أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب الطهارة الجزء (3)

 

كتاب الطهارة 

الجزء الثالث

271.1

ص44 الصدر، محمد.

كتاب الطهارة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج3 (472ص.)؛ 17×24 سم.

  1. الطهارة فقه إسلامي أ – العنوان.

    رقم الإيداع

1686/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1686) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي

8-86-699-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

07706062778

manager@alturaath.com

 

كتاب الطهارة 

تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ 

آية الله العظمى 

السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره 

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء الثاني  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 





بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 






  • الفصل الأول: خاتمة في طرق ثبوت النجاسة
  • الفصل الثاني: في كيفية تنجّس المتنجّسات
  • الفصل الثالث: في المتنجس وما يرتبط به
  • الفصل الرابع: في تنجيس المتنجّس

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 



الفصل الأول

 خاتمة في طرق ثبوت النجاسة

 

  • صور التعارض بين طريقين من هذه الطرق
  • علم الوسواسي بالطهارة والنجاسة
  • العلم الإجمالي بالنجاسة
  • مسائل متفرّقة تتعلق بالبيِّنة

 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفصل الأوَّل                                                                                خاتمة في طرق ثبوت النجاسة

[مسألة 7: إذا أخبر ذو اليد بنجاسته، وقامت البيِّنة على الطهارة، قُدّمت البيّنة. وإذا تعارضت البيّنتان تساقطتا إذا كانت بيِّنة الطهارة مستندةً إلى العلم، وإن كانت مستندةً إلى الأصل تُقدَّم بيِّنة النجاسة](1).

يقع الكلام في صور التعارض بين طريقين من هذه الطرق: البيِّنة، وخبر صاحب اليد، وخبر الثّقة. فما هو العلاج؟

السيد الماتن تعرّض إلى بعض فروض التعارض، لا إلى الجميع، منها فرض التعارض بين البيِّنة وخبر صاحب اليد، وحَكَم بتقدُّم البيِّنة، وتعارض قولين لصاحبَي اليد، وتعارض البيِّنتين.

وأسقط جملة من صور التعارض، كتعارض خبر الثقة مع خبر صاحب اليد. وذلك لأنَّه لم يقبل حُجِّيّة خبر الثقة، ليفرض التعارض بينهما!

ــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 96-97، كتاب الطهارة، فصل: ماء البئر وأحكامها، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 [صور التعارض بين طريقين من هذه الطرق]

ونحن نستعرض أهمّ صور التعارض، مبنيّاً على ما تمّ من حُجِّيّة البيِّنة، وخبر الثقة وصاحب اليد.

الصورة الأولى: [تعارض خبر ذي اليد مع خبر الثقة]

إذا تعارض خبر صاحب اليد مع خبر ثقة ليس بصاحب يد، فقال صاحب اليد: عباءتي نجسة، وقال الآخر: إنَّها طاهرة. وهو فرض لا بُدَّ من النظر فيه، بناءً على مبنانا من حُجِّيّة خبر الثقة؛ لأنَّ كِليهما حُجَّة في نفسه.

وسقوط أحد هذين عن الحُجِّيّة يكون بأحد منشأين:

الأوَّل: وجود المانع عن الحُجِّيّة، وهو التساقط بالتعارض.

الثاني: أن يُدّعى القصور في نفس دليل الحُجِّيّة، بمعنى عدم وجود إطلاق فيه يشمل مورد التعارض.

وحينئذٍ نقول: بأنَّ هذه الصورة يدخل تحتها فرعان:

الأوَّل: أن يكون صاحب اليد ثقة في نفسه.

الثاني: أن يفرض أنه ليس بثقة بحيث لو شهد بنجاسة عباءة غيره لم تقبل شهادته.

[الفرع الأوَّل: حال كون صاحب اليد ثقة في نفسه]

أما الفرع الأول: وهو جود المانع بالمعارضة، فقد يُتوهَّم وجود المانع بتقريب: أنَّ دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد يقول: (خبر صاحب العباءة حُجَّة)، 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ودليل حُجِّيّة خبر الثقة يقول: (خبر الآخر حُجَّة)، فيتعارض إطلاق الدليلين. لكن لا يتمّ ذلك، فإنَّه لو فرض عندنا دليلان:

الأوَّل: دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد على الإطلاق.

الثاني: دليل حُجِّيّة خبر الثقة على الإطلاق.

فإنَّهما لا يتعارضان، بل تكون حُجِّيّة خبر صاحب اليد هي الثابتة بالفعل، وتسقط حُجِّيّة خبر الثقة.

بلحاظ وجود المانع عن الحُجِّيّة وهو التساقط بالتعارض

والنكتة في ذلك إجمالاً: أنَّ دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد، لا يمكن أن يقع طرفاً للمعارضة مع دليل حُجِّيّة خبر الثقة؛ لأنَّه مبتلى بالمعارضة في نفسه، إذ المفروض أنَّ صاحب اليد ثقة أيضاً.

وتوضيح ذلك: يتوقف على إيضاح مقدّمة قرأناها في باب العامّ والخاصّ(1)من الكفاية، وحاصلها: أنَّ دليلاً عامّاً إذا ورد عليه مُخصّص أخرج أحد فردين متباينين على وجه الترديد، فإن كان المُخصّص مُتَّصلاً فإنَّه يوجب إجمال العامّ وسقوط ظهوره، وإن كان منفصلاً فإنَّه لا يوجب سقوطه، وإنَّما يوجب التساقط بين الحجيتين بعد انعدام المرجح.

ففي المقام عندنا دليل دلّ على حُجِّيّة خبر الثقة مطلقاً، وله فردان:

ــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) لاحظ: كفاية الأصول: 220، 222، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، فصلٌ: في إجمال المخصّص.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أحدهما: خبر الثقة الذي ليس صاحباً للعباءة.

والآخر: خبر صاحب العباءة نفسه فإنَّه ثقة -على الفرض- وفرد من العامّ.

ومن المعلوم أنَّ استحالة حُجِّيّة المتعارضين يكون مخصصاً باعتبار استحالة شمول العموم لهما معاً، وهذا المُخصّص اللُّبِّيّ يخرج أحد الفردين على الأقلّ بمعنى عدم إمكان الجمع بينهما في الحُجِّيّة.

وهذا البرهان ليس منفصلاً بل هو مُتَّصل فإنَّه من البديهي عرفاً أنَّ المولى العاقل لا يمكنه أن يجعل المتعارضين حُجَّة. فيكون مخصصاً لُبِّيّاً مُتَّصلاً فيوجب إجمال العامّ، ومعه فلا ينعقد له ظهور في الشمول لكِلا الفردين. لا لهذا الثقة ولا لهذا الثقة.

وحينئذٍ فلا يمكن أن يُعارض دليل حُجِّيّة خبر الثقة دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد؛ لأنَّ الدليل المجمل لا يعارض الدليل المبين. فيبقى دليل حُجِّيّة صاحب اليد على حُجِّيَّته؛ لأنَّه لم يقع تعارض في داخله فإنَّه يشمل خبر صاحب العباءة دون الآخر.

وبهذا يتبرهن على أنَّ تقريب المعارضة غير صحيح؛ لأنَّ دليل حُجِّيّة خبر الثقة قد ابتلى بالإجمال في نفسه، فلا يقع طرفاً للمعارضة.

وهذه النكتة لها عرض عريض، بحيث طبّقناها في الأصول(1) حَتَّى على جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، حيث لا يمكن إجراء الأصلين معاً.

 ــــــــــ[16]ــــــــــ

(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 5: 196، مباحث الحجج والأصول العمليّة، أصالة الاحتياط، جريان الترخيص في بعض الأطراف.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فلو وُجِد دليلان: دليل دلّ على البراءة وهو يشمل كِلا الطرفين، ودليل دلّ على الطهارة يشمل أحدهما بالخصوص، فهنا نتمسّك بدليل الطهارة، ولا نتمسّك بدليل البراءة، ولا نوقع المعارضة بينهما؛ لأنَّ دليل البراءة ابتلي بالتعارض في داخله، فلا يعارض دليل أصالة الطهارة.

لو كان الارتكاز باستحالة الجمع دليلاً منفصلاً، لأمكن القول بأنَّ شمول دليل حُجِّيّة خبر الثقة، يكون معارضاً لأمرين؛ لشموله لخبر صاحب اليد بما هو ثقة، ولشمول دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد لخبره. فعندنا ظهورات ثلاثة كلها فعليّة، ويقع التعارض بين هذا الواحد والاثنين، فتتساقط كلها.

بلحاظ دعوى وجود القصور في نفس دليل الحجية

نعم، يبقى الكلام في المنشأ الثاني للسقوط، وهو عدم وجود الإطلاق والمقتضي، في دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد. وذلك بتقريب أن يُقال إنَّ دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد إنَّما هو السيرة العقلائيَّة، وهي دليل لُبِّيٌّ يقتصر فيه على القدر المُتيقَّن، وهو مورد عدم المعارضة، فإسقاط حُجِّيّة خبر صاحب اليد، من باب قصور المقتضي.

وقد أجاب السيّد الأستاذ(1) عن ذلك: بأنَّ دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد يقتضي حُجِّيَّته مطلقاً، وتقديمه -فيما إذا ابتلى بالمعارضة- على معارضه.

ــــــــــ[17]ــــــــــ

(1) لاحظ: فقه الشيعة 2: 80، 81، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 7، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 324، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

واستُدلّ على ذلك بأنَّه لا إشكال بأنَّ ديدن العقلاء على أنَّهم يبنون على أنَّ صاحب اليد هو المالك لداره، ولا يكتفون في رفع اليد عن ذلك بشهادة ثقة أجنبيّ بأنَّها وقف أو غصب. فهذا يشهد على أنَّ حُجِّيّة خبر صاحب اليد مجعولة على وجه الإطلاق.

وقد انقدح وجه التنظر فيه ممَّا سبق؛ لأنَّ هذا الاستدلال مبني على الاعتقاد بالمساواة والوحدة، بين مسألتنا: وهي حُجِّيّة خبر صاحب اليد، ومسألة الوقفية والغصبية، مع أنهما مختلفتان موضوعاً ونكتة.

وتوضيحه: أنَّ عندنا مطلبين:

المطلب الأوَّل: أنَّنا نتعامل مع صاحب الدار معاملة المالك، ولا نصدّق الثقة الذي يقول إنَّها غصب أو وقف، ومعناه أنَّ قاعدة اليد تكون حُجَّة على الإطلاق، وإن كان خبر الثقة على خلافها.

المطلب الثاني: أنه لو أخبر صاحب اليد عن نجاسةٍ ما تحت يده، وأخبر الثقة عن طهارتها، فهل نعمل بها أو لا؟

والسيد الأستاذ فرض أنَّ الحُجِّيّة في المسألتين حُجِّيّة واحدة، ذات ملاك واحد، وموضوع واحد، ولذا استدلّ بإطلاق الدليل في المسألة الأولى على إطلاقه في الثانية، مع أنَّ المسألتين مختلفتان موضوعاً ونكتة.

أما موضوعاً؛ فلأنَّ المسألة الأولى موضوعها اليد، لا إخبار صاحبها، بل لا يتوقف إثبات أثرها على إخباره. بينما المسألة الثانية موضوع الحُجِّيّة ليس هو 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

نفس اليد، في مقام إثبات المالكية، ونفي الوقفيّة والغصبيّة؛ ولذا لا يكون كون الشيء تحت يده مثبتاً للطهارة ولا النجاسة. بل موضوعها هو إخبار ذي اليد.

والنكتة في المسألة الأولى: هي أنَّ مقتضى الطبع في كل مال هو أن يكون تحت يد مالكه. وأمَّا نكتة إخباره عن النجاسة: فهي الأخبرية النوعية كما قلنا.

إذن، فالحجيتان مختلفتان موضوعاً ونكتة فإثبات إطلاق الثانية بإطلاق الأولى ليس أمراً صناعياً، بل يمكن أن يقال: إنَّ دليل الحُجِّيّة في المسألة الأولى مطلق ولا يلزم منه أن يكون دليلها في المسألة الأخرى مطلقاً أيضاً.

ولكن المُدَّعى في نفسه صحيح، فإنَّنا لا نشكّ في أنَّ الارتكاز قاضٍ بأنَّ إخبار صاحب اليد بالنجاسة يكون حُجَّة حَتَّى مع معارضته بخبر الثقة. بل حَتَّى مع فرض كون صاحب اليد ليس ثقة -كما سيأتي- فإنَّ قضية أنَّ (أهل البيت أدرى بالذي فيه)، لا إشكال أنَّها قضية مركوزة عند العقلاء، فيُقال للأجنبي: إنَّ أهل البيت أدرى بالذي فيه. فتسحب شهادته، فينتج أنَّ الحُجِّيّة مجعولة على وجه الإطلاق.

وإن شئتم قلتم: إنَّ نكتة حُجِّيّة خبر صاحب اليد هي الأخبرية، وهي بنفسها تقتضي تقديم خبره على معارضه.

وبذلك يتبرهن أنَّ الصحيح ما ذهب إليه المشهور من تقديم خبر صاحب اليد على خبر الثقة عند التعارض.

الفرع الثاني: حال كون صاحب اليد غير ثقة

ما إذا فرضنا أنَّ صاحب اليد لم يكن ثقة، فنأتي إلى البيانين السابقين.

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أما البيان الأوَّل لإسقاط حُجِّيّة خبر صاحب اليد بوجود المانع، فلا بأس بإجرائه هنا، وإن لم يكن معقولاً هناك. حيث يقع إطلاق دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد طرفاً للمعارضة مع إطلاق دليل حُجِّيّة خبر الثقة الشامل للأجنبي. وليس هذا الدليل هنا مبتلياً بالإجمال كما كان في الفرع الأوَّل لأنَّ لكُلٍّ من الدليل مصداقاً واحداً، فيتعارضان ويتساقطان.

إلا أنَّ هذا إنَّما يكون بعد الفراغ عن تمامية الإطلاق في دليل الحُجِّيّة في كُلٍّ منهما.

ومن هنا ينبغي أن يقال: إنَّ هذين الدليلين إمَّا أن يكونا لُـبِّـيَّين معاً، أو لفظيين معاً، أو يكون أحدهما لُـبِّـيّاً والآخر لفظيّاً.

فلا بُدَّ أن ننظر في هذه الأقسام لنرى أنَّه متى ننتهي إلى التساقط.

الأولى: صورة كون الدليليين لُبِّيَّين معاً

أن يكونا لُبِّيين معاً، ومعناه أنَّنا نبني على أنَّ الدليل على حُجِّيّة خبر الثقة والدليل على حُجِّيّة خبر صاحب اليد إنَّما هو الارتكازات العقلائية، أو نُسلِّم بوجود الأمارات اللفظيّة. لكن نقول: إنَّ لسانها لسان الإمضاء لتلك الارتكازات، ولا يُستفاد منها شيء أكثر من ذلك.

وحينئذٍ نقول: إن الارتكاز العقلائيّ قاضٍ بتقديم خبر صاحب اليد على خبر الثقة، لنكتة الأخبريّة النوعيّة. فإنَّها بنفسها مقتضية للتقديم؛ لأنَّها تقول: إنَّ أهل البيت أدرى بما فيه. فإنَّها ناظرة على الغير، وتعتبره فضولياً بالنسبة إلى أهل البيت أنفسهم، فالقضيَّة بنفسها متعرّضة للترجيح.

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الثانية: صورة كون الدليلين لفظيين معاً

وهو ما إذا كانا لفظيين تعبديين، فإنَّ لم يكن لهما إطلاق لصورة المعارضة كما هو الحال في بعض الروايات السابقة كقوله: “اشْتَرِ بِدِرْهَمٍ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَلا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ”(1)، وقوله: “العمريُّ وابْنُهُ ثِقَتَان”(2)؛ فإنَّه ليس له نظر لحال وجود إخبار الثقة على الخلاف. فيكون مقتضى القاعدة في صورة التعارض عدم الحُجِّيّة لهما معاً، فُيرجع إلى الأصول العملية: وهي أصالة الطهارة، أو استصحاب النجاسة باختلاف الموارد .

وإمَّا إذا كان لأحدهما إطلاق دون الآخر حكم ذو الإطلاق على الآخر، كما لو فرض أنَّ دليل حُجِّيّة خبر الثقة كان له إطلاق كمفهوم آية النبأ لو تمّت دلالتها على ذلك، كما هو كذلك جزماً.

وإذا كان لهما معاً إطلاق، فلا بُدَّ أولاً من إعمال المرجّحات التي قد تقتضي تقديم حُجِّيّة خبر الثقة على الآخر، فيما إذا كان دليل حُجِّيّة خبر الثقة قرآناً، في حين أنَّ دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد ليس إلا خبر واحد. فيتقدَّم خبرُ الثقة، ويكون هو الحُجَّة دون الآخر. 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() المحاسن (للبرقي) 2: 496، كتاب المآكل، باب الجبن، الحديث 598، وسائل الشيعة 25: 118، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4.

(2) الكافي 1: 330، كتاب الحُجَّة، باب في تسمية من رآه، الحديث 1، وسائل الشيعة 27: 138، كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وإن لم تتحقّق هذه المزيّة كما في دليل حُجِّيّة خبر الثقة في الشبهات الموضوعية، فيتعارضان ويتساقطان ولا تثبت الحُجِّيّة لكل منهما.

الثالثة: صورة كون أحد الدليليين لفظيّاً والآخر تعبُّدياً

ما إذا كان أحدهما لفظيّاً والآخر لُبِّيَّاً، فيُقدَّم اللفظيُّ إن لم يكن لِلُّبِّيِّ إطلاقٌ، وإلا قُدِّم اللُّبِّيُّ. 

إذا كان أحدهما لفظيّاً والآخر لُبِّيَّاً، كما لو كان دليل حُجِّيّة خبر الثقة لفظيّاً والآخر لُبِّيَّاً أو بالعكس. فإمَّا أن نجزم بإطلاق الدليل اللُّبّي-يعني سعةً-، أو لا نجزم.

1- فإن لم نجزم بسعة الدليل اللُّبِّيّ حَتَّى لمورد المعارضة، نظرنا إلى الدليل اللفظي: فإن كان له إطلاق أخذنا به. وإلا كان كِلا الدليلين ساقط؛ أمَّا اللُّبِّيّ فلعدم الجزم بشموله، وأمَّا اللفظيّ فلعدم إطلاقه.

2- وأمَّا إذا جزمنا بشمول الدليل اللُّبِّيّ والارتكاز العقلائيّ لمورد المعارضة، كما نجزم به في حُجِّيّة خبر صاحب اليد، وفي مقابله دليل لفظي:

فإن لم يكن للفظي إطلاق لمورد التعارض، أخذنا بالدليل اللبي.

وإن كان له إطلاق. فيكون إطلاق الدليل رادعاً عن سعة الدليل اللبي.

فإن قلنا بكفاية الرادعية بالإطلاق، فيتعيَّن الردع والعمل بالدليل اللفظي، وإن لم نقل به عملنا بالدليل اللبي.

وعلى أيّ حال فهذه الشقوق للتمرن على الصناعة، وإلا فالصحيح منهما هو الفرض الأوَّل، وهو كون الدليل على كِليهما لُبِّيَّاً، ومعه فالحكم هو ترجيح ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

خبر صاحب اليد لأنَّ نكتته ناظرة إلى التقديم.

الصورة الثانية: أن يتعارض اثنان كِلاهما صاحب اليد

من صورة المعارضة: أن يتعارض اثنان كِلاهما صاحب اليد، بناءً على ما هو الصحيح -كما سبق(1)– من أنَّ اليد الضمنية الجزئية تكون حُجَّة في إثبات المطلب. وهذه الصورة مذكورة في المتن وقد أفتى السيد الماتن فيها بالتساقط(2).

والصحيح بناءً على ما سبق هو التفصيل بين ما إذا كان أحد الشريكين يتميز على الآخر بالوثاقة أو لا يتميز.

إذا لم يتميز أحد الشريكين عن الآخر:

بأن كان كِلاهما ثقة أو كِلاهما غير ثقة تُعيّن التساقط، أمَّا إذا لم يكونا ثقة؛ فلأنَّ مدرك الحُجِّيّة في كل منهما هو دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد ونسبته إلى كِليهما على حد سواء، وإن كانا معاً ثقتين؛ فلأنَّ هناك دليلين كِلاهما مستويي النسبة تجاههما؛ لأنَّهما معاً ثقة، ومعاً صاحب يد(3).

ــــــــــ[23]ــــــــــ

() راجع: ج2، الفصل السادس، الطريق الرابع، تفصيلات صاحب اليد، المقام الثاني من الجهة الأولى في انقسامها إلى اليد الضمنية والاستقلالية. ص: 447.

(2) راجع: العروة الوثقى (المحشّى) 1: 158، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 11.

(3) أقول: قلت له: إذا كانت اليد ضمنية فينبغي أن لا يقبل قوله إلا في الجزء.

فقال: كَلا، بل يقبل في الجميع، فإنَّ اختصاصه بالبعض لا يخل بنكتة الاخبرية بالنسبة إلى الجميع.

قلت له: ففي الأعيان الكبيرة كالدار ونحوها قد يكون مخلاً. 

فقال: نعم، وإنَّما يقبل فيما إذا كانت يده ضمنية بنحو الإشاعة، قبل التقسيم أو مع التقسيم بدون الإخلال بالأخبرية، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وإذا كان أحدهما ثقة والآخر غير ثقة:

فدليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد يبتلي بالتعارض والإجمال؛ لأنَّه يشمل كِلا الفردين في نفسه؛ لأنَّهما معاً صاحب يد.

ودليل حُجِّيّة خبر الثقة لا يشمل كِلا الفردين في نفسه؛ لأنَّ أحدهما غير ثقة. فيكون حُجَّة بلا معارض، فينتج حُجِّيّة صاحب العباءة من حيث كونه ثقة دون الآخر، ولا يقع التعارض بين شمول دليل حُجِّيّة خبر صاحب اليد لهذا الثقة وشمول دليل حُجِّيّة خبر الثقة للآخر؛ لأنَّ دليل صاحب اليد مبتلى بالإجمال في نفسه فلا يصلح للمعارضة.

وهذا البيان إذا كان دليل حُجِّيّة خبر الثقة لفظيّاً، يكون تاماً بلا إشكال، وكذلك لو كان له الارتكاز، فإنَّه لا يبعد أن يُقال إنَّ العقلاء يرون العمل بخبر صاحب اليد الثقة ولا يعملون بالخبر الآخر. فإنَّ نكتة الأخبرية وإن كانت متساوية إلا أنَّ نكتة الوثاقة موجودة.

الصورة الثالثة: تعارض البيِّنة مع خبر الواحد

كما لو قامت البيِّنة على نجاسة شيء، (بمعنى إخبار ثقتين وإن لم يكونا عدلين في غير باب القضاء)، وأخبر الثقة عن طهارته، وهذه الصورة لا معنى ــــــــــ[24]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

لها عند عدم حُجِّيّة خبر الواحد. وإنَّما يُنتهى إليها فيما إذا بني على أنَّه حُجَّة.

والصحيح البيِّنة تتقدَّم على خبر الواحد. وذلك ببيانين:

البيان الأوَّل: البيان إجمالي

وله مقدّمتان:

الأولى: تقدَّم الكلام عنها في صورة من صور التعارض؛ حيث ثبت أنَّ خبرَ صاحب اليد خبر غيرُ الثقة مقدَّم على خبر الأجنبي ولو كان ثقة.

الثانية: سوف نذكرها في الصورة الآتية، وهي أنَّ البيِّنة تتقدَّم على حُجِّيّة خبر صاحب اليد، إذن فينتج أنَّ البيِّنة تتقدَّم على خبر الواحد أيضاً.

البيان الثاني: البيان تفصيلي

فتارة نفترض أنَّ البيِّنة لم يقم عليها دليل بعنوانها بل هي حُجَّة من باب أنَّها خبر واحد. وأخرى نبني على أنَّها حُجَّة بعنوانها.

فإن بنينا على الأوَّل فليس عندنا في المقام إلا دليل حُجِّيّة خبر الثقة وقد وقع له طرفان للمعارضة: خبر وخبران. فيقع بينهما التعارض فيصير حاله حال الرواية الواحدة المعارضة للاثنتين في الشبهة الحكمية. حيث لا نقول بتقدُّم الاثنتين على الواحدة.

وأمَّا إذا استفدنا كون البيِّنة بعنوانها حُجَّة فلا محال يبنى على تقدُّم البيِّنة على خبر الواحد. بتقريبين:

التقريب الأوَّل: مبني على النكتة التي طبقناها مراراً. وهو أنه عندنا 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

دليلان: دليل حُجِّيّة خبر الواحد ودليل حُجِّيّة البيِّنة، فخبر الواحد يشمل كِلا الطرفين في نفسه فيبتلى بالمعارضة فيتساقط، فنأتي إلى دليل آخر لم يبتلِ بالإجمال وهو دليل حُجِّيّة البيِّنة، فإنَّه يشمل طرفاً واحداً فقط.

التقريب الثاني: أنَّ الحُجّة إذا ثبتت للبيِّنة بعنوانها ويُعلم أنَّ خبر الواحد حُجَّة في نفسه -بالارتكاز العقلائيّ والمتشرعي- فيكون قرينة على أنَّ الأدلَّة على حُجِّيّة البيِّنة إنَّما هي حُجِّيّة فيصلية أعلائية بحيث يرفع بها اليد عن الحجج الأولية. ولذا قال: “إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ”(1)، أي إنَّ البيِّنة حاكمة ومقدَّمة على القواعد التي شخّصت المنكِر من المُدّعي، فيكون لها التقدُّم على سائر الحجج الأخرى التي منها خبر الواحد في نفسه.

وهذا المطلب استفدنا منه في باب الشبهة الحكمية، في باب توثيق الراوي. فإنَّ الشبهة الحكميّة تتضمن شبهة موضوعية هي وثاقة الراوي. وهذه الشبهة يكون فيها دليلان:

أحدهما: دليل حُجِّيّة خبر الواحد، بناءً على ما ذكرناه من كونه حُجَّة في الشبهات الموضوعيَّة، مضافاً إلى الشبهات الحكمية(2).

ــــــــــ[26]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 414، كتاب القضاء والأحكام، باب إنّ القضاء بالبيّنات والأيمان، الحديث1، تهذيب الأحكام 6: 229، كتاب القضايا والأحكام، الباب 89، الحديث 3، وسائل الشيعة 27: 232، كتاب القضاء، الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 1.

(2) راجع: ج2 من هذه التقريرات (الفصل السادس فيما تثبت به النجاسة، الطريق الثالث: خبر الواحد). ص: 359.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وثانيهما: دليل حُجِّيّة البيِّنة فإنَّه بعد فرض الإطلاق لسائر الجهات فإنَّه يشمل الشبهات الموضوعيَّة الرجالية، إذن يوجد عندنا دليلان:

فإذا كانت وثاقة عمَّار الساباطي -مثلاً- مورداً للشبهة الموضوعية، وشهد الشيخ الطوسي بوثاقته كان مشمولاً خبره لدليل حُجِّيّة خبر الواحد.

فإن انضمّ إليه شهادة النجاشي تمسَّكنا بدليل حُجِّيّة خبر الواحد ودليل حُجِّيّة البيِّنة لإثبات وثاقته.

ولكن إذا اتّفق وجود المعارضة:

فتارة: يفرض كِلاهما شاهد واحد فيتعارضان.

وأخرى: يفرض أنَّ الشاهد بالتضعيف واحد (كابن الغضائري)، والشاهد بالتوثيق اثنان (الشيخ والنجاشي).

فهنا طبَّقنا النكتة التي بيَّناها، وقلنا إنَّنا نعمل بشهادة الاثنين في مقابل شهادة الواحد، وذلك؛ لأنَّه يوجد عندنا دليلان: دليل حُجِّيّة خبر الواحد، ودليل حُجِّيّة البيِّنة.

أما الأوَّل: فقد ابتلى بالتعارض في نفسه، وبالإجمال في داخله، فإذا بقينا نحن ودليل حُجِّيّة خبر الواحد، لم نعمل بخبر التضعيف ولا التوثيق.

وأمَّا الثاني: دليل حُجِّيّة البيِّنة، فهو شامل لطرف واحد، فلا يبتلى بالتعارض الداخلي، ولا يعارضه الدليل الآخر لسقوطه.

وهذه نكتة تترتّب عليها آثار مهمَّة في مقام الاستنباط.

ــــــــــ[27]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الصورة الرابعة: تعارض البيِّنة مع صاحب اليد 

أن تتعارض البيِّنة مع خبر صاحب اليد، والصحيح هو تقدُّم البيِّنة على خبر صاحب اليد، وتوضيح ذلك:

1- أنَّنا نبني أنَّ مدرك حُجِّيّة البيِّنة هو الصحيح النبوي: “إنَّما أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالبَيِّنَاتِ وَالأَيْمَانِ”(1)، وكان مدركاً لُحجِّيَّتها على الإطلاق، ومعناه -كما تقدَّم- إلغاء خصوصية مورد القضاء وإن الحُجِّيّة الثابتة في مورد القضاء ثابتة في غيره.

وحينئذٍ يقال: بأنَّ إلغاء خصوصية المورد وإسراء نفس الحُجِّيّة المجعولة في مورد القضاء إلى غيره إنَّما يكون بنفس تلك المرتبة؛ لأنَّ الإلغاء معناه توسعة نفس المطلب لا إيجاد مطلب جديد.

ومن المعلوم أنَّ الحُجِّيّة المجعولة في مورد القضاء هي الحُجِّيّة الفيصلية التي يرفع بها اليد عن القواعد الأولية التي تشخّص المدّعي والمنكر، ولها التقدُّم والأولويَّة عليها.

فلو باع شخص مرقاً وأدّعى أنَّه طاهر، ثُمَّ ادّعى المشتري بأنَّه نجس، فلو أقام على نجاسته بيِّنة قبلت مع أنَّها في مقابل خبر صاحب اليد، فبعد التعدّي تسري نفس الحُجِّيّة بنفس الدرجة إلى غير موارد القضاء، فتثبت في سائر الموارد وتلك المرتبة الأعلائيَّة التي بها تكون حاكمة على حُجِّيّة خبر صاحب اليد.

ــــــــــ[28]ــــــــــ

(1) راجع هامش ص:17.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

2- قولوا نفس الشيء إذا كان المدرك هو خبر مسعدة بن صدقة، “وَالأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ تَقُومَ بِهَا البَيِّنَةُ”(1)؛ فإنَّها أيضاً ظاهرة في جعل الحُجِّيّة الفيصلية للبيِّنة وأنَّ الأشياء كلّها على مقتضى القواعد الأولية التي تجري في الأمثلة التي ذكرها الإمام حَتَّى تقوم بها البيِّنة، إذن فهي تتقدَّم عليها.

3- وإذا كان المدرك في حُجِّيّة البيِّنة، هو الارتكاز العقلائيّ بأن نقول: بأنَّ البيِّنة بعنوانها مركوزة في نظر العقلاء، فإثبات حُجِّيَّتها في مقابل قانون (أنَّ أهل البيت أدرى بالذي فيه) موقوف على أن نستظهر أنَّ الارتكاز قائم بحُجِّيّة البيِّنة بنحو الفيصلية أيضاً.

ولا يكفي فيه ارتكازية أصل الحُجِّيّة، فإن استظهرنا ذلك قلنا بالتقدُّم، وإلّا تهافت الارتكاز ولا يمكن البناء على تقدُّمها.

وعلى أيّ حال فالصحيح هو تقدُّم دليل حُجِّيّة البيِّنة على دليل حُجِّيّة خبر اليد؛ لأنَّنا اخترنا أنَّ دليل حُجِّيّة البيِّنة هو الخبر النبوي.

الصورة الخامسة: التعارض بين البيّنتين:

ومنه يظهر الحال في صورة تعارض خبر الثقتين، بنحوٍ استحكم التعارض بينهما، فما هي الوظيفة العملية في مثل ذلك.

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 314، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، باب عدم جواز الإنفاق من الكسب الحرام، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بلحاظ دليل الحُجِّيّة الأولي

دليل حُجِّيّة البينة: الارتكاز العقلائي

هنا يمكن أن يقال: إن دليل حُجِّيّة البيِّنة بعنوانها:

إمّا أن يكون هو الارتكاز العقلائيّ الذي يقضي بكونها حُجَّة فيصلية ابتداءً.

 أو بتوسّط أدلَّة لفظية راجعة إلى الارتكاز ولا تدلّ بنفسها على شيء زائد وأمَّا أن يكون الدليل دليلاً لفظيّاً تعبُّدياً لا ربط له بالارتكازات.

فإن كان المدرك في دليل حُجِّيّة البيِّنة هو الارتكاز ابتداءً أو انتهاءً، فمن المعلوم أنَّه بعد التعارض لا يوجد ارتكاز لا لهذه البيِّنة ولا لتلك. ولا يوجد ارتكاز بالترجيح ببعض الميزات أو الخصوصيات التي قد تتصف بها إحدى البيِّنتين دون الأخرى كالأعدل أو الأكثر عدداً.

فإنَّه لا يكون موجباً للترجيح بحسب الارتكاز.

نعم، لو وصلت المزيّة إلى مرتبة من الوضوح بحيث أوجبت الظنّ الاطمئناني على طبقها تُعيّن العمل بها وإسقاط الأخرى من باب العمل بالظنّ الاطمئناني.

وعليه فلا بُدَّ وأن يقال: إنَّ البيِّنتين المتعارضتين يحكم بتساقطهما، من دون فرق بين أن تكون لأحدهما مزيّة أو لم تكن، ونحتاج في تقدُّم ذات المزيّة على الأخرى إلى دليل خاصّ.

ــــــــــ[30]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وقد توهّم وجود المزيّة في الكثرة العدديَّة وسنتعرّض له.

دليل الحُجِّيّة لفظيّاً تعبُّدياً

وأمَّا إذا كان دليل الحُجِّيّة لفظيّاً تعبُّدياً من دون نظر إلى الارتكاز مثل قوله: “وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا، حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ”(1).

فإن كانت البيِّنتان متساويتين في المزايا، فلا إشكال في التعارض والتساقط؛ لأنَّ نسبة دليل الحُجِّيّة إليهما على حدّ واحد.

وأمَّا إذا كان في أحدهما كلّ المزايا المحتمل دخلها في ملاك الحُجِّيّة كالأعدل والأكثر عدداً، وكانت الأخرى مفضولة من جميع هذه الجهات، ففي مثل ذلك لو كان المدرك هو الارتكاز لتعيّن التساقط كما سبق، ما لم يحصل الظنّ الاطمئناني.

لكن مدركنا في الدليل اللفظي التعبُّدي مثل قوله: كلّ بيِّنة حُجَّة، وهو يشمل في نفسه كِلتا البيّنتين، لكنَّنا نقطع قطعاً تفصيلياً بسقوط إطلاق دليل الحُجِّيّة للمفضول المطلق؛ لأنَّ الشارع إمَّا أن يبني على مبنى العقلاء وهو التساقط، وإمَّا أن يبني على الترجيح، وعلى كِلا التقديرين لا يكون المفضول حجّة؛ لأنَّنا لا نحتمل تقديم المفضول، بعد فرض أنَّ الملحوظ للشارع هو طريقية البيِّنة، وهو أقوى في هذا الطرف من جميع الجهات.

ــــــــــ[31]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 314، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، باب عدم جواز الإنفاق من الكسب الحرام، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إذن نأخذ بإطلاق دليل الحُجِّيّة للبيِّنة الأقوى؛ لأنَّ إطلاقه لها محتمل، ولا يعارضه إطلاقه للأضعف، لأنَّه معلوم السقوط وجداناً.

ولكن هذا يتمّ فيما إذا كانت المزايا منحصرة في واحد.

وأمَّا إذا كان في كلّ واحدة احتمال المزيّة كما لو كانت إحداهما أكثر عدداً، والأخرى أكثر عدالة، فيرجع الأمر إلى التساقط أيضاً.

وهذه نكتة سيّالة تعرّضنا لها في باب التعادل والتراجيح(1). لكن بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ دليل حُجِّيّة البيِّنة هو الارتكاز فنرى أنَّ الارتكاز العقلائيّ يقضي بالتساقط في تمام الموارد سواء كانت هناك مزايا أو لم تكن. ما لم تكن المزايا موجبة للظنّ الاطمئناني، هذا لو بقينا ودليل الحُجِّيّة.

بلحاظ الدليل الخاص: وهو رواية أبي بصير

بعد هذا يقع الكلام في الدليل الخاصّ، إذ قد يقال: إن الدليل الأولي للحجيّة وإن كان موجباً للتساقط، إلّا أنَّ عندنا دليلاً خاصّاً يقتضي تقديم البيِّنة في بعض الأحيان، وهو ما إذا كان أحدهما أكثر عدداً.

وهو ما رواه الكليني بسنده عن أبي بصير قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يأتي القوم فيدّعي داراً في أيديهم ويقيم البيِّنة، ويقيم الذي في يده الدار البيِّنة أنَّه ورثها عن أبيه ولا يدري كيف كان أمرها. قال: أَكْثَرُهُمْ بيِّنة 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول 7: 367، تعارض الأدلّة الشرعيّة، القسم الثاني، المسألة الثانية: حكم التعارض المستقرّ، الترجيح في الصفات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يُسْتَحْلَفُ، وَتُدْفَعُ إِلَيْه‏”(1).

وتقريب الاستدلال بها: أنَّها دلَّت على تقديم البيِّنة الأكثر عدداً في موارد القضاء، وبعد إلغاء خصوصية المورد تتعدّى منه إلى سائر الموارد. فينتج البناء على تقديم الأكثر عدداً في مقام الحُجِّيّة.

مناقشة إشكال السيد الأستاذ في هذه الرواية

وقد استشكل السيد الأستاذ في هذه الرواية(2)، بدعوى:

أنَّ الترجيح لم يكن بلحاظ الحُجِّيّة وإنَّما كان ترجيحاً بلحاظ الاستحلاف.

توضيحه أنّه: 

تارة: يفرض أنَّ الرواية تدلّ على أنَّ البيِّنة الأكثر عدداً مقدّمة في مقام الحُجِّيّة، فيتمّ الاستدلال.

وأخرى: يفرض أنَّه لا تقدُّم لأحدهما على الأخرى بل كلّ منهما حُجَّة اقتضائية مزاحمة للأخرى، ولكن الشارع حكم أنَّ اليمين يقع على صاحب الأكثر عدداً، فالفاصل للخصومة هو اليمين لا العدد، وإلّا لم نحتج إلى يمين أصلاً.

ــــــــــ[33]ــــــــــ

() باب12 من كيفية الحكم من كتاب القضاء من الوسائل، (المقرر). الكافي 7: 418، كتاب القضاء والأحكام، الباب 16، باب الرجلين يدّعيان فيقيم كلّ واحدٍ منهما البيِّنة، الحديث 1، وسائل الشيعة 27: 249، كتاب القضاء، الباب 12، باب كيفيّة الحكم، الحديث 1.

(2) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 326، كتاب الطهارة، فصل في ماء البئر، المسألة 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهذا الإشكال لا يمكن المساعدة عليه: لأنَّ الرواية -بضمّ ارتكازية ومعلومية أنَّ اليمين تكون على المنكر- تدلّ على صاحب البيِّنة الأكثر هو المنكر والآخر هو المدّعي.

وحيث إنَّ المُنكِر هو من قوله مطابق للحجّة بالفعل، والمُدّعي من كان مخالفاً للحجّة بالفعل فلا بُدَّ من أنَّ نفترض البيِّنة الأكثر عدداً حُجَّة بالفعل، ولهذا كان اليمين على من كانت إلى جانبه، وهذا معناه أنَّ الأكثر عدداً هي الحُجّة والأقلّ ليست بحجّة. إذ لو كانا متكافئين في الحُجِّيّة، لا يكون اليمين يميناً على المنكر.

وأمَّا قوله: إنه لو كان البيِّنة الأكثر حُجَّة لم يحتج إلى يمين.

فجوابه: أنَّ الحُجِّيّة لها معنيان:

الأوَّل: الحُجِّيّة الطريقية التي تترتّب عليها الآثار عملاً.

الثاني: الحُجِّيّة الموضوعيَّة التي تكون مدركاً للقاضي في فصل الخصومة.

ونحن لا نريد أن نستفيد من الرواية النحو الثاني من الحُجِّيّة للبيِّنة، وإلّا لم نحتج إلى يمين، بل نستفيد النحو الأوَّل وهو حُجِّيَّتها في نفسها على القواعد الأوَّليّة، مع أنَّها لا توجب فصل الخصومة بل توجب تعيين المنكر من المدّعي، والحُجِّيّة بالمعنى الأوَّل تتناسب مع فرض اليمين؛ لأنَّه دائماً تكون الحُجّة على طبق قول المنكر.

ومعه فيثبت بذلك المطلوب وهو تقديم البيِّنة الأكثر عدداً.

ــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ويتلخّص ذلك في عدّة قياسات:

القياس الأول: صاحب البيِّنة الأكثر عدداً يجب اليمين عليه (بمقتضى الرواية)، وكلّ من يجب اليمين عليه فهو منكر، -بمقتضى الارتكاز والروايات- التي سنذكرها. إذن: فصاحب البيِّنة الأكثر عدداً مُنكِر.

القياس الثاني: وكلّ مُنكِر مطابق قوله للحجّة (بالارتكاز)، وهذا مُنكِر (بالقياس السابق) إذن مطابق للحُجَّة.

القياس الثالث: هذا قوله مطابق للحجّة (بالقياس السابق) وما طابق قوله هي البيِّنة الأكثر (على الفرض في الرواية) إذن فالبيِّنة الأكثر عدداً حُجَّة.

ولم يفرض شيء غير هذا بل قيل: أكثرهم بيّنة، سواء كان هو صاحب اليد أو الآخر.

التحقيق في المقام

ولكن الصحيح أنَّه لا يمكن الاستدلال بها لإثبات الحُجِّيّة بالمعنى المقصود؛ لأنَّ القدر المُتيقَّن منها هو خصوص مورد القضاء، والتعدّي منه إلى غيره يحتاج إلى أحد أمرين: إمَّا إطلاق لفظي أو ارتكاز.

والإطلاق غير موجود؛ لأنَّها واردة في مورد خاصٍّ.

وأمَّا الارتكاز فإذا كان قائماً على التقديم بزيادة العدد، فلا بأس، فإنَّه يكون قرينة على التعدِّي. ولكن عرفنا أنَّ هذا التقديم غير موجود، ولا يقاس هذا بأصل حُجِّيّة البيِّنة الذي يتعدّى فيه من مورد القضاء إلى غيره؛ لأنَّ أصل 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

() أقول: استدل السيد على اختصاص اليمين بالمنكر بما رواه الكليني بسنده عن جميل وهشام، عن أبي عبد الله، قال: قال رسول الله: “الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ”().

وهذا وإن خرج منه بعض الموارد فجعل اليمين على المدعي أحياناً واكتفى منه بشاهد ويمين في الديون بل في مطلق الحقوق الماليَّة، ولكن بحسب الأصل أنَّ اليمين وظيفة المُدَّعى عليه، فكل من يجب عليه اليمين فهو منكر، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

حُجِّيَّتها مركوزة بخلاف تقدُّمها مع التعدُّد والمعارضة.

ومعه فيقتصر فيه على مورده، ولا يمكن تقديم العدد الأكثر في باب الطهارة والنجاسة(1).

متى يستحكم التعارض بينهما؟ فإنَّهما تارةً يكون استنادهما إلى الوجدان، وأخرى إلى التعبُّد.

وتارةً أحدهما إلى الوجدان، والآخر إلى التعبُّد، والوجدان له مراتب والتعبُّد له مراتب. 

بحث صغروي: متى يستحكم التعارض بين البيِّنتين؟

بقي بحث واحد صغروي مهمّ: وهو أنَّ البيِّنتين متى يستحكم بينهما التعارض؟ ومتى يكون أحدهما حاكماً على الأخر؟ حَتَّى نطبق عليه قواعد التعارض السابقة، فإنَّ البيِّنة لها ثلاث صور:

الأولى: أن تكون إحداهما مستندة إلى الوجدان في مقام الشهادة. والأخرى مستندة إلى التعبُّد كاستصحاب النجاسة، والوجدان له مراتب والتعبُّد له مراتب.

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الثانية: أن يكون كِلاهما مستنداً إلى الوجدان.

الثالثة: أن يكون كِلاهما مستنداً إلى التعبُّد.

الجهة الأولى: في تقسيم البيِّنتين إلى عدة صور
الصورة الأولى: مدرك إحدى البيِّنتين الوجدان ومدرك الأخرى التعبُّد

وهو ما إذا كان مدرك إحدى البيِّنتين الوجدان ومدرك الأخرى هو التعبُّد، سواء عرفنا هذا المطلب من البيِّنتين نفسيهما أو من قرائن خارجية.

وهنا لا إشكال فقهياً وعملياً في تقديم بيِّنة الوجدان على بيِّنة التعبُّد، إلا أنَّ الكلام في تخريجه صناعياً وبيانه فنياً. وذلك أنه قد يتخيل أنَّ كِلا البيِّنتين فرد من دليل الحُجِّيّة، وكل منهما شهد بما ينافي ما شهد به الآخر. والمدرك لا يوجب خروج البيِّنة عن موضوع دليل البيِّنة، فلماذا يُقدَّم أحدهما على الآخر!

التخريج الصناعي في تقديم بيِّنة الوجدان على بيِّنة التعبُّد

ذكر السيد الاستاذ أنَّ تقدُّم البيِّنة المستندة إلى الوجدان، باعتبار كونها رافعة لمستند البيِّنة الاخرى وهو التعبُّد، فتبقى بلا مدرك، والبيِّنة بلا مدرك لا تكون حُجَّة في نفسها.

إذ من المعلوم أنَّ استصحاب النجاسة محكوم بقيام الأمارة على الطهارة، وهي البيِّنة الوجدانية التي هي حُجَّة في نفسها، فيسقط استصحاب النجاسة وتبقى البيِّنة المستندة إليه بلا مدرك فلا تكون حُجَّة.

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهذا هو الذي ذكره في المستمسك(1) بتعبير آخر، حيث قال: إن البيِّنة على الطهارة تكون موجبة لكشف بطلان مستند البيِّنة الأخرى، والبيِّنة التي ينكشف بطلان مستندها ساقطة عن الحُجِّيّة. فخلاصة ما قاله الأصحاب: هو أنَّ البيِّنة الوجدانيّة مُنفية، ومُعدِمة لمدرك البيِّنة الأخرى، فتكون متقدِّمة عليهما.

إلَّا أنَّ هذا -ما لم يصعّد- لا يكفي لتفسير التقدُّم؛ لأنَّ البيِّنة الدالة على الطهارة وجداناً:

فرض أنَّها في مرآى ومسمع من البيِّنة الشاهدة بالنجاسة، ويعتقد هذان بعدالة هذين. ففي مثل ذلك تسحب البيِّنة الثابتة شهادتها لوجود الحاكم، فلا يبقى إلا شهادة البيِّنة الدالة على الطهارة.

إلا أنَّ هذا خارج عن محلّ الكلام، فإنَّ الفرض هو أنَّ البيِّنة لا تزال مصرّة على شهادتها؛ إمَّا لأنَّها لم تسمع شهادة البيِّنة الأخرى. أو لأنَّها لا تعتقد بعدالتها، ولكنَّنا نعتقد بعدالتها.

فهنا يكون الوجه الذي قاله الآغايون في التقديم مبنياً على بحث هو: أنَّ دليل الأصل هل يكون محكوماً بالوجود الواقعي للأمارة، أو بالوجود الواصل لها؟ المعروف بينهم هو الثاني وعليه تبني مدرسة المحقِّق النائيني(2)

1- فإذا كانت الأمارة حاكمة بوجودها الواقعي على الاستصحاب، فإنَّ 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

(1) راجع: مستمسك العروة الوثقى 1: 210، كتاب الطهارة، فصل: ماء البئر، المسألة 7.

(2) لاحظ: فوائد الأصول (الكاظمي) 4: 591، 601، خاتمة الاستصحاب، الأمر الثالث: في وجه تقديم الأمارات على الأُصول العمليّة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

التقريب الذي قالوه؛ لأنَّ بيِّنة النجاسة مدركها استصحاب النجاسة، ونحن علمنا بوجود أمارة على الطهارة، وهي البيِّنة الأخرى، وهي وإن لم تصل إلى ذينك الشاهدين، إلا أنَّ الأمارة بوجودها الواقعي حاكمة على الاستصحاب، فيكون للتقريب الذي بيَّناه وجه صناعي؛ لأنَّ بيِّنة النجاسة مدركها استصحاب النجاسة، وقد علمنا ببطلانه، فأصبحت بلا مدرك، فلا تكون حُجَّة.

2- لكن إذا قلنا بالمعنى الثاني، وأن الحاكم على الأصل هو الأمارة الواصلة، حينئذٍ نقول: إن الاستصحاب ليس أصلاً عملياً واحداً، بل هو أحكام متعدِّدة بعدد المكلفين، فالبيِّنة الوجدانية وصلت لي، فهي حاكمة على الاستصحاب بالنسبة إليّ، ولكنها لم تصل إلى ذينك الشاهدين، لتكون حاكمة على الاستصحاب الجاري في حقّهما، فإنَّ سقوطه فرع وصولها إليهما، ولم يصل! فالاستصحاب جارٍ في حقّ البيِّنة التعبُّديَّة.

وحينئذٍ فنقول:

إن أردتم الأوَّل وهو سقوط الاستصحاب الجاري في حقّي، فهذا وإن كان صحيحاً إلا أنه ليس مدركاً للبيِّنة التعبُّديَّة. وإنَّما مدركها هو شمول خطاب الاستصحاب إليها.

وإن أدعيتم أنَّها حاكمة على الاستصحاب الجاري في حقّ البيِّنة الأخرى، فهذا خلف مبناكم في الأصول من أنَّ الأمارات ما لم تصل لا تكون حاكمة على الاستصحاب.

ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ومعه يكون الاستصحاب جارياً في ذينك الشاهدين فتكون البيِّنة التعبُّديَّة بمدرك وليست بلا مدرك.

التحقيق في المقام

إذن فلا بُدَّ من استئناف بحث في مقام بيان تقدُّم بيِّنة الوجدان على بيِّنة التعبّد.

وتفصيل الكلام في ذلك: أنَّ هناك كلاماً في الفقه في أنَّ البيِّنة التي تشهد استناداً إلى الأصل -بعد الفراغ عن جواز ذلك- هل تشهد بالواقع استناداً إلى الأصل ويكون الأصل بالنسبة إليه مدركاً وجهة تعليلية؟

أو تشهد بنفس التعبُّد أي بجريان الاستصحاب؟ وهذا معناه أنَّها تشهد بالنجاسة الاستصحابية الظاهرية لا النجاسة الواقعية.

وهذا معناه أنَّ الشهادة وجدانية بالنسبة إليها؛ لأنَّ التعبُّد وجداني بالنسبة إليه، فالشهادة تكون وجدانية: إمَّا على الحكم الواقعي أو الظاهري. ونحن نتكلّم على كِلا الاحتمالين. ثُمَّ نبيِّن ما هو الصحيح، ومِن ثَمَّ يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوَّل: بناءً على شهادة البيِّنة بالنجاسة التعبُّديَّة

أن نبني على الاحتمال الثاني، وهو أنَّ البيِّنة تشهد بالتعبد لا بالنجاسة الواقعية، وبالدقة لا تعارض أصلاً بين البينتين. فإنَّ البيِّنة التي تشهد بالاستصحاب إنَّما تشهد بركنيه صغروياً من أنَّ هذا الإناء كان نجساً ولا نعلم 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أنه أصبح طاهراً. وكِلا ركنيه لا يعارض مع مفاد بيِّنة الطهارة.

أما أنَّه كان نجساً فلا ينافي كونه طاهراً فعلاً.

وأمَّا كون ذينك الشاهدين لا يعلمان بالطهارة فعلاً، فهذان الشاهدان يقولان نحن نعلم بالطهارة فعلاً. إذن فلا معارضة ومعه تكون بيِّنة الطهارة حُجَّة ويثبت مدلولها(1).

المقام الثاني: بناء على شهادة البيِّنة بالنجاسة الواقعية

وأمَّا فيما إذا كانت تشهد البيِّنة بالواقع، مستندة إلى الأصل -لو قيل بجواز ذلك شرعاً تعبّداً-، فهنا تصبح كِلتا البيِّنتين دالَّتين على الواقع إحداهما مدركها الوجدان والآخر مدركها الاستصحاب. فما هو برهان تقدُّم البيِّنة الوجدانية؟

فنقول: بأنَّ حُجِّيّة البينة:

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() أقول: لم يبيِّن السيد أكثر من هذا المقدار، ولكن بعض الأخوان ذكر تقريباً لتقدُّم بيِّنة الطهارة، وحاصله: أنَّ بيِّنة التعبُّد بما أنَّها تشهد ضمناً بأنَّ هذا الإناء كان نجساً، أصبح عالماً تعبّداً بنجاسة الإناء سابقاً، فإذا لم تقم بيِّنة الطهارة أكون شاكاً وجداناً ببقاء تلك النجاسة وارتفاعها -على تقدير وجودها- فاستصحب. وحيث قامت بيِّنة الطهارة، فإنَّها تكون رافعة للشكّ الوجداني الذي كان عندي وقاطعة لهذا الاستصحاب الذي يجري في حقّي، ومعه تكون هي الحُجّة الفعليّة.

أقول: وهذا صحيح، إلا أنه متوقف على تقدُّم بيِّنة النجاسة، وأمَّا إذا تقدَّمت بيِّنة الطهارة فلا معنى لجريان هذا الاستصحاب، إلا على وجه تقديري لولا بيِّنة الطهارة.

فلا يبقى وجه لتقديمها إلا ما ذكره السيد الأستاذ، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تارة: تكون بنحو الموضوعيَّة والسببيَّة الصرفة، بحيث نحتمل أنَّ نفس إخبارها له دخل على وجه الموضوعية، بدون أن يكون فيها مزيد من الكشف، ومع ذلك يجب العمل على طبقها في نظر المولى كحكم الحاكم.

وأخرى: نفرض أنَّ المستظهر من دليل حُجِّيّة البيِّنة أنَّها حُجَّة من باب أنَّها طريق وكاشف عن الواقع.

فإن كان الثاني –كما هو الصحيح- فإنَّ المستظهر من تمام أدلَّة الحُجِّيّة هو الطريقية الصرفة، فهذا الدليل يشمل حُجِّيّة البيِّنة القائمة على الوجدان ولا يشمل الأخرى؛ لأنَّ غاية ما يدلّ عليه دليل الحُجِّيّة هو تنزيل السامع منزلة الشاهد، فيثبت المطلب عند السامع بالنحو الذي كان ثابتاً للشاهد.

والمفروض أنَّ ثبوت النجاسة عند البيِّنة المستندة إلى التعبُّد كان ثبوتاً معلّقاً لولائياً، بحيث يرتفع لو قامت الأمارة. فهذا الثبوت يكون عند المكلف السامع تنزيلاً بدليل الحُجِّيّة، لا الثبوت الأقوى من ذلك؛ لأنَّه خلاف الطريقية الصرفة.

وأمَّا لو بنينا على الموضوعيَّة فدليل الحُجِّيّة تكون نسبته إلى كِلتا البيِّنتين على حدّ واحد؛ لأنَّ كِلتيهما تشهد بالواقع، فيتعارضان ويتساقطان، ولا موجب لتقديم إحداهما على الأخرى.

إلا أنَّ الصحيح هو استفادة طريقية البيِّنة، فيكون الصحيح هو تقديم بيِّنة الوجدان، على كِلا المبنيين، سواء شهد بالتعبد أو بالواقع.

ــــــــــ[42]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الصورة الثانية: مدرك كِلتا البيِّنتين هو الوجدان

أن تكون كِلتا البيِّنتين مستندة إلى الوجدان. والمعروف بين الآغايون في مثل ذلك التساقط(1)؛ لأنَّ نسبة دليل الحُجِّيّة إلى كِليهما على حد واحد.

وهذا التساقط وإن كان صحيحاً في الجملة، لكن لا بُدَّ فيه من التفصيل.

وتوضيح ذلك يحتاج إلى مقدّمة وهي: أنَّ الوجدان الذي يستند اليه الشهود مقول بالتشكيك له مراتب وعرض عريض.

منها: ما إذا رأى الإنسان كلباً يلعق في إناء. أو رأى عدم وجود الكلب وانغلاق الباب بحيث لا يمكن دخوله إلى الغرفة.

ومنها: ما إذا رأى في الإناء لعاباً يعلم أنه لعاب الكلب بحسب خبرته السابقة وقال: إنَّه من البعيد أن يوجد حيوان لعابه كلعاب الكلب. وفي مقابله أن يرى الإناء نظيفاً خالياً من اللعاب مع بُعد أن يكون قد غسله أحد بعده.

ومنها: علم الإنسان بعدالة نفسه – لو كان عادلاً- من قبيل القسم الأوَّل، فإنَّه حسي، وعلمه بعدالة غيره من قبيل القسم الثاني، فإنَّه يكون بالآثار ومشاهدة السلوك كما كان الحال في لعاب الكلب.

وهذا الترتّب بين مراتب الوجدان، معناه أنه لو حصل لي الوجدان الأقوى والأعلى فإنَّه يحكم على الوجدان الأدنى. فلو حكم وجداني بأنَّ الكلب 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

(1) لاحظ: مستمسّك العروة الوثقى 1: 209، كتاب الطهارة، فصل: ماء البئر، المسألة 7، دليل العروة الوثقى 1: 154، كتاب الطهارة، فصل: ماء البئر، المسألة 7، فقه الشيعة 2: 81، كتاب الطهارة، فصل: ماء البئر، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

لم يأتِ لأنَّ الإناء نظيف، فإنَّ هذا الحكم لا يكون باقياً لو كنت شاهدت الكلب يلعقه.

وحينئذٍ فالبينتان اللتان استندتا إلى الوجدان، يمكن أن نفرض أنَّ إحداهما مستندة إلى الوجدان الأقوى، والأخرى مستندة إلى الوجدان الأضعف.

كما لو كانت إحداهما تشهد بعدالة زيد؛ لأجل حسن الظاهر الناتج من المعاشرة في سفرة، بحيث حصل لها القطع بعدالته، والأخرى تشهد على أنَّها رأته يشرب الخمر سراً في تلك السفرة بعينها.

وكما لو شهدت إحدى البيِّنتين بالطهارة نتيجة لمشاهدتها الإناء نظيفاً من لعاب الكلب وشهدت الأخرى بمشاهدتها للكلب لاعقاً الإناء. ونحو ذلك من الأمثلة.

فهنا حيث إنَّ المستفاد من دليل الحُجِّيّة هو الطريقية، وقلنا إنَّ معناها هو تنزيل السامع منزلة الشاهد. فقد أصبح السامع للبينتين منزلاً منزلة كِلا البيِّنتين وكِلا الوجدانين، فكأنّي عاشرت زيداً فوجدته حسن الظاهر ورأيته يشرب خمراً سراً، وكأني رأيت الإناء نظيفاً ورأيت الكلب يعلق فيه، فقد اجتمع كِلا الوجدانين تعبّداً عندي، وكل من اجتمع عنده الوجدانان يتقدَّم الثاني على الأوَّل.

وهذا بنفسه مطابق للعرف والعقلاء في المحاكم العقلائيَّة. فإنَّه إذا عُلم أنَّ بعض الشهود يستند إلى أمارات ضعيفة والآخرون يستندون إلى أمارات أقوى، فيقدَّم صاحبُ الأمارة الأقوى.

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وأمَّا إذا كان الوجدانان في مرتبة واحدة، أو كانت البينتان غير معللتين بل اقتصرا على الشهادة بالنتيجة، فإنَّه يحكم بالتساقط.

الصورة الثالثة: مدرك كِلتا البيِّنتين هو التعبُّد 

وهو أن يفرض أنَّ كِلتا البيِّنتين مستندتان إلى التعبُّد، وفي هذه الصورة فرضتيان:

الأولى: أنَّ إحدى البيِّنتين تستند إلى الاستصحاب للنجاسة، والأخرى إلى أصالة الطهارة.

الثانية: أنَّ كِلتيهما تستند إلى الاستصحاب.

الفرضية الأولى: استناد أحدهما إلى الاستصحاب، والأخرى إلى أصالة الطهارة

وهو ما إذا كانت بيِّنة النجاسة تستند إلى الاستصحاب، والأخرى إلى أصالة الطهارة، فالنسبة تكون بينهما كنسبة بيِّنة التعبُّد إلى بيِّنة الوجدان في الصورة الأولى، ويأتي فيها نفس ما حققناه من وجه التقدُّم هناك(1).

وذلك أنَّنا:

أ- تارة: نبني على المبنى الأوَّل وهو أنَّ شهادة بيِّنة التعبُّد تتعلق بنفس التعبُّد. فبيِّنة النجاسة تشهد بجريان الاستصحاب وبيِّنة الطهارة تشهد بجريان أصالة الطهارة.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) راجع: (الصورة الأولى)، ص: 14.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهذا لو حلّلناه نستنتج أنه لا معارضة بينهما أصلاً. فإنَّ معنى الشهادة بأصالة الطهارة هو الشهادة بصغراها، يعني أني لا أعلم بالنجاسة لا سابقاً ولا لاحقاً. ومعنى الشهادة بالاستصحاب: إني أعلم بالنجاسة في السابق ولا أعرف ارتفاعها. ومن المعلوم أنه لا تعارض بين أعلم ولا أعلم، فتتقدَّم بيِّنة الاستصحاب على بيِّنة أصالة الطهارة(1).

ب- وأخرى: إن بنينا على المبنى الثاني: وهو جواز الشهادة بالواقع استناداً 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

() أقول: يمكن تقريب التقدُّم بما ذكرناه فيما سبق، وهو أنَّ بيِّنة النجاسة تدلّ باللازم على وجود النجاسة السابقة، فأصبح عالماً تعبّداً بالنجاسة السابقة، وشاكّاً وجداناً بارتفاعها، على تقدير حدوثها، فاستصحب. 

لكن يمكن أن يُقال في جوابه، وتقديم المبنى الذي بنى عليه السيد، في تقديم بيِّنة الاستصحاب تطبيقاً لكبرى عدم التعارض بين من يعلم ومن لا يعلم، إنَّ هذا المبنى: 

إن لم يكن تاماً فالمعارضة واقعة في الحالة السابقة أيضاً بين البينتين.

وإن كان تاماً رجع ما قلناه إليه، لتوقف ما قلناه على استقلال البيِّنة المثبتة للنجاسة السابقة بالحُجِّيّة دون الأخرى. أقول: هذا صحيح. إلا أنه لا يكفي في بيان تمامية بيان السيد إلى نهاية الشوط، إذ لا يثبت به إلا وجود النجاسة السابقة، وأمَّا الحكم الواقعي الحالي فلا تدلّ عليه كِلتا البيّنتين.

إذن فلا بُدَّ من ضمّ الشكّ بالارتفاع؛ إمَّا وجداناً، وإمَّا بجعل شكّ البيِّنة الدالّة على النجاسة حُجَّة على السامع. ومن المعلوم أنَّ الثاني لا دليل عليه، فيتعيَّن الأوَّل. ولعلّ هذا هو مراد السيد، وإن لم يصرّح به فعلاً، على ما سيأتي بعض ما يدلّ عليه، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إلى الأصل حَتَّى في مثل أصالة الطهارة من الأصول غير التنزيلية. ففي مثل ذلك يقع التعارض بين الشهادتين في الواقع. لكنَّنا نقدِّم بيِّنة الاستصحاب على بيِّنة أصالة الطهارة بنفس البيان المتقدِّم في ترجيح بيِّنة الوجدان على بيِّنة التعبد(1). حيث استظهرنا من دليل الحُجِّيّة للبيِّنة الطريقية الصرفة وتنزيل السامع منزلة الشاهد. فكأني قد اجتمع عندي كِلا التعبدين.

وكل من اجتمع عنده موضوع الاستصحاب مع موضوع أصالة الطهارة، فسوف يقدِّم الاستصحاب لا محالة. فإنَّه لا يمكن أن يثبت عندي أكثر ممَّا هو ثابت عند الشاهد ومن المعلوم أنَّ الثبوت عند بيِّنة الطهارة كان ثبوتاً لولائياً فيرتفع بالاستصحاب.

الفرضية الثانية: استناد مدرك كِلتا البيِّنتين إلى الاستصحاب 

أن تكون كِلتا البيِّنتين مستندتين إلى الاستصحاب فهنا التزم الآغايون بالتعارض بين البينتين؛ لأنَّهما على حد واحد ونسبة دليل الحُجِّيّة إليهما على السواء. فتقديم إحداهما بلا موجب والأخذ بكِليهما ممتنع، فيتساقطان(2).

والتحقيق هو التفصيل: فإنَّ هاتين البيِّنتين مرجعهما معاً بصغرى 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

(1) راجع: (التخريج الصناعي في تقديم بيِّنة الوجدان على بيِّنة التعبُّد، التحقيق في المقام). ص: 37.

(2) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى 1: 209، 210، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 7، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 1: 188، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 7، فقه الشيعة 2: 82، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الاستصحاب وهو اليقين بالحالة السابقة وعدم العلم بارتفاعها، فبينة الطهارة تقول: أعلم بطهارته سابقاً ولا أعلم بارتفاع الطهارة عنه لاحقاً وبينة النجاسة تقول: أعلم بنجاسته سابقاً ولا أعلم بارتفاع النجاسة عنه لاحقاً.

وحينئذٍ نفرض أنَّ الحالتين السابقتين ملحوظتان بلحاظ زمان واحد فيقع التعارض بينهما والتساقط. لكن هذه مؤونة زائدة لم تفرض في مفروض المسألة وهو أن يذكر البينتان تاريخ الحالة السابقة ووقت حدوثها.

ومن هنا نفترض أنَّ كِليهما مهمل من حيث التاريخ، فيكون حاصل ما تشهد به بيِّنة الطهارة: أنَّ هذا كان في زمانٍ طاهراً. وحاصل ما تشهد به بيِّنة النجاسة: أنَّ هذا كان في زمانٍ نجساً.

ولا تعارض بين هاتين البينتين، فيشملهما دليل الحُجِّيّة، واُنزّل منزلتهما فيحصل عندي -بالتعبد- حالتان متواردتان، فأنا إذا أجريت الاستصحابين تعارضا وتساقطا؛ لأنَّ كِلا الاستصحابين قد تمّت صغراه بدليل حُجِّيّة البيِّنة.

إذن فالتعارض ليس بين البيِّنتين كما عليه الأصحاب بل بين الاستصحابين، حيث لا تعارض بين البينتين، ويكون دليل الحُجِّيّة شاملاً لهما ويكون جريان الاستصحابين عندي في طول ذلك متعارضاً، وهذا هو الفرق العلمي بين دعوانا ودعوى الآغائيون.

وهذا المطلب ليس علمياً فقط بل هو بالدقة له أثر عملي، فيما إذا كان السامع له حالة سابقة بقطع النظر عن البينتين، وهو النجاسة مثلاً، فإن قلنا بأنَّ التعارض يقع بين البيِّنتين ولا يشملهما دليل الحُجِّيّة، فيتساقطان، ويرجع 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

السامع إلى استصحاب النجاسة الذي تمّ موضوعه في وجدانه.

وأمَّا بناء على مبنانا من أنَّه لا تعارض بين البيِّنتين ويشملهما دليل الحُجِّيّة معاً، فتثبت كِلتا الحالتين السابقتين، إحداهما بالوجدان مع تأييد إحدى البيِّنتين له وهو النجاسة، والأخرى بالتعبد. فيدخل المورد في باب توارد الحالتين، فيتعارض الاستصحابان ويتساقطان(1).

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() أقول: وقد وجهت إلى السيد الاستاذ عدة أسئلة، وحدثت عدة إشكالات:

منها: أنَّ الوجدان معلوم التاريخ بخلاف التعبُّد فإنَّه مجهول التاريخ على الفرض.

فأجاب: افرضوا أحد فرضين: إمَّا أنَّ الوجدان مجهول التاريخ أيضاً، وإمَّا أنَّه لا فرق بين المجهول والمعلوم في التساقط.

ومنها: أنه إذا أعربت إحدى البيِّنتين عن التاريخ دون الأخرى فماذا يكون الحال؟

فأجاب: بأنَّه يدخل في ذلك البحث فإن بنينا على التساقط مطلقاً حكمنا به هنا، وإلا قدَّمنا معلوم التاريخ على مجهوله.

ومنها: ما ذكرته أنا حيث قلت له: إن هذا من احتمال توارد الحالتين لا من باب إحراز ذلك لاحتمال التقارن أيضاً.

فأجاب: كأنك تتعبد بعنوان (التوارد) مع أنَّ هذا غير لازم فلو أمكن محالاً أن يعلم الفرد بحالتين سابقتين متقارنتين لجرى كِلا الاستصحابين. وهذا المقدار متحقّق في المقام.

فقلت له: وحيث إنَّ هذا مستحيل فأعلم بكذب إحدى البينتين، ما لم نستفد من دليل حُجِّيّة البيِّنة باعتبار اقتضائه صدقهما معاً أنهما غير متقارنين.

فأجاب: نعم، إلا أنَّ هذا لا دخل له في المطلب.

وقال أحد الأخوان: إن هذا يصبح من التعبُّد بأمرين يحتمل تنافيهما على بعض التقادير، ومثل هذا التعبُّد ممكن، لظهور الدليل به وعدم وصول التنافي. فإذا كان ممكناً كان موضوعاً لمسألة توارد الحالتين.

ومنها: ما عرضته على بعض الأخوان ولم أوفق لعرضه على السيد الاستاذ: وهو أنَّ هاتين البيِّنتين لا يزيدان على الوجدان بحالٍ. ومن المعلوم أنَّ توارد الحالتين موجود عند الملتفت في جميع الأشياء، ولا يكاد يتحقّق عدمه في شيء.

فقال: نعم، يظهر أثره فيما إذا كان له وجدان.

أقول: كَلا، فإنَّه إذا كان له وجدان استحال جعل الحُجِّيّة للبيِّنة الموافقة لوجدانه. وأمَّا البيِّنة الأخرى فلا تكون حُجَّة أيضاً على تقدير اتحاد الوقت. وإنَّما تنحصر الحُجِّيّة لها مع إهمال التاريخ واحتمال عدم التقارن. فيدخل المطلب في باب توارد الحالتين بعد ضمّ الوجدان إلى التعبُّد بهذا المعنى، ولا تكون البيِّنة الموافقة للوجدان حُجَّة وإن ظهر من عبارة السيد ذلك. إلا أنه يريد ما قلناه بكل تأكيد. ثُمَّ إنَّني عرضت ذلك على السيد الاستاذ، فأنكر وجود توارد الحالتين وجداناً دائماً، فإنَّه توجد حالات متيقنة التوقيت غالباً، ويشكّ بطروّ حالة جديدة. ولكنَّه اعترف بأنَّ البيِّنة المتفقة مع الوجدان ليست بحُجَّة، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الجهة الثانية: في صغريات الصور الثلاث للتعارض بين البينتين

بيَّنا ثلاث صور للتعارض بين البيِّنتين:

إحداهما: ما إذا كان كِلاهما مستندين إلى الوجدان.

والثانية: ما إذا كان كِلاهما مستندين إلى التعبُّد.

والثالثة: ما إذا كانت إحداهما مستندة إلى الوجدان والأخرى إلى التعبُّد.

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بعد هذا يقع الكلام في صغرى هذه الصور؛ لأنه:

تارة:

أولاً: لكِلا البيِّنتين ظهور في أنَّه وجداني بحسب ظاهر لسان الشهادة، أو من العلم الخارجي.

وثانياً: لكِلا البيِّنتين ظهور في أنَّهما تعبُّديان.

وثالثاً: ظهور أو علم بالاختلاف بينهما من هذه الجهة.

فهذه هي الصور التي تكلّمنا عنها، وينطبق عليها ما قلناه. 

وأخرى: لا يوجد علم ولا ظهور لكِلا البيّنتين في أنَّها مستندة إلى الوجدان أو إلى التعبُّد. وهذا بحث صغروي بالنسبة إلى تلك البحوث، فهنا يوجد ثلاثة شقوق:

الشقّ الأوَّل: أن يفرض أنَّ إحداهما ظاهرة في الوجدانية والاخرى مجملة أنَّها وجدانية أو تعبدية.

الشقّ الثاني: عكس ذلك أي إنّ الأولى ظاهرة في التعبُّديَّة والأخرى مجملة في أنَّها وجدانية أو تعبدية.

الشقّ الثالث: أن تكونا معاً مجملتين.

فيحتمل أن تكونا وجدانيتين أو تعبديتين أو مختلفتين.

الشقّ الأوَّل: ظهور إحداهما في الوجداني وإجمال الأخرى

وهو ما إذا فرضنا أنَّ البيِّنة الأولى كان ظاهرها الاستناد إلى الوجدان. والأخرى لا ندري أنَّها وجدانية أو مستندة إلى الاستصحاب، فهنا:

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أ- إن لاحظنا البيِّنة الثانية، فنقول: إنَّنا نعلم بوجود مزاحم لها إمَّا مماثل لها أو حاكم عليها.

– فإنَّها إن كانت وجدانيّة إذن فالأولى معارضة لها بنحو التكافؤ.

– وإن كانت تعبُّديّة فالأولى حاكمة عليها.

إذن فالثانية معلومة السقوط على كل حال.

ب- وأمَّا البيِّنة الأولى:

– فإن فُرض أنَّ الثانية وجدانيّة فهي معارضة.

– وإن فرض أنَّها تعبُّدية، فهذه الأولى غالبة عليها وحاكمة.

إذن فالمعارض لها لم يحرز.

ومن المعلوم أنَّ كل أمارة في نفسها حُجَّة ويشكّ في وجود المعارض لها فنبني على الحُجِّيّة، ولا نرفع اليد عن حُجِّيَّتها إلا إذا أحرز المعارض.

وهذا البيان -وهو الحُجِّيّة مع الشكّ في المعارض- له تقريبان:

التقريب الأوَّل: مشهوري يقول به المرزا ومدرسته وهو أنَّ المعارض إنَّما يكون معارضاً بوجوده الواصل لا بوجوده الواقعي، فإذا شكّ في وجود المعارض يقطع بعدمه؛ لأنَّ المعارض لم يصل.

التقريب الثاني: -وهو المختار- جريان استصحاب عدم المعارض، وبه ننقح موضوع حُجِّيّة الأمارة.

وفي المقام نقول: لم تكن قبل ساعة قد قامت بيِّنة وجدانية فالآن كما كان. 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ولا نريد أن نثبت كونها تعبدية ليكون مثبتاً. وإنَّما نجري الاستصحاب في مفاد ليس التامة.

إذن فحكم الشقّ الأوَّل هو تُعيّن الأخذ بالبيِّنة الوجدانية، والعمل على طبقها، مع سقوط الأخرى.

الشقّ الثاني: ظهور إحداهما في التعبُّديَّة وإجمال الأخرى

وهو عكس الأوَّل وهو أن تكون الأولى ظاهرة بالتعبد الاستصحابي والثانية مجملة لا يُعلم كونها مستندة إلى الاستصحاب أو الوجدان.

فالبيِّنة الأولى تشهد بحسب الحقيقة بالحالة السابقة. إذن فإثبات النجاسة أو الطهارة بها إنَّما يكون بتوسط دليل الاستصحاب، وإلا لما نفعت شهادتها.

ومعناه أنَّ الحكم الشرعي فعلاً ثبت بضمّ دليل الاستصحاب إلى دليل حُجِّيّة البيِّنة، لا أنَّ دليل حُجِّيّة البيِّنة وحده كافٍ في إثبات الحكم الشرعي. إذ غاية ما تثبته هي الحالة السابقة. ولكن من قال إنَّه يجب إبقاء الحالة السابقة إلا بدليل الاستصحاب.

وأمَّا البيِّنة الثانية: فإن كانت تعبدية فحالها حال الأولى من هذه الجهة.

وأمَّا إذا كانت وجدانية فإثبات الحكم بها يكون بدليل حُجِّيّة البيِّنة، بلا حاجة إلى ضمّ دليل حُجِّيّة الاستصحاب. إذن فهي إن كانت وجدانية كفى دليل حُجِّيَّتها.

وإن كانت تعبدية لزم ضمّ دليل الاستصحاب إليها.

ومن هنا قد يُتوهَّم جريان نفس البيان السابق؛ لأنَّ البيِّنة الثانية (المجملة) 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

معلومة الحُجِّيّة على كل حال: إمَّا بدليل حُجِّيّة البيِّنة. أو بضمّ دليل الاستصحاب، وقد شكّ في وجود المعارض والأصل عدمه؛ لأنَّ الثانية إن كانت وجدانية فلا تصلح الأولى للمعارضة وإن كانت تعبدية فتصلح الأولى لأن تكون معارضة لها، ولو من باب تعارض الاستصحابين.

إلا أنَّ الصحيح أنَّ ذاك البيان لا يجري وإن هناك فرقاً بين الشقّ الأوَّل والشق الثاني.

ففي الشقّ الأوَّل كانت بيِّنة الوجدان معينة في الخارج يشار إليها ويُقال إنَّها حُجَّة في نفسها بدليل حُجِّيّة البيِّنة ويشكّ بوجود المعارض لها، والأصل عدمه بأحد البيانين السابقين.

أما هنا فعندنا دليلان: دليل حُجِّيّة البيِّنة، ودليل حُجِّيّة الاستصحاب.

فنقول: إن ثبوت الحكم على طبق الثانية إن كان بدليل الاستصحاب فلها معارض جزماً وإن كان بدليل حُجِّيّة البيِّنة، فليس لها معارض جزماً.

فالأمر دائر بهذا النحو، وليس هناك بيِّنة معينة حُجَّة في نفسها بدليل معين، ليُقال إنَّ الأصل عدم المعارض. وهذا هو الفرق الموضوعي بين الشقين. فلا يلزم من جريان هذا البيان جريانه هنا. ومعه لا نعمل بكِلا البيِّنتين ولا نبني على تقدُّم البيِّنة المجملة.

الشقّ الثالث: إجمال كِلتا الجهتين

أن تكون كِلتا البيِّنتين مجملتين، ومعنى الإجمال في بيِّنة الطهارة هو الشهادة بجامع الطهارة الفعليّة والسابقة وفي بيِّنة النجاسة هو الشهادة بجامع النجاسة 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

كذلك. فالقدر المُتيقَّن من كِلتا الشهادتين ثبوت هذين الجامعين.

حينئذٍ نقول

يفرض أنه ليس للسامع حالة سابقة، فهو حينئذٍ لا يحرز التعارض بين البينتين؛ لأنَّ الدلالة على جامع الطهارة وجامع النجاسة لا تعارض بينهما، لإمكان وجودهما معا، وما لم يحرز التعارض لا تعارض بأحد البيانين السابقين، فتكون كِلتا البيِّنتين حُجَّة، فيثبت كِلا الجامعين.

وحينئذٍ يمكن أن يقال: إنَّه يدخل في باب توارد الحالتين بالنسبة إلى السامع، ويتحقّق عنده استصحابان متعارضان: استصحاب جامع الطهارة واستصحاب جامع النجاسة. فهل يجري هذان الاستصحابان ويتعارضان، أو لا يجريان في أنفسهما؟ يحتاج إلى بحث، وبحثه موكول إلى نكتة: هي أنَّنا هل نشترط في شمول دليل الاستصحاب عنوان الشكّ في البقاء أو لا؟

فإن اشترطنا ذلك فالبقاء هنا غير محرز؛ إذ لعلّ الطهارة والنجاسة المشهود بهما كِلتيهما متحقّق الآن، ولا يتصور الشكّ في البقاء، وإنَّما يتصور الشكّ في الحدوث فقط.

فلو بنينا على عدم جريان الاستصحابين، فإن كان للسامع حالة سابقة وجدانية جرى استصحابها وإلا رجع إلى أصالة الطهارة.

وإن بنينا على جريانهما. فإن كان له حالة سابقة وجدانية، فاستصحابها يعارض مع هذه الاستصحابات، وهذه هي النتيجة العملية بين المسلكين(1).

ــــــــــ[55]ــــــــــ

() أقول: سألته بقي هناك شقّ آخر وهو ما إذا كانت إحدى البيِّنتين محرزة الاستناد=

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

=إلى الاستصحاب والأخرى تعبدية يحتمل استنادها إلى الاستصحاب كما يحتمل استنادها إلى أصالة الطهارة. فهي يجري فيها التقريب في الشقّ الأوَّل في التعارض بين البيِّنة الوجدانية ومحتملة التعبد. 

فقال: نعم.

أقول: وفيما يلي ما يلقي ضوءاً على الموضوع، ويوضح وجهاً آخر للتقدُّم، وذلك أنَّ بعض الأخوان سأله: وهناك شقّ آخر وهو ما إذا كانت إحداهما محرزة الاستصحابية والأخرى مرددة بين الوجدان وأصالة الطهارة، فتكون على إحدى التقديرين حاكمة وعلى التقدير الآخر محكومة. 

فأجاب: كَلا، فإنَّ البيِّنة المستندة إلى أصالة الطهارة لا شهادة لها في الحقيقة، فوجودها كعدمها.

فقال الأخ: إذن نحتمل في هذه البيِّنة أن تكون لها شهادة وأن لا تكون، ومعه تتقدَّم البيِّنة الأخرى.

فقال: نعم.

وقال لي هذا الأخ: إنه بالنسبة إلى الشقّ الثاني في الإمكان أن يقال: إنَّ البيِّنة المجملة تدلّ على الجامع، فبضمّ بيِّنة الاستصحاب التي تدلّ على ثبوت الحالة السابقة، يثبت بلازم البيِّنة المجملة أنَّها تشهد بالحالة الحاضرة أي بتحصّص الجامع في الحصَّة المغايرة للأولى.

أقول: ولعلَّ معه حقاً بلحاظ أنَّ البيِّنة المجملة تشهد بالواقع الحاضر بحسب مدلولها اللفظي، فإثبات تحصيص الجامع عليها في ذلك ممَّا لا ينافيه، بل يؤيِّده ومعه فيكون العمل على طبق قول المجملة، وهذا بخلاف ما قاله السيد من التعارض والتساقط، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الجهة الثالثة: في جواز إقامة الشهادة استناداً إلى الأصل

 عن جواز إقامة الشهادة استناداً إلى الأصل، بمعنييه وهما: الإعراب عن التعبُّد تارة والإعراب عن الواقع أخرى. وإجمال الكلام في ذلك: 

إقامة الشهادة بمعنى الإعراب عن نفس التعبد

أن المعنى الأوَّل وهو الشهادة على نفس التعبد بحيث يكون المشهود به في مورد الاستصحاب هو نفس الحالة السابقة.

لا إشكال في صحة ذلك على القاعدة بلا حاجة إلى استئناف دليل على جوازه، فإنَّها شهادة بأمر وجداني لا تعبدي؛ لأنَّ الواقع وإن كان تعبُّدياً إلا أنَّ التعبُّد بالواقع وجداني، من دون فرق بين أن يكون في مقام الإخبار أو في مقام الشهادة. فللمكلف أن يُرتِّب الأثرَ على الإخبار، وللقاضي أن يُرتِّب الأثرَ على الشهادة.

إقامة الشهادة بمعنى الإعراب عن الواقع المشكوك استناداً إلى الاستصحاب

وأمَّا المعنى الثاني وهو الشهادة بنفس الواقع المشكوك استناداً إلى إجراء الاستصحاب، فهذا غير جائز على القاعدة، فإنَّ المستفاد من الأدلَّة عدم جواز القول بلا علم وهو يقتضي عدم جواز هذه الشهادة لأنَّه إخبار بدون علم. فنحتاج إلى دليل يوجب خروجنا عن ما هو مقتضى القاعدة.

ــــــــــ[57]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 وما يُتصوّر دليلاً للخروج عن مقتضى القاعدة أحد وجهين:

الوجه الأوَّل للخروج عن مقتضى القاعدة: دليل التنزيل

أن يقال: إن مقتضى القاعدة وإن كان هو عدم جواز القول بلا علم إلا أنَّ دليل حُجِّيّة الاستصحاب أو الأمارة ينزله منزلة العلم وقائماً مقام العلم في آثاره، فكما يترتّب على العلم الوجداني جواز الإخبار بمؤدَّاه، كذلك بالنسبة إلى الاستصحاب، بناء على ما هو المقرر في علم الأصول عندهم، من أنَّ دليل حُجِّيّة الأمارات والأصول المحرزة كالاستصحاب لسانه لسان جعل الطريقيَّة والكاشفيَّة(1)، فيكون عندهم وافياً بتنزيل ذلك منزلة القطع الطريقيّ والموضوعيّ معاً، فيترتّب ببركة دليل الحُجِّيّة تمام آثار القطع بقسميه، ومن جملة آثار القطع الموضوعي جواز الإخبار، فيكون دليل الحُجِّيّة حاكماً وموسعاً لموضوع الدليل الآخر.

والكلام في مبانيه الأصولية ليس هنا موضعه، فإنَّنا لا نقبلها، ولا نقبل أن يكون دليل الحُجِّيّة وافياً بلسان واحد بالقيام مقام القطع الطريقيّ والموضوعيّ معاً سواء كان أصلاً إحرازياً أو أمارة.

بل نقول: إن المتحصّل من دليل حُجِّيّة الأصل والأمارة قيامهما مقام 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) لاحظ: فوائد الأصول (للكاظمي) 3: 15، 22، المبحث الثالث: في قيام الطرق والأمارات والأصول بنفس أدلَّة اعتبارها مقام القطع بأقسامه، غاية المأمول 2: 51، قيام الأصول مقام القطع.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 القطع الطريقيّ دون الموضوعيّ. فالبحث في ذلك موكول إلى بحث الأصول(1).

إلا أنَّنا هنا نتكلّم على المبنى وفرضنا أنَّنا مشينا على مشرب المرزا الذي هو صاحب هذه المدعيات: من أنَّ دليل الحُجِّيّة لسانه لسان جعل الطريقية، وهو كافٍ وافٍ بتنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي.

فهل يتمّ المطلب في خصوص المقام؟ أو لا يتمّ في خصوص المقام، لنكتة يتميز بها المقام عن سائر موارد القطع الموضوعي(2)؟ والصحيح أنَّه توجد هنا مثل هذه النكتة، وهي: 

تارة: نلحظها بالإضافة إلى الشهادة أمام القاضي.

وأخرى: بالإضافة إلى الإخبار بها أمام الآخرين.

أما في الشهادة أمام القاضي: فهنا لا ينفعنا مسألة قيام الاستصحاب مقام 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 4: 69، 98، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث القطع، الجهة الثالثة: أقسام القطع ومدى قيام الأمارة مقامه.

( ) قال في الفوائد: “فظهر أنّ في قيام الطرق والأمارات والأصول مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة، لا يُحتاج إلى التماس دليلٍ آخر غير أدلَّة حُجِّيَّتها… وأمّا إذا لم يُؤخذ في موضوع أصلاً، وكان طريقاً عقليّاً محضاً، فقيامها مقامه أولى… وأمّا قيامها مقام القطع المأخوذ على جهة الصفتيّة، فلا يمكن…” فوائد الأصول (للكاظمي) 3: 15، 26، المبحث الثالث: في قيام الطرق والأمارات والأصول بنفس أدلَّة اعتبارها مقام القطع بأقسامه.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

القطع الموضوعي. وذلك: لأنَّ الشهادة عند القاضي ليست عبارة عن مطلق الإخبار بشيء، ولو كان عن حدسٍ أو اجتهادٍ أو برهانٍ رياضيّ؛ لأنَّ الشهادة مستبطنة لمعنى الحضور والحسِّيّة، فمرجعها إلى الإخبار الحسِّيّ. ومن المعلوم أنَّ دليل الحُجِّيّة بناء على مباني الطريقية ينزل الاستصحاب منزلة العلم لا منزلة العلم الحسِّيّ، وثبوت العلم المطلق لا يكفي في الشهادة.

وأمَّا بالنسبة إلى عنوان الإخبار، الذي لا إشكال أنَّ موضوعه مطلق العلم، لا خصوص العلم الحسِّيّ، فالإشكال السابق لا يأتي.

ولكن يأتي إشكال آخر خاصّ بالاستصحاب، وحاصله: أنَّ هناك كلاماً في ما هو الحرام؟ هل هو الإخبار بلا علم ولو كان مطابقاً للواقع؟ أو هو الإخبار على خلاف الواقع؟

فإن تخيّل الفرد أنَّه يخبر عن الواقع:

فعلى المبنى الأوَّل: يكون معذوراً أمام الله عزّ وجلّ، وإن كان كلامه كذباً، كمن شرب الخمر متخيلّاً كونها خلاً.

والمشهور: بنوا على الثاني، وأن عنوان الكذب ينتزع من الإخبار على خلاف الواقع.

أمَّا لو لم يكن يعلم أنَّ زيداً طلق زوجته-مثلاً-:

فعلى المبنى الأوَّل: لا يجوز له الإخبار إثباتاً ولا نفياً؛ لأنَّ كُلاً منهما إخبار بلا علم، فيكون حراماً واقعاً.

وعلى المبنى المشهور: فأحدهما حرام وهو المخالف للواقع – لا كِلاهما-؛ ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

لأنَّ الواقع لا يخلو من أحدهما. غاية الأمر أنَّه يحصل له علم إجمالي بأنَّ أحد الإخبارين كاذب، فلو كان جامعاً لشرائط التنجيز، وجب على الفرد الاجتناب عن كِلا الإخبارين نفياً وإثباتاً.

فإن بنينا أنَّ الحرمة التشريعية موضوعها الإخبار بلا علم، إذن فقد تمّ مطلب المرزا هنا؛ لأنني ببركة دليل حُجِّيّة الاستصحاب أكون عالماً بأنَّ هذا طاهر، فإذا أخبرت بطهارته الواقعية فهو إخبار بعلم.

وأمَّا إذا بنينا على أنَّ موضوع الحرمة هو عنوان الكذب المنتزع من مخالفة الإخبار للواقع، فلا بُدَّ من إثبات كون الإخبار كذباً مخالفاً للواقع، واستصحاب الطهارة في الثوب لا يفي بإثبات عنوان الكذب للإخبار عن النجاسة -مثلاً- إلا بالملازمة العقلية والأصل المثبت؛ لأنَّه ليس من الآثار الشرعيَّة لارتفاع الطهارة أنَّ الإخبار بها كذب، بل هو عنوان انتزاعي تكويني عن ذلك فلا يكون الاستصحاب كافياً لإثباته.

نعم، تكفي الأمارة التي مثبتاتها حُجَّة في ذلك، فإنَّها تدلّ بالالتزام على أنَّ إخباري ببقاء الطهارة ليس كذباً.

فاتضح أنَّ دليل الحُجِّيّة لا يمكن أن يرفع يدنا عن مقتضى القاعدة الأولية. هذا تمام الكلام في الوجه الأوَّل.

الوجه الثاني للخروج عن مقتضى القاعدة: الروايات الخاصة

الذي يستدلّ به على الخروج عن مقتضى القاعدة: الروايات الخاصَّة التي استدلّ بها على ذلك.

ــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الرواية الأولى: رواية حفص بن غياث

عن أبي عبد الله قال: “قال له رجل: أَ رَأَيْتَ إِذَا رَأَيْتُ شَيْئاً فِي يَدَيْ رَجُلٍ: أَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ؟‏ قال: نَعَمْ. قال الرجل: أَشْهَدُ أَنَّهُ فِي يَدِهِ وَلَا أَشْهَدُ أَنَّهُ لَهُ، فَلَعَلَّهُ لِغَيْرِه‏، فقال أبو عبد الله: أَ فَيَحِلُّ الشِّرَاءُ مِنْه؟ قال: نَعَمْ، فقال أبو عبد الله: فَلَعَلَّهُ لِغَيْرِهِ، فَمِنْ أَيْنَ جَازَ لَكَ أَنْ تَشْتَرِيَهُ وَيَصِيرَ مِلْكاً لَكَ ثُمَّ تَقُولَ بَعْدَ الْمِلْكِ هُوَ لِي وَتَحْلِفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَنْسُبَهُ إِلَى مَنْ صَارَ مِلْكُهُ مِنْ قِبَلِهِ إِلَيْكَ، ثُمَّ قال أبو عبد الله: لَوْ لَمْ يَجُزْ هَذَا لَمْ يَقُمْ لِلْمُسْلِمِينَ سُوقٌ”(1).

استدلّوا بها على جواز الشهادة استناداً إلى التعبُّد، لدلالتها على جواز الاستناد إلى قاعدة اليد وهي دليل تعبدي(2).

ولكن الالتفات إلى تمام نكات الرواية يستدعي عدم التسليم بهذا الاستدلال، وتوضيحه: أنَّ الراوي فرض مصبَّين للشهادة: أحدهما لم يستشكل فيه، بل فرغ عن صحَّته. والآخر استشكل فيه، وسأل الإمام عنه، فأجابه الإمام 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 387، كتاب الشهادات، باب بدون عنوان، الحديث 1، تهذيب الأحكام 6:262، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، البيّنات، الحديث 100، وسائل الشيعة 27: 292، كتاب القضاء، الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 2.

(2) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى 1: 212، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة7، مصباح الهدى في شرح العروة والوثقى 1: 189، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 7، فقه الشيعة 2: 74، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بالجواز، وردَّ استغرابه بإفحامه بالملازمة بين جواز الشراء وجواز الشهادة. وفي تحديد هذين المصبَّين احتمالان:

الاحتمال الأوَّل: أن يكون المصبُّ المسلّم عند السائل، هو أن تنصبَّ الشهادة على الحكم الظاهري والتعبُّد، أي الشهادة بأنَّه مالك ظاهر استناداً إلى قاعدة اليد.

والمصبُّ الثاني المسؤول عنه: هو أن يسأل عن الملكية الواقعيّة، وأنّه هل يجوز الشهادة بها استناداً إلى قاعدة اليد أو لا؟

فيكون الفرق بين المصبَّين هو الفرق بين الحكم الظاهري والواقعي.

لو كان هذا الاحتمال صحيحاً يتمّ الاستدلال؛ لأنَّ الإمام أثبت له جواز الشهادة على المصبِّ الثاني، وهو الشهادة بالملكية الواقعية المشكوكة استناداً إلى التعبُّد.

الاحتمال الثاني: أن يكون المصبُّ المفروغ عن صحَّته هو الشهادة بالموضوع عن كونه صاحب يد، بحسب ما رأته عيناه من أنَّ هذا الكتاب تحت يده. والمصبُّ الذي وقع محلاًّ للكلام بينه وبين الإمام هو الشهادة بأنَّه ملك له؛ لأنَّ السائل لم يكن يرى مُحصّلاً للملكية إلا الملكية الواقعية فاستشكل بالشهادة بها.

فيكون الفرق بين المصبَّين هو الفرق بين الموضوع والحكم بعد أن لم يكن السائل أصولياً يُفرّق بين الحكم الظاهري والواقعي.

وبناءً على هذا الاحتمال الثاني لا يتمّ الاستدلال بالرواية لأنَّ غاية ما 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يستفاد من جواب الإمام أنَّه تجوز الشهادة بالملكية إمَّا أنَّ المراد بها هو خصوص الملكية الواقعية فهو غير مبيّن. والملكية أعم من الظاهرية والواقعية، ولم يكن السائل على مستوى التمييز بينهما.

وهنا نقول: إنَّه يوجد عندنا قرينتان على تعيين الاحتمال الثاني في مقابل الاحتمال الأوَّل، فلا يتمّ الاستدلال:

القرينة الأولى: استدلال الإمام في مقام إفهام السائل بالملازمة بين جواز الشراء وجواز الشهادة، ومن المعلوم أنَّه لو كان المراد جواز الشهادة بالملكية الواقعية فلا يوجد أيّ ملازمة عرفية بين المطلبين، بحيث تكون إفهاماً عرفياً للسائل. فإنَّه لا ملازمة عرفية بين أن يجوز الشراء من صاحب اليد، وبين جواز الشهادة بالملكية الواقعية؛ لأنَّ الشراء مبني على الظاهر، والشهادة منصبَّة على الواقع.

وهذا بخلاف ما لو كان المراد الاحتمال الثاني، وهو الشهادة بجامع الملكية؛ لأنَّه لو لم يكن هناك ملكية ولو ظاهراً لم يجزْ أن تشتري منه، فالشراء الذي لا شكّ في جوازه ملازم مع ثبوت ملكيته ولو ظاهراً.

ومعه فتكون الشهادة على الملكيّة جائزة، ومعه فيكون الإمام قد استند إلى ملازمة عرفيّة واضحة عند السائل.

وأمَّا على الأوَّل فالملازمة تعبُّديّة غير عرفيّة.

القرينة الثانية: قوله: “لَوْ لَمْ يَجُزْ هَذَا لَمْ يَقُمْ لِلْمُسْلِمِينَ سُوقٌ”؛ فإنَّه لو كان المراد به الملكية الواقعية لم يصدق ذلك فإنَّ الملكية الظاهرية كافية لقيام 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

السوق. وإنَّما تتعطل الأسواق فيما إذا استشكلنا في أصل الملكية، كما هو منشأ إشكال السائل.

إذن فالرواية لا تدلّ على جواز الشهادة بالملكية الواقعة استناداً إلى قاعدة اليد.

مضافاً إلى أنَّها غير نقية سنداً فإنَّه وقع في طريق الكليني القاسم بن يحيى(1) وفي طريق الصدوق القاسم بن محمد، وكِلاهما ممن لم يثبت توثيقه.

الرواية الثانية: رواية معاوية بن وهب 

قال: “قلت لأبي عبد الله: الرَّجُلُ يَكُونُ فِي دَارِهِ ثُمَّ يَغِيبُ عَنْهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً وَيَدَعُ فِيهَا عِيَالَهُ، ثُمَّ يَأْتِينَا هَلَاكُهُ وَنَحْنُ لَا نَدْرِي مَا أَحْدَثَ فِي دَارِهِ، وَلَا نَدْرِي مَا حَدَثَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ، إِلَّا أَنَّا لَا نَعْلَمُ نَحْنُ أَنَّهُ أَحْدَثَ فِي دَارِهِ شَيْئاً وَلَا حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَا يُقْسَمُ هَذِهِ الدَّارُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الَّذِينَ تَرَكَ فِي الدَّارِ حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَا عَدْلٍ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثاً بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، أَ فَنَشْهَدُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ”(2).

ــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) لاحظ: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 316، باب القاف، الرقم: 866، كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 436، باب القاف، الرقم: 6245، باب مَن لم يروِ عن واحد من الأئمّة، معجم رجال الحديث 15: 68، باب القاف، الرقم: 9589. 

(2)باب 17، من أبوب كتاب الشهادات من الوسائل، (المقرر). الكافي 7: 387، كتاب الشهادات، باب بدون عنوان، الحديث 4، تهذيب الأحكام 6:262، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91 البيّنات، الحديث 103، وسائل الشيعة 27: 336، كتاب الشهادات، الباب 17، باب جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك…، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يُستدلّ بها(1) على جواز الشهادة استناداً إلى التعبد؛ لأنَّ مفادها في مفروض الرواية ليس وجدانياً بل مشكوكاً.

وتحقيق الحال في ذلك أنَّنا: 

تارة نبني على أنَّ متعلق الشهادة لا يوجد فيه تعبُّد على وفقه.

