الجزء السادس
271.1
ص44 الصدر، محمد.
كتاب الطهارة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج6(472ص.)؛ 17×24 سم.
رقم الإيداع
1689/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1689) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
9-89-699-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
كتاب الطهارة
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى
السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء السادس
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الفصل الأوَّل
دم الجروح والقروح
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ــــــــــ[12]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
[قال: فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، وهي أمور، الأول: دم الجروح والقروح، ما لم تبرأ في الثوب أو البدن قليلا كان أو كثيرا أمكن الإزالة أو التبديل بلا مشقة أم لا].
(فصل) جديد في النجاسات وهو بحكم الاستثناء من الفصل السابق، وهو ما يعفى عنه في الصلاة من النجس، وهي عدّة أشياء:
الأول: دم الجروح والقروح، فإنّ المعروف بل المتسالم عليه(1) بنحو القضية المهملة هو العفو عن ذلك. إلّا أنّ الخلاف وقع بينهم في حدود هذا العفو
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) أُنظر: الحدائق الناضرة 5: 300، كتاب الطهارة، المقصد الثاني في احكام النجاسات، المبحث الثاني، المسألة الثانية حدّ العفو عن دم الجروح والقروح ومفتاح الكرامة2: 115، كتاب الطهارة، المقصد الثالث في النجاسات، الفصل الثاني في الأحكام، في دم القروح والجروح، ورياض المسائل 2: 104، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات، أمّا احكامها فعشرة، ومستند الشيعة 4: 286، كتاب الصلاة، الباب الثالث في لباس المصلّي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وشروطه، فالمستفاد من بعض الكلمات(1) وجود شرطين:
الأول: لزوم المشقة.
والثاني: كون الجرح سائلاً غير جافٍّ.
وقد استشكل السيّد الأستاذ(2) بأن ظاهر هذه الكلمات أنّ الحكم بالعفو عن دم الجروح والقروح ليس عفواً على خلاف القاعدة بحيث يختص به دم الجروح والقروح؛ لأنّهم خصّصوا الحكم بالمشقة، ومن المعلوم أنّه في كل مورد حصلت المشقة لا يجب التطهير عملاً بقاعدة العسر والحرج، من دون فرق بين دم الجروح وغيره. فلو قلنا بهذه الشرطية لزم إلغاء الخصوصية، مع أن المستفاد من لحن كلامهم أنّ هذا استثناء بخصوص دم الجروح والقروح.
ومن هنا احتمل(3) أن يكون المراد المشقة النوعية لا الشخصية أي المشقة الغالبية، ومعه فمقتضى القاعدة وجوب التطهير فيمن لا مشقة عنده، لأنّ قاعدة الحرج موضوعها الحرج الشخصي لا النوعي.
ــــــــــ[14]ــــــــــ
(1) أُنظر: المعتبر 1: 429، الركن الرابع في النجاسات، احكام النجاسات، الثاني دم القروح، وتذكرة الفقهاء 1: 73، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني في احكام النجاسات، مسألة23، وكشف اللثام 1: 431، كتاب الطهارة، المقصد الثالث في النجاسات، الفصل الثاني في الأحكام.
(2) أُنظر: التنقيح في شرح العروة 2: 420، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة.
(3) نفس المصدر التنقيح 2: 420: (ومن هنا لا بدّ من التصرّف في كلماتهم ولو بحمل المشقّة الظاهرة في العقلية على المشقّة النوعية).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
نعم، أخبار العفو تكون دليلاً على العفو، فيُحفظ هنا امتياز لدم الجروح والقروح على غيرهما.
وتحقيق الكلام في هذين الشرطين: إنّ في كلٍّ منهما احتمالاتٍ عديدةً:
أمّا الشرط الأوَّل: لزوم المشقّة، ففيه احتمالات، وعلى أكثرها لا يلزم إلغاء خصوصية دم الجروح والقروح.
الاحتمال الأول: أن يكون المقصود من اعتبار المشقة في العفو، كون المشقة ثابتةً في التطهير في كل جزء جزء من الموضع النجس، فقد يكون حرج في غسل بعض الدم ولا يكون حرج في غسل الجزء الآخر من الدم، بحيث يشترط الحرج الشخصي في أي جزء من أجزاء النجاسة.
وهذا هو الذي يلزم منه إلغاء خصوصية دم الجروح والقروح فإن كل نجاسة تجري فيها هذه القاعدة، وهو احتمال بعيد.
الاحتمال الثاني: أن يراد بالمشقة الحرج الشخصيّ بلحاظ نفس موضع الجرح والدُّمَل لا بلحاظ امتدادات النجاسة، فإن كان هناك حرج شخصيّ في غسل الجرح نفسه فيعفى عن كل امتدادات النجاسة حتى الثوب وسائر أجزاء البدن.
وهذا الاحتمال لا يتعارض مع ظهور كلماتهم في الخصوصية، لأنه يكون
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
حكماً على خلاف القاعدة، ولا يكفي لإثباته قاعدة نفي العسر والحرج؛ فإنّ مقتضاها ملاحظة كل جزء جزء من النجاسة.
الاحتمال الثالث: أن يُراد بالمشقّة الحرج في نفس موضع الجرح لا في امتداداته، ويكون المراد الحرج النوعي لا الشخصي، فيكون العفو أوسع دائرةً من الاحتمال السابق؛ فإنّه لو كان هناك حرج نوعيّ لا شخصيّ يكون مشمولاً للعفو، وكونه على خلاف القاعدة واضح.
الاحتمال الرابع: أن يُراد بالمشقّة المشقّة الشخصية لكن لا بشكل يصل إلى درجة الحرج، وأدنى مراتبها هو ما يسمى بالعرف العامّي بـ(الزحمة) -وهو مطلق الكُلفة- والعناية الزائدة وهي ملازمة غالباً للجروح والقروح، فأيضاً يكون العفو فيها على خلاف القاعدة، لأنّ قاعدة الحرج ترفع وجوب التطهير في خصوص الحرج.
إذن فالاحتمالات أربعة، وبعد إسقاط الأول، لكونه ملازماً لإرجاع المسألة إلى مقتضى القاعدة مع ظهور كلماتهم بالاختصاص بالعفو، تبقى احتمالات ثلاثة.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
والشرط الثاني فيه احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون المراد باشتراط السيلان: أن يكون الجرح سائلاً بالعفو الفعلي، فلو سال جرحه ثمَّ انقطع السيلان يرتفع العفو، وكذلك لو أصاب دمه ثوبه من دون سيلان بل التصق ثوبه بالجرح، فلا عفو.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بالسيلان: أن حصول النجاسة بالسيلان سواء ارتفع السيلان فعلاً أو لا. وهذا معناه اشتراط السيلان حدوثاً لا بقاءً بخلاف الاحتمال الأول.
الاحتمال الثالث: أن يكون المراد بالسيلان، قابلية السيلان، فإنّ الجروح على قسمين فبعض الجروح غير قابل للسيلان وبعضها قابل له، كالدُمَّل والضربة بالسكين. مثلاً.
وبناءً عليه يتقارب احتمال السيلان مع الاحتمال الثالث والرابع في المشقة، إذ إنّ المشقّة النوعية أو الشخصية الضعيفة، لا تكون عادةً إلّا في هذه الخراجات القابلة للسيلان.
إنّ احتمالات السيلان أربعة:
الأول: أن يكون الجرح سائلاً في تمام الوقت بحيث لا يبقى وقت لإيقاع الصلاة بدونه.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الثاني: أنّه سائل فعلاً إلى حين إرادة الصلاة، وهذا كافٍ في صحتها ولو علم أنّه يجف عن السيلان.
الثالث: أنَّ ثوبه ينجس بالسيلان لا بالالتصاق فيكفي في الصحة، ولو فرض انقطاعه حين الصلاة، فضلاً عن تمام الوقت.
الرابع: أن يُراد به شأنية السيلان، وهو المعنى الثالث السابق(1).
لا ينبغي الإشكال في أنّ جملةً من روايات الباب فيها إطلاق يقتضي نفي اشتراط السيلان بالمعنى الأول والثاني والثالث، بل يمكن أن يقال: إن تمام روايات الباب متكفّلة لنفي الاحتمال الأول.
فمنها رواية أبي بصير: قال: دخلت على أبي جعفر وهو يصلّي فقال لي قائدي إن في ثوبه دماً، فلما انصرف قلت له إن قائدي أخبرني أن بثوبك دماً. فقال لي: “إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ”(2).
تحدّث هذه الرواية عن واقعة معينة رآها أبو بصير وهو أنَّ الإمام يصلّي مع
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) والمراد به الاحتمال الثالث الأسبق في احتمالات الشرط الثاني.
(2) الكافي 5: 173، كتاب الطهارة، الباب 38، حديث: 1، التهذيب 1: 208، كتاب الطهارة، الباب12، حديث:34، الوسائل 3: 433، باب22 من أبواب النجاسات، حديث1. وفي التقرير كانت عبارة: (الأول من باب 22 من أبواب النجاسات) وقد نقلناها الى الحاشية فهي تخريج للرواية وقد تم تخريجها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الدم، فيُجيب الإمام عن ذلك أنّه فيه دماميل فلست أغسل ثوبي حتى تبرأ.
وظاهره إعطاء النكتة وموضوع الحكم الشرعي وليست شكوى مزاجيةً، وقد كان السؤال أيضاً عن الحكم الشرعي. فيكون بياناً لضابط العفو.
فيمكن التمسّك بإطلاقه، ويندفع بذلك ما قد يتوهّم من أن الرواية واقعة شخصية لا يمكن التمسك بإطلاقها؛ لأنّنا لا ندري أن الدماميل هل كانت سائلة باستمرار أو أحياناً؟
يندفع بما بيّناه من ظهور بيان الإمام من توضيح النكتة لأبي بصير، وهو واضح في نفي الاحتمالات الثلاثة الأولى، ومجرد صدق أن فيه دماميل يكفي للعفو عن الدم.
نعم، لا إطلاق فيه في مقابل المعنى الرابع؛ لأنّ الدُمَّل لا يطلق عرفاً على الجروح العرفية أو على الجروح الصغيرة، فالدُمَّل بطبعه خراجٌ معيّن سائل.
وروايةٌ لأبي بصير ليث المرادي -ولهذا لا تكون هذه الرواية نقية السند لأنّه غير معلوم الوثاقة(1)– قلت(2) لأبي عبد الله الرجل تكون به الدماميل
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) أُنظر: خلاصة الأقوال:137، الفصل الثاني والعشرون في اللام، الرقم2، نقد الرجال 4: 76، باب اللام، الرقم 4308، منتهى المقال 5: 264، باب اللام، الرقم 2375، معجم رجال الحديث 15: 144، باب اللام، الرقم: 9798.
(2) التهذيب1: 258، كتاب الطهارة، الباب12، ح37، الوسائل 3: 434، باب 22 من أبواب النجاسات، ح5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
والقروح فجلده وثيابه مملوءة دماً وقيحاً وثيابه بمنزلة جلده. فقال: “يصلّي في ثيابه ولا يغسلها ولا شيء عليه”.
وهذه الرواية لو تمّ سندها أيضاً يمكن التمسك بإطلاقها. والمبالغة بامتلائه دماً لا يلزم منه السيلان، إذ قد تكون ناشئة من كثرة الجروح أو القروح. نعم، لا معنى للتمسّك بإطلاقها في مقابل المعنى الرابع كما هو واضح.
ورواية عمَّار -في نفس الباب- عن أبي عبد الله، قال: “سألته عن الدُّمَل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة قال: يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض ولا يقطع الصلاة”(1).
قد يتمسّك بهذه الرواية لنفي اعتبار السيلان، إلّا أن التمسّك بها لنفي تمام الاحتمالات، بل لما قبل الرابع أيضاً، غير صحيح؛ لأنّ الانفجار معناه انصباب الدم منها وليس الترشح.
ويكفي ما تقدّم لإثبات الإطلاق، فهل هناك مقيّد ودليل على اعتبار السيلان أو لا؟
ــــــــــ[20]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 349، كتاب الطهارة، الباب14، حديث: 20، الوسائل 3: 435، باب22 من أبواب النجاسات، حديث: 8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
منها صحيحة محمد بن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله، قال: “إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم”(1).
فيقال: ظاهره أخذ عنوان السائل في موضوع العفو، فإذا لم يكن سائلاً، فلا يشمله هذا العفو.
ولو تمّ هذا الاستدلال سنداً ودلالة، فلا يستفاد منه أكثر من اشتراط السيلان بالمعنى الثالث، وهو أن يكون سيلان حين الإصابة لا في تمام الوقت وحين إرادة الصلاة؛ فإنّه لو لاقى الثوب وهو سائل يشمله أنّه لا يجب أن يغسله حتى يبرأ.
إلّا أنّ الكلام في تماميتها سنداً ودلالةً.
أمّا سنداً، فالإشكال فيها كونها مرسلةً مرويّةً عن بعض الأصحاب فتسقط بالإرسال.
وقد يقال: إن هذا الإرسال لا يضرّ بناءً على ما بنينا عليه من أن ما يرويه
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1) الفقيه 1: 75، باب ما ينجس الثوب والجسد، ذيل حديث: 167، التهذيب 1: 259، كتاب الطهارة، الباب12، حديث: 39، الوسائل 3: 435، باب22 من أبواب النجاسات، حديث: 7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
أحد الثلاثة عن شخص فهو كالمسند، باعتبار شهادة الطوسي في العُدّة(1) بأن العصابة أجمعت على العمل بما يرويه هؤلاء عنه؛ لأنّهم لا يروون إلّا عن ثقة. فيقال: إن روايته عنه يوجب وثقاته.
وقد يناقش في ذلك بالطعن في الكبرى، وكلام الطوسي لا يُقبَل، وهذا الكلام ليس محله المقام فنحنُ قبلنا شهادة الطوسي. ومرجعها أنّ هؤلاء قد عرف الطائفة عنهم أنهم ملتزمون بأنهم لا يروون إلّا عن ثقة، فيكون الشاهد عليه هو أحد الثلاثة، لا الطائفة، وقد يضعف بعض الطائفة بعض مشايخ الثلاثة بما فيهم الشيخ نفسه. فالكبرى مقبولة.
ومن أجل ذلك لو روى أحد الثلاثة عن مجهول لاعتبرنا نفس هذه الرواية شهادة بوثاقته.
ولكن الكلام أنّه فيما إذا لم يسمَّ هذا الشخص، فهل يمكن الاعتماد على روايته أو لا؟
هنا يوجد إشكال معروف(2)، وحاصله: أنّه لا يمكن الاعتماد على ذلك؛ لأننا بالتتبع في روايات ابن أبي عمير وغيره رأينا أنّه روى عن غير الثقة ولو
ــــــــــ[22]ــــــــــ
(1) العدّة 1: 154، الباب الثاني الكلام في الأخبار، الفصل الخامس في ذكر القرائن التي تدل على صحة أخبار الآحاد.
(2) لاحظ معجم رجال الحديث 1: 55-61، المقدّمة الرابعة، مناقشة سائر التوثيقات العامّة، رواية صفوان واضرابه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
اشتباهاً، فروى عنه وشهد الطوسي والنجاشي بكذبه، فقد خرج من العموم أشخاص معُينّون عنه، وهذا لا يسقط العموم عن عمومه، لكنه يكون عموماً مخصصاً.
فإن فرض أنّه سمّى الشخص الذي يروي عنه، فنلتفت إليه ونرى أنّه هل خرج بالتخصيص أو لا؟ فإن لم يخرج تمسّكنا بالعام. وأما إذا لم يسمّه فنشك أنّه ممن خرج بالتخصيص أو بقي تحت العام والشبهة مصداقية، فلا يمكن التمسّك بالعام. ولا يمكن العمل بمراسيل ابن أبي عمير(1).
وهذا الإشكال انحلّ بإحصاء مشايخ الثلاثة فوجدنا أنّ مشايخ ابن أبي عمير أربعمئة ونحو عشرة، ولا يوجد فيهم من هو ثابت الضعف إلّا عشرة أو أقلّ.
وحينئذٍ يقال: إن ابن أبي عمير حين يقول: عن بعض أصحابنا فهو واحد من هؤلاء الأربعمئة والعشرة، فإن كان من الأربعمئة فهو ثقة في نفسه أو بشهادة ابن أبي عمير، وإن كان أحد العشرة فقد ثبت ضعفه. وحينئذٍ فأربعمئة احتمال من أربعمئة وعشرة احتمالات أنّه ثقة وعشرة احتمالات من ذلك العدد أنّه غير ثقة. فيكون حوالي واحد على أربعين أنّه غير ثقة وبخلافه ظن اطمئناني بالوثاقة.
إلّا أنَّ هذا الكلام يفترض أصلاً موضوعياً وحاصله: أنّنا نعلم مُسبَقاً أن
ــــــــــ[23]ــــــــــ
(1) نفس المصدر السابق.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بعض أصحابنا الذي روى عنه ابن أبي عمير هو عبارة عن أحد الأربعمئة الذين أحصيناهم.
إلّا أنّ هذا الأصل الموضوعي محل كلام، فإنّنا وإن أحصينا تمام من نقل عنهم ابن أبي عمير في الكتب الأربعة ورجال النجاشي والطوسي والفهرست وغيرها. إلّا أنّنا نظن ظناً قوياً أن كثيراً من الروايات لم تصل إلينا باعتبار تلفها أو عدم تسربها إلى هذه الكتب، فإن ابن أبي عمير كان له نحوٌ من تسعين مؤلّفاً لم يذكر باسمه إلّا حوالي الثلث.
وحينئذٍ يحتمل أن يكون هناك أشخاص عديدون روى عنهم ابن أبي عمير غير الذين أحصيناهم ولم تصل رواياتهم للمجاميع الموجودة بأيدينا.
فنضيف إليه احتمالاً آخر، وهو أن جملة من أولئك الذين لم تصل روايته عنهم إلينا، هم من الضعاف الذين ثبت ضعفهم، كيف ننفي هذا الاحتمال؛ لا يمكن نفيه، فإنه إن أريد نفيه شهادة ابن أبي عمير بأنّه (لا يروي إلّا عن ثقة) الشاملة لأولئك الناس، فهي لا تنفع لإثبات ذلك؛ لأنّها شهادة على قضية معينة بحسب الخارج، فكأنّه كُتبه قائمة بهم فشهد بوثاقتهم، وليست شهادة على نحو القضية الحقيقية، فلو كنا نقطع بعصمة ابن أبي عمير، فمتى ثبت ضعف شخص نقطع بأنه غير موجود في تلك القائمة.
ولكنّه لم تثبت عصمته، فغايته أنه هو يعتقد بوثاقة هؤلاء، وهذا لا ينافي أنّه ثبت ضعف بعضهم، فشهادته إنما تنفع في إثبات الوثاقة بعد تعيين اسم الشخص، ولا تنفع في الراوي المجهول الاسم.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهناك طريق آخر لنفي ذلك بأن نقول: إنّ مقتضى حساب الاحتمالات: أن نفس النسبة بين الضعاف والثقات محفوظة فيما لم يصل إلينا أيضاً، فتكون هي أيضاً نسبة الواحد إلى الأربعين؛ إذ كيف اتفق صدفة أنه فيما وصل إلينا كانت النسبة هي ذلك. وفيما لم يصل كان الضعيف أكثر. فيثبت أن ما غاب عنا كالشيء الذي وجدنا.
وهذا أيضاً غير صحيح، لاحتمال وجود الفرق بين ما غاب عنّا وما وصل إلينا، لاحتمال أن ما وصل إلينا متميز بنكتة معينة، وهي أنه يحظى بشهرة وعناية أوصلته إلينا، وهي بنفسها تكون موجبة لزيادة الصحيح فيما وصل. بينما ذاك الذي لم يكن محطاً للعناية والشهرة لعله لم يكن فيه الصحيح.
ونحتمل -ثالثاً- أن يكون بعض الأصحاب الذي يروي عنهم المرسلة هو ممن ثبت ضعفه فيما لم يصل روايته إلينا، ولا يوجد اطمئنان شخصي بخلافه. ومعه نبني على عدم حجية مراسيل ابن أبي عمير.
وأمّا دلالة: فهي يراد بها الاستدلال على اشتراط السيلان، وهو إمّا بلحاظ الغاية أو بلحاظ القيد.
أمّا بلحاظ الغاية وهي قوله: حتى يبرأ وينقطع الدم، فقد جعل العفو غايته الانقطاع، وهذا معناه إذا انقطع الدم فلا عفو، فيستفاد اشتراط العفو حدوثاً وبقاءً بالسيلان.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ويدفع هذا التقريب: أنّ الغاية جعلت بعنوانين، (البرء) و(انقطاع الدم)، ولا إشكال أن البُرء أخصّ من انقطاع الدم، فإن الدم قد ينقطع من دون بُرء.
فإن قلنا: إنّ مقتضى القاعدة هو تقييد الأعمّ بالأخصّ، وجعل الغاية هو الأخصّ، لأنّ الأعمّ محفوظ في ضمن الأخصّ ولا عكس، ومعه يسقط الاستدلال بالرواية، لأنّ العفو يكون مستمراً حتى يبرأ ويحمل الانقطاع على الانقطاع بالبرء.
وإن قيل إنّ الأمر يدور بين احتمالين:
أحدهما: حمل الانقطاع على البرء.
والآخر: أن نحمل البرء على الانقطاع.
وفي كِلا الاحتمالين قرينة بحيث لو بقي بدون معارض لحُكِّم.
أما تحكيم كلمة البرء على الانقطاع: فهو ما ذكرناه من الأخصّية، فيحكم على الأخصّ وتكون الغاية هي الأخصّ، كما قلنا.
وأما تحكيم الانقطاع على البرء فقرينته: هو الترتيب السياقي للكلامين، فإنه لو قال: حتى ينقطع الدم ويبرأ فلا إشكال في تقديم البرء، ولكنه قال (حتّى يبرأ، وينقطع الدم).
فيُقال: إنّه لو كان الميزان هو البرء التامّ فلا موجب لذكر انقطاع الدم، فيكون لذكره صلاحيةٌ للتحكيم والنظر إلى ما قبله؛ لأن ذلك شأن فضلة الكلام.
إذن فهما ترجيحان متعادلان، وهذا يوجب الإجمال، فلا يصحّ الاستدلال بهذا الذيل على اشتراط السيلان.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وأمّا بلحاظ صدر الرواية وهو قوله: إذا كان في الرجل جرح سائل، وذلك ببيانين:
البيان الأوَّل: التمسك بمفهوم الوصف أو القيد، فإن مقتضاه انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف.
البيان الثاني: التمسك بمفهوم الشرط، فإنه يدل على انتفاء العفو إذا لم يكن الجرح سائلاً.
وقد يُناقَش في كِلا التقريبين: بأن يقال: بأنّه لو ثبت هذا المفهوم إمّا وصفاً أو شرطاً فهو ملغىً لحاكمية الغاية عليه المذكورة في الذيل، فإنّ قوله: (حتى يبرأ) مع أنّ الغالب عدم سيلان الدم إلى حين البرء، بل تمضي مدّة لا يكون فيها الجرح سائلاً(1).
هذا الكلام إنما يتمّ بناءً على أمرين:
الأمر الأول: أن يكون المدّعى هو الاستدلال بصدر الرواية على اشتراط السيلان إلى حين الصلاة، الذي هو ظرف العفو، بينما أنّه لو تمّت دلالة صدر الرواية على أحد المفهومين، فغايته اشتراط السيلان حين إصابة الثوب للدم. فاستمرار العفو إلى حين البرء لا يكون مضراً بالاستدلال.
الأمر الثاني: أن نحكم على جملة البرء على انقطاع الدم دون العكس أو
ــــــــــ[27]ــــــــــ
(1) التنقيح 3: 393، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
المصير إلى الإجمال، وإلا لا معنى لجعل الغاية قرينةً على هدم المفهوم.
نعم، قد يقال: إنّ البناء على الإجمال يوجب إجمال صدر الرواية؛ لأنّه مُقترن بما يحتمل قرينيته.
أمّا مفهوم الوصف فجوابه واضح، فإنّنا لم نقل في الأصول(1) إلّا فيما لم تكن هناك نكتة أخرى إلّا الاحتراز والتقييد. وهنا توجد نكتة أخرى مقبولة عرفاً، إذ لعل التقييد من باب الاستطراق إلى إصابة الثوب، فإنه يكون غالباً من الجرح السائل.
إذن فهي غير مذكورة في مقام التقييد ليستفاد منها المفهوم.
1- مناقشة التمسّك بمفهوم الشرط
وأمّا مفهوم الشرط، فيقع الكلام أنّ هذه القضية هل لها مفهوم الشرط أو لا؟ فإنها قد تكون مسوقةً لبيان تحقق الموضوع.
فقد يقال: إنّ قوله: إن كان فيه جرح سائل، يدل بالمفهوم أنّه إذا لم يكن سائلاً فلا عفو، فيكون العفو منوطاً بصفة السيلان.
وهو مبني على أن هذه القضية هل لها مفهوم الشرط أو لا؟
توضيح ذلك: إنّه في القضايا الشرطية، ينظر عادةً إلى مدخول أداة الشرط فيجعل بعضه موضوعاً وبعضه يجعل شرطاً، والفرق بينهما أن الموضوع يجب انحفاظه منطوقاً ومفهوماً، وأما الشرط فمحفوظ وجوداً في طرف المنطوق ومحفوظ عدماً في طرف المفهوم.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 3: 198، المفاهيم، مفهوم الوصف.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فقولنا: (إذا جاءك زيد فأكرمه)، فزيد موضوع ومجيئه شرط، فزيد يكون محفوظاً في الطرفين. وليس المفهوم أنّه إذا كان شخص آخر غير زيد فلا تكرمه، لعدم انحفاظ الموضوع.
فقد يقال(1): بناءً على ذلك إنّه ليس لهذه القضية مفهوم؛ فإنّها لو كانت هكذا: إذا كان الجرح سائلاً فلا بأس، فالموضوع هو الجرح والشرط هو السيلان فيكون المفهوم: إذا كان الجرح غير سائل فلا عفو، فيتمّ الاستدلال.
ولكنّه لم يقل هكذا بل قال: “إن كان في الرجل جرح سائل”، إذن، فالموضوع هو الرجل والشرط هو الجرح السائل، فيكون مفهومه إذا لم يكن في الرجل جرح سائل، ومعه لا يمكن التمسك بمفهوم هذه القضية لإثبات أن الجرح غير السائل غير معفو عنه.
وهذا البيان يمكن الجواب عليه بأن يقال: إن موضوع القضية وإن كان هو الرجل والشرط هو الجرح السائل فيكون المفهوم له حالتان، فإنّ من ليس له جرح سائل له حالتان:
إحداهما: أنّه ليس له جرح أصلاً.
والأخرى: أنّ له جرحاً غير سائل، ومقتضى الإطلاق أنّه ليس له عفو في كلا الصورتين.
فهذا التقريب في نفسه لا يتمّ، فلا بُدّ من اشتقاق تقريب آخر وهو أن
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) تنقيح العروة الوثقى: 3: 393، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الأوّل دم الجروح والقروح.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يقال: إن الميزان الفني بالنظر العرفي في الإفراز بين موضوع القضية الشرطية وشرطها، له ضوابط حققناها في بحث المفاهيم(1). وقلنا: هناك
2- ضابطان لجعل شيء موضوعاً
الضابط الأول: أن يكون مفروض الوجود بفرض سابقاً على فرض الجزء الآخر، فإنّ كل شرط هو مفروض الوجود، لكن قد يكون فرضاً واحداً وقد يكون فرضين طوليين، أحدهما فرض قبل الشرط وأخرى فرض قبل أداة الشرط.
ففي قوله: إذا جاءك زيد فأكرمه، فهنا تقديران:
أحدهما: تقدير وجود زيد، وهو تقدير حملي شأن تقدير الموضوع في كل قضية حملية، كقولنا: يجب إكرام زيد، فإن تقديره لم يستفد من أداة الشرط لأننا لو حذفناها بقي التقدير.
الآخر: تقدير مجيئه وهو المستفاد من أداة الشرط.
الضابط الثاني: أنّه قد يفرض أن التقدير استفيد من أداة الشرط لا من الحمل، لكن لا بدّ أن يجعل موضوعاً، كقولنا من كان عالماً فأكرمه، فالمقدر هو العالمية، وتقديره استفيد من الشرطية. لكن مع ذلك ليس له مفهوم، لأن الجزاء بغضّ النظر عن الشرط مرتبط بمفهوم العالم ارتباط الحكم بموضوعه، فلا معنى لوجود المفهوم له.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 3: 141، مباحث الدليل اللفظي، المفاهيم، ضابطة الدلالة على المفهوم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فسنخ الجزاء إن كان مرتبطاً بحسب مادته بجزء من أجزاء الشرط بغضّ النظر عن الاشتراط فلا بُدّ أن يكون محفوظاً.
وهذا محفوظ في المقام، فكأنه قال: إذا كان الرجل فيه جرح سائل فأصاب ثوبه فلا يغسل الدم الذي أصابه من الجرح السائل. ومن المعلوم أنّه إذا لم يكن جرح فلا معنى للمفهوم. بل يكون سالبة بانتفاء الموضوع، وعليه فالاستدلال بهذه الرواية غير تام.
عن أحدهما: “قال سألته عن الرجل تخرج به القروح لا تزال تدمى كيف يصلّي، قال: يصلّي وإن كانت الدماء تسيل”(1).
استدل بها بعض الأعلام على اشتراط السيلان وأجاب عن ذلك: أن السيلان قد ذُكر في كلام السائل لا في كلام الإمام ليستدل به على اشتراط السيلان.
وقد استدل بعض الفقهاء(2) على إثبات عدم اشتراط السيلان تمسّكاً
ــــــــــ[31]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 256، كتاب الطهارة، الباب 12، حديث: 31، الاستبصار 1: 177، كتاب الطهارة، الباب 106، حديث:7، الوسائل 1: 265، باب 7 من أبواب نواقض الوضوء، حديث3.
(2) أُنظر: جامع المقاصد 1: 171، كتاب الطهارة، المقصد الثالث في النجاسات، الفصل الثاني في الأحكام، ومستند الشيعة 4: 286، الباب الثالث في لباس المصلّي، الفصل الثاني فيما يشترط في لباس المصلّي، المسألة التاسعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بجواب الإمام، فإنّه ظاهر أنّه لو لم تسل الدماء منه فهو أولى بالصحّة.
وهو أيضاً لا يخلو من نظر فإنّ قوله: “وإن كانت الدماء تسيل“، -يعني: أصل السيلان الذي فرض في كلام السائل- صحيح، إلّا أن هذا بعيد، فإنّه قال: “وإن كانت الدماء تسيل“، فقد نظر إلى المرتبة العالية من السيلان. فكأنه قال: (لا فرق بين السيلان الكثير والقليل)، فلا يكون له إطلاق لعدم السيلان رأساً.
قال: “سألته عن الرجل يكون به الجرح والقرح فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه قال يصلّي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلّا مرة فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة”(1).
يستدل بها على اشتراط السيلان بأنّ جواب الإمام ظاهر في استمرار الدم، وإلا لم يلزم أن يغسل ثوبه كلّ ساعة يعني على استمرار، وحيث إنّ هذا ذُكر علّةً للحكم، فيختص الحكم بما إذا كان الدم جارياً.
من كتاب نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمد بن مسلم، قال: “صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلّي ولا ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 174، كتاب الطهارة، الباب 38، حديث: 2، التهذيب 1: 258، كتاب الطهارة، الباب12، حديث: 35، الوسائل 3: 423، باب22 من أبواب النجاسات، حديث: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يغسل ثوبه في اليوم أكثر من مرة”(1).
وهاتان الروايتان يستدلّ بهما:
تارةً: على اعتبار السيلان كما ذكرنا.
وأخرى: على اشتراط المشقّة والحرج.
وثالثاً: على وجوب الغسل في كل يوم مرّة.
أما الأمر الأوّل: وهو اشتراط السيلان بالتقريب الذي ذكرناه فجوابه: إنّه مبني على أن يكون قوله: (فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة) علّةً للحكم. ولكن الظاهر أنّه حِكمةٌ وليس علةً حقيقية، وذلك لقرينتين:
القرينة الأولى وهي داخلية: وهي وضوح أنّ الإنسان حتى لو لم يكن معفواً عن الدم فلا يجب أن يغسل ثوبه كل ساعة، وإنما يغسله للصلاة فقط.
إذن فالغسل كل ساعة ليس واجباً في نفسه، فهو بيان خطابي لتقريب المطلب، وأنه إرفاق بالمكلف.
القرينة الثانية: رواية أبي بصير(2) الذي رأى قائده في ثوب الإمام دماً فسأل الإمام فأجاب أنّ بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ. وإذا كان قريب البرء فلا يكون جريان ولا يجب الغسل كل ساعة. فلو كان محذور الغسل كل ساعة ملاكاً حقيقياً لقيل إنّه لا يشمل فترة ما قبل البرء.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) السرائر 3: 558، باب المستطرفات، ما استطرفته من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.
(2) الكافي 5: 173، الباب 38، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 433، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وبهذا التقريب تسقط دلالة هذه العبارة على الحرج، فإنه قد يستدل بها على إفادة الحرج، فيختصّ العفو بما إذا كان حرجاً، فإنه مبني على حمل الكلام على العلة، وأما إذا كان حِكمةً، فلا يمكن تقييد الإطلاقات به.
نعم، يمكن الاستدلال بها على لزوم غسل الثوب في اليوم مرّة واحدةً.
وإنّ العفو عن دم الجروح والقروح ليس عفواً مطلقاً، بل مقيّد بالغسل باليوم مرة واحدة(1).
ويمكن أن يُناقَش هذا الاستدلال بعدّة وجوه:
الوجه الأول: أنّ هذه الرواية – رواية سماعة- لم يرد فيها أمر بالغسل، وإنّما ورد فيها نهي عن الغسل، واستثناء عنه للغسل في كلّ يوم مرةً واحدةً، “لا يغسل ثوبه كل يوم إلّا مرّة”(2).
والنهي بحسب طبعه الأولي يدل على المنع، والاستثناء من المنع غاية ما يقتضيه عدم المنع، وأن الغسل مرّةً واحدةً غير ممنوع عنه.
نعم، في خصوص المقام لا يُستفاد من النهي المنع، لأنّه ورد في مورد توهّم
ــــــــــ[34]ــــــــــ
(1) انظر: الحدائق الناضرة 5: 304، الباب الخامس في الطهارة، المقصد الثاني في احكام النجاسات، المسألة الثانية حدّ العفو، الفرع الأوّل.
(2) الكافي 5: 174، كتاب الطهارة، الباب 38، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 258، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 35، وسائل الشيعة 3: 433، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الطلب، فيكون مفاده نفي الطلب لا المنع، وحينئذٍ فالاستثناء من نفي الطلب يدل على الطلب. لكن قصارى هذا إنّما هو الدلالة على أصل الطلب، وأما كونه وجوبياً فلا يمكن أن يستفاد من العبارة، بعد وضوح أنّه لم يرد أمر بالغسل مرّة واحدة.
وهذا التقريب لا يخلو من نظر؛ لأن النهي وإن كان في مورد توهّم الطلب، وظاهره عرفاً هو نفي الطلب، لكن حيث إن الطلب المركوز في الذهن هو الطلب الوجوبي دون الاستحبابي، فإذا حصل النهي يستفاد أنّه نفي للطلب المركوز الوجوبي، ومعه يكون الاستثناء من نفي الوجوب يكون دالاً على الوجوب.
الوجه الثاني(1): أنّه لو تمّت دلالتها على وجوب الغسل، فيجب رفع اليد عنه، بقرينة رواية أبي بصير التي يقول فيها: (إنّ بي دماميل ولست اغسل ثوبي حتى تبرأ)، فإنّه غير قابل للتقييد بأن يقال: لست أغسل ثوبي إلّا إذا استمرّت يوماً فأغسل ثوبي في كل يوم، فإن غالب الدماميل تستمر أياماً حتى تبرأ، فهي واردة في نفس المورد، فتكون قرينةً على حمل الأمر بالغسل في كل يوم على الاستحباب.
الوجه الثالث: ما ذكره(2) السيّد الأستاذ.
حيث قال: لو بقينا ورواية سماعة لَتعيّن حملها على الاستحباب؛ لبيان لُبّي
ــــــــــ[35]ــــــــــ
(1) تنقيح العروة الوثقى 3: 396، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الأول دم الجروح والقروح.
(2) تنقيح العروة الوثقى 3: 396، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الأول دم الجروح والقروح.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وحاصله: أنّ مسألة الجروح والقروح ممّا يعم بها الابتلاء، فلو كان الغسل مرةً واحدةً أمراً واجباً لكان طبع المطلب أن يشتهر وينتشر، مع أن الانتشار على العكس بحيث لا يوجد فتوى معتدٌّ بها بوجوب الغسل في كل يوم. فيكون دليلاً لبياً قطعياً على عدم الوجوب فلا بُدّ من حمل الرواية على الاستحباب وهذه مناقشة صحيحة تامة.
الوجه الرابع: أننا لو لم نفرض الجزم بعدم وجوب الغسل مرة واحدة، فلا أقل أنّنا نحتمل أنّ عدم الوجوب من المركوز في أذهان المتشرعة في عصر صدور هذه النصوص. وهذا الاحتمال وحده يكفينا بلا حاجة إلى دعوى اليقين، لأنّ مرجعه إلى احتمال وجود قرينة لُبّية متّصلة على عدم الوجوب. وهو يكفي للإجمال، وهذه مناقشة واردة.
فالصحيح أنّ هذه الرواية لا يمكن الاستدلال بها على وجوب الغسل مرة واحدة.
ورواية السرائر بسنده إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن محمد بن مسلم: “أن صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها الطهارة ولا حبس دمها يصلّي ولا يغسل ثوبه أكثر من مرة”(1).
قد يستدل بها على وجوب الغسل مرة واحدة، ويرد عليها تمام المناقشات التي قبلناها في الروايات السابقة، فلا بُدّ من حمل الغسل على الاستحباب.
ــــــــــ[36]ــــــــــ
(1) السرائر 3: 558، باب المستطرفات، ما استطرفته من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
نعم، قد يستدل بها على عدم سيلان الدم، فإنّها ظاهرة في أن من يستطيع حبس الدم فلا بُدّ له من ذلك، فإذن: إنّ الجرح المتقطّع الدم يكون حاله حال من يستطيع حبس الدم.
ولكن هذا غير تامّ، إذ لعل هذه القيود أخذت لعدم وصول الدم إلى الثوب، فإن القروح تُشدّ عادةً، وإنما يصل الدم إلى الثوب عند عدم إمكان الشدّ.
مضافاً إلى أنّها وإن عُبّر عنها في كلمات السيّد الأستاذ بصحيحة محمد بن مسلم(1)، إلّا أنّها غير تامة السند؛ فإنّها لم ترد في الكتب الأربعة وإنّما نقلها ابن إدريس في آخر السرائر(2) من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر. والكلام في سند ابن إدريس إلى هذا الراوي؛ فإنّنا لا نعرف أنّ سنده يمرّ بالشيخ الطوسي، أو أنّ له سنداً آخر فيه ضعف. وهذه نكتة عامّة في كل ما استطرفه في السرائر، مستثنى من ذلك ما استطرفه عن محمد بن علي بن محبوب، لأنّه صرّح في السرائر أنّ نسخته بخط الشيخ الطوسي.
ومعه فالرواية ساقطة سنداً.
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 269، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، تنقيح العروة الوثقى 3: 395، كتاب الطهارة فصل فيما يعفى عنه في الصلاة.
(2) أُنظر: ص 221، هامش 1. هناك خرّجت. ص216: أي الصفحة السابقة
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ومعه اتضح أنّه لا يعتبر في العفو السيلان والحرج.
نعم، لا بأس باعتبار الحرج النوعي والسيلان النوعي؛ لأنّها كلها واردة في هذا المورد وليس فيها إطلاق ينفي ذلك.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قوله: نعم يعتبر أن يكون فيه مشقة نوعية، فإن كان مما لا مشقة في تطهيره أو تبديله على نوع الناس فالأحوط إزالته أو تبديل الثوب. وكذا يعتبر أن يكون الجرح مما يُعتد به وله ثبات واستقرار، فالجروح الجزئية يجب تطهير دمها(1).
ذكر الماتن شرطين:
الشرط الأوّل: أن تكون هناك مشقّة نوعيةً في إزالة الدم وتطهيره.
الشرط الثاني: أن يكون الجرح له ثبات واستقرار. وقد بيّن الشرط الأوّل بلسان الاحتياط والثاني بعنوان الفتوى، ولا يُبعد أن يكون الثاني منطوياً تحت الأوّل، لأنّ الجروح الجزئية غالباً ليس فيها مشقّة نوعيّة.
نعم، الشرط الأول قد يفرض ارتفاعه فيما إذا كان جرحاً مستقراً ليس في إزالته مشقة نوعية، فكلما اختل الشرط الأول اختل الثاني دون العكس.
وقد يكون مرجعهما إلى معنىً واحدٍ، بأن يراد من المشقة النوعية العسر الذي يحصل للناس من الجروح والدماميل المهمة العميقة.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 101، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ومعه لا معنى لأن يبيّن أحدهما بلسان الاحتياط والآخر بلسان الفتوى.
وعلى أي حالٍ لا بأس باعتبار هذين الشرطين ويمكن تقريب اعتبارهما ببيانين:
البيان الأوّل(1): دعوى أنّ روايات العفو ليس لها إطلاق لمورد عدم المشقة النوعية أو مورد كون الجرح يسيراً؛ فإنّها واردة في مثل الدماميل ونحوها، فتبقى هذه الأمور تحت الإطلاقات الدالة على عدم جواز الصلاة مع الدم. وهذا وجه صحيح في نفسه.
البيان الثاني: لو سلّمنا وجود الإطلاق في بعض روايات العفو، فيقيّد بالبعض الآخر من روايات الباب. وما يمكن أن يدّعى كونه مقيّداً هو موثق سماعة السابق، وقال فيه: “يصلّي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلّا مرة، فإنّه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة”(2).
فالمقيّد هو مفهوم التعليل، فإنّه تعليلٌ بالمشقّة والصعوبة، ويقتضي أنّه إذا لم يكن فيه مشقّة ولا شأنية فلا عفو، فيكون مقيّداً للإطلاق، واعترض على هذا البيان بإشكالين:
ــــــــــ[40]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 276، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، الأوّل دم القروح والجروح، والتنقيح في شرح العروة 2: 426، كتاب الطهارة فصل فيما يعفى عنه في الصلاة.
(2) الكافي 5: 174، كتاب الطهارة، الباب 38، الحديث 2، وسائل الشيعة 3: 433، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الإشكال الأوّل: أنّه لو كان تعليلاً حقيقياً لكان ما ذكر صحيحاً، لكنّنا حملناه على الحكمة لا على العلّة، ومعه لا يمكن أن يكون مقيّداً لإطلاق الروايات.
وهذا الإشكال غير وارد؛ لأنّ حمل التعليل على الحكمة ليس معناه إلغاءه رأساً، بل هو عبارة أخرى عن حمل العلة فيه على الشأنية، فإننا تارةً نحمله على المشقة الحقيقية وأخرى نحمله على المشقة الشأنية، وثالثةً نُلغي كونه علّةً أصلاً. ومقتضى التعليل هو رفع اليد عن الظهور الأول دون الثاني.
الإشكال الثاني: أورده في المستمسك(1): أنّ التعليل ليس له مفهوم، فإنّه لا يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء العلّة لاحتمال وجود علّة أخرى.
وجوابه: أنّ التعليل وإن كان لا ينفي وجود علّةٍ أخرى. لكنّه ينفي ثبوت الحكم لذات المعلّل، بقطع النظر عن العلل الطارئة عليه. فيدل على أنّ كونه دم جرح لا يكفي للعفو. وإلا لكان التعليل بشيء خارجيٍّ، ليس عرفياً.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة 1: 5580- 559، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الأوّل دم القروح والجروح.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قوله: ولا يجب فيما يعفى عنه منعه عن التنجيس، نعم يجب شده إذا كان في موضع يتعارف شده.
