أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب الطهارة الجزء (2)

كتاب الطهارة 

الجزء الثاني

271.1

ص44 الصدر، محمد.

كتاب الطهارة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج2 (512ص.)؛ 17×24 سم.

  1. الطهارة فقه إسلامي أ – العنوان.

    رقم الإيداع

1685/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1685) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي

1-85-699-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

07706062778

manager@alturaath.com

 

كتاب الطهارة 

تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ 

آية الله العظمى 

السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره 

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء الثاني  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 






بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر





  • الفصل الأول: الكلام في نجاسة الفقاع
  • الفصل الثاني: الكلام في نجاسة عرق الجنب من حرام
  • الفصل الثالث: عرق الإبل الجلالة بل مطلق الحيوان الجلّال
  • الفصل الرابع: خاتمة الكلام في النجاسات
  • الفصل الخامس: قاعدة الطهارة
  • الفصل السادس: فيما تثبت به النجاسة

 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2






الفصل الأول

 الكلام في نجاسة الفقاع

 

  • أدلة نجاسة الفقاع
  • تعليق على ما في متن العروة

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2









الفصل الأول                                                                                     الكلام في نجاسة الفقاع

 

التاسع من النجاسات: الفقاع.

المعروف بين فقهاء الشيعة الحكم بنجاسة الفقاع، بل المعروف بينهم في مقام التأليف والتصنيف، أنَّه نجس بعنوانه في مقابل الخمر والمسكر.

 

[أدلة نجاسة الفقاع]

والمدرك الذي يمكن الاستناد إليه في الحكم بنجاسته وجوه ثلاثة:

الوجه الأول: [الاجماع]

 الإجماعات المنقولة(1)، والمحصل جزء معتد به منها على نجاسته، وهو غير 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) اُنظر: الانتصار: 418، كتاب الأشربة، المسألة: 239، رسائل الشريف المرتضى 1: 99، جوابات مسائل الرازيّة، المسألة الأولى، غنية النزوع: 41، كتاب الطهارة، الفصل الثاني، تذكرة الفقهاء 1: 65، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل الأوّل، المسألة 20: الثالث، التنقيح الرائع 1:145، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات: الخامس، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 1: 439، كتاب الطهارة، النظر السادس: في ما يتبع الطهارة، القول في أقسام النجاسات: العاشر من أنواع النجاسات العشر: الفقّاع.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كافٍ في نفسه، لما تقدَّم في نجاسة الخمر، حيث لم يكن الإجماع هناك [كافياً] لإثبات النجاسة في الخمر فضلاً عن نجاسة الفقاع، فإنَّه لا يزيد عليه.

الوجه الثاني: [رواية هشام بن الحكم]

ما يدلُّ على النجاسة بعنوانه، وهي رواية يونس بن عبد الرحمن عن هشام بن الحكم التي سبقت في باب نجاسة الخمر، وفيها: “لَا تَشْرَبْهُ؛ فَإِنَّهُ خَمْرٌ مَجْهُولٌ، فَإِذَا أَصَابَ ثَوْبَكَ فَاغْسِلْهُ”(1)، والاستدلال يكون بالفقرة الأخيرة منها، بناء على ما تقدَّم مراراً من أنَّ الأمر بالغسل ظاهر عرفاً بالإرشاد إلى النجاسة.

ولعل هذا الوجه أقوى الوجوه، إلاَّ أنَّ الرواية ساقطة سنداً للإرسال.

الوجه الثالث: دليل الحكومة [بتنزيل الفقاع منزلة الخمر]

وهي الروايات التي أطلقت على الفقاع اسم الخمر، حيث قيل في وجه الاستدلال: إنَّها تتكفل التنزيل ومقتضى إطلاقه أنَّ تمام أحكام الخمر تترتب 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

(1) الكافي 12: 754-755، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 7، الاستبصار 4:96، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 60، الحديث 10، تهذيب الأحكام 1: 282، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 115، وسائل الشيعة 3: 469، كتاب الطهارة، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

على الفقاع، ومنها النجاسة وهي الروايات المذكورة في باب (27) من الأشربة المحرمة.

منها: رواية الوشاء، قال: “كتبت إليه -يعني الرضا- أسأله عن الفقاع، قال: فكتب: حَرَامٌ، وَهُوَ خَمْرٌ”(1).

ومنها: ما عن ابن فضال: قال: “كتبت إلى أبي الحسن أسأله عن الفقاع فقال: هُوَ الخَمْرُ، وَفِيهِ حَدُّ شارِبِ الخَمْرِ”(2)

ومنها: ما عن عمار بن موسى قال: “سألت أبا عبد الله عن الفقاع فقال: هُوَ خَمْرٌ”(3).

ــــــــــ[17]ــــــــــ

(1) الكافي 12: 756، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 9، الاستبصار 4: 95، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 60، الحديث 6، تهذيب الأحكام 9: 125، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 275، وسائل الشيعة 25: 359-360، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1.

(2) الكافي 12: 759، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 15، تهذيب الأحكام 9:124، كتاب الصيد والذبائح، الباب2، الحديث 269، وسائل الشيعة 25: 360، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 2.

(3) الكافي 12: 753، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 2، تهذيب الأحكام 9: 124، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 270، وسائل الشيعة 17: 226، كتاب التجارة، الباب 56 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. وتكرّر الحديث في المجلّد 25: 360، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومنها: ما عن محمد بن سنان قال: “سألت أبا الحسن الرضا عن الفقاع فقال: لَا تَقْرَبْهُ؛ فَإِنَّهُ مِنَ الخَمْرِ”(1)، وعن محمد بن سنان أيضاً قال: “سألت أبا الحسن الرضا عن الفقاع فقال: هِيَ الخَمْرُ بِعَيْنِها”(2).

ومنها: ما عن النوفلي عن زاذان، عن أبي عبد الله، قال: “لَوْ أَنَّ لِي سُلْطَاناً عَلَى أَسْوَاقِ المُسْلِمِينَ لَرَفَعْتُ عَنْهُمْ هَذِهِ الخَمْرَةَ” يعني: الفقّاع(3).

ومنها: عن الوشاء قال: “كتبت إليه يعني الرضا أسأله عن الفقاع فكتب: حرام ومن شربه كان بمنزلة شارب الخمر، قال: وقال: أبو 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

(1) الكافي 12: 753، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 3، الاستبصار 4: 96، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 60، الحديث 9، تهذيب الأحكام 9: 125، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 278، وسائل الشيعة 25: 361، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 6.

(2) الكافي 12: 754، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 4، الاستبصار 4: 96، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 60، الحديث 8، تهذيب الأحكام 9: 125، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 277، وسائل الشيعة 25: 361، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 7.

(3) الكافي 12: 754، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 6، الوافي 20: 660، كتاب المطاعم والمشارب، أبواب المشارب، باب الفقّاع، الحديث 20226، وسائل الشيعة 25: 361-362، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 9.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الحسن: لَوْ أَنَّ الدَّارَ دَارِي لَقَتَلْتُ بَائِعَهُ وَلَجَلَدْتُ شَارِبَه‏. قال: وقال أبو الحسن الأخير: حَدُّهُ حَدُّ شَارِبِ الخَمْرِ، وقال: هِيَ خَمْرَةٌ اسْتَصْغَرَهَا النَّاسُ”(1).

مناقشة دليل الحكومة

إلاَّ أنَّ هذا الاستدلال ترد عليه المناقشة التي سبقت منا في الاستدلال على نجاسة العصير العنبي بمثل هذا الاستدلال بل تلك المناقشة هنا أوضح وأجلى وأكمل.

وهي: أنَّ قوله: “الفقاع “هُوَ خَمْرٌ” يدور الأمر فيه بين احتمالين:

الاحتمال الأول: أنَّ يكون محمولاً على التنزيل وإعمال المولوية والعناية في مقام تطبيق عنوان الخمر على الفقاع، بلحاظ أحكامه وآثاره. وعلى هذا التقدير يتمّ الاستدلال.

الاحتمال الثاني: أن يكون هذا التطبيق حقيقياً، ويكون المقصود أنَّ الفقاع خمر حقيقة بالمعنى الأعم للخمر وهو مطلق المسكر، وهو معنى حقيقي ومستعمل في لسان المتشرعة ولا يكون تنزيلاً بلحاظ الآثار. وإنما 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

(1) (وفي باب 28)، (المقرر). الكافي 12: 756-757، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 9، الاستبصار 4: 95، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 60، الحديث 6، تهذيب الأحكام 9: 125، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 275، وسائل الشيعة 25: 365، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 28 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يترتب عليه آثار المسكر لأنَّه فرد منه حقيقة، فإن فرض أنَّه كان من أحكام المسكر النجاسة فلا بأس بالالتزام بنجاسة الفقاع، وأما بناء على ما بنينا عليه من أنَّ النجاسة حكم للخمر بالمعنى الأخص لا لطبيعي المسكر. إذن فقوله خمر غاية ما يدلُّ عليه أنَّ الفقاع مسكر، وليس من أحكام المسكر النجاسة، فلا يتمّ الاستدلال.

وإنما يتمّ الاستدلال لو حمل لفظ الخمر على المعنى الأخص الذي هو موضوع للنجاسة، وحينئذ فيتعين أن يكون الحمل على وجه التنزيل بلحاظ الأحكام، وأحدها النجاسة. ولكن لا معين لذلك في مقابل الحمل على مطلق المسكر، فإنَّه رائج في لسان المتشرعة أيضاً.

امتياز المناقشة هنا عمَّا في العصير العنبي

وهذه المناقشة متفقة بروحها العامّة مع مناقشة دليل نجاسة العصير العنبي المطبوخ، لكن فيها بعض الامتيازات عليها:

الميزة الأولى: أنَّه حين نحمل الحمل على الحمل الحقيقي في قوله: (العصير العنبي المطبوخ خمر). فإنَّ ذلك يوجب تقييد الإطلاق؛ لأنَّ العصير العنبي المطبوخ بعضه مسكر وبعضه غير مسكر، بينما هذه الكلفة غير موجودة في المقام، لأنَّنا لا نعترف أن الفقاع يشمل غير المسكر أيضاً.

إذ من المحتمل قوياً، مبنياً على نصِّ جملة من أهل اللّغة(1) حيث قالوا: 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب العين 1: 176، حرف العين، باب العين والقاف والفاء، مادّة (فقع)، معجم مقاييس اللّغة 4: 445، كتاب الفاء، باب القاف والفاء، مادّة (فقع)، لسان العرب 8: 256، فصل الفاء، مادّة (فقع).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إنَّه سمّي بالفقاع من أجل الزبد الذي يظهر عليه بعد غليانه، فهو يختص بالماء المتغير الذي يغلي ويزبد. وقد بيّنا مراراً أن الغليان بنفسه موجب للإسكار بالنسبة إلى المواد السكرية القابلة للتحول إلى كحول.

روايات مؤيدة لاختصاص الفقاع بالمغلي

وهناك بعض الروايات تؤيد اختصاص الفقاع بخصوص المغلي:

منها: عن ابن أبي عمير عن مرازم قال: كان يعمل لأبي الحسن الفقاع في منزله، قال ابن أبي عمير: ولم يعمل فقّاع يغلي(1).

وهذا يدلُّ على أنَّ محلّ الكلام هو الفقاع المغلي.

ومنها: ما عن عثمان بن عيسى قال: “كتب عبد الله بن محمد الرازي إلى أبي جعفر الثاني: إن رأيت أن تفسر لي الفقاع فإنَّه قد اشتبه علينا أمكروه هو بعد غليانه أم قبله؟ فكتب: لَا تَقْرَبِ الْفُقَّاعَ إِلَّا مَا لَمْ يَضْرَ آنِيَتُهُ أَوْ كَانَ جَدِيداً. فأعاد الكتاب إليه: كتبتُ أسأل عن الفقّاع ما لم يغلِ، فأتاني: أن اشربه ما كان في إناءٍ جديد، أو غير ضارّ، ولم أعرف حدّ الضراوة والجديد، 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

(1) الاستبصار 4: 96، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 60، الحديث 11، تهذيب الأحكام 9: 126، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 280، وسائل الشيعة 25: 381، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 39 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وسأل أن يفسّر ذلك له، وهل يجوز شرب ما يعمل في الغضارة والزجاج والخشب ونحوه من الأواني؟! (وهي أسماء للأواني التي يصنع فيها الفقاع)، فإنَّ بعضها تساعد على سرعة إسكار ما فيها، وبعضها لا تساعد، فكتب: يُفْعَلُ الْفُقَّاعُ فِي الزُّجَاجِ وَفِي الْفَخَّارِ الجَدِيدِ إِلَى قَدْرِ ثَلَاثِ عَمَلَاتٍ، ثُمَّ لَا يُعَدْ مِنْهُ بَعْدَ ثَلَاثِ عَمَلَاتٍ إِلَّا فِي إِنَاءٍ جَدِيدٍ، وَالخَشَبُ مِثْلُ ذَلِكَ”، كل ذلك لأجل ألا يحصل الإسكار.

إذن فمن القريب جداً أن الفقاع مخصوص بخصوص المسكر، فيحمل قوله: (خمر) على المسكر، وهو ينطبق على المعنى الحقيقي، ولا يوجب تقييد الإطلاق بأي وجه من الوجوه.

الميزة الثانية: أنَّ هناك قرائن في نفس الروايات التي قرأناها، أن التطبيق تطبيق حقيقي، منها: قوله (خمر مجهول استصغره الناس)، ولو كان الباب باب الاعتبار فلا معنى لجهل الناس له، إذ لا معنى للقول: بأنَّ “الطواف بالبيت صلاةٌ” يجهلها الناس، فإنَّه ليس صلاة أصلاً، فيدلُّ ذلك أن له حقيقة في صغرى أن (يعلمها الناس) ولم يعلموها.

وهذا واقع المطلب، فإنَّ الفقاع وهو ما يسمى بالبيرة اليوم، ويستعمل من قبل غير المؤمنين على الخمور، باعتبار أن نسبة الكحول فيه (5%) على أنَّها في العرق 33% وفي بعض الخمور الأوربية من 50 إلى 60% ومعنى ذلك أنَّه لا يعد أن يشرب من البيرة أكثر بكثير مما يشرب من العرق حتَّى يصبح أثره مساوياً لأثره، وحيث إنَّ الناس في الغالب لا يشربون هذه 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الكمية، فقد أصبحت الفقاع مجهولاً. وإسكاره أصبح اليوم واضحاً باعتبار تحليل المواد التي فيه(1).

