الجزء الخامس
271.1
ص44 الصدر، محمد.
كتاب الطهارة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج5(472ص.)؛ 17×24 سم.
رقم الإيداع
1688/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1688) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
2-88-699-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
كتاب الطهارة
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى
السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الخامس
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الفصل الأوَّل
الصلاة في النجس حال العلم أو الجهل
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
في بيان حكم الطهارة والنجاسة من حيث وقوع الصلاة فيها:
قال: إذا صلّى في النجس، فإن كان عن علم وعمد بطلت صلاته، وكذا إذا كان عن جهل بالنجاسة من حيث الحكم؛ بأن لم يعلم أنّ الشيء الفلاني مثل عرق الجنب من الحرام نجس، أو عن جهل بشرطية الطهارة للصلاة، وأمّا إذا كان جاهلاً بالموضوع؛ بأن لم يعلم أنّ ثوبه أو بدنه لاقى البول مثلاً، فإن لم يلتفت أصلاً أو التفت بعد الفراغ من الصلاة صحّت صلاته، ولا يجب عليه القضاء، بل ولا الإعادة في الوقت وإن كان أحوط…
تعرّض [الماتن] إلى عدّة صور لا بُدّ من التعرض إلى حكم كل واحدة [منها]:
ما إذا صلّى بالنجس عالماً عامداً تبطل صلاته، لأنّ هذا هو مقتضى ما فرغنا عنه سابقاً من شرطية الطهارة للصلاة أو مانعية النجاسة لها، فإذا صلّى في النجس وقعت الصلاة بدون الشرط أو مع المانع، فإنّ تلك الأدلة إمّا أن تكون
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بلسانٍ مطلقٍ كـ “لا صلاة إلّا بطهور“(1) بحيث يكون لها إطلاق لفرض العلم والجهل والنسيان -فإنّ القدر المتيقن هو صورة العلم-، أو أن تكون مخصوصةً بصورة العلم -كما يُدّعى في بعض الروايات(2) فهو وارد في مورد الكلام-، وإمّا أن يكون مخصوصاً بغير صورة العلم كالنسيان-كما في بعض الروايات(3)-. فإنّها تدل على البطلان في صورة العلم بطريق أولى.
نعم، يبقى الكلام في أنّ أدلة الشرطية والمانعية في نفسها وإن كانت تنهض لإثبات بطلان الصلاة في مورد العلم والعمد، لكن قد يقال: إنّ هناك دليلاً حاكماً عليها يقتضي الصحة، وهو حديث: “لا تُعاد الصلاة إلّا من خمسٍ: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود”(4).
ــــــــــ[14]ــــــــــ
() من لا يحضره الفقيه 1: 33، باب وقت وجوب الطهور، الحديث67. تهذيب الأحكام1: 50، كتاب الطهارة، الباب3، الحديث83. الاستبصار 1: 55، كتاب الطهارة، الباب31، وجوب الاستنجاء من الغائط والبول، الحديث15. وسائل الشيعة 1: 315، الباب9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث1..
(2) الكافي 3: 406 (إسلامية). وسائل الشيعة 3: 474، أبواب النجاسات والأواني والجلود، باب: بَابُ عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ صَلَّى وَثَوْبُهُ أَوْ بَدَنُهُ نَجِسٌ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالنَّجَاسَة، الحديث 2.
(3) هي الروايات الموجودة في سياق الروايات السابقة في المصدر السابق آنفاً.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 279، باب القبلة، الحديث857. تهذيب الأحكام 2: 152، كتاب الصلاة، الباب9، الحديث55. وسائل الشيعة 1: 372، الباب3 من أبواب الوضوء، الحديث8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذ قد يُقال: إنّه ينفي الإعادة بغير هذه الأمور بدون فرق بين الجاهل والناسي والعالم العامد. وحيث إن حديث “لا تُعاد” له حكومةٌ على أدلّة الشرطية والمانعية فلا يكون معارضاً لها، بل يكون حاكماً عليها ومقتضياً لصحّة الصلاة، وهذه شبهة سارية في كل إخلال عمدي بجزء أو شرط واجب في غير الخمسة المذكورة في الحديث. وهذا لا ينافي استحقاق العقاب على مخالفة الوظيفة الشرعية.
وما يُتصوَّر كونه جواباً لهذه الشبهة إمّا بنحو العموم أو في خصوص المقام، عدّة وجوه:
الوجه الأول: أن يُقال: إنّ قاعدة (لا تُعاد) لا يُعقل شمولها للعالم العامد، فإطلاقها له ساقط بالقرينة العقلية، وذلك: لأنّ هناك تهافتاً بين كون شيء جزءاً أو شرطاً، وبين صحة العمل بدونه، لأنّ معنى كونه جزءاً أو شرطاً أنّ الأمر تعلّق بالعمل المتقيِّد به أو المتكوّن منه ومن غيره، ومعنى كونه صحيحاً هو كون المأتي به مطابقاً للمأمور به. فالفاقد قد يقع مطابقاً للأمر، وهذان أمران متهافتان، إذ كيف يتعلّق الأمر بالمقيّد ويكون الخالي عن القيد مطابقاً له؟! فلا
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بُدّ من رفع اليد عن إطلاق قاعدة “لا تعاد” تحفّظاً على أصل دليل الجزئية والشرطية. وهذا بخلاف إطلاقها لصورة الجهل والنسيان، فإنَّه يرجع إلى تقييد الجزئية والشرطية بغير صورة الجهل أو النسيان، وهذا لا بأس به.
ولكن الصحيح أنّ هذه القرينة غير تامة، فإنّه بحسب مقام الثبوت وعالم الإمكان يمكن تصوير الجمع بين هذين المطلبين بأحد نحوين:
النحو الأول: أن يُلتزَم في باب الصلاة بتعدد الأمر بأن يُقال: إنّ هناك أمراً متعلقاً بالأركان الخمسة، وهو ينشأ من مرتبة من الملاك الإلهي، وهناك أمر آخر متعلق بالعشرة المشتملة على تلك الخمسة وزيادة في الأجزاء التي نريد تصحيح الصلاة بدونها، وهذا الأمر ينشأ من مرتبة أعلى من ذلك الملاك. غاية الأمر أنّ الأمر بالأجزاء الأخرى أمر بها حال كونها منضمّةً إلى الأركان الخمسة التي يؤتى بها امتثالاً للأمر الأول، فلو أتى بالأجزاء الأُخر في ضمن فرد آخر فإنّها لا تكون مصداقاً للأمر الثاني.
ومعه فلو أتى المكلف بالخمسة الأولى فقط عالماً عامداً فصلاته صحيحة ومطابقة للأمر الأوّل، ولا يجب عليه الإعادة، فلماذا يُعيد؟
فإنّه إن أعاده بلحاظ الأمر الأول فهو بلا موجب، لأنّه قد امتثله.
وإن أعاده بلحاظ الأمر الثاني فهو غير ممكن، لأنّ الأمر الثاني أمرٌ بإيقاع العشرة وفي ضمنها امتثال الأمر الأوّل، وقد تم امتثال الأمر الأول، فلو أوقع عشرة جديدة مستأنفة لم تكن امتثالاً للأمر الثاني أصلاً، فيُعاقَب بلحاظ
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
العصيان، ويصح عمله.
النحو الثاني: أنّنا نلتزم بوجود أمر واحد متعلِّق بالعشرة، والمكلّف يأتي بالخمسة ويترك الخمسة الأخرى، ومع هذا لا يجب عليه الإعادة، لا لأنّ فعله مطابق للأمر، وإنّما عدم وجوب الإعادة له منشآن:
فإنّه تارةً ينشأ من مطابقة المأتي به للمأمور به.
وأخرى: من ناحية العجز عن استيفاء الأمر.
وهنا يُلتزم بالثاني، وهو أنّه مع الإتيان بالأجزاء الخمسة لا يمكنه استيفاء الملاك حتى لو أتى بالعشرة، فيحكم بالعصيان وعدم وجوب الإعادة. وعليه، فالقرينة العقلية غير تامة.
الوجه الثاني لدفع إطلاق قاعدة “لا تُعاد”: أنّها منصرفة عرفاً عن العالم العامد وأحسن توجيه له هو أن نقول: إنّنا وإن تصورنا إمكان الجمع بين إطلاق قاعدة “لا تعاد” وبين دليل الجزئية والشرطية، ولكنّنا تصوَّرناه بنحوين كلاهما معقول ثبوتاً إلّا أنّه غير عرفي إثباتاً.
أما النحو الأول: وهو الالتزام بتعدّد الأمر فهو غير عرفي؛ لوضوح ظهور أدلة الجزئية والشرطية في أنَّها ناظرة إلى أمر واحد، وأنّ دليل الركوع ناظر إلى نفس الأمر الذي ينظر إليه دليل فاتحة الكتاب وأن الفاتحة اعتُبِرَت جزءاً في نفس الواجب الذي اعتبر الركوع جزءاً فيه.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأما النحو الثاني: بأنَّه إذا أتى بالخمسة يعجز عن استيفاء الملاك بالباقي، فهو احتمال غير عرفي أيضاً، فإنّ العرف يرى في باب التخضّعات للمولى أنّه إذا أتى بالخمسة يمكنه أن يتخضّع بالعشرة.
فإذا انتفى كِلا الاحتمالين انتفى إطلاق قاعدة (لا تُعاد) وإنَّ العرف يرى تعارضاً بين إطلاق هذا الحديث وبين دليل الجزئية، فيرفع اليد عن إطلاق هذا الحديث.
وهو يختصّ بمورد الكلام وهو الطهارة، وهو أنَّ دليل شرطية الطهارة له أَلسِنة متعددة:
فتارةً يكون بلسان جعل الشرطية كـ(لا صلاة إلّا بطهور).
وأخرى يكون بلسان الأمر بإيقاع الصلاة مع الطهارة كروايات أنَّه لو وجدِت نجاسة في أثناء الصلاة طهَّر واستأنف(1).
وثالثةً بلسان الأمر بإعادة الصلاة لو وقعت مع النجس(2).
وحينئذٍ يقال: إنّه لو بقي لسان (لا تُعاد) مع إطلاق اللسانَين الأوَّلَين لأمكن الجمع بينهما، بأن يقال: إنّهما يدلان على الأمر بالجزء، ولا يدلان على
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث13. وسائل الشيعة 3: 466، الباب37 من أبواب النجاسات، الحديث1..
(2) تهذيب الأحكام 1: 421،422، كتاب الطهارة، الباب22، الحديث8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وجوب الإعادة لو أخل بالجزء، فـ(لا تعاد) يدل على عدم وجوب الإعادة، لكن اللسان الثالث بنفسه كاشف عن أنّ الملاك تداركي، ومعه يبطل الوجه العقلي الذي ذكرناه، ويبطل الجمع بين إطلاق حديث (لا تُعاد) ودليل الشرطية والجزئية.
وبتعبير آخر: إنّنا جمعنا بينهما لاحتمال أنّ التدارك غير ممكن أصلاً، ولسان الأمر بالإعادة يدلّ على أنّ التدارك ممكن، ومعه لا يُعقَل الجمع بين الجزئية وإطلاق حديث (لا تُعاد)، فيعود المحذور السابق.
وكلّ هذا الكلام مبنيٌ على أنّ كلمة طهور أُرِيد بها الطهارة الحدثية خاصّة، وأما إذا كانت تشمل الطهارة الخبثية فلا معنى للتمسك بإطلاق حديث (لا تُعاد).
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أن يصلّي بالنجس جاهلاً بالحكم سواء كان جهله جهلاً بالنجاسة، بأن كان لا يعلم بأنَّ المتنجس منجِّس، فصلّى في المتنجس، أو كان جاهلاً بالمانعية، كما لو كان يتخيَّل أنّ الأقل من الدرهم من البول كالدم غير مانع عن الصلاة، فصلّى فيه، ونفرض الجهل جهلاً تقصيرياً لا قصورياً، بأن كان شاكاً قبل الفحص، ولم يكن معذوراً في عمله.
يقع الكلام في مقامين:
الأول: ما إذا كان الجاهل المقصِّر ملتفتاً إلى شكّه ومتردداً بالفعل حين العمل.
الثاني: في مطلق الجاهل المقصِّر سواء كان متردداً بالفعل أو معتقداً بالعدم من باب الجهل المركب.
أما المقام الأول وهو الجاهل المقصِّر المتردد بالفعل، فلا إشكال في أنّ إطلاق أدلة مانعية النجاسة -سواء كانت بلسان جعل المانعية أو الشرطية أو بلسان وجوب الإعادة عند وقوع الصلاة بالنجس-، شاملٌ للجاهل المتردّد،
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ومقتضى ذلك بطلان الصلاة.
لكن يقع الكلام العلمي في: أنّ إطلاق أدلة المانعية هل يمكن رفع اليد عنها ببركة حكومة قاعدة “لا تعاد”، فإنّنا قلنا إنّها لا تشمل حالة العمد، ولكن لا بأس بشمولها لحالة الجهل -وإن كان تقصيرياً- مع التردّد، فيكون حاكماً عليها؛ لأنّه له نظر إليها، وإطلاقه مُقدَّم على إطلاقها.
وممّا لا ينبغي الاستشكال فيه أنّ حديث “لا تُعاد” لو أُلقي على العرف فهو لا يرضى بأن يتمسّك بإطلاقها لتصحيح صلاة هذا الجاهل.
إلّا أنّ الكلام يقع في النكتة التي من أجلها امتنع إطلاقها –أعني حديث “لا تعاد”- لمثل هذا الشخص، وما يمكن أن يقال في تقريب النكتة العرفية لذلك عدة أمور:
ما هو ظاهر كلام السيد الأستاذ(1) حيث قال: إنّ ظاهر قاعدة (لا تعاد) أنّها ناظرة إلى تشخيص الوظيفة بعد الفراغ عن العمل والانتهاء من الصلاة التي وقع فيها الخلل، ومن المعلوم أنَّ الجاهل لو كان غيرمتردد بالفعل، فيمكن أن يفرض فيه أنَّه يفرغ عن صلاته لأنّه يعتقد بصحتها، ثم يلتفت إلى نقصها فيسأل عن لزوم إعادتها وعدمه، وأما الجاهل المتردد بالفعل حين الصلاة، فهو
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 317،318.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
محكوم عليه ببطلان العمل حال العمل ولو بقاعدة الاشتغال، ومع الحكم بالبطلان لا معنى لأن يقال إنَّه قد انتهى من العمل فيسأل عن الإعادة.
وهذا الكلام بهذا المقدار ممّا لا أجد له محصِّلاً، لأنّ هذا الجاهل المتردّد حال الصلاة، لو كانت صلاته محكومةً بالبطلان في نظره واقعاً، لا معنى لأن يفرغ من صلاته، لأنّه لا ينافي قصد القربة، وإنّما هي محكومة بأصالة الاشتغال، وعدم جواز الاكتفاء بها، فهو بطلان ظاهري مع احتمال الصحة الواقعية، فهذا الكلام ما لم نضف إليه نكتةً أخرى لا نرى له محصِّلاً.
ما يظهر من المستمسك(1) حيث ذكر نكتةً عرفيةً مفادها: أنّ حديث “لا تُعاد” نَفيٌ للإعادة، في مقابل مقتضى القاعدة للإعادة، فهو نفي للإعادة الثابتة لولا هذا النفي. فكأنه يسقط هذا المقتضي، وحيث إنّ قاعدة “لا تُعاد“ ناظرةٌ إلى ما بعد الفراغ عن العمل، وتكون في مقام إسقاط مقتضى الإعادة، فلا بُدّ أن ينظر إلى أنّ مقتضى الإعادة متى يحدث؟ هل يحدث بعد الفراغ عن العمل؟
فإن كان الجاهل غير متردد، فمقتضى الإعادة يحصل عنده بعد العمل، وأمّا في حال الصلاة فهو معتقد بالصحة، وأمّا الجاهل المتردِّد بالفعل فمقتضى الإعادة موجودٌ عنده؛ لأنّها محكومة بالبطلان.
فإذا كان مفاد قاعدة “لا تعاد“ إسقاط الإعادة في مقابل مقتضى الإعادة
ــــــــــ[22]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى (الحكيم) 1: 528، طبعة دار التفسير..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الذي يحدث بعد العمل، فلا تكون شاملةً للجاهل المتردِّد.
وهذا أيضاً لا نرى له محصِّلاً؛ لأنّ حديث “لا تُعاد” وإن كان ناظراً إلى ما بعد الفراغ عن العمل، وكان في مقابل مقتضى الإعادة -كما قيل- لكن من أين يقال: إنّ مقتضى الإعادة يجب أن يكون حدوثه بعد الفراغ عن العمل؟ بل إنّ مقتضى إطلاق حديث “لا تعاد”: أنّ كلّ صلاةٍ فرغ عنها مصلّيها، فأنا أُلغي مقتضى الإعادة لها -سواء كان المقتضي قد حدث من أوّل الأمر أو حدث بعد العمل-، ومعه فيمكن أن يكون الإلغاء بعد العمل لمقتضٍ حادث من أوّل الأمر.
وهو الصحيح الذي به يمكن أن يُقرّب عدم شمول حديث “لا تُعاد“ للجاهل المقصِّر المتردد بالفعل: أنّ هذا الجاهل كان مأموراً بقطع الصلاة بمقتضى وظيفته الفعلية، والشارع لم يكن يرضى منه هذه الصلاة، فلو سأل الشارع في أثناء الصلاة عن حكمه لأمره بالإعادة، لأنّ حديث “لا تُعاد“ يجري بعد الفراغ عن العمل، ولا يجري في أثنائه، لكن بمجرد أن ينتهي من الصلاة يقال له: لا تعد فإن صلاتك صحيحة.
ومثل هذه الصحة التي أُنيطت بمجرد الانتهاء من العمل الذي كان محكوماً بالبطلان ليست أمراً عرفياً، بأن يكون الفراغ عن العمل الباطل موجباً لصحته، بخلاف الجاهل المركب، فإنّه يمكن أن نستكشف من حديث “لا
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
تُعاد“ أنَّ صلاته صحيحة من أوّل الأمر.
وإن شئتم قلتم: إنّ مفاد “لا تعاد“ ليس هو تصحيح العمل بعد الفراغ، بحيث ينقلب من البطلان إلى الصحة، بل مفادها جعل العمل صحيحاً من أول الأمر، فهي إرشاد إلى الصحة من أول الأمر، وهذا أمرٌ معقول في موارد الجهل المركّب. وأمّا في مورد الجهل مع التردد الفعلي قبل الفحص، فلا معنى لأن يلتزم بصحة صلاته من أول الأمر، وهذا بيان صحيح في توضيح عدم شمول القاعدة للجاهل المتردد.
إنَّه تارةً: نفرض أنّ قاعدة “لا تعاد“ تأتي في مقام الجواب على سؤال بنحو القضية الخارجية، كما لو صلّى شخص بدون فاتحة الكتاب وجاء يسأل فهذا قد يفرض أنّه جاهل مقصّر، وأخرى يفرض كونه جاهلاً قاصراً.
وثانيةً: نفرض أنّ الإمام يتصدّى لبيان الوظيفة بنحو القضية الكلية، وبيانها بلسان نفي الإعادة، في مقابل الإعادة لا بلسان نفي القطع في مقابل القطع، وهذا معناه: أنّ المولى أعمل المولوية في تشخيص الوظيفة بعد العمل لا في أثنائه، وحينئذٍ فعدول المولى عن تشخيص الوظيفة من أثناء العمل إلى ما بعده نكتته واضحة في الجاهل المركّب فإنَّه في أثناء العمل لا يلتفت إلى ذلك، فيتعيَّن تعيين الوظيفة له بعد العمل. وأمّا الجاهل المتردد بالفعل، فالعدول إلى حال الانتهاء من العمل بلا نكتة عرفية، فيكون ذلك نكتةً عرفيةً دالةً على أنّ
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الإمام يتكلّم عن شخص لا يستحق جعل الوظيفة في أثناء العمل، وهو منحصر في الجاهل المركّب دون الجاهل المتردّد.
في الجاهل المقصّر ولكنّه لم يكن ملتفتاً حين العمل، فهل يحكم ببطلان صلاته أم لا؟
لا إشكال في أنّ أدلة المانعية والشرطية لها إطلاق لمحل الكلام، ومقتضاها بطلان الصلاة في المقام وعدم جواز الاكتفاء بما أتى به، لكن يقع الكلام في جريان قاعدة (لا تُعاد) وعدمه.
والصحيح جريانها، لأنّ كِلا الوجهين اللذين ذكرناهما في الجاهل المتردد لا يجريان في المقام، أمّا الوجه الثالث فلوضوح أنّنا نختار أنّ قاعدة (لا تُعاد) تنفي أصل الجزئية والشرطية والمانعية من أول الأمر، وأن هذه الأمور مقيَّدة بالملتفت إليها ولو احتمالاً.
وغاية ما يلزم هو أنّه لو لم يكن ملتفتاً إلى الشرطية أو الجزئية لم يكن مُعاقبَاً عليها، وهذا لا بأس بالالتزام به في تمام الأجزاء غير الركنية، كما التزموا به في الجهر والإخفات والقصر والتمام. وتكون صلاته صحيحةً واقعاً، ولا يلزم من ذلك عدم وجوب الفحص، لأنّه فرع الالتفات وهو بمجرد أن يلتفت يدخل في المتردّد فيجب عليه الفحص.
وكذلك لا يأتي الوجه الرابع، لأنّه لا يمكن تشخيص وظيفته إلّا بعد
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
العمل، إذن فنكتة العدول من أثناء العمل إلى ما بعده محفوظةٌ في الجاهل المركّب.
ومقتضى ذلك هو التفصيل في الجاهل المقصّر بين المتردّد في أثناء العمل، وبين غير الملتفت في أثنائه، فتجري قاعدة “لا تُعاد“ في الثاني دون الأول.
إلّا أنّ هنا بياناً ذكره السيد الأستاذ(1) على أنَّ الجاهل مطلقاً لا يمكن أن تشمله إطلاق قاعدة “لا تُعاد“، ولهذا جعلنا المقام الثاني أوسع من الأول، لأنّ قاعدة “لا تُعاد“ لو شملت الجاهل بالحكم على الإطلاق وأخرجته من أدلة المانعيّة، يبقى الذي يجب عليه الإعادة هو العالم بالحكم، ومن المعلوم أنّ هذا فردٌ نادر جداً، فإنّ الذي يعلم بالنجاسة والمانعيّة ويصلّي بها في غاية القلّة.
إذن فتحكيم قاعدة “لا تُعاد“ بأدلّة الشرطية يوجب تخصيصها بفردٍ نادرٍ، إذن فلا بُدّ من إدخال الجاهل بالحكم تحت دليل (يُعيد) لا تحت دليل “لا تُعاد“ وإذا أوجبنا عليه الإعادة، يبقى تحت دليل (لا تُعاد) أفرادٌ كثيرةٌ من الناس.
وهذا ظهر جوابه مما ذكرناه، لأنّ الجاهل بالحكم لا ننظر إليه بنحو مترابط بكلا قسميه. توضيحه: أنّنا لو كنّا نقول: إنّ قاعدة “لا تُعاد“ تشمل كِلا الجاهلَين
-المتردّد والمركّب- للزم المحذور.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
( ) فقه الشيعة (مدارك العروة الوثقى) 4: 140، مؤسسة الآفاق..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأمّا بعد أن بيّنا أنّ الجاهل المتردّد خارجٌ عن إطلاق قاعدة “لا تُعاد“ في نفسها، فهو داخل تحت دليل (يُعيد) دائماً، وإنّما الكلام في الجاهل غير المتردّد، وهو لو أدخلناه تحت قاعدة “لا تعاد“ فإنّه يبقى تحت دليل (يُعيد) أفراد كثيرة، فإنّ الجاهل المتردّد الذي يُصلِّي بالنجاسة فردٌ شائع في كثير من العوام.
نعم، لو تمّ أحد الوجوه التي سوف نذكرها في الصورة الثالثة لعدم شمول قاعدة “لا تُعاد“ للجاهل بعد الفحص، فإنّها تجري في المقام أيضاً، لأنّ الجاهل المقصّر ليس بأحسن حالاً من القاصر.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
في الجاهل القاصر، وهو الذي فحص ولم يجد دليلاً، كالمجتهد الذي فحص ولم يجد دليلاً على أنّ المتنجّس يُنجّس، فصلّى في النجس، ثم وجد دليلاً على ذلك، فهل يجب عليه إعادة الصلاة أو لا؟
وهذا أيضاً يشمله إطلاق أدلة المانعيّة ومقتضاها بطلان صلاته.
وإنّما الكلام في أن قاعدة “لا تُعاد“ هل لها إطلاق له أو لا؟ قد يُقال بعدم شمولها له بأحد وجوهٍ أربعة إن تمّ أيّ واحدٍ منها، فإنّه يسري إلى الجاهل المقصّر أيضاً.
أن يقال: إنّ حديث “لا تُعاد“ استثنى منه الطهّور والطهَّور إمّا أن نقول إنّه ظاهر بمطلق الطهارة الحدثية والخبثية، أو نقول بإجماله بنحوٍ قابلٍ لإرادة المطلق والمقيَّد،
فإن ادّعينا ظهوره بالمطلق، فحديث “لا تُعاد“ يكون مؤكدّاً للمانعيّة ولدليلها.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وإن ادّعينا الإجمال فيصير من قبيل المخصِّص المتصّل المجمل المردّد أمره بين الأقل والأكثر، لأنّ قاعدة “لا تُعاد“ خُصّصت بخمسة أمور أحدها الطهور، وهو مردّد بين الأقل والأكثر، فيسري إجماله إلى العام، فلا يمكن التمسّك به، فيبقى تحت أدلة المانعيّة، ومقتضاها البطلان ووجوب الإعادة. وهذا الوجه يختصّ بخصوص الجاهل بالحكم في الطهارة الخبثية.
وقد أجاب السيد الأستاذ(1) عن ذلك باستظهار أنّ كلمة (الطهَّور) أُرِيد بها الطهارة الحدثية خاصّة، والقرينة التي استشهد بها ما ورد في ذيل الحديث من قوله: “القراءة سنة والتشهد سنة والسنة لا تنقض الفريضة”(2).
حيث فسّر السنة بما سَنَّه رسول الله وألزم به والفريضة بما فرضه الله تعالى، وبناءً عليه لا بدّ أن تكون الخمسة ممّا فرضها الله تعالى، ونحن إذا لاحظنا القرآن الكريم نجده متكفلاً بالركوع والسجود والقبلة والوقت والطهارة الحدثية، وأمّا الطهارة الخبثية فلم يُشر إليها في القرآن. وهذا قرينةٌ على أن المستثنى من قاعدة “لا تُعاد“ خصوص الطهارة الحدثية، فتكون الطهارة الخبثية داخلةً في المستثنى منه.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة (مؤسسة الآفاق) 4: 145.
(2) وسائل الشيعة 6: 91، الباب29 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث5. تهذيب الأحكام 2: 152، كتاب الصلاة، الحديث55. من لا يحضره الفقيه 1: 339، باب أحكام السهو في الصلاة، الحديث992.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهذا يرد عليه اعتراضان:
الاعتراض الأوّل: ما أشرنا إليه في بعض الأبحاث السابقة من احتمال أنّ الطهارة الخبثية مشارٌ إليها في القرآن ومشرّعةٌ فيه، فإنّ قوله تعالى: وَثِيَاْبَكَ فَطَهِّرْ(1) إن لم يكن ظاهراً في الطهارة الشرعية، فلا أقلّ من احتماله. وهو يكفي لإسقاط القرينية، فإنّ القرينة متقوّمةٌ بإحراز أن تكون الطهارة الخبثية غير مشرّعة في القرآن.
فإن قيل: إنَّ (طهِّر) أمر شرطيٌّ بلحاظ الصلاة فلعله أمرٌ نفسيٌ.
قلنا: إنّ هذا الاحتمال بنفسه يتطرّق إلى الأوامر بالركوع والسجود أيضاً، فإنَّهما لا شكّ من أفضل العبادات النفسية، وإن ادّعينا الانصراف إلى أنّ هذه الأوامر بلحاظ الصلاة، فلماذا لا يكون ذلك بالنسبة إلى الجميع.
الاعتراض الثاني: أنّ كلمة سنّة وفريضة لها معنيان:
أحدهما: أنّ السنّة ما سنّه رسول الله بنحو الإلزام، والفريضة ما فرضه الله تعالى بنحو الإلزام.
وثانيهما: أنّ السنّة بمعنى المستحب في مقابل الفريضة بمعنى الواجب.
وهذه القرينة تتوقّف على تعيين المعنى الأول، وأمّا إذا كان المراد المعنى الثاني فكأنّه يريد بيان قاعدة في نفسها، وهي أنّ المستحبات لا تُبطل صلاة الفريضة، إذن، فلا بُدّ لصاحب هذه القرينة أن يعيّن المعنى الأوّل.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) المدّثّر: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وما قد يقال لتعيين المعنى الأوّل: إنّ المعنى الثاني لا يناسب التشهّد والقراءة، لأنّها واجبةٌ وليست مستحبةً، فيتعين أن يراد المعنى الأوّل من السنّة والفريضة.
إلّا أنّ هذا الشاهد غير صحيح، لأنّ هذه الرواية رواها الصدوق في الفقيه بهذا النحو الذي قرأناه: “لا تُعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود؛ ثمّ قال: القراءة سنّة، والتشهد سنّة والسنة لا تنقض الفريضة”(1)، ورواه الصدوق نفسه في الخصال بإسناد صحيح أيضاً نقله في الوسائل في أوائل أبواب أفعال الصلاة، بزيادة: “والتكبير سنّة، والسنة لا تنقض الفريضة”(2).
ومن المعلوم أنّ هذه الزيادة مقدّمة وحاكمةٌ على تلك النقيصة، فيبنى على وجودها، ومعه فهل يراد بالتكبير تكبير الإحرام أو غيره؟
فإن أراد تكبيرة الإحرام فيقع الكلام في أنّ نسيانها ينقض الفريضة، فيقع التعارض بين هذه الرواية والروايات الدالة على أن نسيانها مبطل للصلاة.
وإن أراد بالتكبير غير تكبيرة الإحرام فيكون معنى السنّة المستحبّ، فيناسب المعنى الثاني، وأمّا التشهّد والفاتحة فهو يناسب المعنى الأوّل، ولا معيّن لأحد الاحتمالين في مقابل الآخر.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 339، باب أحكام السهو في الصلاة، الحديث992. تهذيب الأحكام 2: 152، كتاب الصلاة، الباب9، الحديث5.
(2) الخصال 1: 285، لا تعاد الصلاة الا من خمسة، الحديث35. وسائل الشيعة 5: 471، الباب1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث14.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
مضافاً إلى أنّه قد يقال: إنّ القراءة مما فرضه الله تعالى بقوله: وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(1) فالتعبير بقرآن الفجر عن صلاة الفجر باعتبار أنّ القرآن جزء مهمّ منها. فهذا مشكّك آخر في المعنى الذي ذهب إليه السيد الأستاذ، ومعه لا يثبت المعنى الأوّل في مقابل الثاني، فلعل الرواية دالة على استحباب القراءة والتشهدّ تقيةً، كما هو وارد في روايات أخرى. فتكون العبارة مجملةً، ومعه يسري الإجمال إلى أصل الحديث، لأنّ المخصّص متصّلٌ. ولا يمكن التمسّك بقاعدة “لا تُعاد“.
وهذا وجه صحيح، مختصّ بالجهل بالحكم في الطهارة الخبثية سواء كان قاصراً أو مقصراً، وما قلناه في الصورة السابقة من عدم الشمول كان بقطع النظر عن هذا الوجه.
وهو يختصّ أيضاً بخصوص الجاهل بالحكم بالطهارة الخبثية وحاصله: أنّ الصلاة جهلاً مع بعض الموانع ورد في بعض الروايات بلسان (لا تصلّ فيه) أو بلسان (الأمر بالإعادة) في عرض بيان النجاسة:
1- من قبيل رواية خيران الخادم قال: كتبت إلى الرجل أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلّي فيه أم لا؟ فإنَّ أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال: بعضهم صلّ فيه فإنَّ الله إنّما حرَّم شربها وقال بعضهم لا تصلّ فيه، ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) الاسراء: 78.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فكتب: “لا تصلّ فيه فإنه رجس”(1) فبيّن الحكم معللاً بكونه نجساً.
وهذا وارد في مورد عدم وصول النجاسة، لأنّ خيران الخادم لم يكن يعلم بالنجاسة، فلو كان الجاهل بالحكم صلاته صحيحةٌ لكان اللازم أولاً إيصال حكم النجاسة إليه، ثم بيان البطلان بأن يقول: الخمر نجّسه فصلاتك معها باطلة، بينما الإمام عكس ذلك وحكم بالبطلان معللاً بالنجاسة.
2- وكذلك رواية أخرى في نفس الباب عن أبي عبد الله قال: “إذا أصاب ثوبك خمرٌ ونبيذٌ أو مسكر فاغسله إن عرفت موضعه وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله وإنَّ صلّيت فيه فأعِد صلاتك”(2) حيث بيّن فيه وجوب إعادة الصلاة في عرض بيان النجاسة، مع أنّ الراوي كان جاهلاً بالحكم في المرتبة السابقة، فكيف يمكن إخراج الجاهل بالحكم عن إطلاق هذه الأدلّة بلحاظ حديث “لا تعاد“.
وجوابه: أنّنا لا نُخرج كل الصوّر عن حديث “لا تُعاد“، فإنّنا قلنا بأنّ الجاهل المتردّد بالفعل كخيران الخادم لا تشمله قاعدة “لا تُعاد“. فتلك القاعدة لا تُوجب إلغاء مورد الرواية، بل تُوجب تقييدها ولا بأس به.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 421، كتاب الصلاة، الباب61، الحديث5. تهذيب الأحكام 1: 279، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث106. وسائل الشيعة 3: 418، الباب13 من أبواب النجاسات، الحديث2.
(2) الكافي 6: 420، كتاب الصلاة، الباب61، الحديث4. تهذيب الأحكام 1: 270، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث105..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهو لو تمّ فلا يُفرَّق فيه بين الجهل بحكم النجاسة أو بجزئية السورة.
وهو ما أفاده المحقّق النائيني(1) فإنّه قد اختار عدم شمول قاعدة “لا تُعاد“ لموارد الجهل بالحكم ببيان: إنّ نفي الإعادة إنّما هو في حقّ شخص لولا النفي لخوطب بالإعادة، ومن الواضح أنّ هذا ينطبق على الناسي ولا ينطبق على الجاهل، فإنّ الناسي بنسيانه أوجب سقوط الأمر الأول، لأنّ تكليفه غير معقول، وبعد أن صلّى وانتهى ارتفع نسيانه، فيتوجّه إليه أمر جديد بالإعادة، لأنّه صلّى صلاةً ناقصة، إذن فهو لولا ورود حديث “لا تعاد“ لخوطب بالإعادة، فيشمله حديث “لا تُعاد“. وأمّا الشاكّ والجاهل، فحيث إنَّ الشكّ والجهل لا يُسقِط الخطاب الواقعي، لأنّه غير منوط بالعلم، بل غايته أنّه يكون معذوراً لو كان قاصراً، فبعد انتهائه لو ارتفع جهله وعلم بالجزئية يكون نفس الخطاب الأوّل باقياً في حقّه، لا أنّه ينشأ خطاب آخر، لأنّ نشوء خطاب آخر فرع سقوط الخطاب الأوّل. وهو لا موجب لسقوطه، فلا موجب لشمول حديث “لا تعاد“ له، لأنّ الحديث ينفي خطاب (أعد)، لا خطاب (صلّ) بفاتحة الكتاب.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
(1) انظر: كتاب الصلاة (النائيني طبعة جامعة المدرسين.) 1: 203، 2: 194. التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 319 (موسوعة السيد الخوئي)..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهذا الكلام يرد عليه اعتراضان:
الاعتراض الأول: إنّ هذا الكلام لو تمّ فإنّما يتمّ في حقّ الجاهل المتردّد بالفعل، دون الجاهل المعتقد بالعدم، فإنّ الجاهل المركّب لا فرق بينه وبين الناسي.
توضيح ذلك: أنّ الخطابات الواقعية مثل (صلّ بفاتحة الكتاب):
إمّا أن نقول: إنّ مفادها إيجاد المحركيّة الفعلية من قِبل المولى.
وإمّا أن نقول: إنّ مفادها إيجاد المحركيّة الطبعية الشأنية، بحيث لو وصل الخطاب إلى المكلّف لتحرك.
فإن قلنا بالأول، إذن فهو غير معقول لا في حقّ الناسي، ولا في حقّ الجاهل المركّب حال كونه ناسياً أو جاهلاً مركبّاً. نعم، يُعقَل محركيّته في حقّ الشاكّ ولو بداعي الاحتياط، وبعد ارتفاع الجهل والنسيان يأتي خطابه أعد فيشمله حديث “لا تعاد“.
وإن قلنا بالثاني فهذه المحركيّة الشأنية كما هي معقولة في حقّ الجاهل المركّب هي معقولة في حقّ الناسي أيضاً، ومعه فيُعقل توجيه الخطاب إليهما معاً، فأين الخطاب الثاني؟!
إذن فهذا بيان لو تمّ فيختصّ بالجاهل المتردّد بالفعل، وأمّا الجاهل المركّب فحاله حال الناسي.
الاعتراض الثاني: أنّنا لو سلّمنا أنّ الخطاب الواقعي يسقط عن الناسي
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
دون الجاهل، ثم يأتي خطاب آخر في حقّ الناسي هو خطاب (أعد)، وأمّا الجاهل فيبقى الخطاب الأوّل على حاله في حقّه وهو (صلِّ بفاتحة الكتاب).
نقول: هل مرادكم في أنّ الحكم المجعول من قبل المولى الذي يتوجّه إليه بعد التفاته، وهو حكم بالإعادة أنّ الواجب يكون هو عنوان الإعادة؟ فهذا غير صحيح حتّى في الناسي، فإنّ الخطاب يرجع له كما سقط وهو (صلِّ بفاتحة الكتاب)، لأنّه ليس عندنا إلّا دليلٌ واحدٌ سقط للنسيان، وبعد التذكّر يرجع إليه نفس الخطاب.
وإن كان مقصودكم أنّ الصلاة يُنتزَع منها عنوان الإعادة، لأنّها وجود ثانٍ للفرد الناقص، وإن كان المولى أمر بالصلاة بفاتحة الكتاب لا بعنوان الإعادة، إذن فهذا موجودٌ حتّى في الجاهل الذي يبقى الخطاب الأوّلي على حاله بالنسبة إليه، فإنّه يُنتزَع من المأمور به بقاءً عنوان الإعادة، وإن كان لا يُنتزَع ذلك حدوثاً، إذن فلا فرق بين الجاهل والناسي من هذه الناحية. فهذا البيان لا يرجع إلى محصّل.
لعدم شمول “لا تعاد” للجاهل بالحكم. وهو يختص بالجاهل بالحكم بالنجاسة ولا يتمّ في غيرها من الأجزاء والشرائط، وهذا بعينه هو حال الوجه الأوّل والثاني بخلاف الثالث فإنّه -لو تمّ- كان شاهداً لسائر الأجزاء والشرائط.
وحاصله: تسليم أنّ إطلاق حديث “لا تعاد” يقتضي الشمول للجاهل
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بالحكم لأنّه ليس في مقابلها إلّا أدلّة الشرطية والمانعية، ومن الواضح أنّ حديث “لا تعاد” يتقدم عليها بالحكومة. لكن عندنا معارض لحديث “لاتُعاد“ يقول: (أعد) وهي رواية عبد الله بن سنان قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم قال: إن كان قد علم أنَّه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلّي ثم صلّى فيه ولم يغسله فعليه أن يُعيد ما صلّى، وإن كان لم يعلم به فليس عليه الإعادة، وإن كان يرى أنّه أصابه شيء فنظر فلم يرَ شيئاً أجزأه أن ينضحه بالماء“(1).
والفقرة التي يُدّعى كونها معارضةً لحديث “لا تُعاد“ هي قوله: “إن كان قد علم… إلى قوله: أن يُعيد ما صلّى”.
وتقريب المعارضة: أنّ هذه الفقرة أمرت بالإعادة، وأُخِذ في موضوع الأمر أن يكون الإنسان عالماً بأنّه أصابه دم أو منيّ، ولكنّه مطلق من حيث إنّه يعلم بنجاسته ومانعيته أو لا؟ فيشمل الجاهل بالنجاسة والمانعية، فالجاهل مشمول لخطاب (أعد) ولحديث “لا تُعاد“ فلا تكون قاعدة “لا تُعاد“ حاكمة على هذا الدليل كما تحكم على دليل الشرطية والمانعية، لأنّ قاعدة “لا تُعاد“ حين نقايسها إلى دليل الشرطية والمانعية نجدها في رتبتين، بخلاف هذه الرواية فإنّها في رتبتها، ومعه فتتساقط الروايتان ونرجع إلى مرجعٍ فوقانيٍّ وهو إطلاق حديث (لا صلاة
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 406، كتاب الصلاة، الحديث9. الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث8. وسائل الشيعة 3: 475، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إلّا بطهور)، وهذه الصلاة وقعت بدون طهارة فيثبت بطلان الصلاة.
والكلام في هذا الوجه يقع في مقامين:
في أصل أنّ رواية عبد الله بن سنان تكون شاملة للجاهل بالحكم حتى تعارض حديث “لا تُعاد“ بلحاظه أو لا؟ وبعد أن نفرغ من شمولها له، ومن وقوع التعارض، هل يكون بينهما حكومة أو لا؟
والظاهر أنّ رواية عبد الله بن سنان منصرفةٌ عن الجاهل بالحكم ومخصوصةٌ بالعلم، فإنّ الفقرة المستدلّ بها إن جمدنا على حاق لفظها لقلنا: إنّ الشرط هو أن يعلم أنّ على ثوبه منيّاً أو دماً سواء كان يعلم بنجاستها أو لا؟ والجاهل بالحكم يعلم أنّه أصاب ثوبه دمٌ، ولكنّه لا يعلم بنجاسته، ولكن ليس من البعيد عرفاً أن يدّعى أنّ المنصرف من العلم بالدم إلى العلم بالنجاسة أي العلم بالدم بما هو نجس، لأنّ النجاسة هي الصفة المركوزة في ذهن المتشرعة التي تعتبر القدر المشترك بين الدم والجنابة.
والقرينة على ذلك من الرواية قوله في آخرها: “وإن كان يرى أنّه أصابه شيء فنظر فلم يرَ شيئاً أجزأه أن ينضحه بالماء” فإنّه لا يناسب الجاهل بالحكم فإنّه لا ينظر أنّه هل أصابه أو لا؟ ولا يناسب قوله: “أجزأه” الخ. فالكلام إذن عن شخص يلتفت إلى محذور النجاسة. والموضوع في كل فروع الرواية واحدٌ.
إذن فالمقصود من الدم والجنابة بما هي نجاسة، لا بما هي موجودة تكويناً،
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ومعه لا تكون المعارضة واقعةً بينها وبين حديث “لا تعاد“.
إنّنا لو تنزّلنا وجمدنا على حاقّ العبارة، فيقع التعارض بين الرواية والحديث، وهنا أولاً: لا بدّ أن ننظر إلى النسبة ما بينهما ما هي؟ ثم نتكلّم أنّه هل تتقدّم قاعدة “لا تعاد“ بالحكومة أو لا؟ أمّا النسبة بينهما ففيه ثلاث فرضيات:
الفرضية الأولى: نسبة العموم من وجه
إنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه، لأنّ قاعدة “لا تعاد“ والرواية ينطبقان على العالم بوجود الدم الجاهل بحكمه، والعموم في قاعدة “لا تعاد“ هو أنّها تشمل غير العالم بالدم، ورواية عبد الله بن سنان خاصّة بالعالم به، والعموم في هذه الرواية هي أنّها شاملة لما إذا كان عالماً بأنّ ما أصابه دمٌ وعالماً بمانعيته ونجاسته، وهذا خارج عن إطلاق قاعدة “لا تعاد“ لما سبق أن قلناه من أنّ إطلاقها قاصر الشمول له.
وعلى هذه الفرضية هل هناك حكومة لقاعدة “لا تعاد“ على الرواية أو لا؟ إنّ تقديمها بالحكومة يكون ببيانين أحدهما لا يتم والآخر يتم:
البيان الأول: أنّ الروايتين في مرتبتين بمعنى أنّ حديث “لا صلاة إلّا بطهور” يتعرّض إلى أصل الشرطية والمانعية، وأمّا أنّ المكلّف إذا ابتليَ بذلك فهل يجتزئ بصلاته أو لا، فإنّه لا يتعرّض له بمدلوله المطابقي -وإن تَعرَّض له بالالتزام- وحديث “لا تعاد“ لا يتعرّض إلى ذلك -أي المدلول المطابقي لتلك
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الرواية- بل يعالج المرتبة الثانية، فباعتبار أنّ المنظور المطابقي لحديث “لا تعاد“ في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن المنظور المطابقي لدليل الشرطية والمانعية يقال بحكومته عليه عرفاً بإعمال مفاد حديث “لا صلاة إلّا بطهور” بلحاظ المرتبة الأولى، وإعمال حديث “لا تعاد“ في المرتبة الثانية، فحينئذٍ يصحّ القول هنا بأنّ هذا البيان لا يأتي في رواية عبد الله بن سنان، لأنّها بمدلولها المطابقي تعالج المرتبة الثانية ابتداءً، لأنّها تأمر بالإعادة، فالحكومة غير متحقّقة.
إلّا أنّ هذا البيان في نفسه غير صحيح، لما أشرنا إليه من أنّ قاعدة “لا تعاد“ تعالج المرتبة الأولى لا المرتبة الثانية، فإنّها تخصيص لأدلّة الشرطية والمانعية، وإرشاد عرفيٌّ إلى رفعها لا إلى تصحيح الباطل، بل المراد جعله صحيحاً من أول الأمر.
كما أنّ الأمر بالإعادة لا يعالج المرتبة الثانية، بل يحافظ على إطلاق أدلة الشرطية والمانعية، فالأدلة الثلاثة حديث “لا تعاد“ ورواية عبد الله بن سنان وحديث “لا صلاة إلّا بطهور” في مرتبةٍ واحدة.
البيان الثاني: وهو الصحيح لحكومة قاعدة “لا تعاد“ وهي أنّها جاءت في مقام تفسير أدلة الشرطية والجزئية والمفسِّر يُقدَّم على المفسَّر. ويُعرَف التفسير إمّا بأداة التفسير كـ(أعني وأقصد) وإمّا من قرينة معنوية من لسان الدليل، وهي أنّ المفسَّر أُخذ مفروغاً عنه في لسان المفسِّر وهذا ثابت في دليل “لا تعاد“.
وهذا المطلب لا يفرّق فيه بين رواية عبد الله بن سنان وحديث “لا صلاة
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إلّا بطهور”، فإنّهما معاً من أدلّة الشرطية، وحديث “لا تعاد“ يُشير إلى تمام أدلة الشرطية بنحو الإجمال.
الفرضية الثانية: نسبة العموم المطلق
الفرضية الثانية للنسبة بين الروايتين أنّها العموم المطلق، بمعنى أنّ رواية ابن سنان أخصّ مطلقاً من حديث “لا تُعاد“ بناءً على أنّ “لا تُعاد“ يشمل بمدلوله اللفظي حتى العالم العامد، وإنّما أخرجناه بمخصِّص منفصل، لا بمخصِّص لُبّي متصل -كما أسلفناه-.
وورد على هذا الإطلاق مخصِّصان أحدهما أخرج العالم العامد، والآخر أخرج الجاهل وهو رواية ابن سنان، فيكون كلاهما مخصِّصاً له، وتكون النسبة هي العموم المطلق.
وعلى هذه الفرضية لا تتمّ الحكومة، لأنّها إنّما تتمّ في دليل يصلح للتفسير، لا في دليل يكون مساوقاً للإلغاء، وهنا لو كانت قاعدة “لا تعاد“ عامة للعالم والجاهل، وللنجاسة وغيرها، فهو إلغاء لسائر الأدلة، لا أنّه مفسِّر ومقيِّد لها، فلو تقدّم عليها يلزم إلغاء رواية عبد الله بن سنان.
الفرضية الثالثة: نسبة العموم المطلق بلحاظٍ آخر
إنّ النسبة هي العموم المطلق، وإنّ رواية عبد الله بن سنان أخص مطلقاً من حديث “لا تعاد“، لكن لا على ذلك المبنى، بل بلحاظ إخراج العالم العامد تحت كِلا الدليلين.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أمّا حديث “لا تعاد“ فلبعض ما تقدّم، وأمّا رواية عبد الله بن سنان، فلأنّ فرض إنسان يعلم بالنجاسة والمانعية ويصلّي معناه لقلقة اللسان والجوارح، لا أنّه يصلّي جدّاً، وهو خلاف ظاهر العبارة، فإنّ قوله: “يصلّي” هو فرضُ الصلاة بنحوٍ متعارف جدّيّ لا هزْليّ أو تشريعيّ، فيكون العالم العامد خارجاً عن كِلا الإطلاقين بقرينة متّصلة، فتكون رواية عبد الله بن سنان أخص مطلقاً من حديث “لا تعاد“، لأنّها تختصّ بالجاهل بالحكم، والنتيجة هي تعذّر الحكومة.
اللهم إلّا أنّ يقال: إنّ الحكم هنا يُتصوّر بالتفسير بنحوٍ آخر، فإنّ الحكم التفسيريّ:
تارةً يكون تفسيره بمعنى المخصِّص والمقيِّد.
وأخرى بمعنى أنّه يُحمَل على الاستحبا.
فقاعدة “لا تعاد“ لو لوحظت النسبة بينها وبين المطلقات الأعمّ منها كقاعدة “لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب” أو قاعدة “لا صلاة إلّا بطهور”، كانت الحكومة تخصيصيةً.
وأمّا لو لوحظت قاعدة “لا تعاد“ مع رواية واردة في خصوص الجاهل والناسي، فيقال: إنّ القاعدة تكون حاكمة ومفسِّرة له بحمله على الاستحباب.
وهذا الكلام يتمّ بناءً على أنّ حديث “لا تعاد“ بعد أن فرغ من وجود أجزاء وشرائط معتبرةٍ في الصلاة ونظر إليها لا بدّ من أنّه شخّص ما فرغ منه، فهل فرغ من وجود أشياء معتبرةٍ لزوميّةٍ، أو الأعم منه ومن الأمور الاستحبابية.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فإن استظهرنا الأوّل ينحصر التفسير في قاعدة “لا تعاد“ بالتقييد، ولا معنى للحمل على الاستحباب، لأنّه خُلف كونه فرغ من أجزاء لزومية، فتكون حكومة قاعدة “لا تعاد“ تخصيصيةً دائماً.
وإن استظهرنا الثاني فيمكن أن تكون حاكمية قاعدة “لا تعاد“ أحياناً بالتخصيص إذا كان أصل المطلب لزوميّاً، أو بالحمل على الاستحباب إذا كان أصل المطلب غير محرَز اللزومية في المرتبة السابقة، فحكومة قاعدة “لا تعاد“ منوطةٌ بهذا الاستظهار، فتتمّ الحكومة حتّى بناءً على الأخصّية، فإنّه إن كان أعم خصّصته، وإن كان أخصّ حُمل على الاستحباب.
إذن فلا يوجد وجه لجريان قاعدة “لا تعاد“ في الجاهل، فإذا كان جاهلاً قاصراً فإنّه تجري في حقه قاعدة “لا تعاد“، وإن كان مقصّراً غير متردّدٍ فكذلك، وإن كان مقصّراً متردّداً فلا تجري في حقه.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الصورة الرابعة ما إذا صلّى بالنجاسة جاهلاً بالموضوع، وهو وجود النجاسة على ثوبه، وبعد الفراغ التفت وحصل له العلم بوجود الدم على ثوبه، والكلام يقع في مقامين:
لا بدّ أوّلاً من النظر إلى أدلّة المانعية والشرطية، ليُرى أنّها هل فيها إطلاقٌ لمن صلّى جاهلاً بوجود النجاسة؟ ومن المعلوم أنّ جملةً منها وإن لم يكن لها إطلاق لمحلّ الكلام، كروايات غسل البدن أو الثياب أو الأواني، فإنّها وإن كانت ناظرةً إلى الشرطية والمانعية، ولكن ليس لها إطلاقٌ، فإنّ غاية ما يستفاد منها هو ثبوت الشرطية والمانعية مع فرض العلم بوقوع النجس وليس لها إطلاق لورود الجهل به، فلو بقينا نحن وهذه الروايات لما أمكن إثبات المانعية
ــــــــــ[44]ــــــــــ
() أقول: قسَّم سيدنا الأستاذ الكلام في الصورة الرابعة التي بيدنا إلى مقامين، جعل الكلام في الروايات الخاصّة بطوائفها الأربع هو المقام الثاني، وجعل قبل ذلك مقاماً أولاً حول مقتضى القاعدة في محل الكلام وهو مقام مختصر نذكره في المقام كاستدراك، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المطلقة. إلّا أنّه يوجد جملةٌ أخرى من الروايات كافيةً لإثبات الشرطية والمانعية بقول مطلق بحيث تشمل الجهل بالموضوع.
1- منها: رواية زرارة: “لا صلاة إلّا بطهَّور”(1) فإنّه لم يفرّق فيها بين صورة الجهل والعلم، وليس المراد بالطهَّور خصوص الطهارة الحدثية، بل إمّا خصوص الخبثية أو جامع استعمال الماء حدثاً وخبثاً، وذلك بقرينة الجملة الثانية في هذه الرواية وهي قوله: “ويكفيك في الاستنجاء ثلاثة أحجار“.
2- ومنها: رواية زرارة الواردة في مكاتبته مع أبي عبد الله أنه قال: “إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإن صلّيت فيه فأعِد صلاتك”(2).
وهي لو تمّت سنداً كانت دليلاً على مانعيّة النجاسة حتّى في صورة الجهل بالوقوع، فإنّه قال: “وإن صلّيت فيه فأعِد صلاتك” مطلقاً من هذه الجهة(3).
ــــــــــ[45]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 1: 315، الباب9، أحكام الخلوة، الحديث1.من لا يحضره الفقيه 1: 33، باب وقت وجوب الطهور، الحديث 67..
(2) تهذيب الأحكام 1: 281، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث113. الاستبصار 1: 190،191، كتاب الطهارة، الباب 112، الحديث10.
(3) أقول: وهنا قال بعض الإخوان: أنّها ظاهرة بخصوص صورة العلم بقرينة ما قبلها، فإنّ فرضه هو فرض العلم بوقوع النجاسة.
فأجاب: بل في هذه الرواية جمل عرضية متعاطفة بالواو وهو يدل على عدم الطولية بينها، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
3- ومنها: صحيحة عمار عن أبي عبد الله قال: “لا تصلِّ في بيت فيه خمر ولا مسكر لأنَّ الملائكة لا تدخله، ولا تصلِّ في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى تغسله”(1). وهي واضحة في الإطلاق.
إذن فالدليل على الإطلاق تامّ، ولا بأس بالتمسّك به لإثبات الشرطية والمانعية حتى لحال الجهل بالموضوع.
نعم، يقع الكلام في أنّ “لا تعاد“ هل تكون مُقيِّداً لهذا الإطلاق، بحيث تخرج صورة الجهل بالموضوع أو لا؟
الصحيح أنّها لا تكون مقيِّدةً، لما ذكرناه في الجاهل بالحكم من أنّ قاعدة “لا تعاد“ استُثنِيَ منها الخَمسة، وأحدها الطهَّور، وأمره مجمل مردّد بين الطهارة الحدثية والأعم منها ومن الخبثية، وإجمال المستثنى يسري إلى المستنثى منه، فلا يمكن التمسّك بالمستثنى منه لتصحيح الصلاة مع النجس.
فما هو مقتضى القاعدة هو عدم صحة الصلاة الواقعة في النجاسة مع الجهل بالموضوع، فإن تمّ دليل من الروايات الخاصّة على خلاف ذلك خرجنا به على هذا الاقتضاء. وبذلك تمّ الكلام في المقام الأول.
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 278، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث104. الاستبصار 1: 189، كتاب الصلاة، الباب 112، الحديث1. وسائل الشيعة 3: 470، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وفي هذه المسألة أربع طوائف من الروايات:
الأولى: دالّة على صحّة الصلاة مطلقاً.
والثانية: تدلّ على التفصيل بين داخل الوقت وخارجه.
والثالثة: التفصيل بين ما إذا فحص ولم يجد فصلّى ثمّ وجد النجاسة فلا يجب عليه التدارك، وبين ما إذا صلّى بدون فحص فيجب عليه التدارك.
والرابعة: تدلّ على وجوب التدارك مطلقاً بحسب ما يستدلّ بها.
وهي روايات عديدة:
منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما قال: “سألت عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً وهو به يصلّي، قال: لا يؤذنه حتى ينصرف”(1).
ووجه الاستدلال بها: أنّه لو كان يجب على هذا المؤمن الإعادة لكان الأمر أشكل عليه وأشدّ إذا لم يُخبره في الأثناء، لأنّه لو أخبره في الأثناء لما كلّفه الإتمام والإعادة، بخلاف ما لو أخبره بعد انصرافه، مع أنّ ظاهر الرواية التخفيف
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 423، كتاب الصلاة، الباب 61، الحديث8. تهذيب الأحكام 2: 361، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث.، وسائل الشيعة 3: 474، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
عليه، فكأنّه قال: (أخبره بعد الصلاة لئلا يلزم محذورٌ).
وهذا التقريب لا يوجد فيه إلّا دغدغة واحدة، وهي أنّه قد يقال: إنّه مبنيّ على أن يكون المقصود أنّه بعد انصرافه يُخبره بالنجاسة السابقة، ويشهد له أنّها كانت سابقة فيتم الاستدلال.
ولكن إذا قلنا إنَّ المراد بإخباره أنّه يُخبره أنّ على ثوبك دماً، فيكون في ذلك تخفيف عليه سواء قلنا بوجوب الإعادة على من انكشف له المطلب أو لا. إذ لعلّ الدم وجد الآن على ثوبه، فتجري في صلاته الأصول المؤمِّنة، ولا ظهور في الرواية في كونها مطلقةً للإخبار بالنجاسة من أوّل الأمر.
والذي يمكن أن يقال: في مقابل ذلك أمرٌ عرفيٌّ، وهو أنّ الرواية لم تقل: (أخبره بعد الانتهاء بعشر ساعات)، بل إنّ مجرد الانتهاء منشأٌ لجواز إخباره، والعادة جارية على استبعاد وقوع الدم بعد الإنصراف مباشرةً، لتوقفه على أعمال وممارسات غير حاصلة فعلاً، ومجرّد الانصراف لا يكون منشأً لطروّ الدم بعد الصلاة، فيتمّ الاستدلال بالرواية.
ومنها: رواية العيص بن القاسم قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل صلّى في ثوب رجل أياماً ثمّ إنَّ صاحب الثوب أخبره أنّه لا يصلّي فيه، قال: لا يُعيد شيئاً من صلاته”(1).
ــــــــــ[48]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 418، كتاب الصلاة، الحديث1. تهذيب الأحكام 2: 360، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث22. وسائل الشيعة 3: 475، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وتقريب الاستدلال بها واضح، إلّا أنّه قد يناقش ويقال: إنَّ عدم وجوب الإعادة لعلّه لأنّ خبر هذا المخبر ليس حجّةً، فلا تثبت النجاسة للثوب فيما سبق، فالرواية مجملة الوجه، فإنّه يحتمل كونه من جهة عدم حجيّة قول المخبر، كما يحتمل كونه من جهة الجهل بالموضوع، فلا يمكن الاستدلال بها.
ويُمكن دفع ذلك ببيان: أنّ حجيّة قول صاحب اليد حجيةٌ ارتكازية بحيث توجب الانصراف إلى الاحتمال الآخر، أو تكون قرينةً متّصلةً على أنّ السؤال بلحاظ معذورية الجاهل وعدمه، فلا تتمّ هذه المناقشة.
ويُمكن أن نناقش بمناقشة ثانية: وهي أنّه لم يخبره بأنّ الثوب نجس، بل قال: (إنّه لا يصلّي فيه)، وعدم الصلاة فيه كما يمكن أن يكون بلحاظ نجاسة الثوب، يمكن أن يكون بلحاظ أنّه ممّا لا يؤكل لحمه، فهو بإطلاقه يقول: (إنَّه من صلّى في ثوب لا يجوز الصلاة فيه ولم يعلم إلّا بعد الانتهاء فصلاته صحيحة)، سواء من باب أنَّه لا يؤكل لحمه، أو من باب أنّه نجس.
إذن فإطلاقه للنجاسة معارَضٌ بإطلاق الأدلّة الآتية الدالّة على أنّه من صلّى مع النجس يجب عليه الإعادة، فيتعارضان ويتساقطان في مادة الاجتماع.
ويمكن أن يجاب عن المناقشة الأولى بجوابٍ آخر وهو: أنّنا نسلّم أنّ خبر صاحب اليد ليس بحجّة، ولكن أليس خبره يوجب الوثوق الوجداني، إذن فنتمسّك بإطلاق نفي الإعادة، فإنّ مقتضى إطلاق فتوى الإمام بذلك أنّه لا تجب الإعادة، سواء حصل اليقين من خبر صاحب اليد أو لا، وهذا
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الإطلاق في نفسه كافٍ لإثبات الإجزاء.
إلّا أنّه يقع طرفاً للمعارضة مع إطلاقات أدلّة مانعية النجاسة في الصلاة لأنّها تقول: (الصلاة باطلة) سواء كانت مع الجهل بالموضوع أو مع العلم به -كما عرفنا في المقام الأول- وهذه الرواية تقول: (الصلاة صحيحة) سواء ثبتت النجاسة التي أخبر بها صاحب اليد أو لم تثبت.
وحينئذٍ فلا بدّ من الالتزام بتطبيق باب التعارض، فقد يُدّعى أنَّه بعد التساقط يرجع إلى البراءة عن المانعية، فينتج نفس النتيجة لكن بضمّ مؤونة زائدة.
وأمّا المناقشة الثانية التي ذكرناها، فإنّه إذا ثبت إطلاق الرواية فلا يثبت بها أنّ الصلاة وقعت مع النجس، ومع هذا أفتى بالجواز. وهي مناقشة قابلة للدفع بأحد جوابين:
الجواب الأول: أن يقال: بأنّ إخباره بأنّه لا يصلّي فيه منصرفٌ إلى أنّ عدم الصلاة فيه من ناحية عدم النجاسة، لأنّه هو المحذور الشايع، ولا أقلّ من أنّه المصداق المتعارف المنصرف من قبل هذه العبارة.
وبتعبير آخر: إن مانعية ما لا يؤكل لحمه ليس أمراً مركوزاً عند المتشرّعة خصوصاً في ذلك الزمان، وإنَّ المركوز هو مانعية النجاسة، فينصرف إلى ما هو الأوضح والأشد مركوزية.
الجواب الثاني: أن يقال: إنّ هناك قرينةً من نفس العبارة في أنّ المقصود هو النجاسة وهو أنّ قوله: “لا يصلّي فيه” ظاهر في أنّ الثوب نجس، لأنّه لو كان
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ممّا لا يؤكل لحمه فهو مما لا يُصلّى فيه. لا هو ولا غيره، بينما قال: إنَّه “لا يصلّي فيه“، لأنّه غير عازم على تطهيره، فهو محذور مربوط به وبإرادته، بحيث يمكن لشخص آخر رفعه، ولو كان الثوب ممّا لا يؤكل لحمه لما كان يمكن رفع محذوره أصلاً.
لكنّ هذا الجواب إنَّما يتمّ على تقدير قراءة الرواية “يصلِّي” بالياء لا “يصلَّى” بالفتح، فإنه حينئذٍ تكون العبارة ظاهرةً في أنّه لا يصلّي فيه في نفسه، ومعه لا تتم هذه القرينة فيكتفى بالقرينة الأولى.
وعلى أيّ حال نحن لا يضرّنا ذلك، فإنّ “لا يصلَّي فيه” صادق على النجس أيضاً.
ومنها(1): رواية إسماعيل الجُعفي عن أبي جعفر قال: “في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يُعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلّى فليُعِد صلاته وإن لم يكن رآه حتى صلّى فلا يُعيد الصلاة”(2).
وهي معتبرة السند، تفصل بين الدم الذي يكون أقلّ من الدرهم والدم
ــــــــــ[51]ــــــــــ
() استمر السيد بنقل الروايات في المقام الثاني، (المقرر).
(2) تهذيب الأحكام 1: 255، كتاب الطهارة، الباب12ـ الحديث26. الاستبصار 1: 175،176، الباب106، الحديث2. وسائل الشيعة 3: 430، الباب20 من أبواب النجاسات، الحديث2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الأكثر منه، فإن كان أقلّ فلا يجب أن يعيد الصلاة، لأنّه معفوٌّ عنه، وأمّا إن كان أكثر ففيه تفصيل بين ما إذا كان رآه ونسيه فعليه الإعادة، وبين ما إذا لم يعلم به أصلاً فلا إعادة عليه وهو محلّ الكلام.