وقع الكلام في أن العفو عن دم الجروح والقروح هل يشترط فيه عدم إمكان المنع عن التنجيس؟ أو هذا المنع يكون بأحد نحوين:
أحدهما: شدّ الجرح.
والآخر: شدّ غير الجرح حتى لا يسري إليه الدم من الجرح. وعلى فرض أنّه لا يجب المنع عن التنجيس بغير شد الجرح، فهل يجب المنع بالشد للجرح، أو لا كما هو ظاهر المتن؟
ما يمكن أن يستدل به أحد أمرين:
الأمر الأول(1) دعوى عدم وجود الإطلاق في الروايات لصورة التمكُّن من المنع عن التنجيس، وهذا يمكن أن يكون بياناً لوجوب ربط الجرح إذا كان
ــــــــــ[42]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة 1: 5580- 559، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الأوّل دم القروح والجروح.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
في الأماكن المتعارفة لا لوجوب ربط غير الجرح.
بأن يقال: بأنّ العادة جارية في ربط الجرح، فالروايات وإن لم يُصرّح فيها بالأمر بالربط، إلّا أنّه لا يمكن التمسك بإطلاقها لانصرافها إلى ما هو العادة والغالب، وأمّا ربط غير الجرح فلا توجد عادةً جاريةً عليه.
وأمّا في مورد لم يُتعارف فيه ربط الجرح فلا بأس بالتمسك بإطلاقات روايات العفو، فيكون وجهاً للتفصيل بين الأمرين.
إلّا أّنه لا يتمّ لمنع هذه العادة بنحو يوجب الانصراف، فإن كان المراد من العادة هو الغلبة الخارجية، فلا نضايق فيها، إلّا أنّ الغلبة وحدها لا تكفي في تقييد الإطلاق، وإن أُريد جريان العادة على ذلك بحيث يوجب انصراف ذهن العرفي من المطلق إلى هذا، فهو ممنوعٌ.
الأمر الثاني(1) أن يُتمسّك بالروايات التي ورد فيها الربط كصحيحة محمد بن مسلم -على ما عبّر عنها- المروية في السرائر من أنّ صاحب القرحة التي لا يستطيع معها الطهارة ولا حبس دمها، (يصلّي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلّا مرّة)(2).
ــــــــــ[43]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 426، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الأوّل دم القروح والجروح.
(2) الكافي 5: 174، كتاب الطهارة، الباب 38، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 285، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 35، وسائل الشيعة 3: 433، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
مفهومه أنّ القرحة التي يستطيع صاحبها ربطها فلا عفو بالنسبة إليه.
وهذه الرواية لو تمّ الاستدلال بها، أيضاً ينبغي أن يفصل بين ربطها وبين المنع عن التنجيس بنحو آخر.
فإنّ حبس الدم تارةً يُفرَض أنّه مجرد تكرارٍ للربط، وحينئذٍ فمن الواضح أن مفهومها فيمن يستطيع ربط الجرح، وأمّا من لا يستطيعه لكن يستطيع المنع بنحو آخر، فهو داخل في المنطوق لا في المفهوم.
وإن لم يرجع الثاني إلى الأول، بل الربط إلى حبس الدم، فيكون الميزان هو القدرة على حبس الدم من الجرح، فيفهم العرف أنّ المناط هو المنع عن التنجيس.
وحيث إنّ الرواية يُدّعى بها الإجمال على الأقل من هذه الناحية، فلا يمكن الاستدلال بها إلّا على وجوب الربط.
على أن هذه الرواية غير تامّةٍ سنداً، -كما سبق- فإن طريق ابن إدريس إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر غير معلوم.
مضافاً إلى أننا حملنا المنطوق على أن يكون عفواً في مقابل الاستحباب لا في مقابل الوجوب، فغاية ما يدل عليه المنطوق انتفاء هذا العفو. فالظاهر عدم وجوب الشدّ فضلاً عن المنع عن التنجيس.
قوله: ولا يختصّ العفو بها في محل الجرح، فلو تعدّى عن البدن إلى اللباس أو إلى طرف المحل كان معفواً عنه، لكن بالمقدار المتعارف في مثل ذلك الجرح، ويختلف ذلك باختلافها من حيث الكبر والصغر، ومن حيث المحل، فقد يكون
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
في محل لازمه بحسب المتعارف التعدي إلى الأطراف كثيراً، أو في محل لا يمكن شدّه، فالمناط المتعارف بحسب ذلك الجرح(1).
تفصيل الكلام في ذلك: أنّه بعد الفراغ من العفو عن دم الجروح والقروح يقع الكلام في أنّه هل هو معفو عنه بكلّ امتداداته، أو إلى حدٍ ما؟ وامتداداته تتصوّر على ثلاثة أنحاء.
النحو الأوّل: امتداده في حريم الجرح، ونقصد به منطقة في البدن واللباس في مَعرَض تلطّخها بدم الجرح لقربها منه ونحو ذلك عادةً.
النحو الثاني: أن يفرض التعدّي صدفةً أو بالطبع إلى أزيد من حريم الجرح، أكثر مما هو مقتضى العادة.
النحو الثالث: التعدّي بالاختيار والعناية كما لو وضع طرف ثوبه الآخر على الجرح نفسه.
إنَّ القدر المتيقن من العفو هو النحو الأول؛ باعتبار أنّ الروايات نصّت على العفو عن البدن والثياب وهي حريم الجرح وليست شخص ذلك الجرح.
وإنّما الكلام في شمول العفو للنحوين الأخيرين.
أمّا النحو الثاني: وهو شمول العفو إذا كان إصابة الدم من باب الصدفة،
ــــــــــ[45]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 101، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فهنا بالإمكان دعوى ثبوت العفو تمسّكاً بإطلاق روايات العفو؛ لأنّه يقول: (فيصيب ثيابي) وهذا قد أصاب ثيابه.
فلا بُدّ لمن يشكك في العفو أن يذكر مقيِّداً لهذه الإطلاقات، وما يمكن أن يذكر هنا أحد أمرين:
الأمر الأوّل(1): دعوى الانصراف، بدعوى أن جملة (يصيب ثيابي) تنصرف إلى الإصابة الغالبية وهي الإصابة في حريم الجرح، وأمّا الإصابة التي لا تتفق غالباً فينصرف عنها اللفظ.
إلّا أنّ هذا الانصراف بلا منشأ؛ لأنّ غايته أنّ هذه الإصابة نادرة الوجود، ولكن ندرة الوجود وحدها لا تكفي للانصراف ما لم يكن هناك أُنسٌ ذهني لغيره، وبُعدٌ ذهني عنه بحيث لا يُفهم من الإصابة إلّا الإصابة القريبة، وهذا غير موجود في المقام.
الأمر الثاني: رواية سماعة باعتبار التعليل فيها: “فإنّه لا يستطيع أن يغسل ثوبه في كل ساعة” إن حملناه على الحكمة الصرفة فلا حجية فيها، وإن تحفظّنا على كونه تعليلاً وأنه كناية عن المشقة، وأن المراد بالمشقة المشقة النوعية فيصبح المراد أنّ العلة في الحكم هي المشقة النوعية، ومن المعلوم أنّ المشقة النوعيّة هي في غسل حريم الجرح، لا في غسل المناطق البعيدة، فإنّه إن فُرِض عدم العفو عن حريم الجرح لزم غسله في كل ساعة، وأمّا إن فُرِض عدم العفو عن ذيل الثوب، لم يلزم ذلك.
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) أُنظر: دليل العروة الوثقى 2: 271، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهذا البيان مربوط بتحقيق: أنّ المستفاد من التعليل هل هو اعتبار المشقة النوعيّة بلحاظ مجموع النجاسة، أو بلحاظ كل حصّة حصّة منها؟ فإن كان الأوّل…(1)
وإن لم يستظهر كون النظر إلى المجموع فلا أقل من الإجمال، ومعه لا يكون مقيّداً للإطلاقات. ومعه لا يبعد العفو عن النحو الثاني وإن كان مقتضى الاحتياط عدم العفو.
وامّا النحو الثالث: وهو إسراء الدم عمداً فيمكن أن يقال: إنّ المطلقات قاصرةً عن الشمول لهذا النحو، فإنّ الروايات ظاهرة بالإصابة الطبيعيّة لا العمدية، ومعه فمقتضى القاعدة عدم العفو عن النحو الثالث.
نعم، هناك رواية واحدةٌ خاصّة بالمورد فتكون دليلاً خاصّاً يرد في المقام كما تمسّك بها صاحب الحدائق(2)، وهي رواية عمّار قال: “سألته عن الدُمّل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة قال: يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض ولا يقطع الصلاة”(3).
فهذا الرجل إمّا أن يدع الدم يسيل على حريم الجرح، وإمّا أن يمسك الدم
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) هناك سقط في عبارة النسخة الخطية.
(2) الحدائق الناضرة 5: 294، الباب الخامس في الطهارة المقصد الثاني في الأحكام، البحث الثاني، المسألة الثانية حدّ العفو.
(3) الوسائل 3: 435، باب22 من أبواب النجاسات، حديث: 8، ومرّ تخريجها فيما سبق وفقاً لمصادر الحديث.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ويمسح به الحائط، فإن بنينا على العفو عن الحريم خاصّة لكان الأنسب أن يأمره الإمام بأن يدع الدم يسيل، وأمّا إذا أمسك الدم بيده كان إصابة عمدية، ولا عفو، ولكنّ أمر الإمام بالعكس، وهو دليل على أنّ العفو لا يختص بحريم الجرح بل يشمل اليد بالإصابة العمدية.
إلّا أنّ هذا غير تامّ لا سنداً ولا دلالة.
أمّا دلالةً؛ فباعتبار أنّ الرواية فرض فيها أنّ الانفجار يدور أمر الشخص بيده بين إمساكه وبين جريان الدم، وهنا يوجد غرض شخصيٌّ عادةً للإنسان بأن يمسك الدم لمنع التلطّخ، فهو يضحي بنظافة يده في سبيل الحفاظ على نظافة منطقة أكبر من ثيابه وجسده؛ ولهذا رخّص الإمام بذلك، في مقام بيان أن ما يقتضيه الغرض العرفي أمر صحيح.
وهذا لا يمكن أن يستفاد منه العفو المطلق عن كل ما يتعمد المكلف إسراء الدم إليه، بل يختص بما إذا كان الإسراء من باب التعويض عن منطقة أكبر، بل يمكن أن يقال: إنّه يختصّ بخصوص هذه الصلاة حتى لا يُكلَّف بقطع الصلاة. ولذا قال: “ولا يقطع الصلاة” ولا يمكن أن تتعدّى إلى العفو في الصلاة الثانية، فلا يستفاد العفو إلّا عند توفّر هذين القيدين.
وأمّا من حيث السند فغير تامّة؛ لأنّ الشيخ يرويها عن أحمد بن محمد عن علي بن خالد وهو لم يثبت توثيقه(1) وإن كان مَن قبله ومَن بعده ثقات، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية، فمقتضى القاعدة عدم العفو عن النحو الثالث.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
(1) أُنظر: نقد الرجال 3: 258، باب العين، الرقم: 3564، ومعجم رجال الحديث 13: 9ـ 12، باب العين.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
كما يُعفى عن دم الجرح كذا يُعفى عن القيح المتنجس الخارج معه، والدواء المتنجس الموضوع عليه، والعرق المتصل به بحسب المتعارف، أما الرطوبة الخارجية إذا وصلت إليه وتعدّت إلى الأطراف فالعفو عنها مشكلٌ، فيجب غسلها إذا لم يكن فيه حرج(1).
يقع الكلام تارةً في الرطوبات الداخلية كالقيح والعرق والدواء، وأخرى في الرطوبات الخارجية التي تقع صدفةً على الجرح.
الفرع الأول: في الرطوبات الداخلية، فإن هناك أشياءً تختلط بالدم وليست دماً، فهل يشملها العفو أو لا؟ دعوى شمول العفو لها يمكن أن يقرّب بعدّة تقريبات:
التمسّك بإطلاق دليل العفو بأن يقال: إنّ هذه الأخبار دلّت على العفو
ــــــــــ[49]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 101، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة 1.
(2) فقه الشيعة 4: 282، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، المسألة1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
عن دم الجروح والقروح من دون تفصيل بين وجود القيح والدواء والعرق وبين عدم وجود ذلك.
وهذا جوابه واضح، وهو أنّ الدليل الذي دلّ على العفو إنّما دلّ على العفو من ناحية الدم، فهو عفو حيثيّ، ولا إشكال في العفو من ناحية الدم حتى لو كان هناك دواء أو عرق، وإنما الكلام في أنه هل يعفى عن العرق والدواء والقيح الذي تنجس بالدم أو لا؟
إنّ الدليل بمدلوله المطابقي وإن كان يدلّ على العفو عن الدم، لكنّه يدلّ بالدلالة الالتزامية العرفية على العفو عن ذلك. للأولوية العرفية؛ لأنّه إذا ثبت أن دم الجروح والقروح معفوٌّ عنه، فأولى بالعفو الدواء الذي تمام محذوره كونه متنجساً بالدم، فإن الفرع لا يزيد عن الأصل.
وهذا البيان على إطلاقه غير تامّ، ما لم تُضم إليه عناية سوف نشير إليها فيما بعد؛ لأن العفو عن شيء من النجاسات:
تارةً: يستفاد من مناسبات الحكم والموضوع، أو بقرينة خاصّة وهي أنّ العفو عنه باعتبار ضعف نجاسته.
وأخرى: أنّ العفو باعتبار وجود المشقّة وكثرة الابتلاء بهذه النجاسة، فمتى ما ثبت العفو باللسان الأول دلّ بالالتزام على أنّ الملاقي معفو عنه أيضاً؛
ــــــــــ[50]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 429، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، المسألة1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فإنّه إذا كان الملاقى نجاسته ضعيفة بحيث يُعفى عنها فكيف بالملاقي.
وأمّا لو كان دليل العفو باللسان الثاني، فلا ملازمة بين العفو عنه والعفو عن ملاقيه؛ لأنّه قد لا يبتلى به عادة وكثيراً.
نعم، قد يقال: إنّ كثرة الابتلاء إذا كانت موجودةً، في الملاقى والملاقي معاً، تكون نكتة العفو ساريةً.
فهل روايات العفو لسانها هو اللسان الأول أو الثاني؟
الظاهر أنّه اللسان الثاني وهو التخفيف من الابتلاء والمشقة، فلا تدلّ على العفو عن الملاقى إلّا بعنايةٍ سوف نشير إليها.
الإطلاق المقامي وحاصله أن يقال: إنّ هذه الروايات وإن كان مفادها العفو من ناحية الدم دون غيره، فهو عفو حيثيّ وجهتيّ.
ولكن حيث إنّ هذا مما يغفل عنه الإنسان العادي غالباً، فإنه يصلّي بدم الجروح والقروح غير مهتم بالقيح أو الدواء أو العرق، فكان على الإمام أن يبيّن ما يدفع هذه الغفلة، ولا يمكن أن يكتفي بالإطلاقات الأولى بعد أن كان فيها إغراء للإنسان الاعتيادي، وحيث لم يشر إلى اشتراط عدم القيح، فذلك يوجب انعقاد إطلاق مقاميّ في الروايات.
ولكنّ هذا البيان تامّ لو سلّمنا أنّ الإنسان العرفي يغفل عن هذه النكتة، ولكنّنا لا نسلّمها، وكيف نسلّمها ونحن نقول: إنّ المدلول العرفي لهذه الروايات هو العفو الجهتيّ، ومعناه أن العرف يفهم ذلك فلا موجب للإطلاق المقامي.
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
أن يقال: بأنّ هذه الأمور تُوجِد قرينة في الروايات على أنّ المولى ناظر إليها.
صحيح أنّ ظاهرها هو العفو الجهتي، لكن توجد قرينة على أنّ الإمام نظر إلى هذه الأمور، وهي غلبة وجود هذه الأمور مع الجروح والقروح. فإنّه يغلب فيه القيح والدواء والعرق عند الحَر، إذ لو لم يكن المولى قد لاحظها وعفى عنها، لكان معناه أنه عفو يتحقق نادراً وفي بعض الأحوال، وهو على خلاف المتفاهم من هذا البيان.
وإن شئتم قلتم: إنّ القيح حاله حال دم الجروح والقروح، فإنّ المولى يعفو عنه من باب التخفيف فالعرف يرى أنها توأم معه.
هذا مضافاً إلى التصريح بالقيح في روايتين:
1- رواية ليث المرادي: “قلت لأبي عبد الله الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوءة دماً وقيحاً وثيابه بمنزلة جلده، فقال يصلّي في ثيابه ولا يغسلها ولا شيء عليه”(2).
2- ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: “قلت لأبي عبد الله: الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي فقال
ــــــــــ[52]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 282، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، المسألة 1.
(2) التهذيب 1: 258، كتاب الطهارة، الباب 12، حديث 37، الوسائل 3: 434، باب 22 من أبواب النجاسات، حديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
دعه فلا يضرّك أن لا تغسله”(1) الحديث. وهي أصحّ من الرواية الأولى.
نعم، هناك رواية أخرى يمكن أن يُتوهم كونها معارضةً، فعن علي بن جعفر عن أخيه قال: “سألته عن الدُمّل يسيل منه القيح كيف يصنع؟ قال: إن كان غليظاً أو فيه خلط من دم فاغسله كل يوم مرتين”(2).
فلو كان القيح معفوّاً عنه لصلّى فيه، بينما أمر بالغسل إذا كان غليظاً أو فيه خلطٌ من دم، وكأن الغلظة أخذت كاشفةً عن وجود الدم.
ولكنّ هذه الرواية لا ينبغي التمسّك بها؛ لأن ظاهر الجواب هو عدم العفو عن الدم أصلاً. فلا بُدّ من حملها على الاستحباب والتنزّه في مقابل الروايات السابقة، ومعه فلا إشكال في هذا الفرع.
الفرع الثاني في الرطوبة الخارجية، لا بدّ من الرجوع إلى التقريبات السابقة.
فإن بنينا على العفو عن القيح تمسّكاً بالتقريب الأول فلا إشكال في أن الإطلاق اللفظي لو تمّ هناك لكان تاماً هنا.
ولو كان الَمدرك هو التقريب الثاني وهو التمسك بالأولوية العرفية فهو يجري في محل الكلام.
ــــــــــ[53]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 259، كتاب الطهارة، الباب12، حديث 38، الوسائل 3: 435، باب 22 من أبواب النجاسات، حديث6.
(2) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 173، قسم المسائل، حديث 305، الوسائل 3: 432، باب20 من أبواب النجاسات، حديث: 8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وإن كان المَدرك هو الإطلاق المقامي الناشئ من الغفلة العرفية، فمن الواضح أنّها لو سُلِّمت فإنها إنّما تكون في شيء من شؤون الجرح، لا الرطوبة الخارجية، فالتقريب الثالث لا يتمّ في المقام.
وكذلك التقريب الرابع، وهي قرينة الغلبة؛ فإنّها غير موجودة في المقام.
وحيث إنّ هذا هو الوجه الصحيح، فينبغي التفصيل في العفو ويقال: إنّه يشمل الدواء والقيح والعرق، ولا يشمل الرطوبات الخارجية.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إذا تلوثت يده في مقام العلاج يجب غسلها ولا عفو(1).
اتضح حاله مما سبق لأنّنا عرفنا أنّ روايات الباب -باستثناء رواية عمار- ظاهرةٌ بالإصابة والجريان بحسب طبعها لا بعناية اختيارية من قبل المكلف نفسه. وأمّا رواية عمّار التي أمر فيها بمسح الدم ومسح الحائط به فهي وإن وردت في العمل الاختياري، لكن يُقتصَر على خصوص مورد الرواية، وهو ما توفر فيه أمران:
أحدهما: أنّ النجاسة أصابت اليد بدلاً عن أجزاء أخرى من البدن أو الثوب.
الآخر: أن يكون التلوث في أثناء الصلاة بحيث يستلزم التطهير قطعها، ومعه تبقى هذه الصورة تحت الإطلاقات المقتضية لوجوب الغسل.
قوله: كما أنه كذلك إذا كان الجرح مما لا يتعدى فتلوثت أطرافه بالمسح عليها بيده أو بالخرقة الملوثتين على خلاف المتعارف(2).
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى: 101، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة2.
(2) نفس المصدر.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
اتّضح ذلك ممّا سبق، فإنّ أيّ سراية على خلاف المتعارف لا تكون مشمولةً لإطلاق الدليل.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يعفى عن دم البواسير خارجة كانت أو داخلة، وكذا كل قرح أو جرح باطني خرج دمه إلى الظاهر (1).
الجروح على ثلاثة أقسام:
الأوَّل: جرح ظاهر في البدن قابل للرؤية.
الثاني: وجرح باطني في البواطن القريبة من الظاهر، بحيث يجري الدم إلى الخارج كالبواسير الداخلية.
الثالث: وجرح باطني بالمعنى الأخص كما لو كان له جرح في أمعائه أو كبده.
والقدر المتيقّن من روايات الباب هو القسم الأول، ووقع الكلام في القسمين الأخيرين.
والمهم عملياً هو القسم الثاني لابتلاء المكلف بتلوث الثياب.
ذهب السيد الحكيم في المستمسك(2) إلى استظهار اختصاص العفو بالقسم
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 101، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة2.
(2) أُنظر: مستمسك العروة1: 561، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الأول، مدّعياً أنّ العفو ورد على عنوان الجرح، وهو ينطبق على الثغرات في خارج البدن، وأما إذا كان في داخله فلا يصدق عليه جرح.
والسيد الأستاذ(1) حيث إنّه لم يَرَ موجباً لهذا التقييد، رأى أنّ الجرح يعمّ الجروح الباطنية أيضاً، فلا بأس بالتمسّك بدليل العفو لها، غاية الأمر أنّ الجروح الباطنية من القسم الثالث لا يشملها إطلاق الباب، لا من ناحية أنّها ليست جروحاً، بل من ناحية أنّ الروايات مختصّةٌ بالجروح التي تكون الثياب عرضةً للتلوّث بدمائها، وهو القسمين الأولين من الجروح دون القسم الثالث.
والذي ينبغي أن يقال: إنّ الجرح لا موجب لاختصاصه بالظاهر إذ لا نعرف منشأً لهذه الدعوى لا من الفهم العرفي ولا من تصريحات اللغويين(2)، فإنّه يصح أن يقال: له جرح على يده، وله جرح في معدته. لكن هذا لا يكفي لتتميم الإطلاق في روايات الباب، بل لا بدّ أن يُرى ما يكتنفها من المناسبات حتى يرى أن لها إطلاقاً أو لا.
وحينئذٍ يقال: إنّ من جملة روايات الباب:
1- صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما قال: “سألته عن الرجل
ــــــــــ[58]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة4: 284، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات المسألة 3، والتنقيح في شرح العروة 2: 430ـ 431، كتاب الطهارة فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة3.
(2) أُنظر: المحيط في اللغة 2: 401، باب الحاء والجيم، جرح، والصحاح 1: 358، فصل الجيم، جرح، ولسان العرب 2: 422، فصل الجيم، جرح.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
تخرج به قروح فلا تزال تدمي، كيف يصلّي، فقال: يصلّي وإن كان الدماء تسيل”(1). قد خرج فيه عنوان خروج القروح، وهو الظهور، فلا يصدق ذلك على القرحة في الأمعاء، فتختصّ الرواية بالجروح الظاهرية.
2- ومعتبرة أبي بصير قال: “دخلت على أبي جعفر وهو يصلّي، فقال لي قائدي إنّ في ثوبه دماً فلما انصرف قلت له: إنّ قائدي أخبرني أنّ بثوبك دماً فقال: إنّ بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ”(2).
ومن الواضح أنّ عنوان الدماميل ليس مثل عنوان الجرح، بل هو مختصّ بالجروح الظاهرية ولا يعم الباطنية، فإنّه عبارة أخرى عن الخراج وهو ما يخرج أي يظهر عليه.
3- وقولوا مثل ذلك عن رواية ليث المرادي قال: قلت لأبي عبد الله: الرجل تكون به الدماميل والقروح(3)، مضافاً إلى أنّه لا يكون ثيابه وجلده مملوءةً دماً عادةً إلّا في الجروح الظاهرية.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 256، كتاب الطهارة، الباب12، حديث: 31، الوسائل 1: 265، باب7 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 3.
(2) الكافي 5: 173، كتاب الطهارة، الباب 38، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 258، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 34، وسائل الشيعة 3: 433، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
(3) وسائل الشيعة 3: 434، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 258، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 37.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
4- ورواية عمّار قال: “سألته عن الدمّل يكون في الرجل فينفجر وهو في الصلاة، قال: يمسحه” الحديث(1).
وهو واضح أنّه خارجيّ لا باطنيّ.
5- ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: “قلت لأبي عبد الله: الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي، فقال: دعه فلا يضرك أن لا تغسله”(2).
6- ورواية سماعة قال: “سألته عن الرجل يكون به الجرح والقرح فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه قال يصلّي ولا يغسل ثوبه كلّ يوم إلّا مرة فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كلّ ساعة”(3).
ففي كلتيهما أخذ عنوان الجرح لا عنوان الدمّل والخراج ونحوهما، ومن هنا كانت أفضل من السابقة. ولكن يمكن أن يدّعى أيضاً اختصاصه بالجروح الظاهرية، لأنّه قيل إنّ الجرح في مكان لا يستطيع أن يربطه، وهو أُخذ في كلتا
ــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 435، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 8، التهذيب 1: 349، الباب 14، الحديث 20.
(2) وسائل الشيعة 3: 435، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 6، تهذيب الأحكام 1: 259، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 38.
(3) الكافي 5: 174، كتاب الطهارة، الباب 38، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 258، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 35، وسائل الشيعة 3: 433، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الروايتين، وهذا لا يقال إلّا في الجروح الظاهرية، فليس عندنا إطلاق في روايات الباب يشمل الجروح الباطنية من القسم الثاني والثالث.
ولكن مع ذلك يمكن التعدّي إلى القسم الثاني عرفاً، فإنّ العرف يرى أن كون الجرح باطنياً أو ظاهرياً لا دخل له في المقام، وإنّما نظر الشارع إلى الصعوبة والمشقّة النوعية.
وبعبارة أخرى: إنّ هنا عنوانين:
الأول: كونه جرحاً.
والثاني: كونه ظاهرياً.
أمّا الأوّل فلا يُلغى عرفاً لاحتمال دخله، وأمّا العنوان الثاني فيمكن التعدّي منه إلى الجروح القريبة من الظاهرة. ومعه يصحّ التفصيل بين القسمين الثاني والثالث، ومن كل ما ذكرناه ظهر الحال في المسألة الآتية.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
لا يعفى عن دم الرعاف ولا يكون من الجروح(1).
لأنّ عدم العفو عن دم الرعاف على مقتضى القاعدة، إذ أنّ الروايات خاصّة بمدلولها اللفظي بالجروح الظاهرية، وإنّما قلنا بالشمول للتعدي العرفي، وهو إنّما يكون في جروح باطنية تتّصف بأمرين:
الأول: أن تتّصف بالاستقرار والثبات كالبواسير لا كالرعاف الذي ينقطع بسرعة.
والثاني: أن يكون في مَعرَض تلويث الثياب ودم الرعاف ليس كذلك، فعدم العفو عن دم الرعاف على القاعدة، مضافاً إلى أنّ هناك روايات في الرعاف تؤكّد عدم العفو.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 102، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يستحب لصاحب الجروح والقروح أن يغسل ثوبه من دمهما كل يوم مرة(1).
بالرغم من أنّنا قلنا بالعفو، لكن يستحب له أن يغسل ثوبه من الدم مرة، تمسكاً برواية سماعة السابقة، وكذلك رواية محمد بن مسلم المنقولة في السرائر(2).
والماتن اقتصر على عنوان الثوب لاختصاص الروايات به، ولا بأس بذلك، لأنّ غسل الثوب أهون من غسل البدن، فاستحباب غسل الثوب لا يستكشف منه استحباب غسل البدن، بل يمكن أن يقال: باستحباب غسله مرتين باعتبار رواية علي بن جعفر قال: إن كان غليظاً أو فيه خلط من دم فليغسله في كل يوم مرتين غدوة وعشية.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 102، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة5.
(2) السرائر 3: 558، باب المستطرفات من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إذا شك في دم أنّه من الجروح أو القروح أم لا، فالأحوط عدم العفو عنه(1).
إذا تردّد أمر الدم بين أن يكون من دم الجروح أو أحد القروح التي عفي عنها أو لا. فهل يجب الاجتناب أو لا؟
لا إشكال في أنّها شبهة مصداقية لدليل العام، فإنّه يوجد عندنا عموم بأنّه لا يجوز الصلاة في الدم خرج منه بالتخصيص عنوان دم الجروح والقروح.
والآن يوجد عندنا مصداق خارجي مشتبه، لا يُدرى أنه من الدماء الخارجة بالتخصيص أو الباقية تحت العام.
فمن ذهب إلى جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، يمكنه التمسّك بالعام وعدم العفو عنه.
ولكن بناءً على ما هو الصحيح والمشهور من عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية(2) لا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي في المقام، وهو أصالة
ــــــــــ[64]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 102، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة6.
(2) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 30، 308، العام والخاص، حجّية العام مع المخصص المجمل، المقام الثاني.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
البراءة عن المانعية، فإنه إن كان من دم الجروح والقروح فهو ليس بمانع، وإن كان من غيرها فهو مانع، فيشك في المانعية فتجري عنها البراءة.
ومن هنا يقع الكلام في أنّه هل يوجد عندنا قاعدةٌ حاكمة على هذا الأصل أو لا؟ وهذه القاعدة الحاكمة يمكن أن تُبيّن بأحد تقريبين:
ما نسميه عادةً بالقاعدة الميرزائية(1)، فإنّ الميرزا أسّس قاعدةً في أصوله وفقهه، وهي أنّه إذا عُلِّق حكم إلزامي على عامّ، واستثنى منه عنوان وجودي، فلا بُدّ للمكلّف عند الأخذ بالرخصة من الجزم بالعنوان الوجودي، ومع عدم الجزم لا يكون الترخيص نافذ المفعول في حقّه.
فلو قال المولى: (لا تُدخل عليّ أحداً إلا المؤمن العادل)، فلا يجوز أن يُدخل عليه إلّا المحرز فيه الوصف.
وفي المقام كذلك، فإنّه عندنا حكم إلزاميّ خرج منه عنوان وجوديّ وهو عنوان الجروح والقروح، فإذا شك في وصفه بنى على عدم دخوله في الاستثناء، إلّا أنّنا بنينا على أنّه لا أساس لهذه القاعدة.
وهو استصحاب عدم كون هذا الدم من دم الجروح والقروح، فنحرز
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) أُنظر: أجود التقريرات 1: 465، المقصد الرابع في العموم والخصوص، فصل إذا كان المخصص مجملاً، تذييل.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بالتعبد الاستصحابي دخوله تحت العام، لأنّه دمٌ بالوجدان وليس دم الجروح والقروح بالاستصحاب، فيترتّب عليه حكم عدم العفو، فهل هذا الاستصحاب من استصحاب العدم الأزلي، أو من استصحاب العموم بعد وجود الموضوع؟
فإن كان من العدم الأزلي فيبقى على جريانه، فمن يبني عليه يقول في المقام بجريان الاستصحاب، ومن لا يقول به لا يجريه.
وإن كان استصحاباً متعارفاً فيجري في المقام على كل حال عند المنكرين والمثبتين ويكون حاكماً على البراءة من المانعية.
ذكر السيد الأستاذ(1) أنّه من استصحاب العدم الأزلي.
وذكر في تقريب ذلك: أنّ الدم ما لم يظهر خارجاً ليس موضوعاً للمانعية ولا للعفو، فإنّ ما هو موضوعهما إنّما هو الدم بعد فرض خروجه، وكونه مسفوحاً.
ومن الواضح أنّ هذا الدم من أول آنات خروجه لا ندري أنه دم جرح أو لا. فعدم كونه دم جرح يكون قبل تحقق الموضوع أصلاً، فيكون عدماً أزلياً.
إلّا أنّ هذا البيان مما لا يمكن المساعدة عليه:
وتفصيل ذلك: إنّه في باب العام حين نريد أن نستصحب عدم صفة من الصفات، يوجد عندنا ثلاثة أشياء: الموضوع والحكم والصفة التي يراد إثبات عدمها لذلك الموضوع. ففي مثال القرشية عندنا (الموضوع) وهو ذات المرأة،
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) أُنظر: فقه الشيعة 4: 287، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، المسألة 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
و(الحكم) وهو أنّها تحيض إلى الخمسين أو الستين، و(الصفة) وهو القرشية. فهنا يكون استصحاب عدم القرشية أزليّاً؛ لأن ذات الموضوع لم يحرز من أول تكونه اتصافه بالصفة، فعدم القرشية المحرز هو السالبة بانتفاء الموضوع وهو العدم الأزلي.
والمميّز للعدم الأزلي عن غيره إنَّ العدم الأزلي لا تكون له حالة سابقة مع انحفاظ ذات الموضوع، وأمّا إذا فرض أن ذات الموضوع حينما وجد كان متصفاً بالعدم، ولكنّه من حين وجد لم يكن موضوعاً للحكم ومن حين وقع موضوعاً لم يكن له حالة سابقة، فهذا يكون من استصحاب العدم النعتي لا الأزلي.
فالحكم بجواز الائتمام موضوعه العادل وعدم جواز الائتمام موضوعه الفاسق، وهذا الحكم ثبوتاً ونفياً إنَّما يكون شاملاً له بعد البلوغ، بناءً على أنّ صلاة الصبي تمرينية غير حقيقية، فلو شككنا من حين بلغ هل بلغ فاسقاً أو عادلاً، لا يكون استصحاب عدم العدالة من استصحاب العدم الأزلي، لأنّ عدم العدالة محفوظ بذات الإنسان، وإن كان من حين وقوعه موضوعاً للحكم الشرعي لا يُعلَم أنّه وقع عادلاً أو فاسقاً. ولكن المناط في الاستصحاب هو كونه متصفاً في ظرف وجود الموضوع لا في ظرف طروّ الموضوع.
والموضوع في المقام هو الدم والحكم هو عدم العفو، والصفة هو كونه من دم الجروح والقروح، ونريد أن نستصحب عدم الصفة، وهذا العدم كان محفوظاً بوجود الدم وإن لم يخرج، فإنَّ الدم قبل أن يخرج لا يصدق عليه أنّه دم الجروح والقروح.
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
نعم، من حين المانعية لا يُعلم ذلك، لكن الميزان هو ثبوت الصفة حين ثبوت الموضوع لا من حين ثبوت الحكم، فيكون استصحابه استصحاباً متعارفاً.
نعم، لو احتملنا أنّ الدم من أول وجوده كان مِن دم الجرح والقرح، كما لو احتمل تحول بعض المواد إلى الدم في داخل الدُمَّل، فيكون ببعض المعاني من استصحاب العدم الأزلي.
وعلى أيّ حال، فالصحيح جريان استصحاب عدم كونه من الجروح والقروح، ويكون حاكماً على أصالة البراءة عن المانعية.
يمكن أن نتصوّر الموضوع على نحوين:
النحو الأوّل: أن الموضوع ذات الدم وقد قُيّد بقيدين:
أحدهما: وجودي وهو الخروج.
والآخر: عدمي وهو أن لا يكون من دم الجروح والقروح.
وبناءً عليه يكون الحقّ مع السيد الحكيم(1)، وأنّه ليس من استصحاب العدم الأزلي، لأنّ عدم كونه مِن دم الجروح والقروح أُخذ قيداً في ذات الدم. ومن المعلوم أنّ ذات الدم وجد ولم يكن من دم الجروح والقروح، فيستصحب، فيكون عدماً نعتياً متعارفاً.
ــــــــــ[67]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 562، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
النحو الثاني: أن يكون الموضوع هو الدم الخارج، وبما هو مقيّد بالخروج يقيّد بعدم كونه من الجروح والقروح، فيكون التقييدان طوليَّين.
وبناءً عليه يكون الحق مع السيد الأستاذ(1) وأنّ الاستصحاب من استصحاب العدم الأزلي، فإنّ العدم الذي نثبته بالاستصحاب هو عدم كون الدم الخارج من دم الجروح. ومن المعلوم أنّ هذا الدم من حين صيرورته دماً خارجاً، نحن لا ندري أنّه من الجروح والقروح فيكون الاستصحاب أزلياً.
فهل الصحيح أنّ القيدين عرْضيان أو طوليان؟ الصحيح أنّهما عرْضيان تطبيقاً لقاعدة عامّة بيّناها في الأصول في الموضوعات المركّبة(2). وهي: إذا أُخذ في الموضوع ذاتٌ، وأُخذ معها قيدان سواء كانا وجوديين أو عدميين.
فإن كانا بحسب وضعهما الخارجي بينهما طولية بحيث يكون طروّ أحدهما في طول طروّ الأوّل. فينعقد ظهور بمناسبات الحكم والموضوع أنّه لوحظت الطولية بينهما.
وأمّا إذا لم يكن بينهما طوليّة خارجيّة، فينعقد للدليل ظهور في أنّهما مأخوذان بوصفهما عرضيين، ولو كان طبع القضية يقتضي الطولية من الناحية النحوية واللغوية.
كما لو قيل: أكرم زيداً العالم إذا كان عادلاً، وقبل أن يكون عالماً لم يكن
ــــــــــ[69]ــــــــــ
(1) مرّ تخريجه في ص 252، هامش1.
(2) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 6: 303، مباحث الحجج والأُصول العملية، الاستصحاب، الفصل الرابع التطبيقات، الثامن الاستصحاب في الموضوعات المركّبة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فاسقاً، وحين صار عالماً يشك في كونه عادلاً أو غير فاسق، فهل يجري استصحاب عدم الفسق أو لا؟ فإن كان القيدان عرضيان أمكن إجراؤه، وأمّا إذا كان عدم الفسق في طول العلم فلا يمكن اجراؤه، وحيث إنّهما عرفاً عرضيان، فيكون هذا قرينةً على كونهما عرْضيين بحسب لسان الدليل، فلا يكون الاستصحاب أزلياً.
ومقتضى هذه القاعدة عرْضية الدم، وليس أحد الوصفين في طول الآخر، فيكون الاستصحاب من استصحاب العدم المتعارف.
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إذا كانت القروح أو الجروح المتعددة متقاربة بحيث تعد جرحًا واحدًا عرفًا جرى عليه حكم الواحد فلو برئ بعضها لم يجب غسله بل هو معفو عنه حتى يبرأ الجميع وإن كانت متباعدة لا يصدق عليها الوحدة العرفية فلكل حكم نفسه فلو برئ البعض وجب غسله ولا يُعفى عنه إلى أن يبرأ الجميع (1).
لو فرضت جروحٌ متعدّدةٌ وبرأ بعضها، فهل يبقى العفو على حاله، أو يجب عليه أن يغسل الدماء النازفة من الجروح التي برأت؟ للمسألة شِقّان:
أوَّلاً: أن تكون الجروح متباعدةً ومتعدّدةً عرفاً.
ثانياً: أن تكون متقاربة عرفاً.
أن تكون الجروح متباعدة بحيث تُعدّ متعددةً عرفاً، فهل يستمر العفو بعد برأ البعض، أو يسقط بمقدار ما برئ ويبقى بمقدار ما لم يبرأ؟
لا إشكال في أنّ أكثر روايات الباب لا تساعد على جود إطلاق بحيث
ــــــــــ[71]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 102، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يشمل الجرح حتى بعد برئه بلحاظ أن غيره موجود، فإن القضية انحلالية على كل جرح، فلو برء ارتفع العفو عنه.
إلّا أنّ السيد الحكيم(1) استدل برواية واحدة قد تدل على ذلك، وهي: رواية أبي بصير قال: “دخلت على أبي جعفر وهو يصلّي فقال لي قائدي إن في ثوبه دماً، فلما انصرف… فقال لي: إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ”(2).
وظاهر ذلك أنّها تبرأ بتمامها، فظاهر جعل الغاية ذلك هو أنّ العفو مستمر وإن برأ بعضها، وحيث إنّنا لا نعرف أنّها متقاربة أو متباعدة فالعفو يكون مستمراً وإن كانت متباعدة.
وقد اعترض السيد الأستاذ(3) على ذلك باعتراضين:
الاعتراض الأوّل: حَلّي، وهو أنّ هذه الرواية ليس فيها إطلاق، لأنّها واقعة شخصية، لعل الدماميل كانت بمنزلة الجرح الواحد، فلا يكون فيها إطلاق.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 563، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة7.
(2) الكافي 5: 173، كتاب الطهارة، الباب38، حديث: 1، التهذيب 1: 258، كتاب الطهارة، الباب12، حديث: 34، الوسائل 3: 433، باب22 من أبواب النجاسات، حديث: 1.
(3) أُنظر: فقه الشيعة 4: 289، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، المسألة7، والتنقيح في شرح العروة 2: 432، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وقد سبق ما ينفع في مقام الجواب عليه وهو: أنّ هذه القضية وإن كانت شخصية، إلّا أنّ الإمام حين قال: “أنّ بي دماميل…”، لم يكن في مقام نقل القصّة بل في مقام بيان موضوع الحكم الشرعي، ولم يؤخذ في هذا الموضوع إلّا عنوان الدماميل، فينعقد له إطلاق في أنّ الموضوع هو ذلك.
الاعتراض الثاني: إلزامي: أنّه لو سلّم الإطلاق في هذه الرواية فهي معارضة بمرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن سماعة عن أبي عبد الله: “إذا كان في الرجل جرح سائل”(1).
وظاهرها: أنّ استمرار العفو عن هذا الجرح السائل مُغيّا بأن يبرأ هذا الجرح سواء كان هناك جرح آخر أو لا فيعارض إطلاق رواية أبي بصير بنحو العموم والخصوص من وجه، ومعه يتساقطان ويرجع إلى ما يقتضي عدم العفو في المقام.
وإنّما جعل هذا الإشكال إلزامياً، لأنّه لا يعمل بمراسيل ابن أبي عمير(2)، ولكنّه قال: إن الأعلام يعملون بها.
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) أُنظر: فقه الشيعة 4: 289، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، المسألة7، التنقيح في شرح العروة 2: 432، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة7.
(2) أُنظر: معجم رجال الحديث 1: 55ـ 61، المقدّمة الرابعة، مناقشة سائر التوثيقات العامّة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ولكن هذا الإشكال قابل للدفع لأمرين:
الأوّل: أنّ هذه الرواية ساقطةٌ سنداً، لا للإرسال بل لورود شخص غير موثّق بعد ابن أبي عمير وهو موسى بن عمران، وهو لا طريق إلى توثيقه(1)، فلعل من يعمل بمراسيل ابن أبي عمير لا يعمل بهذه الرواية.
الثاني: أنّه لو فرض أنّها كانت تامّة سنداً فصلوحها للمعارضة، مبنيّ على بعض الاحتمالات فيها لا على جميعها، فإنّ فاعل (يبرأ) في قوله: “حتى يبرأ” فيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: هو الجرح.
الاحتمال الثاني: هو الرجل صاحب الجرح. وكل منهما يصحّ أن يكون مرجّحاً، فإن كان الفاعل هو الجرح كانت النسبة هي العموم من وجه كما سبق. وأمّا بناءً على الاحتمال الثاني، ففيه أيضاً احتمالات منها:
الأوّل: أن يكون المراد به البرء الحيثي أي برء من هذا الجرح لا من كل جرح.
الثاني: البرء الفعلي بحيث يكون خالياً من الجروح والقروح.
فإن بُنيَ على الاحتمال الأوّل منهما فأيضاً تتمّ المعارضة بنحو العموم من وجه.
وإن فرض البناء على الاحتمال الثاني منهما فلا تكون الرواية دليلاً على عدم العفو فيما إذا برأ أحد الجرحين وبقي الآخر، فإن فرضنا استظهار هذا الاحتمال
ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) أُنظر: نقد الرجال 4: 439، باب الميم، الرقم 5499، معجم رجال الحديث 20: 65، باب الميم، ترجمة موسى بن عمران.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
أو الإجمال، فلا يمكن إيقاع المعارضة.
وعلى أي حال، فقد بقي استدلال المستمسك(1) على العفو سليماً من الإشكال.
