الجزء الرابع
271.1
ص44 الصدر، محمد.
كتاب الطهارة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج4(472ص.)؛ 17×24 سم.
رقم الإيداع
1687/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1687) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
5-87-699-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
كتاب الطهارة
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى
السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الرابع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفصل الأوَّل
الكلام في نجاسة الفقاع
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فصلٌ: يشترط في صحّة الصلاة -واجبةً كانت أو مندوبةً- إزالةُ النجاسة عن البدن، حتّى الظفر والشعر واللّباس ساتراً أو غير ساتر، عدا ما سيجيئ…(1).
لا إشكال ولا ريب [في] اعتبار الطهارة الخبثيَّة في الصلاة، في الجملة، بل قد يُعدُّ من ضروريات الدين. والروايات الدالَّة عليه بنحو القضيَّة المهملة المناسبة مع القضية الجزئيَّة والكُلِّيَّة، ومع شرطيَّة للطهارة ومانعية النجاسة، أكثر من حدِّ التواتر، وإنَّما الكلام في ذلك يقع في جهات:
هل يُعتبر في الصلاة الطهارةُ من جميع النجاسات، أو الطهارةُ من بعضها؟ وهذه الجهة ناظرة إلى الإطلاق والتفصيل من حيث أنواع النجاسات.
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 83، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: يشترط في صحّة الصلاة إزالة النجاسة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ولا إشكال بحسب المطلب الفقهيِّ اعتبار ذلك، إلّا أنَّ الكلام في تخريج ذلك والاستدلال عليه فنّياً.
فقد استشكل السيد الأستاذ(1)، وذكر أنَّ أكثر الروايات واردة في موارد متفرِّقة كالبول والدم والميتة، ولم يرد فيها عنوان كُلِّيّ، كقولنا: (لا تصل في النجس)، فقد يُستشكَل ويُقال: إنَّ مقتضى القاعدة -لولا الإجماع والضرورة وعدم القول بالفصل-، هو الاقتصار على موارد النص.
ثم تصدَّى للجواب عليه: فحاول أن يثبت التعميم بعدّة وجوه:
التمسُّك بصحيحة زرارة الثانية في مبحث الاستصحاب، قَالَ: “قُلْتُ: أَصَابَ ثَوْبِي دَمُ رُعَافٍ أَوْ غَيْرهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَنِيٍّ، فَعَلَّمْتُ أَثَرَهُ إِلَى أن أُصِيبَ لَهُ مِنَ المَاءِ، فَأَصَبْتُ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَنَسِيتُ أنَّ بِثَوْبِي شَيْئاً، وَصَلَّيْتُ، ثُمَّ إِنِّي ذَكَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ: تُعِيدُ الصَّلَاةَ وَتَغْسِلُهُ” الخبر().
فقوله: “أَوْ غَيْره”(2)إن قرأناها بالرفع، يعني: (غيرُ دم الرعاف)، فهو مطلق
ــــــــــ[14]ــــــــــ
(1) راجع: فقه الشيعة 4: 9، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في اشتراط صحّة الصلاة بإزالة النجاسة، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 255، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في طهارة اللّباس والبدن.
(2) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 255، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في طهارة اللّباس والبدن، فقه الشيعة 4: 10، كتابُ الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في اشتراط صحّة الصلاة بإزالة النجاسة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
لجميع النجاسات، فتدلّ على بطلان الصلاة مع كلِّ نجس، ويكون قوله: (أو شيء من المنيّ) من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ.
وأما إذا قرأناها بالجرِّ، يعني: (أو دمٌ غيرِ دم الرعاف). فلا يكون فيها إطلاقٌ، وإنّما تكون واردةً في الدم خاصّة.
والصحيح أنَّ هذه العبارة حتى لو قرأناها بالرفع، لا يمكن التمسُّك بها لإثبات الموجبة الكُلِّيَّة؛ لأنَّ هذه الكلمة واردة في كلام زرارة، ولم يكن المقصود السؤال عن كبرى بطلان الصلاة مع النجس، بل هو أمر مفروغ عنه في كلامه بموارد النجاسة المعلومة عنده.
وإنّما يسأل عن أنَّه علم بالنجاسة ثُمَّ صلّى ناسياً، ثُمَّ التفت إلى النجاسة، فهل تكون صلاته صحيحة أو لا؟ وليس سؤاله عمَّا يكون محذوراً أو لا يكون، ليمكن التمسُّك بإطلاقه.
وليت السيد الأستاذ استدلَّ من هذه الصحيحة بالعبارة التي جاءت بعد ذلك: فإنَّه قال بعد ذلك: “قُلْتُ: فَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ، وَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ هُوَ فَأَغْسِلَهُ، قَالَ: تَغْسِلُ مِنْ ثَوْبِكَ النَّاحِيَةَ الَّتِي تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا حَتَّى تَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ”
فإنَّ الاستدلال بهذه الفقرة من الرواية أنسب من تلك الفقرة، فإنَّه قد يُدّعى أنَّ قوله: “حَتَّى تَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ”، ناظرٌ إلى اعتبار الطهارة
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
في الصلاة، لا عدم الدم والبول والمَنيّ بالخصوص، فإنَّ الطهارة لا تكون إلّا بزوال تمام النجاسات لا محالة.
عن أبي جعفر قال: “لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ، وَيُجْزِيكَ مِنَ الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ، وَبِذَلِكَ جَرَتِ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، وَأَمَّا الْبَوْلُ فإنَّه لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ”(1).
ذكر السيد الأستاذ(2): أنَّنا لو كُنّا وصدر العبارة لقلنا إنَّ المراد الطهارة الحدثيَّة، ولا نعلم بشموله للخبثيَّة، إلّا أنَّ العبارة التي بعدها تكون قرينة على أنَّ المراد بالطهارة الأعمّ من الحدثيَّة والخبثيَّة، فيدلُّ على أنَّ الطهارة بعنوانها معتبرة في الصلاة، ولا فرق بين نجس ونجس.
وهذا الاستدلال أيضاً غير تامٍّ؛ لأنَّ كلمة (طهور) يُحتمل فيه بدواً احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: أن يكون المراد بها المصدر يعني الطهارة، وبذلك يتمُّ
ــــــــــ[16]ــــــــــ
() باب 9، من أحكام الخلوة، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 49-50، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 83، الاستبصار 1: 55، كتاب الطهارة، الباب 31، الحديث 15، وسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 256، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في طهارة اللّباس والبدن.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الاستدلال بناءً على هذا الاحتمال.
والآخر: أن يكون المراد به اسم الآلة، وهو الماء المطهِّر، فإنَّه أحد معاني الطهور.
ومن هنا استفاد السيد الأستاذ(1) من الآية: وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً(2) المطهريّة، فيصير المعنى لا صلاة إلا باستعمال الماء، وهذا لا يثبت بطلان الصلاة مع كلِّ نجس، بل لزوم استعمال الماء ولو في الجملة. ويكفي في ذلك التطهير في الاستنجاء من البول، ولا يكون بها إطلاق.
ومِمَّا يشهد لهذا الاحتمال قوله: “وَيُجْزِيكَ مِنَ الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ”، فإنَّ المجزي يحتاج إلى مجزٍ عنه، فهل هو الطهارة؟ كَلا، فإنَّ الأحجار هي تحقُّق الطهارة، بل هي تجزي عن الماء، إذن فالمراد بـ(الطهور) الماء لا الطهارة.
الروايات التي دلَّت على جواز الصلاة فيما لا تتمّ الصلاة به وحده، إذا كان قذراً، ولا ينبغي الإشكال في أنَّ لسانها لسان الاستثناء والتخصيص؛ فهي ظاهرة في أنَّ كونه قذراً يمنع عن صحة الصلاة فيه، لو كان مِمَّا تتمّ الصلاة به. فهذه الروايات بنفسها تدلّ على حكم المُستثنى منه، ولا يفرَّق حينئذٍ بين قذر وقذر.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 14، كتاب الطهارة، فصلٌ: في المياه، فصلٌ: أقسام الماء المطلق، طهوريّة الماء المطلق.
(2) الفرقان: 48.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والصحيح أنَّ بعضَ روايات هذا الباب غيرُ تامٍّ سنداً، وبعضَها غيرُ تامٍّ دلالةً على هذا المطلب، وبالنتيجة لا تتمّ روايةٌ منها سنداً ودلالةً على إثبات المطلب، ويتَّضح ذلك بقراءة روايات ذلك الباب.
1- فمن أمثلة الروايات التي لا تتمّ دلالةً: رواية زرارة عن أحدهما، قال: “كُلُّ مَا كَانَ لَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، مِثْلِ الْقَلَنْسُوَةِ وَالتِّكَّةِ وَالْجَوْرَبِ”(1).
فإنها لا تدلُّ على المقصود؛ لأنَّ مفادها قضيَّةٌ شرطيَّةٌ: شرطها ما لا يجوز الصلاة فيه لو كان مِمَّا تتمُّ به الصلاة. وجزاؤها أو حكمها: أنَّه يجوز الصلاة فيه لو كان مِمَّا لا تتمُّ به الصلاة.
ومن المعلوم أنَّ الشرطيَّة لا تعني تحقُّق شرطها، وأنَّه متى لا تجوز الصلاة فيه، هل هو مطلق يشمل النجاسات كُلَّها، أو بعضها؟
2- ومن أمثلة التامّ دلالةً: ما رُوي عن أبي عبد الله: “في الرجل يُصلِّي في الخفِّ الذي قد أصابه القذر، فقال: إِذَا كَانَ مِمَّا لَا تَتِمُّ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَا بَأْسَ”(2).
ــــــــــ[18]ــــــــــ
() باب31، من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 2: 358، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث 14، وسائل الشيعة 3: 455-456، كتاب الطهارة، الباب 31 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
() نفس الباب، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 274، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 94، وسائل الشيعة 3: 456، كتاب الطهارة، الباب 31 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإنَّه يدلُّ بمفهومه أنَّه إذا كان مِمَّا تتمُّ فيه الصلاة؛ ففيه بأس إذا أصابه القذر، وهو مطلق يشمل تمام النجاسات، على الأقلّ العينيَّة منها، ولا بأس بهذا الكلام.
إلّا أنَّ الرواية غير تامّة من حيث السند؛ لأنَّها تنتهي إلى حماد بن عثمان انتهاءً صحيحاً، ولكنَّه يرويها عمَّن رواه عن أبي عبد الله، فتكون مرسلة.
حديث (لا تعاد) المعروف: “لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إلَّا مِنْ خَمْسَةٍ: الطَّهُورِ وَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُود”(1)، حيث عدَّ منها الطهور، وهو مطلق يشمل الطهارة الحدثيَّة والخبثيَّة، فيدلُّ على أنَّ مطلق النجاسة معتبرة، من دون فرق بين الدم والمنيّ والميتة وغيرها.
إلّا أنَّه ذكر السيد الأستاذ في بحث متأخِّر(2): أنَّ هذا الإطلاق تامّ، لو لم تكن هنا قرينةٌ متّصلةٌ في نفس الحديث، توجب تقييد الإطلاق واختصاصه بالطهارة الحدثيَّة، وهي قوله بعد ذلك: “والتشهُّد سُنّة” والمراد من السنَّة ما
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 279، أبواب الصلاة، باب القبلة، الحديث 857، تهذيب الأحكام 2: 152، كتاب الصلاة، الباب 9، الحديث 55، وسائل الشيعة 4: 312، كتاب الصلاة، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 1.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 348، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: إذا صلّى في النجس، فقه الشيعة 4: 145، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، تتمّة: فصلٌ في النجاسات، حكم من صلّى في النجس.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
سنَّه النبيُّ، في مقابل ما شرَّعه القرآنُ الكريمُ، وليس المراد به كونه مستحبّاً.
فهو عبارة عن أنَّ هذه الخمس مجعولة في القرآن الكريم، وإذا راجعنا القرآن نجد تشريع القبلة والوقت والركوع والسجود والطهارة الحدثيَّة.
أمّا الطهارة الخبثيَّة فغير مذكورة في القرآن، فيكون ذلك قرينة على أنَّ المراد منها خصوص الطهارة الحدثيَّة لا الخبثيَّة، ومن هنا بنى على أنَّ (لا تعاد) يشمل النجاسة الخبثيّة، وأنَّها داخلةٌ في المُستثنى منه في هذا الحديث.
وهنا كلامان للسيد الأستاذ، وكِلاهما لا يمكن المساعدة عليه:
أمّا الكلام الأوَّل: من أنَّ مقتضى التمسُّك بإطلاق (الطهور): أنَّه يعتبر كِلا الطهارتين الحدثيَّة والخبثيَّة، فغير تامٍّ، حتى لو قطعنا النظر عن ذيل الحديث، لأمور؛ أهمّها: أنَّ الحديث ليس في مقام تشريع أصل الجزئيَّة والشرطيَّة والمانعيَّة، بل ناظر إلى ما شرَّعت شرطيَّته وجزئيَّته ومانعيَّته، فهو ينظر إلى الأجزاء والشرائط والموانع الثابتة بأدلَّتها، ويقول: “لا تُعادُ الصلاة فيها إلَّا من خمسةٍ منها“.
إذن فلا بُدَّ من ملاحظة حدود الجزئيَّة والشرطيَّة والمانعيَّة، ومن أجل ذلك كان لحديث (لا تعاد) حكومةٌ على أدلَّةِ الشرطيَّة والجزئيَّة والمانعيَّة؛ لأنَّه ليس في مقام إثبات هذه الأمور في عرض أدلّتها الأوَّليَّة لتُعارضها، بل في مقام النظر إليها وهي مفروغ عنها، حيث تقول: إنَّه مع الإخلال بها سهواً لا يجب الإعادة.
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ومعه لا يمكن التمسُّك به لاعتبار الطهارة بقول مطلق؛ لأنَّه ليس في مقام تأسيس الاعتبار بل تخصيصه.
وأمَّا الكلام الثاني: فهل يمكن أن نجعل الذيل قرينة على أنَّ المراد بالطهور الطهارة الحدثيَّة، باعتبارها هي المذكورة في القرآن، ولهذا تدخل الطهارة الخبثية في عقد المُستثنى منه لا المُستثنى؟
وهذا لا يمكن المساعدة عليه؛ لاحتمال أن تكون الطهارة الخبثيَّة مذكورةً في القرآن، فإنَّ احتماله يكفي لإجمال الرواية، وعدم إدخال الطهارة الخبثيَّة في عقد المُستثنى منه، فإنَّ قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(1) يحتمل أن يكون المراد بها الطهارة الخبثيَّة.
نعم، يأتي كلام واحد: وهو أنَّ الآية ليس فيها نظر إلى الصلاة، وإنَّما هو أدب في نفسه بالنظافة، وحمله على النظر إلى الصلاة يحتاج إلى عناية.
إلّا أنَّ مثل هذا يتمُّ في آيات الركوع والسجود يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(2)، وسنذكر أنَّ الحديث لا يشمل الطهارة الخبثيَّة؛ لإجمال كلمة الطهور، وأنَّ إجمال المستثنى يسري إلى المستثنى منه. فالاستدلال بـ (لا تعاد) غير تامٍّ.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1) المدّثر: 4.
(2) آل عمران: 43.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إلّا أنَّ الدليل على النتيجة -وهي أنَّه يُعتبر الاجتنابُ في الصلاة عن كلِّ نجس- يكون بأحد طرق ثلاثة:
أنَّ هذه الروايات وإن وردت في موارد متفرِّقة، ولكن بعد جمعها يظهر أنَّها مستوعبة، وأنَّه لا يوجد شيء من النجاسات العشر إلا وقد ورد فيه ما يدلُّ على اعتبار التجنُّب عنها في الصلاة، وكذلك في المتنجّس فإنَّه قد ورد فيه بالخصوص ما يدلُّ على ذلك، فإذا كانت الروايات مستوعبة فما هي الحاجة إلى تحصيل المطلق؟!
نعم، هذه الدعوى موقوفة على التسليم بمطلبٍ، وهو أنَّ النجاسة لها أثران:
الأثر الأوَّل: حرمة الأكل والشرب.
والأثر الآخر: عدم جواز الصلاة فيه.
فندّعي أنَّ كلَّ رواية وردت في مقام الأمر بغسل الثوب، هي بنفسها ظاهرةٌ باعتبار الطهارة في الصلاة، فإنَّه لماذا يُغسل الثوب مع أنَّه لا يؤكل ولا يشرب؟! ووضع الثوب في القدر ليس أمراً متعارفاً حتى يؤمر بغسله باعتباره.
إذن، فالأمر بغسل الثوب بنفسه مع ارتكازيَّة اعتبار الطهارة في الصلاة،
-ولو بنحو القضية المهملة في أذهان المتشرِّعة- وعدم تصوُّر قاعدةٍ أخرى له إلا بلحاظ تلك النتيجة… يوجب ظهور نفس هذا الدليل باعتبار طهارة الثوب في الصلاة.
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فبضمِّ روايات الأمر بالغسل إلى سائر روايات الباب، يصحُّ ما قلنا من أنَّه ورد في كلِّ نجاسة ما يدلُّ على اعتبار التنجنُّب عنها في الصلاة؛ إمَّا صراحةً، أو باعتبار الأمر بغسلها.
إنَّ الروايات وإن وردت في جملة من النجاسات لا جميعها، ولكن مع هذا نستفيد منها الإطلاق، وذلك: أنَّ النكتة في وجوب الاجتناب عن الدم والمنيّ ليس لكونه دماً أو منيّاً، بل كونه قذراً ونجساً، فيتعدّى من الدم والمنيّ إلى سائر النجاسات الأخرى.
وتقريب ذلك يكون بضمِّ أمرين أحدهما إلى الآخر:
الأمر الأوَّل: أنَّ هذه الأمور -كالدم والمنيِّ- مِمَّا ارتكزت نجاسته في أذهان المتشرِّعة، فالنجاسة بالنسبة إليها من الأوصاف التي سرعان ما تنسبق إلى الذهن عند الالتفات إلى موضوعها.
الأمر الثاني: شدّة اقتضاء مناسبات الحكم والموضوع، لكون الموجب للبطلان والمانع عن الصلاة إِنَّما هو الدم، باعتبار نجاسته، والبول باعتبار نجاسته، لا الدم في نفسه، وإن لم يكن نجساً كالدم الطاهر المتخلف في الذبيحة، ولا البول في نفسه، وإن لم يكن نجساً، بل مناسبات الحكم والموضوع تقتضي أنَّ الأنسب بالمانعيَّة هو الدم بما هو نجس.
فيُنتِج هذان الأمران: أنَّ النجاسة التي تخطر في ذهن المتشرِّعة من الدم هي الأنسب بالمانعيَّة، وهي نكتتها الواقعية؛ فينعقد للدليل ظهورٌ في أنَّ الدم ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والبول ذُكرا بنحو المثاليَّة، فيثبت الإطلاق في الدليل.
هو أنَّ نفتّش عن إطلاق في الروايات، يقتضي لزوم الاجتناب عن كلِّ نجس في الصلاة.
وهناك عدَّة روايات يمكن أن يُستدلَّ بها أو يُتوهَّم الاستدلال بها في هذا المقام، سنخ ما ذكر السيد الأستاذ وناقشناه.
الرواية الأولى: موثّقة عمَّار الساباطي
وأحسن الروايات من حيث كونها تامّة سنداً ودلالةً موثَّقة عمَّار عن أبي عبد الله في حديث، قال: “سُئِلَ عَنِ الْمَوْضِعِ الْقَذِرِ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَبِسَ الْمَوْضِعُ الْقَذِرُ، قَال: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَأَعْلِمْ مَوْضِعَهُ حَتَّى تَغْسِلَه”، وعن الشمس هل تطهِّر الأرض؟ قال: “إِذَا كَانَ المَوْضِعُ قَذِراً مِنَ الْبَوْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَأَصَابَتْهُ الشَّمْسُ ثُمَّ يَبِسَ المَوْضِعُ فَالصَّلَاةُ عَلَى المَوْضِعِ جَائِزَةٌ. وَإِنْ أَصَابَتْهُ الشَّمْسُ وَلَمْ يَيْبَسِ المَوْضِعُ الْقَذِرُ وَكَانَ رَطْباً فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَإِنْ كَانَتْ رِجْلُكَ رَطْبَةً أَوْ جَبْهَتُكَ رَطْبَةً أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْكَ مَا يُصِيبُ ذَلِكَ المَوْضِعَ الْقَذِرَ فَلَا تُصَلِّ عَلَى ذَلِكَ المَوْضِعِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُ الشَّمْسِ أَصَابَهُ حَتَّى يَبِسَ فإنَّه لَا يَجُوزُ ذَلِكَ“(1).
ــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 2721-273، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 89، الاستبصار 1: 193، كتاب الطهارة، الباب 114، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 452، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
موضع الاستدلال هو الجملة الأخيرة، حيث يتحصّل منها أنّ الموضع القذر من البول أو غير البول.. إذا كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة لا يجوز الصلاة عليه وإن كان يابساً.
ولا منشأ لعدم الجواز إلا بيان المانعية، وإلّا لو كان يشترط في مكان الرِّجل الطهارة تعبّداً لما ذكر رطوبة الرجل والجبهة. وموضوع هذا الحكم مطلق من حيث سائر النجاسات؛ لأنَّ الموضع القذر وهو يشمل كلَّ أعيان النجاسة. بل يشمل حتى الاجتناب عن المتنجّس لأنَّ موردها تنجيس المتنجّس فإنَّها أرض متنجسة تنجس الرِّجْل.
الرواية الثانية: رواية خيران الخادم
ورواية خيران الخادم قال: “كتبت إلى الرجل أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فإنَّ أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال: بعضهم فيه: فإنَّ الله إِنَّما حرم شربها. وقال بعضهم: لا تصل فيه، فكتب: لَا تُصَلِّ فِيهِ؛ فإنَّه رِجْسٌ”(1).
والاستدلال بها يكون بالفقرة الأخيرة “لا تصلِّ فيه فإنَّه رجس“، وذلك: أنَّه قد علل عدم جواز الصلاة فيه بالرجسيّة وهي النجاسة فيقتضي هذا التعليل
ــــــــــ[25]ــــــــــ
() باب 13 من النجاسات، (المقرر). الكافي 6: 420- 421، كتاب الصلاة، الباب 61، الحديث 5، تهذيب الأحكام 2: 359، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 17، الاستبصار 1: 189، كتاب الطهارة، الباب 112، الحديث 3، وسائل الشيعة 3: 418، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إسراء الحكم إلى كلِّ نجس لمقتضى قانون التعليل.
إلّا أنَّ الاستدلال بها غير تام. ومضافاً إلى إمكان المناقشة في كلمة (الرجس) فإنَّها ليست مطلق المتنجّس بل هو نجاسة شديدة.. على أنَّها ساقطة سنداً لعدم اعتبار خيران الخادم وسهل بن زياد الواقع في سندها.
الرواية الثالثة: رواية علي بن جعفر
عن أخيه موسى بن جعفر قال: “وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبَوَارِي يُبَلُّ قَصَبُهَا بِمَاءٍ قَذِرٍ، أَ يُصَلَّى عَلَيْهَا؟ قَالَ: إِذَا يَبِسَتْ فَلَا بَأْس”(1)، وقد سبق أن روينا هذه الرواية، وقد رأينا أنَّ لها احتمالين:
الاحتمال الأوَّل: وهو النافع في المقام، أنَّه إذا لم ييبس ففيه بأس باعتبار سراية النجاسة إلى المصلي.
الاحتمال الآخر: أنَّه إذا لم ييبس ففيه بأس باعتبار سراية النجاسة إلى موضع السجود. فإن بنينا على الاحتمال الأوَّل فلا بأس بالتمسّك بإطلاق الرواية، فإنَّ مقتضى إطلاقها أنَّ الصلاة مع النجس لا تجوز سواء كانت قذارة الماء من الدم أو البول أو غيره من النجاسات.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
() باب 30 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 2: 374، الحديث 85، الوافي 6: 233، الباب 22، باب ما يطهر بغير الماء وما لا يحتاج إلى التطهير، الحديث 25، وسائل الشيعة 3: 453-454، كتاب الطهارة، الباب 30 من أبواب النجاسات والأواني والجلود، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الرواية الرابعة: رواية أبي العلاء
عن أبي عبد الله قال: “سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ ثَوْبَهُ الشَّيْءُ يُنَجِّسُهُ، فَيَنْسَى أنَّ يَغْسِلَهُ، فَيُصَلِّي فِيهِ، ثُمَّ يَذْكُرُ أنَّه لَمْ يَكُنْ غَسَلَهُ، أَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ؟! قَالَ: لَا يُعِيدُ وَقَدْ مَضَتِ الصَّلَاةُ وَكُتِبَتْ لَهُ”(1).
والاستدلال بها مبنيٌّ على دعوى أنَّ الظاهر من عبارة السائل: أنَّ المركوز في ذهنه أنَّ التنجيس بما هو تنجيس يكون موجباً للبطلان. وسكوت الإمام عن هذا الارتكاز يكون دليلاً على إمضائه.
إلّا أنَّه استدلال في غير محلِّه؛ لأنَّ الراوي والإمام معاً لم يكوِّنا سؤالاً وجواباً في مقام البيان من هذه الناحية، وإنّما كانا في مقام البيان عن أنَّ النسيان هل يوجب البطلان أو لا؟ بعد الفراغ عن المانعيَّة في نفسها، فالتمسّك بالإطلاق في غير محلِّه.
الرواية الخامسة: رواية عبد الله بن سنان
قال: “سَأَلَ أَبِي أَبَا عَبْدِ اللهِ وَأَنَا حَاضِرٌ: أَنِّي أُعِيرُ الذِّمِّيَّ ثَوْبِي وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، فَيَرُدُّهُ عَلَيَّ، فَأَغْسِلُهُ قَبْلَ أن أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله: صَلِّ فِيهِ وَلَا تَغْسِلْهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّكَ أَعَرْتَهُ إِيَّاهُ وَهُوَ
ــــــــــ[27]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 423-424، كتاب الطهارة، باب 22، الحديث 18، الاستبصار 1: 183-184، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 14، وسائل الشيعة 3: 480، كتاب الطهارة، الباب 42، من أبواب النجاسات، الحديث 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
طَاهِرٌ، وَلَمْ تَسْتَيْقِنْ أَنَّهُ نَجَّسَهُ، فَلَا بَأْسَ أن تُصَلِّيَ فِيهِ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ نَجَّسَهُ”(1).
والاستدلال يكون بمفهوم الغاية وهو قوله: “حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ نَجَّسَهُ”؛ حيث يدلُّ على أنَّه إذا استيقن أنَّه نجّسه فلا تصلِّ فيه. وهو مطلق يشمل سائر أنحاء النجاسات.
والإنصاف أنَّها لا تخلو من إشعار بأنَّ عنوان التنجيس يكون هو المدار كما في رواية العلاء، غاية الأمر أنَّه هناك كان في كلام السائل وهنا في كلام الإمام، إلّا أنَّ التعويل على هذا الإشعار في غير محلِّه؛ لأنَّ الإمام كان في مقام بيان حكم الشكّ بحسب الحقيقة، لا في مقام بيان النكتة الواقعية لمانعية النجاسة، فالتمسّك بها لأجل إثبات إطلاق الحكم الواقعي في غير محلِّه، فإنَّها مسوقة لبيان الحكم الظاهري في الشبهة الموضوعية بعد الفراغ عن الحكم الواقعي.
الرواية السادسة: رواية عمَّار
ورواية عمَّار عنه: “فِي الرَّجُلِ إِذَا قَصَّ أَظْفَارَهُ بِالْحَدِيدِ أَوْ جَزَّ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ حَلَقَ قَفَاهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أن يَمْسَحَهُ بِالمَاءِ قَبْلَ أن يُصَلِّيَ. سُئِلَ: فَإِنْ صَلَّى وَلَمْ يَمْسَحْ مِنْ ذَلِكَ بِالمَاءِ؟! قَالَ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ؛ لأنَّ الحَدِيدَ نَجَس..”(2) الخبر.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
() باب 74 من النجاسات، (المقرر). الاستبصار 1: 392-393، كتاب الصلاة، الباب 231، الحديث 1، تهذيب الأحكام 2: 361، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 27، وسائل الشيعة 3: 521، الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
() باب 83 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 426، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 26، الاستبصار 1: 96، كتاب الطهارة، الباب 57، الحديث 5، وسائل الشيعة 1: 288، كتاب الصلاة، الباب 14 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
طبعاً هذه من الروايات الدالة على نجاسة الحديد، ونحن نريد أن نستدلّ بها على الإطلاق والقاعدة الكُلِّيَّة، وبمقتضى قاعدة التعليل إعطاء الضابطة الكُلِّيَّة. فكأنه قال: (الحديد نجس) و(كل نجس يكون مانعاً عن الصلاة).
والاستدلال بها بقطع النظر عن غرابة نجاسة الحديد، فالحديث لا بأس به في نفسه؛ لأنَّه تامّ سنداً ودلالةً.
ولكن بعد فرض الفراغ عن أنَّ الحديد في نفسه ليس بنجس.
فإن قلنا إنَّها تأبى عن الحمل على التنزّه والاستحباب فلا بُدَّ في المقام أن يكون تطبيق كبرى النجاسة على الحديد هزليّاً لا جديّاً.
وإن كان يحتمل الحمل على الاستحباب، فيقال: إنَّ التطبيق تطبيق استحبابي لا إلزامي.
وعلى أيِّ حال فلا بُدَّ من التصرُّف في التطبيق، فيقال: إنَّه تصرف في الصغرى ومرحلة التطبيق، وأمَّا الكبرى فتبقى على حالها فإنَّ هذه العبارة مكوَّنة من صغرى وكبرى كالشكل الأوَّل من القياس، فلتبقَ الكبرى على ظهورها في الحكم الإلزامي ونتصرف في الصغرى، هذا غاية ما يمكن أن يُقال في الاستدلال بهذه الرواية(1).
ورواية النميري عن أبي عبد الله قال: “لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي شَيْءٍ مِنَ
ــــــــــ[29]ــــــــــ
() أقول: وجدنا السيد لا يميل إلى هذا الوجه، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الْحَدِيدِ؛ فَإِنَّهُ نَجَسٌ مَمْسُوخٌ”(1).
يأتي فيها نفس الكلام فإنَّها تشكل صغرى وكبرى: (الحديد نجس ممسوخ) و(لا تجوز الصلاة في النجس الممسوخ)، فإن قبلنا الصغرى فقد تمّت دلالة الرواية، وإن لم نقبل ذلك نكرر الكلام السابق، وهو البناء على إمكان التفكيك بين الصغرى والكبرى في السقوط والثبوت.
لكن هناك فرقان بين رواية عمّار ورواية النميري:
الفارق الأول: أنَّ رواية عمار تامّة سنداً دون رواية النميري باعتبار وجود إرسال في طريقها.
الفارق الثاني: أنَّه قال في رواية النميري: (فإنَّه نجس ممسوخ) فلم يجعل النجس وحده، فلو غضضنا عن الإشكالات السابقة فلا بُدَّ أن نضمَّ دعوى ظهور آخر، وهو أنَّ عطف الممسوخ من باب عطف ملاك مستقلّ على ملاك مستقلّ لا عطف جزء الملاك على جزئه، بحيث يكون الملاك هو المجموع المركَّب بينهما.
وبهذا يتضح أنَّ أحسن الروايات سنداً ودلالةً هي رواية عمّار وبه يتمُّ الطريق الثالث أيضاً.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
() نفس الباب، (المقرر). الكافي (الإسلاميّة) 3: 400، باب اللّباس الذي يكره الصلاة فيه، الحديث 13، تهذيب الأحكام 2: 227، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 102، وسائل الشيعة 4: 419، كتاب الصلاة، الباب 32 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
في أنَّ محط هذا الاعتبار ليس هو مطلق البدن واللباس بتمام شؤونهما ولا يختصّ بجزء معين في البدن أو اللباس.
وأصل اعتبار الطهارة في البدن واللباس في الجملة مِمَّا لا إشكال فيه؛ لأنَّهما مورد الروايات الدالة على ذلك وهي كثيرة، ففي اللباس روايات كثيرة دلّت على اعتبار الطهارة في اللباس بعنوان الثوب، منها:
1- رواية سماعة عن أبي عبد الله قال: “إِنْ أَصَابَ الثَّوْبَ شَيْءٌ مِنْ بَوْلِ السِّنَّوْرِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ حَتَّى تَغْسِلَهُ”(1).
2- رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: “…إِنْ رَأَيْتَ الْمَنِيَّ قَبْلُ
ــــــــــ[31]ــــــــــ
() باب 8 من النجاسات، (المقرر). الكافي (الإسلامية) 3: 56، كتاب الطهارة، باب البول يصيب الثوب أو الجسد، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 420، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 2، وسائل الشيعة 3: 404، كتاب الطهارة، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أَوْ بَعْدُ فَعَلَيْكَ الْإِعَادَةُ، إِعَادَةُ الصَّلَاةِ. وَإِنْ أَنْتَ نَظَرْتَ فِي ثَوْبِكَ فَلَمْ تُصِبْهُ وَصَلَّيْتَ فِيهِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْكَ…”(1). فالثوب هو القدر المتيقَّن من محط الاعتبار في اللباس. ونحن نبحث عن إطلاق لغير ما صدق عليه أنَّه ثوب من ألبسة المصلّي.
وأمَّا في البدن فلا إشكال في اعتبار الطهارة بنحو القضية المهملة، كما لو نسى غسل موضع النجو أو البول أو أصاب البول فخذيه، وفي ذلك روايات كثيرة:
1- منها ما في الباب التاسع عشر من أبواب النجاسات.
2- ومنها في أبواب الخلوة.
3- وبعضها في أبواب الوضوء.
وإنّما الكلام في الإطلاق الشامل حتى للشعر والظفر ونحوه، والروايات التي يمكن أن يُستدلَّ بها على الإطلاق في البدن واللباس عديدة:
قال: “قُلْتُ: فَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ (يعني الثوب) وَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ هُوَ،
ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 249، أبواب الصلاة، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه من الثياب، الحديث 757، تهذيب الأحكام 2: 223، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 88، وسائل الشيعة 3: 478، كتاب الطهارة، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحديث2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فَأَغْسِلَهُ، قَالَ: تَغْسِلُ مِنْ ثَوْبِكَ النَّاحِيَةَ الَّتِي تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهَا حَتَّى تَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ”(1).
الاستدلال يكون بالجملة الأخيرة فإنَّ إضافة الطهارة إلى الإنسان:
تارة: يكون بلحاظ بدنه، وفي مثل ذلك تكون الإضافة حقيقية بدون عناية.
وأخرى: تكون بلحاظ البدن والثياب، باعتبار أنَّ طهارة ما على الإنسان من الملابس هو بالعناية كأنها طهارة الإنسان.
وقد أضيفت هنا باللحاظ الثاني لأنَّ المورد هو الثوب، ومع هذا اعتبر طهارة الثوب طهارة له. فيُدّعى بناءً على هذا ويقال: بأنَّه لا يفرق بناءً على إعمال هذه العناية بين ما هو ثوب وما لا يصدق عليه أنَّه ثوب كالعباءة؛ لأنَّ مناط العناية هي الظرفية وهي محفوظة في كلِّ ما يكون نسبته إلى الإنسان كنسبة الثوب إليه.
فينتج لزوم طهارة البدن بجميع أجزائه حتى الشعر والظفر، وذلك لأنَّ طهارتها طهارة للإنسان، وكذلك الثياب ونحوها.
نعم، ما لا يكون من الملابس نسبتها إلى الإنسان ليست كنسبة الثوب إليه كالخاتم فإنَّه لا يُعلَم شمول العناية بالنسبة إليه.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
() باب 7 منها، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 421-422، كتاب الطهارة، باب22، الحديث 8، الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 13، وسائل الشيعة 3: 402، كتاب الطهارة، الباب 7 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إلّا أنَّ هذا الاستدلال غير تامّ وذلك لما أشرنا إليه سابقاً من أنَّ هذه الرواية ليست في مقام البيان من هذه الناحية، فإنَّه يسأل في مورد الشبهة الموضوعية بالنجاسة هل يجب الاحتياط أو لا؟
ويسأل عن فرض الشبهة المحصورة وغيره بعد الفراغ عن اعتبار الطهارة، فلا يمكن التمسُّك بإطلاقها.
رواية خيران الخادم السابقة، التي يقول فيها: “لَا تُصَلِّ فِيهِ؛ فإنَّه رِجْسٌ”.
حيث يقال: بأنَّ التعليل فيها مركَّب من صغرى وكبرى، كأنَّه قال: (الخمر رجس)، و(كل رجس لا يجوز الصلاة فيه)، ومقتضى قانون التعليل إلغاء الخصوصية للمورد وهو الثوب، فإنَّه كما يصدق على الصلاة في الثوب النجس كذلك يصدق على الصلاة في ظرف يكون نسبته إلى المصلِّي كنسبة الثوب.
نعم، هو لا يشمل البدن؛ لأنَّه عين المُصلِّي لا ظرف له.
وتوضيح ذلك: أنَّ خطاب (لا تصلِّ في النجس) لا بُدَّ فيه من إعمال إحدى عنايتين:
العناية الأولى: أن يكون المظروف الذي لوحظ في قوله: “في النجس” هو نفس الصلاة، وعليه فالعناية فيه أن لا تكون الصلاة -بما هي فعل- واقعة في النجس لا محالة، وإنما تقع فيه باعتبار وقوع الفاعل نفسه فيه،
فالعناية هو إسراء الظرفية من الفاعل إلى الفعل.
العناية الثانية: أنَّه لوحظ الظرف ظرفاً للمصلّي، يعني (لا تصلِّ وأنت في
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
النجس)، والعناية في ذلك هو التقدير كقولنا (وانت) ونحوه.
ولا إشكال أنَّ المتعيّن من العنايتين -بحسب الفهم العرفي- هي الأولى؛ لأنَّها عنايةٌ عرفيَّةٌ بخلاف عناية التقدير.
إلَّا أنَّه لا أثر عملي لذلك، فإنَّه على أيِّ حال يكون المحصّلُ المعنويُّ واحداً.
أمّا إذا كان المراد (لا تصلِّ أنت في النجس) فيكون المعنى أنَّ ظرفية النجس للمصلّي تكون مانعة عن الصلاة، وأمَّا إذا كان المراد لا تصلِّ صلاة تكون في النجس، فبما أنَّ النكتة في ذلك مظروفية المصلِّي للنجس فيكون راجعاً إلى الأول، فإنَّه كُلَّما صدق على الصلاة أنَّها في النجس صدق على المصلِّي أنه في النجس، فرجع أحدهما إلى الآخر. فيتحصّل من ذلك أنَّه لا بأس بالإطلاق بالنسبة إلى اللباس، إلّا أنَّها ضعيفة السند.
عن أبي عبد الله قال: “لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الحَدِيدِ؛ فإنَّه نَجَسٌ مَمْسُوخٌ”(1).
وتقريب الاستدلال بها عين الاستدلال بالرواية السابقة، مع مزيَّة بها،
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() باب 83 منها، (المقرر). الكافي (الإسلاميّة) 3: 400، كتاب الصلاة، باب اللّباس الذي تكره الصلاة فيه، الحديث 13، تهذيب الأحكام 2: 227، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 102، وسائل الشيعة 4: 419، كتاب الطهارة، الباب 32 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهي أنَّ الحديد لا يُجعل ثوباً غالباً بل يكون لباساً من المرتبة الثانية، فهذا يكون قرينة على التوسعة في دائرة الظرفية، بحيث يشمل مثل السيف ونحوه، إلّا أنَّها غير تامّة سنداً.
رواية عمار السابقة التي يقول فيها: “وَإِنْ كَانَتْ رِجْلُكَ رَطْبَةً أَوْ جَبْهَتُكَ رَطْبَةً أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْكَ مَا يُصِيبُ ذَلِكَ المَوْضِعَ الْقَذِرَ فَلَا تُصَلِّ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَيْبَسَ”(1).
فقوله: “مِنْكَ” له مفهوم عامّ بالعناية يشمل اللباس والبدن، والمفهوم الأخصّ الذي لا يحتاج إلى عناية هو بدن الإنسان وظفره وشعره، فإن لم نقبل المعنى الأعمَّ إذا لم يكن ارتكازيّاً، وقلنا إنَّه يحتاج إلى قرينة غير موجودة، فلا أقلّ من قبول المفهوم الأخص، فيشكل إطلاقاً على اعتبار الطهارة حتى في الشعر والظفر.
ومعه لا حاجة إلى إثبات اعتبار ذلك إلى دعوى أنَّه يصدق على الشعر أنَّه جزء من البدن، كما صدر من السيد الأستاذ(2)، إذ لا حاجة إليها حتى نقع في ــــــــــ[36]ــــــــــ
() باب 29 منها، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 273، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 89، الاستبصار 1: 193، كتاب الطهارة، الباب 114، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 452، كتاب الطهارة، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث 4.
(2) راجع: فقه الشيعة 4: 12، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في اشتراط صحّة الصلاة بإزالة النجاسة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
تجشم مضافاً إلى غرابتها.
فإنَّ الشعر غير البدن خصوصاً إذا كان طويلاً، ولذا قال أكثر الفقهاء(1): بأنَّ قوله في باب غسل الجنابة: “تُفِيضُ عَلَى جَسَدِكَ المَاءَ“(2) لا يشمل الشعر.
فدعوى شمول الجسد له دعوى غريبة، ولا نحتاج إليها، فإنَّ كونه من الإنسان وجداني سواء صدق عنوان الجسد عليه أو لا.
إذن فالمطلق في بدن المصلِّي موجود.
قال: “سَأَلْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ عَنْ رَجُلٍ يَبُولُ بِاللَّيْلِ، فَيَحْسَبُ أنَّ الْبَوْلَ أَصَابَهُ، فَلَا يَسْتَيْقِنُ، فَهَلْ يُجْزِيهِ أنَّ يَصُبَّ عَلَى ذَكَرِهِ إِذَا بَالَ وَلَا يَتَنَشَّفَ؟ قَالَ: يَغْسِلُ مَا اسْتَبَانَ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَيَنْضِحُ مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ جَسَدِهِ وَثِيَابِهِ وَيَتَنَشَّفُ قَبْلَ أنَّ يَتَوَضَّأَ”(3).
قال صاحب الوسائل: “قال صاحب المنتقى: المُرَادُ بِالتَّنَشُّفِ هُنَا
ــــــــــ[37]ــــــــــ
() لاحظ: مفتاح الكرامة 3: 37، كتاب الطهارة، المقصد الخامس: واجبات الغسل.
(2) تهذيب الأحكام 1: 273، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث 53، الاستبصار 1: 118، كتاب الطهارة، الباب 71، الحديث 5، وسائل الشيعة 2: 225، الباب 24 استحباب المضمضة والاستنشاق قبل الغسل، الحديث 2.
(3) باب 37 منها، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 421، كتاب الطهارة، باب 22، الحديث 7، وسائل الشيعة 1: 320، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الِاسْتِبْرَاءُ، وَبِالْوُضُوءِ الِاسْتِنْجَاءُ”(1).
فهو يأمر بنضح ما يشكّ أنَّه قد أصاب جسده وثيابه. ومن المعلوم أنَّ ذلك ليس إلزاميّاً بل تنزهيّاً، إلّا أنَّه من المعلوم أيضاً أو من المنصرف ارتكازياً أنَّه احتياط باعتبار احتمال وجود المانع والمبطل. فيكشف ذلك بنفسه أنَّ وجود البول في الجسد والثياب مبطل للصلاة، ولذا أمر بالنضح حالة الشكّ احتياطاً.
إذا تمّ ذلك يقال: إنَّ موضوع القضية هو عنوان الجسد وعنوان الثياب:
أمّا عنوان الجسد فلا بأس لإطلاقه لتمام البدن ما عدا الشعر، فلا يتحصّل من هذه الرواية إطلاق كإطلاق رواية عمّار السابقة.
وأما إطلاق (الثياب) فحيث جاءت الكلمة بنحو الجمع وليس من المتعارف أن يلبس ثياباً متعددة بالمعنى الأخصّ من الثوب. فيصير ذلك قرينة على أنَّ المراد من الثياب معناها الأعمّ وهي الملابس.
وهذه القرينة غير بعيدة ولكنّها مع هذا لا تكفي لإثبات النجاسة إلّا فيما كان سنخه -سنخ الثوب- من حيث تلبُّس البدن به لا مطلق اللباس كالعمامة والأحزمة.
عن جعفر بن محمد أنَّ عَلِيّاً قَالَ: “السَّيْفُ بِمَنْزِلَةِ الرِّدَاءِ، تُصَلِّي فِيهِ مَا لَمْ تَرَ فِيهِ دَماً”(2).
ــــــــــ[38]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 1: 320، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.
(2) باب 83 منها، (المقرر). قرب الإسناد: 131، أحاديث متفرّقة، الحديث 460، تهذيب الأحكام 2: 271-272، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 78، وسائل الشيعة 3: 529، كتاب الطهارة، الباب 83 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فهو ينزِّل السيف منزلة الرداء، ومن المعلوم أنَّ السيف مرتبة نازلة من مراتب اللباس فإذا قسَّمنا اللباس إلى مراتب وجعلنا الثوب بالمعنى الأخصّ في أولاها وجعلنا ما كان كالثوب في التلبس بالبدن ثانيتها فإنَّ السيف يكون في المرتبة الثالثة، فإنَّه مِمَّا يُتقلَّد لا مِمَّا يُلبَس.
والاستدلال بالرواية على تحصيل الإطلاق في باب اللباس موقوف على إلغاء خصوصية السيف بالارتكاز العرفي. فإنَّ في العبارة احتمالين:
الاحتمال الأول: أن يكون قوله: “السَّيْفُ بِمَنْزِلَةِ الرِّدَاءِ”، تنزيلاً تعبدياً محضاً، بدعوى أنَّ الدليل دلَّ على اشتراط طهارة الرداء، وقد نزَّل السيف منزلة الرداء لنكتةٍ تعبديَّةٍ محضة.
ومعه لا يمكن التعدي من السيف إلى غيره، ولا يمكن تحصيل الإطلاق المطلوب.
الاحتمال الثاني: أنَّه توسيع لنطاق موضوع دليل المانعية، يعني كأنَّه يقول: إنَّ الموضوع هو الجامع ما بين الرداء وبين المراتب النازلة من اللباس.
ومعه: يحصل في الرواية إطلاق في اعتبار الطهارة في تمام المراتب حتى ما لا تتمّ فيه الصلاة، لكن قيَّدناه بروايات أخرى تأتي بالقلنسوة والتكة، والجورب.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إلّا أنَّها ضعيفة السند؛ لأنَّ وهب بن وهب أبو البختري لم يشهد بتوثيقه بل شهد بعدم توثيقه(1).
فيتحصّل من مجموع البحث أنَّنا في باب البدن حصَّلنا إطلاقاً للمعنى الأوسع الذي يشمل الشعر والظفر أيضاً.
وأمّا في باب الملابس فلم يحصل الإطلاق بل القدر المتيقن هو المرتبة الأولى والثانية (بقرينة رواية عبد الرحمن بن الحجاج) وأمَّا غيره كالخف والعمامة فلا يوجد إطلاق يشمله في نفسه.
نعم، يمكن أن يقال: إنَّه يكفي لإثبات الطهارة لبدن المصلي حتى الشعر والظفر نفس أدلَّةِ اعتبار الطهارة في الثوب، ولو في الجملة، فإنَّها تدلّ بالالتزام العرفيِّ على اعتبار الطهارة في البدن حتى الشعر.
لأنَّ مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في الذهن العرفيِّ تقتضي أنَّ اعتبار الطهارة في الثوب إِنَّما هو باعتباره شأناً من شؤون المصلِّي.
ومن المركوز عرفاً أيضاً أنَّ شأنية الشعر لصاحبه أشدّ من شأنية الثوب لصاحبه، فبضمِّ الارتكازين لبعضهما، يكون لنفس دليل اعتبار الطهارة في
ــــــــــ[40]ــــــــــ
(1) راجع: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 430، باب الواو، الرقم 1155، الفهرست (الشيخ الطوسي): 173، باب الواو، باب وهب، الرقم 757، خلاصة الأقوال (العلّامة الحلّي): 262، الفصل الرابع والعشرون: في الواو، معجم رجال الحديث 20: 231- 232، باب الواو، الرقم 13228.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الثوب دلالةٌ التزاميَّةٌ عرفيَّةٌ، على اعتبار الطهارة في البدن حتى الشعر، وليس هذا أخذاً بالقياس، وإنّما هو باعتبار ظهور الدليل بضمِّ مناسبات الحكم والموضوع الارتكازيَّة إليه.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إنَّه بعد الفراغ عن اعتبار الطهارة يقع الكلام في أنَّه هل اعتبرت الطهارة شرطاً في الصلاة أو اعتبرت النجاسة مانعاً فيها، والبحث في ذلك يقع في مقامات:
الأوّل: في تصوير هذين الوجهين ثبوتاً.
الثاني: في الاستدلال عليه إثباتاً.
الثالث: في ثمرات الوجهين من الناحية الفقهية.
والتحقيق أن يقال: بأنَّ الطهارة لا تخلو من أحد وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أن تكون الطهارة أمراً وجودياً مقابلاً للنجاسة، ويكون التقابل بينهما على حدّ التقابل بين الأمرين الوجوديين، بحيث يوجد للشارع أو العقلاء اعتباران: اعتبار للقذارة والوسخ، واعتبار للنظافة والنقاء.
الوجه الثاني: أن تكون الطهارة عنواناً ثبوتياً منتزعاً، ومتحصّلاً عن عدم النجاسة، فهو في طول عدم النجاسة، وهو عنوان النقاء والخلوّ.
الوجه الثالث: أن تكون الطهارة مجرّد عدم النجاسة، ويكون التقابل بينهما من تقابل السلب والإيجاب.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وبناءً على الوجهين الأوَّلَين: كون تعقُّل الشرطية في مقابل المانعيَّة أمراً واضحاً.
أما على الأوَّل فالمولى إن أخذ الواجب مقيّداً بعدم أحد الاعتبارين وهو النجاسة انتُزِعت المانعيَّة لها، وإن أخذه مقيّداً بالاعتبار الآخر وهو الطهارة انتُزِعت الشرطية، فكل منهما: المانعيَّة والشرطيَّة، مُنتزَع من سنخ حكم غير الحكم الآخر.
وكذلك الحال على الوجه الثاني فإنَّ مرجع المانعيَّة إلى أخذ عدم النجاسة في الواجب ومرجع الشرطية إلى اخذ العنوان الثبوتي المتحصّل من عدم النجاسة قيداً في الواجب، وأحدهما غير الآخر.
وأمّا بناءً على الوجه الثالث: فقد يقال: إنَّه لا يعقل الفرق بين شرطيَّة الطهارة ومانعية النجاسة؛ لأنَّ مرجع مانعيَّة النجاسة إلى تقييد الواجب بعدم النجاسة، ومرجع شرطية الطهارة إلى تقييد الواجب بالطهارة وقد فرضنا أنَّها عدم النجاسة، فيكون هذا التقييد عين ذلك التقييد.
إلّا أنَّه مع هذا يمكن تصوير الوجهين الثبوتيين بناءً على الوجه الثالث أيضاً، وذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأوَّل: أن يقال: بأنَّ مرجع المانعيَّة إلى تقييد الصلاة بعدم النجاسة وأن مرجع شرطيَّة الطهارة إلى تقييد الصلاة باستعمال الطهور وهو الماء.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
توضيح ذلك(1): أنَّه كما أنَّ الصحيح المختار في باب الطهارة الحدثيَّة، أنَّ الشرط فيها هو نفس الغسل والوضوء على ما حققناه في محلِّه.
فهنا أيضاً يقال: إنَّه في باب الطهارة الخبثيَّة يكون الشرط نفس الغسل لا عدم النجاسة ولا ثبوت الطهارة لكيلا يقال: إنَّ أحدهما عين الآخر، بل الشرط هو استعمال الماء المنوط بوجود النجاسة، وهذا النحو من الشرطية معقول في مقابل مانعيَّة النجاسة. ومعه يوجد في المقام فرضان معقولان:
أحدهما: أن تكون الصلاة مقيّدة بعدم النجاسة، ونسميه بـ(المانعية).
ثانيهما: أن تكون مقيّدة بالغسل وهو أمر وجودي، وهو عبارة أخرى عن شرطيَّة الطهارة.
التقريب الثاني: وهناك تقريب آخر لتصوير الفرق بين الشرطية والمانعيَّة ثبوتاً، نتعرّض له في المقام الثالث إن شاء الله تعالى.
بعد أن ثبت أنّه يُتصوَّر في عالم الثبوت وجهان لاعتبار الطهارة، هي مانعيَّة النجاسة وشرطيَّة الطهارة.
فما هو المستظهر من روايات الباب؟
ــــــــــ[44]ــــــــــ
(1) راجع: بحوث في شرح العروة الوثقى 1: 56-58، كتاب الطهارة، فصلٌ: في المياه، الماء المطلق والمضاف المسألة 1، المسألة الثانية: في مطهّرية الماء المضاف من الحدث.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهنا نذكر أولاً ما يمكن أن يستظهر منه المانعيَّة، ثُمَّ نذكر ما يمكن أن يستظهر منه الشرطية ثُمَّ نوازن بين مجموع روايات الباب.
أما ما يمكن أن يستظهر منه المانعية، فيمكن تقسيمه إلى أربع طوائف، بعد الفراغ عن أنَّ الأوامر بالغسل لا يمكن أن يستفاد منها لا المانعيَّة ولا الشرطية؛ لأنَّ الأمر بالغسل يترتّب عليه أمران:
الأمر الأول: زوال النجاسة.
الأمر الثاني: ثبوت الطهارة.
فكما يناسب مع مانعيَّة النجاسة يناسب مع شرطيَّة الطهارة.
والطوائف الأربع هي ما يلي:
الروايات التي انيط فيها بطلان الصلاة بالنجاسة كرواية الحسن بن زياد قال: “سُئِلَ أَبُو عَبْدِاللهِ عَنِ الرَّجُلِ يَبُولُ، فَيُصِيبُ فَخِذَهُ وَرُكْبَتَهُ قَدْرُ نُكْتَةٍ مِنْ بَوْلٍ، فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَذْكُرُ بَعْدُ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُ. قَالَ: يَغْسِلُهُ وَيُعِيدُ صَلَاتَهُ“(1).
وهناك روايات أخر بهذا المضمون في أبواب متفرقة من الوسائل.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
() باب 19 من النجاسات، (المقرر). الكافي 5: 59، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 10، تهذيب الأحكام 1: 268-269، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 76، وسائل الشيعة 3: 428- 429، كتاب الطهارة، الباب 19 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فقد أنيط صحة الصلاة وبطلانها بثبوت النجاسة وعدمها، لا بوجود الطهارة بعنوانها، وهذا معناه مانعيَّة النجاسة لا شرطيَّة الطهارة.
لكن مع هذا لا يمكن الاستدلال بها؛ لأنَّ فرض النجاسة ورد في كلام السائل، فحَكَمَ الإمام بوجوب الإعادة، فلا ينبغي أن يُستظهر منه أنَّ الحكم منوط بعدم النجاسة، بل لعلَّه منوط بوجود الطهارة بعنوانها، وعلى كِلا التقديرين يكون ما جاء في الرواية صحيحاً.
التي أنيط فيها البطلان بوجود النجاسة في كلام الإمام، كرواية السكوني(1)، ورواية السيولي(2)، ورواية إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله(3)، قال: “الحَائِضُ تُصَلِّي فِي ثَوْبِهَا مَا لَمْ يُصِبْهُ دَمٌ“(4).
وتوضيح الحال في الاستدلال بهذه الروايات: أنَّه عندنا نجاستان:
النجاسة الأولى: نجاسة عينية وهي الدم والبول والمني.
والنجاسة الثانية: نجاسة حُكميّة، وهي التي تثبت للمُلاقي حتى بعد زوال العين، وقد تجتمع النجاستان، وذلك فيما إذا كان عين النجس موجوداً.
ــــــــــ[46]ــــــــــ
() ص1030 من الطبعة الجديدة، منه، (المقرر).
(2) ص1033، منه، (المقرر).
(3) ص1104، منه، (المقرر).
(4) الكافي 5: 296، كتاب الطهارة، الباب 24، الحديث 2، وسائل الشيعة 3: 449، كتاب الطهارة، الباب 28 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ونحن في هذا البحث:
– إن كان نظرنا إلى النجاسة الحكميَّة والطهارة الحكميَّة كما هو المفروض، (بمعنى أنَّ ما هو المانع عن صحة الصلاة هو النجاسة الحكميَّة للثوب وما هو الشرط هو الطهارة الحكمية، وأن وجود عين النجس على الثوب إِنَّما يكون مضراً باعتبار أنَّه يستتبع النجاسة الحكميَّة أو يسلب الطهارة الحكمية، ولذا لو كان عين النجاسة وحده بدون نجاسة حكميّة، فلا بأس أن يُقال بجوازه، بناءً على جواز الصلاة في المحمول النجس).
ومعه لا يتمُّ الاستدلال بهذه الطائفة لأنَّها وإن كانت ظاهرة بإناطة البطلان بوجود عين النجس، لكن من المعلوم بناءً على هذا المبنى أنَّ وجود العين بما هو عين النجس ليس محط الحكم الشرعي أصلاً، بل ما هو المناط هو معلولات وجوده وهو النجاسة الحكمية، ومعه تكون هذه الروايات مناسبة مع شرطيَّة الطهارة الحكميَّة ومناسبة مع مانعيَّة النجاسة الحكمية، فإنَّ وجود عين النجس يترتّب عليه أمران:
أحدهما: وجود النجاسة الحكمية.
والآخر: ارتفاع الطهارة الحكمية.
– نعم، لو كان بحثنا في المانعيَّة والشرطيَّة منصبّاً على نفس النجاسة العينيَّة بحيث كان كلامنا في مانعيَّة النجاسة العينيَّة وشرطيَّة الطهارة العينيَّة أي عدم النجاسة العينيَّة أو الخلو منها.. لنفع الاستدلال بهذه الروايات؛ لأنَّ ظاهرها أنَّ النجاسة العينيَّة مانع؛ لأنَّ وجود الطهارة شرط.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
هي الطائفة التي دلّت على استثناء بعض النجاسات العينيَّة والعفو عنها، كالعفو عن الدم الذي يكون أقلّ من درهم(1)، وما دلَّ على العفو عن دم الجروح والقروح(2).
وتقريب الاستدلال بها على المانعية، يكون بأحد بيانين:
البيان الأول: أن يُدّعى فيها سنخ ما ادُّعي في الطائفة السابقة، من أنَّ هذه الروايات في مقام استثناء بعض النجاسات من الدليل الذي دلَّ على الاعتبار، فدلّت على أنَّ المستثنى منه هو النجاسة، يعني لولا الدليل الذي دلَّ على الاستثناء كانت النجاسة موجبة للبطلان.
وبعبارة أوضح: أنَّ دليل الاستثناء لا بُدَّ أن يخرج شيئاً داخلاً في المستثنى منه.
فإن كان لسان الاعتبار لسان مانعيَّة النجاسة، كان لسان الاستثناء صحيحاً لأنَّه استثناء ما لولاه لدخل، فيكون أمراً معقولاً.
وأمّا لو كان المستثنى منه هو دليل شرطيَّة الطهارة، فما معنى استثناء دم الجروح والقروح؟ فالسنخية بين المستثنى والمستثنى منه، تُعيّن أن يكون المستثنى منه، هو النجس باعتبار مانعيته.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 429، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 20، جواز الصلاة مع نجاسة الثوب والبدن بما ينقص عن سعة الدرهم.
(2) وسائل الشيعة 3: 433، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 22، جواز الصلاة مع نجاسة الثوب والبدن بدم الجروح والقروح.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وقد انقدح جوابه مِمَّا سبق، فإنَّ النجاسات العينيَّة ليست محطاً للشرطية ولا المانعية، وما هو محط لها إِنَّما هو النجاسة الحكمية، فاستثناء الدم يكون استثناءً مِمَّا هو المعتبر سواء كان هو عدم النجاسة الحكميَّة أو هو الطهارة الحكمية، فيكون الاستثناء مناسباً مع كِلا الأمرين.
البيان الثاني: وهو ألطف من الأوَّل وهو موقوف على بيان أمرين:
الأمر الأول: دعوى أنَّ المستظهر من روايات هذا الباب أنَّ لسانها هو لسان الاستثناء يعني أنَّها في مقام دفع ما هو المحمول وإلغاء الاعتبار لا أنَّها في مقام جعل اعتبار جديد، يعني أنَّ ذلك الاعتبار الثابت في المرتبة السابقة أُلغي منه مقدار، وليس لها اعتبار جديد.
الأمر الثاني: أنَّ المتحصَّل لدى العرف -لو ضمَّ دليل الاعتبار إلى رواياتٍ- العفو عن الدم القليل إذا لم تلحقه نجاسة أخرى.
فلو تمّ مجموع الأمرين نقول:
لو كان دليل الاعتبار دالاً على مانعيَّة النجاسة فحيث إنَّ النجاسة لها أفراد متعددة فتنحلّ المانعيَّة إلى مانعيات متعددة: مانعيَّة ناشئة من البول ومانعية ناشئة من الدم، وهكذا.
وروايات الاستثناء تقول: تخرج النجاسة الناشئة عن دم الجروح والقروح فإنَّها ليست بمانع، فلو اختلط دم الجروح بدم الرعاف ثبتت المانعية بنفس دليل الاعتبار الأول، باعتبار شموله لدم الرعاف.
وأمّا إذا كان مفاد دليل الاعتبار شرطيَّة الطهارة، فمن المعلوم أنَّ الطهارة ليست أموراً عديدة، بل هي طهارة واحدة تتحصّل في مقابل تمام النجسات،
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فدليل الاستثناء يدلُّ على أنَّ الطهارة ليست شرطاً هنا، فإذا سقطت شرطيَّة الطهارة، فمن أين نعرف أنَّه لا يجب أن يكون هناك أمر آخر؟
فلا بُدَّ من استفادة ذلك من نفس أدلَّةِ الاستثناء، وهذا معناه أنَّ روايات الاستثناء في مقام الوضع أيضاً، وهو خُلْفُ الأمر الثاني الذي ذكرناه.
وهي أحسن ما دلَّ على إفادة المانعيَّة في المقام، وهي: ما دلَّ على النهي في الصلاة في الثوب النجس، فإنَّه لا إشكال أنَّها أنسب بمانعية الثوب المتنجّس من شرطيَّة الطهارة فإنَّ المانعيَّة إِنَّما تستفاد من النهي أو ما هو بحكم النهي، منها:
1- رواية خيران الخادم السابقة التي يقول فيها: “لَا تُصَلِّ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ رِجْسٌ”(1)؛ فإنَّ التعليل أفاد الشكل الأوَّل من القياس الذي كبراه: أنَّه لا يصلّي في الرجس، فتكون نهياً عن الصلاة في الثوب النجس، وتدلُّ على المانعيَّة.
إلّا أنَّها ضعيفة السند كما سبق.
2- ورواية علي بن مهزيار وقد سبقت في بحث تنجيس المتنجّس، وهي طويلة يقول فيها: “… مِنْ قِبَلِ أنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ ثَوْبُهُ نَجِساً لَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ إلَّا مَا كَانَ فِي وَقْتٍ. وَإِذَا كَانَ جُنُباً أَوْ صَلَّى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلَوَاتِ
ــــــــــ[50]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 420-421، كتاب الصلاة، الباب 61، الحديث 5، تهذيب الأحكام 2: 358- 359، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 17، الاستبصار 1: 189، كتاب الطهارة، الباب 112، الحديث 3، وسائل الشيعة 3: 418، كتاب الطهارة، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المَكْتُوبَاتِ الَّتِي فَاتَتْهُ؛ لأنَّ الثَّوْبَ خِلَافُ الجَسَدِ، فَاعْمَلْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى“(1) الخبر. وهو أنسب بمانعية النجاسة؛ لأنَّه قال: “نجساً“، ولم يقل: (لا طاهراً).
ولا يرد هنا ما أوردناه على الطائفة الثانية، لأنَّه هناك كان الكلام عن نجس العين، وأمَّا هنا فالثوب النجس مانع وإن لم يكن عليه عين النجاسة، وهو معنى النجاسة الحكمية، وهذه الرواية تامّة سنداً.
3- رواية زرارة عن أبي عبد الله: أنَّه قال: “إِذَا أَصَابَ ثَوْبَكَ خَمْرٌ أَوْ نَبِيذٌ مُسْكِرٌ فَاغْسِلْهُ إِنْ عَرَفْتَ مَوْضِعَهُ. فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ مَوْضِعَهُ فَاغْسِلْهُ كُلَّهُ، وَإِنْ صَلَّيْتَ فِيهِ فَأَعِدْ صَلَاتَكَ“(2).
4- ورواية عمّار عن أبي عبد الله قال: “لَا تُصَلِّ فِي بَيْتٍ فِيهِ خَمْرٌ وَلَا مُسْكِرٌ؛ لأنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُهُ. وَلَا تُصَلِّ فِي ثَوْبٍ قَدْ أَصَابَهُ خَمْرٌ أَوْ مُسْكِرٌ
ــــــــــ[51]ــــــــــ
() باب 42 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 426- 427، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 28، الاستبصار 1: 184، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 15، وسائل الشيعة 3: 479، الباب 42 باب وجوب الإعادة في الوقت واستحباب القضاء، الحديث 1.
(2) باب 38 من النجاسات، (المقرر). الكافي (الإسلاميّة) 3: 450، كتاب الصلاة، باب: الرجل يصلّي في الثوب وهو غير طاهر، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 278- 279، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 105، وسائل الشيعة 3: 469، كتاب الطهارة، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
حَتَّى تَغْسِلَ”(1).
والجامع بين الروايتين هو النهي عن الصلاة في الثوب الذي وقع عليه مسكر، سواء كان عليه مسكرٌ أو لا، وظاهره المانعيَّة.
5- وكذلك رواية عبد الله بن سنان التي يقول فيها: “عن الثوب الذي يعيره للذميّ: صَلِّ فِيهِ وَلَا تَغْسِلْهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّكَ أَعَرْتَهُ إِيَّاهُ وَهُوَ طَاهِرٌ وَلَمْ تَسْتَيْقِنْ أَنَّهُ نَجَّسَهُ، فَلَا بَأْسَ أنَّ تُصَلِّيَ فِيهِ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ نَجَّسَهُ“(2).
فإنَّها لا تخلو من إشعار بأنَّ مناط الإعادة إِنَّما هو النجاسة الحكميَّة في الثوب لا الطهارة الحكمية، حيث جعل المناط إثباتاً ونفياً هو اليقين بالنجاسة.
هذا تمام ما يمكن أن يُستدلَّ به على المانعية، وقد تحصّل أنَّ مجموع هذه الروايات لا بأس بدلالتها على اعتبار المانعيَّة.
يلحق بتلك الطوائف الأربع، رواية الصدوق، قال: “سئل أبو جعفر وأبو عبد الله فقيل لهما: إِنَّا نَشْتَرِي ثِيَاباً يُصِيبُهَا الْخَمْرُ وَوَدَكُ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ حَاكَتِهَا،
ــــــــــ[52]ــــــــــ
() باب 38 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 278، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 104، الاستبصار 1: 189، كتاب الطهارة، الباب 112، الحديث1، وسائل الشيعة 3: 470، كتاب الطهارة، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث7.
(2) باب 74، (المقرر). تهذيب الأحكام 2: 361، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 27، الاستبصار 1: 392- 393، كتاب الصلاة، الباب 231، الحديث1، وسائل الشيعة 3: 521، كتاب الطهارة، الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أَ نُصَلِّي فِيهَا قَبْلَ أن نَغْسِلَهَا؟ فَقَالَا: نَعَمْ، لَا بَأْسَ؛ إِنَّما حَرَّمَ اللهُ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْ لُبْسَهُ وَمَسَّهُ وَالصَّلَاةَ فِيهِ”(1).
وهي من الروايات التي يُستدلُّ بها على طهارة الخمر، إلّا أنَّنا نريد هنا أن نستدلَّ بها على حيثيَّة أخرى، وهي أنَّ الرواية في مقام بيان جواز الصلاة بالثوب الذي أصابه الخمر.
إذن فما هو في معرض الثبوت عند الصلاة في الثوب النجس هو الحرمة الوضعيَّة، وهي عبارة أخرى عن المانعيَّة.
وأمّا الروايات التي يستظهر أو يتوهم استظهار الشرطية فيها فهي أيضاً عديدة:
كالرواية الأولى من الباب الأوَّل من أبواب الوضوء.
بدعوى: أنَّها لا إشكال في ظهورها في شرطيَّة الطهارة، لأنَّها تنيط الصلاة ــــــــــ[53]ــــــــــ
() باب 38 من النجاسات، (المقرر). مَن لا يحضره الفقيه 1: 248، أبواب الصلاة، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه من الثياب، الحديث 751، وسائل الشيعة 3: 472، كتاب الطهارة، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 13.
(2) مَن لا يحضره الفقيه 1: 58، أبواب الوضوء، باب في من ترك الوضوء أو بعضه، الحديث 129، تهذيب الأحكام 2: 140، كتاب الصلاة، الباب 9، الحديث 3، وسائل الشيعة 1: 365، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بها، لا أنَّها تنهى عن النجس، إذن فالمجعول فيها شرطيَّة الطهارة، والطهور فيها يتمسك به لإثبات الشمول للطهارة الخبثيَّة والحدثيَّة معاً.
ويرد على الاستدلال بها:
أوَّلاً: أنَّه لم يعلم كون المراد من الطهور الطهارة أصلاً، بل يحتمل أن يكون المراد بها المطهّر أي استعمال الماء والتراب فإنَّه أحد الطهورين، فإنَّ كلمة (الطهور)، وإن كانت تستعمل في المصدر وهو الطهارة، إلّا أنَّها تستعمل في المطهِّر أيضاً، ولهذا استشهد الفقهاء بالآية على مطهريَّة الماء.
فإذا كان الأمر كذلك لا يبقى في الرواية إطلاق للشمول إلى الطهارة الخبثيَّة والحدثية، فإنَّ غاية ما يستفاد منها أنَّه لا بُدَّ من الماء في المقام.
وإنّما الكلام في أنَّ هذا الماء هل يكون معتبراً بلحاظ نشوء الطهارة الحكميَّة بسببه؟ وهو قول بالشرطيَّة. أو ارتفاع النجاسة الحكميَّة بسببه؟ وهو قول بالمانعيَّة. بل لا يكون له إطلاقٌ بالنسبة إلى الطهارة الخبثيَّة أصلاً، إذ لا يستفاد منه إلّا لزوم استعمال الماء والقدر المتيقن منه إِنَّما هو الاستعمال في رفع الحدث، فإنَّه يصدق أنَّه (لا صلاة إلا بماء)، ولو في رفع الحدث.
ثانياً: أنَّنا لو سلَّمنا أنَّ المراد بالطهور الطهارة فكأنه قال: (لا صلاة إلا بطهارة)، مع هذا لا ينبغي توهم وجود إطلاق في العبارة، بمعنى أنَّ كلَّ ما يصدق عليه طهارة يكون معتبراً في الصلاة، فإنَّ وزانه وزان قولنا: (لا صلاة إلا بذكر)، فهل يتمسك بإطلاقه لإثبات أنَّ كلَّ ذكر معتبر في الصلاة، وإنّما غاية ما يتحصّل من الجملتين هو اعتبار الذكر والطهارة في الجملة، لا أكثر من ذلك.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والنكتة في هذا: أنَّ الجملة تتكفل بيان نفي الصلاتية عن الصلاة الخالية من الذكر أو الصلاة الخالية من الطهارة، ومن المعلوم أنَّ نقيضَ السالبةِ الكُلِّيَّةِ موجبةٌ جزئيةٌ، فتقتضي ثبوت الطهارة أو الذكر ولو في الجملة(1).
والتي جاءت فيها نفس العبارة، لكن فيها مزيَّة وهي ما رواه الشيخ بسنده إلى زرارة عن أبي جعفر قال: “لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ، وَيُجْزِيكَ مِنَ الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ، وَبِذَلِكَ جَرَتِ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ الله…”(2) الخبر.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
() أقول: هذا الوجه لا يخلو من نظر، فإنَّه لو كان قد قال: (لا صلاة بدون طهور)، لكان ما أفاده سيدنا الأستاذ صحيحاً.
إلّا أنَّنا نستفيد ذلك من عقد المستثنى منه في الجملة لا من مجموع الجملة.
ومعه فيبقى مجال لإثبات الإطلاق في طرف المستثنى وهو الطهور بغض النظر عن الوجه الأول.
على أنَّ ذلك مِمَّا لا يمكن استفادته عرفاً، فإنَّه لو كان قد قال: (لا صلاة بدون طهور إلا بطهور)، لكان الاستثناء منقطعاً وهو خلاف الظاهر.
إذن فلا بُدَّ من تقدير الصحيحة ونحوه، ومعه لا يكون له لسان إلّا اشتراط الطهارة في الصلاة فيمكن التمسُّك به لإثبات لزوم كلتا الطهارتين، لو أمكن أن يدلَّ اللفظ على كِليهما معاً بدون قرينة، وقياسه على الذكر في غير محلِّه لوجود الارتكاز بل الضرورة الفقهية لعدم وجوب كلِّ ذكر بخلافه في باب الطهارة، (المقرر).
(2) باب 9 من أحكام الخلوة، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 49-50، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 83، الاستبصار 1: 55، كتاب الطهارة، الباب 31، الحديث 15، وسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إذ قد يُقال إنَّها أدل من تلك الرواية، لقوله: “وَيُجْزِيكَ مِنَ الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَحْجَار”؛ لأنَّنا نشكّك في شمولها للطهارة الخبثية، بخلاف هذه الرواية فإنَّها بقرينة قوله “وَيُجْزِيكَ” تكون مربوطة بالخبث لا بالحدث، أو ناظر إلى كلتا الطهارتين، فيستفاد منه شرطيَّة كلتا الطهارتين في الصلاة.
إلّا أنَّه مع هذا لا يمكن الاعتماد على الطهور في هذه الرواية.
وتوضيحه يتمُّ ببيان مجموع أمرين:
الأمر الأول: أنَّه لو كان المراد من (الطهور) هو الطهارة، فقد ثبت المطلوب، وإلّا فإنَّ المستظهر من (الطهور) هو الماء، بقرينة: “ويجزيك” فإنَّ المجزئ يحتاج إلى مجزأ عنه عرفاً وهو ليس الطهارة، فإنَّها تحصل بثلاثة أحجار، وإنّما المجزأ عنه هو الماء، فهذا يكون قرينة على أنَّ المراد من الطهور هو الماء، فكأنّه قال: لا صلاة إلّا باستعمال الماء ولكن يجزيك عنه ثلاثة أحجار.
الأمر الثاني: أنَّنا قلنا في المقام الأوَّل أنَّه يعقل تصور شرطيَّة الطهارة ثبوتاً بأن يكون الشرط هو استعمال الماء في باب الخبث، كما هو شرط في باب الحدث. وهذه الرواية تعتبر وافية بهذا الوجه؛ لأنَّ ظاهرها شرطيَّة نفس استعمال الماء.
إلّا أنَّ هذا الوجه على خلاف الارتكاز فإنَّ باب الخبث على خلاف باب الحدث، وخلاصة الفرق:
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
1- أنّه في باب الحدث لا يرى العرف بعد استعمال الماء وقوع شيء وحدوث نظافة؛ لأنَّ الأحداث ليست أموراً عرفية، بل أمور شرعية، فالعرف لا يرى أنَّ هناك نظافةً تحصل باستعمال الماء في الوضوء والغسل، بل يرى أنَّ نفس الاستعمال نظافة، فيقبل أن يكون نفس استعمال الماء شرط،
2- وأمَّا في باب الخبث؛ فيرى العرف أنَّ استعمال الماء، طريق محض إلى تحصيل الطهارة الخبثيَّة، لا أنَّ استعمال الماء له دخل في نفسه. فطريقة استعمال الماء في باب الخبث يوجب عقد ظهور في قوله: (لا صلاة إلّا باستعمال الماء)، أنَّ الماء بما هو طهور لا بما هو هو.
وحينئذٍ نقول: إنَّه يترتّب على استعمال الماء أمران: (حدوث الطهارة الحكميّة) و(ارتفاع النجاسة الحكميّة)، ومعه لا يكون فيها ظهور على المطلوب.
ومن جملة الروايات التي يُستدلُّ بها لإثبات شرطيَّة الطهارة: رواية زرارة عن أبي عبد الله في حديث قال: “فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَـحْمُهُ، فَالصَّلَاةُ فِي وَبَرِهِ وَبَوْلِهِ وَشَعْرِهِ وَرَوْثِهِ وَأَلْبَانِهِ وَكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ جَائِزٌ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ زَكِيٌّ (ذَكِيٌّ) وَقَدْ ذَكَّاهُ الذَّبْحُ (الذَّابِحُ)”(1) … الحديث.
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 393، كتاب الصلاة، باب60، ح: 1، والتهذيب 2: 209، كتاب الصلاة، باب11، ح: 26، الاستبصار 1: 384، كتاب الصلاة، باب 224، ح: 1، وسائل الشيعة 4: 345، باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وتقريب الاستدلال يكون بالتمسك بالفقرة الأخيرة وذلك أنه بقرينة العطف بالواو يعرف أنه يوجد عندنا مطلبان:
أحدهما: أنه ذكي. والآخر: أنه ذكَّاه الذابح.
فـ(الذكي) لا ينبغي أن يحمل على التذكية المعهودة وهي تذكية الذابح(1)؛ لأنَّه لا يناسب عطف الجملة الثانية على الأولى بـ(الواو)، فإنَّ ظاهر العطف التعدُّد؛ ومعه ينعقد في الجملة الأولى ظهور في الذكاة بمعنى الطيب والطهارة(2)، فيستفاد منه إناطة جواز الصلاة بأمرين:
أحدهما: تذكية الذابح، وهو أمر على القاعدة لا ربط له بمحل كلامنا.
والآخر: أن يكون في نفسه ذكياً، فيكون ظاهره اشتراط الطهارة.
وهذا التقريب لا بأس به بناءً على نسخة الوسائل: “إذا علمت أنه ذكى
ــــــــــ[58]ــــــــــ
(1) التذكية المعهودة: السرائر 3: 105، كتاب الصيد والذبائح، باب الذبح وكيفيّة وجوب التسمية، شرائع الإسلام 3: 160، كتاب الذباحة، الركن الثالث في كيفية الذبح، وقواعد الأحكام 3: 321، كتاب الصيد والذبائح المقصد الرابع في الذباحة، المطلب الرابع في الكيفية.
التذكية المعهودة: (قطع الأعضاء الأربعة، أعني المريء وهو مجرى الطعام، والحلقوم وهو مجرى النفس، والودجين وهما عرقان محيطان بالحلقوم. ولو قطع بعضها مع الإمكان لم يحلّ. ويكفي في المنحور طعنه في ثغرة النحر، وهي وهدة اللبّة).
(2) لاحظ مباحث الأُصول 3: 481، مباحث الأُصول العملية، البراءة الشرعيَّة تنبيهات، استصحاب عدم التذكية.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وقد ذكاه الذابح“(1). لكن من المطمأن به أنَّه اشتباهٌ من الشيخ الحُرّ، أو من نُسّاخ الوسائل؛ لأنَّ صاحب الوسائل ينقلها عن الكافي والتهذيب والاستبصار، وفي كلِّها جاءت العبارة هكذا: “إذا علمت أنه ذكي قد ذكَّاه الذابح“.
ومن المعلوم أنَّ العبارة إذا كانت كذلك، تكون ظاهرة في أنَّ الجملة الثانية تفسير للأولى، ولا أقلّ من إجمال الرواية، بخلاف ما لو كان حرف العطف موجوداً لظهور العطف بالتعدُّد، ومعه لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية.
رواية زرارة قال: “سألت أبا جعفر عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يُصلَّى فيه. فقال: فَقَالَ إِذَا جَفَّفَتْهُ الشَّمْسُ فَصَلِّ عَلَيْهِ فَهُوَ طَاهِرٌ“(2).
ــــــــــ[59]ــــــــــ
() الوسائل بطبعة آل البيت والإسلامية ورد فيها العبارة التالية: “إذا علمت أنَّه ذكي قد ذكّاه الذابح“ دون اشتمالها على أحرف العطف أي (وقد…).
(2)الفقيه 1: 244، أبواب الصلاة، باب المواضع التي تجوز فيها الصلاة والمواضع التي لا تجوز فيها، ح: 732، الوسائل 3: 451، باب 29 من أبواب النجاسات، ح1.
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَنِ الْبَوْلِ يَكُونُ عَلَى السَّطْحِ أَوْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ فَقَالَ: إِذَا جَفَّفَتْهُ الشَّمْسُ فَصَلِّ عَلَيْهِ فَهُوَ طَاهِرٌ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والاستدلال بها مبنيٌّ على مجموع أمرين:
أحدهما: أن يُستظهر منها شرطيَّة الطهارة في مكان المصلي، باعتبار التعليل بقوله: “فَهُوَ طَاهِرٌ“.
ثانيهما: أنَّ التفكيك بين المكان واللباس في الاعتبار على خلاف الارتكاز العرفي. فإنَّه يأبى عن أن تكون الطهارة شرطاً في المكان والنجاسة مانعاً في البدن واللباس كما أنه لا يفكك بين قطع الملابس.
إلا أنَّ هذا التقريب غير تامٍّ لعدم تمامية الأمر الأول.
لأن هذه الرواية لو خُلِّينا وإيَّاها لكان فيها دلالة على شرطيَّة الطهارة في مكان المُصلّي
لكن نرفع اليد عنها بالروايات المرخصة بالصلاة في مكان نجس مع عدم السراية. ومعه لا بُدَّ من رفع اليد عن ظهورها بالشرطية، ونقول: إنَّها ناظرة إلى سراية النجاسة إلى بدن المصلي ولباسه. ومعه لا يمكن الاستدلال بها على المطلوب.
رواية زرارة وهي من روايات الاستصحاب ويقول فيها: “لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أنَّ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً“(1).
ــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 421 ـ 422 كتاب الطهارة، باب 22، ح: 8، الاستبصار1: 183، كتاب الطهارة، باب109، ح: 13، الوسائل 3: 466، باب 37 من أبواب النجاسات، ح: 1.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: “قُلْتُ لَهُ أَصَابَ ثَوْبِي دَمُ رُعَافٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَنِيٍّ إِلَى أَنْ قَالَ فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَلَمْ أَتَيَقَّنْ ذَلِكَ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً ثُمَّ صَلَّيْتُ فَرَأَيْتُ فِيهِ، قَالَ: تَغْسِلُهُ وَلَا تُعِيدُ الصَّلَاةَ، قُلْتُ: لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً، قُلْتُ: فَهَلْ عَلَيَّ إِنْ شَكَكْتُ فِي أَنَّهُ أَصَابَهُ شَيْءٌ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ، قَالَ: لَا وَلَكِنَّكَ إِنَّما تُرِيدُ أَنْ تُذْهِبَ الشَّكَّ الَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِكَ” الْحَدِيثَ.تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فهذه الفقرة كانت في مقام تصحيح الصلاة، وأنها واجدة لما هو معتبر فيها، وقد بيَّن وجدانها للطهارة، ولم يبيِّن فقدانها للنجاسة.
المحتملات في باب الشرطيَّة والمانعيَّة
ولا بُدَّ هنا من توضيح أمر: وهو أنَّ المحتملات بحسب التصور في باب الشرطية والمانعيَّة أربعة:
الاحتمال الأول: أن تكون الطهارة شرطاً بحيث لا يكفي مجرَّد عدم النجاسة، بل لا بُدَّ من الطهارة. فلو فرض محالاً ارتفاع كلا الضدين، كانت الصلاة باطلة لعدم وجود الطهارة.
الاحتمال الثاني: عكس الأول، وهو أن تكون الصلاة مقيدة بعدم النجاسة وهو معنى المانعيَّة، بحيث لو فرض محالاً أنَّ هناك نجاسةً وطهارةً معاً، فالصلاة باطلة لوجود مانعها. أمَّا على الاحتمال الأوَّل لو فرض اجتماعهما
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فالصلاة صحيحة لتحقق شرطها.
الاحتمال الثالث: الجمع بين الشرطيَّة والمانعيَّة، بأن تكون الصلاة مقيَّدة بتقييدين: (الطهارة) و(عدم النجاسة)، فلو فُرض أنَّ صلاةً كان فيها نجاسة وطهارة كانت باطلة، ولو ارتفعا فهي باطلة أيضاً؛ لأنَّ أحد القيدين لم يحصل على أيِّ حال.
