغسل، فعملية الغسل تبدأ بإيصال الماء إلى الثوب، وتنتهي بإخراج الماء منه.

وهذا لا يطابق مع الوجدان العرفي، فلو اشتغل بعصر الثياب المبلّلة، لا يقال: هو الآن مشغول بغسل هذه الثياب، وإنما يقال: إنه فرغ من غسلها، والآن هو مشغول بعصرها.

النحو الثاني: أنّ الغسل منوط بالعصر بنحو الشرط المتأخّر، فإيصال الماء يكون غسلاً بشرط أن يتعقّبه العصر، وإلّا لا يكون غسلاً، فلو كان مشغولاً 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 12-13، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء، قال: (وعلى الجملة لا تردّد في أن الصبّ غير الغسل…، الصحيح اعتبار العصر في الغسل)، ودليل العروة الوثقى2: 377-378، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بصبّ الماء فلا ندري أنّ هذا غسل أو لا، لأننا لا ندري أنه يعصره أو لا. هذا بعيد جداً عن المفاهيم العرفية، وأساساً الشرط المتأخر بعيد عنها.

خصوصيتان بلحاظهما يتبيَّن التقابل بين الغسل والصبّ

فهذا الاستظهار للتقابل بين الصبّ والغسل في غير محلّه، وحاصل ما يمكن أن يقال في التقابل بينهما، أنه يكون بلحاظ إحدى خصوصيتين:

الخصوصية الأولى: أنّ الغسل أُخذ فيه مرتبة من قاهريّة الماء واستيلائه عليه، فإنه من أخذ كفاً من الماء، وألقاه على وجهه، فلا يقال إنه غسل وجهه، وأما الصبّ فيكفي إراقة الماء القليل.

فهنا يقال: إنّ الجسد يكفي صدق الصب ولو بماء قليل، وإن لم يصدق عنوان الغسل، وأما الثوب فباعتبار تعقيداته، وقابليته لنفوذ النجاسة فيه، فيحتاج إلى غلبة الماء عليه.

وهذا تقابل عرفي يمكن حمل الرواية عليه بلا عناية.

الخصوصية الثانية: أن يكون الغسل مستبطناً لبذل عناية في مقام إزالة عين النجاسة، كالفرك والغمز، وهو غير العصر، فإنه لإخراج ماء الغسالة خاصة.

فإن الغسل يستبطن معنى الإزالة والتنظيف، فكلما كانت الإزالة أشدّ كان الغسل في غسليتيه أقوى فلو بقينا نحن ودليل (اغسل)، لقلنا بكفاية إزالة العين؛ لأنّه غسل، ولكن حيث جعل الغسل في مقابل الصبّ، الذي تزول به العين أيضاً، فيفهم أنه أُخذ في الغسل نحو من ا لشدّة وهو الفرك والغمز.

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 ويؤيد ذاك ما ورد في بول الصبي الذي أمر بصبّ الماء عليه:

في رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عن بول الصبي، قال: تصبّ عليه الماء فإن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً”(1)(2) فهو غسل مؤكد وتأكد كل شيء من سنخه فتأكد الغسل بشدة الإزالة بالفرك والغمز ونحوه.

والخصوصية الأولى مستفادة من أصل اللفظ، ولكن الثانية تحتاج إلى عنايات متصلة ومنفصلة، فالمتصلة: هي التقابل مع عدم وجه آخر له. والمنفصلة هي روايات الحلبي.

بقيت هناك نكتة لم أجد من لاحظها: وهي أنّ روايات الصبّ على الجسد كلها وردت بلسان البول يصيب الجسد ولم ترد بلسان الجسد يصيبه البول، بخلاف الثوب فقد ورد بكِلا اللسانين:

1– صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الثوب(4).

2– ورواية ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الثوب قال: اغسله مرتين”(4).

ــــــــــ[83]ــــــــــ

() باب 3 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) الكافي5: 166، كتاب الطهارة، الباب 36، الحديث: 61، وتهذيب الأحكام1: 249، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 2، ووسائل الشيعة3: 389، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(3) وسائل الشيعة3: 395، الباب1 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

(4) وسائل الشيعة3: 395، الباب1 من ابواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

3– ورواية الحسين بن أبي العلا قال: وسألته عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله مرتين”(1).

4- وصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرتين”(2).

5- ورواية لأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: سألته عن البول يصيب الجسد قال: صبّ عليه الماء مرّتين”(3).

وأما في الجسد فيوجد لسان واحد:

1- ففي رواية أبي إسحاق النحوي عن أبي عبد الله قال: سألته عن البول يصيب الجسد قال: صبّ عليه الماء مرتين”… الحديث(4).

2- ورواية الحسين بن أبي العلاء: قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الجسد قال: صبّ عليه الماء مرّتين”…الحديث(5).

قد يُدّعى أنّ هذا الفارق يؤثّر في استنباط الحكم، فإنّ روايات الثوب فيها لسانان:

فقوله: الثوب يصيبه البول قال اغسله مرّتين، يعود الضمير إلى الثوب، فيجب التعدّد سواء البول موجوداً أو جافاً.

ــــــــــ[84]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 396، الباب2 من ابواب النجاسات، الحديث: 4.

(2) وسائل الشيعة3: 397، الباب1 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

(3) وسائل الشيعة3: 396، الباب1 من ابواب النجاسات، الحديث: 7.

(4) وسائل الشيعة3: 395، الباب1 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

(5) وسائل الشيعة3: 396، الباب1 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

واللسان الثاني: مرجع الضمير هو الثوب ولا يحتمل عوده إلى البول، لأنّ الغسل هو تنظيف الشيء من الوسخ، والبول هو ما يُنظَّف منه، والغسل يضاف إلى ما ينظِّف لا إلى ما ينظَّف منه، فيدل على وجوب غسل الثوب مرتين سواء كان البول باقياً أو لا.

وأما روايات البدن فهو قال: سألته عن البدن يصيبه البول، قال: (صبّ عليه الماء مرتين)، فالظاهر أنّ مرجع الضمير هو البدن فيثبت نفس النتيجة.

وأما لو كان ركن السؤال هو البول: (سألته عن البول يصيب البدن).

فيمكن أن يقال: إنّ مرجع الضمير في الجواب مردد بين الجسد والبول، والفرق العملي بين التقديرين: أنّ المرجع لو كان الجسد يدل على وجوب التعدد سواء كان البول باقياً أو لا.

وإن كان المرجع هو البول، فهو لا ينافي كونه بولاً فإنّ الغسل يُنسب إلى الشيء المنظِّف ولكن الصبّ قد يُنسب إلى المنظَّف منه أيضاً، فيكون اللفظ مجملاً، ويختصّ بخصوص وجود عين النجاسة ليصدق الصبّ على البول، وأما لو زال البول لم يجب الصبّ إلّا مرةً واحدةً بإطلاقات الغسل.

ولكن هذا الإشكال غير صحيح، باستظهار أنّ المرجع هو الجسد لا البول، لأنه لو قال: صبّ عليه الماء من دون مرتين، لورد ذلك الكلام. ولكن حين قال: مرتين”، فالغالب في البول أنه لا يبقى بعد الصبة الأولى، وفي المقام لا بُدّ من موضوع منحفظ في كِلتا الصبّتين، وهو الجسد دون البول، فلا إشكال من هذه الناحية.

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأمر السادس: هل يختص التعدد بالماء القليل أو يشمل الكرّ أيضاً؟

الأمر السادس أنّ الاحتياج إلى التعدّد هل يختصّ بالماء القليل أو يشمل الكر أيضاً، بعد الفراغ عن أنه لو غسل بالماء الجاري المتصل بالمادة فلا يحتاج إلى التعدّد؟

توضيحه: أنّ الماء القليل هو القدر المتيقّن من الروايات الآمرة بالصبّ أو الغسل مرّتين، والماء الجاري هو القدر المتيقّن خروجه، وقد أخرجته رواية محمد بن مسلم قال: “اغسله في المركن مرّتين، وإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة”(1). وإنما وقع الكلام في الماء الكر.

الكلام بلحاظ الجسد

أما بالنسبة إلى الجسد فالظاهر هو قصور شمول الدليل لغسله في الماء الكثير، لأنّ الجسد ورد بعنوان: (صبّ عليه الماء مرّتين)(2) دائماً، ولم يرد بعنوان (اغسله). وفي كل دليل أخذ فيه الصبّ والإراقة ونحوها، فنستظهر منه أنه وارد في فرض استعمال الماء القليل.

ونكتة هذا الاستظهار: أننا لو كنّا نريد الجمود على حاقّ الأمر بالصبّ لكنّا نقول: إنه يجب غسل الجسد بالصبّ سواء غسلناه بالقليل أو بالكثير، 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 397، الباب2 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(2) كرواية الحسين بن العلاء، وسائل الشيعة3: 396، الباب1 من ابواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بالجاري أو بالمحقون، ولكن معنى ذلك أن، لماء المعتصم في مقام التطهير به يجب تحويله إلى غير معتصم ليطّهر به؛ لأنه لا يصبّ من المعتصم عادةً إلّا بالاغتراف منه، وهذا تالٍ باطل بالارتكاز العرفي والمتشرّعي، ولهذا لا ينعقد للأمر بالصب ظهور بالإلزام بالصب على الإطلاق، بل يتحول إلى قضية شرطية هي: إذا غسلت بالماء القليل فصبّ عليه الماء مرّتين، وظهور العبارة وإن كانت تنجيزيةً إلّا أنّ لزوم ذلك المحذور الباطل يغيّر من ظهور هذه العبارة. ومعه لا يبقى في هذا الدليل اقتضاء في غير الماء القليل، فيكون دليل غسل البدن قاصراً عن التعدّد في الكثير، ومقتضى الإطلاقات الفوقانية، هو الغسل مرةً واحدةً.

الكلام بلحاظ الثوب

وأما في الثوب فهو يختلف عن البدن بنكتة وهي: أنّ رواياته وردت بعنوان: (اغسله مرتين)(1)، فلا يرد فيها القرينة السابقة، إذ لا بأس في أن يشمل حتى الماء الكثير، حتى الجاري، لأنّ الغسل كما يكون بالاغتراف يكون بإدخال النجس في الماء.

نعم، (اغسل) وردت في طائفتين من الروايات:

إحداها: في مقابل الصبّ على الجسد فقد يقال: إنّ (اغسل) لا ينعقد له إطلاق أيضاً باعتبار وحدة السياق، ولا أقلّ من إجماله.

ــــــــــ[87]ــــــــــ

(1) نفس رواية الحسين بن العلاء وقد تقدّمت قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الثانية: ما ورد فيه (اغسل) بلا مقابل كرواية ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الثوب قال: اغسله مرّتين”(1)(2) فالمهم هو التمسّك بإطلاق الأمر.

فلا بُدّ من ملاحظة المخصِّص وما هو مقداره. وهو منحصر بصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرتين فإن غسلته في ماء جارٍ فمرّة واحدة”(3).

لا إشكال أنها تخرج الماء الجاري من ذلك الإطلاق بالصراحة، ولكن هل يمكن أن يستفاد منها إخراج الماء الكرّ أو لا؟ دعوى ذلك يمكن بأحد تقريبين:

استثناء الكرّ من التعدّد بتقريبين

التقريب الأول: أنّ هذه الرواية كانت تحتوي على شرطين: إذا غسلته بالمركن فمرتين، وإذا غسلته بالجاري فمرة، وبقرينة الفاء يظهر أنه يريد بيان مفهوم الجملة الأولى.

فإنّ مفهوم الأولى يدل على أنه إن لم تغسله في المركن فمرةً واحدةً سواء غسلته في الكر أو في الجاري.

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() باب 1 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة3: 395، الباب1 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(3) باب 2 من ابواب النجاسات، (المقرر)، وقد مرّ تخريجه قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأما لو قصرنا النظر على الجملة الثانية فمفهومها: أنه لو لم تغسله في الجاري فمرتين سواء كان قليلاً أو كراً.

فإن قيل بانسلاخ القضيتين عن المفهوم، فمعناه أنّ الكرّ مسكوت عنه فيرجع فيه إلى رواية ابن أبي يعفور ويثبت فيه وجوب التعدّد، وكذلك لو كان لهما مفهوم وتعارضا وتساقطا.

ولكن قد يدّعى أنه بقرينة تأخّر الجملة الثانية وتفرّعها بالـ(فاء)، أنها تفريع على الجملة الأولى فيصبح المحور في الكلام هو القضية الأولى، إذن فنبقى نحن وإطلاق المفهوم فيها.

التقريب الثاني: أنه لا تعارض بين الجملتين بعد تحكيم الفهم العرفي، فإنّ العرف المتشرعي حين يسمع هذه الرواية لا يفهم منه أنّ الماء الجاري له خصوصية، وإنما يتبادر إلى ذهنه مسألة الاعتصام، فقد أُخذ في مقابل المركن من باب أنه معتصم وبتعبير آخر يستظهر المثالية من خصوصية الجريان.

ومعه لا يحصل تعارض بين القضيتين، ويثبت التعدد في غير المعتصم، وكفاية المرّة في مطلق المعتصم، ويكون مقيّداً للروايات الأخرى.

تقريب ثالث مع ضمّ ضميمة 

فإن لم يتم الأول بدعوى أن القضيتين عرضيتان، ولا الثاني، لأنّ الجاري له خواصّ بحيث يتعذّر الإلغاء، فقد ينتهى إلى تقريب ثالث يحتاج إلى ضم ضميمة، بأن يقال: إنّ صحيحة محمد بن مسلم(1) تخرج الماء الجاري فقط، فنضم 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() تقدمت قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إليها صحيحة داود بن سرحان التي تقول:… ما تقول في ماء الحمام؟ قال هو بمنزلة الماء الجاري”(1)، فكل ما يثبت للماء الجاري يثبت لماء الحمام، ومنها كفاية المرّة مع العلم أنه ليس للحمامية دخل فيه، بل كون السافل متقوّياً بالعالي، فهو ماءٌ محقونٌ كرٌّ، فيثبت الحكم لكلّ كرّ.

ولكن هذا إنما يتم لو كان التنزيل في رواية ابن سرحان تنزيلاً مولوياً، ولكن إذا كان ناظراً إلى مسألة وحدة ماء الحمام، بأن يقول: لا تستغربوا أن يكون ماء الحوض الصغير معتصماً، لأنه مع مادته ماء واحد، لأنه مثل الماء الجاري، فلا يتم هذا التقريب.

والتقريبيان الأوليان لم يحصل جزم عرفي بهما، فلذا احتطنا بالتعدد.

في استثناء بول الرضيع من اعتبار التعدّد

وأما من بول الرضيع الغير المتغذّي بالطعام فيكفي صبّ الماء مرة وإن كان المرّتان أحوط(2) 

بعد الفراغ عن القضية المهملة يقع الكلام في استثناء بول الصبي فقيل فيه بكفاية المرّة الواحدة(3)، وقيل فيه بكفاية الصبّ من دون حاجة إلى الغسل في 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() تهذيب الاحكام1: 378، كتاب الطهارة، الباب18، الحديث: 28، ووسائل الشيعة1: 148، الباب7 من أبواب الماء المطلق، الحديث: 1.

(2) من تتمة المسألة الرابعة، العروة الوثقى 1: 109.

(3) انظر: الروضة البهية1: 20، كتاب الطهارة، الثالثة، النجاسة، وجواهر الكلام2: 21-22، كتاب الطهارة، الفصل الثاني في أحكام الخلوة، في وجوب غسل موضع البول، ومصباح الهدى2: 191-192، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الثوب(1). ويقع الكلام في عدة جهات:

الجهة الأولى: في طهارة أو نجاسة بول الرضيع

الجهة الأولى أنه في نفسه طاهر أو نجس بلحاظ فتوى منسوبة إلى الإسكافي بطهارته(1)، بلحاظ رواية وردت عن السكوني لعل ظاهرها هو ذلك، إلّا أنّ المشهور -بشكل لا يُعرف خلاف معتد به- هو النجاسة. والتمسّك بالعمومات والإطلاقات بنجاسة البول تقتضي نجاسته، فلا بُدّ لها من مقيِّد.

وما يتخيل كونه مقيِّداً هو رواية النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه أن علياً قال(2): “لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن يطعم، لأن لبنها يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب قبل أن يطعم ولا بوله، لأنّ لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين”(3).

ــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) انظر: مختلف الشيعة1: 459، كتاب الطهارة، باب النجاسات وأحكامها.

 (2) نسبه إليه العلّامة في المختلف: 1 ص 459-460.

(3) باب 3 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(4) علل الشرائع 1: 294، ومن لا يحضره الفقيه1: 68، باب ما ينجس الثوب والجسد، الحديث: 157، وعلل الشرائع1: 294، 225، باب العلّة التي من أجلها يغسل الثوب من لبن الجارية…، الحديث:1، وتهذيب الاحكام1: 250، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 5، ووسائل الشيعة3: 398، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فبول الصبي طاهر في نفسه لأنها قالت: لا يغسل منه الثوب، وكما أنّ الأمر بالغسل يستفاد منه الحكم بالنجاسة فكذلك نفي الغسل يستفاد منه الطهارة، أما مطلقاً، أو في أمثال المقام ممّا علل بعلة تناسب الطهارة، وهي أنّ لبن الجارية يخرج من مثانة الأُم حيث تجتمع الأبوال، وأما لبن الصبي فيخرج من مكان آخر.

ودعوى أنّ نفي الغسل غاية ما يقتضي نفي الغسل المقابل للصبّ، وهذا لا ينافي وجوب الصبّ، أو أنه بإطلاقه يقتضي عدم وجوب الصبّ، فيتقيّد بما دلّ على وجوبه، ونفي الاحتياج إلى هذا المطهّر وهو الغسل لا ينافي احتياجه إلى مطهِّر آخر وهو الصبّ.

هذا خلاف الفهم العرفي للتعليل، فإنه تعليل للطهارة لا للعناية الزائدة التي يتميز بها الغسل عن الصبّ.

ولكن لا يمكن العمل بهذه الرواية سنداً ومتناً ومضموناً. 

أمّا سنداً، فلأنه ورد فيها النوفلي(1) ولم يثبت توثيقه، نعم لو بُني على أنّ كل رجال كامل الزيارات ثقاة(2) لأمكن توثيقه، لكننا لا نبني على ذلك.

ــــــــــ[92]ــــــــــ

(1) رجال النجاشي: 38، باب الحسن والحسين، الرقم: 77، والفهرست للطوسي: 152، باب الحاء، باب الحسين، الرقم: 234، ورجال الطوسي: 355، باب الحاء، الرقم: 5265-26، ورجال بن داود: 447، باب الحاء المهملة، الرقم: 151.

(2) انظر: المعتمد في شرح المناسك: 196، كتاب الحج، الوقوف بعرفات، مسألة: 371، وكذا في ص89 من نفس هذا المصدر، كتاب الحج، الطواف، ذيل المسألة: 322.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأمّا متناً، فلأنّ ظاهرها: نجاسة لبن الجارية وبولها، مع أنه لم يفت فقيه بذلك، يعني لبن الأُم التي ولدت بنتاً غريب على الأذهان المتشرّعية، ممّا يوجب وهن الرواية وسلب الوثوق بها.

وأما سقوطها مضموناً لأمرين: 

أولاً: إنّ بول الصبي لو كان طاهراً مع شدة الابتلاء به خارجاً لكان القول بطهارته من الواضحات لشدة الابتلاء به، بل إنّ الابتلاء به أكثر من أبوال الخيل والبغال والحمير التي تقدّم -في موضعها- أنها لو كانت نجسةً لكان القول بنجاستها من الواضحات لشدّة الابتلاء بها، ولذا نقول ذلك في بول الصبي بشكل آكد بالنسبة إلى نجاسته، فالقول بطهارته يقطع بعدمه.

ثانياً: غرابة ما قيل من أنّ لبن الجارية من المثانة، ولبن الصبي من العضدين والمنكبين، مع أنّ المنقول من التجارب العلمية على خلاف ذلك.

إذن فبول الصبي نجس.

الجهة الثانية: في كفاية الصب أو احتياجه إلى عناية

هل يحتاج تطهير الثوب من بول الصبي مجرد الصبّ، أو يحتاج إلى عناية كبول الكبير؟

 نعم، بالنسبة إلى غير الثوب يكفي الصبّ لكفايته في الكبير.

الروايات الواردة في المقام واضحة الدلالة في كفاية الصبّ:

1- صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عن بول الصبي قال: 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

تصبّ عليه الماء، فإن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً”(1)(2). لم يذكر فيها الثوب ولكن بقرينة الغسل وأنه لا غسل في غير الثوب يعرف أن المراد به الثوب.

2- ومعتبرة الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله عن الصبي يبول على الثوب قال: تصب عليه الماء قليلاً، ثمّ تعصره”(3).

وفي مقابل هاتين الروايتين

1- توجد مضمرة لسماعة معتبرة السند ليس فيها إشكال إلّا من حيث عثمان بن عيسى(4) وهو ثقة عندنا لأنه يروي عنه أحد الثلاثة. 

2- ورواية سماعة قال: سألته عن بول الصبي يصيب الثوب فقال: اغسله، قلت فإن لم أجد مكانه؟ قال: اغسل الثوب كله”(5).

ــــــــــ[94]ــــــــــ

() باب 3 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) تهذيب الاحكام1: 249، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 2، والكافي5: 166، الباب36، الحديث:6، ووسائل الشيعة3: 398، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(3) تهذيب الاحكام1: 249، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 1، ووسائل الشيعة3: 397، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(4) انظر: رجال النجاشي: 300، باب العين، الرقم: 817، وفهرست الطوسي: 346، باب العين، باب الواحد، الرقم: 546، ورجال الكشي: 597، ما روي في عثمان بن عيسى الرواسي الكوفي، الرقم: 1117، والخلاصة للحلي: 244، الفصل السادس عشر في العين، الباب الثاني عشر في الآحاد، الرقم: 8.

(5) تهذيب الاحكام1: 251، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 10، والاستبصار1: 174، كتاب الطهارة، الباب 104، الحديث: 4، ووسائل الشيعة3: 398، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

قد يقال: إنها معارضة للروايتين السابقتين، لأنها تدل على عدم كفاية الصبّ وتأمر بالغسل.

وتحقيقه: 

أنّنا تارةً نقول: إنّ الغسل في نفسه يستبطن عنايةً خاصة كالعصر والدلك عرفاً، بخلاف الصبّ.

وأخرى نقول: إنّ كلمة الغسل إذا أُطلقت وحدها فهي غير مستبطنة لشيء من هذا القبيل، بل تنطبق على الصبّ أيضاً.

نعم، عند المقابلة معه لا بُدّ من تطعيم الغسل بعناية، كالفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.

فإن بنينا على هذا الأخير، فلا معارضة بين هذه الرواية وتلك الروايتين، فإنّ رواية سماعة تأمر بالغسل، والصبّ غسل.

وإن بنى على الأول تحصل المعارضة، فإنّ الأمر بالغسل أمر بالعناية الزائدة، والأمر بالصبّ لا يستلزمهما.

الجمع بين الروايات المتعارضة

وفي مقام الجمع بينهما ثلاثة طرق للجمع:

الجمع الأول: التقييد

بأن نقول: إنّ رواية سماعة موضوعها بول الصبي وهو مطلق من حيث إنه تغذّى بالطعام أو لا. ورواية الحسين بن أبي العلاء أيضاً أخذ فيه الصبي مطلقاً، ولكن رواية الحلبي أخذ فيه عنوان الصبي غير المتغذّي، فيكون موضوع رواية 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الحلبي أخص مطلقاً من موضوع رواية سماعة.

وهذا الجمع عرفي في نفسه، ولكن قد يستشكل فيه بدعوى: أنّ ظاهر سؤال سماعة أنه ناظر إلى القضية(1) المهملة في ذهنه، وهو أنّ بول الصبي خارج عن قاعدة التطهير بالبول، فكيف نحمل الجواب على الصبي الذي عمره خمس سنين مثلاً والذي لا إشكال أنّ حكمه حكم غيره، فإن هذا ليس تقييداً عرفاً.

فإن تم هذا الاستشكال ننتقل إلى ما يلي:

الجمع الثاني: التأويل

إنّنا نُعمل تأويلاً في (اغسل):

إمّا تأويل المادة وتجريد الغسل من العناية الإضافية.

أو بالهيئة بحملها على الاستحباب.

والوجه فيه: هو قوة ظهور تلك الروايات بكفاية الصبّ ولا يمكن حملها على انضمام الغسل إلى الصبّ.

وأما الجمع الثالث فنؤجّله إلى الجهة الثالثة(2).

الجهة الثالثة: أنّ التعدّد هل يجري في بول الصبي أو لا؟

الروايات الثلاث السابقة لم يؤخذ فيها عنوان التعدُّد، فإنّ مقتضى إطلاق الأمر بالغسل وبالصبّ هو كفاية المرة الواحدة.

ــــــــــ[96]ــــــــــ

() وكانت محل الخلاف منذ زمن النبي، (المقرر ).

(2) اُنظر في هذا الكتاب: (وجه آخر للجمع بين رواية سماعة والروايتين المعارضتين لها) ص100. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ودعوى: أنّ رواية الحلبي ورواية سماعة ليستا في مقام البيان من ناحية العدد، بلا موجب؛ فإنها تدل على الأمر بالمطهر، فنتمسك بإطلاقه.

لكن الكلام في ملاحظة النسبة بين إطلاق هذه الروايات ودليل وجوب التعدد لنرى مقتضى الجمع بينهما، أو قل إنّ الاشكال في التمسّك بالإطلاق من ناحيتين:

الناحية الأولى: إمكان التشكيك في أصل الإطلاق

 وذلك أما رواية الحلبي فهي في مقام النظر إلى التمييز بين الصبي الآكل وغيره من حيث الصبّ في أحدهما والغسل في الآخر، وليست الرواية في مقام بيان حجم الصبّ والغسل، ولذا لم تأمر بتعدد الغسل، مع أنه لا إشكال في وجوب التعدد لو كان الصبي قد أكل.

وكذلك يدّعى في رواية سماعة قال: سألته عن بول الصبي يصيب الثوب فقال: اغسله، فقلت: فإن لم أجد مكانه، قال: اغسل الثوب كله”(1).

أيضاً يدّعى أنّ النظر فيها إلى أنّ بول الصبي يحتاج إلى الغسل، في مقابل من يقول بطهارته أو كفاية الصب وليس فيها نظر إلى مقدار هذا الغسل.

وأما رواية الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عن الصبي يبول على الثوب قال: تصبّ عليه الماء قليلاً ثمّ تعصر”(2).

ــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 398، الباب3 من ابواب النجاسات، الحديث: 3.

(2) وسائل الشيعة3: 397، الباب3 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وهي واضحة في الإطلاق، وأنّ المولى في مقام البيان من ناحية كمية الصبّ أيضاً، بقرينة قوله: “قليلاً”.

لكن يستشكل في هذا الإطلاق من ناحية ضمّ قوله: “ثمّ تعصره” إلى الأمر بالصب، حيث يقال: إنّ موضوع القضية هو الصبي، فلا يمكن التحفُّظ على ظهورها، لأنه يؤدّي إلى فتوى لم يلتزم به المشهور، وهو كفاية الصبّ مرةً واحدةً، ولكن يلزم العصر، إذا حملنا الصبي على غير المتغذّي. وإن حملناه على الصبي المتغذّي يكون الاكتفاء بصبّةٍ واحدة إطلاقاً مخالفاً للمشهور، فلا بُدّ من تقييده بقول المشهور. وبالتالي رفع اليد عن أحد الظهورين. فإما أن نحمل الرواية على المتغذّي، فنقيِّد الأمر بالصبّ بالتعدّد، أو نحملها على غير المتغذّي، فنحمل الأمر بالعصر على الاستحباب، ولا مرجّح بين الظهورين. فلم يبقَ دليل في نفسه على كفاية الصبّة الواحدة.

وهذا لا يمكن قبوله؛ لإمكان أن يقال: إنّ الإطلاق ثابت في رواية الحلبي(1)، فمن قال: إنّ المتكلم فقط في مقام التمييز بين الصبّ والغسل؛ فإنه على خلاف طبع القضية، بل نقول بكفاية المرة الواحدة تمسكاً بالإطلاق، حتى في الغسل لو لا المقيد الخارجي.

وأما في رواية الحسين بن أبي العلاء(2) وإيقاع المعارضة بين الظهورين، فهذا فرع أن لا نعمل بظهور “تعصره”، وإلّا فلا محذور من العمل بكِلا الظهورين 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 398، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(2) وسائل الشيعة3: 396، الباب1 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مع الحمل على الصبي غير المتغذّي خلافاً للمشهور.

ولو أخذنا بقول المشهور: فيتعيّن تقديم الإطلاق على الظهور كما سيأتي، فلا بأس أن يقال بدلالة روايات الباب على كفاية المرّة الواحدة.

الناحية الثانية: نسبة هذه الأخبار إلى دليل وجوب التعدد.

دليل وجوب التعدد طائفتان:

الطائفة الأولى: واردة في الثوب: “اغسله مرتين(1).

والطائفة الثانية: في الجسد “صبّ عليه الماء مرتين” (2)، فقد يُتوهّم أنه لا يوجد تعارض لأنّ الطائفة الأولى ليس لها إطلاق لبول الصبي، لأننا فرغنا عن كفاية الصبّ ولا يحتاج إلى غسل فضلاً عن أن يكون مرتين.

وأما الطائفة الثانية فموضوعها غير موضوع هذه الروايات، فإنّ موضوع هذه الطائفة هو الجسد وموضوع روايات الباب هو الثوب، فلا معارضة.

وجواب ذلك: أنّ الطائفة الأولى وإن كانت لا تشمل بول الصبي، لكن لا بأس بإيقاع المعارضة بين الطائفة الثانية وبين روايات الباب، وهي وإن كانت واردةً في الجسد، إلّا أنّ التفريق بين الثوب والجسد غير عرفي، بحيث يجب الصبّ في الجسد مرتين، وفي الثوب مرةً، لعدم احتمال أهونِيّة الثوب من البدن 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) كرواية بن أبي يعفور، وسائل الشيعة3: 395، الباب1 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(2) كرواية أبي اسحق النحوي، وسائل الشيعة3: 395، الباب1 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

عرفاً، فكأن هذه الروايات وردت في الثوب أيضاً.

كما أنّ روايات الباب وإن ورد اثنان منها في الثوب صريحاً، لكن يتعدّى إلى البدن، لأنه إذا كفت المرّة في الثوب كفت في البدن فيقع التعارض.

ومن هنا قد يقال: إنّ إطلاق روايات الباب يقيّد بالمرّتين، نعم لا يمكن أن نقيّد رواية سماعة بتلك الطائفة لأنها تأمر بالغسل وهو لا يمكن تقييده بدليل صبّ عليه الماء مرّتين، لأنه يدل على عدم كفاية الصبّة الواحدة لا على عدم كفاية الغسلة الواحدة.

وجه آخر للجمع بين رواية سماعة والروايتين المعارضتين لها

ومن هنا ينفتح وجه ثالث للجمع بين رواية سماعة(1) والروايتين(2) الأخريين، من حيث كفاية الصب أو لزوم الغسل، وقد بيّنا وجهين وقلنا: إنّ الثالث يأتي.

وهو: أنه بعد أن تقيّد الصبّ بالتعدد، فإنه لا بأس بالالتزام بالتخيير بأن يقال: الصبّ مرّتين مطهّر، والغسل ولو مرةً واحدةً مطهّر، لأنّ في كل منهما امتياز.

إلّا أنّ هذا إنما يتم لو التزمنا بالتقييد لروايات الباب. 

ولكن قد يقال: إنّ الأمر بالعكس؛ لأنّ روايات بول الصبي أخصّ موضوعاً من روايات صبّ عليه الماء مرتين. فإن هذا الأخير موضوعه مطلق 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 398، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

(2) كروايتي بن أبي يعفور وأبي اسحق النحوي المتقدمتين.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

البول، فالأولى أخص موضوعاً من الثانية فتقدم عليها، فيجب الصبّ مرتين إلّا في بول الصبي.

وقد يقال: إنه ليس إحداها تقيد الأخرى، لأنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه، لأننا إذا نظرنا إلى الموضوعين فروايات بول الصبي أخص، وإذا نظرنا إلى محمولَي الروايتين فهذه الروايات أخصّ، فإنّ (مرّتين) أخصّ من (صبّ). فإن كان الميزان في العلاج الأخصّية الموضوعية قُدّمت روايات بول الصبي، وإن كان هو الأخصّية المحموليَّة قُدّمت بالعكس. وإن كان الميزان هو مجموع النكات، يتعارضان ويتساقطان ويرجع إلى مرجع فوقاني يقتضي كفاية الغسل أو الصبّ مرة واحدة.

ولكن الظاهر أنّ روايات بول الصبي فيها ما يصلح لتقييد روايات (صبّ عليه الماء مرتين)، وهي رواية الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله عن الصبي يبول على الثوب. قال: تصب عليه الماء قليلاً ثمّ تعصره”(1)(2). فإنها لا تصلح أن تقيّد بالتعدد، بل هي تقيّد روايات التعدّد بغير بول الصبي، وذلك بقرينة قوله: (قليلاً)، فإنه ظاهر عرفاً في المرّة الواحدة، أو ليس بابه باب الإطلاق.

وبهذا نُجيب أيضاً على ما أشرنا إليه من إيقاع المعارضة بين إطلاق الأمر بالصبّ وبين الأمر بالعصر، حيث قلنا: إنّ الإطلاق مقدَّم لأنه بالصراحة 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

() باب 3 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة3: 397، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

العرفية لا بمقدّمات الحكمة.

هذا هو الصحيح في بيان التقديم لا ظهور التفصيل في قطع الشركة، فإنّ نصّ رواية الحسين بن أبي العلاء حيث قال: إنه فصّل بين بول الكبير وبين بول الصبي، فلو قيّدنا الصبّ بالمرتين لم يبقَ فرق بين الكبير والصغير، فالتفصيل قاطع للشركة. نعم، هو قاطع للشركة لكن لعل الفرق بينهما أنه يجب الغسل في أحدهما دون الآخر، فيبقى الفرق بينهما حتى مع التقييد.

فالظاهر هو كفاية الصبّة الواحدة ولا يحتاج إلى تعدد.

الجهة الرابعة: هل يعتبر في التطهير وقوع العصر أو لا؟

وهو من الموارد التي يبدو فيها التعاكس بين الروايات وفتاوى القوم، فإنهم أفتوا بوجوبه في غير بول الصبي، وعدم وجوبه في الصبي والروايات ذكرت العصر.

منها رواية الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عن الصبي يبول على الثوب، قال تصبّ عليه الماء قليلاً، ثمّ تعصره”(1).

وحينئذٍ قد يقال: إننا نلتزم بوجوب العصر تمسّكاً بظهور الأمر، بل قد يقال بالتعدّي من هذا المورد إلى سائر الموارد لعدم احتمال أن يكون بول الصبي ذا مؤونة أشدّ من مؤونة غيره.

ويُجاب على ذلك بوجوه:

الوجه الأول: أنّ هذه الجملة لم يعمل فيها في موردها، إذ لم يُفتِ فقيه على 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 397، الباب2 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

طبقها فيما وصلتنا من الفتاوى، مع أنّ هذه الرواية كانت معروفةً لديهم، فهذا يكون قرينةً عل استحباب العصر. إمّا أن يكون قرينةً تعبّدية على ذلك بمعنى كشفه عن قرينة منفصلة عندهم على عدم الوجوب، أو باعتبار كشفه عن وجود خلل في الرواية ولذا لم يعملوا بها.

الوجه الثاني: ما أشار إليه السيد الأستاذ(1) من أنه قال: ثمّ تعصره بينما إننا لو اشترطنا العصر فلا نشترط تأخّره جزماً، فالترتيب الزماني المأخوذ في الرواية يكون قرينةً على الاستحباب.

هذا الكلام لا يخلو من خدشة، فإنه لو كان يُراد منه الترتيب الزماني، لكان الكلام وجيهاً، ولكنها دالة على الترتب الوجودي الطبعي، فإنّ العصر لا يكون إلّا بعد ترطب الثوب لوضوح أنه لا يمكن عصر الثوب اليابس.

الوجه الثالث: ما هو مرجع الضمير في قوله: “تصبّ عليه”، قلنا: إنه مردد بين الثوب وبين البول الذي أصاب الثوب. في قوله: سألت أبا عبد الله عن الصبي يبول على الثوب…(2) الحديث.

والقرينة التي ذكرناها سابقاً للحمل على الثوب في روايات التعدّد في (صبّ عليه مرّتين) هي عدم البقاء للبول إلى المرّة الثانية، وهي غير موجودة في المقام لأنها أمرت بالصبّ ولم تأمر بالتعدُّد.

ــــــــــ[103]ــــــــــ

() انظر فقه الشيعة5: 64، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، والتنقيح في شرح العروة الوثقى4: 31، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) وسائل الشيعة3: 397، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وحينئذٍ فيصير مفاد الرواية كفاية الغسلة المزيلة، لأن الصبّ على البول فرع وجوده فيكفي الغسلة المزيلة، ولا بأس بعد هذا بالالتزام بوجوب العصر في المورد الذي يُكتفى فيه بالغسلة المزيلة، لأنّ الماء مُلاقٍ لعين النجاسة، فاشترط في التطهير العصر، ولا يمكن التعدّي منه إلى سائر الموارد إلّا الموارد التي يُكتفى بها في الغسلة المزيلة، ولكن ذلك لم يثبت إلّا في خصوص المقام، فلو كانت الغسلة بعد زوال البول أو جفافه، فلا دليل على وجوب العصر، لأنّ الأمر به ورد في ما إذا كان الصبّ على البول إمّا استظهاراً أو إجمالاً، وهذا مطابق للمستظهر من المشهور.

الجهة الخامسة: في شمول الحكم لبول الجارية

الجهة الخامسة أنّ القدر المتيقّن من تخفيف الحكم هو بول الصبي الذكر، فهل يشمل بول الجارية أو لا؟

والروايات الثلاث في اثنين ورد عنوان الصبي وهو وإن كان قد يُراد به جنس الصبي الأعم من الصبي والصبية، ولكن إن لم نجزم بانصرافه إلى الذكر فلا أقل من التوقّف عن التمسّك بإطلاقه، فيبقى بول الجارية تحت إطلاقات التعدّد.

وأما رواية الحلبي فيقول فيها: “والغلام والجارية في ذلك شرع سواء”(1).

إلّا أن السيد الأستاذ(2) شكك في الاستدلال بهذه الرواية على التعميم، 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() وسائل الشيعة3: 398، الباب3 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(2) انظر فقه الشيعة5: 70-71، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، والتنقيح في شرح العروة الوثقى4: 32، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

لأنها اشتملت على حكمين:

أولهما: الاكتفاء بالصبّ في من لم يأكل.

وثانيهما: الاحتياج إلى الغسل فيمن أكل.

ولا ندري أنّ الذيل راجع إلى كِلا الحكمين أو إلى الحكم الثاني فقط، ومع إجمال اسم الإشارة لا يمكن التمسّك بإطلاق الرواية من هذه الناحية.

إلّا أنه لا بُدّ من محاولة التفتيش عن تقريبات لرفع هذا الإجمال المدّعى، وهناك عدّة تقريبات في هذا الصدد.

التقريب الأول: أنّ الإمام وإن كان قد بيّن حكمين إلّا أنّ الصورة الرئيسية كان هو الحكم الأول وهو كفاية الصبّ في الصبي غير المتغذّي، وقلنا إنّ مورد السؤال هو مورد التشكيك والخلاف، وهو غير المتغذّي، ولذا بيّن الإمام ذلك ابتداءً، وقال (تصبّ عليه الماء) ولم يقل: إن لم يكن قد أكل.. وبيّن الشقّ الثاني استطراداً لتكميل المطلب.

ومعه ينعقد للذيل ظهور في أنّ التسوية إنما هو بلحاظ الحكم الرئيسي المسؤول عنه.

التقريب الثاني: إنّ ظاهر قوله: “والغلام والجارية في ذلك شرع سواء” لا يختص بالغلام بل يشمل الجارية أيضاً لا أنه يُراد العكس، لأنّ الحكم على الصبي ولا يمكن أن يقصد به خصوص الجارية.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

نعم، يمكن أن يقصد به خصوص الغلام، فالتسوية إنما هي بلحاظ حكم يكون القدر المتيقّن منه هو الغلام، والقدر المشكوك هو الجارية، وهذا الحكم يناسب أن يكون هو الحكم الأول، وأما الأمر بالغسل فلم يكن يحتمل اختصاص الغلام به.

التقريب الثالث: هو التمسّك بالإطلاق بعد قطع النظر عن التقريبين السابقين.

فإنّ (ذلك) وإن كان اسم إشارة، وهو ملحق بالحروف، وليس موضوعاً لمفهوم كلي يدور الأمر بين مطلقه ومقيده، فلا يمكن التمسّك بمقدمات الحكمة فيه كأسماء الأجناس، والإشارة يمكن فيها أن يكون إلى الثاني، ويمكن أن يكون إلى الإثنين، ولكن مع هذا ينعقد الإطلاق بحسب الفهم العرفي، فإنه إذا ذكر المتكلم أموراً كثيرة ثمّ أشار إشارةً مجملة، يقال: إنه لو أراد البعض لميّز الإشارة، وحيث إنّه لم يميّز، فالإشارة راجعة إلى الجميع، وهذا هو الحال في الإشارة الخارجية أيضاً لو قال أكرم هؤلاء.

وعليه فالظاهر أن الحكم شامل للصبي والصبية معاً.

ــــــــــ[106]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  





الكلام في كفاية المرّة في المتنجّس بغير البول

قوله: وأما المتنجّس بسائر النجاسات عدا الولوغ فالأقوى كفاية الغسل مرّة بعد زوال العين، فلا تكفي الغسلة المزيلة لها إلّا أن يصبّ الماء مستمراً بعد زوالها، والأحوط التعدّد في سائر النجاسات أيضاً بل كونها غير الغسلة المزيلة(1).

العبارة فيها نحو خلل، فإنه استثنى عنوان الولوغ والظاهر أنّ مقصوده الآنية لا الولوغ، وسيأتي فيها وجوب التعدد مطلقاً سواء تنجست بالولوغ أو لا، والمقصود أنه في غير الموارد التي قام بها الدليل على التعدد يُكتفى بغسلة واحدة. ويقع الكلام في ناحيتين:

الناحية الأولى: في الاكتفاء بالمرّة

غير ما دلّ الدليل فيه على وجوب التعدد كالآنية والبول، وغير ما دلّ الدليل فيه على عدم التعدد وهو بول الصبي كما سبق. وبالطبع لو لم يوجد دليل اجتهادي على كفاية الواحدة لكان المرجع هو استصحاب النجاسة. والدليل الاجتهادي هو عبارة عن الإطلاق في دليل المطهّرية، وهو يمكن أن يبيّن بعدّة تقريبات:

التقريب الأول: ملاحظة دليل الأمر بالغسل

أن نلاحظ دليل الأمر بالغسل (والذي هو دليل المطهّرية) في كل نجاسة فنحصل في كل نجاسة على (اغسل) مطلقة، فإذا استوعبنا بالاستقراء تمام ما ثبتت 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 109- 110، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

نجاسته بالشريعة، فيتحصّل المقصود وهو كفاية الغسلة الواحدة في تمام الموارد. 

ففي البول: يوجد إطلاق في رواية ابن سنان “اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه”(1)(2).

وفي الخنزير: في رواية علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمضِ وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله” (3)(4). الحديث.

وفي عَرَق الإبل الجلالة: بناءً على نجاستها أيضاً يوجد إطلاق رواية حفص بن البختري، قال: “لا تشرب من ألبان الإبل الجلاّلة…”(5)(6) الحديث.

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() الباب 8 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) وسائل الشيعة3: 405، الباب8 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(3) الباب 13 من أبواب النجاسات، (المقرر). 

(4) مسائل علي بن جعفر، المستدركات: 348، الأخلاقيات، الحديث: 858، والكافي5: 181، كتاب الطهارة، الباب39، الحديث:6، ووسائل الشيعة3: 417، الباب13من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(5) الباب 15 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(6) الكافي12: 237، كتاب الأطعمة، الباب6، الحديث: 2، والاستبصار4: 77، كتاب الصيد والذبائح، الباب49، الحديث: 40، ووسائل الشيعة3: 423، الباب1من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وفي أهل الكتاب: -لو قيل بنجاستهم- كرواية أبي بصير: “فإن صافحك بيده فاغسل يدك”(1)(2).

وفي المنيّ: يوجد أيضاً في رواياتٍ إطلاقٌ كرواية محمد بن مسلم:… وقال في المنيّ يصيب الثوب، قال: إن عرفت مكانه فاغسله وإن خفي عليك فاغسله كلّه”(3)(4).

وفي الميتة: كذلك كرواية الحلبي: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميّت فقال: يغسل ما أصاب الثوب”(5)(6).

وفي الدم: أيضاً في رواية المثنى قال: “إن اجتمع قدر حمّصة فاغسله وغيرها”(7)(8)

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() الباب 14 من أبواب النجاسات.

(2) تهذيب الأحكام1: 263، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 51، والكافي4: 714، كتاب العشرة، الباب11، الحديث:10، ووسائل الشيعة3: 420، الباب14 من أبواب النجاسات، الحديث: 5.

(3) الباب 16 من أبواب النجاسات.

(4) تهذيب الأحكام2: 223، كتاب الصلاة، الباب11، الحديث: 86، ووسائل الشيعة3: 402، الباب16 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(5) الباب 34 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(6) الكافي5: 425، كتاب الجنائز، الباب 31، الحديث:4.

(7) الباب 20 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(8) تهذيب الأحكام1: 255، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 28، ووسائل الشيعة3: 431، الباب20 من أبواب النجاسات، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وفي الكلب: أيضاً في رواية محمد بن مسلم قال: “إذا مسسته فاغسل يدك”(1)(2).

وفي الخمر: أيضاً يوجد إطلاق في عدّة روايات قال: “إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله إن عرفت موضعه”(3)(4).

وفي الغائط: أيضاً في رواية علي بن جعفر قال: سألته الفأرة والدجاجة والحمامة وأشباهها تطأ على العذرة ثم تطأ على الثوب أيغسل؟ قال: إن كان استبان من قذره شيء فاغسله”(5). والفقاع وعرق الجنب من الحرام لا نقول بنجاستهما. 

فيتحصّل من مجموع هذه الإطلاقات كفاية الغسلة الواحدة، ولكن هذا التقريب فيه بعض نقاط النقص:

ــــــــــ[110]ــــــــــ

() الباب 12 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) الكافي 13: 308، كتاب الدواجن، الباب 12، الحديث: 12، ووسائل الشيعة3: 416، الباب12 من أبواب النجاسات، الحديث: 9.

(3) الباب 38 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(4) أنظر: الكافي 6: 420، كتاب الصلاة، الباب 61، الحديث: 4، ووسائل الشيعة3: 469، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

(5) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 193، قسم المسائل، الحديث: 402، وتهذيب الأحكام1: 424، كتاب الطهارة، الباب22، الحديث: 20، ووسائل الشيعة3: 467، الباب37 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مناقشة التقريب الأول

النقطة الأولى: لا يمكن به أن نثبت كفاية المرة الواحدة للكافر غير الكتابي، فإنّه لا يوجد إطلاق يدل على كفاية الغسلة الواحدة، وما ورد من الإطلاق إنما هو في الكتابي ونحن لم نقل بنجاسته، وحملنا الأمر في هذه الرواية على التنزّه، باعتبار الصراحة في الرواية الأخرى في الطهارة. فيبقى غير الكتابي تحت استصحاب النجاسة.

النقطة الثانية: أنّ المتنجّس بفضلة غير الإنسان ليس فيه إطلاق، وما قرأناه لو سلّم إطلاق خاص بالعذرة، وهو مدفوع الإنسان دون غيره مما لا يؤكل لحمه، فيبقى تحت استصحاب النجاسة.

النقطة الثالثة: المتنجّس بالبول لو نجس شيئاً، فإنّ المتنجّس بالبول يجب فيه التعدّد، فلو نجس شيئاً آخر فهل تجب فيه التعدّد أو لا؟ وأما المتنجسات الأخرى فلا تزيد على الأعيان نفسها، فإذا ثبت كفاية الواحدة في العين ثبت ذلك بالتنجّس بالمتنجّس بالعين كما هو واضح. وأما بالنسبة إلى البول فقد ثبت التعدد فنحتمل ثبوته بالمتنجّس به أيضاً، ولا يوجد إطلاق نافٍ له. فيبقى تحت استصحاب النجاسة.

وكأن السيد الأستاذ(1) أراد أن يسد هذا النقص برواية ذكر أنها واردة تدل على كفاية الغسل مرة واحدة وهي رواية العيص بن القاسم قال: “إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه”.

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 39، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فماء الطشت متنجس بالبول وقد نجس بدنه فحكم عليه أنه يغسل ما أصابه، فيتمسك بإطلاقه.

والاستدلال مخدوش سنداً ودلالةً:

أما سنداً: فلأنّ صاحب الوسائل(1) رواه عن الشهيد في الذكرى(2)، وهو يرويها عن العيص بن القاسم، وطريق الشهيد إليه مجهول لنا، غايته أنه هو كان يعتقد بحجّيَّته، وهذا اجتهاد منه، وهو ليس حجّةً على غيره.

وأما دلالةً: فمن الواضح أنّ الرواية في غير محل الكلام، فإنّ محله هو أنّ المتنجّس بالبول الذي ثبت فيه وجوب التعدد، إذا نجَّس شيئاً آخر فهل يجب فيه التعدّد أو لا؟ وليس ذلك إلّا البدن والثوب، والرواية إنما تتحدّث عن الماء المتنجّس بالبول. فيحتاج الاستدلال بها إلى ضمّ دعوى خارجية وهي القطع أنه إذا كان المتنجّس بالماء المتنجّس بالبول لا يحتاج إلى تعدد فغيره من المتنجّس بالبول كذلك.

النقطة الرابعة: نواقص الروايات من حيث المتنجّسات، فإنّ هذه الروايات وردت في موارد خاصة، كالثوب لاقاه الدم، فلو احتملنا أن الآنية لها خصوصية، أو أنّ الماء ملحق بحكم الآنية، لا يمكن التمسك بهذه الإطلاق لإثبات المرة.

فهذا التقريب وإن كان لا بأس به، إلّا أن فيه جملة من نقاط النقص فلا بُدّ من تبديله إلى تقريب آخر.

ــــــــــ[112]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) 1: 179.

(2) الذكرى (ط: مكتب الإعلام) من الموسوعة الكاملة 5: 46..

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التقريب الثاني: ورود إطلاق (اغسل) في مطلق النجاسات.

وهذا ما ادّعاه السيد الأستاذ(1)، وأنّ جملةً من الروايات لا يبعد أن يكون فيها هذا الإطلاق، إلّا أنّ الإنصاف أنّ الروايات التي ذكرت بنحو المثال لهذا المدّعى غير تامة. 

1- فمنها صحيحة زرارة الاستصحابية: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره. بناءً على أنه معطوف على الدم إلى أن يقول: قال: “اغسل”

ونصّها: قال: قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو شيء من مَنيّ.(2)(3)

دلالتها على الإطلاق باعتبار أنّ زرارة ذكر بعض النجاسات فكأنه قال: أصاب ثوبي نجس بنحو الإطلاق، فأمره بالغسل، فيدل على كفاية مطلق الغسل في مطلق النجاسات.

ولكنّ للمناقشة في إطلاق هذه الرواية مجال، فإنّ زرارة والإمام معاً كانا فارغين عن سراية النجاسة والملاقاة ولزوم التطهير، وإنما كان تمام هم السائل هو صورة النسيان، فيسأل عن صحة الصلاة خلال النسيان، فليس الإمام في مقام بيان كيفية التطهير.

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() انظر: فقه الشيعة 5: 75، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، والتنقيح في شرح العروة الوثقى4: 35، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) الباب 42 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(3) تهذيب الأحكام1: 421، كتاب الطهارة، الباب22، الحديث: 8، ووسائل الشيعة3: 479، الباب42 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

2- ورواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله: أنه سئل عن الرجل ليس عليه إلّا ثوب ولا تحل الصلاة فيه، وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلّي فإذا أصاب ماءً غسله وأعاد الصلاة”(1)(2).

فالمستدل كان توجهه أن السؤال مطلق، فإن الثوب الذي لا تجوز الصلاة فيه مطلق للمتنجّس بأي نجاسة، والكلام فيها كالسابقة، فإنّ الراوي فرغ عن مطهّرية الغسل، ولذا فرض في السؤال أنه لم يجد ماءً يغسله، فلا يكون الأمر بالغسل في الجواب دالاً على كيفية التطهير، بل بيان عدم إجزاء هذه الصلاة، بل لا بُدّ له من ثوب طاهر يصلّي فيه.

3- ورواية عمار: في رجل قصّ أظفاره بالحديد أو جزّ من شعره أو حلق قفاه فإنّ عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلّي فيه، فإن صلّى ولم يمسح من ذلك بالماء؟ قال: “يعيد الصلاة؛ لأنّ الحديد نجس…”(3)(4) الحديث.

بتقريب أنّ المسح أريد به الغسل لأنه لم يعهد عقلائياً ولا شرعياً أن يكون المسح مطهّراً، والحديد وإن لم يكن نجساً، ولكن نتمسّك بالكبرى وهي قوله: 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() الباب 45 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) تهذيب الاحكام1: 407، كتاب الطهارة، الباب20، الحديث: 17، والاستبصار1: 169، كتاب الطهارة، الباب 101، الحديث: 6، ووسائل الشيعة3: 485، الباب45 من أبواب النجاسات، الحديث: 8.

(3) باب 83 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(4) الاستبصار1: 96، كتاب الطهارة، الباب 57، الحديث: 5، ووسائل الشيعة3: 425، الباب29 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 (لأنّ الحديد نجس) لأنها ذكرت في مقام التعليل، فيدل على أنّ كل نجس يحتاج إلى غسل، وإطلاق الغسل يقتضي الاكتفاء بمرّة واحدة.

إلّا أنّ الاستدلال بها غريب؛ فإنّ قوله: (لأنّ الحديد نجس)، هل هو تعليل للاكتفاء بمطلق الغسل أو لعدم جواز الاكتفاء بالصلاة؟ فالتعليل تعليل لبطلان الصلاة لو وقعت قبل المسح أو الغسل، ونحن نريد التعدّي في مقام كفاية غسلة واحدة.

ولعله من الأفضل أن يستدل برواية أخرى، وهي موثقة عمار قال: سُئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره، فلا تصيبه الشمس، ولكنه قد يبس الموضع القذر. قال: “لا يصلّي عليه وأعلم موضعه حتى تغسله”(1)(2).

والإشكال فيه هو الإشكال في الروايتين السابقتين فإنها ليست في مقام البيان من هذه الناحية.

ولو تمّت هذه الروايات لكان فيها إطلاق من حيث نوع النجاسات، ولكن لا يمكن التعدّي من حيث الملاقي من الآنية مثلاً إلى غيرها.

التقريب الثالث: التمسّك بالإطلاق المقامي

وكان له صيغتان فيما سبق:

الصيغة الأولى: التمسك بالإطلاق المقامي لدليل نجاسة النجس، فإنّ 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() باب 29 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام2: كتاب الصلاة، الباب17، الحديث: 80، ووسائل الشيعة3: 452، الباب29 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

معنى كونه نجساً وقذراً يعني أن نتعامل معه معاملة سائر القذارات التي تعرفها عرفاً. وموقف العرف محددٌ وهو الغسل بالماء غسلاً مزيلاً للقذارة، فهذا الإطلاق يقتضي كفاية مطلق الغسل.

وهذه الصيغة نافعة في المقام جداً إلّا في مورد واحد، وذلك فيما إذا ثبتت نجاسة الشيء بدليل لُبّي لا لفظي.

الصيغة الثانية: التمسّك بالإطلاق المقامي لمثل رواية داود بن فرقد التي يقول فيها: “وجعل لكم الماء طهوراً”(1)(2) حيث لم يبيّن كيفية طهوريته فيكون حوالة على العرف، وهذا إطلاق صحيح نافع مطلقاً، حتى في ما ثبتت نجاسته بالدليل اللبّي، فالمرجع لدينا هو هذا الإطلاق، فكل ما لم يثبت فيه التعدّد يُكتفى بالغسلة الواحدة كما في المتن.

الناحية الثانية: مع الاكتفاء بالغسلة الواحدة هل تكون هي المزيلة؟

الناحية الثانية أنّ هذه الغسلة الواحدة التي يكتفى بها هل يشترط أن لا تكون هي الغسلة المزيلة أو لا يشترط؟

وهذا غير مسألة التعدد، فإنه لو قيل إنه غير المزيل، فليس معناه وجوب التعدد، فإنه يكفي الواحد بعد زوالها ولو بالمسح والتجفيف.

ــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) رواية بني اسرائيل، الباب 1من أبواب الماء المطلق.

(2) تهذيب الأحكام1: 356، كتاب الطهارة، الباب15، الحديث: 27، ووسائل الشيعة1: 134، الباب1 من أبواب الماء المطلق، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وتحقيق الكلام في ذلك: أنّ دليل (اغسل) إمّا أن يُفرض أنّ مفاده الطهارة بمعنى ارتفاع النجاسة السابقة في الغسل، أو يكون مفاده الطهارة الفعلية.

الفرض الأول: مفاد دليل المطهرية ارتفاع النجاسة السابقة 

أن يكون دليل المطهّرية مفاده المطابقي هو رفع النجاسة السابقة بالغسل، وليس له نظر إلى أنه هل ينشأ محذور آخر من ناحية نفس الغسل والتطهير؟

نعم، له دلالة اقتضاء عرفية في أنه ليس دائماً ينشأ محذور آخر، إذ لو فرض أنه وجد توأماً مع ارتفاع النجاسة السابقة ينشأ دائماً -أو في أكثر الموارد- محذور آخر، يلزم لغوية الدليل، فإنّ النتيجة هي التحرّج عن الثوب أو البدن. ودلالة الاقتضاء هذه تنفي هذا المحذور بنحو السالبة الجزئية لا السالبة الكلية، بمقدار رفع اللغوية.

وفي مقابل هذا الدليل توجد أدلة أخرى كدليل انفعال الماء القليل بملاقاة العين، وقد يدّعى شموله للمتنجّس أيضاً سواء كان جامداً أو مائعاً، وعندنا دليل على أنّ المائع المتنجّس ينجس بالملاقاة أيضاً.

فلو عملنا بكل هذه الأدلة وفرضناها مطلقةً يشمل حتى عملية التطهير، فهو لا يزاحم مع المدلول الأول لدليل المطهّرية؛ لأنّه ناظر إلى نفي النجاسة السابقة، ولا مانع من أن ينشأ محذور آخر من ناحية ملاقاة الماء مع الثوب. 

نعم، لو عملنا بهذه الأدلة وتممنا إطلاقها يلزم معارضتها مع دلالة الاقتضاء لأن مقتضى هذه الأدلة هو أنّ هذا الماء الملاقي مع العين يتنجّس، والغسلة الثانية 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أيضاً تتنجّس لأنها ملاقية مع الثوب المتنجس ومع الماء المتخلّف، والغسلة الثانية أيضاً كذلك بل الثوب كلّما يطهر يتنجس من جديد. وهذا معنى اللغوية.

وحينئذٍ نقول: إنه تارة يفرض أنّ هذه الأدلة ليس لجملة منها إطلاق لمحل الكلام، كما هو كذلك فإن ما هو المسلَّم إطلاقه لمحل الكلام هو دليل انفعال الماء القليل بملاقاة عين النجاسة.

ولكن الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس، وكذلك الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المائع إذا كان في عملية التطهير، فإننا وإن كنا نحتاط احتياطاً وجوبياً على التنجيس، إلّا أنّ دليله هو الإجماع والقدر المتيقن هو غير المورد.

وكذلك لا دليل على أنّ الماء المتنجّس بالثوب ينجِّس الثوب، فهو يأخذ منه النجاسة ويرجعها إليه، لأنّ المدرَك في ذلك هو رواية القصب(1) ونحوها، ولا إطلاق لها لمثل ذلك.

فلم يبقَ إلّا دليل انفعال الماء القليل بملاقاة عين النجاسة(2)، فنقول: إننا نعمل به ولا يلزم محذور اللغوية. فإن الغسلة المزيلة يكون مقتضى إطلاق دليل المطهّرية أن النجاسة السابقة قد ارتفعت ولكن مقتضى إطلاق دليل الانفعال أنّ هذا الماء تنجس الآن، فإذا لم نجفّف الثوب نحتاج إلى غسلة ثانية، وسوف تستهلك هذه الرطوبات الأولى بالثانية، فيرتفع المحذور، ويصبح الثوب طاهراً 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

(1) انظر: تهذيب الأحكام2: كتاب الصلاة، الباب17، الحديث: 71، وكذا الحديث 83 في نفس الباب، ووسائل الشيعة3: 454، الباب30 من أبواب النجاسات، الحديث: 2، وكذا الحديث 5 في نفس الباب.

(2) وهو الفرض الثاني الآنف.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بالفعل، ونتيجة ذلك عملياً هو الحاجة إلى غسلة ثانية.

وأما لو تمّت إطلاقات الأدلة الأخرى أيضاً، وأنّ الماء القليل ينفعل بملاقاة المائع المتنجِّس فضلاً عمّا إذا تم الدليل على أنّ المائع القليل ينجِّس الثوب أيضاً، فيلزم لَغويّة الطهارة، بل يبقى الثوب نجساً دائماً غير قابل للتطهير.

وحيث إنّ دلالة الاقتضاء ليس مفادها السالبة الكلية، بل السالبة الجزئية، بنحو تنتفي اللغوية العرفية، إذن فيقتصر على القدر المتيقن، الذي نرفع اليد به عن إطلاقات تلك الأدلة، هو الغسلة غير المزيلة، أما الغسلة المزيلة فلا بأس بإعمال تلك الأدلة بالنسبة إليها.

وقد يشكّك أكثر ويقال: إنّ القدر المتيقن أن تكون كِلتا الغسلتين غير مزيلة.

الفرض الثاني: مفاد دليل المطهرية الطهارة الفعلية

وأما إذا قلنا إنّ مفاد دليل المطهّرية نفي النجاسة الفعلية وإثبات الطهارة الفعلية دفعاً ورفعاً، فإن فرضنا أنّ تلك الأدلة لم يتم منها إطلاق إلّا دليل انفعال الماء بعين النجاسة، فتقع المعارضة بين هذا الدليل ودليل المطهّرية بنحو العموم من وجه. فإنّ دليل المطهّرية يقول بكفاية الغسلة الواحدة بما فيه من رطوبات، ودليل الملاقاة للعين يقول: إنّ هذه الرطوبات نجسة.

فإما أن نقيّد دليل الملاقاة بغير باب التطهير أو نقيد دليل المطهّرية الفعلية بغير الغسلة المزيلة فيتعارضان ويتساقطان، ونرجع إلى المرجع الأعلى وهو 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

استصحاب بقاء النجاسة، فينتج إلى عدم كفاية الغسلة المزيلة.

وأما إذا قلنا إنّ دليل المطهّرية مفاده المطهّرية الفعلية، وتمّمنا إطلاقات انفعال الماء القليل. بأن فرضنا دليلاً واحداً دلّ على انفعال الماء القليل بملاقاة العين والمتنجّس الجامد والمائع، فيقع التعارض بين هذا الدليل ودليل المطهّرية.

وهنا يصبح دليل المطهّرية أخصّ مطلقاً، لأنّه لو قدّمنا ذاك عليه يلزم سقوطه بالمرّة، فيقدّم عليه بالتخصيص، ومقتضى تقديمه كفاية الغسلة المزيلة، لأنّ إطلاق المخصص مقدّم على إطلاق العام.

نعم، لو فرضنا أنّ دليل الانفعال اثنان: أحدهما: يدل على انفعال الماء القليل بملاقاة عين النجاسة. ودليل آخر: يشمل المتنجّس المائع والجامد.

فدليل المطهّرية بلحاظ الدليل الثاني يكون أخصّ منه، ويقدّم عليه، ولكنه بلحاظ الدليل الأول لا يكون أخص منه بل النسبة بينهما العموم من وجه، لأنّ تقديم الآخر عليه لا يلزم منه إلغاء دليل المطهّرية، فيتقدم دليل المطهّرية على الدليل الثاني، وأما مع الدليل الأول، فيتعارضان ويتساقطان ويرجع إلى استصحاب النجاسة.

والصحيح أنّ مفاد دليل المطهّرية هو ارتفاع النجاسة السابقة(1)، إلّا بمقدار دلالة الاقتضاء، والصحيح أيضاً عدم تمامية إطلاقات سائر الأدلة إلّا إطلاقات انفعال الماء القليل بملاقاة العين.