إلّا أنّ الصحيح مع هذا هو عدم الذهاب إلى بقاء العفو لو كان الجرحان متعددين.
والوجه في ذلك بعد تسليم الإطلاق في رواية أبي بصير أن هذا الإطلاق مقيَّد، والمقيِّد له هو ما استفدناه من رواية سماعة من أنّه بملاك المشقّة النوعية حيث يقول: “فإنّه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة” فلو كانت منطقة سيلان أحدهما أجنبيةً عن منطقة السيلان للجرح الآخر كما لو كان واحد في يده والآخر في رجله، فلو برء جرح يده وكُلِّف بغسل أردانه، فإنه ليس فيه أيّ مشقّة نوعيّة.
ولا يقال: إنّه لا يغسله كل ساعة، بل يغسله مرّة واحدةً ويبقى طاهراً بعد البرء، ومعه يسقط إطلاق رواية أبي بصير.
ثم لو فرض أنّنا لم نستفد من روايات الباب شيئاً لا كما استفاد السيد الحكيم العفو، ولا كما استفدنا نحن من رواية سماعة عدم العفو، بل لم نستفد شيئاً كالسيد الأستاذ، فإلى ماذا نرجع؟
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) مرّ تخريجه. مستمسك العروة 1: 563، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
هذا من مصاديق استصحاب حكم المخصّص أو الرجوع إلى العام، لأنّه يوجد عندنا مطلق يقتضي مانعية الدم قبل البرء وبعده. وورد عليه مخصّص أخرج دم الجروح والقروح، وفرضنا أنّه لم ينعقد له إطلاقٌ لما إذا برء بعض الجروح دون بعض، فلا ندري أنّ هذا الدم يشمله حكم المخصّص أو يرجع فيه إلى العام.
فإن بُنيَ على الرجوع إلى العام كما هو الصحيح(1)، فنرجع إليه لإثبات المانعية.
وإن استصحبنا حكم المخصص أمكن أن نقول أنّ هذا الدم كان معفواً عنه قبل برء بعض الجروح، ونشك بارتفاع العفو فنستصحبه.
وهذا الاستصحاب يمكن أن يواجه إشكالين:
الإشكال الأوّل: أنّه استصحاب في الشبهة الحكمية وهو غير جارٍ، لأنّ الشك في العفو شك في الشبهة الحكمية، لأنّنا لا نعرف حدود العفو هل هو بمقدارٍ قد زال، أو بمقدارٍ يكون باقياً؟
وجوابه: أنّنا بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية(2)، مضافاً
ــــــــــ[76]ــــــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 3: 350، العام والخاص، فصل الدوران بين العام واستصحاب حكم المخصّص.
(2) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 6: 127، مباحث الحجج والأصول العملية، الاستصحاب، الفصل الثاني الأقوال في الاستصحاب، التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إلى أنّ من ذهب إلى عدم جريانه كالسيد الأستاذ(1) لعله لا يقول به في مثل العفو من الأحكام الترخيصية.
الإشكال الثاني: أنّه استصحاب تعليقي، لأنّنا نستصحب العفو، وهو بعنوانه ليس حكماً مجعولاً، بل هو متفرع عن الحكم بصحّة الصلاة لو وقعت مع هذا الدم، أو عن رفع اليد عن الأمر الضمني لو وقع مع الدم.
وحينئذٍ مثل هذا يكون تعليقياً، حيث نقول إنّ هذه الصلاة لو كنّا قد صلّيناها قبل اندمال هذا الجرح لكانت صحيحةً، فالآن كذلك.
وجوابه: إمكان الالتزام بالاستصحاب التعليقي بهذا المقدار، كما تقدم في علم الأصول(2).
إلّا أنّنا نمنع عن أصل المبنى، لأنّ الصحيح هو الرجوع إلى العام لا إلى استصحاب حكم المخصّص. كل ذلك لو أجملت روايات الباب، ولكنّها غير مجملة، فالمتعيّن هو القول بعدم العفو.
رواية مثنى بن عبد السلام عن أبي عبد الله قال: “قلت له أني حككت
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) لاحظ مصباح الأصول 3: 36، استدل على حجّية الاستصحاب بأمور، الرابع الاخبار، صحيحة زرارة، التفصيل الثالث في حجية الاستصحاب بين الأحكام الكلّية وغيرها.
(2) بحوث في علم الأصول 6: 280ـ 290، مباحث الحجج والاصول العملية الاستصحاب، الفصل الرابع تطبيقات، الخامس الاستصحاب التعليقي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
جلدي فخرج منه دم، فقال: إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلّا فلا”(1).
فإنّها مؤيِّدة لما ذهبنا إليه وفاقاً للماتن من أنّ الجروح اليسيرة لا عفو عنها كالدم الخارج من الحك.
هذا تمام الكلام في دم الجروح والقروح.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 255، كتاب الطهارة، الباب12، حديث28، الوسائل 3: 430ـ 431، باب20 من أبواب النجاسات، حديث: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الفصل الثاني
في الدم الأقل من الدرهم
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الثاني: مما يعفى عنه في الصلاة: الدم الأقل من الدرهم سواء كان في البدن أو اللّباس، من نفسه أو غيره عدا الدماء الثلاثة… الخ(1).
هنا توجد عدّة مسائل:
في العفو عن الدم الذي يكون قليلاً على كلام يأتي في تعيين القلّة، ولعلّ هذا العفو مورد للتطابق بين الفتاوى، ولم يُنقل الخلاف بينهم(2)، وإن اختلفوا
ــــــــــ[81]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 102، كتاب الطهارة، فصل فيما يُعفى عنه في الصلاة، الثاني ممّا يُعفى عنه في الصلاة الدم الأقل من الدرهم.
(2) أُنظر: تذكرة الفقهاء 1: 73، كتاب الطهارة، الباب الثاني في النجاسات، الفصل الثاني في أحكام النجاسات، المسألة23، ومدارك الأحكام 2: 310، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات، القول في أحكام النجاسات، وذخيرة المعاد: 158، كتاب الطهارة، النظر السادس فيما يتبع الطهارة، تجب ازالة النجاسات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
في التفاصيل ولا بُدَّ من الكلام في نصوص المسألة، ويقع في مقامين: الأوّل: في ثبوت المقتضي للعفو. والمقام الثاني: في المعارض.
في أصل دليل العفو وهو عدّة روايات أصحّها وأحسنها سنداً، رواية عبد الله بن أبي يعفور قال: “قلت لأبي عبد الله الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلّي ثم يذكر بعدما صلّى أيعيد صلاته؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته إلّا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد الصلاة”(1).
فرض إنساناً في ثوبه نقط من دم علم بها ولم يغسلها ثم نسي وصلّى بها، فهل يعيد صلاته أو لا؟ يجيب الإمام بالتفريق بين الدم القليل والدم الكثير، فعلى الأول لا يعيد وعلى الثاني يعيد.
ولا إشكال في دلالتها على العفو بنحو القضية المهملة، كما لا إشكال في صحّتها سنداً.
نعم، هناك إشكال واحد يمكن إيراده عليها، وهو: أنّ موردها الناسي، فيقال: إنّه لا يلزم من ذلك العفو عن الدم القليل إذا كان مع العلم والعمد، لاحتمال أن يكون النسيان عذراً ولو ناقصاً بالإضافة إلى الدم القليل دون
ــــــــــ[82]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 255، كتاب الطهارة، الباب12، حديث: 27، الوسائل 3: 429ـ 430، باب 20 من أبواب النجاسات، حديث1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الكثير، فالتعدّي من الناسي إلى العالم العامد في غير محلّه لاحتمال الفرق، والرواية وردت في الناسي، ومحلّ الكلام في العالم العامد، فلا يمكن أن تكون مَدرَكَاً لما هو المُدّعى في المقام.
ويمكن أن يدفع هذا الإشكال بتقريب: أنّها وإن وردت في الناسي إلّا أنّ العفو له أحد ملاكين محتملين:
أحدهما: أن يكون العفو بلحاظ القلّة.
والآخر: أن يكون العفو بلحاظ معذّرية النسيان.
والاحتمالان موجودان ثبوتاً، ولذا قد يقال إنّ الرواية مجملةٌ فيهما، ولكن بعد الالتفات إلى أنّ معذرية النسيان وإن كانت محتملةً عرفاً، إلّا أنّ التبعيض فيها بين الأقل من الدرهم والأكثر بخلاف ما إذا كان النظر عن نفس الدم بما هو دم، فإن التبعيض أمرٌ متفق مع مناسبات الحكم والموضوع العرفي، وحيث إنّ هذا التبعيض بمناسبات الحكم والموضوع أقرب إلى الاحتمال الأول منها إلى الاحتمال الثاني، لذا يكون لها ظهور فيه. ومن لا يقبل هذا الاستظهار لا يمكنه الاستدلال بها.
منها: ما رواه الشيخ في الاستبصار بسنده عن إسماعيل الجُعفي، عن أبي جعفر، قال: “في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلّى
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فليُعِدْ صلاته وإن لم يكن رآه حتى صلّى فلا يعيد صلاته”(1).
أيضاً دلالتها على العفو في الجملة ممّا لا إشكال فيه، إلّا أنّه قد يستشكل فيها تارةً من حيث المتن، وأخرى من حيث السند.
أمّا من حيث المتن فأيضاً يمكن أن يُدّعى أنّها واردة في الناسي لأنّه قال: “إنْ كان أقل من الدرهم فلا يعيد الصلاة“، فقد بيّن العفو بلسان (لا يعيد الصلاة) لا بلسان (صلّ فيه)، فقد فرض وقوع الصلاة وأنه لا يعيدها.
ويأتي فيها الكلام السابق أيضاً وهو أنّ التبعيض في النسيان بين القليل والكثير غير منسجم مع مناسبات الحكم والموضوع.
وأما من حيث السند ففي هذه الرواية شكّان:
الشكّ الأول: وجود أحمد بن محمد بن يحيى أو دخول أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد في سند الرواية. لأن الشيخ في التهذيب(2) قال: “أخبرني الشيخ عن أحمد بن محمد عن أبيه عن محمد بن يحيى والحسين بن عبيد الله عن
ــــــــــ[84]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 1: 255، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 26، وسائل الشيعة 3: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 2، الاستبصار 1: 175، كتاب الطهارة، الباب 106، الحديث 1.
(2) تهذيب الأحكام 1: 255، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث 26: “ما أخبرني به الشيخ أيّده الله تعالى عن أحمد بن محمد عن أبيه عن محمد بن يحيى والحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه محمد بن يحيى عن محمد بن علي بن محبوب عن الحسين بن الحسن عن جعفر بن بشير عن اسماعيل الجعفي”
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه محمد بن يحيى عن محمد بن علي بن محبوب”.
وفي الاستبصار(1) قال: “أخبرني الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن علي بن محبوب”.
وصاحب الوسائل(2) قال: وبإسناده “عن أحمد بن علي بن محبوب” فكأن الشيخ بدأ الإسناد به، ولو كان قد بدأ به لكانت الرواية صحيحة، لأنّ بعض طُرُقه إليه صحيح، ولكن الشيخ لم يبدأ به بل ذكر سنده إليه وفيه أحمد بن محمد بن يحيى العطّار أو أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد وكلاهما لم يثبت توثيقه(3).
وقلنا: إنّ هذا الطريق إن كان هو أحد الطرق التي ذكرها في فهرسته(4)،
ــــــــــ[85]ــــــــــ
() الاستبصار 1: 157، “وأخبرني الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن علي بن محبوب عن الحسين بن الحسن عن جعفر بن بشير عن اسماعيل الجعفي”.
(2) الوسائل 3: 430، باب20 من أبواب النجاسات، حديث2: “بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن الحسين بن الحسن عن جعفر بن بشير عن اسماعيل الجعفي”.
(3) أحمد بن محمد بن يحيى العطار: رجال الشيخ الطوسي: 410، باب من لم يرو عن واحد من الأئمة، باب الهمزة، الرقم: 5955، رجال بن داود: 44، باب الهمزة، الرقم: 133، نقد الرجال 1: 172، باب الهمزة، الرقم: 343، ومعجم رجال الحديث 3: 116، باب الهمزة، الرقم: 925، أحمد بن محمد بن الحسن: نقد الرجال 1: 153، باب الهمزة، الرقم: 306، الفوائد الرجالية (بحر العلوم) 2: 15، باب الألف، ترجمة أحمد بن محمد بن الحسن الوليد، ومعجم رجال الحديث 3: 43، باب الهمزة، الرقم 847.
(4) أُنظر: الفهرست للشيخ الطوسي: 145، باب الميم، ترجمة محمد بن علي بن محبوب، الرقم: 613
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بأن قال: أخبرنا بجميع كتب أحمد بن علي بن محبوب هذا الطريق وهذا الطرق واحدها صحيح، فالرواية تصحّ لأنّ ظاهره أنّ جميع ما وصله بهذا الطريق وصل إليه بذاك الطريق.
وأمّا إذا كان شخص هذا الطريق المصرّح به في التهذيب أو الاستبصار، غير ما ذكره في فهرسته فلا ندري أنّ هذه الرواية وصلت إليه عن طريق صحيح.
وهذا الميزان يقتضي تصحيح هذه الرواية، لأنّ هذا الطريق هو أحد الطُرُق الثلاثة التي ذكرها في فهرسته وأحدها صحيح.
الشكّ الثاني: في الحسين بن الحسن الظاهر أنّه الحسين بن الحسن بن أبان وفي وثاقته كلامٌ(1)، فإن بُنيَ على عدم إحراز وثاقته تسقط الرواية عن الحجية.
ومنها: ما رواه الشيخ بسنده إلى جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله أنّهما قالا: “لا بأس بأن يصلّي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرّقاً شبه النضح، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعاً قدر الدرهم”(2).
ــــــــــ[86]ــــــــــ
(1) أُنظر: رجال النجاشي: 398، باب الحاء، الرقم: 5845، رجال الشيخ الطوسي: 424، باب من لم يرو عن واحد من الأئمة، باب الحاء، الرقم: 6109، نقد الرجال 2: 84، باب الحاء، الرقم: 1428.
(2) التهذيب 1: 256، كتاب الطهارة، الباب12، حديث: 29، الوسائل 3: 430، باب 20 من أبواب النجاسات، حديث4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
لا يبعد أن تكون دلالتها أحسن من سابقاتها لإمكان القول أنها غير مخصوصة بالناسي بل تشمل العالم العامد لأنّها بلسان (لا بأس أن يصلّي) لا بلسان (لا يعيد)، إلّا أنها ساقطة سنداً باعتبار أنّها مرسلةٌ يرويها جميل عن بعض أصحابنا.
ومنها: رواية محمد بن مسلم رواها الكليني بسند معتبر، قال: “قلت له: الدم يكون في الثوب عليّ وأنا في الصلاة، قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصَلِّ وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامضِ في صلاتك ولا إعادة عليك، (و) -هذا الواو موجود في الكافي دون الوسائل- ما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقل من ذلك فليس بشيء رأيته قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من درهم فضيعت غسله وصلّيت فيه صلاة كثيرة فأعِد ما صلّيت فيه”(1).
فقرة الاستدلال قوله: “وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامضِ في صلاتك ولا إعادة عليك“.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
(1) الكافي -ط الإسلامية- 3: 59، كتاب الطهارة، باب الثوب يصيبه الدم والمدة، حديث: 3، التهذيب 1: 254، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 23، الوسائل 3: 431، باب20، من أبواب النجاسات، الحديث6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
هنا يوجد إستشكالان يمكن توجيههما إلى الاستدلال بالرواية:
الاستشكال الأوّل: أنّها وإن دلّت على العفو عن الدم القليل، ولكنّها إنما دلّت على ذلك في صورة واحدة وهو ما إذا لم يكن عليه ثوب آخر، ولعله بنكتة التحفظ على عدم قطع الصلاة، لأنّه لو كان عليه ثوبان أمكنه نزع أحدهما ويواصل صلاته، وأمّا إذا كان عليه ثوب واحد، فلا يمكنه إلّا أن يقطع صلاته، فرخص له في أن يواصل صلاته، ومعه فلا يبقى له إطلاق لمحل الكلام، وهو أن يصلّي اختياراً في الثوب الذي فيه دم.
وقد يُجاب عن ذلك بدعوى: أنّه يوجد في الرواية فقرتان:
الفقرة الأولى: قوله: “وإنْ لم يكن عليك ثوب غيره فامضِ في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم“، فلو بقينا نحن وهذه الفقرة لتمّ الاستشكال، لأنّها خاصّة بانحصار الثوب، فلا يثبت العفو المطلق الذي هو المقصود.
الفقرة الثانية: قوله: “وما لم يزد على مقدار الدرهم“، وهو يُحتمل فيه احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: أن يكون إتماماً لنفس الفقرة الأولى لنفس الموضوع، وهو انحصار الثوب.
الاحتمال الثاني: أن تكون جملةً جديدةً فإذا بنينا على الاحتمال الأول فأيضاً تسقط هذه الفقرة عن الاستدلال، وأمّا إذا كانت جملةً جديدةً فيمكن التمسّك بإطلاقها.
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وإذا دار الأمر بين هذين الاحتمالين فالمتعيّن هو الثاني، لأنّ الأول يقتضي أن تكون الجملة الثانية مجرد تكرار للأولى، والتكرار من دون نكتة خلاف التعبير العرفي.
ولكنّ هذا الدفع غير صحيح، وذلك لأنّه مضافاً إلى إمكان أن يقال: إنّ التكرار هنا ليس بلا نكتة بل بنكتة فلا ينعقد للكلام ظهور بخلافه، والنكتة من التكرار لعلها عبارة عن إرادة هذا التعميم: “رأيته قبل أو لم تره” فإنّ إلحاقه بهذه الجملة أنسب من إلحاقه بالجملة الأولى.
وبقطع النظر عن ذلك لو سلّمنا أن التكرار خلاف الظاهر، لكن يوجد ظهور أقوى في الرواية يعيّن الاحتمال الأول في مقابل الثاني، وهو أنّ الجملة الثانية تكرارٌ وهو أننا لو حملنا الجملة الثانية على أنها ليست تكراراً بل جملةً جديدةً فلا يبقى فرقٌ بين صورة ما إذا كان عليه ثوب غيره أو لم يكن، لأنّ الدم لو كان أزيد من الدرهم فلا عفو وإن كان الثوب منحصراً، لصراحة قوله: “ما لم يزد على مقدار الدرهم” وفي فرض قلّة الدم العفو ثابت حتى في صورة عدم انحصار الثوب، لو كانت هذه الجملة جديدة، مع أن الرواية قوية الظهور في وجود فرق بين صورة الانحصار وصورة عدمه.
وهذا بخلاف ما إذا بنينا على أنّ الجملة الثانية تكرارٌ للأولى؛ فإنّه يتحصّل فرق بين الانحصار وغيره، فإنّه إذا كان الدم كثيراً فاطرحه على أي حال، وإذا كان قليلاً فاطرحه مع عدم الانحصار ومعفواً معه. فإن لم ندّعِ أنّ هذا الظهور أقوى، فلا أقل من التساوي بينهما.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهذه الرواية بالشكل الذي قرأنا هي بالنحو الوارد في الكافي، فإنّها وردت في الكتب الأربعة، ولكن في كل كتاب بمتنٍ غيره في الكتاب الآخر.
أمّا متن الرواية في التهذيب فهو نفس النصّ السابق تماماً إلى قوله: “ولا إعادة عليك” ثم يقول: “وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشيء رأيته أو لم تره، فإذا كنت” الحديث، كما سبق أيضاً(1).
فكأنّه تفصيل بين صورة ما إذا كان عليه ثوب آخر أو لم يكن “وما لم يزد على مقدار الدرهم” الحديث.
فهذه العبارة لم تجعل حدّاً للجملة الأولى، بل جُعلِت عبارة مستقلّةً ومعه يرتفع الاستشكال رأساً، لأنّ الاستدلال ينصبّ على العبارة الثانية وظاهر قوله: “فليس بشيء” العفو المطلق من دون فرق بين انحصار الثوب وغيره، ولا يعارضه ظهور صدر الرواية في التفصيل بين الانحصار وعدمه، إذ يحمل ذاك بمقيّدية هذا على ما إذا كان الدم كثيراً.
نعم، يثبت بها حكم آخر على خلاف المشهور، وهو ما إذا كان الثوب منحصراً، ووجد في أثناء الصلاة دماً بقدر الدرهم، فيجوز له أن يمضي في صلاته.
وعبارة الاستبصار(2): نفس العبارة السابقة إلى قوله: “فاطرحه وصَلِّ، ثم قال: فإن لم يكن عليك غيره فامضِ في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام: 1: 254.
(2) الاستبصار (الدار الإسلامية) 1: 175.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
مقدار الدرهم، وإن كان أقل من ذلك فليس بشيء رأيته أو لم تره” الحديث. رجع الاستبصار إلى الكافي(1)، في قوله: “ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم“.
ويصبح الاستشكال أقوى وضوحاً من عبارة الكافي، لأنّه في عبارة الكافي كان يوجد هناك فقرتان، فيوجد احتمال أن تكون الفقرة الثانية مستقلّةً، وأمّا في عبارة الاستبصار فقد دُمجت الفقرتان في فقرة واحدة، وموضوعها هو الثوب المنحصر.
وأما في الفقيه(2) فنفس العبارة (يعني عبارة الوسائل ص161، ج1) السابقة إلى قوله: “فامضِ في صلاتك -ثم قال- ما لم يزد على مقدار درهم، فإن كان أقل من درهم فليس بشيء رأيته أو لم تره” الحديث.
وهي قريبة من عبارة الكافي، وهذا يجعل الاستشكال عليها أوضح إلى حدٍ ما، لأنّ الواو حين تبدل بالفاء يكون احتمال كون العبارة الثانية تكراراً أوضح.
وأمّا تعيين المتن في هذه الرواية فهنا طريقان:
الطريق الأوّل: أن يقال: إنَّ المتن المعتبر هو ما يرويه الصدوق في الفقيه دون غيره؛ لأنّ الشيخ في الاستبصار والتهذيب ينقل الرواية عن الكليني، وبعد معلومية أن الكليني ينبغي أن يكون قد روى الرواية بنحو واحد لا
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) الكافي (الدار الإسلامية) 3: 59.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 249، أبواب الصلاة وحدودها، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه من الثياب، الحديث 757.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بنحوين، فيكون تهافتاً في النقل عن الكليني بين الشيخ الطوسي وبين نساخ نسخ الكافي، فيسقط عن الحجية ويبقى كلام الصدوق.
وهذا الطريق غير صحيح؛ لأنّ طريق الصدوق في نفسه ساقط، فإنّ الرواية بطريق الكليني صحيحة، وأمّا بطريق الصدوق فليست بصحيحة؛ لأنّه ينقلها عن محمد بن مسلم وطريقه إلى محمد بن مسلم غير صحيح عندنا.
الطريق الثاني: أنّ نسخة الكافي هي التي عليها المعوّل. بأحد بيانين:
البيان الأول: بعد دعوى الاطمئنان أنّ الشيخ إنما أخذ الرواية من كتاب الكليني، والاطمئنان أن الكافي غير متهافت النُسخ، فيكون من الواضح اشتباه الشيخ، ويؤيده أن الشيخ يرويها في كتابيه عن الكليني ويقع أيضاً في التهافت.
البيان الثاني: أن صاحب الوسائل نقل الرواية في الوسائل عن الكليني ثم قال: “ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب، ورواه الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم، أنّه قال لأبي جعفر وذكر الحديث وزاد: وليس ذلك بمنزلة المنيّ والبول”.
وظاهر هذه الشهادة أن النسخة الموجودة عند صاحب الوسائل من التهذيب والاستبصار والفقيه مطابقة للكافي وإلا لقال: (وروي نحوه)، ولم يقل (رواه). وبهذا يثبت أنّ نُسخ التهذيب والاستبصار متهافتة.
إلّا أنّ هذا البيان لا يتمّ مضافاً إلى أنّنا اطلعنا كثيراً على مثل هذه التسامحات من شيخنا الحر، نستبعد جداً أن تكون النسخة الموجودة عند الشيخ الحر بهذا النحو؛ لأنّها لو كانت موجودةً، فإن كانت نسخةً نادرة فمن البعيد
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
جداً أن ينقل عنها، وإن كانت معروفةً فلماذا لم تصل إلينا.
نعم، البيان الأول صحيح، وعليه فالمعتمد هو المتن بالنحو المنقول في الكافي.
المطلب الآخر في هذه الرواية هي أنّها خاصّة بالناسي وغير شاملة للعالم العامد. وتقريب ذلك بلحاظ الفقرة الأولى وهي قوله: “وإن لم يكن عليك ثوب غيره” ففرض النسيان واضح لأنّه يبيّن العفو بلسان نفي الإعادة، وقد قلنا إنّ هذا اللسان هو فرض وقوع المطلب خارجاً لنسيان وجهل ونحوه إذن فليس له نظر إلى الترخيص من أول الأمر على وجه العلم والعمد.
وأمّا بالنسبة إلى الفقرة الثانية فأيضاً لا بدّ من فرض اختصاصها بالناسي، لأنّه يفرض أن هناك رؤيةً قبليةً، إذن فقد وقع العمل خارجاً ويكون العفو عفواً لما بعد وقوع العمل. نعم، أظن أن كلمة (قبل) في متن التهذيب غير موجودة، بل قال: رأيته أو لم تره، ولكن مع هذا يمكن أن يقال: إنّ الرؤية وعدمها لوحظ في زمان سابق على الصلاة.
والجواب على ذلك هنا أوضح من الجواب عنه في الروايات السابقة، لأنّنا إذا سلّمنا اختصاص الفقرتين بالناسي أي بمن دخل في الصلاة ناسياً لكنه فرض انتباهه في أثناء العمل لا بلحاظ ما بعدها.
فإذا كُنَّا نحتمل أنّ النسيان بحدوثه في أول الصلاة معذّراً ولو بعد ارتفاعه في الأثناء، فيمكن أن يقال: إنّ هذه الرواية لا تكون دليلاً على المطلوب.
وأمّا إذا لم نحتمل هذا المطلب احتمالاً عرفياً فالعرف يفهم من العفو
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
باعتبار معذّرية الدم لا باعتبار معذّرية النسيان، فهذا المطلب الثاني غير وارد على الاستدلال في الرواية.
منها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله أو أبي جعفر قال: “لا تُعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فإن قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء”(1).
والدم غير المبصَر:
تارةً: يجعل عدم الإبصار فيه كنايةً عن القلّة.
وأخرى: لا تقبل هذه الكناية بل يحمل عدم الإبصار على عدم التوجّه والالتفات.
فإن فُرِض الأول فيمكن أن تكون الرواية دليلاً في محلّ الكلام. ويأتي فيها المناقشة باختصاصها بالناسي وأمثاله، لأنّها بيّنت بلسان (لا تُعاد) وهو ظاهر بوقوع العمل خارجاً.
وأما إذا حملناها على المعنى الثاني فتكون أجنبيةً عن محلّ الكلام. وإن دلت
ــــــــــ[94]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 419، كتاب الصلاة، الباب 61، حديث: 3، الوسائل 3: 432، باب 21 من أبواب النجاسات، حديث:1.
ملاحظة: هناك اختلاف في متن الرواية بين المصدرين: حيث وردت في الكافي: “لا تعاد الصلاة من دم لم تبصره غير دم الحيض..” بينما وردت في الوسائل: “لا تُعاد الصلاة من دم تبصره غير دم الحيض”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
على عدم العفو عن قليل دم الحيض وهو ما يأتي مع سائر جهات الرواية.
فأحسن هذه الروايات هي الرواية الأولى لعبد الله بن أبي يعفور، فإن تمّ ما قلناه هناك مِن أنّ التبعيض في معذريّة النسيان بين الأقل من الدرهم والأكثر، ليس عرفياً، كانت دليلاً في المقام، وإلّا لم يكن له إطلاق لصورة العمد؛ لأنّها وردت في الناسي. ثم إنّ هذه الرواية يوجد لها مؤيّدان في إثبات الحكم بل يمكن جعلهما دليلين مستقلين:
المؤيّد الأوّل التشكيك في وجود إطلاقٍ أصلاً يدل على مانعية الدم القليل في الصلاة، فإننا إلى الآن نفترض وجود إطلاق يقول: (لا تُصلِّ في النجس)، ونبحث عن مخصّصه، فنقتصر على القدر المتيقّن وهو خصوص صورة النسيان دون صورة العلم والعمد.
ولكن هذا الإطلاق لم يرد في رواية صحيحة تامّة، وإنما هو منتزع من مجموع الروايات، وقد استعرضنا في أول فصل شرطية الطهارة تمام ما يمكن أن يكون دالّاً على ذلك، وبمراجعته يمكن التشكيك في وجود هذا الإطلاق.
فإن ما يمكن أن يكون دالّاً، هو:
1- أمّا ما دلّ على تعليل عدم جواز الصلاة في الحديد لأنّه رجس أو نجس، وقد ناقشناها سنداً.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
2- ومنها قوله: “لا صلاة إلّا بطهور“(1) لأنّه في مقابل سائر النجاسات، إلّا أنّنا قلنا إنّ المراد به المطهِّر وهو الماء لا الطهارة في مقابل النجاسات.
3- ومنها: صحيحة زرارة الاستصحابية التي تقول: أصابني دم رعاف أو غيره فعلمت أثره(2)، حيث يقال: إنّ غيره مطلق من حيث كونه دماً قليلاً أو كثيراً، إلّا أنّ الرواية ليست مسوقةً للبيان من هذه الجهة، بل مسوقةً لبيان حكم الناسي والعالم إجمالاً ونحوهم، وأصل المانعية مفروغ عنها.
4- ومنها: روايات الرعاف(3) في أثناء الصلاة حيث نتمسّك بإطلاقها لما إذا كان الدم أقلّ من درهم أو أكثر، إلّا أنّها منصرفة لما كان الرعاف أكثر من الدرهم. إذن فلا يوجد عندنا إطلاق، ولا يوجد عدم القول بالفصل، إذن فلا نتعدّى من الأكثر من الدرهم إلى الأقل منه.
استفاضة نقل الإجماع(4) في هذه المسألة حتى أنه لم يُنقل من فقيه من فقهاء الشيعة خلافاً في ذلك.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) الفقيه 1: 58، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه، حديث 129، التهذيب 2: 140، كتاب الصلاة، الباب9، حديث:3، الوسائل 1: 365، باب 1 من أبواب الوضوء، حديث: 1.
(2) التهذيب 1: 421، كتاب الطهارة، الباب 22، حديث: 8، الوسائل 3: 402، باب 7 من أبواب النجاسات، حديث: 2.
(3) أُنظر: الوسائل 2: 402، باب7 من أبواب النجاسات، حديث2.
(4) مرّ تخريجه بذكر مجموعة من النماذج.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
نعم، لابن زهرة(1) ولابن أبي عقيل(2) عبارة مجملة محتملة المخالفة، بل استفاض عن كثير من علمائنا نقل الإجماع وكونه من مذهب الإمامية. فهذا الإجماع من أين ينشأ؟ إن كان قد نشأ من هذه الروايات، إذن فهو يدل على دلالة هذه الروايات، لأنّ هؤلاء العلماء هم العرف وفهمهم أقرب منّا إلى زمن صدور هذه الروايات، فيكونون أحق منّا بالفهم.
وإن كان قد نشأ بغضّ النظر عن ذلك، إذن فقد أخذوه من ارتكاز مسلّم. إذن فلا ينبغي التشكيك في العفو عن الدم القليل. هذا تمام الكلام في المقتضى.
وأما ما يتوهّم كونه معارضاً:
1- فمنها رواية محمّد بن مسلم، السابقة على نسخة الكافي، لأنّ ظاهرها التفصيل بين انحصار الثوب وعدمه، وهو يُلغى بناءً على العفو، كما قلنا، فيكون التفصيل دليلاً على عدم العفو.
إلّا أنّ ذلك لو تمّ فهو موقوف على تعيين هذا المتن في مقابل متن
ــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) أُنظر: غنية النزوع: 14، كتاب الطهارة، الفصل الثاني: (وكذا الدم المسفوح من غير هذه الدماء، إلَّا أنَّه يجوز الصلاة في ثوب أصابه من دم القروح أو الجروح ما نقص مقداره عن سعة الدرهم الوافي المضروب من درهم وثلث مع الاختيار ورفع الحرج، وإن كان التنزّه عن ذلك أفضل…).
(2) أُنظر: مختلف الشيعة 1: 477، كتاب الطهارة، باب النجاسات وأحكامها، الفصل الثاني في الأحكام، المسألة 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
التهذيب، ونحن وإن أشرنا سابقاً إلى وجه لتعيين متن الكافي وهو طولية التهذيب عن الكافي.
لكننا قلنا بأنّ هذا البيان مشروط بشرط وهو أن يحصل الاطمئنان أنّ الشيخ نقل الرواية عن الكافي، لا أنّه نقلها عن بعض الكتب التي وصلت إليه عن طريق الكليني، فلعلّه نقلها عن كتاب علي بن إبراهيم وطريقه إليه هو الكليني، وبناءً عليه لا وثوق باشتباه الشيخ، بل لعلّ الرواية كانت هكذا، وإنّما الكليني اشتبه أو نساخ الكافي اشتبهوا، فلا تكون نسخة الكافي حجّة، فلا تكون الرواية دليلاً على عدم العفو.
2- وممّا يمكن أن يستدل به على عدم العفو، رواية مثنى بن عبد السلام عن أبي عبد الله، قال: “قلت له إني حككت جلدي فخرج منه دم فقال: إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلا فلا”(1).
ومن المعلوم أنّ ما يجتمع بمقدار الحمصة أقل من الدرهم، فيكون دالاً على عدم العفو عن بعض مراتب الدم القليل الذي هو الدرهم، فتعارض ما دل على العفو. وسوف نؤجّل الكلام حولها إلى المسألة الثالثة.
3- ومنها: رواية علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: “سألته عن الدمّل يسيل منه القيح كيف يصنع؟ قال إن كان غليظاً أو وفيه خلط من دم
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 255، كتاب الطهارة، الباب 12، حديث 28، الاستبصار 1: 176، كتاب الطهارة، الباب 106، حديث:5، الوسائل 3: 430ـ 431، باب 20 من أبواب النجاسات، حديث 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فاغسله كل يوم مرتين”(1).
وهذه المعارضة تتوقف على إثبات مجموع أمرين:
الأمر الأوّل: أن يكون قوله: “وإن أصاب ثوبك” بياناً مستقلاً غير مربوط بصدر الرواية وهو باب الجروح والقروح، وإلّا لاقتضى عدم العفو عن دم الجروح والقروح مع أنّه لا إشكال بالعفو عنه، باستفاضة الروايات، فلا بُدّ حينئذٍ من طرح الرواية وتكون خارجةً عن محل الكلام، إذن فلا بُدّ من حمل الجملة على الاستقلال.
الأمر الثاني: أنّ قدر الدينار أكبر من قدر الدرهم، فلو كان مساوياً أو محتمل المساواة إذن فلم يحرز المعارضة مع روايات العفو، لأنّها أيضاً تنهى عن الصلاة في مقدار الدرهم. وحيث إنّ كلاً من هذين الأمرين غير ثابت، إذن فالمعارضة غير ثابتة، ومعه يكون دليل العفو تامّاً في نفسه ولا معارض له.
هذا تمام الكلام في المسألة الأولى.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
(1) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 173، قسم المسائل، حديث: 305، الوسائل 3: 432، باب 20 من أبواب النجاسات، حديث: 8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
أنّ هذا العفو الثابت هل يشمل الدم المساوي للدرهم أو لا؟ هنا لا بدّ من الرجوع إلى روايات الباب، فإنّ فرض أنّها دلّت على عدم العفو عن مقدار الدرهم بحدّه، فلا إشكال في عدم العفو، وإن كانت مجملةً، فإن كان مَدرَكنا في العفو هو روايات الباب فلا يمكن إثبات العفو للدرهم بحدّه، بل لا بدّ من الالتزام بعدم العفو تمسّكاً بالإطلاقات الفوقانية، وكذلك لو كان مَدرَكنا في العفو هو الإجماع، لأنّ القدر المتيقن منه هو الأقل من الدرهم، وأمّا الدرهم فلم نُحرر الإجماع فيه على العفو، فنرجع إلى الإطلاقات الفوقانية. وإن كان المَدرك هو التشكيك في الإطلاقات الفوقانية، فمجرد التشكيك في العفو، يكون مقتضى القاعدة هو العفو.
إذن فلا بُدّ من النظر إلى روايات الباب ليُرى أنّها مجملة أو لا؟
القسم الأول ما يكون مجملاً كرواية إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر قال: “في الدم يكون في الثوب: إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتّى صلّى فليعد صلاته، وإن لم ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يكن رآه حتى صلّى فلا يعيد الصلاة”(1).
فإنها تشتمل على شرطيتين:
إحداهما: تحكم بالعفو عن الأقل من الدرهم.
والأخرى: في عدمه في الأزيد.
وأمّا في مقدار الدرهم فغير داخل في منطوق كلا الشرطيتين. فإن بنينا على أنّ كلا الشرطيتين لها مفهوم، فسوف يتعارض المفهومان؛ لأنّ مقتضى الأولى: إذا لم يكن أقل من الدرهم فلا عفو سواء كان بمقدار الدرهم أو أزيد. ومقتضى الثانية: أنّه إذا كان أقل من الأزيد من الدرهم فهو معفو سواء كان بمقدار الدرهم أو أقل. فيتعارضان.
وأمّا إذا لم تساقا مساق التعليق الحقيقي فتكونان في قوّة الحملية بقرينة هذا التضارب، وقد يكون السكوت عنه بملاك ندرة الفرض وإحرازه أشدّ ندرةً.
نعم، لو بنينا على التعليق في كلتا الشرطيتين واستظهرنا من الشرطيّة الثانية أنّها ليست تأسيسيةً وإنّما هي بيان لمفهوم الأولى فيصبح للرواية دلالة على أنّ الدرهم غير معفو عنه.
ولكن هذا بلا موجب وإنما من المحتمل أن يكون مفهوم الثانية في مقام تحديد منطوق القضية الأولى، لأنّ مفهوم الأولى يشمل الدرهم والأزيد، فبين حكم الأزيد.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 255، كتاب الطهارة، الباب 12، حديث: 26، الوسائل 3: 430، باب 20 من أبواب النجاسات، حديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهي رواية محمد بن مسلم بناءً على عبارة الكليني(1)، حيث يقول: “وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامضِ في صلاتك ولا إعادة عليك، وما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقل من ذلك فليس بشيء..”. فإنه يدل بمنطوقه على أنّه كلما لم يزد على مقدار الدرهم فهو عفو، سواء كان بمقدار الدرهم أو أزيد.
ثم يقول: “وما كان أقل من ذلك..” وهو تارةً يكون إشارة إلى عنوان ما لم يزد، فالأقل من الزائد على مقدار الدرهم هو الدرهم والأقل منه، فتطابقت الجملتان في العفو عن الدرهم الحدّي.
وأخرى يكون إشارةً إلى الدرهم، فيكون العفو المستفاد من الجملة الثانية هو العفو في الأقل من الدرهم، والعفو في الجملة الأولى هو في الدرهم والأقل. ولا تعارض بينهما؛ لأنّ الثانية ليست قضيةً شرطيةً ليكون لها مفهوم، فيؤخذ بهما معاً، وينتج العفو عن الدرهم وما هو أقل.
القسم الثالث ما هو ظاهر في الدلالة على عدم العفو عن الدرهم الحدّي، وهي رواية ابن أبي يعفور(2) السابقة، فإذا كان بمقدار الدرهم مجتمعاً فيجب
ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) الكافي – ط الإسلامية 3: 59، كتاب الطهارة، الحديث 3، تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 23، وسائل الشيعة 3: 431، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 6.
(2) تهذيب الأحكام 1: 255، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 27، وسائل الشيعة 3: 429، 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
عليه الإعادة، فيصبح هذا القسم مشمولاً لإطلاق القسم الثاني. فيخرج منه مقدار الدرهم.
وقد يقال: إنّ هذا التقييد ليس عرفياً؛ لأنّه إلغاء لعنوان ما زاد، لأنّنا إذا قيّدنا عنوان ما لم يزد وأخرجنا منه الدرهم الحدّي، فعنوان الزيادة عن الدرهم يكون لاغياً، ويتبدل إلى الدرهم نفسه، فهذا إلغاء للعنوان وليس تقييداً.
وقد يُجاب عنه بأنّ هذا إنّما يتمّ في عناوين تكون ظاهرة في الموضوعية، وأنّها بعناوينها مناطات للأحكام، وأمّا عنوان ما لم يزد على الدرهم، فلا يفهم منه العرف أنّ الزيادة على الدرهم منشأ للحزازة، وإنّما هو كاشف عن ذلك الدم الذي فيه الحزازة، سواء صدق عليه هذا العنوان أو لا، وهذا الحجم المخصوص قابل للتقييد بالدرهم، فالظاهر أن الدرهم الحدّي لا يشمله العفو.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إنّ العفو لا يفرّق فيه بين الثوب والبدن، ولا ينبغي الاستشكال أنّ القدر المتيقن من العفو هو الثوب؛ لأنّه المصرّح به في روايات الباب، فهل يشمل البدن أو لا؟
ذكر السيد الأستاذ(1) أنّ مانعية الدم القليل إن كانت ثابتةً فهي ثابتةً سواء كان هذا الدم في الثوب أو البدن، وإن رفعت مانعيته فهي لا يفرق فيها أيضاً.
وجواب ذلك واضح: وهو أنّ هناك شقّاً ثالثاً غير ما ذكره، فإنّ المانعية انحلالية بحسب دليلها. فهناك مانعية للنجاسة الثوبية الناشئة من الدم القليل، ومانعية للنجاسة البدنية الناشئة من الدم القليل، ومقتضى الانحلال هو مانعية كلا النجاستين، وقد دلّ الدليل على أنّ النجاسة الثوبية ليست مانعاً فيخصّص بهذا المقدار، لئلا يلزم منه رفع اليد عن مانعية النجاسة البدنية الناشئة من الدم القليل. فيفصل بين النجاسة الثوبية والبدنية فلا بُدّ من اشتقاق البحث ليرى صحّة هذا التفصيل.
ــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 435، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني ثبوت العفو عمّا دون الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ولا بُدَّ من التكلّم في مرحلتين:
الأولى: إنّ دليل العفو عن الدم القليل هل يشمل البدن أو لا؟
والثانية: هل يوجد له معارض في البدن أو لا؟
اتضح ممّا تقدم أنّه يمكن تصوير ثلاثة مسالك لإثبات العفو.
المسلك الأوّل: أن يقال: بالعفو من باب التشكيك في الإطلاقات.
وبناءً عليه يمكن أن يقال إنّه كما يثبت في الثوب يثبت في البدن أيضاً، لأنّ المطلقات لو لم تكن شاملةً للدم القليل لم يبقَ دليل على مانعيته في الثوب والبدن معاً.
نعم، لو لم نشكك في إطلاقية دم الرعاف أو روايات من يقتطع ثالولاً من بدنه يمكن أن يقال: إنّ موردها وقوع الدم على البدن، فيمكن التفصيل بين البدن والثوب، فيقال في البدن تم الإطلاق وفي باب الثوب لم يتم الإطلاق.
المسلك الثاني: أن نعترف بتمامية الإطلاقات على المانعية في الثوب والبدن معاً، ونخصّص بالإجماع العفو عن الدم القليل، فهل يشمل الإجماع البدن أو لا؟
لا إشكال في أنّ الإجماع ليس من الوضوح في البدن كوضوحه في الثوب، لأنّ جماعة منهم ذكروا الثوب(1) دون البدن، فيكون حساب الاحتمالات في
ــــــــــ[105]ــــــــــ
(1) أُنظر: المراسم العلوية: 65، كتاب الصلاة، مقدّمات الصلاة، أحكام ما يصلّى فيه، والمقنعة: 69، كتاب الطهارة، الباب الثاني عشر تطهير الثياب وغيرها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
البدن أضعف منه في الثوب. لكنّه لا يفيدنا في المقام، لأنّه يكون إجماعاً مَدركياً، إذ يحتمل أن يكون المَدرك هو روايات الباب، فيمكن لهؤلاء أنّهم استفادوا التعدّي من الثوب إلى البدن، فلو جزمنا أنّها لا يستفاد منها التعدّي لا يكون الاجماع مفيداً.