مناقشة دليل التنزيل بناء على المسلك المشهور

ثُمَّ إنَّ وجه الاستدلال بروايات التنزيل التي تقول: الفقاع خمر، وهو التمسّك بإطلاق التنزيل لإثبات النجاسة. 

إلا أنَّ هذا الاستدلال غير تامّ، سواء بنينا على المسلك المشهور القائل بنجاسة طبيعي المسكر، أو على المسلك المختار من التفصيل في المسكر بين الخمر وغيره، وأن موضوع النجاسة هو المسكر بالمعنى الأخص، وهو المعمول من عصير العنب دون غيره.

أما على المسلك الأول: فنقول لهؤلاء المستدلين أنتم ماذا تطلبون من روايات الفقاع خمر، هل تطلبون إثبات نجاسة زائدة على نجاسة طبيعي المسكر؟ أو تريدون إثبات النجاسة والحرمة، لبعض أقسام المسكر؟

توضيح ذلك: أن الفقاع الذي وردت هذه الروايات في مقام تطبيق عنوان الخمر عليه، لا نسلِّم أن له إطلاقاً لغير صورة الإسكار، بل من المحتمل قوياً أن يكون مختصاً بخصوص صورة الإسكار، وهذا مبني على مجموع مقدّمتين:

ــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) راجع للتوسّع: ما وراء الفقه 7: 205، كتاب الأطعمة والأشربة، فصلٌ: في الكحول.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المقدّمة الأولى: أن الفقاع مخصوص يخصّ ماء الشعير الذي غلى بنفسه حتَّى علته الفقاعات والزبد، فيسمى لذلك بالفقاع، كما ذكر في كتب اللغة، وكذلك في الروايات على ما سبق(1).

المقدّمة الثانية: أنَّه تقدَّم مِنّا في أوَّل المسألة: أن كل عصير غلى بنفسه واحتوى على مواد الشيطان(2) يكون مسكراً. فلا يكون للفقاع إطلاق لغير المسكر، بل مختصّ بالمسكر. 

إذن فلم نستفد من روايات (الفقاع خمر)، شيئاً جديداً غير ما قد فرغنا منه بناء على المسلك المشهور من الحكم بنجاسة كل مسكر.

ولو فرضنا أنَّنا سلمنا أن الفقاع مطلق، بحيث كانت له حصتان: مسكرة وغير مسكرة، وقلنا: إن المغلي بنفسه قد لا يكون مسكراً، كما ذكر السيد الأستاذ(3)، فهل يمكن أن نستفيد من هذه الروايات مطلباً جديداً بناء على المسلك المشهور؟ 

قد يُقال: بإمكان ذلك لأنَّ المطلب الأوَّل كان هو حرمة المسكر، وهذا المطلب هو أن كِلا قسمي الفقاع وإن لم يكن مسكراً يكون محكوماً بالحرمة والنجاسة.

ــــــــــ[24]ــــــــــ

(1) اُنظر ص20 الميزة الأولى.

(2) راجع: ج1، ص255، الرواية الثانية.

(3) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 101-103، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، التاسع: الخمر.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلا أنَّ هذا أيضاً غير تامّ، لأنَّنا إذا بنينا على أنَّ كلمة الخمر في قوله: (الفقاع خمر)، قد أُريد منها طبيعي المسكر، كما هو المختار عادة لهذا المسلك، أو لا أقلّ من احتماله، فحينئذٍ تقول: إنَّه لا يمكن إبقاء الفقاع على إطلاقه بحيث يشمل الحصتين معاً؛ لأنَّه يلزم منه الجمع بين الإخبار والإنشاء؛ لأنَّ قوله (الفقاع خمر) كان بمعنى الفقاع مسكر، وهذا التطبيق بلحاظ الفقاع المسكر إخبار، وبلحاظ غير المسكر إنشاء يتضمن التنزيل والمولوية، وهو وإن كان معقولاً، فإنَّنا لا نقول باستحالة استعمال اللفظ في معنيين، إلا أنَّه لا إشكال أنَّه خلاف المتفاهم العرفي، بل هو إما إخبار وإما إنشاء.

إذن فلا يمكن أن نستفيد من الروايات أمراً جديداً زائداً على نجاسة المسكر.

وقد يُقال: إنَّ الروايات واردة في الفقاع غير المسكر بالخصوص، فلا يلزم الجمع بين الخبرية والإنشائية؛ لأنَّ السيد المرتضى ذكر في متفردات الإماميّة (1): أن الإمامية تفردت بالحكم بنجاسة الفقاع وحرمته، بينما أن المسكر منه لم تتفرد به الإمامية؛ لأنَّ هناك قولاً مشهوراً بين العامة، بنجاسة المسكر(2)، إذن فهذا يكشف ان الفقاع المنظور فتوى ونصاً، هو الفقاع غير المسكر.

إلا أنَّ هذا الكلام غير تام؛ لأنَّ تفرد الإمامية بالحكم بنجاسة الفقاع لم 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

(1) اُنظر: الانتصار: 418، كتاب الأشربة، المسألة 239.

(2) اُنظر: المجموع، شرح المهذّب ٢: ٥٨٢، باب إزالة النجاسة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يكن بلحاظ الشبهة الحكمية، بل بلحاظ الشبهة الموضوعية أو الشبهة المفهومية.

توضيح ذلك

أن عندنا شبهة حكمية: هي أن المسكر هل هو محكوم بالنجاسة أو لا؟ والحكم بنجاسته ليس من متفردات الإماميّة(1).

وعندنا شبهة مفهومية: وهي أن حدّ السكر ما هو؟ وإن المسكر بِمَ يصير مسكراً؟ هل هو أن يتيه الرجل ولا يعرف الطريق إلى بيته؟ أو أقلّ من ذلك بكثير بحيث يتحقَّق بمجرّد النشوة؟ وفي هذه الشبهة أخذ الإمامية بأوسع مراتب السكر. بينما لم أطلع على رأي من السنة بهذا المعنى الأوسع، بل المشهور بينهم الأخذ بالمفهوم الضيق للسكر.

وعندنا شبهة موضوعية: وهي أن هل هذا يسكر كثيره؟ أو لا؟

والخلاف بين السنة والشيعة ليس في الشبهة الحكمية بل في المفهوم والشبهة الموضوعية. 

وقول السيد المرتضى السابق، ليس معناه أن مورد نظر الإمامية هو الفقاع غير المسكر، بل هو الفقاع المسكر، ولكن حيث وسعوا معنى 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

(1) اُنظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق 8: 248، الأشربة المحرّمة من ماء الزبيب، التذكرة في الفقه الشافعي: ١٨، السراج الوهّاج على متن المنهاج: ٢٢، الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي ١: ٣٨، ٣: ٧٧، الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة ٤٠: ٧٥.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المسكر، ولهذا اختصوا بحرمة الفقاع بينما ضيّق السنة معنى السكر فلم يقولوا بحرمته.

وحيث إنَّ نسبة الكحول فيه قليلة فيحصل بشربه أقلّ مراتب الانتشاء، ومن هنا يخفى من ناحية المفهوم على كثير من الناس، إذن فلا يمكن أن يؤخذ كلام السيد قرينة على ذلك. ومعه فيبقى الكلام على حاله الأول.

مناقشة دليل التنزيل على المسلك المختار

وأما إذا قلنا إن النجاسة مخصوصة بخصوص الخمر، وهو المسكر المتخذ من عصير العنب، فيمكن أن يقال: إنَّنا نستفيد نجاسة جديدة من هذه الروايات، لم تكن في الدليل الأول، إذ لو اقتصرنا على نجاسة الخمر لقلنا بطهارة الفقاع حتَّى المسكر منه. فإذا رجعنا إلى قوله الفقاع خمر، نجد أنَّه حكومة وتنزيل ومقتضى إطلاقه ثبوت تمام أحكام الخمر للفقاع ومنها النجاسة.

بل بحسب الحقيقة أنَّنا إذا استفدنا نجاسة الفقاع فسوف نتنزل عن هذا المسلك، ونبني على أنَّ تمام المسكرات نجسة، لأنَّنا لا نحتمل عرفاً أن الفقاع وهو أخف المسكرات محكوم عليه بالنجاسة ولا يكون الأشد منه محكوماً بها؛ لأنَّ العرف يفهم نجاسة الفقاع باعتبار حيثية الإسكار، فيعمم إلى سائر المسكرات، فيصير لهذه الروايات بركة.

ولكن الكلام في أن هذا الاستدلال هل يتمّ؟ أو لا؟ وهو مبني على نكتة واحدة، فإن تمَّت تمَّ وإلا بطل.

ــــــــــ[27]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وهي أن المراد بكلمة الخمر: الخمر بالمعنى الأخص، وهو المسكر العنبي الذي قام الدليل على نجاسته بالخصوص، فإن تعين ذلك تمَّ الاستدلال.

إذ يتعين أن يكون التطبيق تنزيلياً لا حقيقياً؛ لأنَّ ماء الشعير ليس بعصير عنبي مسكر، فيتمسك بإطلاق التنزيل.

وأما لو حملنا كلمة الخمر، على الخمر بالمعنى الأعم، وهو أحد معنيي الخمر فقوله: (الفقاع خمر)، لا يتعين أن يكون من باب الحكومة والتنزيل، بل يحتمل أن يكون تطبيقاً حقيقياً لا تطبيقاً عنائياً. وأن الإمام كان في مقام كشف ما كان خافياً على المسلمين يومئذ، حيث تخيلوا أن الفقاع ليس بمسكر شبهة مفهومية للسكر، وبناء عليه تكون أحكام المسكر ثابتة للفقاع حقيقة. وليس من أحكامه النجاسة بناء على هذا المسلك.

فيدور الأمر حول هذه النكتة، وهي أنَّه هل أريد بالخمر المعنى الأخص، أو الأعم؟ ويكفينا في المقام وجود احتمالين من دون معين، فإنَّ الإجمال يكون في صالحنا، ومن يريد الاستدلال بها لا بُدّ أن يعين الاحتمال الأول.

مؤيّدات وقرائن على أنَّ المراد بالخمر المعنى الأعم

مضافاً إلى وجود قرائن تشهد بالاحتمال الثاني: وهو أن المراد بالخمر المعنى الأعم، وأن التطبيق تطبيق حقيقي لا تنزيلي.

المؤيّد الأول: أهم هذه المؤيدات ما ورد في جملة من الروايات التي أدعي 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لها الحكومة، من قوله: “فَإِنَّهُ خَمْرٌ مَجْهُولٌ”(1)، أو جهله الناس، ومن المعلوم أن توصيف الفقاع بذلك قرينة على أنَّ المراد بالتطبيق التطبيق الإخباري دون التطبيق الإنشائي؛ لأنَّ الإنشائي لا يعبر عن حقيقة خارج هذا الجعل حتَّى يوصف بأنها مجهولة للناس، بخلاف التطبيق الإخباري، فإنَّه يعبر عن حقيقة قائمة وراء الإخبار يمكن أن يجهلها الناس ألا ترون أن الجملة الإنشائية، لا تقع مناسبة إذا أسند ذلك إليها بأن يقال: (الطواف بالبيت صلاة مجهولةٌ للناس).

المؤيّد الثاني: وهناك بعض المؤيدات لهذا المدعى، كالتصغير، حيث عبّر عن الفقاع (بالخميرة) كرواية زاذان السابقة(2)؛فإنَّ التصغير يناسب مع التطبيق الإخباري لا التطبيق الإنشائي، فإنَّه لو كان في مقام الجعل لم يظهر وجه لاعتبار التصغير فيه، فإنَّ التصغير ليس دخيلاً في الحكم الشرعي، وليس هناك مناسبة واضحة للتطبيق الإنشائي على التصغير والتخفيف، ولكنه يناسب جداً مع التطبيق الإخباري وكون الإمام في مقام بيان الحقائق؛ لأنَّ واقع المطلب هو هذا، فإنَّ الفقاع مسكر خفيف.

نعم، وقع اشتباه واختلاف في النسخ، فإنَّ صاحب الوسائل(3)  

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) تقدَّم تخريجه سابقاً، فراجع.

(2) تقدَّم تخريجه سابقاً، فراجع.

(3) راجع: وسائل الشيعة 25: 362، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 9.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ينقلها عن الكافي بالتصغير بينما في الكافي نفسه ورد “هَذِهِ الخَمْرَةَ”(1) من دون تصغير.

المؤيّد الثالث: ومن مؤيدات المطلب أيضاً: كلمة (بِعَيْنِها) في رواية محمد بن سنان السابقة(2) فإنَّها أيضاً مقربة بحسب الفهم العرفي لكون الإمام في مقام التطبيق الإخباري ولذا جاء في المقام بالتأكيد. ولا معنى لأنَّ يؤكد التطبيق الإنشائي بمقدار التطبيق الإخباري؛ لأنَّ التأكيد هو الإصرار على أنَّ القضية صادقة وليست بكاذبة، وهو معنى يناسب مع الإخبار دون الإنشاء.

المؤيّد الرابع: ومن المؤيدات أيضاً قوله: “هِيَ خَمْرَةٌ اسْتَصْغَرَهَا النّاسُ”(3)، في رواية الوشاء، وهو مناسب مع التطبيق الإخباري دون 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

() راجع: الكافي 12: 754، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 6.

(2) الكافي 12: 754، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 4، الاستبصار 4: 96، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 60، الحديث 8، تهذيب الأحكام 9: 125، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 277، وسائل الشيعة 25: 361، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 7.

(3)  باب 28 من أبواب الأشربة المحرمة، (المقرر). الكافي 12: 756-757، كتاب الأشربة، الباب 30، الحديث 9، الاستبصار 4: 95، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 60، الحديث 6، تهذيب الأحكام 9: 125، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 275، وسائل الشيعة 25: 365، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 28 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الإنشائي إذ لا معنى في الإنشاء أن يُقال استصغره الناس، بل هو مناسب مع حقيقة خارجية تسامح فيها الناس.