الاحتمال الرابع: أن تكون الصلاة مقيَّدة بالجامع بين (عدم النجاسة) و(الطهارة)، وهنا قيدٌ واحدٌ لا قيدان. فلو وجدت صلاة مع الطهارة والنجاسة معاً تكون صحيحة؛ لأنَّ الجامع بين الطهارة وعدم النجاسة موجود في ضمن الطهارة.
كما أنَّها تصحُّ لو ارتفعا معاً لوجود الجامع في ضمن عدم النجاسة.
والاحتمال الأوَّل والثاني معقول في نفسه. والاحتمال الثالث غير معقول في نفسه كما حققناه في بحث الضد(1) من أنَّ الجمع بين شرطيَّة أحد الضدين ومانعية الضد الآخر غير معقول تبعاً للمحقق النائيني(2). والأمر الرابع معقول. فيكون عندنا ثلاثة احتمالات معقولة.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) لاحظ بحوث في علم الأُصول 2: 298، مباحث الدليل اللفظي، مبحث الضد، الفصل الأوَّل الضد الخاص، المقام الثاني في البراهين التي أقيمت لأبطال توقّف أحد الضدّين على عدم الآخر.
(2) فوائد الأُصول 1: 306ـ 315، المقصد الأوَّل في الأوامر، القول في اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه. المقام.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإن دلَّ عندنا دليل على مانعيَّة النجاسة ودل آخر على شرطيَّة الطهارة فلا محالة يحصل التعارض بينهما. لأنَّ الجمع بينهما يقتضي الاحتمال الثالث وهو غير معقول ثبوتاً.
الآن نرى رواية زرارة، هل تدل على الاحتمال الأول، حتى تصير طرفاً للمعارضة مع روايات المانعيَّة، أو لا؟
حينئذٍ نقول: إنَّ غاية ما تدل عليه الرواية هو أنَّ الصلاة التي تقع مع الطهارة صحيحة ولا تدل على اشتراط الطهارة بخصوصيتها (لأنك كنت على طهارة)، وهذا يتناسب مع الاحتمال الرابع أيضاً. والتعليل فيها لا يبرهن على الاحتمال الأوَّل بالخصوص، بل يتناسب مع الاحتمال الرابع أيضاً.
ومعه لا تقع مثل هذه الرواية طرفاً للمعارضة مع أخبار المانعية؛ لأنَّ ما يصلح أن يقع طرفاً للمعارضة هو الرواية التي تدل على اعتبار الطهارة بخصوصها شرطاً.
فيثبت بضمِّ مجموع الروايات إلى هذه الرواية: أنَّ الصلاة مقيدة بالجامع بين (الطهارة) و(عدم النجاسة). هذا من الناحية الصناعية.
لكن -مع ذلك- يبقى في النفس شيء منها. وذلك: لأنَّ شدة التصاق (الطهارة) بعدم النجاسة، واتحادهما في الذهن العرفي، يجعل الفرد -ما لم يكن رياضياً- يتسامح في التعبير عنهما، بحيث يفهم من أحدهما الآخر، فلا يمكن أن نفهم من توجُّه المولى إلى الطهارة أنَّه متوجّه لها في مقابل عدم النجاسة، بحيث يقال: إنَّه إذا كان المعتبر هو عدم النجاسة، فلماذا صرف المولى وجهه
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
عنها إلى (الطهارة)؟ كما لا يمكن أن نفهم من توجُّه المولى إلى عدم النجاسة أنَّه متوجّه لها في مقابل (الطهارة)، بحيث يقال: إنَّه إذا كان المعتبر هو (الطهارة)، فلماذا صرف المولى وجهه عنها إلى عدم النجاسة؟ هذا الصرف أمر عرفيٌّ؟ لأنَّه لا يرى فرقاً بين الطهارة وعدم النجاسة في مقام التعبير، ولا يرى أنَّ هناك عنايةً في أنَّ المولى يُعبِّر بهذا التعبير أو بذاك.
ومعه تكون تمام الاستدلالات التي ذكرناها وذكرها القوم في غير محلِّها، ولا يمكن استفادة الشرطيَّة ولا المانعيَّة.
فإذا لم يتمَّ الاستظهار من الأدلَّة، تبقى المسألة من هذه الناحية بلحاظ الدليل الاجتهادي مجملة، ولا يتعين شرطيَّة الطهارة ولا مانعيَّة النجاسة. وقد
تنتهي النوبة إلى الأصول العملية في مقام تعيين أحدهما.
وحينئذٍ فقد يقال: أنه يتشكل علم إجمالي بأنَّ الصلاة قد اُعتبِر فيها أحد الأمرين، إمَّا الطهارة أو عدم النجاسة، وهو علم إجمالي بين المتباينين.
وحينئذٍ فأصالة البراءة عن اعتبار الشرطية معارض بمثلها عن اعتبار المانعيَّة للعلم الإجمالي بأنَّ أحدهما معتبر. فلا يمكن نفي الشرطية ولا المانعيَّة بأصالة البراءة.
إلاّ أنَّ هذا الكلام لا بُدَّ له من التعليق عليه بأمرين:
الأمر الأول: أننا لو حسبنا حساب هذا العلم الإجمالي، فيمكننا أن نقول إنَّ بابه باب الأقلّ والأكثر لا المتباينين، بناء على الاحتمال الرابع الذي ذكرناه
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
سابقاً. وهو أن تكون الصلاة مقيَّدة بالجامع بين (عدم النجاسة) و(الطهارة).
حينئذٍ يقال: بأنَّ تقييد الصلاة بأحد الأمرين معلوم في الجملة. وأمَّا تقييدها بخصوص (عدم النجاسة) أو بخصوص (الطهارة) مشكوك، فتجري البراءة عنها. فالأمر دائر في الحقيقة بين التقييد بالجامع أو بخصوص (الطهارة) أو (عدم النجاسة). فننفيها بالبراءة، لاحتمال أن يكون التقييد بالجامع.
الأمر الثاني: أنَّنا حين نفرض أنَّ لدينا علماً إجماليّاً بالمانعيَّة أو الشرطية، وافرضوا أنَّ أمره دائرٌ بين المتباينين، وأن الصلاة مقيَّدةٌ إمَّا بالطهارة بالخصوص، أو بعدم النجاسة بالخصوص، فلا بُدَّ أن نرى هل لأحدهما أثر زائد، أو لكِليهما أثر زائد، أو ليس لهما أثرٌ زائدٌ؟ بعد الاعتراف بوجود الأثر المشترك، وهو بطلان الصلاة مع الإتيان بالنجس.
فإذا كانت الشرطيَّة تمتاز بأثر زائد، فتجري أصالة البراءة عنها، ولا تعارض بأصالة البراءة عن المانعيَّة؛ لأنَّها ليس لها أثرٌ، وليس لها كُلفة زائدة تجري إلَّا لنفيها.
وأمَّا إذا كان لكل منهما أثر زائد وكلفة زائدة كالاحتياط في طرف الشرطية، والتبعيض في المانعيَّة في طرفها، فتتعارض البراءتان.
وأمَّا أنَّ هناك كلفةً زائدةً أو لا؟ فهذا يتضح في المقام الثالث المعقود لبيان الثمرة.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ما هي الثمرة لاعتبار الشرطية أو المانعيَّة بعد أن كان هناك ثمرةٌ مشتركةٌ بينهما وهي بطلان الصلاة في ثوب نجس، إمَّا بفقدان الشرط أو للاقتران بالمانع. فهل هناك كلفة زائدة لأحدهما أو لا؟
يمكن تصوير ثلاث ثمرات للشرطية والمانعيَّة:
الثمرة الأولى: تقدمت الإشارة إليها في المقام الأول، وحاصلها: أنه ثبت في جملة من الموارد صحة الصلاة في النجس كالدم الأقل من الدرهم أو دم الجروح والقروح أو ما لا يمكن إزالته. حينئذٍ يقال: أنه إذا كان المجعول مانعيَّة النجاسة، فالنجاسة حيث إنَّها أفراد بعدد النجاسات، فهناك مانعيات متعددة بعدد أفراد النجاسات، ومقتضى إطلاق الأدلَّة أنَّ النجاسةَ الدميَّةَ والنجاسةَ البوليَّةَ كِلاهما مانعٌ هنا -إذا وقع الدم والبول على مكان واحد- فإذا دلَّ الدليل على أنَّ النجاسة الناشئة من الدم لا بأس بها؛ فمقتضى القاعدة رفع اليد عن مانعيَّة النجاسة الناشئة من الدم، وأمَّا النجاسة الأخرى فتبقى تحت إطلاق دليل المانعيَّة.
وأمَّا بناء على الشرطية فحيث إنَّ الطهارة شرط، فمن المعلوم أنَّ الطهارة ليس لها أفراد متعددون بعدد النجاسات وليس هناك إلاّ طهارة واحدة. وقد دلَّ دليل على أنَّ النجاسة الدميَّة جائزة في الصلاة. وهذا معناه رفع اليد عن شرطيَّة الطهارة، ومعه لا يبقى دليل على أنَّه لا يجوز الصلاة فيه ولو وقع مع الدم بول، فإنَّ الطهارة أمر يحصل من مجموع عدم النجاسات.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الثمرة الثانية: أنه لو كان لباس المصلي مشكوك النجاسة الذاتية من أول الأمر، من حين تكوّنه، كما لو كان لباس المصلي مردداً بين أن يكون من جلد الخروف أو الخنزير.
فإذا بنينا على أنَّ النجاسة مانعة، وأن الصلاة مقيدة بعدم النجاسة، فيمكننا باستصحاب العدم الأزلي أن نثبت عدم المانع بناء على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية(1). فإنَّ هذا الجلد قبل أن يوجد لم يكن نجساً، فنستصحب عدم نجاسته إلى ما بعد وجوده، وبه نحرز عدم المانع.
وأمَّا إذا قلنا بشرطية الطهارة وأنه لا بُدَّ من وجود الطهارة، فلا بُدَّ من إحراز الطهارة، واستصحاب العدم الأزلي للنجاسة لا يثبت الطهارة، إلاّ بناء على الأصل المثبت، لأنَّ نفي أحد الضدين لا يثبت وجود الضد الآخر.
وأمَّا نفس الطهارة فليس لها حالة سابقة لا في حال عدمه ولا في حال وجوده، حتى نستصحبها.
الثمرة الثالثة: يمكن تصويرها في مورد الشك في النجاسة العرضية أيضاً، بعد فرض سقوط أصالة الطهارة في الطرفين، كما لو علمنا إجمالاً بطرو النجاسة إمَّا على الثوب وإمَّا على الحجر الذي يصحُّ التيمم عليه، فهو علم إجماليّ بنجاسة أحد الأمرين الداخلين في محلِّ الابتلاء، فتتساقط أصالة الطهارة
ــــــــــ[67]ــــــــــ
(1)لاحظ بحوث في علم الأُصول 3: 327 ـ 350، مباحث الدليل اللفظي مبحث العام والخاص، الفصل الثاني في التخصيص، حجّية العام مع المخصّص المجمل، المقام الثاني، التعويض عن العام باستصحاب العدم الأزلي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
في الطرفين. فإذا سقطتا نقول: أنه هل يجوز لنا الصلاة في هذا الثوب أو لا؟ فلا بُدَّ من الرجوع إلى أصول حكميَّة تكون في طول أصالة الطهارة، ومسبَّبة بالنسبة إليها، وهي أصالة البراءة أو أصالة الاشتغال.
فهنا قد يدعى ظهور الثمرة بين الشرطيَّة والمانعيَّة، وأنه بناءً على الشرطية تجري اصالة الاشتغال. وبناءً على المانعيَّة تجري أصالة البراءة عن المانعيَّة.
وتوضيح ذلك يكون ببيان أمرين:
الأمر الأول: أنه كلما كان الشك في أصل التكليف أو كان الشك في التكليف الزائد تجري أصالة البراءة وكلما علم بالتكليف وشك في وجود المكلّف به خارجاً فإنَّه تجري أصالة الاشتغال. وهذا واضح.
الأمر الثاني: أنَّ الشك في جواز الصلاة في هذا الثوب بناء على الشرطية يكون من الشك في المكلّف به، لأنَّ الشرطية حكم واحد متعلق بصرف وجود الثوب الطاهر. وهذا التكليف الواحد معلوم وأشك في وقوع المكلّف به خارجاً، لأني لا أدري أنه هل وقعت الصلاة في ثوب طاهر أو لا؟ فتجري أصالة الاشتغال.
وأما إذا قلنا بالمانعيَّة، يعني: يجب عليك أن لا يكون عليك ثوب مُتنجّس في الصلاة. فهذا – بناء على المانعية- انحلالي بمعنى أنه متعلق بمطلق الوجود لا بصرف الوجود. فهناك مانعيات متعددة بعدد الثياب المتنجسة الموجودة في الخارج في علم الله تعالى. ومعه إذا شك في نجاسة ثوب نشك في وجوب أن لا تقع الصلاة معه وهو شك في وجوب زائد فتجري البراءة عنه، فينتفي هذا الفرد من المانعيَّة.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ولكن هنا لا بُدَّ من التعليق بنكتة، وهي:
أ- أنه بناء على الشرطية فالأمر كما ذكرناه، إذ يكون الشك شكاً في التكليف.
ب- وأمَّا بناء على المانعيَّة ففي جريان البراءة تفصيل، وحاصله: أنَّ المانع تارة يكون هو الثوب النجس وأخرى نجاسة الثوب.
فإن كان المانع هو الثوب النجس، كما لو قال المولى: (يجب أن لا تقع الصلاة في ثوب نجس)، ففي مثل ذلك هناك أعدام متعددة مطلوبة بتعدد الثياب المتنجسة في علم الله خارجاً. فإذا شك في ثوب أنه نجس أو لا، فهو شك في مانعيَّة الموجود فيكون شكاً في أصل التكليف، حيث لا يعلم أنَّ هذا الثوب مانع أو لا، فتجري البراءة عنه بلا إشكال.
وإن كان المانع نجاسة الثوب، بأن يشير المولى إلى ثياب المصلي ويقول: (يجب أن لا يكون ثوبك نجساً). وأنا أشك في أنَّه هل وجدت في ثوبي نجاسة أو لا؟ مع العلم بالتكليف وهو لزوم أن لا يكون ثوبي نجساً. فيكون شكاً في وجود المانع، وبحسب الحقيقة هو شكّ في المكلّف به بعد الفراغ عن أصل التكليف فتجري اصالة الاشتغال.
ومعه يصحُّ التفصيل بين ما إذا كان الشك في مانعيَّة الموجود فتجري البراءة، وإذا كان الشك في وجود المانع فنجري الاشتغال العقلي. وهذه كبرى أصولية في موارد المانعيَّة والحرمة. وعلى أيِّ حال فقد تحققت الثمرة في الجملة.
ومن أجل أن يتضح التفصيل الذي ذكرناه نقول: إنَّ النهي له متعلق وله
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
موضوع. والمتعلّق: ما كان مزجوراً عنه بالنهي. والموضوع: ما يؤخذ مفروض الوجود في جعل النهي. بحيث تكون فعلية النهي تابعة لفعليته. ففي قولنا: (لا تشرب الخمر): المتعلّق هو الشرب والموضوع هو الخمر.
فإذا شك في فرد بنحو الشبهة الموضوعية بأنَّ هذا خمر أو لا، فتجري البراءة؛ لأنَّ فعلية النهي تابعة لفعلية موضوعه، فإذا شك في فعلية الموضوع يشك في فعلية النهي.
وأما إذا لم يكن شكٌّ في الفعليَّة، كما لو كنت أَعلمُ أنَّ هذا خمر، لكن لا أعلم أنَّ المتعلق يتحقَّق أو لا -وهو الشرب-، ففي مثله لا تجري البراءة لأنَّ فعلية الحرمة ثابتة بفعلية موضوعها، فيكون شكاً في الامتثال فتجري أصالة الاشتغال.
إذا عرفنا ذلك نقول: إنَّ النهي المُعبَّر عنه بالمانعيَّة -بناءً على المانعيَّة- تتصوَّر على نحوين:
تارة تكون بلسان: (لا تلبس الثوب النجس)، فمتعلّق النهي هو اللبس وموضوعه الثوب. فإذا شك في كون هذا الثوب نجساً أو لا، فهو شك في فعلية الموضوع، فيستتبع الشك في فعلية النهي فتجري البراءة حينئذٍ. وأخرى يكون لسانه: (لا يجوز أن يكون ثوبك نجساً)، بحيث يكون متعلّق النهي هو نجاسة الثوب، فأصبحت النجاسة متعلقاً لا موضوعاً، فيكون الشك فيها شكاً في المتعلق فتجري عنه أصالة الاشتغال.
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
في أنه في ماذا من الصلاة يعتبر الطهارة؟
لا شك أنَّ ما هو مركز الاعتبار هو تمام الصلوات الواجبة والمستحبة، فيعتبر الطهارة في كلِّ ما يصدق عليه أنه صلاة، تمسُّكاً بأدلة الشرطية والمانعيَّة.
وإنما الكلام فيما يسمى من توابع الصلاة، وهو ثلاث: صلاة الاحتياط وسجدة السهو والأجزاء المنسية المقضية(1).
أما ركعة الاحتياط فلا ينبغي الإشكال في اعتبار الطهارة فيها(2)، سواء قلنا بأنَّها مرددة بين الضمنية والاستقلالية – الجزئيَّة والمندوبة- بحيث على تقدير النقصان هي جزء وعلى تقدير التمامية فهي نافلة مستقلة، أو قلنا بالاستقلال على كلِّ تقدير، لكنها مرددة بين الوجوب والاستحباب.
ــــــــــ[71]ــــــــــ
(1) لاحظ مفتاح الكرامة 9: 268، كتاب الصلاة، المقصد الرابع في التوابع، وجواهر الكلام 12: 370، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الأوّل، مسائل، والعروة الوثقى 3: 207، كتاب الصلاة، فصل في الخلل الواقع في الصلاة.
(2) لاحظ مفتاح الكرامة 9: 545، كتاب الصلاة، المقصد الرابع في التوابع، المطلب الرابع فيما يوجب الاحتياط، وكشف الغطاء 3: 398.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
على كلا التقديرين ينبغي اعتبار الطهارة:
أما على التقدير الأوَّل فلا تحتاج إلى التمسُّك بالإطلاق الفوقاني، بل نفس شمول دليل اشتراط الطهارة في صلاة الظهر يكفي، وذلك لكي تصلح أن تكون جزءاً على أحد التقديرين.
وأما بناءً على الوجه الثاني فبطبيعة الحال ما دلَّ على اعتبار الطهارة في صلاة الظهر لا يكفي، بل لا بُدَّ من الرجوع إلى المطلَقات من قبيل: “لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ“(1)، أو “لَا تُصَلِّ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ رِجْسٌ“، لكي يثبت عموم الشرطية أو المانعيَّة لصلاة الاحتياط.
وأما سجدة السهو، فإن بني على أنَّ موضعه قبل التسليم من الصلاة، كما ورد في جملة من الروايات الصحيحة(2) فلا أثر لمثل هذا البحث، فسواء قيل إنَّها جزء من الصلاة أو إنَّها واجب في ضمن واجب، على أيِّ حال لا بُدَّ من اعتبار
ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) المحاسن 1: 78، عقاب من تهاون بالوضوء، ح: 1، دعائم الإسلام 1: 100، كتاب الطهارة، ذكر امر الله عباده المؤمنين بالطهارة. الفقيه 1: 58، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه، ح129، التهذيب 2: 140، الطهارة، باب9، ح: 3، الوسائل 1: 365، باب 1 من أبواب الوضوء، ح: 1.
(2) الكافي (الإسلامية) 3: 405 كتاب الصلاة، باب: الرجل يصلي في الثوب وهو غير طاهر عالماً أو جاهلاً، الحديث 5. وسائل الشيعة 3: 418 كتاب الطهارة، الباب 13 من أبواب النجاسات والأواني والجلود حديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الطهارة لأنَّ الفرد لا زال في كون صلاتي ما لم يفرغ من التسليم.
وأما إذا قلنا إنَّ موضع سجود السهو بعد التسليم، كما دلت عليه روايات أخر(1) واستقرت عليه الفتوى بين فقهائنا(2)، فيحتاج إثبات اعتبار الطهارة في سجود السهو إلى مؤونة زائدة. ويمكن تقريبها بأحد وجهين:
الوجه الأول: أن يُقال: إنَّ قوله: “فَاسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ تَسْلِيمِكَ“(3) أمر وارد في باب المركَّبات، وظاهر الأوامر في باب المركبات هو الجزئيَّة والشرطيَّة، كقوله: (أقم قبل الصلاة) فكأن الناسي أصبح آخر صلاته
ــــــــــ[73]ــــــــــ
() الكافي 6: 268، كتاب الصلاة، باب 41، ح: 3، دعائم الإسلام 1: 188، كتاب الصلاة، ذكر السهو في الصلاة، الفقيه 1: 351، باب أحكام السهو في الصلاة، ح: 1023، والتهذيب 2: 344، كتاب الصلاة، باب16، ح17، الوسائل 6: 406، باب9 من أبواب التشهد، ح: 3، الاستبصار 1: 378، كتاب الصلاة، باب220، ح1، تهذيب الأحكام 2: 191، كتاب الصلاة، باب10، ح: 56.
(2)المسائر الناصريات: 248، كتاب الصلاة، المسألة الحادية والمائة سجدتا السهو بعد التسليم، الكافي في الفقه: 148، باب بيان حقيقة الصلاة، فصل في حكم السهو في عدد الركعات، والمبسوط 1: 125، كتاب الصلاة، فصل في أحكام السهو والشك في الصلاة، وتذكرة الفقهاء 4: 92، كتاب الصلاة، الركن الثاني، المسألة الثانية عشرة المبحث الثالث محلّها بعد التسليم.
(3) لاحظ الكافي 3: 355، كتاب الصلاة، باب من سها في الأربع والخمس ولم يدر زاد…ح: 2، والتهذيب 2: 195، كتاب الصلاة، باب10، الحديث 68، الوسائل 8: 207، باب5 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
السجود. فإذا كان جزءاً من الصلاة شمله الإطلاق.
إلّا أنَّ هذا الاستظهار غير صحيح.
أولاً: لأنَّه يتمُّ فيما إذا لم يؤخذ في موضوع الأمر عنوان يناسب أن يكون موضوع التكليف استقلالياً، كعنوان: (نسي) أو (عصى). ومعه لا يبقى ظهور بالضمنية، ولهذا تمام أدلَّةِ الكفارات في الحجّ والصوم لم يُستظهر منها الجزئيَّة.
ثانياً: ظهور جملة من الروايات في عدم الجزئية، لأنَّه يقول في بعضها: “يُتِمُّ صَلَاتَهُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ“(1)، وهو ظاهر في المطلوب.
الوجه الثاني: بعد التسليم أنَّ سجود السهو أمر خارج عن الصلاة، لكن ورد في روايات السجود أنه بعد التسليم وقبل الكلام(2).
فيقال في المقام: إنَّ الكلام أخذ بنحو المثالية لكل ما يقطع الصلاة، وكما أنَّ الكلام يقطع الصلاة كذلك الحدث والنجاسة. وإنما ذكر الكلام لأنَّه أقرب الأفعال للمصلي بعد انتهائه من الصلاة بخلاف القهقهة مثلاً.
وهذا متوقف على استظهار المثالية والتعميم، أو لو فرضنا أنَّ المركز عند المتشرِّعة أو العرف كون الحدث أشد من الكلام بمناسبات الحكم والموضوع،
ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) الكافي (الإسلامية) 3: 356، كتاب الصلاة، باب من تكلّم في صلاته أو انصرف قبل أن يتمّها أو يقوم في موضع الجلوس، الحديث 4، وسائل الشيعة 8: 206، كتاب الصلاة، الباب 4 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1.
(2) الكافي 6: 276، كتاب الصلاة، باب 42، ح8، والتهذيب 2: 344، كتاب الصلاة، باب16، ح17، الوسائل 6: 406، باب9 من أبواب التشهد، ح: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فيتعدَّى إليه بالأولويَّة. فإن تم هذا فهو، وإلا فلا يكون هذا الوجه تاماً.
إلَّا أنَّ هذا الوجه غير صحيح، فإنَّ كلَّ ما هو معتبر في الصلاة أمَّا بنحو الجزئيَّة أو الشرطيَّة أو المانعيَّة، لا بُدَّ أن يكون بلحاظ اعتباره في الصلاة بنحو من الأنحاء.
ولكن هناك ميزة لبعض ما يعتبر في الصلاة وهي ميزة القاطعية، فإنَّ القهقهة والكلام والحدث موجب لإبطال الصلاة، كما أنَّ نجاسة الثوب أيضاً موجب لإبطالها.
لكن هناك فرق بينهما، فإنَّ مبطلية النجاسة باعتبار أنَّ (النجاسة) أُخذت مانعة، أو (الطهارة) شرطاً في صحة الصلاة على الكلام المتقدم.
وأما مبطلية (الكلام والحدث) فباعتبارها أخذت قاطعة لهيئة اتصالية لاحظها الشارع في الصلاة اعتباراً، واعتبر أنَّ هذه الأمور قاطعة لها.
وهناك فرق فقهي بين قواطع الصلاة وغيرها، وهي أنَّ نجاسة الثوب لا تضر في أكوان الصلاة بل في أفعالها، فلو امكنه تطهير ثيابه والاستمرار بصلاته كانت صحيحة، بخلاف ما لو أحدث فإنَّه يضر بكونه الصلاتي، ولا يمكن أن يبقى على صلاته.
حينئذٍ نقول: إنَّ الكلام الذي اعتبر عدمه إلى حين الفراغ من سجود السهو لا يمكن التعدي منه إلى النجاسة الخبثيَّة، لأنَّ الكلام فيه امتيازٌ وهو أنَّه أُخذ قاطعاً للهيئة الاتصاليَّة التعاقبيَّة، فنحتمل من المنع أنَّ الشارع أراد أن يبقى نحو اتصال ما بين الصلاة وسجود السهو، كما اعتبره في بعض الأدعية بعد الصلاة، حيث شُرِّعت قبل أن ينتقل الفرد من مجلسه، أو قبل أن يتكلَّم، وهذا
ــــــــــ[75]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الاتصال ينقطع بالكلام والقهقهة والحدث، وأمَّا التعدِّي منه إلى النجاسة الخبثيَّة فهو في غير محلِّه.
إذن فلو ساعدنا على المثالية فلا ينبغي أن نتعدَّى عن الكلام إلى ما هو محلُّ البحث في المقام. فالصحيح أنه لا يعتبر في سجود السهو الطهارة الخبثية.
وأما توابع الصلاة من الأجزاء المنسية المقضية كالسجود والتشهد على ما هو المعروف، فهل يعتبر فيها الطهارة الخبثيَّة أو لا؟
المتخيل بدواً في دليل وجوب القضاء ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأوَّل: أن يكون وجوب القضاء وجوباً نفسياً استقلالياً غير مربوط بالصلاة أصلاً، بحيث لو لم يقضِ فصلاته تامَّة، حاله في ذلك حال سجود السهو.
الاحتمال الثاني: أن يكون هذا الوجوب وجوب أدائيّ، هو نفس الوجوب السابق. غاية الأمر أنَّ الشارع رفع اليد عن الترتيب وهو خصوصية موضعه من الصلاة قبل التشهد والتسليم. وبقي أصل المطلب فالأمر الضمني السابق باقٍ إلى الآن.
الاحتمال الثالث: أن يكون وجوباً ضمنياً قضائياً بحيث تكون نسبته إلى وجوب السجدة السابقة نسبة وجوب قضاء صلاة الظهر إلى وجوب أدائها.
1- أمَّا بناء على الاحتمال الأول: وهو أن يكون وجوب قضاء السجدة وجوباً نفسياً استقلالياً فلا يعتبر فيها الطهارة جزماً، لأنَّه مقتضى إطلاق دليله
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
النفسي الاستقلالي، ولا يوجد له مقيد، لأنَّ المقيد ليس إلاّ دليل اعتبار الطهارة وقد اعتبرها في عنوان الصلاة، وهذا ليس بصلاة.
2- وأمَّا بناء على الاحتمال الثاني فمن الواضح جداً اعتبار الطهارة، فإنَّ نفس الأمر الضمني للسجدة لا زال باقياً، غاية الأمر رفع اليد عن الترتيب، فيكون نفس ما دلَّ على اعتبار الطهارة في الصلاة شاملاً له.
3- وأمَّا بناء على الاحتمال الثالث: وهو أن يكون وجوباً قضائياً كما لعله هو ظاهر جملة من الكلمات، حيث اقتصروا على إبدائه واستظهاره من الأخبار. فقد يقال –كما في المستمسك(1)– : باعتبار الطهارة، ببيان مركب من جزئين:
أحدهما: أنَّ مقتضى دليل القضاء هو الأمر بتمام خصوصيات المقضي إلا من حيث الزمان.
ثانيهما: أنَّ المقضي وهو السجدة كان يعتبر فيها الطهارة لأنَّ الدليل دلَّ على اعتبار الطهارة في الصلاة والصلاة ليست إلاّ أجزاؤها، إذن فالطهارة معتبرة في السجود الفائت، وينتج من ضمِّ الأمرين اعتبار الطهارة في السجدة المقضية.
ونحن لنا تعليقان على هذا الكلام:
التعليق الأول: أننا لو تصورنا الأمر بالسجدة أمراً قضائياً، فليس صحيحاً ما أفيد من اعتبار الطهارة فيها. فإنَّ الجزء الأوَّل من البيان صحيح والجزء
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة 1: 489، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة عن البدن. لاحظ رياض المسائل 4: 117، كتاب الصلاة، المقصد الثالث في التوابع الأوَّل في الخلل الواقع في الصلاة، الخلل السهوي، الثالث ما يتدارك مع سجود السهو.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الثاني منه غير صحيح.
وتوضيحه: أنَّ الشرط –كما حقّق في محلِّه من كتاب الصلاة- على قسمين: شرط في الجزء وشرط في المركَّب.
فمثلاً القيام المعتبر حال القراءة متصور اعتباره على نحوين:
تارة: يكون بنحو يكون شرطاً للجزء يعني أنَّ القراءة القيامية واجبة بحيث يكون الأمر الضمني متعلق بالحصة الخاصة.
وأخرى: يقال إن الجزء ذات القراءة والأمر متعلق بها، وأمَّا القيام حالها فهو تحت أمر ضمني آخر، وهذا معناه أنه شرط في المركّب وقد رتَّب الفقهاء على ذلك ثمرات:
منها: ما لو قرأ جالساً نسياناً وتذكر قبل الركوع:
فإن بنينا أنه شرط الجزء، قالوا: يجب عليه إعادة القراءة لأنَّ القراءة القيامية لم تتحقق ولم يفتْ محلُّ تداركها لأنَّه لم يدخل في ركن.
وبناء على أنَّه شرط الواجب قالوا: أنه لا يجب التدارك لأنَّ الواجب هو ذات القراءة وقد تحققت في ظرفها، وهناك واجب آخر وهو أن يقوم حال القراءة، وهذا لا يجب تداركه؛ لأنَّه لم يقم حال القراءة. والواقع لا ينقلب عمَّا وقع عليه. وأمَّا تحقيق الثمرة ففي محلِّه، وإنَّما مقصودنا هو التمييز بين شرط الجزء وشرط المركّب.
فإذا ميَّزنا بينهما نقول: إنَّ الطهارة بحسب الحقيقة شرط في المركب لا في الأجزاء. فهناك أمر ضمني بالسجود وأمر ضمني آخر بإيقاع الصلاة حال
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الطهارة، والمفروض أنَّ دليل وجوب القضاء ناظر إلى الجزء لا إلى المركَّب. ودليل القضاء يقتضي التحفُّظ على ما يقتضيه الواجب الضمني كالذكر ووضع المساجد الستة الأُخر، دون شرائط الواجب الاستقلالي(1).
التعليق الثاني: الذي يرفع موضوع هذا الكلام: أنَّ التحقيق هو أنَّ الاحتمال الثالث غير معقول في نفسه. فقضاء الواجبات الضمنيَّة غير معقول وقياسه على الواجبات الاستقلالية في غير محلِّه.
لأن جزئية السجود في حقِّ الناسي، لا تخلو من ثلاثة احتمالات:
– إمَّا أن تكون باقيةً بحدِّها، أي بقيد أن تقع قبل التسليم.
– وإمَّا أن تكون باقيةً لا بحدِّها.
– وإمَّا أن تكون ساقطةً، بمعنى أنَّ جزئية السجدة غير ثابتة في حقِّ الناسي أصلاً.
فعلى الاحتمال الأول: يلزم بطلان الصلاة، ووجوب إعادة تمام الصلاة، فإنَّه لم يأتِ به بإعادة السجدة وهو خُلْفٌ.
وعلى الثاني: يجب عليه إعادة ذات السجدة بعد التسليم لكن هذا يكون أداءً لا قضاء؛ لأنَّ معنى أنَّ الجزئيَّة باقية لا بحدها هو أنَّ شخص ذاك الأمر الضمني باقٍ(2)، فلم يَفُتْ أمرٌ ويُجعل أمرٌ كما هو معنى القضاء.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
() أقول: كون الطهارة شرطاً في المركَّب لا في الجزء أُخذ مُسلَّماً في كلام السيد، ولم يُبرهن عليه. ولعلَّه للاستظهار من أدلَّةِ الشرطيَّة كـ(لا صلاة إلاّ بطهور)، (المقرر).
(2) وهو الاحتمال الثاني، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأما على الثالث -إذا كانت الجزئيَّة ساقطة-، فلا أمرَ ضمنيٌّ من أوَّلِ الأمرِ حتى يفوت، وفي طول الفوت يؤمر بقضائه. فلو أُمر بالسجدة بعد التسليم لكان أمراً استقلاليّاً. وهو الاحتمال الأوَّل. وأمَّا الاحتمال الثالث فغير معقول. ولا إشكال أنَّ الاحتمال الثاني هو المتعيَّن، والمُستظهَر من روايات الباب وعليه فلا إشكال في اعتبار الطهارة.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والمقصود من مقدّمات الصلاة الأذان والإقامة بحيث لو أذّن وأقام بدونها لم يكن مجزياً بالنسبة إلى الأمر المتعلق بهما.
مقتضى إطلاق أدلَّةِ الأذان والإقامة عدم اعتبار الطهارة الخبثيَّة فيهما، فيحتاج تقييدهما إلى مُقيِّد، ومن المعلوم أنَّ دليل اشتراط الطهارة الخبثيَّة في الصلاة لا يصلح مُقيِّداً لها؛ لأنهما ليسا من الصلاة حقيقة.
نعم، ما يمكن أن يُدَّعى كونه مُقيِّداً لإطلاق أدلَّةِ الأذان والإقامة، ما ورد في الإقامة بالخصوص من كون المقيم مُصلِّياً والإقامة صلاة.
بدعوى أنَّ لسانه لسان التنزيل، فيكون حاكماً على تمام الأدلَّة المتكفلة لبيان شرائط الصلاة وموسعاً لموضوعها. فتسري شرطيَّة الطهارة الخبثيَّة إلى نفس الإقامة.
وهناك ثلاث روايات بهذا المضمون:
الرواية الأولى: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة عن سليمان بن صالح عن أبي عبد
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الله: قال: “لَا يُقِمْ(1) أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ مَاشٍ وَلَا رَاكِبٌ وَلَا مُضْطَجِعٌ، إلَّا أن يَكُونَ مَرِيضاً. وَلْيَتَمَكَّنْ فِي الْإِقَامَةِ كَمَا يَتَمَكَّنُ فِي الصَّلَاةِ؛ فإنَّه إِذَا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ”(2). وأن يتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة فإنَّه إذا أخذ في الإقامة فهو في صلاة(3).
الرواية الثانية: محمد بن الحسن، بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن يونس الشيباني، عن أبي عبد الله قال: “قلتُ له: أُؤَذِّنُ وَأَنَا رَاكِبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَأُقِيمُ وَأَنَا رَاكِبٌ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: وَأُقِيمُ وَرِجْلِي فِي الرِّكَابِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأُقِيمُ وَأَنَا قَاعِدٌ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأُقِيمُ وَأَنَا مَاشٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَاشٍ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ فَأَقِمْ مُتَرَسِّلًا؛ فَإِنَّكَ فِي الصَّلَاة”، الحديث(4).
ــــــــــ[82]ــــــــــ
() في نسخة التهذيب والوافي والوسائل: (يقيم) بدل (يُقِم).
(2) الكافي 6: 127، كتاب الصلاة، الباب 18، الحديث 21، تهذيب الأحكام 2: 55- 56، كتاب الصلاة، الباب 6، الحديث 37، وسائل الشيعة 5: 404، كتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 12.
(3) الكافي 6: 127، كتاب الصلاة، باب18، ح: 21، التهذيب2: 56، كتاب الصلاة، باب6، ح: 37، الوسائل 5: 404، باب13 من أبواب الأذان والإقامة، ح12.
(4) تهذيب الأحكام 2: 282، كتاب الصلاة، الباب 14، الحديث 27، وسائل الشيعة 5: 403، كتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الرواية الثالثة: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة عن أبي هارون المكفوف قال: قال أبو عبد الله: “يَا أَبَا هَارُونَ! الْإِقَامَةُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا أَقَمْتَهُ(1) فَلَا تَتَكَلَّمْ وَلَا تُومِ بِيَدِكَ”(2). ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب مثله.
وبهذا التقريب اتضح أنه لا يمكن الجواب عن هذه الروايات بما صدر من السيد الأستاذ(3) حيث وقع في كلامه: أنَّ هذه الروايات معارضة بالروايات الدالة على أنَّ الصلاة ابتداؤها بتكبيرة الإحرام حتى أنَّها سميت بتكبيرة الافتتاح. وبعد المعارضة لا بُدَّ من التصرُّف في ظهور هذه الروايات وحملها على أنَّها في مقام الحث والترغيب بالإقامة، وبيان شدَّة الاهتمام بها كالصلاة.
إلاّ أنَّ هذا الكلام مِمَّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ هذه الروايات لو كانت في مقام بيان أنَّ الإقامة من الصلاة حقيقة، لكانت روايات افتتاح الصلاة بالتكبير معارضة لها، وقرينة -مثلاً- على حرفها عن ظاهرها.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
(1) في الكافي المطبوع: (أقمته)، وفي كثيرٍ من نسخه وفي التهذيب والاستبصار والوافي والوسائل: (أقمت).
(2) الكافي 6: 125، كتاب الصلاة، باب18، ح: 19، التهذيب 2: 54، كتاب الصلاة، باب6، ح25، الوسائل 5: 396، باب10 من أبواب الأذان والإقامة، ح: 12.
(3) التنقيح في شرح العروة 2: 258، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، وفقه الشيعة 4: 14ـ 15، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في اشتراط صحّة الصلاة بإزالة النجاسة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إلّا أنّه من المعلوم أنَّ هذه الروايات ليست في مقام بيان ذلك، بل لسانها لسان التنزيل والحكومة، ولذا قيل في بعضها: “وَلْيَتَمَكَّنْ فِي الْإِقَامَةِ كَمَا يَتَمَكَّنُ فِي الصَّلَاةِ”(1). فلوحظت المغايرة بين الإقامة والصلاة. ثُمَّ قيل: “فَإِنَّهُ إِذَا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ”(2)، فهذا واضحٌ في التنزيل.
ومعه يكون ناظراً إلى الأحكام لا محالة. فكأنّه يقول: كما يشترط في الصلاة الاستقرار والقيام كذلك يشترط في الإقامة، فلا تبقى معارضة أصلاً بين الطائفتين.
ولكن عيب هذه الروايات هو ضعف السند. فإنَّه لم يتمَّ سند شيءٍ منها. فإنَّ فيها راوياً مشتركاً هو صالح بن عقبة(3) روى في إحداها عن سليمان بن
ــــــــــ[84]ــــــــــ
() الكافي 6: 127، كتاب الصلاة، الباب 18، الحديث 21، تهذيب الأحكام 2: 56، كتاب الصلاة، الباب 6، الحديث 37، وسائل الشيعة 5: 404، كتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 12.
(2) المصدر نفسه.
(3) لاحظ رجال النجاشي: 200، باب الصاد، رقم: 532، رجال ابن داود: 462، باب الصاد، الرقم: 230، رجال العلّامة: 230، الفصل الثالث عشر في الصاد، الرقم: 4، معجم رجال الحديث 10: 82ـ 85، باب الصاد، الرقم: 5842.
صالح بن عقبة من الشخصيات الروائية المرددة بين الاسماء التالية: صالح بن عقبة بن خالد الاسدي، وصالح بن عقبة بن قيس، وصالح بن عقبة الخياط. غير انهم لم يوثقوا في كتب الرجال.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
صالح(1) وفي الأخرى عن يونس الشيباني(2)، وفي الثالثة عن أبي هارون المكفوف(3)، وصالح بن عقبة غير ثابت الوثاقة، وكذلك جملة من الرواة الآخرين، كما في هارون المكفوف والشيباني. وعليه فلا تعتبر الطهارة الخبثيَّة في الإقامة فضلاً عن الأذان.
ــــــــــ[85]ــــــــــ
(1) سليمان بن صالح الجصاص ثقة، رجال النجاشي: 184، باب السين، الرقم: 486، والفهرست (الشيخ الطوسي): 78، باب السين، الرقم: 319، ورجال العلّامة: 78، الفصل الثاني عشر في السين، الباب الأوّل، الرقم: 5، ومعجم رجال الحديث 9: 280، باب السين، الرقم: 5263.
(2) لاحظ معجم رجال الحديث 21: 248، باب الياء، الرقم: 13876.
(3) رجال الكشّي: 222، ترجمة (أبي هارون المكفوف)، رجال الشيخ الطوسي: 150، باب الكنى، الرقم: 1670، رجال العلّامة الحلّي: 267، الفصل السابع والعشرون في الكنى، الرقم: 13، معجم رجال الحديث 23: 82، باب الكنى، الرقم: 14922.تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
نتعرض لها لتعرض الماتن لها، وهي التلحف باللحاف المتنجس(1). حيث فرغنا في الجهات السابقة أنَّ الثياب التي على بدن المصلي حال الصلاة يعتبر فيها الطهارة. فلو وضع المكلّف لحافاً عليه قائماً أو مضطجعاً، فهل يعتبر طهارة اللحاف أو لا. احتمالات ووجوه:
أنّه لا تعتبر طهارته سواء كان هناك ساترٌ غيره أو لم يكن، وسواء التفَّ باللَّحاف كالمئزر، أو وضعاً على كتفيه(2).
وهذا الوجه مبنيٌّ على دعوى القصور في أدلَّةِ اعتبار الطهارة الخبثيَّة في ثياب المصلي. فإنّ مُهمَّ هذه الأدلَّة – كما سبق في الجهة الثانية- هو رواية ابن الحجّاج التي جاء فيها “عنوان الثياب” وفي أكثر الروايات ورد عنوان الثوب. والثوب ليس هو كلُّ ما يلبسه المصلِّي، بل ما كان مُعَدّاً في نفسه لأن يُلبَس. فلو تلفَّع
ــــــــــ[86]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 83، كتاب الصلاة، فصل يشترط في صحّة الصلاة إزالة النجاسة عن البدن.
(2) لاحظ دليل العروة 2: 100، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة إزالة النجاسة عن البدن.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بـ(الزوليّة)(1) فإنَّها لا تكون ثوباً. ومعه فلا يكون هذا الدليل شاملاً للحاف.
نعم، لو ورد بعنوان (اللباس) فإنَّه يشمل اللحاف إذا ائتزر به. وإن كان لا يتعارف لبسه.
أن يقال باعتبار الطهارة الخبثية، مع التفصيل بين كون اللحاف ساتراً وعدمه. فإذا كان ساتراً اعتبرت الطهارة وإلّا لم تعتبر(2).
والمبنى في هذا الوجه هو أن نعترف هنا أنَّ دليل اعتبار الطهارة الخبثيَّة موضوعه مطلق اللباس. بأن قلنا إنَّ الثوب كناية عرفاً عن كلِّ ما يلبسه المصلي سواء صدق عليه عنوان الثوب عرفاً أو لا.
فالمدار هو صدق عنوان اللباس.
ومعه فيقال: إنَّ عنوان اللباس يختلف باختلاف الحالتين، فإنَّه لو كان عارياً ووضع اللحاف عليه فيُدَّعى أنَّ هذا لباس. وأمَّا لو كان لابساً لملابسه فلا يصدق عليه عنوان اللباس ولا استبعاد عرفاً في هذا الاختلاف.
ولعلَّ هذا هو مراد الماتن من التفصيل بين ما كان اللحاف(3) ساتراً وبين ما إذا لم يكن.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
() البساط.
(2) العروة الوثقى، وتقدّم تخريجها.
(3) فاللَّحاف والثوب الاعتيادي متى اجتمعا افترقا، ومتى افترقا اجتمعا في صدق اللباس، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وعليه فلا يرد عليه ما اعتُرض عليه من أنَّ هذا التفصيل بلا ميزان(1)؛ لأنَّ الساتر ليس له خصوصية في مقابل غير الساتر، فإنَّ دليل اعتبار الطهارة لم يفرض فيه الساتر وغيره.
وميزان اعتبار الطهارة هو كونه لباساً للمصلي. فينبغي أن نقول باعتبار الطهارة مطلقاً، أو بعدم اعتبارها مطلقاً.
نعم، موضوعه هو ذلك، لكن مناسبات الحكم والموضوع ومناسبات اللابس والملبوس تختلف عرفاً بين العاري؛ حيث يرى العرف كون اللَّحاف لباساً له، وبين من يلبس ملابسه الاعتيادية، فلا يصدق عليه ذلك عرفاً.
فعلى الأوَّل يصدق عليه أنّه لباس المصلي فيشمله دليل اعتبار الطهارة من دون فرق بين أن يكون اللحاف على بدنه أو على ثيابه.
وأمّا إذا لم يكن بنحو الالتفاف فلا يصدق عليه أنّه لباس المصلي بل محمول المصلي، ولا بأس بالمحمول المتنجس.
أن يقال: بالتفصيل مبنيَّاً على التفصيل في مسألة اشتراط الساتر في الصلاة، فإنَّ هناك كلاماً بين الفقهاء في تلك المسألة وأنّ الساتر هل هو مطلق التغطية في
ــــــــــ[88]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 259، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن.
(2)المصدر نفسه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مقابل الكشف، أو هو التغطية المخصوصة التي يصدق معها أنّه لابس لملابسه وليس عارياً؟
فعلى المبنى الأوَّل تتحقق التغطية بالحشيش وأوراق الشجر في عرض تحققها في الملابس.
وعلى الثاني يخرج أوراق الشجر -إلّا مع الضرورة- لأنَّها لا تخرج الفرد عن كونه عارياً عن الملابس.
فقد يُقال: إنَّ هذه المسألة مبنيةٌ على تلك المسألة، فإن قلنا إنَّ الستر الواجب في الصلاة هو مطلق التغطية فاللحاف لا بُدَّ من اعتبار الطهارة فيه. سواء شده على نفسه أو وضعه على بدنه؛ لأنَّ الميزان إِنَّما هو الغطاء، وهذا غطاء بلا إشكال.
وإن كان المأخوذ هو عنوان الغطاء اللباسي، فهنا يُقال: إنَّه إن شدَّ اللحاف على نفسه فإنَّه يصدق عليه أنّه لباس، فيعتبر فيه الطهارة، وأمَّا إن لم يشدَّ على نفسه فإنَّه لا يشترط فيه الطهارة؛ لأنَّه ليس لباساً ولا ثوباً. فتصحُّ الصلاة، إن لم يكن هناك مانعٌ آخر عن الصحَّة.
كما لو نزع كلَّ ملابسه، ووضع اللحاف على كتفه، وأرسله إرسالاً، فالبطلان يكون من ناحية عدم الساتر.
وهذا الوجه أيضاً غير صحيح؛ لأنَّه لا تلازم بين المسألتين، فإنَّ كُلّاً من المسألتين لها ملاكها، فقد نبني في تلك المسألة على المبنى الأوَّل؛ لأنَّ المستفاد من الروايات هو أنَّ الميزان هو تغطية العورة، ونبني مع ذلك على عدم اعتبار
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الطهارة في اللحاف أثناء الصلاة كما لو استظهرنا من أدلَّةِ الساتر عنوان الثوب والثياب وهذا ليس ثوباً.
كما يمكن أن نختار هناك بأنَّ الستر الواجب، هو الستر اللباسي. ونقول هنا بأنَّه يعتبر الطهارة في اللحاف، فيما إذا استظهرنا من دليل اعتبار الطهارة أنّها تعتبر في كلِّ ما يكون على المُصلِّي في الصلاة، سواء صدق أنَّه ثوب أو لباس، أو لم يصدق.
فصناعة المطلب تقتضي النظر إلى روايات الباب التي تعتبر الطهارة في الصلاة، والصحيح في ذلك أن يُقال: إنَّ المدرك في اعتبار الطهارة في الصلاة إن كان هو الروايات التي دلّت على اعتبار الطهارة في ثوب المصلي، كرواية عبد الرحمان بن الحجاج، فالصحيح هو الوجه الأوَّل فإنَّ الثوب لا يصدق على اللحاف سواء ائتزر به أو لا؛ لأنَّ الثوب أُخذ في مفهومه كونه مُعَدّاً للّبس، وهذا ليس مُعَدّاً له.
وإن كان مدرك الاعتبار هو الروايات التي وقع فيها عنوان الصلاة في النجس. كرواية النميري عن أبي عبد الله، قال: “لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الحَدِيدِ؛ فإنَّه نَجَسٌ مَمْسُوخٌ“(1) التي قلنا بأنَّها تتضمن صغرى وكبرى: (الحديد نجس) و(كل نجس لا يجوز الصلاة فيه). فإنَّه يدلُّ على أنَّه كلُّ ما يصدق أنّه صلاة في النجس، فهو غير جائز، سواء كان عنوان الثوب صادقاً أو لا.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 404، كتاب الصلاة، باب60، ح: 13، التهذيب 2: 227، كتاب الصلاة، باب11، ح: 102، الوسائل 4: 419، باب32 من أبواب لباس المصلّي، ح: 6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إن كان المدرك هو ذلك، فهو ينطبق على اللحاف سواء شدَّه، أو جعله غطاء اضطجاعاً، فإنَّه يصدق عليه أنّه صلى في اللحاف فلا بُدَّ من القول باعتبار الطهارة فيه.
وإن كان مدرك الاعتبار مثل صحيحة زرارة في الاستصحاب التي يقول فيها: “لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ “(1) فالمجعول هو اعتبار طهارة المصلي.
غاية الأمر أنّه جعلت طهارة الثوب طهارة للمصلِّي بالعناية، والقدر المتيقَّن من الفردُ العنائيٌّ إِنَّما هو الثوب المعد للبس. وأمَّا ما لا يكون هكذا فهو وإن كان بالعناية يمكن أن يُقال: إنَّ طهارته طهارة للمصلِّي. إلّا أنَّها تحتاج إلى قرينة، ولا يمكن التمسُّك بالإطلاق في الأفراد العنائيَّة إلّا مع القرينة، فتكون الرواية مجملة بالنسبة إلى اللحاف.
وإن كان مدرك الاعتبار الروايات التي أخذ فيها عنوان (ما على المصلي)، و(ما مع المصلي)، كما في بعض روايات جواز ما لا تتم الصلاة فيه منفرداً.
مثل رواية عبد الله بن سنان عمن أخبره عن أبي عبد الله أنّه قال: “كُلُّ مَا كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَوْ مَعَهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ أن يُصَلَّى فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَذَرٌ، مِثْلُ الْقَلَنْسُوَةِ وَالتِّكَّةِ وَالْكَمَرَةِ وَالنَّعْلِ وَالخُفَّيْنِ
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 421، كتاب الطهارة، باب22، ح: 8، الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، باب109، ح: 13، الوسائل 3: 466، باب 37 من أبواب النجاسات، ح: 1، وتقدّم تخريجها أيضاً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ”(1) الحديث.
ولا إشكال أنَّ هذا العنوان ينطبق على اللحاف، فإنَّه مع المصلِّي وعليه سواء تأزر به أو لا.
ومنه ظهر الحال في الوجه الرابع، وهو اعتبار الطهارة مطلقاً فإنَّ مدركه إمّا روايات الصلاة في النجس أو روايات “مع المصلِّي أو على المصلِّي”.
كما تبيَّن ما هو الصحيح في المقام وهو الوجه الأوّل؛ لأنَّ مدرك الاعتبار منحصرٌ بروايات الثوب والثياب. وأمَّا الروايات الأخرى فقد تقدم الكلام في أنَّها غير تامة سنداً.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
(1) التهذيب 1: 275، كتاب الطهارة، باب12، ح: 97، الوسائل 3: 457، باب 31 من أبواب النجاسات، ح5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ويقع الكلام فيها في ثلاثة مقامات:
الأوّل: في اعتبار الطهارة في مساجد الجبهة السبعة.
الثاني: في اعتبار الطهارة في سائر مساجد الصلاة.
الثالث: في اعتبارها في مكان المصلي ككل.
في اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة؛ كأن هذا الحكم مِمَّا لا إشكال فيه بين الفقهاء، حتى تكرر نقل الإجماع عليه من قبل جماعة من المتقدِّمين(1) والمتوسِّطين(2) والمتأخِّرين(3). وهو الدليل الحسابي عليه، ولو قطع النظر عنه فإنَّه ــــــــــ[93]ــــــــــ
() غنية النزوع: 66، كتاب الصلاة، الفصل الثاني في مكان الصلاة.
(2) تذكرة الفقهاء 2: 400، كتاب الصلاة، المقصد الأوَّل في المقدّمات الفصل الثاني في الأوقات، المبحث الثالث في المكان، المسألة 84، وذكرى الشيعة 3: 150، كتاب الصلاة، الباب الخامس في المكان، الفصل الرابع فيما يسجد عليه، المسألة الثالثة عشرة، التنقيح الرائع 1: 155، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات، أحكامها، العاشر الشمس إذا جفّفت البول.
(3)الحدائق الناضرة 7ـ 195، كتاب الصلاة، الباب الأوّل، المقدّمة السادسة في المكان، المسألة الثالثة، المقام الثاني اشتراط طهارة الجبهة، ومفتاح الكرامة 6: 127، كتاب الصلاة، المقصد الأوّل، الفصل الخامس في المكان، المطلب الأوّل، وجواهر الكلام 8: 444، كتاب الصلاة، المقدّمة السادسة فيما يسجد عليه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
يشكل إثباته بالأدلَّة اللفظيّة.
وقد استدلُّوا من الأدلَّة اللفظيّة بوجوه:
التي رواها المشايخ الثلاثة عنه، قال: “سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَنِ الْجِصِّ يُوقَدُ عَلَيْهِ بِالْعَذِرَةِ وَعِظَامِ المَوْتَى ثُمَّ يُجَصَّصُ بِهِ المَسْجِدُ، أَ يُسْجَدُ عَلَيْه؟! فَكَتَبَ إِلَيَّ بِخَطِّهِ: إِنَّ الْمَاءَ وَالنَّارَ قَدْ طَهَّرَاهُ“(1).
وتقريب الاستدلال بها يكون ببيان:
أنّ المركوز في ذهن الراوي الحكم باشتراط الطهارة في مسجد الجبهة، وإنّما يستشكل في الجص الذي يكون حال طبخه ملاقياً لبعض النجاسات هل يبقى على النجاسة، فكتب أنّه يجوز السجود عليه. والإمام وإن لم يقل بالدلالة اللفظية اشتراط الطهارة في مسجد الجبهة، لكن باعتبار سكوته عن تلك المسألة يستفاد إمضاء وتقرير ما هو المركوز في ذهن السائل من الاشتراط.
ــــــــــ[94]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 197، كتاب الصلاة، باب27، ح3، التهذيب2: 235، كتاب الصلاة، باب11، ح136، الوسائل 3: 527، باب81 من أبواب النجاسات، ح1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وما نوقش أو يمكن أن يناقش في هذا الاستدلال:
أن يُقال: إنَّ هذه الرواية لا يمكن العمل بمدلولها المطابقي ومعه لا يمكن الالتزام بدلالتها الإمضائية السكوتية؛ لأنَّ مقتضى هذه الرواية جواز الصلاة على الجص مع أنَّ الجصّ -مثلاً- سواء كان طاهراً أو نجساً لا ينبغي الإشكال في عدم جواز الصلاة عليه لأنَّه ليس من الأرض.
فالعمل بمدلولها غير ممكن ومع سقوطها لا يمكن العمل بالدلالة التقريرية لأنَّها فرع عنها ولا يمكن التبعيض في الحجية بينهما.
وهذه المناقشة مبنيَّةٌ على ما هو المعروف من أنَّ التراب والمواد الأخرى إذا طُبخت خرجت عن كونها مِمَّا يجوز السجود عليها.
وهذا وإن كان لعله المشهور -خصوصاً بين المتأخّرين- (2)، ولكن ليس له مدرك في كلماتهم سوى التشكيك أو المنع من شمول عنوان الأرض والصعيد على التراب بعد الطبخ.
فإن ناقشنا في ذلك وادَّعينا صدق الأرض عليه عرفاً بعد الطبخ أيضاً
ــــــــــ[95]ــــــــــ
(1) لاحظ ذخيرة المعاد 2: 241، كتاب الصلاة، المقصد الرابع ما يصلّى فيه، المطلب الثاني في المكان، ورياض المسائل 3: 40، كتاب الصلاة، المقدّمة السادسة فيما يسجد عليه.
(2) لاحظ في ذلك: مفتاح الكرامة 6: 341، كتاب الصلاة، الفصل الخامس في المكان، المطلب الثالث فيما يسجد عليه، مسألة: في عدم جواز السجود على المستحالة من الأرض، والعروة الوثقى 1: 589، كتاب الصلاة، الفصل الثاني عشر في مكان المصلّي، فصل في مسجد الجبهة المسألة الأولى.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
كانت هذه الفتوى ساقطة.
وإن سلَّمنا أنَّ طبخ الأرض يُخرجها عن كونها أرضاً. فهذه الفتوى غاية أمرها أنَّها ناشئةٌ من التمسُّك بالإطلاقات الأولية الدالة على عدم جواز السجود على غير الأرض، فلتكن هذه الرواية مقيِّدةً لها. وليست المسألة بديهيَّة وارتكازيَّة لا يمكن رفع اليد عنها. بحيث لا بُدَّ من رفع اليد عن الرواية.
ومعه لا موجب للإشكال بأنّ المدلول المطابقيّ للرواية ساقط ليلزم سقوط مداليلها الالتزاميَّة، فهذه المناقشة غير تامّة.
سنخ المناقشة الأولى من عدم إمكان العمل بالمدلول المطابقي لهذه الرواية، ومعه تسقط الدلالات السكوتية.
والوجه في سقوط المدلول المطابقي هو أنّنا لا نتعقل أنَّ الماء والنار قد طهَّرا هذا الجصّ. فإنَّ الجصّ لاقى العذرة والعظام.
فإن فرض أنّه لاقاها مع الرطوبة، فلا موجب للالتزام بطهارته بعد ذلك.
وإن لاقى مع اليبوسة فهو طاهرٌ من أول الأمر، ولم ينجس حتى تطهّره النار والماء.
وأمّا توجيه ذلك -من قبل السيد الأستاذ(1)– بتقريب: أنَّ النار تفعل الاستحالة وتوجب استحالة العظام والعذرة إلى رماد فيصبح طاهراً، والجصّ
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 263، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
لا بُدَّ في استعماله من إراقة الماء عليه -كما هو ديدن البنائين- فيكون مطهِّراً له. فإنَّه لا يُعتبر في تطهير الأشياء بالماء القليل التعدُّد، بل يكفي المرَّة الواحدة، كما أنَّ المبنى على أنَّ الغسالة التي تتعقبها طهارة المحل طاهرة أيضاً، إذن فلماذا لا يطهر الجصّ؟!
إلّا أنَّ هذا الكلام لا يتمُّ على مباني السيد الأستاذ(1) والآخرين(2) الذين يبنون على لزوم انفصال الغسالة في التطهير في الماء القليل.
ولذا قالوا: إنَّ الأرض الرخوة يشكل تطهيرها بالماء القليل، لعدم انفصال الغسالة. وبناءً على ذلك فهذا الجصّ المخلوط بالماء لم ينفصل عنه الماء.
إذن فالعمل بالمدلول المطابقي لهذه الرواية على ما هو المعروف مِمَّا لا يمكن توجيهه. فإذا سقط سقط المدلول الالتزامي أيضاً.
نعم، إذا بنينا على أنَّ الانفصال ليس شرطاً في التطهير أمكن تمامية هذا التوجيه.
إنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ تقريب الاستدلال بها فُرِض فيه شيء على السائل، وإنَّه كان قد ارتكز في ذهنه الحكم باشتراط الطهارة في مسجد الجبهة، لكن هذا تحميل على السائل، وما هي القرينة عليه. فإنَّه إِنَّما استشكل في السجود على
ــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 3: 73، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات أحدها الماء.
(2) العروة الوثقى 1: 113، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، المسألة السادسة عشرة، ومستمسك العروة 2: 35، كتاب الطهارة، فصل في المطهرات، المسألة (16).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الجصّ، وفيه احتمالان بل احتمالات:
الاحتمال الأوَّل: أنَّ الراوي يعلم بكبرى لزوم السجود على الطاهر ولكنّه لا يعلم أنَّ هذا الجصّ طاهرٌ أو لا.
الاحتمال الثاني: أن يكون العكس، بأنَّه يعلم أنَّ هذا الجصّ نجس؛ لأنَّه لاقى النجاسة ولا موجب لطهارته لكن إشكاله في الكبرى وأنّه هل يجوز السجود على النجس أو لا.
ولعلَّ استشكاله في الكبرى والصغرى معاً، فلا يظهر من كلام السائل بناؤه على لزوم طهارة مسجد الجبهة ليكون سكوت الإمام تقريراً له.
يبقى شيء واحد: أنّه لو كان السجود على الطاهر والنجس بنحو واحد ولا فرق بينهما، فلماذا حكم الإمام بأنّ الماء والنار قد طهَّراه. فظاهره أنَّ هناك فرقاً بين السجود على النجس والسجود على الطاهر. ولا إشكال في ذلك في الجملة، ولو بنحو الشرط الاستحبابي. وإنّما الكلام في الشرط اللزومي.
إذن فلا يبقى دلالة على الاشتراط اللزومي على الطهارة في مسجد الجبهة، وهذه المناقشة تامة.
إنَّه لو سلمنا تمام ما تقدم وفرضنا أنَّ الدلالة التقريرية موجودة في كلام الإمام، فبحسب الحقيقة السكوتية هي دلالةٌ إطلاقيةٌ؛ لأنَّها ناشئة من عدم ذكر القيد.
ومعه فيمكن أن نجعله طرفاً للمعارضة مع روايات أخرى تدل على جواز
ــــــــــ[98]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الصلاة على النجس. من قبيل رواية عمّار الساباطي، قال: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عَنِ الْبَارِيَّةِ يُبَلُّ قَصَبُهَا بِمَاءٍ قَذِرٍ، هَلْ يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا؟! فَقَالَ: إِذَا جُفِّفَتْ فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا“(1) والصلاة على الشيء يشمل السجود عليها. ومع التعارض قد يقال: أنّه لا مرجح بينهما فيتساقط الإطلاقان.
تم من هذه المناقشات الأربع الثاني والثالث والرابع دون الأول، والمناقشة الرابعة تختص بهذا التقريب، ولا ترد لو قربت بتقريب آخر، والمناقشة الثانية مشتركة بينه وبين تقريب آخر.
إذ قد يقال: في مقام تقريب الاستدلال بالرواية: بأنَّ الجواب بلسانه اللفظي ظاهر في هذا المطلب، ويكون توضيحه ببيان أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ السائل قال: (أيسجد عليه أو لا)؟ وظاهره كون السؤال عن جواز السجود لا عن الكراهة، فإنَّ (يسجد) في مقابل (لا يسجد) والنفي كما هو ظاهر في الإلزام إذا صدر من المولى كذلك هو ظاهر في الاستفهام عن الإلزام لو صدر من السائل. إذن فهو يسأل عن الحكم الإلزامي.
الأمر الثاني: أنّه بعد أن عرفنا أنَّ السؤال عن جواز السجود وقد أجاب الإمام: أنَّ الماء والنار قد طهَّراه، فلا يخلو ذلك:
ــــــــــ[99]ــــــــــ
(1) الفقيه 1: 245، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها، ح: 737، التهذيب 2: 370، كتاب الصلاة، باب17، ح71، الوسائل 3: 454، باب 30 من أبواب النجاسات، ح5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إمّا أن يكون متعرضاً إلى بيان ما سأل عنه السائل.
أو أنّه أَعرض عن ذلك وبيّن مطلباً آخر، وهو أنَّ الجصّ طاهر. لا إشكال أنَّ فرض أنَّ الإمام لم يتعرض للجواب عن السؤال خلاف السائل الظاهر، فإنَّه خلاف ظهور مطابقة الجواب للسؤال.
إذن يتحصل من الجواب ظهور في أنَّ الإمام أفتى بالجواز معللاً بالطهارة، فكأنه قال: جائز لأنَّه طاهر، وهذا التعليل يدلُّ على أنَّ الجواز منوط بالطهارة، بحيث لو لم يكن طاهراً لم يكن جائزاً إذ لو كان جائزاً على كلِّ حال لم يكن وجه للتعليل.
ويرد عليه المناقشة الثانية: وهي أنّنا لم نتعقل مدلولها المطابقي، حتى نأخذ بمداليلها التحليلية، كما سبق وقلنا إنَّه لا يتمُّ القول بطهارة الجص بناءً على اشتراط انفصال ماء الغسالة. بل لو تنزَّلنا عن ذلك لا نتعقل المطلب أيضاً لأنَّ عنوان الغسل لا يتحقَّق بالنسبة إلى بعض مراتب هذا الجص. فإنَّ عادة البنَّائِين أن يضعوا الماء في الإناء، ويلقون عليه (الجصّ)، ففي بداية العمل يُدخل الجصّ في الماء. فقد يقال: أنّه يغسل. وأمَّا في آخر العملية لم يبقَ ماء حتى يصدق الغسل، وإنّما هناك رطوبة.
ومعه لا تكون الرواية مفهومة، ولا بُدَّ من ردِّ علمها إلى أهلها، ولا يمكن الاستدلال بها.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وتقريب الاستدلال بها: أنَّ عنوان المساجد:
إمّا أن يقال: بانصرافه واختصاصه بخصوص مسجد الجبهة.
أو يقال: بشموله للمساجد السبعة في الصلاة.
والقدر المتيقن منه مسجد الجبهة، فيدل على لزوم تطهيره وهو المدعى.
إلّا أنَّ هذا الاستدلال باطل لعدَّة وجوه:
الوجه الأول: أنَّها مرسلة ولا سند لها.
الوجه الثاني: أنَّ عنوان المساجد كما يمكن أن يُراد به المكان الذي يتَّصف بالمسجديَّة(2) فعلاً، كذلك يمكن أن يُراد به ما يكون في معرض السجود، وهي المساجد المعروفة (بيوت الله تعالى).
فلعلّ المراد بها ذلك، والإجمال في ذلك كافٍ لأنَّ الإجمال يوجب تشكل علم إجمالي بأنَّه يجب تطهير أحد الأمرين: إمَّا مسجد الجبهة أو المساجد.
وحيث أنَّ الثاني معلوم من الخارج، فينحل هذا العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بوجوب تطهير المساجد والشك البدوي في وجوب تطهير محلِّ السجود.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1)الكافي: ٦: ٥١٦ / ٣. الوسائل، الجزء الخامس، صفحة: 229.
(2) لاحظ المعتبر 2: 449، كتاب الصلاة، المقصد الرابع في الجماعة، الطرف الثالث في الأحكام، خاتمة، تذكرة الفقهاء 2: 433، المقصد الأوّل، الفصل الثاني في الأوقات المبحث الثاني في المساجد، مسألة 99، والوسائل 5: 229، باب 24 من أبواب احكام المساجد، ح2..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ولكن قد يمكن أن نستظهر من (المساجد): المساجد المعروفة، بنكتةٍ عرفيَّةٍ، وهي عبارة: (جَنِّبُوا) فإنَّ الظاهر منها: أنَّها أماكن ثابتة والنجاسة هي التي تروح وتجيء. فإنَّه لا يمكن جر المسجد من النجاسة. وإنّما يمكن جر النجاسة من المسجد.
ومثل هذه النكتة غير موجودة في مسجد الجبهة. فإنَّها ليست ثابتة بل يمكن جرها من النجاسة. فالتعبير أنسب بالمساجد المعروفة، فينعقد لها ظهور عرفي بذلك، ومعه لا يمكن الاستدلال بها على محلِّ الكلام.
الوجه الثالث: أنّه على فرض صدور هذه الرواية، فهي صادرة عن النبي ولا يعلم بتاريخ صدورها عن النبي. ومن المعلوم أنَّ النجاسة لغةً هي القذارة والوسخ(1). واستعملت بعد ذلك في معنى النجاسة الحكميَّة عند المتشرِّعة. فلا يُعلَم أنَّ هذا كان قد صدر منه بعد استقرار الاستعمال المتشرعي في النجاسة الشرعيَّة وانفهامها.
ومع الشك في ذلك لا يمكن حمله على المعنى الشرعي بل يمكن أن يُراد به المعنى العرفي، فإنَّ تنظيف المساجد من الأمور المطلوبة، سواء كان المراد منها بيوتُ الله أو محلُّ السجود. ولذا نُهي(2) عن الصلاة في معاطن(3) الإبل ومحلِّ
ــــــــــ[102]ــــــــــ
() كتاب العين 6: 55، باب الجيم والسين والنون، مادّة نجس والمحيط في اللغة 7: 15، باب الجيم والسين والنون، مادّة نجس، ومعجم مقاييس اللغة 5: 393، باب النون والجيم وما يثلثهما، ولسان العرب 6: 226، فصل النون، مادّة نجس.
(2) الكافي (ط الإسلامية) 3: 390، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الكعبة وفوقها…، ح: 12، والفقيه 1: 241، أبواب الصلاة، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها والمواضع التي لا تجوز فيها، ح: 725، التهذيب 2: 219، كتاب الصلاة، باب11، ح: 71، الإستبصار 1: 394، كتاب الصلاة، باب234، ح: 1، الوسائل 5: 142، باب15 من أبواب مكان المصلّي، ح7.
(3) معاطن الإبل: قال العلّامة: “وهي مباركها حول الماء لتشرب منه عللاً بعد نهل، قاله صاحب الصحاح، والفقهاء قالوا: هي المبارك مطلقاً”. تحرير الأحكام 1: 213.
وقال المحقّق الكركي: “هي مباركها حول الماء لتشرب عللاً بعد نهل قال صاحب الصحاح، والعلل: الشرب الثاني، والنهل: الشرب الأوّل، والفقهاء جعلوه أعم من ذلك، وهي مبارك الإبل مطلقاً التي يأوي إليها…”. جامع المقاصد 2: 131ـ 132. ولاحظ من كتب اللغة: كتاب العين2: 14، حرف العين، باب العين والطاء والنون، مادّة عطن، والصحاح6: 2165، فصل العين، مادّة عطن.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
القاذورات، وإن كانت طاهرة.
الوجه الرابع: أنّه لو سُلِّم كلُّ ذلك فغاية الأمر أنَّها تدل على تجنيب المساجد النجاسة، والنجاسة لها فردان عيني وحُكمي، فمقتضى إطلاق هذه العبارة أنّه يجب تجنيب المساجد كِلا فردَي النجاسة، فما ذكرناه سابقاً من الروايات في الصلاة على البارية التي يبل قصبها بماء نجس أنَّها جائزة إذا يبست. ومقتضى إطلاقها أنّه يجوز السجود عليها، فإنَّ إيقاع كلِّ عملٍ من أعمال الصلاة عليها بحسبه. فيقع التعارض بين الإطلاقين بنحو العموم من وجه. فإنَّ النبوي يشمل الفرد الحكميّ بالإطلاق. وتلك الرواية موردها النجاسة الحكميَّة بالخصوص، وإطلاقها يشمل السجود. فيجتمعا بالسجود على المحل النجس نجاسة
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
حكمية، ومع المعارضة لا يسلم هذا الإطلاق في النبوي.
عدة روايات وردت بعنوان النهي عن الصلاة على المكان المتنجس.
الرواية الأولى: رواية زرارة: قال: “سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَنِ الْبَوْلِ، يَكُونُ عَلَى السَّطْحِ أَوْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، فَقَالَ: إِذَا جَفَّفَتْهُ الشَّمْسُ فَصَلِّ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ طَاهِرٌ”(1) وهي صحيحة السند.
وظاهرها أنَّ الصلاة إِنَّما تجوز على المكان باعتبار الطهارة. وبمفهوم التعليل: أنَّ الصلاة على المكان غير الطاهر غير جائز. وإطلاقه يشمل جميع أجزاء الصلاة، فإنَّ وقوع كلِّ جزء من الصلاة بحسبه. فوقوع السجود على غير الطاهر، معناه السجود عليه.
الرواية الثانية: رواية عمّار الساباطي: عن أبي عبد الله، حيث سُئل: “عَنِ المَوْضِعِ الْقَذِرِ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَبِسَ المَوْضِعُ الْقَذِرُ، قَالَ: لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ وَأَعْلَمَ مَوْضِعَهُ حَتَّى يَغْسِلَهُ”(2). الحديث. ومقتضى إطلاقها النهي عن السجود عليه.
ــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) الفقيه 1: 244، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها… ح: 732، عوالي اللئالئ 3: 59، باب الطهارة، ح175، وسائل الشيعة 3: 451، باب 29 من أبواب النجاسات، ح: 1.
(2) التهذيب 2: 372، كتاب الصلاة، باب17، ح: 80، الوافي 6: 232، أبواب الطهارة من الخبث، باب22، ح: 21، الوسائل 3: 452، باب 29 من أبواب النجاسات، ح: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الرواية الثالثة: رواية علي بن جعفر: فقد سأل عليّ بن جعفر أخاه موسى بن جعفر: “عَنِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِ الْحَمَّامِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ نَظِيفاً فَلَا بَأْسَ”(1)، يَعْنِي: المَسْلَخَ. وهي تامَّة السند.
فقد يُستدلُّ بها بدعوى: أنّه يشترط طهارة موضع الصلاة، وهو يشتمل على مسجد الجبهة، فإن لم تقم قرينة من الخارج على عدم اشتراط الطهارة في باقي موضع الصلاة، عملنا بمدلول الرواية بإطلاقه، وقلنا باشتراط الطهارة في كلِّ المكان. وإن دلَّ دليل على الاستثناء عملنا بها في خصوص موضع السجود، وهناك بعض الروايات الأخرى التي لا تزيد على هذه الروايات بنكتة.
ويمكن المناقشة فيها بإشكالين:
الإشكال الأوّل: أنَّ هذه الروايات أجنبيةٌ عن محلِّ الكلام، لأنَّها في مقام بيان: أنّه لا يجوز أن يتخذ المكان النجس مصلّى. وهذا شيءٌ واتخاذ مسجد شيء آخر. ولا ملازمة بين الأمرين: إذ يمكن أن يتخذ المكان النجس مصلّى ولكنّه لا يسجد عليه بل يسجد على تربة أو خشبة مثلاً، فتكون هذه الروايات من أدلَّةِ المقام الثالث لا من أدلَّةِ هذا المقام.
ولعله انقدح جوابه من نفس تقريبنا للاستدلال لأنَّنا نقول: إنَّ اتخاذ
ــــــــــ[105]ــــــــــ
(1) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 222، مكان المصلّي، ح: 495، الفقيه 1: 242، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها…ح: 727، التهذيب 2: 374، كتاب الصلاة، باب17، ح: 86، الوسائل 5: 176، باب 34 من أبواب مكان المصلّي، ح: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الأرض مُصلَّى عبارة عن إيقاع الصلاة عليها، وهو إيقاع سائر أجزاء الصلاة عليها، بما فيها السجود، ولم يكن من المتعارف الفصل بين المكان ومسجد الجبهة، وليس هما كهذا الزمان في البينونة، فهذا البيان لا إشكال في شموله للسجود على الأرض.
بل يظهر لمن تتبع الروايات أنَّه ورد عنوان (لا تصلِّ عليه)، أو (لا تصلِّ فيه)، وكان المراد من المطلق هو خصوص النهي عن السجود عليه بهذا اللسان.
وهذه الروايات عديدة في أبواب مكان المصلي كروايات الصلاة في الأرض السبخة في الباب العشرين.
1- كرواية الحلبي، عن أبي عبد الله، قال: “سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّبَخَةِ؟ فَكَرِهَهُ؛ لِأَنَّ الْجَبْهَةَ لَا تَقَعُ مُسْتَوِيَةً عَلَيْهَا، فَقُلْنَا: فَإِنْ كَانَتْ أَرْضاً مُسْتَوِيَةً، قَالَ: لَا بَأْسَ”(1).
2- ورواية داود بن الحصين بن السرّي، قال: “قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله: لِمَ حَرَّمَ اللهُ الصَّلَاةَ فِي السَّبَخَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّ الجَبْهَةَ لَا تَتَمَكَّنُ عَلَيْهَا، قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً، قَالَ: لَا بَأْسَ”(2).
ــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) علل الشرائع 2: 327، الباب21، ح 2، وسائل الشيعة 5: 150، كتاب الصلاة، الباب 20 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 2.
(2) علل الشرائع 2: 327، باب21، ح: 1، الوسائل 5: 151، باب 20 من أبواب مكان المصلّي، ح: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
3- ورواية سدير الصيرفي عن أبي عبد الله -في روايةٍ- قال: “هَذِهِ أَرْضٌ سَبِخَةٌ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا“(1).
وروايات الصلاة على الثلج (باب28):
1- كرواية عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله، قال: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي عَلَى الثَّلْجِ، قَالَ: لَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ”(2).
2- ورواية داود الصرمي، قال: “سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ، “قُلْتُ: إِنِّي أَخْرُجُ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعٌ أُصَلِّي فِيهِ مِنَ الثَّلْجِ؟ فَقَالَ: إِنْ أَمْكَنَكَ أن لَا تَسْجُدَ عَلَى الثَّلْجِ فَلَا تَسْجُدْ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْكَ فَسَوِّهِ وَاسْجُدْ عَلَيْهِ”(3)، الحديث.
3- ورواية معمّر بن خلّاد، قال: “سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَنِ السُّجُودِ عَلَى
ــــــــــ[107]ــــــــــ
() الكافي (الإسلامية) 2: 243، كتاب الإيمان والكفر، بابٌ في قلّة عدد المؤمنين، الحديث 4، وسائل الشيعة 5: 151، كتاب الصلاة، الباب 20 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 4.
(2) تهذيب الأحكام 2: 312، كتاب الصلاة، الباب 15، الحديث 122، وسائل الشيعة 5: 164، كتاب الصلاة، الباب 28 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 2.
(3) الكافي 6: 371، كتاب الصلاة، باب58، ح: 14، التهذيب 2: 310، كتاب الصلاة، باب15، ح: 112، الاستبصار 1: 336، كتاب الصلاة، باب192، ح: 2، الوسائل 5: 164، باب 28 من أبواب مكان المصلّي ح: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الثَّلْجِ، فَقَال: لَا تَسْجُدْ فِي السَّبَخَةِ وَلَا عَلَى الثَّلْجِ”(1).
فيطبَّق عنوان (الصلاة على الشيء) أو (في الشيء)، ويراد منها حيثية السجود فقط. إذن فالإشكال غير وارد.
الإشكال الثاني: أنّه بعد تسليم الإطلاق إلى السجود تقول: إنَّها معارضة بروايات أخرى:
1- رواية علي بن جعفر حيث سأل أَخَاهُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ: “عَنِ الْبَيْتِ وَالدَّارِ لَا تُصِيبُهُمَا الشَّمْسُ وَيُصِيبُهُمَا الْبَوْلُ وَيُغْتَسَلُ فِيهِمَا مِنَ الْجَنَابَةِ، أَيُصَلَّى فِيهِمَا إِذَا جَفَّا؟ قال: نَعَمْ”(2).
2- وعن علي بن جعفر -أيضاً- قال: “وَسَأَلْتُهُ -أي: موسى بن جعفر- عَنِ الْبَوَارِي يُبَلُّ قَصَبُهَا بِمَاءٍ قَذِرٍ، أَ يُصَلَّى عَلَيْهَا؟! قَالَ: إِذَا يَبِسَتْ فَلَا بَأْسَ”(3).
فقد أُخذ فيها نفس ذلك العنوان و(هو الصلاة عليه). وهنا رخَّص به وهناك منع عنه، ومع التعارض تتساقط.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
(1) التهذيب 2: 310، كتاب الصلاة، باب 15، ح: 113، الوسائل 5: 164، باب28 من أبواب مكان المصلّي، ح1.
(2) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 221، مكان المصلي، ح: 493، الفقيه 1: 245، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها…ح: 736، الوسائل 3: 453، باب30 من أبواب النجاسات، ح1.
(3) تقدّم تخريجها في غير موضع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وتحقيق الحال في ذلك: أنّنا إذا لم نبنِ على انقلاب النسبة -كما هو الصحيح-(1)، فمقتضى القاعدة هو الجمع بين الطائفتين بحمل الطائفة المانعة على الكراهة، ومعه لا يبقى دليل على اشتراط الطهارة لا في مسجد الجبهة ولا في غيرها.
وأمّا إذا بنينا على انقلاب النسبة(2) فيقال إنَّ الطائفة الأولى: تقول: “لا تصل على النجس” وهو شامل للسجود وغيره، والثانية تقول: “صل على النجس” فتشمل السجود وغيره، وهما متعارضان بنحو التساوي، ويوجد عندنا روايات خاصة تدل على جواز الصلاة على النجس في غير السجود كرواية الشاذكونه يصيبها الاحتلام(3)، و(الشاذكونه) من سنخ الفرش ولا يجوز
ــــــــــ[109]ــــــــــ
() لاحظ بحوث في علم الأصول 7: 288، تعارض الأدلّة الشرعية، القسم الثاني التعارض المستقر، تطبيقات مشكوك فيها للتعارض المستقر، نظرية انقلاب النسبة.
(2) أجود التقريرات 2: 518، خاتمة في التعادل والتراجيح، المبحث السابع إذا كان التعارض أكثر من دليلين، وفوائد الأصول 4: 741، خاتمة في التعادل والتراجيح، المبحث السادس.
(3) قرب الإسناد: 171، أحاديث متفرقة، ح: 628، التهذيب 2: 369، كتاب الصلاة، باب17، ح: 68، الإستبصار 1: 393 ـ 394 كتاب الصلاة، باب332، ح: 3.
الوسائل 3: 455، باب30 من أبواب النجاسات، ح: 6.
الوسائل: “وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنِ (الشَّاذَكُونَةِ) يُصِيبُهَا الِاحْتِلَامُ أَيُصَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ: لا“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الصلاة عليها، فهي أخص مطلقاً من روايات المنع. فتخصص روايات المنع بخصوص السجود. فتصبح أخص مطلقاً من روايات الجواز وهو معنى انقلاب النسبة. فينتج التفصيل بين مسجد الجبهة أو غيره، فتُشترط الطهارة في مسجد الجبهة دون غيره.
ونحن حيث لا نبني على انقلاب النسبة، فالإشكال محكم والتعارض موجود والحمل على الكراهة متعيَّن.
فلم يسلم شيء من الأدلَّة اللفظية لاشتراط الطهارة في مسجد الجبهة، فنبقى نحن والأدلة اللبية.
قد يُستدلُّ على ذلك برواية: “جنِّبوا مساجدكم النجاسة“(1) بدعوى التمسُّك بإطلاقها.
ويرد عليها: مضافاً إلى الوجوه الأربعة السابقة أمرٌ آخر وهو: أنَّ غير مسجد الجبهة من المساجد إِنَّما يطلق عليه مسجد من باب التغليب والاصطلاح الفقهي، مجاراة لقوله: “السجود على سبعة“(2) وليس هو
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() تقدّم تخريجها سابقاً.
(2) التهذيب 2: 299، كتاب الصلاة، باب15، ح: 60، الإستبصار 1: 327، كتاب الصلاة، باب183، ح: 5، الوسائل 6:343، باب4 من أبواب السجود، ح2.
الوسائل: “وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى (عَنْ حَرِيزٍ) عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ: السُّجُودُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ الجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْإِبْهَامَيْنِ مِنَ الرِّجْلَيْنِ وَتُرْغِمُ بِأَنْفِكَ إِرْغَاماً، أَمَّا الْفَرْضُ فَهَذِهِ السَّبْعَةُ وَأَمَّا الْإِرْغَامُ بِالْأَنْفِ فَسُنَّةٌ مِنَ النَّبِيِّ”.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مصداقاً للمسجد عرفاً أصلاً. فهو فرد عنائي من السجود لا حقيقي. فلا معنى للتمسك بالإطلاق.