المسلك الثالث: العفو بلحاظ روايات الباب بعد الفراغ عن وجود إطلاقات في المانعية، فحينئذٍ ينفتح باب الشبهة في التفصيل بين الثوب والبدن، فإنّ الروايات كلّها وردت في الثوب، فرفعت المانعية عن النجاسة الثوبية الناشئة من الدم القليل. وما يمكن أن يقال بدفع ذلك عدة تقريبات:
التقريب الأوّل: القطع بعدم الفرق بين الثوب والبدن فيكون التعدّي بتنقيح المناط، ولو كانت قد انعكست بحيث يسري الحكم من البدن إلى الثوب لكانت قريبةً من النفس، لأنّ البدن ألصق بالإنسان من الثوب. ولكن لا يمكن التعدي من الثوب إلى البدن لنفس السبب لاحتمال أن يكون قُرب النجاسة من الإنسان مانعاً.
التقريب الثاني: دعوى استفادة المثالية من عبارة الثوب، والمراد أنّ شيئاً مما يعتبر فيه الطهارة وقع عليه دم قليل، وإنّما ذكر الثوب مثالاً، لأنّ المعرضية إنما هي للثوب. وهذا التقريب ليس بالبعيد، وقريب من الفهم العرفي.
التقريب الثالث: أنّ إحدى روايات الباب مطلقة تشمل الثوب والبدن، وهي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله أو أبي جعفر قال: “لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض، فإن قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يره سواء”(1). والاستدلال بإطلاقها على شمول العفو للبدن موقوف على عدّة أمور:
1- منها: أنّ المراد مما لا يبصره الكناية عن القلّة، لا عدم العلم، وإلا فسيكون مسألةً أخرى.
2- ومنها: أن كلمة الثوب جاءت في عقد المستثنى، فإن أوجب إجمال عقد المستثنى منه، فلا يمكن التمسك بإطلاق الصدر أيضاً.
3- ومنها: المناقشة في دلالة هذه الرواية على العفو، كما سبق في المسألة الأولى.
بعد فرض شمول دليل العفو للبدن، فهل هناك دليل على عدم العفو في البدن أو لا؟
يمكن الاستدلال عليه برواية المثنى بن عبد السلام عن أبي عبد الله قال: “قلت: إني حككت جلدي فخرج منه دم فقال: إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلا فلا”(2).
فإنّ قدر الحمصة أقل من الدرهم على أقل تقاديره، فتدل على عدم العفو.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 419، كتاب الصلاة، الباب61، الحديث 3، الوسائل 3: 432، الباب 21 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
(2) تهذيب الأحكام 1: 255، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 28، وسائل الشيعة 3: 430، 431، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وقد استدل بها المحقق الهمداني(1) على العفو باعتبار أنّها تدل على العفو في الجملة، فنحن نأخذ دلالتها على العفو وندع التحديد بناءً على التحليل بين المداليل التحليلية الذي استشكلنا فيه، فالأنسب أن تُجعل دليلاً على عدم العفو.
ويناقش فيها -كما ناقشها السيّد الأستاذ-(2) من أنها أجنبية عن العفو أصلاً، بل هي ناظرة إلى طهارة الدم، فإنها ليس فيها ذكر للصلاة أصلاً، وإنّما تأمر بالغسل إذا زاد عن الحمصة، والأمر بالغسل دليل على النجاسة، والنهي عن الغسل إرشاد إلى الطهارة، حيث إنّ هذا المطلب واضح البطلان فلا يمكن الاستدلال بالرواية. ولنا حول ذلك كلامان:
الكلام الأوّل: لو سُلِّم أن هذه الرواية أجنبية عن باب العفو، فهي لا تدل على طهارة الدم بل على عدم تنجس البدن، فإنّ الأمر بغسل البدن من الدم ظاهر بأن البدن غير متنجس.
الكلام الثاني: أنّه يمكن أن يقال: إنّ مقتضى الجمود على ألفاظ الرواية هو كما قيل، لكن حيث التفصيل بين الدم القليل والكثير من الصلاة مركوز، فنفس ذلك يكون قرينةً على أنّها ناظرة إلى مسألة العفو لا إلى مسألة النجاسة،
ــــــــــ[108]ــــــــــ
(1) مصباح الفقيه (ط ح) 8: 70، كتاب الطهارة، القول في احكام النجاسات، احكام الدم المعفو.
(2) فقه الشيعة 4: 298ـ 299، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، الثاني الدم الأقل من الدرهم، والتنقيح 2: 436، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني في ثبوت العفو عمّا دون الدرهم من الدم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فإنّ العرف لا يرى أنّ القلّة والكثرة في القذر مؤثرة في كونها قذارة، فإنّ القذارة تزيد وتنقص. نعم، صغر الحجم له دخل في التنزّه عنه والاجتناب عنه، فقلّة القذارة وكثرتها تناسب العفو ارتكازاً، فتكون قرينة على ذلك.
وعلى أيّ حال فالرواية ساقطة سنداً لا باعتبار مثنى بن عبد السلام لأنه روى عنه أحد الثلاثة(1)، فنثبت وثاقته، وإنّما باعتبار أنّ الشيخ يرويها عن معاوية بن حكيم وسنده إليه غير تام(2).
والمحصّل منه أنّ العفو ثابت عن البدن والثوب معاً.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
(1) الوسائل 12: 542، باب 79 من أبواب تروك الاحرام، حديث: 3.
(2) أُنظر: معجم رجال الحديث 19: 222، باب الميم، الرقم12471.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
والكلام أولاً يقع في دم الحيض:
فإن فُرِض أن المبنى هو الإجماع في العفو عن الدم القليل فمن الواضح أنّ هذا المَدرك لا يشمل دم الحيض، فإنّه حصل نحو إجماع على عدم العفو عنه(1).
وإن فُرِض أن المَدرك هو التشكيك في الإطلاقات فقد يقال: إنّ نسبته إلى دم الحيض وغيره على حدٍّ واحد، فمقتضى القاعدة حينئذٍ هو العفو ويحتاج عدمه إلى دليل خاص.
لكن قد يقال: إنّ التشكيك في الإطلاقات في غير دم الحيض لا يلزم منه التشكيك في الإطلاقات في دم الحيض، إذ في دم الحيض يمكن تصوير الإطلاق في رواية الكافي: عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله قال: “الحائض تصلّي في
ــــــــــ[110]ــــــــــ
(1) مدارك الأحكام 2: 310، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات القول في أحكام النجاسات، وذخيرة المعاد: 160، كتاب الطهارة، النظر السادس فيما يتبع الطهارة، كشف اللثام 1: 430، كتاب الطهارة، المقصد الثالث في النجاسات، الفصل الثاني في الأحكام.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ثوبها ما لم يصبه دم”(1) فإن مقتضاه أنه إذا أصابه فلا تصلّي، ولا فرق فيه بين أن يكون قليلاً أو كثيراً، ولا توجد فيها قرينة تقتضي انصرافها إلى الكثير، كما في روايات الرعاف والثالول المناسبة مع الدم الكثير، باعتبار أخذ عنوان الجريان والسيلان فيها.
لكن لو تمّ هذا لما أمكن أن يصبح إطلاقاً فوقانياً يشمل غير دم الحيض، لأنّ التعدّي من دم الحيض إلى غيره غير ممكن لاحتمال الفرق.
ومعه فالإطلاق الموجود في دم الحيض وإن لم يكن موجوداً في غيره، وإن كانت روايات العفو لو تمّت وكانت شاملة لدم الحيض بإطلاقها لكانت معارضةً لهذه الرواية بنحو العموم من وجه، فهما يشتركان في دم الحيض الأقل من الدرهم، ومعه لا إشكال في تقدم روايات العفو على هذه الرواية بالحكومة، لأنّها ناظرة إلى أدلة المانعية ومقيّدة لها. وليس مَدرَك هذا الإطلاق هو روايات أخرى تأمر الحائض بغسل الثوب، فإنّها لا يستفاد منها مانعية الدم عن الصلاة. مع أنّه يمكن التشكيك في وجود الإطلاق في هذه الرواية أيضاً.
والوجه فيه هو احتمال أنّ هذه الرواية مسوقة لبيان مطلب تعرّضت إليه الروايات وهو أنّ ثوب الحائض يجب غسله لمجرد كونه ثوب الحائض وكذلك تخيلوا في ثوب الجنب، وورد: “أنّ الثوب لا يجنب الرجل”(2)، وأنّه لا يجب
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 296، كتاب الطهارة، الباب24، الحديث 2، وسائل الشيعة 3: 449، الباب 28، من أبواب النجاسات، الحديث3.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 67، باب ما يتنجس من الثوب والبدن، الحديث 151، وسائل الشيعة 2: 182، الباب 5 من أبواب الجنابة، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
غسله ما لم يصبه مَنيّ أو دم، فلا تكون في مقام بيان مانعية الدم، حتى يتمسّك بالإطلاق من ناحيتها.
وأمّا على المسلك الثالث وهو العفو بلحاظ الروايات الخاصة فلا بُدّ من النظر إلى الروايات. ولا بُدَّ من التكلّم في أمرين:
لا إشكال أنّ كلمة الدم مطلقة له ولغيره، ومع هذا ادّعى جماعة كصاحب الجواهر وغيره(1) عدم وجود إطلاق فيها، لأنّ الروايات المعتبرة منها وهي
-روايتان- في إحداهما أُخذ عنوان الرجل، والأخرى كان محمد بن مسلم يتكلم عن تكليف نفسه، فيقال بالانصراف عن دم الحيض.
وقد أجاب المحقق الهمداني(2) بأن نُدرة ابتلاء الرجل بهذا الدم، لا يمنع من التمسك بالإطلاق، لأنّ النُدرة لا تمنع من الإطلاق ولا توجب الانصراف، وإلا كانت منصرفةً عن دم الديك الرومي لندرة ابتلاء الرجل به.
وواقع الحال، أنّ صاحب الجواهر إن كان مقصوده الاستناد إلى مجرد الندرة فجواب المحقق الهمداني في محلّه.
وأمّا إذا كان مقصوده من الانصراف البينونة النوعية بين الرجل ودم
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 6: 120، كتاب الطهارة، القول الثاني في أحكام النجاسات، في عدم العفو عن الدماء الثلاثة، ومصباح الفقيه 8: 85، كتاب الطهارة، القول في أحكام النجاسات، أحكام الدم المعفو.
(2) المصدر السابق.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الحيض، وسنخ بينونة لا توجد حتى في دم الديك الرومي، لارتكاز اختصاص الحيض بالنساء، فيوجد تنافر ذهني عرفي بين الرجل وبين دم الحيض، ولهذا قد لا يحسن عرفاً استثناء دم الحيض صريحاً. فيكون كلامه قابلاً للادعاء ما لم يستظهر من كلمة الرجل في صحيحة ابن أبي يعفور المثالية، يعني كأنّه قال: المكلف، ومعه فالتناقض الارتكازي يزول تأثيره وهو أمر ليس ببعيد.
ومعه فروايات العفو تشمل دم الحيض بنفسها.
وما يمكن أن يكون مقيِّداً هي رواية أبي بصير “لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره إلّا دم الحيض”(1).
الكلام بلحاظ الدلالة
فمرَّةً نقرؤها بأداة النفي (لا تبصره) ونحمله على أنّه كناية على الدم الضئيل فيكون في الرواية عقدان:
الأوّل: مطابق مع روايات العفو.
والثاني: استثناء دم الحيض.
فيكون صريحاً في الاستثناء من العفو فتكون مقدمة على سائر الروايات
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 432، الباب 21 من أبواب النجاسات، الحديث 1، الكافي 6: 419، 420، كتاب الصلاة، الباب 61، الحديث 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بالحكومة. نعم، تدل على أنّ من صلّى بدم الحيض جهلاً بالنجاسة تجب عليه الإعادة.
والغريب أني لم أجد تعرّضاً لدى الفقهاء لذلك من جواز عدم الإعادة في صورة الجهل، مع أنهم يتعرضون إلى دم الحيض في الاستثناء من العفو.
وأمَّا لو كانت العبارة: (من دم تبصره) فسيكون أجنبياً عن العفو، إذ مفاده عدم وجوب الإعادة على الجاهل إذا أبصر الدم بعد الصلاة، ويكون دم الحيض مستثنىً من هذا الحكم.
نعم، يمكن التمسك بقوله: “فإن قليله وكثيره في الثوب..“، ولكن لا تكون نصّاً في الاستثناء من روايات دم العفو، فإن القليل يصدق على الأقل من الدرهم والأكثر منه بقليل، فتكون النسبة بينها وبين روايات العفو العموم من وجه.
وهذه الشبهة لا تأتي بناءً على التقدير الأول من الرواية، لأنّها بنفسها تكون استثناءً من العفو.
وفي مقام التخلص عن هذه الشبهة إمّا أن يقال: بالتساقط والرجوع إلى الإطلاقات الفوقانية فيثبت عدم العفو، أو يقال: إنه بعد ارتكاز العفو عن بعض مراتب الدم فينصرف قوله (قليله وكثيره سواء) إلى كونه إشارةً إلى ذلك، وهذا غير دعوى كون القليل له حقيقة شرعية، فيتقدم عليه بالحاكمية، وإن كانت النسبة بينها العموم من وجه، فدلالة الرواية على عدم العفو لا بأس بها.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وأمّا سنداً ففيها إشكال من ناحيتين:
إحداهما: من ناحية أبي سعيد المكاري، فإنه لم يثبت توثيقه(1). ويعالج ذلك بأنه روى عنه صفوان بطُرق صحيحة فيكون حجةً(2)، وأما محاورته مع الإمام الرضا، فلا تدل على عدم وثاقته، وإنما تدل على كونه مكارياً حقيقة وغير مؤدب مع الإمام.
ثانيتهما(3): أنّها مقطوعة، فإنّها عن أبي بصير قال: “كذا” ولا دليل على حجية فتواه بالنسبة إلينا، وإن كان يحصل ظن أنّه قد حصّل المطلب من الأئمة. ولكن كيف حصّله؟ فغير معلوم.
وهذا غير صحيح، لأنّ هذه الرواية وردت في الكافي غير مقطوعة عن أبي عبد الله أو عن أبي جعفر. نعم، في بعض نسخ التهذيب مقطوعة. وقد يقال(4): إنّ هذا لا ينفع في تصحيح الرواية، بل بعد العلم بأنّ المنقول واحد فيتعارض نقل الكافي مع نقل التهذيب.
ــــــــــ[115]ــــــــــ
(1) أشكله السيد الخوئي، أُنظر: فقه الشيعة 4: 303، كتاب الطهارة فصل العفو عن بعض النجاسات، الثاني. الدم الأقل من الدرهم.
(2) الوسائل 12: 325، باب7 من أبواب الاحرام، حديث5.
(3) أُنظر: فقه الشيعة 4: 304، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
(4) المصدر السابق.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إلّا أنّ هذا في غير محلّه، لأنّ التهذيب نفسه لم تُجمع نسخه على القطع، فالتعارض يكون في نُسخ التهذيب، وتبقى نسخة الكافي محفوظةً. بل في الحقيقة لم يحصل تعارض بين نسخ التهذيب أيضاً، لأنّه لا طريق معتبر إلى نسخ التهذيب، وإنّما لنا طريق معتبر إلى النسخة التي يرويها صاحب الوسائل من التهذيب، وهو يرويها غير مقطوعة، والنسخة المقطوعة غير حجّة أصلاً.
ومعه فالرواية إذا تمّت سنداً فهي تعطي امتيازين لدم الحيض، فإن لم نعمل بالامتياز الثاني وقلنا بغرابته فالتفكيك بين الامتيازين غير ممكن على مبانينا، فتكون الرواية ساقطةً عن الحجّية.
بعد تمامية إطلاقات العفو عن كلّ دم فلا بُدّ من أن نجد المقيِّد، وما يُدّعى كونه مقيِّداً هي نفس رواية أبي بصير التي وردت في دم الحيض بعد ضم مقدمة أخرى وهو: أنّ دم النفاس حيض محتبس.
وقد اعترض عليه السيد الأستاذ(1) أن غاية ما يقتضيه ذلك هو أنّ دم النفاس قسمٌ من دم الحيض، وهذا لا يقتضي الحكم بعدم العفو عنه، لأنّ عدم العفو ثبت للحيض المتعارف لا للحيض المحتبس، ولا يمكن إسراء حكم أحد الصنفين إلى الآخر.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 306، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات، الثاني الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ومناقشته:
أولاً: أنّ الدليل الذي دلّ على عدم العفو، دلّ على عنوان الحيض غير المحتبس، فإن الدليل إن كان هو الإجماع فقد يقال: إنّ القدر المتيقّن منه الحيض المتعارف، ولكن إذا كان الدليل هو رواية أبي بصير: “لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فإنّ قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء”(1).
فالمأخوذ فيها هو عنوان دم الحيض دون أن يقيَّد بعدم الاحتباس فلو ورد في دليل آخر أن دم النفاس حيض محتبس شمله إطلاق رواية أبي بصير له.
وثانياً: لو سلّمنا أنّ الدليل الذي دلَّ على عدم العفو دلَّ على عدم العفو في الدم غير المحتبس، فهنا يقال: إنّه إذا فرض من الاحتباس كونه كان محبوساً فيما سبق، فهذا يلزمه أن دم الحيض لو حُبِس وتأخرت العادة الشهرية ثم رأتها -كما هو الغالب في المرأة في أواخر عمرها المناسب مع عادتها- فلا بُدّ من القول بارتفاع عدم العفو عنه.
وهذا لا يمكن الالتزام به، أو يقصد الحبس الفعلي، ومن المعلوم أن دم النفاس فعلاً غير محتبس.
فالأَوْلَى النقاش في أصل دليل هذه العبارة كما أشار إليه السيد الأستاذ(2)
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 419، 420، كتاب الصلاة، الباب 16، الحديث 3، وسائل الشيعة 3: 432، الباب 21 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
(2) ناقش السيد الخوئي هذه العبارة (النفاس دم محتبس) في مواضع فقهية عديدة، فانظر مثلاً: تنقيح العروة الوثقى 6: 332، وفقه الشيعة 4: 341. وانظر أيضاً لغير السيد الخوئي: كتاب الطهارة للشيخ مرتضى الأنصاري (المؤتمر) 4: 136.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وغيره، فإنّها لم ترد في رواية معتبرة لتكون دليلاً على التنزيل. بل لو كانت قد وردت كذلك، فلا يعلم أن لسانها لسان التنزيل المدلولي بل لعل لسانها لسان بيان مطلب خارجي تكويني، فإنّ الحمل يكون مانعاً عن ظهور دمها المتعارف وبعد الوضع يظهر هذا الدم، وحينئذٍ فتلك الرواية التي دلّت على عدم العفو عن دم الحيض تنصرف عن مثل هذا الدم.
والذي يوجب عدم ظهوره في المولوية وإجماله على أقل تقدير هو نفس كلمة مُحتبَس، فإنّها تناسب أن يكون نظره إلى الواقع لا إلى التشريع، وإلّا فقيد الاحتباس أجنبي عن عالم التشريع فيكون قرينةً محتملة، فلا يمكن التمسّك به. إذن ففي النفاس لا يدل على عدم العفو، إلّا الشهرة والإجماع المنقول ونحوه ممّا يوجب الاحتياط لا الفتوى بعدم العفو.
وأمّا دم الاستحاضة فالكلام عنه نفس الكلام من حيث إنّ روايات الباب لا بأس في شمولها له، ولا بُدَّ من الفحص عن المخصص، والمخصص لا ينبغي أن يكون هو رواية أبي بصير، لأنّه أخذ فيها عنوان دم الحيض وهو غير دم الاستحاضة عرفاً وشرعاً وواقعاً، فإن دم الحيض طبيعي للمرأة وعدمه مرض لها، ودم الاستحاضة غير طبيعي ووجوده مرض. وقد يستوي -كما في الجواهر-(1) بمسألة تبديل القطنة، في المتوسطة والقليلة على قول. مع أنّ الدم
ــــــــــ[118]ــــــــــ
(1) جواهر الكلام (دار إحياء التراث) 3: 313، في لزوم تغيير القطنة في الاستحاضة القليلة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الموجود على القطنة لا يكون أكثر من الدرهم بل أقل، فيناسب التبديل عدم العفو.
وهذا الاستدلال في غير محلّه، حتى لو كان الغالب هو أقل من الدرهم، أمّا في القليلة فلا يوجد دليل على التبديل. وفي المتوسطة أمر باستدخال قطعة بعد قطعة، ومعناه التبديل، ولكن ليس معناه التخلّص من النجاسة، بل لعله لأجل التخلّص من خروج الدم، وهي نكتة عرفية يتساوى فهمها عرفاً مع فهم مانعية الدم.
ومعه فلا دليل على الاستثناء إلّا دعوى الشهرة والإجماعات المنقولة، وقد ذكر صاحب الحدائق(1) أن إلحاق دم الحيض والاستحاضة قياس في الشرع فيكون حراماً.
ــــــــــ[119]ــــــــــ
(1) الحدائق الناضرة 5: 328، الباب الخامس في الطهارة، المقصد الثاني في الأحكام (النجاسات) البحث الثاني فيما تجب ازالته، المسألة الثالثة العفو عما نقص عن الدرهم من الدم، الموضع الرابع: (والذي يقرب عندي في هذا المقام أمّا بالنسبة إلى دم الاستحاضة والنفاس فالظاهر دخولهما في عموم أخبار العفو، وما ذكروه من استثنائهما إلحاقاً بدم الحيض… لا يخرج عن القياس…).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قال: أو من نجس العين أو الميتة بل أو غير المأكول(1)
مسألة: في استثناء دم نجس العين ودم الميتة ودم ما لا يؤكل لحمه.
ومادة افتراق دم نجس العين عن العنوانين الآخرين، هو دم الكافر، فإنه ليس ميتة ولا مصداق لعنوان (ما لا يؤكل لحمه)؛ لأنّه يصدق على غير الإنسان.
ومحلّ اشتراك الثلاثة هو دم ميتة الكلب.
فيقع الكلام في استثناء هذه الدماء وعدمه.
قاعدة “لا يجوز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه”(2) تشمل دم ما لا يؤكل لحمه لا بصفته دماً، ولذا تشمل لُعابه أيضاً.
وهناك ما دلَّ على أنّ الصلاة في الميتة غير جائز حتى الميتة الطاهرة
ــــــــــ[120]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 102، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني الدم الأقل من الدرهم.
(2) لاحظ حول هذا الموضوع، كتاب الصلاة (النائيني) 1: 233، الفصل الأوّل، البحث الثالث لباس المصلّي، ومفتاح الكرامة 5: 466، كتاب الصلاة، الفصل الرابع في اللباس، المطلب الأوّل.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
كالسمك أيضاً يشمل الدم لكن لا بعنوان كونه دماً بل بعنوان كونه ميتة، ولذا يشمل سائر أجزاء الميتة.
وأمّا الدليل الذي دلّ على مانعية النجاسة فهو يشمل الدم بصفته دماً، فإنّ النجاسة ثابتة للدم بما هو دم، فتكون الدميّة دخيلةً في الموضوع، لأنّ الدميّة موضوع شرعي للنجاسة، والنجاسة موضوع شرعي للمانعية.
وقد يتفق أنّ الدم نجس باعتبار نكتة أخرى هي كونه دماً للكافر أو الكلب، فيكون نجساً باعتبار نكتتين.
ففي مثله إن قلنا بتعدّد النجاسة فسيكون دم الكافر أنجس من لُعابه، وهناك مانعيتان ثابتتان بالدليل الثالث، وإن قلنا إنّه توجد هنا نجاسة واحدة، فيكون هنا فرد واحد من موضوع الدليل الثالث لا فردان.
وحينئذٍ نأتي إلى محلّ الكلام، ونتكلم عن أنّ روايات العفو هل لها إطلاق يقتضي جواز الصلاة في كل هذه الدماء التي ذكرناها أو لا؟
التحقيق عدم شمولها لها، لأنّها أُخذ في موضوعها العفو عن الدم، وظاهرها أنّ مَصبّ العفو هو تلك المانعية التي يكون لعنوان الدم دخل فيها وثابتة له بما هو دمٌ.
وأمّا المانعية المستفادة من دليل (ما لا يؤكل لحمه) أو (الميتة)، فهي مانعية لا دخل للدميّة فيها.
وأمّا لو تنزّلنا ولم نقل باختصاص أخبار العفو بهذه النكتة، وقلنا إنّها ترفع
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
كل مانعية للدم حتى لو كان دماً مغصوباً مثلاً، فتقع المعارضة بنحو العموم من وجه بين دليل العفو ودليل (ما لا يؤكل لحمه)، ولا ينفع ما ذكره السيد الأستاذ(1) وغيره(2)من إمكان تقديم ذاك الدليل على هذا الدليل، باعتبار: أنّ ذاك بالعموم وهذا بالإطلاق، أو أنّهما يتساقطان ويُرجع إلى دليل مانعية النجس في الصلاة، والنتيجة هي عدم العفو أيضاً. فهذا لا يتم.
فإنّه إذا تمّ إطلاق روايات العفو، وتعارضت مع دليل مانعية (ما لا يؤكل لحمه) بنحو العموم من وجه، فيكون مقتضى القاعدة تقديم روايات العفو عليه، وذلك لأجل الحاكمية، فإنّها كانت حاكمةً على أدلة مانعية النجس لا محالة باعتبار نظرها إليه، فإن عمّمنا نكتتها إلى كل دمٍ، كان لها نظر إلى مطلق المانعيات الثابتة للدم، فيكون لها حاكميةٌ على دليل مانعية الدم ودليل مانعية ما لا يؤكل لحمه ودليل مانعية الميتة، ولا معنى لإيقاع المعارضة فإنّ إطلاق الدليل الحاكم مقدَّمٌ على إطلاق الدليل المحكوم بعد توسيع النظر.
إلّا أن يقال: إنّ إطلاق روايات العفو ثابت، وشامل حتى لدم الثعلب والأرنب، لكن بصفته نجساً لا بصفته ثعلباً أو أرنباً، وتظهر الثمرة في الدم المشكوك، فلو صلّى به جرت قاعدة (لا تعاد) بخلاف ما لو قلنا إنّ إطلاقات
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 440، كتاب الصلاة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني في ثبوت العفو عمّا دون الدرهم من الدم. في طبعة الموسوعة 3: 410 والبحث المذكور في هذا الموضع.
(2) أنظر: جواهر الكلام (الطبعة القديمة) 6: 122.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
روايات العفو غير موجودة، فتكون صلاته في النجس ولا تجري في حقه قاعدة (لا تعاد)، لأنّها لا تجري في صورة الإخلال بالطهارة الخبثية.
هذا في الدم الذي يكون داخلاً في الدليل الأول والثاني.
وأمَّا الدم الذي يكون داخلاً في الدليل الثالث وهو دم نجس العين، فهو لا يوجد دليل على مانعيته سوى دليل مانعية النجس، فقد يقال: إنّنا إذا كنا نلتزم فيه بنجاستين، فهناك فردان من موضوع دليل المانعية وهما فردان من موضوع دليل واحد، وحيث إنّ ظاهر أخبار العفو هو رفع المانعية التي يكون للدم دخل فيها، فيجري نفس كلامنا السابق. وهو أنّها تقتضي رفع إحدى المانعيتين، وهي الناشئة من دمّيّته دون المانعية الناشئة من كونه كافراً، فيُبنى على عدم العفو.
وأمّا لو بُني على وحدة النجاسة، فيقال: إنّه بعد فرض كونها واحدة فلا معنى للتبعيض في أخبار العفو، فيلتزم بشمول أخبار العفو لها.
ولكن الصحيح هو التبعيض على كِلا التقديرين؛ أمّا على التقدير الأول فواضح كما ذكرنا، وأما على التقدير الآخر فالمستفاد منها الترخيص الحيثي والجهتي، كما لو قال: لا بأس بأكل الجبن، فلا يدل على جوازه فيما لو كان مغصوباً أو مضرّاً، ومن هنا لا نوقع المعارضة بين الدليلين بنحو العموم من وجه، لأن مفاد الدليل الترخيصي هو الترخيص الحيثي، لارتكازية أنّ الترخيص ناشئ من اللااقتضاء لا من اقتضاء الترخيص. فالعفو في المقام ترخيص جهتيّ فلا يشمل دم الكافر. فلا يكون العفو شاملاً لأيٍّ من هذه الدماء الثلاثة.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قبل الانتقال إلى مسألة أخرى يحسُن التنبيه على أمرين:
أنّه في روايات العفو التي استعرضناها فيما سبق، وناقشنا في دلالتها كُلّاً أو جُلاً أهملنا رواية واحدة؛ لأنها ساقطة عن الدلالة والحجية، ولم يُؤخذ فيها عنوان الدرهم أصلاً، وحيث إنّها سوف تدخل في المسائل الآتية بحسب إلحاقها بروايات الباب.
وهي رواية الحلبي قال: “سألت أبا عبد الله عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة؟ قال: لا وإن كثر فلا بأس أيضاً بشبهه من الرُعاف ينضحه ولا يغسله”(1).
قوله: “لا وإن كثر فلا بأس بشبهه من الرعاف” يعني: كما لا بأس بدم البراغيث كذلك ما يشبهه بالقلّة من الدم الآخر، فإنّها وإن لم تصرّح بحد العفو ولكن يستفاد منها العفو في الجملة، فإنَّ المشابهة ليست من حيث اللون أو الرقة، فإنّها غير دخيلة في العفو بمناسبات الحكم والموضوع، وإنما الدخيل هو المشابهة من حيث الكم.
وهي أحسن من كثير من روايات الباب، فإنّها لا يرد عليها ما أشكلنا به
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 177، كتاب الطهارة، الباب38، حديث:8، التهذيب 1: 259، كتاب الطهارة، الباب12، حديث: 40، الوسائل 3: 431، باب20 من أبواب النجاسات، حديث7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
عليها، من أنّها وردت بلسان (لا تعاد الصلاة)، وهو ظاهر بالنظر إلى ما بعد وقوع العمل فتختصّ بالجاهل والناسي.
ولا تأتي هذه المناقشة في هذه الرواية، لأنّها واردة في أصل وقوع الصلاة. إلّا أنّه مع هذا لا يمكن الاستدلال بها، لسقوطها سنداً، وإمكان الخدشة فيها دلالةً:
إمّا من حيث السند فهي ليست بمعتبرة وإن عبّر عنها السيد الأستاذ بصحيحة الحلبي(1)، لأنّ سندها: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن سنان عن ابن مسكان عن الحلبي.
وصحة الرواية تتوقف على تحقيق حال ابن سنان فإن كان هو عبد الله ابن سنان فلا إشكال في صحّتها، وإن كان هو محمد بن سنان الذي لم يثبت توثيقه(2)، سقطت عن الحجية، وإن لم ندّع أنّ أحمد بن محمد بحسب الطبقة يروي عن محمد بن سنان فلا أقل من الإجمال وعدم التعيّن فتسقط عن الحجية.
ــــــــــ[125]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 317، كتاب الطهارة، فصل العفو عن بعض النجاسات الثاني الدم الأقل من الدرهم.
(2) رجال النجاشي: 328، باب الميم، الرقم: 888، رجال الشيخ الطوسي: 283ـ 377، باب الميم، ترجمة محمد بن سنان خلاصة الأقوال: 251، الفصل الثاني والعشرون في الميم، الباب الأول الرقم: 17، ومعجم رجال الحديث 17: 160، باب الميم، الرقم: 10938.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ولو فُرض أن الطبقة كانت تناسب كِلا الشخصين، فقد يُتوهم: أنّه يعيّن عبد الله بن سنان باعتبار انصراف اللفظ إليه، باعتباره أكمل الفردين. إلّا أنّه في غير محلّه، لأنّ المقصود من هذا الانصراف إن أُريد أنّه أفضل الفردين عند الله فهو صحيح.
إلّا أنّه لا يوجب الانصراف، وإنّ قيل إنّه أفضل الفردين، بحسب لغة العصر المعاش، فهو ممنوع صغرىً لأنّ محمد بن سنان وإن لم تثبت وثاقته إلّا أنّه يروي عن الكثير ويروى عنه الكثير وله مؤلّفات، فلا موجب للانصراف عنه.
وأمّا من حيث الدلالة فهي قابلة للخدشة من حيث ذيلها، فإن النضح عبارة عن مرتبة من رشّ ماء وهي لا يحصل بها التطهير، وقد ثبت أنّه أدب شرعي يأمر به الشارع فيما لا يراه نجساً، بل فيه حزازة لوضوح أنّه لو كان نجساً لاتسعت النجاسة بالنضح.
فيقال: إنّ هذه العبارة إن كانت مربوطةً بدم البراغيث وغير مربوطة بدم الرعاف فلا إشكال، ولكن هذه الجملة وردت بعد ذكر كلا الأمرين، فيكون ظاهراً بطهارة الدم القليل وهو خلاف المقصود في المقام، وإجمال هذه العبارة يكفي لإسقاط الاستدلال بالرواية.
اللهم إلّا أنّ يقال: إنّه مع الإجمال تدل الرواية على الجامع بين المطلبين: إمّا الدم طاهر أو معفو عنه، فنأخذ به، ونضمّه إلى الدليل على نجاسة الدم القليل الذي ينفي أحد فردَي هذا الجامع فيتعيّن الفرد الآخر.
ــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إلّا أنّ هذا غير صحيح، لأنّه لا يمكن أن نثبت لهذه الرواية الفرد الآخر من الجامع مع احتمال أنّها تريد الفرد الأوّل، وإنّما يصحّ هذا الكلام فيما إذا كانت دالّةً على الجامع.
وإن شئتم قلتم: إنّها إن كانت دالّةً على طهارة الدم القليل فهي ساقطة وإلّا فهي حجة، إذن فحجيتها فرع دلالتها على العفو.
إنّه كان من الروايات رواية إسماعيل الجعفي(1)، التي ناقشنا فيها سنداً فيما سبق.
وسندها: الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن الحسين بن الحسن عن جعفر بن بشير عن إسماعيل الجعفي. وقلنا إنّ الحسين بن الحسن الظاهر أنّه الحسين بن الحسن بن أبان وهو لم يثبت عندنا توثيقه(2).
غير أنّه ذكر في جامع الرواة(3) أنّ هذا ليس هو ابن أبان، وإنّما حدس أنّه هو
ــــــــــ[127]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 430، وتمام الرواية بسندها: “بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: فِي الدَّمِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَلاَ يُعِيدُ الصَّلاَةَ وَ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَ كَانَ رَآهُ فَلَمْ يَغْسِلْهُ حَتَّى صَلَّى فَلْيُعِدْ صَلاَتَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ حَتَّى صَلَّى فَلاَ يُعِيدُ الصَّلاَةَ“.
(2) أنظر ص86 من هذه التقريرات.
(3) قال في جامع الرواة (الأضواء) 1: 194بعد ذكر هذا السند: (الظاهر أنّه سهو، والصواب: الحسن بن الحسين بتقديم المكبّر لوجوده وعدم وجود العكس في كتب الرجال…الخ)
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الحسن بن الحسين اللؤلؤي، فلو صحّ هذا الحدس لكان يمكن القول بتصحيح الرواية، لأنّ اللؤلؤي ثقة، فهنا يوجد كلامان:
أولهما: هل يمكن الاعتماد على هذا الحدس أو لا؟
وثانيهما: لو صحّ هذا الحدس فهل تصحّ الرواية أو لا؟
فما يمكن أن يذكر مبرراً لهذا الحدس أحد أمرين:
الأول: أنّ الشيخ في كتابَيه في مبحث التيمم(1)، ذكر رواية عن ابن محبوب عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن جعفر بن بشير يعني أنّ الطرفين محفوظان في الموردين، فغاية ما يقال: إنّه بقرينة تلك الرواية يكون الشيخ قد اشتبه في تقديم المصغّر على المكبّر (أي الحسين على الحسن).
ــــــــــ[128]ــــــــــ
(1) في تهذيب الأحكام 1: 204، كتاب الطهارة، الباب8، حديث67: قدم المكبّر على المصغّر، أي: الحسن بن الحسين، قال: “ورَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ اَلحَسَنِ بْنِ الحُسَيْنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَاصِمٍ: مِثْلَهُ“. ثم قدّم المصغّر على المكبّر في رواية أخرى 1: 255، باب تطهير الثياب وغيرها، قال: “مَا أَخْبَرَنِي بِهِ اَلشَّيْخُ أَيَّدَهُ اللَّـهُ تَعَالَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى واَلْحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّـهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ الحَسَنِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِير”. وفي الاستبصار 1: 167 قدّم المصغّر على المكبّر: “رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ اَلحُسَيْنِ بْنِ الحَسَنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّـهِ بْنِ عَاصِمٍ: مِثْلَهُ“، الباب 100، من أبواب التيمم. ومع ذلك فقد لقّبه: اللؤلؤي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهذا لا بأس به، ولكنّه لا يوجب الاطمئنان وزوال الوثوق بكلمة الحسين بن الحسن، ولا يوجب سقوط نقل الشيخ عن الحجّية بعد نقلها في كتابَي الشيخ وفي كل ما نقل عنهما. فلعل هناك وسيطين بين هذين الرجلين هما: (الحسين بن الحسن) و (الحسن بن الحسين).
الثاني: ملاحظة الطبقة، لأنّ طبقة ابن محبوب وابن بشير تناسب أن يكون الوسيط بينهما الحسن بن الحسين اللؤلؤي لا الحسين بن الحسن بن أبان، فإنّ محمد بن علي بن محبوب إذا قايسناه بابن أبان نرى أنه أقدم منه، فإن ابن محبوب يروي عنه مشايخ الكليني كأحمد بن محمد بن يحيى ومحمد بن إدريس، وأما ابن أبان، فالذي يروي عنه طبقة متأخّرة عن ذلك. وإن كان قد يتفق أنه يروي عنه بعض مشايخ الكليني كعلي بن إبراهيم(1). ولذا قد يتفق أن ابن الوليد(2)يروي عن ابن أبان بلا واسطة ويروي عن ابن محبوب بواسطة كابن إدريس(3)، فهذا
ــــــــــ[129]ــــــــــ
() هو علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، وقد روى عنه الكليني أكثر من 4000 حديث، وقد وثقه الرجاليون وربما عدّه بعضهم فوق مستوى التوثيق لجلالته وعلوّ منزلته، وانظر النجاشي 260 برقم 680.
(2) هو محمد بن الحسن بن الوليد من طبقة الكليني ومن تلاميذ محمد بن يحيى الآنف الذكر. وقد روى ابن الوليد هذا عن ابن ابان جميع كتب محمد بن أرومة بلا واسطة فانظر: رجال الطوسي 448 برقم 6362، وفهرسته برقم 621 والصفحة 407. وانظر مثلاً لروايته عنه بلا واسطة: الاستبصار 1: 58.
(3) روى ابن الوليد عن ابن محبوب بواسطة في تهذيب الأحكام 1: 16، و1: 25، و1: 44 وغيرها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يُبعِد أنّ ابن محبوب يروي عن ابن أبان.
وكذلك جعفر بن بشير الواقع في الحد الآخر، فإنّه من أصحاب الرضا توفى سنة 208 أو207(1). ويقول الشيخ(2) في ترجمة الحسين بن الحسن بن أبان أنه أدرك الإمام العسكري ولم يروِ عنه، وظاهره أنه لم يدرك إماماً قبله، مع أنّ الإمام العسكري لم يكن وُلِد حين توفي جعفر بن بشير.
فإن تمّت هذه المؤيّدات فغاية ما يثبت بها أنّ هذا شخص آخر، لكن لا يمكن الجزم بأنّه هو الحسن بن الحسين اللؤلؤي بعد فرض أنّ الناقل نقل بخلاف ذلك، فإن هذا الحدس ما لم يبلغ إلى درجة الاطمئنان الشخصي لا يكون حجّةً، لأنّه ليس تعبّداً بقول الراوي وإنما هو تحميل عليه. ولو حصل الاطمئنان به فاللؤلؤي أيضاً لم تثبت وثاقته عندنا أيضاً(3)، فقد وثّق وطعن به، ومعه فالرواية ساقطة سنداً.
ــــــــــ[130]ــــــــــ
(1) خلاصة الأقوال للعلامة: 32، الفصل الخامس في الجيم، الباب الأول، الرقم7، ونقد الرجال 1: 339، باب الجيم الرقم: 952، ومنتهى المقال 2: 234، باب الجيم، الرقم: 541.
(2) رجال الشيخ الطوسي: 398، 399، أصحاب الإمام العسكري، باب الحاء، الرقم: 5845.
(3) رجال النجاشي: 40، باب الحاء، الرقم: 83، رجال الشيخ الطوسي: 424، باب من لم يرو عن واحد من الأئمة، باب الحاء، الرقم: 6110، خلاصة الأقوال: 40، الفصل السادس في الحسن، الباب الأول، الرقم 11، ومعجم رجال الحديث 5: 297، باب الحاء، الرقم: 2793.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الثاني مما يعفى عنه في الصلاة: الدم الأقل من الدرهم سواء كان في البدن أو اللباس من نفسه أو غيره عدا الدماء الثلاثة من الحيض والنفاس والاستحاضة أو من نجس العين أو الميتة أو غير المأكول ممّا عدا الإنسان على الأحوط، بل لا يخلو عن قوة(1).
في هذه العبارة يوجد استثناء دم الإنسان من دم ما لا يؤكل لحمه، فإنّ دم ما لا يؤكل لحمه مستثنىً من العفو، إلّا الإنسان، فإنّه لا بأس بشمول أخبار العفو له.
وقد يقرّب استثناء دم الإنسان مما لا يؤكل لحمه ويقال: إنّ دليل مانعية ما لا يؤكل لحمه لم يكن شاملاً للإنسان، فإنّه إنّما يكون خاصاً بمن يكون في مَعرض أن يؤكل لحمه، وليس الإنسان كذلك.
وهذه النكتة وإن كانت صحيحةً، لكن لو فرضنا أنّ دليل المانعية يشمل الإنسان، لكن لا نقول هنا بإخراج دمه من أخبار العفو، فإنّه ملازم لإلغاء أخبار العفو، فإنّ غالب الدم الذي يقع على الإنسان هو دم الإنسان، فلو استثنينا دم الإنسان لم يبقَ تحت أخبار العفو شيءٌ معتدٌ به.
ــــــــــ[131]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 102، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني الدم الأقل من الدرهم. تناول المصنف هذه الفقرة ومسائلها سابقاً، وبقي منها جملة: (مما عدا الإنسان على الأحوط) فعقد المسألة الخامسة من أجلها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فلو كان العفو عن دم الإنسان هنا مبنياً على ما يقال هناك من عدم شمول المانعية لدم الإنسان، بل على كلا التقديرين تكون أخبار العفو شاملةً.
لا فرق في هذا الدم بين أن يكون دم نفسه أو دم غيره، تمسُّكاً بالإطلاقات.
وتوضيح الكلام في ذلك: أنّنا تارةً نبني على العفو باعتبار قصور إطلاقات أدلة المانعية، فهذا نسبته إلى دم نفسه ودم غيره على حدٍ واحد، وإن فرضنا أنّ المَدرَك هو الإجماع، فالمهم من مداركه لا يفرق فيه بين دم نفسه ودم غيره. نعم، صاحب الحدائق أبدى هذا الفرق(1).
وإن كان المَدرك هو الروايات ففيها إطلاقات يشمل دم نفسه وغيره. ولا يوجد في مقابل ذلك إلّا رواية واحدة يُدّعى كونها مخصِّصةً لإطلاق تلك المدارك، وهي مرفوعة أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن أبي عبد الله، قال: “دمك أنظف من دم غيرك إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس وإن كان دم غيرك قليلاً أو كثيراً فاغسله”(2).