وعليه فتكون هذه الروايات أجنبية عما هو المقصود وعليه فلم يبق دليل على نجاسة الفقاع، وحاله حال المسكرات الأخرى محكوم بالطهارة، باستثناء الخمر بالمعنى الأخص، ولو أنَّها جميعاً محرمة حرمة مغلظة.

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2















تعليق على ما في متن العروة

 

والعاشر الفقاع (1)

بعد أن تبينت عدم نجاسته لا حاجة إلى التكلّم عن حدوده، وأنَّه هل هو مخصوص لغة بماء الشعير، أو يشمل أقساماً أخرى؟ وقد اتضح مما ذكرناه أيضاً أنَّه على فرض نجاسته فلا نسلِّم أنَّه خاصّ بالمسكر من ماء الشعير، لأنَّه أخذ فيه عنوان الغليان بنفسه، وهو مساوق للإسكار، ومعه لا يفرق بين ما اتخذ من ماء الشعير أو غيره، من المسكرات. ولا تصل النوبة إلى تحديد الفقاع وأنَّه هل يشمل ماء غير الشعير، أو لا؟ للحكم بنجاسة كل مسكر بشكل عام. فهذا البحث لا ينتهي إلى أثر عملي أصلاً.

وهو شراب متخذ من الشعير على وجه مخصوص(2): ما هو هذا الوجه المخصوص غير أنَّه يجعل حتَّى يغلي من نفسه، وتظهر عليه الفقاعات، بخلاف الفقاع الذي كان يصنع في بيت أبي الحسن.

ــــــــــ[32]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 145، كتاب الطهارة، باب النجاسات، العاشر: الفقّاع، المسألة الأولى.

(2) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 145، كتاب الطهارة، باب النجاسات، العاشر: الفقّاع، المسألة الأولى.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ويُقال إنَّ فيه مسكراً خفياً: بل هو مجزوم به؛ لأنَّ (43-) الغليان بنفسه مساوق مع الإسكار. وحده في الفقاع 5%.

وإذا كان متخذاً من غير الشعير فلا حرمة ولا نجاسة إلاَّ إذا كان مسكراً، بيّنا أنَّنا إذا قلنا بنجاسة الفقاع فهو مخصوص بالمسكر، ومعه نتعدى إلى سائر المسكرات، وبدونه نقول بطهارتها، فإما أن نقول بالطهارة في الجميع أو بالنجاسة في الجميع.

مسألة: ماء الشعير الذي يستعمله الأطباء في معالجاتهم ليس من الفقاع فهو طاهر حلال. الأطباء الذين يستعملونه قد انتهوا، فلا ندري كيف كانوا يستعملونه! إلاَّ أنَّنا نذكر لهم الكبرى وعليهم التطبيق وحاصلها: أنَّه إذا كان يغلي بنفسه فهو حرام، وإذا قيل بنجاسة المسكر فهو نجس وإذا لم يغل بنفسه فهو حلال.

ــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2






الفصل الثاني

 الكلام في نجاسة عرق الجنب من حرام

 

  • مناقشة دعوى الإجماع على النجاسة 
  • الروايات الدالة على النجاسة 
  • فروع وتطبيقات
  • مسائل متفرقة 

 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الفصل الثاني                                                                                     الكلام في نجاسة عرق الجنب من حرام

 

الحادي عشر من النجاسات: عرق الجنب من الحرام (1).

 

مناقشة دعوى الإجماع على النجاسة

ذهب جماعة من المتقدِّمين إلى نجاسته(2)، بل نسب ذلك إلى مشهور 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

() العروة الوثقى (المحشّى) 1: 145، كتاب الطهارة، باب النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام.

(2) اُنظر: فقه الرضا: ٨٤، الباب 3، باب الغسل من الجنابة وغيرها، ونقله الصدوق في المقنع: ٤٣، باب الغسل من الجنابة، من لا يحضره الفقيه ١: ٦٧، باب ما ينجّس الثوب والجسد من المياه المخرجة من الإنسان، النهاية: ٥٣، باب تطهير الثياب من النجاسات والبدن والأواني، المهذّب (القاضي) 1: 51، كتاب الطهارة، فصلٌ: في بيان الطهارة الشرعيّة، بابٌ: في ما يتبع الطهارة، غنية النزوع: 45، كتاب الطهارة، الفصل الثاني، الطهارة عن النجس التي هي شرط في صحّة الصلاة، إصباح الشيعة: 53، كتاب الطهارة، الفصل الثامن عشر.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المتقدِّمين(1)، بل ادعى في بعض كلماتهم -كالغنية لابن زهرة(2)– الإجماع عليه.

وما ينبغي أن يكون مدركاً للمسألة هو الروايات لا الإجماع؛ لأنَّ جملة ممن نسب إليهم القول بالنجاسة لم يظهر منهم إلاَّ عدم جواز الصلاة في الثوب الذي عرق فيه الجنب من حرام. 

ونحن لم نعلم بوجود الملازمة في رأيهم بين المانعية والنجاسة، ولعلّ ناقل الإجماع استفاد حدساً واجتهاداً قولهم بالنجاسة. مضافاً إلى أن جملة ممن أفتى بالنجاسة نُقل أنَّه عدل عنها، إن لم نقل الكل، كما حاول العلامة الحلّي(3) أن يقوله. فلا أقلّ يكون ذلك موهناً للإجماع.

ــــــــــ[38]ــــــــــ

() راجع: الحدائق الناضرة 5: 215، كتاب الطهارة، الباب الخامس، المقصد الأوّل، الفصل العاشر: في جملةٍ من المواضع قد وقع الخلاف فيها بين الأصحاب، قال: “وممّا ذكرنا يُعلم: أنَّ المشهور بين المتقدّمين هو القول بالنجاسة”، رياض المسائل 2: 89، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، العاشر: الفقّاع، قال: … “وقصور أسانيدها منجبر بالشهرة العظيمة بين القدماء”. وراجع أيضاً: جواهر الكلام 6: 71، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، العاشر: الكافر، في حكم عرق الجنب من الحرام.

(2) اُنظر: غنية النزوع: 45، كتاب الطهارة، الفصل الثاني، قال: “وقد ألحق أصحابنا بالنجاسات عرقَ الإبل الجلّالة، وعرق الجنب إذا أجنب من الحرام”. وربما استظهر صاحب الرياض من كلام ابن زهرة نسبته الإجماع إليهم، فراجع: رياض المسائل ٢: 88.

(3) اُنظر: السرائر 1: 181، كتاب الطهارة، باب تطهير الثياب من النجاسات.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

على أنَّ جماعة من متقدِّمي المتأخرين كالحلّيّ(1) ومَن بعده(2) أفتى بالطهارة، فلو كان هناك إجماع قوي يوجب الاطمئنان، فلماذا لم يوجب لهم الاطمئنان حتَّى يوجبه لنا؟!

ــــــــــ[39]ــــــــــ

(1) راجع: السرائر 1: 181، كتاب الطهارة، باب تطهير الثياب من النجاسات.

(2) راجع: شرائع الإسلام 1: 45، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، العاشر: الكافر، قواعد الأحكام 1: 192، كتاب الطهارة، المقصد الثالث: في النجاسات، الفصل الأوّل: في أنواعها، الدروس الشرعيّة 1: 124، درس 19، أحكام النجاسات العشر، التنقيح الرائع 1: 146، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2






الروايات الدالة على النجاسة

 

فعمدة ما يصلح مدركاً لإثبات النجاسة هو الروايات:

الرواية الأولى: 

ما رواه في البحار عن مناقب ابن شهر آشوب في أبواب مناقب الإمام الهادي قال علي بن مهزيار: “وردت العسكر وأنا شاكٌّ في الإمامة، فرأيت السلطان قد خرج إلى الصيد في يوم من الربيع، إلا أنَّه صائف. إلى أن يقول: ثُمَّ قلت أريد أن أسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب، فقلت في نفسي إن كشف وجهه فهو الإمام، فلما قرب مني كشف وجهه ثُمَّ قال: إِنْ كَانَ عَرَقُ الجُنُبِ فِي الثَّوْبِ وَجَنَابَتُهُ مِنْ حَرَامٍ لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ جَنَابَتُهُ مِنْ حَلَالٍ فَلَا بَأْس‏، فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة” (1).

الرواية الثانية: 

رواية إدريس بن داود: “أنَّه كان يقول بالوقف فدخل (سرّ من رأى) 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() بحار الأنوار 77: 117، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والمطهّرات، الباب 7، الحديث 5، مناقب آل أبي طالب (ابن شهرآشوب) 3: 516، باب إمامة علي بن محمّد النقيّ، فصلٌ: في آياته.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

في عهد أبي الحسن، فأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلّي فيه؟ فبينما هو قائم في طاق في باب لانتظاره، إذ حركه أبو الحسن بمقرعة وقال: إِنْ كَانَ مِنْ حَلَالٍ فَصَلِّ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَرَامٍ فَلَا تُصَلِّ فِيهِ”(1).

الرواية الثالثة: 

رواية الفقه الرضوي: “إِنْ عَرِقْتَ فِي ثَوْبِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ وَكَانَتِ الجَنَابَةُ مِنَ الحَلَالِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ حَرَاماً فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ حتَّى تَغْتَسِلَ”(2).

ويمكن أن يقرب الاستدلال بهذه الروايات على النجاسة بعدة تقريبات بعد الالتفات أنَّه لم يذكر الحكم بنجاسة العرق صريحاً، وإنما الذي ذكر فيها هو المنع عن الصلاة في الثوب الذي يعرق فيه الجنب، وهو لازم أعم للنجاسة، فالاستدلال به على الملزوم الأخص غير تامّ إلا بهذه التقريبات، ولكن مع ذلك يمكن أن نتصور عدة تقريبات لاستفادة النجاسة من هذا المضمون.

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() بحار الأنوار 77: 118، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والمطهّرات، الباب 7، الحديث 6، وسائل الشيعة 3: 447-448، كتاب الطهارة، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 12. 

(2) فقه الرضا: 84، الباب 3، باب الغسل من الجنابة، بحار الأنوار 77: 117، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والمطهّرات، الباب 7، ذيل الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

تقريب الاستدلال

التقريب الأول: أن السائل حين نوى أن يسأل، ما المحذور الذي كان في ذهنه للسؤال؟

والمنصرف بحسب المتفاهم العرفي من السؤال: أن تكون النكتة التي من أجلها سيق السؤال هو احتمال النجاسة، والإمام وإن لم يصرّح بالنجاسة، ولكن بعد فرض أن نكتة السؤال هي تلك، فيكون الجواب ظاهراً في أنَّه نجس، وفي أنَّه إمضاء للنجاسة.

وهذا التقريب هو الذي نستفيد منه النجاسة في جملة من الروايات، كقوله: “وقع على ثوبي دم بق أو دم سمك أو دم فأرة، هل أصلي فيه؟ فقال: لا“، فإنَّ السؤال بارتكاز المتشرعة ينصرف إلى أنَّه من ناحية الطهارة والنجاسة، والجواب يكون إمضاء لهذا الارتكاز.

وهذا التقريب صحيح في جملة من الموارد، ولكنه غير صحيح في أمثال المقام.

وتوضيحه: أن هذا التقريب متوقف على نكتة وهي أن ينحصر الاحتمال المتعارف في ذهن المتشرعة للحزازة في النجاسة، بحيث كان الاحتمال الآخر خفياً، وهذا المطلب لم يحرز هنا، لأنَّنا لم نحرز أنَّه بحسب أذهان المتشرعة أن الموجب لبطلان الصلاة في الثوب الذي يعرق فيه الجنب هو النجاسة فقط، بل تحتمل وجود منشأ آخر ليس بأخفى من ذلك، بحيث لا ينعقد للسؤال ظهور في أنَّه من تلك الجهة؛ لأنَّ هناك حيثيتن عرضيتين 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كِلاهما يصلح في ذهن المتشرعة لبطلان الصلاة، فإن لم ندّعِ أنَّ حيثية السؤال تنصرف إلى غير النجاسة، فلا أقلّ من التساوي، بحيث لا ينعقد ظهور السؤال في النجاسة.

توضيح ذلك: أنَّنا إذا تتبعنا الروايات الواردة في عرق الجنب، والروايات الواردة في سؤر الجنب، والروايات الواردة في كيفية غسل الجنابة، وأردنا أن نستلهم منها وننفذ إلى عقول السائلين في أيام الأئمة فسوف نجد أن احتمال النجاسة في عرق الجنب لو كان رائجاً ومتبادراً في ذهن المتشرعة. إذن لما اختصر السؤال بخصوص الثوب الذي يعرق فيه الجنب، بل كان ينبغي أن يسأل عن نفس بدن الجنب، هل يطهره قبل أن يبدأ بالغسل، أو لا؟ فإنَّه من المعلوم أن الغسل لا يوجب التطهير إذ يكفي فيه مثل الدهن، وحيث إنَّ عرق الجنب أمر رائج، فلا بُدّ أن تكثر الأسئلة عن هذا الأمر، فإنَّه لو كان نجساً لتنجس كل بدنه كموضع المني، فكما وقعت محاورات حول موضع المني، وأنَّه يجب تطهيره عن المني كذلك في المقام، بينما لم يرد في روايات كيفية غسل الجنابة، سؤال عن ذلك أصلاً، وهذه قرينة قد تُشرف الفقيه على الاطمئنان بأنَّ ارتكاز نجاسة عرق الجنب لم يكن موجوداً في ذهن الرواة بشكل يوجب التبادر.

إذن فما هي نكتة الروايات الواردة في ثوب الجنب؟ وكان الجواب في كل هذه الروايات: (لا بأس)، إلاَّ في هذه الروايات الثلاث، حيث فصّل بين الجنابة من حرام والجنابة من حلال.