وأخرى: نفترض وجود أصل تكون الشهادة على طبقه. فهنا فرضيتان:

الفرضية الأولى: أنَّ الشهادة ليست مستندة إلى التعبد؛ لأنَّه لا يوجد عندنا تعبُّد يقتضي هذا المطلب؛ لأنَّ ما يكون تعبّداً هو أحد أمور ثلاثة:

– إمَّا الاستصحاب؛ أي استصحاب عدم الوارث.

– أو قاعدة اليد.

– أو قاعدة أنَّ عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود.

نبدأ بمناقشة هذه القواعد من الآخر:

ــــــــــ[66]ــــــــــ

(1) لاحظ: مستند الشيعة 18: 351، كتاب القضاء والشهادات، المقصد الثاني: في الشهادات، الفصل الثاني: في بيان مستند الشاهد، المسألة 7، كتاب القضاء والشهادات (الأنصاري): 271-272، الشهادة مع العلم القطعي، مناط الشهادة في ما يتعذّر العلم، مستمسك العروة الوثقى 1: 212، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 7، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 1: 189، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أ- أمَّا القاعدة الثالثة: فهذه وإن كانت أمارة عقلائيَّة صحيحة وقد اكتفى بها الفقهاء في جملة من الموارد من كتاب القضاء(1)، إلا أنَّه ليس موردها في المقام؛ لأنَّ المفروض أنَّه انقطعت أخباره منذ ثلاثين سنة، فعدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود، وإنَّما أمارية ذلك خاصَّة بالشخص المعايش الذي له خبرة وممارسة، وقد اشترط الفقهاء ذلك في أماريتها، فعدم وجداننا زوجة لذلك الرجل لا يدلّ على عدم الوجود.

ب- وقاعدة اليد: أيضاً لا معنى لها:

أما أولاً: فلأنَّ يد هؤلاء كانت قبل موت الأب يد أمانة بلا إشكال، ونشكّ أنَّها تبدّلت إلى يد الملك أو لا. والمُحقَّق في محلِّه أنَّ اليد إنَّما تكون أمارة على الملكية، إذا لم يُعلم حالها السابق.

وثانياً: لو بني على جريانها فغاية ما تثبته أنَّ الدار ملك هؤلاء ولا تثبت عدم وجود وارث آخر، كما هو المطلوب معرفته من قبل القاضي.

ج- وأمَّا استصحاب عدم الوارث الآخر، فعلى وجهٍ يكون مثبتاً وعلى وجه لا يكون مثبتاً؛ لأنَّنا:

إذا بنينا أنَّ موضوع الحكم بملكية هذا الوارث مركَّب من جزأين، هو أن يكون ابن المرحوم، وأنه ليس للمرحوم ولد آخر، فيثبت الجزء الأوَّل بالوجدان، والآخر بالاستصحاب، ويتمّ الموضوع.

ــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) لاحظ: كتاب القضاء (الإشتياني) 1: 230، الكلام في أحكام الشاهد، اختلاف الشهود في الجرح، المقام الأوَّل.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وأمَّا إذا فرضنا أنَّ الملكية حكم شرعي مرتب على عنوان ذرية المرحوم، ولا ندري أنَّ ذريته واحد أو اثنين أو ثلاثة. فاستصحاب عدم الزائد لا يثبت انحصار الذرية بالأقلّ إلا بالملازمة العقلية.

إذن، فإذا أخذنا الوجه الذي لا يجري معه الاستصحاب فلا يوجد بحسب القواعد المعروفة تعبُّد على طبق الشهادة، ومعه فلا بُدَّ من تأويل هذه الرواية ولا يمكن الاستدلال بها على جواز الاستناد على الاستصحاب في الشهادة.

وأمَّا إذا قلنا بجريان الاستصحاب فيصير محلّ الكلام من مصاديق المسألة، ويمكن الاستدلال بها على المطلوب.

ولكن مع هذا يمكن أن يقال: إنَّ هذا الجواز لعلَّه بلحاظ نكتة فلا يمكن التعدي منه إلى غيره؛ لأنَّنا بعد أن فرضنا وجود استصحاب يحصر الورثة بهذا الولد فالحجّة الشرعيَّة قائمة على مالكية هؤلاء للدار ولا يحتاجون إلى بيِّنة على ذلك ولا معنى لمطالبة القاضي إياهم بالبيِّنة. فإنَّه إذا لم يوجد لهم مخاصم فالدار لهم وإذا كان هناك مخاصمة فهم منكرون، وذاك هو المدعي وهو المطالب بالبيِّنة دونهم. وعمل القاضي غير مطابق للموازين الشرعيَّة.

إذن فالشهادة في المقام من باب إيصال الحقّ إلى أهله، وهو ممَّا يجوز شرعاً ولو كذباً. وهذا لا يدلّ على جوازها في سائر الموارد التي لا تكون هذه النكتة متوفِّرة فيها.

بقي ذيل لرواية معاوية بن وهب وهي قوله: “الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْعَبْدُ 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وَالْأَمَةُ، فَيَقُولُ أَبَقَ غُلَامِي أَوْ أَبَقَتْ أَمَتِي فَيُؤْخَذُ بِالْبَلَدِ، فَيُكَلِّفُهُ الْقَاضِي البيِّنة أَنّ هَذَا غُلَامُ فُلَانٍ لَمْ يَبِعْهُ وَلَمْ يَهَبْهُ أَ فَنَشْهَدُ عَلَى هَذَا إِذَا كُلِّفْنَاهُ وَنَحْنُ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ أَحْدَثَ شَيْئاً؟ فقال: كُلُّ مَا غَابَ مِنْ‏ يَدِ الْمَرْءِ المُسْلِمِ غُلَامُهُ أَوْ أَمَتُهُ أَوْ غَابَ عَنْكَ لَمْ تَشْهَدْ بِهِ”(1).

وفي السؤال لا سند للشهادة إلا التعبُّد؛ لأنَّ الشاهد لا يعلم بالعدم وإنَّما يثبت ذلك بالاستصحاب. فإذا استفدنا من جواب الإمام جواز هذه الشهادة كانت الرواية دليلاً على المطلب.

هذه العبارة -يعني جواب الإمام- لا تخلو من إجمال إذ قد يقال: إن فيها احتمالين:

الاحتمال الأوَّل: أنَّ يكون الإمام في مقام النهي عن الشهادة بهذا اللسان. وهذه الجملة وإن كانت خبرية إلا أنَّ المراد بها إنشاء النهي كقوله: “إِذَا أَمْذَى فَلَا يُفْطِرُ”(2)، لم يعد الوضوء شأنه في ذلك شأن الأمر بالجملة الخبرية. ومعه تكون الرواية دالَّة على عكس المطلوب إذ تكون دالَّة على عدم جواز الشهادة استناداً إلى الاستصحاب. ومعه قد يحصل نحو من التهافت بين هذا الكلام وكلامه في المقطع السابق.

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 387، كتاب الشهادات، باب بدون عنوان، الحديث 4، وسائل الشيعة 27:336، كتاب القضاء، الباب 17، باب جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك …، الحديث 2.

(2) شرح فروع الکافي (المازندراني) 4: 101.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بها الاستنكار؛ إمَّا باعتبارها جملة خبرية، أو بتقدير أداة الاستفهام(1)، مثل قولنا: (كُلَّما دخل عليك العالم لم تقم له)، يعني: (قم له).

وبناء عليه تكون الرواية دالَّة على جواز الشهادة. فإن تمّ أحد الاحتمالين فهو وإلا فالإجمال أيضاً يكفي لإسقاط الاستدلال بالرواية، والاستدلال بها موقوف على قيام قرينة تُعيّن الاحتمال الثاني في مقابل الأوَّل.

ولكن الصحيح أنَّ القرينة موجودة وإن الفهم العرفيّ يستظهر الاستنكار. والقرينة على ذلك أمران:

الأمر الأوَّل: عطف قوله: (غاب عنها)، فإنَّ الظاهر بقرينة التقابل أنَّ المراد: (غاب عنك غلامك أو أمَتك). ومن المعلوم أنَّ السائل يعرف جواز الشهادة فيما إذا غاب عن الإنسان غلامه أنَّه يمكن أن يشهد أنَّه لم يقع بيع ولا هبة؛ لأنَّه يعرف ذلك وجداناً.

إذن فحشر هذا التعبير مع ذلك وسوقهما مساقاً واحداً، قرينة على أنَّ المراد هو الاستنكار لا النهي عن الشهادة.

الأمر الثانية: كلمة (المسلم)، فإنَّه لو كان المراد النهي عن الشهادة، لم يكن لذكر كلمة (المسلم) نكتة عرفية، بحيث إنَّه لا تجوز الشهادة للمسلم، ولكنها تجوز للكافر.

ــــــــــ[70]ــــــــــ

(1) لاحظ: كتاب القضاء والشهادات (الأنصاري): 273، الشهادة مع العلم القطعي، مناط الشهادة في ما يتعذّر فيه العلم.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

لكن إذا كان في مقام الاستنكار فتسجيل كلمة (مسلم) يؤكد عنصر الاستنكار؛ لأنَّ التوقف عن الشهادة يكون تضييعاً لحق مسلم فيكون أولى بالاستنكار. فيكون ذكر المسلم أنسب بسياق الاستنكار من سياق النفي.

ومعه يثبت للكلام ظهور في أنَّها جملة في مقام الاستنكار لا في مقام النهي، فهذا الإشكال غير صحيح، ومعه تكون الرواية –إلى الآن- دالَّة على جواز الشهادة.

وهنا أيضاً قد يقال: إن الإشكال الذي ذكرناه على المقطع الأوَّل من حيث كونه إجازة لشهادة الزور لاستنقاذ حقّ المسلم وارد هنا أيضاً لأنَّ المالك هنا أيضاً لا يحتاج إلى إقامة البيِّنة لأنَّه منكر وليس مدعياً، ومقتضى الاستصحاب أنَّه لم يبع ولم يهب. أمَّا لو اعترف الغلام فلا خصومة بل يدفع له بمقتضى القاعدة. ولو أنكر الغلام فيكون مدعياً ويكلف الغلام بالبيِّنة. لكن القاضي جهلاً كلف المالك البيِّنة. فقد رخص الشارع بالشهادة بالواقع. ومعه فلعلَّ جواز الشهادة من باب حُجِّيّة الشهادة بالتعبد مطلقاً، بل من باب جواز الشهادة الزور عند توقف إيصال المال إلى صاحبه عليها.

لكن الصحيح أنَّ هذا الإشكال لا يرد على هذا المقطع أيضاً؛ لأنَّ الإمام لو أفتى بالجواز وسكت لكان الإشكال وارداً. ولذا نسجّله على رواية أخرى، واردة في نفس المورد، هي رواية معاوية بن وهب، قال: “قلت لأبي عبد الله: الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ قَدْ عُرِفَ ذَلِك، فَيَقُولُ أَبَقَ غُلَامِي أَوْ أَمَتِي فَيُكَلِّفُونَهُ الْقُضَاةُ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ هَذَا غُلَامُهُ أَوْ أَمَتُهُ لَمْ يَبِعْ وَلَمْ يَهَبْ 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أَ نَشْهَدُ عَلَى هَذَا إِذَا كُلِّفْنَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ”(1). لكنَّه لا يرد على المقطع الثاني من روايتنا لأنَّ ظاهره استنكار عدم الشهادة بمعنى كونها على مقتضى الطبع لا أنَّه لنكتة إضافية ثانوية.

لكن مع هذا يرد على الاستدلال بهذه الرواية نكتة أخرى وهي: أنَّ المستظهر من هذه الرواية ولا أقلّ أنَّ المحتمل فيها أن يكون نظر السائل إلى مسألة الغيبوبة لا إلى مسألة عدم العلم. فإنَّنا لو نظرنا مع غض النظر عن الغيبوبة، لو ادعى الغلام أنَّ مولاه باعه أو أعتقه فهل يشهد به شخص آخر، أو لا؟ وهذه الجهة هي محلّ الكلام وهي محفوظة حَتَّى قبل الغيبوبة.

والجهة الثانية من الإشكال هي أنَّ السائل احتمل أنَّ انفصال الغلام عن سيده أمارة على حدوث بيع أو هبة أو عتق وإلا فمقتضى الطبع أن يبقى عند سيده، ومن هذه الناحية توقف عن أداء الشهادة.

فإن كان نظر السائل إلى الجهة الأولى يتمّ المطلب، وتجوز الشهادة استناداً إلى الاستصحاب.

وإن كان نظره إلى الجهة الثانية، فجواب الإمام لا يكون ناظراً إلاّ إلى بيان 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

() نفس الباب، (المقرر). الكافي 7: 387، كتاب الشهادات، باب بدون عنوان، الحديث 4، تهذيب الأحكام 6: 262، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، الحديث 103، وسائل الشيعة 27: 336، كتاب الشهادات، الباب 17، باب جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أنَّ مجرد غيبوبة الغلام لا يؤثّر شيئاً في المنع عن الشهادة، وأنَّ حال الشهادة بعد الغيبوبة حالها قبلها. وأمَّا الشهادة قبل الغيبوبة فما هي؟ وهل هي شهادة بالظاهر، أو بالواقع؟ فهذا ليس في مقام بيانه أصلاً.

ولا إشكال أنَّ الرواية ليس لها ظهور بالسؤال عن الجهة الأولى، إن لم ندعِ الظهور بالثاني، ولهذا استشكل السائل بعد فرض الغيبوبة وأجابه الإمام على نفس الفرض. فلا أقلّ من الاحتمال، فلا تكون هذه الرواية دليلاً على المطلب.

الرواية الثالثة: رواية معاوية بن وهب الأخرى

بقيت رواية واحدة هي أصحّها سنداً، وهي ما رواه الكليني بسنده عن محمّد بن أبي عمير عن معاوية بن وهب، قال: “قلت له: إِنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى يَسْأَلُنِي الشَّهَادَةَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَاتَ فُلَانٌ وَتَرَكَهَا مِيرَاثَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الَّذِي شَهِدْنَا لَهُ، فَقَالَ: اشْهَدْ بِمَا هُوَ عِلْمُكَ. قلت: إِنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى يُحْلِفُنَا الْغَمُوسَ، فقال: احْلِفْ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى عِلْمِكَ”(1).

لا بُدَّ أنَّ نعرف أولاً موقف ابن أبي ليلى حَتَّى نفهم مدلول الرواية. وكان هو من فقهاء العامة تولى القضاء أيام الإمام الصادق(2). وكان قد تميّز ــــــــــ[73]ــــــــــ

()نفس الباب، (المقرر). الكافي 7: 387، كتاب الشهادات، باب بدون عنوان، الحديث 2، وسائل الشيعة 27: 336، كتاب الشهادات، الباب 17، باب جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك، الحديث 1.

(2) لاحظ: معجم رجال الحديث 17: 228، باب الميم، الرقم 11066، موسوعة طبقات الفقهاء 1: 425، القسم الثاني في أصحاب الفتيا من التابعين، الإمام الخامس محمّد الباقر، المصدر نفسه 2: 507، الرقم 638.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بمذهب خاصّ في هذه المسألة غير ما هو المشهور عند فقهاء السنة.

فإن المعروف في الفقه السني أنَّ الشهادة لا تجوز إلا بعلم(1)، ويريدون به معاينة السبب أو تواتر نقله عن المعاينين، فإذا لم يحصل ذلك لا تجوز الشهادة.

قالوا: إنَّنا نخرج عن مقتضى القاعدة في موارد متعدِّدة كالنسب والإرث والنكاح والموت، فإنَّه يبنى فيها على كفاية ما يسمونه بـ(التسامع)، ويريدون به القرائن العرفيّة، التي تعطي الوثوق بالمطلب بلا معاينة ولا تواتر اصطلاحي، واستدلوا على ذلك بوجوهٍ، مرجعها أنَّ هذه الأمور ممَّا يتعذر فيها المعاينة والتواتر، فهذا ما اتفقوا عليه.

ثم اختلفوا اختلافاً يرجع إلى اللفظ دون المعنى، وهو أنَّه كيف يشهد الشاهد الذي حصل له الوثوق عن طريق القرائن؟ فقال المشهور إنَّه يقول: (أنا لا أعلم وارثاً غير من هو معروف).

وخالف في ذلك ابن أبي ليلى، وقال: لا يكفي ذلك، وإنَّما يحتاج إلى أنَّ الشاهد ينفي وجود وارث آخر؛ لأنَّ الشهادة إنَّما تصحّ على موضوع الحكم الشرعي، لا على شيء آخر.

وهذه الفتوى أوقعت بعض المتحرجين في حيص وبيص. فكيف يشهدون 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

(1) لاحظ: المبسوط (السرخسي) 16: 98، كتاب الشهادات، المحيط البرهاني 8: 291، كتاب الشهادات، الفصل الأوَّل: في بيان تحمّل الشهادة، الحاوي الكبير 17: 34، كتاب قاضٍ إلى قاضٍ، باب التحفُّظ في الشهادة بها.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أنَّه لا وارث مع أنَّهم غير معاينين للمطلب! 

وأحد مظاهر هذا الحيص والبيص موقف معاوية بن وهب، حيث طلب منه ابن أبي ليلى ذلك فقال له الإمام: “اِشْهَدْ بِمَا هُوَ عِلْمُكَ، فقال له معاوية: إن ابن أبي ليلى يكلفنا اليمين الغموس وهي الشديدة الأكيدة. فقال: احْلِفْ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى عِلْمِكَ”.

نرى أولاً ما هو موقفنا من هذا التسلسل الفقهي السني: نقول: بأنَّ الشهادة استناداً إلى هذه القرائن العرفية جائز على القاعدة لا أنَّها استثناء منها. فإنَّ القرائن قائمة على أساس العلم العرفيّ ولا يراد من الشاهد أكثر من ذلك. ولا يراد منه أن يكون حسّياً بالمعنى المادي للحس، بل الحضور العرفيّ المتفق على صحَّته. وهذا جائز على القاعدة لا خصوص النكاح والنسب والإرث. فالصيغة التي كان يطالب بها ابن أبي ليلى جائزة على القاعدة، وإنَّما وقع الناس من ناحية فتوى الفقهاء العامة بعدم الجواز.

ثم نأتي إلى الرواية فنقول: إن فيها احتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأوَّل: وهو الأظهر مبنياً على ما ذكرناه من تاريخ المسألة، أن يكون المراد من قوله: (اشهد بما هو علمك)، يعني: اشهد بذلك، فإنَّه علمك باعتبار أنَّ الشهادة على شيء لا يعتبر فيها أكثر من الاطمئنان فيه. فيصير كلامه رداً على الفتوى السنية السابقة على ابن أبي ليلى.

فأراد معاوية بن وهب أن يوضح للإمام، أنَّ القاضي لا يكتفي منها بذلك، بل يتطلب منهم اليمين الغموس، فكان جواب الإمام أوضح، 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

حيث قال: “احْلِفْ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى عِلْمِكَ”، يعني: (لأنّه على علمك)، مثل قوله تعالى: وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ(1)، يعني: لا تأكلوا أموالكم بينكم بشيء؛ لأنَّه باطل. فالتعليل قد يكون مستتراً في الكلام، وهذا الاحتمال هو الذي ينطبق على العبارة ومعه تكون أجنبية عن محلّ الكلام أساساً.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد من قوله: “اِشْهَدْ بِمَا هُوَ عِلْمُكَ”، (اشهد بمقدار ما تعلم). يعني: لا تشهد بعدم الوارث الواقعي، بل اشهد بعدم العلم بوجوده. فكأنَّه لا يرخص بالشهادة بأكثر ممَّا هو معلومه. وهذا لم يفد معاوية بن وهب لأنَّ ابن أبي ليلى لا يكتفي بهذا القدر، فراجعه فقال: “إن ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس. فقال: احْلِفْ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى عِلْمِكَ”، وذلك بأن نقول: 

إن المراد: أنَّ اختلاف العبارة لا يغير من المدلول العرفيّ فإنك حين تقول (ليس له وارث)، يعني: (لا أعلم له وارث)، إذ من البعيد أنك عاشرته وعلمت بحاله بالحس.

وبناء على هذا الاحتمال أيضاً تكون الرواية أجنبية عن محلّ الكلام.

الاحتمال الثالث: هو الاحتمال الذي يكون في صالح الأصوليين وهو أن يكون مرد قول السائل: (كيف أشهد بنفي الواقع مع أني لا أعلم؟)، فقال: (اشهد بنفي الواقع)؛ فإنك عالم باعتبار جريان الاستصحاب؛ لأنه منزل منزلة العلم. غاية الأمر أنَّه علم تعبُّدي لا علم عقلائي.

ومن المعلوم أنَّ هذا الاحتمال فيه عناية كبيرة وصرف الرواية إليه يحتاج إلى 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) البقرة: 188.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تكلف. وكيف يفهم السائل جواب الإمام، وهو لم يقرأ تقريرات النائيني!

إذن فالرواية خارجة عن محلّ الكلام ومعه لا يوجد في روايات الباب ما يوجب رفع اليد عن مقتضى القاعدة وهو عدم جواز الشهادة بالواقع استناداً إلى التعبد. إذن فالشهادة بالتعبد دائماً تكون شهادة بنفس التعبُّد وأركانه، لا بالواقع.

وبهذا تمّ الكلام في الصور الخمس لتعارض الأمارات، وبه تمّ الكلام عن ثلاث مسائل من مسائل المتن، إلا في فرع واحد وهو علم الوسواسي.

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 













علم الوسواسي بالطهارة والنجاسة

(مسألة: لا اعتبار بعلم الوسواسي) (1).

الوسواسي: هو الذي يتجه نفسياً اتجاهاً غير متعارف نحو جنبة التحميل والتثقيل عليه. حيث تصبح أقرب إلى خياله ووهمه فتؤثّر في عالم إحرازاته وانكشافاته، فيكون الأقرب إليه: النجاسة من الطهارة، والبطلان من الصحة، والفساد من النفوذ. وهي تؤدّي إلى إحدى مرتبتين مُتّرتبتين:

المرتبة الأولى: أنَّه لا يحصل له قطع بعدم التحميل في مورد يحصل القطع للشخص الاعتيادي، فيتمسك بالنجاسة تمسكاً خيالياً، ويعزّ عليه القطع بالطهارة.

المرتبة الثانية: أن يقطع بالنجاسة ولا يكتفي بالشك، فإنَّ علاقته الخياليّة بها تؤدّي إلى نحو من العلاقة الأكيدة الشديدة، التي تؤدّي حدّ القطع بوجودها في مورد يقطع الشخص الاعتيادي بعدمها.

ومن هنا يكون عندنا مسألتان: شكّ الوسواسي وقطعه، وإن كان المذكور في المتن هو قطعه دون شكه.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 151، كتاب الطهارة، فصلٌ: طرق ثبوت النجاسة، المسألة 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المسألة الأولى: في شكّ الوسواسي

وهو أن يفرض -مثلاً-: أنَّه غسل ثوبه، ومع ذلك يشكّ في طهارته، أو كُلَّما يقرأ في صلاته يشكّ في أنَّها صحيح، فيكرّر ويشكّ في الصحة أيضاً، وكُلَّما يكرر يبقى شكه على حاله. 

لا إشكال أنَّه لا يعتني بشكه، بمعنى أنَّه يفرض نفسه عالماً، كما لو كان هناك إنسان متعارف في مثل موضعه، فإنَّه يصبح عالماً بانتفاء جنبة التحميل، ولا يعتني باحتمالها.

وجوه تقريب الحكم بعدم الاعتناء بالشكّ

ويمكن تقريب هذا المُدَّعى بأحد ثلاثة وجوه:

الوجه الأوَّل: عدم جريان أصالة الإشتغال في المقام

إن المتراءى بدواً في هذه المسألة، هو لزوم الاعتناء بالشك، من باب أصالة الاشتغال، فإنَّه يعلم بالوجوب، ويشكّ في أنَّه امتثل أو لا، فيجب الفراغ اليقيني والمفروض أن يحصل.

لكن هنا يُدّعى: أنَّ أصالة الاشتغال غير جارية في المقام، لا لوجود تعبُّد حاكم عليها؛ بل لأنَّه لا مقتضى لها في نفسها. وذلك: لأنَّ أصالة الاشتغال القائلة: (الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)، إنَّما هو من شؤون حقّ الطاعة للمولى على العبد عقلاً وعقلائياً؛ إذ لولا ذلك لما جرت أصالة الاشتغال، ولجاز ترك الواجب المعلوم فضلاً عن المشكوك.

وهنا ندّعي أنَّ حقّ الطاعة المدرك ضيّق الدائرة من أوَّل الأمر، يعني: 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

للمولى على العبد حقّ أن يحرز امتثال تكليفه، بإحراز عقلائي لا بإحراز غير عقلائي، أي: بنحو يحرز العقلاء أنَّه قد امتثل.

فلو قال المولى لعبده: (اشترِ لحم غنم). فلا بُدَّ للعبد أن يحرز أنَّه اشترى لحم الغنم، لكن بنحو عقلائي، يعني يوفِّر من القرائن والدوال ما لو حصل عليها أي إنسان غيره لقطع أنَّه اشترى لحم غنم.

وأمَّا أنَّه لو كان وسواسياً، بحيث لو شهد عنده ألف شاهد بأنَّه لحم غنم، يبقى الاحتمال في ذهنه موجوداً، فإنَّه حقّ الطاعة لا يكون مقتضياً للفحص الزائد عن المقدار العقلائي.

وهذه الدعوى لا ينبغي التردُّد في صدقها بالنسبة إلى حقّ المولى العقلائيّ؛ لأنَّ حقّ الطاعة مجعول من قبل العقلاء، وهو إنَّما يجعلونه بمقدار الامتثال العقلائي.

نعم، لو تصدّى المولى العقلائيّ وأوجب إحراز امتثاله بنحو ولو غير عقلائيّ، أي بنحوٍ يحصل به اليقين. حينئذٍ يتوقف الإحراز العقلائيّ على أن يشتغل بالوسواس طول الوقت. وإلا فلا يلزم العبد أكثر من الامتثال العقلائيّ.

وصاحب هذا الوجه يسريه إلى المولى تعالى، من حيث إنَّ العقل الحاكم بوجوب طاعته، لا يرى أنَّ الفرد مقصّر بالامتثال لو أتى بما يراه العقلاء معه ممتثلاً، وإن كان يرى نفسه مقصراً؛ لأنَّ الإحراز إنَّما أصبح معتبراً باعتبار طريقيته للامتثال، والمفروض تحقّقه عقلائياً، وهذا معناه أنَّ حقّ الطاعة يتحقّق من أوَّل الأمر بهذا المقدار، فالمدار هو الإحراز العقلائيّ لا الإحراز الوسواسي. إذن فأصالة الاشتغال تكون ساقطة لعدم المقتضي.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الوجه الثاني: الترخيص بترك الاحتياط مستنداً إلى السيرة العقلائيَّة

نفرض أنَّ المولى له حقّ الطاعة، بمعنى حقّ أن يحرز العبد امتثاله بعقله ووهمه معاً. إذن فأصالة الاشتغال تكون جارية. لكن نقول بأنَّ الشارع اكتفى تعبّداً في إحراز الامتثال بالاحتمال، الذي يكون في قوّة الإحراز من غير الوسواسي، ورخّص بترك الاحتياط أكثر من هذا المقدار.

ومن المعلوم أنَّه يمكن أن ترتفع أصالة الاشتغال بترخيص المولى، فإنَّه لا ينبغي الشكّ في أنَّ السيرة العقلائيَّة في علاقات الموالي والعبيد قائمة على عدم معاتبة العبد الذي يأتي بامتثالٍ يكون الإحراز العقلائيّ له تامّاً وإن كان الإحراز الشخصي غير تام. ولو عاتبه المولى لعاتبه العقلاء عليه. والشارع لم يردع عن هذه السيرة، فيكون عدم الردع دليلاً على حُجِّيّة احتمال الوسواسي(1).

الوجه الثالث: الترخيص بترك الاحتياط مستنداً إلى الإخبار

أنَّنا لو تنزَّلنا عن الجواب الثاني، وفرضنا أنَّه لا يوجد سيرة عقلائيَّة، حينئذٍ ينحصر الطريق في الترخيص في ترك الاحتياط، بالدليل التعبُّدي وهو الأخبار، فينحصر بالتمسُّك بروايات كثير الشك، وأنه لا يعتنى بشكه(2)، وكثير الشكّ 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إن هذا نادر الوجود في الخارج، فكيف نتحقّق وجود السيرة العقلائيَّة!

فقال: لا نريد بالسيرة العمل المستمرّ، بل الإدراك العقلائي.

فقلت: يعود إلى الارتكاز.

فقال: نعم، كل السير تعود إليه، (المقرّر).

(2) لاحظ: الكافي 3: 385، كتاب الصلاة، باب من شكّ في صلاته كلّها ولم يدر زاد أم نقص، ومن كثر عليه السهو، الحديثان 2و3، تهذيب الأحكام 2: 188، كتاب الصلاة، الباب 10، أحكام السهو، الحديث 48، وسائل الشيعة 8: 226، كتاب الصلاة، الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الأحاديث 2 و3 و4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أهون من الوسواسي، فيكون شموله للوسواسي بالأولويَّة.

الفرق بين الوجوه الثلاثة

إلا أنَّ بين هذه الوجوه فروقاً هي:

الفرق الأول: في الاختصاص بمورد الصلاة ومقدّماتها

إنَّه لو كان المدرك منحصراً بالثالث وهو إخبار كثير الشك، فهناك كلام في أنَّ حكم كثير الشكّ هل هو مختصٌّ بالصلاة ومقدّماتها، كما هو مورد هذه الأخبار أو تشمل سائر الموارد بإلغاء الخصوصية؟

فإن بنينا على الاختصاص بالصلاة ومقدّماتها. فلا يمكن أن تثبت الأولويَّة للوسواسي إلا بمقدار موردها.

وإذا بنينا على إلغاء الخصوصية بقرائن عرفية سوف يأتي الكلام عنها في محلِّها كما هو الصحيح فستكون نتيجة هذا الوجه كنتيجة الوجهين السابقين وهو أنَّه لا يفرق بين مورد الصلاة وغيره بالنسبة إلى الوسواسي.

الفرق الثاني: في كونها حاكمة على الاستصحاب

إنَّنا لو بنينا على الوجه الثاني والثالث، فكما يكون هذان الوجهان حاكمين على أصالة الاشتغال، كذلك يحكمان على الاستصحاب الجاري في المقام. بينما 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أنَّنا إذا بنينا على الوجه الأوَّل فإنَّه لا يكون حاكماً على الاستصحاب وإن حكم على أصالة الاشتغال، فنحتاج فيه إلى ضمّ تتميم لكي نبطل إجراء الاستصحاب.

فإن الوسواسي الذي يشكّ في صدور القراءة الصحيحة منه يجري في حقّه أصلان:

أحدهما: أصالة الاشتغال.

والآخر: استصحاب بقاء الأمر، أو استصحاب عدم الاتيان بالمأمور به، وهذا الاستصحاب موافق مع مفاد الاشتغال. فإن كان المدرك هو الوجه الثالث وتمسَّكنا بأخبار كثير الشكّ فإنَّها تكون حاكمة على الاستصحاب.

وكذلك لو كان المدرك هو الوجه الثاني وهو السيرة الدالة على أنَّ احتمال الوسواسي منزل منزلة اليقين لغير الوسواسي. فيكون حاكماً على كِلا الأصلين. فإنَّه يكون من قبيل نقض اليقين باليقين.

وأمَّا إذا بنينا على الوجه الأوَّل وكان هو المدرك فقط، فهو حاكم على أصالة الاشتغال دون الاستصحاب؛ لأنَّ الاستصحاب بنفسه من قبل الشارع غير الأمر الأوَّل. فكأنَّه صدر أمر (صلِّ)، وصدر أمر آخر وهو: (أيها الوسواسي الشاك صلِّ). وهذا الأمر يثبت له بعد فرض شكه وتردُّده؛ لأنَّه يجري في حقّه الاستصحاب، وهو يقتضي امتثالاً آخر، ولهذا يحتاج إلى ضمّ ضميمة لكي نتخلَّص من دليل الاستصحاب.

وهو أن نقول: بأنَّ دليل الاستصحاب دلّ على أنَّ اليقين لا ينقض إلا 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

باليقين بالانتقاض. فهل اليقين بالانتقاض أخذ غاية بلحاظ كشفه العقلائي، أو من جهة ثبوته صفة في عالم النفس؟

فإن كان مأخوذاً بلحاظ كشفه العقلائي، فهذا متحقّق بنفس احتمال الوسواسي لأنَّهم لو التفتوا لكان لهم يقين بالانتقاض.

وأمَّا لو كان ثبوته بصفته صفة قائمة في النفس موجبة للبهجة والانبساط فهذا غير موجود.

والظاهر من دليل الاستصحاب هو الأوَّل.

الفرق الثالث: في إحراز كون شكه شكاً وسواسياً

أن الوسواسي كثيراً ما يحرز كونه وسواسياً بعد مقارنة حال نفسه بحال الآخرين. لكن في جملة من الموارد قد يشكّ ولا يدرك أنَّه شكّ بملاك كونه وسواسياً أو بملاك عقلائي، فإنَّه ليس كل شكّ يصدر منه شكاً وسواسياً، بل قد يصدر منه شكّ عقلائي غير وسواسي، فهنا يفيده الوجهان الأخيران دون الأوَّل.

فإنَّه إن كان مدرك المسألة هو الوجه الثالث وهو أخبار كثير الشك، فإنَّ موضوعها: (كثير الشك)، ومحمولها أنَّه (لا يعتني بشكّه). وهو يحرز انطباق الموضوع عليه فيشمله المحمول.

كما أنَّه إذا كان مدركنا السيرة فأيضاً الأمر كذلك لأنَّ السيرة في الحقيقة قائمة على مطلبين:

الأوَّل: أنَّ الشكّ الموسوس فيه ملغى.

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الثاني: أنَّ الأصل في احتمال الوسواسي أن يكون موسوساً فيه، إلا ما خرج بدليل. فنتمسك بالسيرة لإثبات هذا المطلب.

وأمَّا لو بقينا نحن والوجه الأوَّل، وهو قصور حقّ الطاعة إلا بمقدار الإحراز العقلائي، إذن فالوسواسي في كل مورد لا يدري بتحقّق الإحراز العقلائي، يكون شكه شبهة موضوعية لحق الطاعة فتجري أصالة الاشتغال.

وحيث إنَّ الوجوه الثلاثة كلها صحيحة فنحن نأخذ بما هو أحسن دائماً. فينتج أنَّ الوسواسي لا يعتنى بشكه بلا فرق بين مورد الصلاة وغيره، وسواء أحرز كون شكه شكاً وسواسياً أو لم يحرز. ويكون حاكماً على أصالة الاشتغال وأصالة البراءة أيضاً.

تنبيه في أقسام الاحتمال العقلائي

ثُمَّ إنَّه ينبغي التنبيه على نكتة وحاصلها: أنَّ الاحتمال غير العقلائيّ الذي يفرض تحقّقه من قبل الإنسان على قسمين:

القسم الأوَّل: الاحتمال الذي يكون بلحاظ المشكوك. بأن يكون تشبثه وتخوفه من جهة التحميل تؤدّي دائماً إلى أن يحتمل الشيء المخوف
– كالنجاسة- في مورد لا يحتمله فيه غيره.

وفي مثل هذا الفرد لا يُتصوّر أن يحتمل جهة الانفراج حيث لا يحتملها غيره، فيحتمل الطهارة حيث لا يحتملها غيره، بل هو يبطئ في احتمال الطهارة، وإنَّما يكون خلله إلى الجهة المخوفة خاصة.

القسم الثاني: وهو من كان من طبعه وسليقته بطء اليقين، فهو يتشبث 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

باحتمالات غير عقلائيَّة في مقام الاحتمال ونفي اليقين.

وهذا قد يُعمل سليقته في جانب النجاسة وقد يعمل سليقته في جانب الطهارة. فلو كان ثوبه طاهراً واحتمل النجاسة يبقى يحتملها مهما تكثَّرت القرائن.

وهذا حاله حال الأوَّل من حيث جريان الوجوه الثلاثة التي ذكرناها لإثبات عدم حُجِّيّة احتماله وشكّه. فإن الشكّ الناشئ من الاحتمالات الدقية التي يلغيها العقلاء، ولا أثر لها بالوجوه الثلاثة التي تقدَّمت.

المسألة الثانية: في قطع الوسواسي

وهذا الشخص: إمَّا أن نفرضه من القسم الأوَّل الذي ذكرناه في المسألة الأولى، وهو من يتشبث بجهة التحميل خيالاً، ولكنها تترسخ لديه حَتَّى يحصل القطع بها، مع أنَّ غيره لا يقطع بالنجاسة بل قد يقطع بالطهارة.

وقد يكون الوسواسي من القسم الثاني: أي كان سنخ شخصٍ يحصل له القطع بأيّ مناسبة، بتلفيقات لا دلالة عقلائيَّة لها. وهذا هو (القطّاع)، وهو قد يعمل سليقته بجانب الطهارة، وأخرى بجانب النجاسة.

وقد ذكر الآغائيون(1): أنَّ ما ذكره الماتن لا يمكن توجيهه، فإنَّه ذكر (لا 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

() لاحظ: تعليقة استدلاليّة على العروة الوثقى (العراقي): 26، كتاب الطهارة، فصلٌ: طرق ثبوت النجاسة، المسألة 1، مستمسك العروة الوثقى 1: 449، كتاب الطهارة، فصلٌ: طرق ثبوت النجاسة، المسألة 1، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 1: 450، كتاب الطهارة، فصلٌ: طرق ثبوت النجاسة، المسألة 1، دليل العروة الوثقى 2: 10، كتاب الطهارة، فصلٌ: طرق ثبوت النجاسة، المسألة 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

عبرة بعلم الوسواسي)، واعترضوا عليه بأنَّ ذلك منافٍ مع حُجِّيّة القطع، فإنَّها ذاتيَّة له بنحوٍ لا يمكن للفرد سلبها عنه، وردع القاطع عن العمل بقطعه. فيكون قطعه حُجَّة عليه على كل حال.

نعم، يمكن إزالة علمه موضوعاً بنصحه وإلفات نظره.

وتحقيق الكلام في ذلك يقع في عدة جهات:

الجهة الأولى: أنَّ هذا القطع من قبل الوسواسي هل يكون حُجَّة في نفسه بحكم العقل، أو لا؟

الجهة الثانية: أنَّه بعد ثبوت حُجِّيَّته بحكم العقل فهل يمكن أن يردع المولى عنه ويسقطه عن الحُجِّيّة، أو لا؟

الجهة الثالثة: أنَّه بعد الفراغ عن أنَّه حُجَّة في نفسه ولا يمكن إسقاطها، فهل يمكن أنَّ التوصل إلى نفس النتيجة، لكن بطريق آخر غير الردع؟

الجهة الأولى: هل قطع الوسواسي حُجَّة في نفسه بحكم العقل؟

الصحيح أنَّ القطع لو خلي مع حكم العقل لكان حُجَّة في مقام تنجيز النجاسة.

والوجه في ذلك أنَّ اليقين المأخوذ في موضوع حكم العقل بالمنجزية والمعذرية، وإن كان مأخوذاً باعتبار جنبة موصليته وطريقيته إلى الواقع. وهذا اليقين من الوسواسي ليس له موصلية إلى الواقع أصلاً، بل موصليته إليه أسوأ من أضعف الاحتمالات العقلائيَّة، إلا أنَّ نفس القاطع إذا التفت إلى نفسه فله حسابان:

ــــــــــ[87]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإنه قد يلتفت إلى طبعه الذي هو عليه فقد يعترف بأنَّه كثيراً ما يصدر منه قطع بلا ميزان.

ولكنه إذا التفت إلى شخص هذا القطع فهو لا يعترف أنَّه بلا ميزان ولا وجه، وإلا لزال قطعه لا محالة. فهو يرى قطعه منجزاً وتتمّ الحُجّة عليه بذلك. فلو صلّى في الثوب الذي يقطع بنجاسته كان خارجاً على طاعة المولى ومقتضى عبوديته. ويحكم العقل باستحقاق العقاب عليه، وهو معنى المنجزية.

الجهة الثانية: هل يمكن الردع من قبل المولى عن القطع المنجز؟

 إن القطع الذي كان منجزاً هل يمكن الردع عنه من قبل المولى أو لا؟ هذا فرع من فروع خلاف مبنائي بيننا وبين الآغايون في إمكان الردع عن القطع في بعض الأحيان(1)، فإنَّهم يرون أنَّ هذا الردع غير ممكن وإن استثناء قانون القطع مستحيل الصدور من قبل المولى.

وأمَّا نحن فنرى أنَّ الردع عن القطع أمر ممكن بنفس نكتة الردع عن الاحتمال وإمكان جعل الحكم الظاهري في مورده، مع أنَّه يحتمل أن يوقع في المفسدة ويفوت الغرض والمصلحة، طبقاً لشبهات ابن قبة، ولنا سير معين في الجواب على ذلك، ينتج إمكان الردع عن بعض مراتب القطع. إلا أنَّ الدخول في ذلك في المقام غير ممكن.

ــــــــــ[88]ــــــــــ

(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 4: 30، 34، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث القطع، الجهة الأولى.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإذا بني على ما ذهب إليه الآغايون من الاستحالة لا ينتهي الكلام إلى البحث الإثباتي، وإن الردع هل هو واقع، أو لا؟ وأمَّا إذا قلنا إنَّ المولى حين يرى أنَّ القطع يفوِّت عليه غرضه أكثر ممَّا يحفظه، فإنَّه يردع عنه، فيمكن أن يقع الكلام في البحث الإثباتيّ.

البحث الإثباتي بصحيحة عبد الله بن سنان

وأمَّا البحث الإثباتيّ في هذه الجهة وهو: أنَّ الردع -بعد ثبوت إمكانه- هل حصل من الشارع، أو لم يحصل؟

فالرواية الوحيدة التي يمكن الاستدلال بها هي صحيحة عبد الله بن سنان(1)، قال: “ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ رَجُلاً مُبْتَلًى بِالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَقُلْتُ: هُوَ رَجُلٌ عَاقِلٌ، فقال أبو عبد الله: وَأَيُّ عَقْلٍ لَهُ وَهُوَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ؟. فقلت له: وَكَيْفَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ؟ فقال: “سَلْهُ: هَذَا الَّذِي يَأْتِيهِ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ! فإنَّه يَقُولُ لَكَ: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ”(2).

تقريب الاستدلال بها على إسقاط حُجِّيّة قطع الوسواسي: أنَّ موضوع هذه الرواية هو عنوان الرجل المبتلى بالوضوء والصلاة، ونحن نعلم بقرائن الكلام أنَّ المراد هو الابتلاء الناشئ من الوسوسة، إلا أنَّه مطلق يشمل الابتلاء 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() باب 10 من أبواب مقدمات العبادات، (المقرر).

(2) الكافي 1: 12، كتاب العقل والجهل، الحديث 10، وسائل الشيعة 1: 63، أبواب مقدّمة العبادات…، الباب 10، باب عدم جواز الوسوسة في النيّة والعبادة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الناشئ من الوسوسة الموجبة للشكّ حين لا يشكّ العقلاء، والوسوسة الموجبة للقطع حين لا يقطع العقلاء.

فمقتضى ترك الاستفصال هو أنَّ الحكم مجعول في مطلق المبتلى، وقد حكم الإمام بما يدلّ على الردع عمَّا يستوجب ابتلاءه. وقال: هذا “من عمل الشيطان“.

ونحن وإن لم نستفد منها التحريم، لكن لا أقلّ من أنَّها تدلّ على عدم إلزامه بالعمل على طبق الوسوسة. فكما أنَّ الوسوسة الشكّية لا يعتنى بها ولا تكون مرجعاً كذلك الوسوسة القطعيّة. ونسبة الدليل إلى المشكّك والقاطع على حد واحد.

ومعه فيمكن للسيد الماتن أن يُدّعي التمسُّك بإطلاق هذه العبارة للنهي عن قطع الوسواسي.

وهذه الرواية بخلاف سائر روايات الباب من الوسواسي وكثير السهو. فإنَّها اُخذ فيها عنوان الشكّ والسهو والتردُّد ونحوه وهي تختصّ بخصوص الشكّ الوسواسي ولا يشمل اليقين الوسواسي، ولذا خصصنا الاستدلال بها.

مناقشة الاستدلال بهذه الرواية

إلا أنَّ الصحيح عدم إمكان التمسُّك بهذه الرواية وذلك لنقطتين:

ــــــــــ[90]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

النقطة الأولى: إن هذه الرواية تقول: “ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ رَجُلاً مُبْتَلًى بِالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَقُلْتُ: هُوَ رَجُلٌ عَاقِلٌ“، والإمام قال إنَّه يوجد بين الوصفين تنافٍ. وفي ذلك احتمالان:

الاحتمال الأوَّل: أن يكون قد ذكر السائل عنوان المبتلى أمام الإمام، وحينئذٍ فلا بأس بالتمسُّك بإطلاق الرواية بترك الاستفصال.

الاحتمال الثاني: أنَّه سمّى للإمام إنساناً في واقعه وسواسي ووصفه بأنَّه عاقل. والإمام حين يعرف من الخارج أنَّه وسواسي، قال: (كيف تقول إنَّه عاقل)!

وفي مثل ذلك لا يمكن التمسُّك بالإطلاق؛ لأنَّه لا يكون العنوان ملقى من قبل السائل حَتَّى نتمسَّك بترك الاستفصال. بل يظهر أنَّ الإمام كان مطلعاً على حال ذلك الرجل، ونحن لا ندري أنَّه مطلع على وضع كونه شكاكاً أو قطاعاً وسواسياً.

النقطة الثانية: أنه لو سلَّمنا أنَّ الرواية لها إطلاق، كما لو قال السائل: (الرجل المبتلى بالوسواس ماذا يعمل؟)، قال: (لا يعتني بوسواسه)، حينئذٍ تقع هذه الرواية طرفاً للمعارضة مع موثَّقة عمَّار بنحو العموم من وجه: عن أبي عبد الله: “فِي الرَّجُلِ يَكْثُرُ عَلَيْهِ الْوَهْمُ فِي الصَّلَاةِ فَيَشُكُّ فِي الرُّكُوعِ: فَلَا يَدْرِي أَرَكَعَ أَمْ لَا، وَ يَشُكُّ فِي السُّجُودِ: فَلَا يَدْرِي أَسَجَدَ أَمْ لَا، فقال: لَا يَسْجُدُ وَلَا يَرْكَعُ وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ يَقِيناً”(1).

توضيح المعارضة: أنَّ رواية ابن سنان تقول: المبتلى بالوسواس لا يعتني 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

() باب 17 من الخلل، (المقرر). الاستبصار 1: 362، كتاب الصلاة، الباب 211، الحديث 5، تهذيب الأحكام 2: 153، كتاب الصلاة، الباب9، الحديث 62، وسائل الشيعة 8: 229، كتاب الصلاة، الباب16من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

سواء كان وسواسه شكاً أو يقيناً. وموثَّقة عمَّار دلَّت أنَّه يعمل بيقينه سواء كان متعارفاً أو غير متعارف. فيتعارضان في محلِّ الاجتماع وهو اليقين الوسواسي، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى ما هو مقتضى القاعدة، وقد قلنا إنَّ مقتضاها هو حُجِّيّة قطع الوسواسي.

هذا تمام الكلام في المقام الإثباتيّ وبه ينتهي الكلام عن الجهة الثانية.

الجهة الثالثة: هل للشارع التوصل لنتيجة الردع بطريقة أخرى؟

إنه بعد فرض أنَّ يقين الوسواسي حُجَّة في نفسه، ولم يردع عنه، فهل يمكن للشارع أن يتوصل إلى نتيجة الردع بطريق آخر غير الردع، لو كان الردع مستحيلاً، أو لا يمكن؟

الطرق المتصورة في المقام ثلاثة:

الطريقة الأولى: تحويل القطع الطريقيّ إلى قطع موضوعي

أن يحوّل القطع بالنجاسة من قطع طريقيّ إلى قطع موضوعي، بأن يجعل الحكم الواقعي بالنجاسة منوطاً ومشروطاً بالعلم الناتج عن غير الطريق الوسوسي. فيتركب موضوع الحكم بالنجاسة من أمرين:

أحدهما الملاقاة. والآخر: العلم بها علماً متعارفاً غير وسواسي.

فمن حصل له العلم الوسواسي بالنجاسة، يحصل له القطع بعدم النجاسة، لعدم تحقّق موضوعها، وإن كان يعلم بالملاقاة لأنَّها جزء الموضوع.

والكلام في هذه الطريقية تارة يقع في إمكانها ثبوتاً وأخرى في وقوعها إثباتاً. 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

في إمكان هذه الطريقة ثبوتاً

أما إمكانها الثبوتي فقد يستشكل ويقال: بأنَّ الوسواسي كثيراً ما يلتفت أنَّه وسواسي وأنه كثير ما تصدر منه قطوع غير متعارفة. لكنَّه بالنسبة إلى كل قطع حين يكون متلبساً به ومباشراً له، لا يصدّق أنَّه قطع غير مناسب وإلا لزال منه القطع.

فإذا أخذ عدم القطع غير المناسب جزء الموضوع، فنسأل: أنَّ جزء الموضوع ما هو؟ 

إن كان هو القطع غير المناسب، فالوسواسي لا يصدّق بأنَّ قطعه غير مناسب، فيقطع بتمامية موضوع النجاسة؛ لقطعه بكون قطعه مناسباً.

وإذا كان الجزء الثاني عدم صدور القطع من الوسواسي، فهو وإن كان يصدّق أنَّه وسواسي، ويرى أنَّ قطعه (قطع من وسواسي)، فيتمّ الموضوع في نظره، إلا أنَّ هذا يكون منتجاً لغير المقصود؛ لأنَّ لازمه أن تسقط كل قطوعه عن الحُجِّيّة، حَتَّى لو كانت عقلائيَّة، وهذا ليس مقصوداً بلا إشكال.

وسنخ هذا الإشكال أورد على مسألة قطع القطّاع أيضاً، وقيل إن المولى لا يمكنه أن يأخذ في موضوع الحكم عدم كون القطع قطّاعياً أي بلا موجب؛ لأنَّ القطّاع لا يلتفت إلى أنَّ قطعه قد حصل بلا موجب.

إلا أنَّ الصحيح أنَّ هذا الإشكال غير تامّ؛ لأنَّه يوجد شقّ ثالث غير الشقّين المذكورين في الإشكال، بأن يكون الجزء الآخر للموضوع هو: (أن لا يكون القطع سنخ قطع يستهجنه العقلاء). وهذا يمكن للوسواسي أن يعترف به في شخص هذا القطع؛ لأنَّه يرى أنَّ العقلاء يضحكون، ولا يوافقونه على رأيه.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وحينئذٍ لا يلزم من ذلك إلغاء حُجِّيّة تمام قطوع الوسواسي، حَتَّى فيما إذا لم يكن قطعه مستهجناً عند العقلاء. وهذا الشقّ الثالث يرفع الإشكال الثبوتي، ويجعل هذه الطريقة معقولة ثبوتاً.

في وقوع هذه الطريقة إثباتاً

وأمَّا وقوع هذه الطريقة إثباتاً، فمقتضى الإطلاقات هو كون الملاقاة بوجودها الواقعي موضوعاً للحكم بالنجاسة، سواء حصل العلم أو لم يحصل، ولا ربط للعلم بها أصلاً.

وما يمكن أن يجعل صياغة فنية لدعوى قيام الدليل على هذا المطلب هو أن يُدّعى مجموع أمرين يضمّ أحدهما إلى الآخر:

الأمر الأوَّل: ما ذكره صاحب الحدائق(1) في قاعدة الطهارة، من أنَّه يستفاد من قوله: (كل شيء نظيف)، تخصيص الأحكام الواقعية بخصوص حالة العلم، فحكومته واقعية، وليس حكماً ظاهرياً وأصلاً عملياً.

الأمر الثاني: أنَّ العلم الذي أخذ قيداً في الدليل (حتى تعلم أنَّه قذر)، ينصرف إلى العلم المتعارف غير الوسواسي، ولا يراد به مطلق العلم.

فينتج من ضمّ الأمرين: أنَّ المولى أخذ عدم العلم الوسواسي في موضوع الحكم في النجاسة.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

(1) لاحظ: الحدائق الناضرة 1: 136، قاعدة الطهارة، المقدّمة الحادية عشرة: في جملةٍ من القواعد الشرعيّة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ولكنه غير تامّ؛ لأنَّنا بيَّنا فيما سبق(1) أنَّ دليل قاعدة الطهارة لا يفيد تقييداً لأدلة الأحكام الواقعية، بل مفاده حكم ظاهري فُرغ فيه عن وجود أدلَّة الأحكام الواقعية.

الطريقة الثانية: أخذ العلم المتعارف في موضوع ما نعية النجاسة

أن يفرض أنَّ النجاسة جعلت على الملاقاة الواقعية فيكون هذا الثوب نجساً في نظر الوسواسي. لكن نفرض أنَّ المانعيَّة وهو حكم وضعي مترتّب على النجاسة، أخذ في موضوعه العلم المتعارف بالنجاسة بأن قال: لا تصل في الثوب الذي تعلم علماً متعارفاً بنجاسته، وأمَّا الثوب الذي لا تعلم بنجاسته علماً متعارفاً فصلِّ فيه، وإن كان نجساً واقعاً. فيكون موضوع المانعيَّة مركَّباً من جزأين هما النجاسة والعلم المتعارف بها، ومعه فلا بأس بصحة صلاته.

في إمكان هذه الطريقة ثبوتاً ووقوعها إثباتاً

والكلام في ذلك إمَّا ثبوتيّ وإمَّا إثباتيّ:

أمَّا الثبوتيّ: فهو نفس الإشكال السابق مع جوابه.

وأمَّا من حيث الكلام الإثباتيّ: فتقريب هذا المطلب أصعب من الطريقة السابقة؛ إذ بعد فرض أنَّ النجاسة مطلقة، وموجودة بالفعل بمجرد الملاقاة، فكيف نلتزم أنَّه أخذ في موضوع دليل المانعيَّة عدم العلم الوسواسي!

ــــــــــ[95]ــــــــــ

(1) راجع: ج2 من هذه التقريرات، الفصل الخامس، الاستدلال على قاعدة الطهارة، الوجه الثاني، الجهة التاسعة: في كون قاعدة الطهارة حكماً واقعياً. ص: 239.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وغاية ما يمكن أن يُقال صورةً: بأنَّ مانعية النجاسة استفدناها من الروايات المتفرقة في الموارد المتفرقة، وكلها موارد عرفية عقلائيَّة وليس فيها موارد إصابة غير معقولة، فيُدّعى أنَّ دليل المانعيَّة ليس فيه إطلاق لفرض العلم غير المتعارف. ونحو ذلك أدلَّة الشرطية وحرمة شرب النجس.

إلا أنَّ هذا غير تامّ؛ لأنَّ جملة من الروايات وإن لم يكن لها إطلاق، إلا أنَّ جملة منها لا بأس من التمسُّك بإطلاقها، وتكون ظاهرة في تعليق الحكم على واقع الحدثية والخبثية وإن العلم غير مأخوذ فيها بوجه من الوجوه. فالطريقة الثانية وإن كانت معقولة إلا أنَّها غير ثابتة إثباتاً.

الطريقة الثالثة: تحريم الاعتناء بالوسوسة 

أن نتصور أنَّ قطع الوسواسي قطع طريقي، ولم يصبح موضوعياً كما في الوجهين السابقين، ولم يتصرّف فيه الشارع لا من جهة النجاسة ولا المانعيَّة، ولم يسقط عن الحُجِّيّة، ولكن المولى يحكم حكماً واقعياً بتحريم الاعتناء بالحالات الوسواسية غير المتعارفة. وحينئذٍ يجتمع على الوسواسي بحسب نظره حكمان واقعيان كِلاهما منجز عليه:

الحكم الأوَّل: وجوب الصلاة في الثوب غير النجس ومرجعه إلى عدم جواز الصلاة في هذا الثوب الذي علم بنجاسته.

الحكم الثاني: تحريم الاعتناء بحالة الوسوسة. وهو حكم منجز واصل.

وحينئذٍ فإن فرض أنَّه لم يكن له بطبعه داعٍ أن يصلِّي في هذا الثوب، بأن كان الثوب وسخاً فهو منصرف عن الصلاة فيه، حَتَّى لو كان طاهراً، فلا 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تزاحم بين الحكمين، فإنَّه إن صلّى في غير هذا الثوب، فقد امتثل خطاب (صلِّ) في غير النجس، ولم يعصِ خطاب النهي عن الاعتناء بالوسواس؛ لأنَّ انصرافه عن الثوب كان انصرافاً طبعياً، لا من باب الاعتناء بالوسواس.

وأمَّا إذا فرض أنَّ مقتضى الطبع هو أنَّه يصلّي في هذا الثوب، فيحصل تزاحم بين الحكمين الواقعيين الإلزاميين، فإنَّ مقتضى الخطاب الأوَّل هو عدم جواز الصلاة بهذا الثوب، ومقتضى الخطاب الثاني أنَّه لو نزعه لكان ملازماً مع الحرام، وهو الاعتناء بالوسوسة، ويكون من قبيل ما لو توقف إنقاذ الغريق على اجتياز الأرض المغصوبة، فهو إن بدَّل ثوبه أتى بالواجب وارتكب المحرَّم، وإن لم يبدِّل أطاع النهي وعصى الأمر.

ففي مقام الامتثال -بعد فرض أنَّ الحرام أهمّ من الواجب- نُعمل قوانين باب التزاحم في تقديم الأهمّ فيتقدَّم الحرامُ على الواجب، ومعناه أنَّه يحرم عليه أن يعتني بالوسواس، ويسقط عنه الصلاة في الثوب النجس. فلو لم يكن لدينا دليل من الخارج (أن الصلاة لا تسقط بحال)، لقلنا إنَّ الأمر بالصلاة ساقط أصلاً، ولكن حيث يوجد مثل هذا الدليل الخارجي فنلتزم بأنَّ الأمر بالصلاة التامَّة ساقط، وأمَّا الصلاة الناقصة -باعتقاده- فهو غير ساقط، أي إنَّ الأمر بالصلاة في هذا الثوب موجود.

في إمكان هذه الطريقة ثبوتاً ووقوعها إثباتاً

وهذه الطريقة معقولة ثبوتاً، وإنَّما الكلام فيها إثباتي، ويقع في أمرين:

أحدهما: هل دلّ دليل على حرمة الوسواس في نفسه، أو لا؟

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ثانيهما: أنَّه بعد فرض دلالته، فهل يشمل الوسواس القطعي أيضاً، أو يختصّ بالشكِّي؟

أما الأمر الأوَّل: وهو أنَّه هل هناك دليل على حرمة اعتناء الوسواسي بوسواسه، أو لا؟

ما يستدلّ به على ذلك صحيحة عبد الله بن سنان السابقة(1)، وتقريب الاستدلال بها يتكوّن من صغرى وكبرى:

فالصغرى: تثبت بهذه الرواية وهي: (أن الاعتناء بالوسوسة طاعة للشيطان).

والكبرى: تثبت بالضرورة، والآية، وهي: (أن طاعة الشيطان واتباع خطواته حرام). فيثبت على أنَّ الوسواس حرام.

إلا أنَّ هذا الكلام غير صحيح لأنَّ النواهي المتعلقة باتباع الشيطان لا بُدَّ من حملها على الإرشاد، دون المولوية ليستظهر منها الحرمة، بل حال النهي عن اتباع الشيطان حال الأمر باتباع الرحمن.. إرشاديّ.

وقد يقال: إن هناك فرقاً بين الأمرين، فإنَّ البرهان الذي اقتضى حمل الأمر بإطاعة الرحمن على الإرشاديّة، غير موجود في النهي عن طاعة الشيطان.

فإن الأمر بإطاعة الرحمن حيث إنَّه صادر من الرحمن نفسه فلا يمكن أن 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 12، كتاب العقل والجهل، الحديث 10، وسائل الشيعة 1: 63، أبواب مقدّمة العبادات…، الباب 10، باب عدم جواز الوسوسة في النيّة والعبادة، الحديث1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يكون مولوياً؛ لأنَّه لا معنى لأن يجعل المولى مولوية نفسه، فلزم حمل الأمر على الإرشاد إلى حكم العقل بوجوب الطاعة.

وهذا بخلاف النهي عن طاعة الشيطان فإنَّه يمكن أن يكون مولوياً كما لو نهى عن إطاعة زيد، فلماذا يحمل على الإرشاديّة؟

فإنه يقال: النكتة في ذلك أنَّ أوامر الشيطان وخطواته لا معرِّف لها في مقام الامتثال في ذهن المتشرعة إلا كونها مخالفة لإرشادات الله عز وجل وتعاليمه. وإلا فإنَّ الشيطان لا يُرى حساً حَتَّى نرى أنَّ هذا من خطواته أو لا، كما هو الحال في زيد بن أرقم الذي نعرف خطواته مستقلاً عن الشريعة، فيمكن حمل النهي بلحاظه على المولوية.

إذن فيرجع النهي عن الشيطان إلى النهي عن ترك طاعة الرحمن، والانصراف عن خطواته.

ومعه فيتعيَّن حمله على الإرشاديّة. ومعه لا يمكن أن نستفيد من هذه الرواية حرمة الاعتناء بالوسواس(1).

ــــــــــ[99]ــــــــــ

() قلت له وآخرون: إذا كانت طاعة الشيطان ملازمة مع مخالفة الشريعة، فهذه الرواية دلَّت على أنَّه يطيع الشيطان، فتدلّ على أنَّه كان عاصياً، ومعه تكون دالَّة على حرمة الوسواس.

فأجاب بما حاصله: أنَّ طاعة الشيطان لا تنحصر بمخالفة الأحكام الإلزامية، بل مخالفة مجموع التعاليم الإسلامية. ومعه لا تكون الرواية دالَّة على أكثر من جامع المرجوحية للوسواس المساوق مع الكراهة، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الأمر الثاني: أنَّه لو تمَّ الأمر الأوَّل وقلنا بحرمة الاعتناء بالوسواس، فهل يكون في دليلها إطلاق لفرض العلم أيضاً أو لا؟

الإنصاف أنَّه ليس فيها إطلاق من هذه الناحية، بقرينة أنَّ الإمام قال: “سَلْهُ: هَذَا الَّذِي يَأْتِيهِ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ هُوَ! فَإِنَّهُ يَقُولُ لَكَ: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ”.

مع العلم أنَّ القاطع حال قطعه لا يعترف أنَّ قطعه من الشيطان وأنه بلا موجب. وحيث إنَّ ذاك الشخص كان يعترف أنَّه من الشيطان، إذن نعرف أنَّه شاكّ لا قاطع.

فهذه الطريقة الثالثة وإن كانت ممكنة ثبوتاً إلا أنَّها غير تامّة إثباتاً.

إذن فقطع الوسواسي يكون مسجّلاً عليه.

هذا تمام الكلام في المسألة الثانية.

تنبيه: في شهادة الوسواسي

إن الوسواسي إذا قطع قطعاً وسواسياً، فشهد لغيره بالنجاسة، فهل تكون شهادته معتبرة، أو لا؟

من الواضح: أنَّه ينبغي أن يُقال بعدم اعتبار شهادته وعدم شمول أدلَّة حُجِّيّة خبر الواحد لها لأنَّها خارجة موضوعاً عن دليله، لأنَّه أخذ في موضوعها عنوان الثقة والوثاقة. وهي منتفية في الوسواسي.

توضيحه: أنَّ احتمال مخالفة الخبر للواقع نشأ من أحد جهتين: 

الأولى: احتمال تعمد الكذب من المخبر.

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الثانية: احتمال الخطأ في حسّه.

وكِلاهما ملغى بدليل حُجِّيّة خبر الواحد بملاك الوثاقة. بمعنى أنَّ احتمال تعمد الكذب مُلغى فيما إذا كان الفرد متصفاً بالوثاقة الصدقية.

وأمَّا احتمال الخطأ في الحسّ، فهو ملغى بوثاقة وسلامة حواسّه بحسب طبعه، وهو المسمّى بـ(أصالة عدم الخطأ)، الذي مرجعه إلى أصل من الأصول العقلائيَّة. فلو فرض أنَّ شخصاً كان ثقة بالوثاقة الصدقيَّة، ولكنَّه لم يكن ثقة في إدراكه الحسِّيِّ بأن كان كثيراً ما يشتبه في استنتاجاته الحسِّيَّة، فيكون خارجاً عن موضوع حُجِّيّة خبر الثقة؛ لأنَّ موضوعه مركَّب من كِلتا الوثاقتين.

وهذا الوسواسي الذي يخبر بالنجاسة، لا يكون خبره موضوعاً للحُجِّيَّة؛ لأنَّه وإن كان ثقة في الصدق، بمعنى أنَّه لا يعصي الله تعالى، ولكن حسَّه كثير الاشتباه، فلا يكون ثقة بالمعنى الثاني، فلا تكون شهادته حُجَّة.

بقي شيء في عبارة صاحب العروة حيث قال: “لا اعتبار بعلم الوسواسي في الطهارة والنجاسة“. فقد عطف الطهارة على النجاسة، بينما الوسواسي عبارة عن الشخص الذي يتشبث تشبثاً خيالياً بجنبة التحميل التي هي النجاسة، فجنبة الخلل في الوسواسي يكون في النجاسة احتمالاً أو قطعاً.

وأمَّا الطهارة فلا خلل فيها، فلو أخبرنا عن طهارة ثوبه، فهو شهادة اعلائية لأنَّه لا يحصل علمه بها إلا ببطء. فإنَّه قد يُقال بإسقاط قطعه بالنجاسة في نفسه وفي شهادته، لكن قطعه في الطهارة يكون حُجَّة وشهادته حُجَّة.

ــــــــــ[101]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

نعم، لو أُريد به القطّاع، وهو الذي بطبعه يسرع إلى الاعتقاد بالمطالب، سواء كان حرمة أو إباحة نجاسة أو طهارة. وحينئذ فيكون عطف الطهارة على النجاسة في محلّه.

ــــــــــ[102]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 



العلم الإجمالي بالنجاسة

مسألة: 2: العلم الإجمالي كالتفصيلي. فإذا علم بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما إلا إذا لم يكن أحدهما محلاً لابتلائه فلا يجب الاجتناب عمَّا هو محلّ الابتلاء أيضاً(1).

هذا المطلب بلحاظ كبرياته الأصولية متروك إلى الأصول(2). وقد ذكرنا هناك أنَّ العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في المنجزية. 

ما يُشترط في تنجيز العلم الإجمالي

وإنَّما نتكلّم هنا في حدود ما يرتبط بباب الطهارة والنجاسة، فإنَّ هنا نكتة في الباب لم تلحظ من قبل سائر الآغايون في كلماتهم.

1- كون العلم الإجمالي علما بالتكليف على كل تقدير

وتوضيحه: يتوقف على الإشارة إلى أمرين:

الأمر الأوَّل: أنَّ العلم الإجمالي الذي يكون منجزاً كالتفصيلي له شرائطفي 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 151-152، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 2.

(2) لاحظ: بحوث في علم الأصول 4: 149، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث القطع، الجهة السابعة: في منجّزيّة العلم الإجمالي.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تنجيزه،أحدها -وهو الشرط المهمّ في المقام-: أن يكون العلم الإجمالي علماً بالتكليف على كل حال، وأمَّا إذا لم يكن كذلك فإنَّه لا يكون منجزاً وإنَّما يكون واجداً للشرط فيما إذا كان علماً إجمالياً بنفس الحكم أو بتمام موضوعه. أمَّا العلم بجزء الموضوع كالعدالة بالنسبة إلى وجوب الطاعة. فلا يكون منجزاً لأنَّه ليس علماً بالتكليف الفعليّ على كل تقدير.

الأمر الثاني: أنَّ النجس حكم لتكليفين:

أحدهما: (خطاب: يحرم أكل النجس وشربه).

ثانيهما: (خطاب لا تصل في النجس)، وهو مرجعه إلى المانعيَّة.

ومبنى القوم في كل خطاب له متعلق وموضوع؛ أنَّهم يستظهرون أنَّ الحرمة منوطة بوجود الموضوع خارجاً، فلا حرمة قبل وجود الموضوع. فالموضوع هو (النجس) والمتعلق هو (الشرب) و(الصلاة). فالخطاب يتكفل حكماً مشروطاً بوجود الموضوع يعني إذا وجد نجس فلا تشربه. وإذا وجد نجس فلا تصلِّ فيه.

فإذا تمّ الأمران، وإذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد هذين الثوبين، فهذا العلم الإجمالي منجز، لأنَّه علم بتمام الموضوع للتكليف، وهو عدم جواز الصلاة فيه.

وكذلك لو علمنا بنجاسة أحد الماءين، فإنَّه علم بتمام الموضوع لحرمة الشرب منه. وكذلك لو علم إجمالاً بنجاسة الماء أو نجاسة الثوب أيضاً. غاية الأمر أنَّ هذا التكليف إمَّا هو (لا تشربه)، وإمَّا هو (لا تصلِّ فيه).

وأمَّا لو علمت إجمالاً بنجاسة ثوبي، أو نجاسة إناء خالٍ من الماء، فهنا بناء 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

على الأمرين لا يكون هذا العلم منجزاً؛ لأنَّه ليس علماً إجمالياً بالتكليف الفعليّ على كل حال؛ لأنَّ النجس إن كان هو الثوب فهو موضوع له، وأمَّا إذا كان النجس هو الإناء فالإناء لا يصلّى فيها ولا تؤكل ولا تشرب.

نعم، لو أصابها الماء لحرم شربه لكنَّه فرع أن يصيبها ليحرم؛ لأنَّ الحرمة فرع وجود موضوعها. فما لم يكن ماء في الإناء لا تكون الحرمة فعليّة.

نعم، لو كنت أعلم أنَّه سوف يقع الماء في هذا الإناء فهو علم إجمالي بالتكليف الفعليّ في التدريجيات وهو منجز، إلا أنَّه خارج عن محلّ الابتلاء.

وعلى أي حال، فإذا لم يكن العلم الإجمالي علماً بالتكليف على كل تقدير، لم يلزم من الترخيص في أطرافه الترخيص في المخالفة القطعية لتكليف معلوم بالإجمال، فإنَّه ليس معلوماً بل مشكوك.

وفي ذلك يندرج كثير من أمثلتهم للعلم الإجمالي كالعلم بنجاسة الماء أو الطاولة، أو العلم بنجاسة الماء أو الطائر في السماء أو العلم بنجاسة أحد الأواني الفارغة أو العلم بنجاسة أحد موضعين أو أكثر من الفراش ونحوها من العلوم الإجمالية التي يعتبرونها منجزة على خلاف صناعتهم في العلم الإجمالي.

نعم، هناك اختلافات مبنائية تستدعي زوال الإشكال. إلا أنَّ بحث الفقه لا يتّسع لذلك.

2- دخول أطراف العلم الإجمالي في محلِّ الإبتلاء

ثُمَّ إنَّ السيد الماتن تعرّض إلى شرط من شروط العلم الإجمالي، وهو أن تكون أطرافه داخلة في محلِّ الابتلاء، فلو كان بعضها خارجاً عن محلّ الابتلاء، فإنَّه ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

لا يكون منجزاً، بل لا بأس بإجراء الأصل في الطرف الداخل في محلِّ الابتلاء.

ويريدون من الخروج عن محلّ الابتلاء مرتبة متوسطة بين التيسّر والتعذّر العقلي، فإنه:

تارةً: يكون شرب الماء متيسراً عقلاً وعرفاً.

وثانيةً: يكون متعذراً عقلاً. 

وثالثةً: يكون ممكناً عقلاً وغير ممكن عرفاً باعتبار شدّة بعده، وتوقف القصد إليه على زحمةٍ شديدة تُلحق في نظر العرف بالتعذر.

وهو المراد بالخروج عن محلّ الابتلاء. فلو حصل علم إجمالي بنجاسة أحد ماءين.

أحدهما: داخل تحت القدرة عرفاً.

والآخر: خارج عنها كذلك، وإن كان داخلاً تحت دائرة التمكّن العقلي

 فهذا العلم الإجمالي في نظر المشهور ليس منجزاً. وهو الصحيح على توضيحات وتفصيلات موكولة إلى بحث الأصول(1).

الإشارة إلى عدّة مسالك في منجزيّة العلم الإجمالي

ولكنَّنا بنحو الإشارة نذكر أنَّه يوجد في المسألة ثلاثة مسالك:

المسلك الأول: مسلك (المشهور): عدم المنجزية

وحاصله الذهاب إلى عدم تنجيز هذا العلم الإجمالي لعدم تحقّق الشرط 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 5: 283، مباحث الحجج والأصول العمليّة، أصالة الاحتياط، تطبيقات وتنبيهات: خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الذي سبق أن ذكرناه بالأمس وهي أن يكون علماً إجمالياً بالتكليف الفعليّ على كل تقدير. فإنَّ هذا العلم ليس علماً إجمالياً بالتكليف الفعليّ على كل تقدير. وتقريبه يتحقّق ببيان أمرين:

الأول: أنَّ الخطاب الشرعي المتكفل لإيجاب الاجتناب عن النجس، أخذ في موضوعه القدرة، وللقدرة معنى عرفي ومعنى عقلي. وهي بحسب المعنى العقلي موجودة ولكنها بالمعنى العرفيّ غير موجودة.

وحيث تحمل الخطابات على المعاني العرفية، فلا بُدَّ أن تحمل على القدرة العرفية، ولذا يستهجن العرف توجيه الخطاب في ما هو خارج عن محلّ الابتلاء.

إذن فالخطاب غير موجود في الطرف الخارج عن محلّ الابتلاء، إذن فلا علم بالخطاب على كل حال؛ لأنَّ النجس إذا كان هو هذا فالخطاب موجود. وإذا كان ذاك فالخطاب غير موجود.

الأمر الثاني: نذكره بعنوان:

إن قلت: بأنَّ الخطاب وإن لم يكن شاملاً للموارد الخارجة عن محلّ الابتلاء، فلا علم بالخطاب على كل تقدير، لكن هناك علم بالملاك على كل تقدير، والعلم الإجمالي ينجز إذا تعلّق بالملاك الإلزامي كما ينجز إذا تعلق بالخطاب.

فإنه يقال: إن الملاك إنَّما يُستكشَف من إطلاق الخطاب بمعنى أنَّ الخطاب يدلّ بالدلالة المطابقية على الحكم وبالدلالة الالتزامية على وجود الملاك فيه. 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإذا سقطت الدلالة المطابقية سقطت الالتزامية أيضاً، فمن أين يحصل العلم الإجمالي بالملاك على كل حال؟! ولعلّ الملاك باجتناب النجس مشروط بأن يكون مقدوراً عرفاً وعقلاً، وإلا فلا أهمية فيه.

مناقشة المسلك الأول

فهذا هو المسلك الأوَّل وهو غير تامّ؛ لأنَّ الخطاب المتكفل للتكليف وإن كان مشروطاً بالقدرة، ولكن هذه القدرة لو كانت مأخوذة من لسان الدليل اللفظي لكان ينبغي تنزيلها على الفهم العرفي، لكنها لم تؤخذ كذلك، وإنَّما أخذت بقرينة حكم العقل باستحالة التكليف بغير المقدور. والعقل الذي هو ميزان هذا التخصيص لا معنى لأن يقال: إنَّه منزل على القدرة العرفية. فإنَّ ما هو ميزان الاستحالة العقلية إنَّما هو العجز العقلي لا العرفي.

وأمَّا في مورد انحفاظ القدرة العقلية وعدم وجود القدرة العرفية، فالعقل لا يستقل باستحالة التكليف؛ لأنَّه يرى أنَّ القدرة موجودة وغاية ما يُتوهَّم كونه ملاكاً للاستحالة هو مسألة اللَّغْوية. وذلك أنَّه قد يقال: إنَّ المولى إنَّما يكلف لأجل أن يجتنب ومن المعلوم أنَّه سوف يجتنب، فيكون التكليف لغواً مستحيلاً على الحكم.

وجوابه: يكون من ناحية وجود أثر لهذا التكليف فلا يكون لغواً وهو أنَّه يمكن التعبُّد لجعل الاجتناب اجتناباً من أجل الله عزّ وجلّ. فإنَّ التكاليف الشرعيَّة ألطاف في المراتب العقلية، ومن جملة نكاتها تكامل الإنسان وتوثيق صلته بربه، فالتكاليف المتعلقة بالخارج عن محلّ الابتلاء تُوجِد في نفس الفرد 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

صارفاً ثانياً زائداً على الصارف الطبعي وهو الصارف الإلهي.

وهذا بنفسه يكفي فائدة لمثل هذا التكليف. وهذه النكتة بنفسها موجودة في كثير من التكاليف الشرعيَّة التي تكون من هذا القبيل كتحريم أكل العذرة وشرب البول مع وجود الصارف الطبعي عنه.

إذن فسقوط التكليف مختصّ بالقدرة العقلية ولا يشمل القدرة العرفية، فإطلاق التكليف لموارد الخروج عن محلّ الابتلاء موجود، ولا موجب لرفع اليد عنه.

المسلك الثاني: مسلك (السيد الحكيم): عدم اشتغال الذمة

في المستمسك(1): كأنَّه اعترف -خلافاً للمشهور- بأنَّ التكليف في الخارج عن محلّ الابتلاء فعلي، ولم يناقش في ذلك، فالعلم الإجمالي علم بالتكليف الفعليّ على كل تقدير. ولكنه يتصوّر مرتبة بعد التكليف، يُسمّيها بشغل وثقل العهدة.

ويقول: إنَّ الخارج عن محلّ الابتلاء، وإن كان التكليف بالاجتناب عنه فعلياً، لكن هذا المكلف لا يرى نفسه مشغول الذمة ومثقل العُهدة تجاهه. ويوضح ذلك بتشبيهه بالتكليف مع عدم قيام الحُجّة عليه. فإنَّه ليس الفرق بين مورد قيام الحُجّة وعدمها أنَّ التكليف موجود في الأوَّل وغير موجود في الثاني، بل هو موجود على أي حال، لكن إذا قامت الحُجَّة عليه ترتَّب عليه شغل الذمة وأمَّا إذا لم تقم عليه الحُجَّة فالتكليف فعليٌّ في عالمه ولكن المكلف ليس مشغول 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 450، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الذمة به، وفي موارد الخروج عن محلّ الابتلاء وإن كان التكليف موجوداً ولكن شغل الذمة ليس موجوداً. فهو علم بالتكليف على كل تقدير، ولكنَّه ليس علماً بشغل الذمة على كل تقدير.

مناقشة المسلك الثاني

وهذا غير صحيح: لأنَّه ما مراده بشغل الذمة حيث تصوّر أنَّها مرتبة بعد التكليف، لا نتعقل لها إلا أحد معنيين: 

أحدهما: هو المنجزية يعني كون التكليف منجزاً، ويشهد لهذا المعنى تنظيره بالتكليف الذي لم تقم عليه حُجَّة، فإنَّ التكليف حينئذ لا يكون منجزاً، فيكون كلاماً مفهوماً، بدعوى أنَّ التكليف في الخارج عن محلّ الابتلاء موجود إلا أنَّه غير منجز.

إذا أردتم ذلك فهو غير معقول هنا وإن كان معقولاً هناك؛ لأنَّ معنى المنجزية هو حكم العقل باستحقاق العقاب على تقدير العصيان. وهذا معقول فيما إذا لم يصل التكليف، فإنَّ المكلف إذا خالف لا يكون مستحقاً للعقاب.

ولكنه غير مُتصوّر في المقام بأن يقال: إن وجوب الاجتناب عن ماء الصين موجود ولكن المكلف إذا شربه لا يستحق العقاب، هذا غير معقول لأنَّ فرض مخالفته هو فرض الدخول في محلِّ الابتلاء إذ لا يعقل المخالفة مع الخروج عن محلّ الابتلاء.

ثانيهما: وإن أراد بشغل الذمة معنى عرفي بأن يقال: إن العرف يرى عدم انطباق عنوان التحميل والتثقيل على هذا المكلف؛ لأنَّ الاجتناب من أوَّل الأمر 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ليس فيه كلفة على الإنسان، فهذا صحيح، إلا أنَّه غير صحيح إذ لا دخل للصدق العرفيّ على الألفاظ في امتثال التكاليف، فإنَّه يرجع إلى أنَّه هل يصدق أنَّه تحمل شيئاً، أو لا؟ وهذا لا دخل له في منجزية العلم الإجمالي فإنَّه بعد فرض أنَّه تعلق بتكليف منجز خطاباً وملاكاً، فإنَّه يقتضي وجوب امتثاله، والصدق العرفيّ لا دخل له.

المسلك الثالث للسيد الأستاذ: المنجزيّة لمحذور عقلي

 حيث ذهب(1) خلافاً للمشهور إلى أنَّ التكاليف الواقعية غير مشروطة في الدخول في محلِّ الابتلاء ونحن أيضاً بنينا على ذلك في مناقشتنا لمسلك المشهور.

وفرّع عليه: أنَّنا حين نعلم إجمالاً بحرمة مرددة بين ما هو داخل في محلِّ الابتلاء وما هو خارج عنها، يكون العلم الإجمالي علماً بالتكليف الفعليّ على كل تقدير، وحينئذٍ فالأصول المؤمّنة تتعارض في الأطراف؛ لأنَّ جريانها في بعض الأطراف ترجيح بلا مرجح وفي كِلا الطرفين يكون ترخيصاً في المخالفة القطعية، فيستحكم تنجيز العلم الإجمالي.

ولهذا اختار في الفقه أنَّ العلم الإجمالي ينجز في الشبهات الموضوعيَّة حَتَّى لو كان أحد طرفيه خارجاً عن محلّ الابتلاء أو يجب الاحتياط في هذا الطرف الداخل في محلِّ الابتلاء.

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 175، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 2، دراسات في علم الأصول 3: 395، مباحث الأصول العمليّة، المبحث الثالث: أصالة الاحتياط، التنبيه التاسع.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ومناقشة ذلك مفصلاً ترجع إلى علم الأصول(1).

المسلك الرابع: (وهو المختار) المنجزيّة لمحذور عقلي

ونقول هنا مختصراً: إنَّها ترجع إلى أمرين:

الأمر الأوَّل: مناقشة مبنائية مع السيد الأستاذ

 مناقشة السيد الأستاذ مناقشة مبنائية؛ لأنَّنا لا نرى أنَّ الترخيص في المخالفة القطعية محذور بهذا العنوان، ولا وجود برهان عقلي عليه.

وإنَّما نجد أنَّه محذور عقلائي، بمعنى أنَّهم بارتكازهم لو سمعوا الترخيص بالمخالفة القطعية يرون كأنَّه رفعٌ لليد عن أصل التكليف الواقعي، إذ يرون أنَّه مناقض معه، وإن كان لو لوحظ بالدقة العقلية لا يُرى بينهما تنافٍ أصلاً كما هو موكول إلى الأصول.

إذا بنينا على هذا، فمتى كان الترخيص بالمخالفة القطعية معناه رفع اليد عن التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، لم يمكن صدوره من المولى، ومتى لم يكن كذلك بحسب نظر العقلاء، فلا بأس بصدوره.

ومن الواضح أنَّ المولى إذا صدر منه الترخيص في أحد الطرفين فقط فإنَّهم لا يرون رفع اليد عن التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال؛ لأنَّه يقال: إن المولى أبقى نحواً من العناية لذلك التكليف ولو بلحاظ الطرف الآخر. ولذا كان المبنى 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 5: 283، مباحث الحجج والأصول العمليّة، أصالة الاحتياط، تطبيقات وتنبيهات: خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المتفق عليه بين المرزا والسيد الأستاذ وبيننا هو جريان الأصل في أحد الأطراف.

وحينئذ نقول: إنَّنا نقول نفس الشيء فيما إذا كان أحد الطرفين خارجاً عن محلّ الابتلاء إذ يرى العقلاء أنَّ الترخيص في كِلا الطرفين في قوّة الترخيص بأحدهما فقط؛ لأنَّ الترخيص فيما هو خارج باعتبار بعده وخروجه عن معرضية الصدور عن المكلَّف، يرون أنَّ ضمّه إلى هذا الترخيص كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، فلا فرق بين أن يقول: أرخصك في هذا ويسكت، أو يقول: أرخصك في هذا وذاك. فلا يلزم من الترخيصين رفع اليد عن الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال، ويكون في قوّة الترخيص بالطرف الواحد.

إذن فيجري الأصل في كِلا الطرفين ولا محذور.

فإن قلتم: إنَّ هذا ترخيص في المخالفة القطعية.

قلنا: نعم، إلَّا أنَّها ليست محذوراً عقلياً بل عقلائيّ، وهو إنَّما يكون متحقّقاً فيما إذا كان كِلا الطرفين في معرض الصدور، لا ما إذا كان أحدهما خارجاً عن محلّ الابتلاء.

الأمر الثاني: مناقشة أخرى مع السيد الاستاذ

 مع السيد الأستاذ: وهو أنَّنا لو مشينا على حسب مسلك مدرسة المرزا(1)، 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

(1) لاحظ: فوائد الأصول (الكاظمي) 4: 10، الفصل الثاني من المقام الثالث: في الشكّ في المكلّف به، المبحث الأوَّل: المقام الأوَّل: في الشبهة المحصورة، الجهة الأولى: في حرمة المخالفة القطعيّة، مصباح الأصول 2: 346، الأصول العمليّة، أصالة الاحتياط، تنبيهات (الشكّ في المكلّف به).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

من أنَّ الترخيص في المخالفة القطعية محذور عقلي في نفسه، فهل يحصل تعارض بين الأصول؟ لأنَّ جريانه في أحد الأطراف ترجيح بلا مرجح، وجريانه في جميع الأطراف مستلزم لذلك المحذور:

أ- نختار الشقّ الأوَّل، وهو أنَّ الأصل يجري في خصوص الطرف الداخل في محلِّ الابتلاء دون الطرف الخارج.

فإن قلتم: إنَّه ترجيح بلا مرجح.

قلنا: إنَّ عدم جريان الأصل في الخارج عن محلّ الابتلاء لقصور في دليل الأصل حَتَّى في الشبهة البدوية فضلاً عن الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي. إذن فلا معارضة في البين، وإنَّما تحصل المعارضة لو كان الدليل يشمل الطرفين.

ب- بقي أنَّ نبرهن على عدم شموله للطرف الخارج عن محلّ الابتلاء. وبيان ذلك بتقريبين:

أحدهما: شامل لسائر أدلَّة الأصول، والآخر: خاصّ بالبراءة.

التقريب الأوَّل: أنَّ جعلَ الترخيص في الموارد المشكوكة، الخارجة عن محلّ الابتلاء، لغوٌ صرف في نظر العرف، حَتَّى في الشكوك البدوية، فضلاً عن المقرونة بالعلم الإجمالي؛ لأنَّه لا يترتّب عليها أثرٌ عملي، مع أنَّ مفاد الأصول العملية هي أن تكون عملية ذات أثر في مقام العمل. 

وذلك: أنَّنا وإن تصورنا إمكان التكليف في ما هو خارج عن محلّ الابتلاء، وذلك بتصوير أثر له وهو إمكان التقرّب والتعبُّد إلى المولى، وليس أثره هو العمل.

ــــــــــ[114]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ومن المعلوم أنَّ الترخيص فيه لا يترتّب عليه كِلا الأثرين أمَّا العمل فواضح وأمَّا التعبُّد والتقرّب؛ فلأنَّه إنَّما يترتّب على التكاليف دون الترخيصات. إذن فيكون الترخيص لغواً صرفاً. فبهذه القرينة يختصّ جريان الأصول بخصوص موارد الداخلة في محلّ الابتلاء.

التقريب الثاني: يختصّ بخصوص أصالة البراءة المستفادة من حديث الرفع، فإنَّ المستظهر عند الآغايون من لسانه: أنَّه مسوق مساق الامتنان على العباد، ويجعلون ذلك قرينة على عدم شمول الحديث للموارد التي لا يكون الشمول فيها امتناناً. فيمكن هنا أن نستفيد من هذه القرينة، فإنَّه لا امتنان في هذا الترخيص الخارج عن محلّ الابتلاء، فيختص مدلول الرواية بهذه القرينة بالموارد الداخلة في محلِّ الابتلاء. فإنَّ العرف لا يرى للتكاليف ثقلاً وكلفة على العبد فلا يرى في رفعها امتناناً عليه.

فبهذين التقريبين لا يكون لأدلة الأصول إطلاق للموارد الخارجة عن محلّ الابتلاء، ويختص بالمورد الداخل في محلِّ الابتلاء، فلا معارضة. ومعه يتحقّق: المسلك الرابع في مقابل المسالك الثلاثة السابقة:

1- فنحن نخالف المسلك الأوَّل في أنَّ التكاليف الواقعية مشروطة بالدخول في مورد الابتلاء.

2- ونخالف المستمسك ولا نرى شغل الذمة مرتبة بعد تنجز التكليف.

3- ولا نوافق السيد الأستاذ في تعارض الأصول في أطرافه؛ لأنَّها في أنفسها ليس لها إطلاق في موارد الخروج عن محلّ الابتلاء.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

هذا كله فيما إذا لم نعلم بدخول الطرف الآخر في محلِّ الابتلاء. ولو في آخر عمرنا، وأمَّا إذا علمنا ذلك فإنَّ العلم الإجمالي يكون منجزاً بلا إشكال؛ لأنَّه من قبيل وجوده في التدريجيات، فيخرج عن محلّ الكلام، كما أنَّه من الخارج عن محلّ الكلام ما إذا كان للطرف الخارج عن محلّ الابتلاء أثر داخل فيه، كما لو لاقى الماء الذي في الصين ثوب شخص، وسافر من الصين إلى العراق، ومعه نلتزم بالمنجزية.

ــــــــــ[116]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 




مسائل متفرّقة تتعلق بالبيِّنة

 

1- مسألة: في اعتبار حصول الظنّ بصدق البيِّنة

(مسألة3): لا يعتبر في البيِّنة حصول الظنّ بصدقها. نعم، يعتبر عدم معارضتها بمثلها(1).

تعرّض في هذه المسألة لأمرين:

الأمر الأوَّل: فرض التعارض بين البينتين، فلا تكون حُجَّة حينئذ. وقد تقدَّم الكلام في ذلك في الجهات الخمس، التي عقدناها للتعارض بين الحجج على الطهارة والنجاسة(2).

الأمر الثاني: أنَّه لا يعتبر في حُجِّيَّتها حصول الظنّ بصدقها، بل ولا الظنّ بعدم صدقها، يقول الماتن -وفاقاً لما هو المعروف بينهم-: إنَّها حُجَّة مطلقاً حَتَّى لو حصل الظنّ بعدم صدقها تمسكاً بإطلاق دليل حُجِّيَّتها(3)، فإنَّه لم يؤخذ في 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

() العروة الوثقى (المحشّى) 1: 152، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة الثالثة.

(2) راجع: (الصورة الخامسة: التعارض بين البيّنتين)، ص 29.

(3) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى 1: 454، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 3، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 1: 452، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 3، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 176، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

موضوعه أن يكون هناك ظنٌّ على طبقها أو عدم حصول الظنّ بكذبها.

وتحقيق الحال في ذلك: هو أنَّ عدم إفادة البيِّنة للظن بالصدق:

تارة: ينشأ من نكتة شخصية. وأخرى: ينشأ من نكتة نوعية.

2- مسألة: في عدم إفادة البيِّنة الظنّ بالصدق لنكتة شخصية

فالنكتة الشخصية من قبيل الوسواس، وبطء حالة الظنّ عند الإنسان مع فرض كون البيِّنة بطبعها مقتضية للظن بالصدق باعتبار أماريتها وكاشفيتها عن الواقع، ولو خلي وطبعه لحصل الظنّ على طبقه لوجود المقتضي وعدم المانع. فلا بُدَّ من وجود نكتة انضمَّت إلى البيِّنة منعت عن تأثيرها إفادة الظنّ.

ومثال آخر للنكتة الشخصية وجود أمارة شخصية غير عقلائيَّة كالاستخارة على إثبات النجاسة مثلاً. ففي مثل ذلك لا إشكال في حُجِّيّة البيِّنة ولا تكون مشروطة بعدم مثل هذه النكتة.

والوجه في ذلك: أنَّ البيِّنة إمَّا أن تكون حُجَّة بالسيرة العقلائيَّة أو بالأدلَّة اللفظيَّة الراجعة إلى إمضاء هذه السيرة أو بالأدلَّة اللفظيَّة المستقلّة عن السيرة وعلى كل حال لم يؤخذ في موضوع حُجِّيَّتها أن تكون مفيدة للظنِّ الشخصيِّ على طبقها.

ــــــــــ[118]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أما السيرة فهي قائمة على العمل بالبيِّنة وبخبر الثقة الواحد بلحاظ كشفه النوعيّ والطبعيّ لا الشخصيّ بمعنى الكشف عند العاقل المتعارف، وهو محفوظ على أي حال. وكذلك الأدلَّة اللفظيَّة الراجعة إلى السيرة.

وأمَّا الأدلَّة اللفظية الابتدائية لجعل الحجية، فأيضاً لا إشكال في إطلاق دلالتها وعدم تقييدها ويصدق على مثل هذه أنَّها بيِّنة فيشملها دليل الحُجِّيّة.

3- مسألة: في عدم إفادة البيِّنة الظنّ بالصدق لنكتة نوعية

وأخرى يفرض: أنَّ البيِّنة لم تفدِ الظنّ في موردٍ بلحاظ نكتة نوعية، توجب -عند نوع العقلاء- عدم إفادة الظن. وهذا يتحقّق فيما إذا اقترنت البيِّنة بأمارة عقلائيَّة أخرى يكون كشفها النوعي العقلائيّ على حد كشف البينة، فيحصل تعارض بين الكشفين العقلائيين.

ففي مثل ذلك نستشكل في حُجِّيّة البيِّنة ونرى عدم حُجِّيَّتها. فإنَّ دليل الحُجِّيّة.

إن كان هو السيرة -كما هو الصحيح- فلا تكون حُجّة؛ لأنَّ العقلاء إنَّما يبنون على حُجِّيّة البيِّنة أو خبر الثقة، لا من باب التعبُّد والموضوعية بل من باب الطريقية والكاشفيَّة. وهذه البيِّنة المبتلاة بالمعارض ليس لها كشف فعليٌّ بنظر العقلاء، فلو حكم بحُجِّيَّتها لكان تعبّداً صرفاً من باب الموضوعية، فملاك حُجِّيّة البيِّنة غير موجود في نظر العقلاء.

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ونفس الشيء قلناه في بحث الأصول عن خبر الثقة(1)، ومن أجل ذلك قلنا بأنَّ إعراض الأصحاب عن الخبر بنفسه يوجب سقوط الخبر عن الحجية؛ لأن إعراضهم يكون أمارة قوية، منافية مع طريقية وثاقة الراوي. ومن أجل هذا أيضاً قلنا في بحث رؤية الهلال(2) بإسقاط حُجِّيّة البيِّنة فيما إذا كان المستهلّون كثيرين والجوّ صاحٍ صافٍ ولم يره إلا اثنان. وقال الإمام في بعض الروايات: “لو رَأَتْه عينٌ لَرَأَتْهُ ألفُ عين(3). وظاهرها إسقاط الخبر عن الحُجِّيّة. وقلنا إنَّنا نعمل بها على القاعدة؛ لأنَّها يوجد في موردها أمارة نوعية معارضة لخبر البيِّنة، وهو ما قاله الإمام من: أنّه لو رَأَتْه عينٌ لَرَأَتْهُ ألفُ عين“، فتخرج البيِّنة عن كونها كاشفة بالفعل، وليست هذه الروايات إلا بياناً لهذا المطلب الذي بيَّناه.

فهذا حال السيرة.

ونفس الكلام يأتي في الأدلَّة اللفظيَّة، التي ترجع إلى إمضاء السيرة، فإنَّها تتحدَّد بحدودها.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

() لاحظ: بحوث في علم الأصول 4: 426، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الظنّ: حُجِّيّة الأخبار، تحديد دائرة الحجّيّة.

(2) لاحظ: الفتاوى الواضحة: ص674.

(3) الكافي 4: 77، كتاب الصيام، باب الأهلّة والشهادة عليها، الحديث 6، وسائل الشيعة 10: 290، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 11، باب أنّ الهلال يثبت بشهادة رجلين عادلين …، الحديث 11. “إِذا رَآهُ وَاحِدٌ رَآهُ أَلْفٌ”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وأمَّا الأدلَّة اللفظيَّة التأسيسيَّة أيضاً قاصرة عن الشمول لمثل هذه البيِّنة، إذ يستظهر العرف منها أنَّ البيِّنة إنَّما جُعلت حُجَّة بلحاظ الطريقيَّة لا السببيَّة، ولأجل ذلك لا يرى العرف وجود إطلاق في الرواية لصورة وجود نكتة عقلائيَّة مزاحمة.

فالصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان عدم إفادة البيِّنة للظنّ بنكتة شخصيّة فتكون حُجَّة، أو بنكتة نوعيّة فلا تكون حُجَّة.

4- مسألة: في صحَّة مستند البيِّنة

مسألة 4: لا يعتبر في البيِّنة ذكر مستند الشهادة. نعم، لو ذكرا مستندها وعلم عدم صحَّته لم يحكم بالنجاسة(1).

ونمثّل لما إذا علم بعدم صحَّتها بما إذا كانت مستندة في الشهادة إلى الاعتقاد بنجاسة عرق الجنب من الحرام، وكُنّا نعتقد بعدم نجاسته.

وتوضيح الحال في ذلك؛ أنَّ البينة:

تارةً: يفرض أنَّها تتصدّى لذكر مستند الشهادة.

وأخرى: يفرض أنَّها لا تتصدّى لذلك.

وعلى الثاني:

فتارة: يفرض أنَّنا نحرز اتفاقنا مع البيِّنة في الشبهات الحكمية، يعني أنَّ كل 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 152، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة الرابعة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ما يكون نجساً في نظرها يكون نجساً في نظرنا، وكل ما يكون طاهراً في نظرها يكون طاهراً في نظرنا.

وأخرى: يفرض أنَّنا نحرز اختلافنا معها في المباني، أو نحتمل ذلك فهنا ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن تذكر البيِّنة مستندها

وحينئذ لا بُدَّ من ملاحظة المستند. 

فإن كُنّا موافقين لها في الشبهة الحكميّة كنجاسة الدم، فلا بُدَّ من ترتيب الآثار عليها؛ لأنَّها شهدت بموضوع الحكم الشرعي.

وإن لم يكن مستندها صحيحاً كعرق الجنب من حرام، فلا يمكن إثبات النجاسة بها؛ لأنَّ النجاسة الخاصَّة الناشئة من العرق وهي المشهود بها، معلومة الكذب عندنا، والنجاسة الخاصَّة الناشئة من غيره كالدم -مثلاً-، وإن كانت محتملة الثبوت، لكنها لم تشهد بها.

وأمَّا الجامع بين حصّتي النجاسة فهو ممَّا شهدت به، إلا أنَّ الشهادة بالجامع ليس حُجَّة، ولا يمكن إثباته بالبيِّنة بعدّة بيانات، يكفينا منها أن نقول: إن هذا الجامع جزء تحليلي لمدلول كلام البينة، كما لو شهدت أنَّ زيداً في المسجد، ونحن نعلم أنَّه ليس في المسجد ولكن نحتمل أنَّ غيره فيه فهنا لا نقول: إنَّ أصل وجود الإنسان في المسجد يثبت بهذه البينة؛ لأنَّ الجامع جزء تحليلي وبعد سقوط مدلولها المطابقي بتمامه لا تبقى حُجِّيّة للاجزاء التحليلية.