ولا بأس بدلالتها لولا مناقشةٌ واحدة وهي عدم إمكان التعدّي من الدم إلى غيره من النجاسات، لأنّ الدم ثبت فيه أحكام على خلاف مقتضى القاعدة في سائر النجاسات.
ومنها: ما ورد في هذه الرواية نفسها من العفو عمّا هو أقل من درهم، فلعلّ الحكم الثاني كالأوّل من شؤون الدم خاصّة، وليس عامّاً لكلّ النجاسات.
ومنها: رواية سماعة قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلّي، قال: قال: يعيد صلاته كي يهتم بالشيء إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه، قلت: فكيف يصنع من لم يعلم أيعيد حين يرفعه، قال: لا ولكن يستأنف”(1).
وسندها لا بأس به ولكن ترد عليها المناقشة السابقة، وإن كانت هنا أضعف، للتصريح هناك في نفس الرواية بحكم الدم على خلاف القاعدة بخلاف هذه الرواية.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 254،255، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث25. الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث10. وسائل الشيعة 3: 480، 481، الباب42 من أبواب النجاسات، الحديث5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال قلت له: “الدم يكون في الثوب علّي وأنا في الصلاة، قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصلِّ وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامضِ في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقل من ذلك فليس بشيء، رأيته قبل ذلك أو لم تَرَه، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعتَ غسله وصلّيت فيه صلاة كثيرة، فأَعِد ما صلّيت فيه”(1). فقد جعل وجوب الإعادة منوطاً بعدّة شروطٍ منها أن يكون رآه قبل الصلاة، وأن يكون الدم أكثر من الدرهم، فإذا لم تكن بعض الشروط متوفّرةً فلا إعادة، وأيضاً ستأتي فيها المناقشة التي ذكرناها في رواية إسماعيل الجُعفي(2).
مثلها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله قال: “إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن علم قبل أن يصلّي فنسي وصلّى فيه فعليه الإعادة”(3).
ــــــــــ[53]ــــــــــ
(1) الكافي (ط. الإسلامية) 3: 59، باب الثوب يصيبه الدم، الحديث 3. تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث23. وسائل الشيعة 3: 431، الباب20 من أبواب النجاسات، الحديث6.
(2) مرّت مناقشة رواية إسماعيل الجعفي في ص51.
(3) تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث24. الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث9. وسائل الشيعة 3: 476، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وسندها في الاستبصار صحيح بلا إشكال، وإن كان رواها في التهذيب بسند لا يخلو عن إشكال، وهي كرواية سماعة من حيث ورود المناقشة عليها بشكل أضعف.
ومنها: رواية أبي بصير (بسند غير معتبر) عن أبي عبد الله أو أبي جعفر، قال: “لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فإن قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يَرَه سواء”(1). وهي في الإشكال كرواية سماعة.
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله: “عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم، قال: إن كان قد علم أنّه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلّي ثم صلّى فيه ولم يغسله فعليه أن يُعيد ما صلّى وإن كان لم يعلم به فليس عليه الإعادة، وإن كان يرى أنَّه أصابه شيء فنظر فلم يرَ شيئاً أجزأه ــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) الكافي (ط. الإسلامية) 3: 405، باب الرجل يصلّي في الثوب، الحديث3. وسائل الشيعة 3: 432، الباب21 من أبواب النجاسات، الحديث1. ورد بلفظ: «من دمّ تبصره»، تهذيب الأحكام 1: 257، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث32، ورد بلفظ: «من دمّ لم يبصره»..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أن ينضحه بالماء”(1).
وتقريب الاستدلال بها: أنّه لم يعلم بالدم وكان موجوداً، لا أنّه يحتمل أنّه لم يكن موجوداً من أوّل الأمر، وهذا لا بدّ من افتراضه، لأنّ السائل لم يفرض وقوع الصلاة في الثوب النجس، وإنّما قال: “رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم” إمّا أنّه علم بوجودها من أول الأمر، أو شكّ في ذلك، فهذا غير موجود في كلام السائل، كما هو موجود في الروايات السابقة.
فإذا استظهرنا احتمال تجدّد النجاسة كانت أجنبيةً عن محلّ الكلام، وكانت سالبةً بانتفاء الموضوع.
وأما إذا استظهرنا كونها سالبةً بانتفاء المحمول، أمكن الاستدلال بها. وحيث ورد في موردها الجنابة والدم، فالتعدّي إلى غيرهما من النجاسة ممكن عرفاً.
ومنها: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: “سألته عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان الغد كيف يصنع؟ قال: إن كان رآه فلم يغسله فليقضِ جميع ما فاته على قدر ما كان يصلّي
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) الكافي (ط. الإسلامية) 3: 406، باب الرجل يصلّي في الثوب، الحديث9. وسائل الشيعة 3: 475، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث3.الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث8..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ولا ينقص منه شيء وإن كان رآه وقد صلّى فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله”(1).
ودلالتها واضحة لولا اختصاصها بخصوص الدم، فيرد عليها نحو الإشكال الذي أوردنا على رواية سماعة إلّا أنّ سندها غير تامّ، فإنّها مروَّية عن قُرب الإسناد وفي طريقه عبد الله بن الحسن الذي لم يثبت توثيقه.
ومنها: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد”(2).
وهي معتبرة ولا بأس بالتمسّك بها، ولكن فيها مناقشة واحدة، وهي: أنّ النظر في هذه الرواية لعلّه إلى حمل النجس لا إلى تنجس الثوب، بأن يدّعى أنّه لعل العذرة غير مرطوبة بحيث تسري النجاسة إلى الثوب، ولا أقلّ من الإطلاق من حيث وجود الرطوبة وعدمه، فنقيّدها بإطلاق أدلّة المانعية، أو نوقع المعارضة بينها.
إلّا أنّه من الواضح أنّ هذا على خلاف الفهم العرفي، فإنّه باعتبار ارتكازية طهارة الثوب ينصرف السؤال إلى المطلب المركوز وهو انتفاء شرط الطهارة،
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 477، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث10.
(2) الكافي (ط. الإسلامية) 3: 405، باب الرجل يصلّي في الثوب وهو غير طاهر، الحديث2. تهذيب الأحكام 2: 359، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث19. وسائل الشيعة 3: 475، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهو أشدّ مركوزيةً من اشتراط عدم حمل النجس، فينصرف إلى الأشدّ مركوزيةً.
ومنها: رواية زرارة المباركة التي هي إحدى صحاح الاستصحاب.. “إلى أن قال: فإن ظننتُ أنّه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرتُ فلم أرَ شيئاً ثم صلّيتُ فرأيتُ فيه قال: “تغسله ولا تعيد الصلاة”، قلت لِمَ ذلك؟ قال: لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً”(1).
والاستدلال بها مبني على أمرين:
الأمر الأول: أن نستظهر من قوله: “فرأيت فيه” أنّه رأى نفس النجاسة الأولى، التي ظنّها ليدخل المقام في فروع المسألة ومصاديقها، وأما إذا احتملنا المغايرة بين النجاسة التي رآها والنجاسة التي ظنّها فلا تدخل في فروع المسألة.
الأمر الثاني: أن نُلغي خصوصية أنَّه نظر فلم يرَ شيئاً، فإنّنا لو احتفظنا بهذه الخصوصية لدخلت الرواية في الطائفة التي تدل على التفصيل بين الفاحص وغيره.
أمّا الأمر الأوّل: فلا إشكال في ظهورها في أنّه رأى نفس النجاسة كما بينّا ذلك مفصَّلاً في مباحث الاستصحاب(2)، بقرينة أنّه حذف المفعول فيكون نفس المفعول السابق في قوله: “ظننت أنّه قد أصابه” مفعولاً له. نعم، هنا شيء واحد
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 421، 422، كتاب الطهارة، الباب22، الحديث8. الاستبصار 1: 183، كتاب الصلاة، الباب109، الحديث13. وسال الشيعة 3: 466، الباب37 من أبواب النجاسات، الحديث1.
(2) ينظر لذلك: مباحث الأصول، القسم الثاني 5: 70-75.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهو أنّه بما أنّ الذي رآه هو نفس النجاسة التي ظنّها، فاستصحابه قد انهدم يقيناً، فلماذا يقول له الإمام: (لأنّك كنت على يقين من طهارتك)، وهذا بخلاف ما لو رأى نجاسةً مشكوكة المبدأ حيث يصحّ جواب الإمام.
إلّا أنّه لا ينبغي أن يكون كلام الإمام قرينةً على فهم كلام السائل بعد انتهائه، ولا إشكال في انعقاد ظهوره في نفس النجاسة، فلا بدّ من تأويل كلام الإمام وهو أن نقول: إنّ الطهارة الظاهرية الاستصحابية كافيةً في تصحيح الصلاة، وتمام الكلام في باب الاستصحاب(1).
وأمّا الأمر الثاني: وهو إلغاء خصوصية الرؤية، فهو محقق لأنّنا نلغيها بقرينة التعليل، فإنّه علل الحكم بالاستصحاب ومن المعلوم أنَّ الاستصحاب يجري سواء نظر أو لم ينظر؛ لأنّ النظر ليس شرطاً في جريانه. فالاستدلال بهذه الرواية في محلّه.
ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله: “في رجل صلّى في ثوبٍ فيه جنابة ركعتين ثم علم به، قال: عليه أن يبتدئ الصلاة، قال: وسألته عن رجل يصلّي وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم، قال: مضت صلاته ولا شيء عليه”(2).
ــــــــــ[58]ــــــــــ
(1) مباحث الأصول، القسم الثاني 5: 13.
(2) الكافي (ط. الإسلامية) 3: 405، باب الرجل يصلّي في ثوب، الحديث6. الاستبصار 1: 181، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث6. وسائل الشيعة 3: 474، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهي أوضح روايات هذه الطائفة، لأنَّ جميع المناقشات السابقة لا ترد عليها، وهي معتبرة من حيث السند، فلا بأس بالعمل بها.
وهناك روايات في مقام عدم إعادة الصلاة إذا وقعت النجاسة في الأثناء، بمعنى أنّ دخوله في الصلاة وهو غير عالم يكفي في معذوريته لو حصل المانع في أثناء الصلاة، وسوف تأتي في مسألة آتية، كرواية داود بن سرحان(1)، ورواية ابن سنان(2)، فلو عملنا بها تكون دليلاً بالأولوية على المقام، فإنّ العرف يفهم أنّ الشارع إذا كان لا يأمر المكلّف بالإعادة إذا علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فهو لا يأمر بالإعادة إذا علم بها بعد الصلاة.
وبتعبير آخر: إنّ العلم بالنجاسة في الأثناء لا يضرّ، فكيف إذا حدث بعد الصلاة، ولكنّنا سوف لن نعمل بهذه الروايات، ومعه لا يمكن الاستيناس بدلالتها الالتزامية في المقام.
هذا تمام الكلام في الطائفة الأولى.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 423، كتاب الطهارة، الباب22، الحديث17. وسائل الشيعة 3: 483، الباب44 من أبواب النجاسات، الحديث2.
(2) السرائر 3: 592، وسائل الشيعة 3: 483، الباب44 من أبواب النجاسات، الحديث3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهي الروايات التي تدل على وجوب الإعادة بقولٍ مطلق بحيث تكون مباينة للطائفة الأولى، وهي روايتان وكِلتاهما لا بأس بهما من حيث السند:
الرواية الأولى: رواية: وهب بن عبد ربّه عن أبي عبد الله: “في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم به صاحبه، فيصلّي فيه ثم يعلم بعد ذلك، قال: يُعيد إذا لم يكن علم”(1).
الرواية الثانية: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله قال: “سألته عن رجل صلّى وفي ثوبه بول أو جنابة، فقال: علم به أو لم يعلم فعليه الإعادة، إعادة الصلاة إذا علم”(2).
ويقع الكلام في هذه الطائفة في مقامين:
الأول: في أصل دلالتها على ما هو المدّعى.
والثاني: في النسبة بينها وبين الطائفة الأولى وكيفية علاج التعارض بينهما.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 360، كتاب الطهارة، الباب17، الحديث23. الاستبصار 1: 181، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث7. وسائل الشيعة 3: 476، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث8.
(2) تهذيب الأحكام 2: 202، كتاب الصلاة، الباب10، الحديث93. الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث11. وسائل الشيعة 3: 476، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
في دلالة الروايتين فدلالتهما في بادئ الأمر على المدّعى واضحة، لكن اعترض على الاستدلال بها جملةٌ من الأعلام وقالوا إنّها مجملة(1)، لأنّ الرواية الأولى، تقول: “يُعيد إذا لم يكن علم“، وكأنّه أناط وجوب الإعادة بما إذا لم يكن قد علم، وكأنّه إذا كان قد علم بالنجاسة فصلاته صحيحة ولا يجب عليه الإعادة، وهذا حكم لا يُحتمل ثبوته في الشريعة.
إذن فلا بُدّ من الالتزام بوجود خلل في العبارة، فلا بُدّ أن نؤوّل الظهور بحيث لا يكون مقطوع البطلان، كما إذا حملناها على الاستفهام الاستنكاري أو أنَّ كلمة (لا) قد أُسقطت.
وأنا لا أرى وجاهة هذا الإشكال، فإنّها وإن كانت تفصّل في ظاهرها بين من علم ومن لم يعلم، وإنّ من علم لا يجب عليه الإعادة. فهذا له فردان:
أحدهما: من علم وبقي عالماً إلى حين الصلاة.
الآخر: من علم ونسي حين الصلاة، وجواب الإمام ناظر إلى زمان ما قبل الصلاة، وإلّا كان الأنسب أن يقول: (إذا لم يكن عالماً).
ومن علم قبل الصلاة إمّا أن يكون باقياً على علمه أو نسيه، ومفهوم العبارة إن كان منصبّاً على الفرد الأول فالاستغراب في محلّه.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
(1) أنظر مثلا: دليل العروة الوثقى (حسين الحلي) 2: 191. موسوعة الإمام الخوئي 3: 326.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
لكنه ليس منصبّاً عليه، بل هو منصبٌّ على الفرد الثاني خاصّةً وهو من علم ونسي، وذلك بأحد تقريبين:
إمّا لأنّ الفرد الأول خارج انصرافاً عن هذا المفهوم باعتبار هذه البداهة التي ذكرتموها.
وإمّا لأنّ ظاهر العبارة جدِّيّة الصلاة.
ومن المعلوم أنّ من صلّى ملتفتاً إلى النجاسة والمانعية لا تكون صلاته إلّا هزلاً، إذن، فالرواية تفصّل بين الجاهل والناسي، وهذا وإن كان خلاف الفتوى المشهورة، إلّا أنّه ليس بديهيّ البطلان، بل هو ثابت في سائر موارد الشريعة، فإنّ العفو بالنسبة إلى الناسي أكثر منه بالنسبة إلى الجاهل غالباً، إلّا في باب الصلاة، فلتكن هذه الرواية من ذلك، إذن، فدلالتها في نفسها لا بأس بها.
وأمّا رواية أبي بصير: فادّعى الأعلام الإجمال فيها أيضاً، وأبدَوا فيها احتمالين:
الاحتمال الأوّل: في قوله “علم به أو لم يعلم فعليه إعادة الصلاة إذا علم”، أن يكون المقصود بالعلم الأوّل العلم به (قبل الصلاة)، وبالعلم الثاني العلم (بعد الصلاة) فتكون نصّاً فيما هو محلّ الكلام.
الاحتمال الثاني: أن يُراد بالعلم الثاني عين العلم الأول وهو العلم قبل الصلاة، فكأنّه قال: هنا صورتان، فبيّن الأولى وسكت عن الثاني، لأنّها فُهمت من المفهوم، ومعه لا تكون دالّةً على المطلوب، وحيث إنّ الاحتمالين متساويان، فتكون الرواية مجملةٌ.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إلّا أنّ هذا الكلام أغرب من سابقه، فإنّ الظاهر هو الاحتمال الأوّل، لأنّ قوله: “فعليه إعادة الصلاة إذا علم”. قضيةٌ شرطيةٌ، وظاهر القضية الشرطية كون ظرف الشرط هو ظرف فعلية الجزاء، إلّا إذا وُجدت قرينة على الخلاف، فلو قيل: إذا كان زيد فقيراً فأكرمه، فهذا يعني: أكرمه حال فقره، وفي المقام: الإعادة وقتها بعد الصلاة، إذن فظرف العلم هو ما بعد الصلاة أيضاً.
ولو كان المراد العلمَ القبليَّ فلا بُدّ من نصب قرينة كلفظ (كان)، فيكون: (عليه الإعادة إذا كان قد علم)، وليست مثل هذه القرينة موجودةً، فيتعيّن الاحتمال الأول، وتكون دلالتها تامّةً.
تارةً تُلحظ هاتان الطائفتان في أنفسهما بالنظر المجموعي، فنقول إنّهما متعارضتان بنحو التباين، وحينئذٍ فلا بُدّ من إعمال قواعد الجمع العرفي، بالحمل على الاستحباب في جانب الأمر بالإعادة في الطائفة الثانية. فإنّه وإن كان أمراً إرشادياً وليس مولويَّاً، لكنّه إرشاد إلى منقصةٍ غير لزوميةٍ يستحب تداركها.
لكن قد يقال: إنّه يوجد في بعض أفراد الطائفة الأولى روايات أخص من الطائفة الثانية، ويمكن أن يُبيَّن ذلك بعدة بيانات:
أن يقال: إنّ بعض الروايات واردة فيما بعد خروج الوقت، ومخصوصة بخصوص نفي القضاء كرواية العيص بن القاسم: عن رجل صلّى في ثوب
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
رجل أياماً ثم أنَّ صاحب الثوب أخبره أنّه لا يصلّي فيه(1). وهو نصٌّ في عدم وجوب القضاء، وإن كان قد يدلّ على عدم وجوب الإعادة بلحاظ أنّ آخر صلاة لعلّها لم يفت وقتها، فتكون بنصّها أخصّ من الطائفة الثانية، لأنّ الطائفة الثانية تقول: يُعيد بلا فرق بين داخل الوقت وخارجه، فإنّ الإعادة شاملةٌ للقضاء لغةً وعرفاً، وإن لم تشمله اصطلاحاً، وبعد تخصيص الطائفة الثانية تصبح أخصّ مطلقاً من الأولى، وتدلّ على وجوب الإعادة في خصوص داخل الوقت.
فتصبح بذلك أخصّ من الأولى، فتخصّصها بناءً على انقلاب النسبة فينتج عدم وجوب الإعادة في خارج الوقت.
إلّا أنّ هذا الوجه غير صحيح مبنًى وبناءً، أمّا مبنًى لعدم صحّة انقلاب النسبة كما حُقّق في علم الأصول(2).
ولو سُلِّم المبنى فهو باطل بناءً، لأنّ بعض روايات الطائفة الأولى لا تقبل التقييد بخارج الوقت، وأحسنها صحيحة محمد بن مسلم قال: “سألت عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً وهو به يصلّي، قال: لا يؤذنه حتى ينصرف”(3)،
ــــــــــ[64]ــــــــــ
(1) أنظر: مصدرها ونصّها في ص48.
(2) لاحظ: بحوث في علم الأصول 7: 291.
(3) الكافي (ط. الإسلامية) 3: 406، باب الرجل يصلّي في الثوب، الحديث8. تهذيب الأحكام 2: 361، كتاب الصلاة، الباب17، الحديث25. وسائل الشيعة 3: 474، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فإنّه غير قابل للتقييد بخروج الوقت خصوصاً إذا كانت الصلاة في أول الوقت.
ومثلها الروايات الدالة على التفصيل بين الجاهل والناسي كرواية أبي بصير: “إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن علم قبل أن يصلي فنسي وصلّى فيه فعليه الإعادة”(1). ومن المعلوم أنّ هذا التفصيل لا يقبل أن يقيَّد بأنّه إذا علم بعد الصلاة وبعد الوقت لا يجب عليه الإعادة.
وبعبارة أخرى: إنّها ظاهرة في أنّ الميزان في عدم الإعادة هو ما بعد الصلاة لا ما بعد الوقت، ولو قيّدناها بخروج الوقت لكان الميزان هو ذلك دون الانتهاء من الصلاة.
إنّ رواية زرارة من الطائفة الأولى نصّ في مورد الفحص، حيث تقول: “فنظرت فلم أرَ شيئاً ثم صلّيت فرأيت فيه“ الحديث، فتكون أخصّ مطلقاً من الطائفة الثانية، فنقيّدها بها، فيختصّ وجوب الإعادة بغير الفاحص، فتصبح أخصّ مطلقاً من الطائفة الأولى، فتنقلب النسبة أيضاً.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث24. الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث29. وسائل الشيعة 3: 476، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهذا أيضاً باطلٌ مبنًى وبناءً:
أمّا مبنىً فلبطلان انقلاب النسبة.
وأمّا بناءً فلأنّ صحيحة زرارة لا يمكن أن يفرض أنّها مخصوصة بخصوص صورة النظر والفحص؛ لأنّ الإمام حين نفى وجوب الإعادة علّله بقاعدة الاستصحاب، فقد نصب قرينةً متّصلةً على إلغاء خصوصية النظر والفحص.
ما ذكره بعض الآغايون هنا(1) من أنّ الطائفة الثانية، وهي رواية أبي بصير التي يقول فيها: “علم به أو لم يعلم فعليه الإعادة إذا علم..”، مطلقة من حيث إنّه علم في أثناء الصلاة أو بعدها، لأنّه لم يصرّح أنّه فرغ. والطائفة الأولى واردة في فرض الفراغ، فتلك تكون مقيّدة لهذه.
وهذا الجمع ليس تامّاً، لأنّه مبنيّ على أن يكون قوله: “صلّى” يعني شرع في الصلاة، لكن ظاهره أنّه وقعت الصلاة منه خارجاً وانتهت، فيكون ظاهراً بما بعد الفراغ عن الصلاة.
حمل الطائفة الثانية على الاستحباب بأن نقول: إنّ الطائفة الأولى تنفي وجوب الإعادة، والثانية تأمر بالإعادة، فيحمل الأمر فيها على الاستحباب، وهو حمل عرفي صحيح.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
() يقصد السيد بعض طلابه ظاهراً، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ولا يرد عليه إلّا إشكال واحد وهو: أنّ الحمل على الاستحباب إنّما يكون في دليلين متكفّلين لحكم مولويّ، لو كان وجوب الإعادة طلبياً تكليفياً.
ولكنّه ليس كذلك وإنّما هو أمر إرشادي إلى بطلان الصلاة، فالطائفة الأولى تنفي البطلان والثانية تثبته، فكيف يجمع بالحمل على الاستحباب.
وجوابه: أنّ الحمل على الاستحباب لا يختصّ بالأوامر المولوية، وإنّما يجري في الأوامر الإرشادية، لكن على شرط أن يكون للمرشَد إليه مراتب بالنظر العرفي من حيث الشدّة والضعف، فأيضاً يُحمل على الاستحباب بمعنى حمله على المرتبة الضعيفة، ولهذا حملوا الأمر بالغسل على الاستحباب في كثير من الموارد، مع أنّه إرشاد إلى القذارة، وذلك باعتبار أنّ القذارة لها مراتب.
وهذا المطلب محفوظ في المقام، فإنّ (أعد) إرشاد إلى البطلان لا بعنوانه، بل بعنوان نقصان الصلاة، وإطلاق النقصان ينصرف إلى النقصان المستوجب للبطلان، وهناك مراتب ضعيفة من النقص تستوجب حسن الإعادة لا وجوبها، فيكون هذا الجمع عرفياً صحيحاً في المقام.
الطائفة الثالثة الروايات الدالّة على التفصيل بين القضاء والإعادة، وتقول: (إنّه تجب الإعادة ولا يجب القضاء).
وهي وإن لم يتعرّض لها الفقهاء لكن يمكن اقتناص مضمونها من رواية علي بن مهزيار، قال: كتب إليه سليمان بن راشد (رشيد) يُخبره أنه بالَ في ظلمة الليل وأنّه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشكّ أنّه أصابه ولم يره وأنّه مسحه بخرقة
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ثم نسي أن يغسله، وتمسّح بدهن فمسح به كفّيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلّى، فأجابه بجواب قرأته بخطّه: “أمّا ما توهمت ما أصاب يدك فليس بشيء إلّا ما تحقّق، فإن حقّقت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلاة اللواتي كنت صلّيتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها من قبل أنّ الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلّا ما كان في وقت، وإن كان جنباً أو صلّى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته، لأنّ الثوب خلاف الجسد، فاعمل على ذلك إن شاء الله تعالى”(1).
يفرض في هذه الرواية أنّه تنجست يده، فدهن وجهه بها فتنجّس وجهه بالملاقاة، ثم توضّأ وصلّى، فهل صلاته صحيحة أو لا؟ والإمام كأنّه يرى أنّ هذه الصلاة وقعت مع وضوء صحيح لكن مع النجاسة، وهذا موقوف على أمرين:
أحدهما: أنّه لا يشترط في صحة الوضوء طهارة الأعضاء بل يكفي طهارة نفس الماء.
ثانيهما: أنّ الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس، فيصحّ وضوؤه، وإنّما الإشكال في صلاته من ناحية النجاسة، فأعطى الإمام لذلك قاعدةً وهي: أنّ كلّ صلاة إذا كانت باطلة من ناحية بطلان الوضوء فيجب إعادتها في
ــــــــــ[68]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 426، كتاب الطهارة، الباب22، الحديث28. الاستبصار 1: 184، الباب109، الحديث15. وسائل الشيعة 3: 479، الباب42 من أبواب النجاسات، الحديث1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الوقت وفي الخارج، وإن كانت ناقصةً من ناحية النجاسة، فيجب إعادتها في الوقت دون خارجه.
ومورد الرواية وإن كان هو الناسي، إلّا أنّ القاعدة المعطاة عامّة، حيث قال: “من قِبل أنَّ الرجل إذا كان ثوبه..” الحديث. سواء صلّى بالثوب المتنجس جهلاً أو نسياناً وعليه فيمكن جعل هذه الرواية طائفةً ثالثةً تشمل مورد الكلام بإطلاقها.
وحينئذٍ تنعقد المعارضة بين إطلاق رواية علي بن مهزيار والطائفة الأولى الدالّة على أنّ الجاهل لا يجب عليه الإعادة، فإنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه:
لأنّ رواية ابن مهزيار تقول: إنّ من صلّى في ثوب نجس يجب عليه الإعادة في الوقت ناسياً كان أو جاهلاً.
والطائفة الأولى تقول: الجاهل بالنجاسة لا تجب عليه الإعادة لا في الوقت ولا في خارجه.
ومادة الاجتماع هو الجاهل بالنجاسة إذا التفت في الوقت، وبعد التعارض والتساقط نرجع في الجاهل في داخل الوقت إلى مطلق فوقاني وهو إطلاقات أدلة المانعية كحديث “لا صلاة إلّا بطهور” ونتيجته التفصيل بين داخل الوقت وخارجه، ففي الداخل تجب الإعادة وفي الخارج لا تجب.
والكلام في هذه الرواية تارةً يقع من حيث السند وأخرى من حيث الدلالة.
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فلا بأس بسندها إلى علي بن مهزيار، وإنمّا يقع الإشكال فيما بعد علي بن مهزيار، فإنّه لم يُصرَّح أنّه كتب إلى الإمام، ومن هنا قال بعض الأعلام: إن الرواية مضمرة(1)، وذهب السيد الأستاذ(2) إلى عدم اعتبارها، وقال: إنّ سليمان بن راشد لم يكن من الاجلّاء الذين يُستبعَد في شأنهم أن يكتب إلى غير المعصوم، فيُحتمل أنّه كتب إلى بعض علماء العامّة أو الخاصّة. نعم، علي بن مهزيار اعتقد أنّ المكاتبة كانت مع الإمام وهذا حدسيٌّ لا اعتبار به.
إلّا أنّ هذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه بقطع النظر عن بيان عام لنا في المضمرات عموماً نقول في خصوص هذه الرواية إنّ الإشكال غير وارد عليها، لأنّ السيد الأستاذ اعترف في علي بن مهزيار بأنّه يعتقد ولو حدساً أنّ المكاتبة مع الإمام، وحينئذٍ نقول: إنّه يقول: “فأجابه بجواب قرأته بخطّه” وهذا كلام علي بن مهزيار، وهو ظاهرٌ أنّه بخطّ المجيب، وهي شهادة منه بأنّه رأى خطّ الإمام، فإنّ مرجع الضمير هو الإمام يقيناً، لأنّ السيد الأستاذ اعترف بأنّه كان يعتقد ذلك، والأصل في الشهادة هو الحسّ، فيكون مشمولاً لدليل حجية خبر الثقة ويكون حجة.
ــــــــــ[70]ــــــــــ
(1) نصّ على إضمارها الميرزا القمي في غنائم الأيام (مركز النشر) 2: 271. والسيد حسين البروجردي في كتابه: نهاية التقرير في مباحث الصلاة 1: 425.
(2) موسوعة الخوئي 3: 349. فقه الشيعة 4: 199.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأمّا من حيث الدلالة، فنسبتها إلى الطائفة الأولى هو من وجه، كما بينّا قبل قليل، لكن مع ذلك يتعيّن تقديم تلك الطائفة على هذه الرواية بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: إنكار أن تكون النسبة هي العموم من وجه، وإنَّما النسبة هي الأخصّية، لأنّ بعض روايات الطائفة الأولى صريحة في نفي الإعادة في داخل الوقت، كرواية “لا يؤذنه حتى ينصرف” والرواية المفصِّلة بين حصول العلم قبل الصلاة وحصوله بعدها.
التقريب الثاني: أنّنا لو تنزّلنا عن ذلك، وفرضنا أنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه، فتتقدم الطائفة الأولى أيضاً.
والنكتة في ذلك: أنّه في بعض روايات الطائفة الأولى ورد التفصيل بين الجاهل والناسي، وأنّ الجاهل لا يجب عليه الإعادة، والناسي يجب عليه الإعادة، فتكون هذه الروايات نصّاً في هذا التفصيل، ورواية علي بن مهزيار نصّ في التفصيل بين داخل الوقت وخارجه.
إذن هناك فرقان في الجملة ثابتان بالنصوصية في كلتا الطائفتين، وحينئذٍ فالأمر يدور خارجاً بين أن نُبقي الجاهل والناسي معاً تحت إطلاق رواية علي بن مهزيار، أو أن نُخرج الناسي ونُبقي الجاهل، أو أن نُخرج الجاهل ونُبقي الناسي فهذه ثلاثة شقوق.
أما الشقّ الأول: وهو أن نُبقي الجاهل والناسي معاً تحت إطلاق رواية علي بن مهزيار، فهذا معناه أنّه لا فرق بينهما وكِلاهما يُعيد في الوقت ولا يُعيد في خارجه، وهذا خلاف نصوصية الطائفة الأولى من ثبوت فرق بينهما في الجملة
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بقرينة إيقاع التقابل بينهما، إذ لو لم يكن بينهما فرق فلا وجه لإيقاع هذا التقابل.
الشقّ الثاني: أن نُبقي تحت إطلاق رواية علي بن مهزيار الجاهل ونُخرج الناسي وهذا غير محتمل لأنّ موردها هو الناسي.
الشقّ الثالث: وهو المتعيِّن بعد بطلان الشِقّين الأوّلين، وهو إبقاء الناسي تحت رواية علي بن مهزيار وإخراج الجاهل وهو معنى تقديم الطائفة الأولى على إطلاق رواية ابن مهزيار.
فهذه الطائفة ساقطة لا تصلح للمعارضة مع الطائفة الأولى.
الطائفة الرابعة الدالّة على التفصيل بين ما إذا نظر وفحص ولم يجد وما إذا لم يفحص، فالأوّل صلاته صحيحة، والثاني يُعيد وصلاته باطلة، والمهمّ من ذلك -بعد الغضّ عن بعض المراسيل- روايتان:
عن أبي عبد الله قال: “ذكر المنيّ فشدّده فجعله أشدّ من البول، ثم قال: إن رأيت المنيّ قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه وصلّيت فيه ثم رأيته بعد ذلك فلا إعادة عليك فكذلك البول”(1).
ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 223، كتاب الصلاة، الباب11، الحديث88. وسائل الشيعة 3: 478، الباب41 من أبواب النجاسات، الحديث2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ومحلّ الاستشهاد بها الفقرة الثانية، وهي قوله: “وإن أنت نظرت..“. فإنّها تدلّ بالمفهوم على عدم وجوب الإعادة مع عدم النظر.
وقد استشكل في ذلك السيد الأستاذ(1) وذكر أنّ المنساق من “النظر” أنّه لوحظ بما هو سبب للعلم، باعتبار أنّ الغالب أن يحصل العلم بالنظر، ولم يلاحظ النظر بما هو هو، وذلك لأنّ النظر لو كان مأخوذاً في قضية مثبتة بأن يقال: إذا نظرت فكذا، أمكن أخذ النظر طريقاً إلى العلم.
وأمّا لو أريد أخذ عدم العلم في الموضوع فلا معنى لأخذ عدم النظر طريقاً إليه. لأن عدم العلم كثيراً ما ينشأ من عدم النظر لا من النظر وعدم الوجدان. وقد قال الإمام: “وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه”.
فإمّا أن نقول إنّ النظر مأخوذ بنحو الموضوعية بما هو نظر أو فحص، فيدلّ على أنّه بدون نظر يحتاج إلى الإعادة.
وإمّا أن نقول إنّه مأخوذ بنحو الطريقية فهذا لا يكون أمراً عرفياً أن يؤخذ النظر طريقاً إلى عدم العلم.
محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن الحسن بن علي بن عبد الله بن جبلة عن سيف عن ميمون الصيقل عن أبي عبد الله قال: “قلت له: رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل فلما أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة، فقال: الحمد لله
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 160.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الذي لم يدعَ شيئاً إلّا وله حدّ، إن كان حين قام نظر فلم يرَ شيئاً فلا إعادة عليه وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الإعادة”(1). ودلالتها على المطلوب واضحة.
لكن في سندها تشويشات فإنّه ورد في الكافي بدل ميمون الصيقل منصور الصيقل، وبدل سيف الذي يروي عن ميمون ورد سعد، وكِلا التشويشين لا أهميّة له:
أمّا التشويش الأول: فلأنّه سواء كان ميمون أو منصور، فإنّه لم يثبت توثيقه.
وأمّا التشويش الثاني: فلأنّ سعد ثقة وسيف أيضاً ثقة، لأنّ سيف، وإن كان مردداً بين عدّة أشخاص بعضهم لم يثبت توثيقه، إلّا أنّه المشهور من بينهم الذي له كتب، وطريق النجاشي والشيخ إليه صحيح، وقد ثبتت وثاقته، فينصرف إليه، إلّا أنّ الرواية ساقطة سنداً.
وهناك رواية أخرى أدخلها شيخنا الحرّ في نفس الباب وهي رواية استصحابية، وهي صحيحة زرارة قال: “قلت: له أصاب ثوبي دم رعاف.. إلى أن قال: فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنَّه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما صلّيت وجدته، قال: تغسله وتعيد الصلاة، قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه ولم
ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 406 (ط. الإسلامية)، باب الرجل يصلّي في ثوب، الحديث7. وسائل الشيعة 3: 478، الباب41، من أبواب النجاسات، الحديث3..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أتيقن ذلك فنظرت فلم أرَ فيه شيئاً ثم صلّيتُ فرأيت فيه، قال: تغسله ولا تُعيد الصلاة، قلت: لِمَ ذاك، قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً”(1).
مع أنّه لا ينبغي عدَّها من هذه الطائفة لأنَّ فرض الفحص والنظر لم يأتِ في كلام الإمام بل جاء في كلام السائل.
كما أنّه توجد رواية رابعة هي مرسلة الصدوق(2)، والمظنون أنّها هي رواية الصيقل، فإنّها مصداق وجداني لهذه العبارة الكلية، فلم يتحصّل من هذه الطائفة إلّا روايتان تمّ سند واحدة منهما هي رواية محمد بن مسلم.
فيقع الكلام في علاج ذلك:
فقد يقال: إنّ هذه الطائفة حيث تفصّل بين من فحص ومن لم يفحص تكون أخصّ من الطائفة الأولى، فإنَّ الأولى دلّت على وجوب الإعادة سواء فحص أو لم يفحص، فتخصّص بالطائفة الرابعة.
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 421، 422، كتاب الطهارة، الباب22ن الحديث8. الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الحديث13. وسائل الشيعة 3: 477، الباب41 من أبواب النجاسات، الحديث1.
(2) من لا يحضره الفقيه (جماعة المدرسين)، أبواب الطهارة، بَابُ مَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ وَالْجَسَد، ح 167.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إلّا أنّه قد يقال: كما عن السيد الأستاذ(1) إنّ جملة من روايات الطائفة الأولى تأبى عن الحمل على هذا التفصيل، واستشهد لذلك بالروايات التي تفصّل بين حصول العلم في أثناء الصلاة وبين حصوله بعدها، فإنّها تجعل ما قبل الصلاة وما بعدها، لا الفحص وعدمه.
إلا أنّنا لم نفهم ذلك، لأنّه لا تعارض بين المقياسين، فيكون من علم في الأثناء صلاته باطلة، سواء فحص أو لم يفحص، ومن علم بعدها فإنّ كان فحص فصلاته صحيحة، وإلا فهي باطلة. فغايته أن تكون الطائفة الرابعة معارضة لإطلاق هذه الروايات لا أنّها آبية عنها.
وذكر(2) أيضاً في مقابل هذا التفصيل صحيحة زرارة التي يسأله فيها أنّه: “إذا شك في النجاسة فهل عليه أن ينظر فقال: لا، ولكنّك إنمّا تريد أن تُذهِب الشك الذي وقع في نفسك” وكأنّه يستظهر من الجواب أنّ النظر ليس له أيّ فائدة إلّا مطلب نفساني وهو إذهاب الشكّ. وهذا لا يناسب القول بأنّه لولا النظر لوجب عليه الإعادة، فإنّه يكون للنظر فائدة مهمّة وهو التخلّص من الإعادة لو انكشف أنّ الصلاة وقعت في النجس.
ولكنّنا لا نفهم من العبارة هذا المعنى، فإنّ زرارة كان مراده تشخيص وظيفته الفعلية قبل العمل، وأنّه هل يجب عليه الفحص أو لا؟ فأجاب: “لا، ولكنّك إنّما تريد“ الحديث. ومرجع هذا الحصر إلى أنّ النظر لا أثر له بلحاظ
ــــــــــ[76]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 157 وما بعدها.
(2) وذَكَرَ: أي السيد الأستاذ أيضاً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الوظيفة الفعلية إلّا ذهاب الشك، أمّا أن يكون لهذه العبارة نظر إلى ما بعد انكشاف المطلب فلا. ولو سلّم فهو إطلاق، فكأنّه يقول: لا أثر للفحص لا الآن ولا بعد العمل لو انكشف وجود النجاسة، فغايته الإطلاق، لا أن تكون هذه الرواية هادمة لذلك التفصيل.
وما يمكن أن يقال في مقام التخلّص من الطائفة الرابعة أحد بيانين:
إنّ الالتزام بأنّ الطائفة الرابعة أخصّ مطلقاً من الأولى فتُقيَّد بها… مبنيّ على أن تكون النسبة بينهما هي العموم المطلق، والنسبة وإن كانت هي كذلك. ولكن تقييد الطائفة الأولى بخصوص من نظر وفحص تقييدٌ بفردٍ نادر.
فإنّ النادر فيمن لا يعلم بالنجاسة أن يفحص، لأنّ الغالب هو الغفلة، والغافل لا يفحص. والغالب فيمن كان ملتفتاً وفحص أنّه يجد النجاسة لو كانت في علم الله موجودة. ففرض أنّه فحص ولم يجد النجاسة، مع أنّها كانت موجودةً، ثم وجدها بعد الصلاة، فرد نادر، فحمل الطائفة الأولى على هذا الفرد حمل على فرد نادر، فلا تقبل التقييد به.
ومعه تكون الطائفة الرابعة مساويةً للأولى، فيكون مقتضى الجمع العرفي هو الحمل على الاستحباب، كما كان هو الحال في الطائفة الثانية، فهذه مراتب للاستحباب، فإّنه يستحب الإعادة مطلقاً ثم تتأكد فيمن لم يفحص.
وهذا الحمل واضح الصحّة في رواية محمد بن مسلم التي يقول فيها: “وإن
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه وصلّيت فيه ثم رأيته بعد ذلك فلا إعادة عليك”(1). وبمفهومه أنّه لو لم يفحص فعليه الإعادة، فيحمل على الاستحباب.
نعم، قد يقال إنّه غير مناسب مع رواية الصيقل، لأنّه يقول: “الحمد لله الذي لم يَدَع شيئاً إلّا وله حدّ”، وظاهره الحدّ اللزومي، وحمله على الحدّ الاستحبابي لعله ليس أمراً عرفياً، إلّا أنّها ساقطة سنداً.
مبنيٌ على مقدمة: وهي أنّه في باب الفحص في الشبهات الموضوعية، المعروف بين الفقهاء(2) أنّه غير واجب(3)، واستثنى الميرزا(4) مرتبة من الفحص، ونحن في الأصول استحسنّا ذلك حيث قال: إنّ النظر غير واجب إلّا أنّ غمض العين أيضاً غير جائز، ولا يجري الأصل مع غمض العين. فالأصول بتمامها موقوفة على مرتبة ضئيلة من الفحص بحيث لا يصدق أنّه أغمض عينه وأدار وجهه.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 252، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث17. وسائل الشيعة 3: 478، الباب41 من أبواب النجاسات، الحديث2..
(2) نقل ذلك السيد اليزدي في: العروة الوثقى (مؤسسة الأعلمي) 2: 438. والحكيم في مستمسك العروة الوثقى 10: 103. والشيخ حسين الحلي في: مدارك العروة الوثقى: 2: 192.
(3) مباحث الأصول، القسم الثاني 4: 458،459.
(4) فوائد الأصول (جماعة المدرسين) 4: 301. وتفصيل بحثه في أجود التقريرات 1: 487 وما بعدها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فإن بنينا على ذلك فهذه الرواية تفصل بين المغمض وغيره مطلقاً سواء ترك الفحص بالمرتبة الضئيلة أو بالمرتبة التي فيها مؤونة، ورواية زرارة الاستصحابية علّلت صحّة الصلاة بجريان الاستصحاب في حقّ المصلي في أثناء الصلاة، لأنّ الطهارة الظاهرية كافية في صحّة العمل.
والاستصحاب إنما يجري في حقّ من لم يغمض عينه، بناءً على المقدّمة التي ذكرناها، فصحيحة زرارة لا تشمل من أغمض عينه. وتقول: من لم يغمض عينه لا تجب عليه الإعادة سواء فحص فحصاً أعلائياً أو لا.
ورواية محمد بن مسلم تقول: “من ترك الفحص فعليه الإعادة” سواء من أغمض عينه أو غيره. فالنسبة بينهما هي العموم من وجه.
يجتمعان على من لم يصدق عليه غمض العين، لكنّه لم يفحص فحصاً أعلائياً.
وتفترق رواية محمد بن مسلم بمن ترك الفحص بغمض العين فعليه الإعادة، ولا يجري في حقّه الاستصحاب.
وتفترق رواية زرارة بمن فحص فحصاً أعلائياً فصلاته صحيحة. وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى مطلقات: الجاهل لا يجب عليه الإعادة.
وهذا بيان فنّي صحيح، لكن وإن سلَّمنا المقدمة الميرزائية، لكنّنا لا نسلّمها في باب الطهارة والنجاسة(1)، باعتبار وجود القرينة في خصوص هذا الباب
ــــــــــ[79]ــــــــــ
(1) مباحث الأصول، القسم الثاني 4: 459.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهو قول أمير المؤمنين: “لا أُبالي أَبولٌ أصابني أم ماء“(1) الذي نستظهر عدم الاهتمام بالفحص حتى بمقدار فتح العين. ومعه لا يتمّ هذا الوجه، والمهم هو الوجه الأول.
وبهذا تمّ الكلام في الجاهل بالموضوع، إذا انكشفت النجاسة بعد الصلاة والمعمول عليه هو الطائفة الأولى، وعليه يصح ما ذهب إليه المشهور من عدم وجوب الإعادة سواء قبل الوقت أو بعده وسواء فحص أو لم يفحص.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
(1) استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار 3: 258..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
قال: وإن التفت في أثناء الصلاة؛ فإن علم سبقها وأنّ بعض صلاته وقع مع النجاسة بطلت مع سعة الوقت للإعادة، وإن كان الأحوط الإتمام ثمّ الإعادة ومع ضيق الوقت إن أمكن التطهير أو التبديل وهو في الصلاة من غير لزوم المنافي فليفعل ذلك ويتمّ وكانت صحيحة، وإن لم يمكن أتمّها وكانت صحيحة.
هناك أدلّة يستدلّ بها على بطلان الصلاة ووجوب الاستئناف، وقد يستدل على صحّتها وعدم وجوب الاستئناف بأدلَّة أُخر. ولابدّ أن نتعرض لكِلا الفريقين من الأدلة:
وأهمّها رواية زرارة الاستصحابية، وفقرة الاستدلال بها ذيلها حيث قال: “قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة. قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لأنّك لا تدري لعله شيء أوقع عليك. فليس ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ينبغي أن تنقض اليقين بالشك”(1).
ومحل الاستدلال فقرتان:
الفقرة الأولى: قوله: “تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته”؛ لأنّ المقصود من الرؤية (في أثناء الصلاة) بقرينة السؤال وهو قوله: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟
وتوضيح حال فقه هذه الفقرة: أنّه يوجد فيها احتمالان فقهيّان:
الاحتمال الأوَّل: أن يُحمل على الشكّ البدوي قبل الصلاة شكٌّ بدويٌّ بوجود النجاسة، وبعد الصلاة (رأيته)، وفي مقابل ذلك (وإن لم تشك) يعني إذا لم يحصل لك شك بل كنت غافلاً أو قاطعاً بالطهارة. ومعه يتمّ الاستدلال بهذه الفقرة لأنّها تنطبق على محل الكلام.
الاحتمال الثاني: أن يكون الشكّ محمولاً على العلم الإجمالي بقرينة أنّه أُضيف الشك إلى موضع منه لا إلى أصل الثوب، فكأنّ النجاسة في الأصل مفروغ منها وإنما الشكّ في الموضع. ومعه يخرج عن محلّ الكلام لأنّه يصير معناه أنّه إذا كان حاله ذلك، ثم أنحلّ علمه الإجمالي في أثناء الصلاة ورأى الموضع بعينه فلا إشكال في البطلان، فإنّه لا يكون جاهلاً بالموضوع بل يكون عالماً به إجمالاً.
ــــــــــ[82]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 421، 422، كتاب الصلاة، الحديث8. الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث13. وسائل الشيعة 3: 482، 483، الباب44 من أبواب النجاسات، الحديث1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فإذا استظهرنا الاحتمال الثاني أو كانت الرواية مجملةً من ناحيتهما مردّدةً بينهما، فإنّه لا يمكن الاستدلال بها. فإنّه متوقف على استظهار الاحتمال الأول.
ولا ينبغي الاستشكال في أن الاحتمال الأول هو الظاهر، باعتبار عدّة قرائن:
القرينة الأولى: أنّ فرض العلم الإجمالي موجود في الرواية قبل ذلك، فلو تصدّى الإمام لفرض العلم الإجمالي تارةً أخرى يلزم التكرار.
والفقرة السابقة هي قوله: “قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنّه قد أصابه فطلبته ولم أقدر عليه فلما صلّيت وجدته. قال: تغلسه وتُعيد“.
القرينة الثانية: أنّنا إذا حملنا الشكّ على العلم الإجمالي فيكون المراد بالشقّ الثاني العلم بالطهارة فيلزم أن يكون ساكتاً عن فرض الشكّ البدوي وهو أمر متعارف غالب، فلا يكون قد تعرّض إلى الفرد الشائع، وهذا بخلاف ما لو حملناه على فرض الشك البدوي، وأما فرض العلم بالنجاسة فقد تقدّم في الفروع السابقة من الرواية.
القرينة الثالثة: قوله: “تنقض الصلاة وتعيد“. ونقض الصلاة ظاهر بأنّها انعقدت صحيحةً من أوّل الأمر.
وأمّا النقض للعمل الباطل فلا يكون إلّا بعناية. وهو لا يناسب العلم الإجمالي، بخلاف ما لو شكّ شكّاً بدوياً، فإنّ صلاته صحيحة.
وهنا يأتي سؤال واحد، وهو أنّ الإمام في فرض الشكّ البدويّ لم يُبدِ احتمال أنّ النجاسة متأخّرة، وأمّا في فرض أنّه كان معتقداً للطهارة أبدى احتمال
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أن تكون النجاسة متأخّرة؟
ونكتة هذا المطلب واضحة، وهو أنّ الإنسان إذا كان شاكّاً ثم يجد النجاسة في الأثناء يحصل له اليقين عادةً أنّ هذا هو الذي شكّ فيه، بحساب الاحتمالات. وأمّا إذا كان قاطعاً بالعدم فيكون احتمال أنّه “أوقع عليه” احتمالاً وجيهاً. فالاستدلال بهذه الفقرة تامّ.
وأمّا الفقرة الثانية: قوله: “وإن لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعله شيء أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك”.
فقد صار الإمام في مقام تصحيح الصلاة، فأبدى احتمال تأخّر النجاسة، وهو يدلّ بمفهومه على أنّ المكلف لو كان يعلم أنّها كانت موجودةً من الأول فلا مجال لتصحيح الصلاة، فلو انكشف في أثناء الصلاة سبقُ النجاسة كانت الصلاة باطلة.
عن أحدهما: قال: “سألت عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً وهو به يصلّي. قال: لا يؤذنه حتى ينصرف”(1).
سبق أن قلنا(2) إنّ ظاهرها أنّ الإيذان في الأثناء يشكّل كلفةً على المصلّي،
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) الكافي (ط. الإسلامية) 3: 406، باب الرجل يصلّي في الثوب وهو، الحديث8. وسائل الشيعة 3: 474، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث1..
(2) سبق أن ذكر ذلك في ص47.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بخلاف الإيذان بعد الصلاة، فينتج من ذلك أنّه لو انكشفت النجاسة في أثناء الصلاة كانت باطلةً. إذ لو لم تكن باطلةً فلماذا ينهاه عن إيذانه في الأثناء، ولا يوجد فرق بين إخباره في الأثناء وإخباره بعدها؟!
وهذا الاستدلال يمكن مناقشته: فإنّ الرواية وإن كانت ظاهرةً في وجود فرق بين الانكشاف في أثناء الصلاة وبعدها، وذلك أنّ الإخبار في الأثناء يكون مسبِّباً للمشقة. ولكن هل المشقة هي في وجوب التطهير، وإنّ ما سبق منه باطل، أو باعتبار أنّه يشقّ عليه التطهير لإحراز الشرط في الباقي من الصلاة مع كون الجزء الأول منها صحيحاً؟
عن أبي عبد الله قال: “ذَكَرَ المنيّ فشدده فجلعه أشد من البول. ثم قال: إن رأيت المنيّ قبل أو بعدما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه وصلّيت فيه ثم رأيته بعد ذلك فلا إعادة عليك. فكذلك البول”.
وقوله: “بعدما تدخل في الصلاة” يعني في أثنائها لأنّه يُصرّح بعد ذلك أنّه إذا رآه بعد ذلك فلا شيء عليه. فتدلّ على أنّه لو رأى النجاسة في الأثناء وعلم بسبقها بطلت الصلاة.
ولا بأس بدلالة هذه الرواية ولكنّها أضعف من رواية زرارة، فإنّ هذه الدلالة بالإطلاق، وتلك الرواية أقوى دلالةً.
والنكتة في ذلك: أنّ هذه الرواية تقول: فعليك إعادة الصلاة. وهي مطلقة
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بين ما إذا كان يتمكن من التطهير أثناء الصلاة مع التحفّظ على الاستقبال وعدم الفعل الكثير، وبين ما إذا لم يكن متمكّناً من ذلك، وعلى الثاني لا إشكال في بطلان الصلاة، سواء كان معذوراً في القسم الأول من صلاته أو لا، إذ سيكون القسم الآخر منها بالنجاسة، فالرواية مطلقة من هذه الناحية، ونستفيد من ذلك أنّ وجوب الإعادة ليس بلحاظ التحفّظ على ما يأتي، بل باعتبار فوات ما سبق، إذ لو كان مع التحفّظ على ما يأتي لقُيّد بعدم التمكّن من التطهير.
وهذا بخلافه في صحيحة زرارة فإنّها تقول: “إذا شككت في موضع منه ثم رأيته”، وهو وارد في مورد إمكان التطهير، ولا يحتمل أن يكون النظر فيها إلى مورد عدم إمكانه، بدليل الشقّ الثاني الذي يقول فيه: “وإن لم تشكّ ثم رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة” الحديث، يعني تطهّره وتستمر بالصلاة. فهذا قرينة على أنّ الأمر بالإعادة في الشقّ من الصحيحة خاصّ بالنجاسة المجهولة التي وقعت الأجزاء السابقة معها، فمن هنا كانت صحيحة زرارة صريحةً بالمدّعى، وأمّا رواية محمد بن مسلم فإطلاقها يُفيدنا.
رواية أبي بصير بسند معتبر عن أبي عبد الله: “في رجل صلّى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به قال: عليه أن يبتدئ الصلاة”(1) الحديث. فهي تأمر
ــــــــــ[86]ــــــــــ
(1) الكافي (ط. الإسلامية) 3: 405، باب الرجل يصلّي في الثوب وهو، الحديث6. الاستبصار 1: 181، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث6. وسائل الشيعة 3: 474، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بالإعادة وتدلّ على بطلان الصلاة حالها حال رواية محمد بن مسلم، لأنّه لم يذكر فيها هل يتمكّن من التطهير في الأثناء أو لا؟ وإطلاقها يقتضي أنّه يعيد على كل حال.
وأمّا أدلة القول بصحّة الصلاة فيما إذا وجدت النجاسة في الأثناء فهي وجوه:
دعوى الاستدلال على صحّة الصلاة بنفس الأدلة والروايات التي وردت في المسألة السابقة، فإنّها دلّت على أنّه متى وقعت الصلاة بالنجاسة جهلاً وانكشف الحال بعد الصلاة، فإنّه لا يعيد. فيقال: إنّها تدلّ بالأولوية العرفية على الصحّة في المقام، فإنّه لو كان تمام الصلاة واقعاً في النجاسة جهلاً كانت صلاته صحيحًة، فكيف لو وقع بعض الصلاة فيها!
ويتمّ تقريب الأولوية بأحد بيانَين:
البيان الأول: أنّ الروايات السابقة تدل بالأولوية العرفية على صحّة الصلاة في محل الكلام الذي وقع جزء من الصلاة مع النجاسة جهلاً. إذ لو لم نقل بصحتها، وقلنا بصحّة تلك الصلاة لزم أن يكون لوقوع الأجزاء الأخرى في النجاسة دخلٌ في الصحّة وهو أمر غير عرفي. فيكون ذلك منشأ للدلالة الالتزامية في أنّه إذا وقع جزء من الصلاة في النجس تقع صحيحةً.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
لكن يمكن أن يقال في جوابه: إنّ الصلاة إذا وقعت كلّها في النجاسة تكون صحيحةً، وإذا وقع جزءٌ منها في النجاسة تكون باطلةً. لا لأنّ زيادة النجاسة يستوجب الصحّة، بل لأنّ الإنكشاف في الأثناء مانع من الصحّة، فإنّ هذا الذي صلّى وانكشف له بعد ذلك ليس له علم بالنجاسة في الأثناء أصلاً. وأما الآخر فقد حصل له العلم بها في الأثناء.
البيان الثاني للأولوية: أن يقال: إنّ سبب بطلان هذه الصلاة لا يخلو من أحد أمور ثلاثة كلّها غير محتملة:
أحدها: أنّ الجزء الأوّل من الصلاة وقع في النجاسة جهلاً، وهذا غير محتمل، فإنّ تلك الصلاة بتمامها وقعت مع النجاسة جهلا ًولم تبطل فلماذا تبطل هذه؟! وما وقع تمامه في النجاسة وقع جزؤه مع النجاسة، فلو كان وقوع الجزء مع النجاسة مبطلاً كانت تلك الصلاة باطلةً.
ثانيها: عدم وقوع الباقي مع النجاسة وهذا غير محتمل.
ثالثها: أن يكون الموجب للبطلان علم المصلي بالنجاسة في الأثناء. وهو ما رددنا به البيان الأول.
ولكن يقال هنا: إنّه ثبت في روايات دم الرعاف أنّ العلم بالنجاسة في الأثناء لا يبطل الصلاة. فإنّها قالت: (يغسل ويبني على صلاته) فقد علم في الأثناء بالنجاسة ولم تبطل.
جوابه: أنّ العلم بالنجاسة في روايات الرعاف موجود وفي المقام موجود أيضاً، لكن هناك فرق بين المعلومين. فإنّه في الرعاف علم بحدوث النجاسة،
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهنا علم بوجود النجاسة من أوّل الأمر. ولعل منشأ البطلان هو العلم الواقع في الأثناء بالنجاسة من أول الأمر. وهذا فارق عرفي، يحتمل أن يكون منشأً للبطلان.
وهكذا ينبغي أن تُحقَّق المسألة، لا كما جاء في كلام السيد الأستاذ(1) من أنّ الأولوية العرفية وإن كانت تامّة لكن الروايات الدالة على البطلان تكون قرينةً على ردع العرف عن هذه الأولوية.
فإن هذا مما لا يمكن المساعدة عليه، فإنّنا لو سلّمنا بالأولوية، انعقدت لدليل الصحة مع النجاسة جهلاً دلالة التزامية، تقع طرفاً للمعارضة مع روايات البطلان. ومعه تتقدّم على أكثرها؛ لأنّ غير رواية زرارة تدل على البطلان بالإطلاق، فتكون مقيِّدة لها ومعارضة لرواية زرارة، فالسبيلُ الوحيد للتخلص من الأولويَّة العرفيَّة إبراز فارق بين المطلبين، بحيث يُحتمّل أن يكون منشأً للفرق بينهما.
هذا هو تمام الكلام في الوجه الأوّل للاستدلال على صحّة الصلاة.
رواية محمد بن مسلم قال: “قلت له: الدم يكون في الثوب عليّ وأنا في الصلاة. قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطّرحه وصلِّ. وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامضِ في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم. وما كان أقل من ذلك فليس بشيء، رأيته قبل أو لم ترَه وإذا كنت قد رأيته
ــــــــــ[89]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 166، والمطلب هناك بتفاصيله..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصلّيت فيه صلاة كثيرة، فأعد ما صلّيت فيه”(1).
فقرة الاستدلال قوله: “إن رأيته وعليك ثوب آخر غيره فاطّرحه وصلِ“.
والمراد بـ “صلِ” ليس هو استئناف الصلاة، بل بمعنى واصل صلاتك. إذ لو كان المراد القطع فأيّ فرق بين أن يكون عليك ثوب آخر أو لم يكن؟ فهذا يدلّ على أنّ النجاسة السابقة التي وقعت جهلاً ليست مبطلةً للصلاة، وإنّما المهم التحفظ على الطهارة في الأجزاء السابقة. فإذا أمكن نزع الثوب المتنجّس، وبقاؤه في ثوب آخر لستر العورة كفى في صحّة صلاته.
وقد استشكل فيه بعدَّة استشكالات:
إنّنا لو خُلّينا نحن وهذه الفقرة لكان عنوان الدم مطلقاً شاملاً للدم الأكثر من الدرهم والأقل. ولكنّ الفقرة متصلة بذيل استثنائيّ يوجب زوال إطلاقها، واختصاصها بما هو أقل من الدرهم. فإذا اختصت بذلك لايمكن الاستدلال
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 59، باب الثوب يصيبه، الحديث3. من لا يحضره الفقيه 1: 249، باب ما يصلى فيه وما، الحديث757. وسائل الشيعة 3: 431، الباب20 من أبواب النجاسات، الحديث6. تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث3. مع زيادة في حرف (الواو) في قوله عليه السلام: وما لم يزد على مقدار… الحديث..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بها لوضوح أنه معفوّ عنه في الصلاة وهو قوله: “ما لم يزد على مقدار الدرهم“، فيكون من قبيل الاستثناء المتعقّب لجُمل عديدة، وفي مثل ذلك قلنا في علم الأصول إنّنا وإن لم نستظهر رجوع الاستثناء إلى تمام الجُمل، ولكن قلنا إنّ القدر المتيقّن منه هو الأخير. وأمّا ما قبل الأخير فتبتلي بالإجمال، لأنّه يكون من الكلام المحفوف بما يصلح للقرينية فيسقط إطلاقها(1).
وهذه المناقشة وإن أوردها الأعلام(2) لكن بالتدقيق يظهر أنّها ليست في محلّها. وذلك لخصوصية في هذه الرواية وإن صحّت الكبرى التي قلناها. فإنّ الرواية تقول: “إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطّرحه وصل وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامضِ في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم“.
فإذا أرجعنا هذا القيد إلى الجملة التامّة فقط، يصبح المعنى: إن رأيت هذا الدم في الأثناء وعليك دم آخر بحيث يمكنك التحفّظ على بقاء الطهارة فانزعه وصل بدون فرق بين أن يكون الدم أقلّ أو أكثر من الدرهم، وإن رأيته في الأثناء بثوب واحد فهنا قضية لها منطوق ومفهوم تدلّ بمنطوقها على الصحّة في الأقل من الدرهم. وبمفهومها على عدم الصحة في الأزيد.
وأما إذا أرجعنا القيد إلى كلتا الجملتين فيكون المعنى: إذا رأيت الدم وأنت في الصلاة وكان عليك ثوب آخر فانزعه واستمرّ في صلاتك، وإن لم يكن
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول4، 411. أضواء وآراء 1: 645. أجود التقريرات 1: 496، بحوث في علم الأصول 3: 394.
(2) ذكرها في فقه الشيعة 4: 175.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
عليك ثوب آخر فابقَ فيه وواصل صلاتك…
هذا إذا لم يزد على الدرهم.
وتبقى صورتان لزيادة الدم على الدرهم وهما ما إذا كان هذا الدم مع ثوب آخر، وما إذا كان بدون ثوب آخر، لا يكون مصّرحاً بحكمهما في الرواية، وإنّما يعوّل فيهما على المفهوم الدال عل البطلان.
ثم بيّن الإمام بعد ذلك حكم الأكثر من الدرهم في حقّ الناسي، بقوله: “وإذا كنت قد رأيته“. فيلزم من ذلك أن لا تكون الرواية متعرّضة لمطابقة ما هو مورد السؤال في الأكثر من الدرهم بل اقتصرت في جواب السؤال على المفهوم فقط، وأنّها تبرّعت بذكر الناسي. وهذا بنفسه خلاف الظاهر وخلاف سوق التعبير عرفاً.
وهذا بخلاف ما لو أرجعنا القيد إلى الجملة الأخيرة، وأبقينا الأولى على إطلاقها، فإنّ الإمام يكون قد بيّن حكم الدم الأكثر من الدرهم مطابقة، وتبرع بذكر الناسي، وهذا لا محذور فيه.
رد الإشكال ببيان آخر:
وهناك بيان آخر لردّ هذا الإشكال يمكن أن يثبت به رجوع القيد إلى الجملة الثانية وهو أنّه لو كان القيد راجعاً إلى كِلا الجملتين للزم أنّه في فرض زيادة الدم على الدرهم لا يثبت كِلا الحكمين في كلتا الجملتين باعتبار المفهوم، فإنّ الحكم المذكور في الشرطية الأولى لو كان هو: “أنّه لو رأيت الدم وعليك ثوب غيره فطرحته فصلاتك صحيحة“، فيدل بالمفهوم على أنه في مورد زيادة
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الدم على الدرهم فصلاتك باطلة.
إلا أنّ الجزاء ليس هو صحّة الصلاة في المنطوق، بل الأمر بطرح الثوب، وهذا الأمر:
إمّا أن يُراد به الأمر الوجوبي بالمطابقة، فيكون دالاً بالدلالة المطابقية على وجوب الطرح ومانعية النجاسة للأجزاء اللاحقة، ويدلّ بالالتزام على صحّة ما سبق، إذ لو كانت باطلة لتعيّن القطع.
وإن فرضناه أمراً كنائياً للإرشاد إلى صحة الصلاة.
فعلى الأول لا يكون المدلول المطابقي هو صحّة الصلاة، بل مانعية النجاسة بلحاظ ما يأتي في الأجزاء. فهل يدل المفهوم على أنّه إذا زاد الدم عن الدرهم فالمانعية غير ثابتة؟ ليس هكذا.
وكذلك على الاحتمال الثاني، فإنّه لا معنى لأن يقال: إذا زاد الدم عن الدرهم فلا تطرح الثوب، بل لا بدّ من الطرح على أيّ حال، فلسان (اطرح) لا يناسب أن يقيّد بالأقل بالدرهم.