ــــــــــ[43]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والمحتمل قوياً أن الذي كان يتصوره الرواة ويسألون لأجله عن خصوص الثوب دون البدن، أنهم كانوا يتخيلون أن الجنابة عنوان كعنوان النجاسة يسري وينتشر، فيسأل -مثلاً- عن وجوب غسل باطن الأنف، أو عن غسل مطلق الباطن، فيقول الإمام: الباطن لا يجنب، ويقول: الثوب لا يجنب، فبهذا تقوى فرضية أن الرواة كانوا يحتملون ان الجنابة قابلة للانعكاس على الثوب، ولذا ورد -على ما يأتي- أن الثوب لا يجنب الرجل والرجل لا يجنب الثوب، وإنما لم يسألوا عن بدن الجنب، باعتبار معلومية جنابته، ولزوالها بالاغتسال، وإنَّما يحتملون انتقال الجنابة إلى الثوب بنحو يحتاج إلى الغسل لإزالة الجنابة لا للتطهير من النجاسة الخبثية. ونفس هذا نجده في روايات الأسآر.

فمن ذلك رواية حمزة بن حمران(1)، عن أبي عبد الله قال: “لَا يُجْنِبُ الثَّوْبُ الرَّجُلَ، وَلَا يُجْنِبُ الرَّجُلُ الثَّوْبَ”(2).

ومنها: ما عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: “سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ عَنِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ يَعْرَقَانِ فِي الثَّوْبِ حتَّى يَلْصَقَ عَلَيْهِمَا، 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

() باب 5، من أبواب النجاسات، (المقرر).

(2) الكافي 5: 159، كتاب الطهارة، الباب 34، الحديث 4، الاستبصار 1: 185، كتاب الطهارة، الباب 110، الحديث 3، تهذيب الأحكام 1: 268، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 75، وسائل الشيعة 2: 267، كتاب الطهارة، الباب 46 من أبواب الجنابة، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فَقَالَ: إِنَّ الْحَيْضَ وَالْجَنَابَةَ حَيْثُ جَعَلَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ فِي الْعَرَقِ، فَلَا يَغْسِلَانِ ثَوْبَهُمَا”(1).

ومنها: ما عن محمد بن مسلم عن أحدهما قال: “سألته عن الرجل يبول ولم يمس يده شيء أيغمسها في الماء؟ قال: نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ جُنُباً”(2)، والسائل هنا هو محمد بن مسلم أحد فقهاء الأئمة، يسأل عمن يحدث بالأصغر ويده طاهرة، هل يجوز أن يدخلها في الماء فيحدث في الماء انعكاس للحدث فلا يجوز فيه الوضوء؟

وهنا لا يحتمل أن يكون السؤال عن النجاسة لفرض طهارة اليد، فالسؤال منحصر عن فكرة توسع الحدث. فكما هناك ينعكس الحدث على الماء كذلك في الثوب. قال الإمام: نعم، وإن كان جنباً، يعني حتَّى الجنب كذلك.

ومنها: ما عن عكرمة عن ابن عباس عن ميمونة (أم المؤمنين) قالت: 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 185، كتاب الطهارة، الباب 110، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 269، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 79، وسائل الشيعة 3: 447، كتاب الطهارة، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

(2) الكافي 5: 41، كتاب الطهارة، الباب 8، الحديث 4، الاستبصار 1: 50، كتاب الطهارة، الباب 30، الحديث 3، تهذيب الأحكام 1: 36-37، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 37، وسائل الشيعة 1: 235، كتاب الطهارة، الباب 7 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

“أجنبت أنا ورسول الله فاغتسلت من جفنة، وفضلت فيها فضلة فجاء رسول الله يغتسل، فقلت: يا رسول الله إنَّها فضلة مني، أو قالت اغتسلت فقال: لَيْسَ المَاءُ جَنَابَةً”(1).

ولا ينبغي أن نرجع إلى وضوح بطلان هذه الفكرة في أذهاننا، بل لا بُدّ أن نرجع إلى المستوى الذهني الذي كان يعيشه محمد بن مسلم وغيره في ذلك الزمان، ذلك المستوى المستكشف من هذه الروايات.

إذن فهذه الروايات إذا ضممناها إلى بعضها البعض، وعلمنا أنَّه لم توجد رواية واحدة تسأل عن بدن الجنب، فيمكن أن نستفيد الظن القوي بهذه الفرضية، وهي أن هناك احتمالاً يعيش في ذهن الرواة، وهو توسع الحدث إلى الماء والثوب بواسطة العرق أو إدخال اليد في الماء. ولا أقلّ من احتمالها بنحو لا يوجب الانصراف إلى النجاسة. 

إذن فالتقريب الأوَّل غير تامّ(2).

ــــــــــ[46]ــــــــــ

() الأمالي (الشيخ الطوسي): 392-393، المجلس ١٤، الحديث 13، وسائل الشيعة 1: 235، كتاب الطهارة، الباب 7 من أبواب الأسآر، الحديث 6، بحار الأنوار 77: 134، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 11، الحديث 1.

(2) عُرض على السيد تفسيران لرواية محمد بن مسلم السابقة، فلم يقبل بهما، وأثبت مدعاه وهو كون السؤال فيها بلحاظ توسع الحدث إلى الماء.

التفسير الأوَّل لبعض الإخوان: لعلّ محمد بن مسلم كان يحتمل ترتب الحدث والخبث على البول.

فقال السيد: بحيث يحتمل أنَّه بمجرد أن يبول يتنجس بدنه كله. 

فقال صاحب هذا التفسير: نعم.

فقال السيد: هذا احتمال غير قابل للبحث، فإنَّنا إنما نبحث عن الاحتمالات العقلائية، لا الاحتمالات الفلسفية. 

ومن هنا تنقح لي التفسير الثاني: وهو لعلّ محمد بن مسلم كان يحتمل تنجس الماء بالنجاسة الخبثية، لمجرد كون الإنسان محدثاً بمعنى أنَّه يتخيل أن هناك سببين للنجاسة، أحدهما: ملاقاة عين النجس. والآخر: ملاقاة المحدث وإن كان طاهراً.

فأجاب: بأننا قلنا إنَّنا لا نأخذ بالاحتمالات الفلسفية، وإنما لا بُدّ أن يكون للاحتمال منشأ عرفي، والعرف لا يرى تمامية هذا الوجه، وإنما يرى أن الإنسان يصدر عنه ما يحتوي عليه، فالحالة التي هي فيها هي الحدث إذن فالحدث يصدر عنه إلى الماء بالملاقاة وأما الخبث فهو غير واجد له على الفرض، فلا يمكن أن يصدر منه الخبث إلى الماء، وقاعدة فاقد الشيء لا يعطيه قاعدة عرفيَّة صحيحة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

التقريب الثاني: أن يقال: إنَّنا إذا نظرنا إلى هذه الروايات، يدور الأمر بين احتمالين: أحدهما: أن يكون النهي عن الصلاة في الثوب الذي عرق فيه الجنب من باب النجاسة.

وثانيهما: أن يكون هذا النهي من باب المانعية على حد مانعية ما لا يؤكل لحمه، لكنَّنا ننفي الاحتمال الثاني فيتعين الاحتمال الأول.

وذلك: لأنَّ بين هذين الاحتمالين فارقاً، وهو أنَّه لو كان المحذور هو النجاسة، فهي تبقى بعد جفاف العرق؛ لأنَّ جفافه لا يؤثر في طهارته، وإن 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كان المحذور هو المانعية، فهل يزول بمجرد جفاف العرق وانعدامه؟ وحينئذٍ نقول: إن الرواية مطلقة حتَّى لما بعد الجفاف، فإنَّه لم يقل: لا تصل في عرق الجنب من حرام حتَّى لا يكون لها إطلاق لما بعد الجفاف. بل قال: لا تصل في الثوب الذي عرق فيه الجنب من حرام، وهو مطلق من حيث إنَّ العرق بقي أو جف، غاية الأمر لا نعمل بإطلاقه لما بعد الغسل، لكنَّنا نعمل به إلى حين الغسل فينتفي احتمال المانعية.

ولا يُقال: إنَّ بالإمكان أن يقال: إن عرق الجنب حتَّى بعد الجفاف يكون له أثر، وهو مرتبة من مراتب العرق بحسب النظر العرفي.

فإنه يقال: إنَّنا نحك العرق ونزيله بغير الماء ومع ذلك يكون مشمولاً لإطلاق الرواية من أنَّه لا يجوز أن تصلي فيه ما لم يغسل.

وبتعبير واضح: أن عندنا ثلاث حالات: 

الأولى: حال فعليَّة العرق.

الثانية: حال ما بعد الجفاف أو الزوال هي ما قبل الغسل.

الثالثة: حال ما بعد الغسل.

أما في الثالثة: فلا إشكال بجواز لبس الثوب سواء كان المحذور السابق هو النجاسة أو المانعية.

وأما في الأولى: فلا إشكال -بناءً على هذه الروايات- بعدم الجواز سواء كان المحذور هو النجاسة أو المانعية.

وأما في الحالة المتوسطة: فلو كان المدرك هو النجاسة، فهو موجود، 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وإن كان هو المانعية فهو مرتفع.

وهذا البيان تامّ لدفع المقدار الذي أورده السيد الأستاذ على الاستدلال بهذه الروايات(1)، فإنَّه قال: إن فيها احتمالين:

أحدهما: النجاسة. والآخر: المانعية على حدّ ما لا يؤكل لحمه، فهذا التقريب يدفعه؛ لأنَّنا نقول: إنَّه في حالة الجفاف لا مانعية مع أن إطلاق الرواية يشمله.

لكنه لا يندفع بهذا التقريب إشكالنا، لأنَّنا لم نقل إن بطلان الصلاة لأجل هذه المانعية، بل قلنا لعله من باب توسع الحدث، وانتقاله إلى الثوب بحيث إنَّ الثوب يجنب بالسراية.

ومعه لا بأس بالالتزام ببقاء هذه المانعية بعد الجفاف، فإنَّ مانعية السيد الأستاذ موضوعها نفس عرق الجنب وهي لا يتصور بقاؤها بعد الجفاف، ونحن تصورناها باقية بعد الجفاف. 

إذن فهذا التقريب لا يتمّ.

التقريب الثالث: التمسّك بظهور قوله: (اغسله) في الفقه الرضوي: “فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ حتَّى تَغْتَسِلَ”(2)، وقد بينا أن مادة الغسل بنفسها لها ظهور عرفي في إزالة القذر. فتكون موجبة لظهور نوعي في مقام إثبات قذر 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() راجع: فقه الشيعة 3: 248، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، المسألة 1.

(2) فقه الرضا: ٨٤، الباب ٣، الغسل من الجنابة وغيرها.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يزول بالماء. والمنصرف من القذر هو الوسخ المساوق للنجاسة لا الحدث، أو القذر المادي لا المعنوي.

وهذا التقريب أقوى التقريبات، ولكن كل هذه التقريبات لا تتمّ؛ لأنَّ هذه الروايات ساقطة سنداً.

إذن فالنجاسة منتفية حتماً.

نعم، الأحوط عدم جواز الصلاة فيه من باب أن كلمات الأقدمين بالمقدار الذي وصل إلينا كأنه كان نحو من الالتفات إلى عدم جواز الصلاة فيه، وأما النجاسة فلا.

بعد عدم تمامية المتون الثلاثة السابقة، بقي أن نشير إلى أنَّه بعد فرض عدم إمكان الاستدلال بهذه المتون، لا بُدّ من الرجوع إلى الاطلاقات الدالة على طهارة عرق الجنب على الإطلاق من دون تفصيل بين الحرام والحلال، غاية الأمر أنَّه كان يُدّعى تقييدها بتلك المتون، فحيث لم تتمَّ سنداً ولا دلالة فيعمل بتلك المطلقات(1)، وتجدونها في الباب 27 من أبواب النجاسات، على الأقلّ يتمسك بإطلاق بعضها.

مناقشة كلام المحقق الهمداني

نعم، لو فرض أن هذه المتون الثلاثة، كانت تامَّة سنداً ودلالة على 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

(1) راجع: وسائل الشيعة 3: 447، كتاب الطهارة، الباب 27 من أبواب النجاسات.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النجاسة، لكان المتعين حينئذٍ تقييد الإطلاق بها، وإخراج عرق الجنب من إطلاقها، وفي هذا المقام شكك بعض الآغايون كالمحقق الهمدانيّ(1)، وتبعه السيد الأستاذ(2)، وكأنه يظهر منهما أنَّه حتَّى على تقدير تتميم المتون، مع ذلك لا يمكن تقييد المطلقات بها.

والمتحصل من كلامه أمران:

الأمر الأول: أنَّه يظهر من تتبع الروايات، وأسئلة السائلين أنَّه لم يقع في الروايات سؤال أصلاً عن عرق الجنب من حرام، حتَّى في عصر الإمام الهادي، فإنَّ السائل في هذه الرواية -لو تمت- سأل عن مطلق العرق، لا ما كان عن الحرام بالخصوص، وهذا يكشف عن أن نجاسة عرق الجنب من حرام، لم تكن مورد السؤال من قبل الرواة، وهذا معناه أن النجاسة كانت مفروضة العدم في أذهانهم، وإلاّ لماذا لم يقع السؤال عنها أصلاً؟!

حينئذٍ نقول: إنَّه بعيد جداً أن يكون عرق الجنب من حرام محكوماً عليه بالنجاسة شرعاً، ومع هذا يختفي هذا الحكم، ويرتكز عدمه في أذهان الرواة، إلى زمان الإمام الهادي، مع الابتلاء بهذا الأمر وكثرة العصاة، 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

(1) أُنظر: مصباح الفقيه 7: 308-309، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، عرق الجنب من الحرام.

(2) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 132-133، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، فقه الشيعة 3: 249، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرقُ الجنب من الحرام، المسألة ١.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فلا بُدّ أن تحمل هذه الرواية على غير النجاسة، أو على ضرب من الكراهة، وهذا الوجه ذكره المحقق الهمداني وتبعه عليه السيد الأستاذ.

إلا أنَّ هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأنَّ من الواضح عند سبر أسئلة الرواة في مجموع الروايات، نرى أن أكثر أسئلة الرواة لم تكن تذهب عن حاجات فعليَّة للراوي وأمثاله، أو أشخاص داخلين في دوائر ابتلائه، وهذا هو الذي جعل فراغاً في الروايات التي وردت ولم يطرح فيها كثيراً من المسائل الفقهية لأنَّها خارجة عن محلّ ابتلاء الرواة.