وعملياً يقال: إنّ الغسلة المزيلة غير كافية.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

() ولا تدل على عدم حدوث محذور آخر، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 5: [الكلام في الآنية]

يجب في الأواني إذا تنجّست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرات في الماء القليل، وإذا تنجست بالولوغ التعفير بالتراب مرة – وبالماء بعده مرّتين (1).

بعد أن فرغنا عن تأسيس القاعدة: أنّ كل مورد لا دليل فيه على وجوب التعدد، فنرجع إلى الأصل وهو الإطلاق المقامي الذي يقتضي الغسلة الواحدة، وخرج من ذلك أمور منها الآنية.

ويقع في مقامين:

المقام الأوّل: في الآنية المتنجّسة بغير الولوغ. 

المقام الثاني: في الآنية المتنجّسة بالولوغ.

المقام الأول: في الآنية المتنجّسة بغير الولوغ

أما الآنية المتنجّسة بغير الولوغ فالمشهور(2) وجوب غسلها ثلاثاً.

وتقريبه بأحد وجهين: 

الوجه الأول: رواية عمار

الاستناد إلى رواية عمار التي تأمر بالغسل ثلاثاً، عن أبي عبد الله قال: 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 110، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) انظر: كشف الرموز1: 121، كتاب الطهارة، الركن الرابع، النظر في الأواني، والمهذب1: 28، كتاب الطهارة، باب المياه وأحكامها، الأواني وفروعها، والجواهر6: 368، كتاب الطهارة، الركن الرابع، القول الثاني، القول في الآنية.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

سُئل عن الكوز والإناء يكون قذراً كيف يغسل وكم مرة يغسل قال: “يغسل ثلاث مرّات يصبّ فيه الماء فيحرك فيه ثمّ يفرغ منه ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ ذلك الماء ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه وقد طهر”(1)(2).

وهي واضحة الدلالة على وجوب الغسل ثلاث مرات، وبها يقيّد الإطلاق الذي يقتضي كفاية الغسلة الواحدة. نعم، هذه الرواية واردة في الماء القليل بقرينة الصبّ.

إلّا أنّ الرواية فيها إشكال سندي وإن سمّيت في كلماتهم بالموثقة، باعتبار أنّ هذه الرواية مجموعة من الفقرات وزعها صاحب الوسائل على أبواب مختلفة، ورواها الشيخ في التهذيب بمجموعها، وجملة من فقراتها ثبتت بالأسانيد الصحيحة ورواها المشايخ الثلاثة، إلّا أنَّ هناك بعض الفقرات اختصّ بها الشيخ في التهذيب، ولم توجد في غيره، وقد اقترن هذا النص بأحمد بن يحيى(3)، الواقع بين أحمد بن محمد بن يحيى وأحمد بن محمد بن علي ولم يعلم وثاقته.

ــــــــــ[122]ــــــــــ

() الباب 53 من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام1: 284، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 119، ووسائل الشيعة3: 497، الباب53 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(3) انظر: رجال النجاشي: 81، باب الألف، باب أحمد، الرقم: 195، ورجال الطوسي: 407، باب من لم يرد عن واحد من الأئمة عليهم السلام، باب الهمزة، الرقم: 5932-13، والخلاصة للحلي: 19، الفصل الأول في الهمزة، الباب السابع أحمد، الرقم: 40.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فإن أمكن علاج هذه النقطة ببعض العلاجات التي ذكرناها فهو، وإلاّ فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية.

ثمّ لو فرض أنّنا اعتمدنا عليها، فلا يوجد ما يعارضها مما يدلّ على كفاية الغسل مرةً واحدةً إلّا الإطلاق المقامي لدليل المطهّرية، ومن الواضح أنه يمكن تقييده بهذه الرواية لو تم سندها.

وأما الإطلاقات المتفرقة في الموارد المتفرقة فقد قلنا فيما سبق إنها لا يمكن التعدّي منها إلى الآنية.

الوجه الثاني: انتفاء الإطلاق

وهو مبني على أصل موضوعي وهو انتفاء وجود الإطلاق، وحينئذٍ يقال: بأنّ احتمال عدم ارتفاع النجاسة إلّا في التعدّد ثلاثاً باعتبار فتوى مجموعة من الأصحاب في ذلك، ومع هذا الاحتمال يجري استصحاب النجاسة حتى يعلم الارتفاع.

وهذا التقريب مبني على انتفاء الإطلاق عاماً كان أو في خصوص الآنية، والصحيح هو وجود الإطلاق العام، ولو سلّم فاللازم جريان الاستصحاب إلى سبع غسلات لوجود قول بها في بعض أقسام الأواني، وإنما لم يجرِ، لأنه لا قائل بأكثر من الثلاث في الآنية بما هي آنية. 

نعم، في بعض الأواني قيل بالسبع فيجري فيها الاستصحاب، وعلى أي حال فنحن بحسب النتيجة احتطنا احتياطاً وجوبياً بالتعدد في الآنية، لقوة احتمال اعتبار رواية عمار وأقوال الفقهاء.

ــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

المقام الثاني: في الآنية المتنجّسة بالولوغ

المقام الثاني في آنية الولوغ، فقد وردت فيها ثلاث روايات غير الروايات العامية الساقطة سنداً.

الروايات في المقام 

الرواية الأولى: رواية الفضل عن العباس قال: سألت أبا عبد الله عن فضل الهرّة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئاً إلّا سألتُ عنه فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضّأ بفضله، فاصبب ذلك الماء فاغسله بالتراب أول مرة ثمّ بالماء”(1).

الرواية الثانية: محمد بن مسلم قال: سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال: “اغسل الإناء”(2).

الرواية الثالثة: عمار عن أبي عبد الله: في الإناء يشرب فيه النبيذ، فقال: ــــــــــ[124]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام1: 225، كتاب الطهارة، الباب10، الحديث: 29، والاستبصار1: 19، كتاب الطهارة، الباب9، الحديث:2، ووسائل الشيعة3: 413، الباب 11 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(2) تهذيب الأحكام1: 225، كتاب الطهارة، الباب10، الحديث: 27، والاستبصار1: 19، كتاب الطهارة، الباب9، الحديث:1، ووسائل الشيعة3: 415، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

“تغسله سبع مرّات وكذلك الكلب”(1)(2).

ولو قطعنا النظر عن هذه الروايات فمقتضى القاعدة بناءً على العمل برواية عمار(3) هو وجوب غسل آنية الولوغ ثلاث مرات، فلا بُدّ أن نرى أنّ هذه الروايات هل توجب الخروج عن هذه القاعدة؟

أما الرواية الثانية(4): فقد يُتوهّم التمسّك بإطلاق الأمر بالغسل، ومقتضاه كفاية المرة الواحدة فلا بُدّ أن نلحظ النسبة بينها وبين رواية عمار. وقد يقال: إنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه؛ لأنّ رواية عمار تأمر بالثلاث سواء شرب منه الكلب أو غيره، والأخرى، اغسله إذا شرب منه الكلب سواء مرةً أو مرتين، فالأولى أعم موضوعاً والأخرى أعم محمولاً. فلو لاحظنا الجهتين لكانت النسبة هي العموم من وجه.

وبعد المعارضة يتساقطان في مادة الاجتماع، ويرجع إلى الإطلاق المقامي الذي يقتضي الغسلة الواحدة.

إلّا أنّ هذا الكلام مبني على وجود إطلاق في رواية محمد بن مسلم، ولكن الظاهر عدم وجود الإطلاق، لأنّ الظاهر أنّ نظر السائل ليس إلى كيفية التطهير 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

(1) كالأشربة المحرّمة.

(2) تهذيب الأحكام9: 116، كتاب الصيد والذبائح، الباب2، الحديث: 237، ووسائل الشيعة25: 378، الباب 35 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث: 2.

(3) تقدّمت قريباً.

(4) رواية محمد بن مسلم التي تقدّمت قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بل نظره أنّ الكلب هل هو نجس أو ليس بنجس؟ وذلك لأنّ الرواية لها ذيل وهو قوله: وعن السنور قال: “لا بأس أن يتوضّأ من فضله…”(1) الحديث، فالنظر إنما هو إلى الكلب والسنّور، وقد فصل الإمام ما بينهما، وهذا ظاهر في أنّ محطّ النظر إنما هو تشخيص الحيوان.

ونجاسة الكلب ليست من الأمور الواضحة يومئذٍ، لأنّها كانت مسألةً خلافيةً باعتبار أنّ جماعةً من العامة كانوا يفتون بطهارة الكلب، فلا يكون جهل محمد بن مسلم بها غريباً خاصة في بداية اتصاله بالإمام.

الكلام في رواية الفضل أبي العباس

وأما رواية الفضل أبي العباس البقباق (وهي رواية العباس السابقة)؛ فقد وقع فيها اختلال سندي واختلال متني.

الاختلال السندي

أما الاختلال السندي فهو أنّ صاحب الوسائل ينقلها عن الشيخ الطوسي هكذا: (عن حماد، عن حريز، عن الفضل عن العباس)، فكأنّ الفضل ينقل عن العباس، والشيخ في كِلا كتابيه عن الفضل أبي العباس، وفي كتاب الخلاف قال عن الفضل بن أبي العباس، والظاهر أنّ الصحيح ما في التهذيب والاستبصار.

أمّا الوسائل فللاطمئنان بالاشتباه، فإنه نقل الرواية عن الشيخ، واحتمال أن يكون لدى صاحب الوسائل عن كتابَي الشيخ نُسَخ مصححة فيها الفضل 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) ذيل الرواية موجود في التهذيب1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث: 27.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

عن العباس موهون جداً، لأنّها لو كانت موجودةً لوصلت إلينا ولو بنحو تهافت النسخ، فاتفاق نسخ الكتابين على التعبير بالفضل أبي العباس، يوجب وهن ذلك الاحتمال. والمطمئن به أنه اشتباه من الشيخ الحر.

وأمّا ما نقله الشيخ الطوسي في الخلاف، فأيضاً المطمئن به أنه اشتباه، باعتبار أضبطية التهذيب والاستبصار، فإنها أسّست للأخبار، مضافاً إلى أنّ الفضل أبي العباس شخص معروف، والفضل بن أبي العباس شخص غير معروف، وبذلك يصح سنده.

الاختلال في المتن

وأما متن الرواية فصاحب الوسائل ينقلها هكذا: “فاغسله بالتراب أول مرّة ثم بالماء”(1).

والمحقق في المعتبر(2) (والماء مرتين)، وما هو الموجود في كتابي الشيخ مطابق لما في الوسائل، فالمطمئن به أنه اشتباه من المحقق، وإذا كان قد روى ذلك مع الزيادة، فروايته مرسلة لا نعلم سنده إلى كتاب حريز، فتكون من باب تعارض الحجّة مع اللا حجّة.

ولكن الشيخ الطوسي نفسه نقل كلمة (مرتين) في كتاب الخلاف، وهو يبدأ السند بحريز، ومن هنا يقال: بأنّ هذا ليس مرسلاً، فإنّ الشيخ له طريق إلى 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 415، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(2) المعتبر1: 458، كتاب الطهارة، الركن الرابع، مسألة: يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

جميع كتب وروايات حريز، وهو طريق صحيح، فتتعارض أصالة عدم الزيادة مع أصالة عدم النقيصة بعد الاطمئنان بوحدة الرواية خارجاً.

ومن هنا قد يقال: بتقدّم رواية الخلاف باعتبار تقدّم أصالة عدم الزيادة، وقد يقال: بتقدم رواية التهذيب والاستبصار، لأضبطيّته، لأنها كتب للحديث، والخلاف كتاب فقهي وقد وقع الاشتباه في السند، وقد يقال: بالتعارض والتساقط.

التحقيق في المقام

الآن نتكلّم على كلّ التقادير في هذه الرواية.

بناء على نسخة التهذيب والاستبصار

أوَّلاً نتكلم بناءً على نسخة التهذيب والاستبصار لرواية البقباق، التي لم يرِد فيها كلمة مرّتين.

فنقول: إنّ قوله: “اغسله بالتراب أول مرة” (1) إما أن يعامل معه معاملة خطاب ابتدائي يكون هو المرجع في التطهير بالولوغ كما لو قال: بالتراب أولاً، وأخرى يفرض أنه ناظر إلى دليل التعدد المفروض قبله، فكأنه يقول: إنّ تلك المرات التي ثبتت بدليل قبله، أولها يجب أن يكون بالتراب، وتستأنس لذلك من قوله: “أول مرة”، فإنه يستبطن افتراضاً مسبقاً للتعدد، مع أنه لم يبيّن فيه التعدّد.

فإن بنى على الثاني، وهو نظر الخطاب إلى دليل وجوب التعدد، وهو ليس 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

(1) تقدمت قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إلّا موثقة عمار(1)، فلا يوجد حينئذٍ أي تعارض بين هذه الرواية وبين موثقة عمار، بل لا بُدّ من القول: إنّ هذه الرواية ليست في مقام تغيير التكليف المستفاد من رواية عمار إلّا بمقدار تبديل الغسلة الأولى من الماء إلى التراب، فيحكم بوجوب غسلة أولى بالتراب واثنان بالماء.

ولا يمكن حينئذٍ الاكتفاء بغسلة واحدة بالماء تمسّكاً بإطلاق (اغسله بالماء)، لأنها ليست في مقام خطاب ابتدائي، وإنما تشير إلى ذلك الدليل السابق، فينتج فتوى المشهور.

وأما إذا بني على الاحتمال الأول، فقد يقال: إننا نتمسّك بإطلاق الأمر بالغسل لإثبات كفاية الغسلة الواحدة، ولا يلزم من ذلك أن يكون تنجس الإناء بالكلب أهون من تنجسه بغيره، إذ يوجد هنا تشديد آخر وهو الغسل بالتراب.

وقد يقال: كما عن السيد الأستاذ(2) وغيره بأننا نلتزم بتقييد كل من الروايتين بمزايا الأخرى فإن مقتضى التثليث في رواية عمار نقيّد به إطلاق 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

(1) الأمر بالغسل ثلاثاً، وسائل الشيعة3: 497، الباب 53 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(2) انظر: فقه الشيعة5: 96، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، قال: “الأقوى ما هو المشهور لأنه مقتضى الجمع بين الروايات المعتبرة الواردة في المقام”، والتنقيح في شرح العروة الوثقى4: 42، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء: “ونتيجة ذلك انه لا بُدّ من غسل الإناء المتنجّس ثلاث مرّات مطلقاً من دون تقييد كون أولاهنّ بالترتب”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

رواية البقباق، كما أننا نقيد رواية عمار برواية البقباق في كون الأولى بالتراب فينتج ثلاث غسلات أولاها بالتراب.

إلّا أنّ هذا غير جارٍ حسب القواعد، فإن النسبة بين الروايتين هي العموم من وجه إذا لوحظ المحمول والموضوع معاً، فرواية عمار أعم موضوعاً، ورواية البقباق أعم محمولاً، ومعه فلا موجب للتقييد بل مقتضى القاعدة التساقط والرجوع إلى الأصل الفوقاني الذي كان يقتضي الاكتفاء بمطلق الغسل، خرجنا منه بلزوم التعدد فننفي به الغسلة الثالثة.

وأما إذا ترددنا في أن يكون الخطاب في رواية البقباق تأسيسياً أو خطاباً ناظراً إلى دليل وجوب التعدد، فهذا الإجمال مسقط للرواية ولا يمكن جعل إطلاقها معارضاً مع رواية عمار فمعارضتها معها مبنية على أن نستظهر الاستقلالية في الخطاب.

بناءً على نسخة الخلاف

وأمّا بناءً على وجود كلمة (مرتين) كما في الخلاف، فمن الواضح أنها تكون حاكمةً ومطابقة لفتوى المشهور ولا يمكن إيقاع المعارضة على جميع التقادير.

وأمّا إذا ترددنا في وجود هذه الكلمة من باب تهافت النسخ؛ فالنتيجة تتبع أخسّ المقدمتين، فتصبح الرواية مجملةً، والمتبع هو رواية عمار.

وهذا هو الصحيح فإنّ الزيادة لم تثبت، وصحّة طريق الشيخ في الخلاف وفي كتابيه معاً، فيحصل التهافت في النسخ، فالمتبع هو رواية عمار لو صحّت سنداً.

ــــــــــ[130]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والرواية الأخرى: موثقة عمار(1) السابقة الواردة في النبيذ التي تأمر بالغسل سبعاً.

وهي لو تمّت لاقتضت إخراج آنية الولوغ من إطلاق رواية عمار والالتزام بسبع مرات، ولكن لا يمكن الالتزام بها، لأنّ الأدلة دلّت على كفاية الثلاثة في آنية النبيذ، فلا بُدّ من حمل السبع على الاستحباب، فإذا كان الكلب مثل النبيذ، إذن فيراد به الاستحباب فيه أيضاً.

مضافاً إلى أنه لو تمّ إطلاق رواية البقباق في نفسه أو تم وجود كلمة (مرتين) فيها، فتكون قرينةً على حمل السبع مرات على الاستحباب، أما مع وجود كلمة (مرتين) فواضح، وأما بدونها فلاستبعاد تقييد الإطلاق الذي يكون في مقام البيان بسبع مرات. ولو قيّدنا رواية البقباق برواية عمار كما قالوا للزم الالتزام بثلاثة أغسال بعد التراب.

فالمتعيّن بناءً على الأخذ برواية عمار هو الغسل بالتراب أولاً، ثمّ مرتين بالماء.

كيفية الغسل بالتراب

قال: والأولى أن يطرح فيها التراب من غير ماء ويمسح به ثمَّ يجعل فيه شيء من الماء ويمسح به وإن كان الأقوى كفاية الأول فقط بل الثاني أيضاً(2)

يقع الكلام في كيفية الغسل بالتراب، فإن له ثلاث كيفيات:

1- مرّة المسح بالتراب الجاف.

ــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة25: 378، الباب 35 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث: 2.

(2) تكملة المسألة الخامسة، العروة الوثقى 1: 110.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

2- والغسل بالماء الذي فيه شيء قليل من التراب المستهلك.

3- والغسل بالتراب السائل بالماء.

والظاهر أنّ المتعين هو الصورة الثالثة، أما الصورة الأولى فهي خلاف ظهور كلمة الغسل في نفسه، إذ على ذلك يلزم الغسل على مطلق الإزالة والتنظيف. مع أنّ الغسل مستبطن لمفهوم لا يكون إلّا مع السيولة، كما أنّ حمله على الصورة الثانية، خلاف ظهور كلمة التراب في كونه موجوداً فعلاً غير مستهلك، فتتعين الصورة الثالثة.

عدم كفاية الأشنان والنورة ونحوها

قال: ولابدّ من التراب فلا يكفي عنه الرماد والأشنان والنورة، ونحوها(1)(2).

هل يعتبر في الغسلة الأولى التراب بالخصوص؟ أو يكفي فيه ما كان شديد المسح والإزالة كالتراب؟

مقتضى الجمود على العبارة الالتزام بخصوصية في التراب، فلا يمكن التمسّك بإطلاق الدليل لكفاية الغسل في غيره، بل ظاهره أنّ الترابية شرط في الغسلة الأولى، كما أنّ المائية شرط في الغسلتين الثانية والثالثة، ولا يمكن رفع اليد عن هذه الدلالة إلّا مع عدم احتمال الفرق بين التراب وغيره.

ــــــــــ[132]ــــــــــ

() الصابون مثلاً، (المقرر).

(2) العروة الوثقى1: 110، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أمّا عدم الفرق مناطاً، والجزم أنّ كل ما يطلب ويرغب يمكن أن يحصل من التراب وغيره، فهذا المعنى ساقط يقيناً، فإنّ الفقيه لا يمكنه الاطلاع على المناطات الواقعية، ليجزم بعدم الفرق، بل يدّعي بعض أهل الخبرة، بأنّ هناك خصوصيةً في التراب في قتل الجراثيم التي يخلفها ولوغ الكلب.

وأمّا بمعنى عدم الفرق بحسب النظر العرفي العام الذي يصير منشئاً لإلغاء خصوصية التراب، ويُحمل التراب على المثالية، ويعممه لكل ما كان قوياً في المسح والإزالة، فهذا ليس بعيداً كل البعد، لأنّ التطهير بالتراب ليس من التأسيسات الشرعية، فإنّ العرف أيضاً جرى على الغسل بالتراب ونحوه مما يكون أقوى من الماء في الإزالة، فحين يقول الشارع: اغسله بالتراب أول مرة. يفهم العرف الإشارة إلى الطريقة المعهودة، ويفهم أنّ التراب إنما أُخذ بصفته أشدّ قلعاً من الماء ويتعدّى منه إلى غيره.

وهذا ليس ببعيد إلّا أنّ الالتزام الجزمي به مشكل، فإن الفقهاء -رغم عرفيتهم- لم يفهموا منه المثالية وجمدوا على التراب.

التطهير بالرمل

قوله: نعم، يكفي الرمل(1).

كفاية الرمل بأحد وجهين

بعد أخذ التراب بنحو الموضوعية فكفاية الرمل بأحد وجهين:

1- إما لدعوى أنّ الرمل عرفاً تراب، والجزم به في غاية الصعوبة، مع أنه 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

(1) من المسألة الخامسة، العروة الوثقى 1: 110.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مقابل للتراب عرفاً، ومجرد أنه ثبت التيمّم به، لا يكفي لذلك، فإنّ عنوان التيمم أوسع من مفهوم التراب وإنما أُخذ فيه عنوان الأرض لا التراب.

2- أو يتنزّل عن ذلك، وتكون الشبهة مفهومية من حيث انطباق عنوان التراب على الرمل، فنقول: إنّ مقتضى الإطلاقات المقامية -عدم وجوب الغسل لا بالتراب ولا بالرمل-، وجد له مخصص هو صحيحة البقباق، وهو مردّد بين الأقل والأكثر، فإما أنه مقيّد بخصوص التراب وهو التقييد الأكثر، أو بالجامع بينه وبين الرمل، وهو التقييد الأقل فيتعيّن الأقل، ويرجع في نفي الترابية إلى الإطلاق المقامي.

وأما لو ادعينا عدم الإجمال أيضاً واستوضحنا التقابل العرفي بين العنوانين، فلا بُدّ من الالتزام بخصوص التراب.

قوله: ولا فرق بين أقسام التراب(1).

وهذا واضح تمسّكاً بالإطلاق.

ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) من المسألة الخامسة، العروة الوثقى 1: 110.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

المراد من الولوغ 

قوله: والمراد من الولوغ شربه الماء أو مائعاً آخر بطرف لسانه ويقوى إلحاق لطعه الإناء بشربه وأما وقوع لعاب فمه فالأقوى فيه عدم اللحوق وإن كان أحوط، بل الأحوط إجراء الحكم المذكور في مطلق مباشرته، ولو كان بغير اللسان من سائر الأعضاء، حتى وقوع شعره أو عرقه في الإناء(1).

ففي صحيحة البقباق قال: سألت أبا عبد الله عن فضل الهرة…. فلم أترك شيئاً إلّا سألت عنه إلى أن انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله فأصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرّة ثمّ بالماء” (2)(3).

الكلام هنا من ناحيتين: 

الناحية الأولى: في شمول الولوغ لسائر المائعات

 الحكم هل يختصّ بما إذا شرب الماء أو يعم سائر المائعات؟ بعد وضوح عدم شموله لغير المائع؛ لأنّ النص غير شامل له، فإن المائع غير الماء مشمول لصدر الرواية، وهو قوله: “بفضله“، إلّا أنها مقيّدة بقرينتين:

إحداهما: “لا تتوضأ“، وهو لا يكون إلّا بالماء.

والأخرى: قوله: “واصبب ذلك الماء“، فهو لا يشمل بمدلوله اللفظي المائع غير الماء فضلاً عن الجوامد.

ــــــــــ[135]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 110- 111، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) أبواب الأسئار، باب 1، وهي صحيحة البقباق، (المقرر).

(3) وسائل الشيعة1: 226، الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث:4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

نبقى نحن والتعدّي العرفي، ولا شك أنه يساعد على التعدّي إلى غير الماء من المائعات، فإنّه لا يرى للمائية دخلاً في تعدّي النجاسة، أما التعدّي من المائع إلى غيره فهو مما لا يساعد عليه العرف، ولا يشمله إطلاق الدليل.

الناحية الثانية: في لحوق اللطع بالولوغ

هنا توجد مراتب:

الأولى: أن يشرب من الإناء بطرف لسانه وهو الولوغ المعروف، وهو لم يذكر في النص بل في كلمات الفقهاء.

الثانية: أن الكلب يلطع الإناء بلسانه.

الثالثة: أن يمسّ الكلب الإناء ويسيل عليه لعابه.

الرابعة: أن يمسّه بغير لسانه وفمه بل بباقي جسده.

فهل يشمل الحكم المشدد في التطهير المراتب الأربع؟ أو يختصّ بالمرتبة الأولى التي هي القدر المتيقن، أو يتعدّى إلى بعض هذه المراتب؟

قد يقال بالتعدّي إلى تمام هذه المراتب لوجود إطلاق في النص وتوضيحه: 

أنّ مورد الرواية وإن كان هو شرب الكلب إلّا أنه مُعلَّل بقوله: (رجس نجس)، فالعلة هي نجاسة الكلب، ومعه لا يختصّ الحكم بما إذا لاقى بلسانه، بل إذا لاقى بيده أو رجله أو شعره يشمله الحكم.

إلّا أنّ هذه الدعوى غير صحيحة. 

أولاً: لأنّ قوله: (رجس نجس) لا ظهور له في التعليل بل هو حكم من الأحكام، والحكم بالتطهير حكم آخر في مقابله. نعم، هناك ترتّب للحكم 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الثاني على الأول، ولا إشكال في ذلك، فأينما يجب التطهير إذا كان رجساً نجساً. ومطلق التفريع غير التعليل الموجب للتعدّي.

ثانياً: لو سلّم ظهوره بالتعليل، فمقتضى قانون التعليل التعدّي من الكلب إلى أنّ كلّ رجس نجس نغسل من فضل شرابه بالتراب أول مرة. لا التعدّي من فم الكلب إلى سائر أجزاء بدنه. 

فإنّ قانون التعليل يقتضي التعدّي في نفس الحكم المعلل لا الحكم الآخر، فيلزم القول: بأنّ كل صاحب فضلة يكون نجساً رجساً يلزم الغسل من فضلته بالتراب، فيُتعدّى إلى الخنزير والكافر مثلاً. لا إلى سائر أجزاء الكلب.

فلا إشكال أنّ الإطلاق اللفظي يختصّ بالمرتبة الأولى، والتعدّي لا بُدّ أن يكون بمناسبات الحكم والموضوع، بمقدار ما تناسبه من التعدّي.

ولا يبعد القول: إنّ مناسبات الحكم والموضوع تقتضي التعدّي إلى اللطع، لأنّ العرف يرى أنّ المحذور الحقيقي هو هذا، غاية الأمر مرةً يكون بواسطة الماء وأخرى بدونه، وعنوان الشرب لا دخل له عرفاً، 

بل يمكن التعدّي أيضاً إلى المرتبة الثالثة وهو سيلان اللعاب من دون لطع، وإن كان أضعف في التعدّي، وأما التعدّي إلى المرتبة الرابعة فلا.

والنتيجة، أنّ مقتضى الاحتياط الوجوبي هو التعدي إلى المرتبتين الثانية والثالثة دون الرابعة.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 6: [وجوب غسل الإناء سبعاً في ولوغ الخنزير]

ويجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرات(1).

الاستدلال برواية علي بن جعفر

والمدرك في هذا الحكم رواية علي بن جعفر (المعتبرة سنداً) عن أخيه قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير، فلم يغسله، فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به، قال: “إن كان دخل في صلاته فليمضِ، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصابه من ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله”، قال: وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به، قال: “يغسل سبع مرات”(2).

الاستدلال بقوله: “يغسل سبع مرات“، فليس في مقابله إلّا الإطلاقات المقامية، أو اللفظية لو تمّت. ومن الواضح أنّ هذا يقيّد تلك الإطلاقات المقامية، فيلتزم بوجوب السبع مرات.

وهناك تشكيكان على هذا الاستدلال:

التشكيك الأول 

الأول أنّه ورد في صدر الرواية أمر بغسل الثوب الذي يصيبه الخنزير، 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 111، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء، المسألة السادسة.

(2) مسائل علي بن جعفر: 348، قسم المستدركات، الأخلاقيات، الحديث: 858، والكافي5: 181، كتاب الطهارة، الباب39، الحديث: 6، وتهذيب الأحكام1: 261، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث47، ووسائل الشيعة3: 417، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ومقتضى إطلاقه أنه يطهر بمرة واحدة، وتقييد هذا الأمر بسبع مرات ليس تقييداً عرفياً، فإن تقييده بمرتين مثلاً ممكن وهيّن، ولكن تقييده بالسبع ليس كذلك لكن هذا في الثوب. وإذا ثبت ذلك في الثوب يثبت في الإناء أيضاً. بعد الالتفات إلى اعتبارين:

أحدهما: أن الثوب أهم في الطهارة، لأنّ طهارته شرط في الصلاة بخلاف الإناء.

ثانيهما: أنّ الثوب تترسّب فيه النجاسة بخلاف الإناء، لأنه صلب المادة.

فيثبت بالفحوى أنّ الإناء أيضاً لا يجب فيه إلّا مرةً واحدةً، فيكون صدر الرواية قرينةً على حمل السبع على الاستحباب.

إلّا أنّ هذا التشكيك قابل للدفع، لأنّ صدر الرواية لم يعلم أن فيه إطلاقاً أصلاً، فضلاً عن كونه ظهوراً عرفياً آبياً عن التقييد. وذلك لقوة احتمال أن لا يكون مسوقاً في مقام البيان من هذه الناحية، فإنّ السائل فرغ عن كون الخنزير نجساً وأنه يحتاج إلى غسل وقال: فلم يغسله، وتمام نظره إلى أنّ هذا الرجل لم يغسل ثوبه حتى دخل في الصلاة، فلا يكون الجواب في مقام البيان من حيث كيفية الغسل ليكون فيه إطلاق، فضلاً عن الظهور.

التشكيك الثاني

الثاني نضمّ دليلين فتحصل منهما قرينة على حمل الأمر بالسبع على الاستحباب:

أحدهما: رواية عبد الله بن أبي يعفور، قال: “وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع فيها غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

البيت وهو شرهم فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب وإن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه”(1).

تدل على أنّ أنجس خلق الله هو الكلب، ومقتضى هذا العموم أنه أنجس من الخنزير أيضاً، ويؤيده الارتكازات المتشرّعية، فإنها تستنجس الكلب أكثر من الخنزير فإنه يقال: كالكلاب الممطورة ولا يقال: كالخنازير الممطورة. 

ثانيهما: وبضم ارتكازية أنّ زيادة التطهير لأجل زيادة النجاسة لا مجرد أمر تعبّدي لمصالح غيبية، فيكون اغسل سبعاً محمولاً على الاستحباب، إذ لو حملناها على الوجوب للزم أن يكون الخنزير أشدّ من الكلب، في حين أنّ تلك الرواية تقول: (إنّ الكلب أنجس)، بعموم غير قابل للتقييد، بل هي في مقام زيادة الكلب على أمور قليلة منها الخنزير.

وهنا قد يقال: إنه في الخنزير إذا التزمنا بوجوب السبع لا يلزم أن يكون الكلب أنجس، لأنه في الكلب توجد مؤونة التعفير غير الموجودة في الخنزير.

وهذا الكلام لا يكفي لتصحيح فتوى الماتن. فلو عفّرنا الآنيتين بالتراب، احتاج ظرف الكلب إلى غسلتين (بصحيحة البقباق)(2) واحتاج ظرف الخنزير إلى سبع (بصحيحة علي بن جعفر)(3).

ــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) علل الشرائع1: 292، الباب 220آداب الحمام، الحديث10، ووسائل الشيعة1: 220، الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل، الحديث: 5.

(2) وسائل الشيعة1: 226، الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث:4.

(3) وسائل الشيعة3: 417، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فينتج إمّا حمل السبع على الاستحباب، أو رفع اليد عن تعينها في مقابل المؤونة المأخوذة في الكلب.

إلّا أنّ هذا التشكيك لا يتم؛ لأنه لم يعلم أنّ المراد بالنجاسة النجاسة الحكمية، بل المراد النجاسة المعنوية، ولذا نسبت إلى ذات الكلب بظاهر العبارة، وإنها صفة طبعية له، وهذا لا يناسب مع النجاسة الحكمية.

وفي رواية أخرى: “إن الله تعالى لم يخلق خلقاً شراً من الكلب”(1)، فلا يكون هذا التشكيك كافٍ عن ظهور الأمر بالسبع بالوجوب.

وجوب غسل الإناء سبعا في موت الجرذ

قوله : وكذا في موت الجرذ، وهو الكبير من الفأرة البرية(2).

وقد ورد الأمر بغسل الإناء سبع مرات إذا مات فيه الجرذ:

في رواية عمار عن أبي عبد الله قال: “اغسل الاناء الذي تصيب في الجرذ ميّتاً سبع مرات”(3).

ودلالتها على الوجوب وأنه هو المطهّر واضحة، ولا يرد فيها التشكيك الثاني السابق لو تم هناك، فإنّ هذه ليست نجاسة الجرذ، بل نجاسة موته في الإناء، فإنه قال: الكلب أنجس ما خلق الله لا أنجس من كل الحوادث 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) الكافي5: 48، كتاب الطهارة، الباب10، الحديث: 1، ووسائل الشيعة1: 219، الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل، الحديث: 4.

(2) العروة الوثقى1: 111، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(3) وسائل الشيعة3: 496، الباب 53 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

العرضية حتى الميتة، فالميتة بما هي ميتة ليس من مخلوقات الله تعالى، وإنما الذي يقارن بالكلب هو الجرذ نفسه.

نعم، هناك تشكيك آخر وهو: أنّ هذه الفقرة حيث وردت في رواية عمار بمتن طويل وسند مشوش(1).

التعفير قبل السبع في ولوغ لخنزير

قوله: والأحوط في الخنزير التعفير قبل السبع أيضاً لكن الأقوى عدم وجوبه(2).

وجوب التعفير في الخنزير مبني على دعوى التمسّك بإطلاق صحيحة البقباق التي تقول: حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: “رجس نجس…”(3) الحديث.

بدعوى: أنّ عنوان الكلب الذي سأل عنه البقباق له إطلاق يشمل الخنزير أيضاً فإنه كلب بالمعنى الأعم.

ويرد عليه: 

أولاً: أن هذا التعميم إن أُريد تعميمه على القاعدة بإطلاق لفظه للكلب، فمن الواضح أنه لا يعمه عرفاً ولغةً، وإطلاقه عليه أحياناً مبني على العناية والمجاز، ولا أقل من الإجمال من هذه الناحية بحيث لا يمكن التمسّك بالإطلاق.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

() وهي الرواية التي أشرنا إليها فإن عملنا بها فهو وإلا طرحناها، (المقرر).

(2) العروة الوثقى1: 111، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

(3) المتقدّمة قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وإن أُريد التعميم بالقرينة، فما نتعقّله أن يكون قرينةً على ذلك، فإن ظاهر العبارة هو الاستيعاب لكل ما يخطر على ذهن المتشرع الاعتيادي ومن المعلوم أنّ الخنزير من أهمها، فكيف يسأل عن شيء لم يقل أحد بنجاسته، ويترك ما قيل بنجاسته؟! فلا بُدّ أن يكون قد سأل عنه، فإن كان داخلاً تحت العموم من الوحش والسباع فهو غير محتمل، لأنه ينتج طهارة سؤر الخنزير، فيتعيّن أن يكون المراد من الكلب ما يعم الخنزير.

ولكنها غير تامة، لوجود احتمال آخر وهو أنه لم يسأل عن الخنزير باعتبار وضوح نجاسته، وفي الروايات وقعت نجاسة الكلب محلّاً للنفي والإثبات، ولم يقع مثله في الخنزير. فلا يمكن دعوى إطلاق رواية البقباق للخنزير.

وثانياً: لو سلّم الإطلاق، فهو معارض بإطلاق رواية علي بن جعفر(1) الآمرة بالسبع بنحو العموم من وجه. فإن مقتضاها أنه يطهر من دون تعفير، فإما أن نجعل هذه الرواية أخصّ، لأن تلك الرواية وردت في الكلب الأعم من الخنزير فتخصصها. أو نقول بالمعارضة بنحو العموم من وجه من حيث المحمول والموضوع، فيتساقطان ونرجع إلى العمومات الفوقانية.

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) المتقدّمة قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  




مسألة7: [هل يستحب غسل ظرف الخمر سبعا، أو ثلاثاً؟]

يستحب في ظروف الخمر الغسل سبعاً والأقوى كونها كسائر الظروف في كفاية الثلاث(1).

ورد خبران لعمار، أحدهما: يأمر بالسبع، والآخر: بالثلاث.

الأول: عن أبي عبد الله عن الإناء يشرب فيه النبيذ قال: “اغسله سبع مرات وكذلك الكلب”(2)(3).

والتشكيك فيها: باعتبار عطف الكلب وظاهره التسوية في الحكم، وقد عرفنا أنّ الكلب لا يجب فيه السبع، فيكون مقتضى التسوية هو الحمل على الاستحباب.

الثاني: باعتبار ما أشرنا إليه من وجود رواية خاصة تأمر بالغسل ثلاث مرات فيقع التعارض بين هذه الرواية وتلك: وقال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر قال: “تغسله ثلاث مرات”(4).

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 111، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء، المسألة السابعة.

(2) الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة، (المقرر).

(3) وسائل الشيعة25: 368، الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث: 2.

(4) الكافي12: 768، كتاب الأشربة، الباب 33، الحديث:1، وتهذيب الأحكام1: 116، كتاب الصيد والذبائح، الباب2، الحديث: 236، ووسائل الشيعة3: 494، الباب51 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وبالدقة موضوع الرواية الأولى يختلف عن الثانية، فإنه في الأولى أُخذ عنوان النبيذ، وفي الثانية أُخذ عنوان الخمر، وهما متباينان موضوعاً، ولو سلّم بأنّ الخمر قد استعمل بالمعنى الأعم، فتكون النسبة بينهما نسبة العام والخاص، فمقتضى القاعدة تخصيص رواية الثلاث بإخراج مورد السبع منها، وأنّ الآنية التي يشرب فيها المسكر تغسل ثلاث مرات إلّا الآنية التي يشرب فيها النبيذ.

إلّا أنّ هذا مبني على عدم احتمال الفرق بين النبيذ والخمر، بل على أشدّية النبيذ، وهذا غير موجود، بحيث إنّ آنية الخمر أخفّ حالاً من النبيذ، فالجمع الموضوعي غير ممكن بينهما.

فلا بُدّ من الجمع المحمولي، وحمل السبع على الاستحباب، إذ الأمر يدور بين أن نحمل السبع على الاستحباب، أو نحمل الأمر بالثلاث على ثلاث بعدها أربع، وهو ليس جمعاً عرفياً، فيتعيّن الحمل الأول.

هذا كله بناءً على العمل بظاهر رواية عمار الأولى والبناء على نجاسة النبيذ وكل مسكر.

وأما بناءً على الالتزام بطهارة النبيذ أساساً -كما اخترناه في محله- وإن كان شربه حراماً، فلا بُدّ من حملها على الاستحباب، أو حملها على السبع تعبّداً، ويكون أجنبياً عن باب النجاسة ولا يبقى إلّا الرواية الآمرة بالثلاث.

ــــــــــ[145]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 

مسألة 8: [اشتراط طهارة التراب قبل التعفير]

التراب الذي يعفّر به يجب أن يكون طاهراً قبل الاستعمال(1).

تقدّم فيما سبق(2) أنه يشترط طهارة الماء قبل الاستعمال وإلا لا يكون مطهّراً، وقلنا إنّ مهمّ الدليل عليه هو الارتكاز العرفي الذي يشكل قرينةً متصلةً فكأنه قال: (اغسل بالماء الطاهر)، ومعه لا بُدّ من فرض طهارته قبل الاستعمال.

فيقع الكلام في اشتراط طهارة التراب:

1- بلحاظ مقتضى الأصل

نرى مقتضى الأصل العملي، فنحن لو غسلنا بتراب نجس ثمّ غسلناه بالماء فهل يطهر أو لا؟

أخسّ أصل يمكن الرجوع إليه هو قاعدة الطهارة، بناءً على إمكان الرجوع إليها في صورة العلم بالنجاسة سابقاً، فلا بُدّ من التفتيش عن الأصل الحاكم. وهذا الأصل هو استصحاب النجاسة في المغسول، فإنه كان نجساً ولا ندري أنه طهر بذلك أو لا؟ فيجري استصحاب النجاسة.

فهل هناك استصحاب آخر حاكم على ذلك؟

ــــــــــ[146]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 111، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، المسألة الثامنة.

(2) تقدم ذلك في أول الكتاب فانظر: (الشرط الثالث: طهارة الماء) ص37.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

هناك استصحاب تعليقي لمطهّرية التراب، فإنه قبل أن يتنجّس يصح أن نقول: (إنه لو غسلنا به الإناء لطهر)، ونشك في بقاء هذه الشرطية وعدمه فنستصحبها.

فمن يبني على عدم جريان الاستصحاب التعليقي(1) رأساً لا يجري هذا الاستصحاب. 

ومن يبني على جريانه ومعارضته بالاستصحاب التنجيزي فيتعارض الاستصحابان ويتساقطان(2) ويرجع إلى قاعدة الطهارة لو كانت جارية في نفسها.

ومن يبني(3) على أنّ التعليقي جارٍ في نفسه وحاكم على التنجيزي
-كما هو المختار(4)– فيكون حاكماً على استصحاب النجاسة، ويكون الأصل الفعلي هو استصحاب المطهّرية.

ــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) مباحث الأصول القسم الثاني5: 386، الاستصحاب، التنبيهات، الاستصحاب التعليقي، وبحوث في علم الأصول6: 280، الاستصحاب، الفصل الرابع، التطبيقات، الاستصحاب التعليقي.

(2) انظر: الصفحة 411 من مباحث الأصول القسم الثاني الجزء الخامس.

(3) انظر: أجود التقريرات: 414، المبحث الرابع في الاستصحاب، التنبيه السابع.

(4) أنظر بحث المصنف حول الاستصحاب التعليقي والمختار عنده في بحوث في علم الأصول 6: 280.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

2- بلحاظ الدليل الاجتهادي 

وأما الدليل الاجتهادي، فقد يقال: بأنّ التراب كالماء، فكما أنّ الماء لم يقيّد لفظاً بالماء الطاهر ولكن كما أن الارتكاز القاضي بأن غير الطاهر لا يطهِّر يكون قرينة لُبّية على تقييد (اغسل) كذلك الحال في التراب. فإنه جعل مطهراً والارتكاز يقضي باشتراط مطهّريته.

وهذا الارتكاز لا بُدّ أن يدّعى بمرتبة يقتضي تقييد الإطلاق، لا بمرتبة يقتضي سقوط الإطلاق، لأنه لو كان مانعاً فقط لأمكن الرجوع إلى الأصل العملي وهو استصحاب المطهّرية، بل يمكن الرجوع إلى المطلقات الفوقانية التي تقتضي كفاية الغسل بالماء، وقد قيّدت بصحيحة البقباق(1)، فإذا أجمل المخصص رجعنا إلى المطلقات الفوقانية. إذن فالارتكاز لا بُدّ أن يكون بنحو يوجب ظهور الخطاب بالتقييد بالطهارة.

والإنصاف أنّ هذا الارتكاز غير موجود في التراب وإن كان موجوداً في الماء.

ونكتة ذلك: أنّ الأشياء الدخيلة في عملية التطهير على قسمين: 

القسم الأول: أنّ دخلها فيها لإعطاء صفة النظافة والطيب ونفي القذارة، فيكون له نحو دخل معنوي.

القسم الثاني: أن يكون وظيفة الشيء عرفاً هو أن يُزيل العين فقط، لا أنه يعطي صفة الطهارة والنقاء والطيب. 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة1: 226، الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث:4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والماء من القسم الأول فإنّ وظيفته إعطاء الصفة المعنوية للطهارة والنظافة لا محض إزالة العين.

وأما التراب فيرى عرفاً أنه من القسم الثاني، ولا أقل من عدم الجزم باندراجه بالقسم الأول: ولا يرى العرف فيه أنه نظيف بالذات كالماء، وإنما هو قالع للنجاسة فقط، وعليه يحمل دليل المطهّرية الشرعية.

حينئذٍ نقول: ما كان دخيلاً في إعطاء صفة النظافة والطيب يحكم الارتكاز العرفي أنه يجب أن يكون طاهراً، لأنّ مُعطي الطهارة يجب أن يكون طاهراً.

وأما ما كان دخيلاً من القسم الثاني أو لا أقل من احتماله. فكون شيء قالعاً لعين القذارة لا يوجد ارتكاز أن يكون طاهراً في نفسه. فليس هناك ارتكاز مقيّد لدليل الغسل بالتراب. فيتمسّك بإطلاقه، ولو فرض الإجمال فيه يرجع إلى المطلقات الفوقانية.

ومعه فالظاهر عدم اشتراط الطهارة في التراب.

وقد يقال: إنّ التراب النجس سوف ينجس الآنية فيحتاج إلى غسل ثلاث مرات.

جوابه: أنّ الغسل ثلاث مرات واقع على أي حال. أما الغسلتان فهما لا بُدّ منهما بعد التعفير بناءً على التعدّد، وأما الثالثة، فباعتبار إزالة التراب بالماء بعد التعفير، فإنه مقوم لمفهوم التعفير، فلتعتبر هذه غسلةً أولى للنجاسة اللاحقة من التراب.

 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 9: [كيفية تعفير الإناء الضيق]

إذا كان الإناء ضيقاً لا يمكن مسحه بالتراب فالظاهر كفاية جعل التراب فيه وتحريكه إلى أن يصل إلى جميع أطرافه، وأما إذا كان مما لا يمكن فيه ذلك، فالظاهر بقاؤه على النجاسة أبداً إلّا عند من يقول بسقوط التعفير في الغسل بالماء الكثير(1).

مراتب تحقّق الغسل بالتراب

بعد فرض وجوب الغسل بالتراب في آنية الولوغ، ينبغي أن يتكلم أنه بِمَ يتحقق الغسل بالتراب؟ فإن فيه ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: أن يمسح الإناء بالتراب باليد.

المرتبة الثانية: أن يصل التراب إلى أطراف الإناء من دون أن يكون مصحوباً بحركة اليد، غاية الأمر أنه يصل بضغط يعوّض عن حركة اليد كالضغط بالقصبة ونحوها.

المرتبة الثالثة: أن يصل التراب إلى أطراف الإناء بمجرد المسّ والملاقاة من دون ضغط.

ولا إشكال في أنّ المرتبة الأولى هي القدر المتيقن من الغسل بالتراب.

ويقع الكلام في المرتبتين الثانية والثالثة، والظاهر عرفاً التفصيل بينهما، فإنه 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 111- 112، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء، المسألة التاسعة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

لا يصدق عرفاً غسل الإناء بالتراب بالمرتبة الثالثة، ولو قلنا بصدق عنوان الغسل بالماء بهذه المرتبة ولو لم يحصل ذلك. وأما التراب فمجرد مماسته لا يصدق عنوان الغسل.

والنكتة فيه ما أشرنا إليه أنّ مطهّرية الغسل بالماء تختلف عن مطهّرية الغسل بالتراب، فإنّ مطهّرية التراب عرفاً من باب الإزالة والقلع، ومن الواضح أنّ القالعيّة بالتراب لا تصدق عرفاً بمجرد الملاقاة، بل لا بُدّ أن يستعمل التراب بشدة. بخلاف الغسل في الماء فإنه لارتكازية أنه طهور في نفسه مطهّر لغيره، يقتضي أن يستفاد من دليله أنّ مجرد استيلاء الماء عليه يكفي في حصول الطهارة. إذن فالدليل لا يشمل المرتبة الثالثة.

وبما ذكرناه من البيان ظهر أنه يشمل المرتبة الثانية، فإنه ليس لليد دخل خاص.

وبعد أن حقّقنا هذه الجهة نأتي إلى الفرع:

يفرض الماتن أنّ فوهة الإناء ضيقة لا يمكن إدخال اليد فيه، فيستظهر كفاية جعل التراب فيه وتحريكه حتى يصل إلى جميع أطرافه.

فإن أراد المرتبة الثانية أي تحريكه بشدة ولو بقصبة ونحوها، فهو صحيح.

وإن أراد المرتبة الثالثة، ومجرد المماسّة والملاقاة فهو غير صحيح؛ لأنّ إطلاق دليل الغسل بالتراب لا يشمله.

ثمّ إنه لو تعذّرت هذه المرتبة فلا يمكن التعفير، ومعه يجب الالتزام بأنّ هذا الإناء مادامت حاله هكذا لا يكون طاهراً.

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ولا ينبغي أن يتوهّم أنّ قوله: (اغسله بالتراب) أمر مشروط بالقدرة، ومع العجز يكون ساقطاً غير صحيح؛ لأنّ خطاب (اغسل بالتراب) ليس أمراً مولوياً، وإنما هو خطاب إرشادي إلى ما هو المطهّر وهو لم يتحقق، ولا موجب لتخصيصه بصورة وجود القدرة.

المسألة 10: [عدم جريان حكم التعفير في غير الظروف]

لا يجري حكم التعفير في غير الظروف، مما تنجس بالكلب ولو بماء ولوغه أو بلطعه، نعم لا فرق بين أقسام الظروف في وجوب التعفير حتى مثل الدلو لو شرب الكلب منه، بل والقربة والمطهرة وما أشبه ذلك(1).

هذا الحكم المخصوص في مقام التطهير من الولوغ، ما هو موضوعه؟ هو الإناء بحسب تعبيرات الفقهاء وكذلك في الروايات غير المعتبرة، ولكن مهم المَدرَك عليه هو صحيحة البقباق، ولم يرد فيها عنوان الإناء، قال: سألت أبا عبد الله عن فضل الهرّة… فلم اترك شيئاً إلّا سألتُ عنه إلى أن انتهيت إلى الكلب. فقال: “رجس نجس لا تتوضأ بفضله، فأصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم الماء”(2).

وقوله: “لا تتوضأ بفضله”، يدلّ على نجاسة الفضل لا على كيفية تطهير 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 112، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، المسألة العاشرة.

(2) وسائل الشيعة1: 226، الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث:4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ذي الفضل، فلا يمكن التمسّك بإطلاقه لكل ما يكون فيه الفضل، وإنما دليل المطهّرية هو قوله: “واغسله بالتراب أول مرة” وموضوعه الضمير، وهو يحتاج إلى مرجع، ولا يوجد في الكلام مرجع صريح له، فلا بُدّ من تقديره، وتوجد في المقام عدّة أنحاء.

النحو الأول: مطلق ما كان ملاقياً للماء ولو كان هو اليد.

النحو الثاني: مطلق الظروف التي يجعل فيها الماء بأيّ غرض كان سواء بغرض أن يشرب منه، أو ينقل به كالدلو.

النحو الثالث: عنوان الإناء الذي هو ظاهر عرفاً، أو على الأقل لا نجزم بظهوره عرفاً في أوسع مما نقوله: وهو الظروف المعدّة لأن يتناول منها الطعام والشراب.

وحيث إنّ المرجع غير موجود، وحيث إنّه ليس هناك مناسبات عرفية تعيّن غير الثالث، إذن فلا موجب لتقدير غير الأمر الثالث، بل لعلّ المناسبات العرفية تنفي الأول رأساً، ومقتضى ذلك كون الحكم معلقاً على عنوان الإناء -كما هو الموجود في فتاوى الفقهاء-.

ومعه يظهر أنّ الحكم أخص مما هو موجود في المتن، فإنه لا يشمل الدلو والقربة.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



مسألة 11: [عدم تكرّر التعفير بتكرّر الولوغ] 

لا يتكرر التعفير بتكرر الولوغ من كلب واحد أو أزيد، بل يكفي التعفير مرةً واحدةً(1).

لو ولغ في الإناء كلبان أو كلب واحد مرتين، فهل يجب تكرار التعفير؟ قد يقال بوجوب التكرار تطبيقاً لقاعدة عدم تداخل الأسباب والمسببات المقررة في الأصول(2)، فإنه إذا علّق حكم واحد على شرطين فمقتضى القاعدة عدم التداخل لا في الأسباب ولا في المسببات ومعه فيبنى هنا على وجوبين للتعفير.

مناقشة تكرار التعفير

وقد يناقش على ذلك بأمرين:

الأمر الأول: قاعدة عدم التداخل تجري مع إمكان تكرار الشرط 

أن يقال كما عن السيد الأستاذ(3): إن هذه القاعدة إنما تجري فيما إذا أمكن تكرر الشرط، لا ما إذا كان الشرط سنخ عنوان غير قابل للتكرر كالموت مثلاً، وفي المقام لو كان الشرط في وجوب التعفير هو ملاقاة الكلب مع الإناء أمكن تكرره، ولكن المقام ليس هذا بل موضوعه هو (الفضل)، فمتى أصبح الماء 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 112، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

(2) انظر: أصول الفقه1: 117-118، المقصد الأول، الباب الرابع، تنبيهان، وبحوث في علم الأصول3: 195، المفاهيم، دلالة الشرطية على المفهوم، التنبيه الثامن.

(3) أنظر: فقه الشيعة5: 125-126، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 (فضل) حيوان يجب غسله بالتراب أول مرة ثمّ بالماء، وعنوان (الفضل) لا يتكرر، إذن، فمقتضى القاعدة التداخل.

إلّا أنه لا يتم: 

أولاً: إنّ عنوان (الفضل) قابل للتكرر بتكرر ذي الفضل من كلبين أو شربتين.

وثانياً: يفهم العرف من الفضل الملاقاة، فكأنه قال: إذا دسّ الكلب لسانه في هذا الماء، فاصنع به كذا وكذا، والدسّ عنوان قابل للتكرار.

وهذه مسألة سيّالة في كل النجاسات كما لو تعدّدت إصابة البول أو تعدّدت إصابة الدم، فهل يجب الغسل مرّتين أو يقال بالتداخل؟

إذن، إنّ مقتضى القاعدة هو عدم التداخل في تعدّد الأسباب والمسببات، فلا بُدّ من غسلين في المقام.

إلّا أنّ التحقيق أنّ هذا التطبيق غير صحيح ولتوضيح ذلك لا بُدّ من الالتفات إلى أمرين:

إنّه تارةً: يتعدّد الشرط ويتّحد الجزاء، كما لو قيل إذا أفطرت فكفّر وإذا ظاهرت فكفّر. وهذا هو مورد قاعدة عدم التداخل، فلو تحقّق كِلا الشرطين وجبت كفارتان، إعمالاً لقانون السببية الذي هو ظاهر الجملة الشرطية، وقد حدث سببان فلا بُدّ من حدوث مسببين.

وأخرى: يتّحد الشرط ويتعدّد الجزاء، كما لو قال: إذا سافرت سقط عنك الصوم، وإذا سافرت سقطت عنك النوافل -مثلاً-.

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فهل يقال: 

إنه لو سافر مرةً واحدة، فهل يلحقه كِلا الجزئين، أو يحتاج ذلك إلى سفرين؟

من الواضح أنّ مقتضى القاعدة هو التداخل قضاء لحق السببية أيضاً، فإنّ مقتضى الجملة الأولى أنّ السفر سبب تامّ للسقوط، ومقتضى الثانية أنه علّة تامة لسقوط النوافل، ومقتضى ذلك أنه إذا سافر مرّةً واحدةً يترتّب كِلا الجزائين، لا أنّ لكلّ جزاء سفراً مستقلاً.

الأمر الثاني: انحلال (اغسله) إلى قضيتين

إنّ قوله: جسدي أصابه بول قال: “اغسله(1)، أو الإناء أصابه ولوغ قال: “اغسله بالتراب ثمّ بالماء (2).

“اغسله” تنحلّ إلى قضيتين: 

إحداهما: أنّ البول نجّس الثوب، وصياغتها الشرطية: إذا لاقى البول الثوب تنجّس.

ثانيتهما: أنّ الغسل مرّتين يرفع هذه النجاسة، وصياغتها الشرطية: إذا غسلته مرّتين ارتفعت النجاسة.

ــــــــــ[156]ــــــــــ

(1) هذا مضمون لعدد من الروايات كرواية الحسين بن أبي العلاء، وسائل الشيعة3: الباب 1 من ابواب النجاسات، الحديث: 4.

(2) وهذا مضمون رواية البقباق المتقدمة قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فلو أصيب الثوب بالبول مرّتين، فما هو أثره بالنسبة إلى الشرطيتين، أما القضية الشرطية الأولى، فهنا الشرط متعدّد بتعدّد الإصابة، والجزاء متّحد، فيدخل في الحالة الأولى التي قلناها في الأمر الأول، ومقتضى القاعدة عدم التداخل فنلتزم بوجود نجاستين في هذا الثوب، ما لم يدلّ دليل على الخلاف، قضاءً لحقّ السببية.

وقولوا نفس الشيء فيما إذا أصيب الثوب ببول ودم، فإنّ الشرط متعدد بتعدد الملاقاة، ومقتضى القاعدة تعدد النجاسة.

ثمّ إنّ هذا الثوب الذي حدثت فيه نجاستان، نريد أن نرى أنّ ما يرفع هاتين النجاستين ما هو، هل غسل واحد أو غسلان؟ فهنا لا بُدّ أن نلحظ القضية الشرطية الثانية، وهنا نواجه الحالة الثانية في الأمر الأول، وهو أنّ الشرط واحد والجزاء متعدد: إذا غسلته ارتفعت عنه النجاسة البولية، وإذا غسلته ارتفعت عنه النجاسة الدمّية، ومقتضى القاعدة في مثله هو التداخل فإن غسلناه بالماء فقد ارتفعت كِلتا النجاستين قضاء لحق السببية.

فالحقّ هو التفصيل بين أصل النجاسة وبين التطهير، فمقتضى القاعدة في أصل النجاسة عدم التداخل، ومقتضاها في المطهّرية التداخل، ما لم يقم دليل على الخلاف.

فيتضح في المقام أنّ مقتضى القاعدة عدم التداخل في أصل النجاسة، ومقتضاها التداخل في التطهير، فلا نحتاج إلى غسلين بالتراب.

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 12: [وجوب تقديم التعفير على الغسلتين]

يجب تقديم التعفير على الغسلتين فلو عكس لم يطهر(1).

وهذا واضح لأنه هو المستفاد من صحيحة البقباق(2) التي تقول: “اغسله بالتراب أول مرة”، فلو عكس لم يكن مطهّراً.

مسألة 13: [في كفاية الغسل مرة إذا غسل الإناء بالماء الكثير]

إذا غسل الإناء بالماء الكثير لا يعتبر فيه التثليث، بل يكفي مرةً واحدةً حتى في إناء الولوغ، نعم، الأحوط عدم سقوط التعفير فيه، بل لا يخلو عن قوة، والأحوط التثليث حتى في الكثير(3).

ثبت فيما سبق التعدد في الأواني، في مطلق الآنية على أساس رواية عمار(4)، والتعدد في جملة من الأواني على أساس الدليل الخاص في آنية الخمر، وآنية الولوغ، والآنية التي مات فيها الجرذ.

ففي كل مورد قلنا بالتعدد بالماء، فهل يشمل الماء الكثير أيضاً أو يختص بالماء القليل؟

الكلام تارةً فيما هو مقتضي الشمول للتعدد، والأخرى عن المانع عن هذا المقتضي.

ــــــــــ[158]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 112، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) وسائل الشيعة1: 226، الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث:4.

(3) العروة الوثقى1: 112، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(4) وسائل الشيعة3: 494، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مقتضي الشمول للتعدّد

أمّا من ناحية المقتضي فالصحيح أن يقال: إن دليل وجوب التعدد في الآنية تارةً يكون بعنوان (صبّ عليه) وأخرى بعنوان (اغسل). ففي الأول هناك قرينة عامة على الاختصاص بالماء القليل، ولا يكون في الدليل إطلاق للماء القليل، بل يتمسّك في الكثير بالمطلقات الفوقانية.

وأمّا إذا كان بلسان (اغسل)، فمقتضى القاعدة هو إطلاقه حتى للماء الكثير، ولا يوجد قرينة على أن النظر إلى خصوص الماء القليل، ونحتاج في الخروج منه إلى معارض.

فإذا طبّقنا ذلك على الأواني:

أمّا التعدّد في مطلق الآنية، فدليله منحصر في أحد أمرين: 

الأمر الأول: رواية عمار(1) التي شككنا في سندها والتي يقول فيها: “صبّ فيها الماء وأدِره فيها إلى ثلاث مرات”.

الأمر الثاني: الإجماع المنقول على وجوب التعدُّد في الأواني.

وكِلاهما لا يشمل -على تقدير حجّيته الماء الكثير- أما الرواية فبقرينة الصبّ، وأما الإجماع فلا 

إجماع على التعدد في الكثير إن لم يكن قد انعقد على عدم التعدد.

ــــــــــ[159]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 497، الباب 53 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأمّا آنية الولوغ: فإنّ بنينا أننا حتى في القليل لا نحتاج إلى التعدد، فلا موضوع لهذا الكلام.

وإن قلنا بالاحتياج في القليل، فإن كان المَدرَك في ذلك هو تحكيم رواية عمار(1) على رواية البقباق(2)، فقد عرفنا الآن أنّ رواية عمار في نفسها لا إطلاق فيها، فلا موجب للتعدّد في الكثير.

وإن كان المَدرَك للتعدد هو كلمة “مرّتين” التي وردت في الخلاف للشيخ الطوسي في صحيحة البقباق، فإن بنينا على حجية نسخة الخلاف، فيجب التعدد حتى في الكثير، لأنّ دليل وجوب التعدّد بلسان >اغسله< هو نفس رواية البقباق، فيتمسّك بإطلاقها للكثير.

ولكن هذا المَدرَك غير صحيح، أيضاً ومن هنا يصحّ ما في المتن من أنه لا يجب التعدد في الغسل في الماء الكثير.

وأما آنية الخنزير وموت الجرذ والخمر، فكلها أدلتها بعنوان (اغسل)، وهو غير خاص بالماء القليل. ومقتضى الإطلاق فيها أنّ التعدد شامل حتى للماء الكثير. هذا هو حال المقتضي في نفسه.

 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

(1) المتقدمة قريباً.

(2) المتقدمة قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

المانع من التعدّد

فلا بُدّ من الانتقال إلى ما يصلح أن يكون مقيّداً أو معارضاً لذلك المقتضي أو لا. وإلاّ عملنا بالإطلاق.

ما يُتوهّم أن يكون كذلك إحدى روايتين:

الرواية الأولى: مرسلة العلامّة

نقل أن بعض علماء الشيعة يرويها -قيل إنه يقصد ابن أبي عقيل- وهي: أنّه كان في المدينة رجل يدخل إلى أبي جعفر محمد بن علي وكان في طريقه ماء فيه العذرة والجيف وكان يأمر الغلام يحمل كوزاً من ماء يغسل رجله إذا أصابه، فأبصره يوما أبو جعفر فقال: “إنّ هذا لا يصيب شيئاً الّا طهّره، فلا تُعِدْ منه غسلاً”(1)(2).

تقريب الدلالة: أنها وردت في ماء كثير، أما بقرينة وقوعه في الطريق، وهو غالباً يكون كثيراً، أو بقرينة وجود الميتة والجيفة والعذرة فيه، فلو كان قليلاً لانفعل بملاقاة النجاسة، فيفهم أنه ماء كثير.

فحكم الإمام (إنّ هذا لا يصيب شيئاً إلّا وطهّره). ومن الواضح أنّ عنوان 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() موجود في المستدرك، (المقرر).

(2) مختلف الشيعة1: 178، كتاب الطهارة، باب المياه، الأول: في الماء القليل، مسألة: تنجّس الماء القليل بملاقاة النجاسة، ومستدرك الوسائل1: 198، الباب 9 من ابواب الماء المطلق، الحديث: 343، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الإصابة يكفي فيه الغسلة الواحدة، ومقتضى الإطلاق شامل لآنية الخنزير.

فيقع التعارض بنحو العموم من وجه بينهما وبين ما دلّ على السبع في الخنزير.

فإما أن نقول بالتعارض والتساقط والرجوع إلى المطلق الفوقاني، وهو الإطلاق المقامي الذي يقتضي عدم التعدّد.