ــــــــــ[122]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الصورة الثانية: أن لا تذكر البيِّنة مستندها مع الاتفاق في المباني

وهي أن لا تذكر البيِّنة مستندها، بل تقول: هذا نجس. ونحن مبانينا متّفقة مع مباني البيّنة، فإذا شهدت بأنَّ هذا نجس ترجع شهادتها إلى أنَّ شيئاً من الأشياء المتفق على نجاستها بيننا، قد لاقى هذا الثوب فيحصل لنا علم إجمالي بأنَّ هذا الثوب قد لاقى أحد النجاسات. 

غاية الأمر أنَّ المعلوم بهذا العلم هو الملاقاة التعبُّديَّة لا الواقعية؛ لأنَّنا لا ندري بواقع الملاقاة إلا باخبار البيِّنة وهي حُجَّة تعبّداً.

وقد حقّقنا في الأصول(1) أنَّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين أن يكون علماً إجمالياً بالحكم الواقعي أو علماً بالحكم الظاهري. فكما أنَّ العلم الإجمالي بالملاقاة الواقعية يكون منجزاً كذلك العلم الإجمالي بالملاقاة الظاهرية، فتكون البيِّنة حُجَّة.

الصورة الثالثة: أن لا تذكر البيِّنة مستندها ولم نحرز الاتفاق في المباني

ومهمّ الكلام يقع في الصورة الثالثة: وهو ما إذا لم تذكر البيِّنة مستندها، ولم نكن محرزين اتفاقنا على المباني اجتهاداً أو تقليداً.

فهل يُقال بالاستناد إليها ما لم نحرز خطأ المستند إجراءً لأصالة عدم الخطأ، أو أنَّ البيِّنة لا تكون حُجَّة؟

ــــــــــ[123]ــــــــــ

(1) لاحظ: مباحث الأصول، القسم 2، 4: 167، أصالة الاحتياط، تنبيهات العلم الإجمالي، التنبيه السابع.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وتحقيق الحال يحتاج إلى بسط من المقال، وذلك لأنَّ كلَّ أخبار أو شهادة لا بُدَّ أن يكون متعلقها أمراً حسِّياً، لتكون مشمولة لأدلة الحجية، فإذا كانت الشهادة على أمر بتمامه غير حسّي، لا تكون الشهادة بما هي شهادة حُجَّة؛ لأنَّ أدلَّة حُجِّيّة الخبر إنَّما دلَّت على الحُجِّيّة في خصوص المحسوسات دون غيرها.

ثُمّ إن كل إخبار أو شهادة عن أمر خارجي -في مقابل الأمور الوجدانية الحضورية-، هي بالدقة شهادة استدلالية تنحل إلى: (كبرى)، و(صغرى)، و(نتيجة).

فإذا شهد أنَّ هذا نجس، انحلّت شهادته إلى قياس:

كبراه: (أن كل ما لاقاه الدم نجس).

– وصغراه: (هذا لاقاه الدم).

النتيجة: (فهو نجس).

وكذلك لو شهد بعدالة زيد، فإذا كان قد عرفها من كونه يصلّي صلاة الليل، ويواظب على صلاة الجماعة، يكون القياس الذي في ذهنه هكذا: 

كبراه: (كل من يصلّي صلاة الليل، ويواظب على صلاة الجماعة، عادل).

وصغراه: (هذا يصلّي صلاة الليل، ويواظب على صلاة الجماعة).

نتيجته: (فهو عادل).

لكن هناك فرق بين القياسين فإنَّ الحدَّ الأوسط في القياس الأوَّل علَّة وهو (ملاقاة الدم)، فإنَّه علَّة النجاسة. وفي الثاني معلول وهو (صلاة الليل)، و(مواظبة الجماعة)، فإنَّ كشفها عن العدالة كشف أنّي لا لمّي، فهو معلول 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

للنتيجة المشهود بها، وهي العدالة، لا علَّة. وفي نهاية المطاف كُلاً منهما شهادة استدلالية.

والشيء نفس نقوله في المحسوسات أيضاً كما لو قال: إنَّ المطر ينزل من السماء، فإنَّ كبراه هي: (أنَّ كل محسوس في العين فهو موجود في الخارج)، وصغراه: (أنَّ المطر محسوس بالعين)، إذن (فالمطر موجود في الخارج).

وما تحت الحسّ إنَّما هو الصغرى دائماً لا الكبرى، فإنَّ الكبريات ليست حسّية فإنَّ الحسّ يقع على الجزئيات دون الكليات. فكل شهادة تكون حُجَّة بمقدار إثبات صغرى القياس دون كبراه. فإنَّها لا تكون حُجَّة إلا بمقدار ما يدخل تحت الحسّ. وأمَّا الكبرى فلا بُدَّ أن نتولى نحن إحرازها.

وإذا تصدّينا لإثباتها:

فتارة: نفرض أنَّ كبرى ذلك القياس المستتر في جنان الشاهد، كبرى صحيحة في نظرنا، ككبرى (كل ما هو مرئي فهو موجود)، أو (كل من يصلي صلاة الليل فهو عادل). فتثبت النتيجة؛ لأنَّ صغراها ثبتت بالشهادة وكبراها بالوجدان.

وأخرى: إذا عرفنا أنَّ الكبرى التي في ذهن الشاهد لا نصدق بها إمَّا جزماً أو احتمالاً، ففي مثل ذلك لا يمكن إثبات النتيجة؛ لأنَّ البيِّنة إنَّما تشهد بالصغرى دون الكبرى، والكبرى غير محرزة.

وثالثة: تبقى حالة أن نتردّد، فلا ندري أنَّ الكبرى التي استدل بها الشاهد من الكبريات التي نوافق عليها أو لا نوافق. فمثلاً لو كانت الكبرى التي استند 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إليها بالشهادة بعدالة زيد هي صلاة الليل ومواظبة صلاة الجماعة. فنحن لا نصدق بها، ولو كانت هي معاشرة سنة وعدم مشاهدة مخالفة أو عصيان، فنحن نقبلها، وهنا توجد ثلاثة فروض:

الفرض الأوَّل: أنَّ النتيجة التي شهد بها الشاهد، سنخ نتيجة قابلة للحسّ كنزول المطر، فهنا تجري أصالة الحسّ، ككون الكبرى التي استند إليها هي كبرى (أن كل محسوس موجود)، لا كبرى أخرى محتملة لا نقبلها. بل نقبلها وندفع هذا الاحتمال بأصالة الحسّ وتكون الشهادة حُجَّة.

وهذا هو السبب في أنَّ تمام الشهادات في الأمور الحسِّيَّة نقبلها من دون أن نسأل عن المستند.

الفرض الثاني: أن لا تكون الواقعة المشهود بها من القضايا المحسوسة كالشهادة بعدالة زيد، فإنَّ الملكة لا يمكن الاحساس بها لغير صاحبها.

لكن يمكن أن يتعلق الحسّ بمطلب آخر بحيث يمكن استنتاج المطلب منه بنحو كُبروي، فهناك أشياء محسوسة ينتج منها فهم وجود العدالة عرفاً، كالمعاشرة سنة معه.

وقد لا يكون استدلالاً متفقاً عليه عرفاً كالاستدلال على العدالة من البكاء على سيد الشهداء.

فإذا دار الأمر بين أن يكون الاستدلال المستتر وراء الأخبار متفقاً عليه عرفاً وان لا يكون كذلك. فيبنى على أنَّه استدلال عرفي وهذا ما نسميه بأصالة العرفية في مقابل أصالة الحسِّيَّة، وهذا أصل عقلائي لا إشكال في جريانه وإلَّا 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

لما أمكن أن نقبل أي شهادة لاحتمال خطأ مستندها.

الفرض الثالث: وهو إذا لم تكن الواقعة المشهود بها حسية، فنقطع بعدم الحسِّيَّة وعدم العرفيّة، بل هو مطلب صناعي قد يكون صحيحاً وقد لا يكون. وهنا لا يبنى على أصالة عدم الخطأ؛ لأنَّ أصالة الخطأ إنَّما تجري عند العقلاء بلحاظ الغلبة النوعية لعدم الخطأ، وهي إنَّما تتحقّق في الصورتين السابقتين، ومعه فلا بُدَّ من التوقّف وعدم قبول هذه الشهادة.

وممّا ذكرناه ظهر وجه النظر فيما ذكره السيّد الأُستاذ والسيد الحكيم في المستمسك(1).

فإذا اتّضحت هذه القاعدة نطبّقها على النجاسة والطهارة:

فإذا كُنّا نعلم بالكبرى فنراها فإن كانت صحيحة عملنا بها وإلَّا فلا.

وأمَّا إذا لم نكن نعلم بها كان ذلك من الشقّ الثالث بحسب الحقيقة؛ لأنَّه شكّ في كبرى اجتهادية علميّة وليس بابها باب الحسّ ولا الاستدلال العرفي، فلا تجري أصالة عدم الخطأ؛ لأنَّها إنَّما تجري في الأُمور العلميّة بين العامي والمجتهد لا بين الشاهد والسامع، ونحن لا نريد أن نقلّد الشاهد في ما يراه من كبريات.

وبما ذكرناه ظهر الفرق بين الشاهد في مباني الشبهة الحكميّة والشاهد في مباني الشبهة الموضوعية، فإنَّ الشكّ يكون على نحوين:

النحو الأوَّل: الشكّ في مباني الشبهة الحكميّة كاحتمال استناده في الشهادة 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 454، الطهارة، فصلٌ: في طريق ثبوت النجاسة، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بالنجاسة إلى كبرى نجاسة مُلاقي عرق الجنب من الحرام أو مُلاقي المتنجّس ونحن لا نؤمن بهما.

النحو الثاني: الشكّ في الشبهة الموضوعيَّة كما لو كُنّا نعلم أنَّ هذا الفراش طاهر ونحتمل أنَّ الشاهد استند في الإخبار بنجاسة الثوب على تخيّله أنَّه لاقى هذا الفراش. 

وقد ظهر وجه الفرق بينهما، فإنَّ احتمال الخطأ في الشبهة الحكميّة لا تجري فيها أصالة عدم الخطأ ولا تكون الشهادة حُجَّة.

وأمَّا إذا كُنّا نعلم بأنَّنا متَّفقون على تمام المباني والأُصول الموضوعية، لكن نحتمل الخطأ في الموضوع الخارجي، فهو يجري فيه أصالة عدم الخطأ؛ لأنَّه اشتباه في مقابل وضوح عرفي.

5- مسألة: في كون متعلق البيِّنة أثراً شرعياً أو موضوعاً لأثرٍ شرعي

مسألة 5: إذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كفى وإن لم يكن موجباً عندهما أو عند أحدهما، فلو قالا: (إنَّ هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام أو ماء الغسالة)، كفى عند من يقول بنجاستهما، وإن لم يكن مذهبهما النجاسة(1).

يقول: لا يشترط أن يكون متعلق البيِّنة موضوعاً لأثر شرعي في نظر 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 152، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

نفس البيِّنة، بل يكفي أن يكون أثراً شرعياً أو موضوعاً في نظر السامع، فلو كانت ترى البيِّنة أنَّ عرق الجنب من حرام طاهر، وملاقاته ليس لها أثر شرعي، كفى ذلك للسامع إن كان يرى أنَّ مُلاقاة عرق الجنب من حرام موضوع لأثر شرعي وهو النجاسة.

وهذا صحيح، وقد انقدح وجهه ممَّا ذكرناه سابقاً؛ لأنَّ البيِّنة التي تُقدَّم على نجاسة شيء ليست حُجَّة في إثبات نفس النجاسة، وإنَّما هي حُجَّة في إثبات الصغرى في القياس المستتر، وأمَّا الكبرى فليست حسيّة، وكذلك النتيجة ليست حسيّة؛ لأنَّها تتبع أخسّ المقدّمتين. فيكون إخبارها حُجَّة في الصغرى فقط سواء صرّحت بها أو بالنتيجة ابتداء.

ومعه تكون هذه الشهادة حُجَّة لأنَّ توهُّم عدم حُجِّيَّتها ينشأ من أحد منشأين:

المنشأ الأوَّل: يتخيّل أنَّها لم تشهد بالنجاسة بل بالملاقاة وما هو المهمّ لدى السامع هو النجاسة.

وجوابه: أنَّ البيِّنة حَتَّى لو شهدت بالنجاسة بعنوانها لا تكن حُجَّة إلَّا في إثبات الصغرى، كما أسلفنا، وهذه شهادة بالصغرى فتكون حُجَّة بها.

المنشأ الثاني: أنَّه يشترط في حُجِّيّة البيِّنة أن تتعلّق بموضوع له أثر شرعي، وهذا لا أثر له في نظر البيِّنة.

وجوابه واضح: وهو أنَّ الحُجِّيّة والتعبُّد بتصديق البيِّنة خطاب موجّه إلى 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

السامع لا إلى الشاهد، ومعه لا بُدَّ في تصحيحه من أن يكون للمشهود به أثر مصحّح للحُجِّيَّة في حقّ السامع، ولا يُشترط أن يكون له أثر في حقّ الشاهد؛ فيكون توجّه الخطاب بالحُجِّيّة إلى السامع أمراً معقولاً حينئذٍ.

6- مسألة: فيما إذا شهدا بالنجاسة واختلفا في مستندهما

مسألة 6: إذا شهدا بالنجاسة واختلف مستندهما كفى في ثبوتها وإن لم تثبت الخصوصية، كما إذا قال أحدهما: (إن هذا الشيء لاقى البول)، وقال الآخر: (إنّه لاقى الدم)، فيحكم بنجاسته لكن لا تثبت النجاسة البوليَّة ولا الدمِّيَّة، بل القدر المشترك بينهما.

لكن هذا إذا لم ينفِ كل منهما قول الآخر بأن اتفقا على أصل النجاسة، وأمَّا إذا نفاه، كما إذا قال أحدهما: (إنه لاقى البول). وقال الآخر: (لا، بل لاقى الدم). ففي الحكم بالنجاسة إشكال(1).

والكلام في ذلك يتجّه على مبنى الماتن من عدم حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية، ثُمَّ نشير إلى واقع الحال بناءً على ما هو المختار من حُجِّيَّته في هذا المورد.

بناء على عدم حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية

أما بناءً على عدم حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية، فقد قال 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 152-153، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

السيد الأستاذ في تعليقه على هذه المسألة(1) ما يرجع كلامه إلى ثلاث كلمات:

الكلمة الأولى: أنَّ البيِّنة عنده -كما عند جملة من الفقهاء- يشترط في حُجِّيَّتها أن تكون متعلقة بواقعة واحدة. فإن تعلقت بواقعتين فلا تكون حُجَّة. ومعه لا تكون البيِّنة المذكورة في المتن حُجَّة لتعدُّد واقعتها.

نعم، هناك مطلب واحد اتفق عليه الشاهدان وهو الملاقاة مع أحد الأمرين وهو الجامع الانتزاعي.

والمُحقَّق في محلِّه(2) أنَّ الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحجية، وقد فرضنا أنَّ الشهادة بلحاظ كل منهما ساقط في المدلول المطابقي عن الحجية؛ لأنَّها ليست واقعة واحدة فلا تكون حُجَّة في المدلول الالتزامي أيضاً فلا تكون دلالتها على الجامع حُجَّة.

الكلمة الثانية: أنَّ ما ذكره الماتن من التفصيل بين ما إذا كان الشاهدان متعارضين، أو لم يكونا، لا يتُعَقَّل له وجهٌ؛ لأنَّنا:

إن قلنا: بأنَّ الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحجية، فينبغي أن نقول إنَّها ساقطة عن الحُجِّيّة، سواء كان بين الشاهدين تعارض، أو لم يكن؛ لأنَّ 

ــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) لاحظ: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 180، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 6، فقه الشيعة 3: 304، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 6.

(2) راجع: بحوث في علم الأصول 7: 74، تعارض الأدلّة، الورود بالمعنى الاعمّ، مرجّحات باب التزاحم.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مورد الاتفاق بينهما -وهو ملاقاة الجامع- ساقط عن الحجية؛ لأنَّه مدلول التزامي، سقط بسقوط الدلالة المطابقية عن الحُجِّيّة، حَتَّى لو لم يكن بينهما تعارض. 

وإن بنينا على عدم تبعيَّة الالتزامية للمطابقية، فتبقى على الحُجِّيّة في الجامع حَتَّى لو كانا متعارضين فإنَّ ما هو المتعارض هو المدلول المطابقي، وأمَّا المدلول الالتزامي فلا معنى للتعارض فيه، وحينئذ فليسقط المدلولان المطابقيان ويكون إثبات النجاسة بالدلالة الالتزامية، وهي ليس لها معارض فتفصيل الماتن ليس في محله.

الكلمة الثالثة: أنَّه لو فرض أنَّ الواقعة واحدة لكن اختلفا في خصوصياتها كما لو قالا معاً: (رأينا قطرة تنزل في هذا الإناء)، لكن أحدهما قال: (إنها كانت دماً أسود)، وقال الآخر: (إنها كانت دماً أحمر)، أو قال أحدهما: (دم رعاف)، وقال الآخر (دم ذبيحة)، فهنا لا بأس بأن يُبنى على حُجِّيّة البيِّنة، فإنَّ ما هو موضوع الأثر الشرعي إنَّما هو الدم، لا كونه دم رعاف أو دم ذبيحة، ولا كونه أسود أو أحمر. فما هو موضوع الحكم الشرعي اتفقا فيه، وما اختلفا فيه ليس موضوعاً للحكم الشرعي.

نعم، لو اختلفا في أصل ماهيته، فقال أحدهما: قطرة من دم وقال الآخر: قطرة من بول، فلا يثبت موضوع الحكم الشرعي لأنَّه هل يثبت الدم ولم يشهد به شاهدان أو البول ولم يشهد به شاهدان أو الجامع وهو مدلول التزامي ساقط عن الحُجِّيّة بسقوط الدلالة المطابقية.

ــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

التحقيق في المسألة

يقع الكلام في مقامين:

الأول: فيما إذا بنينا على عدم حُجِّيّة خبر الواحد وحصرنا الحُجِّيّة بالبيِّنة، كما هو مفروض الماتن.

الثاني: فيما إذا بنينا على حُجِّيّة خبر الواحد.

المقام الأوَّل: بناءً على حصر الحُجِّيّة بالبيِّنة

فيقع الكلام فيه في جهتين:

الجهة الأولى: فيما إذا فرض اختلاف مستند الشاهدين من دون تعارض بينهما، كما إذا لم يكن أحدهما نافياً لمدلول شهادة الآخر.

الجهة الثانية: فيما إذا اختلف المستند بنحو يقع التعارض بين الشهادتين، بأن كان أحدهما نافياً لمدلول الآخر.

الجهة الأولى: اختلاف مستند الشاهدين مع عدم تعارض

وهو ما إذا فرض اختلاف مستند الشاهدين من دون تعارض بينهما، فهل نعامل هاتين الشهادتين معاملة البيِّنة، أو لا؟ ذكر السيد الماتن أنَّنا نتعامل معها معاملة البيِّنة.

واستشكل في ذلك جملة من الفقهاء(1) بدعوى: أنَّ البيِّنة لا بُدَّ فيها من أن 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

(1) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى 1: 456، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 6، التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 180، 181، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تنصبَّ الشهادتان على واقعة واحدة، وإلا فلا يصدق عنوان البيِّنة. وفي المقام لم تنصبَّ على واقعة واحدة، فلا نتعامل معها معاملة البيِّنة.

بيان مقدّمتي المسألة

وتحقيق الكلام في ذلك يتوقف على التنبيه على مقدّمتين: 

المقدّمة الأولى: أنَّ للإخبار ثلاثة مراكز:

المركز الأوَّل: الأثر الشرعي الملحوظ المراد إثباته ببركة هذا الإخبار، كالحلِّيّة والحرمة والطهارة والنجاسة.

المركز الثاني: العنوان المشهود به وهو الملاقاة للبول. وهذا العنوان عادة يكون كلياً لا ينحصر بذلك البول المخصوص.

المركز الثالث: واقع ذلك المصداق الذي بلحاظه شهد بذلك العنوان.

وإن شئتم عبرتم عن العنوان بالمشهود به بالذات وعن معنونه بالمشهود به بالعرض على وزان المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض.

والبيِّنة تستبطن معنى التعدُّد بلا إشكال، فما هو المركز الذي يفرض كونه مَصبّاً للشهادتين؟ في ذلك كلام لا بُدَّ من تحقيقه.

المقدّمة الثانية:

أنَّنا كُلَّما ضممنا خبراً إلى خبر، ولاحظنا قدراً مشتركاً بين الخبرين، فلا محالة يكون احتمال القدر المشترك أقوى من احتمال الخصوصيتين.

وكُلَّما كان القدر المشترك أضيق دائرة كان الاحتمال فيه أقوى وأكبر.

فلو روى لنا شخصان قصة معينة بحذافيرها وبنفس الألفاظ، فالأمر 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المشترك هو الواقعة بتمام خصوصياتها اللفظية، فهنا يقوى جداً احتمال وقوعها، إذ لو كانت القصة مكذوبة فيقال: إنَّه لماذا اقتضت مصلحة هذا الفرد أو ذاك أن يعبّر بنفس الألفاظ والحروف.

وأضعف من ذلك ما إذا كان القدر المشترك أوسع من ذلك كما لو نقلا القصة بألفاظ متفاوتة، فهنا الواقعة المعنوية أمر مشترك إلا أنَّ احتمالها أقلّ.

وأمَّا إذا نقلا القصة بشكلٍ متفاوت، فقال أحدهما: رجل جاء إلى الإمام الحسن في مكّة وطلب منه كذا وكذا.. وقال الآخر: امرأة جاءت إلى الإمام الحسن في المدينة، وطلبت منه…

فالأمر المشترك هو كرم الإمام الحسن، وهو أوسع دائرة فيكون احتماله أضعف.

وهذا هو نكتة أنَّ التواتر اللفظي أقوى من التواتر المعنوي، والتواتر المعنوي أقوى من الإجمالي؛ لأنَّ الأمر المشترك كُلَّما اتسع ضعف احتماله حَتَّى يعود إلى أمر انتزاعي صرف كحدوث أحد الأمرين، فيما لو كانت الحادثتان مستقلّتين، فتكون أقوائية الاحتمال ضعيفة جداً.

التحقيق في المقام

وبعد اتضاح هاتين البيِّنتين نأتي إلى ما هو محلّ الكلام، فنقول: إنَّ التي استُبطِن في داخلها وقوع شهادتين على مركز واحد، فيها عدّة احتمالات:

الاحتمال الأوَّل: أن يكون المركز الواحد الذي أخذ في البيِّنة في دليلها هو المركز الأوَّل، وهو الأثر الشرعي. فقد لوحظ اشتراكهما في الأثر، سواء كان 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مركزهما الثاني والثالث واحداً أو لم يكن.

ولا يُقال: إنَّ هذا الاحتمال ساقط؛ لأنَّ التعدُّد إنَّما يُراد لأجل أن يقوي أحدهما الآخر، وفي المقام لا يحدث ذلك؛ لأنَّ كُلّاً منهما يشهد بواقعة غير ما يشهد به الآخر.

فإنه يُقال: بما أشرنا إليه في المقدّمة الثانية، من أنَّ احتمال الأمر المشترك أقوى من احتمال الخصوصية الواحدة في الخبرين، وفي المقام الأمر المشترك هو النجاسة، فيكون احتمالها أقوى، ويكون هذا احتمالاً معقولاً غير مخالف للارتكاز.

الاحتمال الثاني: أنَّه يشترط في البيِّنة وجود المركز الثاني للاشتراك.

ولازمه أنَّه لو شهد أحدهما بملاقاة الثوب للبول والآخر بملاقاته للدم لم تكن حُجَّة.

كما أنَّ لازمه أنهما لو شهدا بملاقاة البول، ولكن علمنا من الخارج أنَّ هذا الشاهد رأى الثوب نهاراً لا ليلاً والآخر رأه ليلاً لا نهاراً. فنعلم أنَّ الواقعة التي يمكن أن ينظر إليها هذا الشخص غير الواقعة التي يمكن أن ينظر إليها الشخص الآخر. فالمركز الثالث لا يكون مشتركاً وهو المصداق الخارجي. ولكن بناءً على هذا الاحتمال الثاني تكون البيِّنة مقبولة للاشتراك بالمركز الثاني وهو العنوان الكلي.

وإن الاحتمال على خلاف الارتكاز العقلائيّ؛ لأنَّ مرجعه إلى أن يكون وحدة العنوان المشهود به مأخوذاً على وجه الموضوعية. مع أنَّ الارتكاز العرفيّ 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

لا يفرق بين ما إذا صرَّحت البيِّنة لفظاً بتعدُّد المركز الثالث وهو الواقعة وبين ما إذا علمنا من الخارج بتعدده والارتكاز يقضي بأنَّ تمام الخصوصيات لا بُدَّ أن تؤخذ بنحو الطريقية ولا فرق في الطريقية بين الفرضين، فإمَّا أن نقول بالحُجِّيّة فيهما معاً، وذلك باختيار الاحتمال الأول، أو لا نقول به فيهما معاً وذلك باختيار الاحتمال الثالث.

الاحتمال الثالث: هو نفس الاحتمال الثاني، أي إنَّه يشترط في البيِّنة وجود المركز الثاني، بشرط أن لا يعلم بالتعدُّد في المركز الثالث، بل كان يحتمل اشتراكه أيضاً، فكأن البيِّنة متكونة من هذين الأمرين، ففي المثال الأخير لا تكون البيِّنة حُجَّة للعلم بتعدُّد المركز الثالث.

وهذا الاحتمال موجب للتخلّص من النقض السابق، فلا يكون خلاف الارتكاز.

لكنَّنا نشكل عليه فنقول: بأنَّه أخذ في مفهوم البيِّنة تعلق شهادتين بمركز واحداً ويكفي في صدق عنوان البيِّنة ذلك.

وحينئذ فهذا المركز إمَّا هو العنوان المشهور لفظاً، أو هو الواقعة الخارجيَّة المحكيّة بالعنوان.

فإن كان المركز الأوَّل مأخوذاً في البيِّنة فأيّ دليل على لزوم اتحاد الواقعة بل يكفي قيامها ولو علمنا بتعدُّد الواقعة.

وإن أخذ فيها وحدة المركز الثاني وهو الواقعة، فلا يكفي احتمال وحدة الواقعة، بل لا بُدَّ من الجزم بها، فلا يكون هذا الاحتمال صناعياً، إلا باستدراك آني.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الاحتمال الرابع: أن تكون البيِّنة متقوّمة بوحدة كل المراكز الثلاثة، فلو شهدا بملاقاة البول واحتملنا تعدُّد المركز الثالث لا تكون البيِّنة مقبولة. بل لا بُدَّ أن يكون ناظراً إلى نفس المصداق الذي ينظر إليه الآخر.

وأمَّا إذا لم يكن هكذا إمَّا شكّاً أو يقيناً -فلا بيِّنة-.

ويشكل على هذا الاحتمال: أنَّه لا يمكن تنزيل النصّ ولا الفتوى عليه، بل تكاد تكون النصوص والفتاوى قطعية على خلافه، وإلا لانسد باب العمل بالبيِّنة في أكثر الموارد التي تطابق النصّ أو الفتوى على العمل بها.

فلو شهد شاهدان بالنجاسة وسكتا، فمقتضى الاحتمال الرابع أنَّه لا يمكن التمسُّك بدليل الحُجِّيّة بالنسبة إليها؛ لأنَّه تمسك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، لأنَّه يشترط فيها وحدة الواقعة ونحن لم نحرزها.

وكذلك لو شهدا معاً أنَّه لاقى البول مع احتمال تعدُّد الواقعة وكذلك لو شهدا ببيع أو طلاق، مع احتمال التعدد، فيسقط الاحتمال الرابع ايضاً.

ونتيجة هذا التمحيص إلى الآن هو تُعيّن الاحتمال الأول، وهو أنَّ المأخوذ في دليل الحُجِّيّة هو البيِّنة مضافة إلى الأثر الواحد، فتتمّ فتوى الماتن. هذا غاية ما يمكن أن يُقال في تحقيق مبنى الماتن. 

وفذلكة القول في المقام هو أن يقال: إنَّ دليل حُجِّيّة البيِّنة إن كان هو رواية مسعدة بن صدقة التي يقول فيها: “وَالأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ غَيْرُ هَذَا أَوْ تَقُومَ بِهِ البَيِّنَةُ”، فيمكن أن نستظهر الاحتمال الأوَّل منها، وتتمّ فتوى الماتن؛ لأنَّ ظاهر قوله: (على هذا) يعني على الحلِّيّة، وقوله: “حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

غَيْرُ هَذَا” يعني الحرمة، فظاهرها كونها مضافة إلى الأثر الشرعي وهو الحرمة، فقد اعتبر التعدُّد والوحدة بلحاظ المركز الأوَّل.

وأمَّا بناءً على استفادة حُجِّيّة البيِّنة من روايات القضاء “إنَّما أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالبَيِّنَاتِ وَالأَيْمانِ”(1)بعد التجريد عن الخصوصية. فيمكن أن يُقال إنَّ المتعيّن هو الاحتمال الثالث وهو أن تكون حُجِّيّة البيِّنة مشروطة بأمرين

الأول: وحدة العنوان المشهود به.

والأمر الثاني: عدم العلم بتعدُّد الواقعة في الخارج.

أما الأمر الأوَّل: فلعلّه القدر المُتيقَّن بعد فرض عدم الإطلاق في دليل حُجِّيَّتها؛ لأنَّ قوله: “إنَّمَا أَقْضِي..” وإن كان ظاهراً في حُجِّيّة البينة، لكنها لم تضف إلى متعلق -كما عليه الحال في رواية مسعدة- فلم تنسب إلى الأثر الشرعي لنتمسّك بإطلاقها، فالقدر المُتيقَّن فيها هو اتحّاد العنوان.

لا يقال: بأنَّ القدر المُتيقَّن هو أن نكون الواقعة واحدة.

فإنَّه يقال: أشرنا أنَّ أدلَّة باب القضاء آبية عن الحمل على ذلك، وإلا لانسد باب البيِّنة في أكثر الموارد؛ لأنَّ احتمال تعدُّد الواقعة موجود دائماً.

وأمَّا الأمر الثاني: وهو أنَّه يشترط في البيِّنة أن يكون اتحاد الواقعة محتملاً فبرهانه هو تحكيم الارتكاز العرفيّ في دليل حُجِّيّة البينة؛ لأنَّه بعد أن اشترط في البيِّنة وحدة العنوان المشهود به -ولو اجمالاً- يحكم الارتكاز العرفيّ بأنَّ وحدته لم تؤخذ بما هي هي بل بما هي طريق وأمارة إلى وحدة الواقعة فلو علمنا 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1)راجع هامش ص:17.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بتعددها، فلا أثر لوحدة العنوان المشهود به، ويسقط عن الأمارية.

ومعه يتمّ ما ذكره الآغايون الآخرون، من أنَّه لو شهد أحدهما بملاقاة البول والآخر بملاقاة الدم، فإنَّها لا تكون حُجَّة لأنَّ العنوان ليس واحداً.

لكنَّنا لا نقول باشتراط وحدة الواقعة، ليلزم انسداد حُجِّيّة البيِّنة في أكثر الموارد الداخلة في النصّ والفتوى قطعاً. وإنَّما يشترط فيها عدم إحراز تعدُّد الواقعة، لا إحراز وحدتها. وبذلك يتطابق المُدَّعى تماماً مع النصّ والفتاوى المعروفة(1).

هذا تمام الكلام من الجهة الأولى.

الجهة الثانية: اختلاف مستند الشاهدين مع التعارض

فيما إذا بنينا على عدم حُجِّيّة خبر الواحد، وكان الشاهدان متعارضين، فقال أحدهما: (هذا لاقى بولاً، لا دماً)، وقال الآخر: (لاقى دماً لا بولاً).

لا إشكال أنَّه إذا بنينا على عدم حُجِّيّة البيِّنة، وعدم تكوّنها في الجهة الأولى، يعني عند عدم التعارض، فمن الأولى أن لا تكون حُجَّة عند التعارض.

وإنَّما يقع البحث في الجهة الثانية، بناء على مبنى السيد الماتن الذي يرى أنَّ البيِّنة تحصل في صورة عدم التعارض، فيقع الكلام في هذه الجهة في أنَّ حُجِّيّة البيِّنة هل هي مخصوصة بخصوص عدم التعارض أو نقول بها في فرض التعارض أيضاً.

ــــــــــ[140]ــــــــــ

() قال: إن السيرة موافقة مع أخبار القضاء أيضاً، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

السيد الماتن فصل ما بين الجهتين، فقال في الجهة الأولى بالحُجِّيّة، ونفاها في الجهة الثانية. واعترض عليه السيد الأستاذ(1)؛ بأنَّ هذا التفصيل غير تامّ. وذكر أنَّ هذا المطلب مربوط بمسألة تبعيَّة الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحُجِّيّة.

فإن قلنا بالتبعيَّة كان على السيد الماتن أن يقول بعدم الحُجِّيّة في كِلتا الجهتين.

وإن لم نقل بالتبعية، فيلزمه أن يقول بالحُجِّيّة فيهما معاً.

وتوضيح الإشكال: أنَّنا إذا بنينا على التبعيَّة يتعيَّن المصير إلى عدم تكوّن البيِّنة وعدم الحُجِّيّة، حَتَّى في فرض عدم التعارض، فضلاً عن التعارض، فإنَّ الدلالتين المطابقيتين تسقطان على أيّ حال، لوقوع التعارض بينهما، فلا ينتهي إلى الدلالة الالتزامية.

وأمَّا إذا لم نقل بالتبعية، فيلزم القول بحُجِّيَّتها حَتَّى في فرض التعارض، فإنَّه إنَّما يوجد بينهما تعارض في المدلول المطابقي، وأمَّا المدلول الالتزامي فهو واحد فيهما وهو النجاسة، ولا تعارض فيه فيبقى بعد سقوط الدلالة المطابقية في الشهادتين.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 176-178، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة ٤.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

التحقيق في المقام

والتحقيق أنَّ هذه المسألة غير مربوطة بمسألة التبعيَّة أصلاً، وإنَّما لها ملاكات علمية أخرى. فإنَّ هناك تقريبان لتوضيح التفصيل بين الجهة الأولى والثانية؛ أي فرض وقوع التعارض وعدمه، فإن تمّ أحدهما، فيتمّ، سواء قلنا بالتبعيَّة أو لا.

وإن لم يتمّ يتعيَّن القول بالحُجِّيّة في كِلتا الصورتين، سواء قلنا بالتبعيَّة أو لا.

التقريب الأوَّل: أنَّ اشتراط التعدُّد في البيِّنة ليس شرطاً تعبُّدياً صرفاً، وإنَّما هو اشتراط بنكتة كون التعدُّد مؤثراً في قوّة الكشف. ففي صورة عدم التعارض يوجد هناك قدر مشترك بين الشهادتين وهو أصل النجاسة. فيصبح احتمال النجاسة هنا أقوى ممَّا لو شهد أحدهما بالنجاسة. لما سبق أن قلناه(1) من أنَّ القدر المشترك يكون احتماله أقوى من احتمال الخصوصية.

وأمَّا في صورة التعارض فالتعدُّد بلحاظ القدر المشترك وإن كان موجوداً، إلا أنَّه لا أثر له في تقوية الاحتمال وزيادة الكشف؛ لأنَّ كُلاً من الشاهدين بمقدار ما يقرب من النجاسة يبعد عنها، لأنَّه يثبت ملاقاة البول وينفي ملاقاة الدم وكذلك الآخر، فلا يكون التعدُّد هنا موجباً لقوّة الاحتمال، فلا يكون للتعدُّد أثر إلا بنحو التعبُّد الصرف.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

(1) راجع: (الجهة الأولى: اختلاف مستند الشاهدين من دون تعارض)، ص133.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

التقريب الثاني: أنَّنا لو تنزَّلنا عن الوجه الأوَّل، وفرضنا أنَّ التعدُّد شرط مأخوذ بنحو التعبُّد، فيُدّعى: أنَّ دليل حُجِّيّة البيِّنة لا يتكفل جعل حُجِّيّة تأسيسية للبيِّنة، وإنَّما هو تقييد لدليل حُجِّيّة خبر الثقة، فنتعامل معه معاملة دليل الشرطية.

وحينئذ فلا يكون شاملاً، إلا للمورد الذي يكون مشمولاً في نفسه لدليل حُجِّيّة خبر الواحد.

وأمَّا ما لا يكون في نفسه مشمولاً لدليل الحجية، فلا يشمله دليل الشرطية، حاله في ذلك حال قوله: “لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ(1)، فإنَّه لا يريد تأسيس صلاة جديدة، وإنَّما يكون مشيراً إلى الدليل الأولي للصلاة ومشترطاً فيه الطهارة.

وحينئذ يتمّ تفصيل الماتن؛ لأنَّ الشاهدين إذا لم يتعارضا فإنَّ كُلاً منهما خبر ثقة، فيكون حُجَّة، إلا أنَّ اشتراط التعدُّد يكون مقيّداً لها، والشرط في المقام موجود.

 وأمَّا إذا تعارضا، فلا يشملهما دليل حُجِّيّة خبر الواحد في نفسه؛ لأنَّه لا يشمل التعارضين، ومعه فدليل حُجِّيّة البيِّنة لا يشمل هذين الخبرين.

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) المحاسن (البرقي) 1: 78، كتاب عقاب الأعمال، باب عقاب من تهاون بالوضوء، الحديث 1، الاستبصار 1: 55، كتاب الطهارة، الباب 31، الحديث 15، تهذيب الأحكام 1: 50، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 83، وسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإن قبلنا أحد هذين التقريبين -كما نقبل الأوَّل جزماً والثاني احتمالاً- فلا بُدَّ من المصير جزماً إلى تفصيل الماتن سواء قلنا بتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية أو لم نقل.

وأمَّا إذا لم نقبل كِلا التقريبين، وقلنا بأنَّ اشتراط التعدُّد شرط تعبُّدي تأسيسي فيتعيَّن أن تكون البيِّنة في كِلتا الصورتين حُجَّة، سواء قلنا بالتبعيَّة أو لم نقل. يعني أنَّنا حَتَّى لو قلنا بالتبعيَّة فلا بُدَّ لنا أن نقول بالحُجِّيّة حَتَّى في صورة التعارض؛ لأنَّ المورد خارج عن مورد الخلاف المعروف في تبعيَّة الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية.

وتوضيح ذلك: أنَّ مسألة تبعيَّة الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية، إنَّما هي فيما إذا فرض أنَّ دليلاً دلّ على حُجِّيّة الخبر في مدلوله المطابقي والالتزامي معاً، بحيث كان يشمل كُلاً منهما في نفسه، ثُمَّ لعارض من العوارض -كالتعارض- سقط المدلول المطابقي عن الحجية، فهل يسقط المدلول الالتزامي عن الحُجِّيّة أيضاً، أو لا؟ هذا هو محلّ النزاع بين الآغائيون(1)

ومثاله ما لو أخبر عن أنَّ زيداً مات وعلمنا من الخارج أنَّه لو مات زيد لمات عمرو ثُمَّ علمنا بعدم موت زيد فهل يبقى المدلول الالتزامي على الحُجِّيّة، أو لا…؟

وهناك فرض آخر خارج عن محلّ النزاع، وهو ما إذا فرض أنَّ دليل 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 7: 259، تعارض الأدلّة الشرعيّة، القسم الثاني: التعارض المستقرّ، حكم التعارض بلحاظ دليل الحُجِّيّة الواحد، نظريّة نفي الثالث.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الحُجِّيّة دلّ على عنوان لا ينطبق في نفسه على المدلول المطابقي من أوَّل الأمر، وإنَّما ينطبق على المدلول الالتزامي فقط. مثل دليل حُجِّيّة الإقرار، فلو قال عن الدار التي ليست تحت يده: هذه الدار لزيد كان مدلوله الالتزامي كونها ليست للمقر، ودليل الحُجِّيّة دلّ على حُجِّيّة عنوان الإقرار، وهو لا ينطبق إلا على المدلول الالتزامي وأمَّا المطابقي فهو إدعاء فلا يكون حُجَّة.

وهذا خارج عن محلّ النزاع فإنَّ من يقول بالتبعيَّة ومن لا يقول بها يقول بالحُجِّيّة هنا ولم أعهد أحداً استشكل في حُجِّيّة هذا الإقرار مع أنَّه لا يثبت أنَّ الدار ملك زيد.

ومحلّ كلامنا من قبيل هذا الثاني، دون الأول؛ لأنَّ دليل حُجِّيّة البيِّنة موضوعه هو البيّنة، إذ إنَّه لا ينطبق على المدلول المطابقي؛ لأنَّ البيِّنة أخذ فيها التعدُّد، ولا تعدُّد في المدلول المطابقي وإنَّما التعدُّد في المدلول الالتزامي. وهو النجاسة فيشمله دليل الحُجِّيّة فقط.

فالصحيح أن يقال: إنَّه إذا تمّ أحد التقريبين نبني على عدم الحُجِّيّة في مورد التعارض، وإذا لم يتمّ شيء منها نبني على الحُجِّيّة حَتَّى في مورد التعارض، إذا بنينا على الحُجِّيّة في صورة عدم التعارض.

ثُمَّ إن هذا التعارض الذي تكلّمنا عنه، كُنّا نقصد به أن تكون القضيَّة الخارجيَّة متعدِّدة، كما لو قال أحد الشاهدين: (لاقى الثوب البول نهاراً، ولم يلاقِ الدم ليلاً)، وقال الآخر بالعكس.

وأمَّا إذا كان التعارض مع وحدة الواقعة، بأن قال كِلا الشاهدين: (كُنّا 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

جالسين ووقعت قطرة دم على الثوب)، ولكن أحدهما قال: (إنها قطرة دم وقعت من جثة خروف)، وقال الآخر: (وقعت من جثة هرّة)، ففي مثل هذا الفرض مع أنَّه يوجد تعارض بين الخبرين يوجد محلّ للاتفاق بينهما بخلاف الفرض السابق حيث لم يكن يوجد بينهما مورد الاشتراك، فهل نقول في المقام أنَّ حكم التعارض الأوَّل يسري إلى الثاني، أو لا يسري؟

الصحيح أن يقال: إنَّ القدر الذي يتفق عليه كِلا الشاهدين من هذه الواقعة:

تارة: يفرض أنَّه قابل للإدراك الحسي مستقلاً من الخصوصيات التي يختلفون فيها. كما في المثال السابق نفسه فإنَّ إدراك دمّيَّة القطرة غير إدراك ترشحه من جثة الخروف أو الهرة، فهنا إدراكان ففي مثل ذلك لا بأس بأن يُقال بحُجِّيّة البيِّنة في المقدار المتفق عليه؛ لأنَّ له إدراكاً مستقلاً عن إدراك الأمر المختلف فيه، فتكون شهادتان حسيتان على مطلب مستقلّ فيشملها دليل الحُجِّيّة.

وأخرى: ما لو كان الإدراك الحسِّيّ للأمر المشترك، هو بعينه الإدراك الحسِّيّ للأمر المُختلَف فيه، كما لو قال أحدهما: (وقع على الثوب عظم الميتة)، وقال الآخر: (وقع عليه دم الخروف أو بول)، فالقدر المشترك وإن كان موجوداً وهو الجسميَّة، إلا أنَّها لا تدرك بإدراك مستقلّ عن العظمية والدمّيَّة، ففي مثل ذلك لا يكون حجّة؛ لأنَّ هذا الإدراك الحسِّيّ معارض مع ذلك الإدراك الحسِّيّ، فيكون حاله حال الفرض الأوَّل.

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فهذا هو التفصيل الصحيح بين ما إذا كان القدر المشترك إدراكاً حسّياً أو لم يكن. ومنه يظهر وجوه النظر فيما أفاده الآغائيون.

هذا تمام الكلام في المقام الأول، وهو ما إذا بنينا على عدم حُجِّيّة خبر الواحد.

المقام الثاني: بناء على حُجِّيّة خبر الثقة

فيما إذا بنينا على حُجِّيّة خبر الواحد. وفيه جهتان أيضاً:

الجهة الأولى: اختلاف مستند الشاهدين مع عدم التعارض

فيما إذا لم يكن الشاهدان متعارضين. وهنا لا إشكال من ثبوت النجاسة، بل في ثبوت حجتين على ذلك؛ لأنَّ كُلاً منهما حُجَّة في نفسه. فثبت كِلتا النجاستين، حَتَّى لو كان أحدهما أثراً زائداً كالغسلتين يثبت أيضاً.

الجهة الثانية: اختلاف مستند الشاهدين مع التعارض

إذا اختلفا في المستند وتعارضا فكان أحد الشاهدين يثبت الدم وينفي البول، والآخر بالعكس.

أيضاً نُفصِّل نفس هذا التفصيل، الذي ذكرناه في المقام الأوَّل، فإنَّ التعارض يكون: 

تارة: مع وحدة الواقعة. وأخرى: مع تعدُّد الواقعة.

النحو الأوَّل من المعارضة (وحدة الواقعة): أمَّا إذا كانت الواقعة واحدة، فيأتي نفس الكلام الذي قلنا فيما سبق من أنَّ جهة الاتفاق:

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إن كانت مدركة بإدراك حسِّيّ مستقلّ، كما لو فرض أنَّ كُلاً من الشاهدين له إدراكان حسّياً في أحدهما مماثلاً للآخر، وفي أحدهما معارض؛ فحينئذ لا بأس بأن نقول: إنَّ دليل حُجِّيّة خبر الثقة يشمله بلحاظ ما به الاتفاق، ولا يشمله بلحاظ ما به الاختلاف.

وإن كان الإدراك الحسِّيّ لمورد الاتفاق هو بعينه الإدراك الحسِّيّ المتعلق بما به الاختلاف، -كما مثلنا- فيكونان إدراكين متعارضين، فلا يشملهما دليل الحُجِّيّة، بل يكون حاله حال ما إذا كانت الواقعة متعدّدة.

النحو الثاني من المعارضة (تعدُّد الواقعة): ففي مثل ذلك قد يُقال: بأنَّ حكمه مربوط بالقول بتبعية المدلول الالتزامي للمطابقي بالحُجِّيّة وعدمه. فإنَّ الشاهد وجد له معارض في مدلوله المطابقي ولم يوجد له معارض في مدلوله الالتزامي، فيشملهما دليل الحُجِّيّة. بخلاف ما إذا بنينا على السقوط في الدلالة الالتزامية، فإذا سقط المدلول المطابقي بالمعارضة عن الحُجِّيّة سقط المدلول الالتزامي أيضاً.

وهذا الخلاف في التبعيَّة مرجعه إلى أنَّ ما يكون معارضاً للمدلول المطابقي، يكون معارضاً للمدلول الالتزامي أيضاً، أو لا يكون؟

فمن يقول بالتبعية، يقول: بأنَّ الخبر الثاني المعارض للمدلول المطابقي للخبر الأوَّل يعارض مدلوله الالتزامي أيضاً، ولا يعقل ألا يكون معارضاً له؛ لأنَّ المدلول الالتزامي للشاهد الأوَّل الذي شهد بالبول، ليس هو النجاسة على الإطلاق، بل الحصَّة الخاصَّة من النجاسة الناشئة من البول. والخبر الآخر 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الذي ينفي البول ينفي الحصَّة الخاصَّة من النجاسة.

وصاحب مبنى عدم التبعيَّة يقول: بأنَّ المعارض للمدلول المطابقي لا يلزم أن يكون معارضاً للمدلول الالتزامي لأنَّ المدلول الالتزامي ليس هو الحصَّة الخاصَّة بل جامع النجاسة.

فإذا اتّضح روح هذا الخلاف يتّضح أنَّه في مقام امثال المقام ينبغي القول بالتبعيَّة وسقوط الدلالة الالتزامية عن الحُجِّيّة حَتَّى لو فرض أنَّنا قلنا في غير المقام بنفي التبعيَّة.

وتوضيحه: أنَّ من يقول بعدم التبعيَّة يقول: إنَّ المدلول الالتزامي ليس هو الحصَّة الخاصَّة بل هو الجامع. وحينئذ نقول: بأنَّ المدلول الالتزامي في المقام ليس هو الجامع بل هو الحصَّة الخاصَّة. فإنَّه حين شهد بالبول ونفى الدم فلا محالة يتقيّد الجامع المشهود به في غير الدم. فكأنَّه قال: أشهد بنجاسة في هذا الثوب لا تستند إلى الدم. فبهذه القرينة يكون الشاهد الثاني معارضاً مع المدلول الالتزامي للشاهد الأول، وكذلك الأوَّل بالنسبة إلى الثاني الذي يثبت الدم وينفي البول. 

ومن هنا ينبغي للقائلين(1) بعدم التبعيَّة في الحُجِّيّة أن يفصّلوا بين صورتين: صورة نفي الشاهد لمدلول الآخر وعدمه. فيُقال بعدم الحُجِّيّة في الأوَّل وبثبوتها في الثاني.

وبذلك يتضح أنَّ الصحيح هو أنَّ دليل حُجِّيّة خبر الثقة لا يشمل الخبرين 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

(1) كالميرزا النائيني! في: فوائد الأصول 4: 487، 488، تنبيهات الاستصحاب، التنبيه الثامن.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المتعارضين لا بمدلولهما المطابقي ولا بمدلولهما الالتزامي، سواء قلنا بتبعية المدلول الالتزامي للمطابقي أو لم نقل.

نعم، لو فرض أنَّ أحدهما شهد بالبول ولم ينفِ الدم والآخر شهد بالدم ونفى البول، فهنا لا بأس بأن يقال: إنَّ الشاهد الأوَّل يسقط مدلوله المطابقي عن الحُجِّيّة ويبقى مدلوله الالتزامي، لأنَّه جامع النجاسة فيكون حُجَّة بناءً على عدم التبعيَّة فإنَّ الشاهد الآخر لم ينفِ جامع النجاسة، هذا تمام الكلام في المقام الثاني، وبه تمّ الكلام في هذه المسألة.

7- مسألة: في الشهادة بالإجمال واختلاف الشهادتين إجمالاً وتفصيلاً

مسألة7: الشهادة بالإجمال كافية أيضاً، كما إذا قالا أحد هذين نجس، فيجب الاجتناب عنهما. وأمَّا لو شهد أحدهما بالإجمال والآخر بالتعيين، -كما إذا قال أحدهما: (أحد هذين نجس)، وقال الآخر: (أحد هذين نجس)-، ففي المسألة وجوه: وجوب الاجتناب عنهما، ووجوبه عن المعين فقط، وعدم الوجوب أصلاً(1).

فقد فرض الماتن فرعين:

أحدهما: ما إذا شهدت البيِّنة بنجاسة أحد الإناءين.. فتُقبل.

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 154-155، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 ثانيهما: إذا شهد أحدهما بنجاسة أحدهما على الإجمال، وشهد الآخر بنجاسة أحدهما على التفصيل. فلا بُدَّ من الكلام في الفرعين:

الفرع الأوَّل: إذا شهدت البيِّنة بنجاسة أحدهما على وجه الإجمال

قال السيد الأستاذ وغيره(1): لو فرض أنَّ الواقعة الملحوظة للشاهدين واحدة فتكون معتبرة في إثبات نجاسة أحدهما.

وإن فرض أنَّ الواقعة متعدّدة، فلا تشكّل بيِّنة ولا تكون حُجَّة، لأنَّهم اشترطوا فيها وحدة الواقعة. وكأنهم فرضوا في المقام واقعة واحدة، وقالوا: إنَّها إمَّا أن تكون واحدة، وإمَّا أن تكون متعدّدة.

بينما التحقيق في المقام: أنَّه يوجد واقعتان لا واقعة واحدة:

 إحداهما: رؤية الدم بنحو يكون بين الإناءين، بحيث لا بُدَّ أن يقع في أحدهما.

وثانيتهما: وقوعه في هذا الإناء بعينه أو ذاك بعينه.

وهاتان الواقعتان لكُلٍّ منهما إدراك حسِّيّ مستقلّ، ولذا قد يدرك الأوَّل دون الثاني. وكِلتا هاتين الواقعتين:

تارة: يُعلم بوحدتها، وأخرى: يُعلم بتعدّدها. وثالثة: يُشكّ.

فتكون الصور تسعاً، نتيجة لضرب صور الواقعة الأولى في صور الواقعة ــــــــــ[151]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 186، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 7، فقه الشيعة 3: 309، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 7، مستمسك العروة الوثقى 1: 458، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الثانية. فعندنا ثلاث مجموعات، لكلّ مجموعة ثلاث صور:

المجموعة الأولى: أن نعلم بتعدُّد الواقعة الأولى

أن نعلم أنَّ القطرة الملحوظة لهذا غير القطرة الملحوظة لذاك. وفيها ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن نعلم بوحدة المحلّ وهو الإناء-يعني الواقعة الثانية- مع العلم بتعدُّد القطرة، فهذه عين المسألة السابقة، ولا فرق بينهما، إلا من حيث إنَّ الواحد هناك تفصيلي، والواحد هنا إجمالي، فيجري فيه الكلام السابق واحتمالاته الأربعة.

الصورة الثانية: أن نعلم بتعدُّد قطرة الدم، ونعلم بتعدُّد محلِّهما أيضاً، هذا أيضاً نفس الفرض، لكن مع إضافة إشكال جديد عليه؛ لأنَّه في ذلك الفرض كان يوجد تعدُّد من ناحية نفس النجاسة دون محلِّها. وهنا يوجد تعدُّد من كِلتا الناحيتين. وهذه الزيادة في الإشكال قد يؤدِّي إلى أنَّنا حَتَّى لو قلنا بحُجِّيّة البيِّنة هناك قد لا نقول به هنا.

فمثلاً لو قلنا هناك: بأنَّ الظاهر من خبر مسعدة بن صدقة بأنَّ وحدة الأثر الشرعي كافٍ في حُجِّيّة البيِّنة. وبنينا على قبولها هناك. فقد لا نقبلها هنا؛ لأنَّه لا يوجد أثر شرعي واحد بل أثران شرعيان، فإنَّ المفروض تعدُّد المحلّ أيضاً.

الصورة الثالثة: أن يُشكّ بتعدُّد المحلّ مع العلم بتعدُّد القطرة، وحاله حال الصورة السابقة. غاية الأمر أنَّ الإشكال الزائد كان قطعياً في الصورة السابقة ومُحتملاً هنا.

ــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المجموعة الثانية: أن نعلم بوحدة الواقعة الأولى

وهي قطرة الدم الملحوظة للشاهدين. وهذه فيها ثلاث صور أيضاً: 

الصورة الأولى: أن يكون المحلّ الملحوظ لهما أيضاً معلوم الوحدة.

فلا إشكال في حُجِّيّة هذه البيِّنة. على جميع المباني والاحتمالات الأربعة السابقة؛ لأنَّها على مركز واحد على جميع التقادير؛ لأنَّها شهدت بقطرة واحدة على محلّ واحد. وكون متعلّقها أمراً إجمالياً لا تفصيلياً لا دخل له في الحُجِّيّة. إذ لا فرق بين الإجمالي والتفصيلي كما بُيّن في علم الأصول(1).

الصورة الثانية: أن نعلم بوحدة الواقعة الأولى، ونعلم بتعدُّد الواقعة الثانية، فهناك قطرة دم واحدة ملحوظة، لكن خُيِّل لهذا الشاهد أنَّها وقعت في الإناء الشرقي، وخُيِّل للآخر أنَّها وقعت في الإناء الغربي.. بحيث لو سألناهما لأجابا بذلك.

فهنا لا إشكال في حُجِّيّة هذه البينة؛ لأنَّنا بعد أن أحرزنا اتفاقهما على الواقعة الأولى، فتكون ثابتة بالبيِّنة، فيثبت أنَّ هناك قطرة دم مسلطة على الإناءين بحيث لا بُدَّ أن تقع في أحدهما. وأمَّا الواقعة الثانية التي وقعت محلاً للتعارض، فتتساقط فيه الشهادتان، فتثبت نجاسة أحد الإناءين إجمالاً.

الصورة الثالثة: أن نشكّ في أنَّ المحلّ واحد أو متعدّد، مع علمنا بوحدة 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 4: 149، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث القطع، الجهة السابعة: في منجّزيّة العلم الإجمالي.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

القطرة. فهذا حكمه حكم الصورة السابقة؛ لأنَّنا بنينا على الحُجِّيّة هناك، فنبني عليها هنا أيضاً.

إذن ففي موارد المجموعة الثانية، وهي ما إذا كانت الواقعة الأولى واحدة، تكون البيِّنة حُجَّة مطلقاً.

المجموعة الثالثة: ما إذا كانت الواقعة الأولى مشكوكة الوحدة والتعدد

وحيث لا نعلم أنَّ قطرة الدم التي يشهد بها هذا عين القطرة التي يشهد بها الآخر أو غيرها. ففيه ثلاث صور أيضاً:

الصورة الأولى: أن نعلم بوحدة المحلّ، بحيث لو سألناهما لشخّصا اناءً واحداً فهذا يصير حاله حال ما لو شهدا بنجاسة إناء بعينه ولا ندري أنهما استندا إلى قطرة واحدة أو إلى قطرتين من حيث إنَّ العنوان المشهود به واحد والواقعة مشكوكة التعدد. وقد قلنا هناك بالحُجِّيّة. فإنَّنا نبني على أصالة الاتحاد في الواقعة، وقد استفدنا من دليل الحُجِّيّة أنَّ وحدة العنوان قرينة وأمارة على وحدة الواقعة.

ومعه يكون المقام مثل ذاك، غاية الأمر أنَّ الواحد هنا إجمالي وهناك تفصيلي.

الصورة الثانية: أن نعلم بتعدُّد المحلّ في لحاظ الشاهدين فهنا لا نبني على أصالة الاتحاد وإن كان العنوان المشهود به واحداً؛ لأنَّنا إنَّما نبني على ذلك باعتبار أمارية العنوان، وبعد العلم بتعدُّد المحلّ تكون هذه الأمارية ساقطة 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

عقلائياً، بل تكون عكسية فإنَّ تعدُّد المحلّ قرينة على تعدُّد الواقعة، فلا تكون هذه البيِّنة حُجَّة.

الصورة الثالثة: أن لا ندري أنَّ القطرتين واحدة أو متعدِّدة ولا ندري أنَّ المحلّ واحد أو متعدّد. فحجية البيِّنة في هذه الصورة مربوطة بجريان أصالة الاتحاد وعدمه.

فإن قلنا بأنَّها لا تجري إلا مع إحراز وحدة المحلّ فلا تجري هنا.

وإن قلنا بأنَّ أصالة الاتّحاد بنفسها كما تثبت وحدة الواقعة تثبت وحدة المحلّ أيضاً، فتكون جارية.

إلا أنَّ البناء على أنَّ أصالة الاتحاد تثبت وحدة الواقعة والمحل، وكونها تجري حَتَّى مع العلم بتعدُّد المحلّ في غاية الإشكال.

خاصّة أنَّنا قد فرضنا -فيما سبق- أنَّ دليل هذا الأصل هو صيانة دليل الحُجِّيّة عن اللغويَّة؛ لأنّا لا ندري عدم جريانه سقوط القدر المُتيقَّن لحُجِّيَّة البيِّنة، نصاً وفتوىً. وهذا غير جارٍ هنا؛ لأنَّ القدر المُتيقَّن من أصالة الاتِّحاد، هو ما إذا فرغ من وحدة المحلّ دون صورة الشكّ فيه، وهو كافٍ في دفع اللغويَّة، وليس لهذا الأصل دليل لفظي ليتمسك به. ومعه فلا تكون هذه البيِّنة حُجَّة.

الفرع الثاني: شهادة أحدهما بنحو الإجمال والآخر بنحو التفصيل

ما إذا فرضنا أنَّ أحدهما شهد على نحو الإجمال والآخر على نحو التفصيل. فهناك ثلاثة وجوه:

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الوجه الأول: حُجِّيّة البيِّنة في الشهادة التفصيلية

أن يقال: إنَّ البيِّنة لا تكون حُجَّة في إثبات النجاسة للفرد الذي لم يشهد بالتفصيل وحُجَّة في الإناء الذي شهد له أحدهما بالتفصيل.

أمَّا أنَّها تكون حُجَّة في هذا؛ فلأنَّه مشمول لوجوب الاجتناب الذي يُعرب عنه كِلا الشاهدين:

أمَّا الشاهد الذي شهد به تفصيلاً: فواضح؛ لأنَّه يعرب عن وجوب اجتنابه. 

وأمَّا الآخر: فلأنَّه شهد بوجوب الاجتناب عن هذا أيضاً؛ لأنَّه يكفي أن تكون النجاسة لأحدهما إجمالاً. فتكون البيِّنة قد قامت على وجوب الاجتناب عن هذا الإناء بالتفصيل.

وأمَّا الإناء الآخر فلم يجتمع كِلا الشاهدين على وجوب الاجتناب عنه، بل أحدهما وهو الشاهد بالإجمال باعتباره طرفاً للعلم الإجمالي.

وأمَّا الشاهد الآخر فهو لا يحكي عن ذاك، ولا يشهد بوجوب الاجتناب عنه، فلم يجتمع بوجوب الاجتناب عنه شهادتان. ومعه فينبغي التفصيل في حُجِّيّة البيِّنة بين الإناءين.

مناقشة الوجه الأول

وهذا الوجه في غاية الرداءة:

أمَّا أولاً: فلأنَّ وجوب الاجتناب الذي يُدّعى كونه محكياً للشاهد الإجمالي، كيف نتصور ذلك؟

ــــــــــ[156]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإنه إن أُريد بوجوب الاجتناب عن هذا الطرف، وجوبه الواقعي، فهذا غير محكي للشاهد الإجمالي؛ لأنَّه لا يحكي عن نجاسة هذا، بل عن نجاسة الجامع بينه وبين غيره.

وإن أُريد وجوب الاجتناب الظاهري الفعليّ بقانون منجزية العلم الإجمالي، فهذا في طول ثبوت النجاسة وحُجِّيّة البينة، فلا يمكن أن يكون مدلولاً للبيِّنة بحيث تكون البيِّنة في طوله.

وأمَّا ثانياً: فلأنَّنا لو فرضنا أنَّ وجوب الاجتناب عن هذا الطرف كان مدلولاً التزامياً للشاهد الإجمالي، مع هذا لا ينفع ذلك في تشكيل بيِّنة حُجَّة في وجوب الاجتناب للعلم أو احتمال تعدُّد الواقعة.

وقد قلنا فيما سبق: إنَّه لا يكفي في حُجِّيّة البيِّنة وحدة المصبَّ، بل لا بُدَّ أن تكون الواقعة الحسِّيَّة واحدة، محرزة بالوجدان، أو بأصالة الاتّحاد. ومعه لا بُدَّ من صرف عنان الكلام إلى هذه النكتة: وهي أنَّ الواقعة الحسِّيَّة واحدة بين الشاهد الإجمالي والشاهد التفصيلي، أو لا؟

إذن فالوجه الأوَّل لا يتمّ.

الوجه الثاني: حُجِّيّة البيِّنة في الجامع

في تقريب حُجِّيّة البيِّنة في تنجيز وجوب الاجتناب عن كِلا الإناءين. وذلك بأن يقال: إنَّ الشاهد الإجمالي شهد بنجاسة أحد الإناءين لا بعينه يعني الجامع، والشاهد التفصيلي شهد بنجاسة أحدهما المتخصص.

إذن فقد شهد الشاهد التفصيلي بأحدهما الجامع لأنَّ الجامع موجود في 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ضمن المتخصص. إذن فالجامع يكون مركزاً لكلتا الشهادين. غاية الأمر أنَّ شهادة الأوَّل به استقلالية، وشهادة الآخر به ضمنية، إمَّا خصوص هذا الفرد أو ذاك، فلا يثبت:

أما الفرد المعين؛ فلأنَّه شهد به واحد، والمفروض عدم حُجِّيّة شهادة الواحد.

وأمَّا الفرد الآخر؛ فلأنَّه لم يشهد به ولا واحد، وإذا ثبت الجامع، يتشكّل علم إجمالي بثبوت النجاسة للجامع فيكون موجباً لوجوب الاجتناب عن كِلا الطرفين.

اعتراض السيد الأستاذ على الوجه الثاني:

وقد اعترض السيد الأستاذ(1) عليه: أنَّه لا توجد شهادتان بالجامع بل شهادة واحدة. فإنَّ الشاهد الإجمالي وإن شهد به إلا أنَّ الشاهد التفصيلي لم يشهد بالجامع مستقلاً بل بالجامع ضمن الفرد والشهادة الضمنية، لا يمكن احرازها واعتبارها بعد سقوط اعتبارها في الفرد بما هو فرد. فإن أُريد بها إثبات الجامع على إطلاق فهو ممَّا لم يشهد به وإن أُريد بها إثبات الجامع المتخصص فهو ممَّا لا يمكن لأنَّه لا يزيد على الشهادة بالفرد.

ومن هنا يتضح الوجه في الفتوى الثالثة أو الوجه الثالث

ــــــــــ[158]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 187، 188، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 7؛ فقه الشيعة 3: 310، 311، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الوجه الثالث: عدم ثبوت الحُجِّيّة لكِلتا البيّنتين

وهو أنَّه لا يجب الاجتناب عنهما معاً:

أما ذلك الفرد الذي لم يشهد به واحد بعينه فواضح؛ لأنَّ وجوب الاجتناب عنه فرع ثبوت النجاسة عليها بخصوصه، أو على الجامع بينه وبين غيره.

أما عدم ثبوتها عليه بخصوصه فواضح فإنَّه لم يشهد بذلك ولا شاهد أصلاً. وأمَّا عدم ثبوتها على الجامع فايضاً كذلك لأنَّ أحدهما شهد بالجامع لا بشرط، والآخر شهد بالجامع بشرط شيء، وهما متباينان فلا تتَّحد الشهادتان في مصبٍّ واحد.

وأمَّا الفرد الآخر، فقد شهد به بخصوصه شاهد واحد وشهد بجامعه شاهد واحد، والشهادتان غير متَّحديّ المصبِّ كما عرفنا، فلا تنعقد البيِّنة على نجاسة شيء من الإناءين.

مناقشة الوجه الثالث

إلا أنَّ الصحيح على ضوء ما قلناه آنفاً: أنَّه لا توجد عندنا واقعة واحدة، بل واقعتان حسيتان لكل منهما إدراك حسِّيّ مستقلّ عن الآخر.

الواقعة الأولى: وجود قطرة دم مسلطة على الإناءين بحيث لا بُدَّ أن تقع في أحدهما.

الواقعة الثانية: أنَّها وقعت في هذا الإناء بالخصوص والشاهد قد يدرك الأولى دون الثانية وقد يدركهما معاً.

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وحينئذٍ فإمَّا أن نفرض إحراز وحدة الواقعة الأولى أو إحراز تعدُّدها أو الشكّ في ذلك. فهناك ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن نحرز وحدة الواقعة الأولى، وأن قطرة الدم التي شهد بها الأوَّل هي بعينها التي شهد بها الثاني. ولكنهما مختلفان في الواقعة الثانية فأحدهما يشهد بها والآخر لا يشهد بها.

فمقتضى القاعدة ثبوت الواقعة الأولى دون الثانية فإذا ثبت الواقعة الأولى فيثبت وجود دم في الجملة فيتشكل العلم الإجمالي، ويجب الاجتناب عنهما معاً.

وأمَّا دعوى: أنَّ هذا تشبث بشهادة الشاهد الثاني، مع أنَّه لم يشهد بالجامع مستقلاً بل مع الخصوصية، فكيف تأخذون بالجامع وتدعون الخصوصية؟!

نقول: لأنَّ ميزان الضمنية والاستقلالية ليس هو التمييز، بل هو قابلية الواقعة للإدراك الحسِّيَّ المستقلّ، فإذا أخذنا الجامع دون الخصوصية، كان تحليلاً في عالم اللفظ.

وأمَّا بلحاظ الواقع الحسِّيَّ فهنا إدراكان حسيان متغايران، ليس أحدهما مندمجاً في الآخر، فإذا أخذنا شهادته الأولى فليس هذا تحليلاً بحسب عالم الشهود، وميزان المطلب هو ذلك دون عالم اللفظ.

ولذا لو انعكس المطلب، فكان الشهود واحداً ولكنَّه في اللفظ جعله منحلاً متعدِّداً فقال: (رأيت جوهراً هو جسم هو عظم). فرؤيته واحدة وإن كانت شهادته تفصيلية استقلالية، والمناط الاستقلال في الشهود. وعلى أيّ حال فلا إشكال في أنَّ الواقعة الأولى إذا كانت واحدة، تكون البيِّنة حُجَّة معها.

ــــــــــ[160]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الصورة الثانية: ما إذا علمنا بتعدُّد الواقعة، فلا تقبل شهادتهما حتى لو انصبَّت على عنوان واحد. فضلاً عمَّا إذا كان أحدهما يشهد بالخاصّ بما هو خاصّ والآخر بالجامع بما هو جامع.

الصورة الثالثة: أن نشكّ في تعدُّد الواقعة الأولى ووحدتها وهذا مربوط بما حققناه بالأمس من جريان أصالة الاتحاد فلو قطع النظر عن جريانها، لا تكون البيِّنة حُجَّة بلا إشكال؛ لأنَّها إنَّما تكون حُجَّة فيما إذا أحرز اتحاد الواقعة وجداناً أو بالأصل.

وأمَّا إذا شككنا فتكون شبهة مصداقية لدليل الحُجِّيّة. ولكن إذا جرت أصالة الاتحاد فبها ننقح موضوع دليل الحُجِّيّة.

وقد قلنا: إنَّه يشكل جريانها في غير مورد إحراز وحدة المحلّ؛ لأنَّ دليلها لُبِّيٌّ فيقتصر على القدر المتيقن، ومجرد أنَّ المحلّ هنا لم يحرز وحدته فلم تحرز أصالة الاتحاد، فيشكل حُجِّيّة البيِّنة.

8- مسألة: الاختلاف في الشهادة زماناً

مسألة 8: لو شهد أحدهما بنجاسة الشيء فعلاً والآخر بنجاسته سابقاً مع الجهل بحاله فعلاً فالظاهر وجوب الاجتناب وكذا إذا شهدا معاً بالنجاسة السابقة لجريان الاستصحاب(1).

ــــــــــ[161]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 156-157، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

في تشخيص حال الشهادة من حيث الزمان، يتعدَّد لثلاثة أقسام:

القسم الأوَّل: أن يكون الشاهدان معاً ناظرين إلى الزمان الفعلي، ولا إشكال فيها، وإنَّما عقدت هذه المسألة لتحقيق القسمين الآتيين.

القسم الثاني: أن يكونا معاً ناظرين إلى الزمان السابق. ولا إطّلاع لهما على حاله فعلاً.

والقسم الثالث: أن يكون أحدهما ناظراً إلى الزمان الماضي، والآخر إلى الزمان الحاضر.

كِلاهما ناظر إلى الزمن الماضي

فإن كانا معاً ناظرين إلى الزمان الماضي، فحينئذٍ:

أمّا أن يفرض أنَّنا لا نحتمل وقوع المطهّر على الثوب بعد ذلك، فحينئذ لا إشكال في حُجِّيّة البينة؛ لأنَّها -بحسب الحقيقة- تشهد بنجاسة فعليّة؛ لأنَّ حدوثها في ذلك الحين ملازم لبقائها إلى حدّ الآن؛ لأنَّنا نقطع ببقائها على تقدير حدوثها.

وأمَّا إذا كُنّا نحتمل ارتفاع النجاسة على تقدير حدوثها.

فهذا معناه: أنَّه لا تلازم بين الحدوث والبقاء. وعليه فالبيِّنة التي تحكي عن الحدوث لا تكون حاكية عن البقاء. فلا يمكن إثبات النجاسة الفعليّة بنفس حكاية البيِّنة ودليل حُجِّيَّتها.

ومن هنا لا بُدَّ من أن نضمّ دليل الاستصحاب إلى دليل حُجِّيّة البينة، بأن يقال: إنّه بالبيِّنة نحرز الحدوث، وبالاستصحاب نحرز بقاء النجاسة، فيثبت وجودها فعلاً.

ــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إيراد إشكال على الاستصحاب في المقام

وقد أوردوا على هذا الاستصحاب إشكالاً معروفاً، وحاصله:

أنَّنا ماذا نستصحب؟ هل نستصحب الحكم الظاهري المجعول على طبق البيِّنة، أو نستصحب الحكم الواقعي؟

فإن استصحبنا الحكم الظاهري للنجاسته فهو غير معقول، لأنَّه مقطوع الارتفاع؛ لأنَّه ثابت بلسان صدق البيِّنة وتصديقها إنَّما هو بمقدار حكايتها لا أزيد، وهي إنَّما تحكي بمقدار الحدوث دون البقاء، ومعه فالحكم الظاهري خاصّ بحال الحدوث، فلا معنى للاستصحاب.

وإن أردنا استصحاب الحكم الواقعي للنجاسة فهو لا يقين بحدوثه حَتَّى يجري الاستصحاب. وإنَّما أخبرت به البيِّنة.

جواب الإشكال

وقد أُجيب عن هذا الإشكال بعدّة أجوبة أشهرها ما ذكره المرزا(1)، واستقرّ عليه البناء الخارجي من قبل مدرسته(2).

وحاصله: أنَّ مفاد دليل الحُجِّيّة هو جعل الطريقية والعلمية للبيِّنة، فهو ينزلها منزلة القطع الطريقيّ في تنجيز المؤدِّي، ومنزلة القطع الموضوعي في ترتُّب 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

(1) لاحظ: فوائد الأصول (الكاظمي) 4: 403، تنبيهات الاستصحاب، التنبيه الثاني.

(2) لاحظ: الهداية في الأصول (الأصفهاني) 4: 86، تنبيهات الاستصحاب، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

آثاره الشرعيَّة عليه، فكل ما يترتّب على القطع الموضوعي يكون مترتباً عليها، لأنَّها علم تعبدي.

ومعه فينحلّ هذا الإشكال لأنَّ من الآثار الشرعيَّة المترتِّبة على اليقين بالحدوث جريان الاستصحاب فيكون جارياً في المقام لوجود اليقين التعبُّدي بالحدوث والشكّ في البقاء.

تعليق على الإشكال وجوابه

ولنا في مقام التعليق على ذلك الإشكال والجواب عدّة كلمات:

الكلمة الأوَّل: موضوع الاستصحاب هو نفس الحدوث

إن هذا الإشكال المشهوري مبني على أصل موضوعي مشهوري وهو أنَّ دليل الاستصحاب متقوم موضوعاً بركنين هما: (اليقين بالحدوث) و(الشكّ في البقاء)، فحينئذ يكون للإشكال صورة؛ لأنَّ النجاسة الواقعية لا يقين فيها.

ولكنَّنا بيَّنا في علم الأصول(1): أنَّ المستفاد من أكثر روايات الاستصحاب، وإن كان ذلك إلا أنَّ بعضها لم يؤخذ في موضوعها اليقين بالحدوث بل علّق الاستصحاب فيها على نفس الحدوث. كما في رواية عبد الله بن سنان(2) التي 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 6: 94، مباحث الحجج والأصول العمليّة، الاستصحاب، الفصل الأوَّل: أدلَّة حُجِّيّة الاستصحاب، الرواية السابعة.

(2) الاستبصار 1: 392، كتاب الصلاة، الباب 231، الحديث 1، تهذيب الأحكام 2: 361، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 27، وسائل الشيعة 3: 521، كتاب الطهارة، الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يقول فيها: “فَإِنَّكَ أَعَرْتَهُ إِيَّاهُ وَهُوَ طاهِرٌ، وَلَمْ تَسْتَيْقِنْ أَنَّهُ نَجَّسَهُ، فَلا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ نَجَّسَهُ”، فقد كان حدوث النجاسة السابقة كافياً في جريان الاستصحاب.

وبناءً على ذلك لا مجال لهذا الإشكال المشهوري؛ لأنَّه يُقال في المقام: إنَّنا نستصحب النجاسة الواقعية.

فإن قلتم: لا يقين بحدوثها. 

قلنا: نعم، ولكنَّنا لا نريد اليقين بالحدوث. فإنَّ الاستصحاب أثر شرعي لنفس الحدوث، فالبيِّنة التي تدلّ بالمطابقة على الحدوث تدلّ بالالتزام على أثره الشرعي وهو الاستصحاب فيكون الاستصحاب مدلولاً التزامياً لنفس البينة، بلا حاجة إلى تكلّف دعوى أنَّها علم تعبدي، يقوم مقام القطع الموضوعي.

الكلمة الثانية: نستصحب عدم طروّ المطهر

إنَّنا لو سلَّمنا أنَّ الاستصحاب موضوعه اليقين بالحدوث، لكن الإشكال المشهوري كأنَّه نشأ من غفلة مشهورية. فإنَّهم قالوا: ماذا تستصحبون؟ النجاسة الظاهرية وهي مقطوعة الارتفاع أو الواقعية وهي مشكوكة الحدوث.

نقول: نستصحب استصحاباً موضوعياً، وهو عدم وقوع الغسل على الثوب وإنَّما نشأ الإشكال فيما إذا احتملنا ارتفاع النجاسة على تقدير حدوثها وهو لا يكون إلا بحدوث مطهر ونحوه فنستصحب عدمه.

فنحن لا نجري الاستصحاب في نفس النجاسة الواقعية ليُقال لا يقين بحدوثه، بل بعدم طروّ المطهّر وهو تامّ الأركان في نفسه.

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وذلك: لأنَّ الحكم الشرعي الواقعي بنجاسة هذا الثوب فعلاً مركَّب موضوعه من جزأين:

أحدهما: كونه لاقى الدم.

وثانيهما: أنَّه لم يغسل بعد ذلك.

فنحرز الأوَّل بالبيِّنة والثاني بالاستصحاب. وبضمّ الإحرازين يتمّ موضوع النجاسة الواقعية تعبّداً. ومعه لا نحتاج في أمثال المقام من موارد الشبهة الموضوعيَّة إلى الكلام المرزائي.

الكلمة الثالثة: استصحاب النجاسة الظاهرية

إنَّنا لو قطعنا النظر عن جريان الاستصحاب الموضوعي فيمكن أن نجري استصحاب النجاسة الظاهرية.

ودعوى أنَّها مقطوعة الارتفاع؛ لأنَّها تجعل بمقدار حكاية البيِّنة، وهي لا تحكي إلا عن الحدوث. 

مدفوعة: بأنَّ النجاسة الظاهرية المجعولة على طبق حكاية البيِّنة محتملة البقاء. واليقين بحدوثها وجداني فيتمّ أركان الاستصحاب فيها.

أمَّا اليقين بالحدوث فواضح؛ للقطع بقيام البيِّنة.

وأمَّا الشكّ في البقاء فأيضاً كذلك. 

والسر في ذلك: أنَّنا نعلم من الخارج أنَّ كل نجاسة تحدث في شيء، فإنَّها تبقى إلى أن يغسل ذلك الشيء، فبقاؤها إلى أن يغسل ملازم لحدوثها. ولكن هل غسلت، أو لا؟ لا أدري. ومعه فالبيِّنة التي تشهد بملاقاة الثوب للدم، 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تحكي عن نجاسة طولانية، تبدأ بالملاقاة، وتبقى إلى حين الغسل. 

وحينئذ فالحكم الظاهري بالنجاسة المجعول -مثلاً- على طبق البيِّنة يكون بمقدار حكايتها. فيحكم الشارع بنجاسة ظاهرية من حين ملاقاة الدم إلى حين الغسل بالماء.

ولكن البيِّنة لا تقول متى يتحقّق الغسل. وحينئذ فإن شككنا أنَّ الغسل وقع أو لا؟ فنشكّ في أنَّ النجاسة المحكيّة للبيِّنة باقية، أو لا؟ فمعناه أنَّنا نحتمل بقاء الحكم الظاهري فنستصحب(1).

ــــــــــ[167]ــــــــــ

() أقول: فإن قلت: إنَّ لهذا الاستصحاب استصحاباً موضوعياً حاكماً عليه، وهو استصحاب عدم الغسل، الذي يثبت به طول حكاية البينة، وحينئذ يكون الحكم ثابتاً بمدلول البيِّنة، لا بالاستصحاب.

قلنا: هذا الاستصحاب الموضوعي موافق في المؤدَّى مع الحكمي، ومعه لا يكون حاكماً عليه على مبنى السيد، في عدم الحكومة في الأصول المتوافقة.

فإن قلت: نعم، ولكنَّه يكون حاكمأً في نظر القوم، فلا يكون الاستصحاب للحكم الظاهري جارياً على مبناهم، فلا يتمّ كلام السيد في مقابلهم.

قلنا:

أولاً: أنَّ غرض السيد كان دفع شبهة القطع بالارتفاع، ولم يكن مراده البرهنة على جريان هذا الاستصحاب. وكيف وهو يرى جريان استصحاب الحكم الواقعي. وبمقدار ما هو غرضه لا يرد هذا الإشكال عليه.

وثانياً: أنَّك حين تستصحب عدم الغسل، فكما يترتّب عليه الحكم الظاهري يترتّب عليه الحكم الواقعي، فإنَّه موضوع لهما معاً.

ومعه نعود إلى الكلام الثاني الذي غضضنا النظر عنه.

فإن قلت: كَلا، لا يلزم العود إلى الكلام الثاني؛ لأنَّهم هناك منعوا من جريان الاستصحاب الحكمي، فذكر لهم السيد جريان الاستصحاب الموضوعي، بخلافه في المقام.

قلنا: المقام مثل سابقه أيضاً فإنَّهم كما أنكروا جريان الاستصحاب في الحكم الواقعي أنكروه في الحكم الظاهري.

فإن قلت: هناك فرق بين المقامين فإنَّهم إنَّما منعوا عن جريان استصحاب الحكم الواقعي باعتباره مشكوك الحدوث واستصحابه الموضوعي لا يجعله متيقناً من هذه الناحية كما هو واضح. وأمَّا منعهم عن جريان استصحاب الحكم الظاهري فباعتبار كونه مقطوع الارتفاع، ومن المعلوم أنَّ استصحابه الموضوعي يرفع هذه الصفة عنه، ويجعله مشكوك الحدوث.

قلنا: إنَّ استصحاب موضوع الحكم الظاهري فرع الشكّ ببقائه، فكيف يثبت به ذلك! (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الكلمة الرابعة: تماميّة الجواب على بعض المباني لا مطلقاً

 إنَّنا لو تنازلنا عن كل الكلمات الثلاثة، وتمسَّكنا بذيل الكلام المشهوري، وصحَّحنا جريان الاستصحاب بتنزيل البيِّنة منزلة القطع الموضوعي؛ لأنَّها علم تعبُّدي بالحدوث. فهل يتمّ هذا الجواب مطلقاً بناءً على مباني جعل الطريقية، أو فيه تفصيل؟

فإنَّه تارة يفرض أنَّ النجاسة التي شهدت بها البيِّنة أثرٌ فعليٌّ، وأخرى يفرض أنَّه ليس لها أثرٌ فعليٌ.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإن كان لها أثرٌ فعليٌّ، قامت البيِّنة مقام العلم الطريقيّ والموضوعي بالنجاسة، فقيامها مقام القطع الطريقيّ بلحاظ أثر المؤدّى، وهو الأثر الشرعي المترتّب على النجاسة السابقة. وقيامها مقام القطع الموضوعي، بلحاظ الأثر المترتّب على العلم وهو الاستصحاب. فلا إشكال.

وأمَّا إذا فرضنا أنَّ هذا الثوب لم يكن لنجاسته السابقة أثر أصلاً، فهنا لا معنى لقيام البيِّنة مقام القطع الطريقيّ بلحاظ آثار المؤدَّى إذ لا آثار له.

نعم، هناك معنى لقيام البيِّنة مقام القطع الموضوعي؛ لأنَّ القطع بالحدوث له أثر شرعي وهو جريان الاستصحاب.

وعليه فلا بُدَّ وأن يلاحظ دليل حُجِّيّة البيِّنة، ليُرى أنَّ قيامها مقام القطع الموضوعي هل هو في عرض قيامها مقام القطع الطريقي، أو في طوله؟

فإن كان دليل حُجِّيَّتها دالّاً على كِلا المطلبين في عرض واحد، بحيث إذا لم يكن معنى لأحدهما فلا بأس بالآخر. إذن فلا إشكال في المقام من قيامها مقام القطع الموضوعي وإن لم تقم مقام القطع الطريقي.

وأمَّا إذا عرفنا أنَّ قيام البيِّنة مقام القطع الموضوعي في طول قيامه مقام القطع الطريقيّ -يعني أنَّ البيِّنة القائمة مقام القطع الطريقي، هي التي تقوم مقام القطع الموضوعي-، فالبيِّنة التي لا معنى لقيامها مقام الطريقيّ لا دليل على قيامها مقام الموضوعي.

وحينئذ أمكن أن نقول للمشهور: إنَّ دليلكم الحسابي على حُجِّيّة البيِّنة هو 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

قوله: “إنَّما أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالبَيّناتِ”(1)، ومن الواضح أنَّه يختص بمورد البيِّنة التي تقوم مقام القطع الطريقيّ إذ لا معنى للقضاء بالبيِّنة إلا في أثر المؤدَّى والواقع، فهو مخصوص بخصوص ما إذا كان للمؤدّى أثر.

وحينئذ تثبت الحُجِّيّة ويثبت تنزيلها منزلة كِلا القطعين. وأمَّا إذا لم يكن للمؤدّى أثر، فلا تكون البيِّنة مشمولة لدليل الحجية، ومعه لا دليل على تنزيلها منزلة القطع الموضوعي. 

وبهذا يتمّ الكلام في هذا القسم.

أحدهما ناظر إلى الزمن الماضي والآخر إلى الزمن الحاضر

وأمَّا القسم الثالث وهو ما إذا شهد أحدهما بنجاسة سابقة والآخر شهد بنجاسة فعليّة، فقال الأوَّل: (كان زمان الملاقاة هو الفجر)، وقال الآخر: (كان هو الزوال). فالصحيح في المقام أن يقال: إنَّ هنا واقعتين حسّيتين، ذاتي إدراك مستقلّ: 

الواقعة الأولى: أنَّ قطرة وقعت على الثوب.

الواقعة الثانية: الإحساس الزماني، وأنَّ الوقت هو الفجر أو الزوال، فإنَّ الزمان محسوس بنحو من الإحساس العرفي. 

فتارة يفرض أنَّ الشاهدين مختلفان في الواقعة الأولى.

وأخرى يفرض أنهما متّحدان في الأولى، ومختلفان في الثانية. كما لو قالا: 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) راجع هامش ص:17.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 (كُنّا جالسين في مجلس، ووقعت قطرة على هذا الثوب)، فقال أحدهما: (كانت الساعة السادسة)، وقال الآخر: (كانت الساعة الثانية). ومن هنا يقع الكلام في شقّين:

الشقّ الأوَّل: اختلاف الشاهدين في الواقعة الحسِّيَّة الأولى

أن تكون الواقعة الأولى متعددة، وكانت القطرة الملحوظة لهذا غير القطرة الملحوظة لذاك.

فلا إشكال في عدم حُجِّيّة البيِّنة لأنَّه يشترط في حُجِّيَّتها أن تكون الواقعة الحسِّيَّة واحدة. وفي المقام متعددة؛ إمَّا لتعدُّد القطرة أساساً، أو لأنَّ أحدهما ينظر إلى حدوث القطرة، والآخر ينظر إلى بقائها.

وقد يتخيل التفصيل بين ما إذا كُنّا نعلم بعدم طروّ المطهّر على الثوب بين الفجر والزوال، وبين ما إذا كُنّا نحتمل طروّه.

فإن كُنّا نقطع عدمه فمعنى ذلك أنَّ الشاهد الأوَّل شهد بالالتزام بنجاسة مستمرة إلى حين الزوال. فالنجاسة الزوالية مشهود بها من قبل كِلا الشاهدين.

إلا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّنا بيَّنا أنَّ من شرط حُجِّيّة البيِّنة كون الشهادتين مستندتين إلى واقعة حسّية واحدة، وفي المقام وإن كان الشاهدان معاً يشهدان بالنجاسة الزوالية، إلا أنَّ النجاسة التي يشهد بها هذا مستندة إلى واقعة حسّية غير الواقعة التي يستند إليها الشاهد الآخر.

فالصحيح أنَّ البيِّنة في هذا الشقّ لا تكون حُجَّة سواء علمنا بعدم طروّ المطهّر أو احتملناه.

ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الشقّ الثاني: اختلاف الشاهدين في الواقعة الحسّية الثانية

 فيما إذا كانت الواقعة الحسّية الأولى واحدة وتعارض الشاهدان في الواقعة الحسِّيَّة الثانية، فلا إشكال في تحقّق عنوان البيِّنة في الواقعة الحسِّيَّة الأولى فتثبت، إلا أنَّ الواقعة الثانية وهي تحديد الزمان لا تثبت.

ونتيجة ذلك هو ثبوت نجاسة مجملة من حيث الزمان، وهذا معنى ثبوت جامع النجاسة الفجريّة والزواليَّة، وحينئذٍ فهنا ثلاثة فروض: 

الفرض الأوَّل: أن نعلم بعدم طروّ المطهّر على الثوب من حين الفجر إلى الزوال. 

الفرض الثاني: أن نحتمل طروّ المطهّر خلال هذه المدة. 

الفرض الثالث: أن نعلم بطروّ المطهّر بين الوقتين.

الفرض الأوَّل: العلم بعدم طروّ المطهّر

أما الفرض الأوَّل وهو ما إذا كُنّا نعلم بعدم وقوع الماء على هذا الثوب خلال المدة. فالشاهد الأوَّل والثاني يشهدان بالنجاسة الفعليّة أحدهما التزاماً والآخر مطابقة. وقد استندا إلى واقعة حسّية واحدة في مقام الشهادة. ولا نريد من البيِّنة إلا ذلك، ولا نحتاج معه إلى جريان الاستصحاب(1).

ــــــــــ[172]ــــــــــ

() قلت له: إذا كُنّا نعلم بعدم وقوع المطهر، ولكن الشاهد كان يحتمله، بحيث لو سألناه عن استمرار النجاسة إلى الآن لأنكرها، وإن كُنَّا نعتقد بها، ففي مثل ذلك لا يصدق عنوان الإخبار والشهادة، فلا يشمله دليل حُجِّيّة البيِّنة أو دليل حُجِّيّة الخبر الواحد.

فأجاببما حاصله: أنَّ عنوان الإخبار والشهادة وإن لم يكن صادقاً، إلا أنَّه لم يؤخذ في موضوع دليل الحُجِّيّة ذلك لندور مداره. وإنَّما دليل الحُجِّيّة سواء للبيِّنة ولخبر الواحد هو السيرة العقلائيَّة. وهي قائمة على العمل بمثل هذه المداليل الالتزاميَّة، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفرض الثاني: احتمال طروّ المطهّر

أن نفرض احتمال ارتفاع النجاسة، فالبيِّنة على النجاسة لا تُثبت النجاسة الفعليّة؛ لأنَّ النجاسة الفعليّة فرع عدم وقوع الغسل، وهي لا تشهد بعدمه.

ومن هنا يتوقف على ضمّ أمر زائد إلى البيِّنة، وهو إمَّا استصحاب النجاسة بالنحو الذي قاله الآغائيون، أو استصحاب عدم الغسل بالماء بالنحو الذي قلناه، فيتنقح به موضوع النجاسة، فإنَّه يثبت جامع الحدوث بالبيِّنة، فيجري استصحاب النجاسة.

الفرض الثالث: العلم بطروّ المطهّر

أن نقطع بوقوع الماء بين الوقتين، بحيث إنَّ هذا الحدوث المبهم، لو كان قد وقع في الفجر فقد ارتفع يقيناً، وإن كان وقع عند الزوال فهو باقٍ إلى الآن. فيكون من تعارض الاستصحابين: استصحاب الطهارة واستصحاب النجاسة، ويكون المقام من توارد الحالتين؛ لأنَّ هناك حالةٌ متيقَّنةٌ تعبُّداً قامت عليها البيِّنة، وهي حدوث النجاسة، وهناك حالة متيقَّنةٌ وجداناً وهي الطهارة.

إشكال على مسلك المشهور

لكن في هذا الفرض يظهر أثر عملي للمسلكين اللذين لنا وللمشهور، 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بمعنى أنَّه يتولَّد إشكال على مسلكهم دون مسلكنا؛ لأنَّنا نقول بجريان الاستصحاب الموضوعي، والاستصحاب الموضوعي لكلٍّ من النجاسة والطهارة أركانهما وجدانية لا تعبّديّة، فيتعارض ويتساقطان.

وأمَّا على مسلك المشهور من إجراء استصحاب النجاسة باعتبار تعلق اليقين التعبُّدي بحدوثها، فيحصل فرق بين استصحاب النجاسة واستصحاب الطهارة. فيتعارض استصحابان؛ أحدهما: موضوعه اليقين الوجداني، والآخر: موضوعه اليقين التعبدي.

 وحينئذ فيمكن أن يقال: إنَّ لازم ذلك تقدُّم استصحاب الطهارة على استصحاب النجاسة، أي تقدُّم الاستصحاب الذي يعتمد على اليقين الوجدانيّ، على الاستصحاب الذي يعتمد على اليقين التعبُّدي، وهذه الدعوى يمكن أن تُقرَّب ببيانين: أحدهما عرفي، والآخر صناعي.

التقريب الأوَّل: التقريب العرفي

إنَّ الصور المحتملة لهذين الاستصحابين -بعد امتناع اجتماعهما- ثلاث: إمَّا أنَّ الشارع لم يجعل لا هذا ولا هذا. وإمَّا أنَّه جعل هذا الاستصحاب دون ذاك. أو بالعكس.

كما هي المحتملات في كل استصحابين متعارضين.

ففي سائر الموارد يتساقطان لعدم المرجح، فإنَّ شمول دليل الاستصحاب لأحدهما يعارض مع شموله للآخر فيكون مجملاً.

ولكن في المقام نكتة عرفية ارتكازية، وهي أنَّ العرف يحتمل أنَّ الشارع لم 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يجعل كِلا الاستصحابين ويحتمل أنَّه جعل الاستصحاب المعتمد على اليقين الوجداني، ولم يجعل الآخر.

ولا يحتمل أنَّه جعل الاستصحاب المعتمد على اليقين التعبّدي، ولم يجعل الآخر؛ لأنَّ المركوز في ذهن العرف هو التحفُّظ على اليقين والتمسُّك بعروته، وهو لا يرضى أن يقدّم اليقين العنائي على اليقين الحقيقي، بل إمَّا أن يرفع الشارع اليد عنهما أو يقدّم اليقين الحقيقي، ولا يحتمل العرف بما هو عرف عكس ذلك، فيكون ذلك قرينة على إسقاط هذا الاحتمال.

فيبقى هنا احتمالان عرفيان هما سقوطهما أو سقوط اليقين التعبُّدي مع بقاء اليقين الوجداني.

ونتيجة ذلك الجزم بسقوط الاستصحاب المعتمد على اليقين التعبدي، وهو استصحاب النجاسة، ويكون إطلاق الدليل عليه ساقطاً جزماً.

وأمَّا الآخر فلا مانع من شموله له، فتندفع المعارضة.

إلا أنَّ هذه النتيجة الغريبة -وهي جريان استصحاب الطهارة دون استصحاب النجاسة-، هي لازم كلام المشهور، وليس لازم كلامنا؛ لأنَّه على كلامنا تكون أركان كِلا الاستصحابين وجدانية، فالعرف يحتمل أن يجري هذا الاستصحاب دون ذاك كما يحتمل أن يجري ذاك دون هذا، فيتكافأ الاستصحابان.

التقريب الثاني: التقريب الصناعي الفني

وهو محتاج إلى مقدّمة مفروغ عنها، وهي أنَّ الاستصحابين إذا تعارضا 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وكان أحدهما يقتضي رفع موضوع الآخر بخلاف الآخر، فيجري هذا بملاك الحكومة كالاستصحاب السببي الذي يرفع الشكّ في البقاء المأخوذ في الأصل المسببي، وقد نتصور أن يكون أحدهما رافعاً لموضوع الآخر بلحاظ اليقين في الحدوث.

حينئذ نقول: إن البيِّنة شهدت بنجاسة الثوب بنحو مجمل مردد بين النجاسة الفجرية والزوالية. ومقتضى إطلاق دليل الحُجِّيّة الشمول لها.

إلا أنَّ حُجِّيَّتها فرع تحقّق موضوع الحجية، وهو أن يكون للبيِّنة أثر شرعي فإنَّه لو لم يكن لها أثر شرعي لا تكون حُجَّة. ونحن في المقام نتصور صورتين:

الصورة الأولى: أن يكون لحجية البيِّنة أثر بغض النظر عن الاستصحاب، يعني أن يكون لها أثر على كِلا التقديرين، كما لو كان للنجاسة السابقة أثرٌّ فعليٌّ، كما لو لاقت يدي الثوب فجراً فأعلم الآن إمَّا يدي نجسة بالملاقاة أو أنَّ الثوب نجس فعلاً.

 الصورة الثانية: أن يكون أثرها الشرعي منحصراً بالاستصحاب على ما قالوا من أنَّها تنشئ يقيناً بالحدوث.

ومحط إشكالنا على المشهور هو ما إذا انحصر الأثر بالاستصحاب وكان المصحح لجعل الحُجِّيّة لها هو ذلك، فإنَّ جريان استصحاب النجاسة فرع اليقين بالحدوث وهو يحصل بالبيِّنة إذ لولاها لا يقين بالحدوث.

وحُجِّيّة البيِّنة موقوفة على أنَّ لها أثراً شرعياً. وأثرها الشرعي الوحيد هو جريان الاستصحاب على الفرض. والمفروض أنَّ استصحاب الطهارة يمانع 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

عن جريان استصحاب النجاسة، فتخرج البيِّنة عن كونها ذات أثر شرعي، فتسقط حُجِّيَّتها.

وحينئذ فلا يبقى يقين تعبُّدي بالحدوث، فيرتفع موضوع استصحاب النجاسة ومعه يستحيل أن يكون معارضاً له. فيكون استصحاب الطهارة موقوفاً على أن لا يكون له معارض، فيكون مقدَّماً عليه.

وقد يخطر على الذهن: أنَّ أثر البيِّنة هو إيقاع المعارضة بين الاستصحابين، إذ لو لم تكن البيِّنة حُجَّة لما تعارضا بل لجرى استصحاب الطهارة.

إلا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّ التعارض بين الاستصحابين ليس أثراً شرعياً، وإنَّما هو يعبّر عن حيرة الفقيه في مقام العمل، ولا يدري ما هو حكم الله الواقعي، ولا معنى لإيجاد الحيرة للفقيه(1).

ــــــــــ[177]ــــــــــ

() قلت له: وهناك جواب آخر وهو أنَّنا بدون التعارض نرجع إلى أصالة الطهارة وبعد التعارض نرجع إلى أصالة الطهارة فلم ينتج التعارض أثراً زائداً لم يكن قبله. 

فقال: افرضوا المطلب؛ لدى شخص لم يصل إليه دليل أصالة الطهارة.

أقول: وهذا اعتراف منه بصحة هذا الوجه، على غير هذا التقدير النادر. على أنَّه يمكن أن يجعل من كِلا الوجهين وجهاً واحداً، بأن يقال: إنَّ التعارض الذي يكون أثراً للبيِّنة، هل يكون كذلك بعنوانه، أو باعتبار ترتُّب أثر عليه؟

فإن قيل: الأوَّل، ورد عليه الوجه الأوَّل -الذي ذكره السيد-.