فحينئذٍ نعرف عدم ورود السؤال عن ذلك بالخصوص، باعتبار خروجه عن محلّ ابتلاء الرواة، وعمن يدور في فلكهم.

وأما ما يتصورونه من كثرة الجنابة المحرمة خاصة بين الظلمة والسلاطين، فغير تامَّة، فإنَّه حتَّى الظلمة كانوا يزعمون حليته حين يرتكبونه، على أنَّ الظلمة لم يكونوا داخلين في محلّ ابتلاء الرواة، ولهذا لم يكن الرواة يسألون عن ما هو محلّ ابتلاء الظلمة من شؤون الحكم والاجتماع.

إذن فعدم توجه السؤال عن نجاسة عرق الجنب من حرام، له تفسير آخر غير مسألة الطهارة وهي احتمالٌ على الأقلّ، وهو عدم الدخول في محلّ الابتلاء. 

ويمكننا أن نستفيد من بعض الروايات الواردة في نجاسة ماء الحمام، كانت هناك ارتكازية للحزازة عن الجنابة من حرام بنحو القضية المهملة، 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كما في الباب 11 من أبواب الماء المضاف، عن أبي الحسن الرضا في حديث قال: “وَمَنِ اغْتَسَلَ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي قَدِ اغْتُسِلَ فِيهِ فَأَصَابَهُ الجُذَامُ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، فقلت لأبي الحسن: إن أهل المدينة يقولون: فيه شفاء من العين فقال: كَذَبُوا، يَغْتَسِلُ فِيهِ الجُنُبُ مِنَ الحَرَامِ وَالزَّانِي وَالنَّاصِبُ‏…” الحديث(1) حيث تشعر أنَّه كان هناك في أذهان المتشرعة حزازة بلحاظ أن الجنابة عن حرام. وكذلك الرواية عن أبي الحسن: أنَّه قال: “وَلَا تَغْتَسِلْ مِنْ غُسَالَةِ مَاءِ الحَمَّامِ؛ فَإِنَّهُ يُغْتَسَلُ فِيهِ مِنَ الزِّنى‏، وَيَغْتَسِلُ فِيهِ وَلَدُ الزِّنى‏، وَالنَّاصِبُ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَهُوَ شَرُّهُمْ‏”(2)

إذن فلا نستطيع أن نستشعر عدم وجود أيّ معروفية لنجاسة عرق الجنب من حرام.

ومنه يظهر حال القرينة الثانية وهي عبارة عن أن المطلقات المتكفلة لنفي البأس عن عرق الجنب مطلقاً، قوية اللسان إلى درجة لا يرضى الفقيه بتقييدها، ولا تكون قابلة للتقييد بالمتون السابقة.

ــــــــــ[53]ــــــــــ

(1) الكافي 13: 172-173، كتاب الزيّ والتجمّل، الباب 43، الحديث 38، الوافي 6: 602، كتاب الطهارة، أبواب قضاء التفث، باب آداب الحمّام، الحديث: 5022، وسائل الشيعة 1: 219، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.

(2) الكافي 13: 160، كتاب الزيّ والتجمّل، الباب 43، الحديث 10، وسائل الشيعة 1: 219، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

مثلاً في الباب 27 من أبواب النجاسات، عن علي بن أبي حمزة، قال: “سئل أبو عبد الله وأنا حاضر عن رجل أجنب في ثوبه فيعرق فيه، فقال: مَا أَرَى بِهِ بَأْساً. وقال: إنَّه يعرق حتَّى لو شاء أن يعصر عصره، قال: فقطب أبو عبد الله في وجه الرجل، فقال: إِنْ أَبَيْتُمْ فَشَيْ‏ءٌ مِنْ مَاءٍ فَانْضَحْهُ بِهِ”(1).

فبالرغم من مزيد الإصرار للسائل بقي الإمام مصراً على الرفض والحكم بالطهارة، مما يظهر منه أن عرق الجنب على الإطلاق، كان هناك ارتكاز أنَّه لا يخلو من حزازة.

وقد نشأ هذا الارتكاز من فتاوى العامة، ولذا نجد الإمام، حين لا يقبل الراوي فتواه يتأثر ويصر على النفي، إذن فهناك دواعي لذكر التفصيل، مع أن الإمام لم يفصّل.

إلا أنَّ هذا الوجه أيضاً غير صحيح، أما ما ذكره(2) من أنَّ الرواة ارتكز في أذهانهم نجاسة عرق الجنب من فتاوى السنة به، فهو غير صحيح، لأنَّه لا يوجد فقيه سني أصلاً يفتي بنجاسة عرق الجنب، فإنَّهم يُفتون 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 158، كتاب الطهارة، الباب 34، الحديث3، وسائل الشيعة 3: 445، كتاب الطهارة، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) هذا الوجه للمحقق الهمداني دون السيد الأستاذ (منه )، (المقرر). اُنظر: مصباح الفقيه 7: 310، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، عرق الجنب من الحرام.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بطهارة المنيّ(1) فضلاً عن عرق الجنب(2)، وإنما نشأ هذا الارتكاز من استقذازات متشرعية مخصوصة، باعتبار كون الحدث قد يؤدي إلى ذلك. 

على أنَّ مركز الأسئلة هو ما كان داخلاً في محلّ الابتلاء، وما هو داخل فيه هو في الغالب الجنابة من حلال. إذن فالتفصيل ليس له ربط بارتكاز النجاسة.

في مفاد الروايات المطلقة

وهذه الروايات المطلقة لا تزيد عن كونها إطلاقات، حيث لا يوجد دليل على التقييد، وهي لا تتمّ سنداً ولا دلالة.

وهذه الإطلاقات لسانها نفي النجاسة بلسان جواز (الصلاة فيه)، فيكون إطلاقها بلحاظ كِلا الحكمين، ولكن في بعضها وجد لسان نفي النجاسة:

1- ففي الباب 27 من أبواب النجاسات عن أبي أسامة، قال: “قلت لأبي عبد الله تصيبني السماء وعليَّ ثوب فتبله وأنا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني أ فأصلي فيه؟ قال: نَعَمْ”(3).

ــــــــــ[55]ــــــــــ

(1) كتاب الأمّ (الشافعي) ١: ٧٢، باب المنيّ.

(2) المصدر السابق ١: ٣٢-٣٣.

(3) الكافي 5: 157، كتاب الطهارة، الباب 34، الحديث 2، الوافي 6: 166، كتاب الطهارة والتزيّن، أبواب الطهارة من الخبث، باب التطهير من المنيّ، الحديث4013، وسائل الشيعة 3: 445، كتاب الطهارة، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

2- وعن محمد الحلبي قال: “قلت لأبي عبد الله: رجل أجنب في ثوبه وليس معه غيره، قال: يُصَلِّي فِيهِ، وَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ غَسَلَهُ”(1) .

هذه لسانها لسان: “صلِّ فيه”. وحينئذٍ(2) إذا بنينا على الاستعداد النفسي للحكم بجواز الصلاة في عرق الجنب من حرام، أمكن التمسّك بمدلولها المطابقي ومدلولها الالتزامي وهي نفي النجاسة.

وأما إذا بنينا على عدم جواز الصلاة في ثوب عرق فيه الجنب من حرام؛ لأنَّه القدر المتيقن من معاقد الاجتماعات المنقولة ويلتزم بالطهارة دون النجاسة، فالتمسك بهذه الروايات غير ممكن؛ لأنَّها تدلُّ على نفي النجاسة وإمكان جواز الصلاة فيه، فلا بُدّ من إثبات نفي النجاسة بلسان آخر، كرواية ابن أذينة عن أبي أسامة في الباب نفسه(3).

ــــــــــ[56]ــــــــــ

() مَن لا يحضره الفقيه 1: 68، باب ما ينجس الثوب والجسد، الحديث 155، الاستبصار 1: 187، كتاب الطهارة، الباب 110، الحديث 12، تهذيب الأحكام 1: 271، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 86، وسائل الشيعة 3: 447، كتاب الطهارة، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 11.

(2) ألغى السيّد أن يكون لسان هاتين الروايتين لسانَ: “صلِّ فيه”، وحينئذٍ لا بُدّ أن يُتَمَسَّك بروايات: “ليس بشيء”، لو فُهم منها عرفاً أنَّ الثوب قبل العرق وبعده على حالٍ واحدة، فتكون شاملةً للصلاة، دون ما إذا فهم عرفاً من “ليس بشيء” من حيث النجاسة مع احتمال بطلان الصلاة، (المقرر).

(3) الكافي 5: 116، كتاب الطهارة، الباب 23، الحديث 9، تهذيب الأحكام 1: 13، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 25، وسائل الشيعة 1: 260، كتاب الطهارة، الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وعلى أيّ حال فإن وُجد لنا مرجع من هذه الاطلاقات لإثبات الطهارة، مع عدم جواز الصلاة فهو، وإلاّ فنرجع إلى الأصول الأولية النافية للنجاسة.

ــــــــــ[57]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2




فروع وتطبيقات

 

هذا إذا بنينا على الإجماعات المنقولة وأما إذا لم نبنِ عليها نحكم بجواز الصلاة فيه، فضلاً عن الطهارة.

إذا فرضنا الحكم بنجاسة عرق الجنب من حرام -وهذا ما لم نسلِّم به- فيمكن أن نفرّع التفريعات الموجودة في المتن.

الفرع الأوّل: العرق المتقدِّم والمقارن والمتأخّر

 قوله: سواءٌ خرج حين الجماع أو بعده(1)

فإن العرق تارة يفرض قبل السبب المحرم، وأخرى يفرض مقارناً له، وثالثة يفرض متأخراً عنه.

فإن كان قبله فلا إشكال بعدم كونه مشمولاً للدليل؛ لأنَّه أخذ فيه العرق الصادر من الجنب (عرق الجنب) وهو لا يصدق على العرق قبل الجنابة.

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 145، كتاب الطهارة، باب النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما العرق المقارن ولو عرفاً فهو القدر المتيقن من الدليل.

وأما العرق المتأخر فيصدق عليه أنَّه عرق الجنب من حرام. فهل يشمله الدليل أو لا؟ 

كأن الفقهاء لم يستشكلوا في ذلك، مع أنَّه لا يخلو من شوب إشكال صناعياً، لأنَّنا لا بُدّ أن نرجع إلى مدرك الحكم لنرى أن له إطلاقاً أو لا؟

فإن كان المدرك هو المتون الثلاثة:

فالفقه الرضوي لا إشكال في تمامية الإطلاق فيه للعرق المتأخر، فإن اعتمدنا عليه أمكن التمسّك بإطلاقه، وحينئذٍ فالروايتان الآخريتان لو كانتا مجملتين لكفانا هذا الإطلاق.

نعم، لو كان فيهما ما يدلُّ على التقييد للزم تقييده.

أما رواية المجلسي وفيها يقول: “ثُمَّ قلت: أريد أن أسأل عن الجنب إذا عرق في الثوب، فقلت في نفسي إن كشف وجهه فهو الإمام، فلما قرب مني كشف وجهه ثُمَّ قال: إِنْ كَانَ عَرَقُ الجُنُبِ فِي الثَّوْبِ وَجَنَابَتُهُ مِنْ حَرَامٍ لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ جَنَابَتُهُ مِنْ حَلَالٍ فَلَا بَأْسَ..”(1). ففيها احتمالان: 

الاحتمال الأول: أن يكون قوله:”إِنْ كَانَ عَرَقُ الجُنُبِ فِي الثَّوْبِ 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

() بحار الأنوار 77: 117، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والمطهّرات، الباب 7، الحديث 5، مناقب آل أبي طالب (ابن شهرآشوب) 3: 516، بابُ إمامة علي بن محمّد النقيّ، فصلٌ: في آياته.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وَجَنَابَتُهُ مِنْ حَرَامٍ” تكون (كان) ناقصة وقد عطف على اسمها الجنابة، يعني: (عرق الجنب وجنابته) وخبرها (كونه من حرام)، إذا أخذنا بهذا الاحتمال فيكون كُلاً من الجنابة من حرام والعرق من حرام، ونشوئية الجنابة من حرام واضحة، وأما نشوئية العرق من الحرام فوجهها عرفاً هو المقارنة، جزماً أو احتمالاً، ومعها لا يبقى للرواية إطلاق للعرق المتأخر؛ لعدم صدق النشوئية حتَّى بالمتفاهم العرفي.

بل يمكن أن يُقال حينئذٍ أن الرواية تكون بمفهومها دالة على عدم نجاسة العرف المتأخر لأنَّها جملة شرطية، فتكون مقيّدة لإطلاق الفقه الرضوي.

الاحتمال الثاني: أن تكون (كان) تامَّة، بمعنى أنَّه إذا وجد عرق الجنب في ثوب كانت جنابته من حرام، فإنَّ (مِنْ) النشوئية؛ تكون مربوطة بالجنابة فقط، دون العرق فحينئذٍ يمكن التمسّك بإطلاقها للعرق المتأخر.

وإذا تساوى الاحتمالان تكون الرواية مجملة، بمعنى أنَّها لا تصلح دليلاً على إثبات الحكم للعرق المتأخر ولا لنفي الحكم عنه. فيبقى إطلاق الفقه الرضوي على حاله.

إلا أنَّ هذه الرواية اشتملت على شرطيتين، أخذ في الأُولى منهما في مدخول (كان) العرق والجنابة، ومن هنا نشأ الاحتمالان. وفي الشرطية الثانية لم يؤخذ إلاَّ الجنابة. ومن هنا يمكن أن يدّعى كون النظر أساساً إلى الجنابة دون غيرها، ومعه يندفع الإشكال على كِلا التقديرين. 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الرواية الثالثة: رواية الكفرتوئي، والتي يقول فيها: “فأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلي فيه؟ فبينما هو قائم في طاق في باب لانتظاره، إذ حركه أبو الحسن، بمقرعة وقال: إِنْ كَانَ مِنْ حَلَالٍ فَصَلِّ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَرَامٍ فَلَا تُصَلِّ فِيهِ”(1).