وما يمكن أن يُستدلَّ به على اعتبارها مطلقاً بدون فرق بين مسجد الجبهة أو المساجد السبعة أو غيرها مِمَّا يندرج في عنوان مكان المصلي.. يمكن تقسيمها إلى ثلاث طوائف:
الروايات التي تنهى عن الصلاة على الموضع النجس، دون أن يؤخذ في موردها عنوان اليبوسة.
من قبيل رواية: عبد الله بكير قال: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عَنِ (الشَّاذَكُونَةِ) يُصِيبُهَا الِاحْتِلَامُ، أَ يُصَلَّى عَلَيْهَا؟ قَالَ: لا“(1). فهو ينهى عن الصلاة على (الشاذكونة)، من دون أن يفرض كونها يابسة.
ولو خُلِّينا وهذه الرواية لقلنا إنَّ ظاهرها اشتراط طهارة مكان المصلّي، بدون فرق بين الجفاف وغيره.
وهي ظاهرة بعدم جواز الصلاة على النجس، وموردها وإن كان هو ــــــــــ[111]ــــــــــ
() باب 30 من النجاسات، (المقرر). تقدّم تخريجها في هامش (65).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المتنجّس بعين النجس لا المتنجّس به، وليس فيها عنوان كُلِّيّ ملقى من قبل الإمام. لكن قد يدعي بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة في الذهن المتشرعي: أنَّ (الشاذكونة) نجسة من دون دخل للسبب فيه سواء كان عيناً أو لم يكن، وبقطع النظر عن هذه المناسبات المركوزة، لا يمكن التعدّي من هذا المورد إلى غيره، وهي لا بأس بها سنداً ودلالة.
ولكن تُعارَض برواية أخرى لزرارة معتبرة السند أيضاً: عن أبي جعفر قال: “سألته عن (الشاذكونة) يكون عليها الجنابة، أيصلَّى عليها في المحمل؟ قال: لَا بَأْسَ”(1).
وموضوعها هو نفس موضوع الرواية الأولى، إلّا من حيث قيد (المحمل)، ويقع الكلام في وجه الجمع بينهما بأربعة وجوه:
الوجه الأوَّل: حمل الرواية المانعة على الكراهة. بقرينة الترخيص في الرواية الأخرى.
ومن الواضح أنَّه موقوف على عدم إمكان التخصيص. وأمَّا لو أمكن أن نقيِّد إحداهما بالأخرى: إمَّا باعتبار ورودها في المحمل، أو بانقلاب النسبة تصبح أخصّ، فلا يتمُّ الحمل على الكراهة.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) الإستبصار 1: 393، كتاب الصلاة، باب232، ح: 1، الوسائل 3: 454، باب30 من أبواب النجاسات، ح: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الوجه الثاني: ما ذكره في المستمسك(1) من حمل الرواية المانعة على محلِّ السجود وحمل الرواية المرخَّصة على غيره. وهو حمل تبرعي بلا منشأ. إلّا إذا رجع إلى انقلاب النسبة.
وتوضيح ذلك: أنَّ الخبرين متعارضان بنحو التساوي بينهما، بعد إلغاء خصوصية المحمل عرفاً؛ فنقلب النسبة بينهما بمخصِّص من الخارج؛ لأنَّ الرواية المرخِّصة مطلقة من حيث كون النجاسة في مسجد الجبهة أو غيرها.
فنحملها على خصوص ما إذا كانت النجاسة في غير موضع السجود، ونحمل الرواية المانعة على ما إذا كانت في مسجد الجبهة، على ما ورد في المستمسك، حيث عبَّر أنَّه تُحمل كلٌّ منهما على غير مورد الأخرى.
وهذا الحمل في نفسه تبرُّعي ولكن إذا أردنا أن نحمله على الشكل الفني نقول: إنَّه من باب انقلاب النسبة، بدعوى أنَّ الرواية المرخِّصة تُقيَّد بما دلَّ على اشتراط الطهارة في مسجد الجبهة، فتُصبح أخصّ مطلقاً من الرواية المانعة فتقيِّدها.
إلّا أنَّ هذا الجمع حتى بعد إلباسه ثوب انقلاب النسبة غريب جداً، لأنَّ موردها هو (الشاذكونة)، ومعه لا يمكن أن نقول إنَّ الرواية المانعة مختصة بخصوص مسجد الجبهة، لأنَّها لا يمكن السجود عليها سواء كانت طاهرة أو نجسة.
الوجه الثالث: أنّ الروايتين مطلقتان من حيث اليبوسة وعدمها، فنحمل
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 491، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة عن البدن.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الرواية المانعة على فرض الرطوبة والأخرى على فرض اليبوسة، وذلك بقرينة الرواية المفصِّلة، ولا نحتاج إلى انقلاب النسبة، فإنَّها تُقيِّد كِلتا الروايتين، كرواية: على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عَن الْبَوَارِي يُبَلُّ قَصَبُهَا بِمَاءٍ قَذِرٍ، أَ يُصَلَّى عَلَيْهَا؟! قَالَ: “إِذَا يَبِسَتْ فَلَا بَأْسَ“(1).
فتكون هذه الرواية مقيِّدة لكل منهما مجال مخصوص.
وهذا صحيح في نفسه، ولا يرد عليه إلّا دعوى واحدة، وهي: أنَّ رواية عبد الله ابن بكير المانعة إذا خصصناها بحالة الرطوبة، وقلنا أنَّه لا يجوز الصلاة على المكان الرطب من باب تعدي النجاسة، لاقى نفسه، يلزم إلغاء مورد السؤال لأنَّه يعود إلى اشتراط طهارة ثوب المصلي، مع أنَّ ظاهرها اشتراط طهارة المكان بما هو مكان المصلي، فالحمل على الكراهة يكون أولى من هذا التقييد.
للجمع بين الروايتين: أن يُقال: إنَّ كلاهما مطلقة من حيث إنَّ (الشاذكونة) رطبة أو غير رطبة، إذن فهما متعارضتان بنحو التساوي. لكن الرواية التي دلت على اشتراط الجفاف في النجس كقوله: “إذا جف فلا بأس” لم تُقيّد رواية زرارة المانعة بغير صورة الرطوبة، وتخرج منها صورة الرطوبة، ومعه تصبح رواية زرارة أخص من رواية عبد الله بن بكير. فيتم تخصيصها بها بناءً على انقلاب النسبة.
إلّا أنّ هذا لا يمكن المساعدة عليه من الناحية الفنية: لأنَّنا إذا قطعنا النظر عن الروايات التي تشترط الجفاف في الصلاة على النجس. فهما مطلقتان من
ــــــــــ[114]ــــــــــ
() باب 30 من النجاسات، (المقرر). تقدّم تخريجها في غير موضع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
حيث وجود الرطوبة وعدمها. وأمَّا إذا لاحظنا تلك الروايات فهي بنفسها تكون مقيدة لكلتا الروايتين، لأنَّ مثل قوله: “إذا جف فلا بأس“. له منطوق ومفهوم، فيقيد بمنطوقها رواية عبد الله بن بكير وبمفهومها رواية زرارة، ومعه لا يكون المطلب محتاجاً إلى مسألة انقلاب النسبة.
الوجه الرابع: أنّ الرواية الثانية أخصُّ من الأولى في نفسها، بقرينة كلمة (المَحمِل)، فإنَّه وإن لم يكن للمحمل خصوصية، لكن حيث إنَّه من المتعارف الإتيان بصلاة النافلة في المحمل، -كما وردت بعد ذلك في ذلك بعض الروايات-، فتكون قرينة على أنَّ المراد بها صلاة النافلة بمناسبة الحكم والموضوع. ولا أقلّ من الإجمال بحيث لا يمكن حملها على الفريضة، باعتبار اقترانها بما يصلح للقرينية.
ومعه تكون أخص مطلقاً من تلك الرواية الأخرى فتخصصها ويكون الجمع العرفيُّ بينهما هو التفصيل بين الفريضة والنافلة.
وهذا موقوف على أنَّ المعارضة منحصرة بالرواية التي ذكرناها كما هو الصحيح، فتكون مخصِّصة لها.
لكن ورد في كلام السيد الأستاذ أنّه جعل رواية أخرى معارضة لرواية عبد الله بن بكير، وعبَّر عنها بالصحيحة، وقد وردت في الوسائل عقيب رواية زرارة: “الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد عن العباس بن معروف عن صفوان عن صالح النيلي عن محمد بن أبي عمير قال: قلت لأبي عبد الله أصلي على
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
(الشاذكونة) وقد أصابتها الجنابة؟ فقال: “لَا بَأْس”(1).
فإن تقييدها بخصوص النافلة ليس أمراً عرفياً، فإنَّ إخراج الصلاة اليومية -وهي أوضح أفراد الصلاة- ليس عرفياً، فيتم الجمع بالحمل على الكراهة ولا يتمُّ التخصيص.
إلَّا أنَّ الصحيح أنَّ هذه الرواية لا تصلح لمعارضة رواية عبد الله بن بكير؛ لعدم تمامية سندها(2)، وكل الرواة يمكن تصحيحهم(3) فيما عدا محمد بن أبي عمير، فإنَّ تصحيح الرواية مبنيٌّ على تخيُّل أنه هو أحد الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحُّ، مع أنَّه يُحتمل بقرينة روايته عن الإمام الصادق أنّه محمد بن أبي عمير آخر(4)، غير ذاك المعروف الذي هو من أصحاب الإمام
ــــــــــ[116]ــــــــــ
() التهذيب 1: 274، كتاب الطهارة، باب12، ح93، الوسائل 3: 454، باب30 من أبواب النجاسات، ح: 4.
(2) لعلّه يشير إلى وجود صالح بن الحكيم النيلي الضعيف، لاحظ رجال النجاشي: 200، باب الصاد، رقم: 533، ورجال ابن داود: 461، باب الصاد، رقم: 227، رجال العلّامة: 230، الفصل الثالث عشر في الصاد، الباب الأوّل، رقم: 4.
(3) الظاهر أنَّ وجه التصحيح سند الرواية مع وجود صالح النيلي، كونه من روى عنه صفوان بن يحيى، (والله العالم).
(4) لكون عنوان (محمّد بن أبي عمير) مردّد في الجملة بين محمّد بن أبي عمير البزّاز، ومحمّد بن أبي عمير (أبي عميرة) ومحمّد بن أبي عمير زياد. لاحظ معجم رجال الحديث 15: 290، باب الميم، بدءً من الرقم: 10041.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الكاظم، وروى عن أصحاب الإمام الصادق، وهو الثقة.
وهذا المطلب ينسجم مع الطبقة أيضاً، وأنَّ طبقة ابن أبي عمير المعروف تقتضي أن يكون غير الذي يروي عن الإمام الصادق.
في الشواهد على تعدُّد محمد بن أبي عمير
وهناك شواهد ذُكرت لهذا التعدُّد:
الشاهد الأول:
منها: أنَّ النجاشي ذكر تاريخ وفاة محمد بن أبي عمير الثقة في عام 207(1). يعني قبل وفاة الإمام الجواد بثلاث سنين -على ما ذكرها في جامع الرواة(2)-.
وأمّا الذي كان موجوداً في عهد الإمام الصادق فهناك رواية غير تامة السند يرويها في الكافي بسنده عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن محمد بن الحسن بن زياد العطار عن محمد بن نعيم الصحّاف، قال: “مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ بَيَّاعُ السَّابِرِيِّ، وَأَوْصَى إِلَيَّ وَتَرَكَ امْرَأَةً لَهُ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثاً غَيْرَهَا، فَكَتَبْتُ إِلَى الْعَبْدِ الصَّالِحِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَعْطِ الْمَرْأَةَ
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) لاحظ رجال النجاشي: 327، باب الميم. رقم: 887: (مات محمّد بن أبي عمير سنة سبع عشرة ومائتين). ولاحظ رجال العلّامة: 140، الفصل الثالث والعشرون، الباب الأوّل، رقم: 17.
(2) جامع الرواة 2: 56، باب الميم، ولاحظ خاتمة المستدرك 5: 138، الرقم: 267.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الرُّبُعَ وَاحْمِلِ الْبَاقِيَ إِلَيْنَا”(1).
وظاهر (العبد الصالح) أنّه الإمام الكاظم وقد توفي عام 183 يعني قبل وفاة محمد بن عمير بأكثر من عشرين سنة. فهي تدل على التعدُّد.
وهذه الرواية غير معتبرة السند، فإنَّ محمد بن نعيم الصحّاف(2) لم يثبت توثيقه. لكن مع هذا يمكن الاستدلال بها.
أوَّلاً: أنَّها توجب احتمالاً عقلائيّاً للتعدد، وهو يكفي في مقام عدم التعويل على تلك الرواية.
ثانياً: أنَّ الصحّاف وإن لم يكن ثقة، لكن لو كان محمد بن أبي عمير واحداً وباقياً إلى أيام الجواد، فكيف قَبِل الناس من الصحّاف هذه الرواية؟ فإنَّ الحسن بن سماعة يروي عن محمد بن أبي عمير ويعرفه، فكيف يروي عن الصحّاف خبر موته؟!
فإنَّه الآن لو قال شخص عن شخص معروف أنه مات قبل زمان موته بعشرين سنة يكون بديهياً للمعاصرين، وواضح الكذب، فيكون هذا قرينة على صدق هذه الرواية.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
() الوسائل باب 4 من ميراث الأزواج، (المقرر). الكافي 13: 639، كتاب المواريث، باب28، ح:1، التهذيب 9: 296، كتاب الفرائض والمواريث، باب27، ح: 18، الوسائل 26: 202، باب 4 من أبواب ميراث الأزواج، ح: 2.
(2) لاحظ رجال الشيخ الطوسي (الأبواب): 296، أصحاب الإمام الصادق، باب الميم، رقم: 4330، ونقد الرجال 4: 339، باب الميم، رقم: 51380، ومنتهى المقال 6: 219، باب الميم، رقم: 2918، ومعجم الرجال 18: 322، باب الميم رقم: 11944.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الشاهد الثاني:
وأحد الشواهد على التعدُّد ما نقله الكشي: فقال: “حدّثني أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم الورّاق، قال: حدّثني علي بن محمّد بن يزيد القمّي، قال: حدّثني بنان بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمّد بن أبي عمير(1)، قال: “دخلتُ على أبي عبد الله، فقال: كَيْفَ تَرَكْتَ زُرَارَةَ؟، فقلتُ: تركتُه لا يصلّي العصر حتّى تغيب الشمسُ، فقال: فَأَنْتَ رَسُولِي إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ فَلْيُصَلِّ فِي مَوَاقِيتِ أَصْحَابِه؛ فَإِنِّي قَدْ حُرِقْت، قال: فأبلغته ذلك، فقال: أنا والله أعلمُ أنّك لم تكذب عليه، ولكنّ أمرني بشيءٍ فأكره أن أدعه”(2).
فقد ورد اسم محمد بن أبي عمير مرتين في سندها.
فتكون دليلاً على التعدُّد، وهي أيضاً من حيث السند(3) غير معتبرة؛ لوجود الضعف قبل أولهما.
ــــــــــ[119]ــــــــــ
(1) كذا في اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي)، وفي أصل الوسائل نقلاً عنه: (عمر)، بدل (عمير).
(2) رجال الكشّي: 143، زرارة بن أعين، رقم: 224، ورجال الكشّي مع تعليقات الميرداماد 1: 355.
(3) لوجود محمّد بن ابراهيم الورّاق الذي لم يرد فيه التوثيق، لاحظ: رجال الشيخ الطوسي: 440، باب من لم يروِ عن واحد من الأئمة، باب الميم، رقم: 6283، ومنتهى المقال 5: 290، باب الميم، رقم: 2404 ومعجم رجال الحديث 15: 239، باب الميم رقم: 9984.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
لكن نكتة الاستشهاد بها هي الأمران السابقان:
أوَّلاً: أنَّها توجب الاحتمال العقلائيّ.
وثانياً: أنَّه لو كان محمد بن أبي عمير معروفاً بأنَّه واحد لما تصدَّى الكشي إلى نقل ذلك بهذا النحو وتصدَّى الآخرون لقبوله.
إذن فمن قبول المشايخ وعدم استنكارهم له، لا يمكن الجزم بالعدم، وليس هناك افتضاح في دعوى التعدُّد.
في توثيق ابن أبي عمير الراوي عن الصادق
إذن فيحتاج بن أبي عمير هذا الذي يروي عن الإمام الصادق إلى توثيق، وقد يُستدلُّ على توثيقه بروايتين، وهو الراوي لكِلتيهما.
الرواية الأولى: ما ذكرناه عن الكشي إلّا أنَّها لا تدل على أكثر من الإمام كلفه بنقل رسالة شفوية إلى زرارة ولو بحصول الاطمئنان له بها.
مضافاً إلى أنه هو الذي راويها وهو لم يثبت توثيقه مضافاً إلى ضعف من سبقه من الرواة.
الرواية الثانية: رواية ابن أبي طاووس نقلها في (فرج المهموم فى معرفة نهج الحلال والحرام من علم النجوم)، قال: “عن عمر بن أُذينة عن محمد بن أبي عمير قال: كنت أنظر في النجوم وأعرف الطالع فيقع في نفسي شيء..(1). وتمام
ــــــــــ[120]ــــــــــ
() المحاسن 2: 349، كتاب السفر، باب افتتاح السفر بالصدقة، باب8، ح: 26، الفقيه 2: 269، باب افتتاح السفر بالصدقة، ح: 2406، وفرج المهموم (ابن طاووس): 124، الباب 5، فصل ومن العلماء بالنجوم من الشيعة محمّد بن أبي عمير، وسائل الشيعة 11: 376، باب 15 من أبواب آداب السفر، ح: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الرواية بالمضمون أنه شكى ذلك إلى الإمام الصادق، فأمره بالتصدّق فإنَّه يسرِّي عنه ما يجده.
وهذا أيضاً لا يدلُّ على حسنه، غايته أنه أمره بالتصدُّق دفعاً لما في نفسه، مضافاً إلى أنّه هو الذي يرويها وهو ضعيف. مضافاً إلى كونها مرسلة إليه.
إذن فالرواية التي ذكرت بعنوان الصحيحة ليست صحيحة، إذن فالحمل على النافلة لا بأس به إلى حد الآن.
لكن توجد عندنا طائفة من الروايات أخذ فيها عنوان اليبوسة وهي: الطائفة الثانية، كرواية رواية عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله، حيث سُئل: “عَنِ المَوْضِعِ الْقَذِرِ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَبِسَ المَوْضِعُ الْقَذِرُ، قَالَ: لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ وَأَعْلَمَ مَوْضِعَهُ حَتَّى يَغْسِلَهُ“(1) الحديث.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
() باب 29، (المقرر). تقدّم تخريجها، صفحة: 90، الدليل الثالث، الرواية الثانية: رواية عمّار الساباطي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فمع التصريح أنّه أصبح يابساً، قال: “لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ”.
وعدَّة روايات كذلك كرواية علي بن جعفر التي تقدَّمت سابقاً، وهذه أحسن حالاً منها؛ لأنَّها صرَّحت باليبوسة.
ومعه تقع طرفاً للمعارضة مع روايات ثلاث: روايتي علي بن جعفر، ورواية زرارة الواقعة في الثلاثين.
1- يقول في الأولى: “أيصلي فيها إذا جفّا؟ قال: نعم(1).
2- ويقول في الثانية: قال: إِذَا يَبِسَتْ فَلَا بَأْسَ”.
3- وفي الثالثة قال: “أيصلي عليها في المحمل؟ قال: لا بأس“.
وهذه الروايات تكون معارضة بنحو التساوي؛ لأنَّ موضوعها واحد.
وهنا يصحُّ أن يقال:
إنَّنا إذا بنينا على انقلاب النسبة، فنخرج من قوله: “لا بأس…” موضع السجود… فتصبح أخصّ مطلقاً من الروايات المانعة، فيلزم التفصيل بين مسجد الجبهة وغيره.
ولو لم نقل بانقلاب النسبة تحمل الطائفة المانعة على الكراهة، والروايات الثلاث، تكون قرينة على حمل رواية عبد الله بن بكير في (الشاذكونة) على الكراهة، لو لم تكن الرواية الأخرى قرينة عليها للأخصِّيَّة.
وبهذا يتمُّ المطلب ويثبت عدم لزوم الطهارة في مكان المصلي.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها، ص104. الدليل الثالث: الروايات الناهية عن الصلاة على المكان النجس. المناقشة مع هذه الروايات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهناك روايات أخرى يُستدلُّ بها على اشتراط الطهارة في مكان المصلي. واختلافها عن رواية عبد الله بن بكير، في نكتة: وهي أنَّ تلك الرواية وردت في الصلاة على ما لا يجوز الصلاة عليه. فلا يحتمل النظر فيها إلى مسألة السجود، وهذه الروايات الآتية وردت في موارد قابلة للسجود عليها، ومن هذه الناحية فصلناها عنها:
1- منها رواية عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله- في حديثٍ- أنَّه سُئِل: “عَنِ المَوْضِعِ الْقَذِرِ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَبِسَ المَوْضِعُ الْقَذِرُ؟ قَالَ: “لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَأَعْلَمَ مَوْضِعَهُ حَتَّى يَغْسِلَهُ (1)، وظاهرها اشتراط الطهارة في مكان المصلي، بلا فرق بين موضع السجود وغيره.
2- صحيحة زرارة، قال: “سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَنِ الْبَوْلِ، يَكُونُ عَلَى السَّطْحِ أَوْ فِي المَكَانِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، فَقَالَ: إِذَا جَفَّفَتْهُ الشَّمْسُ فَصَلِّ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ طَاهِرٌ“(2) فقد علَّله بأنَّه طاهر. وظاهره أنَّ جواز الصلاة عليه منوطة بالطهارة.
3- رواية زرارة وحديد بن حكيم الأزدي جميعاً، قالا: “قُلْنَا لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: السَّطْحُ يُصِيبُهُ الْبَوْلُ أَوْ يُبَالُ عَلَيْهِ، أَ يُصَلَّى فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ؟ فَقَالَ: إِنْ
ــــــــــ[123]ــــــــــ
() باب 29، (المقرر). تقدّم تخريجها غير مرَّة.
(2) نفس الباب 30 من النجاسات، (المقرر). الفقيه 1: 244، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها، ح: 732، الوسائل 3: 451، باب 29 من أبواب النجاسات، ح1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
كَانَ تُصِيبُهُ الشَّمْسُ وَالرِّيحُ وَكَانَ جَافّاً فَلَا بَأْسَ بِهِ، إلَّا أن يَكُونَ يُتَّخَذُ مَبَالًا“(1).
فقد اشترط أمرين في جواز السجود على المكان هما الجفاف وأمر آخر. ولو لم تكن الطهارة شرطاً لكفى شرط الجفاف فبقرينة أخذ المؤونة الأخرى يعرف أنَّ مجرَّد الجفاف وعدم التعدي لا يكفي.
4- رواية عليّ بن جعفر التي سأل فيها أخاه موسى بن جعفر: “عَنِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِ الْحَمَّامِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ المَوْضِعُ نَظِيفاً فَلَا بَأْسَ”، يَعْنِي المَسْلَخَ(2)، وظاهره أنه إذا لم يكن نظيفاً ففيه بأس. وظاهره اشتراط الطهارة.
5- رواية عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: “وَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ عَلَى الْحَصِيرِ أَوِ المُصَلَّى، هَلْ تَصْلُحُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِذَا لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ فَاغْسِلْهُ وَصَلِّ“(3).
وهذه الرواية فيها ضعف لأنَّها منقولة عن (قرب الإسناد)، عن عبد الله ــــــــــ[124]ــــــــــ
() نفس الباب، (المقرر). الكافي 6: 377، كتاب الصلاة، باب 58، ح: 23، التهذيب 2: 376، كتاب الصلاة، باب17، ح: 99، الوسائل 3: 451، باب 29 من أبواب النجاسات، ح2.
(2) تقدّم تخريجها، ص105، الدليل الثالث: الروايات الناهية عن الصلاة على المكان النجس.
(3) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 223، مكان المصلّي، ح: 500، قرب الإسناد: 197، مكان المصلّي، ح: 750، الوسائل 5: 189، باب43 من أبواب مكان المصلّي، ح: 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بن الحسن عن علي بن جعفر، وعبد الله بن الحسن لم يثبت توثيقه(1).
وقد أُوقعت المعارضة بين هذه الروايات وجملة من الروايات:
1- منها صحيحةُ عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: “وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبَوَارِي يُبَلُّ قَصَبُهَا بِمَاءٍ قَذِرٍ، أَ يُصَلَّى عَلَيْهَا؟! قَالَ: إِذَا يَبِسَتْ فَلَا بَأْسَ”.
2- معتبرة عمّار الساباطي، قال: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عَنِ الْبَارِيَّةِ يُبَلُّ قَصَبُهَا بِمَاءٍ قَذِرٍ، هَلْ يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا؟! فَقَالَ: إِذَا جُفِّفَتْ فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا“(2).
فقد جُعلَت معارضة للروايات المتقدمة وقرينة بالتصرف والتأويل فيها بأحد الوجوه الآتية.
إلّا أنَّ جعلها معارضة لا يناسب مبناهم، فإنَّ مبناهم على مطهريَّة الشمس، فيمكن أن تجعل هاتان الروايتان مطلقة من حيث إنَّ اليبوسة حصلت بالشمس أو حصلت بغيرها.
وحينئذٍ فتلك الروايات المانعة عن الصلاة عند الجفاف بغير الشمس، فلا بد أن يعامل معها معاملة المطلق والمقيَّد. لا معاملة المتعارضين حتى يصير هذا قرينة على ذلك.
نعم لو بنينا على عدم مطهريّة الشمس -كما لعلَّه هو الأوجه- كانت
ــــــــــ[125]ــــــــــ
(1) تقدّم ذكره غيرة مرَّة.
(2) تقدّم تخريجها، ص99، الدليل الأول، التقريب الأول، المناقشة الرابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
متعارضة لأنَّها تبقى على النجاسة حتى لو جفت بالشمس فتكون متساوية.
3- ومما جُعلَت معارضة لتلك الروايات رواية عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: “سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ مَرَّ بِمَكَانٍ قَدْ رُشَّ فِيهِ خَمْرٌ قَدْ شَرِبَتْهُ الْأَرْضُ، وَبَقِيَ نَدَاوَةٌ، أَ يُصَلِّي فِيهِ؟ قَالَ: إِنْ أَصَابَ مَكَاناً غَيْرَهُ فَلْيُصَلِّ فِيهِ. وَإِنْ لَمْ يُصِبْ فَلْيُصَلِّ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ“(1).
إلّا أنَّ جعلها معارضة غير تامٍّ بلحاظ السند وبلحاظ الدلالة.
أما من حيث السند: فلأنَّها مروية عن قرب الإسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر، وعبد الله بن الحسن لم يُوثَّق.
وأمّا من حيث الدلالة: فالاستشهاد بها غريب لأنَّها تفرض أنَّ نداوة الخمر لازالت وحدها في الأرض. والرطوبة هي البلل وهي من أوضح مصاديق الرطوبة السارية، ولا يتصور معه عادة عدم السراية
فهذه الرواية ليست من الأدلَّة على جواز الصلاة في المكان النجس بل من أدلَّةِ طهارة الخمر. نعم يستحب التنزه عنه، ولذا لو وجد مكاناً آخر صلَّى فيه.
نعم، لو حملناها على عدم وجود مكان في تمام الوقت تكون أجنبية عن المقام، فإنَّها تكون دالة على أنَّه يصلِّي ولو بالنجاسة أفضل من أن يترك صلاته.
4- نعم، الرواية التي يمكن جعلها معارضة وقادرة على مقابلة تمام
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 228، مكان المصلّي، ح: 524، قرب الإسناد: 196، مكان المصلّي، ح: 746، الوسائل 3: 455، باب 30 من أبواب النجاسات، ح: 7.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الروايات السابقة، رواية عليِّ بن جعفر – وهي الرواية التي يمكن جعلها معارِضةً وقادرةً على مقابلة تمام الروايات السابقة – التي سأل فيها أخاه موسى بن جعفر: “عَنِ الْبَيْتِ وَالدَّارِ لَا تُصِيبُهُمَا الشَّمْسُ وَيُصِيبُهُمَا الْبَوْلُ وَيُغْتَسَلُ فِيهِمَا مِنَ الْجَنَابَةِ، أَ يُصَلَّى فِيهِمَا إِذَا جَفَّا؟! قَالَ: نَعَمْ“(1).
وهذه الرواية فيها امتياز عن غيرها حيث قيدت الجفاف بغير الشمس، كما أنه صرَّح فيها بالجفاف وهناك صرَّح بالرطوبة. وحينئذٍ ففي مقام الجمع بينها وبين موثقة عمّار السابقة نراهما متعارضتين بنحو التساوي.
فإن لم نقل بانقلاب النسبة نحمل الرواية المانعة على الكراهة.
وإن قلنا بانقلاب النسبة، فيمكن إخراج موضع السجود بالإجماع من الرواية المرخصة.
ومعه تكون أخصّ من الرواية المانعة، فينتج التفصيل بين موضع السجود وغيره.
فاتضح أنّه لا دليل على اشتراط الطهارة في مكان المصلي إذا كان يابساً.
يبقى الكلام أنّه قد يقال بالتفصيل في المكان النجس بين اليابس والمرطوب، فيلتزم بعدم جواز الصلاة على المرطوب لا من باب أنّه يوجب نجاسة البدن واللباس بل هو محذور مستقل في نفسه. بحيث لو صلى على
ــــــــــ[127]ــــــــــ
() باب 30 من النجاسات، (المقرر). تقدّم تخريجها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
النجس المرطوب فإنَّه يكون فيه الخلل من جهتين(1). ونسب إلى جماعة من الفقهاء القول بذلك.
وقد يستشكل عليه باللغوية وعدم الثمرة لأنَّ نجاسة المكان نجاسة سارية توجب البطلان من جهة نجاسة الثياب والبدن. فأي أثر عملي يترتب على جعل مانعيَّة مستقلة للمكان النجس المرطوب زائداً على اشتراط طهارة البدن والثياب.
وقد تصوَّروا لذلك ثمرة، فيما لو فرض أنَّ هذه النجاسة كانت بحيث تسري إلى لباس المصلي الذي لا تتم فيه الصلاة.
فإن قلنا: إنَّه لا تشترط الطهارة في مكان المصلي سواء كان مرطوباً أو لا، فالصلاة صحيحة لطهارة بدنه ولباسه ونجاسة المكان لا محذور فيها على الفرض.
وإن قيل: بمانعيّة النجاسة المرطوبة فالصلاة باطلة.
ويمكن اعتبار هذه ثمرة أولى. ويمكن تصوُّر عدَّة ثمرات أخرى.
ــــــــــ[128]ــــــــــ
(1) لاحظ مصباح الهدى 2: 11، كتاب الطهارة، فصل في شرائط صحة الصلاة الواجبة والمندوبة، والتنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 261، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، ولاحظ كشف الرموز 1: 143ـ 144 ـ كتاب الصلاة، السادسة فيما يسجد عليه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الثمرة الثانية: ما إذا كان هذا الشخص معذوراً في نجاسة بدنه أو لباسه للضرورة وصلى على مكان نجس مرطوب بحيث تسري النجاسة منه إلى الثوب الذي هو في نفسه نجس.
فإنَّه بناء على أنَّ نجاسة مكان المصلِّي لا دخل لها أصلاً. فصلاته صحيحة، لأنَّ نجاسة الثوب معذور فيها ونجاسة المكان لا دخل فيها.
وأمّا بناءً على مانعيَّة المكان المرطوب فتكون الصلاة باطلة؛ لأنَّه معذور في نجاسة ثوبه باعتبار الاضطرار، إلّا أنّه ليس معذوراً في المكان لامكان أن يُصلِّي في مكان آخر.
الثمرة الثالثة: أنّه بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ المتنجّس ببعض مراتبه لا ينجّس، إمَّا هو المتنجِّس الأوَّل مطلقاً، أو أنَّه المتنجّس بالمتنجِّس الأوَّل.
فإذا كان مكان المصلّي متنجِّساً مرطوباً لكنه لا ينجس، فيصلي عليه، فإن لم نشترط عدم الرطوبة في مكان المصلي فصلاته صحيحة، لأنَّ ثوبه لم يتنجس.
وبناءً على الاشتراط تكون صلاته باطلة، باعتبار المانعيَّة المستقلة.
الثمرة الرابعة: ما إذا فرضنا أنَّ هذا المؤمن قبل أن يُصلِّي، كان يعلم أنَّ المكان نجس ومرطوب، ثُمَّ شكَّ أنَّ الرطوبة جفَّت أو لا، مع بقاء المكان على النجاسة.
فإذا لم يكن لرطوبة المكان دخلٌ، وكان الميزان هو نجاسة البدن واللباس وطهارتهما، فإذا صلى على هذا المكان، فإنَّه يشك في نجاسة ثوبه فيجري أصالة الطهارة أو استصحابها؛ لأنَّه لم يحرز الملاقاة مع المرطوب. واستصحاب
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الرطوبة في المكان لا يثبت سرايتها إلى الملاقي إلّا على الملازمة العقلية والأصل المثبت، فلا يثبت ما هو موضوع الحكم بالنجاسة وهو السراية.
وأمّا بناءً على أنَّ المكان النجس المرطوب مانع مستقل في الصلاة، فتكون صلاته باطلة، لأنَّه يمكن له أن يحرز وجود المانع باستصحاب الرطوبة في المكان، ويمكن تصوُّر ثمرات أُخر(1).
إذن فلا بُدَّ من الانتقال إلى مرحلة الإثبات وتخريج هذا المطلب من الروايات، ويمكن تقريبه بأحد وجهين:
ــــــــــ[130]ــــــــــ
() أقول: يرد لخاطري من الثمرات الأُخر ما يلي:
منها: أنّه بناء على ما ذكره السيد في باب السراية من تقسيم الرطوبة إلى ثلاثة أقسام، كان القسم الأوَّل منها ما لا يكون قابلاً للسراية، وإن صدق وجود الرطوبة في الجسم، وحينئذٍ نقول: إنَّ المكان لو كان نجساً رطباً بهذه الرطوبة.
فإن قلنا بعدم دخل الرطوبة النجسة في صحة الصلاة كانت صلاته صحيحة لفرض عدم سراية النجاسة إلى بدنه وثيابه.
وإن قلنا بالمانعيَّة كانت صلاته باطلة، فإنَّه مكان مرطوب على أيِّ حال. وينطبق عليه مفهوم قوله: “إِذَا جُفِّفَتْ فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا عليها“.
ومنها: ما إذا كان المكان ملطخاً بدم رطب، وكان يعلم بعدم سرايته إليه إلا بمقدار أقلّ من الدرهم أو يفترض أنّه لم يسر إلا بهذا المقدار، فإن نفينا المانعيَّة كانت صلاته صحيحة باعتبار كون النجاسة مِمَّا يُعفى عنها في الصلاة. وإن قلنا بالمانعيَّة كانت صلاته باطلة، لصدق كونه مكاناً نجساً رطباً، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
استفادته من الروايات المفصِّلة بين الجفاف وعدمه:
1- كرواية علي بن جعفر التي يقول فيها: “إذا يَبست فلا بأس“.
2- ورواية عمار التي يقول فيها: “إِذَا جُفِّفَتْ فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا“. وقد تقدَّمت سابقاً.
حينئذٍ يُقال: إنَّ هذا الكلام بُيَّن على نهج القضية الشرطية، فيكون له مفهوم وهو أنّه إذا كان رطباً ففيه بأس، وهو ظاهر بالمانعيَّة في نفسها. وحمله على أنَّ المانعيَّة استلزامه لما هو المانع (وهو سراية الرطوبة…) تأويلٌ بلا موجب.
إلّا أنّ هذا ليس صحيحاً؛ لأنَّ مقتضى القاعدة الأولية وإن كان هو كون المانعيَّة ثابتة للمكان المرطوب في نفسها، لا أنه ملازم مع المانع، وهو الجمود على حاق اللفظ، لكن ينعقد ظهور ثانوي يقتضي صرف المانعيَّة إلى كونها بلحاظ السراية.
وهذه القرينةُ العرفيَّةُ يمكن بيانها بأحد تقريبين:
التقريب الأوَّل: أنَّ النظر في المانعيَّة لو كان إلى نجاسة المكان المرطوب بما هو هو فيلزم منه التفكيك بين النجس المرطوب وغير المرطوب، مع أنَّهما في النظر العرفيِّ على حد واحد.
وإنما الفرق بينهما في المنجسية، فإرتكازية عدم الفرق بينهما بأنفسهما يصير ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
قرينة على أنَّ التفرقة بينهما لا بلحاظ المعنى النفسي لهما بل بلحاظ كون هذا منجساً وذاك غير منجس.
إلّا أنَّ هذا التقريب لا يخلو من خلل في الجملة، بأن يقال: إنَّه لا استبعاد عرفاً في أنَّ العرف يرى أنَّ النجس المرطوب أشدّ استقذاراً من النجس غير المرطوب، وقد سبق أن مثّلنا بالكلاب الممطورة، ولهذا عُبِّر في روايات عدم تنجيس اليابس بـ”كل يابس ذكي“(1).
التقريب الثاني: أنَّ هذه الرواية حين تُلقى على العرف المشحون ذهنه بأدلَّة مانعيَّة النجاسة في البدن واللِّباس، وباشتراط الرطوبة في سراية النجاسة، فينسبق إلى ذهنه أولاً أنَّ الرطوبة أُخذت من حيث كونها دخيلة في السراية الدخيلة في تنجيس البدن واللِّباس.
ولهذا لا نقول بذلك في مورد لا يكون فيه هذا الارتكاز؛ فإنَّ ظاهر كلِّ دليل دلَّ على مانعيَّة شيء هو كونه بنفسه مانعاً، لا أنَّه ملازمٌ للمانع، لكن حين يكون المُلازم مركوزاً والمُلازمة مركوزة، ينسبق إلى الذهن أنَّه ليس مانعاً في نفسه، بل إنَّه ملازمٌ للمانع.
وهذا الوجه لا بأس به، ومعه لا يتمُّ الاستدلال بتلك الروايات على كون المكان الرطب مانعاً مستقلّاً، وبهذا ينتهي الوجه الأوَّل.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
(1)التهذيب 1: 49، كتاب الطهارة، باب 3، ح80، الوسائل 1: 351 باب31 من أبواب احكام الخلوة، ح: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إنَّنا نستدلُّ بالروايات المطلقة، الدالَّة على اعتبار الطهارة في المكان أو مانعيَّة النجاسة فيه، دون أن تفصل بين الرطوبة والجفاف. كرواية علي ابن جعفر السابقة في المسلخ قال: “إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ نَظِيفاً فَلَا بَأْسَ“(1).
فإن هذه الروايات ظاهرة في كون نجاسة المكان مانعاً بما هي لا باعتبار أدائها إلى نجاسة البدن واللباس؛ لأنَّ القرينة الارتكازية التي أبرزناها بالنسبة إلى الروايات المفصِّلة غير موجودة هنا، فإنَّها كانت تتكون من ارتكازين:
الارتكاز الأوَّل: أنَّ نجاسة البدن واللباس مانع.
الارتكاز الثاني: أنَّ الرطوبة هي منشأ السريان من شيء إلى شيء، حيث كان يشكل ظهوراً في أنَّه ناظر إلى مسألة السراية.
لكن هنا حيث إنَّه لم يأخذ قيد الرطوبة فيه، بل قال: إذا كان نجساً ففيه بأس. – سواء كان رطباً أو لا- فإنَّ الارتكاز الثاني لا محلَّ له في هذا الخطاب.
وهذا ظهور استقر للخطاب لعدم وجود قرينة متصلة للحمل على الطريقية للسراية إلى الملاقي، لا لفظيَّة ولا لُبِّيَّة:
أما اللفظيَّة فواضح.
وأما اللُّبِّيَّة فباعتبار انتفاء القرينة الارتكازية.
فلو بقينا نحن وهذا الخطاب لأفتينا أنَّ الصلاة في المكان النجس باطلة،
ــــــــــ[133]ــــــــــ
(1)تقدّم تخريجها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
سواء كان مرطوباً أو لم يكن، لكن بمخصّص منفصل خرجت صورة الجفاف، روايةُ علي بن جعفر حيث سأل أخاه موسى بن جعفر: “عَن الْبَوَارِي يُبَلُّ قَصَبُهَا بِمَاءٍ قَذِرٍ، أَيُصَلَّى عَلَيْهَا؟! قَالَ: إِذَا يَبِسَتْ فَلَا بَأْسَ”.
ومعه يرفع اليد عن ذاك الإطلاق بمقداره وهو صورة جفاف المكان وتبقى صورة الرطوبة على المانعيَّة النفسية بما هي هي.
وحيث إنَّ المخصص منفصل فهو لا يوجب قلب الظهور فإنَّ هذا التقييد لو كان متصلاً لأوجب قلب ظهوره بجعله ظاهراً أنَّ النهي باعتبار السراية، وذلك باعتبار الارتكاز. ولكن المخصص المنفصل لا يوجب قلب الظهور كما قرأنا في علم الأصول(1).
وهذا الوجه صغرى لمطلب كُلِّيّ ينبغي أن يُتعرَّض له في الأصول، وهو أنّه إذا ورد عندنا عام وورد مخصص منفصل، فهل مقتضى القاعدة تنزيل المخصّص المنفصل منزلة المتَّصل في سائر الخصوصيات والجهات، أو تنزيله منزلته في هدم العموم والإطلاق فقط؟
ففي المقام لو قلنا بالأول لكان المخصص المنفصل هادماً للإطلاق ومغيراً للظهور رأساً، فيتحول ظهوره من النفسية إلى الطريقية.
وأما بناءً على الثاني فغاية ما يقتضيه رفع اليد عن إطلاق دليل (لا تصلّ في المكان النجس) لصورة الجفاف، ولكن لا يقلب ظهوره في النفسية.
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1)لاحظ بحوث في علم الأصول 7: 193، 196، تعارض الأدلّة الشرعية، القسم الأوَّل التعارض غير المستقرّ، القرينية وأنواعها، التخصيص.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ونحن نقول: في أمثال المقام بأنَّ المخصص المنفصل يكون منزلاً منزلة المتصل في كِلا الخصوصيتين. فيكون رافعاً للإطلاق والعموم وموجباً لتكوين ظهور جديد يكون هو المعوّل عليه، كما لو كان المخصص متصلاً.
وبناءً على اختيار هذا المطلب، فهذا الوجه الثاني غير تام؛ لأنَّه يوجب قلب الظهور.
وأما بناء على أنَّ المخصص المنفصل لا يقلب الظهور وإنما يوجب رفع اليد عن الإطلاق والعموم لا أكثر فهذا الوجه وجيه جداً ولا جواب عليه.
انتهى الكلام في المقام الثالث وهو اشتراط الطهارة في مكان المصلي.
المسألة 1: إذا وضع جبهته على محلٍّ بعضُه طاهرٌ وبعضُه نجسٌ صحّ إذا كان الطاهر بمقدار الواجب، فلا يضرّ كونُ البعض الآخر نجساً، وإن كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه[1](1).
بقي فرع آخر من شؤون هذه الجهة، وهو أننا بيَّنا في المقام الأوَّل لهذه الجهة السابعة أنه يشترط طهارة مسجد الجبهة، فيقع الكلام في أنَّه هل يجب طهارة تمام ما تقع عليه الجبهة أو يكون ما هو المجزي نظيفاً فقط؟
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 171، كتاب الطهارة، فصلٌ: في أحكام النجاسات، حكمُ التبعيض في طهارة مسجد الجبهة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والكلام فيه:
تارة: يكون بلحاظ الأصل العملي.
وأخرى: بلحاظ الأدلَّة الاجتهادية.
أما بلحاظ الأصل العملي فمرجع المسألة إلى الدوران بين الأقل والأكثر لأنَّه يُعلم باشتراط الطهارة بالمقدار المجزي ويشك في اشتراطها في المقدار الزائد، فالأصل هو البراءة عن اشتراط طهارة الزائد أو عن مانعيَّة نجاسته.
وامّا بلحاظ الأدلَّة الاجتهادية فالصحيح أنَّ نتيجة المسألة تختلف باختلاف مدركها:
1- فإذا كان الدليل على ذلك هو الإجماع والارتكاز فلا ينبغي الإشكال أنّه لم يحرز وجود إطلاقٍ له يقتضي اشتراط الطهارة في تمام ما يُسجَد عليه، وإنّما القدر المتيقَّن اشتراطها في المقدار المُجزي.
2- وأمَّا إذا كان المدرك هو رواية الحسن بن محبوب(1) في الجصّ التي يقول فيها: “إِنَّ الْمَاءَ وَالنَّارَ قَدْ طَهَّرَاهُ”(2).
ــــــــــ[136]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 197، كتاب الصلاة، باب 27، ح: 3، التهذيب 2: 235، كتاب الصلاة، باب11، ح: 136، الوسائل 3: 527، باب 81 من أبواب النجاسات، ح1، وتقدّم تخريجه.
(2) الكافي 6: 197، كتاب الصلاة، الباب 27، الحديث 3، تهذيب الأحكام 2: 235، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 136، وسائل الشيعة 3: 527، كتاب الطهارة، الباب 81 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فحيث إنَّ مورد الرواية هو النجاسة المستوعبة لتمام الجبهة فلا يمكن التمسُّك بإطلاقه لصورة ما إذا كان جزء منه نجساً فإنَّ مورده كون تمام المسجد نجساً فلا إطلاق له لما إذا كان بعضه نجساً، والقدر المتيقن منه نجاسة المجموع.
3- وإن كان المدرك هو النبوي القائل: “جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ”، فلا بأس بالمصير إلى اعتبار خلو تمام ما يُسجَد عليه من النجاسة، لأنَّ ظاهر المساجد هو ما يسجد عليه بالفعل لا مقدار ما جُعِل مجزياً في مقام السجود، فتمام ما يُسجَد عليه لا بُدَّ من تجنيبه عن النجاسة، ولو كان بعضه نجساً لا يصدق أنه جنبه النجاسة.
4- وإن كان المدرك هو روايات (لا تصلِّ عليه) مِمَّا دلَّ على اشتراط الطهارة في مكان المصلي مطلقا، الشامل للسجود وغيره، خرج غير مسجد الجبهة فيبقى مسجد الجبهة تحت الاشتراط. فإن كان المدرك هو ذلك، فلا بُدَّ من ملاحظة أنَّ المخصِّص الذي أخرج غير مسجد الجبهة ما هو؟
إن كان هو من قبيل رواية (الشاذكونة) التي تقول: “سَأَلْتُهُ عَنِ (الشَّاذَكُونَةِ) تَكُونُ عَلَيْهَا الْجَنَابَةُ، أَ يُصَلَّى عَلَيْهَا فِي المَحْمِلِ؟ فقال: لَا بَأْسَ“(1)،
ــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 369- 370، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 69، الاستبصار 1: 393، كتاب الصلاة، الباب 232، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 454، كتاب الطهارة، الباب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والمراد بها غير مسجد الجبهة؛ لأنَّ (الشاذكونة) لا يسجد عليها، إذن فلا بأس من القول أنّه لا بُدَّ من طهارة تمام ما يسجد عليه لا خصوص ما يُجزي.
وإن كان المخصص هو إيقاع المعارضة بنحو التساوي بين (صلِّ على النجس) و(لا تصلِّ على النجس)، وفي مقام الجمع حملنا هذا على غير مسجد الجبهة وذاك على مسجدها، فأيضاً لا يبقى إطلاق لقوله: (لا تصلِّ على النجس) لتمام مسجد الجبهة.
وبهذا تمّت الجهات السبعة التي كنا نريد التعرُّض لها في هذا المبحث.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفصل الثاني
وجوب تطهير المساجد وحرمة تنجيسها
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الكلام في وجوب تطهير المسجد وحرمة تنجيسه:
المسألة 2: تجب إزالة النجاسة عن المساجد، داخلها وسقفها وسطحها والطرف الداخل من جدرانها(1).
وهذا الحكم في الجملة كأنه لا خلاف فيه بين الفقهاء(2)، بل بين المسلمين
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 172، كتاب الطهارة، فصلٌ: في أحكام النجاسات، وجوب تطهير المساجد.
(2) الخلاف 1: 518، كتاب الصلاة، المسألة (260)، مدارك الأحكام 2: 306، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات القول في أحكام النجاسات، مفتاح الكرامة 2: 96، كتاب الطهارة، المقصد الثالث في النجاسات الفصل الثاني في الأحكام، وجواهر الكلام 6: 93، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات، القول في احكام النجاسة، ازالة النجاسة عن المساجد، ومفاتيح الشرائع 1: 74، القول في النجاسات وازالتها، مفتاح 82.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
عموماً(1). وقد ذكروا للاستدلال عليه وجوهاً:
عن أخيه موسى بن جعفر قال: قال: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الدَّابَّةِ تَبُولُ، فَيُصِيبُ بَوْلُهُا المَسْجِدَ أَوْ حَائِطَهُ، أَيُصَلَّى فِيهِ قَبْلَ أن يُغْسَلَ؟ قَالَ: “إِذَا جَفَّ فَلَا بَأْسَ“(2).
وسندها معتبر فإنَّ صاحب الوسائل رواها عن كتاب علي بن جعفر وطريقه إليه هو طريق الشيخ إلى علي بن جعفر، وهو معتبر(3).
وأما من حيث الدلالة، فتقريب الاستدلال بها على المطلوب في المقام يكون من عدَّة وجوه:
التقريب الأوَّل: أنَّ هذه الرواية بعد فرض بنائها على نجاسة أبوال الدواب إذا لوحظ جواب الإمام وهو قوله: “إذا جف فلا بأس” فإنَّه يقتضي التفصيل بين ما إذا جفت النجاسة وبين ما إذا كانت مرطوبة.
فبمفهومها تدل على أنَّ النجاسة غير المرطوبة يجب إزالتها.
وأمّا منطوقها فهو أنَّها إذا جفت فلا بأس سواء كان الجفاف بالشمس
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) لاحظ تذكرة الفقهاء 15: 101، المقصد السادس في احكام أهل الذمّة، المبحث الرابع في أحكام المساجد، مسألة: المساجد على ثلاثة اقسام.
(2) قرب الإسناد: 205، باب الصلاة في القراءة، ح: 794، الوسائل 3: 411، باب 9 من أبواب النجاسات، ح18.
(3) الوسائل 30: 76، الخاتمة، الفائدة الأولى، الرقم: 214، ما كان فيه عن علي بن جعفر.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بحيث تطهّر بناءً على مطهريّة الشمس أو بغير الشمس بحيث لا تطهر.
وحينئذٍ نضمُّ إلى ذلك عدم القول بالفصل بين النجاسة المرطوبة والجافَّة، وبه نقيّد إطلاق المنطوق.
التقريب الثاني: -وهو أحسن من الأوَّل وأقرب إلى الصحة-: أن نلتفت إلى سؤال السائل وهو ظاهر في أنَّ أصل وقوع الغسل مفروغ عنه، وإنما الكلام في أنَّ الغسل قبل الصلاة أو بعدها، فإنَّه فرق بين أن يقول الإنسان العرفي: (أيُصلَّى فيه ولا يغسل؟)، أو يقول: (أيُصلَّى فيه قبل أن يُغسل؟)، فعلى الأوَّل لا يكون فيه ظهور بوقوع أصل الغسل، بخلاف الثاني الواقع في السؤال.
وهذه المفروغية ظاهرة في أنَّ المرتكز في ذهن علي بن جعفر وجوب الغسل، وإلّا لما فرض وقوعه على كلِّ حال. فإنَّ ما يُفرَض وقوعه على كلِّ حال هو الوجوب لا المستحب، وهذا الظهور أُمضي من قِبَل الإمام.
وهذا التقريب وإن كان أوجه من السابق، إلّا أنّه غير صحيح أيضاً لأنَّ قوله: (أيُصلَّى فيه قبل أن يُغسل؟) ظاهر عرفاً في أنَّ علي بن جعفر فرض أنَّ وقوع الغسل مفروغاً عنه.
لكن هذا هل يكون منشأ لظهور الكلام في أنَّ المركوز هو وجوب الغسل أو لا يكون؟ كلا.
إذ من المعلوم أنَّ بناء المسلمين والمتشرعة على إزالة النجاسة عن المسجد. سواء أفتى الفقيه بوجوب ذلك أو باستحبابه. وإذا كان مستحباً فليس هو في معرض الترك كسائر المستحبات.
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إذن فالمفروغية عن وقوع الغسل لا يدلُّ على المفروغية عن الوجوب.
التقريب الثالث: -وهو أقرب إلى الصحة من التقريبين السابقين-: أنَّنا نتمسك بمجموع نكتتين في كلام السائل ونستظهر منهما أنَّ أصل وجوب الغسل كان مفروغاً عنه في نظر السائل.
النكتة الأولى: أنَّ قوله: (أيُصلَّى فيه؟) ظاهر في السؤال عن الجواز وعدمه؛ لأنَّ في مقابل (يُصلَّى): (لا يُصلَّى) وهو جملة نافية، وهي لو وقعت من قِبَل الإمام تكون ظاهرة بالإلزام فكذلك لو وقعت في كلام السائل تكون ظاهرة بالاستفهام عن الإلزام.
ومعه يكون السؤال عن جواز الصلاة وعدمه لا عن رجحانها وعدمه.
النكتة الثانية: أنّه يسأل عن جواز حصته في الصلاة وهو جوازها (قبل أن يغسل) لا عن جوازها من دون أن يُغسَل أصلاً، وهذا ظاهر في أنَّ عدم جواز غير هذه الحصة مفروغ عنه لدى السائل. كما لو سأل: هل يجوز شرب الخمر للمريض؟ فإنَّه ظاهر بالمفروغية عن عدم جوازه لغير المريض.
إذن فأصل عدم جواز الصلاة مفروغ عنه عند السائل، فيكون ممضى من قبل الإمام بضم هاتين النكتتين.
أمَّا لو اختلت إحدى هاتين النكتتين، فيختلّ هذا التقريب.
ومِمَّا بيَّناه ظهر أنَّ ما حاوله السيد الأستاذ من منع الاستدلال بهذه الرواية بعد أن قرَّبها بهذا التعبير الإجمالي: أنَّها ظاهرةٌ في أنَّ علي بن جعفر كان من
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المفروغ عنده وجوب إزالة النجاسة عن المسجد، بدون أن يذكر أوجهاً لهذا الظهور.
وقال في مقام الجواب: إنَّه من قال لكم إنَّه هذه المفروغية ثابتة؟! فإنَّ هناك احتمالين ثبوتيين في سؤال السائل:
الاحتمال الأوَّل: وهو ما ذكرناه
والاحتمال الثاني: أنَّه كان بانياً على أنَّ إزالة النجاسة عن المسجد مستحبَّة وأنَّ المبادرة إلى الصلاة مستحبة أيضاً. ومعه لا يدري أيّهما أقوى من الآخر، فيسأل عن وظيفته في مقام التزاحم بين المستحبين، فلا يبقى وجه للدلالة.
وقد ظهر جوابه مِمَّا بيَّناه، فإنَّنا بيَّنا نكتة استفادة ذلك لأنَّه ظاهر بالمفروغية عن الوجوب، بالتقريب الثالث: وأن قوله: (أيُصلَّى فيه؟) ظاهر في كونه سؤالاً عن الجواز.
ثمَّ إنَّ السيد الأستاذ صار في مقام تقريب الاحتمال الثاني في مقابل الاحتمال الاول: فذكر عليه قرينتين:
القرينة الأولى(1): استبعاد أن يكون علي بن جعفر يجهل أنَّ بول الدواب ليس بنجس أصلاً، كما هو مورد الرواية، فلا بُدَّ أنّه يسأل عن التزاحم بين المستحبين.
إلّا أنَّ هذه القرينة لا يمكن المساعدة عليها؛ لأنَّ بول الدواب وإن انعقد
ــــــــــ[145]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 273، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة (2).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الآن وضوحٌ فقهيٍّ ومتشرعيٍّ في طهارته، لكن هذا الوضوح لم يُعلم أنَّه كان موجودأً في عهد الإمام الصادق والكاظم، مع استفاضة الروايات في النهي عن مباشرة أبوال الدواب والأمر بالغسل منها، وذهاب أكثر العلماء العامة إلى نجاستها(1)، ووجود سؤال أصحاب الأئمة عن أحكام أبوال الدوابِّ، فكان زرارة ومحمد بن مسلم وعلي بن جعفر نفسه يسأل عن ذلك، قال: (سألته عن الثوب يقع في مربط الدابَّة على بولها وروثها كيف يصنع …)(2) الحديث.
القرينة الثانية: أنَّه لو كان النظر إلى مسألة إزالة النجاسة عن المسجد، فأيُّ فرقٍ بين أن يجفَّ أو لا يجفُّ؟ فذلك قرينة على أنَّه شيءٌ طاهرٌ، يحسن التنزُّه عنه، لا أنَّه نجسٌ(3).
إلّا أنَّ هذا مِمَّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّه لو تم القطع بعدم الفرق بين النجاسة المرطوبة واليابسة وسُلِّم ذلك فلا أقلّ من أن يقيّد إطلاق قوله:
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1)لاحظ الخلاف 1: 486، كتاب الصلاة، مسائل العاجز في بعض افعال الصلاة، المسألة 230، وتذكرة الفقهاء 1: 50، كتاب الطهارة، الباب الثاني في النجاسات، الفصل الأوّل، المسألة 15.
(2) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 130، قسم المسائل ح: 116، الوسائل 3: 411، باب 9 من أبواب النجاسات ح: 21.
(3)التنقيح في شرح العروة 2: 273، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة (2).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
“إِذَا جَفَّ فَلَا بَأْسَ” بما إذا جف بالشمس، كما فعله القفهاء في أخبار جفاف الحصر والبواري حيث قيدوها بالجفاف بالشمس وجعلوا ذلك دليلاً على طهارتها بها.
مضافاً إلى أنَّ هذا الفرق وإن لم يكن موجوداً بين الفقهاء، لكنه أمر عرفي، وعلي بن جعفر بما أنه إنسان عرفي يحتمل أنَّ النجس المرطوب أسوأ حالاً من الجافِّ.
وعلى أيِّ حال، فالصحيح أنَّ التقريب تامٌّ في نفسه.
نعم، غاية ما ينتج أنه كان المركوز في ذهن السائل وجوب إزالة أثر بول الدواب عن المسجد.
وهذا الارتكاز ينحلّ إلى كبرى وصغرى، وفي تحديدها احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: الكبرى: وجوب إزالة كلِّ نجس. والصغرى: أنَّ بول الدوابِّ نجس.
ونحن نعلم من الخارج أنَّ الصغرى غير صحيحة، ومثل هذا السكوت الذي صغراه غير صحيحة موقوف على أن يُدَّعى أنَّ أصالة الجهة قابلة للتحليل بهذا المقدار، بحيث تكون الصغرى منفية دون الكبرى.
وأمّا إذا قلنا بأنَّ أصالة الجهة غير قابلة للتحليل لأنَّها أصل عقلائي، وإنما يبني عليها العقلاء إذا لم يعلم بوجود خلل في هذا السكوت كبرى وصغرى، وأمَّا إذا علم بوجود الخلل في الجملة فيُشكَل التمسُّك بأصالة الجهة.
الاحتمال الثاني: أن يكون هذا الارتكاز منحلاً إلى كبرى غير صحيحة
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وصغرى صحيحة عكس السابق:
الصغرى: بأن يُقال: إنَّ علي بن جعفر كان يعلم أنَّ بول الدابَّة ليس بنجس إلا أنه قذر عرفاً.
والكبرى: أنَّه يجب إزالة القذارة العرفيَّةِ عن المسجد.
والصغرى وإن كانت صحيحة إلَّا أنَّ الكبرى غير صحيحة، وغير محتملة فقهياً، وعلى خلاف سيرة المسلمين خارجاً، فالاستدلال بهذه الرواية غير ممكن.
ومنها: روايتان للحلبي ولعلَّها رواية واحدة منقولة بطريقين:
الطريق الأوَّل: يرويها الكليني عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمَّار، عن محمَّد الحلبي، قال: نَزَلْنَا فِي مَكَانٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ المَسْجِدِ زُقَاقٌ قَذِرٌ، فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: “أَيْنَ نَزَلْتُمْ؟“، فَقُلْتُ: نَزَلْنَا فِي دَارِ فُلَانٍ، فَقَالَ: “إِنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ المَسْجِدِ زُقَاقاً قَذِراً“، أَوْ قُلْنَا لَهُ: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ زُقَاقاً قَذِراً، فَقَالَ: “لَا بَأْسَ، الْأَرْضُ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً“(1).
الطريق الثاني: حيث يرويها محمد بن إدريس في مستطرفاته في آخر
ــــــــــ[148]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 122، كتاب الطهارة، باب24، ح: 3، الوسائل 3: 458، باب32 من أبواب النجاسات، ح4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
(السرائر)، نقلاً عن نوادر أحمد بن محمّد ابن أبي نصر، عن المفضل بن عمر، عن محمَّد الحلبي، عن أبي عبد الله، قال: “وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ طَرِيقِي إِلَى الْمَسْجِدِ فِي زُقَاقٍ يُبَالُ فِيهِ، فَرُبَّمَا مَرَرْتُ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيَّ حِذَاءٌ، فَيَلْصَقُ بِرِجْلِي مِنْ نَدَاوَتِهِ، فَقَالَ: أَ لَيْسَ تَمْشِي بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَرْضٍ يَابِسَةٍ؟“، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: “فَلَا بَأْسَ، إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً“، قُلْتُ: فَأَطَأُ عَلَى الرَّوْثِ الرَّطْبِ، قَالَ: لَا بَأْسَ، أَنَا وَاللهِ رُبَّمَا وَطِئْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ أُصَلِّي وَلَا أَغْسِلُهُ“(1) الى آخر الرواية.
الاستدلال بهذه الرواية: بتقريب: أنَّ الراوي كان يرى محذوراً في أنَّه يدخل المسجد ورجله نجسة، وقد اعتبر ذلك محذوراً مُتَّفقاً عليه بين الإمام والسائل، ودفع هذا الإشكال بقاعدة مطهريَّة الأرض، ومحذورية هذا المحذور لا يكون إلّا بناءً على حرمة تنجيس المسجد.
نعم، لو تم التقريب بهذا البيان، فغاية ما يثبت به حرمة تنجيس المسجد دون وجوب تطهيره، ولا ملازمة من هذا الطرف بين حرمة التنجيس ووجوب التطهرّ.
نعم، لو ثبت وجوب التطهير، كانت حرمة التنجيس ثابتة عرفاً لأنَّه -يعني التطهير- أشدُّ مؤونة بحسب الفهم العرفي.
ومن هنا كانت رواية علي بن جعفر الدالة على وجوب التطهير دالة على حرمة التنجيس بالأولويَّةِ العرفيَّةِ.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
(1) السرائر 3: 555، باب المستطرفات من نوادر احمد بن محمد أبي نصر البزنطي، الوسائل 3: 459، باب 32 من أبواب النجاسات الحديث9.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إلّا أنَّ الاستدلال بها غير تامٍّ سنداً ولا دلالةً.
أما سنداً فلعدم اعتبار الطريقين:
أما الرواية الأولى: فهي وإن وُصِفت في كلماتهم بالموثَّقة(1)، إلّا أنّه غير صحيح، فإنَّ الكليني يرويها عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان. ومحمد بن إسماعيل مردّد(2) بين الثقة وغير الثقة، وإجماله مع عدم مساعدة الطبقة على التعيين مسقط للرواية.
نعم، من اعتمد على أسناد (كامل الزيارات)(3)، أمكنه القول بتوثيقه فإنَّ
ــــــــــ[150]ــــــــــ
() لاحظ: مدارك الأحكام 2: 373، كتاب الطهارة، الركن الرابع، القول في أحكام النجاسات، ومعتصم الشيعة 2: 118، القول في النجاسات، مسألة حكم المشهور بطهارة باطن الخف…، ومشارق الشموس: 8، كتاب الطهارة، درس 19 في النجاسات، الأوَّل والثاني البول، التنقيح في شرح العروة 2: 275، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة (2).
(2) مردّد بين محمد بن اسماعيل بن أحمد بن بشير البرمكي الثقة ومحمد بن اسماعيل الجعفري وغيرهما ممّن ورد بعنوان (محمد بن اسماعيل) لاحظ: رجال النجاشي: 341ـ 370، باب الميم، الرقم: 915ـ 1007، ورجال الشيخ الطوسي: 276ـ 277، باب الميم، ومعجم رجال الحديث 16: 89، 102، باب الميم.
(3) لاحظ كامل الزيارات: 24، اللباس السادس فصل اتيان المشاهد بالمدينة وثواب ذلك.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مثل هذا السند فيه: الكليني عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان، وقد يحصل الاطمئنان بوحدة محمد بن إسماعيل في الموردين.
وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ شهادة ابن قولويه مقتصرةٌ على تصحيح مشايخه دون مَن سواهم من الرواة، فتكون الرواية ساقطة سنداً.
وأما الرواية الثانية فيرويها ابن إدريس عن كتاب أحمد بن محمد ابن أبي نصر، إذن فهناك طريق متخلل بينهما، ونحن لا نعرف أنّه طريق معتبر أو لا. فتسقط الرواية عن الاعتبار.
وأما من حيث الدلالة: فالرواية الأولى لا يتمُّ الاستدلال بها فإنَّه لو فرض أنَّ المسجد سنخ مكان يذهب الإنسان إليه بصلاة وبغير صلاة، بحيث كان الذهاب إليه لغير الصلاة أمراً متعارفاً شائعاً، فقد يُدَّعى أنَّ سياق العبارة موجب للظهور في أنَّ المحذور المنظور هو وقوع النجاسة على المسجد لكن بعد معلومية أنَّ ديدن المتشرعة -خصوصاً في ذلك الزمان- على الذهاب إلى المسجد دائماً توأماً مع إيقاع الصلاة فيه، فهذه الملازمةُ العرفيَّةُ كانت مركوزة، فقوله: “إِنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ المَسْجِدِ زُقَاقاً قَذِراً“، يُستظهَر منه أنّهم في طريقهم إلى الصلاة. فحمل المحذور أنه بلحاظ الصلاة إذا لم يكن أقرب لأوضحية اشتراط الطهارة في الصلاة منها في المساجد، فلا أقلّ من الإجمال.
وغاية ما يمكن أن يقال بعد كلِّ هذا في تقريب رجوع المحذور إلى المسجد: إنَّ هذا المحذور إِنَّما ينشأ منه إشكال بلحاظ الصلاة فيما إذا كان (محمد
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الحلبي) حافياً ولم يكن منتعلاً.
وأما إذا كان لابساً للحذاء، والعادة جارية على نزع الحذاء في الصلاة، فلا يبقى محذور في الصلاة وإنما المحذور أنّه يدخل المسجد مع الحذاء، فهذا قرينة على أنَّ الملحوظ هو المسجد لا الصلاة.
إلا أنَّ هذه القرينة في غير محلِّها، ولا ترفع الإجمال عن الرواية لعدَّة أمور مجتمعة:
الأوَّل: تعارف المشي حافياً في ذلك الزمان، ولعله كان متسالماً عليه، وتدل(1) على ذلك بعض الروايات.
وثانياً: أنَّ ما كان يُلبَس ليس هو (البوتين)(2)، بل هو النعل، وهو لا يمنع أن ينجس أطراف رجله على الأقل.
وثالثاً: أنَّ النعل العربيَّة ليس هناك عادة على نزعه في الصلاة، وقد جوز الأئمة لبسه.. ومعه فلا زال احتمال رجوع المحذور إلى الصلاة موجوداً، ولا أقلّ من أنَّه يوجب الإجمال.
وأمّا إذا لاحظنا الرواية الثانية، فهذه النكتة الأخيرة مصرح بعدمها فيها وإنه كان حافياً، وفيها قرينة أخرى على أنَّ النظر إلى الصلاة لا إلى المسجد. وهو قوله في آخر الرواية: “قلت: فأطأ على الروث الرطب، فقال: لَا بَأْسَ،
ــــــــــ[152]ــــــــــ
() الظاهر أن النصب على الحفاء في الروايات يدلُّ على عدم تعارفه، فيحتاج إلى النصّ عليه لا أنه دالٌّ على تعارفه، (المقرر).
(2) وهو حذاء يغطي تمام القدم ويرتفع قليلاً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أَنَا وَاللهِ رُبَّمَا وَطِئْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ أُصَلِّي وَلَا أَغْسِلُهُ”(1)، فلا يبعد أن يكون شاهداً ومؤيداً في أنَّ النظر في هذا السياق إلى مسألة الصلاة.
بل لو فرض أنَّ الرواية الأولى لو كانت قد تمّت دلالتها بالبيان الأخير لكان هذا النقل موجباً لهدم ذلك التقريب. بعد البناء على وحدة الرواية، فإنَّها تكون قرينة زائدة متصلة.
ومنها: روايات أخرى في كيفية ما يُعمَل إذا اتُّخذ الكنيف مسجداً. وهي ما روي في الباب الحادي عشر من أحكام المساجد من الوسائل.
1- ما عن عبيد الله بن علي الحلبي، أنَّه قال لأبي عبد الله قال: “فَقُلْتُ: فَيَصْلُحُ المَكَانُ الَّذِي كَانَ حَشّاً زَمَاناً أن يُنَظَّفَ وَيُتَّخَذَ مَسْجِداً؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ مَا يُوَارِيهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَظِّفُهُ وَيُطَهِّرُهُ“(2).
2- وعن أبي الجارود، عن أبي عبد الله في حديثٍ، قال: “وَسَأَلْتُهُ عَنِ المَكَانِ يَكُونُ خَبِيثاً ثُمَّ يُنَظَّفُ وَيُجْعَلُ مَسْجِداً، قَالَ: يُطْرَحُ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ حَتَّى يُوَارِيَهُ؛ فَهُوَ أَطْهَرُ“(3)
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها صفحة:132، الوجه الثاني: رواية الحلبي.
(2) الفقيه 1: 236، أبواب الصلاة، باب فضل المساجد وحرمتها وثواب من صلّى فيها، ح:712، الوسائل 5: 209، باب 11 من أبواب احكام المساجد، ح: 1.
(3) الكافي 6: 307، كتاب الصلاة، باب 48، ح: 2، الوسائل 5: 210، باب 11 من أبواب احكام المساجد، ح: 3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
3- وعن عبد الله بن سنان في حديث، قال: “قُلْتُ: فَالمَكَانُ يَكُونُ حَشّاً زَمَاناً، فَيُنَظَّفُ وَيُتَّخَذُ مَسْجِداً؟! فَقَالَ: أَلْقِ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ حَتَّى يَتَوَارَى؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَهِّرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى“(1).
4- وعن مسعدة بن صدقة الرَّبَعي، عن جعفر بن محمّد، قال: سُئِلَ: “أَيَصْلُحُ مَكَانٌ حَشٌّ أن يُتَّخَذَ مَسْجِداً؟ فَقَالَ: إِذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ مَا يُوَارِي ذَلِكَ وَيَقْطَعُ رِيحَهُ فَلَا بَأْسَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ، وَبِهِ مَضَتِ السُّنَّةُ“(2).
وبعض هذه الروايات صحيح السند كرواية الحلبي وعبد الله بن سنان.
فقد يُستدلُّ بها على أنَّ المسجد توأم دائماً مع الطهارة ومنافراً مع النجاسة، ولهذا إذا أُريد اتخاذ الكنيف مسجداً فلا بُدَّ من تنظيفه وتطهيره، فيستفاد منه وجوب التطهير وبالآخر حرمة التنجيس لما قلناه من أنَّ الأمر بالتطهير يستفاد منه حرمة التنجيس عرفاً.
إلّا أنَّ الصحيح أنَّ الاستدلال بهذه الروايات لا يساعد عليه الفهم العرفي. لأنَّ الاستدلال بها.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
(1) التهذيب 3: 260، كتاب الصلاة، باب 25، ح: 50، الاستبصار 1: 442، كتاب الصلاة، باب272، ح: 5، الوسائل 5: 210، باب 11 من أبواب احكام المساجد، ح: 4.
(2)التهذيب 3: 260، كتاب الصلاة، باب 25، ح: 49، الوسائل 5: 120، باب 11 من أبواب احكام المساجد، ح: 5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إن كان بلحاظ مورد الروايات باعتبار أنَّ الشارع اهتمَّ بإلقاء التراب في الكنيف، وبدونه لا يجوز أن يجعل مسجداً. فجوابه واضح: أنَّ اهتمام الشارع بذلك لا يتوقف على ثبوت كبرى حرمة تنجيس المسجد أو وجوب تطهيره؛ لأنَّه لا إشكال أنَّ اتخاذ الكنيف مسجداً هتك للمسجد وخروج عن المسجدية في نظر المتشرعة وارتكازهم. سواء تمّت تلك الكبرى أو لا. وإنّما حرمة التنجيس ووجوب التطهير مع غض النظر عن الهتك ونحوه، فهذا العلاج واهتمام الشارع به، لا يكشف عن تلك الكبرى.
وأمّا إذا كان الاستدلال بها بلحاظ التعليل الوارد بها، وهو قوله: “فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَظِّفُهُ وَيُطَهِّرُهُ“، بدعوى: أنَّ هذه الجملة سيقت مساق التعليل، والتعليل يعطي حكماً كلياً لا يختصّ بمورد دون مورد، ويكون مورد الرواية مثالاً له ومصداقاً منه.
فهذا أيضاً غير صحيح، إذ من المعلوم إنّه لم يكن يقصد به التطهير الذي هو محلُّ الكلام، وهو أنَّ جسماً نجساً ثُمَّ يطهر فإنَّه غير مفروض في محلِّ الكلام وإنّما فُرض في محلِّ الكلام أنّه يوجد كنيف لم يطهر إلى حد الآن، والتراب غير مطهِّر له بالضرورة، والتراب الذي أُلقي عليه كان من أول الأمر طاهراً، والكنيف الذي بقي تحته لا زال نجساً.
فليس عندنا جسم كان نجساً ثُمَّ طهر، وإنّما التطهير هنا نحو آخر، وهو رفع القذارة والحزازة عن المكان، وليس هو تطهيراً للجسم بل للمكان، فيتبدَّلُ الانتزاعُ العرفيُّ في الاستقذار والتقزُّز، ويُصبح بحيث يصلح أن يكون بيتاً لله
ــــــــــ[155]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
تعالى؛ لأنَّه ارتفعت عنه المهانة والاشمئزاز، وهذا في نفسه صحيح، وهو إزالة الاستقذار والتقزُّز عن المكان في نظر المتشرِّعة، فلو جعل جزء من نادي الخمر مسجداً، لم يكن ذلك جائزاً.
واستدلَّ أيضاً(1) بالآية الكريمة إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ(2)، فإنَّها تنهي عن اقتراب المشركين من المسجد الحرام؛ معلِّلة بكونهم نجس -والتعليل مستفاد من التفريع- والاقتراب أعم من التنجيس، فإذا لم يجز دخول المشرك إلى المسجد فكيف يجوز التنجيس. والآية وإن كانت خاصة بالمسجد الحرام لكن يتعدى منها إلى غيرها لعدم القول بالفصل.
إلّا أنَّ هذا الاستدلال غير صحيح:
أولاً: أنه لو تم فيختص بخصوص المسجد الحرام والتعدي منه إلى غيره إن كان بدعوى الإجماع على عدم الفرق فالإجماع المنعقد على عدم التنجيس هو إجماع بسيط، وليس إجماعاً مركباً، فلو كانت المسألة خلافية فلعلَّهم(3) قد
ــــــــــ[156]ــــــــــ
() لاحظ تذكرة الفقهاء 2: 432، كتاب الصلاة، المقصد الأوّل، الفصل الثالث في المكان، المبحث الثاني في المساجد، المسألة (99)، وكنز العرفان 1: 49، كتاب الطهارة، الآية التاسعة إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ، وجامع المقاصد 2: 154، كتاب الصلاة، الفصل الخامس في المكان، المطلب الثاني في المساجد.
(2) التوبة: 28.
(3) يعني القائلين بحرمة التنجيس، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
يُفصِّلون بن المسجد الحرام وغيره. بل مقتضى طبع القضيَّة هو التفصيل باعتبار ارتكازية أهمِّيَّة المسجد الحرام عن غيره وأولويَّته في الحكم.
وثانياً: أنَّ تمامية دلالة الآية الكريمة فيما إذا كان المراد من (النجس) النجاسة الشرعية، لا قذارة الشرك، وقد قلنا في مبحث نجاسة المشركين، إنَّ المراد بها قذارة الشرك لا النجاسة المصطلحة.
وقد أقمنا على ذلك جملة من المؤيدات، نذكر الآن واحداً منها: وهو أنَّ (إنَّما) أداة حصر، فإنَّه يكون معنى الآية: (إنَّ المشركين تمام حقيقتهم وهويتهم أنَّهم نجس)، وهذا الحصر أنسب بالنجاسة المعنوية منه بالنجاسة الحكميَّة، وهذا الحصر أمر صحيح، فإنَّ المشرك بكل نفسه وعواطفه وعقائده ونظرته إلى الكون والحياة يرى مع الله شريكاً، وهو غير مناسب حتى على القول بنجاسة المشرك، فإنَّه لا ينبغي أن يُقال: إنَّ المشرك نجس كله مع كون بدنه نجساً نجاسة حكمية، فإنَّه يبقى عواطفه وعقله وعقائده وهو الجزء الأهم منه.
إذن فلا تدل الآية على المطلوب.
بقي قوله تعالى: أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(1).
والاستدلال بها أيضاً مبنيٌّ على جواز التعدي منه إلى غيره، فإنَّ المقصود من البيت هو المسجد لا الكعبة بالخصوص بقرينة قوله: لِلطَّائِفِينَ، وأمَّا
ــــــــــ[157]ــــــــــ
() 2/125، (المقرر). البقرة: 125.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
غيره من المساجد فغير مشمولة للحكم، إلّا بدعوى عدم القول بالفصل.
وهذا الاستدلال في غير محلِّه، لا باعتبار الإشكال عليه بدعوى: صدور هذا الخطاب لإبراهيم، والطهارة في زمانه لا تحمل على المعنى الشرعي، بل لا بُدَّ من حملها على المعنى اللغوي، وإنّما انعقد لها هذا الظهور بعد الإسلام.
وجوابه: أنَّ الآية لا تنقل الكلام الواقع بين الله تعالى وخليله باللفظ جزماً، وإنّما هو نقل بالمعنى فلو كان للفظ الطهارة حين النقل معنى فهو المعول عليه، فإنَّ المعيار هو ظهور اللفظ عند النقل لا عند حدوث الواقعة، ولعل لفظ الطهارة لم يكن موضوعاً في زمان إبراهيم أصلاً، وعلى أيِّ حال فنستكشف من اللفظ القرآني أنَّ معنى الطهارة الحكميَّة كان موجوداً في ذلك الزمن ولو بلفظ آخر.
إلّا أنَّ الاستدلال -مع ذلك- غير تام:
أولاً: لعدم إمكان التعدي من البيت إلى غيره.
وثانياً: أنَّه لا يُبعد أن تكون الطهارة المأمور بها في الآية استطراقية للحفاظ على حيثيات لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وهذا غير محلِّ الكلام، فإنَّ الكلام في وجوب تطهير المسجد في نفسه ولو لم يدخله أحد.
إذن فالأدلة اللفظية غير تامة.
لكن المسألة غير محتاجة إلى دليل لاتفاق علمائنا بل كافة علماء الإسلام على الحكم، وارتكاز المتشرعية جيلاً بعد جيل.
ولعل عدم السؤال عن ذلك في الروايات مع كونه محلَّ الابتلاء، باعتبار
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أنّه لم يكن يخطر في بال أصحاب الأئمة الشك فيه والاحتياج إلى السؤال، فهذا أمارة وكاشف عن أنّه كان مطلباً ارتكازياً غير محتاج إلى السؤال(1).
بقي النبوي الذي أشرنا إليه في مسجد الجبهة وهو قوله: “جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ”(2)، وهو على فرض تمامية دلالته يدلُّ على كِلا الحكمين: (وجوب تطهير المساجد) و(حرمة تنجيسها)، في عرض واحد؛ لأنَّ تجنيب المسجد النجاسة يكون بأن لا يُنجَّس، وأن يُطهَّر على فرض نجاسته، فيكون دليلاً على كِلا الحكمين.
وفي كلمة (النجاسة) في الحديث احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: أن يكون المراد بها صفة النجاسة.
الثاني: أن يُراد بها الموصوف بالنجاسة، وعبَّر عن الموصوف بالصفة لمزيد
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() وهناك وجهٌ ثالثٌ لعدم تماميّة الاستدلال بالآية الكريمة يأتي منه قريباً، وقد ذكره في ذيل الوجه الأخير من أوجه الاستدلال على الحكم المذكور، حيث قال: “وما ذكرناه في الاعتراض الأوَّل يمكن أن يُعترض به على الاستدلال بالآية الكريمة؛ فإنَّه يحتمل أن يكون الخطاب لإبراهيم باعتبار المنصب، لا باعتباره من آحاد المكلّفين“.
(2) لاحظ: المعتبر 2: 449، كتاب الصلاة، المقصد الرابع: في الجماعة، الطرف الثالث: في الأحكام، خاتمة، تذكرة الفقهاء 2: 433، المقصد الأوّل، الفصل الثاني: في الأوقات، المبحث الثاني: في المساجد، المسألة 99، وسائل الشيعة 5: 229، الباب 24 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
استحكام الصفة في الذات.
فإن كان المراد بها الصفة فيكون النبوي دالّاً على وجوب تجنيب المسجد النجاسة، وهو عبارة عن حرمة تنجيس المسجد ووجوب تطهيره.
وأمّا إذا كان المراد بها الذات الموصوفة بالصفة، فتختصّ بالأعيان النجسة، ولا تشمل النجاسات الحكميَّة؛ لأنَّ العناية في التعبير عن الذات بالصفة موجودة في الأعيان لا في المتنجسات، ولا بُدَّ حينئذ لاجل الإسراء إلى المتنجس إلى تتميمه بدعوى عدم القول بالفصل، أو عدم احتمال الفرق.
ولا بأس بهذا التقريب، إلَّا أنَّ الرواية ساقطة سنداً، لما تقدم من أنَّ هذا النبوي لا سند له.
وقد يُستدلُّ على هذين الحكمين: برواية أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر، في حديثٍ طويل: “أَنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ أنَّ طَهِّرْ مَسْجِدَكَ وَأَخْرِجْ مِنَ المَسْجِدِ مَنْ يَرْقُدُ فِيهِ بِاللَّيْلِ، وَمُرْ بِسَدِّ أَبْوَابِ مَنْ كَانَ لَهُ فِي مَسْجِدِكَ بَابٌ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ وَمَسْكَنَ فَاطِمَةَ، وَلَا يَمُرَّنَّ فِيهِ جُنُبٌ“(1).
بتقريب أنّه أمر بتطهير المسجد وهو يدلُّ على وجوب التطهير وبالملازمة العرفيَّةِ يدلُّ على حرمة التنجيس؛ لأنَّ التطهير -كما قلنا- أقوى مؤونة فيكون
ــــــــــ[160]ــــــــــ
(1) الكافي 10: 612، كتاب النكاح، باب21، ح: 1، الوسائل 2: 205، باب15 من أبواب الجنابة، ح:1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الدليل عليها دليلاً على الأخف مؤونة. بخلاف العكس، فإنَّه لا يلزم من إيجاب المؤونة الأقلّ إيجاب المؤونة الأزيد، وإن قد قيل إنَّ الدلالة ثابتة من الطرفين.
إلّا أنَّ هذا الاستدلال غير تام:
أولاً: لأنَّ من المحتمل أن يكون الأمر المتوجَّه إلى النبي كان بلحاظ المنصب والمقام لا بلحاظ كونه أحد المكلَّفين ليسري إلى غيره من المكلفين، فإنَّ عندنا مسألتين:
الأولى: وجوب تطهير المسجد على الأفراد.
والثانية: أنَّ وليَّ أمر المساجد هل يجب عليه رعاية المساجد وتطهيرها في ضمن ما يقوم به من مصالح عامة.
وما هو محلُّ الكلام هو الأوَّل ولعل الرواية ناظرة إلى الثاني.
ويؤيده قوله: “وَأَخْرِجْ مِنَ الْمَسْجِدِ مَنْ يَرْقُدُ فِيهِ بِاللَّيْلِ، وَمُرْ بِسَدِّ أَبْوَابِ مَنْ كَانَ لَهُ فِي مَسْجِدِكَ بَابٌ”، فإن ذلك كلّه يناسب مع شؤون المنصب.
وثانياً: أنَّ الرواية مخصوصة بمسجد النبي والتعدِّي منه إلى غيره من المساجد مبنيٌّ على تخريجات لم تتم.