اللهم إلّا أن يرجع الأمر بالطرح إلى التخلص يعني: لك مَخلَص، فإن زاد على الدرهم فلا مَخلَص.
إن الشرطيتين فيهما ثلاثة احتمالات لا رابع لها:
الاحتمال الأوّل: أن يكون موضوع كِلتيهما خصوص الدم القليل، ومعه يسقط الاستدلال بالرواية، لأنّه يكون مورده هو النجاسة المعفوّ عنها.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الاحتمال الثاني: أن يكون موضوع القضية الأولى هو الكثير خاصّة، وموضوع الثانية هو القليل خاصّة. وهذا خلاف ظاهر الرواية، إذ يلزم منه تباين موضوعَي الشرطيتين، مع أنّ ظاهر الشرطية الثانية هو أنّ موضوعها نفس موضوع الأولى. فلا يكون هذا الاحتمال في نفسه تامّاً وإن أمكن الاستدلال بالرواية على أساسه.
الاحتمال الثالث: أن يكون موضوع الأولى هو مطلق الدم الأعمّ من الدم القليل والكثير. وموضوع الثانية هو خصوص القليل.
وعلى ذلك يتمّ الاستدلال بالرواية أيضاً، لكنّه احتمال ساقط، لأنّه يلزم منه الجمع بين الوجوب والاستحباب في الأمر الواحد. لأنّنا علمنا من الخارج أنّ الدم القليل لا يجب طرحه، أو يحمل على الجامع بين الوجوب والاستحباب، وكِلاهما خلاف الظاهر، فإنّ ظاهر الأمر هو الوجوب والإلزام.
ومعه يتعيّن الاحتمال الأوّل، وهو أنّ موضوع القضيتين الشرطيتين هو الدم القليل، ومعه يسقط الاستدلال بالرواية.
إلا أنّ هذا الإشكال إنما يتمّ فيما لو كان أمراً مولوياً، ولكن يمكننا أن نختار الشقّ الثالث ونبني على أن الأمر ليس مولوياً، ولا عبارة عن جعل جديد. بل عبارة عن أنّك لك مخلَص حسب القواعد، يعني أنّك إذا قمت بالوظيفة فيما يأتي فالقواعد تكفيك ما مضى. وأمّا ما هي الوظيفة فهو ما يستفاد من أدلّته الأخرى، ومعه فلا مانع من أن تكون الوظيفة تارةً هي الوجوب، وأخرى هي الاستحباب.
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إنّنا لو سلّمنا أنّ الفقرة الأولى مطلقة بالنحو الذي بينّاه فنقول: إنّها مطلقة من حيث إنّ المكلّف الذي رأى الدم في الأثناء كان يعلم بسبقه أو لا يعلم، بل يحتمل أنّه شيء أوقع عليه، فتكون تلك الروايات الدالة على البطلان مع العلم بسبق النجاسة تكون مقيّدةً لهذا الإطلاق، ويختصّ بما إذا لم يعلم بالسبق.
وهذا التقييد يتوقف على أن لا يكون تقييداً بفرد نادر، فإنّ المصلي حين يرى دماً على ثوبه وهو في الصلاة يحصل له الاطمئنان بسبقه، فإنّه غير معرّض لسقوط الدم عليه، حيث يصلّي في المسجد أو البيت لا في (المَذْبَح). ولذا ورد في صحيحة زرارة حين أراد بيان احتمال وقوعه في الأثناء، ما مفهومه: إذا لم يكن رطْباً(1) فإنّه لو لم يكن كذلك يحصل الاطمئنان بسبقه لها قبل الصلاة. إذن فهذا الإشكال قابل للدفع.
كل ذلك بناءً على أنّ الرواية بهذا المتن وهو قوله: “ما لم يزد على مقدار الدرهم“، لكن الشيخ في التهذيب(2) نقلها مع زيادة (واو) فقال: “وما لم يزد
ــــــــــ[95]ــــــــــ
() ورد في صحيح زرارة ما لفظه: “وإن لم تشكّ ثم رأيته رطباً قطعت وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعلّه شيء أُوقع عليك” الحديث. ومعنى ذلك أنّه إذا لم يكن رطباً حصل الاطمئنان بسبقه للصلاة.
(2) رواية التهذيب بزيادة حرف الـ (و) 1: 254: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: “قُلْتُ لَهُ الدَّمُ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ عَلَيَّ وَأَنَا فِي الصَّلاَةِ، قَالَ: إِنْ رَأَيْتَهُ وَعَلَيْكَ ثَوْبٌ غَيْرُهُ فَاطْرَحْهُ وَصَلِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ ثَوْبٌ غَيْرُهُ فَامْضِ فِي صَلاَتِكَ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْكَ وَمَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مِقْدَارِ الدِّرْهَمِ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ رَأَيْتَهُ أَوْ لَمْ تَرَهُ فَإِذَا كُنْتَ قَدْ رَأَيْتَهُ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِ الدِّرْهَمِ فَضَيَّعْتَ غَسْلَهُ وَصَلَّيْتَ فِيهِ صَلاَةً كَثِيرَةً فَأَعِدْ مَا صَلَّيْتَ فِيهِ”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
على” الحديث. فكأنّه جعل هذا التعبير بياناً جديداً لا تقييداً. ومعه تندفع أكثر الإشكالات السابقة ويصبح الاستدلال بها أوضح، لأنّ دعوى الإجمال إنّما هي لاحتمال الاستثناء المتّصل، وعلى نسخة التهذيب لا يوجد استثناء. وكذلك فرض اختصاص القضية الأولى بالأقلّ من الدرهم، فإنّه لا يكون محتملاً، لأنّ فرض الأقل جعله فرضاً آخر، فيُفهم منه أنّ ما قبله هو فرض الأكثر من الدرهم.
نعم، الإشكال الثالث يأتي لو لم يكن في نفسه غير وارد. فأيّ النسختين صحيحة من الرواية؟! هل (الواو) الزائدة في نسخة التهذيب يمكن التعويل عليها أو لا؟ يمكن أن نبيِّن عدم التعويل عليها بوجوه:
الوجه الأول: الوثوق الشخصي بنسخة الكافي. فإنّ الكليني رواها في الكافي(1) بدون (واو) ورواها الشيخ في التهذيب بـ(واو)، ورواها الشيخ في الاستبصار(2) بنحو مطابق لما في الكافي، فيحصل الوثوق الشخصي بصحّة ما في الكافي بملاحظة مجموع أمرين:
أحدهما: أنّ نسخ الكافي المنقولة لنا والواصلة إلينا متفقة على سقوط الواو.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) رواية الكليني في الكافي (إسلامية) من دون (و) 3: 59.
(2) رواية الاستبصار (إسلامية) مطابقة لرواية الكافي 1: 175.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ثانيهما: أنّ الشيخ الطوسي في أحد كتابَيه نقلها مع سقوط الواو، فلأجل التهافت بين كتابَي الشيخ، واتفاق نسخ الكافي، يحصل الوثوق الشخصي بسقوط الواو، وهذا ليس ببعيد.
الوجه الثاني: على فرض عدم الوثوق الشخصي يقال: إنّ الشيخ الطوسي كان له نسخة من الكتاب الذي فيه هذه الرواية. وكان يرويها بطريق فيه الكليني. وحين نقل عنها في الاستبصار حذف الواو، وحين نقل في التهذيب أثبتها، فتلك النسخة أصبح النقل عنها متهافتاً فتتساقطان. فلم يثبت أنّ نسخة الشيخ الطوسي هل كانت بـ(واو) أو بدون (واو)؟ وأمّا النسخة الأخرى التي ننقلها بتوسط أسانيد صاحب الوسائل(1) إلى الكافي، وهي أسانيد صحيحة فهي خالية عن الـ(واو).
إلا أنّ هذا الكلام غير صحيح لأمور، أهمّها: إنّ طريق النسخة الثانية هو صاحب الوسائل الذي تمرُّ طُرُقَه على الشيخ الطوسي، وليس له طريق منعزل عنه، فإذا كان للشيخ نسخة واحدة فهي قد وقع التهافت في النقل عنها.
الوجه الثالث: أنّه حصل التهافت في النقل عن الكليني، فنساخ الكافي نقلوها على شكل، والشيخ في التهذيب نقلها على شكل آخر، ولكن الرواية منقولة بطريق آخر لا يقع فيه الكليني، وهي رواية الصدوق(2)في الفقيه إلى محمد بن مسلم، والواو غير موجودة فيه.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) رواية الوسائل (مؤسسة آل البيت) من دون (و) 3: 431.
(2) رواية الصدوق في: من لا يحضره الفقيه (جماعة المدرسين) 1: 249.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وحينئذٍ يقال: إنّ الشيخ الكليني لا نعرف ماذا قال، لحصول التهافت في النقل عنه، ولكن الشيخ الصدوق نعرف ماذا قال فيثبت عدم وجود الـ(واو).
بل ينفتح من ذلك باب إشكال جديد على الرواية لم يذكره الأعلام، لأنّهم لم ينظروا إلى رواية الفقيه. وهي قوله: “وليس ذلك بمنزلة المنيّ“، ويقول: ثم قال: “إن رأيت المنيّ قبل أو بعد فعليك إعادة الصلاة“، بناءً على أن يراد به بعد الدخول في الصلاة، في مقابل الشقّ الآخر وهو الانتهاء من الصلاة، فتدلّ على البطلان ووجوب الإعادة، ومعه لا بدّ من تأويل الجملة الأولى أو ابتلائها بالإجمال.
لكن الذي يفوّت الفرصة على هذا الإشكال هو عدم تمامية سند الصدوق إلى محمد بن مسلم، فلا يكون هذا الكلام تاماً.
رواية داود بن سرحان عن أبي عبد الله: “في الرجل يصلّي أبصر في ثوبه دماً. قال: يتمّ“(1).
فلو كانت هذه النجاسة مبطلةً للصلاة لما كان معنى للأمر بالإتمام. والاستدلال بهذه الرواية يمكن أن يستشكل فيه بثلاثة إشكالات:
الإشكال الأول: دعوى أنّ الدم في الرواية مطلق يشمل الأقلّ من الدرهم
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 423، كتاب الطهارة، الباب22، الحديث17، وسائل الشيعة 3: 430، الباب20 من أبواب النجاسات، الحديث3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والأكثر، ومعه فيتقيّد بما هو أقلّ من الدرهم، فإنّ الصلاة صحيحة معه حتى مع العلم والعمد، فضلاً عن الغفلة، والمقيِّد له هو الروايات السابقة الدالة على البطلان.
ويؤيّد حملها على الأقلّ من الدرهم أنّ الإمام أمر بالإتمام دون أن يتعرّض إلى وجوب تطهير هذا الدم بلحاظ ما يأتي من الأجزاء، فيكون هذا شاهداً على الحمل على الأقلّ، فإنّه لا يحتاج إلى تطهير.
إلا أنّ هذا الإشكال لا يخلو عن نظر، لأنّ ظاهر السؤال أنّه أبصر الدم في أثناء الصلاة مع الفراغ عن أنّه لو أبصره قبلها لم يجز له الدخول فيها، فلا بُدّ أن يفرض ذلك في دم لا يجوز الدخول لو وجد قبل الصلاة. وهو الدم الكثير، ويكون مؤدّى السؤال أنّ الدم غير المعفو عنه إذا رُؤيَ في أثناء الصلاة هل يعفى عنه أو لا؟ وإلا لم يكن لأخذ خصوصية رؤيته في أثناء الصلاة دخل في المطلب.
الإشكال الثاني: أنّها مطلقة من حيث إنّ الدم علم بسبقه من أول الصلاة أو لم يعلم، إذن، فيقيَّد بتلك الروايات الدالة على البطلان في صورة العلم بسبق النجاسة. فتختصّ بصورة عدم العلم بالسبق، فتخرج عن محلّ الكلام، وهذا الإشكال غير تامّ، فإنّه تقييد بفرد نادر، فإنّ الفرد النادر لا يكون –عادةّ- عرضةً لسقوط دم ما له نفس سائلة في الأثناء.
الإشكال الثالث: أنّ ظاهر الرواية لا يمكن العمل به، حتّى من قِبَل القائلين بعدم مبطلية تلك النجاسة المجهولة.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وتوضيح ذلك: أنّ كلمة (يتمّ):
1- تارةً نقول: إنّه ليس فيها أيّ دلالة على أنّه يتمّ من دون تطهير، بل معناه أنه يأتي بالوظيفة بقاءً بما فيه التطهير للأجزاء السابقة، فإنّ معنى الإتمام هو الإتمام مع التحفظّ على سائر الأجزاء والشرائط، وارتفاع سائر الموانع والقواطع، بما فيها التحفظّ على الطهارة فيما يأتي به، فيكون الأمر بالإتمام مستبطناً ضمناً للأمر بالطهارة.
2- والاحتمال الثاني: إنّ لفظ (يتمّ) ليس له هذا المعنى الفلسفي الذي قلناه، بل معناه أنّه يأتي بالركوع والسجود، أي بالعمل الذي يأتي به لو لم يبصر الدم، ومقتضى إطلاقه عدم وجوب التطهير.
3- الاحتمال الثالث: إنّ المتفاهم عرفاً من: “يتمّ” لا يقتضي نفي التكليف عليه أصلاً، أي أنّ عليه نفس العمل الذي يعمله لو لم يبصر الدم، فيكون دالاً بنفسه على عدم وجوب التطهير، وهذا هو الصحيح، فيدل على جواز وقوع ما تبّقى من الصلاة في النجس.
وهذا الظهور لا يمكن العمل به جزماً، للارتكاز، وما ورد في دم الرعاف وغيره من الأمر بالغسل والتطهير والبناء على الصلاة، ومعه يسقط الاستدلال بها، ولا يمكن التبعيض بالاستدلال بأن نقول: إنّ الرواية تدلّ على الصحة بلحاظ ما سبق وما يأتي. فنأخذ بالأمر الأول دون الثاني، فإنّهما أفيدا بكلمة واحدة، وبعد سقوطها لا معنى للأخذ بجزء مدلولها عرفاً.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
رواية عبد الله سنان عن أبي عبد اللهقال: “إن رأيت في ثوبك دماً وأنت تصلّي ولم تكن رأيته قبل ذلك فأتمّ صلاتك، فإذا انصرفت غسلته. قال: وإن كنت رأيته قبل أن تصلّي فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك”(1).
هذه الرواية أحسن حالاً من سابقتها في بعض الإشكالات، وأسواء منها في بعضها الآخر، فهي لا يرد عليها الإشكال الأوّل حتى لو قبلناه هناك، فإنّ الإمام يحكم بصحّة الصلاة فيما إذا رأى الدم في الأثناء ولم يكن قد رآه قبل ذلك. ويحكم بالبطلان إذا كان رآه قبل ذلك.
ومن المعلوم أنّ موضوع القضيتين واحد، فلا معنى لحمله على الدم الأقلّ من الدرهم، لأنّه لا تبطل الصلاة به حتى لو رآه قبل الصلاة.
لكنّها من جهة أخرى أسوأ حالاً من سابقتها، فإنّها صريحة بعدم التطهير في الأثناء، وقد كان هذا هو ظاهر تلك الرواية لا صريحها، وأمّا هذه الرواية فواضحة بعدم الغسل في الأثناء.
هذا مضافاً إلى أنّها غير تامّة السند، فإنه يرويها ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن الحسن بن محبوب، وطريقه إليه غير معلوم لدينا.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) السرائر 3: 592. وسائل الشيعة 3: 483، الباب44 من أبواب النجاسات، الحديث3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ثم هناك إشكالاً عامّاً في تمام الروايات الثلاث وهو أنّها جميعاً واردة في الدم، وقد اشتمل بعضها على أحكام خاصّة من قبيل أنّ بعضه “يُعفى عن قليله”، فإذا كان يختلف في حكمٍ فلعلّه يختلف في حكمٍ آخر، وكأنّ الشارع له نظر تسهيليّ إلى الدم دون غيره.
هذا كلّه في فرض تمامية الروايات في أنفسها، فإذا تمّت في أنفسها فحينئذٍ تقع المعارضة بينها وبين الروايات السابقة، ولابدّ من علاج التعارض.
فلو غضضنا النظر عن المؤاخذات السابقة فما هو الموقف في علاج المعارضة بين الطائفة المتقدمة الدالة على البطلان وهذه الطائفة الدالة على الصحة. وهنا نتحدّث عن فرضيتين:
أن يُلتزم بعدم الفرق بين الدم وغير الدم، فإمّا أن يحكم بالبطلان على كلّ تقدير إذا انكشف وجود النجاسة في أثناء الصلاة، أو يحكم بالصحّة على كِلا التقديرين، ولو باعتبار عدم القول بالفصل.
وبناءً عليه تكون هذه الروايات الثلاث، وإن وردت في الدم كلّها، لكن بعد ضمّ الملازمة المفروضة، ولو باعتبار عدم القول بالفصل، فيثبت بها صحّة الصلاة إذا انكشف في الأثناء سواء كانت النجاسة دماً أو بولاً أو منيّاً. فتقع طرفاً للمعارضة مع الروايات الدالة على بطلان الصلاة.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وحيث إنَّ المعارضة بنحو التباين، وبعد تعذّر الجمع العرفي يحصل التساقط بين الروايتين، وبعد التساقط لا بدّ من الرجوع إلى مرجع فوقاني، وهو في المقام لا بدّ أن يكون من العمومات، وفي المقام عندنا عامَّان أحدهما أخصّ من الآخر:
1- العامّ الأعمّ هو أدلّة مانعيّة النجاسة في الصلاة كحديث “لا صلاة إلّا بطهور“. ومقتضاه بطلان هذه الصلاة.
2- والعامّ الآخر هو أدلّة معذوريّة الجاهل بالموضوع، وهذا في بعض رواياته إطلاق لما كان انكشافها في أثناء الصلاة ولما كان بعد الصلاة.
ومعه يتعيّن الرجوع إلى أخصّ العامّيْن، وهو الثاني دون الأول. فإنه يجب أن يرجع إلى ما هو الدليل لولا التعارض، فنعمل به بعد التساقط. وهذا في المقام هو العامّ الأخصّ. فإنّ إطلاق حديث “لا صلاة إلّا بطهور” مخصّص بالجاهل بالموضوع، فنعمل به.
وروايات معذورية الجاهل بالموضوع هل لها إطلاق يشمل الإنكشاف أثناء الصلاة أو لا؟ فإن كان فيها ذلك صحّ جعلها مرجعاً فوقياً بين تساقط الخاصّيْن. وأمّا إذا كانت كل الروايات مخصوصة بما بعد الصلاة فلا يمكن الرجوع إليها، وهي وإن كان بعضها مخصوصة بما بعد الصلاة.
إمَّا صريحاً كرواية العيص بن القاسم قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل صلّى في ثوب رجل أياماً، ثم إنّ صاحب الثوب أخبره أنّه لا يصلّي (أو لا
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
يصلّى) فيه. قال: لا يعيد شيئاً من صلاته”(1).
أو تكون ظاهرة بذلك، كرواية أبي بصير عن أبي عبد الله قال: “إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه وإن علم قبل أن يصلّي فنسي وصلّى فيه فعليه الإعادة”.(2) فإنّ ظاهر (صلّى) أنّه انتهى من صلاته.
لكن عندنا عدّة روايات لا بأس بإطلاقها:
1- كرواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد الصلاة. قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد”(3). وهذا يدل على أنّه معذور سواء انكشف في أثناء الصلاة أو بعدها وهذا ورد عليه مخصّص بما إذا انكشف في الأثناء، ولكنّه سقط بالمعارضة، ومعه يبقى هذا العام على عمومه.
2- وكذلك رواية سماعة، قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلّي. قال: يعيد صلاته كي يهتم بالشيء إذا
ــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 360، كتاب الصلاة، الباب7، الحديث22. الاستبصار 1: 180، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث3. وسائل الشيعة، 3: 488، كتاب الطهارة. الباب47 من أبواب النجاسات، الحديث4.
(2) تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث24. الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث9. وسائل الشيعة 3: 476، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث7.
(3) سبق تخريجه في عنوان (10- رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله). ص56.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
كان في ثوبه عقوبة لنسيانه. قلت: فكيف يصنع من لم يعلم أيعيد حين رفعه. قال: لا، ولكن يستأنف”(1).
فهذه لا بأس بالتمسّك بإطلاقها لما إذا انكشفت النجاسة في الأثناء.
على أن رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله لا تصلح أن تكون هي المرجع الفوقاني لورودها في العذرة. وقد فرضنا أن الصلاة باطلة معها.
وأمَّا ورواية سماعة فتصلح لأن تكون مرجعاً فوقانياً، ولكن ذلك بغضّ النظر عن العبارة الأخيرة فيها وهي قوله: “لا، ولكن يستأنف“. فإنّ فيها احتمالين:
أحدهما: أنّه يعيد صلاته إذا انكشفت النجاسة في الأثناء، فتكون دالّة على البطلان، كما هو حال الطائفة الأولى. فكأنّه قال: إنّه يقطع الصلاة ويستأنف، ومعه تكون طرفاً للمعارضة لا مرجعاً فوقانياً.
ثانيها: أنّ المراد أنّه يبدأ الأعمال التالية للصلاة بعد الإزالة، ومعه تصلح لأن تكون مرجعاً فوقانياً.
ولكن إذا فرض التردّد بين الاحتمالين وعدم استظهار الثاني فضلاً عن الأول، لا تكون صالحةً للمرجع الفوقاني.
3- إذن فلا بدّ من استبدالها برواية أخرى هي رواية الحسين بن سعيد
ــــــــــ[105]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 454، 255، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث25. الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث10. وسائل الشيعة 3: 481، الباب42 من أبواب النجاسات، الحديث5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المكاري عن أبي بصير عن أبي عبد الله أو أبي جعفر قال: “لا تُعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض، فإنّ قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء“(1).
فهي دالّة على العفو سواء انكشف في أثناء الصلاة أو بعدها، وسواء كان قليلاً أو كثيراً. وفي صورة الانكشاف في الأثناء وقع التعارض بين الطائفتين فنرجع بعد تساقطهما إلى هذه الرواية، فهي من حيث الدلالة لا بأس بها ومن حيث السند أيضاً، فإنّ الكليني يرويها عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد عن محمد بن عيسى عن النضر عن الحسين بن سعيد المكاري عن أبي بصير.
وأهمّ إشكال في سندها في الحسين بن سعيد المكاري، فإنّه لم يوثّق وشهد له بالوقف(2) في بعض المواقف، ممّا يدلّ على عدم الإيمان والتشيع الكامل، إلّا أنّ هذا لا يضر، لأنّ مجرد كونه واقفياً لا يثبت ضعفه ولا ينفي وثاقته، فيكفي في توثيقه وجود أحد الثلاثة يروي عنه، وقد روى عنه اثنان منهما أحدهما: صفوان.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) سبق تخريجه في ص54.
(2) ذكر خبر وقفه الكشي في اختيار معرفة الرجال (مؤسسة آل البيت) 2: 765. وَضَعَهُ الطوسي في رجاله (جماعة المدرسين) في فهرست المنسوبين إلى المذاهب الفاسدة 590. وقول المصنف: “شهد له في الوقف في بعض المواقف”، وليس كلها، لأنّ المقطوع به تحقيقاً أنّ والده كان وجهاً من وجوه الواقفة، وفي الحسين هذا اختلاف، ويبدو أنّ الماتن يرى أنّه كان واقفياً في بعض المواقف ثم عدل عنها. وانظر لشرح حاله: قاموس الرجال (جماعة المدرسين) 3: 403.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
هذا كله لو بنينا على عدم وجود جمع عرفي بين الطائفتين، ولكن هل يوجد جمعٌ عرفيٌّ بينهما أو لا؟
كانت العمدة في الطائفة الثانية الدالة على الصحّة، هي رواية محمد بن مسلم التي يقول فيها: “إن رأيته وعليك ثوب آخر فاطّرحه وصل“، بعد أن دفعنا الإشكالات عنها، وهذه الرواية لو استثنينا عنها رواية زرارة والتفتنا إلى رواية محمد بن مسلم وخبر أبي بصير، فتكون رواية الصحة أخصّ مطلقاً من هاتين الروايتين، لأنّ رواية محمد بن مسلم وخبر أبي بصير تأمر بالإعادة سواء أمكن طرح الثوب في الأثناء أو لا، ورواية الصحّة مخصوصة بخصوص إمكان نزع ذلك الثوب، فتقيّد ذينك الخبرين بما إذا لم يمكن نزع الثوب أو إذا لم يمكن التخلّص من النجاسة بنزع ولا تطهير.
نعم، لو لاحظنا هذه الرواية مع رواية زرارة، نرى أنّ هذا التقييد غير ممكن في رواية زرارة، لانّه فَرَض إمكان التطهير حيث قال: “قطعت الصلاة وغسلته وبنيت على صلاتك“، فتتعارضان بنحو التساوي.
ومعه ينحصر أصل الجمع بينهما على حمل الأمر بالإعادة في رواية زرارة على الاستحباب.
ولكن هذا لا يخلو عن إشكال، فإنّه قال: “تنقض الصلاة وتعيد“، وهو لو كان أمراً مولوياً أمكن حمله على الاستحباب وأما لو كان إرشاداً إلى البطلان وحصول الانتقاض، فحمله على الاستحباب ليس حملاً عرفياً، لأنّ لفظ
ــــــــــ[107]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
النقض قوي الظهور بالبطلان ومعه يتعارض ويتساقطان ويتعين الرجوع إلى المرجع الفوقاني.
هذا تمام الكلام في الفرضية الأولى.
أن نحتمل الفرق بين الدم وغيره، لأنّ الدم أمتاز بأحكام تسهيلية في الشريعة، فلعلّ هذا من جملة ذلك. وهذه الطائفة الدالة على الصحّة برواياتها الثلاث كلّها وردت في الدم وليس لها إطلاق لغيره. وأما الطائفة الدالة على البطلان فكأن عندنا منها ثلاث روايات:
إحداها: رواية أبي بصير: في رجل صلّى في ثوب فيه جنابة ركعتين(1).
والأخرى: رواية محمد بن مسلم: “إن رأيت المنيّ قبل أو بعد فعليك إعادة الصلاة”(2).
والثالثة: رواية زرارة الاستصحابية.
ورواية زرارة واردة في مورد الطائفة الثانية وهو الدم، ومعه تسقط معها بالمعارضة وترجع إلى المرجع الفوقاني السابق، وهو الدال على المعذورية، وأما
ــــــــــ[108]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 405، باب الرجل يصلّي في الثوب وهو، الحديث6. وسائل الشيعة 3: 474، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث2.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 249، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى، الحديث757. تهذيب الأحكام 1: 252، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث17 مع اختلاف يسر بالألفاظ. وسائل الشيعة 3: 424، الباب16 من أبواب النجاسات، الحديث2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ما دل على البطلان في غير الدم فلا يكون معارضاً أصلاً مع هذه الروايات، ونحن نحتمل الفرق بين الدم وغيره، ومعه فينبغي التفصيل بين الدم وغيره.
يبقى الكلام في أنّ هذا كله فيما إذا علم في الأثناء أنّ النجاسة كانت موجودةً من حين دخوله في الصلاة.
وأمّا لو علم أنّها طارئة بحيث لم يقع شيء من أجزاء الصلاة فيها، فيشملها أخبار دم الرعاف الآمرة بأنّه يطهّر النجاسة ويستمر، فإنّ النجاسة لم تعتبر من القواطع حتى لو وجدت في كونٍ صلاتيّ لبطلت، بل جُعلت مانعاً عن أجزاء الصلاة، فلو طهّر ووقعت الأجزاء في طهارة كانت صحيحةً.
قال الماتن: وإن علم حدوثها في الأثناء مع عدم إتيان شيء من أجزائها مع النجاسة، أو علم بها وشكّ في أنّها كانت سابقاً أو حدثت فعلاً، فمع سعة الوقت وإمكان التطهير أو التبديل يتمّها بعدهما، ومع عدم الإمكان يستأنف، ومع ضيق الوقت يتمّها مع النجاسة ولا شيء عليه.
ويبقى الكلام في صورة متوسّطة بين الأمرين، وهو ما إذا علم بنجاسة وقعت في أثناء الصلاة، كما لو ألتفت في الركعة الثالثة إلى أن النجاسة وقعت في الركعة الثانية.
يقع الكلام فيما إذا انكشفت النجاسة في الأثناء ولم يعلم أنها كانت موجودة من حين ابتداء الصلاة فهنا صور:
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الصورة الأولى: أن يفرض أنّه علم بوقوعها في الكون الصلاتي الفعلي، وأنّه لم يقع شيء من أجزاء الصلاة فيها أصلاً، فلا إشكال في الصحّة مع القدرة على التبديل أو التطهير؛ لأنّ النجاسة ليست من القواطع للصلاة على حدّ الحدث، وإنّما هي مانع عن الأجزاء الصلاتية، وذلك:
إمّا لقصور في نفس أدلة الشرطية والمانعية للنجاسة الخبثية، فإنّها لا تقتضي إلّا أنّ أجزاء الصلاة لا بدّ من إيقاعها مع الطهارة الخبثية، والقاطعية عناية زائدة تحتاج إلى جعل زائد.
وإمّا لوجود دليل على هذه العناية، وهي روايات الرعاف، حيث قيل له: “يطهّر ويتمّ صلاته”. فإنّه يدل على أنّ وقوع الدم غير قاطع في أثناء الصلاة ما دام المصلّي متمكن من إيقاع الأجزاء مع الطهارة.
الصورة الثانية: إنّه يعلم بالنجاسة الآن، ويشك في أنّها كانت موجودةً قبل هذا الكون الصلاتي.
ولا إشكال في الصحّة أيضاً، لا أقل من دخولها تحت عبارة الإمام في صحيحة زرارة: “لعله شيء أوقع عليه”.
الصورة الثالثة: أن يعلم أنّ هذه النجاسة كانت على أجزاء صلاتية سابقة، ولكنّها ليست موجودة من أول الأمر، فهل يحكم بالبطلان أو لا؟
يقع الكلام في ذلك تارةً بلحاظ مقتضى القاعدة، وأخرى بلحاظ الروايات المتقدمة. فالكلام في مرحلتين:
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
في الكلام بلحاظ مقتضى القاعدة: فمقتضاها هو التفصيل بين ما إذا كان هذا الجزء الذي وقع مع النجاسة جزء ركنيّ، وما إذا لم يكن جزءاً ركنياً.
فإن فرض أنّ جزءاً غير ركنيّ وقع مع النجاسة فمقتضى القاعدة صحة الصلاة، وبطلان ذلك الجزء بالخصوص، بمعنى أنّه يجب عليه – إذا لم يلزم محذور- التطهير أو التبديل وإعادة ذلك الجزء. فإنّنا قلنا بأنّ أدلة المانعية لا يستفاد منها إلّا أنّه يجب إيقاع الصلاة مع الطهارة الخبثية فهو إخلال بجزء غير ركنيّ، فيعيد الإتيان به ولا يقع إشكال.
وأما إذا وقع جزء ركنيّ مع النجاسة، فمقتضى القاعدة بطلان الصلاة، لأنّ الركوع قد وقع مع النجاسة، فإن تداركه لزم زيادة ركنية، وإن لم يتداركه يلزم النقيصة الركنية، فلا بدّ من الإعادة على كلّ حال.
في الكلام بلحاظ الروايات الخاصّة الدالة على البطلان إذا انكشفت له النجاسة في الأثناء وعلم بسبقها على الصلاة، فنرى أنّها مخصوصة بخصوص العلم بسبق النجاسة من الأول، أو تشمل ما إذا كانت النجاسة قد وقعت في الأثناء.
وقد كان دليل البطلان عبارة عن عدّة روايات:
1- منها: رواية أبي بصير: “في رجل صلّى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم ــــــــــ[111]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
علم به، قال: عليه أن يبتدئ الصلاة”(1)،وهي خاصّة بما إذا علم بسبق النجاسة وليس فيها إطلاق لما إذا كانت النجاسة معلومةً بسبق جزء أو عدّة أجزاء.
2- منها: رواية محمد بن مسلم: قال: “ذكر المنيّ فشدّده ثم قال: بأن رأيت المنيّ قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة، فعليك إعادة الصلاة”(2) الحديث، وهي خاصّة بالعلم بسبق المنيّ على الصلاة، فلا يكون لها إطلاق لمحلّ الكلام.
3- منها: رواية سماعة: “عن الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلّي. قلت: فكيف يصنع من لم يعلم، أيعيد حين رفعه. قال: لا، ولكن يستأنف”(3).
بناءً على أنّ معنى “يستأنف” أنّه يقطع الصلاة، تكون دالّة على البطلان فيما إذا انكشفت النجاسة في الأثناء، وهي أيضاً ليس لها إطلاق لمحلّ الكلام، لأنّه يفرض في البداية أنّه ينسى أن يغسل حتى يصلّي، وهو واضح بفرض وجود الدم قبل الدخول. ثم يبدل فرض النسيان بفرض الجهل. مع التحفظ على سائر الخصوصيات.
4- منها: رواية زرارة الاستصحابية: قال: قلت له أصاب ثوبي دم رعاف ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه ص 58.
(2) تقدّم تخريجه ص72.
(3) تهذيب الأحكام 1: 254، 255، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث25. الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث10. وسائل الشيعة 3: 480، 481، الباب42 من أبواب النجاسات، الحديث5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أو غيره أو شيء من منيٍّ فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئاً وصلّيت ثم أني ذكرت بعد ذلك…(1) الحديث.
وقلنا إنّ مَدرك الاستدلال فيه فقرتان، وكِلاهما لايوجد فيه إطلاق، لفرض تأخّر النجاسة عن أول الصلاة:
أما الفقرة الأولى وهي قوله: “إذا شككت في موضع منه ثم رأيته“، فهو وإن لم يعيّن زمان الشك، إلّا أنّ المنصرف أنه شكّ قبل الصلاة ثم رآه في الأثناء.
وأمّا الفقرة الثانية: وهي قوله: “لعلّه شيء أوقع عليك“. فإنّه لم يبيّن أنّه متى أوقع عليه، هل أوقع عليه فعلاً، أو قبل الدخول في الصلاة؟ ومن هنا لا جزم(2) بإطلاق هذه الرواية. نعم، لو صرّح بأنّه أوقع فعلاً لكان دالاً على البطلان لو أوقع قبل ذلك.
ومعه فجميع الروايات غير شاملة لمحلّ الكلام، ومعه فأين نرجع؟ لا ينبغي الرجوع إلى الروايات المعارضة الدالّة على الصحّة في المسألة السابقة، لأنّها قد سقط مدلولها في نفسه. فإنّه قد يقال: إنّ هذه الروايات مطلقة من حيث تاريخ الوقوع، خرج منها ما إذا علم بسبق النجاسة، وأمّا غيره وهو ما إذا علم بتأخرّها عن أول الصلاة فنتمسّك بإطلاق هذه الروايات في تصحيح الصلاة مع هذه النجاسة.
ــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــــ
() مر ذكرها في ص81.
(2) ما لم يدّعِ ظهورها بالتأخر، لأنّ الإمام يريد أن يُشكّك بالبطلان، فأبدى له احتمال التأخّر، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إلا أنّ هذا التوهُّم في غير محلّه، لأن تلك الروايات سقطت عن الحجية بمدلولها المطابقي، مثل رواية داود بن سرحان(1)، فلا يمكن التمسّك بمدلولها الالتزامي. وأمّا رواية محمد بن مسلم(2) فتقييدها بفرض وقوع الدم في الأثناء تقييد بفرد نادر، فلا بُدّ من طرحها أو تأويلها.
بل المرجع هو إطلاقات معذورية الجاهل كرواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله: “عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد الصلاة. قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد”(3).
ومثل الرواية التي تقول: (لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره إلّا دم الحيض)(4).
خرج منها ما إذا علم بسبق النجس، وأماّ إذا لم يعلم بسبقه فنرجع إلى إطلاقات معذورية الجاهل.
ما قلناه كان في فرض سعة الوقت، والآن نتكلّم في فرض ضيق الوقت، بحيث لا يتمكّن المكلّف من التطهير والإتيان بالصلاة أو بوجودها التنزيلي
ــــــــــ[114]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها ص98.
(2) تقدّم تخريجها ص 47.
(3) تقدّم تخريجها ص56.
(4) تقدّم تخريجها ص54.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهو الركعة بقانون: (من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كله)(1). فهل يكفي ما أتى به أو يحكم ببطلانه على أيّ حال.
ذهب السيد الماتن إلى الحكم بصحّة ما أتى به، وحينئذٍ إذا أمكنه التطهير في الأثناء والإتيان بالباقي فهو، وإلا صلّى في النجس بناءً على أنّه متى ما دار الأمر بين الصلاة في النجاسة والصلاة عرياناً قدّم الصلاة في النجس، فكأنّ الحكم بالبطلان خاصّ بسعة الوقت دون ضيقه.
ــــــــــ[115]ــــــــــ
() كلام مقتنص من عدد من الروايات، أهمّها: تهذيب الأحكام 3: 160، كتاب الصلاة، الباب 10، الحديث 5، ونص الحديث: “عن عليّ قال: من أدرك الإمام يوم الجمعة وهو يتشهّد فليصلّ أربعاً، ومن أدرك ركعة فليضف إليها أخرى يجهر فيها”، أو الحديث 7 في نفس الباب، ونصّه: قال أبو عبد الله: “من أدرك ركعة فقد أدرك الجمعة“، وفي دعائم الإسلام 1: 184، ذكر صلاة الجمعة ما نصّه: وعن جعفر بن محمد أنّه قال: “من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فقد أدرك الجمعة يضيف إليها ركعة أخرى بعد تسليم الإمام، فإن فاتته الركعتان معاً صلّى الظهر أربعاً وحده“، وفي الاستبصار 1: 276، الباب 150 وقت صلاة الفجر، الحديث 10، ما نصّه: “من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامّة“، وفي مصادر العامّة عن أبي هريرة عن رسول الله: “ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة“، وسائل الشيعة 8: 394، الباب 49 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهذه الفتوى يمكن تخريجها بثلاثة أوجه:
إنّ الحكم بالبطلان إنّما يكون بلحاظ الروايات الخاصّة الواردة في ما إذا انكشفت النجاسة في الأثناء كرواية زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير(1). وبها خصّصنا إطلاق ما دلّ على معذورية الجاهل. وهذه الروايات لا إطلاق لها لفرض ضيق الوقت وعدم إمكان إعادة الصلاة مع الطهارة، وحينئذٍ ففي فرض ضيق الوقت فلا يبقى دليل على البطلان، فنتمسّك بإطلاق معذورية الجاهل.
أمّا إنّه لماذا لا تشمل الروايات الثلاث صورة ضيق الوقت؟ فيمكن أن يقرب ذلك بثلاثة تقريبات:
التقريب الأوّل: أنّ هذه الروايات لا تبيّن البطلان ابتداءً، بل بلسان الأمر بالإعادة فلو كانت بلسان (باطل) لأمكن التمسّك بإطلاقه لضيق الوقت، وأمّا الأمر بالإعادة فهو ظاهر بالصلاة داخل الوقت.
إمّا بدعوى: ظهورها بالمعنى المصطلح المقابل للقضاء، وإمّا أن يعترف بأنّها ليست ظاهرةً بالمعنى المصطلح، لأنّه اصطلاح فقهيّ وليس بصحيح تحكيمه على ألسنة الروايات.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
(1) رواية زرارة في صفحة 26. ورواية محمد بن مسلم 54. ورواية أبي بصير 54.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
لكن مع هذا يقال: إنهّا ظاهرة بالاتيان بالصلاة في داخل الوقت، فإنّها ظاهرة بالاتيان بالصلاة بوجود مماثل لها من جميع الجهات إلّا من الناحية التي أمر بلحاظها بالإعادة، فلا بُدّ مع حفظ المماثلة أن يكون الفرد الثاني واجداً للوقت أيضاً، وهذا يختصّ لا محالة بمن يتمكّن من الاتيان بالصلاة في داخل الوقت، وأمّا من لا يتمكّن فلا معنى لأنَّ يؤمر بذلك. فيختصّ الأمر بالإعادة بفرض سعة الوقت.
وأمّا صورة ضيق الوقت فلا تكون مشمولةً لهذا الأمر، وحيث إنّ البطلان فهم من الأمر بالإعادة، وهو غير شامل لفرض ضيق الوقت، فلا يكون الحكم بالبطلان شاملاً له أيضاً، فنتمسّك بإطلاق معذورية الجاهل.
وهذا التقريب يمكن الخدشة فيه بدعوى: أنّ الأمر بالإعادة لو كان أمراً مولويّاً لكان كما قيل، فإنّ الأمر المولوي مشروط بالقادر عليه، وفي ضيق الوقت لا يكون المكلّف قادراً، ولكنّه ليس مولوياً بل هو إرشادي إلى البطلان، وهذا الأمر الإرشادي يُعقل شموله لفرض الضيق، فإنّ البطلان حكم وضعيّ يمكن شموله لغير القادر، فيتمسّك بإطلاق الرواية.
التقريب الثاني: لدعوى الظهور في هذه الروايات: أنّ الأمر بالإعادة وإن كان أمراً إرشادياً إلّا أنّه حتّى هذا الأمر الإرشادي صار الإرشاد فيه بلسان إنشائي لا بلسان إخباري، فينصرف إلى خصوص من كان قادراً على الإعادة أيضاً، ولهذا لو فُرِض أنّ شخصاً ضاق به الوقت فهل يصحّ أن يقال له أعد صلاتك، ويكون المراد إرشاده إلى البطلان؟ لا يصح ذلك.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والفرق بين هذا الوجه وسابقه، أنّه هناك قيل إنّ الأمر بالإعادة خاصّ بالقادر بحكم العقل، وقد أجبنا بأنّه إرشاد، والعقل لا يحكم باستحالته. وهنا نقول: إنّ الأمر وإن كان إرشادياً إلّا أنّه لا يتوجّه إلى العاجز فإن مناسبات الحكم والموضوع تأبى عن ذلك.
وجوابه: أنّ الأمر إذا انتهى إلى المناسبات العرفية، فنحن نفصّل بين أن يكون الخطاب خاصّاً بالعاجز أو عامّاً لغيره. فإن كان خاصّاً به، فهو عرفاً لا يناسب توجّهه إلى العاجز، وأما إذاكان الخطاب مطلقاً فلا حزازة فيه، والحزازة العرفية الموجودة هناك غير موجودة هنا، فنتمسّك بالإطلاق بلا محذورٍ عقليٍّ ولا عرفيٍّ.
التقريب الثالث: لقصور الروايات، هو أنّ العرف يفهم من الأمر بالإعادة الدال على بطلان الصلاة أنّ هذا بملاك التحفّظ على ما فات وتداركه وإحرازه في فردٍ آخر، ومن الواضح أنّه في فرض ضيق الوقت لو قطع الصلاة وأراد الإعادة لم يستطع، بل يقع التزاحم في شأنه بين الوقت وبين الطهارة الخبثية، فيقدّم شرط الوقت ويصلّى مع النجاسة، لأنّه لو اشتغل بالطهارة خرج الوقت لا محالة.
إذن، فقطعه للصلاة مع النجاسة لا يؤدّي إلّا إلى أن يأتي بالصلاة مع النجاسة تارةً أخرى. وهذا خلاف المستظهر عرفاً من الأمر بالإعادة في كونه تداركياً، لا كونه أمراً نفسياً. والمفروض حسب القواعد أن التحفّظ على ما فات غير ممكن.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهذا التقريب ألطف من السابقَين، لكنّ فيه فرقاً عنهما هو أنّه لو تمّ هذا الوجه فإنّه يختصّ بصورة ما إذا كان الوقت ضيّقاً بحيث يمكنه أن يصلّي مع النجاسة، ولا يشمل ما إذا كان الوقت ضيّقاً بحيث لا يمكنه أن يصلّي أصلاً لو قطع الصلاة، فلو كان الوقت ضيّقاً كذلك، فإنّه يتعيّن عليه القضاء، ويأتي بالصلاة خارجاً مع الطهارة لكن بدون شرط الوقت، وظهور الأمر بالإعادة في كونه تداركياً محفوظ في مثل هذه الصورة.
وهذا معناه أنّنا لو بقينا مع الوجه الثالث، لقلنا بالتفصيل بين ما لو كان هذا المؤمن لو قطع صلاته مع النجس، لكُلِّف بالصلاة مع النجس أيضاً؛ لأنّ الأمر بالإعادة لا يكون شاملاً له، وبين ما لو كان بحيث لو قطع المكلّف صلاته كُلّف بالصلاة مع الطهارة خارج الوقت. فالأمر بالإعادة يشمله.
وأمّا لو بنينا على التقريب الأوّل والثاني فلا يفرق فيه بين هاتين الصورتين، فإنّ هذا المؤمن بالنتيجة غير قادر على الوجود المماثل، لأنّه إمّا أن يكلّف بالصلاة مع النجاسة في داخل الوقت، أو مع الطهارة خارجه وكِلاهما وجود غير مماثل، فلا يكون الأمر بالإعادة شاملاً له على كل حال.
التقريبات الثلاثة السابقة غير متعارضة، فلو تمّت كلها خرجت كِلتا الصورتين السابقتين عن إطلاق دليل وجوب الإعادة، ولو تمّ الثالث خرجت صورة ما إذا قطع لتمكّن من الصلاة مع النجس، ولو صح الوجهان الأوّلان، خرجت صورة ما إذا قطع لم يبقَ له وقت للصلاة في داخل الوقت أصلاً.
ــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الوجه الثاني لصحة الصلاة هو أنّ أمر هذا الشخص يمكن أن يستنبط من الطائفة الدالة على صحة الصلاة الثوب المتنجس على تقدير العجز عن الصلاة في الطاهر.
بتقريب أنّنا إذا جمدنا على عبارتها لا تشمل محلّ الكلام، لأنّه حين شرع في الصلاة مع النجس كان يتمكّن من الصلاة في الطاهر، إلّا أنّه صلّى به جهلاً إلى أن ضاق الوقت. فقد كان قادراً واقعاً على التخلّص من النجاسة، ومعه يحتاج في تطبيق تلك الروايات إلى عناية خاصّة.
وحاصلها: أن هذه الروايات أخذ في موضوعها عجز المكلف عن الصلاة في الطاهر. وهذا العجز فيه احتمالان:
أحدهما: أن يكون مأخوذاً بما هو عجز للمكلف حقيقة.
ثانيهما: أن يكون مأخوذاً بما هو موجب لعجز المولى عن تحصيل الصلاة مع الطهارة من هذا المكلف. فإنّ المكلف العاجز عن الاتيان بالصلاة مع الثوب الطاهر لا يستطيع أن يُسلّم إلى المولى صلاة مع الطهارة.
فإن بنينا على أنّ موضوع الحكم بصحة الصلاة مع النجس هو عجز المكلّف عن الصلاة مع الطهارة بقطع النظر عن أدائه إلى عجز المولى، فهذا المطلب غير موجود في المقام أصلاً، فإنّه حين بدأ بالصلاة كان قادراً على الاتيان بالصلاة مع الطهارة. غاية الأمر هو فوّت هذه القدرة على نفسه لجهله بالنجاسة.
ــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأمّا إذا كان المناط هو الثاني، فعجز المولى هنا أيضاً ثابتٌ، فإنّ المولى من أوّل الأمر كان عاجزاً عن أن يردعه عن ذلك.
فإنّه إنّما يقول له صلِّ مع الطهارة، وهو كان يُخيّل له أنّه يصلّي مع الطهارة، لا أنّه جاهل بالنجاسة. فحال المؤمن الجاهل من هذه الناحية حال العاجز حقيقة، من ناحية عجز المولى عن تسلّم صلاة مع الطهارة فهذا المناط موجود، فيشمله إطلاق تلك الروايات.
ومن هنا يُعرف أنّ هذا الوجه مبنيّ على أن نستظهر من الروايات أنّ عجز العبد أُخذ بنحو الطريقية إلى عجز المولى، لا بنحو الموضوعية، وحينئذٍ حيث إنّ مقتضى الأصل في كل عنوان مأخوذ في الموضوع أنّه على وجه الموضوعية، إلّا إذا قامت قرينة على أنّه على وجه الطريقية. وحينئذٍ فظاهره أنّ عجز العبد بما هو عجز العبد مأخوذ في الموضوع، فينتج أنّ هذا الوجه إثباتاً في غاية الإشكال.
إنّنا لو بنينا على أنّ روايات البطلان تامّة الإطلاق في نفسها وأنّ أخبار صحّة الصلاة مع النجس للعاجز لا تشمل محلّ الكلام، ينتهي الأمر إلى هذا الوجه.
وهو دعوى إيقاع التزاحم بين أمرين ضمنيين: الأمر الضمني بـ(الطهارة الخبثية) والأمر الضمني بـ(الوقت)، لأنّه لو فرض أنّ هذا الذي انكشفت له النجاسة في الأثناء في ضيق الوقت، لو كان الأمر الضمني بالطهارة الخبثية منجّزاً لكان معناه أنّه يصلّي مع الطهارة خارج الوقت، ولو كان الأمر الضمني
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بالوقت لصلّى في الوقت منجزاً مع النجاسة وكان الأمر الآخر ساقطاً، ومقتضى قانون هذا التزاحم هو تقديم الأهمّ ملاكاً وهو الوقت. ويسقط الأمر بالطهارة الخبثية، ومعه لا يبقى مانع من صحّة الصلاة.
وهذا الكلام غير صحيح، لأنّ هذا التزاحم إنّما يوجب سقوط الأمر الضمني بالطهارة من حين وقوعه لا قبل وقوعه، وليس أنّه يكشف عن سقوطه قبل وقوع التزاحم. ومن الواضح أنّ التزاحم إنّما وقع من أثناء الصلاة حين ضاق الوقت، وأمّا حين شرع في الصلاة مع الثوب المتنجس لم يكن هناك تزاحم، لأنّه كان قادراً في الواقع أن يصلّي مع الطهارة بتمامها في الوقت، فهو إنّما يوجب سقوط الأمر الضمني من حين وجوده لا قبله. ولا معنى لأن يقال: إنّ الأمر بالطهارة الخبثية يسقط قبل التزاحم، فإذا كان هذا الأمر موجوداً في أوّل الصلاة فهو الذي يكون منشأ لبطلانها. لأنّ الأجزاء الأولى وقعت على خلاف الأمر المتوجّه إليه وهو معنى البطلان. والتزاحم الواقع في الأثناء لا يغيّر الواقع عما وقع قبلُ عن موازينه الواقعية.
نعم، هذا التزاحم يفيد فيما لو فرض أنّ هذا المكلّف من حين شروعه في الصلاة كان في علم الله غير قادر على التطهير أصلاً، كما لو كان التطهير يوجب صرف مدّة بحيث لا يتمكن من إيقاع الصلاة داخل الوقت فيكون التزاحم واقعاً بين الأمرين الضمنيين. إذ لا يُعقل فعليّة الأمرين الضمنيين وإن لم يكن أحدهما منجزاً.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهنا أمر لا بدّ من الالتفات إليه وهو أنّ الأمرين إذا كانا استقلاليين ولم يكن أحدهما واصلاً إلى المكلف، فإنّه لا يكون مزاحماً للآخر، كما هو الحال في وجوب الصلاة ووجوب إزالة النجاسة عن المسجد، فيما لو صلّى غير عالم بوجود النجاسة. فإنّ خطاب (أزل) ليس له امتثال، لأنّه غير منجّز فلا مانع من اجتماعهما واقعاً. وأمّا في الأوامر الضمنية فالأمر بالطهارة الخبثية والأمر بالوقت، لا يعقل اجتماعهما في الواقع حتّى لو لم يكن أحدهما منجّزاً، لأنّ مرجعها إلى أمر واحد بالمجموع المركّب، وعند عدم القدرة على المجموع يكون الأمر الاستقلالي بالمجموع أمراً بغير المقدور.
وعليه فينبغي أن يقال في هذا الوجه الثالث: إنّه إن كان هذا المؤمن حين الشروع عاجزاً في علم الله عزّ وجلّ. إذن، فالتزاحم من أول الأمر موجودٌ في حقّه وإن لم يكن الحكم منجزاً عليه، فيسقط الأمر بالطهارة الخبثية تقديماً للأمر بالوقت عليه، فتصحّ صلاته لأنّها على طبق الأمر.
وأمّا لو فرض أنّه حين الشروع كان قادراً على الجمع بين الأمرين، ثمّ عجز عن ذلك فالتزاحم واقع في الأثناء وهو إنّما يوجب سقوط الأمر بالطهارة من حينه لا قبله. فيكون هذا الأمر -من الأول- ثابتاً. فيكون موجباً لبطلان الأجزاء السابقة والباطل لا ينقلب عما وقع عليه.
وقد اتضح أنّ العمدة من هذه الوجوه هو الوجه الأوّل بالتقريب الثالث، وهو خاصّ بما إذا كان بحيث لو قطع صلاته لكان عليه أن يأتي بنفس ما يأتي به
ــــــــــ[123]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
لو لم يقطع صلاته، فلا يكون ذلك لازماً شرعاً. وهو مطابق للذوق العرفي أيضاً. وأما لو كان لو قطع الصلاة فإنّه يقضيها مع الطهارة، فإنّ الوجه الثالث لا يشمله.
هذا تمام الكلام في الجاهل.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الفصل الثاني
الصلاة في النجس نسياناً
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
قال الماتن: وأمّا إذا كان ناسياً فالأقوى وجوب الإعادة أو القضاء مطلقاً؛ سواء تذكّر بعد الصلاة أو في أثنائها، أمكن التطهير أو التبديل أم لا.
فيما لو اطّلع المكلّف قبل الصلاة على النجاسة، ثمّ نسي، فهل يحكم عليه بالبطلان مطلقاً، أو الصحة مطلقاً، أو يفصّل بين الإعادة والقضاء.
نتكلّم أولاً بلحاظ ما هو مقتضى القاعدة، وثانياً بلحاظ روايات الباب.
ومن هنا يقع الكلام في مقامين:
فيما هو مقتضى القاعدة، ولا ينبغي الإشكال في أنّ إطلاق أدلة مانعية النجاسة أو شرطية الطهارة شامل للناسي بالحكم بأنّ الصلاة وقعت مع المانع أو بدون الشرط فيحكم ببطلانها لا محالة.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وما يمكن أن يبين كونه موجباً لرفع اليد عن ذلك أحد أمور ثلاثة:
الأمر الأول: حديث “لا تعاد“ بأن يقال: إنّه قيّد أدلة الشرطية والمانعية بغير الناسي، وأخرجه عنها.
وقد سبق الإشكال فيه، وقلنا بأنّ حديث “لا تعاد“ وإن كان الأمر فيه كذلك، ولكن في غير الطهارة الخبثية، وأمّا فيها فحيث إنّ من المحتمل شمول المستثنى في الحديث للطهارة الخبثية، فلم يحرز شمول المستثنى منه لها. ومعه لا يمكن التمسّك بالحديث.
الأمر الثاني: أنّنا نتمسّك بحكم العقل القاضي باستحالة تكليف الناسي، فنثبت به عدم المانعية والشرطية الفعلية، فإنّ مرجعها إلى توجّه الأمر إلى الناسي بشيء.
ويشبهه الأمر الثالث: وهو التمسّك بحكم الشرع برفع النسيان، ومعه لا يكون مكلّفاً بالفعل.
وكلِا هذين الوجهين لا يرجعان إلى معنىً صحيح، كما بُيّن في بحث البراءة(1) من علم الأصول، لأنّ النسيان إمّا أن يكون مستوعباً لتمام الوقت أو مستوعباً لبعضه.
فإن كان في بعض الوقت فغاية ما يقتضيه هذان الوجهان -لو تمّ- عدم توجه التكليف للناسي في ظرف نسيانه، أما مع ارتفاعه في الوقت فنتمسك بإطلاق أدلة الوجوب.
ــــــــــ[128]ــــــــــ
(1) مباحث الأصول، القسم الثاني 3: 155.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وإن فرض أنّ النسيان كان مستوعباً لتمام الوقت، فلا معنى للتكلّم عن الإعادة، بل لا بدّ أن يقصد بالوجهين نفي وجوب القضاء.
والصحيح أنّ وجوبه لا ينتفي برفع النسيان شرعاً أو عقلاً، لأنّ عدم وجوبه فرع أن يكون المكلّف قد أتى بالوظيفة في الوقت، فإنّنا استفدنا من أدلة وجوب القضاء أنّ من لم يأتِ بالوظيفة الأولية أو الثانوية -الاضطرارية- في الوقت يجب عليه القضاء. وهذا المكلّف وإن أتى بالصلاة مع النجاسة نسياناً في الوقت، وكان نسيانه موجباً لارتفاع الأمر بالصلاة مع الطهارة – مثلاً-، ولكن كيف نوجد أمراً بما فعله -أي بالباقي- بعد ارتفاع شرط الطهارة، وهو الصلاة مع النجاسة نسياناً. ومعه لا يثبت أنّ هذا الفرد تحت الوظيفة شرعاً.
وإن شئتم قلتم: إنّ حديث رفع النسيان عقلاً أو شرعاً، إنما يرفع الوجوب التكليفي للكل، لا الحكم الوضعي بالمانعية أو بالشرطية، ومعه يحكم بالبطلان في داخل الوقت، فيجب عليه قضاؤه، إذن، فمقتضى القاعدة هو بطلان صلاته.
وأمّا الروايات الخاصة: فهي كثيرة، فإن استثنينا روايات مراجع المستدرك، واقتصرنا على روايات مراجع الوسائل فإنّها تبلغ أربع وعشرون روايةً، ست منها يستدلّ بها على الصحّة مطلقاً، وواحدة يستدلّ بها على الصحّة في داخل الوقت ووجوب القضاء بعده. والباقي يستدل بها على البطلان مطلقاً.
إلّا أنّ جملةً من هذه الروايات وردت في خصوص ماء الاستنجاء، وجعلها دليلاً على المسألة مبنيٌّ على إلغاء الفرق بين ماء الاستنجاء وغيره.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وسوف نقرأ الروايات الواردة في خصوص المسألة مع غضّ النظر عن روايات الاستنجاء.
1- منها: رواية واحدة تدلّ على الصحّة مطلقاً، وهي رواية العلاء قال: “سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشيء ينجسه فينسى أن يغسله فيصلّي فيه ثم يذكر أنه لم يكن غسله، أيعيد الصلاة؟ قال: لا يعيد، قد مضت الصلاة وكتبت له”(1).
2- ومنها: رواية أخرى يمكن إلحاقها بها وهي رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع؟ قال: “إن كان دخل في صلاته فلميضِ وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصابه من ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله…” الحديث(2).
ومقتضى إطلاقها أنّ هذا ثابت سواء كان الخنزير قد مسّ برطوبة وخلَّف أثراً أو لا. وقوله: “إلا أن يكون فيه أثر فيغسله” إذا جعلناه استثناءً من كِلا
ــــــــــ[130]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 424، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 18، الاستبصار 1: 183، 184، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 14، وسائل الشيعة 3: 480، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
(2) الكافي 3: 61، باب الكلب يصيب الثوب..، الحديث 6، تهذيب الأحكام 1: 261، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 47، وسائل الشيعة 3: 417، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الأمرين: صورة ما إذا ذكر قبل الصلاة، وصورة ما إذا ذكر بعد الدخول، فينتج أنّ هذا الشخص إن كانت ملاقاته مع الخنزير لم تخلّف أثراً فإنّه يمضي بلا غسل، وإن كانت ملاقاته خلّفت أثراً فيمضي في صلاته لكن مع الغسل، فيدلّ على أنّ الأجزاء السابقة وإن وقعت مع النجاسة لا بأس بها على كلّ حال.
ومنها: رواية يستدلّ بها على التفصيل بين الإعادة والقضاء، وهي رواية علي بن مهزيار التي قرأناها مراراً. قال: “كتب إليه سليمان بن رشيد (راشد) يخبره أنّه بال في ظلمة الليل وأنّه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنّه أصابه ولم يره وأنّه مسحه بخرقه ثم نسي أن يغسله وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلّى، فأجابه بجواب قرأته بخطه: “أمّا ما توهمت ممّا أصاب يدك فليس بشيء إلّا ما تحقق، فإن حققت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات التي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها؛ من قبل أنّ الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلّا ما كان في وقت، وإن كان جنباً، أو صلّى على غير وضوئه، فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته، لأنّ الثوب خلاف الجسد، فاعمل على ذلك إن شاء الله”(1).
ــــــــــ[131]ــــــــــ
(1) الاستبصار 1: 184، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 15، تهذيب الأحكام 1: 426، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 28، وسائل الشيعة 3: 479، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأمّا ما يستدل به على البطلان مطلقاً فهي ما يلي:
الأولى: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله قال: “إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم، فلا إعادة عليه، وإن هو علم قبل أن يصلّي فنسى وصلّى فيه فعليه الإعادة”(1).
الثانية: رواية زرارة الاستصحابية(2).
الثالثة: رواية ابن مسكان قال: بعثت بمسألة إلى أبي عبد الله مع إبراهيم بن ميمون: “قلت سَلهُ عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلّي ويذكر بعد ذلك أنّه لم يغسلها. قال: يغسلها ويعيد صلاته”(3).
الرابعة: رواية الحسن بن زياد قال: سُئلَ أبو عبد الله: “عن الرجل
ــــــــــ[132]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 3: 479، الباب 40 النجاسات، الحديث 7، التهذيب 1: 254، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 24، الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 9.
(2) الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 13، وسائل الشيعة 3: 476، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 2، علل الشرائع 2: 361، الباب 80 علّة غسل المني، الحديث 1.
(3) الكافي 3: 406، باب الرجل يصلّي في الثوب، الحديث 10، تهذيب الأحكام 2: 359، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 18، وسائل الشيعة 3: 429، الباب 19 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
يبول فتصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلّي ثم يذكر بعد أنّه لم يغسله. قال: يغسله ويعيد صلاته”(1).
الخامسة: رواية عبد الله بن سنان، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم قال: إن كان قد علم أنّه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلّي ثم صلّى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى. وإن لم يعلم به فليس عليه إعادة. وإن كان يرى أنه أصابه شيء فنظر فلم يَرَ شيئاً أجزأه أن ينضحه بالماء”(2).
وهي إمّا أن يُدّعى اختصاصها بالناسي وعدم شمولها للعامد من باب أنّ صلاة العامد لا تكون جديةً، وظاهرها أنّه صلّى صلاةً جديةً. أو نقول: إنّها مطلقة للناسي، وعلى أي حال تدل على حكم الناسي.
السادسة: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيُعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد”(3).
ــــــــــ[133]ــــــــــ
() الكافي 3: 17، باب القول عند دخول الخلاء، الحديث 10، وسائل الشيعة 3: 481، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 6.
(2) الكافي 3: 406، باب الرجل يصلي في الثوب، الحديث 9، وسائل الشيعة 3: 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
(3) الكافي 3: 404، باب الرجل يصلّي في الثوب، الحديث 2، وسائل الشيعة 3: 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والاستدلال بها باعتبار المفهوم: إن كان علم فإنّه يعيد. وهي إمّا مطلقة أو مخصوصة بالناسي.
السابعة: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: “سألته عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع. قال: إن كان رآه فلم يغسله فليقضِ جميع ما فاته على قدر ما كان يصلّي ولا ينقص منه شيء، وإن كان رآه وقد صلّى فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله”(1).
الثامنة: رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: “ذكر المنيّ فشدّده فجعله أشدّ من البول. ثم قال: إن رأيت المنيّ قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه وصلّيت فيه ثم رأيته بعد ذلك فلا إعادة عليك، فكذلك البول”(2).
وقوله: “قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة” إمّا مختصّ بالناسي أو شامل للعالم.
التاسعة: رواية سماعة قال سألت أبا عبد الله: “عن الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلّي. قال: يعيد صلاته كي يهتم بالشيء إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه قلت: فكيف يصنع من لم يعلم أيعيد حين يرفعه؟ ــــــــــ[134]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 3: 477، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 10.
(2) وسائل الشيعة 3: 478، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 252، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 17.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
قال: لا، ولكن يستأنف”(1).
العاشرة: رواية عبد الله بن أبي يعفور في حديث قال: “قلت لأبي عبد الله: الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلّي ثم يذكر بعدما صلّى أيعيد صلاته. قال: يغسله ولا يعيد صلاته، إلّا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد الصلاة”(2).
الحادية عشر: رواية محمد بن مسلم قال: “قلت له: الدم يكون في الثوب عليَّ وأنا في الصلاة. قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره…” إلى أن قال: “وإن كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله وصلّيت فيه صلوات كثيرة فأعد ما صلّيت فيه”(3).
الثانية عشر: رواية إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر قال: “في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة وإن أكثر من قدر
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 480، 481، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 254، 255، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 2، الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 10..
(2) وسائل الشيعة 3: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 1، التهذيب 1: 255، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 27، الاستبصار 1: 176، كتاب الطهارة، الباب 106، الحديث 3.
(3) تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 23، الاستبصار 1: 176، كتاب الطهارة، الباب 106، الحديث 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلّى فليُعِد صلاته، وإن لم يكن رآه حتى صلّى فلا يعيد الصلاة”(1).