فإذا أرادنا أن ندقق نسأل عن اسم (كان)، فإنَّ فيه احتمالين: 

الاحتمال الأول: (إن كان الإنسان جنباً من حلال فصلِ في الثوب)، وإذا تمَّ هذا الاحتمال ينعقد إطلاق للعبارة في العرق المتأخّر، ومعه يكون اسم (كان) غير الضمير المجرور بـ (في). وهو ما يجعل هذا الاحتمال لا يخلو من بعد.

الاحتمال الثاني: وهو الذي يتحد بموجبه اسم (كان) مع الضمير المجرور، وهو (العرق)، فيكون المعنى: (إن كان العرق من حلال فصلِّ في العرق، وإن كان العرق من حرام فلا تصل في العرق)، فيأتي عليه الإشكال السابق حيث أخذ في موضوع الحكم نشوئية نفس العرق من الحرام، وهو لا يصدق عرفاً إلاَّ مع العرق المقارن دون المتأخر.

ــــــــــ[61]ــــــــــ

(1) بحار الأنوار 77: 118، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والمطهّرات، الباب 7، الحديث6، وسائل الشيعة 3: 447-448، كتاب الطهارة، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 12.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الفرع الثاني: عموم الحكم للرجل والمرأة

من الرجل أو المرأة(1)

طبعاً إذا رجعنا إلى المتون الثلاثة وجمدنا على الإطلاق اللفظي لا نحصل عليه إلاَّ في رواية واحدة منها: وهي رواية المجلسي بناء على أنَّ المراد من الجنب جنسه وإلغاء خصوصية الرجل.

وأما في مثل رواية الكفرتوئي حيث يقول: “إذا كان من حلال فصلّ فيه”، فالمخاطب حيث إنَّه رجل فالإطلاق مخصوص به، ولكن السؤال، مطلق أيضاً من حيث وقوعه: عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب، إذا أريد منه الجنس.

وأما في الفقه الرضوي فحيث فرض أن الرجل أجنب وعرق، فهو ليس فيه إطلاق لفظي.

مع أنَّنا لسنا بحاجة إلى الإطلاق؛ لأنَّ إلغاء الخصوصية بالارتكاز المتشرعي موجود هنا، فيعم الحكم للرجل وللمرأة.

الفرع الثالث: التعميم للحرمة الذاتيَّة والعرضيَّة

قوله: سواءٌ كان من زنا أو غيره، كوطء البهيمة، أو الاستمناء، أو ــــــــــ[62]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 146، كتاب الطهارة، باب النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

نحوهما ممّا حرمته ذاتيّة. بل الأقوى ذلك في وطء الحائض، والجماع في يوم الصوم الواجب المعيّن، أو في الظهار قبل التكفير(1).

يوجد هنا تعميمان: 

التعميم الأول: أحدهما تعميم للجنابة الحاصلة من غير الزنا من الجنابات المحرمة بعناوينها الذاتية، بدعوى التمسّك بإطلاق الدليل لأنَّه لم يفرض أن تكون الجنابة فيه من زنا، على الخصوص. 

نعم، يبقى في بعضها إشكال صغروي وهو أنَّه هل تتحقق الجنابة فيه، أو لا؟ كوطء البهيمة، والحكم بالجنابة فيه، مبني على الاحتياط وليس له دليل، ولو فرضناه فلا إشكال في صدق العنوان المأخوذ فيه.

وفي مقابله لا يوجد إلاَّ مناقشة واحدة لا سند لها عرفاً، وهو أن قوله من حرام كناية عن الزنا، إلا أنَّها كناية تحتاج إلى قرينة خاصة منتفية في المقام.

التعميم الثاني: تعميم للجنابة الحاصلة من حرام بالحرمة العرضيَّة.

وتحقيق الحال: أن حرمة الجماع ونحوه من العناوين تنقسم إلى أنحاء ثلاثة:

النحو الأول: الحرمة الذاتيَّة وهي الثابتة بلسان دليلها لا بلسان 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 146، كتاب الطهارة، باب النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الاستثناء أو التخصيص، بعنوانها الأولي للعنوان الأولي لهذا الفعل.

النحو الثاني: الحرمة العرضيَّة الثانوية لنفس الفعل، كالجماع في أيام العادة، أو في يوم يجب صومه.

النحو الثالث: الحرمة الثابتة لعنوان ثانوي منطبق على الجماع ككونه مضراً أو حنثاً باليمين أو النذر مثلاً.

أما القسم الأول، وهو ما إذا كان حرمته ذاتية، فهو القدر المتيقن من دليل النجاسة، من دون فرق بين الزنا وغيره من أسباب الجنابة المحرمة، ولا موجب لتخصيصه به إلاَّ دعوى الكناية التي ناقشناها سابقاً.

وأما القسمين الأخيرين، فهل يُقال فيهما بنجاسة عرق الجنب مطلقاً، أو لا يُقال مطلقاً؟ أو يفصل بينهما؟ فيقال بالنجاسة في الأوَّل دون الثاني.

كلام السيد الأستاذ في المقام ومناقشته

ذكر السيّد الأستاذ(1)  أن المسألة مبتنية على القولين، وهما:

أن الحرمة المأخوذة في موضوع دليل نجاسة عرق الجنب من حرام هل هي الحرمة الواقعية الفعلية، أو الحرمة الواقعية الذاتية؟ فهنا وجهان:

الوجه الأول: فإن قلنا إنَّها الحرمة الفعلية، فيترتّب على ذلك أمران: 

        الأمر الأول: أنَّه لو عرض مجوز على المحرمات الذاتيَّة كالإكراه 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) فقه الشيعة 3: 252، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: ١٤4، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

على الزنا فلا تكون حرمة الزنا فعلية، فلا يكون العرق الناشئ من مثل هذا الزاني مشمولاً لدليل النجاسة.

        الأمر الثاني: أنَّه لو جامع زوجته في أيام العادة أو النذر أو الظهار أو الإيلاء، فيحكم بنجاسة العرق باعتبار فعليَّة الحرمة.

الوجه الثاني: أن يكون موضوع الدليل هو الحرمة الذاتية، أي يكون الفعل بحسب طبعه حراماً حرمة اقتضائية شأنية، فيترتب على ذلك نتيجتان متعاكستان لما سبق: 

   النتيجة الأولى: نجاسة عرق الزاني وإن كان مكرهاً أو مضطراً؛ لأنَّ هذا الفعل بطبعه حرام، وإن كان حلالاً فعلاً.

   النتيجة الثانية: أنَّه يحكم على عرق الزوج المواقع زوجته في أيام العادة، بالطهارة؛ لأنَّ هذا الفعل بطبعه ليس بحرام.

ثمّ استظهر(1) من الدليل الوجه الثاني دون الأول، فحكم بنجاسة عرق الزاني ولو كان مكرهاً، وبطهارة عرق الزوج المواقع زوجته في أيام العادة.

وتوضيح الحال بنحوٍ يتضح به معنى الحرمة الفعليَّة والذاتية، وبنحو يتضح أن هاتين القضيتين اللتين فرضهما السيد الأستاذ في كلامه متلازمتان: نجاسة عرق الزاني المكره وطهارة عرق الزوج المواقع في العادة، فكأنهما متلازمتان لا يمكن أن نحكم على كِليهما بالطهارة ولا بالنجاسة، 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) راجع: المصدر السابق.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بل لا بُدّ أن يكون أحدهما طاهراً والآخر نجساً، وواقع المطلب أن لكل من المسألتين مبانيها الخاصَّة.

عرق الزاني المكره

أما مسألة عرق الزاني المكره، فهل يشمله إطلاق الدليل، أو لا؟

يوجد عندنا احتمالان: 

الاحتمال الأول: أن تكون الحرمة المأخوذة في موضوع دليل النجاسة، مأخوذة بنحو الموضوعية، بحيث تكون لنفس حرمة فعل الجماع دخل في النجاسة، فالنجاسة بما هي حكم وضعي وقعت في طول حكم تكليفي، كما في نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، فإنَّ النجاسة بما هي حكم وضعي وقعت في طول حكم تكليفي وهو حرمة الأكل.

الاحتمال الثاني: أن تكون الحرمة المأخوذة في موضوع دليل النجاسة، أخذت بنحو المشيرية والمعرفية إلى ذوات العناوين والأفعال التي ثبتت حرمتها بالأدلة.

وهذا أيضاً أحد الاحتمالين في دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، وعين هذين الاحتمالين يأتيان في دليل مانعية ما لا يؤكل لحمة في الصلاة. فهذا تشقيق سيّال في جملة من الأدلَّة الفقهيّة.

فإذا أخذنا الحرمة مجرَّد معرف إلى ذات العناوين، يكون عرق الزاني المكره نجساً؛ لأنَّه وإن كان فعله حلالاً إلا أنَّ الحرمة أخذت بنحو المعرفية إلى الزنا وهو متحققٌ، وعدم فعليتها لا يضر بتحقق الموضوع، كما يُقال فيما 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لا يؤكل لحمه إذ لو جاز أكل لحمه لعارضٍ لم يحكم بطهارة بوله، لأنَّه أخذ بنحو المعرفية إلى ذات الهر والسبع والفأر.

وأما بناء على الموضوعية فحينئذٍ نقول: إن هذه الحرمة التي أخذت بنحو الموضوعية، هل هي ذات الحرمة أو الحرمة المقيّدة بقيد، وهو قيد أن يكون حراماً لولا الاضطرار؟ وهذا هو معنى الحرمة الذاتيَّة التي قالها السيد الأستاذ:

1- فإن كانت الحرمة المأخوذة هي الحرمة بوجودها الفعلي، فلا يحكم على عرق الزاني المكره بالنجاسة؛ لأنَّها مأخوذة فعليَّة بنحو الموضوعية، فإذا انعدمت انعدم الموضوع لا محالة.

2- وأما إذا كانت الحرمة المأخوذة في الدليل هو الوجود المشروط للحرمة، فهي قضية صادقة، وقد قرأنا في منطق أرسطو: أن صدق القضية المشروطة لا تستلزم صدق طرفيها(1)، فإنَّه ليس حراماً بالفعل، ولكنه حرام لولا الاضطرار، فيكون الموضوع محفوظاً.

وبهذا اتضحت مباني هذه المسألة، وهي:

1- المعرفية.

2- والموضوعية التنجّزية.

3- والموضوعية بنحو القضية التعليقية.

ــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) اُنظر: كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1: 120، “وصدق الشرطيّة لا يتوقّف على صدق شيءٍ من الطرفين”.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

عرق الجنب من حرام بالحرمة العرضية

وأما الفرع الثاني وهو عرق الجنب من حرام، بالحرمة العرضيَّة، فهل يحكم عليه بالطهارة، أو بالنجاسة؟

قلنا: إن الحرمة العرضيَّة لها قسمان: 

القسم الأول: حرمة ثابتة لنفس الجماع كأيام العادة.

القسم الثاني: حرمة ثابتة لعنوان خارجي منطبق عليه.

أما القسم الثاني فلا يكون مشمولاً لإطلاق الدليل، سواء بنينا على المعرفية أو الموضوعية بكلا قسميه، باعتبار نكتة وهي استظهار مطلب من إضافة الحرمة في الدليل إلى نفس عنوان الجنابة بلحاظ أسبابها وظاهر إضافة الحرمة إلى أسباب الجنابة أن تكون متعلقة بهذه الأسباب بعناوينها، لا بعناوين ثانوية منطبقة عليها، إذن فالحرمة التي هي إما معرف أو موضوع هي الحرمة الثابتة للجماع بما هو.

فبذلك ظهر أن طهارة هذا العرق ثابتة على كل حال سواء قلنا بنجاسة عرق الزاني المكره أو لا، فظهر عدم التلازم بهذا المقدار.

إنَّنا نقول: بالطهارة بلا فرق بين الاحتمالات الثلاثة السابقة؛ لأنَّ النجاسة تثبت فيما إذا ثبتت الحرمة لنفس عنوان المواقعة، إما بنحو المعرفية أو الموضوعية وهنا لا معرف ولا موضوع، لأنَّها تعلقت بنحو بعنوان (المضرّ) لا بنفس المواقعة، وحينئذٍ يمكننا البناء على الطهارة هنا 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وهناك، كما لو اخترنا الاحتمال الثالث في الزاني المكره، واخترنا تمامية هذا الاستظهار هنا.

وأما إذا لم نقل بتمامية هذا الاستظهار، فيصير حال هذا القسم حال القسم الأول، وهو الحرمة الثابتة للجماع بعنوانه.

وأما القسم الأوَّل في الحرمة الثابتة لنفس عنوان المواقعة، كالجماع في أثناء العادة، فمبنى المسألة هو أن الحرمة المأخوذة في موضوع دليل نجاسة العرق، هل يُراد بها جامع الحرمة ومطلق الحرمة؟ أو الحرمة المطلقة؟ أو بعبارة أخرى: هل يُراد الحرمة الاستثنائية؟ أو اللااستثنائية؟

فإن كان موضوع الحكم هو مطلق الحرمة، فنلتزم بنجاسة عرق هذا الرجل؛ لأنَّ هذه الحرمة وإن كانت استثنائية إلا أنَّه يشمله الجامع المأخوذ في الموضوع.

وإن قلنا: إن المأخوذ في الموضوع هو الحرمة المطلقة التي جعلت بالأصالة لا بالاستثناء، فهنا نقول بالطهارة؛ لأنَّ الحرمة استثنائية.

وهذان الوجهان يجريان في كل التقادير الثلاثة من النحو الأول، حيث نقول: إن هذه الحرمة المأخوذة بأحد الأنحاء الثلاثة هل يُراد بها الحرمة اللا استثنائية أو الجامع؟ ومعناه أنَّنا يمكن أن نختار في الفرع الأوَّل الاحتمال الثالث فنبني على الطهارة في عرق الزاني المضطر أو المكره، وهنا نختار كون الموضوع هو خصوص الحرمة بالأصالة، فنفتي بطهارة عرق الرجل المواقع زوجته في أيام العادة.

ــــــــــ[69]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كما يمكن أن تجتمع النجاستان، بأن نختار من المسألة الأُولى الاحتمالين الأولين، وهنا نختار أن الموضوع هو الجامع بين الحرمة الاستثنائية واللا استثنائية، فيكون هذا الجامع متحققاً للجماع في أيام العادة.