وإما أن ندّعي تقدّم هذه الرواية “إن هذا لا يصيب شيئاً إلّا طهّره” بدعوى أنّ هذه ناظرة إلى أدلة التطهير، ومرادها أنّ مطهّريته تكفي فيه مجرد الإصابة، فإنّه لم يستشكل أحد من المسلمين في أنّ الماء الكثير في الجملة معتصم، وإنما كان الإشكال في أنّ رجله تصيب الجيفة التي في الماء أو في الماء المتغير بها.

وحينئذٍ نستشكل في مطهرية هذا الماء، فإنّ مجرد أنّ هذا (خاضه) وخرج منه لا يكفي للتطهير، ولذا الإمام في الجواب قال: إنّ هذا الماء مطهر، ولم يقل إنه ماء طاهر، فهذا مؤيد لجهة الاستشكال، وقال الإمام: إنّ مجرد الخوض في الماء يكفي في التطهير.

فتكون الرواية ناظرةً إلى أدلة العنايات الزائدة ونافيةً لها، إلّا أنّ هذه الرواية ساقطةً سنداً لإرسالها.

الرواية الثانية: رواية الكاهلي

قال: قلت يسيل عليَّ من ماء المطر أرى فيه التغيير، وأرى فيه آثار القذر، فتقطر القطرات عليَّ، وينتضح عليَّ منه والبيت يتوضأ على سطحه، فكيف على 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ثيابنا؟ قال: “ما بذا بأس لا تغسله، كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر”(1)(2).

فهي تفترض أنّ الرؤية مناطاً كافياً في المطهّرية، وهي تصدق على الغسلة الواحدة، فمقتضى إطلاقه للآنية هو كفاية الغسلة الواحدة، فيقع التعارض بنحو العموم من وجه بينها وبين روايات الكلب والخنزير.

فإمّا أن يتساقطا ويرجع إلى المطلق الفوقاني الدال على عدم وجوب التعدد.

أو نقول: بتقديم هذه الرواية بدعوى: “أنّ كل شيء يراه ماء المطر” بالعموم وقوله: “اغسله سبع مرات” أو “ثلاث مرات“، إطلاقه للكثير بمقدمات الحكمة.

وكلما حصل التعارض بهذا الشكل تقدم الإطلاق الأداتي على الإطلاق الحِكَمي.

إلّا أنّ هذا البيان الثاني لا يخلو من إشكال وحاصله: 

أنّ قوله: (كل شيء…) الحديث، له عموم أفرادي للآنية والفرش والخشب وغيرها. وهناك إطلاق أحوالي زماني لقوله: (فقد طهر)، فإنّ مقتضاه أنه طهر من الرؤية الأولى من دون حاجة إلى التعدّد، وما هو طرف المعارضة مع قوله: “اغسله سبع مرات” أو “ثلاث مرات” إنما هو هذا الإطلاق الأزماني فكِلاهما إطلاق حِكَمي.

ــــــــــ[163]ــــــــــ

() الباب 6 من ابواب الماء المطلق، (المقرر).

(2) الكافي5: 44، كتاب الطهارة، الباب9، الحديث: 3، ووسائل الشيعة1: 146، الباب6 من ابواب الماء المطلق، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ولكن يمكن التعويض عن هذا التقريب إلى تقريب أحسن منه، وهو أن العدول من قوله: “إذا غسل بماء المطر” إلى قوله: “رؤية ماء المطر“، الذي يدل على أنّ أقل مماسّة تكفي فيه مجرد المماسّة، فيكون ظاهره نفي هذه العنايات، فيتقدّم بالحكومة على الأدلة الدالة على العنايات.

ولكن هذه الرواية مرسلة، فلا يمكن التعويل عليها.

نعم، هناك شبهة واضحة بحسب الخارج، في عدم الاحتياج إلى التعدّد في الماء الكثير، وهو المركوز في الأذهان من أنّ الماء الكثير أقوى في التأثير في التطهير. إلّا أنّ هذا لا يكون مَدرَكاً للفتوى بعدم وجوب التعدد. فإن لم تتمّ الفتوى بوجوب التعدّد فلا أقل من الاحتياط به في كلّ مورد تم الدليل على وجوب التعدّد.

عدم سقوط التعفير في الغسل بالماء الكثير

قوله: نعم الأحوط عدم سقوط التعفير فيه بل لا يخلو عن قوة(1).

وهو صحيح لوجود المقتضي وعدم المانع.

أمّا المقتضي فهو إطلاق دليله وهو صحيحة البقباق(2)، وليس فيها قرينة أنها ناظرة إلى القليل خاصة. فمقتضى إطلاقها شامل للكثير.

وأمّا عدم المانع، فلأن المانع المتصوّر إنما هو هاتان الروايتان اللّتان 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 112، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

(2) وسائل الشيعة1: 226، الباب 1 من أبواب الأسئار، الحديث:4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

قرأناهما، فلو عملنا بهما، وقدّمناهما على دليل وجوب التعدّد، من باب الحاكمية، فهي لا تأتي هنا، فإنّ المراد بالنظر نفي العنايات الغسلية لا الترابية، فتكون العناية الترابية منفيةً بالإطلاق، فالأوجه هنا هو إيقاع المعارضة بينهما، والمصير إلى الإطلاق الفوقاني، لولا أنّ الروايتين مرسلتان.

مسألة 14: [كيفية غسل الإناء بالماء القليل]

في غسل الإناء بالماء القليل يكفي صبّ الماء فيه، وإدارته إلى أطرافه، ثمّ صبّه على الأرض ثلاث مرات، كما يكفي أن يملأه ماءً، ثمّ يفرغه ثلاث مرات(1).

هل إدارة الماء في موثقة عمار(2) على نحو الموضوعية؟ إذن لو ملأ الإناء بالماء لا يكفي. 

وأما لو استظهر أنها مأخوذة طريقاً إلى إيصال الماء لتمام الإناء، فلا إشكال في كفاية ملء الإناء.

وإن أجمل الدليل وتردد أمره بين الموضوعية والطريقية، فمعناه أننا لا ندري أنّ الشرط مطلق إيصال الماء أو إيصاله بالإدارة، فيكون من دوران أمر المخصِّص بين الأقل والأكثر، فيرجع في المشكوك إلى العام الفوقاني، ما لم يجزم بموضوعية الإدارة. ولكنه بعيد؛ فإن مناسبات الحكم والموضوع إن لم توجب قلب الظهور بالموضوعية فلا أقل من الإجمال.

ــــــــــ[165]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 112، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) المتقدّمة قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 15: [الشك في كون المتنجّس من الظروف أو من غيرها]

إذا شك في متنجس أنه من الظروف حتى يعتبر غسله ثلاث مرات أو غيره حتى يكفي فيه المرة، فالظاهر كفاية المرة(1).

يشك في أنّ المتنجّس هل هو آنية ليلحقه حكمها من وجوب التعدّد، أو ليس بآنية ليكفي غسله مرةً واحدةً؟

إنّ الشبهة تارةً مفهوميةً وأخرى موضوعية، أما الشبهة المفهومية فمعناها: أن يشك في سعة صدق مفهوم الإناء، فيشك أنه هل ينطبق على الدلو أو لا؟ وأما الموضوعية فيما إذا كان مفهومه متعيّناً في ظرف الطعام، ولكن لا يدري أنّ هذا دلو أو ظرف طعام.

الكلام في الشبهة المفهومية

أما الكلام في الشبهة المفهومية: 

فتارةً، يفرض أنّ المشكوك الإنائية يشك في حدوث الإنائية له، وأخرى، يشك في ارتفاع الإنائية عنه، فهنا فرعان:

الفرع الأول: أن يشك في حدوث الإنائِيّة

كما لو جعل الحديد دلواً فيشك أنه هل يصدق عليه عنوان الإنائية بنحو الشبهة المفهومية؟

ففي مثله لا إشكال في لزوم الرجوع إلى المطلقات التي تقتضي الغسل مرةً 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 112- 113، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

واحدةً، ولا أقل من الإطلاقات المقامية، فإنّ مقتضاها كفاية غسلة مرةً واحدةً سواء كان دلواً أو إناء طعام أو غيره، والمخصص أخرج عنوان الإناء والمفروض دوران أمره بين الأقل والأكثر مفهوماً، فيتمسّك بالمطلق والعام في الزائد على القدر المتيقن خروجه. 

وأمّا إذا لم نبنِ على وجود مطلق يدل على كفاية المرة الواحدة، بل كان ذلك يحتاج في كل مورد إلى دليل لفظي، أو القطع بعدم الفرق عرفاً أو فقهياً فيتعدّى إليه من الموارد المنصوصة.

فهنا لا يمكن البناء على كفاية المرة لعدم وجود المطلق، ولا يمكن التعدّي، لأنّ احتمال الفرق موجود عرفاً وفتوى، ومعه لا بُدّ من الرجوع إلى الأصل العملي، وهو استصحاب بقاء النجاسة.

نعم، هناك استصحاب تعليقي يمكن أن يحكم على استصحاب النجاسة، وهو أنّ هذا الحديد قبل أن يكون دلواً لو تنجس لطهر بالمرة الواحدة بلا إشكال، لأنّ الحديد بما هو حديد يكفي فيه المرة الواحدة، والآن كما كان لو ينجس لكفت الواحدة. وصيرورة الحديد دلواً لا يوجب تعدد الموضوع، فإنّ الدلوية والإنائية من الخصوصيات التعليلية عرفاً، وليست من الخصوصيات المكثرة للموضوع بحيث يمتنع جريان الاستصحاب.

وهذا الاستصحاب التعليقي حاكم على الاستصحاب التنجيزي على ما بيّناه في الأصول(1)، فتكون النتيجة هي كفاية المرة.

ــــــــــ[167]ــــــــــ

(1) مباحث الاصول القسم الثاني5: 411، الاستصحاب، التنبيهات، الاستصحاب التعليقي.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

نعم، هذا الاستصحاب لا يجري لو خُلق الدلو من أول الأمر بهذا النحو، وليس له وجود سابق غير دلوي، إلّا أنّه فرض غير عقلائي، فيكون الاستصحاب جارياً.

الفرع الثاني: أن يشك في بقاء الإنائِيّة

كما لو كان إناء طعام، ثمّ وسعه الحداد بحيث احتملنا خروجه عن مفهوم الإناء.

فإن بنينا على عدم وجود المطلقات الدالة على المرة الواحدة، فهنا إن قيل بجريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية أجرينا استصحاب عنوان الآنية، فيثبت أنّ هذا آنية، فيلحقه حكمها المبين في موثقة عمار(1). وإذا لم يجرِ فلا أقل من جريان استصحابات حكمية، كاستصحاب النجاسة إذا غسلناه مرةً واحدةً، بل الاستصحاب التعليقي أيضاً، فإنه كان لو تنجس لما طهر إلّا بالثلاث، لأنه كان آنية. فهنا كل هذه الاستصحابات متوافقة من حيث المفاد في الاحتياج إلى ثلاث غسلات.

وأمّا إذا بنينا على وجود المطلقات للمرة الواحدة، وخرج منها عنوان الآنية، فيكون من دوران أمر المخصِّص بين الأقل والأكثر مفهوماً، فيرجع إلى المطلق الفوقاني لإثبات كفاية المرة الواحدة، ويكون حاكماً على كل الاستصحابات الثلاثة التي ذكرناها.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 497، الباب 53 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والاستصحاب المفهومي لو لم نقل به فواضح وأما لو قيل به، فقد يُتوهّم أنه ليس محكوماً للمطلقات وإنما هو حاكم عليها، لأنه يثبت عنوان المخصِّص، لأنه خرج من المطلقات عنوان الإناء، والاستصحاب يقول: هذا إناء، وقد تعرّضنا إلى هذه الشبهة مع جوابها في بحث التمسك بالعام في الشبهة المفهومية(1).

فالصحيح هو الاكتفاء بالمرة الواحدة.

الكلام في الشبهة الموضوعية

وأما إذا كان الشك ناشئاً من الاشتباه الخارجي لظلمة ونحوها، فلا يُدرى أنه إناء أو لا، فهنا تارةً يفرض أنّ الحالة السابقة هي الإنائية، وأخرى أنّ الحالة السابقة هي عدم الإنائية، فهنا فرعان:

الفرع الأول: أن تكون الحالة السابقة هي الإنائية، ولكن في الظلام لا نعلم أنه بقى على شكله أو غيّره الحداد، فهنا لا إشكال في جريان الاستصحاب، أي استصحاب عنوان الإناء، ولا يجوز التمسّك بالمطلقات، لأنه شبهة مصداقية.

الفرع الثاني: أن تكون الحالة السابقة هي عدم الإنائية:

ــــــــــ[169]ــــــــــ

(1) مباحث الأصول القسم الاول4: 265، المقصد الرابع العام والخاص، الكلام في حجية العام المخصِّص بالمجمل مفهوماً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إما بنحو العدم النعتي كما هو الغالب يعني مع حفظ الموضوع، فيجري استصحاب عدم الإنائية.

وإما بنحو العدم الأزلي، كما لو وجدت حديدة بالمعجزة لا ندري أنها آنية أو لا. فيجري استصحاب العدم الأزلي.

فهل يفيد هذا الاستصحاب أو لا؟

الصحيح أن يقال: إننا تارةً نبني على وجود مطلقات لفظية تدل على كفاية الغسل مرةً واحدةً، إناءً كان أو غيره. وخرج منه عنوان الإناء، فمقتضى قواعد التخصيص أن يؤخذ عدم عنوان الإناء في موضوع العام فيصبح مركّباً من كونه جسماً وأن لا يكون آنية، فيكفي فيه المرة. وهذا جسم بالوجدان وليس آنية بالاستصحاب، إما للعدم النعتي أو للعدم الأزلي فتكفي فيه المرة الواحدة.

وأما إذا قلنا بعدم وجود عمومات من هذا القبيل، وإنما دلت الأدلة على كفاية المرة في موارد معيّنة، وتعدّينا إلى غيرها بالإجماع على عدم الفصل، فلا يكون الاستصحاب في المقام كافياً، لأنّ الإجماع مجمل العنوان، لا يعلم أنّ موضوعه عنوان عدمي هو عدم الآنية، أو وجودي هو عنوان الدلو مثلاً. والإجماع دليل لبّي لا يستظهر منه شيء، فلو كان موضوع المرة الواحدة أمراً وجودياً مضاداً لعنوان الإناء، فباستصحاب عدم الإناء لا يثبت ذلك العنوان إلّا بالملازمة العقلية، فلا يجري الاستصحاب الموضوعي(1).

نعم، لا بُدّ من الرجوع إلى الاستصحاب التعليقي أو للتنجيزي الحكمي.

هذا تمام الكلام في شقوق هذه المسألة.

ــــــــــ[170]ــــــــــ

() نعم، اذا كان العنوان الوجودي مجرى للاستصحاب في نفسه أمكن استصحاب الجزء الآخر من موضوع الإجماع على إجماله فيشمله حكمه، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 16: [اشتراط انفصال الغُسالة في الماء القليل] 

يشترط في الغسل بالماء القليل انفصال الغُسالة على المتعارف، ففي مثل البدن ونحوه مما لا ينفذ فيه الماء يكفي صبّ الماء عليه وانفصال معظم الماء وفي مثل الثياب والفرش مما ينفذ فيه الماء لا بُدّ من عصره أو ما يقوم مقامه، كما إذا داسه برجله أو غمزه بكفّه أو نحو ذلك، ولا يلزم انفصال تمام الماء، ولا يلزم الفرك والدلك إلّا إذا كان فيه عين النجس أو المتنجّس(1)

الأجسام المتنجّسة تارةً يُفرض قابليتها للعصر، وأخرى يُفرض عدم قابليتها له.

أمّا في القابلة له، فقد ذكر المشهور(2) وجوب إخراج ماء الغسالة بالعصر.

وما لا يكون قابلاً له قالوا: إنه يجب انفصال ماء الغُسالة ثمّ افترض أنّ هذا هو الشرط الحقيقي، فهناك عنوان واحد، وهو الانفصال غاية الأمر إنه فيما يقبل العصر يكون الانفصال عادةً بالعصر، وفي غيره يكون الانفصال غير محتاج إلى المؤونة الزائدة. وأما في الماء الكثير فلا يحتاج إلى انفصال ماء الغسالة على كِلا التقديرين. 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

() العروة الوثقى1: 113، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) انظر: غاية المرام1: 111، في الطهارة الترابية، في النجاسات، في احكام النجاسات، ومصباح الفقيه8: كتاب الطهارة، الركن الرابع، هل يختص اعتبار العصر إذا غسل الثوب بماء غير معتصم، وفقه الشيعة5: 138، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء، ودليل العروة الوثقى2: 377، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فمن هنا يقع الكلام في الوجوه التي يمكن أن يُستدَلّ بها على وجوب انفصال ماء الغسالة بالماء القليل، ثمّ نتكلم في شمولها للماء الكثير.

ويمكن الاستدلال على اشتراط انفصال ماء الغسالة بعدّة وجوه: 

الوجه الأول: انفصاله مقوّم لمفهوم الغسل

فلو أراق الماء على ثوبه ولم يعصره لا يصدق عليه أنه غسله.

وهذه الدعوى:

 تارةً: ترجع إلى دعوى أنّ مفهوم الغسل بما هو مدلول لغوي أو عرفي لنفس كلمة الغسل يستبطن انفصال ماء الغسالة.

وأخرى: يرجع إلى أنّ الغسل بدليل (اغسل)، -ولو بضمائم عرفية ارتكازية- يكون له ظهور باشتراط ماء الغسالة.

فإن رجع إلى الدعوى الثانية فهو يرجع إلى وجه آخر(1)، سيأتي التعرّض له، وإن فرض الأول فهو وجه مستقلّ في نفسه، ويرد عليه ما ذكرناه سابقاً من أنّ العصر وانفصال ماء الغسالة ليس مقوّماً لمفهوم الغسل(2)، وإنما يحصل الغسل باستيلاء الماء على المغسول، سواء انفصل أو لا. 

مضافاً إلى أنّ الأمر بالتطهير ورد في جملة من الروايات بعنوان (صبّ) لا بعنوان (اغسل)، فلو كان الانفصال دخيلاً في مفهوم الغسل، للزم التفصيل بين مورد دلّ فيه الدليل على التطهير بعنوان (اغسل) فيقال بلزوم الانفصال، ومورد 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

(1) وهو الوجه الآتي قريباً.

(2) راجع الصفحة 75 من هذا الكتاب.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

دل الدليل على التطهير بعنوان صبّ عليه الماء، فلا يشترط انفصال ماء الغسالة.

الوجه الثاني: رواية الحسين بن أبي العلاء السابقة

 في بول الصبي قال: “تصبّ عليه الماء قليلاً ثمَّ تعصره…”(1) الحديث، حيث أمر بالعصر، والمفهوم عرفاً من العصر، أنه لم يؤخذ بعنوان كونه عصراً، بل باعتبار كونه سبباً لانفصال ماء الغسالة، وبعد إلغاء خصوصية المورد يتعدّى إلى سائر النجاسات. 

وهذا التقريب لا يخلو الاستدلال به من إشكال كما ألمعنا سابقاً، لأنه في خصوص بول الصبي الذي لم يتغذَ إن سلّمنا قيام إجماع تعبّدي على عدم وجوب العصر فيه.

إذن فلا بُدّ من حمل الرواية بمدلولها المطابقي على الاستحباب، ومعه لا يمكن استفادة الوجوب منها في غير موردها، كما هو واضح.

وإن لم نسلّم الإجماع التعبّدي، وظاهر قوله: “ثمّ تعصره” هو وجوب العصر؛ فهنا إن كان مرجع الضمير المجرور في “عليه” هو البول أو الثوب المتلطخ بالبول بما هو متلطّخ به تكون هذه الرواية خاصّةً بخصوص الغسلة المزيلة، فتكون هي غسلةً مزيلةً ومطهرةً، ولا بأس بالالتزام بذلك في مورد ثبت فيه ذلك، والماء حينئذٍ يتنجّس فلا بُدّ من عصره، بخلاف سائر الموارد فإننا لا نلتزم بمطهّرية الغسلة المزيلة.

ــــــــــ[173]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 497، الباب 53 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وإن فرض أنّ مرجع ذلك الضمير هو ذات الثوب، كما أنّ مرجع ضمير “تعصره” كذلك ذات الثوب، فيكون للرواية حالتان:

  1. أن يصبّ عليه والبول لا زال عليه.
  2. أن يصبّ عليه وقد زال البول عنه.

وإطلاقه أنّ العصر واجب سواء كانت الصبة القليلة مزيلةً أو غير مزيلة.

وحينئذٍ فمقتضى إطلاق “اغسله مرتين” في غير بول الصبي، أن العصر غير لازم في غير الغسلة المزيلة، لأنّ الغسلة الثانية لا بُدّ أن تكون غير مزيلة، لزوال العين قبلها جزماً.

فمقتضى إطلاقه أنه بالغسلة الثانية غير المزيلة يطهر سواء عصرته أو لا. والنسبة بينهما عموم من وجه، يجتمعان فيما إذا غسلته بعد إزالة العين، فهنا مقتضى إطلاق “اغسله مرتين” أنه طهر وإن لم يعصر، ومقتضى إطلاق “ثمّ تعصر”، إنه يحتاج إلى عصر، فإذا تعارضا وتساقطا رجعنا إلى الإطلاقات المقامية، ومقتضاها عدم وجوب العصر.

الوجه الثالث: أن يستظهر وجوب العصر من خطاب (اغسل) 

باعتبار أنّ هناك قرينةً على أخذ العصر في مفهوم الغسل، وهي التقابل بين الغسل والعصر في جملة من الروايات المتقدمة، فقد استبطن الغسل عنايةً زائدةً بها جعل في مقابل العصر، وهي عناية العصر.

أيضاً غير صحيح، لأنّ هذه العناية الزائدة لا ينحصر أمرها، في أخذ العصر في مفهوم الغسل، بل قد تكون هي الفرك والدلك وهو غير العصر، 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فلعل المقابلة مع الصبّ كانت باعتبارها، واحتماله يوجب سقوط الاستدلال.

مضافاً إلى وجود قرائن على هذا المطلب:

القرينة الأولى: من قوله في رواية الحسين بن أبي العلاء(1) “فإنما هو ماء”، فإنه تعليل لكفاية الصبّ، وهذا التعليل يقتضي أن لا يفرك، لا أنه يقتضي أن لا يعصر.

والقرينة الثانية: رواية الحلبي الواردة في بول الصبي التي يقول فيها: “ إن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً..”(2) الحديث لا يراد به لزوم العصر، بل يراد به الزيادة في التنظيف.

فلم يثبت أخذ عناية العصر في الغسل في مقابل الصبّ ليتم هذا الوجه.

الوجه الرابع: أنّ الأوامر الشرعية منزلة على فهم العرف في طريقة التطهير

فيكون كل ما هو معتبر في التطهير عرفاً معتبراً شرعاً، ومن جملة ما هو معتبر في مقام التطهير هو فصل ماء الغُسالة، فإنه دخيل في الارتكاز العرفي في إزالة النفرة من الشيء؛ إذ لولاه لا تزول النفرة، ومعه فيكون هذا الفصل معتبراً شرعاً.

وهذا غير صحيح؛ لأنّه إذا تمّت دعوى هذا الارتكاز العرفي فإنما يتمّ في 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

(1) سبق تخريجها في الصفحة 69 من هذا الكتاب.

( ) وسائل الشيعة3: 498، الباب 3 من ابواب النجاسات، الحديث: 2. وانظر مصادرها في الصفحة 95 الماضية.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

غُسالةٍ يُرى أنها تنجّس، وهي الغسالة المزيلة، فإنها حيث تكون حاصلةً على عين القذر، فيرى العرف أنها منفّرة، ولا تكون النفرة مرتفعةً إلّا بانفصال ماء الغُسالة، وأما الغسالة غير المزيلة التي لا يحكم بنجاستها شرعاً، فليست كذلك، فإنّ العرف ليس لديه إلّا القذارات العينية، وإذا زالت هذه القذارات زال تنفره من الشيء.

الوجه الخامس: أنّ مقتضى القاعدة هو نجاسة ماء الغسالة

وإنما خرجنا عن ذلك باعتبار قيام الضرورة بالتطهير بالماء القليل، ونأخذ منها القدر المتيقن؛ وهو ما إذا انفصل ماء الغسالة. وأما إذا لم ينفصل فمقتضى القاعدة نجاسة ماء الغسالة، بل قد يدّعى أنه منجّس لو تم الدليل على أنّ المغسول يتنجّس بالماء المغسول به.

وهذا غير صحيح، لما تقدّم من أن مقتضى القاعدة طهارة الغسالة غير المزيلة. 

والمشهور(1) الذين ذهبوا إلى ذلك لا نحتمل أنهم تلقوا مَدرَكاً تعبّدياً وراء هذه الوجوه، وإنما هذه الوجوه هي المدرك.

ومعه فهذه الشهرة لا تكون منشئاً للاحتياط، فالظاهر عدم لزوم انفصال ماء الغسالة غير المزيلة لا في ما يقبل العصر، ولا في غيره في الماء القليل فضلاً عن الماء الكثير.

ــــــــــ[176]ــــــــــ

(1) أنظر مثلاً: القزويني في طهارة ينابيع أحكامه 1: 308، والهمداني في (مصباح الفقيه) 8: 346.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

هل يعتبر العصر في الغسل بالماء الكثير؟

ثمّ إنه لو بُنيَ على لزوم انفصال ماء الغسالة إذا كان قليلاً، فهل يتعدّى إلى الماء الكثير، أو يُفرَّق بينهما كما فرّق المشهور(1)؟

لا بُدّ أن نرجع إلى هذه الوجوه لنرى أنّها هل تشمل الماء الكثير أو لا؟

نبدأ من الوجه الخامس إلى الأول:

أمّا الوجه الخامس: فهو لو تم فهو يختصّ بالقليل، لأنّ الكثير معتصم، ومقتضاه عدم الانفعال.

وأمّا الوجه الرابع: فهو لا يتم في الكثير، لأنه ليس هناك نفرة عرفية في الماء الكثير، ولا يشترط عرفاً انفصال المتنجس عن الماء.

وأمّا الوجه الثالث: فالظاهر عدم إمكان إجرائه في الماء الكثير، فإنّ الروايات التي تكفّلت لذلك باعتبار أنها أمرت بالصبّ خاصّة بالقليل، فلا يكون لها إطلاق للماء الكثير حتى في الأمر بالغسل، لوحدة السياق.

والوجه الثاني: لو تمّ دلالته على الوجوب، فهو مختصّ بالقليل بقرينة الصبّ.

وأمّا الوجه الأول: فيمكن أن يقال: إنّ هذا الشرط مقوّم لمفهوم الغسل، ولا يفرّق فيه بين الماء القليل والكثير.

ــــــــــ[177]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الفقيه8: 128، كتاب الطهارة، الركن الرابع، هل يختصّ اعتبار العصر بما إذا غسل الثوب بماء غير معتصم.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وهذا الوجه هو الذي استند إليه السيد الأستاذ(1) وعليه أفتى بوجوب العصر في كِلا الماءين خلافاً للمشهور.

إلّا أنّ ظاهر كلامه كأنه هو التفصيل بين فصل ماء الغسالة فيما يقبل العصر، وفصله في ما لا يقبل العصر، مع إننا لم نعرف وجهاً لهذا التفصيل.

فإنه ذكر في (باب الماء القليل)(2) أنه لا بُدّ من انفصال ماء الغسالة، وهذا الانفصال في ما يقبل العصر يكون بالعصر، وفيما لا يقبل العصر بانفصال الماء، حتى يصدق الغسل.

وفي (باب الماء الكثير) قال: إنه لو أدخل ثوبه في الكرّ وجب العصر، وأما لو أدخل يده في الكرّ قال السيد الأستاذ: إنها تطهر قبل أن تخرج(3). ولم نفهم وجهاً لذلك.

فإنّه إذا بنى على توقف صدق الغسل على الانفصال فهذا لا يفرق فيه بين الثوب واليد.

وإن قيل إنه غير دخيل مطلقاً أو في الكرّ على الأقل، فكِلاهما لا يجب الانفصال فيهما.

ــــــــــ[178]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 68، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) فقه الشيعة 5: 31.

(3) فقه الشيعة 5: 153.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

في اعتبار الفرك والدَّلْك في الغسل بالماء

بعد هذا يقع الكلام في الاحتياج إلى الفرك والدلك. 

قد يستدل على ذلك برواية عمار(1) الواردة في آنية الخمر، يقول فيها: لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات، وبعد إلغاء الخصوصية يُتعدّى إلى سائر الموارد.

إلّا أنّ الاستدلال بها في غير محلّه، لأنها لو تمّت دلالتها على وجوب الدلك تعبّداً، لأنه يحتمل متشرّعياً وجود الخصوصية للخمر، فالتعدّي إلى غيرها نحو قياسٍ، مع أنّ دلالة الرواية في موردها محلّ إشكال، لقوة احتمال أن يكون الفرك لإزالة عين النجس، وكلامنا في لزوم الدلك بعد زوال العين.

وممَّا يشهد لذلك تقديم كلمة الدلك على الغسل، فقد لوحظ الدلك في نفسه، لا أنه من توابع الغسل، إذن فلا يراد بالدلك تحريك الرطوبات المائية، وإلاّ لكان الأنسب ذكر الدلك بعد الغسل.

نعم، يمكن الاستدلال على ذلك بروايات المقابلة بين الغسل والصبّ، وهذه المقابلة لا بُدّ أن تكون بلحاظ عناية مأخوذة في الغسل دون الصبّ وقد ادّعي أنها هي العصر، وقد سبق أن نفينا ذلك، وقلنا إنّ هذه العناية هي الغمز والدلك، ومنها قوله: “فاغسله بالماء غسلاً(2)، فحين يقول: “صبّ عليه 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة25: 368، الباب 30 من ابواب الاشربة المحرمة، الحديث: 1.

(2) وسائل الشيعة3: 498، الباب 3 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الماء(1) ولا تفركه لأنه يزول بلا فرك.

إذن فكل ما لا يزول إلّا بالدلك، يجب فيه الدلك، وبه يُتعدّى من الثوب إلى غيره.

إلّا أنّ هذه العناية خاصة بالماء القليل، لأنّ هذه العناية ثبتت بهذه الروايات وهي خاصة بالماء القليل، فنتمسّك بإطلاقات أدلة المطهّرية في الماء الكثير.

كيفية تطهير ما ينفذ فيه الماء ولا يمكن عصره

قوله: و في مثل الصابون و الطين و نحوهما مما ينفذ فيه الماء و لا يمكن عصره فيطهر ظاهره بإجراء الماء عليه و لا يضره بقاء نجاسة الباطن على فرض نفوذها فيه و أما في الغسل بالماء الكثير فلا يعتبر انفصال الغسالة و لا العصر و لا التعدد و غيره بل بمجرد غمسه في الماء بعد زوال العين يطهر 

تقدّم الكلام في الأجسام التي لا ينفذ إليها الماء، والأجسام التي ينفذ فيها كالثياب، وهناك قسم متوسط بينهما، وهو ما ينفذ الماء إلى أعماقه، ولكن لا يمكن عصره كالخشب والصابون وتحقيق الحال فيه يقع في جهات: 

الجهة الأولى: في تطهير ظاهره

 لو تنجّس ظاهر هذا الجسم فهل يطهر بالماء أو لا؟ 

والكلام في ذلك تارة في التطهير بالماء القليل، وأخرى بالماء الكثير.

ــــــــــ[180]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة3: 495، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أما القليل، فلا شكّ في إمكان إيصاله إلى ظاهر الجسم واستيلائه عليه، بحيث يشمله أدلة الأمر بالغسل.

إلّا أنّ الإشكال يقع من ناحية انفصال ماء الغسالة، وهنا لم ينفصل عنه، بل دخل إلى أعماقه، وترسّب فيه. 

وهذا الإشكال غير تام، أما على مبنانا فلأنّا لم نعتبر انفصال ماء الغسالة أصلاً كما سبق، وأما على مبنى الآغايون فأيضاً لا موقع للإشكال، فإنّ المعتبر هو انفصال ماء الغسالة عن الموضع المغسول وقد حصل ذلك جزماً، فإن بعض الماء سقط إلى الأرض، وبعضه دخل في داخل الجسم، فظاهر الصابون أو الخشبة قد انفصل الماء عنه، ولا دليل على اعتبار انفصال ماء الغسالة عن الجسم كله.

إذن فمطهّريته بالماء القليل، ومنه يعرف حال التطهير بالماء الكثير أيضاً، فإننا إن قلنا باشتراط ماء الغسالة أيضاً فالكلام هو الكلام إشكالاً وجواباً، وإن لم نقل لم يرِد ذلك الإشكال أصلاً. 

الجهة الثانية: في تنجّس الماء بنفاذه إلى الأعماق

أنّ ظاهر الخشب إذا تنجس وصرنا في مقام تطهيره، فهذا الماء الذي نطهر به ينفذ إلى أعماقه، فهل يكون منجِّساً له أو لا؟

أمّا إذا غسل بالكثير فلا إشكال أنّ هذه الغسالة لا تكون منجِّسةً، لأنها لم تتنجَّس أصلاً لاعتصام الماء.

ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأمّا إذا كان غسله بالماء القليل، ذكر السيد الأستاذ(1) أنه لا يكون منجِّساً؛ لأنّ هذا من الغسالة الطاهرة، لأنها من الغسالة المتخلفة في المحل، وهي محكوم عليها بالطهارة، وإلاّ لتعذر تطهير كل شيء، إذ ما يغسل شيء إلّا ويتخلّف شيء من الغسالة في المحل.

وهذا الكلام قابل للإشكال:

أمّا أوّلاً: فلإمكان أن يقال: إنّ البناء المختار هو التفصيل بين ما إذا لاقى عين النجس أو لا، فإن لاقاه نجُسَ على أي حال، وإلا فهو طاهر على أي حال سواء كان متخلفاً أو لا. وهذا هو الجواب الصحيح عن المسألة.

وثانياً: إنّ ما أُفيد يناقض مبنى السيّد الأستاذ، فإنّ مبناه أنّ الغسالة التي يتعقّبها طهارة المحل مطلقاً طاهرة سواء كانت متخلفةً أو لا، فطهارة الماء هنا ليست موقوفةً على أن يكون الماء من الماء المتخلّف، فكأنّ هذا مبني على مسلك المشهور لا مسلكه.

وثالثاً: لو قلنا بمسلك المشهور، وهو نجاسة ماء الغسالة مطلقاً إلّا المتخلّف منه، فمن يقول بطهارة المتخلّف يقول بطهارة المتخلّف في الموضع المغسول لا في مطلق الجسم المغسول والمنفصل عن الموضع يكون نجساً، فلا بُدّ أن يلحظ بشيء واحد، يُنسَب إليه الانفصال تارةً والاتصال أخرى.

فإن كان هو الموضع المغسول، فالجواب هناك تام؛ لأنّه انفصل عن الموضع، ولكن الجواب هنا غير تام، لأنّه انفصل عن الموضع وإن تخلّف في 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 66، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الجسم وإن لوحظ الجسم كله، فالجواب هنا تام إلّا أن الجواب هناك لا يكون تاماً، لأنّ الماء لم ينفصل عن الجسم.

والصحيح في الجواب أن يقال: إنّ ماء الغسالة طاهر أصلاً، فلا يكون منجِّساً لأعماق الصابون.

الجهة الثالثة: هل يمكن تطهير باطن الصابون؟

لو تنجَّس الصابون بظاهره وباطنه، وقد عرفنا أنّ ظاهره يمكن تطهيره فهل يمكن تطهير باطنه أو لا؟

أما في الماء القليل، فقد يستدل على حصول التطهير بالماء القليل بالصبّ عليه حتى ينفذ إلى داخله بعدّة تقريبات:

التقريب الأول: التمسّك بأدلة المطهرية

إنّ الماء القليل إذا نفذ في أحشائه يكون مطهّراً له، تمسّكاً بأدلة المطهّرية، وهذا التقريب يستشكل فيه في عّدة جهات:

الإشكال بعدّة جهات

الجهة الأولى: الماء ينفذ على شكل رطوبات 

من ناحية دعوى أنّ الماء النافذ إلى داخل الصابون، لا يبقى ماءً بل ينفذ على شكل رطوبات لا على شكل ماء.

ودليل المطهّرية يقول: (اغسل) بالماء، وهو يتوقّف صدقه على أن يكون ماءً في ظرف فعلية الغسل.

ــــــــــ[183]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وقد يدفع ذلك: إنّ (اغسل) حينما يضاف إلى كل شيء ينعقد له معنى بحسب مناسبات ما يضاف إليه، وغسل كل شيء بحسبه، فغسل ظاهر الصابون بإيصال الماء إليه، وغسل داخله بنفوذ رطوبات هذا الماء إليه.

وهذا وإن كان صحيحاً، إلّا أنه يتم فيما لو أضيف الغسل إلى بواطن الأشياء، لأننا حينئذٍ نقول: إنّ هذا الغسل يكون تعيين المضاف إليه -وهو الباطن-، قرينةً على أنّ المراد بالغسل هو إيصال الرطوبات، لارتكازية عدم وصول الماء نفسه إليها، فهو فرد مجازي من الغسل لكن قامت القرينة عليه.

وأما إذا ورد (اغسل) ولم يضف إلى الباطن، فلا يكون شاملاً لذلك الفرد العنائي المجازي، والمطلقات تنصرف إلى الأفراد الحقيقية دون العنائية.

نعم، يمكن أن يذبَّ عن الإشكال بتقريب آخر: 

بالتمسك بالإطلاق المقامي لدليل المطهّرية، بناءً على ما ذكرناه من أنّ قوله: “وجعل لكم الماء طهوراً(1)، له إطلاق مقامي في التحويل على النظر العرفي في التطهير، ما لم يقم دليل على خلاف ذلك.

ومن الواضح أنّ العرف يكتفي في تطهير باطن الأشياء بهذا المقدار.

الجهة الثانية: تنجس الرطوبات بملاقاة الظاهر

إنّ الرطوبات التي نريد أن نطهّر بها باطن الصابون، قد تنجَّست بملاقاة 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه1: 10، باب المياه وطهرها ونجاستها، الحديث: 13، وتهذيب الاحكام1: 356، كتاب الطهارة، الباب 15، الحديث: 27، ووسائل الشيعة1: 134، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ظاهره، بناءً على نجاسة الغسالة، فلا يتحقق فيها شرط التطهير، وهو الطهارة قبل الاستعمال.

وجواب ذلك: الالتزام بطهارة الغسالة في غير الغسلة المزيلة.

الجهة الثالثة: عدم انفصال الغسالة في الباطن

أنه يشترط في التطهير بالماء القليل انفصال ماء الغسالة، وهذه الرطوبات سوف تبقى في داخل الجسم، فلا يتحقّق الانفصال.

والجواب عليه: إما بإنكار أصل اعتبار الانفصال في الماء القليل فضلاً عن الكثير، ولو سلّم لقلنا إنّ الدليل قاصر عن الشمول لمحل الكلام، لأنّ الدليل إن كان هو الإجماع فالقدر المتيقن منه غير ذلك، وإن كان الدليل قوله: “ثمَّ تعصره” أو “اغسله غسلاً“، فهو إنما يدلّ عن فصل ماء الغسالة عن ظاهر الأشياء، وأما بواطنها فغير مشمول لها، ولا يمكن التعدّي إليها بعد فرض كون هذا دخيلاً في الارتكاز العرفي.

وأمّا دعوى دخل الانفصال في مفهوم الغسل وعنوانه، فهو إن سلّمناه في الغسل بالماء، وأما لو كان غسلاً بالرطوبات، وتمسّكنا بالإطلاق المقامي لصحته، فلا نسلّم بذلك. 

وأمّا لو سلّمنا وجود الدليل على اعتبار الانفصال، وشموله لمحلّ الكلام، فلا بُدّ أن نقول بلزوم الانفصال بالتجفيف، أو زيادة صبّ الماء إلى أن ينفصل الغسالة.

إذن فهذا التقريب الأول صحيح.

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التقريب الثاني: التمسّك بقاعدة (لا ضرر)(1) 

بدعوى أنّ النجاسة لو كانت قد حدثت في بواطن هذه الأجسام واستقرت على نحو لم يجعل لها الشارع مزيلاً ومطهّراً، لكانت من الأحكام الضررية؛ لأنّ المكلف يحرم من الاستفادات المتوقفة على طهارة الشيء، فتثبت المطهرّية. 

وقد اعترض عليه في المستمسك(2): أنه لو صحّ الاستدلال بـ(لا ضرر) في محل الكلام، فلا يمكن التمسّك بها لنفي أصل النجاسة، وإنما نتمسّك بها لنفي الأحكام التكليفية كحرمة الأكل.

إشكال الأستاذ على اعتراض السيد الحكيم

وكأن السيّد الأستاذ فهم من السيّد الحكيم أنه بصدد التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية، فكأنه يدّعي أنّ التكليفية يمكن رفعها بـ(لا ضرر)، بخلاف الوضعية، فالنجاسة حيث كانت حكماً وضعياً فلا ترتفع بالقاعدة.

ــــــــــ[186]ــــــــــ

(1) وهي القاعدة المعروفة، انظر: الكافي10: 485، كتاب المعيشة، الباب 149، الحديث: 8، ومن لا يحضره الفقيه3: 233، أبواب القضايا والأحكام، باب البيوع، الحديث:3859، ووسائل الشيعة25: 428، الباب 12 من أبواب إحياء الموات، الحديث: 3.

(2) مستمسك العروة الوثقى2: 240، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، قال: “… لأنّ الحرج والضرر لو فرضا فإنما ينفيان التكليف، ولا يصلحان لإثبات التطهير”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ومن هنا أشكل عليه السيّد الأستاذ(1)، بأن هذه القاعدة لا موجب لتخصيصها بغير الأحكام الوضعية، ولهذا استدل جملة من الفقهاء على ثبوت خيار الغبن بها، مع أن الخيار واللزوم حكم وضعي وليس تكليفياً.

الجواب الأول: إلّا أنّ الظاهر أنّ مقصود المجيب لم يكن هو هذا التفصيل، بل يريد بيان أنّ ما هو الضرر يترتب على الحكم التكليفي لا على الحكم الوضعي، لأنه عندنا حكمين طوليين هما النجاسة وحرمة الأكل، وحصول الضرر إنما ينشأ من الحكم الثاني، فإنّ الحكم الأول -دون الثاني- لا ضرر فيه.

نعم، يرد عليه أنّ الضرر قد يكون ناشئاً من الحكم الوضعي، كما لو كانت نجاسته -في نفسها- موجبةً لتنزّل قيمته مثلاً، فإنّ النجاسة تعتبر حزازة في أذواق المتشرعة وأسواقهم، وإن كان مرخّص الأكل شرعاً.

الجواب الثاني: ما ذكره السيّد الأستاذ(2): أن ما نريد أن تنفيه بـ (لا ضرر) ليس هو النجاسة؛ لأنه لا شكّ فيها، وإنما الذي تريد أن تنفيه هو عدم وجود مطهّر، فثبت بذلك وجود المطهّر، وهذا النحو من التمسّك غير صحيح؛ لأنّ القاعدة إنما تنفي الحكم إذا كان ضررياً، ولا تنفي عدم الحكم إذا كان عدمه ضررياً.

ــــــــــ[187]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 67، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 67، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء، قال: “ولا نظر لها أي القاعدة- إلى الأحكام المعدومة بوجه”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وهذا الجواب غير صحيح: 

أولاً: أنّ التفصيل في قاعدة لا ضرر بين الحكم وعدمه مبني على مسلك ميرزائي في تفسير قاعدة (لا ضرر) بأن نقول: عنوان الضرر جعل عنواناً للحكم الضروري، فيدّعى الانصراف إلى الأحكام الوجودية، وصب النفي على العدم ليس نفياً، وإنما هو إثبات، فهو فيه عناية، فظهور (لا) بالنفي الحقيقي لا يشمل نفي عدم الحكم.

وثانياً: وأما بناءً على ما اخترناه(1) في مفاد القاعدة، وهو أنّ لا سلطة على الضرر الخارجي، لكن بمقدار ما يمكن للمولى بما هو مولى أن ينفيه، ومعه فالضرر قد ينفى بجعل الحكم، وقد ينفى بنفي عدم جعل الحكم.

ولو سلّم فنقول: إنّ المنفي هنا هو الحكم لا عدم الحكم، فإن المنفي ليس هو عدم المطهّرية، بل هو النجاسة لكن لا حدوثاً بل بقاءً لما بعد الغسل بالماء.

فالأَولى في الجواب على هذا التقريب أن يقال

إننا تارةً: نلتزم بأنّ أصل الحكم بالنجاسة ضرري ولو آناً واحداً، ووجود المطهّر رافع للضرر، لا أنه يوجب عدم صدق الضرر.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

(1) بحوث في علم الأصول5: 466، مباحث الحجج والأصول العملية، الجزء الثاني، قاعدة لا ضرر، قال: “… وهذا ينتج تحريم الضرر والإضرار وعدم جواز ايقاعه خارجاً. ثم قال: والصحيح إمكان ذلك، لأنّ وجود أحكام تستوجب الضرر خارجاً كالوضوء الضرري أيضاً نحو استساغة من قبل الشريعة للضرر…”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأخرى نقول: بأنّ الضرر إنما هو فيما لو استمرت النجاسة، وأما لو ارتفعت بالماء أو نحوه فلا يكون ضرراً.

فإن قلنا بالتقدير الأول: فالدليل القطعي الدال على حدوث النجاسة، في نفسه ضرري، فيصبح دليل النجاسة بالملاقاة أخصَّ مطلقاً من القاعدة فيقدّم عليه، لأنَّ مفاده ضرري من أول الأمر، فيكون من قبيل دليل وجوب الجهاد، فيخصص دليل (لا ضرر)، فإطلاق دليل المخصص يكون هو المحكم لو كان له إطلاق يقتضي بقاء النجاسة… فيرجع إلى إطلاقه.

وأمّا إذا بنينا على الثاني فالتقريب السابق لا يأتي، لأنّ الدليل الدال على أصل النجاسة لا يكون ضررياً، وتكون الضررية في إطلاقه، فيكون دليل القاعدة حاكماً عليه، كما يكون حاكماً على إطلاق دليل وجوب الوضوء.

لكن حينئذٍ نقول: إنه قد ثبت بالدليل الخاص بأنّ دليل (لا ضرر) لا يرفع الحكم بالنجاسة، وذلك: لما ورد في نجاسة المائعات، كالسمن والمرق الذي فيه لحم كثير، مع وضوح أنّ المائعات ليس لها مطهّر، يفهم العرف منها -بإلغاء الخصوصية- أنّ الحكم بالنجاسة لدى الشارع ليس مما يرتفع جنبة ضرريّته بالقاعدة، وعليه فيتمسّك بما يثبت النجاسة في المقام.

فالتقريب الثاني للمطهّرية غير تامّ.

ثُمَّ لو تمسّكنا بقاعدة (لا ضرر) لمطهّرية الماء لبواطن الأشياء، لما أمكن إثبات الموجبة الكلية، بل في الكثير خاصّة دون القليل، لأنّ القاعدة إنما تُثبت الحكم بمقدار يرتفع به الضرر، وهو يحصل بالتطهير بالكثير، فالحكم بالتطهير في القليل على أي حالٍ ساقط.

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التقريب الثالث: الروايات

الروايات الواردة في تطهير الأشياء التي تنفذ النجاسة في داخلها، كالروايات(1) الآمرة بغسل الآنية الشاملة لآنية الخزف، وظاهر الأمر بالغسل هو إيصال الماء إلى ظاهر هذا الإناء، وظاهره حصول الطهارة لتمام الإناء بنفس هذا الغسل.

وبتعبير آخر: أنَّ قوله: (اغسل) معناه أنّ تمام أثر النجاسة يزول بالغسل، وأثرها قد يكون نافذاً إلى الباطن، وظاهر الأمر بالغسل هو طهارته. 

ومقتضى هذا التقريب طهارة الباطن بتطهير الظاهر بالتبعية كما استقربه السيد الحكيم(2) في المستمسك وإن لم تصل الرطوبات إلى الباطن، لأنّ الغسل ينصرف إلى الغسل المتعارف، لا إلى تنقيع الإناء في الماء مدة من الزمن.

إلّا أنّه غير تام، لأنّ الروايات التي يمكن أن يستدل بها على طائفتين:

الطائفة الأولى: ما كان من قبيل روايات الأواني وأمثالها مما لا يكون فرض وقوع النجاسة مستلزماً عرفاً لفرض النفوذ، غاية الأمر أنه قد ينفذ وقد لا ينفذ. 

الطائفة الثانية: ما كان فرض وقوع النجاسة مستلزماً للنفوذ:

ــــــــــ[190]ــــــــــ

(1) كرواية عمار، وسائل الشيعة3: 494، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحديث: 1، وكذلك روايته الأخرى، وسائل الشيعة3: 496، الباب 53 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(2) مستمسك العروة الوثقى2: 39، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

1- من قبيل رواية وقوع الفأرة(1) في المرق فأمر بإراقة المرق وغسل اللحم، فإنه يستلزم نفوذ النجاسة إلى داخل اللحم، خاصّة وإنّ المرق في حالة الغليان.

2- ورواية زكريا بن آدم(2) الواردة في الخمر، مرق ولحم وقعت فيه قطرة خمر فأمر بإراقة المرق وأكل اللحم بعد غسله.

أمّا الطائفة الأولى الواردة في الآنية فلا يمكن الاستدلال بها على أنّ الأمر بالغسل مطهر للظاهر والباطن:

أولاً: لأنه لم يعلم أنّ هناك نظراً للباطن أصلاً، لا سؤالاً ولا جواباً، فإنّ نفوذ النجاسة إلى الباطن أمر اتفاقي، فـدليل (اغسل) يكون بياناً لكيفية تطهير ما فرض نجاسته بحسب ظاهر كلام السائل، وهو ظاهر الإناء، وأما نجاسة الباطن فكان يحتاج إلى عناية زائدة غير موجودة.

ثانياً: هذا مضافاً إلى أنّ حصول الطهارة للباطن بالتبعية، أمر على خلاف الارتكاز العرفي، بنحو لو سلّم إطلاق العبارة لكان هذا الارتكاز مانعاً عن هذا الإطلاق، فإنّ العرف لا يفهم أنّ مجرد تطهير طبقة يكفي في طهارة طبقة أخرى. نعم، إذا كان بالإطلاق فلا بأس.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

(1) الكافي12: 276، كتاب الاطعمة، الباب 12، الحديث:3، وتهذيب الأحكام9: 87، كتاب الصيد والذبائح، الحديث:100، ووسائل الشيعة1: 206، الباب5 من أبواب الماء المضاف، الحديث: 3.

(2) الكافي12: 750، كتاب الأطعمة، الباب 29، الحديث:1، وتهذيب الأحكام1: 279، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث:107، ووسائل الشيعة3: 470، الباب38من أبواب النجاسات، الحديث: 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ثالثاً: وأيضاً الإمام في الجواب إما أن يكون ناظراً إلى الظاهر فقط، أو إلى الظاهر والباطن.

فعلى الأول: لا يمكن أن يستفاد منه طهارة الباطن.

وعلى الثاني: يثبت أنّ الباطن يحتاج إلى غسل، يعني كلّما غسلته فقد طهر، فلا يفيد طهارة الباطن بالتبعية، بل وجوب غسل الظاهر والباطن غاية الأمر أنَّ غسل كل واحد بحسبه.

وأمّا الطائفة الثانية فلا يرد عليها الإشكال الأول، لأنّها وردت في مورد نفوذ النجاسة، نعم يمكن أن يأتي الإشكال الثالث، فإنه بعد أن فرض أنّ اللحم تنجس ظاهراً وباطناً يكون الأمر بالغسل أمراً بغسل الظاهر والباطن، فلا يمكن التمسّك به لإثبات أن طهارة الظاهر يكفي فيها طهارة الباطن، وخصوصاً وهو على خلاف الارتكاز العرفي.

هذا مضافاً إلى سقوط الطائفة الثانية سنداً، لأنها متمثلة بروايتين إحداهما رواية السكوني(1) وفي طريقها النوفلي، والثانية رواية زكريا(2) وفي طريقها الحسن بن مبارك، وكِلاهما لم تثبت وثاقته(3).

ــــــــــ[192]ــــــــــ

(1) تقدمت في عنوان: (الجهة الأولى: في طهارة أو نجاسة بول الرضيع). ص91.

(2) تقدمت قريباً.

(3) أما النوفلي فانظر: رجال النجاشي: 38، باب الالف، باب الحسن والحسين، الرقم: 77، وأما الحسن بن مبارك فقد ذكره السيد الخوئي في معجمه أنه نفسه الحسين بن مبارك، انظر: معجم رجال الحديث5: 86، باب الحاء، الرقم: 3067، وعلى أساس اتحاد الاسمين انظر: رجال النجاشي: 56، باب الحاء، الرقم: 129.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وإذا كان الماء القليل مطهراً للبواطن فالماء الكثير كذلك على فوارق بينهما ظهرت من الكلام.

الجهة الرابعة: على تقدير تطهير البواطن هل يحتاج إلى تجفيف؟

قال الماتن: ويكفي في طهارة أعماقه إن وصلت النجاسة إليها نفوذ الطاهر فيه في الكثير، ولا يلزم تجفيفه أولاً، نعم لو نفذ فيه عين البول مثلاً مع بقائه فيه يعتبر تجفيفه بمعنى عدم بقاء مائيته فيه، بخلاف الماء النجس الموجود فيه، فإنه بالاتصال بالكثير يطهر، فلا حاجة به إلى التجفيف(1).

الجهة الرابعة أنّه على تقدير تطهير بواطن الأشياء فهل يحتاج إلى تجفيفها قبلاً، أو لا؟ أو يفصل بين أن تكون رطوبةً عينيةً كالبول، وبين غيرها، أو يُفصَّل بين الماء القليل والكثير.

القول بالتفصيل

الظاهر من العبارة أنّ التجفيف لا يجب بشرطين: 

الأول: أن تكون الرطوبة ليس من عين النجس. 

الثاني: أن يكون التطهير بالماء الكثير.

ونكتة ذلك: أنه في مورد اجتماع هذين الشرطين، لا يجب التجفيف، لأنّه باتصال الماء الكثير بهذه الرطوبة تطهر الرطوبة، لأنّ الماء النجس يطهر بالاتصال بالمعتصم.

ــــــــــ[193]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 114، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأما لو فقد الشرط الثاني كما لو غسلنا الرطوبة المائية بالماء القليل، فإنّ القليل لا يكون مطهّراً، وكذلك لو فقد الشرط الأول، كما لو كانت رطوبةً بوليةً، وإن غسلناه بالكثير؛ لأنّه لا يطهر بالكثير فضلاً عن الكرّ.

القول بالتجفيف مطلقاً

وفي مقابل ذلك قول بالتجفيف مطلقاً حتى لو اجتمع هذان الشرطان.

ونكتة ذلك: أنه لا يدخل في مطهّرية الماء المعتصم، فإنّه إنما يطهر بالاتصال بالماء النجس، وما يكون في الأعماق ليس ماءً وإنما هو رطوبة، ولم يدل الدليل على أنّ المعتصم يطهر الرطوبة.

والصحيح في المقام أن يقال: إنّ هذه الرطوبة إما أن تكون مجرد عرض بنظر العرف، وإما أن تكون لها جِرمية وحيّز.

فإن كان عرضاً عرفاً -لا أنها في نفسها شيء من الأشياء- ففي مثله وإن كان لا دليل على مطهّريتها لكن لا دليل على نجاستها، لأنها شأن الجسم لا شأن الأعراض والصفات(1)، ولا تشمله أدلة النجاسات كلها، ولا أثر لنجاستها مادامت كذلك.

وأما لو كانت الرطوبة جسماً من الأجسام ففي مثله تكون ماءً لا محالة، وإذا كانت ماءً تطهر بالماء الكثير على النحو الذي قاله السيد الماتن. 

فما قاله السيد الماتن هو الأقرب.

ــــــــــ[194]ــــــــــ

(1) حتى لو كانت الرطوبة من عين النجاسة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إذا كانت الرطوبة جرماً قابلاً للاتصاف بالنجاسة فهنا أربع صور: 

صور أربع للرطوبة التي تقبل الاتصاف بالنجاسة

فإنّها قد تكون من عين النجس. وأخرى من المتنجس. وعلى كِلا التقديرين: إما أن يكون الغسل بالماء الكثير. أو القليل.

الصورة الأولى: أن يغسل بالماء الكثير والرطوبة من المتنجّس، فهنا لا يجب التجفيف بل تطهر هذه الرطوبة، فإنّ الرطوبة المائية إذا كانت جرماً فهي ماء، فإذا اتصل به الماء الكثير يطهر بالاتصال.

وأمّا إذا كانت هذه الرطوبات متنجّسةً من الماء المضاف أو غيره كالنفط المتنجّس، فإنه لا يطهر بالاتصال بالمعتصم.

الصورة الثانية: أنّ الرطوبات من عين النجس، وقد غسلناه بالماء الكثير أيضاً، ويلحق به المتنجّس من غير الماء المطلق كالنفط.

وحكمه أنه بمجرد الاتصال لا تطهر هذه الرطوبات، لأنّها بول أو نفط، ولكن لا يلزم التجفيف بعينه، ولكن لا بُدّ من أحد أمرين: إما التجفيف أو الاستهلاك في رطوبات الماء الكثير، فإنّ الماء الكثير متصل لا ينفعل بملاقاة النجاسة فضلاً عن المتنجّس. هذا إنما يصح إذا نفذ الماء الكثير إلى الداخل بما هو ماء مع حفظ خط الاتصال، وأما إذا لم ينحفظ الاتصال، فينقلب ماء قليلاً، فيدخل في صورة أخرى.

الصورة الثالثة: إذا غسل بالماء القليل وكان فيه عين النجس، ففي مثله لا يكفي مجرد الاتصال كما هو واضح، بل لا يكفي الاستهلاك هنا أيضاً، لأنّ الماء 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

القليل ينفعل بملاقاة النجاسة، ومع تنجّسه لا يمكن أن يطهر، بل يتعين التجفيف ثمّ التطهير.

الصورة الرابعة: أن تكون رطوبةً من غير عين النجس ماءً أو غيره، وغسلناه بالماء القليل، فهنا لا يكفي مجرد الاتصال، ولكن لا يلزم التجفيف بعينه، بل يكفي إجراء الماء وصبّه، بناءً على أن الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجّس ولو كان ماءً. نعم لو قلنا بأنّ الماء القليل ينفعل بملاقاة المتنجّس المائع، لا يكفي الاستهلاك، لأنّه متنجِّس فلا تكون مطهّريةٌ.

مسالة 17: [عدم اعتبار العصر ونحوه فيما تنجّس ببول الرضيع]

لا يعتبر العصر ونحوه فيما تنجّس ببول الرضيع، وإن كان مثل الثوب، والفرش ونحوهما بل يكفي صبّ الماء عليه مرةً على وجه يشمل جميع أجزائه وإن كان الأحوط مرتين [1]. لكن يشترط أن لا يكون متغذّياً[2]. ولا يضر تغذّيه نادراً[3]. ولا يشترط أن يكون في الحولين بل هو كذلك مادام يُعدُّ رضيعاً غير متغذٍ، وإن كان بعدهما -كما أنّه لو صار معتاداً بالغذاء قبل الحَولَين- لا يلحقه الحكم المذكور بل هو كسائر الأبوال[4] (1).

[1] تقدّمت هذه المسألة وكانت نتيجة صناعة الروايات هو كفاية صب الماء عليه مرةً واحدةً، وقد عرفنا أنّ بول الصبي يمتاز بنكتتين: 

الأولى: أنه لا يحتاج إلى التعدُّد.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى1: 114، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الثانية: أن ما يحتاج إلى عصر أو غمز لا يحتاج مع بول الصبي إلى العصر والغمز.

[2] كما هو مورد رواية الحلبي: “فإن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً”(1) فيقيّد الموضوع بما إذا لم يكن قد أكل.

[3] مقتضى الجمود على قوله “فإن كان قد أكل “ أنه أكل ولو مرةً واحدةً في عمره، ولكن السيد الماتن يفهم منها الانتقال من مرحلة الحليب إلى مرحلة الأكل، ومن الواضح أنّ هذا لا يتحقّق بالأكل النادر وإنما يكون بالاعتياد على الأكل.

وهذا المطلب إن لم يكن هو الظاهر بمناسبات الحكم والموضوع، فلا أقل من الإجمال، ومعه يرجع إلى مطلقات بول الصبي في غير هذه الرواية.

[4] الميزان ليس هو كونه في زمان الرضاعة حتى يفصل بين الحولين وبين تجاوزهما، ويقال: إنه بعدهما لا يصدق عليه أنه رضيع إما عرفاً أو بحاكمية قوله “لا رضاع بعد فطام”(2)، فإنه ليس هذا موضوع الحكم، بل موضوعه الصبي الذي لم يأكل فمادام كذلك يشمله إطلاق الروايات ولو بعد الحولين، كما أنه لو أكل قبل السنتين، فيشمله قوله: “فإن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً”.

ــــــــــ[197]ــــــــــ

() وسائل الشيعة3: 398، الباب 3 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

(2) إثبات الوصية: 222، محمد الجواد، ودعائم الاسلام2: 241، فصل ذكر الرضاع.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

في اشتراط كون اللبن من المسلمة

قوله: وكذا يشترط في لحوق الحكم أن يكون اللبن من المسلمة، فلو كان من الكافرة لم يلحقه وكذا لو كان من الخنزيرة(1).

ولو كان اللبن من الكافرة أو الخنزيرة لم يلحقه الحكم الخاص بالصبي، وجامع الكافرة والخنزيرة هو أن يكون اللبن نجساً.

وهذا الاستثناء الذي ذهب إليه جملة من الفقهاء قد يستشكل فيه تمسّكاً بإطلاق روايات الباب، ولم يؤخذ فيه أن يكون الحليب من مسلمة أو من إنسان، وعنوان (لم يأكل) يصدق عليه دعوى انصراف الإطلاق إلى خصوص الرضاع من المسلمة بنحو لا يشمل الكافرة والخنزير انصراف بدوي ليس له منشأ إلّا شيوع هذا الصنف وندرة ذاك الصنف، وهو لا يكفي للانصراف.

والاستيناس لذلك برواية السكوني(2) السابقة التي تفصل بين الصبي والجارية، التي تقول بأن البول حيث إنه يخرج من المثانة فلا يكون بول الجارية كالصبي، فقد ربطت بين الحكم وبين نقاوة الحليب، وحليب الكافرة كالمثانة في النجاسة، إلّا أنه ليس حجة لسقوط الرواية سنداً ومتناً كما سبق.

وأحسن ما يمكن أن يقال للاستدلال على هذا الاستثناء هو أن يقال: إن ما دلّ على استثناء بول الصبي إنما يدل فيما إذا كانت النجاسة نشأت من عنوان البول، بحيث قبل أن يكون بولاً لم يكن نجساً.

ــــــــــ[198]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى4: 114- 115، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، أحدها: الماء.

(2) وسائل الشيعة3: 398، الباب 3 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأما إذا كان نجساً قبل ذلك باعتباره حليب كافرة أو خنزيرة، فلا تكون هذه الروايات ناظرةً إليه.

إلّا أنّ هذا الكلام محل الإشكال أيضاً، لأنّ حيثية الخنزير قد استحالت، وحيثية البولية المفروض العفو من ناحيتها فهذا الاستثناء لم يدلّ عليه دليل حسابي، وإن كان مطابقاً مع مقتضى الذوق العرفي.

مسألة 18: [الشك في نفوذ الماء الطاهر أو النجس في الباطن]

إذا شك في نفوذ الماء النجس في الباطن في مثل الصابون ونحوه بُنيَ على عدمه[1]. كما أنّه إذا شك بعد العلم بنفوذه في نفوذ الماء الطاهر بُنيَ على عدمه[2](1).

[1] كما هو واضح باعتبار الاستصحاب وأصالة الطهارة، فإن الشك في ذلك معناه الشك في نجاسة الباطن وعدمه، فيجري استصحاب الطهارة وأصالتها، والاستصحاب الموضوعي…

[2] وهذا واضح أيضاً تمسكاً بالاستصحاب الحكمي وهو استصحاب النجاسة، والموضوعي وهو استصحاب عدم وصول الماء إليه.

 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 115، فصل في المطهرات، الأول: الماء. وتتمة المسألة: ” وتتمتها: فيحكم ببقاء الطهارة في الأول وبقاء النجاسة في الثاني”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 19: [طهارة الدهن المتنجّس إذا جعل في الكر الحار]

قد يقال بطهارة الدهن المتنجّس إذا جُعل في الكرّ الحار بحيث اختلط معه ثمَّ أُخذ من فوقه بعد برودته لكنه مشكل؛ لعدم حصول العلم بوصول الماء إلى جميع أجزائه وإن كان غير بعيد[1] إذا غلى الماء مقداراً من الزمان[2] (1).