وإن قيل: الثاني، ورد عليه الوجه الثاني، الذي ذكرناه، مع وصول دليل أصالة الطهارة، وإلا لم يكن وارداً؛ لأنَّ أثره الرجوع إلى الاحتياط حينئذ. انتهى.

قال: أمَّا على مبنانا فالاستصحابان معاً اركانهما وجدانية، فيكونان متكافئين، فيتعارضان ويتساقطان. وأمَّا على ما قالوه فلا بُدَّ من تقديم الاستصحاب وجدانيّ الأركان، على الاستصحاب تعبُّديّ الأركان. وهو ممَّا لم يلتزموا به، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

9- مسألة: لو أنَّ أحد الشاهدين بالنجاسة شهد بالطهارة الحاليّة

(مسألة9) لو قال أحدهما: إنه نجس. وقال الآخر: إنه كان (195) نجساً، والآن طاهر. فالظاهر عدم الكفاية، وعدم الحكم بالنجاسة(1).

يضيف السيد الماتن هنا إلى المسألة السابقة عنصراً جديداً، وهو أنَّ الشاهد بالنجاسة السابقة شاهد بالطهارة الحالية. فهل يُقال بقيام البيِّنة، أو لا؟

الصحيح في المقام أن يقال: إنَّ الواقعة الحسّية المشهود بها؛ إمَّا أن تكون واحدة، أو متعدّدة.

فإن كانت واحدة، فلا بأس أن يُقال بحُجِّيّة البيِّنة في إثباتها، وتكاذبهما في أمر خارج عن إثبات أصل (القطرة)، يترتّب عليه ما رتَّبناه من الآثار السابقة.

وأمَّا إذا كانت الواقعة متعدّدة:

فإن بنينا في الفرع السابق، على أنَّ هذه البيِّنة ليست بحُجَّة، كما هو الصحيح؛ لأنَّه يشترط في حُجِّيَّتها وحدة الواقعة المشهود بها. فنقول بعدم حُجِّيَّتها في المقام.

وأمَّا إذا بنينا على أنَّها حُجَّة، ولا يشترط في حُجِّيّتها وحدة الواقعة، بل 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 157، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، المسألة 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يكفي انتزاع جامع بين الواقعتين، تكون البيِّنة منصبّة عليها.

فحينئذٍ يقع الكلام هنا؛ في أنَّه لو كان الشاهد بالنجاسة السابقة، ساكتاً عن حال الثوب فعلاً، فتتحقّق البيِّنة على هذا التقدير.

وأمَّا إذا كان يثبت نجاسة سابقة، ويشهد بالطهارة الفعليّة بأن كان ينفي قطرة الدم الفعليّة التي يشهد بها الآخر، فهل تتشكل البيِّنة، أو لا؟

هذا يكون من قبيل فرع سابق حقّقناه، فيما إذا شهد أحدهما بالدم ونفى البول، وشهد الآخر بالبول ونفى الدم. وقد بيَّنا هناك تقريبين لعدم حُجِّيّة البينة(1).

أحدهما: أنَّ البيِّنة إنَّما اعتبر فيها التعدُّد لا من باب التعبُّد الصرف بل من باب تقوية الاحتمال وفي المقام لا تقوية للاحتمال؛ لأنَّ كُلّاً منهما بمقدار ما يُقرّب للجامع يُبعد عنه. فلا يكون التعدُّد موجباً للكشف فلا تكون البيِّنة حُجَّة.

ثانيهما: أنَّ دليل البيِّنة ناظر إلى دليل حُجِّيّة خبر الواحد ويشترط فيه التعدد، فما لا يكون مشمولاً له لا يكون مشمولاً لها(1).

ــــــــــ[179]ــــــــــ

() راجع: (الجهة الثانية: اختلاف مستند الشاهدين مع التعارض)، ص140.

() قلت له: أنَّ هنا فرقاً بين الفرع محلّ الكلام وبين الفرع المقيس عليه؛ لأنَّ التعارض هناك من الطرفين، وهنا من طرف واحد؛ لأنَّ الشاهد الذي يشهد بالنجاسة الحاضرة، لا يُثبت الطهارة السابقة.

فقال: هذا يكفي في جريان التقريبين اللذين قلناهما هناك.

قلت: كَلا، لا يجري التقريب الأول؛ لأنَّ الجامع لا ينتفي مع احتمال انطباقه على الفرد السابق بخلافه في ذلك الفرع.

وبعبارة أخرى: أنَّ الشاهد بالنجاسة السابقة يُقرّب نحو الجامع ولا يُبِعد عنه بلحاظ الفرد السابق، إذ لا معارض له.

فقال: هذا راجع: إلى أنَّ تحقّق الجامع في الفرد السابق عليه شاهد واحد.

فقلت: نعم، وبهذا يصبح هذا الفرع أهون من الفرع السابق.

فقال: نعم.

ولكنه بحسب حساب الاحتمالات، مثَّله بما لا مجال إلى تفصيله، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تبقى فروع في العروة، تكلّمنا عنها في أوَّل البحث في هذا الفصل. وبه انتهى هذا الفصل.

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 








الفصل الثاني

 في كيفية تنجّس المتنجّسات

 

  • المقام الأوَّل: اشتراط الرطوبة في سراية النجاسة
  • المقام الثاني: مقدار الرطوبة المشترط 
  • كلمات متفرِّعة مع الأعلام
  • كيفية سريان النجاسة من المائعات والجوامد
  • اعتبار قابيلة التأثُّر بالنجاسة



ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفصل الثاني                                                                                            في كيفية تنجّس المتنجّسات

يشترط في تنجس المُلاقي للنجس أو المتنجّس أن يكون فيها أو في أحدهما رطوبة مسرية فإذا كانا جافّين لم ينجس وإن كان ملاقياً للميتة. لكن الأحوط غسل مُلاقي ميت الإنسان قبل الغسل وإن كانا جافّين وكذا لا ينجس إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة غير مسرية(1).

الكلام في اشتراط الرطوبة يقع في مقامين:

المقام الأوَّل: في اشتراط أصل الرطوبة في السراية.

المقام الثاني: بعد الفراغ عن اشتراط الرطوبة يقع الكلام في مقدار الرطوبة المشترطة.



ــــــــــ[183]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 161-162، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 

المقام الأوَّل: اشتراط الرطوبة في سراية النجاسة

 

في اشتراط أصل الرطوبة، فيقع الكلام فيه في مسألتين: المسألة الأولى في مُلاقي غير الميتة، والثانية في مُلاقي الميتة. وإنَّما أفرزناها باعتبار أنَّه يوجد قول معتدّ به بالسراية من دون رطوبة للشهيدين(1) وغيرهما(2).

المسألة الأولى: في مُلاقي غير ميّت الإنسان

لا إشكال أنَّه يشترط الرطوبة في الجملة في سراية النجاسة من المُلاقي إلى المُلاقى، وهذا المُدَّعى على طبق الأصل في نفسه، وهو استصحاب الطهارة أو أصالتها. فإن دلّ دليل اجتهادي على الخلاف فهو، وإلا فنبقى نحن والأصول المقتضية للطهارة.

ــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة 1: 133، كتاب الصلاة، في أحكام النجاسات، السادس عشر: عدم طهارة جلد الميتة بالدباغ، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 1: 308، كتاب الطهارة، النظر الثالث، المقصد الرابع: في غسل الأموات، الخامس: في غسل مسّ الميت، قوله: “إنّ نجاسة الميّت تتعدّى مع رطوبته ويبوسته”.

(2) كالعلّامة الحلّي في: تذكرة الفقهاء 1: 88، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الثاني: في أحكام النجاسات، المسألة 25، الثالث، منتهى المطلب 2: 456، كتاب الطهارة، المقصد الثالث: في الغسل، الفصل الخامس، المسألة 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الكلام في الدليل الاجتهادي ويقع في جهتين:

 الأولى: أنَّه هل توجد مطلقات تقتضي الانفعال والسراية حَتَّى مع الجفاف، أو لا؟

الثانية: أنَّه بعد فرض وجود هذه المطلقات، فهل يوجد مقيّد لُبِّي، أو لفظي أو لا؟

الجهة الأولى: في وجود إطلاق تقتضي سراية النجاسة مع الجفاف

وهي أنَّه هل توجد مطلقات تقتضي السراية حَتَّى في حال الجفاف؟ وهنا لا معنى للاستدلال بالروايات الواردة في ملاقاة البول أو الماء، لأنَّها فرضت مائعية المُلاقي أو المُلاقى.

وإنَّما يُتوهَّم التمسُّك بإطلاق الدليل، فيما إذا لم يكن أحدهما مائعاً، كالثوب يُلاقي الكلب.

وقد ناقش السيد الأستاذ(1) في هذا الإطلاق بتقريب أنَّ مفاد هذه الروايات هو الأمر بالغسل، والغسل معناه إزالة الأثر، فهو يفترض أثراً سابقاً ليصحّ إزالته بالغسل. إذن فالأمر بالغسل مخصوص بخصوص ما إذا ترتَّب على الملاقاة أثر وهو سراية الرطوبة، فلا يبقى لها إطلاق لصورة الجفاف.

إلا أنَّ هذه المناقشة ممَّا لا يمكن المساعدة عليها وذلك:

أولاً: لأنَّ دليل الانفعال والسراية ليس دائماً بلسان الأمر بالغسل، بل قد 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 198، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، فقه الشيعة 3: 325، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يكون بلسان آخر كـ (لا تصلِّ فيه). فإذا سلَّمنا أنَّ الأمر بالغسل يختصّ بوجود الأثر، فإنَّ لسان (لا تصلِّ فيه) غير مختصّ به:

1- كرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر، قال: “سألته عن فراش اليهودي والنصراني يُنام عليه؟ قال: لَا بَأْسَ، وَلَا يُصَلَّى فِي ثِيَابِهِمَا…” الخ(1).

2- ورواية قاسم الصيقل، التي يقول فيها: “اتَّخِذْ ثَوْباً لِصَلَاتِكَ”(2). فيُتمسَّك بإطلاقها بحالة الجفاف.

ثانياً: أنَّ نفس الأمر بالغسل لا نُسلِّم عدم الإطلاق فيه. فإنَّ الروايات الواردة بالأمر بالغسل على قسمين:

القسم الأوَّل: ما دلّ على وجود أثر النجاسة

كرواية إبراهيم بن ميمون، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت؟ قال: إِنْ كَانَ غُسِّلَ الْمَيِّتُ فَلَا تَغْسِلْ مَا أَصَابَ ثَوْبَكَ مِنْهُ، 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

() باب 14 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 263، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 53، وسائل الشيعة 3: 421، كتاب الطهارة، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 10.

(2) باب 34 من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 407، كتاب الصلاة، باب: الرجل يصلّي في الثوب وهو غير طاهر، عالماً أو جاهلاً، الحديث 16، تهذيب الأحكام 2: 358، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 15، وسائل الشيعة 3: 462، كتاب الطهارة، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وَإِنْ كَانَ لَمْ يُغَسَّلْ فَاغْسِلْ مَا أَصَابَ ثَوْبَكَ مِنْهُ”(1).

فالمغسول هو الأثر الذي “أَصَابَ ثَوْبَكَ مِنْهُ”، لا نفس الملاقى. 

ومثله رواية الحلبي عن أبي عبد الله، قال: “سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ فقال: يَغْسِلُ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ”(2).

فإنَّه ظاهر بوجود أثر عيني زائد على نفس الجسم قد أصابه من الملاقى، ويكون الغسل مزيلاً له. ومن المعلوم أنَّ غسله فرع وجوده، ومعه فلا إشكال في اختصاص هذا القسم بحال الرطوبة.

القسم الثاني: ما دلّ على الأمر بغسل الملاقي

1- كرواية محمد بن مسلم قال: “سألت أبا عبد الله، عن الكلب يصيب شيئاً من جسد الرجل؟ قال: يَغْسِلُ الْمَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ”(3).

ــــــــــ[187]ــــــــــ

() باب 34 من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 61، كتاب الطهارة، باب: الكلب يصيب الثوب والجسد وغيره ممَّا يكره أن يُمسّ شيء منه، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 276، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 98، وسائل الشيعة 3: 461، كتاب الطهارة، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) نفس الباب، (المقرر). الكافي 3: 161، كتاب الطهارة، باب غسل من غسل الميّت، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 276، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 99، الاستبصار 1: 192، كتاب الطهارة، الباب 113، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 300، كتاب الطهارة، الباب 6 من أبواب غسل المسّ، الحديث 3.

(3) باب 12 من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 60، كتاب الطهارة، باب: الكلب الذي يصيب الثوب والجسد وغيره ممَّا يكره أن يُمسّ شيء منه، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 23، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 61، الاستبصار 1: 90، كتاب الطهارة، الباب 54، الحديث 3، وسائل الشيعة 3: 415، كتاب الطهارة، الباب 12 من أبواب النجاسات والأواني والجلود، الحديثان 4 و8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

2- ورواية محمد بن مسلم قال: “سألت أبا عبد الله عن الكلب السلوقي؟ فقال: إِذَا مَسِسْتَهُ فَاغْسِلْ يَدَكَ‏”(1).

3- ورواية أبي بصير في مصافحة المسلمِ اليهوديَّ والنصرانيَّ، قال: “مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ، فَإِنْ صَافَحَكَ بِيَدِهِ فَاغْسِلْ يَدَكَ”(2).

فقد أمر بغسل المُلاقي في نفسه إلا أنَّ هذا اللسان مخصوص بما إذا كان هناك أثر لأنَّ الأمر بالغسل يستبطن وجود الأثر.

إلا أنَّه كما يمكن أن يكون بلحاظ أثر عيني، كذلك يمكن أن يكون بلحاظ أثر حكمي، وهو أمرٌ صحيح شرعاً وعرفاً وثابت، وإن لم يكن على المُلاقي شيء من القذر، فيكون الأمر بالغسل بلحاظه.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

() نفس الباب، (المقرر). الكافي 6: 553، كتاب الدواجن، باب الكلاب، الحديث 12، وسائل الشيعة 3: 416، كتاب الطهارة، باب 12 من أبواب النجاسات والأواني والجلود، الحديث 9.

(2) الكافي 2: 650، كتاب العشرة، باب التسليم على أهل الملل، الحديث 10، تهذيب الأحكام 1: 263، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 51، وسائل الشيعة 3: 420، كتاب الطهارة، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإن كان الغسل بلحاظ الأثر العيني، فما قاله السيد الأستاذ(1) تام؛ لأنَّ الأمر بالغسل أمر بإزالة الأثر ولا معنى لإزالته عند عدم وجوده. فلا إطلاق لها لصورة الجفاف.

وإن كان الأمر بالغسل لإزالة الأثر الحكمي فيمكن أن يكون له إطلاق لأنَّه يكون ثابتاً حَتَّى في مورد الجفاف.

والذي يُعيّن المعنى الثاني: أنَّه لو كان الأمر بالغسل بلحاظ الأثر العيني وهو الرطوبة، فيلزم أنَّه لو جفَّت الرطوبة فلا يجب غسله؛ لأنَّه لا معنى للأمر بإزالة الأثر العينيّ بعد زواله. مع أنَّه لا يلتزم به بلا إشكال.

وأمَّا إذا حملنا الأمر على الأثر الحكمي فيكون الإطلاق تاماً.

ومما يدلّ على ذلك أيضاً: أنَّه لا إشكال عرفاً ومتشرعياً في كفاية رطوبة المُلاقي في السراية، وإن كان المُلاقى جافّاً، مع أنَّه لا توجد هنا رطوبة منتقلة ولا يوجد أثر حَتَّى يؤمر بإزالته.

فهذا كله شاهد على أنَّ الأثر الذي يستبطنه الأمر بالغسل هو الأثر الحكمي لا العيني. ومعه فيمكن أن يُدّعى كون الإطلاق تاماً في الروايات.

الجهة الثانية: في وجود مُقيّد للإطلاق

في أنَّه هل يوجد مُقيّد لهذه الاطلاقات، أو لا؟ وما ذكر مُقيِّداً عدّة أمور:

ــــــــــ[189]ــــــــــ

(1) لاحظ: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 197، 198، كتاب الطهارة، فصلٌ: كيفيّة تنجّس المتنجّسات، فقه الشيعة 3: 325، كتاب الطهارة، فصلٌ: كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المُقيِّد الأوَّل: المُقيّد اللُّبِّي

وهو الارتكاز العرفي، حيث لا شكّ في وجود ارتكاز في باب النجاسات والقذارات العرفية، في أنَّها لا تنتقل إلا بطريق الرطوبة، وهذا الارتكاز لا ينبغي الإشكال فيه بنحو القضيَّة المجملة، وسيأتي تحليله وإبراز جذوره النفسية العقلائيَّة في تضاعيف كلامنا.

وحينئذ يقال: إنَّ هذا الارتكاز يكون كالقرينة المُتَّصلة بخطابات الأمر بالغسل، فتتقيّد بصورة وجود الرطوبة، ونرفع اليد عنها لصورة الجفاف.

ومما ذكرناه ظهر أنَّ تحكيم هذا الارتكاز على المطلقات، يقتضي تقييدها، لا حملها على الاستحباب، كما ذكر السيد الأستاذ(1). فإنَّه مخالف للصناعة، إذ يوجد مطلق ظاهر بالإلزام، ودلّ الدليل على عدم اللزوم في خصوص بعض حصصه، فمقتضى القاعدة تقييده، لا حمله على الاستحباب.

نعم، قد يستشكل في بعض الروايات الدالة على السراية في مورد الجفاف، في أنَّها ليست دالَّة على السراية في الجفاف بالإطلاق بل بالخصوصية بمعنى أنَّ موردها هو ذلك. فتكون معارضة مع الارتكاز، لا أنَّها مقيّدة له.

كرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر: “في رجل صافح مجوسياً، 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

(1) لاحظ: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 197، 198، كتاب الطهارة، فصلٌ: كيفيّة تنجّس المتنجّسات، فقه الشيعة 3: 325، كتاب الطهارة، فصلٌ: كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فقال: يَغْسِلُ يَدَهُ وَلَا يَتَوَضَّأْ”(1).

فإن الغالب في المصافحة عدم الرطوبة لا في يد المسلم ولا في يد المجوسي، فتقييدها بصورة الرطوبة السارية ليس تقييداً عرفياً لأنَّه إخراج لأكثر الأفراد.

إلا أنَّ الصحيح هو غير ذلك؛ لأنَّ الراوي السائل:

إمَّا أن يكون نظره إلى باب النجاسة الاصطلاحية.

وإمَّا أن يكون نظره إلى باب الأخلاقيات والمعنويات.

فإن كان نظره إلى الأمر الثاني، فهي خارجة عن محلّ الكلام.

وأمَّا إذا كان نظره إلى النجاسة المصطلحة، فهذا بضمّ الارتكاز السابق قرينة على أنَّ فرض السؤال هو فرض الرطوبة، فلا يكون تخصيصاً للأكثر، بل هو سؤال عن فرض المورد النادر. ومعه فلا بأس بهذا التقييد ولا يكون تقييداً في غير محله.

المُقيِّد الثاني: رواية عبد الله بن بكير

قال: قلت لأبي عبد الله: “الرجل يبول ولا يكون عنده الماء، فيمسح ذكره بالحائط. قال: كُلُّ شَيْ‏ءٍ يَابِسٍ ذَكِيٌّ (زَكِيٌّ)”(2)

ــــــــــ[191]ــــــــــ

() باب 14 من النجاسات، (المقرر). الكافي 2: 650، كتاب العشرة، باب التسليم على أهل الملل، الحديث 12، تهذيب الأحكام 1: 263، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 52، وسائل الشيعة 1: 275، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 2.

(2) باب 31 من أحكام التخلي، (المقرر). الاستبصار 1: 57، كتاب الطهارة، الباب 31، الحديث 22، تهذيب الأحكام 1: 49، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 80، وسائل الشيعة 1: 351، كتاب الطهارة، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ونحن تارة نبحث في الدلالة، وأخرى في السند. 

بحث دلالي

أما الدلالة فقد استُدلّ بها على أن تكون مُقيّدة لإطلاقات السراية.

وتوضيح الحال في ذلك: أنَّ في هذه الرواية ثلاثة احتمالات بدواً:

الاحتمال الأوَّل: أن يكون نظر السائل إلى مطهرية زوال العين من موضع البول.

وبذلك تكون أجنبية عن محلّ الكلام لأنَّ كلامنا عن عدم السراية في النجس اليابس، لا أنَّ النجس يصبح طاهراً بزوال العين.

إلا أنَّ هذا الاحتمال بنفسه لعله خلاف ظاهر الرواية. والنكتة في ذلك: أنَّ العنوان الذي أخذ في جواب الإمام هو اليبوسة. والنسبة بين اليبوسة وزوال العين العموم من وجه. فاليد النجسة بالدم إذا مسحناها بخرقة مرطوبة تزول العين وتبقى رطبة، كما أنَّه إذا جفَّ عليها الدم فهي نجسة يابسة فكون نظر الإمام إلى كفاية مطهرية زوال العين خلاف الظاهر.

الاحتمال الثاني: أنَّه بعد الالتفات إلى الفرق بين اليبوسة وزوال العين يُقال: إنَّها في مقام بيان أنَّ اليبوسة في نفسها مطهّرة، وإن كانت طاهرة ما دامت اليبوسة. فإن ابتلّ من جديد عادت إليه النجاسة مرّة أخرى.

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام؛ لأنَّ محلّه هو ما إذا فرغنا عن نجاسة اليابس، وتكلّمنا أنَّ نجاسته هل تسري، أو لا؟ لكن هذا الاحتمال في نفسه ساقط؛ لأنَّه وإن كان يناسب الجمود على ألفاظ الرواية، إذ إن ظاهرها المجرد هو أنَّ (اليابس ذكي)، وهو مساوق مع طهارته في نفسه. ولكن ارتكازية عدم كون اليبوسة مطهرة في الأذهان العرفية والمتشرعية، توجب رفع اليد عن هذا الظاهر في نفسه. وتعين الاحتمال الآتي.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد أنَّه ذكي في مقام فاعليته وتأثيره لا في مقام ذاته ونفسه.

والجمود على الظهور وإن كان يقتضي ذلك، إلا أنَّه بعد أن كان على خلاف الارتكاز المتشرعي والعرفي، ووضوح أنَّ اليبوسة ليست مطهرة، لا يفهم منه العرف ما كان ذكياً بلحاظ ذاته، بل بلحاظ تأثيره، فيكون منطبقاً على محلّ الكلام. وهذا إن لم يكن ارتكازياً، فلا أقلّ من كونه مأنوساً.

إذن فهي تامّة الدلالة على أنَّ كل يابس لا تسري منه النجاسة.

بحث سندي

وأمَّا سندها فقد رواها الشيخ(1) باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن بكير.

والذي يُتأمَّل فيه هو محمد بن خالد، كما تأمّل السيّد الأستاذ(2)، بدعوى أنَّه 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 57، كتاب الطهارة، الباب 31، الحديث 22.

(2) لاحظ: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 388، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الاستنجاء.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

محمد بن خالد الأشعري -كما هو المناسب للطبقة-، وهو لم يوثّق في كلماتهم، فتكون ساقطة عن الحُجِّيّة. 

وقد ذكر جامع الرواة(1) في ترجمة محمد بن خالد الأشعري رواية، وقع في طريقها صفوان عن محمد بن خالد.

ومن هنا قد يُقال بانحلال هذا الإشكال، بناءً على أنَّ الراوي في الرواية التي هي محلّ الكلام، هو محمد بن خالد الاشعريّ، كما قال السيد الأستاذ.

وأنَّ الذي روى عنه صفوان هو أيضاً محمد بن خالد الأشعري، كما قال جامع الرواة، وكل من يروي عنه صفوان فهو ثقة؛ إذن فيتمّ سند الرواية.

ولكن الشأن في أنَّ كِلا هذين الكلامين غير ثابت، وذلك؛ لأنَّه يوجد إنسان آخر باسم محمد بن خالد في طبقة واحدة مع ذاك من رواة عبد الله بن بكير. أحدهما: محمد بن خالد الأشعري. والآخر: محمد بن خالد الأصمّ. وكِلاهما(2) ترجم له النجاشي، بحيث لا يحتمل وحدتهما.

فلو استطعنا أن نحرز أنَّ الراوي في هذه الرواية ومن يروي عنه صفوان واحد، ثبت المطلوب.

إلا أنَّ كِلا الأمرين لم يثبت، فلعلّ أحدهما هو الأشعريّ، والآخر هو الأصمّ! فإنَّهما في طبقة واحدة، والنتيجة تتبع أخس المقدّمتين فتسقط عن الحُجِّيّة.

ــــــــــ[194]ــــــــــ

(1) لاحظ: جامع الرواة 2: 108، باب الميم، ترجمة محمّد بن خالد الأشعري.

(2) اُنظر: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 343، باب الميم، الرقم 925، ترجمة محمّد بن خالد الأشعري؛ ص 364، باب الميم، الرقم 982، ترجمة محمّد بن خالد الأصمّ.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المُقيِّد الثالث: رواية محمد بن مسلم

“قال: كنت مع أبي جعفر، إذ مرّ على عذرة يابسة، فوطئ عليها فأصابت ثوبه. فقلت: جعلت فداك قد وطئت على عذرة فأصابت ثوبك. فقال: أَ لَيْسَ هِيَ يَابِسَةً؟ فقلت بلى. قال: لَا بَأْسَ؛ إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضَهَا بَعْضاً”(1).

فقد نفى البأس عن ملاقاة العذرة مع الثوب، وذكر ضابطة وهي أنَّها يابسة، فنعرف أنَّ المناط هو اليبوسة، فيسري من العذرة إلى غيرها.

ولكن الآغايون أخذوها من باب الرطوبة والجفاف. وهي هناك تنتهي بقوله: “لَا بَأْسَ”، ولم تذكر التتمّة مع أنَّ لها تتمّة ذكرها في باب مطهرية الأرض وهي قوله: “إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً”، وهو ظاهر في أنَّه في مقام تعليل المطلب ونفي البأس باعتبار مطهرية الأرض.

فيتولّد حينئذ نحو من الإجمال في الرواية؛ لأنَّه يحصل تهافت بين المورد والتعليل لأنَّ مورده هو أصابة العذرة للثوب والتعليل أنَّ الأرض تطهّر ما أصابته، مع أنَّ الثوب لم يعهد أنَّه ممَّا يُطهَّر بالأرض، وعلى تقديره فلم يذكر كونه قد مُسح في الأرض.

وهذا التهافت يكشف عن وجود خلل في الرواية، إذ لا معنى للتعليل 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 38، كتاب الطهارة، باب الرجل يطأ على العذرة أو غيرها من القذر، الحديث 2، وسائل الشيعة 3: 457، كتاب الطهارة، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بحكم لا ينطبق عليه. ومع اكتشاف خلل إجمالي تسقط الرواية عن الحُجِّيّة، ولا يمكن التعويل عليها.

المُقيِّد الرابع: رواية الفضل ابي العباس

 قال: قال أبو عبد الله: “إِذَا أَصَابَ ثَوْبَكَ مِنَ الْكَلْبِ رُطُوبَةٌ فَاغْسِلْهُ، وَإِنْ مَسَّهُ جَافّاً فَاصْبُبْ عَلَيْهِ المَاءَ، قلتُ: ولِمَ صار بهذه المنزلة؟، قال: لِأَنَّ النَّبِيَّ أمر بقتلها”(1).

استدل بها السيد الحكيم(2) على المُدَّعى وهو عدم سراية النجاسة في مورد الجفاف، باعتبار أنَّه لم يأمر بالغسل فيما لم يكن هناك رطوبة. وكان الأولى الاستدلال بها على السراية، فإنَّ تقريبها على السراية أوضح من تقريبها على عدمها.

1- تقريب الاستدلال بها على السراية

أما تقريب الاستدلال بها على السراية -عكس مراد (المستمسك)- فحاصله: أنَّه صدر من الإمام أمران:

– أمر بالغسل في حال الرطوبة.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() باب 12 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 261، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 46، وسائل الشيعة 3: 415، كتاب الطهارة، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) مستمسك العروة الوثقى 1: 466، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

– وأمر بصب الماء في حال عدم الرطوبة.

وكما أنَّ الأمر بالغسل ظاهره اللزوم والإرشاد إلى النجاسة اللزومية، كذلك الأمر بصب الماء. غاية الأمر أنَّه يستفاد من هذه التفرقة بين الحالين أنَّ النجاسة في حالة الجفاف أخف.

2- تقريب الاستدلال بها على عدم السراية

وأمَّا تقريب الاستدلال بها على مراد المشهور من عدم السراية، فلا يخلو من عناية.

وحاصل ما أراه عناية في المقام: أن يضمّ إلى الرواية دعوى ارتكازية أنَّ النجس لا يطهر إلا باستيلاء الماء عليه وانغماره به، المسمى بالغسل. فلو دلّ دليل على عدم وجوب الغسل وكفاية ما هو أقلّ منه مرتبة، فيكون دالاً بضمّ الارتكاز على أنَّه ليس بمتنجّس حقيقة.

مناقشة التقريب الثاني

ونتكلّم في كِلا التقريبين ونبدأ بالتقريب الثاني: وهو غير صحيح؛ لأنَّه مبني على تخيل أنَّ المراد بالغسل هو الاستيلاء الكامل للماء على الشيء. وما هو أقلّ منه ليس فيه استيلاء، فلو تمّ ذلك لتمَّ المطلب فإنَّ الارتكاز صحيح.

لكن هذا أوَّل الكلام، فإنَّ المراد من الغسل المقابل لصبِّ الماء هو استعمال الماء مع شيء من الغمز أو الدلك أو العصر أي مع عناية التنظيف. في مقابل صبِّ الماء بلا حاجة إلى ذلك.

وحينئذ فصب الماء والغسل معاً فرض فيهما استيلاء الماء على الشيء غاية 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الأمر أنَّه في الصبِّ بلا عناية الفرك والغمز وفي الغسل بهذه العناية.

ونستفيد هذا المطلب من الروايات العديدة في الأمر بصب الماء في مقابل الغسل في موارد النجاسات المتيقنة شرعاً، وعلّل هناك ببعض التعليلات التي يفهم منها ذلك:

1- منها: رواية الحسين بن أبي العلاء، قال: “سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الجسد؟ قال: صُبَّ عَلَيْهِ المَاءَ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ مَاءٌ. وسألته عن الثوب يصيبه البول. قال: اغْسِلْهُ مَرَّتَيْن”(1). فقوله: “فَإِنَّمَا هُوَ مَاءٌ” تعليل في أنَّه لماذا لا يحتاج إلى عناية، وأنه يزول بسرعة وليس كالدم والمني الذي يحتاج إلى عناية.

2- وكذلك رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال: “سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صُبَّ عَلَيْهِ المَاءَ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ مَاءٌ. وسألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغْسِلْهُ مَرَّتَيْنِ”(2).

3- ورواية الحسين بن أبي العلا في حديث، قال: “سألت أبا عبد الله عن 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

() باب 1 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 249، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 396، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) نفس الباب، (المقرر). السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 3: 557، باب المستطرفات، ما استطرفته من نوادر أحمد بن أبي نصر البزنطي، وسائل الشيعة 3: 396، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب النجاسات والأواني والجلود، الحديث 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بول الصبي؟ قال: تَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَ فَاغْسِلْهُ غَسْلاً، وَالْغُلَامُ وَالجَارِيَةُ فِي ذَلِكَ شَرَعٌ سَوَاءٌ”(1).

فقد أمر بصب الماء مع أنَّه لا إشكال في نجاسة بول الصبي، ولو تمّت تلك الدعوى لزم الاستدلال على عدم نجاسته بهذه الروايات. وإنَّما ورد الأمر بالصبِّ هنا -مع التحفُّظ على أنَّ الماء مستولٍ على الجسم- بعناية عدم وجود الغمز، في حين ورد بالنسبة إلى ما إذا كان الغمز موجوداً قوله: “فَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ غَسْلاً”، فلا يكون ذلك دليلاً على طهارة بول الصبي.

فالأمر بالصبِّ استُعمِل في موارد لا إشكال بنجاستها، وهذا يعني أنَّه حفظ فيه نكتة استيلاء الماء على البدن، وإلا لما اكتفى به. وإنَّما التقابل بين الاحتياج إلى الغمز في الغسل وعدمه في الصبِّ.

ومعه لا يتمّ الاستدلال بالرواية في محلِّ الكلام على عدم السراية.

وإنما التمييز بين حال الجفاف وحال الرطوبة، باعتبار الاحتياج إلى الغسل والفرك حال الرطوبة، دون حال الجفاف. وهذا مطابق مع الارتكاز أيضاً؛ لأنَّه مع وجود الرطوبة يحتاج إلى عناية في الإزالة، دون حال الجفاف. فكما في بول الصبي لا نستفيد عدم النجاسة، فهنا كذلك.

ــــــــــ[199]ــــــــــ

() باب3، (المقرر). الكافي 3: 56، كتاب الطهارة، باب البول يصيب الثوب، الحديث 6، تهذيب الأحكام 1: 249، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 2، وسائل الشيعة 3: 397، الباب 3 من أبواب النجاسات الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مناقشة التقريب الأوَّل

وأمَّا تقريب دلالة الرواية على السراية والنجاسة، فيمكن أن يناقش فيه بمناقشتين:

المناقشة الأولى: أنَّ الرواية تفصّل بين ما إذا كان فيه رطوبة، وبين ما لم يكن فيه.

ففي فرض جفاف الكلب، تأمر بصبّ الماء وهو مطلق من حيث إنَّ الثوب فيه رطوبة أو لا؟ إذن فيصير حالها حال مطلقات الأمر بالغسل القابلة للتقييد بالارتكاز. وغير واردة في مورد الجفاف من الطرفين.

وإن شئتم قلتم: إنَّه ينتظر من هذه الرواية أن تكون أقوى من المطلقات الفوقانيّة، ولذا قيَّدنا تلك المطلقات بالارتكاز بخصوص حال الرطوبة.

وأمَّا هذه الرواية فقد يُقال إنَّها لا تقبل التقييد بالارتكاز؛ لأنَّها واردة في مورد الجفاف.

إلا أنَّه قد يُقال في جواب ذلك: إنَّ حالها حال المطلقات؛ لأنَّها مطلقة من حيث رطوبة الثوب، فهي محكومة للارتكاز أيضاً.

المناقشة الثانية: وأمَّا لو ادّعينا أنَّ الغالب في الثوب عدم الرطوبة، فتقييد بالرطوبة تقييد بفرد نادر. وحينئذٍ فيتساوى موضوع الرواية مع موضوع الارتكاز، فيصلح الارتكاز أن يكون قرينة على الاستحباب، بعد أن امتنع التقييد به مع روايات اخرى دالَّة على ذلك.

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المُقيِّد الخامس: الروايات الآمرة بالنضح عند اليبوسة

1- كرواية حريز عمّن أخبره عن أبي عبد الله قال: “إِذَا مَسَّ ثَوْبَكَ الْكَلْبُ، فَإِنْ كَانَ يَابِساً فَانْضِحْهُ، وَإِنْ كَانَ رَطْباً فَاغْسِلْهُ”(1).

2- ورواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: “سألته عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت. قال يَنْضِحُهُ وَيُصَلِّي فِيهِ، وَلَا بَأْسَ”(2)

3- ورواية القاسم عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الكلب يصيب الثوب. قال: انْضِحْهُ، وَإِنْ كَانَ رَطْباً فَاغْسِلْهُ”(3).

وروايات النضح يوجد في اثنين منها نكتة إضافية، تدلّ على عدم اللزوم في النجاسة:

4- رواية موسى بن القاسم عن علي بن محمد قال: “سألته عن خنزير

ــــــــــ[201]ــــــــــ

() باب 26، من النجاسات كلها، (المقرر). الكافي 3: 60، كتاب الطهارة، باب الكلب يصيب الثوب والجسد وغيره، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 260، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 43، وسائل الشيعة 3: 441، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 1: 75، باب ما ينجّس الثوب والجسد، الحديث 169، الاستبصار 1: 192، كتاب الطهارة، الباب 113، الحديث 4، وسائل الشيعة 3: 442، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(3) تهذيب الأحكام 1: 260، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 44، وسائل الشيعة 3: 442، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 أصاب ثوباً وهو جافّ، هل تصلح الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال نَعَمْ، يَنْضِحُهُ بِالمَاءِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ”(1).

فإنَّ ظاهر السؤال أنَّه يسأل عمَّا إذا كان هذا الثوب طاهراً أو نجساً، فكأنَّه قال: هل هو طاهر؟ فيكون ظاهر قوله: (نعم)، إمضاء تلك الجهة الملحوظة للسائل، وهي الطهارة. فكأنَّه قال: طاهر بنضحه بالماء، وإذا كان الأمر كذلك يتعيَّن حملها على التنزّه.

وفرق بين هذا اللسان ولسان: (إذا مسَّ ثوبك كلب وهو جافّ فانضحه)، فإنَّ هذه النكتة التي تدلّ على عدم اللزوم غير موجودة فيه.

5- الخبر الآخر ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: “سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به. قال: إِنْ كَانَ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَمْضِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْضَحْ مَا أَصَابَ مِنْ ثَوْبِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَثَرٌ فَيَغْسِلَهُ” الخبر(2).

فقد فصّل بين ما إذا دخل في صلاته، وما لم يدخل. فإذا دخل فيها فلا 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 1: 424، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 20، وسائل الشيعة 3: 442، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(2) باب 13 من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 61، كتاب الطهارة، باب الكلب يصيب الثوب والجسد وغيره، الحديث 6، تهذيب الأحكام 1: 261، كتاب الطهارة الباب 12، الحديث 47، وسائل الشيعة 3: 417، كتاب الطهارة، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

حاجة إلى النضح وليمض. فهذا بنفسه شاهد على عدم النجاسة وإلاّ كان اللازم التطهير على أي حال.

وتقريب الاستدلال بها على عدم السراية أوضح من تقريب الاستدلال بروايات الأمر بالصبِّ؛ لأنَّ نفس التقريب يأتي من دون مناقشة.

حيث يمكن القول: بأنَّ الأمر بالنضح نستفيد منه أنَّ الحكم بلحاظ التنزّه، لا بلحاظ نجاسة لزومية حقيقية؛ لأنَّ النضح مرتبة أقلّ من مرتبة الغسل المطهّر بحسب الارتكاز العرفيّ، وهي استيلاء الماء على تمام الشيء، فإنَّه يكفي في النضح الأقلّ من ذلك. فيكون هذا الارتكاز قرينة على ظهور هذه الروايات على أنَّها في مقام بيان نفي النجاسة.

وهذا التقريب هنا لا يخلو من وجاهة، بينما هناك كان خالياً من الوجاهة؛ لأنَّه لا يوجد ارتكاز على عدم مطهرية صبّ الماء على الشيء. وعلى أيٍّ فتكون هذه الروايات مقيّدة للاطلاقات.

الروايات المؤيِّدة للتقييد

والتتبّع في الروايات يؤيِّد ذلك؛ لأنَّنا نرى أنَّه أمر بالنضح في موارد الشكّ. أو النجاسة الاستحبابية:

1- كرواية عبد الله بن سنان التي يقول فيها: “وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ شَيْ‏ءٌ، فَنَظَرَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، أَجْزَأَهُ أَنْ يَنْضِحَهُ بِالمَاءِ”(1).

ــــــــــ[203]ــــــــــ

() باب 40، (المقرر). الكافي 3: 406، كتاب الصلاة، باب الرجل يصلّي في الثوب وهو غير طاهر، الحديث 9، الاستبصار 1: 182، كتاب الصلاة، الباب 109، الحديث 8، وسائل الشيعة 3: 475، كتاب الطهارة، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

2- ورواية ابراهيم بن عبد الحميد قال: “سألت أبا الحسن عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر وعن الفرو وما فيه من الحشو. قال: اغْسِلْ مَا أَصَابَ مِنْهُ وَمَسَّ الجَانِبَ الْآخَرَ، فَإِنْ أَصَبْتَ مَسَّ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ فَاغْسِلْهُ، وَإِلَّا فَانْضِحْهُ بِالمَاءِ”(1).

3- ورواية محمد بن مسلم، قال: “وسألته عن أبوال الدواب والبغال والحمير فقال: اغْسِلْهُ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ مَكَانَهُ فَاغْسِلِ الثَّوْبَ كُلَّهُ، وَإِنْ شَكَكْتَ فَانْضِحْهُ”(2).

4- ورواية الحلبي عن أبي عبد الله قال: “إِذَا احْتَلَمَ الرَّجُلُ فَأَصَابَ ثَوْبَهُ شَيْ‏ءٌ فَلْيَغْسِلِ الَّذِي أَصَابَهُ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَصَابَهُ شَيْ‏ءٌ وَلَمْ يَسْتَيْقِنْ وَلَمْ يَرَ مَكَانَهُ فَلْيَنْضَحْهُ بِالمَاءِ، وَإِنْ يَسْتَيْقِنْ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَلَمْ يَرَ مَكَانَهُ فَلْيَغْسِلْ ثَوْبَهُ كُلَّهُ؛ فَإِنَّهُ 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

() باب 5 من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 55، كتاب الطهارة، باب البول يصيب الثوب أو الجسد، الحديث 3، وسائل الشيعة 3: 400، كتاب الطهارة، الباب 5 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) باب 9، (المقرر). الكافي 3: 57، كتاب الطهارة، باب أبوال الدواب وأرواثها، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 264، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 58، وسائل الشيعة 3: 403، كتاب الطهارة، الباب 7 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أَحْسَنُ”، (1) الحديث.

5- ورواية محمد بن مسلم عن أحدهما: قال: “سألته عن المذي يصيب الثوب. قال: يَنْضَحُهُ بِالمَاءِ إِنْ شَاءَ”(2).

6- ورواية الحسين أبي العلا قال: “سألت أبا عبد الله عن المذي يصيب الثوب: قال: لَا بَأْسَ بِهِ، فلما رددنا عليه. قال تَنْضِحُهُ بِالمَاءِ”(3).

7- ورواية علي بن أبي حمزة قال سُئل أبو عبد الله -وأنا حاضر- “عن رجل أجنب في ثوبه فيعرق فيه، فقال: مَا أَرَى بِهِ بَأْساً. وقال: إنَّه يعرق فيه حَتَّى لو شاء أن يعصره عصره. قال: فقطب أبو عبد الله في وجه الرجل، فقال: إِنْ أَبَيْتُمْ فَشَيْ‏ءٌ مِنْ مَاءٍ يَنْضِحُهُ بِهِ”(4).

ــــــــــ[205]ــــــــــ

() باب 16، (المقرر). الكافي 3: 54، كتاب الطهارة، باب المنيّ والمذي يصيبان الثوب والجسد، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 252، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 15، وسائل الشيعة 3: 425، كتاب الطهارة، الباب 16 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) باب 17، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 267، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 71، وسائل الشيعة 3: 424، كتاب الطهارة، الباب 16 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(3) نفس الباب، (المقرر). الاستبصار 1: 175، كتاب الطهارة، الباب 105، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 253، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 20، وسائل الشيعة 3: 426، كتاب الطهارة، الباب 17 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(4) باب 27، (المقرر). الكافي 3: 52، كتاب الطهارة، باب الجنب يعرق في الثوب أو يصيب جسده ثوبه وهو رطب، الحديث 3، الاستبصار 1: 185 كتاب الطهارة، الباب 110، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 268 كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 74، وسائل الشيعة 3: 445، كتاب الطهارة، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المقيّد السادس: ما دلّ على عدم وجوب غسل المُلاقي للنجس مطلقاً

والروايات التي دلَّت على عدم وجوب غسل المُلاقي للنجس، دون أن يؤخذ فيها عنوان الجفاف، كانت مطلقة من حيث الرطوبة والجفاف، وهي روايات عديدة لعلي بن جعفر. 

منها ما عن علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: “سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت هل يصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال: لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ”(1).

ويكون الاستدلال بهذه الرواية بأحد بيانات ثلاثة:

البيان الأوَّل: مبني على دعوى كون الرواية منصرفة إلى مورد الجفاف، باعتبار أنَّ العادة أو الغالب في الحمار الميت، أن يكون جافّاً. فإذا تمّ ذلك كانت دلالتها واضحة؛ لأنَّها تكون واردة في مورد الجفاف، وتكون دالَّة معه على عدم السراية وهو المُدّعى.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

() باب 26، (المقرر). الاستبصار 1: 192، كتاب الطهارة، الباب 113، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 276، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 100، وسائل الشيعة 3: 442، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهذا الانصراف له أحد وجهين: 

الوجه الأوَّل: غلبة أنَّ الثوب ليس بمرطوب.

الوجه الثاني: ما يكون بلحاظ خصوصية السائل وزمان السؤال، فإنَّ السائل هو علي بن جعفر في زمان أخيه الإمام الكاظم، في عصرٍ المفروض فيه أنَّ نجاسة الميتة والكلب وسراية النجاسة بالرطوبة أصبحت من الواضحات بعد شيوع أحاديث الإمام الصادق. فمن المستبعد أن يكون السؤال عن السراية حال الرطوبة؛ لأنَّ مرجعه إلى أنَّه يشكّ في أصل نجاسة الميتة أو الكلب أو بالسراية حال الرطوبة، وحيث إنَّه ينبغي أن يكون هذا واضحاً لعلي بن جعفر فيكون هذا قرينة حالية على أن يكون نظر السائل إلى مورد الجفاف الرطوبة.

البيان الثاني: أن نبني على إنكار دعوى الانصراف وأنّ الحمار الميت قد يكون رطباً وقد يكون يابساً، فينعقد له إطلاق لمورد الجفاف لمورد الرطوبة. فيقع التعارض بينه وبين إطلاق الأمر بالغسل الشامل لصورة الجفاف والرطوبة معاً، يعني المطلقات الفوقانيّة، بنحو التباين.

وحينئذ يقال: إنَّنا نقيد رواية علي بن جعفر بما دلّ على الانفعال في مورد الرطوبة -وهو عدد من الروايات- وبعد التقييد يصبح هذا الخبر مختصّاً بصورة الجفاف، فيكون أخصّ مطلقاً من تلك المطلقات الفوقانيَّة، بناءً على انقلاب النسبة(1).

ــــــــــ[207]ــــــــــ

(1) لاحظ ما تعرّض له المصنّف! حول هذه النظريّة والقائلين بها: بحوث في علم الأصول 7: 288، تعارض الأدلّة الشرعيّة، تطبيقات مشكوكٌ فيها التعارض، نظريّة انقلاب النسبة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

البيان الثالث: وهناك تقريب ثالث نضيفه إلى التقريبين السابقين، وهو أنَّنا إذا لم نقبل انقلاب النسبة، فهما يتعارضان ويتساقطان فإن كانت هناك رطوبة فيرجع إلى الأخبار الخاصَّة بالسراية حال الرطوبة، وإن لم تكن رطوبة نرجع إلى أصالة الطهارة.

فبأحد هذه البيانات تتمّ دلالة رواية علي بن جعفر، وسندها صحيح.

المقيّد السابع: ما دلّ على عدم السراية من المتنجِّس غير الرطب

وهي الروايات التي دلَّت على عدم سراية النجاسة من المتنجّس إذا لم يكن مرطوباً.

1- كرواية علي بن جعفر قال: “سألته عن المكان يغتسل فيه من الجنابة أو يبال فيه أيصلح أن يفرش؟ فقال: نَعَمْ، يَصْلُحُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ جَافّاً”(1)؛

فهي تدلّ على أنَّ النجاسة لا تسري من المتنجّس إذا كان جافّاً.

2- ومثلها ما رواه علي بن جعفر أيضاً عن أخيه موسى بن جعفر في حديث قال: “سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا ــــــــــ[208]ــــــــــ

() باب 26، (المقرر). قرب الإسناد: 291، باب ما يجوز في المساجد، الحديث 1150، وسائل الشيعة 3: 443، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

جفّت من غير أن تغسل؟ قال: نَعَمْ، لَا بَأْسَ”(1).

3- وما رواه علي بن جعفر أيضاً عن أخيه موسى قال: “سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلى عليها إذا يبست؟ قال: لَا بَأْسَ‏”(2).

والاستدلال بها لا بأس به إلاَّ أنَّه يحتاج إلى تتميم؛ لأنَّها وردت في المتنجّس الجافّ لا في النجس الجافّ. فنحتاج إلى ضمّ دعوى أنَّ العرف يلغي خصوصية المتنجّس في مقابل عين النجس ويرى أنَّ هذه الروايات تنبه على مطلب عرفي هو أنَّ الجفاف لا يناسب مع السراية، وهو لا يفرق فيه بين النجس والمتنجس.

وحينئذٍ فلا بأس بالتمسُّك بهذه الروايات وإثبات تمام المطلوب.

المقيّد الثامن: ما دلّ على جواز الصلاة مع مُلاقي عين النجس اليابس

وهو أحسن المُقيِّدات.

1- كرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى، قال: “وسألته عن الرجل 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

() باب 29، (المقرر). مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 227، باب مكان المصلّي، الحديث 522، تهذيب الأحكام 1: 273، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 90، وسائل الشيعة 3: 452، كتاب الطهارة، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) باب 30، (المقرر). قرب الإسناد: 212، باب الصلاة، في القراءة، الحديث 830، من لا يحضره الفقيه 1: 245، أبواب الصلاة، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها، الحديث 737، تهذيب الأحكام 2: 370، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 71، وسائل الشيعة 3: 454، كتاب الطهارة، الباب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 2. 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يمشي في العذرة وهي يابسة فتصيب ثيابه أو رجله، أ يصلح له أن يدخل المسجد فيصلّي ولم يغسل ما أصابه؟ قال: إِذَا كَانَ يَابِساً فَلَا بَأْسَ”(1).

2- وعنه أيضاً: “وسألته عن الرجل يمرّ بالمكان فيه العذرة فتهبّ الريح فيسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه أ يصلّي قبل أن يغسله؟ قال: نَعَمْ، يَنْفُضُهُ وَيُصَلِّي، فَلَا بَأْسَ”(2)

وبقرينة (ينفضه) نعرف أنَّه يابس؛ لأنَّه هو الذي ينفض، فتدلّ هاتان الروايتان على المقصود وهو عدم سراية النجاسة في حالة الجفاف.

3- ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما: “في الرجل يمسّ أنفه في الصلاة فيرى دماً كيف يصنع، قال: إِنْ كَانَ يَابِساً فَلْيَرْمِ بِهِ، وَلَا بَأْسَ”(3).

فهي تدلّ على عدم الانفعال مع جفاف الدم وعدم الرطوبة.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() باب 26، (المقرر). مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 150، الحديث 196، وسائل الشيعة 3: 443، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

(2) باب 26، (المقرر). مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 155، الحديث 214، وسائل الشيعة 3: 443، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 12.

(3) باب 24، من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 364، كتاب الصلاة، باب ما يقطع الصلاة من الضحك والحدث والإشارة والنسيان وغير ذلك، الحديث 5، تهذيب الأحكام 2: 324، كتاب الصلاة، الباب 15، الحديث 183، وسائل الشيعة 3: 437، كتاب الطهارة، الباب 24 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

والاستدلال بهذه الروايات على تمام المُدّعى:

إما بدعوى إلغاء الفرق ما بين نجاسة ونجاسة، وأنَّ المناط هو اليبوسة بلا فرق بين النجاسات.

وإمَّا بضمّ الروايات بعضها إلى بعض، بحيث ينتج المطلوب في تمام النجاسة.

فإنَّه تبيّن إلى الآن أنَّ كل نجاسة قابلة للجفاف، وورد فيها ما يدلّ على التقييد كالكلب والخنزير والميتة والعذرة، إلاَّ الدم لم يرد فيه مقيّد، إلاَّ أنَّه لم يرد فيه مطلق أيضاً حَتَّى نحتاج إلى مقيّد. فصحّ أن يقال: إنَّ النجس اليابس إمَّا ليس فيه مطلق شامل لحال الجفاف، أو وجد فيه مطلق ولكن وجد فيه مقيّد أيضاً. 

المقيِّد التاسع: رواية علي بن جعفر

وهو يمتاز عن سائر المُقيِّدات اللفظيَّة السابقة بما حاصله: أنَّ المُقيِّدات السابقة كلها ناظرة إلى يبوسة النجس نفسه لا إلى يبوسة الملاقي. بينما هذه الطائفة تدلّ على أنَّ المُلاقي إذا كان جافّاً وكان المُلاقى جافّاً فلا نجاسة وإذا كان المُلاقي رطباً والملاقى جافّاً يحكم بالانفعال. فيبوسة المُلاقى وحدها لا تكفي في الحكم بعدم الانفعال، بل لا بُدَّ أن ينضمّ إليه يبوسة المُلاقي أيضاً. وينتج أنَّ الميزان هو وجود الرطوبة في أحدهما.

وهي رواية علي بن جعفر عن أخيه قال: “سألته عن الفراش يصيبه الاحتلام كيف يصنع به. قال: اغْسِلْهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَنَمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَيْبَسَ، فَإِنْ 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

نِمْتَ عَلَيْهِ وَهُو رَطْبُ الْجَسَدِ فَاغْسِلْ مَا أَصَابَ مِنْ جَسَدِكَ، فَإِنْ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ثَوْباً فَلَا بَأْس‏”(1).

ظاهر قوله: فإن نمت عليه يعني بعد أن ييبس. ويدلّ بمفهومه: أنك إن نمت عليه وأنت لست برطب الجسد فلا بأس بذلك فتكون دالَّة إلى أنَّ النجاسة منوطة برطوبة أحد الطرفين، وأمَّا إذا كانا يابسين فلا بأس بذلك.

إلَّا أنَّه يمكن أن توقع هذه الرواية طرفاً للمعارضة مع رواية أخرى: هي ما رواه زرارة في صحيحه قال: “سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله. قال: نَعَمْ، لَا بَأْسَ بِهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ النُّطْفَةُ فِيهِ رَطْبَةً، فَإِنْ كَانَتْ جَافَّةً فَلَا بَأْسَ”(2).

قد يقال: إنَّ هذه الرواية تعطي مطلباً على خلاف المألوف؛ لأنَّ ظاهرها هو أنَّ الميزان جفاف النطفة وعدمها، فإن كانت يابسة فلا بأس بالتجفيف فيه مع أنَّ المفروض رطوبة جسده. وحينئذٍ: فإن فرضنا أن قوله: فإن كانت جافَّة له إطلاق من حيث إنَّ النطفة اليابسة تصيب الجزء الرطب من الجسد أو غيره، 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

() باب 26، (المقرر). مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 213، النجاسات، الحديث 463، وسائل الشيعة 3: 443، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

(2) باب 27، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 421، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 5، وسائل الشيعة 3: 446، كتاب الطهارة، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إذ لعلَّه جفَّ بعض جسده وأصاب المنيّ ما جفَّ منه. إن قبلنا هذا الإطلاق قيَّدناه بالرواية السابقة.

وإن قلنا: إنَّ هذا الإطلاق خلاف الفهم العرفيّ من الرواية فإنَّ معناها أنَّ بدنه كله مرطوب، وتقييده بهذا النحو ليس عرفياً ومعه يمكن أن يُدّعى أنَّ المتعيّن هو التمسُّك برواية زرارة، فإنَّ الارتكاز وإن كان لا يفرق فيه بين رطوبة المُلاقي والملاقى، ولكن يُدّعى أنَّها رادعة عن هذا الارتكاز ومفصلة بين رطوبة المُلاقي والملاقى، بل نجعلها قرينة على حمل تلك الرواية على الاستحباب فينتج مطلب على خلاف المشهور.

لكن الصحيح: أنَّ رواية زرارة مبتلاة بالمعارض الذي لا يمكن حمله على الاستحباب عرفاً وهي موثَّقة عمَّار المعروفة في مطهرية الشمس عن عمَّار الساباطي عن أبي عبد الله في حديث قال: “سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنَّه قد يبس الموضع القذر. قال: لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ وَأَعْلَمَ مَوْضِعَهُ حَتَّى يَغْسِلَهُ. وعن الشمس هل تطهر الأرض قال: “إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ قَذِراً مِنَ الْبَوْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَأَصَابَتْهُ الشَّمْسُ ثُمَّ يَبِسَ الْمَوْضِعُ فَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَوْضِعِ جَائِزَةٌ. وَإِنْ أَصَابَتْهُ الشَّمْسُ وَلَمْ يَيْبَسِ الْمَوْضِعُ الْقَذِرُ وَكَانَ رَطْباً فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَإِنْ كَانَتْ رِجْلُكَ رَطْبَةً أَوْ جَبْهَتُكَ رَطْبَةً أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْكَ مَا يُصِيبُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الْقَذِرَ فَلَا تُصَلِّ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُ الشَّمْسِ أَصَابَهُ حَتَّى يَبِسَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ”(1).

ــــــــــ[213]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 2: 273، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث 80، وسائل الشيعة 3: 452، كتاب الطهارة، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإن ظاهر قوله: “وَإِنْ كَانَ غَيْرُ الشَّمْسِ أَصَابَهُ حَتَّى يَبِسَ”أنه لا يجوز أن تصلّي وجبهتك رطبة ورجلك رطبة، وتعبير لا يجوز لا معنى لحمله على الاستحباب فيتعارضان ويتساقطان. فيرجع إلى سائر الأدلَّة التي لا يفرق فيها بين رطوبة المُلاقي والملاقى، فينتج ما عليه المشهور(1).

هذا تمام الكلام في الجهة الثانية، وبه ينتهي الكلام عن المسألة الأولى، في سريان النجاسة في غير الميتة، واتّضح أنَّها لا تسري في حال الجفاف. 

المسألة الثانية: في ملاقي ميّت الإنسان

ثُمَّ ندخل في المسألة الثانية في ما يخصّ الميتة، وإنَّما أفردناها بالبحث، باعتبار اختصاصها بنكات معينة، ووجود قول معتدّ به للشهيدين والعلامة بالسريان حَتَّى في حال الجفاف.

والبحث في هذه المسألة في أنَّه هل تسري النجاسة بلا رطوبة من ميّت الإنسان، بعد الفراغ عن عدم السراية في غيره؟ وموضوع مسألتنا تجعله ميت 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

() قلت له: كيف أنَّ الدم لم يرد فيه مطلق؟ فقد كان هو عبارة عن روايات مُلاقاة الكلب المطلقة لصورة الجفاف، إلاَّ إذا لم نجرّدها عن الخصوصية.

فقال: بل نجرّدها عن الخصوصية.

قلت: فتكون شاملة للدم. 

فقال: ولكنها قيّدت في موردها وهو الكلب والخنزير، وإذا سقطت الدلالة المطابقية، سقطت الدلالة الالتزامية، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الإنسان بالخصوص، لا مطلق الميتة؛ لأنَّ محور النكات التي نريد التعرّض لها موردها الإنسان، ومنه يظهر حال الميتات الأخرى. 

ويقع الكلام في جهتين: 

الأولى: في تمامية المقتضى في نفسه، بمعنى: أنَّه هل يوجد إطلاق في باب ميتة الإنسان، يقتضي سراية النجاسة حَتَّى مع الجفاف؟

الثانية: أنَّه بعد فرض تنقيح الإطلاق، أنَّه هل يوجد مقيّد أو لا؟ 

وبتعبير آخر: أنَّ المُقيِّدات التسعة التي ذكرناها في المسألة الأولى هل تنفع للتقييد هنا أو لا؟

الجهة الأولى: في وجود إطلاق يدلُّ على سراية النجاسة مع الجفاف

هل هناك دليل يقتضي بطبعه سراية النجاسة إلى ملاقى ميتة الإنسان حَتَّى بلا رطوبة، أو لا؟

الدليل على هذا الإطلاق نحوان:

النحو الأوَّل: الإطلاقات الواردة في غير ميتة الإنسان. وهي وإن كان موردها ميتة غير الإنسان، ولكنَّه يدلّ بالالتزام – مثلاً على السراية بلا رطوبة في ميت الإنسان؛ لأنَّه أشدّ حالاً من غيره للخلاف فيه، وعدم احتمال الفرق بينهما من هذه الناحية.

وهذا النحو من الإطلاق لا يفيدنا؛ لأنَّنا فرغنا من وجود مقيّدات بلحاظ مورده، فإنَّ الإطلاق كان وارداً في ملاقي الكلب والخنزير وقد وردت فيها مقيّدات بحال الرطوبة بلحاظ موردها ومدلولها المطابقي، فلا يمكن التمسُّك 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بها لإثبات المدلول الالتزاميّ.

إذن فنحتاج إلى أن توجد عندنا إطلاقات في خصوص ميتة الإنسان تأمر بغسل المُلاقي بلا تفصيل بين حال الرطوبة والجفاف، وهو: 

النحو الثاني: من الإطلاق وهو يتمثّل في مكاتبتين للحميري(1)

حيث كتب إليه: “رُوِيَ لنا عن العالِم، أنَّه سئل عن إمام قوم يصلّي بهم بعض صلاتهم، وحدثت عليه حادثة، كيف يعمل مَنْ خلفه؟ فقال: يُؤَخَّرُ وَيُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُمْ وَيَغْتَسِلُ مَنْ مَسَّهُ. 

التوقيع: لَيْسَ عَلَى مَنْ نَحَّاهُ إِلَّا غَسْلُ الْيَدِ، وَإِذَا لَمْ تَحْدُثْ حَادِثَةٌ تَقْطَعُ الصَّلَاةَ تَمَّمَ صَلَاتَهُ مَعَ الْقَوْمِ”.

وعنه: قال كتب إليه: رُوِيَ عن العالِم: “إِنْ مَسَّ مَيِّتاً بِحَرَارَتِهِ غَسَلَ يَدَيْهِ وَمَنْ مَسَّهُ وَقَدْ بَرَدَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَهَذَا الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَكُونُ مَسُّهُ إِلّا بِحَرَارَتِهِ، وَالْعَمَلُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ، وَلَعَلَّهُ يُنَحِّيهِ بِثِيَابِهِ وَلَا يَمَسُّهُ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ.

التوقيع: إِذَا مَسَّهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ يَدِهِ“.

الاستدلال بالفقرة الأخيرة، فقد أمر بغسل يده سواء كان برطوبة أو لا، كما لعله هو الغالب في الميت. ولو جمدنا عليه لحكمنا بما عليه العلامة وجماعة 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

(1) كتاب الغيبة : 375، ذكر السفراء الممدوحين في زمان الغيبة، في ذكر أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي‏، وسائل الشيعة 3: 296، كتاب الطهارة، الباب 3 من أبواب غسل مسّ الميت، الحديثان 4 و5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

من وجوب الغسل حَتَّى مع الجفاف(1).

الجهة الثانية: في وجود مُقيِّد للإطلاق

إنَّه بعد فرض وجود هذا الإطلاق فهل يوجد له مقيّد أو لا؟

وهنا توجد ثلاث كلمات:

الأولى: مربوطة بمقيّدية الارتكاز.

والثانية: مربوطة بمقيّدية: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ يَابِسٍ ذَكِيٌّ”.

والثالثة: بمقيّدية الروايات الخاصَّة.

الكلمة الأولى: في مُقيّدية الارتكاز

هل يمكن أن نقول: بأنَّ الارتكاز يكون مقيّداً لهذا الإطلاق، كما قلنا في المسألة السابقة، أو لا؟

يمكن أن يناقش بثلاثة تقريبات مترتِّبة في الوجاهة: 

التقريب الأوَّل: الارتكاز العرفيّ هنا غير تامّ

أنَّ الارتكاز هناك تامّ وهنا غير تامّ؛ لأنَّه هناك لم يوجد قول ولا احتمال فقهي معتدّ به، بسراية النجاسة عند عدم الرطوبة، فيكشف ذلك عن تطابق على ذلك، 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

(1) لاحظ: منتهى المطلب 2: 456، 458، كتاب الطهارة، المقصد الثالث: في الغسل، الفصل الخامس، المسألة 5، تذكرة الفقهاء 1: 88، كتاب الطهارة، أقسام الملاقي للنجاسة وكيفيّة تطهيرها، المسألة 25، ذكرى الشيعة 1: 133، كتاب الصلاة، في أحكام النجاسات، السادس عشر: عدم طهارة جلد الميتة بالدباغ، روض الجنان 1: 308، كتاب الطهارة، النظر الثالث، المقصد الرابع: في غسل الأموات، الخامس: في غسل مسّ الميت.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

والتطابق على ذلك يكون مسبباً للارتكاز الذي جعل قرينة على التقييد وأمَّا في مسألتنا هذه فالخلاف مشهور حَتَّى نسب إلى المشهور القول بوجوب الغسل مع عدم الرطوبة(1)، فكيف يُقال بوجود ارتكاز قاضٍ بعدم السراية!

وهذا التقريب غير صحيح، فإنَّه لو كان مرادنا من هذا الارتكاز الارتكاز الفقهي والفقهائي لكان هذا التفصيل بين المسألتين صحيحاً ولكنَّنا نريد بالارتكاز هناك هو الارتكاز العرفيّ والعقلائي وهو غير مربوط بفتاوى الفقهاء، فإنَّه مبني على المناسبات الارتكازية الثابتة في الأذهان العرفية بقطع النظر عن الفتاوى.

التقريب الثاني: الارتكاز العرفيّ غير موجود في المقام

أن نقول: إنَّ الارتكاز العرفيّ غير موجود في المقام؛ لأنَّ نجاسة الميت بنفسها على خلاف الارتكاز العرفي، بخلاف البول والعذرة وميتة غير الإنسان، والعرف لو خلي وطبعه لا يرى مثل هذه القذارة ولا يحتملها، وإنَّما هو حكم تعبُّدي من قبل الشارع فلا معنى لتحكيم الارتكاز بالنسبة إليه، بل لا بُدَّ أن تؤخذ حدوده من كلام الشارع فيتمسك بالإطلاق.

إلَّا أنَّه يرد عليه -بهذا البيان-: أنَّه يوجد عندنا مطلبان:

أولهما: أصل نجاسة ميت الإنسان وهذا لا يراه العرف، ولكن يراه الشرع. 

ثانيهما: كبرى أنَّ (كل قذر تسري منه النجاسة مع الرطوبة)، وهو أمر 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

(1) لاحظ: مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 1: 348، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الرابع: الميتة، المسألة 10.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ارتكازي لم يخالف فيه الشارع وإن خالف في الأوَّل. فيحكم هذا الارتكاز الثاني ويقيد به الإطلاق.

التقريب الثالثة: قصور النظرة العرفية عن النجاسة

المناقشة الثالثة أنَّ حكم الشارع بنجاسة ميت الإنسان وقذارته وسرايتها إلى ملاقيه، لو كان نظره في هذه النجاسة إلى القذارة المادية القائمة بالجسم – فإنَّ العرف لِقصرِ نظره قد لا يرى النجاسة، والشارع لدقّته يراها- فالجواب الذي قلناه على التقريب الثاني تام، وأمَّا إذا قلنا إنَّ الحكم بنجاسته ليس للقذارة المادية بل للحدث المعنوي وهو حدث الموت.

إذن فهي نجاسة بلحاظ معنوي لا حسي، ومثل هذه النجاسة خارجة موضوعاً عن كبرى اشتراط الرطوبة في مقام السريان؛ لأنَّ هذه الكبرى إنَّما فيما كان قذراً قذارة حسية، وأمَّا القذارة المعنوية فلعل الارتكاز غير موجود في عدم السريان عند الجفاف؛ لأنَّ حدود اقتضاءات ذلك غير معروف عند العرف.

الكلمة الثانية: في مُقيّديّة عموم (كل يابس ذكي)

فإنَّه كان صالحاً للتقييد هناك، فهل هو كذلك في هذه المسألة؟

قد يقال: إنَّ القدر المُتيقَّن من ذلك هو غير ميتة الإنسان، باعتبار الإجماع القائم على عدم السراية بلا رطوبة.

وأمَّا ميتة الإنسان فهو مشمول لإطلاق (كل يابس ذكي)، كما هو مشمول لإطلاق: (يغسل يده). فتقع المعارضة بنحو العموم من وجه بين الدليلين؛ لأن: (يغسل يده) مطلق من حيث كونه يابساً أو رطباً. و(كل يابس ذكي) 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مطلق من حيث ميت الإنسان وغيره، فلا يمكن أن يجعل مقيّداً له بعد أن كان التعارض من وجه.

ويمكن أن يُقال في جوابه:

أولا: فليتعارضا ويتساقطا، ونرجع إلى أصالة الطهارة ويثبت المطلوب.

ثانياً: أنَّ (كل يابس ذكي) مقدَّم على (يغسل يده)، بناءً على أنَّ العموم بالوضع يتقدَّم على الإطلاق بمقدّمات الحكمة.

وثالثاً: أنَّ قوله: (كل يابس ذكي) حاكم على الآخر؛ لأنَّه ناظر إلى أدلَّة السراية، ويقول: بأنَّ السراية المجعولة في أدلّتها لا تشمل اليابس.

ونكتة هذا النظر: هي أنَّ ظاهره وجود المانع عن السراية وهو اليبوسة، ودليل المانع ناظر إلى الدليل الممنوع دائماً فيكون حاكماً.

الكلمة الثالثة: في مُقيِّديِّة الروايات الخاصَّة

في المُقيِّدات الخاصَّة بهذه المسألة وهي روايتان:

الرواية الأولى: رواية إبراهيم بن ميمون

لو تمّت تدلّ على طهارة الميت حين حرارته وقبل برده الذي هو قول في الفقه. وحين نلتفت إلى أنَّ مورد التوقيع الشريف هو مورد حرارة الميت -كما صرّح به السائل أيضاً-، فإذا دلّ الدليل على طهارته حال حرارته، فلا بُدَّ من حمل الأمر بالغسل في التوقيع على التنزّه والاستحباب.

وهي رواية إبراهيم بن ميمون قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت، قال: إِنْ كَانَ غُسِّلَ فَلَا تَغْسِلْ مَا أَصَابَ ثَوْبَكَ مِنْهُ. وَإِنْ 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

كَانَ لَمْ يُغَسَّلْ فَاغْسِلْ مَا أَصَابَ ثَوْبَكَ مِنْهُ، (يَعْنِي إِذَا بَرَدَ المَيِّتُ)”(1).

يلاحظ على هذه الرواية أنَّها واردة في مورد الرطوبة والأثر بقرينة: أنَّ الأمر بالغسل تعلّق (بما أصاب ثوبك منه).

وقد فصل في هذا المورد بين ثلاث حالات: (وهي ما إذا كان الميت قد غسل)، أو (ما إذا كان الميت لم يبرد)، وفيهما لا يجب غسل اليد. (وإن كان قد برد ولم يغسل) فاغسل يدك. ومعه فلا بُدَّ من حمل الأمر بالغسل في التوقيع على التنزّه؛ لأنَّ مورده هو مورد الحرارة غالباً.

إلَّا أنّ الإشكال في هذه الرواية هي أنَّ الجملة المستدلّ بها، وهي قوله: (يَعْنِي إِذَا بَرَدَ الْمَيِّتُ) لعلّها ليست جزءاً من الرواية، ولعلَّها إضافة من الرواي(2).

فإنَّه إذا كان كلاماً للإمام فإنَّه يدلّ على عدم وجوب الغسل قبل البرد. وأمَّا إذا كان إضافة من الراوي، فلعله اجتهاد منه ولو من باب قياس الغسل على الغسل. وكلمة (يعني) مناسبة مع أنَّ المتكلّم غير الإمام لأنَّها تحويل على الغائب. فتوجب الإجمال من هذه الناحية، ولا يبقى لها ظهور بصدورها من الإمام، فلا يكون حُجَّة.

ــــــــــ[221]ــــــــــ

() باب 34 من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 61، كتاب الطهارة، باب الكلب يصيب الثوب والجسد وغيره، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 276، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 98، وسائل الشيعة 3: 461، كتاب الطهارة، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) يُشار إلى أنّ العبارة لم ترد في التهذيب.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الرواية الثانية: رواية الصّفار

قال: كتبت إليه: “رجل أصاب يده وبدنه ثوب الميت الذي يلي جلده، فوقّع: إِذَا أَصَابَ بَدَنَكَ جَسَدُ الْمَيِّتِ قَبْلَ أَنْ يُغَسَّلَ فَقَدْ يَجِبُ عَلَيْكَ الْغُسْلُ”(1).

وشرح السؤال من الرواية: إنَّه من ناحية أنَّ نجاسة الميت نجاسة غامضة عند العرف، فنحتمل أنَّه لو لاقى يده مع الثوب الملاصق لبدن الميت، فيجب غسلها أيضاً.

ونحن تارة نقرأ كلمة (الغسل) في قوله (فقد يجب عليك الغسل) بالفتح، وأخرى بالضمّ. وعلى كِلا التقديرين يوجد تقريبان للاستدلال بالرواية.

أما إذا قرأناها بالفتح، فحيث إنَّ ظاهر (قد) أنَّ غسل اليد ليس واجباً على كل حال، بل واجب في بعض الأحيان، فيدلّ بنحو القضيَّة المهملة أنَّ مُلاقي جسد الميت قبل التغسيل لا يجب على كل حال. فيكون مقيّداً لكن بتقييد إجمالي. فإطلاق قوله: (يغسل) -في التوقيع- لا يمكن أن يبقى على حاله وإلاّ لم يبق مجال لـ(قد)، فيسقط الإطلاق الفوقانيّ بمقدار مقيّديّة هذا المقيّد المجمل.

بل يمكن أن نقول: إنَّه بضمّ هذا التقييد المجمل، إلى مناسبات الحكم والموضوع العرفية، في باب الرطوبة واليبوسة، يعيِّن العرف أنَّ الحالة التي لا يجب فيها الغسل هي حالة اليبوسة؛ لأنَّ التفصيلات بعيدة عن ذهنه، 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

() باب 4 من أبواب غسل الميت، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 429، كتاب الطهارة الباب 23، الحديث 13، وسائل الشيعة 3: 290، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب غسل المسّ، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

كالتفصيل بين الليل والنهار أو طول الميِّت وقصره(1).

– وأمَّا تقريبه: إذا قرأناه بالضمّ: فإنَّ معناه هو أنَّ الإمام أضرب عن السؤال، فإنَّه كان عن (الغَسل) لا عن (الغُسل). فيقال: إنَّ سكوت الإمام عن (الغَسل)، واقتصاره على (الغُسل)، ظاهر بأنَّ الغَسل غير واجب، فكأنَّ السائل اشتبه اشتباهين: 

أحدهما: أنَّ مُلاقاة ثوب الميِّت موجب للسراية.

ثانيهما: أنَّه يجب الغسل لذلك.

فعدل الإمام من الثوب إلى الميت نفسه، وهو بيان عرفيّ لعدم السريان، وعدل من وجوب الغَسل إلى وجوب الغُسل، وهو بيان عرفيّ على عدم وجوبه.

غاية الأمر أنَّ هذا الإطلاق السكوتي له شمول لحال الجفاف والرطوبة، فيعارض مع ظهور (اغسل) في اللزوم، فيتعيَّن حمل ذلك على الاستحباب.

هذا كله مضافاً إلى أنَّ التوقيع غير تامّ السند على ما أشرنا إليه في بعض الأبحاث السابقة.

هذا تمام الكلام في المسألة الثانية وقد اتَّضح أنَّه تشترط الرطوبة في سريان النجاسة إلى المُلاقي، بلا فرق بين ميت الإنسان وغيره من النجاسات. انتهى المقام الأوَّل.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

() قلت له: فالتفصيل ما بين حرارة الميِّت وبرده؟

فقال: هذا وإن كان محتملاً إلاَّ أنَّه على أيّ حال ضدَّ توقيع الحميري؛ لأنَّ المراد من التفصيل هو طهارته حال حرارته، وهو مورد التوقيع الآمر بالغسل، (المقرّر).

كتاب الطهارة، محمد باقر الصدر، ج3

 

المقام الثاني: مقدار الرطوبة المشترط 

 

فيما هو مقدار الرطوبة المشترط، فإنَّ الرطوبة على ثلاث مراتب.

المراتب الثلاث للرطوبة 

المرتبة الأولى: الرطوبة التي تعتبر حالاً من حالات الجسم وعرضاً من أعراضه ولا تقبل السريان إلى جسم آخر سرياناً عرفياً -وإن كانت تنتقل بالمعنى العلمي المجهري-.

المرتبة الثانية: أن تكون الرطوبة حالاً وشأناً للجسم ولكنَّه يسري بالملاقاة كسريان الحرارة.

المرتبة الثالثة: أن تكون الرطوبة أمراً متميزاً وجوهراً في نفسه، بحيث إنَّ العرف يرى جسمين لا جسماً واحداً، هو الرطوبة والمرطوب. ومعنى ذلك أنَّ الرطوبة في هذه المرتبة ماء بحسب الحقيقة؛ إمَّا مضاف كماء الرمان، أو مطلق.

وإنَّه يمكن أن نبرهن على ثبوت هذه المراتب الثلاث بأن يقال: إنَّ شيئاً ما لو كان شديد البلل فهو من المرتبة الثالثة، فلو لاقاه شيء فإنَّه يكون أقلّ منه بللاً، فلو لاقى هذا الشيء شيئاً آخر، فإنَّه يكون أخفَّ، إلى أن تصبح الرطوبة غير متميزة عن الجسم، ولكنها تسري بالملاقاة، فهذه هي المرتبة الثانية، ثُمَّ يكون المُلاقي له أخفَّ رطوبة.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهكذا تبقى الرطوبة تخفّ إلى أن يصل إلى الجسم الرطب الذي لا يمكن أن يعطي الرطوبة بحيث يبقى ملاقيه يابساً. فيكون هو المرتبة الأولى. فهذه السلسلة تتضمن لا محالة هذه المراتب الثلاث.

تعيين مقدار الرطوبة المشترطة

لا بُدَّ لنا في مقام تعيين مقدار الرطوبة من الرجوع إلى الدليل الذي دلّ على اشتراط الرطوبة في المقام الأوَّل لنرى ما هو مفاده: وقد كان الدليل دليلين: دليلٌ لُبِّيٌّ، وهو الارتكاز. ودليلٌ لفظيٌّ وهو الروايات. 

بلحاظ الدليل اللُّبِّي

أما الارتكاز العرفيّ: فقد بيَّنا أنَّه يأبى عن سريان النجاسة مع عدم الرطوبة، فماذا يقتضي في المقام؟ وهذا يتوقّف على تحليل هذا الارتكاز، لنعرف ما هي نكتته، وأنها ماذا تقتضي؟ وهنا يوجد عندنا ثلاث فرضيات، يمكن أن تكون كلٌّ منهما تفسيراً لهذا الارتكاز العرفيّ المُدَّعى في المقام: 

الفرضية الأولى: المُنجِّس هو الرطوبة

أن يقال: بأنَّ الارتكاز العرفيّ يرى أنَّ الجامد لا ينجِّس وأنَّ المُنجِّس هو نفس الرطوبة، فلا بُدَّ أن تكون الرطوبة شيئاً يقبل التنجس، فإنَّها ما دامت حالاً وعرضاً، فإنَّه لا يقبل المُنجِّسيَّة بالارتكاز، وهو أنَّ (المقذِّر) هو الجسم، لا الحالات والأعراض، فيجب أن تكون الرطوبة جسماً مستقِلّاً؛ لتكون مُنجِّسة، فهذه الفرضية تنتج السريان بالمرتبة الثالثة.

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفرضية الثانية: الرطوبة شرط في المُنجِّسيَّة

أنَّ المُنجِّس ليس هو الرطوبة، بل الثوب المرطوب، والرطوبة شرط في منجِّسيَّة الثوب، فالقذارة تسري من الثوب لا من الرطوبة إلى اليد. لكن مع ذلك يقال: إنَّ السريان فرع أن يكون مرطوباً وإلاّ لم تسر النجاسة.

وتوضيحه: أنَّ الصفات التي تقوم بالجسم على نحوين عرفاً:

النحو الأوَّل: صفات تسري إلى الجسم الآخر بلا أن يسري شيء منه إليه. كما لو وضعنا يدنا على حديدة حارة، فإنَّ الحرارة تسري بدون أن يسري شيء من الحديد إلى يدنا عرفاً.

النحو الثاني: صفات لا تسري إلى جسم آخر إلاَّ بسريان شيء من نفس الجسم إليه، ومن هذا القبيل القذارات الحسّية التكوينيّة العرفيّة، فلو لاقاها شيئ ولم يُصبْه أيُّ شيءٍ منها فإنَّ العرف لا يرى أنَّ القذارة قد سرت إليه، وهذا المطلب صار سبباً لارتكاز أنَّ النجاسة لا تسري إلاَّ بسريان شيء من الجسم المُلاقي إلى الآخر كالرطوبة، بحيث حصل شيء قبل الملاقاة لم يكن قبلها.

وقد حكم هذا الارتكاز على القذارات الحُكميَّة، بعد أن قِيست على القذارات الحسّية؛ لأنَّها فرد عنائي منها، فما يراه العرف في القذارات الحسّية رآه في الحكميّة أيضاً. وهذا يعني اشتراط الرطوبة.

وبناء على هذه الفرضية يكفي في تحقّق السراية القسم الثاني أو الثالث، فيكون أوسع نتيجة من الفرضية الأولى. فإنَّ القسم الثاني من الرطوبة، أيضاً يوجب أثراً محسوساً بالسراية، بخلاف القسم الأوَّل فإنَّه لا يحدث أثراً حسّياً 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بعد الملاقاة، فلا يوجب سريان القذارة عرفاً.

الفرضية الثالثة: الرطوبة شرط في المنجِّسيَّة بنكتة اشتداد النجاسة

الفرضية الثالثة: أن يقال: إنَّ المُنجِّس هو الجسم لا الرطوبة، لكن نكتة اشتراط الرطوبة يكون بهذا البيان: أن الجسم النجس أو القذر، وإن كان قذراً على كل حال، سواء كان مرطوباً أو يابساً، ولكن قذارته على فرض المرطوبية، أشدّ منها في حالة الجفاف، قياساً للنجاسة الحكميّة على النجاسة التكوينية العرفية، فإنَّ هذا المطلب في القذارات التكوينية مطابق للوجدان، فإنَّ الاشمئزاز من القذر الرطب أكثر من القذر اليابس.

وحينئذٍ فيقال: إنَّ نجاسة الجسم حال الجفاف خفيفة، فالعرف يرى أنَّها لا توجب السراية، فإنَّ الفاعلية فرع قوّة المطلب في نفسه بالآخرة. بخلاف ما إذا كان مرطوباً فإنَّ نجاسته تكون شديدة. ولعل هذا هو المراد من قوله: (كل يابس ذكي)، لا بمعنى أنَّه ليس نجساً أصلاً، بل بمعنى أنَّ له مرتبة من النقاء في مقابل النجس الشديد.

وهذه الفرضية تلائم مع تمام احتمالات المسألة، فإنَّه كما أنَّ اليابس أخفّ نجاسة من الرطب، كذلك الرطب الأخفّ أخفّ نجاسة من الرطب الأشدّ.

ولذا يقال: لو أُريد التمثيل بأشدّ النجاسات قوَّة: كالكلاب الممطورة. فالكلب اليابس أقلّ قذارة والندي أقوى منه والرطب أقوى منه والمبلل بالمطر أقوى.

ومعه فيمكن أن يقال: إنَّ المُنجِّس المرطوب مطلقاً يكون منجّساً، لأنَّ الرطوبة تجعله قذراً بمقدار معتدّ به. كما يمكن أن يقول صاحب هذه الفرضية 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أيضاً: إنَّ الارتكاز العرفيّ يرى أنَّ ما هو منجّس، هو تلك المرتبة من القذارة الملازمة مع الرطوبة الأعلائيَّة، وما دونه لا يكون منجّساً، وعلى أيّ حال فلا بُدَّ من الرجوع في تعيين الشدَّة المسرية من النجاسة إلى العرف.

الموقف من الفرضيات الثلاث

وحينئذٍ فإن استطعنا أن نجزم بإحدى هذه الفرضيات الثلاث، رتَّبنا عليه آثارها والتزمنا بلوازمها.

وأمَّا إذا لم نجزم وبقي عندنا شكّ في أنَّ الارتكاز هو بأيّ هذه الأنحاء الثلاثة فإنَّه يوجب إجمال الخطاب؛ وذلك: لأنَّ الارتكاز قرينة مُتَّصلة لُبِّيّة، فخطاب (اغسل) وإن كان مطلقاً حَتَّى للمُلاقى مع اليبوسة، ولكن وجد له مُخصّص لُبِّيٌّ مُتَّصلٌ وهو الارتكاز، وقد دار أمره بين الأقلّ والأكثر، فمعناه العلم بارتكازيَّة الأقلّ، والشكّ في ارتكازية الزائد، فاليابس المطلق نعلم بخروجه من إطلاق (اغسل) بالارتكاز؛ لأنَّ الفرضيات الثلاث مشتركة في إخراجه. والمرطوب الأعلائي داخل تحت إطلاق الخطاب جزماً.

ويبقى القسمان الأوَّل والثاني من الرطوبة، مشكوكاً دخوله وخروجه، وحيث إنَّ احتمال خروجه هو بالارتكاز، وهو مُخصّص مُتَّصل، فيوجب إجمال الدليل، ولا يمكن التمسُّك بإطلاقه، وحينئذٍ فالنتيجة اختصاص السراية بخصوص الرطب من القسم الثالث.

والصحيح أنَّ الذي يساعد عليه فهمنا العرفيّ للارتكاز هو ترجيح الفرضية الثانية.

ــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أما الفرضية الأولى: فلا يساعد عليها فهمنا العرفي، والشاهد عليه أنَّه لا إشكال أنَّ الجامد مُنجّس لو كان المُلاقي رطباً، ولا نرى فرقاً بين منجّسية الجامد لرطوبة الجسم الطاهر وبين منجّسيته لنفس الجسم.

وأمَّا والفرضية الثالثة: وإن كانت صحيحة وارتكازية، ولكنها لا بشرط من حيث مراتب الرطوبة، فلا تنافيَ مع الفرضية الثانية.

وأمَّا الفرضية الثانية: فلا إشكال في انطباقها على واقع وجداننا العرفي. والذي ينبِّه وجداننا إلى ذلك: أنَّه لا إشكال أنَّ سراية القذارات العرفية إنَّما تكون بتبع أثر حسِّيّ عينيّ، ولا يشمئزّ العرف إلاَّ إذا أحسّ بشيء خلَّفته النجاسة في الملاقي. وهذا واضح وجدانيٌّ في باب القذارات العرفيّة. وحيث إنَّ القواعد الشرعيَّة أفراد عنائيّة من القذارات، العرفيّة فيكون الارتكاز مسيطراً عليها أيضاً، فلا تسري إلاَّ بتفاعل حسِّيّ.

وحينئذٍ فمقتضى الفرضية الثانية هو تقييد الإطلاقات بصورة اليبوسة المطلقة والرطوبة من القسم الأوَّل، وهي التي لا تسري ولا تُخلِّف أثراً حسياً، وأمَّا القسمان الأخيران من الرطوبة فيبقيان تحت الإطلاق ولا موجب لإخراجهما بلحاظ هذا الارتكاز.

أما الدليل الثاني على اشتراط الرطوبة: الروايات الخاصَّة مثل قوله: “فَإِنْ كَانَ يَابِساً فَانْضِحْهُ، وَإِنْ كَانَ رَطْباً فَاغْسِلْهُ”(1).

فإذا كان هذا هو الدليل فيمكن أن يقال: إنَّ هذا إنَّما يدلّ على اشتراط 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

(1) راجع: (المقيد الخامس: الروايات الآمرة بالنضح عند اليبوسة)، ص201.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

جامع الرطوبة المنطبق على تمام الأقسام الثلاثة باعتبار صدق عنوان الرطوبة على كل منها.

والمخلص من هذا الإطلاق أحد أمرين:

الأمر الأوَّل: تقييد الأدلَّة اللفظيّة بالارتكاز

أن نرجع مرّةً أخرى إلى الارتكاز فنقيِّد به روايات هذا الدليل – التي نسميها بروايات الرطوبة-، كما قيَّدنا بها الروايات الآمرة بالغسل، وهذا التقييد مبنى على ما استظهرناه من أنَّ الارتكاز دالّ على اشتراط المرتبة الثانية أو الثالثة في السراية، وأمَّا إذا كان الارتكاز لا يأبى عن السراية حَتَّى في القسم الأوَّل، فإنَّه يكون منسجماً مع روايات الرطوبة، ولا يكون مقيّداً لها.

الأمر الثاني: تقييد الأدلَّة اللفظيّة ببعض الروايات الخاصَّة

التمسّك ببعض الروايات الخاصَّة التي وردت فيها نكات خاصَّة كرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى، قال: “سألته عن رجل بمكان قد رُشّ فيه خمر قد شربته الأرض، وقد بقي نداوته أيصلّي فيه؟ قال: إِنْ أَصَابَ مَكَاناً غَيْرَهُ فَلْيُصَلِّ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ فَلْيُصَلِّ فِيهِ وَلَا بَأْسَ”(1).

والكلام يقع تارة في الدلالة، وأخرى في السند.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

() باب 30 من النجاسات من الوسائل، (المقرر). قرب الإسناد: 196، أبواب الصلاة، مكان المصلّي، الحديث 746، وسائل الشيعة 3: 455، كتاب الطهارة، باب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أما من حيث الدلالة فتقريب الاستدلال بها فهو أن يقال: إنَّنا نعرف بقرينة قوله: (فليصلِّ) و(لا بأس) أنَّ قوله الأوَّل: (إن أصاب مكاناً غيره) تنزُّهي. 

وحينئذٍ فيقال: إنَّنا لو بقينا وهذه الرواية وعزلناها عن دليل خارجي لكان فيها ثلاثة احتمالات:

الأوَّل: طهارة الخمر، فلا يتنجَّس المُصلَّى، لعدم وجود النجس.

الثاني: أن يفرغ عن نجاسة الخمر، ويكون في مقام بيان صحَّة الصلاة، بملاك أنَّ النداوة لا توجب سراية النجاسة.

وحينئذٍ فنضمّ إلى الرواية دليل نجاسة الخمر التامّ في نفسه، فننفي أحد الاحتمالين، ويتعيَّن الثاني، وإن كان نفي البأس في المقام من باب عدم السراية إلى الملاقي.

الثالث: أنَّ المتنجّس لا ينجس، فإنَّ المفروض أنَّ عين الخمر غير موجودة، وليس هناك إلَّا الأرض المتنجِّسة، وحيث إنَّ الرواية تعطي النتيجة ولا تُعيِّن المطلب، فننفي الاحتمالين الآخرين بضمّ أدلَّة أخرى إليها، وهي ضمّ دليل نجاسة الخمر ودليل أنَّ المتنجّس الأوَّل ينجّس، فيتعيَّن الاحتمال الثالث.

احتمالان في تفسير النداوة

يبقى أن نعرف أنَّ النداوة في الرواية فيها احتمالان.

الاحتمال الأوَّل: أنَّ المراد بها ما يشمل الرطوبة من القسم الأوَّل والثاني ولا تشمل القسم الثالث، بنكتة قوله: (إنَّ الأرض قد شربت الخمر) الظاهر 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بشرب جميعه، وأنّ ما بقي على الأرض لا يصدق عليه أنَّه خمر، فالرطوبة الثالثة غير موجودة؛ لأنَّها -في الحقيقة- خمر، فلا يصدق -لو كانت موجودة- أنَّ الأرض شربت الخمر كله، ومعه فتكون مخصوصة بالقسمين الأوَّلَين للرطوبة.

الاحتمال الثاني: أنَّ النداوة قابلة للانطباق على تمام الأقسام، بأن يُقال: بأنَّ المراد من أنَّ (الأرض شربت الخمر)، يعني: أكثره، ولا ينافي ذلك بقاء قطرات منتشرة منه، ومعه فتكون شاملة للرطوبة الجوهرية مضافاً إلى شمولها للرطوبة العرضيَّة.

فإن بنينا على الاحتمال الأوَّل وهو أنَّ الرواية خاصَّة بالرطوبة العرضيَّة بكِلا قسميها، فما هي النسبة بينها وبين روايات الرطوبة، يعني قوله: “وَإِنْ كَانَ رَطْباً فَاغْسِلْهُ”؟ 

وهنا يوجد أربع حالات:

الحالة الأولى: أن نلحظ روايات الرطوبة بقطع النظر عن الارتكاز فتكون النسبة هي العموم المطلق؛ لأنَّ روايات الرطوبة تشمل بإطلاقها الأقسام الثلاثة للرطوبة كما بيّنا. وهذه الرواية تشمل القسمين الأولين، فتكون أخص منها مطلقاً، ومقتضى القاعدة التخصيص.

الحالة الثانية: أن نلحظ روايات الرطوبة مع مخصّصها المُتَّصل وهو الارتكاز، وندعي بأنَّ الرطوبة غير الجوهرية لا تنجس، بنحو تتمّ دعوى الآغايون في عدم السراية، إلَّا في القسم الأعلائي من الرطوبة منه.

فمعناه أنَّ روايات الرطوبة تُخصَّص بخصوص القسم الثالث، ورواية علي بن 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

جعفر تختصّ بالقسمين الأولين، فيكون موضوع كلٍّ منهما غير موضوع الآخر.

الحالة الثالثة: هي الصورة السابقة مع افتراض أنَّ الارتكاز يخرج الرطوبة من القسم الأوَّل فقط، فتكون النسبة هي العموم من وجه؛ لأنَّ رواية علي بن جعفر تشمل القسم الأوَّل والثاني من الرطوبة وروايات الرطوبة مع مخصّصها، المُتَّصل تشمل القسم الثاني والثالث منها، فيتعارضان في القسم الثاني وهو مادَّة الاجتماع فيتساقطان.

الحالة الرابعة: أن نشكّ، ويكون أمر الارتكاز مجملاً مردّداً بين هذين المطلبين، ولا نعلم أنَّه يُخرج كِلا الرطوبتين القسم الأوَّل والثاني، أو يُخرج الأوَّلى فقط. فمعناه أنَّ روايات الرطوبة خرج منها القسم الأوَّل جزماً، والآخر نحتمل خروجه، وحيث بنينا أنَّه في موارد احتمال وجود المُخصّص المُتَّصل يكون المطلق مجملاً، فتكون روايات الرطوبة مجملة من حيث الشمول إلى القسم الثاني، فنتمسّك فيه برواية علي بن جعفر.

إذن ففي كل الحالات الأربع، لا سراية إلاَّ في القسم الثالث من الرطوبة، وهي الرطوبة الأعلائيَّة.

وأمَّا على التقدير الثاني في رواية علي بن جعفر وهو أنَّها تشمل تمام الأقسام الثلاثة من الرطوبة، وأنَّ الأرض لا تُنجِّس على كل تقدير. حينئذٍ من المعلوم الرواية لو خُلِّيت وحدها بهذا الترتيب لكانت دليلاً على طهارة الخمر؛ لأنَّه لو كان نجساً، فبارتكازية سراية الرطوبة الأعلائيَّة فإنَّه يسري.

 غاية الأمر له مُخصّص منفصل يدلّ على نجاسة الخمر ويدلّ على السراية 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مع الرطوبة الأعلائيَّة، فنخصّصها به، فيصير مفادها بعد التخصيص كالتقدير الأوَّل، وتأتي كل التقادير السابقة لكن بناءً على القول بانقلاب النسبة.

وعلى أيّ حال فرواية علي بن جعفر، لا بأس بالتمسُّك بدلالتها على إثبات ما عليه الآغايون من أنَّ السراية لا تكون إلاَّ بالرطوبة الأعلائيَّة.

الكلام في سند الرواية

لكن الشأن في سندها، فإنَّها غير تامّة سنداً، فإنَّ الروايات التي ينقلها الشيخ الحر(1) عن غير الكتب الأربعة عن علي بن جعفر:

تارة ينقلها عن كتاب علي بن جعفر.

وأخرى عن قرب الإسناد للحميري بسنده إلى علي بن جعفر.

فما نقله عن كتاب علي بن جعفر فهو حُجَّة عندنا؛ لأنَّ له سنداً صحيحاً إلى كتابه فتكون الرواية معتبرة.

وأمَّا إذا كانت مأخوذة عن قرب الإسناد، فطريقه إليه وإن كان معتبراً(2)، لكن صاحب كتاب قرب الإسناد ينقل عن علي بن جعفر بواسطة واحدة هو عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر، وهذه الواسطة(3) لم يثبت توثيقها، فلا يمكن التعويل على رواياته المنقولة عن قرب الإسناد عن علي بن جعفر، وهذه الرواية نقلها عن قرب الإسناد، فتكون ساقطة عن الحُجِّيّة.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

(1) اُنظر: وسائل الشيعة 30: 77، الخاتمة، الفائدة الأولى، الرقم 214.

(2) اُنظر: وسائل الشيعة 30: 67، الخاتمة، الفائدة الأولى، الرقم 180.

(3) اُنظر: معجم رجال الحديث 11: 177، باب العين، الرقم: 6812.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وبهذا يتَّضح أنَّ مقتضى القاعدة، هو الذهاب إلى سراية النجاسة مع الرطوبة من القسم الثاني والثالث، ولا يتوقف على الثالث فقط، فإنَّ مقتضى إطلاق روايات الرطوبة هو كفاية مطلق الرطوبة للسريان، ولا مقيّد لها إلاَّ الارتكاز ورواية علي بن جعفر، بينما الرواية ساقطة، والارتكاز يناسب مع عدم السراية في القسم الأوَّل من الرطوبة.

ويدخل القسمان الآخران تحت إطلاق أدلَّة الرطوبة.

وبهذا تمَّ الكلام في تحقيق السراية بالرطوبة، وكمِّيَّة الرطوبة المشترطة للسراية.

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 











كلمات متفرِّعة مع الأعلام

 

بعد تماميّة المقامين بقيت كلمات متفرِّعة مع الأعلام:

الكلمة الأولى: مع السيّد الأستاذ(1)

حيث ذهب إلى أنَّ الرطوبة المشترطة في السراية هي الرطوبة من القسم الثالث التي تعتبر ماء وجوهراً في نظر العرف. ونحن نجمع ثلاثة مبانٍ من مبانيه ثُمَّ نستنتج:

المبنى الأوَّل: هذا الذي ذكرناه من أنَّه يشترط في السراية تحقّق الرطوبة من القسم الثالث.

المبنى الثاني: ما بُنِي عليه في باب المائعات من أنَّ الماء والمائع مطلقاً ينجس بملاقاة النجس والمتنجّس وينجّس أيضاً ملاقيه.

المبنى الثالث: أنَّه في باب الجوامد يفصل بين المُتنجّس الأوَّل والثاني. فالمُتنجّس بعين النجس يُنجِّس ما يلاقيه، ولكن المتنجّس به يبنى علمياً على أنَّه لا دليل على السراية، وإن كان يحتاط في الإفتاء.

ــــــــــ[236]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 198، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فنسأل بلحاظ المبنى الثالث: أنَّ المُتنجِّس الثاني لا يُنجِّس بلا رطوبة،
-وهي شرط في نظركم للسراية- أو مع تحقّقها؟

فإن قلتم: الأوَّل. قلنا: بأنَّ عين النجس لا ينجّس عندكم، مع عدم تلك المرتبة من الرطوبة، فضلاً عن المتنجّس، فلماذا هذا الاحتياط!

وإن قلتم: الثاني، قلنا: إنَّ الرطوبة التي جعلتموها شرطاً للسراية، هي التي تكوّن ماء، فإذا استشكلتم في هذه الصورة فهو خلاف مبناكم الثاني من انفعال الماء القليل بالنجاسة على كل حال(1)، وأنَّه ينجس على أي حال، وهذه الرطوبة ماء قليل في الحقيقة، فتتنجّس وتنجّس، إذن فأين صار الإشكال! فالجمع بين هذه المباني لا يخلو من التهافت والقلق.