ولا بأس بدلالتها على التفصيل بحيث تكون مقيِّدةً للإطلاقات، لو تمّت
ــــــــــ[132]ــــــــــ
() الحدائق الناضرة 5: 328، قال: “ويلحق بدم الحيض هنا في وجوب إزالة قليله وكثيره دم الغير لمرفوعة البرقي عن الصادق قال: “دمك أنظف من دم غيرك إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، وإن كان دم غيرك قليلاً أو كثيراً فاغسله.
(2) الكافي 5: 176، كتاب الطهارة، الباب 38، حديث: 7، الوسائل 3: 432ـ 433، باب21 من أبواب النجاسات، حديث2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
سنداً، فإنّ قوله “قليلاً” تكون إشارة -بالمرتكز المتشرعي- إلى المرتبة المعفو عنها إجمالاً، فتدل على أن دم الغير غير معفو عنه، فتكون مخصِّصةً وحاكمةً على أخبار العفو. ولا يمكن إيقاع المعارضة بينها وبين روايات العفو بنحو العموم من وجه، لأنّ الدم القليل قد يكون أقل من الدرهم أو أكثر، لأنّ ذلك يوجب إلغاء الفرق بين دم نفسه ودم غيره.
إلّا أنّ الكلام في سندها، فإنّها مرفوعة البرقي، والواسطة ساقطة، فيبقى الإطلاق في المدارك على حاله.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قال: وإذا كان متفرقاً في البدن أو اللباس أو فيهما، وكان المجموع بقدر الدرهم فالأحوط العفو عنه(1).
تارة يُفرَض أنّ الدم مجتمع بالفعل وهو أقل من الدرهم، فلا إشكال في العفو عنه. وكذلك لو كان متفرقاً بحيث لو اجتمع لكان أقل من الدرهم.
وأمّا لو فرض كونه متفرقاً وكان كل دم أقل من درهم ومجموعه أزيد من درهم، فهل يكون مشمولاً لروايات العفو أو لا؟
نتكلم فيما إذا كان الدم المتفرّق موجوداً في ثوب واحد.
قد يقال: إنّ المناط في المعفو هو عدم بلوغ كل دم في نفسه مقدار درهم وإن بلغ المجموع أكثر من ذلك، ويُقرّب بعدّة تقريبات منها:
التمسّك بإطلاق رواية الحلبي “ولا بأس بدم الرعاف ينضحه ولا يغسله”(2).
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1) من تتمة الأمر الثاني مما يعفى عنه في الصلاة من العروة الوثقى 1: 102.
(2) الكافي 5: 177، كتاب الطهارة، الباب38، حديث: 8، التهذيب 1: 259، كتاب الطهارة، الباب 12، حديث: 40، الوسائل 3: 431، باب20 من أبواب النجاسات، حديث:7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وفي هذه الرواية امتياز عن الروايات الأخرى، لأنّه ورد فيها أنّه ما لم يزد الدم على الدرهم، وهو وصف للوجود المجموعي للدم، لا لكل نقطة بخلاف هذه الرواية، فإنّها تقول لا بأس بالنضح من دم الرعاف، وهو مشبه بدم البراغيث، فيقال أنّه شامل لما إذا كان الدم نُقطاً كثيرةً بحيث لو جمع لصار أكثر من الدرهم؛ فيشمل سائر الدماء.
وهذا التقريب عورض بروايات العفو الأخرى، فإنّ فيها دلالتين: دلالة على العفو عما لم يزد على الدرهم. ودلالة على عدم العفو عما زاد عن الدرهم، فهنا وجهان:
الوجه الأوّل: تقع المعارضة بينها بنحو العموم من وجه، يجتمعان فيما إذا كانت نقاطاً متفرقةً يزيد مجموعها عن الدرهم، فيتساقطان، ومن هنا قد ينفتح باب للدخول في الوجه الثاني.
الوجه الثاني: وهو سلّمنا التساقط، إلّا أنّه لا يفيد إثبات عدم العفو، فإنّه إنما يثبت إذا كان عندنا مرجع فوقاني يقتضي المانعية. إلّا أنّه غير موجود في المقام على ما سبق من أن إطلاقات المانعية ليس فيها ما يكون شاملاً للدم الأقل من الدرهم.
إلّا أنّ هذا غير تامّ، فإنّ الإطلاق بهذا المقدار لا بأس به واستفاده من
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
روايات الرُعاف والثالول، فإننا استفدنا منها غزارة الدم بحيث لا يشمل فرض القلّة، ولكن قد يكون غزيراً متفرقاً فيشمله إطلاق المانعية.
ولكن هل تصلح رواية الحلبي للمانعية؟ وقد وجّهنا إليها اعتراضين:
أحدهما: سندي من ناحية ابن سنان المحتمل لكونه محمد بن سنان.
والآخر: من حيث الدلالة، فقد استشكلنا فيها باعتبار قوله: “ينضحه ولا يغسله” يدل على طهارة دم الرعاف القليل، وهو حكم ساقط بلا إشكال.
وقد يقال في مقام الذبّ عنه أمران:
الأول: أن يستظهر من العبارة أن قوله: “ينضحه ولا يغسله” خاص بدم البرغوث ولا يشمل دم الرعاف، لقرينتين:
القرينة الأولى: داخليَّة، وهي أنّ دم البرغوث هو الدم الأساسي في الكلام وأما دم الرعاف فجاء عرضاً.
وهذا غير صحيح، لأنّ غاية ما يُفهم من ذلك هو عدم إمكان إرجاع القيد إلى دم الرعاف مستقلاًّ دون دم البرغوث، وأمّا إرجاعه إلى كليهما فلا نافي لاحتماله.
والقرينة الثانية: لُبيّة، وهي ارتكاز أنّ دم الرعاف نجس، ممّا يصرف ذيل الرواية عن كونه ملتحقاً بدم الرُعاف ويلحقه بدم البرغوث.
وهذا لا يتم، لأنّ القدر المتيقن من الارتكاز هو نجاسة دم الرعاف في الجملة، وأمّا القليل منه فلا نحرز وجود ارتكازٍ على نجاسته بحيث يصبح
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قرينةً متصلةً، كيف وقد أفتى بعض علماء الإمامية(1) وجملة من علماء السنة(2) بأنّ دم الرعاف القليل لا بأس به.
قلنا: إن كلمة “مجتمعاً”، فيها احتمالان رئيسيان:
الاحتمال الأوّل: أن يكون جزاءً وعلى كلا تقديريه يتم الاستدلال.
والاحتمال الثاني: أن يكون حالاً، فإن لوحظ فيه الفعلية أيضاً يتمّ الاستدلال، وإن لوحظ فيه عدم الفعلية فيدل على عكس المطلوب وهو عدم العفو عن هذا الدم.
فلا بُدّ من تعيين ما هو المستظهر من هذه العبارة، ولا إشكال في أنّ حمل “مجتمعاً” في نفسه على كونه حالاً تقديرياً لا يخلو من مؤونة زائدة.
ولكن توجد قرينة على هذه العناية الزائدة، وهو أنّ محل الكلام -كلام الإمام- إنّما هو مورد كلام السائل، وهو الدم المتفرّق الذي لا يصدق على كل واحد منه، إلّا أنّه نقطة يعني ليس مجتمعاً فعلاً يقيناً.
فإن حملنا “مجتمعاً” على أنّه خبر أو حال بلحاظ الفعلية يلزم كون الاستثناء منقطعاً؛ لأنّه يكون قد استثنى حالة الاجتماع الفعلي، وهذا لا يتصور في نقط الدم، فيكون الاستثناء منقطعاً وعدولاً عن مورد السؤال إلى
ــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) المؤتلف من المختلف (الطبرسي) 1: 165، مسائل كيفية الصلاة، مسائل اللباس والمكان.
(2) نقل العلامة في منتهى المطلب قول جملة منهم فانظر منتهى المطلب (مجمع البحوث) 3: 249.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
كلي المسألة، بخلاف ما إذا حملناه على كونه حالاً تقديرياً، وظهور الاستثناء بالاتصال يكون قرينةً على ذلك، وبذلك تصبح هذه الرواية دليلاً على عدم العفو.
وفي هذا لا يفرق بين أن يكون الحال حالاً لاسم كان أو خبرها، فإنّ الميزان في الاستدلال هو كون الحال فعلياً أو تقديرياً وليس الميزان هو ذلك كما يظهر من بعض كلمات السيد الأستاذ(1).
فالصحيح هو عدم العفو تمسكاً بإطلاق هذه الرواية، وحينئذٍ فقد يقال: إنّها إنّما تدل على عدم العفو إذا كانت النقط في ثوب واحد.
وأمّا لو وجدت النقط في عدّة ثياب فهل يحكم فيه بعدم العفو أو لا؟
يمكن أن يقال: إنّ الإطلاق الذي استدللنا به على عدم العفو لا يشمل المقام، فإنّه يقول في الرواية: (الرجل يكون في ثوبه نقط الدم)(2)، ففرضه في ثوب واحد لا في ثياب متعدّدة، فيدل الجواب على عدم العفو في ثوب واحد، وكذلك الحال في سائر روايات الباب.
بل ينبغي أن يُشكك أيضاً في شمول عدم العفو فيما إذا كان الدم متفرقاً
ــــــــــ[138]ــــــــــ
() فقه الشيعة 4: 319، كتاب الطهارة، فصل في العفو عن بعض النجاسات، الثاني الأقل من الدرهم.
(2) اشارة إلى رواية ابن أبي يعفور، قال: “قلت لأبي عبد الله الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به…” مرّ تخريجها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بين الثوب والبدن ولم نفهم ما أفاده السيد الأستاذ(1) من أن هذا التشكيك لا يسري إلى البدن والثوب، لأنّه ثبت سابقاً أن البدن بحكم الثوب، فإن ما سبق هو أنّ ما يجري على الثوب يجري على البدن، فهنا لو وجد درهم متفرق على البدن فهو غير معفو عنه. ولم يدل دليل على تنزيل البدن منزلة الثوب. بحيث لو وقع الدم على البدن فكأنه وقع على الثوب.
إذن فالإشكال لو ثبت فهو سارٍ إلى ما إذا كان الدم بعضه على البدن وبعضه على الثوب.
والمخلص من هذا الإشكال هو أن نفهم المثالية من الثوب لما هو محطّ اشتراط الطهارة وليس هناك نظر إلى الثوب في مقابل غيره، ولهذا ذكرنا فيما سبق أنّه يمكن التمسك بإطلاق روايات العفو عن الثوب لإثبات العفو في البدن، وإلّا لم يرد دليل في البدن خاّصة، ومعه لا يفرّق بين أن يكون الدم المتفرق في الثوب الواحد أو الثوبين أو البدن والثوب.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 3: 152ـ 153، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني الأقل من الدرهم، وفقه الشيعة 4: 323، كتاب الطهارة، فصل في العفو عن بعض النجاسات، الثاني الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قوله: “والمناط سعة الدرهم لا وزنه”(1)
ما المناط في العفو، السعة أم الوزن؟
المتعيّن أن يكون المناط هو السعة لا الثقل وذلك بقرينتين:
القرينة الأولى: أنّ النجاسة هنا إنما تكون ذات محذور باعتبار تنجيسها للثوب، ومن الواضح أنّ زيادة النجاسة، وقلّتها يدور مدار سعة الدم لا مقدار ثقله، فقد يكون دماً ثقيلاً ذا سعة قليلة، إذن فالمراد من الدرهم سعته لا ثقله.
القرينة الثانية: صعوبة معرفة الوزن، بخلاف السعة فإنّه يمكن إدراكه بالحس، فيصبح قرينةً على ظهور الدليل في تحديد السعة.
القرينة الثالثة(2): أنّه لو كان الوزن هو المدار للزم منه لازم باطل، وهو أن ما يكون بوزن درهم من الدم قد ينجّس رقعةً كبيرة من الثوب ممّا يكون مانعاً عن الصلاة بارتكاز المتشرعة، ولو كان معفواً عنه فأين الدم الكثير في روايات الرعاف وغيره؟
ــــــــــ[140]ــــــــــ
() العروة الوثقى 1: 102، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثانية الأقل من الدرهم.
(2) هذه الفقرة المعنونة بـ (القرينة الثالثة) كانت مؤخّرة بحسب الأصل فيما بعد العناوين التالية المعقودة لدراسة سعة الدرهم، بنحو الاستدراك، وقد كتب المقرّر قبلها ما يلي: “عدد السيد القرينتين السابقتين على إرادة السعة دون الوزن”. وقد نقلناها إلى هنا وهو مكانها الصحيح.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهذه القرينة تكون أيضاً نافية لاحتمال أن يكون المراد حجم الدرهم أي أن ارتفاعه كارتفاع الدرهم، مضافاً إلى سعته، فإنّه يمكن أن يفرض أنه يتنجس به مساحة كبيرة من الثوب.
فبهذه القرائن الثلاث يتعيّن أن يكون المراد هو المساحة لا الوزن ولا الحجم.
قوله: وحدّه سعة أخمص الراحة، ولمّا حدّه بعضهم بسعة عقد الإبهام من اليد، وآخر بعقد الوسطى، وآخر بعقد السبّابة، فالأحوط الاقتصار على الأقلّ وهو الأخير(1).
يبقى أنّ هذه السعة ما هو مقداره؟
حدّه بعضهم بمقدار سعة راحة الكف، وبعضهم بعقد الإبهام، وبعضهم بعقد الوسطى، وبعضهم بعقد السبابة، وهو أصغرهم تحديداً وأوفق بالاحتياط.
والكلام أنّ أيّ واحد من الدراهم التي كانت موجودةً في صدر الإسلام هي مدار العفو؟ المعروف أنّه هو الدرهم الواقعي أو البغلي، والكلام يقع في مرحلتين:
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) من تتمة كلام الماتن في العروة الوثقى 1: 102- 103 من الأمر الثاني مما يعفى عنه في الصلاة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
في حمل الروايات على الدرهم البغلي، فقضية أنّ الدم إذا كان بمقدار الدرهم فهو غير معفو عنه فيها احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: أن تكون قضيةً حقيقيةً كسائر القضايا الحقيقة.
والاحتمال الثاني: أن تكون قضيةً خارجيةً، وإشارةً إلى درهم معيّن بحسب الخارج.
فعلى الأول كلما استحدث درهم انطبقت عليه.
وأمّا على الثاني فلا بُدّ من التعرّف على الدرهم الذي أشارت إليه.
والاحتمال الأول ساقط جداً، لمناسبات الحكم والموضوع، لأنّ صغر النقد وسعته لا دخل له في العفو بمناسبات الحكم والموضوع.
وإنّما الذي له دخل في ذلك إنما هو مرتبة معينة من السعة، فلو لم يكن المسلمون يتعاملون بالدراهم أصلاً، لكان هذا الحكم مجعولاً في الشريعة، فبظهور القضية بالإشارية يحمل على كونه إشارة إلى درهم معيّن في الخارج، فيقع الكلام أنه ما هو الدرهم المشار إليه؟
إنّ هذا الدرهم الذي تعيّن كونه بمساحته فأي الدراهم السابقة هو المقصود؟
وهنا نتكلم أولاً: عن أنّ هذه القضية هل يمكن أن تكون قضية حقيقية أو لا؟ فلو سككنا اليوم درهماً أكبر أو أكثر من الدراهم السابقة يختلف الحكم باختلافه؟
الصحيح أنّ مقتضى القاعدة في كل قضية أن تكون حقيقيةً، لأنّه هو
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
مقتضى ظهور اللفظ في إرادة الطبيعة، لكن أحياناً تقوم قرينة على عدم إمكان حملها على ذلك، فمن ذلك أخبار الدرهم وأخبار ماء الحمام.
وحاصل النكتة في ذلك: إنّ العنوان الذي أخذ موضوعاً للحكم في القضية، تارةً: يحتمل بالارتكاز المتشرعي أن يكون هو مَصبّ الجعل ثبوتاً، كعنوان المسكر في لا تشرب المسكر، وحينئذٍ يبقى على الموضوع، فتدور الحرمة مداره، فمتى ما وجد له مصداق ولو في المستقبل يشمله التحريم.
وأخرى: يفهم العرف من العنوان المعرّفية والمشيرية إلى حالة مخصوصة فإن الدرهم بما هو درهم لا يناسب أن يكون هو الموضوع للعفو، بحيث يكون مربوطاً بالتعامل بالدراهم. وإنّما أخذ مُشيراً إلى مرتبة من الدم القليل. كذلك ماء الحمام فإنه أيضاً مشير إلى وضع خارجي معهود.
ومعه لا معنى للقول بكون القضية حقيقيةً، وإنّما هي قضية خارجية، النظر فيها إلى الأفراد المتعارفة، في زمن النصوص الصادرة كلاً أو جلّاً عن الإمام الصادق.
ولا إشكال أنّ الدراهم المتعارفة في صدر الإسلام متفاوتة، فهل مقتضى الصناعة التمسك بإطلاق تلك الروايات لتمام الدراهم، أو يُقال إنّها إشارة إلى واحد من تلك الدراهم لا أكثر؟ فهنا اتجاهان:
التمسك بالإطلاق بمعنى أنه لو كان عندنا دليل في العفو عن الدرهم فنتمسك بإطلاقه للعفو عن الدرهم ولو بأوسع الدراهم كالدرهم البغلي على
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ما يقال، وإن كان عنوان العفو هو ما كان أقل من الدرهم.
فقد ذكر المحقق الهمداني(1) أنّه لا بُدّ أن يكون أقل من أقل الدراهم ليصدق عليه ذلك، وإن كان العنوان أنه لا يعفى ما كان أزيد من الدرهم فيكفي أن لا يكون أزيد من أكبر الدراهم. هذا الكلام فيه ملاحظتان:
الملاحظة الأولى: أنّ الروايات مسوقة مساق التحديد، لا يزيد ولا ينقص بالفهم العرفي، فجعله مطلقاً من حيث أنواع الدراهم في غير محله، وإنّما تجعل إشارة إلى درهم مخصوص.
الملاحظة الثانية: أنّ الظاهر أنّه إن حكم بعنوان أقل من الدرهم أو أكثر منه، فكلاهما يراد به الدرهم الحدّي الذي هو أصغر الدراهم.
أمّا أولاً: فلأن كلا الجملتين وردتا في رواية واحدة وظاهرها التكلم عن محور واحد.
وثانياً: إنّ هذا مطابق للفهم العرفي، فلو قيل فلان أشجع من الأسد يكفي فيه كونه أشجع من أحد الأسود، وإن قيل أضعف من الأسد فلا بُدّ أن نحرز أنّه أضعف من أضعف الأسود. فيلحظ طبيعة الأسد، وينظر الشجاعة التي لا تنعدم في كل الأسود وهي الحد الأدنى من الشجاعة.
ــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) مصباح الفقيه 8: 77، كتاب الطهارة، القول في أحكام النجاسات، احكام الدم المعفو.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وعلى أي حال فالمراد بالروايات درهم مخصوص فما هو؟
الاتجاه الثاني: تسالموا(1) على أنّ المراد به الدرهم الوافي أو البغلي، وهو درهم واحد يسمى بالوافي لوزنه فإنه يشتمل على ثمانية دوانيق، في مقابل الدرهم الطبري المشتمل على أربعة دوانيق، ويسمى بالبغلي نسبة إلى بلدة بغل، أو إلى رأس البغل وهو جاعل الدرهم، ومن هنا لم نعرف وجهاً لتشكيك السيد الأستاذ(2) من أننا لم نعرف أن للدرهم اسمين.
وهنا يوجد إشكال معروف أورده صاحب المدارك(3)، وهو أنّ الروايات وردت في عصر الصادق، والدرهم البغلي هُجر في عهدٍ متقدم عليه، واستقرّ في عصر الصادق على الدرهم الإسلامي الذي كان ستة دوانيق من حيث الوزن، ومُنع رسمياً من قبل عبد الملك بن مروان عن استعمال الدرهم البغلي.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
(1) الهداية في الأصول والفروع: 72، باب المياه، المقنعة: 69، كتاب الطهارة، باب تطهير الثياب وغيرها، الانتصار في انفرادات الإمامية: 93، المسألة السادسة، اشارة السبق: 79، التكليف السمعي، غنية النزوع: 41، كتاب الطهارة، الفصل الثاني.
(2) فقه الشيعة 4: 324ـ 329، كتاب الطهارة، فصل في العفو عن بعض النجاسات، الثاني الأقل من الدرهم.
(3) مدارك الأحكام 2: 314ـ 315، كتاب الطهارة، القول في احكام النجاسات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وقد أُجيب عليه بجوابين:
الجواب الأول(1): أنّ هذه الأحكام الشرعية وإن كانت قد بُيّنت من قبل الإمام الصادق ولكنّه مجعول في زمن النبي وفي عصر النبي كان الدرهم البغلي موجوداً.
وهذا المقدار من البيان جوابه واضح، فإنّ تشريع الحكم كان في عصر النبي إلّا أنّ البيان الصادر من الإمام الصادق ينبغي أن يلحظ ظهوره العرفي كما هو المطابق في عصر الإمام الصادق ولا نعلم أنّ الحكم في عصر النبي مجعولاً بأيّ لسان، وأنّه كان بعنوان الدرهم لنُنزله على الدرهم الذي كان موجوداً في زمن النبي.
الجواب الثاني: أن يُتمسّك بفهم الأصحاب حيث لم يُنقَل خلاف على فهم للدرهم البغلي، مع أنّه لا يوجد وجه لهذا الحمل إلّا فهم نَقلَة الروايات، وإلا فلماذا أعرضوا عن الدراهم الأخرى؟ وأيّ أصل أو قاعدة تكون أساساً لهذا التفسير، فلا بُدّ أن يكون مستنداً إلى تلقي ذلك من أصحاب الروايات أنفسهم.
هذا البيان لا يخلو من تأييد للمدّعى ولكنه ليس تأييداً حاسماً، لاحتمال أن يكون مناط الحمل عندهم هو الجواب الأول، وهو أن الدرهم المقصود هو الدرهم الذي كان في عصر تشريع الحكم وهو عصر النبي لا عصر بيانه، فهناك خلط بين العصرين ولكنّه لا يخلو من تأييد فإنّه يعطي للروايات ظهوراً محتملاً.
وممّا يؤيد ذلك أنّ هذه الفتوى كانت مشهورة معروفة في الفقه السُنّي(2)،
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1) مصباح الفقيه 8: 80، كتاب الطهارة، القول في احكام النجاسات، احكام الدم المعفو.
(2) الحاشية على مدارك الأحكام 2: 218، كتاب الطهارة، القول في احكام النجاسات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وقد أفتى مالك(1) المعاصر للإمام الصادق بالعفو عن مقدار الدرهم البغلي وكذلك أبو حنيفة(2)، إما من خصوص الدم أو من مطلق النجس.
ففي مثل هذا الجو حين يصدر من الإمام العفو عن مقدار الدرهم، وكان الناس مترابطين متفاعلين مع الفقه العامّي، فينصرف إلى ذهن الرواة من الدرهم الدرهم البغلي، لا من شيوع استعماله بل من ارتكاز العفو عنه.
وقد ذكر ابن حزم(3) أنّهم تمسّكوا بحديث ولم يذكر متنه ولكنه طعن في سنده، وهو يدلّ على أنه مروي عن النبي لو كان قد أُخِذَ فيه عنوان الدرهم البغلي، فلو كان الإمام يريد غيره لكان عليه الإشارة.
ومما يؤيد ذلك أيضاً: أنّه لو فُرِض أن هذا الحكم قد شرع في زمن النبي وفرض له مقدار عنوان الدرهم فهو الدرهم المتعارف في زمنه وهو البغلي.
وإن كان غير عنوان الدرهم فيبعد أن يتطابق ذلك المقدار مع الدرهم الموجود في زمن الصادق. فمن الأفضل أن الإمام حين يبين العفو يورد نفس العنوان الذي كان في زمان النبي لا أن يجعل بديلاً له، فكل هذه الأمور توجب الاطمئنان بإرادة الدرهم الوافي والبغلي.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) مواهب الجليل 1: 211، كتاب الطهارة، فصل في ازالة النجاسة، مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد المعروف بالحطّاب، تحقيق زكريا عميرات، الناشر دار عالم الكتب، سنة الطبع: 1423هـ.
(2) أُنظر: الخلاف 1: 477، كتاب الصلاة، مسائل العاجز في بعض افعال الصلاة، مسألة 220.
(3) المحلّى 1: 106، كتاب الطهارة، مسائل في ازالة النجاسة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ثم يبقى الكلام عن مساحة الدرهم، هنا يوجد كلامان:
الكلام الأول: لو لم توجب هذه المؤيدات ظهوراً ولا اطمئناناً فمقتضى القاعدة هو الحمل على أحد الأنواع المتعارفة في زمن الإمام الصادق، وحيث أنّها متفاوتة فلا بُدّ من الاقتصار على أضيقها. فإنّه يدخل في المخصِّص المُجمَل من حيث الأقل والأكثر لأنّ أخبار العفو المخصصة لأدلة المانعية مرددة بين الأقل والأكثر، فيقتصر على الأقل.
ولو شككنا بوجود الإطلاق الفوقاني للمانعية فمقتضى القاعدة العمل على الأكبر، لأنّه لا يوجد دليل على مانعيته.
الكلام الثاني: وأمّا لو ارتفع إشكال صاحب المدارك وكانت هذه التأييدات كافية للحمل على الدرهم البغلي، فما هو مقدار هذا الدرهم؟ هنا يستند إلى أحد أمرين:
أحدهما شهادة ابن إدريس أنّه وجد درهماً من هذه الدراهم وقدره بأخمص الراحة، فتقبل شهادته ويبنى على ذلك(1). وقد استشكل السيد الأستاذ(2) في هذه الشهادة بإشكالين:
ــــــــــ[148]ــــــــــ
(1) السرائر 1: 177، كتاب الطهارة، باب تطهير الثياب من النجاسات.
(2) فقه الشيعة 4: 332، كتاب الطهارة، فصل في العفو عن بعض النجاسات، الثاني الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الإشكال الأول: أنّه شاهد واحد فلا يقبل وهو غير تام بعد البناء على حجية الخبر الواحد، وإنّما لا بدّ من التعدد في باب القضاء.
الإشكال الثاني: لأنّ ابن إدريس أدّعى أن بغل اسم بلدة في حين أنّه يوجد في المصادر الأخرى أنه اسم إنسان، فيحصل تهافت من هذه الناحية.
هذا التهافت أيضاً لا يضر، لأنّ شهادته تنحل إلى أمرين:
أولهما: أمر تاريخي ولعله اشتبه فيه وليست شهادة على أمر محسوس ولعله لا اشتباه ولعل تسمية الشخص أيضاً بلحاظ ذلك.
وثانيهما: شهادته بسعة الدرهم وهي شهادة حسية يؤخذ بها.
نعم، يأتي في المقام سؤال آخر: إنّ ابن إدريس هل كان واثقاً ومطمئناً إن هذا الدرهم من الدراهم البغلية أو لا؟ وجوابه واضح لأنّ ظاهر شهادته هو كونه واثقاً بذلك.
فهذا التقدير تقدير صحيح، ويؤيده المقدار الموجود للدرهم البغلي، ومعه فلا بُدّ من الأخذ بأوسع المقادير.
ولكنّنا في النتيجة نحتاط لأمرين:
أحدهما: أنّه يوجد إطلاقات على المانعية.
والآخر: عدم ظهور الروايات في الدرهم البغلي، وإن كان كلا الأمرين غير تامين على مقتضى الصناعة، ومعه لا بدّ من الاقتصار على الأقل.
ــــــــــ[150]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إذا تفشى من أحد طرفي الثوب إلى الآخر فدمٌ واحدٌ، والمناط في ملاحظة الدرهم أوسع الطرفين [1]، نعم لو كان الثوب طبقات فتفشّى من طبقة إلى أخرى فالظاهر التعدد وإن كانتا من قبيل الظهارة والبطانة [2]، كما أنّه لو وصل إلى الطرف الآخر دم آخر لا بالتفشّي يحكم عليه بالتعدّد وإن لم يكن طبقتين [3] (1).
[1] إذا تفشى من أحد الطرفين من الثوب إلى الآخر فهو دم واحد، ولا يقال إنه دمّان لأنّ له مظهرين، بل هما مظهران لدمٍ واحدٍ، فلا تضاف مساحة هذا الجانب إلى مساحة الجانب الآخر، بل تلحظ أوسع المساحتين، سواء كان الأزيد هو مصبّ النجاسة أو الآخر.
[2] إذا كانا ثوبين ولو كان أحدهما تابعاً والآخر أصيلاً، فيعتبران دمين للتعدد عرفاً، فكأنَّ وحدة الثوب وتعدده هو الميزان في تعدد الدم.
[3] لو وصل دم إلى هذا الجانب ووصل دم آخر إلى الجانب الآخر من الثوب:
ــــــــــ[151]ــــــــــ
(1) تمام المسألة الأولى من مسائل الأمر الثاني من (فصل فيما يعفى عنه في الصلاة) من متن العروة الوثقى 1: 103.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فإن قلنا إنّ المناط في وحدة الدم هو وحدة الدم، فهو محفوظ، فإن المحل واحد.
وإن قلنا إنّ المناط في وحدة الدم هو وحدة المحل مقيّداً بوحدة السبب أو الإصابة، فيفصّل بين ما إذا ظهر الدم بالتفشي، وبين ما إذا وجد بإصابة ثانية.
فعلى الأول يكون دماً واحداً، وعلى الثاني يكونان دمين.
وإن فرضنا أنه أُجمل من هذه الناحية، ولم نعلم أنّ المناط في وحدة الدم ما هو، فيصبح المخصص مجملاً مفهومياً، وفي مثله يرجع إلى عموم فوقاني، فبناءً على وجود العموم الفوقاني للمانعية يحكم بالمانعية.
فمبنى المتن إمّا أنّ الميزان هو المجموع أو إجمال الميزان، وأما إذا جزمنا أنّ الميزان هو وحدة المحل دون السبب، فإنّ السبب ليس له دخل عرفاً في وحدة الدم، فالظاهر العفو في هذا الفرض أيضاً.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الدم الأقل من الدرهم إذا وصل إليه رطوبة من الخارج فصار المجموع بقدر الدرهم أو أزيد لا إشكال في عدم العفو عنه[1]، وإن لم يبلغ الدرهم فإن لم يتنجس بها شيء من المحل بأن لم تتعد عن محل الدم فالظاهر بقاء العفو وإن تعدى عنه ولكن لم يكن المجموع بقدر الدرهم ففيه إشكال والأحوط عدم العفو[2](1).
[1] إذا كان الدم أقل من الدرهم، وأُكمل درهماً برطوبة من الخارج فلا إشكال في عدم العفو عنه، فإنّ هذه الرطوبة إن قلنا إنّ حكمها حكم الدم، فهذا مقدار درهم أو أكثر وهو عدم العفو. وإن قلنا إنّ هذه الرطوبة غير معفوٍ عنها أصلاً، فواضح.
وإن كانت أقلّ من الدرهم، فإن لم تزد الرطوبة نجاسةً في الثوب، بل بقيت فوق الدم فلا بأس أن يقال بصحة الصلاة، لأنّ نجاسة الثوب نجاسة دمية وهي معفو عنه، وأما الرطوبة فإن كان لها وجود مستقل، فهو من قبيل حمل المتنجس، وسيأتي جوازه.
ــــــــــ[152]ــــــــــ
(1) تمام المسألة الثانية من مسائل الأمر الثاني من (فصل فيما يعفى عنه في الصلاة) من متن العروة الوثقى 1: 103.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
[2] وأما إذا فرضنا أنّ الرطوبة تنجّست بجزء من الدم، وكان المجموع من الدم والرطوبة أقل من الدرهم، فقد يقال بعدم العفو عنه؛ تمسّكاً بمقتضى القاعدة، فإنّ هذه نجاسة غير دَمّية.
وما دلّ الدليل على العفو عنه هو النجاسة الدَمّية، فلا دليل على العفو في مثل ذلك فيُتمسَّك بالإطلاقات لو وجدت(1).
وقد يقال(2)بالعفو عنه، باعتبار أنّ هذه الرطوبة متنجسة بالدم فلا تكون بالفهم العرفي أشد محذوراً من الدم نفسه، إذن فدليل العفو يدل بالدلالة العرفية الالتزامية على العفو، فإن توسيط الأمر الثالث لا تزيد النجاسة بل تقلّلها.
ولكن الصحيح هو عدم العفو، ولا أقل من الاحتياط الوجوبي كما في المتن، لنكتة أشرنا إليها فيما سبق.
فإن العفو تارةً يكون باعتبار خفة نجاسته؛ فلو فُهم ذلك من مناسبات الحكم والموضوع لقلنا بالعفو في المقام، لأنّ مناط المانعية هنا هو النجاسة، وهي في المقام خفيفة، فتكون الدلالة الالتزامية العرفية السابقة صحيحةً.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 338، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم: الأقل من الدرهم.
(2) ينسبه المستمسك إلى الذكرى وروض الجنان والمعالم والمدارك، مستمسك العروة الوثقى1: 574، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وأما إذا لم نفهم ذلك، واحتملنا أنّ العفو من باب المصلحة التسهيلية وشدة الابتلاء بهذا المطلب، ومعه لا يمكن إسراء نكتة العفو إلى الملاقى أيضاً. وعليه فالظاهر عدم العفو.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إذا علم كون الدم أقل من الدرهم وشك في أنه من المستثنيات أم لا، يبنى على العفو وأما إذا شك في أنه بقدر الدرهم أو أقل فالأحوط عدم العفو إلّا أن يكون مسبوقاً بالأقلّية وشك في زيادته (1).
هنا فرعان:
الفرع الأول: أن نعلم أنّ الدم أقلّ من الدرهم ولكن نشك أنّه داخل في مستثنيات العفو أو لا.
وفي هذا الفرع عدّة فرضيات:
الفرضية الأولى: أن يكون المستثنى المشكوك من أحد الدماء الثلاثة.
فهل يحكم عليه بالعفو أو لا؟
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) تمام المسألة الثالثة من مسائل الأمر الثاني من (فصل فيما يعفى عنه في الصلاة) من متن العروة الوثقى 1: 103.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قد يقرّب العفو بعدّة وجوه:
التمسك بعموم دليل العفو(1)، فإنه شامل حتى لدم الحيض في نفسه، خرج منه الدماء الثلاثة بالتخصيص، فإذا شك في دم أنه داخل في المخصص أو تحت العام، نحكم بأنه داخل تحت العام وبهذا العموم الصغير، نخصّص العموم الكبير للمانعية.
وهذا جوابه واضح: وهو أنّه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لأنه شك في حيضية الدم بنحو الشبهة المصداقية(2).
التمسك باستصحابٍ موضوعي ينقح موضوع العام، فإنّ العام حكم بالعفو عن كل دم وخرج بالتخصيص الدم الذي يكون دم الحيض، فيصبح موضوع العام مركّباً من أمر وجودي وهو الدم، وأمر عدمي وهو عدم كونه
ــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى1: 574، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
(2) دراسات في علم الاصول2: 250، مبحث العام والخاص، التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، ودرر الفوائد (للآخوند)، الجديدة: 405، المبحث الرابع في الاستصحاب، وعناية الاصول4: 185، في وجوه وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي، في قاعدة العسر والحرج، ومجمع الافكار1: 310، الأمر الرابع في الاقوال في وجوب المقدمة، فصل في تأسيس الأصل عند الشك في وجوب المقدمة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
حيضاً، وكونه دماً بالوجدان، وعدم كونه حيضاً بالاستصحاب(1).
وهذا الاستصحاب لا إشكال فيه سواء كان ناظراً إلى العدم الأزلي قبل وجود الموضوع، أو العدم الثابت بعد وجود الموضوع بعد البناء على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية(2).
وأما أنه من أي النوعين: أما في دم الحيض، فإن كان عنوان دم الحيض، متقوماً بالبروز كحدث الحيض على الأظهر؛ إذن فالاستصحاب هنا هو من استصحاب العدم النعتي، فإن الدم كان في الرحم ولم يكن دم حيض فنستصحبه.
وأما إذا كان يصدق على الدم في الرحم أنه دم حيض، يكون من استصحاب العدم الأزلي. ولعلّ دم الاستحاضة أوضح في كونه من العدم النعتي، لأنه من باب النزيف، وقبل النزيف لم يكن دم استحاضة.
أنّ دليل العفو في نفسه مطلق يشمل حتى الدماء الثلاثة، والمخصص ليس هو رواية أبي بصير(3) باعتبار ضعفها سنداً أو دلالةً كما تقدّم، والقدر
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 422، الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
(2) الأصول العامة: 458، الباب الثاني الاستصحاب، العدم الأزلي.
(3) الكافي6: 419، كتاب الطهارة، الباب61، الحديث:3، وتهذيب الأحكام1: 257، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث:32، وسائل الشيعة3: 432، الباب 21 من ابواب النجاسات، الحديث:1. وقد تقدم في الجزء السابق كلام عن سند الرواية…
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
المتيقن من الإجماع هو الدم المعلوم أنه من الدماء الثلاثة، باعتباره دليلاً لُبِّياً، فما لا يعلم كونه منها، يبقى تحت عموم العفو.
وهذا التقريب مبني على تمامية أمرين:
الأول: أن يكون المخصّص لُبّياً لا لفظياً،
والثاني: أن لا يكون هناك إطلاق في مَعْقَد الإجماع إذ مع وجوده لا معنى للتشكيك من هذه الناحية.
دعوى إجراء الاستصحاب في الثوب نفسه كما عن المحقق الهمداني، فإن هذا الثوب قبل أن يبتلى بهذه البقعة من الدم كان يجوز الصلاة فيه فيستصحب لأنه بعد حصول البقعة يشك أن الجواز باقٍ أو ارتفع(1).
وقد اعترض عليه السيّد الأستاذ: أن الجواز السابق معلوم الارتفاع والجواز المتأخر مشكوك الحدوث فلا يجري استصحابه(2).
فإنّ الثوب إنما كان يجوز الصلاة فيه من أجل طهارته، وبعد وقوع الدم نعلم أنّ جواز الصلاة بملاك الطهارة ارتفع يقيناً، لأنّ الثوب أصبح نجساً،
ــــــــــ[158]ــــــــــ
(1) مصباح الفقيه8: 105، كتاب الطهارة، الركن الرابع، القول في أحكام النجاسات، فروع، الثالث لو تردد الدم…، قال: “… فالمرجع استصحاب جواز الصلاة في الثوب إن كان مسبوقاً بالعلم…”.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 234، الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وإنما نحتمل جواز الصلاة في الثوب النجس وهو مشكوك الحدوث.
وهذا الاعتراض لا يتم: لأنه ليس عندنا جوازان للصلاة، وإنما من أول الأمر جواز الصلاة موضوعه هو الجامع بين الطاهر وبين النجس المعفو عنه وهو عنوان: (لا تصل(1) في نجس غير معفو عنه)، وهذا العنوان تارةً ينطبق على الطاهر وأخرى ينطبق على النجس بنجاسة معفو عنها.
إذن فليس هنا حكمان وموضوعان ليقال: إنّ أحدهما مشكوك الحدوث والآخر مقطوع الارتفاع، فعنوان الجواز هو عنوان غير المانع، وهو كان مقطوع الحدوث مشكوك البقاء، فيستصحب الجواز.
والصحيح في الجواب على ما قاله المحقّق الهمداني أنّ هذا الاستصحاب تعليقي، فإن الجواز لا يراد به الجواز التكليفي، لأنه لا يحتمل أن يكون حراماً، ولا ينفعنا الجواز التكليفي، لأنّ المهم هو إثبات صحة الصلاة أي الجواز الوضعي، بمعنى الإجزاء، يعني أننا نقول: إننا لو صلّينا في هذا الثوب قبل وقوع الدم لأجزأ فنستصحب ذلك، وهذا استصحاب لمفاد القضية الشرطية، فيكون الاستصحاب تعليقياً.
أنّه بعد البناء على أنه لا يمكن التمسك بعموم العفو، لا بنفسه، ولا بضمّ الأصل الموضوعي، ولو باستصحاب العدم الأزلي، حينئذٍ تصير الشبهة موضوعيّةً، فنجري أصالة البراءة عن المانعية.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() وهو نقيض موضوع المانعية، (المقرر)
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فإنّ هذا الدم إن كان من الدماء الثلاثة فهو مانع، وإلاّ فلا، فتجري البراءة عن المانعية.
وهذا الكلام مربوط بالمبنى، فإننا تارةً نبني على مانعية النجاسة، وأخرى على شرطية الطهارة، فعلى الأول فإجراء أصالة البراءة في محله، لأنّ المانعية انحلالية، وهذا شك في فرد زائد من المانعية، فتجري البراءة عن المانعية الزائدة.
وأما إذا بنينا على شرطية الطهارة، بصفتها أمراً شرعياً اعتبارياً وجودياً. ففي كل مقام يشك في أنّ الثوب طاهر أو نجس، فمقتضى القاعدة إجراء أصالة الاشتغال إذا لم يمكن إثبات طهارته بأصل شرعي، ولو بأصالة الطهارة، لأننا نعلم بوجوب الصلاة في الثوب الطاهر، ولا نعلم أنّ هذا مصداق له أو لا، فتجري قاعدة الاشتغال.
فهنا بعد شرطية الطهارة، يأتي دليل العفو عن غير الدماء الثلاثة، فإن استفدنا من هذا الدليل توسعة دليل الشرط، بحيث يكون الشرط هو الجامع بين الطاهر وبين الدم المعفو عنه، فأيضاً تجري أصالة الاشتغال، إذ لا بُدّ من إحراز الجامع بين الأمرين، ونحن لم نحرز كون الثوب مصداقاً له، فتجري أصالة الاشتغال.
وقد تحقق من الوجوه الخمسة أنّ الصحيح هو العفو والحكم بصحة الصلاة بإجراء استصحاب العدم الأزلي، والذي يكون أحياناً عدماً نعتياً لا أزلياً.
هذا كلّه في الفرضية الأولى.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الفرضية الثانية: أن يكون الشك في كون الدم من حيوان لا يؤكل لحمه.
وقد سبق(1) أن بيّنا أنّ دم ما لا يؤكل لحمه له مانعيّتان:
1- مانعيّته من حيث النجاسة.
2- ومانعيّته من حيث إنه لا يؤكل لحمه، وقلنا إنّ الصحيح أنّ هذه الأخبار تشمل هذا الدم من الحيثية الأولى، وإنما كان مستثنى من العفو باعتبار الحيثية الثانية.
فنشير إلى هذا الدم ونقول: إنّ هذا الدم من حيث النجاسة معفو عنه جزماً، فتصبح المسألة أنه مما يؤكل لحمه أو لا؟ فتصبح المسألة من اللباس المشكوك و المختار فيها صحة الصلاة(2).
الفرضية الثالثة: إذا شك في أنّ الدم الأقل من الدرهم هل هو من الميتة أو لا؟
إنّ دم الميتة فيه ثلاث حيثيات:
الحيثية الأولى: أنَّه نجس بما هو دم.
ــــــــــ[161]ــــــــــ
(1) أنظر: ج5 من هذه التقريرات: (أنحاء تعدُّد العنوان في النجاسة) ص274.
(2) انظر: بحوث في شرح العروة الوثقى (طبع قديم)4: 249-250، كتاب الطهارة، أحكام النجاسات، الجهة الثانية. والإشارة إلى الهمداني في مصباحه (المؤسسة الجعفرية) 10: 247.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الحيثية الثانية: أنه نجس بما هو ميتة، وبلحاظ هاتين الحيثيتين يدخل تحت دليل مانعيّة النجاسة.
والحيثية الثالثة: أنه ميتة ولم يُذكّ. بناءً على أنّ هذا العنوان يكون مانعاً عن الصلاة ولو كان ميتةً طاهرةً.
أمّا الحيثية الأولى: فهي منفية في المقام قطعاً، بناءً على ما بيّناه من أنّ أخبار العفو مفادها العفو الحيثي، أي للمانعيّة الثابتة للدم بما هو دم، وفي هذا العفو الحيثي لا يفرق بين دم الميتة وغيره.
الحيثية الثانية: النجاسة الناشئة من حيث كونه ميتةً وهذه على حالها، والمفروض أننا نشك أن هذا الدم هل هو ميتة أو لا. فيجري استصحاب عدم كونه ميتةً، بناءً على ما ذكرناه في بحث النجاسات(1) من أنّ النجاسة في الميتة معلّقة على عنوان وجوديّ، وهو عنوان الميتة، لا على عنوان عدمي وهو عدم التذكية، وهذا العنوان الوجودي يُنفى بالأصل، فتنتفي المانعية أيضاً.