[1] يفرض دهن متنجس ويحاول تطهيره بجعله في الماء الحار المغلي، بحيث يوجب انتشار الأجزاء الدهنية وتوسعها، فهل يطهر فيه الدهن أو لا؟

هنا توجد حالتان:

الحالة الأولى: أنّ هذه الأجزاء توزّعت حتى خرجت عن كونها جرماً وأصبحت دسومة وحالة قائمةً بالماء، فيقال: هذا ماء دسم.

الحالة الثانية: أن يفرض أنّ توزّع الأجزاء الدهنية لم يبلغ إلى تلك الدرجة، بل أصبح الدهن حبّاتٍ كل واحدة هي جرم في نظر العرف.

أمّا في الحالة الأولى: لو بلغ الدهن إلى درجة العرضية عرفاً، ثمَّ جمعناه، فأصبح جوهراً عرفاً، فالحكم بطهارته يتوقّف على أمرين:

الأمر الأول: أن لا يكون هذا الدهن في تحوّله إلى حالة الدسومة قد أوجب إضافة الماء قبل أن يستهلك، وأما إذا أوجب ذلك بحيث يسمى: ماء دهن، لا أنه ماء فيتبخر الماء بالدهن، ومعه لا تحصل الطهارة بإرجاعه دهناً، لأنه يرجع إلى دهن متنجس بالملاقاة للماء النجس.

ــــــــــ[200]ــــــــــ

(1)العروة الوثقى 1: 115، فصل في المطهرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأمر الثاني: أنّ الشيء الذي يستهلك ثُمَّ يرجع بآلة أو بمعجزة هل ترجع إليه النجاسة أو لا؟

وهذه المسألة مُعنونة في كلام الماتن في باب الاستحالة(1)، وقد أفتى هناك بأنّه يحكم بنجاسته؛ لأنَّ الاستهلاك ليس مطهراً بل هو رافع للشيء، والآن أُعيد المعدوم من جديد فيرجع بصفاته التي منها النجاسة، فكذلك الدهن في المقام.

وأما إذا بنى على أنّ المستهلك إذا أرجع لا ترجع إليه النجاسة، بل يحكم بالطهارة فيتم ما قاله هنا من الحكم بالطهارة.

وفي الحالة الثانية: أنَّ الدهن لم يبلغ إلى درجة العرضية، بل لازال جرماً ولكنه صغير جداً، فله طول وعرض، وقابل للانقسام عرفاً وبالبراهين القائمة على استحالة الجزء الذي لا يتجزأ(2)، ومعنى قابليته للانقسام وجود سطح في داخله لم يصل إليه الماء، وأنه لو انقسم لانكشف سطح جديد لم يصل إليه الماء فكيف يمكن أن يحكم بطهارته؟

ــــــــــ[201]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 135، أي: بدءاً بباب الاستحالة، وعنوانه هناك: (الرابع الاستحالة)، ثم بعده (الخامس الانقلاب) والمسألة التي يشير إليها المصنف من مسائل الانقلاب.

(2) انظر: بداية الحكمة: 92، المرحلة السادسة، الفصل السادس، نهاية الحكمة 1: 196، 197، المرحلة السادسة، الفصل الرابع، مجموعة مصنفات شيخ الاشراق 2: 89، رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية، النص: 25.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 [2] قوله: “إذا غلى الماء مقداراً من الزمان”

كأنه يتخيّل أنه بكثرة الغليان يصل الماء إلى كل سطوحه إلّاَ أنه غير صحيح؛ لأنّه مهما طال الغليان يبقى أجزاء غير منقسمة، وإلا كان خُلفَ الدليل العقلي.

مسألة 20: [تطهير الأرز والماش المتنجس]

إذا تنجس الأرز أو الماش أو نحوهما يجعل في وصلة ويغمس في الكرّ وإن نفذ إليه الماء النجس يصبر حتى يعلم نفوذ الماء الطاهر إلى المقدار الذي نفذ فيه الماء النجس[1]. بل لا يبعد تطهيره بالقليل بأن يُجعل في ظرف ويصبّ عليه ثمَّ يراق غسالته[2] (1). 

[1] هذا تطبيق للفروع السابقة في تطهير سطح الماش وأعماقه، وأما الخرقة فقد يدّعى أنها تتنجس بالماش خصوصاً إذا كان الماش هو المتنجّس الأول، هذا لا بأس به فإنها تطهر بالكر، لأنها لا يشترط في تطهيرها به، لا يشترط فيه العصر والغمز بناءً على فتوى الماتن، بخلاف ما إذا جُعل في خرقة ويصبّ عليها الماء القليل فإنها تحتاج -على مبناه- إلى عصر.

[2] نكتة تغيير المطلب من الخرقة إلى الظرف هو ما أشرنا إليه من أنّ الخرقة يشترط فيها العصر، بخلاف الظرف، فإنَّه قام دليل على أنه يطهر بالتَبع عند السيّد الماتن.

ــــــــــ[202]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 115- 116، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وهو صحيحة محمد بن مسلم، قال: “اغسله في المركن مرتين، فإن غسلته في ماء جارٍ فمرّة واحدة”(1).

بدعوى أنه لم يأمر بتطهير المركن فدلّ ذلك على كونه يطهر بالتَبع وهذه المطهّرية بالتَبع موردها الظرف دون الخرقة.

إلَّا أنّ هذا الدليل الذي يستدل به على المطهّرية التبعية غير صحيح، لأنه لا يتم بناءً على ما هو الصحيح من:

أولاً: أنّ المركن ليس من اللازم أن يتنجّس بهذا الثوب، فإن الثوب إن كان عليه عين النجاسة فيكون المركن هو المتنجّس الأول، ويكون الثوب بعد هذا متنجّساً بالمركن، فلا يحصل التطهير.

وأما إذا كان الثوب خالياً من العين فالثوب هو المتنجّس الأول، والمركن هو الثاني وهو لا ينجس، فعدم تعرّض المولى إليه لعله لأجل عدم ترتّب أثر عليه في المورد. 

ثانياً: لو تم دليل المطهّرية فمورده المركن وهو ليس إناءً، فإنّ الأواني التي ورد فيها وجوب الغسل ثلاث مرات في رواية عمار(2)، إنما هي الأواني المعدّة 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 250، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 4، وسائل الشيعة 3: 397، الباب 2 من أبواب النجاسات، الحديث 1. 

(2) تهذيب الأحكام 1: 283، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 117، وسائل الشيعة 3: 497، الباب 53 من أبواب النجاسات، الحديث 1، الكافي 12: 768، كتاب الأشربة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

للأكل والشرب، فلو تم دليل على المطهّرية بالتبعية فإنه لا يشمل الإناء.

قوله: ويطهر الظرف أيضاً بالتبع فلا حاجة إلى التثليث فيه، وإن كان هو الأحوط، نعم لو كان الظرف أيضاً نجس فلا بُدَّ من الثلاث(1).

القدر المتيقن من المطهّرية من التبعية هي الناشئة من نفس عملية التطهير وليس فيها إطلاق ليتمسّك به.

مسألة 21: [تطهير الثوب واللحم المتنجّس]

الثوب النجس يمكن تطهيره بجعله في طشت وصبّ الماء عليه وإخراج غسالته وكذا اللحم النجس ويكفي المرة في غير البول والمرتان فيه إذا لم يكن الطشت نجساً قبل صبّ الماء وإلاّ فلا بُدَّ من الثلاث والأحوط التثليث مطلقاً(2).

يجعل في الطشت ويصبّ عليه الماء للزوم ورود الماء على المتنجّس دون العكس كما أنَّ مسألة الاحتياج إلى المرّة في غير البول تقدّم، والاحتياج إلى المرتين في البول أيضاً تقدم وقد تقدّم أنها خاصة بالثياب والأواني ولا تشمل اللحم، وأما الطشت فما ذكرناه من التبعية وارد فيه وجهاً وإشكالاً.

 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

(1) تتمة المسألة السابقة.

(2) العروة الوثقى 1: 116، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 22: [تطهير اللحم المطبوخ بالماء المتنجس]

اللحم المطبوخ بالماء النجس أو المتنجّس بعد الطبخ يمكن تطهيره في الكثير بل والقليل إذا صبّ عليه الماء ونفذ فيه إلى المقدار الذي وصل إليه الماء النجس(1).

هذا الفرع أيضاً تطبيق لما تقدّم؛ لأنّ اللحم الذي يطبخ بالمرق النجس يتنجّس ظاهراً وباطناً، فيغسل كل منهما حسب القواعد السابقة، وذلك بصبّ الماء القليل إليه بحيث تصل الرطوبات إلى جوفه وأعماقه كما وصل المرق النجس إليها.

وقد ذكرنا احتمال أنّ البواطن تطهر تبعاً للظاهر من دون حاجة إلى وصول الرطوبات إليه. وقد سبق نقاشه.

مسألة 23: [تطهير الطين المتنجس] 

الطين النجس اللاصق بالإبريق يطهر بغمسه في الكُرّ ونفوذ الماء إلى أعماقه ومع عدم النفوذ يطهر ظاهره فالقطرات التي تقطر منه بعد الإخراج من الماء طاهرة [1]. وكذا الطين اللاصق بالنعل [2] بل يطهر ظاهره بالماء القليل أيضاً بل إذا وصل إلى باطنه بأن كان رخواً طهر باطنه أيضاً به [3]. (2) 

[1] إذا كان الطين نجساً ظاهراً وباطناً، فإذا غمس في الكرّ يطهر بمقدار 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 116- 117، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء. 

(2)العروة الوثقى 1: 117، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ما يصل إليه الماء. وحينئذٍ فالقطرات التي تخرج منه بعد خروجه من الماء طاهرة، لأنها ليست ملاقيةً لسطحٍ نجسٍ.

[2] لأن أدلة الماء القليل لا قصور فيها لشمولها لمحل الكلام.

[3] وقد تقدّم أنه لا فرق في تطهير البواطن بين الماء القليل والكثير.

مسألة 24: [تطهير الطحين والعجين المتنجس]

الطحين والعجين النجس يمكن تطهيره بجعله خبزاً ثمَّ وضعه في الكر حتى يصل الماء إلى جميع أجزائه وكذا الحليب النجس بجعله جبناً ووضعه في الماء كذلك(1).

صور تطهير البواطن

إذا نفذت النجاسة إلى باطن الشيء وأُريد تطهيره فهناك صور:

الصورة الأولى: الجامد الذي لا يُحوّل عن هيئته الأولية

 أنه لا يراد تحويله عن هيئته الأولية التي تنجس عليها وهو جامد، وهذا هو الذي تكلمنا عنه سابقاً.

الصورة الثانية: التبدّل من جامد إلى جامد

أنه بعد أن تنجس تبدّل من جامد إلى جامد، كما لو تنجس الطحين ثمَّ صار خبزاً، ثمَّ يراد تطهيره أو حنطة تنجست ونفذت النجاسة إلى أعماقها، وتحولت إلى طحين، فهل يمكن تطهير الطحين بإيصال الماء إلى عمقه أو لا؟

ــــــــــ[206]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 117، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

هنا توجد شبهة واحدة تميّز هذه الصورة عن الصورة السابقة، بأن يقال: إنه لو تنجّس وهو طحين ونريد أن نغسله طحيناً، فإنه يطهر، وأما لو تنجّس حنطةً وجعلناه طحيناً، فإنه لا يطهر بإيصال الماء إلى أعماقه، بدعوى: أنّ دليل التطهير للبواطن هي رواية زكريا بن آدم(1) ورواية السكوني(2)، وموردهما هو ما إذا كان المغسول باقياً على هيئته الأولية، كان لحماً وبقي لحماً، وأما إذا لم يبقَ فلا دليل عليها، وهذه الشُّبهة تتوقّف على أمرين:

أحدهما: أنَّ الدليل منحصر بمثل هاتين الروايتين بحيث تكون على خلاف القاعدة ونحتاج إلى دليل خاص، ولكننا قلنا بأنه غير منحصر بذلك بل الدليل هو الإطلاق المقامي لأدلة المطهّرية بالماء.

ثانيهما: أنه لا يمكن التعدي عن مورد الرواية وهو صورة بقاء الشيء إلى ما إذا تغيّر في صورته؛ لأنّه قياس، وهذا غير تام؛ لأنّ العرف لا يرى فرقاً بين الموردين، وخصوصية بقاء الصورة غير دخيلة بمناسبات الحكم والموضوع، فهذه الشُّبهة بلا محصَّل.

ــــــــــ[207]ــــــــــ

(1) الكافي 12: 750، 751، كتاب الأشربة، الباب 29، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 8، تهذيب الأحكام 1: 279، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 107. 

(2) الكافي 12: 267، كتاب الأطعمة، الباب 14، الحديث 3، وسائل الشيعة 1: 206، الباب 5 من أبواب النجاسات، الحديث: 3، الاستبصار 1: 25، كتاب الطهارة، الباب: 11، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الصورة الثالثة: التحوّل من مائع إلى جامد

أن يتنجّس وهو مائع، ولا يمكن أن نطهره، فنحوّله إلى جامد ونريد أن نطهّر جوفه بإيصال الرطوبات إليه، كالحليب نجعله جبناً. ونقول: إنّ هذا الجبن حاله حال الذي تنجّس وهو جبن، فكما أنّ ذاك يطهر بإيصال الرطوبات كذلك هذا.

وهنا تأتي شبهة مشابهة لما ورد في الصورة السابقة، فإنّ الدليل خاص بما إذا تنجّس وهو جامد وبقى جامداً، وأما إذا تنجس وهو مائع فغير مشمول لها، وقد عُرِف جوابها مما سبق. فإن دليل المطهّرية هو الإطلاق المقامي، فلا بُدَّ من النظر في أنّه يقيّد أو لا.

والغريب أنّ السيّد الأستاذ يرد الإشكال بهذا البيان(1): أن الحليب من المائعات، وقد انعقد الإجماع أن المائع غير الماء، لا يطهر إلّاَ بالاستهلاك، فكيف يطهر الحليب بغير الاستهلاك، ثمَّ أجاب: إن ذلك الإجماع فيما إذا بقي مائعاً وأما إذا أصبح جامداً فإنه يطهر.

فإنّه يمكن تقريب وجه ثالث أوضح بأن يقال: إنّ الحليب تنجس وهو مائع، وتوجد في المائعات قاعدة سراية النجاسة إلى كل الجسم، بخلاف الجوامد، فإنّ سطوحه تتنجس بمقدار وصول النجاسة.

وهذا يترتب عليه فرق مفاده: أنّه في الجامد حيث إنَّ السطوح التي تلاقي النجاسة سطوح متناهية، ولا يمكن للنجاسة أن تلاقي النجاسة سطوحاً غير 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 91، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

متناهية، فهذه السطوح يلاقيها الماء الطاهر أيضاً.

وأما المائع فتكون النجاسة للجسم بما هو جسم، والجسم بما هو جسم يشتمل على سطوح غير متناهية عرفاً فضلاً عن العقل؛ فإنه لا يتعقل الجزء الذي لا يتجزأ(1)، فالسطوح المختفية في الجسم سطوح لا متناهية، فلو جمدنا الحليب وجعلناه جبناً، فالماء الذي يصل إليه لا يصل إلى سطوح لا متناهية، فما أصابه الماء أقل ممّا تنجس.

وهذه هي الشبهة المركوزة في أذهان الفقهاء الذين فرقوا بين الصورتين(2).

وجواب ذلك ينحصر بالتمسّك بالإطلاق المقامي لأدلة المطهّرية، فإنه بعد أن فهم منه الحوالة على النظر العرفي في كيفية التطهير فالعرف في مثل هذه الجوامد لا يفرق بين جبن كانت نجاسته قبل الجبنية، وجبن كانت نجاسته بعد الجبنية، وليس الاشمئزاز من هذا أقل من ذاك، فيبنى على المطهّرية في كل منهما.

مسألة 25: [تطهير التنّور إذا تنجس]

إذا تنجس التنور يطهر بصبّ الماء في أطرافه من فوق إلى تحت ولا حاجة فيه إلى التثليث لعدم كونه من الظروف فيكفي المرة في غير البول والمرتان فيه[1]. والأولى أن تحفر فيه حفيرة يجتمع الغسالة فيها وطمها بعد ذلك بالطين الطاهر[2](3).

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) بداية الحكمة: 91، المرحلة السادسة، الفصل الثالث.

(2) انظر: فقه الشيعة 5: 168، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، الأول: الماء. 

(3) العروة الوثقى 1: 117، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 [1] بناءً على ما ذكرناه من أنّ الآنية هي الخاصة بالأكل والشرب واضح جداً، وكذلك بناء على التوسعة فإن ما كان لا يصدق عليه عنوان الظرف فمقتضى التمسك بالإطلاقات هو الاكتفاء بالمرة الواحدة.

قوله: ومرتان بالبول: بناءً على أن دليل التعدد بالبول يشمل غير الثوب واللباس، وقد سبق أنه خاص بهما والتسرية غير صحيحة.

[2] هذه الأولوية إن كانت إرشادية إلى كيفية تحصيل أرضية طاهرة لهذا التنور، فإن الغسالة التي انحدرت من التنور تنجس أرض التنور، فإذا تعلق غرض المكلف بطهارتها، فطريقته ما ذكره المصنف من الحفيرة وطمها بتراب طاهر.

وهذه الأولوية الإرشادية موقوفة على نجاسة ماء الغسالة، وأما على القول بطهارتها فلا موجب لهذه الأولوية.

وإن كانت هذه الأولوية مولويةً فقهيةً، فينحصر مَدرَكها في أنّه بدونها لا يحصل انفصال ماء الغسالة عن التنور، وحيث إنّ هذه دعوى موهونة ذكرها السيّد بعنوان الأَولى المراد بها الأولوية الاستحبابية، ولا إشكال في أنّ الماء قد انفصل عن جسم التنور، وأما انفصاله عن الأرض فهذا غير مطلوب جزماً، وإلا لشملت الإنسان المتطهر على الأرض.

مسالة 26: [تطهير الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجر]

الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجر تطهر بالماء القليل، إذا أجرى عليها لكن مجمع الغسالة يبقى نجساً [1]. ولو أُريد تطهير دار أو سكّة فإن أمكن إخراج ماء الغسالة بأن كان هناك طريق لخروجه، فهو وإلاّ يحفر حفيرة ليجتمع 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فيها ثم يجعل فيها الطين الطاهر كما في التنور[2]. وإن كانت الأرض رخوةً بحيث لا يمكن إجراء الماء عليها فلا تطهر إلّاَ بإلقاء الكرّ أو المطر أو الشمس [3] نعم، لو كانت الأرض رملاً يمكن تطهير ظاهرها بصبّ الماء عليها ورسوبه في الرمل فيبقى الباطن نجساً بماء الغسالة[4] (1). 

[1] يعني الأرض التي لا تختزن الماء مثل هذه الأرض تطهر بالماء القليل بناءً على لزوم انفصاله، فإنه يتحقق في مثل هذه الأرض، ولكن يبقى مجمع الغسالة يبقى نجساً، لأنها لاقت مع ماء الغسالة، أو أنّ المفروض أنه نجس سابقاً ولم يحصل تطهير بالنسبة إليه، فإن طهارة كلّ جزء يكون بانفصال ماء الغسالة عنه، ولم يحصل بالنسبة إلى ذاك المكان، وهذا كله بناءً على اشتراط انفصال ماء الغسالة وأما مع عدم اشتراطه، فيما إذا كانت طاهرةً غير ملاقية للعين.

ومن هنا يمكن تطهير الأرض الشريفة في الحرم بالماء القليل بعد جفاف البول وزوال العين، ولا موجب للالتزام بما يلتزم به فعلاً من التطهير بالماء الكثير.

[2] كما سبق.

[3] فالماء لا ينزل عليها عمودياً، ولا يتحرك أفقياً، ولذا لا يحكم بالطهارة بناءً على اشتراط الانفصال.

ــــــــــ[211]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 117- 118، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 [4] هذا تحرّك عمودي للماء، وهو نزوله في الرمل فظاهره يطهر وباطنه يبقى على النجاسة. 

قوله: وإن كان لا يخلو عن إشكال من جهة احتمال عدم صدق انفصال الغسالة.

بدعوى عدم صدق انفصال ماء الغسالة؛ لأنّ هذا الرمل شيء واحد، ولم ينفصل عنه بتمامه وقد تقدم ضعفه، فإنه إن اشترطناه كفى انفصال الماء عن السطح المغسول وإن بقى في غيره.

مسألة 27: [تطهير الثوب المصبوغ بالدم]

إذا صبغ ثوب بالدم لا يطهر مادام يخرج منه الماء الأحمر [1]. نعم، إذا صار بحيث لا يخرج منه، طهر بالغمس في الكرّ أو الغسل بالماء القليل بخلاف ما إذا صبغ بالنَّيل(1) النجس فإنه إذا نفذ فيه الماء في الكثير بوصف الإطلاق يطهر وإن صار مضافاً أو متلوّناً بعد العصر كما مر سابقاً [2] (2)

[1] وذلك لأنّ تلون الماء بحمرة الدم إن كان بمرتبةٍ بحيث يكشف عن بقاء الدم في الثوب المصبوغ، فلا إشكال في عدم الطهارة، لأنها فرع الغسل، وهو متقوّم بزوال عين النجاسة، وهي موجودة. وإن كان تلون الماء لا يكشف عن وجود دم في الثوب وإنما هو مجرد اللون، ولكنه لون شديد بحيث ينتقل منه 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

(1) النَيل: وهو صباغ أزرق يُستخرج من نبات النيل.

(2) العروة الوثقى 1: 118- 119، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إلى الماء، فلا يطهر أيضاً، لأنّ الماء يكون متغيّراً بأوصاف عين النجس، وإن كان بملاقاة المتنجّس بناءً على أنّ تغيّر الماء بأوصاف العين من المتنجّس منجّس، ومع انفعاله بالتغيّر لا يُحكَم بالطهارة لما تقدّم من أنه يشترط في التطهير عدم التغيّر حال الاستعمال.

[2] بعد فرض عدم وجود الصبغ المتنجس وكونه مجرد لون، لا بأس بطهارة الثوب إذا نفذ إليه الماء الكثير بوصف الإطلاق، ولو تغيّر به، لأنّ التغيّر بأوصاف المتنجّس لا يوجب نجاسته، وهو لم يتغيّر بأوصاف النجس.

هنا يوجد إشكالان على العبارة:

أحدهما: في قوله: (وإن صار مضافاً بعد العصر).

كان ينبغي أن يقول: وإن صار مضافاً بعد نفوذ الماء سواء عُصِرَ أو لم يُعصَر؛ لأنّ مورد كلامه هو الماء الكثير وفتواه فيه هو عدم اعتبار العصر(1) فهذا التعبير في غير محله.

ثانيهما: (أو متلوّناً بعد العصر).

في غير محله أيضاً، فإنّ تلوّنه بعد العصر إذا لم يكن بالغاً درجة الإضافة فلا بأس به، ولو قلنا باشتراط العصر في الماء الكثير، فهو لا يناسب سواء اشترطنا العصر أو لا.

ــــــــــ[213]ــــــــــ

(1) يلاحظ في ذلك: العروة الوثقى 1: 113، كتاب الطهارة، الأول: الماء، المسألة 16.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 28: [لا يعتبر التوالي فيما يعتبر فيه التعدّد]

فيما يعتبر فيه التعدد لا يعتبر توالي الغسلتين أو الغسلات فلو غسل مرة في يوم ومرة أُخرى في يوم آخر كفى [1]، نعم يعتبر في العصر الفورية بعد صبّ الماء على الشيء المتنجس [2](1).

[1] ما يجب فيه التعدد كالثوب المتنجّس بالبول أو الآنية يكفي فيهما الغسل مرات ولو بنحو التراخي ولا يشترط الموالاة.

لأن دليل التعدد إما أن يكون دليلاً لفظياً كما هو الحال في المتنجّس بالبول، وإما أن يكون لُبّياً كما هو الحال في الآنية -لو شككنا في موثقة عمار(2)– فإن كان لفظياً نتمسك بإطلاقه، ومقتضاه عدم اشتراط التتابع، وإن كان الدليل هو الإجماع فهو يكون مخصّصاً للمطلقات الفوقانية الدالة على كفاية المرّة الواحدة، فيقتصر فيه على القدر المتيقن، وهو أن يُضمّ غسلٍ ثانٍ إلى الأوّل لا بشرط من حيث الفورية وعدمها، فعلى كل حال لا تجب الفورية.

 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 119، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول، الماء. 

(2) تهذيب الأحكام 1: 283، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 117، وسائل الشيعة 3: 497، الباب 53 من أبواب النجاسات، الحديث 1، الكافي 12: 768، كتاب الأشربة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ابتناء المسألة على المدارك في جوب العصر

[2] ولا يبعد أن تكون المسألة بُنيَت على المَدارِك في وجوب العصر:

أ) فإن كان المدرك فيه: كونه دخيلاً في مفهوم الغسل(1)، فيمكن أن ندّعي ذلك الأمر الباطل على وجهين إذ يمكن أن نقول: إنه دخيل على نحو الفورية ويمكن أن نقول: إنه دخيل ولو بنحو التراخي.

ب) وإن كان المَدرَك: قوله: “تصبّ عليه الماء قليلاً ثمَّ تعصر”، أو روايات المقابلة بين الصبّ والغسل فمن الواضح أنها لا يستفاد منها الفورية، فإن مقتضى إطلاق قوله: “ثمَّ تعصره” هو إمكان التراخي، وكذلك التقابل هو أخذ عناية في الغسل، ولتكن العناية هي العصر، ولكن لا تجب الفورية.

ج) وإن كان المدرك: هو أنه مع بقاء ماء الغُسالة في الثوب لا تزول النفرة العرفية، والمطهّرية مُنزّلة على النظر العرفي. فحينئذٍ لا يبعد أن يقال: إنه إذا زال الماء سريعاً أو متراخياً تزول النفرة. فلا يقتضي هذا الوجه وجوب العصر فوراً.

د) وإن كان المدرك: هو أنَّ الغسالة نجسة، فإن بقيت في الثوب نجّسته، والقدر المتيقّن من العفو هو البرهة الاضطرارية لخروج الغسالة، فإنّه لا فرق بين ثوب واقع على ماء نجس ساعات وبين هذا الثوب. وهذا الوجه يقتضي الفورية أو لا بُدَّ من الإسراع بالعصر لئلّا ينجس الثوب.

هذا كله بناءً على وجوب العصر، وهو غير واجب عندنا.

ــــــــــ[215]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 82، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء، قال: “لا وجه لاعتبار الفورية في العصر، لأنّ اعتباره في الغسل لم يثبت بدليل خارجي، وانما نعتبره لأنّه مقوّم لمفهوم الغسل..”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 29: [عدّ الغسلة المزيلة للعين من جملة الغسلات]

الغسلة المزيلة للعين بحيث لا يبقى بعدها شيء منها تعدّ من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد، فتحسب مرة بخلاف ما إذا بقي بعدها شيء من أجزاء العين فإنها لا تحسب وعلى هذا فإن أزال العين بالماء المطلق فيما يجب فيه مرتان كفى غسله مرة واحدة وإن أزالها بماء مضاف يجب بعده مرتان أخريان(1).

هذه المسألة قد تقدّم الكلام عنها تفصيلاً، واتضح أنّ ما أفاده السيّد الماتن صحيح، فإن كانت الغسلة مزيلةً اعتبرت من الغسلتين فيما يجب فيه التعدد، وإن لم تكن مزيلةً لم تعتبر.

مسألة 30: [تطهير النعل والبارية المتنجّسة]

النعل المتنجّسة تطهر بغمسها في الماء الكثير ولا حاجة فيها إلى العصر لا من طرف جلدها ولا من طرف خيوطها وكذا البارية بل في الغسل بالماء القليل أيضاً كذلك لأن الجلد والخيط ليسا مما يعصر وكذا الحزام من الجلد كان فيه خيط أو لم يكن(2).

في هذه المسألة يتعرّض إلى عنوان: أنّ الأشياء التي لا تكون قابلةً للعصر مستقلاً -باعتبار اندكاكها في غيرها كالخيط- فهل يجب عصرها أو لا؟ 

ومن الواضح أنّ مفهوم العصر ليس مأخوذاً على نحو الموضوعية، حتى 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 119، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء. 

(2) العروة الوثقى 1: 119، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

يقع الكلام في أن الضغط على الخيط هل يصدق عليه مفهوم العصر أو لا؟

بل المعتبر فصل ماء الغسالة عندهم سواء صدق عليه أنه عصر أو لا. فلا بدّ أن يرى أن الدليل على وجوب الفصل هل يشمل المورد أو لا؟ فإن الخيط لو كان وحده وجب عصره، فهل يجب في المقام أو لا؟

وهذا الكلام لا موضوع له على مبنانا، لأنّا لا نقول بوجوب العصر مطلقاً. وكذلك لا موضوع له لو غسل بالماء الكثير، لأنّهم لم يقولوا بالتعدد فيه حتى في الثوب فضلاً عن الخيط.

وإنَّما يقع الكلام فيما إذا تمّ الدليل على وجوب العصر في الغسل بالماء القليل.

والإنصاف أنّ أكثر الأدلة لا تشمل مثل الخيط في النعل المتنجّسة وأمثاله.

فإن كان دليله روايات “ثمَّ تعصره” فمن الواضح أنّ المورد فيها هو وقوع النجاسة على الثوب، والتعدّي إلى كل ما كان قابلاً للعصر مستقلاً كالفراش لا بأس به، وأما التعدّي إلى ما لا يقبل العصر، فلا يمكن عرفاً.

وإن كان الدليل هو المقابلة بين الصبّ والغسل، حيث دلّت على أخذ عناية زائدة في الغسل، فمن الواضح أنّ موردها الثوب، ولا يمكن التعدّي إلى ما لا يكون قابلاً للعصر مستقلاً.

وكذلك لو استدل على أنه يشترط في التطهير زوال النفرة وهي لا تزول إلّاَ بزوال ماء الغسالة، وحيث إنّ دليل التطهير الشرعي منزّل على التطهير العرفي فيجب انفصال ماء الغسالة.

وهذا لا يتمّ أيضاً في المقام، لأنّ النفرة إنما تحصل لو بقي ماء الغسالة 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بشكل معتدٍ به، وأما بقاؤه في بعض الخيوط فلا نفرة فيه عرفاً.

بل يمكن أن يدّعى أنّ عنوان الغسل صادق أيضاً عند من يرى أنّ عنوان الغسل لا يصدق بدون عصر كالسيد الأستاذ(1)، فإنّ هذه الدعوى إنما تجري فيما هو مستقل، لا في ما هو مندك وتابع كالخيط، فإنه متى ما صدق غسل الأصل صدق غسل التابع.

وإن كان المدرك هو نجاسة ماء الغسالة، وإنما خرج الآن الأول فيمكن أن يقال بوجوب العصر؛ لأنّ الماء المتخلّف في الخيط نجس، والقدر المتيقن من العفو عنه هو الآن الأول، فيجب المبادرة إلى عصره.

وعلى أي حال لا يجب العصر هنا ولا الغمز.

مسألة 31: [تطهير الذهب المذاب ونحوه من الفلزات]

الذهب المذاب ونحوه من الفلزّات إذا صُبّ في الماء النجس أو كان متنجّساً فأذيب ينجس ظاهره وباطنه ولا يقبل التطهير إلّا ظاهره، فإذا أذيب ثانياً بعد تطهير ظاهره تنجس ظاهره ثانياً، نعم لو احتمل عدم وصول النجاسة إلى جميع أجزائه وإن ما ظهر منه بعد الذوبان الأجزاء الطاهرة يحكم بطهارته وعلى أي حال بعد تطهير ظاهره لا مانع من استعماله وإن كان مثل القدر من الصفر(2).

ــــــــــ[218]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 94، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، الأول: الماء. 

(2) العروة الوثقى 1: 119- 120، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الكلام في هذه المسألة يقع في عدّة جهات:

الجهة الأولى: هل تطبّق قاعدة السِّراية في المورد أو لا؟

في أنّ المعادن التي ذابت هل يكون حالها حال الماء من حيث إنها لو لاقت النجس يتنجس تمام السائل المعدني تطبيقاً لقاعدة السراية في المائعات، أو أنه يتنجس موضع الملاقاة منه.

لا إشكال في شمول قاعدة السراية في المائعات كالماء والمضافات، ومعناها أنّ النجاسة لا تختص بموضع الملاقاة، والظاهر أنّها لا تشمل المعادن التي أصبحت سائلةً، لأنّ هذه القاعدة:

إما أن نقول إنّها على خلاف القاعدة، وإنما ثبتت بدليل تعبّدي خاص، لأننا لو بقينا ودليل الملاقاة لقلنا بأنّ النجاسة تثبت لموضع الملاقاة، وإنما قلنا بالسراية بدليل خاص هي الروايات الخاصة الواردة في الماء والزيت والسمن والتي تأمر بإلقائه إذا كان سائلاً.

وأخرى نقول إنها على مقتضى القاعدة، باعتبار أنّ كيفية السراية لم تحدد في دليل الانفعال، وإنما هو موكول إلى العرف بالإطلاق المقامي، والعرف يفرّق في كيفية السراية بين الجوامد والمائعات، كما سبق توضيحه.

فإن بنينا على الأول، فواضح أنّ دليل السراية لا يشمل المعادن السائلة، لأنّ الروايات الخاصة وردت في السمن والزيت، فيقتصر على موردها؛ لأنّه حكم تعبّدي على خلاف القاعدة، واحتمال الفرق موجود ولو من باب أنّ المولى يهتم بنظافة تلك السوائل أكثر من السوائل المعدنية باعتبار أنّ تلك في مورد الأكل والشرب.

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وإن بنينا على الثاني فالكلام هو الكلام أيضاً، لأنّ اقتضاء دليل السراية إلى تمام المائع إنما كان بتوسّط الارتكاز العرفي القاضي بذلك وهو إنما يقضي بها لو كان الجسم السائل جسماً مضيافاً واسع الصدر بحيث يدخل النجس فيها دخولاً سريعاً كالماء والمضافات، وأما مثل المعدن المذاب الذي لا ينفتح على النجس فالارتكاز غير موجود فيه، فإن السراية بتصوّر انتشار النجس فيه بخلاف المعادن التي أصحبت ذائبةً، فإنها ليس لها هذا التقبل.

ومعه تختص النجاسة بموضع الملاقاة سواء تنجس ظاهره ثمَّ أذيب أو لاقت النجاسة بعد ذوبانه.

وباختصار: إذا كان المعدن طاهراً ثمَّ ذوبناه، فهل ينجس بملاقاة النجس الجاف، بدعوى أنَّ هذا الذهب المذاب حاله كحال بقية السوائل يحتوي الرطوبة فلا يلزم أن يكون ملاقيه مرطوباً، أو أنه يحتاج إلى ضم رطوبة أخرى لكي ينتقل الأثر من الملاقى إلى الملاقي؟

تقدم الحديث عنها مفصّلاً في فصل كيفية سراية النجاسة(1) فإنّنا بعد أن أثبتنا اشتراط السراية بالرطوبة، تكلّمنا أن هذه الرطوبة الموجودة في المعادن السائلة هل تكفي لذلك أو لا. وذكرنا هناك أن الرطوبة لها ثلاثة معانٍ: 

  1. السيولة.
  2. المائية.
  3. النداوة.

ــــــــــ[220]ــــــــــ

(1) في الجزء الثالث من هذه التقريرات: ص240.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وقلنا إنَّ المستخلص من الأدلة أنّ ميزان السراية ليس هو السيولة على الإطلاق، كما أنّ الميزان ليس هو الرطوبة المائية بالخصوص؛ لوضوح كفاية الرطوبة من المضافات، بل الميزان هو النداوة. وعليه فملاقاة النجس الجاف لا يوجب نجاسته أصلاً، ما لم نفرض نداوة بينهما.

الجهة الثانية: هل يجري قانون الجوامد أو لا؟

بعد الفراغ عن عدم تطبيق قاعدة السراية، لو تنجس ظاهره ثمَّ ذوبناه، فسوف تتنجس منه أجزاء كثيرة باعتبار الملاقاة، ثمَّ أصبح جامداً، فهل يحكم بطهارة ظاهره؟ بدعوى أنّ هذه الأجزاء التي ظهرت لعلها هي غير النجس، أي أنّها ليست هي الظاهر السابق وغير الذي لاقى مع الظاهر خلال الذوبان.

ذكر السيّد الأستاذ(1) أنّه لا يحكم بطهارته لأنّ هذا الاحتمال وإن كان موجوداً، إلّاَ أنّه يكون طرفاً للعلم الإجمالي: إمّا الأجزاء الظاهرة نجسة أو الباطنة، نعم لو لم تكن الأجزاء الظاهرية تحت القدرة أصلاً -كما لو كان عاجزاً عقلاً عن التذويب- فالعلم الإجمالي غير منجز، فاختار التفصيل بين ما إذا كان التذويب ممكناً فالعلم الإجمالي منجز، وبين ما إذا كان غير ممكن، فهو غير منجز، وعلى كل حال إذا لاقت يدي مع ظاهر المعدن تبقى طاهرة، لأنّها ملاقٍ لأحد طرفي الشبهة المحصورة، وهو محكوم عليه بالطهارة.

ــــــــــ[221]ــــــــــ

(1) فقه الشيعة 5: 177، 178، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء، والتنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 84، 85، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بعد أن نفرغ عن وجود الرطوبة، فلا إشكال في أنّ الذهب ينجس، لكن يقع الكلام في أنّه أي مقدار منه ينجس، وهل نطبق عليه قانون الجوامد، وهو نجاسة موضع الملاقاة فقط، أو قانون السوائل وهو السراية إلى كلّ السائل.

الصحيح أنه ملحق بقانون الجوامد، بمعنى وقوف النجاسة على موضع الملاقاة خاصّة، وذلك لأنّنا إذا جمدنا على ألسنة دليل الانفعال ولم نُعمِل عنايةً زائدةً، فمقتضاه نجاسة موضع الملاقاة خاصة، حتى في السوائل، لأنّ لسانه: (اغسل ما أصابه) وما أصابه هو السطح طبعاً. وحينئذٍ يجب أن نلتفت إلى أنّه ما الذي أوجب السراية في السوائل لنرى أنّه هل يشمل الفلزات المذابة أو لا؟

موجبات السّراية

وما أوجب السّراية في المقام أحد أمور:

الأمر الأول: الروايات الخاصّة

أمّا الروايات الخاصة الواردة في السمن والزيت والمرق، حيث دلّت على لزوم إراقة تمام المرق والزيت، فنستفيد من ذلك أنّ النجاسة تعمّ كلّ السائل.

هذه الروايات لا يمكن التمسّك بها في المعادن المذابة، إذ لو فرضنا أنّه حكم تعبّدي ثبت في هذه الروايات يجب الاقتصار على مورده ولا يمكن التعدّي إلى المعادن المذابة، لاحتمال الفرق، لأنّ المرق ونحوه أعمق في السيولة وأشدّ من المعادن المذابة، كما يحتمل أن يكون اهتمام المولى بنظافة الزيت والمرق مما يؤكل ويشرب من المعادن المذابة. فلا يتعدّى إليها.

ــــــــــ[222]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأمر الثاني: الإجماع

وأمّا أن يكون المَدرَك هو الإجماع، في السّراية في السوائل، فمن الواضح أنّ القدر المتيقن منه، ما كان مرطوباً برطوبة النداوة، وأما غيره من السوائل فلا يشمله الإجماع، والمعادن المذابة وإن كانت سائلة إلّاَ أنها غير نديّة فلا يشملها الإجماع.

الأمر الثالث: الارتكاز العرفي

وأمّا أن يكون المدرك هو تحكيم الارتكاز في نفس دليل الانفعال، فإنّه وإن كان الجمود على هذا الدليل هو عدم السراية حتى في المائعات إلّاَ أنّ الارتكاز أوجب توسعته في السراية في المائعات، لأنّ العرف يرى أن النجاسة في المائعات تنجس المجموع، فيكون الدليل ظاهراً فيه.

وبعبارة أخرى: إن ما لاقى مع النجس يختلف عرفاً في الجوامد عنه في المائعات، فإنّ الملاقى في الجوامد هو طرفه وفي المائعات المائع كله.

فهذا المدرك غير شامل للمعادن المذابة أيضاً، لأن هذا الارتكاز غير شامل لها جزماً؛ فنكتة هذا الارتكاز هو النداوة الموجودة في هذا المائع الذي يؤدي إلى أن هذا إذا تنجس بعضه تنجس كله -ولو من باب أن بعضه متصل بالبعض فيتنجس الكل- بخلاف المعادن السائلة، فإنّها لا توجد فيها هذه النداوة.

وبتعبير آخر: إنّ المعادن المذابة التي تعجز عن أن تنجس غيرها، فمن الأولى أنّها لا توجب سريان النجاسة إلى أجزائها نفسها، ومع الشك في وجود الارتكاز يكفي في عدم السريان.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الجهة الثالثة: هل تجري أصالة الطهارة أو لا؟

لو فرضنا أن المعدن تنجس ظاهره وهو جامد، ثمَّ ذاب واختلطت أجزاؤه ثمَّ جمّدناه. هنا لو كنا نقول بالسراية وبكفاية هذه السيولة فيها، إذن لتنجس جميع هذا الذهب، ولكننا لا نقول بها، إذن فالنجاسة واقعة على الأجزاء السابقة مع ما لاقاها مع الرطوبة. حينئذٍ نحن لا ندري إنَّ هذه الأجزاء الظاهرة فعلاً هل هي نفس تلك الأجزاء النجسة أو غيرها، فهل يمكن إجراء أصالة الطهارة أو لا؟

العلم الإجمالي المانع من جريان أصالة الطهارة

هنا شكّل السيّد الأستاذ علماً إجمالياً للمنع عن جريان أصالة الطهارة(1)

وهنا ملاحظتان:

الملاحظة الأولى: أنّ هذا العلم الإجمالي لا معنى لكونه منجزاً حتى لو كان الجزء الباطني تحت القدرة. فلو كان الجزء الباطني ظاهراً وعلمنا إجمالاً بنجاسة أحد معدنين ظاهريين، فهذا العلم الإجمالي غير منجّز، لأنّ تنجزه فرع أن يكون المعلوم بالإجمال تكليفاً فعلياً أو موضوعاً لتكليف فعلي، ونجاسة الذهب ليست كذلك، لأنّه ليس مما يؤكل ولا يشرب، ولا ممّا يتيمم به، ولا مما يسجد عليه، ولا مما يلبس بالصلاة، نعم هو مما يحمل، ويجوز حمل النجس عندنا وعند السيّد الأستاذ(2).

ــــــــــ[224]ــــــــــ

(1) في فقه الشيعة 5: 177 في الفرع الثاني للمسألة بتقسيماته.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 236، كتاب الطهارة، طرق ثبت النجاسة، فصل في أحكام النجاسة، قال: “وإنما لا تعتبر الطهارة فيما لا تتمّ فيه الصلاة…”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فهو ليس له حكم إلّاَ نجاسة الملاقي، والمفروض أنّ هذا الطرف ليس له ملاقٍ أصلاً، وإنما الملاقاة مع الظاهر لا مع الباطن، فلا يكون العلم الإجمالي منجزاً.

وحينئذ نقول: إنّ نجاسة الذهب ليست موضوعاً لتكليف فعلي على كل تقدير، فإنَّ الظاهر لو كان نجساً لكان موضوعاً لحكم شرعي، ولكن الباطن ليس موضوعاً لحكم شرعي؛ لأنّه لا تشمله أحكام التيمم والمأكول والمشروب ونحوه غايته كونه محمولاً وهو لا بأس بنجاسته.

ودعوى: أنّه يمكن أن يمزج فيلبسه الإنسان ولو بنحو الدرع.

ممنوعة؛ لأنّ المانعيّة موضوعها اللباس النجس، فهي تعليقيّة وليست فعليةً، بمعنى أنَّ هذا الذهب لو حولناه إلى لباس لكان مانعاً، وأما الآن فليس بمانع، فإنَّه قبل أن يصبح النجس لباساً، أو قبل أن يصبح اللباس نجساً فلا مانعيّة.

إذن فلا أثر لطرفي العلم الإجمالي على أي حال، فلا يكون منجزاً على مبانيهم.

الملاحظة الثانية: إنَّ الغالب أنَّه لا يحصل العلم الإجمالي بالشكل السابق، وإنما الغالب يحصل العلم العادي بنجاسة بعض الظاهر ونجاسة بعض الباطن، فإنّ احتمال أنّ تمام ما كان ظاهراً أصبح مختفياً، وأنّ تمام ما هو ظاهر الآن كان باطناً، بعيد أن يحصل العلم العادي بعدمه.

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فلو كانت أجزاء الظاهر (10) وأجزاء الداخل 90 فقيمة أي جزء من أجزاء الظاهر هو المختفي، وقد ظهر هو90100، وكذلك الثاني والثالث، فيكون بالنسبة إلى مجموع العشرة هو 910، مضروباً في نفسها عشرة مرات، وهو احتمال ضئيل جداً، ملحق بالعدم عرفاً في كثير من الحالات(1).

إذن فبعض ما كان ظاهراً سابقاً هو ظاهر الآن، ولذا يتشكل علم إجمالي بنجاسته ببعضه الظاهر، فتكون أطرافه كلها هي الظاهر لا الظاهر والباطن.

فلو قيل بمنجزيته لا يفرق بين أن يكون الباطن تحت القدرة أو لا يكون. كما فرّق السيّد الأستاذ(2)، إذ أنّ كل ما هو ظاهر فعلاً هو تحت القدرة.

الجهة الرابعة: هل تُستصحَب النجاسة أو لا؟

أنه لو فرض أنّ الذهب تنجّس بتمامه، إمّا بأن بنينا على السراية، أو بأنْ نفرض أنّ النجاسة اختلطت به اختلاطاً شديداً، بحيث علمنا بوصول النجاسة إلى ملايين من سطوحه، فكأنه قد تنجس كله، وبعد ذلك جمدناه.

 فسطحه الظاهر يكون نجساً لا محالة، فلو طهّرنا السطح الظاهر بالماء، فإنه يطهر باعتبار أدلة مطهّرية الماء، ولكن السطوح الأخرى تبقى على النجاسة بعد عدم قدرة الماء على النفوذ إلى داخل المعدن. وهذا لا إشكال فيه.

ــــــــــ[226]ــــــــــ

() بعد اجراء عملية الضرب اتضح أنَّ الناتج هو:  296251944110.000.000.000، وهو أقل من 310 بقليل، (المقرر ). 

(2) فقه الشيعة 5: 177، 178، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول: الماء. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فلو دخل في نطاق استعمالنا، وبعد مدّة شككنا في أنّه قد تآكل وجهه الظاهري أو لا. فإن كان قد تآكل فقد ظهر له وجه داخلي نجس، وإن لم يكن قد تآكل فهو باقٍ على الطهارة.

ذهب السيّد الماتن -كما هو المعروف- إلى استصحاب النجاسة، لأنّنا نشير إلى الوجه الظاهري فعلاً ونقول إنه كان بالأمس نجساً على كل حال، لأنه إن كان هو الوجه المستور الذي برز بعد الكُمون، فهو نجس، ولم يطهر، وإن كان هو الوجه الظاهري الذي غسلناه، فبالأمس قبل أن نغسله كان محكوماً عليه بالنجاسة.

إذن فالوجه الظاهري كان نجساً بالأمس على كِلا التقديرين، ونشك في طهارته، ولا يمكن إعمال أصل آخر وهو استصحاب عدم بروز وجه آخر غير الوجه الذي غسلناه، لأنّ هذا الاستصحاب لا يثبت أنّ هذا الوجه الذي أمامنا الآن هو الوجه الذي غسلناه إلّاَ بالملازمة العقلية.

ولكننا ذهبنا إلى الحكم بالطهارة في المقام، ونكتته إيقاع المعارضة بين استصحاب النجاسة واستصحاب الطهارة.

فلو فرضنا أنه في يوم السبت كان هذا المعدن طاهراً بتمام سطوحه، وفي يوم الأحد تنجس تمام سطوحه، وفي يوم الاثنين غسلنا السطح الظاهر، وفي يوم الثلاثاء، شككنا في أنّ الظاهر هل تآكل أو لا.

فاستصحاب النجاسة يقول لنا بأنّ هذا الوجه الظاهري فعلاً. وعلى كل حال كان في يوم الأحد نجساً؛ لأنّ المفروض أنّه في ذلك الزمان تنجست كل سطوح المعدن، ثمَّ إن كان هذا هو الذي غسلناه يوم الاثنين فقد ارتفعت عنه النجاسة، وإلاّ فهي باقية فيه، فنجري استصحاب النجاسة.

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ويوجد في مقابل ذلك استصحاب الطهارة؛ لأننا نعلم إجمالاً أنّ هذا الوجه الظاهر الآن اتصف بالطهارة في أحد الزمانين، لأنّ هذا الوجه سواء كان هو الظاهر أو هو الوجه المختفي، كان موصوفاً بالطهارة يوم السبت على كل حال، ويشكّ في أنَّه هل اتّصف بالطهارة يوم الاثنين، فإن كان نفس الوجه الذي غسلنا فقد اتصف بها يومئذٍ، وإن كان غيره فلم يتصف بها.

حينئذٍ نقول: إننا نعلم بثبوت طهارة لهذا الإناء، فلو كان الوجه هو الظاهر الذي غسلناه فتاريخ طهارته يوم الاثنين وهي باقية، وإن كان غيره فتاريخ طهارته يوم السبت وهي مرتفعة فيمكننا أن نقول: إنَّنا نعلم بحدوث طهارة فيه ونشك في بقاء الطهارة، فنستصحب الطهارة، ويتعارض مع استصحاب النجاسة، ويرجع بعده إلى أصالة الطهارة.

ــــــــــ[228]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 120، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول، الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 32: [حكم الحلي التي يصوغها الكافر]

الحُلي الذي يصوغه الكافر إذا لم يعلم ملاقاته له مع الرطوبة يحكم بطهارته ومع العلم بها يجب غسله ويطهر ظاهره وإن بقى باطنه على النجاسة إذا كان متنجّساً قبل الإذابة(1)

غاية ما في هذا الفرع أن يُقال: إن مجرد كون الكافر هو الصائغ وإن كان أمارة ظنّية على نجاسته؛ لأنّ الغالب هو أن يبادِر الذهب مع الرطوبة، إلّاَ أنه لا حجية لها لعدم حجية الظن فيرجع إلى الأصول المؤمّنة.

مسألة 33: [تطهير النُبات المتنجس]

النبات(1) المتنجّس يطهر بالغمس في الكثير، بل والغسل بالقليل إذا علم جريان الماء عليه بوصف الإطلاق، وكذا قطعة الملح. نعم، لو صنع النبات من السكر المتنجّس أو انجمد الملح بعد تنجسه مايعاً لا يكون قابلاً للتطهير(2).

تارة يفرض أنَّه يتنجس ظاهره فقط فيطهر بالماء الكثير والقليل، وأما لو كانت تمام بواطنه نجسةً فيشكل تطهيره بالماء الكثير فضلاً عن القليل. فإنّ تطهير الباطن بالماء وإن تقدّمت صحته، لكن يشترط أن يكون الماء مطلقاً لا مضافاً، فلا بُدَّ أن نرى أنّ المطهّر عرفاً للنُبات أو الملح هل هو الماء الذي يصبّ عليه أو الرطوبات التي تنفذ إليه؟

فإن كان الأول فهو ماء مطلق.

وإن كان المطهر هو الرطوبات التي تنفذ إلى أعماقه فهي كثيراً ما تتحوّل إلى الإضافة في داخل الملح أو السكر، فلا يصدق عليه الغسل بالماء. 

والظاهر أنَّ المطهّرية من شؤون الماء المنحدر عليه لا من شؤون الرطوبات -وإن كانت دخيلةً-، فيكفي أن يكون ذو الرطوبة ماءً.

وبتعبير آخر: إنّ مطهّرية بواطن الأشياء لم تُسْتَفد من دليل لفظيّ، بل من 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

(1) سكر النبات: هو عبارة عن كتل بلورية صافية وقاسية توضع في الفم لتذوب، تُحلّى به بعض المشروبات والمأكولات.

(2) العروة الوثقى 1: 121، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الأول، الماء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الإطلاق المقامي والارتكاز العرفي، وهو يَعتبِر الإطلاق في ذي الرطوبة لا في الرطوبة. وإلا لوقع الإشكال في غير النُبات والملح، كالصابون فإن الرطوبات التي تنفذ فيه مضافة وكذلك الرطوبات النافذة في اللحم والشحم، مع أنهم قالوا بطهارته، ولا أدري لماذا فرّقوا ما بينهما، مع أنّ الكل من باب واحد فالظاهر حصول المطهّرية في كل ذلك(1).

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) إلى هنا تمام الكلام في هذه المسألة، وبها تنتهي مسائل فصل الماء وهو أول المطهرات، والمسائل المفقودة كما وردت في العروة الوثقى هي: (34 ،35، 36، 37، 38، 39، 40، 41).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 

الفصل الثاني

(المطهر الثاني الأرض)

 

  • المقام الأوّل: في إثبات أصل التطهير بنحو القضية المهملة
  • المقام الثاني: تفصيلات في مطهّرية الأرض

 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  








الفصل الثاني: (المطهر الثاني الأرض)

و هي تطهّر باطن القدم والنعل(1)

الكلام في مطهّرية الأرض: الحكم بمطهّريتها بنحو القضية المهملة هو المعروف بين أصحابنا(2)، بل بين علماء المسلمين عموماً(3)، ولم ينقل عن أصحابنا تشكيك واضح في ذلك، نعم للشيخ في الخلاف(4) عبارة مجملة قد تدلّ على التشكيك فيه.

والمدرك لذلك هو الروايات المستدلّ بها على مطهّرية الأرض، فيقع الكلام فيها في مقامين:

ــــــــــ[233]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 124، كتاب الطهارة. في المطهر الثاني وهو الأرض ويليه المطهر الثالث وهو الشمس.

(2) أنظر: مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع للبهبهاني 5: 199، ففيه نقل الشهرة والأقوال والمدارك، وانظر: الآبي في كشف رموزه 1: 117، والمحقق في معتبره 1: 447، والعلامة في منتهاه 3: 282، وابن فهد في مهذبه 1: 252، والمقداد في تنقيحه 1: 155.

(3) نقل العلامة آراء فقهاء العامة بتفصيل جيد في المنتهى 3: 282.

(4) فانظر الخلاف للشيخ 1: 218، المسألة 185.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

المقام الأوّل: في إثبات أصل التطهير بنحو القضية المهملة

من الروايات المستدلّ بها على المطهّرية:

1- الرواية الأولى: رواية زرارة

 عن أبي جعفر، رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها، أينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه غسلها، فقال: “لا يغسلها إلّا أن يقذرها ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلّي”(1).

وهي من حيث السند تامة، ومن حيث الدلالة استدل بها باعتبار أنه يسأل عن رجل ساخت رجله في العذرة، وقد بيّن الإمام أنه لا ينقض الوضوء ولا يجب عليه الغسل فلو لم يكن المسح بالأرض مطهراً لما اكتفى بذلك في جواز الصلاة معها وهو المطلوب.

مناقشة مع الرواية

ويمكن أن يناقش بالاستدلال من وجهين:

الوجه الأول: أن غاية ما تدل عليه هو عدم وجوب الغسل، وكفاية المسح في جواز الصلاة، وليس فيها تصريح بأنَّ رجله تطهر بالمسح.

وهذا المطلب كما يناسب مطهّرية المسح كذلك يناسب العفو؛ لكثرة ابتلاء الرجل بالنجاسة مع عدم النعل، أو بنعل غير واقٍ. كما عفي عن الدم القليل.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1: 274، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث: 1، تهذيب الأحكام 1: 275، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 96.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ولا يمكن التمسّك لرفع هذا الاحتمال بإطلاق أدلة مانعيّة النجاسة بتوهم أن يقال: أنّ تلك الأدلة تقول: لا عفو عن نجس. فإذا ثبتت صحة الصلاة نستكشف أنه ليس من باب العفو بل من باب الطهارة.

لا يمكن ذلك؛ لأنّ المقام من دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص، لأن جواز الصلاة بعد مسح العذرة أمر متيقن، غاية الأمر يشك في أنّ ذلك من باب الخروج تخصصاً عن دليل النجاسات، لأنّه طاهر بالمسح، أو تخصيصاً بمعنى أنه نجس يجوز الصلاة فيه.

إذن فالرواية مجملة من هذه الناحية غاية ما يستفاد منها عدم وجوب الغسل بالوجوب الشرطي.

وهذا الوجه يمكن دفعه بقرينتين:

القرينة الأولى: قوله: “لا يغسلها إلّا أن يقذرها”(1) فإنّه ظاهر عرفاً في أنه لا يوجد أي داعٍ للغسل إلّاَ الذوق الشخصي للنظافة، ومن الواضح أنّ هذا لا يناسب إلّاَ مع الطهارة؛ إذ لو فرض أنَّها كانت نجسةً إذن فهناك دافع آخر للغسل وهو إزالة النجاسة عنها.

القرينة الثانية: ارتكازية اشتراط طهارة البدن في الصلاة، ومع فرضها لو دلّ دليل على أنه يجوز الصلاة مع كذا، كالرجل الممسوحة، أو مع الدم القليل، حينئذٍ إن كان يوجد في مقابل هذا الارتكاز ارتكاز نجاسة ذلك الشيء الآخر، فلا يمكن أن نستفيد طهارة ذلك الشيء كالدم مثلاً.

ــــــــــ[235]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1: 274، الباب 10 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

لكن في مورد لا يوجد هذا الارتكاز، فإنه لا يوجد ارتكاز عدم مطهّرية الأرض، فبضمّ ارتكازية شرطية طهارة البدن في الصلاة إلى جواز الصلاة بالرجل الممسوحة، نفهم كونها طاهرةً، ويحمل جواز الصلاة من باب أنّه قد طهر لا من باب أنه يعفى عنه. إذن فالوجه الأول من المناقشة غير تامّ.

الوجه الثاني للمناقشة أن يُقال: إنه يوجد إطلاقان في العبارة:

الأول: قوله: “وطأ على عذرة”، فإنه يشمل اليابسة والرطبة.

الثاني: قوله: “يمسحها” يشمل المسح بالأرض وبالمنديل. ولو عملنا بكلا الإطلاقين لانتهينا إلى ما لا يمكن الالتزام به فقهياً، وهو أنّه لو تنجست رجله بعذرة رطبة يكفي أن يمسحها بالمنديل ويصلّي، فلا بُدَّ من رفع اليد عن أحد هذين الإطلاقين.

أمّا الإطلاق الثاني نقول: يمسحها بالأرض خاصة لا بالمنديل، وهو النافع للقائل بمطهرية الأرض. أو الإطلاق الثاني ونخصّ العذرة باليابسة، وحينئذٍ يكفي مسحها بالمنديل؛ لأنّ رجله لم تتنجس بل يكفي إزالة العين. فيدور الأمر بين الإطلاقين، ولا معيّن لأحدهما فتكون الرواية مجملةً.

يمكن دفع هذا الوجه أيضاً؛ لأنّنا لو خُلّينا وهذين التقييدين، فلا إشكال في أنَّ تقييد المسح أقرب إلى الذهن العرفي من تقييد العذرة باليابسة. وذلك لأنّ الأرض هي الماسح الطبيعي الغالبي للماشي لا المنديل. بخلاف تقييد العذرة باليابسة، مع أنّ النظر إلى الطهارة أو النجاسة وهو إنما يكون عادةً في الرطبة دون اليابسة. واليابسة لا يسري منها النجاسة ارتكازاً إلّاَ بالرطوبة. خصوصاً 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مع قوله حتّى يذهب أثرها، فإنّ فرض كونها ذات أثر هو فرض كونها رطبةً عادةً، مضافاً إلى أنّ كلمة المسح أنسب بالمرطوبة منها باليابسة، فكل ذلك يوجب تعيّن المسح بالأرض دون التقييد باليابسة.

إذن فهذه الرواية لا بأس بدلالتها على القضية المهملة لمطهّرية الأرض.

2- الرواية الثانية: رواية حفص بن أبي عيسى

قلت لأبي عبد الله إنّي وطَئتُ على عذرة بِخُفّي، ما تقول في الصلاة فيه؟ قال: لا بأس”(1).

تقريب الاستدلال كالسابق، بدعوى أنّ الحكم بجواز الصلاة فيه بعد المسح يدلّ على مطهّريته. إلّا أنّ الإشكال هنا أقوى، لأنّ احتمال أن يكون جواز الصلاة هنا باعتبار العفو عن الخُفّ النجس من باب أنه مما لا تتمّ الصلاة به، وهو لا بأس بنجاسته، هذا وارد في هذه الرواية. ولا تأتي القرينتان السابقتان هنا.

أمّا القرينة الأولى: فواضح. 

وأمّا الثانية: فلأنَّ الارتكاز إنما هو في طهارة بدن ولباس المصلّي الذي تتم الصلاة به، ولا يوجد مثله في ما لا تتم الصلاة به.

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 274،275، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 95، وسائل الشيعة، 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

استظهار السيد الأستاذ

نعم، استظهر السيّد الأستاذ(1) أنّها مسوقة بلحاظ المطهّرية، لا باعتبار الصلاة بما لا تتم الصلاة فيه، بقرينة أنّ ظاهر كلام الراوي أن المركوز في ذهنه أنه لو لم يمسحه لما جازت الصلاة فيه، مع أنه لوكان النظر إلى مسألة أنَّ الخُف مما لا تتم الصلاة فيه منفرداً، فهو معفوٌ عنه سواء عليه عين النجس أو لا، فيحمل على المطهّرية.

إلّا أنّ هذا الكلام مما لا يمكن المساعدة عليه؛ لأننا:

تارةً: نريد أن نُنزّل هذه الرواية على العفو عن الخفّ والجورب باعتباره مما لا تتم الصلاة فيه في نفسها، وأخرى نريد أن نطبّقها على الدليل الآخر الدالّ على العفو، فإن نظرنا إليها وحدها، فلا بأس بالتفصيل بين ما إذا كان عين النجس موجوداً وما إذا لم يكن، فتدل على عدم جواز الصلاة في الخُفّ مع وجود العين، لأنّه المرتكز في ذهن الراوي الممضى من قبل الإمام، وأما مع زواله فلا بأس بالصلاة من باب العفو.

وأما إذا أردنا أن نُنزّلها على الروايات الدالّة على العفو من دون فرق بين أن يكون عليها عين النجس أو لا، فهي منافية مع تلك الروايات سواء حملناها على العفو أو على المطهرية، لأنّ ارتكازية عدم جواز الصلاة مع الخُفّ مع العين ينافي تلك الروايات على كلّ حال، بل لعلّ هذه الرواية لو حملناها على المطهّرية 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 100، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، المطهر الثاني: الأرض.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

تكون أشدّ منافاةً مع تلك الروايات؛ لأنّها تكون مشعرةً بعدم جواز الصلاة حتى مع زوال العين.

إذن فهذه الرواية ساقطة دلالةً، كما أنّها ساقطة سنداً، لأنّ حفص بن أبي عيسى(1) لم يثبت توثيقه.

3- الرواية الثالثة: رواية الأحول 

عن أبي عبد الله قال: في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثمّ يطأ بعده مكاناً نظيفاً. قال: لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعاً أو نحو ذلك”(2).

هذه لعلّها أحسن روايات الباب، لأنها واضحة الدلالة على المطهّرية، وليس من المحتمل عرفاً الحمل على العفو بلحاظ الصلاة، إذ لم يرِد في السؤال توجّه إلى الصلاة.

إشكال مع جوابه

نعم، هذه الرواية فيها إشكال من ناحية أخرى؛ لأنّه قال: إذا كان خمسة عشر ذراعاً، ونحوه، وهذا المقدار ممّا لم يلتزم به الفقهاء ممّن يرى مطهّرية 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

() انظر: رجال الطوسي 1: 189، باب الحاء، الرقم 2324-181، نقد الرجال 2: 127، باب الحاء، الرقم 1564/4، معجم رجال الحديث 6: 130، باب الحاء، الرقم: 2764، رجال البرقي: 37، أصحاب أبي عبد الله

(2) الكافي 5: 121، كتاب الطهارة، الباب 24، الحديث: 1، وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأرض، بل اكتفوا في المطهّرية(1) بزوال العين ولو بعدّة خطوات، وهذا قد يصبح إشكالاً على الرواية، فإنّ عدم عمل الأصحاب بهذا القيد يكون كاشفاً عن إعراض المشهور عن هذه الرواية، ومعه تسقط عن الحجّيّة.