وهذا بخلافه على مبنانا، من أنَّ الرطوبة المشترطة هي الأعمّ من القسم الثاني والثالث، فيمكن أن نفرض أنَّ المتنجّس الثاني عليه رطوبة من القسم الثاني، فيقع الكلام في أنَّه ينجّس أو لا، وليس عليه ماء لنبني على انفعاله.

الكلمة الثانية: مع السيد الأستاذ أيضاً

حيث بنى على أنَّه يشترط في سراية النجاسة الرطوبة التي تكون جوهراً وماءً. فنسأل: هل تقول: 

1- إنَّ الرطوبة هي المُنجِّس دون الجسم.

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 150، كتاب الطهارة، فصل: في الراكد بلا مادّة، الجهة الثالثة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

2- أو أنَّها شرط في التنجيس، والمُنجِّس هو الجسم، كما هو المطابق لكلمات العلماء؛ حيث اعتبروها شرطاً؟

فإن قلتم: الأوَّل، فهو غريبٌ عن مساق كلام العلماء، حيث جعلوها شرطاً في التنجيس، وعن الارتكاز العرفيّ، حيث يبنى على أنَّ الأجسام الجامدة المرطوبة ينجس بعضها بعضاً، وعن مساق الروايات حيث يفرض أنَّ يده لاقت الكلب المرطوب لا رطوبة الكلب. فالركن في التنجيس هو جسم الكلب والرطوبة شرط في السراية.

وإن اخترتم الثاني: وهو الشرطية، لكن قلتم: إنَّه يشترط وجود الرطوبة من القسم الثالث، فيلزم أنَّه لا نتعقّل عادة أنَّ الثوب يتنجَّس بنفس الكلب؛ لأنَّ الرطوبة فرضتموها جوهراً في نظر العرف وجسماً مستقلّاً، بحيث إنَّ يدي حين أضعها على الكلب المرطوب تلاقي حتماً مع جسم الرطوبة، ثُمَّ تلاقي مع جسم الكلب. نعم، لو فرضتموها عرضاً كالقسم الثاني منها فيُدّعى أنَّها لا تلاقي إلا مع الكلب ابتداءً.

هل هذه الاستغرابات أجعلها منبِّهة إلى أنَّ ما يكون شرطاً في مقام السراية، هو الجامع بين القسم الثاني والثالث؟

الكلمة الثالثة: مع السيد الحكيم

إنَّنا حينما قلنا إنَّ الرطوبة من القسم الثاني يكفي في مقام السراية، فمقصودنا أنَّها تكفي مع الملاقاة. وأمَّا إذا لم تحصل ملاقاة أصلاً، ولكن كانت الرطوبة من القسم الثاني، كما لو سرت الرطوبة ومشت من البالوعة إلى حائط 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المسجد، فإنَّه لا إشكال أنَّه لا يتنجّس، سواء قلنا بأنَّ هذه الرطوبة تكفي في مقام السريان أو لا، فإنَّ معنى القول بكفايتها أنَّه لو حصلت ملاقاة مع النجس فإنَّه يكفي، وهنا لم توجد ملاقاة أصلاً، وهذه الرطوبة في نفسها لا نجس ولا منجّس؛ لأنَّها عرض وليست جوهراً.

ومن هنا يظهر النظر فيما أفاده السيد الحكيم في المستمسك(1)؛ فإنَّه بعد أن اختار أنَّ الرطوبة من القسم الثاني لا تكفي في السراية قال: ومن هنا يتضح أنَّ جدار المسجد لا يتنجَّس من الرطوبة التي تسري إليه حين يكون مجاوراً للبالوعة.

وهذه التفرقة في غير محلِّها، فإنَّنا حَتَّى لو قلنا بكفاية الرطوبة من القسم الثاني نقول بطهارة جدار المسجد، فإنَّ هذه المسألة غير مبتنية على تلك المسألة.

وبهذا تمّ الكلام في أصل مسألة اشتراط الرطوبة.

ــــــــــ[239]ــــــــــ

(1) راجع: مستمسك العروة الوثقى 1: 468، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

 

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 

كيفية سريان النجاسة من المائعات والجوامد

 

لا إشكال أنَّه إذا لاقت النجاسة مع المائع فإنَّه ينجس بتمامه، سواء كان مطلقاً أو مضافاً، وأمَّا إذا لاقت النجاسة مع الجامد فإنَّه لا ينجس إلا موضع الملاقاة منه. ولا تسري إلى باقي أجزاء الجامد.

ولذا وقع الكلام في تحقيق الفرق بين المائعات والجوامد بحسب صناعة الأدلة.

إذ قد يُقال -مبدئياً- إنَّ دليل انفعال المُلاقي واحد، فإن كان المُلاقي هو موضع الملاقاة، فلا بُدَّ من الالتزام بتنجس موضع الملاقاة سواء كان جامداً أو مائعاً، وإن كان ينطبق عنوان المُلاقي على تمام الجسم، فلا بُدَّ من الالتزام أنَّه ينجس، سواء كان جامداً أو مائعاً، فكيف اختلف تطبيق الدليل في باب المائعات عنه في باب الجوامد؟

تحقيق المقال في المائعات

والكلام في ذلك يقع تارة: بلحاظ الدليل الأوَّلي. وأخرى: بلحاظ الروايات الواردة في مثل السمن والزيت ونحوه. فيقع الكلام -بهذا الاعتبار- في مقامين:

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المقام الأوَّل: بلحاظ الدليل الأوَّلي الدالّ على الانفعال بالملاقاة

بحسب الارتكاز

نستعين بالارتكاز ونقول: إنَّ صناعة الدليل وإن كانت تقتضي نفس النتيجة وهي تنجس موضع الملاقاة، ولكن يتعدّى في المائعات من ناحية ارتكازية أنَّ المائع ينجس بتمامه بملاقي النجاسة، وبذلك يختلف مدلول دليل الانفعال في الجوامد عنه في المائعات، فيكون مدلوله في الجوامد باقياً على طبعه الأوَّلي، وهو الانفعال في خصوص الجزء الذي مسَّته النجاسة.

وأمَّا في باب المائعات فيخرج عن طبعه الأوَّلي بالارتكاز؛ لأنَّه صار قرينة على أنَّ عنوان المُلاقي ينطبق على تمام المائع لا على جزئه.

بحسب صناعة الدليل في نفسه

وأخرى نحاول أو نفرِّق بين الجوامد والموائع بحسب صناعة الدليل في نفسه، فنرجع إلى التقريبات التي ذكرت لذلك، فإن تمّ شيء منها فهو. وإن لم يتمّ شيء منها، وثبت أنَّه بمرِّ صناعة الدليل لا فرق بين المائعات والجوامد، حينئذٍ نضطر إلى الاستعانة بالارتكاز، وجعله قرينة على تغيير مدلول الدليل، وتوسعته في بعض موارده.

التقريب الأوَّل: الماء بنظر العرف شيء واحد بخلاف الجوامد

ما هو ظاهر كلام السيد الأستاذ(1)، حيث ذكر: أنَّ الماء حيث إنَّه بجملته 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 200، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، وفقه الشيعة 3: 330، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

شيء واحد، فملاقاة النجاسة له ملاقاة لتمام الماء؛ لأنَّه شيء واحد في نظر العرف لا أشياء متعدِّدة، بخلاف الجوامد، فإنَّ أجزاءه أشياء متعدِّدة، فيترتَّب عليه أنَّ المُلاقي في باب المائعات ينطبق على تمام الماء، وفي باب الجوامد ينطبق على الجزء فقط، ولهذا نقول بالسراية في الجوامد دون الموائع.

نعم، لو فرض أنَّ الماء صار ماءين، كما لو كان جارياً من الأعلى إلى الأسفل، ولاقت النجاسة مع الأسفل، فإنَّنا لا نلتزم بالسراية؛ لأنَّ السافل شيء والعالي شيء آخر في نظر العرف. ومن هنا أيضاً يُقال: بعدم اعتصام أحدهما بالآخر، بقطع النظر عن الدليل التعبُّدي.

 وهذا الكلام لا يخلو من غموض، إذ لا يُعلم أنَّه يريد أن يبرز الفرق بين القسمين بحسب صناعة الدليل، كما هو ظاهر عبارته، أو أنّه يريد أن يشير إلى الارتكاز بعبارة غير مباشرة، ومن هنا كان هذا الوجه محتاجاً إلى تمحيص.

وهو أن نقول: ما الذي تقصدونه من قولكم: إنَّ عنوان المُلاقي ينطبق في باب المائعات على تمام الماء، وفي باب الجوامد على محلّ الملاقاة؟

إن قلتم: إنَّ عنوان المُلاقي بقطع النظر عن باب جعل الأحكام، وكونه موضوعاً للحكم بالاعتصام أو الانفعال، فهذا هو الذي سوف يتمّ صناعة الدليل.

لكن هذا لا نُسلِّمه؛ لأنَّنا إن كُنّا نريد أن نُشخّص عنوان المُلاقي بالدقة العقلية، فالمُلاقي هو الجزء دائماً حَتَّى في المائع، وإن نظرنا إلى العرف العنائي 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

والمسامحي، فمن هذه الناحية أيضاً لا فرق، فإنَّه كما يُقال: (لاقت يدي للماء)، كذلك يُقال: (لاقت يدي للثوب)،

إلّا أن تقولوا إنَّ هذه المسامحة ثابتة في المائعات دون الجوامد. فنسألكم: أنّه لماذا هكذا؟ حينئذٍ لا بُدَّ من الرجوع إلى الارتكاز، فيكون قرينة على إعمال العناية في المائعات دون الجوامد، وهذا معناه تتميمها بالارتكاز، لا بصناعة الدليل.

التقريب الثاني: سراية النجاسة لكل الأجزاء في المائعات بخلاف الجوامد

إنَّه وإن كان الذي ينجس ابتداءً في كل من المائعات والجوامد هو الجزء لا كل الأجزاء؛ لأنَّ عنوان المُلاقي حقيقة لا ينطبق إلّا عليه، إلّا أنَّ جزء المائع مائع، فهو يمشي ويخترق سائر أجزاء المائع، فتتنجّس الأجزاء الأخرى بالملاقاة، بخلاف جزء الجامد فإنَّه جامد لا يمشي.

وهذا يكون تقريباً بحسب صناعة الدليل، بقطع النظر عن الارتكاز.

إلّا أنَّ هذه التفرقة ليست منشأً للفرق بحسب الحقيقة، وإلّا لزم أن تكون السراية في المائعات تدريجية لا دفعية، كما أشار إليه المحقِّق الهمداني في مصباحه(1)، فإنَّه يحتاج إلى مرور زمان لكي يتحرك الجزء ويتفرق في سائر 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

(1) راجع: مصباح الفقيه 1: 92، كتاب الطهارة، الركن الأوَّل: في المياه، الطرف الأوَّل: في الماء المطلق، أحكام الماء المحقون، نجاسة الماء القليل.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الأجزاء، مع أنَّه يلتزم فقهياً بدفعية النجاسة بالنسبة إلى كل المائع بلا حاجةٍ إلى مرور زمان.

التقريب الثالث: أجزاء المائع متلاقية مع الرطوبة بخلاف الجوامد

أن يُقال: إنَّ دليل الانفعال ينطبق على الجزء لا على الكل في الجوامد والمائعات..؛ لأنَّه المُلاقي في الحقيقة.

لكن في المائعات ينجس الجزء الثاني بملاقاة الجزء الأوّل، فإنّ أجزاء المائع متلاقية بالفعل وشرط السراية موجود وهو الرطوبة فلو لاقى جزء منها مع النجاسة نطبق دليل الانفعال على الجزء الأوّل، لأنَّه المُلاقي حقيقة، وهو في آن تنجّسه ينجس الجزء الثاني بلا حاجةٍ إلى حركة ومرور زمان. فتمام الأجزاء تنجس طولياً بحسب الترتب العقلي لا الزماني، وهذا بخلاف الجامد فإنَّه لا توجد فيه ملاقاة مع رطوبة.

وقد اعترض عليه المحقِّق الهمداني(1) باعتراضين:

الاعتراض الأوَّل: أنَّنا نناقش في الجزء الأوَّل -بعد أن كان المفروض تتميم السراية بحسب صناعة الدليل، دون الارتكاز العرفي-، ونقول: إنَّ الجزء الثاني يلاقي السطح الآخر للجزء الأوَّل، لا السطح المُلاقي للنجس، ومعه لا موجب للتنجيس؛ لأنَّه لاقى مع السطح الطاهر لا مع السطح النجس.

ــــــــــ[244]ــــــــــ

(1) اُنظر: مصباح الفقيه 1: 92، 93، كتاب الطهارة، الركن الأوَّل: في المياه، الطرف الأوَّل: في الماء المطلق، أحكام الماء المحقون، نجاسة الماء القليل.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إذن فلا بُدَّ أن نرجع إلى الارتكاز والعنايات العرفية في أنَّ النجاسة تمشي إلى كِلا السطحين. ومعه فلماذا هذا اللف والدوران؟ ولماذا لا نقول من أوَّل الأمر بالعناية العرفيّة في انطباق موضوع السراية على جميع المائع ابتداءً؟

الاعتراض الثاني: أنَّ هذا الوجه مبنيٌ على الجزء الذي لا يتجزأ؛ لأنَّه على القول به يكون هو الجزء الذي يتنجَّس أوَّلاً، ثُمَّ تسري النجاسة منه إلى الثاني وهكذا.

فإنَّ أيَّ جزء نفرض أنَّه سوف يتنجَّس لو كان لا يقبل التجزؤ إلى جزأين، فالأمر كما تقولون. وإن كان يمكن أن ينقسم إذن نقسِّمه إلى قسمين، ونسأل هل ينجّس القسمان طولياً أو عرضياً؟

فإن قلتم: عرضيّاً، فمن الأوَّل قولوا ذلك.

وإن قلتم: طوليّاً، نأتي إلى الجزء الأقرب إلى النجاسة، ونقول نفس الكلام فيه، وهكذا إلى أن لا ينتهي الكلام إلى مُحصّل.

أما الاعتراض الثاني: فإنَّه لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّه لا ربط بين مسألتنا ومسألة الجزء الذي لا يتجزأ.

فلنفرض أنَّ الجزء الذي لا يتجزأ مستحيل، بمعنى أنَّ كل جزء قابل للانقسام إلى قسمين وهكذا. ولكن الجزء الذي يكون قابلاً للحكم عليه بالنجاسة وموضوعاً لها، ينتهي لا محالة ولا يصل إلى الجزء الذي لا يتجزأ، فإنَّنا نفتّش عن ذلك الجزء الذي يكون موضوعاً للحكم بالسراية، والحكم بالنجاسة شرعاً، وهذا لا يتعلَّق إلا بجسم معين ذو حجم معين، بحيث لو صغُر عنه لرؤِي بالارتكاز المتشرعيّ والعرفيّ أنَّه غير صالح للنجاسة أصلاً.

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إذن فيشترط في ثبوتها وتعقلها حجم معين للجسم، ومن هنا كان يُقال: بأنَّ البخار غير قابل للنجاسة؛ لأنَّه أجزاء صغار بلغت من الصغر إلى درجة بحيث يرى العرف غير قابلة، لأن تحمل خبثاً، أو أن تكون موضوعاً للحكم بالنجاسة.

ومعه فلصاحب التقريب الثالث أن يقول: بأنَّ الذي يتنجَّس هو أصغر حجم يقبل النجاسة عرفاً، وإن كان قابلاً للانقسام فلسفياً.

إذن فقد وقع في هذا الإشكال نحو من الربط والخلط بين المطالب العرفيّة والمطالب الفلسفيّة بلا موجب.

أما الاعتراض الأوَّل: فهو صحيح بمقدار ما يكون إشكالاً على التقريب الثالث، وهو أنَّ تطبيق مُرِّ الصناعة على دليل الانفعال لا يقتضي أكثر من نجاسة أحد السطحين دون الآخر. إذن فنحتاج إلى ضمّ الارتكاز العرفي، ولا يكفي مُرُّ الصناعة للتوصّل إلى المقصود.

لكن بعد فرض أنَّنا لا بُدَّ أن نضمّ الارتكاز كأنَّه تصوَّر أنَّ الارتكاز باختيارنا إن شئنا ضممناه بنحوٍ يوجب نجاسة الجزء الأوَّل، وإن شئنا ضممناه بنحوٍ يوجب نجاسة المجموع.

ومن هنا قال: إنَّه ما دام لا بُدَّ من تحكيم الارتكاز، وفهم النجاسة الأوسع من مُرِّ الصناعة، فلماذا لا نطبِّق الارتكاز على تمام الماء؟

إلّا أنَّ هذه المسألة ليست باختيارنا، بل لا بُدَّ لنا من البحث في حدود هذا الارتكاز الخارجي، وأنّه هل تقتضي تطبيق المسألة العرفية على الجزء الأوَّل 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فقط، أم على تمام الماء من أوَّل الأمر؟ كِلاهما ممكن ثبوتاً، لكن مجرد إمكان أحدهما في مقابل الآخر لا يوجب تعينه، بل لا بُدَّ من الرجوع إلى المناسبات العرفيّة ليرى حدود مقتضياتها.

وهنا لا بُدَّ من القول بأنَّ المناسبات العرفيّة تساعد على الوجه الأوَّل، أي أعمال المسامحة على الجزء الأوَّل ثُمَّ الثاني، لا على تمام الماء في عرض واحد، فعندنا نجاسات طولية منبسطة مترتبة على تمام الأجزاء وإن كان مجموعها في زمانٍ واحد؛ لأنَّ العرف لا يرى سريان النجاسة بنحو التعبُّد الصرف، وإنَّما يرى سرايتها باعتبار أثرها قياساً للنجاسات الحكميّة على النجاسات العرفيّة التكوينيّة.

وقد عرفنا أنَّه بهذا الاعتبار اشترط الرطوبة؛ لأنَّه بدونها ليس هناك أثر منتقل، وحيث إنَّ الأثر لا يعقل أن ينتقل إلى الجزء الثالث لا بتوسط الجزء الثاني لعدم معقولية الطفرة عرفاً في النجاسات العرفيّة، ومن هنا يتعقل العرف السراية وأنّ نجاسة الجزء الثاني مأخوذة من نجاسة الجزء الأوَّل. فتكون الأجزاء كلها متنجسة تنجساً طوليّاً بدون أن يتخلّل زمانٌ عرفي.

ومن شواهد هذا المطلب أنَّ مراتب الاستقذار تختلف؛ فإنَّنا لو تصوّرنا أنبوباً طويلاً من الماء، لاقى أحد طرفيه مع النجاسة، فإنَّ مراتب الاستقذار تكون مختلفة بالنسبة إلى أجزائه، فإنَّه في الجزء الأقرب أشدّ منه في الجزء الأبعد؛ لأنَّ الأبعد كأنَّه مُتنجِّس بالوسائط.

إذن فلا يبعد القول بأنَّ المناسبات العرفيّة تُعيّن الوجه الثالث، وهو عناية عرفية نُحكّمها على دليل الملاقاة.

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

هذا تمام الكلام في الجهة الأولى، وهو تطبيق السراية على الدليل الأوَّلي.

المقام الثاني: بلحاظ الروايات الخاصة

قد يقال: إنَّ دليل الانفعال العامّ لو لم نستطع تقييده بنحوٍ يقتضي نجاسة تمام المائع، وقطعنا النظر عن الارتكاز السابق، فمقتضى الجمود على دليله هو تنجّس خصوص الجزء المُلاقي، لكن وردت روايات خاصَّة دلَّت على انفعال تمام المائع، وبه تثبت السراية المطلوبة.

1- من قبيل ما ورد في السمن والعسل ونحوه، من أنَّه إذا وقعت فيه فأرة، “فَإِنْ كَانَ جَامِداً فَأَلْقِهَا وَمَا يَلِيهَا وَكُلْ مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ ذَائِباً فَلَا تَأْكُلْهُ وَاسْتَصْبِحْ بِهِ، وَالزَّيْتُ مِثْلُ ذَلِكَ”(1).

2- وكذلك يسأل عن المرق وقعت فيه فأرة ميتة؟ فقال: “يُهَرَاقُ مَرَقُهَا وَيُغْسَلُ اللَّحْمُ وَ يُؤْكَلُ(2).

3- وكذلك كل أدلَّة انفعال الماء القليل. فإنَّها تفيد أنَّ النجاسة في المائع لا 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

() الكافي 6: 261، كتاب الأطعمة، باب الفأرة تموت في الطعام والشراب، الحديث 1، تهذيب الأحكام 9: 85، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 95، وسائل الشيعة 1: 205، كتاب الطهارة، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 1.

(2). الکافي 6: 261، كتاب الأطعمة، باب الفأرة تموت في الطعام والشراب، الحديث 3، تهذيب الأحكام 9: 87، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 100، وسائل الشيعة 1: 206، كتاب الطهارة، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 3. قوله: “يُهَرَاقُ مَرَقُهَا وَيُغْسَلُ اللَّحْمُ وَيُؤْكَلُ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تختص بخصوص الجزء الملاقي، بل تعم المجموع في عرض واحد.

وهذه الروايات ينبغي أن تؤخذ مؤيِّدةً ومؤكِّدةً للارتكاز العرفي، الذي جعلناه قرينة على استفادة المطلوب من دليل الانفعال العامّ. وأمَّا لو قطعنا النظر عن ذلك وأنكرنا الارتكاز، فلا يمكن أن نستفيد منها السراية بالنحو المطلوب، لاحتمال أن يكون قوله: “لَا تَأْكُلْهُ”(1) من باب عدم تمييز النجس من غيره، فإنَّ الجزء المُلاقي غير معلوم وقد ينجّس بعض أجزائه الأخرى، ولا يمكن التمييز عادةً بين ما هو نجس وغيره، وليس حاله حال الإناءين المشتبهين، حيث يحتمل التمييز بعد ذلك، فلعل النهي كان من أجل ذلك لا من أجل سراية النجاسة.

نعم، هنا كلام قد يقال: إنَّ هذه الروايات وإن كان يوجد فيها احتمالان بدواً، لكنَّنا نعين الاحتمال الأوّل، وذلك بأن يقال: إنَّه على الاحتمال الأوَّل فيما إذا كان النهي عن الأكل بلحاظ نجاسة الجميع يكون النهي واقعياً. وأمَّا إذا كان بلحاظ اختلاط النجس بغيره واشتباهه فيه من باب الشبهة المحصورة فيكون نهياً ظاهرياً، فظهور الحكم بكونه واقعياً يعيّن الاحتمال الأوَّل.

إلّا أنَّ هذا الكلام غير صحيح؛ لأنَّ ظهور النهي في الواقعيّة إنَّما نثبته في سائر الموارد تمسكاً بإطلاق النهي لفرض الشكّ، وفي المقام لا يوجد إطلاق.

توضيح ذلك: أنَّه عند ورود النهي عن الوضوء في ماء الغدير يحتمل احتمالان:

ــــــــــ[249]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1: 206، كتاب الطهارة، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أحدهما: أنَّه حكم واقعي.

والآخر: أنَّه حكم ظاهري.

باعتبار مباشرة الكلاب له فنستظهر أنَّه واقعي؛ لأنَّ مقتضى إطلاق النهي ثبوته، سواء علمت أنَّه أصاب القدران شيء من النجاسات أو لم تعلم، فيثبت كونه حكماً واقعياً؛ لأنَّ الحكم الظاهري لا يعقل إطلاقه لحال عدم الشكّ.

أمّا هنا فلا يمكن أن نثبت ذلك؛ لأنَّ هذا فرض غير ممكن بحسب الخارج. فإنَّه لا يمكن تمييز الأجزاء الملاقية عن غيرها، فإنَّ العلم بخصوص الجزء الطاهر من النجس أمر متعذر في باب المائعات، فلا يمكن أن نثبت بإطلاق هذا الدليل كون النهي واقعياً.

إذن فهذه الروايات لا يمكن أن تجعل أصلاً في عرض الارتكاز، بل تكون مؤيِّدةً له. هذا تمام الكلام في المائع.

تحقيق الحال في الجوامد 

وأمَّا في الجامد، فنتكلّم أيضاً تارةً بلحاظ دليل الانفعال العامّ، وأخرى بلحاظ الروايات الخاصَّة، فيقع الكلام في جهتين.

الجهة الأولى: بلحاظ الدليل الأوَّلي

بلحاظ دليل الانفعال العامّ، وهنا نقسِّم الجامد إلى ثلاث صور: 

الأولى: أن يفرض أنَّ الجامد خصوص موضع الملاقاة منه مرطوب والباقي جافّ.

الثانية: أن يفرض أنَّ موضع الملاقاة منه مرطوب، وموضع آخر منه 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مرطوب، وبين الموضعين جفافٌ.

الثالثة: أن يفرض أنَّه بتمامه مرطوب.

أما الصورة الأولى: فلا إشكال في أنَّ الدليل العامّ الدالّ على الانفعال لا يقتضي نجاسة تمام هذا الجامد، سواء كان عنوان المُلاقي منطبقاً على الجزء أو على الكل؛ لأنَّ هذه الملاقاة للجزء المرطوب بالنسبة إلى غير المرطوب ليس بأشد من ملاقاة تلك الأجزاء الجافّة، فإنَّه لو لاقى الجافّ ابتداءً لا ينجس لأنَّ شرط السراية وهي الرطوبة غير موجود، فكيف لو لاقى الجزء المرطوب وحده! فهنا لا نحتاج إلى دعوى جديدة أكثر من اشتراط الرطوبة.

الصورة الثانية: أنَّ هناك في الجامد جزأين مرطوبين، يفصل بينهما فاصل جافّ. فهنا نقول: إنَّ دليل الانفعال قاصر عن إثبات نجاسة الجزء الآخر، من دون أن نحتاج إلى ضمّ دعوى جديدة، غير مسألة الرطوبة، سواء انطبق الدليل على الجزء أو الكل، لأنَّه حَتَّى لو فرض أنَّه انطبق على الكل، فهل يحكم بالنجاسة على الجميع؟ هذا خلاف اشتراط الرطوبة. أم نقول: إنَّ النجاسة تطفر من موضع الملاقاة إلى الموضع الآخر، فهذا خلاف ارتكازية عدم الطفرة.

الصورة الثالثة: ما إذا كان كل الجسم مرطوباً، بحيث لو لاقى النجس أي جزء منه فإنَّه يتنجس، فإذا لاقى أحد أجزائه فهل يتنجَّس الكل، أو لا؟

هنا نحتاج -زيادة على اشتراط الرطوبة- إلى عناية جديدة، هي مسألة أنَّ عنوان المُلاقي هل ينطبق على الجزء، أو على الكل في باب الجامد؟

وهنا يُقال: على ضوء ما تقدَّم إنَّ مُرَّ الصناعة كان يقتضي اختصاص 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

النجاسة بخصوص الجزء المُلاقي، حَتَّى في باب المائعات، وقد تخلصنا من تلك المرارة بارتكاز السراية في المائعات.

وأمَّا في الجوامد فلا ارتكاز على السراية، فلا بُدَّ من التطبيق الدّقّي لدليل الانفعال بلا مسامحة لأنَّه لا دليل على المسامحة، ومعه فتختص النجاسة بالجزء الملاقي.

فرض الرطوبة على مبنانا ومبنى السيد الاستاذ

ثُمَّ إنَّ الرطوبة التي تفرض على الجسم الجامد في هذه الصورة، تارة تفرض على مبنانا من الاكتفاء بالرطوبة التي هي عرض في السراية. وأخرى: نفرض على مبنى مثل السيد الأستاذ(1) الذي يقول: إنَّ الرطوبة التي تكفي في السراية هي التي تكون جوهراً وماءً.

أمّا نحن فنفرض رطوبة عرضيَّة، ونقول: إنَّه لا موجب لتنجس سائر أجزاء الجسم؛ لأنَّه إن قيل: إنَّه يتنجَّس بالنجاسة، فهذا خلاف ظاهر دليل الملاقاة من اختصاص النجاسة بالجزء. وإن قيل إنَّه يتنجَّس بالرطوبة -لأنّها مُتَّصلة-، فيقال: إنَّ الرطوبة عرض، ولا تكون متنجِّسة، وإن كانت شرطاً في منجّسية الجوهر. إذن فلا إشكال في المسألة.

لكن لو فرض أنَّ الرطوبة كانت جوهراً وماء، بحيث إنَّ سطح الجامد كان عليه ماءٌ مُتَّصلٌ من أوَّله إلى آخره، فقد يقال: إنَّ الجزء الآخر يتنجَّس، لا 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 198، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بملاقاة الدم بل بملاقاة الماء المتنجِّس؛ لأنَّ هنا في الواقع طبقتين:

الأولى: ماء. والأخرى: جامد. والنجس يلاقي الماء أولاً فيتنجس كله كما عرفنا، ومنه تسري النجاسة إلى كل السطح.

شبهة وجوابها

ومنه يظهر وجه النظر فيما ذكره السيد الأستاذ(1)، فإنَّه أثار هذه الشبهة، ببيان آخر: فذكر: أنَّ هذا الجسم الجامد إذا كان مرطوباً برطوبة تعدّ ماء في نظر العرف فقد يقال: بسراية النجاسة إلى تمام الجامد ببيان: أنَّ الإصبع ينجس هذا الجزء من الجامد وهو مُتَّصل برطوبة مع الجزء الثاني فتسري النجاسة إليه من الجزء الأول، وهو مُلاقي مع الجزء الثالث برطوبة فتسري إليه وهكذا إلى أن تسري النجاسة إلى كل الأجزاء. فقد جعل كل جزء من الجسم الجامد: الأرض أو الخشب مثلاً، ينجس بملاقاة الجزء الذي يليه؛ لأنَّهما متلاقيان بالرطوبة.

وأجاب على هذه الشبهة بعبارة متأرجحة -على ما في التنقيح(2)– يتحصّل منها بيانان:

أحدهما: أنَّه لا يوجد هنا ملاقاة، بل يوجد اتصال، وما هو موضوع السراية بالملاقاة هو الملاقاة لا الاتصال.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 201، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

(2) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 201، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ثانيهما: أنَّ الجزء الثاني مُتَّصل بالجزء الأوَّل قبل أن يتنجَّس الجزء الأوّل، وهذا لا أثر له، وإنَّما يكون له أثر، لو اتصل به قبل التنجيس، والنظر العرفيّ هو المحكم في هذا الفرق. فكأنَّه يرى أنَّ النظر العرفيّ يفرق بين الحالتين.

ونحن لا يمكننا المساعدة على كِلا البيانين:

أمّا البيان الأوّل: فنحن لا نتعقل الفرق بين الاتصال والملاقاة، فإنَّ الملاقاة ليست إلّا التلاقي بين جسمين وهو لا يكون إلا بالاتصال. فالاتصال هو عين الملاقاة، من هذه الجهة.

وأمَّا البيان الثاني: فنحن لا نتعقّل الفرق بين الاتصال قبل الملاقاة والاتصال بعدها بحسب النظر العرفي. ولهذا لو فرضنا في مثال الخشبة أنَّنا قطَّعناها إلى قطع منفصلة، ثُمَّ وصلناها بحيث أعدنا نفس الاتصال السابق فأصبحت خشبة واحدة، فأيضاً لا نقول بالنجاسة، فإنَّ من لا يقول بها في الأوَّل لا يقول بها هنا.

ولذا لو وضعنا خشبة على ماء طاهر ثُمَّ نجسناه، فهو اتصال قبل الملاقاة، مع ذلك تتنجس الخشبة بلا إشكال، فما هو مُنجّس ينجس على كل حال سواء كان الاتصال قبل الملاقاة أو كان بعدها. وما ليس منجّساً لا ينجس على كل حال أيضاً.

وحينئذٍ يكون الجواب على هذه الشبهة التي أثارها السيد الأستاذ واضحاً، وهو أنَّ الاتصال موجود والملاقاة موجودة ولكن على غير السطح الملاقي، فإنَّ الجزء المُلاقي له سطح أفقي وسطح عمودي عمقي، وما لاقاه الجزء الأوَّل هو 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الجزء الأفقي وأمّا السطح العمودي فهو الذي لاقى الجزء الثاني، ولهذا في الخشب الذي يطوف على الماء يتنجَّس لأنَّ نفس الماء الذي لاقى مع الخشبة متنجس، لأنَّه – في المائع- تسري النجاسة إلى تمام السطوح.

تقريب آخر للشبهة

لكن لنا تقريب آخر للشبهة تصبح به أكثر استعصاء، وهو ما ذكرناه بالأمس من أنَّ الرطوبة إذا كانت من القسم الثالث: أي ماء وجوهراً، فيوجد طبقتان: الماء أولاً، والجامد تحته من أرض أو غيرها. والكلب حين يمسّ الأرض يلاقي كِلا الطبقتين، وهو بملاقاته للطبقة الأولى وهو الماء يتنجَّس بتمامه، وبذلك تسري النجاسة إلى تمام السطح المُلاقي للماء من الأرض. وهذا لا يرد عليه شيء من الأجوبة السابقة.

وينحصر الجواب على هذا التقريب: بأن نخصّص قاعدة السراية في باب المائعات بتخصيص، وحاصله: أنَّنا قلنا بالسراية في باب المائعات لا من باب مُرَّ الصناعة بل من باب الارتكاز العرفيّ القاضي بالسراية إلى تمام المائع. وهذا الارتكاز إذا حلّلناه يمكن أن نقول: إنَّ نكتته هو أنَّ أجزاء المائع تتحرك وتنفذ بخلاف أجزاء الجامد. ومن المعلوم أنَّ هذه النكتة لا تكون موجودة في مائع كما هو في محلِّ الكلام. فإنَّ الطبقة المفروضة من الماء في غاية الضآلة من حيث السمك والعمق، بحيث إنَّ كل جزء، لاصق بالأرض ولا ينفذ إلى الأجزاء الأخرى، والحركة فرع أن يكون له سُمْكٌ يتحرك فيه.

وهذا الكلام إن جزمنا به ثبت المطلوب وإن احتملناه، فهو كافٍ لأنَّ 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

معناه عدم الجزم بارتكازية السراية وحينئذٍ فالسراية على خلاف القاعدة، فنحتاج إلى دليل.

وبذلك يتضح أنَّ الجسم الجامد سواء كان خصوص موضع الملاقاة من مرطوب أو غيره، أو كان كله مرطوباً.. لا يتنجس إلّا خصوص موضع الملاقاة.

الجهة الثانية: بلحاظ الروايات الخاصَّة

 الروايات الخاصَّة المروية في باب 7 من أبواب النجاسات من الوسائل، تدلّ على أنَّ النجاسة لا تسري من موضع الملاقاة إلى غيره بلسان: (اغسل الموضع الذي ترى أنَّه أصابه)(1).

نعم، هنا كلام في أنَّ هذه الروايات هل يمكن جعلها دليلاً على ردّ الشبهة السابقة، إذا عجزنا عن ردِّها على مقتضى القاعدة؟ حيث دلَّت هذه الروايات على أنَّ الثوب إذا أصابه نجس يغسل موضع الملاقاة، ولا يجب غسله بتمامه. وهي مطلقة من حيث كون الثوب بتمامه مرطوباً أو لم يكن. فيكون جواباً على تلك الشبهة، باعتبار دلالتها على عدم وجوب الغسل حَتَّى لو كان مرطوباً بأجمعه.

إلّا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّ هذه الروايات لم ترد في خصوص الثوب 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

(1) “تَغْسِلُ مِنْ ثَوْبِكَ النَّاحِيَةَ الَّتِي تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا”. تهذيب الأحكام 1: 422، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 8، الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، باب 109، الحديث 13، وسائل الشيعة 3: 402، كتاب الطهارة، باب 7 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المرطوب بتمامه، بل وردت في الثوب على الإطلاق، فلا يمكن التمسُّك بإطلاقها لما إذا كانت كلها مرطوبة، لأنَّها مسوقة لبيان حكم آخر، فإنَّ هناك مطلبين:

أحدهما: عدم وجوب غسل الطرف الآخر بتنجّس الطرف الأوَّل.

ثانيهما: أنَّه هل ينجس به، أو لا؟ والروايات مسوقة لبيان المطلب الأوَّل دون الثاني.

فقد تحصّل من مجموع ما ذكرناه أنَّ الصحيح هو ما عليه المشهور من أنَّ النجاسة تسري إلى تمام المائع، وفي الجامد تبقى النجاسة في محلِّها، وكذلك المائعات ذات السمك القليل التي لا نفوذ ولا حركة فيها، بحيث لو أخذ منها جزء لا يأتي الباقي فيحل محله.

فرع: التفصيل بين الماء الساكن والماء الجاري من الأعلى

إنَّه فرغنا عن أنَّ الماء إذا لاقى النجس تسري النجاسة إلى تمامه، فيقع الكلام في التفصيل المشهوري(1) بين الماء الساكن والماء الجاري من الأعلى إلى 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

(1) راجع: العروة الوثقى (المحشّى) 1: 161- 162، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، مستمسك العروة الوثقى 1: 468، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجُّس المتنجِّسات، المصدر نفسه 1: 162، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الراكد بلا مادّة، المسألة 5، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 1: 465، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، دليل العروة الوثقى 1: 95، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الراكد بلا مادّة، المسألة 5، التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 201، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجُّس المتنجِّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الأسفل، فالساكن يتنجَّس بتمامه والجاري إذا لاقت النجاسة أسفله فإنَّها لا تسري إلى الأعلى، فيقع الكلام في أنَّ قاعدة السراية لماذا لا تنطبق في المقام، فيلتزم أنَّ الماء بتمامه نجس؟

1- إذا لاقت النجاسة الجزء الأسفل من الماء الجاري

وما قيل أو يمكن أن يُقال لتوضيح عدم السراية عدّة وجوه:

الوجه الأوَّل: أنَّ دليل الانفعال لُبِّيّ

أن يقال: بأنَّ الماء القليل الذي بنينا على نجاسته بالملاقاة، لم يكن باعتبار دليل لفظي حسابي دالّ على أنَّ الماء ينجس بالملاقاة، فإنَّ الروايات متعارضة في المقام. وإنَّما الدليل الحسابي لذلك هو الإجماع على انفعال الماء القليل بالملاقاة، إذن فالدليل على أصل الانفعال لبّيّ، فيقتصر فيه على القدر المتيقن، وهو انفعال الماء السافل، وأمَّا الجزء العالي فهو خارج عن كلمات المجمعين. فلا ينفعل سواء صدق عرفاً عنوان المُلاقي على المجموع، أو لا.

وهذا الوجه لا يناسب مبانينا، حيث قلنا إنَّ انفعال الماء القليل تفي به الأدلَّة اللفظية، فضلاً عن المضاف، فلا بُدَّ من الرجوع إليه، فلعل له إطلاقاً فيُتمسَّك به.

الوجه الثاني: أنَّ دليل سراية النجاسة لُبِّيّ

أن نُسلِّم أنَّ دليل الانفعال لفظي إلّا أنَّنا لو جمدنا على مُرِّ الصناعة فهو لا يقتضي إلّا نجاسة مقدار الملاقاة في الماء الساكن، وإنَّما بنينا على السراية بلحاظ الإجماع والدليل اللبّي، والقدر المُتيقَّن منه هو سراية النجاسة في الماء الساكن لا الجاري من أعلى إلى أسفل، فلا يبقى دليل على السراية فيه.

ــــــــــ[258]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أيضاً انقدح جوابه ممَّا سبق في المسألة الأولى؛ لأنَّه اتضح هناك أنَّ السراية على القاعدة في باب المائعات لا بلحاظ إجماع تعبُّدي على السراية حَتَّى يُقال إنَّه يقتصر فيه على القدر المتيقن. فإنَّ دليل الانفعال بالملاقاة بقرينة الارتكاز يكون دالّاً على نجاسة تمام الماء، وهو دليل لفظي له إطلاق فلا يقتصر فيه على القدر المُتيقَّن، فلا بُدَّ أن نرجع إلى هذا الارتكاز لنرى أنَّه هل يختص بالماء الساكن، أو يشمل الجاري؟

الوجه الثالث: عدم تحقّق نكتة السراية وهي تحرُّك الأجزاء ونفاذها

إنَّنا حيث أثبتنا السراية بدليل الانفعال بالملاقاة مع تحكيم الارتكاز العرفي، ونكتة الارتكاز هو أحد الوجوه السابقة التي ذكرناها، وكان أحدها: أنَّ المائع إنما تسري النجاسة إلى تمام أجزائه؛ لأنَّ أجزاءه تتحرك وتنفذ. فإن بنينا على أنَّ هذه هي نكتة السراية ففي المائع الجاري من الأعلى إلى الأسفل، لا تنفذ إلى الأعلى، ولا توجد هناك نكتة السراية.

هذا أيضاً يمكن الجواب عليه، فإنَّنا لم نقبل أنَّ نكتة السراية هي هذه، وقد سبق أن ناقشناها، وإن كان لو تمّ لكان الفرق بين الماء الساكن والجاري واضحاً.

الوجه الرابع: أنَّ الجريان والتدفُّق بعدد الماء عرفاً

ما ذكره السيد الأستاذ(1) حيث رجع إلى مسألة الوحدة والتعدُّد التي قالها 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 215، 216، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الراكد بلا مادّة، المسألة 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

في المسألة السابقة، حيث قال هناك: إنَّ الماء يعتبر موضوعاً واحداً، فيصدق عليه بتمامه أنَّه ملاقٍ بخلاف الجامد فإنَّه أشياء متعددة، فهنا أيضاً قال: إنَّ الماء الساكن ماءٌ واحدٌ، فيصدق عليه بتمامه عنوان الملاقي، وأمَّا الماء الجاري من أعلى إلى أسفل، فهو ماءان بحسب الحقيقة؛ لأنَّ الجريان والتدفُّق يعدد الماء بحسب النظر العرفي.

ثُمَّ استشهد(1) لذلك أنَّه من أجل تعدُّد السافل والعالي يقال: بأنَّ السافل لا يتقوى بالعالي ولا العكس على القاعدة، لو قطعنا النظر عن أخبار ماء الحمام. 

كلامان على الوجه الرابع

ولنا حول ذلك كلامان:

الكلام الأوَّل: أنَّنا لو سلَّمنا أنَّ الماء الجاري يصبح ماءين والنجس لاقى مع السافل، فهذا الافتراض يفسّر لنا أنَّه لماذا لا يكون مُلاقي السافل منجّساً للعالي أيضاً لأنَّه ماء آخر، وهو لاقى مع السافل لا مع العالي؟

يبقى سؤال آخر يحتاج جوابه إلى إبراز نكتة جديدة، وهو: أنَّه لماذا لا ينجس العالي بملاقاة السافل؟ فإنَّنا وإن فرضناهما مسألتين إلّا أنَّ أحدهما مُتَّصل بالآخر لا محالة، فلماذا لا تسري النجاسة بالملاقاة؟، وهنا لا تنفع مسألة التعدد، بل لا بُدَّ من إبراز نكتة أخرى في الجواب، وبدونها لا يتمّ المُدَّعى، ومع ضمّها قد تكون هي مبنية على مسألة تعدُّد الماء.

ــــــــــ[260]ــــــــــ

() يعني السيد الأستاذ، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الكلام الثاني: أنَّه ما المراد من قولكم: إنَّ الماء الساكن ماءٌ واحد في نظر العرف، والماء الجاري ماءان؟ فإنَّ فيه احتمالين: 

الاحتمال الأوَّل: أن يكون المقصود دعوى أنَّ الساكن واحد عرفاً، والجاري متعدِّد عرفاً، مع غضّ النظر عن وقوع المُلاقاة موضوعاً في دليل الانفعال.

فهذا الفرق لا نتعقّله؛ لأنَّنا لو حسبنا حساب الصدق العرفيّ في نفسه، بقطع النظر عن مسألة السراية والمُلاقاة، فأستطيع أن أقول بنحوٍ من العناية: يدي لاقت الماء الساكن، وأقول: يدي لاقت الماء الجاري، ولا أستطيع أن أقول بلا عناية ذلك في كِلا الماءين.

الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود من دعوى كونه واحداً أو متعدِّداً بعد ملاحظة كون الملاقاة موضوعاً في دليل الانفعال، فيستظهر هذا الفرق من دليل الانفعال.

فهذا معناه أنَّ هذا الفرق هو بلحاظ مناسبات الحكم والموضوع المركوزة عرفاً وتسليطها على دليل الانفعال، فلا بُدَّ حينئذٍ من تحليل الارتكاز وأنّه لماذا أوجب هنا السراية وهنا لم يوجب؟

وبما ذكرناه ظهر وجه النظر فيما أفاده السيد الأستاذ من مقايسة المسألتين: الانفعال والتّقوّي ببعضهما وسياقهما مساقاً واحداً، بينما أنَّه لو أرجعناهما إلى مناسبات الحكم والموضوع من دليل الانفعال، فلا تلازم بين المسألتين، فإنَّ مناسبات الحكم والموضوع في أحدهما قد تختلف عنها في الآخر. ولذا نحن 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

نقول في هذه المسألة بعدم الانفعال ونقول في تلك المسألة بالاعتصام والتقوي في نفسه.

ومن هنا اتضح أنَّه لا بُدَّ من استئناف وجهٍ آخر لتوضيح أنَّ السراية التي ثبتت في باب المائعات ثبتت بارتكاز لا يشمل الماء الجاري من العالي إلى السافل. وهذا الوجه هو:

الوجه الخامس: تحكيم الارتكاز على دليل الانفعال

إنَّنا بيَّنا أنَّ سراية النجاسة من موضع الملاقاة في سائر أجزاء المائع على خلاف مُرِّ الصناعة من دليل الانفعال، ولو اقتصرنا عليها لقلنا إنَّ النجاسة تقف على خصوص موضع الملاقاة، لكنَّنا استظهرنا -بعد تحكيم الارتكاز على دليل الانفعال-، انفعال تمام الماء. وهذه العناية الارتكازية موجودة في الماء الساكن وغير موجودة في الماء الجاري إذا لاقى الأسفل النجاسة.

وهذه العناية هي: أنَّ الملاقاة التي توجب الانفعال في نظر العرف على نحوين:

الأوّل: ملاقاة مع تسلُّط المُلاقي على ملاقيه.

الثاني: ملاقاة لا مع التسلُّط.

أمّا النحو الأوَّل: فينتزع في نظر العرف من صلاحية الشيء للنفوذ في ما يلاقيه، فيجعل ملاقاته له بنحو الهيمنة والتسلُّط على المائع.

وأمَّا النحو الثاني: الذي هو من قبيل ملاقاة النجس للجسم الجامد، فإنَّه لا يصلح للنفوذ فيه، فالعرف يرى أنَّ الانفعال الذي ينشأ من القسم الأوَّل 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أوسع دائرة من الانفعال الذي ينشأ من القسم الثاني، ولذا يرى سراية الانفعال في الموائع دون الجوامد.

إذا اتضح ذلك فنقول: إنَّ النجس إذا لاقى مع الجزء السافل لا تسري النجاسة إلى الجزء العالي؛ لأنَّ ملاقاة النجاسة للسافل لا يكون عرفاً بنحو التسلُّط على العالي لأنَّه غير صالح للنفوذ فيه. من قبيل ملاقاة الجامد عرفاً، وهذا معناه أنَّ تلك العناية التي أعطت لدليل الانفعال ظهوراً في السراية قاصرة عن الشمول لمحل الكلام.

وهذا البيان صحيح بلا حاجة إلى دعوى أنَّ الماء متعدِّد عرفاً، بل افرضوا أنَّه ماء واحد ومع هذا يكون النجس المُلاقي للأسفل لا تكون ملاقاته للجزء الأعلى ملاقاة بنحو التسليط.

ولعل هذا هو مقصود بعض الأكابر من المتقدِّمين(1)، حيث قال: لا يعقل نجاسة العالي لأنَّ النجاسة لا تصعد إلى أعلى.

واستشكلوا عليه من حيث إنَّ النجاسة حكم شرعي، فبإمكان الشارع جعلها كيف شاء.

وجوابه: أنَّ التسلَّط غير موجود فلا يرى العرف أنَّ بالإمكان صعود النجاسة إلى أعلى.

ــــــــــ[263]ــــــــــ

(1) الظاهر أنّ المقصود به: السيّد المرتضى! في: مسائل الناصريّات: 73، كتاب الطهارة، المسألة 3: هل يُفرّق بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء؟

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

2- إذا لاقت النجاسة الجزء العالي من الماء الجاري

وينبغي أن يُعلم في المقام أنَّ المراد بالعلو والسفل، ليس العلو والسفل المكانيين بل العلو والسفل المعنويين، فقد يتفق العالي المعنوي سافلاً مكانياً، كما هو الحال في الفوّارات المتدفِّقة إلى الأعلى، فإنَّه لو لوحظ المكان كان المكان المتدفّق منه أسفل والمكان المتدفّق إليه أعلى، ولو لوحظ الجهة المعنويّة، فالمكان المتدفّق إليه أسفل والمتدفّق منه أعلى، وعلى أيَّة حال فلا إشكال من عدم السراية بالنحو الذي قلناه.

ثُمَّ هذا الذي قلناه كله كان في سريان النجاسة من السافل إلى العالي فيما لو لاقى النجس الجزء السافل.

وأمَّا عكس المسألة. وهو ما لو لاقى النجس الجزء العالي، فهل ينجس السافل، أو لا؟

ومحلّ الكلام هو ما قبل أن ينحدر العالي إلى السافل، وأمَّا لو انحدر فلا إشكال في الانفعال.

لم أرَ في كلامهم تعرضاً صريحاً لهذا الفرع، وإن كان الذي يستشف من مجموع كلماتهم القول بالانفعال:

أولاً: لسكوتهم عن المساوق لدخوله تحت قاعدة الانفعال والسراية.

ثانياً: ذكرهم ملاقاة العالي في مسألة النافورة ونحوه، وأنَّه لا ينجس السافل به ممَّا يكون علوُّه وسفوله معنوياً، فما يكون علوُّه حقيقياً كأنَّهم أبقوه على قاعدة الانفعال.

ــــــــــ[264]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

لكن يمكن الذهاب إلى عدم الانفعال فيكون عكس المسألة كطردها.

أما على مسلك الأستاذ في طرد المسألة من دعوى تعدُّد الماء عرفاً فهو متحقّق في المقام فينبغي الالتزام هنا بعدم الانفعال أيضاً لأنَّهما ماءان لا ماء واحد.

وأمَّا بناءً على مسلكنا من أنَّ الملاقاة التي توجب الانفعال هي الملاقاة التي ينتزع منها العرف معنى التسلُّط على الملاقي، فقد يقال: إنَّ ملاقاة النجاسة للجزء العالي ملاقاة مع التسلُّط.

إلّا أنَّ هذا لا يتمّ؛ لأنَّ هنا نكتة عرفيّة تمنع من انتزاع عنوان التسلُّط، وهي: أنَّ الجزء السافل في حالة الهروب من الجزء العالي كما هو مقتضى الجريان والتدفُّق، وقد ذكر شيخنا فقيه آل ياسين أنَّ القطرات التي تنزو بسرعة لا يُحكم عليها بالنجاسة استثناء من دليل انفعال الماء القليل. وكان يذكر في توجيهه: أنَّ القطرة في حالة الهروب من النجس، ومثل هذه الملاقاة لا توجب السريان.

وهذا المطلب وإن لم نوافق عليه هناك لأنَّ القطرة تهرب بعد الملاقاة، فإنَّها أولاً تتجه نحو النجس، وتلاقيه ثُمَّ تهرب منه بحكم رد الفعل، فلا بأس بالنجاسة بالملاقاة هناك.

لكن تلك النكتة يمكن تطبيقها في المقام بدون أن يأتي هذا الإشكال؛ لأنَّ الجزء السافل من أوَّل الأمر في حال الهروب من الجزء العالي كما هو مقتضى طبع الجريان. وهذا الهروب يكون مانعاً عن سريان النجاسة إليه -كما استظهره- وتحليل هذا الارتكاز ما ذكرناه من أنَّه حينئذٍ لا ينتزع العرف 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

عنوان التسلُّط فلا تسري النجاسة إلى الجزء السافل. إذن فالصحيح أنَّ المسألة طرداً وعكساً لا توجب السراية بنكتة واحدة(1).

ــــــــــ[266]ــــــــــ

() أقول: يدور حول هذا المطلب عدّة أسئلة، بعضها ذكرتها للسيد وبعضها لم أذكرها:

منها: أنَّه قد يقال: كما ذكر سابقاً إنَّ نكتة التسلُّط كما ذكر سابقاً هو صلاحيته للنفوذ فيه، ومن الواضح أنَّ هذا غير ثابت فيما إذا لاقى النجس الماء الأسفل ولكن انتفاؤها عن عكس المسألة غير واضح فإنَّه ربما يقال: بصلاحية مُلاقي الجزء العالي بالنفوذ في السافل، وإنَّما انتفى هناك لأنَّ النفوذ كان مضادّاً للتيار، وأمَّا في المقام، فلا مضادة بل التيار مناسب معه.

إلّا أنَّه قد يناقش: بأنَّ حالة التدفُّق الهروبي مانع أيضاً من النفوذ عرفاً، فإنَّ الجزء المائي لا ينتظر حَتَّى تسري النجاسة فيه -بعد قياس النجاسة الحكميّة على الحقيقية- بل تحتاج السراية إلى مرتبة من الاستقرار عرفاً غير محفوظة عند التدفُّق. ولعل هذا هو مقصود السيد من نفي التسلُّط، وإن لم أعرض هذا المطلب عليه.

ومنها: ما ذكرته للسيد: من أنَّ النكتة التي ذكرتموها في كيفية السراية في الماء القليل وهي ملاقاة بعض الأجزاء لبعض بحيث تسري النجاسة فيه بسرعة الكهرباء -على ما كان يعبر-. هذه النكتة كافية لتفسير إمكان السراية في المقام فتسري النجاسة إلى الماء السافل بالملاقاة أسرع من انصباب الماء نفسه.

فأجاب ما حاصله: بأنَّ الملاقاة التي قلناها منحصرة في الدائرة التي يرى العرف فيها ثبوت التسلُّط وأمَّا في غير هذه الدائرة -كما هو الحال في الجامد وفي المقام- فحيث لا يكون التسلُّط موجوداً لا تكون السراية ثابتة، وقد سبق أن قلنا بأنَّ الأدلَّة قاصرة عن الإطلاق إلا بضمّ الارتكاز وهذا هو مقتضى الارتكاز.=

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

=ومنها: ما ذكرته للسيد: من أنَّ النكتة التي كان يذكرها الشيخ آل ياسين -حسب ما أعرف- ليست هي نكتة الهروب ليرد عليها الإشكال وإنَّما باعتبار ما يراه من أنَّ ما كان بطبيعته لا يبقى مُلاقياً إلا آناً صغيراً من الزمن لا يقبل الانفعال والسراية. والقطرات هي كذلك بطبيعتها.

فأجاب: بأني سمعت هذا الوجه من الشيخ وكان يعبّر بأنَّ القطرات تشرد.

أقول: إنَّ ما نقله السيد عن الشيخ هو في واقعه ما بين الوجهين وليست هي خصوصية أحدهما. فإنَّ شرود القطرة وهروبها – على الوجه الذي ذكرته- يكون ملازماً دائماً مع قلة زمان الملاقاة ولعل الشيخ كان يؤكد عليه لإيضاح ذلك لا لكونه نكتة رئيسية لعدم الملاقاة.

هذا إذا كان مراد الشيخ تحكيم الارتكاز على دليل الانفعال بأحد النحوين: إلا أنَّ المنقول – أيضاً- أنَّه كان يعتمد على الروايات الخاصَّة الواردة في خصوص القطرات التي تنزو عن الأرض، ومعه لا تكون للمسألة أي ربطٍ بمسألتنا كما هو واضح. 

وأودّ -بنحو الاستطراد- أن أشير إلى بعض الروايات بهذا الصدد: وهي ما رواه صاحب الوسائل في الباب 9 من أبواب الماء المضاف: 

1- منها: رواية الفضيل، قال: “سُئل أبو عبد الله عن الجنب يغتسل فينتضح من الارض في الإناء، فقال: لَا بَأْسَ، هَذَا ممَّا قَالَ اللَّـهُ تَعَالَى‏: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ”().

2- ومنها: رواية شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد الله: أنَّه قال: الجنب يغتسل فيقطر الماء عن جسده في الإناء فينتضح الماء من الأرض فيصير في الإناء، فقال: لَا بَأْسَ بِهَذَا كُلِّه().

3- ومنها: رواية عمر بن يزيد، قال: “قلت لأبي عبد الله: أغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة، فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض، فقال: لَا بَأْسَ().

4- ومنها: رواية يزيد بن معاوية، قال: “قلت لأبي عبد الله: أغتسل من الجنابة فيقع الماء على الصفا فينزو فيقع على الثوب؟ قال: لَا بَأْسَ().

إلى عدّة روايات أخرى أقلّ صراحة ممَّا ذكرناه، وتمام البحث في محلّه، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فرع: حالة الشكّ في الرطوبة

إذا لاقى الجسم الطاهر مع الجسم النجس في حالة يشكّ فيها من حيث الرطوبة وعدمه. فإن كان شكّاً ابتدائياً فلا إشكال في جريان الأصول المؤمّنة، كاصالة الطهارة أو استصحاب عدم الرطوبة، أو استصحاب عدم السراية.

وإنَّما الكلام في أنَّ هذه الرطوبة إذا كانت مسبوقة بالتحقّق ويشكّ أنَّها بقيت أو لا، سواء كانت هذه الرطوبة في المُلاقي أو في المُلاقى.

تفصيل الكلام في ذلك: أنَّ جريان الاستصحاب مربوط بتصوّر كيفية اعتبار الرطوبة في التنجّس، فإنَّ فيها ثلاث فرضيات -سبق أن ذكرناها(1)-: 

الفرضية الأولى: أن تكون الرطوبة هي المنجِّسة لا الجسم

أن تكون الرطوبة المعتبرة في النجس هي المُنجِّسة، لا الجسم المرطوب. ومحصّلها: عدم تعقل تأثير الجامد في التنجيس بل المؤثر في ذلك هو المائع وهو الرطوبة، فهي السبب لا أنَّها شرط في تأثير السبب.

بناءً عليه يوجد عندنا صيغتان للاستصحاب كِلتاهما محلّ إشكال: 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

(1) راجع: المقام الثاني: مقدار الرطوبة المشترط، المراتب الثلاث للرطوبة ص224.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الصيغة الأولى: استصحاب بقاء الرطوبة على الجسم النجس، وهو استصحابٌ مثبتٌ بناءً على هذه الفرضية؛ لأنَّ ما هو سبب التنجيس هو ملاقاة الرطوبة، وبقاء الرطوبة على هذا الجسم يلزم منه ملاقاة الرطوبة.

وإن شئتم قلتم: إنَّه يوجد هنا ملاقاة مع الجامد وملاقاة مع الرطوبة. أمَّا الملاقاة مع الجامد فهي متيقّنة، إلا أنَّها لا دخل لها في التنجيس على هذه الفرضية. وأمَّا ملاقاة الرطوبة، فهي مشكوكة من ناحية الشكّ في أصل وجودها، واستصحاب بقاء الرطوبة لا يمكن أن يثبت به ملاقاتها لأنَّه لازم عقلي لبقائها.

الصيغة الثانية للاستصحاب: الاستصحاب التعليقي بأن يقال: لو لاقت يدي هذا الكلب قبل نصف ساعة للاقت مع الرطوبة فنستصحب ذلك. وهو استصحاب تعليقي في الموضوعات وإشكاله هو عدم جريان الاستصحاب التعليقي خصوصاً في الموضوعات.

الفرضية الثانية: أنَّ الموضوع مركَّب من ملاقاة الجامد وانتقال الرطوبة

أن نفرض أنَّ سبب التنجيس هو ملاقاة الجامد لا الرطوبة. لكن يُقال: إنَّ الشرط ليس هو وجودها على الجامد، بل وجودها السرياني والانتقالي إلى الملاقي، فالموضوع يكون مركَّباً من جزأين: ملاقاة الجامد وانتقال الرطوبة من المُلاقي إلى الملاقى.

فهنا أيضاً نواجه صيغتين كِلاهما محلّ الإشكال:

الصيغة الأولى: استصحاب بقاء الرطوبة تنجيزاً. وهو مثبت؛ لأنَّ ما هو 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الشرط هو انتقال الرطوبة إلى المُلاقي وهو لازم عقلي لبقاء الرطوبة.

الصيغة الثانية: الاستصحاب التعليقي بأن نقول: لو مسّت يدي هذا الحيوان قبل ساعة لسرت الرطوبة فالآن كذلك، فهذا استصحاب تعليقيّ في الموضوعات. ومثله في الأحكام: لو لاقت يدي هذا الحيوان لتنجّست فالآن كذلك. وإشكالها كونها تعليقيَّة.

الفرضية الثالثة: أنّ الموضوع مركَّب من ملاقاة الجامد وكون الجامد رطباً

أن تكون الرطوبة شرطاً في التنجيس بوجودها على جسم المُلاقي لا بانتقالها. فيكون الموضوع مركَّباً من جزأين: ملاقاة الجامد وأن يكون الجامد رطباً، فهنا لا إشكال في جريان الاستصحاب بصيغته التنجيزيَّة. فإنَّ يدي لاقت الجامد وجداناً، والجامد رطب بالاستصحاب فنحرز الموضوع بضمّ الوجدان إلى التعبُّد.

إشكالٌ على مبنى المشهور

نعم، يوجد هنا إشكال يمكن أن يتوجّه بناءً على مباني المشهور التي اختارها السيد الأستاذ(1) والسيد في المستمسك(2)؛ لأنَّ هناك خلافاً بينهم وبيننا في ماهية الرطوبة التي هي شرط في التنجيس. فهم يقولون: إنَّها الرطوبة التي 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

(1) راجع: مستمسك العروة الوثقى 1: 467، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

(2) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 198، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يصدق عليها في نظر العرف ماء وجوهر مستقلّ. ونحن نكتفي بالرطوبة القابلة للانتقال بالملاقاة وإن كانت عرضاً.

فإن مشينا حسب مسلكنا فالكلام هو الذي قلناه، ولكن بناءً على مبنى الآغايون يكون الشكّ في الرطوبة شكّاً في وجود الماء على الجسم وعدمه.

حينئذٍ نقول: إنَّه باستصحاب هذا الماء على جسم الكلب، هل تريد أن تثبت تنجُّس يدي بالرطوبة، أو تنجُّسها بجسم الكلب؟

فإن أردت الأوَّل فهذا مثبت -كما قلنا في مناقشة الفرضية الأولى- لأنَّ استصحاب بقاء الرطوبة يلزم منه عقلاً أنَّ يدي لاقت معها.

وإن أردت الثاني فهو مقطوع العدم؛ لأنَّه إمَّا أن يكون على جسم الكلب ماء أو لا يكون.

فإن كان عليه ماء فيدي تنجسّت بالماء قبل أن تصل إلى الكلب. وأمَّا إذا لم يكن عليه ماء فلا تتنجّس يدي أصلاً؛ لأنَّ المُتنجِّس لا يتنجَّس.

وهذا الإشكال لا يرد على مبنانا، نكتفي بالرطوبة العرضيَّة فلا علم عندي وجداناً أنَّ يدي لا تتنجس بالكلب لأنَّ الرطوبة إذا كانت عرضيَّة فيدي قد تنجست بالكلب على فرض وجود الرطوبة(1).

ــــــــــ[271]ــــــــــ

() قلت له: إذا كان لملاقاة الكلب أثرٌ زائدٌ على ملاقاة الرطوبة…؟

فقال: كما لو كان يجب بالملاقاة مرَّتين من التطهير. فإنَّ الاستصحاب يكون جارياً، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فرع في ملاقاة الحيوان الذي أصابته عين النجاسة

هو ما إذا كان هناك حيوانٌ أصابه عين النجس، ثُمَّ لاقى مع ثوبنا، وشككنا أنَّه حين الملاقاة هل كان عين النجس موجوداً عليه، أو زال، ثُمَّ لاقى الثوب(1)؟

وينبغي أن يُعلم في أنَّ الحيوان الذي يلاقى مع الثوب مثلاً:

1- تارةً يُفرض العلم بعدم كونه رطباً، فلا إشكال في عدم النجاسة، حَتَّى مع العلم بوجود عين النجاسة؛ لأنَّه لا يؤثِّر.

2- كما أنَّه لو فرض الشكّ في الرطوبة فأيضاً لا ينبغي الإشكال في عدم الحكم بالنجاسة.

حَتَّى لو علم بوجود عين النجاسة. فضلاً عن الشكّ؛ لأنَّه مع الشكّ في الرطوبة لا يمكن إثبات النجاسة حَتَّى لو كانت له حالة سابقة هي الرطوبة.

3- وإنَّما يقع الآن الكلام في ما إذا كان وجود الرطوبة محرزاً في الحيوان أو الثوب، وإنَّما نشكّ في بقاء عين النجس وعدمه.

من الواضح أنَّ هذا الحيوان إذا كان مع العلم بالرطوبة والعلم بوجود 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

(1) لاحظ: العروة الوثقى (المحشّى) 1: 163، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 2: “الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص، وإن كان فيهما رطوبة مسرية لا يُحكم بنجاسته إذا لم يُعلم مصاحبته لعين النجس، ومجرّد وقوعه لا يستلزم نجاسة رجله؛ لاحتمال كونها ممَّا لا تقبلها، وعلى فرضه فزوال العين يكفي في طهارة الحيوانات”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

عين النجس حال الملاقاة، فلا إشكال في تنجُّس الثوب، سواء قلنا إنَّ بدن الحيوان ينجس ويطهر بزوال عين النجاسة، أو قلنا إنَّه لا ينجس أصلاً بنجاسة حكمية؛ لأنَّه على أيّ حال توجد عين النجاسة مع الرطوبة حين الملاقاة، فلماذا لا يتنجَّس الثوب؟ كما أنَّه إذا فرض العلم بارتفاع العين فلا إشكال في أنَّ الثوب لا يتنجَّس حَتَّى مع العلم بالرطوبة، حَتَّى على القول بنجاسة بدن الحيوان؛ لأنَّه يطهر بزوال العين فلا يكون نجساً ولا منجساً.

فمحلُّ الكلام في أنَّه إذا أحرزت الرطوبة، وكانت عين النجاسة مشكوكة، فهل يجري استصحاب بقاء النجس على بدن الحيوان لنثبت به نجاسة الثوب، أو لا؟

ذهب جماعة من الفقهاء كالمحقِّق الهمداني وغيره(1)، إلى أنَّ جريان الاستصحاب مبنيٌ على النزاع؛ بأنَّ بدن الحيوان هل ينجس ويطهر بزوال العين، أو لا ينجس أصلاً؟ 

1- بناءً على أنَّ بدن الحيوان لا ينجس أساساً بملاقاة العين

فإن قلنا بأنَّه لا ينجس أساساً فلا يجري الاستصحاب لإثبات نجاسة الثوب لأنَّه مثبت، لأنَّه يوجد عندنا نحوان من الملاقاة:

ــــــــــ[273]ــــــــــ

(1) اُنظر: مصباح الفقيه 1: 360، كتاب الطهارة، الركن الأوَّل: في المياه، الطرف الثالث: في الأسآر، طهارة سؤر ما أكل الجيف، مصباح الفقيه (ط. ق): 72، كتاب الطهارة، مبحث الأسآر. ولاحظ: كتاب الطهارة (الشيخ الأنصاري) 1: 374، الركن الأوَّل: في المياه، الطرف الثالث: في الأسآر.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أحداهما: مع بدن الحيوان، والأخرى: مع عين النجس. والأولى محرزة وجداناً، لكن لا أثر لها بعنوانها، سواء كانت العين باقية أو لا؛ لأنَّه طاهر على أيّ حال بناءً على هذا المبنى.

وأمَّا الملاقاة مع العين، فهي وإن كان لها أثر شرعي، ولكن لا يمكن إثباتها باستصحاب بقاء الدم على الحيوان؛ لأنَّ لازمه العقلي هو ملاقاة الثوب مع الدم.

2- بناءً على أنَّ بدن الحيوان يطهر وينجس بزوال العين

وأمَّا بناءً على المبنى الثاني وهو أنَّ بدن الحيوان ينجس ويطهر، فهذا معناه أنَّ موضوع النجاسة الحكميّة لبدن الحيوان هي: وجود النجس مادام موجوداً، حينئذ نقول: إنَّه يجري الاستصحاب لإثبات بقاء الدم لأنَّه ينقح موضوع نجاسة بدن الحيوان، وحينئذ نقول: بأنَّ ثوبي لاقى مع بدن الحيوان وجداناً، وبدن الحيوان نجس بالاستصحاب.

أما أنَّ الاستصحاب على المبنى الأوَّل يكون مثبتاً، فهو صحيح ولم يستشكل فيه أحد.

استشكال في جريان الاستصحاب على المبنى الثاني

وأمَّا جريانه على المبنى الثاني، فقد استشكل فيه من ناحيتين، بحيث ادّعى فيها أنَّه لا يجري حَتَّى على المبنى الثاني.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الناحية الأولى: وجود مُخصِّص لدليل الاستصحاب

وهي التي أثارها السيد الأستاذ(1) فإنَّه وإن اعترف للمحقِّق الهمداني بأنَّ الاستصحاب تامّ الأركان وجارٍ في نفسه لكن يوجد مُخصّص لدليل الاستصحاب يدلّ على الغائه وجعل أصالة الطهارة في المقام، وهي عدّة روايات:

الرواية الأولى: موثَّقة عمَّار الساباطي(2)

عن أبي عبد الله في حديث قال: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الطَّيْرِ تَوَضَّأْ ممَّا يَشْرَبُ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ تَرَى فِي مِنْقَارِهِ دَماً، فَإِنْ رَأَيْتَ فِي مِنْقَارِهِ دَماً فَلَا تَوَضَّأْ مِنْهُ وَلَا تَشْرَبْ”(3).

وتقريب الاستدلال بها على إلغاء الاستصحاب: أنَّها حكمت بالطهارة على الماء الذي يشرب منه الطير واستثنت من ذلك صورة ما إذا حصلت رؤية الدم على منقاره. ومقتضاه أنَّه مع عدم الرؤية لا يحكم بالنجاسة. ومن المعلوم أنَّه في مورد الاستصحاب لا توجد رؤية للدم على المنقار فالرواية تدلّ على أن الاستصحاب ملغى.

ــــــــــ[275]ــــــــــ

() راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 204، 207، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجيس المتنجّسات، المسألة 2.

(2) باب 82 من النجاسات، (المقرر).

(3) الكافي 3: 9، كتاب الطهارة، باب الوضوء من سؤر الدواب والسباع والطير، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 288، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 43، وسائل الشيعة 1: 230، كتاب الطهارة، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

والتحقيق: أنَّ في قوله: “إِلَّا أَنْ تَرَى” ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوَّل: أن تكون الرؤية مأخوذة بما هي طريق صرف إلى الواقع من دون أن تكون للرؤية دخل على الحكم أصلاً. فكأنَّه قال: إلا أن يكون على المنقار دم. كقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ(1). فإنَّ غاية جواز الافطار هو واقع الفجر وإنَّما قيل بالتبيّن؛ لأنَّه طريق إليه. 

بناءً على هذا الاحتمال يكون الاستدلال بالرواية في مقابل الاستصحاب ممَّا لا معنى له. فإنَّه يكون في مقام بيان حكم واقعي هو أنَّ منقار الطير لا ينجس إلّا إذا كان عليه دم.

وأمَّا في حالة الشكّ فهل يجري الاستصحاب أو لا؟ وهذا لا تكون الرواية ناظرة إليه.

الاحتمال الثاني: أن تكون الرؤية مأخوذة بنحو الموضوعيَّة لا الطريقية الصرفة، لكنها أخذت موضوعاً باعتبار جهة كاشفيتها فكأنَّه يقول: (ما لم تعلم)، فإن لم تعلم تجري أصالة الطهارة.

وحيث إنَّ المعروف في مدرسة النائيني أنَّ الاستصحاب يقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الكاشفيَّة(2)، إذن يمكن أن يكون الاستصحاب 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

(1) البقرة: 187.

(2) لاحظ: فوائد الأصول (الكاظمي) 3: 15، 22، المبحث الثالث: في قيام الطرق والأمارات والأصول بنفس أدلَّة اعتبارها مقام القطع بأقسامه، غاية المأمول 2: 51، قيام الأصول مقام القطع.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

موسعاً لدائرة الرؤية؛ لأنَّ الرواية تقول: (ما لم تعلم)، والاستصحاب يقول: (أنت عالم)، فيبقى الاستصحاب على حاله.

الاحتمال الثالث: أن تكون الرؤية أُخذت في الموضوع على وجه الصفتيَّة -لا الكاشفيَّة- بحيث لا يقوم الاستصحاب مقامه، حينئذ يقع التعارض بين موثَّقة عمَّار وبين دليل الاستصحاب.

إلا أنَّه في المقام لا موجب للتخصيص فإنَّ النسبة بين الدليلين هي العموم من وجه لا أنَّ الموثَّقة أخصّ ليتقدَّم على دليل الاستصحاب. فإنَّ الموثَّقة تقول: (إذا لم ترَ بعينك فالأصل الطهارة)، سواء كانت الحالة السابقة معلومة أو لم تكن. ودليل الاستصحاب يقول: (إذا علمت بشيء وشككت في بقائه فابنِ على البقاء) سواء كان دماً أو شيئاً آخر في العالم.

فيجتمعان في الدم المشكوك مع العلم بثبوته سابقاً حيث تحكم الرواية بطهارة المُلاقى والاستصحاب بالنجاسة. وتفترق الرواية بما إذا لم يكن للدم حالة سابقة ويفترق دليل الاستصحاب بكل الاستصحابات الأخرى في العالم.

حينئذ يقال: إنَّ دليل الاستصحاب يتقدّم على إطلاق موثَّقة عمَّار على مبنى السيد الأستاذ وغيره من أنَّ التعارض إذا كان بين عامّ وضعي ومطلق حكميّ تقدَّم العامّ الوضعي(1). والأمر في المقام كذلك، فإنَّ دليل الاستصحاب 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

(1) لاحظ: غاية المأمول من علم الأصول 2: 758، 759، التعادل والتراجيح، تنقيح موارد التعارض، إذا كان أحد الدليلين عامّاً شموليّاً بالوضع، والآخر مطلقاً شموليّاً، دراسات في علم الأصول 4: 367، خاتمةٌ: في التعادل والتراجيح، موارد ادّعي فيها الجمع العرفيّ بضابطة كلّيّة، تقديم العامّ على المطلق.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

عامّ وضعي بقرينة قوله (أبداً)، فإنَّها دالَّة على العموم بالوضع. بخلاف موثَّقة عمَّار فإنَّها شاملة لصورة وجود الحالة السابقة للدم بالإطلاق. فإذا تقدَّم العموم الوضعي في جانب الاستصحاب تكون النتيجة معه لا محالة.

إذن فعلى الاحتمالات الثلاثة لا تصل النوبة إلى إلغاء دليل الاستصحاب ولا تكون الرواية ناظرة إلى ذلك.

الرواية الثانية: رواية علي بن جعفر

التي يمكن أن يستدلّ بها لإلغاء الاستصحاب، وتثبيت اعتراض السيد الأستاذ؛ ما رواه الشيخ بإسناده إلى علي بن جعفر عن أخيه موسى، قال: “سألْتُه عن الدُّود يقع من الكنيف على الثوب، أ يُصلَّى فيه؟ قال: لَا بَأْسَ، إِلَّا أَنْ تَرَى أَثَراً فَتَغْسِلَه‏”(1).

وتقريب الاستدلال بها مشابة للرواية السابقة، حيث يقال: إنَّها أيضاً ألغت الاستصحاب، لأنَّها تقول: (إلّا أن ترى فيه أثراً فتغسله) أو (إن لم تر فيه أثراً فلا تغسله). فالأصل هو الطهارة وهو إلغاء للاستصحاب.

وقد يُقال: إنَّ ميزة هذه على الرواية الأولى -بحيث تكون أكثر صلاحية لتثبيت كلام السيد الأستاذ- أنَّها واردة في مورد العلم بالحالة السابقة، حيث 

ــــــــــ[278]ــــــــــ

() باب 80، من النجاسات، (المقرر). مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 170، الحديث 289، تهذيب الأحكام 2: 367، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 55، وسائل الشيعة 3: 526، كتاب الطهارة، الباب 80 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يفرض خروج الدود من الكنيف.

الرواية الثالثة: رواية موسى بن القاسم

وأصرح منها رواية موسى بن القاسم(1) قال: “سألته عن الفأرة والدجاجة والحمامة وأشباهها تطأ العذرة ثُمَّ تطأ الثوب أيغسل؟ قال: إِنْ كَانَ اسْتَبَانَ مِنْ أَثَرِهِ شَيْ‏ءٌ فَاغْسِلْهُ، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ”(2).

فقد فرض فيها العلم بالحالة السابقة. فما ذكرناه من الاحتمال الثالث في رواية عمَّار من أنَّ التعارض مع دليل الاستصحاب من تعارض العموم من وجه لا العموم المطلق. قد يقال: إنَّه لا يأتي هنا؛ لأنَّها واردة في مورد العلم بالحالة السابقة فتكون أخصَّ من دليل الاستصحاب.

إلا أنَّ التحقيق أنَّ كِلاهما لو تمّت دعوى كونهما دالَّين على إلغاء الاستصحاب، فإنَّما يدلَّان عليه بالتعارض على نحو العموم من وجه لا العموم المطلق، فلا يكونان مخصِّصين لدليله.

والنكتة في ذلك: أنَّه في هاتين الروايتين وإن فرض العلم بالحالة السابقة يعني العلم بوجود النجس قبل خمس دقائق لكن لم يفرض فيهما العلم بالرطوبة، من غير ناحية العذرة التي قد تقع على الثوب. فأصل الرطوبة يكون مشكوكاً ومحتملاً باحتمال وجود العذرة لا أنَّه ثابت على كل حال. وهذا معناه 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

() في باب 37 من أبواب النجاسات، (المقرّر).

(2) تهذيب الأحكام 1: 424، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 20، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أنَّ قوله: “لا بأس” مطلق يشمل حالين.

أحدهما: أن لا أرى أثراً ولكن الرطوبة موجودة على كل حال،

ثانيهما: أن أشكّ في وجود الرطوبة أيضاً لشكّي في وجود الأثر لأنَّها غير محرزة من غير ناحية هذا الأثر المشكوك.

فهذه الرواية تعارض دليل الاستصحاب بلحاظ الحالة الأولى، دون الثانية؛ لأنَّه في الحالة الأولى لو خلينا ودليل الاستصحاب لقلنا باستصحاب عين النجس فتثبت نجاسة الملاقي، وأمَّا في الحالة الثانية فيما إذا لم يكن أصل الرطوبة محرزاً، فيكون خارجاً عن محلّ الكلام كما قلنا في تحرير المسألة، وأنه
-في مثل ذلك- لا يمكن إثبات النجاسة.

إذن فتقع المعارضة بنحو العموم من وجه بين الروايتين من ناحية، ودليل الاستصحاب من ناحية أخرى، يجتمعان فيما إذا كانت الرطوبة محرزة، والعين مشكوكة البقاء.

خدشة سندية في رواية موسى بن القاسم

وعليه فيتعيَّن تقدُّم دليل الاستصحاب على الروايتين لأنَّه بالعموم وهما بالإطلاق، فتقيّد الرواية بما إذا لم تكن الرطوبة معلومة على كل حال.

ثم هناك شيء في الرواية الثانية لا بُدَّ من الإشارة إليه، وهو الخدشة السندية فيها، فإنَّها مروية بطريقين؟

أحدهما: الحميري في قرب الإسناد بسنده إلى علي بن جعفر، وقد وقع في طريقه عبد الله بن الحسن وهو لم يوثّق.

ــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ثانيهما: ما رواه الشيخ في التهذيب(1)، بإسناده إلى محمد بن علي بن محبوب عن أحمد عن موسى بن القاسم عن علي بن محمد (لا عن علي بن جعفر).

وعلي بن محمد هذا غير معروف. فإن حصل الاطمئنان بوقوع خطأ من قبل الشيخ وأنَّه بدَّل جعفراً بمحمد، الواقع هو علي بن جعفر بقرينة رواية الإرشاد، ولأنَّ: احمد عن موسى بن القاسم هو سند علي بن جعفر، وبقرينة أنَّه لم يعرف من مشايخ موسى بن القاسم شخص اسمه علي بن محمد.

إذا تمّ ذلك تمّت الرواية، وإن أوجب ذلك الظنّ دون الاطمئنان فتسقط عن الحُجِّيّة.

إذن فالاعتراض الأوَّل للسيد الأستاذ غير تامّ وهو تعارض الاستصحاب مع الروايات، فإنَّ دليل الاستصحاب يكون مقدَّماً على كل الاحتمالات.

الناحية الثانية: عدم وجد أثر شرعيّ في جريان الاستصحاب

الاعتراض الثاني من قبل السيد الأستاذ(2) أنَّه يشترط في جريان الاستصحاب أن يكون هناك أثر شرعي محتمل في نفسه، يمكن إثباته بالاستصحاب. وأمَّا إذا كان الأثر الشرعي مقطوع العدم في نفسه، فلا يمكن أن نثبته بالاستصحاب كما هو واضح.

ــــــــــ[281]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 424، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 20.

(2) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 260، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

حينئذٍ يقال: إنَّه ما الذي يُراد إثباته بهذا الاستصحاب؟ هل يُراد إثبات نجاسة الثوب بملاقاة الدم، أو نجاسته بملاقاة بدن الحيوان؟

أما نجاسته بملاقاة الدم فهو أمر محتمل في نفسه، لاحتمال بقاء العين، إلا أنَّه لا يثبت بالاستصحاب إلا على الأصل المثبت، كما اعترفتم به أيضاً. 

وأمَّا نجاسته بملاقاة بدن الحيوان فهو مقطوع العدم وجداناً؛ لأنَّ الأمر لا يخلو في الواقع إمَّا أن يكون على بدنه دم أو لا يكون.

فإن كان هناك دم إذن فقد تنجس بالدم قبل بدن الحيوان، والمتنجس لا يتنجَّس مرّة أخرى.

وإن كان الدم قد زال إذن فبدن الحيوان طاهر بلا إشكال لأنَّه يطهر بزوال عين النجاسة.

إذن فنجاسة الثوب ببدن الحيوان مقطوع العدم، فلا يمكن إثباته بالاستصحاب.

مدرك أنَّ المتنجِّس لا يُنجِّس

وهذا الوجه مبني على أنَّ المتنجّس لا يتنجَّس مرّة أخرى، فإنَّنا لو بنينا على ذلك فلا محيص عن هذا الإشكال، لكن الشأن في هذه الجملة فإنَّ مدركها يمكن أن يُتصوّر على أحد ثلاث أنحاء كلّها لا تنطبق على محلّ الكلام:

النحو الأوَّل: أنَّ قولنا: (إنَّ المتنجّس لا يتنجَّس مرّة أخرى) على وزان قولنا: (من يموت لا يموت مرّة أخرى)؛ لأنَّ النجاسة أمر غير قابل للتكرار عقلاً.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهذا التصوّر غير صحيح، فإنَّ النجاسة في نفسها قابلة للتكرار عقلاً سواء لوحظت النجاسة بما هي حكم شرعي أو بما هي أمر عرفي تكويني هي القذارة.

أمّا النجاسة بما هي حكم واعتبار شرعي فهي بيد الشارع، فله أن يعتبر اعتبارين وقد قيل: إنَّ الاعتبار سهل المؤونة.

وكذلك القذارة فإنَّها قابلة للتكرار في نظر العرف، فإنَّه يتصوّر أنَّ في الشيء قذارتين ويقول: إنَّه مجمع القذارات.

النحو الثاني: أنَّ النجاسة وإن كانت قابلة للتكرار والتعدُّد ثبوتاً، إلّا أنَّ جعلها لغو من قبل الشارع، إذ أي أثر للنجاسة الثانية مع أنَّه يكفي فيهما غسل واحد -وهو أمر متفّق عليه-.

فلو لاقت يدي للدم خمسين مرّة لم يجب إلّا غسلة واحدة.

فاعتبار نجاسات متعدِّدة بتعدُّد الملاقاة لغواً، فبدلالة الاقتضاء لا بُدَّ أن يلتزم أنَّ المتنجّس لا يتنجّس.

وهذا التصوّر صحيح في نفسه، ولكنَّه يتمّ في مورد لا يكون للاعتبار الثاني أثر عملي، وأمَّا إذا كان له أثر عملي؛ فإنَّه يخرج عن اللغوية

وفي المقام لو فرِض في علم الله أنَّه هناك دم على بدن الحيوان، فاعتبرت له النجاسة بملاقاة الدم، ووصل الثوب إلى بدن الحيوان فلاقاه، فاعتبرت له نجاسة أخرى، ولا تكون لغواً؛ لأنَّ أثرها العملي يظهر في مورد الشكّ، لأنَّه لو لم تعتبر النجاسة الثانية لما أمكن إثبات النجاسة بالاستصحاب.

ــــــــــ[283]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ويكفي في رفع اللغوية إمكان وصول الاعتبار الثاني بالاستصحاب حين لا يكون الاعتبار الأوَّل ممكناً.

وإن شئت قلت: إنَّ الاعتبارين في واقعهما متلازمان، لكن في الوصول قد يصل الثاني دون الأوَّل، كما في المقام، وهذا يكفي أثراً عملياً عقلائياً لجعل النجاسة وارتفاع اللغوية.

النحو الثالث: أنَّه لا إشكال ثبوتي في ذلك -كما في الإشكالين الأوليّن-لكن يقال: إنَّ الدليل -بحسب مقام الإثبات- قاصر عن ذلك لأنَّ الدليل على التنجس بالملاقاة هو أمر (اغسله).

وفي الملاقاة الثانية إن شمله هذا الأمر فمعناه وجوب غسلين؛ لأنَّ الأصل عدم التداخل في الأوامر -كما قرأنا في الكفاية(1)-، مع أنَّه غير واجب بالضرورة.

وإن كان لا يشمله أمر (اغسل)، فلا دليل على النجاسة؛ لأنَّ دليلها هو الأمر بالغسل.

وجوابه: أنَّنا نختار الشقّ الأوَّل وهو أنَّ الأمر بالغسل يأتي مرَّتين، ولا يلزم من ذلك وجوب غسلين؛ لأنَّه إنَّما يلزم إذا كان أمراً مولوياً في مقام البعث والتحريك، لأنَّه حينئذ لا بُدَّ من انبعاثين وتحرّكين، باعتبار أصالة عدم التداخل.

ولكنَّه ليس أمراً مولويّاً، بل هو أمرٌ إرشاديٌّ، والإرشاد بمنزلة الإخبار 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

(1) اُنظر: كفاية الأصول: 202، المقصد الثالث في المفاهيم، تداخل المسبّبات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فكأنَّه قال: (إذا وقع ثوبك على هذا تنجّس، وهو يطهر بالماء)، ولا بأس بتكرر الأخبار ولا يحتاج إلى ماءين في التطهير، لأنَّ المطهّر واحد فيهما معاً.

إذن فكلّ الأنحاء لمدارك (أنَّ المتنجّس لا يتنجَّس) غير منطبقة على المقام، ومعه فلا يتمّ هذا الاعتراض الثاني ويكون استصحاب النجاسة على بدن الحيوان محرزاً لأثر محتمل في نفسه وهو نجاسة ثوبي بملاقاة الحيوان، غايته أنَّها نجاسة بعد نجاسة.

الناحية الثالثة: انسداد باب إجراء الاستصحاب

نعم، هناك اعتراض ثالث أوجه من الاعتراضين السابقين يمكن أن نورده ونقول: من قال لنا إنَّ بدن الحيوان ينجّس؟ حتى على القول بأنَّه يتنجّس، فإنَّ بدن الحيوان مُتنجِّس أوَّل بعين النجس، ونحن نقول: إنَّ المتنجّس الأوَّل ينجِّس بخلاف المتنجّس الثاني فإنَّه لا ينجِّس. لكن ما هو الدليل على أنَّ المتنجّس الأوَّل ينجس؟ لو كان هو دليلٌ له إطلاق حسابي لتمَّ المطلب.

ولكن الدليل عليه روايات واردة في غسل الأواني حيث عرفنا أنَّ الآنية التي تلاقي مع عين النجس تتنجس وتتعدّى من الآنية إلى غيرها للقطع بعدم الفرق.

لكن التعدِّي منه إلى بدن الحيوان أمر غير ممكن. فإنَّه حَتَّى على القول بأنَّ بدن الحيوان يتنجَّس فإنَّه يختلف عن سائر الأجسام وهو أخفّ طبعاً منها من حيث إنَّه يطهر بزوال العين. ومع وجود هذا الفارق لا يمكن التعدي؛ لأنَّنا نحتمل أنَّ المتنجّس الذي ينجس هو خصوص الذي لا تزول النجاسة عنه إلا 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بالماء. أمَّا الذي يطهر بغير الماء فلا دليل على كونه متنجّساً ومعه ينسد باب إجراء الاستصحاب.

إذن فهذا الاستصحاب لا يجري على كِلا المسلكين، وبهذا تمّ الكلام في هذه المسألة.

المناط في الجمود والميعان

مسألة 3: إذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي إلقاؤه وإلقاء ما حوله ولا يجب الاجتناب عن البقية وكذا إذا مشى الكلب على الطين فإنَّه لا يحكم بنجاسة غير موضع رجله، إلا إذا كان وحلاً، والمناط في الجمود والميعان أنَّه لو أخذ منه شيء فإن بقي مكانه خالياً حين الأخذ -وإن امتلأ بعد ذلك- فهو جامد وإن لم يبق خالياً أصلاً فهو مايع(1).

صدر هذه المسألة تكرار لما سبق، وتطبيقات لما فرَّعنا عنه، حيث عرفنا أنَّ دائرة السراية والانفعال في المائعات أوسع منها في الجوامد، لكن ذيل هذه المسألة يتعرّض إلى مطلب لا بُدَّ من تحقيقه. وهو مقياس الميعان والجمود الذي أصبح موضوعاً لحكمين مختلفين. 

والكلام في ذلك: تارة يقع بلحاظ مقتضى القاعدة، أي بقصر النظر على دليل الانفعال بقرائنه العامَّة والخاصَّة. وأخرى بلحاظ الروايات الخاصَّة.

ــــــــــ[286]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 164، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المقام الأوَّل: بلحاظ مقتضى القاعدة

أي دليل الانفعال الذي تممنا بمقتضى إطلاقه -بعد ضمّ القرائن الارتكازية- الفرق بين الجوامد والمائعات

فمن الواضح أنَّ مراتب الجمود والميعان مراتب متعددة، فإنَّ الجمود عبارة عن تماسك الأجزاء والميعان خلافه.

ومن المعلوم أنَّ مراتب الشدَّة والضعف في التماسك كثيرة، فأعلى مراتبها الصلابة كالخشب والحجر، ونحوهما لا تنفذ فيه اليد. وأقلّ المراتب من هذه الجهة ما كان من سنخ تماسك الماء الخالص بحيث لا يتحمل فراغاً أصلاً، بل يتساوى سطحه بسرعة بحيث لا تبدو فيه أيَّةُ فجوة، والأشياء تختلف باختلاف بطء وسرعة امتلاء فجواتها.

فإذا لاحظنا دليل الانفعال، فيمكن أن نقول: إنَّ مسألة السراية والانفعال ليس أمراً دائراً أمره -بحسب الارتكاز- بين النفي والإثبات، بحيث إمَّا أن يسري إلى التمام، وإمَّا أن لا يسري إلى شيء سوى موضع الملاقاة.

فإنَّه قد يقال: إنَّ الارتكاز العرفيّ الذي كان هو المنشأ من استفادة السراية من دليل الانفعال، يرى أنَّ السراية تختلف باختلاف مقدار الميعان، ولم يُؤخذ (المائع) و(الجامد) في موضوع دليلين لهما إطلاق حَتَّى يُتمسّك به في موارد صدقهما. ويقال: لا فرق بين مائع ومائع في صدق العنوان عليه، فيشمله حكم السراية بشكل متساوٍ.

لكنَّنا عرفنا أنَّ دليل الانفعال العامّ لو بقينا نحن وإيَّاه فمقتضى مُرِّ 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الصناعة عدم الانفعال، إلا لخصوص السطح الملاقي، وإنَّما اكتسب الإطلاق باعتبار ضمّ الارتكاز القائل بأنَّ حصول السراية باعتبار التسلُّط وصلاحيته للنفوذ فيه.

وكُلَّما كانت الصلاحية للنفوذ أكثر كانت دائرة الانفعال أكبر. ومن المعلوم أنَّه كُلَّما اشتدت مراتب الميعان اشتدت قابليته للنفوذ وكُلَّما قلت كانت القابلية أقلّ والتسلُّط أقلّ ودائرة الانفعال أضيق.

وهذه الدعوى إن جزمنا بها فهو، وينعقد لدليل الانفعال ظهور في أنَّ مقدار السراية يختلف من مائع إلى مائع.

وإن شككنا وتردَّد أمرُ الارتكاز بين الأقلّ والأكثر، فلا يبقى لدليل الانفعال بالملاقاة إطلاق. فإنَّ إطلاقه إنَّما كان بالارتكاز، فإذا أجمل الارتكاز أجمل الدليل أيضاً.

وهذا الفرق يمكن أن نجعل له ميزاناً كُلِّيّاً، وهو إمكان فرز ما حصل له التماس مع النجس عن غيره. وهذا الضابط يصدق على الجامد، فإنه يمكن عزل السطح فقط مع ضمان عدم الاختلاط كُلَّما كان المائع أكثر جموداً كان تطويق النجاسة أسهل وبدائرة أضيق. وكُلَّما كان أشدّ ميعاناً فنحتاج إلى مقدار أكبر للإزالة، إلى أن نصل إلى سنخ مائع لا يمكن فرزه بحيث يتنجَّس تمامه بالملاقاة.

فإن كان فرزه ممكناً بحيث يضمن أنَّه لم يدخل شيء ممَّا لاقى النجس في الباقي يمكن أن يُقال بأنَّه لا سراية.

ــــــــــ[288]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وأمَّا إذا لم يمكن ذلك ولم يضمن أنَّه نزع النجس وما حوله بحيث إنَّه كُلَّما أراد أن يحمل منه شيئاً ينفلت وينتشر لشدة ميعانه. فيقال: بأنَّ دائرة السراية وسيعة.

المقام الثاني بلحاظ الروايات الخاصَّة

وأمَّا بلحاظ الروايات الخاصَّة فمنها: 

الرواية الأولى: معتبرة معاوية بن وهب

عن أبي عبد الله قال: “قُلْتُ: جرذ مات في زيتٍ أو سمنٍ أو عسل، فقال: أَمَّا السَّمْنُ وَالْعَسَلُ فَيُؤْخَذُ الجُرَذُ وَمَا حَوْلَهُ، وَالزَّيْتُ يُسْتَصْبَحُ بِهِ”(1).

فقد فرق في السراية بين عنوان العسل والسمن من ناحية وبين عنوان الزيت من ناحية أخرى، فحكم بالسراية على الأخير دون الأولين. ومقتضى الجمود على حاقّ الألفاظ هو أنَّ هناك فرقاً تعبُّدياً بينهما. لكن بارتكاز عدم الفرق بين مائع ومائع وجامد وجامد، يثبت للرواية ظهور بأنَّ هذه التفرقة ليست باعتبار هذه العناوين، وإنَّما هي بلحاظ المناسبات المربوطة بباب الميعان والسراية.

وهذه المناسبات أحد أمرين: إمَّا الميعان والجمود وإمَّا ما قلناه من إمكان فصل النجس بدون اختلاط وهذا هو الذي أشير إليه في الرواية حيث قال: “فَيُؤْخَذُ الجُرَذُ وَمَا حَوْلَهُ‏”؛(2) فإنَّه لا يتصور ذلك إلا في سنخ سمن أو عسل 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 9: 85، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 94، وسائل الشيعة 17: 97، كتاب التجارة، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(2) باب 1 من أبواب ما يكتسب به، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يكون بدرجة من الانجماد بحيث يضمن أنَّه أخذ تمام ما لاقى النجاسة ولا يمكن ذلك فيما زاد ميعانه.

وأمَّا نكتة السراية في الزيت، فهي ما أشار إليه الشيخ(1) من غالبية الميعان في الزيت دونهما، إذن فمرد التفصيل إلى الفرق بين خصوصيات الزيت والسمن لا عنوانهما، ولم يؤخذ في الرواية أيُّ خصوصية، إلا أنَّه يمكن أن ينزع وما حوله أو لا يمكن -دون الجمود والميعان- فيتطابق مع ما استظهرناه من الارتكاز.

ومن هنا يحكم -مع إمكان الفصل- بعدم السراية سواء كان مايعاً أو جامداً ويحكم مع عدم إمكانه بالسراية في كِلا الأمرين كذلك(2).

ــــــــــ[290]ــــــــــ

() لاحظ: المكاسب المحرّمة (الشيخ الأنصاري) 1: 66، النوع الأوَّل: الاكتساب بالأعيان النجسة، المسألة 4، قوله: “ولعلّ الفرق بين الزيت وأخويه من جهة كونه مائعاً غالباً، بخلاف السمن والعسل، وفي رواية إسماعيل الآتية إشعار بذلك”.

(2) أقول: هناك جهة مهمَّة في الرواية لعلّ السيد أعرض عنها لوضوحها. وحاصلها أن يقال: إنَّ الإمام لم يفتِ بالطهارة في السمن والعسل وإنَّما أمر بأخذ الجزء منه وما حوله. فكيف يدلّ هذا على الطهارة؟

وجوابه: أنَّ المنساق -بحسب الارتكاز- المتشرعي أنَّ جهة السؤال هو النجاسة، وبعد ظهور السؤال بذلك يكون الجواب ظاهراً بأنَّ الطريقة التي ذكرها الإمام كافية في إزالة المحذور الذي عناه السائل ومعه يكون الجواب دالاً على أنَّ الباقي لا محذور فيه، وهو عبارة أخرى عن طهارته.

ويؤيِّده قوله: (يستصبح به)، بعد وضوح أنَّ الدهن إنَّما يستصبح به بعد سقوط منفعته الرئيسية وهي الأكل، بطروّ النجاسة عليه بنحو غير قابل للإزالة. وبقرينة المقابلة مع السمن والعسل، نعرف أنَّ المراد فيهما هو الفتوى بالطهارة.

لا يُقال: لعلّ جهة السؤال هو القذارة المعنوية لا المادية.

فإنَّه يقال: إنَّ هذا خلاف الارتكاز المتشرعي من كون الميتة من قبيل القذارات المادية خاصَّة وهي من المستقذرات العرفية أيضاً، مضافاً إلى أنَّ الأمر بأخذ ما حوله يعين ذلك إذ لا يناسب القذارة المعنوية كما هو واضح. إلا بنحو التعبُّد الصرف. وهو خلاف المتفاهم العرفي، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الرواية الثانية: معتبرة الحلبي

قال: “سألت أبا عبد الله عن الفأرة والدابة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه فقال: إِنْ كَانَ سَمْناً أَوْ عَسَلاً أَوْ زَيْتاً فإنَّه رُبَّمَا يَكُونُ بَعْضَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ الشِّتَاءُ فَانْزِعْ مَا حَوْلَهُ وَكُلْهُ، وَإِنْ كَانَ الصَّيْفُ فَارْفَعْهُ حَتَّى تُسْرِجَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَرْداً (ثَرْداً) فَاطْرَحِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَلَا تَتْرُكْ طَعَامَكَ مِنْ أَجْلِ دَابَّةٍ مَاتَتْ عَلَيْهِ”(1)

فأيضاً لم يؤخذ فيها عنوان (الجامد) و(المائع)، وإنَّما أخذ فيها عنوان (الصيف) و(الشتاء)، ولا شكّ ولا ريب -بمقتضى الارتكاز- أنَّه لا دخل 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 9: 86، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 96، ورد فيه “ثرداً” بدل “برداً”، وسائل الشيعة 24، 195، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

للزمان في السراية، وإنَّما يكون الدخل باعتبار كاشفية هذين الأمرين عن المناسبات المربوطة في الذهن العرفيّ بالسراية. 