فبهذا اتضح أن مباني الطهارة والنجاسة في الفرع الأوَّل غير مباني الفرع الثاني وأنَّه لا تلازم بينهما.

المختار في المسألة

أما المختار، فالظاهر من الاحتمالات الثلاثة من الفرع الأوَّل هو الاحتمال الثالث؛ لأنَّ حمل الحرمة على المُعرفيَّة فهو يحتاج إلى مؤنة، فإنَّ أخذَ كل حكم في موضوع ظاهرٌ بالموضوعية دون المُعرفيّة. إلاَّ إذا كانت مناسبات الحكم والموضوع تتناسب مع المعرفية، وهنا يناسب المقام جداً مع الموضوعية، وهو أن تكون قذارة العرق ناتجة من قذارة العمل شرعاً، وأما بالنسبة إلى الحرمة اللولائية أو الفعلية، فظاهر كل دليل هو العنوان الفعلي، فلو قال: (أكرم كل عالم)، فإنَّه يشمل من هو عالم فعلاً، ولا يشمل من يصبح عالماً عند السفر إلى النجف، إذن فيتعين الاحتمال الثالث، ومعه فعرق الزاني في موارد الاضطرار طاهر.

وأما على القسم الثاني منه وهو ثبوت الحرمة للعنوان الثانوي، فالظاهر هو الطهارة لأجل تمامية الاستظهار الذي أشرنا إليه، وأما القسم الأوَّل منه فالظاهر هو النجاسة؛ لأنَّ الظاهر هو أن الموضوع هو جامع الحرمة، لا 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

خصوص الحرمة الأصيلة اللااستثنائية، لأنَّنا قرأنا في باب المطلق والمقيّد(1) أن الموضوع كلما تردد بين المطلق والمقيّد فإنَّه يحمل على المطلق لا على حصّة منه، وحمله على بعض أقسامه يحتاج إلى قرينة.

والسيد الأستاذ بعد أن ادعى التلازم، اختار(2) نجاسة عرق الزاني المكره وطهارة عرق الجنب بالحرمة العرضيَّة.

أما اختياره للنجاسة فقد ظهر بطلانه مما ذكرناه.

وأما طهارة العرق من الحرمة العرضيَّة، فقد قال: إن ظاهر الدليل هو أن الحرمة متعلقة بنفس عنوان الجنابة، يعني أنَّه استظهر نفس الاستظهار الذي قلناه، إلا أنَّه خلط بين القسمين.

أما إذا كانت الحرمة قد تعلقت بعنوان ثانوي، فهذا التعليل صحيح كما قلناه.

وأما فيما إذا تعلقت الحرمة بنفس المواقعة في أيام العادة، فقد قلنا إن طهارته متوقفة على أخذ مطلق الحرمة لا الحرمة المطلقة، وذلك لأنَّ غاية ما يدلُّ عليه ذلك الاستظهار هو أن الحرمة منصبة على المواقعة، وأما أنَّه أخذ 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

(1) بحوث في علم الأصول (الهاشمي) ٣: ٣٠٧، التنبيه الثالث، بحوث في علم الأصول (عبد الساتر) ٧: ٤٩٩، الفصل الثاني: في مقدّمات الحكمة.

(2) فقه الشيعة 3: 254، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، المسألة 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فيها قيد أو لم يؤخذ فهذا لا يمكن أن نستظهره.

وأما ما ذكره(1) السيد الأستاذ من أنَّه بناء على أنَّ تكون الحرمة فعليَّة فيحكم بطهارة عرق الزاني المكره ونجاسة عرق المواقع زوجته في أيام العادة، ففيه مغالطة لفظية، فإنَّ الفعليَّة في الفرع الأوَّل منهما هو ما كان في مقابل الحرمة اللولائيّة، والفعليَّة في الفرع الثاني هو بمعنى الحرمة المطلقة، الجامعة بين المُستثنى والمُستثنى منه.

هذا تمام الكلام في كبريات هذه المسألة لهذا الفرع، يبقى الكلام في الصغريات وأن هذا يدخل في هذا القسم أو هذا القسم.

التحقيق في الصغرى 

أن يُقال: إنَّه لا إشكال في دخول الحرمة الناشئة من الإضرار في القسم الثاني، وهو ما إذا تعلقت الحرمة بعنوانٍ ثانوي منطبق على المواقعة، فإنَّ حرمة الضرر أو حرمة إلقاء النفس بالتهلكة، لم ترد على الأفعال المضرة بالحمل الشايع، وإنما وردت على عنوان ثانوي ينطبق على العناوين الأولية، فالمسألة مصداق للقاعدة أو الآية، وإنما أقول: القاعدة؛ لأنَّنا اخترنا في علم الأصول(2) دلالتها على حرمة الضرر.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر السابق: 252-254.

(2) بحوث في علم الأصول 5: 431، قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، مفاد الهيئة التركيبيّة لجملة (لا ضرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والمتيقن من المورد الثاني هو حرمة المواقعة أيام العادة، وهو ما إذا تعلقت الحرمة بنفس عنوان المواقعة.

تبقى أمثلة لا تخلو من شوب إشكال:

منها الجنابة المحرمة بملاك الصوم الواجب: فقد يتخيل أن الحرمة بالعنوان الثانوي، وهو عنوان الإفطار؛ لأنَّ الصائم يحرم عليه ارتكاب المفطر، وهو عنوان ثانوي ينطبق على الأكل والشرب والجماع وغيرها، فيكون من القسم الثاني.

إلا أنَّ هذا غير صحيح، فإنَّ الإفطار عنوان منتزع عن تحريم ارتكاب شيء ووجوب الإمساك عنه ومانعيته عن الصوم، إذن ففي المرتبة السابقة على انتزاع عنوان الإفطار من هذا العمل هو محكوم بالحرمة لإمساك عنه في طبيعة الصوم، فهو ليس بحرام؛ لأنَّه مفطر، بل هو مفطر؛ لأنَّه حرام، إذن فالحرمة متعلقة بالعنوان الأولي.

ومنها الإيلاء: فالظاهر الثبوت بالعنوان الثانوي؛ لأنَّه عبارة عن نحو من أنحاء العهد واليمين أمضاه الشارع وأدخله في عمومات وجوب الوفاء باليمين، وتصرف في حدوده، فسمّي بـ(الإيلاء)، فيكون حال ما إذا حرمت المضاربة بيمين أو عهد، ولا شكّ أن هذه العناوين الثانوية هي موضوع الحكم الشرعي، ولا يكون الجماع محرماً بعنوانه.

ومنها الظهار: فهل حرمته ثانوية، أو أولية؟ يدور ذلك مدار استظهار من دليل الظهار، وهو أن لسانه هل هو لسان الإمضاء لهذا الإنشاء على 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

نحو إمضاء العهد واليمين؟ إذن فيرجع إلى نحو من أنحاء العهد ويكون الدليل متكفلاً لوجوب الوفاء به ما لم يكفّر، ويكون الحكم بالعنوان الثانوي.

وإذا استظهرنا من دليل الظهار أن لسانه لسان التحريم الابتدائي ولو من باب العقوبة والزجر حيث كان العرب في الجاهلية يقولون هذه الكلمة، فأراد الشارع المنع عنها، ففرض عليها تبعة ثقيلة، وحينئذٍ فتكون الحرمة متعلقة بنفس الفعل الخارجي.

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2



مسائل متفرقة

 

1- العرق الخارج حال الاغتسال قبل تمامه

المسألة 1: العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس، وعلى هذا فليغتسل في الماء البارد، وإن لم يتمكّن فليرتمس في الماء الحارّ، وينوي الغسل حال الخروج، أو يحرّك بدنه تحت الماء بقصد الغسل(1)

إلى قوله: “قبل تمامه نجس“، هذه القضية لا إشكال فيها، لو تمَّت الكبرى وهي نجاسة عرق الجنب من الحرام.

فإنَّ عنوان عرق الجنب من حرام يصدق على عرق يتجدد له ما لم يفرغ من غسله، فإنَّه ما لم يفرغ فهو جنب يترتب عليه تمام الأحكام.

هذه القضية أوجدت إشكالاً عملياً، وهو أن الماء الذي يغتسل به المكلف إن كان ماءً حاراً وهو سبب للعرق، فسوف يعرق المكلف في أثناء غسله فيتنجس بدنه، وقد فرغنا عن أن الغسل مشروط بالطهارة، وأما إذا كان الماء ماء بارداً فسوف لن يعرق المكلف، ومن أجل ذلك نصحه في المتن ــــــــــ[75]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 146، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، المسألة الأولى.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إرشاداً إلى الاغتسال بالماء البارد.

ولو انحصر الماء بالحار، فليغتسل بالارتماس بالماء الحار، وينوِ الغسل إما حال الخروج من الماء، أو بتحريك بدنه داخل الماء؛ لأنَّه ما دام في الماء لا يخرج العرق عادة، فيستريح المكلف من الإشكال، وأما لو صبَّ الماء الحار على بدنه صباً فسوف يبتلي بالعرق، هذا على مستوى شرح العبارة.

وتوضيح الحال في ذلك: أن هذا العرق الذي أصبح منشأ للإشكال إذا وجد في أثناء الغسل فأما بأن يكون العرق في الأعضاء التي تمَّ غسلها، أو في الأعضاء التي لم تغسل.

إذا تعرّقت الأعضاء التي تمَّ غسلها:

فإن كان العرق في الأعضاء التي تمَّ غسلها(1)، فالظاهر أن  النجاسة لا تؤدي إلى إشكال إلاَّ على أضعف الاحتمالات الأربعة، في شرطية الطهارة في الغسل، فإنَّه لا إشكال أنَّه يشترط الطهارة الخبثية للأعضاء المغسولة إلا أنَّ فيها أربعة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن تكون طهارة العضو معلولة لنفس الغسلة، بحيث يقع التقارن الزماني بين طهارة الحدث وطهارة الخبث، ويحصلان بصبة واحدة، بدعوى أن شرطية الطهارة في الغسل لا دليل عليها إلاَّ الإجماع والقدر المتيقن منه هو الطهارة المقارنة.

الاحتمال الثاني: أن يلتزم بلزوم تقدُّم الطهارة الخبثية زماناً، على رفع 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) كتجدد العرق في الرأس عند الشروع بغسل البدن.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الحدث بقرينة الروايات التي تأمر بغسل الفرج ثُمَّ بغسل الجنابة، لكن يقال: بأنَّ كل عضو له تطهير مستقلّ به، وصحة غسل كل عضو مشروطة بطهارة نفس العضو قبل غسله وغير مشروطة بطهارة الأعضاء الأخرى، والمراد من العضو جزء البدن كاليد والإصبع حتَّى يصل إلى الجزء الذي لا يتجزأ!!

الاحتمال الثالث: أن صحَّة غسل كل عضو يكون مشروطاً بأن يكون هذا العضو قبل ذلك طاهر، وتمام الأعضاء التي بعده طاهرة أيضاً، فصحة غسل الرأس يكون مشروطاً بأن يكون تمام البدن طاهراً. 

ومستند هذا الوجه هو الظهور الأولي لقوله: (اغسل فرجك ثُمَّ اغتسل). فإنَّ مقتضاه أن رفع الخبث عن الأجزاء المتأخّرة شرط في صحَّة رفع الحدث عن الأجزاء المتقدِّمة.

الاحتمال الرابع: أن نقول: إنَّه يشترط في صحَّة غسل أي عضو من الأعضاء أن يكون هو وما قبله وما بعده طاهر من أوَّل الأمر. وذلك بضم إلغاء خصوصية التقدُّم، والتأخر من مدرك الاحتمال الثالث.

والصحيح منها هو الاحتمال الثاني: ويأتي تفصيله في بحث غسل الجنابة.

فعلى أيٍّ من هذه الاحتمالات يحصل إشكال لو عرق الجزء الذي غُسل، لا يحصل على الأوَّل لتحقق شرطه ولا على الثاني لأنَّ الرأس كان طاهراً بغسل قبلي ثُمَّ ابتلى بالنجاسة ولا على الثالث، فإنَّه حين غسل 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الرأس كان الرأس والبدن طاهرين، وأما حين غسل البدن فلا يشترط -بناء على هذا الاحتمال- طهارة الرأس. نعم، على الاحتمال الرابع يكون غسل البدن باطلاً؛ لأنَّ رأسه غير طاهر.

وأما لو تجدد العرق في العضو غير المغسول، يعني تجدد في البدن، فإن كان الفرض أنَّه كلما يطهر من نجاسة العرق يعرق من جديد، فيمتنع بهذا صحَّة الغسل إلاَّ على الاحتمال الأول، لأنَّه بصبة واحدة، يزيل النجاسة الحدثية والخبثية معاً، وأما على الاحتمال الثاني -فضلاً عما بعده- فلا يمكن القول بصحته، لأنَّه لم يكن طاهراً بغسلٍ قبلي، إلا أنَّ هذا الفرض بنفسه بعيد جدا، بحيث بمجرد أن ينتهي من صبَّ الماء يفور العرق من جديد، بل لا بُدّ من مرور زمان ولو قصير قبل خروجه، فليغتنم الفرد هذا الزمان القصير للغسل.

هذا كله بحسب الابتلاء الفقهي بالنجاسة، وأما الابتلاءات الخارجية، فهذا يعرفه كل شخص في موارده.

وأما العلاجات فكلها محلّ إشكال، بناء على ما يأتي من أنَّه يشترط في صحَّة الغسل إحداث الغسل ولا يكفي إبقاؤه، ولا يصدق على من يدخل الماء إلاَّ غسل واحد، وأن حرك بدنه، وإحداث الغسل إلاَّ بالخروج من الماء والدخول فيه، أو أن يجعل عن بدنه مانعاً عن الماء، ويدخل فيه، ثُمَّ يزيله، فيصدق إحداث الغسل.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

2- حكم عرق من أجنب من حرام ثُمَّ من حلال أو بالعكس

المسألة 2: إذا أجنب من حرامٍ ثُمَّ من حلال، أو من حلالٍ ثُمُّ من حرام، فالظاهرُ نجاسة عرقه أيضاً، خصوصاً في الصورة الأولى(1).