وليس هذا الكلام مشتملاً على جملتين مستقلتين إحداهما أعرض عنها المشهور، حتى يُقال إن الإعراض يوجب سقوط سند تلك الجملة دون تمام الرواية، فإنّ الجملة شرطية واحدة، فإن أعرض عنها المشهور فلا يبقى شيء آخر تحت دليل الحجية.

وهذا له جوابان:

الجواب الأول: أنّ عدم التزام المشهور بهذا القيد لعلّه باعتبار الجمع العرفي بين هذه الرواية والروايات الأخرى التي استفادوا منها كفاية مطلق العين والأثر، فحملوها على الاستحباب، وما هو المسقط عن الحجية سنداً هو الإعراض لا الحمل على الاستحباب.

الجواب الثاني: ما سيأتي توضيحه عند الكلام في مسألة خمسة عشر ذراعاً، إذ سيأتي(2) أنّ هذه الرواية ليست دالّةً على التحديد التعبّدي، وإنما تدل على 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

(1) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 6: 310، في مطهّرية الأرض، شرح تبصرة المتعلمين 1: 349، أحكام النجاسات، فقه الشيعة 5: 206، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الأرض. 

(2) اُنظر: في هذا الكتاب (التفصيل الخامس عشر: طهارة الأجزاء الأرضية العالقة بالنعل أو القدم) ص294.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التنقية لا أكثر، فليس فيها ما ينافي المشهور.

فالرواية تامة سنداً ودلالةً ولعلها أحسن روايات الباب.

4- روايات الأرض يُطهِّر بعضها بعضاً

ومما استدل به على مطهّرية الأرض، الروايات الوارد فيها عنوان: (أنّ الأرض يُطهّر بعضها بعضاً). حيث ورد ذلك في أربع روايات، واحدة صحيحة والأُخر غير صحيحة.

الأولى: صحيحة محمد بن مسلم

الرواية الأولى: أمّا الصحيحة فهي رواية الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم، قال: “كنت مع أبي جعفر إذ مرَّ على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه. فقلت: جعلت فداك قد وطئتَ على عذرة فأصابت ثوبك. فقال: أليس هي يابسة، فقلت: بلى، فقال: “لا بأس، إنّ الأرض يُطهّر بعضها بعضاً”(1).

الثانية: رواية الحلبي 

الرواية الثانية: رواية الكليني، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن إسحاق بن عمار، عن الحلبي، قال: نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد الله فقال: أين نزلتم، فقال: في دار 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 121، كتاب الطهارة، الباب 24، الحديث:2، وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فلان، فقال: إن بينكم وبين المسجد زقاقاً قذراً أو قلنا له: إنّ بيننا وبين المسجد زقاقاً قذراً، فقال: لا بأس، الأرض تُطهّر بعضها بعضاً”(1).

الثالثة: رواية الحلبي الأخرى

الرواية الثالثة: ما رواه ابن إدريس، عن نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن المفضّل بن عمر، عن الحلبي، عن أبي عبد الله، قال: “قلت له إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه وليس عَلَيَّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته. فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس إن الأرض يطهر بعضها بعضاً..”(2) الحديث.

والأخيران ساقطان سنداً:

أما الثانية فباعتبار أن محمد بن إسماعيل(3) مردد بين الثقة وغير الثقة، ولا دليل على تعيينه في الثقة إلَّا إذا بنينا على أن تمام رجال كامل الزيارات ثقات، فإن نفس هذا السند ورد فيه. ولكننا لا نبني على ذلك، وأما الثالثة، فلأنّ طريق ابن إدريس إلى النوادر لا نعرفه.

ــــــــــ[242]ــــــــــ

() المصدر السابق.

(2) السرائر 3: 555، باب المستطرفات، نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، وسائل الشيعة 3: 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 9. 

(3) معجم رجال الحديث 15: 90، باب الميم، الرقم 10238، رجال الطوسي 1: 440، باب ذكر أسماء من لم يروِ عن واحد من الأئمة، باب الميم. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الرابعة: رواية المعلّى بن خنيس

الرواية الرابعة: الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن المعلّى بن خنيس، قال: “سألت أبا عبد الله عن الخنزير يخرج من الماء فيمرُّ على الطريق فيسيل منه الماء أمرُّ عليه حافياً. فقال: أليس وراءه شيء جاف؟ قلت: بلى، قال: لا بأس إن الأرض يُطهّر بعضها بعضاً”(1).

وهي محلّ إشكال سنداً أيضاً، باعتبار المعلّى بن خنيس(2)، فإنَّه لم تتضح وثاقته باعتبار تعارض كلمات الشهود في شأنه قدحاً ومدحاً، وهو وإن روى عنه اثنان ممّن لا يروي إلّاَ عن ثقة، إلّاَ أنّه مبتلى بالمعارض.

تحقيق حول التعليل الوارد في الروايات الأربع واكتشاف حدود المطهّرية

ولا إشكال في أنّ أكثر هذه الروايات الأربع دالّة على مطهّرية الأرض، إلّاَ أنّه يقع الكلام في معنى التعليل بأنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً، فإنّ الكلام في ذلك وإن لم يكن له دخل في استفادة الحكم، لأنّه لا يحتمل عرفاً أنه مؤثّر في قلب ظهور الرواية من الدلالة على مطهّرية الأرض إلى عدمه، حتى لو بقي مجملاً في نفسه. ولكن تحقيق معناه سيكون له تأثير في حدود هذه المطهّرية سعة وضيقاً.

ــــــــــ[243]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 123، كتاب الطهارة، الباب 24، الحديث: 5، وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1. 

(2) رجال الكشي 1: 376، باب الميم، الرقم: 707، رجال النجاشي: 417، باب الميمن الرقم: 1114، معجم رجال الحديث 18: 237، باب الميم، الرقم: 12496.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

احتمالات أربعة في التعليل الوارد في الروايات

وهو يحتمل فيه عدّة احتمالات:

الاحتمال الأول مما ذكروه: أنّ القسم الطاهر من الأرض يُطهّر بعض المتنجّسات.

فالبعض الأول يعني بعض الأرض، والبعض الثاني يعني بعض المتنجّسات. وبناءً عليه يكون دالاً على التطهير بنحو القضية المهملة فلا إطلاق فيه.

وهذا الاحتمالُ يتحفّظ فيه على ظهور الجملة في كونها تعليلاً لمطهّرية الأرض للرجل.

غير أنّ هذا الاحتمال خلاف ظاهر العبارة جدّاً، لأنّ ظاهرها أن البعضين راجعان إلى شيء واحد، وهو الأرض التي أُخذت موضوعاً في العبارة.

الاحتمال الثاني: أنّ الأرض تُطهِّر البعض الآخر من الأرض، وذلك بحمل البعض الآخر على ما يلتصق بالرجل عادةً في الرجل الرطبة من التراب، فهذه الأجزاء الترابية أرض وتطهر بملاقاة الأرض الجافة بعد ذلك.

وبناءً عليه يُتحفّظ -بإضافة البعضين إلى مصدر واحد- على ظهور التعليل لكن مع العناية، فإنها تدل على أنّ الأرض تطهّر التراب الملتصق دون نفس الرجل، فلا بُدَّ أن تكون بالدلالة الالتزامية، فإنّ الأرض لو كانت تطهر التراب الذي نجّس رجل الإنسان فلا بُدَّ أنها تطهر الرجل المتنجّسة عرفاً وإلّاَ كان التعليل أجنبياً عن المعلَّل.

الاحتمال الثالث: إنّ الأرض يطهّر بعضها ما يتنجّس بالبعض الآخر لا نفس البعض الآخر.

ــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

هذا فيه تحفّظ على ظهور البعضين، لكن فيه عناية الإسناد المجازي، وبعد هذه العناية يكون انطباق العلة على المورد انطباقاً حقيقياً.

الاحتمال الرابع: أنّ الأرض يطهّر بعضها نفس البعض الآخر، وذلك إشارة إلى أمر عرفي وأن الأرض كثيراً ما تكون سبباً لتطهير الأرض الأخرى ودفع المحذور عنها، فإنّ أجزاء الأرض تنتقل من أرض إلى أرض، أو باعتبار الاستهلاك والاستحالة، أو أنها تمتصّ رطوبات العذرة فتصبح يابسةً، وكل يابس زكيّ.

فالعبارة في نفسها لا يوجد فيها عناية أصلاً، ولكن توجد عناية في تطبيقها على المورد، وهو ملاحظة الرجل كأنّها من توابع الأرض، والأرض كما تُطهِّر الأرض كذلك ما يلتصق بها ويكون شأنها الاحتكاك بها.

وهذا الاحتمال يتميز عن سوابقه في أنّه قابل للانطباق على الروايات الأربع، فإن السابقة لا تنطبق على رواية محمد بن مسلم والاحتمال الرابع ينطبق عليها. فإن الملحوظ للراوي فيها أنّ العذرة أصابت ثوب الإمام وهي يابسة، قال: (لا بأس فإنَّما لم يتنجس ثوبه للجفاف)، وأيّ علاقة لها بمطهّرية الأرض؟!

ثمّ يقول: “إنّ الأرض يطهّر بعضها“، لذلك فلو قلنا إنّ الأرض تطهّر بعض المتنجّسات أو أجزاء التراب فلا يكون لذلك دخل بما سبق، بخلاف الاحتمال الرابع، فإن نفس يبوسة العذرة كان من نتائج الأرض.

فلو حصل الاطمئنان إلى أنّ هذه العبارة ذات معنىً واحدٍ في الروايات الأربع لتعيّن الاحتمال الرابع. نعم، لو احتملنا تعدّد معنى العبارة فلا يتعيّن.

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وبهذا اتضح أنّ هذه الروايات لا يمكن الاستدلال بها، لأنّ الثلاث ساقطة سنداً، والأولى غير مربوطة بمطهّرية الأرض، لأنّ موردها هو ثوب الإمام، والتعليل لا بُدَّ أن يحمل على المعنى الرابع، ومعه لا يكون له ربط بتطهير الأرض لرجل الإنسان.

5- الرواية الخامسة: رواية زرارة الأخرى

قال: “جرت السنة في الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله، ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما”(1).

فالرجل حالها حال موضع النجو يجوز فيها المسح ولا يجب فيها الغسل، والمسح هنا وإن كان مطلقاً، إلّا أنّه لا بُدَّ من التقييد بالمسح بالأرض؛ إمّا بدعوى الانصراف أو بمقيّد من الخارج، بأن يُقال: إنّ القطع الخارجي بأنّ مطلق المسح غير مطهّر ينتج التقييد.

مناقشة المحقّق الهمداني في دلالة الرواية

وقد يناقش الاستدلال بها، بدعوى: أنّ المظنون قوياً أنّ المراد بذيل الرواية مسح الرجل في الوضوء، وأنه يكفي مسح القدمين ولا يجب غسلهما، كما يظهر من المحقق الهمداني(2)، وحتى لو كان الاحتمال مساوياً مع الآخر، فإنّ الرواية 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 46، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 68، وسائل الشيعة 3: 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 10، مع اختلاف يسير في الألفاظ. 

(2) المحقق الهمداني في مصباح الفقيه 8: 323، وفيه بعد نقل الرواية: “وفيه نظر، لقوّة احتمال أن يكون المراد بمسح رجليه في الوضوء، وكون هذا النحو من التعبير جاريا مجرى التقيّة”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

حينئذ تكون مجملةً، ولا يمكن الاستدلال بها.

ولم يذكر المحقّق الهمداني قرينة على ما ذكره، فقد يُقال: إنّ ظاهر ذيل الرواية خلاف ما ذكره باعتبار أمرين:

الأمر الأول: لأنّ سياق الرواية عطف على مسألة الاستنجاء التي يكون المسح فيها مسحاً تطهيرياً. إذن، فالمراد هو المسح التطهيري للرجل أيضاً لا المسح الوضوئي.

الأمر الثاني: لو كان المراد المسح الوضوئي لكان واجباً لا أنَّه جائز ومرخص فيه، إلّاَ أن نحمله على التقية، ولا شك في أنّها عناية خلاف طبع الكلام، فيحمل على المسح التطهيري.

إلّاَ أن الإنصاف -مع هذا- أنّ ما احتمله المحقق الهمداني موجود بنحو، ولا أقل من الإجمال، وذلك باعتبار نكتتين:

النكتة الأولى: أنه لم يفترض وجود نجاسة في الرجل أصلاً، وقيل يجوز أن يمسحهما، فلو كان المراد المسح التطهيري لكان المناسب فرض نجاستهما.

النكتة الثانية: نكتة التثنية في الرجل فقد قال: يمسح رجليه، فإنه لو كان المراد المسح الوضوئي فنكتة التثنية واضحة، وأما إذا كان المراد المسح التطهيري، فلماذا يفرض أنّ كِلتا الرجلين نجسة، فكان المناسب أن يعبّر بالرجل ليراد جنس الرجل، فالتثنية توجب صرف الذهن إلى المسح الذي بطبعه شرعاً على كِلا الرجلين وهو المسح الوضوئي.

فهاتان النكتتان إن لم توجبا الظهور في المسح الوضوئي، فلا أقل من 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الإجمال، وتسقط دلالة الرواية على ما هو المقصود في المقام.

هذا مضافاً إلى أنها لو حملناها على المسح التطهيري فمن البعيد تقييدها بالأرض بالخصوص، لأنّ المسح في صدر الرواية كان بالأحجار المنفصلة، فتقييد الذيل بالمسح بغير المنفصل من الأرض بعيد، فلا بُدَّ من أن يلتزم بأنّ المسح بالمنفصل من الأرض يكون كافياً في تطهير الرجل وهو ما لم يلتزم به الأكثر.

6- الرواية السادسة: النبوي جُعلت لي الأرض مسجدً وطهوراً

الرواية السادسة: النصّ النبوي، القائل: “جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً”(1)، ورد في عدّة روايات ضعيفة عندنا وعند العامة.

ــــــــــ[248]ــــــــــ

() المصنف لعبد الرزاق 1: 310، الرقم 98. ومسند أحمد، 1: 98 و158؛ والمصنّف لابن أبي شيبة، 7: 411، كتاب الفضائل، باب ما أعطى الله محمّداً، ح 9؛ والسنن الكبرى للبيهقي، 1: 213-214، باب الدليل على أنّ الصعيد الطيّب هو التراب؛ ودعائم الإسلام 1: 412، باب الهمزة، من لا يحضره الفقيه 1: 240،241، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها والمواضع التي لا تجوز فيها، الحديث: 724، الخصال 1: 292، الحديث: 57، الأمالي (الطوسي): 484، المجلس السابع عشر، مناقب آل أبي طالب (ابن شهراشوب)، 1: 143، فصل في ما خصّه الله تعالى به، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي (والمستطرفات) 1: 58، باب أحكام الطهارة وجهة وجوبها، عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية 2: 13، المسلك الرابع، وسائل الشيعة 3: 350، الباب 7 من أبواب التيمم، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فنتمسّك بكلمة “طهور“، وهو شموله للحدث والخبث.

لا إشكال في أنّ المتيقن منها الطهورية من ناحية الحدث وهو التيمّم، إلّاَ أنّ المستدل بها يدعي الإطلاق للطهورية من حيث الخبث.

وهذا الاستدلال ساقط سنداً ودلالةً، أما سنداً فلما قلناه.

وأما دلالةً فتوضيح الأمر فيه: أنّ الطهارة الحدثية والخبثية:

تارةً: تفرضان معنيين للكلمة.

وأخرى: يفرض فردان من معنى واحد.

فإن فُرضا معنيين متغايرين، فمن الواضح حينئذٍ أنّه لا معنى للتمسّك بالإطلاق، بل يكون الأمر دائراً بينهما.

وإن فرض أنهما فردان من جامع واحد، فالإطلاق الذي يدّعى في المقام هو ما يسمى في كلماتهم بالإطلاق بلحاظ حذف المتعلّق، إذ بعد إخراج كلمة (طهور) من صِيَغ المبالغة التي ليس لها متعلّق إلى ما له متعلّق، كقوله: (مُطَهِّر)، ولكنه حذف المتعلق.

وقد أشرنا مراراً(1) إلى أنّ الإطلاق بلحاظ حذف المتعلّق وإن كان كلاماً مشهوراً إلّاَ أنّه لا أساس له.

وتوضيحه: أنّ الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة إنما يأتي إذا تعيّنت الكلمة الصادرة من المولى، وتردد الأمر بين أن يكون المراد منها كل مدلولها أو 

ــــــــــ[249]ــــــــــ

(1) أنظر مثلاً الجزء الأول من هذه التقريرات ص387. وبحوث في شرح العروة الوثقى 1: 201.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بعض مدلولها، فنجري مقدمات الحكمة لإثبات أنّ المراد هو المدلول الواسع.

وأخرى، يفرض أنّ أصل الكلمة التي صدرت من المولى لا ندري ما هي، كما لو أنّنا لم نسمع الكلمة منه، فهنا لا معنى للتمسك بالإطلاق ومقدمات الحكمة لإثبات المدلول الأعم، فنحن نعلم إجمالاً أنّ مراده مدلول الكلمة التي نطق بها، ولكن لسنا نعلم بها.

وحينئذٍ نقول: إنه في موارد حذف المتعلّق يكون للكلمة وجود تقدير مستتر، فهنا كلمة مقدّرة لم يبرزها المولى لكن أقام عليها قرينةً، فيصير حال الكلمة كالكلمة التي لم أسمعها من المولى، ولا معنى للتمسك بالإطلاق لإثبات أن الكلمة هي تلك الكلمة دون هذه، فيكون الكلام مجملاً، ويكون القدر المتيقن هو الكلمة الأخصّ.

إذن، ففي محل كلامنا لا يمكن التمسّك بإطلاق الطهورية.

هذا مضافاً إلى أنه لا يمكن التمسّك بالإطلاق وإلا لزم إخراج الأكثر، لوضوح أنّ الأرض لا تطهّر إلّا الرجل والنعل والقبقاب دون غيرها، فيصبح ذلك قرينةً على أنّ المراد هو الطهارة الحدثية دون الخبثية.

وعلى كل حال فمطهّرية الأرض اجمالاً ثابتة.

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  




ثم ننتقل إلى التفصيلات:

المقام الثاني: تفصيلات في مطهّرية الأرض

 

التفصيل الأول: التطهير للرجل والنعل دون ما سواهما

التفصيل الأول أنّ الأرض تطهّر الرجل والنعل فقط، دون مطلق ما يلبسه الإنسان، كما هو القدر المتيقن من فتاوى الفقهاء، لأنّه مورد النصوص، أو الأعم(1).

وما يمكن أن يستدل به على التعميم وجوه متعدّدة:

الوجه الأول: رواية الأحول 

الوجه الأول: أحسن الوجوه التمسّك بإطلاق رواية الأحول(2)، فإنه سبق أن تبيّن أنه لم يتمّ من الروايات سنداً ودلالةً إلّا رواية الأحول ورواية زرارة.

أما رواية زرارة فمخصوصة بالرِجْل يقول: “وطأ على عذرة فساخت رجله فيها”.

ــــــــــ[251]ــــــــــ

(1) انظر: تحرير الأحكام 1: 25، كتاب الطهارة، المقصد الخامس، النظر الثاني في الأحكام، البيان: 92، كتاب الطهارة، الطرف الرابع، تبصرة المتعلمين في أحكام الدين: 35، كتاب الطهارة، الباب الأول، المسائل، فقه الشيعة 5: 199، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الأرض. 

(2) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأما رواية الأحول ففيها إطلاق: الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف. ويطأ أعم من أنه يطأ حافياً، فيتنجّس قدمه أو لابساً حذاء متعارفاً فيتنجس ذلك الحذاء.

بل في هذه الرواية إطلاق حالي من حيث أقسام النجاسة، فإنه قال: (الموضع الذي ليس بنظيف)، وهو شامل لها. وإن كانت صحيحة زرارة خاصةً بنجاسة العذرة. وهذا الوجه تام.

الوجه الثاني: التعليل في روايات (الأرض يطهِّر بعضها بعضاً)

الوجه الثاني: التمسّك بإطلاق التعليل في روايات: “إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً”، فإن موردها وإن كان في بعضها هو الرِجل كرواية المعلّى(1): “أمرّ عليه حافياً”، لكن التعليل عام فيلغي خصوصية المورد بقانون التعليل.

وهذا غير تام سنداً ودلالةً:

أمّا سنداً فلما ذكرناه من أن هذه العبارة لم ترد في سند صحيح أصلاً، إلّاَ رواية محمد بن مسلم وقلنا إنها أجنبية عن باب مطهّرية الأرض.

وأمّا دلالةً فلما سبق أن بينّا أربعة احتمالات في فهم هذه العبارة، والتمسّك بالعموم يتوقّف على بعض الاحتمالات ولا يلائم مع البعض الآخر.

فمثلاً لو بنينا على الاحتمال الأول: وهو أنّ الأرض الطاهرة تطهّر بعض المتنجّسات، وهي قضية مهملة لا إطلاق فيها.

ــــــــــ[252]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

واحتمال أن يكون المراد أنّ الأرض يطهّر بعضها ما يتنجس بالبعض الآخر، يكون فيه إطلاق يمكن التمسك به، غاية الأمر لا بُدَّ أن يطعم بنكتة لأجل أن لا يشمل كل ما يتنجس بالأرض وهي: ما يتنجس عادةً بالأرض كالرجل والحذاء، ونهاية العصا ونحوها.

واحتمال أن يكون المراد أنّ الأرض تطهّر الأجزاء الترابية التي التصقت بالرجل، قلنا: إنّ تطبيقها على المورد يكون بالدلالة الالتزامية بأنها إذا كانت مطهّرةً للتراب، فهي مطهّرة لما تنجّس به من باب الأولى، ومعه لا بأس بالتمسّك بالإطلاق.

واحتمال أنّ الجزء الثابت الطاهر يطهّر الجزء الثابت النجس من الأرض باعتبار ما سبق، وهو لا يدل على العموم وعليه إذا كان التعليل مجملاً من هذه الناحية فلا يمكن التمسّك بإطلاقه.

الوجه الثالث: رواية الحلبي(1) (رواية الزقاق القذر) 

الوجه الثالث: التمسّك برواية محمد بن الحلبي (رواية الزقاق القذر)، فلو كانت مطهّرية الأرض خاصّةً بالبشرة دون الأحذية، لنشأ محذور من وجود الزقاق القذر، في حين إنّ إطلاق نفي المحذور يشمله.

هذه الرواية فيها مناقشة من ثلاث نواحٍ:

الناحية الأولى: سقوطها سنداً، لأنّ محمد بن إسماعيل لم يثبت أنه الثقة كما سبق.

الناحية الثانية: أنّها رواها في (مستطرفات السرائر) هكذا: فربما مررت 

ــــــــــ[253]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فيه وليس عليَّ حذاء فقد صرّح بمسألة الرجل وأنّه كان يمشي حافياً، فيقال: إنه وجد تهافت بين تلك العبارة وهذه.

وهذا الإشكال لا يندفع إلّاَ بأحد طريقين:

الطريق الأول: إن هذه الرواية غير تامة سنداً وتلك تامة سنداً، أما تماميّة تلك الرواية فلأنّ محمد بن إسماعيل وارد في أسانيد كامل الزيارات إذا صحّحنا كل مشايخه، وأما عدم تماميّة هذه الرواية فلأن سند ابن إدريس إلى النوادر مجهول، فلا تهافت فإنّه فرع صحّة الروايتين.

الطريق الثاني: احتمال تعدّد الواقعة احتمالاً عقلائياً، وهو بحساب الاحتمالات بعيد ولو تمّ لاندفع التهافت.

الناحية الثالثة: أنّ هذه الرواية ليست قضيةً حقيقيةً كما كان الحال في رواية الأحول، بل هي قضية خارجية، فلو كان من المعلوم أنّهم لم يكونوا يلبسوا القبقاب فلا يمكن التمسّك بها لمطهّرية الأرض للقبقاب.

الوجه الرابع: رواية حفص بن أبي عيسى(1)

الوجه الرابع: التمسّك بإطلاق رواية حفص بن أبي عيسى السابقة، فإنها واردة في الخُف لا الرجل. واستفادة الإطلاق منها يتوقف على إلغاء الخصوصية عرفاً إلى أنواع الأحذية المتعارفة، نعم لا يُتعدّى منها إلى غير المتعارف، لاحتمال أن يكون التعارف له دخل في المسألة.

نعم، هي ساقطة سنداً ودلالةً كما سبق.

ــــــــــ[254]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 275، كتاب الطهارة، الباب: 12، الحديث: 95.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التفصيل الثاني: هل يكون المسح مطهّراً؟

قوله: بالمشي عليها أو المسح بها(1).

القدر المتيقّن من كيفية التطهير هو المشي على الأرض، وهو مورد جلّ روايات الباب، وقد ورد في صحيحة الأحول: في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف، ثمّ يطأ بعده مكاناً نظيفاً، قال: لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعاً أو نحو ذلك”(2). ووطء المكان النظيف خمسة عشر ذراعاً عبارة عن المشي. 

وفي رواية الحلبي: “أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة”(3)، وهكذا.

ويقع الكلام في أنّ المسح هل يكون مطهّراً أو لا؟

الصحيح أنّه يكون مطهراً كما أفاده الماتن، لعدّة وجوه:

الوجه الأول: صحيحة زرارة

الوجه الأول: الأوضح والأصح التمسّك بصحيحة زرارة(1)، التي هي إحدى الروايتين المعتبرتين في الباب، يقول فيها: (رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها)، (ولكنّه يمسحها حتى يذهب أثرها)، وهي واضحة الدلالة في كفاية المسح وعدم الحاجة إلى المشي. ولو لم يتم هذا الوجه، نأتي إلى:

ــــــــــ[255]ــــــــــ

(1) من تتمّة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 124.

(2) الكافي 5: 121، كتاب الطهارة، الباب: 24، الحديث:1.

(3) وسائل الشيعة 3: 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 9.

(4) تهذيب الأحكام 1: 275، كتاب الطهارة، الباب: 12، الحديث: 96.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الوجه الثاني: دعوى إلغاء الخصوصية

فإن المرتكز بمناسبات الحكم والموضوع أنّ المشي ليس بما هو مشي ووصول من مكان إلى مكان يكون له دخل، وإنما يكون له دخل بما هو متضمن للمسح، فإنّ الانتقال من مكان إلى مكان لا ربط له برفع القذارة، وإنما المفهوم عرفاً أنّ المشي مطهر باعتباره مسحاً، وهذا الوجه لا بأس به.

الوجه الثالث: التمسّك بالإطلاق المقامي للتعليل

بعد فرض التنزّل عن الوجه الأخير بأن يُقال: إنّ العرف لا يستطيع إلغاء خصوصية المشي، ولو باعتبار أنّ مطهّرية الأرض ليست أمراً عرفياً، وإنما هو أمر تعبدي فلا يمكن للعرف أن يلغي بعض الخصوصيات بارتكازه.

فهذا الوجه هو التمسّك بالإطلاق المقامي للتعليل بقوله: “إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً”(1).

وتقريبه: أنّ الروايات ذات التعليل وإن كان موردها هو المشي، إلّا أنّه ألغى في التعليل خصوصية المشي وأضاف المطهّرية إلى الأرض، فينعقد له إطلاق مقامي؛ لأنّ المركوز عرفاً عموماً أنّ مطهّرية المطهّر يكون بإزالته للقذر.

وهذا لا ينافي ما قلناه من أنّ أصل مطهّرية الأرض غير مركوز، لكن المركوز هو أنّ كل مطهّر تكون مطهّريته بإزالته للقذر، وهذا يحدث إطلاقاً مقامياً للتطهير بأنّ التطهير يكون بإزالة القذر بالأرض.

ــــــــــ[256]ــــــــــ

(1) كرواية الحلبي المتقدمة: وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام لعدم تماميّة روايات التعليل سنداً.

وعلى كل حال فالصحيح ما عليه الماتن من أنّ التطهير كما يحصل بالمشي يحصل بالمسح أيضاً.

التفصيل الثالث: شرطية زوال عين النجاسة

قوله: بشرط زوال عين النجاسة(1).

ويمكن أن يستدل على هذا الاشتراط بتقريبين:

التقريب الأول: أدلة المطهّرية لا إطلاق فيها لفرض بقاء العين

عدم وجود إطلاق في أدلة مطهّرية الأرض لفرض عدم زوال عين النجاسة، وإن كان قد يتوهّم وجوده في مثل قوله: “ثمّ يطأ بعده مكاناً نظيفاً”(2)، أو قوله: “أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة”(3).

إلَّا أنّ الصحيح أنه لا إطلاق فيها لفرض بقاء العين، لوضوح أنه حيث إنها واردة في مقام بيان مطهّرية الأرض، ولذا يصبح الارتكاز العرفي والمتشرّعي بأنّ التطهير لا يتم إلَّا بزوال العين، فلا يبقى إطلاق في تمام الروايات، فلا يبقى دليل على حصول المطهرية مع بقاء العين.

ــــــــــ[257]ــــــــــ

(1) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 124.

(2) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1. 

(3) وسائل الشيعة 3: 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التقريب الثاني: الاستفادة من روايات الباب

التقريب الثاني: استفادة ذلك من نفس روايات الباب كرواية الأحول، قال: “لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعاً أو نحو ذلك”(1)، بناءً على ما نشير إليه من أنّ العرف ينتزع جامعاً من ذلك، وهو ذهاب العين والأثر، وإلا فأي جامع عددي بين الأقل والأكثر، والتخيير بين الأقل والأكثر لا معنى له في مقام المطهّرية، وهو عبارة أخرى عن أنّ المطهّر هو الأقل والزائد لا دخل له في التطهير.

وهذا ليس فيه جامع عددي، إذن فهو جامع كيفي نوعي لا كمّي، والعرف لا ينصرف ذهنه منه إلّا إلى ذهاب العين، وكأنه قال: إذا مشى حتى ذهبت العين فلا بأس.

وقوله: في رواية زرارة: “ولكنّه يمسحها حتى يذهب أثرها(2)، وهذا الاستدلال لا بُدَّ فيه من ضم ضميمتين:

إحداهما: إلغاء خصوصية المسح والمشي ويقال: كما أنّ المسح لا يكفي إلّا إذا ذهب الأثر كذلك المشي، وهي ضميمة يساعد عليها العرف.

ثانيهما: أن نفسّر الأثر بالأثر العيني لا الأثر الحكمي كالصفة والرائحة، وإلّا كانت الرواية دليلاً على أكثر من المدّعى وهو لزوم ذهاب الصفة والرائحة، وهي وإن كانت تدل بالأولوية على اشتراط ذهاب العين. لكن من الواضح أنّ الفقهاء لم 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1. 

(2) وسائل الشيعة 1: 247، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

يلتزموا باشتراط ذهاب الأثر بالغسل بالماء فضلاً عن الغسل بالتراب.

إذن فلا بُدَّ من حمل مدلولها المطابقي على الاستحباب، ومعه لا يمكن الاستفادة الالتزامية للشرطية اللزومية. ومعه لا بُدَّ أن نفسّر الأثر بالأثر العيني الذي يعدّ عرفاً جزءاً، أو على الأقل نفسّره بالأعم من الجزء والصفة، فإنه يمكن الاستدلال بها أيضاً، غاية الأمر يلتزم بالتقييد وإخراج الأثر الحكمي.

والشيء الذي يمكن أن يُقال لنفي أنّ المراد من الأثر هو الصفة محضاً، تعذّر إزالة ذلك بالمسح بالتراب عادةً، إذ من الواضح أنّ الإمام لم يكن في مقام بيان مطهّر تعجيزي للإنسان العرفي الذي يكون أصعب من الغسل بالماء. ولكن الإمام في مقام التخفيف. فيكون المراد من الأثر هو العين، فيصح الاستدلال بالرواية.

التفصيل الرابع: الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض

قوله: والأحوط الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة دون ما حصل من الخارج(1).

هنا يُتصوّر عدّة فروض: 

الفرض الأول: أنّ رِجل هذا المؤمن تنجّست من دون المشي أصلاً.

الفرض الثاني: أنّ النجاسة حصلت بسبب مشيه، لكن لا على الأرض بل على الفراش مثلاً.

ــــــــــ[259]ــــــــــ

(1) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 124- 125.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الفرض الثالث: أن يفرض أنّ النجاسة حصلت بسبب المشي على الأرض. لكن لم يلاقِ مع الأرض لأنّ العين النجسة تمنع وصوله إلى الأرض.

الفرض الرابع: أن يتنجس بالمشي على الأرض بسبب ملاقاة نفس الأرض.

والقدر المتيقن منها هو الفرض الأخير، ويقع الكلام في الفروض الثلاثة:

الفرض الأول: أن يكون قد تنجّس بغير المشي أصلاً 

فهو لا يشمله شيء من روايات الباب. نعم، يشمله رواية زرارة الواردة في باب الاستنجاء. يقول: (ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما)، لو حملنا المسح على المسح التطهيري لا المسح الوضوئي، فلا بأس بالتمسّك بإطلاقهما سواء تنجّست بسبب الأرض أو غيرها. وكذلك لو كان المَدرَك روايات: “جُعلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً”(1) لو تم إطلاق (طهور)، لكن كِلا هذين الدليلين غير تامّ.

وكل روايات الباب موردها النجاسة الحاصلة بالمشي، والتعدّي يتوقّف على الجزم بالمناط أو إلغاء الخصوصية عرفاً، وكِلاهما غير موجود والإلغاء غير ممكن ولو من باب أنّ الحكم تسهيلي.

الفرض الثاني: ما إذا حصلت النجاسة بالمشي لكن على غير الأرض كالفراش ونحوه

الكلام يقع في وجود إطلاق في الدليل بحيث يشمله أو لا. ثمّ هل يوجد ما يتوهّم مقيّداً لهذا الإطلاق؟

ــــــــــ[260]ــــــــــ

(1) دعائم الاسلام 1: 412، باب الهمزة، وسائل الشيعة 3، 350، الباب السابع من ابواب التيمم، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أما وجود الإطلاق في الأدلة فيمكن تقريب الإطلاق بتقريبين: 

التقريب الأول: ما ذكره المحقق الهمداني(1)من دعوى إلغاء الخصوصية عرفاً. فإنّ الروايات وإن وردت في المشي على الأرض، إلّاَ أنّه بعد الإلغاء يحصل الإطلاق العرفي.

وهذا البيان لا يمكن الجزم به، فإنّ كون النجاسة حاصلةً من الأرض يحتمل كونه له دخل في التطهير، ولو باعتبار نكتة نوعية، وهي أنّ التعرض للنجاسة في المشي على الأرض موجود عادةً دون المشي على الفراش ونحوه.

وبتعبير آخر: إنّ مطهّرية الأرض ليست عرفيةً، حتى يُقال: إنّ العرف لا يرى فرقاً في النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض، أو الفراش وإنّما هي مطهّرية تعبّدية تسهيلية، ومرتبة الصعوبة في النجاسات الحاصلة من الأرض أشد من الصعوبة الناشئة من النجاسات الحاصلة من الفراش. 

التقريب الثاني: وهو الصحيح: وهو التمسّك بإطلاق الأدلة، فإنّه في صحيحة زرارة يقول: “رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها(2). وليس من المفروض وجودها على التراب. واستبعاد وجودها على الفراش لا ينافي اعتبارية وجودها على الزرع مثلاً.

وفي صحيحة الأحول، يقول: “في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

(1) مصباح الفقيه 8: 327، كتاب الطهارة، الركن الرابع، تطهير الارض باطن الخف وأسفل القدم.

(2) وسائل الشيعة 1: 274، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بنظيف(1)، وهو يصدق على غير التراب كالزرع والأرض المبلطة بالخشب.

ودعوى أنّ كلمة (الموضع) وردت مرتين في الرواية، -فإنّ موضع ومكان متقاربان-، وحيث إنّ المكان النظيف أُريد به خصوص الأرض بناءً على أنّ المطهّر هو المشي على خصوص الأرض. فباعتبار وحدة السياق يُقال: إنّ المراد من الموضع الأول هو خصوص الأرض.

إلّاَ أنّ الصحيح أنه لا يُشكّل قرينةً ولا يضر بوحدة السياق، فإن غاية ما يقتضي الحكم المشهوري هو تقييد المكان النظيف ببعض مصاديقه وهو لا يقتضي تقييد الموضع الأول، وهذا لا يضر بوحدة السياق. فإنّ هذه الوحدة أن لا يحمل أحدهما على غير ما يحمل عليه الآخر. لا أن يكون كِلاهما مطلقاً.

إذن فالإطلاق على المطهّرية تامّ.

وقد يُتوهّم وجود مقيّد لهذا الإطلاق، وهو التعليل بأنَّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً، بناءً على تفسيره بأنّ الأرض يطهّر بعضها، لا بأنّ ما يتنجّس ينجس بالبعض الآخر، إذن فلا بُدَّ أن تكون النجاسة حاصلةً من الأرض. فبحكم التعليل لا تثبت المطهّرية إلّاَ للمورد الجامع لهذه القيود.

إلّاَ أنّ هذا الكلام في غير محلّه لسببين:

 أولاً: لأنّ روايات هذا التعليل ساقطة(2).

ــــــــــ[262]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 3: 456، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1. 

(2) أمّا سنداَ: كرواية الحلبي: وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من ابواب النجاسات، الحديث:4. ورواية الحلبي فيما رواه ابن ادريس في النوادر: وسائل الشيعة 3: 429، الباب 32 من ابواب النجاسات، الحديث: 9. ورواية المعلى بن خنيس: الكافي 5: 123، كتاب الطهارة، الباب 24، الحديث: 5.

وأمّا ودلالةَ: كصحيحة محمد بن مسلم: الكافي 5: 121، كتاب الطهارة، الباب 24، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 ثانياً: إنّ هذا التعليل ليس له مفهوم دال على عدم المطهّرية في غير مورده لأنه لا يرجع إلى قضية شرطية. والتعليل لا يقتضي العلية الإنحصارية ليدل على الانتفاء عند الانتفاء.

الفرض الثالث: أنّ النجاسة حاصلة بالمشي لكن لا بملاقاة الأرض

وهذا الفرض أوضح من الفرض السابق في المطهّرية. بحيث لو ناقشنا الإطلاق هناك فهنا لا نناقشه، خصوصاً في رواية زرارة التي تقول: “رجل وطأ على عذرة فساخت رِجله فيها“، فإنها تكاد تكون واردة في هذا الفرض.

والفرض الأخير (الرابع) هو القدر المتيقّن.

التفصيل الخامس: كفاية مطلق المشي أو مقدار معين منه؟

قوله: ويكفي مسمّى المسح أو المشي وإن كان الأحوط المشي خمسة عشر خطوة(1).

هل يكفي مطلق المشي المزيل؟ أو أن الشارع تعبّدنا بكمٍّ مخصوص في مقام التطهير؟

لا إشكال في أنّ سائر الروايات غير رواية الأحول(2) لم يذكر فيها كم 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

() من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 125.

(2) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث:1. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

معيّن، فمقتضى إطلاقها أو تنزيلها على الفهم العرفي هو كفاية الزوال. 

نعم، رواية الأحول قدّرت مقداراً مخصوصاً وهو ليس خمسة عشر خطوةً، بل خمسة عشر ذراعاً ومن هنا قد يُقال: إنَها تكون مقيّدةً لغيرها فيلتزم بهذا الكم المخصوص في مقام التطهير.

وفي مقابل ذلك يتمسّك بصحيحة زرارة(1) التي يقول فيها: “يمسحها حتى يذهب أثرها”، وهي ظاهرة في أنّ تمام المقصود هو ذهاب الأثر، فتكون قرينةً على أنّ خمسة عشر ذراعاً إنَما هو باعتبارها مزيلةً للأثر لا باعتبارها تعبّداً.

ولكن يمكن أن يُقال: في مقام الانتصار للشرطيّة هو أنّ رواية الأحول وردت في المشي، ورواية زرارة وردت في المسح، فإما أن يحتمل الفرق بينهما عرفاً أو لا. فإن كان الفرق محتملاً عرفاً حيث إنّ المسح غير مشروط بكم معيّن بخلاف المشي، فلا معنى لجعل أحدهما قرينةً على الآخر. 

 وإن فرض عدم الفرق وأنّ المشي إنما يكون مطهّراً باعتباره مسحاً فالروايتان ورادتان في موضوع واحد. فمقتضى القاعدة تخصيص رواية زرارة برواية الأحول دون العكس.

فإن قوله: “يمسحها حتى يذهب أثرها”، إن كانت (حتى) فيه تعليليةً أي لأجل أن يذهب أثرها، كان لها ظهور في أنّ الميزان هو ذلك، ولا يبعد أن يكون ظهورها حينئذٍ أقوى من ظهور رواية الأحول في التعبّدية.

وأما إذا كان المراد من (حتى) الغاية يعني يمسح إلى أن يزول، فحينئذٍ 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 1: 275، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 96. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

تكون النسبة بين الروايتين عموم مطلق، فرواية زرارة تقول إذا مسح طهر سواء مشى خمسة عشر ذراعاً أو لا. ورواية الأحول تقول: إذا ذهبت العين ومشى خمسة عشر ذراعاً يطهر، لما سبق أن قلناه سابقاً من أنّ ذهاب العين قيد في كل روايات الباب، فتكون أخصّ ولابدّ من التقييد.

إلّا أنّ هذا الكلام كلّه مبني على أن تكون رواية الأحول دالّةً على اشتراط المشي خمسة عشر ذراعاً لتكون مقيّدة. إلّا أنّ هذا في نفسه محل إشكال. كما أشرنا إليه سابقاً. ونكتته قوله: (أو نحو ذلك).

وتوضيحه: أنّ هذا يقتضي انتزاع جامع في المقام، وهذا الجامع لا يصحّ أن يكون جامعاً عددياً، لأنّه إن كان هو العدد الأكبر إذن لا ينطبق على الأقل مع أنّه يصدق عليه أنه (نحو ذلك).

وإن كان هو الأقلّ فمعناه أنّ الزائد لا دخل له في المطهّرية، فيُفهم عرفاً أنَ الجامع جامع صفتي نوعي لا عددي. أي حصول صفة معينة، وبمناسبات الحكم العرفية في باب التطهير لا يوجد نكتة أوضح من إزالة العين والأثر.

وهذا إن لم يوجب ظهور الرواية -كما ليس ببعيد- فلا أقل من إجمالها، فيسلم إطلاق سائر الروايات، فيتمسّك بإطلاق رواية زرارة لنفي العدد المعيّن.

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



التفصيل السادس: كفاية المماسّة

قوله: وفي كفاية مجرد المماسّة من دون مسح، أو مشي إشكال(1).

هل يكفي مجرد المماسة من دون مشي أو مسح، فهل يكفي بمجرد أن يضع قدمه على الأرض أو لا؟ فيه إشكال.

ووجه الإشكال يمكن أن يُقرَّب بتقريبين:

التقريب الأول: ما ذكره السيد الأستاذ وغيره(2)

حيث ادّعى أنَّ بعض روايات الباب تدلّ على عدم كفاية ذلك، وهي رواية الحلبي التي رواها ابن إدريس في السرائر، حيث يقول: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس”(3).

وهو يدل على أن المطهِّر هو المشي، إذ لو كان شيء آخر مطهِّراً أيضاً لذكر عنواناً أعمّ من ذلك. فيكون هذا في قوّة جملة شرطية كأنه يقول: (إذا كنت تمشي في أرض يابسة فلا بأس).

ولو اقتصرنا على هذا الدليل لقلنا إنّ المطهّر هو المسح خاصّة دون المسح والمماسّة، ولكن خرجنا من ذلك في المسح؛ لأنَ رواية الحلبي(4) دلّت على كفاية 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

المسح، ويبقى غيره تحت إطلاق الحصر أو إطلاق المفهوم.

إلّاَ أنّ هذا الاستدلال محل إشكال، بل منعٍ، لأنّ هناك فرقاً بين حالتين:

الحالة الأولى: أنّ هذا الشخص يأتي ويسأل عن هذا الشأنّ، وهو أنه بينه وبين المسجد زقاق قذر يسأل عن حكمه قبل وقوعه، فإذا قال له الإمام: امشِ، فإن المشي في أرض يابسة يكون مطهّراً، فقد يَستأنس بأنّ طريق دفع هذا المحذور منحصرٌ في المشي.

الحالة الثانية: وأما حالة الشخص الذي كان يذهب ويأتي، وهو يسأل عن أنه كيف ينحل هذا المحذور الذي وقع فيه، وحينئذٍ لا يوجد في هذا الكلام دلالةٌ في الحصر، لأنّ ما سبق ووقع لم يفرض فيه إلّاَ المشي، فإذا بيّن الإمام أنّ المشي مطهّر فليس فيه دلالة على أنّ غيره غير مطهّر، لأنّ الواقعة تمت، والواقع لا ينقلب عمّا وقع عليه، ولم يكن فيها إلّا المشي.

 وعبارة الرواية من الحالة الثانية لا من الأولى، حيث قال: فربما مررت فيه… أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة”، فقد جاء يسأل عن قضية واقعة.

بل حتى لو فرضنا أنّ السؤال كان عن شيء سوف يقع، فإنّ تخصيص البيان بخصوص المشي ليس له مفهوم، فإن انتزاع المفهوم منه يكون بدعوى أنّه لا نكتة في التخصيص إلّاَ المفهوم. مع أنّ النكتة العرفية موجودة، وهو أنّ المشي مطلب يحصل بلا عناية، وإرجاع هذه القضية إلى قضية شرطية بحيث يدل على أداة شرط مستترة، لا قرينة عليه إلّا الـ(فاء). وهي لا تدل إلّاَ على التفريع، وأما كونه تفريعاً بنحو العلّية الإنحصارية فلا.

ــــــــــ[267]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

هذا مضافاً إلى إشكالين سنديّين: 

أحدهما: أنّ هذه الرواية ساقطة سنداً في نفسها على ما تقدّم لجهالة طريق ابن إدريس إلى نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر.

ثانيهما: وهذه الرواية أيضاً منقولة بطريق الكليني(1)، وليس فيها هذه النكتة وهي حصر المطهّر بالمشي على الأرض. فيحصل التهافت في المتن بعد فرض الاطمئنان بوحدة الواقعة.

والصحيح في كفاية المدّعى وهو عدم كفاية المماسة وهو التقريب الثاني.

التقريب الثاني: قصور المقتضي عن إثبات المطهّرية لها 

فإنّه لم تتم عندنا إلّا روايتان وكِلاهما لا يشمل حالة المماسة، فإن رواية زرارة(2) تقول: “يمسحها حتى يذهب أثرها”، وفي رواية الأحول(3): “يطأها إذا كان خمسة عشر ذراعاً”. وهو عبارة عن المشي، فلا إطلاق فيهما لفرض المماسة.

مع إمكان أن يُقال: إن قوله: “ولكنه يمسحها” ظاهر في تعيّن المسح، والمشي إنّما يكون مطهّراً باعتبار كونه مسحاً. فإن قوله: “يمسحها” أمر بالمسح. وهو ظاهر بالتعيين فلا يكون مجرد المماسة كافياً.

هذا مضافاً إلى إمكان إنكار الإطلاق حتى في الروايات الأخرى، فإنها بين ما ورد فيها عنوان المشي وعنوان المسح.

ــــــــــ[268]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 4. 

(2) وسائل الشيعة 3: 458، 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 7. 

(3) الكافي 5: 121، كتاب الطهارة، الباب 24، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وغاية ما يُتوهّم من العموم هو إطلاق التعليل في “إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً”، ولكنه حيث لم يبيّن كيفية التطهير، وتطهير الأرض ليس أمراً عرفياً ليتمسّك بإطلاقه لمجرد المماسة، إن لم يكن ذلك في نفسه على خلاف الاستيناسات العرفية.

وحينئذٍ فمقتضى الأصل عدم المطهّريّة، فإنّ مقتضى القاعدة في إطلاقات (اغسل) عدم الإجزاء إلّا بالغسل بالماء، خرجنا من ذلك بالمشي والمسح فيبقى المماسة.

التفصيل السابع: مسح القدم بالتراب المنفصل عن الأرض

قال: وكذا في مسح التراب عليها(1) 

فإنّ القدر المتيقن من التطهير أن يمسح قدمه بالأرض، وأما أن يمسح رجله بتراب منفصل فمطهّريته محل إشكال عنده.

لا إشكال أن جُلّ روايات الباب لا تشمل مسح القدم بالتراب كرواية الأحول: “ثمّ يطأ مكاناً نظيفاً خمسة عشر ذراعاً”.

نعم مسح الأرض بالقدم إستفدناه بأحد تقريبين:

التقريب الأول: صحيحة زرارة(2) التي تقول: “ولكن يمسحها حتى يذهب أثرها”.

ــــــــــ[269]ــــــــــ

(1) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 125.

(2) تقدم تخريجه قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التقريب الثاني: إلغاء الخصوصية عن المشي وأنه مطهّر باعتباره مسحاً.

والتقريب الثاني لو تمّ لما شمل مسح القدم بالتراب فلا يمكن أن نستفيد ذلك من الروايات.

ولكن في التقريب الأول جاء المسح في رواية زرارة مطلقاً فيتمسك بإطلاقه لمحل الكلام، بل جاء مسح القدم بالشيء لا مسح الشيء بالقدم، وهو أقرب إلى محل الكلام.

وتقريب الإطلاق: أنّ هذه الرواية لو خلينا نحن وهي لقلنا بمطهّرية المسح مطلقاً حتى بالمنديل فضلاً عن التراب، ولكن أخرجنا المنديل بالإجماع، فيرفع اليد عن إطلاقها بمقدار الإجماع والارتكاز، ويبقى الباقي تحت الإطلاق فإنه لم يقم إجماع في مورد الكلام.

وقد يتوهّم أنّ التعليل: (أنَّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً) مقيّدٌ لهذا الإطلاق، فإنّ عنوان الأرض لا يصدق على التراب المنفصل. فيُقيّد به إطلاق المسح. 

وهذا غير صحيح: 

أوّلاً: لأنّه غير تام السند.

ثانياً: أنه لا يدلّ بمفهومه على العلّيّة الإنحصارية.

وغاية ما يمكن أن يخدش به إطلاق رواية زرارة أنه بعد وضوح وارتكازية أنّ مطلق المسح ليس مطهّراً حتى لو كان بالمنديل، فيصير ذلك قرينة ًعلى أنّ المتكلّم ليس في مقام البيان من هذه الناحية، وإلا يلزم تخصيص 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأكثر، فإنَّ أكثر الأشياء غير الأرض لا يكون المسح بها مطهّراً، فلا بُدَّ أن يكون في مقام البيان أصل المسألة، لا أنه بِمَ يمسح.

وجوابه: أنّ الأشياء التي نعلم أنّ المسح بها غير مطهّر، وإن كانت أكثر من الأرض بكثير، إلَّا أنَّ المسح بالأرض هو الغالب، كما لو قال: (اغسل ثوبك) خرج منه سائر أنواع الماء المضاف، لأنّ الماء المطلق هو الفرد الشايع، وكذلك الأرض والارتكاز على تقدير وجوده، فهو يقدر بقدره، ولا يوجد هناك ارتكاز على أنّ التراب لا يكون مطهّراً لو حمل ومسح به، فلا بأس بالتمسّك بالإطلاق من هذه الناحية.

التفصيل الثامن: أقسام ما يمشي عليه الإنسان

قال: ولا فرق في الأرض بين التراب والرمل والحجر الأصلي، بل الظاهر كفاية المفروشة بالحجر بل الآجر والجص والنورة. نعم، يشكل كفاية المطلي بالقير أو المفروش باللوح من الخشب مما لا يصدق عليه اسم الأرض ولا إشكال في عدم كفاية المشي على الفرش والحصير والبواري وعلى الزرع والنباتات إلّاَ أن يكون النبات قليلاً بحيث لا يمنع عن صدق المشي على الأرض(1) 

يمكن تنويع ما يمشي عليه الإنسان إلى أقسام:

القسم الأول: الأرض بوجودها الأصلي غير المنقول من مكان إلى مكان، ويدخل تحته الأرض الصخرية، وغيرها، ولا شك أنه القدر المتيقن من المطهّرية. 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

(1) من تتمّة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 125.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

القسم الثاني: أرض من القسم الأول، نقلت من موضعها الأول، وبلطت بها أرض أخرى.

القسم الثالث: أن تكون أجزاءً ليست أرضيةً، ولكنها ألصقت بالأرض، كما لو بلطت الأرض بالخشب.

القسم الرابع: أن تكون الأشياء موضوعةً على الأرض، كالفرش والحصير، أو أنّ جذورها ملصقة كالنباتات.

والفقهاء حيث أخذوا عنوان الأرض في مقام التطهير قالوا: إنّ القدر المتيقن من المطهّرية هو الأول، كما أنّ القسم الرابع -وهو الأخير- هو القدر المتيقن من عدمها، ولذا وقع الكلام في القسمين المتوسطين، والمعروف بينهم إلحاق الثاني بالأول والثالث بالرابع.

أمّا إلحاق الثالث بالرابع، فلأنّ إطلاق عنوان الأرض عليه وإن كان جائزاً إلّاَ أنّه بالعناية، ومن المعلوم أنّ الإطلاق لا يشمل الفرد العنائي.

وأما إلحاق الثاني بالأول فلأحد وجهين:

الوجه الأول: دعوى صدق عنوان الأرض عليه، كما هو كذلك فإنه أرض ونقله من مكانه لا يخرجه عن كونه أرضاً.

الوجه الثاني: ما ذكره في المستمسك(1) وهو التمسّك بالاستصحاب 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

(1) مستمسك العروة الوثقى 2: 67، قال: “إما لصدق الأرض عليها قطعاً، أو تعبّداً باستصحاب أرضيتها أو لاستصحاب مطهّريتها. ولو فرض معارضته باستصحاب النجاسة -كما هو كذلك في كل استصحاب تعليقي- فالمرجع بعد التعارض قاعدة الطهارة. لكن عرفت -في مبحث العصير الزبيبي- الإشكال في كون ذلك من الاستصحاب التعليقي، كي يعارض استصحاب النجاسة، كما عرفت غير مرة أن مثل استصحاب الأرضية غير جار، لأنه من استصحاب المفهوم المردد. فإذاً العمدة في مطهّرية ما ذكر، الرافع لاستصحاب النجاسة، هو إطلاق الأرض الشامل لها”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التعليقي بأن يُقال: إن هذه الأحجار وحين كانت في موضعها الأول كانت مطهّرةً فنستصحبه، والمطهّرية ليست حكماً مجعولاً بعنوانه، وإنما هو حكم بالطهارة على تقدير المسح به فنقول: إنه لو مسح به لكان مطهّراً فالآن كما كان. وعارضه باستصحاب تنجيزي وهو استصحاب النجاسة في القدم، وبعد التساقط يرجع إلى أصالة الطهارة.

وهذا التقريب غير تام لأمرين -بقطع النظر عن المباني الأصولية- (1).

الأمر الأول: أنّ هذا الاستصحاب منقطع بناءً على ما قلناه في المسألة السابقة من أن التراب المنفصل عن الأرض غير مطهّر، فإننا لو بنينا على كونه مطهّراً وهو منفصل فلا إشكال في مطهّريته بعد وضعه، وإن بنينا على عدم 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

(1) انظر: بحر الفوائد 3: 120، التنبيه الرابع في الاستصحاب، الرسائل 1: 154، التنبيه الثالث، استصحاب المتصرمات. حيث نسب القول بحجيته إلى المشهور: (وكيف كان المشهور على عدم الفرق بين الاستصحاب التعليقي والتنجيزي في الحكم) بحوث في علم الاصول 6: 305. قال: (فقد تقدم عدم جريان الاستصحاب التعليقي عند المشهور كما أنه لا يجري عندنا أيضا). دراسات في علم الأصول 4: 147، التنبيه السادس: الاستصحاب التعليقي. درر الفوائد (الحائري) 2: 180، في الاستصحاب التعليقي والتقديري.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مطهّريته منفصلاً. إذن فمطهّريته السابقة ارتفعت فلا يجري الاستصحاب.

الأمر الثاني: أنّ كل هذه الأصول لا موضع لها، لأنّ إطلاقات “اغسل” تقتضي النجاسة، ولا تخرج منه إلَّا بدليل اجتهادي وهو غير موجود بقطع النظر عن التقريب الأول.

هذا كلّه بناءً على أخذ عنوان الأرض.

والصحيح أنه لم يرد عنوان الأرض في الروايات التامّة، فإن رواية زرارة(1) أُخِذَ فيها عنوان المسح ورواية الأحول(2) قالت: “يطأ مكاناً نظيفاً“، ومن هنا لا يبعد أنَّ القسم الثالث يكون مطهّراً تمسُّكاً بإطلاق هاتين الروايتين. نعم، قد يشمل القسم الرابع أيضاً، ولكن حيث إنّه لا قائل معتدّاً به بمطهّريته، فمقتضى الاحتياط عدم ترتيب أثر المطهّرية عليه.

التفصيل التاسع: لا يُعتبر وجود الرطوبة ولا حصول زوال العين بالمسح أو المشي

قوله: ولا يعتبر أن يكون في القدم أو النعل رطوبة ولا زوال العين بالمسح أو المشي وإن كان أحوط(3).

كان عمدة الدليل على مطهّرية الأرض روايتان، وقد تقدّم أيضاً أنه يوجد 

ــــــــــ[274]ــــــــــ

(1) تهذيب الاحكام 1: 275، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 96. 

(2) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من ابواب النجاسات، الحديث 1. 

(3) من تتمّة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 125- 126.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مطهّران: المشي على الأرض والمسح بالأرض، وقلنا إنّ مرجعهما إلى شيء واحد، فإنّ المشي إنما يكون مطهّراً باعتباره مسحاً.

أما المشي فقد يُقال: إنّ الروايات الدالة على مطهّرية المشي مطلقة، ولا يشترط فيها زوال العين بالمشي.

إلّا أنّ هذا الإطلاق مخدوش لما أشرنا إليه من أنّ الروايات الدالّة على مطهّرية المشي لم يتمّ منها إلّا رواية واحدة، وهي صحيحة الأحول، وهي قد يدّعى فيها الإطلاق لأنّه قال (يطأ مكاناً ليس بنظيف ثمّ يطأ مكاناً نظيفاً)، ولم يقيّد بزوال العين بالموضع النظيف.

إلّا أنّ هذا الإطلاق لا يخلو من إشكال بناءً على ما تقدّم(1) في تفسير ذيل الرواية وهو قوله: “إذا كان خمسة عشر ذراعاً أو نحو ذلك”، فإنّ هذا العدد إذا حملناه على التعبّد الصرف، فلا بأس بالتمسك بالإطلاق من هذه الناحية، وأما إذا حملناه على ما استظهرناه، أو احتملناه سابقاً(2) من أنّ هذا القيد إنما هو باعتبار مرتبة إزالة القذر بالأرض، ولهذا لم يذكر عدداً معيناً، بل قال: “أو نحو ذلك“، وقلنا: إنه يستفاد منه جامع نوعي كيفي، وهو مقدار ما يزال به القذر، وحينئذٍ لا يمكن التمسّك بإطلاق الرواية حتى لفرض زوال العين بمزيل سابق.

ــــــــــ[275]ــــــــــ

(1) اُنظر في هذا الكتاب: (التفصيل الثالث: شرطية زوال عين النجاسة) ص257.

(2) اُنظر في هذا الكتاب: (التفصيل الخامس: كفاية مطلق المشي أو مقدار معين منه؟) ص263.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأما في المسح، فإن استفدنا مطهّريته من روايات مطهّرية المشي مع إلغاء خصوصية النقلة المكانية عنه، فالكلام هو الكلام. وإن استفدنا مطهّرية المسح من رواية زرارة(1)، حيث قال: “يمسحها حتى يذهب قذرها” من الواضح أنها خاصّة بمسح يزيل العين، ولا تشمل غيره.

والسيد الأستاذ(2) حيث استفاد من روايات المشي الإطلاق قال في هذه الرواية، إنه حيث إنّ المسح جعل بدلاً عن المشي، فيتبعه في الخصوصيات، فكما لا يشترط في المشي كونه مزيلاً للعين كذلك لا يشترط في المسح(3).

هذا الكلام لم نفهمه؛ لأنّ الرواية لم تقل المسح يقوم مقام المشي حتى يكون كل ما في المشي من قيد وإطلاق ينسحب على المسح، وثبوت الإطلاق في مطهّرية المشي لا يلزم منه ثبوته في مطهّرية المسح، إلَّا إذا أرجعنا المشي إلى المسح.

فالإطلاق اللفظي غير موجود، ولكن الأقرب أنَّه لا يعتبر كون المشي أو المسح مزيلاً للعين. وذلك للفهم العرفي من هذه الروايات بمناسبات الحكم والموضوع؛ لأنّ الرجل النجسة فيها حيثيتان، حيثية النجاسة العينية، وحيثية النجاسة الحكمية المسماة بالسراية، وقد ثبت بالروايات أنّ كِلتا الحيثيتين تزولان 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

(1) تقدمت قريباً. 

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 112، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الأرض. 

(3) فقه الشيعة 5: 221.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إذا مشى الإنسان على الأرض حتى تزول العين فلا بُدَّ أن نرى أنه هل هناك احتمال عرفي في الفرق بين ما إذا مشى مع العين، أو مشى بدونها.

أمّا بلحاظ الحيثية العينية فمن الواضح أنه لا فرق بين أن تزال بالأرض أو بالمنديل مثلاً عرفاً. ولا يتعقل العرف فرقاً بين مزيل ومزيل من حيث كونه مزيلاً للعين.

وأمّا من حيث النجاسة الحكمية، فإذا ثبت أنّ الأرض مزيلةً لها مع وجود العين، مزيلةً لها مع عدم العين أيضاً، لأنّ العرف لا يفهم أنّ وجود عين النجاسة مساعد على التطهير، كما لا يكون عدمه سبباً في شدّة النجاسة.

التفصيل العاشر: في اشتراط طهارة الأرض وجفافها

قوله: ويشترط طهارة الأرض وجفافها نعم الرطوبة الغير المسرية غير مضرّة(1).

 أولاً: اشتراط الطهارة

فلو كانت الأرض نجسةً فلا يكون المشي عليها أو المسح بها مطهّراً.

قد يُقال: إنّ قيد الطهارة لم يؤخَذ في شيء من روايات الباب، فإنه ورد في كلام السائل لا في كلام الإمام.

دليل الاشتراط الارتكاز العرفي

وفي مقابله يُقال: إنّ الدليل على رفع اليد عن هذا الإطلاق، بالارتكاز 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

(1) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 126.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

العرفي القائل: إنّ فاقد الشيء لا يعطيه، وكما إن المنجس نجس فكذلك المطهر لا بُدَّ أن يكون طاهراً في نفسه.

وهذا الارتكاز حوله كلامان:

الكلام الأوّل: التشكيك بالارتكاز العرفي

أن نشكك في وجود هذا الارتكاز، باعتبار أنّ أصل مطهّرية الأرض ليست معروفةً عرفاً، وإنما هي مطهّرية تعبّدية تأسيسية، ومعه فلا معنى لتحميل هذا الارتكاز عليها.

إلَّا أنّ هذا غير صحيح، لأنّ مطهّرية الأرض وإن كانت تعبّديةً، إلّا أنّ هذا الارتكاز نوعي بنحو الكبرى: (أنّ كلّ ما هو مطهّر لا يمكن أن لا يكون طاهراً في نفسه)، ومصداق هذه الكبرى تارةً يكون عرفياً أيضاً وأخرى لا يكون.

الكلام الثاني: في فائدة هذا الارتكاز العرفي

إنّ هذا الارتكاز ما هي فائدته؟ فإنه تُتصوّر فائدته على نحوين:

النحو الأول: أن يكون الارتكاز دليلاً مستقلاً على الشرطية، بحيث يجعل كسائر السير العقلائية فكما يستدل بتلك السير على حجية الظهور وخبر الثقة فهنا يستدل به لإثبات الشرطية. وبناءً عليه لا نحتاج إلى الأدلة الفوقانية من الأصول العملية أو غيرها.

إلّا أنّ هذا التقريب منظور فيه، لأنّ السيرة والارتكازات العقلائية ليس لها كشف ذاتي عن الحكم الشرعي إلّاَ بتوسط عدم الردع الذي يستكشف منه الإمضاء.

ــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وهذا البيان إنما يتمّ في موارد يكون محل الارتكاز من الأمور المهمة التي يكثر الابتلاء بها، ويكون الردع عنها على تقدير وجوده ردعاً مستفيضاً بحيث يبعد عدم وصول شيء منه إلينا، كارتكاز حجية خبر الثقة، فلو لم يمضَ لكان ردعه مستفيضاً كما في القياس، ويستبعد أن يردع كثيراً ثمّ لا يصل ولا خبر واحد، فإذا لم يصل يصدق عدم الردع، فيستكشف منه الإمضاء.