أما ما هي تلك المناسبات الملحوظة، هل هي الجمود والميعان؟

لا قرينة عليه، وإنَّما هي نفس تلك المناسبات الملحوظة في الرواية السابقة، حيث قال: (فانزع ما حوله وكله). وهذا يقتضي درجة من الجمود كما عرفنا. وقال: “وَلَا تَتْرُكْ طَعَامَكَ مِنْ أَجْلِ دَابَّةٍ مَاتَتْ عَلَيْهِ”. ولم يقل: (ماتت في)، إذ تعرف أنَّ الدابَّة لم تنفذ في العسل، وإنَّما وقعت عليه وهذا أراه فرعاً عن الخصوصية الأولى، فإنَّه متى ما كان يمكن نزعه مع ما حوله قالوا إنَّها ماتت عليه. إذن فلا نستفيد من هذه الرواية إلا ما نستفيده من الارتكاز.

بقيت جملة في الرواية هي قوله: (إنَّ كان برداً -أو ثرداً- فاطرح الذي كان عليه، ولا تترك طعامك…)، السيد الأستاذ بعد أن طرح هاتين الاحتمالين استظهر أن يكون: (ثرداً). بقرينة أنَّه لو كان (برداً) للزم التكرار، وهو خلاف المتفاهم العرفي، بينما إذا كان (ثرداً) كان مطلباً مستقلّاً.

هذا المقرب لا يكون _بمجرَّده_ مقرباً لأنَّ التكرار وإن كان موجوداً إلا أنَّه في مثل المقام أمر عرفي إذ لعلّ نكتته هو التنبيه على أنَّ الشتاء بما هو شتاء وإنَّما الميزان هو البرد والحر. فإنَّه قد يوضع في الشتاء في مكان حار كما قد يوضع في الصيف في مكان بارد.

والعرفيُّ وإن فهِم ذلك من الجملة الأولى، لكن يستحسن التنبيه على ذلك.

لكن يوجد مقرِّب آخر غير ما ذكره. وهو أنَّه لو كان (ثرداً) لكان (اسم 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

كان) موجوداً؛ لأنَّه يكون شقّاً آخر لقوله: (إن كان سمناً)، ويكون (اسم كان) هو الطعام. وأمَّا إذا كان (برداً) فـ(اسم كان) غير موجود، بل لا بُدَّ من تصيّده كـ(الجوّ) أو (الأمر). فإنَّه عبر في العبارة السابقة عن الصيف والشتاء بـ(كان التامَّة)، وإذا دار الأمر بين أن يكون (اسم كان) موجوداً أو متصيَّداً، فلا شكّ أنَّ المستظهر هو الأوَّل.

إلا أنَّ كل هذا الكلام لا موجب له. فإنَّ هذه المقربات إنَّما هي بعد ضبط الكلمة، وفي المقام لم تضبط الكلمة التي صدرت من الإمام، ومثل هذه الشواهد لا تنفع في تعيين ما هو الصادر. فيبقى الدليل على إجماله.

فعلى تقدير كونه: (برداً) ينسجم مع ما قلناه؛ لأنَّه يكون معناه: (فاطرح الحيوان الذي كان عليه). ولا يمكن أن يكون (اسم كان) هذه هو (البرد). أو يكون المراد: (اطرح السمن الجامد الذي على الحيوان)، باعتبار ما اكتسبه جسم(1) الحيوان من السمن الجامد. وعلى كِلا الحالين يكون منسجماً مع ما قلناه.

وأمَّا إذا كانت الكلمة: (ثرداً) فإن كان المراد: (فاطرح الحيوان الذي على الثريد) فهو غير مناسب؛ لأنَّه لا إشكال من نجاسة الطبقة الملاقية للميتة من الثريد، فلا بُدَّ أن نقول إنَّ المراد: (أطرح ما كان على الحيوان من الثريد)، أي الطبقة المباشرة للفأرة، فينسجم مع ما قلناه(2)

ــــــــــ[293]ــــــــــ

() هذه التفاصيل ذكرها السيد بعد البحث، (المقرر).

(2) أقول: يكون المراد: (أطرح الثريد الذي كان عليه الحيوان). أو (أطرح الثريد الذي كان على الحيوان)، أي ملاصقا لبدنه. ولا يحتمل أن يكون المراد: (أطرح الحيوان الذي كان على الثريد) أو (كان الثريد عليه)، لورود الإشكال عليه، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد

عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد، عن محمد بن خالد الطيالسي عن إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد الله، قال: “سأله سعيد الأعرج السمان -وأنا حاضر- عن الزيت والسمن والعسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به؟ قال: أَمَّا الزَّيْتُ فَلَا تَبِعْهُ إِلَّا لِمَنْ تُبَيِّنُ لَهُ فَيَبْتَاعُ لِلسِّرَاجِ، فَأَمَّا لِلْأَكْلِ فَلَا. وَأَمَّا السَّمْنُ: فَإِنْ كَانَ ذَائِباً فَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ جَامِداً وَالْفَأْرَةُ فِي أَعْلَاهُ فَيُؤْخَذُ مَا تَحْتَهَا وَمَا حَوْلَهَا، ثُمَّ لَا بَأْسَ بِهِ. وَالْعَسَلُ كَذَلِكَ إِنْ كَانَ جَامِداً”(1).

فالزيت يحكم بانفعاله وسراية النجاسة فيه، وأمَّا السمن فإن كان ذائباً سرت النجاسة فيه، وهذا شاهد على أنَّ السراية باعتبار الذوبان، وإن لم يفصل في الزيت باعتبار الذوبان فيه.

وقد أُخذ في هذه الرواية عنوان (الذائب) وعنوان (الجامد)، وقد يُتوهَّم بناء على هذا أنَّ مقتضى الجمود على هذين العنوانين أنَّ أيّ شيءٍ يصدق عليه أنَّه مائع فالسراية فيه على حدٍ واحد، سواء أمكن فصل ما لاقى النجاسة أو لم يمكن فيحكم بسراية النجاسة إلى الجميع.

ــــــــــ[394]ــــــــــ

() باب6 من أبواب ما يكتسب به، (المقرر). قرب الإسناد: 128، أحاديث متفرّقة، الحديث 448، وسائل الشيعة 17: 98، كتاب التجارة، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إلا أنَّ هذا غير صحيح، فإنَّ الملحوظ في الرواية أخذ خصوصيَّتين:

أحدهما: أن يكون جامداً.

والآخر: أن تكون الفأرة في أعلاه، حيث إنَّ العادة جارية أنَّ الفأرة لا تكون في الأعلى.

إلا إذا كان متجمِّداً، فيمكن أن يقال: إنَّ قيد الجمود قد أُخذ مقدّمة للمطلب الثاني، وهو أن تكون الفأرة في زاوية منه، بحيث يمكن نزعه مع ما حوله. فلو كانت الفأرة قد غرقت فيه فلا إشكال في السراية.

فإذا استظهرنا منه الطريقية أو كان مجملاً فلا يخالف الذي قلناه سابقاً. وإن لم نستظهر وقلنا بأنَّ العنوانين مأخوذان بأنفسهما، فيصير حالها حال الرواية الآتية.

الرواية الرابعة: رواية زرارة

ما رواه الكليني عن علي بن ابراهيم عن بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة عن أبي جعفر قال: “إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَمَاتَتْ فِيهِ: فَإِنْ كَانَ جَامِداً فَأَلْقِهَا وَمَا يَلِيهَا وَكُلْ مَا بَقِيَ. وَإِنْ كَانَ ذَائِباً فَلَا تَأْكُلْهُ وَاسْتَصْبِحْ بِهِ، وَالزَّيْتُ مِثْلُ ذَلِكَ”(1).

وهذه الرواية تامّة السند بخلاف السابقة فإنَّ فيها محمد بن خالد 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

() باب42 من الأطعمة المحرمة،، (المقرر). الكافي 6: 261، كتاب الأطعمة، باب الفأرة تموت في الطعام والشراب، الحديث 1، وسائل الشيعة 1: 206، كتاب الطهارة، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الطيالسي(1)، ولم يثبت توثيقه عندنا.

يمكن أن يقال: إنَّها أوضح من السابقة في جعل عنوان المائع والجامد. مناطاً للسراية سواء أمكن نزع مقدار وفصله عن الباقي أو لا.

ولكن التحقيق أنَّها لو تمّت دلالتها على ذلك فالنسبة هي العموم من وجه بينها وبين الرواية الأولى رواية معاوية بن وهب؛ لأنَّ هذه الرواية قالت: (إذا كان مائعاً سرت النجاسة إلى تمام المائع سواء كان يمكن أخذ مقدار منه أو لا).

ورواية معاوية بن وهب قالت: (فيؤخذ الجرذ)، يعني إذا أمكن أخذ شيء منه لا تسري النجاسة سواء كان جامداً أو ذائباً، فيجتمعان في ما إذا كان السمن مائعاً، ولكن يمكن فرز مقدار منه، بحيث يضمن عدم اختلاط النجاسة، بينما رواية معاوية تقول: (أنَّه لا ينجس بتمامه)، رواية زرارة تقول: (إنَّه ينجس بتمامه). وبعد التعارض والتساقط لا يبقى دليل على الانفعال، فنرجع إلى ما هو الارتكاز في نفسه كما قلناه.

ــــــــــ[296]ــــــــــ

(1) لاحظ: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 340، باب الميم، رقم: 910، كتاب الرجال (الطوسي): 441، باب مَن لم يروِ عن واحد من الأئمّة، باب الميم، الرقم 6304، نقد الرجال 4: 199، باب الميم، الرقم 4660، معجم رجال الحديث 17: 75، باب الميم، الرقم 10717.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مسائل متفرقة

1- مسألة: إذا لاقت النجاسة جزءاً من البدن المتعارف

مسألة 4: إذا لاقت النجاسة جزءاً من البدن المتعرق لا يسري إلى سائر أجزائه إلا مع جريان العرق(1).

هذه المسألة مشابهة لمسألة الأرض المرطوبة إذا لاقت النجاسة جزءاً منها، إذ لا فرق بينها وبين البدن المرطوب بالعرق.

وملخَّص الكلام الذي تقدَّم: أنَّه لا إشكال في النجاسة إذا لاقت جزءًا من البدن، فلا ينجس تمام البدن لأنَّه من الجوامد وقد قلنا إنَّ ملاقاة النجس للجامد لا يؤثّر إلا بالجزء المُلاقي فقط. كما أنَّه لا إشكال أنَّ العرق الذي لاقى مع الدم لو جرى إلى مكان آخر ينجس بالملاقاة.

إلَّا أنَّ الإشكال هنا في أن يقال: إنَّ الدم حين لاقى مع جزء من البدن فإنَّ بقية الأجزاء تتنجس بالواسطة. وقد تقدَّم لذلك تقريبان:

التقريب الأوَّل: أنَّ الجزء الأوَّل مُتَّصل بالجزء الآخر من البدن بالرطوبة، فتسري إليه النجاسة، وهو ملاقٍ مع الثالث بالرطوبة فتسري وهكذا.

إلَّا أنَّنا قلنا بأنَّ هذا لا مُحصّل له؛ لأنَّ الجزء الثاني ملاقٍ للجزء الأوَّل مع السطح العمقي له والنجاسة لاقت مع سطحه الأفقي والعرضي. ولا يمكن أن يكون جزء ملاقياً مع آخر في سطحه الأفقي، وإلا كان جزء على جزء.

ــــــــــ[297]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 164، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

التقريب الثاني: أن يقال: إنَّ العرق من المائعات فالدم ينجس تمام العرق على تمام البدن؛ لأنَّ المائعات تسري فيها النجاسة إلى تمامها ولا تقف على خصوص الجزء الملاقى، فيتنجّس البدن أيضا بملاقاة العرق المتنجس.

وجوابه: أنَّ السراية تختص بخصوص مائع متماوج الأجزاء بحيث لو أخذ منه جزء يأتي الباقي فيحلّ محلّه، وهذا يحتاج إلى سُمْكٍ معتدّ به.

وأمَّا مثل العرق على البدن والبلل على الأرض، فإنَّه باعتبار ضآلة سُمكه يكون كالملتصق ببدن الإنسان، فلا يعوِّض بعضه عن بعض فلا سراية. إذن فالذي ذكره هنا صحيح.

2- مسألة: في إبريق ماء مثقوب على أرض نجسة

مسألة 5: إذا وُضِع إبريق مملوء ماءً على الأرض النجسة، وكان في أسفله ثقب يخرج منه الماء فإن كان لا يقف تحته، بل ينفذ في الأرض أو يجري عليها، فلا يتنجَّس ما في الإبريق من الماء، وإن وقف الماء بحيث يصدق اتحاده مع ما في الإبريق بسبب الثقب تنجّس وهكذا الكوز والكأس والحب ونحوها(1).

من الحَسَن أن نفصل هذه المسألة إلى فرعين:

أحدهما: أنَّ الثقب الموجود ملاقٍ مع الأرض.

الآخر: أنَّ الثقب ليس مُتَّصلاً بالأرض بل بينه وبينها فجوة.

ــــــــــ[298]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 165، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفرع الأوَّل: حال تباعد الثقب عن الأرض

ما إذا كان هناك فجوة بين الثقب والأرض، بحيث لا يكون ملتصقاً بها، فهل ينجس ما في الإبريق، أو لا؟

يمكن أن تقرِّب الطهارة بثلاثة وجوه:

الوجه الأوّل: أنَّها من خصوصيات ملاقاة النجاسة للجزء السافل في حالة الجريان والتدفُّق. وقد ذكرنا هناك أنَّ النجاسة لا تصعد إلى الأعلى. ونحن بعد أن فرضنا أنَّ هناك فجوة عن الأرض، فلا محالة يحصل تدافع بين أجزاء الماء، وبهذا يتشكّل جريان، فلا تسري إلى الأعلى. 

وهذا التطبيق صحيح، فيحكم بعدم نجاسة ما في الإبريق إلى أن ينتهي هذا التدافع، بأن تمتلئ الفجوة، ويصبح الماء غير قادر على النزول من هذا الثقب لعدم الفجوة، فيصبح ساكناً، فلا تنطبق عليه هذه الكبرى.

الوجه الثاني: أن يُدّعى أنَّ هذا الماء حَتَّى لو كان ساكناً فإنَّه لا ينجّس ما في الابريق؛ لأنَّ العرف يرى أنّهما ماءان متعدِّدان والثقب لا يكون موجباً لوحدته، والنجاسة لاقت الماء الذي بعد الثقب لا أنَّه لاقى الذي قبله.

وهذا الوجه -لو تمّ- فإنَّه يمتاز على الوجه السابق، لا يُفرَّق فيه بين ما قبل امتلاء الفجوة وما بعدها.

وهذا الوجه من ناحية الكبرى وهي: أنَّ ضيق الاتّصال يوجب تعدُّد الماءين، بحثناها في بحث الكرّ وهناك أثبتنا أنَّه لا يوجبه. لكن لو سلَّمنا أنَّها توجب التعدد، فهذا الوجه لا يكفي لإثبات عدم سراية النجاسة إلى ما في 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الابريق. إذ قد يُدّعى أنَّه بعد أن امتلأت الفجوة وأصبح الماء ساكناً، أصبح عندنا ماءان ساكنان: أحدهما لاقى النجس فتنجّس. والماء الثاني لاقى مع الأوَّل، فلماذا لا ينفعل بنجاسته؟

إذن فهذا الوجه لا يكفي ما لم تضمّ إليه عناية زائدة ندَّعيها في الوجه الآتي.

الوجه الثالث: أن يقال: إنَّ الماء الذي ملأ الفجوة مع الماء الذي في الإبريق ماءان غير مُتَّصلَين.

وذلك: فيما إذا فرضنا أنَّ الثقب الذي بينهما كان ضيِّقاً جدّاً، بحيث لا يصدق على ما يخرج منه أنَّه ماء، بل هو رطوبة أو نداوة تتجمع حَتَّى تصبح قطرة، فتسقط -أو لا تسقط إذا امتلأت الفجوة- والرطوبة، وإن كانت ماء بالدقّة العلمية. لا أنَّها ليست ماء بحسب النظر العرفي.

إذن فهذان ماءان تنجّس أحدهما ولا موجب لتنجّس الآخر لعدم الاتصال، وميزة هذا الوجه أنَّه لا يرد عليه الإشكال الذي أوردناه على الوجه السابق؛ لأنَّه لا يوجب ملاقاة الماءين؛ لأنَّ ما في الثقب رطوبة وليست ماء، وقد عرفنا أنَّ الرطوبة لا تقبل النجاسة بنفسها.

إلّا أنَّ هذا الوجه يختص بما إذا كان الثقب في غاية الضيق، سواء امتلأت الفجوة أو لا.

الفرع الثاني: حال اتِّصال الثقب بالأرض

وهو فيما إذا كان الثقب مُتَّصلاً بالأرض، فهل تأتي الوجوه الثلاثة، أو لا؟

أمّا الوجه الأوَّل فلا يأتي: لأنَّ الثقب إذا كان ملتصقاً بالأرض فلا يحصل 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

هناك دفع في الأرض غير الهشّة فإنَّ الماء الواقف في الثقب لن يجري بقوة بل بنحو الرشح البطيء لمقاومة الأرض له، فيصبح ماء ساكناً بتمامه.

ومن هنا كتب المرزا في تعليقته على العروة(1): “إن الثقب إذا كان ملتصقاً بالأرض تنجَّس ماء الأبريق”، والسرُّ فيه عدم ورود الوجه الأوَّل الذي ذكرناه.

وأمَّا الوجه الثاني: فمن الواضح أنّه لا يأتي؛ لأنَّ الماء الذي في الابريق والماء الذي في عنق الثقب ماء واحد لا ماءان، وهو مباشر للنجاسة في الأرض على الفرض(2).

3- مسألة: لو خرجت من أنفه نُخامة غليظة عليها دم

مسألة 6: إذا خرجت من أنفه نخامة غليظةٌ وكان عليها نقطة من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله من سائر أجزائها، فإذا شكّ في ملاقاة تلك النقطة الظاهرة الأنف لا يجب غسله وكذا الحال في البلغم الخارج من الحلق(3).

هذه المسألة تطبيق صرف للكبريات التي فرغنا عنها: فإنَّه إن فرض أنَّ 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

() راجع: العروة الوثقى (المحشّى) 1: 165، المسألة 5، التعليقة رقم 1.

(2) أقول: قال السيد: ومنه يظهر أنَّ الوجه الثالث لا معنى له في المقام.

لكنني قلت له: إنَّ الوجه الثالث يأتي فيما لو كان الثقب ضيِّقاً. 

فقال: نعم، ثُمَّ صار يُقِّرر هذا المعنى للطلاب، (المقرّر).

(3) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 165، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

النخامة بدرجة من السيولة بحيث تسري حُكم بنجاستها.

وإن فرض أنَّه لا تسري فلا ينجس إلا محلّ الدم.

وحينئذٍ فإن علم أنَّ الأنف لاقى مع نقطة النجاسة فيحكم عليه بالنجاسة وإلا فيحكم بالطهارة لأصالة الطهارة.

4- مسألة: في الثوب أو الفرش المُلطَّخ بالتراب والدم

مسألة 7: الثوب أو الفرش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضه ولا يجب غسله ولا يضر احتمال بقاء شيء منه بعد العلم بزوال القدر المتيقن(1).

يحسن أن نقسم هذه المسألة إلى فروع:

الفرع الأوَّل: إذا أصاب الثوب تراب نجس حال اليبوسة

 إنَّه إذا أصاب بدن الإنسان أو ثوبه مثلاً تراب نجس أو غيره -حَتَّى عين النجس- في حالة اليبوسة، لم يحكم بنجاسة المُلاقي بلا إشكال بعد أن فرغنا من اشتراط الرطوبة في السريان.

الفرع الثاني: الصلاة في الثوب الحامل للنجاسة اليابسة

إنَّه بعد فرض عدم السراية فهل تجوز الصلاة في الثوب الذي وقعت عليه النجاسة اليابسة من دون إزالة بدعوى: أنَّ الثوب طاهر فتصحّ الصلاة فيه. أو لا تجوز الصلاة في الثوب الذي عليه النجاسات اليابسة فلا بُدَّ من نفضها لتصحّ الصلاة؟

ــــــــــ[302]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 165، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وفي هذا الفرع:

تارة: نبني على أنَّ المحمول المتنجّس كُلِّيةً لا تجوز الصلاة فيه، فيكون عندنا عنوانان مانعان عن الصلاة: الثوب المتنجّس وحمل النجس. ويكون المقام من صغريات ذلك بلا إشكال، فيشمله إطلاق دليل المانعيَّة.

وأخرى: على أنَّ المانعيَّة مختصَّة بما تقع الصلاة فيه لا الصلاة معه يعني أنَّ المانع نجاسة لباس المصلي لا حمل النجس.

ونفرِّق بين مانعية النجاسة ومانعية ما لا يؤكل لحمه، ففي النجاسة نبني على أنَّ المحمول ليس مانعاً لعدم صدق الصلاة فيه. أمَّا ما لا يؤكل لحمه فلا تجوز الصلاة معه ولو حملاً باعتبار استفادة الإطلاق أو العموم من صحيحة عبد الله بن بكير وغيرها.

إذن فلا بأس بالصلاة في الثوب من دون نفض، ويكون حاله كما لو وضع الدم في قارورة، ووضعها في جيبه وصلّى.

إلّا أنَّه -مع أنَّنا نبني على أنَّ المحمول المتنجّس لا بأس به- مع هذا احتطنا في خصوص هذا الفرض، وهو ما إذا كان حمل النجس بنحو التلطخ -لا الحمل الصرف كالدم في القارورة- كما إذا لطخت العذرة ثوبه وبدنه فنبني على المانعيَّة احتياطاً.

ومنشأ الاحتياط: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى، قال: “وسألته عن الرجل يمشي في العذرة وهي يابسة، فتصيب ثوبه ورجله، أ يصلح له أن يدخل 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المسجد، فيُصلّي ولم يغسل ما أصابه؟ قال: إِذَا كَانَ يَابِساً فَلَا بَأْسَ”(1). “وسألته عن الرجل يمرّ بالمكان فيه العذرة، فتهب الريح فيسفي عليه من العذرة، فيصيب ثوبه ورأسه، أ يُصلّي قبل أن يغسله؟ قال: نَعَمْ، يَنْفُضُهُ وَيُصَلِّي فَلَا بَأْسَ”(2).

حيث قد يُدّعى(3) أنَّ هذه الرواية المعتبرة السند، دلَّت على أنَّ العذرة لطَّخت هذا الإنسان، فلا يجب عليه الغسل؛ لأنَّ اليبوسة مانعة عن السراية.

ولكن الرواية أمرت بالنفض، وهو يكون إرشاداً إلى مانعية حمل هذه الأشياء. لكن يقتصر فيه على خصوص مورد الرواية وهو ما إذا كان الحمل بنحو التلطخ وأمَّا غيره فهو غير مشمول للرواية، واحتمال الفرق موجود عرفاً ولذا لا نتعدى إليه.

وأمَّا أنَّه لماذا احتطنا ولم نفتِ بهذا المطلب؟ فلوجود احتمال عرفي قريب من النفس، وهو أنَّ منشأ الأمر بالنفض هنا لم يكن هو الإلزام بالنفض، بل كان 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

() في باب 26 من أبواب النجاسات، (المقرر). مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 150، الحديث 196، وسائل الشيعة 3: 443، كتاب الطهارة، باب 26، من أبواب النجاسات، الحديث 8.

(2) مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 155، الحديث 214، وسائل الشيعة 3: 443، كتاب الطهارة، باب 26، من أبواب النجاسات، الحديث 12.

(3) اُنظر: مستمسك العروة الوثقى 1: 475، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

نحو تعبير عن عدم لزوم الغسل. 

بتقريب: أنَّ الشخص إذا تلطخ بالعذرة ثوبه ورأسه فالوضع العادي له أن يتخلص منه لا أنَّه يحافظ عليه ويذهب إلى المسجد ويصلي به ويعتمد على تساقطه التدريجي.

ولكن هل يكون التخلص بالغسل أو بالنفض؟ فحين يأمر الإمام بالنفض يوجد احتمالان:

الأول: أن يكون إلزاماً تأسيسياً بالنفض.

الثاني: أنَّه تعبير عن عدم وجوب الغسل ولذا لم يُصرّح به. فحال هذا الشخص دائر بين الأقلّ والأكثر. وحين يقتصر الإمام على بيان الأقلّ، فكأنَّه ينفي الأكثر.

فهذا هو منشأ الاحتياط والتوقف عن الفتوى بالمانعيَّة، ويؤيِّده أنَّ الفقهاء المتقدِّمين -حَتَّى من قال منهم بمانعيَّة المحمول المتنجس(1)– لم يستدلّوا بهذه الرواية. 

ثُمَّ إنَّنا لو سلَّمنا أنَّ هذه الرواية تدلّ على المانعيَّة فلا بُدَّ من الالتزام باختصاصها بالحمل التلطُّخي.

ــــــــــ[305]ــــــــــ

(1) راجع على سبيل المثال: المبسوط في فقه الإماميّة 1: 94، المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف 1: 177، المسألة 241، تحرير الأحكام الشرعيّة على مذهب الإمامية (ط. ج) 1: 166، الفصل الثاني: في الأحكام، المسألة 535.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفرع الثالث: في استصحاب بقاء تراب العذرة اليابسة

لو علم بوقوع تراب العذرة اليابسة وشكّ في بقائه فهل يجري الاستصحاب في بقائه، أو لا؟

ذكر السيد الأستاذ(1) أنَّه يجري الاستصحاب بلحاظ أحد أمرين:

إما أن نستصحبه لأجل إبقاء المانعيَّة، فإنَّه لا تجوز الصلاة في الثوب الذي عليه عذرة، فباستصحاب بقائها يثبت مانعية هذا الثوب عن الصلاة.

وإمَّا أن نستصحبه لأجل إثبات نجاسة الماء، المُلاقي لهذا الثوب، ونحن نشكّ أنَّه هل بقيت فيه عذرة، أو لا؟ 

وقد اختار أنَّ الاستصحاب:

– إن كان بلحاظ المانعيَّة فلا بأس؛ فإنَّ المانعيَّة أثر شرعي لتلطُّخ الثوب بالعذرة.

– وإن كان لأجل إثبات انفعال الماء فهو مثبت.

لأنَّ استصحاب بقاء العذرة اليابسة في الثوب يترتّب عليه عقلاً أن يكون الماء قد لاقى مع العذرة، والمفروض أنَّنا لم نفرض نجاسة الثوب؛ لأنَّه لاقاها باليبوسة، وملاقاة الماء للعذرة مشكوك لا يمكن إثباته بالاستصحاب.

وهذا غريب منه، وتوضيحه يكون ببيان مقدّمة مختصرة، وهو أنَّ نجاسة الشيء منوط باجتماع أمرين:

ــــــــــ[306]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 215، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الأوَّل: الرطوبة السارية.

الثاني: الملاقاة مع النجس.

فتارة: يفرض إحراز وجود الأوَّل دون الثاني.

وأخرى: العكس.

فإن فرضنا أنَّ الملاقاة محرزة وجداناً، لكن لا ندري أنَّ رطوبة الثوب لا تزال موجودة أو لا، فاستصحاب بقاء الرطوبة مثبت؛ لأنَّه لا يثبت سراية الرطوبة إلى المُلاقي، لأنَّه لازم عقلي لوجود الرطوبة.

وأمَّا إذا كانت الرطوبة محرزة، وكان قبل ذلك ملاقياً مع العذرة، وكان جافّاً حينئذٍ، ولا أدري أنَّ العذرة هل بقيت في الثوب إلى حين صار مرطوباً، أو لا؟ فهنا لا إشكال أنَّ استصحاب بقاء الملاقاة مع العذرة يجري، ولا يكون مثبتاً، وذلك بإحراز الموضوع بضمّ التعبُّد إلى الوجدان، فإنَّه مرطوب بالوجدان، وبقاء العذرة فيه بالاستصحاب.

وحينئذٍ نقول في مثل المقام: إنَّ العذرة إذا فرضنا أنَّها كانت موجودة على الثوب حال اليبوسة ثُمَّ ألقيناه في ماء. فيمكن أن نستصحب بقاء العذرة على الثوب فنحكم بنجاسته لأنَّه (مرطوب) بالوجدان و(عليه نجاسة) بالاستصحاب. فإذا حكمنا بنجاسته نحكم بنجاسة الماء؛ للعلم الوجداني بملاقاته مع الثوب.

نعم، لو بنينا على أنَّ الثوب إنَّما ينجس بالعذرة باعتبار سراية الرطوبة منه إلى العذرة ثُمَّ رجوعها إليه. فهذا لازم عقلي لا يثبت باستصحاب بقاء العذرة 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ولعل السيد الأستاذ نظره إلى ذلك.

وأمَّا إذا لم نقل بهذا الرواح والمجيء، فاستصحاب بقاء العذرة لا يكون مثبتاً.

الفرع الرابع: استصحاب بقاء شيء من الدم اليابس على الثوب

ما إذا شكّ في بقاء شيء من هذا الدم اليابس على الثوب من ناحية الشكّ في مقدار الدم من أوَّل الأمر ودورانه بين الأقلّ والأكثر. فلا ندري أنّه هل هناك ثلاثة أجزاء من الدم يابسة أو أربعة. والآن زالت ثلاثة أجزاء فهل يجري الاستصحاب أو لا.

الصحيح أن يقال: إنَّ هذا فيه فرضين؛ لأنَّ المقدار الذي عُلِم بزواله فعلاً:

إمَّا أن يكون معلوم الانطباق على القدر المُتيقَّن المعلوم إجمالاً.

وإمَّا أن لا يكون.

ففي الأوَّل لا يجري الاستصحاب، وفي الثاني يجري.

توضيح ذلك: أنَّ المكلف كان له علم إجمالي دائر أمره بين الأقلّ والأكثر، منحلٌّ إلى علم تفصيلي بالأقلّ، وشكٍّ بدويٍّ بالزائد، فهذه النقاط الثلاث التي زالت عن الثوب:

تارة: يعلم بانطباقها على تلك النقاط الثلاث المعلومة إجمالاً، ففي مثل ذلك لا معنى لإجراء الاستصحاب، إذ ماذا نستصحب؟ هل نستصحب وجود النقطة الرابعة، مع أنَّها لم تكن متيقنة؟ أو نستصحب جامع العدم؟ فهذا من القسم الثالث من الكُلِّي ولا نقول بجريانه.

ــــــــــ[308]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وأخرى: لا نعلم بانطباق هذه النقاط الثلاث على المعلوم إجمالاً، بل إذا لم يكن في الواقع إلا ثلاث نقاط فهي قد زالت، وإن كانت أربعاً، فلعلَّ هذه الثلاث التي زالت هي اثنين من المعلومة إجمالاً مع الرابعة المشكوكة بدواً، حينئذٍ لا بأس بإجراء الاستصحاب بأن يُشار إلى النقاط الثلاث المعلومة حدوثاً، ويقال: بأنَّه لا علم بارتفاعها؛ لأنَّ الذي زال عن الثوب ربما كان منطبقاً على المشكوك البدوي.

ــــــــــ[309]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 



اعتبار قابيلة التأثُّر بالنجاسة

مسألة 8: لا يكفي مجرد الميعان في التنجس بل يعتبر أن يكون ممَّا يقبل التأثُّر. وبعبارة أخرى: يعتبر وجود الرطوبة في احد المتلاقيين. فالزيبق إذا وضع في ظرف نجس لا رطوبة له لا ينجس وإن كان مايعاً، وكذا إذا أذيب الذهب وغيره من الفلزّات في بوتقة نجسة أو صبَّ بعد الذوب في ظرف نجس لا ينجس إلا مع رطوبة الظرف ووصول رطوبة نجسة إليه من الخارج(1).

توضيح الكلام في هذه المسألة: أنَّ الرطوبة نتصوّر لها ثلاثة معانٍ:

المعنى الأوَّل: الرطوبة المائية التي هي عبارة عن ذرات الماء وهذا المعنى غير موجود كما هو واضح في المائعات غير المائية كالنفط والزيت والسمن ونحوها.

المعنى الثاني: أن يُراد بالرطوبة مجرد السيلان أي نداوة السائل والمائع بحيث لا يعتبر فيها إلا كونه منتسباً إلى باب المائعات والسائلات. وهو معنى يشمل الرطوبات المائية والدهنية والزئبقية والفلزّات المذابة، فإنَّها كلها ترجع إلى السيلان.

ــــــــــ[310]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 165- 166، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 8.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المعنى الثالث: معنى وسط بين المعنيين وهو أن يراد منها النداوة سواء كانت مائية أو لا. أي النداوة التي تكون قابلة للتلويث بجسم آخر وهو يشمل الرطوبة المائية والدهنية ولكنَّه لا يشمل الرطوبة الزئبقية والفلزّية، لأنَّها غير قابلة للتلويث.

ولا إشكال بعد الفراغ عن اعتبار الرطوبة في سريان النجاسة أنَّه لا يراد بها المعنى الأول، لأنَّه لا يشمل الدهن والزيت مع أنَّه لا إشكال في كفاية ميعانها في سراية النجاسة. إذن فالأمر يدور بين المعنيين الأخيرين.

إذا عرفنا ذلك يمكن تحليل هذه المسألة إلى فرعين:

أحدهما: أنَّ هذا الجسم الزئبقي أو الفلزّي الذي وجدت فيه الرطوبة بالمعنى الثاني، هل ينجس بملاقاة الجسم النجس الجافّ، أو لا؟

ثانيهما: أنَّه متى ما قلنا إنَّه ينجس، هل نقول: إنَّه ينجس سطحه فقط كالجوامد، أو تسري النجاسة إلى تمامه كالمائعات؟

الفرع الأول: في تنجُّس الفلزات المائعة بملاقاة النجس اليابس

 إنَّه لأجل أن تعرف أنَّ الفلزّ المائع هل ينجس بملاقاة النجس اليابس، أو لا؟ لا بُدَّ أن تعرف أنَّ الرطوبة المشترطة هل هي بالمعنى الثاني، أو الثالث؟

وحينئذٍ فلا بُدَّ من الرجوع إلى دليل اشتراط الرطوبة لنرى أنَّه ماذا يقتضي! فإنَّنا لو بقينا وإطلاقات الأمر بالغسل لقلنا بوجوب الغسل مطلقاً -مثلاً-، وإنَّما خرجنا منها بدليل اشتراط الرطوبة:

1- فإن كان هو الإجماع -مثلاً- فالقدر المُتيقَّن منه إنَّما هو مطلق الرطوبة، 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أي المعنى الثاني منها؛ لأنَّنا نقتصر في مقام التقييد على القدر المُتيقَّن، فتخرج صورة عدم الرطوبة مطلقاً. وأمَّا مثل ذلك فحيث لا نعلم بشمول الإجماع له، فيبقى تحت الإطلاق الأولي.

2- إذا كان المدرك هو الروايات الخاصَّة، التي تقول: “وَإِنْ كَانَ رَطْباً فَاغْسِلْهُ”(1)، فمن الواضح أنَّها لا تكون موجبة للاشتراط في المقام؛ لأنَّها واردة في جسم غير ما كان من قبيل الزئبق والفلزّ المذاب.

ومعه لا بُدَّ من الاقتصار على القدر المُتيقَّن، وهو غير محلّ الكلام، ففي محلِّ الكلام يرجع إلى الإطلاقات الفوقانيَّة.

3- وإن كان المدرك في اعتبار الرطوبة هو الارتكاز العرفي، فحينئذٍ يمكن أن يُدّعى في المقام:

أولاً: أنَّ الارتكاز يقتضي اشتراط الرطوبة بالمعنى الثالث التي تصلح للتلويث لا الرطوبة بمعنى مطلق السيولة، فإنَّ العرف يأبى عن السراية فيه. باعتبار أنَّ اشتراط الرطوبة بنكتة التأثير والتأثُّر، فحين لا تكون قابلة للتلويث لا يكون هناك تأثير وتأثّر، فنحكم في الفلزّات بعدم التنجّيس.

وثانياً: لو شككنا في مقدار الارتكاز دار أمره بين الأقلّ والأكثر، فخروج 

ــــــــــ[312]ــــــــــ

(1) لاحظ: الكافي 3: 60، كتاب الطهارة، باب الكلب يصيب الثوب والجسد وغيره ممَّا يُكره أن يُمس شيءٌ منه، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 260، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 43، وسائل الشيعة 3: 441، كتاب الطهارة، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

صورة عدم الرطوبة متيقن وأمَّا صورة الرطوبة غير الملوثة فخروجها محتمل فيدخل تحت كبرى: (أنَّ احتمال القرينة المُتَّصلة يوجب الإجمال في المطلق والعامِّ)، والارتكاز قرينة مُتَّصلة كما عرفنا، ومعه فيكفينا دعوى احتمال اقتضاء الارتكاز لذلك.

لكنَّنا يمكن أن ننسخ ما قلناه ونقول بعدم التنجيس على جميع المباني، وذلك بنكتة قصور الإطلاقات في نفسها، فإنَّه لا يوجد عندنا دليل يدلّ بإطلاقه على أنَّ الزئبق يتنجَّس بالملاقاة، لنتمسك بإطلاقه في صورة اليبوسة حَتَّى نحتاج إلى تقييد. فإنَّ الدليل الذي يدلّ على أنَّ كل جسم يتنجَّس بالملاقاة أحد أمرين: 

أحدهما: المدلول المتصيَّد من مجموع الروايات الواردة في الآنية والأرض وغيرها، ومن المعلوم أنَّه لا يمكن أن يكون له إطلاق لحالة عدم الرطوبة لأنَّ جميعها واردة في مورد الرطوبة.

ثانيهما: عموم موثَّقة عمَّار: التي سأل فيها أبا عبد الله: “عن رجلٍ يجد في إنائه فأرةً وقد توضّأ من ذلك الإناء مراراً، أو اغتسل منه، أوغسل ثيابه، وقد كانت الفأرة متسلّخةً، فقال: إِنْ كَانَ رَآهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا رَآهَا فِي الْإِنَاءِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَيَغْسِلَ كُلَّ مَا أَصَابَهُ ذَلِكَ المَاءُ…”(1).

ــــــــــ[313]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 20، باب المياه طهرها ونجاستها، الحديث 26، تهذيب الأحكام 1: 418، كتاب الطهارة، الباب 21، الحديث 41، الاستبصار 1: 32، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث 7، وسائل الشيعة 1: 142، كتاب الطهارة، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

لكن موردها هو الماء فالرطوبة في المُلاقي مفروغ عنها، فلا يشمل مثل المقام الذي هو ما إذا لاقى النجس اليابس زئبقاً أو نحوه.

إذن فلا يوجد من أوَّل الأمر إطلاقٌ يقتضي إثبات النجاسة في محلِّ الكلام لنحتاج إلى إخراجه بالتقييد.

فالصحيح في المقام الحكم بعدم التنجيس، وأنّه لا تكفي ميوعة الزئبق والفلزّ للسراية.

الفرع الثاني: في تنجس خصوص سطح الملاقاة

إذا فُرِض أنَّ الزئبق لاقى النجس برطوبة، فهل ينجس منه خصوص السطح الذي حصلت فيه الملاقاة، أو ينجس ما هو أوسع من ذلك؟

الصحيح هو أنَّه ينجس خصوص السطح، ما لم يحصل قلب وانقلاب، بحيث يلاقي هذا السطح بعد ذلك سطحاً آخر.

وذلك؛ لأنَّ الدليل العامّ الدالّ على انفعال المُلاقي بالنجاسة لو جمدنا على ألفاظه لكان مقتضاه أنَّه لا ينجس بالملاقاة – دائماً- سوى موضع الملاقاة من السطح، فنحتاج -كما قلنا- إذا أردنا أن نثبت نجاسة أوسع من ذلك إلى دليل خاص، كما هو الحال في باب المائعات. فلا بُدَّ من الرجوع إلى ذلك الدليل لنرى أنَّه هل يشمل محلَّ الكلام، أو لا؟

والصحيح أنَّه لا يشمل.

– لأنَّ ذلك الدليل إن كان هو الإجماع التعبُّدي، فالقدر المُتيقَّن إنَّما هو المائعات التي هي من قبيل الماء، لا المائعات التي هي من قبيل الزئبق، أي ما 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

كان مائعاً ملوثاً دون غيره.

– وإن كان المدرك هو الروايات الخاصَّة، فموردها هو الزيت والعسل والمرق ونحوه، وكُلّها لا تكون شاملة لمائع غير ملوّث كالزئبق.

– وإن كان المدرك هو الارتكاز العرفي، فقد قلنا إنَّه من القرائن اللُّبِّيّة المُتَّصلة بدليل الانفعال، بحيث يعطيه إطلاق لم يكن له بدونه، فيستوجب الحكم بالسراية في دائرة أوسع من سطح الملاقاة، وهذا الارتكاز غير موجود في المقام جزماً أو احتمالاً، والاحتمال في المقام كافٍ، فإنَّنا إذا لم نحرز الارتكاز لم نحرز الإطلاق في دليل الانفعال.

وفي المقام إن لم نقطع بالعدم فلا أقلّ من الشكّ في ذلك، لوضوح أنَّ الارتكاز خاصّ بمورد إمكان انتقال النجاسة من جزء إلى جزء، وفي المقام هذا الجزء ليس جزءً مرطوباً بحيث يسري إلى الأجزاء الأخر، فعنوان التسلُّط غير موجود إلا على السطح الملاقي، إذن فمقتضى القاعدة عدم السراية.

ــــــــــ[315]ــــــــــ

كتاب الطهارة، محمد باقر الصدر، ج3

 

الفصل الثالث

 في المتنجس وما يرتبط به

  • المتنجِّس لا ينجَّس ثانياً
  • الشكّ في لزوم تعدُّد الغسل

ــــــــــ[317]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفصل الثالث                                                                                               في المتنجس وما يرتبط به

 

المتنجِّس لا ينجَّس ثانياً

مسألة 9: المتنجّس لا يتنجَّس ثانياً ولو بنجاسة أخرى، لكن إذا اختلف حكمهما ترتّب كِلاهما فلو كان لملاقي البول حكم ولملاقي العذرة حكم آخر يجب ترتيبهما معاً، ولذا لو لاقى الثوب دم ثُمَّ لاقاه البول يجب غسله مرَّتين. وإن لم يتنجَّس بالبول بعد تنجسه بالدم، وقلنا بكفاية المرة في الدم. وكذا إذا كان في إناء ماء نجس ثُمَّ ولغ فيه كلب يجب تعفيره وإن لم يتنجَّس بالولوغ. ويحتمل أنَّ للنجاسة مراتب في الشدّة والضعف، وعليه فيكون كل منهما مؤثراً. ولا إشكال(1).

يقع الكلام في هذه الخصوصية وهي ما إذا كانت الوظيفة عند ملاقاة الدم الغسل مرّة والوظيفة عند ملاقاة البول الغسل مرَّتين، ولاقى الثوب الدم أولاً 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 166-167، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ثُمَّ البول. فهل يرتب عليه أخفُّ الوظيفتين، أو أشدُّهما؟

وهنا إن بنينا على أنَّ المتنجّس يتنجَّس مرّة ثانية، فلا إشكال أنَّ مقتضى القاعدة هو ترتيب حكم أشدّ النجاستين؛ لأنَّها تنجست في الحقيقة بنجاستين ومقتضى أحدهما الغسل مرّة ومقتضى الأخرى الغسل مرَّتين. ومعه فلا يتمّ التطهير إلا بالغسل مرَّتين.

وأمَّا بناءً على أنَّ المتنجّس لا ينجَّس مرّة ثانية، فقد يستشكل من إجراء حكم أشدّ النجاستين، بأن يقال: إنَّ الثوب حين لاقى مع البول لم يتنجَّس به فإنَّ المتنجِّس لا يتنجَّس، فلا يشمله حكمه وهو الغسل مرَّتين.

والكلام في تحقيق ذلك يقع في جهتين:

الأولى: في تصوير وتوجيه إجراء حكم أشدّ النجاستين بناء على أنَّ المتنجّس لا يتنجَّس مرّة ثانية.

الثانية: في تحقيق أصل أنَّ المتنجّس هل يتنجَّس مرّة ثانية أو لا.

الجهة الأولى: في إجراء حكم أشدّ النجاستين

أنَّ يفرض الفراغ -مؤقتاً- عن أنَّ المتنجّس لا يتنجَّس مرّة ثانية فهل يمكن إجراء حكم أشدّ النجاستين، أو لا؟ وما يمكن أن يُقال في تقريب ذلك وجهان:

الوجه الأوَّل: التمسُّك بإطلاق روايات الغسل مرَّتين

وهو ما أفاده السيد الأستاذ(1)، وحاصله: التمسُّك بإطلاق روايات 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

(1) اُنظر: فقه الشيعة 3: 348، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الوظيفة الأشدّ، يعني روايات الغسل مرَّتين؛ لأنَّ موضوعها هو ثوب لاقى مع البول وهذا ثوب لاقى مع البول، فيجب غسله مرَّتين، ويحكم بأنَّه لا يطهر إلا بذلك، فكأنَّه يريد أن يقول: إنَّ التمسُّك بهذا الإطلاق غير موقوف على القول بأنَّ المتنجّس يتنجَّس مرّة ثانية أو لا، فإنَّ موضوع الغسل مرَّتين متحقّق وجداناً على كل حال.

إلّا أنَّ هذا ممَّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ خطاب (اغسله) لا إشكال أنَّه خطابٌ إرشاديٌّ، وهو إرشاد إلى أمرين -كما بيَّن السيد الأستاذ مراراً في كلماته-:

أحدهما: أنَّ هذا الشيء قد تنجَّس.

ثانيهما: أنَّ مطهره هو الغسل.

فإن استظهرنا من قوله: (اغسل) الطولية بين المطلبين، أي إنَّ مطهرية الغسل هي في طول النجاسة، وإنَّ المطهِّر هو مطهِّر لهذه النجاسة.

فمن الواضح حينئذٍ أنَّه إذا لم نبنِ على فعليّة المطلب الأوَّل ولو ببرهان أنَّ المتنجّس لا يتنجس، فلا يعقل التمسُّك بإطلاق (اغسله) لإثبات المطلب الثاني.

وأمَّا إذا أخذنا المطلبين بنحو العرضيَّة -وهو على خلاف المتفاهم العرفي- بحيث يكون الجزء الثاني للموضوع هو التطهّر مرَّتين سواء تنجس أو لا. بناءً على ذلك فقد يُدّعى أنَّه بعد أن سقط المطلب الأوَّل على الفرض ولم يمكن إثباته بدليل الملاقاة، بقي المطلب الثاني يمكن إثباته فيجب الغسل مرَّتين.

ــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ولكن حينئذٍ سوف تقع المعارضة بين إطلاق دليل (اغسله مرَّتين)، وإطلاق دليل (اغسله مرّة) -الأوَّل في دليل البول والثاني في دليل الدم- فإنَّنا لو قلنا بالطولية وإنَّ كلّ واحد ناظر إلى التطهير من نجاسته المجعولة في دليله، فلا تعارض.

ولكن إذا بنينا على العرضيَّة وأن كل دليل في مقام بيان المطهّر في نفسه. فتقع المعارضة بينهما بنحو العموم من وجه، فإنَّ أحدهما يقول: (اغسل ما أصابه الدم مرّة)، سواء أصابه البول قبل ذلك، أو لا. والآخر يقول: (اغسل ما أصابه البول مرَّتين)، سواء أصابه دم قبل ذلك، أو لا. فيجتمعان ويتعارضان فيما إذا لاقى الثوب مع الدم، ثُمَّ لاقى مع البول.

وهذه المعارضة وإن لم تكن عرفية ولا صحيحة إلا أنَّ عدم عرفيتها ناشئ من عدم عرفية الطولية بينهما. والعرف لا يشكّ في عدم التعارض؛ لأنَّه لا يشكّ في ثبوت الطولية بينهما وأنّ كل دليل يجعل المطهّر من النجاسة المجعولة في دليله.

وأمَّا إذا لم نقل بالطولية فلا محالة تقع المعارضة إذا تعارضا وتساقطا، فقد يرجع إلى إطلاق فوقاني يكفي فيه الغسل مرّة كعموم: (اغسل من القذر مرّة واحدة)، لو كان مثل هذا العموم موجوداً.

وإذا لم يكن هذا العموم موجوداً فعلى مبنانا من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية(1) نستصحب بقاء النجاسة بعد الغسلة الواحدة وعلى مبنى 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول 6: 127، 129، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الاستصحاب، الفصل الثاني: الأقوال في الاستصحاب، التفصيل بين الشبهات الحكميّة والموضوعيّة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

السيد الأستاذ من عدم جريانه(1) نرجع إلى أصالة البراءة عن الغسلة الثانية، ومعه لا يمكن إثبات الزائد بناءً على مبناه.

الوجه الثاني: استفادة الحكم بالأولويَّة الارتكازيَّة

أن يعترف بعدم شمول الإطلاق اللفظي لقوله: “اغْسِلْهُ مَرَّتَيْن”(2) لمحل الكلام، لكن يُدّعى استفادة حكمه بالأولويَّة الارتكازية والفحوى العرفية من هذا الخطاب، بأن يقال: لو كان هناك ثوبان: ثوب طاهر فلاقى بولاً، وثوب مُتنجِّس بالدم فلاقى بولاً.

ولا إشكال في وجوب غسل الثوب الأوَّل مرَّتين. فلو اكتفينا في الثوب الثاني بالمرة الواحدة، لكان معناه عرفاً أنَّ ملاقاة الدم أوجبت عصمته وخفة 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

() دراسات في علم الأصول 4: 62، مباحث الاستصحاب، الأقوال في حُجِّيّة الاستصحاب، الثالث: التفصيل بين الشبهات الحكميّة والموضوعيّة، مصباح الأصول 3: 38، الكلام في الاستصحاب، ما استدلّ على حُجِّيّة الاستصحاب، الرابع: الأخبار.

() الكافي 3: 55، كتاب الطهارة، باب البول يصيب الثوب والجسد، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 249، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 396، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث 4. وفي الحديث: عن الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الجسد، قال: “صُبَّ عَلَيْهِ المَاءَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّمَا هُوَ مَاءٌ، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الْبَوْلُ، قَالَ: اغْسِلْهُ مَرَّتَيْنِ …”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مطهريته، وهذا على خلاف الارتكاز العرفي.

فإطلاق (اغسله مرَّتين) لم يكن شاملاً له، إلا أنَّه بالفحوى العرفيّة يكون متكفِّلاً لحكمه أيضاً. 

وهذا التقريب أيضاً غير تام. وإن كان له صورة عرفية؛ لأنَّنا فرضنا أنَّ المتنجّس لا يتنجَّس مرّة ثانية، أي فرضنا أنَّ المتنجّس بالدم لا يتنجَّس بالبول أصلاً. فلو التفت العرف إلى ذلك لتقبَّل الفرق بينهما بأن يقال: إنَّ الثوب الأوَّل انفعل بالبول، وأمَّا الثاني فلم ينفعل، وليس الفرق بينهما هو أنَّ الثوب الثاني ملاقٍ للدم فهو أحسن حال من الطاهر.

نعم، نفس النكتة غير عرفية، فتبدو النتيجة غير عرفية. فإنَّ العرف يرى أنَّ المتنجّس يتنجَّس مرّة ثانية.

إذن، فإذا قلنا: إنَّ المتنجّس لا يتنجَّس ثانياً، فلا طريق لإثبات حكم البول على مثل هذا الثوب، الذي لاقى الدم ثُمَّ لاقى البول.

إذن، فترتيب حكم البول على هذا الثوب يتوقف على تنقيح الجهة الثانية، وهي أنَّ المتنجّس هل يتنجَّس مرّة ثانية أو لا. سواء كان المراد من كونه يتنجَّس تعدُّد النجاسة أو اشتدادها. فإنَّه حينئذٍ يمكن التمسُّك بالإطلاق اللفظي لقوله: (اغسل مرَّتين)، فيحكم بوجوبهما في محلِّ الكلام. إذن فلا بُدَّ من صرف عنان الكلام إلى الجهة الثانية.

ــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الجهة الثانية: في أنَّ المتنجّس هل يتنجَّس، أو لا؟

وهنا نسأل أنَّه لماذا لا يتنجَّس المتنجِّس؟ ودعوى أنَّه لا يتنجَّس له أحد ثلاثة تقريبات:

التقريب الأوَّل: اجتماع النجاستين من قبيل اجتماع المِثلَين 

إنَّ معنى تنجس المتنجّس مرّة ثانية اجتماع نجاستين على موضوع واحد، وهو من قبيل اجتماع المِثلَين على موضوع واحد.

وجوابه:

أولاً: أنَّه لو تمّ فإنما يكون في القذارات الحقيقية، التي من قبيل الأعراض، التي قد يُقال باستحالة اجتماعها.

وأمَّا في النجاسات الشرعيَّة الاعتباريَّة التي مرجعها إلى الجعل فلا مانع من أن يجعل قذارتان اعتباريتان، وليسا عرضين ليُطبَّق عليهما مسألة اجتماع المِثلَين.

وثانياً: لو لم نُميِّز بين النجاسة الحقيقة والاعتباريَّة، يقال: إنَّ غاية ما يثبت بهذا التقريب: أنَّ المتنجّس لا يتنجَّس مرّة ثانية بنحو التكرر، ولكنَّه لا ينفي الاشتداد، فلو كان التكرر مستحيلاً فإنَّ الاشتداد ليس فيه استحالة، كما أنَّ الأعراض الخارجيَّة قابلة الاشتداد أيضاً.

والاشتداد معقول في القذارات العرفية الحقيقية، فإنَّ العرف يرى القذارة قابلة للاشتداد ويرى أنَّ اشمئزازه من بعضها أشدَّ من أشمئزازه من البعض 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الآخر. ومعقول في النجاسات الشرعيَّة أيضاً، لأنَّها أمر اعتباري، فإنَّ الاعتبار وإن كان أمراً ساكناً غير قابل للشدة، إلّا أنَّه يمكن أن يتعَّلق الاعتبار بالشديد تارةً وبالضعيف أخرى.

التقريب الثاني: لزوم اللَّغويَّة من تنجُّيس المتنجِّس

أن يقال: إنَّ المتنجّس لا يتنجَّس مرّة أخرى من ناحية اللغوية؛ لأنَّه لو اجتمعت نجاستان لكان إحداهما لغواً، فإنَّه أيُّ فائدة من اجتماع نجاستين؟ مع أنَّ إحداهما كافية.

وهذا الكلام لو تمّ فإنَّه يكون في نجاستين ليس لأحدهما أثر زائد. وأمَّا في محلِّ الكلام: لو تنجس الثوب بالدم ثُمَّ بالبول، فالنجاسة البوليَّة ليست لغواً بلا إشكال لأنَّ لها أثراً زائداً.

التقريب الثالث: المحذور الإثباتي

إبرازٌ لمحذور إثباتيٍّ، وحاصله: أنَّ (اغسل) يتكفَّل مطلبين:

أحدهما: إثبات النجاسة للشيء.

والآخر: جعل الغسل مطهراً له.

حينئذ يُقال: إنَّه عندنا قاعدة تسمى بـ(قاعدة عدم التداخل)، وحاصلها: أنَّه لو جاءت قضيتان شرطيتان وكان الجزاء في كل منهما حكماً تكليفياً كقوله: (إذا ظاهرت فكفِّر) و(إذا أفطرت فكفِّر)، فهل يوجد وجوب واحد، أو وجوبان؟ قالوا: إنَّ ظاهر كُلٍّ من الشرطيتين الحدوث عند الحدوث، إذن فالأفطار يُحدث وجوباً والظِهار يُحدث وجوباً.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ثُمَّ نسأل: هل هذان الوجوبان يكفي فيهما كفّارة واحدة، أو لا؟ وهل هما متعلقان بطبيعي واحد، ويكفي في امتثالهما فرد واحد، أو لا؟ قالوا: إنَّه مادام عندنا وجوبان، فهناك واجبان لاستحالة اجتماع المِثلَين على واحد، فلا بُدَّ أن يكون كلٌّ منهما بحصَّة غير الحصَّة التي يتعلق بها الأخرى.

إذن، فهناك وجوبان وواجبان. وتعدُّد الوجوب هو معنى عدم تداخل الأسباب وتعدُّد الواجب هو معنى عدم تداخل المسبَّبات وقد التزموا بهما معاً(1).

حينئذٍ يقال: إنَّه إن أُريد تطبيق هذه القاعدة في المقام، فيلزم تطبيق كِلا الوجوبين، ففيما لو لاقى الثوب الدم والبول يجب ثلاث غسلات، ولو لاقى الدم مرَّتين يجب غسلتان، وهذا قطعي البطلان بالإجماع، فلا بُدَّ ان لا تطبق هذه القاعدة، وحينئذ فما هو الدليل على النجاسة الثانية، لأنَّها إنَّما كان ثبوتها باعتبار هذه القاعدة.

والجواب: هو أنَّ الصحيح تطبيق هذه القاعدة بنصف مدلول (اغسل) في عدم تطبيقها بنصفها الآخر.

وبعبارة أخرى: تطبيقها بلحاظ الأسباب دون المسبَّبات؛ لأنَّ التطبيق في 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

(1) ورد ذلك -مع المناقشة فيه- في: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 217، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 9، وفي: مستمسك العروة الوثقى 1: 476، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 9؛ حيث نسبه الى الأكثر.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

كل منهما لنكتة مستقلّة. ونكتة تعدُّد الأسباب موجودة في المقام دون نكتة تعدُّد المسبَّبات.

أما نكتة عدم تداخل الأسباب: فهو ظهور القضيَّة الشرطية بالحدوث عند الحدوث، إذن فقد حدث وجوبان لا وجوب واحد.

ونكتة عدم تداخل المسبَّبات: فهو حكم العقل باستحالة اجتماع بعثين وطلبين على موضوع واحد، وفي المقام يتضمن (اغسل) مطلبين:

أحدهما: الحكم بالنجاسة. والآخر: الأمر الإرشاديّ بالغسل للإرشاد إلى مطهريَّته.

فبلحاظ المطلب الأوَّل: الأصل هو عدم التداخل لظهور الشرطيتين بالحدوث عند الحدو، فعند تعدُّد الملاقاة توجد نجاستان ووجوبان للغسل، فهل هذان الوجوبان يتعلقان بغسل واحد، أو غسلين؟

 هنا الأصل هو التداخل؛ لأنَّهما ليسا وجوبين مولويين بعثيين حَتَّى يستحيل اجتماعهما على كل واحد، بل هما إرشاديّان، فنكتة عدم التداخل في المسبَّبات لا تجري.

إذن، فالأصل في المقام هو عدم التداخل في الاسباب والتداخل في المسبَّبات. ومعه فيستفاد من هذا الدليل لزوم ترتيب حكم النجاسة الأشدّ بلا محذور.

ــــــــــ[328]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 



الشكّ في لزوم تعدُّد الغسل

مسألة 10: إذا تنجس الثوب -مثلاً- بالدم ممَّا يكفي فيه غسله مرّة وشكّ في ملاقاته للبول أيضاً، ممَّا يحتاج إلى التعدُّد يكتفي فيه بالمرة ويبني على عدم ملاقاته للبول. وكذا إذا علم نجاسة إناء، وشكّ في أنَّه ولغ فيه الكلب أيضاً، أم لا. لا يجب فيه التعفير ويبنى على عدم تحقّّق الولوغ. نعم، لو علم تنجسه إمَّا بالبول أو الدم أو إمَّا بالولوغ أو بغيره، يجب إجراء حكم الأشدّ من التعدُّد في البول والتعفير في الولوغ(1).

هذه المسألة متفرعة عن السابقة؛ لأنَّها تستبطن الشكّ فيها في ما إذا لاقى الثوب ثُمَّ شكّ أنَّه لاقى البول.

وفرق آخر بينهما: وهو أنَّ ثوباً لاقى نجاسة واحدة لا يدري أنَّها بول أو دم، فهنا فرعان:

الفرع الأوَّل: إذا لاقى الثوب دماً ثُمَّ شكَّ في ملاقاته للبول

إذا لاقى الثوب الدم يقيناً وشكّ أنَّه لاقى البول أو لا. فهل يكتفى في مقام 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 167، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 10.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تطهير الثوب بغسل واحد، أو يحتاج إلى التعدد؟

ذكر السيد الأستاذ(1) أنَّ مقتضى الاستصحاب الجاري في نفس النجاسة هو بقاؤها إلى ما بعد الغسل الأول، لكن يوجد استصحاب حاكم عليه يقتضي الطهارة. فهنا أمران:

الأمر الأوَّل: اقتضاء الاستصحاب الحكميّ في نفسه النجاسة

إنَّ الاستصحاب الحكمي في نفسه يقتضي النجاسة، وقد بُيَّن في توضيح ذلك: أنَّ المقام من موارد القسم الثاني من استصحاب الكُلِّي لأنَّ هذا الثوب نشير إليه قبل أن نغسله بالماء ونقول: هو نجس بلا إشكال، ونجاسته مردَّدة بين نجاسة قصيرة تزول بغسلة واحدة، ونجاسة طويلة لا تزول إلا بغسلتين.

وبعد أن نغسل الثوب مرّة واحدة نقول: إن كانت النجاسة هي الفرد القصير الدمي إذن فقد زال وإن كانت هي الفرد الطويل إذن فهي باقية، إذن فيكون استصحاب الكُلِّي من القسم الثاني جارياً.

تصوير الاستصحاب في المقام حسب المباني

وتصوير الاستصحاب في المقام في كونه من استصحاب الكُلِّي أو الجزئي، والكُلِّي هل هو من القسم الثاني أو الثالث؟ مربوط بالمباني التي تختارها في أنَّ المتنجّس يتنجَّس مرّة ثانية أو لا.

ــــــــــ[330]ــــــــــ

(1) لاحظ: فقه الشيعة 3: 351، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 10.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المبنى الأوَّل: البناء على عدم تنجُّس المتنجّس

أنَّ نبني على أنَّ المتنجّس لا يتنجَّس مرّة ثانية، فإذا لاقى الثوب الدم أولاً، ثُمَّ البول ثانياً، فإنَّه لا يحدث فيه شيء جديد أصلاً. غاية الأمر أنَّ وظيفة المكلف في التطهير تختلف فالمطهِّر من النجاسة الدمِّيَّة قبل ملاقاة البول هو غسلة واحدة، والمطهِّر منها بعد ملاقاته غسلتان.

وهذا هو الذي نقلناه عن السيد الأستاذ(1) أنَّه تمسّك بإطلاق (اغسله مرَّتين) حَتَّى بناء على القول بأنَّ المتنجِّس لا يتنجَّس مرّةً أخرى.

بناءً على ذلك يكون استصحابا النجاسة استصحاباً شخصياً، وليس كلياً أصلاً؛ لأنَّ المفروض: أنَّ النجاسة التي نشأت من الدم باقية بشخصها حَتَّى بعد ملاقاة البول، فنشير إلى تلك النجاسة ونقول إنَّه غير مقطوع الارتفاع فنستصحبه.

المبنى الثاني: البناء على تنجُّس المتنجِّس اشتداداً

أن نقول: إنَّ المتنجّس يتنجَّس مرّة أخرى بمعنى الاشتداد لا بمعنى زوال وحدوث نجاسة، وإنَّما النجاسة تكتسب شدة مع انحفاظ ماهيتها.

وبناءً عليه يكون الاستصحاب شخصياً؛ لأنَّنا نشير إلى ذات تلك النجاسة التي كانت موجودة عند ملاقاة الثوب للدم، ونقول: إن كانت قد اشتدَّت بالبول فهي باقية، وإلا فهي مرتفعة. 

ــــــــــ[331]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 220، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 10.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المبنى الثالث: البناء على تنجُّس المتنجِّس تعدُّداً

أن نقول إنَّ المتنجّس يتنجَّس بمعنى أنَّه تحدث فيه نجاسة جديدة، ونبني على أنَّ النجاسات الاعتباريَّة يمكن أن تتعدَّد وتجتمع في شيء واحد، وليس بينهما تنافٍ أصلاً.

بناءً عليه يصير المقام من قبيل استصحاب القسم الثالث من الكُلِّي؛ لأنَّ مرجع الفرع حينئذ إلى أنَّ هذا الثوب لاقى الدم أوَّلاً، فوجدت فيه نجاسة دميَّة، ويحتمل أنَّه بعد ذلك لاقى البول.

وعلى هذا التقدير فقد حصلت نجاسة أخرى، منضمَّة إليها لا بدلاً عنها، فيصير المقام من موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، وتكون إحدى النجاستين متيقَّنة الحدوث، ونشكّ في نجاسة زائدة عليها.

فإذا غسلنا مرّة واحدة فنعلم أنَّ الأقلّ قد ارتفع، لكن الزائد المشكوك فيه على تقدير وجوده نحتمل بقاءه، فهنا لا معنى لإجراء استصحاب الشخص؛ لأنَّ الاقلّ نعلم بارتفاعه، والأكثر مشكوك الحدوث. بل يجري استصحاب القسم الثالث من الكلي، حيث يقال: إنَّ كلي النجاسة كان معلوم الحدوث في الفرد الأقلّ، ويحتمل بقاؤه في ضمن الأكثر، فيُستصحب.

المبنى الرابع: البناء على تنجُّس المتنجِّس مع التنافي في النجاسات

أنَّ المتنجّس ينجّس مرّة ثانية، وتحدث فيه نجاسة جديدة، لكن نبني على التنافي بين النجاسات، فالنجاسة التي تحدث تُزيل النجاسة التي قبلها، فيتحوّل المُلاقي إلى النجاسة الجديدة.

ــــــــــ[332]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بناءً على ذلك يكون الاستصحاب من القسم الثاني من الكُلِّي؛ لأنَّنا نشير إلى الثوب قبل غسله، ونقول: إنَّه إمَّا نجس بنجاسة دميّة، أو نجس بنجاسة بوليَّة؛ لأنَّه إن لم يلاقِ البول فنجاسته دميَّة، وإن لاقاه فنجاسته بوليَّة، وبعد الغسل مرّة واحدة إن كانت نجاسة دميَّة قد ارتفعت، وإن كانت بوليَّة فهي باقية.

وهذا معناه العلم الإجمالي بين المتباينين، لا بين الأقلّ والأكثر. وهذا شأن استصحاب القسم الثاني من الكُلِّي، فإنَّه بعد الغسل نقول: إن كان الجامع موجوداً ضمن النجاسة الدمّيَّة فهي زائلة، وإن كانت ضمن النجاسة البوليَّة فهي باقية.

فاتضح أنَّ تصوير السيد الأستاذ يتمّ على المبنى الرابع دون سوابقه.

الأمر الثاني: في كون استصحاب الفرد حاكماً على استصحاب الكُلِّيّ

الأمر الثاني الذي أفاده: أنَّه بعد أن ذكر أنَّ استصحاب الكُلِّي من القسم الثاني يكون جارياً في نفسه،(1) قال: (إنَّ عليه حاكماً).

وذكر في توضيحه: أنَّه في القسم الثاني من استصحاب الكُلِّي، يختلف الحال على صورتين:

الصورة الأولى: أن يفرض أنَّ هذا الكُلِّي من أوَّل الامر لا نعلم أنَّه حدث في الفرد الطويل أو القصير، وليس له حالة سابقة في أحدهما.

ــــــــــ[333]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 220، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 10.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الصورة الثانية: أن يفرض أنَّ الكُلِّي حدث في ضمن الفرد القصير ابتداء، ولكن طرأ طارئ بحيث احتمل تحول الفرد القصير إلى الطويل. ومحلّ الكلام من قبيل الثاني؛ لأنَّه حدثت النجاسة أولاً، ضمن الفرد القصير وهو النجاسة الدمّيَّة، ونحتمل تحوله إلى الفرد الطويل وهو النجاسة البولية.

حينئذ يقول: إنَّه في الصورة الأولى يجري استصحاب الكُلِّي، ولا حاكم عليه، لتردُّد الأمر من أوَّل الأمر بين البقّ والفيل، وليس له حالة سابقة. 

وأمَّا في الصورة الثانية، فهنا يجري استصحاب الفرد القصير بحدّه، إذ نستصحب النجاسة الدمّيَّة بحدّها، ويكون هذا الاستصحاب حاكماً على استصحاب القسم الثاني من الكلّيّ. فكأنَّه يفصل بين استصحاب القسم الثاني من الكُلِّي، إذا كان هناك استصحاب منقِح لحال الفرد، وبين ما إذا لم يكن مثل ذلك.

التحقيق في المقام

وهذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه لأنَّ الامر وإن كان كما أُفيد من حيث إنَّ التردُّد ليس من أوَّل الأمر بل في مرحلة البقاء، لكنَّنا لا نفصل بين ما إذا كان الفرد مردداً من أوَّل الأمر أو مردداً في مرحلة البقاء. فإنَّه على كل حال يجري استصحاب الكُلِّي ولا يكون استصحاب الفرد حاكماً عليه.

والنكتة في ذلك: هو أنَّ انتفاء الكُلِّي بانتفاء الفرد القصير بحده لازم عقلي وليس لازماً شرعياً، فإنَّ انتفاء النجاسة الدمّيَّة يلازم عقلاً انتفاء الجامع، فإنَّ العقل يحكم بأنَّه لو تحقّق الجامع في الفرد القصير فإنَّه يزول في زمان قصير. 

ــــــــــ[334]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فاستصحاب الفرد القصير ليس من آثاره الشرعيَّة زوال الكُلِّي بل من آثاره العقلية. إذن فمجرد هذا الكلام لا يكفي بل لا بُدَّ أن نضمّ إليه عنايات أخرى كما يأتي.

عرفنا أنَّ الاستصحاب يختلف حاله باختلاف المباني، فتارةً يكون شخصياً وأخرى يكون كلياً من القسم الثالث وثالثة يكون كلياً من القسم الثاني: والآن نتناول الاستصحابات الثلاثة لنرى أنَّه هل يجري، أو لا؟ فهنا بهذا اللحاظ ثلاثة مقامات:

1- البناء على الاستصحاب الشخصي

أمّا الاستصحاب الشخصي، لو بنينا على المبنى الأوَّل -مثلاً- كما أنّ جريان الاستصحاب في نفسه لا ينبغي الإشكال فيه، كذلك لا ينبغي الإشكال في وجود الاستصحاب الحاكم عليه؛ لأنَّنا فرضنا أنَّ النجاسة الدمّيَّة المحفوظة بذاتها وحدها قبل ملاقاة البول وبعده، موضوع لحكمين شرعيين:

أحدهما: ارتفاع النجاسة بغسلة واحدة، وموضوعه مركَّب من أمرين: (نجاسة دمّيَّة) و(أن لا يلاقي بولاً).

والآخر: ارتفاع النجاسة بغسلتين وموضوعها مركَّب من أمرين: (نجاسة دمّيَّة) و(أن يلاقي البول). وباستصحاب عدم ملاقاة البول ننقِّح موضوع الحكم الاول، فيثبت أحد الجزأين بالوجدان والآخر بالاستصحاب، فيثبت أنَّ النجاسة قد ارتفعت بالغسل الواحد. وهذا أصل موضوعي حاكم على استصحاب النجاسة، لأنَّه يلغي الشكّ في النجاسة.

ــــــــــ[335]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

2- البناء على الاستصحاب الكُلِّيّ من القسم الثالث

أما لو بنينا على أنَّ استصحاب النجاسة في المقام هو من قبيل استصحاب القسم الثالث من الكلي، كما لو بنينا على المبنى الثالث من المباني السابقة، فإشكاله هو أنَّه في نفسه لا يجري، وليس فيه نكتة فقهية زائدة.

3- البناء على الاستصحاب الكُلِّيّ من القسم الثاني

وأمَّا لو بنينا على أنَّه من قبيل القسم الثاني من استصحاب الكلي، فيما لو بنينا على المبنى الرابع، فهنا نتكلّم في جهتين:

أحدهما: في تمامية أركانه في نفسه.

والأخرى: في وجود الاستصحاب الحاكم عليه. 

الجهة الأولى: في تمامية أركان الاستصحاب في نفسه

والكلام في أنَّ استصحاب النجاسة في المقام، هل ينطبق على قاعدة استصحاب الكُلِّي من القسم الثالث، أو لا؟

فيه إشكال يتوقف على إيضاح مقدّمة، وحاصلها: أنَّ الأثر المطلوب قد يكون مترتِّباً على الكُلِّي بنحو (صرف الوجود)، بشكل لا يسري إلى الأفراد ولا يتعدَّد بتعدُّدِها. وقد يكون الأثر مترتِّباً على الكُلِّي بنحو (مطلق الوجود)، بحيث يكون سارياً إلى الأفراد، ويكون الأثر أثراً للأفراد، ومتعدِّداً بتعدُّد الأفراد.

فإذا كان الأثر أثراً لـ(صرف الوجود) يجري استصحاب القسم الثاني من 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الكلي، كاستصحاب طبيعي الإنسان في المسجد.

ولا يُقال: ماذا نستصحب مع أنَّ أحدهما معلوم الموت والآخر معلوم الحياة؟

فإنَّه يقال: إنَّنا نستصحب الكُلِّي الطبيعي الجامع بين الفردين، لا هذا الفرد بخصوصه ولا ذاك؛ لأنَّ الحكم الشرعي مترتِّب على الجامع لا على الأفراد.

وأمَّا إذا كان الأثر مترتِّباً على (مطلق الوجود)، بحيث يسري إلى الأفراد، فلا يجري استصحاب الكُلِّي؛ لأنَّ موضوع الأثر هو الأفراد لا الكُلِّي بنحو (صرف الوجود)، بل الحصص، والحصص في المقام لا يمكن أن يجري فيها الاستصحاب؛ لأنَّ إحداهما متيقَّن البقاء، والآخر مشكوك الحدوث، والجامع بينها ليس موضوعاً للحكم الشرعي، وإنَّما جُعل مورداً للحكم باعتبار مرآتيته عن الأفراد.

ففي محلِّ الكلام لو علمنا بالجامع بين نجاستين: (دمّيَّة) و(بوليّة)، قصيرة وطويلة، فهل يجري استصحاب جامع النجاسة، أو لا؟

لا بُدَّ وأن نرى أنَّ آثارها الشرعيَّة هل تترتَّب على (صرف الوجود) أو على (مطلق الوجود)؟ فالمانعيَّة للثوب المتنجّس مثلاً إن كانت تترتَّب على صرف الوجود فلا بأس بإجراء استصحاب جامع النجاسة؛ لأنَّ الأثر أثر للجامع.

وأمَّا إذا كانت تترتَّب على مطلق الوجود للنجاسة، بمعنى أنَّه كُلَّما وجدت نجاسة وجدت مانعيته، وإذا وجدت نجاستان وجدت مانعيتان، فيكون الأثر 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

سارياً إلى الأفراد فلا يكون الاستصحاب جارياً؛ لأنَّ الحصص لا يمكن استصحابها لمعلومية حالها، والجامع لا يمكن استصحابه لعدم ترتّب الأثر عليه.

ومعه فاستصحاب القسم الثاني من الكُلِّي في امثال المقام في نفسه لا يجري.

الجهة الثانية: في وجود الاستصحاب الحاكم عليه

إنَّه لو فرض جريانه في نفسه، فهل يوجد حاكم عليه، أو لا؟ كما لو فرضنا أنَّ الأثر كان مترتباً على صرف وجود النجاسة، فهل يكون هناك أصل حاكم عليه، أو لا؟ الصحيح أنَّه يوجد ذلك وتصويره يكون بأحد تقريبين: 

أحدهما: على مبنى أصولي، والآخر: على مبنى فقهي.

التقريب الأوَّل: مبنيٌّ على جريان الاستصحاب التعليقيّ

بأن يقال: إنَّه لو غسلناه قبل ساعة بالماء مرّة واحدة -أي قبل زمان احتمال ملاقاة البول- لطهر. فنستصحب هذه القضيَّة التعليقية وقد غسلناه بالماء إذن فهو طاهر، بناء على جريان الاستصحاب التعليقي وعلى حكومته على التنجيزيّ كما ذهب إليه جملة من الأكابر كالمحقِّق الخراساني ووافقنا عليه في الجملة(1).

ــــــــــ[338]ــــــــــ

(1) راجع: كفاية الأصول: 411، 412، المقصد السابع: في الأصول العمليّة، فصلٌ: في الاستصحاب، التنبيه الخامس: في الاستصحاب التعليقي. ولاحظ أيضاً: بحوث في علم الأصول 6: 280، 290، مبحث الاستصحاب، الفصل الرابع: في التطبيقات، الخامس: الاستصحاب التعليقي، المقام الثاني.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

نعم، لا يتمّ بناء على مبنى مدرسة المحقِّق النائيني الذي ينكر الاستصحابات التعليقية(1).

التقريب الثاني مبنيٌّ على الحكم بارتفاع طبيعيِّ النجاسة 

واستصحاب عدم الفرد الطويل لا يكون حاكماً على استصحاب الكلي، فإنَّ ترتُّب انتفاء الجامع على عدم الفرد الطويل يكون ترتُّباً عقلياً. نعم، إذا كان وجود الكُلِّي وعدمه من المجعولات الشرعيَّة وكان قد رتَّب -في لسان الدليل- ذاك الكُلِّي على موضوع، وكان بالإمكان إثبات ذاك الموضوع بالاستصحاب، فهذا الاستصحاب يكون حاكماً على استصحاب الكلي، باعتبار تقدُّم الاستصحاب الموضوعي على الاستصحاب الحكمي(2)، وهذا ينطبق على محلّ الكلام.

توضيح ذلك: أنَّه عندنا دليل: (إذا لاقى ثوبك مع الدم فاغسله مرّةً واحدة)، فما هو الحكم الشرعي في هذا الدليل؟ فيه احتمالان: 

الاحتمال الأوَّل: هو الحكم بارتفاع شخص هذه النجاسة الدمّيَّة لارتفاع كلي النجاسة.

الاحتمال الثاني: أن يكون مفاده هو الحكم بارتفاع طبيعي النجاسة عن 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

() راجع: فوائد الأصول 4: 458، الاستصحاب، التنبيه السادس: الاستصحاب التعليقي، مصباح الأصول 3: 135، الكلام في الاستصحاب، التنبيه السادس: في الاستصحاب التعليقي.

(2) هذا هو التقريب الثاني على المظنون، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الثوب. بتقريب: أنَّ (اغسل) يكون بمعنى نظّف، فـ(اغسل) ليس معناه أزل النجاسة حَتَّى يُتصوَّر إزالات متعدِّدة لنجاسات متعدِّدة، وإنَّما معناه النظافة والطهارة، وحيث إنَّ الطهارة تكون في مقابل طبيعيِّ النجاسة، لا في مقابل حصَّة دون حصَّة، ولهذا يكون مفاد الدليل انتفاء طبيعي النجاسة بالغسل الواحد عند الملاقاة مع الدم.

أما بناءً على الاحتمال الأوَّل: فلا يمكن تتميم الحكومة؛ لأنَّ الحكم ليس هو ارتفاع الطبيعي الكلي.

وأمَّا بناءً على الاحتمال الثاني: فيكون هناك حكم بارتفاع طبيعي النجاسة ويكون موضوعه الثوب الذي لاقى مع الدم ولم يلاق البول -مركَّباً من جزأين، باعتبار أنَّ المُلاقي للبول خارج بالتخصيص- والجزء الأوَّل يكون محرزاً بالوجدان والثاني يكون محرزاً بالاستصحاب. وبذلك يرتفع كُلِّي النجاسة وهذا الاستصحاب مقدَّم على استصحاب كُلِّي النجاسة.

الفرع الثاني: إذا لاقى الثوب نجاسة لا يُعلم كونها دماً أو بولاً

من هذه المسألة هو ما إذا كان من أوَّل الأمر لاقى الثوب مع قطرة نجس، ولم نعرف أنَّه دم أو بول، فهل يكفي الغسل مرّة واحدة أو يحتاج إلى التعدُّد.

حكم السيد الماتن بوجوب التعدُّد بينما حكم في الفرع السابق بكفاية المرَّة الواحدة.

وتوضيح ذلك: أنَّ تمامية تلك الحكومة هنا يحتاج إلى مؤونتين زائدتين.

المؤونة الأولى: مؤونة فقهية، وهي: أنَّ دليل: (إذا لاقى مع الدم فاغسله 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مرّة واحدة)، لا ينفعنا في المقام، باعتبار أنَّ الملاقاة مع الدم غير محرز بالوجدان، فنحتاج إلى دليل فوقاني يحكم بأنَّ المُلاقي مع القذر يغسل مرّة واحدة، فيقال: إنَّ موضوع ارتفاع القذارة مركَّب من جزأين:

الأوَّل: الملاقاة مع القذر.

الثاني: لم يكن القذر بولاً -باعتبار التخصيص-.

والأول يمكن أن يُحرز بالوجدان.

المؤونة الثانية: هي أن يقبل استصحاب العدم الأزلي حَتَّى يمكن في المقام إجراء استصحاب: أنَّ الملاقاة لم تكن مع البول، وبتعبير آخر: استصحاب أنَّ هذا القذر لا يكون بولاً.

وإذا تمّت كِلتا المؤونتين فيمكن تتميم الحكومة في هذا الفرع أيضاً، ولا يمكن إجراء استصحاب عدم الملاقاة مع البول، فإنَّ هذا ليس موضوعاً للحكم الشرعي، فإنَّ الدليل المُخصّص الذي يقول: (إن لاقى ثوبك البول فاغسله مرَّتين)، مرجعه إلى أنَّ الثوب الذي لاقى مع القذر، وكان القذر بولاً فاغسله مرَّتين، فيكون استصحاب الجزء الثاني مثبتاً(1).

ــــــــــ[341]ــــــــــ

() أقول: كما أنَّ استصحاب العدم الأزلي للملاقاة مع البول لا تعارض استصحاب العدم الأزلي للملاقاة مع الدم، فإنَّه لا أثر له. بعد العلم إجمالاً بوجود إحدى النجاستين المستلزم للعلم تفصيلاً بوجوب الغسلة الواحدة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 

الفصل الرابع

 في تنجيس المتنجّس

  • الجهة الأولى: في أنّ المائع المُتنجِّس يُنجِّس
  • الجهة الثانية: في أنَّ المائع ينفعل بملاقاة المُتنجِّس
  • الحاجة إلى استئناف بحثٍ جديدٍ في جهتين أُخريين
  • الجهة الثالثة: هل المُتنجِّس الأوَّل الجامد يُنجِّس؟
  • الجهة الرابعة: هل المُتنجِّس الثاني الجامد يُنجِّس؟
  • في حكم تطهير ملاقي المُتنجِّس
  • الكلام في مسألتين

 

ــــــــــ[343]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفصل الرابع                                                                                                 في تنجيس المتنجّس 

 

مسألة 11: الأقوى أنّ المتنجّس منجِّسٌ كالنجس، لكن لا يجري عليه جميع أحكام النجس؛ فإذا تنجّس الإِناء بالوُلوغ يجب تعفيره، لكن إذا تنجّس إناءٌ آخر بملاقاة هذا الإناء أو صُبّ ماءُ الولوغ في إناء آخر لا يجب فيه التعفير، وإن كان الأحوط، خصوصاً في الفرض الثاني. 

وكذا، إذا تنجّس الثوب بالبول وجب تعدّد الغسل، لكن إذا تنجّس ثوبٌ آخر بملاقاة هذا الثوب لا يجب فيه التعدّد(1)

والكلام في تنجيس المُتنجِّس يقع في جهات:

الجهة الأولى: في أنّ المائع المُتنجِّس يُنجِّس

أشرنا سابقاً إلى أنَّ هذا وإن كان داخلاً في موضوع المسألة، إلّا أنَّه خارج فيما نعلم عن موضوع النزاع، وسيأتي ذلك عند استعراض كلمات علمائنا وأنَّه ممَّا لم يُشكَّك فيه.

ــــــــــ[345]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 167-169، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وأمَّا من حيث الروايات، فهناك روايات عديدة دلَّت على تنجيس المائع المتنجس.

الرواية الأولى: ما ورد في غسل الأواني

منها روايات غسل الأواني التي ولغ فيها كلب أو خنزير، فأمر الإمام بغسل الآنية، والأمر بالغسل يدلّ على نجاسة المغسول بتقريبات سابقة. 

إذن فالآنية قد تنجَّست، مع أنَّه لم يفرض فيها ملاقاة الكلب أو الخنزير للآنية نفسها، فهذا يقتضي أن يكون الحكم بالنجاسة مستنداً إلى المقدار المفروض في الرواية، وهي تنجُّس الماء بالكلب وتنجُّس الآنية بالماء. 

إذن فيدخل دلالتها على تنجُّس الماء فيما هو المطلوب في مسألتنا هذه، وقد وردت هذه الروايات العديدة في باب الأسآر من كتاب (الوسائل):

كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الكلب يشرب من الإناء، قال: اغْسِلِ الْإِنَاء”(1).

وهي لا بأس بها لإثبات المطلوب، ولكنَّها مختصَّةٌ بخصوص المائع المُلاقي لعين النجس، ولا تشمل المائع المتنجّس بغير عين النجس.

أمّا بناءً على القول بانفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، فيمكن أن نفرض 

ــــــــــ[346]ــــــــــ

() باب 1، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 27، الاستبصار 1: 19، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث 1، وسائل الشيعة 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الأسآر، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ماء متنجّساً بملاقاة المتنجس(1).

وأمَّا على مبنانا من عدم انفعاله(2)، فنفرض ماء مضافاً متنجّساً بملاقاة المتنجّس -لما سوف يأتي من قبول ذلك- ولا تكون هذه الرواية شاملة لأي من هذين الموردين. 

وبتعبير آخر: أنَّه لا يمكن التعدِّي من الماء المتنجّس بالعين إلى الماء المتنجّس بغيره؛ لأنَّنا إنَّما نقبل التعدِّي في النجاسات العرضيَّة كالتعدِّي من الميتة إلى الدم مثلاً.

وأمَّا التعدِّي في النجاسات الطولية، وإلغاء الخصوصية فيها فغير ممكن، لقيام الارتكاز العرفيّ على أنَّ النجاسة تضعف بتعدُّد مراتبها والبُعد عن منبعها، ولعلّ ما يتوفَّر في القريب لا يتوفَّر في البعيد. ومعه فلا يمكن أن نتعدّى من مُلاقي العين إلى مُلاقي المتنجّس.

ــــــــــ[347]ــــــــــ

(1) لاحظ: مفتاح الكرامة 1: 304، كتاب الطهارة، المقصد الثاني: في المياه، الفصل الأوَّل: في المطلق، القسم الثاني: في الماء الكرّ، الماء القليل، كشف الغطاء 2: 375، كتاب الصلاة، المبحث السادس: في شرائطها، الأوَّل: الطهارة، المطلب الثالث: في المطهّرات، القسم الثاني: الماء القليل، جواهر الكلام 1: 105، كتاب الطهارة، الركن الأوَّل: في المياه، الطرف الأوَّل: في الماء المطلق، في الماء المحقون.

(2) لاحظ: بحوث في شرح العروة الوثقى 1: 392، كتاب الطهارة، فصلٌ: في المياه، الكلام في انفعال الماء القليل، التفصيل بين النجس والمتنجّس.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الرواية الثانية: موثَّقة عمَّار الساباطي

 إنَّه سأل أبو عبد الله: “عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ في ذلك الإناء مراراً أو اغتسل منه وغسل ثيابه وكانت الفأرة متسلخة. فقال: إِنْ كَانَ رَآهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا رَآهَا فِي الْإِنَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَ يَغْسِلَ كُلَّ مَا أَصَابَهُ ذَلِكَ المَاء…”،(1) الحديث.

محلُّ الشاهد: العبارة الأخيرة، والأمر بالغسل ظاهرٌ بنجاسة المغسول، فلا بُدَّ وأن يحكم بنجاسة الثوب وكل ما أصابه ذلك الماء، فيثبت أنَّ المائع المتنجّس ينجس.

وهذه الرواية تامّة سنداً ودلالةً، إلّا أنَّ موردها هو الماء المتنجّس بعين النجس، ولا يمكن التعدِّي منه إلى الماء المتنجّس بغير عين النجس لأنَّه تعدٍ طولي لا عرضي.

الرواية الثالثة: رواية العيص بن القاسم

قال: “سألته عن رجلٍ أصابته قطرةٌ من طشت فيه وضوء؟ فقال: إِنْ كَانَ مِنْ بَوْلٍ أَوْ (قَذرٍ) فَيَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ”(2).

ــــــــــ[348]ــــــــــ

() أبواب المياه، باب 4، (المقرر). من لا يحضره الفقيه 1: 20، باب المياه طهرها ونجاستها، الحديث 26، تهذيب الأحكام 1: 418، كتاب الطهارة، الباب 21، الحديث 41، الاستبصار 1: 32، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث 7، وسائل الشيعة 1: 142، كتاب الطهارة، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

(2) المعتبر 1: 90، كتاب الطهارة، في ماء الاستنجاء، وسائل الشيعة 1: 215، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الحديث 14.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

يفرض السائل طشتاً فيه غسالة، وقد أصابته قطرة منه فيأمر بغسله، فيدلّ على نجاسة بدنه من تلك القطرة، والقطرة مائع متنجّس، فيثبت أنَّ المائع يكون منجّساً، وهي تامّةٌ دلالةً. 

أمّا من حيث إطلاقها فلا بُدَّ من ملاحظة كلمة (قذر)، فإن كان المراد بها المعنى الوصفيّ، يعني (شيءٌ قذر)، فلا بأس من التمسُّك بإطلاقها، ويكون لها بذلك مزيّةٌ على الروايات السابقة، فإنَّه يصدق على المتنجّس من الماء المتنجّس أنَّه قذر نجس.

وإن كان بالمعنى المصدريّ، أي عين القذارة، فينصرف إلى عين النجس؛ لأنَّه بما أنَّه نجاسة أصلية فيرى أنَّه عين القذارة، وغير متقذر من غيره.

ومعه فلا يكون فيه إطلاقٌ يقتضي تنجُّس الماء المتنجّس بغير عين القذارة، بل قد يدلّ بمفهومه على العكس، بأن يقال: إن لم يكن تنجس من عين القذارة فلا بأس، حَتَّى لو كان ملاقياً للمتنجِّس. 

إلّا أنَّ الإجمال والتردُّد بين المعنى الوصفيّ والمصدريّ كافٍ في سقوطها، فيصير حالها حال الرواية السابقة.

وأمَّا سندها فساقط، فإنَّ الشهيد ذكرها في الذكرى(1) منسوبةٌ إلى العيص، فلا يمكن التعويل عليها.

ــــــــــ[349]ــــــــــ

(1) اُنظر: ذكرى الشيعة 1: 83، كتاب الصلاة، الباب الأوَّل: الطهارة، الفصل الأوَّل: في المستعمل الاختياري، الفرع الثالث: لو طارت الذبابة على النجاسة.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الرواية الرابعة: رواية المُعلَّى بن خنيس

قال: “سألت أبا عبد الله عن الخنزير يخرج من الماء فيمرّ على الطريق فيسيل منه الماء أمرّ عليه حافياً. فقال: أَلَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْ‏ءٌ جَافٌّ؟، قلت بلى: قال: فَلَا بَأْسَ، إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً”(1).

لا إشكال في ظهورها بأنَّ هذا الرجل سوف تتنجَّس رجله، ولذا فتّش له الإمام عن المطهِّر وهو الأرض. أمَّا أنَّ رجله بأيّ شيءٍ متنجسة؟ فهو منوطٌ بمرجع الضمير في قوله: “أمُر عليه“، هل يرجع إلى الماء، أو إلى الطريق؟

إن كان مرجع الضمير هو الماء فتكون الرواية واردة ابتداءً في مورد الكلام من تنجيس الماء المتنجس.

وإن فرض عوده إلى الطريق:

فتارةً: يتصور أنَّ الماء يكون موجوداً بوصفه ماء.

وأخرى: يفرض أنَّ الأرض امتصته فصار رطوبة، وقد مرّ على أرضٍ مرطوبة، لا على الماء الذي سال من الخنزير.

وحيث إنَّ نجاسة رجل هذا الرجل ليس عليها إطلاق لفظي في المقام لنتمسك به، وإنَّما استفدناها بنكتة أنَّ الإمام فتّش له عن مطهِّرٍ. فلا يمكن التمسُّك بإطلاقها لغير الماء المتنجّس بعين النجاسة.

ــــــــــ[350]ــــــــــ

() باب 32 من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 39، كتاب الطهارة، باب الرجل يطأ على العذرة أو غيرها من القذر، الحديث 5، وسائل الشيعة 3: 458، كتاب الطهارة، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وعلى فرض استظهار النجاسة على الإطلاق، فلا إشكال أنَّ القدر المُتيقَّن منها هو فرض وجود الماء عليه، الماء المتنجّس ينجس إمَّا بنفسه أو بالمكان الذي لاقاه، فالرواية على كِلا التقديرين دالَّة على المطلوب.

إلّا أنَّ فيها أمرين:

الأمر الأوّل: المناقشة السابقة في دلالتها وهي اختصاصها بخصوص الماء المتنجّس بعين النجس.

الأمر الثاني: أنَّ سندها مخدوشٌ بالمُعلَّى بن خنيس(1)؛ فإنَّه لم تثبت عندنا وثاقته.

الرواية الخامسة: روايات بلِّ القصب بالماء القذر

روايات بَلِّ القصب بالماء القذر الموجودة في الباب الثلاثين، من أبواب النجاسات، كموثَّقة عمَّار الساباطي، قال: “سألت أبا عبد الله عن الباريّة يُبلُّ قصبها بماءٍ قذر، هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال: إِذَا جَفَّتْ فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا”(2).

ــــــــــ[351]ــــــــــ

(1) اُنظر: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 417 باب الميم، الرقم 1114، رجال ابن داود: 516، باب الميم، الرقم 490، خلاصة الأقوال (العلّامة الحلّي): 259، الفصل 22، الباب 5، معلّى، الرقم 1، معجم رجال الحديث 19: 257، باب الميم، الرقم 12524.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 1: 245، أبواب الصلاة، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها، الحديث 737، تهذيب الأحكام 2: 370، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 71، وسائل الشيعة 3: 454، كتاب الطهارة، الباب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وفيها دلالة بالمفهوم على أنَّه إذا لم يكن هناك يبوسةٌ وكانت الباريّة مرطوبة فلا يمكن الصلاة عليها. وهذا الحكم يمكن أن يكون بلحاظ إحدى جهتين:

الجهة الأولى: يحتمل أن يكون النظر سؤالاً وجواباً إلى مسألة السجود عليها؛ فإنَّه لم يكن المتعارف السجود على شيءٍ يحمله المكلف كالتربة، فيكون النهي باعتبار اشتراط مسجد الجبهة.

الجهة الثانية: أنَّ الجهة المنظورة هي طهارة مكان المصلِّي، وأمَّا محلُّ سجوده فيحتاج إلى عنايةٍ زائدةٍ، فإنَّه قال: “يصلِّي عليها“، ولم يقل: يسجد عليها.

فإن بُني على الاحتمال الأوّل، فهي تدلّ على أنَّ المُلاقي للمائع القذر نجس؛ لأنَّه بمفهومها يقول: (لا يجوز جعلها مسجداً إذا كانت رطبة)، وحينئذٍ لا بُدَّ أن نُعمل عناية، ونقول: إنَّ الباريّة حين لاقت الماء القذر تنجست به، وقد فصّل الإمام بين حال الرطوبة وحال اليبوسة. وحينئذٍ فلا بُدَّ من تقييد اليبوسة باليبوسة بالشمس؛ لأنَّ اليبوسة بغيرها لا تكون مطهرّة، ومعه تكون دالَّة على المطلوب.

وأمَّا بناءً على الاحتمال الثاني وهو: كون الجهة المنظورة هو مكان المصلي، فمكان المصلي لا يشترط فيه الطهارة، وإنَّما لا بُدَّ من طهارته خوفاً من تنجُّس بدنه وثيابه. فتكون الرواية دالَّة على أنَّ الباريّة متنجِّسةٌ وأنّ الثياب تتنجَّس، وهو أزيد من المطلوب، وسنتعرّض له في جهة آتية إن شاء الله.

وفي هذه الرواية امتيازات عن سوابقها، وهو: أنَّها فيها إطلاق؛ لأنَّه بعد حمل (القذر) على المعنى الشرعي، يكون شاملاً لكلِّ ماء قذر، سواء تنجَّس 

ــــــــــ[352]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بعين النجاسة أو بغيرها، لو قلنا بوجوده في العالم. 

وإذا ثبت هذا في الماء يثبت في غيره من السوائل أيضاً لعدم احتمال الفرق بينه وبينها، كالنفط وماء الرمان مثلاً.

إلّا أنَّ هذا الكلام واضحٌ بناءً على أنَّه يوجد عندنا قسمان من الماء القذر: 

قسمٌ: مُتنجِّس بعين النجاسة.

وقسمٌ: مُتنجِّس بالمتنجِّس، بناءً على انفعال الماء القليل بالمتنجِّس. 

حينئذٍ تشمل الرواية كِلا القسمين وتدل بالالتزام على ثبوت الحكم لغيره من السوائل فيتمّ المطلوب.

وأمَّا بناءً على المختار من أنَّ الماء القليل لا يتنجَّس بالمتنجِّس أصلاً -نعم، غيره من المائعات ينفعل بالمتنجس- فهذه الرواية تدلّ على أنَّ القصب ينجس بالماء القذر، وهو ليس له مصداقٌ في الخارج، إلّا الماء المُلاقي لعين النجس، ولا يكون شاملاً للماء المُلاقي للماء المُلاقي للمتنجّس.

ومعه لا يمكن أن نثبت أنَّ السائل الآخر المُلاقي للمتنجس يكون متنجِّساً أو منجِّساً، إلّا أن يُستظهَر من سياق الرواية أنَّ الميزان في تنجيس الماء القذر كونه قذراً، بقطع النظر عن منشأ قذارته، بحسب ارتكاز السائل المُمضى من قبل الإمام، فيكون للرواية ظهورٌ في أنَّ المائع متى ما صدق عليه أنَّه قذرٌ يكون منجّساً.

هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.

ــــــــــ[353]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 



الجهة الثانية: في أنَّ المائع ينفعل بملاقاة المُتنجِّس

 

وهي في أنَّ المائع هل ينجس بالمتنجس، أو لا؟ وهذه عكس الجهة الأولى، إذ كُنّا هناك نفرض ماء متنجّساً يلاقي شيئاً طاهراً، وأمَّا هنا فنفرض شيئاً متنجّساً يلاقي ماء طاهراً.

وهذه المسألة مستدركة في المقام، لأنَّ موضعها هو أبحاث المياه، وقد تكلّمنا هناك(1) وانتهينا إلى هذه النتائج، وهي: أنَّ المياه على قسمين: ماء وغيره.

أمَّا الماء فلا ينجس بالمتنجس حَتَّى بالمتنجس من عين النجس إذا كان خالياً منها. بل ينحصر تنجيس الماء القليل بعين النجاسة.