هذا تمام روايات المسألة بعد إسقاط ما ورد في الجعفريات ونحوها.
الروايات التي قرأناها يمكن أن نصنفها إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: الدالّة على بطلان الصلاة مطلقاً ووجوب الإعادة والقضاء.
الطائفة الثانية: ما دلّ على الصحّة مطلقاً وعدم وجوب الإعادة فضلاً عن القضاء.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على التفصيل بين الإعادة والقضاء، فإنّه إذا ارتفع نسيانه في الوقت تجب عليه الإعادة، وإن ارتفع نسيانه بعد الوقت لا يجب القضاء.
والطائفة الثانية تتمثّل برواية واحدة هي رواية العلاء، وألحقنا بها رواية علي بن جعفر، والثالثة تتمثّل في رواية علي بن مهزيار والباقي للطائفة الاولى. نتكلّم أولاً في الطائفة الثانية مع الأولى، ونقطع النظر عن الطائفة الثالثة، ونصفي الحساب على هذا الأساس.
ــــــــــ[136]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 255، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 26، الاستبصار 1: 175، كتاب الطهارة، الباب 106، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وفي مقام علاج التعارض بين هاتين الطائفتين يمكن أن يُذكر عدّة وجوه:
بحمل الطائفة الأولى الآمرة بالإعادة على الاستحباب بدلالة صراحة الطائفة الثانية في عدم الوجوب ونتيجة ذلك الحمل على الاستحباب.
استشكل السيد الأستاذ(1)تبعاً لجملة من الفقهاء في هذا الوجه بعدّة استشكالات:
إشكالات ترد على الوجه الأول
الإشكال الأوَّل: أنَّ الأمر إرشاديّ لا مولويّ
إنّ الجمع العرفي بين دليل الأمر ودليل الرخصة بحمل الأمر على الاستحباب إنّما يكون في الأوامر المولويّة كما لو ورد أمر بصلاة الليل، وورد الترخيص بتركها، وأمّا في محلّ الكلام فالأمر بالإعادة ليس مولويّاً، ليُحمل على الاستحباب، وإنّما هو أمر إرشادي إلى البطلان، فمعنى (أعِد صلاتك) أنّ صلاتك باطلة، ومعنى (لا تُعِد) إرشاد إلى الصحّة. ومن الواضح أنّه لا معنى للحمل على الاستحباب حينئذٍ.
وهذا إشكال عامّ، ولنا عليه جواب عامّ تقدّم فيما سبق. وهو أنّ الحمل على الاستحباب لا يختصّ بالأوامر المولوية، بل يكون في الأوامر الإرشادية
ــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 188.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أيضاً، لكن بشرط أن يكون الحكم المُرشَد إليه ذا مراتب من حيث الشدّة والضعف بحيث يكون له مرتبةٌ لزومية ومرتبة غير لزومية.
وحينئذٍ فأمر (أعد) وإن لم يكن أمراً مولويّاً، لكن المرشَد إليه ليس هو البطلان بعنوانه، بل هو نقصان الصلاة، ومن المعلوم أنّ النقصان له مراتب عديدة بعضها مراتب لزومية مساوقة للبطلان ووجوب الإعادة، وبعضها مراتب أضعف مساوقة لاستحباب الإعادة. والأمر بالإعادة لو خلّي وطبعه لاقتضى إطلاقه الإرشاد إلى المرتبة اللزومية من النقصان، لأنّ صيغة الأمر موضوعة للوجوب بحسب طبعها، فإذا استعملت للإرشاد إلى مطلب كان المُنصرَف منها هو المرتبة اللزومية من المرشد إليه، لا إلى المرتبة الضعيفة التسامحية.
وحينئذٍ فلو انضمَّ إليه دليل آخر هو دليل (لا تُعد) الذي ينفي المرتبة اللزومية من النقصان، فيكون مقتضى الجمع العرفي بينهما هو إثبات المرتبة الضعيفة من النقصان وهو معنى الاستحباب. والمغالطة نشأت من تّخيل أنّ الأمر بالإعادة إرشاد إلى البطلان بعنوانه، وهو مأخوذ فيه اللزوم دائماً، ولا معنى للحمل على الاستحباب.
الإشكال الثاني: وجود قرينة تأبى الحمل على الاستحباب
إنّه في الروايات الدالّة على الأمر بالإعادة توجد قرينةٌ تأبى الحمل على الاستحباب، لأنّ جملةً من الروايات فَصّلت بين الجاهل بالنجاسة والناسي لها. فالجاهل بالنجاسة قالت إنّه لا يعيد، والناسي أمرته بالإعادة.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فلو حملنا الأمر بالإعادة في حقّ الناسي على الاستحباب لما كان هناك فرقٌ بين الناسي والجاهل، لأنّ الجاهل يستحب له الإعادة، وقد وردت فيه روايات كرواية وهب التي تقول: “علم أو لم يعلم فعليه الإعادة“، والأخرى التي تقول: “إذا لم يكن يعلم فليعد“. غاية الأمر حملناها على الاستحباب للروايات الصريحة التي تدل على الوجوب، فيتعيّن حمل الأمر بالإعادة على الوجوب ليحصل الفرق بين الناسي والجاهل.
وهذا الوجه يناقض الوجه السابق، لأنّه هناك فرض تمامية حمل الروايات الآمرة بالإعادة على الجاهل على الاستحباب. وهذا ما أُنكر في الوجه الأول، فقد فرض هنا التجاوز عن الوجه الأول وإمكان الحمل على الاستحباب.
والجواب عن ذلك: هو أنّ الفرق موجود بلحاظ مراتب الاستحباب. فإنّ الاستحباب له عرض عريض، فقد يكون استحباب الإعادة من الناسي أقوى من استحبابها من الجاهل، ولهذا فصَّل في روايات الناسي بين الناسي والجاهل، ويكون المقصود نفي المرتبة الأكيدة من الاستحباب، وهذا ليس أمراً غريباً في الروايات. فمثلاً ورد: “لا إقامة على النساء“(1) مع أنّه لا إشكال في عدم وجوبها على الرجل ولا على المرأة، كما لا إشكال في استحبابها عليهما معاً. فلا يكون ذلك إلّا لنفي تلك المرتبة من الاستحباب الثابتة في حقّ الرجل.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
(1) فقه الرضا (مؤسسة آل البيت) 98. من لا يحضره الفقيه (جماعة المدرسين) 1: 298. دعائم الإسلام (دار المعارف) 1: 186.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الإشكال الثالث: وجود قرينة أخرى تأبى الحمل على الاستحباب
إبراز قرينة تأبى الحمل على الاستحباب وهي ما في رواية سماعة التي يقول فيها: “يعيد صلاته كي يهتم بالشيء إذا كان في ثوبه، عقوبة لنسيانه“(1) حيث قالوا: إنّه فرض الإعادة بعنوان العقوبة، وهي لا تناسب مع الاستحباب، فإنّ العقوبة بابها باب الإلزام لا الاستحباب.
وهذا غير تامّ، فإنّها إن لم تكن قرينةً على الاستحباب فلا أقلّ من كونها لا بشرط من هذه الناحية.
فإنّها عقوبة على تأجيل غسل الثوب إلى زمن حصول النسيان، وهذا ليس فيه أيّ حزازة لزومية وليس ذنباً شرعياً. نعم، فيه حزازة تنزّهية، والمناسب أن تكون العقوبة مثلها مفروضة تنزّهاً لا لزوماً، فإن لم نقل -بمناسبات الحكم والموضوع- إنّ العقوبة تنزّهية لتكون من سنخ المعصية، فلا أقلّ من أنّها ليست قرينةً على الوجوب.
إذن فهذا الجمع العرفي تامّ في نفسه، إذا لم يثبت جمع عرفيّ آخر حاكم عليه، كالتخصيص على ما سيأتي. كما لو ثبت أنّ الطائفة الثانية أخصّ من الأولى.
الوجه الثاني لعلاج التعارض بين الطائفتين: أنّ الثانية أخصّ من الطائفة الأولى، فتخصُّصها.
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) سبق تخريجه: 67.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وتوضيح ذلك: إنّ الذي يصلّي في النجاسة نسياناً له صورتان:
الصورة الأولى: أن يفرض أنّه علم قبل الصلاة بوقوع النجاسة على ثوبه وتسامح في الغسل وبالتدريج نسى أصل النجاسة فقام وصلّى.
الصورة الثانية: أنّه لم ينسَ أصل النجاسة، لكنّه نسي الغسل، بمعنى: أنّه بمرور الزمان خُيّل له أنّه غسل ثوبه.
وحينئذٍ نقول: إنّ الطائفة الثانية الدالة على صحة الصلاة مُهِمُّها رواية العلاء، قال سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشيء ينجسه فينسى أن يغسله فيصلّي فيه ثمَّ يذكر أنّه لم يغسله أيُعيد الصلاة؟ قال: “لا يُعيد قد مضت الصلاة وكتبت له”(1).
فقوله: “ثمَّ يذكر أنّه لم يغسله” ظاهر في أن ّالمنسي هو الغسل لا النجاسة، بقرينة أنّه بعد الصلاة تذكر أنّه لم يغسل، وظاهر أن متعلّق تذكره المتأخر هو متعلّق نسيانه السابق وهو عدم الغسل لا أصل النجاسة، يعني بمرور الزمان اعتقد أنه غسل النجاسة، ومعه تدل الرواية على الصحة في هذا النحو من النسيان.
وحينئذٍ لو لاحظنا هذه الرواية مع روايات الطائفة الأولى الدالة على وجوب الإعادة مطلقاً، نرى أنّ الأولى تعمّ كلتا صورتي النسيان كقوله: “فضيَّع
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 423ـ 424، كتاب الطهارة، باب22، ح: 18، الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب109، الحديث14، وسائل الشيعة 3: 480، باب42 من أبواب النجاسات، الحديث3..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
غسله فصلّى”. سواء كان التأخير للغسل سبباً إلى نسيان أصل النجاسة أو سبباً إلى نسيان غسلها. فتصبح رواية العلاء أخص مطلقاً من الطائفة الأولى، فنقيّدها بها، فيُحكم بالتفصيل بين ما إذا كان نسياناً لأصل النجاسة، فالصلاة باطلة عملاً بالطائفة الأولى، وبين ما إذا كان نسياناً للغسل، فالصلاة صحيحة.
نعم، توجد في الطائفة الأولى روايتان واردتان في نفس مورد رواية العلاء، وهو مورد نسيان الغسل، ولكنّهما ضعيفتا السند، ولذا لا يمكن جعلهما معارضتين مع رواية العلاء:
إحداهما: رواية ابن مسكان، قال: “بعثت بمسألة إلى أبي عبد الله مع ابراهيم بن ميمون: قلت: سَله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله، فيصلي ويذكر بعد ذلك أنّه لم يغسلها قال: يغسلها ويعيد صلاته”(1).
وثانيتهما: رواية الحسن بن زياد(2)والعبارة نفس العبارة.
والأولى ضعيفة بمحمد بن سنان وهو لم يثبت توثيقه عندنا(3)والثانية
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 406، كتاب الصلاة، الحديث 10، تهذيب الأحكام 2: 359 كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 18، الاستبصار، 1: 181، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث: 5، الوسائل 3: 429، الباب 19 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
(2) الكافي 5: 59، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث 10، الوسائل 3: 481، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث:6.
(3) لاحظ: رجال الكشي: 389، في محمد بن سنان، رجال النجاشي:328، باب الميم، الرقم: 888، رجال العلّامة (خلاصة الأقوال):251، الفصل الثاني والعشرون، الباب الأول، الرقم 17، ومعجم رجال الحديث 17: 160، باب الميم، الرقم: 10938..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ضعيفة باعتبار ورود سهل بن زياد وهذا لم يثبت توثيقه عندنا(1). ومعه فروايات الطائفة الأولى غير هاتين الروايتين كلها واردة في مورد نسيان أصل النجاسة، فتخصصها رواية العلاء.
وهذا التخصيص وإن كان لا يخلو من وجاهة فنية، لكنّه لا يمكن التعويل عليه؛ لأنّ قوله: “ثمَّ يذكر بأنّه لم يكن غسله…” ملائم عرفاً مع كلتا الصورتين، وتخصيصه بإحداهما مطلب دقي غير عرفي. فإنّه ليس فيه ظهور أنّه كان متذكراً أصل النجاسة، وإنّما ظاهره أنّه غفل عن النجاسة والآن تذكر أنّه لم يغسله، ومن المعلوم أنّه مطلق من حيث الالتفات إلى أصل النجاسة من الأول وعدمه وإذا لم يكن ملتفتاً إلى أصل النجاسة، فإنّما التفت إليها بالالتفات إلى عدم الغسل.
ومعه فالرواية من هذه الناحية مطلقة، فلا تكون أخصّ من الطائفة الأولى.
وهو مبنيٌّ أيضاً على التفريق بين هاتين الصورتين، بأن يقال: سلّمنا أنّ رواية العلاء مطلقة شاملة لكلا الصورتين، ولكن إذا كانت روايات الطائفة
ــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) رجال الكشي: 566، في سهل بن زياد، الرقم: 1068، رجال النجاشي: 185، باب السين، الرقم: 490، الفهرست (الشيخ الطوسي): 80، باب السين، باب الواحد، الرقم 329، معجم رجال الحديث 9: 354، باب السين، الرقم: 5639..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الأولى مطلقة أيضاً، وقع التعارض بينهما بنحو التساوي. لكن يوجد في الطائفة الأولى ما دلّ على البطلان في مورد نسيان أصل النجاسة ولا يشمل صورة نسيان الغسل كصحيحة زرارة التي يقول فيها: “ونسيت أنّ بثوبي شيئاً، ثمَّ إني ذكرت بعد ذلك“(1).
فيكون المقام من موارد انقلاب النسبة؛ لأنّ رواية زرارة تخصص رواية العلاء بعد أن فرضنا إطلاقها، فتختص بصورة نسيان الغسل، فتصبح أخص مطلقاً من سائر روايات الطائفة الأولى فتخصّصها، ومعه ننتهي إلى نفس النتيجة.
إشكالان على الوجه الثالث
وهذا فيه إشكالان:
الإشكال الأول: أنّ هذا الكلام إنما يصحّ فيما لو فرض عدم وجود ارتكاز عرفي يقضي بعدم الفرق بين هاتين الصورتين، نسيان الغسل ونسيان النجاسة، فإنّ العرف إن كان يحتمل الفرق بين هاتين الصورتين لكان لهذا الوجه صورة. وأمّا إذا قلنا إن التفكيك بين الصورتين ليس أمراً عرفياً بل يراهما العرف على حدًّ واحد، فينعقد لرواية زرارة ظهور بالإطلاق، ومعه يشكل دعوى كونه أخص من الطائفة الثانية.
ــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، باب109، حديث: 13، التهذيب 1: 421، كتاب الطهارة، باب22، حديث:8، وسائل الشيعة 3: 402، باب7 من أبواب النجاسات، حديث:2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الإشكال الثاني: أنّنا لا نقبل كبرى انقلاب النسبة من الميرزا، كما حقّق في علم الأصول(1).
إنّ التعارض بين الطائفتين مستحكم فنطبّق قواعد باب التعارض، فنقدّم الطائفة الدالة على البطلان؛ لأنّها مخالفة للعامة كما قال السيّد الأستاذ(2). وأمّا الصحة فهي على طبق قول العامّة كما قال مالك وغيره(3).
ــــــــــ[145]ــــــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 7: 288، تعارض الأدلة الشرعية، القسم الثاني التعارض المستقر، تطبيقات مشكوك فيها للتعارض، نظرية انقلاب النسبة.
(2) في فقه الشيعة 4: 190: “الوجه الثاني: أنّها مخالفة للعامة، فتحمل الموافق لهم -وهي الصحيحة- على التقية وقد ذكر العلامة في (التذكرة) القول بعدم الوجوب عن أحمد بن حنبل وكذا الشيخ في (الخلاف) القول به عن الأوزاعي، وعبيد اللّه بن عمر، والشافعي في أحد قوليه، وأبي حنيفة، فمشاهير علماء العامة قائلون بعدم الوجوب، فيقوى احتمال التقية في الصحيحة، فالمتعين هو الأخذ بالأخبار الدالّة على لزوم الإعادة”.
(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى2: 371، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، الصلاة مع النجاسة نسياناً: وعلى تقدير التنزل عن ذلك أيضاً لا يمكننا الاعتماد على الصحيحة لأن العلامة في التذكرة نسب القول بعدم وجوب الإعادة في المسألة إلى أحمد ونسبه الشيخ إلى جملة معظمة من علمائهم كالأوزاعي والشافعي في القديم وأبي حنيفة وقال: روى ذلك عن ابن عمر فالصحيحة إذاً موافقة للعامة، ومخالفة العامّة من المرجّحات، وبذلك تحمل الصحيحة على التقية، ويتعين العمل على طبق النصوص الآمرة بإعادة الصلاة عند نسيان نجاسة الثوب أو البدن.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهذا الكلام غير صحيح:
أولاً: لما عرفت من أنّ الجمع العرفي موجود بينهما، فلا تصل النوبة إلى مرجحات باب التعارض.
ثانياً: إنّه لم يثبت عندنا أنّ فقهاء العامة يقولون بصحة الصلاة من الناسي، والظاهر أنّ المسألة خلافية فيما بينهم. فبالنسبة إلى من كان معاصراً للإمام الصادق منهم، وهما أبو حنيفة ومالك.
أمّا أبو حنيفة: فقد نقل عنه ابن حزم في المحلّى(1) أنّه قال: “من كانت النجاسة في موضع قدميه في الصلاة وكانت أكثر من البغلي بطلت صلاته عامداً كان أو ناسياً، فإن كانت قدر الدرهم البغلي فأقل فصلاته تامّة في العمد والنسيان، فإن كانت أكثر وكانت في موضع وضع يديه أو ركبتيه أو حذاء أبطيه فصلاته تامة في العمد والنسيان. واختلف عنه: إذا كانت في موضع وفيها جبهته في السجود، فمرّة قال: صلاته تامّة في العمد والنسيان، ومرّة قال: صلاته باطلة في العمد والنسيان”. ويعلّق ابن حزم على مثل هذا الكلام: “الحمد لله على سلامتنا من هذه الفتاوى، فإنّها تفصيلات ليس لها أي مَدرَك”.
وأمّا مالك: فقد نقل عنه في المدونّة الكبرى(2) أبو الوليد المالكي، قال:
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1) لاحظ المحلّى 1: 168، كتاب الطهارة، مسائل في إزالة النجاسة المسألة السادسة عشرة. (أبو محمد علي ابن احمد بن سعيد بن حزم الأندلسي الناشر دار الفكّر للطباعة والنشر والتوزيع).
(2) تأليف مالك بن أنس المدني، تحقيق زكريا عميرات، الناشر دار الكتب العلمية بيروت، المدونة الكبرى1: 128، كتاب الوضوء، في الدم وغيره يكون في الثوب، يصلّي به الرجل.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
“وقال مالك في الرجل يصلّي وفي ثوبه دم وإن كان كثيراً نزعه واستأنف الصلاة من أولها بإقامة ولا يبني على شيء مما صلّى. وإن رآه بعدما فرغ أعاد ما دام في الوقت، قال: قلت له: فإن رأى في ثوبه دماً قبل أن يدخل في الصلاة فنسي حتى دخل في الصلاة. قال: هو مثل هذا كله يفعل فيه كما يفعل فيما فسّرت لك في هذا”.
وأمّا الشافعي: فقد نقل عنه ابن حزم في المحلّى(1) أنّه قال: “يعيد أبداً في العمد والنسيان“. إلّا أنّ الشافعي لا أثر له لتأخُّر زمنه عن الإمام الصادق. وعلى أيّ حال لم يكن أحد من العامّة قائلاً بالصحّة مطلقاً في حال النسيان.
الوجه الخامس في علاج التعارض بين الطائفتين، أنّ الأولى تُقدَّم على الثانية، لا من باب تقديم إحدى الحجتين على الأخرى، بل من باب تقديم الحجة على اللاحجة، فإنّ الطائفة الثانية ليست حجة في مقابل الأولى؛ وذلك لشذوذها وندرتها في مقابل الأولى، حيث عبّر الشيخ الطوسي عن رواية العلاء
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) لاحظ المحلّى 1: 168ـ 169، كتاب الطهارة، مسائل في ازالة النجاسة، المسألة السادسة عشر.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أنّها خبر شاذ. وقال السيّد الأستاذ(1): إنّ رواية العلاء تعتبر مخالفة للسنة القطعية؛ لأنّ الروايات الآمرة بالإعادة مستفيضة فيقطع إجمالاً بصدور بعضها. وفي الأصول قلنا: إنّ خبر الواحد إذا كان مخالفاً للسنة القطعية فإنّه يسقط عن الحجيّة.
وهذا الكلام يمكن أن يُفهم على وجهين:
الوجه الأوَّل: أن يقال: بأنّ رواية العلاء شاذة في مقابل تلك الروايات، بحيث يوجد اطمئنان وجداني على خلافها، ولعل هذا هو مقصود الشيخ الطوسي(2)، ومع الاطمئنان بكذبها لا معنى لحجيّتها وجعلها معارضة للروايات الأخرى.
فإن كان هذا هو الوجه فجوابه: أنّه لا اطمئنان شخصيّ بكذبها حتّى لو فرض أنّ الطائفة الأولى مقطوعة الصدور؛ لأنّ الطائفة الأولى غير صريحة في بطلان الصلاة، بل غايته أنّها ظاهرة بذلك. فلا تنافي بين صراحتها وبين رواية العلاء وإنّما تعارض رواية العلاء ظهور روايات الطائفة الأولى. فيدور الأمر
ــــــــــ[148]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 371، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، الصلاة مع النجاسة نسياناً.
(2) تهذيب الأحكام 2: 360، كتاب الصلاة، باب17، حديث: 24: ثم علق الشيخ الطوسي في ذيل الحديث بما نصّه: “فإنَّه خبر شاذ لا يعارض به الأخبار التي ذكرناها هاهنا وفيما مضى من كتاب الطهارة، ويجوز أن يكون الخبر مخصوصاً بنجاسة معفو عنها مثل دم البراغيث والجراح اللازمة أو دم السمك وما يجري مجرى ذلك”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بين صدق العلاء في نفسه وصدق الإطلاق؛ لا أنّه يدور الأمر بين كذب الواحد وكذب العشرة ليتعين كذب الواحد.
الوجه الثاني: وهو مراد السيّد الأستاذ، وحاصله: أنّه لا اطمئنان شخصيَّ بكذب العلاء ولكن الطائفة الأولى معلومة الصدور إجمالاً فتكون رواية العلاء من الخبر الواحد المعارض مع السنة القطعية وهو ساقط عن الحجيّة وإن لم يكن اطمئنان شخصي بخلافه.
وهذا يرد عليه:
أولاً: أنّه مبني على عدم إمكان الجمع العرفي بين الطائفتين، وأمّا لو أمكن ذلك بالحمل على الاستحباب كما بيّنا في الوجه الأول فلا تعارض بينهما حتى تقدّم السنة القطعية على خبر الواحد.
ثانياً: أنّ الأمر ليس كما يتراءى من حيث إنّ الطائفة الثانية تمثل رواية واحدة، والأولى تتمثل في روايات كثيرة مستفيضة؛ لأنّنا تارةً نقصر نظرنا على روايات ناسي النجاسة، ونعزل روايات ناسي الاستنجاء، وأخرى ندخل روايات ناسي الاستنجاء أيضاً كما اعترف به السيّد الأستاذ.
أما إذا قصرنا على روايات ناسي النجاسة، يكون المجموع خمس عشرة رواية، واحدة منها رواية العلاء الدالّة على الصحّة، وواحدة رواية علي بن جعفر التي ألحقناها بها وواحدة هي رواية علي بن مهزيار الدالّة على التفصيل.
إذن فهناك ثلاث روايات تدلّ على الصحة في الجملة، واثنتا عشرة تدلّ
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
على البطلان مطلقاً، وحينئذٍ يمكن أن نقول: إنّ ثلاث عشرة من الروايات تدل على البطلان في داخل الوقت واثنتين تدلان على الصحة ونسبة اثنتين إلى ثلاث عشرة نسبة عالية.
وأما إذا أخذنا روايات الاستنجاء بنظر الاعتبار، يصبح المجموع أربع وعشرين رواية، منها ما يكون دالاً على الصحة في داخل الوقت، وواحدة دالّة على الصحة في خارج الوقت. وسبع عشرة رواية دالة على البطلان داخل الوقت. فالنسبة هي نسبة النصف تقريباً، لا أنّه من قبيل نسبة الواحد إلى العشرة، فلا يدخل في الخبر الشاذ المقابل للسنة المستفيضة.
روايات الاستنجاء في صالح الطائفة الأولى
الآن نقرأ روايات الاستنجاء:
1- رواية مرسلة عن أبي عبد الله: “في الرجل يبول وينسى أن يغسل ذكره حتى يتوضّأ ويصلّي. قال: يغسل ذكره ويعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء”(1).
وهي تلحق بالطائفة الأولى بعد فرض إلغاء الخصوصية وعدم الفرق بين ناسي الاستنجاء وغيره.
2- ومعتبرة عمرو بن أبي نصر قال قلت لأبي عبد الله: “أبول
ــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 62، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث 16، الوسائل 1: 294، الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 2..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأتوضأ أنسى استنجائي ثمَّ أذكر بعدما صلّيت. قال: إغسل ذَكَرك وأعِد صلاتك ولا تعد وضوءك”(1).
3- ورواية زرارة قال: “توضّأت يوماً ولم أغسل ذَكَري ثمَّ صلّيت فسألت أبا عبد الله فقال اغسل ذَكَرك وأعِد صلاتك”(2). وهي إمّا مطلقة للنسيان وإما خاصّة به لبُعد العمد من زرارة.
4- ورواية سماعة قال: قال أبو عبد الله: “إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم تهرق الماء ثمَّ توضأت ونسيت أن تستنجي فذكرت بعدما صلّيت فعليك الإعادة وإن كنت أهرقت(3) الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صلّيت فَعَليك إعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك”(4) الحديث.
وهي تدل على الأمر بإعادة الوضوء أيضاً، وهو غير لازم جزماً فيكون ذلك نحو خلل في مدلول الرواية، ومعه لا يبقى ظهور بوجوب إعادة الصلاة.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
() التهذيب 1: 46، 47، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث: 72، الاستبصار 1: 52، كتاب الطهارة، الباب 52، الحديث:5، الوسائل 1: 294، الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، حديث:3.
(2) الكافي 5: 61، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 14، التهذيب 1: 47، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث:74، الوسائل 1: 295، الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7.
(3) يعني بلت، (المقرر).
(4) الكافي 5: 62، كتاب الطهارة، باب 12، حديث:17، التهذيب 1: 50 كتاب الطهارة، باب3، حديث:85، الاستبصار 1: 55، كتاب الطهارة، باب31، حديث: 17..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فهذه هي الروايات التي تكون في صالح الطائفة الأولى.
الروايات التي في صالح الطائفة الثانية
وأما الروايات التي تكون في صالح الطائفة الثانية:
1- فمنها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله: “في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره وقد بال. فقال: يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة”(1).
وهي واضحة الدلالة على صحة الصلاة وعدم الأمر بالإعادة.
2- ورواية عمار بن موسى قال سمعت أبا عبد الله يقول: لو أن رجلاً نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلّي لم يعد الصلاة”(2).
3- ورواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: “سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنّه لم يستنجِ من الخلا، قال: ينصرف ويستنجي من الخلا ويعيد الصلاة وإن ذكر وقد فرغ من صلاته فقد أجزأه ذلك ولا إعادة“(3).
ــــــــــ[152]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 48، كتاب الطهارة، باب3، حديث:79، الاستبصار 1: 54، كتاب الطهارة، باب 131، حديث:12، الوسائل 1: 317ـ 318، باب 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث:2..
(2) التهذيب 1: 49، كتاب الطهارة، الباب3، حديث:82، الاستبصار 1: 54ـ 55، كتاب الطهارة، الباب 31، حديث:14، الوسائل 1: 318، باب10 من أبواب احكام الخلوة حديث:3.
(3) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 206، الوضوء وأحكامه، حديث:444، التهذيب 1: 50 كتاب الطهارة، باب3، حديث:84، الاستبصار 1: 55، كتاب الطهارة، الباب 31، حديث:16، الوسائل 1: 318، باب10 من أبواب احكام الخلوة حديث:4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ومعه لا تصبح روايات الطائفة الثانية شاذة بالنسبة إلى السنة المستفيضة.
استدراك:
هناك رواية كنا نعتبرها رئيسة في الطائفة الثانية وهي رواية العلاء، وقلنا: إنّها تامة سنداً ودلالة، إلّا أنّه وقعت شبهة في سندها نتيجة للتشويش في نسخ الوسائل. فإنّها نُقِلَت بوجهين:
أحدهما: العلاء عن أبي عبد الله، وبه وردت بعض الطبعات القديمة وفي الطبعة الثانية من الطبعة الجديدة.
ثانيهما: عن العلاء عن أبي العلاء عن أبي عبد الله ورد ذلك في الطبعة الأولى الجديدة، وفي بعض الطبعات القديمة. فقد يستشكل ويقال: إنّ هذا التهافت يتبع أخس المقدمتين، وحيث إنّ أبا العلاء غير موثّق بشكل واضح فلا بُدّ أن يستأنف بحث في توثيقه ولو يدّعى تعيينه في ابن بكار. وتثبت وثاقته برواية ابن أبي عمير عنه.
إلَّا أنّ هذه الشبهة في غير محلّها، لأنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ هذه الرواية يرويها العلاء مباشرة عن الإمام، وكلمة أبي العلاء غير صحيحة؛ لأنّ غاية الأمر أنّ هناك تهافتاً في نسخ الوسائل، فلا نعلم أنّ الشيخ الحرّ ماذا قال؟ وبعد التساقط بين نسخ الوسائل يمكننا الرجوع إلى غيرها. فالوافي(1) يذكر: العلاء عن أبي عبد الله ولا يوجد تهافت في نُسَخِهِ فيكون حجّةً.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) الوافي6: 165، كتاب الطهارة، أبواب الطهارة من الخبث، باب15، الحديث15.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
مضافاً إلى أنّ الإنسان يطمئن أنّ هذا اشتباه من الشيخ الحرّ أو من النساخ، وذلك لأجل تتبّع الرواية في مهم المصادر الفقهية والحديثية. فإنّ أصل الرواية عن الشيخ الطوسي ينقلها في التهذيب في موضعين(1) وفي الاستبصار(2) في موضع، وفي المواضع الثلاثة يذكر العلاء عن أبي عبد الله، وفي الوافي أيضاً كذلك. وكذلك في منتقى الجمّان لصاحب المعالم(3)، وهو متقدم على صاحب الوسائل ويفسر العلاء بـ(ابن رزين).
وصاحب الحدائق(4) الذي هو متأخر قليلاً عن صاحب الوسائل، يقول: صحيحة العلاء عن أبي عبد الله. ثمَّ يتسلسل هذا التعبير إلى المتأخّرين(5). ومعه فالرواية معتبرة سنداً.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
(1) الموضع الأول: في أبواب الزيادات: التهذيب 1: 424، كتاب الطهارة، باب22، حديث:18، الموضع الثاني: التهذيب 2: 360، كتاب الصلاة، باب17، حديث 24.
(2) الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، باب109، حديث:14.
(3) في استقصاء الاعتبار 1: 371، كتاب الطهارة، أبواب حكم الآبار، باب وجوب الاستنجاء من الغائط والبول، (لم أحصل على منتقى الجمان).
(4) الحدائق الناضرة 5: 420، كتاب الطهارة، الباب الخامس، المقصد الثاني في الأحكام، المبحث الثالث في ما تزال به النجاسات، المسألة التاسعة، المقام الثالث أن يصلّي فيها ناسياً.
(5) مستند الشيعة 4: 259، كتاب الصلاة، الباب الثالث في لباس المصلي، الفصل الثاني، المسألة الثانية، جواهر الكلام 6: 217، كتاب الطهارة، الركن الرابع، القول الثاني في احكام النجاسات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إنّ كِلتا الطائفتين مطلقة للوقت وخارجه؛ لأنّ الإعادة المذكورة في الروايات ليس المراد بها المعنى المقابل للقضاء، بل المراد بها التدارك حسب ما يناسب.
ففي الوقت يكون التدارك إعادة وفي الخارج يكون قضاء. ولكن القدر المتيقن من الطائفة الأولى الآمرة بالإعادة هو ما كان داخل الوقت إذ لا يحتمل أنّه يجب القضاء دون الإعادة. والقدر المتيقن من دليل عدم وجوب الإعادة هو خارج الوقت؛ إذ لا يحتمل أن يكون عدم وجوب الإعادة ثابتاً، وعدم وجوب القضاء غير ثابت، فإن كان هناك عدمٌ فهو عدم وجوب القضاء، فيحمل كلٌّ منهما على قدره المتقين، ويرفع اليد عما تكون الأخرى متيقنةً فيه، وينتج التفصيل بين الإعادة والقضاء.
وهذا البيان بهذا التقريب إشكاله واضح وهو أنّه جمع تبرعي، والجمع التبرعي بلا ميزان. فإن حمل الإطلاق على مورد إن كان بلحاظ قرينة فهو جمع عرفي وإن كان لا لقرينة بل لأجل دفع التعارض فقط، فهو جمع تبرعي، كحمل قوله: “ثمن العذرة سحت” على عذرة غير مأكول اللحم. وقوله: “لا بأس بثمن العذرة” على عذرة مأكول اللحم(1).
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) لاحظ تهذيب الأحكام 6: 372، كتاب المكاسب، باب93، حديث 200، والمكاسب المحرمة (الأنصاري) 1: 23، النوع الأول الاكتساب بالأعيان النجسة، المسألة الثانية.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ضمُّ الطائفة الثالثة لتتميم الوجه السادس
وحينئذٍ نحتاج في تصحيح الإشكال إلى ضم الطائفة الثالثة التي تأمر بالإعادة وتنفي القضاء، وحينئذٍ فيقال: إن هذا الجمع ليس تبرعياً بل باعتبار وجود شاهد عليه، وهو رواية علي بن مهزيار(1)؛ فإن فيها إثباتاً لوجوب الإعادة في داخل الوقت، وهو يقيِّد إطلاق النفي في الطائفة الثانية، وفيها نفي لوجوب الإعادة في خارج الوقت، وهو يقيِّد إطلاق الإثبات في الطائفة الأولى.
وفقرة الاستدلال قوله: “من قِبَل أن الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يُعِد الصلاة إلّا ما كان في وقت”، وهو صريح في التفصيل بين الإعادة والقضاء وهي وإن كانت مطلقة لا تختص بالناسي ولكن مورد الرواية هو الناسي، فيكون هذا التفصيل نصاً فيه.
إشكالات ترد على الوجه السادس
وحينئذٍ يقع الكلام في أن هذا الجمع العرفي صحيح أو لا. يمكن أن يستشكل فيه بأربعة إشكالات:
الإشكال الأول: منافاته لبعض روايات الطائفة الأولى
إنّ هذا لا يناسب بعض روايات الطائفة الأولى الآمرة بالإعادة، فإنّها لا
ــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) الاستبصار 1: 184، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 15، تهذيب الأحكام 1: 426، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 28، وسائل الشيعة 3: 479، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
يمكن حملها على خصوص داخل الوقت، بل هي قوية الظهور في الشمول لخارج الوقت. فلا يكون تقييدها بداخل الوقت عرفياً.
1- من قبيل رواية علي بن جعفر، قال: “سألته عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع؟ قال: إن كان رآه فلم يغسله فليقضِ جميع ما فاته على قدر ما كان يصلّي ولا يُنْقَص منه شيءٌ…” الحديث(1).
فقوله: “فليقضِ جميع ما فاته“، وقوله: “ولا يُنْقَص منه شيء“، منافٍ مع الحمل على الإعادة في الوقت. وخاصة أن موردها خصوص الناسي.
إلَّا أنّ سندها غير معتبر، لأنّها مروية في قُرب الإسناد عن علي بن جعفر، وطريق قرب الإسناد إليه غير صحيح(2).
2- ومثلها: رواية محمد بن مسلم، قال: “قلت له: الدم يكون في الثوب عليَّ وأنا في الصلاة، قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامضِ في صلاتك ولا إعادة عليك، ما لم يزد على مقدار الدرهم وما كان أقلّ من ذلك فليس بشيء رأيته قبل أو لم تره، وإن كنت قد
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 180، قسم المسائل، حديث: 341، قرب الإسناد: 208، أبواب الصلاة، قراءة، حديث:810، الوسائل 3: 477، باب40 من أبواب النجاسات، حديث 10.
(2) لوجود عبد الله بن الحسن في طريقه، وقد تعرّض المصنف إلى ذلك في المجلد الثاني والثالث من كتاب الطهارة، فراجع..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
رأيته وهو أكثر من الدرهم فضيّعت غسله وصلّيت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه”(1).
فهل المراد بالصلوات الكثيرة الصلوات العرضية كالقضاء أو النوافل، أو يراد الصلوات الطولية كالفرائض اليومية؟ فإن فهمنا الثاني تكون الرواية واردةً في القضاء؛ لأنّ الصلاة الأولى فات وقتها وهي تأمر بالقضاء فيكون حملها على الأمر بالإعادة غير عرفي، وسندها صحيح.
الإشكال الثاني: منافاته لبعض روايات الطائفة الثانية
إنّ بعض روايات الطائفة الثانية الدالة على عدم وجوب الإعادة آبية عن الحمل على القضاء، فإنّها واردة لنفي الإعادة خاصة دون القضاء. فلا معنى لحملها على نفي الإعادة في خارج الوقت، وإن كانت رواية العلاء الرئيسية قابلة لذلك. لكن هناك روايات أخرى تأبى عن ذلك.
1- منها: رواية علي بن جعفر التي ألحقناها برواية العلاء، قال: “سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته، كيف يصنع به قال: إن كان دخل في صلاته فليمضِ وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصابه من ثوبه الحديث”(1).
ــــــــــ[158]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 174، كتاب الطهارة، باب 38، حديث 2، التهذيب 1: 254، كتاب الطهارة، باب12، حديث 23، الاستبصار 1: 175، كتاب الطهارة، باب106، حديث:1، الوسائل 3: 431، باب20، من أبواب النجاسات، حديث:6.
(2) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 348، الأخلاقيات، حديث:858، الكافي 5: 181، كتاب الطهارة، باب39، حديث:6، التهذيب 1: 261، كتاب الطهارة، باب12، حديث:47، الوسائل 3: 417، باب 13، من أبواب النجاسات، حديث 1..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فهي ناظرة إلى أثناء الصلاة وتقول: “فليمضِ“، فلا معنى لحملها على وجوب القضاء.
ولا يمكن أن يقال: إنها مخصوصة بأثناء الصلاة، فإن التفت في الأثناء لم تجب الإعادة وإن التفت بعد ذلك وجبت. فإنّ هذا غير محتمل، بل المحتمل هو العكس، ولهذا ثبت في الجاهل أنّه لو التفت في الأثناء كانت صلاته باطلة. ولو التفت بعد الصلاة كانت صلاته صحيحة.
2- الرواية الأخرى: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر، قال: “سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنّه لم يستنج من الخلا. قال: ينصرف ويستنجي من الخلا ويعيد الصلاة. وإن ذكر وقد فرغ من صلاته فقد أجزأه ذلك ولا إعادة”(1).
وهي واردة في ناسي الاستنجاء، ولكنّنا قلنا إنّها تندرج في مسألتنا بعد عدم احتمال الفرق بينه وبين غيره. وقوله: “وإن ذكر وقد فرغ من صلاته“، في مقابل أنه ذكر وهو في أثناء الصلاة كالصريح في نفي الإعادة، ولا معنى لأن يحمل على أنّه مضت ساعتان حتى خرج الوقت.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
(1) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 243، قواطع الصلاة، حديث:572، التهذيب 1: 50، كتاب الطهارة، باب3، حديث:84، الاستبصار 1: 55، كتاب الطهارة، باب31، حديث:16، الوسائل 1: 318، باب10 من أبواب احكام الخلوة، حديث:4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
3- ويؤيد ذلك لسان رواية عمار بن موسى قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: لو أن رجلاً نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلّي لم يُعِد الصلاة“(1).
وهي وإن لم تكن في مثل ذلك الظهور إلّا أنّه واضح أنّ الميزان في عدم الإعادة هو أن تقع الصلاة منه، وليس هو خروج وقت الصلاة.
إذن فجملة من روايات الطائفة الثانية تأبى عن الحمل على ذلك.
الإشكال الثالث: عدم إمكان تقييد كِلتا الطائفتين
الاشكال الثالث على هذا الجمع هو أن يُقال: إنّ الطائفة الثانية والأولى مفادها -بحسب ظهورها العرفي- هو الإرشاد إلى البطلان والصحّة. وهذا المفاد لا معنى لتقييده في الطائفة الأولى بداخل الوقت وفي الطائفة الثانية بخارجه؛ لأنّ معنى ذلك هو أن يصبح العمل صحيحاً وباطلاً وهو غير معقول. فإنّ معنى الالتزام بالأمر بالإعادة داخل الوقت، هو أنّ العمل باطل، ولا معنى حينئذٍ لكون الطائفة الثانية إرشاداً إلى الصحّة بعد فرض الحكم بالبطلان. ومعه فيتعيّن رفع اليد رأساً عن الطائفة الثانية في كونها إرشاداً إلى الصحّة. وصرفها إلى أنّ المراد منها عدم وجوب القضاء وإن كانت الصلاة باطلة، فتكون تخصيصاً في دليل وجوب القضاء لا دليلاً على الصحّة كما هو ظاهره.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 49، كتاب الطهارة، باب3، حديث:82، الاستبصار 1: 55، كتاب الطهارة، باب 31، حديث:14، الوسائل 1: 318، باب10 من أبواب احكام الخلوة، حديث:3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وبعبارة أخرى: إنّنا لو أبقينا الطائفة الثانية على إطلاقها، فمفادها هو الصحّة، وأمّا إذا التزم بتقييدها في خارج الوقت، فلا يمكن الالتزام بأنّ مفادها هو الصحّة، لأنّه لو كان الأمر كذلك لما وجبت الإعادة في داخل الوقت، فحينئذٍ لا بدّ أن يكون مفادها عدم وجوب قضاء الصلاة الباطلة، فيصير (لا تُعِد) بناءً على تقييده بخارج الوقت تخصيصاً في دليل وجوب القضاء لا دليلاً على الصحّة، وهذا صرف للطائفة الثانية عن مفادها العرفي لا مجرد تقييد لها.
وهذا الكلام غير صحيح؛ فإنّ التبعيض في نفس الصحّة من حيث داخل الوقت وخارجه أمر معقول أيضاً، بأن يقال: إنّ النجاسة المنسيّة تكون مانعة عن الصلاة بشرط أن ينكشف أمرها قبل خروج الوقت. فإن زال النسيان قبل خروج الوقت فالصلاة باطلة، ومن هنا جاءت الطائفة الأولى المحمولة على داخل الوقت تدلّ على وجوب الإعادة. وإن استمر النسيان إلى خارج الوقت فالنجاسة هذه ليست موضوعاً للمانعية، لأنّها لا تندرج في ذلك المفهوم. فيعقل أن نتحفظ على ظهور الطائفة الأولى بالإرشاد إلى البطلان، وظهور الثانية على الصحة، فهذا التقييد لا يوجد رفع اليد عن ظهور أصل هذه الطائفة.
الإشكال الرابع: وجود تشويش في قرينة الجمع
هو وجود التشويش في هذه القرينة التي اتخذت للجمع بين هاتين الطائفتين وهي رواية علي بن مهزيار. فإذا لم يمكن التعويل عليها لتشويشها سقطت عن القرينية.
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهي تشويشات عديدة:
التشويش الأوّل: أنها تستدعي الالتزام بعدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، فبناءً على ما هو المعروف من نجاسة الماء القليل من ملاقاة المتنجس(1) يكون الخلل في الطهارة الخبثية والطهارة الحدثية معاً. فإنَّ الماء انفعل بملاقاة بدنه فأصبح نجساً، والوضوء بالماء المتنجس باطل.
وهذا ليس تشويشاً على مسلكنا، وإنّما هو تشويش على مسلك المشهور البانين على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس أمّا نحن فلا نبني على ذلك.
التشويش الثاني: أنّنا سلّمنا أن الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس ولكن يشترط في صحة الوضوء طهارة الأعضاء وهذا المؤمن كانت أعضاء وضوئه نجسة، فالوضوء باطل والخلل من الناحية الحدثية والخبثية موجود.
هذا التشويش قد يُناقش(2) فيه بدعوى أنّه لا دليل عندنا على اشتراط طهارة اعضاء الوضوء وإنما دلّ الدليل على اشتراط طهارة ماء الوضوء. بقرينة روايات لا تتوضأ منه ولا تشرب، إذن فلا تشويش.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
(1) لاحظ مفتاح الكرامة 1: 304، كتاب الطهارة، المقصد الثاني في المياه، الفصل الأول في المطلق، القسم الثاني الماء الكر، الماء القليل، وجواهر الكلام 1: 105، كتاب الطهارة، الركن الأول في المياه، الطرف الأول في الماء المطلق، في الماء المحقون، ومصباح الفقيه 1: 70، كتاب الطهارة، الركن الأول في المياه، الطرف الأول في الماء المطلق، في الماء المحقون.
(2) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 375، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، الصلاة مع النجاسة نسياناً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إلّا أنّ هذه المناقشة في غير محلّها، لأننا لم نجد فقيهاً استشكل في بطلان الوضوء من ناحية نجاسة الأعضاء. ونفس اشتراط طهارة الماء يستأنس به على ذلك.
ويمكن الاستدلال عليه بالأخبار البيانية للوضوء، كصحيحة زرارة حيث ورد فيها أنه: غمس فيه كفّه اليمنى ثم قال “هكذا اذا كانت الكف طاهرة..”(1) الحديث. فإنّها ظاهرة بأنّها إذا لم تكن اليد نظيفة فلا يبدأ العمل بالاغتراف، ولكن لماذا؟ إمّا لأنَّ الماء ينفعل بملاقاة المتنجس وقد فرضنا أنّه لا ينفعل، وإمّا لأنّه إذا كانت يده نجسةً فيجب عليه تطهيرها قبل الوضوء، فيكون هذا دليلاً بنفسه على أنّه يشترط طهارة أعضاء الوضوء. فهذا التشويش مستحكمٌ في الرواية.
التشويش الثالث(2): أنّنا لو قطعنا النظر عن كلّ ذلك، فما هو المراد من قوله في ذيل الرواية: “لأنَّ الثوب خلاف الجسد”، مع أنّه لم يكن الكلام عن
ــــــــــ[163]ــــــــــ
(1) الوسائل 1: 387، باب 15 من أبواب الوضوء، حديث:2، (ثم قال هكذا إذا كانت الكف طاهر…).
(2) لاحظ ذخيرة المعاد: 167، كتاب الطهارة، النظر السادس فيما يتبع الطهارة، تجب ازالة النجاسات، وتطرق السيّد الخوئي إلى هذه الاشكالات مع الإجابة عليها، لاحظ فقه الشيعة 4: 197، كتاب الطهارة، فصل حكم من صلّى في النجس. وقد بحثّها المحدّث البحراني مفصلاً: الحدائق الناضرة 5: 423، كتاب الطهارة المقصد الثاني، المبحث الثالث، المسألة التاسعة، المقام الثالث أن يصلّي فيها ناسياً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الثوب أصلاً، وإنّما كان الكلام في الجسد. فإنّ المناسب أن يقال: إنّ الطهارة من النجاسة غير الطهارة من الحدث، فلو أردنا تأويلها لقلنا: إنّه جعل الثوب كناية عن الطهارة الخبثية أو النجاسة الخبثية، لأنّه لا يعقل تصوّر الحدث فيه. وجعل الجسد كناية عن الطهارة والنجاسة الحدثية إلّا أن هذا يكون لفاً ودوراناً.
التشويش الرابع: أنّه يأمر بإعادة الصلاة التي كانت بذلك الضوء بعينه، فنقول: إنّه لو صلّى الظهر بذلك الوضوء وهو ناسٍ ثمَّ نام ثمَّ قام وتوضأ وصلّى ثمَّ تذكر النجاسة السابقة في أعضاء وضوئه، فلماذا لا تجب عليه إعادة صلاة العصر فإنّها وقعت مع النجاسة نسياناً.
وقد يُدفع أنه لو توضأ مرة ثانية فقد تحقق منه غسل للموضع المتنجس بالبول. فيكون قد طهر بدنه ولو لم يقصد ذلك، فتصح صلاة العصر، وأمّا الظهر فلا تصحّ لأنّه لم يتحقق منه إلّا غسل واحد، والمتنجس بالبول يعتبر فيه التعدد.
إلّا أنّ هذا لا يتم لأنّ وحدة الغسل وتعدّده لا ربط له بتعدد الوضوء ووحدته، فإنّه في الوضوء الواحد قد يتعدّد الغسل، كما لو مرّر الماء على وجهه مرات، وقد لا يوجد الغسل في وضوئين كما في كف واحد على وجهه فإنّه يكفي للوضوء إلّا أنّه لا يكون كافياً للتطهير.
التشويش الخامس: التشويش السندي. وهي كونها مضمرةً(1)، وقد تقدّم الحديث
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) مجمع الفائدة والبرهان 1: 347، كتاب الطهارة، النظر السادس فيما يتبع الطهارة، وفقه الشيعة 3: 385، كتاب الطهارة، فصل في كيفية تنجس المتنجس، المسألة 11.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
عنه مراراً ولم نقبله، وقلنا بأنّ ذلك غير مضرّ بالرواية. فهذا التشويش غير تامّ.
وحينئذٍ فقد يقال: إنّ هذه التشويشات توجب سلب الوثوق بالرواية بحيث تسقط عن الحجيّة، وإذا سقطت يكون حمل الطائفة الأولى على الإعادة والثانية على القضاء جمعاً تبرعياً بلا شاهد، ومعه يتعيّن الرجوع إلى الوجه الأول، وهو الحمل على الاستحباب.
ولكنّنا مع هذا احتطنا احتياطاً وجوبياً في الإعادة في داخل الوقت والقضاء في خارجه.
أمّا منشأ الاحتياط الوجوبي في داخل الوقت وعدم إعمال الجمع العرفي بالحمل على الاستحباب، فهو ملاحظة رواية علي بن مهزيار، فإنّه وإن كان فيها تشويشات غير مفهومة، ولكن قد يدّعى أنّ هذه التشويشات لا تنافي حجية ما هو معلوم مفهوم منها. ومن المعلوم أنّ التفصيل بين الإعادة والقضاء أمر مفهوم منها، فلأجل احتمال أن تكون هذه حجة في ذلك احتطنا احتياطاً وجوبياً بلزوم الإعادة.
وكذلك يجب القضاء احتياطاً؛ لأنّنا لم نجزم بحجية رواية علي بن مهزيار، واحتملنا عدم حجيتها وأن هذه التشويشات أسقطتها عن الحجية، فنبقى نحن والطائفة الأولى الآمرة بالإعادة والطائفة الثانية النافية لها.
وقلنا: إنّ مقتضى الجمع العرفي بينهما هو حمل الأولى على الاستحباب بقرينة الثانية.
ــــــــــ[165]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ولكن يشككنا في هذا الجمع أنّ جميع الفقهاء المتقدّمين(1)لم ينقل عنهم المصير إلى الاستحباب إلّا ما يظهر من قبل الشيخ الطوسي في الاستبصار(2)، ومع ذلك يظهر منه في غيره المصير إلى الوجوب.
إذن فلم يستقرَّ للشيخ اختيار الاستحباب، حتى أنّه اتّهم مدرك القول بالاستحباب، وهي رواية العلاء بكونه شاذّاً ومنكراً، وكانت الشهرة على الوجوب. مع أنّ الحمل على الاستحباب أمر واضح وعليه ديدن الفقهاء في كثير من المسائل. فهذا بنفسه كاشف ظناً عن وجود نكتة تقتضي عدم إعمال هذا الجمع العرفي أما تعبدية أو عرفية. والفقهاء أبناء العرف، فحين يعرضون عن شيء يتزعزع بناؤنا على ذلك.
ولا يبعد أن تكون النكتة العرفية لذلك هي كثرة العدد، فإنّنا ذكرنا في بعض الأبحاث السابقة، أنّ الجموع العرفية لا ينبغي أن يغفل فيها جانب العدد. فلو كان الدالُّ على الوجوب رواياتٍ كثيرةً متظافرةً، والدال على الاستحباب روايةً واحدةً أو اثنين، فبعد فرض وجود أوامر متظافرة على مطلب من دون إقامة قرينة في شيء منها على الاستحباب وعدم وجود ما يدل
ــــــــــ[166]ــــــــــ
(1) لاحظ مصباح الفقيه 8: 203، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات، القول في احكام النجاسات، احكام الدم المعفو، حكم ما إذا لم يعلم بوجود النجاسة… وجواهر الكلام6: 209، 220، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات، القول الثاني في احكام النجاسات.
(2) الاستبصار 1: 181، كتاب الطهارة، باب 109.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
على الاستحباب إلّا بياناً واحداً أو بيانين فالعرف يستبعد أن تحمل كل تلك الروايات على الاستحباب، فهذه الكلمات هي التي أوجبت الاحتياط الوجوبي.
هذا كلّه إذا فرغ وانكشف له أنّ صلاته وقعت مع النجاسة.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأمّا إذا انكشف له في الأثناء ذلك، فهل يحكم بالبطلان، أو لا؟ لا إشكال بالحكم بالبطلان.
وما يمكن أن يستدل به على ذلك ثلاثة أوجه:
أولويته عمّا دلّ من الروايات على أنّ من صلّى جهلاً وانكشفت له النجاسة في الأثناء فصلاته باطلة. ومن المعلوم أنّ الجاهل إذا كانت صلاته مع النجاسة باطلةً فكيف حال الناسي مع أنّه جاهل وزيادة وهي أنّه كان عالماً. ولو أنكرنا ذلك لزم أن يكون للعلم السابق من الناسي دخلاً في الصحة وهو غير محتمل عرفاً.
الوجه الثاني التمسك بإطلاق بعض الروايات التي دلّت على بطلان صلاة الناسي لما إذا فرض انكشاف المطلب في أثناء الصلاة:
1- من قبيل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: “سألت أبا عبد
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الله عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته. قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد، حيث تدلّ بمفهومها: أنّه إن كان قد علم يعيد”(1).
وموضوعه هو الرجل يصلي لا أنه (صلى)، وهو الموضوع منطوقاً ومفهوماً. وهو شامل لما إذا انكشف وجود النجاسة في الأثناء، فيتمسك بإطلاق المفهوم لإثبات البطلان.
2- ورواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: “ذكر المنيّ فشدده فجعله أشد من البول. ثمَّ قال: إن رأيت المنيّ قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة. وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه وصلّيت فيه، ثمَّ رأيته بعد ذلك فلا إعادة عليك، فكذلك البول”(2).
فقوله: (قبل أو بعد ما تدخل) الحديث، لم يفرض فيه وقوع الصلاة منه، بل فرض دخوله في الصلاة، فتكون مطلقة شاملة لما إذا التفت بعد دخوله وقبل انتهائه.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 424، كتاب الصلاة، الباب61، حديث:11، التهذيب 2: 359، كتاب الصلاة، الباب17، حديث:19، الوسائل 3: 475، باب40 من أبواب النجاسات، حديث:5.
(2) التهذيب 1: 253، كتاب الطهارة، باب12، حديث:17، الوسائل 3: 424، باب16 من أبواب النجاسات، حديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إنّ جملة من الفقهاء(1)استدلوا بروايات ادّعوا ورودها في مورد الالتفات في أثناء الصلاة.
ويتمثّل ما ادّعوه في روايتين:
رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: “إن رأيت في ثوبك دماً وأنت تصلّي ولم تكن رأيته قبل ذلك، فأتمّ صلاتك فإذا انصرفت فاغسل”(2).
قال: “وإن كنت رأيته قبل أن تصلّي فلم تغسله ثمَّ رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف واغسله وأعد صلاتك“. وهو يدلّ على بطلان الصلاة بالنجاسة المنسية إذا انكشفت في الأثناء.
إلّاَ أنّ هذا لا يتمّ، لأنّ المفروض أنّ الغسل في الأثناء مع المحافظة على الصلاة غير ممكن. بقرينة الشقّ الأول وهو قوله: (إن رأيت في ثوبك دماً) الحديث، ولا يحتمل عرفاً ومتشرعياً -إذا كان يمكن التطهير- أن يأمره بإتمام الصلاة مع النجس.
إذن فهو لا يمكنه التطهير، فالأمر بالإعادة من باب أنّه ذهب وغسل
ــــــــــ[170]ــــــــــ
(1) ذكر جملة منهم صاحب الجواهر فانظر: جواهر الكلام (دار إحياء التراث العربي) 6: 220.
(2) السرائر 3: 592، باب المستطرفات، من كتاب المشيخة تصنيف الحسن بن محبوب المراد، الوسائل 3: 483، باب 44 من أبواب النجاسات، حديث:3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فبطلت الصلاة، لا بلحاظ وقوع أجزاء من الصلاة مع النجاسة المنسية. فهذه الرواية لا يمكن الاستدلال بها.
هذا مضافاً إلى سقوط سندها وإن عبّر عنها في لسانهم بصحيحة عبد الله بن سنان، ولكنّها ليست بصحيحة؛ لأنّها مروية في السرائر عن الحسن بن محبوب وطريقه اليه مجهول.
والرواية الأخرى رواية علي بن جعفر: قال: “سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنّه لم يستنجِ من الخلاء. قال: ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلاة..”(1). الرواية.
فهو دالٌّ على بطلان الصلاة مع النجاسة المنسية لو انكشفت في الأثناء، إلّا أنّه غير صحيح لوضوح الملازمة العرفية بين الاستنجاء وبين بطلان الصلاة، فإنّه يلازم عادةً ارتفاع بعض شرائط صحة الصلاة. فيكون ذلك قرينة عرفية على الأمر بالإعادة.
إذن فهذا الوجه غير صحيح، إلّا أنّ الوجهين الأولين كافيان في الحكم بالبطلان، بل إنّ بطلان صلاة الناسي إذا انكشفت النجاسة في الأثناء، أوضح من بطلان صلاته إذا انكشفت بعد الصلاة، لأنّه وردت روايات تدل على الصحّة فيما إذا انكشفت النجاسة بعد الصلاة، ولم ترد مثلها في الأثناء، من دون فرق بين إمكان التطهير والتبديل في الأثناء وعدمه تمسكاً بالإطلاق.
ــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) مرّ ذكر مصادرها في ص152.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ناسي الحكم تكليفاً أو وضعاً كجاهله في وجوب الإعادة والقضاء(1).
تقدّم سابقاً أنّ الجاهل بالحكم سواء كان جاهلاً بأصل النجاسة أو بالمانعية أو بوجوب الاجتناب عن النجس في الصلاة، فإنّ صلاته تكون باطلةً، لأنّ مقتضى إطلاق أدلة مانعية النجاسة وشرطية الطهارة كونها باطلةً، ولا يوجد لها مقيّد لا بلحاظ (لا تعاد) ولا بلحاظ الروايات الخاصَّة.
أمّا (لا تعاد) فلأنّه استثنى منها الطَّهور، وهو مجمل ومحتمل الانطباق على الطهارة الحدثية والخبثية، وإجمال المستثنى يسري إلى المستثنى منه، فلا تكون صالحة للتقييد.
وأمّا بلحاظ الروايات الخاصّة الواردة في مقام تصحيح الصلاة مع النجاسة؛ فلوضوح أنّها وردت في ناسي الموضوع والجاهل به، ولا تشمل الجاهل بالحكم.
هذا كلّه قلناه في الجاهل بالحكم، وكل هذا يأتي في ناسي الحكم بالحرف الواحد. ومعه فمقتضى القاعدة فيهما هو وجوب الإعادة ووجوب القضاء معاً.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
(1) المسألة الأولى من مسائل فصل: (إذا صلّى في النجس) حسب المتن، العروة الوثقى 1: 95.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
لو غسل ثوبه النجس وعلم بطهارته ثمَّ صلّى فيه. وبعد ذلك تبيّن له بقاء نجاسته، فالظاهر أنّه من باب الجهل بالموضوع فلا يجب عليه الإعادة أو القضاء(1).
هل يدخل هذا في الجاهل بالموضوع فتشمله أدلة العفو أو يدخل في روايات الناسي باعتبار أنّه علم بالنجاسة قبل الصلاة؟
يقول الماتن: الظاهر أنّه يكون جاهلاً بالموضوع، فيكون مشمولاً للطائفة الأولى الدالّة على العفو عن الجاهل دون الطائفة الأخرى.
توضيح الكلام فيه: إنّ الطائفة الثانية جلّ أفرادها واضح في عدم الانطباق على هذا الفرد، فإنّه أُخذ فيها عنوان النسيان ولو في كلام الراوي، وهو واضح في عدم انطباقه على هذا الفرد.
ولكن بعضها لم يؤخذ فيه عنوان النسيان، بل قيل: (إنّ كان علم ثمَّ صلّى فعليه الإعادة). فقد يتوهّم أن هذا العنوان صادق على هذا الفرد.
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) المسألة الثانية من مسائل فصل: (إذا صلّى في النجس) حسب المتن، العروة الوثقى 1: 96.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والتخلّص من هذا يكون بأحد وجهين:
الوجه الأول: دعوى الانصراف في هذه الروايات إلى الناسي الذي هو الموضوع في سائر الروايات الأخرى.
الوجه الثاني: إيقاع المعارضة -بعد الغضّ عن الإنصراف- بين إطلاق هذه الروايات الدالة على البطلان وإطلاق الروايات الدالّة على الصحة في حق هذا المؤمن.
فعندنا في المقام طائفتان:
1- من قبيل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو كلب أو سنور(1). قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد”. مفهومها إن كان علم -لا إن كان يعلم- فلا يعيد. فقد أُخذ فيه عنوان العلم السابق وهو موجود في هذا الفرد بعد إنكار الإنصراف.
2- ورواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: “إن رأيت المني قبل أو بعدما تدخل في الصلاة، فعليك إعادة الصلاة”(2)، فقد أخذت مفهوماً شاملاً لهذا الفرد أيضاً.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
() الكافي 6: 424، كتاب الصلاة، الباب 61، الحديث 11، وسائل الشيعة 3: 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 5، تهذيب الأحكام 2: 359، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 19.
(2) الفقيه 1: 249، أبواب الصلاة وحدودها، باب ما يصلى فيه وما لا يصلّى فيه، الحديث: 757، التهذيب 1: 252، كتاب الطهارة، باب12، حديث:17، الوسائل 3: 424، باب16 من أبواب النجاسات، حديث:2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهي التي يمكن أن يُدّعى الإطلاق لمحلّ الكلام في روايات العفو عن الجاهل:
1- منها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله قال: “إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه وإن هو علم قبل أن يصلّي فنسي وصلّى فيه فعليه الإعادة”(1). وهذا الفرد علم بنجاسة ثوبه فنسى ثمَّ صلّى ثمَّ علم بالنجاسة، فالعنوان منطبق عليه.
2- ورواية أخرى لأبي بصير في نفس الباب عن أبي عبد الله قال: سألته عن رجل صلّى وفي ثوبه بول أو جنابة، فقال: “علم به أو لم يعلم فعليه الإعادة، إعادة الصلاة إذا علم”(2).
إذن تقع المعارضة بنحو العموم من وجه، ومحل الاجتماع هو من علم بنجاسة ثوبه قبل الصلاة ثمَّ غسل ثوبه وتخيّل أنه طهر وصلّى ثمَّ انكشف له وجود النجاسة. ومع التساوي بين الطائفتين، قد يقال: إنّنا نرجع إلى إطلاق ــــــــــ[175]ــــــــــ
() التهذيب 1: 254، كتاب الطهارة، الباب12، الحديث: 24، الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث: 9، الوسائل 3: 476، الباب40 من أبواب النجاسات، الحديث 7.
(2) التهذيب 2: 202، كتاب الصلاة، باب 210، حديث: 93، الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، باب109، حديث:11، الوسائل 3: 476، باب 40 من أبواب النجاسات، حديث:9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أدلّة المانعية، فإنّ مقتضاها هو ثبوت المانعية في المقام.
والتخلّص من ذلك يكون بأحد بيانين:
إنّ الطائفة الأولى التي دلّت على أنّ كل من له علم سابق بالنجاسة يتعيّن عليه الإعادة، سواء ارتفع علمه بالنسيان أو بالغسل الاشتباهي، لها مقيِّد هو مفهوم الشرط في رواية لأبي بصير عن أبي عبد الله يقول فيها: “وإن هو علم قبل أن يصلّي فنسي وصلّى فعليه الإعادة“. فقد جعل الأمر بالإعادة مشروطاً بثلاثة أمور:
الأول: أنّه علم قبل أن يصلّي.