وأمّا الارتكازات التي لا تمسّ الشارع إلّا في دوائر صغيرة ونطاقات ضيّقة، فيحتمل أن الشارع ردع عنها ولم يصل إلينا، فلا يدل عدم الوصول على عدم الردع.

والارتكاز بأنّ كل ما لا يكون طاهراً لا يكون مطهّراً ثبت في الماء بلا إشكال، وأمّا في بعض المطهرات كالشمس فلا معنى لاشتراطه، وإنما يمسّ الشارع في مثل الأرض، وهو لا يقتضي ردعاً مستفيضاً بحيث يستكشف من عدم وصوله عدم وجوده، أو ربما اكتفى الشارع بالإطلاق في أدلة مطهرية الأرض.

فلا يمكن جعل السيرة دليلاً مستقلاً على المسألة.

النحو الثاني: أن نستدل بالارتكاز لإبطال الإطلاق في روايات الباب، فإنَّ غير رواية الأحول لم تُقيَّد الأرض فيها بأن تكون طاهرةً، فنهدم هذا الإطلاق بالارتكاز.

فإن الارتكازات العرفية تُشكّل قرائن لُبّيةً متّصلةً، لأنَّ الارتكاز قائم في ذهن المتكلّم والسامع حين الكلام فإنَّه مطلب بديهي في الفطرة العرفية.

فهذه القرينة توجب إجمال العام، بحيث لو اعتذر المولى بأنه اعتمد على هذا 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الارتكاز لم يكن مخّلاً بالمحاورة العرفية، فيدخل في كبرى الاتصال بما يحتمل قرينيته، فإنه لا يفرق فيها بين المتصل اللفظي واللُّبّي، فيكون الإطلاق مرتفعاً، والعبارة مجملةً، ومعه يجب الرجوع إلى الأصول العملية واللفظية الفوقانية.

ومن هنا قد يُقال: إنَّه يجري استصحاب النجاسة. فإنّه لو مشينا على الأرض النجسة فإننا نستصحب النجاسة في الرجل، وقد يعارض ذلك باستصحاب تعليقي وهو استصحاب المطهّرية، بأن يُقال: بأنّ هذه الأرض قبل نجاستها كانت مطهِّرة، فيتعارض الاستصحاب التنجيزي مع التعليقي، فقد يُقال بتعارضهما والرجوع إلى أصالة الطهارة في القدم.

ولكن الصحيح أنّه لا مجال لكلا الاستصحابين، بل بعد سقوط إطلاقات مطهّرية الأرض لا بُدَّ أن يرجع إلى أدلة تقتضي عدم المطهّرية، فإنّ مقتضى روايات (اغسله بالماء) حصر المطهِّر بالماء وروايات مطهّرية الأرض مقيّد لذلك، فإذا أجمل المخصص في بعض الموارد رجعنا إلى المطلق الفوقاني الدال على وجوب الغسل بالماء، فالصحيح هو اشتراط طهارة الأرض.

ثانياً: اشتراط الجفاف

هل يشترط جفاف الأرض أو تكفي الأرض الرطبة؟

دليل اشتراط الجفاف: الأخبار

لا إشكال في أن جملة من الروايات مطلقة، كرواية الأحول(1) وهي إحدى 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1. وسائل الشيعة 3: 458، 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 7. ونصها من الكافي (إسلامية) 3: 39: عَنِ اَلمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّـهِ عَنِ الْخِنْزِيرِ يَخْرُجُ مِنَ المَاءِ فَيَمُرُّ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَسِيلُ مِنْهُ المَاءُ أَمُرُّ عَلَيْهِ حَافِياً. فَقَالَ: أَلَيْسَ وَرَاءَهُ شَيءٌ جَافٌّ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَلاَ بَأْسَ إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً“.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الصحيحتين في الباب، وكذلك رواية زرارة. نعم، وجد التقييد في روايتين:

الرواية الاولى: رواية المعلّى بن خُنيس، قال: “سألت أبا عبد الله عن الخنزير يخرج من الماء فيمرُّ على الطريق… فقال: أليس وراءه شيء جاف(1).

قال: بلى. أليس وراءه شيء جاف. وظاهره أن الجفاف له دخل في نفي البأس وهو معنى الشرطية.

الرواية الثانية: رواية الحلبي، عن أبي عبد الله قال: قلت له إن طريقي إلى المسجد في زقاق يُبال فيه… فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة قلت: بلى، قال: لا بأس”(2). بنفس التقريب.

فلو تمّ الاستدلال بهما لكان مقيّداً للإطلاقات، إلّا أنّهما لا يتمّان؛ لسقطوهما سنداً، وإمكان المناقشة فيهما دلالةً، وقد تقدّم(3).

ــــــــــ[281]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 123، كتاب الطهارة، الباب 24، الحديث: 5. وسائل الشيعة 3: 458، الباب32 من أبواب النجاسات، الحديث: 3. 

(2) السرائر 3: 555، باب المستطرفات، نوادر احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي. وسائل الشيعة 3: 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 9. 

(3) سبق الكلام عن المعلى بن خنيس، فراجع هنا: (المقام الأوّل: في إثبات أصل التطهير بنحو القضية المهملة – الرابعة: رواية المعلّى بن خنيس)، ص243 وما بعدها. وكذلك عن طريق ابن إدريس فراجع (المقام الثاني: تفصيلات في مطهّرية الأرض – الوجه الثالث: رواية الحلبي (رواية الزقاق القذر))، صفحة: 225.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أمّا الأولى: فباعتبار المعلّى، وأما الثانية فباعتبار جهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر.

وأمّا المناقشة الدلالية: فقد يُقال: إنَّ قوله (جافة أو يابسة) يراد به الجفاف النسبي أي: إنه جاف من الماء المتقاطر من الخنزير، ويابس من البول الموجود في أول الطريق.

إلّاَ أنَّ حمل اليبوسة على الجفاف النسبي خلاف الظاهر، فالأرض الرطبة كيف يصدق عليها يابسة بلحاظ البول، فنحتاج إلى قرينة لصرف الجفاف من الجفاف المطلق إلى النسبي.

وحينئذٍ إن كان الجفاف بالمناسبات العرفيّة غير دخيل في مقام التطهير، فيكون ذلك قرينةً على حمل ذلك على اليبوسة الإضافية، إلّاَ أنَّ هذا الارتكاز غير موجود، والذهن العرفي لا يأبى عن أن يكون لليبوسة دخل في التنظيف، لأنّ الأرض اليابسة أقدر على إزالة النجاسة من الرطبة، فالصحيح عدم اعتبار الجفاف وإن كان أحوط.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



التفصيل الحادي عشر: إلحاق حواشي القدم بها

قال: ويلحق بباطن القدم والنعل حواشيهما بالمقدار المتعارف مما يلتزق بهما من الطين والتراب حال المشي(1).

والحكم بإلحاق هذا المقدار المتعارف يمكن بتقريبين:

التقريب الأول: اللزوم والعادة

أنّ هذا المقدار مما يلازم غالباً وعادةً مع سراية النجاسة إليه، خصوصاً مع ملاحظة بعض فروض روايات الباب كقوله: (ساخت رجله في العذرة)، إذ يدّعى: أنَّ الغالب فيه هو السراية، فلو لم يطهر هذا المقدار لزم لغوية الحكم، بل يتعيّن الغسل بالماء ولم يكن للحكم تسهيل.

التقريب الثاني: التمسّك بالإطلاق اللفظي ابتداءً 

كما في صحيحة الأحول، ثمّ يطأ بعده مكاناً نظيفاً(2)، حيث لم يعيّن حدود هذه النجاسة التي ترتفع بالمشي خمسة عشر ذراعاً ونحوه، فمقتضى إطلاق (لا بأس) هو نفي النجاسة في الحواشي، وإلّاَ فهناك بأس.

وهذا التقريب صحيح.

وهذان التقريبان لو فرض تمامية أحدهما لثبت المدّعى في الجانب الإثباتي، وهو أن المقدار المتعارف من الحواشي يلحق بالتطهير.

ــــــــــ[283]ــــــــــ

(1) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 126.

(2) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

في المقدار الزائد عن المتعارف

وأمّا المقدار الزائد عن المتعارف، فلا بُدَّ من النظر إلى الوجه الذي ألحقنا به المتعارف، لنرى أنّه هل يقتضي إلحاق غير المتعارف أو لا؟

فإن كان التقريب الأوّل هو الوجه في المتعارف، فهو يختصّ به -فإنّ غير المتعارف تسري النجاسة إليه أحياناً-؛ فلا يلزم من عدم مطهّريته لغوية الحكم.

وأمّا إذا كان المَدرَك هو الإطلاق، فقد يُقال إنّه يشمل غير المتعارف، فإنَّ مقتضاه أنَّه لا ينشأ بأس من هذين الوطأين المتعاقبين، وهو يشمل الإصابات غير المتعارفة.

وفي مقام التخلّص عن هذا الإطلاق لا بُدَّ من أحد بيانين:

البيان الأول: دعوى الانصراف عن تناثر النجاسة إلى ساق الرجل وركبته، فإنّه إذا سمع لفظ لرواية تخطر في الذهن الصورة المتعارفة دون غيرها وهو معنى الانصراف.

البيان الثاني: أنّ العرف لا يتعقّل بين هذه النجاسة غير المتعارفة وبين أي نجاسة أخرى. هل يُقال إنه يكفي في تطهيره المسح بالأرض لمجرد أنّه حصل من المشي على الأرض، هذا لا يفهمه العرف.

وإن شئتم قلتم: إنّ رواية الأحول(1) تبين أنّ المشي مطهر، والعرف لا يفهم مطهرية المشي لما لا يحتك بالمشي، وما يحتك به هو أسفل القدم وأطرافها. أما أن يمشي الإنسان ويطهر ركبته، فالعرف لا يتعقله بمناسبات الحكم والموضوع.

ــــــــــ[284]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إذن فكلا التقريبين لا يردان في غير المتعارف، فما في المتن من التفصيل متين.

التفصيل الثاني عشر: إلحاق ظاهر القدم والنعل بباطنهما

قوله: وفي إلحاق ظاهر القدم أو النعل بباطنهما إذا كان يمشي بهما لاعوجاج في رجله وجه قوي وإن كان لا يخلو من إشكال(1).

إذا كان الإنسان يمشي على ظاهر قدمه لوضعٍ خاصٍ به، وتنجس فهل يحكم بالمطهّرية بالنسبة إليه أو لا؟

الظاهر هو الحكم بالمطهّرية، لأنّ الروايات المعتبرة ورد فيها عناوين: “يطأ بعده مكاناً نظيفاً“، وعنوان: “ساخت رجله فيها(2) أي: العذرة، وعنوان “المشي(3) وكلّها تصدق في المقام. وعدم التعارف والندرة لا يقتضي الانصراف.

قوله: كما أنَّ إلحاق الركبتين واليدين بالنسبة إلى من يمشي عليهما أيضاً مشكل(4).

ــــــــــ[285]ــــــــــ

(1) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 126.

(2) كما في صحيحة زرارة المتقدمة: تهذيب الاحكام 1: 275، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 96. 

(3) كما في رواية الحلبي: وسائل الشيعة 3: 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 9.

(4) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 126.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

حكم إلحاق الركبتين واليدين بالطهارة بالأرض

فيه إشكال قوي ينشأ من ناحية دعوى أنّ العناوين المذكورة لا تتحقّق، فإنَّ الوطء لا يتحقّق باعتبار قوة احتمال أن يكون متقوّماً بالعدم، فإنَّ الوطء هو أنّ يدوس الأرض بقدمه، ولا أقلّ من احتماله بنحو لا يمكن التمسك بإطلاقه.

وفي روايات المشي: “أليس تمشي بعد ذلك”(1)، فإنها سؤال عن قضية خارجية، وهو كان يمشي مشياً اعتيادياً، فلا يمكن التعدّي منه إلى المشي غير المتعارف على الركبتين واليدين.

كما أن قوله: “رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها(2)، ظاهره ذلك؛ لما قلناه في مفهوم الوطء وكذلك رواية الحلبي(3).

نعم، لو بنينا على عموم التعليل في قولهم: “إنَّ الأرض يُطهِّر بعضها بعضاً”(4)، لو اخترنا الاحتمال الذي يناسب الاستدلال به على مطهّرية الأرض 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

(1) رواية الحلبي التي تقدمت قريباً. 

(2) رواية زرارة التي تقدمت قريباً. 

(3) تقدمت قريبا. 

(4) هذا العنوان ورد في رواية الحلبي: الأولى: وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 4. الثانية: السرائر 3: 555، باب المستطرقات، نوادر احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي، وسائل الشيعة 3: 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بمعنى أنَّ الأرض تطهر ما يتنجس بالبعض الآخر، فلا بأس بتطهير ذلك لأنَّه قد تنجس بالبعض الآخر، ولا يتوهم أنّ هذا التعليل حتى بناءً على هذا المعنى يجب أن يؤخذ بوصفه قضية مهملةً لا بوصفه قضية كلية وإلّاَ يلزم تخصيص الآخر، فإن أكثر ما يتنجس بالبعض الآخر لا يطهر بالبعض الآخر، فهذا الاستهجان يدل على أنّ التعليل مسوق مساق القضية المهملة، ومعه لا يمكن التمسك بإطلاقها.

وهذا البيان قابل للدفع بإبراز هذه النكتة.

فإنّنا لو جمدنا على حاق العبارة لكان المعنى أنّ بعض الأرض يطهر بعض الأرض نفسها، ولكننا قلنا: إن المراد به ما يتنجس بالبعض الآخر، وهذه العناية غير موجودة في كل ما يتنجس بالبعض الآخر، بل في ما يلاصق الآخر ويلامسها بحسب طبعه، فإنّ العناية فيما لا يلامسها عادةً في تصحيح التعبير تكون أكثر من العناية فيما يلامسها عادةً، وهذا القسم أكثر مصاديقه محلّ الكلام بين الفقهاء، ولا يوجد برهان على تخصيص الأكثر، ومعه يكون مقتضى عموم التعليل القول بالمطهّرية.

إلّاَ أنّه لم يتمَّ عندنا سنداً ودلالةً.

ويكون دليلاً لو تمّ لكان دليلاً على قوله.

ــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 

في إلحاق نعل الدابة وكعب عصا الأعرج وخشبة الأقطع

قوله: وكذا نعل الدابة وكعب عصا الأعرج وخشبة الأقطع(1).

فإنه لا تنطبق عليه العناوين الأولية، لكن يشمله عموم التعليل، كذلك عجلات السيارات والعجلات وغيرها.

التفصيل الثالث عشر: عدم الفرق بين أقسام النعل

قال: ولا فرق في النعل بين أقسامها بين المصنوع من الجلود والقطن والخشب ونحوها ممّا هو متعارف وفي الجورب إشكال، إلا إذا تعارف لبسه بدلا عن النعل(2).

تحقيق أصل موضوعي في روايات الباب

الكلام في هذه المسألة يقع بعد تحقيق أصل موضوعي في هذه الروايات(3)، وهي أنَّ هذه الروايات هل وردت بنحو القضيّة الخارجيّة أو بنحو القضية الحقيقية، فإن وردت بنحو القضية الخارجية، فلا يمكن التعدّي منها إلى غيرها إلّا مع الجزم بعدم الفرق أو فهم عدم الفرق عرفاً. وأما إذا كانت بنحو القضية 

ــــــــــ[288]ــــــــــ

(1) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 126.

(2) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 126- 127.

(3) وهي روايات الباب المارّة، كرواية زرارة والحلبي الضعيفة من طريق ابن إدريس، والحلبي الموثقة من طريق إسحاق بن عمار، والمعلى بن خنيس، والأحول وغيرها، وهي كلها في وسائل الشيعة 2: 1047 وما بعده من الأحاديث 3- 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الحقيقية، فلا إشكال في أنّ الأحذية بمختلف أشكالها وما يستجد منها يكون داخلاً تحت القضية الحقيقية.

وحمل الروايات على أي من الاحتمالين لو جمدنا عليه، فلا ينطبق مدلول الروايات على حدود الفتوى المعروفة بين الفقهاء؛ لأنّها لو كانت خارجيةً فلا يمكن التعدّي منها إلى غيرها، فالنعل لو كان يُصنَع من مادة معيّنة أو هيئة مخصوصة، ثُمَّ أصبح يُصنَع بمادّة أو هيئة أخرى لا يمكن التعدّي، فلا بُدَّ من ضمّ عناية عرفية إلى احتمال القضية الخارجية، ليكون مفهوماً عرفاً ومطابقاً للفتوى وهي مناسبات الحكم والموضوع التي تقتضي غير مورد القضية الخارجية بها، لا من باب تنقيح المناطات القطعية، بل بالفهم العرفي.

 كما أنّه بناءً على القضيّة الحقيقيّة يبتلى بإشكال، فإنّه ينعقد لها إطلاق شامل لما إذا لفّ رجله بثوبه ثُمَّ وطأ مكاناً غير نظيف ثُمَّ وطأ مكاناً نظيفاً، فإنّ هذا لا يفهمه العرف ولا يفتي به الفقهاء، والعلاج عين العلاج وهو مناسبات الحكم والموضوع، فإنّها تقيّد إطلاق القضايا الحقيقية بما هو متعارف من الملابس، فإنه لو شد ثوباً أو إناء برجله لا يتعقل العرف فرقاً من الإناء بين شدّه برجله وقبله، فيخرج كلّ متعارف في وقت استعماله وإن لم يكن متعارفاً في وقت صدور النص.

الكلام بحسب واقع الروايات

وأمّا بحسب الواقع، فالروايات هل نحملها على القضية الحقيقية أو الخارجية؟

لا إشكال في أنّ جملة منها وردت في الرجل الحافية، ولا معنى لحملها على 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

النعل، كما أنّ بعضها ورد بنحو القضيّة الخارجيّة كرواية الحلبي(1) الواردة في الزقاق القذر.

إلّا أنّ بعضها لا بأس بحملها على الحقيقة وهي رواية الأحول، “في الرجل يطأ على الموضع… الحديث”(2).

 فإنها لم يُسأَل بها عن واقعة مشخَّصة، بل عن قضية فرضيّة، وكلّ سؤال بنحو الفرض والشرط الأصل فيه الحمل على الحقيقة، ويحتاج حملها على الخارجية إلى عناية زائدة، فيتمسك بإطلاقه لكل نعل بمختلف أقسامه، لكل ما هو متعارف حال لبسه. 

وبه يتم فتوى السيد الماتن.

التفصيل الرابع عشر: كفاية زوال عين النجاسة وإن بقي الأثر

قوله: ويكفي في حصول الطهارة زوال عين النجاسة وإن بقي أثرها، من اللون والرائحة، بل وكذا الأجزاء الصغار التي لا تتميز كما في ماء الاستنجاء بالأحجار لكن الأحوط اعتبار زوالها(3).

تعرض إلى فرعين: 

الفرع الأول: أنَّه لا يُعتبر في المطهّرية بالأرض زوال الرائحة والأثر، بل يحكم بالمطهّرية وإن كانت الرائحة موجودة.

ــــــــــ[290]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 458، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 4. 

(2) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(3) من تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 127.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الفرع الثاني: أنه يكفي في المطهّرية زوال العين، ولو بقيت أجزاء لا تتميز، يحكم بالمطهّرية أيضاً، ثُمَّ احتاط احتياطاً استحبابياً فيه.

الفرع الأول: في زوال الرائحة

الفرع الأول: أنّه لا يعتبر زوال اللون والرائحة التي هي آثار عرفية محضة، فلا إشكال في بقائها؛ لأنها لا تزول بالمسح وإن كان مستوعباً فلا بُدَّ أن يُحمَل -بهذه القرينة- دليل المطهّرية على زوال العين.

ومن هنا لا بُدَّ من تأويل ما ورد في صحيحة زرارة: ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها(1). بأن المقصود هو: مخلّفات العين دون اللون والرائحة، فإنها يتعذّر زوالها بالمشي.

الفرع الثاني: في بقاء الأجزاء الصغيرة التي لا تتميّز

الفرع الثاني: في الأجزاء الصغيرة التي لا تتميز، فهذه الأجزاء إن كانت مجهرية لا ترى عرفاً، فهي عبارة أخرى عن اللون والرائحة، وأخرى يُقال عرفاً أنَّها جزء من عين النجاسة، فهل لا بُدَّ من إزالتها أو تحصل الطهارة مع بقائها؟

لا ينبغي الاستشكال أنه لا بُدَّ من إزالتها، ولا يوجد في روايات الباب ما يقتضي عدمها؛ لأنّ بعضها مقيد بذهاب الأثر كصحيحة زرارة(2)، ويراد به بالقرينة السابقة المخلّفات، وهذه مخلّفات بلا إشكال فلا بُدَّ من مسحها.

ــــــــــ[291]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 458، 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 7.

(2) وسائل الشيعة 3: 458، 459، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وباقي الروايات لا يمكن التمسّك بإطلاقها:

أولاً: لارتكازية توقف المطهّرية على زوال العين وعدم تعقل العرف المطهّرية بدونه.

وثانياً: لو قطع النظر عن ذلك فهو مقيّد بصحيحة زرارة فتكون مقيّدة لروايات الباب لو كان فيها إطلاق.

ولكن ذهب السيد الماتن وغيره(1) إلى عدم لزوم زوال الأجزاء الصغيرة، لأنّ الغالب بقاؤها في المشي، فإذا بني على اشتراط زوالها لزم أن تكون المطهّرية نادرة الوجود، وإن شئتم قلتم: أنه حيث إنَّ الغالب هو ذلك، فلا بُدَّ من التنبيه عليه وحيث لم ينبه إذن فيراد به الفرد الغالب، وهذا يراد به كونه حاكماً على ذلك الارتكاز العرفي القاضي بتوقف المطهّرية على زوال العين.

ونفس هذه الغلبة تكون قرينةً على حمل الأثر في رواية زرارة على الأجزاء المعتد بها.

إلَّا أنّ هذا لا يتمّ؛ لأنّ الروايات التي تمّت اثنتان:

إحداهما: رواية الأحول: لا يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف، ثُمَّ يطأ بعده مكاناً نظيفاً(2)، لم يذكر فيه نوع النجاسة هل كان فيه عذرة كثيرة، أو متنجّساً خالياً من عين النجس، أو فيه عين النجس لكن من قبيل البول، 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

(1) أنظر مثلاً: مرتضى الحائري في شرح العروة الوثقى 2: 311.

(2) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فيصدق العنوان من دون استلزام ملازمة غالبية بين ذلك وبين بقاء أجزاء صغيرة، وعليه فإن لم نقل إنّ الارتكاز مقيّد لها فلا أقل من أنّ صحيحة زرارة مقيّدة لها ولا يلزم منه لغويتها، لأنّ مواردها كثيرة بعد التقييد.

والأخرى: وهي رواية زرارة(1) فالحال فيها أوضح، لأنه أمر فيها بالمسح، والمسح يستأصل الأجزاء الصغيرة، وليس هناك غلبة على أنّ المسح لا يستأصل الأجزاء الصغار، فالصحيح هو لزوم إزالة الأجزاء الصغار التي تعتبر مصداقاً للعنوان.

وقوله: ماء الاستنجاء. خطأ لفظي والمقصود به أحجار الاستنجاء.

وهذه المقايسة في غير محلها، لأننا لو قلنا في الأحجار بحصول الطهارة حتى مع الأجزاء الصغار لا نقول به هنا؛ لأنّ رواية الأحول(2) لم ترد في النجاسة التي لا تزول عادةً في المشي، بخلاف روايات الأحجار فإنها وردت في النجاسة التي لا تزول بثلاثة أحجار، فيُفهَم منها إمكان بقاء الأجزاء الصغيرة.

فالمسألتان ليستا من وارد واحد.

ــــــــــ[293]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 458، 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 7. 

(2) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



التفصيل الخامس عشر: طهارة الأجزاء الأرضية العالقة بالنعل أو القدم

قوله: كما أنّ الأحوط زوال الأجزاء الأرضية اللاصقة بالنعل والقدم وإن كان لا يبعد طهارتها أيضاً(1).

هذه الأجزاء الأرضية على قسمين، هناك أجزاء أرضية منجّسة ينقلها الإنسان بقدمه من الأرض المتنجسة إلى الأرض الطاهرة. وهناك أجزاء أرضية تلتصق بالنعل من الأرض الطاهرة حين التطهير.

القسم الأول: الأجزاء النجسة

أما القسم الأول وهو الأجزاء الترابية التي يأخذها الإنسان من الأرض النجسة إلى الطاهرة، فالحكم بطهارة هذه الأجزاء الترابية تارةً بلحاظ مجموع روايات الباب وأخرى بلحاظ ما صحّ منها.

فإن كان باللحاظ الأول بما فيه التعليل (إن الأرض تُطهِّر بعضها بعضاً)، فلا يبعد شمول التعليل لهذه الأجزاء الترابية سواء فسّرناه بأن الأرض تُطهِّر البعض الآخر حقيقةً أو فُسّرت ما يتنجّس بالبعض الآخر، أما على الأول فالاستدلال واضح، لأنّه فرد حقيقي للتعبير، وأما على التفسير الثاني فأيضاً كذلك إمّا باعتبار أنّ هذه الأجزاء الترابية يصدق عليها أنها متنجّسة بالبعض الآخر، أو باعتبار أنّ ما تنجس بالأرض إنما يطهر بالأرض باعتبار كونه أرضاً، 

ــــــــــ[294]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 127.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ولذا قلنا باختصاص الطهارة بما هو ملاصق للأرض عادةً، فشمول التعليل للفرد الحقيقي أولى من شموله للفرد العنائي، وهو القدم.

وأما إذا لاحظنا خصوص ما تمّ سنداً ودلالةً من روايات الباب كرواية الأحول. فقد يُقال بأن لسانها لا يفي بالحكم بمطهّرية الأرض لهذه الأجزاء الترابية لأنه ناظر إلى طهارة القدم أو النعل دون هذه الأجزاء الترابية، وإثبات كونه ناظراً إليها يتوقف على أحد بيانات:

البيان الأول: أنّ الغالب في الإنسان الذي يمشي على الأرض أنه يصحب معه شيئاً من التراب، إلّاَ إذا كان في بلاد صخرية ملساء، وليس هكذا في بلاد الإمام فإن بلاده ترابية، فعادةً لا بُدَّ أن يصحب شيئاً منها. 

وقد حكم في الجواب بأنه لا بأس وظاهره أنّ المشي على الأرض النظيفة يطهّر كلّ ما فرض تنجّسه مما هو معه، وهو النعل والقدم والتراب، أما النعل والقدم فبقرينة قوله: يطأ وأما التراب فباعتبار هذه الغلبة.

ويرجع هذا البيان إلى التمسك بالإطلاق اللفظي لقوله لا بأس بعد قرينيته على أنّ المنظور هو وجود التراب وهي الغلبة.

البيان الثاني: أن نمنع هذه الغلبة، ولكن ندّعي أنّ قوله: (لا بأس) ظاهر بالطهارة الفعلية، وأنه لا محذور مطلقاً، فإننا قد نحملها على الطهارة الخبثية بمعنى: ارتفعت النجاسة السابقة عن قدمك، وأما الابتلاء بشيء آخر فهو أمر خارج عن وظيفتي، وقد نحملها على معنى: أنّ حالك الآن حالك قبل أن تطأ الأرض المتنجّسة وهو معنى الطهارة الفعلية، وهذا لا يكون إلّاَ بالحكم بالطهارة للتراب.

ــــــــــ[295]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وفرقه عن السابق أنّ النظر إلى التراب كان داخلاً في كلام السائل في الأول، وهنا نستظهر شمول كلام الإمام له دون كلام السائل.

البيان الثالث: أنَّ هذه الأجزاء الترابية كثيراً ما تكون فاصلاً بين القدم وما بين الأرض الطاهرة، فهل يلتزم بأنّ الجزء الترابي يبقى على النجاسة والقدم تطهر؟ أو كِلاهما يبقى على النجاسة؟ فإن اختير الثاني فهو خلاف إطلاق (لا بأس) وإن كان ناظراً إلى خصوص القدم، وإن اختير الأول فهو خلاف الفهم العرفي، فإن العرف لا يتعقّل الطهارة إلّا بالمماسة بين المطهِّر والمطهَّر، وأما المطهّرية مع وجود الحائل فهو غير ممكن عرفاً، فنفس الدليل الدال على طهارة قدمه دال بالملازمة على طهارة الأجزاء، ولا يبعُد تمامية هذا البيان جميعاً.

القسم الثاني: الأجزاء الطاهرة

وأما القسم الثاني: وهو الأجزاء الترابية الطاهرة التي طهّرت القدم، فهي إن لاقت القدم بلا رطوبة فلا إشكال، وإن لاقته برطوبة فقد يُقال إنها تتنجس وإذا تنجست فلا موجب لمطهّريتها بعد ذلك إلّاَ أن يمشي مشياً آخر بحيث يكون من قبيل القسم الأول.

والحقيقة أنّ هذه المسألة تشبه مسألة الغسل بالماء القليل، فإنه قد يُقال إنّه يتنجس كما التزم به الفقهاء، وإنما يحكم بطهارة الماء المتخلف فقط حفظاً على طهارة المغسول، لأنّ الدليل يدلّ على ذلك المقدار لا أكثر.

وبيان ذلك: أنّ مقتضى القاعدة هو أنّ ماء الغُسالة ينجس كلّه، المتخلّف وغيره، ولكن نرفع اليد عن نجاسة المتخلّف، إذ لو كان نجساً لكان موجباً 

ــــــــــ[296]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

للَغوية طهارة الثوب المغسول، وبتعبير آخر: إنّ طهارته حيثية لا فعلية، والمستظهر هو الفعلية، بحيث يرجع حاله إلى ما قبل المتنجّس وهو لا يكون إلّا بطهارة المتخلّف.

ففي المقام هذه الأجزاء الترابية كذلك، يُقال: إنّ الدليل يدل على طهارتها إما للَغوية الطهارة بدونه أو لدلالته على الطهارة الفعلية وهو لا يكون إلّاَ بطهارة تلك الأجزاء، وهذا البيان صحيح خصوصاً لما أشرنا إليه من أنّ الأرض الترابية هي الغالبة في بلاد صدور هذه النصوص، وإن كنا لم نقبل هذا البيان في الماء لأننا لم نقبل تنجس الماء القليل بالتطهير.

مسألة (1): [سريان النجاسة إلى باطن النعل]

إذا سرت النجاسة إلى داخل النعل لا تطهر بالمشي بل في طهارة باطن جلدها إذا نفذت فيه إشكال، وإن قيل بطهارته بالتبع(1).

هنا فرعان: 

الفرع الأول: أنّ النجاسة إذا سرت إلى باطن النعل، فهل يطهر بالمشي أو لا؟ 

والفرع الثاني: أنّ النجاسة إذا نفذت إلى أعماق الجلد، فهل يطهر بالمشي أو لا؟ 

فأفتى في الأول بعدم المطهّرية، وفي الثاني استشكل في المطهّرية.

ــــــــــ[297]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 127، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الأرض.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ووجه أوضحيّة عدم المطهّرية في الأوّل منه؛ أنه في الثاني يتطرق احتمال غير موجود في الأول، وهو احتمال المطهّرية بالتبع، فإنّه تارةً يُحتمَل أن الأرض مطهرة للأمرين في عرض واحد للوجه الملتصق بالأرض وللشيء الآخر. وأخرى يُحتمَل أنّ الأرض مطهِّرة للملتصق به والآخر يطهر بالتبع.

أما الاحتمال الأول فهو ساقط في كِلا الفرعين على حدّ واحد على ما سيأتي. 

وأما الاحتمال الثاني فهو وإن كان ساقطاً أو مُستشكلٌ فيه، لكنّه لا يأتي في الفرع الأول أساساً إذ لا معنى لأن يُقال إنّ هذا الوجه من النعل تابع للوجه الآخر، بخلاف باطن النعل فإن احتمال التبعية فيه موجود.

والصحيح هو عدم المطهّرية في كِلا الفرعين؛ لأنّ مَدرَك الحكم بالمطهّرية إن كان هو صحيحة الأحول التي تقول: (في الرجل الذي يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف….)(1)، فمن الواضح أنّ أمثال هذه الرواية موردها نجاسة الوجه الخلفي من النعل، ولم يفرض فيها سراية النجاسة إلى وجه النعل أو عمقه، وعادةً لا يحصل ذلك.

وإن كان المَدرَك من قبيل عموم التعليل، (إن الأرض يطهِّر بعضها بعضاً)(2)، فأيضاً لا يمكن الالتزام بالمطهّرية، لأنّ دليل المطهّرية يدل على المطهّرية مع الاحتكاك، فلا بُدَّ من ذلك، ومن الواضح أنّ الوجه الآخر للنعل 

ــــــــــ[298]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1. 

(2) وسائل الشيعة 3: 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أو باطن النعل لا يحتك بالمشي بوجه من الوجوه.

 ولا يمكن أن يقاس عمق النعل بعمق الصابون، حيث التزمنا هناك بالمطهّرية، فإننا لم نلتزم في عمق الصابون بالمطهّرية بالتَبع بل بالاستقلال باعتبار دخول رطوبات مائية إليه، وأما في المقام فالمشي لا يوجب نفوذ أجزاء أرضية إلى عمق النعل.

مسألة (2): [طهارة ما بين أصابع الرجل]

في طهارة ما بين أصابع الرجل إشكال، وأما أخمص القدم فإن وصل إلى الأرض يطهر وإلّا فلا، فاللازم وصول تمام الأجزاء النجسة إلى الأرض، فلو كان تمام باطن القدم نجساً ومشى على بعضه لا يطهر الجميع بل خصوص ما وصل إلى الأرض(1).

يوجد أمران في هذه المسألة:

الأمر الأول: أنّ الإنسان إذا كان حافياً وتنجست قدمه ثمّ مشى على الأرض الطاهرة فالمقدار الذي يحكم بالمطهّرية فيه هو ما احتك بالأرض دون غيره، وهذه الكبرى واضحة لأنّ الأدلة بعد تنزيلها على الارتكاز القاضي بأنّ مطهّرية شيء لشيء باعتبار التأثير والتأثّر بينهما، لا بمجرد الدعاء مثلاً. فإذا لم تحتك الأرض إلّاَ ببعض القدم لم يطهر إلَّا ذلك.

الأمر الثاني: وأحد مصاديق هذه الكبرى هو ما بين أصابع الرجل، 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

() العروة الوثقى 1: 127، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الارض. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأحدها أخمص القدم، فإنه قد يحتك وقد لا يحتك، وإنما عبّر بالإشكال باعتبار حصول الاحتكاك كالحواشي بالمقدار المتعارف، وعلى أي حال فالمهم هو الكبرى. والصغرى ليست من شأن الفقيه.

نعم، هنا كلام آخر، وهو أنَّه يوجد بديل للمشي وهو المسح، وقد ورد في صحيحة زرارة(1): فساخت رجله فيها… الحديث، أي في العذرة، والعادة قاضية بأن بين أصابعه نجاسة وحكم بالطهارة على تقدير ذهاب الأثر، ولا بأس بذلك، فإن المسح أمر عنائي يمكن إيصاله إلى أي مكان أراد الماسح، بخلاف المشي فإنّه أمر طبعي.

مسألة (3): [كفاية المسح على الحائط]

الظاهر كفاية المسح على الحائط وإن كان لا يخلو عن إشكال.

إن كان المَدرَك في دليل مطهّرية الأرض أُخذَ فيه عنوان الأرض فقد يُقال: إنه لا يصدق ذلك على الحائط لأنها أخذ في الأرض أن تكون مدحوّةً يمشي عليها الإنسان وينام، وإن ألغينا خصوصية المشي وقلنا إنه مسح فأيضاً قد يُستشكَل لعدم إمكان المشي على الحائط عادةً.

لكن إذا كان المدرك هو رواية زرارة(2): (يمسحها حتى يذهب أثرها)، خرج منه مثل المسح بالمنديل، وأما مثل الحائط فيبقى تحت إطلاق الرواية.

ــــــــــ[300]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 3: 458، 459، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 7.

(2) تقدمت قريباً. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة (4): [الشك في طهارة الأرض]

إذا شك في طهارة الأرض يبني على طهارتها فتكون مطهرة، إلّاَ إذا كانت الحالة السابقة نجاستها[1]. وإذا شكّ في جفافها لا تكون مطهِّرة إلّا مع سبق الجفاف فيستصحب[2](1).

[1] إذا شك في طهارة الأرض يبني على طهارتها للاستصحاب أو لأصالة الطهارة في توارد الحالتين، فتكون مطهِّرة، لأنّ الأصل ينقح موضوع المطهّرية، إلّا إذا كانت الحالة السابقة هي النجاسة.

[2] إذا قلنا إنَّ الجفاف ليس بشرط فلا مجال لهذا الفرض. 

وإن قلنا إنه معتبر، فتارةً يفرض أنه معتبر على وجه الموضوعية، وأخرى يفرض أنه معتبر بما أنه طريق لإزالة الرطوبة، فالأول أمر وجودي، والآخر عدمي.

أما على الأول: فلا بُدَّ من إحراز الأمر الوجودي فإن كانت له حالة سابقة يستصحب وإلّا فلا مجال للحكم بالمطهّرية.

وأما على الثاني: فإن كانت رطوبة فيما سبق فتستصحب ويحكم بعدم المطهّرية، وإن لم تكن رطوبة فيما سبق يجري استصحاب عدم الرطوبة لإثبات الحكم بالمطهّرية.

والفرق بين الأمرين يظهر بإمكان جريان استصحاب العدم الأزلي، فيما 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 128، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الارض.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إذا شك في رطوبتها من حين صدق عنوان الأرض عليها، فإنه على الأول لا يمكن جريانه بخلاف الثاني فإنه يجري.

مسألة (5): [العلم والشكّ بزوال عين النجس أو المتنجس]

إذا علم وجود عين النجاسة أو المتنجس لا بُدَّ من العلم بزوالها، وأما إذا شك في وجودها فالظاهر كفاية المشي وإن لم يعلم بزوالها على فرض الوجود(1).

يتعرّض في هذه المسألة لفرعين:

الفرع الأول: العلم بالنجاسة

لو علم بأنّ النجاسة موجودة على القدم أو النعل، فلا يكفي في مقام التطهير احتمال زوالها بل لا بُدَّ من الجزم بزوالها، وهذا مما لا ينبغي الإشكال فيه، فإنه سبق أن عرفنا اشتراط زوال العين، فيجري في المقام استصحاب النجاسة أو استصحاب بقاء عين النجاسة، وأي منهما يكفي للحكم بنجاسة القدم.

الفرع الثاني: الشكّ بوجود النجاسة

إنّ هذا الإنسان يشك في وجود عين النجاسة أو في وجود المتنجّس.

وهذا المطلب قد صور في كلام السيد الأستاذ(2) وغيره(3)بأنه يلاقي قدمه 

ــــــــــ[302]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 128، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الارض. 

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 121، 122، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الارض. 

(3) أنظر مثلاً: مصباح الهدى 2: 283، ومهذب الأحكام 2: 68.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مع العين، ولكن يُحتمَل أنه لم يلتصق بقدمه شيء منها، فلا يكون له علم بثبوتها على قدمه.

إشكال في تصوير المسألة

إلّاَ أنّ هذا لا يخلو من إشكال، فإنّه إذا حصلت المماسة بينه وبين العذرة، فقد يجري استصحاب بقاء المماسة بين العذرة والقدم، فيدخل في الفرع الأول.

وبتعبير آخر: إنّه ليس المقصود من الفرع الأول العلم بالتصاق النجاسة بالقدم ليقال إنّ العلم غير موجود هنا، بل المراد به العلم بالمماسة، وهو موجود هنا، وما دامت المماسة موجودة لا يحصل التطهير بالأرض.

وإنما يتصور فرع ثان في مقابل الفرع الأول، كما لو وطأ على رطوبات متنجّسة بالعذرة، وهذه الرطوبات تزول بالمشي يقيناً، ولكنه لا يدري أنه هل علقت عين النجاسة بقدمه أو لا، فنفرض شيئين أحدهما زال يقيناً والآخر مشكوك من الأول وهو عين النجاسة.

وقد حكم(1) فيه أنه يكفي المشي بمقدار يحرز به ارتفاع الرطوبة المتيقنة، وتقريب ذلك بأحد بيانين:

البيان الأول: الاستصحاب

التمسُّك بالاستصحاب، استصحاب عدم التصاق شيء من العذرة بالقدم، والمعتبر في التطهير أمران: المشي، وأن لا يوجد النجس على القدم. 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

(1) أي الماتن.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والمشي محرز وجداناً، وعدم وجود النجس بعض أفراده محرز عدمه وجداناً وهو الرطوبة وبعضه محرز عدمه بالاستصحاب وهو العين. وبهذا يتم موضوع الحكم بالمطهّرية.

وتحقيق هذا الاستصحاب مربوط بكيفية الاستفادة من دليل مطهّرية الأرض، فإنّ هذا الدليل لم يؤخذ فيه صريحاً قيد ذهاب عين النجاسة، وإنما استظهرناه بالارتكازات العرفية.

فتارةً يكون ملاك الاستظهار هو الارتكاز القاضي أن ما أوجب النجاسة حدوثاً يوجبها بقاءً، ولا يتصور المطهّرية مع بقاء علة الحدوث. فيرجع أخذ عدم وجود النجس قيداً في موضوع المطهّرية فيتم الاستصحاب.

وأخرى يفرض أننا نستفيد ذلك أيضاً بين الأرض وبين القدم، بحيث لا تحصل المماسة مع وجود نجس عيني كالعذرة، فلا تحصل المطهّرية. فهذا الاستصحاب يجب أن يُفصّل فيه بين أن تكون العين سنخ عين لها كثافة على القدم، وبين أن لا تكون لها كثافة كالدم، ولا تحجب القدم عن الأرض، فعلى الثاني لا بأس بجريان الاستصحاب لأنه به يحرز موضوع الحكم بالمطهّرية.

وأما إذا كان عين النجس على فرض وجوده حاجباً فلا يجري الاستصحاب، لأنه لا يثبت المماسة إلّاَ بالملازمة العقلية.

البيان الثاني: الأصل العقلائي

إجراء أصالة عدم الحاجب لا بمعنى الاستصحاب بل بمعنى الأصل العقلائي.

ــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ويراد به تكميل ما عجز عنه الاستصحاب في البيان الأول وهو ما إذا كانت النجاسة على تقدير وجودها حاجباً، فنتمسّك بأصالة عدم الحاجب، وهو أصل يثبت بسيرة المتشرعة وارتكازاتهم.

وقد ادعى جملة من الفقهاء(1) هذا الأصل في الطهارات الثلاث، وقالوا لا يجب إحراز عدم الحاجب بل يكفي الشك في وجوده، مع أنّ الاستصحاب هناك أيضاً ثبت. إلّاَ أنّ سيرة المتشرعة قائمة على عدم الاعتناء بذلك.

وهذا الكلام فيه إشكالان:

الاشكال الأول: في الإشكال في إثبات هذا الأصل وقيام سيرة المتشرعة عليه ولعل السيرة كانت ناشئةً إما من الغفلة أو التسامح العرفي، أو الاطمئنان بعدمه.

الإشكال الثاني: أنه لو سلّمت هذه السيرة، فهي تسلّم في غير هذا الكلام، لأنّ موردها هو الطهارات الحدثيّة لا الخبثيّة، فإن النجاسات الخبثيّة هي التي يكون التطهير فيها تطهيراً من هذا الحاجب لاحتمال الفرق، فلا يمكن التعدّي، ولو سلّم التعدّي فالمتيقن منه مطهّرية الماء لا مطهّرية الأرض.

وبه يتضح أنّ ما أفاده الماتن صحيح على تفصيل.

ــــــــــ[305]ــــــــــ

(1) كشف الغطاء: 35، البحث الخامس والثلاثون في أصالة البراءة، الموسوعة الفقهية الميسرة 3: 487، عناوين الاصول العامة، 29: أصالة العدم. واستشكل على أصالة عدم الحاجب الشيخ الحلي في دليل العروة الوثقى 2: 422.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة (6): [إذا لم يعلم أنّ ما تحت قدمه أرض أو غيرها]

إذا كان في الظلمة ولا يدري أنّ ما تحت قدمه أرض أو شيء آخر من فرش ونحوه لا يكفي المشي عليه، فلا بُدَّ من العلم بكونه أرضاً، بل إذا شك في حدوث فرش أو نحوه بعد العلم بعدمه يشكل الحكم بمطهّريته أيضاً(1).

فيها فرعان: 

الفرع الأول: أنه وجد في مكان لا يعلم أنه أرض أو لا، فهل يكفي المشي فيه أو لا؟

فهنا تارة يكون مدرك المطهّرية هو الروايات المأخوذ فيها عنوان الأرض، فلا إشكال في أنه مع الشك في كونه أرضاً أو لا، لا يحكم بالمطهّرية لعدم إحراز المطهر، فيجري استصحاب بقاء النجاسة، بل عدم كون المكان أرضاً ولو بنحو العدم الأزلي.

وأخرى يكون مَدرَك المطهّرية هو مثل رواية الأحول(2) التي أخذ فيها عنوان الموضع، فإن عملنا بروايات الأرض وقيّدنا بها رواية الأحول فالنتيجة نفسها.

وأما إذا بنينا -كما هو الصحيح- أنّ التام هو رواية زرارة ورواية الأحول وكلاهما لم يؤخَذ فيها عنوان الأرض أصلاً. ومقتضى إطلاقها أن المشي على الفرش مطهّر، غاية الأمر أنه قام الإجماع على أنه غير مطهّر، فالإجماع يخرج 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 128، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الأرض. 

(2) وسائل الشيعة 3: 457، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

عنواناً وجودياً من العامّ وهو المكان المتحرّك، فيصبح الموضوع مركّباً من موضع نظيف وغير متحرّك، وهذا موضع نظيف بالوجدان وغير متحرّك باستصحاب العدم الأزلي، فيثبت الحكم بمطهّريته.

الفرع الثاني: أنَّه كان هنا أرض وتراب لكن يحتمل الإنسان أنه فرش بحصير ووجد حاجباً عن الأرض. 

فهنا إن بُنيَ في الفرع السابق على جريان استصحاب عدم كونه موضعاً منقولاً، وبني على المطهّرية، فهنا يُقال أيضاً ذلك، فإنه مكان بالوجدان، وغير منقول بالاستصحاب.

وأمّا إذا بني في الفرع الأول على عدم المطهّرية، فقد يُتخيَّل وجود ميزة في الفرع الثاني تقتضي المطهّرية. وهو استصحاب عدم وضع الحصير، إلّاَ أنّه لا يجري لأنه مُثبِت؛ لأنّ عدم وضع الحصير يلزم منه عقلاً أنّ موطأ القدم هو نفس التراب.

إذن، يحكم بعدم المطهّرية. إذن، فحكم الفرع الثاني حكم الأول، إن حكم فيه بالمطهّرية فيُحكَم هنا وكذلك لو حكم بعدمها.

مسألة (7): [رقع النعل بوصلة طاهرة]

إذا رقع نعله بوصلة طاهرة فتنجست تطهر بالمشي، وأما إذا رقعها بوصلة متنجّسة ففي طهارتها إشكال، لما مرّ من الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض المتنجّسة (1).

ــــــــــ[307]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 128- 129، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثاني: الارض.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أيضاً فيها فرعان: 

الفرع الأول: أنّ النعل رُقعَت بقطعة طاهرة في نفسها، وقد تنجّست من خلال المشي، فهل تطهر أو لا تطهر؟ باعتبار أنها ليست جزءاً أصلياً من النعل بل عرضياً.

الصحيح أنها تطهر تمسّكاً بإطلاق رواية الأحول(1) فإن إطلاق نفي البأس يشملها.

الفرع الثاني: أنّ هذه القطعة كانت نجسةً من أول الأمر، هل تطهر أو لا؟ هذا مبني على ما تقدّم وقد اشترط في الحكم بمطهّرية الأرض أن تكون نجسةً من الأرض فلا تطهر هذه القطعة.

ــــــــــ[308]ــــــــــ

(1) تقدمت قريباً.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  




الفصل الثالث

(المطهر الثالث الشمس)

 

  • أدلة مطهّرية الشمس
  • فروع في مطهّرية الشمس
  • حكم السفينة والطراد ونحوهما
  • شروط مطهّرية الشمس
  • مسألة 1: [عموم مطهّرية الشمس للظاهر والباطن]
  • مسألة 2: [كيفية تطهير الأرض الجافة بالشمس]
  • مسألة 3: [إلحاق البيدر الكبير بغير المنقولات]
  • مسألة 4: [حكم الحصى والتراب والطين ونحوها]
  • مسألة5: [الشرط الرابع: زوال عين النجاسة]
  • مسألة 6: [حكم الشك في شروط مطهّرية الشمس]
  • مسألة 7: [في طهارة الطرف الآخر من الحصير والحائط]

 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



الفصل الثالث: (المطهر الثالث الشمس)(1)

 

المشهور المعروف(2) كونها مطهّراً، بل ادعي عليها الإجماع(3)

إلَّا أنّ الظاهر أنّ مَعقِد الإجماع ليس هو المطهّرية بالمعنى المقابل للنجاسة، بل بالمعنى الجامع بين زوال النجاسة وزوال بعض آثارها كجواز السجود عليها بعد جفافه، ولذا عبّر عنها النراقي(4) فقال: “أصحابنا اتفقوا على 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

() عنوان الفصل الجديد، العروة الوثقى 1: 129.

(2) انظر: المبسوط 1: 16، 17، فصل في ذكر مقدمات الوضوء، شرائع الاسلام 1: 47، القول في أحكام النجاسات، الخلاف 1: 218، مسألة 186، في كيفية تطهير الأرض. ونقل الشهرة في مطهّرية الشمس البهائي في مشرق الشمسين 456، والحدائق الناضرة 5: 436، والبهبهاني في حاشية الوافي 221. وحاشيته على مدارك الأحكام 2: 269.

(3) ادعى الإجماع على مطهّرية الشمس هو الشيخ في الخلاف 1: 185، ثم ابن إدريس في السرائر فانظر: موسوعة ابن إدريس (ط دليل ما) 8: 282. ونقل الشهرة والإجماع والأقوال في جواهر الكلام (قديمة) 6: 253.

(4) مستند الشيعة 1: 311، كتاب الطهارة، الباب الثالث في أقسام المطهرات، الفصل الثاني في الشمس، المسألة الأولى. ونقل المصنف لعبارة النراقي بالمعنى، ونص عبارته: “وهي وإن كانت من المطهّرات عند جمهور أصحابنا، إلاّ أنّهم اختلفوا فيها في ثلاثة مواضع: الأول: في الطهارة الحاصلة منها، هل هي حقيقية أو حكمية؟ الثاني: فيما يطهر منها. الثالث: فيما تطهّره”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

المطهّرية، ولكن اختلفوا أنها طهارة حقيقية أو حكمية”. 

وإلّا فالطهارة خالف فيها ابن الجنيد(1) وابن حمزة(2) ونقل الخلاف في المفيد(3) والمحقق(4) استجود القول بعدم المطهّرية، وتردد فيها جملة من الفقهاء المتأخرين كصاحب المدارك(5) وغيره(6)

ــــــــــ[312]ــــــــــ

(1) نقل الخلاف عنه وعن الراوندي: مفتاح الكرامة 2: 198، كتاب الطهارة، التطهير بالشمس، وكذا نقل عنه المدارك 2: 363، مع تردد في النسبة إليه. 

(2) قال في الوسيلة: “وان كانت النجاسة يابسةً وجففتها الشمس جاز الوقوف عليه والسجود إذا كانت الجبهة يابسةً…” الوسيلة: 79، كتاب العبادات، فصل في بيان حكم التطهير. 

(3) قال بالمطهرية في المقنعة: 71، كتاب الطهارة، الباب 12، تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، والآملي ينقل قول الشيخ المفيد واختلاف رأيه بتفصيل في مصباح الهدى 2: 284.

(4) المعتبر في شرح المختصر 1: 446، كتاب الطهارة، وعبارة استجواده كما يلي: “وقيل لا يطهر ويجوز الصلاة عليها، وبه قال الراوندي منا، وصاحب الوسيلة، وهو جيد”. 

(5) مدارك الاحكام 2: 364، كتاب الطهارة، القول في احكام النجاسات، قال: “وفي كل من هذه الادلة نظر”. 

(6) الحدائق الناظرة 5: 437، كتاب الطهارة، المقصد الثاني، المطلب الثاني باقي المطهرات، المسالة الاولى الشمس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

والذي يظهر من كلماتهم أنّ الحكم بالمطهّرية الحقيقية مربوط بالملازمة بين جواز السجود عليه وطهارته، إذن فالمسألة اجتهادية وليس الإجماع تعبُّدياً.

ولو كان الإجماع موجوداً، فلا يعلم أنّ مستنده شيء سوى هذه الروايات التي بأيدينا.

ــــــــــ[313]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  






أدلة مطهّرية الشمس

 

وما يمكن أن يستدل به على مطهّرية الشمس عدة روايات:

الرواية الأولى: رواية علي بن جعفر

بإسناده عن أحمد بن محمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفّت من غير أن تغسل، قال: نعم، لا بأس”(1).

لا إشكال في أنّ المركوز هو أنّه يوجد محذور في السجود على النجس إجمالاً، لكن يحتمل ارتفاع المحذور عند الجفاف.

لكن هل احتماله تخصيصيٌ أو تخصّصيٌّ بمعنى أنّه يحتمل أن يكون طاهراً بالجفاف، أو أنّه يجوز الصلاة على مثل هذا النجس تخصيصاً، فيقول الإمام لا بأس بالصلاة على البارية.

وتقريب الاستدلال بها على المطهرية، أنّ قول السائل: (هل تصلح الصلاة 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

(1) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 227، مكان المصلي، تهذيب الاحكام 1: 273، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 90، الاستبصار 1: 193، كتاب الطهارة، الباب 114، الحديث: 2، وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

عليها إذا جفت من غير أن تغسل) تارةً يستفاد منه بقاء الجفاف إلى حين الصلاة، وأُخرى يستفاد منه أنَّه إذا حدث الجفاف فيه من ناحية البول سواء بقي الجفاف أو لم يبقَ، بأن وقع على البارية ماء، فأصبحت مرطوبةً.

فإن فرض الجفاف مستمراً إلى حين الصلاة فاستفادة المطهّرية من الرواية يصطدم بإشكالات:

الإشكال الاول: احتمالية جواز الصلاة لعدم سراية النجاسة

أنّه من قال إن جواز الصلاة على هذا الجفاف بلحاظ أنه طهر بالتجفيف؟ بل لعله باعتبار أنه ليس فيه نجاسة مُسرِية، فيجوز أن يكون مكاناً للمصلي.

وهذا الإشكال لا بُدَّ من التغلّب عليه بأحد بيانين: 

البيان الأول: أن يُقال: إنّ هذه الرواية تقتضي جواز الصلاة على هذه البارية، وهو بإطلاقه يشمل السجود على البارية، أو باعتبار الغالبية قبل استحداث الترب عند الشيعة، فإنهم كانوا يسجدون على ما يقفون عليه.

ومن الواضح أنّ مسجد الجبهة يشترط فيه الطهارة فيستكشف من الجواز أن الحصير قد طهر.

وهذا البيان لا يكفي، لأنّه صحيح أنّ الدليل قد دلّ على اشتراط الطهارة في مسجد الجبهة لكن يمكن أن يُقال: إنه في خصوص المقام على جواز السجود على هذه البارية الجافّة، والأمر يدور بين التخصيص والتخصّص لدليل اشتراط طهارة مسجد الجبهة.

فلا بُدَّ للتغلّب على هذه المشكلة، من أن نضم دعوى أخرى لو كنا نملك 

ــــــــــ[315]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الدليل عليها، وهي أنّ اشتراط طهارة مسجد الجبهة أمر ارتكازي في ذهن المتشرعة، فهذا الارتكاز يوجد ملازمةً متشرعية بين جواز السجود والطهارة، والدال على أحد المتلازمين دال على الآخر. فيحصل للكلام ظهور في الطهارة ولا يدخل هذا في أصالة عدم التخصيص عند دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص.

ولكن هذا إنما يتم إذا كان لدينا دليل على ارتكازية طهارة مسجد الجبهة في أذهان المتشرعة بوضوح إلّاَ أنّ هذا لا دليل عليه، والذي يظهر أنّ هذا كان مورد السؤال من الأئمة ولو بعنوان يُصلّى عليه.

ومعه فغاية ما يستفاد هو جواز السجود على البارية الجافة، ولا يدل على كونها طاهرةً، فالبيان الأول غير تام.

البيان الثاني: أن نستفيد الحكم بالمطهّرية من إطلاق جواز الصلاة على البارية لما إذا كان الإنسان رطباً حال الصلاة، فنفي البأس في فرض الرطوبة يتعيّن أن يكون ملاكه هو مطهّرية التجفيف، وإلّا فإنّ النجاسة تسري بالرطوبة، وأما احتمال أن تكون البارية نجسةً غير منجِّسة، فهذا الاحتمال غير موجود فقهياً.

هذا إذا استظهرنا الجفاف الفعلي حال الصلاة، وأما إذا استظهرنا الجفاف من البول وإن ترطّبت بعد ذلك، فالاستدلال بها أوضح، لأنّ كل المحاولات السابقة تأتي مع نكتة جديدة، وهو ما إذا جفّ ووقع عليه ماء، فجواز الصلاة عليه يتعيّن معه القول بالمطهّرية.

ــــــــــ[316]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وهذه الرواية مقتضى إطلاقها أنها تطهر ولو بغير الشمس، ولكن حيث إنّ غيرها غير مجفف بالإجماع فنقيّدها بها حين يكون إطلاقها يقتضي الطهارة بغير الشمس.

الاشكال الثاني: مطهرية الشمس غير مذكورة في الرواية

فقد يستشكل في دلالة الرواية -حتى على تقدير تماميّة التقريبات السابقة-، بإنّ مطهّرية الجفاف غير محتملة، ومطهّرية الشمس غير مذكورة فيها.

وقد يدفع هذا الإشكال بأنّ هذا الإطلاق يمكن تقييده ولو بضمّ الإجماع والارتكاز الخارجي على أنّ غير الشمس لا يكون مطهِّراً وبتعبير آخر: إنّ المحذور في إطلاق الرواية لا في أصلها، فيرفع اليد عن إطلاقها.

نعم، لو استفدنا منها أنّ الطهارة تبع لزوال العين، فمتى زالت النجاسة العينية زالت النجاسة الحكمية، وهو مطلب باطل إلّاَ أنّ هذا غير مستفاد منها، بل يستفاد منها الإطلاق القابل للتقييد.

وهناك نكتة أخرى حاصلها: أنّ أكثر التقريبات السابقة كانت مبنيةً على التمسّك بالإطلاق من الرواية، وبه ننفي العفوية ونُثبت المطهّرية كالإطلاق لما إذا كانت البارية مرطوبةً، أو الإطلاق لما إذا كان بدن المصلي مرطوباً، أو لوضع جبهته عليه أيضاً.

وحينئذٍ فقد يُقال: إنّ هذه الرواية لا بُدَّ من تقييدها، ولا يمكن العمل بإطلاقها الواسع الذي يقتضي أنّ كل تجفيف يكون مطهِّراً، فلا بُدَّ من رفع اليد عن إطلاق هذه الرواية.

ــــــــــ[317]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فإمّا أن نرفع اليد عنه بالشكل الذي يناسب الاستدلال، بأن نخرج الجفاف من غير الشمس، ونبقي إطلاقها لصورة رطوبة المصلي أو السجود عليها.

وإمّا أن نبقي إطلاق التجفيف على حاله، ولكن نرفع اليد عن إطلاقه لفرض رطوبة بدن المصلي أو السجود عليه، وحينئذٍ لا يبقى محذور لإطلاقه للريح أيضاً، لأنّ غايته عدم السراية حال الجفاف.

فالأمر يدور بين تقييد وتقييد، والأول هو الذي ينفع الاستدلال دون الثاني، ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.

هذا الإشكال يمكن الذبّ عنه أيضاً، بأن نقول: إنّ مقتضى هذه العبارة في نفسها -بغضّ النظر عن الإجماع المنفصل بعدم مطهّرية الريح مثلاً- وجود إطلاقين:

أحدهما: جفافه بالشمس أو بالريح.

ثانيهما: سواء كان بدن المصلّي مرطوباً أو لا، فتكون الصور أربعاً، بضرب الإثنين بالإثنين.

ومقتضى الإطلاق شمولها للصور الأربع وينتج الحكم بأنّ التجفيف مطهِّر على الإطلاق.

ونحن من الخارج يجب أن نرفع اليد بمقدار الضرورة، وهو ليس إلّا صورةً واحدةً من الأربع، وهو ما إذا كان التجفيف بالهواء، وكان بدن المصلي مرطوباً، لأنه يلزم منها كون الريح مطهِّرةً. وأما الصور الأُخر فلا موجب لرفع 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

اليد عنها، فتبقى صورة تحت الإطلاق -التي هي مَدرَك المطهّرية- وهي التجفيف بالشمس مع رطوبة بدن المصلّي.

فالأمر يدور بين الأقل والأكثر في التقييد، لا بين تقييدَين.

الإشكال الثالث: معارضتها لأدلة حصر المطهّرية بالماء

وهو أنّ تقريب الاستدلال بالرواية على الحكم بالمطهّرية إن كان مَدرَكه هو الإطلاق لصورة رطوبة بدن المصلّي، فهذه الرواية تعارض بنحو العموم من وجه الأدلة الدالة على حصر المطهّرية بالماء، ولا تكون هذه الرواية حاكمةً على تلك العمومات.

توضيحه: إنّ مقتضى الأدلة الأولية “اغسل كلما أصابه ذلك بالماء” أنّ المطهِّر هو الغسل بالماء فقط، وكلّ شيء آخر ليس مطهراً إلّا بدليل خاص.

فإن فرض أنه جاءت رواية تدل على مطهّرية الشمس بالظهور العرفي لا بالإطلاق، فتكون مقيِّدةً لإطلاق الحصر في تلك الأدلة.

وأما إذا كانت مطهّرية الشمس بالإطلاق، فإنه يتعارض الإطلاقان، فإنّ هذه تدل على أن الشمس تطهر، وتلك الرواية تدل على أنها لا تطهِّر، يجتمعان في صورة رطوبة بدن المصلي ويكون التنجُّس حاكماً.

ولا موجب لتقديم هذا الدليل على الآخر، لا بالتقييد ولا بالحاكمية إذ لا نظر فيها، وهو يرجع بعدها إلى استصحاب عدم الطهارة مثلاً. 

وهذا الإطلاق لا يمكن الذبّ عنه إلّاَ أن نركّز في تقريب الاستدلال بالرواية على المطهّرية بالظهور العرفي لا بالإطلاق، كما أشرنا بأنّ الملازمة 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الغالبية مفادها أنّ المكان الذي يُصلّى عليه أو يُسجد عليه يكون طاهراً لا بالإطلاق بل بالظهور. ويندفع هذا الإشكال الأخير.

الرواية الثانية: رواية زرارة وحكيم بن حديد

الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن حماد عن حريز عن زرارة عن حكيم بن حديد الأزدي جميعاً قالا قلنا لأبي عبد الله السطح يصيبه البول أو يُبال عليه يُصلّى في ذلك المكان؟ فقال: “إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافاً، فلا بأس به إلّا أن يتّخذ مبالاً”(1).

وتقريب الاستدلال بهذه الرواية على الحكم بالمطهّرية، يصطدم بنفس المشكلة السابقة، وهي أنّ الرواية -سؤالاً وجواباً- ناظرة إلى الصلاة في ذلك المكان لا إلى المطهّرية ابتداءً، فغايته أنّه لا محذور في الصلاة في ذلك المكان، وهو أعمّ من المطهّرية، لاحتمال كونه من باب العفو، بل هي أخفى من السابقة، لأنه عبّر فيها بالصلاة في المكان لا بالصلاة على المكان، فإن التعدّي بـ(في) بجعل المكان ظرفاً للصلاة، ولا يشمل السجود.

والتغلّب على هذه المشكلة يتوقّف على استظهار أمرين من الرواية.

الأمر الأول: أن يكون اشتراط الجفاف بلحاظ زمان إصابة الشمس والريح، لا بلحاظ زمان الصلاة، فإنّه إن كان المراد الجفاف حين الصلاة، 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 92، كتاب الطهارة، باب الصلاة في الكعبة وفوقها..، الحديث: 23، وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فالرواية أدلّ على عدم المطهّرية، لأنّ معناه بمفهومه أنه لو جف قبل الصلاة بالشمس والريح وتجددت فيه الرطوبة بعد ذلك، فإنّ الصلاة غير جائزة، مع أنّه لو كانت الشمس مطهِّرةً فأيّ فرق بين أن يكون المكان جافاً أو غير جاف.