وما ذكرناه في الاعتراض الأوَّل يمكن أن يُعترض به على الاستدلال بالآية الكريمة، فإنَّه يحتمل أن يكون الخطاب لإبراهيم باعتبار المنصب لا باعتباره من آحاد المكلفين.
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مسألة: 2: يجب إزالة النجاسة عن المساجد داخلها وسقفها وسطحها وطرف الداخل من جدرانها بل والطرف الخارج على الأحوط إلا أن لا يجعلها الواقف جزءاً من المسجد…(1).
بعد الفراغ عن أصل الحكم بوجوب تطهير المسجد وحرمة تنجيسه، يقع الكلام في أنَّه هل يشمل ذلك تمام المسجد حتى يسري إلى حائطه الخارجي أيضاً أو لا؟
الإنصاف أنَّ تمام الأدلَّة التي ذكرت -مما ناقشناه ومما لم نناقشه-، لا يمكن دعوى الإطلاق فيها للوجه الخارجي لحائط المسجد:
1- أمَّا رواية علي بن جعفر في مسألة الدابّة تبول على حائط المسجد، والتي يقول فيها: قال: “وَسَأَلْتُهُ عَنِ الدَّابَّةِ تَبُولُ، فَيُصِيبُ بَوْلُهُا المَسْجِدَ أَوْ حَائِطَهُ، أَيُصَلَّى فِيهِ قَبْلَ أن يُغْسَلَ؟ قَالَ: إِذَا جَفَّ فَلَا بَأْسَ“. فقد يتوهم التمسُّك بإطلاق (الحائط) باعتبار عدم الفرق بين الوجه الداخلي والخارجي للحائط.
إلّا أنَّه غير صحيح؛ لأنَّنا قرَّبنا الاستدلال بالرواية وقلنا: أنّه إِنَّما يكون باعتبار أنَّ أصل الحكم بتطهير المسجد كان مركوزاً عند الراوي وإنما يسأل عن جواز تقديم الصلاة على التطهير، فليس السؤال عن أصل كبرى التطهير،
ــــــــــ[162]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 84، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد المسألة (2).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والإمام ليس في مقام بيان الكبرى حتى يتمسك بإطلاقه، وإن كان سكوته عنها يدلُّ على صحَّتها في الجملة، ولكن إذا تردد أمر الكبرى بين الأقلّ والأكثر لم يمكن التمسُّك بالإطلاق.
2- وأوضح من ذلك روايات الحلبي: (في أنه نزل في زقاق قذر). وروايات (جعل الكنيف مسجداً)، فإنَّه ليس فيها إطلاق للوجه الخارجي.
3- نعم، قد يقال: إنَّه يمكن التمسُّك بإطلاق (المسجد) في النبوي والآية(1). إلَّا أنَّ هذا ايضا في غير محلِّه، لأنَّ هناك معهودية خارجية في مقام تطهير البيوت، فإنَّ كلَّ شخص إِنَّما يعتني بداخل بيته لا بخارجه، وإذا أمرت شخصاً بتنظيف البيت فإنما ينظف داخله، ويعتبر تنظيف الوجه الخارجي للبيت تنظيفاً للزقاق لا للبيت، فهذا البيت ينزّل على هذه العملية العقلائية، فيكون المنساق فيها الوجه الداخلي دون الخارجي.
4- وإذا كان المدرك هو الإجماع والارتكاز، فلا إشكال أنّه يوجد فرق كبير بين الوجه الخارجي للمسجد والوجه الداخلي له، فالوجه الخارجي حيث إنَّه لا يُقابِل المصلِّين يكون أبعد عن كيان المسجد وأقل حرمة، فأصالة البراءة عن تنجيسه تكون محكمة.
نعم، لو أوجب تنجيسه هتكاً ونقضاً في المسجد، يكون حراماً، فإنَّه إهانة لبيت الله وهو إهانة للمولى.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
() قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ والنبويِّ: “جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ووجوب الإزالة فوريٌّ، فلا يجوز التأخير بمقدارٍ ينافي الفور العرفيّ(1).
قد يُشكَّك في ذلك فيقال: افرضوا وجود رواية تقول: (أزل النجاسة عن المسجد)، فإنَّنا قرأنا في علم الأصول أنَّ الأمر لا يقتضي الفور.
لكن قد توجد قرينةٌ عامةٌ عرفيَّةٌ، تقترن مع الأمر؛ فتوجب ظهوره بالفور.
فإنَّ الأمر قد ينشأ تارةً: من المصلحة بالمأمور به، مثل (تصدق على الفقير بدرهم)، فإنَّه يُقال: إنَّ هذا أمر بالجامع، وللجامع أفرادٌ طوليَّةٌ وعرضيَّةٌ، وكُلُّها وافيةٌ بالمأمور به، والمولى لم يرد إلا الجامع، فلا بأس أن أُطبِّقه على الفرد الطوليّ الثاني أو ما بعده، فلا يكون الأمر مقتضياً للفور.
وأخرى: بفرض أنَّ الامر ينشأ من المفسدة في ترك المأمور به لا من المصلحة في فعله، والمفسدة في الارتكاز العرفيِّ انحلالية، كما هو الحال في (أزل النجاسة) فإنَّ ملاكه ليس هو مصلحة الإزالة، بل التخلُّص من المفسدة الثابتة لولا الإزالة، وكل آنٍ هو مفسدة في نفسه في وجود النجاسة، وحينئذٍ ينعقد للأمر ظهور بالفورية ويتعيَّن الحكم بها.
وهذا التقريب – في الحقيقة- مبنيٌّ على مجموع ارتكازين:
الارتكاز الأوَّل: استظهار أنَّ (أزل النجاسة) بلحاظ المفسدة في الترك لا
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 84، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في أحكام المساجد، المسألة (2).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بلحاظ المصلحة في الفعل.
الارتكاز الثاني: انحلالية المفسدة، يعني أنَّ كلَّ قطعة منها تكون مورداً للمفسدة في كلِّ فرد طولي أو عرضي.
وهذا ضابط نوعي في كلِّ أمر من هذا القبيل.
إلّا أنَّ هذا كُلّه مجرَّد فرض؛ لأنَّه لم يرد دليل بلفظ: (أزل)، وإنّما المدرك هو الإجماع والارتكاز، وهو بلحاظ احترام المسجد، فيكون مقتضياً للفوريّة بلحاظ ضمِّ ذينك الارتكازين.
بل لا يجوز إدخال عين النجاسة فيها – وإن لم تكن منجِّسةً- إذا كانت موجبةً لهتك حرمتها، بل مطلقاً على الأحوط(1).
هل يجوز إدخال النجاسة إلى المسجد إذا لم تكن سارية إليه، كما لو وضع الدم في وعاء مغلق ودخل به المسجد.
أفتى المصنف بالحرمة مع فرض الهتك، باعتبار أنَّ إهانة المسجد إهانة لمن أضيف إليه، وإهانة المولى غير جائز.
وأما إذا لم ينطبق عليه هذا العنوان فهل هناك ما يدلُّ على عدم جوازه؟ قد يُستدلُّ على ذلك بعدّة وجوه:
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 84، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة (2).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والجنابة في اصطلاحات المتشرعة وإن كانت في مقابل النجاسة، ولذا يُعبَّر عنها بالحدث وعن النجاسة بالخبث، إلّا أنّه اصطلاح متشرعي متأخر، وأمَّا في صدر التشريع -حين نزلت الآية التي تنهى الجنب عن الكون في المسجد- فلم يكن الاصطلاح ثابتاً، والعرب لم يكونوا يفهمون منها إلا النجاسة، وإنما سمي الجُنب جُنباً باعتبار كونه مضافاً إلى النجاسة وتؤأماً معها. فعدم دخوله في المسجد باعتبار كونه حاملاً للنجاسة – ولو بالعناية- فيكون دالاً على أنَّه لو كان حاملاً لغير ذلك من النجاسات أيضاً لا يجوز أن يدخل المسجد.
إلا أنَّ الاستدلال، بذلك غير صحيح، لأنَّنا إذا سلَّمنا أنَّ الجنابة فرد من النجس، إلَّا أنَّ التعدِّي منه إلى غيره من أفراد النجس بلا موجب مع احتمال الفرق بينهما. بلحاظ أنَّ هذا الفرد ثبتت له آثار أخرى كالغُسل، فالتعدِّي منه إلى غيره يحتاج إلى دليل.
وفي النجاسة الواردة فيه احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: أن يكون المراد من النجاسة الصفة، أو حالة الشيء.
الاحتمال الثاني: أنَّه أُريد بها الموصوف.
ومعه يمكن الاستدلال بالنبويّ بأحد أساليب ثلاثة:
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إنَّ الاستدلال به مبنيٌّ على الاحتمالين:
فإن قلنا إنَّ المراد بالنجاسة الصفة بمعناها الحقيقي، فالرواية غاية ما تدل عليه: لزوم أن لا تكون صفة النجاسة موجودة في المسجد، وهو معنى حرمة تنجيسه واتصافه بها، لا أنّه لا يجوز إدخال جسم متصف بهذه الصفة في المسجد.
وأما بناء على الاحتمال الثاني فقد يُقال: إنَّ الاستدلال يكون تاماً لأنَّ البول ذات واجدة للصفة فيجب تجنيب المسجد وإبعاده عنه، وهو معنى حرمة إدخال النجاسة إلى المسجد، ولو لم تكن سارية. فيكون الاستدلال مبنيَّاً على تحقيق الاحتمالين.
وحينئذٍ يُقال: إنَّ الإجمال يكفي لإسقاط الاستدلال بالرواية إن لم يُدَّعَ الظهور بالمعنى الأوَّل الحقيقي، فإنَّ العنائي محتاج إلى عناية زائدة.
إن الاستدلال بالرواية تامٌّ على كلا الاحتمالين:
أما على الاحتمال الثاني فكما قلناه.
وأما بناء على أن يكون المراد من الصفة معناها الحقيقي، فأيضاً كذلك.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 279، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة (2).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بدعوى أنَّ المأمور به تجنيب المسجد عن القذارة يعني جعله بعيداً عنها، ومن الواضح أنَّ ابتعاده عنها لا يكون بمحض أنه لا يتقمص المسجد هذه الصفة، بل لا بُدَّ أن يُبعدِوا النجاسة عن المسجد.
ولذا لا يقال عن المسجد المليء بالأعيان النجسة غير المسرية أنه متجنب عن النجاسة.
إن الاستدلال لا يتمُّ على كلا الاحتمالين.
أما بناء على الاحتمال الأوَّل فبالنحو الذي قيل في الأسلوب الأول.
وأمّا بناء على أنَّ المراد عين النجاسة، فأيضاً يُقال: إنَّ الأمر بتجنيب المسجد عن الذات لا يدلُّ على أكثر من النهي عن تنجيسه بها، بدعوى أنَّ التجنُّب عن كلِّ شيء بحسبه، بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة عرفاً. فالتجنُّب عن الرمان ليس معناه عدم الجلوس في مكان فيه رمان بل عدم الأكل منه، فإذا قيل تجنب عن البول يعني لا تتنجس به؛ لأنَّ حيثية التنجيس هي الحيثية المركوزة، فكذلك بالنسبة إلى المسجد.
وكل البيانات الثلاثة، لا موضوع لها لضعف الرواية.
حيث علَّل بكون المشركين محكومين بالنجاسة، وبمقتضى قانون التعليل يُتعدَّى من المشرك إلى كلِّ نجس آخر، ويحتاج إلى تعدٍ آخر من المسجد الحرام إلى غيره لعدم القول بالفصل أو لعدم احتمال الفرق.
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ولا ينبغي أن يُشكَل على الاستدلال بهذه الآية أنَّ التعدِّي(1) من المشرك إلى غيره غير ممكن لاحتمال كونه أشد نجاسةً من غيره؛ لأنَّ لصاحب هذا الاستدلال أن يقول: إنَّ العلَّة في الحكم مذكورة في الآية وهي النجاسة، فيكون التعدِّي على القاعدة.
وليس الخطاب في الآية للمشرك نفسه ليقال: إنَّه كيف يمكن التعدي إلى غيره من النجاسات مع أنَّ البول لا يُخاطب، وإنما الخطاب للمؤمن إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ، إذن فكل نجس يمكن أن يُخاطب المؤمنون بإزالته عن المسجد.
إلّا أنَّ الاستدلال بالآية غير ممكن:
أولاً: لما ذكرناه من أنَّ (نَجَس) ليس بمعنى النجاسة الشرعيَّة الاصطلاحية، بل بمعنى القذارة المعنوية، فلا يمكن التعدِّي إلى غيره من النجاسات الحكمية.
وثانياً: أنّه يمكن القول: إنَّ الميزان هو قوله: إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ، حيث يعتبر كله عبارة عن النجاسة، وهي مرتبة عالية من القذارة، ويحتاج إثبات هذه المرتبة إلى النجاسات الأخرى إلى قرينة فضلاً عن المتنجسات.
فالظاهر عدم وجود دليل على إدخال النجاسة غير المتعدية إلى المسجد.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
(1)المصدر نفسه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 3: وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائيٌّ، ولا اختصاص له بمن نجّسها أو صار سبباً، فيجب على كلِّ أحد(1).
تحصّل مِمَّا سبق أنَّ لدينا خطابين: أحدهما: حرمة تنجيس المسجد، والآخر: وجوب تطهيره.
أما الخطاب الأول، فلا إشكال أنّه انحلالي بعدد أفراد المكلفين.
وأمّا وجوب التطهير: فتارةً تقع النجاسة من غير أن تستند إلى شخص بعينه. وأخرى يكون مستنداً إلى شخص معيّن يكون هو النجس.
أمَّا في الفرض الأوَّل فلا إشكال أنَّ وجوب التطهير وجوب كفائي، وأنَّ التنجيس يُتصور على أنحاء:
فمرَّةً: يحدث بفعل الطبيعة، كما لو خرّ طائر إلى أرض المسجد، أو بال فيه حيوان: هرّة أو غيرها.
وأخرى: يفرض حدوثه من ناحية الإنسان.
وعلى هذا:
مرَّةً: يكون نُشؤها اختيارياً، كما لو نجس المسجد عالماً عامداً.
وأخرى: غير اختياري، كما لو رعف أنفه فأصاب أرض المسجد.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 84، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في أحكام المساجد، المسألة (3).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
لا إشكال أنَّ القسم الأوَّل لا يختصّ به مسلم دون مسلم، إذ لا موجب للوجوب العيني على البعض دون البعض، لأنَّ نسبة النجاسة إلى الجميع على حد واحد، كما لا دليل على الوجوب العيني على الجميع، بل توجد مصلحة واحدة يفي بها عمل بعضهم على سبيل الترديد، فيكون الخطاب كفائياً، والمراد به الوجوب الذي يشتمل على نكتتين:
النكتة الأولى: أنّه لا يختصّ ببعض المكلّفين دون بعض وإنما نسبته إلى الجميع على حد واحد، في مقابل الوجوب المختص ببعض أفراد المكلفين.
وهذه النكتة دليلها واضح؛ لأنَّ اختصاص الوجوب التعييني ببعض الأفراد على خلاف إطلاق الدليل سواء كان لُبِّيَّاً أو لفظيّاً:
أما اللُّبِّيّ: فالاختصاص على خلاف الارتكاز في نفسه، فإنَّ نسبة ما هو المركوز إلى المكلفين على حد واحد.
وأمّا الدليل اللفظيّ: فإنَّه لم يُقيَّد ببعض دون بعض.
والنكتة الثانية: أنَّ هذا الوجوب لو أمتثله بعض المكلفين يسقط عن البعض الآخر وهذه النكتة أيضاً لا إشكال فيها فإنَّ متعلق الحكم بوجوب التطهير أحد أمرين: إمَّا هو نفس عنوان التطهير أو هو نتيجة العمل وهي أن يكون المسجد طاهراً.
فإن كان متعلق الوجوب هو النتيجة، فهذا الدليل وإن كان متوجهاً إلى الجميع على حد واحد، فهنا وجوبات متعددة بعدد أفراد المكلفين، لكن من المعلوم أنه إذا طهّره أحدهم فإنه يرتفع موضوع الوجوب؛ لأنَّ النتيجة
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
حصلت، ولا معنى للتكليف بها بعد ذلك، فإنَّه من تحصيل الحاصل.
وإن كان متعلق الوجوب هو نفس عملية التطهير فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّ المخاطب بهذا الوجوب ليس هو كلُّ فرد فرد بنحو التعيين والإطلاق، بحيث يجب على كلِّ واحد سواء طهَّر غيره أو لم يطهِّر، وإلا لزم على كلِّ واحد أن يمنع غيره من التطهير ليطهر هو، مع أنَّ هذا لا يجب بلا إشكال.
فلا بُدَّ من الالتزام بوجوبات مشروطة (إن لم يطهر الآخرون) أو الالتزام بأنَّ الوجوب على جامع المكلفين على صِرف وجود المكلفين، وهو معنى الوجوب الكفائي.
وبما ذكرناه يتضح أنَّ المقصود من الوجوب الكفائي ليس هو أن يكون وجوب واحد متعلق بجامع واحد بحيث لا يكون انحلالياً، بل عرفنا أنه على بعض الوجوه يكون انحلالياً وعلى بعضها لا يكون انحلالياً، ولكن النكتة المطلوبة حاصلة وهو سقوط التكليف بامتثال البعض.
وأمّا إذا وقعت النجاسة من ناحية فعل المكلف، فهنا أيضاً لا ينبغي الإشكال بالوجوب الكفائي، بالمعنى الذي تقدم، وإنما الإشكال في أنَّه هل يثبت وجوب زائد على ذلك في حق المنجِّس خاصة أو لا؟ فيكون الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليين، خطاباً خاصّاً بالمنجِّس وخطاباً كفائيّاً إلى الآخرين، بحيث لو لم يطهّر المسجد أحدٌ فهو يُعاقَب العقابين بلحاظ عصيان الوجوبين، وغيره يُعاقَب بعقاب واحد.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
هذا الذي ينبغي أن يكون محلّاً للبحث، لا أنَّ الأمر دائر بين الوجوب الكفائي والعيني، إذ معناه أنه يحتمل أنَّ هذا المؤمن يجب عليه تطهير المسجد ولكنه لو عصى لا يجب تطهيره على أحد، وهو غير محتمل في تمام الأدلَّة اللبية واللفظية. فهل يمكن إثبات هذا الوجوب الزائد بدليل أو لا؟
هنا دليلان: دليل وجوب التطهير، ودليل حرمة التنجيس.
أمَّا دليل وجوب التطهير، فلا يمكن إثبات الوجوب الزائد به، كما هو واضح، فإنَّه خطاب للمؤمنين لفظاً وارتكازاً، ولا يستفاد منه أكثر من وجوب واحد نسبته إلى تمام آحاد المكلفين على حد واحد.
وإمَّا دليل حرمة التنجيس، فقد يقال: بإمكان استفادة هذا الوجوب الزائد منه. وذلك بدعوى: أنَّ متعلق دليل حرمة التنجيس ليس هو نفس عملية التنجيس، بل هو النجاسة المستندة إلى المكلّف، أي أن يتنجَّس المسجد بفعل المكلَّف، وهذا الأمر له بقاء وامتداد بامتداد وجود النجاسة، وكِلاهما مستند إلى فعل هذا الشخص، فإنَّه هو الذي نجَّس المسجد في الساعة الأولى وفي الساعة الثانية، فقد أوجد نجاسات طويلة وكُلَّها محرمة عليه.
ومن هنا لو أنَّ شخصين تعمَّدا تنجيس المسجد، لكن أحدهما يعلم أنَّ تنجيسه يرتفع بعد دقائق بنزول المطر مثلاً والآخر يعلم أنَّ تنجيسه سوف يبقى في المسجد.
لا إشكال أنَّ المركوز في ذهن المتشرعة أنَّ الثاني أشد جرماً من الأول،
ــــــــــ[173]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وليس ذلك لحساب نفس عملية التنجيس لأنَّها صدرت منهما على حد واحد، بل باعتبار الحصص الطولية للنجاسة، وهذا يؤكِّد أنَّ متعلق الحرمة ليس هو نفس عملية التنجيس بل هو كون المسجد متنجساً.
وحينئذٍ يُقال: إنَّ هذه النجاسة بوجودها البقائي تكون محرمة عليه، بحيث لو بقيت ولم يزلها لكان قد عصى خطاب حرمة التنجيس أيضاً، وهذا الخطاب خاصٌّ به، لأنَّ بقاء النجاسة فعل له.
وهذا بيان عرفي صحيح، لكنه يختصّ بما إذا كان المسجد نجساً بفعله عمداً، لا ما إذا رعف وسقط الدم على أرض المسجد قهراً.
نعم، هناك كلام آخر وهو أنه بمناسبات الحكم والموضوع المركوز في الأذهان العرفية: أنَّ كون شخص هو المصدر للنجاسة والمسبب لها وإن لم يكن باختياره، يوجب عهدة ومسؤولية بالنسبة إليه.
وهذا لو أمكن ادّعاؤه فإنَّه يثبت بالسيرة العقلائيَّة ونحوها. لا بدليل حرمة التنجيس ونحن نريد استفادة الحكم منه، وهو لا يكون إلّا إذا كان الحدوث داخلاً تحت الاختيار.
المسألة 4: إذا رأى نجاسةً في المسجد وقد دخل وقت الصلاة يجب المبادرة إلى إزالتها مقدّماً على الصلاة مع سعة وقتها، ومع الضيق قدّمها، ولو ترك الإزالة مع السعة واشتغل بالصلاة عصى ترك الإزالة، لكن في بطلان صلاته
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إشكال، والأقوى الصحّة. هذا إذا أمكنه الإزالة(1).
يقع الكلام في هذه المسألة ضمن عدَّة فروع:
إذا دار الأمر بين الاشتغال بالإزالة، وبين الاشتغال بالصلاة، بحيث إذا أزال النجاسة تفوت الصلاة جزماً.
لا إشكال في تقديم الصلاة على الإزالة، ولو ترتَّب فوت الإزالة، من دون فرق بين أن يكون طرف المزاحمة مع الصلاة فورية الإزالة، أو أصل الإزالة.
فالأوَّل: كما لو كان يعلم أنه لو صلَّى فإنَّه يتمكن من الإزالة.
والثاني: كما لو علم أنه سوف لن يقدر على الإزالة بعد الصلاة.
وفي كِلا الفرضين ينبغي القول بتقديم الصلاة على الإزالة، بتقريبين:
التقريب الأوَّل: أن نعامل الصلاة والإزالة معاملة المتزاحمين، ونطبِّق عليهما قانون باب التزاحم وهو تقديم معلوم الأهمية بل محتمل الأهمية على غيره، كما ذكرناه في محلِّه(2).
ولا ينبغي الاستشكال في أنَّ الصلاة معلومة الأهمية بالنسبة إلى الواجب الآخر، وهو أصل الإزالة فضلاً عن فوريتها، إلّا في فروض نادرة كما لو كانت
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) بحوث في علم الأُصول 7: 87ـ 90، تعارض الأدلّة الشرعية، القسم الأوَّل التعارض غير المستقرّ، مرجحات باب التزاحم، الترجيح بالأهمّية.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
النجاسة في المسجد الحرام بحيث توجب هتكه وزوال حرمته، وهي فروض نادرة غير منظورة في المسألة. فالصلاة أهم باعتبارها أحد أركان الدين ودعائم الإسلام.
التقريب الثاني: أنَّ النوبة لا تصل إلى التقريب الأوَّل وفرض المزاحمة، فإنَّ تزاحمهما فرع أن يكون لدليل وجوب الصلاة والإزالة إطلاق تامٌّ يشمل حتى هذه الصورة على فرض القدرة، ويكون التزاحم من باب ضيق قدرة المكلّف عن الامتثال.
وفي المقام ليس الأمر كذلك، فإنَّ دليل وجوب الصلاة لا شك كونه مطلقاً، لكن دليل وجوب الإزالة أو دليل فوريتها، فمهم دليله هو الإجماع والارتكاز وهو ليس له لسان حتى يتمسك بإطلاقه، بل القدر المتيقن منه هو ما إذا لم يَبْتَلِ المكلّف بمحذور آخر، من الناحية الشرعية، فيكون عذراً شرعياً عن الإزالة، وهذا الفرد لم يثبت حرمته شرعاً حتى يقع التزاحم بينه وبين وجوب الصلاة، ومعه فيثبت وجوب الصلاة بلا إشكال.
هذا هو تمام الكلام في الفرع الأول.
إذا كان وقت الصلاة واسعاً بحيث يزيل النجاسة عن المسجد ثُمَّ يُصلِّي، لا شكّ أنَّ الحكم التكليفيّ في مثل ذلك إِنَّما هو تعيُّن الإزالة؛ لأنَّ الاشتغال بالصلاة مع وجود بدلٍ له مساوٍ في الخصوصيات ليس عذراً شرعياً، فيدخل في القدر المتيقن من الإجماع والارتكاز، وهو حرمة ترك الإزالة لا لعذر شرعي،
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ولا يمكن أن يزاحم ذلك بدليل وجوب الصلاة، لأنَّه لا اقتضاء بالنسبة إلى هذا الفرد، فلا يمكن أن يزاحم دليل وجوب الإزالة الذي يقتضي فعلاً صرف القدرة في امتثاله.
لو عصى وصلَّى وترك إزالة النجاسة على خلاف وظيفته التكليفية، فهل تكون صلاته صحيحة أو لا، تصحيح الصلاة يكون بأحد وجوه ثلاثة:
تصحيحها بنفس الامر الأولي المتعلق بالصلاة، بلا احتياج إلى فرض الترتُّب أصلاً، فإنَّه يوجد عندنا تكليفان:
التكليف الأوَّل: وجوب الإزالة وهو الذي بنى المكلّف على عصيانه.
التكليف الثاني: تكليف آخر بالجامع بين هذا الفرد من الصلاة والأفراد الأخرى.
وهذان التكليفان لا تزاحم بينهما أصلاً، لأنَّ التكليف بالجامع لا يقتضي خصوص هذا الفرد حتى يزاحم الإتيان بالإزالة. فإذا لم يكن بينهما تزاحم أصلاً، فكِلا التكليفين يثبتان في عرض واحد وبنحو الإطلاق، ولا موجب لتقييد أحدهما بعدم الآخر، فتصحُّ الصلاة باعتبارها مصداقاً للجامع المأمور به، والإتيان بالمأمور به يوجب الإجزاء ويسقط الأمر بالامتثال.
وهذا الوجه يتوقف على القول بإمكان الواجب المعلَّق، فإنَّه لو قيل به كان هذا الوجه معقولاً وصحيحاً وإلا فلا يتم.
ــــــــــ[177]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وتوضيح ذلك: أنَّ هذا الوجوب المتعلق بالجامع بين هذا الفرد الفعلي من الصلاة والأفراد الطولية المتأخرة، غير مقدور الامتثال شرعاً وعقلاً.
فإنَّه إن لُوحِظ الجامع بفرده الفعلي، فهو غير مقدور شرعاً.
وإذا لُوحِظ بأفراده البَعْدِيَّة المُتأخِّرة فهي غير مقدورة عقلاً.
إذن فهذا الجامع ليس له فرد مقدور عقلاً وشرعاً ففرض القدرة على الواجب يكون بعد انتهاء أزل وسقوطه بالامتثال أو العصيان.
ومعه فيدخل المطلب في تلك المسألة، وأنه هل يمكن فرض الوجوب فعلياً مع تأخر القدرة على الواجب بحيث يكون الوجوب فعلياً والواجب استقبالي.
فمن يقول: بإمكان الواجب المعلق أمكنه أن يقول بصحة الصلاة في المقام.
وأما من يقول: باستحالته، وإنّ زمان فعلية الوجوب لا بُدَّ أن تكون توأماً مع زمان التمكن من الإتيان بالواجب، فينبغي أن يستشكل في هذا الوجه، لأنَّ زمان فعلية الوجوب لا يكون توأما مع زمان القدرة، فهذا الوجه لو تم لا يُصار إلى الوجه الثاني، وإن لم يتمَّ بأن قلنا بامتناع الواجب المعلق فينتهى إلى:
وهو تصحيح الصلاة بالخطاب الترتُّبي، فإنَّ معنى عدم قبول الوجه الأوَّل، هو وقوع التزاحم بين (أزل)، وبين الأمر بجامع الصلاة بين هذا الفرد وغيره، فبناءً على إمكان الترتُّب نلتزم بوجود خطابين ترتُّبيين:
ــــــــــ[178]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الخطاب الأوَّل: (أزل).
والخطاب الثاني: إذا بنيت على عصيان (أزل) فأتِ بجامع الصلاة بين هذا الفرد والأفراد البعدية.
أننا لو بنينا على التزاحم وعلى عدم إمكان الترتُّب، كما ذهب إليه صاحب الكفاية(1) – وأنَّ الأمر بالجامع لا يمكن ثبوته عرضياً ولا ترتُّبياً فيمكن تصحيح الصلاة بالملاك، فيقال: إنَّ هذه الصلاة وإن لم يكن لها أمر لكنها واجدة لملاك الأمر وفيها الخصوصيات المولوية المطلوبة. في سائر الأفراد، فيأتي المكلّف بالصلاة بقصد التقرُّب بملاكها.
وهذا الوجه يتوقف على أمرين:
الأمر الأول: أنَّ التقرُّب بلحاظ الملاك صحيح، وهذا ما فرغنا عنه في بحث التعبُّدي والتوصُّلي(2).
الأمر الثاني: أن تثبت صغرى الأمر الأوَّل وهو وجود الملاك في هذه الصلاة، وذلك بحث أصولي كلي: أنّه إذا سقط الخطاب فهل يمكن أن يثبت
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 134، المقصد الأوَّل في الأوامر، الفصل الخامس مسألة الضد، الترتب.
(2) بحوث في علم الأُصول 2: 73، مباحث الدليل اللفظي، بحوث في الأوامر، التعبدي والتوصّلي، المسألة الرابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بقاء الملاك بنفس دليله، كالدلالة الالتزامية -كما قال المحقق العراقي(1)، أو إطلاق المادة كما قال المحقق النائيني(2)– فمن قال بإمكان ذلك يتمُّ المطلب عنده، وأمَّا من أنكر فلا يتمُّ لديه.
إلّا أنَّ هذه الوجوه بيَّناها الآن بقطع النظر عن مسألة أصولية أُخرى وهي أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدِّه ويسلتزمه، وأمَّا إذا قلنا بهذا الاستلزام وأن النهي ولو كان غيريّاً يوجب بطلان العبادة … فسوف تختل هذه الوجوه.
أما الوجه الأوَّل والثاني وهما تصحيح الصلاة بلحاظ الأمر بالجامع العرضي أو الترتبي.. فمن الواضح أنَّ هذا الأمر إِنَّما يصحُّ إذا لم يتعلق النهي بأحد أفراده، وأمَّا إذا تعلق النهي بفرده فلا محالة يتقيَّد إطلاق الأمر، بحيث لا يشمل الفرد المنهي عنه، وهو الصلاة الفعلية المزاحمة مع وجوب الإزالة فلا يبقى أمر بالنسبة إليها.
وأمَّا الوجه الثالث وهو التقرُّب بالملاك فهو أيضاً لا يتم، لو قلنا بأنَّ الأمرَ الغيريَّ يوجبُ المُبعِّديَّة على حدِّ النهي النفسي، وما يكون مُبعِّداً لا يُعقل أن يكون مُقرِّباً.
نعم، الأقوى الصحة باعتبار أنَّ اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدِّه غير صحيح، والوجه الأوَّل والثاني صحيحان.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
(1) لاحظ مباحث الأصول 4: 568، الأصول العملية، قاعدة لا ضرر، مشاكل تطبيقية.
(2) فوائد الأُصول 1: 324ـ 326، المقصد الأوَّل في الأوامر، القول في اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه، تفصيل الكلام في التزاحم، المقام الثالث..
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأمّا مع عدم قدرته مطلقاً أو في ذلك الوقت، فلا إشكال في صحّة صلاته. ولا فرق في الإشكال في الصورة الأولى بين أن يصلّي في ذلك المسجد أو في مسجدٍ آخر. وإذا اشتغل غيره بالإزالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقّق الإزالة(1).
1- “وأمّا مع عدم قدرته مطلقاً أو في ذلك الوقت، فلا إشكال في صحّة صلاته“:
باعتبار أنه عاجز عن الإزالة فلا يكون خطاب (أزل) شاملاً له، حتى يقع التزاحم بينه وبين وجوب الصلاة.
2- “ولا فرق في الإشكال في الصورة الأولى بين أن يصلّي في ذلك المسجد أو في مسجدٍ آخر“:
لأن الصلاة إِنَّما يقع فيها إشكال -لا باعتبار وقوعها في شخص ذلك المسجد بل- باعتبار المزاحمة مع وجوب الإزالة وهي لا يفرَّق فيها بين الصلاة في نفس المسجد أو في مسجد آخر.
3- “وإذا اشتغل غيره بالإزالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقّق الإزالة“:
ــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 84، كتاب الطهارة، باب النجاسات، فصل: في أحكام المساجد، المسألة (4).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بمقتضى كونه وجوباً كفائياً ولا يجب عليه أن يمنع غيره حتى يطهِّره.
نعم، لو كان غيره إنساناً ضعيفاً يطول تطهيره وكان المصلي قوياً، فلا يبعد عدم جواز الاكتفاء بتطهير الغير لأنَّه يوجب فوات الفورية المطلوبة في التطهير، وإنّما الجواز ثابت فيما إذا كان المتصدي للتطهير قوياً(1).
المسألة 5: إذا صلّى ثُمَّ تبيّن له كونُ المسجد نجساً كانت صلاته صحيحة(2).
ــــــــــ[182]ــــــــــ
() قلت له:
إذا قلنا: بأنَّ المقدمة الموصلة هي الواجبة دون غيرها.
فقال: ليس هذا هو المسلك الوحيد في الاستدلال على حرمة الضد، وإن استدلَّ بعضهم بذلك فقال: إنَّ ترك الضدِّ مقدّمة لضدِّه، فيكون وجوده حراماً إذا كان ضدُّه واجباً، بل هناك مسالك أخرى لا يكون فيها الوجوبُ الغيريُّ هو الوجوب المقدميّ، بل له ملاكات أخرى من قبيل أنَّ من أحب شيئاً أبغض ضدَّه، فلا يكون وجوباً غيريّاً مرتبطاً بالمقدّمة.
أقول: وكأنَّه سلَّم بتمامية المطلب بناءً على مسلك الاستدلال بالمقدّميَّة، وهو أنه لا تكون الصلاة باطلة ولا منهياً عنها؛ لفرض كون تركها ليس مقدّمة موصلة إلى الواجب بعد بناءً المكلّف على تركه، فلا تكون الصلاة منهيّاً عنها، فتقع صحيحة، (المقرر).
(2) العروة الوثقى 1: 84، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة (5).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
لو صلَّى مع سعة الوقت في المسجد، وهو لا يعلم أنَّ في المسجد نجاسة، ثُمَّ اطَّلع على أنَّه كانت هناك نجاسة في المسجد فهل تصحُّ صلاته أو لا؟
والكلام في صحة الصلاة إِنَّما يتوجه لو قلنا في المسألة السابقة بعدم صحة الصلاة، وأمَّا لو قلنا هناك بأنَّ صلاته صحيحة حتى مع العلم بوجود النجاسة -كما هو المختار- لا تصل النوبة إلى الحديث عن فرض الجهل.
وأمّا بناءً على عدم صحة الصلاة مع العلم، فهل تصحُّ مع الجهل أو لا؟
إنَّ الحكم بوجوب إزالة النجاسة عن المسجد، لا بُدَّ من النظر فيه أولاً لنرى أنه هل يكون من سنخ الأحكام الواقعية الثابتة في فرض العلم والجهل معاً، كوجوب الخمس الثابت سواء علم المكلّف بوجود ربح أو لا؟ غاية الأمر أنَّه على فرض عدم العلم يكون مؤمَّناً عن ذلك الحكم الواقعي.
أو أنَّ وجوب الإزالة مجعول من الأوَّل في حقّ العالم بالنجاسة خاصة، فالوجوب الواقعي الأولي غير ثابت بالنسبة إلى الجاهل.
فإن قيل بأنَّ هذا الوجوب يختصّ -في جعله الواقعي- بخصوص العالم ولا يشمل الجاهل، فلا إشكال في الصحة ولا ينبغي احتمال البطلان هنا، حتى لو قيل بالبطلان في المسألة السابقة. لأنَّه حين الصلاة لم يكن مخاطباً بوجوب الإزالة أصلاً.
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهذا الاحتمال ليس بعيداً تماماً؛ لأنَّه لم يتحصَّل لدينا من الأدلَّة السابقة إطلاق لحال الجهل والشك، فإنَّ مُهمَّ الدليلِ كان رواية علي بن جعفر ورواية الحلبي وروايات اتخاذ الكنيف مسجداً والإجماع والارتكاز وكلها لا إطلاق لها.
1- أمَّا رواية علي بن جعفر، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: “سَأَلْتُهُ عَنِ الدَّابَّةِ تَبُولُ فَيُصِيبُ بَوْلُهَا المَسْجِدَ أَوْ حَائِطَهُ، أَ يُصَلَّى فِيهِ قَبْلَ أن يُغْسَلَ؟ قَالَ: إِذَا جَفَّ فَلَا بَأْسَ”(1)، ففرضها فرض العلم بوقوع البول ولا يشمل فرض الجهل.
2- وأمَّا رواية الحلبي التي يقول فيها: “نَزَلْنَا فِي مَكَانٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ المَسْجِدِ زُقَاقٌ قَذِرٌ، فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله، فَقَالَ: أَيْنَ نَزَلْتُمْ؟، فَقُلْتُ: نَزَلْنَا فِي دَارِ فُلَانٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ زُقَاقاً قَذِراً، أَوْ قُلْنَا لَهُ: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ المَسْجِدِ زُقَاقاً قَذِراً، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، الْأَرْضُ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً”(2) ففرضها أيضاً فرض العلم بنجاسة رجله.
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) قرب الاسناد: 205، أبواب الصلاة، في القراءة، ح: 794، الوسائل 3: 411، باب 9 من أبواب النجاسات، ح: 18.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: “سَأَلْتُهُ عَنِ الدَّابَّةِ تَبُولُ فَيُصِيبُ بَوْلُهَا الْمَسْجِدَ أَوْ حَائِطَهُ أَ يُصَلَّى فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُغْسَلَ قَالَ: إِذَا جَفَّ فَلَا بَأْسَ”.
(1) الكافي 5: 122، كتاب الطهارة، باب24، ح: 3، الوسائل 3: 458، باب 32 من أبواب النجاسات، ح: 4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
3- وكذلك روايات اتخاذ الكنيف مسجداً(1).
4- وكذلك الإجماع والارتكاز فإنَّ القدر المتيقن منه هو الوجوب في حق العالم لا الوجوب في حق الشاك ومناسبات الحكم والموضوع لا تأبى عن ذلك لأنَّ الحكم بوجوب الإزالة احترامي بالفهم العرفي، ولا يأبى العرف في الأحكام الاحترامية أن تكون مختلفة في فرض العلم عنها في فرض الشك على خلاف الأحكام الأخرى التي تكون ذات ملاكات واقعية، فإنَّ أصل الوجوب لا يفرق فيه بين العلم والجهل.
إذن فالدليل الاجتهادي من الأوَّل مختص بالعالم وغير موجود بلحاظ الجاهل، فلا ينبغي احتمال البطلان بالنسبة إليه(2).
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() الوسائل 5: 209، باب 11 من أبواب احكام المساجد.
(2) وهنا قال له بعض الأخوان: لعل العلم مأخوذ بنحو المعرفيَّة واقع وجود النجاسة في المسجد.
فأجاب: بأنَّ هذا يحتاج إلى قرينة ولا قرينة.
أقول: قد لا نُعدَم القرينة على ذلك ولو باعتبار أخذ العلم -عادةً وعرفاً- كاشفاً محضاً عن الواقع، ولذا حمل السيد وغيره قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ (البقرة: 187)، على المعرِّفيَّة والكاشفيَّة الصِرفة.
بل قال السيد هناك: بأنَّ الرؤية أُخذت كأنها مرتبة من مراتب الوجود الواقعي، فإذا كان العلم مأخوذاً في روايات مسألتنا فيكون ظاهراً بالمعرِّفيَّة.
مضافاً إلى أنه غير مأخوذ في الروايات أصلاً، بل هي نص بواقع النجاسة … فالدابَّة تبول والرِّجْل تتنجّس في الواقع. فكيف يقال بأخذ العلم في موضوعها.
إلّا أنّه يمكن على مذاق السيد الجواب عن ذلك بطريقين:
الأول: أنَّ مورد الروايات هو مورد العلم بالنجاسة فلا يكون لها إطلاق لغرض الجهل، والعلم وإن لم يكن مأخوذاً في الموضوع، إلا أننا نحتاج إلى دليل على ثبوت الحكم حال الجهل، ولا دليل إلا الإطلاق، وهو غير موجود في الروايات.
الثاني: أنه لا فرق كون الروايات مطلقة فلم يتمَّ شيء منها إمَّا سنداً وإمَّا دلالة، وإنما الدليل الوحيد هو الإجماع والارتكاز، وهو دليل لُبِّيٌّ لا إطلاق فيه، والقدر المتيقَّن منه هو صورة العلم، دون الجهل، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأما لو فرضنا وجود الإطلاق للجاهل، فحينئذ ينفتح باب للكلام في أنَّه هل يبطل أو لا؟ بعد فرض البطلان حال العلم.
وهنا لا بُدَّ أن نلتفت إلى مدرك البطلان المفروض في المسألة السابقة ما هو؟
فإنَّ وجه البطلان أحد أمور:
الأمر الأوَّل: المناقشة في الوجوه الثلاثة بدعوى أنَّ الوجه الأوَّل والثاني وهو تصحيح الصلاة بالامر العرضي أو الترتبي غير معقول، أمَّا الأمر العرضي فلما قلناه من ابتنائه على الواجب المعلق، فلو قيل بعدم إمكان الواجب المعلق وعدم إمكان الترتُّب فالوجهين الأولين لا يتمان، ونوقش – كذلك- في الوجه الثالث كبرى أو صغرى. فيثبت البطلان.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ومن الواضح أنَّ هذا المدرك لا يأتي في المقام؛ لأنَّ من يستشكل في تمامية الأمر العرضي أو الترتبي هناك إِنَّما هو في فرض التزاحم بين الواجبين، وعدم إمكان التكليف بين المتزاحمين ولو على وجه الترتب، لكن لو فُرض أنَّ أحد التكليفين كان مؤمَّناً عنه، فلا تزاحم أصلاً، فإنَّ التزاحم إِنَّما يكون في عالم الامتثال، فلا بُدَّ ان يكون كِلا التكليفين بمستوى الأمتثال، وأمَّا إذا كان أحدهما غير مستلزم للامتثال بالتأمين عنه بالأصول، فلا تزاحم، ومعه فلا مانع من تعلق الأمر الفعلي بالصلاة.
الأمر الثاني: أو المدرك الآخر للبطلان: أنَّ الصلاة باطلة من ناحية أنَّ الامر بالإزالة يقتضي النهي عن الصلاة، والنهي عنها يوجب بطلانها، لاستحالة اجتماع النهي والأمر فيكون الأمر ساقطاً.
هذا المدرك لا يفرق فيه بين العلم والجهل، إذ في نفس الأمر والواقع كان الأمر بالإزالة موجوداً وهو يقتضي النهيَ الغيريَّ عن الصلاة، فصلاته وقعت محرمةً، والملاك غير معلوم، فتقع الصلاة باطلةً.
الأمر الثالث: أن يقال: ببطلان العبادة من باب أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدِّه، فالصلاة هنا محرمة ولا يعقل اتصافها بالوجوب، والتقرب بلحاظ الملاك، وإن كان موجوداً إلا أنَّه غير ممكن لأنَّ التقرب بالحرام غير معقول.
وفرق هذا الوجه عن الثاني: أننا هناك أبطلنا الوجه الثاني بدعوى عدم إحراز الملاك، وهنا أبطلناه باعتبار أنه لا يمكن التقرب بالحرام وإن كان واجداً لملاك الواجب.
ــــــــــ[187]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
حينئذ يُقال: إنَّ ملاك عدم إمكان التقرُّب بالحرام:
إن كان هو مبغوضيتة المولوية، فإنَّه لا يفرَّق فيه بين فرض العلم وفرض الجهل.
وإن كان ملاكه قبحه عقلاً ومُبعِّديَّته فعلاً، فينبغي أن يُفرَّق فيه لأنَّ الحرام المجهول ليس قبيحاً عقلاً ولا مُبعِّداً من المولى.
هذا تمام الكلام في هذه المسألة، وكان الحديث فيها عن صورة الجهل بمعنى الشكِّ والتردُّدِ الفعلي، أي: أن يكون المكلّف ملتفتاً إلى احتمال وجود النجاسة، ولكنّه لا يبني على وجودها لجريان أصالة الطهارة.
والفرع الثاني أنَّ هذا المؤمن كان عالماً بالنجاسة ثُمَّ نسيها وغفل عنها ثُمَّ صلى.
قال جملة من الآغايون(1) كالسيد الأستاذ(2) وغيره أنّه لا ينبغي الإشكال في الصحة حتى لو قيل بالبطلان في الفرع السابق(3)، لأنَّ البطلان هناك باعتبار
ــــــــــ[188]ــــــــــ
(1) لاحظ مصباح الهدى 2: 28، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات فصل في شرائط صحّة الصلاة، المسألة (5)، والعمل الأبقى في شرح العروة 1: 434، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة…، المسألة الخامسة، ودليل العروة 2: 118، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة، المسألة الخامسة.
(2) فقه الشيعة 4: 60، كتاب الطهارة، فصل وجوب ازالة النجاسة عن المساجد، المسألة الخامسة.
(3) اُنظر: ص182، (إذا صلّى ثُمَّ تبيَّن نجاسة المسجد).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
دعوى أنه كان مخاطباً واقعاً بوجوب الإزالة، وهو ينشأ عنه بطلان العبادة، بـحد التقريبات السابقة.
وأما إذا كان غافلاً وغير ملتفت إلى النجاسة، فالخطاب ساقط واقعاً لعدم قدرته على الامتثال، ومعه فأي محذور في صحة صلاته؟
هذا مبنيٌّ على بحث كبروي ينبغي تحقيقه في مباحث علم الأصول وهو أنَّ الخطابات الشرعيَّة هل تشمل الغافل والناسي؟ ويلحق به الشخص الذي لم يعلم بالنجاسة من أول الأمر، بل اعتقد بعدمها فإنَّ حاله حال الناسي من حيث عدم إمكان التكليف-.
وتوضيح ذلك بنحو الإجمال: أنَّ العجز على قسمين:
القسم الأول: العجز التكويني عن ذات الفعل، كالمشلول الذي لا يستطيع أن يصبَّ الماء على أرض المسجد.
القسم الثاني: أن يكون الفرد قادراً على ذات الفعل لكنّه عاجز من الانبعاث عن بعث المولى وتحريكه: كالناسي والغافل؛ لأنَّ تكليف المولى غير واصل إليه، بل واصل العدم إليه.
وفرقه عن الشاك أنَّ الشاك يمكنه أن ينبعث ولو احتياطاً نحو التكليف؛ لأنَّ التكليف -بوجوده الشكِّي- له محركيَّة ناقصة وهو معنى إمكان الاحتياط، وأمَّا الشخص الذي قطع بعدمه فلا يمكن أن ينبعث عن التكليف لا انبعاثاً قطعياً ولا احتياطياً.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهذه الحالة لا يُفرَّق فيها بين الناسي، أو من اعتقد من أوَّل الأمر بعدم النجاسة، ولا فرق في اعتقاده بالعدم بين كونه ناشئاً باعتبار صغرى التكليف أو باعتبار كبراه … إمَّا بعدم النجاسة أو بعدم الحكم بوجوب الإزالة، فإنَّه أيضاً يستحيل أن ينبعث عن التكليف.
وبهذا اتضح أنَّنا لو قلنا بأنَّ هذا العجز الثاني يكون مانعاً عن الخطاب وإنَّ عدمه قيدٌ فيه، للزم من ذلك عدم شمول الخطابات حتى للمعتقد بعدم الكبرى فضلاً عن الصغرى، ولا بُدَّ أن يلتزم -حينئذ- بالتصويب، فلو قطع المجتهد بعدم الحكم لا يكون الحكم ثابتاً بالنسبة إليه، مع أنَّ فقه الشيعة ليس مبنيَّاً على القول بالتصويب حتى بهذا المقدار، وأنَّ المجتهد سواء قطع بحكمٍ أو شكّ فيه، فأحكام الله محفوظة في واقع الشريعة، لا تتغيَّر بشكّ المجتهد ولا بقطعه بالعدم.
وهذا بنفسه كاشف إنِّيٌّ عن أنَّ القدرة المقابلة للعجز بالمعنى الثاني غير مأخوذة في الخطابات. وإنما المأخوذة في موضوعها هو القدرة المقابلة للعجز بالمعنى الأول، إذ لو أُخذت القدرة الأولى في موضوعها لزم التصويب.
وأما المباني الفنية لهذه المسألة فهي الاستظهار العرفيِّ لا أكثر، وهنا وجوه:
لأن الخطاب الشرعي حين يقول: (يغتسل) أو (صلِّ)، تُبرز هذه الجملةُ الإنشائيةُ مبادئَ هذا الإنشاء على إجمالها، كـ(الإرادة) و(المصلحة) و(المحبوبية)،
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أو ضدَّ هذه الأشياء، وهذه المبادئ من حيث هي هي، يُعقَل أن تكون شاملة للقادر والعاجز، سواء كانت بالمعنى الثاني أو الاوَّل، فلا استحالة في أن يكون العاجز – بقسمَيه- مشمولاً لمبادئ الخطاب، فهناك مصلحة في صدور الفعل من المشلول والمولى يحبُّ ذلك، لكن مع الأسف لا يمكن أن يتحقَّق، وكذلك لا استحالة في جعل هذا الاعتبار في حقِّه، لأنَّ الاعتبار سهل المؤونة.
فلو جمدنا في الخطاب على ذلك: فلا بأس أن نقول بشمول الخطابات للعاجز، غاية الأمر تكون القدرة شرطاً في الامتثال لا في الخطاب الشرعي.
إنَّ هذا الخطاب وإن كان إبرازاً لهذه المبادئ لكن المولى إِنَّما يبرزها بداعي البعث والتحريك لا أنه يقص قصة -مثلاً- ودليل ذلك هو الظهور السياقي.
ومعه يكون من الواضح أنَّ مدلول الخطاب يكون مخصوصاً بخصوص من يمكنه أن يتحرَّك وينبعث. وأمَّا غيره فلا يمكن توجيه الخطاب إليه، فيصير هذا الظهور قرينة على أنَّ مخاطَب المولى هو العبد الذي يمكنه أن يتحرَّك وينبعث بحيث لا يشمل العاجز المشلول؛ لأنَّه لا يمكن أن ينبعث.
ثمُ َّيقع الكلام في مقدار سعة هذه القرينة.
أوَّلاً: فإن كان الإبراز إبرازاً في مقام البعث والتحريك بالفعل، إذن فهو لا يتصور إلّا في حق القادر بالمعنيين فإنَّه هو الذي يمكنه أن يتحرَّك بالفعل.
ثانياً: وإن كان ظهور الخطاب بالتحريك على تقدير وصول الخطاب، فهذا
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
التحريك المشروط لا يصدق على المشلول؛ لأنَّه حتى لو وصل الخطاب لا يتحرك، لكنه يكون صادقاً على غيره، لأنَّ الناسي والغافل والمعتقد بالعدم يمكنهم أن يتحرَّكوا لو وصل إليهم الخطاب.
ومعه فالخطاب لا يكون شاملاً للعاجز الأول، لكنه يشمل العاجز الثاني، وأظهر هذه الوجوه هو الثالث، وهو منتج لذلك، وبهذا يتلخص أنَّ التكليف عامٌّ للعالم والجاهل، بل العالم بالخلاف، إذن فهذا النوع كالسابق فإنَّ التكليف يكون فعلياً، فلا فرق بين فرض الجهل وفرض الغفلة.
وأمّا إذا علمها أو التفت إليها في أثناء الصلاة، فهل يجب إتمامها ثُمَّ الإزالة؟ أو إبطالها والمبادرة إلى الإزالة؟ وجهان، أو وجوهٌ، والأقوى وجوبُ الإتمام(1).
لو التفت إلى وجود النجاسة في أثناء الصلاة سواء وقعت النجاسة في الأثناء أو كانت من أول الأمر، وكان جاهلاً بها ثُمَّ التفت في أثناء الصلاة، فقد يقال: إنَّه يدور الأمر بين محذورين: محذور قطع الصلاة بناء على حرمة قطعها، ومحذور التراخي في الإزالة بناء على وجوب الفورية بنحو يضر بها التشاغل بالصلاة.
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 84، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في أحكام المساجد، المسألة (5).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وطبعاً فرض المسألة فيما إذا لم يكن بالإمكان التوفيق بين الإزالة والاستمرار بالصلاة، كما لو استطاع أن يغسل موضع النجاسة دون بطلان الصلاة، أو كان وقوع النجاسة أثناء التسليم من الركعة الرابعة، فإنَّ الفورية
-على أيِّ تقدير- لا يضرّ بها قول: (السلام عليكم).
وتحقيق الكلام في ذلك: أنَّ هناك ثلاثَ فرضياتٍ بلحاظ ما هو المُتصوَّر في دليل حرمة قطع الصلاة، ودليل وجوب إزالة النجاسة عن المسجد فوراً، وهي كما يلي:
الفرضية الأولى: أن يكون دليلُ أحد الحكمين لفظيّاً، دالّاً على الحكم المطلق، ودليلُ الحكم الآخر لُبِّيّاً لا إطلاق فيه.
الفرضية الثانية: أن يكون دليل كِلا الحكمين لُبِّيَّاً.
الفرضية الثالثة: أن يكون كِلا الحكمين لفظيّاً ذا إطلاق.
أن يُفرَض أنَّ أحد الحكمين قد وجِد له مدركٌ متحصّل من دليل لفظي والآخر ليس لدليله إطلاق، مثلاً: لا دليل على حرمة قطع الفريضة إلا الإجماع بينما دليل وجوب الإزالة دليل لفظي هو أحد الأدلَّة السابقة، أو يفرض العكس(1).
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة 1: 503، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في أحكام المساجد، المسألة الخامسة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ففي هذه الصورة لا إشكال في عدم وقوع التصادم بين الدليلين، لا بنحو التزاحم ولا بنحو التعارض؛ لأنَّه إِنَّما يقع التصادم بين دليلين فيما إذا كان كلٌّ مِن الدليلين متكفِّلاً لجعل الحكم على الإطلاق بنحو يشمل المورد. وأمَّا إذا كان دليل حرمة قطع الفريضة مجملاً، فالقدر المتيقَّن منه ما إذا لم يجد نجاسة في المسجد، فلا يكون مصادماً للدليل الآخر.
أن يُفرَض أنَّ كُلاً من الدليلين لا إطلاق فيه، وكان القدر المتيقن منه غير مورد الاجتماع، فكلٌّ منهما لا يكون دالاً على ثبوت الحكم في المقام: فالمُصلِّي لا دليل على وجوب الفوريَّة بالنسبة إليه، ومن رأى نجاسة لا دليل على حرمة قطع الصلاة بالنسبة إليه.
ومعه نرجع إلى البراءة عن كِلا الحكمين المفروضين.
وعلى تقدير إجمال دليلَي الحكمين، يكون القدر المتيقَّن من كلٍّ منهما غير مورد الاجتماع، فتجري البراءة عن كِلا الحكمين، فقد يُقال: إنَّ له أن يعصي كِلا الحكمين، فيقطع الصلاة، ويتراخى عن الإزالة.
وهذا الإشكال إِنَّما يُتصوَّر في صورة دون صورة، فإنَّه:
تارةً: يقطع المكلّف الصلاة بقاطع غير مربوط بالإزالة، ككلام الآدميين، وبعد هذا يتراخى عن الإزالة، فيكون التراخي بعد القطع، وهناك إشكال في وجوب فورية الإزالة، ولا معنى لجريان البراءة، سواء كان الدليل لفظياً أولبياً فإنَّه غير مصل فعلاً فيشمله الدليل، ولا يحتمل كونه مُصلِّياً سابقاً أو قاطعاً
ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
صلاته مِمَّا له دخل في الموضوع.
والصورة الأخرى: أن يفرض أنه يقطع صلاته ويتراخى عن الإزالة بعمل واحد، فلو كان يصلي والنجاسة إلى يمينه فهو يقطع صلاته بالمشي إلى اليسار فتنقطع صلاته بالفعل الكثير ففي الآن الذي يصدق أنه فعل فعلاً كثيراً يحصل أمران: أحدهما قطع الصلاة، والآخر: التراخي عن الإزالة، لا أنَّه يتحقَّق القطع أولاً ثُمَّ التراخي، ثانياً: كما كان في الصورة الأولى. ففي هذه الصورة يقع الإشكال من حيث جريان البراءة عن كلا الحكمين باعتبار أنَّ القدر المتيقن من حرمة القطع غير صورة الابتلاء بالنجاسة والقدر المتيقن من دليل الفورية هو غير صورة الاشتغال بالصلاة، وهذا لا زال مصلياً إلى حين تراخى.
غاية الأمر أنَّنا نعلم بارتكاز متشرعي أنَّ الحكمين لم يرتفعا بالمرَّة، بحيث يجوز له قطع الصلاة وعدم المبادرة إلى الإزالة، فإنَّه لو فعل ذلك لم يكن جائزاً بالارتكاز المتشرعي، ويكون هذا الارتكاز دليلاً على حرمة الجمع بين الأمرين، وعلى وجود حكم مهمل مردد بين أن يكون هو الحكم بوجوب أحدهما تعييناً أو هو وجوب أحدهما تخييراً. فيدخل المقام في مسالة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فتجري أصالة البراءة عن التعيين في كلا الحكمين وتكون النتيجة هي التخيير.
إلّا أنَّ هذا الكلام هو بقطع النظر عن جريان الاستصحاب في المسألة، وإلا فيمكن بالاستصحاب تعيين أحد الحكمين بالخصوص.
فلو كانت النجاسة طارئة في أثناء الصلاة وكانت حرمة قطع الصلاة ثابتة
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
في أول الأمر وإنما يشك في ارتفاعها بعد طرو النجاسة، فإنَّ حرمة قطع الصلاة إن كانت مطلقة لهذا الحال فهي باقية وإن كانت مجعولة في غير هذا المورد فهي مرتفعة، فيستصحب بقاء الحرمة التعيينية لقطع الصلاة، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية(1)، ويكون حاكماً على البراءة الجارية في المقام.
وقد ينعكس الأمر، كما إذا كانت النجاسة موجودة قبل الصلاة وعلم بها في أثنائها، فوجوب الإزالة كان ثابتاً قبل الصلاة بناءً على أنَّ العلم غير دخيل في هذا الوجوب. ونشك في أنَّ هذا الوجوب هل هو مجعول على المقيَّد بما قبل الدخول في الصلاة فيكون مرتفعاً أو أنه مطلق فيكون باقياً، فيجري استصحاب بقاء وجوب الإزالة الفورية ويكون منجزاً لوجوب قطع الصلاة(2).
ــــــــــ[196]ــــــــــ
() لاحظ بحوث في علم الأصول 6: 127، مباحث الحجج والأصول العملية مبحث الاستصحاب، الفصل الثاني، التفصيل بين الشبهات الحكميَّة والموضوعية.
(2) وهنا قال أحد الأخوان: إنَّ المفروض أنَّ الصلاة انعقدت صحيحة حال الجهل، فلماذا لا يجري استصحاب صحتها.
فأجاب: أنكم ماذا تستصحبون هل تستصحبون حرمة القطع الذي تترتَّب عليه الإزالة، فهذا لا دليل على حرمته من أول الأمر؛ لأنَّ الفرض أنَّ الدليل لُبِّيٌّ، أو تستصحبون حرمة القطع الذي لا تترتَّب عليه الإزالة، فهذا لازال حراماً إلى الآن.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا المورد، ومورد وقوع النجاسة في أثناء الصلاة، حيث يقال بجريان الاستصحاب؟
فإنَّه يقال: إنَّه في ذاك المورد لم يكن -قبل وقوع النجاسة- لقطع الصلاة حصتان، بل كان مطلق القطع حراماً، فيستصحب، بخلاف ما إذا كانت النجاسة قبل الصلاة، فإنَّ لقطع الصلاة حصَّتين، ولا يكون استصحاب الحرمة جارياً في كلٍّ منهما كما سبق.
فإن قلت: فكيف يكون القطع الذي تترتب عليه الإزالة مناسباً مع حالة الجهل بالنجاسة؟
فإنَّه يقال: لا منافاة بينهما في الواقع وإن لم يلتفت إلى ذلك المصلي إلا بعد القطع، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أن يُفرض أنَّ دليل كُلٍّ مِن الحكمين لفظيٌّ له إطلاق، والمعروف بينهم(1) أنَّه يصير من موارد التزاحم، بمعنى أنَّه يقع التزاحم بين دليل حرمة قطع الفريضة، ودليل وجوب الإزالة الفوريَّة، فإنَّ كِلاهما شامل للمكلف القادر وهذا المكلّف ليس له إلا قدرة واحدة فيقع التزاحم بين الحكمين، ويُطبَّق عليه قواعد باب التزاحم.
فإن كان أحدهما أهم من الآخر فيلتزم به فعلاً وبالآخر ترتباً بناءً على إمكانه.
وإن لم يكن أحدهما أهم فيلتزم بكلا الخطابين بالترتُّب من كلا الجانبين مشروطاً بعدم الآخر.
إلّا أنَّ الصحيح أنَّ المورد ليس من موارد الترتُّب ويستحيل الترتُّب في
ــــــــــ[197]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 289، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة الخامسة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أمثال المقام، كما أنه ليس من موارد التزاحم ليتطبق عليه قواعده، بل من موارد التعارض.
تحقيق في المقام
وتفصيل الكلام في ذلك: أنَّ مقامنا من قبيل وجوب ذي المقدمة، وحرمة المقدمة، لا من قبيل وجوب الضدَّين المتزاحمين؛ لأنَّه عندنا شيء واجب وهو فوريَّة الإزالة، وهو متوقف -على الفرض- على الفعل الكثير أو استدبار القبلة، وهذا الاستدبار بنفسه مصداق لقطع الصلاة، وقطع الصلاة حرام، فقد وقع الحرام مقدّمة للواجب، كتوقف انقاذ الغريق على اجتياز الأرض المغصوبة، وحينئذٍ:
فتارة: نبني على وجوب المقدمة بالوجوب الغيريِّ، على الإطلاق بتمام حصصها، كما عليه مسلك صاحب الكفاية(1).
وأخرى: على مسلك صاحب الفصول(2) من أنَّ الواجب من المقدمة هو خصوص الحصة الموصلة.
وثالثة: نبني على مسلك من ينكر وجوب المقدمة رأساً.
ــــــــــ[198]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 114، المقصد الأوَّل في الأوامر، فصل في مقدّمة الواجب، الأمر الرابع.
(2) الفصول الغروية: 81ـ 86، فصل في مقدّمة الواجب. ومباحث الأصول2 ق1: 494، الفصل الرابع وجوب مقدّمة الواجب، المبحث الثاني.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مسلك صاحب الكفاية: وجوب مطلق المقدّمة
فإن بنينا على وجوب مطلق المقدمة، فلا إشكال من وقوع التعارض في المقام، باعتبار أنَّ هذا الفعل الكثير بما هو قطع للصلاة يكون حراماً وبصفته مقدّمة لإزالة النجاسة عن المسجد يكون واجباً، فيدخل في باب التعارض لا في باب التزاحم، لأنَّ الحكمين يكونان على مورد واحد.
ومن المعلوم أنَّ الفعل الواحد يستحيل أن يجعل عليه حكمين من قبل المولى، فالتنافي إِنَّما هو بين الجعلين لا من حيث قدرة المكلف، فالمورد من موارد التعارض لا من باب التزاحم ولا معنى للترتب لأنَّ الترتُّب من شؤون التزاحم لا التعارض.
مسلك صاحب الفصول: وجوب المقدّمة الموصلة
وأما بناء على المسلك الثاني وهو وجوب خصوص الحصة الموصلة، فيلتزم بحرمة الجهة الموصلة حرمة فعلية مطلقة، وليست طرفاً للمنافات مع وجوب الإزالة لا بنحو التعارض ولا بنحو التزاحم:
أمَّا التعارض، فلعدم وحدة المتعلق.
وأمَّا التزاحم، فلعدم كونها معجزاً مولوياً عن امتثاله.
وأمَّا الحصة الموصلة، فهي من باب التعارض؛ لأنَّه يجتمع فيها الوجوب والحرمة وهو محال، ولا تكون من باب التزاحم حتى يلتزم بالترتب.
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مسلك إنكار وجوب المقدّمة رأساً
وأما بناء على المسلك الثالث القائل بإنكار وجوب المقدمة راساً فنقول: بأنَّ قطع الصلاة له حصَّتان: موصلة وغير موصلة:
أمَّا الحصَّة غير الموصلة فلا مانع من حرمتها بالفعل حرمة مطلقة غير ترتبية إذ لا منافاة بين حرمة المقدمة غير الموصلة ووجوب ذيها، فلا مزاحمة ولا معارضة بينهما، ولا معنى لتطبيق شؤون التزاحم عليه.
وأمَّا القطع الموصل إلى الإزالة، فلا يرد فيه ذاك الإشكال لأنَّ متعلّق الحكمين مختلف فإنَّ متعلق الوجوب هو الإزالة، ومتعلق الحرمة هو القطع، فقد يقال إنه مورد للتزاحم بين حرمة الحصة الموصلة من القطع وبين وجوب الإزالة، لأنَّه لا يمكنه أن يزيل ويجتنب عن القطع الموصل.
إلا أنَّ هذا التزاحم:
أولاً: لا يعقل فيه الترتب، وثانياً: يرجع بالدقة إلى التعارض.
1- عدم تعقُّل الترتُّب في المقام
أمَّا أنَّه لا يُعقل فيه الترتُّب، فهو واضح، فإنَّ الترتُّب لا يُعقل من أيٍّ من الطرفين.
فإنَّه لا يُعقل الترتُّب من طرف الحصَّة الموصلة بأن يُقال: إنَّ حرمة الحصَّة الموصلة مشروطة بعدم الإزالة فوراً، وذلك بأن يقال: (إذا لم تُزِلْ النجاسة يحرم عليك القطع الموصل). وهذا غير معقول؛ لأنَّه في فرض عدم الإزالة بتعذُّر وجود الحصة الموصلة، فلا معنى لتحريمها على هذا التقدير. وكذلك العكس
ــــــــــ[200]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بأن يكون وجوب الإزالة مقيَّداً بفرض ارتكاب الحصّة الموصلة وعصيان تحريمها هذا غير ممكن؛ لأنَّ فرض الحصة الموصلة هو وقوع الإزالة، فلا معنى للأمر بها على هذا التقدير.
وهذا برهان على الدعوى الأولى(1).
2- دخول المقام في باب التعارض
فإذا امتنع الترتُّب يدخل المقام في باب التعارض لا التزاحم – لإمكان الامتثال لكِلا الحكمين معاً- فإنَّه متى ما أمكن الترتُّب دخل المقام في باب التزاحم ومتى أمتنع دخل المقام في باب التعارض.
توضيح ذلك: أنّه في مقام جعل التكليف يوجد قضيتان:
إحداهما: قضية مشروطة وهي جعل الحكم على المكلّف الجامع للشرائط، كجعل وجوب الحج على المستطيع.
ثانيتهما: قضيَّة فعليَّة منجَّزة وهي فعليَّة المجعول بفعليَّة موضوعه.
وما هو تحت يد المولى في عالم الجعل، إِنَّما هو جعل القضية المشروطة، وهو مفاد أدلَّةِ المولى وخطاباته.
ــــــــــ[201]ــــــــــ
() أقول: قلت له: إن كان المراد من المقدّمة ما كان منها موصلاً فعلاً، فهذا البرهان تام، وأمَّا إذا كان المراد منها ما كان موصلاً اقتضاء أو تقديراً، فلا استحالة بأن يكون وجوب الإزالة مقيداً بفرض ارتكاب المقدمة الموصلة إلى الإزالة اقتضاء أو الموصلة إليها على تقدير امتثال هذا الوجوب. فلم يجب السيد بجواب كافٍ وكأنه أخرّه إلى المستقبل فلا بُدَّ من الانتظار، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأمَّا أنَّه يجب عليه الحجُّ فعلاً فليس تحت نظر المولى ولا مدلولاً لخطاباته، وإنما هو منوط بالواقع الخارجي، وحينئذٍ:
فمتى ما حصل تنافٍ بين نفس القضيتين المشروطتين بما هما مشروطتان فبابه باب التعارض؛ لأنَّ معناه أنَّ هناك تنافياً بين مدلولي دليل المولى.
وأخرى يفرض أنه ليس هناك تنافٍ بين القضيتين المشروطتين بما هما مشروطتان. بل التنافي في فعليتهما خارجاً، كما لو كان عندي مئة دينار إمَّا أن أعطيها لزيد أو أن أعطيها لعمرو، ففعلية وجوب الحج بالنسبة إلى زيد ينافي مع فعليته لعمرو، وهو ليس من باب التعارض؛ لأنَّه ليس تحت نظر المولى ودليله.
بناء عليه نقول: إنَّه إذا وقع التزاحم بين التكليفين كـ(وجوب الصلاة)، أو (وجوب إنقاذ الغريق)، فلا تنافي بين القضيتين المشروطتين، غاية الأمر أنَّ هذا المؤمن ليس له قدرتان، وإنَّما له قدرة واحدة، فإن اشتغل بالصلاة أصبح عاجزاً عن الإنقاذ، فيرتفع موضوع وجوبهِ.
وكذلك العكس على فرض تساويهما في الأهمية، وهذا هو معنى الترتُّب، أي أن يكون كُلّاً من الوجوبين ثابتاً مشروطاً بالقدرة المساوقة لترك الآخر، ولذا قلنا في محلِّه: إنَّ الترتُّب لا يوجب تقييداً زائداً على الخطاب المولويّ، بل نفس التقييد الأولي بالقدرة وعدم وجود العجز العقلي والشرعي.
وأمَّا إذا كان الترتُّب غير معقول، فيكون الجمع بين القضيتين المشروطتين غير معقول، فإنَّ الترتُّب معناه وجود القضيتين المشروطتين، فعدم إمكانه يعني التنافي بين نفس هاتين القضيتين، فيعود إلى التعارض لأنَّه يكون تنافياً بين
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مفادَي الخطابين وهو معنى التعارض.
إذن فالمقام من باب التعارض ويجب تطبيق قواعده عليه دون قواعد باب التزاحم.
فإذا طبَّقنا قانون التعارض؛ فإن فُرضت هناك مزيَّة في أحدهما قُدِّم، فإنَّهما دليلان متعارضان بنحو العموم من وجه، فلو فرضنا أنَّ دليل وجوب الإزالة الفوريَّة هو الآية الكريمة إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ، بناءً على ما وقع من جملةٍ من الأصحاب، فيكون دليلُ وجوب الإزالة قرآنياً، ودليلُ حرمةِ القطع خبرَ الواحد، فيُقدَّم دليل وجوب الفوريَّة.
وإن لم توجد نكتة من هذا القبيل فإنَّهما يتعارضان ويتساقطان، ونرجع إلى الأصول العملية، وهي الأصول التي نقحناها في الفرضية الثانية، فيما إذا كان الدليلان لُبِّيَّيْن، وهي جريان البراءة عن كِلا الحكمين لو لم يجر عن أحدهما استصحاب حاكم.
استشكال صاحب المستمسك
وقد استشكل في المستمسك(1) في جريان الاستصحاب استصحاب حرمة قطع الفريضة – بناء على ما بنى عليه من أنَّ المورد من موارد التزاحم- فاستشكل وقال: إنَّ الشك ليس في مجعول المولى، بل في أنَّ أيّهما أهمّ ليُقدَّم بحكم العقل، فالشك في موازين حكم العقل لا في ما صدر من المولى.
ــــــــــ[203]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 502، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة الخامسة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهو غير صحيح مبنىً وبناءً:
أمَّا مبنىً فلما أوضحناه من أنَّ المقام من باب التعارض لا من باب التزاحم، وأن التنافي بين القضيتين المشروطتين المجعولتين من قبل المولى بما هما مشروطتان، إذن فلا بأس من جريان الاستصحاب، كما في سائر أبواب التعارض.
وأمَّا الإشكال البنائي، فهو أنَّنا لو سلَّمنا أنَّ المورد من موارد التزاحم، فالاستصحاب أيضاً يكون جارياً؛ لأنَّ الشك في حكم المولى لا في حكم العقل، لكنَّه شكٌّ في فعليَّة المجعول لا في الجعل. وبذلك يختلف باب التزاحم عن باب التعارض.
فإنه في مثال الصلاة في الدار المغصوبة من باب التعارض يكون الشك في إطلاق الجعل وضيقه، لعدم إمكان إطلاق كلا الحكمين.
وأما في باب التزاحم فالتنافي بينهما إِنَّما هو بين القضيتين الفعليتين، حيث جعل وجوب الصلاة على المكلّف العاقل القادر، وجعل وجوب الإنقاذ كذلك، والمكلف لا يستطيع امتثالهما معاً.
فهنا لا شك في سعة الجعل، فإنَّ كِليهما مجعول على القادر، والقادر هو من لم يكن عاجزاً تكويناً أو مولوياً بالاشتغال بما هو أهم أو مساوٍ له. لكنَّنا لم نحرز ذلك بل نحتمل أنَّ الصلاة أقلّ أهمية من الإنقاذ.
فإن اشتغلنا بالصلاة، فنشك في تحقق القدرة على الإنقاذ، فإنَّها إن كانت أهمّ أو مساويّة فهي مُعجِّزة عن الإنقاذ.
ــــــــــ[204]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وإن كانت أقلَّ أهمِّيَّة فهي غير مُعجِّزة، فأنَّا أشك في تحقق موضوع الخطاب، ومعناه الشك في فعلية المجعول لأنَّ فعليته تابعة لفعلية الموضوع.
وهذا معناه أنَّه في باب التزاحم إذا شك في أنَّ هذا أهمّ من ذاك أو لا، مرجعه إلى الشك في فعلية مجعول المولى وعدمه، فليس الفرق بين التزاحم والتعارض أنَّ الشك في التعارض شك في قضايا المولى وفي التزاحم شك في قضايا العقل بل في كليهما يكون الشك في قضايا المولى، ولكن في التعارض يكون الشكُّ فيه شكّاً في أصل جعل المولى سعة وضيقاً، وفي التزاحم يكون شكّاً في فعليّة مجعول المولى، والاستصحاب كما يجري في باب التعارض، كذلك يجري في باب التزاحم.
ففي المقام يقال: إذا وقعت النجاسة في الأثناء، وكان المجعول قبل ذلك فعلياً في حق المكلّف لأنَّه كان قادراً على الصلاة، ثُمَّ بعد ذلك يشك في بقاء المجعول لأنَّه لا يعلم أنَّ وجوب الإزالة أهم ليرفع فعلية جعل وجوب الصلاة، فيستصحب.
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 6: إذا كان موضعٌ من المسجد نجساً فلا يجوز تنجيسه ثانياً بما يوجب تلويثه. وكذا مع عدم التلويث إذا كانت الثانية أشدّ وأغلظ من الأولى، وإلَّا ففي تحريمه تأمّل، بل منعٌ إذا لم يستلزم تنجيسه ما يجاوره من الموضع الطاهر، لكنّه أحوط (1).
مسألة أخرى: أنَّ موضعاً من المسجد إذا كان نجساً فهل يجوز لشخص أن ينجس الموضع مرَّةً أخرى أو لا؟ ولهذه المسألة صور:
الصورة الأولى: أن يكون التنجيس لنفس الموضع موجباً لاتساع النجاسة، وهنا لا إشكال في حرمتهِ لأنَّه أحداث للنجاسة.
الصورة الثانية: أنَّه ينجِّسه مرَّةً أخرى بالتلويث بحيث يوجب هتك المسجد، كما لو كان متنجِّساً بماء متنجِّس، ثُمَّ يلوِّثه ببعض الفضلات، ولا إشكال في حرمته للهتك.
الصورة الثالثة: أن ينجِّسه بدون اللوازم السابقة، وتكون النجاسة الأولى على حد واحد، وليس بينهما فرق أصلاً، كما لو وضع إصبعه المتنجِّس على أرض المسجد مع الرطوبة، ثُمَّ يريد أن يضعه مرَّةً أخرى، وهذه الصورة داخلة في محلِّ النزاع.
ــــــــــ[206]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 86، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة السادسة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الصورة الرابعة: أن تكون النجاسة الثانية أغلظ من الأولى، من دون تلويث ولا اتساع، كما لو كان المسجد في الأولى متنجساً بالدم ثُمَّ لاقى المتنجس بالبول، وقلنا إنَّ المتنجِّس بالمتنجِّس بالبول يجب فيه التعدُّد، دون المتنجِّس بالدم، فهذه الصورة أيضاً داخلة في محلِّ النزاع.
الصورة الخامسة: أن يفرض أنَّ النجاسة الثانية ليست أغلظ من الأولى، لكن فيها عين النجاسة، بنحو لا يستلزم الهتك، كبعض المسكرات العطرية ودم الغزال ونحوه.
إذن فالصورتان الأوليان غير داخلتين في محلِّ الكلام، والصور الثلاثة الأخيرة داخلة والحكم بالحرمة فيها مترتب في الخفاء، فلصورة الثالثة أخفى من الرابعة، ولعل الرابعة أخفى من الخامسة، وسنبدأ بالحديث عن الصورة الثالثة.
الصورة الثالثة: ما إذا كانت النجاستان متساويتان من جميع الجهات، بدون تعد ولا هتك.
قد يقال: إنَّه لا بأس به؛ لأنَّ الدليل دلَّ على حرمة تنجيس المسجد، وهذا الجزء من المسجد نجس، والمتنجس لا يتنجس مرَّةً ثانية، فلا يشمله دليل الحرمة.
والوجه في عدم الجواز متوقف على مقدّمتين إن تمّت كِلتاهما ثبت عدم الجواز، وإلا فالمتعيَّن هو القول بالجواز كما بُيِّن.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المقدمة الأولى: أنَّ النجاسة تتعدد بنحو متماثل على حد واحد، فلو لاقى شيء شيئاً مراراً متعددة فإنَّه تحصل فيه نجاسات شرعية عديدة، والمقدمة الثانية: أنَّ دليل حرمة تنجيس المسجد أُخذت النجاسة فيه بنحو (مطلق الوجود) لا بنحو (صرف الوجود)، أي بنحو العامّ الاستغراقيّ الذي ينحلُّ إلى أفراده، فكلّ نجاسة موضوع لحرمة مستقلَّة.
فإذا تمّت هاتان المقدمتان يتعيَّن القول بعدم الجواز، لأنَّ المسجد وإن كان نجساً إلا أنني لو وضعت أصبعي مرَّةً ثانية لحدثت نجاسة ثانية، كما هو مقتضى المقدمة الأولى، والمفروض أنَّ كلَّ فرد من النجاسة حرام، بمقتضى المقدمة الثانية فيكون هذا الفرد حراماً.
وأما لو منعنا المقدمة الأولى، فلا يتمُّ الدليل على الحرمة، لأنَّه لا يحدث بالملاقاة الثانية نجاسة أصلاً، ليحكم بالحرمة.
وكذلك لو سلَّمنا المقدمة الأولى ومنعنا الثانية، فإنَّه حينئذ لا بأس بالملاقاة الثانية، لأنَّ المنهي عنه هو صِرف الوجود وقد حدث وصرف الوجود لا يتكرر، فلا يكون في النجاسة الثانية أي محذور.
وكِلتا المقدمتين غير تامتين:
أما المقدمة الأولى: وهي أنَّ النجاسة متعددة بتعدد الملاقاة، فليس له منشأ إلا دعوى كون مقتضى القاعدة هو عدم التداخل في أمثال المقام، فحيث تعدَّد السبب في المقام يتعدد المسبب وهو حدوث نجاستين.
ولكننا أوضحنا فيما سبق أنَّ مقتضى القاعدة في أمثال باب النجاسة هو
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
التداخل لا عدمه، لأنَّ الكاشف عن وجود النجاسة إِنَّما هو الأمر بالغسل وهذا الأمر غير متعدد جزماً، ومعه فلا كاشف عن وجود نجاسة أخرى في المقام.
أما المقدمة الثانية: وهي أنَّ دليل حرمة التنجيس أُخذت النجاسة في موضوعه بنحو مطلق الوجود لا بنحو صرف الوجود، فهذا يحتاج إلى إطلاق، وأغلب الأدلَّة اللفظيَّة فضلاً عن الدليل اللُّبِّيّ وهو الإجماع لا إطلاق فيه.
فالروايات المتقدّمة كرواية علي بن جعفر في الدابَّة تبول على حائط المسجد، ورواية الحلبي في الزقاق القذر، وروايات جعل الكنيف مسجداً كلها تدل على حرمة التنجيس في الجملة، والقدر المتيقن منها هو صرف الوجود، وأمَّا شمولها للفرد الثاني والثالث، فليس له إطلاق لفظي ليُتمسَّك به، ومعه لا دليل على حرمة الفرد الثاني.
نعم، النبويّ المرسل: “جَنِّـبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ“، لا بأس بالتمسُّك بإطلاقه، فإنَّه كما يشمل الفرد الأوَّل يشمل الثاني والثالث، فتتمّ المقدّمة الثانية، ولكن حيث لم نبنِ على مدركيَّة هذا النبويّ المرسل، لا تكون هذه المقدَّمة تامَّة.
وعليه فالصحيح في الصورة الثالثة هو القول بالجواز.
الصورة الرابعة: أن يُفرض أنَّ الملاقاة الثانية لا تُوجب توسعة في دائرة النجاسة، ولا هتكاً عرفيّاً، ولكن النجاسة التي تحصل بالملاقاة الثانية أغلظ وأشدّ من الأولى، كما لو كانت الأولى نجاسةً دميَّةً والثانيةُ بوليَّةً، بناءً على أنَّه
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
يحتاج إلى التعدُّد، وأنَّ الدميَّة لا تحتاج إليه، كما لعلَّه هو المشهور(1)، فهل يحرم الفرد الثاني؟
يمكن بيان التحريم بأحد وجهين:
الوجه الأول: التمسُّك بنفس دليل عدم الجواز في الصورة الثالثة، ولكن يُدَّعى هنا أنَّ كِلتا المقدّمتين تامَّتين:
أمّا المقدمة الأولى: فلوجود الأمر بالغسل الزائد بلحاظ الملاقاة الثانية، فيكون كاشفاً عن نجاسة زائدة.
وأما المقدمة الثانية: فنقول: إنَّ دليل حرمة التنجيس أُخذت فيه النجاسة بنحو مطلق الوجود، وإن قلنا إنَّ الروايات بلسانها اللفظي ليس لها إطلاق، لكن المُتفاهمَ العرفيَّ منها بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة أنَّ هذه الروايات لو أُلقيت إلى العرف، يفهم منها أنَّ هناك تنافراً بين المسجدية والنجاسة، والتنافر كما هو ثابت في أصل النجاسة كذلك هو ثابت مع زيادة النجاسة.
وهذا الوجه لا يأتي هناك؛ لأنَّ كِلتا النجاستين ضعيفة وليس في الثانية
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) لاحظ شرائع الإسلام 1: 45، كتاب الطهارة، الركن الرابع في النجاسات القول في احكام النجاسات، وتحرير الاحكام 1: 158ـ 161، كتاب الطهارة، المقصد الخامس في النجاسات، الفصل الثاني في الأحكام، والدروس الشرعيَّة 1: 124ـ 125، كتاب الطهارة، احكام النجاسات العشرة، ولاحظ مفتاح الكرامة 2: 144، كتاب الطهارة، المقصد الثالث في النجاسات، الفصل الثاني في الاحكام، التطهير بالماء من النجاسات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مؤونة زائدة في مقام أزالتها، ومعه فلا يستوحش العرف من تعددها.
الوجه الثاني: أنّنا نتصور صورة وهي ما إذا تنجس المسجد بالدم، ثُمَّ نجَّسه شخص بالبول، ثُمَّ غُسِل مرَّةً واحدة، فالنجاسة الباقية بعد الغسلة مستندة في وجودها البقائي إلى البول لا محالة، لا إلى الدم؛ لأنَّ النجاسة الدميَّة تزول بالمرَّة الواحدة، والعرف لا يُفرِّق بين الحدوث والبقاء فكما يحرم إحداث النجاسة كذلك يحرم إبقاؤها.