الثاني: أنّه نسيَ.
الثالث: أنّه صلّى.
والثالث شرط في مقام تحقّق الموضوع ولكنّ الشرطين الأولين حقيقيان، ومقتضى المفهوم أنّه إن لم يعلم أنّه نجس وصلّى، فليس عليه الإعادة، أو إذا علم أنّه نجس ولكنّه لم ينسَ وإنّما غسله غسلاً اشتباهياً، فلا يجب عليه الإعادة، فتكون مقيِّدة لذلك الإطلاق. ومعه نتمسك بإطلاق ما دلّ على أن الجاهل لا يعيد.
إنّنا لو أنكرنا المفهوم وقلنا إنّ القيد مثال لشيء برّر له الدخول في الصلاة، وإلا فكيف دخل فيها وهو عالم بالنجاسة! لا أنّ النسيان مأخوذ بعنوانه ليكون لها مفهوم.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ومعه يقع التعارض بين إطلاق الطائفتين بنحو العموم من وجه، لكن هل يكون المرجع هو إطلاق أدلة المانعية والشرطية، كحديث “لا صلاة إلّا بطهور” لنحكم ببطلان الصلاة؟
والصحيح أنّه عندنا مرجع أخصّ من ذلك نرجع إليه بعد التساقط، وهو ما دلّ على معذورية الجاهل مطلقاً بنحو يشمل الناسي أيضاً.
وما يمكن أن يُدّعى كونه كذلك صحيحة زرارة الاستصحابية(1) حيث يقول: “فإن أنا ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقن ذاك فنظرت فلم أرَ فيه شيئاً ثمَّ صلّيت فرأيت فيه. قال: تغسله ولا تعيد الصلاة”. فحكم بالصحة باعتبار أنّه كان محكوماً حال العمل بالصحة لأنّه كان طاهراً ظاهراً.
فإن استفدنا من ذلك أن كل من كان معذوراً حال العمل لا يجب عليه الإعادة، إذن فكل من كان معذوراً من ناحية النجاسة لا تجب عليه الإعادة. والناسي يكون معذوراً أيضاً أثناء العمل. غاية الأمر خرج الناسي بالأدلة الخاصة، وبقي الجاهل تحت هذا العموم.
وأمّا هذا الفرد المذبذب بين الجاهل والناسي، فبعد أن تعارضت روايات الجاهل والناسي في حقه، نرجع إلى دليل المعذورية فلا تجب عليه الإعادة، وهذا
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 422، كتاب الطهارة، باب22، حديث:8، الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، باب109، حديث:13، الوسائل 3: 466، باب 37 من أبواب النجاسات، حديث:1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
هو المتعيّن للمرجعية لا أدلة الشرطية والمانعية، لأنّه أخص منها.
هذا كلّه بغضّ النظر عن الانصراف، والواقع أنّ دعوى الانصراف قريبة من النفس جداً، فتكون هذه الروايات محمولة على الناسي ولو من باب أنّ العلم السابق إنّما يتعطل في الغالب من باب النسيان. ومعه يكون الحكم بصحة صلاة هذا الإنسان هو المتعيّن وفقاً للماتن.
قال الماتن: وكذا لو شكّ في نجاسته ثمّ تبيّن بعد الصلاة أنّه كان نجساً(1).
لو علم بوقوع النجاسة إمّا في ثوبه أو على الأرض، ثمَّ انكشف أنّها كانت على ثوبه لا يجب عليه الإعادة، وتقريب هذا المطلب يكون بأحد وجهين:
إنّ هذا الشخص حين شرع في الصلاة وإن كان عنده علم إجمالي بنجاسة ثوبه أو الأرض، إلّا أنه علم إجمالي غير منجَّز عليه لأنّ الأرض خارجة عن محل ابتلائه ولا إشكال حينئذ أنّه حين دخل في الصلاة كان دخوله مشروعاً اعتماداً على أصالة الطهارة الجاري في الثوب، ولا يعارضه أصالة الطهارة في الأرض، لأنه لا أثر له على الفرض. وبعد أن ينتهي من الصلاة تشمله روايات عدم وجوب الإعادة على الجاهل التي منها صحيحة زرارة الاستصحابية.
ــــــــــ[178]ــــــــــ
(1) إكمال المسألة الثانية من مسائل الماتن، العروة الوثقى 1: 96.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إلَّا أن هذا الوجه غير تام وذلك لإمكان أن يناقش ويقال:
إن نجاسة الثوب لو كانت بوجودها الواقعي موضوعاً للمانعية لكان هذا العلم الإجمالي منجزاً لأنه يكون علماً بالتكليف على كل تقدير. ولكن إذا بنينا على أن المانعية أخذ فيها العلم بالنجاسة لا النجاسة بوجودها الواقعي، فلا يكون للنجاسة بوجودها الواقعي أثر ولا يكون العلم بها علماً بالتكليف على أي تقدير، لأنها لو كانت في الثوب فلا تكليف لأن المانعية غير ثابتة إلّا مع العلم التفصيلي بها، فحين دخل في الصلاة يكون قد دخل في الصلاة بوجه شرعي، وتكون الصلاة صحيحة.
وهذا التقريب يتوقف على أن نستفيد من أدلة المانعية أن موضوعها هو النجاسة المعلومة بالعلم التفصيلي، وهذا على خلاف طبع الألسنة الأولية للشرطية والمانعية، كحديث “لا صلاة إلّا بطهور” و”لا تصلّ في الثوب النجس“. فإنّ مقتضاها أخذ واقع النجاسة قيداً. فنحتاج إلى دليل على أنّ العلم التفصيلي مأخوذ على وجه الموضوعية.
وما يمكن أن نرفع به اليد عن إطلاق الأدلة الأوّلية، هو روايات الباب الواردة في الجاهل، كرواية أبي بصير التي تقول: “إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه”، فتكون دليلاً على أن النجاسة لا تكون مانعة في الصلاة إلّا إذا علم(1).
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 24، الاستبصار 1: 182، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 9، وسائل الشيعة 3: 476، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بل قد يُترقى أكثر من ذلك ويقال: إنّ المأخوذ في مانعية كل ثوب هو العلم التفصيلي بنجاسة ذلك الثوب، فلو كان يعلم بنجاسة أحد ثوبين أمكن له أن يلبسهما ويصلّي، لأنه ليس له علم تفصيلي بنجاسة أي منهما، فلا مانعية، إلّا أنه تقريب غير عرفي.
وما يمكن أن يدّعى هو أخذ العلم التفصيلي في موضوع الحكم بالمانعية، وهذا لم يعلم بالنجاسة تفصيلاً في الثوب، فالمانعية -إذن- غير موجودة، فشروعه في الصلاة كان بوجه صحيح.
إلّا أنّ هذه الاستفادة من روايات الباب غير صحيحة، لأنه عندنا مسألتان:
إحداهما: طرح المسألة قبل الدخول في الصلاة، وأنّه هل يجوز أن يدخل في الصلاة أو لا؟ فلو كانت النجاسة منجّزة عليه لم يجز، وإن كانت مؤمَّناً عنها جاز الدخول.
ثانيتهما: أنّه بعد أن دخل في الصلاة واكتشف أنّها كانت مع النجاسة فهل تجب عليه الإعادة أو لا؟
ــــــــــ[180]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
لو خُلينا نحن والقواعد لقلنا في المسألة الأولى إنّه من كانت النجاسة منجّزةً عليه بأن يعلم تفصيلاً أو إجمالاً أو بأصل أو باحتمال قبل الفحص، لا يجوز له الدخول في الصلاة. وفي المسألة الثانية نقول: إنه تجب الإعادة ولا تكون الصلاة مجزية؛ لأنها غير مطابقة مع المطلوب الواقعي.
ولكن جاءت الروايات تدلّ على أنّ من انكشف أنّ صلاته واقعة في النجاسة لا يجب عليه الإعادة، فهل هي ناظرة إلى علاج المسألة الأولى أو الثانية؟ ظاهر سياقها أنّها لا نظر لها إلى المسألة الأولى بل تركتها على القواعد، وإنّما تتصرف في المسألة الثانية، وتقول: لا إعادة عليه؛ لأنّ كل الروايات موردها ما بعد الانتهاء من الصلاة، فهذا يوجب انصرافها عرفاً إلى النظر إلى المسألة الثانية.
وبناءً عليه لا يمكن أن نستفيد منها أنّها في مقام أخذ العلم التفصيلي قيداً في موضوع الحكم، إذ لو كان كذلك لكانت علاجاً للمسألة الأولى أيضاً، إذ يكون الدخول في الصلاة جائزاً ولو كان هناك علمٌ إجماليٌّ أو احتمالٌ قبل الفحص. مع أنّ الروايات لا تتعرّض إلى جواز الدخول في الصلاة أصلاً. ومعه تكون الصحة منوطة بالقواعد. ويؤيد ذلك صحيحة زرارة الاستصحابية(1)؛ لأنّها علّلت صحة الصلاة بجريان استصحاب الطهارة، مع
ــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 422، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 8، الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 13، وسائل الشيعة 3: 466، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أنّه لو كان العلم التفصيلي بالنجاسة مأخوذاً في موضوع المانعية، لكان اللازم التعليل بعدم العلم بالنجاسة، سواء كان هناك استصحابٌ أو لا.
ومعه فإذا علم بنجاسة الثوب أو الأرض، وكان لعلمه أثر إلزامي، فهو لم يكن يجوز له الدخول في الصلاة، فإذا دخل وانكشف له كانت باطلة، كان عليه الإعادة.
قال الماتن : وكذا لو علم بنجاسته فأخبره الوكيل في تطهيره بطهارته، أو شهدت البينة بتطهيره ثمّ تبيّن الخلاف، وكذا لو وقعت قطرة بول أو دم
-مثلاً- وشكّ في أنّها وقعت على ثوبه أو على الأرض، ثمّ تبيّن أنّها وقعت على ثوبه(1).
قيام البينة إلغاء للعلم السابق بالنجاسة، فحاله حال ما لو غَسله بنفسه وظهر له اشتباهه، وقد سبق أنّه لا يجب عليه الإعادة.
وأمّا من أخبره الوكيل فصلّى ثمَّ انكشف له الخلاف، فالكلام فيه يقع في مقامين:
المقام الأول: في حكم هذا الشخص قبل الدخول في الصلاة، هل قول الوكيل حجة عليه أو لا؟
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) ما زال الكلام في المسألة الثانية من مسائل الماتن، العروة الوثقى 1: 96.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المقام الثاني: أنّه بعد البناء على حجيته لو دخل في الصلاة، ثمَّ انكشف أنّ الصلاة كانت واقعة في النجاسة فهل تجب عليه الإعادة أو لا؟
بلحاظ ما قبل الدخول في الصلاة وأنّه هل يجوز له الدخول أو لا؟ وأنّه هل يعتمد على إخبار الوكيل أو لا؟ ونتكلّم هنا على مقتضى القاعدة، بغضّ النظر عن رواية واردة في الوكيل نتعرض لها في المقام الثاني.
فنقول: إنّ هذا الوكيل بالتطهير:
تارةً نعلم أنّه غسل الثوب ونشك في أنّه غسله غسلاً مستجمعاً للشرائط أو فاقداً لبعضها. كالثوب المتنجّس بالبول المحتاج إلى التعدّد ولا ندري أنّه غسله مرّةً أو مرّتين.
ففي مثل ذلك لا ينبغي الاستشكال ولم يستشكل أحد في ما أعلم في أنّ مقتضى القاعدة هو اعتبار عمل الوكيل بإجراء أصالة الصحّة في الغسل بعد إحراز أصله. وبحسب الحقيقة: إنّ أصالة الصحّة هنا ليس لها أيّ ارتباط بهذا الوكيل، بل أي شخص يغسل ثوباً، ويشك أنّه غسله غسلاً صحيحاً تجري فيه أصالة الصحّة ويثبت بها طهارة الثوب.
وأمّا إذا كان أصل الغسل غير محرز، ونحتمل أنّ الوكيل لم يغسله ولكنّه ادّعى أنّه غسله وطهّره، فهنا لا مجال لإجراء أصالة الصحّة في الفعل، لأنّها لا تجري إلّا حيث يوجد عمل يتردّد بين الصحيح والفاسد، وهنا لم يحرز أصل العمل، وأما إجراء أصالة الصحّة في حال الإنسان، فقد قلنا أنّه أصل أخلاقي وليس أصلاً شرعياً يعوّل عليه وتترتب عليه الأحكام الشرعية. وإنمّا تجري
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أصالة الصحة في العمل لا غيره.
وحينئذٍ فينحصر إثبات الطهارة بدعوى حجيّة قول الوكيل فيقع الكلام في حجيته وعدمها.
وقد يستشكل كما في التنقيح في حجّية خبر الوكيل، وحاصله: أنّ قول الوكيل وإن كان حجّةً فيما وكّل به لو أخبر أنه أنجزه. لكن هذا إنّما يكون في الوكالة الحقيقية التي تعتبر عقداً من العقود، ولا يكون في مطلق الموارد التي تستعمل فيها لفظ الوكالة. فالوكالة تارةً تكون في الأمور الاعتبارية كالعقود والإيقاعات، وأخرى في الأمور الخارجية كالتطهير.
والمعنى الفقهي للوكالة وما يترتّب عليه الأثر الشرعي إنمّا هو القسم الأول دون الثاني. وذلك لأنّ الوكيل من القسم الأول يكون فعله فعلاً للموكِّل بحيث يُنسب إليه. فلو باع الوكيل داره لصدق أنّ زيداً -الموكِّل- باع داره.
وأمّا لو كان في التصرفات الخارجية فلا تصح هذه النسبة، فلو وكّله أن ينسخ له القرآن لا يقال: نسخه الموكِّل، فهذه ليست وكالةً بل هي أصالة، فلا يشمله القول القائل: بأنّ قول الوكيل يكون حجة. ومحلّ الكلام هو من قبيل القسم الثاني، فإنّ الوكيل بالتطهير وكيل في أمر خارجي لا في أمر اعتباري، وعليه فلا يترتّب عليه أحكام الوكالة(1).
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 379ـ 380، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، بعض فروع الجهل بالنجاسة. فقه الشيعة 4: 206.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إنّنا لسنا بحاجة إلى تطبيق عنوان خبر الوكيل على هذا الشخص ليقع الكلام في أنّه هل يصدق عليه الوكالة أو لا؟ بل يكفي في إثبات حجية إخباره أنّه صاحب يد، وقد فرغنا في الفصل السابق في طرق ثبوت النجاسة أن قول صاحب اليد من مثبتات النجاسة شرعاً. فلو لم يكن وكيلاً بل كان مستعيراً استعار الثوب نجساً وأرجعه وأخبر أنه طهره يكون قوله حجة.
ولا إشكال في أن السيرة العقلائية بين المتشرعة منعقدة على ذلك وإلا لزم الحرج والضيق؛ لأنه كثيراً ما تعطي الملابس بيد الغسّال أو الغسّالة فيغسلها ثمَّ يأتي ويخبر بطهارتها، مع أنّ صاحب الثوب يحتمل أنه لم يغسلها أصلاً. وهذا الاحتمال لا إشكال أنه مُلغى عند المتشرعة. والسر فيه هو إخبار صاحب اليد فإنه يكون حاكماً على استصحاب النجاسة.
ثانياً: أنّ ما ذكره من أن الوكالة تختص بخصوص القسم الأول وهو الأمور الاعتبارية ولا تشمل الأمر الثاني، وهو التصرفات التكوينية لصحة النسبة إلى الموكل في الأول دون الثاني.
ملاكان لتصحيح الفعل غير المباشر
وهذا الكلام في غير محلِّه. لأنّه عندنا -في تصحيح الفعل غير المباشر الذي لو كان مباشراً لكان له آثار– في ذلك مِلاكان:
ــــــــــ[185]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الملاك الأول: كون الثاني وكيل اصطلاحي عن الأول. وهذا ملاك ثابت برأسه بقطع النظر عن أنّ فعل الوكيل يصح أن ينسب إلى الموكِّل أو لا. فإنّ مقتضى عقلائية نفس الوكالة هو أنّ آثار الفعل لو صدر من الموكَّل تترتّب عليه لو صدرت من الوكيل. ولهذا لم يستشكل أحد فيما تعهد في صحّة الأفعال الخارجية الصادرة بالوكالة كالقبض والإقباض. مع أنّه لا يعتبر قبض الوكيل قبضاً للموكِّل ولكن تترتب عليه أحكام القبض كما في الصرف وغيره. وذلك بقانون عقلائية الوكالة وعرفيتها.
نعم، لا بدّ أن يكون سنخ عمل لم يؤخذ فيه قيد المباشرة بالارتكاز العرفي والمتشرعي كالعبادات فإنّه لا معنى للتوكيل فيها.
الملاك الثاني: لترتب آثار أعمال الغير على الغير، هو أن يُنسب العمل إلى ذاك الشخص، وهو أمر يختص بباب العقود والإيقاعات، فإنّه يوجد توسّع عند العرف بالنسبة بنكات لا محل لها هنا ومحلها بيع الفضولي. فلو باع الوكيل يقال إن الموكِّل قد باع، بل لو باع الفضولي وأجاز المالك يصير البيع بيعاً له، فيشمله أدلة صحة بيع المالك.
فهذان ملاكان عرفيان للتصحيح، والنسبة بينهما العموم من وجه، يجتمعان في التوكيل في الأمور الاعتبارية ويفترق الأوّل عن الثاني في التوكيل في القبض، ويفترق الثاني عن الأوّل في إجازة العقد الفضولي.
وبهذا ارتفع الخلط والتشويش واتّضح أنّ هناك ملاكين مستقلين للتصحيح، وحينئذٍ فما يقال في المقام بأنّ الوكالة للتطهير ليس وكالةً، بدعوى أنّها وكالة على أمر خارجي، وفي الأمور الخارجية لا ينُسب فعل الوكيل إلى
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الموكِّل، هذا غير تام، لتوفّر الملاك الأوّل فيه، وإن لم يتوفّر الملاك الثاني وقد عرفنا أنّ الوكالة غير تابعة لصحة النسبة، بل لها نكتة أخرى.
من مواقع النظر أنّ أصل هذا الكلام وتحقيق المسألة بهذا العنوان: إنّ هذا الشخص المكلّف بالتطهير هل يصدق عليه أنّه وكيل بالوكالة المصطلحة أو لا؟ وهذه المنهجة تعني أنّه قد فرغ عن قيام دليل على قبول قول الوكيل بعنوانه. ليقع الكلام في الصغرى، وأنّ هذا هل هو وكيل بالمعنى الاصطلاحي أو لا؟
ولكنّ الصحيح هو أنّه لم يقم دليل في الفقه تعبّدي على قبول قول الوكيل بعنوان كونه وكيلاً، وإنّما قبول قوله في موارده إنّما هو لتطبيق إحدى القواعد العقلائية والفقهية عليه.
فلو وكّله في بيع ثوبه فجاء الوكيل وقال بعت ثوبك يقبل قوله لا لحجيته بل لتطبيق إحدى قاعدتين مفروغ عنهما:
القاعدة الأولى: (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)(1)، والوكيل مالك للبيع
-لأنه لو باع لنفذ البيع- فله الإقرار.
القاعدة الثانية: قاعدة عدم جواز اتهام الأمين(2) ولزوم تصديق المؤتَمن
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) لاحظ رسائل فقهية (الشيخ الأنصاري): 194، رسالة في قاعدة من ملك، والقواعد الفقهية(البجنوردي) 1: 5، قاعدة من ملك.
(2) لاحظ العناوين الفقهية 2: 485، العنوان الخامس والستون، والقواعد الفقهية (البجنوردي) 2: 7، قاعدة عدم ضمان الأمين.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المستفادة من روايات نفي الضمان عن الأمين، باعتبار أنّه إذا أتمن شخصاً فلا بُدّ أن يصدّقه ولا يخوّنه.
وهذه القاعدة لها مصداق متيقّن وهو الأمين على الأعيان، فلو استأمن شخصاً على مال بوديعة أو عارية أو غيرها، فلا بُدّ أن يصدّقه فيما يدّعيه، ولها مصداق مشكوك وهو الأمين على الأعمال كما لو فوض إليه بيع الدار أو طلاق زوجته، فيقال: إنّ الائتمان كما يكون على العين كذلك يكون على العمل، وقد يقال في مقابله أنّه لا يتصور الائتمان على الأعمال؛ لأنّ معنى الائتمان هو المحافظة عن التلف، وهو إنّما يصدق على الأعيان دون الأعمال.
وعلى أي حال فالمسألة مربوطة بمفهوم الائتمان.
فإن قلنا: إنّه عبارة عن حفظ المال عن التلف، فمن الواضح أنّه إنما ينطبق على الأعيان دون الأعمال.
وإن قلنا: إنّ مفهومه واسع وإن الائتمان على كل شيء بحسبه، فالائتمان على المال حفظه من التلف والائتمان على العمل جعله موقوفاً على الشخص في مقام أداء هذه المهمة.
فإن فرض أنّ معناه هو هذا المعنى الواسع كما لا يبعد، فينطبق على مفهوم إيكال العمل إلى الغير، وعلى أيّ حال فالمقصود أن هناك قاعدتين لقبول قول الوكيل، ومن الواضح أنّ كِلا من هاتين القاعدتين في مقام تطبيقهما على محلّ الكلام لا دخل لعنوان الوكالة أصلا، بل يمكن توضيح انطباقهما ولو لم يكن وكالة بالمعنى الأخص.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فهل تنطبق القاعدتان على محل الكلام أو لا؟ ومن الواضح أنّ القاعدة الأولى لا تنطبق على محل الكلام وإن كان قد يتراءى أنها تنطبق؛ لأنّ الوكيل في الغسل قد ملك الغسل وتطهير الثوب فلو أنه أقرّ بتطهيره كان نافذاً. ولكن الأمر ليس كذلك، فإنّنا قلنا في أبحاث سابقة: إنّ هذه القاعدة من قبيل: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز إنما تقتضي ثبوت التحميلات لا ثبوت الخبر بنحو الشهادة، فإذا أقرّ الوكيل بالبيع يحمل على الموكِّل تبعات البيع كالتسليم، ومن الواضح في المقام أنّه لا معنى للتبعات لكي يصح تحميلها من دون فرق في ذلك بين أن نقول: إنّ هذا الإعطاء للتطهير وكالة بالمعنى المصطلح أو أنّه ليس كذلك؛ فإنّه على كِلا التقديرين لا تجري القاعدة؛ لأنّ التطهير ليس له آثار تحميلية معاملية لتثبت على صاحب اليد.
وأما القاعدة الثانية فمن الواضح أيضاً أنّها غير تامة في محلّ الكلام، وإن كان قد يتراءى ثبوتها؛ لأن مالك الثوب قد استأمن الغسّال عل التطهير فكيف يخوّنه.
لكنّ الصحيح أنّها لا تشمل المقام؛ لأنّ قاعدة قبول قول الأمين وعدم اتهامه مرجعها إلى أنه كيف تكذّب الأمين وتخوّنه وقد اعتبرته أميناً على أموالك. وهذا إنّما هو فيما يرجع إلى أموال الشخص وحقوقه. كيف رأيته ثقة والآن لا تراه ثقة وتتمسك بحقك في مقابله. ومعه فقول الأمين لا يُعقل قبوله فيما يرجع إلى حق الله تعالى.
والكلام في أنّ هذا الثوب طاهر بحيث يجوز الصلاة فيه، وهذا ليس من
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
حقوق هذا الإنسان لكي يقال له: كيف تتمسّك بحقّك في مقابله.
وبهذا يظهر الموقع الرابع من مواقع النظر:
وحاصله: أنّنا لو غضضنا عن كلّ ما تقدّم وفرضنا قيام دليل على قبول قول الوكيل، فهذا لا يعني أن التوكيل مسبّب لإعطاء حجية ذاتية لقول الوكيل كالبيّنة، بل الذي يستفاد من دليل حجية الوكيل إنّما هو بمقدار ما يرجع إلى شؤون الموكِّل وحقوقه، فلا ينبغي له أن يرفض قوله. لا أنّه لو وكّله في أي شيء فإنّه يقبل قوله في أيّ شيء. فلو وكّله في القضاء عن والده ولم يكن ثقة لا يقبل قوله في أنّه أتى بالقضاء المطلوب.
ومن مجموع ما ذكرناه ظهر أن مقتضى القاعدة في خبر هذا الشخص هو قبول قوله، لا من باب أنه وكيل، بل من باب أنه خبر صاحب اليد. هذا هو الكلام في المقام الأول.
المقام الثاني وهو أنّه لو صلّى بهذا الثوب، فمقتضى القواعد المستفادة من روايات عدم وجوب الإعادة على الجاهل، ولا يشمله أدلة وجوب الإعادة على الناسي.
نعم، دلّت رواية على وجوب الإعادة فلو تمّت كانت مقيّدة، وهي رواية مَيسَر قال: قلت لأبي عبد الله: آمر الجارية فتغسل ثوبي من المنيّ فلا تبالغ
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
في غسله فأصلّي فيه فإذا هو يابس، قال: “أعِد صلاتك، أما أنك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شيء، فتدل على وجوب الإعادة”(1).
وهي وإن تردّد أمرها ثبوتاً بين أن تكون على خلاف القاعدة في المسألة الأولى، أو أن تكون على خلاف القاعدة في المسألة الثانية. يعني يأمر بالإعادة، لأنّه ليس من حقه أن يعتمد أصلاً على قول الجارية. وهذا معناه خلاف المسألة الأولى. أو أنّ من حقه ذلك ولكنه حيث إنّه لم يتأكد من زوال النجاسة وقصّر في ذلك فاكتشف النجاسة وجبت عليه الإعادة، وهذا معناه خلاف القاعدة في المسألة الثانية، والقدر المتيقن منها أنّها خلاف المسألة الثانية، فيبقى قول الجارية على صحّته ويقيّد لها ما دلّ على عدم وجوب الإعادة على الجاهل.
هذا لو رضي الفقيه بطبعه هذا التخصيص ولم يستبعده، وأمَا لو لم يرضَ به وفهم من الرواية الاستحباب لمعلومية أنّه ليس هناك أيّ رجحان شرعي بمباشرة الغسل، فيتعارض الذوق مع مُرّ الصناعة، حيث يقتضي الذوق عدم التقييد وتقتضي الصناعة التقييد، ولهذا لم يفتِ الفقهاء بالتقييد مع أن الرواية معتبرة.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) الكافي5: 161، كتاب الطهارة، الباب35، حديث:2، التهذيب1: 252، كتاب الطهارة، الباب12، حديث: 13، الوسائل 3: 428، باب18، من أبواب النجاسات، حديث:1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
قوله : وكذا لو رأى في بدنه أو ثوبه دماً…
لو كان عالماً بوجود الدم لكن اعتقد بجواز الصلاة فيه إما لأنّه دم طاهر كدم ما لا نفس له، أو لأنّه نجس معفو عنه، كدم الجروح والقروح فهل يحكم على صلاته بالصحة؟
قد يقال: إنّ مقتضى الجمود على حاقّ بعض العبائر في بعض الروايات، أنّ هذا لا تشمله روايات الجاهل، لأنّها تقول: “من صلّى في ثوب وعليه دم وهو لا يعلم…” وهذا صلّى في ثوب وعليه دم وهو يعلم. فإنّ الجهل أُضيف إلى ذات الدم لا إلى النجاسة بعنوانها، وهذا كان عالماً بذات الدم وإن كان جاهلاً بالنجاسة أو بعدم العفو.
إلّا أنّ هذا جمود غير عرفي على ظاهر الروايات؛ لأنّه لا إشكال في أنّ عدم العلم بالدم أو بالبول في الروايات نفهم منه أنّ المناط عدم العلم بما هو نجاسة، بحيث لو علم به وصلّى لبطلت صلاته. فالعلم الذي أخذ عدمه في موضوع الروايات هو العلم الذي لو وقع لامتنع عليه الدخول في الصلاة. وهذا العلم إنّما هو العلم بالدم النجس غير المعفو عنه؛ لأنّ العلم بذات الدم بدون العلم بنجاسته أو العلم بنجاسته مع عدم العلم بعدم العفو عنه، لا يكون مانعاً، وخاصة وإن ظاهرها أنّ دخوله في الصلاة نتيجة لعدم علمه. إذن، فالمراد به العلم الذي لو وقع لمنع من إيقاع الصلاة.
ــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
قوله: وكذا لو شك(1)
إذا بنينا على أنّ هذا الشك يجوّز لهذا الفرد الدخول في الصلاة، إذن يشمله إطلاق روايات الجاهل، فإنّها تدلّ على أنّ العلم الذي لو وقع لامتنع عن الصلاة، إذا لم يتحقق صحة صلاته، ومرجعه إلى أن من جاز له الدخول في الصلاة بشكل شرعي صحت صلاته وإن علم بالنجاسة. وأمّا إذا قلنا بأن دخوله غير شرعي، فلا تشمله إطلاقات تلك الروايات. إذن فحال المسألة مربوط بأن نتكلّم في حال الدخول في الصلاة. وهذا سوف يأتي. وكذلك إذا شكّ أنّه دم الجروح والقروح فإنّه فرع سوف يأتي.
نعم، هنا فرع لن يأتي، وهو ما لو شكّ أنّه دم طاهر أو نجس كدم الإنسان أو البق، فنقول: إنّ طرف الترديد تارةً يكون هو البقّ وغير البقّ من ذوي النفوس السائلة، وأخرى يكون طرف الترديد غير البقّ من ذوي النفوس غير السائلة.
فإن كان طرف الترديد هو دم البقّ، كما لو شك أنّه دم بقّ أو إنسان، فنحن
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) آخر المسألة الثانية من مسائل الماتن، وتمامها: “وكذا لو شكّ في شيء من ذلك ثمّ تبيّن أنّه ممّا لا يجوز، فجميع هذه من الجهل بالنجاسة؛ لا يجب فيها الإعادة أو القضاء” العروة الوثقى 1: 97.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
نستشكل في جواز الدخول في الصلاة، لأنّ البقّ بحسب طبعه الأصلي ليس له دم وإنّما يستفيده من إنسان أو حيوان، فلو رأى الفرد دماً شكّ أنّه دم بقّ أو دم منه، فهذا الدم على أي تقدير هو دم الإنسان فإنّه إن لم يكن من البقّ فواضح، وإن كان منه فقد أخذه من الإنسان. فهذا الدم كان دم إنسان ويشك في أن هذا العنوان تبدل أو لا؟ لأنّ البقّ إذا كان قد امتصّه فقد أصبح طاهراً وإلاّ فهو نجس، فيجري استصحاب عنوان دم الإنسان، ويترتب عليه الحكم بالنجاسة.
وأمّا إذا كان التردّد بين دم الإنسان وغير البقّ كدم السمك، فهنا لو كنّا نقول: بأنّ روايات نجاسة الدم فيها إطلاق يقتضي نجاسة كل دم، وخرج بالتخصيص ما ليس له نفس سائلة، بحيث يكون الخارج عنواناً وجودياً كدم السمك. فيجري استصحاب عدم هذا العنوان الوجودي، ولو بنحو العدم الأزلي، لأنّه بعد التخصيص أصبح الموضوع مركباً من جزئين: دم وليس هو دم سمك، وكونه دم ثابت بالوجدان وكونه ليس دم السمك ثابت بالاستصحاب.
لكنّ هذا الكلام مبني على مجموع أمرين:
الأمر الأول: أن يكون دليل نجاسة الدم فيه إطلاق في نفسه.
والأمر الثاني: أن يكون المخصص قد أخرجه بعنوان ثبوتي.
وأمّا إذا لم يتم الأمر الأول، ولم يكن في دليل نجاسة الدم إطلاق في نفسه، وكان الخارج منه عنوان ثبوتي وهو ما له نفس سائلة، فينعكس الاستصحاب ويجري استصحاب عدم كونه له نفس سائلة، لتنقيح عدم النجاسة.
وكذلك لو سلّمنا الأمر الأول وقلنا بأنّ المخصص أخرج عنواناً عدمياً، ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بناءً على أنّ المخصص في المقام ليس هو الإجماع بل هو رواية “لا يفسد الماء إلّا ما له نفس سائلة”(1). فإذا تم الإطلاق فتكون الرواية مقيِّدة للعموم بأمر عدمي، ويكون العام متقيَّداً بأمر وجودي (يعني ضد الخارج بالتخصيص) فيكون الاستصحاب نافياً لموضوع العام.
وحيث إنّ الأمر الأول غير تام، فيكون الاستصحاب نافياً لموضوع النجاسة.
ــــــــــ[195]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 22، كتاب الطهارة، الباب4، حديث 4، التهذيب 1: 231، كتاب الطهارة، الباب10، حديث: 51، الاستبصار 1: 26، كتاب الطهارة، الباب13، حديث:2، الوسائل 1: 241، باب10 من أبواب الأسئار، حديث:2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
لو علم بنجاسة شيء فنسي فلاقاه بالرطوبة وصلّى ثمَّ تذكر أنّه كان نجساً وأنّ يده تنجست بملاقاته. فالظاهر أنّه أيضاً من باب الجهل بالموضوع لا النسيان لأنه لم يعلم نجاسة يده سابقاً والنسيان إنما هو في نجاسة شيء آخر غير ما صلّى فيه(1).
فلو علم بنجاسة الفرش ونسيها ثمَّ لاقى يده معه، فنجاسة الفرش معلومة منسية ونجاسة اليد مجهولة، فلو صلّى يشمله حكم الجاهل لا الناسي، لأنّ النجاسة المنسية لم يصلّ فيها، والنجاسة التي صلّى فيها مجهولة لا منسية.
قوله : نعم لو توضّأ أو اغتسل قبل تطهير يده وصلّى كانت باطلة من جهة بطلان وضوئه أو غسله(2)
فإنّ الوضوء بالنجس ولو جهلاً يوجب بطلان الصلاة، وإنّما الكلام في أصل هذه المسألة كان فيما إذا تنجست يده بعد الوضوء.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
(1) المسألة الثالثة من مسائل فصل (إذا صلى في النجس)، العروة الوثقى 1: 97.
(2) تمام المسألة الثالثة الآنفة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الفصل الثالث
انحصار الصلاة في النجاسة
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا انحصر ثوبه في نجس، فإن لم يمكن نزعه حال الصلاة لبرد أو نحوه صلّى فيه، ولا يجب عليه الإعادة أو القضاء، وإن تمكن من نزعه ففي وجوب الصلاة فيه أو عارياً أو التخيير وجوه. الأقوى الأول والأحوط تكرار الصلاة(1).
تعرّض الماتن إلى صورتين:
الصورة الأولى: أن يفرض أنّ الثوب نجس وهو لا يتمكن من تطهيره ولا من تبديله بطاهر ولا من نزعه والصلاة عارياً لبرد أو غيره.
الصورة الثانية: أن يفرض أنّه لا يتمكن من التطهير أو التبديل ولكنه متمكن من نزعه والصلاة عارياً.
في الصورة الأولى حَكَم بوجوب الصلاة في النجس. وفي الصورة الثانية ذكر ثلاثة وجوه: الصلاة في النجس أو عارياً أو التخيير، ورجح الصلاة في النجس.
ــــــــــ[199]ــــــــــ
(1) المسألة الرابعة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 97- 98.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ونحن نتكلّم أولاً في الصورة الثانية:
وهي ما لو انحصر ثوبه في النجس ولا يمكنه التبديل ولا التطهير، ولكنه يمكنه النزع فهل تسقط شرطية الطهارة أو تسقط شرطية التستر.
ورد فيها طائفتان من الروايات إحداها تدل على لزوم الصلاة في النجس، والأخرى تدل على وجوب الصلاة عارياً.
1- من قبيل صحيحة الحلبي، قال: “سألت أبا عبد الله: عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره (آخر) قال: يصلي فيه فإذا وجد الماء غسله”(2).
2- وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله أنّه: “سأل أبا عبد الله عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله، قال: يصلي فيه”(3).
ــــــــــ[200]ــــــــــ
() قدم الكلام في الصورة الثانية وسيأتي الكلام في الصورة الأولى قريباً.
(2) الفقيه 1: 68، باب ما ينجس الثوب والجسد، حديث: 155، التهذيب 1: 271، كتاب الطهارة، باب12، حديث 86، الاستبصار 1: 187، كتاب الطهارة، باب110، حديث 12، الوسائل 3: 447، باب27 من أبواب النجاسات، حديث 11.
(3) الفقيه 1: 248، باب ما يصلى فيه وما لا يصلّى فيه، حديث 752، الوسائل 3: 484، باب45 من أبواب النجاسات، حديث:3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
3- وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: “سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كله دم يصلّي فيه أو يصلّي عرياناً. قال: إن وجد ماء غسله وإن لم يجد ماء صلّى فيه ولم يصلِ عرياناً”(1).
4- ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوب وليس معه غيره ولا يقدر على غسله. قال: “يصلّي فيه”(2).
5- ورواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله أنّه: “سُئل عن رجل ليس معه إلّا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلّي”(3). وهي ظاهرة أنّه يصلّي في ذلك الثوب.
ــــــــــ[201]ــــــــــ
(1) الفقيه1: 248، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلى فيه، حديث 755، التهذيب 2: 224، كتاب الصلاة، باب11، حديث 92، الاستبصار 1: 169، كتاب الطهارة، باب101، حديث:4، الوسائل 3: 485، باب45 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(2) الفقيه 1: 248، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه، حديث: 753، التهذيب2: 224، كتاب الصلاة، باب11، حديث 93، الوسائل 3: 484 باب45 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(3) التهذيب 1: 407، كتاب الطهارة، باب20، حديث:17، الإستبصار 1: 169، كتاب الطهارة، باب 101، حديث:6، الوسائل 3: 392، باب30 من أبواب التيمم، حديث1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
1- من قبيل مضمرة سماعة قال: “سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض وليس عليه إلّا ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء كيف يصنع، قال: يتيمم ويصلي عرياناً قاعداً يومي إيماءً”(1).
2- وهناك رواية لسماعة مضمرة أيضاً -وَمن المظنون أنّها نفس الرواية، باعتبار اتحاد الراوي، والذي يروي عنه الراوي، واتحاد المتن، ولكنّها رواها الشيخ(2) وتلك رواها الكليني(3)– ولكن ورد بدلاً عن (قاعداً): قائماً.
3- ورواية الحلبي عن أبي عبد الله: “في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلّا ثوب واحد، وأصاب ثوبه منيّ قال: يتيمم ويطرح ثوبه فيجلس مجتمعاً فيصلي فيؤمي إيماء”(4).
وهذه الروايات الثلاث مجتمعة على لزوم الصلاة عارياً، وأنّ الركوع والسجود يكون بالإيماء، وإن اختلفت أنّه يصلّي قائماً أو قاعداً.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 390، كتاب الصلاة، باب59، حديث 15، التهذيب 1: 405، كتاب الطهارة، باب20، حديث:9، الوسائل 3: 486 باب46 من أبواب النجاسات، حديث1.
(2) أُنظر: المصدر المتقدم.
(3) أُنظر: المصدر المتقدّم.
(4) التهذيب 1: 406ـ 407، كتاب الطهارة، باب20، حديث 16، الإستبصار 1: 168، كتاب الطهارة، باب101، حديث:2، الوسائل 3: 487، باب46 من أبواب النجاسات، حديث 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ومن هنا وقع الكلام في علاج هذا التعارض بين هاتين الطائفتين، وما قيل: أو يمكن أن يقال في ذلك وجوه:
إنّ هذا التعارض من تعارض الحجة مع اللاحجة لأنّ الطائفة الثانية ساقطة سنداً والطائفة الأولى معتبرة السند، إذن فالأولى تكون بلا معارض.
أمّا سقوط الطائفة الثانية عن الاعتبار سنداً، فلأنّها تتمثل في ثلاث روايات اثنان منها عن سماعة وهما مضمرتان، وقيل(1): بأن سماعة ليس من جلالة الشأن بحيث لا يُحتمل في حقّه أنّه لا يسأل إلّا الإمام، فلعله سأل غيره.
أمّا الأخيرة فقد ورد فيها محمد بن عبد الحميد وهو لم تُعلَم وثاقته(2).
ــــــــــ[203]ــــــــــ
(1) لاحظ مدارك الأحكام 2: 360، كتاب الطهارة، الركن الرابع، القول في أحكام النجاسات، ومصباح الفقيه 8: 258، كتاب الطهارة، الركن الرابع، القول في احكام النجاسات، احكام الدم المعفو، مسألة: وجوب القاء الثوب النجس…، والتنقيح في شرح العروة 2: 387، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 4، وفقه الشيعة 4: 221، كتاب الطهارة، فصل حكم من صلّى في النجس، المسألة 4.
(2) الفهرست (للشيخ الطوسي): 153، باب الميم، باب محمد رقم: 675، وثّقه العلامة في خلاصة الأقوال: 154، الفصل الثالث والعشرون، الباب الأول، رقم: 84، ولاحظ نقد الرجال 4: 239ـ 240، باب الميم، الرقم: 4813، والفوائد الرجالية (بحر العلوم) 3: 380، باب الميم، تحت عنوان (محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار)، ومعجم رجال الحديث 17: 220، باب الميم، الرقم: 11055.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وتوثيق النجاشي(1) له مجمل مردد بين رجوع الضمير إلى الابن أو إلى الأب الذي هو معلوم الوثاقة في نفسه، فلا يبقى في عبارته دلالة على وثاقته. إذن فالطائفة الثانية ساقطة سنداً فلا تعارض الطائفة الأولى.
وهذا الوجه في غير محله لما بيّناه مراراً من أن الإضمار لا يضرّ بالحجية في إطار الرواة الذين يعيشون في مدرسة أهل البيت بلا فرق بين كبيرهم وصغيرهم.
وقد بيّنا الوجه في ذلك، وملخصه: أن الإضمار لا يخلو أمره إما أن يكون من الراوي الأول وإما أن يكون ممن بعده، بأن يكون الأول قد ذكر الاسم الصريح ولكن الراوي المتأخر حوّله إلى ضمير.
أمّا الاحتمال الأول: فهو احتمال معقول وممكن، وبناءً عليه يكون ظاهر العبارة أنّ مرجع الضمير هو الإمام؛ لأنّ ظاهر كلام الراوي حين يقول: (سألته)، أنه في مقام بيان من هو المسؤول. فإذا أرجع الضمير من دون نصب قرينة شخصية على مرجعه، فإنّ ذلك يوجب الانصراف إلى من هو حاضر بحضور نوعي في مجال هذه الروايات وهو الإمام؛ لأنّ حضور أي شخص آخر يحتاج إلى قرينة خاصة، وهي غير موجودة.
وإن شئتم قلتم: إن المرجع إن كان هو غير الإمام فهو إرجاع للضمير بنحو غير عرفي لأنّه لم ينصب عليه قرينة. وأما إذا كان هو الإمام فلعله اعتمد على قرينة نوعية وهو الظهور النوعي في أن الرجوع إلى الإمام في مجال أخذ
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) رجال النجاشي: 339، باب الميم، الرقم: 906.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الأحكام. ويكون الإطلاق قرينة على ذلك وينعقد للرواية ظهور بذلك.
وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون الإضمار متأخراً عن الراوي الأول فهذا الاسم الذي صرّح به سماعة وأسقطه الشيخ الطوسي -مثلاً- إن كان هو الإمام فهو المطلوب. وإن كان هو غير الإمام فهو غير مُحتمل لأنه يكون تدليساً وغشاً؛ لأنّه مع الحذف ينعقد للكلام ظهور في أن الرواية عن الإمام فكيف يتصرف الراوي بنحو يوجب تبديل ظهورها؟! يكون ذلك غشاً لا محالة. فيثبت أنّ المسؤول هو الإمام.
إنّ تعارض هاتين الطائفتين من تعارض الحجّة مع اللاحجّة، لكن بعكس الوجه الأول، إذ يراد هنا إسقاط الطائفة الأولى عن الحجية، فإنّها وإن اشتملت على الصحاح، لكن باعتبار إعراض المشهور(1) عنها وشهرة الفتوى بالصلاة عارياً بين المتقدمين ولم يُنقل عن أحدهم العمل بالطائفة الأولى ووجوب الصلاة في النجس تعييناً، مع أنّ هذه الروايات كانت بمرأى ومسمع منهم، فيكشف ذلك عن وجود خلل فيها، فيزول الوثوق بها.
إلّا أنّ هذا الوجه غير تامّ، فإنّه إنّما يتم فيما لو كانت تلك الروايات وحدها بدون معارض. لكن الواقع أنّ لها معارضاً وهي الطائفة الثانية، فلعلّ الفقهاء لم يعملوا بها لا لخلل في السند بل لأجل الجمع العرفي بين الطائفتين، وقد اقتضى
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) لاحظ رياض المسائل 2: 130، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات، أمّا احكامها فعشرة، التاسع من لم يتمكن من تطهير ثوبه القاه وصلّى عرياناً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الجمع العرفي الصلاة عارياً، كما عليه الشيخ الطوسي من المتقدمين والشيخ الحر من المتأخرين. فإنّهم حملوا الأولى على ما إذا لم يمكن الصلاة عارياً، وحملوا الثانية على ما إذا كان بإمكانه ذلك. ويكون معناه العمل بكلتا الطائفتين.
الجمع الذي صنعه الشيخ الطوسي(1) وهو أن تُحمل الطائفة الأولى على صورة عدم إمكان النزع والصلاة عارياً والطائفة الثانية على صورة إمكانه. وهذا الحمل يمكن أن يُبيَّن له ثلاثة تقريبات:
التقريب الأول: يصير به الجمع تبرعياً محضاً لمجرد رفع التعارض بأن يقال: إنّ كِلتيهما مطلقة تشمل صورة إمكان النزع وعدمه، ولكننا نتصرف في الإطلاقين، ونحمل كُلّاً منهما على غير مورد الآخر.
وبهذا البيان يكون الجمع واضح البطلان لأنّه بلا شاهد.
التقريب الثاني: أنّ هذا الجمع له شاهد(2)، وهو رواية الحلبي قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه غيره. قال: يصلّي فيه إذا اضطر إليه”(3).
ــــــــــ[206]ــــــــــ
(1) الإستبصار 1: 169، كتاب الطهارة، باب101، ذيل الحديث5.
(2) لاحظ فقه الشيعة4: 223، كتاب الطهارة، فصل حكم من صلّى في النجس، المسألة4.
(3) وسائل الشيعة 3: 386، كتاب الطهارة، الباب 24، الحديث 1، من لا يحضره الفقيه 1: 105 التيمم، الحديث 14.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فهذه الرواية تفصّل بين ما إذا كان المصلي مضطراً إلى لبس الثوب وبين ما إذا كان متمكناً من النزع. فتكون شاهد جمع بين الطائفتين، لأنّها بمنطوقها تقيِّد الطائفة الثانية بما إذا أمكن النزع. وبمفهومها تقيِّد الطائفة الأولى بما إذا لم يمكن النزع، والاضطرار إلى اللِّبس.
إلّاَ أنّ هذا شاهد(1) غير تامّ لا سنداً ولا دلالةً، أمّا سنداً فلورود القاسم بن محمد الذي لم يثبت توثيقه عندنا(2). وأمّا دلالةً فبما ذكره صاحب الحدائق(3) من أنّ قوله: “يصلّي فيه إذا اضطر إليه”، لا يُعلم أنه يريد الاضطرار التكويني للبرد والمرض ونحوه، أو يريد الاضطرار بلحاظ الصلاة؛ لما هو المعروف من أنّ الصلاة لا تكون إلّا في الساتر، فيصدق على من ليس له إلّا ثوب واحد نجس أنّه اضطر إلى لبسه في الصلاة، فإن لم ندّعِ أن هذا هو الظاهر، فلا أقل من الإجمال، ومعه لا تصلح الرواية أن تكون شاهد جمع بين الطائفتين.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
(1) تطرق إلى هذه المناقشة السيد الخوئي في التنقيح2: 389، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى بالنجس، المسألة 4.
(2) رجال الكشي: 452، ترجمة القاسم بن محمد، رجال النجاشي: 315، باب القاف، الرقم: 864، رجال العلامة:134، الفصل العشرون في القاف، الباب الأول القاسم، ولاحظ أيضاً: استقصاء الإعتبار3: 115، كتاب الطهارة، أبواب التيمم، باب الرجل تصيب ثوبه الجنابة.
(3) لاحظ الحدائق الناضر5: 352، كتاب الطهارة، الباب الخامس، المقصد الثاني في احكام النجاسات، البحث الثاني، المسألة السادسة الوظيفة عند تعذّر ازالة النجاسة عن البدن والثوب.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
التقريب الثالث: إنّ روايات “صلّ في الثوب النجس” مطلقة شاملة لموارد إمكان النزع وموارد عدم إمكانه لمرض ونحوه. ولكن روايات “صلّ عارياً” من الواضح أنّها غير شاملة لموارد عدم إمكان الصلاة عارياً لوضوح أنّه مع المرض أو ترتب الخطر لا يحتمل المتشرعة أنّه يجب الصلاة عارياً. وعدم الشمول لذلك لا بمخصص منفصل بل بمخصص متّصل لوضوح معلومية ذلك عند المتشرعة، ومعه تكون الطائفة الثانية أخصّ مطلقاً من الأولى، بلا حاجة إلى شاهد جمع من الخارج، وهذا أحسن التقريبات.
مناقشة مع الوجه الثالث
ولكن يرد عليه:
أولاً: إنّ حمل روايات الطائفة الأولى الآمرة بالصلاة في الثوب النجس على صورة عدم إمكان النزع لمرض ونحوه، حمل على فرد نادر وليس تقييداً عرفياً، لأن الغالب عادةً هو إمكان النزع، ولو لمدة الصلاة التي لا يتجاوز مخففها عدّة دقائق.
ثانياً: إن بعض الروايات الواردة في الطائفة الأولى لا تناسب الاضطرار وعدم إمكان النزع، كرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: “سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كله دم يصلّي فيه أو يصلّي عرياناً؟ قال: إن وجد ماء غسله وإن لم يجد ماء صلّى فيه ولم يصلِّ عرياناً”(1).
ــــــــــ[208]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1 248، باب ما يصلى فيه وما لا يصلى فيه، الحديث 744، تهذيب الأحكام 2: 224، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 92، الاستبصار 1: 169، كتاب الطهارة، الباب 101، الحديث 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فقد فرضه شخصاً عرياناً، فهو فرض شخص لا يترتب خطر على بقائه عرياناً حال الصلاة، فحملها على صورة الاضطرار حمل غير عرفي.
نعم، بقية الروايات ليس فيها صراحة في مثل ذلك، ولكنّ حملها على ذلك حمل على فرد نادر.
لا ما يقال: من أنّها صريحة في مورد إمكان النزع بدعوى أنّها ورد فيها أنّ المكلف لا يقدر على الغسل كرواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله التي قال فيها: “ولا يقدر على غسله“(1)، ولعل وجهه أن النزع أعم من الغسل، فإذا أضيف العجز إلى الأخص فهو ظاهر بأن العجز خاص به ولا يعم الأعم، فلو كان النزع غير ممكن لكان الأنسب أن يقول: لا يقدر على نزعه، مع أنه عدل عنه إلى الأخص، وهو الغسل.
وهذا الكلام لا محصّل له:
أولاً: لأنّ النسبة بين الغسل والنزع ليست هي نسبة الأخص إلى الأعم، بل هي نسبة العموم من وجه، فإنّه كما يمكن النزع بلا غسل كذلك يمكن الغسل بلا نزع.
وثانياً: أنّ النكتة في إضافة العجز إلى الغسل هي أنّه لا ماء عنده، فبيّن ذلك بلسان أنّه لا يقدر على غسله ولو بيّنه بلسان لا يقدر على نزعه لما صحّ
ــــــــــ[209]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 248، باب ما يصلى فيه وما لا يصلى فيه، الحديث 753، تهذيب الأحكام 2: 224، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 93، وسائل الشيعة 3: 484، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ذلك، فليس في هذا التعبير ما يدل على أنّ المكلّف كان يقدر على النزع والمهم هو النكتتان اللتان ذكرناهما.
إنّ كِلتا الطائفتين تكفّلت بوجود أمر، فالأولى أمر بالصلاة في الثوب النجس، والثانية أمر بالصلاة عارياً(1)، وقد قرأنا في الكفاية(2) أنّ مقتضى إطلاق الأمر أن يكون تعيينياً، إذ لو كان تخييرياً، لاحتاج إلى قيد، فيتعارض إطلاق الأمر بالصلاة بالنجس المقتضي للتعيينية مع إطلاق الأمر بالصلاة عارياً المقتضي للتعيينية، لأنّنا لا نحتمل وجود أمرين تعيينيين. ولكن توجد قرينة على رفع اليد عن كِلا الإطلاقين وهو (نصُّ الآخر)، فإنّ لكل من الأمرين جنبتين:
جنبة نصوصية وهي أن هذا الوجوب ثابت في الجملة.
وجنبة كون الوجوب تعيينياً.
والجنبة الأولى ثابتة بالنص والثانية بالإطلاق، فنرفع اليد عن إطلاق كل منهما بنصوصية الآخر، فيثبت وجوبان تخييريان، وهذا جمع ادُّعِيَ كونه عرفياً في سائر الموارد المماثلة لمحل الكلام.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 391، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 4.
(2) كفاية الأصول: 76: المقصد الأول في الأوامر، الفصل الثاني فيما يتعلق بصيغة الأمر، المبحث السادس إطلاق الصيغة تقتضي التعيين.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
مناقشة مع الوجه الرابع
وقد استُشكِل(1) في هذا الجمع بأنّه إنّما يكون صحيحاً حيث يكون الوجوب التخييري معقولاً، وأما حيث لا يُعقَل فلا، فلو ورد صلِّ الظهر وورد صلِّ الجمعة ونحن لا نحتمل الوجوبين التعيينيين، أمكن رفع اليد عن إطلاق كل منهما المقتضي للتعيينية بنصوصية الآخر في كونه واجباً في الجملة. فنقول بالتخيير لأنّ الوجوب التخييري معقول.
لكن الوجوب التخييري في المقام غير معقول: إذ ما معنى وجوب أحد الأمرين إمّا الصلاة عارياً أو الصلاة في النجس، فإن مرجعه إلى وجوب أحد النقيضين: النزع وعدمه، وهذا لا محالة يصدر من المكلف ولا معنى للوجوب التخييري في المقام.
وأُجيبَ بأنَّ الطائفة الثانية لو كان متعلّق الأمر فيها مجرد الصلاة عارياً لكان الإشكال وارداً، لكن متعلّقه هو التعرّي المقيَّد بالإيماء، وهذا لا محالة ضدّ للصلاة في الثوب النجس، ولهما ثالث وهو الصلاة عارياً راكعاً ساجداً. ومعه يُعقَل الوجوب التخييري.
ــــــــــ[211]ــــــــــ
() لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 391، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 4 نسب السيّد الخوئي الإشكال المذكور في المتن إلى أستاذه الميرزا النائيني فوائد الأصول2: 372، مسألة الترتب، الأمر الثاني من التنبيهات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إلّا أنّ هذا الجمع غير صحيح لكلمتين:
الكلمة الأولى: أننا نرى أساساً أن الجمع بين أمرين بحمل كلّ منهما على التخيير بقرينة نصوصية الآخر، عندنا أنه حمل تبرعي غير عرفي، ونكتته موكولة إلى علم الأصول.
الكلمة الثانية: أنّه لو فرضناه جمعاً عرفياً، فإنّنا نتصوره فيما لو كان جمعاً بين أمرين مثل (صلّ الظهر) و(صلّ الجمعة)، لا فيما إذا ورد: صلِّ الظهر وورد صلِّ الجمعة ولا تصلِّ الظهر. بحيث يكون عندنا أمر بالظهر ونهي عنها، فإنّه يكون بابه باب التعارض لا التخيير؛ لأنّ التخيير لا يستدعي النهي عن الآخر.
ومقامنا من هذا القبيل؛ فإن صحيحة علي بن جعفر تقول: “صلّى فيه ولم يصلِّ عرياناً”(1)، فيكون عندنا أمر ونهي عن التعرّي، فلا يمكن التوصّل إلى التخيير.
وهذا الكلام يمكن المناقشة فيه بأن ندّعي: أن قوله: “ولم يصلِّ عرياناً” نهي في مورد توهم الوجوب، وهو لا ينعقد له ظهور في المنع ليستحيل الجمع بين الروايتين بالحمل على التخيير، بل يكون على الأقل مجملاً ومحتملاً كونه لبيان الرخصة، فنبقى نحن وأمر (صلِّ في النجس) وأمر (صلِّ عارياً) ، فقد يتجه هذا الجمع العرفي.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 248، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه، الحديث 755، تهذيب الأحكام 2: 224، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 92، الاستبصار 1: 169، كتاب الطهارة، الباب 101، الحديث 4، وسائل الشيعة 3: 485، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وقد يقال(1) في المقام أنّه يمكن الجواب على هذا الإشكال بدعوى: أنّ (لا تصلِّ عرياناً) وإن فرض ظهوره بالمنع الحقيقي لكن فليُحمَل على الكراهة، ولا منافاة بين الكراهة والتخيير. فإنّ التخيير مرجعه إلى وجوب أحد الفردين أو الجامع بينهما، ولا محذور في أن يكون الجامع واجباً وأحد فرديه مكروهاً.
وبذلك نُعمل عنايتين:
العناية الأولى: الحمل على التخيير بحمل إطلاق كل منهما على نص الآخر.
العناية الثانية: الحمل على الكراهية.
إلَّا أنّ هذا الكلام في غير محلّه، لأنّ فرض أنّ الصلاة عرياناً يكون مكروهاً لا يناسب عرفاً فرض كون الإمام في مقام تشخيص الوظيفة في الطائفة الثانية. فإنّ اقتصاره على بيان المكروه وهو التعرّي مع أنّه على خلاف طبع المصلّي في نفسه، فالاقتصار على هذا الفرد بالخصوص إن لم يدل على كونه هو الواجب تعييناً فلا أقل من كونه ليس مكروهاً.
والمهم في إبطال هذا الجمع العرفي -مضافاً إلى ما قلناه من أنّ كبرى هذا الجمع العرفي بالحمل على التخييرية غير صحيحة-: هو أنّ الطائفة الثانية التي تأمر بالصلاة عرياناً ظاهرة في عدم جواز الصلاة في الثوب النجس. فلا يمكن الحمل على التخيير.
توضيحه: أنّ المكلّف ابتُلِيَ بواقعة وهي أنّ ثوبه انحصر بالنجس بحيث لا طريق له إلى الصلاة مع الطهارة إلّا بنزعه. ومن الواضح أنّ مقتضى طبع
ــــــــــ[213]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 226، كتاب الطهارة، فصل حكم من صلّى في النجس، المسألة 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المكلّف المتعارف هو أن يصلّي في ثوبه ولا ينزعه، فلو كان المكلّف محرزاً لجواز الصلاة في الثوب النجس لصلّى فيه ولما خطر له التعرّي. فمجيئه للسؤال ظاهر عرفاً في أنّه يستشكل في أصل الصلاة في هذا الثوب، لاحتمال أن تكون شرطية الطهارة على حالها. فينعقد لكلام السائل ظهور في أنّه يسأل عن جواز هذه الصورة وعدمه.
وقد أجاب الإمام: انزع الثوب وصلِّ عرياناً، وهو في مقام الجواب على مثل هذا السؤال ظاهر بعدم جواز الصلاة في النجس.
ومعه لا يمكن الحمل على التخيير، وبه يظهر الفرق بين هذا المورد وبين موارد الحمل على التخيير.
إذن فالتعارض بين الطائفتين مستحكم وهذا الوجه غير تامّ.
أن يقال(1): إنّ التعارض مستحكم بين الطائفتين، ولكن يوجد جمع عرفي من ناحية أخرى يجعل الطائفة الثانية أخص من الأولى فتخصّصها.
لأنّ روايات الطائفة الثانية التي تأمر بالصلاة عرياناً ثلاث روايات وكلها مشتركة بنكتة وهي أنّها تفترض أن يكون الرجل في الفلاة، فيدعى أن ذلك باعتبار خصوصية الفلاة، وهي أن يكون الإنسان وحده.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
(1) لاحظ مستمسك العروة 5: 397، كتاب الصلاة، فصل في شرائط لباس المصلّي، الشرط السادس، المسألة 43.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أمّا الطائفة الأولى فمطلقة من حيث الفلاة، فتقيَّد بالطائفة الثانية، فينتج التفصيل بين ما إذا كان في فلاة وما إذا كان في غيرها، فإن كان في فلاة صلّى عرياناً وإن كان في غيرها صلّى في الثوب النجس.
وهذا الجمع وإن كانت دعواه أقرب من سابقتها ولكن لا يمكن التعويل عليه؛ لأنّ المتبادر عرفاً من خصوصية الفلاة أن فرضها هو فرض عدم إمكان التطهير لأنّها ليس فيها ماء، وليس فرض الفلاة هو فرض الوحدة والعزلة؛ لأنّ الفرد قد يكون في الفلاة مع قافلة. فهذا الجمع غير تام.
هو التساقط بين الطائفتين ونرجع إلى مقتضى القواعد، وذلك: أنّه عندنا دليل يدلّ على شرطية الطهارة ودليل يدلّ على شرطية الستر. ونحن بين أمرين: إمّا أن نرفع اليد عن دليل شرطية الطهارة فيصلّي بالنجس أو أن نرفع اليد عن دليل شرطية التستر فيصلّي عارياً. ومعه فتنتقل المعارضة إلى هذين الدليلين، فيتعارض إطلاقهما ويكون الجمع بين الدليلين غير ممكن.
وحين ننظر إلى هذين الدليلين نرى أنّ أحدهما له إطلاق لمحل الكلام، وهو دليل شرطية الطهارة “لا صلاة إلّا بطهور” فإنه يشمل محل الكلام، وأمّا دليل شرطية التستر فليس فيه إطلاق للمورد لأن دليله إنّما هو الروايات، وكلّها واردة في مقام بيان خصوصيات التستر وأنحائه، ولا توجد رواية تقول: لا صلاة إلّا بساتر. ومعه يؤخذ بدليل شرطية الطهارة، فيتعين الصلاة عارياً تحفظاً على الطهارة.
ــــــــــ[215]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وهذا الوجه صحيح في نفسه، لكنه إنما يتم فيما إذا احتملنا أن الوظيفة هي الصلاة عارياً مع الركوع والسجود. ولكن لم يفتِ أحد من الفقهاء بوجوب ذلك، وإنما أفتى من أفتى بالصلاة عارياً مع الإيماء، كما هو المطابق للروايات، فالأمر دائر بين الصلاة في النجس أو الصلاة عارياً مع الإيماء للركوع والسجود. إذن فطرف المعارضة مع دليل شرطية الطهارة ليس هو دليل شرطية التستر فقط بل دليل الركوع والسجود أيضاً. ولا إشكال أنّ دليل وجوب الركوع والسجود له إطلاق لمحل الكلام.
إذن فيتساقطان، وتنتهي النوبة إلى الأصول العملية ومقتضاها هو التخيير، بجريانالبراءة عن التعيين في كل منهما.
هذا تمام الكلام في هذه المسألة.
الصورة الأولى(1) إذا انحصر ثوبه في النجس، ولا يتمكن من نزعه والصلاة عارياً فهو إما أن يصلّي في النجس أو أن لا يصلّي أصلاً.
وتحقيق الحال في ذلك:
أنَّنا إذا بنينا في الفرع السابق(2) على وجوب الصلاة في النجس بمقتضى
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) وهذه هي الصورة الأولى التي تقدمتها الصورة الثانية في البحث. ص200.
(2) المقصود الصورة الثانية التي تقدّمت في البحث.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الروايات الآمرة به، فلا إشكال في المقام في التمسك بإطلاق تلك الروايات ولا نحتاج إلى أي مؤونة زائدة في إثبات حكم الصورة الأولى.
وإذا كنّا بنينا في المقام السابق على الوجوب التخييري جمعاً بين الروايات
-مثلاً- فأيضاً يتعين الالتزام بالصلاة في الثوب النجس بنفس المدرَك السابق بلا حاجة إلى مؤونة زائدة، لأن المتحصَّل من كلتا الطائفتين من الروايات هو الوجوب التخييري أي وجوب الجامع بين الصلاة عارياً والصلاة في النجس.
وفي هذا الفرع يفرض أنّه لا يتمكن من أحد فردَي الجامع، فينحصر أمره في الفرد الآخر، فتكون وظيفته الفعلية هي الصلاة في النجس.
وإذا بنينا في الفرع السابق على التخيير من باب تساقط الطائفتين والرجوع إلى البراءة عن التعيينية، وتساقط دليل شرطية الطهارة مع دليل شرطية الستر، فيتعين أيضاً الصلاة في النجس بلا حاجة إلى مؤونة استدلالية زائدة لأن المفروض أن دليل شرطية الطهارة قد سقط ومعه لا يبقى محذور في الصلاة في النجس، فإطلاق دليل وجوب الصلاة لم يقيَّد بالطهارة في هذا الحال، فيجب عليه أصل الصلاة بدون طهارة.