ويكون الفرق بين هذه الرواية وسابقتها، أنّ الجفاف فرض في كلام السائل فلا يكون دالاً في المفهوم على عدم المطهّرية، وإن كان قيداً لزمان الصلاة، لكنه أُخذ قيداً هنا في كلام الإمام فيكون نفياً للمطهّرية.

وأما إذا استظهرنا رجوع قيد الجفاف إلى زمان الإصابة، فقد تمّ الأمر الأول.

ولو فرض إجمال العبارة، فالإجمال يكفي لإسقاط الاستدلال بالرواية، واستظهار أن يكون الملحوظ هو زمان الإصابة في غاية الصعوبة والبُعد، بل لا يبعد أن يكون الظاهر هو ملاحظة زمان الصلاة، لأنّ كل قضية شرطية ذات شروط متعددة، ظاهرها انحفاظ الشروط في زمان فعلية الجزاء، فمقتضى ظاهر قوله: (إذا كان زيد عالماً فأكرمه)، اشتراط كونه عالماً حال الإكرام، فإن لم نستظهر ذلك فلا أقل من الإجمال من هذه الناحية.

الأمر الثاني: أننا لو فرضنا أن قوله: (إن كان جافاً) يرجع إلى زمان الإصابة لا إلى زمان الصلاة، يبقى حينئذٍ الأمر الثاني وهو: أنّ مقتضى تركيب اللفظ لم يفرض أنّ الثاني (أي الجفاف) مسبَّب عن الأول (أي الإصابة بالشمس والريح).

فهنا يحتاج المستدل إلى أن يكون الثاني مستنداً إلى الأول، وأما لو استظهرنا 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أن الأول لوحظ طريقاً صرفاً إلى الثاني إذا فرض ركنية كِلا الأمرين من دون أن يفرض نشوء أحدهما من الآخر.

وإثبات الصورة النافعة للمستدل -وهي ركنية كِلا الأمرين مع نشوء الثاني من الأول- في غاية الإشكال والبُعد أيضاً، بل لا يبعد أن نستظهر أولاً
-بقرينة ورودهما بترتيب عرضي، والعدول عن ملاحظة النشوء بقاءً ونحوه- أنّ الملحوظ هو الركن الثاني، وإن تمام المناط هو الجفاف، وأنّ الشمس والريح ذُكِرَت بوصفها مجرّد ممهّد لما هو الركن الركين ثانياً، لو تنزّلنا عن ذلك فنستظهر أنَّهما ركنان عرضيّان.

إذن فالاستدلال بالرواية يتوقّف على أمرين، كِلاهما غير تام.

ولو تم كِلا الأمرين فسيواجه المستدل مشكلةً جديدةً وهي أنّه قد صرّح بالشرط الأول بالشمس والريح معاً.

فلو فرض أنّ المكان جفّ مستنداً إليهما معاً، فتارةً يفرض أنّ الاستناد إلى الريح كان استناداً ضمنياً مندكّاً، كما هو الغالب في موارد تسلّط الشمس على الأرض وخاصّةً في الصيف، ومثل هذا التأثير لا يراه المشهور المستدل مانعاً عن المطهّرية.

وأما إذا كان للريح تأثير ملحوظ في إيجاد الجفاف، فالمشهور لا يقولون بالمطهّرية، مع أنّ مقتضى إطلاق الرواية هو المطهّرية، إلّا أنّ هذا لا يبطل الاستدلال بالرواية، لأنّ حاصل هذه المشكلة أنّ إطلاق الرواية أوسع من الفتوى المشهورة.

ــــــــــ[322]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فإن فرض وجود إجماع كان حجةً، فيقيِّد إطلاقها، وإن لم يوجد إجماع عُمل بها.

الرواية الثالثة: موثّقة عمار الساباطي

ومنها رواية عمار الساباطي نقلها صاحب الوسائل عن الشيخ الطوسي بإسناده عن عمار عن أبي عبد الله في حديث: قال: سُئِلَ عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر؟ قال: لا يصلّي عليه وأعْلِمْ موضعه حتى تغسله، وعن الشمس هل تطهِّر الأرض؟ قال: إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثمّ يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة، وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطباً فلا يجوز الصلاة حتى ييبس، وإن كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تُصلِّ على ذلك الموضع حتى ييبس، وإن كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فإنّه لا يجوز ذلك”(1).

والشيخ الطوسي نقلها في كتابيه التهذيب والاستبصار(2)، مع شيء من الاختلاف. غير أن صاحب الوسائل بدأ الرواية بسؤال وجواب لم نجده في التهذيب والاستبصار في هذه الرواية، فكأنه أولاً يسأل عما إذا جف بغير 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

(1) هذه رواية وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

(2) تهذيب الاحكام 2: 372، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث: 80، الاستبصار 1: 193، كتاب الطهارة، الباب 114، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الشمس، ثمّ يسأل عما إذا جف بالشمس. وفي التهذيب بدأ بالسؤال الثاني وفي الاستبصار أيضاً بدأ بالسؤال الأول.

ثلاث قضايا شرطية في جواب الامام 

ففي السؤال عن الشمس، يسأل عن المطهّرية لا عن جواز الصلاة، والإمام في جوابه يذكر على الأقل ثلاث قضايا شرطية:

الشرطية الأولى: 

إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثمّ يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة.

قد يُقال: إنها تواجه نفس المشكلة السابقة وهي أن يكون هذا عفواً مخصوصاً، ومن الأحكام التعبُّدية لإصابة الشمس، فكأنها بإصابتها له يكون له بعض أحكام الطاهر. 

قد يُقال في دفع ذلك: إنّ حمل جواب الإمام على العفو خلاف ظهور التطابق بين السؤال والجواب، فإن مقتضى ذلك هو أنَّ الإمام يعالج نفس ما سأل عنه السائل.

وهذا بخلاف الروايات السابقة فإنَّه لم يسأل هناك عن المطهّرية بل عن جواز الصلاة، فأما أن يكون الجواب بياناً لعدم المطهّرية فلا معنى له، لأنّ الفتوى بجواز الصلاة لا تدل على ذلك، فيتعيّن كونه فتوى بالمطهّرية.

إلّاَ أنّ هذا يمكن التشكيك فيه، فإنّ الظهور بالتطابق، وإن كان ظهوراً حالياً صحيحاً، لكنه إنما يتم فيما إذا لم يكن في الجواب ما يدعو إلى الالتفات بأنّ 

ــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

المجيب نقل الكلام من مقام إلى مقام آخر، وغيَّر لحن الخطاب، وأما إذا كان قد غيَّره، فإن لم يكن التغيير قرينةً على خلاف الظهور الحالي، فلا أقل من احتمال قرينيّته.

ويؤيد ذلك أن يكون جواز الصلاة أُنشئ ابتداءً، لا أنه جواز على مقتضى القاعدة باعتبار الطهارة. إذن فلا يستفاد من الرواية أكثر من العفو.

وهو واضح بأنَّه على كل التقديرين في الشرطية الأولى، فالمطهّرية أو العفو منوط بكونه يابساً.

استشكال الفيض الكاشاني في المقام

هل أنّ السؤال الأول في الرواية رواية مستقلة أو واقعة واحدة، وأثره العملي أنّ السؤال الثاني استشكل فيه بعضٌ كصاحب الوافي(1)، وذكر أنه من باب عدم تعدّي النجاسة لا من باب المطهّرية (إذا جففته الشمس)، باعتبار أنه لا يشترط في مكان المصلي طهارته.

هذا الإشكال له جوابان: 

الجواب الأول: أنّ الحمل خلاف ظاهر القيديّة في الجملة الشرطية الثانية “إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك”.

حيث أخذ قيوداً: إصابة الشمس والجفاف، وظاهر أخذ القيد هو الموضوعية ولو كان بعد الجفاف لا ينجس، فأي فرق بين إصابة الشمس وغيرها؟ فأخذ الإصابة قرينة على أنّ الحكم بجواز الصلاة ليس لمجرد عدم 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

(1) الوافي 6: 232، كتاب الطهارة، الباب 22، المسألة 22.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

السراية، وإنما هو حكم خاص بالشمس، ولكن هل هو الحكم بالمطهّرية أو بالعفو عن هذا النجس بالخصوص؟

الجواب الثاني: وهو يتوقف على أن يكون السؤال الأول جزءاً من الرواية وليس روايةً مستقلةً، ومن الواضح أنّ النظر ليس إلى عدم تعدّي النجاسة، لأنه لو كان النظر إلى ذلك لما كان هناك وجه للتفصيل بين الموردين وقد صرّح به.

وهذا الإشكال لا يأتي على الفيض لو كان هذا السؤال روايةً مستقلةً.

وهي موجودة في التهذيب في موضعَين(1) وفي الاستبصار في موضع واحد(2)، وفي الاستبصار وأحد موضعي التهذيب لم يذكر السؤال الأول وفي الموضع الثاني(3)ذكر ذلك.

والاعتراض الثاني على الاستدلال بهذه الفقرة، هو ما أشرنا إليه من احتمال العفو وعدم تعيّن المطهّرية، وقد سبق الجواب عليه.

 الشرطية الثانية:

الشرطية الثانية: “إن أصابته الشمس”. وهي تصريح بما انطوى تحت مفهوم الشرطية الأولى، لأنه هناك اشترط بإصابة الشمس والجفاف. فالآن يصرّح بانتفاء الشرط الثاني فلا يجوز الصلاة عليه حتى ييبس، وهي لا بشرط من حيث حمل الأولى على المطهّرية أو الجفاف، فإنّ أيّاً منهما مرتفع مع ارتفاع شرطه.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

(1)الموضع الأول، التهذيب: 1: 273.

(2) الاستبصار 1: 193، كتاب الطهارة، الباب 114، الحديث: 1. 

(3) الموضع الثاني من التهذيب ذكر السؤال الأول 2: 372.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الشرطية الثالثة:

وعبارتها في الوسائل تختلف عن المصادر الأخرى، فهي مروية في الوسائل وثلاثة مواضع من الكتب الأربعة، وكلّها مختلفة لفظاً، وفي الوافي توافق تقريباً إحدى صيغتَي التهذيب.

صيغة الوسائل: وإن كانت جبهتك رطبةً أو رجلك رطبةً أو غير ذلك منك الذي يصيب ذلك الموضع القذر فلا تُصلِّ على ذلك الموضع حتى ييبس(1).

هنا يوجد احتمالان: 

أحدهما: أنّ المقصود أنّه حتى ييبس ذلك الموضع، ومعه لا يكون في العبارة دلالة على عدم مطهّرية الشمس، بل فيها دلالة على مطهّرية الشمس في الجملة، لأنه يدل بمفهوم الغاية أنه إذا يبس فلا بأس أن تصلّي عليه ورجلك رطبة ويدك رطبة.

ثانيهما: حتى ييبس يدك أو رجلك، تصير دليل على عدم مطهّرية الشمس؛ لأنّه مادامت رجلك رطبةً لا يجوز لك أن تصلّي على الموضع حتى لو جف الموضع، وهذا لا يناسب المطهّرية.

وقد يُقال: إنّ الاحتمال الأول هو الأوجه، باعتبار تذكير الضمير، فإنه إن رجع إلى الجبهة والرجل، فلا بُدَّ أن يرجع إليه الضمير مؤنثاً.

ــــــــــ[327]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج2، ص1042، أبواب النجاسات، ب 29، ح4، ط الاسلامية.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إلّاَ أنّ هذا الكلام غير صحيح، لأنّ مرجع الضمير على الاحتمال الثاني لا يتعيّن أن يكون هو الجبهة والرجل، بل العنوان الجامع المعبّر عنه بـ(اسم الموصول) في قوله: “ما يصيب ذلك الموضع”، فلعلّ الضمير يعود إلى ذلك، إذن، فتذكير الضمير أمر حيادي بين الاحتمالين.

بل الظاهر هو أرجحية الاحتمال الثاني لنكتتين:

النكتة الأولى: أنّ قوله حتى ييبس معناه أنها تتكلّم في حال رطوبة الموضع، وقد سبق في الشرطية الثانية عدم جواز الصلاة فيه، فيكون تكراراً لما سبق.

النكتة الثانية: أنّ هذه الجملة ظاهرة: أن الإشكال نشأ من رطوبة الجبهة في حين أنّ الأرض لو كانت رطبةً لكان هناك منشأ آخر، فيكون ظاهر هذه الشرطية مورد يبوسة الأرض مع إبراز فرض رطوبة الجبهة، وإلّا فمع رطوبة الأرض لا أثر لفرض رطوبة الجبهة، إذ يكفي رطوبة الأرض، وظاهرها كون رطوبة الجبهة لها تأثير في المحذور، فيكون هذا دالاً على عدم المطهّرية، إذ معه لا يجوز الصلاة عليه مع رطوبة الجبهة.

هذا حال الشرطية الثالثة.

في ترجيح نسخة (عين الشمس) أو نسخة (غير الشمس)

ثُمَّ يقول: “وإن كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك”، وله نسخة بدل “وإن كان عين الشمس أصابه”.

فإن كانت العبارة (غير الشمس) فهذا يصبح قرينةً على الاحتمال الأول في الشرطية السابقة، لأنّ اليبوسة لا بُدَّ أن تكون يبوسة المكان؛ إذ يبوسة الجبهة 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بالشمس لا أثر له، ويكون مؤكداً لاستفادة المطهّرية من مثل هذا الكلام.

وإن كانت العبارة (عين الشمس) فهذا المؤيد غير موجود كما هو واضح، بل قد يستفاد منه الحكم بعدم المطهّرية، وتكون (إن) وصليّة، يعني لا يجوز الصلاة مع رطوبة الجبهة والرجل حتى لو يبس بالشمس، ويكون صريحاً بعدم المطهّرية، ويكون مؤيّداً للاحتمال الثاني.

ومن هنا وقع الكلام في استظهار أحد الاحتمالين:

قرائن على أنّ المراد (غير) لا (عين؟).

ذكر عدّة أمور بأن المراد منه (غير) لا (عين)، حتى يتم الاستدلال على المطهّرية:

القرينة الأولى: (وإن كان) شرطية لا وصلية

إنّ قوله “وإن كان” لو كان اسم كان هو (عين) تكون وصلية، وإذا حملناها على (غير) تكون شرطيةً مستقلة، وهذه الجملة لا تناسب الوصلية، لأنّ الوصلية يكون موضوعها مفروض التحقّق، في حين هنا يستعمل الفعل المضارع لا الفعل الماضي، والماضي هو الذي يناسب مع الوصلية.

وهذه القرينة غير صحيحة لأمرين:

أحدهما: أنّه إذا كان (عين) لا يتعيّن الوصلية، بل شرطية مستقلة لإبراز أخفى الأفراد.

ثانيهما: أن صيغة (ييبسُ) بالمضارع أول الكلام، لأنّه نسخة الوسائل.

وأما ما نقله الوافي فهو بصيغة فعل الماضي، وكذلك ما هو الموجود في أحد 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

موضعَي التهذيب (ص273 ج1) وفي الطبعة القديمة أيضاً، وكذلك الفيض في الوافي نقلها عن التهذيب بصيغة الفعل الماضي. نعم في موضعين يوجد بشكل آخر كما يأتي، فهذا النقل من صاحب الوسائل مبتلى بالمعارض. وأما في الموضع الآخر فلم تأتِ فيه الجملة أصلاً(1).

إذن فلم يتحصّل الفعل المضارع ليجعل قرينةً.

القرينة الثانية: تذكير الضمير في (أصابه)

إنً الضمير في (أصابه) مذكَّر، وهو قرينة على أنّ الكلمة التي هي اسم كان عبارة عن (غير) لا (عين) لأنها لو كانت (عين) فينبغي تأنيث الضمير.

هذه القرينة أيضاً لا يمكن التعويل عليها، بملاحظة أنها إنما تتم إذا تمّ أحد أمرين:

الامر الأول: إمّا أن نقطع أنّ عمار قد نقل الكلام بلفظه، والإمام لا يؤنِّث المذكَّر ولا يعكس، وإنما يلتزم بقواعد اللغة العربية.

الأمر الثاني: وإمّا أن نجزم أنّ عمار بطبعه أيضاً لا يخالف القواعد. 

وأما إذا لم يتم شيء من الأمرين:

أما الأمر الأول فهو ممّا يطمئن بعدمه في هذه وغيرها من روايات عمار، فإنّ فيها لفاً وتشويشاً لا نجده في غيرها، وإلّاَ فكيف يفرض أن الإمام يقول لعمار كلاماً معقداً ولغيره كلاماً لطيفاً، فلهذا يطمئن على نقله بالمعنى.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) أي: جملة “وَإِنْ كَانَ عَيْنُ الشَّمْسِ أَصَابَهُ“، لم تأت في الموضع الآخر من التهذيب 2: 372.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأما من ناحية الأمر الثاني، فلا نجزم أنّ عماراً لا يخطئ في قواعد اللغة، خصوصاً مع ما نعرف من لغته المشوّشة.

هذا مضافاً إلى أنّ الضمير جاء مؤنثاً في نقل الفيض عن التهذيب (أصابته) لا (أصابه) فهذا يوجب نسخة بدل، فلم يتعيّن التذكير، واحتمال أنّ الفيض هو الذي غيّره اجتهاداً، هو خلاف الأصل.

القرينة الثالثة: استدلال الشيخ بها على مطهّرية الشمس

أنّ هذه الرواية استدلّ بها الشيخ الطوسي على مطهّرية الشمس، فنفس استدلاله دليل على أنَّه كان يرويها بكلمة (غير) لا (عين). وإن كان قلمه قد رسم كلمة (عين) لا (غير)، فإنّه مع وجود (عين) تكون الرواية صريحةً بعدم المطهّرية، واحتمال أنّه على هذا التقرير تخفى دلالتها على الشيخ الطوسي، فهذا الاحتمال ظلم له.

وهذه القرينة أيضاً قابلة للجواب، لأنّ مجرّد ورود (عين) لا يجعل الرواية صريحةً في عدم المطهّرية، إذ يحتمل أنّه يريد أن ينبّه أنّ مجرد أنّ عين الشمس أصابته لا يكفي حتى ييبس المكان، وهو احتمال يحتمل خطورَهُ في ذهن الشيخ الأعظم، وإن كان خلاف الظاهر.

القرينة الرابعة: لا يوجد معنى متحصَّل لترجيح كلمة (عين)

إنّه لا يوجد معنى متحصّل لفرض كلمة (عين)، فإنّها تذكر للتأكيد كقوله: رأيت زيداً بعينه؛ لدفع الاحتمالات الأخرى:

وأما في المقام فلا معنى لأن تصيب عين الشمس (أي: قرصها) شيئاً على 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

هذا الأرض، وإنما الذي يصيب هو ضوء الشمس.

هذا أيضاً غير صحيح، فإنّه فرض الإصابة لا الملاقاة والمماسة، ليقال: إنّه كيف يلاقيه مع البعد الهائل بينهما، وإصابة كلّ شيء بحسبه وإصابة عين الشمس بإيصال الضوء إليه، وإنما جاء بكلمة (عين) ليؤكد قوة الضوء والحرارة وعدم الحاجب.

إذن فالقرائن غير تامة. 

وأمّا في المتون: فقد وردت في الاستبصار بنسختين الجديدة على (عين) وبعض الطبعات القديمة على (غير). إلَّا أنَّها كلّها غير تامّة لسقوط السند بأحمد بن محمد بن يحيى(1).

وفي التهذيب في الموضع الثاني(2) في كتاب الصلاة هذه العبارة غير موجودة أصلاً لا (عين الشمس) ولا (غير الشمس).

وفي الموضع الأول الموجود فيها كلمة (عين)، وشهد الفيض الكاشاني بأنّ النسخ المتقنة ورد فيها ذلك(3)، فبحسب صناعة المتون كلمة (عين) أقوى من 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) رجال الطوسي: 410، باب من لم يروِ عن واحد من الأئمة، الرقم5955-36، رجال بن داود: 45، باب الهمزة، الرقم 133، معجم رجال الحديث 2: 323، باب الالف، الرقم 922. 

(2) نقلنا مصدره آنفاً.

(3) قال ما لفظه: (في النسخ الموثوق بها هكذا)، الوافي 6: 232، كتاب الطهارة، الباب 22، المسالة 22.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

كلمة (غير) وبحسب القرائن المعنوية لا دليل عندنا على الترجيح.

وعلى أي حال فالاستدلال بهذه الرواية على مطهّرية الشمس ساقط.

الرواية الرابعة: رواية أبي بكر الحضرمي

رواية أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر ، قال: “يا أبا بكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر”(1).

ودلالته على الحكم بالمطهّرية مما لا ينبغي الإشكال فيه، إلّاَ أنّه قد يناقش الاستدلال بمناقشتين:

المناقشة الأولى: أنّ هذه الرواية لا تنطبق على مصبّ الفتوى، لأنّ مقتضى إطلاقها، -كما في رواية أخرى عنه أيضاً “كلما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر”(2)– أنّه لا فرق في المطهّرية بين شيء وشيء، كما أنّه يكفي مجرد الإشراق وإن لم يحصل تجفيف، مع أنّ الفقهاء لا يلتزمون بكلا هذين الإطلاقين.

وهذه المناقشة إنما تتم فيما إذا كان تقييد الرواية متعذّراً ولو بدعوى أنّه من تخصيص الأكثر الذي يكون مستهجناً، لأنّ العمل بها على إطلاقها غير ممكن لانعقاد الإجماع ضده، والعمل بها بعد تقييدها متعذّر فتسقط عن الحجّية، وأمّا إذا لم يكن تقييدها مستهجناً، فلا تكون هذه المناقشة تامةً، بل في كل ما ثبت 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

(1) تهذيب الاحكام 1: 273، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 91، الاستبصار 1: 193، كتاب الطهارة، الباب 114، الحديث: 3، وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5. 

(2) في الوسائل في الحاشية السابقة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

عدم المطهّرية فيه بإجماع ونحوه تخرج عن هذا الإطلاق، وما لم يقم عليه إجماع نلتزم به، فنقيّد الإشراق بما إذا حصل التجفيف، ونقيّد “ما أشرقت عليه الشمس” بما كان بطبعه كذلك كالأراضي ونحوها، دون المنقولات.

المناقشة الثانية: في سند الرواية، لا من ناحية أبي بكر الحضرمي(1)، فإنه روى عنه بعض الثلاثة، بل في عثمان بن عبد الله فإنّه لم يثبت توثيقه.

الرواية الخامسة: صحيحة زرارة

ومنها صحيحة زرارة؛ الصدوق بإسناده إلى زرارة، قال: سألت أبا جعفر عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلّى فيه. فقال: إذا جففته الشمس فصلِّ عليه فهو طاهر”(2).

وهي من حيث الدلالة والسند تامّة، فإنّ (طاهر) واضح من المقصود، وحمله على غير المعنى المتعارف كالذي ليس بمنجّس، خلاف الظاهر.

فهذه الرواية الوحيدة الصحيحة الدالة على مطهّرية الشمس، فلو بقينا نحن وهذه الرواية لقلنا بمطهّرية الشمس.

ــــــــــ[334]ــــــــــ

(1) رجال الطوسي: 327، باب من لم يسمّ، الرقم: 4900-6-، رجال الكشي: 44، الرقم: 94 ترجمة البراء بن عازب، رجال بن داود: 392، الخلاصة: 111، الفصل الثامن عشر في العين، الرقم: 36، معجم رجال الحديث 10: 297، باب العين، رقم: 7091.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 244، باب المياه وطهرها ونجاستها، وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29، من ابواب النجاسات، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

معارضتها بصحيحة ابن بزيع

لكن توجد رواية أخرى في مقابلها، وهي صحيحة السند عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألته عن الأرض والسطح يصيبه البول وما أشبهه هل تطهّره الشمس من غير ماء؟ قال: كيف يطهر من غير ماء”(1). كذا في الوسائل.

وفي الوافي وفي النسخ من التهذيب والاستبصار قال: هل تطهره الشمس من غير ماء، قال: كيف تطهر من غير ماء”(2).

وعلى تقدير كونه (يطهّر)، ففاعله السطح الذي يصيبه الشمس، وبناءً على كونه (تطهّر)، فالمناسب أن الفاعل هو الشمس وبالتشديد يقرأ.

محتملات ترد في دلالة الرواية المعارضة

وهي:

1- قد يُقال: إنّها تدل على عدم مطهّرية الشمس رأساً، فتعارض ما تقدّم. 

2- وقد يُقال: إنّها تدل على وجود شرط في المطهّرية، وهو انضمام الماء إلى الشمس. 

3- وقد يُقال: إنّها لا يتحصّل منها حكم وإنما العمل على الرواية الأولى، ــــــــــ[235]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث 7. 

(2) تهذيب الاحكام 1ذ: 273، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 92، الاستبصار 1: 193، كتاب الطهارة، الباب 114، الحديث: 4. والفرق بين الوسائل ونسخ التهذيب والاستبصار حسب نقل المصنف في الفعل (يطهر) أو (تطهر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وعلى هذا التقدير عمل المشهور.

وهذه الدعوى الثالثة تنحل إلى أمرين: 

الأمر الأوّل: أنّ الرواية ليس فيها دلالة على نفي المطهّرية.

الأمر الثاني: أنّها تدل على لزوم بعض الأشياء، لكن بعد المقارنة بينها وبين الرواية السابقة نتعرف على شيء لا نعدّه جديداً بل هو مستفاد من سائر الروايات.

أما الأمر الأول: فتقريبه: أنها تنفي مطهّرية الشمس من غير ماء، لا أصل مطهّريتها. فإنّ ذلك هو الواقع في السؤال والجواب؛ فالسؤال هو عن كونها تطهِّر مع الماء. وهذا الاحتمال قد يدّعى استظهاره على نسخة الوسائل، ولكنه قد يكون أظهر على النسخة الأخرى، إذ بناءً على (تطهِّر) يكون احتمال تشديده قوياً، وإنّ فاعله هو الشمس، فكأنّه يقول: كيف تطهِّر الشمس من غير ماء، وإن كان أصل تطهيرها محفوظاً.

فلو بقينا نحن والرواية لاشترطنا في المطهّرية وجود الماء، ولكن هذه الرواية مطلقة من حيث إنّ البول قد جفّ أو لم يجفّ، ومعناه أنّه يجب استعمال الماء سواء كان المكان جافاً أو لا. 

فلا بُدَّ من ملاحظة نسبته إلى صحيحة زرارة(1).

الأمر الثاني: فقد يُقال: إنّ النسبة هي العموم من وجه؛ لأنّ هذه الرواية تقول: يعتبر الماء سواء كان المكان جافاً أو لا. وتلك تقول: إنّ الشمس إذا 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 2. أي المصير إلى الأمر الثاني.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

جفّفت البول يطهر سواء استعملت الماء أو لا. فمورد رواية زرارة هو صورة وجود البول وهي مطلقة من حيث استعمال الماء، ورواية ابن بزيع(1) خاصّة بصورة استعمال الماء ولكنها مطلقة من حيث وجود البول، ففي كل منها جهة إطلاق وجهة تخصيص. 

بيان لعلاج التعارض بين الروايتين

فإما أن نقيّد رواية زرارة باشتراط إراقة الماء. 

أو نقيّد رواية ابن بزيع بالجفاف من البول. 

وهنا قد يُقال: إنّ تقييد رواية ابن بزيع أولى من تقييد رواية زرارة، لأنّ هذا أبعد عن الذهن العرفي.

بل يترقى ويقال: إنّ رواية زرارة كالصريح في عدم الاحتياج إلى الماء، لا أنّ بابها باب الإطلاق، ومعه تكون أخصّ مطلقاً من رواية ابن بزيع، فينتج أنّ الأرض إذا لم تكن جافّةً لا يُحتاج إلى ماء، وإن كانت جافّة فيُحتاج إلى ماء، وهذا عين مدّعى المشهور.

تعليقات ثلاثة على البيان المتقدِّم

هذا البيان يوجد عليه ثلاثة تعليقات:

التعليق الأول: الاستفادة من السؤال الاستنكاري

الظاهر أنّ الرواية ظاهرة جدّاً في نفي أصل المطهّرية، حتى أنّ الفيض ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الكاشاني قال إنها نصٌ في عدم المطهّرية(1). والنكتة في ذلك أنَّنا نستطيع أن نخرج الاستنكار بهذا التقريب: 

لو كانت الرواية بصدد نفي المطهّرية، فإنّ المرتكز هو أن المطهّر هو الماء. وهنا إما أنّ ندّعي انحصار المطهّر بالماء عرفاً، فمن الواضح حينئذٍ أنّ هذه اللهجة الاستنكارية تكون مسوقة للتنبيه على هذا المطلب المركوز في أذهان العرف.

وأمّا إذا لم ندَّعِ ارتكاز العرف على حصر المطهّر بالماء، لكن لا إشكال في أنّ مطهّرية الماء واضحة في الذهن العرفي وبديهية، وإن كان غيره محتملاً أيضاً، لكنّه ليس واضحاً ولا شائعاً، ومثل هذا يكفي لصياغة الاستنكار العرفي.

وإن شئتم قلتم: إنّه لا إشكال في أنّ المطهّرية بمرتبتها العالية عرفاً منحصرة بالماء، وهذا يصحح الاستفهام الاستنكاري أيضاً.

وأمّا إذا فرض أن الرواية لم تكن مسوقةً لبيان نفي أصل المطهّرية، بل المطهّرية بالشمس مفروغ عنها، وإنما الكلام في أنها هل يشترط معها ماء أو لا؟! فيقول الإمام: كيف لا يشترط معها ماء؟ بلسان الاستنكار.

فلا بُدَّ أن يكون هذا الاستنكار بلحاظ أحد الأمرين:

الأمر الأول: أن تكون شرطية الرطوبة أمر مركوز في ذهن العرف، بمعنى أنّ العرف وإن لم يكن يفهم مطهّرية الشمس، لكن لو تقبله العرف، فالعرف 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

(1) الوافي 6: 231، كتاب الطهارة، الباب 22، المسالة 20. قال: “هذا الحديث نص فيما قلناه من عدم تطهير الشمس للأرض”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مركوز في ذهنه إنّ هذه المطهّرية ليست على الإطلاق بل مع الرطوبة، فمطهّرية الشمس من دون رطوبة مركوز عدمها، ويكون الاستنكار مبنياً على ذلك.

الأمر الثاني: أن ندّعي أنّ مطهّرية الشمس أمر مركوز مع شرط الرطوبة عرفاً أو متشرّعياً، ويكون هذا إشارةً إلى هذا الأمر المركوز.

وكلا الأمرين غير تام.

أما الأمر الثاني فواضح البطلان لأنّ مطهّرية الشمس غير مركوزة لا بشرطها ولا بدونه. 

فإنّ كان شيء فهو الأمر الأول، ولكنه غير صحيح أيضاً، لأنّ الإنسان العرفي لم يرتكز في ذهنه مطهّرية الشمس أيضاً، لكن لو تقبّل مطهّريتها فهو لا يأبى أبداً عن كونها مطهِّراً مع الجفاف، حالها حال سائر المطهّرات التي يتقبّلها العُرف.

بل لعلّ العرف لا يتعقّل معنى لاشتراط الرطوبة بالمعنى الذي يريده الفقهاء، فإنّهم لا يريدون الرطوبة لإزالة العين، بل إنّ العين قد زالت بمُزِيل ثمّ وجب ترطيب الأرض ولو ببول أو مضاف أو ماء، بحيث إنّ تجفيف النجس الثاني يكون رافعاً لأثر النجس الأول، هذا أمر لا يتعقّله العرف.

فهذا الأمر غير العرفي كيف يصحّ لسيد العرف أنّ يبيّنه بلسان الاستفهام الاستنكاري، فيكون الاستنكار بياناً عرفياً لعدم المطهّرية، وإن كان يفهم من حاق ألفاظها نفي الإطلاق خصوصاً مع قوله: “كيف تطهّر” إلّا أنّ الاستفهام الاستنكاري حاكم بظهوره على هذا الظهور.

ــــــــــ[339]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فرض عدم وجود الاستنكار في الرواية

ولو تنزّلنا عن هذا البيان، وفرضنا أنّ الاستنكار غير موجود، فتكون الرواية ناظرةً إلى وجود شرط في المطهّرية وهو الماء.

فالماء له تفسيران: 

الأوّل: الماء بما هو ماء.

الثاني: بما هو محقّق لعنوان الرطوبة ليتحقّق عنوان التجفيف.

فإن قلنا بالتفسير الأوّل تكون هذه الرواية معارضةً لصحيحة زرارة(1) لأنها واضحة جدّاً بعدم الاحتياج إلى الماء، وغير قابلة للتقييد، لكنْ الروايتان متفقتان على أصل المطهّرية بالمدلول التضمّني، فحينئذٍ لو بنينا على أن المدلول التضمّني المتّفق عليه بين المتعارضين يثبت، فيثبت جامع المطهّرية، ونلتزم بالمطهّرية الضمنية لأنّ النتيجة تتبع أخس المقدّمات.

وإن قلنا بأنّ المدلول التضمّني يسقط بسقوط المدلول المطابقي، فلا يبقى دليل على أصل المطهّرية.

وأمّا إذا بنينا على التفسير الثاني للماء، فهذه لا تكون معارضةً لصحيحة زرارة، لأنّ صحيحة زرارة لا تشترط أكثر من التجفيف.

فالأمر دائر بين التفسيرين، وعندنا قرينتان على التفسير الأول: 

القرينة الأولى: أنّه لو أخذ الماء بما هو رطوبة، فهذا لا يعني تقييد الرواية بصورة يبوسة الأرض، كما قيل، وإنّما هذا تقييد وإلغاء للعنوان رأساً، ولا 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

يكون الماء شرطاً، فلو بالَ مرةً ثانيةً كان ذلك كافياً في مقام التطهير.

القرينة الثانية: أنّ الغالب في موارد الرواية هو أنَّ البول يجف بالشمس، لأنّ النجاسة فرضت بولاً وفرضت في السطح، ففرض المشهور لا بُدَّ أن يُحمَل على فرض نادر، وهو ما إذا جفّ بغير الشمس يجب ترطيبه بالماء مرةً ثانيةً، وهذا ليس تقييداً بل هو إلغاء للرواية.

إذن فموردها مورد الجفاف بالشمس ومع هذا يشترط الماء، وهذا قرينةً على إرادة الماء بعنوانه فتكون معارضةً، ويتساقطان.

ولهذا لا نفتي بمطهّرية الشمس، إلَّا أنّ المطلب مشهور جداً ونقل نفي ذلك احتمالاً عن المفيد وجزماً عن ابن حمزة وابن الجنيد(1)، فالشهرة الفتوائية ومجموع الروايات -مع كون المسألة داخلةً في محل الابتلاء كثيراً- يُوجِدان ظناً قوياً بأنّ الشمس مطهِّرة، إلَّا أنّ هذا ظنٌ شخصي غير معتبر، ومعه لا يكون حجةً إلّاَ إذا بلغ إلى درجة الاطمئنان، وحيث لم نحرز بلوغه إلى ذلك نحتاط احتياطاً وجوبياً بعدم مطهّرية الشمس.

ثُمَّ إنّ رواية ابن بزيع(2) مضمرةٌ، وقد يُقال: إنّها ساقطة عن الحجية بهذا الاعتبار، إلّاَ أنّ الصحيح أنّها ليست بمضمرة إما باعتبار أن ابن بزيع لا يناسب أن يروي حكماً تعبّدياً عن غير الإمام، أو باعتبار نكتة نوعية تعيِّن أنّ المنصرف من الضمير هو الإمام.

ــــــــــ[341]ــــــــــ

(1) أنظر لمصادر الشهرة وهذه الأقوال الصفحة 71 وما بعدها من هذا الكتاب.

(2) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التعليق الثاني: تقييد المطهرية بصورة الجفاف

لو تجاوزنا الأمر الأول، وفرضناها أنّها تضيف قيداً إلى المطهّرية، فهل يمكن تقييدها بصورة الجفاف، بقرينة رواية زرارة.

الصحيح أنّ هذا التقييد ليس بعرفي؛ لأنّ مرجعه إلى أنّ المعتبر هو الرطوبة الجامعة بين البول والماء، فلو بال عليه مرّةً ثانيةً فإنّ ذلك يكفي للطهارة، وهذا بعيد جداً. بحيث يفهم كيف تطهر من غير رطوبة ولو كانت بولاً، وهذا إلغاء للعنوان وليس تقييداً للإطلاق.

التعليق الثالث: التقييد بالجفاف تقييد بفرد نادر

 إنّ تقييد الرواية بما إذا كان السطح جافاً، تقييد بفرد نادر فإنَّ السطح إذا بال عليه في غير الليل، فإّنما يجف بالشمس فتقييده بما إذا جفّ بغير الشمس تقييد بفرد نادر.

فالصحيح أنَّ الرواية قوية الظهور في نفي المطهّرية، ولو تنزّلنا فهي قوية الظهور باعتبار الماء بعنوانه، وعلى كِلا التقديرين تكون معارضة لصحيحة زرارة؛ لأنّها واضحة في المطهّرية وعدم الاحتياج إلى الماء، وعلى كِلا التقديرين يكون التعارض بينهما موجوداً. نعم، على التقدير الثاني يكون أصل الطهارة مدلولاً تضمّنياً مشتركاً، إلّاَ أنّه لا يكون حجّةً بعد سقوط المدلول المطابقي.

ولا مرجح من الكتاب الكريم والعامّة مختلفون(1)، بعضهم يفتي بالمطهّرية 

ــــــــــ[342]ــــــــــ

(1) لاحظ: مختصر القدوري: 21، كتاب الطهارة، باب الأنجاس. تحفة الفقراء 1: 71، كتاب الطهارة، باب النجاسات، النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات 1: 84، كتاب الطهارة، حكم النجاسة في الثوب والجسد، التهذيب في فقه الامام الشافعي 1: 201، كتاب الطهارة، فصل في إزالة النجاسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وبعضهم يفتي بعدمها. والمشهور ليس بمرجِّح عندنا، ومعه يتساقطان ويُرجع إلى الأصل وهو عدم مطهّرية الشمس.

ــــــــــ[343]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  






فروع في مطهّرية الشمس 

 

الفرع الأول: اشتراط التجفيف في المطهّرية

لو فرض أنّنا قلنا بمطهّرية الشمس فالمعروف بين القائلين بذلك أنّها لا تطهّر إلّا بالتجفيف، والتجفيف الذي يكون مطهراً لا يكفي فيه التجفيف التقديري بل يحتاج إلى التجفيف الفعلي، بمعنى أنه لو كان البول موجوداً لجفّ بالإشراق ساعتين، هذا لا يكفي بل يحتاج إلى التجفيف الفعلي.

نعم، يكفي في التجفيف الفعلي أن نضمّ صرف التجفيف ولو باعتبار نجاسة أخرى غير التي نجست هذا المكان، كما لو جفّ البول وألقينا عليه مائعاً آخر، فتنجس بالسطح، وإذا جفّ يذهب أثر البول أيضاً، وقد لا يتنجس أيضاً، كما لو بنينا على أنّ الماء القليل لا يتنجس بملاقاة المتنجّس، فهذا السطح لو جفّ البول عليه، وألقينا عليه ماءً قليلاً لا يتنجس، ولكنّه إذا جفّ يكون السطح طاهراً.

واستفادة هذه الخصوصيات المشهورة من الروايات -لو كانت دالةً على أصل المطهّرية- في غاية الإشكال، لأنّنا إذا استندنا في الحكم بالمطهّرية إلى قوله: 

ــــــــــ[344]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

“يا أبا بكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر”(1)، فمن الواضح أنّه لم يؤخذ فيه عنوان التجفيف وإنما أُخذَ فيه عنوان الإشراق، وهو أعم من التجفيف.

نعم، يمكن أن يُقال: إنّ الإشراق الذي لا يكون سبباً للتجفيف فعلاً ولا تقديراً، خارج بالإجماع، وأما صورة التجفيف التقديري فلا قطع بعدم المطهّرية فيه، ومقتضى الإطلاق الشمول له.

ورواية زرارة: سألت أبا جعفر عن البول الذي يكون على السطح أو في المكان الذي يصلّى فيه فقال: “إذا جففته الشمس فصلِّ عليه فقد طهر” (2).

هذه الرواية مشتملة على قضية شرطية: شرطها تجفيف الشمس وجزاؤها الحكم بالطهارة، فإن حملنا التجفيف هنا على الطريقية، وأنه بعنوانه لا أثر له وإنما هو طريق إلى زوال العين، أو يُحمَل على الطريقية إلى مرتبة من الإشراق بحيث لو كانت عين لزالت.

وإذا جمدنا على التجفيف كما هو ظاهره، -لأنّ ظاهر العنوان هو الموضوعيّة-، فظاهره تجفيف الشمس للبول لا لأي شيء آخر. لأنّ التجفيف يستدعي وجود رطوبة سابقة، ولم يفترض وجود شيء في السطح غير البول. ومعه، يدلّ بمفهومه على أنها إذا لم تجفف البول بل جففت شيئاً آخر غير البول، يكون منفياً عنه المطهّرية.

ــــــــــ[345]ــــــــــ

(1) رواية أبي بكر الحضرمي: وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5. 

(2) وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث:1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إلَّا أن يُدَّعى وجود ارتكاز بعدم الفرق بين وجود عين النجس وعدمه، ونحن إذا رجعنا إلى الارتكاز فلا تكون صيغته نافعةً للمشهور، فإنّ الارتكاز لا يتعقّل فرقاً بين إشراق على الأرض اليابسة وبين أن ترطب الأرض، فيشمل الإشراق التقديري. فالعرف لا يتقبّل أن يكون للماء الملقى على السطح دخل في تطهيره؛ لأنَّه لم يكن له دخل في تنجيسه فكيف يكون له دخل في تطهيره؟!

الفرع الثاني: هل تختص مطهّرية الشمس بالبول أو تعم غيره؟

قال: عن نجاسة البول بل سائر النجاسات والمتنجّسات 

وهنا ناحية أُخرى وهي: أنَّ مطهّرية الشمس هل تختصّ بخصوص البول أو تعمّ غيره؟ فإن جماعةً خصّوا مطهّريتها بخصوص البول، وجملة من روايات الباب وردت في البول بالخصوص.

ما يمكن أن يقرّب به التعميم

وإثبات التعميم يحتاج إلى دليل ويمكن أن يقرَّب بأحد تقريبين:

التقريب الأوّل: الغاء الخصوصية 

أنّ صحيحة زرارة -بناءً على أنها هي المدرَك في المطهّرية-، من الواضح أنّها مخصوصة بالبول ولا تعم غيره، ولكن يدّعى التعدّي إلى غيره بإلغاء الخصوصية، كما هو الحال في موارد مطهّرية الماء، فلو وردت رواية في أنّ الماء يطهر من ملاقاة الدم فلا تحتاج إلى رواية أخرى في الميتة مثلاً، بل يُتعدّى إلى سائر النجاسات، باعتبار أنَّ العرف يفهم أنه باعتبار النجاسة.

ــــــــــ[346]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وهذا إنما يتم في الماء لا في المقام، فإن الماء حيث إنَّه مطهِّر عرفاً، فحين يلغى هذا الدليل تلغى خصوصية الدليل، باعتبار المناسبات المركوزة في أذهان العرف.

وأمّا مطهّرية الشمس فليست عرفيةً ليلغي العرف خصوصية موردها، ومن المحتمل أنَّ هذه المطهّرية التعبّدية وجدت للتسهيل، وحيث إنَّ نجاسة الأرض غالباً بالبول دون غيره، فيمكن اختصاص التسهيل به.

التقريب الثاني: التمُّسك بالإطلاق 

 أن يُتمسّك بإطلاق بعض روايات الباب، كموثقة عمّار(1)، بناءً على دلالتها على المطهّرية؛ لأنه قال: إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك. فيعمّ سائر النجاسات.

إلَّا أنَّه لا يخلو من إشكال أيضاً؛ لأنَّ الإمام قال: “وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطباً فلا يجوز الصلاة حتى ييبس وإن كانت رجلك رطبة وجبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب الموضع القذر فلا تصلِّ على ذلك الموضع حتى ييبس، وإن كان غير الشمس أصابته حتى ييبس…” الحديث.

ظاهر هذا السياق أنّه يفرض أنَّ اليبوسة والجفاف مساوقان لزوال عين النجس وانتفاء المحذور، وهذا معناه أنّ اليبوسة يكون لسنخ نجس تؤدي 

ــــــــــ[347]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

يبوسته إلى انعدامه، والدم مثلاً ليس كذلك، فإن يبوسته غير مساوقة لزواله.

وأما البول فمعنى يبوسته زواله، لأنَّه كالماء، وهذا يوجب التعدّي إلى ما يكون كالبول في ذلك، ولعلّ هذا هو النكتة لتعبير ابن بزيع(1) في روايته: (البول وما أشبهه) أي في أنّ جفافه موجب لزواله، فالتعدّي إلى غير ذلك من النجاسات في غاية الإشكال.

الفرع الثالث: شمول مطهّرية الشمس لغير المنقول

قال: وهي تطهر الأرض وغيرها من كل ما لا يُنقل كالأبنية والحيطان وما يتصل بها من الأبواب والأخشاب والأوتاد والأشجار وما عليها من الأوراق والثمار والخضراوات والنباتات ما لم تقطع وإن بلغ أوان قطعها بل وإن صارت يابسة ما دامت متصلة بالأرض أو الأشجار وكذا الظروف المثبتة في الأرض أو الحائط وكذا ما على الحائط ولأبنية مما طلي عليها من جص وقير ونحوهما 

من الفروع المترتبة على مطهّرية الشمس -لو قيل بها- هو: إنَّها هل تكون مطهرة للأرض وغيرها، أو تكون مختصّةً بالأرض؟

والمشهور إلحاق غير الأراضي بها ممّا لا ينقل كالجدران والأوتاد والأشجار فيكون مشمولاً لمطهّرية الشمس دون ما يكون منقولاً، كالملابس والأواني. نعم، استثنى من المنقولات في الفتوى المشهورة الحصر والبواري(2).

ــــــــــ[348]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 7. 

(2) قال في متن العروة: “ولا تطهر من المنقولات إلا الحصر والبواري”، العروة الوثقى 1: 129.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فيقع الكلام في مسألتين:

المسألة الأولى: في تعميم المطهّرية لكلّ ما لا ينقل 

لا ينبغي الإشكال في أنّ مدرَك الحكم بالمطهّرية إن كان هو الإجماع والارتكاز من الأدلة اللُّبّية، فلا بُدَّ من الاقتصار في كلّ موارد الخلاف على القدر المتيقّن، وهو خصوص الأرض، ولا يمكن التعدّي.

وإن فرض تمامية الأدلّة اللفظية عندنا، فلا بُدَّ من الرجوع إلى العناوين المذكورة فيها ليرى مقدار إطلاقها، ويمكن حينئذٍ دعوى شمولها لغير الأرض باعتبار تقريبين.

التقريب الأوّل: التمسّك بعموم رواية أبي بكر الحضرمي(1) 

كل ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر”، أو “ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر(2)، وهو يشمل غير الأرض أيضاً من الأشياء غير المنقولة.

وأما الأشياء المنقولة، فإما أن نفرض أنها مشمولة للعموم خارجة بالتخصيص، أو نقول إنها لا يشملها في نفسه، بدعوى أنّ المستفاد منها عرفاً ما كان قابلاً لإشراق الشمس عليه، بحسب وضعه وهو غير المنقول. فلا يشمل المنقول.

وهؤلاء الذين ذكروا هذه النكتة لم يقصدوا القابلية الذاتية ليشكل عليه بما 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5. 

(2) كما في نسخة التهذيب.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ذكره السيد الأستاذ(1): بأنّ أي شيء يمكن أن تشرق عليه الشمس، وفعلية الإشراق وإن كانت فرع القابلية إلاّ أن القابلية موجودة فيما لا يُنقل وفيما يُنقل أيضاً.

وإنما يُراد به إمكان عرفي خاصّ بمفهومٍ بمناسبات الحكم والموضوع، فإن الإناء بما هو إناء باعتباره أمراً منقولاً تحرّكه الأيدي لا يتعيّن له موضع ليكون متهيّئاً بطبعه لإشراق الشمس عليه، وهذا بخلاف الأرض، فإنها بُنيت هكذا، فقد استقر في حيّز بحيث تهيأ لأن تشرق عليه الشمس.

وعلى أي حال فغير المنقول مشمول للرواية، والمنقول غير مشمول لها في نفسه أو تخصيصاً.

التقريب الثاني: التمسّك بكلمة (المكان) و(الموضع) في صحيحة زرارة(2) وموثقة عمّار(3)

وكلمة (الموضع) تصدق على غير الأرض في الجملة. كما لو فرشنا الأرض بالخشب. نعم، الموضع لا يشمل الحائط والأشجار. فبهذا الإطلاق نثبت التعدّي بنحو الموجبة الجزئية، وحينئذٍ فالتعدّي من هذه الموجبة الجزئية إلى الموجبة الكلّية لكلّ ما هو غير منقول، يحتاج إلى إحدى عنايتين:

ــــــــــ[350]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 128، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث: الشمس، فقه الشيعة 5: 281، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث: الشمس. 

(2) وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث: 2. 

(3) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

العناية الأولى: عدم القول بالفصل

كما تمسّك به السيد الأستاذ(1)، فإنَّ من قال بمطهّرية الشمس، خصّ بالأرض فقط، والبعض الآخر تعدّى إلى كل ما لا يُنقل. وأما التعميم إلى بعض ما لا يُنقل دون بعض فلم يقل به أحد.

العناية الثانية: إلغاء الخصوصية للفهم العرفي

 فإنّ العرف بعد أن يفهم من دليل المطهّرية شمولها للأخشاب المثبتة على الأرض، فأيّ فرق بين وجودها على الأرض وكونها على الحائط، وإذا ثبت فيها شمل الوتد، وإذا شمل الوتد شمل الشجر. 

وكِلا العنايتين لا يمكن التعويل عليها. 

أمّا العناية الأولى: فلوضوح أنَّ عدم القول بالفصل على فرض ثبوته، لا يكون باعتبار جهة تعبّدية فوق الأدلّة، بحيث إنّهم وجدوا نكتةً مستقلةً تقتضي التفصيل، وإنّما هم فهموا ذلك من الأدلة، فهو إجماع مَدركي يرجع إلى هذه الأدلة.

وأمّا العناية الثانية: فهي غير صحيحة لما أشرنا إليه سابقاً من أنّ مطهّرية الشمس حيث إنها ليست مطهّريةً مركوزةً في أذهان العرف، إذن فيمكن أن يكون من باب التسهيل، فلا إشكال في أنّ التسهيل في الأرض يختلف عنه في الحيطان والأشجار، فإنّ ما هو محل ابتلاء المصلي غالباً إنما هو الأرض وما كان مثبتاً فيها، وأمّا غير ذلك فنكتة التسهيل فيه أضعف، فيجب الجمود على مقدار 

ــــــــــ[351]ــــــــــ

(1) فقه الشيعة 5: 268، 269، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث: الشمس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الدليل، ولا يجوز التعدّي إلى غيره.

وعليه فالانتقال من الموجبة الجزئيّة إلى الكلّيّة بلا موجب. ومعه فالإيجاب الكلّي متوقّف على تتميم رواية أبي بكر الحضرمي(1).

المسألة الثانية: في الحصر والبواري 

قال: و لا تطهر من المنقولات إلا الحصر و البواري فإنها تطهرهما أيضاً على الأقوى(2) 

فإن كان المدرَك هو الإجماع فالقدر المتيقّن غيرها، ونقل الإجماع فيها ليس بحجّة.

وإن كان المدرَك هو الأدلة اللفظية فيمكن أن تُقرَّب مطهّريتها بعدّة تقريبات:

التقريب الأوّل: التمسّك بعموم رواية أبي بكر الحضرمي

فإنها تشمل المنقول وغيره، غاية الأمر أنّ المنقول غير الحصير والبارية خرج بالإجماع فيبقى هذا تحت الرواية.

وتفصيل الكلام في ذلك: أنّ خروج شيء عن إطلاق الرواية بمخصّص منفصل وأنّ أبا بكر الحضرمي فهم منها الشمول حتى ليده وثوبه، فحينئذٍ يتم الاستدلال بالرواية كما سبق، لأنّ الظهور منعقد.

ــــــــــ[352]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5. 

(2) من عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 129.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأخرى نفرض أنّ المخصّص كان متّصلاً بمعنى أنّ أبا بكر الحضرمي نفسه لم يشك لحظةً -على ضوء ارتكازاته المتشرّعية والعرفية- في أنّ الإمام يريد أن يجعل الشمس مطهراً عمومياً كالماء، فإنّ المركوز في ذهنه عدم المطهّرية العمومية إلاّ في الماء.

فإن قبلنا من الفقهاء أنّ هذا العموم في نفسه لا يشمل المنقول، لأنه يشترط فيه القابلية بالمعنى الذي قلناه، فهذه الرواية إذن مخصوصة بما لا يُنقل، ولا تشمل غيره، والحصير والبارية مما يُنقل فلا تشملها.

وإن لم نقبل هذا الاستظهار وهو أخذ القابلية المخصوصة، وفي عين الوقت لم نفهم العموم من المطهّرية، فإنّ الارتكاز يكون قرينةً لُبّيةً متصلةً على عدم إرادة العموم، وهذا الارتكاز يكون تأثيره بأحد نحوين: 

النحو الأوّل: أن يفهم السامع أنّ الإمام أخذ قيداً مستتراً في موضوع كلامه لم يصرّح به.

ومعه يصير هذا الكلام مجملاً، لأننا لا نعلم هذا القيد -وهو مردد بين الأقل والأكثر- هل ما أشرقت عليه الشمس من الأرض أو من غير المنقول أو من موضع الصلاة؟ فيوجب الإجمال للعام، ويمنع من التمسك به إلاّ في القدر المتيقن.

النحو الثاني: إن الارتكاز لم يكن بالغاً بذلك المقدار وإنما يهدم الإطلاق بمقدار ما تمّ فيه الارتكاز، لا أكثر. فمن المعلوم أنّ الارتكاز انعقد على نقيض الموجبة الكلية، وأنّ الشمس ليست مطهرةً لكل شيء، فتنهدم كلية القضية لا 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

أصلها، ويتعين للخروج ما هو القدر المتيقن، كالثياب والأواني وأما غير المنقول عموماً بل حتى الحصر والبواري فتبقى تحت الإطلاق.

إلّا أن هذه الشقوق كلها مبنية على صحة رواية أبي بكر الحضرمي، ولكنها ساقطة سنداً كما سبق.

التقريب الثاني: التمسك بالإطلاق في رواية عمار(1) 

فإن موضوع القضية المستدل بها على المطهّرية هو عنوان (الموضع)، وموضوعية الموضع لا تتوقف على أن يكون ملصقاً بالأرض، فلو أُلصقت البارية بالأرض لَصدَقَ عليها أنّها موضع.

وهذا الإطلاق لا بأس به في نفسه، ولكن قد يأتي فيه ما أُشير إليه في الوجه السابق وهو أن الارتكاز يأبى عن أنّ الشمس مطهِّرة لكلّ موضع كيفما كان كالفراش القطني.

فقد يدّعى الانصراف إلى الموضع غير المنقول، أو إلى مرتبة مجملة مردّدة بين الأقل والأكثر، فيوجب إجمال العام.

وأما إذا كان هذا الارتكاز خاصاً بمقدار القدر المتيقن، فإنه سيشمل عنوان الموضع الباقي.

التقريب الثالث: ما ورد في خصوص الحصر والبواري

علي بن جعفر عن أخيه موسى، قال: سألته عن البواري يصيبها البول 

ــــــــــ[354]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تُغسل؟ قال: نعم، لا بأس”(1).

وقد استدل بها على المطهّرية، فإن تمت دلالتها على المطهّرية فلا بأس بالتمسّك بها في المقام، لأنه أخذ في موضوعها عنوان البارية، فلو جمدنا عليها فلا تشمل الحصير، وإن فهمنا منها أنّ البارية إنما أَخذت بوصفها من أصلٍ غير منقول. فنعمّم المطهّرية لكل ما كان كذلك.

التقريب الرابع: التمسّك بالاستصحاب

 إذ أنّ البواري قبل أن تتحول من أصلها غير المنقول كانت تُطهَّر بالشمس فيستصحب، وصيرورتها على هيئة جديدة لا يغير الموضوع كصيرورة الحنطة طحيناً أو خبزاً.

وإجراء هذا الأصل يتوقف على أمرين:

أحدهما: أن يبنى على استصحاب حكم المخصص، فيما إذا دار الأمر بين الرجوع إلى المخصِّص أو إلى حكم العام، فإن المقام صغرى من تلك المسألة(2).

ــــــــــ[355]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 3. 

(2) لاحظ: مباحث الاصول القسم الاول 4: 265، العموم، هل العام حجة فيما لم يعلم دخوله في المخصص المجمل. فوائد الاصول (النائيني) 2: 523، المقصد الرابع في العام والخاص، الامر الرابع، المبحث الثاني، قوانين الاصول 1: 265، الباب الثالث، المقصد الثاني، قانون العام المخصص….، كفاية الاصول: 220، المقصد الرابع، فصل في المخصص المجمل. مطارح الانظار: 196، القول في العموم والخصوص، هداية إجمال المخصص. محاضرات في الاصول 5: 162، عدة مباحث.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فإنّ عندنا عامّاً فوقانياً يدلّ على أنه لا مطهِّر سوى الماء، خرج منه بالتخصيص التطهير بالشمس في موارد مخصوصة، وهذا المخصص أخرج البارية حينما كانت شجراً، والمفروض أنّ هذا المخصص ليس له إطلاق أزماني أو أحوالي إلى ما بعد صيرورته باريةً، وإلاَّ لما احتجنا إلى الاستصحاب، فبعد صيرورته باريةً، ينتهي زمان التخصيص فهل يرجع إلى استصحاب حكم المخصِّص أو إلى العام الدال على انحصار المطهّرية بالماء؟

فإن بنينا على الرجوع إلى العامّ، فلا مجال للاستصحاب لأنَّ العامّ يكون حاكماً عليه، وإن بنينا على جريان استصحاب حكم المخصِّص جرى الأصل في هذه المسألة.

ثانيهما: البناء على إجراء الاستصحاب التعليقي، فإن استصحاب المطهّرية في المقام تعليقي؛ لأنَّ المطهّرية ليست بعنوانها حكماً مجعولاً، بل هو منتزعٌ من الحكم بطهارة الجسم على تقدير إشراق الشمس عليه، فهو استصحاب تعليقي(1).

ــــــــــ[356]ــــــــــ

(1) مباحث الاصول القسم الثاني 5: 386، الاستصحاب، تنبيهات الاستصحاب، الاستصحاب التعليقي، مجمع الافكار 4: 120، المقصد السابع، المقام الثاني، التنبيه السادس، كفاية الافكار 4: 166، المقام الثاني من المقصد الثالث، الامر الثالث قال: (… فلا قصور في جريان الاستصحاب التعليقي فيها قبل حصول المعلق عليه في الخارج لعموم ادلته الشاملة لمثله).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

فإن قلنا: إنّ الاستصحاب التعليقي لا يجري أصلاً(1)، فلا يجري هنا.

وإن قلنا: إن الاستصحاب التعليقي معارض دائماً باستصحاب تنجيزي(2) وهو استصحاب بقاء النجاسة فيه في المقام، فالاستصحاب وإن كان يسقط بالمعارضة، وحينئذٍ لا بُدَّ من الرجوع إلى أصل طولي كأصالة الطهارة لو قيل بجريانها في أمثال المقام.

والصحيح أنها لا تجري لأنَّ المقام من موارد الشكّ في بقاء النجاسة لا في حدوث النجاسة، والمشهور يقولون: إنَّه في موارد الشك في بقاء النجاسة لا يجري أصل الطهارة لحكومة الاستصحاب عليه. فلو سقط استصحاب النجاسة بالمعارضة لا بأس بالرجوع إلى قاعدة الطهارة.

ــــــــــ[357]ــــــــــ

(1) مباحث الأصول القسم الثاني 5: 393، الاستصحاب، تنبيهات الاستصحاب، الاستصحاب التعليقي، قال: “ثم اننا ذكرنا تعميقا لفهمنا لما ذكره المحقق النائيني من الوجه في عدم جريان الاستصحاب التعليقي اموراً:…” وقال في ص411 من نفس الجزء: “… فعندئذ لا يجري استصحاب الجعل لعدم كونه المشكوك، ولا استصحاب المجعول لأن استصحاب المجعول إنما يجري في الأفق الذي يرى فيه المجعول أي في حالة يفرض تأخّرها عن غليان العنب، ولا استصحاب الملازمة لعدم ترتّب أثر عملي عليه من التنجيز والتحذير”. 

(2) مباحث الأصول، القسم الثاني 5: 412، الاستصحاب، تنبيهات الاستصحاب، الاستصحاب التعليقي. مقالات الأصول 2: 403، المقالة الرابعة والعشرون، تنبيهات الاستصحاب، الاستصحاب في الامور التعلقية.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأما نحن فنقول: إن عدم جريان قاعدة الطهارة في موارد الشك في بقاء النجاسة لقصور في دليلها، فلا يمكن الرجوع إليه حتى بعد سقوط الاستصحاب.

هذا تمام الكلام في الحصر والبواري.

ومنه يظهر الكلام في ما كان أصله غير منقول غير الحصر والبواري، فإن أكثر الوجوه السابقة -ولا أقلّ من الوجه الأوّل والأخير- تجري فيها. 

نعم، لا يأتي الوجه الثالث، باعتبار ورودها في البارية، إلاّ أن يتعدّى منها، ولا الوجه الثاني؛ لأنّه ليس كل ما كان أصلاً غير منقول يصدق عليه أنه كان موضعاً قذراً.

ــــــــــ[358]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 

حكم السفينة والطراد ونحوهما

قال: والظاهر أن السفينة والطرادة من غير المنقول وفي الكاري ونحوه إشكال وكذا مثل الچلابية والقفة(1) 

ثمَّ إنَّ السيد الماتن وغيره ألحقوا بغير المنقول من المنقول السفينة والطرادة ونحوها.

وهو إما أن يكون للتمسّك بالإطلاق لعدم الإجماع فيه. 

أو لدعوى أنه يصدق عليه عنوان الموضع الموجود في روايتَي زرارة وعمار.

ــــــــــ[359]ــــــــــ

(1) تتمة عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 130. والجلابية نوع من المراكب النهرية الصغيرة والتي لا تحتمل الأثقال الكبيرة وكذلك القفة معروفة وهي مستديرة وتحتمل الأثقال، وقد انقرضت هذه المراكب اليوم إلا ما ندر في بعض البلدان.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 

شروط مطهّرية الشمس

قال: ويشترط في تطهيرها أن يكون في المذكورات رطوبةً مُسرِيةً(1).

بعد أن بين موضوع المطهّرية صار في مقام بيان شروطها.

الشرط الأول: وجود رطوبة مسرية

وأحدها: وجود رطوبة مُسرِية فلا تكفي أصل الرطوبة فضلاً عن عدم الرطوبة.

وقد سبق أن تكلّمنا أنه يكفي التجفيف التقديري(2)، ولكن بعد أن نفرغ عن عدم كفايته، نتكلّم عن أنّ مقدار الرطوبة المطلوبة هل هي الرطوبة المسرية أو غيرها؟ فإن غير المسرية تعتبر عَرَضا عرفاً، والمسرية تعتبر جوهراً عرفاً، وهي التي يعلق شيء منها في الملاقي.

ففي مطهّرية الشمس عدّة حالات:

الحالة الأولى: أن توجد رطوبةً مُسرِيةً، وجفّت بالشمس وزال مطلق 

ــــــــــ[360]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 130، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث الشمس. 

(2) تقدم منه ذلك في هذا الكتاب في عنوان: (فروع في مطهّرية الشمس: الفرع الأول: اشتراط التجفيف في المطهّرية). فانظر ص344.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الرطوبة وهي المتيقن من صور المطهّرية. 

الحالة الثانية: أنّ الرطوبة الموجودة غير مُسرِية والشمس جففتها. 

الحالة الثالثة: أنّ الرطوبة كانت مُسرِيةً، والشمس جعلتها رطوبةً غير مُسرِية. فيقع الكلام في الصورتين الأخيرتين: 

فإن بُني على حجية رواية ابن بزيع(1)، بالجمع بينها وبين أدلة المطهّرية، كما حاولوا، وأنّها في مقام اشتراط الرطوبة، فلا إشكال في صلاحيتها في اعتبار الرطوبة المُسرِية. لأنها دالة في نفسها على اعتبار الماء “كيف تطهر من غير ماء” والماء فيه ثلاث خصائص:

  1. كونه رطوبةً.
  2. كونه رطوبةً مسريةً.
  3. كونه ماءً مطلقاً.