الحيثية الثالثة: في مانعية الميتة حتى لو كانت طاهرةً إذا بنينا على أنّ هذه المانعية تكون في لبس جلد الميتة أو حزام منها، -كما لعله المعروف بين المتأخرين-، فهذه المانعية لا موضوع لها، لأنّ قطرة الدم الواحدة لا يصدق عليها أنها لباس أو ثوب. وإن كانت المانعية ثابتةً للميتة حتى بنحو الحمل والمصاحبة، كما هو المشهور فيما لا يؤكل لحمه، وهو في الميتة ليس ببعيد.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
(1) أنظر: موسوعة الشهيد السيد محمد باقر الصدر 11: 152.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فهنا مرةً نفرض أنّ الدم مأخوذ من عنوان قابل لوقوع التذكية عليه، فالظاهر أنه يجري استصحاب عدم التذكية وتثبت المانعية، لأنّ مانعية الميتة مترتبة على عنوان عدمي، وهو عدم التذكية لا على عنوان وجودي، فيجري استصحاب عدم التذكية.
وأما إذا شككنا في أنّ الدم هل أُخذ من هذا الحيوان المذكى، أو من ذاك الحيوان الميّت، فلا يجري استصحاب عدم التذكية. فمتى ما جرى هذا الاستصحاب بطلت الصلاة وإلاّ صحّت.
فهنا إن فرضنا أصلاً موضوعياً ينفي النجاسة العينية، كما لو كان صاحب الدم مستصحباً كونه على الإسلام، فتنتفي النجاسة العينية، وأما النجاسة الدَمّية فهي معفو عنها، فتصح الصلاة.
وأما إذا لم يكن أصلٌ من هذا القبيل، كما لو كان زيد فيه توارد الحالتين، فلا يمكن الحكم بالعفو، باعتبار أنّ هذا الدم يحتمل كونه بنجاسة عينية لا يوجد أصل موضوعي لها.
وقد يُتمسك في المقام بأصالة الطهارة في العين، فيثبت أنه دم طاهر العين، كما في المستمسك(1).
ــــــــــ[163]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى1: 575، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهذا لا يتم؛ لأنّ الأصل إما أن نجريه في هذا الدم أو في الحيوان الذي خرج منه. أما هذا الدم فلا يمكن جريان الأصل فيه للعلم بنجاسته ولو من حيث كونه دماً. وأما جريانه في الحيوان فلا بأس به، لكن ليس له أثر شرعي من ناحية هذا الدم؛ لأنّ الأثر غير مترتب على دم ليس من نجس العين، بل على دم ليس نجساً بنجاسة أخرى، وهذه النجاسة الأخرى لا تنتفي بإجراء أصالة الطهارة في الحيوان إلّا بالملازمة.
ومعه تصل النوبة إلى أصالة البراءة عن المانعية، فإنّ النجاسة الدَمّية معفو عنها، والنجاسة الأخرى مشكوكة.
الفرع الثاني: أن نعلم أنّ الدم دم إنسان ولكن نشك أنه أقل من الدرهم أو أزيد منه.
ذكر السيد الأستاذ(1) أن تحقيق المسألة مبني على ملاحظة ما هو أثر أخبار العفو على دليل مانعية نجاسة الدم في الصلاة. فإنه يكون على أحد نحوين:
النحو الأول: إما أن يكون تخصيصه للعام بالإخراج، بأن يخرج من دليل المانعية حصةً صغيرةً هي الدم الأقل من الدرهم، فموضوع دليل المانعية يصير مركّباً من جزئين هما عنوان الدم وعدم كونه أقل من الدرهم (نقيض عنوان المخصص).
ومعه يمكن إثبات الموضوع العام أما كونه دماً فبالوجدان، وأما كونه
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 424، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ليس أقل من الدرهم فبالاستصحاب، ولو باستصحاب العدم الأزلي.
النحو الثاني: وإما أن تكون أخبار العفو تعطي لأخبار المانعية عنواناً وجودياً -وهو ما زاد على الدرهم أو ما كان درهما وأزيد -، فهنا نستصحب عدم كون هذا درهماً وما زاد ويثبت عدم المانعية.
وهنا يوجد كلامان: أحدهما للسيد الحكيم(1) في المستمسك والكلام الآخر لنا.
أما السيّد الحكيم فهو يستشكل في إجراء هذا الاستصحاب في كلا الشقَّين، لأنه يقول: إن الاستصحاب في الأعدام الأزلية وإن كان جارياً إلّا أن فيه تفصيلاً بين بعض الأوصاف وبعض، ووصف كونه أقل من الدرهم أو أكثر أو أقل من الأوصاف التي لا يجري فيها.
فإنّ الأوصاف على قسمين:
القسم الأوَّل: الأوصاف التي تتصف بها الطبيعة(2) بعد وجودها، كوصف
ــــــــــ[165]ــــــــــ
() مستمسك العروة الوثقى1: 577، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم. وأصل البحث ذكره في مسألة كرّية الماء: “والخامس: يتوقف على أن الكرّيّة من عوارض وجود الماء عرفاً بنحو تصدق في الأزل السالبة بانتفاء الموضوع، وليس كذلك، فإنها نحو سعة في مرتبة الطبيعة، فلا يصح..“، 1: 165، وفصل المسألة أكثر في 5: 345.
(2) والمراد بها الماهية الشخصية كزيد فإنه قبل وجوده يمكن تصوّره من دون بياض أو سواد، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الانتساب إلى قريش أو وصف البياض أو السمرة للإنسان، وإن كان قد يتصف بها من أول آنات الوجود.
القسم الثاني: أوصاف تثبت للماهية بما هي ماهية، كالسعة والضيق(1) والمقدار، فإننا إذا أشرنا إلى حقّة من الماء لا معنى لأن نقول: إنها قبل أن توجد لم تكن حقّة من الماء، بل قبل الوجود نقول: إن الحقّة لم توجد لا أنها لم تكن حقّة من الماء، فإن الحقّة عبارة عن سعة مرتبة هذه الماهية الشخصية وهو أمر محفوظ قبل وجودها.
وحينئذٍ فاستصحاب العدم الأزلي إنما يجري في القسم الأول، فإنّ الماهية قبل وجودها كانت عاريةً من هذا الوصف، فيجري استصحاب العدم الأزلي، بخلاف القسم الثاني، فإنّ العوارض ثابتة قبل الوجود.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنّ كلامنا عن سعة الدم وهي عبارة عن مرتبة الماهية ومأخوذة في معروض الوجود، لا من عوارض الوجود، فلا يجري استصحاب العدم الأزلي وتطبيق هذه الكبرى – صحّت أو لم تصح- على المقام في غير محله.
وكأن السيد الحكيم لم يقبل ما ذكره الحكماء(2) من أنّ الكم المتّصل هو من عوارض الوجود. وقال: إنّه في الحقيقة من محدّدات سعة تلك الماهية، ولذا لا يجري فيه استصحاب العدم.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
() أو ما يعبّر عنه الحكماء بالكمّ المتصل، (المقرر).
(2) انظر: بداية الحكمة: 99، المرحلة السادسة، الفصل التاسع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ففي المقام إذا شككنا في أنّ الدم أحمر أو أصفر، لا بأس باستصحاب عدم كونه أحمر ولو بالعدم الأزلي، لأنّ الحمرة من عوارض الوجود، بخلاف ما إذا شككنا أنه بمقدار الدرهم أو لا، فإنّه لا يجري الاستصحاب، فإنه من محددات الماهية الشخصية.
وهذا الذي أفاده، فيه كبرى وصغرى، وقد سبق أن تعرضنا للكبرى وأما الصغرى، فهل إنّ محل الكلام يدخل في القسم الثاني أو الأول؟
الصحيح أنّه يدخل في القسم الأول، والوجه فيه أنّ الأقلّية والأزيدية لوحظت باعتبار ما يشغله الدم من مساحة الثوب، ولم تلحظ بما هو حجم ذاتي للدم.
فإننا تارةً ننظر إلى الحجم الذاتي للدم، وحينئذٍ فقد يكون كثيراً ولا يشغل من الثوب إلّا القليل، وقد يكون قليلاً وهو يشغل مقداراً كثيراً من الثوب، فإنّ الدم الذي فيه أدنى ارتفاع من الثوب يمكن تمديده حتى يحصل بسعة عدّة دراهم، وهو أكبر حجماً من الدم الذي ليس فيه ارتفاع، وأشغل أكثر من الدرهم بقليل، ومع ذلك يُعفى عن الأول دون الثاني، وهذا معناه أنّ المدار في العفو ليس هو الحجم الذاتي، بل ما يلطخه من الثوب.
ومعه فملطخيته لمساحة من الثوب من شؤون الوجود وليس محدداً لسعة الماهية، وحينئذٍ إذا شك في أنه لطخ أكثر من درهم أو أقل، يجري استصحاب العدم.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهو عبارة عن استظهار عرفي من الأدلة، فإنّ مُرّ الحق وإن كان هو ما ذكره السيد الأستاذ من أن أخبار العفو إن كانت قد اقتطعت ما كان أقل من دليل المانعية فنستصحب عدم كونه أقلّ فيثبت المانعية، وإن كانت ألبست له شيئاً فنستصحب عدم كونه أكثر، فيثبت عدم المانعية.
ولكننا نقول: إنّ دليل العفو سواء كان بلسان الاقتطاع أو الإلباس مرجعه إلى مفاد واحد وهو مُعنون دليل المانعية وهو ما كان أكثر من درهم، فحتى على الشق الأول يتعنون العام فيه بعنوان وجودي.
والنكتة فيه: أنّ عدم القلّة بما هو عدم القلّة ليس مؤثّراً في المانعية، فإنّ القلّة عبارة عن أمر عدمي، وهو عدم الزيادة، وعدمها يعني عدم هذا العدم، وإن أُخِذ عدم العدم في موضوع يفهم العرف منه أنه أُخذ فيه عنوان الوجود، ومعه فعلى كِلا التقديرين يجري استصحاب عدم كونه أزيد من الدرهم، أو بمقدار الدرهم، فيكون الصحيح هو العفو عنه خلافاً للماتن.
هذا إذا لم يكن له حالة سابقة، وأما إذا كان له ذلك فلا بأس بإجراء استصحابها.
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
المتنجس بالدم ليس كالدم في العفو عنه إذا كان أقل من الدرهم(1).
هذا المطلب تقدّمت نكتته منّا، وقد قلنا إنه لا يُعفى عنه(2).
ــــــــــ[169]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 218، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
(2) في أول هذا الكتاب، فانظر الصفحة 3 منه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الدم الأقلّ إذا أُزيل عينه فالظاهر بقاء حكمه(1).
إذا أُزيل الدم وبقيت نجاسته فيبقى العفو، ويمكن أن يقرّب ذلك بعدّة وجوه:
بأن يُقال: إنَّ الدم إذا كان موجوداً عيناً فلا إشكال في عدم المانعية؛ لأنّه المتيقّن من أخبار العفو.
وأما إذا زال فيشك في المانعية بنحو الشبهة الحكمية، فتجري البراءة عنها.
وهذا التقريب موقوف على أن لا توجد عمومات للمانعية، وإلا لا معنى للمصير إلى البراءة في مقابلها.
فإنه حين كانت العين موجودةً كان يجوز الصلاة في الثوب، وبعد زوالها يشك في جواز الصلاة وعدمه فيستصحب جوازها. وهذا الوجه لا بُدّ أن يُبنى على أحد أمرين:
ــــــــــ[170]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 218، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
1- إما عدم وجود عمومات فوقانيّة تقتضي المانعية.
2- أو وجودها مع الالتزام بأنَّ استصحاب حكم المخصص مقدّم على العامّ.
فإن المقام يدخل في كبرى تلك المسألة الأصولية، وهو على خلاف المختار في تلك المسألة(1).
وبعد البناء على إجراء الاستصحاب بالتسليم بهذين الأمرين يمكن الإشكال فيه بأحد أمرين:
الأمر الأوَّل: أنه استصحاب في الشبهة الحكمية، فلا يجري بناءً على التفصيل الذي ذكره السيد الأستاذ في بحث الاستصحاب(2).
وجواب ذلك:
أولاً: أنّنا لم نقبل هذا التفصيل.
وثانياً: أنَّ من يقبله يستثنى منه الأحكام الترخيصية.
وهنا نريد أن نستصحب العفو، وهو من سنخ الأحكام الترخيصية فلعلّه يكون مستثنى.
الأمر الثاني: أنه استصحاب تعليقي على ما أُشير إليه في بعض الفروع
ــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) والمختار هو الرجوع إلى العموم الأزماني للعام، انظر: بحوث في علم الأصول 6: 329، مباحث الحجج والأصول العملية، الاستصحاب، التنبيه العاشر.
(2) بحوث في علم الأصول6: 127، مباحث الحجج والأصول العملية، الاستصحاب، التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
السابقة، لأننا لا نريد من الجواز الجواز التكليفي، بل نريد الجواز الوضعي بمعنى صحة الصلاة، فيرجع استصحابه إلى قولنا: لو كنّا قد صلّينا في هذا الثوب لوقعت الصلاة صحيحةً، لأنّ الصحة فرع وقوع الفعل خارجاً وإلا هو كما كان.
فتثبت صحّة الصلاة بالاستصحاب التعليقي، فمن يمنع عنه لا يجري هذا الاستصحاب.
إلّا أنّ السيّد الأستاذ(1) تصدّى إلى أنّ هذا الاستصحاب من الاستصحاب التنجيزي لا التعليقي.
وأفاد في وجه ذلك: أنّ المستصحَب ليس هو الصحّة، حتى يقال: إنَّ صحة الصلاة صحة تعليقية لا تنجيزية، بل المقصود هو استصحاب عدم المانعية، والمانعية وعدمها أمر تنجيزي قبل وقوع الصلاة خارجاً، فإنّ المانعية مرجعها إلى وجوب إيقاع الصلاة في غيره، وعدمها مرجعها إلى إيقاعها فيما يعمّه. وكلاهما فعلي قبل وقوع الصلاة خارجاً، فنستصحب عدم المانعية ولا يكون من قبيل الاستصحاب التعليقي.
إلّا أنّ الظاهر أنّ هذا غير خالٍ من الإشكال أيضاً؛ لأنّ مانعية النجاسة المقترنة مع الدم -وهي المتيقّنة العدم -، ومانعية النجاسة الخالية من عين الدم، -وهي المشكوكة-، لو كانت المانعية الثانية بقاءً للأولى، وعدمها بقاءً لعدمها،
ــــــــــ[172]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 426، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إذن لا بأس بإجراء الاستصحاب.
ولكن بناءً على ما ذكرناه في بحث الأصول(1) من أن المانعية ونحوها من الأحكام الوضعية ليست فعليتها تابعةً لفعلية موضوعها، بل هي موجودة على أي حال حتى لو لم يوجد على الثوب دم.
إذن فهاتان المانعيتان عرضيتان وليس أنَّ أحدهما بقاءً للآخر؛ لأن كونه بقاء له فرع أن تكون المانعيتان تابعةً لموضوعهما. فالمانعية الثانية على فرض وجودها ليست بقاءً للأولى، بل هي موجودة من أول الأمر. فلا يمكن إثبات عدمها بالاستصحاب.
ما أفاده السيد الأستاذ من التمسك بإطلاق بعض أخبار العفو، وهذا كلام في غاية الوجاهة، فإن رواية ابن أبي يعفور(2) الأمر فيها كذلك، فإنّ جملة من الأخبار ظاهر في فعلية الدم أثناء الصلاة. ولكن رواية ابن أبي يعفور مطلقة من هذه الناحية.
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) مباحث الأصول القسم الثاني5: 85، الاستصحاب، شرطية الطهارة ومانعية النجاسة، قال ما نصه: “… إن فعلية المانعية ليست مشروطةً بوجود المانع خارجاً…”، وقال: “إن فعلية مانعية المانع لا تتوقف على وجود المانع بنحو كان التامة”.
(2) تهذيب الاحكام1: 255، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث:27،
الاستبصار1: 176، كتاب الطهارة، الباب106، الحديث:3،
وسائل الشيعة3: 430، الباب20، من أبواب النجاسات، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
لو تنزّلنا عن الإطلاق اللفظي فيمكن أن نستفيد ذلك بالأولوية والفحوى والدلالة الالتزامية العرفية. بأن يقال: إن أخبار العفو وإن وردت في صورة وجود الدم لكن لا يحتمل أن العفو يدور مدار الدم لأن معناه أن وجوده يحقق المطلب مع أن هذا غير محتمل بالارتكاز المتشرعي. فينعقد بهذه القرينة دلالة التزامية عرفية لأخبار العفو، مهما كان ملاك العفو سواء كان هو قلّة النجاسة أو هو التسهيل فإن العرف على أي حال يأبى عن شدة المطلب بعد الزوال.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الدمّ الأقلّ إذا وقع عليه دم آخر أقلّ ولم يتعدّ عنه أو تعدى وكان المجموع أقل لم يزل حكم العفو عنه(1).
تارةً: الدمان يقعان في إصابة واحدة ويكون مجموعهما أقلّ من الدرهم، وأخرى: في إصابتين ومن الواضح أنهما معاً مشمولين للأخبار؛ لأنّه لم يؤخذ فيها الإصابة الواحدة، فيتمسك بالإطلاق.
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 218، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الدم الغليظ الذي سعته أقل عفو وإن كان بحيث لو كان رقيقاً صار بقدره أو أكثر(1) .
هل الميزان في الدرهم الذي جعل حداً للعفو الدرهم بوجوده الفعلي أو بوجوده التقديري بحيث يقال: إنّ هذا الدم لو كان رقيقاً لزاد على الدرهم.
من الواضح أنّ حمل الدرهم على الدرهم التقديري يحتاج إلى قرينة، ومقتضى الطبع الأولي الحمل على الفرد الفعلي لا الفرد التقديري.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 218، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إذا وقعت نجاسة أخرى كقطرة من البول مثلاً على الدم الأقل بحيث لم تتعدّ عنه إلى المحل الطاهر ولم يصل إلى الثوب أيضاً، هل يبقى العفو أم لا؟ إشكالٌ فلا يترك الاحتياط(1).
لا إشكال في أنه إذا وقعت قطرة بول أو غيره، بحيث نجست من أجزاء الثوب الطاهرة فلا يُعفى عنها، وإن كان المجموع أقل من الدرهم.
وإنما الكلام فيما إذا وقع بحيث لم ينجس غير ما نجسه الدم. وهنا أيضاً لا إشكال في أنه إذا كان عين البول موجودةً، وقلنا بعدم جواز حمل النجس، فلا إشكال في عدم العفو.
وإنما الإشكال يقع فيما إذا جفّ البول، أو قلنا بجواز حمل النجس، فهل يحكم بالعفو أو لا؟
وهذا فيه صورتان:
الأولى: أن يلاقي البول الدم فقط. بحيث يكون الدم متوسطاً بينهما.
والثانية: أن يلاقي البول الثوب المتنجّس بالدم.
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 218، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بدعوى: أنه لا مانع منه، لا من ناحية الدم، لأنه معفو عنه، ولا من ناحية البول، لأنه لم يتنجس بالبول فهو متنجس قبل ذلك والمتنجّس لا يتنجس.
أو يقال بعدم العفو، لأنّ هذا الجزء من الثوب فيه نجاستان ثابتتان بدليلين، ولا مانع من العمل بكلا الدليلين والالتزام بوجود نجاستين، لأنّ مهم ما يتصور كونه محذوراً هو أحد أمرين:
الأمر الأول: لزوم اللَغوية من تعدد النجاسة بعد فرض أنّ الأثر هو الغسل على أي حال. وبتعبير آخر: إن التزم بتعدد الغسل بتضاعف النجاسة، فهذا خلاف الضرورة الفقهية، وإلاّ كان الالتزام بتعدد النجاسة لغواً.
وجواب ذلك: أننا نختار الشق الثاني، وهو تعدد النجاسة بدون تعدد الغسل، إذا كان للنجاسة الثانية أثر زائد، كما في المقام، فإن نجاسة البول لها أثر زائد، وهو المانعية المطلقة عن الصلاة سواء كانت أقل من الدرهم أو أكثر فأيّ مانع من جعل النجاسة الثانية بلحاظ هذا الأثر.
الأمر الثاني: أنه كيف يمكن إثبات كلتا النجاستين، فإنّ ذلك إنما هو التمسك بإطلاق (اغسل ثوبك إذا أصابه الدم) (واغسل ثوبك إذا أصابه البول).
ومقتضى إطلاقهما وجوب غسلين، مع أنكم لا تلتزمون به، ومعه لا بُدّ من إسقاط أحد الإطلاقين، فلا يبقى كاشف عن النجاسة الثانية.
وجوابه: أننا نُعمِل كِلا الإطلاقين، ولا يقتضي وجوب غسلين، لما أشرنا
ــــــــــ[178]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إليه من أنّ الأمر إذا وقع في قضيتين شرطيتين، فمقتضى القاعدة هو التكرار وعدم التداخل إذا كان الأمر مولوياً، نحو: (إذا انكسفت الشمس فصلِّ)، و(إذا زلزلت الأرض فصلِّ)، فيجب فردان من صلاة الآيات.
وأمَّا في المقام فالأمر بالغسل إرشاد إلى النجاسة، فتصبح الجملة خبريةً: إذا أصاب ثوبك الدم فيتنجس، ويطهر بالغسل ونحوه من انحاء الطهارة، ومقتضى القاعدة أنهما يطهران بغسل واحد، لأنه ليس له باعثية ومولوية حتى يقال إنهما يحتاجان إلى تحركين، بل لهما جنبة خبرية، فلعلهما يطهران بغسل واحد.
ومعه فالمقام لا يشمله العفو، لأنه لا يكون عفو عن النجاسة البولية.
قد يقال بالعفو عنه، بدعوى أنّ الثوب لم يتنجس بالبول، لا مباشرةً ولا بالواسطة، أما مباشرةً فلأنه لم يلاقه البول، وأما بالواسطة فلأن الواسطة هي الدم وهو عين نجس وهو لا يتنجس؛ لأن إثبات النجاسة إنما يكون بإطلاق “اغسله”، ومن الواضح أنّ هذا إنما يكون للثوب والبدن ونحوه، ولا معنى لأن يكون للدم نفسه. وهي شبهة أكثر استحكاماً من الشبهة في الصورة السابقة، فحتى لو قلنا بأنّ المتنجس يتنجس لا نقول به في عين النجاسة.
وجواب ذلك هو ما نقوله في تقريب عدم العفو، وهو أن يقال: إنّ الدم تنجس بالبول، والثوب تنجس بالدم المتنجّس بالبول، فيحكم عليه بعدم العفو.
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وتقريب ذلك تارةً بتعبير: أنّ الدليل الذي دلّ على غسل الملاقى وإن كان لا يشمل بلفظه عين النجسّ لأنه غير قابل للغسل، لكن العرف يفهم منه السببية المطلقة، فإن كان الملاقي مما يقبل التطهير فهو وإلاّ يبقى متنجّساً.
وبتعبير آخر: إنّ الأمر بالغسل ينحل إلى جملتين: (أنه ينجس) و(أنه يطهر بالغسل)، وإحداهما لا ربط لها بالأخرى، وعين النجاسة مشمولة للجملة الأولى دون الثانية إذا ساعد العرف على الانحلال، والشبهة كانت ناشئةً من الدمج بين القضيتين.
أو بتعبير آخر: أنه لو كان هذا الدم دماً طاهراً كدم السمك، فهو يتنجس بالبول ويحكم ببطلان الصلاة فيه، فهل نحتمل أنّ نجاسة الدم موجبة لخفّة المطلب، وأنّ نجاسة الدم موجبة لجواز الصلاة فيه، وطهارته مانعة عن ذلك؟
فالصحيح في المقام أنه لا عفو في كلتا الصورتين.
وأمّا إذا لم نقبل القول بأن المتنجّس يتنجّس، أو أنّ عين النجس يتنجس، فلا موجب للقول بعدم العفو، كما ذهب إليه السيد الأستاذ(1) متمسكاً بأدلة عدم جواز الصلاة بالبول، وأنا لا أعرف هذه الأدلة إلّا الأوامر بالغسل، فإن قبلنا مفادها، فكما قلناه فيما سبق، وإن لم نقبل مفادها للشمول للمتنجّس أو للعين فلا موجب للقول بعدم العفو.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 428، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثاني: الدم الأقل من الدرهم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الفصل الثالث
ما لا تتمّ فيه الصلاة
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قال: الثالث: مما يعفى عنه: ما لا تتم الصلاة فيه من الملابس(1).
وفي هذا الباب توجد عدة روايات وأكثرها مراسيل.
ما لا تتم الصلاة به وحده كالقلنسوة والجورب والعمامة، والكلام أولاً يقع في أصل كبرى العفو بنحو القضية المهملة، ثمّ في التفاصيل.
أما الكبرى، فنحن في أول بحث شرطية الطهارة في لباس المصلّي(2).
استعرضنا الروايات التي تدل على مانعية النجاسة في لباس المصلي بقصد أن نجد عموماً يدل على عدم جواز الصلاة في النجس، فلو وجدناه فلا بأس ــــــــــ[183]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 219، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثالث: ما لا تتم الصلاة فيه.
(2) أنظر: ج4 من هذه التقريرات: ص32.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بالتمسك بإطلاقه لما لا يتم به الصلاة وحده.
ولكننا في ذلك الحين لم نجد عموماً بهذا اللسان، وتمام الروايات التي قد يتوهم فيها ذلك كانت إما قاصرةً سنداً أو قاصرةً دلالةً، فلم يتحصّل عندنا ذلك العموم.
وإنما أوسع عنوان وجدنا في الروايات التامة سنداً ودلالةً هو عنوان الثياب، وهو أخص من مطلق ما يصلّى فيه. فإن ما لا تتم الصلاة فيه لا يصدق عليه أنه ثوب. ومقتضاه الاقتصار على الثوب وكل ما يقطع بعدم الفرق بينه وبين الثوب.
ومن هنا يمكن أن يقال إنّ جواز الصلاة في التكة ونحوها لا يحتاج إلى دليل خاص، لأنها غير مشمولة للعموم فإذا شككنا في مانعيتها كانت شبهة حكمية فنرجع إلى البراءة عن المانعية.
نعم، هناك رواية واحدة دلّت على المانعية، ووردت في خصوص ما لا تتم الصلاة به وحده، فتكون دليلاً على المنع لو تمّت، ويرفع اليد عن أصالة البراءة بلحاظها.
وهي رواية رفاعة(1)، قال: “سألت أبا الحسن عن المختضب إذا تمكن من السجود والقراءة أيضاً أيصلّي في حنائه؟ قال: نعم، إذا كانت خرقته طاهرة وكان متوضأ”(2).
ــــــــــ[184]ــــــــــ
() باب 39 من أبواب لباس المصلي، (المقرر).
(2) من لا يحضره الفقيه1: 267، باب ما يصلى فيه وما لا يصلى فيه من الثياب، الحديث: 824، تهذيب الاحكام2: 356، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:2، وسائل الشيعة4: 429، الباب39، من أبواب لباس المصلي، الحديث:2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يعني إذا كانت الخرقة التي يلّف بها الحناء طاهرةً، والعادة جارية على أنّ هذه الخرقة ليست مما تتم الصلاة بها وحدها، ومع هذا أناط الإمام جواز الصلاة مع الحناء بطهارة الخرقة، فيدل بالمفهوم أنه إذا لم تكن الخرقة طاهرةً فلا تجوز الصلاة فيها.
وهي تامة من حيث السند، ولا بأس بتماميتها من حيث الدلالة أيضاً إذا لم نقل إنّ هذا السائل لم يكن نظره إلى الجواز وعدم الجواز، وإنما نظره إلى أصل الحزازة ولو بمعنى الكراهة، بدعوى: أنّ حرمة الصلاة مع الحِنّاء احتمالها غير موجود في أذهان المتشرعة، وإنما طبع هذه الموارد طبعاً كراهتياً لا تحريمياً، فالسؤال يكون عن الكراهة، فيدل الجواب على أنه لا حزازة فيما إذا كانت الخرقة طاهرةً، فيدل المفهوم على وجود الحزازة ولا يدل على الحرمة.
ولكن لا سبيل لنا إلى إحراز ذلك الارتكاز، ومعه فلا يبعد تمامية الرواية سنداً ودلالةً، فنرفع اليد عن أصالة البراءة، ونحتاج إلى دليل على الجواز.
وروايات الباب متعددة أحسنها سنداً ودلالةً ما رواه الشيخ عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن علي بن أسباط عن علي بن عقبة عن زرارة عن أحدهما قال: “كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس أن
ــــــــــ[185]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يكون عليه الشيء مثل القلنسوة والتكة والجورب”(1).
وهي صحيحة من حيث السند، وفي الدلالة أيضاً تعطي ميزاناً كلياً، وهو أنّ كل ما لا يجوز ساتراً كافياً فلا بأس أن يكون عليه الشيء.
فيرفع اليد بها عن ظهور تلك الرواية في المنع الإلزامي، ويُحمل على الكراهتي جمعاً بينهما.
ولكن قد يستشكل في الاستدلال بهذه الرواية بدعوى الإجمال؛ لأنها لم تفرض نجاسة الشيء الذي لا تتم الصلاة به وحده، ولا نعلم أنّ المقصود من الشيء هل هو النجاسة، أو شعر ما لا يؤكل لحمه، أو من الميتة وإن كانت طاهرةً؟ فإنه أيضاً لا يجوز.
إلّا أنّ هذه الدغدغة في غير محلها، لأحد وجوه:
الوجه الأول: أننا ندّعي ظهور الرواية في أنّ المقصود هو النجاسة، باعتبار أمرين:
الأمر الأول: ارتكازية مانعية النجاسة، ووضوح مانعيته في أذهان المتشرعة من مانعية أي شيء آخر كمانعية ما لا يؤكل لحمه. فهذا يشكل سبباً في انصراف ذهن الإنسان المتشرّع إلى تلك المانعية المركوزة. وعلى الأقل هو القدر المتيقن من هذه المانعية.
الأمر الثاني: أنّ الرواية ناظرة في نفي محذور كان يترتب وجوده فيما لا تتم
ــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) تهذيب الاحكام2: 358، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:14،
وسائل الشيعة4: 456، الباب31، من أبواب النجاسات، الحديث:1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الصلاة فيه وحده، فهو في مقام دفع هذا المحذور، ومن الواضح أنّ هذا الشيء الذي يقع على التكة والجورب إن كان هو النجاسة، فهو محذور.
وأما إذا كان هو شعر ما لا يؤكل لحمه، فلا تكون التكة والجورب مانعاً، بل نفس الشعر يكون مانعاً، وظاهره مانعية نفس التكة والجورب إذا كان عليه الشيء، وهو لا يكون إلّا بوجود النجاسة.
ولو تنزّلنا عن ذلك، فلا موجب للإجمال بل نقول بالإطلاق، وإنّ الرواية ناظرة إلى كل تلك الأدلة، سواء كان ذلك الشيء هو النجاسة أو هو شعر ما لا يؤكل لحمه، وتكون حاكمةً على تمام أدلة المانعية بملاك النظر.
وهناك روايات أخرى كلها غير نافعة.
1- منها: رواية حماد بن عثمان عمن رواه عن أبي عبد الله: “في الرجل يصلّي في الخف الذي قد أصابه القذر فقال: إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فلا بأس”(1).
لا بأس بدلالتها، وإن كان يوجد إشكال في فقه الرواية، وهو أنّ مورد الصلاة هو الخف، وهو دائماً لا تتم الصلاة فيه فما معنى قوله: (إذا كان لا تتم الصلاة فيه).
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) تهذيب الاحكام2: 357، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:11،
وسائل الشيعة3: 456، الباب31، من أبواب النجاسات، الحديث:2، مع تفاوت يسير في الالفاظ.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وجوابه: أنّ نظر الإمام إلى المورد الكلي لا إلى شخص هذا المورد، بل هي أحسن من تلك الرواية لأنه مُصرَّح فيها بالقذر. ولكنها ساقطة سنداً للإرسال.
2- ومنها: رواية زرارة قال: “قلت لأبي عبد الله: إن قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثمّ صلّيت. فقال: لا بأس”(1).
وهي واضحة في العفو، ولكن لا يمكن استفادة القاعدة الكلية إلّا إذا ساعد العرف على إلغاء الخصوصية واستفادة المثالية. إلّا أنها ساقطة سنداً، لأن علي بن أسباط(2) لم يثبت توثيقه.
3- ومنها: رواية إبراهيم بن أبي البلاد عمن حدّثهم عن أبي عبد الله قال: “لا بأس بالصلاة في الشيء الذي لا تجوز فيه وحده يصيبه القذر مثل القلنسوة والتكة والجورب”(3).
وهي من حيث الدلالة لا بأس بها ومن حيث السند ساقطة للإرسال وغيره.
4- ومنها: رواية عبد الله بن سنان عمن أخبره عن أبي عبد الله قال: “كل ما كان على الإنسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلّي ــــــــــ[188]ــــــــــ
(1) تهذيب الاحكام2: 358، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:14،
وسائل الشيعة3: 456، الباب31، من أبواب النجاسات، الحديث:3.
(2) انظر: رجال النجاشي، باب العين، الرقم: 663، والخلاصة للحلي: 99، الفصل الثامن عشر العين، الباب الاول، الرقم: 38، ومعجم رجال الحديث12: 284.
(3) تهذيب الاحكام2: 358، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:13، ووسائل الشيعة3: 456، الباب31، من أبواب النجاسات، الحديث:4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فيه وإن كان فيه قذر مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل”(1)(2).
5- ورواية حفص بن عيسى قال: “قلت لأبي عبد الله إني وطئت عذرة بخفي ومسحته حتى لم أَرَ فيه شيئاً ما تقول في الصلاة فيه قال: لا بأس”(3).
لا بأس بدلالتها تمسّكاً بإطلاقها لمورد رطوبة العذرة، ولكنها لا تعطي الضابطة الكلية لورودها في الخف، والعرف لا يساعد على التعدّي إلى غيره، وهي ساقطة سنداً، لأن حفص بن عيسى لم يوثّق(4).
فأحسن روايات الباب هي الأولى، وبها نرفع اليد عن ظهور رواية رفاعة بالحرمة، ونبني على العفو بنحو القضية المهملة.
6- ورواية الحلبي عن أبي عبد الله قال: “كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه”(5) … الحديث.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
() والخفين وما أشبه ذلك، كل هذه الروايات في باب 31 من ابواب النجاسات، (المقرر).
(2) تهذيب الاحكام1: 275، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث:97، ووسائل الشيعة3: 457، الباب31، من أبواب النجاسات، الحديث:5.
(3) تهذيب الاحكام1: 274-275، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث:95، ووسائل الشيعة3: 458، الباب32، من أبواب النجاسات، الحديث:6.
(4) رجال الطوسي: 189، باب الحاء، الرقم: 2324-181-، ورجال البرقي: أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد، معجم رجال الحديث7: 139، باب الحاء، الرقم: 3774.
(5) تهذيب الاحكام1: 357، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:10، وعوالي اللئالي3: 76، باب الصلاة، الحديث: 41، ووسائل الشيعة 4: 376، الباب14، من أبواب لباس المصلي، الحديث:2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
هذه الرواية ذات عموم أكبر من عموم رواية زرارة(1) لأنها تثبت أنّ ما لا تتم به الصلاة وحده لا بأس به بلحاظ سائر المانعيات لا للنجاسة فقط ولهذا ذكر الإبريسم يعني الحرير، ولا إشكال في إطلاقه لمحل الكلام.
كما لا إشكال أنها لو تمّت تكون حاكمةً على أدلة مانعية النجاسة، فإنّ النسبة بينهما وإن كانت هي العموم من وجه -لو تم الإطلاق في أدلة مانعية النجاسة -، ولكن مع هذا يقدم هذا الدليل باعتبار النظر.
نعم لو لوحظ هذا الدليل مع رواية رفاعة(2) الواردة في الخرقة التي لا تتم الصلاة بها وحدها، فقد يدّعى أنها أخصّ من هذه الرواية، لأنّ هذه الرواية ليس لها نظر إلى خصوص النجاسة، وتلك واردة في خصوص ما لا تتم الصلاة بها من النجاسة. إلّا أنها ليست تامةً سنداً لورود أحمد بن هلال(3) الذي لم تثبت وثاقته كما سبق في بحث سابق.
هذا تمام الكلام في روايات الكبرى.
ــــــــــ[190]ــــــــــ
() وسائل الشيعة3: 456، الباب31، من أبواب النجاسات، الحديث:3.
(2) وسائل الشيعة4: 429، الباب39، من أبواب لباس المصلي، الحديث:2.
(3) انظر: رجال النجاشي: 83، باب الألف، باب أحمد، الرقم: 199، وفهرست الطوسي: 83، باب الهمزة، باب أحمد، الرقم: 107، ورجال الطوسي: 384، أصحاب أبي الحسن الثالث علي بن محمد عليهما السلام، باب الهمزة، الرقم5649-20-، والخلاصة للحلي: 202، الفصل الأول في الهمزة، الباب الرابع أحمد، الرقم: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يبقى الكلام في جهات:
إنّ هذا العفو لا يشمل إذا كان ما لا تتم الصلاة فيه -نجس العين- ميتةً.
فإنّ عمدة الدليل في هذا العفو هو رواية زرارة(1) التي تقول: “لا بأس أن يكون عليه الشيء“، ومن الواضح أنها ناظرة إلى التنجّس العرضي لا ما إذا كان هو بنفسه نجساً. ففي فرض النجاسة الذاتية يبقى تحت العموم، نعم لو أنكرنا مثل هذا العموم، والقدر المتيقن من المانعية هو مانعية ما يصدق عليه أنه ثوب ونحوه، وأما مثل التكة ونحوها فلا يشملها دليل المانعية، فيرجع إلى أصالة البراءة عن المانعية.
إلّا أنّه قد يستدل بروايتين على شمول العفو للميتة.
الأولى: رواية الحلبي التي قرأناها أخيراً(2)، فإنها ليس فيها قرينة على اختصاص العفو بالتنجّس العرضي، بل يقول: كل ما لم يكن كافياً للستر فلا بأس، فيتمسك بإطلاقه لإثبات العفو حتى لو كان ما لا تتم به الصلاة ميتةً.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) تقدمت قريباً.
(2) تقدمت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الثانية: رواية(1) إسماعيل بن الفضل قال: “سألت أبا عبد الله عن لباس الجلود والخفاف والنعال والصلاة فيها إذا لم تكن من أرض المصلّين فقال: أما النعال والخفاف فلا بأس بها”(2).
فقد حكم أنّ النعل والخف الذي يكون مأخوذاً من أرض الكفار لا بأس به بالرغم من كونه محكوماً بعدم التذكية.
أما الرواية الأولى فيرد على الاستدلال بها أمران:
أولاً: ضعف السند كما قلنا(3).
وثانياً: أنها لو سلّم سندها ومتنها فغاية الأمر أنها بإطلاقها تدل على جواز الصلاة في الميتة إذا كان مما لا يتم به الصلاة، فيقيّد بما دلّ على عدم جواز الصلاة في الميتة حتى لو كان مما لا تتم به الصلاة.
1- كرواية(4) ابن أبي عمير عن غير واحد. قال: “لا تصلِّ في شيء منه ولا شسع”(5).
ــــــــــ[192]ــــــــــ
() باب 38 من لباس المصلي، (المقرر).
(2) تهذيب الاحكام2: 234، كتاب الصلاة، الباب11، الحديث:130، ووسائل الشيعة4: 427، الباب38 من أبواب لباس المصلي، الحديث:3.
(3) لورود احمد بن هلال فيها كما مرّ.
(4) باب 14 من لباس المصلي، (المقرر).
(5) تهذيب الاحكام2: 203، كتاب الصلاة، الباب11، الحديث: 1، ووسائل الشيعة4: 343، الباب14 من أبواب لباس المصلي، الحديث:6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهو واضح جداً بعدم جواز الصلاة حتى فيما لا تتم الصلاة به من الميتة، فتقيّد عموم رواية الحلبي. ورواية ابن عمير معتبرة سنداً، وإن كانت لا تخلو من إرسال، فإنه يرويها (عن غير واحد)، لا لما ذكره السيد الأستاذ(1) من أنه يدل على أنها كانت رواية مستفيضة يرويها الكثير، فهذا تحميل للعبارة ما لا تطيق، فإنّ عنوان (غير الواحد) يصدق على الثلاثة، ونقلهم لا تحصل به الاستفاضة.
ولكن نقول بصحتها بعد أن ثبت أنّ نسبة الثقاة من مشايخ ابن أبي عمير إلى غير الثقاة أقل من نسبة الواحد إلى الأربعين، فإذا كان هنا قد روى عن ثلاثة فاحتمال أن يكون الجميع غير ثقاة واحدة في أربعين مضروب في نفسه ثلاث مرات، فيكون الاطمئنان بخلافه.
2- ورواية الحلبي قال: “سألت أبا عبد الله عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال: اشترِ وصلِّ فيها حتى تعلم أنه ميّت بعينه”(2). يدل بالمفهوم أنه
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة4: 354، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثالث: ما لا تتم فيه الصلاة، قال ما لفظه: “… فكأن صدورها عن المعصوم عليه السلام كان من المسلّمات”، والتنقيح في شرح العروة الوثقى3: 430، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الثالث: ما لا تتم فيه الصلاة، قال ما لفظه: “حيث إنّ ظاهره أنّ الرواية كانت مشهورة وثابتة عنده من غير خلاف ومن هنا ينقلها نقل المسلّمات”.
(2) تهذيب الاحكام2: 234، كتاب الصلاة، الباب11، الحديث:128،
وسائل الشيعة3: 490، الباب50 من أبواب النجاسات، الحديث:2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إذا علمت أنه ميّت بعينه(1) فلا يجوز الشراء والصلاة فيه، مع أنه مما لا تتم الصلاة به فيكون مقيّداً لإطلاق رواية الحلبي.
3- وكذلك رواية ابن أبي نصر: “سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشتري الخف لا يدري أذكيٌّ هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري أيصلّي فيه؟ قال: نعم….”(2) الحديث.
إنَّما أذن له بالصلاة فيه لأنه سوق المسلمين وظاهر العبارة أنه لو سأل وتبيّن له خلاف ذلك لما جازت الصلاة فيه إذن فالاستدلال برواية الحلبي ساقط.
وأما الكلام في رواية إسماعيل بن الفضيل(3) وهي أحسن من رواية الحلبي لصحة سندها، وما أُجيب على الاستدلال بهذه الرواية وما يمكن أن يُجاب به عدّة وجوه:
ما ذكره السيد الحكيم(4) من تقييد هذه الرواية بغير الميتة، بدعوى: أنّ
ــــــــــ[194]ــــــــــ
() باب 38 من لباس المصلي، (المقرر).
(2) تهذيب الاحكام2: 371، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:77،
وسائل الشيعة3: 429، الباب50 من أبواب النجاسات، الحديث:6.
(3) تقدمت قريباً.
(4) مستمسك العروة الوثقى1: 580، كتاب الطهارة، فصل ما يعفى عنه في الطهارة، الثالث: ما لا تتم الصلاة فيه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الخف والنعل المأخوذ من أرض الكفار له محذوران:
أحدهما: أن يكون من جلد الميتة.
والآخر: النجاسة العرضية من الكفار.
فقوله: لا بأس بهما مطلق لكلا المحذورين، ومعه تكون رواية ابن أبي عمير ونحوها، مقيّدةً له. فيقيّد نفي البأس بها فيما إذا كانت النجاسة عرضية.
ثمّ ذكر أنّ هذا تقييد غير عرفي ولم يذكر الوجه فيه.
والوجه فيه واضح فإنها واضحة النظر إلى نجاسة الميتة دون النجاسة العرضية لقرينتين:
القرينة الأولى: تخصيص السؤال بالجلود مع أنه لو قصد النجاسة العرضية فهي تشمل الثياب والنجاسة التي يختص بها الجلد هو نجاسة الميتة.