وإذا كنّا نبني على تقدّم الروايات الدالّة على الصلاة عارياً على الروايات الدالّة على الصلاة في النجس إما جمعاً أو طرحاً، فنحتاج حينئذٍ إلى استئناف كلامٍ في أنّ من لا يتمكن من الصلاة عارياً ما هو تكليفه.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وعليه يقال: بأنّ الروايات الآمرة بالصلاة عارياً:
تارةً يُقال: إنّها مخصوصة بالمتمكن من التعرّي ولا تشمل العاجز لأنّها دالة على الوظيفة الفعلية وهي خاصة بالقادر، ومعه لا يبقى بالنسبة إلى العاجز عن التعرّي دليل أصلاً على وجوب الطهارة؛ لأنّ دليلها إنما هو الروايات الآمرة بالصلاة عارياً، وقد فرض عدم شمولها له. فيبقى هو وإطلاقات أدلة شرطية الطهارة.
وأخرى يُقال: إنّ هذه الروايات تشمل حتى العاجز؛ لأنّها في مقام بيان شرطية الطهارة، ودليل الشرطية لا يختص بخصوص القادر بل يشمل العاجز أيضاً، فهذا المؤمن يواجه دليلاً على شرطية الطهارة أما الدليل العام أو الدليل الخاص.
وحينئذٍ فمقتضى إطلاق الدليل سقوط الصلاة رأساً لأنّه لا يتمكّن من الطهارة، وحينئذٍ يؤتى هنا بقاعدة الميسور، وهي وإن لم تكن تامّة في كل الواجبات، ولكن هي تامّة في خصوص باب الصلاة بلا إشكال ارتكازاً ونصّاً وفتوىً، مضافاَ إلى قاعدة (الصلاة لا تسقط بحالٍ) وأنّ أي جزء أو شرط تعذّر فإنّه هو الذي يسقط، وأما أصل الصلاة فتبقى على حالها. بل إنّ عليها دليلاً أخصّ في خصوص الطهارة الخبثية فإنّ الروايات الواردة في المسلوس والمبطون والتي تأمره بالصلاة مع أنه مبتلٍ بالنجاسة الخبثية… دليل على إسقاط الشرطية ومعه فيجب عليه الصلاة في النجس.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بقي الكلام في شيء: وهو أنّ الصلاة في النجس -إمّا بلحاظ روايات الصلاة في النجس أو بقاعدة الميسور- هل تكون مشرعةً بمجرّد التعذّر حدوثاً، أو بشرط استيعاب التعذّر لتمام الوقت؟ الصحيح هو الثاني؛ لأنّ حدوث مشروعية الصلاة في النجس:
إن كان هو قاعدة الميسور فمن الواضح أنّها إنَّما تجري فيما إذا تعسّر الواجب الأولي، وهو إنما هو يتعسّر إذا تعذّرت الطهارة في تمام الوقت.
وإن كان المدرَك هو الروايات الآمرة بالصلاة في النجس، فالأمر أيضاً كذلك، لأنّ ظهورها في أنها في مقام جعل البدل يوجب الانصراف عرفاً إلى ما إذا كانت تمام أفراده متعذّرة طولية وعرضية.
نعم، لو شكّ في أول الوقت أنّ تعذّره هل يستوعب تمام الوقت أو لا، فله أن يجري استصحاب بقاء التعذّر ويصلّي، ولكن لو انكشف أنّه غير مستمر إلى آخر الوقت، فإنّه ينكشف خطأ الاستصحاب.
ومن هنا ينفتح الكلام الذي أشار إليه الماتن أنّه لو صلّى بالاستصحاب وارتفع التعذّر، فهل يجب عليه الإعادة أو لا؟ مقتضى القاعدة الأولية وجوب الإعادة عليه؛ لأنّ دليل الصلاة بالنجس مخصوص بمن استمرّ عذره في الوقت كله، وهذا الفرد ارتفع عذره في أثناء الوقت.
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
نعم، لو قلنا: إنّ قاعدة “لا تعاد“(1) يُراد من الطهور فيها خصوص الطهارة الحدثية ولا تشمل الخبثية، فيمكن أن نتمسّك بقاعدة “لا تعاد“ لعدم وجوب إعادة هذه الصلاة؛ لأنّه أتى بها بدون طهارة خبثية لا عن عمد وعلم. ولكننا بيّنا أنّها لا تشمل مورد الإخلال بالطهارة الخبثية لاحتمال دخوله في المستثنى فيكون المستثنى منه مجملاً. ومعه فمقتضى القاعدة الأولية وجوب الإعادة.
ومما يؤكّد القاعدة الأولية رواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله أنّه سئل عن رجل ليس معه إلّا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع، قال: “يتيمّم ويصلّي فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة”(2).
فإنها تكون مؤكّدةً لمقتضى القاعدة على مسلكنا.
نعم، بناءً على مسلك من يرى جريان قاعدة (لا تعاد) في المقام قد يقال: إنّها تكون مخصّصة لقاعدة (لا تعاد). إلّا أنّ بعضهم ناقش في هذه المخصّصية بدعوى أن الأمر بالإعادة في الرواية لم يعلم أنّه كان من أجل نجاسة الثوب أو من أجل التيمم. و(لا تعاد) إنما تنفي الأمر بالإعادة من ناحية الخبث لا من ناحية الحدث، فلم يُعلم أنها منافية لـ(لا تعاد) حتى تكون مخصِّصة لها. إلّا أنّ ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) لاحظ القواعد الفقهية (البجنوردي) 1: 77، قاعدة لا تعاد.
(2) التهذيب 1: 407، كتاب الطهارة، باب20، حديث 17، الإستبصار 1: 169، كتاب الطهارة، باب101، حديث:6، الوسائل 3: 392، باب30 من أبواب التيمم، حديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
هذه المناقشة غير تامّة لأنّ قوله في مقام الجواب: “غسله وأعاد الصلاة” ظاهر عرفاً بأن الإعادة بلحاظ الغَسْل لا بلحاظ التيمم، فإنّه لم يقل: توضأ وأعاد.
هذا تمام الكلام في هذه المسألة.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرّر الصلاة وإن لم يتمكّن إلّا من صلاة واحدة يصلّي في أحدهما لا عارياً والأحوط القضاء خارج الوقت في الآخر أيضاً إن أمكن وإلاّ عارياً(1).
هذه المسألة تنحّل إلى فرعين:
الأول: أنّه إذا كان يتمكّن من الصلاة فيهما معاً.
الثاني: أنّه كان لا يتمكّن من الصلاة إلّا في أحدهما.
إنّه كان يعلم أن أحد الثوبين نجس وكان يتمكّن من الصلاة فيهما معاً، الكلام يقع في مقامين:
الأوَّل: في تشخيص مقتضى القاعدة. والثاني: في تشخيص الحكم بلحاظ النص الخاصّ.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
(1) المسألة الخامسة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 98.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الكلام في ذلك له تقديران؛ لأنّ الصلاة في النجس:
تارةً يُقال: إنّها باطلة فقط بمعنى أنها حرام بالحرمة التشريعية.
وأخرى يُقال: إنّها حرام بالحرمة الذاتية.
أمّا على التقدير الأول: إن الصلاة في النجس ليست حراماً ذاتاً بل حرام تشريعاً، فهنا حالتان:
الأولى: أن يفرض تمكُّن المكلّف من أن يغسل أحد هذين الثوبين.
والثانية: أنه ليس عنده ماء أصلاً.
فهنا لا إشكال على القاعدة، أنّه لو غسل أحدهما وصلّى فيه، فلا إشكال في صحة صلاته لأنّها صلاة بثوب طاهر فعلاً، كما لا إشكال في عدم جواز الاكتفاء بالصلاة عارياً لأنها مخالفة قطعية لوجوب التستر، ولا الصلاة في أحد الثوبين؛ لأنّه لا مؤمِّن عن نجاسة الثوب بعد تنجيز العلم الإجمالي.
وإنما الإشكال في أنه لو أراد -بدلاً عن غسل أحد الثوبين- أن يكرّر الصلاة في كِلا الثوبين فهل يجزي ذلك وتصح هذه الصلاة أو لا؟
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وما قد يتوهّم(1) كونه منشأً لعدم الجواز أحد تقريبين:
التقريب الأول: توهُّم عدم جواز الصلاة في الثوبين
توضيحه: أنّه يوجد في باب التعبد ثلاثة أمور:
قصد القربة: وهو الإتيان به من أجل الله تعالى.
وقصد الوجه: وهو الإتيان به باعتبار وجوبه.
والتمييز: وهو أن أعرف أنّ الفعل الذي يؤتى به هو هذا لا ذاك.
فلو صلّى في الثوبين فقصد القربة وقصد الوجه محفوظ منه لأنّه يأتي بما هو الواجب باعتبار وجوبه، وإنما يختل منه التمييز، فإنّه لا يميّز أن الصلاة التي وقعت في الثوب الطاهر هل هي هذه أو تلك؟ فيقال: إنه عمل باطل ويجب عليه أن يغسل الثوب ليحصل له التمييز في العمل.
إلّا أن التمييز غير معتبر؛ لأنّ اعتباره إما بدعوى وجود دليل عليه، فمن الواضح أنه لا يوجد عليه دليل، وإما لأصالة الاشتغال، لأنه يحتمل أن يكون التمييز معتبراً في الواجب، وهو من الشرائط الدخيلة في باب التعبد التي تكون معتبرةً بحكم العقل لا بحكم الشرع، فتجري أصالة الاشتغال ولا يمكنه إجراء البراءة، كما في الأجزاء الشرعية.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 393، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى بالنجس، المسألة5، وفقه الشيعة 4: 228، كتاب الطهارة، فصل حكم من صلّى في النجس، المسألة 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وجهان يردان على التقريب الأوَّل
فيرد عليه وجهان:
الوجه الأوّل: أنه يتمسّك بإطلاق دليل وجوب الصلاة، بناءً على أنه موضوع للأعم، لنفي وجوب التمييز، لأنّه غير داخل في المسمى.
وهذا المطلب فيه تفصيل، وحاصله: أنّ التمييز الذي نحتمل اعتباره تارةً يكون بمعنى تمييز ذات الصلاة الواقعة في الثوب الطاهر، وأخرى بمعنى تمييز الواجب بما هو واجب.
فإن كان التمييز المحتمل اعتباره هو الأوّل، فهو قيد من القيود الأولية المفروضة قبل الخطاب كالتستر والاستقبال، فيكون الخطاب نافياً له.
وإن كان التمييز هو الثاني، فهل يجوز التمسك بإطلاق الخطاب أو لا؟
وبحثه في مبحث التعبّدي والتوصّلي(1)، فإن كان هناك في القيود المتفرعة عن الواجب يمكن أن نتمسك بإطلاق الخطاب فنتمسّك، وإن قلنا: إنّ القيود التي تكون كذلك في طول الخطاب فلا يمكن التمسك.
الوجه الثاني(2): أنّنا نتمسّك بالإطلاق المقامي بأن يقال: إن الإطلاق اللفظي وإن لم يكن ممكناً باعتبار أنّ التمييز من القيود المتفرّعة على الخطاب،
ــــــــــ[225]ــــــــــ
(1) لاحظ محاضرات في علم اصول الفقه (الصدر) ج3، بحث الواجب التعبدي والتوصّلي.
(2) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 393، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى بالنجس، المسألة 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ولكن كان في إمكان المولى التنبيه عليه بعبارة مستقلة وحيث إنّ التمييز مما يغفل عنه الناس لكان اللازم التنبيه عليه.
ولو تنزلنا عن هذا الوجه فأصالة البراءة تقتضي عدم اعتبار التمييز لما قلناه في محله، من أنها لا تختص في القيود السابقة على الخطاب، بل تجري حتى في القيود التي تكون في طوله، إذن فالتقريب الأول غير تام.
التقريب الثاني: تكرار الصلاة امتثال اجمالي وهو لعب بأمر مولويٍّ
إنّ أمر المكلف يدور بين أن يغسل ثوبه ويصلّي فيكون امتثاله تفصيلياً، أو يكرر الصلاة، فيكون امتثاله إجمالياً، ويدّعي أنّه كلما تمكن المكلّف من الامتثال التفصيلي، يكون عدوله إلى الإجمالي لعباً ولهواً فلا ينطبق عليه عنوان الطاعة للمولى.
وهذا البيان لا يرد عليه التمسك بالإطلاق أو بأصالة البراءة؛ لأنّه لا يريد اعتبار قيد زائد في الواجب لأن عنوان الطاعة أمر لا إشكال في اعتباره ولا معنى لنفيه، وإنما صاحب هذا البيان يناقش في الصغرى وإن عنوان الطاعة لا ينطبق على الامتثال الإجمالي.
فينحصر جوابه: بأنّه ليس كذلك، وإن الامتثال الإجمالي لا يكون لعباً بأمر المولى، إذا لم يكن بداعي السخرية، فينطبق عليه عنوان الطاعة، كما لو كان غسل الثوب عليه أشق من التكرار. ومنه تبيّن أن صلاته المكرّرة مجزية بلا إشكال.
التقريب الثاني من الحالة الأولى لا يرد، لأنه غير قادر على الامتثال
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
التفصيلي فلا يكون عدوله إلى الامتثال الإجمالي لعباً بأمر المولى.
وأمّا التقريب الأوَّل وهو اعتبار التمييز، فيأتي بهذا البيان: وهو أنّ التمييز بعد فرض كونه معتبراً يدور الأمر في هذا المكلّف الذي لا يستطيع أن يأتي بجميع الأجزاء، والشرائط بما فيه الستر وطهارة الثوب مع التمييز.
إلّاَ أنّ اعتبار التمييز لا دليل عليه، بل هناك دليل على عدم اعتباره.
وهنا دليل زائد على عدم اعتباره -مضافاً إلى الإطلاقات السابقة- وهو إطلاق دليل شرطية الطهارة ودليل شرطية الساتر، فإنّ اعتبار التمييز يتوقف على أن يرفع المولى يده عن شرطية الطهارة أو الستر، وأمّا إذا لم يرفع يده فاعتبار التمييز غير معقول، فنفس إطلاق هذين الدليلين يكون دليلاً على عدم اعتبار التمييز. فلا يقع من ناحية اعتبار التمييز محذور عن إيقاع الصلاة بهذا النحو.
ذكر السيّد الأستاذ(1) أنّه لو كان قصد الوجه والتمييز فلا يمكن الالتزام بصحة هذه الصلاة، بل يتعيّن رفع اليد عن التمييز، وإبقاء الأجزاء والشرائط. فإنّه في طولها، لأنّه تمييز للواجب بما له من الأجزاء والشرائط، فإذا دار الأمر بينهما يتعيّن التحفظ على الأجزاء والشرائط الأولية.
فرض تمامية الدليل على التمييز وتأثيره
إذا فرض أنّه تم الدليل على التمييز في الحالة الأولى، فماذا يؤثر في الحالة الثانية؟
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 393، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى بالنجس، المسألة 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فهنا موقفان:
الموقف الأوَّل: للسيد الأستاذ
موقف السيّد الأستاذ أنّه لا بدّ من رفع اليد عن التمييز تحفظاً على الشرائط الأولية، لأن التمييز في طول هذه الشرائط. فلا معنى لأن يصير منشأ لرفع اليد عن بعضها. وهذا لا يمكن المساعدة عليه كأنه خُيّل فيه أن الباب باب التزاحم، وأن الأجزاء والشرائط الأولية ثابتة بحسب عالم جعلها، والتمييز ثابت في عالم جعله، ويدور حال المكلف بينهما، ومعه يكون التمييز هو المتعيّن للتعذر دون الشرائط والأجزاء الأولية الأخرى.
إلّا أنّ المقام ليس من باب التزاحم بل هو من باب التعارض، لأنّنا لسنا أمام وجوبين، بل أمام وجوب واحد، وهو وجوب الصلاة، المركّبة من عدّة شرائط وأجزاء بما فيها التستر والطهارة والتمييز، فمقتضى الجمع بين أدلتها تحصيل وجوب واحد ارتباطي متعلّق بالصلاة الواجدة لهذه الأمور الثلاثة ومن الواضح أن هذا المركّب متعذّر، فوجوبه ساقط لا محالة، فيُعلم بكذب أحد هذه الأدلة، وأنّ بعض هذه الوجوبات غير ثابت.
ونحن نعلم أن المولى لم يرفع يده عن وجوب الصلاة، بل حكم بوجوب الناقص، لكن هل رفع يده عن شرطية الطهارة والتستر، أو عن شرطية التمييز فلا يبقى فرق بين أدلة هذه الأمور؟
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الموقف الثاني: لابن إدريس
الموقف الثاني الذي وقفه ابن إدريس الحلّي، حيث أفتى بوجوب الصلاة عارياً(1).
وهذا لا يكفي فيه مجرد القول باعتبار التمييز؛ لأنّ كون الوظيفة هي الصلاة عارياً يحتاج إلى دليل، ومجرد اعتبار التمييز لا يوجبه، إلّا بضمّ مطلبين:
المطلب الأوَّل: أنّ التمييز في نظر المولى أهم من الطهارة والساتر معاً بحيث يرفع اليد عنهما من أجله عند دوران الأمر بينهما.
المطلب الثاني: أنّ الطهارة أهم عنده من الساتر، بقرينة الروايات التي دلّت على الصلاة عارياً مع وجود الثوب النجس، لو أخذ بها، إلّا أنه دون إثبات كل ذلك خرط القتاد، كما هو واضح. وأصل قيام دليل على اعتبار التمييز كان مجرد افتراض أيضاً.
فقد تلخّص أنّ مقتضى القاعدة صحّة الصلاة في الثوبين المشتبهين بنحو التكرار، بل تعيّنه.
هذا كلّه على التقدير الأول، وهو أنّ الصلاة في الثوب النجس حراماً تشريعاً.
ــــــــــ[229]ــــــــــ
(1) السرائر 1: 184ـ 185، كتاب الطهارة، باب تطهير الثياب من النجاسات قال: “أذا حصل معه ثوبان، أحدهما نجس والآخر طاهر، ولم يتميّز له الطاهر، ولا يتمكّن من غسل أحدهما… قال بعض منهم: ينزعهما ويصلّي عرياناً، وهذا الذي يقوى في نفسي، وبه أُفتي”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأمّا على التقدير الثاني: وهو أنّ الصلاة في الثوب النجس حرام بالحرمة النفسية الذاتية كالكذب:
فمرجعه إلى احتمال كون الصلاة في هذا الثوب حراماً باعتبار كونه نجساً أو واجباً مع كون صلاة في الواجب.
فإن كان من الممكن غسل أحد الثوبين، فلا إشكال في وجوبه، ولا يجوز له أن يصلّي في الثوبين بنحو التكرار، لأنّه يوجد عنده تكليفان إلزاميان: وجوب الصلاة في الطاهر، وحرمة الصلاة في النجس، ويمكنه امتثالهما بغسل أحد الثوبين، وأما لو لم يغسل وصلّى في الثوبين فيكون قد امتثل أحد التكليفين وعصـى الآخر فيتعين عليه حفظاً لكليهما في مقام الامتثال أن يغسل أحد الثوبين ويُصلّي فيه.
وأما لو لم يكن متمكّناً من غسل أحد الثوبين فيتشكل عنده علمان إجماليان:
1- علم بوجوب الصلاة في أحد الثوبين.
2- وعلم بحرمة الصلاة في أحدهما.
ومن الواضح أن وجوب الموافقة القطعية لأيٍّ من هذين العلمين توجب عصيان الآخر رأساً.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وقد ذكر السيّد الأستاذ(1) أوَّلاً: أنّه يقع التزاحم بين التكليف بوجوب الصلاة في الطاهر والتكليف بحرمتها في النجس.
فإن فرض أنّ خطاب الوجوب كان أهم ملاكاً بكثير بحيث إنّ المولى لا يرضى بتفويته ولو احتمالاً لأجل حفظ الآخر في الامتثال، فيتقدّم.
وإن فرض أنّ الثاني أهم بهذا النحو فيتقدّم فيجتنب كِلا الثوبين، ولو أدى إلى المخالفة القطعية للوجوب.
ثمَّ ذكر ثانياً: أنّ هذا المورد ليس من موارد التقديم بالأهمية؛ لأنّه إنّما يكون في المتزاحمين المشروطين بالقدرة، العقلية، وأما إذا كان أحدهما مشروطاً بالقدرة الشرعية، والآخر بالقدرة العقلية، قدّم المشروط بالقدرة العقلية، بدون نظر إلى الأهمية، ومقامنا من هذا القبيل، فإن وجوب الصلاة في الثوب الطاهر باعتبار وجود دليل على البدل، وهو أنّه إذا لم يكن قادراً على الثوب الطاهر فليصلِّ عارياً، وأمّا خطاب: “لا تصلِّ في النجس” فالقدرة فيه عقلية.
وبتعبير آخر خطاب الوجوب له بدل وخطاب الحرمة ليس له بدل، فيقدّم ما ليس له بدل على ما له بدل ولنا في المقام كلامان.
حول أصل دعوى أنّ المقام من باب التزاحم، فإنّها مما لا يمكن المساعدة عليها.
ــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 394ـ 395، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى بالنجس، المسألة 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فإن التحقيق إنه لا يتعقل التزاحم بين التكليفين المفروضين، فإنّه إمّا أن يدّعى قيام التزاحم بين التكليفين الواقعيين في أنفسهما، وهما (وجوب الصلاة في الثوب الطاهر) و(حرمتها في النجس)، وإمّا أن يدّعى وقوعه بين وجوب الموافقة القطعية لأحد التكليفين مع التكليف الآخر.
وبتعبير آخر: إنّ طرف المزاحمة مع حرمة الصلاة في النجس إما هو الوجوب الواقعي للصلاة في الثوب الطاهر، أو هو وجوب الموافقة القطعية لهذا الوجوب.
فإن ادّعى الأول، فهو واضح، لأنّ التزاحم بين خطابين معناه أن المكلّف غير قادر على كِلا الامتثالين والجمع بين المتعلّقين، بأن يكون له قدرة واحدة مع وجود أمرين لازمين.
وفي المقام المكلّف قادر على أن يصلّي في الثوب الطاهر وأن لا يصلّي في الثوب النجس. نعم لا يستطيع أن يحرز ذلك. فإنه لو صلّى صدفةً في الثوب الطاهر واقعاً فقط أطاع كِلا التكليفين. إذن فالتكليفان غير متزاحمين.
ولهذا لا يكون طلب الخطابين في حقّه تكليفاً بغير المقدور بينما في موارد التزاحم، لو بقي الخطابان على فعليتهما كان تكليفاً بغير المقدور.
وإن ادَّعى الثاني وهو أنّ طرف المزاحمة مع خطاب (لا تصلّ) في النجس، هو وجوب الموافقة القطعية لخطاب (صلّ في الطاهر)، فإنّه معلوم بالعلم الإجمالي وهو يستدعي وجوب الموافقة القطعية بالإتيان بكلتا الصلاتين. فوجوب الموافقة القطعية يورّطه بالوقوع في الصلاة في الثوب النجس الحرام.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
هذا أيضاً غير صحيح، لأنّنا إذا لاحظنا خطاب حرمة الصلاة في النجس، مع وجوب الموافقة القطعية نرى بينهما تعارضاً لا تزاحماً، لأنّ وجوب الموافقة القطعية هو وجوب الصلاة في كِلا الثوبين بما فيه النجس. ومن المعلوم أن هذا معارض لحرمة الصلاة في النجس؛ لأن متعلقهما واحد، ويستحيل جعلهما من قِبلَ المولى.
وحينئذٍ: فإن فرض أننا كنا نعلم أنّ وجوب الصلاة في الثوب الطاهر لو كان ملاكه موجوداً في الحالة الحاضرة لكان يستدعي وجوب الموافقة القطعية؛ لأن ملاكه أعلائي مهم. إذن يحصل التعارض بين الدليلين؛ لأنّ دليل (صَلِّ في الثوب الطاهر) يدل بالمطابقة على أنّ الصلاة في الثوب الطاهر واجبة خطاباً وملاكاً في الوقت الحاضر، ويدل بالالتزام على وجوب الموافقة القطعية؛ للعلم بأهمية الملاك من الخارج، ووجوبها ينافي دليل (لا تُصَلِّ في النجس)، ينافيه بحسب عالم الجعل، فيحصل تعارض بين الدلالة الالتزامية لأحدهما والدليل الآخر، ولابدّ أن يطبّق عليهما قواعد باب بالتعارض.
وأما لو لم نعلم من الخارج أهمية الملاك وأن اهتمام المولى به بأي مقدار، فكل من الدليلين يدل بالمطابقة على مضمونه، ولا يدل بالالتزام على وجوب الموافقة القطعية، فيصير وجوبها من باب حكم العقل وأصالة الاشتغال حيث لا يوجد مُؤمِّن في أحد الطرفين.
ومعه فمقتضى الصناعة أنّ كُلّاً من الدليلين يكون موجباً لنفي الموافقة القطعية للآخر، لأنّ الموافقة لكل منهما تُعارض الموافقة للآخر، فكل من الخطابين يكون دليلاً على أنّه لا تجب الموافقة القطعية للآخر، والترخيص
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بالمخالفة الاحتمالية له، فيكتفي بالموافقة الاحتمالية لكل منهما، فيصلي في أحد الثوبين ويترك الآخر؛ لأنّ وجوب الموافقة القطعية إنما كان لعدم المؤمِّن الشرعي، وقد وجد هذا المؤمِّن، وهو الدلالة الالتزامية في الخطاب الآخر.
ثمَّ لو فرض أنّ المقام من باب التزاحم وأريد تطبيق قواعده. فقد أفيد في المقام أنّه يقدّم دليل حرمة الصلاة في النجس على وجوب الصلاة في الطاهر بأحد تعبيرين:
التعبير الأول: إمّا لأنّ أحدهما له بدل والآخر ليس له بدل، وما ليس له بدل يكون مقدّماً.
التعبير الثاني: وإمّا لأنّ هذا مشروط بالقدرة العقلية والآخر مشروط بالقدرة الشرعية، وما كان مشروطاً بالقدرة العقلية يكون مقدّماً.
مناقشة في تقدُّم ما ليس له بدل على ما له بدل
والتعبير الأول غير صحيح لأمرين:
الأمر الأوّل: النقاش في الكبرى، وهي أن ما ليس له بدل يقدّم على ما له بدل، فإننا لم نقبلها في باب التزاحم، فإن غاية ما يستدل عليها: أن المكلف إذا أتى بما ليس له بدل، فسوف ينتقل مما له بدل إلى بدله، فقد جمع بين الملاكين أما ما ليس له بدل فقد استوفاه بنفسه، وأما الآخر فقد استوفاه ببدله، بخلاف العكس فإنه قد فات ما له بدل بنفسه وببدله.
إلّا أنّ هذا التقريب غير تام، لأنّه على كِلا التقديرين يكون قد فاته كِلا الملاكين، حتى لو أتى بما ليس له بدل وانتقل إلى الآخر ببدله، لأنه إن استفيد
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
من دليل البدلية أنه وافٍ بتمام الملاك فهو كما قيل، إلّا أن دليل البدلية عادةً لا يدلّ على ذلك بل يوفي البدل بعض مصلحة المبدَل منه، فلعل الباقي من المصلحة مما له بدل مساوٍ أو أهم من مصلحة ما ليس بدل، فيكون الأمر دائراً بين المحذورين وتفصيل الكلام في محله.
الأمر الثاني: لو سلّمنا أنّ ما ليس له بدل يُقدَّم على ما له بدل لأنّنا نستظهر من دليل البدلية وفاء البدل بتمام مصلحة المبدل، فيكون ما قيل تاماً، لأنّه يدور الأمر بين تحصيل كِلا الملاكين أو أن يفوت أحد الملاكين، فيتعيّن الأول بالإتيان بما ليس له بدل والانتقال بما له بدل إلى بدله.
إلّا أن محل الكلام ليس من صغريات هذه الكبرى، لأنّ طرف المزاحمة مع حرمة الصلاة في النجس هو الوجوب الضمني للتستر، بما يُعبِّر عنه من مرتبة من مراتب الملاك؛ لأنّه لا يمكن أن يحافظ عليه المكلّف مع التحفظ القطعي على طهارة الثوب، وتلك المرتبة من الملاك لا بدل لها.
نعم، لو تعذّر التستر بأمر المولى بالصلاة عارياً، لا باعتبار أنّ الصلاة عارياً أصبحت بدلاً عن التستر بل باعتبار رفع اليد عن ذلك الملاك. وليس الأمر كالوضوء والتيمم فيما إذا زاحم شيء الوضوء، فيؤتى بالآخر مع التيمم فيحصَل كِلا الملاكين.
ففرق بين أن تكون البدلية بمعنى رفع اليد عن المبدَل والاكتفاء بالناقص، وبين جعل عوض عن الجزء الذي تعذر كالتيمم بالنسبة إلى الوضوء فتقديم ذاك الخطاب على هذا في محله.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أن يقال: إن خطاب (لا تصلّ في النجس) مشروط بالقدرة الشرعية، وخطاب (صلّ في الطاهر) مشروط بالقدرة العقلية، فيُقدَّم الثاني.
أمّا الكبرى، وهو تقديم المشروط بالقدرة العقلية، فأمرها موكول إلى ما حُقِّق في محلّه من التقديم(1).
وأما الصغرى، فطريقهم في ادعاء ذلك أنّ القدرة في خطاب (صلِّ في الطاهر) لم تؤخذ في مدلول الخطاب، ولهذا كانت بحكم العقل لا بحكم الشارع.
وأما في خطاب (صلّ متستراً) فهي مأخوذة في لسان الدليل، بقرينة أن المولى قال: إذا لم يستطع الصلاة متستراً فليُصلِّ عارياً، أي أنه جعل البدل، وحيث إن التقسيم قاطع للشركة فيقتضي تقييد الدليل بالقدرة، فكأنه قال من أول الأمر إذا كنت قادراً فتستر.
إلّا أن هذا البيان غير صحيح، لأن القدرة الشرعية والقدرة العقلية، إن أُريدَ بهما مجرد كونهما مأخوذتين في لسان الشارع وعدم كونهما كذلك؟ فقد حققنا في بحث التزاحم أن هذا المعنى من القدرة الشرعية والمقدرة العقلية لا يكفي مناطاً لتقديم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية، على ما حقّق هناك.
ــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 7: 68ـ 103، تعارض الأدلّة الشرعية مرجّحات باب التزاحم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وإذا كان معنى القدرة الشرعية والقدرة العقلية ما هو أكثر من ذلك، وهذا له وجوه، أحدها: أن تكون القدرة الشرعية بمعنى عدم المانع شرعاً، والقدرة العقلية بمعنى القدرة التكوينية وعدم المانع التكويني، وحينئذٍ فالكبرى تامة، فيُقدَّم المشروط بالقدرة العقلية على الآخر.
إلّا أنه لا دليل على صغراه في المقام، فإنه أيّ دليل يدل على أن القدرة هنا بمعنى عدم المانع التكويني، وهنا بمعنى عدم المانع الشرعي؟! ومجرد أن القدرة مأخوذة في لسان الشارع لا ينقح ذلك.
هذا هو تمام الكلام في هذا الفرع، وقد اتضح أن مقتضى القاعدة الصلاة في كِلا الثوبين.
وأمّا في حالة العلم بنجاسة أحد الثوبين والإمكان في الصلاة فيهما معاً بلحاظ النص الخاص، الذي يؤكد مقتضى القاعدة وهو رواية صفوان بن يحيى عن أبي الحسن قال: “كتبت إليه أسأله عن رجل كان معه ثوبان فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع. قال: يصلّي فيهما جميعاً”(1).
ــــــــــ[237]ــــــــــ
(1) الفقيه 1: 249، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه، حديث:756، التهذيب 2: 225، كتاب الصلاة، باب11، حديث 95، الوسائل 3: 505، باب 644 من أبواب النجاسات، حديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
رواها الشيخ(1) في التهذيب بسنده إلى سعد عن علي بن إسماعيل يعني أنّ السند -على الظاهر- عن صفوان بن يحيى عن أبي الحسن. وهو لا يخلو من ضعف، فإن علي بن إسماعيل لم تثبت وثاقته.
ونقله في الفقيه(2) إلى صفوان بن يحيى وطريقه إليه معتبر. فيكون سندها صحيحاً وتكون مؤكدة لمقتضى القاعدة.
اتضح أنّ وظيفة المكلّف هي الصلاة في أحد الثوبين؛ لأنّه قادر على الصلاة في الثوب الطاهر مع التستّر وإن لم يقدر على إحرازه. فلا موجب لسقوط الخطاب. ومعه لا يجوز له الصلاة عارياً، لأنّ ذلك مخالفة قطعية للخطاب الفعلي. وحيث لا يمكنه الموافقة القطعية لهذا الخطاب فيتنزل إلى الموافقة الاحتمالية، وذلك بالصلاة في أحد الثوبين. فإن كان هو الثوب الطاهر فهو، وإن كان هو النجس فصلاته باطلة لكنه كان معذوراً.
ولكن نسأل عن أنّه حين يختار أحد الثوبين، هل يجب عليه إعدام الثوب الآخر، بنكتة أنّه لو أعدمه يقطع بصحة صلاته، لأنه إن كان هذا الثوب طاهراً فهو وإن كان نجساً فقد انحصر الثوب بالنجس فتصح صلاته به؟
ــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) مصدره في الحاشية السابقة.
(2) الفقيه 1: 249، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه، حديث:756. وأيضاً الفقيه 4: 446، كتاب المشيخة بيان الطريق إلى صفوان بن يحيى.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فقد يقال: إنّه يجب عليه أن يعدم الثوب الآخر مع عدم ترتّب ضرر عليه بذلك.
يمكن أن يقال: إنّه يجب عليه ذلك؛ لأنّه لو أعدم قدرته على استعمال الثوب الآخر، فيكون قد أتى بالصلاة الصحيحة على كل حال؛ لأنّ الثوب الذي اختاره إن كان هو الطاهر فهو المطلوب، وإن كان هو النجس فأيضاً صلاته صحيحة، لأنّه بعد إعدام الآخر ينحصر ساتره في النجس، فتصحّ صلاته فيه، وكون هذا الانحصار بفعله لا يضرّ بصحّة الصلاة، فإنّ من أقدم متعمداً عاصياً على إعدام الثوب الطاهر تصحّ صلاته في الثوب النجس، فكيف في المقام الذي لا يكون إعدامه معصية؛ لأنّ وجوده وإعدامه على حدّ واحد.
وقد يقال في مقام الاستشكال على هذا البيان: إنّه يوجد عندنا خطاب واقعي متوجّه إلى هذا المكلّف بالفعل، وهو خطاب: (صلِّ متستراً) بالثوب الطاهر. وهذا المكلف على كل حال لا يمكنه أن يحرز الموافقة القطعية لهذا الخطاب سواء أعدم الثوب الآخر أو لا. لأنّه حتى لو أعدمه تكون موافقته لهذا الخطاب موافقة احتمالية لا قطعية، إذ لم يحرز بالضرورة أنّه صلّى بالثوب الطاهر. فإنّه لو كان هذا الثوب الباقي نجساً، إذن يسقط خطاب (صَلِّ في الثوب الطاهر)، ويوجد خطاب آخر هو: (صلِّ في النجس)، ويكون قاطعاً في أنّه قد وافق أحد الخطابين.
فالأمر ليس دائراً بين الموافقة القطعية للخطاب المنجز والموافقة الاحتمالية له، حتى يتعين الأول، بل الأمر دائر بين الموافقة الاحتمالية لهذا الخطاب
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والموافقة القطعية للجامع بين هذا الخطاب، وبين خطاب آخر بعد لم يولد، وإنما يوجد بعد إعدام الثوب، وهذا لا يحكم العقل بلزومه.
إلّا أن هذا الإشكال يمكن دفعه في المقام: بأن يقال: إن الخطاب الواقعي الأولي: (صَلِّ متستراً في الطاهر) والخطابات الواقعية الثانوية الاضطرارية: (صَلِّ في النجس)، ليست خطابات مستقلة متغايرة، بل مرجعها إلى ملاك مولوي واحد ثابت بالفعل، له مراتب متعددة، فالمولى أولاً يحاول أن يحصل المرتبة الأعلائية له، فيأمر بتمام الأجزاء والشرائط، فإن عجز عن ذلك يقول: (صَلِّ في الثوب النجس)، فإن عجز يقول: (صَلِّ عارياً). فكِلا الخطابين يعبّران عن ملاك منجز على المكلف.
إذن يوجد ملاك فعلي للمولى له مراتب أعلاها استيفاؤه في الثوب الطاهر، والأخرى استيفاؤه في الثوب النجس المنحصر، وهكذا. فهذا المكلّف إن صلّى في أحد الثوبين والثوب الآخر موجود، فهو لم يحرز أنّه استوفى من هذا الملاك شيئاً. نعم، يحتمل ذلك على تقدير أن يكون هو الطاهر، وأما لو كان نجساً فهو لم يستوفِ شيئاً من الملاك في المرتبة الأعلائية؛ لأنّه لم يصلِّ في الطاهر، ولا المرتبة الأقل؛ لأنّها إنما تحصل مع الانحصار في الثوب النجس، والمفروض عدم الانحصار. بخلاف ما لو أعدم الثوب الآخر، فإنّه يحرز استيفاء ملاك المولى إمّا بمرتبته العالية أو بمرتبته الدانية.
هذا ما يقال صناعياً في تتميم الوجه الأول، وهو لا محيص عنه وإن لم يُذكَر في كلماتهم.
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
نعم، يمكن أن يقال من ناحية فقهية: إنّه يمكن أن يستفاد من الروايات الدالة على صحة الصلاة مع الانحصار، صحّة صلاة المكلف في الثوب النجس ولو مع عدم الانحصار.
فإنّنا لو جمدنا على حاق مضمون هذه الروايات يتم ما قلناه. لكن إذا أعملنا ذوقاً عرفياً بمناسبات الحكم والموضوع، وقلنا إنّ الانحصار لم يؤخذ على وجه الموضوعية، وإنما أُخذ باعتبار أنّه لو كان قادراً على الثوب الطاهر إذن لتصدّى المولى لتحصيل الصلاة في الثوب الطاهر.
إذن فشرط الانحصار بهذا المعنى وهو أنّ المولى لا يستطيع أن يصرف قدرة المكلف في الصلاة في الثوب الطاهر، أمّا لأنّه عاجزُ ابتداءً أو لأنّه -في مثل المقام- اختار الثوب النجس صدفةً، فقد أُخذ الانحصار على وجه الطريقية لا على وجه الموضوعية. فيكون هذا القيد متوفراً؛ لأنّ ثوبه وإن لم ينحصر، إلّا أنّ المولى لا يستطيع أن يوجّه قدرة المكلف نحو الآخر، بعد فرض عدم القدرة إلّا على صلاة واحدة.
ومعه فيحكم أنّ صلاته صحيحة واقعاً، لأنّها إمّا صلاة في ثوب طاهر، أو في ثوب نجس مع الانحصار بالمعنى الطريقي لا بالمعنى النفسي.
إذن فوظيفة المكلّف أن يصلّي في أحد الثوبين. فهل يجب أن يقضي صلاته في الثوب الآخر أو لا؟
أما بناءً على ما استظهرناه من حمل الانحصار على الطريقية دون الموضوعية،
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فلا إشكال في عدم وجوب القضاء عليه، لأن صلاته صحيحة واقعاً، لا مجرّد موافقة احتمالية لقانون العلم الإجمالي.
وأما لو لم نأخذ بهذا الاستظهار وفرضنا أنَّه لم يُعدم الثوب الآخر بل صلّى في أحد الثوبين والآخر موجود. فصلاته وإن كانت مطابقةً للوظيفة الظاهرية بعد التنزُّل من الموافقة القطعية إلى الاحتمالية، إلّا أنّه يحتمل بطلانها لاحتمال وقوعها في الثوب النجس.
ومنه اتّضح بطلان ما ذكره السيّد الأستاذ(1) من عدم وجوب القضاء؛ لأنّه عمل بالوظيفة قطعاً وهو الموافقة الاحتمالية. فإنّ القضاء ليس موضوعه فوت الوظيفة الظاهرية المتعيّنة بحكم العقل، بل موضوعه فوت الواجب الشرعي المجعول شرعاً، وهذا يُحتمَل في حقّه الفَوت، فيكون وجوب القضاء محتملاً، فلا بُدّ من علاج لهذا الاحتمال.
قوله: والأحوط القضاء خارج الوقت في الآخر أيضاً إن أمكن وإلا عارياً(2).
هل يجب القضاء أو لا؟ ينبغي أن نتكلّم على ثلاثة مبانٍ في وجوب القضاء.
ــــــــــ[242]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 398، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى بالنجس، المسألة 5.
(2) تتمة الكلام في المسألة الخامسة من مسائل الماتن.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إنّ الأمر بالقضاء بالأمر الأوَّل لا بأمر جديد، بمعنى أنّ له أمرين من أوّل الوقت، أمر بالوقت وأمر بالقضاء، فإذا سقط الأمر الأول بقي الآخر على حاله.
وبناءً عليه لا بدّ لهذا المكلّف من أن يصلّي في الثوب الآخر؛ لأنّه كان للمكلف خطابان: (صَلِّ في الثوب الطاهر مطلقاً)، و(صَلِّ في الثوب الطاهر في الوقت)، وتردّد الثوب الطاهر فنشأ علمان إجماليان، علم إجمالي أنّه يجب الصلاة في داخل الوقت في أحد الثوبين، وعلم إجمالي أنّه يجب الصلاة في أحد الثوبين لا بشرط من حيث الوقت، فبعد الانتهاء من الوقت يجب عليه الإتيان بالثوب الثاني قضاء للعلم الإجمالي الثاني.
وإن شئت قلت: إنّ العلم الإجمالي الأوّل تعذّر موافقته القطعية، لعدم التمكّن من الإتيان بكلا الفردين، ولكنّ العلم الإجمالي الثاني موافقته القطعية غير متعذرة، فتجب بالإتيان بالصلاة في الثوب الآخر.
إنّ الأمر بالقضاء أمر جديد، وإنّ المكلّف داخل الوقت لم يكن له إلّا الأمر بالصلاة في داخل الوقت، وإذا لم يُصَلِّ في الوقت يتوجه إليه أمر جديد، يقول: (اقضِ ما فات كما فات).
وعليه يوجد احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: أن وجوب القضاء مترتّب على أمر عدمي وهو عدم الإتيان.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الاحتمال الثاني: أنّه مترتّب على عنوان ثبوتي وهو الفَوت، وهو منتزع من عدم الإتيان.
أمّا بناءً على الاحتمال الأول، فقد يقال(1): إنه يمكن إثبات وجوب القضاء باستصحاب عدم إتيان الصلاة في الثوب الطاهر؛ لأن موضوعه عدم الإتيان بالصلاة الصحيحة في الوقت، وباستصحابه يتنقح موضوع هذا الحكم.
وهذا إن تمّ فإنّما يتمّ إذا كانت هناك حالة سابقة؛ فإن الصلاة في الثوب الطاهر تنحل إلى صلاة وإلى ثوب طاهر.
والاستصحاب كما قلنا مراراً، لا يجري في المجموع بما هو مجموع، لأنّه في باب المركّبات إذا شكّ في وقوع المركّب وعدمه، فلا يجري استصحاب عدم الشك، وإنما لا بدّ أن يرى أنّ منشأ الشك كان هو أي قيد أو جزء ليرى أنّه هو مجرى للاستصحاب في نفسه أو لا؟
فلو كان عنده ثوب مستصحب الطهارة فصلّى فيه، وشكّ بعد الصلاة أنّه أتى بالصلاة في الثوب الطاهر أو لا. فهنا لا يمكن استصحاب المجموع لأنه ليس موضوعاً للأثر الشرعي. وإنما الموضوع هو ذوات الأجزاء والقيود والصلاة محرزة وجداناً وطهارة الثوب محرزة بالاستصحاب.
ففي المقام لو كان الثوب مستصحب النجاسة لترتب وجوب القضاء.
وأمّا لو لم يكن كذلك (أو كان مِن توارد الحالين) كما لو كان مجرى
ــــــــــ[244]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 398ـ 399، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى بالنجس، المسألة 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
لاستصحاب الطهارة وسقط بالمعارضة للعلم الإجمالي بنجاسة أحد الثوبين، فلا يمكن أن نجري استصحاب عدم الإتيان؛ لأنّنا إذا لاحظنا ذات القيد وهو الطهارة فليس له حالة سابقة، وإذا لاحظنا المجموع من القيد والمقيد، فهو ليس موضوعاً لحكم شرعي حتى يُستصحَب.
وأمّا إذا أخذنا بالاحتمال الآخر، وهو أنّ الأمر الجديد بالقضاء مترتب على فوت الفريضة لا على عدم الإتيان، فاستصحاب عدم الإتيان -بأي نحو كان- لا يجري؛ لأنه مثبت وعنوان الفوت لازم عقليّ لعدم الإتيان.
ولهذا يقال: إنّ وجوب القضاء شبهة موضوعية بدوية، فتجري أصالة البراءة عن وجوب القضاء.
إلَّا أنّ جريانها موقوف على عدم تصوير علم إجمالي منجّز في المقام، ويمكن تصويره على شكل تدريجي؛ لأنّه في داخل الوقت قبل أن يصلّي كان يمكنه أن يقول: أنا أعلم إجمالاً إمّا بوجوب الصلاة أداءً في هذا الثوب إن كان طاهراً أو قضاءً في ذلك الثوب إن كان هو الطاهر، لأن الصلاة الأولى سوف تقع باطلة وسوف يجب قضاؤها.
وقد يقال -في محاولة دفع هذا العلم الإجمالي-: إنّ أطرافه ليست كلّها فعلية؛ لأنّه يعلم بوجوب الصلاة في هذا الثوب أو وجوب القضاء في الآخر إذا لم يكن صلّى فيه أداءً، وقد قرأنا في الأصول: أنّ العلم الإجمالي إنما يكون منجّزاً إذا كان كِلا الطرفين منجّزاً على كل تقدير، فلا يكون هذا العلم منجزاً.
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إلّا أنّ هذه الإشكال غير صحيح، لأنّه دائماً يمكن أن نفرض أنّه يصل إلى آنٍ بحيث يحصل له العلم بأنّه لا يصلّي في ذاك الثوب، وأنّه لو أراد أن يختار أن يصلّي لصلّى في هذا الثوب. وهو علم يحصل عادةً فيكون التقدير معلوم التحقّق فيدخل في العلم الإجمالي في التدريجيات، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً.
ومعه قد يقال: إنّه لا تجري البراءة عن وجوب القضاء. ومنجّزية هذا العلم لا يُفرّق فيها بين المباني الثلاثة في وجوب القضاء. فإنّه لو لم يوجد منجز أسبق للقضاء فهذا العلم صالح للتنجيز. والرجوع إلى البراءة عن وجوب القضاء مبني على عدم الالتفات إلى هذا العلم الإجمالي.
قوله : وإلّا عارياً
يعني بعد خروج الوقت حُجب عنه الثوب الآخر فإنّه يصلّي عارياً، وقد استغرب السيّد الأستاذ(1) من هذا الكلام باعتبار أن وجوب القضاء ليس وقته مضيّقاً، بل هو موسّع، فلو حُجِبَ عنه الثوب الآخر كان عليه أن يصبر زماناً حتى يحصل على ثوب طاهر يصلّي فيه.
نعم يتجه هذا الكلام لو قلنا بوجوب القضاء بنحو المضايقة حتى لو لم يكن قادراً على تمام الأجزاء والشروط، أو كان المكلف عالماً بعدم الحصول على الثوب طول حياته.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 399، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى بالنجس، المسألة 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وكلٌ من كلام هذين العَلَمَين: الماتن والسيد الأستاذ مورد للاستغراب، لأنّهما اتفقا على وجوب الصلاة عارياً عند التعذّر مع أنّ لازم مبناهما الصلاة في نفس الثوب الذي صلّى فيه لا الصلاة عارياً، فإنّ هذا المكلّف إن كان الثوب الذي صلّى فيه أولاً هو الطاهر فلا يجب عليه القضاء، وإن كان هو الثوب النجس، وكان الآخر هو الطاهر وقد حُجب عنه كما هو المفروض، ولا يتمكّن من ثوب ثالث مدى العمر. فيصير مصداقاً لمن انحصر ساتره في النجس، وهذا عند صاحب العروة والسيد الأستاذ يجب أن يصلّي في النجس. وبعد أن نجّز عليه القضاء بالعلم الإجمالي وغيره. فيجب عليه الإتيان بنفس الثوب الذي كان قد صلّى فيه.
ولكن حيث إنّ هذه النتيجة كلّها غريبة، إذ كيف يكون القضاء من سنخ الأداء؛ لأنّه صلّى في نفس الثوب؟! ومن هنا غفلوا عن كونها هي الوظيفة.
إلّاَ أنّهما في الحقيقة ليسا من سنخ واحد؛ لأنه في الوقت لم يكن الثوب منحصراً بنحو الموضوعية، وأمّا بعد الوقت فالانحصار بالنجس متحققٌ، فلا تنتهي النوبة إلى الصلاة عارياً. نعم، لو أخذت منه كل الأثواب، صلّى عارياً، إلّا أنّ هذا شيء غير مفروض في المطلب.
كلام السيد الحكيم في المقام
ثمَّ إنّ هنا كلاماً للسيد الحكيم في المستمسك(1) وحاصله: أنّ ربط هذه
ــــــــــ[247]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة 1: 547ـ 548، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المسألة بمسألة أخرى سابقة، وهو ما إذا انحصر ساتره في النجس، فإنّه يوجد مسلكان:
المسلك الأوَّل: تعيّن الصلاة في النجس، وهو مسلك الماتن وقوّيناه.
المسلك الثاني: الصلاة عارياً.
فقال السيّد الحكيم: بأنّه في المسألة الأولى وهو ما إذا انحصر ثوبه في النجس، يقع التزاحم بين خطاب (لا تُصَلِّ في النجس) وخطاب (صَلِّ متستراً)(1).
فإن بنينا هناك على تقديم الخطاب الثاني، وألزمنا المكلف أن يصلّي في الثوب النجس، وإن استلزم المخالفة القطعية للخطاب الأول.
فهنا أيضاً نقول في مسألتنا إنّ هنا خطابين: (صَلِّ متستِّراً)، و(لا تُصَلِّ في النجس)، والتزاحم بين الموافقة القطعية للثاني والموافقة الاحتمالية للأول، لأنه لو صلّى في أحد الثوبين، فقد حصلت موافقة قطعية للأول ومخالفة احتمالية للثاني، وإن صلّى عارياً فبالعكس.
فإن قلنا في المسألة الأولى: إن خطاب (صَلِّ متستراً) أهم حتى من المخالفة القطعية لخطاب: (لا تُصَلِّ في النجس) فيكون أهمّ من مخالفته الاحتمالية أيضاً، بنحو يلزم المكلف بالصلاة في النجس، ففي المقام أيضاً مقتضى هذه الأهمية أن هذا لا يسمح له بالصلاة عارياً، بل يصلّي في أحد الثوبين، وهو أهون محذوراً.
وأمّا إذا بنينا في المسألة الأولى على لزوم الصلاة عارياً، وقلنا إنّ الأمر يدور
ــــــــــ[248]ــــــــــ
(1) يدور الأمر بين المخالفة القطعية لهذا ومثلها لذاك.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بين المخالفة القطعية لهذا الخطاب والمخالفة القطعية للآخر، فيُقدَّم خطاب (لا تُصلّ في النجس) فيصلّي عارياً، ففي هذه المسألة احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: أنّه يجب عليه الصلاة عارياً تحفُّظاً على خطاب (لا تُصلّ في النجس).
الاحتمال الثاني: الصلاة في أحد الثوبين تحفظاً على الخطاب الآخر؛ لأنّ هذا لا يؤدّي إلى المخالفة القطعية لخطاب: (لا تصلّ في النجس)، كما كان عليه الحال في المسالة الأولى، كما يحتمل أن تكون المخالفة الاحتمالية لخطاب (لا تصلّ في الثوب النجس) أهّون من المخالفة القطعيّة للخطاب الآخر.
إذن فمقتضى القاعدة هو التخيير مع احتمال الأهمية في كل منهما.
وفي ذلك مناقشتان:
المناقشة الأولى: مستفادة مما ذكرناه في أصل المسألة. إن هذا الكلام لو تمّ، كان الخطابان بمثابة خطابين استقلاليين، ولكنّهما ليسا بمثابة خطابين استقلاليين ليُعقَل وقوع التزاحم بينهما على هذا النحو، وإنّما مرجعهما إلى خطاب واحد بالأمر بالمجموع المركّب على نحو الواجب الارتباطي المركّب بالطهارة والتستّر معاً. وامتثاله تحت قدرة المكلف ولم يحصل عجز إلى الآخر، وإن لم يستطع تمييزه، فهذا الخطاب الواحد لا موجب لسقوطه أصلاً بأدلته.
وحينئذٍ فلو صلّى في أحد الثوبين، فهي موافقة احتمالية لهذا الخطاب، وإن صلّى عارياً فهي مخالفة قطعية له، فهنا خطاب واحد يدور الأمر بين مخالفته الاحتمالية ومخالفته القطعية، فيتعيّن الأول في مقابل الثاني.
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المناقشة الثانية: لو تنزّلنا وفرضنا أنّ خطاب: (صلّ متستراً)، وخطاب: (لا تصلّ في النجس) استقلاليان، والمكلّف له ثوبان يعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما، فإن صلّى في أحدهما وافق قطعاً لأحدهما وخالف احتمالاً الآخر، وإن صلّى عارياً، وافق قطعاً أحدهما وخالف احتمالاً الآخر.
فهو لو صلّى في أحد الثوبين لا يصدر منه مخالفة قطعية لأحد الدليلين، ولو صلّى عارياً يصدر منه ذلك، فلو لم يكن عندنا دليل على أقوائية أحد الخطابين من الخارج، فمقتضى القاعدة بناءً على الصحيح من(1) أنّ العلم الإجمالي علة لحرمة المخالفة القطعية وليس علّة لوجوب الموافقة القطعية، وإنما ذلك لأجل تساقط الأصول في أطرافه، فكل من الخطابين يكون علة لحرمة مخالفته ومقتضياً لوجوب موافقته إلّا إذا لم يرد ترخيص في البين.
فخطاب صَلِّ مُتستّراً حيث إنّه علّة لحرمة المخالفة القطعية وحيث إنّه لا يمكن اجتناب ذلك إلّا بالمخالفة الاحتمالية للآخر، فيدل بالالتزام على الترخيص بالمخالفة الاحتمالية لدليل: (لا تصلّ في النجس)، ولا يكون دليل: (لا تصلّ في النجس) ناهياً عن ذلك؛ لأنّه مقتضٍ وليس علّةً لموافقته القطعية، والمقتضي لا يؤثّر مع المانع، فيتعيّن عليه الصلاة في الثوبين.
ــــــــــ[250]ــــــــــ
(1) مباحث الأصول (الحائري) ج4 ق2: 15، منجّزية العلم الإجمالي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر لا يجوز أن يصلّي بالتكرار بل يصلّي فيه. نعم، لو كان له غرض عقلائي في عدم الصلاة فيه لا بأس بها فيهما مكرراً (1).
وهذا معناه أن أمره يدور بين الامتثال التفصيلي والامتثال الإجمالي؛ لأنّه إن صلّى في الثوب المعلوم الطهارة كان الامتثال قطعياً وإلا فالامتثال إجمالي، فإن بنينا على أنّ مرتبة الامتثال التفصيلي مقدمّة على مرتبة الامتثال الإجمالي، فيتعيّن عليه أن يصلّي في الثوب المعلوم الطهارة، وإن بنينا على العرضية بين الثوبين كان مخيراً.
إلّا أنّ السيّد الماتن قال: إنّه لا يجوز أن يصلّي بالثوبين على نحو التكرار إلّا إذا كان له داعٍ عقلائي لهذا الشكل من الامتثال، كما لو كان الثوب الطاهر خشناً مؤذياً له.
وليس مقصود الماتن هو اشتراط أن تكون خصوصيات الامتثال بداعٍ قربي، لا إشكال في أن هذا غير مشترط، ولذا قال: إذا كان له داعٍ عقلائي لا أنّه
ــــــــــ[251]ــــــــــ
(1) المسألة السادسة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 98.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
قُربي، وإنّما مراده أنّه إذا لم يكن بداعٍ عقلائي يصدق عليه العبث بحكم المولى، فيكون قبيحاً عقلاً ويستحيل التقرّب به إلى المولى.
إلّا أنّ هذا الكلام في نفسه غير صحيح، لأنّ هناك فرقاً بين كون العمل بنفسه عبثياً، وبين كونه لعباً بأمر المولى، فإنّه لو اختار أن يحتاط ويُتعِب نفسه، فهو أمر غير عقلائي، فهو عبث في نفسه وليس عبثاً بأمر المولى، بل هو احترام للمولى، وما هو القبيح الذي لا يمكن التقرُّب به إلى المولى هو العبث بحكم المولى، ومعه فهذه الصلاة صحيحة بلا إشكال.
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا كانت أطراف الشبهة ثلاثة يكفي الصلاة في اثنين، سواء علم بنجاسة واحد وبطهارة الاثنين، أو علم بنجاسة واحد وشكّ في نجاسة الآخرين، أو في نجاسة أحدهما، لأنّ الزائد على المعلوم محكوم بالطهارة وإن لم يكن مميزاً، وإن علم في الفرض بنجاسة الاثنين يجب التكرار بإتيان الثلاث، وإن علم بنجاسة الإثنين في أربع يكفي الثلاث، والمعيار -كما تقدّم سابقاً- التكرار إلى حدّ يعلم وقوع أحدهما في الطاهر(1).
يقول: لو تردد الأمر بين أطراف أحدها طاهر فلا بُدّ أن يصلّي بعدد زائد على عدد النجس المعلوم إجمالاً في البين بواحد، لتقع منه صلاة واحدة بغير النجس. والأمر بهذا المقدار ممّا لا إشكال فيه، ولكن لا بدّ أن نقف عند قوله: بدون فرق بين أن يكون الباقي معلوم الطهارة أو مشكوك الطهارة.
فإنّه تارةً يعلم بطهارة الباقي وأخرى يحتمل نجاسة الجميع، ويقول في كِلا الشقّين إنّه يكفيه الإتيان بأزيد من واحد، أمّا في الشق الأول فواضح لأنّه صلى في ثوب طاهر يقيناً، وأمّا في الشقّ الثاني فلأجل إجراء الأصل عن الأزيد من
ــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) المسألة السابعة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 98.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الواحد النجس. وهذا الأصل لا يجري في هذا الطرف بعينه حتى يعارض بمثله في الطرف الآخر، فإنّه إنّما يجري في العنوان الإجمالي وهو غير معلوم النجاسة فلا يسقط بالمعارضة فتصح الصلاة، وهذا حاصل مقصوده.
إلّا أنّ هذا المقصود يحتاج إلى تمحيص تعرّضنا له تفصيلاً في بعض مباحث الصحيحة الثانية لزرارة في مباحث الاستصحاب وإجماله(1).
أنّه إذا كان يعلم بطهارة الباقي، وصلّى بكلا الثوبين، لا ينبغي الشك بتحصيل مؤمِّن في مقام الامتثال، وأمّا إذا كان يشك في طهارة الثوب الثاني وصلّى في كِلا الثوبين، فلا إشكال أن إحدى الصلاتين باطلة؛ لأنّها وقعت مع العلم الإجمالي بالنجاسة، وإنّما الكلام في تصحيح الصلاة الثانية.
لو كان – في علم الله تعالى- النجس واحداً فلا إشكال في صحة صلاته واقعاً؛ لأنّ صلاته وقعت في ثوب طاهر، لكنّ هذا الفرض غير محرز. فلو فرضنا أنّ كِلا الثوبين كان نجساً، في علم الله، فهل يمكن الحكم بصحة إحدى هاتين الصلاتين؟
تقريبه أن يقال: إنّهما وإن وقعتا معاً في ثوب نجس، إلّا أنّ النجاسة بوجودها الواقعي غير موجبة للبطلان، لوضوح أنّه لو صلّى جاهلاً بالنجاسة لم تجب عليه الإعادة، فالنجاسة إنما تؤثر بالإبطال بوجودها الواصل المحرز، وهو غير واقع في المقام؛ لأنّه أحرز وجود نجاسة واحدة لا نجاستين، فلا يوجد إلّا مبطل واحد لا مبطلان.
ــــــــــ[254]ــــــــــ
(1) مباحث الأصول، القسم الثاني 4: 61.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وتوضيح الحال في ذلك: إنّه بعد وضوح أنّ الصلاة مع الجهل بالنجاسة صحيحة، يعرف أن النجاسة بوجودها الواقعي ليست مانعة ولكن يكون أمامنا فرضيتان:
أن نبني أنّ المانعية هي النجاسة المعلومة، بحيث نأخذ العلم قيداً في موضوع المانعية. وحينئذٍ فنقول: إنّ النجاسة المعلومة في المقام واحدة، فلا تكون النجاسة الثانية مانعة. وهذا التقريب يواجه شبهة وحاصلها:
أنّ عندنا دليلاً مفاده: (صَلِّ في ثوب غير معلوم النجاسة)، أو بتعبير آخر: عندنا دليل دلّ على الصلاة في الساتر ودليل مخصص: (لا تُصلِّ بالساتر النجس). وهنا عندنا ثوبان لكن أيهما معلوم النجاسة. هذا لا يمكن تمييزه حتى في نفس الأمر، لأنّ نسبة العلم الإجمالي إليهما على حدّ واحد -إلّا إذا كان معنوناً بعنوان مثل ثوب زيد وهو خارج عن محل الكلام-. فأيّ ثوب سوف يبقى في التخصص وأيّ ثوب سوف يُنفى، إن قلنا هذا دون ذاك فهو ترجيح بلا مرجح.
وهذه الشبهة ينحصر جوابها، بأن يدّعى أنّ أمثال المقام مما كان ملاك التخصيص هو خروج فرد غير مُتعيّن حتى في الواقع، فالعرف يفهم أنّ أحد الفردين -ولو لا بعنوان- يكون داخلاً في العام وباقياً عليه، وأحد الفردين -ولو لا بعنوان- خارجاً بالتخصيص. ومعه تصحّ إحدى الصلاتين ولو لم يمكن التمييز. وليس هذا من قبيل دوران أمر المخصّص بين المتباينين حتى يوجب إجمال العام، لأنّ نسبة المخصّص إلى الفردين على السواء.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إنّه تعتبر الطهارة في الصلاة، لكن أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية، والواقعية مفقودة في كِلا الثوبين، ولكنّ الظاهرية هي التي تثبت بالأصل، وهي تحتاج إلى مجرىً فأين تجري؟ فإنّ إجراءه في الفرد المعيّن ترجيح بلا مرجح، وإجراءه في العنوان الإجمالي، كما قلنا في تقريب كلام المصنف، وهو أصل يحتاج إلى مورد متعيّن في الواقع، ولا معنى لإجرائه في مورد غير متعيّن حتى في الواقع.
والتخلّص من ذلك بأن يقال: بأنّنا نُجري أصالة الطهارة في كلٍّ من الفردين بعنوانه التفصيلي لكن مقيَّداً لا مطلقاً، بقيد أن يكون الفرد الآخر نجساً، فلا يتعارض الأصلان، لأنّنا لم نحرز إلّا نجاسة أحدهما فقط، فلم نحرز إلّا تحقق الشرط في أحد الأصلين، فتكون الصلاة صلاةً مع أصالة الطهارة.
هذا تمام الكلام في هذه المسألة.
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا كان كل من ثوبه وبدنه نجساً ولم يكن له من الماء إلّا ما يكفي أحدهما، فلا يبُعد التخيير والأحوط تطهير البدن، وإن كانت نجاسة أحدهما أكثر أو أشد لا يبعد ترجيحه (1).
إذا ابتلى المكلّف بنجاسة في ثوبه وبدنه، وفرضنا أنّهما متساويتان من حيث الكم -أي السعة- والكيف -أي الشدة والضعف- وكان عنده ماء يكفي لإزالة إحداهما.
فهنا قال الماتن: لا يبعد التخيير، والأحوط رفع النجاسة عن البدن، وهذه المسألة لها أصل موضوعي سوف نتعرّض له في بعض المسائل الآتية، فإنّها بها أنسب، وهو أنّ مانعية النجاسة مأخوذة بنحو مطلق الوجود لا بنحو صرف الوجود.
وتوضيح ذلك: إنّه لا إشكال في أنّ الشارع نهى عن الصلاة في النجس وهو دليل على المانعية، إلّا أنّ هذه المانعية تُتَصور على نحوين:
ــــــــــ[257]ــــــــــ
(1) المسألة الثامنة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 98- 99.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
النحو الأوَّل: المانعية بنحو (مطلق الوجود) على نحو الانحلال بحيث تكون كل نجاسة موضوعاً للمانعية.
النحو الثاني: هو (صرف الوجود)، فإن فرضنا أن المانعية بنحو الانحلال ومطلق الوجود، فيصدق هذا الكلام في المقام، فإن نجاسة البدن موضوع للمانعية، ونجاسة الثوب موضوع آخر لها، ولا يمكن التجنب عنهما معاً، فأيهما يتجنب عنه؟!