وأمَّا غير الماء فقد ثبت أنَّه ينجس بملاقاة المتنجس، لكن يختص ذلك بالمتنجس الأوَّل دون الثاني؛ لأنَّ دليله هو رواية عمَّار في الدَنِّ من الخمر، يُوضَع فيه خلّ أو كامخ؟ قال: “إِذَا غُسِلَ فَلَا بَأْس‏”(2).

ــــــــــ[354]ــــــــــ

() بحوث في شرح العروة الوثقى 1: 428-445.

(2) الكافي 6: 427، كتاب الأشربة، باب الأواني يكون فيها الخمر ثُمّ يجعل فيها الخلّ أو يشرب بها، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 283، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 117، وسائل الشيعة 3: 494، كتاب الطهارة، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحديث 1. ورواية عمّار بن موسى الساباطي هي: عن أبي عبد الله، قال: “سألته عن الدَنِّ يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء أو كامخ أو زيتون؟ قال: إِذَا غُسِلَ فَلَا بَأْسَ”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

حيث دلَّت على أنَّ الخلّ إذا وضع في الدَنِّ قبل غسله ففيه بأس، يعني أنَّه ينجس ودن الخمر مُتنجِّس أوَّل بعين النجاسة

إذن فغير الماء ينجس بالمتنجِّس الأوَّل فضلاً عن عين النجاسة. وأمَّا التعدِّي إلى المتنجّس الثاني، فهو تعدٍ طولي فلا يكون ممكناً.

هذا ما انتهينا إليه خلافاً للسيد الأستاذ(1)، والمشهور(2) القائلين بأنَّ الماء فضلاً عن غيره ينفعل بمطلق المتنجّس مهما كانت مرتبته.

ــــــــــ[355]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 173، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الراكد بلا مادّة، الجهة الرابعة: انفعال القليل بالمتنجّسات.

(2) لاحظ: مفتاح الكرامة 1: 304، كتاب الطهارة، المقصد الثاني: في المياه، الفصل الأوَّل: في المطلق، القسم الثاني: في الماء الكرّ، الماء القليل، كشف الغطاء 2: 375، كتاب الصلاة، المبحث السادس: في شرائطها، الأوَّل: الطهارة، المطلب الثالث: في المطهّرات، القسم الثاني: الماء القليل، جواهر الكلام 1: 105، كتاب الطهارة، الركن الأوَّل: في المياه، الطرف الأوَّل في الماء المطلق، في الماء المحقون.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 

الحاجة إلى استئناف بحثٍ جديدٍ في جهتين أُخريين

 

والبحث عن جهة ثالثة في أن نُخصِّص الكلام فيها بخصوص المتنجِّس الأوّل، ونعقد جهةً رابعةً للمتنجِّس الثاني فيما بعده.

وقبل الدخول في ذلك، قد يقال: إنَّ النتائج التي افترضت في الجهتين السابقتين تكفي لإثبات النجاسة في الجهة الثالثة والرابعة، ولا نحتاج إلى بحث مستأنف.

وتقريب ذلك يكون بأحد وجهين مبنيين على مباني السيد الأستاذ(1) في الجهتين السابقتين. فإن تمّ أحدهما يكون معناه أنَّ من اختار تلك المباني فلا موجب له أن يستأنف بحثاً في الجهة الثالثة والرابعة، بل هو ملزم بأن يحكم بالنجاسة فيهما.

الوجه الأوَّل: في الأولويَّة العرفيَّة

أن يقال: أمَّا ما ثبت في الجهة الأولى من أنَّ المائع المُتنجِّس، يُنجِّس على كل حال مهما كانت درجته، وما ثبت في الجهة الثانية من أنَّ الماء القليل ينفعل 

ــــــــــ[356]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 226، 235، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بملاقاة المتنجِّس، كافٍ لإثبات الانفعال في الجهتين الثالثة والرابعة؛ لأنَّنا نفرض هذا المتنجِّس هو الأوَّل أو الثاني، بل افرضوا أضعفهما وهو الثاني، ونريد أن نتكلّم عن أنَّ يدي لو لاقته هل تنجُس، أو لا؟ 

فنقول: افرضوا أنَّ ماءً لاقى المتنجّس الثاني، فإنَّه ينجس كما فرضنا في الجهة الثانية، ويدي لاقت الماء فتنجُس بمقتضى المبنى المختار في الجهة الأولى، مع أنَّ الماء لم يكتسب النجاسة إلّا من المتنجِّس الثاني، فبضمّ أولويَّة عرفيَّة، وهي: أنَّ يدي تنجَّست بملاقي المُتنجِّيس، فكيف لا تتنجّس بملاقاة نفس المُتنجِّس؟! ومعه فتكون نفس تلك الأدلَّة الدالّة على تلك المباني كافية لإثبات المطلب.

وهذا لا يأتي على مبنانا؛ لأنَّنا لا نرى انفعال الماء القليل بالمتنجس.

نعم، هو يأتي على مبنانا في غير الماء من المائعات بالنسبة إلى ملاقاتها للمتنجس الأوَّل دون الثاني.

كما لو لاقى النفط المُتنجِّس الأوَّل ولاقت يدي معه، فيُقال: بالأولويَّة أيضاً، فيكون الإلزام لنا بهذا المقدار والإلزام لهم أوسع منه.

إلّا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّنا ننكر هذه الأولويَّة العرفيَّة، ونقول: إنَّ النفط تنجس بهذا المتنجّس ويدي تنجست به أيضاً، ولكن إذا لاقت يدي نفس المتنجّس لا تنجُس، ولا يوجد في هذا غرابة عرفيَّة؛ لأنَّ العرف يقبل أن يكون الماء أسرع تأثُّراً وأقوى تأثيراً من غيره. فقد يُفرض محلّ قذر في نفسه لا يمكنه أن يقذّر لكن الماء لو تقذر به فإنَّه يمكنه أن يقذر غيره.

ــــــــــ[357]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وممّا يقرب ذلك: أنَّنا لو فرضنا نجاسة عينيَّة ذاتيَّة القذارة، ليس عليها رطوبة مائيَّة لاقت يدي معها، فإنَّها لا تنجُس. ولو كان فيها ماءٌ فإنَّها تنجس، فالماء يمكنه أن يعطي شيئاً من التقذير والتعدِّي لا يمكن لغيره إعطاؤه؛ لأنَّ الماء يعتبر حاملاً أعلائياً للنجاسة والقذارة

ومعه فلا توجد مثل هذه الأولويَّة العرفيّة. إذن فلا يلزم من الالتزام بمباني الجهة الأولى والثانية أن نغلق البحث في الجهتين الأخيرتين.

الوجه الثاني: في أنَّ الرطوبة ماءٌ منفعلٌ

التقريب الثاني لغلق البحث؛ أنَّنا حين نبحث عن أنَّ المُتنجِّس الجامد هل يُنجِّس الجامد، أو لا؟ فهل نفرض وجود رطوبة مائية، أو لا؟

فإن فُرِض عدمها فمن الواضح أنَّه لا ينجِّس، فلِمَ تُبحث؟ وإن فُرِض وجودها فهي باعتبارها ماء قد تنجّس بملاقاة المتنجّس، بناءً على المشهور في الجهة الثانية. وحينئذٍ فنفس الرطوبة المائية تنجّس بناءً على المبنى في الجهة الأولى.

وهذا الوجه يتوقف على الالتزام بمبنيين، يلتزم السيد الأستاذ بكِليهما:

المبنى الأوَّل: انفعال الماء القليل.

المبنى الثاني: أنَّ الرطوبة التي تعتبر في مقام السراية، هي التي يصدق عليها ماء أو جوهر، كما ذهب إليه المشهور. 

وحينئذٍ لا محيص عن هذا الكلام، فإنَّ هذه الرطوبة ماءٌ منفعلٌ، وإذا انفعل فإنَّه يُنجِّس.

ــــــــــ[358]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ولكن كِلا المبنيين غير مقبول عندنا:

أمَّا المبنى الأول: فالماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس، إلّا إذا فرضنا رطوبة من غير الماء.

وأمَّا المبنى الثاني: -وهو العمدة في المقام-، فإنَّ الرطوبة العرضيَّة كافية في السراية.

ومن هنا يمكن أن نبحث في الجهتين الثالثة والرابعة عن تنجّس الجامد بالجامد، فيما إذا كانت الرطوبة أقلّ ممَّا يصدق عليه أنَّه ماء، أو ماء رمان.

ــــــــــ[359]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 






الجهة الثالثة: هل المُتنجِّس الأوَّل الجامد يُنجِّس؟

 

والبحث في أنَّ الجامد المتنجّس الأوَّل بعين النجاسة، هل يكون منجّساً، أو لا؟ ونُلحق به المتنجِّس بالمائع النجس.

فإذا حصلنا على دليل يدلّ على أنَّ المتنجِّس الأوَّل بالماء يكون منجِّساً لملاقيه، نستفيد منه أنَّ المتنجّس الأوَّل بعين النجس أيضاً يكون منجّساً، إذ لا نحتمل أنَّ ذاك أقوى من هذا.

وفي هذه الجهة يدخل فرض الرطوبة من كِلتا الناحيتين، يعني سواء كانت في المُلاقي أو الملاقى، أي في المتنجّس الأوَّل أو في الجامد. فإنَّ كِلاهما محلّ الكلام. على حين ذكر السيد الأستاذ أنَّ الرطوبة إذا كانت في المتنجّس فلا إشكال فقهياً وارتكازاً في النجاسة، وخص الإشكال والكلام فيما إذا كانت الرطوبة في الجامد الملاقي.

ــــــــــ[360]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 





الجهة الرابعة: هل المُتنجِّس الثاني الجامد يُنجِّس؟

 

إنَّه بعد أن نلتزم بنجاسة المتنجّس الأوَّل ومنجسيته، فهل المتنجّسات المتأخرة -الثاني وما بعده- تكون منجّسة، أو لا؟ وسنتعرّض للروايات ونرى مفادها بلحاظ كِلتا هاتين الجهتين، منها: 

1- روايات غسل الأواني

وهي التي اعتبرها السيد الأستاذ(1) أوضح روايات الباب، وفاقاً لبعض كلمات المحقِّق الهمداني(2)، وقد وردت في تعليم كيفية تطهير الإنا،ء فيما إذا شرب منه الخمر أو الخنزير أو وقع فيه خمر، فتدلّ على أنَّ المتنجّس الأوَّل يكون منجّساً؛ لأنَّ هذه الروايات لو جمدنا على مدلولها اللفظي لما استطعنا أن نثبت 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 224 كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

(2) راجع: مصباح الفقيه 1: 313، كتاب الطهارة، الركن الأوَّل: في المياه، الطرف الثاني: في المضاف، حكم الماء المستعمل في غسل الأخباث، مصباح الفقيه 8: 17، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، القول في أحكام النجاسات، مصباح الفقيه (ط.ق) 1، ق2: 578، السطر 17.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بها ذلك، بل غاية ما يثبت هو كون عين النجاسة منجّسة والمائع يكون منجّساً، لا الجامد الذي هو محلّ الكلام. فإنَّ الأمر بالغسل ظاهرٌ بتنجس الآنية، وهي ملاقية إمَّا مع العين أو مع المائع المتنجس… وهو أمرٌ على القاعدة.

لكن قد يُقال في تقريب دلالة الروايات: إنَّ هذه الآنية أيضاً تنجّس. وهذا معناه أنَّ المتنجّس الأوَّل يكون منجّساً. وذلك: لأنَّ الآنية لو لم تكن منجّسة لكان اهتمام الشارع ببيان كيفيّة تطهيرها لغواً عرفاً. فإنَّها لو لم تكن منجّسة فماذا يهمنا من نجاستها، فإنَّها لا تُؤكل ولا تُشرب ولا يُصلى بها ولا يتوضأ بها -بما هي آنية- فلا تكون نجاستها مزاحمة مع أيِّ امتثالٍ لأمرٍ من أوامر الله تعالى. إلّا إذا فرضنا أنَّها كانت منجّسة بحيث يتنجَّس ما فيها، فيكون تطهيرها مقيّداً في مقام الامتثال.

فصوناً لكلام الشارع عن اللغوية العرفيّة في جعل المطهّر يكون له ظهور في أنَّ الآنية التي تتنجس تكون منجّسة.

وهذه نكتة امتازت بها أوامر غسل الأواني عن أوامر غسل الثياب، فإنَّها بمدلولها اللفظي تدلّ على أنَّ الثوب نجس، ولا تدلّ على أنَّه منجِّس، فإنَّ فيها فائدةً عرفيَّةً واضحة، مع غض النظر عن منجسيتها؛ لأنَّه ممَّا يصلى فيه أو يؤكل منه.

وقد نُوقش في الاستدلال بهذه الروايات بمناقشات لا ترجع إلى مُحصّل، نذكرمنها مناقشتين: 

ــــــــــ[362]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المناقشة الأولى: رجحان الأكل في الآنية الطاهرة

 أن يقال(1): لعلّ النكتة في الاهتمام بغسل الأواني هو رجحان الأكل في الآنية الطاهرة لأجل تحقّق أدب من آداب المائدة، وبهذا ترتفع اللغوية.

إلّا أنَّ هذا لا يمكن أن يفهمه الإنسان العرفي الفقهي، إذ كيف يمكن أن يفرض أنَّ هذه الاهتمامات الشرعيَّة ووضوح هذا المطلب يكون استطراقاً إلى شيء غير واضح ولا مركوز في أذهان المتشرّعة. فإذا أردتم أن تثبتوا هذا الأدب من نفس هذا الأمر بالغسل فهو غير غريب.

فهذا احتمال على خلاف ظاهر الدليل.

المناقشة الثانية: الاطمئنان بزوال عين النجاسة

لعلّ الأمر بالغسل من ناحية الاطمئنان بزوال ما تبقى من عين النجاسة في الآنية.

وهو أيضاً احتمال ثبوتي على خلاف ظاهر الدليل. 

أولاً: أنَّ بعض النجاسات التي ورد الأمر بالغسل فيها لا تبقى فيها عادة أجزاء لاصقة بالآنية، كالآنية التي وقعت فيها فأرة.

ــــــــــ[363]ــــــــــ

(1) راجع: مصباح الفقيه (ط.ق) 1، ق2: 578، 579، كتاب الطهارة، القول في أحكام النجاسات، مصباح الفقيه (ط.ج) 8: 17، 21 كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، القول في أحكام النجاسات، سراية النجاسة من كلّ ما حُكم بنجاسته. ولاحظ أيضاً: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 288، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ثانياً: أنَّه لو قطعنا النظر عن ذلك فلا شكّ أنَّ الأمر بالغسل هنا لو كان لإزالة هذه الأجزاء المتبقية، فمعناه إلغاء موضوعية الغسل وكونه مصداقاً للمسح بحسب الحقيقة، وهذا خلاف ظاهر الدليل من كون الغسل بعنوانه ملحوظاً في مقام الوظيفة الشرعيَّة.

إذن فالمناقشتان غير واردتين، ولذا جعلوها أوضح روايات الباب. إلّا أنَّها -مع ذلك- لا تتمّ لمناقشتين إحداهما مطلقة يعني أنَّها تتمّ على مبنانا ومبنى السيد الأستاذ، والأخرى خاصَّة بمبانيه.

المناقشة الثالثة: بحسب مبنانا ومبنى السيد الأستاذ 

أمّا المناقشة المطلقة، فهي: أنَّ إثبات كون الآنية منجسة بهذا التقريب لم يكن بلحاظ دلالة لفظيّة ليتمسك بإطلاقها، ولكنها كانت بقرينة اللغويّة ودلالة الاقتضاء.

ومن المعلوم أنَّ دلالة الاقتضاء لا تُعيِّن المُنجِّسيَّة المطلقة بل مطلق المُنجِّسيَّة، أي بنحو القضيَّة المهملة لا القضيَّة الكليّة، إذ يكفي في مقام ارتفاع اللغوية وإشباع دلالة الاقتضاء، أن تكون مُنجِّسة ولو في الجملة.

وهذا المطلب أمرٌ مفروغ عنه قبل الدخول في هذ البحث، حيث فرغنا في الجهة الأولى والثانية أنَّ المائع ينجس بملاقاة الآنية المتنجسة، ونحن فرغنا عن الماء المضاف والسيد الأستاذ فرغ عن مطلق المائع، وإنَّما نبحث في المقام عن أنَّ الجامد ينجس، أو لا؟

ومعه فنقول: إنَّه يكفي في مقام رفع لغويتها وتبرير صدور بيانات الشارع 

ــــــــــ[364]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المقدّس أنَّ المائع يتنجَّس بالمتنجس الأوَّل الذي هو محلّ الكلام، كما أنَّه هو الغالب في الأواني، فإنَّها ظروف لماء اللحم ونحوه. وهو خارج عن محلّ الكلام، لكنه كافٍ لرفع اللغوية، وليس فيها إطلاق لفظي ليُتمسَّك به.

المناقشة الرابعة: الخاصَّة بمبنى السيد الأستاذ

وأمَّا المناقشة المقيّدة: فهي أنَّه لو قطعنا النظر عن باب المائعات وفرضنا أنَّ المائع لا يلاقي الإناء عادةً، فنصوغ نفس الإشكال لكن مع تطوير في محتواه.

وذلك: أنَّ الروايات تصبح حينئذٍ دالَّة على أنَّ الآنية تُنجِّس الجامد، ولكن أيضاً بنحو القضيَّة المهملة لا المطلقة، وحيث فصّل السيد الأستاذ في الجامد بين موردين:

1- بين ما إذا كان المتنجِّس رطباً، وادَّعى أنَّه لا إشكال فيه.

2- وبين ما إذا كان المُلاقي رطباً، وجعله محلَّ الكلام.

إذن فالسيد الأستاذ يريد أن يستدلّ بها في صورة ما إذا كانت الآنية يابسة، وكان الجامد رطباً.

وهذا كيف نثبته من الروايات؟ فإنَّ غاية ما تدلّ عليه هو أنَّ الآنية لو بقيت على حالها لصارت أسباب زحمة للإنسان. وهذا يكفي في تحقّقه ما إذا كانت الآنية نفسها مرطوبة كما هو الغالب في الأواني.

وهذه المناقشة لا تأتي على مبنانا؛ لأنَّنا لا نحتمل الفرق العرفيّ بين ما إذا كان نفس المتنجِّس رطباً، وبين ما إذا كان المُلاقي رطباً، بل يرى أنَّ الميزان هو وقوع رطوبة بينهما، فإذا ثبت المطلب في أحدهما ثبت في الآخر.

ــــــــــ[365]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فاتضح أنَّ روايات الأواني لا تكون -بالدقّة- دليلاً على أنَّ المتنجّس الأوَّل ينجس فضلاً عمَّا بعده.

2- روايات كيفيَّة غسل الفرش

ومنها الروايات الواردة في كيفية غسل الفراش من قبيل معتبرة إبراهيم بن أبي محمود: قال: “قلت للرضا: الطنفسة والفراش يصيبهما البول كيف يصنع بهما، وهو ثخين كثير الحشو؟ قال: يُغْسَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ فِي وَجْهِهِ”(1).

من المفروغ عنه بين السائل والمجيب أنَّ الفراش له مطهر وأن هناك آثاراً شرعية تترتب على تطهيره ومحاذير تترتب على بقائه على النجاسة. بينما لو فُرض أنَّ الفراش لم يكن منجّساً لعدم البناء على تنجيس المتنجّس؛ لما ترتَّب أيُّ محذور على بقاء الفراش نجساً، فتقريب الاستدلال بروايات الفراش يشبه الاستدلال بروايات الأواني.

لكنّه غير صحيح، فإنَّ هذه الروايات غير متعرضة لما هي الفائدة من تطهير وإنَّما تتعرّض لكيفية التطهير.

إذن فمن المحتمل أنَّ الفائدة من تطهيره هو أن يصبح الفراش طاهراً، ليصبح مكان المصلي طاهراً، فإنَّه أحد آداب الصلاة، وإن كان جافّاً. ولا 

ــــــــــ[366]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 55، كتاب الطهارة، باب البول يصيب الثوب أو الجسد، الحديث 2، من لا يحضره الفقيه 1: 69، باب ما ينجّس الثوب والجسد، الحديث 159، تهذيب الأحكام 1: 251، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 11، وسائل الشيعة 3: 400، كتاب الطهارة، الباب 5 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تنحصر النكتة في التطهير في كون المتنجّس منجّساً، لكي يستفاد منها ذلك، وتكون دليلاً عليه.

3- رواية المُعلَّى بن خنيس

ومن هذه الروايات رواية المُعلَّى بن خنيس التي تقدَّمت في الجهة السابقة، قال: “سألت أبا عبد الله عن الخنزير يخرج من الماء، فيمرّ على الطريق، فيسيل منه الماء، أمرّ عليه حافياً؟ فقال: أَلَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْ‏ءٌ جَافٌّ؟، قلت: بلى. قال: فَلَا بَأْسَ، إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً(1).

فإنَّ جواب الإمام يدلُّ أنَّ رِجل الراوي قد تنجَّست، فبمَ تنجَّست؟ قلنا: إنَّ فيها احتمالين:

الاحتمال الأوّل: أن يكون قوله : (أمرّ عليه) راجعاً إلى الماء الذي يسيل من الخنزير، ومعه تكون رِجل الراوي ملاقية مع نفس الماء. فيدلُّ جواب الإمام على أنَّ المائع المُتنجِّس يكون مُنجِّساً، ولا يدلُّ على أنَّ الجامد المُتنجِّس وهو الأرض في المقام يكون مُنجِّساً.

الاحتمال الثاني: أن يكون قوله: (أمرُّ عليه) راجعاً إلى الطريق، ومعه فيمكن أن يُستفاد منها تنجيس المُتنجِّس الجامد، بأن يقال: إنَّ الطريق وهو الأرض الجامدة تنجس بالماء المتنجّس بالخنزير فهو مُتنجِّس جامد أوَّل فيكون 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 39، كتاب الطهارة، باب الرجل يطأ على العذرة أو غيرها من القذر، الحديث 5، وسائل الشيعة 3: 458، كتاب الطهارة، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

حكم الإمام دالاً على أنَّ المتنجِّس الجامد الأوَّل مُنجِّس. إمَّا بدعوى: أنَّ نظر الإمام في المُنجِّسيَّة إلى الطريق نفسه. أو يُدّعى أنَّ الرواية فيها إطلاقٌ لصورة ما إذا كان الماء باقياً ولما إذا لم يكن باقياً.

ومن المعلوم أنَّه في حالة عدم بقاء الماء لا موجب لتنجيس رجل الراوي إلا الملاقاة مع نفس الأرض.

إذن، بناءً على الاحتمال الأوَّل لا يكون الاستدلال بهذه الرواية تاماً.

وبناءً على الاحتمال الثاني يتمّ الاستدلال بها. ولا يبعد وجود قرينة في الرواية تُعيّن الاحتمال الثاني في مقابل الأوَّل. وهو قوله: “إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً”. فإنَّه سوف يأتي في بحث المطهِّرات أنَّ هذه الجملة لا تخلو من غموض وإجمال لأنَّ الأرض لم تجعل مطهرة لنفسها، بل لقَدَمِ الإنسان وأسفل العصا ونحوه.

وقد استظهر الفقهاء(1) من هذه الجملة أنَّ المراد بها: “إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً” ما هو عرضة للتنجيس بالبعض الآخر، وما هو عرضة لذلك هو أسفل القَدَم واسفل العصا ونحوها ممَّا يكون ملاقياً للأرض عادةً. 

وبناءً عليه يكون معناه أنَّ ما يتنجَّس بالأرض يطهر بالأرض. فيكون 

ــــــــــ[368]ــــــــــ

(1) اُنظر: ذخيرة المعاد 1: 173، كتاب الطهارة، النظر السادس: في ما يتبع الطهارة، وتطهّر الشمس ما تجفّفه من البول، مستند الشيعة 1: 335، كتاب الطهارة، المقصد الثاني، الباب الثالث: في أقسام المطهّر، الفصل الرابع: في الأرض، جواهر الكلام 6: 305، كتاب الطهارة، الركن الرابع: القول في أحكام النجاسات، مطهّريّة الأرض.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

قرينة على أنَّ رجل الراوي قد تنجست بالأرض. فلو بنينا على أنَّ المتنجّس الجامد لا ينجس أصلاً، فإنَّ الكبرى لا تنطبق على المورد.

ومعه فلو تمّ سند هذه الرواية ولم نناقش فيها بمُعلَّى بن خنيس؛ لكانت دليلاً على أنَّ المتنجّس الأوَّل بالمائع يكون منجِّساً، ومعه يثبت أنَّ المُتنجِّس الأوَّل بعين النجس أيضاً يكون منجِّساً، ولكن لا يثبت أنَّ المتنجّس الثاني يكون منجّساً إذا كانت الواسطة جامدة سواء كان السابق عليه متنجّساً بالماء أو بعين النجاسة.

وهنا إذا لم نحتمل الفرق بحسب الارتكاز العرفيّ بين رطوبة المتنجّس ورطوبة الملاقي، -خلافاً لما ذكره السيد الأستاذ في الجهة الأولى- فنبني في المقام على أنَّ المتنجّس الأوَّل يكون منجّساً مطلقاً سواءٌ كان هو المرطوب والملاقي يابساً أو بالعكس.

لكن إذا مشينا على مشرب السيد الأستاذ(1) الذي ميَّز بين هذين الفرضين، وذكر أنَّه إذا كان المتنجِّس الجامد رطباً فلا إشكال في كونه منجّساً وهو خارج عن محلّ الكلام. وإنَّما الكلام فيما إذا كان المُلاقي الطاهر رطباً والمتنجس يابساً.

ومعه تكون هذه الرواية ساقطة عن إمكان الاستدلال بها في المقام لكونها واردة في مورد الأرض المتنجسة الرطبة.

ــــــــــ[369]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 226، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

4- رواية الأحول

ومن هذه الروايات رواية الأحول عن أبي عبد الله قال: “في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثُمَّ يطأ بعده مكاناً نظيفاً. قال: لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعاً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ”(1).

حيث دلَّت بمفهومها على أنَّه إذا لم يحصل المطهّر المخصوص -وهو المشي على الأرض خمسة عشر ذراعاً- أو نحوه ففيه بأس.

وهو يدلّ على الحكم بنجاسة رِجل الراوي الذي يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف.

والمراد من النظافة الطهارة الشرعيَّة، وهو مطلق من حيث كونه ملوَّثاً بعين النجاسة بالفعل أو لم يكن، إذن فالمتنجس الأوَّل الخالي من عين النجس يصدق عليه أنَّه ليس بنظيف فيشمله إطلاق الحكم بالنجاسة. 

بل لو تمّت دلالة الرواية أمكن دعوى شمولها للمتنجس الثاني أيضاً، فإنَّه لو فُرض أنَّ الموضع كان متنجّساً بالمتنجس أيضاً يصدق عليه أنَّه موضع ليس بنظيف، فيشمله الحكم، فتكون دالَّة على المتنجّس مطلقاً منجس.

إلّا أنّ الاستدلال بهذه الرواية غير تامٍّ؛ لأنَّها -سؤالاً وجواباً- ليست في مقام النظر إلى أنَّه هل تسري النجاسة بالملاقاة أو لا تسري، حَتَّى يُتمسَّك 

ــــــــــ[370]ــــــــــ

() باب 32 من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 38، كتاب الطهارة، باب الرجل يطأ على العذرة أو غيرها من القذر، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 457، كتاب الطهارة، باب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بإطلاقها من هذه الناحية. بل قد فُرِض بحسب المُتفاهم العرفيّ الفراغ عن سراية النجاسة، وإنَّما يسأل عن مطهِّريَّة المكان النظيف (ثُمَّ يطأ مكاناً نظيفاً) ففصّل الإمام في الجواب بين أن يكون خمسة عشر ذراعاً ونحوه، وبين أن لا يكون كذلك، إذن فالرواية ليست في مقام بيان السراية. 

نعم، غاية ما تدلّ عليه هو القضيَّة المهملة، أي: إنَّ إنساناً لو وطأ مكاناً غير نظيف، فلعلّه ينجّس رجله! والمهملة في قوّة الجزئيَّة، والقدر المُتيقَّن منها صورة التلوث.

مضافاً إلى ضعفها سنداً بجميل بن صالح.

5- روايات بلِّ القصب

ومنها روايات بلِّ القصب بماء قذر كرواية: علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: “سألته عن البواري يُبلُّ قصبها بماءٍ قذر، أيُصلَّى عليها؟ قال: إِذَا يَبِسَتْ فَلَا بَأْسَ‏”(1).

وقد سبق الاستدلال بها في الجهة الأولى على أنَّ المائع المتنجّس يكون منجّساً، لأنَّها تدلّ على كل حال على أنَّ الباريّة تنجّس بالماء القذر، ويُراد في المقام أن يُستدلّ بها على أنَّ الباريّة ينجّس أيضاً.

ــــــــــ[371]ــــــــــ

() الباب 30، من النجاسات، (المقرر). قرب الإسناد: 212، الحديث 830، تهذيب الأحكام 2: 373، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 85، وسائل الشيعة 3: 453، كتاب الطهارة، الباب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وتوضيح الكلام في ذلك: أنَّه يوجد في هذه الرواية إطلاقان:

الاطلاق الأوَّل: أنَّ مقتضى إطلاق السؤال عن الصلاة على الباريّة، أنَّ الصلاة بتمام شؤونها وأجزائها تقع على الباريّة ووقوع كل شيء بحسبه قياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً فمع كون الباريّة ممَّا يصحّ السجود عليه ينصرف إلى أنَّه يسجد عليها أيضاً. وهذا بخلاف الصلاة على الفراش لارتكازية اختصاص موضع السجود بالأرض وما ينبت منها غير المأكول والملبوس. 

الإطلاق الآخر: قوله في الجواب: “إِذَا يَبِسَتْ فَلَا بَأْس‏”، الشامل لما إذا يبست بالشمس أم بغيرها.

والتحفُّظ على كِلا هذين الإطلاقين غير ممكن؛ لأنَّ معناه أنَّه يجوز أن يسجد عليها إذا كانت يابسة ولو بغير الشمس، وهو ممَّا لا معنى له بعد البناء على اشتراط طهارة مسجد الجبهة؛ لأنَّ الباريّة إذا كانت قد تنجست بالماء القذر، فكيف يجوز السجود عليها إذا يبست بغير الشمس! وإذا كانت طاهرة فإنَّه يجوز السجود عليها، سواء كانت يابسة أو مرطوبة، فلا بُدَّ من رفع اليد عن أحد الإطلاقين.

أمّا أن نرفع اليد عن الإطلاق الأوَّل ونقول: يُصلّى على الباريّة من غير ناحية السجود. فحينئذٍ لا بأس بإبقاء الإطلاق الثاني على حاله، فإنَّ الباريّة تنجست لكن إذا كانت يابسة فلا تسري النجاسة إلى بدن المصلي وثيابه، وأمَّا إذا كانت رطبة ففيه بأس لأنَّه يسري، فيكون مطلباً معقولاً. وتكون الرواية دالَّة على المطلوب لأنَّها لو لم تكن منجسة فلماذا فيه بأس مع فرض الرطوبة؟ 

ــــــــــ[372]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فتدلّ على أنَّ الباريّة المتنجسة بماء قذر منجسة، ونتعدى منه إلى المتنجّس الأوَّل بعين النجس. نعم، تكون الرواية مخصوصة بخصوص المتنجّس الرطب فإن لم نقل بالفرق بينه وبين رطوبة المُلاقي نتعدى إلى كِلا الأمرين.

وأمَّا إذا عكسنا الأمر فأبقينا الإطلاق الأوَّل وقيَّدنا الإطلاق الثاني، وقلنا بأنَّه يصلّي على الباريّة تمام صلاته ويسجد عليها، لكن إذا يبست بالشمس وأمَّا إذا يبست بغير الشمس فلا يجوز السجود عليها. فيكون مطلباً معقولاً أيضاً.

لكنّها لا تدلّ على المُدَّعى من أنَّ الباريّة تكون منجّسة؛ لأنَّها تقول: إذا يبست بغير الشمس ففيه بأس، وهذا البأس ليس هو سراية النجاسة إلى بدن المصلي وثيابه لكي تكون دليلاً على تنجيس المتنجس؛ لأنَّ المفروض أنَّ هذا البأس ثابت حَتَّى مع اليبوسة، وإنَّما البأس هو بأس مسجد الجبهة.

وحيث لا مُعيِّن للتصرُّف باحد الإطلاقين في مقابل الآخر، فإنَّ كِليهما تصرُّف ومؤونة، فتكون الرواية مجملة.

6- رواية عمَّار الساباطي

ومن هذه الروايات رواية عمَّار الساباطي، ولعلَّها أقوى روايات الباب دلالةً على المدعى، والغريب أنِّي لم أرَ مَن يستدلّ بها، عن أبي عبد الله في حديث، قال: “سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره، فلا تصيبه الشمس، ولكنَّه قد يبس الموضع القذر، قال لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَعْلِمْ مَوْضِعَهُ حَتَّى تَغْسِلَه. وعن الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: إِذَا كَانَ المَوْضِعُ قَذِراً مِنَ الْبَوْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَصَابَتْهُ الشَّمْسُ ثُمَّ يَبِسَ المَوْضِعُ، فَالصَّلَاةُ عَلَى المَوْضِعِ جَائِزَةٌ. 

ــــــــــ[373]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وَإِنْ أَصَابَتْهُ الشَّمْسُ وَلَمْ يَيْبَسِ المَوْضِعُ الْقَذِرُ وَكَانَ رَطْباً، فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَإِنْ أَصَابَتْهُ الشَّمْسُ وَلَمْ يَيْبَسِ المَوْضِعُ الْقَذِرُ وَكَانَ رَطْباً، فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَإِنْ كَانَتْ رِجْلُكَ رَطْبَةً أَوْ جَبْهَتُكَ رَطْبَةً أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْكَ مَا يُصِيبُ ذَلِكَ المَوْضِعَ الْقَذِرَ فَلَا تُصَلِّ عَلَى ذَلِكَ المَوْضِعِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُ الشَّمْسِ أَصَابَهُ حَتَّى يَبِسَ، فإنَّه لَا يَجُوزُ ذَلِكَ”(1).

وفقرة الاستدلال هي الجملة الأخيرة التي معناها: إن كان غير الشمس أصابت الموضع القذر حَتَّى ييبس، فلا يجوز أن تصلّي فيه ويدك رطبة أو جبهتك رطبة.

وهذا لا معنى له إلّا مع وجود السراية إلى اليد والجبهة، ومورد الرواية هو ما إذا كان المتنجّس يابساً والملاقي رطباً، فهو الموضع الأخصّ الذي جعله السيد الأستاذ مورداً للنزاع.

وتحقيق الحال في هذا التقريب مربوط بما نستظهره من كلمة (قذر):

– فإن استظهرنا منه ما هو النجس شرعاً، يعني الذي ليس بطاهر، فقد يُدّعى أنَّ الرواية تكون دليلاً على تنجيس المتنجّس الأوّل، بل والثاني وما بعده؛ لأنَّه يصدق عليه أنَّه موضع قذر.

ــــــــــ[374]ــــــــــ

() باب29 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 2: 372 كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 80، وسائل الشيعة 3: 452، كتاب الطهارة، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

والغريب أنَّ السيد الأستاذ(1) في باب انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجّس مطلقاً، استدلَّ برواية أبي بصير: عنهم: “إِذَا أَدْخَلْتَ يَدَكَ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ تَغْسِلَهَا فَلَا بَأْسَ، إِلّا أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا قَذَرُ بَوْلٍ أَوْ جَنَابَةٍ. فَإِنْ أَدْخَلْتَ يَدَكَ فِي الْإِنَاءِ وَفِيهَا شَيْ‏ءٌ مِنْ ذلِكَ، فَأَهْرِقْ ذلِكَ المَاءَ(2).

حيث قال: إنَّ (قذرة) يعني ليست بطاهرة. وهو يصدق على الملوَّثة وغيرها وعلى المتنجِّس الأوَّل والثاني.

ومن هنا أفتى أنَّ الماء القليل ينفعل بملاقاة المتنجِّس بمراتبه، لكنَّه في مسألتنا هذه ذكر أنَّه لا دليل على أنَّ المتنجّس الثاني يكون منجّساً، باعتبار قصور الأدلَّة عن ذلك.

بينما لو استظهرنا من لفظ (القذر) معنى النجس أو غير الطاهر، إذن فهو كـ(اليد القذرة)، فكلّ إطلاق يُدّعى هناك يُدّعى هنا أيضاً. فتدلّ على أنَّ كل ما يصدق عليه أنَّه ليس بطاهر يكون منجساً.

وأمَّا بناءً على أنَّ القذر لا يصدق إلّا على ما كان ملوثاً بعين النجاسة، فلا يكون فيها إطلاق للمتنجس الأوَّل الخالي فضلاً عمَّا بعده.

ــــــــــ[375]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 172، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الماء الراكد بلا مادّة، الماء القليل، انفعال القليل بالمتنجّسات.

(2) الكافي 3: 11، كتاب الطهارة، باب الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها والحدّ في غسل اليدين، الحديث 1، وسائل الشيعة 1: 152، كتاب الطهارة، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهنا الاحتمال الثاني إن لم يكن هو الأظهر، فلا أقلّ من مساواته له؛ لأنَّ (القذر) معناه (واجد القذارة)، وواجد القذارة له فردان حقيقيٌّ وعنائيٌّ. 

1- والفرد الحقيقيّ: عبارة عن أعيان النجاسات، ولذا يُعبّر عنها بنفس المصدر، ويقال: (البول قذر) لا أنَّه شيء له القذارة.

2- والفرد العنائي: هو النجاسة الاعتباريَّة الشرعيَّة، وحين يقال: (موضع قذر) أو (فيه قذارة) لا إشكال أنَّ المنصرف من مبدأ الاشتقاق أنَّه منسوب إليه القذارة العينيَّة دون العنائيَّة، فإنَّ القذارة العنائيَّة فردٌ عنائيٌّ من القذر، والقذارة الحقيقيَّة فردٌ حقيقيٌّ له.

إذن فينصرف (القذر) إلى ما كان مُتقذِّراً بعين النجس، وبناءً عليه لا يكون في هذه الرواية إطلاق للمتنجس الأوَّل الخالي من عين النجس، فضلاً عن المتنجّس بالمتنجّس.

نعم، تبقى نكتة أخرى في هذه الرواية وهي: أنَّه قال في صدرها: “إِذَا كَانَ المَوْضِعُ قَذِراً مِنَ الْبَوْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِك”، ثُمَّ يُشير إليه بعد ذلك بقوله: “ذَلِكَ المَوْضِعَ الْقَذِر“.

فإذا قلنا إنَّ (غير ذلك) ينصرف إلى ما كان كالبول من أعيان النجاسة بمناسبات العاطف والمعطوف، إذن فقد وجدت نكتة جديدة لاختصاصه بعين النجاسة، ولذا قلنا بأنَّ قوله: (أو غير ذلك) يشمل ما لم تكن من قبيل البول، فيكون الإطلاق في نفسه تامّاً.

ــــــــــ[376]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإنَّه قد تحصّل للرواية ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن تكون شاملة للمتنجّس الأوَّل وغيره فيما إذا استظهرنا من القذر ما كان نجساً شرعاً. إلّا أنَّه ذكر أنَّنا لا نستظهر ذلك فإنَّ القذر هو الملوث، وليس حاله حال لفظ النجاسة الكثيرة الاستعمال في الحكمي العنائي منها.

الاحتمال الثاني: أن تكون خاصَّة بالمتنجس الأوَّل باعتبار قرينية صدر الرواية -كما أشرنا إليه آنفاً- إذا قلنا: إنَّ قوله (أو غير ذلك) ما كان كالبول في عينيَّة النجاسة.

الاحتمال الثالث: أن تكون خاصَّة بالملوَّث، بناءً على أنَّ (القذر) لا يصدق إلّا على الملوَّث.

7- الروايات الآمرة بالغسل من سؤر الكتابي

وهي(1) كما إذا صافح المسلم كتابياً ونحو ذلك، وتقريب الاستدلال بها على تنجيس المتنجِّس؛ هو أنَّ في هذه الروايات ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوَّل: أن تكون في مقام إفادة النجاسة العينيَّة للكتابي كما هو المشهور بين أصحابنا (قدس الله أسرارهم)(2). وبناءً عليه تكون الرواية أجنبية 

ــــــــــ[377]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 11، كتاب الطهارة، باب الوضوء من سؤر الحائض والجنب والنصراني والناصب، الحديث 5، الاستبصار 1: 18، كتاب الطهارة، الباب 8، الحديث 1، وسائل الشيعة 1: 229، كتاب الطهارة، أبواب الأسآر، باب 3، الحديث 1.

(2) راجع: غنية النزوع 1: 44، كتاب الطهارة، نجاسة الكافر، تذكرة الفقهاء 1: 68، كتاب الطهارة، الباب الثاني: في النجاسات، الفصل الأوَّل: في أصنافها، المسألة 22، مفتاح الكرامة 2: 35، كتاب الطهارة، المقصد الثالث: في النجاسات، الفصل الأوَّل: في أنواعها، العاشر: الكافر، مستند الشيعة 1: 197، كتاب الطهارة، المقصد الثاني، الباب الأوَّل: في أقسام النجاسات، الفصل السابع: في الكافر، القسم الثاني: الكتابيّون.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

عن محلّ الكلام؛ لأنَّ يد المسلم تكون قد لاقت عين النجاسة لا المتنجس. ولذا لم يستدلّ بها المشهور على تنجيس المتنجس.

الاحتمال الثاني: أن يقال: إنَّ أهل الكتاب طاهرون ذاتاً كما هو الصحيح، لكنّهم محكومون بالنجاسة العرضيَّة، فإنَّه وإن كان الأصل في الأشياء الطهارة إلّا أنَّ الكتابي الأصل فيه النجاسة تخصيصاً لقاعدة الطهارة؛ لأنَّ الكتابي في معرض أن يساور النجاسات. فيكون نظر الأمر بالغسل في هذه الروايات إلى ذلك. 

وبناءً عليه يمكن أن يُستدلّ بهذه الطائفة على مسألتنا، بأن يقال: إنَّ هذا الكتابي الذي صافحناه فأمرنا بغسل يدنا، وهو ليس نجساً ذاتاً بل الأصل فيه النجاسة العرضيَّة، فهو على أسوأ حال مُتنجِّس ويدي ملاقية مع المتنجس، وقد أمر الشارع بغسلها، فتكون دليلاً على السراية.

نعم، لا يكون فيها إطلاق للمُتنجِّس بالمُتنجِّس؛ إذ لعلَّ المحكوم به علي الكتابي هو النجاسة، بمعنى كونه ملاقياً مع عين النجس؛ لأنَّها الغالب عليه لا النجاسة المساوقة مع المتنجّس الثاني فما بعده. فلا يكون لها إطلاق من هذه الناحية.

الاحتمال الثالث: أنَّ أهل الكتاب طاهرون ذاتاً، ومشمولون للقواعد العامّة كالاستصحاب وأصالة الطهارة كما هو الصحيح، ونحمل الأوامر بغسل اليد على 

ــــــــــ[378]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

التنزّه والاستحباب، جمعاً بينها وبين ما دلّ على عدم وجوب الغسل.

وبناءً عليه أيضاً قد يُقرَّب الاستدلال بها على تنجيس المُتنجِّس بأن يقال: إنَّ الأمر بغسل اليد وإن كان أمراً تنزيهياً إلّا أنَّه بلحاظ احتمال أنَّ يده نجسة في الواقع، نستكشف منه أنَّ يد الكتابي لو كانت متنجسة في الواقع، فإنَّه ينشأ محذور وهو نجاسة يدي وإلّا لو لم يكن المُتنجِّس مُنجِّساً فلماذا يؤمر بالغسل؟!

إلّا أنَّ هذا التقريب لو فرض قبوله، فهو إنّما يكون فيما إذا سلَّمنا كون النظر في هذه الطائفة إلى النجاسة، كما هو مَقْسم هذه الاحتمالات الثلاثة.

وأمَّا إذا أنكرنا انصراف الأمر بالغسل إلى حيثية النجاسة الماديّة، وقلنا إنَّنا إنَّما نقبله في مورد لا يكون بحسب المرتكز المتشرعي منشأ احتمالي آخر لغسل اليد، وأمَّا إذا كان يوجد منشأ من هذا القبيل، كما في المقام، وهي القذارة المعنوية المركوزة في ذهن المتشرعة، فيمكن أن تكون منشأ للأمر بغسل يده.

فلو كان هذا منشأ عرفيّاً ارتكازيّاً لا فلسفيّاً عقليّاً، فلا تكون هذه الروايات ممَّا يمكن الاستدلال بها في المقام.

لكن هناك روايات أخرى في أهل الكتاب لا يرد فيها هذا الاحتمال، وهي الروايات التي أمر فيها نفس الكتابي بأن يغسل يده، كرواية إبراهيم بن أبي محمود، قال: “قلت للرضا: الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنَّها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة، قال: لَا بَأْسَ، تَغْسِلُ يَدَيْهَا”(1).

ــــــــــ[379]ــــــــــ

() باب 14 من النجاسات، وأيضاً باب 54 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 399، كتاب الطهارة، الباب 19، الحديث 68، وسائل الشيعة 3: 422، كتاب الطهارة، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهي من الروايات الصحيحة السند الدالة على طهارة أهل الكتاب ذاتاً، وإنَّما يستشكل من ناحية أنَّ هذه المرأة لا تُطهِّر بدنها، فتسري النجاسة بالملاقاة إلى الأشياء الأخرى، فيأمرها الإمام بغسل يديها.

ونستطيع أن نقول: إنَّها تدلّ على تنجيس المُتنجِّس؛ لأنَّه لو لم يكن مُنجِّساً فأيُّ مانعٍ من أن تخدم الإمام بعد أن فرضنا أنَّ بدنها مُتنجِّس، وأنَّ المُتنجِّس لا يُنجِّس.

وحيث سلَّم الإمام بوجود محذور لا يرتفع إلا بالغسل، فذلك ليس إلا تنجيس المُتنجِّس، وهي ناظرة إلى النجاسة المادية دون المعنوية، ومن هنا أُمرت نفس النصرانية بغسل يديها، ولم يؤمر المسلم بذلك حَتَّى يرد ذلك الإشكال.

الرواية الأخرى التي من هذا القبيل: رواية العيص بن القاسم، قال: “سألت ابا عبد الله عن مؤاكلة اليهودي والنصراني والمجوسي، قال: إِذَا كَانَ مِنْ طَعَامِكَ وَ تَوَضَّأَ فَلَا بَأْسَ”(1).

ــــــــــ[380]ــــــــــ

() باب 54 أيضاً، (المقرر). الكافي 6: 263، كتاب الأطعمة، باب طعام أهل الذمّة ومؤاكلتهم وآنيتهم، الحديث 3، من لا يحضره الفقيه 3: 348، باب الصيد والذبائح، الحديث 4222، تهذيب الأحكام 9: 88، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 108، وسائل الشيعة 3: 497، كتاب الطهارة، الباب 54 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهي أيضاً من الروايات التي تدلّ على الطهارة الذاتيَّة لأهل الكتاب، وأيضاً يمكن أن يستدلّ بها على تنجيس المتنجّس لأنَّ المتنجّس لو لم يكن منجّساً فلا بأس سواء توضأ أو لم يتوضأ؛ لأنَّه من الواضح أنَّ يده ليست ملوثة بعين النجس. فاختصاص نفي البأس بما إذا توضأ يكون قرينة على أنَّ المتنجّس يكون منجساً.

إلّا أنَّه مع هذا لا يمكن الاستدلال بها على تنجيس المتنجّس على النحو المطلوب المرغوب؛ لأنَّه لم يستفد من اللفظ حَتَّى يتمسك بإطلاقه. غايته استفيد ثبوت محذور السراية -في رواية إبراهيم بن أبي محمود- ولكن من قال إنَّه ينشأ من ملاقاة الجامد للجامد. بل لعله ينشأ من ملاقاة المائع، والمفروض أنَّنا فرضنا أنَّ المائع يتنجَّس بملاقاة المُتنجِّس، ولا تدلّ الرواية على أنَّ الجارية تُنجِّس كل ما تلاقيه. وكذلك رواية العيص بن القاسم، فإنَّ الطعام إن كان مائعاً فنجاسته على القاعدة، وإن كان ناشفاً فلا سراية أصلاً، وإنَّما لا بُدَّ أن يُحمل على معنى تنزيهي عرفاني.

8- رواية علي بن جعفر

ومن الروايات الدالَّة على تنجيس المتنجس: ما عن علي بن جعفر أنَّه: “سأل أخاه موسى بن جعفر عن البيت والدار لا تصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة، أيصلّى فيهما إذا جَفَّا؟ قال: نَعَمْ”(1).

ــــــــــ[381]ــــــــــ

() باب 30 من النجاسات، (المقرر). مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 221، مكان المصلّي، الحديث 493، من لا يحضره الفقيه 1: 245، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها، الحديث 736، وسائل الشيعة 3: 453، كتاب الطهارة، الباب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهي ناظرةٌ إلى جهة الصلاة في هذه الدار بدون السجود عليها؛ لأنَّه عبَّر (فيهما)، ولم يقل (عليهما)، فإنَّ معنى (عليهما) أنَّ تمام الصلاة يكون عليهما. وأمَّا (فيهما) بنحو الظرفية، فلا تدلّ على أنَّ السجود وقع على أيّ شيءٍ. وعنوان الجفاف وإن لم يؤخذ في كلام الإمام، ولكنَّه أخذ في كلام الراوي، بحيث يكون مفروغاً عنه -في نظره- أنّه إذا لم يجفّ ففيه محذور، وقد أقرّه الإمام على ذلك.

فقد يقال: إنَّها ظاهرة بالمفروغيَّة عن السراية، وهي دالَّة على تنجيس المُتنجِّس بعد إمضاء الإمام.

ولكن ذلك منوط بمعرفة معنى الجفاف، هل معناه ما يقابل البلل أو معناه ما يقابل الرطوبة؟

فإن كان المراد الجفاف المقابل للبلل فإنَّها لا تدلّ على السراية إلّا في المائع.

وأمَّا إذا كان الجفاف بالمعنى المقابل للرطوبة، فحينئذٍ يمكن أن يُقال إنَّها تدلّ على المطلوب(1).

لكن الإنصاف أنَّه بناءً على هذا لا يمكن التمسُّك بذلك لأنَّ غايته أنَّه كان يوجد عند علي بن جعفر ارتكاز السراية ويكفي في صحَّته صدقه في صورة 

ــــــــــ[382]ــــــــــ

() أقول: وهو الظاهر من الجفاف بلا إشكال، فإنَّ زوال الماء مع بقاء الرطوبة لا يُقال له الجفاف إلا بضرب من المجاز، (المقرّر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وجود البلل وأمَّا في صورة عدم وجود البلل والرطوبة فليس فيه إطلاقٌ حَتَّى يتمسك به.

إذن فالرواية لا تدلّ على ما هو محلّ الكلام.

9- رواية أحمد بن محمد بن إسماعيل 

ومن الروايات ما عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن: “في طين المطر أنَّه.. لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يُصِيبَ الثَّوْبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ نَجَّسَهُ شَيْ‏ءٌ بَعْدَ المَطَرِ. فَإِنْ أَصَابَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَاغْسِلْهُ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ نَظِيفاً لَمْ تَغْسِلْهُ”(1).

تقول الرواية: إنَّ الأرض والتراب بعد وقوع المطر عليه يطهر طهارة واقعية؛ لأنَّ المطر من المطهِّرات، ولكنَّه عرضة لوقوع النجاسات عليه. فلو بقينا نحن وأصالة الطهارة أو استصحابها، لكان مقتضى القاعدة إجراءها حَتَّى بعد الأيام الثلاثة. ولكن هذه الرواية وردت في مقام التصرف في هذه القواعد الأولية، وتقول: إنَّ أصالة الطهارة تجري خلال الأيام الثلاثة، ما لم تعلم أنَّ شيئاً نجّسه، وأمَّا بعدها فلا تجري لقوة احتمال أنَّه أصابه شيء، اللهم إلّا أن تعلم صدفة أنَّه لم يحصل للطين منجّس.

والاستدلال بهذه الرواية بلحاظ أنَّها أمرت بغسل الثوب المُلاقي لطين 

ــــــــــ[383]ــــــــــ

() باب 75 من النجاسات، (المقرر). من لا يحضره الفقيه 1: 70 باب ما ينجّس الثوب والجسد، الحديث 163، تهذيب الأحكام 1: 267، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 70، وسائل الشيعة 3: 522، كتاب الطهارة، الباب 75 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المطر إذا علم أنَّه نجَّسه شيء، والعبارة مطلقة لما إذا بقيت عين النجس عليه كالعذرة أو لم تبق، كالكلب يمشي عليه، فإذا تمسكنا بإطلاق (شيء) شمل المتنجّس الثاني أيضاً، فإذا لاقى المتنجّس الأوَّل الطين كان الطين متنجّساً ثانياً فيجب الغسل منه. فتكون دالَّة على كونه مُنجِّساً. ودلالتها لا بأس بها لو لا أنَّها غير تامّة سنداً للإرسال(1).

10- رواية عمَّار بن موسى

قال: “سئل أبو عبد الله عن الحائض تعرق في ثوب تلبسه. فقال: لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْ‏ءٌ إِلَّا أَنْ يُصِيبَ شَيْ‏ءٌ مِنْ مَائِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَذَرِ، فَتَغْسِلَ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي أَصَابَهُ بِعَيْنِهِ”(2).

وقوله: “من مائها” أي: من دمها، وفقرة الاستدلال قوله: “أو غير ذلك من القذر“، بناءً على أنَّ لفظ (القذر) كلفظ (النجاسة) لا يكون منصرفاً إلى النجاسة العينيَّة، بل شامل للحكمية أيضاً، كأنَّه يريد أن يقول: إنَّ ثوب الحائض لا ينجس.

ــــــــــ[384]ــــــــــ

() لاحظ: من لا يحضره الفقيه 1: 70، باب ما ينجّس الثوب والجسد، الحديث 163، تهذيب الأحكام 1: 267، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 70، وسائل الشيعة 3: 522، كتاب الطهارة، الباب 75 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) باب 28، من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 270، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 82، الاستبصار 1: 186، كتاب الطهارة، الباب 110، الحديث 8، وسائل الشيعة 3: 450، كتاب الطهارة، الباب 28 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

نعم، لو أصابه نجس فيتنجس، فكل ما يصدق عليه أنَّه نجس يكون منجساً.

إلّا أنَّه مبني على أن تكون القذارة بالمعنى الذي يشمل الفرد العيني والحكمي.

وأمَّا إذا استظهرنا منه الفرد العيني خاصَّة فلا يدلّ على تنجيس المتنجس، بل قد لا يخلو من إشعار بعدم تنجيس المتنجس؛ لأنَّ الغالب في الحائض أنَّ ثوبها يكون ملاقياً بالوسائط للقذارة، وهذا فيها فرض اعتباري مع أنَّه خصّ وجوب الغسل بملاقاة الدم ونحوه من القذر، وسند هذه الرواية تامّ.

11- رواية حماد بن عثمان

عمَّن رواه، عن أبي عبد الله: “في الرجل يُصلِّي في الخُفِّ قد أصابه القذر؟ فقال: إِذَا كَانَ ممَّا لَا تَتِمُّ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَا بَأْسَ”(1).

حيث دلَّت بمفهومها على أنَّه إذا كان ممَّا تتمّ فيه الصلاة ففيه بأس، وهنا لا بُدَّ من ضمّ الدعوى السابقة وهو أنَّ (القذر) هو الجامع بين النجاسة العينيَّة والحكمية، وحينئذٍ يكون لها إطلاق فيتمسك به. إلّا أنَّها غير تامّة لسقوط الإطلاق والسند معاً.

ــــــــــ[385]ــــــــــ

() باب 31، من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 274، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 94، وسائل الشيعة 3: 456، كتاب الطهارة، الباب 31 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

12- رواية زرارة

والمعروفة بين علماء الأصول: قال: قلتُ: “أصاب ثوبِي دَمُ رعافٍ أو غيره، أو شي‏ء من مَنِيٍّ… إلى أن قال: قلتُ: فإنّي قد علمتُ أنّه قد أصابه ولم أَدْرِ أين هو، فأغسِلَهُ؟ قَالَ: تَغْسِلُ مِنْ ثَوْبِكَ النَّاحِيَةَ الَّتِي تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا حَتَّى تَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ…”، الحديث(1)

بناءً على أنَّ المراد من (أو غيره) غيره من النجاسات، فيُتمسَّك بإطلاقها لإثبات أنَّ المراد به مطلق النجس، وحيث إنَّ المفروض من الرواية أنَّ هذه الإصابة منجسة، إذن فمطلق النجس يكون منجساً.

إلّا أنَّ هذا غير صحيح، فإنَّ الرواية غير متعرِّضة إلى أصل السراية، حَتَّى يُقال: إنَّها تسري أو لا تسري. وإنَّما الكلام أنَّه بعد الفراغ عن السراية وصلَّى ورأى الدم، فلا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ (غيره) يشمل تمام النجاسات؛ لأنَّه لم يكن في مقام البيان من هذه الناحية.

13- صحيحة محمد بن مسلم 

قال: “سألت أبا جعفر عن آنية أهل الذمة والمجوس، فقال: لَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ وَلَا مِنْ طَعَامِهِمُ الَّذِي يَطْبُخُونَ، وَلَا مِنْ آنِيَتِهِمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ 

ــــــــــ[386]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 1: 421، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 8، الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 13، وسائل الشيعة 3: 402، كتاب الطهارة، الباب 7 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فِيهَا الخَمْرَ”(1)

وفي هذه الرواية ثلاثة نواهٍ: وحيث إنَّ الثالث أخصُّ من الأوّل، فلا يبعد أن يُحمل الأوَّل على الثالث بحسب المتفاهم العرفي.

ومورد الاستدلال هو النهي الثالث، فإنَّ النهي عن الأكل في الآنية التي يُشرب فيها الخمر، إنَّما هو باعتبار أنَّ الآنية تكون مُنجِّسةً للأكل الذي فيها، فإنَّ الآنية تتنجَّس بالخمر فتصبح متنجِّساً أوَّل، ويصبح الأكل متنجّساً ثانياً، وإطلاق كلمة (الأكل) يشمل المائع والجامد.

والإنصاف أنَّ دلالتها على تنجيس المُتنجِّس الأوَّل قريبة جداً. نعم، ليس لها إطلاق للمتنجس بالمتنجس.

ومثلها -بل لعلَّه أحسن منها- رواية: محمد بن مسلم رواها الشيخ الحر في كتاب الأطعمة والأشربة عن أحدهما قال: “سألته عن أهل الكتاب قال: لَا تَأْكُلْ فِي آنِيَتِهِمْ إِذَا كَانُوا يَأْكُلُونَ فِيْهَا المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ”؛ فإنها صريحة بأنَّ المقصود هو النجاسة لا القذارة المعنوية، إذن فالآنية تتنجس بلحم الخنزير لأنَّها ملاقية له، فتنجس الأكل.

ومقتضى الإطلاق أنَّه لا فرق بين ما يكون مايعاً وما يكون جامداً، وليس فيها إطلاق للمتنجس الثاني.

ــــــــــ[387]ــــــــــ

() باب 72، من النجاسات، (المقرر). الكافي 6: 264، كتاب الأطعمة، باب طعام أهل الذمّة ومؤاكلتهم وآنيتهم، الحديث 5، وسائل الشيعة 3: 419، كتاب الطهارة، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

14- رواية علي بن جعفر أيضاً

إنَّه: “سأل أخاه موسى بن جعفر عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام، قال: إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ اغْتَسَلَ بِغَيْرِ مَاءِ الْحَمَّامِ، إِلَّا أَنْ يَغْتَسِلَ وَحْدَهُ عَلَى الْحَوْضِ فَيَغْسِلَهُ ثُمَّ يَغْتَسِلَ”(1).

وهذا يدلّ على أنَّ الحوض الصغير قد تنجس، ولهذا احتاج إلى غسل، فلو ضممنا إلى ذلك أنَّ الكتابي ليس نجساً ذاتاً بل نجس عرضاً، فيدلّ على تنجيس المتنجس، فإنَّ هذا الكتابي المتنجّس يكون منجّساً أيضاً، بل الأمر بغسل الحوض يدلّ على أنَّ الحوض يكون منجّساً، فلو كان الكتابي عين النجس كان الحوض متنجّساً أوَّل.

تفصيل الكلام في رواية علي بن جعفر

وتفصيل الكلام في تحقيق الحال أن يُقال: إنَّ الاستدلال بها مبتنٍ على تقادير فقهية، فإنَّنا إمَّا أن نقول بالنجاسة الذاتيَّة لأهل الكتاب، أو لا نقول. وإمَّا أن نقول بانفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، أو لا نقول، فـ (2×2=4) صور، وهناك تقادير أخرى يتّضح حالها من الكلام في هذه الصور:

ــــــــــ[388]ــــــــــ

() باب 14، من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 223، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 23، وسائل الشيعة 3: 421، كتاب الطهارة، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الصورة الأولى: النجاسة الذاتيَّة لأهل الكتاب مع الانفعال بالقليل

أن نبني على النجاسة الذاتيَّة لأهل الكتاب وانفعال الماء القليل، على ما هو المشهور(1)، وبناءً عليه لا تدلّ على شيءٍ أزيد من المشهور، لأنَّه ليس المفروض ملاقاة النصراني لدكة الحوض، بل ملاقاته للماء فقط. والإمام أمر بغسل دكَّة الحوض. فإنَّ النصراني حين يلاقي الماء القليل يتنجَّس الماء بملاقاة عين النجاسة، وإذا تنجس فإنَّه ينجس الحوض؛ لأنَّنا فرغنا عن أنَّ المائع القليل ينجس.

نعم، قد يتخيّل أنَّ أمر الإمام بغسل الحوض دليلٌ على أنَّه مُنجّس لكنَّه غير صحيح، إذ لعلّ الملحوظ هو أنَّ الحوض ينجس الماء الجديد الذي يوضع فيه، لا أنَّه ينجس الجامد، وقد فرغنا عن أنَّ المائع القليل ينفعل بملاقاة النجاسة.

الصورة الثانية: النجاسة الذاتيَّة لأهل الكتاب مع عدم الانفعال

أن نبني على النجاسة العينيَّة لأهل الكتاب، وعلى عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المُتنجِّس، وفي الرواية لم يفرض ملاقاة الكتابي لغير الماء. فيتنجَّس الماء 

ــــــــــ[389]ــــــــــ

(1) راجع: غنية النزوع 1: 44، كتاب الطهارة، تذكرة الفقهاء 1: 68، كتاب الطهارة، الباب الثاني: في النجاسات، الفصل الأوَّل: في أصنافها، المسألة 22، مفتاح الكرامة 2: 35، كتاب الطهارة، المقصد الثالث: في النجاسات، الفصل الأوَّل: في أنواعها، العاشر: الكافر، مستند الشيعة 1: 197، كتاب الطهارة، المقصد الثاني، الباب الأوَّل: في أقسام النجاسات، الفصل السابع: في الكافر، القسم الثاني: الكتابيّون، أنوار الفقاهة: 359، كتاب الطهارة، القول في النجاسات، تاسعها: الكافر.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

على القاعدة؛ لأنَّه ملاقٍ لعين النجس، ويتنجَّس الحوض على القاعدة؛ لأنَّ الماء القليل إذا تنجَّس يكون مُنجّساً، ولكن لماذا يأمر الإمام بغسل الحوض؟ هل لأنَّ الكتابي لاقاه؟ هذا خلف المفروض، أو لأنَّ الماء الجديد يتنجَّس به هذا خلف المفروض أيضاً من عدم انفعال الماء القليل، فتنحصر نكتته في أنَّ ملاقيه الجامد يكون مُتنجِّساً، كيد الإنسان أو رجله، وإلّا فلماذا يأمر بغسله.

الصورة الثالثة: النجاسة العرضيَّة لأهل الكتاب مع الانفعال بالقليل

أن نبني على نجاسة أهل الكتاب عرضاً لا ذاتاً، وعلى انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، وهذا الكتابي لم يفرض ملاقاته مع دكَّة الحوض، بل مع الماء فقط، فتنجس الماء به والماء المتنجّس ينجس الحوض بناءً على أنَّ مطلق الماء المتنجّس -سواء تنجس بالعين أو بالمتنجس- يكون منجّساً وقد أمر الإمام بغسل الحوض لعله لأجل صيانة الماء الجديد عن النجاسة، فبناءً على هذه الصورة لا تدلّ الرواية على شيء جديد زائد على ما عليه المشهور.

الصورة الرابعة: النجاسة العرضيَّة لأهل الكتاب مع عدم الانفعال

أن نقول: بالنجاسة العرضيَّة لأهل الكتاب وبعدم انفعال الماء القليل. ولم يفرض في الرواية ملاقاة الكتابي مع دكَّة الحوض، بل مع الماء خاصّة، ولا موجب لفرض نجاسة الماء، ولا بُدَّ من حمل الرواية على التنزّه.

إلّا أن نُعمل فيه عناية وتأويلاً، ونقول: إنَّ هذا المسيحي لاقى نفس الحوض؛ لأنَّ الغالب هو ذلك، وإنَّما أمر الإمام المسلم بغسله باعتبار أنَّ الغالب أن يلاقي الحوض بدنه.

ــــــــــ[390]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ومعه تصير الرواية دالَّة على أنَّ المتنجّس الأوَّل يُنجِّس -وهو المسيحي-، بل المتنجّس الثاني أيضاً ينجَّس وهو دكَّة الحوض؛ لأنَّ الإمام أمر بغسلها. إلّا أنَّ هذه العنايات بلا موجب، فتُحمل على التنزّه، ومعه لا يتمُّ الاستدلال بهذه الرواية.

15- رواية علي بن جعفر الأخيرة

عن أخيه موسى بن جعفر، قال: “سألته عن أكسية المِرغزي والخِفاف تُنقَّع في البول أيصلَّى عليها؟ قال: إِذَا غُسِلَتْ بِالْمَاءِ فَلَا بَأْسَ”(1).

وحيث إنَّها (أكسية) فالصلاة لا يعني السجود عليها، بل الإتيان بباقي الأفعال فوقها واستعمالها كمكان للمصلِّي. ومفهوم جواب الإمام يدلّ على أنَّه إذا لم يغسل بالماء فـ(فيه بأس)، وهذا (البأس):

1- إمَّا أن يكون هو اشتراط طهارة مكان المصلي، وحيث إنَّه مُتنجِّس بالبول فلا يكون مكانه طاهراً، فلا تصحّ الصلاة، وهذا البأس ثابت سواء كان الكساء رطباً أو يابساً.

2- وإمَّا أن يكون البأس بأس السراية إلى بدن المصلِّي وثيابه، فينحصر البأس حينئذٍ بفرض الرطوبة، إذ لا سراية بدونها.

ــــــــــ[391]ــــــــــ

() باب 71، من النجاسات، (المقرر). مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 219، كتاب الصلاة، لباس المصلّي، الحديث 489، قرب الإسناد: 191، أبواب الصلاة، لباس المصلّي، الحديث 720، وسائل الشيعة 3: 517، كتاب الطهارة، الباب 71 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فنضمّ إلى ذلك من الخارج الفراغ عن عدم اشتراط صحَّة الصلاة بطهارة مكان المصلِّي بعنوانها، وإنَّما يكون مانعاً متى كان ملازماً للسراية، فيثبت بذلك أنَّ (البأس) هو بأس السراية، فيثبت أنَّ الكساء تسري منه النجاسة، وإلّا كان الصلاة عليه بلا بأسٍ بعد أن زالت عنه عين النجاسة.

إلّا أنَّها غير تامّة سنداً؛ لأنَّه رواها صاحب الوسائل(1) عن قرب الإسناد لعلي بن جعفر، ويقع في طريقه إليه عبد الله بن (317)الحسن وهو ممن لم يوثّق(2).

خلاصة الكلام في روايات المقام

وهذه الروايات لا بأس بدلالتها، خصوصاً رواية آنية الخمر ورواية آنية الميتة، وبالأخصّ رواية عمَّار التي قلنا إنَّها أقوى روايات الباب، وإن ناقشنا في دلالتها سابقاً، إلّا أنَّ مناقشتنا ليست في محلِّها.

فإنَّها لو كان قد قيل فيها: (إنَّ الموضع القذر لا تصلِّ عليه إذا كانت رجلك رطبة)، لكانت مناقشتنا صحيحة، وهي اختصاص القذر بالمتلطخ إلّا أنَّها قالت: (الموضع القذر لا يجوز الصلاة عليه إذا كانت رجلك رطبة إلى أن ييبس بالشمس ولا يكفي أن ييبس بغير الشمس)(3)، فهذا معناه أنَّه لا يجوز 

ــــــــــ[392]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 517، كتاب الطهارة، الباب 71 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) راجع: معجم رجال الحديث 11: 170، 177 باب العين، الرقمان 6804 و6812. 

(3) اُنظر: (الفصل الرابع، الجهة الرابعة، 6- رواية عمَّار الساباطي). ص373. حيث ورد فيها: “وَإِنْ كَانَتْ رِجْلُكَ رَطْبَةً أَوْ جَبْهَتُكَ رَطْبَةً أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْكَ مَا يُصِيبُ ذَلِكَ المَوْضِعَ الْقَذِرَ فَلَا تُصَلِّ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُ الشَّمْسِ أَصَابَهُ حَتَّى يَبِسَ، فإنَّه لَا يَجُوزُ ذَلِكَ”.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

حَتَّى تزول القذارة بالشمس؛ لأنَّه إذا كان قذراً بالبول ويبس بغير الشمس فقد زالت عين النجاسة، والرواية تقول فيه بعدم الجواز، فيكون الموضع منجّساً خالياً من عين النجس، فيثبت أنَّ المتنجّس الأوَّل يكون منجِّساً.

فإلى هنا تمّ الدليل على أنَّ المتنجّس الأوَّل يكون منجّساً، وهو المتنجّس الأوَّل بعين النجاسة، يبقى لدينا جهتان إحداهما: الحاق المتنجّس الأوَّل بالمائع به. الثانية: البحث في المتنجّس الثاني هل يكون منجّساً أو لا؟

فهذه هي الروايات التي يمكن الاستدلال بها على أنَّ المُتنجِّس الأوَّل يُنجِّس، استوعبناها ولم نُسقط منها إلّا بعض الروايات المماثلة لما ذكرناه في نكتة الاستدلال وجوابه، فيظهر حالها ممَّا ذكرناه. وبذلك يتّضح أنَّ الدليل على تنجيس المتنجّس الأوَّل تام، ولكنَّه ينحصر في ثلاث أو أربع روايات هي: 

1- رواية محمد بن مسلم التي تنهى عن الأكل في الآنية التي يشرب فيها الخمر.

2- وصحيحة محمد بن مسلم التي تنهى عن الأكل في آنية أهل الكتاب إذا كانوا يأكلون الميتة ولحم الخنزير.

3- وموثَّقة عمَّار التي قلنا إنَّها من أحسن الروايات في الباب.

4- ثُمَّ رواية علي بن جعفر في الكتابي يغسل مع المسلم في الحمام على بعض تقاديرها الأربعة.

ــــــــــ[393]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وإذ نريد أن نُصفّي الحساب نجد أمامنا عدّة صور:

الصورة الأولى: المائع المُلاقي لعين النجس

فإنَّه ينجس لا محالة كما عرفنا في الجهة الأولى، كما في موثَّقة عمَّار في فأرة وقعت في ماء، قال: “.. فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَيَغْسِلَ كُلَّ مَا أَصَابَهُ ذَلِكَ المَاءُ…(1).

الصورة الثانية: المائع المُلاقي لغير عين النجس

 كالمضاف على مبنانا والماء القليل على المشهور(2) من انفعاله بالمتنجس، هل يكون نجساً أو لا؟

الدليل على كونه منجّساً ينحصر في أحد أمرين:

الأمر الأوّل: روايات بَلِّ القصب بالماء القذر(3)، بناءً على دعوى أنَّ القذر 

ــــــــــ[394]ــــــــــ

() اُنظر: (الفصل الرابع: الجهة الأولى، الرواية الثانية: موثَّقة عمار الساباطي)، ص348.

(2) لاحظ: مفتاح الكرامة 1: 304، كتاب الطهارة، المقصد الثاني: في المياه، الفصل الأوَّل: في المطلق، القسم الثاني: في الماء الكرّ، الماء القليل، كشف الغطاء 2: 375، كتاب الصلاة، المبحث السادس: في شرائطها، الأوَّل: الطهارة، المطلب الثالث: في المطهّرات، القسم الثاني: الماء القليل، جواهر الكلام 1: 105، كتاب الطهارة، الركن الأوَّل: في المياه، الطرف الأوَّل: في الماء المطلق، في الماء المحقون.

(3) لاحظ: قرب الإسناد: 212، باب الصلاة، في القراءة، الحديث 830، من لا يحضره الفقيه 1: 245، أبواب الصلاة، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها، الحديث 737، تهذيب الأحكام 2: 370، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 71، وسائل الشيعة 3: 454، كتاب الطهارة، الباب 30 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بمعنى النجس الشامل للماء المنفعل بالمتنجس.

وأمَّا بناءً على ما ذكرناه من أنَّ عنوان القذر ظاهرٌ بالنجاسة العينيَّة ولا يشمل الحُكمِيَّة، فلا يبقى فيه إطلاق للماء المُلاقي مع المتنجس.

الأمر الثاني: (رواية علي جعفر)(1) في غسل المسلم مع النصراني على الصورة الثالثة من تقاديرها الأربعة، وهو أن نقول بالنجاسة العرضيَّة لأهل الكتاب، وأن نقول: بانفعال الماء القليل. فإنَّ المسيحي لاقى الماء فأصبح الماء متنجّساً بالمتنجّس، وقد نجس الماء دكة الحوض بدليل أنَّ الإمام أمر بغسلها.

إلّا أنَّ هذا التقدير لم يتمّ في هذه الرواية.

فإذا بطل هذان الأمران، ينحصر دليل المسألة في دعوى أنَّه القدر المُتيقَّن من الإجماعات المنقولة والشهرات المستفيضة، بحيث إنَّ نكات التشكيك في الإجماعات المنقولة في الجوامد لا تأتي هنا، فإن لم يوجب ذلك الاطمئنان، فلا أقلّ من أنَّه يوجب الاحتياط الوجوبي.

الصورة الثالثة: تنجُّس الجامد بالمائع المُتنجِّس بعين النجاسة

المُتنجِّس الجامد بالمائع المُتنجِّس بعين نجس هل ينجس أو لا؟ دليله أحد أمور:

ــــــــــ[395]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 223، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 23، وسائل الشيعة 3: 421، كتاب الطهارة، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

1- أمَّا رواية بَلِّ الباريّة بماء قذر بناءً على استظهار أنَّه بمفهومها يدلّ على أنَّه إذا لم ييبس ففيه بأس، وإن البأس هو وقوف المصلي على الباريّة، فتكون دليلاً على أنَّ القصب ينجس والقصب مُتنجِّس بالمائع المتنجس.

لكن قلنا: إنَّه لعلّ النظر إلى السجود على الباريّة والإجمال يكفي.

2- وأمَّا رواية المعلى بن خنيس(1)، التي قلنا إنَّ دلالتها تامّة، لكنَّها غير تامّة السند.

3- وأمَّا موثَّقة عمَّار في الموضع القذر في البيت يُبال فيه ويُغتسل فيه، بأن يقال: حيث إنَّه من المتعارف أنَّه يعدُّ مثل هذا المكان لغسل الجنابة أيضاً، ولهذا عطف عليه في جملة من الروايات. فهذه العبارة كما تنطبق على القذر بالبول، كذلك تنطبق على المُلاقي لماء غسل الجنابة.

وحينئذٍ يقال: إنَّها تدلّ على أنَّ الموضع القذر يكون منجّساً لبدن المصلِّي سواء كان متنجّساً بالبول أو بماء الغسل.

ولا يقال: إنَّ ماء الغسل ليس قذارة.

فإنَّه يقال: إنَّ القذر كما يصدق عرفاً على عين النجس كذلك يصدق عرفاً على الماء المُلاقي لعين النجس.

4- وأمَّا رواية علي بن جعفر بناءً على الصورة الثانية من تقاديرها الأربعة، 

ــــــــــ[396]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 39، كتاب الطهارة، باب الرجل يطأ على العذرة أو غيرها من القذر، الحديث 5، وسائل الشيعة 3: 458، كتاب الطهارة، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهي: ما إذا بنينا على النجاسة الذاتيَّة للكتابي وعلى عدم انفعال الماء القليل، فإنَّ هذا الكتابي حين يلاقي الماء ينجس الماء على القاعدة لأنَّه ملاقٍ لعين النجس. وإذا تنجس الماء نجَّس الحوض على القاعدة، فيكون الحوض ملاقياً المائع المتنجّس بعين النجس، وقد أمر الإمام بغسله، فيدلّ على أنَّه مُتنجِّس أيضاً.

الصورة الرابعة: تنجُّس الجامد بالمُتنجِّس الجامد

هل المُتنجِّس الجامد بالمُتنجِّس الجامد -يعني المُتنجِّس الثاني- ينجس أو لا؟

الصحيح أنَّه لا ينجس؛ لأنَّنا إنَّما بنينا على أنَّ المُتنجِّس الأوَّل ينجس بأربع روايات، وكلّها خاصَّة بالمتنجس الأوَّل، ولا تدلُّ على أنَّ المتنجّس الثاني ينجس. نعم، رواية علي بن جعفر على بعض تقاديرها كانت تدلّ على ذلك، إلّا أنَّه تقدير غير تامّ.

هذا تمام الكلام في أدلَّة الانفعال ومناقشتها.

الروايات الدالة على عدم تنجيس المتنجِّس

بقيت جهة واحدة وهي في الروايات التي يُستدلّ بها على عدم تنجيس المُتنجِّس حَتَّى الأوَّل منه، بحيث لو تمّت تقع طرفاً للمعارضة مع هذه الروايات التي تمّت عندنا.

الرواية الأولى: معتبرة حكم بن حكيم

رواها المشايخ الثلاثة، الكليني بسند معتبر وهو: علي بن إبراهيم عن أبيه 

ــــــــــ[397]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن حكم بن حكيم ابن أخي خلاد أنه سأل أبا عبد الله، فقال له: “أبول فلا أصيب الماء، وقد أصاب يديَ شيءٌ من البول، فأمسحه بالحائط وبالتراب، ثُمّ تعرق يدي، وأمسح به وجهي أو بعض جسدي، ويصيب ثوبي، قال: لَا بَأْسَ بِهِ”(1).

وتقريب الاستدلال بها على المطلوب: أنَّ اليد أصبحت بملاقاة البول متنجّساً أوَّل وقد لاقت شيئاً آخر كالوجه أو الثوب، فقال الإمام: “لا بأس به” فلو كان المتنجّس منجّساً لسرت النجاسة ولثبت فيه البأس. إذن فالرواية تدلّ على عدم تنجيس المتنجس.

وناقش فيه السيد الأستاذ(2):أنَّ الرواية فرضت موضعاً متنجّساً من اليد قد عرق، ثُمَّ إنَّه مسح بالكفّ وجهه. ولكن لم يفرض أنَّه مسحه بتمام الكفّ المشتمل على ذلك الموضع المرطوب، بل العادة جارية بأنَّه يمسح وجهه بطرف من كفّه، إذن عندنا قضيتان مفروضتان:

إحداهما: أنَّه أصابت النجاسة جزءاً من كفّه.

ــــــــــ[398]ــــــــــ

() باب 6، من النجاسات، (المقرر). الكافي 3: 55، كتاب الطهارة، باب البول يصيب الثوب أو الجسد، الحديث 4، من لا يحضره الفقيه 1: 69، باب ما ينجّس الثوب والجسد، الحديث 158، وسائل الشيعة 3: 401، كتاب الطهارة، الباب 6 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 241، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ثانيتهما: أنَّه مسح بجزء من كفّه وجهه، ولكن لا يعلم اتّحاد الجزأين، وحينئذٍ فتكون هذه الرواية واردة في مورد الشكّ في الجزء المُلاقي مع الوجه.

فإن كان ذلك الموضع الذي أصابه البول والعرق متعيّناً في الكفّ، فيجري استصحاب عدم ملاقاة الوجه لذلك الجانب المتعيّن.

وإن كان ذلك الجانب غير متعيّن، فيتولَّد علم إجمالي بأنَّ جزءاً ما من الكفّ نجس، فيصبح الوجه ملاقياً لأحد أطراف الشبهة المحصورة، ولا يجب الاجتناب فيه أيضاً.

إلّا أنَّ هذه المناقشة ممَّا لا يمكن المساعدة عليها لأمرين: 

الأمر الأوَّل: أنَّ هذا الرجل الذي فرض أنَّه أصابت يده البول ثُمَّ عرقت يده ثُمَّ مسح بها وجهه، وإن لم يصرّح أنَّ موضوع هذه الأعراض هو تمام الكف، بل قال: “أَمْسَحُ بِهِ وَجْهِيَ”، وهو كما يصدق على المسح بتمام الكفّ يصدق على المسح بجزئه،

إلّا أنَّ الإطلاق -بملاك ترك الاستفصال- فيه ثابت، والمقتضى أنَّه لا يَنجُس وجهه، سواء مسح بتمام كفّه أو ببعضه، فيكون هذا الإطلاق دالاً على عدم تنجيس المتنجس. ولا موجب لدعوى اختصاص مورد المسح بجزء الكف.

الأمر الثاني: أنَّنا لو غضضنا النظر عن هذا الإطلاق، فإنَّه توجد في الرواية نكتة أخرى لم تلاحظ في المناقشة، وهي: أنَّه لم تفرض أصابة اليد للوجه بل فرضت أصابة العرق للوجه، بقرينة تذكير الضمير فيما أصاب الوجه، حيث قال: “وَأَمْسَحُ بِهِ وَجْهِي” و”يُصِيبُ ثَوْبِيَ“، وهو العرق لا اليد المتعرِّقة.

ــــــــــ[399]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بناءً عليه لو فرض أنَّنا أخذنا بنفس تعبير السيد الأستاذ من أنَّ جزءاً من اليد أصابه البول وعرق وأصاب ذلك العرق الوجه والثوب، فهنا لا معنى لأن يقال: لعلّ الجزء من اليد الذي أصاب الوجه غير الجزء الذي أصابه البول؛ لأنَّ المفروض أنَّه أصاب نفس العرق لا اليد.

وحينئذٍ فإن فُرِض العلم بأنَّ الوجه أصاب الموضع المتنجّس خاصّة، كانت الرواية دالَّة على عدم تنجيس المتنجس، ولا معنى لفرض الشكّ فيه. وإن كان يحتمل أنَّ الطرف الذي اصابه البول غير الطرف الذي أصابه العرق، إذن فلا بأس لو مسح وجهه بتمام كفّه؛ لأنَّه يحتمل أنَّ موضع العرق لا بول فيه أي طاهر، وموضع البول لا عرق فيه، أي جافّ، ولا معنى لفرض الشكّ.

ولا إشكال في ظهور الرواية، في أنَّ هذه الأجزاء متطابقة على محلّ واحدٍ، ولا أقلّ من الإطلاق، فتكون الرواية دالَّة على عدم تنجيس المتنجّس.

الرواية الثانية: رواية حنَّان بن سدير

رواها الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن حنَّان بن سدير، قال: “سمعت رجلاً سأل أبا عبد الله، فقال: إنّي ربما بلت ولم أقدر على الماء، ويشتدّ ذلك عليّ. فقال: إِذَا بُلْتَ وَتَمَسَّحْتَ فَامْسَحْ ذَكَرَكَ بِرِيقِكَ، فَإِنْ وَجَدْتَ شَيْئاً فَقُلْ هَذَا مِنْ ذَاكَ”(1). وهي معتبرة السند.

ــــــــــ[400]ــــــــــ

() باب 13، من نواقض الوضوء. (المقرر). الكافي 3: 20، كتاب الطهارة، باب الاستبراء من البول وغسله ومن لم يجد الماء، الحديث 4، من لا يحضره الفقيه 1: 70، باب ما ينجّس الثوب والبدن، الحديث 160، تهذيب الأحكام 1: 348، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث 14، وسائل الشيعة 1: 284، كتاب الطهارة، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وأمَّا من حيث الدلالة، فقد علَّم الإمام  هذا الرجل طريقة توجِد له فيها حالة الشكّ، حَتَّى يُجري أصالة الطهارة، فإنَّه إذا وجدت رطوبة مشتبهة فسوف لن يحصل له الجزم بأنَّها بوليَّة، بل لعلَّها من رطوبة الريق.

وهذه الحيلة لا يمكن أن تنجح إلاّ بناءً على القول بعدم تنجيس المُتنجِّس، فإنَّه بناءً على القول بتنجيس المتنجّس لا تتمّ؛ لأنَّه حين يضع شيئاً من ريقه على موضع البول، فيصبح ذلك الموضع متنجّساً مرطوباً، وهو يوجب سراية النجاسة، فيتفاقم المطلب عليه ويشتدّ.

بخلاف ما إذا قلنا بعدم تنجيس المتنجّس، إذ يكون ما هو المُنجِّس هو العين فقط وهو الرطوبة البوليَّة، وهي لن تكون محرزة وجداناً بهذه الحيلة، ومعه فيكون الخبر دالاً على عدم تنجيس المتنجّس.

إشكالان للسيد الأستاذ 

أشكل السيد الأستاذ(1) عليه بإشكالين:

الإشكال الأوَّل: 

إنَّه لم يذكر في الرواية أنَّ رطوبة الريق جعلت على موضع البول، فلعلها 

ــــــــــ[401]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 240، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11، فقه الشيعة 3: 375، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وضعت في موضع آخر، وهذا يكفي في إيجاد الشكّ في نفس الإنسان والرجوع إلى أصالة الطهارة. ومعه فحتَّى لو قلنا بأنَّ المتنجّس يُنجِّس تكون الحيلة ناجحة، فلا تكون الرواية دالَّة على المطلوب.

إلّا أنَّ هذا ممَّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ ظاهر قوله: (فإن وجِدت شيئاً فقل هذا من ذاك)، أنَّه يستطيع أن يقول ذلك في أي وقت وجد الرطوبة وفي أي موضع وضع الريق، وهذا لا يكون إلّا إذا فرض ترطيب نفس الموضع المتنجس، فإنَّه لو وضع في موضع آخر، ووجد رطوبة على نفس الموضع المتنجّس فهل يستطيع أن يقول: هذا من ذاك؟ كَلا، فإنَّ الرطوبة البوليَّة المحتملة أوَّل ما تظهر هناك ولا يحتمل عادةً أنَّها تثبت وجودها في موضع آخر، وإنَّما يستطيع أن يقول ذلك إذا وضعت الرطوبة نفس ذلك الشيء المتنجس.

الإشكال الثاني: 

أنَّنا إذا حملنا الرواية على أنَّ الشدَّة والمحذور الذي وقع فيه السائل هو محذور ما قبل الاستبراء، فالاستدلال تام، فإنَّه تكون الشدَّة قد وقعت من ناحية الرطوبات المشتبهة التي يحكم ببوليّتها. وقد أعطاه الإمام طريقة تُحدِث له فيها شبهة موضوعية، يحكم فيها بالطهارة. ويتمّ الاستدلال بناءً على عدم تنجيس المُتنجِّس.

وأمَّا إذا أبدينا احتمالاً آخر وهو أنَّ المكلف بال واستبرأ بالخرطات وبعد هذا تكون الرطوبة الخارجة محكومة بالطهارة شرعاً، وإنَّما وقعت الشدَّة من ناحية تنجيس المتنجس؛ لأنَّ هذه القطرات الطاهرة موضع البول الذي مسحه 

ــــــــــ[402]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بالأحجار ولم يغسله بالماء، فسوف يترطب الموضع النجس وتنتشر منه النجاسة إلى ملابسه. 

إذن فالرواية مبنية على تنجيس المتنجّس لا على عدمه، وقد علمه الإمام طريقة للبناء على الطهارة، فلا تكون الرواية دالَّة على المطلوب.

وهذا الكلام لا إشكال أنَّه بحسب طبعه على خلاف ظهور الرواية؛ لأنَّ الاستبراء لم يذكر في مقام بيان الشدة، لكن يقام عليه قرينتان من نفس الرواية:

القرينة الأولى:

إنَّ نظر السائل لو كان إلى ما قبل الاستبراء وكان المحذور هو خروج البلل المحكوم عليه بالبولية، إذ لكان الأنسب للإمام أن يُعلِّمه الاستبراء من أجل أن يُثبت أنَّ البلل ليس بولاً، ولا حاجة إلى حيلة وعناية زائدة.

إذن فعدول الإمام عن الاستبراء إلى ذلك بنفسه قرينة على أنَّ الاستبراء قد فرغ من وقوعه، وإنَّما المحذور واقع بعده.

إلَّا أنَّ هذه القرينة ليست تامّة؛ لأنَّ عدول الإمام عن تعليم الاستبراء إلى هذه الحيلة لعله بنكتة: أنَّ المؤمن الذي تخرج منه الرطوبة على قسمين: 

تارةً: يفرض أنَّ شخصاً تخرج منه رطوبة مشتبهة. وهذا يمكن أن يتخلص من المشكلة بالاستبراء.

وأخرى: وكثيراً ما يكون سنخُ شخصٍ يعلم منذ البداية على تقدير الخروج، وأنّه لو خرج منه شيء فهو بول، باعتبار أنَّ طبع تبوّله هكذا، وهذا لا ينفعه 

ــــــــــ[403]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الاستبراء، ولكن هذه الحيلة نافذة فيه، إذ يقول المكلَّف: لعلَّه لم يخرج منه شيء.

فالحيلة التي بيَّنها الإمام تصلح لكِلا الحالين، بخلاف الاستبراء، فلعلَّ بيانها كان لأجل ذلك.

القرينة الثانية:

لو كان نظر هذا المؤمن إلى ما قبل الاستبراء، وكان إشكاله من ناحية الرطوبة البولية، فأيّ فرق بين أن يكون لديه ماء أو لم يكن.

وحيث إنَّ الراوي أشار إلى عدم الماء، فظاهره أنَّ له دخلاً في الشدَّة عليه. بينما قبل الاستبراء لا يكون له دخل. بخلاف ما بعده إذ لو كان لديه الماء موجوداً وغسل الموضع، ثُمَّ وجد بللاً مشتبهاً فإنه لا يوجب له محذوراً، وتنصيص الراوي على عدم الماء ظاهر في دخله وهو إنَّما يكون بناءً على الاحتمال الثاني.

وهذه القرينة وإن كانت أحسن حال من الأولى، إلّا أنَّها أيضاً لا يمكن الاعتماد عليها. لوضوح أنَّه يكفي عرفاً في دخل عدم الماء في اشتداد المطلب عليه: ما يوجبه من تأخير التطهير الذي يوجب توسع النجاسة فإنَّه لو وجدت الرطوبة قبل الاستبراء ولم يكن لديه ماء، فإنَّه يكون في معرض انتشار النجاسة. ويكفي هذا نكتة لدخل عدم وجدان الماء في المطلب حَتَّى للرطوبة الخارجة قبل الاستبراء.

إذن فكِلتا القرينتين غير تامة، فيبقى الظهور الأولي للرواية تاماً، وهو أنَّ 

ــــــــــ[404]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المحذور باعتبار الرطوبة الخارجة قبل الاستبراء باعتبارها رطوبة بوليَّة، ويكون الاحتيال الشرعي مبنياً على عدم تنجيس المتنجس.

الرواية الثالثة: رواية سماعة

 رواها الشيخ في التهذيب والاستبصار بسنده عن محمد بن علي بن محبوب عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي عن الحكم بن مسكين عن سماعة قال: “قلت لأبي الحسن موسى إنِّي أبول ثُمَّ أتمسح بالأحجار فيجيء مِنِّي البلل ما يفسد سراويلي، قال: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ‏”(1) (2).

وهذه الرواية بهذه الصيغة مطلقة شاملة للرطوبة الخارجة قبل الاستبراء وبعده، إلّا أنَّه لا بُدَّ من تقييدها بالروايات الدالة على أنَّ الرطوبة المشبهة قبل الاستبراء يحكم ببوليتها، فإنَّها أخص مطلقاً منها.

وهذا النصّ هو الموجود في الاستبصار(3) وبعض نسخ التهذيب(4)، وفي 

ــــــــــ[405]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 1: 51، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 89، الاستبصار 1: 56، كتاب الطهارة، الباب 31، الحديث 20، وسائل الشيعة 1: 283، كتاب الطهارة، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 4..

(2) قيل إنَّ نفي البأس يدلّ على عدم تنجيس المتنجّس لأنَّه لو كان منجّساً فهو لم يغسله بالماء وإنَّما هو متنجّس يابس، فلو خرجت منه رطوبة -وإن كانت طاهرة بعد الاستبراء- فإنَّها توجب ترطيب الموضع فيصبح متنجّساً فنفي البأس مبني على عدم تنجيس المتنجس.، (المقرر).

(3) الاستبصار 1: 56، كتاب الطهارة باب 31، الحديث 20.

(4) تهذيب الأحكام 1: 51، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 89.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بعض نسخه: “فَيَجِي‏ءُ مِنِّي الْبَلَلُ بَعْدَ اسْتِبْرَائِي‏”(1)، فإن تمّت كان التقييد مُتَّصلاً وإلا كان منفصلاً.

وحكم الإمام بنفي النجاسة مبنيٌ على عدم تنجيس المتنجّس لأنَّه لو كان منجّساً فموضع البول لازال نجساً، والرطوبة الخارجة بعد الاستبراء وإن كانت طاهرة، إلّا أنَّها لاقت مع الموضع النجس فتتنجس وتنجس. إذن تدلّ الرواية على عدم تنجيس المتنجس.

والكلام فيها تارةً يقع في السند، وأخرى في الدلالة.

الكلام السنديّ

أمّا الكلام في السند فقد اعترف السيد الأستاذ(2) بوجود شخصين غير موثَّقَين في سندها، هما الحكم بن مسكين والهيثم الذي يروي عن الحكم لا الذي يروي عنه الحكم.

وهذا الاعتراض غير تامّ لا على مبناه، ولا على مبنانا.

أمّا على مبناه فغير تامّ في كِلا هذين الشخصين لأنَّهما وردا في اسانيد كامل 

ــــــــــ[406]ــــــــــ

(1) لاحظ: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 241، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات..

(2) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 242، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11، فقه الشيعة 3: 378، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الزيارات(1)، الذي يبني السيد الأستاذ على توثيق جميع من ورد اسمه في أسانيده إلا من شهد بضعفه من الخارج، ولم يشهد لهذين بالضعف من الخارج. وبذلك يلزمه البناء على صحة سند هذه الرواية.

وأمَّا بناءً على مبنانا حيث لا نقبل هذا الكلام بل نبني على وثاقة خصوص من روى عنه ابن قولويه مباشرة باعتبار شهادته.

لكن مع هذا نبني على أنَّ الحكم بن مسكين ثقة؛ لأنَّه يروي عنه أحد الثلاثة -وهو ابن أبي عمير- بسند صحيح(2). نعم، الهيثم لا طريق لنا إلى توثيقه.

الكلام الدلاليّ

وأمَّا من حيث الدلالة فقد ناقش السيد الأستاذ(3) بالاستدلال بها بدعوى كونها مجملة يحتمل فيها أمران: 

الأوّل: أن يكون المفروض منها أنَّ المسح بالحجر ليس مطهراً لموضع البول، فهو باقٍ على نجاسته، غاية الأمر أنَّه لا ينجس حَتَّى لو ترطَّب بالرطوبة 

ــــــــــ[407]ــــــــــ

() اُنظر: كامل الزيارات: 89، الباب 28، بكاء السماء والأرض على قتل الحسين، المصدر نفسه: 108، الباب 36، المصدر نفسه: 110، الباب 37.

(2) الكافي 2: 191، كتاب الإيمان والكفر، باب إدخال السرور على المؤمنين، الحديث 12، تهذيب الأحكام 6: 126 كتاب الجهاد، الباب 57، الحديث 2.

(3) راجع: فقه الشيعة 3: 379، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الخارجة، وهذا معناه عدم تنجيس المُتنجِّس.

الثاني: أنَّ الرواية تكون مبنية على كفاية نفس المسح في التطهير، بحيث يطهر موضع البول بالمسح كموضع النجو، فإذا كانت كذلك فلا يكون فيها دلالة على عدم تنجيس المتنجس؛ لأنَّه لا يكون عندنا مُتنجِّس أصلاً؛ لأنَّ العضو يكون قد طَهُرَ بالمسح. وهذا معناه أنَّ الرواية مجملة، من حيث الاحتمالين، ومعه لا يمكن الاستدلال بها على عدم تنجيس المتنجس.

والتحقيق: أنَّ هذه المناقشة لا يمكن المساعدة عليها؛ لأنَّنا لو سلَّمنا إجمال الرواية، فغايته أنَّ مفادها هو أنَّ العضو الممسوح بالحجر لا ينجس، وهذه النتيجة مدلول عليها بالرواية، لكن لا يُعلَم نكتة عدم التنجيس، هل لأنَّه طَهُرَ بالمسح بالحجر، أو لأنَّ المُنجِّس لا يكون مُنجِّساً؟

وحينئذٍ فنضمّ الدليل الدالّ على أنَّ المسح لا يطهر البول، فيتعيَّن مفاده ونرفع إجمال الرواية، ويتعيَّن أنَّ عدم التنجيس ليس لأجل مطهّريّة المسح، بل لعدم تنجيس المتنجّس. وبذلك يتمّ الاستدلال بالرواية مع ضمّ ذلك الدليل.

فرضيات أربع في عدم مطهِّريَّة المسح للبول

وتوضيح الكلام في ذلك: أنَّ مسألة مطهِّريَّة المسح وعدمه لا إشكال أنَّه لا يكون مطهِّراً في موضع البول، ودليل ذلك لا يخلو من أحد فرضيات أربع نذكرها لتشييد الأذهان وإلا فالصحيح منها هو الفرضية الثانية.

الفرضية الأولى: أن يفرض أنَّ دليلَ عدم مطهرية المسح للبول دليلٌ قطعيٌ دالٌّ على ذلك كالإجماع.

ــــــــــ[408]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفرضية الثانية: أن يفرض أنَّ دليلَه روايةٌ ظنيَّةٌ معتبرةٌ تامّةٌ السند والدلالة تدلّ على ذلك، كرواية زرارة.

الفرضية الثالثة: أن يفرض أنَّ دليلَه إطلاقاتُ “صبَّ عليه الماء“، الدالّ أنَّه لا يجزي غير الماء.

الفرضية الرابعة: أن يكون دليله هو الاستصحاب. ونحن نتكلّم بناءً على كل واحدة من هذه الفرضيات، ونرى أنَّ الإجمال هل يرتفع بإحدى هذه الفرضيات أو لا؟

أمّا بناءً على الفرضية الأولى: فيتمّ ما قلناه من أنَّ رواية سماعة دالَّة على جامع عدم منجّسية العضو الجامع بين عدم المُنجِّسيَّة بنكتة مطهرية المسح، أو عدمها بنكتة عدم تنجيس المتنجس. وبالدليل القطعي ننفي النكتة الأولى، فيتعيَّن أن يكون عدم التنجيس بالنكتة الثانية، فتقع المعارضة بين دليل تنجيس المتنجّس وبين رواية سماعة.