والقرينة الثانية: تخصيص الرخصة بالنعال والخفاف دون لباس الجلود، فإنّه ظاهر في التفصيل وهو لا يناسب إلّا التفصيل في الميتة بين ما لا تتم الصلاة به وما تتم(1).
أن يوقع التعارض بين دليل الرخصة ودليل المنع، ويحمل المنع على الكراهة.
إلّا أنّه ليس جمعاً عرفياً، فإنّ الروايات المانعة عن الصلاة في الميتة ولو في
ــــــــــ[195]ــــــــــ
() بأن يكون النظر إلى جنبة الميّت حينئذٍ، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
شسع منه لا تقبل الحمل على الكراهة، إما لأنها إرشاد إلى البطلانّ والحمل على الكراهة إنما يكون في التكليف المولوي؛ وإما لأنها فيها تأكيد شديد، وهو لا يناسب مع الكراهة.
ما ذكره السيد الأستاذ(1): أنه لا تعارض بين الروايتين أصلاً، لأنّ روايات النهي عن الصلاة في الميتة حتى في شسع منه مرادها بيان الحكم الواقعي، وأما رواية إسماعيل بن الفضل فهي واردة في مورد الشك، فإنّ ما يؤخذ من أرض المصلين يشك في تذكيته فيقول: لا بأس، أي بحسب الحكم الظاهري هو الجواز، فلا تنافي بين الروايتين.
فإن قيل: كيف يحكم الإمام بالجواز ظاهراً مع جريان استصحاب عدم التذكية.
قلنا: إنّ استصحاب عدم التذكية إنما يجري فيما إذا فرض أنّ موضوع عدم المانعية كان أمراً عدمياً، وهو عدم التذكية، كما في الملابس التي تتم الصلاة بها، وباستصحاب عدم التذكية يثبت موضوع المانعية، وأما موضوع المانعية فيما لا تتم الصلاة فيه من الميتة إنما هو الميتة – كما في رواية ابن أبي عمير -، والميتة أمر وجودي لا يثبت باستصحاب عدم التذكية.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 430، كتاب الطهارة، فصل ما يعفى عنه في الصلاة، الثالث: ما لا تتم الصلاة فيه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهذا لا يمكن المساعدة عليه بعد الالتفات إلى نكتة وهي: أنّ ما دل على مانعية ما تتم الصلاة فيه من الميتة، وما دلّ على مانعية ما لا تتم الصلاة فيه من الميتة، لو كانا منحازين لأمكن ما قيل.
إلّا أنَّ الواقع خارجاً هو أنّ ما دلّ على عدم جواز الصلاة في النعل الميتة، غير خاص بالنعل، بل هو تمديد لمانعية الميتة للنعل، ولذا قال: “ولو في شسع منه“.
إذن فهي مانعية واحدة بحسب الحقيقة، وليست مانعيتين.
فنسأل: إنّ هذه المانعية إن كان موضوعها أمراً عدمياً فينبغي إجراء استصحاب عدمها حتى في الخف، وإن كان موضوعها أمراً وجودياً فلا بُدّ من منع الاستصحاب حتى فيما تتم الصلاة فيه.
أن يقال إنّ هاتين الروايتين بعد فرض أنّ الاستصحاب جارٍ يقع التعارض بين الروايتين، فيتساقطان.
ويُرجع إلى مرجع فوقاني، وليس هو ما دلّ على مانعية النجس مطلقاً، لأننا أنكرناه، بل عموم ما دلّ على عدم جواز الصلاة في غير المذكّى.
كما في رواية عبد الله بن بكير، حيث قال: “فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذُكِّي”(1)(2).
ــــــــــ[197]ــــــــــ
() باب2 من لباس المصلي، (المقرر).
(2) تهذيب الاحكام 2: 209، كتاب الصلاة، الباب11، الحديث:26، ووسائل
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وقد ذكاه الذابح فتدل على أنّ عدم التذكية مانع حتى فيما لا تتم الصلاة فيه.
فالصحيح هو عدم العفو فيما لا تتم الصلاة به من الميتة، كما ظهر أنّ موضوع المانعية هو عدم التذكية فيجري استصحاب عدم التذكية.
أنّ هذا العفو لا يشمل نجس العين مطلقاً بل يختص بالنجاسة العرضية، فلو كان ما لا تتم فيه الصلاة نجس العين، كما لو صنع من شعر الخنزير قلنسوة، فهل يعفى عنه؟
توضيح الكلام في ذلك: أنّ دليل العفو إن نظرنا فيه من خلال رواية الحلبي(2): قال: “كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه“(3)، فلا بأس بدعوى إطلاق العفو فيها، فإنّ ما لا تتم الصلاة فيه وحده ينطبق على مورد الكلام.
وأما لو لم يكن المَدرَك هو ذلك، لكونها ساقطة سنداً كما تقدّم. وكان المَدرَك هو موثقة زرارة(4): قال: “كل ما كان لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس ــــــــــ[198]ــــــــــ
الشيعة3: 408، الباب9 من أبواب النجاسات، الحديث:6.
(2) باب 14 من لباس المصلي، (المقرر).
(3) وسائل الشيعة4: 376، الباب14 من أبواب لباس المصلي، الحديث:2.
(4) باب 31 من أبواب النجاسات، (المقرر)
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
أن يكون عليه الشيء”(1).
فهذا المدرك مخصوص بخصوص النجس العرضي ولا يشمل الذاتي، فإنّ المحذور المنظور هو أن يكون عليه النجاسة، وإنما النجاسة الذاتية فهي نفس الشيء لا أنه عليه الشيء.
وحينئذٍ لا بُدّ من الرجوع إلى مقتضى القواعد والعمومات، فإن كنّا نتكلم في محذور سوى محذور النجاسة، ولم يكن محذور آخر كالميتة أو ما لا يؤكل لحمه، كشعر الكافر، وحينئذٍ بعد قصور دليل العفو لا بُدّ من الرجوع إلى المطلقات الفوقانية. وهذا يبتني على ما أشرنا إليه من أنه هل يوجد إطلاق في دليل عدم جواز الصلاة في النجس يشمل ما لا تتم الصلاة فيه أو لا؟
فإن بني على وجوده، فلا بأس بالرجوع إلى ذلك، وأما إذا شككنا في وجوده كما تقدّم منّا سابقاً، فيكون المرجع هو البراءة عن المانعية.
في استثناء ما لا يؤكل لحمه، وهذا قد يفرض أنه نجس العين أيضاً وقد يفرض أنه ليس نجس العين. فهل يشمله دليل العفو أو لا؟
ذكر السيد الأستاذ(2) أنه قد يقال: بإيقاع التعارض بين دليل العفو ودليل
ــــــــــ[199]ــــــــــ
(1) تهذيب الاحكام2: 358، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:14.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 433، كتاب الطهارة، فصل ما يعفى عنه في الصلاة، الثالث: ما لا تتم الصلاة فيه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
مانعية ما لا يؤكل لحمه كرواية عبد الله بن بكير(1).
فإن دليل العفو يقول: (كل ما كان لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشيء سواء كان يؤكل لحمه أو لا)(2).
والرواية تقول: إنه لا تجوز الصلاة فيه سواء كان يؤكل لحمه أو لا، ومادة الاجتماع هو ما لا يؤكل لحمه ولا تتم الصلاة فيه وحده.
وكِلا الدليلين بالعموم، وليس أحدهما بالإطلاق ليقدّم العموم عليه، فهما متكافئان من هذه الناحية، وبعد فرض تساقطهما نرجع إلى المرجع الفوقاني، وحيث إنه تكلّم عن شعر الخنزير، قال: نرجع إلى الدليل الدالّ على المنع من الصلاة في النجس.
وهذا الذي أُفيد فيه مواقع للنظر:
أولاً: أنّ فرض المعارضة بنحو العموم من وجه بين هذين الدليلين في غير محله أساساً، لأنّ دليل العفو إما أن يفرض أنّ له إطلاقاً لعدم الجواز بتمام أسبابه، سواء كان المحذور هو النجاسة أو كان مما لا يؤكل لحمه، أو يدّعى انصرافه إلى خصوص النجاسة.
فإن فرض انصرافه إلى النجاسة، فمن الواضح أنه لا ينعقد له إطلاق حتى يعارض رواية عبد الله بن بكير.
ــــــــــ[200]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 345، الباب2 من أبواب لباس المصلي، الحديث:1.
(2) وهو موثقة زرارة التي تقدّمت قريبا.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وإن فرض الإطلاق في دليل العفو من جهة النجاسة وغيرها، فيقدّم على رواية عبد الله بن بكير، بالحكومة؛ لأنّه يفترض مانعيات معيّنة، ويحددها بغير ما لا تتم الصلاة فيه، فإنّ لها حق النظر إلى أدلة المانعية. فإيقاع التعارض بين الدليلين بلا موجب أصلاً.
ثانياً: إنا لو سلّمنا التعارض، فقد يقال: إنّ دليل العفو يقدّم على موثقة عبد الله بن بكير، لأنّ دليل العفو يكون بالعموم، وقد أشرنا أنه أُفيد إن كِلا الدليلين بالعموم، ولكن مع هذا قد يدّعى تقدّم أحدهما على الآخر بنكتة أخرى.
وحاصلها: أنّ العادة جارية في العناوين المذكورة في رواية عبد الله بن بكير، مما لا تتم الصلاة بها، كالبول والروث، فإنه لا يُعقل أن يكون ساتراً وثوباً، فبهذه القرينة تكون رواية بن بكير كالنصّ في أنّ المانعية شاملة لما لا يؤكل لحمه فتقدّم على دليل العفو.
وهذا الإشكال حاكم على الإشكال المتقدّم.
ثالثاً: لو سلّمنا التعارض، ولم نقدّم أيّاً من الدليلين، وفرضنا التساقط، فهل نرجع إلى دليل (لا تصلّ في النجس) كما قيل؟ هذا إنما يتمّ فيما يكون نجساً في نفسه كشعر الخنزير.
ومع ذلك لا يصح الرجوع إليه:
أولاً: للتشكيك في مثل هذا الدليل، بحيث يشمل النجس الذي لا تتم به الصلاة وحده.
وثانياً: أنّه افترض أنه يشمل النجس الذاتي والعرضي، ويقع الكلام عن
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
شموله لما لا يؤكل لحمه. وشعر الخنزير فيه حيثيتان: كونه نجساً، وكونه لا يؤكل لحمه. فبعد التعارض بلحاظ الحيثية الثانية، لا يمكن الرجوع إلى (لا تُصلِّ في النجس)، لأنه سقط يقيناً؛ لأنّ دليل العفو أخرج الحيثية الأولى منه، وإنما الإشكال في الحيثية الثانية.
فجواز الصلاة في شعر الخنزير بما هو نجس لا مانع منه لأنّ دليل العفو مخصص له، وأما باعتبار ما لا يؤكل لحمه، فمحتمل، إلّا أنه لا يثبت المانعية بدليل (لا تصلِّ في النجس)، لأنه إنما يثبت مانعية النجاسة لا مانعية ما لا يؤكل لحمه.
فهذا الكلام لا يتم.
والصحيح في المقام: أنّ دليل العفو في نفسه قاصر الإطلاق عما لا يؤكل لحمه، لأنه منحصر عندنا في رواية زرارة، فإن الشيء ينصرف إلى خصوص النجاسة بقرينتين سابقتين. فالصحيح هو عدم العفو.
بعد أن بيّنا العفو بنحو الكبرى المهملة العفو عما لا تتم به الصلاة وحده ووقع الكلام في الجهات السابقة استثناءات ذلك.
يقع الكلام في الجهة السادسة في تحديد عنوان ما لا تتم به الصلاة وحده، وذلك في ضمن أمور:
إنّ عدم جواز الصلاة فيه وحده تارةً ينشأ من ضيق مساحته وأخرى ينشأ من خفّته بحيث لا يستر العورة لخفّته.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قد يقال: إنّ العفو يشمل كلا القسمين تمسكاً بإطلاق العنوان الموجود في الرواية: كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يكون عليه الشيء.
إلّا أنّ هذا التمسك في غير محله، والظاهر انصراف العنوان إلى ما إذا كان عدم إمكان التستر به ناشئاً من ضيق مساحته لا من خفته، والأمثلة التي تذكر في الرواية كالقلنسوة والتكة والجورب تدخل في ضيق المساحة.
والنكتة العرفية للانصراف أنّ المنسبق إلى الذهن العرفي من دليل العرف أنّ سبب العفو هو قلة التصاقه وارتباطه بالمكلف بشكل معتد به، فكأنه كلما كان أشد التصاقاً به كانت نجاسته أشد محذوراً، وكلما كان أقل التصاقاً كانت أقل.
وهذه النكتة تنطبق على ضيق المساحة، فإن التصاق الجورب بالمكلف وظرفيته للمكلف ضعيفان، بخلاف ظرفية الثوب والسروال ونحوه. وأما الثوب الرقيق الحاكي فالتصاقه بالبدن ليس أقل من ظرفية الثوب السميك.
وفيه: أنّه لو أراد التستر به لما أمكن، فلا يراها العرف نكتة للعفو، وإنما النكتة ما ذكرناها.
بعد الفراغ عن أنّ المناط هو ضيق المساحة فهل المناط ضيق المساحة بحسب الوضع الفعلي لهذا الشيء، أو بحسب وضعه الذاتي؟
فالجورب الطويل لو لوحظ وضعه الفعلي فلا يمكن التستر به، وأما لو لوحظ وضعه الشأني بأن يشق بشكل يمكن أن يتستر به، والعمامة وضعها الفعلي لا يمكن التستر به بخلاف وضعها الشأني وهكذا.
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
هنا ينبغي أن يقال: إن اسم الموصول في قوله: (كل ما كان لا تجوز الصلاة فيه وحده)، هل أخذ مشيراً إلى ذات الشيء، أو إلى العناوين العرفية للباس كعنوان الجورب والعمامة والخف فإننا مرةً ننظر إلى قماش الجورب، وأخرى إلى الجورب بما هو جورب.
فإن أخذ ملحوظاً معرِّفاً إلى ذات قماش الجورب فلا بُدّ أن يلحظ ذات القماش هل يصلح ساتراً ولو بإخراجه عن كونه جورباً.
وإن كان المشار إليه هو العناوين العرفية للقماش كالتكة والجورب فما كان يجوز الصلاة فيه وحده لا يُعفى عن نجاسته وما كان لا يمكن الصلاة فيه وحده يُعفى عن نجاسته، ولا يضر العفو إمكان التستر به لو أُزيل العنوان العرفي.
لكن ذلك في العمامة لا يتمّ، للشك في أنّ عنوان العمامة هل عنوان عرفي كالتكة والجورب، أو عنوان طارئ من اللف والفك، لا يبعد أن يكون العناوين العرفية تتحدّد بالخياطة، لا بالطي والشد كما هو الحال في عمائمنا.
نعم في العمائم المحيكة أو المخيطة يشملها العفو.
وإذا دار الأمر بين هذين الاحتمالين فالمتعين هو الثاني، وهو أن يكون العنوان مشيراً إلى العناوين العرفية للألبسة، بقرينة الأمثلة المذكورة في الرواية، فإنها تدل على أنّ (اسم الموصول) أُخذ مشيراً إلى مثل ذلك خصوصاً إذا التفتنا إلى أنّ الغالب في الجورب إمكان التستر به بالعلاج.
وعليه فالعفو يشمل كل ما لا يمكن التستر به مما له عنوان عرفي من العناوين العرفية للملابس.
ــــــــــ[204]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
أنّ الناس مختلفون فيما يحتاجونه من حجم الساتر، أما اختلافاً شرعياً كالمرأة والرجل، فإن الساتر في المرأة أكثر، أو تكوينياً باعتبار سعة الجسم وضآلته.
فهل المدار في العفو هو عدم إمكان الستر بنحو القضية الجزئية ولو بالمرأة، أو للرجل الضخم، أو عدم إمكان التستر للجميع ولو أصغر الرجال حجماً، أو عدم إمكان كل إنسان بحسبه؟
لا إشكال في أنّ الاحتمال الأول ساقط، وذلك لأنّ مقتضى الإطلاق في (ما لا تجوز الصلاة فيه وحده) يعني كل صلاة لا صلاة إنسان واحد.
وأما الاحتمال الثاني فهو مقتضى الإطلاق، فإن جمدنا عليه فهو، وإن ادُّعي أنّ مناسبة الحكم والموضوع العرفية التي قلناها وهو ضعف الالتصاق في ما لا تتم الصلاة فيه تكون قرينةً على أنّ كل مكلف ملحوظ إلى نفسه؛ لأنّ النكتة متوفرة، وهي أمر نسبي يختلف باختلاف سعة المظروف وضيقه.
لكن دون أن ندخل حساب المرأة والرجل، لأنها مسألة تعبّدية شرعية لا ربط لها بقوة الظرفية وضعفها، فإن جُزِم بهذه القرينة فالمتعيّن هو الاحتمال الثالث، وإلاّ فالثاني.
وبهذا تمّ الكلام في هذه المسألة.
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الفصل الرابع
المحمول المتنجس
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قال: الرابع: المحمول المتنجس الذي لا تتم فيه الصلاة(1)
من المستثنيات: حمل النجس والمتنجس.
الأولى: في حمل المتنجس الذي لا تتم الصلاة فيه وحده.
الثانية: في حمل المتنجس الذي تتم به الصلاة وحده.
الثالثة: في حمل عين النجس، بحيث يعتبر من التوابع العرفية لما لا تتم به الصلاة وحده كشعرة الكافر على الجورب.
ــــــــــ[209]ــــــــــ
(1) الأمر الرابع من أمور (فصل فيما يعفى عنه في الصلاة) من المتن، العروة الوثقى 1: 105. وتكملة المتن: “مثل السكين والدرهم والدينار ونحوها وأما إذا كان مما تتم فيه الصلاة كما إذا جعل ثوبه المتنجس في جيبه مثلا ففيه إشكال والأحوط الاجتناب وكذا إذا كان من الأعيان النجسة كالميتة والدم وشعر الكلب والخنزير فإن الأحوط اجتناب حملها في الصلاة”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الرابعة: حمل عين النجس بتوسط البدن أو الثوب الذي يكون مما تتم به الصلاة وحده.
حمل المتنجس الذي لا تتم الصلاة فيه وحده كالجورب المتنجس يضعه في جيبه، الظاهر هو العفو عنه، سواء قيل بوجود مطلقات تدل على مانعية النجس ولو حملاً أو لم يُقل.
أما مع عدم القول بوجود هذه الإطلاقات فواضح؛ لأنّه لا دليل على هذه المانعية، فلا أقل من الرجوع إلى الأصول المؤمِّنة.
وإن بنى على وجود هذه الإطلاقات، فهي مقيدة بموثّقة زرارة(1) التي دلّت في المستثنى السابق على جواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه وحده. بأحد بيانين:
البيان الأوَّل: أنّ موثقة زرارة تشمل بإطلاقها اللفظي لمحل الكلام لأنها تقول: (كل ما لا تتم الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يكون عليه الشيء)، ومقتضى إطلاقه أنه لا بأس أن يكون عليه الشيء سواء كان ملبوساً للمصلي أو محمولاً له.
البيان الثاني: أن نتنزّل عن هذا البيان ونقول: إنّ نفي البأس ينصرف إلى الصلاة فيه وهو بمعنى لبسه بقرينة صدر الرواية.
حينئذٍ نقول: إنه يستفاد ذلك بالأولوية العرفية، لأنّ الجورب إذا كان ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) مرّ تخريجها والكلام عنها سابقاً، فانظر: ص185، ضمن عنوان (في دلالة رواية زرارة على العفو).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
معفواً عنه وهو ملبوس، فيكون معفواً عنه وهو محمول أيضاً، لأنّ التصاق المحمول بالمصلي أضعف من التصاق الملبوس به، والمناسبات العرفية ترى أنّ المانعية من شؤون الالتصاق بالمصلي، فدلالة الموثقة تامّة، فلا إشكال في جواز حمل ما لا تتم به الصلاة إذا كان متنجساً.
كالثوب المتنجس يضعه في جيبه. فهنا لا تنفعنا موثقة زرارة(1)، بل ينحصر الكلام في أصل المقتضي، وأنه هل يوجد في أدلة المانعية ما يدلّ على المنع من حمل المتنجس أو لا؟
وتفصيل ذلك: أنه بناءً على ما سبق، إن قلناه إنه لم يتحصّل من مجموع روايات الباب عنوان (لا تصلِّ في النجس)، وإنما هو عنوان مُتصيَّد، وإنما المهم هو ما ورد في الموارد المتفرقة، وبناءً عليه لا يوجد إطلاق في دليل المانعية يشمل المحمول، لأنّ دليلها هو الروايات في الموارد المتفرقة، ولا نتعدّى منها إلّا ما يقتضيه الارتكاز العرفي أو المتشرعي، وهو لا يقتضي الجزم بعدم الفرق بين الملبوس والمحمول، فالتعدّي من الملبوس إلى المحمول بلا موجب.
وأما إذا حصلت رواية تقول: (لا تصلِّ في النجس)، فالظاهر أيضاً أنّه ليس له إطلاق، لأن (في) هنا تدل على الظرفية، وظرفية النجس للصلاة إنما هي باعتبار كونه ظرفاً للمصلي، ومن الواضح أنه إنما يكون ظرفاً إذا كان ملبوساً، وأما إذا حمله في جيبه فليس ظرفاً للمصلي، فلا يكون ظرفاً للصلاة،
ــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) تقدمت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إلّا بحمل الظرفية على معنى يشمل مطلق المعيّة، وهذا يحتاج إلى مؤونة.
نعم، هناك رواية واحدة هي أحسن ما يمكن أن يستدل به على عدم جواز حمل المتنجس(1)، وهي رواية عبد الله بن سنان، عمّن أخبر عن أبي عبد الله، قال: “كل ما كان على الإنسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده، فلا بأس أن يصلّي فيه وإن كان فيه قذر مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك”(2).
وتقريب الاستدلال بها هو دعوى التمسّك بمفهومهم فإنّ مقتضى مفهوم القيد هو أنه إذا كان على الإنسان شيء، أو معه شيء وعليه قذر، وكان تتم الصلاة فيه وحده، فلا تجوز الصلاة فيه، ونحمل قوله: “يصلّي فيه” يعني بالنحو المذكور في صدد العبارة فيه أو معه. والمعيّة تصدق على المحمول.
لكن الرواية ساقطة سنداً لإرسالها، فإن عبد الله بن سنان يرويها عمّن أخبره عن أبي عبد الله. فالظاهر أن حمل المتنجّس الذي تتم الصلاة به أيضاً لا بأس به.
هنا يمكن المصير إلى جواز ذلك حتى لو تمّت المطلقات في أنفسها، استناداً إلى موثقة زرارة(3) الواردة فيما لا تتم به الصلاة، فإن المقصود بالشيء فيها ليس
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) باب 31 من باب النجاسات، (المقرر).
(2) تهذيب الاحكام1: 275، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث:97،
وسائل الشيعة3: 456، الباب31 من أبواب النجاسات، الحديث:5.
(3) مرّ تخريجها والكلام عنها سابقاً، فانظر: ص198من هذا الكتاب.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
هو النجاسة الحكمية الاعتبارية، بل المراد القذر العيني، وهذا معناه حمل النجس، فحمله بمثل الجورب ونحوه جائز، بحيث لو تم إطلاق في المسألة الرابعة(1) الآتية لكانت هذه الرواية مقيدةً له بغير ما إذا كان ما لا تتم الصلاة فيه، وهو تقييد مقبول متشرعياً، بأن يكون حمل النجس بتوسط الثوب أكبر مؤونةً من حمله بتوسط الجورب ونحوه.
يوجد ثلاث روايات يستدل بها على عدم جواز حمل النجس.
الرواية الأولى ما عن علي بن جعفر قال: “سألته: الرجل يمرّ بالمكان الذي فيه العذرة، فتهب الريح فتلقي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه يصلّي فيه قبل أن يغسله؟ قال: نعم، ينفضه ويصلّي فلا بأس”(2)(3).
تقريب الاستدلال: أنه أمر بنفض العذرة، فلو كان حمل المتنجس جائزاً فلا موجب لنفضها.
وقد اعترض على ذلك السيد الأستاذ(4): أن هذه الرواية خارجة عن محل
ــــــــــ[213]ــــــــــ
() على عدم جواز حمل النجس، (المقرر).
(2) باب 26 من النجاسات، (المقرر).
(3) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 155، قسم المسائل، الحديث: 214.
(4) اعتراضه في التنقيح 3: 440 من الموسوعة، وفي فقه الشيعة 4: 373 قال: “يدفعها: أنّها خارجة عن محل الكلام، لأنّها إنّما تمنع عن الصلاة في الثوب والبدن المتلوثين بغبار العذرة التي نسفتها الريح عليه، وهذا من مصاديق الصلاة في النجس دون حمله، إذ هو في حكم تنجس البدن أو اللباس بالعذرة الرطبة من هذه الجهة”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الكلام؛ لأنّ فرضها أن العذرة تغلغلت في الثوب بحيث يصبح الصلاة في الثوب صلاة في النجس، ونحن كلامنا في الصلاة مع النجس لا في الصلاة في النجس، فإنها غير جائزة.
وهذا لا يمكن قبوله؛ لأنّ العذرة إذا كانت قد أصبحت جزءاً من ثوبه، فهل أصبحت جزءاً من رأسه؟ ففرض الجزئية العرفية غير محتملة أصلاً.
نعم، ينبغي أن يقال: إنها لو تمّت دلالتها، فهي تدل على عدم جواز حمل النجس، لكن لا كل حمل، بل الحمل الإلتصاقي، فإن الحمل تارةً يكون بنحو التلطخ، وأخرى يكون في قارورة في جيبه، والأول مورد الرواية، ولا يمكن التعدي منه إلى المورد الثاني.
نعم، في دلالة الرواية إشكال؛ لأنّ من المحتمل احتمالاً معتداً به عرفاً أنّ الأمر بالنفض ليس مولوياً، بل في مقام بيان أنه لا يجب تطهيره، فكأن النفض هو مقتضى طبع هذا الإنسان الذي وقعت عليه العذرة، فالمراد أنه لا يحتاج إلى شيء آخر غير ما يقتضيه الطبع.
ولذا نحن في الحمل التلطّخي نحتاط بخلاف الحمل في قارورة فهو جائز بلا إشكال.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قال: “كتبت إليه يعني أبا محمد، يجوز للرجل أن يصلّي ومعه فأرة المسك، فكتب: لا بأس به إذا كان ذكيّاً”(1).
فرض فيه أنّ فأرة المسك مع المصلي، فهي محمول وقد أناط جوازه بالذكاة، فيدلّ بالمفهوم على أنه إذا كان نجساً غير ذكيّ فلا يجوز الصلاة معه.
وتوضيح الكلام في هذه الرواية، أنّ جملة “إذا كان ذكيّاً“، يوجد في (ذكيّاً) احتمالان بدويان:
الاحتمال الأوَّل: أن يكون طاهراً في مقابل أن يكون نجساً. والثاني: الذكيّ المذبوح في مقابل ما مات حتف أنفه. وفي مقابله ثلاث احتمالات في تشخيص اسم كان أو مرجع الضمير:
الأول: أن المرجع هو المسك والثاني: هو فأرة المسك وإنما ذكر الضمير باعتبار عنوان ما يحمله المصلي انتزع من الفأرة. الثالث: الحيوان الذي أخذت منه فأرة المسك أي الغزال.
وكلمة ذكيّاً لو لوحظت في نفسها فلا يبعد أن يكون المنصرف منها هو الاحتمال الأول، أي الطاهر في مقابل النجس، باعتبار شيوع استعمالها فيه. وأما لو لوحظت باعتبار موصوفها وهو اسم كان، فقد يقال: إنّ اسمها لو كان هو الغزال، فيتعين أن يكون المقصود هو المذبوح لا الطاهر، لأنّ الغزال طاهر ذاتاً،
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) تهذيب الاحكام2: 362، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:32، ووسائل الشيعة4: 433، الباب41 من أبواب لباس المصلّي، الحديث:2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وأما نجاسته العرضية فلا دخل لها في طهارة مسكه بوجه من الوجوه.
وأما إذا أريد به المسك، فالمتعيّن هو إرادة الطهارة، فإنه ليس جزءاً من الحيوان، لكي تشمله التذكية، فإنّ حاله حال البيضة في الدجاجة، فإنه لا يقال إنه مذكّى، وإن كان (اسم كان) هو فأرة المسك -وكلا المعنيين محتمل- فإنّ فأرة المسك قابلة لأن تنقسم إلى الطاهر والنجس، وإلى المذكّاة وغيرها، لأنها جزء من الغزال.
إلّا أنه لا يبعد القول أيضاً أنه بناءً على أنّ (اسم كان) هو المسك أيضاً يمكن حمل الذكيّ على المذبوح في مقابل الميتة، فإننا إذا قلنا: (إنّ المسك بعض دم الغزال) كما قالوا(1)، فيكون جزءاً من الغزال، فتشمله التذكية وإنما يتم ما قلناه لو كان المسك كالبيضة في الدجاجة.
فبناءً على أنّ المراد بالضمير الغزال يتعيّن أن يكون المراد بالذكيّ المذبوح.
وأما على الاحتمالين الآخرين، فهو مناسب مع كلا الوجهين.
وأما مرجع الضمير، فإرجاعه إلى المسك نفسه، مرجعه هو تطابق الضمير المذكر مع مرجعه دون عناية، والمرجح لحمله على فأرة المسك هو كونها هي محطّ السؤال، غاية الأمر يحتاج إرجاع الضمير المذكّر إليها إلى عناية، والمرجح أن يكون هو الحيوان، بعد افتراض ظهور الذكاة في الذبح العرفي، هو أنّ الحيوان هو الذي يذكّى حقيقة دون المسك وفأرته.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) ديوان المتنبي2: 16، المطول: 542، أسرار البلاغة: 95، وتمام البيت: فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنهُمْ…فإنّ المسكَ بَعضُ دَمِ الغزالِ.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ومن هذه الاحتمالات ظهر أنه لا موجب لدعوى ظهور (ذكيّاً) في الطاهر، بل إما أنها ظاهرة في الذبح، أو مجملة ومرددة بين المعنيين.
ومن الواضح أنّ الاستدلال بهذه الرواية موقوف على ظهور كلمة (ذكيّاً) في الطاهر في مقابل النجس، وأما لو كانت ظاهرةً بالذبح فغاية ما يدل عليه عدم جواز حمل الميتة، وكذلك لو أجملت العبارة، فإن أمر الرواية يدور بين دلالتها على عدم جواز حمل مطلق النجس، أو خصوص الميتة، ومع الاحتمال يقتصر فيها على القدر المتيقن.
نعم، لا بأس بالاستدلال بها على عدم جواز حمل الميتة؛ لأنّه المقدار المتيقن على جميع التقادير، ولذا نحن نرى أنّ حمل الميتة في الصلاة لا يجوز.
عن أخيه أبي الحسن، قال: “سألته عن الرجل يصلّي ومعه دبة من جلد الحمار أو بغل، قال: لا يصلح أن يصلّي وهي معه إلّا أن تتخوف عليها ذهابها فلا بأس أن يصلّي وهي معه”(1)(2).
نفرض أن الدبة مع المصلي إذن فهي محمولة والإمام لا يجوِّز ذلك إلّا في حالة الضرورة فيدل على عدم جواز حمل النجس في الصلاة.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
() الباب 60 من أبواب لباس المصلي، (المقرر).
(2) تهذيب الاحكام2: 373، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث:85، وسائل الشيعة4: 461، الباب41 من أبواب لباس المصلّي، الحديث:2،3، مع اختلاف يسير في الألفاظ أو احتمال تصحيف في كلمة بغل أو نعل.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهذه الرواية على أحسن تقاديرها حالها حال السابقة، فإنها غاية ما تدل على عدم جواز حمل الميتة، ولا يمكن التعدّي منه إلى مطلق النجاسات بعد أن ثبت في الشرع وجود امتيازات للميتة، ولعل هذا الحكم منها.
إلّا أن أفضل التقادير غير معلوم، لأنه لم يذكر أنّ الجلد مأخوذ من الميتة، وإنما أخذت من جلد حمار أو بغل، فلا تكون دليلاً على هذا المطلب، بل تكون دليلاً على حكم لا يلتزم به أصلاً، وهو مانعيّة حمل جلد الحمار والبغل بعنوانه.
حينئذٍ قد يقال في مقابل الدفاع عن الاستدلال بالرواية وهي أنّ هناك جهة إشكال في ذهن الراوي، لا بُدّ أن يحمل على جهة نوعية عرفية، ولا يوجد جهة إلّا كونه ميتةً، فكأنه قال: (جلد حمار ميّت)، فيتم الاستدلال بالرواية على عدم جواز حمل الميّت.
وقد يجاب أنّ هناك جهة إشكال أخرى، وهو أنّه لعل الحمار والبغل فيما لا يجوز أكل لحمه، فإنه لم يكن جوازه واضحاً، ولا إشكال في مقدار من الحزازة فيه، فلعلّ نظره إلى جلد الحمار بما هو باعتبار أنه مما لا يؤكل لحمه، وهذه جهة عرفية، فتكون الرواية دالّةً على عدم الجواز، لأنه مما لا يؤكل لحمه، فيرفع اليد عنها بروايات أنه مما يؤكل لحمه.
ولا يمكن تخصيص هذه الرواية باعتبار أنها تشمل جلد الحمار والمذكّى وغيره، فنخصصها به.
ظهر أنه ليس تخصيصاً عرفياً؛ لأنّ معناه صرف النظر من كونه جلد حمار إلى كونه ميتةً، مع أنّ ظاهر السؤال هو كونه جلد حمار، وبتعبير آخر: مع حمله
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
على ذلك يُلغي خصوصية كونه حماراً.
والمتحصّل من مجموع روايات الباب أنه يجوز حمل النجس إلّا في حالتين:
إحداهما: أن يكون ميتةً.
والأخرى: أن يكون النجس ملطِّخاً للإنسان فالأحوط وجوباً أن ينفضه ويصلّي.
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
مسألة1: الخيط المتنجِّس الذي خيط به الجرح يعد من المحمول بخلاف ما خيط به الثوب والقياطين والزرور والسفائف فإنها تعد من أجزاء اللباس لا عفو عن نجاستها(1).
أي: أنّ هناك فرقاً بين الخيوط التي يخاط بها البدن والتي يخاط بها الثوب، فالتي يخاط بها الثوب تعتبر جزءاً من الثوب بالنظر العرفي(2)، فيعتبر فيه الطهارة، ولا عفو فيه.
وأمّا الخيط الذي خيط به البدن فهو لا يعتبر جزءاً من الثوب ولا البدن، أما أنه ليس ثوباً، فلأنه لم يتشابك بالخيوط الثوبية، وأما أنه ليس بدناً، فلأنه لا يكفي في النظر العرفي التشابك مع البدن في صيرورته جزءً، فيصبح محمولاً صرفاً، فيحكم على نجاسته بالعفو بناء على جواز حمل المتنجّس.
ــــــــــ[220]ــــــــــ
() العروة الوثقى1: 220، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الرابع: المحمول المتنجِّس.
(2) لأنها متشابكة معه تشابكاً خيطيّاً وهذا التشابك مثل التشابك النسجي في خيوط الثوب دخيل في خيوط الثوب عرفاً، (المقرر)
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الفصل الخامس
ثوب مربّية الصبي
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قال: ثوب المربّية للصبي أُمّاً كانت أو غيرها متبرّعة أو مستأجرة ذكراً كان الصبي أو أنثى(1).
المعروف بين الفقهاء(2) أنّ ثوب المربّية للصبي الذي يكون عُرضةً للنجاسة، يكون معفوّاً عن نجاسته عفواً ناقصاً، بمعنى أنها تُكلَّف غسل ثوبها مرةً واحدةً لا أكثر.
ــــــــــ[223]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 221، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الرابع: ثوب المربية للصبي.
(2) انظر: مدارك الاحكام2:355، كتاب الطهارة، فصل في احكام النجاسات: المربّية للصبي، والحدائق5: 345، كتاب الطهارة، الباب الخامس، المقصد الثاني، البحث الثاني فيما تجب إزالته من النجاسات وما يُعفى عنه، المسالة الخامسة، ومصباح الفقيه8: 237، كتاب الطهارة، أحكام النجاسات، المربّية للصبي، ومفتاح الكرامة1: 186، كتاب الطهارة، المقصد الثالث، المربّية للصبي، وجامع المقاصد1: 175، كتاب الطهارة، المقصد الثالث، المربّية للصبي، ومعالم الدين1: 77، كتاب الطهارة، البحث الثالث، ما يُزال عن الثوب والبدن.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
والمَدرك في هذه الفتوى رواية واحدة. فقد ورد فيها: سُئل عن امرأة ليس لها إلّا قميص واحد ولها مولود فيبول عليها كيف تصنع(1).
وهذا من مصاديق القضية الكلية المعروفة في علم الأصول(2) وهي أنّ الرواية الضعيفة هل ينجبر سندها بالعمل بها أو لا؟ وهذه(3) الفتوى خلاف القواعد الأوليّة، فخروج الفقهاء عن هذه القواعد وإفتاؤهم طبقاً للرواية يوجب الاطمئنان بأنهم استندوا إلى هذه الرواية. والذي يظهر من كلماتهم أنّ هذه الفتوى كانت مشهورة بين المتقدمين والمتأخرين، ولم ينقل أي خلاف بل أي تردد من قبل أي فقيه من فقهائنا.
وعلى أساس عدم الجزم بانجبار الرواية احتطنا بعدم العفو.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() وتمامها: “قَالَ: تَغْسِلُ الْقَمِيصَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً “، من لا يحضره الفقيه1: 70، باب ما ينجس الثوب والجسد، الحديث: 161، وتهذيب الأحكام1: 250، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 6، ووسائل الشيعة3: 399، الباب 4 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.
(2) انظر: تحريرات الأصول6: المقصد الثامن، المبحث الرابع في الشهرة، المسألة الأولى، ودراسات في علم الاصول3: 147، مباحث الظن، الجهة الخامسة، المبحث الرابع، حجية الشهرة.
(3) فإن هذه الرواية ضعيفة من عدّة وجوه كما ذكر السيد الأستاذ، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
يقع الكلام في التفاصيل بعد البناء على هذا العفو:
التفصيل الأول: هل هناك فرق بين أن تكون هذه المرأة أُمّاً أو غير أُم؟
إن بنينا على أنّ المدرَك في هذا الحكم نفس الإجماع والتسالم بين الفقهاء فلا يَبعُد أنّ مَعقَد الإجماع المستفاض نقله، هو عنوان المربّية ولم ينقل عنوان الأُم، وعنوان المربّية أوسع من الأُمّ فيتمسك بإثبات العفو في غير الأُمّ أيضاً.
وإن كان مَدرك المسألة هو الرواية(1) فقد ذكر عنوان: (امرأة لها مولود)، فمن هنا قد يقال: إنّ (لها) تدل على الاختصاص ولا تدل على البنوة، وهذا الاختصاص كما يكون في الأُم يكون للمربّية أيضاً، فيتمسك بإطلاق الرواية لإثبات عموم العفو.
ولكن الإنصاف أنّ إطلاق الرواية مشكل بعد الاعتراف بأن كلمة (لها) لا يدل على البنوة.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
(1) تقدّمت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ولكن هنا شيء: وهو أنّ المضاف إلى المرأة:
تارةً: لا يكون في نفسه ذا إضافة معيّنة.
وأخرى: يكون له في نفسه إضافة معيّنة.
وعلى الثاني يكون اللفظ ظاهر إضافته إلى الذات هي تلك الإضافة المستبطنة فيه.
فلو قلنا: (عمرو له أخ) فلا يشك أحد عرفيّ أنّ هذا أخوه ولا يفهم منها: (أن عمرو له خادم هو أخو زيد)، بل يفهم أن مدلول (له) هو نفس إضافة الأخوة، وإن (أخ) طرف الإضافة.
وأخرى لا يكون له في نفسه نحو من الإضافة كما لو قلنا بأنّ زيداً له شخص، أو إنسان، فقد يكون الشخص خادمه أو جيرانه أو أخوه. ولا يدل إلّا على نحو من الاختصاص.
ومحل الكلام من القسم الأول، فإنه يقول: (امرأة لها مولود)، ولم يقل (لها صبي)، وإلّا لكان من القسم الثاني، وكلمة (مولود) لها إضافة مخصوصة هي إضافة الولادة، فيستفاد منها عرفاً أنه مولود منها.
فالرواية ليس لها إطلاق إلى المربّية التي ليست بأُمّ.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قال: وإن كان الأحوط الاقتصار على الذكر(1)
التفصيل الثاني: هل يختصّ العفو بالولد الذكر أو يشمل الأنثى أيضاً.
إن كان المَدرك هو الإجماع(2)، فلا بُدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن، وهو ما إذا كان ذكراً، لأنّ الأنثى وقع الاختلاف(3) فيها فيما بينهم.
وأمّا إذا كان مدرك الحكم هو الرواية فلا يبعد أنّ المولود ظاهر عرفاً في جنس ما يولد من دون فرق بين كونه ذكراً أو أنثى، وعدم التأنيث في الكلمة باعتبار جنسيتها لا باعتبار كون الملحوظ فيه الذكر دون الأنثى. فإن التذكير في
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) من تكملة المستثنى الخامس، العروة الوثقى 1: 105.
(2) كما هو ظاهر الحدائق حيث قال ما لفظه: (المشهور بين الأصحاب رضوان الله عليهم من غير خلاف…)، الحدائق الناضرة5: 345، كتاب الطهارة، المقصد الثاني، البحث الثاني، المسألة الخامسة.
(3) انظر: جامع المقاصد1: 175، كتاب الطهارة، المقصد الثالث، الفصل الثاني، المربية للصبي، قال: “والمتبادر منه الصبي وهكذا فهم الأصحاب” ثم قال: “ولا يبعد ان يقال بشمول الحكم الصبية لصدق المولود عليها”، مستمسك العروة الوثقى1: 587، كتاب الطهارة، فصل فيما يُعفى عنه في الصلاة، الخامس ثوب المربّية للصبي، قال معلّقاً على احتياط الماتن في الاقتصار على الذكر ما نصّه: “كما عن الشيخ والأكثر، بل نسب فهم الأصحاب للشكّ في شمول الأنثى أو منعه، وللفرق بين بول الذكر والأنثى. والجميع كما ترى”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الجنس باعتبار أنه لا تسري فيه الأنوثة والتعبير عن الجنس في العربية بالمذكر(1).
وأما التذكير الذي يختصّ بالذكر هو الذي يكون فيه لحاظ ومؤونة زائدة، وهو تخصيص الجنس في إحدى حصتيه. وهذا الثاني يحتاج إلى قرينة زائدة، وحيث إنها غير موجودة، فلا موجب للالتزام به. فتكون الرواية مطلقةً.
وإن فرض الإجمال في العبارة وعدم وجود الإطلاق اللفظي، فلا يبعُد إلغاء الخصوصية والتعدّي بمناسبات الحكم والموضوع عرفاً، فإنّ هذا العفو ليس باعتبار خفة النجاسة حتى يقال: لعل بول الصبي أخفّ نجاسةً من بول الصبية، ومن هنا فرَّق بعضهم في التطهير مرةً واحدةً بين الصبي الذي لم يتغذّ بالطعام وبين الصبية كذلك.
ولكن هناك فرق بين المسألتين، فإنّ النظر هناك إلى خفّة النجاسة في تلك المسألة، فإذا ورد الدليل في خصوص بول الصبي فمناسبات الحكم والموضوع لا تقتضي التعدّي إلى بول الصبية، وأما هنا فالملحوظ ليس هو خفة النجاسة بل هو جانب التسهيل، ومناسبات الحكم والموضوع لهذه المصلحة تقتضي إلغاء الخصوصية. إذن فشمول العفو للصبي والصبية معاً لا بأس به.
قوله: متبرعة أو مستأجرة
من هذه الناحية لا ينبغي احتمال الفرق، فإنه لم يؤخذ قيد الاستئجار ولا التبرع لا في الرواية ولا في مَعْقَد الإجماع.