وأمّا إذا بنينا على الوجه الثاني وأنّ المانعية بنحو صرف الوجود، فلا يبقى مجال للحديث عن هذه المسألة، لأنّ هذا المصلّي مبتلىً بالنجاسة على أيّ حال. غاية الأمر يدور الأمر بين أن تكون النجاسة في ثوبه أو بدنه أو فيهما معاً، فلا يجب عليه التطهير، لأنّ صرف الوجود على أيّ حال واقع منه والزيادة غير دخيلة بحسب الفرض. إذن، فالكلام في هذه المسألة يتوقّف على افتراض أصل موضوعي وهو أنّ المانعية مأخوذة بنحو الانحلال ومطلق الوجود. فهنا يوجد مانعيتان والمكلف لا يمكن أن يتخلص منهما لوجود ماء يكفي لتطهير أحدهما، فأيّ منهما يُطّهر؟
ما يمكن أن يقرّب به وجوب تطهير البدن أحد وجوه إن تمّ واحد منهما فهو، وإلاّ فالنتيجة هي التخيير.
فإنّه يوجد عندنا نهيان: نهي عن الصلاة في نجاسة في البدن، ونهي عن
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الصلاة مع نجاسة في الثوب، والمكلّف عاجز عن امتثال هذين النهيين، فيكون من باب التزاحم، وأحد مرجحات هذا الباب هو احتمال الأهمية في أحد الطرفين فضلاً عن القطع بالأهمية.
وحينئذٍ يقال: إنّ نجاسة البدن يحتمل أن تكون أهم محذوراً من نجاسة الثوب بخلاف العكس، لأن طهارة البدن ألصق بالمصلي من طهارة الثوب، ونجاسة البدن ألصق به من نجاسة الثوب، فلا يحتمل أن يكون اهتمام الشارع بنجاسة ما هو أبعد أكثر من اهتمامه بنجاسة ما هو ألصق.
وهذا البيان صحيح صغرىً، بمعنى أنّه لو كان المقام من موارد باب التزاحم فاحتمال الأهمية في البدن موجود، وفي الثوب غير موجود. لكن المقام ليس من موارد باب التزاحم؛ لأن النهي عن نجاسة البدن ونجاسة الثوب مرجعهما إلى حكمين ضمنيين، وقلنا في محله إنّه لا يقع التزاحم في الأحكام الضمنية وإنما يرجعان إلى باب التعارض دائماً، وعليه فالكبرى في غير محلها.
إنّه بعد الاعتراف أنّ المقام من موارد باب التعارض، فهذا الوجه مبني على أصل موضوعي وهو أن نقول: إنّه إذا انحصر الثوب في النجس فتجب الصلاة عارياً.
وحينئذٍ يقال: بأنّ معنى القول بوجوب الصلاة عارياً حين ينحصر الثوب بالنجس هو أنّ المكلّف إنْ صلّى بالنجس تستر وابتلى بالنجاسة، وإن صلى عارياً فقد ابتلى بالتعرّي.
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فإن قلنا: إنّه يجب الصلاة عارياً، فمعناه أنّ نجاسة الثوب أشدّ محذوراً من فقدان الساتر، وإذا ثبت أنّ نجاسة الثوب أشدّ محذوراً من التعرّي يثبت أن نجاسة البدن أشدّ محذوراً منه، فالدليل الدال على الأول دال على الثاني أيضاً. فإذا طهّر بدنه ونزع ثوبه فقد اختار أخف المحاذير، وأما لو غسل ثوبه وصلّى مع البدن النجس فقد اختار أشد المحذورين، وهو نجاسة البدن التي هي أشد من التعرّي.
وهذا تقريب صحيح لو قلنا بأصله الموضوعي يعني إذا تمّ الدليل على أنّه إذا انحصر ثوبه بالنجس يصلّي عارياً، ولكن هذا الدليل غير تام؛ لأنّنا في تلك المسألة اخترنا الصلاة في الثوب النجس.
إن الروايات الدالة على مانعية النجاسة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: ما دلّ على مانعية النجاسة على الإطلاق ثوباً أو بدناً، ولعل من هذا القبيل روايات: “لا صلاة إلّا بطهور”(1).
الصنف الثاني: ما دلّ على مانعية النجاسة بخصوص الثياب. كروايات: “لا تصلِّ فيه”(2).
ــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) الفقيه 1: 58، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه حديث: 129.
(2) مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها، الصفحة: ١٧٣. الکافي (اسلامیه)، الجزء: ٣، الصفحة: ٤٠٥. الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الجزء: ١، الصفحة: ٣٩٣. تهذيب الأحكام، الجزء: ٢، الصفحة: ٣٥٩.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الصنف الثالث: ما دلّ على مانعية النجاسة بخصوص البدن كروايات تارك الاستنجاء.
وحينئذٍ نقول: إنّ الصنف الأول تحت دليله مصداقان، ومقتضى إطلاقه الشمول لنجاسة البدن والثوب معاً، فيقع التعارض بين الفردين؛ لأنّ شموله لهما غير معقول، ولأحدهما بلا مرجح، فيسقط الإطلاق بنفسه.
وأما الصنف الثاني وهو ما دلّ على المانعية في الثوب، فهو يدلّ بالالتزام العرفي على المانعية في البدن، لما أشرنا إليه من أنّه لا يحتمل عرفاً أن تكون نجاسة الثوب مانعة ونجاسة البدن غير مانعة، فالصنف الثاني يدل على كلتا المانعيتين أيضاً، والمفروض استحالة ثبوتهما معاً، فيسقطان ويبتلي الدليل بالإجمال الداخلي كالصنف الأول.
وأما الصنف الثالث وهو ما دلّ على مانعية نجاسة البدن فهو لا يدل مطابقة ولا التزاما على مانعية نجاسة الثوب؛ لأن الثوب أبعد التصاقاً بالمصلّي من البدن. فلم يبتلِ هذا الصنف بالإجمال الداخلي فيشمل البدن بلا معارض. ولا يمكن جعل أحد الصنفين السابقين معارضاً له بعد سقوطهما بالتعارض الداخلي. فيحكم بوجوب تطهير الثوب دون البدن.
وهذا الوجه صناعي في نفسه لولا الوجه الرابع.
وهو أننا نتمسّك بنفس دليل الصنف الأول بلا حاجة إلى الصنف الثالث، وذلك بنكتة أنّ هذا الصنف تحته فردان، وشموله لهما معاً غير معقول في هذه
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الحالة لاستحالة اجتنابهما معاً، واحتمال الشمول للثوب دون البدن غير محتمل بحسب فهم العرف، فيتعيّن أن يسقط النهي عن نجاسة الثوب ويبقى النهي عن نجاسة البدن.
ومعه فالنهي عن نجاسة الثوب ساقط على أيّ حال، إمّا وحده أو مع النهي عن نجاسة البدن، بخلاف النهي عن نجاسة البدن، فإنّه غير معلوم السقوط، وأما النهي عن نجاسة الثوب فهو معلوم السقوط على كل حال. ومعه فيجب تطهير البدن دون الثوب.
كِلا الوجهين الثاني والثالث صحيح صناعياً، إلّا أنّ هنا إشكالاً لو تمّ يكون إشكالاً على كِلا هذين الوجهين:
وحاصله: أنّ هذين الوجهين مرجعهما إلى روح واحدة، وهي: أنّ دليل مانعية النجاسة في الثوب لا يصلح لأن يكون معارضاً لدليل مانعية النجاسة في البدن سواء كان هذان الدليلان مستقلّين، كما تصوره الوجه الثالث، أو كانا مرجعهما إلى دليل واحد كما تصوره الوجه الرابع، وذلك لأن دليل مانعية النجاسة في الثوب ماذا يقول ليعارض الآخر: هل يقرر المانعية للثوب منضماً إلى مانعية نجاسة البدن أو بدلاً عنها؟
وكِلاهما غير محتمل؛ إذ لا يحتمل مانعية نجاسة الثوب منضماً إلى مانعية نجاسة البدن؛ لأن المفروض أن المكلّف غير قادر على تطهيرهما معاً، وإن كان مفاده هو الثاني بحيث تكون نجاسة الثوب مانعة ولا تكون نجاسة البدن
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
مانعة. هذا أيضاً غير محتمل، لأن نجاسة البدن في الفهم العرفي ليست بأهون من نجاسة الثوب، بل هي مساوية أو أهم. إذن فيسقط دليل مانعية نجاسة الثوب، لأنّ مفاده غير محتمل، وأمّا دليل مانعية نجاسة البدن، فمفاده محتمل، لا يعلم سقوطه، فكيف يعارض الدليل غير المعلوم السقوط الدليل المعلوم السقوط. هذه هي الروح المشتركة بين الوجهين.
حينئذٍ قد يقال: إنّ هذا غير تام؛ لأنّ دليل مانعية نجاسة الثوب غير معلوم السقوط بالمرة بل نحتمل ثبوته في الجملة؛ لأن الاحتمالات المتصوّرة في المقام ثبوتاً خمسة:
الاحتمال الأول: أن تكون مانعية نجاسة الثوب ومانعية نجاسة البدن كلتاهما ثابتة، وهذا غير معقول لعدم تمكن المكلف من إزالة كلتا النجاستين.
الاحتمال الثاني: أن تكون كلتا المانعيتين ساقطة، وهو ساقط ثبوتاً؛ لأن مقتضاه جواز الصلاة مع كلتا النجاستين وهو واضح البطلان.
الاحتمال الثالث: أن تكون مانعية نجاسة الثوب ثابتة على الإطلاق ومانعية نجاسة البدن ساقطة بالمرة. وهذا أيضاً ساقط بالفهم العرفي، إذ لا يحتمل العرف أن مانعية الثوب أهم. ومقتضى هذا الاحتمال تقديم الثوب على البدن وهو غير عرفي.
الاحتمال الرابع: أنّ المولى جعل المانعية لنجاسة البدن، ولم يجعل المانعية لنجاسة الثوب، وهذا الاحتمال المطلوب الذي نريد أن نثبته. فلو كنا وهذه
ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الاحتمالات الأربعة، وسقط الثلاثة لتعين هذا الرابع، ولكن يوجد احتمال آخر.
الاحتمال الخامس: أن تكون المانعية ثابتة في كل من البدن والثوب، لكن على نحو التقييد والتخيير، فمانعية كل منهما مشروطة بوجود الآخر، فمانعية نجاسة الثوب مشروطة بأن لا تزال نجاسة البدن موجودة.
وهذا محتمل؛ لأنّه يحتمل أن يكون نظر المولى إلى البدن والثوب على حد سواء، وتكون النتيجة في مقام الامتثال هو التخيير؛ لأنه لو غسل ثوبه لا تكون نجاسة البدن مانعة؛ لأنها إنما تكون مانعة إذا كان الثوب نجساً وكذلك العكس. وإذا لم يغسل الثوب والبدن يكون كلاهما مانعاً.
وهذا الاحتمال معقول ثبوتاً، وحينئذٍ نقول: إن دليل مانعية النجاسة في الثوب، قد حصّلنا له مدلولاً معقولاً، فليس مدلوله هو المانعية المطلقة بل مطلق المانعية، أي المانعية المشروطة والمقيَّدة بوجود النجاسة في البدن.
وأمّا دليل مانعية نجاسة البدن، فمفاده المانعية المطلقة، لأننا نحتملها فيه، فيتعارض المانعية المطلقة في دليل مانعية نجاسة البدن مع مطلق المانعية في دليل مانعية نجاسة الثوب.
لكن هذا الإشكال يمكن الجواب عليه، بأنّه لا يوجد تعارض بين المانعية المطلقة لنجاسة البدن والمانعية المقيدة لنجاسة الثوب، لأنّه لا يوجد برهان على أنّه إمّا المانعية فيهما مطلقاً أو إحداهما ثابتة والأخرى ساقطة حتى يتعارضا، وثبوتاً يعقل اجتماع مانعية مطلقة ومانعية مشروطة. وإنّما لا يعقل اجتماع مانعيتين مطلقتين، فإنّ هذه المانعية المطلقة والمقيَّدة لا توجب تعجيزاً للمكلّف
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
في مقام الامتثال، لأنّه لو طهّر بدنه فقد أزال كلتا المانعيتين.
فإن قيل: إن هاتين المانعيتين المطلقة والمقيدة، وإن كان لا يلزم منهما العجز في مقام الامتثال إلّا أن جعله المانعية المقيدة لغو، لأنّها مقيدة في الثوب بأن يكون البدن نجساً، فإذا لم يكن البدن نجساً فلا مانعية للثوب، وإن كان البدن نجساً كانت مانعيته مطلقة، فلماذا نجعل المانعية المقيدة للثوب.
جوابه: أنّ أثر ذلك يظهر في موارد تكون مانعية نجاسة البدن ساقطةً إمّا لنسيان أو لجهل أو نحوه، فيظهر أثر لمانعية نجاسة الثوب، فإنّه لو قام وصلّى بنجاسة الثوب، فستبطل صلاته لا لنجاسة البدن بل لنجاسة الثوب، وتكون نجاسة البدن بوجودها الواقعي قيداً، وبوجودها الواصل مانعاً.
ولهذا فإنّ المختار في هذا الفرع هو وجوب تطهير البدن تعييناً والتخيير غير صحيح.
قالوا: (1) إنّ تقديم تطهير البدن على تطهير الثوب مبني على إدراج المسألة في باب التزاحم، فإن قلنا: إن الواجبات الضمنية تدخل في هذا الباب فإنّنا نرجّح تطهير البدن، باعتباره محتمل الأهمية، وأما إذا أدخلناها في باب التعارض، فيوجد دليلان متعارضان ولا مرجح لأحدهما على الآخر، واحتمال الأهمية ليس من المرجحات في باب التعارض، فيكون المكلف مخيّراً.
وقد تبيّن أنّ هذا ليس بصحيح، فإنّه حتى في إدخال الواجبات الضمنية في
ــــــــــ[265]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 401، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 8، نسب ذلك إلى المشهور.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
باب التعارض أيضاً، يمكن المصير إلى تقديم طهارة البدن بالوجه الثالث أو الرابع السابق.
قوله : وإن كانت نجاسة أحدهما أكثر أو أشد لا يبعد ترجيحه(1)
ثمَّ إنّ الماتن يذكر في ذيل المسألة فرض أن إحدى النجاستين أشد أو أكثر، وهنا، حالتان:
الحالة الأولى: أن تكون إحداهما في الثوب والأخرى في البدن.
الحالة الثانية: أن تكونا معاً في البدن أو في الثوب.
فلنتكلّم في الحالة الثانية، ويمكن تقسيمها إلى فرعين:
أن نفرض أنّه يوجد في أحد طرفي ثوبه درهم من النجاسة، وفي الطرف الآخر درهمان، وله ماء يكفي لتطهير إحداهما.
هنا قال الأعلام(2): إنّ مقتضى القاعدة هو لزوم تطهير الأكثر، لأنّ دليل
ــــــــــ[266]ــــــــــ
(1) ذيل المسألة الثامنة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 99.
(2) لاحظ مصباح الهدى 2: 99، كتاب الطهارة، فصل احكام الصلاة في النجس عمداً وسهواً وجهلاً، المسألة 8، والتنقيح في شرح العروة 2: 407، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المانعية دليل انحلالي بنحو مطلق الوجود، بحيث إنّ كل فرد هو موضوع للمانعية، فإذا اضطرّ المكلّف إلى بعض دوائر المانعية، فالضرورات تقدّر بقدرها، وفي الزائد لا يجوز له الصلاة في النجس، وفي المقام نرى المكلّف مضطرّاً إلى جامع درهم من النجاسة، وأمّا إلى الأزيد منه فهو غير مضطر بالنسبة إليه، فلا بُدّ أن يزيل الأزيد من الدرهم، وهذا لا يكون إلّا بتطهير موضع الدرهمَين.
وهذا الذي قالوه صحيح، إلّا أنّه يحتاج إلى ضم نكتة، وكأنّها ارتكازية وعرفية فلم تذكر في كلامهم، فإنه لولاها يكون بإمكان أي شخص أن يشكك في هذا البيان، فالأمر هنا ليس دائراً بين درهم واحد والأزيد. فإنّ هذا إنّما يصدق فيما لو كانت هناك نجاسة بمقدار درهمين، والمكلّف لا يستطيع أن يزيلها كلها، فإمّا أن يزيل نصفها أو لا يزيل شيئاً، فالمكلّف مضطر إلى إبقاء نصفها، والباقي يجب إزالته.
وأمّا في المقام فهنا يوجد درهمان وهنا يوجد درهم واحد، فلو لاحظنا دليل المانعية لوجدناه منحلاًّ على الأفراد. فكل نجاسة بعينها موضوع له، والمكلّف غير مضطر إلى كِلا النجاستين، فكما قالوا بالتعارض في نجاسة البدن والثوب يُقال هنا أيضاً، واحتمال الأهمية في النجاسة الكبيرة موجود.
إلَّا أنّهم قالوا هناك: في باب التعارض إنّ احتمال الأهمية ليس من المرجحات، وكذلك في المقام.
ــــــــــ[267]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وليس في المقام اضطرار إلى النجاسة الصغيرة، بالخصوص، بل إليها أو إلى جزء من النجاسة الكبيرة، فالأقل هنا مُبايِن للأقل، وليس هنا اضطرار تعيّني للأول، فيتعارض دليلاهما واحتمال الأهمية غير مرجح.
وهذا الإشكال يحتاج إلى ضم نكتة عرفية وهي: أنّ خصوصيات محل النجاسة ملغية بالارتكاز العرفي، فإنّ العرف بما هو عرف لا يرى لمكان النجاسة وكونها في هذا الجانب أو ذاك دخلاً في الموضوع، فهذا يصبح قرينة عرفية على أن دليل المانعية لا نظر فيه إلى خصوصيات المحل، فيكون الدوران هنا بين درهم هنا ودرهمين هنا، كالدوران بين درهم ودرهمين في نفس المحل، إذ لو كانا متصلين لقلنا إنه يجب رفع الزائد، فكذلك لو كانا منفصلين، لأنّنا لو لم نقل ذلك لكان ذلك أخذاً لخصوصيات المحل بنظر الاعتبار، وهي ملغية عرفاً.
أن تكون إحدى النجاستين أشدّ من الأخرى، وهنا أيضاً بنى الأعلام بأنّ الدوران بين الضمنيات من باب التزاحم أو التعارض، على نفس التقريب السابق.
إلّا أنّ التحقيق في المقام أنّه يمكن تقريب دفع الأشدّ بوجوهٍ، جملة منها ما سبق في البدن.
الوجه الأول: إيقاع التزاحم، واحتمال الأهمية في الأشدّ من المرجحات فيقدّم.
ــــــــــ[268]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الوجه الثاني: بعد الفراغ عن أنّ المقام ليس من باب التزاحم يقال: إنّ دليل المانعية انحلالي، فيستظهر منه عرفاً الانحلالية بلحاظ الأفراد وبلحاظ المراتب أيضاً. وهذا الفهم مبني على مقايسة الأمور الشرعية بالأمور العرفية الخارجية؛ فإنه إذا صار شيء مانعاً فكلما كان أشد وجوداً كان منعه أشد أيضاً، فنفهم من دليل المانعية الانحلال بلحاظ المراتب كالانحلال بلحاظ الأفراد، فيصير هذا الفرع كالفرع السابق، غاية الأمر أنّ هذا أقل وأكثر من حيث المرتبة وذاك من حيث الكمّية.
الوجه الثالث: أنّه بعد عدم تسليم هذا الاستظهار. فيكون هذا الوجه والوجه الرابع هو إسراء للوجه الثالث والرابع لتقديم نجاسة البدن.
وروحهما أنّه لا يحتمل المانعية المطلقة لنجاسة الأخف، فيدور الأمر بين المانعية المشروطة في كل منهما أو المانعية المطلقة في نجاسة الأشد فنقول: إن دليل المانعية في المانعية المطلقة في الأخف معلوم السقوط على أيّ حال، ودليل المانعية في المانعية المطلقة لنجاسة الأشدّ غير معلوم السقوط فنتمسك به، ولا تقع المعارضة، لأنّ معلوم السقوط لا يعارض غير معلوم السقوط، فيجب تطهير الأشدّ تعيّناً.
هذا هو حاصل الكلام في الفرع الثاني أيضاً.
وهي التي سنتعرض لها في المسألة (9) التالية.
ــــــــــ[269]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا تنجس موضعان من بدنه أو لباسه، ولم يمكن إزالتهما فلا يسقط الوجوب، ويتخير إلّا مع الدوران بين الأقل والأكثر، أو بين الأخف والأشد (1)
إذا فرض وجود نجاستين متساويتين في الثوب أو في البدن وهو يتمكن من تطهير أحدهما، فلا إشكال في وجوب تطهير أحدهما.
ولا ينبغي أن يقول المكلف إنّه أيّ فرق بين النجاسة والنجاستين -وهذا تعرّض صريح من الماتن لانحلالية المانعية-.
فإنّنا إن قلنا بالانحلال كان كل فرد مانعاً مستقلاً فيجب إزالة المانع مع إمكانه.
وإن قلنا بعدم الانحلال وأن المانعية بنحو صرف الوجود وأنّ الوجود الأول لا يشترط -من حيث مانعيته- وجود آخر، ومعه لا يجب عليه تخفيف النجاسة وتقليلها.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
(1) المسألة التاسعة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 99.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والانحلالية بحسب الحقيقة كما حقّقنا في علم الأصول(1) لها ملاكان:
الملاك الأول: كون المحمول نهياً لا أمراً.
ولهذا سنخ موضوع واحد إذا وقع عليه الأمر لا يستفاد منه الانحلال، ولكن إذا وقع عليه محمول النهي يستفاد منه الانحلال؛ وذلك لارتكازية أن النهي ينشأ من ملاكات متعددة بعدد أفراد الطبيعة، بخلاف الأمر فإنّه يتعلق باعتبار وجود الملاك بصرف الوجود.
الملاك الثاني: أن يكون للمحمول موضوع زائد على المتعلق، فإنّنا تارةً نفرض الحكم لا موضوع له في الخارج نحو: (صَلِّ). وأخرى نفرض أنّ له موضوعاً في الخارج وهو متعلّق المتعلّق، نحو: (أكرم العالم).
فخطاب (أكرِم وصَلِّ) كِلاهما أمر، لكن نستفيد من الثاني صرف الوجود ومن خطاب (أكرم) الانحلال، ففي خطاب (أكرم العالم)، العالم موجود ومتعدد قبل الخطاب.
وأمّا في خطاب (صلّ) فليس عندنا إلّا الصلاة، فلا معنى لتعدّد الخطاب بتعّدد الصلوات، وتعدّده فرع أن يكون الموضوع متعدّداً قبل الخطاب، وفي دليل المانعية كِلا الملاكين موجود.
ــــــــــ[271]ــــــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 3: 15، بحوث النواهي، الجهة الثانية أنَّ المستفاد من صيغة النهي هل هو الإنحلال…؟
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أما الملاك الأول: فلأنها بلسان (لا تصلِّ في النجس)، فإنه نهي ضمني.
وأمّا الملاك الثاني: فلأنّ له موضوعاً محفوظاً بقطع النظر عن الخطاب.
ويؤيد ذلك بعض الروايات المتفرقة التي يمكن أن يجدها الإنسان كرواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله: قال: “سألته عن الجرح كيف يصنع به صاحبه، قال: يغسل ما حوله”(1).
وهنا لم يفرض كون الجرح في أعضاء الوضوء، ولا أن على المكلف غسلاً. فينصرف الذهن إلى الصلاة وقد أمر بوجوب غسل ما حول الجرح، وهو معنى تقليل النجاسة، وعليه فلا إشكال في انحلال المانعية ووجوب دفع الزائد.
ثمَّ إنّ هذا يتصور على نحوين:
النحو الأول: تارةً يفرض أن النجاسة التي لا يتمكن من تطهيرها متعيّنة خارجاً، كما لو كان لا يتمكن من تطهير هذه النجاسة. ولكن النجاسة الأخرى يتمكن من تطهيرها فيجب لأنّ هذه النجاسة فرد للمانعية.
والنحو الآخر: أن يكون التعددُ تعذُّراً للمجموع، فيمكنه إزالة هذه النجاسة وحدها وتلك وحدها، ولكن لا يمكن إزالة المجموع.
وهنا أيضاً لا إشكال في أنّ مقتضى دليل المانعية هو إزالة إحدى النجاستين، فيختار إحداهما للإزالة بعد فرض تساويهما في الكم والكيف.
ــــــــــ[272]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 103، كتاب الطهارة، باب21، حديث 2، التهذيب 1: 363، كتاب الطهارة، باب16، حديث:26، الوسائل1: 464، باب39 من أبواب الوضوء، حديث:3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ولكن هنا تأتي شبهة، وهي أنّ الدوران بين الضمنيات إذا قيل إنّه داخل في باب التزاحم فلا بأس بذلك؛ لأن قانون التزاحم في المتساويات يقتضي التخيير. وأما إذا أدخلناه في باب التعارض فقد يقال: إن دليل المانعية في نفسه يقتضي مانعيتين فيتعارض إطلاقه لهذه المانعية مع إطلاقه للمانعية الأخرى. ودعوى أنه يثبت المانعية لأحدهما لا بعينه وتسقط عن الآخر لا بعينه ليست دعوى صناعية، لأنّ دليل المانعية انحلالي على الأفراد المشخصة وأحدهما لا بعينه ليس فرداً آخر من دليل المانعية ليثبت له المانعية، والمفروض أن إطلاقه لهذا يعارض إطلاقه لذاك.
والجواب بأحد تقريبين:
التقريب الأول: الاستعانة بالارتكاز العرفي الذي نزّلنا عليه دليل المانعية وهو ارتكاز إلغاء خصوصيات المحل، فإنّه بعد الإلغاء يفهم العرف أنه كان هنا مانعان رفعهما معاً غير ممكن، وحيث لا خصوصية للمحل فتبقى المانعية في أحدهما لا بعينه وتسقط عن الآخر لا بعينه، أي تنقلب المانعية التعيينية إلى المانعية التخييرية.
التقريب الثاني: سلّمنا التعارض بين إطلاق دليل المانعية لهذه النجاسة وإطلاقها لتلك النجاسة، ولكن التعارض بين المانعيتين المطلقتين لا مطلق المانعيتين، فدليل المانعية ينحل مفاده إلى مانعيتين: المانعية المطلقة والمانعية المشروطة بوجود الآخر.
إذن فليسقط الإطلاقان معاً فتثبت في كل من الموردين مانعية مشروطة.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
قوله: أو بين متّحد العنوان ومتعدّده فيتعيّن الثاني في الجميع(1)
فيما إذا كان أحد النجسين متحد العنوان والآخر متعدد العنوان، وهذا يتصور على عدة أنحاء:
النحو الأول: أن يكون تعدد العنوان بلحاظ محذور آخر غير النجاسة، كما لو فرض أن هذا الثوب وقع عليه دمان، أحدهما مما يؤكل لحمه والآخر مما لا يؤكل لحمه. ففي الدم الثاني يوجد محذوران: النجاسة وكونه مما لا يؤكل لحمه.
وهنا لا إشكال في تعيّن تطهير متعدّد العنوان، لأنّ دليل مانعية النجاسة دليل، ودليل مانعية ما لا يؤكل لحمه دليل آخر.
وافرضوا أنّ الدليل الأول تعارض منه فردان فيبتلي بالإجمال الداخلي، ولكن يبقى الدليل الثاني على إطلاقه. ولا معنى لإيقاع المعارضة بين هذين الدليلين؛ لأنّ دليل مانعية النجاسة قد افترضنا ابتلاءه بالإجمال الداخلي، فلا يصلح لمعارضة المبيّن، فيكون دليل (ما لا يؤكل لحمه) هو المرجع.
النحو الثاني: أنّ كِلا العنوانَين يرجع إلى باب النجاسة، كما لو تنجس أحد الموضعين بالدم فقط وتنجس الموضع الآخر بالدم والمنيّ مثلاً.
ــــــــــ[274]ــــــــــ
(1) استكمالاً للمسألة التاسعة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 99.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فهنا: إن كان دليل مانعية النجاسة عبارة عن أدلة متعددة فيوجد دليل على مانعية المنيّ في الصلاة، ودليل يدل على مانعية الدم في الصلاة، وهكذا. فالنجاسة المشتركة يكون دليلها مبتلىً بالتعارض والإجمال الداخلي.
وأما دليل مانعية النجس الآخر الذي امتاز به أحد الموضعين، فنتمسّك بإطلاقه؛ لأنّه لم يَبتلِ بالإجمال.
نعم، لو فرضنا أنّ دليل المانعية كان في كل النجاسات دليلاً واحداً، فلا يأتي هذا الكلام وننتقل إلى الفرض الثالث.
النحو الثالث: وهو ما إذا تنجّس موضع بفردين من النجاسة، والموضع الآخر بفرد واحد منه كقطرة أو قطرتين من الدم.
فهنا إن قلنا: إنّ الملاقاة تلو الملاقاة توجب نجاسة تلو النجاسة ويكون تكرّر النجاسة في الفهم العرفي يعني شدّتها، فيدخل المطلب في الأشد والأضعف الذي ذكرناه في بعض الفروع السابقة.
وأمّا إذا لم نستفد ذلك عرفاً، فحينئذٍ إن قلنا إنّ المورد من باب التزاحم، فاحتمال الأهميّة موجود في المقام في طرف القطرتين. وإن أدخلنا المقام في باب التعارض فيمكن إسراء كلامنا السابق، وهو: أنّ المانعية المطلقة في المتنجس بملاقاة واحدة غير محتملة عرفاً، وأمّا إطلاقها في الآخر فهو محتمل فيتعيّن تطهير ما يكون ابتلاؤه بالنجس أكثر فما ذكره من تقديم متعدد العنوان على متحد العنوان صحيح في الفروض الثلاثة.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
قوله: بل إذا كان موضع النجس واحداً وأمكن تطهير بعضه لا يسقط الميسور.
هذا ليس أمراً زائداً على ما تقدم، فإنّه بناءً على الانحلالية في دليل المانعية: لو وقعت نجاستان في الثوب، وكان غير قادر على إزالتهما معاً، وإنمّا كان قادراً على أحدهما، فيجب عليه ذلك.
هذا الكلام بعينه يأتي فيما إذا كانت نجاسة واحدة متسعة، فإنّ انحلالية المانعية، وإنّ الضرورات تقدر بقدرها، تقتضي ذلك، فإنه لا فرق بين أن تكون النجاستان متفرقتين أو متصلتين.
قوله: بل إذا لم يمكن التطهير لكن أمكن إزالة العين وجبت.
لو كانت نجاسة واحدة ملوثة بعين النجاسة وكان المكلف لا يتمكن من تطهير الثوب، لكنّه يستطيع إزالة عين النجاسة بمسح أو تجفيف ونحوه.
إن بنينا على أن حمل عين النجس يكون مانعاً مستقلاً في الصلاة في مقابل نجاسة الثوب، بمعنى أنهما مانعان بينهما عموم من وجه، فقد يكون ثوبه نجساً بدون العين، أو يحمل الثوب عين النجس، بدون أن ينجس الثوب لكونه يابساً.
فإن بنينا على أن حمل النجس يكون محذوراً زائداً على محذور نجاسة الثوب، فيجب إزالة عين النجس على القاعدة؛ لأنّ عدم وجدان الماء يوجب
ــــــــــ[276]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الاضطرار إلى الصلاة في الثوب النجس لا إلى حمل النجس فلا بُدّ من إزالته.
وأما إذا لم نَبنِ على مانعيّة زائدة لحمل النجس فأيضاً يمكن دعوى وجوب الإزالة بضم أمرين:
الأمر الأول: ما تقدّم من أن دليل مانعية النجاسة قد يستظهر منه الانحلالية بلحاظ المراتب كالانحلالية بلحاظ الأفراد، فلو فرض أن نجاسة واحدة فيها مراتب متعدّدة فكل منها موضوع مستقل للمانعية.
الأمر الثاني: أن نفهم من دليل المانعية -تنزيلاً له على ما هو المركوز عرفاً في باب سراية القذارات- أنّ النجاسة في حال وجود عين النجس أشدّ منها حال عدمه، بأن نقول: إنّ دليل النجاسة ودليل السراية بالملاقاة حيث إنّه يتعرض إلى مطلب مركوز عرفاً فيُنزَّل على ما هو المركوز.
ومن الواضح أن المركوز عرفاً هو أن السراية إنّما هي باعتبار أن الملاقي سوف يحفظ شيئاً من الملاقى، ولو بلحاظ أثره أو شيئاً من خواصّه، ولذا لا يطهر إلّا بإزالة ذلك بالماء ونحوه. إذ كلّما كان الملاقي حافظاً للملاقى أكثر، كانت القذارة أكثر، فيكون الدليل ظاهراً بأنّ النجاسة حال وجود عين النجس أشد منها حال عدمها.
فإذا تمّ الأمران: أن النجاسة انحلالية بحسب المراتب، وأنّ هذا النجس ذو مرتبتين:
إحداهما: مرتبة محفوظة سواء وجدت العين أو لا.
وثانيتهما: مرتبة محفوظة مع وجود العين خاصة.
ــــــــــ[277]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والمرتبة الأولى لا بدّ من وقوعها، والأخرى متمكّن من إزالتها وهي موضوع للمانعية فلا بُدّ من إزالة العين.
ومنه يظهر أنه لو كان هناك نجسان أحدهما مُلاقٍ لعين النجس ولا تزال العين فيه، والآخر مُلاقٍ للعين وقد زالت عنه، والمكلّف لا يستطيع إزالة كليهما، فيتعيّن إزالة ما فيه عين النجس بناءً على هذا التقريب.
وأما إذا لم ننزّل دليل السراية الشرعي على الارتكاز العرفي، فمن قال بأن هذا أشد من ذاك؟! إذن لا يجب إزالة عين النجس.
ثمَّ إنّ هذا كله على القاعدة، ولكن قد يمكن أن يُستأنَس ببعض الروايات التي تقدمت فيما إذا انحصر ثوب الرجل بالنجس، حيث قيل: “رجل في فلاة وأصاب ثوباً كله دم أو نصفه دم ماذا يصنع؟ قال: يصلّي فيه ولا يصلّي عارياً فإن وجدها بعد ذلك غسله”(1).
فيدّعى الخروج عن مقتضى القاعدة؛ لأنّ إزالة العين إذا كانت واجبة لأمر بها.
وهذا يتم فيما لو استظهرنا أن الإمام في مقام البيان من سائر الجهات وليس في مقام البيان من جهة أنّه أيهما يُقدّم؟ الصلاة في النجس أو الصلاة عارياً فقط، في حين إنّ الظاهر من كلام الإمام أنّه ليس في مقام البيان من سائر الجهات.
ــــــــــ[278]ــــــــــ
(1) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 219، لباس المصلّي، الحديث 488، الفقيه1: 248، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه من الثياب، حديث: 755، الوسائل 3: 485، باب45 من أبواب النجاسات، حديث5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
قوله: بل إذا كانت محتاجة إلى تعدد الغسل وتمكن من غسلة واحدة فالأحوط عدم تركها لأنها توجب خفة النجاسة.
لو فرض أن الثوب كان متنجساً بالبول وهو يحتاج إلى التعدد، وليس له إلّا ماء يكفي لغسلة واحدة، فهل يجب عليه الغسلة أو لا؟
ذكر السيّد الأستاذ(1) أنّ هذه المسألة مبنية على المسلكين في باب التعارض وباب التزاحم.
فإن قلنا إنّ المقام من باب التزاحم فاحتمال الأهمية من المرجحات، فلا بُدّ من غسله مرة واحدة، لأنّ احتمال أهمية النجاسة الشديدة على الضعيفة موجود على أيّ حال.
وأمّا بناءً على التعارض، فلا يكون لاحتمال الأهمية أثر، فيحصل التعارض بين دليل مانعية النجاسة الشديدة، ودليل مانعية النجاسة الضعيفة فلا يجب عليه شيء.
وهذا الكلام مما لا يناسبه، لأنّ هذه المسألة غير مرتبطة بباب التزاحم
ــــــــــ[279]ــــــــــ
(1) لاحظ فقه الشيعة 4: 249ـ 250، كتاب الطهارة، فصل حكم من صلّى في النجس، المسألة 9، والتنقيح في شرح العروة2: 410ـ 411، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ولا التعارض، لأنّ باب التزاحم معناه أن توجد مانعيتان ويقع بينهما التزاحم في مقام الامتثال، وباب التعارض هو أن يوجد دليلان على مانعيتين ويقع بينهما التكاذب في الدلالة(1).
وأمّا في المقام فإمّا أن نفرض أنّ هذه النجاسة تخف بالغسلة الواحدة. أو نفرض أنها لا تخف بل تزول دفعة واحدة بالغسلتين.
فإن فرضنا أنها تخفّ:
– فإن بنينا على أن دليل المانعية بلحاظ الرُتب، فلا تعارض ولا تزاحم، بل دليل المانعية بلحاظ المرتبة الضعيفة ساقط يقيناً لأن هذه المرتبة لا يمكن له التخلص منها. وأمّا المرتبة الشديدة فيمكنه التخلص منها، والمفروض أنها موضوع للمانعية، فيجب إزالتها.
– وإن بنينا على أن دليل المانعية ليس انحلالياً بلحاظ الرتب، بل هو انحلالي بحسب الأفراد فقط، فهنا لا يوجد إلّا موضوع واحد للمانعية وهو هذا النجس بالبول، وكونه تخف نجاسته لا دخل له في المانعية، فلا يجب عليه شيء، وأين التزاحم والتعارض، وليس هناك مانعين ولا دليلان. وكذلك الكلام فيما إذا لم نقل بالشدة والضعف؛ فإنّ هناك مانعاً واحداً متعذر الإزالة ولا يجب عليه الغسل.
يبقى الكلام في تحقيق أن هذين الأمرين تامان أو لا؟
ــــــــــ[280]ــــــــــ
(1) لاحظ بحوث في علم الأصول 7: 26، تعارض الأدلة الشرعية، تمهيد التعارض والتزاحم.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أما الأمر الأول: فقد قلنا إنّ دليل المانعية انحلالي بحسب الرتب أيضاً بحسب الفهم العرفي.
وأما الأمر الثاني: فهل الغسل الأول يوجب خفّة في المرتبة أو لا؟
في موارد تعدد الغسل يوجد احتمالان ثبوتيان.
الاحتمال الأوَّل: أن يكون الغسلان كليهما مباشرين في التطهير، بحيث يكون الأول مطهّراً في الجملة والثاني كذلك.
الاحتمال الثاني: أنّ الغسلة الأولى ليس لها دخل في التطهير وإنما هي مقدِّمة إعدادية لتطهير الغسلة الثانية؛ لأنها مطهِّرة بعنوان كونها ثانية، ولا توجد إلّا بغسلة أولى قبلها.
لكن لا إشكال في أن الدليل الإثباتي الذي يجب أن يُنزّل على الفهم العرفي يجب أن يُنزَّل على الاحتمال الأوّل لا الاحتمال الثاني الذي لا يفهمه إلّا المدقِّقون. والعرف يفهم من الأدلة ما يفهمه عن قذاراته العرفيّة، وهو يفهم أنّ الغسل مؤثّر في تخفيف النجاسة، ومعه فتجب الغسلة الواحدة.
قوله: إلّا أن يستلزم خلاف الاحتياط من جهة أخرى بأن استلزم وصول الغسالة إلى المحل الطاهر(1).
فيكون منجِّساً له، فيلزم محذور من ناحية أخرى، وهو إحداث تنجيس زائد فيجب ترك النجاسة على حالها. وهذا إنمّا يلزم إذا بنى على نجاسة ماء ــــــــــ[281]ــــــــــ
(1) تمام المسألة التاسعة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 99.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الغسالة قبل انفصالها، وإذا قيل بطهارتها مطلقاً أو قبل انفصالها من المحل، فيحكم بعدم وجود المحذور.
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفي إلّا لرفع الحدث أو لرفع الخبث من الثوب أو البدن تعيّن رفع الخبث ويتيمم بدلاً عن الوضوء أو الغسل. والأولى أن يستعمل في إزالة الخبث أولّاً ثمّ التيمّم ليتحقّق عدم الوجدان في حينه(1).
لو كان له ماء واحد يدور أمره بين أن يرفع به الحدث ويصلّي بالنجس أو الخبث ويتيمم.
هنا لا إشكال في خروج صورة من النزاع، وهو ما إذا تمكن من رفع الحدث به، ثمَّ تجميع الماء ويرفع الخبث به، فلو أمكن هذا وجب، وكذلك لو أمكن العكس صحّ، على شرط أن لا يكون عين النجس موجوداً على الثوب، فيغسل ثوبه ويتوضأ؛ لأن الماء القليل لا ينفعل إلّا بملاقاة عين النجاسة واعتبار أنّه يجوز رفع الحدث بماء الغسالة إذا كان طاهراً.
وأما إذا تعذّر ذلك فهو محلّ الكلام حيث يدور الأمر بين الطهارة الحدثية والخبثية.
ــــــــــ[283]ــــــــــ
(1) المسألة العاشرة من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 100.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وقد اختار المشهور(1)والميرزا(2) تقديم الطهارة الخبثية على الحدثية، وأفادوا في وجه ذلك: أنّ وجوب الوضوء مشروط بالقدرة الشرعية، بينما وجوب تطهير البدن غير مشروط بذلك، وغير المشروط بها يقدّم على المشروط.
وقد استشكل في ذلك السيّد الأستاذ(3) قائلاً: إنّ هذا المطلب مبنيٌ على تخيّل تطبيق باب التزاحم في دوران الأمر بين الضمنيات، فإنّه يُقدَّم حينئذٍ غير المشروط بالقدرة الشرعية على المشروط، وحينئذٍ ينفتح كلام في أن وجوب الوضوء مشروط بها دون غسل الثوب.
وأما إذا قلنا بأن الدوران بين الضمنيات داخل في باب التعارض، فيحصل التعارض بين دليل وجوب الوضوء ووجوب الطهارة الخبثية، وحيث إنّنا نعلم أنّ الصلاة لا تسقط بحال. فإذا شكّ في أنّ الصلاة هل يجب إيقاعها
ــــــــــ[284]ــــــــــ
(1) لاحظ المعالم الزلفى في شرح العروة: 506، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، ومستمسك العروة الوثقى 1: 553، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 10، مصباح الهدى 2: 102، كتاب الطهارة، فصل احكام الصلاة في النجس، ودليل العروة الوثقى 2: 252، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، ومهذّب الأحكام 1: 514، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس.
(2) لاحظ أجود التقريرات 1: 272، المقصد الأوّل في الأوامر، الفصل التاسع في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه، المقام الثاني.
(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 384.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
مع هذا أو مع ذاك، فتجري البراءة عن تعيّن كلٍّ منهما.
والتحقيق: أنّ هذا الإشكال مما لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّ ما ذكره المشهور في تقديم الطهارة الخبثية، هو أنّه: إذا تم أن هذا مشروط بالقدرة الشرعية وذاك غير مشروط بها فكبراه تامة، ويجب تقديم غير المشروط سواء طبّقنا باب التزاحم أو باب التعارض.
والوجه في ذلك يظهر بعد معرفة معنى تقديم غير المشروط بالقدرة الشرعية على المشروط بها؛ فإنّ مرادهم بالمشروط بها ما يكون بحسب دليله مقيَّداً بعدم وجود المانع عن الفعل لا عقلاً ولا شرعاً، فعدم المانع الشرعي يكون مأخوذاً في موضوع الوجوب، فيسمى وجوباً مشروطاً بالقدرة الشرعية، وأمّا إذا أخذ في موضوعه عدم المانع التكويني وهو العجز فيسمى مشروطاً بالقدرة العقلية.
فإذا ثبت وجوبان أحدهما أُخذ في موضوعه عدم المانع الشرعي دون الآخر، وتعذّر عليه إثباتهما معاً، فهنا يكون دليل الوجوب الذي لم يؤخذ في موضوعه عدم المانع الشرعي وارداً على دليل الأول؛ لأنّه يقول: هذا واجب فيصبح نفس وجوبه مانعاً شرعياً عن الإتيان بالآخر، والمفروض أنّ الأول أُخذ في موضوعه عدم المانع الشرعي، فيرتفع موضوع الأول ببركة تمامية الدليل الثاني. بخلاف العكس فإنّه لو تمّ فسيُحدث مانعاً شرعياً عن الثاني، ولكنّ الثاني لم يؤخذ في موضوعه عدم المانع الشرعي، والمانع التكويني على أي حال غير موجود.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والورود ليس من مختصات باب التزاحم، بل يشمل باب التعارض، فإنه عند التعارض يتقدّم الدليل الوارد على الدليل المورود(1)، ولهذا يقدّم دليل الطهارة الخبثية لو أخذ في دليل الطهارة الحدثية عدم المانع الشرعي.
إذن فنقاش هذا الوجه لا بدّ أن يكون بنقاش صغراه، وقد ناقشها السيّد(2) على ما سيأتي توضيحه.
وتوضيح الكلام وتحقيقه: إننا تارةً نبني على أن الدوران بين الضمنيات داخل في باب التعارض وأخرى نبني بدخوله في باب التزاحم. فيقع الكلام في مقامين.
أمّا بناءً على أن المقام من باب التعارض، وأنه يقع التعارض بين دليل وجوب الوضوء ودليل وجوب الطهارة الخبثية، فهنا لا إشكال في أنّ الدليلين لو خُليّا وأنفسهما فلا تعارض بينهما أصلاً، لأنّ مفادهما الإرشاد إلى الشرطية لا إلى الأمر المولوي، فمقتضى إطلاق دليل الشرطية في كل منهما أن الوضوء والطهارة الخبثية شرط لهذا المكلّف، ومقتضى الجمع بين إطلاقهما سقوط الصلاة أصلاً، فلو لم نكن نعلم بأن الصلاة لا تسقط بحال، وإنما يقع بينهما تعارض في طول ذلك، فهل يوجد مرجّح لأحدهما على الآخر؟ وهنا مرجّحان.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 7: 48، تعارض الأدلّة الشرعية، نظرية الورود العامّة.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 383-385.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المرجّح الأول وهو الذي ذكرناه في تقريب كلام المشهور، وهو أن أحدهما وارد على الآخر ورافع لموضوعه كما سبق، والورود أول العلاجات في باب التعارض، وهذا الكلام لو تمّت صغراه تمّت كبراه فيقع الكلام في الصغرى.
أما إنّ دليل وجوب التطهير الخبثي لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعية، فهذا نسلّمه. وأمّا إنّ دليل وجوب الوضوء أُخذ في موضوعه القدرة الشرعية، فلا نسلّمه وإن كان مشهوراً.
فإن الآية الكريمة علّقت وجوب الوضوء على وجدان الماء بقرينة مقابلته لبديله على عدم وجدان الماء. ومقتضى الجمود على القيد هو الوجدان سواء كان المانع عن استعماله تكوينياً أو كان المانع شرعياً، غاية الأمر أنّ المانع التكويني خارج بالتخصيص. ولكن نرفع اليد عن هذا الجمود لأمرين:
الأمر الأوَّل: ظهور وجدان الماء بكونه طريقياً لا موضوعياً، وأنّه طريق إلى التوضؤ به بمناسبات الحكم والموضوع العرفية.
الأمر الثاني: ذكر المريض في أدلة التيمم، فإن المريض كثيراً ما يوجد الماء في بيته غايته لا يتمكّن عرفاً من الوضوء(1).
لكنّ مقتضى الجمود على التمكّن هو التمكّن التكويني. وأمّا تطعيم التمكّن بالقدرة الشرعية فهو أمر زائد يحتاج إلى قرينة زائدة غير متوفرة لدينا.
ــــــــــ[287]ــــــــــ
(1) أُنظر: تنقيح العروة الوثقى 3: 383، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 10.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذن فمقتضى القاعدة أنّ كِلا الدليلين لم يؤخذ في موضوعه عدم المانع الشرعي، فلا موجب للورود.
المرجّح الثاني أنّ دليل وجوب الوضوء يكون مُقدَّماً على الدليل الآخر؛ لأنّ دليل وجوب الوضوء دليل كتابي، والدليل على تطهير النجاسة ليس كتابياً فيُقدَّم الدليل الكتابي عند التعارض فيُقدَّم دليل الوضوء.
وهذا البيان لعله غير تام؛ لأنه في مسألة تقديم الكتاب على غيره ولو من باب احترام القرآن وكونه معجزة فالأمر كما قيل. لكنه ليس كذلك كما في بحث التعادل والترجيح(1)حيث قلنا: إن المستفاد كون الدليل قطعياً فالنكتة ترجع إلى أن الدليل غير القطعي إذا تعارض مع الدليل القطعي فيقدم قطعي السند، وفي المقام يمكن أن يقال: إن دليل الطهارة الخبثية وإن لم يكن قرآنياً إلّا أنه قطعي السند باعتبار استفاضة الأخبار عليه، وإذا لم يوجد مرجح فيستحكم التعارض بعد البناء على أن الصلاة لا تسقط بحال.
فنسأل ما هو المخرج فقهياً للالتزام بأحد الأمرين؟
والجواب: أن هذا له طريقان.
الطريق الأوَّل: أن نفس تلك القضية الإجمالية تدل أيضاً على أن كل جزء ممكن لا بدّ من توفّره فيدل بالارتكاز على قاعدة الميسور.
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) أنظر: بحوث في علم الأصول (الهاشمي)، التعارض المستقر، المسألة 7: 219- 275.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الطريق الثاني: أنّ إطلاق الشرطية في دليل الوضوء ودليل التطهير من الخبث لا يجتمعان، لعدم إمكان الجمع بينهما على الفرض، ولكنّ شرطية كل منهما على تقدير عدم الآخر لا بأس بها، لأنّه لا يلزم منه أمر غير مقدور. فالتعارض في الحقيقة بين إطلاق الشرطية في كل منهما فيرتفعان، وتبقى الشرطية المقيّدة، ومرجع ذلك إلى التخيير بين الوضوء والتطهير. ومعه يكون التخيير مستفاداً من الدليلين بلا ضم تلك القضية الإجمالية (قضية أن الصلاة لا تسقط بحال)(1).
وقد يقال: إنّه بدونها لا يمكن استفادة ذينك الوجودين المشروطين، إذ لو التزمنا بذلك يلزم أمر محال؛ لأنه لو لم يتوضأ ولم يغسل ثوبه يكون كِلا الأمرين منجّزاً عليه، فيجب عليه أن يتوضأ ويغسل ثوبه.
وهذا ليس محذوراً في الأوامر الاستقلالية، وما تصوره صاحب الكفاية(2) من كونه محذوراً؛ لأنه يؤدّي إلى طلب الجمع بين الضدين ليس صحيحاً، فإنّه لا يؤدي إلى ذلك لأنه بمجرد أن يأتي بأحدهما يسقط الطلب الآخر.
ولكنه محذور في الأوامر الضمنية، كما هو في محل الكلام؛ فإن مرجع الأمرين إلى أمر واحد بالمجموع المركّب، فلو ترك الوضوء والتطهير معاً،
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) قاعدة متصيّدة من روايات الإستحاضة، لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 404، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 9.
(2) لاحظ كفاية الأصول: 134، المقصد الأول الأوامر، الفصل الخامس، مسألة الضد، الترتب.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فسيكون هذا الأمر الاستقلالي الواحد متعلّقاً بكِلا الأمرين وهو محال.
ومن هنا قلنا(1): بإنه لا يعقل التزاحم بين الأوامر الضمنية، لأنّه لا يعقل الترتّب بينهما؛ لأنّ الفرق بين باب التزاحم وباب التعارض، هو إمكان الترتب، وحيث إن الترتب في الأوامر الضمنية غير معقول لوحدة الأمر لا لتعدده، فلا يعقل التزاحم.
إلّا أنَّ هذا الكلام لا يتم؛ فإنّه وإن كان لا يعقل التزاحم في الأوامر الضمنية، إلّا أنّ مفاد دليل الشرطية: (توضّأ واغسل ثوبك) ليس هو أمراً ضمنياً مولوياً يشكّل جزءاً من الأمر الاستقلالي، بل مفاده إرشاد إلى تلك الأوامر الضمنية، ولذا تكون نسبة هذه الأدلة إلى الصلاة الواجبة والصلاة المستحبة والصلاة المحرمة على حدّ واحد، فهو إرشاد إلى الشرطية بمقدار يستكشف منه الأمر الضمني.
فلو استفدنا من كلٍّ منهما قضيتين مشروطتين فسنكشف عن أمر ضمنيّ ضيّق. ولا يلزم أن يكون المستكشف أمرين ضمنيين مشروطين، لأنّه غير معقول كما قلنا، بل يكشف عن تعلّق الأمر الضمني بالجامع بينهما وهو أمر معقول.
وإلى هنا عندنا طريقان لإلزام المكلف بالإتيان بإحدى الطهارتين:
أحدهما: استفادته من القضية الإجمالية بأنّ (الصلاة لا تسقط بحال).
ــــــــــ[290]ــــــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأصول 7: 125، تعارض الأدلة الشرعية، تنبيهات باب التزاحم، التنبيه الثالث التزاحم بين الواجبات الضمنية.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والآخر: تقييد الدليلين.
فهناك فرق بينهما وهو ما إذا احتمل المكلف أن المولى أمر بأحدهما على التعيين، فيكون من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فالوجه الأول ساكت عن التعيين، فيكون المرجع هو أصالة البراءة عن التعيين.
وأمّا على الوجه الثاني: فاحتمال التعيين في أحدهما يُنفى بنفس الدليل؛ لأنّ الدليلين قد أنتجا قضيتين مشروطتين وهو في قوة التخيير ولا حاجة إلى أصالة البراءة، فلو إنَّ فقيهاً لم يكن يبني على البراءة في دوران الأمر بين التعيين والتخيير كما هو مختار الميرزا والمشهور(1)، يؤثر في حقه تمامية أحد الوجهين. فإن كان المَدرك هو الوجه الأوّل لزم الاحتياط، وإن كان المَدرك هو الثاني فلا يلزم لوجود دليل اجتهادي على التعيين.
فإنّنا إذا سلكنا المسلك الأول وهو قاعدة الميسور المستبطنة في القضية الإجمالية الارتكازية، ولم ندرِ أنّ المولى أوجب أحدهما تخييراً وتعييناً فالقضية الارتكازية لا تعيّن ذلك، فيكون المقام من دوران الأمر بالتعيين والتخيير، فمن قال بالبراءة فهو، وإلاّ فلا بُدّ من الاحتياط.
وأمّا بناءً على المسلك الثاني يصير الشك من دوران الأمر بين الأقل والأكثر، لأن الدليلين لم يسقطا بالمرة، بل أثبت مطلق الشرطية الملائم للشرطية المقيَّدة، وهذا معناه أنّ الشرطية المقيَّدة ثابتة في غير محتمل التعيّن أيضاً. فلو كان
ــــــــــ[291]ــــــــــ
(1) مباحث الأصول، القسم الثاني: 355، فوائد الأصول 3: 156، أجود التقريرات 2: 215.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
محتمل التعين هو الطهارة الخبثية، لأمكن التمسك بإطلاق دليل الوضوء لإثبات الشرطية المقيدة.
إذن فالإلزام بالجامع محرز وإنّما الشكّ في إلزام زائد على ذلك، فيكون الأمر دائراً بين إلزام واحد وإلزامين، ولا إشكال بجريان البراءة عنه حتى عند من يقول بعدم جريان البراءة في دوران الأمر بين التعيين والتخيير.
وهذا بحث سيّال في كل مورد يتزاحم فيه دليلان من أدلة الجزئية والشرطية، كما لو عجز عن الركوع والسجود معاً وتمكّن من أحدهما.
إلّا أنّه في خصوص محل الكلام توجد مضافاً إلى هذين المسلكين عنايتان أخريان:
العناية الأولى: أنّه لو قطعنا النظر عن المسلك الأول والثاني. ففي خصوص المقام توجد عناية وهي أنّ هذا المؤمن إذا أراد أن يترك الطهارة الحدثية والخبثية معاً، يُبتلى بمحذور آخر. وذلك أنه لا موجب لسقوط دليل الطهارة الحدثية الجامعة بين الوضوء والتيمم، وإن سقط دليل الوضوء.
غاية الأمر أنّ الشخص إن كان معذوراً عن استعمال الماء ينتقل إلى التيمم وإلا توضأ. فهذا الشخص لو أنه ترك كليهما، فإن قيل: يجب التيمم فهذا ليس معذوراً في ترك الماء وإن قيل: لا يجب التيمم فهذا خلاف الشرطية.
العناية الثانية: في قوله: (لا صلاة إلّا بطهور)(1). يدل بنحو الإجمال على
ــــــــــ[292]ــــــــــ
(1) الفقيه 1: 58، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه ح:129، التهذيب 2: 140، كتاب الصلاة، الباب9، ح:3، الوسائل 1: 365، باب 1 من أبواب الوضوء، حديث1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وجوب استعمال الماء لو فهمنا منه استعمال الماء، ولو كان يمكن شموله للموردين وجب ذلك، وحيث لا يمكن استعماله في كِلا الموردين فلا بُدّ من استعماله في أحد الموردين.
إذن فالصحيح لزوم أحد الأمرين. هذا كله بناءً على أنّه من باب التعارض.
وأمّا بناءً على كونه من باب التزاحم، فهنا بيانان:
هو: أنّ المقام من باب التزاحم فيقدَّم محتمل الأهمية وهو الوضوء، فإنه في جملة من الحالات ثبت العفو من الطهارة الخبثية، بخلاف الطهارة الحدثية، والروايات التي تقول: “الصلاة ثُلثها الركوع وثُلثها السجود وثُلثها الطهور”(1) بناءً على أنّ المراد بها الطهارات الثلاث، فيكون محتمل الأهمية.
إلّا أنّ هذا الكلام موقوف على أمرين:
الأمر الأوّل: أن لا يتمّ ما يأتي من دعوى أنّ أحد الدليلين مشروط بالقدرة العقلية، والآخر بالقدرة الشرعية. لما ذكرناه في بحث التزاحم(2)من أن التقديم
ــــــــــ[293]ــــــــــ
() مستدرك الوسائل 1: 289، باب1 من أبواب الوضوء، حديث:635، وفقه الرضا:110، باب الصلوات المفروضة.
(2) أُنظر: بحوث في علم الأصول 7: 68، تعارض الأدلّة الشرعية مرجحات باب التزاحم، ترجيح المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
باحتمال الأهمية إنما هو في المشروطين بالقدرة العقلية، وأما إذا كان أحدهما مشروطاً بالقدرة الشرعية فـ[لا] يقدَّم وإن كان محتمل الأهمِّيَّة.
الأمر الثاني: أن نستفيد من الروايات أهمية الوضوء بشخصه لا الجامع بينه وبين التيمّم، وهو ممنوع، وإنّما يستفاد أهمية الجامع، فإن قيل بتقديم غسل الثوب تيمم وإن قيل بتقديم الوضوء توضّأ.
فهذا البيان غير تامّ.
الاتّجاه الثاني ويمكن أن يقرّب بعدّة تقريبات:
التقريب الأوّل: تقديم المشروط بالقدرة العقلية
إن وجوب الوضوء مشروط بالقدرة الشرعية ووجوب غسل الثوب مشروط بالقدرة العقلية، فيُقدّم الثاني، وهو عين الوجه الذي تعرّضنا له في باب التعارض أيضاً؛ لأنّه من باب الورود وهو مشترك الورود في باب التعارض والتزاحم.
وتفصيل ذلك إجمالاً: إنّ القدرة الشرعية في مقابل القدرة العقلية لها أحد ثلاثةِ معانٍ:
المعنى الأوّل: أن تكون القدرة مأخوذةً في لسان الشارع، والقدرة العقلية مأخوذةً بحكم العقل.
المعنى الثاني: أن تكون القدرة دخيلةً في ملاك الشارع بحيث لا ملاك ولا محبوبية من دونها، وفي مقابله المشروط بالقدرة العقلية وهو ما لا تكون القدرة
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
التكوينية فيه دخيلةً في الملاك بحيث يشمل العاجز وإن لم يمكن استيفاؤه للعجز.
وقد يجعل المعنى الأول كاشفاً عن الثاني، وأنّه متى ما أخذ الشارع القدرة في لسانه كشف عن كونها دخيلة في الملاك، وإن لم يأخذها استكشفنا أنها ليست دخيلة في الملاك بل دخيلة في التكليف عقلاً فقط.
المعنى الثالث: أن لا يكون هناك مُلزِم بالترك لا مُلزِم تكويني كالشلل ولا مُلزِم شرعي كالأمر بالضد.
والمعنيان الأولان سواء تمَّت صغراهما في المقام أو لا، لا أثر لهما، لأنّه لا برهان ولا موجب لتقديم ما هو المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الأول أو الثاني، ففي كِلا الحالين يكون الملاك فعلياً في كلٍّ منهما، إذ حتّى لو كانت القدرة التكوينية دخيلةً في الملاك في أحدهما وغير دخيلة في ملاك الآخر، فمع ذلك يكون الملاك فعلياً في كلٍّ منهما، لأنّ القدرة التكوينية موجودة في كلٍّ منهما، غاية الأمر بدلاً لا جمعاً.
نعم، لو تمّت صغرى المعنى الثالث، وثبت أن وجوب الوضوء مقيَّد بعدم الملزِم تكويناً أو شرعاً، بخلاف وجوب غسل الثوب، فيتم المتقدم، لأنّ وجوب غسل الثوب يكون مُلزِماً شرعاً بترك الوضوء، فيرتفع موضوع وجوب الوضوء بخلاف العكس. إلّا أنّ صغرى المعنى الثالث غير تامة كما سبق حين تكلمنا عن باب التعارض.
وعليه فهذا البيان غير تام.
ــــــــــ[295]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
التقريب الثاني: تقدُّم ما ليس له بدل على ما له بدل
إنّ تقديم وجوب غسل الثوب على وجوب الوضوء من باب تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل. فإن وجوب غسل الثوب ليس له بدل بخلاف الوضوء فإن له بدل وهو التيمم(1).
والكلام في ذلك تارةً يقع صغروياً وأخرى كبروياً.
أما البحث الصغروي، فقد ناقش السيّد الأستاذ(2) وادّعى أنّه ليس أحدهما له بدل والآخر ليس له بدل، بل كلاهما له بدل. فبدل الوضوء هو التيمّم، وبدل الصلاة في الثوب الطاهر هو الصلاة بالثوب النجس. فإمّا أن يصلّى بالنجاسة مع الوضوء أو مع التيمم في الثوب الطاهر.
وهذا النقاش ممّا لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه خُلف المفروض، فإنّنا نتكلّم على فرض تطبيق باب التزاحم على الوجوبات الضمنية، وهذا يعني أن طرفَي المزاحمة هما الوجوب الضمني لتطهير الثوب والوجوب الضمني للوضوء، وليس طرفه الأمر الاستقلالي، لوضوح أنّه أمر واحد لا أمران حتى يتزاحما.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
(1) أُنظر: مصباح الهدى في شرح العروة 2: 102، كتاب الطهارة، فصل احكام الصلاة في النجس المسألة 10: ومهذب الأحكام 1: 514، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس المسألة 10.
(1) أُنظر: التنقيح في شرح العروة 2: 413ـ 414، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة (10)، وفقه الشيعة 4: 253، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 10.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
ومن الواضح أنّ الأمر الضمني الذي هو (توضّأ) يوجد في طول تعذره أمر آخر وهو التيمّم. وأمّا وجوب غسل الثوب فلا يوجد في طوله أمر آخر هو (صلّ بالنجس)؛ فإن نجاسة الثوب ليست مأموراً بها بدل طهارة الثوب، وإنما يسقط لا إلى بدل.
نعم، هناك أمر نفسي استقلالي متعلّق بأصل الصلاة، لكنه خُلف الفرض.
وأما البحث الكبروي، وهو أنّه من قال إنَّ ما ليس له بدل يقدّم على ما له بدل؟!
تارةً يقال: إنّ وجه التقديم هو أن كون هذا ليس له بدل وذاك له بدل يوجب اندراجه في الوجه الأول. وهو أنَ ما ليس له بدل يكون مشروطاً بالقدرة العقلية وما له بدل يكون مشروطاً بالقدرة الشرعية.
وهذا ليس تامّاً، لأن مجرد كون هذا ليس له بدل وذلك له بدل، إنّما يكون اندراجه تحت ذلك بتخيل أنّ ما كان له بدل حيث أخذ في موضوع بدله عدم القدرة على المبدَل، فكأنّه أخذ القدرة قيداً في دليل المبدل أيضاً بخلاف الواجب الآخر. إلّا أن هذا الكلام لا يرجع إلى محصَّل لعدة اعتبارات، منها أنّه لو سُلّم فغايته أنّ القدرة هنا مأخوذة في خطاب الشارع دون الآخر. وهو المعنى الأول للقدرة الشرعية وقد سبق أن قلنا إنّ هذا لا يقتضي التقديم.