وهذا الوجه يتمُّ حتى بناءً على أن يكون الموضوع في دليل حرمة التنجيس هو صرف الوجود، فإنَّه لا فرق بين حدوث صرف الوجود وبين بقائه.
الصورة الخامسة: أنَّ الملاقاة الثانية كانت بنحو لا يوجب الهتك ولا انتشار النجاسة، وإنما غاية ما توجب أنَّ المسجد كان متنجساً خالياً من عين النجاسة والآن أصبح متنجِّساً بعين النجاسة.
والحرمة في هذه الصورة مبنيَّةٌ على أن نستفيد من أدلَّةِ المسألة وجود محذورين شرعيين لا محذور واحد، أحدهما: التنجيس، والآخر: التلوُّث بعين النجاسة، ومعه تكون النجاسة الثانية محرمة؛ لأنَّ التنجيس وإن كان واقعاً، إلَّا أنَّ هنا محذوراً آخرَ له حرمة مستقلّة وهو التلويث.
وإن استفدنا من روايات الباب أنَّ المحذور واحد، وهو التنجيس، وهو واقع ولا يتكرَّر مرَّةً ثانية، فلا موجب للقول بحرمة هذا التلويث الزائد.
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وما يمكن أن يكون منشأ لاستفادة محذورين عرضيين أحد أمرين:
الأمر الأول: النبوي المرسل: “جَنِّـبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ“، بناءً على ما فسره جملة من الفقهاء(1) من أنَّ المراد من النجاسة عينها، فيكون تقريب النجاسة العينيَّة إلى المسجد حراماً بحرمة مستقلة.
إلّا أنَّ هذا الوجه غير صحيح: أولاً: لإرسال الرواية، وثانياً: لأنَّنا استظهرنا منها أنَّ الأمر بتجنيب النجاسة إِنَّما هو أمرُ استطراقٍ -بحسب الفهم العرفيّ- إلى صيانة المسجد عن التنجيس، ولذا قلنا إنَّه لا يدلُّ على حرمة إدخال النجاسة إلى المسجد إذا لم تكن متعدِّية.
الأمر الثاني: الآية الكريمة إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ، بناءً على أن يُدَّعى أنَّها تدل على حرمة أن يقترب عين النجس من المسجد الحرام، غاية الأمر أنَّ عين النجاسة غير الكافر لا يكون اقترابه من المسجد إلا بملاقاته.
إلّا أنَّ هذا أيضاً غير تامٍّ لما تقدَّم من عدم دلالة هذه الآية على حرمة التنجيس أصلاً.
إذن فالصورة الخامسة لا دليل على حرمة التنجيس فيها، فالصحيح أنَّ
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1)لاحظ منتهى المطلب 6: 325، كتاب الصلاة، المقصد الخامس، المبحث السادس في الأحكام، فصول في المساجد، فصل ويحرم ادخال النجاسة إليها، وروض الجنان 1: 441، كتاب الطهارة، النظر السادس فيما يتّبع الطهارة، القول في احكام النجاسات، وذخيرة المعاد: 156، كتاب الطهارة، النظر السادس فيما يتبع الطهارة، تجب ازالة النجاسات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الصورة الأولى والثانية لا إشكال فيهما بالحرمة، وفي الرابعة لا يَبعُد القول بالحرمة، وفي الثالثة والخامسة لا دليل على الحرمة.
المسألة 7: لو توقّف تطهيرُ المسجد على حفر أرضه جاز، بل وجب. وكذا لو توقّف على تخريب شيءٍ منه، ولا يجب طمُّ الحفر وتعميرُ الخراب. نعم، لو كان مثل الآجر مِمَّا يمكن ردّه بعد التطهير وجب(1).
تحتوي هذه المسألة على عدّة فروع:
لو استلزم تطهير المسجد لحرام في نفسه، كتخريب شيء منه أو حفر أرضه والإضرار به، فهل يكون التطهير واجباً في هذه الحالة؟
وهذا الاستلزام يتصور على أنحاء:
فتارة: يكون في معنى التطهير الواجب متوقفاً على التخريب، بحيث يكون التخريب الحرام مقدّمة له.
وأخرى: بالعكس بحيث يكون التطهير الواجب علَّةً للخراب، كإيصال الماء إلى أساس حائط المسجد -الذي هو المتنجس-، فيوجب انهدامه.
وثالثةً: يكون الاستلزام باعتبار كونهما معلولين لعلَّة ثالثة، بمعنى أنَّ
ــــــــــ[213]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 86، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة السابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
التخريب والتطهير عرضيان معلولان لجريان الماء مثلاً، وعلى أيِّ حال يصدق عنوان استلزام الواجب للحرام.
ومن هنا فرض الآغايون(1) أنَّ المقام من موارد التزاحم بين الوجوب والحرمة، ولكن بحسب الحقيقة أنَّ الروح الفني لهذه المسألة هو عين الروح الفني لتلك المسألة، فإنَّ كِليهما من استلزام الواجب للحرام، وهناك كان يوجد تنافٍ بين وجوب التطهير وحرمة قطع الصلاة، وهنا يستلزم وجوب التطهير التخريب والإضرار الحرام، فالصيغة الصناعية في المسألتين واحدة.
ومعه، فنواجه أيضاً نفس التقريبات الثلاثة التي تكلمنا عنها هناك، من حيث كون الدليلين لفظيَّين أو لُبِّيَّيْن أو أحدهما لفظيٌّ والآخر لُبِّيٌّ:
فإن كان أحدهما لفظيّاً والآخر لُبِّيّاً قُدِّم اللفظيُّ.
وإن كانا لُبِّيَّيْن كما لعلَّه هو الصحيح، فلا إطلاق لأيٍّ منهما للمورد، فيرجع إلى الأصول العملية.
وإذا كانا لفظيين فالتخريب له حصّتان:
إحداهما: الحصّة المنفصلة عن الواجب، وهي حرام حرمة مطلقة، وليست طرفاً للمزاحمة ولا المعارضة مع الواجب.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
(1) مستمسك العروة 1: 504، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة عن البدن، المسألة السابعة، ومصباح الهدى في شرح العروة 2: 32، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في شرائط صحّة الصلاة، المسألة السابعة، ودليل العروة 2: 124، كتاب الطهارة، فصل يُشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة عن البدن، المسألة السابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وثانيتهما: الحصّة المستلزمة للواجب، وهي معارضته مع دليل الوجوب لا مزاحمة؛ لأنَّ الترتُّب غير معقول، كما قلنا، ومعه فيتساقط الدليلان -إذا لم يكن مرجِّحٌ- ويُرجع إلى الأصول العملية.
نعم، هناك فرق واحد بين المسألتين: وهو أنَّه بعد فرض قصور الدليلين باعتبار اللبية أو التساقط، يرجع إلى الأصول العملية، ويوجد عندنا دائماً هنا استصحاب حرمة تخريب المسجد؛ لأنَّه قبل طرو النجاسة كان التخريب حراماً بلا إشكال فيستصحب حكمه، ولا يمكن إجراء البراءة عن هذه الحرمة، بل تجري البراءة عن وجوب التطهير.
نعم، لو وجدت النجاسة قبل مسجدية المسجد فإنَّه لا يوجد حالة سابقة بالحرمة، ومقتضى القاعدة جريان أصالة البراءة عن كِلا الحكمين، ولكن هذا فرض غير متعارف، ومعه فما ذكره الماتن من جواز الحفر والتخريب بل وجوبه غير صحيح.
إنّه لا يجب طمّ الحفر وتعمير الخراب، فلو بنينا على فتوى الماتن وخرَّبنا المسجد فطهَّرناه، فهل نُعمِّر هذا الخراب، أو ندعه على حاله؟ يقول السيد الماتن: (إنَّه لا ضمان لذلك، بل له أن يتركه ويذهب).
يتبادر إلى الذهن أولاً أنَّ الضمان موجود بمقتضى أدلَّةِ الضمان بالإتلاف، فنحتاج في مقام إثبات عدم الضمان إلى نكتة توضِّح عدم شمول ذلك الدليل لمحلِّ الكلام.
ــــــــــ[215]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وفي مقام تصوير هذه النكتة تذكر عدَّة تقريبات:
أن الضمان بالإتلاف فيما إذا لم يأذن المالك بالإتلاف، وأمَّا لو أذن بذلك فضلاً عمَّا إذا أمر به، فلا ضمان، والمقام من هذا القبيل، فإنَّ إتلاف المسجد كان بإذن الشارع بل بإلزامه، فلا ضمان.
هذا الوجه بهذا المقدار يجاب عنه: أنَّ إذن المالك على نحوين:
الأوَّل: الإذن بالإتلاف المجاني.
والثاني: الإذن بالإتلاف على وجه الضمان.
والأوَّل يسقط الضمان دون الثاني، وفي المقام لا دليل على صدور القسم الأوَّل من الإذن من الشارع؛ لأنَّ الدليل دلَّ على وجوب تطهير المسجد، وهو إذن في تخريب المسجد في الجملة، وأمَّا المجانيَّة فلا دليل عليه، ومعه لا موجب لرفع اليد عن القاعدة التي تقتضي الضمان.
إنَّ قاعدة الإتلاف بالضمان إِنَّما تتمُّ فيما إذا لم يكن الإتلاف لمصلحة المالك، وإلا فلا ضمان، كما لو كان إنقاذ الغريق موقوفاً على إتلاف زرعه، ولو باعتبار ارتكازية قاعدة: (ما على المحسنين من سبيل)(1) وهذا محسن وتطهير المسجد إِنَّما
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) القواعد الستة عشر (كاشف الغطاء): 7، قاعدة أنَّه لا سبيل على المحسن، والعناوين الفقهية 2: 474، قاعدة الإحسان، والقواعد الفقهية (البجنوردي) 4: 9، قاعدة الإحسان.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
كان لاحترام المسجد، إذن فقد خرَّبه هذا الفرد من أجل حرمته، إذن فلا دليل على الضمان.
وقد ناقش السيد الأستاذ في ذلك(1): مُدَّعياً أنّه لا اختصاص بقاعدة الضمان بما إذا كان الإتلاف لا لمصلحة المالك. بل تشمل حتى ما إذا كان الإتلاف لمصلحته أيضاً، إذ لا موجب لتقييده بغير هذه الصورة.
وهذه مناقشة في غير محلِّها؛ لأنَّ دليل الضمان بالإتلاف إمَّا هو السيرة العقلائيَّة أو الأدلَّة اللفظية، وكِلاهما لا إطلاق فيه:
أمَّا السيرة والارتكاز: فأيُّ ارتكاز عقلائي يجيز مطالبة الغريق من الذي انقذه بقيمة زرعه التالف؟َ فإن لم نجزم بكون هذه المطالبة مستنكرة، فلا أقلّ من الشك فيها، فيكون دليل الضمان قاصراً(2).
ــــــــــ[217]ــــــــــ
() التنقيح في شرح العروة 2: 293، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة السابعة.
(2) أقول: قلت للسيد: إنَّ استنكار هذه المطالبة وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّ الهدف لو كان أقلّ من الإنقاذ كانت المطالبة ثابتة.
فأجاب: نعم، كما لو أراد أن ينقذ كتاب الآخر فأتلف زرعه. لكن لو كان الهدف مُهمّاً في نظر المالك بحيث لو كان يمكنه أن يتصدَّى للعمل لأتى بالمقدمة ولأتلف زرع نفسه، ففي مثل ذلك لا تكون المطالبة جائزة عقلائياً.
قلت: نعم، ولكن من أدرانا أنَّ المسجد من هذا القبيل أو ذاك في نظر الشارع؟
فأجاب: لأنَّنا نتكلم بناءً على فتوى المصنِّف من جواز الحفر والتخريب، وإن وجوب التطهير مقدم على حرمة ذلك، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأمَّا إذا كان دليل الضمان لفظياً، فإنَّه لم ترد لدينا عبارة: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)(1) … في رواية معتبرة، وإنما هي قاعدة متصيَّدة من الموارد المتفرِّقة(2)، وأحسن ما أطَّلعنا عليه في الفقه من ذلك: روايات تضمين الأجير كما لو استأجر على خياطة ثوب فأتلفه، فيذكر الإمام: “بِمَا جَنَتْ يَدُهُ“(3) وهي تعطي رائحة التعليل، فكأنه يتصيد من ذلك قاعدة كلية وهي ضمان جناية اليد.
ومن المعلوم أنَّ هذا لا إطلاق فيه لمحل الكلام، أمَّا غير هذه الرواية المعللة، فهي واردة في موارد معينة والتعدِّي منها إلى موارد أخرى إِنَّما يكون بالارتكاز، فإذا لم يساعد الارتكاز فلا موجب للتعدِّي.
وأمّا هذه الرواية المعلّلة فأيضاً لا إطلاق فيها؛ لأنَّه عبر بالجناية وهي لا ــــــــــ[218]ــــــــــ
() جاء في القواعد الفقهية (البجنوردي) 2: 27: (ما اشتهر في الألسن من قولهم (من اتلف مال الغير فهو له ضامن) فلم نجده في كتب الحديث).
(2) جاء في المستند في شرح العروة: 209، كتاب الإجارة، فصل تملك المستأجر المنفعة، المسألة (16): (قاعدة الاتلاف المستفادة من الموارد المتفرقة والملخّصة في العبارة المعروفة (من اتلف…) فإنَّها وإن لم ترد بهذا اللفظ في أي رواية غير أنَّ النصوص العديدة نطقت بأنَّ إتلاف مال المسلم موجب للضمان).
(3) لاحظ الوسائل 19: 141، باب29 من أبواب الإجارة، باب: أنَّ الصائغ إذا أفسد متاعاً ضمنه كالغسّال والصبّاغ والقصّار…. “عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الصَّبَّاحِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عَنِ الْقَصَّارِ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ المَتَاعُ، فَيُحْرِقُهُ أَوْ يَخْرِقُهُ، أَ يُغَرَّمُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، غَرِّمَهُ بِمَا جَنَتْ يَدُهُ؛ فَإِنَّكَ إِنَّما أَعْطَيْتَهُ لِيُصْلِحَ وَلَمْ تُعْطِهِ لِيُفْسِدَ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
تصدق على مثل هذا الإتلاف الذي يعتبر إحساناً وتفضلاً.
وعليه فهذا التقريب لبيان عدم الضمان تامٌّ وصحيح.
وهو ما اختاره السيد الأستاذ، وحاصله(1): أنَّ الضمان في المقام غير معقول لأنَّ الضمان يحتاج إلى ضامن وإلى مضمون له، وحيث إنَّ المختار في المسجد وباقي الوقوف أنه فكّ ملك وليس تمليكاً لفرد ولا لجهة … فلا يكون الضمان معقولاً، وإنّما يكون معقولاً في أموال الناس والجهات، نعم لو قلنا إنَّ المسجد ملك لله عز وجل بحيث تكون ذاته المقدسة موقوفاً عليه أو أنه ملك للمسلمين أو للمصلين أو للصلاة باعتبارها جهة معنوية، صحَّ الضمان، ولكننا لا نقول به.
التعليق الأول: أننا لو سلمنا أنَّ هذا الشيء الذي أتلفناه لا مالك له أصلاً فهل الضمان موقوف على تعقل المالك أو لا؟
تحقيق ذلك مختصراً: أنَّ للضمان تصويرين:
التصوير الأوَّل: أن نقول: إنَّ الضمان عبارة عن اشتغال الذمة بالمال: مثل الشيء أو قيمته.
التصوير الثاني: أن نقول: إنَّه عبارة عن وقوع نفس العين في العهدة، وهي
ــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 294، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة السابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ظرف المسؤولية وهو يستتبع ردَّ نفس العين ما دام ممكناً، وإلا فردّ المثل أو القيمة.
فإن قلنا بالأول: فالضمان لا يتعقل إلا مع فرض المالك لأنَّ شغل الذمة لا معنى، له إلَّا أنَّ شخصاً يملك في ذمته شيئاً فإذا لم يكن له مالك فلا يتعقل الضمان.
وأما لو قلنا بالثاني: فهو معقول حتى في المال الذي ليس له مالك، فلو خُرِّ ب المسجد، يكون ما خرَّبه في عهدته، ولا يحتاج إلى مالك ويكون موجباً لإرجاع المعدوم حقيقة – لو قَبِل الفلاسفة ذلك- أو عرفاً وذلك بتعميره.
إذن فالضمان بالمعنى الثاني لا يتوقف على وجود المالك.
التعليق الثاني: أنَّ حائط المسجد -مثلاً- فيه ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون جزءًا من المسجد ويلحقه نفس ما للمسجد من حكم، فما يقال في المسجد من كونه فكّ ملك كذلك حائطه.
الاحتمال الثاني: أن يكون المسجد عبارة عن المكان المتهيّأ للصلاة والعبادة. والمكان – بقطع النظر عن مفهومه الفلسفي- له معنى عرفي محفوظ مهما طرأت العوارض عليه كحفره أو طمّهِ أو تغير حائطه أو غير ذلك، وما زاد على هذا المعنى الواحد فهو ليس مسجداً وإنما هو موقوف على المسجد، بحيث يكون عندنا وقفان بالحقيقة:
وقف للمكان بالمعنى الذي قلناه، وهو وقف مسجدي.
والآخر وقف على المسجد لملابسات المكان.
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والوقف الأوَّل افرضوا أنه تحرير ملك، ولكن الثاني وقف على المسجد وليس تحريراً.
وقد بيَّنا في بحث الوقف أنَّ كلَّ وقف -عدا المسجد بالخصوص بناء على هذا الرأي- يكون ملكاً للموقوف عليه بالنحو المناسب للوقف.
الاحتمال الثالث: أيضاً يقال فيه: إنَّ المسجدية اعتبار قائم بالمكان فقط وما زاد عنه ملك للمسجد، لكن في الاحتمال الثاني قلنا إنَّه ملك وقفي للمسجد، وهنا نقول إنَّه ملك طَلق له.
وإشكال السيد الأستاذ(1) إِنَّما يتجه على الاحتمال الأول، وأمَّا بناءً على الثاني فضلاً عن الثالث فهو – أي الحائط أو الأرض- مملوك والمالك هو نفس المسجد فيكون هو المضمون له.
ولا ينبغي الاستشكال بعد التأمل في أنَّ الاحتمال الأوَّل ساقط. فإنَّ المسجدية ليست اعتباراً قائماً بالمجموع بل قائم بالمكان نفسه. وهو واضح عرفاً وارتكازاً.
وتنبيهاً على هذا الارتكاز نقول: أنه لو أوقف الأرض مسجداً أولاً ثُمَّ بناها فقد بنى الحائط بعد الوقف فهل يُقال: إنَّ الحائط أوقف مسجداً.
هنا من الواضح في الوجدان العرفيِّ أنَّه لا معنى لمسجدية الحائط إذ لا يمكن الصلاة عليه ولا السجود عليه، فإذا قبلنا ذلك فيما إذا بنى الحائط بعد
ــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 295، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة السابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الوقف نسريه إلى فرض الانضمام، فإنَّنا بالارتكاز لا نرى فرقاً في سنخ وقفية الحائط بين الصورتين، إذن فهذا التقريب لا يتم.
والصحيح هو عدم الضمان بالتقريب الثاني.
إنَّنا لو أخرجنا مفردات البناء بقصد تطهيرها، فهل يجب علينا إرجاعها، أو لا يجب، بل المهم هو تخليص المسجد من النجاسة.
ما يمكن أن يُستدلَّ به على وجوب الإرجاع، أحد وجوه ثلاثة:
ما استدلَّ به جملة من الفقهاء(1)، من الروايات الواردة في باب إرجاع الحصاة ونحوها حين تُخرَج من المسجد، فيقال إنَّ هذا معناه أنَّ مفردات البناء إذا أخرجت، فلا بُدَّ من إرجاعها.
وهذه الروايات لا تخلو من قصور سندي ودلالي، لأنَّ جملة منها واردة في مورد المسجد الحرام والكعبة الشريفة:
1- رواية محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبد الله يقول: “لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أنَّ يَأْخُذَ مِنْ تُرْبَةِ مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً رَدَّهُ“(2).
ــــــــــ[222]ــــــــــ
(1) مصباح الهدى في شرح العروة 2: 33، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في شرائط صحّة الصلاة، المسألة السابعة، الأمر الثالث من تعليقته. ودليل العروة 2: 126، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة، المسألة السابعة.
(2) باب 27 من احكام المساجد وكذا ما بعدها من الروايات، (المقرر). الكافي 8: 118، كتاب الحج، باب 17، ح1، التهذيب 5: 420، كتاب الحج، باب26، ح: 106، الوسائل 5: 231، باب26 من أبواب احكام المساجد، ح: 1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
2- ورواية معاوية بن عمار ورواية معاوية بن عمّار، قال: “قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله: أَخَذْتُ سُكّاً مِنْ سُكِّ الْمقَامِ وَتُرَاباً مِنْ تُرَابِ الْبَيْتِ وَسَبْعَ حَصَيَاتٍ، فَقَالَ: بِئْسَ مَا صَنَعْتَ، أَمَّا التُّرَابُ وَالْحَصَى فَرُدَّهُ“(1) والتعدِّي إلى غيره من المساجد غير ممكن.
وما يمكن أن يدعى فيه الإطلاق: ما كان من قبيل رواية وهب بن وهب، عن جعفر، عن أبيه، قال: “إِذَا أَخْرَجَ أَحَدُكُمُ الْحَصَاةَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلْيَرُدَّهَا مَكَانَهَا أَوْ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ؛ فَإِنَّهَا تُسَبِّحُ“(2).
وهي ضعيفة سنداً بوهب بن وهب(3)، مضافاً إلى أنَّ التعليل فيها لا يناسب الحكم الإلزامي، وإنّما يناسب الحكم الاستحبابي. وكأن المسألة هي
ــــــــــ[223]ــــــــــ
() الكافي 8: 119، كتاب الحج، باب17، ح2، الفقيه 2: 253، كتاب الحج، باب كراهية أخذ تراب البيت، ح: 2334، الوسائل 5: 232، باب 26 من أبواب احكام المساجد، ح: 2.
(2) الفقيه 1: 237، أبواب الصلاة، باب فصل المساجد، ح: 717، التهذيب 3: 256، كتاب الصلاة، باب25، ح31، الوسائل 5: 232، باب 26 من أبواب أحكام المساجد، ح: 4.
(3) رجال النجاشي: 430، باب الواو رقم: 1155، الفهرست (للشيخ الطوسي): 173، باب الواو رقم: 757، ومعجم رجال الحديث 20: 230، باب الواو ـ رقم: 13227.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مسألة تسبيح الحصى وليست مسألة إيصال المال إلى مصرفه.
4- نعم، أحسن رواية في الباب هي رواية زيد الشحام، أخرجها الصدوق في (الفقيه) بسنده عنه، قال: “أُخْرِجُ مِنَ المَسْجِدِ حَصَاةً، قَالَ: فَرُدَّهَا أَوِ اطْرَحْهَا فِي مَسْجِدٍ“(1). ورواها الكليني عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد، عن غير واحد، عن أبان، عن زيد الشحام، إلّا أنَه قال: وَفِي ثَوْبِي حَصَاةٌ(2).
وطريق الصدوق(3) إلى زيد الشحام ضعيف بأبي جميلة، فإنَّه واقع في السند.
وأما طريق الكليني إليه فصحَّته مربوطة بعنوان (غير واحد)، إذ يقال: إنَّه من المستبعد أن يكونوا كلهم غير ثقاة، فيتم سندها.
وأما إذا لم نستبعد ذلك فإنَّها تكون ساقطة سنداً.
وبعد فرض تتميم سندها بالبناء على ما قلناه، يمكن ابداء الفرق بين مورد الرواية والمقام، فإنَّه في الرواية لم يكن مأذوناً بالإخراج بخلاف المقام، فلا يلزم من وجوب الإرجاع في الأوَّل وجوبه في الثاني، والتعدي بلا موجب.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
(1) الكافي 8: 120، كتاب الحج، باب 17، ح4، التهذيب 5: 449، كتاب الحج، باب26، ح: 214، الوسائل 13: 221، باب12 من أبواب مقدّمات الطواف، ح: 5.
(2) المصدر الذي في هامش (168).
(3) الفقيه 4: 426، المشيخة، قال: ما كان فيه عن زيد الشحّام فقد رويته عن أبي ومحمد بن الحسن ـرضي الله عنهما ـ عن سعد بن عبد الله عن محمّد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة، عن زيد الشحّام أبي اسامة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ما ذكره السيد الأستاذ(1) من حرمة التصرُّف بالعين الموقوفة فإنَّه موقوف بالآخرة، إمَّا جزءاً من المسجد أو ملكاً وقفياً للمسجد، والوقوف على ما يقفها أهلها ولا يجوز التصرُّف فيها إلا في حدود شرط الواقف.
إلّا أنَّ هذا لا يخلو من غرابة فإنَّ عدم ردّ الآجر ليس تصرُّفاً جديداً، حيث إنَّ عندنا أمران:
أحدهما: إخراج الآجُر للتطهير، وهو فعل مأمور به ولا تشمله حرمة الإخراج.
ثانيهما: وجوب الرد.
ومن المعلوم أنَّ عدم الرد ليس تصرُّفاً حتى يشمله دليل الحرمة.
والأحسن أن يُقال: إنَّ هذا سنخ إرجاع الملك إلى المالك، فإنَّنا بيَّنا أنَّ المسجد هو المالك، فيكون أخذ المال منه موجباً لدخوله في العهدة، وقلنا إنَّ كونه بأمر الشارع لا ينافي الضمان، وأثر هذا الضمان أنَّ العين ما دامت موجودة يجب إرجاع نفس العين وإن تلفت فيجب دفع بدلها، فيكون بالارتكاز العقلائيّ من سنخ ارجاع المال إلى مالكه بعد البناء على ملكية المسجد، وهذا من شؤون العهدة، هذا هو الكلام في هذا الفرع. وبه ينتهي الكلام في هذه المسألة.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 294، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة السابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 8: إذا تنجّس حصير المسجد وجب تطهيره، أو قطع موضع النجس منه إذا كان ذلك أصلح من إخراجه وتطهيره كما هو الغالب(1).
في هذه المسألة فرعان:
أنه إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره، فكأن حصير المسجد كالمسجد في وجوب التطهير ولو لم يكن في نفسه مسجداً، ويمكن تقريب ذلك بأحد وجهين:
مبنيٌّ على عدم جواز إدخال النجاسة إلى المسجد ولو لم تكن متعدية مع فرض كون المراد بالنجاسة هو الأعمّ من عين النجاسة والمتنجس، فإنَّه لو بنى على ذلك بدعوى التمسك بإطلاق الآية الكريمة أو النبوي المرسل، فلا بأس بالتمسك بمثل هذا الإطلاق لإثبات عدم جواز بقاء الحصير في داخل المسجد بل لا بُدَّ من إخراجه.
وحيث إنَّ من يخرجه عن المسجد يجب أن يُرجعه إليه، فلا بُدَّ أن يطهّره ويُرجعه، فيثبت وجوب التطهير.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 86، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في أحكام المساجد، المسألة (8).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
لكن تقدَّم أنَّ إدخال النجاسة غير المتعديَّة لم يقم دليل على حرمته، وأن الآية والنبويّ لا يدلَّان على ذلك، ولو سلَّم فيختصّ بالعين وشموله للمتنجِّس فرض في فرض.
فهذا الوجه لا يمكن الالتزام بتماميَّته.
أن يُقال: إنَّ حصير المسجد يلحظ تابعاً للمسجد في دليل وجوب تطهير المسجد، فإنَّ تبعية شيء لشيء تختلف باختلاف مناسبات الحكم والموضوع، ففي بيع الدار لا يكون أثاثها وفراشها داخلاً في البيع لأنَّ مناسبات الحكم والموضوع في الملكية لا تقتضي التبعية، بل تعتبر الدار موضوعاً مستقلاً للملكية عن الأثاث.
ولكن بالنسبة إلى بعض الأحكام قد يقال بالتبعية عرفاً كما في النظافة والتطهير ونحوه، فلو قال شخص: كلما دخلت إلى بيت فلان وجدته نظيفاً، وهذا لا يناسب مع قذارة أثاثه كله، فالعرفي يريد ما يشمل الفرش بالتبعية فيكون مشمولاً لدليل تطهير المسجد.
وهذا الوجه لو سُلِّمت التبعية لا ينفع، فإنَّه موقوف على وجود دليل له إطلاق ليُتمسَّك بنظره التبعي، وأنما الدليل هو الإجماع والارتكاز، فهو لا يشمل الحصير.
والفرق بين حرمة نفس المسجد وحرمة حصيره ثابت، فلا يمكن الجزم بالتعدي إليه، فلا بُدَّ من الاقتصار على القدر المتيقن.
ــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ومعه لا دليل على وجوب تطهير حصير المسجد.
نعم، لا إشكال أنه يحرم تنجيس حصير المسجد، لأنَّه تصرُّف -بحسبه طبعه- يتوقع معه المنافاة مع الجهة التي أُوقِف لها وهي الصلاة، وخاصَّة أنَّ طهارة مكان المُصلِّي من الشرائط الاستحبابية الملحوظة في مقام الجعل، وهذا المقدار من المزاحمة مع هذا الحكم غير جائزة.
لو تنجس الحصير وقلنا بوجوب التطهير، فلو دار الأمر بين إخراجه وتطهيره وبين قطع موضع النجس منه مع بقائه في محلِّه، كان الثاني أولى، على ما أفتى المصنف باعتبار أنَّ الغالب أنَّ الأصلح للمسجد هو ذلك.
إذا بنينا على وجوب تطهير الحصير:
فتارةً يمكن تطهيره وهو في موضعه كما يمكن إخراجه وتطهيره، ففي مثل ذلك لا إشكال أنَّه يتعيَّن تطهيره في موضعه؛ لأنَّ إخراجه تعطيل لمنفعة سائر أجزاء الفراش -إلا إذا علم بعدم وجود المستوفي طيلة المدة- فلا يكون التعطيل جائزاً، وأمَّا إذا كان تطهيره في موضعه غير ممكن فيدور الأمر بين إخراجه وقطعه.
وقد قال الماتن: (أن الغالب أنَّ قطعه أصلح)، وهذه الأصلحيَّة إن كانت بلحاظ الحفاظ على المنفعة؛ لانَّ إخراجه يوجب تفويتها فهذا غير صحيح، لأنَّ الغرض المعاملي للواقف في حفظ أصل العين الموقوفة أهمّ من استيفاء المنفعة، ومن هنا قالوا: إنَّه يُقدَّم صرف المال على حفظ نفس العين، وتطهيرها على
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الصرف على الموقوف عليهم.
ومعه لا إشكال في تقدُّم تعطيل المنفعة على إتلاف جزء من العين الموقوفة.
وإن كانت الأصلحية بدعوى أنَّ هذا أبقى للعين الموقوفة، فإنَّها تتضرر بالماء والتطهير والإخراج أكثر مِمَّا تتضرر من قطع شيء منها. لا إشكال بالكبرى، فلو كانت تتضرر أكثر يتعيَّن القطع لكن كون الأمر كذلك محلُّ إشكال فهو يختلف باختلاف الحالات وليس له ضابط كلي(1).
المسألة 9: إذا توقّف تطهير المسجد على تخريبه أجمع، كما إذا كان الجصّ الذي عمّر به نجساً، أو كان المباشر للبناء كافراً، فإن وجد متبرّعٌ بالتعمير بعد الخراب جاز، وإلَّا فمشكل(2).
ــــــــــ[229]ــــــــــ
() قلت له: إنَّ هناك تقريباً لتعيُّن الإخراج وحرمة القطع، وهو أنَّه يدور الأمر بين عصيان حكم شرعي واحد -في نفسه- وهو حرمة الإخراج، وبين عصيان حكمين وهما: حرمة الإخراج، وحرمة الإتلاف، فيتعيَّن الأوَّل.
وبعبارة أخرى: أنَّ الإخراج حاصل على أيِّ حال فإنَّنا إذا قطعنا الجزء النجس نخرجه أيضاً بخلاف القطع.
فأجاب: إنَّ هذا صحيح فيما لو كان الجزء المقطوع كبيراً بحيث يمكن الاستفادة منه في نفسه، وأمَّا لو كان صغيراً كمكان قطرة الدم، فإنَّه لا منفعة فيه وليس في إخراجه محذور، (المقرر).
(2) المصدر نفسه، المسألة التاسعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
قبل تحقيق هذه المسألة لا بُدَّ من بيان مقدّمة وحاصلها: أنَّ تخريب المسجد هل يجوز -في نفسه- أو لا يجوز؟!
لا إشكال أنَّ تخريبه لا لمصلحة تعود إلى المسجد لا يجوز في نفسه باعتبار كونه إضراراً ببيت من بيوت الله وهو من أشد المحرمات.
ولكن إذا كان التخريب لمصلحةٍ عرفيَّةٍ أو واقعيةٍ، تعود إلى المسجد، كما لو كان شخصٌ مستعدّاً لأن يبنيه ببناء أفضل، فهل يكون ذلك جائزاً على القاعدة، أو لا؟ الظاهر جوازه على القاعدة.
أما بناءً على الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاثة السابقة، وهو أن يكون حائط المسجد ملكاً طِلْقاً للمسجد، واعتبار المسجدية قائمة بالمكان لا بالحيطان، فأيّ إشكال إذا أراد وليُّ المسجد أن يتخلَّص من هذا الملك؛ لأنَّه من مصلحة المسجد، كما في كلِّ مالك إذا كان في مصلحته إتلاف ماله.
وكذلك الأمر في الاحتمال الثالث، وهو أن يكون الحائط ملكاً وقفيّاً للمسجد، فإنَّ وقفيتها ليس معناها إلزام المسجد بإبقاء هذا الحائط، بل معناها إلزام المسجد بأن لا ينقل هذا الحائط بمعاملة، وإنَّما هو محبوس عليه -لا يجري- كما هو معنى الوقف، وليس عليه إلزام بأن يتحمّل هذا الوقف ولو كان مضرّاً بحاله.
وحق الواقف على المسجد بأن يتحمل ذلك مطلقاً يحتاج إلى دليل. ومن ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
هنا نقول بجواز تخريب المسجد إذا اقتضت المصلحة(1).
بعد بيان ذلك نقول: إذا كان المسجد نجساً بحيث لا يمكن تطهيره إلا بتخريبه أجمع:
فتارة يوجد متبرع.
وأخرى لا يوجد.
1- فإن وجد متبرع: فجواز تخريبه على القاعدة سواء قلنا بوجوب التطهير أو لا، إذ لا إشكال أنَّ من مصلحة المسجد أن يبنى بناء آخر، وأمَّا وجوب تخريبه على هذا التقدير فهو مبنيٌّ على أنَّ دليل وجوب التطهير هل يشمل محلَّ الكلام أو لا؟
ونكتة ذلك: أنَّ المستفاد من دليل وجوب التطهير هل هو إعدام النجاسة بنحو السالبة بانتفاء المحمول مع التحفظ على أصل الذات، أو إعدام النجاسة ولو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع يعني ولو بإعدام أصل الذات.
فإن كان المستفاد هو الأول، فهو غير ممكن في المقام. لفرض عدم إمكان إزالة النجاسة بدون إزالة الذات، فلا يكون دليل التطهير شاملاً لمحل الكلام،
ــــــــــ[231]ــــــــــ
() قال السيد في جواب سؤال: إنَّه بناءً على الاحتمال الأوَّل وهو أن يكون الحائط جزءاً من المسجد فيكون هدمه محرماً في نفسه وواجباً باعتبار التطهير تقع المعارضة بين دليلَي الحكمين لو كان لهما إطلاق أو المزاحمة بينهما. أو يُقدَّم ما له إطلاق على التفصيل السابق، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فلا يجب التخريب لكنه يكون جائزاً.
وأمَّا لو فرضنا أنَّ المستفاد من دليل وجوب التطهير هو الثاني، فإنَّه يكون شاملاً لمحل الكلام، فيصبح التخريب واجباً.
ولا إشكال أنَّ إثبات المفاد الثاني لدليل التخريب دونه خرط القتاد، فيتعيَّن المفاد الأوَّل وهو إزالة النجاسة بنحو السالبة بانتفاء المحمول. ومعه لا يبقى دليل على وجوب التطهير بالتخريب.
2-وأما لو لم يوجد متبرع:
فتارة نبني على أنَّ مفاد دليل وجوب التطهير هو السالبة بانتفاء المحمول، وحينئذٍ فلا يكون شاملاً لمحل الكلام، ولا إشكال حينئذٍ في حرمة التخريب؛ لأنَّ تخريبه من دون وجود متبرع ضرر محض على المسجد، فيكون حراماً.
وأخرى إذا استفدنا من دليل وجوب التطهير لزوم الإزالة ولو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، فيقع التزاحم حينئذٍ بين أمرين:
أحدهما: (لزوم إزالة النجاسة). والآخر (الضرر الكبير الناتج عن التخريب). ولا إشكال أنَّ الثاني أهمّ ملاكاً، فيتعيَّن بقاء الحائط، ولا يجوز تخريبه.
إذن فالتفصيل الذي ذكره الماتن بين وجود المتبرِّع وعدمه هو الصحيح، ولا يرد عليه ما ذكره السيد الأستاذ(1).
ــــــــــ[232]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة 2: 297، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة التاسعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 10: لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خراباً وإن لم يصلِّ فيه أحد، ويجب تطهيره إذا تنجّس(1).
تارة: يعرض الخراب على المسجد مع حفظ عنوانه، بحيث يسند الخراب إلى المسجد عرفاً، فيقال: هذا مسجد خراب.
وأخرى: يزول عنوانُه العرفيُّ ويُنشَأ مكانه شيءٌ آخر كالحمام مثلا، فيقال: هذا الحمام كان مسجداً، والقسم الأوَّل هو المبحوث عنه في هذه المسألة، والقسم الثاني هو المبحوث عنه في المسألة الآتية (رقم13 من المتن).
فيقع الكلام في ما إذا خرب المسجد مع حفظ عنوانه فهل يحرم تنجيسه ويجب تطهيره أو لا؟ فإنَّ الحكمين ثابتان للمسجد العامر لا للخراب.
الكلام في هذا الفرع يقع في مرحلتين:
أولاهما: أنَّ هذا المسجد بعد الخراب هل يبقى على المسجدية أو ترتفع مسجديته أصلاً، فإن بني على ارتفاع مسجديته فلا إشكال حينئذ في ارتفاع تمام أحكام المسجد عنه بما فيها هذان الحكمان.
وأما إذا بني على أنَّ عنوان المسجدية يبقى محفوظاً فينتقل الكلام إلى المرحلة الثانية وأنه هل يشمله دليل وجوب التطهير وحرمة التنجيس أو لا.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 87، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في أحكام المساجد، المسألة العاشرة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أما المرحلة الأولى وهي أنَّ أصل المسجدية هل ترتفع بعد خراب المسجد أو لا.
لا إشكال أنَّها لا ترتفع بخرابه عدا ما سوف نستثنيه ولا نحتاج في مقام إثبات عنوان المسجدية إلى الاستصحاب كما قيل بل يكفي في إثبات بقائه نفس دليل إمضاء وقف المسجد، بعد أن أُخذ في الوقف التأبيد؛ لأنَّ المسجدية كما بيَّنا سابقاً ليست اعتباراً قائماً بالبنيان والآجُر حتى يُقال: إنَّ هذه الهيئة التركيبية قد زالت وارتفع الموضوع. بل هي اعتبار قائم بالمكان وهو لا يزال موجوداً على حاله، فيبقى على المسجدية بنفس دليل إمضائه.
نعم، هناك صورة واحدة يقع فيها إشكال، وهي المساجد الموقوفة في الأراضي المفتوحة عنوة وهي العامرة حال الفتح، فإنَّها ملك للمسلمين ولكن يقع الكلام في أنَّه هل يكون للشخص المنتفع بالأرض هل يكون له حق في الأرض أو لا؟ فيه وجوه:
أن يقال: إنَّه لا يكسب حقّاً في الأرض أصلاً، بل إنَّ الأرض لا تزال ملكاً للمسلمين، وليس له أيُّ حقٍّ فيها، بل حاله حال من استأجر أرضاً عرصةً فبنى فيها، فإذا انتهت مدّة الإيجار لا يكون له أيُّ حقٍّ في العرصة وإن كان مالكاً للبنيان، وهذا هو أظهر الوجوه في تلك المسألة.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإن بنينا على ذلك ينبغي أن يُقال: إنَّ وقف المساجد من قبل الشخص المنتفع في الأرض الخراجية يكون باطلاً من أول الأمر، لما قلناه من أنَّ المسجدية اعتبار قائم بالمكان لا بالحائط ولا الآجُر، وهذا الشخص يملك العمارة دون المكان؛ لأنَّ ملكية المكان تبع لملكية الأرض والأرض ليست له، فيكون وقفه وقفاً فضولياً.
نعم، لو أمضاه الحاكم الشرعي، أو هو أوقفها، ينفذ وقفه؛ لأنَّه صار من قِبل وليِّ المالك، وحينئذٍ فلا يحرم تنجيسه ولا يجب تطهيره قبل الخراب، فضلاً عمَّا بعده.
أن الشخص الذي يبني على الأرض الخراجية يملكها بنحو يكون بناؤه حيثية تقييديّة لمالكيته، فهي مالكية مادامت هذه الآثار. وليست مطلقة لما بعد ارتفاعها. وبذلك تختلف عن الأرض الموات، فإنَّ المحيي يملك الأرض حتى بعد أن تذهب الآثار.
وبناء عليه يصحُّ الوقف حينئذٍ؛ لأنَّ هذا الشخص مالك للمكان؛ نعم، مثل هذا الوقف ينتهي بانتهاء ملكيته. يعني أنَّ هذا الوقف أيّاً كان شكله ينتهي بزوال الآثار كملكية الواقف نفسها. إذ من الواضح أنَّ هذه الأرض إِنَّما كانت حقاً له ما دامت هذه الآثار، وبعده ترجع إلى مالكية المسلمين بمقتضى دليل مالكيتهم. فإنَّه إِنَّما خرج منه –مثلاً– زمان وجود الآثار لا أكثر، فيكون لما بعد ارتفاع الآثار وقفاً فضولياً غير نافذ.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وإن شئتم قلتم إنَّه وإن كان يمكن ثبوتاً أن يُقال: إنَّ الملكية المجعولة في الوقف أطول من الملكية المجعولة للمالك، إلا أنه على خلاف الارتكاز العقلائيّ، فإنَّ الارتكاز قائم على أنَّ المجعول في المعاملات لا يكون أطول مِمَّا هو ثابت للمعطى في المرتبة السابقة.
ولا يمكن التمسُّك باستصحاب بقاء المسجدية كما قيل، لأنَّنا نرجع هنا إلى إطلاق دليل مالكية المسلمين فيما زاد على وجود الآثار. ومقتضاه أنَّ الوقف صحيح قبل الخراب وباطل بعده. ومعه يكون الحكم بحرمة التنجيس ووجوب التطهير ثابتاً قبل الخراب ومنتفياً بعده.
الوجه الثالث: ملكية الأرض تبعاً للآثار بنحو الحيثيَّة التعليليَّة
أن نقول: إنَّ هذا الشخص يملك الأرض تبعاً للآثار، وتكون الآثار حيثية تعليليّة صرفة، وتكون سبباً لملكيّته حتى بعد الخراب، فهذا الشخص يكون مالكاً بملكية مطلقة مرسلة، فيكون المجعول مرسلاً أيضاً فلا يبطل الوقف حتى بعد الخراب، فيحرم تنجيسه.
وأيضاً هنا لا نحتاج إلى الاستصحاب بل يكفي في أثبات المسجدية نفس دليل الإمضاء(1).
ــــــــــ[236]ــــــــــ
() أقول: سألته أنَّ الاحتمالين الأخيرين موجودان في الأرض الميتة أيضاً. ومن هنا ورد الدليل على خروجها عن ملك المحي بزوال الآثار.
فأجاب: أنَّ كلامنا في الأرض الخراجية مع زوال آثار المسجدية لا زوال آثار الإحياء. نعم، لو زالت آثار الإحياء أساساً من الأرض الميتة جاء فيها نفس الكلام، كما تقول.
ثم سألته أيضاً: ما معنى أنَّ الملكية باقية ببقاء العمران أو باقية بعده، وهل للإنسان من ملكيته إلا مدّة عمره، فكيف يصحُّ الوقف المترتب على هذه الملكية خارج عمر الإنسان؟
وقد تحصَّل من الجواب: أنَّ ما تكلَّمنا عنه من أنَّ الآثار جهة تعليلية أو تقييدية إِنَّما هو من جهة المملوك لا من جهة الملكية. وما تذكره أنت في السؤال إِنَّما هو من جهة الملكيّة. وأدلة الإرث وإن قيَّدت الملكية، إلّا أنّها لم تُقيِّد المملوك، ومن هنا لو آجر داره في مدة تزيد عمره يقيناً كان صحيحاً.
وبعبارة أخرى: أنَّ كلامنا عن مقتضى الملكية وهو مستمر ما دام البناء أو بعده، ومن هنا لو قُدِّر له الحياة لبقي مالكاً، والموت إِنَّما يصلح مانعاً عن ذلك المقتضى، فيما يندرج في أدلَّةِ الميراث، لا في مثل الدين والثلث الذي يبقى -على الصحيح- في ملك الميت، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إنَّه لو ثبت أنَّ عنوان المسجدية باقٍ حتى بعد الخراب، كما هو في غير الأرض الخراجية، وفي الأرض الخراجية على بعض الوجوه، يقع الكلام في أنَّ هذا المسجد المخروب هل يحرم تنجيسه وعدم تطهيره أو يختصّ ذلك بالمساجد العامرة.
ففي مثل ذلك: إن وجد دليل لفظي له إطلاق -كالنبوي المرسل-، فلا بأس بالتمسك بإطلاقه لإثبات هذا الحكم فإنَّنا فرضنا في المرحلة الأولى أنَّ عنوان المسجدية محفوظ حتى بعد الخراب، فيكون مشمولاً للإطلاق.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وكذلك لو جزمنا أنَّ الإجماع القائم على الحكمين كان له إطلاق يشمل حتى ما بعد الخراب.
وأمَّا إذا فرضنا أنَّ الإجماع لم يحرز إطلاقه لما بعد الخراب وإنما احتمل أن يكون القدر المتيقن منه هو المسجد الذي يكون في معرض الصلاة، وأمَّا المسجد الذي خرج عن هذه المعرضية بالمرَّة، فإنَّه لا يُعلم شمول الإجماع له.
والأدلة اللفظية بعد الإعراض عن النبوي المرسل، واردة في موارد متفرقة كرواية علي بن جعفر في الدابَّة تبول على حائط المسجد ورواية الحلبي في الزقاق القذر وروايات اتخاذ الكنيف مسجداً.
ومن المعلوم أنَّ مورد جميعها هو المسجد العامر الذي يكون في معرض الصلاة فيه، ومن هنا كان علي بن جعفر يريد أن يصلِّي وكان الحلبي يريد أن يُصلِّي، ولا يشمل المسجد الخراب.
مضافاً إلى أنَّها لم تكن في مقام بيان الحكم بحرمة التنجيس، أو وجوب التطهير، وإنَّما كانت في مقام بيان حكم آخر كصحَّة الصلاة حال وجود النجاسة، ومعه يتعذَّر التمسُّك بإطلاق الدليل اللفظي.
وحينئذٍ فلا بأس بالرجوع إلى استصحاب بقاء أحكام المسجد عليه. نعم، هذا الاستصحاب يكون تعليقياً في طرف وجوب التطهير في أغلب الصور، لأنَّ معنى وجوب التطهير أنه لو تنجس يجب تطهيره، ولا معنى لوجوب تطهير الطاهر.
نعم، لو تنجس ثُمَّ خرب كان استصحاب وجوب التطهير تنجيزياً وأمَّا ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
استصحاب حرمة التنجيس فهو تنجيزي على كلِّ حال.
إذن فالمسجدية لا تزول بالخرب، وأحكام المسجد تترتب عليه بعد الخراب، ويأتي تتمة الكلام في الفرع المشابه.
المسألة 11: إذا توقّف تطهير المسجد على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه إن أمكن إزالته بعد ذلك، كما إذا أراد تطهيره بصبّ الماء واستلزام ما ذكر (1).
يفترض في هذه المسألة أنه يتوقف تطهير المسجد على تنجيس الموضع الطاهر، بحيث تتوسع النجاسة خلال عملية التطهير ثُمَّ تزول بنفس العملية.
وهذا فرض اعتيادي لو قلنا إنَّ الماء القليل ينفعل بملاقاة المتنجّس ويكون منجّساً(2)، وذلك فيما إذا كانت هذه النجاسة محتاجة إلى التعدُّد، -كما لو كانت متنجِّسة بالبول، وقلنا بالاحتياج إلى التعدُّد في البول، ولو في غير الثوب
ــــــــــ[239]ــــــــــ
() المصدر نفسه، المسألة الحادية عشرة.
(2) وهو المشهور، لاحظ مفتاح الكرامة 1: 304، كتاب الطهارة، المقصد الثاني في المياه، الفصل الأوَّل في المطلق، القسم الثاني في الماء الكر والماء القليل، وجواهر الكلام 1: 105، كتاب الطهارة، الركن الأوَّل في المياه، الطرف الأوَّل في الماء المطلق، في الماء المحقون. وقد تقدّم ذلك مفصلاً من المصنف في الجزء الثالث من كتاب الطهارة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والبدن-، فيكون غسالة المرَّة الأولى منجّسة، فتتوسع النجاسة وتنتشر، وفي الغسلة الثانية سوف تطهر تمام أرض المسجد.
وأمّا بناءً على أنَّ الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس، كما هو الصحيح(1) فإنَّه لا تقع مثل هذه الملازمة، إذ بالإمكان إزالة عين النجس بغير الماء أولاً، ولو بالدلك ونحوه، ثُمَّ بعد ذلك يصبح المسجد متنجساً خالياً عن عين النجاسة، فلا يتنجس الماء بالغسلة الأولى ليلزم توسعة النجاسة.
وأما في فرض وجود هذه الملازمة كما لو بنينا على التعدُّد وعلى تنجيس الماء بالمتنجس، لا إشكال بالجواز الذي ذكره المصنف، وقد يقرب بأحد وجهين:
الوجه الأول: أنَّ التطهير(2) وإن استلزم تنجيساً زائداً، إلّا أنّه لا دليل على حرمة هذا التنجس، فإنَّ مدرك حرمة التنجيس هو الإجماع أو هو الروايات الواردة في موارد متفرقة وليس في المقام دليل لفظي يشمل هذا التنجيس الذي يتوقف التطهير عليه.
وهذا الوجه غير كافٍ بهذا المقدار؛ لأنَّ لمدعٍ أن يقول: إنَّه كما لا إطلاق
ــــــــــ[240]ــــــــــ
(1) لاحظ بحوث في شرح العروة 1: 392، كتاب الطهارة، الماء الراكد، الكلام في انفصال الماء القليل.
(2) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 298، كتاب الطهارة، فصل في اشتراط طهارة اللباس والبدن، المسألة الحادية عشرة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
لدليل حرمة التنجيس كذلك لا إطلاق لدليل وجوب التطهير أيضاً، ما لم يكن هذا فرضاً غالباً بحيث يستلزم محذوراً يقطع ببطلانه، فمقتضى القاعدة عدم شمول الدليلين للمورد.
إلّا أنَّ الصحيح أنَّ كِلا الدليلين لا بأس بإطلاقه للمورد، سواء كان هو الارتكاز أو هو الروايات، فإنَّه لا يفرق في الارتكاز بين هذا التنجيس وغيره من التنجيسات كما يفرق فيه بين هذا التطهير وغيره من التطهيرات، وملاك التنجيس والتطهير المركوز لا يفرق فيه بين هذا المورد وسائر الموارد.
الوجه الثاني(1): أننا نقطع بأنَّ ملاك وجوب التطهير أهم من ملاك حرمة التنجيس، لأنَّنا لو لم نطهِّر يترتب عليه بقاء نجاسة صغيرة لزمان طويل، وأمَّا لو طهَّرناه فتتسع النجاسة ولكنها تزول في دقيقة واحدة، فهذا يكون أهم ومُتعيِّناً.
فهذا هو الوجه الصحيح لإثبات فتوى الماتن.
ــــــــــ[241]ــــــــــ
(1) لاحظ مستمسك العروة 1: 508، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة الحادية عشرة، ومصباح الهدى في شرح العروة 2: 35، كتاب الطهارة، فصل في شرائط صحّة الصلاة، المسألة الحادية عشرة، ودليل العروة الوثقى 2: 129، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة، المسألة الحادية عشرة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 12: إذا توقّف التطهير على بذل مالٍ وجب، وهل يضمن من صار سبباً للتنجيس؟ وجهان، لا يخلو ثانيهما من قوّة(1).
تحتوي هذه المسألة على فرعين:
أولهما: مربوط بالحكم التكليفي.
والآخر: مربوط بالحكم الوضعي.
إنَّه إذا توقّف تطهير المسجد على بذل مال، فهل يكون البدل واجباً من باب أنَّه مقدّمة للواجب، ومقدّمة الواجب واجبة، أو لا؟
وتوضيح ذلك: أنَّ مدرك وجوب التطهير إن كان هو الإجماع والارتكاز، فمن الواضح أننا نحتمل الفرق بين التطهير المتوقف على الخسارة وغيره، ولا يوجد ارتكاز بعدم الفرق بينهما. والقدر المتيقن من الأدلَّة اللبية هو ما لا يكون فيه خسارة.
وإن كان المدرك هو مثل رواية علي بن جعفر(2) ورواية الحلبي(3)، فلا يمكن التمسُّك بإطلاقها لو تمّت دلالتها في أنفسها، لأنَّها واردة في موارد بيان
ــــــــــ[242]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 87، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة الثانية عشرة.
(2) تقدّم تخريجها مرّات.
(3)تقدّم تخريجها مرّات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
تفريعات الحكم لا لبيان أصل الحكم، فمثلاً رواية علي بن جعفر واردة في أنَّه هل يجوز أن يُصلِّي قبل أن يغسل، أو لا؟
نعم، لو كان المدرك مثل لسان: “جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ“(1) لكان إطلاقه لا بأس به، فإنَّ مقتضاه الشمول حتى لصورة توقف التطهير على بذل المال.
إلّا أنّه هذا الإطلاق محكوم -كسائر الإطلاقات- لأدلة نفي الضرر والحرج، فلو كان يعد بذل المال حرجاً فضلاً عن الضرر، فإنَّ الوجوب يكون مرتفعاً بحكومة تلك القواعد على الإطلاق.
نعم، لو كان هناك متبرِّعٌ بالمال، أو كان للمسجد مالٌ مُعَدُّ لذلك، فيجب التطهير به حينئذٍ.
إنّه لو قلنا بوجوب البذل، فهل يضمن المنجس أو لا؟ فيما إذا كانت النجاسة من قبل شخص قابل لأن يضمن.
مقدّمةً لذلك نتكلَّم في تنجيس غير المسجد من الأموال الشخصية لنستنتج القواعد العامة للمطلب لنطبِّقها على المسجد، فنقول: أنه إذا أتلف شخص وصفاً من الأوصاف القائمة بالمال:
ــــــــــ[243]ــــــــــ
(1)تقدّم تخريجها مرّات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فتارة: يكون الوصف متعلقاً لغرض شخصي دون أن يكون متعلقاً لغرض نوعي عقلائي.
وأخرى: يكون متعلقاً لغرض نوعي عقلائي.
فإن كان الغرض شخصياً محضاً، فلا ضمان لهذا الوصف؛ لأنَّ ما يضمن هو المال، والمالية تكون باعتبار كونه مورداً لتوجهات نوعية عقلائية.
وأما لو لم يكن الوصف مورداً لمثل هذه التوجهات والأغراض فلا مالية ولا ضمان. وأمَّا الوصف الذي يكون مورداً لغرض عقلائي فيكون مضموناً.
إلّا أنَّ هذه الأوصاف قيمية وليست مثلية، فالضامن ليس مسؤولاً أن يوجد الوصف من جديد، بل يكون مضموناً بالقيمة، وحيث إنَّ الوصف ليس مستقلاً بالقيمة، وإنما هو حيثية تعليلية لقيمة نفس العين، ولذا لا ينبسط الثمن على الأوصاف في المعاملات العقلائية، فمعنى ضمان قيمة الوصف ضمان نقص العين الناتج عن فوات الوصف، ويكون تحديد ذلك بتحديد القيمة السوقية للعين الواجدة للوصف والقيمة السوقية للعين الفاقدة، فيكون الفارق عبارة عن القيمة التي زالت بفوات الوصف فيكون هو المضمون.
إذا تم ذلك نقول: إنَّ لتنجيس مال الغير صوراً عديدة:
الصورة الأولى: أن تكون الطهارة من الأوصاف التي لا تعتبر وصفاً كمالياً لذلك المال، بمعنى أنه سنخ مال في الأغراض العقلائيَّة التي لا يفرق في ماليتها بين أن يكون طاهراً أو غير طاهر، كما لو نجّس جسم النخلة أو نحوها.
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فهنا لا إشكال بعدم الضمان لأنَّ الغرض الفائت شخصي وليس نوعياً، وإن كان التنجيس حراماً.
الصورة الثانية: أن يكون وصف الطهارة من الأوصاف الدخيلة في مالية المال، والأغراض العقلائيَّة النوعيَّة، ولا يكون إيصال الماء ضرراً على العين المتنجسة، لكن عملية التطهير تحتاج إلى مؤونة وبذل مال، كما لو تنجست البارية فتكون قيمة هذا الوصف مضمونة.
ومرجع قيمة الوصف إلى التفاوت بين قيمة البارية طاهرة وقيمتها وهي نجسة، وهذا لا يكون إلا بمقدار كلفة التطهير، إذ لا موجب لأن تكون أكثر، إذ مع التطهير لا يكون أي فرق بين هذه البارية وبين البارية التي لم تتنجس أصلاً، كما لا يمكن أن يكون أقل، لأنَّ النقص كان باعتبار هذا الوصف واسترجاعه لا يمكن إلا بمؤونة التطهير.
الصورة الثالثة: أن تكون الطهارة وصفاً عقلائيّاً ولا يكون إيصال الماء مُضرّاً بالعين المتنجسة، ولا مؤونة في التطهير أصلاً، كما لو نجّس الخاتم الذهبي، فإنَّ طهارته مطلوبة عقلائيّاً وإيصال الماء لا يضره، ولا مؤونة في تطهيره لتوفُّر الماء.
ولا إشكال في عدم الضمان لأنَّ وصف الطهارة وإن زال إلَّا أنَّ إعادته لا مؤونة فيه فلا يُعَدُّ نقصاً في هذا المال.
الصورة الرابعة: أنَّ الطهارة وصف كمال ويكون الماء مبذولاً، ولكن إيصال الماء إلى هذا المال موجب لحصول نقص آخر فيه، كما لو كان الماء يُزيل
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الصبغ عن الفرش أو القماش، فتنجيس هذا الفراش يوجب نقصاً فيه.
والضمان -كما قلنا- ليس ضماناً للوصف حتى يُقال: إنَّ الوصف الزائل هو وصف الطهارة، لا وصف اللون، بل هو ضمان لمالية الوصف، بمعنى أنه يُقدَّر بمقدار ما نقصت العين، والعين نقصت قيمتها باعتبار أنَّ أمرها يدور بين محذورين، فإمَّا أن تبقى نجسة وفاقدة لوصف الطهارة، أو أن تطهر فتفقد وصف اللون فهي مُعرَّضة للجامع بين النقصين، ومثل هذا الجامع في قوة أقلّ هذين النقصين؛ لأنَّ الجامع بين القليل والكثير قليل؛ لأنَّ القليل لا بُدَّ من الابتلاء به بخلاف الكثير إذ بالإمكان دفع النقص الكثير بالنقص القليل فتكون قيمة العين كما لو ابتلى بالنقص الأقلّ تعييناً.
الصورة الخامسة: أن يكون التطهير وصف كمال، ويكون الماء موجباً لزوال اللون مع فرض أنَّ عملية التطهير فيها أجرة أيضاً، ففي مثل ذلك يكون الأمر كما في الصورة الرابعة من دوران الأمر بين نقصين: أحدهما أن يبقى نجساً. والثاني: أن نبتلى بفقدان اللون، وبأجرة التطهير. والحساب هو الحساب السابق.
بعد هذا نأتي إلى المسجد فنقول: أنه إذا زال وصف الطهارة فلا إشكال أنه من الأوصاف الدخيلة في شأن المسجد ومورد للأغراض العقلائيَّة النوعيَّة، وقد سبق أن قلنا إنَّ تمام جنبات المسجد المادية مملوكة للمسجد، وما يقال: من أنَّها ليست مملوكة قول على خلاف الارتكاز العقلائي، فإنَّ ديدن العقلاء على بيع هذه الأشياء وترتيب آثار الملكية، ونفرض أن تطهير الأرض لا يوجب أي
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
نقص فيها، فيكون كالصورة الثالثة السابقة، فإنَّ التطهير يحتاج إلى بذل المال.
فيكون المنجِّس ضامناً للمسجد قيمة الوصف وهو يرجع إلى التفاوت بين الفاقد والواجد، وهو مقدار كلفة التطهير، فيكون المنجِّس مشغول الذمة بأجرة التطهير للمسجد، فإن دفع ما في ذمته فهو، وإلا أجبره المتولي الخاص للمسجد أو الحاكم الشرعي على الدفع.
وأما لو جاء شخص أجنبي وبذل المال وطهَّر المسجد، فهل يكون المنجِّس الأوَّل مشغول الذمة لهذا الشخص، أو لا؟
هنا يجب أن لا نخلط بين المسجد وبين المطهِّر، -كما حصل في كلمات الآغايون-(1)، ولا بُدَّ من التفصيل بين أن يُقال: إنَّ هذا الذي طهّر المسجد:
تارة لا يكون تطهيره مستنداً إلى المنجِّس أصلاً؛ فيكون تبرُّعاً، ولا موجب لرجوعه عليه، ويكون حاله حال ما لو أبرأ دين زيد بدون أن يرجع إليه، ولا تأتي في المقام قاعدة التسبيب(2)؛ لأنَّها لا تكون في مثل المقام الذي يتوسَّط فيه
ــــــــــ[247]ــــــــــ
() لاحظ بحوث فقهية (الحلّي): 250، الشوارع المفتوحة من قبل الدولة، المساجد الواقعة في الشوارع.
(2) يعبّر عنها في لسان القدماء بقاعدة (السبب أقوى من المباشر). وهي تعني: ضمان الخسارة على من سبب للغير الوقوع فيها، وقد وقع خلاف بين المتأخرين في كونها قاعدة مستقلة، أم هي من صغريات قاعدة الائتلاف والغرور. لاحظ المكاسب والبيع (النائيني) 2: 272، القول في العقد الفضولي، مسألة في احكام الرد، المسألة الثانية، وكتاب البيع (الخميني) 2: 464، بيع الفضولي، مسألة في احكام الرد، المسألة الثانية، بيان قاعدة التسبيب. وكتاب الغصب (الرشتي): 30، ضابطة كلّية في التسبيب.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الاختيار، والدواعي التامَّة لدى المتبرَّع، فإنَّه كان بإمكانه أن يرجع إلى المنجِّس ويضمنه قبل البذل، ليكون الضمان عليه، وهو الشقّ الثاني: وهو أن يذهب المطهر إلى المنجِّس، أو إلى الحاكم الشرعيّ الذي هو وليُّ الغائب والممتنع، فيكون المنجِّس مشغول الذمة(1).
ــــــــــ[248]ــــــــــ
() أقول: سألته عن مقصوده من العقلاء، الذين لهم أغراض في طهارة المسجد:
إن كان المراد مطلق العقلاء فمن المعلوم أنَّهم لا غرض لهم في ذلك أصلاً.
وإن كان المراد به خصوص المتشرِّعة، وصحَّ أن نقول إنَّه غرضٌ عقلائيٌّ، فيلزم أن نلتزم بأنَّ الأغراض المتشرِّعيَّة تؤثِّر في الماليَّة وجوداً وعدماً، ومعه يلزم صحَّة القول: بأنَّ الخمر لا قيمة لها عقلائيّاً، باعتبار أنَّها لا قيمة لها عند المتشرِّعة، وهو ما لا يمكن الالتزام به.
فأجاب: بأنَّه يمكن القول بأنَّ المتشرِّعة بغضّ النظر عن التشريع يرون أنَّ للخمر ماليَّةٌ، ولكن الشارع تعبَّدهم بعدمها، كما أنَّ المعاملة الربوية عندهم صحيحة، ولكن الشارع تعبَّدهم ببطلانها وهكذا.
أقول: وبهذا يرجع مفهوم المتشرِّعة إلى العقلاء، وبتعبير آخر: يلحظون بما هم عقلاء لا بما هم متشرِّعة، ومعه يرد الإشكال ويُقال: إنَّ المتشرعة بما هم عقلاء لا غرض لهم في طهارة المسجد أصلاً، بغضّ النظر عن التشريع.
اللهم إلّا أن يُقال: إنَّ للعقلاء [عادةً] في احترام الأديان، وما يمتُّ إليها بصلة، والمسجد حيث إنَّه صغرى من هذه الكبرى، وقد أصبح صغرى في طول التشريع بإمضاء مسجديَّته ووجوب طهارته، ومعه يتعلَّق غرضٌ عقلائيٌّ باحترام هذه الأحكام=
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ــــــــــ[249]ــــــــــ
=المسجديَّة، بصفتها جزءاً من الدين بالمعنى العامّ.
إلا أنَّ الكلام ليس هو في وجود محض الغرض، بل في اقتضاء الغرض العقلائيّ للماليَّة، ومن الممكن دعوى: أنَّ الأغراض العقلائيَّة الاحتراميَّة لا ربط لها بالماليَّة، وما هو سبب الماليَّة هو الأغراض العقلائيَّة المعامليَّة والحياتيَّة، ومعه لا يكون غرضهم باحترام المسجد سبباً للقول بتنزُّل قيمة العين المتنجِّسة عند النجاسة. بل هذا الإشكال سارٍ في كلِّ عين نجسة، فإنَّها إِنَّما أصبحت ضيِّقة الانتفاع في طول التشريع، وأمَّا العقلاء – بغضّ النظر عن التشريع- فلا يرون ضيقاً في منافعها، ولو كان شيءٌ من ذلك فإنَّما هو من أجل احترام مطلق الدين، ومثل هذا الغرض لا يكون مرتبطاً بالماليَّة وجوداً ولا عدماً.
وقد يُقال: إنَّه يمكن تصور غرض عقلائي متعلِّق بالمطلب غير الغرض الاحترامي، وذلك باعتبار أنَّ إطاعة المولى ككل متعلق لغرض عقلائي بلا شك ونحن -بصفتنا مسلمين- نحقق الصغرى وهي أنَّ مولانا هو الشارع الإسلامي إذن فقد ثبت تعلق الغرض العقلائيّ بإطاعة الشارع الإسلامي بصفته أحد الموالي (فتأمل) فإذا ثبت أنَّ هذا المولى المقدس يأمر بإزالة النجاسة عن المسجد تعلق الغرض العقلائيّ بهذا المطلب أيضاً.
يبقى السؤال عن كون هذا الغرض مالياً أو لا؟
ويقال في جوابه: إنَّ الغرض المالي عند العقلاء هو الغرض المتعلق بالانتفاعات الاعتيادية للشيء فإذا ضاقت هذه الانتفاعات كان الغرض ناقصاً والمالية أقلّ لا محالة.
وحينئذٍ نحتاج إلى ضمِّ صغرى إليه وهو أنَّ نجاسة المسجد تفوت الأغراض الاعتيادية منه – ولو في طول التشريع- وتكون هذه الصغرى واضحة، باعتبار حكم الشارع ببطلان الصلاة في المسجد مع وجود النجاسة، ولا شك أنَّ المكان الذي تبطل فيه الصلاة
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 13: إذا تغيّر عنوان المسجد -بأن غصب وجعل داراً، أو صار خراباً بحيث لا يمكن تعميره ولا الصلاة فيه- وقلنا بجواز جعله مكاناً للزرع، ففي جواز تنجيسه وعدم وجوب تطهيره -كما قيل- إشكالٌ. والأظهر عدم جواز الأوّل، بل وجوب الثاني أيضاً(1).
في هذه المسألة فرعان أصلي وتبعي استطرادي:
وهو الأصلي: أنَّ المسجد إذا خرب بنحو انطبق عليه عنوان عرفي مباين مع عنوان المسجد، فهل يبقى حكمه من حيث حرمة التنجيس ووجوب التطهير، أو لا؟
والفرع الثاني: أنه إذا عرض الخراب للمسجد بحيث لا يمكن إقامته مسجداً، فهل يجوز اشغاله بشيء آخر كزراعته إمَّا مجاناً أو بالأجرة، أو لا؟
ــــــــــ[250]ــــــــــ
أرخص عند العقلاء المتشرعة من المكان الذي تصحُّ فيه الصلاة.
إذن فالمنجِّس جعل المسجد مصداقاً من المكان النجس، فيكون أرخص ما لم يُطهَّر، وبذلك صحَّ أنَّ الأغراض العقلائيَّة في المسجد لها أثر في تغير الثمن والماليّة، (المقرر).
() العروة الوثقى 1: 87، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة (13).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أما الفرع الأوَّل فقد أشرنا إلى أنَّ خراب المسجد له مرتبتان:
المرتبة الأولى: أن يخرب المسجد مع انحفاظ عنوانه فيقال: مسجد مخروب.
والمرتبة الثانية: أن يفرض أنه يخرب بحيث يحصل له عنوان عرفي مباين بـ-حسب الارتكاز العرفي- مع عنوان المسجد، كالدار والحمام والبستان، إمَّا بوجه شرعي أو غير شرعي.
أما المرتبة الأولى فقد تقدَّم الكلام فيها فيما سبق، وقلنا إنَّ الكلام فيها يظهر من الكلام في المرتبة الثانية التي نحن الآن بصددها.
والكلام في ذلك تارة بلحاظ الأدلَّة الاجتهادية وأخرى بلحاظ الأصول العملية.
المقام الأول: بلحاظ الأدلَّة الاجتهادية
أما بلحاظ الأدلَّة الاجتهادية فإنَّ مدركنا هو الإجماع والارتكاز ونحوه من الأدلَّة اللُّبِّيَّة، فلا إشكال أنه ليس له إطلاق لمثل هذه الحالة؛ لأنَّ القدر المتيقن من الدليل اللُّبِّيّ هو ما إذا كان المسجد محتفظاً بعنوان المسجد عرفاً، ولا أقلّ من الشكّ فيه.
وأما إذا كان المدرك هو الأدلَّة اللفظية، فهي على قسمين:
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
القسم الأول: ما كان وارداً في مقام التفريع على أصل الحكم بوجوب تطهير المسجد. وحرمة تنجيسه وليست في مقام بيان أصل الحكم، كما في رواية علي بن جعفر ورواية الحلبي. ومعه فلا إشكال أنه لا يمكن التمسُّك بإطلاقها لأنَّها ليست مسوقة لبيان أصل الحكم.
القسم الثاني: ما كان مسوقاً لبيان أصل الحكم كقوله: “جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ“، فهل يمكن التمسُّك بإطلاق مثل هذا اللسان أم لا؟
هذا مبنيٌّ على تحقيق أنَّ المراد بعنوان المسجد المأخوذ في موضوع الحكم، هل هو المسجد بالمعنى الوقفي أو المسجد بالمعنى العرفي؟
فإن أُريد به المسجد بالمعنى الوقفي يعني ما كان مجعولاً مسجداً من قبل الواقف جعلاً صحيحاً ممضى شرعاً، فلا إشكال في شموله للمورد لأنَّ وقفيته لا تزال على حالها، فالموضوع متحقِّق.
وأمَّا إذا أُريد به المعنى العرفيُّ، الذي يُقابل الدار والحمام، كما لو سُئِل: كم مسجد في هذه البلدة، فيُورد في الجواب ما كان مسجداً عرفاً، وحينئذٍ لا يكون فيه إطلاق. ولا أقلّ من الشكِّ والإجمال من هذه الناحية، إن لم ندَّعِ الظهور بالمعنى العرفيِّ.
أمَّا إذا لم يكن في الأدلَّة الاجتهادية إطلاق، فينتقل الكلام إلى المقام الثاني.
المقام الثاني: بلحاظ الأصول العملية
وهو ما تقتضيه الأصول العملية، وهو الاستصحاب.
فهنا قد يُقال: إنَّ المورد من موارد الشكّ بقاءً؛ لأنَّ الحكم كان ثابتاً قبلاً،
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ويُشَكُّ في بقائه، فيجري استصحابه(1). وما أُورد أو يورد على هذين الاستصحابين أو على أحدهما، عدَّة إشكالات:
الإشكال الأوَّل:
أن هذين الاستصحابين من الاستصحابات الجارية في الشبهة الحكمية؛ لأنَّ الشكّ هو في سعة الحكم المجعول، والاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية. وهذا مبنيٌّ على عدم الجريان فيها، وأمَّا على ما هو الصحيح من جريانه في الشبهات الحكميّة(2)، فلا محذور من هذه الناحية(3).
ــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) لاحظ العمل الأبقى في شرح العروة 1: 437، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة، المسألة 13، والبحوث الفقهية (الحلّي): 251، الشوارع المفتوحة من قبل الدولة، المساجد الواقعة في الشوارع.
(2) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 303، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة الثالثة عشرة، وفقه الشيعة 4: 81، كتاب الطهارة، فصل وجوب ازالة النجاسة عن المساجد، المسألة الثالثة عشرة، ومصباح الأصول 3: 38، الكلام في الاستصحاب، ما استدلّ على حجّية الاستصحاب، الرابع، الأخبار، دراسات في علم الأصول 4: 62، مباحث الاستصحاب، الأقوال في حجّية الاستصحاب، الثالث التفصيل بين الشبهات الحكميَّة والموضوعية.
(3) بحوث في علم الأصول 6: 127ـ 129ـ مباحث الحجج والاصول العملية، مبحث الاستصحاب، الفصل الثاني الاقوال في الاستصحاب، التفصيل بين الشبهات الحكميَّة والموضوعية.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الإشكال الثاني:
أن استصحاب وجوب التطهير لا يجري، وإن جرى استصحاب حرمة التنجيس بدعوى: أنَّ حرمة التنجيس كانت تنجيزية لأنَّ موضوعها هو المسجد والمكلف، وهو موجود.
وأما وجوب التطهير فلم يكن فعليّاً؛ لأنَّه فرع أن يكون قد تنجَّس المسجد، فهو استصحاب تعليقيّ، لأنَّه من استصحاب القضية المشروطة، ومن هنا قد يُفصَّل بين استصحاب حرمة التنجيس واستصحاب وجوب التطهير(1).
والجواب يكون بإمكان منع الكبرى تارة، ومنع الصغرى أخر:
أمَّا منع الكبرى فلما حقَّقناه(2) من جريان الاستصحاب التعليقيّ في أمثال ــــــــــ[254]ــــــــــ
() نسب هذا الوجه إلى الميرزا النائيني، لأنه قال في التعليق على العروة: (إذا خرج عنوان المسجدية وبطل رسمه بالكلّية، فالأظهر عدم وجوب تطهيره وإن كان التنجس لا يخلو عن اشكال)، العروة الوثقى مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام 1: كتاب الطهارة، فصل في احكام النجاسات، المسألة (13).
قال السيّد الخوئي: (من أنكر استصحاب الأحكام المعلقة كشيخنا الأستاذ وغيره فيلتزم بحرمة تنجيسه ـ لاستصحابها وينكر وجوب الإزالة عنه لأنَّه من استصحاب الحكم المعلق ومن هنا فصل في هامش المتن بين حرمة التنجيس ووجوب الازالة في المسألة)، لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 303، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسالة (13).
(2) كفاية الأصول: 411ـ 412 ـ المقصد السابع في الأصول العملية، فصل في الاستصحاب، التنبيه الخامس في الاستصحاب التعليقي، ونهاية الأفكار 4: 162، الاستصحاب، التنبيه الخامس في الاستصحاب التعليقي، وبحوث في علم الأصول 6: 280ـ290، مبحث الاستصحاب، الفصل الرابع في التطبيقات، الخامس الاستصحاب التعليقي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المقام وفاقاً لما هو المشهور قبل المرزا.
وأما منع الصغرى بمعنى أنَّ استصحاب وجوب التطهير ليس تعليقياً؛ لأنَّ وجوب التطهير لو كان حكماً مجعولاً بعنوانه لكان الامر كما قيل، لأنَّه يرجع إلى حكم مشروط.
وأما إذا قلنا إنَّ وجوب التطهير – بحسب الحقيقة- ليس إلا نفس حرمة التنجيس وأنهما حكم واحد بعنوان (تجنيب المسجد عن النجاسة)، وهذا التجنيب إذا كان المسجد طاهراً، فيُعبَّر عنه بـ(حرمة التنجيس)، وإن كان نجساً فإنَّه يُعبَّر عنه بـ(وجوب التطهير)، فهما عنوانان انتزاعيان في الحقيقة من لزوم تجنيب المسجد النجاسة فيجري استصحابه.
وهذا الاستظهار هو المتعيَّن من المرسل النبويّ، فإنَّه ليس ناظراً إلى الحدوث فقط، بل يشمل جهة بقاء النجاسة ولزوم إزالتها، فيثبت المُدَّعى بل وكذلك الأمر بناءً على سائر الأدلَّة ولو بعنوان طَهِّرَا بَيْتِي(1)؛ فإنَّ العرف يستظهر من مجموع وجوب التطهير وحرمة التنجيس، وجود التنافر بين المسجد والنجاسة، وهو مساوق مع التجنيب، فيكون الاستصحاب تنجيزياً ولا يكون تعليقياً.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الإشكال الثالث(1):
إنَّ استصحاب حرمة التنجيس لا يجري أحياناً، كما لو فرضنا أنَّ المكلّف بلغ بعد أن خَرَّب المسجد، وأصبح حمَّاماً فهل يستصحب حرمة التنجيس على نفسه؟ فهذا لم يثبت. أو حرمته على غيره؟ وهذا لا أثر له. ومثل هذا الإشكال جارٍ في كلِّ استصحاب في الحكمية، فإنَّ الزوج إذا لم يكن بالغاً إلا بعد انقطاع الدم من زوجته، فكيف يستصحب الحرمة؟ ومعه فلا بُدَّ من جواب كُلِّيّ عليه.
وللجواب صيغ مستفادة من بحث الاستصحاب نذكر واحداً منها: وهو أنَّ هذا الاستصحاب يمكن إرجاعه إلى الاستصحاب التعليقي الذي بنينا على صحته وجريانه. لو تنجس هذا المسجد حين كان عامراً، وكان زيدٌ بالغاً، حينئذٍ يحرم عليه تنجيسه، فنستصحب هذا المعنى، وزيد بالغ فعلاً فيحرم عليه تنجيسه.
ولا يعارضه استصحاب عدم حرمة التنجيس الفعلية، لما ذكرناه في محلِّه من كون الاستصحاب التعليقي حاكم على التنجيزي، وتتمة الكلام في ذلك في بحث الاستصحاب.
الإشكال الرابع:
وهو الذي ينبغي أن يورد بحيث يكسر صولة كلا الاستصحابين، وهو أنَّ دليل الوجوب والحرمة ليس لفظياً بل هو الإجماع والارتكاز، وحينئذٍ يحتمل أن
ــــــــــ[256]ــــــــــ
(1) لاحظ دليل العروة الوثقى 2: 132، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة، المسألة (13).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
يكون الحكم بحرمة التنجيس ووجوب التطهير حكماً احترامياً أي بعنوان احترام المسجد، غاية الأمر أنَّ الشارع تصرَّف في جعل هذا فرداً من أفراد الاحترام.
إذن فيجب الاحترام، لكن احترام ماذا؟ هل احترام المسجد الوقفي أو احترام المسجد العرفي؟
فإذا كان المرادُ المسجدَ العرفيَّ، فقد زال، ولا معنى لاستصحاب وجوب الاحترام، إذ الاحترام الذي يُشَكّ في وجوبه فعلاً هو احترام المسجد الوقفيِّ، ولعلَّ الذي كان ثابتاً هو احترام المسجد العرفيِّ.
والحاصل: أنَّ الوجوب والحرمة لو كانا ثابتين للأرض، إذن يبقى الموضوع متحقِّقاً فيجري الاستصحاب، لكن نحتمل – بعد كون الدليل لُبِّيّاً- أنَّ الحكم لم يُجعل على هذا العنوان بل على عنوان المسجدية، لكن هل اخذ المسجد الوقفي أو المسجد العرفي؟
فإن كان الواجب احترام المسجد الوقفي كان الحكم ثابتاً وإن كان الواجب احترام المسجد العرفيِّ فهو غير ثابت. وهنا لا يجري الاستصحاب للشك في بقاء الموضوع، إذ لعل ما يجب احترامه هو المسجد العرفيُّ وقد زال. ومعه فلا يحرم تنجيس الأرض، ولا يجب تطهيرها(1).
ــــــــــ[257]ــــــــــ
() وهنا سأله أحد الأخوان: لماذا لا يكون هذا من قبيل استصحاب الكُلِّيّ من القسم الثاني؟
فأجاب: أنَّ هذا الاستصحاب حكميّ، والاستصحاب هناك موضوعي في مثال البقة والفيل ونحوه.
فقال السائل: ألا يجري الاستصحاب الموضوعي في المقام؟
فأجاب: بأنَّه لا يجري؛ لأنَّ عنوان (موضوع الحكم الشرعي) ليس موضوعاً للحكم الشرعي؛ ليُستصحَب. وأمَّا عنوان المسجد العرفيِّ فهو مقطوع الارتفاع، وعنوان المسجد الوقفي مقطوع البقاء؛ فلا يجري الاستصحاب في أيٍّ منها. وأمَّا إذا أُريد استصحاب جامع المسجد، فهو من استصحاب الفرد المردد، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إنَّ المسجد لو تعذَّر الانتفاع به بعد خرابه بالعبادة والصلاة، كما لو باد أهل القرية وبقى في مَعْزَلٍ عن الناس(1)، فهل يجوز استئجاره لعمل آخر لا يكون فيه منافاة مع حرمة المسجد؟ فيتخذ مزرعاً إلى أن يعود الناس إليه بإذن الله تعالى.
وما يستشكل به على هذه الإجارة ينبغي أن يكون أحد وجهين:
إنَّه لا إجارة إلا في ملك، فإنَّ المؤجِّر لا بُدَّ أن يكون مالكاً للمنفعة حتى يُملِّكها، وإلا فليس له ذلك، وحيث إنَّ منافع المسجد ليست مملوكة لأحد ولا لجهة -لأنَّ المسجد فك ملك- فمنافعه بتبع ذاته محررة عن الملكية، فمن
ــــــــــ[258]ــــــــــ
() إنَّ أكثر عبارات الفقهاء في كتاب الوقف تدل على عدم جواز البيع وغيره مطلقاً، لاحظ على سبيل المثال: قواعد الاحكام 2: 396، كتاب الوقف والعطايا، المقصد الأوَّل الوقف، الفصل الأول، المطلب الثالث: الموقوف. وقبله شرائع الإسلام 2: 172، كتاب الوقف، النظر الثالث في اللواحق، المسألة السابعة، وجامع المقاصد 9: 82، كتاب الوقف والعطايا، المقصد الأوَّل الوقف، الفصل الثاني في الأحكام.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الذي يكون مؤجِّر؟!
وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه لا يصحُّ ما قيل من أنَّه لا إجارة إلا في ملك، إذ لا دليل شرعيّاً ولا عقلائيّاً على أنَّه في مقام تمليك المنفعة أو الإجارة، لا بُدَّ أن يكون المُملِّك مالكاً للمنفعة، كما هو الحال في إجارة الحُرِّ لمنافع نفسه، فإنَّ له أن يُملِّك منفعته للآخرين، مع أنَّه لا يملكها، فإنَّ الحريَّة كالمسجديَّة فكّ الملك، ومنافعه بتبعه لا تكون مملوكة، ولذا لو فوَّتها أحد عليه لم يضمنها، ومع ذلك له أن يُملِّكها، فإنَّ الميزان في تمليك المنفعة ليس هو ملكيَّة المنفعة، بل كونه مسلطاً على تمليكها.
أن يقال: إنَّ لا سلطنة على تمليك هذه المنفعة؛ لأنَّها تحتاج إلى دليل ولا دليل عليها. فإنَّ السلطنة تكون إمَّا باعتبار أنَّه مالك للمنفعة، أو باعتبار دليلٍ خاصٍّ تعبُّديٍّ يدلُّ على أنَّ له ذلك، وإن لم يكن مالكاً، وكِلا الأمرين غير موجود بالنسبة إلى الحاكم الشرعي الذي يُفرَض أنَّه طرفُ الإيجار، وهذا الإشكال أحسن من السابق.