ــــــــــ[228]ــــــــــ
() فيما لم يكن فيه تأنيث تعبّدي، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قال: فنجاسته مُعفوّة بشرط غسله في كل يوم مرة مخيّرة بين ساعاته وإن كان الأولى غسله آخر النهار لتصلّي الظهرين والعشائين مع الطهارة أو مع خفّة النجاسة، وإن لم يغسل كلّ يوم مرّة فالصلوات الواقعة فيه مع النجاسة باطلة(1).
إذا فرض أنه لم يُغسل هذا الثوب في كل يوم مرةً فالصلاة الواقعة فيه باطلة، وظاهره بطلان تمام الصلوات الواقعة فيه، بحيث إنّ الغسل مرةً شرط لصحّة تمام هذه الصلوات.
وتوضيح الكلام في ذلك: أنّ العفو عن ثوب المربّية -على تقدير العفو به- ليس عفواً مطلقاً بل عفو ناقص، للأمر بالغسل به مرةً واحدةً في اليوم.
إلّا أنّ الكلام يقع في هذا الغسل بعد فرض أنه ليس وجوباً تعبّدياً شرعياً بحيث يثبت لها حتى في أيام عادتها الشرعية، فإنّ ذلك غير مفهوم عرفاً ولا متشرّعياً من هذا الدليل كما هو واضح؛ فهذا الأمر إرشاد إلى صحّة الصلاة،
ــــــــــ[229]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 221-222، كتاب الطهارة، فصل فيما يُعفى عنه في الصلاة، الخامس: ثوب المربّية للصبي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وأنها لا تصحّ بدون ذلك، فيقع الكلام في احتمالات هذه الشرطية:
أن يكون الغسل مرةً واحدةً شرطاً في صحة تمام الصلوات الخمس بنحو الشرط المتقدم، لو بدأنا بصلاة الفجر وانتهينا بصلاة العشاء، فكل الصلوات مشروطة بأن يقع الغسل قبل صلاة الصبح.
أن يكون الغسل الواحد شرطاً لا على نحو الشرط المتقدّم بل كيفما اتفق في عمود الزمان، فلو غسلت ثوبها عند الزوال فقد تحقق الشرط لكل الصلوات الخمس حتى بالنسبة إلى صلاة الصبح، فيصبح شرطاً متأخراً لما مضى ومتقدماً لما يأتي.
وهذان الاحتمالان لازمهما بطلان الصلوات الخمس لو لم تغسل ثوبها لأنه شرط في صحتها جميعاً، فلو اختل بطل الجميع.
إلّا أنّ هذين الاحتمالين ساقطان بحسب الفهم العرفي، فإن قوله: “تغسل ثوبها في اليوم مرةً” ظاهر عرفاً في التخفيف والاستثناء من دليل شرطية الطهارة المفروغ عنه قبل هذه الرواية، وليست في مقام تأسيس شرط جديد للصلاة.
ولو أخذنا بأحد الاحتمالين يلزم أنّ الرواية تؤسس شرطاً جديداً، لوضوح أنّ دليل شرطية الطهارة لا يستفاد شرطية الغسل بما هو غسل وصب للماء، بل يستفاد منه طهارة الثوب حين الصلاة التي هي نتيجة الغسل، فهذه
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
المؤمنة عندما تغسل ثوبها حين الفجر، وبال الصبي عليها، فحين تصلّي فهي تصلّي في ثوب نجس، ومع ذلك يقال: إنّ ذاك الغسل شرط في صحة هذه الصلاة، وهذه الشرطية لم تكن ثابتةً بدليل (لا تُصلِّ في النجس)، فإنه كان ناظراً إلى الشرطية حال الصلاة، لا اشتراط الغسل الذي يزول أثره حال الصلاة.
أنّ دليل (لا تُصلِّ بالنجس) كان يدلّ على اشتراط كل واحد من الصلوات الخمس بالطهارة اشتراطاً في ظرف العمل، وإنّ هذه الشرطية مطلقة من حيث إنه يأتي بالصلاة الأخرى في الطاهر أو في النجس.
فهناك شرطيات خمس بهذا الترتيب، فلو بقيت على إطلاقها لزم الغسل المتكرر لو تكرر بول الصبي، ورواية أبي حفص(1) تقول: إنه لا يجب الغسل إلّا مرة واحدة بلسان الاستثناء والتخصيص.
فنقول: إنّ هذا يكشف عن تقييد في إطلاق تلك الشرطيات فنرفع اليد عنها، بمقدار الضرورة، فنقول: إنّ اشتراط صلاة الظهر بوقوعها في الثوب الطاهر، مقيَّد بما إذا لم تقع الصبح في الثوب الطاهر، وإلاّ فصلاة الظهر غير مقيَّدة، وهذا الاحتمال هو مقتضى صناعة الأدلة في الجمع بين دليل الشرطية الواقعي وبين رواية حفص.
ومعناه أنّ هذه المرأة لو صلّت صلاةً واحدةً بالثوب الطاهر فسوف تصحّ
ــــــــــ[321]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة3: 399، الباب 4 من ابواب النجاسات، الحديث: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
تمام صلواتها أما الواحدة فلوجود الشرط، وأما الباقي فلارتفاع الشرطيّة، لأنّ الشرطية مشروطة بأن لا يقع غيرها بالثوب الطاهر، وقد وقعت غيرها به، وأما لو لم تغسل ثوبها ولا مرّة واحدة فتبطل تمام صلواتها، لتحقّق شرطية هذه الشرائط وفعليتها، وقد فرضنا أنها أخلّت بتمام هذه الشرائط الخمسة، فتبطل تمام صلواتها.
وبما ذكرناه ظهر أنّ ما أفاده السيد الماتن من أنه لو لم تغسل ثوبها ولا مرةً واحدةً يحكم ببطلان تمام صلواتها هو الصحيح.
وظهر وجه النظر فيما أفاده السيد الأستاذ(1) حيث اعترض على السيد الماتن وقال إن مقتضى القاعدة هو الحكم ببطلان الصلاة الأخيرة فقط من الصلوات الخمس.
وأفاد في وجه ذلك: أنّ الأمر الشرطي بالغسل أمر تخييري لا محالة، لأنه قيل لها: يجب عليك المحافظة على الطهارة في صلاة واحدة، وهذا الأمر التخييري له أفراد متعددة طولية، لإمكان الغسل عند الفجر أو عند الظهر أو غيرهما. ومن الواضح أنّ الأمر التخييري المتعلّق بالجامع بين أفراد متعددة لا يحصل عصيانه إلّا بترك الفرد الأخير من تلك الأفراد، وفي المقام كذلك، فلا يتحقق عصيان هذا الأمر التخييري إلّا بترك آخر أفراد الغسل، وهو الغسل قبل صلاة العشاء.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 446، كتاب الطهارة، فصل ما يُعفى عنه في الصلاة، الخامس: ثوب المربّية للصبي، قال: “بل الباطلة هي الأخيرة”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهذا لا يتم لأمرين:
تحصّل مما ذكرناه سابقاً، لأننا ننكر أن يكون هناك أمر واحد تخييري، بل هنا شرطيات خمس، أي أوامر شرطية خمسة، غاية الأمر أنه مقيد(1): (صلِّ مع الطهارة إذا لم تكن صلّيت صلاة أخرى مع الطهارة)، لا أنه أمر تخييري بالجامع، وهذا هو مقتضى القواعد كما سبق، فإذا لم تغسل ثوبها أصلاً فقد عصت خمسة أوامر شرطية، فتبطل تمام هذه الصلوات.
ولا أدري أنّ هذا الأمر الواحد الذي يتصوره متعلقاً بالجامع بين الصلوات الخمس، هل هو استقلالي أو ضمني.
فإن قال: إنه استقلالي مجعول بجعل آخر، فهذا غريب جداً(2) لأنّ المفروض أنه وجوب شرطي ضمني وليس استقلالياً نفسياً.
وإن قال: إنه مجعول ضمني، إذن فهو يحتاج إلى أمر استقلالي يكون مندمجاً
ــــــــــ[233]ــــــــــ
() ولا موجب لرفع اليد عن أصل الشرطية في أحد الصلوات بل يرفع اليد عن إطلاق الشرطيات الخمس لأن الضرورات تقدّر بقدرها، فاذا لم تتطهّر أصلاً بطلت كل صلواتها لأنها كلّها غير متحقّقة شرائطها لعدم تحقّق شرط هذه الشرائط، (المقرر).
(2) مضافاً إلى صحّة جميع الصلوات لعدم اشتراطها، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
فيه، فهل هو جزء(1) من (صلّ الصبح) أو جزء (صلّ الظهر)، أو جزء تمام الأوامر الخمسة، فإن فرضه جزءاً من أمر بواحد من هذه الصلوات، فالذي يبطل هو ذاك دون غيره، لا أنّ البطلان يكون متعيناً بالأخير، بل بتلك الفريضة التي كان الأمر بالجامع جزءاً من أمرها.
وإن كان الأمر بالجامع جزءاً من تمام الأوامر الخمسة، فكل الصلوات تبطل لا محالة لفقد جزئها.
فهذا الذي أفاده على خلاف الجمع بين الأدلة إثباتاً، وخلاف معقولات المطلب ثبوتاً.
لو تنزلنا وقلنا إنّ الأمر أمر واحد تعلّق بالجامع بين الطهارات الخمس، وهو أمر شرطي لأحدى الصلوات، فقد قيل إنه يكون شرطاً في الصلاة الأخيرة(2).
وهذا لا يتم لأنّ عصيان الأمر التخييري وإن كان لا يتحقق إلّا بترك الفرد الأخير، لكن ليس معناه أنّ ترك الفرد الأخير يكون هو العصيان، بل العصيان في الحقيقة هو مجموع التروك، ومعه فنسبة هذا الأمر بالجامع إلى كل التروك على حد واحد، لأنّ كل واحد من التروك لو لم يكن، لم يكن عصيان.
فإن أُريد بتلك الدعوى: أنّ الأمر بالجامع تخييراً ينقلب إلى الأمر التعييني
ــــــــــ[234]ــــــــــ
() ولا يعقل أن يكون جزءاً مردّداً بين الخمس، (المقرر).
(2) وتكون هي الباطلة دون غيرها، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بالفرد الأخير فهو غير صحيح، بل يبقى الأمر تخييرياً، غايته ينحصر مصداقه بالفرد الأخير، ولهذا لو أتى بالفرد الأخير قاصداً امتثال الأمر المتعلّق بالخصوصية بما هو فرد أخير يكون تشريعاً، لأنّ الأمر لم يتعلّق بالفرد الأخير بل بالجامع، وإن أُريد تعيين الفرد الأخير بحكم العقل، من باب الإرشاد إلى طريقة الطاعة. فهذا صحيح إلّا أنه لا يعني أنّ البطلان يختص بالأخيرة، فإنّ سبب البطلان إنما هو فقدان الشرط ونسبة الشرط إلى الجميع على حد واحد فبطلان إحداها دون الآخر بلا معيّن.
فالصحيح ما عليه الماتن من أنّ المربّية لو تركت الغسل كانت كل صلواتها محكومة بالبطلان.
بقي أمر لم يتعرّض له الماتن صراحةً: وهو أنّ الغسل الذي يجب مرة ًواحدةً، يتصور على ثلاثة أنحاء:
النحو الأول: الغسل المؤثر في إيجاد الطهارة في إحدى الصلوات.
النحو الثاني: أنها تغسل ثوبها وتبتلي بنجاسة مطابقة للنجاسة التي زالت بالغسل، بحيث لو لم تغسل لما تغيّر حالها أصلاً.
النحو الثالث: أنها تغسل، وتبتلي بالنجاسة الأخف، فالغسل يؤثر في تقليل النجاسة وتخفيفها، فلو كان الجانب الأيمن من الثوب نجساً، وغسلته وبال الصبي على الجانب الأيسر، فلو لم تغسل لابتلت بنجاستين.
أما الصورة الأولى فهي القدر المتيقن من الجواز والعفو.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وأما في الصورة الثانية فالظاهر عدم كفاية ذلك الغسل، وإن كان يتوهّم كفاية ذلك تمسُّكاً بإطلاق (تغسل)، وذلك لأنّ المنصرف من الغسل أنه ملحوظ بما هو مرتبة من مراتب الطهارة، لا بما هو صبّ للماء ملحوظ بنحو الطريقية لا الموضوعية.
وإن شئتم قلتم: إنّ هذه الرواية ليست في مقام تأسيس شرط جديد، بل في مقام الاستثناء من الشرط القديم، والشرط القديم هو الطهارة لا صبّ الماء، فلو كانت في مقام اشتراط صبّ الماء لكانت قد اشترطت أمراً جديداً.
وأما الصورة الثالثة فهذا لا بأس بالتمسك بإطلاق (اغسل) لإثباته، ولا يرد عليه كلا الإشكالين. أما ظهوره بالطريقيّة فمحفوظ، لأنه طريق إلى مرتبة من الطهارة بالآخرة. وكذلك هي ليست في مقام تأسيس شرط جديد، لأنّ تخفيف النجاسة صحيح على القاعدة.
وهناك جهة أخرى وهي أنّ الأَولى أن تؤخّر الغسل في آخر وقت الظهرين.
ظاهر الرواية أنّ كل نجاسة تحتاج إلى غسل ثان فهي معفو عنها، لكن الغسل الواحد لو كان في إمكانه أن يخلصنا من قدر أكبر من النجاسات، أو أن يخلصنا من قدر أقل، باعتبار زمان إيقاعه فجراً أو ظهراً؛ فمثل هذا خارج عن القدر المتيقن من الرواية، فالنجاسة التي يمكن التخلص منها بالغسل الواحد
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
بإعمال عناية في جعل الغسل في زمان معيّن، فهذا ليس للرواية(1) نظر إليه.
فهنا لا يبعُد التفصيل بين أن تكون هذه العناية هي عناية الفورية، وأخرى هي عناية اختيار الزمان، فإنها لو صلّت فوراً لصلّت طاهرةً تماماً، بخلاف ما لو انتظرت فإنها قد تتنجس، فهنا لا بأس بدعوى أنّ الرواية غير نافية لهذه العناية بل يجب الفورية، لأنّها نجاسة يمكن التخلّص فيها بالغسل الواحد فتجب.
والمسارعة لا تثبت بهذه الرواية بل على القاعدة من دليل مانعية النجاسة، فإنّ الرواية لم تأمر بالتراخي.
وإذا كانت العناية هي عناية اختيار الزمان، بأن تغسل عند الظهرين لتحصّل الطهارة في صلاتين أو أكثر بدلاً من صلاة واحدة، فهذه العناية لا بأس من نفيها، إذ لو كانت ملحوظةً لوجب أن يقال: تغسل في آخر النهار، وظاهر قوله: “تغسل في اليوم مرةً” نفي هذه العناية.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
() بمعنى أن الرواية لا تنفي لزومه فيكون واجباً لو دلّ على لزومه دليل آخر كدليل مانعية النجاسة ولو ببعض مراتبها (إيضاح)، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قال: ويشترط انحصار ثوبها في واحد أو احتياجها إلى لبس جميع ما عندها وإن كان متعدداً(1).
هنا توجد حالات من حيث وحدة الثوب وتعدده.
الحالة الأولى: أن لا يوجد إلّا ثوب واحد، وهذا هو القدر المتيقن من الرواية والإجماع المنقول، فإنه لم يؤخذ قيداً في كلام الإمام، لكنه أُخذ في كلام السائل فقيل: (امرأة لها مولود وليس لها إلّا قميص واحد)، فلا يكون لها إطلاق لصورة ماذا كان لها قميص آخر.
الحالة الثانية: أن يكون لها قميصان كلاهما تجوز الصلاة فيه، لكنها تحتاج إلى كليهما كالبرد. أيضاً يمكن شمول دليل العفو لها، لأنّ المتفاهم عرفاً بمناسبات الحكم والموضوع من قوله: (ليس لها إلّا قميص واحد)، هو الاحتياج إليه، فإذا احتيج إلى القميصين تكون نفس النكتة فيهما موجودةً.
وبتعبير آخر: إنّ النكتة ليست هي وحدة القميص بل وحدة اللبس.
ــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 222، كتاب الطهارة، فصل فيما يُعفى عنه في الصلاة، الخامس: ثوب المربّية للصبي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الحالة الثالثة: أنّ لها قميصين كل منهما يصحّ الصلاة فيه، ويستغنى بأحدهما عن الآخر، وهو خارج عن مورد دليل العفو، فإنّه مخصوص باللبس الواحد، وهذا لبسان، تارةً تلبس هذا وأخرى ذاك، كما لا إشكال في أنه خارج عن الإجماع.
الحالة الرابعة: أنّ لها قميصين أحدهما مما لا تجوز الصلاة فيه والآخر تجوز. فهل حال ذلك حال الحالة السابقة، أو أنّ المناط هو وحدة القميص الذي تجوز الصلاة فيه؟ ولا فائدة في تعدد ما لا يجوز الصلاة فيه، فلذا ألحق السيد الأستاذ(1) هذه الحالة بتلك الحالة.
لكن لا يمكن الجزم بذلك، فإن ظاهر الرواية هو العفو فيها إذا لم يكن لها قميص آخر، ومن الواضح أنّ هذا لا يصدق سواء كانت تجوز الصلاة فيه أو لا.
وأمّا دعوى أنّ الآخر وجوده(2) كعدمه من ناحية الصلاة فصحيح، ولكن من قال إنّ وجوده كعدمه من ناحية العفو، إذ لعلها تُكلّف أن تلبس الثوب الذي لا تجوز الصلاة فيه، وتدّخر(3) للصلاة القميص الذي تجوز الصلاة فيه
ــــــــــ[239]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة4: 390، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الخامس: ثوب المربية للصبي.
(2) قال في نفس المصدر السابق ما نصه: (… تكون في حكم من لها قميص واحد لأنّ الزائد في حكم العدم).
(3) في المذاهب الأخرى تأكيد على استحباب ادّخارها ثوباً للصلاة، فانظر المدونة للإمام مالك 1: 131.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
لأوقات صلاتها طاهراً، وما دام احتمال ذلك موجوداً، وليس في الرواية إطلاق لصورة التعدد ولو بهذا النحو، فتبقى هذه الحالة تحت عدم العفو.
قوله: ولا فرق في العفو بين أن تكون متمكنة من تحصيل الثوب الطاهر بشراء أو استيجار أو استعارة أم لا. وإن كان الأحوط الاقتصار على صورة عدم التمكن(1).
لو فرض أنها ليس لها إلّا قميص واحد، وكان بإمكانها أن تحصل على ثوب آخر شراءً أو استعارةً أو أجارةً، فهل يسقط عنها العفو أو لا؟ مقتضى إطلاق الدليل هو عدم سقوط العفو، فإنّ المأخوذ في الدليل هو أنه ليس لها قميص آخر، وظاهره الحالة الفعلية، ومجرد قدرتها على الحصول على قميص آخر لا يحقق أن لها قميصاً آخر. وأما وجه الاحتياط فهو أنّ هذه الرواية مسوقة مساق رفع الحرج والتسهيل، فإذا كانت المرأة قادرةً على تحصيل ثوب آخر، فلا يوجد حرج، فلا يوجد عفو.
إلّا أنّ هذا الكلام في غير محلّه، لأنّ لسان الرواية هو لسان عدم الأمر بالغسل الثاني من باب أنه مشقّة وليس فيها ظهور بأن جميع البدائل الممكنة لا بُدّ أن يكون فيها مشقّة.
ــــــــــ[240]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 222، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الخامس: ثوب المربية للصبي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وبتعبير آخر: إنّ الأمر تارةً يدور بين غسل واحد وأغسال متعدّدة، فيكون ظاهر الدليل أنّ الأمر بالغسل إنما هو للمشقّة النوعية، وأخرى يدور الأمر بين الغسل والشراء، فلا يستظهر من الدليل كونه لأجل المشقّة، فحتى لو كانت قادرةً على الحصول على قميص آخر، جاز لها أن تصلّي بالقميص الواحد.
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
إلحاق بدنها بالثوب في العفو عن نجاسته محل إشكال وإن كان لا يخلو عن وجه(1).
مورد العفو في الرواية هو الثوب ولم يتعرض إلى البدن، ومن الواضح أن احتمال الفرق موجود لنكتتين:
أولاً: أن بدن المربّية أقل تعرّضاً من الثوب، لأن بول الصبي يصيب الثوب أولاً ثم البدن وبعبارة أخرى: إنه كلّما أصاب البول البدن أصاب الثوب بخلاف العكس.
وثانياً: احتمال وجود اهتمام للشارع بطهارة البدن أكثر من طهارة الثوب فيتسامح في الثوب أكثر من البدن، ومعه لا يمكن التعدّي من الثوب إلى البدن، إلّا إذا ثبت الإلحاق بإجماع ونحوه.
ــــــــــ[242]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 222، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الخامس: ثوب المربية للصبي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
في إلحاق المربّي بالمربّية إشكال(1).
وجه عدم الإلحاق واضح وهو أنّ النص أُخذ فيه عنوان المرأة، فيرجع في المربّي إلى أدلة مانعية النجاسة.
ووجه الإلحاق أنّ النكتة المفهومة عرفاً من دليل العفو إنما هي الحرج النوعي الغالبي، وهو مشترك بين المربّية والمربّي، فيُتعدّى باعتبار عموم النكتة.
لكن الظاهر هو عدم التعدّي؛ لأنّ ارتكازية أنّ حضانة الطفل من شؤون المرأة لا الرجل، فيكون مانعاً عن التعدّي، والرجل إن قام بهذه المهمة وإن أصبح حاله في المشقة كالمرأة إلّا أنه حيث إنّ هذه المهمة غير طبيعية له، إذن فإلزامه بالطهارة ولو بأن ينسحب من هذا العمل أخف من إلزامها بالطهارة ولو بأن تنسحب من هذا العمل.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 222، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الخامس: ثوب المربّية للصبي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
قوله: وكذا من تواتر بوله.
هل يلحقه حكم المرأة ذات المولود، بحيث يكفي أن يغسل مرة واحدة أو لا؟
منشأ الإلحاق رواية عبد الرحيم عن أبي الحسن: “في الخصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل قال: يتوضأ وينتضح في النهار مرةً واحدةً”(1)(2). فكان هذا عفواً من سنخ العفو المجعول في أمر الصبي، والكلام تارةً في السند وأخرى في الدلالة.
أما من حيث السند فإنها رويت بطريقين:
أحدهما(3): الشيخ بإسناده إلى محمد بن علي بن محبوب عن سعدان بن
ــــــــــ[244]ــــــــــ
() باب 13 من نواقض الوضوء، (المقرر).
(2) تهذيب الاحكام1: 353، كتاب الطهارة، الباب15، الحديث: 14،
وسائل الشيعة1: 285، الباب 13 من ابواب نواقض الوضوء، الحديث: 8.
(3) نفس المصدر السابق.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
مسلم عن عبد الرحيم، وهذا الطريق فيه إشكال من ناحية سعدان(1) وعبد الرحيم(2) (والظاهر أنه عبد الرحيم القصير) وكلاهما لم يوثّق إلّا أنّ صاحب تنقيح المقال ذكر أنهما ممن يروي عنه أحد الثلاثة فتثبت وثاقتهما(3).
إلّا أنه في حدود تتبعنا أنّ سعدان يروي عنه صفوان، وأما عبد الرحيم فينسب رواية ابن أبي عمير عنه، ولم يثبت ذلك، بل روى عن عبد الرحمن لا عن عبد الرحيم.
الطريق الآخر(4): الكليني عن الحسين بن محمد عن أحمد بن محمد عن أحمد بن إسحاق عن سعدان بن عبد الرحمن. وهذا الطريق صحيح، إلّا أن سعدان لو كان هو سعدان بن مسلم إذن يكون ثقةً، ولكن سعدان(5) بن عبد الرحمن لم تثبت وثاقته.
ــــــــــ[245]ــــــــــ
(1) انظر: رجال النجاشي: 192، باب السين، الرقم: 515، فهرست الطوسي: 226، ورجال بن داود: 171، باب السين المهملة، الرقم: 686.
(2) انظر: رجال الطوسي: 237، باب العين، الرقم: 3241-150-، ورجال البرقي: 107، أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام.
(3) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 451، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، الخامس: ثوب المربة للصبي.
(4) الكافي5: 67، كتاب الطهارة، الباب 13، الحديث: 6، وفي هذه الطبعة (ط دار الحديث).
(5) ذكر النجاشي أن سعدانَ اسمه عبد الرحمن بن مسلم، وأما سعدان بن عبد الرحمن فلا ذكر له في الرجال، انظر: رجال النجاشي: 192-193، باب السين، الرقم: 515، ومعجم رجال الحديث8: 99-100، باب السين، الرقم: 5089.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وهناك احتمالان في سند هذه الرواية:
الاحتمال الأول: أنّ سعدان بن عبد الرحمن خطأ بل المراد سعدان عن عبد الرحيم، فيتطابق مع ذاك السند إلّا أنه احتمال بلا موجب.
الاحتمال الثاني: أنّ عبد الرحمن ليس هو أبو سعدان بل هو اسم آخر لسعدان، ومعه فيحتمل انطباقه على سعدان بن مسلم، وهو اسمه عبد الرحمن، فيقال: عبد الرحمن بن مسلم أحياناً وتكون كلمة الابن زائدة.
ويؤيد ذلك أنه لا يوجد عندنا في كتب الرجال سعدان بن عبد الرحمن، ولم يعهد رواية أحمد بن إسحاق عن عنوان سعدان بن عبد الرحمن، حسب تتبعي، بينما أحمد بن إسحاق من الرواة الأساسيين عن سعدان أو عبد الرحمن بن مسلم.
ويضعّف هذا الاحتمال: أنّ سعدان بن مسلم الذي في طريق الشيخ لم يكن هو صاحب المكاتبة، بل يكون راوياً عن عبد الرحيم، بينما في رواية الكليني أنّ سعدان بن عبد الرحمن هو صاحب المكاتبة، فلو كان هذا ذاك، لحصل تهافت بين الروايتين، إلّا أن نفرض أنّ هناك مكاتبتين.
وأما من حيث الدلالة فقد اعترض السيد الأستاذ(1) على دلالتها بإبداء احتمال في الرواية.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى3: 450، كتاب الطهارة، فصل ما يُعفى عنه في الصلاة، الخامس: ثوب المربّية للصبي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
وحاصله: لعل الأمر بالنضح في المقام ليس من باب الأمر بالغسل والتطهير، بل لأجل تعليم حيلة للتخلص من البلل المشتبه، ينضحه ليقول إنه يحتمل أنّ البلل بلل النضح لا البلل المخصوص فترتفع الشدة، وقد ورد تعليم هذه الحيلة الشرعية في روايةٍ لحنان بن سدير قال: “سمعت رجلاً سأل أبا عبد الله فقال: إني ربما بِلتُ فلا أقدر على الماء ويشتدُّ ذلك عليَّ فقال: إذا بِلتَ وتمسّحت فامسح ذَكَرَك بريقك. فإن وجدت شيئاً فقل هذا من ذاك”(1)(2).
واستشهد عليه بقرينتين:
القرينة الأولى: التعبير بالنضح، فإنه ليس بمعنى الغسل بل يكفي فيه الأقل من الغسل، أي الرش بالماء، فلو كان المراد التطهير لكان الأمر بالغسل متعّيناً، ولكن إذا كان المراد تعليم الحيلة فيكفي النضح.
القرينة الثانية: قوله:”يتوضـأ وينتضح“، فلو كان نظر هذه الرواية إلى مسألة الطهارة والنجاسة، إذن فلماذا قال: “يتوضأ“؟ بينما إذا كان نظره إلى الطهارة الحدثية، وأنّ هذا المؤمن كان يلقى شدةً، لأنه كلّما وجد بللاً يتوضأ، فيقول له إنه يتوضأ وينتضح، فيجري استصحاب بقاء الطهارة من الحدث نتيجةً للحيلة الشرعية.
ــــــــــ[247]ــــــــــ
() باب 13 من نواقض الوضوء، (المقرر).
(2) من لا يحضره الفقيه1: 69، باب ما ينجس الثوب والبدن، الحديث: 160، وتهذيب الاحكام1: 348، كتاب الطهارة، الباب14، الحديث: 14، ووسائل الشيعة1: 284، الباب 13 من ابواب نواقض الوضوء، الحديث: 7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
ولكن الإنصاف أنّ إبداء هذا الاحتمال لا يوجب سقوط ظهور الرواية في محل الاستدلال.
وتوضيح ذلك: أما أصل احتمال أن يكون الأمر بالنضح لأجل تعليم حيلة لأجل التخلّص من اليقين بالناقض. بقطع النظر عن القرينتين فهو بعيد بالنسبة إلى هذه الرواية، ودليل ذلك هو غلبة حصول الجفاف بالنسبة إلى الموضع، في طول النهار، لو نضح ثوبه مرةً واحدةً. إذ كيف يتصور أنّ الرطوبة الناشئة من النضح تبقى طول النهار، وخاصة في الحجاز وفي غير الشتاء، فلو كان هذا من أجل تعليم الحيلة لكان اللازم أن يقول إنه يرطّب الموضع مرةً بعد مرة، والاكتفاء بترطيب واحد قرينة على أنّ النظر ليس إلى هذه الحيلة بل إلى مسألة التطهير مستقلاً، وما هو دخل عنوان النهار على أي حال.
ولا تقاس هذه الرواية برواية حنَّان(1)، فإن البلل الذي يضعه غير محدّد بالنهار، بل يضعه ما دام الموضع رطباً.
وأما القرينتان اللتان نصبهما على هذا الاحتمال.
أما القرينة الأولى فجوابها: أنّ النضح أعم من الغسل لا أنه مباين له، فإنه لو كان مبايناً له لتمت القرينة، ولكنه أعم منه، فلو رشّ الورد حتى تصبب الماء منه يقال أنه رشّه ونضحه. نعم له إطلاق للأقل وهو قابل للتقييد.
وأمّا القرينة الثانية: فأيضاً مخدوشة وتفصيل الكلام في كلمة (يتوضأ)، أنها إمّا
ــــــــــ[248]ــــــــــ
(1) تقدمت قريباً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
أن نحملها على معنى الغسل والاستنجاء أو على المعنى الشرعي المقابل للغسل.
فإن حملناها على الأول فيكون المعنى أنه بعد البول يغسله ثمّ ينضحه، فيكون الوضوء والنضح معاً ناظراً إلى الطهارة الخبثية لا الحدثية.
وأمّا لو بنى على الاحتمال الثاني: فإمّا أن نقول إنّ كلمة “في النهار مرةً واحدةً“، يرجع إلى ينتضح وإمّا أن يرجع إلى يتوضأ وينتضح معاً، فإن رجع إلى ينتضح فقط، فيكون ظاهر العبارة أنه يتوضأ عند كل رطوبة، ولكن يكفيه النضح مرةً واحدةً، فكأن الإمام صار في مقام التفصيل بين الطهارة الحدثية والخبثية(1) ولا إشكال في ذلك.
وإن رجع القيد إلى كلتا الجملتين، فيكون المعنى أنّ العفو شامل للطهارة الحدثية والخبثية معاً، ويكون حاله حال المسلوس ما دام يصدر منه الحدث. غاية الأمر أنّ المسلوس يكفيه الوضوء على استمرار ما دام لم يصدر منه حدث آخر غير ما ابتلي به ولو كان مستمراً يومين.
وأما هذا الشخص فيكفيه أن يتوضأ مرةً واحدةً؛ فليس النظر إلى الوضوء محضاً ليقال إنه يراد تعيين حيلة شرعية [إذ] ليس من وظائف الإمام -بما هو إمام- بيانها.
ولكن العيب في الرواية عدم تمامية سندها.
ــــــــــ[249]ــــــــــ
() وأن الخبثية معفوّة دون الثانية، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الفصل السادس
العفو عن النجاسة في الثوب أو البدن حال الاضطرار
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
السادس: (مما يعفى عنه) يعفى عن كل نجاسة في البدن أو الثوب في حال الاضطرار(1).
إذا كان ثوبه أو بدنه نجساً، وكان مضطراً إلى الصلاة فيه، فيُعفى عن تلك النجاسة، وهذا تقدّم تفصيلاً في فصل الصلاة في النجس. فإنه إن كان مضطراً إلى الصلاة في النجس كما لو كانت النجاسة على بدنه أو على ثوبه، ولا يستطيع نزعه، فلا إشكال في جواز الصلاة فيه، وإن دار الأمر بين الصلاة في النجاسة والصلاة عارياً، فهي مسألة معروفة قد سبق البحث فيها وقد تقدّم أن المختار هو الصلاة في النجس.
وبذلك انتهت تمام فصول النجاسات.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 223، كتاب الطهارة، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، السادس: يعفى عن كل نجاسة في الثوب أو البدن في حال الاضطرار.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
[الفصل الأول دم الجروح والقروح] 13
الشرط الأوَّل: لزوم المشقّة 15
الشرط الثاني: كون الجرح سائلاً غير جافٍّ 17
الروايات النافية لاشتراط السيلان 18
1- رواية أبي بصير 18
2- رواية أبي بصير ليث المرادي 19
3- رواية عمَّار 20
الروايات الدالَّة على اعتبار السيلان 20
1- صحيحة محمد بن أبي عمير 21
بحث سندي 21
إشكال على مراسيل ابن أبي عمير 22
بحث دلالي 25
بلحاظ الغاية 25
بلحاظ صدر الرواية 27
1- مناقشة التمسّك بمفهوم الشرط 28
2- ضابطان لجعل شيء موضوعاً 30
ــــــــــ[255]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
2- رواية محمد بن مسلم 31
3- رواية سماعة 32
4- رواية السرائر عن محمد بن مسلم 32
لزوم غسل الثوب في اليوم مرّة واحدة ومناقشته 34
الاستدلال برواية السرائر على عدم اعتبار السيلان 37
الشرط الثالث: اعتبار المشقَّة النوعية في إزالة الدم 39
في اشتراط عدم اعتبار المنع عن التنجس 42
الأمر الأوَّل: عدم وجود إطلاق 42
الأمر الثاني: التمسُّك بالروايات 43
لو تعدَّى إلى البدن أو اللباس كان معفوّاً عنه 44
انحاء ثلاثة لامتداد الجرح 45
حكم النحو الثاني: وهو التعدِّي صدفةً أو بالطبع 45
حكم النحو الثالث: وهو التعدِّي بالاختيار والعناية 47
مسألة 1: [العفو عن العرق والدواء والقيح المتنجِّس بالدم] 49
الفرع الأوَّل: في الرطوبة الداخلية 49
التقريب الأول: إطلاق دليل العفو 49
التقريب الثاني: الأولويَّة العرفيَّة 50
التقريب الثالث: الإطلاق المقاميّ 51
التقريب الرابع: قرينة غلبة الوجود 52
الفرع الثاني: في الرطوبة الخارجية 53
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
مسألة 2: [تلوّث اليد بسببٍ اختياري كالعلاج] 55
مسألة 3: [دم البواسير] 57
في الجروح الظاهريّة والباطنيّة واختصاص الجرح بالظاهريّ 57
مسألة 4: [عدم العفو عن دم الرعاف] 62
مسألة 5: [استحباب غسل الثوب من الدم مرةً كل يوم] 63
مسألة 6: [تردُّد الدم بين كونه من الجروح والقروح أو من غيرها] 64
القاعدة الحاكمة على البراءة 65
التقريب الأول: على أساس القاعدة الميرزائية 65
التقريب الثاني: على أساس الاستصحاب 65
تنقيح المسألة 68
مسألة 7: [الجروح والقروح المتعددة] 71
فيما إذا كانت الجروح متباعدة 71
1- رواية أبي بصير 71
اعتراض السيد الأستاذ على استمرار العفو 72
دفع الاعتراض الإلزامي 74
في الرجوع إلى العامّ الفوقاني أو إلى الاستصحاب 75
إشكالان يواجهان الاستصحاب في المقام 76
2- رواية مثنى بن عبد السلام 77
الفصل الثاني في الدم الأقل من الدرهم 81
المسألة الأولى: الدم الذي يكون قليلاً 81
ــــــــــ[257]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
المقام الأول: في ثبوت المقتضي للعفو 82
1- رواية عبد الله بن أبي يعفور 82
2- رواية إسماعيل الجعفي 83
3- رواية جميل بن دراج 86
4- رواية محمد بن مسلم 87
استشكالات 88
5- رواية أبي بصير 94
مؤيدان للاستدلال برواية بن أبي يعفور 95
المؤيّد الأوّل: التشكيك بوجود إطلاقٍ 95
المؤيّد الثاني: الاجماع 96
المقام الثاني: في المعارض 97
المسألة الثانية: في شمول العفو للدم المساوي للدرهم 100
ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: 100
القسم الأول من الروايات ما يكون مُجملاً 100
القسم الثاني: ما يمكن أن يستفاد منه العفو 102
القسم الثالث: ما يكون ظاهراً في عدم العفو 102
المسألة الثالثة: عدم الفرق في العفو بين الثوب والبدن 104
المرحلة الأولى: في شمول الدليل والعفو للبدن 105
المرحلة الثانية: في وجود المعارض 107
المسألة الرابعة: في استثناء الدماء الثلاثة 110
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الكلام في دم الحيض 110
الأمر الأول: في وجود إطلاق شامل لدم الحيض 112
الأمر الثاني: في المقيِّد لروايات العفو 113
بلحاظ الدلالة 113
بلحاظ السند 115
الكلام في دم النفاس 116
الكلام في دم الاستحاضة 118
المسألة الخامسة: في دم نجس العين والميتة وما لا يؤكل لحمه 120
تحقيق المسألة 121
تنبيه 124
الأمر الأوّل: في رواية الحلبي 124
بلحاظ السند 125
بلحاظ الدلالة 126
الأمر الثاني: في روايات إسماعيل الجعفي 127
استثناء دم الإنسان من دم ما لا يؤكل لحمه 131
في عدم التفريق بين دم نفسه وغيره 132
المسألة السادسة: في الدم المتفرّق 134
الدم المتفرّق في ثوب واحد 134
التقريب برواية الحلبي 134
المعارضة بروايات العفو الأخرى 135
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
في الدم المتفرّق في عدة ثياب 138
المناط في العفو هو السعة لا الثقل 140
ما هو المقدار في سعة الدرهم 141
المرحلة الأولى: في كون القضية حقيقية أو خارجية 142
المرحلة الثانية: أيّ الدراهم المقصود 142
الاتجاه الأول: التمسُّك بالإطلاق 143
الاتجاه الثاني: الاقتصار على درهم بعينه 145
إشكال صاحب المدرك 145
الكلام عن مساحة الدرهم 148
مسألة1: [تفشّي الدم في أحد طرفي الثوب إلى الآخر] 150
مسألة 2: [الدم الأقل من الدرهم إن وصلت اليه الرطوبة] 152
مسألة3: [إذا شكّ في الدم] 155
الفرع الأول: الشك بكون الدم من مستثنيات العفو 155
الفرضية الأولى: أن يشك أنه من أحد الدماء الثلاثة 155
الوجه الأوَّل: التمسّك بالعموم 156
الوجه الثاني: التمسُّك بالاستصحاب 156
الوجه الثالث: التمسك بالقدر المتيقَّن من المخصِّص اللُّبِّي 157
الوجه الرابع: اجراء الاستصحاب في الثوب 158
الوجه الخامس: إجراء أصالة البراءة عن المانعية 159
الفرضية الثانية: الشك بكونه من دم ما لا يؤكل لحمه 161
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الفرضية الثالثة: أن يشك أنّه من دم الميتة 161
حيثيات ثلاث لدم الميتة 161
الفرضية الرابعة: الشكّ بكونه من دم نجس العين 163
الفرع الثاني: الشكّ بكون الدم أقل من الدرهم أو أزيد 164
الكلام الأول: مبنى السيد الحكيم في العدم الأزلي 165
الكلام الثاني: الرأي المختار 168
مسألة4: [المتنجس بالدم لا يُعفى عنه] 169
مسألة 5: [إذا زالت العين وبقيت النجاسة يبقى العفو] 170
الوجه الأوّل: التمسّك بأصالة البراءة عن المانعيّة 170
الوجه الثاني: التمسك باستصحاب جواز الصلاة في هذا الثوب 170
الوجه الثالث: التمسك بإطلاق بعض اخبار العفو 173
الوجه الرابع: التمسك بالأولوية العرفية 174
مسالة 6: [الدم الأقل إذا وقع عليه نجاسة أخرى] 175
مسألة 7: [العفو عن الدرهم بوجوده الفعلي لا التقديري] 176
المسألة 8: [إذا وقعت نجاسة أُخرى على دم أقلّ] 177
الصورة الأولى: أن يلاقي البول الدم فقط 178
الصورة الثانية: أن يلاقي البول الثوب المتنجس بالدم 179
تقريب عدم العفو 179
الفصل الثالث ما لا تتمّ فيه الصلاة 183
الكلام في روايات كبرى العفو 183
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
في دلالة رواية رفاعة على المانعية 184
في دلالة رواية زرارة على العفو 185
مناقشة الروايات الدالة على العفو 187
الكلام في التفاصيل 191
الجهة الأولى: في عدم شمول العفو للميتة 191
الاستدلال بروايتين على شمول العفو للميتة 191
مناقشة الرواية الأولى للحلبي 192
مناقشة الرواية الثانية لإسماعيل بن الفضيل 194
الوجه الأول: تقييد الرواية بغير الميتة 194
الوجه الثاني: حمل المنع على الكراهة 195
الوجه الثالث: ورودها في مورد الشك 196
الوجه الرابع: التساقط 197
الجهة الثانية: في عدم شمول العفو لنجس العين مطلقاً 198
الجهة الثالثة: في استثناء ما لا يؤكل لحمه 199
مواقع للنظر في ما أفاده السيد الأستاذ 200
الجهة الرابعة: في تحديد عنوان ما لا تتم به الصلاة 202
الأمر الأول: المناط هو ضيق المساحة 202
الأمر الثاني: المناط بحسب الوضع الفعلي لا الشأني 203
الأمر الثالث: المدار عن العفو هو عدم إمكان التستر 205
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الفصل الرابع المحمول المتنجس 209
وفيه أربع مسائل 209
المسألة الأولى: في حمل المتنجس الذي لا تتم الصلاة فيه وحده 210
المسألة الثانية: حمل المتنجس الذي تتم به الصلاة وحده 211
المسألة الثالثة: حمل عين النجس بتوسّط ما لا تتم الصلاة به. 212
المسألة الرابعة: هل يجوز حمل النجس بتوسط الثوب ونحوه. 213
الأولى: رواية علي بن جعفر 213
الثانية: رواية عبد الله بن جعفر 215
الثالثة: رواية علي بن جعفر الاخرى 217
الخيط المتنجّس الذي يخاط به الجرح 220
الفصل الخامس ثوب مربّية الصبي 223
اشتراط كون المربّية أُمّاً أو غيرها 225
التفصيل الأول: في اختصاص المربية بالأُمّ 225
التفصيل الثاني: في الاقتصار على المولود الذكر 227
اشتراط غسل الثوب كل يوم مرة 229
الاحتمالات في شرطيّة الغسل مرّة في اليوم 230
الاحتمال الأول: بنحو الشرط المتقدم 230
الاحتمال الثاني: بنحو الشرط المتأخّر 230
الاحتمال الثالث: بنحو الشرطية المطلقة 231
اعتراض السيد الأستاذ على الماتن 233
ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج6
الأمر الأول: انكار أنَّ الأمر الشرطي بالغسل أمر تخيري 233
الأمر الثاني: نسبة الشرط إلى الجميع على حدٍّ واحد 234
أنحاء ثلاثة للغسل الذي يجب مرّة واحدة 235
في تأخير الغسل إلى آخر وقت الظهرين 236
اشتراط انحصار ثوبها في واحد 238
تمكُّنها من تحصيل ثوب آخر باستيجار أو نحوه 240
مسألة1: [في عدم الحاق البدن بالثوب] 242
مسألة2: [في عدم إلحاق المربّي بالمربّية] 243
في إلحاق من تواتر بوله بالمربّية 244
الكلام في رواية عبد الرحيم 244
بلحاظ السند 244
بلحاظ الدلالة 246
[الفصل السادس العفو عن النجاسة في الثوب أو البدن حال الاضطرار] 253
الفهرس 255