ومقتضى الجمود هو اعتبارها جميعاً.

ولكن بعد الجمع العرفي بينه وبين سائر الأدلة نرفع اليد عن الخصوصية الثالثة، وأنّ الماء أخذ بما هو مائع، ولكن بوصف كونه مسرياً، فلا موجب لرفع اليد عنه.

نعم، هذه الرواية لا تدل على أنه لم يحصل تطهير، وأنه هل لا بُدَّ من تجفيفه 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 7. تهذيب الاحكام 1: 273، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث: 92. الاستبصار 1: 193، كتاب الطهارة، الباب 114، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

تماماً أو يكفي تنزيله إلى الرطوبة غير المُسرِية؟ فتكون دالةً على عدم المطهّرية في الصورة الثانية، لاشتراط الرطوبة المُسرِية. 

وأمّا إذا لم نعمل برواية ابن بزيع بأن أوقعنا المعارضة بينها وبين روايات المطهّرية، وقدّمنا تلك الروايات بمرجح كالشهرة أو مخالفة العامة. وعندنا روايتان: رواية زرارة(1): “إذا جففته الشمس فصلِّ عليه فهو طاهر“. ورواية عمار(2): “إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس…” الحديث. 

فإن بنينا على أنّ المدرَك للمطهّرية منحصر بصحيحة زرارة، فسائر الروايات لا دخل لها في حساب المطلب، وهي أُخذ في موضوعها عنوان التجفيف.

وهذا العنوان إن كان مساوقاً لكون الشيء يابساً، فمقتضى ذلك عدم اشتراط الرطوبة المُسرِية، لأنّ اليبوسة يقابلها مطلق الرطب. نعم لا بُدَّ من استمرار عملية التجفيف حتى ترفع كل الرطوبة ولا يكفي انخفاض الرطوبة بالشمس.

وأما إذا فرّقنا بين التجفيف واليبوسة -كما يساعد عليه بعض الأنظار 

ــــــــــ[362]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 244، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها…، الحديث: 732، وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 1. عوالي اللئالي 3: 59، باب الطهارة، الحديث: 175.

(2) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

العرفية- وأن الجفاف أوسع من اليبوسة، فالجفاف في مقابل المبتل برطوبة مُسرِية، واليابس في مقابل الندي برطوبة غير مُسرِية.

فتكون الرواية دليلاً على اعتبار الرطوبة المُسرِية. فلو كانت الرطوبة التي جفت غير مُسرِية فلا تطهر ولو كانت مرطوبةً برطوبة مُسرِية وصارت بالشمس غير مُسرِية فإنها تطهر.

وأمّا إذا كان المدرَك سائر الروايات بما فيها موثقة عمار. فقد أخذ فيها عنوان اليبوسة صريحاً. فإن حملنا التجفيف على اليبوسة، لم نحصل على زائد، وتكون النتيجة واحدةً.

وأما إذا استظهرنا من رواية زرارة من التجفيف ما يقابل اليبوسة، فيحصل هناك فرق بين الروايتين.

وكل واحد بمفهومه المصرّح به، أو غير المصرّح به على نفي ما ذكره الآخر. وصحيحة زرارة مفهومها أنه إذا لم يجف بالشمس فهو ليس بطاهر، ومعناه أنه إذا لم تكن الرطوبة مُسرِيةً فلا يطهر، ورواية عمار مفهومها: إذا لم ييبس فلا يطهر، أي فلا يطهر تحويل الرطوبة من مُسرِية إلى غير مُسرِية (الذي هو التجفيف).

وهذا يصبح من قبيل الشرطيتين المتّحدتين جزاءً، والمختلفتين شرطاً، كقوله: (إذا خفي الآذان فقصّر)(1)، و(إذا خفيت الجدران فقصّر)(2). فيتعارض 

ــــــــــ[363]ــــــــــ

(1) الوسائل: ج ٥ ص ٥٠٥. الباب ٦ من أبواب صلاة المسافر، ح 1، 3، 7، ط الإسلامية.

(2) المصدر نفسه.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

منطوق إحداهما مع مفهوم الأخرى.

وفي تلك المسألة كلام في أنه هل يجمع بينهما بتقييد مفهوم إحداهما بمنطوق الآخر، أو يكون التعارض مستحكماً.

فإن قيل بالأول: ينتج كون كل من الشرطين علّةً تامةً لكن غير منحصرة، ويكون لدينا علتان للتطهير التجفيف واليبوسة.

وإذا قيدنا منطوق إحداها بمفهوم الاخرى أصبحت لنا علة واحدة مكونة من التجفيف واليبوسة.

وإن قلنا باستحكام التعارض: فيتساقطان لعدم وجود المرجح، فإن بنينا على رواية أبي بكر الحضرمي(1)، وجعلناها من روايات المطهّرية، فسوف تكون هي المرجع الفوقاني بعد التعارض؛ لأنها لا تعتبر تجفيفاً ولا تيبيساً.

وينتج أنّه في مورد تيبيس لا تجفيف معه، أو في تجفيف لا تيبيس معه نرجع إلى هذا المطلق، وينتج عدم اعتبار الرطوبة المُسرِية.

وإن لم نعمل بها، فلا بُدَّ من الرجوع إلى إطلاقات (اغسل) الدالة على أنّه لا مطهِّر سوى الماء، الدالة على أنّ الشمس غير مطهِّرة أصلاً، فبعد سقوط المقيّدات بالتعارض نرجع إلى هذا العام.

هذا كله بناءً على الاعتراف بمطهّرية الشمس، ونحن لا نقول بها، ونحن مبنانا في الأصول فيما إذا اتحد الجزاء وتعدد الشرط على التعارض والتساقط.

ــــــــــ[364]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الشرط الثاني: التجفيف بالإشراق

قال: وأن تجففها بالإشراق عليها بلا حجاب عليها كالغيم ونحوه(1) 

الشرط الآخر للمطهّرية -الذي يذكره المصنف-: هو أن يكون التجفيف بالإشراق، فإن حرارة الشمس على الأرض تارةً تكون بالإشراق وقد تكون بالمجاورة ونحوها. فأيٌّ من التجفيفين هو المعتبر.

لا إشكال في أنّ صحيحة زرارة مطلقة، فلو كان المدرَك منحصراً فيها -كما هو كذلك-، فلا بأس بالعمل بهذه الصحيحة ولا نشترط الإشراق.

وأما إذا بنينا على صحة الروايات الأخرى التي مرّ الاستدلال بها، فقد يقال بوجود مقيّد لهذا الإطلاق وهو أحد أمرين:

المقيد الأوّل: رواية أبي بكر الحضرمي(2)

كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر“، حيث أخذ الإشراق في موضوع المطهّرية.

إلاّ أنّ هذا المقيّد ليس في محلّه، إذ قد يقال: إنّها ليس لها مفهوم يدل على أنه إذا لم يحصل إشراق لا يحصل تطهير، فإنها ليست بصيغة الشرطية.

وغاية ما يمكن أن يقال في تقييد هذه الرواية لصحيحة زرارة: إنّ كل قضية حمليّة ظاهرة في أنَّ العنوان المأخوذ فيها له دخل في ثبوت الحكم ولو 

ــــــــــ[365]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 130.

(2) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بشخصه، (فأكرم العالم) وإن لم يكن لها مفهوم، إلاّ أنها تدل على أي حال على أنّ العلم له دخل في شخص هذا الوجوب.

فإذا عملنا بإطلاق صحيحة زرارة، وقلنا إنّ التجفيف يحصل بالإشراق وبغيره، والتزمنا بأنّ الإشراق بلا تجفيف لا يكفي، كما عليه الفقهاء وهذا معناه أنّ الاشراق ليس له دخل في التطهير أصلاً، وليس فقط أنه ليس علةً منحصرةً، وهذا على خلاف ظهور القضية الحمليّة أيضاً لا ظهور الشرطية فقط، فتكون الرواية دالةً على أنّ الإشراق له مدخليّة في الجملة ولو بمعنى كونه قيداً لمطهّرية التجفيف وهو المطلوب.

وهذا التقييد يتمّ إذا لم نستظهر من الاشراق الطريقيّة إلى الجفاف.

وأمّا إذا فهمنا الطريقيّة باعتبار مركوزيّة أنّ الإشراق بما هو لا يطهِّر، أو كانت الرواية مجملةً من هذه الناحية، فلا يتمّ هذا البيان.

المقيد الثاني موثقة عمار(1)

“إذا كان الموضع قذراً من بول أو غير ذلك، فأصابته الشمس، ثمَّ ييبس... الحديث، فإنّه من دون إشراق لا يصدق أنّه أصابته الشمس فيقيّد إطلاق صحيحة زرارة(2).

هذا المقيّد يمكن أن نعلّق عليه بتعليق أيضاً: وهو أنّنا إذا دقّقنا الشرط بين 

ــــــــــ[366]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 4. 

(2) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

القضية في رواية زرارة، والشرط في القضية في رواية عمار نجد أنّ النسبة ليست هي العموم والخصوص، بل نسبة العموم من وجه.

فإن قوله: “إذا جففته الشمس فصلِّ عليه فهو طاهر” لو تحفظ فيه بتمام ما أُخذ في صحيحة زرارة، وأُضيف إليه شيء زائد كان أخصّ.

ولكن الأمر ليس كذلك فإنّ صحيحة زرارة التي تقول: “إذا جففته الشمس فصلِّ عليه فهو طاهر“، ظاهرةٌ بعدم كفاية كون الشمس جزء العلة، وإن كان يكفي التجفيف بالمجاورة، ورواية عمار تشترط الإشراق وهو أخصّ من صحيحة زرارة من هذه الناحية، وهو أعمّ منها من ناحية أنه يقول: “ثمَّ يبس الموضع القذر” الذي يكفي فيه أن تكون الشمس جزء العلة في التجفيف، فيكون بين العنوانين عموم من وجه، يجتمعان في التجفيف المستقل المستند إلى الإشراق، وتتميز رواية زرارة بالتجفيف المستقلّ بغير الإشراق، وتتميز رواية عمّار بالإشراق المؤثّر في التجفيف ضمناً.

فيصير حالهما أيضاً حال القضيتين المتّحدتين جزاءً المتعدّدتين شرطاً.

إذن فهذا المقيِّد لا يخلو من خدشة، وقد تلخّص أنّه لا يشترط إشراق الشمس في مقام المطهّرية.

ومنه يظهر إمكان الاستشكال في مقيّدية المقيد الأوّل أيضاً، لأنّ رواية ابي بكر الحضرمي قلنا في مقيّدتها: أننا لو لم نقيّد بها رواية زرارة للزم إلغاء عنوان الإشراق رأساً كما سبق.

فيقال: إنّه لا يلزم إلغاء العنوان رأساً، إذ مع عدم الإشراق نلتزم 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

بالتجفيف المستند إلى الشمس مستقلاً، وأما مع الإشراق فيكفي التجفيف المستند إلى الشمس ولو ضمناً وغيره. فلم يستلزم إبقاء إطلاق رواية زرارة إلغاء الإطلاق رأساً، بل يكون له دخل في الجملة.

وعليه فالمعارضة بنحو العموم من وجه بين صحيحة زرارة وموثقة عمار تكون موجودةً، وبعده إن تمّت عندنا رواية علي بن جعفر في الصلاة على البواري عن أخيه موسى في حديث، قال: سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفّت من غير أن تغسل؟ قال: نعم، لا بأس”(1).

فإنها إذا تمّت دلالتها على مطهّرية الشمس في نفسها، فإنها تصلح مرجعاً فوقانياً، لأنّها تدل على مطهّرية الجفاف في نفسه بإشراق وبدونه مستنداً إلى الشمس أو لا. ورواية زرارة نسبتها إليها نسبة المقيِّد وكذلك رواية عمار. وبعد تساقط المقيّدين نرجع إلى هذا العام، ومقتضاه عدم اعتبار الإشراق.

وأما إذا لم نقبل رواية علي بن جعفر في مطهّرية الشمس فينحصر المرجع بأدلّة الأمر بالغسل الدال على أنّ التجفيف والشمس ليسا بمطهّرين، والقدر المتيقن الخارج منه مورد توافق المقيِّدين، صحيحة زرارة ورواية عمار وأما مورد تعارضهما فيحكم بعدم المطهّرية ما لم يحصل الإشراق.

ــــــــــ[368]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الشرط الثالث: استقلال الشمس بالتجفيف

قال: ولا على المذكورات فلو جفت بها من دون إشراقها ولو بإشراقها على ما يجاورها أو لم تجف أو كان الجفاف بمعونة الريح لم تطهر نعم الظاهر أن الغيم الرقيق أو الريح اليسير على وجه يستند التجفيف إلى الشمس وإشراقها لا يضر(1) 

الشرط الآخر: اشتراط الاستقلال في التجفيف للشمس، فلو كان مستنداً إلى الشمس والريح لم يحكم بالمطهّرية. والكلام في ذلك يقع في مرحلتين: 

المرحلة الأولى: أنّ الجزء الآخر المشارك للشمس كان معتداً به في تأثيره فهل يحكم بالمطهّرية أو لا؟ فلو بنى على عدم المطهّرية يُنتقل إلى: 

المرحلة الثانية: وهو ما إذا كان الجزء الآخر غير معتدٍ به فهل يضر مشاركته أو لا؟

المرحلة الأولى: فيما إذا كان الجزء الآخر معتدّاً به

فإن كان المدرَك للمطهّرية منحصراً بصحيحة زرارة -كما هو الصحيح- فلا اشكال أنَّ ظاهرها اسناد التجفيف بتمامه إلى الشمس، فلو شاركها غيرها لا يكون مقبولاً، فإنّ كل رطوبة لها تجفيف واحد، فإذا أُسند إلى علة ظاهره إسناده إلى الشمس مستقلاً، وحيث إنّ القضية شرطية، فتدل على نفي المطهّرية بدون ذلك.

ــــــــــ[369]ــــــــــ

(1) نص الماتن من عنوان الفصل، العروة الوثقى 1: 130.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأمّا إذا تمّمنا سائر الروايات، فتارة تكون من قبيل موثقة عمار: “إذا أصابته الشمس ثمَّ يبس الموضع القذر“، لو جمدنا على حاق الألفاظ فهي لا تشترط إسناد اليبوسة إلى الشمس لا مستقلاً ولا ضمناً، ولكن حين يعطف على ما هو علة ينصرف إلى نحو من الارتباط ولكنه أعمّ من الاستقلال وغيره، فتكون طرفاً للمعارض مع صحيحة زرارة(1) بنحو العموم من وجه، كما سبق.

وكذلك لو التفتنا إلى صحيحة زرارة(2) الأخرى: “إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافاً فلا بأس به…”الحديث. وهي واضحة في عدم اشتراط استقلال الشمس؛ لأنّها عطفت الريح، فتصبح معارضة لصحيحة زرارة.

إلّا أن يستشكل: بأنّها دلّت على اعتبار الريح مع الشمس، وأنّ الشمس وحدها لا تكفي.. ونحن قد فرغنا عن عدم اعتبار الريح، فإنّه غير محتمل فقهياً.

وحينئذ يقال: إنّ هذه الرواية لا بُدَّ من التصرّف فيها، وحينئذٍ نتصرف فيها بنحو يلائم صحيحة زرارة بحمل الريح على اليسير الذي لا ينافي صدق عنوان: (جففته الشمس).

وهذه المناقشة غير صحيحة؛ لأنّ هذه الرواية فيها ظهوران: ظهور في طرف الموضوع وهو الظهور في اعتبار دخل الريح. وظهور في طرف المحمول، وهو إطلاق كلمة (الريح) لليسير والقوي، والمتعيَّن رفع اليد عنه هو الظهور 

ــــــــــ[370]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 1. 

(2) وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأوّل، على كِلا التقديرين في الظهور الثاني، فإنّ الريح غير معتبرة جزماً.

وأمّا الظهور الثاني فلا موجب لرفع اليد عنه، وهو الذي ينفع الاستدلال به، مما يتبيّن أنّ ما رفع اليد عنه هو الأوّل، وما هو محط الاستدلال هو الثاني. ومع رفع اليد عن الأوّل تكون الريح لا بأس بها لا أنّها شرط، فتكون الرواية دليلاً على عدم اشتراط استقلال الشمس في التجفيف، فتقع طرفاً للمعارضة مع صحيحة زرارة(1)، فإن لم يحصل مرجِّح عدنا إلى مرجع فوقاني عيّناه فيما سبق.

المرحلة الثانية: فيما إذا كان الجزء الآخر غير معتدّ به

بناءً على انحصار المدرَك في صحيحة زرارة، فهل يضرّ مشاركة الريح بشكل يسير جداً؟ 

المعروف والصحيح عدم الإضرار، إما باعتبار أنه لا ينافي صدق إسناد التجفيف إلى الشمس لأنّه يعتبر مستهلكاً عرفاً، أو باعتبار الغلبة ووجود الجزء الآخر ولو بشكل ضعيف.

نعم، هنا شيء يرجع إلى الصغرى وهو: أنّ هذا الشيء الآخر الذي نفرضه مع الشمس كالريح، إذا كان أثره أقلّ بكثير من الشمس، فهذا معناه أنّ الرطوبة إذا وصلت إلى مرحلة، فإنّ الشمس تسبق إلى تجفيفها، ولا تساهم الريح في تجفيفه، فإنّ الريح لو كانت تجففه بمقدار واحد من خمسة، فإذا وصلنا 

ــــــــــ[371]ــــــــــ

(1) الأخرى: وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إلى أربعة أجزاء من الرطوبة استقلت الشمس عرفاً بالتجفيف.

إنّ استقلال الشمس بالتجفيف يحصل عادةً حتى مع وجود المسبب الآخر إذا كان أضعف منها بمقدار معتد به.

وتوضيحه بعد توضيح نقطتين:

النقطة الأولى: أنّ الرطوبة قد تصل إلى درجة تكون رطوبةً بالدقة وليست رطوبةً بالمعنى العرفي، إذن فانعدام الرطوبة العرفية يسبق انعدام الرطوبة الدقية.

النقطة الثانية: أنّ من يعتبر استقلال الشمس في مقام التطهير لا يرى ضرراً في وجود سبب آخر إذا كان مستهلكاً في سببيته عرفاً. 

ومعنى الاستهلاك أنّه لو بقي ذاك وحده لكفى في إزالة الرطوبة في نظر العرف، ولو بقي هذا وحده لما كفى (في برهة معيّنة من الزمن على أي حالٍ).

وعلى ضوء ذلك نقول: إنّ الشمس قد تكون قادرةً على إعدام الرطوبة هنا عرفاً في مقدار ربع ساعة، ونفرض أنّ سبباً آخر انضمّ إلى الشمس وهذا السبب الآخر لو فرض أنّه بقي ربع ساعة لما أعدم مقداراً عرفياً من الرطوبة، وإنّما يعدم مرتبة دقّية من الرطوبة، فإذا كان كذلك فمن الواضح أنّ السبب الثاني مستهلك في جانب الشمس، لتوفر نكتة الاستهلاك التي ذكرناها.

وأخرى، يفرض أنّ السبب الثاني لو كان وحده لكفى وحده لإعدام الرطوبة بتمامها، فمن الواضح في مثله عدم الاستهلاك.

وهناك صورة وسط بين الصورتين وهو أنّ السبب الآخر لو كان وحده 

ــــــــــ[372]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

خلال ربع ساعة فهو يؤثر بمقدار ربع تأثير الشمس، بمعنى أنّه يعدم مرتبةً عرفيةً من مراتب الرطوبة، ولكنه لا يزيلها تماماً. فعند لحاظ ربع الساعة بتمامها فلا بُدَّ أن يعترف العرف بتأثير هذا السبب الثاني. وليس مستهلكاً، لأنّه لو كان وحده لأثّر في تجفيف الرطوبة عرفاً. لكننا نحن لا نلحظ مقدار ربع الساعة، بل نخفّف هذه الرطوبة في قلّتها إلى مرتبة عرفية ضئيلة بحيث لو تسلطت الشمس وحدها بمقدار دقيقة لزالت الرطوبة العرفية، وإن بقيت رطوبة دقيّة، ولو تسلط السبب الثاني بمقدار دقيقة لزالت الرطوبة الدقّية وبقيت الرطوبة العرفية.

فمن الآن لو أردنا تطهير المكان بالشمس كانت الشمس مستقلةً في التأثير، ويكون السبب الآخر مستهلكاً، لانطباق مفهوم الاستهلاك عليه.

الإشراق بواسطة المرآة

قال: وفي كفاية إشراقها على المرآة مع وقوع عكسه على الأرض إشكال (1).

لو اصطدم ضوء الشمس على جسم قابل للانعكاس كالمرآة وانعكس على الأرض، فهل يكفي ذلك بعد البناء على عدم كفاية مطلق التجفيف، بل على اشتراط المواجهة؟ يقول فيه إشكال.

والذي ينبغي أن نقول: إنّه بناءً على اشتراط شرط زائد على مطلق 

ــــــــــ[373]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 130، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهرات الشمس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التجفيف فما هو هذا الشرط. هل هو عنوان الإشراق الذي أُخذ في رواية الحضرمي(1) أو الإصابة المأخوذ في رواية عمار(2).

فإن كان قد أخذ عنوان الإشراق فالظاهر عدم صدقه في المقام، لأنّ الظاهر هو أنّ الإشراق -ولا أقلّ من احتماله- يضاف إلى قرص الشمس، ويكون مرجعه إلى المواجهة، والمواجهة مع قرص الشمس لا تصدق بلا إشكال.

وهذا بخلاف ما إذا فرضنا أنّ القيد عنوان الإصابة لا عنوان الإشراق، فإنّ الاصابة إذا أُضيفت إلى ضوء الشمس فمن المعلوم أنّ هذا ضوء الشمس وليس شيئاً آخر، وإن فرض أنّ الإصابة أُضيفت إلى قرص الشمس فلا بُدَّ أن يراد به الإصابة بضوء الشمس، فيكون صادقاً لوضوح أنّ الضوء بانعكاسه على المرآة لا يصبح ضوء المرآة بل ضوء الشمس.

ــــــــــ[374]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5. 

(2) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



مسألة 1: [عموم مطهّرية الشمس للظاهر والباطن]

قوله: كما تطهِّر ظاهر الأرض كذلك باطنها المتصل بالظاهر النجس بإشراقها عليه وجفافه(1).

نفرض مكاناً ترطبت أعماقه بالنجاسة، وأشرقت الشمس على سطحه، وجفّفت أعماقه أيضاً، فهل تختصّ الطهارة بالظاهر أو تعمّه بتمامه؟

أدلة طهارة الباطن ومناقشتها

الدليل الأول: رواية الحضرمي 

الذي ينبغي أن يقال: إننا إن استندنا بالمطهّرية إلى رواية أبي بكر الحضرمي “ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر” وتمّت عندنا سنداً ودلالةً؛ فقد يقال في مقام إثبات فتوى الماتن، أنّ ما أشرقت عليه الشمس كما يُراد به السطح يمكن أن يراد به الجسم، فإنها تشرق على الجسم عرفاً، فيحكم بمطهّرية الشمس للجسم بأعماقه.

ويمكن أن ينقض على هذا التقييد أنّه لماذا لم تلتزموا في أدلة المطهرات 

ــــــــــ[375]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 130، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهرات الشمس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأخرى أيضاً، كقوله: (كل ما رآه ماء المطر فهو طاهر)(1)، فإنه يصدق على الثوب أنه رآه ماء المطر، فيطهر بتمام جوانبه، مع أنّه لا يُلتزم بذلك. إذن فـ(اسم الموصول) يراد به السطح لا الجسم في كِلا الروايتين.

نظريتان عرفيّتان حول الجسم

هذا النقض ينقلنا إلى كلام وهو: أنّ الجسم يمكن أن يُلحظ عرفاً بلحاظين:

تارةً: بلحاظه موضوعاً مستقلاً.

وأخرى: باعتبار كل جزء أو كل سطح موضوعاً للدليل.

ونحن لا نشك في أنّه في دليل المطر لوحظ كل سطح موضوعاً مستقلاً، كما لا نشك في قوله: (كلّ ماء أصابه النجس فهو نجس)(2). أنه أريد به كل سطوح الماء.

فكِلتا النظرتين عرفيتان والذي يعيّن أحدهما هو مناسبات الحكم والموضوع. ففي دليل المطر، المركوز عرفاً أنّ مطهّرية المطر بالانغسال لا بالمجاورة، وهو يخصّ الجانب أو السطح الذي أصابه المطر ولولا ذلك لأمكن القول بطهارة الثوب، لصدق عنوان ما رآه ماء المطر.

وأما بالنسبة إلى الإشراق، فلا يأبى العرف أن يكون مطهِّراً لتمام الجسم، فلا بأس من التمسك بإطلاق الرواية للقول بطهارة أعماق الجسم.

ــــــــــ[375]ــــــــــ

(1) الكافي (إسلامية) 3: 13، الخبر: “كُلُّ شَيءٍ يَرَاهُ مَاءُ المَطَرِ فَقَدْ طَهُرَ”.

(2) قاعدة فقهية مستفادة من مجموع روايات باب أحكام المياه.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

وأمّا إذا لاحظنا روايات أخرى كموثقة عمار ورواية زرارة، فالمطلب أشكل، لأنه حكم بمطهّرية الشمس بالإصابة، وموضوع الإصابة ليس هو الجسم بل هو السطح والموضع، ومن الواضح أنّ الموضع والسطح يختص بالسطح الخارجي.

ولا أدري كيف قال السيد الأستاذ(1) (أنّ موضوع الحكم بالمطهّرية في رواية زرارة، هو الشيء الذي جففته الشمس). لا أدري من أين جاءت كلمة الشيء!! ومعه فلا يحكم بمطهّرية الأعماق.

ولا يتوهّم أن كلمة السطح التي جاءت في رواية زرارة يُراد به ما نريد به الآن وهو أعلى البيت أو سقف البيت، فإن السطح عبارة عن ظهر البيت أي الجزء الذي يظهر من البيت في جهة العلو.

فموضوع الطهارة هو ظهر البيت، وما يظهر منه هو السطح الفوقاني دون أعماق الطابوق.

الدليل الثاني: رواية علي بن جعفر

نعم، هناك رواية في البارية تقول: “إذا يبست فصلِّ عليها”، وهي رواية علي بن جعفر قال: “سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها 

ــــــــــ[377]ــــــــــ

(1) قال ما لفظه: (إلّا أن صحيحة زرارة تدلنا على طهارة الباطن أيضاً لقوله فيها: “فهو طاهر” حيث إن الضمير فيه يرجع إلى الشيء المتنجِّس بالبول ونحوه)، التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 141، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، الثالث من المطهّرات الشمس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

إذا جفّت من غير أن تغسل”…(1) الحديث.

فإذا جفت بالشمس فلا بأس بالصلاة عليها سواء كانت الصلاة على الوجه الذي أشرقت عليه الشمس أو على الوجه الآخر. وبعد حمل الرواية على المطهّرية يستفاد أنها تطهر بكلا وجهيها، وبذلك يثبت أنّ الشمس تطهر العمق أيضاً، فالطهارة تمشي من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر ولا يفهم العرف منها الطفرة إلى الجانب الآخر.

إلّا أنّ هذا الاستدلال في غير محلّه، لأنّ مقتضى إطلاقها وإن كان هو طهارة كِلا وجهي البارية وأنه يكفي اليبوسة بالشمس بطهارتهما، لكنه مقيَّد بموثقة عمار الدالة على إشراق الشمس أو إصابتها فلا بُدَّ من إصابة الشمس للموضع القذر كما تقول موثقة عمار، وكل من وجهي البارية موضع قذر فهنا موضعان قذران، فمقتضى هذا التقييد أنه يشترط في تطهير الموضع القذر أن يصاب بالشمس، فلا يستفاد من رواية علي بن جعفر. طهارة الوجه الآخر الذي لم تشرق عليه الشمس.

وعليه فالظاهر أنه لا دليل على مطهّرية الشمس للباطن.

ــــــــــ[378]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 3. وجواب الإمام حسب المصدر: “قَالَ نَعَمْ لاَ بَأْس”. وروايته الأخرى في الوسائل: 3: 454: “إِذَا يَبِسَتْ فَلاَ بَأْس”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التفصيل بين التطهير بالاستقلال وبين تبعية الباطن للظاهر 

ثمَّ لو فرض تمامية هذه المطهّرية كما عليه السيد الماتن فقد فصل بين ما إذا كانت عملية التطهير مستقلةً بالباطن أو بتبع الباطن.

فالأول كما لو تنجس الظاهر والباطن ثمَّ طهّرنا الظاهر بالماء، وبقي الباطن نجساً ومرطوباً فجفّ بالشمس، فهل يطهر أو لا يطهر إلّا تبعاً للظاهر؟

فالمدرَك لمطهّرية الباطن إن كان هو التمسّك بإطلاق رواية أبي بكر الحضرمي(1) بأن قلنا إنَّ عنوان (ما أشرقت عليه الشمس) يصدق على الجسم لا على السطح فقط، فلا يكون شاملاً لأعماق الجسم، لأنّ ما هو نجس لم تشرق عليه الشمس، وما أشرقت عليه الشمس ليس بنجس، والجسم بما هو ليس بنجس. فيكون تفصيل الماتن في محلّه.

وإن كان المدرَك في المطهّرية منحصراً بصحيحة زرارة: “إذا جففته الشمس فصلِّ عليه فهو طاهر(2)، وافرضوا أنّ كلمة (الشيء) المفروض وجودها كانت موجودةً وتمّمنا دلالتها بذلك.

فهنا لا بُدَّ أن نلاحظ أنّ الرواية لم تشترط إشراق الشمس أصلاً (ولذا قلنا بكفاية الجفاف بحرارة الشمس) وإنما اشترطت التجفيف، فهل يستفيد العرف 

ــــــــــ[379]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث: 5. 

(2) وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الارتباطية لتجفيفات السطوح أو العرضية بينها؟ هل يستفيد الارتباطية بحيث متى لا يكون تجفيف الطبقة الأولى مطهِّراً، لا يكون تجفيف الثانية مطهِّراً، فلا تكون هذه التجفيفات مطهِّرةً، وإن استفدنا الاستقلال فلا موجب لهذا الاشتراط. ومقتضى القاعدة هو الاستقلالية، لأنّ الارتباطية قيد زائد لا قرينة عليه.

ــــــــــ[380]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  




مسألة 2: [كيفية تطهير الأرض الجافة بالشمس]

إذا كانت الأرض أو نحوها جافة وأُريد تطهيرها بالشمس يصبّ عليها الماء الطاهر أو النجس أو غيره مما يورث الرطوبة فيها حتى تجفّفها(1).

تقدمت فيما سبق؛ حيث قلنا إنّ المشهور اشترطوا في مطهّرية الشمس التجفيف الفعلي، وقلنا إنّه يكفي التجفيف التقديري(2).

وهل أخذُ التجفيف على نحو الموضوعية للحكم أو الطريقية. إلى مدّة معيّنة يحصل فيها التجفيف؟ وقلنا أنه لا يستبعد حمله على الطريقية فإنَّ الارتكاز العرفي يستنكر أن يكون لوضع رطوبة جديدة ويبوستها دخل في رفع أثر الرطوبة السابقة، وإن لم يستبعد الطهارة عند زوال الرطوبة المُنجِّسة نفسها وخاصة إذا شكّ بطهارة الماء القليل عند ملاقاته للمتنجّس، فإنه يبقى طاهراً هنا.

ــــــــــ[381]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 130، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهرات الشمس. 

(2) تقدم منه ذلك في هذا الكتاب في عنوان: (فروع في مطهّرية الشمس: الفرع الأول: اشتراط التجفيف في المطهّرية)0فانظر ص: 310.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



مسألة 3: [إلحاق البيدر الكبير بغير المنقولات]

 

ألحق بعض العلماء البيدر الكبير بغير المنقولات وهو مشكل(1).

لا يوجد عندنا في الروايات عنوان المنقول وغير المنقول، وإنّما هو موجود في كلمات الفقهاء. وما هو موجود إمّا العموم “كلّ ما أشرقت عليه الشمس“، أو (البارية) كما في صحيحة علي بن جعفر(2) أو عنوان (الموضع) و(السطح).

فالذي ينبغي أن يقال: إنّ المدرك إذا فرض عمومه كرواية أبي بكر الحضرمي(3) فما ثبت خروجه عنه بالإجماع هو ما كان نقله اعتيادياً بالأيدي. وأما ما لا ينقل كذلك إلاّ بتظافر الجهود فيبقى الباقي تحت المطهّرية.

ــــــــــ[381]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 130، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهرات الشمس. 

(2) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5. 

(3) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 

مسألة 4: [حكم الحصى والتراب والطين ونحوها]

الحصى والتراب والطين والأحجار ونحوها ما دامت واقعة على الأرض هي في حكمها وإن أُخذت منها لحقت بالمنقولات، وإن أُعيدت عاد حكمها، وكذا المسمار الثابت في الأرض أو البناء ما دام ثابتاً(1).

المقصود هو الحصى والطين والتراب وغيره، مما يمكن أن يفرض كونه منقولاً. إلاّ أنّ العناوين المأخوذة في الأدلة ليست هي عنوان (المنقول) و(غير المنقول)، بل (الموضع والمكان والسطح) ونحوها، فالحصاة إن كانت ملقاةً على الأرض بحيث تُعدُّ مساهِمةً في تكوين الأرض والمكان فيلحقها حكم المطهّرية، وأما إذا كانت بشكل يوضع على الموضع كالحصاة على الأرض المبلطة فإنها ليست جزءاً من الموضع وإنما هي شيء يوضع فيه، فالأدلّة لا تشمله.

إلّا أن يُقال إنّه يشمل كل ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر. بدعوى أنه يشمل كل ما كان بطبعه الأولي موضعاً، وإن خرج عن كونه موضعاً وصار موضوعاً كالحصاة، فيبقى الحكم عليها تمسّكاً بإطلاق الرواية بل يشملها الحكم حتى لو حملها بيده.

ــــــــــ[383]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 131، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهرات الشمس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

قوله: وكذا المسمار الثابت(1).

 والمسمار لا يصدق عليه المكان والموضع والسطح، فإن كان المدرَك أُخذ فيه هذه العناوين فيشكل لشمول الحكم. نعم، لو كان المدرَك هو رواية أبي بكر الحضرمي(2) مع إخراج القدر المتيقّن وهو ما ينقل بالطرق الاعتيادية وهذا لا ينقل بالطرق الاعتيادية. 

قوله: وإذا قلع يلحقه حكم المنقول وإذا ثبت ثانياً يعود حكمه الأوّل وهكذا فيما يشبه ذلك(3).

ــــــــــ[384]ــــــــــ

(1) من متن المسألة أعلاه.

(2) وسائل الشيعة 3: 453، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 5. 

(3) العروة الوثقى 1: 131، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهرات الشمس. هذا من تمام المسألة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  




مسألة5: [الشرط الرابع: زوال عين النجاسة]

يشترط في التطهر بالشمس زوال عين النجاسة إن كان لها عين(1).

اشتراط زوال عين النجاسة بناءً على ما استقرأناه سابقاً من إجمال روايات الباب وعدم وجود إطلاق لها للمطهّرية من غير البول فواضح، كما لو بنينا على أن مَدرَك المطهّرية منحصر بصحيحة زرارة كما هو كذلك. فالمطهّرية مخصوصة بخصوص البول، فاشتراط زوال العين واضحاً، لأن التجفيف لا يتم إلاّ به، إلاَّ في فروض نادرة ينصرف عنها الإطلاق.

وأما إذا بنينا على أن المدرَك هو رواية عمار التي تمسّك الأصحاب بإطلاقها إذا كان الموضع قذراً من البول وغير ذلك فقد يقال: إن مقتضى الجمود على إطلاقها اللفظي عدم اشتراط زوال العين.

وما جعلوه مقيِّداً لهذا الإطلاق أمران:

الأمر الأوّل: مركوزية أن زوال العين شرط في كلِّ مطهّر. وهذه القرينة تامة في نفسها.

ــــــــــ[385]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 131، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهرات الشمس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأمر الثاني: قوله: “ثمَّ أصابته” بدعوى أنّ النجس إذا كان شيئاً كثيفاً كالعذرة فيكون حاجباً عن الإصابة. مع أنّ الإمام فرض الإصابة، ومع الحجب لا يتحقّق المطهر.

إلّا أنَّ هذا لا يتمّ، لأنّ العين النجسة قد تفرض متمحِّضةً في الميوعة بحيث تزول بمجرّد التجفيف كالبول، وأخرى تُفرض جامدةً لا تزول به، وقد تفرض متوسطةً بين الأمرين كالدم، فإنّه يبقى له وجود بعد التجفيف، لكنه لا يمنع عن صدق الإصابة للسطح.

ومجرد وجود حمرة الدم الجاف عليه لا يمنع من صدق الإصابة. 

ويمكن استبدال القرينة بما أشرنا إليه سابقاً، وهو أنّ رواية عمار(1) ظاهرة بأنَّه لا محذور أصلاً حتى لو كانت رجل المصلي وجبهته رطبةً، فإنّ عين النجس إذا كانت موجودةً فسوف تتنجس الجبهة الرطبة بها. فزوال المحذور لا يتم إلاّ بناء على أنّ عين النجس تطهر، وهو في غاية الغرابة، أو بناءً على أنّ اليبوسة لوحظت بنحو مساوق لزوال العين وهو المطلوب.

ــــــــــ[386]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث: 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

 

مسألة 6: [حكم الشك في شروط مطهّرية الشمس]

إذا شك في رطوبة الأرض حين الإشراق أو في زوال العين بعد العلم بوجودها أو في حصول الجفاف أو في كونه بالشمس أو بغيرها أو بمعونة الغير لا يحكم بالطهارة(1).

كلما شك في شرط من الشروط التي ثبت دخلها في مطهّرية الشمس فلا يحكم بالطهارة، إما للاستصحاب الحكمي ببقاء النجاسة أو الموضوعي كاستصحاب عدم الإشراق أو عدم الجفاف.

قوله: وإذا شك في حدوث المانع عن الإشراق من ستر ونحوه يبنى على عدمه على إشكال تقدم نظيره في مطهّرية الأرض(2).

إذا علم أنّ الشمس مشرقة، ولكن شك في أنّه يوجد على السطح ستار مانع، فهل يكون الأصل عدمه أو لا؟

ــــــــــ[387]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 131، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهّرات الشمس. 

(2) العروة الوثقى 1: 131، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهرات الشمس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الظاهر أنه لا يجري لأنّه إن ادُّعي استفادته من دليل الاستصحاب فمن الواضح أنه أصل مثبت، لأنّ عدم الساتر لا يلزم منه إصابة الشمس للسطح إلاّ بالملازمة. وإن أريد استفادته من العقلاء أو المتشرعة فلا يوجد مثل هذا الأصل العقلائي أو المتشرّعي كما تقدم في مطهّرية الماء.

ــــــــــ[388]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  



مسألة 7: [في طهارة الطرف الآخر من الحصير والحائط]

الحصير يطهر بإشراق الشمس على أحد طرفيه طرفه الآخر[1]. و أما إذا كانت الأرض التي تحته نجسة فلا تطهر بتبعيته و إن جفّت بعد كونها رطبة[2] و كذا إذا كان تحته حصير آخر[3] إلا إذا خيط به على وجه يعدّان معاً شيئاً واحداً [4] 

[1] تقدمت فيما سبق(1) وقلنا إنّ موضوع المطهّرية كان هو الجسم، فعنوان الجسم يصدق على الحصير، ويحكم عليه بالمطهّرية، وأما إذا كان الموضوع هو السطح فتختصّ الطهارة بسطحها.

نعم، تمسّك بعض الفقهاء بإطلاق رواية علي بن جعفر(2) للصلاة على كِلا الوجهين، إلاّ أنه وحده لا يقيّد؛ لأنَّه مقيّد بموثقة عمار الدالة على اشتراط الإصابة بالشمس للموضع وكلّ من السطحين موضع مستقل.

[2] هذا واضح؛ لأنّه حتى لو قيل إنّ الموضوع هو الجسم فلا يشمله أيضاً لأنّ هذا جسم وذاك جسم آخر. نعم، لو قيل إنَّ الإصابة والإشراق غير 

ــــــــــ[389]ــــــــــ

(1) تقدم في الصفحة 109من هذا الكتاب.

(2) وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

معتبرين، وإنما يعتبر التجفيف فقط، كالمستفاد من صحيحة زرارة(1) فيحكم بالمطهّرية.

 [3] لأنّه جسم آخر.

[4] فيشمله عنوان الشيء.

قوله: وأما الجدار المتنجّس إذا أشرقت الشمس على أحد جانبيه فلا يبعد طهارة جانبه الآخر إذا جف به 

والجدار شيء واحد، فإذا أشرقت عليه الشمس طهر.

قوله: و إن كان لا يخلو عن إشكال [و أما إذا أشرقت على جانبه الآخر أيضاً فلا إشكال](2)

ومنشأ الإشكال أنّ الذي يطهر هو الوجه الذي لا تشرق عليه الشمس كالوجه الملاصق للأرض من الحصير. وأما الجدار فالوجه الآخر يمكن تشرق عليه في وقت آخر، وهو انصراف بدوي بلا موجب. 

هذا نهاية الكلام في مطهّرية الشمس.

ــــــــــ[390]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 451، الباب 29 من ابواب النجاسات، الحديث 2.

(2) العروة الوثقى 1: 131- 132، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، الثالث من المطهرات الشمس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  







الفهرس

 

[تمهيد تأسيس الأصل عند الشكّ في المطهريّة] 13

[المرجع الأول: إطلاق نجاسة المتنجّس] 13

المرجع الثاني: استصحاب بقاء النجاسة 15

المرجع الثالث: إجراء أصالة الطهارة 16

الفصل الأوَّل: (المطهر الأوَّل الماء) 21

القسم الأول من المتنجِّسات: الاجسام الجامدة 21

شبهة مع جوابها 21

القسم الثاني من المتنجِّسات: الأجسام المائعة 24

مناقشة في الجهة اللفظية فنيّاً 24

الامر الأوّل: أنّ المطهر ليس هو الماء بل هو الاستهلاك 24

الأمر الثاني: أنّ عدّ الاستهلاك من المطهّرات مسامحة 26

تطهير الماء للأعيان النجسة 27

ــــــــــ[391]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الكلام في شرائط التطهير 27

القسم الأول: شرائط للتطهير بمطلق الماء 28

الشرط الأول: زوال عين النجاسة 28

أدلّة إثبات الشرط الأول 28

اشتراط إزالة اللون والطعم ونحوها 30

الشرط الثاني: عدم تغيّر الماء أثناء الاستعمال 32

التغيّر الأوّل بأوصاف المتنجّس 32

التغيّر الثاني بأوصاف عين النجس 32

الموقع الأول: بلحاظ دليل انفعال الماء القليل 33

الموقع الثاني: بلحاظ أن التغيّر اتفاقي 34

الموقع الثالث: بلحاظ أن دليل التنجّس إنما هو دليل واحد 35

الموقع الرابع: بلحاظ توهّم وجود المعارضة 36

الموقع الخامس: بعد التساقط فالأصل عدم حدوث نجاسة جديدة 37

الشرط الثالث: طهارة الماء 37

أدلّة إثبات الشرط الثالث 37

مناقشة التمسُّك بأدلة تنجيس الماء المتنجِّس 38

ــــــــــ[392]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مناقشة الاستدلال بإراقة الماء المتنجّس 39

مناقشة الاستدلال بالروايات الناهية عن الشرب والوضوء بالماء النجس 40

الشرط الرابع: إطلاق الماء 41

القسم الثاني: شرائط للتطهير بالماء غير المعتصم 42

اشتراط ورود الماء على المتنجّس دون العكس 43

أدلة اشتراط ورود الماء 43

الوجه الأول: الارتكاز العرفي 43

الوجه الثاني: الغلبة الخارجية 44

الوجه الثالث: دليل انفعال الماء القليل 45

الوجه الرابع: الأمر بصبِّ الماء 47

مناقشة الوجه الرابع 48

النقطة الأولى: في دلالة روايات الصبّ على الاشتراط 48

النقطة الثانية: في التعامل مع الروايات تعامل المطلق والمقيد 50

استدراك 51

مسألة 1: [مدار التطهير زوال العين دون الأوصاف] 53

مسألة 2: [اشتراط طهارة الماء قبل الاستعمال] 53

ــــــــــ[393]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ظرف شرطية طهارة الماء رُتبي أم زماني 53

ظرف شرطية إطلاق الماء حدوثاً أو بقاءً 56

في اعتبار بقاء الإطلاق إلى حين انتهاء عملية العصر 58

في ظرفية اشتراط عدم التغير حدوثاً أو بقاءً 60

بيان عبارة الماتن 61

مسألة 3: [حكم غسالة الاستنجاء] 62

حكم غسالة سائر النجاسات 63

مسألة 4: [المتنجس بالبول] 66

اعتبار تعدد الغسل فيما تنجّس بالبول 66

أدلة القائلين بكفاية المرّة 68

الأمر الأول: الإطلاق 68

الأمر الثاني: ما رواه الشهيد في الذكرى 69

خصائص تعدّد الغسل 70

الأمر الأول: في اختصاص التعدد بالبدن والثوب 70

الوجه الأول: إلغاء الخصوصية 70

الوجه الثاني: الروايات خاصة بالجسد والثوب 71

الأمر الثاني: اختصاص التعدّد ببول الآدمي 72

ــــــــــ[394]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

تقريبان في شمول التعدد لأبوال غير الإنسان 73

التقريب الأول: الفحوى العرفية 73

التقريب الثاني: رواية سماعة 73

الأمر الثالث: في اشتراط تخلل الفاصل 75

الأمر الرابع: ما هو دور الغسلة المزيلة 76

الجهة الأولى: احتساب الغسلة المزيلة في التطهير 76

الجهة الثانية: عدم الاكتفاء بالغسلتين مع عدم زوال عين النجاسة 78

الأمر الخامس: في التقابل بين الصبّ والغسل 80

افتراض أن الغسل أخصّ من الصبّ 81

خصوصيتان بلحاظهما يتبيَّن التقابل بين الغسل والصبّ 82

الأمر السادس: هل يختص التعدد بالماء القليل أو يشمل الكرّ أيضاً 86

الكلام بلحاظ الجسد 86

الكلام بلحاظ الثوب 87

استثناء الكرّ من التعدّد بتقريبين 88

تقريب ثالث مع ضمّ ضميمة 89

في استثناء بول الرضيع من اعتبار التعدّد 90

ــــــــــ[395]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الجهة الأولى: في طهارة أو نجاسة بول الرضيع 91

الجهة الثانية: في كفاية الصب أو احتياجه إلى عناية 93

الجمع بين الروايات المتعارضة 95

الجمع الأول: التقييد 95

الجمع الثاني: التأويل 96

الجهة الثالثة: أنّ التعدّد هل يجري في بول الصبي أو لا 96

الناحية الأولى: إمكان التشكيك في أصل الإطلاق 97

الناحية الثانية: نسبة هذه الأخبار إلى دليل وجوب التعدد. 99

وجه آخر للجمع بين رواية سماعة والروايتين المعارضتين لها 100

الجهة الرابعة: هل يعتبر في التطهير وقوع العصر أو لا 102

الجهة الخامسة: في شمول الحكم لبول الجارية 104

الكلام في كفاية المرّة في المتنجّس بغير البول 107

الناحية الأولى: في الاكتفاء بالمرّة 107

التقريب الأول: ملاحظة دليل الأمر بالغسل 107

مناقشة التقريب الأول 111

التقريب الثاني: ورود إطلاق (اغسل) في مطلق النجاسات. 113

ــــــــــ[396]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التقريب الثالث: التمسّك بالإطلاق المقامي 115

الناحية الثانية: مع الاكتفاء بالغسلة الواحدة هل تكون هي المزيلة 116

الفرض الأول: مفاد دليل المطهرية ارتفاع النجاسة السابقة 117

الفرض الثاني: مفاد دليل المطهرية الطهارة الفعلية 119

مسألة 5: [الكلام في الآنية] 121

المقام الأول: في الآنية المتنجّسة بغير الولوغ 121

الوجه الأول: رواية عمار 121

الوجه الثاني: انتفاء الإطلاق 123

المقام الثاني: في الآنية المتنجّسة بالولوغ 124

الروايات في المقام 124

الكلام في رواية الفضل أبي العباس 126

الاختلال السندي 126

الاختلال في المتن 127

التحقيق في المقام 128

بناء على نسخة التهذيب والاستبصار 128

بناءً على نسخة الخلاف 130

كيفية الغسل بالتراب 131

ــــــــــ[397]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

عدم كفاية الأشنان والنورة ونحوها 132

التطهير بالرمل 133

كفاية الرمل بأحد وجهين 133

المراد من الولوغ 135

الناحية الأولى: في شمول الولوغ لسائر المائعات 135

الناحية الثانية: في لحوق اللطع بالولوغ 136

مسألة 6: [وجوب غسل الإناء سبعاً في ولوغ الخنزير] 138

الاستدلال برواية علي بن جعفر 138

التشكيك الأول 138

التشكيك الثاني 139

وجوب غسل الإناء سبعا في موت الجرذ 141

التعفير قبل السبع في ولوغ لخنزير 142

مسألة7: [هل يستحب غسل ظرف الخمر سبعا، أو ثلاثاً؟] 144

مسألة 8: [اشتراط طهارة التراب قبل التعفير] 146

1- بلحاظ مقتضى الأصل 146

2- بلحاظ الدليل الاجتهادي 148

مسألة 9: [كيفية تعفير الإناء الضيق] 150

ــــــــــ[398]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مراتب تحقّق الغسل بالتراب 150

المسألة 10: [عدم جريان حكم التعفير في غير الظروف] 152

مسألة 11: [عدم تكرّر التعفير بتكرّر الولوغ] 154

مناقشة تكرار التعفير 154

الأمر الأول: قاعدة عدم التداخل تجري مع إمكان تكرار الشرط 154

الأمر الثاني: انحلال (اغسله) إلى قضيتين 156

مسألة 12: [وجوب تقديم التعفير على الغسلتين] 158

مسألة 13: [في كفاية الغسل مرة إذا غسل الإناء بالماء الكثير] 158

مقتضي الشمول للتعدّد 159

المانع من التعدّد 161

الرواية الأولى: مرسلة العلامّة 161

الرواية الثانية: رواية الكاهلي 162

عدم سقوط التعفير في الغسل بالماء الكثير 164

مسألة 14: [كيفية غسل الإناء بالماء القليل] 165

مسألة 15: [الشك في كون المتنجّس من الظروف أو من غيرها] 166

الكلام في الشبهة المفهومية 166

الفرع الأول: أن يشك في حدوث الإنائِيّة 166

ــــــــــ[399]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الفرع الثاني: أن يشك في بقاء الإنائِيّة 168

الكلام في الشبهة الموضوعية 169

مسألة 16: [اشتراط انفصال الغُسالة في الماء القليل] 171

الوجه الأول: انفصاله مقوّم لمفهوم الغسل 172

الوجه الثاني: رواية الحسين بن أبي العلاء السابقة 173

الوجه الثالث: أن يستظهر وجوب العصر من خطاب (اغسل) 174

الوجه الرابع: أنّ الأوامر الشرعية منزلة على فهم العرف في طريقة التطهير 175

الوجه الخامس: أنّ مقتضى القاعدة هو نجاسة ماء الغسالة 176

هل يعتبر العصر في الغسل بالماء الكثير 177

في اعتبار الفرك والدَّلْك في الغسل بالماء 179

كيفية تطهير ما ينفذ فيه الماء ولا يمكن عصره 180

الجهة الأولى: في تطهير ظاهره 180

الجهة الثانية: في تنجّس الماء بنفاذه إلى الأعماق 181

الجهة الثالثة: هل يمكن تطهير باطن الصابون 183

التقريب الأول: التمسّك بأدلة المطهرية 183

الإشكال بعدّة جهات 183

ــــــــــ[400]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الجهة الأولى: الماء ينفذ على شكل رطوبات 183

الجهة الثانية: تنجس الرطوبات بملاقاة الظاهر 184

الجهة الثالثة: عدم انفصال الغسالة في الباطن 185

التقريب الثاني: التمسّك بقاعدة (لا ضرر) 186

إشكال الأستاذ على اعتراض السيد الحكيم 186

التقريب الثالث: الروايات 190

الجهة الرابعة: على تقدير تطهير البواطن هل يحتاج إلى تجفيف 193

القول بالتفصيل 193

القول بالتجفيف مطلقاً 194

صور أربع للرطوبة التي تقبل الاتصاف بالنجاسة 195

مسالة 17: [عدم اعتبار العصر ونحوه فيما تنجّس ببول الرضيع] 196

في اشتراط كون اللبن من المسلمة 198

مسألة 18: [الشك في نفوذ الماء الطاهر أو النجس في الباطن] 199

مسألة 19: [طهارة الدهن المتنجّس إذا جعل في الكر الحار] 200

مسألة 20: [تطهير الأرز والماش المتنجس] 202

مسألة 21: [تطهير الثوب واللحم المتنجّس] 204

مسألة 22: [تطهير اللحم المطبوخ بالماء المتنجس] 205

ــــــــــ[401]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 23: [تطهير الطين المتنجس] 205

مسألة 24: [تطهير الطحين والعجين المتنجس] 206

صور تطهير البواطن 206

الصورة الأولى: الجامد الذي لا يُحوّل عن هيئته الأولية 206

الصورة الثانية: التبدّل من جامد إلى جامد 206

الصورة الثالثة: التحوّل من مائع إلى جامد 208

مسألة 25: [تطهير التنّور إذا تنجس] 209

مسالة 26: [تطهير الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجر] 210

مسألة 27: [تطهير الثوب المصبوغ بالدم] 212

مسألة 28: [لا يعتبر التوالي فيما يعتبر فيه التعدّد] 214

ابتناء المسألة على المدارك في جوب العصر 215

مسألة 29: [عدّ الغسلة المزيلة للعين من جملة الغسلات] 216

مسألة 30: [تطهير النعل والبارية المتنجّسة] 216

مسألة 31: [تطهير الذهب المذاب ونحوه من الفلزات] 218

الجهة الأولى: هل تطبّق قاعدة السِّراية في المورد أو لا 219

الجهة الثانية: هل يجري قانون الجوامد أو لا 221

موجبات السّراية 222

ــــــــــ[402]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأمر الأول: الروايات الخاصّة 222

الأمر الثاني: الإجماع 223

الأمر الثالث: الارتكاز العرفي 223

الجهة الثالثة: هل تجري أصالة الطهارة أو لا 224

العلم الإجمالي المانع من جريان أصالة الطهارة 224

الجهة الرابعة: هل تُستصحَب النجاسة أو لا 226

مسألة 32: [حكم الحلي التي يصوغها الكافر] 228

مسألة 33: [تطهير النُبات المتنجس] 229

الفصل الثاني: (المطهر الثاني الأرض) 233

المقام الأوّل: في إثبات أصل التطهير بنحو القضية المهملة 234

1- الرواية الأولى: رواية زرارة 234

مناقشة مع الرواية 234

2- الرواية الثانية: رواية حفص بن أبي عيسى 237

استظهار السيد الأستاذ 238

3- الرواية الثالثة: رواية الأحول 239

إشكال مع جوابه 239

4- روايات الأرض يُطهِّر بعضها بعضاً 241

ــــــــــ[403]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الأولى: صحيحة محمد بن مسلم 241

الثانية: رواية الحلبي 241

الثالثة: رواية الحلبي الأخرى 242

الرابعة: رواية المعلّى بن خنيس 243

تحقيق حول التعليل الوارد في الروايات الأربع واكتشاف حدود المطهّرية 243

احتمالات أربعة في التعليل الوارد في الروايات 244

5- الرواية الخامسة: رواية زرارة الأخرى 246

مناقشة المحقّق الهمداني في دلالة الرواية 246

6- الرواية السادسة: النبوي “جُعلت لي الأرض مسجدً وطهوراً” 248

المقام الثاني: تفصيلات في مطهّرية الأرض 251

التفصيل الأول: التطهير للرجل والنعل دون ما سواهما 251

الوجه الأول: رواية الأحول 251

الوجه الثاني: التعليل في روايات (الأرض يطهِّر بعضها بعضاً) 252

الوجه الثالث: رواية الحلبي (رواية الزقاق القذر) 253

الوجه الرابع: رواية حفص بن أبي عيسى 254

التفصيل الثاني: هل يكون المسح مطهّراً 255

ــــــــــ[404]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

الوجه الأول: صحيحة زرارة 255

الوجه الثاني: دعوى إلغاء الخصوصية 256

الوجه الثالث: التمسّك بالإطلاق المقامي للتعليل 256

التفصيل الثالث: شرطية زوال عين النجاسة 257

التقريب الأول: أدلة المطهّرية لا إطلاق فيها لفرض بقاء العين 257

التقريب الثاني: الاستفادة من روايات الباب 258

التفصيل الرابع: الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض 259

الفرض الأول: أن يكون قد تنجّس بغير المشي أصلاً 260

الفرض الثاني: ما إذا حصلت النجاسة بالمشي لكن على غير الأرض كالفراش ونحوه 260

الفرض الثالث: أنّ النجاسة حاصلة بالمشي لكن لا بملاقاة الأرض 263

التفصيل الخامس: كفاية مطلق المشي أو مقدار معين منه 263

التفصيل السادس: كفاية المماسّة 266

التقريب الأول: ما ذكره السيد الأستاذ وغيره 266

التقريب الثاني: قصور المقتضي عن إثبات المطهّرية لها 268

التفصيل السابع: مسح القدم بالتراب المنفصل عن الأرض 269

التفصيل الثامن: أقسام ما يمشي عليه الإنسان 271

ــــــــــ[405]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

التفصيل التاسع: لا يُعتبر وجود الرطوبة ولا حصول زوال العين بالمسح أو المشي 274

التفصيل العاشر: في اشتراط طهارة الأرض وجفافها 277

أولاً: اشتراط الطهارة 277

دليل الاشتراط الارتكاز العرفي 277

الكلام الأوّل: التشكيك بالارتكاز العرفي 278

الكلام الثاني: في فائدة هذا الارتكاز العرفي 278

ثانياً: اشتراط الجفاف 280

دليل اشتراط الجفاف: الأخبار 280

التفصيل الحادي عشر: إلحاق حواشي القدم بها 283

التقريب الأول: اللزوم والعادة 283

التقريب الثاني: التمسّك بالإطلاق اللفظي ابتداءً 283

في المقدار الزائد عن المتعارف 284

التفصيل الثاني عشر: إلحاق ظاهر القدم والنعل بباطنهما 285

حكم إلحاق الركبتين واليدين بالطهارة بالأرض 286

في إلحاق نعل الدابة وكعب عصا الأعرج وخشبة الأقطع 288

التفصيل الثالث عشر: عدم الفرق بين أقسام النعل 288

ــــــــــ[406]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

تحقيق أصل موضوعي في روايات الباب 288

الكلام بحسب واقع الروايات 289

التفصيل الرابع عشر: كفاية زوال عين النجاسة وإن بقي الأثر 290

الفرع الأول: في زوال الرائحة 291

الفرع الثاني: في بقاء الأجزاء الصغيرة التي لا تتميّز 291

التفصيل الخامس عشر: طهارة الأجزاء الأرضية العالقة بالنعل أو القدم 294

القسم الأول: الأجزاء النجسة 294

القسم الثاني: الأجزاء الطاهرة 296

مسألة (1): [سريان النجاسة إلى باطن النعل] 297

مسألة (2): [طهارة ما بين أصابع الرجل] 299

مسألة (3): [كفاية المسح على الحائط] 300

مسألة (4): [الشك في طهارة الأرض] 301

مسألة (5): [العلم والشكّ بزوال عين النجس أو المتنجس] 302

الفرع الأول: العلم بالنجاسة 302

الفرع الثاني: الشكّ بوجود النجاسة 302

إشكال في تصوير المسألة 303

البيان الأول: الاستصحاب 303

ــــــــــ[407]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

البيان الثاني: الأصل العقلائي 304

مسألة (6): [إذا لم يعلم أنّ ما تحت قدمه أرض أو غيرها] 306

مسألة (7): [رقع النعل بوصلة طاهرة] 307

الفصل الثالث: (المطهر الثالث الشمس) 311

أدلة مطهّرية الشمس 314

الرواية الأولى: رواية علي بن جعفر 314

الإشكال الاول: احتمالية جواز الصلاة لعدم سراية النجاسة 315

الاشكال الثاني: مطهرية الشمس غير مذكورة في الرواية 317

الإشكال الثالث: معارضتها لأدلة حصر المطهّرية بالماء 319

الرواية الثانية: رواية زرارة وحكيم بن حديد 320

الرواية الثالثة: موثّقة عمار الساباطي 323

ثلاث قضايا شرطية في جواب الامام 324

الشرطية الأولى 324

استشكال الفيض الكاشاني في المقام 325

الشرطية الثانية 326

الشرطية الثالثة 327

في ترجيح نسخة (عين الشمس) أو نسخة (غير الشمس) 328

ــــــــــ[408]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

القرينة الأولى: (وإن كان) شرطية لا وصلية 329

القرينة الثانية: تذكير الضمير في (أصابه) 330

القرينة الثالثة: استدلال الشيخ بها على مطهّرية الشمس 331

القرينة الرابعة: لا يوجد معنى متحصَّل لترجيح كلمة (عين) 331

الرواية الرابعة: رواية أبي بكر الحضرمي 333

الرواية الخامسة: صحيحة زرارة 334

معارضتها بصحيحة ابن بزيع 335

محتملات ترد في دلالة الرواية المعارضة 335

بيان لعلاج التعارض بين الروايتين 337

تعليقات ثلاثة على البيان المتقدِّم 337

التعليق الأول: الاستفادة من السؤال الاستنكاري 337

فرض عدم وجود الاستنكار في الرواية 340

التعليق الثاني: تقييد المطهرية بصورة الجفاف 342

التعليق الثالث: التقييد بالجفاف تقييد بفرد نادر 342

فروع في مطهّرية الشمس 344

الفرع الأول: اشتراط التجفيف في المطهّرية 344

الفرع الثاني: هل تختص مطهّرية الشمس بالبول أو تعم غيره 346

ــــــــــ[409]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

ما يمكن أن يقرّب به التعميم 346

التقريب الأوّل: الغاء الخصوصية 346

التقريب الثاني: التمُّسك بالإطلاق 347

الفرع الثالث: شمول مطهّرية الشمس لغير المنقول 348

المسألة الأولى: في تعميم المطهّرية لكلّ ما لا ينقل 349

التقريب الأوّل: التمسّك بعموم رواية أبي بكر الحضرمي 349

التقريب الثاني: التمسّك بكلمة (المكان) و(الموضع) في صحيحة زرارة وموثقة عمّار 350

المسألة الثانية: في الحصر والبواري 352

التقريب الأوّل: التمسّك بعموم رواية أبي بكر الحضرمي 352

التقريب الثاني: التمسك بالإطلاق في رواية عمار 354

التقريب الثالث: ما ورد في خصوص الحصر والبواري 354

التقريب الرابع: التمسّك بالاستصحاب 355

حكم السفينة والطراد ونحوهما 359

شروط مطهّرية الشمس 360

الشرط الأول: وجود رطوبة مسرية 360

الشرط الثاني: التجفيف بالإشراق 365

ــــــــــ[410]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

المقيد الأوّل: رواية أبي بكر الحضرمي 365

المقيد الثاني موثقة عمار 366

الشرط الثالث: استقلال الشمس بالتجفيف 369

المرحلة الأولى: فيما إذا كان الجزء الآخر معتدّاً به 369

المرحلة الثانية: فيما إذا كان الجزء الآخر غير معتدّ به 371

الإشراق بواسطة المرآة 373

مسألة 1: [عموم مطهّرية الشمس للظاهر والباطن] 375

أدلة طهارة الباطن ومناقشتها 375

الدليل الأول: رواية الحضرمي 375

نظريتان عرفيّتان حول الجسم 376

الدليل الثاني: رواية علي بن جعفر 377

التفصيل بين التطهير بالاستقلال وبين تبعية الباطن للظاهر 379

مسألة 2: [كيفية تطهير الأرض الجافة بالشمس] 381

مسألة 3: [إلحاق البيدر الكبير بغير المنقولات] 382

مسألة 4: [حكم الحصى والتراب والطين ونحوها] 383

مسألة5: [الشرط الرابع: زوال عين النجاسة] 385

مسألة 6: [حكم الشك في شروط مطهّرية الشمس] 387

ــــــــــ[411]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج7  

مسألة 7: [في طهارة الطرف الآخر من الحصير والحائط] 389

الفهرس 391