لكن يمكن دفعه بأن يقال: إنَّ الدليل موجود وهو الارتكاز العقلائيّ، بنفس الارتكاز في عمل الحُرِّ؛ فإنَّ المسجد بعد أن فُرض أنَّه فكُّ الملك، وأنَّ المكان انعتق وأصبح حُرّاً، فيُرى أنَّ لهذا المكان شخصيَّة معنويَّة قابلة لأن تَملِكَ شيئاً.
ولذا قال الفقهاء وقلنا: إنَّه يمكن الوقف على المسجد، وقلنا: إنَّ المسجد مالك طِلْقٌ للبناء والأبواب؛ فيُرى أيضاً أن منافعه بالنسبة إليه كمنافع الحُرِّ،
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فكما أنَّ الحُرَّ أولى مَن يستفيد مِن منافع نفسه، وإذا استفاد الآخرون منها فإنَّه يحتاج إلى تعويض، كذلك المسجد يحتاج إلى تعويض وأُجرة، غايته إلَّا أنَّ المسجد لا يستطيع أن يُؤجَّر منافع نفسه، فيُقدِّم وليّه بإيجاره، كما في منافع الحُرِّ الطفل.
فيتَّضح من ذلك أنَّ إيجار المسجد للمنافع جائز كما أفتى به جملة من الفقهاء، مع المحافظة على شؤون المسجد وهو احترامه، وإلا كان حراماً تكليفاً وباطلاً وضعاً.
المسألة 14: إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد، فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها، وإلَّا فالظاهر وجوب التأخير إلى ما بعد الغُسل، لكن يجب المبادرة إليه حفظاً للفوريّة بقدر الإمكان. وإن لم يكن التطهير إلَّا بالمكث جنباً فلا يبعد جوازه بل وجوبه، وكذا إذا استلزم التأخير إلى أن يغتسل هتك حرمته(1).
لو أنَّ جنباً التفت إلى وجود نجاسة في المسجد، وكان غُسله موجباً للتأخير عن الفورية، فيقع التنافي بين وجوب التطهير وبين حرمة مكث الجنب في المسجد -إذا كان التطهير متوقفاً على المكث كما هو الغالب- وإلا فلا منافاة
ــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 88، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في أحكام المساجد، المسألة (14).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وطرف المزاحمة مع حرمة المكث إمَّا هو وجوب فورية التطهير أو هو أصل التطهير كما لو لم يكن لديه ماء أصلاً.
وهذا يجب أن نفرضه في شخص ليس غُسله سريعاً جداً، بحيث لا ينافي الفورية كالغُسل الارتماسي في حوض قرب باب المسجد، فإنَّه حينئذٍ لا منافاة بين الحكمين.
قال السيد الأستاذ: هذا يُطبَّق عليه قانون باب التزاحم، فيُقدَّم الأهمُّ على المهمِّ، وكأنَّه يقول: إنَّ حرمة المكث محتمله الأهمية أو معلومة الأهمية، ولا نحتمل الأهمية في وجوب التطهير، ومعه يتعيَّن تقديم حرمة المكث على وجوب التطهير فلا يجوز له التطهير(1).
وفيه مواقع للنظر:
أولاً: أننا لو سلمنا أنَّ المقام من باب التزاحم، فلم نعرف النكتة في أنَّه لماذا لا يحتمل أهمية حرمة التطهير على وجوب المكث، وكون الدليل آية أو رواية أو عدد من الروايات، له دخل في باب التعارض لا في باب التزاحم.
فإن كونه أقوى ملاكاً لا دخل له فيما دلَّ عليه، بعد ثبوت الحكم الآخر في الجملة، خصوصاً مع احتمال أنَّ حرمة مكث الجنب في المسجد من الأفراد العنائية لتنجيس المسجد، والجنابة لغةً النجاسة، فلا يحصل العلم أنَّه إمَّا أهمّ أو مساوٍ.
ــــــــــ[261]ــــــــــ
(1) لاحظ فقه الشيعة 4: 82، كتاب الطهارة، فصل وجوب ازالة النجاسة عن البدن، المسألة (14).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ثانياً: أنَّ فرض كون المقام من موارد التزاحم، إِنَّما هو بعد فرض تمامية الإطلاق من كِلا الدليلين، مع أنَّ دليل حرمة المكث له إطلاق ولكن دليل وجوب التطهير ليس له إطلاق فدليل وجوب التطهير لا يقتضي وجوبه في مثل هذه الحالة بخلاف إطلاق دليل حرمة المكث. فلا تصل النوبة إلى دليلين متزاحمين لنُطبِّق عليهما قواعد التزاحم.
ثالثاً: أنه لا تزاحم أصلاً، حتى لو فرضنا الإطلاق في دليل التطهير. والنكتة في ذلك:
هو أنَّ دليل وجوب التطهير يكون معجِّزاً للمكلف عن استعمال الماء ومع العجز عنه يتحقَّق موضوع التيمم، فيتيمم ويدخل طاهراً لأنَّ التيمم يرفع الجنابة عندنا، والتيمم عادةً لا ينافي الفورية العرفية، فحتى لو كان دليل التطهير أقلّ ملاكاً، فمقتضى القاعدة تقدمه لما سبق وليس الأمر دائراً بين عصيان أحد الحكمين.
وعليه فالصحيح أنَّ هذا الشخص يحرم عليه دخول المسجد، فإنَّه لا إطلاق في دليل وجوب التطهير ليكون مُعجِّزاً عن استعمال الماء.
نعم، لو انطبق على بقاء النجاسة عنوان الهتك ونحوه فإنَّه يرتكب أقلّ المحذورين.
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 15: في جواز تنجيس مساجد اليهود والنصارى إشكال، وأمَّا مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فِرقهم(1).
يتصور في مساجد اليهود والنصارى عدَّة صور، لا بُدَّ من التكلم في كلِّ واحدة منها مستقلاً:
أن يفرض أنَّ الكتابي أوقف الأرض مسجداً بعد الإسلام فعمل نفس ما يعمله المسلم، فيكون هذا (مسجد اليهود والنصارى) بلحاظ المنشأية وهو الواقف.
وهنا قد يُستشكَل(1) في أصل مسجدية هذه الأرض باعتبار دعوى أنَّ المسجد نوع من الوقف، ويشترط في الوقف قصد القربة، وهي لا تتعقل من الباطل، ومعه فلا يكون وقفاً ولا مسجداً.
إلّا أنَّ هذا ليس بشيء لما هو المختار في محلِّه من أنَّه لا دليل على اعتبار قصد القربة في الوقف. وأين القربة فيما يَقِفه الناس على ذراريهم؟
ــــــــــ[263]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 88، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة (15).
(2) لاحظ دليل العروة الوثقى 2: 141، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة، المسألة (15).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ولو فرض أنه كان يعتبر القربة في الوقف، فالقدر المتيقن منها إِنَّما هو اعتبار قصد التقرُّب لا فعليَّة التقرُّب. وهو معقول من كلِّ كافر يؤمن بالله تعالى، وإن لم تكن فعليَّة التقرُّب حاصلة، فيكون عنوان المسجد صادقاً، فيشمله دليل حرمة التنجيس ووجوب التطهير والاحترام. ومجرد كون الواقف كافراً لا يمنع عن شمول الأدلَّة لفظيِّها ولُبِّيِّها.
نعم، لو كان الكافر يقصد الدسَّ في المسلمين، والتفريق بينهم، فهذا المسجد ليس مسجداً، فإنَّ (مسجد ضرار) نشأ من ذلك القصد، والقرآن أسقط حرمته، وحيث إنَّ الحرمة والمسجدية متلازمان في الارتكاز المتشرعي، فنفي الحرمة ملازم مع نفي المسجديَّة، فيدل الدليل الدال على إسقاط حرمة مسجد ضرار على القاعدة العامة وهو أنَّ كلَّ مسجد بُني لضرر المسلمين، لا يشمله الحكم وضعاً ولا تكليفاً.
وهذا أيضاً لا يُفرَّق فيه بين الكافر والمسلم، فإنَّ المسلم لو قصد ذلك فلا يكون مسجده مسجداً. وأمَّا لو لم يكن غرض الكافر ذلك، فلا بأس بدعوى إطلاق الأدلَّة لُبِّيِّها ولفظيها لهذا المسجد.
إنَّ الكتابي أوقف الأرض معبداً لعبادات دينه.
فهنا لا إشكال ولا ريب في عدم شمول أحكام المسجد، بما فيه وجوب الاحترام لهذا المسجد، بل لا يُظَنُّ بفقيه أنه يُفتي بذلك، بل إنَّ نفس وقفه باطلاً، لأنَّه وقف على جهة من جهات الضلال. حتى لو صدر من ذمي. وإبقاء الذميين على معابدهم ليس معناه تصحيح هذه المعابد واقعاً، بل إقرارهم على
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
السلوك الخارجي سياسياً، وهذا الوقف الباطل لا معنى لأن يترتَّب عليه أحكام المسجد حتى لو سُلِّم صحة الوقف.
بقي أمر يقع فيه السؤال عن كونه صغرى للصورة الأولى أو الثانية وهو: ما إذا أوقف الذمي كنيسة، فإنَّ مفهوم الكنيسة والبيعة لا يخلو من إجمال، لكن على أيِّ حال الوقف باطل ولا يترتب عليه حكم أصلاً سواء قلنا إنَّ مفهوم الكنيسة هو مفهوم المسجد أو أنه مغاير له.
أما بطلانه؛ فلأنَّه مصداق للاضرار بالمسلمين، وصرفهم عن دينهم، ثُمَّ لو فُرض صحته أيضاً لا يترتَّب عليه أحكام المسجد، فإنَّ الكنيسة والمسجد متقابلان بحسب الارتكاز المتشرعي، وكُلَّما عُلِّق الحكمُ على المسجد لا ينبغي التأمُّل في عدم شموله للكنيسة.
إنَّه قبل الإسلام وحينما كانت شريعة الكتابي شريعة حقة أوقف المسجد لأجل الشعائر الدينية إلَّا أنَّ هذه الشعائر أصبحت ضلالاً فيبطل الوقف، وليس هذا الوقف من قبيل المسجد أصلاً، فإنَّ المسجد ليس هو المكان الذي أوقف للعبادة – حتى لو أوقف المسلم مكاناً لذلك- فإنما المسجدية اعتبار قائم بالمكان لا بالأعمال التي تقام عليه.
أن يفرض أنَّ هذا المسيحي قبل الإسلام يقف الأرض مسجداً، وتعقُّل هذه الصورة مبنيٌّ على أن نقول: إنَّ اعتبار المسجدية كان موجوداً قبل
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الإسلام، وإنَّه من الاعتبارات المشتركة بين الأديان، كما قد يُتخيَّل، ويقال برجوع مفهوم المسجد والبيعة والهيكل والكنيسة إلى مفهوم واحد، فيكون اعتبار المسجدية موجوداً، لكن بلغةٍ أخرى.
لكن الظاهر أنَّ هذه المفاهيم وإن كان لها قاسم مشترك وهو تخصصها للعبادة وكونها محررة عن ملكية الناس، فإنَّ المعبود أجلُّ من أن يكون مالكاً بالملكية الاعتبارية، فيراد بذلك التحرير لا نقله من المالك البشري إلى المعبود، مع هذا يختلف المسجد عن غيره من تلك المفاهيم. فإنَّ كون الشيء للإله المعبود اعتبر بتوسط (المسجديَّة) في الإسلام؛ باعتبار أنَّ السجود هو أساس العبادة وركن الصلاة، فهو إيجاد لذلك الواقع المشترك بتوسط هذا العنوان المُشير إلى تلك الحصة المشتركة.
وأما جعل المكان (مَرْكَعاً) أو (مَسْبَحاً) فلا يصحُّ جعله وسطاً لذلك، وأنّه أُنشئ ذلك الواقع بتوسط عنوان آخر، فلا يكون مسجداً.
وهذا العنوان (المسجد) إِنَّما جُعل واسطة في الإسلام، ولا يعلم ثبوته قبله، فالكتابي إن أنشئ تلك الحصّة بعنوان آخر، فليس مسجداً بلا إشكال، وأمَّا إذا أنشأها بتوسط هذا العنوان فهو ليس مشروعاً قبل الإسلام. وأمَّا في بعض الروايات من أنَّ المسجد الحرام كان منذ خلق الله تعالى الأرض، فلها تخريجات خارج حدود التبعات الفقهية.
ومن مجموع ما ذكرناه اتضح أنَّ مساجد اليهود والنصارى غير مشمولة للحكم إلا في صورة واحدة هي الأولى.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
قوله: (وأما مساجد المسلمين…) اتضح حاله مِمَّا ذكرناه أيضاً، فإنَّنا بيَّنا أنَّ الكافر إذا أوقف مسجداً ولم يكن من قصده الإضرار فيكون وقفه صحيحاً، فكيف لو أوقف المسلم من الفرقة المحقَّة، فإنَّه يكون صحيحاً أيضاً. إلّا أنّه لو استهدف الدس والإضرار لا يكون صحيحاً بلا فرق أيضاً بين السني والشيعي. بل حتى الفِرق المحكوم بكفرها أيضاً كذلك.
المسألة 16: إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءاً من المسجد، لا يلحقه الحكم من وجوب التطهير وحرمة التنجيس. بل وكذا لو شكّ في ذلك، وإن كان الأحوط اللحوق(1).
تارةً نبني على أنَّ المسجدية اعتبار قائم بالمكان، وأنَّ الحائط والسقف والأخشاب ونحوها، ليس محطّاً لاعتبار المسجدية، وإنَّما هي عمارة المسجد(2).
وأخرى نفرض أنَّها اعتبارٌ قائمٌ بهذه المعاني، بحيث يمكن أن تتعلَّق بالأرض دون الجدران أو بالجدران دون الأرض.
ــــــــــ[267]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 89، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة (16).
(2) لاحظ مسالك الأفهام 5: 397، كتاب الوقف، النظر الثالث في اللواحق المسألة السابعة.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإن بنينا على أنَّ المسجديَّةَ اعتبارٌ قائمٌ بالمكان كما هو الصحيح، فالظاهر أنَّ المستفاد من الأدلَّة اللفظية:
أنَّ ما يكون عمارة لهذا المكان يشمله الحكم دون ما يكون عمارة لمكان آخر، وإن كان ملاصقاً لذلك المكان، فإنَّه إذا جعل هذا من المكان مسجداً فعمارته هو حائطه وبابه مثلاً، وأمَّا القسم الآخر المكشوف من المكان، فعمارته ليست عمارة المسجد، فالحكم بوجوب التطهير وحرمة التنجيس لا يكون ثابتاً لذلك الجزء الآخر من المكان.
وأمَّا عِمارة المسجد فيحرم تنجيسها وإن لم تكن مسجداً:
أما الدليل اللُّبِّيّ فواضح، إذ لا معنى لتنجيس المكان بغض النظر عن عمارته.
وأمّا الأدلَّة اللفظيَّة كرواية علي بن جعفر فلم يُؤخَذ فيها كونه وقفاً بل يقول: “الدَّابَّة تَبُولُ فَيُصِيبُ بَوْلُـهَا المَسْجِدَ أَوْ حَائِطَهُ“(1)، سواء كان وقفاً أو لم يكن، فإنَّ الحكم لم يرد عليه بعنوان كونه مسجداً، بل بعنوان كونه حائط المسجد.
ومنه يظهر الحال فيما إذا بنينا على المشهور من أنَّ المسجديَّة اعتبار قائم بالعمارة، فإنَّه يشمله الحكم أيضاً.
ــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) قرب الإسناد: 205، أبواب الصلاة، في القراءة، الحديث 794، وسائل الشيعة 3: 411، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 18.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإن الارتكاز بالنسبة إليه موجودٌ، إذ يرى أنَّ تنجيس الحائط تنجيسٌ للمسجد.
كذلك الأدلَّة اللفظيَّة أُخذ فيها عنوان (حائط المسجد) سواء صدق عليه أنَّه مسجد أو لا.
وأمَّا ما يصدق عليه أنه عمارة مكان آخر غير المسجد، وإن كان متصلاً بالمسجد، فمن المعلوم أنه ليس عمارةً للمسجد الحكمُ بحرمة التنجيس ووجوب التطهير.
ومن هنا ظهر وجه التأمل فيما ذكره الماتن ووافقه عليه جملة من الآغايون(1) من أنَّ حائط المسجد إذا لم يكن مسجد لا يشمله الحكم، مع بنائهم على أنَّ الدليل هو رواية علي بن جعفر، فإنَّ هذا في غير محلِّه وإطلاق الرواية محكم.
قوله: (بل وكذا لو شك…) فإن فرضنا الشبهة موضوعية مثل أن يشك في أنَّ حائط المسجد هل وقف مسجداً أو لا. على مبناهم، وأمَّا على مبنانا فيمكن تصوير الشك في سعة المكان وضيقه.
ــــــــــ[269]ــــــــــ
(1) لاحظ مستمسك العروة 1: 514، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة عن البدن، المسألة (16)، والتنقيح في شرح العروة 2: 307، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة (16)، ولاحظ العروة الوثقى مع تعليقات العلماء العظام 1: 180، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة (16).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإنَّه على كلِّ تقدير شبهة موضوعية، تجري عنها البراءة، فلا يشمله الحكم إلا إذا وجدنا أمارة شرعية على المسجد، ولو مثل يد المسلمين، إذا كان بناؤهم على المعاملة على القسم الأكبر (المشكوك) معاملة المسجد.
المسألة 17: إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجدٍ وجب تطهيرهما(1).
على حسب قواعد العلم الإجمالي.
المسألة 18: لا فرق بين كون المسجد عامّاً أو خاصّاً. وأمَّا المكان الذي أعدّه للصلاة في داره فلا يلحقه الحكم(2).
لا إشكال أنَّ الإنسان إذا أعد مكاناً في بيته للصلاة الذي هو أدب من الآداب المستحبة فلا يلحقه حكم المسجد على القاعدة مع وجود الروايات في مثل ذلك.
وأما المسجد فيقول الماتن أنه لا فرق بين المسجد العام والمسجد الخاص من حيث شمول الحكم.
والكلام في ذلك يقع تارةً في جانب الموضوع وأخرى في جانب الحكم.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 89، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في أحكام المساجد، المسألة (17).
(2) المصدر نفسه.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الظاهر أنه يراد منه أحد أمرين:
أمَّا أن يقصد بالمسجد الخاص: المسجد الذي لا يكون عرضة لدخول كلِّ أحد فيه في مقابل العام وهو الذي يكون عرضة لذلك.
فالخصوصية والعمومية باعتبار المعرضية لوصول الناس إليه لا في جهة وقفيته. كما لو وقف الإنسان جزءاً من بيته مسجداً، ولا دليل على أنَّه بمجرد الوقف ينشأ حق لكل المسلمين في الصلاة فيه، ولو بالإستطراق في ملك الغير.
وإنَّما مقتضى القاعدة أنَّ الدخول إليه – في مثل ذلك- يكون موقوفاً على إذن المالك؛ لأنَّه يتوقف على اجتياز أرض مملوكة للمالك، فلا يكون هذا المسجد عرضة لوصول كلِّ أحد إليه وهو يصلح للفقيه أن يقول عنه إنَّه مسجد خاصٌّ في مقابل المسجد العامّ الذي لا يكون كذلك. واحتُمل قويّاً أن يكون مراد الماتن هو ذلك بقرينة تعرضه إلى المصلى في البيت.
فهذا أمر معقول وصحيح، ويكون مشمولاً للحكم بالدليلين اللفظي واللُّبِّيّ، ولا فرق بين المسجد العامّ والخاصّ في ذلك.
أن يكون المراد من المسجد الخاص: المسجد الموقوف على جهة خاصة كأهل العلم، مثل سائر الأوقاف الأخرى التي توقف على جهات معينة، ــــــــــ[271]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وحينئذٍ فيستشكل في أصل صحة هذا الوقف.
وتوضيحه: أنَّ المسجد لا يخلو أمره من أحد احتمالات أربعة:
الأول: أن يكون فكَّ الملك وتحريره.
الثاني: أنَّه تمليك له بالملكية الاعتياديَّة، ويكون الله سبحانه هو الموقوف عليه.
الثالث: أن يكون وقف المسجد تمليكاً للمسلمين.
الرابع: أنَّه تمليك لجهة العبادة والصلاة وهي جهة معنوية.
أما بناءً على الاحتمال الأول، فمن الواضح أنَّ التخصيص في المجعول الوقفي بمعنى إخراج الأرض عن كونها ملكاً ليس له نسبتان نسبة إلى جماعة دون جماعة، بل هو أمر مطلق لا يتقيَّد. فلا يكون الوقف الخاص معقولاً.
وكذلك بناءً على الاحتمال الثاني فإنَّ المالك هو الله تعالى لا الناس حتى يخصص بجماعة.
وأما بناءً على الاحتمالين الآخرين فالتخصيص أمر معقول ثبوتاً ويكون المسجد الخاص هو المسجد الموقوف على جماعة من المسلمين.
ولكنّه غير صحيح إثباتاً، حتى لو بنينا على الاحتمالين الأخيرين فإنَّه لو أوقف مسجداً على خصوص جماعة يكون الوقف باطلاً، ولا دليل على صحته، وذلك: لأنَّ تصحيح هذا الوقف غير ممكن لأنَّ عنوان المسجدية من الاعتبارات الشرعيَّة وهو يشك في أنَّه ينطبق على المسجد الذي أوقف على طبقة معينة أو لا ينطبق إلا على المسجد الذي أوقف على عموم المسلمين.
ــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ومعه لا يمكننا إثبات أنَّ المسجديَّة عنوان يمكن حصوله بالوقف على جماعة دون جماعة.
لأنَّنا إن تمسَّكنا بدليل صحة الوقف، فهو إِنَّما يتكفَّل إثبات المسجدية.
وإن تمسَّكنا بدليل جعل المسجدية، فليس فيه إطلاق وكون الإنسان مسلطاً على ما يملك وأن الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إِنَّما يعطي زمام المال بيد الواقف لا أنه يعطي زمام الاعتبار الشرعي بيده.
فإذا وقف مسجداً على جماعة فأصل ثبوت عنوان المسجدية لا يعلم انطباقه على هذه الأرض، لمحذور ثبوتي بناءً على الاحتمالين الأولين، ولمحذور إثباتي بناءً على الاحتمالين الأخيرين.
فإن كان المراد بالمسجد الخاص المعنى الأول، فهو معنى معقول، والحكم بالتعميم هو المتعيّن.
وأما إذا كان المراد المعنى الثاني فهو غير معقول، ولكن لو تنزلنا عن ذلك وفرضنا أنه معقول فهل يشمله الحكم؟
الإنصاف أنَّ شمولَ الحكم له محلُّ إشكال لأنَّ المدرك ليس إلا الإجماع والارتكاز والتصيّد من الروايات، وهذا لا إطلاق له للمساجد الخاصة، فإنَّها غير متعارفة خارجاً. ولا أقلّ من الشك في شمول الارتكاز له، ومعه فدليل حرمة التنجيس ووجوب التطهير لا يكون شاملاً له.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 19: هل يجب إعلام الغير إذا لم يتمكّن من الإزالة؟ الظاهر العدم إذا كان مِمَّا لا يوجب الهتك، وإلَّا فهو أحوط(1).
تَعرَّض فيها الماتن إلى وجوب الإعلام، فلو تنجّس المسجد، واطَّلع المكلّف على نجاسة، وكان عاجزاً، وكان هناك شخصٌ عاقلٌ، فهل يجب عليه إعلام الآخر، استطراقاً إلى رفع النجاسة، عسى أن يقوم بالوظيفة الشرعيَّة فيزيل النجاسة عن المسجد، أو أنَّ الإعلام غير واجب؟
وفي ذلك صورتان:
الأولى: أن يفرض أنَّ بقاء النجاسة في المسجد لا يلزم منه الهتك له.
الثانية: أنَّها من حيث النوع أو كيفية التلطخ بحيث لو بقيت لكانت هتكاً للمسجد.
أما في الصورة الأولى فقد ذكر السيد الحكيم في المستمسك(2) أنَّ وجوب الإعلام مستدرك أي أنه ليس بحاجة إلى بحث جديد بعد الفراغ عما سبق من أنَّ المباشرة ليست شرطاً في أداء هذا الواجب.
ــــــــــ[274]ــــــــــ
(1) المصدر نفسه.
(2) مستمسك العروة الوثقى 1: 514، 515، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة (19).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
توضيح ذلك: أنَّ الواجب وهو غسل المسجد، إذا فرض أنَّه قُيِّد بقيد المباشرة، فلا إشكال في عدم وجوب الإعلام؛ لأنَّ هذا لا يتمكن من مباشرة الغسل. فالتكليف في حقه ساقط. فلا يجب عليه شيء، ولكن تقييده بالمباشرة غير موجود، بدليل ما تقدَّم من أنَّ الواجب يتحقَّق فيما إذا استأجر شخصاً آخر للتطهير، وحينئذٍ فيجب الإعلام.
والتحقيق في المقام: أنه يوجد فرق بين الاستئجار وبين وجوب الإعلام، ولا ملازمة بين القول بوجوب الاستئجار لغسل المسجد وبين وجوب الإعلام، وليس المبنى في المسألتين واحدا، فإنَّ ما يصدر من المكلّف من الغسل يتصور على ثلاثة أنحاء:
النحو الأول: أن يكون غسلاً مباشراً من قبل المكلّف.
النحو الثاني: أن يقع الغسل لا بالمباشرة ولكنه مستند إلى المكلّف استناداً تسبيبياً بحيث يصدق عرفاً أنه غسله؛ كما لو استأجر شخصاً للغسل بحيث أصبح الأجير ملزماً من قِبله بالغسل، فيصدق أنه غَسْل المستأجر، لكون الغسل معلولاً له. وأن إرادة الأجير مقهورة وتحت الشعاع بالنسبة إلى إرادة المستأجر.
النحو الثالث: أن يكون الغسل مستنداً إلى شخص آخر وتكون إرادة ذلك الشخص تحت سلطانه مستقلاً. كالإعلام بالنجاسة، فإنَّه لا يصدق على من ينبه عليها أنه غسل -عرفاً- ولو بنحو من التوسُّع.
أما النحو الأوَّل فلا إشكال في كونه مصداقاً للواجب.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأما النحو الثاني وهو الغسل التسبيبي فكذلك(1).
وإنما الكلام في مصداقية القسم الثالث. فمن هنا يعرف أنه لا ملازمة بين المسألتين: بين الاكتفاء بالاستيجار ووجوب الإعلام، ولا وجه للاستغراب من الماتن في أنَّه أفتى بوجوب الاستيجار ولم يُفتِ بوجوب الإعلام.
فمن هنا قد يُقال: إنَّ ما دلَّ الدليل على وجوبه وهو الغسل غير مقدور، وما هو مقدور له وهو الإعلام لم يدلَّ الدليل على وجوبه. بخلاف ما لو تمكن من الاستيجار فإنَّه قد يدَّعي الماتن أنَّ الواجب هو الغسل المستند إلى المكلّف ولو بالتسبيبية.
وهناك تقريب آخر ذكره السيد الأستاذ(2): أنَّ الأمر بالغسل لو جمدنا على حاق لفظه، لقلنا إنَّه ساقط عن المؤمن العاجز لعجزه، لكنَّنا لا نجمد على حاقِّ لفظه، بل نلتفت إلى غرضه، فهل هو سنخُ غرضٍ يُقدَّم بمباشرة المكلَّف، أو هو أن تكون مساجدُ الله طاهرةً في الخارج؟
لا إشكال أنَّ الغرض هو الثاني، وهذا الغرض لزوميٌّ، ببرهان أنَّه نشأ منه أمرٌ لزوميٌ، والغرض اللزوميّ يجب حفظه مهما أمكن، ويحرم تفويته مهما أمكن. ومن هنا قال: إنَّه لا يقاس مسألتنا بالموارد التي لا إشكال بعدم وجوب
ــــــــــ[276]ــــــــــ
() بناء على ما تقدم من جواز الإجارة، (المقرر).
(2) فقه الشيعة 4: 88ـ 90، كتاب الطهارة، فصل وجوب ازالة النجاسة عن المساجد، المسألة (19).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الإعلام فيها، فإنَّ تلك الموارد أُخذ فيها المباشرة قيداً في التكليف.
وتحقيق الكلام في هذا البيان: أنَّ هذا البيان أيضاً لا يمكن أن يفي بإثبات المقصود، فإنَّ ما قيل من أنَّ الغرض هو كون بيوت الله طاهرة من دون أن تكون المباشرة قيداً فيه، وكون هذا الغرض غرض لزومي يجب حفظه أيضاً لا إشكال فيه، لكن حفظ الغرض ليس أمراً بسيطاً بل هناك أنحاء له، وقد يكون بعض أنحائه لزومي، وبعضها غير لزومي.
فمثلاً: إذا كان هناك غرضٌ في أن يتحقَّق هذا الواجب، فإنَّ فواته يمكن أن يكون بأحد نحوين:
الأول: بالنسيان، ويكون حفظه في مقابل ذلك بإيجاب التذكّر، والبقاء على الانتباه.
الثاني: بالتفويت العمديّ، وحفظه في مقابل ذلك بالإلزام بالعمل عند التذكُّر.
والمولى يلزم بحفظ هذا الواجب في مقابل التفويت العمديّ، ولا يلزم بحفظه في مقابل التفويت النسيانيّ.
مثال آخر: أنَّ هناك غرضاً بوصول الماء إلى جميع أجزاء بدن المغتسل فإذا رأينا قسماً من بدنه لم يصل إليه الماء، فهل يجب حفظ ذلك الغرض بتنبيهه على ذلك؟ كلا، وإنما الواجب هو حفظ هذا الغرض من قبل الجُنب نفسه، وليس واجب الحفظ من قبل غيره.
ــــــــــ[277]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهنا معناه أنَّ الغرض له أنحاء من الحفظ، وقد يكون بعضها لازماً وبعضها غير لازم.
وإذا اتضح ذلك قلنا: إنَّ طهارة المسجد لها نحوان من الحفظ: المباشر والإعلام. وإذا كان النحو الأوَّل من الحفظ لازماً فإنَّه لا يلازم أن يكون الثاني لازماً، وإنما يحتاج وجوبه إلى دليل والدليل هو الخطاب. وقد قال الخطاب: (اغسل) ولم يقل (أعلِم). ومعه يمكن التفكيك بين هذين النحوين من الحفظ.
وحيث إنَّ الحكم بتطهير المسجد من المظنون انه حكم احترامي فشأن الأحكام الاحترامية هو ذلك عرفاً، فلو دخل شخص إلى المجلس وكان شخص قادراً على القيام احتراماً لزمه ذلك عرفاً وأمَّا لو كان عاجزاً فلا يرى العرف لزوم إعلامه للآخر بقدوم القادم ليقوم الآخر له. فالتفكيك بين العنايتين أمر عرفي، وعلى هذا فالظاهر عدم وجوب الإعلام.
إذا لزم من بقاء النجاسة هتك المسجد فلا إشكال في وجوب الإعلام، لأنَّنا نعلم علماً لبيّاً ارتكازياً أنه غرض يجب حفظه بأي طريق ممكن ما لم يلزم الحرج الشديد فيكون الإعلام واجباً بغض النظر عن ظواهر الأدلة.
ــــــــــ[278]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 20: المشاهد المشرّفة كالمساجد في حرمة التنجيس، بل وجوب الإزالة إذا كان تركها هتكاً، بل مطلقاً على الأحوط، لكنّ الأقوى عدم وجوبها مع عدمه. ولا فرق بين الضرايح وما عليها من الثياب وسائر مواضعها إلَّا في التأكّد وعدمه(1).
بعد الفراغ عن وجوب التطهير وحرمة التنجيس للمساجد، يقع الكلام في أنَّ المشاهد المشرفة هل تُلحَق بالمسجد في كلا هذين الحكمين أو لا تلحق فيهما أو يفصل بينهما، فيلتزم بحرمة تنجيسها وعدم وجوب تطهيرها؟ وجوه.
لا بُدَّ من ذكر مدارك الإلحاق، ثُمَّ يُنظَر في كلِّ مدرك هل يقتضي الإلحاق في كلا الحكمين أو في أحدهما.
ما ذكره السيد الأستاذ(2): من أنَّ المشاهد المشرفة مزارات بمعنى أنَّها موقوفة لأجل منفعة معينة وهي كونها مزارات والموقوف عليه هو الإمام أو المسلمون.
ــــــــــ[279]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 90، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في احكام المساجد، المسألة (20).
(2) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 312، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة (20)، وفقه الشيعة 4: 96، كتاب الطهارة، فصل وجوب ازالة النجاسة عن المساجد، المسألة (20).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإن كان هو الإمام، بمعنى أن تكون مزاراً له، فبما أنَّه هو المزور فهو المنتفع.
وإن كان هو المسلمون باعتبارهم زائرين فيكونون هم المنتفعون. فإن كان الموقوف عليه هو الإمام فهو المالك بنحو حبسي، وإن كان الموقوف عليه هو المسلمون فهم المالكون بنحو حبسي.
وعلى كِلا التقديرين أنَّ الواقف وقفهُ لأجل كونه مزاراً، ولا إشكال أنَّ وصف الطهارة من الأوصاف الملحوظة للواقف في المزارات الدينية، وإنها يطلب بقاؤها والتحفُّظ عليها. فيستكشف أنّه وقف المشهد ليكون مزاراً بما هو موصوف بهذا الوصف.
إذن فبالتحليل: الحبس حبس للعين بما هو موصوف لا بذاته، فالحبس يشمل الوصف أيضاً، وفي مثل ذلك يجب المحافظة على الوصف، كما يجب المحافظة على العين.
وهذا البيان لو تم فينحصر الإلحاق في حرمة التنجيس، ولا يقتضي الإلحاق في وجوب التطهير؛ لأنَّ لزوم إبقاء وصف الطهارة باعتبار أنه حبس من قبل الواقف فلا يجوز تغييره. لكن لو تغير فلا دليل على وجوب الإرجاع.
إلّا أنَّ هذا البيان مِمَّا لا يمكن المساعدة عليه لأنَّه يرد عليه:
أولاً: أنَّ بعض القبور لم تحدث وقفيتها في طول القبر الشريف، بل كانت أوقافاً ودفن فيها الإمام كمقبرة الإمامين الكاظمين، فإنَّها كانت مقبرة عامة.
فلو أريد إثبات الحكم للقبر الشريف بلحاظ نظر الواقف فلا بُدَّ من الرجوع
ــــــــــ[280]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إلى نظره، وحينئذٍ لا معنى لافتراض أنَّ الواقف قد لاحظ وصف الطهارة.
ومن حيثيات الاعتراض الأول: أنَّ مسألة الروضة في الرواق والصحن لم تكن ثابتة من الأول، وصاحب هذا البيان يعترف أنَّ الصحن يجوز تنجيسه ولا يجب تطهيره مع أنَّه موقوف، فإذا وسعت الروضة وأخذت من الرواق ووسع الرواق وأخذ من الصحن، فهذا الجزء من الروضة كان صحناً ولم يحدث فيه وقف جديد بعد التوسيع. فكيف الذي كان يجوز تنجيسه أصبح لا يجوز، مع أنَّه لم يحدث وقف جديد؟
وهذا دال على أنَّنا لا ينبغي أن ننظر إلى نظر الواقف.
وثانياً: أنَّه لو سُلِّم أنَّ المقابر الشريفة لم تكن وقفاً قبل الدفن بل كانت أرضاً مباحة أو خصصنا الكلام فيما كان كذلك كحرم أمير المؤمنين، فهل تكون المقابر وقفاً؟ الظاهر أنَّ القبر يكون ملكاً للميت نفسه.
توضيح ذلك:
أنَّه مرَّةً: يملك شخص أرضاً، ويقفها على أن تكون مقبرة للمسلمين، فهذه وقف.
وأخرى: يفرض أنَّ الأرض من الأرض الموات وجاء شخص فدفن فيها ميِّتاً فأحياها بالدفن، فتملك بالإحياء، وحيث إنَّ الإحياء إحياء للميِّت لا للحي، فالذي يملك الأرض هو الميت، فإنَّ المالك هو من أحييت له الأرض لا المحيي، فلو أحيا شخص لأبيه، كان الأب هو المالك. ومن هنا لا تنتقل الأرض إلى ورثة الدافن.
ــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وحيث إنَّ الميِّت سنخ مالك لا ينتفع بهذه الأرض، إلا بأن تستر جثَّته فينتفع منها بهذا المقدار. وحينئذٍ فأيُّ تصرُّفٍ يزاحم مع انتفاعه فهو حرام. وأيُّ تصرُّفٍ لا يزاحمه جائز ولا بأس به؛ لأنَّ أدلَّةَ عدم جواز التصرُّف بمال الغير منصرفةٌ عن هذا الملك إلى أملاك الإحياء، فهل يقول صاحب هذا البيان أنَّ القبر لا بأس بتنجيسه؛ لأنَّه ليس وقفاً، وإنَّما المزار لا يجوز تنجيسه؟!
وثالثاً: أنَّه من قال لنا إنَّ وصف الطهارة لوحظ للواقف الذي أوقف الأرض مزاراً حول القبر الشريف؟
نعم، مقتضى الذوق الشرعي هو ذلك، إلَّا أنَّ مجرَّد ذلك لا يثبت ذلك، ولو فرض فمن قال: بأنَّهم لاحظوا الطهارة في سقوفه ومعلقاتهُ التي لا أثر لنجاستها على الزوار أصلاً؟ فهذا مجرَّد تخمين لا دليل عليه.
فالصحيح أنَّ إثبات المطلوب بهذا البيان غير ممكن.
المدرك الثاني للإلحاق(1): أن يقال: بأنَّ المشاهد المشرفة من شعائر الله، ومن المحلَّات المنسوبة إليه عزَّ وجلَّ، وتعظيم شعائر الله تعالى من تقوى القلوب، ولا إشكال أنَّ تبعيد النجاسة وتنقيتها منها نحو تعظيم لهذه الشعار فيكون واجباً.
وشعائر الله لا إشكال في انطباقها على المشاهد المشرفة، انطباقاً تكوينياً لا ــــــــــ[282]ــــــــــ
(1) لاحظ مستمسك العروة الوثقى 1: 515، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة عن البدن، المسألة (20).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
جعلياً انشائياً، فإنَّ لشعائر الله مصداقان:
1- مصداق إنشائي جعلي كالصفا والمروة، ولولا هذا الإنشاء لكان حالهما حال سائر التلال والجبال.
2- وأمَّا في المشاهد المشرفة لا دليل على وجود مثل هذا الجعل، ولكن لا نحتاج إلى ذلك فإنَّه فرد تكويني من شعائر الله تعالى لأنَّ إضافة المشهد إلى الإمام إضافة تكوينية؛ لأنَّه قبر له، وإضافة الإمام إلى الله تعالى إضافة تكوينيَّة، باعتبار كونه مُبلِّغاً عنه وحجة له، وإذا كان محتاجاً إلى جعل فهو جعل الإمامة لا جعل الشعيريَّة.
وكون شعائر الله تعالى يجب تعظيمها بنحو القضية المهملة مِمَّا لا إشكال فيه. لكن الإشكال في الموجبة الكُلِّيَّة بحيث يجب كلُّ ما هو تعظيم لشعائر الله سبحانه، وهذا إن لم ندَّعِ القطع الوجداني بعدمه فلا أقلّ من الشك. فمثلاً: أنَّ تقبيل الأرض من أنحاء التعظيم مع أنَّه غير واجب جزماً ووجداناً، ومعه لا يمكن تتميم هذا المدرك.
المدرك الثالث للإلحاق(1): مركب من مقدمتين إذا تمتا تم المدرك.
المقدمة الأولى: أنَّ الحكم بحرمة تنجيس المسجد ووجوب تطهيره حكم احترامي باعتبار تعظيم المسجد، وليس تعبُّدياً صرفاً، فإنَّ الأحكام التي يكون
ــــــــــ[283]ــــــــــ
(1) لاحظ دليل العروة الوثقى 2: 156، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة، المسألة (20).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
لها نكات مركوزة في أذهان العرف والمتشرعة ينصرف لسان دليلها أنَّها بلحاظ تلك النكتة.
ومن جملة ذلك هذا الحكم فإنَّه ليس حكماً تعبدياً صرفا، ولا إشكال أنَّ الارتكاز المتشرعي الذي هو عمدة الدليل اللُّبِّيّ على هذا الحكم يتضمن هذه النكتة، وهو أنه حكم احترامي لا تعبُّدي.
المقدمة الثانية: أنَّ المشاهد الشريفة للمعصومين إن لم تكن أشرفَ عند الله وأجلَّ مقاماً من المساجد فلا أقلّ من أن تكون كالمساجد التي هي من الدرجة العالية، ولا أقلّ من أن تكون كأصغر المساجد من حيث اعتبارها الشرعي وشرائطها الدينية.
ويمكن أن يُستأنس لذلك من مجموع قرائن متفرقة:
1- منها: أن المشاهد المشرفة قد حُث على السفر إليها من مسافات بعيدة دون المساجد، بل ورد في بعض الروايات: “لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ، وَمَسْجِدِ الْكُوفَةِ”(1).
2- ومنها: أنَّه يظهر من بعض الروايات أنَّ ثواب الصلاة في المشاهد أو بعضها أكثر من ثواب الصلاة في المساجد حتى المساجد العالية، فعن يونس بن يعقوب قال: “قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله: الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ أَوْ فِي الرَّوْضَةِ؟ قَالَ: فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ”(2). وبيت فاطمة وإن أُدخل في المسجد في
ــــــــــ[284]ــــــــــ
(1) لاحظ وسائل الشيعة 5: 257، باب 44 من أبواب احكام المساجد.
(2) الكافي 9: 264، أبواب الزيارات، باب 217، ح13، التهذيب 6: 8، كتاب المزار، باب 3، ح9، الوسائل 5: 284، باب59، من أبواب احكام المساجد، ح1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
زمن الأمويين، إلَّا أنَّ السؤال وقع عنه بما أنه بيت فاطمة، لا باعتبار أنه ملحق بالمسجد.
فربما يُشرف الفقيه على الاطمئنان بأنَّ جنبة احترام المشاهد المشرفة لا تقلُّ عن المسجد الاعتيادي على أقلّ تقدير.
وحيث ذكرنا في المقدمة الأولى أنَّ حرمة التنجيس ووجوب التطهير ليس حكماً تعبُّدياً صرفاً بل هو حكم احترامي، فيؤدي ذلك إلى سريان كِلا الحكمين إلى المشاهد المشرفة،
وحيث إنَّ كِلتا المقدّمتين لُبِّيَّة فيُقتصر فيها على القدر المتيقَّن، وهو الروضة بتوابعها العرفيَّةِ دون الصحن.
وهذا الوجه أحسن الوجوه، وهو إن لم يؤدِّ إلى الإفتاء بذلك فلا أقلّ من الاحتياط اللزوميّ تجاهه.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفصل الثالث
حرمة تنجيس المصحف ووجوب تطهيره
ــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 21: تجب الإزالة عن ورق المصحف الشريف وخطّه، بل عن جلده وغلافه مع الهتك. كما أنَّه معه يحرم مسُّ خطّه أو ورقه بالعضو المتنجِّس، وإن كان متطهِّراً من الحدث. أمَّا إذا كان أحدُ هذه بقصد الإهانة، فلا إشكال في (1).
والكلام في تنجيس المصحف لا بُدَّ أن يفرض أنه غير موجب للهتك وإلا فلا إشكال في حرمته.
وما يمكن أن يُستدلَّ به على حرمة التنجيس عدَّة بيانات بعد الفراغ عن حرمة تنجيس المساجد ووجوب تطهيرها.
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 91، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في حرمة تنجيس المصحف، المسألة (21).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بدعوى أنَّ هذه الآية المباركة تمنع عن مسِّ غير المُطَّهِّر للقرآن وهو كما يصدق على غير المتطهِّر من الحدث كذلك يصدق على غير المتطهِّر من الخبث. غاية الأمر أنَّنا نفهم بمناسبات الحكم والموضوع أنَّ غير المتطهِّر لا يمسّه بالبدن الذي هو غير متطهَّر، فإن كان مُحدثاً كان تمام بدنه مُحدِث.
وأما النجاسة الخبثيَّة فقد تثبت في يد دون أخرى، فيحرم مسه بالبدن غير المطهر، ولو كان جزءاً منه نجس جاز له المس باليد الطاهرة، فإذا تم ذلك يلزم بالدلالة الالتزامية العرفيَّةِ حرمة التنجيس.
وهذا الاستدلال في غير محلِّه، لأنَّه مبنيٌّ على أنَّ المراد بالطهارة في الآية معنى يشمل الطهارة الشرعيَّة الاعتبارية، وأمَّا إذا حملناها على طهارة معنوية وراء ذلك فلا يمكن الاستدلال بالآية، وهذا أمر محتمل باعتبار سياق الآية، قال سبحانه: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ
ــــــــــ[290]ــــــــــ
(1) لاحظ كتاب الطهارة (للشيخ الأنصاري) 5: 222، النظر السادس في ما يتبع الطهارة، احكام النجاسات، وجوب ازالة النجاسة عن المساجد وعن المصاحف والمشاهد المشرفة، وكتاب الطهارة (للشيخ الأنصاري) ط القديمة: 369، باب وجوب ازالة النجاسة عن المسجد.
ولاحظ: مستمسك العروة الوثقى 1: 516، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة (21) وبعد ما دفع ما قد يرد من اشكال على الاستدلال بالآية، توقف في نهاية المطاف.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
عَظِيمٌ(76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ(77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ(79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1).
وفي مرجع الضمير في قوله: لاَ يَمَسُّهُ احتمالان(2):
أحدهما: أن يرجع إلى القرآن.
ثانيهما(3): أن يرجع إلى الكتاب الذي فيه القرآن.
الاحتمال الأوَّل: فإن فرض رجوعه إلى القرآن الذي هو في الكتاب المكنون، فمن الواضح أنه يراد به المضمون والمعنى والمحتوى لا الوجود الكتبي له ويكون مسُّه بما هو معنى بمعنى الاتصال المباشرية، وهو لا يكون إلا للمطهَّرين المعصومين.
وذلك أمرٌ واضح فإنَّ الاتصال المباشر بالقرآن يختصّ بالملك والنبي، فإنَّ القرآن الكريم عبارة عن تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(، وذلك الوجود لا يتصل به أحد، وإنما نحن نسمع صوتاً حاكياً عنه، فيكون أجنبياً عن محلِّ الكلام ويتعيَّن
ــــــــــ[291]ــــــــــ
() (56/ 75-80، (المقرر). الواقعة: 75-80.
(2) فقه القرآن (الراوندي) 1: 49، كتاب الطهارة، باب احكام الطهارة، من الآية الثانية، وجامع الخلاف والوفاق: 21، كتاب الصلاة، فصل في الطهارة، والتبيان 9: 510، سورة الواقعة، الآية56، ومجمع البيان 9: 341، سورة الواقعة، الآية 56.
(3) كنز العرفان في فقه القرآن 1: 34، كتاب الطهارة، الآية الرابعة، وجامع المقاصد 1: 232، كتاب الطهارة، المقصد الرابع، الفصل الثالث في الأحكام، ومشارق الشموس 1: 48، كتاب الطهارة، القول في الواجب من الطهارات.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
حمل الطهارة على المعنى الذي يختصّ به الملائكة والأنبياء وأمثالهم.
الاحتمال الثاني: وأمَّا إذا كان الضمير راجعاً إلى الكتاب، فقد يقال: إنَّه يصبح أقرب إلى المقصود، إلّا أنَّه بقرينة توصيف الكتاب بالمكنون لا بُدَّ أن يُحمل على غير المصحف؛ لأنَّ المكنون هو المحفوظ في السرّ والخفاء، وهو عالم من عوالم الربوبية المجهول لدينا، ومعه فعلى كِلا التقديرين لا يحُمل على الطهارة الاعتباريَّة.
خصوصاً أنَّ الطهارة أُخذت بنحو اسم المفعول، فإنَّ الطهارة الاعتباريّة فاعلها عرفاً هو الإنسان نفسه. والمستفاد من الآية أنَّ الفاعل هو ذات أخرى أكبر من الإنسان، فيتعيَّن أن تكون هي الطهارة المعنويّة التي يمنحها الله تعالى للمخلص من عباده.
التمسُّك بالرواية الواردة عن إبراهيم بن عبد الحميد(1).
تارةً: يُستدلُّ بها بلحاظ تفسيرها للآية، ويقال: إنَّها قرينة على خلاف ما
ــــــــــ[292]ــــــــــ
() الاستبصار 1: 113، كتاب الطهارة، باب68، ح3، التهذيب 1: 127، كتاب الطهارة، باب6، ح35، الوسائل 1: 384، باب12 من أبواب الوضوء، ح3.
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الصَّبَّاحِ جَمِيعاً عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: “المُصْحَفُ لَا تَمَسَّهُ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ -وَلا جُنُباً وَلا تَمَسَّ خَيْطَهُ- وَلَا تُعَلِّقْهُ إِنَّ اللَّـهَ تَعَالَى يَقُولُ لاَ يَمَسُّهُ إلَّا المُطَهَّرُونَ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
قلناه، وإنَّ الطهارة مُقابِلة للحدث، فنتمسَّك بإطلاق الآية حينئذٍ.
وأخرى: يُقرَّب الاستدلال بها باعتبار صدرها وهو قوله: “عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ” تمسُّكاً بإطلاق الطهارة للخبثية أيضاً.
وكِلا التقريبين لا يتمَّان من ناحية ضعف سند الرواية، ولا أقلّ باعتبار سند الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال فإنَّه غير صحيح(1).
رواية محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن، قال: “سَأَلْتُهُ: أَقْرَأُ المُصْحَفَ ثُمَّ يَأْخُذُنِي الْبَوْلُ، فَأَقُومُ فَأَبُولُ وَأَسْتَنْجِي وَأَغْسِلُ يَدَيَّ وَأَعُودُ إِلَى المُصْحَفِ فَأَقْرَأُ فِيهِ، قَالَ: لا، حَتَّى تَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ”(2).
بتقريب أنه كان المفروغ عنده أنه قبل غسل يده لا يجوز له أن يرجع ويأخذ القرآن بتلك اليد، وإنّما الإشكال عنده أنه هل يجوز القراءة بدون وضوء أو لا؟ فسكوت الإمام يكون تقريراً له.
وهذا غير تام؛ لأنَّ غاية ما يستفاد منه أنَّ طهارة اليد أمر مطلوب، في ملاقاة القرآن، أمَّا الحكم الإلزامي فلا يُستفاد منها.
فالمتعيّن في إثبات هذا المطلب التمسُّك بروايات عدم جواز مسِّ المُحدِث
ــــــــــ[293]ــــــــــ
(1) لاحظ الاستبصار (المشيخة) 4: 317، ما ذكرته عن علي بن الحسن بن فضال فقد اخبرني به احمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر سماعاً منه، واجازة عن علي بن محمد بن الزبير عن علي بن الحسن بن فضّال).
(2) قرب الإسناد: 395، احاديث متفرقة، ح: 1386، الوسائل 6: 196، باب 13 من أبواب قراءة القرآن، ح1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
للقرآن الكريم، بالنحو الذي ذكره الشيخ الأنصاري، حيث ذكر أنَّها تدلُّ على حرمة مسِّ اليد النجسة للقرآن.
وليس هذا قياساً حتى يستشكل عليه -كما في إفادات السيد الأستاذ وغيره- وإنما هو في مقام بيان هذه النكتة، وهي أنَّ الروايات التي دلت على حرمة مسِّ الجنب للقرآن الكريم تدل بالدلالة الالتزامية العرفيَّةِ على حرمة المس بالنجس أيضاً، فإنَّ مسَّ الجنب من دون أن يُخلِّف أثراً إذا كان حراماً، فمسُّ الأصبع المتنجِّس أشدّ تأثيراً، وهذه الأولويَّةُ العرفيَّةُ توجب وجود دلالةٍ التزاميةٍ عرفيَّةٍ لنفس تلك الروايات.
وهذا إن لم يكن صحيحاً بنحو يُصار إلى الأفتاء به، فلا أقلّ من قوَّة احتماله بنحو لا بُدَّ من الاحتياط اللزوميّ.
نعم، هذا يختصّ بنقش القرآن ولا يشمل غيره، لأنَّ مسَّ المحدِث تختص حرمته بالنقش ولا تشمل غيره، فيكون تنجيس غيره جائزاً.
المسألة 22: يحرم كتابة القرآن بالمركّب النجس، ولو كتب جهلاً أو عمداً وجب محوُه، كما أنَّه إذا تنجّس خطُّه ولم يمكن تطهيره يجب محوُه(1).
بعد أن فرغ من المسألة السابقة عن حرمة تنجيس المصحف الشريف، ــــــــــ[294]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 91، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في حرمة تنجيس المصحف، المسألة (22).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وفرغ -مثلاً- عن وجوب تطهيره .. فرّع عليه فروعاً:
منها: أنّه لا يجوز كتابة القرآن الكريم بالحبر النجس، بحيث يوجد القرآن متلبساً بالنجاسة من أول الأمر، وإن كتب به يتعيَّن محوه.
ومن الواضح أنَّ هذين المطلبين: -(الكتابة) و(المحو)-، لا يصدق عليهما عنوان (التنجيس) و(التطهير)، فلو جمدنا على هذين العنوانين بالنسبة إلى المصحف، فإنَّه لا يصدق عنوان (التنجيس) على كتابة القرآن بحبر نجس، بل هو إيجاد له بنحو نجس. كما أنَّ محوه ليس تطهيراً له بل هو إعدام وافناء.
والتطهير إِنَّما يصدق إذا حُفِظ الموضوع، وأُزيلت عنه صفة النجاسة، ولكن إذا فرض أنَّ هذا الدليل الذي يفترض دلالته على حرمة التنجيس ووجوب التطهير، سواء كان ارتكازيّاً أو لفظيّاً.. إذا فُهِم منه بمناسبات الحكم والموضوع أنَّ التنجيس والتطهير إِنَّما يحرم ويجب باعتبار أنَّ شأن القرآن الكريم لا يناسب مع النجاسة، فالتنجيس لم يلحظ بعنوانه بل باعتبار أنه لا يناسب الجمع بين القرآن وبين النجاسة والتطهير لم يلحظ بعنوانه أيضاً، بل قضاء على الجمع بين القرآن والنجاسة. وهذا وإن كان تأويلاً للتطهير والتنجيس، إلا أنَّه قد تقتضيه مناسبات الحكم والموضوع فيتم كلا الأمرين.
وقد يُتخيَّل في المقام الاستشكال في الحكم الثاني، وهو وجوب المحو لو كُتب بحبر نجس. بأن يقال(1): إنَّ وجوب التطهير وحرمة التنجيس أحكام
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) لاحظ دليل العروة الوثقى 2: 160، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة، المسألة (22).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
احترامية كما سبق أن أشرنا إليه، فلا معنى لأن يطبَّق هذا الاحترام على إعدام الموضوع الذي يراد تعظيمه واحترامه. فإنَّ ما لا تنحفظ معه الذات لا يُنتزَع منه عنوان الاحترام عرفاً.
وحيث إنَّ هذه أحكام احترامية وليست تعبدية صرفة، فلا تشمل موارد ما إذا لزم منه الإعدام. ومن هنا بنينا فيما سبق أنه لو توقف تطهير المسجد على هدمه، كما لو كانت مواد البناء من الجصّ والآجر كلها نجسة، فلا يجب هدمه؛ لأنَّه ليس احتراماً له. فإنَّ احترام الشيء إِنَّما يكون مع إنحفاظ الموضوع.
إلا أنَّ هذا الإشكال في غير محلِّه، في المقام لأنَّ محو المصحف الشريف ليس إفناء لما يجب احترامه.
توضيحه: أنَّ الحكم وإن كان احترامياً، لكنه احترام لأيِّ شيء؟ هل المحترم بهذا الاحترام هو هذه النسخة الشخصية للمصحف؟
إذا كان كذلك فمحوها لا يكون احتراما؛ لأنَّنا نفني هذه النسخة. كما أنَّ الامتناع عن وجودها لا يكون تطهيراً لها فإنَّ دفع الوجود ورفعه لا يكون احتراماً عرفاً له.
ولكن الأمر ليس كذلك، بل يمكن أن يفرض الاحترام مضافاً إلى القرآن الكريم الذي له وحدة معنويّة شخصيّة، وتكون كلُّ نسخة له وجوداً كتبياً لذلك الواحد بالشخص، وما يجب احترامه هو ذلك الواحد، وأحد أنحاء احترامه أن لا يُلبَس ورقاً نجساً أو نقشاً نجساً. وحينئذٍ فلا بُدَّ من تطهير لباسه،
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإن أمكن مع وجوده فهو وإلا أتلف اللباس.
وهذا هو الفرق بينه وبين المساجد، فإنَّ كلَّ مسجد موضوعٌ مستقلٌّ للاحترام في نفسه، وليس أنَّ المساجد كلَّها نسخٌ لمسجد واحد كُلِّيّ هو (ربُّ النوع) للمساجد، فإنَّه تصويرٌ غير عرفيٌّ. بل إنَّ كُلَّ مسجد موضوعٌ مستقلٌّ للاحترام. ومن هنا لم يجب احترامه بالتخريب لأنَّه لا ينتزع منه عنوان الاحترام، وهذا بخلاف محلِّ الكلام.
المسألة 23: لا يجوز إعطاؤه بيد الكافر، وإن كان في يده يجب أخذه منه(1)
فهنا فرعان:
وهنا لا بُدَّ أن نُميِّز بين مسألتين، بينهما عموم من وجه:
إحداهما: إعطاء المصحف بيد الكافر بما هي جارحة.
ثانيتهما: اعطاؤه بيده بما هي سلطنة بمعنى جعله تحت استيلائه وبين المطلبين عموم من وجه كما هو واضح.
أما العنوان الثاني: وهو كون الكافر مسلَّطاً على المصحف، تعرَّض له
ــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 91، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في حرمة تنجيس المصحف، المسألة (23).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفقهاء في (المكاسب المحرمة) في ذيل مسألة بيع العبد المسلم(1)، وأفتى جماعة بعدم الجواز إمَّا باعتباره إهانة، أو استظهاره الفحوى مِمَّا دلَّ على حرمة بيع العبد المسلم إلى الكافر.
وأما العنوان الأول: وهو اعطاء المصحف بيد الكافر، فالنظر فيه إلى جنبة المس، وهو منظور الماتن في هذه المسألة.
وحينئذٍ فيقع الكلام في أنَّه هل يجوز ذلك أو لا؟ وقد يُقرَّب عدم الجواز بوجوه:
الوجه الأول: أنَّ الكافر نجس(2)، فإذا سلَّمنا إليه المصحف، فحيث إنَّه عادةً سوف يُنجِّس المصحف، فيكون تسليمه إياه تنجيساً من قِبلنا. من قبيل أننا وضعنا المصحف الشريف في معرض وقوع نجاسات عليه، فإنَّه يكون تنجيساً فيكون حراماً.
إلّا أنَّ هذا الوجه غير صحيح؛ لأنَّ هناك فرقاً بين محلِّ الكلام وبين المثال، فإنَّه لو وضع الكتاب الكريم في معرض النجاسة، فهذا يكون تنجيساً، وأمَّا في محلِّ الكلام فحيث إنَّه يتوسط بين فعلنا وبين التنجيس فعل اختياري غير مقدور لنا
ــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) لاحظ كتاب المكاسب المحرمة (الأنصاري) 2: 155، النوع الخامس مِمَّا يحرم التكسب به، المسألة الأولى.
(2) لاحظ دليل العروة 2: 160، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة، المسألة (23)، علماً أنَّ هذه الوجوه وردت في كتاب التنقيح في شرح العروة 2: 316، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة 23. ونقدها أيضاً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وغير مسبب عنا هو إرادة الكافر واختياره بملاقاة المصحف برطوبة، فلا يصدق عليه أنه تنجيس من قبلنا، بل هو إعانة على التنجيس، ومن هنا يأتي:
الوجه الثاني: وهو أنَّ إعطاءه المصحف مع الملازمة العادية بالتنجيس إعانة على التنجيس، فيكون حراماً؛ لأنَّ الإعانة على الحرام حرام.
وهذا أيضاً غير صحيح؛ لأنَّنا نذكر الكبرى، وهي حرمة كلِّ إعانة، فإنَّ الإعانة في غير الظلم لم يثبت دليلٌ كُلِّيٌّ يدلُّ على حرمتها.
نعم، الإعانة على الظلم ثبتت حرمتها باعتبارها ظلماً أيضاً.
الوجه الثالث: أن يُقال: إنَّ الدليل الذي دلَّ على حرمة تنجيس المصحف الشريف لو كان بعنوان (يحرم تنجيسه)، لم يكن تاماً في المقام؛ لأنَّ إعطاءه بيد الكافر ليس تنجيساً؛ لأنَّه ينجسه باختياره، لكن متعلق التكليف هو المس في قوله تعالى: لاَ يَمَسُّهُ إلَّا المُطَهَّرُونَ، بناءً على مدركيَّة الآية لهذا الحكم، فيجب على كلِّ مكلّف أن يُحقِّق مفاد هذه الآية، وجعل القرآن بنحو لا يمسُّه إلا المطهَّرون، وحيث إنَّ هذه النجاسة أمر اختياري للمسلم، فتحرم عليه.
وهذا دليلٌ لو تمَّ يكون دليلاً على الفرع الثاني أيضاً.
وهو وجوب انتزاعه منه لو رأيناه بيده؛ لأنَّ متعلق الوجوب هو عنوان لاَ يَمَسُّهُ إلَّا المُطَهَّرُونَ، وليس وجوب الانتزاع من باب النهي عن المنكر، حتى يُعترَض عليه بما جاء في كلمات السيد الأستاذ من أنَّه لا يجب علينا نهي الكفار عن المنكر؛ لأنَّنا نقول: إنَّ وجوب انتزاعه ليس من باب النهي عن
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المنكر، بل امتثال الأمر المتوجه إلينا، وهو أنه لا يمسه إلا المطهرون.
هذا كله لو تم الاستدلال بالآية الكريمة، وأمَّا مع عدم تماميته فلا يتمُّ هذا التقريب.
ومعه فلا يحرم إعطاء المصحف الكافر بيده، ولا يجب انتزاعه منه إلا إذا كان يترتب على ذلك إهانته أو يكون في معرض الإهانة، بحيث نحتمل أنه يرتكب مع القرآن الكريم أعمالاً يشفي بها الكافر حقده وغليله.
هذا هو تمام الكلام في هذه المسألة.
المسألة 24: يحرم وضع القرآن على العين النجسة كما أنه يجب رفعها عنه إذا وضعت عليه، وإن كانت يابسة (1).
هذا مطلب إضافي غير مستبطَن في حرمة التنجيس؛ لأنَّ العين النجسة إذا كانت جافّة فلا يحصل بملاقاتها مع المصحف تنجيسٌ، ولا يكون رفعُها تطهيراً، فلا يمكن استفادة ذلك من دليل وجوب التطهير وحرمة التنجيس مع الجمود على العنوانين، ومعه فقد يُستشكَل في هذا الحكم.
ولكن لا بُدَّ -بحسب الحقيقة- من ملاحظة الدليل المفترض لوجوب تطهير المصحف وحرمة تنجيسه، فإن كان دليله هو دليل حرمة مسِّ المحدث
ــــــــــ[300]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى: 91، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في حرمة تنجيس المصحف، المسألة (24).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
للقرآن الكريم بدعوى الأولويَّة العرفية، -بمعنى أنَّ العرف يفهم من الدليل أنَّ المحذور كونه خلاف شأن القرآن واحترامه-، وحيث إنَّ المركوز في ذهن العرف والمتشرعة أنَّ التنجيس أشدّ في عدم الاحترام من مسِّ المُحدِث، فيصبح الخطاب دالاً بالدلالة الالتزامية العرفيَّةِ على حرمة التنجيس.
وهذا لا يبعد دعوى تماميته في المقام أيضاً، فإنَّ العين وإن لم تستوجب التنجيس لكنّها ليست أقلّ إن لم تكن أشدّ -بمناسبات الحكم والموضوع- من المحدث، فإنَّ المحدث لا يسري منه شيء إلى ما مسه غايته أنَّه لا يناسب أن يمسَّ القرآن. وعين النجاسة بالارتكاز أشد استقذاراً من الإنسان المحدث، وقلنا إنَّ هذا ليس قياساً بل استظهار من الدليل بالدلالةِ الالتزاميَّةِ العرفيَّةِ.
المسألة 25: يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينيّة، بل عن تربة الرسول وسائر الأئمّة (صلوات الله عليهم) المأخوذة من قبورهم، ويحرم تنجيسها. ولا فرق في التربة الحسينيّة بين المأخوذ من القبر الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرّك والاستشفاء، وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرّك لأجل الصلاة(1).
هذا إلحاق جديد بالمسجد وهو التربة، لا إشكال أنه متى ما كان تنجيس
ــــــــــ[301]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 91، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في حرمة تنجيس المصحف، المسألة (25).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
التربة موجباً لإهانة الإضافة الشريفة إلى الإمام، فلا إشكال في حرمة التنجيس ووجوب التطهير. بدليل وجوب احترام الإمام وهذا خارج عن محلِّ الكلام.
وإنما النقاش بينهم في أنَّ التنجيس إذا لم يلزم منه خلاف الاحترام أصلاً، كما لو فرض أنَّ جبهته نجسة ويريد أن يسجد ولا يمكنه رفع النجاسة عن جبهته فيختار تربة حسينية ويصلي عليها، لا لأجل الإهانة بل للاحترام والتوقير، وأن تنجست التربة موقتاً حتى تطهر، فهل يكون هذا التنجيس حراماً أو لا؟
وما يمكن أن يكون وجهاً للحرمة أحد أمرين:
استفادة ذلك من الروايات الدالة على جلالة هذه التربة عند الله خصوصاً تربة أبي عبد الله، ومن شؤون هذه الجلالة إلحاقها بالمساجد الشريفة التي ثبت لها الاحترام(1).
ــــــــــ[302]ــــــــــ
() لاحظ التنقيح الرائع 4: 50ـ 51، قال: “ورد متواتراً أنَّ الشفاء في تربته وكثرة الثواب بالتسبيح بها، والسجود عليها، ووجوب تعظيمها وكونها دامغة للعذاب عن الميّت، وأماناً من المخاوف وإن الاستنجاء بها حرام…“، ولاحظ دليل العروة الوثقى 2: 161، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة، المسألة 25: “أنَّ التربة حكمها حكم من انتسبت إليه من جهة الاحترام والاهانة، فما دامت منسوبة إلى الحسين فيجب ازالة النجاسة عنها، ويحرم تنجيسها“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهذا الوجه غير تام، فإنَّ الروايات وإن تضافرت على جلالة التربة وأهميتها، بحيث أُعطيت بعض الخواص من قبيل فضيلة السجود عليها(1)، والاستشفاء بها(2)، وجواز التناول منها، ولكن هذه الخواص لازم أعم لحرمة التنجيس، فإنَّ لزوم احترامها وخواصها مطلبٌ، وحرمة التنجيس شيء آخر، وكثير من الأدعية ثبتت لها خواص ولا يلتزم بحرمة تنجيسها ووجوب تطهيرها.
وهذا يمكن تصويره في خصوص التربة المأخوذة من المشهد الشريف لا غيرها، بأن يُقال: إنَّ هذه التربة قبل أن تؤخذ من المشهد الشريف كان يحرم تنجيسها ويجب تطهيرها – بعد الفراغ عن ثبوت الحكمين للمشاهد كما سبق- فيجري استصحابها.
وهذا الاستصحاب يمكن أن يستشكل فيه بدعوى تغير الموضوع بأن يُقال: إنَّ الحرمة والوجوب الذي كان ثابتاً لهذه التربة لم يكن ثابتاً لها بما هي تراب بل بما هي روضة وقبر للمعصوم، وأمَّا الآن فهي ليست جزءاً من القبر، فكيف يمكن استصحاب الحكم؟!
وعليه فلا يتمُّ كِلا الوجهين، ومقتضاه أنَّ تنجيس التربة إذا كان فيه هتك للإضافة الشريفة حرم، وأمَّا إذا لم يكن كذلك فلا يحرم.
ــــــــــ[303]ــــــــــ
() لاحظ الوسائل 5: 366، باب16 استحباب السجود على تربة الحسين.
() الوسائل 14: 523، باب 70 استحباب الاستشفاء بتربة الحسين والتبرك بها.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
لكن -مع ذلك- يمكن للفقيه بتجميع تلك الروايات التي أشرنا إليها، أن يُشرف على الظنِّ الاطمئنانيّ، بأنَّ التربة الحسينيّة وما يساويها لها مقام عند الله سبحانه لا يقلُّ عن مقام المسجد الشريف، بمعنى أنَّنا لو جمدنا على حاق الروايات الواردة في التربة الحسينية فهي لا تدل على ذلك الحكم، لكن المتحصَّل من مجموعها أفضليتها على المسجد، فإنَّه ورد فيها أفضلية السجود، ولم يرد استحباب السجود على تراب المسجد، بل يستحب له أن يصحب التربة الحسينية إلى المسجد ليسجد عليها.
فيفهم العرف من ذلك أنَّ هذه التربة أشرف من تراب المسجد، وحيث إنَّ تراب المسجد يحرم تنجيسه ويجب تطهيره، وحيث إنَّ هذه ليست أحكام تعبُّدية صرفة وإنما هي من الأحكام الاحترامية، فتسري إلى التربة الحسينية. فهذا الحكم إن لم يكن هو الأقرب فلا شك أنه هو الأحوط.
المسألة 26: إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب إخراجه ولو بأجرة، وإن لم يمكن فالأحوط والأولى سدُّ بابه وترك التخلّي فيه إلى أن يضمحل(1).
أفتى: بوجوب إخراجه، ولكن على تقدير عدم إمكانه أفتى بالاحتياط الاستحبابي بسدِّ المكان، فهنا مطلبان:
ــــــــــ[304]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 91، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في حرمة تنجيس المصحف، المسألة (26).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهو يتوقف على تتميم أمرين:
الأوَّل: أنَّ بقاء هذه الورقة في هذا المكان الكسيف(1) يكون إهانة ومهانة،
-بمعنى كونه أمراً عرفياً لا يتوقَّف على القصد-، وخلاف الاحترام الواجب.
الثاني: أنَّ المولى في حكمه بتحريم الإهانة لا يرضى بوقوع الإهانة حتى لو ترتَّب على هذا الحكم ضرر على المكلف، بخسران أتعاب وجهود في سبيل دفع المهانة.
فلو كان الحكم في المقام من باب وجوب التطهير بعنوانه فإنَّ قاعدة (لا ضرر) حاكمة عليه بلا إشكال، كما قلنا في المسجد أيضاً من أنَّه لو توقف التطهير على بذل مال لم يجب.
لكنه إذا التفت إلى الحكم بحرمة الإهانة، فيُقال: بأنَّه لا يرتفع بقاعدة (لا ضرر)، إذ عُلِم من ذوق الشارع أنه لا يرضى بإهانة المصحف مهما كلَّف الأمر.
ولهذا لا ينبغي التمسُّك بدليل وجوب التطهير، بل بدليل حرمة الإهانة.
لو تعذَّر إخراجه فهل يجب سدُّ هذا المكان، وعدم التخلِّي به أو لا يجب؟ وقد احتاط الماتن احتياطاً استحبابياً بذلك، فكأنه لا يرى أنه لا يجب ولكنه هو الأفضل.
ــــــــــ[305]ــــــــــ
(1) المكان القذر.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وقد يقال: في مقام عدم الوجوب: إنَّ استمرار استعمال هذه البالوعة لا يستوجب تنجيساً زائداً بعد أن تكون الورقة قد تنجَّست، فلا يكون واجباً بدليل حرمة التنجيس.
وقد يقال: في مقام دفع هذا الكلام وإثبات حرمة الاستمرار: إنَّ الاستمرار في استعمال البالوعة وإن كان لا يوجب تنجيساً زائداً، ولكنّه بنفسه يكون هتكاً وإهانة فيكون حراماً.
وهذه الدعوى الثانية لو تمّت صغراها وثبت أنَّ هذا هتك وإهانة فالأمر كما قيل.
ولكن في تتميم الصغرى إشكال بحيث إنَّ الاستمرار في استعمال البالوعة هتك أضافي، كما أنه ليس هناك تنجيس إضافي فيه، ومع عدم الجزم بكونه هتكاً تكون الشبهة موضوعية ويكون الصحيح ما أفاده الماتن من الاحتياط الاستحبابي في سدِّ المكان.
المسألة 27: تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره(1).
إذا نجّس الإنسان مصحفاً شريفاً مملوكاً للغير فيكون ضامناً ومقداره هو النقص الذي يحصل بالتطهير.
ــــــــــ[306]ــــــــــ
(1) المصدر السابق، المسألة 27.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وتوضيح الحال في ذلك: أنَّ الضمان قد يتعلق بالعين، وقد يتعلق بالوصف، لكن على تفصيل في باب الأوصاف. وحاصله: أنَّ الأوصاف تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوَّل: الأوصاف التي لا يكون لها دخل في الأغراض العقلائيَّة النوعيَّة، ولو فرض دخلها في الغرض الشخصي كوصف الحرارة في الفواكه. ومثل هذا الوصف ليس له ماليه. لأنَّ الماليّة تحدد بحسب الأغراض العقلائية.
القسم الثاني: ما له دخل في الأغراض العقلائية، ولكن إرجاع الوصف بعد زواله أمرٌ سهل ليس له أي خسارة، فهذا الوصف لا يكون له مالية في تفرُّد العقلاء، كالخاتم النجس، بدليل أنَّ خاتماً طاهراً وخاتماً نجساً لو عُرِضا في السوق لاشتراهما العقلاء بثمن متماثل.
القسم الثالث: الأوصاف التي تكون دخيلة في الأغراض العقلائيَّة النوعيَّة ويكون أمر حفظها في العين محتاج إلى مؤونة فهذا له ضمان.
فتحصّل أنَّ ضمان الأوصاف يكون بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون الوصف دخيلاً في الأغراض العقلائية.
والشرط الثاني: أن يكون حفظ الوصف في العين محتاجاً إلى العناية.
لا إشكال أنَّ وصف الطهارة متعلق للأغراض العقلائيَّة في أسواق المتشرعة والشرط الأوَّل متحقِّق.
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأما الشرط الثاني فقد لا توجب إعادته أي مؤونة أصلاً، كما لو كان المصحف منقوشاً على الخشب والماء موفور، فلا يضمن شيئاً أصلاً، ولا تصل النوبة إلى السؤال عن المقدار المضمون.
وأمّا إذا كانت إعادة هذا الوصف محتاجة إلى المؤونة وهي: متصورة بأحد وجهين:
الأوّل: مؤونة نفس عملية التطهير وجلب الماء.
الثاني: مؤونة التلف بعد التطهير، كما لو كان مكتوباً على ورق أصفر، وكان الماء مزيلاً للصفرة، وقد تكون كِلا المؤونتين موجودةً ففي مثل ذلك يكون الضمان لا محالة.
وحينئذٍ يقع الكلام في أنَّ هذا الضمان بأي مقدار، هل يضمن النقص الحاصل قبل التطهير أو النقص الحاصل بعده؟
وتحقيق الحال يقع على تقديرين:
التقدير الأوَّل: أن نبني على أنَّ تطهير المصحف ليس بواجب، كما هو مقتضى الصناعة، فإنَّ غاية ما أثبتناه هو حرمة تنجيس المصحف، وأمَّا وجوب تطهيره -إذا لم يستلزم التنجيس إهانة-، فلم يكن عليه دليل حسابي.
التقدير الثاني: أن نبني على وجوب التطهير كما هو المشهور(1).
ــــــــــ[308]ــــــــــ
(1) لاحظ مستمسك العروة 1: 516، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة (21)، ومصباح الهدى في شرح العروة 2: 43، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات فصل في شرائط صحّة الصلاة، المسألة 21، والتنقيح في شرح العروة 2: 314، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن في الصلاة، المسألة (21).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أما على التقدير الأوّل، وهو أن لا نقول بوجوب تطهير المصحف بحيث يمكن لمالك المصحف أن يحتفظ به نجساً.
وتوضيح الحال على هذا التقدير: أنَّ ضمان الأوصاف الذي بنينا على ثبوته فيه مبنيان:
المبنى الأوَّل: وهو الصحيح -على ما سبق في المسائل الناظرة في المساجد-، أنَّ الأوصاف تكون مضمونة ضماناً قيمياً لا مثلياً بحيث يجب عليه إعادة الوصف، وضمان قيمة الوصف ليس معناه أنَّ الوصف بما هي لها قيمة مستقلة، وإنّما القيمة للعين، وتكون الأوصاف حيثية تعليلية لقيمة العين، فتزداد قيمة العين بزيادة الأوصاف وتقلُّ بقلَّتها، فضمان الوصف هو ضمان قيمة العين الفاقدة بالنسبة إلى العين الواجدة، ويكون الفارق بين القيمتين هو مقدار ضمان الوصف.
المبنى الآخر: أنَّ ضمان الوصف يكون ضماناً مثلياً يعني إيجاد نفس الوصف، ومع التعذُّر ينتقل إلى قيمة المثل.
أما على المبنى الأوَّل وهو كون الوصف قيمياً، مع البناء على عدم وجوب تطهير المصحف، فوصف الطهارة الذي زال عن المصحف لا بُدَّ أن يفرض أنَّ
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
في إرجاعه مؤونة، وإلّا لم يكن مضموناً كما عرفنا، وهذه المؤونة تتصور على ثلاثة أنحاء:
النحو الأول: أنَّها مؤونة التطهير وجلب الماء. ففي مثل ذلك يكون الوصف مضموناً بالقيمة وهي مقدار ما ينزل من قيمة العين بعد زوال الوصف، وهذا التنزُّل لا يُعقَل أن يكون إلّا بمقدار قيمة التطهير، ولا يُعقَل أن يكون أكثر أو أقلّ؛ لأنَّه مستند إليه.
وما في بعض الكلمات كالتنقيح(1) من أنَّ الفرق قد يزيد وقد ينقص عن قيمة التطهير، لا معنى له، فإنَّ القيمة تقلّ بزوال الوصف، لوجود مؤونة التطهير لا أكثر.
النحو الثاني: أن يفرض أنَّ التطهير ليس له مؤونة، ولكنّه يستلزم زوال بعض صفات المصحف الدخيلة في قميته كالصفرة الذهبية في أوراقه، ففي مثل ذلك يكون الجامع بين الوصفين ضروري الوقوع، فإمَّا أن يصبح المصحف نجس أصفر أو طاهر أبيض، أمَّا تعيُّن أحد الوصفين فلا معيِّن له من قبل المنجِّس، بل هو إلى المالك إن شاء أبقى النجاسة – بناءً على الجواز كما هو المبنى الآن- فيصبح نجساً أصفر، وإن شاء أزالها فيصبح طاهراً أبيض.
فهنا، ماذا يضمن المنجِّس؟ قد يُتخيَّل أنه يضمن قيمة وصف الطهارة ولا علاقة له بوصف الصفرة؛ لأنَّه يُحاسَب على ما أتلفه لا على غيره.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 319-320، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طهارة اللباس والبدن في الصلاة، المسألة (27).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إلّا أنّه ظهر مِمَّا سبق أنَّ هذا غير صحيح، لأنَّ الضمان يكون بمقدار ما ينزل من قيمة العين في السوق، فلو دار الأمر بين الوصفين وكان أحدهما أهم والآخر أقلّ فيكون التنزُّل بمقدار أقلّ النقصين دائماً، لأنَّ مرجعه إلى أنَّ خسارة الأقلّ تعيينية وخسارة الأكثر محتملة.
النحو الثالث: أن نجمع بين المؤونتين، فيكون الأمر دائراً بين أحد وصفين: إمَّا النجاسة، وإمَّا النقص المركَّب من أمرين، وهما: أجرة التطهير وزوال الصفرة. والحكم هو الحكم، يعني أنه يضمن أقلّ النقيصتين.
هذا كُلُّه على المبنى الأوَّل.
وقد تلخّص مِمَّا ذكرناه قاعدة كُلِّيّة وهي: أنَّه لو أتلف إنسانٌ وصفاً في مال الغير:
فإمَّا أن يكون الإتلاف موجباً لنقص تعيينيٍّ.
أو موجباً لنقص يمكن أن يتحوَّل إلى نقص آخر.
فعلى الأوَّل يضمن قيمة هذا النقص، وهو مقدار تنزُّل العين بسبب زوال الوصف.
وعلى الثاني يكون الضمان بمقدار أقلّ النقصين، أي أقلّ التنزُّلين للعين.
وأمّا بناءً على أنَّ ضمان الوصف يكون ضماناً مثلياً لا ضماناً قيمياً، فهذا المنجِّس الذي أتلف وصف الطهارة، هل يكفي في مقام الخروج عن عهدة ضمان المثل أن يطالبه المالك بإعطاء الطهارة؟ كلا.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإنّ هذه الطهارة تختلف عن تلك الطهارة التي أزالها، فإنَّ الطهارة التي أزالها كانت مقترنة بخصوصية دخيلة في الأغراض العقلائيَّة وهي الصفرة في الورق. وأمَّا الطهارة المتأخرة فهي غير مقترنة مع الصفرة لأنَّها لون يزول بالغسل على الفرض.
فمن هنا يُعرف: أنَّ الضمان هو ضمان وصف الطهارة بما هي مقترنة بالصفرة، فللمالك أن يطالب بمثل هذا الوصف.
وضمان هذا الوصف مثلياً يختلف عن ضمان الأعيان ضماناً مثلياً، فإنَّ مثل العين عين أخرى مثلها يدفعها الضامن.
أما ضمان مثل الوصف، فليس معناه أنه يعطي وصف الطهارة ولو ضمن موصوف آخر، بأن يُقدِّم له نسخة أخرى من القرآن الكريم طاهرة صفراء الورق، ويقول له: (لك طهارة هذه النسخة وصفرتها، ولي أصل العين)؛ لأنَّ الوصف لا يمكن تمليكه مستقلّاً، وإلزامه بدفع نسخة أخرى بلا مبرِّر، لأنَّه لم يُتلف القرآن.
فمعنى ضمان مثل هذا الوصف هو إعطاء وصف الطهارة في شخص هذه النسخة، وكلّ وصفٍ مملوك بالتبع لمالك النسخة، ولا معنى لأن يضمن المنجِّس وصفاً قائماً بملك الغير(1).
ــــــــــ[312]ــــــــــ
() أقول: هذا غير وارد في المقام فإنَّه المضمون هو الوصف بما هو هو، لا بما هو مملوك لصاحب العين، ويكون العمل مقدمة لإيجاده ومعه لا يلزم اللازم الباطل الذي ذكره السيد إذ مع التطهير يرجع إلى قيمة الوصف المضمون لا إلى أجرة العمل، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإن صفات ملك الغير ملك للغير، فلا بُدَّ أن يرجع ضمان الوصف مثلياً إلى ضمان إيجاد الوصف، فإنَّ الإيجاد عملي وهو مملوك لي.
فإذا طالبه المالك بوصف الطهارة المقترن بالصفرة، لا بُدَّ له أن يتحمَّل إيجاد هذا الشيء مهما كان له من كُلفة، وقد يكون إيجاد هذا الوصف له كلفة أكثر بأضعاف من ضمان قرآنٍ أصفر طاهر يشتريه من السوق.
وأمّا إذا تعذَّر ذلك، فيقال: إنَّ هذا التعذُّر إمَّا أن يكون تعذُّراً شخصياً لا في سوق العمل، (يعني الناس القادرين على إعادته بأُجرة). وأخرى يفرق تعذُّره فيكون تعذُّراً نوعيّاً في سوق العمل.
فإن كان تعذُّراً شخصيّاً يبقى المثل في ذمته، ويطالبه المالك بقيمة المثل لا بقيمة أصل العين، وقد تكون قيمة المثل أكثر من قيمة أصل التالف. وهذا بخلاف ضمان المثلي في باب الأعيان فإنَّ قيمة عين قيمة العين التالفة. ولا يعقل اختلافها عنها في سوق واحدة في يوم الأداء.
وأما إذا تعذَّر تعذُّراً نوعيَّاً بحيث يخرج به عن كونه مثلياً ويصبح قيمياً؛ لأنَّه مع تعذُّر المثل يصبح التالف قيمياً، وحينئذٍ فنرجع إلى ما قلناه بالأمس.