وأمَّا بناءً على الفرضية الثانية: فأيضاً نضمّ الرواية وننفي بها النكتة الثانية، فيُصبح المجموع المركَّب من رواية سماعة ورواية زرارة دالّاً على عدم تنجيس المتنجس، فيقع هنا هذا المجموع طرفاً للمعارضة مع روايات تنجيس المُتنجِّس.

لكن فرق الفرضية الثانية عن الأولى، أنَّه بناءً على هذه الفرضية يكون المعارض مع روايات تنجيس المتنجّس المجموع المركَّب من رواية زرارة ورواية سماعة، وأمَّا بناءً على الفرضية الأولى فالدليل على نفي النكتة الأولى قطعي، فلا يعقل أن يقع طرفاً للمعارضة.

ــــــــــ[409]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وأمَّا بناءً على الفرضية الثالثة: وهي إطلاق “صبَّ عليه الماء“، فأيضاً نقول: بأنَّ الإطلاق ينفي النكتة الأولى فتتعيَّن النكتة الثانية، وهي عدم تنجيس المتنجس، فيحصل الدليل على ذلك من المجموع المركَّب من رواية سماعة والإطلاق، ويقع هذا المجموع طرفاً للمعارضة مع الروايات الخاصَّة الدالة على تنجيس المتنجس، كما هو الحال في الفرضية الثانية.

لكن الفرق أنَّه هنا طرف المعارضة هو المجموع المركَّب من رواية سماعة والإطلاق، فيكون بقوة الإطلاق لأنَّ النتيجة تتبع أخس المقدّمتين. وأمَّا بناءً على الفرضيَّة الثانية فيتعارضان ويتساقطان. 

وفي الحقيقة أنَّ رواية سماعة مع رواية تنجيس المُتنجِّس يكونان أخصَّ من الإطلاق.

وأمَّا الفرضية الرابعة، وهي: أنَّ دليل عدم المطهريّة هو مجرد الاستصحاب، أي استصحاب بقاء النجاسة بعد مسح العضو وعدم غسله، فمعناه: أنَّه ليس عندنا إلّا دليلان اجتهاديان هما رواية سماعة وروايات تنجيس المتنجس.

ورواية سماعة تقول: العضو بعد مسحه لا ينجس، إمَّا لأنَّ المسح مطهرّ خلافاً للاستصحاب أو لأنَّ المتنجّس لا ينجس خلافاً للروايات الخاصَّة. فبروايات تنجيس المتنجّس ننفي النكتة الثانية فتتعيَّن النكتة الأولى، ولا يوجد في مقابله إلّا الاستصحاب، والروايات مقدَّمة عليه كما هو واضح، فتكون رواية سماعة دالَّة على مطهّريّة المسح، فلا يمكن الاستدلال بها على المطلوب.

ــــــــــ[410]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إذن، فمناقشة السيد الأستاذ لا بُدَّ وان تطرح على مباني مطهريّة المسح، فتتمّ بناءً على المبنيين الأخيرين ولا تتمّ بناءً على الأوليين.

الرواية الرابعة: رواية حفص الأعور

وممّا ذكرناه ظهر الحال في رواية أخرى ممَّا يستدلّ بها على عدم تنجيس المتنجس، وهي رواية حفص الأعور قال: “قلت لأبي عبد الله: الدَنُّ يكون فيه الخمر ثُمَّ يجفف فيجعل فيه الخل، قال: نَعَمْ”(1) فالدَنُّ مُتنجِّس أوَّل يجفف فيجعل فيه الخل. فلو كان المتنجّس منجّساً لكان به بأس، فيدلّ قوله: “نَعَمْ”، على عدم كونه مُنجِّساً.

وقد ناقش السيد الأستاذ ذلك بمناقشتين(2):

المناقشة الأولى: في أنَّ الرواية مجملة

من سنخ ما ذكره في رواية سماعة، حيث أفاد أنَّها مجملة لا يُعلم أنَّ نكتة عدم البأس هل هي عدم تنجيس المتنجس، أو هي طهارة الخمر أصلاً؟ ثُمَّ استقرب أن تكون دالَّة على طهارة الخمر، وناظرة إليه، بقرينة أنَّ راوي هذه 

ــــــــــ[411]ــــــــــ

() باب 51، من النجاسات، (المقرر). الكافي 6: 428، كتاب الأشربة، باب الأواني يكون فيها الخمر ثمّ يُجعل فيها الخلّ أو يُشرب منها، الحديث 2، تهذيب الأحكام 9: 117، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 238، وسائل الشيعة 3: 495، كتاب الطهارة، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 245، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الرواية وهو حفص الأعور روى عن الصادق رواية تدلّ على طهارة الخمر، قال: “قلت لأبي عبد الله: إني آخذ الركوة فيقال: إنَّه إذا جُعل فيها الخمر وغُسِلَت، ثُمَّ جُعل فيها البختج كان أطيب له. فنأخذ الركوة فنجعل فيها الخمر، فنخضخضه ثُمَّ نصبُّه فنجعل فيها البختج، قال: لَا بَأْسَ بِه‏”(1).

وقد ظهر حال هذه المناقشة ممَّا ذكرناه، فإنَّنا لو سلَّمنا الإجمال في الرواية، فبضمّ دليل نجاسة الخمر إليها -النافي لإحدى النكتتين- يتعيَّن الحمل على النكتة الثانية.

فهذه الرواية مع روايات نجاسة الخمر بمجموعها تدلّ على عدم تنجيس المتنجس.

وأمَّا المقرب الذي ذكره السيد الأستاذ وهو أنَّ حفص الأعور يروي رواية أخرى في طهارة الخمر، فلا يمكن قبوله إلّا كشاهد احتمالي:

أولاً: أنَّ هذه الرواية لم تثبت عن حفص الأعور أصلاً؛ لأنَّها مرفوعة أحمد بن محمّد عن حفص، فسندها قبل حفص ضعيف ونسبتها إلى حفص فرع اعتبارها.

وثانياً: أنَّنا إذا أخذنا الرواية بالصيغة التي نقلناها فهي لا تدلّ على طهارة الخمر؛ لأنَّه يقول: “إِنَّهُ إِذَا جُعِلَ فِيهَا الْخَمْرُ وَغُسِلَتْ“؛ فإنّنا إن لم ندّعِ ظهور 

ــــــــــ[412]ــــــــــ

() باب 30، من الأشربة والأطعمة، (المقرر). الكافي 6: 430، كتاب الأشربة، باب الخمر تجعل خلّاً، الحديث 5، وسائل الشيعة 25: 368، بقيّة كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

 (الغسل) في أنّه بالماء – كما هو مقتضى طبع هذه الكلمة- لا أنَّه المراد الغسل بالخمر، فلا أقلّ من الإجمال، بحيث لا تدلّ على طهارة الخمر.

ولكن الصحيح أنَّ كلمة (غُسِلَت) غير موجودة في الرواية، فإنَّه نقلها الشيخ الحر في الوسائل عن الكليني وكتب كلمة وغسلت، وكأن السيد الأستاذ أخذها من الوسائل، مع أنَّه لا يوجد في نسخ الكافي(1) أصلاً هذه الكلمة.

والمجلسي في مرآة العقول يقول إنَّها محمولة على ما بعد الغسل(2). فلو كانت الكلمة موجودة في بعض النسخ الموجودة عند المجلسي لأشار إليها. وهذا يوجب الاطمئنان باشتباه الحر العاملي، ولو نقلت بلا كملة: (وغُسِلَت) لكان الاستشهاد بها أحسن.

المناقشة الثانية: في أنّ الرواية مطلقة

وهذه المناقشة للسيد الأستاذ أنّ السائل قال: (الدَنُّ يكون فيه الخمر ثُمَّ يُجفَّف) فإنَّها مطلقة من حيث إنَّه غُسِل من الخمر أو لم يُغسَل، فنقيِّده بالمنفصل بصورة الغسل، والمُقيّد هي الروايات الدالة على تنجيس المُتنجِّس. بما فيها رواية عمَّار الواردة في دَنِّ الخمر أيضاً. عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الدَنِّ يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خلّ، أو ماء كامخ، أو زيتون؟ 

ــــــــــ[413]ــــــــــ

(1) هي غير مثبتة في الكافي (ط. الإسلاميّة) 6: 430، كتاب الأشربة، باب النوادر، الحديث 5، لكنّها مثبتة في طبعة دار الحديث.

(2) مرآة العقول 22: 298، كتاب الأشربة، باب النوادر، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

قال: إِذَا غُسِلَ فَلَا بَأْسَ‏…” الحديث(1). فقوله “إِذَا غُسِلَ” يكون مقيّداً لذلك.

إلّا أنَّ هذه المناقشة أيضاً غير تامة، وتوضيحه: أنَّ السائل حين يسأل عن عنوان ذي حكم، ويجيب الإمام بإثبات ذلك على ذلك العنوان، فالجواب وإن كان قابلاً للتقييد لكن على شرط أن لا يكون موجباً لإلغاء العنوان رأساً.

وأمَّا إذا كان موجباً لذلك فليس تقييداً بل خلاف الظهور العرفيّ للجواب. كما لو سأل: (هل يجب إكرام العالم النحوي أو لا؟) فقال: (نعم)، فتقييد الجواب بكون النحوي فقيهاً ونحن نعلم من الخارج أنَّه يجب إكرامه سواء كان نحوياً أو لم يكن. فمثل ذلك يوجب إلغاء عنوان النحوية من الموضوع، فلا يكون تقييداً بل تأويلاً ومخالفاً لظهور العنوان المسؤول عنه في الدخالة في الحكم.

حينئذٍ نأتي إلى محلّ الكلام فنقول: إن السائل سأل عن الدَنِّ إذا جُفِّف هل يجوز جعل الخلِّ فيه أو لا؟ وهو ظاهر بأخذ عنوان التجفيف في الحلِّيّة، فلو قيَّدناه بالغسل يلزم إلغاء عنوان التجفيف أصلاً؛ لأنَّه لا يحتمل دخل التجفيف حَتَّى بعد الغسل أيضاً.

ومثل هذا التقييد لا يكون عرفياً، فلا بُدَّ من التحفُّظ على ظهور الكلام في 

ــــــــــ[414]ــــــــــ

(1) الكافي 6: 427، كتاب الطهارة، باب الأواني يكون فيها الخمر ثمّ يجعل فيها الخلّ أو يشرب منها، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 283، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 117، وسائل الشيعة 3: 494، كتاب الطهارة، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مدخلية التجفيف وهو إنَّما يكون فيما إذا لم يغسل، ومعه فتقع المعارضة بين هذه الرواية والروايات الدالة على تنجيس المتنجس(1).

والحاصل أنَّ رواية حفص هذه تامّة دلالة، ولكنّها ساقطة سنداً؛ لأنَّ حفص الأعور نفسه(2) لم يثبت توثيقه.

الرواية الخامسة: رواية العيص بن القاسم

الرواية الأخرى التي يستدلّ بها على عدم تنجيس المتنجس: رواية العيص بن القاسم: قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل بال في موضع ليس فيه 

ــــــــــ[415]ــــــــــ

() أقول: قلت له: إنَّه لم أفهم معنى دخالة التجفيف في الحكم فهل المراد دخله في المطهرية؟

فقال: كان قصدي أنَّه بناءً على أنَّ المُتنجِّس لا ينجِّس، يكون للتجفيف دخلٌ في جواز وضع الخلِّ، باعتبار ذهاب القطرات الخمريّة بالجفاف، وأمَّا بناءً على أنَّ المتنجّس ينجس فلا يكون للتجفيف دخلٌ أصلاً؛ لعدم كفاية التجفيف وكون زوال القطرات الخمرية مستنداً إلى الغسل حينئذٍ، فظهور الرواية بمدخلية التجفيف في الحكم في الجملة يعيّن الاحتمال الأول، وهو حملها على أنَّها مبتنيةٌ على أنَّ المتنجّس لا ينجس فتعارض ما دلّ على كونه منجساً، (المقرّر).

(2) لاحظ: كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 133، أصحاب الإمام الباقر، باب الحاء، الرقم 1378، المصدر نفسه: 196، أصحاب الإمام الصادق، باب الحاء، الرقم 2472، نقد الرجال 2: 128، باب الحاء، الرقم 1565، معجم رجال الحديث 7: 138، باب الحاء، الرقم 3773.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه، قال: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَفَخِذَيْهِ”(1).

وهذا الجزء من الرواية دليل على تنجيس المتنجّس؛ لأنَّ موضع البول بقي متنجّساً فأمره بغسله، ثُمَّ عرق ولاقى فخذه فأمر بغسله، ولا منشأ لغسل الفخذ إلا تنجيس المتنجس.

لكن الجزء الثاني من الرواية: “وسألته عمن مسح ذكره بيده ثُمَّ عرقت يده، فأصاب ثوبه، يغسل يده؟ قال: لا، دالّ على عدم تنجيس المتنجس، فإنَّ ثوبه أصبح ملاقياً مع يده المتنجسة، فقال: لا(2).

وتفصيل الكلام في هذه الرواية: أنَّ قوله: (وسألته عمن مسح ذكره بيده) هذا المسح يحتمل فيه بدواً ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: -وهو الذي يبتني عليه الاستدلال بالرواية-، أن يكون المسح باليد مسحاً استنجائياً بدل المسح بالأحجار، وعليه يترتّب أمران: 

الأول: تمامية الاستدلال بهذه الفقرة على عدم تنجيس المتنجس؛ لأنَّ يده متنجسة ولاقت مع الثوب بالرطوبة وقد أمر الإمام أنَّه لا يجب غسلها.

الثاني: أنَّه يتعارض صدر الرواية مع ذيلها؛ لأنَّ مرتبة الثوب هي مرتبة الفخذ، وقد أمر الإمام بغسل الفخذ ولم يأمر بغسل الثوب.

ــــــــــ[416]ــــــــــ

() هذا الجزء من الرواية في باب 26، من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 421، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 6، وسائل الشيعة 1: 350، كتاب الطهارة، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

(2) هذا الجزء من الرواية موجود في باب 6 من النجاسات، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الاحتمال الثاني: وهو الذي أبداه السيد الأستاذ(1) في مناقشة الرواية، وهو أن يكون مراده السؤال عن مسح ذكره مستقلّاً عن مسألة التبول. فلعله تصور أنَّ هذا المسح موجب للنجاسة الخبثية كما تصوّر بعض فقهاء العامّة(2) أنَّه يوجب نقض الوضوء، ويترتّب على هذا الاحتمال أمران عكس الأوَّل:

الأوّل: أنَّه يبطل الاستدلال بالرواية.

الثاني: أنَّه يرتفع التعارض بين الفقرتين فيها.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد الاستمرار في نفس الفرضية التي سأل عنها السائل أوّلاً…، لا الإتيان بمسألة جديدة، لكن يُفرض أنَّ هذا المسح في طول ذلك المسح. يعني أنَّه مسح ذكره بالحجر ثُمَّ مسحه بيده ثُمَّ عرقت وأصاب ثوبه، فقد فهم السائل من جواب الإمام عن السؤال الأوَّل: أنَّ المتنجّس الأوَّل ينجس، فسأل عن أنَّ يده لو لاقت المتنجّس الأوَّل فهل تكون منجسة لثوبه، أو لا؟

ويترتّب على هذا الاحتمال أمران: 

الأوّل: أنَّ هذه الرواية لا تكون دليلاً على عدم تنجيس المتنجّس الأوّل، وإنَّما تكون دليلاً على عدم تنجيس المتنجّس الثاني.

ــــــــــ[417]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 243، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

(2) اُنظر: المدوّنة (مالك بن أنس) 1: 118، الوضوء من مسّ الذكر، كتاب الأُمّ (الشافعي) 1: 33، باب الوضوء في مسّ الذكر.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الثاني: ارتفاع التعارض بين جزئَي الرواية.

والمستظهر من هذه الاحتمالات الثلاثة هو الاحتمال الأوَّل.

أمّا الاحتمال الثاني: فهو على خلاف ظاهر الرواية، ولأجل توضيح ذلك لا بُدَّ من ذكر قاعدة عرفية في باب الأسئلة والأجوبة ثُمَّ تطبيقها على هذه الرواية. وهي: أنَّ الإنسان إذا كان في مقام الاستطلاع عن طهارة شيء أو نجاسته كدم البرغوث، فهناك طريقتان لعرض السؤال:

الطريقة الأولى: أن يسأل عن طهارة الدم ابتداءً بشكل ٍمباشر.

الطريقة الثانية: أن يُفرض له ملاقياً ويسأل عن حكم المُلاقي من أجل أن يعرف أنَّ ملاقيه محكوم بالنجاسة أو لا.

ومقتضى طبع المطلب هو استعمال الطريقة الأولى وهي السؤال عن نفس الملاقى، والعدول عنه إلى المُلاقي يحتاج إلى نكتة عرفية مصححة له، وإلّا لم يكن السؤال عرفياً.

وهناك نكتة عرفية تصححه في بعض الموارد. وضابط هذه النكتة: أنَّه إذا فرض أنَّ المُلاقى الذي يراد معرفة حكمه لم يكن له مظهر عملي إلّا من حيث الملاقي، فهنا يَحسُن أن لا يسأل عنه ابتداءً، بل يفرض ملاقياً له، ليوجد المظهر العملي لذلك كما هو الحال في دم البرغوث، فإنَّ نجاسته ليس لها مظهر عملي إلّا باعتبار الملاقي، فالعدول عن السؤال عنه إلى السؤال عن ملاقيه يكون عرفياً.

وأمَّا لو فرضنا أنَّ المُلاقي كان له في نفسه مظهر عملي، فلا يحَسُن أن يعدل 

ــــــــــ[418]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

عنه إلى فرض ملاقٍ له، فلو أراد التعرُّف على نجاسة اليد فسأل عن الثوب المُلاقي لها. فهو سؤال غير عرفي مع إمكان أن يسأل عن اليد ابتداءً.

ففي رواية العيص بناءً على الاحتمال الثاني الذي يقول: لعلّ الراوي كان يحتمل أنَّ يده تتنجس بمس ذلك العضو المخصوص، كما تخيّل علماء العامة أنَّه يكون ناقضاً للوضوء(1). وهذا معناه أنَّه يريد أن يعرف حكم اليد في الطهارة والنجاسة، فلماذا يعدل عنها إلى السؤال عن الثوب المُلاقي لها، وهذا لا يحتاج إلى مثل هذه العنايات، ولماذا لم يسأل عن اليد ابتداءً فإنَّها داخلة في محلِّ ابتلائه وطهارتها شرط في صحة وضوئه وصلاته. فنعرف من ذلك أنَّ المراد ليس هو السؤال عن اليد بل السؤال عن حكم الثوب بعد وضوح نجاسة اليد لدى الراوي. وهذا معناه بطلان الاحتمال الثاني.

وأمَّا الاحتمال الثالث: وهو أنَّ الراوي فرض الواقعة الثانية في طول الأولى، فهو أيضاً خلاف الظاهر، لأنَّه لو كان السؤال بلسان: (فإذا كان قد مسح)، أمكن أن يُقال إنَّ له نظراً إلى الرجل الأول، لكن لم يرد منه ذلك، بل يقول: (سألته عن مسح..)، وليس فيه ظهور ونظر إلى الأول، والحمل على الطولية يحتاج إلى قرينة ولا قرينة.

ومعه يتمّ الاحتمال الأول، وهو أن يكون المسح باليد مسحاً استنجائياً، ومعه لا يشكّ الراوي في نجاسة يده، لأنَّها لاقت مع البول. وإنَّما يشكّ في 

ــــــــــ[419]ــــــــــ

(1) اُنظر: المدوّنة (مالك بن أنس) 1: 118، الوضوء من مسّ الذكر، كتاب الأُمّ (الشافعي) 1: 33، باب الوضوء في مسّ الذكر.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

نجاسة ثوبه؛ لأنَّه ملاقٍ مع المتنجس، فتكون الرواية دليلاً على عدم تنجيس المتنجس، وهي معتبرة السند.

الرواية السادسة: رواية علي بن مهزيار

 ما رواه الشيخ في التهذيب والاستبصار عن أحمد بن محمد وعبد الله بن محمد جميعاً عن علي بن مهزيار قال: “كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنَّه بال في ظلمة الليل وأنّه أصاب كفّه برد نقطة من البول لم يشكّ أنَّه أصابه ولم يره، وأنه مسحه بخرقة ثُمَّ نسي أن يغسله. وتمسح بدهن فمسح به كفّيه ووجهه ورأسه ثُمَّ توضأ وضوء الصلاة فصلى، فأجابه بجواب قرأته بخطه: أَمَّا مَا تَوَهَّمْتَ ممَّا أَصَابَ يَدَكَ فَلَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ، إِلَّا مَا تُحَقِّقُ، فَإِنْ حَقَّقْتَ ذَلِكَ كُنْتَ حَقِيقاً أَنْ تُعِيدَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي كُنْتَ صَلَّيْتَهُنَّ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ بِعَيْنِهِ مَا كَانَ مِنْهُنَّ فِي وَقْتِهَا، وَمَا فَاتَ وَقْتُهَا فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْكَ لَهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ ثَوْبُهُ نَجِساً لَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ إِلَّا مَا كَانَ فِي وَقْتٍ. وَإِذَا كَانَ جُنُباً أَوْ صَلَّى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ الَّتِي فَاتَتْهُ؛ لأنَّ الثَّوْبَ خِلَافُ الْجَسَدِ، فَاعْمَلْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّـهُ تَعَالَى”(1).

ــــــــــ[420]ــــــــــ

() باب 42، من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 427، كتاب الطهارة، باب 22، الحديث 28، الاستبصار 1: 184، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 15، وسائل الشيعة 3: 479، كتاب الطهارة، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الكلام في الدلالة

فقد بيَّن الإمام حكمين كُلِّيين في جوابه: 

أحدهما: أنَّ من صلّى مع الحدث -سواء كان أصغر أو أكبر- ثُمَّ التفت إلى حاله فإنَّه يجب عليه إعادة الصلاة داخل الوقت وخارجه.

ثانيهما: من صلّى مع النجاسة ثُمَّ التفت، فيُفصَّل بين داخل الوقت فيجب عليه الإعادة، وخارجه فلا يجب.

وهي وإن كانت تشمل النجاسة سواء كان جهلاً أو نسياناً، لكن لدينا روايات قد دلَّت على أنَّ النجاسة إذا كانت مجهولة أصلاً فلا إعادة ولا قضاء، ويختص هذا بالنجاسة المنسية. 

وفيها الصحيح هو التفصيل بين الوقت وخارجه.

ثُمَّ بيَّن الإمام للسائل أنَّه يدخل تحت الحكم الثاني لا الحكم الأوَّل يعني أنَّه لم يصلِّ بلا وضوء؛ لأنَّه قد توضأ وإنَّما وقعت صلاته مع النجاسة المنسية، فيجب عليه الإعادة والقضاء.

وأمَّا تقريب الاستدلال بالرواية، فمن الواضح أنَّنا إذا بنينا في الوضوء اشتراط طهارة أعضاء الوضوء، زائداً على اشتراط طهارة الماء، فكأنَّ عندنا شرطين وهو المعروف بين الفقهاء(1).

ــــــــــ[421]ــــــــــ

(1) راجع: الحدائق الناضرة 3: 97، كتاب الطهارة، الباب الثالث: الغسل، المطلب الأوَّل: الفصل الأوَّل: الثانية عشرة، العروة الوثقى (المحشّى) 1: 378، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الوضوء، فصلٌ: في شرائط الوضوء، الثاني، مستمسك العروة الوثقى 2: 423، كتاب الطهارة، فصلٌ: في شرائط الوضوء، الثاني، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 3: 360، كتاب الطهارة، فصلٌ: في شرائط الوضوء، الثاني.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

إذن فيجب ردُّ علم هذه الرواية إلى أهلها؛ لأنَّه في موردها يكون وضوؤه باطلاً فيجب عليه الإعادة والقضاء، ولا تكون الرواية مفهومة.

وأمَّا لو لم نشترط طهارة أعضاء الوضوء، وإنَّما اشترطنا طهارة الماء، فقد تقرّب دلالتها على عدم تنجيس المتنجس.

ويتحصّل من كلمات السيد الأستاذ تقريبان لذلك:

التقريب الأوّل: أن يقال: إنَّه لو كان المتنجّس منجّساً لتنجَّس الماء وقد فرضنا اشتراط طهارته، فيكون وضوؤه باطلاً، فيكون داخلاً تحت الحكم الأول، وأمَّا بناءً على عدم تنجيس المتنجّس فوضوؤه صحيح وصلاته تدخل تحت الحكم الثاني فيستكشف أنَّ المتنجّس لا ينجس.

إلّا أنَّ هذا الكلام غير تام؛ لأنَّ غاية ما يُثبته هذا الوجه، هو أنَّ المتنجِّس لا يُنجِّس الماء، وقد بنينا أنَّ هذه المسألة غير تلك المسألة، فإنَّ عندنا مسألتين: 

إحداهما: أنَّ الماء القليل هل ينفعل بملاقاة المتنجس؟

ثانيهما: أنَّ الجامد هل ينفعل، أو لا؟

وما هو محلّ الكلام هو الثانية. والرواية تصبح دليلاً على أنَّ الوضوء لم يبطل؛ لأنَّ الماء القليل لم ينفعل. إلّا أنَّ محلّ الكلام هو عدم تنجس الجامد، ولا تلازم بين المسألتين.

نعم، قد تنجَّست أعضاء وضوئه بتمامها، لكن الفرض أنَّنا لم نبن على 

ــــــــــ[422]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

اشتراط ذلك، وإنَّما اشترطنا عدم نجاسة الماء فقط.

التقريب الثاني: أنَّ السيد الأستاذ(1) أبرز نكتة لا يمكن تفسيرها إلّا بناءً على عدم تنجيس المتنجس.

وحاصلها: أنَّ الإمام حين حكم بإعادة الصلاة التي لم يذهب وقتها قال: “كُنْتَ حَقِيقاً أَنْ تُعِيدَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي كُنْتَ صَلَّيْتَهُنَّ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ بِعَيْنِهِ“، وهذا معناه أنَّه لو توضأ وضوء آخر تجديداً أو بعد الحدث، فإنَّه لا يجب إعادة الصلاة حَتَّى لو كانت في الوقت، وهذا معناه التفصيل بين صورة إعادة الوضوء وعدمه.

وهذا التفصيل يكون معقولاً ومفهوماً بناءً على عدم تنجيس المُتنجِّس بخلافه على عدمه.

1- لأنَّنا إذا قلنا بعدم تنجيس المُتنجّس نقول: إنَّه إذا كان قد صلّى بنفس ذلك الوضوء، فكفّه التي اصابتها قطرة البول نجسة، فقد صلّى مع النجس فيجب الإعادة في الوقت.

أمّا لو صلّى بوضوءٍ آخر فيقال: إنَّه بناءً على عدم تنجيس المتنجّس لا يجب عليه الإعادة؛ لأنَّه صلّى مع الطهارة الحدثية والخبثية، أمَّا مع الطهارة الحدثية فهو المفروض. وأمَّا مع الطهارة الخبثية.

ــــــــــ[423]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 246، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11، فقه الشيعة 3: 383، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أمّا كفّه فلأنَّه غسل الآن مرَّتين بالوضوأين. وأمَّا باقي الأعضاء فلم تتنجس من أوَّل الأمر -وإن لم يحصل لها غسلتان-؛ لأنَّ المتنجّس لا ينجس.

2- وأمَّا بناءً على تنجيس المتنجّس فما الفرق بين الصلاة في الوضوء الأوَّل أو الثاني؟ فإنَّ الصلاة بالوضوء الثاني أيضاً وقعت مع النجس؛ لأنَّ أعضاء وضوئه تنجَّست ولم يحصل لها مطهِّر -وهو الغسلتان- فيجب عليه إعادتها في الوقت.

وهذا التقريب غير تام؛ لأنَّ هذا التفصيل بناءً على هذا التصور يمكن تتميمه سواء قلنا بتنجيس المتنجّس أو لم نقل

فلو قلنا بأنَّه ينجس فأيضاً يمكن أن نقول بالتفصيل لأنَّه حين توضأ الوضوء الأوَّل أصبحت تمام أعضاء وضوئه نجسة وحين توضأ الوضوء الثاني أصبح كفّه طاهراً ولكن بقيت أعضاؤه الأخرى على النجاسة

وفي مثل ذلك يمكن القول بعدم الإعادة؛ لأنَّ النجاسة في كفّه نجاسة منسية، والنجاسة في باقي أعضاء وضوئه نجاسة مجهولة، وقلنا: إنَّ الإعادة من أحكام النجاسة المنسية لا المجهولة. وقلنا: إنَّ النجاسة المجهولة لا يجب الإعادة فيها أصلاً، ولذا لو صلّى بنفس ذلك الوضوء، فإنَّه يجب عليه الإعادة؛ لأنَّ نجاسة يده منسية، ولو صلّى بالوضوء الثاني لا يجب عليه الإعادة؛ لأنَّ كفّه طاهرة، وباقي أعضاء وضوئه مجهولة النجاسة؛ لأنَّ مُلاقي النجس المنسي مجهول النجاسة، فلا يجب عليه الإعادة في الوقت.

هذا هو تمام الكلام في دلالة الرواية.

ــــــــــ[424]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الكلام في السند

وأمَّا من حيث السند، فهي تنتهي إلى علي بن مهزيار، قال: “كتب إليه سليمان بن راشد”، من دون أن يعيّن اسم المكتوب إليه.

ولهذا اعترض عليه السيد الأستاذ(1) أنَّها مضمرة، إذ لعلّ سليمان بن راشد كان يناسبه أن يكتب إلى فقيه يستفتيه، فلا تكون الرواية حُجَّةً.

وذكر في توضيحه: أنَّه في باب المضمرات لا بُدَّ من النظر إلى حال الشخص، فإن كان من قبيل زرارة ومحمد بن مسلم فقيهاً كبيراً، فإنَّه لا يناسب أن يأخذ الحكم إلا من المعصوم. وأمَّا إذا لم يكن كذلك وبهذه المثابة، بل يكون حاله أنَّه ينقل من المعصوم وغير المعصوم.

فهذه كبرى طبقها في المقام وهو أنَّ المضمر لو كان هو علي بن مهزيار لكان المتعيَّن عود الضمير إلى الإمام؛ لأنَّه فقيه كزرارة. ولكن المُضمِر هو سليمان بن راشد، ولا يُعلم من حاله ذلك. غايته أنَّه حصل لعلي بن مهزيار اطمئنان أنَّ المراد هو الإمام وإلّا لما نقل الرواية، إلّا أنَّ هذا لا ينفع ولا يكون حجة؛ لأنَّه قد يكون نشأ من قرائن غير معتبرة عندنا.

ولنا تعليقان على هذا الكلام:

أحدهما: يختص بخصوص محلّ الكلام.

ــــــــــ[425]ــــــــــ

(1) راجع: فقه الشيعة 3: 384، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11، التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 248، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

والآخر: في الكبرى التي ذكرت للمضمرات.

التعليق الأوَّل: أنَّ علي بن مهزيار بنفسه يشهد أنَّ سليمان بن راشد يرويه عن الإمام، وليس هو مجرد اطمئنان اجتهاديّ حدسيّ له؛ لأنَّه يقول: (قرأته بخطه) وقد سلَّم السيد الأستاذ أنَّ علي بن مهزيار معتقد بأنَّه للإمام، إذن فالضمير في كلام علي بن مهزيار يرجع إلى الإمام، فيكون شهادة منه بذلك. والأصل في كل شهادة أن تكون عن حسٍّ لا عن حدس.

وإلّا لو كان علي بن مهزيار قال: سمعت سليمان بن راشد قال: كتبت إليه وجائني الجواب منه، من دون أن يعرف خط الإمام، فإنَّ الرواية لا تكون تامّة في نفسها بغض النظر عن الإضمار، فإنَّ سليمان بن راشد لم يثبت توثيقه، فلا يكون نقله حُجَّة حَتَّى لو صرّح باسم الإمام.

التعليق الثاني: في أصل قاعدة المُضمِرات التي تقول: إنَّه ينظر فيها إلى المُضمِر فإن كان من الأجِلَّة الذين لا يناسب فيهم تلقي العلم إلّا من الإمام، فالإضمار ليس بضائر، وإلّا فيكون ضائراً بحُجِّيّة الرواية.

هذه القاعدة ليست تامّة عندنا، بمعنى أنَّ الصحيح عندنا أنَّ الإضمار ليس بضائر في مطلق تلاميذ مدرسة الأئمة، يعني لو فرض أنَّ المضمر كان من تلاميذ هذه المدرسة ويروي الحديث عنهم، فيبني على أنَّ المنقول عنه هو الإمام من أن نشترط أن يكون له مرتبة أعلائية من الجلالة، فلا فرق في ذلك بين زرارة وسماعة وأضرابه في الإضمار.

ــــــــــ[426]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

والنكتة في ذلك: أنَّ الاحتمالات في الرواية المضمرة في ابتداء الأمر ثلاثة:

الاحتمال الأوّل: أن يكون الراوي الأخير (المُضمِر) قد أتى بقرينة مُتَّصلة تدلّ على أنَّ مراده هو الإمام، ولكن حذفها من جاء بعده، إمَّا اشتباهاً أو لأجل تقطيع الروايات.

الاحتمال الثاني: أن يكون قد أتى بقرينة مُتَّصلة تدلّ على أنَّ المراد غير الإمام، ولكن حذفها من جاء بعده.

الاحتمال الثالث: أنَّ الراوي الأخير لم يأتِ بقرينة شخصيّة لتعيين مرجع الضمير، بل قال ابتداءً: (سألته عن كذا).

والاحتمال الأوَّل: لا يضرنا بل ينفعنا، وإنَّما الكلام في الاحتمالين الأخيرين.

أمّا الاحتمال الثالث: وهو ما إذا أتى بالضمير مجرداً عن القرينة، نقول: إن المستظهر عرفاً هو أنَّ المرجع هو الإمام بالقرينة العامة بعد فقدان القرينة الخاصَّة.

وتوضيح ذلك: أنَّ استعمال الضمير من دون إرجاعه في مقام التخاطب إلى مرجع معين، استعمال ناقص عرفاً؛ لأنَّه لا يتحصّل معنى الضمير إلا بمرجعه. إذن ففرض أنَّه استعمله من دون أن يفترض له مرجعاً في مقام التخاطب منفي بظهور عرفية الراوي في استعمالاته، وهذا الظهور يقتضي أنَّه عين مرجعاً للضمير في مقام التخاطب.

وهذا المرجع لا بُدَّ أن يكون مفترضاً بلحاظ العهد الذكري أو العهدي، أمَّا كونه مذكوراً فهو خُلْف؛ لأنَّنا نتكلّم على فرض أن لا تكون قرينة على 

ــــــــــ[428]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

شخص معيَّن، فيتعيَّن بالعهدي ولا بُدَّ أن يكون المراد به المعهوديّة النوعيّة لا الشخصيّة لعدم وجود العهد الشخصي، والمراد بالمعهوديّة النوعيَّة هو الإمام لدى أشخاص طلاب مدرسة الأئمة. وبذلك ينعقد ظهور عرفي من أنَّ المرجع هو الإمام، وهذا سنخ ما قيل من أنَّ عدم ذكر القيد قرينة على الإطلاق كذلك في المقام يكون عدم تعيين المرجع في غير الإمام قرينة على رجوعه إلى الإمام.

وهذا تحليلٌ فنِّيٌّ، وإلّا فإنَّ الاستظهار العرفيّ له لا شكّ في فهم كون المرجع هو الإمام، فيما لو اجتمع اثنان من أصحابه وقال أحدهما: (سألته)، يعني الإمام. إذن فالاحتمال الثالث يثبت المطلوب.

وأمَّا الاحتمال الثاني: فهو خلاف مقتضى أمانة الراوي وعدم خطأه في نقل كل ما له دخل في المقصود.

نعم، لو كان المضمر من غير طلاب هذه المدرسة كسفيان الثوري يقول: (سألته) فإنَّ هذه القرينة النوعية غير موجودة.

هذا هو الكلام في الروايات التي يستدلّ بها على عدم تنجيس المتنجس. وبعضها وإن لم يدلّ على المطلوب كرواية سليمان بن راشد، إلّا أنَّ سوابقها كانت تامّة الدلالة. 

وجوه الجمع بين الروايات المتعارضة

فيقع الكلام في ملاحظة النسبة بينها وبين الروايات السابقة الدالة على تنجيس المتنجس.

ــــــــــ[428]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

والوجوه التي تتصور للجمع عديدة:

الوجه الأوَّل: القول بالتساقط

أن يقال: إنَّ النسبة بين الروايات الدالَّة على عدم تنجيس المتنجّس، والروايات الدالَّة على تنجيسه هي العموم من وجه، فيتساقطان في مادَّة الاجتماع، ويرجع إلى مرجع فوقاني كأصالة الطهارة.

وذلك: لأنَّ روايات عدم تنجيس المتنجّس تفرض أنَّ اليد تنجست ثُمَّ عرقت ثُمَّ أصابت الثوب، وقد عرفنا أنَّها مطلقة من حيث إنَّه أصاب الثوب نفس ذلك الجزء المتنجّس من اليد أو أصابها جزءٌ آخر مُتَّصل به، وقد تمسكنا بإطلاقها لإثبات عدم التنجيس.

والروايات التي دلَّت على التنجيس كروايات الأواني التي تقول -مضموناً-: (لا تأكلوا في الآنية التي يؤكل فيها لحم الخنزير ويشرب فيها الخمر)(1). فتدلّ على أنَّ الطعام الذي يلاقي مع الآنية المتنجسة يتنجس، وهو قسمان: جامد ومايع، وبإطلاقها للجامد يثبت تنجس الجامد بالجامد. فالنسبة بين الطائفتين في تنجيس الجامد بالجامد هي العموم من وجه يجتمعان في ذلك، وتفترق روايات الآنية فيما إذا كان الطعام مائعاً كـ(ماء اللحم). وتفترق روايات عدم 

ــــــــــ[429]ــــــــــ

(1) “لَا تَأْكُلُوا فِيهَا إِذَا كَانُوا يَأْكُلُونَ فِيهَا الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ”. المحاسن 2: 454، كتاب المأكل، الباب 49، الحديث 375، من لا يحضره الفقيه 3: 348، باب الصيد والذبائح، الحديث 4223، الفصول المهمّة في أصول الأئمّة 2: 432، الباب 11 من أبواب الأطعمة والأشربة، الحديث 2203..

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تنجيس المتنجّس ما إذا أصابت يدي غير الموضع المتنجس.

وهذا الوجه غير تام، ويكفينا من عدم تماميته أنَّ الدليل الذي دلّ على عدم تنجيس المتنجّس لا ينحصر بروايات الأواني التي تكون شاملة بالإطلاق بل حصلنا على رواية تدلّ على أنَّ المتنجّس الجامد ينجس بالخصوص، كرواية عمَّار التي تقول: “وَإِنْ كَانَتْ رِجْلُكَ رَطْبَةً أَوْ جَبْهَتُكَ رَطْبَةً أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْكَ مَا يُصِيبُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الْقَذِرَ فَلَا تُصَلِّ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَيْبَسَ“، فيكون أخصَّ من هذه الروايات(1).

الوجه الثاني: القول بالتقييد

 أن يُقال -بناءً على نتيجة بطلان الوجه السابق- بالتخصيص وإنّ مثل رواية عمَّار أخصّ مطلقاً من هذه الروايات، لأنَّها وردت في الجامد المُلاقي للجامد، وهذه الروايات تقول: (إذا أصابت يدك الثوب فلا بأس، سواء لاقى الثوب الموضع المتنجّس أو غيره)، فتقيّد برواية عمَّار.

ولا يقال: إنَّنا إذا قيَّدنا هذه الروايات وحملناها على غير الموضع المتنجس، فلماذا يسأل الراوي عن حكمه.

فإنَّه يقال: لعله يسأل لاحتمال كفاية الاتصال في مقام السراية. فيكون التقييد أمراً عرفياً صحيحاً.

وهذا الوجه أيضاً يمكن دفعه، بأنَّ بعض روايات التنجيس لا يمكن تقييدها لأنَّها واردة في مورد العلم بإصابة الموضع المتنجّس وهي موثَّقة سماعة 

ــــــــــ[430]ــــــــــ

(1) راجع: (الفصل الرابع، الجهة الرابعة، 6- رواية عمّار الساباطي)، ص373.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

التي مضمونها: (إنّي أبول ثمّ أتمسّح بالأحجار، فيجيء منّي البلل ما يفسد سراويلي؟)(1). فإنَّ البلل لاقى مع موضع البول ولاقى مع ما حوله، ومع هذا قال: (لا بأس به)، فلا يمكن تخصيصها بموثَّقة عمَّار.

نعم، قد يقال: إنَّ هذه الرواية -بالدقة- دلالتها بالإطلاق لأنَّه قال: “ليس به بأس“. وهذا أعمُّ من البأس الحدثي والخبثي، فإنَّه لم يذكر في السؤال أحدهما، فيكون الجواب مطلقاً شاملاً لهما، إذن فدلالتها على عدم الخبث تكون بالإطلاق. فتكون مقيّدة بموثَّقة عمَّار.

لكن الظاهر من السؤال كونه ناظراً إلى الجنبة الخبثية، بقرينة قوله: (أتمسَّح بالأحجار)، فإنَّه لو كان الراوي ناظراً إلى مسألة الحدث وأنه يوجب نقض الوضوء فأيّ فرق بين أن يتمسح بالحجر أو أن يغسل بالماء، فإبراز هذه النكتة يكون قرينة عرفاً إلى أنَّ نظر الراوي إلى الجنبة الخبثية لا الحدثية، ولا يكون بالإطلاق ليكون قابلاً للتقييد، إذن يكون الوجه الثاني باطلاً.

الوجه الثالث: حمل الأمر بالغسل على الاستحباب

أن يحمل الأمر بالغسل في الروايات الدالة على التنجيس على الاستحباب، وهذا جمع عرفي لا تصل النوبة فيه إلى التساقط.

ــــــــــ[431]ــــــــــ

() قال: قُلْتُ لأبي الحسن موسى: إنّي أبول ثمّ أتمسّح بالأحجار، فيجيء منّي البلل ما يفسد سراويلي؟ قال: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ‏”. تهذيب الأحكام 1: 51، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 89، الاستبصار 1: 56، كتاب الطهارة، الباب 31، الحديث 20، وسائل الشيعة 1: 283، كتاب الطهارة، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 4..

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وقد يتخيل: بأنَّ الحمل على الاستحباب إنَّما يكون جمعاً عرفياً في خصوص موارد الأحكام التكليفية دون الأحكام الوضعية. و(اغسل) ليس مفاده الحكم التكليفي بل مفاده الإرشاد إلى النجاسة، والنجاسة لا يُتصوَّر فيها الوجوب والاستحباب، فلا يكون الحمل على الاستحباب جمعاً عرفياً.

إلّا أنَّ هذا غير صحيح، وبحسب الحقيقة حمل (اغسل) على الاستحباب جمعٌ عرفي لأنَّ النجاسة التي هي مفهوم عرفي ذات مراتب بحسب النظر العرفي، فهناك مراتب لزومية، ومراتب تنزيهية، ولا بأس بالحمل على النجاسة التنزيهية والقذارة الاستحبابية. فهذا الجمع من حيث كبراه لا إشكال فيه.

وإنَّما الإشكال في صغراه؛ لأنَّ بعض روايات تنجيس المتنجّس يأبى لسانها عن الحمل على الاستحباب، فموثَّقة عمَّار التي هي عمدة دليلنا؛ لأنَّها وردت في ملاقاة الجامد للجامد، هي بلسان: (لا يجوز)، وهو لسان يأبى حمله على الاستحباب؛ لقوَّة ظهوره باللُّزوم.

الوجه الرابع: تقديم الروايات المستفيضة

أن يقال: إنَّه ليس عندنا ما يعارض دليل التنجيس، إلّا موثَّقة سماعة -لأنَّ غيرها بالإطلاق القابل للتقييد- وهي تدلّ على أنَّ المتنجّس الأوَّل لا ينجس أصلاً لا الجامد منه ولا المائع؛ لأنَّ سماعة يفرض أنَّه بال ومسح موضع البول بحجر، وبعد الاستبراء خرج منه بلل، قال: “لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ‏”. وظاهر أنَّه (لا بأس به) من جميع الجهات، وعندنا في المقام أمران:

أحدهما: (ملاقاة البلل الخارج) وهو ملاقاة المائع. وعندنا (ملاقاة فخذه) 

ــــــــــ[432]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

وهو جامد، ومقتضاه أنَّه لا ينجس لا المائع ولا الجامد، وحينئذٍ فيقال: إنَّ هذا المفاد معارض مع الروايات الكثيرة الدالة على التنجيس -ولو في الجملة ولو في المائع- كروايات غسل الأواني وروايات غسل الفراش، وغيرها وبعد فرض عدم إمكان الجمع العرفيّ يمكن أن يُدّعى أنَّ رواية سماعة تكون معارضة مع السنة المستفيضة -للاطمئنان بصدق بعضها- فتسقط عن الحُجِّيّة.

وهذا يتمّ فيما إذا استفدنا من رواية سماعة أنَّها في مقام نفي التنجيس مطلقاً، وأمَّا إذا قلنا: إنَّ غاية ما تدلّ عليه أنَّه ليس به بأس يعني لا تقع في ضيق من ناحيته، ونجاسة البلل ليس فيه ضيق إذا لم يكن منجّساً لبدنه، فغايته أنَّ بدنه لا يكون متنجساً، فيكون القدر المُتيقَّن من دلالة الرواية هو عدم تنجيس موضع البول لبدن سماعة. فالرواية لا تصبح معارضة مع تمام الروايات السابقة.

الوجه الخامس: القول بعد التعارض لتعدُّد الموضوع

إنَّ المُتحصَّل من الكلمات السابقة: أنَّه يوجد عندنا في جانب التنجيس ما يدلّ على التنجيس بالخصوص، وهو موثَّقة عمَّار، وما يدلّ عليه بالعموم والإطلاق للجامد وهو روايات الأواني.

كما أنَّه في طرف عدم التنجيس أيضاً يوجد عندنا سنخان من الدليل: دليلٌ دلّ على عدم التنجيس بالخصوص، وهو موثَّقة سماعة، ودليل دلّ على عدم التنجيس بالإطلاق كرواية: “عرقت يدي فأصابت ثوبي” وهذا معناه التكافؤ بين الطرفين، بمعنى أنَّ الخاصّ يعارض الخاصّ والعامّ يعارض العامّ، 

ــــــــــ[433]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فيتعارض الدليلان كل في مرتبته، وتسقط كل الأدلة. ومعه لا يبقى دليل على تنجيس المتنجّس الأوَّل.

إلّا أنَّ هذا إنَّما يتمّ بعد فرض تسليم التعارض بين رواية سماعة ورواية عمَّار واستحكامه، لكن يمكن أن يقال: بأنَّه لا موجب للالتزام بالتعارض المطلق بينهما. 

ولأجل توضيح ذلك أُقدِّم مقدّمة: وهي: أنَّنا قرأنا في المنطق(1) أنَّ من شروط التعارض وحدة الموضوع، فلو قيل لنا: إنَّ الموضوع في الروايتين ليس واحداً، فإنَّ الموضوع في موثَّقة سماعة هو موضع البول الاستنجائي، وأنَّه لا ينجس وموضوع الروايات الأخرى شيء آخر كالثوب واليد، فأيّ تعارض بين الروايتين! فليُعمل بكل منها في موردها بلا تعارض.

وجوابنا على ذلك: لا بُدَّ وأن يكون أحد أمرين:

الأمر الأوَّل: القطع بعدم الفرق بين الموردين

 دعوى القطع بعدم الفرق بين مورد ومورد؛ لأنَّنا نقطع أنَّ المتنجّس إمَّا ينجس مطلقاً أو لا ينجس مطلقاً، وحينئذٍ تصبح كل من الروايتين دالَّة بالالتزام على اسراء حكمها حَتَّى إلى مورد الرواية الأخرى، وفي هذه الحالة 

ــــــــــ[434]ــــــــــ

(1) لاحظ: الحاشية على تهذيب المنطق: 315، حواشي التناقض، القواعد الجليّة في شرح الرسالة الشمسيّة: 290، المقالة الثانية: في القضايا وأحكامها، الفصل الثالث، الأوَّل: التناقض، شرح مطالع الأنوار في المنطق: 167، القسم الثاني: في التصديقات، الباب الأوّل، الفصل السابع: في التناقض.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

تكون نسبة كل من الروايتين إلى مورد الأخرى على حدٍ واحد؛ لأنَّنا لا نحتمل الفرق بينهما. وهذا معنى استحكام التعارض المطلق بينهما، ويتمّ الوجه الخامس.

ولكن ما هو الموجب لدعوى القطع الوجداني بذلك؛ لأنَّه في مواضع النجو تثبت أحكام على خلاف مقتضى القاعدة: كطهارة موضع النجو بالأحجار وأنّ ماء الاستنجاء نجس لا ينجس على ما هو الصحيح، فلماذا لا نحتمل أنَّ موضع البول يكون حكمه كماء الاستنجاء.

فإن قيل لنا: إنَّ هذا التفصيل على خلاف الاجماعات المنقولة.

قلنا: إنَّه لو انتهى المطلب إلى الإجماعات المنقولة لاكتفينا بالاستدلال بها على تنجيس المتنجّس ونحن نتكلّم الآن بغض النظر عنها.

الأمر الثاني: الفرق بين الموردين مُلغى بنظر العرف

والتقريب الثاني للمعارضة أنَّه وإن لم يكن هناك قطع وجدانيّ بعدم الفرق، لكن يُدّعى أنَّ هذا الاحتمال ملغى في نظر العرف: بمعنى أنَّ الإنسان العرفيّ بحسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في ذهنه لا يلتفت إلى هذا الاحتمال، فهو احتمالٌ دِقِّيٌّ وليس احتمالاً عرفياً، فهو يستظهر المثالية من كِلتا الروايتين ومعه فيستظهر الإطلاق منهما.

وحينئذٍ تصير رواية سماعة ورواية عمَّار مطلقتين متباينتين، فيتعارضان لكن لكل منهما مورد يختص به لا محالة في مقام التخاطب.

وحينئذٍ فيقال: كل من الروايتين نص في الحكم في المورد الذي جاءت فيه، 

ــــــــــ[435]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ولها إطلاق بالنظر العرفيّ لسائر الموارد، فهناك دلالتان لكل منهما: دلالة بالنصوصية على موردها ودلالة بإلغاء الخصوصية على سائر الموارد الأخرى. والتعارض إنَّما يقع بين الدلالتين الثانيتين في الروايتين يعني بين الإطلاقين، وأمَّا الدلالتين الأوليتين فلا يتعارضان بها، ولا موجب لتساقطهما بهذا اللحاظ.

وكذلك الإطلاق في كل منهما لا يعارض الدلالة النصوصية في الآخر؛ لأنَّه مغلوب لها، فيتعارض الإطلاقان ويتساقطان، وتبقى الدلالة في المورد الخاصّ لكل من الروايتين، فيثبت أنَّ موضع البول لا ينجسّ، وأمَّا غيره فيكون منجساً.

وقد اتضح من مجموع ما قلناه: إنَّ المتنجّس الأوَّل ينجس الجامد، وأمَّا المتنجّس بالمتنجس فلا دليل على كونه منجساً.

وأمَّا الإجماعات المنقولة حيث نُقِلت إجماعات عديدة على أنَّ المتنجّس مُنجّس مطلقاً(1)، مهما تعدَّدت الوسائط. ولم يكتفِ بعض علمائنا بذلك، بل ذهب إلى أنَّه من ضروريات المذهب، حَتَّى احتمل السيد محسن الأعرجي(2) 

ــــــــــ[436]ــــــــــ

(1) لاحظ: الحدائق الناضرة 2: 10، كتاب الطهارة، الباب الثاني: في الوضوء، المطلب الأوَّل: في الأسباب، الفصل الأوَّل: التنبيه على تنجيس المتنجّس، جواهر الكلام 1: 105، كتاب الطهارة، الركن الأوَّل: في المياه، الطرف الأوَّل: في الماء المطلق، في الماء القليل، كشف اللّثام 1: 268، كتاب الطهارة، المقصد الثاني: في المياه، الماء الواقف.

(2) وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة (طبعة حجريّة)، السيّد محسن الأعرجي: 161. الرسائل الفقهيّة، الشيخ محمّد جواد البلاغي: 157.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

صاحب المحصول أنَّه من ضروريات الدين، وأن صاحب المفاتيح(1) -القائل بأنَّ المتنجِّس لا يُنجِّس- خارج عن الدين!!

إلّا أنَّ مثل هذه الكلمات لا يمكن أن يتحصّل منها يقين بوجود إجماع تعبُّدي على أنَّ المتنجِّس يكون منجِّساً مطلقاً، لأمور ثلاثة: 

الأمر الأوَّل: أنَّنا نتكلّم في المتنجّس الذي أُزيل عنه عين النجس، وهو لا إجماع على نجاسته في نفسه فضلاً عن كونه منجّساً، حيث ذهب السيد المرتضى -أستاذ المدرسة والحوزة(2)– إلى أنَّ المتنجّس يطهر بزوال العين عنه، كما يظهر من استدلاله على الطهارة بالماء المضاف بأنَّ المطلوب هو زوال العين وقد زالت، وأنَّ الصيقل يطهر بزوال العين(3)، والسيد المرتضى ليس بالهين، بل هو أستاذ الحوزة، فإذا أفتى بشيء ينكشف أنَّه لا يوجد على خلافه ضرورةٌ وتسالمٌ قطعيٌّ من هذا القبيل.

الأمر الثاني: ظهور بعض كلمات المتقدِّمين أو أشباه المتقدِّمين في أنَّ المتنجّس لا ينجس، فإنَّ ابن إدريس في السرائر -في باب تطهير الثياب(4)– قال: 

ــــــــــ[437]ــــــــــ

() راجع: مفاتيح الشرائع 1: 75، القول في النجاسات، المفتاح 84.

(2) نقله صاحب مصباح الفقيه 8: 9، كتاب الطهارة، الركن الرابع، القول في أحكام النجاسات.

(3) لاحظ: الحدائق الناضرة 5: 299، كتاب الطهارة، الباب الخامس: في الطهارة من النجاسات وما يتبعها، المقصد الثاني: في الأحكام، المسألة الأولى، الفرع الثالث.

(4) اُنظر: السرائر (المخطوط)، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

“وجملة الأمر وعقد الباب إنَّ ما يؤثّر في التنجيس على ثلاثة أضرب: أحدها يؤثّر بالمخاطبة (المخالطة). وثانيها: بالملاقاة. وثالثها: بعدم الحياة.

فالأوَّل: أبوال وخرء ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل لحمه إذا كان جلالاً، والشراب المسكر والفقاع والمني والدم المسفوح وكل مايع نجس بغيره.

والثاني: أن يماس الماء وغيره حيوان نجس العين وهو الكلب والخنزير والكافر.

والثالث: أن يموت في الماء وغيره حيوان له نفس سائلة ولا حكم لما عدا ما ذكرناه في التنجيس”(1).

فقد صرّح بالنجاسات العشر المعروفة وإن المائع المتنجّس بغيره أيضاً يكون منجّساً وصرّح بأنَّه لا تنجيس بغيره من الأشياء، ومعه كيف يحصل الجزم على اتِّفاق المتقدِّمين على ذلك.

الأمر الثالث: أنَّ أكثر كلمات المتقدِّمين خالية عن التعرّض إلى هذا المطلب، فمن أين عرف سيدنا السيد محسن الأعرجي أنَّهم اتَّفقوا على ذلك؟! لعلّه استنتج ذلك بنحو يكون حُجَّة عليه، لا حُجَّة بالنسبة إلينا.

ــــــــــ[438]ــــــــــ

() اُنظر السرائر المخطوط، (المقرر). السرائر 1: 179، كتاب الطهارة، باب تطهير الثياب من النجاسات. وأصلُ هذه العبارة لأبي الصلاح الحلبي، فراجع: الكافي في الفقه: 131، فصلٌ: في تعيين شروط الصلاة، فصلٌ: في النجاسات.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 



في حكم تطهير ملاقي المُتنجِّس

 

ذكر السيد الماتن(1) أنَّ المتنجّس وإن كان منجّساً، ولكن لا يجري على ملاقيه حكم نفسه من حيث التطهير، إذا كان المُتنجِّس المُنجِّس كان قد ثبت فيه عناية زائدة، فهذه العناية لا تسري إلى المُلاقي له، وهذا له مثالان أساسيان:

المثال الأوّل: أنَّ المتنجّس بالبول قد ثبت فيه أنَّه يحتاج إلى غسلين في مورد الثوب والبدن على أقلّ تقدير، فلو لاقى الثوب المتنجّس بالبول ثوباً آخر، فإنَّه ينجّسه، ولكن هل يحتاج في تطهيره بالماء القليل إلى الغسل مرَّتين كالمتنجس الأوَّل أو يكفي مرّة واحدة.

المثال الآخر: آنية الولوغ، فلو شرب كلب من ماء في آنية فهي متنجسة ولا بُدَّ من غسلها بالتراب أوَّل مرّة ثُمَّ بالماء، ولكن إذا لاقت هذه الآنية آنية أخرى، فهل يجب غسلها كذلك أو لا؟

يقع الكلام في ذلك في عدة مراتب:

المرتبة الأولى:

أن نلاحظ نفس الدليل الدالّ على ثبوت المؤونة الزائدة في التطهير؛ لنرى 

ــــــــــ[439]ــــــــــ

(1) اُنظر: العروة الوثقى (المحشّى) 1: 168، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

أنَّه كما يشمل المُلاقى الأول، فهل يشمل المُلاقي للملاقى، أو لا؟

أما في دليل العناية الزائدة في مُلاقي البول: وهي وجوب غسله مرَّتين، فلا إشكال من عدم وجود مثل هذا الإطلاق؛ لأنَّ رواياته كلها أخذ في موضوعها: ثوب أو جسد يصيبه البول، ولا إشكال أنَّ هذا عنوان لا ينطبق على ثوب يصيبه ثوب مُتنجِّس بالبول.

وأمَّا العناية الثانية: وهي أنَّ آنية الولوغ يجب غسلها بالتراب ثُمَّ بالماء، فهنا تارة نفرض أنَّ الآنية لاقت مع آنية أخرى وأخرى نفرض أنَّ ماء الولوغ لاقى آنية أخرى، وأريق فيها.

فإن فرضنا أنَّ آنية الولوغ لاقت مع آنية أخرى، فأيضاً لا ينبغي الإشكال بعدم الإطلاق في دليل العناية، الذي يقتضي غسل الآنية بالتراب، كما سيتضح.

وأمَّا إذا لاقى ماء الولوغ للآنية الثانية، فهل في دليل التعفير بالتراب إطلاق يشمل الآنية الثانية.

وهذا الدليل هو رواية العباس: قال: “سألت أبا عبد الله عن فضل الهرة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش إلى أن يقول: حَتَّى انتهيت إلى الكلب فقال: رِجْسٌ نِجْسٌ لَا تَتَوَضَّأْ بِفَضْلِهِ، وَاصْبُبْ ذَلِكَ المَاءَ، وَاغْسِلْهُ بِالتُّرَابِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ بِالمَاءِ”(1).

ــــــــــ[440]ــــــــــ

() باب 1 من أبواب الأسئار، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 29، الاستبصار 1: 19، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث 2، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

والضمير في (اغسله) ليس له مصرف معيّن، لكن من المعلوم أنَّه هو الآنية التي تحوي الماء. وهذا الوعاء في مورد الرواية فيه حيثيتان: 

الحيثية الأولى: حيثية أنَّه إناء شرب منه الكلب. 

الحيثية الثانية: حيثية أنَّه إناء مُلاقي مع ماء الولوغ. 

فإن فرض أنَّ النظر العرفيّ بمناسبات الحكم والموضوع استطاع أن يعيّن ملاك العناية في إحدى الحيثيتين.

فإن عيّن الملاك في الحيثية الأولى فمن الواضح أنَّ الإناء الثاني لا يصدق عليه أنَّه إناء شرب فيه الكلب.

وإن استظهرنا عرفاً أنَّ ملاكه هو الحيثية الثانية، فهو يصدق على الإناء الثاني أنَّه إناء ملاقٍ لماء الولوغ، فينعقد للدليل إطلاق يشمل الآنية الثانية.

وأمَّا إذا لم يجزم العرف بإحدى الحيثيتين فيكون الدليل مجملاً، والقدر المُتيقَّن منه مجمع الحيثيتين وهو الإناء الأوَّل ولا يكون للدليل إطلاق يشمل الآنية الثانية.

وقد يُقال: إنَّ العرف يفهم الحيثية الثانية، بتقريب: أنَّ العرف لا يتعقل النجاسة بنحو الطفرة وإنَّما يكون الانتقال بتتالي الملاقاة، وهذا يصير قرينة على أنَّ القذارة التي يستوجب لزوم التعفير بالتراب لم تطفر من فم الكلب إلى الإناء، وإنَّما جاءت إلى الإناء بواسطة الماء، والماء هو الذي قذّر الإناء، ومجرد أنَّ الكلب شرب من الإناء لا يقذر الإناء، فهذا يصير قرينة على أنَّ موضوع الحكم بوجوب التعفير هو ماء الولوغ لا الآنية المتنجسة بنفس الولوغ.

ــــــــــ[441]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فإن تمّت هذه الدعوى وهي ليست ببعيدة، فينعقد للدليل إطلاق للآنية الثانية أيضاً.

لكن قد يقال في مقابلها: أنَّ نفس عنوان الإناء الذي شرب منه الكلب عنوان اشمئزازي في نظر العرف فلا يكون للعرف جزم بأنَّه ليس لهذا العنوان الاشمئزازي دخلٌ في موضوع الحكم، ولهذا يفرق العرف بين الآنية التي شرب منها الكلب والآنية التي أرقنا فيها الماء.

فإن أوجب ذلك عدم الجزم بالدعوى الأولى، فلا أقلّ من الاحتياط على الدعوى الأولى، كما ذكر في المتن. 

وقد يُقال: الدليل الذي دلّ على العناية الزائدة بنفسه، يدلّ على إسراء تلك العناية إلى المتنجّس الثاني، لا بملاك الإطلاق اللفظي، وإنَّما باعتبار ما ادعاه بعضهم من ابتناء هذه المسألة على ما قرأناه في الكفاية، في باب مُلاقي الشبهة المحصورة، من أنَّ ثبوت النجاسة للملاقي هل هو بنحو التأثير، أو بنحو السراية؟

فإن كان بنحو التأثير، فالنجاسة الثانية للملاقي فرد مغاير للنجاسة الأولى، وحالهما حال المعلول مع العلَّة.

وإن كان بنحو السراية كان بنحو التوسع والانتشار، أي نجاسة المُلاقى نفسه توسعت إلى الملاقي، وأصبحت شاملة له.

وقد بنى بعضهم المسألة على هذين المبنيين فقال:

إنَّنا إن بنينا على التأثير والمغايرة بين النجاستين، فلا معنى لإسراء الدليل الوارد في إحدى النجاستين إلى الأخرى.

ــــــــــ[442]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

ولكن إذا بنينا على أنَّ الملاقاة من باب التوسع وانتشار النجاسة الواحدة، فنفس الدليل الذي دلّ على العناية في النجاسة في المُلاقى يقتضي إجراء هذه العناية في النجاسة في الملاقي.

إلّا أنَّ هذا الكلام غير صحيح، فإنَّ هذه المسألة غير مربوطة بتلك المسألة، فإنَّنا سواء قلنا هناك بالتأثير أو التوسع، على أيّ حال فإنَّ الدليل الأوَّل الذي دلّ على العناية الزائدة يشمل الآنية الثانية إذا لم يكن له إطلاق لفظي.

أمّا إذا قلنا بنحو التأثير فواضح، كما ذكر المُفصِّل وهو تغاير النجاستين، وأمَّا إذا قلنا إنَّها عينها بنحو الانتشار، فأيضاً لا يقتضي الدليل الأوَّل إسراء العناية إلى الثوب الثاني، فإنَّه لا يمتنع عقلاً ولا عرفاً أن يكون بلحاظ أحد موضوعيها أشدّ تطهير من الموضوع الآخر، ويكون لها في كل موضوع حكم.

المرتبة الثانية:

نفرض أنَّ الدليل على العناية الزائدة ليس فيه إطلاق يشمل المُلاقي الثاني كما يشمل المُلاقي الأول.

هنا لا بُدَّ من ملاحظة أنَّه هل يوجد عندنا إطلاق اجتهادي يقتضي كفاية الغسل مرّة واحدة أو لا؟ وفي مقام تفصيل هذا الدليل الاجتهادي هناك نحوان من الإطلاق:

النحو الأوَّل: الإطلاق الفوقانيّ الذي يتمسك به لكفاية المرة الواحدة في مطلق النجاسات إلّا ما خرج بدليل، كما إذا قال: (إذا تنجس شيءٌ فاغسله 

ــــــــــ[443]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

بالماء)، هذا النحو هل هو موجود، أو لا؟ محلّ بحث ما بين الأعلام. ومحل بحثه في المطهرات.

النحو الثاني من الإطلاق: أن نتصور إطلاق بخصوص المتنجّس بالمتنجس بالبول، بحيث معه يكفي فيه الغسل مرّة واحدة.

وهذا الإطلاق عبارة عن رواية العيص بن القاسم السابقة: “بال ومسح ذكره وعرق ذكره وفخذاه، قال: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَفَخِذَيْهِ”(1) فإنَّها مطلقة إذ لم يقل: (يغسله مرَّتين). فإطلاق الأمر بالغسل للفخذ نعرف أنَّه لا يحتاج إلى التعدد. إلّا أنَّ مقتضى إطلاقها أنَّ نفس ذكره أيضاً لا يحتاج إلى التعدُّد لكنَّنا خرجنا عنه بالتقييد.

ومن هنا تعرف أنَّ هذه المسألة ليست موقوفة على وجود الإطلاق الفوقانيّ كما يظهر من كلمات بعض الأعلام. فإنَّه يكفينا إطلاق الأمر بالغسل في خصوص هذه المسألة.

ومن هنا ظهر الفرق بين المتنجّس بالمتنجس بالبول والمتنجس بالمتنجس بالولوغ. فإنَّه لا يوجد بخصوصها إطلاق، وإنَّما أمرها منوط بوجود الإطلاق الفوقانيّ.

المرتبة الثالثة:

أنَّه لو بنينا على أنَّ الدليل الأوَّل على العناية الزائدة ليس له إطلاق يشمل المُلاقى الثاني وأنّ اطلاق الأمر بالغسل غير موجودة لكي يثبت بها كفاية 

ــــــــــ[444]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 421 كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 6، وسائل الشيعة 1: 350، كتاب الطهارة، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الغسلة الواحدة، فلا بُدَّ من الرجوع إلى دليل تنجيس المتنجّس نفسه، لنرى أنَّه هل له إطلاق بحيث يشمل ما بعد الغسلة الأولى، أو لا؟

فإن ادُّعي هذا الإطلاق في مثل قوله: “لَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ… الَّتِي يَشْرَبُونَ فِيهَا الخَمْرَ”(1) بحيث يشمل ما بعد الغسلة الأولى، فنتمسك به؛ لأنَّه لا مقيّد له إلا إطلاقات الأمر بالغسل وقد فرضنا عدم وجودها.

وأمَّا إذا لم يكن له إطلاق أو قلنا إنَّ دليل تنجيس المتنجّس إنَّما هو الإجماع الذي ذكر في كلام السيد الأعرجي وهو دليل لُبِّيٌّ والقدر المُتيقَّن هو ما قبل الغسلة الأولى، وما بعدها فلا يكون شاملاً له، ولا بُدَّ من الانتهاء إلى المرتبة الرابعة.

المرتبة الرابعة: 

وهي الأصول العملية، وهنا أصلان عمليان: استصحاب النجاسة إلى ما بعد الغسلة الأولى وأصالة الطهارة بعدها أيضاً.

 وهناك شبهة للسيد الأستاذ في هذا الاستصحاب، وشبهة لنا في أصالة الطهارة.

1- أمَّا شبهة السيد الأستاذ في الاستصحاب(2) فهو كونه استصحاباً في 

ــــــــــ[445]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 419، كتاب الطهارة، الباب 14 من أبواب النجاسات..

(2) راجع: دراسات في علم الأصول 4: 62، مباحث الاستصحاب، الأقوال في حُجِّيّة الاستصحاب، الثالث: التفصيل بين الشبهات الحكميّة والموضوعيّة، مصباح الأصول 3: 38، الكلام في الاستصحاب، ما استدلّ على حُجِّيّة الاستصحاب، الرابع: الأخبار.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الشبهة الحكميّة وهو لا يقول به.

2- وأمَّا شبهتنا في أصالة الطهارة فهي ما تكرَّر منّا من أنَّنا نرى أنَّ قوله: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ نَظِيفٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذرٌ”(1)، الغاية فيه مردَّدة بين (قذر) بالمعنى المصدري، و(قذُر) بالمعنى الفعلي.

– فلو كان بالمعنى المصدري لشمل المقام، لعدم العلم بقذارته.

– ولكن لو كان بالمعنى الفعليّ فالغاية متحقّقة؛ لأنِّي قد علمت أنَّه قذُر أو تقذر، ولكن لا أدري بارتفاع القذارة فلا يكون شاملاً للمقام. 

وحيث إنَّ العبارة مجملة فلا يكون دليل قاعدة الطهارة بنفسه شاملاً لمورد الشكّ في بقاء النجاسة لاحتمال تحقّق الغاية.

وحينئذٍ فمن لا يبنى على كِلا الشبهتين يرى جريان استصحاب النجاسة؛ لأنَّه حاكم على أصالة الطهارة.

– ومن يبني على كِلتا الشبهتين فلا يمكن له إجراء كِلا الأصلين، فلا بُدَّ له أن يرجع إلى أصول حكميّة أخسّ من أصالة الطهارة (يعني مسببيّة ومحكومة لها) كالبراءة والاشتغال.

– وأمَّا من بنى على الشبهة الأولى دون الثانية كالسيد الأستاذ فإنَّه يجري في المقام أصالة الطهارة.

ــــــــــ[446]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 1: 285، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 119، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

– ومن بنى على العكس كما نحن عليه، فيجري في المقام استصحاب النجاسة.

وبذلك تمَّ الكلام في أصل مسألة تنجيس المُتنجِّس.

ــــــــــ[447]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 





الكلام في مسألتين 

 

بقيت من هذا الفصل مسألتان لا كلام فيهما تقريباً:

المسألة الأولى: شرطية التأثير

مسألة 12: قد مرَّ أنَّه يشترط في تنجيس الشيء بالملاقاة تأثُّره، فعلى هذا لو فرض جسم لا يتأثَّر بالرطوبة أصلاً، كما إذا دهن على نحو إذا غمس في الماء لا يتبلل أصلاً. 

يمكن أن يقال: إنَّه لا يتنجَّس بالملاقاة ولو مع الرطوبة المسرية ويحتمل أن يكون رِجل الزنبور والذباب والبق من هذا القبيل(1).

أمّا الكبرى فقد سبقت، وقد فرَّع عليها في المقام تفريعين:

التفريع الأوَّل: قوله: “لو فرض جسم… مع الرطوبة المسرية“، بل يمكن أن يقال: إنَّه لا توجد حينئذٍ ملاقاة أصلاً، فإنَّ الدهن يكون حاجباً ومانعاً عنها، لا أنَّها تحصل ملاقاة بدون تنجيس.

وذلك: إذا كان الدهن بنحو لا ينفذ فيه الماء كما لو كان جامداً، وأمَّا لو 

ــــــــــ[448]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 169، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 12.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فرض أنَّ الدهن كان مائعاً، بحيث ينفذ فيه الماء فهو ينجس بتمامه عند ملاقاة الماء النجس، والإصبع أيضاً يتنجَّس بملاقاة الدهن لا محالة، فالأمر دائر عادة بين أمرين: 

إمَّا لا ملاقاة أصلاً فضلاً عن التأثُّر، وإمَّا ملاقاة مع التأثُّر، فهذا التفريع في غير محلِّه.

التفريع الثاني: قوله: “ويحتمل أن يكون رجل الزنبور والذباب والبقّ من هذا القبيل“، يعني أنَّها لا تتأثر بالرطوبة حَتَّى مع الملاقاة، وإنَّما عبَّر بالاحتمال؛ لأنَّ الاحتمال لو وُجِد فهو كافٍ للحكم بالطهارة، لأنَّ الدليل بالتنجس بالملاقاة قد خُصِّص بها إذا كانت الملاقاة مع التأثير، وهو مُخصّص مُتَّصل، فإذا شكّ أنَّ الملاقاة هل هي مع التأثير، أو لا؟ فإنَّه يكون شبهةً مصداقيةً للعامّ.

[المسألة الثانية: ملاقاة النجاسة في الباطن]

مسألة 13: الملاقاة في الباطن لا توجب التنجس فالنجاسة الخارجة من الأنف طاهرة وإن لاقت الدم في باطن الأنف. نعم، لو أدخل فيه شيء من الخارج ولاقى الدم في الباطن فالأحوط فيه الاجتناب(1).

فإنّه قد يفرض أنَّ المُلاقي والملاقى خارجيان، وظرف الملاقاة هو الخارج، وهو القدر المُتيقَّن من التنجيس.

ــــــــــ[449]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 169، كتاب الطهارة، فصلٌ: في كيفيّة تنجّس المتنجّسات، المسألة 13.

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

واخرى يفرض دخل الباطن في عملية الملاقاة، وذلك يكون بأحد أنحاء:

إما أن يكون المُلاقي والملاقى باطنيين، وظرف الملاقاة هو الداخل، كالنخامة تلاقي الدم في الباطن.

أو هما خارجيان وظرف الملاقاة هو الباطن.

وإمَّا أن يكون المُلاقى باطنياً والملاقي خارجياً كالإبرة تدخل في داخل الجسم.

أو يكون بالعكس كما لو لاقى اللسان مع نجاسة خارجية.

وقد تقدَّم ذلك مفصّلاً في أوائل أبحاث النجاسات ولا موجب للإعادة.

ــــــــــ[450]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 



الفهرس

 

الفصل الأوَّل: خاتمة في طرق ثبوت النجاسة 13

[صور التعارض بين طريقين من هذه الطرق] 14

الصورة الأولى: [تعارض خبر ذي اليد مع خبر الثقة] 14

[الفرع الأوَّل: حال كون صاحب اليد ثقة في نفسه] 14

بلحاظ وجود المانع عن الحُجِّيّة وهو التساقط بالتعارض 15

بلحاظ دعوى وجود القصور في نفس دليل الحجية 17

الفرع الثاني: حال كون صاحب اليد غير ثقة 19

الأولى: صورة كون الدليليين لُبِّيَّين معاً 20

الثانية: صورة كون الدليلين لفظيين معاً 21

الثالثة: صورة كون أحد الدليليين لفظيّاً والآخر تعبُّدياً 22

الصورة الثانية: أن يتعارض اثنان كِلاهما صاحب اليد 23

الصورة الثالثة: تعارض البيِّنة مع خبر الواحد 24

البيان الأوَّل: البيان إجمالي 25

ــــــــــ[451]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

البيان الثاني: البيان تفصيلي 25

الصورة الرابعة: تعارض البيِّنة مع صاحب اليد 28

الصورة الخامسة: التعارض بين البيّنتين 29

بلحاظ دليل الحُجِّيّة الأولي 30

دليل حُجِّيّة البينة: الارتكاز العقلائي 30

دليل الحُجِّيّة لفظيّاً تعبُّدياً 31

بلحاظ الدليل الخاص: وهو رواية أبي بصير 32

مناقشة إشكال السيد الأستاذ في هذه الرواية 33

التحقيق في المقام 35

بحث صغروي: متى يستحكم التعارض بين البيِّنتين؟ 36

الجهة الأولى: في تقسيم البيِّنتين إلى عدة صور 37

الصورة الأولى: مدرك إحدى البيِّنتين الوجدان ومدرك الأخرى التعبُّد 37

التخريج الصناعي في تقديم بيِّنة الوجدان على بيِّنة التعبُّد 37

التحقيق في المقام 40

المقام الأوَّل: بناءً على شهادة البيِّنة بالنجاسة التعبُّديَّة 40

المقام الثاني: بناء على شهادة البيِّنة بالنجاسة الواقعية 41

ــــــــــ[453]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الصورة الثانية: مدرك كِلتا البيِّنتين هو الوجدان 43

الصورة الثالثة: مدرك كِلتا البيِّنتين هو التعبُّد 45

الفرضية الأولى: استناد أحدهما إلى الاستصحاب، والأخرى إلى أصالة الطهارة 45

الفرضية الثانية: استناد مدرك كِلتا البيِّنتين إلى الاستصحاب 47

الجهة الثانية: في صغريات الصور الثلاث للتعارض بين البينتين 50

الشقّ الأوَّل: ظهور إحداهما في الوجداني وإجمال الأخرى 51

الشقّ الثاني: ظهور إحداهما في التعبُّديَّة وإجمال الأخرى 53

الشقّ الثالث: إجمال كِلتا الجهتين 54

الجهة الثالثة: في جواز إقامة الشهادة استناداً إلى الأصل 57

إقامة الشهادة بمعنى الإعراب عن نفس التعبد 57

إقامة الشهادة بمعنى الإعراب عن الواقع المشكوك استناداً إلى الاستصحاب 57

الوجه الأوَّل للخروج عن مقتضى القاعدة: دليل التنزيل 58

الوجه الثاني للخروج عن مقتضى القاعدة: الروايات الخاصة 61

الرواية الأولى: رواية حفص بن غياث 62

الرواية الثانية: رواية معاوية بن وهب 65

ــــــــــ[454]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الرواية الثالثة: رواية معاوية بن وهب الأخرى 73

علم الوسواسي بالطهارة والنجاسة 78

المسألة الأولى: في شكّ الوسواسي 79

وجوه تقريب الحكم بعدم الاعتناء بالشكّ 79

الوجه الأوَّل: عدم جريان أصالة الإشتغال في المقام 79

الوجه الثاني: الترخيص بترك الاحتياط مستنداً إلى السيرة العقلائيَّة 81

الوجه الثالث: الترخيص بترك الاحتياط مستنداً إلى الإخبار 81

الفرق بين الوجوه الثلاثة 82

الفرق الأول: في الاختصاص بمورد الصلاة ومقدّماتها 82

الفرق الثاني: في كونها حاكمة على الاستصحاب 82

الفرق الثالث: في إحراز كون شكه شكاً وسواسياً 84

تنبيه في أقسام الاحتمال العقلائي 85

المسألة الثانية: في قطع الوسواسي 86

الجهة الأولى: هل قطع الوسواسي حُجَّة في نفسه بحكم العقل؟ 87

الجهة الثانية: هل يمكن الردع من قبل المولى عن القطع المنجز؟ 88

البحث الإثباتي بصحيحة عبد الله بن سنان 89

مناقشة الاستدلال بهذه الرواية 90

ــــــــــ[455]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الجهة الثالثة: هل للشارع التوصل لنتيجة الردع بطريقة أخرى؟ 92

الطريقة الأولى: تحويل القطع الطريقيّ إلى قطع موضوعي 92

في إمكان هذه الطريقة ثبوتاً 93

في وقوع هذه الطريقة إثباتاً 94

الطريقة الثانية: أخذ العلم المتعارف في موضوع ما نعية النجاسة 95

في إمكان هذه الطريقة ثبوتاً ووقوعها إثباتاً 95

الطريقة الثالثة: تحريم الاعتناء بالوسوسة 96

في إمكان هذه الطريقة ثبوتاً ووقوعها إثباتاً 97

تنبيه: في شهادة الوسواسي 100

العلم الإجمالي بالنجاسة 103

ما يُشترط في تنجيز العلم الإجمالي 103

1- كون العلم الإجمالي علما بالتكليف على كل تقدير 103

2- دخول أطراف العلم الإجمالي في محلِّ الإبتلاء 105

الإشارة إلى عدّة مسالك في منجزيّة العلم الإجمالي 106

المسلك الأول: مسلك (المشهور): عدم المنجزية 106

مناقشة المسلك الأول 108

المسلك الثاني: مسلك (السيد الحكيم): عدم اشتغال الذمة 109

ــــــــــ[456]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مناقشة المسلك الثاني 110

المسلك الثالث للسيد الأستاذ: المنجزيّة لمحذور عقلي 111

المسلك الرابع: (وهو المختار) المنجزيّة لمحذور عقلي 112

الأمر الأوَّل: مناقشة مبنائية مع السيد الأستاذ 112

الأمر الثاني: مناقشة أخرى مع السيد الاستاذ 113

مسائل متفرّقة تتعلق بالبيِّنة 117

1- مسألة: في اعتبار حصول الظنّ بصدق البيِّنة 117

2- مسألة: في عدم إفادة البيِّنة الظنّ بالصدق لنكتة شخصية 118

3- مسألة: في عدم إفادة البيِّنة الظنّ بالصدق لنكتة نوعية 119

4- مسألة: في صحَّة مستند البيِّنة 121

الصورة الأولى: أن تذكر البيِّنة مستندها 122

الصورة الثانية: أن لا تذكر البيِّنة مستندها مع الاتفاق في المباني 123

الصورة الثالثة: أن لا تذكر البيِّنة مستندها ولم نحرز الاتفاق في المباني 123

5- مسألة: في كون متعلق البيِّنة أثراً شرعياً أو موضوعاً لأثرٍ شرعي 128

6- مسألة: فيما إذا شهدا بالنجاسة واختلفا في مستندهما 130

بناء على عدم حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية 130

التحقيق في المسألة 133

ــــــــــ[457]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المقام الأوَّل: بناءً على حصر الحُجِّيّة بالبيِّنة 133

الجهة الأولى: اختلاف مستند الشاهدين مع عدم تعارض 133

بيان مقدّمتي المسألة 134

التحقيق في المقام 135

الجهة الثانية: اختلاف مستند الشاهدين مع التعارض 140

التحقيق في المقام 142

المقام الثاني: بناء على حُجِّيّة خبر الثقة 147

الجهة الأولى: اختلاف مستند الشاهدين مع عدم التعارض 147

الجهة الثانية: اختلاف مستند الشاهدين مع التعارض 147

7- مسألة: في الشهادة بالإجمال واختلاف الشهادتين إجمالاً وتفصيلاً 150

الفرع الأوَّل: إذا شهدت البيِّنة بنجاسة أحدهما على وجه الإجمال 151

المجموعة الأولى: أن نعلم بتعدُّد الواقعة الأولى 152

المجموعة الثانية: أن نعلم بوحدة الواقعة الأولى 153

المجموعة الثالثة: ما إذا كانت الواقعة الأولى مشكوكة الوحدة والتعدد 154

الفرع الثاني: شهادة أحدهما بنحو الإجمال والآخر بنحو التفصيل 155

الوجه الأول: حُجِّيّة البيِّنة في الشهادة التفصيلية 156

ــــــــــ[458]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

مناقشة الوجه الأول 156

الوجه الثاني: حُجِّيّة البيِّنة في الجامع 157

الوجه الثالث: عدم ثبوت الحُجِّيّة لكِلتا البيّنتين 159

مناقشة الوجه الثالث 159

8- مسألة: الاختلاف في الشهادة زماناً 161

كِلاهما ناظر إلى الزمن الماضي 162

إيراد إشكال على الاستصحاب في المقام 163

جواب الإشكال 163

تعليق على الإشكال وجوابه 164

الكلمة الأوَّل: موضوع الاستصحاب هو نفس الحدوث 164

الكلمة الثانية: نستصحب عدم طروّ المطهر 165

الكلمة الثالثة: استصحاب النجاسة الظاهرية 166

الكلمة الرابعة: تماميّة الجواب على بعض المباني لا مطلقاً 168

أحدهما ناظر إلى الزمن الماضي والآخر إلى الزمن الحاضر 170

الشقّ الأوَّل: اختلاف الشاهدين في الواقعة الحسِّيَّة الأولى 171

الشقّ الثاني: اختلاف الشاهدين في الواقعة الحسّية الثانية 172

الفرض الأوَّل: العلم بعدم طروّ المطهّر 172

ــــــــــ[458]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفرض الثاني: احتمال طروّ المطهّر 173

الفرض الثالث: العلم بطروّ المطهّر 173

إشكال على مسلك المشهور 173

التقريب الأوَّل: التقريب العرفي 174

التقريب الثاني: التقريب الصناعي الفني 175

9- مسألة: لو أنَّ أحد الشاهدين بالنجاسة شهد بالطهارة الحاليّة 178

الفصل الثاني: في كيفية تنجّس المتنجّسات 183

المقام الأوَّل: اشتراط الرطوبة في سراية النجاسة 184

المسألة الأولى: في مُلاقي غير ميّت الإنسان 184

الجهة الأولى: في وجود إطلاق تقتضي سراية النجاسة مع الجفاف 185

القسم الأوَّل: ما دلّ على وجود أثر النجاسة 186

القسم الثاني: ما دلّ على الأمر بغسل الملاقي 187

الجهة الثانية: في وجود مُقيّد للإطلاق 189

المُقيِّد الأوَّل: المُقيّد اللُّبِّي 190

المُقيِّد الثاني: رواية عبد الله بن بكير 191

بحث دلالي 192

بحث سندي 193

ــــــــــ[459]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المُقيِّد الثالث: رواية محمد بن مسلم 195

المُقيِّد الرابع: رواية الفضل ابي العباس 196

1- تقريب الاستدلال بها على السراية 196

2- تقريب الاستدلال بها على عدم السراية 197

مناقشة التقريب الثاني 197

مناقشة التقريب الأوَّل 200

المُقيِّد الخامس: الروايات الآمرة بالنضح عند اليبوسة 201

الرويات المؤيِّدة للتقييد 203

المقيّد السادس: ما دلّ على عدم وجوب غسل المُلاقي للنجس مطلقاً 206

المقيّد السابع: ما دلّ على عدم السراية من المتنجِّس غير الرطب 208

المقيّد الثامن: ما دلّ على جواز الصلاة مع مُلاقي عين النجس اليابس 209

المقيِّد التاسع: رواية علي بن جعفر 211

المسألة الثانية: في ملاقي ميّت الإنسان 214

الجهة الأولى: في وجود إطلاق يدلُّ على سراية النجاسة مع الجفاف 215

الجهة الثانية: في وجود مُقيِّد للإطلاق 217

ــــــــــ[460]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الكلمة الأولى: في مُقيّدية الارتكاز 217

التقريب الأوَّل: الارتكاز العرفيّ هنا غير تامّ 217

التقريب الثاني: الارتكاز العرفيّ غير موجود في المقام 218

التقريب الثالثة: قصور النظرة العرفية عن النجاسة 219

الكلمة الثانية: في مُقيّديّة عموم (كل يابس ذكي) 219

الكلمة الثالثة: في مُقيِّديِّة الروايات الخاصَّة 220

الرواية الأولى: رواية إبراهيم بن ميمون 220

الرواية الثانية: رواية الصّفار 222

المقام الثاني: مقدار الرطوبة المشترط 224

المراتب الثلاث للرطوبة 224

تعيين مقدار الرطوبة المشترطة 225

بلحاظ الدليل اللُّبِّي 225

الفرضية الأولى: المُنجِّس هو الرطوبة 225

الفرضية الثانية: الرطوبة شرط في المُنجِّسيَّة 226

الفرضية الثالثة: الرطوبة شرط في المنجِّسيَّة بنكتة اشتداد النجاسة 227

الموقف من الفرضيات الثلاث 228

الأمر الأوَّل: تقييد الأدلَّة اللفظيّة بالارتكاز 230

ــــــــــ[461]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الأمر الثاني: تقييد الأدلَّة اللفظيّة ببعض الروايات الخاصَّة 230

احتمالان في تفسير النداوة 231

الكلام في سند الرواية 234

كلمات متفرِّعة مع الأعلام 236

الكلمة الأولى: مع السيّد الأستاذ 236

الكلمة الثانية: مع السيد الأستاذ أيضاً 237

الكلمة الثالثة: مع السيد الحكيم 238

كيفية سريان النجاسة من المائعات والجوامد 240

تحقيق المقال في المائعات 240

المقام الأوَّل: بلحاظ الدليل الأوَّلي الدالّ على الانفعال بالملاقاة 241

بحسب الارتكاز 241

بحسب صناعة الدليل في نفسه 241

التقريب الأوَّل: الماء بنظر العرف شيء واحد بخلاف الجوامد 241

التقريب الثاني: سراية النجاسة لكل الأجزاء في المائعات بخلاف الجوامد 243

التقريب الثالث: أجزاء المائع متلاقية مع الرطوبة بخلاف الجوامد 244

ــــــــــ[462]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المقام الثاني: بلحاظ الروايات الخاصة 248

تحقيق الحال في الجوامد 250

الجهة الأولى: بلحاظ الدليل الأوَّلي 250

فرض الرطوبة على مبنانا ومبنى السيد الاستاذ 252

شبهة وجوابها 253

تقريب آخر للشبهة 255

الجهة الثانية: بلحاظ الروايات الخاصَّة 256

فرع: التفصيل بين الماء الساكن والماء الجاري من الأعلى 257

1- إذا لاقت النجاسة الجزء الأسفل من الماء الجاري 258

الوجه الأوَّل: أنَّ دليل الانفعال لُبِّيّ 258

الوجه الثاني: أنَّ دليل سراية النجاسة لُبِّيّ 258

الوجه الثالث: عدم تحقّق نكتة السراية وهي تحرُّك الأجزاء ونفاذها 259

الوجه الرابع: أنَّ الجريان والتدفُّق بعدد الماء عرفاً 259

كلامان على الوجه الرابع 260

الوجه الخامس: تحكيم الارتكاز على دليل الانفعال 262

2- إذا لاقت النجاسة الجزء العالي من الماء الجاري 264

فرع: حالة الشكّ في الرطوبة 268

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفرضية الأولى: أن تكون الرطوبة هي المنجِّسة لا الجسم 268

الفرضية الثانية: أنَّ الموضوع مركَّب من ملاقاة الجامد وانتقال الرطوبة 269

الفرضية الثالثة: أنّ الموضوع مركَّب من ملاقاة الجامد وكون الجامد رطباً 270

إشكالٌ على مبنى المشهور 270

فرع في ملاقاة الحيوان الذي أصابته عين النجاسة 272

1- بناءً على أنَّ بدن الحيوان لا ينجس أساساً بملاقاة العين 273

2- بناءً على أنَّ بدن الحيوان يطهر وينجس بزوال العين 274

استشكال في جريان الاستصحاب على المبنى الثاني 274

الناحية الأولى: وجود مُخصِّص لدليل الاستصحاب 275

الرواية الأولى: موثَّقة عمَّار الساباطي 275

الرواية الثانية: رواية علي بن جعفر 278

الرواية الثالثة: رواية موسى بن القاسم 279

خدشة سندية في رواية موسى بن القاسم 280

الناحية الثانية: عدم وجد أثر شرعيّ في جريان الاستصحاب 281

مدرك أنَّ المتنجِّس لا يُنجِّس 282

الناحية الثالثة: انسداد باب إجراء الاستصحاب 285

ــــــــــ[464]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المناط في الجمود والميعان 286

المقام الأوَّل: بلحاظ مقتضى القاعدة 287

المقام الثاني بلحاظ الروايات الخاصَّة 289

الرواية الأولى: معتبرة معاوية بن وهب 289

الرواية الثانية: معتبرة الحلبي 291

الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد 294

الرواية الرابعة: رواية زرارة 295

مسائل متفرقة 297

1- مسألة: إذا لاقت النجاسة جزءاً من البدن المتعارف 297

2- مسألة: في إبريق ماء مثقوب على أرض نجسة 298

الفرع الأوَّل: حال تباعد الثقب عن الأرض 299

الفرع الثاني: حال اتِّصال الثقب بالأرض 300

3- مسألة: لو خرجت من أنفه نُخامة غليظة عليها دم 301

4- مسألة: في الثوب أو الفرش المُلطَّخ بالتراب والدم 302

الفرع الأوَّل: إذا أصاب الثوب تراب نجس حال اليبوسة 302

الفرع الثاني: الصلاة في الثوب الحامل للنجاسة اليابسة 302

الفرع الثالث: في استصحاب بقاء تراب العذرة اليابسة 306

ــــــــــ[465]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الفرع الرابع: استصحاب بقاء شيء من الدم اليابس على الثوب 308

اعتبار قابيلة التأثُّر بالنجاسة 310

الفرع الأول: في تنجُّس الفلزات المائعة بملاقاة النجس اليابس 311

الفرع الثاني: في تنجس خصوص سطح الملاقاة 314

الفصل الثالث: في المتنجس وما يرتبط به 319

المتنجِّس لا ينجَّس ثانياً 319

الجهة الأولى: في إجراء حكم أشدّ النجاستين 320

الوجه الأوَّل: التمسُّك بإطلاق روايات الغسل مرَّتين 320

الوجه الثاني: استفادة الحكم بالأولويَّة الارتكازيَّة 323

الجهة الثانية: في أنَّ المتنجّس هل يتنجَّس، أو لا 325

التقريب الأوَّل: اجتماع النجاستين من قبيل اجتماع المِثلَين 325

التقريب الثاني: لزوم اللَّغويَّة من تنجُّيس المتنجِّس 326

التقريب الثالث: المحذور الإثباتي 326

الشكّ في لزوم تعدُّد الغسل 329

الفرع الأوَّل: إذا لاقى الثوب دماً ثُمَّ شكَّ في ملاقاته للبول 329

الأمر الأوَّل: اقتضاء الاستصحاب الحكميّ في نفسه النجاسة 330

تصوير الاستصحاب في المقام حسب المباني 330

ــــــــــ[466]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المبنى الأوَّل: البناء على عدم تنجُّس المتنجّس 331

المبنى الثاني: البناء على تنجُّس المتنجِّس اشتداداً 331

المبنى الثالث: البناء على تنجُّس المتنجِّس تعدُّداً 332

المبنى الرابع: البناء على تنجُّس المتنجِّس مع التنافي في النجاسات 332

الأمر الثاني: في كون استصحاب الفرد حاكماً على استصحاب الكُلِّيّ 333

التحقيق في المقام 334

1- البناء على الاستصحاب الشخصي 335

2- البناء على الاستصحاب الكُلِّيّ من القسم الثالث 336

3- البناء على الاستصحاب الكُلِّيّ من القسم الثاني 336

الجهة الأولى: في تمامية أركان الاستصحاب في نفسه 336

الجهة الثانية: في وجود الاستصحاب الحاكم عليه 338

التقريب الأوَّل: مبنيٌّ على جريان الاستصحاب التعليقيّ 338

التقريب الثاني مبنيٌّ على الحكم بارتفاع طبيعيِّ النجاسة 339

الفرع الثاني: إذا لاقى الثوب نجاسة لا يُعلم كونها دماً أو بولاً 340

الفصل الرابع: في تنجيس المتنجّس 345

الجهة الأولى: في أنّ المائع المُتنجِّس يُنجِّس 345

الرواية الأولى: ما ورد في غسل الأواني 346

ــــــــــ[467]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

الرواية الثانية: موثَّقة عمَّار الساباطي 348

الرواية الثالثة: رواية العيص بن القاسم 348

الرواية الرابعة: رواية المُعلَّى بن خنيس 350

الرواية الخامسة: روايات بلِّ القصب بالماء القذر 351

الجهة الثانية: في أنَّ المائع ينفعل بملاقاة المُتنجِّس 354

الحاجة إلى استئناف بحثٍ جديدٍ في جهتين أُخريين 356

الوجه الأوَّل: في الأولويَّة العرفيَّة 356

الوجه الثاني: في أنَّ الرطوبة ماءٌ منفعلٌ 358

الجهة الثالثة: هل المُتنجِّس الأوَّل الجامد يُنجِّس 360

الجهة الرابعة: هل المُتنجِّس الثاني الجامد يُنجِّس 361

1- روايات غسل الأواني 361

المناقشة الأولى: رجحان الأكل في الآنية الطاهرة 363

المناقشة الثانية: الاطمئنان بزوال عين النجاسة 363

المناقشة الثالثة: بحسب مبنانا ومبنى السيد الأستاذ 364

المناقشة الرابعة: الخاصَّة بمبنى السيد الأستاذ 365

2- روايات كيفيَّة غسل الفرش 366

3- رواية المُعلَّى بن خنيس 367

ــــــــــ[468]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

4- رواية الأحول 370

5- روايات بلِّ القصب 371

6- رواية عمَّار الساباطي 373

7- الروايات الآمرة بالغسل من سؤر الكتابي 377

8- رواية علي بن جعفر 381

9- رواية أحمد بن محمد بن إسماعيل 383

10- رواية عمَّار بن موسى 384

11- رواية حماد بن عثمان 385

12- رواية زرارة 386

13- صحيحة محمد بن مسلم 386

14- رواية علي بن جعفر أيضاً 388

تفصيل الكلام في رواية علي بن جعفر 388

الصورة الأولى: النجاسة الذاتيَّة لأهل الكتاب مع الانفعال بالقليل 389

الصورة الثانية: النجاسة الذاتيَّة لأهل الكتاب مع عدم الانفعال 389

الصورة الثالثة: النجاسة العرضيَّة لأهل الكتاب مع الانفعال بالقليل 390

الصورة الرابعة: النجاسة العرضيَّة لأهل الكتاب مع عدم الانفعال 390

ــــــــــ[469]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

15- رواية علي بن جعفر الأخيرة 391

خلاصة الكلام في روايات المقام 392

الصورة الأولى: المائع المُلاقي لعين النجس 394

الصورة الثانية: المائع المُلاقي لغير عين النجس 394

الصورة الثالثة: تنجُّس الجامد بالمائع المُتنجِّس بعين النجاسة 395

الصورة الرابعة: تنجُّس الجامد بالمُتنجِّس الجامد 397

الروايات الدالة على عدم تنجيس المتنجِّس 397

الرواية الأولى: معتبرة حكم بن حكيم 397

الرواية الثانية: رواية حنَّان بن سدير 400

إشكالان للسيد الأستاذ 401

الإشكال الأوَّل 401

الإشكال الثاني 402

القرينة الأولى 403

القرينة الثانية 404

الرواية الثالثة: رواية سماعة 405

الكلام السنديّ 406

الكلام الدلاليّ 407

ــــــــــ[470]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

فرضيات أربع في عدم مطهِّريَّة المسح للبول 408

الرواية الرابعة: رواية حفص الأعور 411

المناقشة الأولى: في أنَّ الرواية مجملة 411

المناقشة الثانية: في أنّ الرواية مطلقة 413

الرواية الخامسة: رواية العيص بن القاسم 415

الرواية السادسة: رواية علي بن مهزيار 420

الكلام في الدلالة 421

الكلام في السند 425

وجوه الجمع بين الروايات المتعارضة 428

الوجه الأوَّل: القول بالتساقط 429

الوجه الثاني: القول بالتقييد 430

الوجه الثالث: حمل الأمر بالغسل على الاستحباب 431

الوجه الرابع: تقديم الروايات المستفيضة 432

الوجه الخامس: القول بعد التعارض لتعدُّد الموضوع 433

الأمر الأوَّل: القطع بعدم الفرق بين الموردين 434

الأمر الثاني: الفرق بين الموردين مُلغى بنظر العرف 435

في حكم تطهير ملاقي المُتنجِّس 439

ــــــــــ[471]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة، ج3 

المرتبة الأولى 439

المرتبة الثانية 443

المرتبة الثالثة 444

المرتبة الرابعة 445

الكلام في مسألتين 448

المسألة الأولى: شرطية التأثير 448

[المسألة الثانية: ملاقاة النجاسة في الباطن] 449

الفهرس 451