والتخريج الآخر للتقديم أن يقال: إنّ المكلّف لو أتى بما ليس له بدل وانتقل إلى البدل فغسل ثوبه وتيمّم، فقد حصل على كِلا الملاكين، وأمّا لو عكس فقد حصل على أحد الملاكين ولم يحصل على الآخر لا بنفسه ولا ببدله،
ــــــــــ[297]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فيدور الأمر بين تحصيل كِلا الملاكين أو أحدهما مع تفويت الآخر، ولا إشكال أن العقل يحكم بتقديم الأول.
ويرد عليه أمران:
الأمر الأوَّل: أنّه لو غسل ثوبه وتيمَّم من قال إنه حصل على كِلا الملاكين؟! نعم، حصل على ملاك غسل الثوب. ولكن هل حصل على ملاك الوضوء، لأنه تيمم؟ هذا موقوف على أن البدل وافٍ بتمام مصلحة المبدَل، ولكنّ دليل البدلية لا يُستفاد منه عرفاً ذلك، وغاية ما يستفاد منه كونه وافياً ولو في الجملة لبعض مراتب مصلحة المبدل.
إذن فلم يحصل على كِلا الملاكين.
الأمر الثاني: أنّه لو سلّمنا أن دليل البدل يستفاد منه وفاء البدل بتمام مصلحة المبدل إما مطلقاً أو خصوص التيمم. كقوله: (ربّ الماء وربّ الصعيد)(1)، لكن إنما يستفاد منه ذلك لو تم إطلاق في دليل البدلية بحيث يشمل هذا المكلّف، مع أن شموله له فرع تقديم الطهارة الخبثية على الطهارة الحدثية؛ لأنَ دليل البدلية يقول: إذا لم تقدر على الماء فتيمم، وهو إنما لا يقدر على الماء إذا كان ملزماً بالطهارة الخبثية، وتقديمها على الطهارة الحدثية. فتقديم الطهارة الخبثية، لا يمكن أن يبرهن عليه بشمول دليل البدلية، لأنَّ هذا فرع إطلاق دليل البدلية، وإطلاقه فرع تقديم الطهارة الخبثية، فكيف يكون تقديمها
ــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 191، كتاب الطهارة، الباب 41، الحديث 9، تهذيب الأحكام 1: 185، كتاب الطهارة، الحديث 9، الاستبصار 1: 161، كتاب الطهارة، الباب 96، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
من نتائج ذلك؟ فيكون دوراً.
التقريب الثالث: تقدُّم محتمل الأهمِّيَّة وهو غسل الثوب
وحاصله: احتمال الأهمية في جانب الطهارة الخبثية، بينما لا يوجد احتمال مماثل في الطهارة الوضوئية، واحتمال الأهمية من المرجحات في باب التزاحم.
وتوضيحه يكون ببيان أمرين:
الأمر الأول: حينما يلتقي الفقيه بملاكين ملاك الواجب الضمني المسمى بالوضوء، وملاك الواجب الضمني المسمى بالطهارة الخبثية، وليس لديه أيّ فكرة عن أهمية الملاك، لعل هذا واحد والآخر عشرة، ولعله بالعكس ولعل كليهما واحد ولعل كليهما عشرة، لأن المولى لم يتصدّ لإيضاح كمّية الملاك. وكل كمّية من هذا القبيل يكون الملاك فيها في قوة المتساويين بحسب حساب الاحتمال، بمعنى أن الاحتمال الفعلي في أحدهما مساوٍ لمثله في الآخر، ولا يوجد أيّ رجحان لأحدهما على الآخر، فكأنهما ملاكان متساويان، ومقتضى القاعدة في ذلك في باب التزاحم هو الحكم بالتخيير.
الأمر الثاني: أنّه -بعد افتراض أنّ الملاكين في قوة المتساويين- لو صلّى في الثوب النجس وتوضأ، فقد فات أحد الملاكين اللذين هما في قوة المتساويين وحصل على الملاك الآخر.
وأما لو قلب المطلب فغسل ثوبه بالماء ولم يتوضأ، فلا إشكال أنّه حصل على ملاك الطهارة الخبثية وأمّا الملاك في الطهارة الحدثية فلم يحصل عليه، ولكن يحتمل أنّه حصل على درجة منه تساوي بعض الملاك أو كلّه، فيما لو قدّم التيمُّم على الغسل.
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
نعم، لا دليل على ذلك، لأنّ دليل بدلية التيمم لم يحرز إطلاقه لمحل الكلام، فإنه فرع فَقْد الماء وهو فرع تقديم الطهارة الخبثية، فهذا مجرد احتمال، لا أنّه يستند إلى دليل، وبهذا يختلف عن الوجه الذي ذكرناه آنفاً.
فالأمر يدور بين القطع بضياع أحد الملاكين المتساويين وبين احتمال حصول كِلا الملاكين، فلم يجزم أنه فوّت على المولى ملاكاً بخلاف العكس، وكلما دار الأمر هكذا فإنّ العقل يعيّن الثاني في مقابل الأول.
وأمّا لو غسل ثوبه ثمَّ تيمّم، فهنا التيمّم معلوم المشروعية على كلّ حال. ومعناه أنّه وافٍ ولو ببعض مصلحة المبدّل، إذ لو لم يكن وافياً بشيء منه فلا معنى للانتقال إليه. فيقول: أنا أعلم أني حصلت على ذلك الملاك وجزء من هذا الملاك أيضاً.
وأمّا لو عكس المطلب فقد بقي أحد الملاكين بتمامه غير مستوفٍ، فيدور الأمر بين عمل يُبقي أحد الملاكين غير مستوفٍ، وبين عمل يكون فيه بعض أحد الملاكين قد فات. وحيث قد فرضنا أن هذين الاحتمالين متساويان في القِيَم الاحتمالية.
إذن فهما متساويان، وكلّما دار الأمر على هذا الشكل بينهما يقدّم ما فيه تفويتٌ لبعض الملاك.
وهذا صحيح بناءً، باطل مبنىً؛ فإنّه مبنيّ على أنّه من باب التزاحم، وقد قلنا إنّه من باب التعارض، فالصحيح هو التخيير بين الوضوء وغسل الثوب.
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الفصل الرابع
الصلاة مع النجس مضطراً
ــــــــــ[301]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا صلّى مع النجاسة اضطراراً لا يجب عليه الإعادة بعد التمكّن من التطهير. نعم، لو حصل التمكّن في أثناء الصلاة استأنف في سعة الوقت، والأحوط الإتمام والإعادة (1).
لو انحصر ثوبه في النجس فصلّى فيه ثمَّ وجد الماء يقع الكلام في مقامين:
أحدهما: في وجوب الإعادة.
والآخر: في وجوب القضاء.
هذا المكلّف تارةً يفرض أنّه كان عالماً حين الصلاة بأنّه سوف يجد الماء في آخر الوقت، كما لو كان مسافراً يعلم بالوصول إلى بلده قبل خروج الوقت، ومع هذا صلّى في الثوب النجس. وأخرى لا يعلم بوجدان الماء سواء كان شاكاً فيه أو قاطعاً بعدمه.
ــــــــــ[303]ــــــــــ
(1) المسألة 11 من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 100.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أما القاطع بأنه سوف يجد الماء، هل صلاته صحيحة أو لا؟ مبني على النظر إلى دليل جواز الصلاة في النجس للمضطر هل له إطلاق لهذه الحالة أو لا؟
وبتعبير آخر: إنّ موضوعه هل هو العجز في تمام الوقت أو العجز حين إرادة الصلاة، فإنّ كان هو الأول فهذا الشخص لا يشمله هذا الدليل وعلى الثاني يتمّ في شأنه موضوع الوظيفة الاضطرارية، فقد صلّى صلاة مأموراً بها بالأمر الاضطراري، وامتثال الأمر الاضطراري يكون موجباً للإجزاء عن الأمر الواقعي كما قلنا في الأصول(1).
والصحيح من ذلك هو الوجه الأول، وهو أنّه أُخذ في موضوع الدليل العجز عن الماء في تمام الوقت.
ولا توجد في الروايات عبارة صريحة في ذلك، وإنما المدّعى أنّه هو المنصرف عرفاً منها بعد ارتكاز أنّها مسوقة مساق الوظيفة الارتكازية، وأنّه لا مناص، والارتكاز قائم على أنّ عدم المناص إنّما يحصل بتعذّر تمام أفراده.
وأما إذا كان في آخر الوقت مقدوراً فلا يصدق عدم المناص، فينصرف الدليل إلى عدم الوجدان في تمام الوقت، مثلاً:
1- صحيحة الحلبي: “سألته عن الرجل أجنب في ثوبه وليس معه غيره قال: يصلّي فيه فإذا وجد الماء غسله”(2).
ــــــــــ[304]ــــــــــ
(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 2: 157، الأوامر، الأجزاء، المقام الثاني في أجزاء الأمر الظاهري عن الواقع.
(2) تقدَّم تخريجها ص200.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
2- وعنه أنّه سأل أبا عبد الله:”عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بولٌ لا يقدر على غسله قال: يصلّي فيه”(1).
والمنصرف من العبارة هو ذلك بعد ضمّ ذلك الارتكاز، وهذا قرينة على أن عدم القدرة أُخذ بلحاظ تمام الوقت لا بلحاظ وقت الامتثال، ويمكن أن يقال: إنّ بعض الروايات ظاهرة بذلك، وهي:
3- رواية الحلبي: “سألته عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره قال يصلّي فيه إذا اضطر إليه”(2).
قد يقال(3): إنّ الاضطرار إلى الصلاة في هذا الثوب إّنما يصدق فيما إذا لم يكن متمكناً من غسله ولو بعد ساعة، وأما لو كان متمكناً من ذلك فليس مضطراً، فإنّ الشارع لا يُلزمه بالصلاة الآن، فهذه الرواية أوضح روايات الباب، ويمكن أن تكون مُقيّدةً لإطلاق الروايات الأخرى لو تمّ إطلاقها وتمّ سند هذه الرواية، وفي سندها القاسم بن محمد وفي توثيقه كلام(4).
ــــــــــ[305]ــــــــــ
(1) الفقيه 1: 248، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه حديث: 752، الوسائل 3: 484، باب 45 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(2) التهذيب 2: 224، كتاب الصلاة، الباب11، حديث: 91، الإستبصار 1: 169، كتاب الطهارة، الباب101، حديث:3، الوسائل 3: 485، باب 45 من أبواب النجاسات، حديث: 7.
(3) أُنظر: مصباح الهدى 2: 90، كتاب الطهارة، فصل في أحكام الصلاة في النجس، المسألة 4.
(4) أُنظر: فقه الشيعة 4: 223، كتاب الطهارة، فصل حكم من صلّى في النجس، المسألة 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وعلى أيّ حال فما أتى به هذا الشخص لا يُحكم بصحّته، ويحكم عليه بوجوب الإعادة، لأنّ صلاته ليست مصداقاً للواجب الاضطراري.
وعلى أيّ حال فهنا مسائل:
المسألة الأولى: لو صلّى مع النجاسة معتقداً بوجود الماء في آخر الوقت هل يجب عليه الإعادة أو لا؟
المسألة الثانية: لو صلّى مع النجاسة في أول الوقت ووجد الماء في آخر الوقت سواء كان عالماً بعدم وجود الماء أو شاكاً، فهل يجب عليه الإعادة أو لا؟
المسألة الثالثة: لو قلنا بعدم وجوب الإعادة عند وجدان الماء، لو لم يوجد الماء إلى ما بعد الوقت فهل يجب عليه القضاء أو لا؟ وأما لو قلنا بعدم وجوب الإعادة فيما تقدم، فبلا إشكال لا يجب القضاء.
المسألة الرابعة: ما إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فإن قلنا فيما تقدم بوجوب الإعادة، فلا إشكال هنا بالوجوب، وإن لم نقل فيقع البحث أنّه هل يجب الإعادة أو لا؟
المسألة الأولى: لو صلّى مع النجاسة معتقداً وجود الماء في آخر الوقت، ووجد الماء، فلا إشكال في وجوب الإعادة عليه، على ما بيّنا آنفاً.
ما لو صلّى مع النجاسة معتقداً بقاء العجز إلى آخر الوقت أو شاكّاً في ذلك
فلا إشكال في أنّ صلاته وقعت مع المؤمِّن، لأنه كان يعتقد استمرار
ــــــــــ[306]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الاضطرار. إمّا وجداناً أو باستصحاب التعذّر إلى آخر الوقت بنحو الاستصحاب الاستقبالي، وأحرز بذلك موضوع روايات الاضطرار، ولا يوجد دليل تعبّدي على لزوم التأخير على ذوي الأعذار إلى آخر الوقت على ما ينبغي التعرض له في محلّ آخر.
فإذا انكشف له أن ما أتى به لم يكن مع العجز في تمام الوقت، لأنّه وجد الماء في آخره، فمقتضى القاعدة الأولية هو عدم الإجزاء، لأنّه تبيّن له أنّه لم يكن مشمولاً لدليل الصلاة الاضطرارية، لأنّ موضوعه هو العاجز في تمام الوقت وهو ليس كذلك.
غاية الأمر أنّه كان يوجد في حقّه حكم ظاهري أو حكم عقلي، ومن الواضح أن الأمر الظاهري أو التخيلي لا يقتضي الإجزاء(1)، فيتمسك بدليل مانعية النجاسة فيحكم ببطلان ما أتى به.
فهل هناك مخصّص للقاعدة أو لا؟ ما يمكن أن يكون مخصصاً هو حديث: “لا تعاد“.
وهذا يتوقف على أمرين:
الأمر الأوّل: أن نبني على أن حديث “لا تعاد“(2) ليس مخصوصاً بالناسي
ــــــــــ[307]ــــــــــ
(1) لاحظ بحوث في علم الأُصول 2: 157، بحوث الأوامر، بحث الإجزاء، المقام الثاني في إجزاء الأمر الظاهري عن الواقع.
(2) الفقيه 1: 279، أبواب الصلاة وحدودها، باب القبلة، حديث: 857، التهذيب 2: 152، كتاب الصلاة، الباب9، حديث: 55، الوسائل 1: 371ـ 372، باب3 من أبواب الوضوء، حديث: 8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
بل يشمل كل من أخلّ بجزء أو بشرط لا عن عمد وعلم، سواء كان ناسياً أو جاهلاً؛ لوضوح أنها لو كانت مختصةً بالناسي فلا تشمل محلّ الكلام، فإن إخلال هذا الشخص بالطهارة الخبثية، ليس إخلالاً نسيانياً بل إخلالاً جهلياً.
وهذا الأمر صحيح كما تقدّم في الأبحاث السابقة.
الأمر الثاني: أنّ حديث “لا تعاد“ فيه استثناء أمور خمسة:
أحدها الطهور، فمن يتمسك بحديث “لا تعاد“ في المقام يجب عليه أن يثبت أن المراد بالطهور في الحديث يراد به الطهور الحدثي خاصة، إذ لو أريد به مطلق الطهور لكان مقتضى ذلك هو الإعادة، لأنه أخلّ بالطهور الخبثي وصلّى بالثوب النجس، كما أن كلمة طهور مردّدة بين الطهارتين، فتكون مجملةً ولا يمكن التمسّك بها؛ لأنّها من تردّد المخصّص المتّصل مفهوماً فيوجب إجمال العام فلا يمكن التمسّك بالحديث لا في الطهارة الحدثية ولا الخبثية.
وهذا الأمر الثاني دونه خرط القتاد، لا أقل من إجمالها بين الطهارتين، والتردّد بين الأقل والأكثر، ومعه يكون التمسّك بحديث “لا تعاد“ لتخصيص القاعدة الأولية المقتضية لعدم الإجزاء غير ممكن.
ولو تمّ الأمران وتمسكنا بحديث “لا تعاد“ وخصّصنا به القاعدة الأولية، فقد يقال: إنّ حديث “لا تعاد“ قد خصّص برواية أخرجت منه مورد الطهارة الخبثية فلا يكون مخصصاً للقاعدة الأولية.
ــــــــــ[308]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وما يمكن جعله مخصصاً لحديث “لا تعاد“ بعد التسليم بإطلاقه في نفسه موثّقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله أنّه: “سُئل عن الرجل ليس عليه إلّا ثوب لا تحلّ الصلاة فيه وليس يجد ماءً يغسله كيف يصنع؟ قال: يتيمّم ويصلّي فإذا أصاب ماءّ غسله وأعاد الصلاة”(1).
فقد يقال: إنّها تكون أخصّ من حديث “لا تعاد“، فإنها تأمر بوجوب الإعادة.
والإشكال الذي يمكن أن يورد لتخصيص هذه الرواية لحديث “لا تعاد“ هو أن يقال: إن هذا الشخص تيمّم وصلّى بالنجس، فكان في صلاته مانعان، ثمَّ وجد ماءً فأمره الإمام بالإعادة، وهذا الأمر فيه عدّة احتمالات:
1- أن يكون بلحاظ فوات الطهارة الخبثية فقط.
2- أن يكون بلحاظ فوات الوضوء.
3- أن يكون من جهة كِلا الأمرين.
ولا معيّن لأحد هذه الاحتمالات. ولو كان بلحاظ عدم الوضوء لا يكون مخصّصاً لقاعدة “لا تعاد“؛ لأنّ القدر المتيقن من الطهور هو الطهارة الحدثية فيكون منسجماً مع حديث “لا تعاد“ لا مخصّصاً لها.
نعم، لو ثبت الاحتمالان الأخيران كان مخصّصاً، لكن لا قرينة عليهما.
ــــــــــ[309]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 407، كتاب الطهارة، الباب20، حديث 17، الاستبصار 1: 169، كتاب الطهارة الباب1، حديث: 6، الوسائل 3: 392، باب30 من أبواب التيمم، حديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
والجواب على هذا الإشكال: أنّ هذا الشخص حين يجد الماء يجب عليه أن يتوضّأ ويغسل ثوبه. ولكن الإمام اقتصر على التنبيه على أحد الأمرين دون الآخر، وقال: غسل ثوبه وأعاد الصلاة، ولم يأمر بالوضوء مع أنّه لا إشكال في وجوبه. فتنبيهه على هذا بالخصوص يوجب ظهوراً عرفياً بأنّ مَدرك الأمر بالإعادة هو هذا لا ذاك. بحيث لو صلّى مع التيمم بثوب طاهر لم يجب عليه الإعادة.
وبهذا يتّضح أنّ حديث “لا تعاد“ لو سُلِّم إطلاقه في نفسه فهو مخصَّص بهذه الرواية. فالصحيح في المسألة الثانية هو وجوب الإعادة.
المسألة الثالثة: إذا وجد الماء بعد خروج الوقت فهل يجب عليه القضاء أو لا؟
لا إشكال في أنّ هذه الصلاة التي صدرت منه مشمولةٌ لدليل الوظيفة الاضطرارية، لأنّا قلنا إنّه أخذ في موضوعه وجود الإضطرار في تمام الوقت وهذا صادق في حقّه ذلك، ولم يؤخذ في موضوعه عدم التمكّن ولو بعد الوقت، وقد ذكرنا أن امتثال الأوامر الاضطرارية يوجب الإجزاء.
المسألة الرابعة: ما لو صلّى بتخيّل أن الماء سوف لن يوجد إلى آخر الوقت ووجد الماء في أثناء الصلاة. ففي هذه المسألة فرضان:
أحدهما: فرض سعة الوقت.
والثاني: فرض ضيقه.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أمّا الفرض الأوّل وهو سعة الوقت، فإن بنينا في المسائل السابقة على وجوب الإعادة فيما إذا وجد الماء بعد الصلاة، ولم نعمل بحديث “لا تعاد“، فلا إشكال في عدم الإجزاء في المقام.
وأما إذا بنينا على أنّ حديث “لا تُعاد“ يشمل موضوع المسائل السابقة فيمن لو صلّى متخيلاً استمرار العذر ثمَّ انكشف الخلاف، فهل يُبنى هنا على وجوب الإعادة؟
مرّةً يفرض أنّه لا يتمكّن من تبديل ثوبه أو تطهيره في أثناء الصلاة، وأخرى يفرض أنّه يتمكن من ذلك.
أمّا إذا كان لا يتمكن، فلا إشكال في بطلان صلاته، فإن الأجزاء السابقة وإن صحّت إلّا أن الأجزاء اللاحقة تقع في النجس مع تمكنه من استئناف الصلاة.
وأمّا إذا كان يتمكن من غسل الثوب أو تبديله في الأثناء فلو تمسكنا بحديث “لا تعاد“ يبنى على عدم وجوب الإعادة، ببيان:
أن إعادة الصلاة:
1- أمّا بلحاظ الأجزاء السابقة، فهذه يتكفّل تصحيحها حديث (لا تعاد).
2- وأمّا الأجزاء اللاحقة فسوف تقع في ثوب طاهر إذا طهّره في أثناء الصلاة، كما هو المفروض.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
3-وأمّا الآن المتخلل الذي لا بدّ من وقوع الصلاة فيه قبل أن يطهر ثوبه، فهو كون صلاتيٌّ لا فعل صلاتيٌّ، فحاله حال دم الرعاف الذي ورد أنّه يطهّره ويستمر.
إلّاَ أنّ الصحيح في المقام: أنّنا حتى لو صحّحنا الأجزاء الأولى بحديث “لا تعاد“ يشكل صحة الصلاة؛ إذ بالإمكان اختيار الشقّ الثالث وهو بطلان الكون الصلاتي مع النجاسة بناءً على الاستفادة من أدلّة اشتراط الطهارة ومانعية النجاسة بأنها شرط في حال الاشتغال بالصلاة لا في الأجزاء بخصوصها، وهذا الشرط غير متوفّر في المقام. ولا يطبّق روايات دم الرعاف، لأنّها واردة في صورة وقوع النجاسة في الأثناء، لا ما إذا كانت واقعةً من الأول.
ففي هذه الفرض بطلان الصلاة على جميع التقادير.
فإن لم يكن له وقت حتى لركعة واحدة، فلا إشكال في صحة صلاته، ويطهّر أثناء صلاته إن أمكن وإلاّ صلّى به، لأنّه تحقّق فيه موضوع الوظيفة الاضطرارية وهو من لا يتمكّن من استعماله في تمام الوقت، وهذا كذلك.
وأمّا لو كان متمكناً لو قطع صلاته من الإتيان بركعة واحدة مع الثوب الطاهر، فيجب عليه ذلك للتنزيل المستفاد من: أنّ إدراك ركعة كإدراك تمام الصلاة. فكما أنّ إدراكها جميعاً يوجب عدم الإذن بالصلاة بالنجس فكذلك إدراك الركعة، فيتعين قطع صلاته واستئنافها مع الثوب الطاهر
ــــــــــ[312]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا اضطر إلى السجود على محلّ نجس لا يجب إعادتها بعد التمكن من الطاهر(1).
إذا تمكّن من الصلاة على الطاهر في داخل الوقت حكم بعدم وجوب الإعادة.
قد يقال: إنّ عدم وجوب الإعادة هنا أوضح منها في المسألة السابقة، لأنّ عدم وجوبها هناك كان للتمسّك بحديث “لا تعاد“، وإلاّ فمقتضى القاعدة الأوّلية هو الإعادة، لأنّ إطلاق دليل شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة يقتضي بطلانها، ودليل جواز الصلاة في النجس مختصّ بالاضطرار في تمام الوقت.
وأما في المقام فدليل طهارة مسجد الجبهة منحصر بالإجماع، وليس هنا دليل لفظي ليتمسك بإطلاقه، والإجماع دليل لُبيٌّ، والقدر المتيقن منه هو اشتراط طهارة المسجد حين الإتيان بالصلاة لا في تمام الوقت. وحين الإتيان بالصلاة كان الشرط محققاً فالصحة على القاعدة، وهذا ما ذكره السيّد الحكيم(2).
ــــــــــ[313]ــــــــــ
(1) المسألة 12 من مسائل الفصل، العروة الوثقى 1: 100.
(2) مستمسك العروة الوثقى 1: 554، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة12: لأنَّ العمدة في دليل اعتبار طهارة المسجد الإجماع، والمتيقّن منه حال الاختيار، فالمرجع في حال الاضطرار أصل البراءة، وعليه فلا مانع من جواز البدار.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
واعترض عليه السيّد الأستاذ(1) باعتراضين:
الاعتراض الأوَّل: أن دليل شرطية طهارة مسجد الجبهة غير مختص بالإجماع، بل توجد عليه رواية، فيكون حال طهارة مسجد الجبهة حال طهارة البدن والثوب. وهي صحيحة الحسن بن محبوب قال: “سألت أبا الحسن عن الجصّ يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى”(2) الحديث.
وهذه الرواية تدل على شرطية طهارة مسجد الصلاة لوضوح أنّ هذه الشرطية لو لم يكن مفروغاً عنها في ذهنه لما وقع في إشكال من ناحية سؤاله، فحكم الإمام بطهارة الجصّ من دون تعرض إلى المركوز يكون إمضاءً لاشتراط الطهارة في المسجد.
وهذا الاعتراض ممّا لا يمكن المساعدة عليه، فإن هذه الرواية لو تمّت
ــــــــــ[314]ــــــــــ
(1) أُنظر: التنقيح في شرح العروة 2: 416ـ 417، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة12، وفقه الشيعة 4: 257، كتاب الطهارة، فصل حكم من صلّى في النجس، المسألة12.
(2) الكافي ج3: 330، باب ما يسجد عليه وما يكره، وسائل الشيعة 3: 527، الباب 81 من أبواب النجاسات، الحديث 1، من لا يحضره الفقيه 1: 270، باب ما يسجد عليه وما لا يسجد عليه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
دلالتها على اشتراط طهارة المسجد، إلّا أنّه لا يمكن التمسك بإطلاقها؛ لأنّ ما هو المرتكز في ذهن الراوي هو أصل الشرطية، ولكن هل كان المركوز طهارة المسجد في ظرف الإتيان بالصلاة، أو في تمام الوقت. ومثل هذا لم يتبين بحال ولا مقال.
ولعلَّنا لو سألنا الحسن بن محبوب عن ذلك لتحيّر ولم يستطع الجواب، إذن فحال الرواية من هذه الناحية حال الإجماع.
الاعتراض الثاني: لو سلّمنا انحصار الدليل بالإجماع، فإنّ كلمات المجمعين وافية بأنّ شرطية طهارة مسجد الجبهة على حدّ شرطية طهارة الثوب والبدن في تمام الوقت، وإلا للزم صحة صلاته ولو علم أنّه سوف يحصل على المسجد الطاهر مع أنّه لا إشكال في عدم جوازه.
وأيضاً لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الرجوع إلى كلمات المجمعين أمر معقول لو كانت بيدنا، إلّا أنّ الغالب في هذه الإجماعات، أنّ كثيراً من أعضاء الإجماع عُرِف رأيه بالحدس، وإلاّ فكثير منهم لم يؤلّف كتاباً أو ألّف ولم يصل إلينا، وإنما يحصل الحدس والاطمئنان بمجموع من القرائن وحساب الاحتمالات، بأن المسألة متفق عليها، وإلاّ لحصلت علائم تدل على الخلاف، ولم تحصل.
ومعه فلا معنى للرجوع إلى كلمات المجمعين، والجزم بأنهم يريدون هذا المعنى في غير من وصلت كلماتهم في غاية الإشكال.
وأمّا مورد النقض فلا ملازمة فيه أبداً، فإنه قد يقال: إنّ الإجماع إنّما انعقد
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
على كفاية اشتراط الطهارة في أثناء الصلاة، فيما إذا لم يكن يحتمل وجدان المسجد الطاهر، فلو علم بالحصول عليه لم يحصل عليه إجماع.
نعم، أصل تحقيق هذه المسألة، وهو أنّ اشتراط طهارة المسجد هل له دليل لفظي أو لا، كلام سبق في أول الفصل، حيث تكلمنا فيما يمكن أن يكون دليلاً لفظياً له ولو بانقلاب النسبة، فإن تمّ فهو، وإن لم يتمّ -كما هو الظاهر- يتمّ ما أُفيد من أنّ الدليل منحصر بالإجماع والقدر المتيقن منه هو حال الإتيان بالصلاة.
ومعه يكون مقتضى القاعدة عدم وجوب الإعادة.
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إذا سجد على الموضع النجس جهلاً أو نسياناً لا تجب عليه الإعادة وإن كان أحوط(1).
تقدم أنّه لو صلّى جهلاً أو نسياناً في ثوب نجس أو بدن نجس، وكانت الروايات وافية بصحة الصلاة جهلاً ووافية على كلام نسياناً، وهنا نتكلم عن السجود على النجس.
وهنا تارةً نبني على أنّ دليل شرطية الطهارة في المسجد ليس دليلاً لفظياً ليتمسك بإطلاقه، وأنّما العمدة فيه هو الارتكاز والإجماع، وهو دليل لُبّي، والقدر المتيقن منه هو غير حالة الجهل والنسيان، ولا يُعلَم شمول الشرطية للجهل والنسيان، خصوصاً بعد الحكم بصحة الصلاة في الثوب النجس جهلاً أو نسياناً، فينفتح احتمال كون المسجد كذلك، بل قد يكون أضيق شرطيةً منه بحيث وقع الكلام في الناسي هناك وقد لا يقع هنا.
ولا نريد أن نستدل بتلك الروايات من باب التجريد عن الخصوصية لإمكان الخصوصية لبُعد المصلّي من ثوبه وبدنه، لأنّ اشتراط الطهارة في مسجد
ــــــــــ[317]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 100، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 13، وهي آخر مسألة من مسائل هذا الفصل، يليها (فصل فيما يعفى عنه في الصلاة).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الجبهة ليس لأنه مكان المصلّي، بل لنكتة خاصّة فيه؛ ولذا اُشترطت الطهارة فيه دون غيره من أجزاء المكان.
وعليه فيكون الحكم بالصحة على القاعدة من دون فرق بين أن يكون بالإمكان التدارك أو عدمه، ومن دون فرق بين وقوع سجدة واحدة أو سجدتين من ركعة واحدة على النجس.
وأمّا إذا قلنا بأن الدليل له إطلاق، إما لكونه لفظياً أو لأنّ مَعقدَ الإجماع يشمل مسجد الجبهة في نفسه، ومعه يكون هذا الشخص قد أخلّ بشرط من الشروط. فيكون مقتضى القاعدة أن التدارك ممكن فيجب، وإن كان متعذراً، فإن كان المتعذر ركناً مستثنى في حديث “لا تعاد“ فتبطل، وإلا تصحّ الصلاة.
ويقع الكلام في ذلك أولاً، فيما إذا التفت الشخص إلى ذلك قبل الدخول في ركن آخر.
وهنا مقامان:
الأوَّل: ما إذا فرض أنّ ما صدر منه هو وقوع سجدة واحدة على النجس.
والثاني: أنّ كلتا السجدتين من تلك الركعة وقعتا على النجس.
إنّه لو سجد سجدة واحدة على النجس، وقبل تكرارها التفت إلى أنّها وقعت على محلّ نجس، فهل يجب عليه التدارك، بأن يلغي ما صدر منه ويسجد أو يعتبره سجوداً أو أنّ صلاته باطلة؟
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
تحقيق ذلك: هو الرجوع إلى الدليل الدال على اشتراط الطهارة في مسجد الجبهة.
إنّه دلّ على اشتراط الطهارة في السجود لا في أصل الصلاة، بمعنى أن دليل شرطية الطهارة ناظر إلى دليل (اسجد) لا إلى دليل (أقم الصلاة)، ويكون مفاده التصرف بنحو الحكومة في دليل (اسجد) ويعتبر أن السجود على النجس ليس بسجود أصلاً.
وحينئذٍ لا إشكال في لزوم التدارك، ويسقط احتمال عدمه بدعوى أنه لا محل للتدارك بعد أن وقع السجود، لوضوح أن ما وقع ليس سجوداً في نظر الشارع، فيكون خطاب (أسجد) موجوداً، واحتمال فوات محل التدارك غير موجود، لأنّ ما وقع منه غير سجود.
كما أن احتمال بطلان الصلاة بدعوى أنّه اختلت فيه الطهارة الخبثية وهي مستثناة من حديث “لا تعاد“ لو كان للطهور شمول للخبثية، أيضاً غير وارد؛ لأن ظاهر الطهور في مقابل الركوع والسجود، هو ما اعتبر شرطاً في أصل الصلاة لا شأناً من شؤون الركوع والسجود. وهذا من شؤونها.
أن يكون دليل شرطية طهارة الجبهة ناظراً إلى دليل (اسجد) أيضاً، لكنّه لا بلسان الحاكمية، بل يكون تقييداً له وإن السجود يجب أن يكون على الطاهر.
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وحينئذٍ بناءً على هذا فإنَّ الصحيح هو لزوم التدارك، ولا منشأ للقول بعدم وجوبه من باب فوات المحل، لأنّ الواجب هو السجود على المحل الطاهر، ولم يتحقّق فلا بُدّ من تكراره على المحل الطاهر، ومجرد وقوع السجود على المحل النجس لا يوجب تفويت محل التدارك.
كما أنّ احتمال بطلان الصلاة رأساً لأنّه ابتلى بعدم الطهارة الخبثية رغم قاعدة “لا صلاة إلّا بطهور” غير وارد؛ لأنّ ظاهره ما يكون شرطاً في عرض الركوع والسجود، لا أن يكون من شؤونهما.
أن يكون دليل شرطية طهارة مسجد الجبهة ناظراً إلى (أَقِيْمُوْا الصَّلَاة)، ويفترض شرطاً في عرض السجود والركوع.
الصحيح أيضاً وجوب التدارك، ولعلّ احتمال عدم وجوبه لأنّه أحسن حالاً من الاحتمالين السابقين، بدعوى أن خطاب (اسجد) غير متقيّد بالطهارة، إذن فقد سقط هذا الخطاب ومعه فكيف يجعل مسجد جبهته طاهراً، بخلافه على الاحتمالين السابقين؛ إذ نفس خطاب (اسجد) كان مقيّداً موضوعاً أو محمولاً ولم يسقط، فكان هناك مجالٌ للتدارك.
وجوابه: أن خطاب (اسجد) ليس استقلالياً ليسقط بالإتيان بمتعلّقه، بل هو خطاب ضمني، وهو لا يسقط وإن أُتي بمتعلّقه حتى يؤتى بسائر الأجزاء والشرائط. إذن فخطاب (اسجد) موجود، وبإمكان الشخص أن يتدارك.
ــــــــــ[320]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأما احتمال بطلان الصلاة رأساً فهو أيضاً أوجه منه في الاحتمالين السابقين؛ لأننا هناك كنا ندفعه بأنّه منصرف عن الطهارة التي تكون من شؤون السجود، بل منصرف عن الطهارة التي أُخذت قيداً في أصل الصلاة، وأما على هذا الاحتمال فالمفروض أنّه قيد لأصل الصلاة. فلا بُدّ من جواب آخر وهو أنه لا وجه لبطلان الصلاة بعد إمكان التدارك، إذ به يتحقق الشرط.
أن يكون دليل شرطية طهارة مسجد الجبهة ناظراً إلى دليل أقِيْمُوا الصَّلَاة، لكنه يجعل الشرط: هو طهارة الموضع الذي تمّ عليه السجود الذي يكون امتثالاً للأمر الضمني، فهو يشترط الطهارة لا في مسجد الجبهة كيفما اتفق، بل في السجود على مسجد الجبهة الذي وقع امتثالاً للأمر الضمني والذي هو صحيح لولا دليل الشرطية.
وحينئذٍ لا يجب عليه التدارك لامتناعه؛ لأنّه لولا دليل الشرطية يكون ما وقع من السجود امتثالاً للأمر الضمني هو هذا السجود الذي وقع على الموضع النجس، وهذا لا يمكن تغييره في شخص ذلك السجود.
بل لا بدّ من القول بصحة الصلاة رأساً أو بطلانها. أما البطلان فوجهه التمسك بعقد المستثنى من حديث “لا تعاد“، فإنّه أخلّ بالطهور، بعد أن سجد على الموضع النجس بعد تفسير الطهور بالأعم من الخبثية.
ولا يقال في المقام إنّه ليس السجود على الموضع النجس بأشدّ من عدم السجود
ــــــــــ[321]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
رأساً؛ فإنه لو لم يسجد أصلاً صحّت صلاته، فلنفرض أن ما وقع كأنه لم يقع.
وهذا جوابه الفني: أنّه لو لم يسجد رأساً فقد أخلَّ بسجدة واحدة، وهو ليس إخلالاً بعقد المستثنى من حديث “لا تعاد“. وأما لو سجد على الموضع النجس، فقد أخل بالطهور، وهو داخل في عقد المستثنى.
وفي مقابله أن يقال بصحة الصلاة؛ لأن هذا البيان وإن كان فنياً، إلّا أن العرف إذا ورد عليه خطاب (إذا أنقصت سجدة فصلاتك صحيحة) يفهم منه العرف أنّه لو سجد على النجس فصلاته صحيحة أيضاً، اللهم إلّا أن يقال: إنّ هذا الفهم العرفي ناشئ من أنّه يفهم من دليل شرطية السجود كونه شرطاً في السجود لا في أصل الصلاة.
وهذه الاحتمالات الأربعة كلها فروض بعد فرض وجود الإطلاق لدليل مسجد الجبهة. فنعلم إجمالاً أنّ دليل شرطية الطهارة أمّا تعلّق على الوجه الرابع، فلا يجب التدارك أو على أحد الأنحاء الثلاثة فيجب التدارك، فإن استظهر أحد الأنحاء فهو، وإلاّ جرت البراءة عن جعل شرطية الطهارة على الأنحاء الثلاثة، لأنّ فيها مؤونةً زائدة هي أنّها فيها تدارك، بخلافه على الرابع، فإنّه أخفّ مؤونةً. فالقدر المتيقن هو النحو الرابع، ومعه لا يجب التدارك، هذا تمام الكلام في المقام الأول.
ومما ذكرناه اتضح أنّ الكلام المشهور(1) الذي يقول في مقام جعل ميزان
ــــــــــ[322]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية (مؤسسة آل البيت) 1: 334. وأجود التقريرات (مطبعة العرفان)، التنبيه الثالث عشر 2: 444.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
تدارك ما فات من قيود الأجزاء، حيث يقال: إن قيود الأجزاء إذا فاتت ووقع الجزء فاقداً لها، فإن كانت قيوداً للجزء وجب التدارك؛ لأنّ الجزء لم يقع خارجاً، وإن كانت قيوداً في الصلاة ومحطّها الجزء (كالواجب في الواجب) لم يجب التدارك؛ لأنّ الجزء انتهى وفات محلّ التدارك.
والشقّ الأوّل من هذا الكلام صحيح وهو تعبير عن أحد الاحتمالين الأوليين للاحتمالات السابقة.
وأمّا الشقّ الثاني فهو غير صحيح على إطلاقه، إذ ينبغي أن يشقّ إلى الاحتمال الثالث والرابع السابقين، فإنّ هذا القيد -الذي لوحظ قيداً في أصل الصلاة والجزء ظرفاً له- تارةً يكون ظرفه هو طبيعي السجود، وأخرى يكون ظرفه شخص ذلك السجود الواقع الذي يعتبر امتثالاً للأمر الضمني في حدّ نفسه. فعلى الأول لم يفت التدارك؛ لأنّ الأوامر الضمنية لا تسقط إلّا بعد امتثالها جميعاً، نعم لو كان على النحو الثاني يكون محل التدارك قد فات، لأنّ الواقع لا ينقلب عمّا وقع عليه.
كما أنّه اتضح مما ذكرناه سابقاً الحال، فيما إذا سجد سجدةً واحدةً فيما لا يصحّ السجود عليه من غير ناحية الطهارة والنجاسة كالسجود على المأكول أو على المكان المرتفع.
فإنّه لا فرق بين الفرضين، إلّا أنّ احتمال البطلان الذي عالجناه سابقاً، غير وارد هنا، لأنّه كان باعتبار احتمال دخول طهارة مسجد الجبهة في (طهور) من حديث “لا تعاد“. وأمّا إذا سجد على غير النجس مما لا يصح السجود عليه،
ــــــــــ[323]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فاحتمال البطلان من هذه الناحية غير موجود، فنبقى وسائر الكلمات السابقة، وهو أن هذه الشرطية إن كانت مجعولةً على أحد الوجوه الثلاثة الأولى فيجب التدارك، وإن كانت مجعولة على الوجه الرابع فلا يجب.
لو سجد سجدتين على ما لا يصحّ السجود عليه، ونقطع النظر الآن عن أنّ الصلاة قد تبطل من ناحية الطهور، وذلك بأن نفترض السجود على غير النجس مما لا يصح السجود عليه، أو سجد على النجس، وقلنا إنّ (طهور) خاص بالطهارة الحدثية، أو يشمل طهارة البدن واللباس دون مسجد الجبهة.
وحينئذٍ لا بدّ من معرفة الحكم من الرجوع إلى الاحتمالات الأربعة للوجوب الضمني.
أما الاحتمال الأول: وهو أن يكون وجوب طهارة مسجد الجبهة ناظراً إلى خطاب (اسجد) ويكون متصرفاً في عنوان السجود بلسان الحاكمية لا بلسان التخصيص، بحيث إن السجود على الموضع النجس ليس بسجود. فما هو تكليف الفرد؟
تفصيل ذلك:
– إنّ لسان الحاكمية تارةً نفرضه جعل اصطلاح للشارع في مقام بيان حقيقة شرعية للسجود، فمقتضى القاعدة هو صحة الصلاة بتدارك سجدتين على الموضع الطاهر وتصح صلاته.
ــــــــــ[324]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
أمّا وجوب التدارك فهو مقتضى القاعدة في كل مورد لا يلزم محذور منه؛ لأنّ الأمر الضمني لم يمتثل، وأما صحة الصلاة؛ فلأنّه لا يلزم من التدارك محذور؛ لأنّ المحذور هو الزيادة الركنية، وهو مفروض العدم في المقام، لأنّ دليل مُبطلية زيادة السجود هو دليل لا (تعاد)، وهذا الذي وقع من العبد ليس بسجود عند الشارع على ما هو المفروض.
– وإن فرض أنّ لسانه لسان الحاكمية لشخص ذلك الدليل لا بجعل الاصطلاح، كالطواف في البيت صلاة، فيصبح حاله حال الاحتمال الثاني الآتي.
الاحتمال الثاني: أن يكون دليل الاشتراط ناظراً إلى خطاب (اسجد)، ومقيّداً له بلسان التخصيص أو بلسان الحاكمية التي ليست مستبطنة بالحقيقة الشرعية.
مقتضى القاعدة وجوب التدارك، لأنّ الأمر الضمني لم يُمتثل، إذا لم يلزم من التدارك محذور. والمحذور المتصور في المقام هو الزيادة الركنية، ومعه تبطل الصلاة، لأنّه يدخل في عقد المستثنى من حديث “لا تعاد“، وليس للشارع حقيقة شرعية جديدة.
تفصيل ذلك: إنَ قوله: لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة وأحدها السجود، ونحو هذا البيان تارة نستفيد من السجود ذات السجود، وأخرى نستفيد من السجود بقيوده الشرعية.
أمّا على الأوّل فقد تمّ المطلب، لأنّ ذات السجود الزائد حاصل.
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأمّا على الثاني فلم يتحقق سجودان زائدان بقيودهما الشرعية.
لكن هذا الاحتمال بنفسه يحتاج إلى قرينة؛ لأنّ ظاهر السجود هو ذات السجود فالمتعيّن هو الاحتمال الأوّل، فيلزم الزيادة الركنية. فلا يجب التدارك؛ لأنه يلزم منه بطلان الصلاة، ومعناه أنّ بقاء مطلوبية السجود يلزم منه بطلان الصلاة؛ لأنّه لو لم يسجد فقد عصى الخطاب وإن سجد فقد أزاد ركناً.
إذن فلا بُدّ من الالتزام بسقوط خطاب (إحدى السجدتين)، ولكن الخطاب بسجدة واحدة لا موجب لسقوطه، فيجب عليه سجدة واحدة، ولا يلزم منه زيادة ركنية، لعدم وجود زيادة ركنية وإحدى السجدتين الناقصتين تعتبر كأنها مبررة.
والاحتمال الثالث: لو كان الاشتراط في أصل الصلاة وموضعه طبيعي السجود.
فإن مقتضى القاعدة وجوب التدارك. ولكنّ تدارك السجدتين معاً زيادة ركنية بلا إشكال، سواء أُريد به ذات السجود أو السجود بقيوده؛ فإن الطهارة بناءً على هذا الاحتمال ليست قيداً في السجود بل لأصل الصلاة، فلا يجب تدارك كلتا السجدتين، ولكن تدارك الواحدة لا بأس به، فيجب عليه ذلك.
وأمّا على الاحتمال الرابع: فلا يجب التدارك أصلاً. أمّا في السجدتين فواضح، وأمّا في سجدة واحدة فأيضاً لا يجب التدارك، لفوات محلّه، فتصح صلاته بلا تدارك.
هذا كله إذا لم نُدخل في الحساب احتمال البطلان من ناحية الطهور.
ــــــــــ[326]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وأمّا إذا أدخلناه في الحساب، فمن الواضح أن هذا الاحتمال غير وارد في كل مورد نقول فيه إنّ الطهارة شرط في السجود لا في أصل الصلاة. لأنّا ذكرنا انصرافه إلى ما كان شرطاً في أصل الصلاة لا في السجود.
وكذلك لا يأتي احتمال البطلان في كل مورد نلتزم فيه بوجوب التدارك لسجدتين، لأنّ السجدتين وقعتا على طهور. وإنّما يأتي احتمال البطلان فيما إذا كانت الطهارة شرطاً في أصل الصلاة، وبنى على عدم وجوب التدارك إما لكلتا السجدتين أو لإحداهما، فيأتي احتمال البطلان؛ لأنّه فاقد للطهور. هذا كله إذا انتبه قبل الدخول في ركن آخر.
بعد أن أوضحنا ما هو التكليف فيما إذا التفت قبل فوات محل التدارك.
نقول: إنّه لو التفت بعد فوات محل التدارك، أي بعد الدخول في ركن آخر [فإنّ] بطلان الصلاة موقوف على فوات جزء أو شرط ركني. ففي المورد الذي نقول بوجوب الإتيان بكلتا السجدتين لو التفت قبل الدخول في الركن الآخر، فتبطل الصلاة، لأنّ معناه فوات الركن المطلوب منه. وأمّا في مورد لم نكن نقول فيه بوجوب تدارك كلتا السجدتين، بل قلنا فيه بوجوب تدارك إحدى السجدتين، فنقول هنا بصحة الصلاة، لأنّه لم يفته إلّا سجدة واحدة.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الفصل [الأول الصلاة في النجس حال العلم أو الجهل] 13
الصورة الأولى: [من صلَّى في النجس عالماً عامداً] 13
[شبهة حكومة (لا تُعاد) على أدلَّة الشرطيَّة والمانعيَّة] 14
الردّ على الشبهة بوجوه 15
الوجه الأول: عدم شمولها للعالم العامد 15
الوجه الثاني: انصرافها عن العالم العامد عرفاً 17
الوجه الثالث: دليل شرطية الطهارة 18
الصورة الثانية: الصلاة في النجس جاهلاً بالحكم 20
المقام الأول: الجاهل المقصّر المتردِّد بالفعل 20
النكتة العرفية المانعة من شمول (لا تُعاد) للجاهل المقصّر 21
الأمر الأوّل: صلاة الجاهل المتردِّد محكومة بالبطلان في نظره 21
الأمر الثاني: في شمول قاعدة (لا تعاد) للجاهل المتردِّد 22
الأمر الثالث: الجاهل المتردِّد مأمور بقطع الصلاة 23
الأمر الرابع: نفي الإعادة منحصر بالجاهل المركَّب دون الجاهل ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المترِّدد 24
المقام الثاني: الجاهل المقصِّر غير الملتفِت حين العمل 25
في عدم شمول قاعدة (لا تُعاد) للجاهل مطلقاً 26
الصورة الثالثة: في الجاهل القاصر 28
عدم شمول القاعدة للجاهل القاصر 28
الوجه الأول: إجمال كلمة (الطهور) 28
جواب السيد الأستاذ في المقام 29
إيراد اعتراضين على جواب السيد الأستاذ 30
الوجه الثاني: ما ورد من إعادة الصلاة حال الجهل بالحكم 32
الوجه الثالث: الشكّ والجهل لا يسقط الخطاب الواقعي 34
مناقشة الوجه الثالث 35
الوجه الرابع: معارضة (لا تُعاد) برواية عبد الله بن سنان 36
مناقشة الوجه الرابع 38
المقام الأول: انصراف الرواية عن الجاهل بالحكم 38
المقام الثاني: النسبة بين الرواية وحديث (لا تُعاد) 39
الفرضية الأولى: نسبة العموم من وجه 39
الفرضية الثانية: نسبة العموم المطلق 41
الفرضية الثالثة: نسبة العموم المطلق بلحاظٍ آخر 41
الصورة الرابعة: الصلاة بالنجس جاهلاً بالموضوع 44
ــــــــــ[330]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المقام الأول: في مقتضى القاعدة() بغض النظر عن الروايات الخاصّة 44
المقام الثاني: دلالة الروايات الخاصة 47
الطائفة الأولى: ما دلَّ على عدم وجوب التدارك مطلقاً 47
1- صحيحة محمد بن مسلم 47
2- رواية العيص بن القاسم 48
مناقشة مع الرواية 49
3- معتبرة اسماعيل الجعفي 51
4- رواية سماعة 52
5- صحيحة محمد بن مسلم الأخرى 53
6- رواية أبي بصير 53
7- رواية أبي بصير الأخرى 54
8- صحيحة عبد الله بن سنان 54
9- رواية علي بن جعفر 55
10- رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله 56
11- صحيحة زرارة 57
12- رواية أبي بصير أيضاً 58
13- روايات عدم إعادة الصلاة إذا وقعت النجاسة في الأثناء 59
الطائفة الثانية: ما دلَّ على وجوب الإعادة مطلقاً 60
المقام الأول: في أصل دلالتها على ما هو المدّعى 61
ــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المقام الثاني: في النسبة بين الطائفة الأولى والثانية 63
بيانات للجمع بين الطائفتين 63
البيان الأول: عدم وجوب الإعادة خارج الوقت 63
البيان الثاني: اختصاص وجوب الإعادة بغير الفاحص 65
البيان الثالث: الطائفة الأولى واردة في فرض الفراغ 66
البيان الرابع: حمل الطائفة الثانية على الاستحباب 66
الطائفة الثالثة: ما دلَّ على التفصيل بين القضاء والإعادة 67
الكلام من حيث السند 70
الطائفة الرابعة: ما دلّ على التفصيل بين الفحص وعدمه 72
الأولى: صحيحة محمد بن مسلم 72
الثانية: رواية ميمون الصيقل 73
الثالثة: صحيحة زرارة 74
الرابعة: مرسلة الصدوق 75
الكلام في علاج التعارض بين الطائفة الأولى والرابعة 75
بيانان للتخلص من الطائفة الرابعة 77
البيان الأول: الحمل على الاستحباب 77
البيان الثاني: بلحاظ الفحص في الشبهات الموضوعية 78
الصورة الخامسة: أن يصلّي بالنجاسة جاهلاً بالموضوع ثم ينكشف له ذلك في أثناء الصلاة 81
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الفريق الأول: أدلَّة بطلان الصلاة 81
الدليل الأوَّل: رواية زرارة الاستصحابية 81
الدليل الثاني: رواية محمد بن مسلم 84
الدليل الثالث: صحيحة محمد بن مسلم 85
الدليل الرابع: رواية أبي بصير 86
الفريق الثاني: أدلة صحة الصلاة 87
الوجه الأول: روايات الصلاة بالنجاسة جهلاً 87
تقريب الأولويَّة العرفيَّة 87
الوجه الثاني: رواية محمد بن مسلم 89
عدَّة استشكالات في المقام 90
الإستشكال الأوّل 90
الإستشكال الثاني 93
الإستشكال الثالث 95
تحقيق الرواية بحسب نسخة التهذيب 95
الوجه الثالث: رواية داود بن سرحان 98
الوجه الرابع: رواية عبد الله بن سنان 101
علاج التعارض بين الفريقين من الروايات 102
الفرضية الأولى لعلاج المعارضة 102
1- التساقط 102
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
2- الجمع العرفيُّ 107
الفرضية الثانية لعلاج المعارضة 108
مسألة: انكشاف النجاسة في الأثناء مع سعة الوقت 109
المرحلة الأولى: الكلام بلحاظ مقتضى القاعدة 111
المرحلة الثانية: الكلام بلحاظ الروايات الدالة على البطلان 111
مسألة: انكشاف النجاسة في الأثناء مع ضيق الوقت 114
وجوه صحة الصلاة في المقام 116
الوجه الأول: التمسُّك بإطلاق معذورية الجاهل 116
الوجه الثاني: عجز المكلف عن الصلاة في الثوب الطاهر 120
الوجه الثالث: مقتضى قانون التزاحم تقديم الأهمّ وهو الوقت 121
تنبيه 123
الفصل الثاني الصلاة في النجس نسياناً 127
الصلاة في النجاسة المنسيَّة لو تذكر بعد الصلاة 127
المقام الأول: بلحاظ مقتضى القاعدة 127
المقام الثاني: بلحاظ الرواية الخاصَّة 129
روايات الصحة مطلقاً 130
روايات التفصيل بين الإعادة والقضاء 131
روايات البطلان مطلقاً 132
ــــــــــ[334]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
تصنيف الروايات الخاصة 136
وجوه علاج التعارض بين الطائفتين: الأولى والثانية 137
الوجه الأول: الحمل على الاستحباب 137
إشكالات ترد على الوجه الأول 137
الإشكال الأوَّل: أنَّ الأمر إرشاديّ لا مولويّ 137
الإشكال الثاني: وجود قرينة تأبى الحمل على الاستحباب 138
الإشكال الثالث: وجود قرينة أخرى تأبى الحمل على الاستحباب 140
الوجه الثاني: التخصيص 140
الوجه الثالث: انقلاب النسبة 143
إشكالان على الوجه الثالث 144
الوجه الرابع: تطبيق باب قواعد التعارض 145
الوجه الخامس: تقديم الحُجَّة على اللاحُجَّة 147
روايات الاستنجاء في صالح الطائفة الأولى 150
الروايات التي في صالح الطائفة الثانية 152
استدراك 153
الوجه السادس: التفصيل بين داخل الوقت وخارجه 155
ضمُّ الطائفة الثالثة لتتميم الوجه السادس 156
إشكالات ترد على الوجه السادس 156
ــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الإشكال الأول: منافاته لبعض روايات الطائفة الأولى 156
الإشكال الثاني: منافاته لبعض روايات الطائفة الثانية 158
الإشكال الثالث: عدم إمكان تقييد كِلتا الطائفتين 160
الإشكال الرابع: وجود تشويش في قرينة الجمع 161
دليلنا على الاحتياط الوجوبي 165
الصلاة مع النجاسة المنسيَّة لو انكشفت في الاثناء 168
أدلَّة البطلان 168
الوجه الأول: الأولويَّة 168
الوجه الثاني: إطلاق ما دلّ على بطلان صلاة الناسي 168
الوجه الثالث: روايات وردت في الالتفات إلى النجاسة أثناء الصلاة 170
الرواية الأولى: رواية عبد الله بن سنان 170
الرواية الثانية: رواية علي بن جعفر 171
مسألة 1: [في ناسي الحكم تكليفاً أو وضعاً] 172
مسألة 2: [في المردَّد بين الناسي والجاهل بالموضوع] 173
الطائفة الأولى التي استُفيد من مفهومها 174
الطائفة الثانية التي استُفيد من إطلاقها 175
البيان الأول: وجود مقيِّد للمفهوم 176
البيان الثاني: إنكار المفهوم 176
المرجِّح في المقام دليل المعذوريَّة 177
ــــــــــ[336]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فرع: لو شكّ في النجاسة ثمّ تبيّنت بعد الصلاة 178
الوجه الأول 178
مناقشة الوجه الأوَّل 179
الوجه الثاني 180
مناقشة الوجه الثاني 180
فرع: إخبار الوكيل بالتطهير 182
المقام الأول: في الاعتماد على إخبار الوكيل بالتطهير قبل الدخول في الصلاة 183
اشكال السيد الأستاذ في حُجِّيَّة خبر الوكيل 184
وفي هذا الكلام مواقع للنظر 185
الموقع الأول: كفاية أخبار صاحب اليد 185
الموقع الثاني: عدم شمول الوكالة للتصرفات التكوينية 185
ملاكان لتصحيح الفعل غير المباشر 185
الموقع الثالث: في تحقُّق عنوان الوكيل اصطلاحاً 187
الموقع الرابع: التوكيل ليس سبباً لاعطاء حُجِّيَّة ذاتيَّة 190
المقام الثاني: وجوب الإعادة لو انكشف وقوع الصلاة في النجاسة 190
لو اعتقد أن هذا الدم مما تجوز الصلاة فيه 192
الاعتقاد بالجواز حال العلم بجواز الصلاة فيه 192
الاعتقاد بالجواز حال الشكّ بجواز الصلاة فيه 193
ــــــــــ[337]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
فرع: ما لو شكّ أنه دم طاهر أو نجس 193
مسألة 3: [لو علم بنجاسة شيء فنسي] 196
الفصل الثالث انحصار الصلاة في النجاسة 199
مسألة 4: [انحصار ثوب المصلّي بالنجس] 199
الصورة الثانية: ما لو انحصر ثوبه في النجس مع إمكان الصلاة عارياً 200
الطائفة الأولى: الدالة على وجوب الصلاة في النجس 200
الطائفة الثانية: وهي التي تدلّ على وجوب الصلاة عارياً 202
وجوه لعلاج التعارض بين الطائفتين من الروايات 203
الوجه الأول: تقدُّم الحُجَّة على اللاحُجَّة باسقاط الطائفة الثانية 203
الوجه الثاني: تقدُّم الحُجَّة على اللاحُجَّة باسقاط الطائفة الأولى 205
الوجه الثالث: حمل إحداهما على إمكان نزع الثوب والأخرى على عدمه 206
مناقشة مع الوجه الثالث 208
الوجه الرابع: رفع الإطلاق عن كِلتا الطائفتين 210
مناقشة مع الوجه الرابع 211
الوجه الخامس: التخصيص 214
الوجه السادس: التساقط والرجوع إلى الأُصول العمليَّة 215
الصورة الأولى: ما لو انحصر ثوبه في النجس ولا يتمكن من الصلاة ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
عارياً 216
تكليف من لا يتمكن من الصلاة عارياً 218
في جواز المبادرة إلى الصلاة في النجس أوَّل الوقت 219
في وجوب الإعادة لو ارتفع العذر اثناء الوقت 219
مسألة 5: [لو كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما] 222
الفرع الأول: إذا كان يتمكن من الصلاة فيهما معاً 222
المقام الأول: في تشخيص مقتضى القاعدة 223
التقدير الأوَّل: بلحاظ الحرمة التشريعيَّة 223
الحالة الأولى: التمكن من غسل أحدهما 223
التقريب الأول: توهُّم عدم جواز الصلاة في الثوبين 224
وجهان يردان على التقريب الأوَّل 225
التقريب الثاني: تكرار الصلاة امتثال اجمالي وهو لعب بأمر مولويٍّ 226
الحالة الثانية: أنَّ المكلف ليس عنده ماء أصلاً 226
فرض تمامية الدليل على التمييز وتأثيره 227
الموقف الأوَّل: للسيد الأستاذ 228
الموقف الثاني: لابن إدريس 229
التقدير الثاني: بلحاظ الحرمة الذاتية 230
الكلام الأول: حول أصل دعوى التزاحم 231
ــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
مناقشة في تقدُّم ما ليس له بدل على ما له بدل 234
الكلام الثاني: في تقديم المشروط بالقدرة العقليَّة 236
المقام الثاني: في تشخيص الحكم بلحاظ النص الخاصّ 237
الفرع الثاني: إذا لم يتمكَّن من الصلاة فيهما معاً 238
في وجوب إعدام الثوب الآخر 238
في وجوب القضاء بالثوب الآخر 241
المبنى الأول: أن الأمر بالقضاء بالأمر الأوَّل 243
المبنى الثاني: أن الأمر بالقضاء أمر جديد 243
المبنى الثالث: جريان أصالة البراءة 245
في القضاء عارياً إن حُجِب عنه الثوب الآخر 246
إشكال مستحكم على الماتن والسيد الأستاذ 247
كلام السيد الحكيم في المقام 247
وفي ذلك مناقشتان 249
مسألة 6: [إذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر] 251
المسألة 7: لو تردَّد الأمر بين أطرافٍ أحدها طاهر 253
الفرضية الأولى: أن المانعية هي النجاسة المعلومة 255
الفرضية الثانية: أن الطهارة المعتبرة أعمّ من الواقعيَّة والظاهريَّة 256
مسألة 8: [تنجس الثوب والبدن مع وجود ماء يكفي لأحدهما] 257
أنحاء مانعية النجاسة 257
ــــــــــ[340]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
وجوب تطهير البدن 258
الوجه الأول: في أنَّ المقام من باب التزاحم 258
الوجه الثاني: في أنَّ المقام من باب التعارض 259
الوجه الثالث: التمسك بالروايات 260
الوجه الرابع: ما دلَّ على مانعية النجاسة في الثوب والبدن 261
إشكال على الوجه الثاني والثالث 262
احتمال ثبوت دليل مانعية نجاسة الثوب في الجملة 263
في ترجيح نجاسة أحدهما إن كانت أكثر أو أشدّ 266
الحالة الثانية: أن تكونا معاً في البدن أو الثوب 266
الفرع الأول أن تكون النجاستان معاً في البدن أو معاً في الثوب 266
الاحتياج إلى ضمّ نكتة ارتكازية 267
الفرع الثاني في الأشد والأضعف 268
تقريب دفع الأشد بوجوه 268
الحالة الأولى: أن تكون إحدى النجاستين في الثوب والأخرى في البدن 269
مسألة 9: [إذا تنجَّس موضعان من بدنه أو لباسه ولم يمكن إزالتهما] 270
ملاك الانحلالية 271
تقديم متعدِّد العنوان على متحدِّ العنوان 274
أنحاء تعدُّد العنوان في النجاسة 274
إمكان تطهير بعض الموضع النجس 276
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
إمكان إزالة عين النجاسة دون التطهير 276
لو كان عنده ماء يكفي لغسلة واحدة مع احتياجه للتعدُّد 279
محذور وصول الغسالة الى المحلّ الطاهر 281
مسألة 10: [دوران الأمر بين التطهير من الحدث أو الخبث] 283
ما اختاره المشهور في تقديم الطهارة الخبثية على الوضوء 284
في تقديم غير المشروط بالقدرة الشرعية 285
المقام الأول: بناءً على دخول الدوران في باب التعارض 286
المرجح الأوَّل: الورود 287
المرجح الثاني: تقديم الدليل الكتابي 288
المخرج الفقهي للالتزام بأحدهما 288
المقام الثاني: بناءً على دخول الدوران في باب التزاحم 293
البيان الأوّل: تقديم محتمل الأهمِّيَّة وهو الوضوء 293
البيان الثاني: تقديم غسل الثوب على الوضوء 294
التقريب الأوّل: تقديم المشروط بالقدرة العقلية 294
التقريب الثاني: تقدُّم ما ليس له بدل على ما له بدل 296
التقريب الثالث: تقدُّم محتمل الأهمِّيَّة وهو غسل الثوب 299
الفصل الرابع الصلاة مع النجس مضطراً 303
مسألة 11: [إذا صلّى في الثوب النجس اضطراراً] 303
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
المقام الأول: في وجوب الإعادة 303
الصلاة في النجس مع الاعتقاد بوجود الماء آخر الوقت 306
الصلاة في النجس مع الشكّ أو الاعتقاد ببقاء العجز 306
لو تبيَّن له ارتفاع العجز أثناء الوقت 307
المقام الثاني: في وجوب القضاء 310
لو صلّى في النجس ثُمَّ وجد الماء أثناء الصلاة 310
الفرض الأوَّل: سعة الوقت 311
الفرض الثاني: ضيق الوقت 312
مسألة 12: [الاضطرار إلى السجود على المحلّ النجس] 313
كلام السيد الحكيم في المقام 313
اعتراض السيد الأستاذ 314
مسألة 13: [السجود على النجس جهلاً أو نسياناً] 317
الالتفات قبل الدخول إلى ركنٍ آخر 318
المقام الأوّل: ما إذا سجد سجدة واحدة على النجس 318
في دليل اشتراط طهارة مسجد الجبهة احتمالاتٌ عدَّة 319
الاحتمال الأول: ناظر إلى دليل (اسجد) بلسان الحاكميّة 319
الاحتمال الثاني: ناظر إلى دليل (اسجد) بلسان التقييد 319
الاحتمال الثالث: ناظر إلى دليل (اقيموا الصلاة) والطهارة قيد لأصل الصلاة 320
ــــــــــ[343]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج5
الاحتمال الرابع: ناظر إلى دليل (اقيموا الصلاة) والطهارة قيد في السجود 321
المقام الثاني: كِلتا السجدتين من تلك الركعة وقعت على النجس 324
رجوع إلى الاحتمالات الأربعة في الوجوب الضمني 324
[الالتفات بعد الدخول في ركن آخر] 327
الفهرس 329
ــــــــــ[344]ــــــــــ
كتاب الطهارة، محمد باقر الصدر، ج5