وأمّا بناءً على التقدير الثاني، وهو وجوب تطهير المصحف، فكل ما قلناه يجري مع الالتفات إلى نكتة، وهي أنَّنا قلنا بناءً على عدم الوجوب أنَّ الأمر دائر بين أن يبقى المصحف نجساً أصفر، وبين أن يصبح طاهراً أبيض، ويكون ضامناً بمقدار أقلّ النقصين.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأمّا هنا فنقول: أنَّ الأمر دائر بين أمرين: بين أن يبقى نجساً أصفر بحيث يجب إعدام الصفرة شرعاً -لوجوب التطهير على الفرض- ومثل هذه الصفرة في سوق المتشرعة قيمتها صفر أو قريبة من الصفر، وبين كونه طاهراً أبيض، وحينئذٍ يكون الضمان بمقدار أقلّ النقصين أيضاً.
ولا يبعد أنَّ الصفرة التي يجب إعدامها بحكم العدم، فكأنّه قد زالت من قيمة هذا المصحف الشريف قيمة الصفرة.
بقيت نكات في أعقاب تحقيق هذه المسألة:
إنَّنا قلنا إنَّ مقتضى القاعدة أنَّ ضمان الوصف يكون بالقيمة لا بالمثل. وبناءً على الضمان القيمي يضمن الفرق بين العين الفاقدة للوصف والعين الواجدة له، وبناءً على الضمان المثلي يضمن بالتحليل عمليّة إيجاد الوصف في هذه العين، وإن كان ذلك بأضعاف قيمة الوصف نفسه.
وهذا بنفسه يمكن أن يصبح مادة للاستدلال على ما قلناه من أنَّ الضمان ضمان بالقيمة لا بالمثل، فإنَّ هذه النتيجة على خلاف الارتكاز العقلائي، فيكون بنفسه شاهداً على بطلان القول بضمان الوصف بالمثل.
وأمّا بيان أنَّ هذا على خلاف الارتكاز العقلائيّ فيمكن التنبيه إليه بالالتفات إلى هذه الفرضية، وهي: أنَّ هذا الشخص أزال الصفرة عن الكتاب، وقد يكون العمل لإعادة الوصف أكثر من قيمة العين المتصفة، ثُمَّ لو أتلف
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الكتاب، فماذا يطالبه المالك؟
قد يقال: إنَّه سوف ينقلب حاله ويكون كما لو أتلف الكتاب من أول الأمر، إلَّا أنَّ هذا في غاية الغرابة بأنَّ إتلافه القرآن صار مقللاً للضمان عليه.
أو يقال: إنَّه للمالك أن يطالب الآخر بإعادة الطهارة والصفرة في هذه النسخة، وأن يعطيه كتاباً طاهراً أبيض، وهذا أيضاً على خلاف الارتكاز العقلائي، فإنَّ باب الضمان ليس باباً للتجارة، بحيث يزيد رأس المال به، وإنَّما بابه باب التدارك، وهذا بنفسه منبه على أنَّ ضمان الوصف بالمثل غير صحيح(1).
إنَّنا قلنا إنَّ الضابط العملي بناءً على ما هو المختار من أنَّ ضمان الأوصاف يكون ضماناً قيمياً.
ــــــــــ[315]ــــــــــ
() أقول: للقائل بهذا المبنى أن يدَّعي أمرين مترتبِّين:
أحدهما: أنَّ إتلاف الوصف لا غرامة له عرفاً إذا تلفت العين، وقد اجمع الفقهاء على ذلك. فإذا ضممنا ذلك إلى المبنى كان اللازم ضمان العمل ما لم تتلف العين وإلا فلا ضمان له، ومعه لا يرد عليه اللازم الباطل الذي ذكره السيد.
ثانيهما: أنَّ العرف يرى أنَّ ضمان الوصف يكون دائماً أقلّ من قيمة العين، فإذا وصل إليها لم يزد عليها، وقد ذكر ذلك في الجناية على العبد. وذكره السيد هنا بعنوان أنَّ خلافه أمر غير عرفي كما سبق. ومعنى ذلك أنَّ أجرة العمل لإعادة الوصف إذا زادت عن قيمة العين فلا يجوز المطالبة بها من قبل المالك، وليس كما قال السيد بأنَّه يجب دفع الأجرة مهما زادت، ومعه فلا يرد هذا الإشكال أيضاً، (المقرر).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإن أتلف الوصف وكان الوصف لا يمكن تبديله، فيضمن الفرق بين الواجد والفاقد.
وإذا كان الوصف يمكن تداركه بإيجاد نقص آخر، فيضمن أقلّ النقصين.
وهذا الضابط سارٍ فيما إذا كان للنقص الآخر (المقابل للنجاسة)، هو زوال الصفرة.
وما إذا كان هو مؤونة التطهير، أو كان هو كِلا الأمرين، فيكون على المنجِّس أقلّ الأمرين.
وإنما أقول ذلك لأنَّ شمول هذا الضابط للصور الثلاث لم يكن واضحاً.
إنَّه لو كان هناك عين لها وصف، فأزاله شخص وأصبح ضامناً لقيمته، ونفرض أنَّ إعادته تحتاج إلى مؤونة، كما لو أزال شخص صفرة المصحف وكان يمكن إعادتها بمؤونة. قلنا: إنَّ المقدار الذي يتنزل من المصحف النجس هو مقدار إعادة هذا الوصف. فلو وضعنا هذا المصحف مع قيمة إعادة المؤونة كان المجموع بقيمة المصحف الطاهر.
وهذا الذي قلناه صحيح في مثل تنجيس المصحف، ولكنّه أحياناً لا يكون صحيحاً فيما لو فرض أنَّ إعادة المؤونة تحتاج إلى زمان طويل. فلو فرض أن تطهير المصحف يكلف شهراً من الزمان، وإن كانت كلفته مئة فلس أيضاً، فهنا لا يمكن القول بأنَّ النقص الذي حصل في القرآن يجب أن لا يزيد على 100 فلس، بمعنى أنَّ العقلاء لو قدم لهم قرآن طاهر وقرآن نجس مع مئة فلس
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإنَّهم سوف يختارون الطاهر، وذلك لنكتة طول الزمان، إذن فهذا القرآن الطاهر يصبح قيمته أقلّ من قيمة الطاهر الأصلي ناقصاً مؤونة التطهير، وهذه النقيصة – بحسب الحقيقة- هو ضمان منفعة هذا القرآن خلال شهر، فإنَّه يكون نجساً وأقل منفعة، فيكون مضموناً على المنجس.
ولا يستشكل في المقام: بأنَّ لازم هذا البيان: أنَّ الشخص لو أتلف مالاً للغير كسيارة تساوي 1000 دينار ولم يعطِ الألف إلا بعد شهر، فلا يقال بأنَّ له أن يطالب بأجرة منافع شهر للسيارة مضافاً إلى قيمتها، فإنَّه غير صحيح لوجود الفرق بينه وبين محلِّ الكلام.
وهو: أنّه في ضمان الأعيان تشتغل ذمته بالمثل أو القيمة، والمفروض أنَّها قابلة للتطبيق في الآن الأول، فيذهب فيشتري سيارة مماثلة بحيث لا تفوته منفعة السيارة ولا يوماً واحداً، وإنّما فاته ذلك لا لقصور في عالم الضمان بل لقصور في عالم الأداء، وقد ثبت في الشريعة أنَّ تأخير أداء الدين لا يمكن أن يصير منشأ للأرباح والفوائد؛ لأنَّها ربا.
وأمّا في المقام، فلم ينشأ النقص من تأخير الدفع، بل لا بُدَّ للطهارة من مرور شهر، فلا يكون فوات المنفعة التي يطالب بقيمتها بلحاظ التأخير في عالم الأداء، بل لقصور في عالم الضمان.
إلّا أنَّ هذا التأخير في وصف الطهارة غريب، ومن هنا قلنا أنَّه يكون ضامناً بمقدار أجرة التطهير، لكنّه في بعض الأوصاف الأخرى يكون فرضاً عادياً.
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 28: وجوب تطهير المصحف كفائيٌّ لا يختصّ بمن نجّسه. ولو استلزم صرف المال وجب، ولا يضمنه من نجّسه إذا لم يكن لغيره(1)، وإن صار هو السبب للتكليف بصرف المال.
وكذا لو ألقاه في البالوعة؛ فإنَّ مؤونة الإخراج الواجب على كلِّ أحد ليس عليه؛ لأنَّ الضرر إِنَّما جاء من قبل التكليف الشرعي. ويحتمل ضمان المسبِّب كما قيل، بل قيل باختصاص الوجوب به ويجبره الحاكم عليه لو امتنع أو يستأجر آخر، ولكن يأخذ الأجرة منه (2).
وقد تقدَّم سنخ هذا الفرق -بين المنجس وغيره- في المساجد أيضاً، فقيل إنَّ الحكم لا يختصّ بالمنجس بل يعمّ غيره أيضاً، وقد بيَّنا هناك نكتة تجري في المقام أيضاً، لو قيل بوجوب تطهير المصحف. وهي: أنّه يوجد عندنا حكمان: هما حرمة التنجيس ووجوب التطهير.
فإن لوحظ المنجِّس من حيث وجوب التطهير، فمن الواضح -كما يقال- أنَّ نسبته إليه كنسبة سائر الأفراد. بمعنى: أنّه وجوب كفائي لا يختصّ
ــــــــــ[318]ــــــــــ
(1) في نسخة: “إذا كان لغيره”.
(2) العروة الوثقى 1: 91، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في حرمة تنجيس المصحف، المسألة (28).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بالمنجِّس. فاللازم هو النتيجة ولم يكن الدليل متجهاً إلى خصوص المنجِّس.
وأمّا إذا لوحظ المنجس من زاوية حرمة التنجيس، فالدليل عليه يدلُّ على حرمة انحلالية بعدد إفراد المكلفين، وعنوان التنجيس وإن أخذ فيه الحدوث، إلّا أنّه من المعلوم بالارتكاز العرفيِّ أنَّ الحدوث غير مأخوذ في موضوع الحكم سواء كان بوجودها الحدوثي أو البقائي، ومعه يكون هناك خصوصية للمنجِّس الذي نجَّس المسجد أو المصحف، فإنَّ النجاسة تستند إليه حدوثاً وبقاءً وهو حرام بدليل حرمة التنجيس لا بدليل وجوب التطهير.
ومن هنا يُرى – بالارتكاز العقلائي- فرق بين من نجَّس المسجد وهو يعلم بتطهيره بعد دقائق بنزول المطّر، وبين من نجَّسه وهو يعلم بطول بقاء النجاسة من الصيف إلى الشتاء.
ومن هنا يستقلُّ العقل لدفع الضرر وتخفيف الإثم بوجوب رفع النجاسة، فراراً من زيادة الإثم الناشئ من دليل حرمة التنجيس، وهذا موافق مع الارتكازات العرفيَّةِ والمتشرعية من أنَّ المنجِّس، ليس حاله كحال غيره في المسؤوليَّة.
قوله: “ولو استلزم صرف المال وجب…” تقدَّم نظيره في المسجد، وتقدَّم وجه الإشكال فيه.
ولو قلنا بوجوب صرف المال، فإنَّه يأتي الفرع الآخر، وهو قوله: “ولا يضمنه من نجَّسه إذا لم يكن لغيره“، أو (إذا كان لغيره) في نسخة أخرى.
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فلو جاء شخص وصرف مالاً للتطهير، فهل يضمن المنجِّس هذا المال أو لا؟ ومرجع ذلك إلى أنَّ هذا التسبيب للمنجِّس هل يوجب الضمان أو لا؟ باعتبار أنَّه لو لم ينجِّسه لم يضطر الآخر إلى صرف المال في تطهيره.
وقبل تحقيق ذلك لا بُدَّ من الالتفات إلى خصوصيات العبارة، فإنَّ الماتن حكم بعدم الضمان، وكأنَّه يرى أنَّ هذا المقدار من التسبيب لا يوجب الضمان، فإنَّ هذه الخسارة نشأت من تكليف الله تعالى، فهو يرجع على الله عز وجل فيأخذ العوض، لا على المنجِّس.
ولكنّه يقول: “ولا يضمن من نجسه إذا لم يكن لغيره“، يعني أنَّ المصحف إذا لم يكن لغير المنجس، بل كان لنفس المنجِّس، أو كان بلا مالك كما لو أعرض عنه مالكه وقلنا بأنَّ (الإعراض مُخرِج عن الملك). ولكنّه يدلُّ بمفهومه على أنَّه يضمنه إن كان لغيره، فلو كان المصحف لغير المنجِّس وصرف ثالث على تطهيره فإنَّ المنجِّس يضمن.
ومن هنا استشكل عليه في المستمسك(1): أنّه لا فرق بين الحالتين: فإنَّه إن قلنا إنَّ التسبيب يوجب الضمان، فهو لا يفرِّق فيه بين ما إذا كان المصحف للمنجس أو لغيره، وإن لم نقل بالتسبيب فلا ضمان في كلا الحالين.
وقد نقرأ العبارة هكذا: (ولا يضمن من نجسه إذا كان لغيره)، فيكون المعنى أنّه إذا كان المصحف لغير المنجِّس لا يضمن الأجرة، وأمَّا إذا كان
ــــــــــ[320]ــــــــــ
(1) لاحظ مستمسك العروة 1: 520 ـ 521، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة (28).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المصحف له فإنَّه يضمنها، عكس العبارة الأولى، وأيضاً يرد عليه نفس التساؤل من أنَّه لا وجه لهذا التفصيل.
وقد وجه السيد الأستاذ(1) هذه العبارة -بعد الاعتراف بأصل الإشكال- بتوجيه، وحاصله: أنَّ القيد -وهو قوله: “إذا لم يكن لغيره“- قيدٌ لأصل الضمان لا لهذا الضمان المخصوص، فإنَّه عندنا نحوان من الضمان: ضمان المال الذي يصرف بالتطهير، وضمان نقص المصحف الذي يلحقه بالتنجيس. وقوله: “إذا لم يكن لغيره“، وإن دلَّ بمفهومه أنّه إذا كان لغيره كان هناك ضمان، وظاهره أنّه هو نفس الضمان المنفي في المنطوق، وهو ضمان مؤونة التطهير، ولكنّنا نؤوله ونقول: إنَّ المراد ضمان آخر وهو ضمان النقص الحاصل في المصحف، فكأنّ التقييد بلحاظ أصل الضمان، لا بلحاظ شخص هذا الضمان. وهذا التأويل في غاية البعد.
وأمّا أصل المطلب وأنّه هل يوجد فرقٌ بين أن ينجِّس الإنسان مصحفه، أو ينجِّس مصحف الغير؟ ومن هنا نتكلم كلامين:
أحدهما: مبنيٌّ على أنَّ العبارة هي قوله: “ولا يضمنه من نجّسه إذا لم يكن لغيره”.
ــــــــــ[321]ــــــــــ
(1) فقه الشيعة 4: 110، كتاب الطهارة، فصل في وجوب ازالة النجاسة عن المشاهد المشرفة والمصحف الشريف، المسألة 28.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والآخر: مبنيٌّ على أنَّ العبارة هي قوله: (ولا يضمنه من نجّسه إذا كان لغيره).
وهو ما إذا كانت العبارة: “ولا يضمنه من نجّسه إذا لم يكن لغيره”، وظاهرها أنَّ المصحف إذا كان لغيره، وبذل ثالثٌ مالاً لتطهيره، فإنَّ المنجِّس يكون ضامناً للمال.
وأمَّا لو كان المصحف للمنجّس فلا يكون ضامناً إذا بذل المال شخص آخر.
أمّا إذا كان المصحف لغيره، وبذل ثالث مالاً للتطهير. فهل يضمن المنجّس؟ فهنا لا بُدَّ أن نفرض أنَّ قاعدة (التسبيب) غير موجودة، لأنَّنا لو قلنا بها فلا ينبغي أن نفرق بين الصورتين، ففي مقام بيان فارق بينهما لا بُدَّ أن ننكر للقاعدة.
فإن نجَّس مصحف عمرو ضمن وصف الطهارة، ووصف الطهارة كما قلنا يضمن بالقيمة، وأنّ القيمة مساوية مع أُجرة التطهير.
فإن جاء شخص وأعطى أجرة التطهير فقد جاء وأوفى ذمة المنجّس. مع العلم أنَّ القيمي لو أعطى المالك مثله فإنَّه يخرج عن عهدة الضمان فإنَّ الاكتفاء بالقيمة إرفاق بالضامن لا إلزامٌ له، فلو جاء شخص ثالث، وأعطى وصف الطهارة فقد قام بعمل لو قام به المنجّس فإنَّه تبرء ذمته، فيصدق عليه أنّه أوفى ذمة المنجّس، فإن كان هذا الثالث مستنداً في مقام الوفاء إلى المنجّس إمَّا بنفسه
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أو وليه أو الحاكم الشرعي أو عدول المؤمنين عند عدمه، أو ينوي الحسبة عند عدمهم، فيكون الوفاء مضموناً للمنجّس.
نعم، لو لم يحدث شيء من ذلك يعتبر المطهّر متبرعاً ولا ضمان له.
وأمّا إذا كان ملكاً للمنجس وجاء شخص فطهّره فما معنى كون زيد يضمن له شيئاً، فإنَّ ذمة زيد لم تكن مشغولةٌ بشيء ليكون عمل الآخر وفاء لها ليرجع بها عليه.
فهذا فارقٌ فني بين الصورتين.
أن تكون العبارة: (ولا يضمنه من نجّسه إذا كان لغيره)، الدالة بمنطوقها على عدم الضمان لتطهير مصحف الغير، وبمفهومها على الضمان إذا كان قد نجّس مصحف نفسه.
ويظهر الفرق بينهما ببيان: أنَّه قد يُقال: إنَّ المطهّر إذا صرف مالاً فلماذا يطالب المنجّس بعد فرض أنّه لم يستند إليه لا بشخصه ولا بوليه، فكأنّه متبرع ولا يكون مضموناً على المنجس.
وأمّا لو كان المصحف مصحف المنجِّس، فقد يقال: إنَّه مضمون عليه؛ لأنَّ المنجِّس حصل له ماليَّة في مصحفه بعد التطهير، وهو عمل عقلائي محترم استوفى المنجّس منفعته، فيكون مضموناً عليه إذا كان قد استدعاه إلى عمله، فإنَّ العمل المحترم يكون مضموناً بشرطين:
أحدهما: أن يستوفي، الآخر منفعته.
ــــــــــ[323]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ثانيهما: أن يستدعيه للقيام به، كما لو استدعاه لأن يحلق رأسه، وأمَّا لو حلق رأسه وهو نائم؛ فلا يضمن المحلوقُ رأسه شيئاً له.
والشرط الأوَّل في المقام موجود؛ لأنَّ المنجّس قد استوفى منفعة التطهير. وأمَّا الشرط الثاني وهو الاستدعاء فهو وإن لم يكن موجوداً من قبل المالك، إلّا أنّه موجود من قبل وليِّ المالك وهو الله سبحانه، فليس المطهّر فضولياً كالذي حلق رأس غيره وهو نائم.
إلّا أنَّ هذا البيان غير صحيح، وذلك: لوضوح أنَّ إذن الولي غير حكم الحاكم، فإنَّ الله سبحانه له حيثيَّتان:
الحيثيَّة الأولى: كونه وليَّ المالك.
الحيثيَّة الثانية: كونه حاكماً ومشرِّعاً.
ولزوم التطهير كان بحيثيّة كونه حاكماً، لا بحيثيَّة كونه وليّاً للمالك، فالأمر بالتطهير لا يكون موجباً للضمان.
فالصحيح هو الرجوع إلى الوجه الأوّل، وأنّ المصحف إذا كان ملكاً للغير وطهرّه ثالث فإنَّ المنجّس يضمن أجرة التطهير، وإن كان للمنجّس، أو كان من المباحات الأوليّة، فلا يضمن.
وهذا تحقيق العبارة.
ثم ننتقل إلى قاعدة التسبيب، فنرى أنَّ المنجّس هل يمكن القول بكونه موضوعاً لقاعدة التسبيب، أو لا؟
ــــــــــ[324]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ذكر السيد الأستاذ(1) وجملة من الفقهاء(2)، أنَّ الصحيح عدم الضمان تبعاً للماتن، لأنّهم أنكروا قاعدة التسبيب، وقالوا في مقام توضيح ذلك حلاً ونقضاً.
أمَّا حلّاً: فإنَّ قاعدة التسبيب إِنَّما تكون مقبولة فيما لو فُرض أنَّ السبب المباشر كان حكمه حكم الآلة بيد المُسبِّب كما لو أرسل ناقته على زرع الغير فأكلته أو أرسل صبياً فأتلف، وحاقّ المطلب هو أنَّ هذا ليس بابه باب التسبيب بل بابه باب الإتلاف، والمتلف هو المُسبِّب، فإنّما حكم عليه بالضمان لأنَّه يسند إليه الإتلاف.
وأمّا إذا لم يكن المباشرُ آلةً، بل كان إنساناً ذا اختيار، والمُسبِّب أوجد له الداعي للاختيار، فلا يُقال: بالضمان؛ لأنَّ الإتلاف لا يُسنَد إلى من أوجد الداعي، بل إلى من انقدح في نفسه الداعي، وباشر الإتلاف، فلا ضمان.
وحقيقة ذلك هو إنكار قاعدة التسبيب، وأنّه لا ضمان بالتسبيب، بل متى ما رجع التسبيب إلى الإتلاف نقول بالضمان، وإلّا لم نقل به.
ــــــــــ[325]ــــــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) لاحظ مصباح الهدى في شرح العروة 2: 49، كتاب الطهارة، فصل في شرائط صحّة الصلاة، المسألة (28)، والمعالم الزلفى في شرح العروة: 476، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة، المسألة (28)، ومستمسك العروة 1: 520، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة (28).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأمَّا نقضاً: فلأنَّهم قالوا: أنّنا لو قلنا بالضمان بالتسبيب فيلزم أنَّ شخصاً لو أغرى شخصاً آخر على السرقة وقال له: عند فلان أموال كثيرة، فذهب الآخر فسرقها فهل يُقال: إنَّ الأوَّل ضامن لأنَّه أوجد الداعي في نفسه؟
وقد ذكروا نقضاً آخر: أنَّ المنجّس يُوجد موضوع وجوب التطهير والخسارة كانت بمحض إرادة المطهّر، وقد نشأت إرادته من وجوب التطهير الذي أوجد المنجّس موضوعه، حاله في ذلك حال المعسر الذي أوجد أولاداً فوجب علينا كفاية إعالتهم، فهل يكون ضامناً؟!
وكل هذا الذي قالوه ليس على الموازين الفنية، فإنَّ الصحيح أنَّ قاعدة التسبيب في مقابل قاعدة الإتلاف(1).
وقلنا إنَّ قاعدة الإتلاف متصيّدة من الأخبار وفي بعضها ما يشعر بالتعليل، كقوله في باب الأجير: “بِمَا جَنَتْ يَدُهُ“(2).
ــــــــــ[326]ــــــــــ
() لاحظ القواعد الفقهية (البجنوردي) 2: 23، قاعدة الاتلاف، والعناوين الفقهية 2: 434، العنوان الثامن والخمسون قاعدة الضمان بالاتلاف.
(2) الاستبصار 3: 133، كتاب البيوع، باب87، ح: 11، التهذيب 7: 221، كتاب التجارات، باب20، ح49، الوسائل 19: 146، باب 29 من أبواب الاجارة، ح17، وتقدّم تخريجه ايضاً: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الصَّبَّاحِ، قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عَنِ الْقَصَّارِ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ المَتَاعُ، فَيُحْرِقُهُ أَوْ يَخْرِقُهُ، أَ يُغَرَّمُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، غَرِّمَهُ بِمَا جَنَتْ يَدُهُ؛ فَإِنَّكَ إِنَّما أَعْطَيْتَهُ لِيُصْلِحَ وَلَمْ تُعْطِهِ لِيُفْسِدَ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهناك قاعدة الضمان بالتسبيب، ولو لم يصدق عنوان الإتلاف، وهي أيضاً متصيّدة من رواياتٍ:
1- قوله: (من حفر في طريق المسلمين)(1)، أو (في ملك الغير ضمن)(2).
2- ومنها: روايات تضمين الشهود لو شهدوا ثُمَّ تراجعوا، فإنَّهم يغرمّون قيمة ما خسره المشهود عليه(3).
ــــــــــ[327]ــــــــــ
() الكافي 14: 483، كتاب الديات، باب41، ح8، التهذيب 10: 230، كتاب الديات، باب 18، ح: 41، الوسائل 29: 245، باب 11 من أبواب موجبات الضمان، ح1.
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ: “مَنْ أَخْرَجَ مِيزَاباً أَوْ كَنِيفاً أَوْ أَوْتَدَ وَتِداً أَوْ أَوْثَقَ دَابَّةً أَوْ حَفَرَ شَيْئاً فِي طَرِيقِ المُسْلِمِينَ فَأَصَابَ شَيْئاً فَعَطِبَ فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ“.
(2) الكافي 14: 482، كتاب الديات، باب41، ح7، التهذيب 10: 230، كتاب الديات، باب 18، ح: 40، الوسائل 29: 241، باب 8 من أبواب موجبات الضمان، ح1.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ مُثَنًّى عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: “قُلْتُ لَهُ رَجُلٌ حَفَرَ بِئْراً فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ فَوَقَعَ فِيهَا فَقَالَ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَفَرَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ“.
(3) الكافي 14: 575، كتاب الشهادات، باب7، ح6، التهذيب 6: 260، كتاب القضايا والاحكام، باب 91، ح91، الوسائل 27: 327، باب 11 من أبواب الشهادات، ح:2.
وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ فِي شَاهِدِ الزُّورِ قَالَ -إِنْ كَانَ الشَّيْءُ قَائِماً بِعَيْنِهِ رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ- وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِماً ضَمِنَ بِقَدْرِ مَا أُتْلِفَ مِنَ مَالِ الرَّجُلِ.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
3- ومنها روايات تغريم من شهد بطلاق الزوج أو مماته، فذهبت المرأة وتزوجت ودخل بها، ثُمَّ ظهر كذبهم، يقول الإمام ما مضمونه: (على الثاني المهر لها بما استحل منها، ويرجع بالمهر على الشاهد)(1) باعتبار أنه هو المسبب.
فهذه روايات تُنتزَع منها هذه القاعدة وقد انتزعها منها مشهور الفقهاء المتقدمين.
إلّا أنّه يشترط في فعلية الضمان بها شروط:
الشرط الأوّل: أن يكون العمل الذي به التسبيب عمل غير مشروع، يعني يكون تعديّاً، وأمَّا إذا كان عملاً مشروعاً فلا ضمان من ناحيته، لأنَّ الروايات كلها خاصة بالعمل غير المشروع. ولهذا فصَّل في الطائفة الأولى بين من حفر في
ــــــــــ[328]ــــــــــ
() الفقيه 3: 59 ـ 60، أبواب القضاء والاحكام، باب شهادة الزور، ح3334، التهذيب 6: 286، كتاب القضاء والاحكام، باب91، ح196، الوسائل 27: 330، باب13 من أبواب الشهادات، ح2.
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: “فِي امْرَأَةٍ شَهِدَ عِنْدَهَا شَاهِدَانِ بِأَنَّ زَوْجَهَا مَاتَ فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا الأوَّل، قَالَ: لَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا الْأَخِيرُ وَيُضْرَبُ الشَّاهِدَانِ الحَدَّ وَيُضَمَّنَانِ المَهْرَ لَهَا عَنِ الرَّجُلِ ثُمَّ تَعْتَدُّ وَتَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ملكه وبين من حفر في ملك غيره، لأنَّ الأوَّل عمله مشروع بخلاف الآخر.
الشرط الثاني: أن يكون ذلك العمل غير المشروع سنخ عمل يُطلَب عادةً وعقلائيّاً لأجل إيقاع الخسارة على الغير. لأنَّ هذا هو مورد الروايات، وإن كان بالفعل لم يُؤتَ به بقصد هذه النتيجة فالحفرة يصلح لأن يؤتى بها عادة لأجل الإضرار بالآخرين.
الشرط الثالث: أن لا يتوسَّط بين العمل التسبيبيّ ووجود الخسارة إرادة حرّة، والمراد بها الإرادة الخالية من الإكراه العقليّ أو الشرعيّ، فتكون اختياريّة محضة.
الشرط الرابع: أن لا يكون التغرير موجوداً فإنَّ التغرير نحو من نقص الإرادة لدى المغرور.
إذا عرفنا ذلك اتضح أنَّ النقوض كلها غير واردة، فمن أغرى شخصاً بالسرقة فالشرط الثالث غير موجود فيه، لأنَّ السارق أوجد السرقة بإرادته الحرة، ولم يكن ملزماً تكويناً ولا شرعاً بالسرقة، ومن أولد أولاداً لا يكون ضامناً لأنَّ الشرط الأوَّل غير موجود فإنَّ إيجاد الأولاد عمل مشروع، وكذلك الشرط الثاني غير موجود لأنَّ إيجاد الولد ليس أحد الوسائل العرفيَّةِ لتخسير الآخرين.
وحينئذٍ فالظاهر أنَّ المنجّس يكون ضامناً لأجرة التطهير وهو على طبق الارتكاز العرفيِّ والعقلائيّ.
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 29: إذا كان المصحفُ للغير، ففي جواز تطهيره بغير إذنه إشكال. إلَّا إذا كان تركه هتكاً ولم يمكن الاستئذان منه، فإنَّه حينئذٍ لا يبعد وجوبه(1).
إذا كان المصحف ملكاً للغير، قلنا إنَّ وجوب التطهير يكون كفائياً ولا يختصّ بالمنجّس ولا بمالك المصحف، فيقع الكلام أنّه إذا تصدَّى نفس المالك للامتثال فلا إشكال.
وأمّا إذا أراد شخص آخر من المكلفين امتثاله فهل يمكنه أن يشتغل بالتطهير من دون إذن المالك أو يجب عليه الاستئذان. للمسألة صور:
أن يفرض أنَّ المالك سنخ شخص لا يطهر المصحف، ولكنّنا لو استأذناه بالتطهير لأذن، ظاهر كلماتهم أنّه يجب الاستئذان منه(2).
إلّا أنَّ الصحيح أنّه لا يجب لأنَّ توهّم وجوبه بتخيُّل أنَّ هذا تحقق على كِلا
ــــــــــ[330]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 91ـ 92، كتاب الطهارة، فصل في حرمة تنجيس المصحف، المسألة (29).
(2) لاحظ مستمسك العروة 1: 520ـ 521، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة (29)، ومصباح الهدى في شرح العروة 2: 50، كتاب الطهارة، فصل في شرائط صحّة الصلاة، المسألة (29)، والعمل الأبقى في شرح العروة 1: 448، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحة الصلاة، المسألة (29)، والتنقيح في شرح العروة 2: 325، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة (29).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الحكمين الالزاميين: و(جوب التطهير)، و(حرمة التصرُّف بمال الغير، بغير إذنه، فمع الاستئذان يكون قد امتثل كلا الحكمين، بخلاف ما لم يستأذن.
إلّا أنَّ هذا في غير محلِّه، فإنَّ التحفظ على كلا الحكمين ثابتٌ سواء استأذن أو لا، لأنَّ ما يكون موجباً لرفع الحرمة ليس هو خصوص الإذن الشفهي، بل هو عدم وجود مانع في عالم النفس -وهو المسمى بـ(الطيب) الوارد في قوله: “لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ”(1)– وهو عبارة عن الخلو من المنافر. ولهذا نقول أنّه حتى مع عدم التفات المالك يجوز التصرُّف في ماله لو علمنا أنّه لو التفت لم يجد في نفسه مانعاً من التصرُّف، وهذا المقدار محرز على الفرض في المقام. ومعه يجوز التطهير من دون استئذان.
عكس الأولى، إنّه سنخ شخص لا يطهر ولا يأذن بالتطهير، فهو مصمم على بقاء الوجوب الكفائي من دون امتثال.
قالوا(2): يقع التزاحم بين حكم الشارع بوجوب التطهير وحكمه بحرمة
ــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي العزيزية 1: 222، الفصل التاسع، ح: 98، الوسائل 14: 572، باب 90 من أبواب المزار، ما بعد الحديث 2.
(2) لاحظ مستمسك العروة الوثقى 1: 521، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة 29، ومصباح الهدى في شرح العروة 2: 50، كتاب الطهارة، فصل في شرائط صحة الصلاة، المسألة (29)، والتنقيح في شرح العروة 2: 325، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن المسألة (29).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
التصرُّف بمال الغير، باعتبار أنّه لا يمكنه امتثال كلا الحكمين. وقالوا: إنَّ حرمة التصرُّف بمال الغير محتملة الأهمية إن لم تكن مظنونة الأهمِّيَّة، لشدة ما نعرف من ذوق الشارع من الاهتمام بأموال الآخرين، بخلاف مسألة وجوب التطهير، وهذا فيه مواقع للنظر:
وتحقيق الحال في ذلك: أنَّ الوجوب الكفائي فيه احتمالان -ثبوتاً-:
أحدهما: أن يكون الوجوب متعلقاً بعنوان التطهير.
ثانيهما: أن يكون متعلقاً بنتيجة التطهير يعني: اوجد وصف الطهارة الذي هو حكم شرعي.
الاحتمال الأوًّل: فإن كان متعلق الوجوب هو نفس عملية التطهير، كما هو الظاهر من الدليل على الوجوب على تقدير القول به. لأنَّ ظاهره أنّه يتعلق بفعل المكلف، وهو التطهير لا بوصف الطهارة، فإنَّ الطهارة اعتبار شرعي مُسبَّب عن الفعل وهو التطهير.
إذا كان المتعلق هو التطهير، فيكون الباب من باب التعارض لأنَّ الواجب والحرام شيء واحد، فإنَّ الواجب هو عملية التطهير، والحرام هو التصرُّف في مال الغير وهو نفس عملية التطهير، فيدخل المطلب في مورد التعارض، لا التزاحم، فإنَّ التزاحم إِنَّما يكون فيما إذا كان لدينا واجبان، يعجز المكلّف عن امتثالهما كإلازالة والصلاة.
وأما في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة الذي هو فعل واحد، ومصداق
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
للأمر والنهي، فهو من باب التعارض واجتماع الأمر والنهي.
وهناك قالوا(1)بتقديم إطلاق جانب النهي على جانب الأمر، فيُقدَّم دليلُ النهي على دليل وجوب الصلاة هناك، وعلى دليل وجوب التطهير هنا.
ولكنّ الصحيح(2) هناك هو التفصيل بين ما إذا كان الواجب له مندوحة وبين ما إذا لم يكن له مندوحة.
فإن كان له مندوحة بمعنى انه كان له بدائل عرضية يمكن اختيارها، فيُقدَّم دليل النهي، بنكتة أنه يكون إلزامياً شمولياً والأمر يكون بدلياً ترخيصياً بالنسبة إلى تلك البدائل فيُقدَّم الدليل الشمولي.
وإن لم تكن للواجب مندوحة، بحيث كانت الصلاة منحصرة بهذا الفرد، فكان كلاهما شمولي إلزامي، فلا موجب لتقدُّم أحدهما على الآخر، بل يتعارضان ويتساقطان.
وفي المقام إذا كان للتطهير فردان: فرد مأذون فيه وفرد غير مأذون فيه، فمع عدم الإذن يقدم جانب النهي على جانب الأمر.
الاحتمال الثاني: وأما إذا انحصر التطهير بعدم الإذن فالتعارض هنا واقع بين أصل دليل الأمر وأصل دليل النهي، فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر، بل يتعارضان ويتساقطان، هذا إذا كان الوجوب الكفائي متعلقاً بالتطهير.
وأمّا لو تصوَّرنا أنَّ الوجوب متعلِّق بنتيجة التطهير، وأنّه متعلِّق بالمسبَّب
ــــــــــ[334]ــــــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه، 109:4، تتمًّة مبحث النواهي، الأمر الثاني.
(2) بحوث في علم الأصول، 77:3، تنبيهات، مسألة الاجتماع، التنبيه السابع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
التوليدي عن التطهير، كان يجب علينا إيجاد الحكم الشرعي وهو وصف الطهارة، وهو يكون داخلاً تحت قدرتنا لأنَّ سببه التوليدي مقدور فيصير المقام من موارد التزاحم لأنَّ متعلق الواجب يصبح غير متعلق الحرام، فإنَّ الحرام هو عملية التطهير والواجب هو الطهارة، والطهارة حكم شرعي وليست تصرُّفاً بمال الغير، فقد يتصور أنّه من باب التزاحم لأنَّ الواجب توقف على مقدمة محرمة.
إلّا أنَّ هذا خلاف ظاهر دليل وجوب التطهير على تقدير وجوده.
وإذا قلنا: مقدّمة للواجب وحرمة التصرُّف فيتعارضان.
إنَّه لو فرضنا أنَّ المورد من موارد التزاحم، فكأنّ الآغايون فرضوا أنَّ كُلّاً من الحكمين قد دلَّ عليه دليل لفظي له إطلاق في نفسه، ولهذا انتهت النوبة إلى التقديم بالأهمية فقدموا الحرمة باعتبارها محتملة الأهمية.
مع أنَّ النوبة لا تصل إلى ذلك، بل قبل ذلك يمكن القول بأنَّ دليل وجوب التطهير ليس له إطلاق لفظي في نفسه. فإنَّنا لو قلنا به فإنَّه باعتبار الارتكازات والشهرات، فلا إطلاق يشمل التطهير الذي يكون بغير إذن المالك.
بخلاف دليل الحرمة، فإنَّه مضمون رواية بهذا اللسان: (لا يحلُّ مال امرئ إلا بطيب نفسه)(1). فالتقديم يتمُّ بلا حاجة إلى ما قاله الآغايون، ليقال بأنّنا
ــــــــــ[334]ــــــــــ
() سبق تخريجه، راجع ص 314، الفصل الثالث، الصورة الاولى، وهو قوله:“لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
نحتمل الأهمِّيَّة في وجوب التطهير أيضاً، فإنَّ الشارع كما اهتمَّ بأموال الناس، كذلك اهتم بالقرآن واحترامه والتحفُّظ عن هتكه، ونحن وجداناً نجد أنَّه محتمل الأهمِّيَّة.
أن نترقى عمَّا قلناه ونقول: أنَّه بالإمكان أن ندَّعي أنَّ كِلا الدليلين ليس له إطلاق:
أمَّا دليل وجوب التطهير فقد عرفناه.
وأمَّا دليل حرمة التصرُّف بمال الغير فهو وإن ورد في رواياتٍ، إلّا أنَّه ليس من البعيد أن يُدَّعى أنَّ المراد بها مرجعية المالك في التصرُّف في أمواله في مقابل الأشخاص الآخرين، لا مرجعيته في التصرُّف في مقابل الحكم الشرعيّ، فإنَّ هذا مطلب لا يمكن أن يقوم به الإطلاق.
وإن شئتم قلتم: إنَّ هذه العبارة: “لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ”، إقرار لما هو المرتكز في الأذهان من أنَّ الآخر ليس له أن يتحكَّم بمال الغير باشتهائه، وأمَّا أن يتصرف فيه بإلزام المولى … فلا دليل على حرمته.
ومعه يكون كلا الدليلين قاصر الشمول لمحل الكلام، فلا يقع تزاحم ولا تعارض، بل يرجع إلى أصالة البراءة عن كلا الحكمين.
أنّه بعد التجاوز عن تمام مواقع النظر الثلاثة، وسلّمنا بتمام ما قاله الآغايون يكون مرجعه إلى أنَّ دليل وجوب التطهير مشروط في حق غير المالك
ــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بإذن المالك، وأمَّا في حقه فغير مشروط. فمرجعه إلى أنّه يجب التطهير على المالك أو على المأذون من قبله، وهذا الوجوب عند عدم إذن المالك يتعيَّن على المالك، ويصبح كأنّه وجوب عيني لا كفائي، فإنَّ زمام امتثاله بيد المالك.
فلو عصى ولم يأذن ولم يطهّر، أليس يجب علينا -من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- إجباره على التطهير؟ فإذا جاز لنا أن نتصرف ولو في نفس المالك ولو بالضرب لحفظ غرض المولى. إذن فلا يجوز لنا أن نتصرَّف في ماله، فنهتك حرمة ماله، بدلاً من أن نهتك حرمة المالك.
ولا يَبعُد تعيُّن هذه المرتبة من التأثير؛ لأنَّ الأمر بالمعروف إِنَّما هو تأثير لحفظ غرض المولى ولا ينتقل إلى الأشد إلّا بعد تعذُّر الأخف، ولا يبعد أنَّ مرتبة هتك ماله أقلّ من مرتبة هتك نفسه بالضرب.
إذن فنفس دليل وجوب الأمر بالمعروف دالٌ على جواز التطهير.
أنّنا لو استأذنا من المالك، فالمالك سوف يقوم بأحد أمرين: إمَّا أن يأذن أو يقوم هو بالتطهير.
قالوا: إنَّه لا تزاحم بين دليل وجوب التطهير ودليل حرمة التصرُّف؛ لأنَّه يمكن التحفُّظ على كِليهما بأن تستأذن منه، فإن أذن ارتفعت الحرمة وإن طهَّر ارتفع الوجوب(1).
ــــــــــ[336]ــــــــــ
(1) بحوث في علم الأصول، 77:3، تنبيهات، مسألة الاجتماع، التنبيه السابع.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهذا صحيح، لكن تقع هنا معارضة من سنخ اجتماع الأمر والنهي. لأنَّ إطلاق: (طهِّر المصحف)، يشمل التطهير غير المأذون به من قبل المالك، ودليل: (لا تغصب)، يشمل الغصب التطهيري، مثل (صلِّ ولا تغصب) مع وجود المندوحة. وكما يقال هناك: إنَّ إطلاق (لا تغصب) الشمولي يُعارِض إطلاق: (صلِّ) البدليّ.
كذلك هنا يعارض إطلاق النهي الشمولي مع إطلاق الوجوب البدلي، وحيث إنَّ الصحيح تقديم الإطلاق الشمولي للنهي، فيكون مُتقدِّماً ويكون مقتضى القاعدة تُقيُّد الواجب بغير هذه الحصَّة، فيجب استئذانه، ولا يجوز التطهير بدونه.
أن يفرض أنَّ بقاء النجاسة يكون موجباً لهتك القرآن الكريم، وأنّ المالك امتنع عن التطهير والإذن به.
فبناءً على ما قلناه في الصورة الثانية من أنَّه يجب تطهير المصحف ولو لم يأذن المالك باعتبار دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذن فلا فرق بين الصورتين.
أمّا لو قطعنا النظر عن ذلك وقلنا هناك بعدم الجواز لغير المالك، فهل هناك فرق بين ما إذا استلزم الهتك وبين ما إذا لم يستلزم ذلك.
ما ينبغي أن يُقال: إنَّ المالك الذي امتنع عن الإذن وعن التطهير:
إمَّا أن يكون ملتفتاً إلى كون هذا هتكاً وغرضه أن يبقى هذا الهتك.
ــــــــــ[337]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وإمَّا أن لا يكون غرضه هو ذلك، إمَّا لكونه غير ملتفت إلى كونه هتكاً، أو ملتفت إليه ولكن له غرض آخر في بقاء النجاسة، كما لو كان يعلم أنَّ قرآنه سوف تقلّ قيمته بالتطهير، وكان يُفضِّل مصلحته المالية على مصلحة التطهير.
فإن تعلَّق غرضه بهتك القرآن الكريم فمثل هذا يسقط حرمة ماله رأساً؛ لأنَّه ناصبٌ للقرآن الكريم، والناصب للقرآن ليس أقلّ من الناصب لأهل البيت، “خُذْ مَالَ النَّاصِبِ حَيْثُمَا وَجَدْتَهُ“(1)، كذلك الناصب للقرآن.
وأمّا إذا لم يكن له عداوة مع القرآن، فتبقى حرمة ماله محفوظة، ويقع التزاحم على مبنى الآغايون والتعارض على مبنانا، وحينئذٍ لا ينبغي الإشكال في تقديم دليل وجوب التطهير على دليل حرمة التصرُّف بمال الغير، لأنَّنا نعلم أنَّ التحفظ على كرامة القرآن أهم من تنفيذ اشتهاءات المالك في ماله، فيتعيَّن القول بوجوب التطهير.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
() التهذيب 4: 122، كتاب الزكاة، باب35، ح: 7، الوسائل 9: 488، باب2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح: 6.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ قَالَ: “خُذْ مَالَ النَّاصِبِ حَيْثُمَا وَجَدْتَهُ وَادْفَعْ إِلَيْنَا الخُمُس“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفصل الرابع
فروع وتطبيقات
ــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 30: يجب إزالة النجاسة عن المأكول وعن ظروف(1) الأكل والشراب إذا استلزم استعمالها تنجّسَ المأكول والمشروب(2).
يجب تطهير المأكول والمشروب، وتطهير الظروف التي يجعل فيها ذلك، إذا كانت النجاسة في الآنية موجبة للسراية إلى المأكول والمشروب.
وهذا مبنيٌّ على حرمة أكل النجس وشربه، وهو وجوب شرطي لا مولوي، بمعنى أنَّ من أراد أن يأكل من هذا الطعام يجب عليه أن يطهِّره، لا من لا يأكل منه، فإنَّ اللازم أن لا يأكل النجس، سواء أعرض عن الأكل أو طهّر الأكل فأكله، وليس هذا وجوباً مولويّاً كوجوب تطهير المسجد أو المصحف.
ــــــــــ[341]ــــــــــ
(1) الظروف، جمع ظرف، بمعنى: الآنية.
(2) العروة الوثقى 1: 92، كتاب الطهارة، فصل في حرمة تنجيس المصحف المسألة (30).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهذا الوجوب الشرطي مبنيٌّ على حرمة تناول النجس أكلا وشربا، فلا بُدَّ من تحقيق هذه المسألة وهذه الكبرى كأنها مورد التسالم فتوى فيما بينهم(1)، وقد استدلَّ الآغايون بطوائف من الروايات.
الطائفة الأولى: الروايات الواردة في المرق النجس واللحم النجس، من قبيل رواية السكوني، عن أبي عبد الله: “إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ سُئِلَ عَنْ قِدْرٍ طُبِخَتْ فَإِذَا فِي الْقِدْرِ فَأْرَةٌ، قَالَ: يُهَرَاقُ مَرَقُهَا، وَيُغْسَلُ اللَّحْمُ وَيُؤْكَلُ“(2)، فقد أمر بإراقة المرق، ولا وجه له مع جواز أكل النجس، إذ يمكن أن يؤكل يغسل موضع الملاقاة، فهو دال على التحريم عرفاً، وكذلك قوله: “وَيُغْسَلُ
ــــــــــ[342]ــــــــــ
(1) المقنعة: 582، كتاب الصيد والذبائح والاطعمة، الباب الثاني باب الذبائح والاطعمة، والنهاية: 588، كتاب الاطعمة والاشربة، باب الاطعمة المحظورة، والمرسم العلوية: 209، كتاب الاطعمة والاشربة، ذكر الأطعمة، ومسالك الأفهام 12: 64، كتاب الاطعمة والاشربة، القسم الرابع، النوع الثالث في الأعيان النجسة، وجواهر الكلام 36: 354، كتاب الاطعمة والاشربة، القسم الرابع، النوع الثالث الأعيان النجسة.
(2) الكافي 12: 267، كتاب الاطعمة، باب14، ح3، التهذيب 9: 87، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح100، الاستبصار 1: 25، كتاب الطهارة، باب11، ح5، الوسائل 24: 196، باب44 من أبواب الاطعمة المحرمة، ح1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
اللَّحْمُ وَيُؤْكَلُ“، فإنَّ ظاهر تفريع جواز الأكل على الغسل، فيدل على أنَّ اللحم المتنجس لا يجوز أكله.
الطائفة الثانية: ما ورد في الماء من الأمر بإراقته مع ملاقاة النجاسة له(1)، فإنَّه يدلُّ على عدم جواز الشرب بنفس التقريب السابق.
الطائفة الثالثة: الروايات الواردة في السمن والزيت ونحوه، كرواية معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله، قال: “قُلْتُ لَهُ: جُرَذٌ مَاتَ فِي سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ، فَقَالَ: أَمَّا السَّمْنُ وَالْعَسَلُ فَيُؤْخَذُ الجُرَذُ وَمَا حَوْلَهُ، وَالزَّيْتُ يُسْتَصْبَحُ بِهِ“(2).
فالزيت بما أنه -عادة- يكون مائعاً أمر بالاستصباح به، يعني لا يجوز الأكل منه مطلقاً، وأمَّا السمن فحيث إنَّه جامد فيؤخذ ما حول الفأرة، ويصبح الأجزاء البعيدة عنه جائزاً. فتكون الرواية دالة على عدم جواز أكل النجس.
ــــــــــ[343]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 39 ـ 40، كتاب الطهارة، باب8، ح1، الوسائل1: 152، باب8 من أبواب الماء المطلق، ح4.
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّـهِ بْنِ المُغِيرَةِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْهُمْ قَالَ: “إِذَا أَدْخَلْتَ يَدَكَ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ تَغْسِلَهَا فَلَا بَأْسَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا قَذَرٌ بَوْلٌ أَوْ جَنَابَةٌ فَإِنْ أَدْخَلْتَ يَدَكَ فِي المَاءِ وَفِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَأَهْرِقْ ذَلِكَ المَاء”.
(2) الكافي12: 267، كتاب الأطعمة، باب14، ح: 2، التهذيب 7: 129، كتاب التجارات، باب9، ح: 34، الوسائل 17: 97، باب 6 من أبواب ما يكتسب به، ح1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهذه الطوائف الثلاث فيها ملاحظة مشتركة وهي: أنّه يمكن أن يستشكل في دلالتها على التحريم المبحوث عنه، فإنَّها كلها وردت في الطعام والشراب الملاقي لعين النجس أو في الماء الذي هو ملحق به شرعاً.
أمّا الطائفة الأولى فتدل على أنَّ المرق ملاقٍ لعين النجس، وأمَّا اللحم فهو ملاقٍ له لو تفسخت الفأرة وانتشرت اجزاؤها، أو هو ملاق مع المائع الملاقي.
وأمّا روايات الماء فوارده كلها في ملاقي عين النجس، ولذا لم نقل بانفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، وكذلك الطائفة الثالثة.
ومعه، فلو لاقى الطعام جامداً متنجساً بعين النجاسة، كأصبع طفل مثلاً فلا يكون مشمولاً لإطلاق هذه الروايات ولا يمكن القطع بالتعدي إليه، لوضوح الفرق بينها عرفاً.
وفي مقام التخلص من هذه الملاحظة لا بُدَّ من التوسل بإحدى وسائل:
الوسيلة الأولى: التشبث بالدليل اللُّبِّيّ وهو الإجماع، وإن كبرى أكل النجس قد انعقد عليها الإجماع، ومقتضى إطلاق معقد الإجماع عدم الفرق بين الطعام الملاقى بعين النجاسة والملاقي للمتنجس.
لكن هذا غير صحيح، إذ من المحتمل استناد المجمعين إلى هذه الروايات، فلا يمكن التعويل عليه بعد فرض قصور الروايات عن إثبات المطلب.
الوسيلة الثانية: أن نقول: إنَّ هذه الروايات وإن كان موردها هو خصوص
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الملاقي مع عين النجاسة إلَّا أنَّ الشارع حين حكم بحرمة الأكل فإنَّه ينسبق إلى ذهن العرف أنَّ موضوع الحرمة هو عنوان النجس لا عنوان ما كان ملاقياً للفأرة أو ملاقياً للكلب.
بدعوى: أنَّ كبرى الحزازة في أكل النجس وشربه أمر ارتكازي في أذهان المتشرعة وهذه الأسئلة التي وجهت إلى الأئمة إِنَّما هي بلحاظ ارتكازية هذه الكبرى، فحين يأمر الإمام بالاجتناب عن المرق ينعقد له ظهور، أنّه في مقام بيان تلك الكبرى.
إلّا أنَّ هذا لا يمكن التعويل عليه لأنَّ القدر المتيقن من الارتكاز إِنَّما هو ارتكاز الحزازة في ملاقي عين النجس مباشرة لا ملاقيه ولو بوسائط، فإنَّ أصل تنجس الشيء بالوسائط غير ارتكازي لنقول بسعة دائرة هذا الارتكاز إلى الأكل والشرب أيضاً.
الوسيلة الثالثة: أن نفتش عن روايات أخرى تدل على أنَّ الطعام المتنجس بملاقاة المتنجس أيضاً لا يجوز تناوله، وهذه الروايات أيضاً يمكن تقسيمها إلى طوائف.
الطائفة الأولى: ما دلَّ على لزوم الاجتناب عن سؤر الكافر اليهودي والنصراني:
1- كرواية سعيد الأعرج، قال: “سَأَلْتُ أَبَا عبد الله عَنْ سُؤْرِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، فَقَالَ: لَا“(1).
ــــــــــ[345]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 39، كتاب الطهارة، باب7، ح5، الفقيه 3: 347، باب الصيد والذبائح، ح: 4220، التهذيب 1: 223، كتاب الطهارة، باب10، ح: 21، الاستبصار 1: 18، كتاب الطهارة، باب8، ح:1، الوسائل 1: 229، باب 3 من أبواب الأسئار، ح:1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
2- عن العيص بن القاسم، قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالمَجُوسِيِّ، أَ فَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ؟ قَالَ: لَا“(1).
والاستدلال بها مبنيٌّ على عدم القول بنجاسة هؤلاء الكفار، فإنَّنا إذا قلنا بنجاستهم يكون الطعام ملاقياً لغير النجاسة، فلا يستفاد من الرواية إطلاق شامل لأكل الطعام المتنجس بالمتنجس.
لكن لو بنينا على عدم النجاسة الذاتية لأهل الكتاب فيمكن الاستدلال بها على المطلوب. وذلك: لأنَّ اليهودي والنصراني ليسا نجسين ذاتياً بل أمره دائر بين احتمالين:
الاحتمال الأوَّل: أن يقال إنَّه تجري فيه أصالة النجاسة العرضية.
الاحتمال الثاني: أنّه ليس كذلك ولكن احتمال النجاسة فيه أكبر من احتمال النجاسة في غيره، ومعه يكون الكافر متنجّساً، ومبنيَّاً عليه يصبح الطعام متنجساً بالمتنجس، فيكون منهياً عنه في الرواية – ويكون النهي باعتبار قوة احتمال انطباق كبرى حرمة أكل النجس عليه، فيدل على أنَّ هذه الكبرى وسيعة وشاملة للطعام الملاقي للمتنجس.
ــــــــــ[346]ــــــــــ
(1) الكافي 12: 271، كتاب الأطعمة، باب16، ح3، الفقيه3: 348، باب الصيد والذبائح، ح: 4222، التهذيب9: 88، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح: 108، الوسائل 3: 497، باب54 من أبواب النجاسات، ح1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الطائفة الثانية: الروايات التي تنهى عن الأكل في أواني الكفار، من قبيل رواية الصدوق، بإسناده إلى زرارة، عن أبي عبد الله: “فِي آنِيَةِ المَجُوسِ، قَالَ: إِذَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهَا فَاغْسِلُوهَا بِالمَاءِ“(1).
وهذا الاستدلال بالتقريبات السابقة يمكن حتى مع القول بنجاسة الكتابي، فإنَّ الآنية على أسوأ تقدير تكون متنجسة بالكتابي، ومرقنا يكون متنجساً بالمتنجس، وهو الآنية ومعه فتكون دالة على سعة الكبرى.
الطائفة الثالثة: ما دلَّ على النهي عن الأكل في الأواني التي يشرب بها الكفار الخمر والميتة، من قبيل رواية محمّد بن مسلم، عن أحدهما، قال: “سَأَلْتُهُ عَنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إِذَا كَانُوا يَأْكُلُونَ فِيهِ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَـحْمَ الْخِنْزِيرِ“(2) فتدل على سعة الكبرى بالتتميمات السابقة.
وبها يمكن القول بأنَّ أكل النجس وشربه حرام على الإطلاق.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
(1) المحاسن2: 584، كتاب الماء، باب13، ح73، الفقيه 3: 348، باب الصيد والذبائح، ح: 4221، الوسائل 3: 422، باب14 من أبواب النجاسات، ح12.
(2) التهذيب 9: 88، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح106، الوسائل24: 211، باب54 من أبواب الأطعمة المحرمة، ح6. ملاحظة: ووردت هذه الرواية في المحاسن عن أبي جعفر، وكان السؤال تحت عنوان (أهل الذمة) وليس أهل الكتاب كما في التهذيب والوسائل، لاحظ: المحاسن 2: 454، كتاب المآكل، باب49، ح375، والفقيه 3: 348، باب الصيد والذبائح، ح4223.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المسألة 31: الأحوط ترك الانتفاع بالأعيان النجسة، خصوصاً الميتة، بل والمتنجّسة إذا لم تقبل التطهير، إلَّا ما جرت السيرة عليه من الانتفاع بالعذرات وغيرها للتسميد والاستصباح بالدهن المتنجّس. لكنّ الأقوى جواز الانتفاع بالجميع، حتّى الميتة مطلقاً في غير ما يشترط فيه الطهارة. نعم، لا يجوز بيعها للاستعمال المحرّم، وفي بعضها لا يجوز بيعه مطلقاً، كالميتة والعذرات(1).
يوجد هنا ثلاث مسائل، كلٌّ منها أخص مِمَّا يليه:
المسألة الأولى: حرمة الانتفاع بالعين النجسة، فإن ثبت ذلك، تثبت في طولها:
المسألة الثانية: أنَّ الشارع أسقط مالية العين النجسة لأنَّ المالية مالية المال منتزعة من منافع العين، فإذا لم يكن لها منافع حقيقة، فليس لها مالية حقيقة، وإن لم يكن لها منافع تشريعاً لم يكن لها مالية بذلك النظر التشريعي، وعليه تترتب.
وهذه المسألة طويلة في الثبوت، ولكن قد يثبت المتأخر ولا يثبت المتقدم، كما لو ثبت عدم جواز البيع تعبداً، فيمكن أن يكون له مالية تضمن بالإتلاف. كما أنّه قد يسقط عن المالية تعبداً لكن لا يحرم التصرُّف فيه.
ــــــــــ[348]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 92، كتاب الطهارة، فصل في حرمة تنجيس المصحف المسألة (31).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أمّا المسألة الأولى وهي تحريم الانتفاع بالعين النجسة بحيث يتمُّ مفاد المسألتين المتأخرتين بلا حاجة إلى استئناف دليل جديد عليها.
المعروف المشهور في كلمات الفقهاء المتقدمين(1) والمتوسطين(2) عدم جواز الانتفاع بالعين النجسة.
ــــــــــ[349]ــــــــــ
() لاحظ المبسوط6: 284، كتاب الأطعمة، باب إذا نجس الشيء من هذه الأدهان فهل يجوز غسله، وأيضاً في المبسوط2: 166، كتاب البيوع، فصل في حكم ما يصحُّ بيعه، قال: “إن كان نجس العين مثل الكلب والخنزير و… فلا يجوز بيعه ولا اجارته ولا الإنتفاع به ولا اقتنائه بحال اجماعاً إلَّا الكلب فيه خلافاً“، والمقنعة: 587، كتاب التجارة، باب المكاسب، الإنتصار: 409، كتاب الصيد، المسألة234، الطعام الذي عالجه الكافر، وغنية النزوع: 213، كتاب البيع.
() شرائع الإسلام2: 3، كتاب التجارات، الأوَّل فيما يكتسب به، الأوَّل الأعيان النجسة، والمصدر نفسه 3: 175- 179، كتاب الأطعمة والأشربة، القسم الرابع في الجمادات، النوع الثالث الأعيان النجسة، ولاحظ قواعد الأحكام3: 331، كتاب الصيد والذبائح، المقصد الخامس، المطلب الرابع في الجمادات، والمطلب الخامس في المائعات، والدروس الشرعية3: 168، كتاب المكاسب، التكسب الحرام، درس231، والتنقيح الرائع2: 25، كتاب التجارة، الفصل الأوَّل فيما يكتسب به، الأوَّل الأعيان النجسة، ومفتاح الكرامة4: 13، كتاب المتاجر، المقصد الأوَّل في المقدّمات، الفصل الأوّل، الأوَّل كلّ نجس لا يقبل التطهير.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إلّا أنَّ هذا لم يرد في دليل إلّا في رواية تحف العقول(1) الساقطة سنداً(2)، ولهذا لا يمكن التعويل على هذه الشهرة لإثبات هذا العنوان، بل لا بُدَّ من الالتفات إلى كلٍّ من هذه الأعيان، لِيُرى أنّه هل ورد دليل على حرمة التصرُّف، فيها أو لا؟
وما يكون في معرض ورود الدليل عليه اثنان: (المسكر) و(الميتة)، بحيث يحرم التصرُّف بالمسكر حتى مثل تدهين الاخشاب وبالميتة حتى لبس جلدها ولو في غير الصلاة.
أمّا الخمر فيمكن أن يُستدلَّ على تحريمه مطلقاً بعدَّة وجوه:
روايات تحريم الاكتحال بالخمر من قبيل رواية هارون بن حمزة، عن أبي عبد الله: “فِي رَجُلٍ اشْتَكَى عَيْنَيْهِ، فَنُعِتَ لَهُ كُحْلٌ يُعْجَنُ بِالْخَمْرِ، فَقَالَ: هُوَ خَبِيثٌ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ، فَإِنْ كَانَ مُضْطَرّاً فَلْيَكْتَحِلْ بِهِ“(3) والاكتحال أجنبي عن
ــــــــــ[350]ــــــــــ
() تحف العقول: 333، باب ما روي عن الإمام الصادق، جوابه عن جهات معايش العباد، تفسير التجارات.
(2) جاء في ما وراء الفقه (للمقرر) 9: 52: “أنَّ هذه الرواية ساقطة سنداً تماماً، فإنَّها خالية من السند بالمرَّة، ومعه تكون من أشد المراسيل إرسالاً، فلا تكون حجّة، وهذه مناقشة لا مناص منها”.
(3) التهذيب9: 114، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح: 228، الوسائل 25: 350، باب21 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح:5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
باب الشرب، فيدل على أنَّ دائرة الحرمة في الخمر أوسع من الشرب.
إلّا أنَّ هذا الاستدلال في غير محلِّه: لأنَّ الاكتحال وإن كان غير الشرب، لكنّه مرتبة متميزة عن الانتفاعات الأخرى، وهذه الرواية وإن دلت على الحرمة باعتبار توسيع دائرة الشرب إلى ادخال أي شيء في الجسم باي نحو من الأنحاء، من قبيل النهي عن الاكتحال للصائم(1)، أمَّا مثل تدهين الخشب فلا يمكن الاستدلال عليه بمثل هذه الرواية.
ما دلَّ على حرمة صنع الخمر(2)، فيقال: إنَّه يدلُّ على تحريم كلِّ الانتفاعات بالخمر، فإنَّه لو كانت بعض المنافع محللة فلماذا حرم صنعه؟ إذ لعلَّه يصنعه
ــــــــــ[351]ــــــــــ
() الوسائل10: 76، باب25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح8، التهذيب4: 259، كتاب الصيام، باب63، ح:6، الإستبصار2: 89، كتاب الصيام، باب44، ح:4.
وَ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَنِ الصَّائِمِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَهُ يَكْتَحِلُ بِالذَّرُورِ وَ مَا أَشْبَهَهُ أَمْ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا يَكْتَحِلْ“.
(2) الكافي12: 678، كتاب الأشربة، باب15، ح:10، التهذيب9: 104، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح:186، الوسائل17: 224، باب55 من أبواب ما يكتسب به، ح:3.
وَعَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ آبَائِهِ قَالَ: “لَعَنَ رَسُولُ اللَّـهِ الخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَسَاقِيَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بقصد المنافع المحلَّلة، ومثله:
وهو ما دلَّ على وجوب إهراق الخمر يدل على أنَّه لا ينتفع به في شيء، إذ لو كان ينتفع به في شيء فلماذا يراق، كما استفدنا ذلك من الأمر بإراقة الماء المتنجس.
إلّا أنَّ هذان الوجهان لا يمكن الاستدلال بهما في المقام لأنَّه قد يكون تحريم صنع الخمر والأمر بإراقتها من ناحية مفسدة مَعْرَضِيَّة هذا الخمر للشرب لأنَّه يكون مغرياً إغراءً شيطانياً للشرب. فالمَعْرَضِيَّة الشأنية والنوعية للشرب لعلها هي الملاك في تحريم صنعه وإيجاب إراقته وإن كان فيها منافع محللة، وليس هذا كالماء النجس والمرق النجس فإنَّها لا إغراء لها بالشرب.
ما دلَّ على تحريم الخمر بتمام مراتب انتاجها وسقيها وحملها وعصرها، كما في رواية جابر الجعفي، عن أبي جعفر، قال: “لَعَنَ رَسُولُ اللهِ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً: غَارِسَهَا وَحَارِسَهَا وَعَاصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا“(2).
ــــــــــ[352]ــــــــــ
(1) الكافي10: 272، كتاب المعيشة، باب107، ح:2، التهذيب7: 136، كتاب التجارات، باب9، ح72، الوسائل17: 223، باب55 من أبواب ما يكتسب به، ح:1.
(2) الكافي12: 775، كتاب الأشربة، باب35، ح:4، الوسائل17: 224، باب55 من أبواب ما يكتسب به، ح:4.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فهو يدلُّ على أنَّها ليس فيها منفعة محللة، إذ لو كان توجد فيه منفعة فلماذا يحرم أن يحملها إنسان إلى إنسان.
وهذا أيضاً غير تام، لوضوح أنَّ الظاهر أنَّ هذه العناوين المتعلقة بالخمر متعلقة بها وهي طريق الشرب، يعني: حاملاً إلى من يشربها والمحمولة إليه لكي يشربها، وإلا فما معنى لعن غارسها، فهل يحرم غرس العنب مطلقاً؟ بل يراد غرس العنب بقصد التوصل إلى شرب الخمر، وهذا قرينة على أنَّ كلَّ العناوين استطراق للشرب.
ومعه لا يمكن الاستدلال بها على تحريم جميع الانتفاعات حتى مثل تدهين الأخشاب.
وأمّا الميتة، فقد وردت بها روايات عديدة تدل على عدم جواز الانتفاع بها، بحسب ظاهرها:
1- رواية علي بن أبي المغيرة، قال: “قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله: جُعِلْتُ فِدَاكَ! المِيْتَةُ يُنْتَفَعُ مِنْهَا بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: لَا“ (1).
2- ورواية سماعة، قال: “سَأَلْتُهُ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ، يُنْتَفَعُ بِهَا؟! قَالَ: إِذَا رَمَيْتَ وَسَمَّيْتَ فَانْتَفِعْ بِجِلْدِهِ، وَأَمَّا المَيْتَةُ فَلَا“(2)، وظاهرها حرمة الانتفاع
ــــــــــ[353]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 396ـ 397، كتاب الصلاة، باب60، ح: 6، التهذيب2: 204، كتاب الصلاة، باب11، ح: 7، الوسائل 3: 502، باب61 من أبواب النجاسات، ح2.
(2) التهذيب9: 79، كتاب الصيد والذبائح، باب3، ح74، الوسائل3: 489، باب 49 من أبواب النجاسات، ح2.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
مطلقاً، ويوجد من الروايات ما يدلُّ على الجواز وهي روايات عديدة، منها ما هو المعتبر سنداً، من قبيل رواية سماعة، قال: سَأَلْتُهُ عَنْ جِلْدِ المِيْتَةِ المَمْلُوحِ وَهُوَ الْكَيْمُخْتُ، فَرَخَّصَ فِيهِ، وَقَالَ: “إِنْ لَمْ تَمَسَّهُ فَهُوَ أَفْضَلُ“(1).
ومقتضى الجمع العرفيِّ بين الطائفتين حمل النهي هناك على الكراهة، خصوصاً وان هذه الرواية فيها إشارة إلى الكراهة فإنَّها دالة على الترخيص المقرون بالكراهة، فيبنى على الجواز إلا ما كان مشروطاً بالطهارة.
هذا تمام الكلام في المسألة الأولى.
أنّه هل اُسقطت العين النجسة عن المالية؟ وفائدة هذه المسألة: أنَّها لو أُسقطت عن المالية يترتب عليه:
1- أنَّه لو أتلفها مُتلِف فهو غير ضامن.
2- مُضافاً إلى عدم جواز البيع.
فهل هناك ما يدلُّ على الإسقاط عن الماليَّة أو لا؟
المعروف بينهم: أنَّ هناك بعضَ الأعيانِ النجسة التي أسقطت عن المالية كالخمر، وقد وسع ذلك إلى كلِّ الأعيان ويتصور للاسقاط عن المالية ثلاثة ملاكات:
ــــــــــ[354]ــــــــــ
(1) التهذيب 9: 78، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح:68، الاستبصار4: 90، كتاب الصيد والذبائح، باب55، ح:4، الوسائل24، 186، باب34 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح:8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الملاك الأول: تحريم تمام المنافع الذي هو عنوان المسألة الأولى، فلو دلَّ عليه دليل دلَّ على إسقاط المالية لأنَّ المالية تُنتزع من المنافع الموجودة فيه، فإذا كانت ساقطة بالنظر التشريعي كانت – بذلك النظر التشريعي- مهدورة عن المالية، إلَّا أنَّ هذا غير صحيح كما سبق.
الملاك الثاني: أن يدلَّ دليل على وجوب اتلاف الشيء بدعوى أنّه لا أهمية له ولا شأن له، فيكون إسقاطاً له عن المالية، ولو تم ذلك لأمكن أن يدعى تمامية المطلوب، لما يدعى من وجود دليل على وجوب الإتلاف.
إلّا أنَّ هذا الملاك في نفسه غير صحيح، فإنَّه قد يجب أحياناً إتلاف المال بدون أن يخرج عن المالية كالعبد الجاني، فإنَّه يجوز بيعه قبل انزال القصاص عليه.
الملاك الثالث: دليل المسألة الثالثة: بأن يستظهر من دليل عدم جواز البيع الاسقاط عن المالية، بتقريب: أنَّ عدم جواز البيع وأن كان أعم من الاسقاط عن المالية، فإنَّ المصحف لا يجو بيعه، كما أفتى به جملة من الفقهاء(1)، والوقف لا يجوز بيعه(2) وكذا أمّ الولد، ولا يجوز بيع العبد المسلم على الكافر. ولكن قد
ــــــــــ[355]ــــــــــ
(1) لاحظ جامع الشرائع: 252، كتاب البيع في المعاطاة، وتحرير الأحكام2: 261، كتاب المتاجر، المقصد الأوّل، الفصل الأوَّل فيما يحرم التكسب به، الثامن عشر يحرم بيع المصحف، وجامع المقاصد 4: 33، كتاب المتاجر، الرابع ما نصّ الشارع على تحريمه عيناً.
(2) المبسوط3: 286، كتاب الوقوف والصدقات، غنية النزوع: 298، فصل في الوقف، شرائع الإسلام 2: 11، كتاب التجارة، الفصل الثاني في عقد البيع، الشروط، الثاني أن يكون طلقاً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
يُستظهر من لسان الدليل الدالِّ على عدم جواز البيع أنَّ عدم جوازه باعتبار الإسقاط عن الماليّة، فإنَّ عدم جواز البيع يتلوَّن بألوان موارده بمناسبات الحكم والموضوع.
فإنَّ عدم جواز بيع المصحف لاحترامه عرفاً، وأمَّا إذا قال: (ثَمَنُ الْمَيْتَةِ سُحْت) (1) نفهم منه أنَّ هذا غير قابل لأن يكون له ثمن، فإذا دلَّ الدليل على ذلك ارتبطت المسألة بالمسألة الآتية.
فكلما دلَّ دليل على عدم جواز البيع بمثل هذا اللسان، كان ساقطاً عن المالية.
وإذا كان الشيء لا يصحُّ أن يأخذ ثمناً بالمعاوضة كذلك لا يصحُّ بالغرامة لأنَّ بدل الغرامة إِنَّما هو عوض ما يفوته من المعاوضة ومعه لا بُدَّ من الانتهاء إلى المسألة الثالثة.
المسألة الثالثة: أنّه هل يجوز بيع العين النجسة أو لا؟
الصحيح أنّه لم يدلَّ دليل على عدم الجواز بعنوان كونه عيناً نجسة، وما ورد فيه ذلك ضعيف السند كرواية (تحف العقول) ولهذا لا بُدَّ من الالتفات إلى الأدلَّة الخاصة بكل مورد.
ــــــــــ[356]ــــــــــ
(1) الفقيه 3: 171ـ 172، باب المعايش والمكاسب والفوائد، ح:3648، الوسائل 17: 94، باب5 من أبواب ما يكتسب به، ح:5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والظاهر عدم تماميَّة الدليل إلّا في ثلاث أعيان: الكلب، والخنزير، والخمر، حيث ورد في كلِّ منها النهي عن البيع أو ما يدلُّ على بطلانه وضعاً.
فورد في الكلب: “ثمن الكلب سحت“(1)، واستثنى منه الكلب الصيود(2).
وفي الخنزير(3) وردت جملة روايات تدل على عدم جواز بيعه وبعضها تامّ السند.
ــــــــــ[357]ــــــــــ
() الكافي9: 663، كتاب المعيشة، باب37، ح: 4، التهذيب6: 357، كتاب المكاسب، باب93، ح: 140، الوسائل17: 120، باب14 من أبواب ما يكتسب به، ح8.
(2) التهذيب 6: 356، كتاب المكاسب، باب93، ح: 138، الوسائل17: 119، باب14 من أبواب ما يكتسب به، ح:3.
الوسائل: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ قَالَ: ثَمَنُ الْكَلْبِ الَّذِي لَا يَصِيدُ سُحْتٌ ثُمَّ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِثَمَنِ الْهِرِّ).
(3) الكافي10: 274، كتاب المعيشة، باب107، ح:5، الوسائل17: 57، من أبواب ما يكتسب به، ح1. تحت عنوان باب تحريم بيع الخنزير وحكم من أسلم وله خمر أو خنزير فمات وعليه دين.
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الرِّضَا قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ خَمْرٌ وَخَنَازِيرُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ هَل يَبِيعُ خَمْرَهُ وَخَنَازِيرَهُ وَيَقْضِي دَيْنَهُ، قَالَ: لا“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والخمر أيضاً ورد فيها روايات وهي غير خاصة بالخمر المتخذة من العنب، بل تشمل كلَّ المسكرات. كالذي ورد في الفقاع(1)، ولا بأس من استفادة العموم منها.
وتفصيل الكلام في رواياتها موكول إلى بحث آخر غير الطهارة.
وهذه الأعيان الثلاث لم يدلَّ دليل على عدم صحة البيع فيها، حتى في الميتة التي هي أوضحها؛ لأنَّ المعروف عدم جواز بيعها حتى لمن يقول بجواز بيع الأعيان النجسة.
إلّا أنَّ الإنصاف أنَّ هذا في غير محلِّه، لأنَّ تفصيل الكلام في رواياتها موكول إلى محلِّه، وإنما نشير الآن إلى فذلكة البحث وهي: أنَّ روايات حرمة بيع الميتة على ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: ما كان بلسان أنَّ (ثَمَنُ المَيْتَةِ سُحْتٌ)، وبعضها تامّ السند.
ــــــــــ[358]ــــــــــ
() الكافي12: 753، كتاب الأشربة، باب30، ح:1، التهذيب9: 124، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح: 274، الوسائل 17: 226، باب56 من أبواب ما يكتسب به، ح1.
وسائل الشيعة مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَغَيْرِهِ عَن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: “قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا مَا تَقُولُ فِي شُرْبِ الْفُقَّاعِ، فَقَالَ: خَمْرٌ مَجْهُولٌ يَا سُلَيْمَانُ فَلَا تَشْرَبْهُ أَ مَا يَا سُلَيْمَانُ لَوْ كَانَ الحُكْمُ لِي وَالدَّارُ لِي لَجَلَدْتُ شَارِبَهُ وَلَقَتَلْتُ بَائِعَهُ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الطائفة الثانية(1): ما ورد في مقام النهي عن بيع جلود الميتة أو شحمها الذي ينتفع به في مقام الإسراج، ولم أجد فيها ما يكون تامّ السند، فإنَّها جميعاً لا تخلو أسنادها من شوب إشكال.
الطائفة الثالثة: روايات بيع الميتة على من يستحلها(2)، فإنَّها إذا اختلطت بالمذكى يبيعها على من يستحل الميتة، وهي صحيحة السند.
وهذه الطائفة وإن وردت في مورد اختلاط الميتة بالمذكى إلَّا أنَّ المستفاد منها أنَّ بيع الميتة لمن يستحلُّها جائز، سواء كانت مختلطة أو متميزة لأنَّ المتفاهم عرفاً أنَّ نكتة الجواز هي أنَّه يستحلُّها فلا يكون أكل المال في نظره أكلاً للمال بالباطل. وكون الميتة تتميَّز بعينها، أو لا؟ هذا من المناسبات المورديّة الملغاة بمناسبات الحكم والموضوع عرفاً.
ــــــــــ[359]ــــــــــ
() قرب الإسناد: 268، باب ما يحل من البيوع، ح: 1066، الوسائل17: 98 باب6 من أبواب ما يكتسب به، ح: 6.
مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ فِي آخِرِ السَّرَائِرِ نَقْلًا مِنْ جَامِعِ الْبَزَنْطِيِّ صَاحِبِ الرِّضَا قَالَ: “سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْغَنَمُ يَقْطَعُ مِنْ أَلَيَاتِهَا وَهِيَ أَحْيَاءٌ أَ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا قَطَعَ، قَالَ: نَعَمْ يُذِيبُهَا وَيُسْرِجُ بِهَا وَلَا يَأْكُلُهَا وَلَا يَبِيعُهَا“.
(2) الكافي12: 264، كتاب الأطعمة، باب12، ح: 1، التهذيب9: 47، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح: 198، الوسائل17: 19 من أبواب ما يكتسب به، ح: 1.
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنِ الْحَلَبِيِّ قَالَ: “سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِذَا اخْتَلَطَ الذَّكِيُّ وَالمَيْتَةُ بَاعَهُ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ المَيْتَةَ وَأَكَلَ ثَمَنَهُ“.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وهذه الروايات بنفسها تدل على عدم جواز بيع الميتة ممن لا يستحلها، فهي تدل على كلا الحكمين: المستثنى والمستثنى منه.
وحينئذٍ فلو بقينا نحن والطائفة الأولى والثانية لقلنا إنَّه لا يجوز بيع الميتة، وأنه حكم تعبدي لا من باب أنَّ الميتة ليس لها منفعة محللة لأنَّ جلد الميتة ودهنها له منفعة محلَّلة.
ولكن الطائفة الثالثة لا تعطي نكتة المطلب بحسب المتفاهم العرفي؛ فإنَّها بتفصيلها بين (مستحل الميتة) وغيره نفهم أنّه ليس حكماً تعبدياً، بل باعتبار أنَّ غير (مستحل الميتة) ليس فيها منفعة له أصلاً، فيكون أكل المال في مقابلهِ أكلاً للمال بالباطل.
بخلاف من يستحلّها فإنَّ لها منافع في نظره، فلا يكون أكلاً للمال بالباطل، فلو اقتصرنا على هذه الطائفة لقلنا إنَّ الميزان في جواز وعدم جواز البيع هو كونه أكلاً للمال بالباطل.
ومقتضاه أنَّ بيع لحم الميتة من غير المستحل حرام لأنَّه ليس له منافع.
وأما بيع جلد الميتة فلا بأس به، لأنَّ الانتفاع به حلال، فحال المسلم بالنسبة إلى الجلد كحال الكافر من اللحم.
وليس هذا مطلباً جديداً بل هو مقتضى القواعد في باب البيع من حيث إنَّه يُشترَط وجود المنفعة المحللة للمَبيع.
وحينئذٍ فإذا قايسنا الطائفة الثالثة إلى الأولى فمقتضى الجمع العرفيِّ بينهما ــــــــــ[360]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
هو أنَّ ثمن الميتة سحت من باب أنَّها غير مستحلة يعني نحمل ذاك الحكم على هذه العلَّة.
فإن الطائفة الأولى قد بيَّن فيها الحكم بدون بيان الميزان.
والطائفة الثالثة بيَّن فيها الميزان، فتختص الحرمة بخصوص لحم الميتة، وتكون النتيجة في مصلحة الطائفة الثالثة.
نعم، لو لاحظنا الطائفة الثالثة مع الثانية لوقع بينهما نحوٌ من التعارض، لأنَّ الطائفة الثانية تدل على عدم جواز بيع الميتة حتى جلدها ودهنها، وظاهره أنَّ هناك محذوراً مستقلاً في نفس عنوان الميتة لا من باب أنه غير مستحل المنافع؛ لأن الجلد والدهن له منفعة محللة؛ ولكن الذي يخفف الوطء عدم اعتبار سند الطائفة الثانية، فلا تصل النوبة إلى هذا التعارض.
فالمتحصَّل إذن هو أنَّ بيع الميتة لا يجوز إذا انطبقت عليه القواعد العامّة.
وإذا حكمنا بحرمة بيع الأعيان الثلاث، فإنَّه غير مربوط بنجاستها، بل هو أمرٌ معلّق على عناوينها، فلو حكمنا بطهارتها كما نقول في المسكر غير العنبي، فأيضاً يقال بعدم جواز بيعه.
المسألة 32: كما يحرم الأكل والشرب للشيء النجس، كذا يحرم التسبب لأكل الغير أو شربه. وكذا التسبّب لاستعماله في ما يشترط فيه الطهارة؛ فلو باع أو أعار شيئاً نجساً قابلاً للتطهير يجب الإعلام بنجاسته. وأمَّا إذا لم يكن هو ــــــــــ[361]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
السبب في استعماله -بأن رأى أنَّ ما يأكله شخص أو يشربه أو يصلّي فيه نجس- فلا يجب إعلامه(1).
يقع الكلام بعد أن فرغنا عن حرمة أكل النجس وشربه في أنَّ التسبيب إلى أكل الغير وشربه للنجس جائز أو لا؟ والكلام في المسألة يقع في مقامين:
الأول: في حرمة التسبيب بنحو الكبرى.
والثاني: في بيان الصغرى، وأنّه بمَ يتحقَّق التسبيب؟ وهل يتحقق بالإعارة أو لا؟
في كبرى التسبيب، ويقع الكلام فيه في فرعين:
أحدهما: في التسبيب إلى أكل النجس وشربه لمكلف مخاطب بالاجتناب عن ذلك.
ثانيهما: التسبيب لشخص غير مكلّف كالطفل والمجنون.
أن يسبب المكلّف إلى فعل مكلّف آخر في استعمال النجس فيما هو مشروط بالطهارة، وهنا عدّة صور:
ــــــــــ[362]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى1: 92، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، وجوب ازالة النجاسة عن المأكول، المسألة (32).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الصورة الأولى: أن يفرض أنَّ التكليف كان منجزاً عن الآخر، وفي هذه الصورة لا إشكال في حرمته، لأنَّه يكون تسبيباً نحو المعصية وتشويقاً إليها وهو حرام.
الصورة الثانية: أن يفرض أنَّ التكليف الواقعي ليس منجزاً عليه بل مؤمَّن عنه، فزيد يُسبِّب إلى استعمال عمرو للنجس فيما هو مشروط بالطهارة، وعمرو لا يعلم أنّه نجس، وهذا هو محلُّ الكلام. وهذه الصورة يمكن تصنيفها إلى صنفين:
الصنف الأوّل: ما إذا فرض أنَّ الأثر الذي يتسبب زيد في أن يرتبه عمرو على النجس، يكون تكليفاً محفوظاً في صورة العلم والشك كما هو الحال في صورة حرمة أكل النجس وشربه.
الصنف الثاني: أن يفرض أنَّ الخطاب الواقعي غير محفوظ في فرض الجهل، كما لعله كذلك في مسألة الصلاة في الثوب النجس. فلو صلى في الثوب النجس جهلاً ثُمَّ تبيَّن له، فإنَّه لا يجب عليه الإعادة.
وهذا الصنف له شقان:
الشقّ الأوَّل: إذا قلنا: إنَّ ارتفاع الحكم عن الجاهل باعتبار أنَّ ملاك مانعيَّة النجاسة يختصّ بالعالم، وأمَّا الجاهل فلا يُوجد أي نقص في صلاته.
الشقّ الثاني: إذا قلنا: إنَّ صلاة الجاهل مفوِّتة لغرض المولى، لكن المولى
-مع ذلك- حكم بالإجزاء، لما قلناه في بحث الإجزاء من أنَّ الإجزاء تارة ينشأ من استيفاء الغرض وأخرى من فواته بنحو لا يمكن تداركه.
ــــــــــ[363]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أما الصنف الثاني من هذه الصورة، فلا إشكال في جواز التسبيب؛ لأنَّ التسبيب في استعمال النجس، لا يكون فيه أي تفويت لغرض المولى.
وإنّما الكلام فيما إذا كان الخطاب غير خاصٍّ بمورد الشكّ كأكل النجس وشربه، غاية الأمر أنّه حيث يعلم فإنَّه يكون معذوراً، فهل يجوز التسبيب أو لا؟ والكلام هنا يقع على مرحلتين:
الأولى: على مقتضى القاعدة. والثانية: بلحاظ الروايات الخاصة.
المرحلة الأولى: بلحاظ مقتضى القاعدة
في الكلام على مقتضى القاعدة، ونريد به أن نستنبط حكم المسألة من نفس الخطابين المتوجِّهين إلى زيد المسبب وعمرو المسبَّب إلى عمله، وهو خطاب: (يا زيد اجتنب أكل النجس وشربه)، وخطاب: (يا عمرو اجتنب النجس)، ونحن تارة نقتصر على الخطاب للمسبب وأخرى نقتصر على الآخر.
1- فإن كان الخطاب مخصوصاً بالمسبِّب كقوله: (أيها العالم لا تضرب)، فهل يجوز أن يسبب العالم إلى أنَّ الجاهل يضرب أحداً أو لا؟
ظاهر كلمات السيد الأستاذ(1) عدم جواز ذلك لأنَّ النهي عن فعل أعم من
ــــــــــ[364]ــــــــــ
(1) لاحظ التنقيح في شرح العروة 2: 331، كتاب الطهارة، فصل في طهارة اللباس والبدن، المسألة (32)، ولاحظ فقه الشيعة 4: 122، كتاب الطهارة، فصل وجوب ازالة النجاسة عن المشاهد المشرفة والمصحف الشريف، المسألة (32).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفعل بوجوده المباشري والفعل بوجوده التسبيبي، والتسبيب له نحو استناد إلى الفاعل فيثبت حرمة التسبيب.
إلّا أنَّ هذا الكلام غريب جداً، لأنَّ الأفعال على نحوين:
تارةً لا يكون لها إضافة إلى المكلّف المخاطب بتحريمها إلّا إضافة صدورية، كالضرب فإنَّه يصدر منه ولكنه لا يقع عليه.
وأخرى يكون لها إضافتان إلى المكلف، مثل قولنا: (أيّها العالم لا تلبس الثوب الأسود)، فإنَّ اللبس منسوب إلى العالم صدوراً وحلولاً.
ففي القسم الأوَّل إن قيل: (أيّها العالم لا تضرب أحداً)، فقد يدَّعي مدعٍ أنّه أُريد بالضرب ما استند إليه نسبة صدورية، وهي أعم من الفعل المباشري والتسبيبي.
وأمّا في القسم الثاني: فلا معنى لأن يُقال: إنَّ العالم لو سبب للجاهل أن يلبس الثوب الأسود، فإنَّه يكون مشمولاً لخطاب (أيها العالم لا تلبس الثوب الأسود). فإنَّ الفعل مضاف إليه بالإضافة الصدورية دون الحلولية، والمحرم إِنَّما هو اللبس المضاف إلى العالم بكلتا الإضافتين، فلا يمكن أن يفهم من (لا تلبس) أنه (لا تُلبس غيرك).
وفي المقام: هل نفهم من قوله: (يا زيد المسبِّب لا تأكل النجس) أنه يحرم عليه أن يسبب غيره، أن يأكل النجس بقطع النظر عن الخطاب المتوجه إلى ذلك الغير؟ كَلَّا.
فإن الأكل مستند إليه استناداً صدورياً وحلولياً، والتسبيب إِنَّما يحقق
ــــــــــ[365]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الاستناد الصدوري دون الحلولي، وبه لا يكون أكل الغير أكلاً له ولا شربه شرباً له.
ومعه فلو قصرنا النظر على الخطاب المتوجه إلى المسبب فلا يمكن أن نستنبط منه حرمة التسبيب.
2- وأمَّا لو قصرنا النظر على خطاب الآخر، وهو قوله: (يا عمرو لا تشرب النجس)، ونفرض أنَّ زيداً يغريه بالشرب، من دون أن يكون زيد مكلَّفاً، فهل يمكن أن نستفيد حرمة التسبيب؟ يمكن تقريب استفادة ذلك بتقريبين:
التقريب الأوَّل: أنَّ خطاب (يا عمرو لا تشرب النجس)، وإن كان متوجهاً إلى عمرو بالخصوص، لكنّه يكشف عن وجود غرض مولوي لزومي في أن لا يتحقَّق من عمرو شرب النجس خارجاً، وهذا الغرض محفوظ الآن؛ لأنَّنا فرضنا أنَّ الخطاب غير مخصوص بالعالم، فنضمُّ إلى ذلك حكم العقل بلزوم حفظ أغراض المولى وقبح تفويتها، فيثبت أنَّ زيداً وإن لم يكن مخاطباً إلّا أنَّه يصبح مفوِّتاً لهذا الغرض بتسبيبه، فيكون قبيحاً، ويستحقُّ عليه العقاب.
ويمكن دفع ذلك بما أشرنا إليه سابقاً، من أنَّ الغرض المولوي الواحد له أنحاء من التفويت، وقد يفرض أنَّ بعضها لزومي والآخر غير لزومي، وقد يفرض أنَّ المولى لا يرضى بأي نحو من أنحاء التفويت، وميزان ذلك مقدار اهتمام المولى بذلك الغرض، وكون الغرض لزومياً ليس معناه أنَّ المولى لا يرضى بأي نحو من أنحاء التفويت، بل معناه أنه لا يرضى بتفويته ببعض انحاء
ــــــــــ[366]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
التفويت، وذلك كصلاة المتحيِّر في القبلة، فإنَّه يجوز أن يُصلِّي إلى أيِّ جهة شاء، وبالرغم من أنَّه تفويت للغرض على بعض التقادير كان جائزاً.
ومعه فما لا يرضى المولى بتفويته يقبح تفويته، وإلا جرت البراءة عن قبح التفويت.
وفي محلِّ الكلام: المولى وإن كان له غرضٌ وحدانيٌّ، بأن يترك عمرو شرب النجس، لكن له أنحاء من التفويت منها: تفويته من قبل عمرو نفسه، ومنها: تفويته من قبل زيد تسبيباً. والمولى قد يرضى ببعض أنحاء التفويت، ولا يمكن إثبات أنَّ المولى لا يرضى بالتفويت الثاني، فإنَّ الطريق الوحيد هو الرجوع إلى الخطاب، والخطاب متوجّه إلى عمرو لا إلى زيد، والعقل وحده لا يستقلّ بأنَّ المولى بماذا يرضى من التفويتات، وبماذا لا يرضى.
التقريب الثاني: أنَّ هذا التفكيك بين التفويت المباشري والتفويت التسبيبي معقول لكنه ليس تفكيكاً عرفياً، بمعنى أنَّ العرف يرى وجود ملازمة بين عدم الرضا بالتفويت المباشري. والتفويت التسبيبي. فإنَّ عادة المولى العرفيِّ إذا قال: (لا تعمل كذا) فإنَّه لا يرضى أن يسبب شخص آخر صدور الفعل من المأمور أيضاً.
فيُفهَم من خطاب: (يا عمرو لا تشرب النجس) خطابٌ آخر، حاصله: (أيها الآخرون لا تُغروا عَمْراً بشرب النجس)، ويكون مدلولاً التزامياً للخطاب.
وهذا التقريب صحيح وعليه نبني حرمة التسبيب إلى الحرام من جميع أدلَّة المحرمات. هذا هو الكلام على مقتضى القاعدة.
ــــــــــ[367]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المرحلة الثانية: بلحاظ الروايات الخاصّة
وأمّا بلحاظ الروايات الخاصة الواردة في بيع الدهن المتنجس التامّة سنداً، والتي تقول “بِعْهُ وَبَيِّنْهُ لِمَنِ اشْتَرَاهُ لِيَسْتَصْبِحَ بِهِ“(1)، فهذا الأمر باعتبار الفرار من محذور التسبيب، فإنَّه لو لم يُعلمه يكون دَفعُه له -مع أنَّه عادة يستعمل في الأكل- تسبيباً إلى الأكل.
ثم أنَّ السيد الحكيم(2) ذكر أنَّ النسبة بين حرمة التسبيب لو استندنا إلى مقتضى القاعدة، وبين القول بها لو استندنا إلى الروايات هي العموم من وجه.
الأعمِّيَّة الأولى: لأنَّ المدرك لو كان هو مقتضى القاعدة فيجب الإعلام إن كان يترتب عليه استعماله في الطعام والشراب، وأمَّا إذا علمنا أنه لن يترتب عليه ذلك، فلا يجب الإعلام.
وهذا بخلاف ما لو كان المدرك هو الروايات، فإنَّ الحكم بوجوب الإعلام مطلقاً هو المتعيّن تمسُّكاً بإطلاق الروايات.
الأعمِّيَّة الثانية: كما أنَّ الأعمِّيَّة من ذاك الطريق ثابتة:
ــــــــــ[368]ــــــــــ
() التهذيب 7: 129، كتاب التجارات، باب9، ح34، الوسائل17: 98، 6 من أبواب ما يكتسب به، ح:4.
وَعَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ الْمِيثَمِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: “فِي جُرَذٍ مَاتَ فِي زَيْتٍ مَا تَقُولُ فِي بَيْعِ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِعْهُ وَبَيِّنْهُ لِمَنِ اشْتَرَاهُ لِيَسْتَصْبِحَ بِهِ“.
(2) لاحظ مستمسك العروة الوثقى 1: 523، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة (32).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فإنَّه إن كان المدرك هو القاعدة، فلا فرق بين النجس وغيره من المحرمات، لأنَّ مقتضى القاعدة فيها على حد واحد.
وأمَّا إذا كان المدرك هو الرواية فإنَّه يقتصر فيها على خصوص النجس، إذن فبين المدركين عموم من وجه(1).
إلّا أنَّ هذا الكلام غير صحيح، لأنَّ الأعمية الأولى غير واردة في المقام، وذلك لظهور الروايات في أنَّ الإعلام إِنَّما هو من أجل أن لا يقع في الحرام، فإنه بيَّن العلَّة فيه، وهو وقوله: (ليستصبح به)، يعني أن لا يأكله، فإنَّ مرجعه هو التعليل بعدم هذا الضدِّ لا بوجود ذاك الضد، ومعه فحيث يعلم أنه سوف لا يأكله لا يجب الإعلام.
والحاصل: أنَّ الرواية لا يستفاد منها الوجوب التعبدي، بل الوجوب الاستطراقي إلى حفظ غرض المولى فيكون مفادها مساوياً لمقتضى القاعدة.
ــــــــــ[369]ــــــــــ
(1) “ومن ذلك يظهر لك الفرق بين مقتضى الصحيح المذكور ومقتضى الاستدلال المتقدّم على حرمة التسبيب؛ فإنَّ بينهما عموماً من وجه؛ إذ مقتضى الصحيح وجوب الإعلام وإن لم يكن هناك تسبيب. ولكنّه يختصّ بالنجس من حيث استعماله في الأكل والشرب، فلا يشمل غير النجس، ولا النجس بلحاظ استعماله في ما يعتبر فيه الطهارة غير الأكل والشرب. ومقتضى الاستدلال حرمة التسبيب مطلقاً إلى فعل الحرام، سواءٌ أكان مورده النجس أم غيره، وسواءٌ أ كان الحرام الأكل والشرب أم غيرهما، لكنّه يختصّ بصورة التسبيب الموجب لقوّة إسناد الفعل إلى السبب، ولا يشمل غيرها”. مستمسك العروة الوثقى 1: 523، كتاب الطهارة، فصلٌ: شرط إزالة النجاسة في الصلاة، المسألة (32).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ثم أننا لو جمدنا على حاق عبارة الرواية وموردها، فلا نتعدى من النجس إلى غيره من المحرمات.
وأمّا لو استفدنا من مناسبات الحكم والموضوع ومن ارتكازية قاعدة حرمة التسبيب الأمر بالإعلام إِنَّما هو بلحاظ هذه الكبرى المركوزة، فنتعدى من هذا المورد إلى غيره.
هذا تمام الكلام في الفرض الأوَّل وهو ما إذا كان المسبب إليه مطلقاً بحرمة شرب النجس.
الفرع الثاني: ما إذا كان المسبب إليه غير مكلَّف، والحكم في المقام يختلف باختلاف المدرك في الفرض السابق.
فإن قلنا بجواز التسبيب في الفرض الأول، قلنا به هنا. وأمَّا إن قلنا بعدم جوازه هناك فما هو المدرك لعدم الجواز.
فإن كان المدرك استفادته على مقتضى القاعدة من خطاب (يا زيد لا تشرب النجس) بالبيان السابق، الذي ادعاه السيد الخوئي. فلا ينبغي أن يفرَّق بين الطفل والبالغ، فإنَّ شربَ الطفل مستندٌ إلى المُسبِّب استناداً تسبيبيَاً، فيحرم.
وإن كان المدرك هو استفادة الحرمة من الخطاب الثاني المتوجه إلى عمرو، فالفرق واضح بين الفرضين فإنَّ عَمراً في الفرض الأوَّل كان مكلَّفاً بحرمة شرب النجس، وأمَّا في المقام فعمرو ليس له خطاب، فلا يكون دالاً عرفاً على حرمة التسبيب، وهو يقتضي التفصيل بين الفرض الأوَّل والفرض الثاني،
ــــــــــ[370]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
والعجيب أنَّ السيد الخوئي بالرغم من أنَّه يبني على أنَّ المدرك هو الأوَّل ذهب إلى هذا التفصيل، وهذا تهافت بين المدرك والنتيجة.
وأمَّا إذا كان المدرك هو الروايات الخاصة، فمن المعلوم أنَّها لا إطلاق لها لبيع الطفل والمجنون، ومعه فينبغي التفصيل، أيضاً بين المكلّف وغيره.
ثم أنَّ هناك رواياتٍ أخرى يمكن أن يُستأنس بها للمطلب، وهو استفادة حرمة التسبيب، وهي الروايات التي تأمر بإراقة المرق المتنجس(1) والماء المتنجس والمضافات، ولا إشكال أنَّ الأمر بالإزالة يُستفاد منه النجاسة، فيدلُّ على نجاسة المرق والماء.
لكن يُستأنَس بها لحرمة التسبيب ببيان: أنَّ الأمرَ بالإراقةِ ظاهرٌ عرفاً في أنَّ هذا الشيء مِمَّا لا يمكن أن يُستفاد منه بوجه، إذ لو فُرض فيه بعض الفوائد المحلَّلة مع كونه نجساً، فلماذا يأمر بإراقته؟
وحينئذٍ فيقال: أنَّه لو كان التسبب إلى أكل النجس جائزاً شرعاً، فلماذا يجب إراقته؟! بأن يعطيه لمن لا يعلم نجاسته، فيكون تسبُّباً إلى أكل النجس، وهو جائز فرضاً ولعلَّه يبرئ به ذمته من بعض الكفارات، أو يطعم أهل بيته ممن لا يعلم، ثُمَّ يخبرهم بعد التناول ليطَّهروا.
ــــــــــ[371]ــــــــــ
(1) الكافي 12: 267، كتاب الأطعمة، باب14، ح: 3، التهذيب 9: 87، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح: 109، الوسائل 1: 206، باب5 من أبواب الماء المضاف، ح3.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
فالأمر بالإراقة بالمرَّة يكون دليلاً عرفاً على حرمة التسبيب إذ لو كان لكان ينتفع به في الجملة، فيكون هذه الروايات دالة على الحرمة.
وهذا الدليل لو تم يصبح أوسع مفاداً من الأدلَّة السابقة، إذ بالإمكان أن يقال: إنَّها لو تمّت فإنَّها يثبت بها حرمة التسبيب لإطعام الطفل أيضاً. فإنَّ وجود الأطفال في البيت فرض غالبي، فلو جاز إطعامه للطفل، فلماذا يأمر بإراقته؟ فيدل على حرمة التسبيب للأطفال.
إلّا أنَّ هذا الدليل لو تم فهو وإن كان يشمل الأطفال إلّا أنَّه يختصّ بعين النجس والملاقي لها، لأنَّ روايات الأمر بالإراقة كلها واردة في مورد مرق أو مضاف أو ماء وقعت فيه عين نجسة كميتة الفأرة ونتعدى إلى حرمة التسبيب إلى تناول نفس العين بالأولويَّة. كلحم الميتة ولبن الخنزيرة.
وأما المتنجِّس بالمتنجِّس كما لو تنجَّس المرق بشيء مُتنجّس خالٍ من عين النجس، فحيث يحتمل الفرق وجداناً بين الملاقي للعين وبين الملاقي لملاقي العين، فإنَّ الملاقي للعين أشدّ خباثة من الآخر، فيُفصَّل بالنسبة إلى الأطفال بين إطعامهم طعاماً نجساً أو متنجِّساً بالعين وبين غيره، ومن هنا ذهبنا إلى هذا التفصيل مبنيَّاً على هذا الاستيناس.
بعد الفراغ عن الكبرى، يكون الكلام في صغرى التسبيب، في أنَّ التسبيب بماذا يقع؟
هذا مربوط بالمدرك الذي نستند إليه في حرمة التسبيب فإنَّها هي التي
ــــــــــ[372]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
يرجع إليها في تشخيص ما هو الموضوع لهذه الحرمة؟ فإنَّه لم يرد عنوان التسبيب في الأخبار ليقع الكلام عن مفاده عرفاً.
فإذا كان المدرك في حرمة التسبيب هو مقتضى القاعدة بلحاظ الخطاب المتوجه إلى زيد المُسبِّب بدعوى أنّه أعم من الفعل المباشري والتسبيبي، فلا بُدَّ من الاقتصار في حرمة التسبيب على الفعل الذي يستند عرفاً إلى المسبب، فيقال: هذا فعله.
وأمَّا إذا كان التسبيب لا بنحو يقع تحت إلزام المسبب وقهره ولا بإغراء منه، فلا يصدق عرفاً أنَّ زيداً المُسبِّب ضرب فلاناً إذا أعطى العصا لعمرو فضرب بها آخر(1)، فلا يكون مدرك الحرمة شاملاً له، ومعه فتختص الحرمة بما إذا ألزمه بشرب النجس.
وأمّا إذا كان المدرك هو استفادة ذلك من الخطاب المتوجه إلى المسبَّب، وقد بيَّناه واستقربناه وحيث إنَّ المدرك هو الدلالة الالتزامية فيجب الاقتصار على القدر المتيقن منها، وهو بحسب الفهم العرفيِّ أنَّ المولى لا يرضى من زيد أن يُسبِّب تسبيباً حتمياً لعمرو على أن يشرب النجس، بحيث يكون مقهوراً، وكذلك لا يرضى بالإغراء بالمحرم، وأمَّا غيره فلا تشمله الدلالة الالتزامية.
ولو كان المدرك هو أخبار وجوب الإعلام في الدهن المُتنجِّس، فيستفاد من ذلك أنَّ التسبيب الحرام أوسع مجالاً فيشمل التسليط على هذا الموضوع، ــــــــــ[373]ــــــــــ
(1) فلا يكون مدرك الحرمة شاملاً له
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بخلاف غير التسليط فإنَّه لا يكون محرماً.
ومثال التسليط: العطشان تعطيه الماء النجس.
ومثال غيره: العطشان نضع الماء على الرف فيأخذه ويشربه، فلا يكون هذا داخلاً في أدلَّة التسبيب.
فبعد ضمِّ الأدلَّة بعضها إلى بعض نعرف أنَّ التسبيب يكون بأحد أمور:
إما بالقهر والغلبة.
وإما بالتشويق والإغراء بالمعصية وإحداث الداعي له.
وإما بالتسليط على الموضوع
كما أنَّ التسبيب للطفل يكون محرماً على عين النجس والمتنجس بها دون غيرها.
ومما ذكرناه ظهر حال وجوب الإعلام بدون تسبيب، فإنَّه إذا لم يكن التسبيب بأيِّ نحوٍ من أنحائه متحقِّقاً، فإنَّه لا يجب الإعلام، لأنَّ تمام المدارك في حرمة التسبيب لا تقتضي وجوب الإعلام.
المسألة 33: لا يجوز سقي المسكرات للأطفال، بل يجب ردعهم، وكذا سائر الأعيان النجسة إذا كانت مضرّةً لهم، بل مطلقاً. وأمَّا المتنجّسات: فإن كان التنجّس من جهة كون أيديهم نجسة، فالظاهر عدم البأس به. وإن كان من جهة تنجّسٍ سابق، فالأقوى جواز التسبّب لأكلهم، وإن كان الأحوط تركه. وأمَّا ــــــــــ[374]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ردعهم عن الأكل أو الشرب مع عدم التسبّب فلا يجب، من غير إشكال(1).
تتضمن هذه المسألة عدَّة فروع لا بُدَّ من التكلم في كُلٍّ منها:
الفرع الأول: أنّه لا يجوز سقي المسكرات للأطفال، والاستدلال على هذه الحرمة بالروايات يمكن أن يكون بعدَّة تقريبات:
وهو مبنيٌّ على ما أشرنا إليه سابقاً من حرمة إعطاء المتنجسات للأطفال، حيث قلنا إنَّ الأمر بإراقة المرق يمكن أن يُستدلَّ به على ذلك، وإلا لما تعيَّن الأمر بالإراقة المساوق مع الإلغاء المطلق، فنستكشف أيضاً عدم جواز إعطاء المسكرات أيضاً لهم.
أما بالدلالة المطابقية للدليل بناءً على نجاسة المسكر، أو بالفحوى والأولويَّة لو لم نبنِ على نجاسته، لأنَّ حرمة شرب المسكر أقوى ملاكاً وأهم شرعاً من حرمة شرب النجس، فإنَّه لم يرد في الأخير ما ورد في شرب المسكر من التأكيد وجعل الحدود على الشارب، فإذا لم يجز إعطاء النجس للأطفال لم يجز إعطاء المسكر لهم أيضاً بالأولويَّة.
ــــــــــ[375]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 93، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، وجوب ازالة النجاسة عن المأكول، المسألة (33).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
النظر إلى روايات وردت في نفس المسألة (في الباب الخامس عشر من الأشربة المحرمة من الوسائل) وهي لا بأس بدلالتها ولكنّها ضعيفة السند كرواية أبي الربيع الشامي.
1- من قبيل رواية أبي الربيع الشامي، قال: “سُئِلَ أَبُو عَبْدِ الله عَنِ الْخَمْرِ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَلِأَمْحَقَ الْمَعَازِفَ وَالْمَزَامِيرَ وَأُمُورَ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَوْثَانَ، وَقَالَ: أَقْسَمَ رَبِّي: لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ لِي خَمْراً فِي الدُّنْيَا إلَّا سَقَيْتُهُ مِثْلَ مَا يَشْرَبُ مِنْهَا مِنَ الْحَمِيمِ مُعَذَّباً أَوْ مَغْفُوراً لَهُ، وَلَا يَسْقِيهَا عَبْدٌ لِي صَبِيّاً صَغِيراً أَوْ مَمْلُوكاً إلَّا سَقَيْتُهُ مِثْلَ مَا سَقَاهُ مِنَ الحَمِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مُعَذَّباً بَعْدُ أَوْ مَغْفُوراً لَهُ“(2)، ولا بأس بدلالتها ولكنها ضعيفة السند، ولا أقلّ من أبي الربيع الشامي(3) فإنَّه لم يوثَّق.
ــــــــــ[376]ــــــــــ
() ورد هذا التقريب في مستمسك العروة 1: 524ـ 525، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة (33)، ومصباح الهدى في شرح العروة 2: 58، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، فصل في شرائط صحّة الصلاة، المسألة (33).
(2) الكافي 12: 670ـ 671، كتاب الأشربة، باب15، ح:1، الوسائل 25: 307، باب 10 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح:1.
(3) أبو ربيع الشامي، لقب تردد في الروايات مختلف في اسمه؛ منهم من سمّاه خالد بن اوفى، ومنهم من سماه خليد ابن أوفى، لاحظ: رجال الشيخ الطوسي: 134، أصحاب الإمام الباقر، باب الخاء، الرقم: 1389، وأمل الآمل 1: 82، القسم الأول، باب الخاء، الرقم 79، منتهى المقال 3: 154، باب الخاء، الرقم: 1039، بعنوان خالد بن أوفى، والمصدر نفسه 3: 184، باب الخاء، الرقم: 1088، بعنوان خليد ابن اوفى، ومعجم رجال الحديث 8: 14، باب الخاء، الرقم 1470، والمصدر نفسه 8: 74، باب الخاء، الرقم 4334.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
2- ومثلها رواية عجلان أبي صالح قال: “قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله: الْمَوْلُودُ يُولَدُ فَنَسْقِيهِ الْخَمْرَ، فَقَالَ: لَا، مَنْ سَقَى مَوْلُوداً مُسْكِراً(1) سَقَاهُ اللهُ مِنَ الْحَمِيمِ وَإِنْ غُفِرَ لَهُ”(2).
3- ومثلها عن عجلان بن صالح -في الطبعة القديمة- وأبي صالح -في الطبعة الجديدة للوسائل-: قال: “سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله يَقُولُ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ شَرِبَ مُسْكِراً أَوْ سَقَاهُ صَبِيّاً لَا يَعْقِلُ، سَقَيْتُهُ مِنْ مَاءِ الْحَمِيمِ مَغْفُوراً لَهُ أَوْ مُعَذَّباً، وَمَنْ تَرَكَ المُسْكِرَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ وَسَقَيْتُهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَفَعَلْتُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ مَا فَعَلْتُ(3) بِأَوْلِيَائِي“(4) الحديث. وهي ضعيفة
ــــــــــ[377]ــــــــــ
() في الكافي: (خمراً)، أو قال: (مسكراً).
(2) الكافي 12: 674، كتاب الأشربة، باب15، ح: 6، التهذيب 9: 103، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح: 184، الوسائل 25: 308، باب 10 من أبواب الاشربة المحرمة، ح: 2.
(3) في الكافي: (ما أفعل).
(4) الكافي 12: 675، كتاب الأشربة، باب15، ح: 7، الوسائل 25: 308، باب10 من أبواب الأشربة المحرمة، ح: 3.
وسائل الشيعة ؛ ج25 ؛ ص308 “وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ وَ دُرُسْتَ وَ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَجْلَانَ أَبِي صَالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّـهِ يَقُولُ: يَقُولُ اللَّـهُ عَزَّ وَ جَلَّ: مَنْ شَرِبَ مُسْكِراً أَوْ سَقَاهُ صَبِيّاً لَا يَعْقِلُ سَقَيْتُهُ مِنْ مَاءِ الحَمِيمِ مَغْفُوراً لَهُ أَوْ مُعَذَّباً وَ مَنْ تَرَكَ المُسْكِرَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي أَدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ وَسَقَيْتُهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ وَفَعَلْتُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ مَا فَعَلْتُ بِأَوْلِيَائِي.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
بأبي صالح(1) فإنَّه لم يوثَّق، وإن كان ابن صالح(2) فهو مجهول.
4- وكذلك حديث الأربعمائة الذي رواه الصدوق في الخصال الجزء الثاني، فإنَّ فيه “مَنْ سَقَى صَبِيّاً مُسْكِراً وَهُوَ لَا يَعْقِلُ حَبَسَهُ اللهُ تَعَالَى فِي طِينَةِ الخَبَالِ حَتَّى يَأْتِيَ مِمَّا صَنَعَ بِمَخْرَجٍ”(3)، وهو ضعيف أيضاً، فإنَّ فيه رجال هذا الحديث من لم يوثق كالقاسم بن يحيى(4).
ــــــــــ[378]ــــــــــ
() رجال الكشي: 411، ومعجم رجال الحديث 12: 146، باب العين، الرقم: 7651 ـ 7656، ورجال الشيخ الطوسي: 262ـ 263، اصحاب الصادق، باب العين، الأرقام التالية: 3751 تحت عنوان (عجلان ابو صالح السكوني الأزرق الكوفي، ورقم (3752) تحت عنوان (عجلان ابو صالح المدائني) ورقم (3753) تحت عنوان (عجلان ابو صالح الخباز)، ورجال العلامة (خلاصة الأقوال): 129، الفصل الثامن عشر في العين، الباب الخامس والعشرون في الآحاد، الرقم 6.
(2) لاحظ المصادر الرجالية السابقة في الهامش (309).
(3) الخصال 2: 635، باب الواحد الى المائة، علم امير المؤمنين اصحابه في مجلس واحد اربعمائة باب مِمَّا يصحُّ للمسلم في دينه ودنياه.
(4) القاسم بن يحيى بن الحسن بن راشد، لاحظ رجال النجاشي: 316، باب القاف، الرقم 866، وذكره الشيخ الطوسي في موضعين من رجاله: 363، اصحاب ابي الحسن الثاني، باب القاف، رقم: 5387، وصفحة: 436، باب من لم يروِ عن واحد من الأئمة، باب القاف رقم: 6245، ورجال العلامة (خلاصة الأقوال): 248، الفصل التاسع عشر في القاف، الباب الأوّل، الرقم6، ومعجم رجال الحديث 15: 67، باب القاف، الرقم 9589.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إذن فليس في هذا التقريب رواية تامة السند.
التمسك بإطلاق روايات حرمة سقي الخمر للآخرين، الشامل للطفل أيضاً، كرواية عقاب الأعمال بإسنادها الطويل إلى النبي في حديث قال: أنَّه قال: “وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ سَقَاهُ اللهُ مِنْ (سَمِّ الْأَسَاوِدِ) وَمِنْ سَمِّ الْعَقَارِبِ – إِلَى أن قَالَ – وَمَنْ سَقَاهَا يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً أَوْ صَابِئاً أَوْ مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ فَعَلَيْهِ كَوِزْرِ مَنْ شَرِبَهَا“(1).
فيتمسك بإطلاق قوله: “أَوْ مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ” خصوصاً المقارب للبلوغ فإنَّه من الناس.
إلّا أنَّ الاستدلال بها ساقطٌ سنداً ودلالة:
أمّا سنداً فلأنَّها تنتهي إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة(2)، وفي الوسائط ــــــــــ[379]ــــــــــ
() ثواب الاعمال وعقاب الأعمال: 285، عقاب مجمع عقوبات الأعمال، الرواية طويلة، والوسائل 25: 309، باب 10 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح: 7.
وسائل الشيعة؛ ج25؛ ص309.
(2) لكونها واردة بالاسناد التالي: ثواب الأعمال و عقاب الأعمال ص280 حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّيَ الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَمْرٍو الصِّينِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ مُيَسِّرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَائِشَةَ السَّعْدِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالا.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
قبلهما عدَّة وسائط مجهولة أو معروفة بعدم الوثاقة.
وأما من حيث الدلالة فقوله: “فَعَلَيْهِ كَوِزْرِ مَنْ شَرِبَهَا” يدلُّ على أنَّ الشارب مكلّف فتختصّ بما إذا كان كبيراً لا صغيراً.
إلّا أنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ المراد من “وِزْرِ مَنْ شَرِبَهَا” يعني بعمله ذاك لا في واقعة أخرى، وإلا فالإطلاق باقٍ على حاله.
التمسك بالروايات الواردة في لعن حامل الخمر والمحمولة إليه (راجع باب 34 من الأشربة المحرمة) وسندها لا يخلو من تشويش، وإذا حرم الحمل إليه حرم الإعطاء بطريقٍ أولى، وإطلاقها شاملٌ للصبي.
1- منها: رواية جابر عن أبي جعفر قال: قال: “لَعَنَ رَسُولُ اللهِ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً”(1) وعَدّ منها: “وَحَامِلَهَا وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ” وهي ضعيفة بعمرو بن شمر(2) الذي يروي عن جابر، فإنَّه متهم بالكذب.
ــــــــــ[380]ــــــــــ
() خرّجت في الهامش (282). قال: “لَعَنَ رَسُولُ اللهِ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: غَارِسَهَا وَحَارِسَهَا وَعَاصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا“.
(2) عمرو بن شمر ابو عبد الله الجعفي، رجال النجاشي: 287، باب العين الرقم: 766، ورجال الشيخ الطوسي: 250، باب اصحاب الامام الصادق، باب العين، رقم3507، ورجال العلامة (خلاصة الأقوال): 241، الفصل السادس عشر في العين، الباب السابع، الرقم 6، ومعجم رجال الحديث 14: 116، باب العين، الرقم: 8938.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ومنها: رواية: زيد بن علي عن آبائه قال: “لَعَنَ رَسُولُ الله الخَمْرَ وَعَاصِرَهَا… وَحَامِلَهَا وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ“(1) وهي ضعيفة بالحسين بن علوان(2) حيث لم يرد فيه إلّا قول ابن عقدة: (أن أخوه كان أوثق منه)، فإن كان (أفعل التفضيل) ظاهراً بالأفضلية كان شهادة بتوثيقه وإلّا فلا.
ــــــــــ[381]ــــــــــ
() الكافي 12: 678، كتاب الأشربة، باب 15، ح: 10، التهذيب 9: 104، كتاب الصيد والذبائح، باب2: ح: 186، الوسائل 17: 224، باب55 من أبواب ما يكتسب به، ح3.
وَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ آبَائِهِ قَالَ: “لَعَنَ رَسُولُ اللَّـهِ الخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَسَاقِيَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَشَارِبَهَا وَ حَامِلَهَا وَ المَحْمُولَةَ إِلَيْهِ“.
(2) لاحظ رجال النجاشي: 52، باب الحاء، الرقم: 116، رجال الشيخ الطوسي: 184، اصحاب الامام الصادق، باب الحاء، رقم: 2244، رجال العلامة (خلاصة الأقوال): 216، الفصل السادس في الحاء، الباب الثاني، الرقم6، معجم رجال الحديث 7: 34، باب الحاء، رقم: 3508.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ما دلَّ على حرمة الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، من قبيل رواية عمّار، عن أبي عبد الله، قال: “سُئِلَ عَنِ المَائِدَةِ إِذَا شُرِبَ عَلَيْهَا الْخَمْرُ أَوْ مُسْكِرٌ، قَالَ: حَرُمَتِ المَائِدَة“(1).
ومقتضى إطلاقها أنَّها تحرم سواء كان الشارب عليها بالغاً أو طفلاً.
فإذا كان هذا النحو من التصرُّف حراماً وهو الاشتراك في المائدة مع شارب الخمر، فبالأولويَّةِ العرفيَّةِ يثبت حرمة إعطائه الخمر، وهي تامة سنداً ودلالة، وهذا أوجه التقريبات الخمسة.
ويعزز ذلك ما يستفاد من مجموع الروايات من شدة اهتمام الشارع في استئصال هذه العادة والقضاء عليها. بحيث يستكشف ذوق أكيد للشارع مناسب مع هذا الحكم. فالظاهر عدم جواز إعطاء المسكر للأطفال وفاقاً للماتن.
من الواضح أنَّ هذا الحكم أخفى من الحكم الأوّل، حيث إنَّ عدّة تقريبات مِمَّا بيناه في الفرع الأوَّل لا تأتي في المقام. وغاية ما يمكن أن يُقرَّب به
ــــــــــ[382]ــــــــــ
(1) الكافي 12: 772، كتاب الاشربة، باب 15، ح2، التهذيب 9: 116، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح237، الوسائل 25: 374، باب 32 من أبواب الأشربة المحرمة، ح1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الحكم بالحكم من الروايات في المقام، ثلاث تقريبات:
التقريب الأوَّل: يتوقف على مقدمتين:
المقدمة الأولى(1): أنَّ الروايات التي دلت على حرمة حمل الخمر إلى الآخر، هي شاملة للطفل وظاهرها أنَّ مبغوضية إعطاء الخمر للطفل طريقية لا نفسية، يعني من أجل أنَّ شرب الطفل للمسكر مبغوض، فيثبت أنَّ موارد شرب الخمر للطفل مبغوض للمولى فعلاً، وإن لم يكن هناك خطاب للطفل، لعدم قابليته للتكليف.
المقدمة الثانية: إذا ثبت كون شيء مبغوضاً للمولى، فيجب على تمام عبيده الحيلولة دون وقوعه، وهي ثابتة بحكم العقل.
فإذا تمّت المقدمتان يثبت وجوب الردع، لأنَّ شرب الصبي مبغوض للمولى – طبقاً للأولى- وكل مبغوض يجب الحيلولة دونه – طبقاً للثانية-.
إلّا أنّه ظهر مِمَّا قلناه المناقشة في المقدمة الثانية من هذا التقريب، فإنَّه إِنَّما تجب الحيلولة دون وقوع المبغوض في حق من كُلِّف من قِبل المولى في أن يُعدِم هذا المبغوض، دون غير المكلّف.
وقد سبق أن بيَّنا نكتة ذلك: أنَّ المبغوض قد يكون بدرجة من الأهمية بحيث يكون بعض سدّ أبواب عدمه مطلوب دون كله، ومن المعقول أن يُكلِّف شخصاً بدفع المبغوض دون شخص آخر، ومعه لا يتمُّ هذا التقريب.
ــــــــــ[384]ــــــــــ
(1) لاحظ مصباح الهدى في شرح العروة 2: 59، كتاب الطهارة، فصل في شرائط صحّة الصلاة، المسألة (33).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
التقريب الثاني: أنّه قد ثبت في موثقة عمّار(1) أنَّ الجلوس على مائدة يشرب عليها شخص الخمر حرام، ولو كان طفلاً بمقتضى الإطلاق.
وحينئذٍ تُضاف نكتةً عرفيَّةً وهي: أنَّ هذا الحكم بمغادرة المائدة التي يشرب عليها الخمر يفهم العرف بمناسبة الحكم والموضوع أنّه مقاطعة للمائدة لأنَّها يشرب عليها الخمر أو المسكر. ولا يفهم العرف كونه حكماً تعبدياً ولو من باب سريان الضرر من المسكر إلى غير المسكر. مِمَّا على المائدة، وإنّما هي طريقةٌ عرفيَّةٌ ارتكازية في مقام الردع والتأديب. فيكون نفس هذا الدليل دالاً على وجوب الردع، وحيث إنَّها لم تُفصِّل بين البالغ وغيره، فيستفاد منها وجوب ردع الطفل أيضاً.
التقريب الثالث: أنّنا إذا لاحظنا مجموع روايات الباب لا نشك في أنَّ ظاهرها هو أنَّ الشارع لا يرضى بأن يقع هذا المبغوض كيفما اتفق.
وهذه التقريبات خصوصاً الأخيرين إن لم تكن تؤدي إلى القول بوجوب الردع، فلا أقلّ من الاحتياط الوجوبي به.
ونفرض أنّه ليس فيها ضرر، كالميتة المفري أوداجها الأربعة بدون أن يذكر اسم الله عليها، فإنَّها لا تفرق طبِّيّاً وأثراً جسمياً عن التي ذكر اسم الله تعالى
ــــــــــ[384]ــــــــــ
(1) الكافي 12: 772، كتاب الاشربة، باب 15، ح2، التهذيب 9: 116، كتاب الصيد والذبائح، باب2، ح237، الوسائل 25: 374، باب 32 من أبواب الأشربة المحرمة، ح1.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
عليها، فهل يحرم إعطاء الطفل الأعيان النجسة غير المضرة أو لا؟ وجهان:
أمّا وجه عدم جواز الإعطاء، فأحسن ما يمكن تقريبه به هو الوجه الذي أشرنا إليه في المسائل السابقة، وهو: استفادته من الأمر بإراقة المرق الذي وقع فيه فأرة ونحوها(1).
وتقريب ذلك: أنَّ هذا الأمر ظاهر بالإلغاء المطلق، وليس هو أمرٌ مولوياً وإنّما هو إرشادي إلى إلغاء تمام المنافع، ولو كان إعطاء المرق المتنجس للأطفال جائزاً لكانت تلك منفعة معتدٌ بها لأنَّ وجود الأطفال في البيت فرض غالبي، فيستفاد من الأمر بإراقته عدم جواز إعطائه للأطفال.
وقلنا: إنَّ هذا الوجه يوجب القول بالاحتياط اللزومي بعدم جواز الإعطاء لخصوص المتنجس، يعني النجس أو نفس العين، دون المتنجس الثاني فما بعده.
أمّا عدم الجواز للمتنجس بالعين، فلأنَّه مورد الرواية، ويتعدى إلى نفس العين النجس بالأولويَّة.
وأمّا ما بعد المتنجس بعين النجس، فلا إطلاق في الرواية يشمله.
وأمّا أننا قلنا بذلك بالاحتياط الوجوبي لا بنحو الفتوى، فلأنَّه قد يُقال:
ــــــــــ[385]ــــــــــ
(1) الوسائل 1: 206، باب 5 من أبواب الماء المضاف الحديث3، والوسائل 3: 470، باب 38 من أبواب النجاسات، ح8.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إنَّ الأمر بالإراقة يكون كناية عن أنَّ هذا المرق لا ينفعك أنت بمعنى عدم جواز الانتفاع المباشر به، لا عدم جواز التسبيب لانتفاع الآخرين منه.
فإن كان الأمر بالإراقة إرشاداً إلى الانتفاع بالمعنى الأعمّ -المباشر والتسبيبي- تم ذلك الاستدلال.
وإن كان إرشاداً إلى الانتفاع الخاصِّ، فإنَّه لا يكون تاماً، وحينئذٍ فقد يقال: إنَّه يكفي فيه سدُّ باب الانتفاع المباشر، ولذا قلنا بالاحتياط ولم نقل بالوجوب.
وأمّا وجه الجواز: فقد يُبيَّن بلحاظ الأصول ونحوها، من التقريبات التي يرفع اليد عنها لو تم الاستظهار السابق. لكن قد يُبيَّن الجواز بالدليل الاجتهادي بأحد تقريبين:
التقريب الأوَّل دعوى السيرة على أنَّ الأطفال لا يهتم بتطهيرهم ولا التحفظ على طعامهم بما يقع عليهم من نجاسات.
وهذه السيرة لو تمّت وسلَّمناها، فالقدر المتيقن إِنَّما هو في المتنجِّسات دون عين النجس، والمتنجِّس به. وأمَّا هذه فليس هناك سيرة بإعطائهم ذلك. نعم، لو تعددت الوسائط فليس هناك اهتمام في الأطفال كالاهتمام بالكبار المتشرِّعة، وهذا غير محلِّ الكلام.
ــــــــــ[386]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
روايات جواز استرضاع الكافرة(1)، فإن حليبها نجس، وقد دلَّت الروايات على جواز استرضاعها، وهو في قوة إعطاء الطفل طعاماً نجساً، بل هو عين النجس بناءً على أنَّ الحليب يكون مشمولاً للنجاسة العينيَّة بالتبع، ولا أقلّ أنَّه متنجِّس بالعين؛ لأنَّه ملاقٍ في الداخل أو في الخارج.
واستفادة ذلك تتوقف على أمور:
الأمر الأوّل: القول بنجاسة الكافر، وهذا الأمر وإن لم يكن ثابتاً عندنا في أهل الكتاب بالمعنى الأعم، إلَّا أنَّ رواية واحدة من روايات الباب وردت في المشركة أيضاً، فيمكن تتميم هذا الأمر بلحاظها.
وهي ما رواه الكليني، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحدٍ، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله: هَلْ يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أن تُرْضِعَ لَهُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ وَالمُشْرِكَةُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَقَالَ: امْنَعُوهُنَّ مِنْ شُرْبِ الخَمْرِ“(2).
ــــــــــ[387]ــــــــــ
(1) الكافي 11: 431، كتاب العقيقة، باب30 من يكره لبنه، التهذيب 8: 109، كتاب الطلاق، باب5 الحكم في اولاد المطلقات من الرضاع…، الاستبصار 3: 322، كتاب الطلاق، باب186، باب كراهية لبن ولد الزنا، الوسائل 21: 464، باب 76 من أبواب احكام الاولاد، تحت عنوان كراهة استرضاع اليهودية والنصرانية والمجوسية….
(2) الكافي 11: 430، كتاب العقيقة، باب30، ح4، التهذيب 8: 109، كتاب الطلاق، باب5، ح: 22، الوسائل 21: 465، باب 76 من أبواب احكام الأولاد، ح:5.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الأمر الثاني: تتميم سند هذه الرواية بعد أن انحصر الدليل بها. وهي معتبرة إلّا دغدغة واحدة، وهي أنَّها رواية “عن الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد” فقد يقال: أنّه مرسل بهذا الاعتبار.
وهذا الكلام يحتاج إلى القاعدة التي أشرنا إليها مراراً، وهو أن ينظر إلى مشايخ الحسن بن محمد بن سماعة، ونرى نسبة الثقة فيهم إلى غير الثقة. وحيث إنَّ (غير واحد) ظاهر في ثلاثة، فما هو مقدار احتمال أن يكون الثلاثة غير ثقات في مشايخه؟! فإذا حصل الوثوق بخلاف هذا الاحتمال؛ فإنَّه ينتج أنَّ واحداً على الأقلّ ثقة من هؤلاء الثلاثة.
الأمر الثالث: أن لا نحتمل الخصوصيَّة في اللبن عن سائر النجاسات، فإذا جوّز الشارع إعطاء اللبن النجس يجوز إعطاء المرق النجس والميتة النجسة.
وأمّا إذا احتملنا وجود فرقٍ بينهما -ولو باعتبار اضطرار الطفل إلى الحليب-، ولذلك توسّع الشارع في الحليب ما لم يتوسع في غيره، ومعه فلا يمكن التعدي إلى غيره.
الأمر الرابع: يتوقف هذا الاستدلال على عدم وجود مقيِّد لهذه الروايات بحال الاضطرار، وإلا خرجت عن محلِّ الكلام، وما يمكن أن يُدَّعى كونه مُقيِّداً “صحيحة الحلبي: قال: “سألته عن رجل دفع ولده إلى ضئر إلى أن قال: وَالمَجُوسِيَّةُ لَا تُرْضِعُ لَكَ وَلَدَكَ إِلَّا أَنْ تُضْطَرَّ إِلَيْهَا“(1). ومن المعلوم أنَّ المشركة
ــــــــــ[388]ــــــــــ
(1) الفقيه 3: 479، باب الرضاع، ح: 4680، والتهذيب 8: 116، كتاب الطلاق، باب5، ح: 50، والوسائل 21: 465، باب 76 من أبواب احكام الأولاد، ح6.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ليست بأهون من المجوسية فيسري التقييد إلى المشركة فتدل على عدم الجواز في حال الاختيار، وحيث كانت تلك الرواية مطلقة فنقيُّدها بحال الاضطرار.
نعم، يبقى في اليهودية والنصرانية على إطلاقه، ولكن لا يفيدنا شيئاً؛ لأنَّ الكتابي طاهر.
في مناقشة رواية الحلبي سنداً ودلالةً
إلّا أنَّ جعل رواية الحلبي مقيِّدة، يتوقف على قابليتها سنداً، وتماميتها دلالة.
أمّا قابليتها سنداً: فهو تامٌ إلّا بلحاظ واحد وهو محمّد بن زياد، حيث رواها الشيخ عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن زياد عن ابن مسكان عن الحلبي.
فإنّ كان هذا هو محمّد بن الحسن بن زياد فهو ثقة، وإن كان هو شخص آخر فهو لم يثبت توثيقه. ومن هنا قد يُقال: إنَّ الرواية ضعيفة لتردُّده بين الثقة وغيره. ولكن الصحيح أنَّ (محمّد بن زياد) لم يرد به.
وذلك: أنَّ عنوان (محمّد بن زياد) يصدق على عدّة أشخاص، جملة منهم فرضوا أنّهم من أصحاب الإمام الصادق، وعلى محمّد بن الحسن بن زياد، وعلى محمّد بن زياد المعروف.
وحينئذٍ لا بُدَّ أن ننفي أنَّ محمّد بن زياد في الرواية من أولئك المحمدين، الذين وصفوا أنّهم من أصحاب الصادق؛ لأنَّه لم يثبت توثيقهم، وإذا انتفى هذا الاحتمال يتعيَّن أن يكون ثقة، وهذا يكون من مجموع قرينتين:
ــــــــــ[389]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
القرينة الأولى: أنَّ كلَّ أولئك المحمدين كانوا من أصحاب الصادق، ومن البعيد جداً أن يكون (محمّد بن زياد) أحدهم لأنَّه يروي عن الصادق بواسطتين.
القرينة الثانية: أنّه قد ورد في أسانيد أخر (أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن الحسن بن زياد عن ابن مسكان)، مع انحفاظ الطرفين، والتصريح بكونه ابن الحسن، مِمَّا يُقرِّب أنَّ هذا هو المراد.
وبالقرينتين يحصل الوثوق أنَّه ليس من أولئك المحمدين، فيتمُّ السند.
وأمّا من ناحية الدلالة: فالإشكال في التقييد ينشأ من دعوى: أنَّ رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله ظاهرة في فرض الاختيار، لا أنَّها ناظرة إلى صورة الاضطرار، ولا أقلّ من كون الاضطرار إلى إرضاع المشركة في بلاد المسلمين فرض نادر. فيكون الحمل على الاضطرار حملاً غير عرفي، فيقع التعارض بين الروايتين، ومعه نحمل رواية الحلبي المانعة على الكراهية.
بقي هنا تنبيهات:
التنبيه الأوّل: أنّه لو تم عندنا الاستدلال برواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله على جواز استرضاع المشركة وبالنتيجة على جواز إعطاء النجس للطفل، حينئذٍ نقول: إنَّ حليب الكافرة إمَّا هو عين النجس أو مُتنجّس بالعين.
فإن قلنا: أنّه عين النجس، تكون الرواية تعم الدليل على جواز إعطاء عين النجس إلى الطفل بإلغاء خصوصية الحليب.
ــــــــــ[390]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأمّا إذا قلنا إنَّه مُتنجّس بعين النجس فتكون الرواية دليلاً على جواز إعطاء المتنجس بالعين للأطفال وأمَّا إعطاء نفس عين النجس فلا تدل على جوازه.
ولكنّها مع ذلك تفيدنا؛ لأنَّ الدليل الذي كنا نستدلُّ به على عدم جواز إعطاء عين النجس هو عبارة عن الأمر بالإراقة للمرق المتنجس وتعدينا إلى العين بالفحوى بالأولويَّة، وهذه الرواية تكون سبباً لرفع اليد عن تلك الاستفادة عن روايات المرق وتحمل على ضرب من الكراهة.
ومعه لا يبقى دليل على عدم جواز إعطاء عين النجس إلى الطفل.
التنبيه الثاني: أنّه قد يفصّل بوجه ثالث في هذا الفرع بين ما إذا كان الطعام متنجساً من قبل الطفل نفسه في مقام الأكل. وبين ما إذا كان متنجساً من غير ناحية الأكل. فعلى الثاني لا يجوز وعلى الأوَّل يجوز. ومدرك هذا التفصيل أحد تقريبين:
التقريب الأوَّل: أنَّ الدليل على إعطاء النجس إلى الطفل ليس له إطلاق يشمل النجس من جهة الطفل نفسه؛ لأنَّ الدليل إِنَّما هو الأمر بالإراقة ونحوه، ومن المعلوم أنَّ موردها ما كان متنجساً من غير ناحية الطفل، فلا يكون مشمولاً للمورد الآخر.
وهذا التقريب لا موضوع له على ما أشرنا إليه؛ لأنَّنا أشرنا إلى أنَّ روايات الأمر بالإراقة مخصوصة بالمتنجس بعين النجس، وليست يد الطفل عين النجس، فيكون حال طعامه حال المتنجس بيد شخص آخر.
ــــــــــ[391]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
نعم لو كانت يده ملوثة بعين النجاسة، فالارتكاز العرفيُّ يُلغي الفرق بينه وبين غيره.
التقريب الثاني: أن نفرض دليلاً فوقانياً دلَّ على عدم جواز إعطاء المتنجس بتمام مراتبه إلى الطفل، لكن نخرج عن ذلك في صورة واحدة بخصوصها وهي ما لو كانت النجاسة ناشئة من يد الطفل، وذلك: باعتبار السيرة الجارية على ذلك، بدليل أنه لو كان لا يجوز ذلك للزم الاهتمام بتطهير الأطفال وغسلهم، مع أنَّه غير موجود خارجاً.
إلّا أنَّ هذا الكلام أيضاً غير صحيح؛ لأنَّ هذه السيرة غير مسلمة خارجاً بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ سراية النجاسة تنقطع في المتنجس الثاني، ولا تبقى إلى الأبد، والغالب في يد الطفل أنَّها ليست متنجّساً أول وإنما هي مُتنجّس ثانٍ.
ومعه لا يكون الطعام متنجّساً أصلاً، بل يمكن إنكار أن تكون يده متنجّساً ثانياً أيضاً لعدم إحراز ذلك، إذن فالتفصيل بين ما إذا كانت النجاسة حاصلة من الطفل أو من غيره بلا أساس.
هل يجب ردع الطفل عن أكل النجس إذا أكله باختياره أو لا؟
الصحيح أنّه لا يجب لأنَّ غاية ما رجعنا إليه في فرض الإعطاء إِنَّما هو روايات الأمر بالإراقة بالتقريب المتقدّم، وهذه الاستفادة لو تمّت هناك لا تتمُّ في المقام، فإنَّ مجرَّد أنَّ الطفل يأكل منه وأنا أنظر إليه، ليس انتفاعاً ليشمله الأمر بالإراقة، وغاية
ــــــــــ[392]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ما يدلُّ عليه هذا الأمر هو عدم جواز الانتفاعات التي ترجع إلى المكلّف.
هل يجوز إعطاء النجس إلى الطفل إذا كان مُضرّاً بصحته، ويوسَّع إلى إعطاء كلِّ شيء مضرّ؟
لا إشكال بعدم الجواز إذا كان طفلاً محترماً؛ لأنَّ الإضرار بالنفس المحترمة غير جائز، فيشمله أدلَّة عدم جواز الإضرار بالآخرين التي منها (لا ضرر)(1) من دون فرق بين الولي وغيره.
الفرع السادس: لو رأينا الطفل وهو يأكل ما يضرُّه هل يجب ردعه أو لا؟
هنا يأتي التفصيل بين الولي وغيره، فإنَّ الولي يجب عليه الردع مطلقاً بقانون ولايته، لأنَّه منصوب لمصالحه وتتميم نقصانه بعقله، فيجب عليه أن يبعد الطفل عن كلِّ ما يضره ضرراً معتداً به عرفاً، وأمَّا الضرر غير المعتد به كالضرر الناتج عن كثرة الأكل، فإنَّه جائز للولي نفسه فضلاً عن الصبي، وإنّما يجب على الولي أن ينزَّل الصبي منزلة نفسه ويقيه مِمَّا يقي نفسه لا أكثر من ذلك.
وأمّا بالنسبة إلى غير الولي ففيه تفصيل، فإنَّ الضرر:
تارة يشكل خطراً على حياة الطفل أو على جزء مهم منها ونحو ذلك مِمَّا علمنا من ذوق الشارع ومن مجموع الروايات في أبواب القصاص والديات أنَّ
ــــــــــ[393]ــــــــــ
(1) لاحظ بحوث في علم الأصول 5: 469 ـ 489، مباحث الحجج والأصول العملية، قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الشارع يريد الحيلولة دون وقوعها كيفما اتفق، فيجب على غير الولي الردع.
وأمّا في غير ذلك فلا يجب الردع إلا إذا صار ولياً صدفة كما لو نزل الطفل ضيفاً عنده بدون وجود وليه، فإنَّه لا يبعد أنه يندرج تحت عنوان الولي حسبة، فإنَّها مصلحة لا بُدَّ من حفظها حيث إنَّ الولي الفعلي لا يقدر على دفعها، فتنتقل الولاية إلى عدول المؤمنين أو فساق المؤمنين.
مسألة 34: إذا كان موضع من بيته أو فرشه نجساً فورد عليه ضيف وباشره بالرطوبة المسرية ففي وجوب إعلامه إشكال، وإن كان لا يخلو عن قوة، وكذا إذا أُحضر عنده طعاماً ثُمَّ علم بنجاسته(1).
في هذه المسألة ثلاثة فروع:
أنّ المضيّف إذا كان شيء من فرشه نجساً ودخل عليه الضيف:
فتارة: يفرض أنّه يقدم له الشيء النجس فهذا ما قد فرغنا عن عدم جوازه فيما سبق.
وأخرى: لا يقدمه إليه ولكن الضيف بنفسه يساوره فهل يجب على المضيّف الإعلام أو لا؟
ــــــــــ[394]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 93ـ 94، كتاب الطهارة، وجوب ازالة النجاسة عن المأكول، المسألة (34).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
قد يقال(1): بدوران حكم المسألة – مدار صدق عنوان التسبيب وعدمه. فإذا صدق وجب الإعلام وإلا فلا.
إلّا أنَّ الصحيح على ما تقدَّم أنَّ التسبيب لم يرد عنوانه في دليل ليقال إنَّ المستظهر عرفاً صدقه أو عدم صدقه، بل الدليل على وجوب الإعلام كان هو روايات الاستصباح(2).
ومن هنا قد يقال: بأنَّ هذا المدرك شامل لمحل الكلام سواء صدق عنوان التسبيب أو لا، لأنَّ تلك الروايات تأمر بالإعلام على فرض التسليط على النجس؛ لأنَّ موردها البيع والبيع -بما هو بيع- ليس له دخل بل المدار هو التسليط بالبيع أو الإعارة أو غير ذلك، وكذلك المضيّف، فإنَّه يدعو الضيف إلى بيته.
لكن الصحيح -مع هذا- أنَّ الميزان وإن كان هو الرواية، إلَّا أنَّه ليس فيها إطلاق لكل فرض يقع فيه تسليط.
توضيح ذلك: أنَّ التسليط على الشيء النجس:
تارة: يكون بنحو يؤدي عادة إلى الابتلاء بالنجاسة.
ــــــــــ[395]ــــــــــ
(1) لاحظ مستمسك العروة 1: 526، كتاب الطهارة، فصل شرط ازالة النجاسة في الصلاة، المسألة (34)، ومصباح الهدى في شرح العروة 2: 60، كتاب الطهارة، فصل في شرائط صحة الصلاة، المسألة (34)، العمل الأبقى في شرح العروة 1: 459، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة، المسألة (34).
(2) التهذيب 7: 129، كتاب النجاسات، باب9، ح34، الوسائل 17: 98، باب 6 من أبواب ما يكتسب به، ح4، وتقدّم تخريجه أيضاً مسبقاً.
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
وأخرى: لا يؤدي عادة إليه، ومورد الرواية هو التسليط الذي يؤدي عادة إلى الابتلاء بالنجاسة وأمَّا إذا كان سنخ تسليط لا يؤدي عادة إلى الابتلاء بالنجاسة -وإن وقع صدفة- فلا يكون مشمولاً لإطلاق الرواية، ولا دليل على وجوب الإعلام.
والمضيّف وإن كان سلط الضيف على تمام البيت إلّا أنّه تسليط لا يستلزم عادة الوقوع في النجاسة، ومن هنا ينبغي التفصيل في التسليط على ما في دار المضيف، فإنَّ التسليط على بعضها يؤدي إلى الابتلاء بالنجاسة عادة والتسليط على بعضها لا يؤدي إلى ذلك.
لو أحضر عنده طعاماً ثُمَّ التفت أنه كان نجساً فهل يجب عليه الإعلام؟
هنا قد يتشبث(1) بحرمة التسبيب ويقال: إنَّ الحرام هو التسبيب، وقد تحقق التسبيب بنفس تقديم الطعام وقد تحقق بنحو يكون معذوراً فيه لجهله بالنجاسة، وبعد أن التفت إليها لم يحصل منه تسليط جديد، فلماذا يجب عليه شيء.
إلا أنَّ هذا الكلام غير صحيح أيضاً، لأنَّ الحرمة إن كانت متعلقة بعنوان
ــــــــــ[396]ــــــــــ
(1) لاحظ مصباح الهدى في شرح العروة 2: 61، كتاب الطهارة، فصل في شرائط صحة الصلاة، المسألة (34)، والعمل الأبقى في شرح العروة 1: 459، كتاب الطهارة، فصل يشترط في صحّة الصلاة ازالة النجاسة، المسألة (34)، وفقه الشيعة 4: 131، كتاب الطهارة، فصل وجوب ازالة النجاسة عن المشاهد المشرفة والمصحف الشريف، المسألة (34).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
التسبيب فهذا الشخص وإن تسبَّب قبل التفاته إلَّا أنَّ هذا التقديم إِنَّما يكون تسبيباً إذا لم يقترن بالإعلام، وأمَّا إذا اقترن به فلا يكون تسبيباً.
فليس صحيحاً أن يقال: إنَّه صدر منه التسبيب حال غفلته، ولا تسبيب جديد بعد التفاته، بل عنوان التسبيب متقدِّم بأن لا يلحق إخبار بالنجاسة، فبعد أن التفت إلى النجاسة يجب عليه أن يخبر بالنجاسة لكي لا يكون عنوان التسبيب صادقاً بقيده ومقيده فإنَّ التسبيب ليس هو ذات تقديم الطعام بل بقيد عدم الإعلام.
وهذا القيد قابل للإعدام، وبه يخرج التقديم عن كونه تسبيباً فيتعيّن عليه ذلك.
وأمّا إذا رجعنا إلى روايات الاستصباح، فأيضاً لا إشكال في ذلك، فإنَّها تقول: كلُّ مَن سلَّط شخصاً على نجس تسليطاً يؤدِّي إلى التصرُّف فيه فيما يُشترط فيه الطهارة يجب عليه الإعلام، والذي قدَّم الطعام كذلك، فيشمله إطلاق الرواية، سواء كان حين التسليط عالماً بالنجاسة، أو عَلِم بها بعده.
قوله: وكذا إذا كان الطعام للغير، وجماعة مشغولون بالأكل، فرأى واحد منهم فيه نجاسة، وإن كان عدم الوجوب في هذه الصورة لا يخلو عن قوَّة، لعدم كونه سبباً لأكل الغير، بخلاف الصورة السابقة.
نعم، لا يخلو عدم الوجوب عن قوَّة؛ لأنَّه لا يوجد هناك ملاكُ الحرمةِ، سواء كان الملاك هو التسليط، -إذ من الواضح أنَّه غير موجود؛ لأنَّه لم يُسبِّب
ــــــــــ[397]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
إلى أكل الآخرين-، أو كان هو روايات الاستصباح، فإنَّها تحكم بوجوب الإعلام على من سلَّط الغير على النجس، وهو لم يُسلِّط الآخرين عليه، ومعه فلا دليل على وجوب الإعلام.
المسألة 35: إذا استعار ظرفاً أو فرشاً أو غيرهما من جاره فتنجّس عنده: هل يجب عليه إعلامه عند الردّ؟ فيه إشكال، والأحوط الإعلام، بل لا يخلو عن قوّة إذا كان مِمَّا يستعمله المالك في ما يشترط فيه الطهارة(1).
الظاهر أنه يجب عليه الإعلام في كلِّ مورد نقول به بوجوب الإعلام على المالك لو استعاره شخص، إذ لا فرق في صاحب اليد بين المالك وغيره، فإنَّ الميزان هو حصول التسبيب أو التسليط على النجس، ومن المعلوم أنّه لا يفرق بين المالك وغيره.
هذا تمام الكلام في هذا الفصل.
ــــــــــ[398]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى 1: 94، كتاب الطهارة، وجوب ازالة النجاسة عن المأكول، المسألة (35).
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
[الفصل الأوَّل شرطيَّة الطهارة في الصلاة] 13
الجهة الأولى: [هل تُعتبر الطهارة من جميع النجاسات أم من بعضها؟] 13
وجوه عدّة لإثبات التعميم 14
الوجه الأوّل: التمسُّك بصحيحة زرارة 14
الوجه الثاني: التمسّك برواية زرارة أيضاً 16
الوجه الثالث: روايات ما لا تتمّ الصلاة به وحده 17
الوجه الرابع: حديث (لا تُعاد) 19
مناقشة ما أفاده السيد الأستاذ 20
ثلاثة طرق لتصوير التيجة 22
الطريق الأول: استيعاب الروايات لتمام النجاسات 22
الطريق الثاني: التعدي إلى سائر النجاسات بنكتتين 23
الطريق الثالث: البحث عن إطلاق في الروايات 24
الرواية الأولى: موثّقة عمَّار الساباطي 24
ــــــــــ[399]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الرواية الثانية: رواية خيران الخادم 25
الرواية الثالثة: رواية علي بن جعفر 26
الرواية الرابعة: رواية أبي العلاء 27
الرواية الخامسة: رواية عبد الله بن سنان 27
الرواية السادسة: رواية عمَّار 28
الجهة الثانية: في مدى اعتبار الطهارة في مطلق البدن واللباس 31
حول أصل اعتبار الطهارة في البدن واللباس 31
حول اعتبار الطهارة في البدن واللباس بنحو الإطلاق 32
الرواية الأولى: رواية زرارة 32
الرواية الثانية: رواية خيران الخادم 34
الرواية الثالثة: رواية النميري 35
الرواية الرابعة: رواية عمَّار الساباطي 36
الرواية الخامسة: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج 37
الرواية السادسة: رواية وهب بن وهب 38
الجهة الثالثة: هل المعتبر شرطيَّة الطهارة أو مانعيَّة النجاسة 42
المقام الأوّل: في تصوير الوجهين ثبوتاً 42
المقام الثاني: في الاستدلال على اعتبار أحد الوجهين إثباتاً 44
ــــــــــ[400]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
أما بلحاظ الروايات 44
ما يُستظهر منها مانعيَّة النجاسة 45
الطائفة الأولى: ما أُنيط فيها بطلان الصلاة بثبوت النجاسة 45
الطائفة الثانية: ما أُنيط فيها بطلان الصلاة بوجود النجاسة 46
الطائفة الثالثة: ما دلَّت على العفو عن بعض النجاسات العينيَّة 48
الطائفة الرابعة: ما نُهي فيها عن الصلاة في الثوب النجس 50
ما يُلحق بالطوائف الأربع: رواية الصدوق 52
ما يُستظهر منها اشتراط الطهارة 53
1- روايات: (لا صلاة إلا بطهور) 53
2- رواية زرارة 55
3- رواية زرارة الأخرى 57
4- رواية زرارة أيضاً 59
5- رواية زرارة أيضاً 60
المحتملات في باب الشرطيَّة والمانعيَّة 61
بلحاظ الأصول العملية 64
المقام الثالث: في الثمرة لاعتبار أحد الوجهين 66
الجهة الرابعة: هل تعتبر الطهارة في توابع الصلاة 71
ــــــــــ[401]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
ركعة الاحتياط 71
سجدة السهو 72
الأجزاء المنسية من الصلاة 76
تحقيق المقال 76
الجهة الخامس: في اشتراط الطهارة الخبثيَّة في مقدّمات الصلاة 81
الجهة السادسة: التلحُّف باللّحاف المتنجِّس 86
الوجه الأوّل: عدم اعتبار الطهارة مطلقاً 86
الوجه الثاني: اعتبار الطهارة الخبثيَّة إن كان ساتراً 87
الوجه الثالث: التفصيل بين الالتفاف باللحاف وعدمه 88
الوجه الرابع: اعتبار الطهارة مطلقاً 92
الجهة السابعة: في طهارة مكان المصلي 93
المقام الأوّل: طهارة مسجد الجبهة 93
الدليل الأول: التمسُّك برواية الحسن بن محبوب 94
التقريب الأوَّل 94
المناقشة الأولى 95
المناقشة الثانية 96
المناقشة الثالثة 97
ــــــــــ[402]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
المناقشة الرابعة 98
التقريب الثاني 99
الدليل الثاني: النبوي: “جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ”. 101
الدليل الثالث: الروايات الناهية عن الصلاة على المكان النجس 104
المناقشة مع هذه الروايات 105
تحقيق الحال 109
المقام الثاني: في اشتراط الطهارة في المساجد السبعة. 110
المقام الثالث: في اعتبار الطهارة في مكان المصلي مطلقاً 111
الطائفة الأولى: الروايات الناهية عن الصلاة على الموضع النجس ولم يُأخذ فيها عنوان اليبوسة 111
وجوه أربعة للجمع بين الروايات المتعارضة 112
معارضة أخرى برواية محمد بن أبي عمير 115
المناقشة في سند الرواية المعارضة 116
في الشواهد على تعدُّد محمد بن أبي عمير 117
الشاهد الأول 117
الشاهد الثاني 119
في توثيق ابن أبي عمير الراوي عن الصادق 120
ــــــــــ[403]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الطائفة الثانية: الروايات الناهية عن الصلاة على الموضع النجس أُخذ فيها عنوان اليبوسة 121
الطائفة الثالثة: ما يُستفاد منها اشتراط طهارة مكان المصلّي 123
فرع: في مانعيَّة المكان النجس الرطب مانعيَّة مستقلَّة 127
الإشكال الثبوتي على المانعيَّة المستقلّة 128
الثمرات المتصورة في المقام 128
الإشكال الإثباتي على المانعيَّة المستقلّة. 130
الوجه الأول: الروايات المفصِّلة 131
الوجه الثاني: الروايات المطلقة 133
فرع: حكم التبعيض في طهارة مسجد الجبهة 135
بلحاظ الأصل العملي 136
بلحاظ الأدلَّة الاجتهادية 136
الفصل الثاني وجوب تطهير المساجد وحرمة تنجيسها 141
وجوب إزالة النجاسة عن المساجد 141
الوجه الأول: رواية علي بن جعفر 142
البحث الدلالي 142
إشكال السيد الأستاذ ومناقشته 144
ــــــــــ[404]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الوجه الثاني: رواية الحلبي 148
مناقشة الرواية سنداً ودلالةً 150
النقاش السندي 150
النقاش الدلالي 151
الوجه الثالث: روايات ما إذا اتُّخذ الكنيف مسجداً 153
الوجه الرابع: آية إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ 156
الوجه الخامس وَطَهِّرْ بَيْتِي… 157
الوجه السادس: النبويّ “جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ” 159
الوجه السابع: رواية أبي حمزة الثَّمالي 160
حكم تطهير الوجه الخارجي لحائط المسجد 162
فورية وجوب تطهير المسجد 164
حكم إدخال النجاسة في المسجد 165
الوجه الأول: ما دلَّ على عدم جواز دخول الجنب إلى المسجد 166
الوجه الثاني: النبوي: “جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ النَّجَاسَةَ” 166
الأسلوب الأوَّل: الاستدلال تامٌّ على أحد الاحتمالين 167
الأسلوب الثاني: الاستدلال تامٌّ على كِلا الاحتمالين 167
الأسلوب الثالث: الاستدلال غير تامٌّ على كِلا الاحتمالين 168
ــــــــــ[405]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الوجه الثالث: قوله تعالى: إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ 168
إزالةُ النجاسة عن المسجد واجبٌ كفائيٌ 170
1- التنجيس المستنِد إلى الطبيعة 170
2- التنجيس المستند إلى فعل المكلف 172
تزاحم الصلاة مع تطهير المسجد 174
الفرع الأوَّل: دوران الأمر بين الإزالة والصلاة 175
الفرع الثاني: اتساع وقت الصلاة لإزالة النجاسة ثُمَّ الصلاة 176
الفرع الثالث: في عصيان الأمر بالإزالة والإتيان بالصلاة 177
الوجه الأول: نفس الأمر الأولي 177
الوجه الثاني: الخطاب الترتُّبي 178
الوجه الثالث: (التزاحم) وعدم إمكان الترتُّب 179
بيان عبارة الماتن 181
إذا صلَّى ثُمَّ تبيَّن نجاسة المسجد 182
تحقيق الكلام في ذلك 183
1- بناءً على اختصاص الوجوب بالعالم 183
2- بناءً على وجود الإطلاق للجاهل 186
حكم الصلاة مع نسيان تنجُّس المسجد 188
ــــــــــ[406]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
1- المبنى الأصولي في شمول الخطابات الشرعيَّة للغاقل والناسي 189
2- المبنى الفني: وهو الاستظهار العرفي 190
الوجه الأوَّل: شمول الخطاب للعاجز 190
الوجه الثاني: اختصاص الخطاب بالقادر 191
الوجه الثالث: شمول الخطاب للناسي والغافل 191
3- حكم ما إذا لو التفت إلى النجاسة أثناء الصلاة 192
الفرضية الأولى: أحد الدليليين لفظيٌّ مطلقٌ والآخر لُبِّيٌّ لا إطلاق فيه 193
الفرضية الثانية: دليل كِلا الحكمين لُبِّيٌّ لا إطلاق فيه 194
الفرضية الثالثة: دليل كِلا الحكمين لفظيٌّ مطلقٌ 197
تحقيق في المقام 198
مسلك صاحب الكفاية: وجوب مطلق المقدّمة 199
مسلك صاحب الفصول: وجوب المقدّمة الموصلة 199
مسلك إنكار وجوب المقدّمة رأساً 200
1- عدم تعقُّل الترتُّب في المقام 200
2- دخول المقام في باب التعارض 201
استشكال صاحب المستمسك 203
ــــــــــ[407]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
حكم تنجيس المواضع النجسة في المسجد 206
1- تساوي التنجيس من جميع الجهات دون تعدّ ولا هتكٍ 207
2- التنجيس الثاني أغلظ وأشدّ من الأول 209
3- التنجيس الثاني لا يوجب الهتك وتوسعة النجاسة لكنَّه تنجيس بعين النجاسة 211
حكم تطهير المسجد الموجب لخراب بعضه 213
الفرع الأول: استلزام تطهير المسجد حراماً في نفسه 213
الفرع الثاني: في عدم وجوب طمِّ الحفر وتعمير الخراب 215
التقريب الأوَّل: الإتلاف بإذن المالك 216
التقريب الثاني: الإتلاف لمصلحة المالك 216
التقريب الثالث: عدم معقوليَّة الضمان في المقام 219
ولنا على ذلك تعليقان 219
الفرع الثالث: وجوب ارجاع ما يمكن ارجاعه بعد التطهير 222
الوجه الأوَّل: الروايات 222
الوجه الثاني: حرمة التصرُّف بالعين الموقوفة 225
الوجه الثالث: إرجاع الملك إلى المالك 225
وجوب تطهير حصير المسجد 226
ــــــــــ[408]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفرع الأول: وجوب التطهير 226
الوجه الأول: التمسُّك بإطلاق الآية الكريمة والنبويّ المرسل 226
الوجه الثاني: تبعية حصير المسجد للمسجد نفسه 227
الفرع الثاني: أولويَّة قطع موضع النجاسة على إخراجه وتطهيره 228
حكم تطهير المسجد الموجب لتخريبه أجمع 229
مقدمة المسألة: في جواز تخريب المسجد 230
تحرير المسألة 231
عدم جواز تنجيس المسجد الخرب 233
المرحلة الأولى: في بقاء أو ارتفاع عنوان المسجديَّة بعد الخراب 234
المساجد الموقوفة في الأرضي المفتوحة 234
الوجه الأول: لا تزال الأرض ملكاً للمسلمين 234
الوجه الثاني: ملكية الأرض تبعاً للآثار بنحو الحيثية التقييديّة 235
المرحلة الثانية: حرمة تنجيس المسجد الخراب بعد بقاء عنوان المسجديَّة 237
حكم التطهير الموجب لتنجيس الموضع الطاهر 239
1- بناءً على انفعال الماء القليل بالمتنجِّس 239
2- بناءً على عدم انفعال الماء القليل بالمتنجِّس 240
وجوب بذل المال للتطهير وحكم ضمان المتنجِّس 242
ــــــــــ[409]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفرع الأوَّل: الحكم التكليفي يوجب بذل المال 242
الفرع الثاني: الحكم الوضعي بضمان المتنجِّس 243
مقدمّة المسألة 243
تحرير المسألة 244
حكم تنجيس المسجد بعد تغيّر عنوانه 250
الفرع الأول 250
في بقاء حرمة التنجيس ووجوب التطهير 251
المرتبة الأولى: خراب المسجد مع انحفاظ عنوانه 251
المرتبة الثانية: خراب المسجد مع طروّ عنوانٍ مباينٍ للمسجديّة 251
المقام الأول: بلحاظ الأدلَّة الاجتهادية 251
المقام الثاني: بلحاظ الأصول العملية 252
الإشكال الأوَّل 253
الإشكال الثاني 254
الإشكال الثالث 256
الإشكال الرابع 256
الفرع الثاني: في جواز إشغال المسجد بعد خرابه بشيء آخر 258
الوجه الأوَّل: لا إجارة إلَّا في ملك 258
ــــــــــ[410]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الوجه الثاني: لا سلطنة على تمليك هذه المنفعة 259
حكم تطهير الجنب المسجد 260
حكم تنجيس مساجد اليهود والنصارى 263
الصورة الأولى: الكتابي أوقف الأرض مسجداً للمسلمين 263
الصورة الثانية: الكتابي أوقف الأرض معبداً لدينه بعد الإسلام 264
الصورة الثالثة: الكتابي أوقف الأرض لدينه قبل الإسلام 265
الصورة الرابعة: الكتابي أوقف الأرض مسجداً قبل الإسلام 265
في تنجيس مساجد المسلمين على اختلاف فرقهم 267
حكم تنجيس صحن المسجد وسقفه وجدرانه 267
حكم التنجيس إذا علم عدم جعل الواقف لها جزءاً من المسجد 267
المسجديّة اعتبار قائمٌ بالمكان 268
المسجد اعتبار قائم بالعمارة 268
حكم التنجيس حال الشكّ بالمسجديَّة 269
حكم المسجد الخاص 270
الجهة الأولى: في تصوير المسجد الخاصِّ في مقابل العامِّ 271
الأمر الأوَّل: الذي لا يكون عرضة لدخول كلِّ أحد 271
الأمر الثاني: الذي يكون موقوفاً على جهة خاصَّة 271
ــــــــــ[411]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الجهة الثانية: في تطبيق حكمه 273
في وجوب إعلام الغير مع عدم التمكُّن من الإزالة 274
الصورة الأولى أن لا يلزم من بقاء النجاسة هتكٌ للمسجد 274
تقريب السيد الأستاذ في المقام 276
الصورة الثانية: أن يلزم من بقاء النجاسة هتك للمسجد 278
حكم تنجيس المشاهد المشرفة وتطهيرها 279
المدرك الأول: أنَّ وصف الطهارة وصف ملحوظ للواقف 279
المدرك الثاني: أنَّ المشاهد المشرَّفة من شعائر الله 282
المدرك الثالث: ابتناء الحكم على نكتة الاحترام 283
الفصل الثالث حرمة تنجيس المصحف ووجوب تطهيره 289
حرمة تنجيس المصحف 289
الوجه الأول: قوله تعالى: لاَ يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ 290
الوجه الثاني: رواية إبراهيم بن عبد الحميد 292
الوجه الثالث: رواية محمد بن الفضيل 293
حرمة كتابة القرآن بالمركّب النجس 294
حكم إعطاء المصحف للكتابي 297
الفرع الأول: أنّه لا يجوز اعطاء المصحف بيد الكافر 297
ــــــــــ[412]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفرع الثاني: وجوب انتزاع المصحف من يد الكتابي 299
حرمة وضع المصحف على العين النجسة 300
وجوب إزالة النجاسة عن التربة الحسينيّة 301
الأمر الأول: التمسُّك بما دلَّ على جلالة التربة 302
الأمر الثاني: التمسُّك بالاستصحاب 303
وجوب إخراج المصحف وسائر المحترمات من بيت الخلاء 304
المطلب الأول: وجوب إخراج المصحف بالأجرة وإن كثرت 305
المطلب الثاني: وجوب سدِّ المكان إذا تعذَّر الإخراج 305
من نجّس مصحف غيره يكون ضامناً 306
1- أنحاء الضمان وشروطه 307
2- توفُّر شروط الضمان في ما نحن فيها 307
3- مقدار الضمان 308
مقدار الضمان على تقدير عدم وجوب تطهير المصحف 309
المبنى الأوَّل: ضمان الأوصاف ضماناً قيميّاً 309
المبنى الثاني: ضمان الأوصاف ضماناً مثليّاً 311
مقدار الضمان على تقدير وجوب تطهير المصحف 313
4- نكات متفرِّقة في هذه المسألة 314
ــــــــــ[413]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
النكتة الأولى: ضمان المثل على خلاف الارنكاز العقلائي 314
النكتة الثانية: توضيح الضابط في المسألة 315
النكتة الثالثة: في فوت المنفعة بلحاظ التأخير 316
وجوب تطهير المصحف كفائيّ 318
1- أصل كفائيَّة التطهير 318
2- في وجوب صرف المال وضمان المنجِّس 319
تحقيق أصل المطلب 321
الكلام الأوَّل: على تقدير القراءة الأولى للعبارة 322
الكلام الثاني: على تقدير القراءة الثانية للعبارة 323
3- قاعدة التسبيب 324
قاعدة الضمان بالتسبيب 327
شروط فعلية الضمان 328
حكم تطهير مصحف الغير بدون إذنه 330
الصورة الأولى: المالك لا يطهِّر المصحف ولكنَّه يأذن بذلك 330
الصورة الثانية: المالك لا يطهِّر المصحف ولا يأذن بذلك 331
الموقع الأوَّل: أنَّ المورد ليس من باب التزاحم بل من باب التعارض 332
الموقع الثاني: فرض أنَّ المورد من باب التزاحم 334
ــــــــــ[414]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الموقع الثالث: فرض عدم التزاحم و عدم التعارض 335
الموقع الرابع: المورد من الوجوب العينيّ لا الكفائيّ 335
الصورة الثالثة: المالك إمَّا أن يأذن أو يقوم بالتطهير 336
الصورة الرابعة: امتناع المالك عن التطهير والإذن الموجب لهتك المصحف 337
الفصل الرابع فروع وتطبيقات 341
وجوب إزالة النجاسة عن المأكول وغيره 341
1- حرمة تناول النجس 342
الروايات التي يُستدلُّ بها على التحريم 342
ملاحظة مشتركة ترد على الاستدلال بالروايات 344
3وسائل التخلُّص من الملاحظة المتقدّمة 344
2- الانتفاع بالأعيان النجسة 348
مسألة: حرمة البيع 348
المسألة الأولى: حرمة الانتفاع بالعين النجسة 349
حرمة الانتفاع بالخمر 350
الوجه الأول: روايات حرمة الاكتحال بالخمر 350
الوجه الثاني: روايات حرمة صنع الخمر 351
ــــــــــ[415]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الوجه الثالث: روايات إهراق الخمر 352
الوجه الرابع: روايات تحريم الخمر بتمام مراتبها 352
حرمة التصرُّف بالميتة 353
المسألة الثانية: سقوط مالية الأعيان النجسة 354
المسألة الثالثة: في جواز بيع الأعيان النجسة 356
عدم تمامية الدليل إلا في الأعيان الثلاث 357
الكلام في عدم جواز بيع الميتة بالخصوص 358
جواز التسبيب إلى أكل الغير وشربه للنجس 361
التسبيب في جعل غيره يأكل أو يشرب النجس 362
المقام الأول: في حرمة التسبيب بنحو الكبرى 362
الفرع الأول: إذا كان المُسبَّب إليه مكلَّفاً مُخاطَباً بالاجتناب 362
التكليف الواقعي محفوظ في حال العلم والشك 364
المرحلة الأولى: بلحاظ مقتضى القاعدة 364
المرحلة الثانية: بلحاظ الروايات الخاصّة 368
الفرع الثاني: إذا كان المُسبَّب إليه غير مُكلَّف كالطفل والمجنون 370
روايات يُستأنَس بها لاستفادة حرمة التسبيب 371
المقام الثاني: في بيان صغرى التسبيب 372
ــــــــــ[416]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
سقي المسكرات وسائر الأعيان النجسة والمُتنجِّسة للأطفال 374
الفرع الأوَّل: عدم جواز سقي الأطفال المسكرات 375
التقريب الأوَّل: حرمة إعطاء المسكر للأطفال 375
التقريب الثاني: روايات حرمة سقي الأطفال الخمر 376
التقريب الثالث: رواية حرمة سقي الخمر للآخرين 379
التقريب الرابع: روايات لعن حامل الخمر والمحمولة إليه 380
التقريب الخامس: روايات حرمة الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر 382
الفرع الثاني: في وجوب ردع الطفل عن شرب الخمر 382
الفرع الثالث: إعطاء الطفل الأعيان النجسة غير المسكر 384
1- عدم جواز الإعطاء 385
2- جواز الإعطاء 386
التقريب الأوَّل: السيرة 386
التقريب الثاني: روايات إرضاع الكافرة لأطفال المسلمين 387
في مناقشة رواية الحلبي سنداً ودلالةً 389
تنبيهات 390
الفرع الرابع: في وجوب ردع الطفل عن أكل النجس 392
ــــــــــ[417]ــــــــــ
تقريرات، كتاب الطهارة، ج4
الفرع الخامس: في جواز إعطاء النجاسة إلى الطفل إذا كان مُضرّاً 393
الفرع السادس: لو رأينا الطفل وهو يأكل ما يضرُّه هل يجب ردعه أو لا 393
إعلام الضيف بمباشرته الموضع النجس 394
الفرع الأول: وجوب إعلام الضيف بنجاسة الفرش 394
الفرع الثاني: وجوب إعلام الضيف بنجاسة الطعام 396
[إذا لم يكن هو المضيف ورأى في الطعام نجاسة] 397
[وجوب الإعلام بتنجيس الآنية أو السجادة المستعارتين] 398
الفهرس 399