والحكم في الصورة الثانية وهي ما إذا كان السبب الحرام متأخّراً، أوضح من الحكم في الصورة الأولى.

عدّة صور في تحديد معنى الجنابة

وتوضيح الحال في مباني المسألة، هو أن يُقال: إنَّ هذه المسألة لها صور عديدة، من حيث تحديد معنى الجنابة:

الصورة الأولى: أن نبني على أنَّ الجنابة المأخوذة في دليل النجاسة، بنحو تكويني كالبول والنوم ونحوه من الأحداث الموجبة للوضوء، كما يستظهر من بعض المراسيل(2) الواردة: في بيان علَّة غسل الجنابة، وأنَّه لماذا يكتفى في البول بغسل الموضع؟ ولا يكفي ذلك في الجنابة؟ 

وقد قيل: إن الجنابة لا تخرج من الموضع المخصوص فقط، بل من تمام البدن بالعرق ونحوه، وظاهره كون الجنابة أمراً خارجياً تكوينياً.

ــــــــــ[79]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 147، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، المسألة الثانية.

(2) راجع: علل الشرائع 1: 281، الباب 195، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 1: 76، باب العلَّة التي من أجلها وجب الغسل في الجنابة، الحديث 171.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإن بنينا على ذلك فينبغي القول بأنَّ السبب المحرم سواء وقع أولاً، أو وقع ثانياً يترتب عليه نجاسة العرق؛ لأنَّه بعد فرض كون الجنابة أمراً تكوينياً يصدق أن هذا العرق ناشئ من الجنابة المحرمة، في كِلتا الصورتين، فبتعدد هذا الأمر تتعدد الأسباب.

الصورة الثانية: أنَّ الجنابة ليست أمراً تكوينياً، بل أمر اعتباري، ولكنَّه اعتبار عقلائي، فإنَّ لفظ الجنابة كان موجوداً قبل الشرع والشريعة، ولم يستحدثه القرآن، بل استعمله في معناه الاعتباري، ونفرض أن هذا الأمر الاعتباري سنخ اعتبار قابل للتكرار، بحيث لو جامع بعد الجماع يعتبر أنَّه أجنب بعد الجنابة، فيكون حكمها حكم الصورة الأولى، فيتكرّر بتكرّر الأسباب(1).

الصورة الثالثة: أن الجنابة عبارة عن اعتبار شرعي، بمعنى حكم وضعي مجعول من قبل الشارع، لكن يُقال: إنَّ هذا الحكم الشرعي أخذ بنحو المعرفية لذات الموضوع لا بما هو هو، فيكون عرق الجنب من حرام نجساً، فإنَّه عرق ذات الجنب، فتكون هذه الصورة حكم الصورة الأُولى والثانية لأنَّ المفروض أن الجنابة أخذت معرفة لذوات الأسباب، والمفروض تكررها.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

() ولم يذكر السيد ما إذا كان الاعتبار العقلائي سنخ اعتبار غير قابل للتكرار. فلَمَّا سئل عن ذلك -بعد الدرس- قال: ليس لي في ذلك محمول مستقلّ، فيكون حكمها حكم الصورة الرابعة الآتية، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الصورة الرابعة: أن نبني على أنَّ الجنابة التي أخذت بموضوع دليل النجاسة، يُراد بها الحكم الوضعي الشرعي بالجنابة، على نحو الموضوعية.  

فهنا قد يُقال بالفرق بين الفرعين، بأن يُقال: إنَّه إذا وقع السبب الحرام ثُمَّ الحلال، فالجنابة الشرعية تحققت محرمة فيصدق على العرق الحاصل بعد ذلك أنَّه عرق مجنب جنابة محرمة. 

وأما لو وقع السبب الحلال أوَّلاً ثُمَّ الحرام، فالعرق الحاصل لا يصدق عليه أنَّه عرق جنب من حرام؛ لأنَّ الجنابة بما هي حكم وضعي شرعي لا يتكرر، والمجنب لا يجنب مرّة أخرى.

وتوضيح الحال في هذا التفصيل: هو أن يُقال: إنَّ الدليل الذي دلَّ على حصول الجنابة بالجماع، وغيره من الأسباب، تارة يكون بلسان أنَّه (يوجب الجنابة). وأخرى بلسان (اغتسل).

أما باللسان الأول:

فإن استظهرنا أن ما جُعِل مسبَبَاً هو صرف الوجود، المتحقق بالوجود الأول، فيتعين التفصيل بين الفرعين، فلو وقع السبب المحرم بعد السبب المحلل، فلا توجد جنابة محرمة بالسبب الثاني.

وإن استظهرنا من دليل الجنابة أن الموضوع مأخوذ بنحو مطلق الوجود، لا بنحو صرف الوجود، يعني أن كل سبب هو سبب للجنابة، سواء كان هو السبب الأوَّل أو الثاني، فحينئذٍ ففي الموارد التي لا يكون للتعدد أثر عملي فنرفع اليد عن إطلاقه كما لو جامع مرتين من حلال، فإنَّ 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

اعتبار الجنابة الثانية لغو صرف بعد العلم باتحاد المسبب وهو الغسل، فنرفع اليد عن الإطلاق.

وأما إذا انتهى إلى أثر عملي، فلا بأس بالتمسك بظهور الدليل في التعدد.

وأما إذا كان الدليل بلسان (اغتسل):

 فيعين صرف الوجود، وعدم اكتشاف سببية الجماع الثاني للجنابة. فإنَّ الثاني لا غسل له جزماً، إذن فلا كاشف عن الجنابة جزماً(1).

هذا كله بحسل المباني.

الصورة الخامسة: وأما بحسب الاستظهار، فلا ينبغي الإشكال، أن المستظهر من الدليل هو الاعتبار الشرعي على نحو الموضوعية، لما سوف يأتي في بحث غسل الجنابة، من أنَّ الجنابة من الاعتبارات العقلائيَّة التي أمضاها الشارع مع التصرف في حدودها. وكل أمر أمضاه الشارع إذا أخذ في موضوع دليل فظاهره أنَّه أخذ بوجوده الإمضائي لا بوجوده العقلائي، وحمل الجنابة على المعرفية يحتاج إلى قرينة غير موجودة، ولا تقتضيه مناسبات الحكم والموضوع.

وحينئذ يبقى الكلام مردداً بين الفرضيتين، وهو أن لسان دليل الجنابة هل هو لسان أنَّه سبب للجنابة، أو لسان (اغتسل)؟

ــــــــــ[82]ــــــــــ

() وبهذا اتضح لماذا أن السيد جعل أحد الفرعين أوضح من الفرع الآخر بالحكم للنجاسة، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الصحيح هو الثاني. إذن فلا بُدّ من التفصيل بين الفرعين؛ فيحكم بالنجاسة إذا كان السبب الحرام سابقاً على السبب الحلال، ويحكم بالطهارة في مورد العكس.

3- حكم عرق المجنب من حرام إذا تيمم

المسألة 3: المجنب من حرام إذا تيمّم لعدم التمكّن من الغسل، فالظاهر عدمُ نجاسة عرقه، وإن كان الأحوط الاجتناب عنه ما لم يغتسل. وإذا وجد الماء ولم يغتسل بعد، فعرقه نجس؛ لبطلان تيمّمه بالوجدان(1).

المجنب من حرام إذا فقد الماء فتيمم، يحكم بطهارة عرقه، لخروجه عن كونه جنباً بأدلة بدلية التيمُّم عن الغسل في موارد الفقدان. وهذا لعله هو المشهور، فإنَّ المستفاد من أدلَّة التيمُّم قيامه مقام الغسل في كونه مخرجاً للفرد عن كونه جنباً. غاية الأمر أنَّه إخراج (ما دامي)، أي ما دام غير واجد للماء.

إشكال السيد الأستاذ في عدم رافعية التيمُّم للجنابة

إلا أنَّ السيد الأستاذ(2) استشكل في ذلك، وذهب في موارد التيمُّم بدلاً عن غسل الجنابة إلى مطلب غير مألوف بين الفقهاء، فذكر: أن المستفاد من أدلَّة بدلية التيمُّم هو كونه طهور وعلى حد طهورية الغسل. ولذا يحكم 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

() العروة الوثقى (المحشّى) 1: 148، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، المسألة الثالثة.

() اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 138-139، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بترتب آثار الطهورية عليه، ومنها جواز الدخول في الصلاة، لكن لم يدلَّ عندنا دليل على أنَّ هذه الطهورية رافعة للجنابة.

 يدلُّ دليل على الرافعية، وإن كان متطهراً، فيجتمع فيه حكمان، جنب ومتطهر، وكأن السيد الأستاذ يريد أن يقول: إنَّه عندنا أمران:

 أحدهما: الجنابة. والآخر: ما يسمّى بالحدث الأكبر. وهو من معلولات الجنابة. والغسل يكون رافعاً لهما معاً.

وأما التيمُّم فهو رافع للحدث دون الجنابة، والطهورية مقابلة للحدث لا للجنابة، والقدر المتيقن من دليل التيمُّم هو رافعية الحدث لا الجنابة، فيكون مجنباً، إلا أنَّه ليس بمحدث.

أما كونه جنباً فلإطلاق دليل الجنابة لما بعد التيمم.

وأما أنَّه ليس بمحدث فلما دلَّ على أنَّ التراب طهور.

إذن فكل حرمة مترتبة على الحدث تزول بزوال الحدث، كحرمة الدخول في الصلاة، وكل حرمة مترتبة على الجنابة لا الحدث، تبقى على حالها.

ومن هنا التزم السيد الأستاذ صناعياً في الفقه(1)، واحتياطاً في فتواه(2)، 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر السابق.

(2) راجع: منهاج الصالحين 1: 105، كتاب الطهارة، المبحث الخامس: التيمّم، الفصل الخامس: أحكام التيمّم، المسألة 384.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أن المجنب إذا تيمَّم لا يجوز له الدخول في المسجد؛ لأنَّ التيمُّم لا يرفع الجنابة.

وكذلك التزم في الصوم في مسألة البقاء على الجنابة حال الفجر إذا كان الوقت ضيقاً عن الغسل، التزم بعدم وجوب التيمّم(1)؛ لأنَّه لا يرفعها والبقاء على الجنابة سوف يتحقَّق على كل حال.

والمقام من صغرياته، لأنَّ نجاسة العرق موضوعه الجنب وهو صادق حتَّى بعد التيمم.

مناقشة إشكال السيد الأستاذ

إلا أنَّ هذا المطلب لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّنا لا يمكن ان نتصور ما قاله، فإنَّه تشريح دقيق فوق طاقة الأدلَّة الشرعية، وتوضيحه بنحو التفصيل في بحث غسل الجنابة لا هنا.

وإنما نشير هنا بنحو الإجمال فنقول:

إنه لا إشكال أن دليل التيمُّم يستفاد منه رافعيته للجنابة، لا رافعيته لأمر آخر اسمه الحدث مع بقاء الجنابة، وأوضح أدلَّة التيمُّم هو القرآن، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أو عَلَى سَفَرٍ أو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أو ــــــــــ[85]ــــــــــ

(1) راجع: منهاج الصالحين 1: 265، كتاب الصوم، الفصل الثاني: في المفطرات، السابع: تعمّد البقاء على الجنابة، المسألة 987.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(1).

وهذه الآية شرعت أوَّل الأمر الغسل بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا. ولا إشكال في أنَّه يستفاد منها رافعية الغسل للجنابة؛ لأنَّه أمر بالتطهر والطهارة. والطهارة عبارة عن الخلاء والنزاهة عن الوسخ، فالمقصود من الآية الأمر بإزالة الجنابة، ونحن نعلم أن مصداقه هو الغسل. فيثبت بذلك كون الغسل رافعاً للجنابة.

ثم يقول: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى كما في قوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا. ثُمَّ حمل على التيمُّم عنوان الطهورية، وهو نفس العنوان الذي حمله على الغسل، وهو عبارة أخرى عن أنَّه كما أن الغسل تنقية عن الجنابة، فكذلك التيمُّم تنقية عنها. وليست الطهارة كالصدقة، حيث يمكن اجتماعها مع الجنابة تمسكاً بإطلاق دليل الجنابة، وأما الطهارة فقد أخذ في مفهومها النقاء والخلاء مع الجنابة، فلا يمكن أن تجتمع معها.

وما يؤيد ذلك بل يدلُّ عليه: الرواية الصحيحة(2) التي أفتى بمضمونها 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

(2) “فَلْيَتَيَمَّمْ وَلَا يَمُرَّ فِي المَسْجِدِ إِلَّا مُتَيَمِّماً حتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ” الكافي ٥: ٢١٢، كتاب الطهارة، الباب ٤٦، الحديث ١٤، وسائل الشيعة 3: ٣٩٣، كتاب الطهارة، الباب 30 من أبواب التيمّم، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

السيد الأستاذ، الواردة في الشخص الذي أجنب في المسجد قال: “يتيمم ويخرج“.

فإنَّنا لو بنينا على أنَّ التيمُّم لا يرفع عنوان الجنابة وبنينا أن جهة تحريم الدخول هو عنوان الجنب، فلا بُدّ من أن يحمل الأمر ب التيمُّم على أنَّه تعبد صرف، وهو خلاف المتفاهم المتشرعي من أن يحمل تيممه على أنَّه على القاعدة، لأنَّه حيث يحرم عليه البقاء في المسجد جنباً ولا يمكنه التخلص بالماء، فتخلصه يكون بالتراب.

إذن فالتيمُّم يكون كالغسل في الرافعية لكن في حدود الفقدان. ومعه يحكم بطهارة عرقه.

4- حكم عرق الصبي غير البالغ إذا أجنب من حرام

المسألة 4: الصبيُّ غير البالغ إذا أجنب من حرام ففي نجاسة عرقه إشكال، والأحوط أمره بالغسل؛ إذ يصحّ منه قبل البلوغ على الأقوى(1).

الفرع الأول: في أصل نجاسة عرق الصبي

هنا ذكر السيد الأستاذ(2) أن المسألة مبنية على أنَّ الحرمة المأخوذة في 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 148، كتاب الطهارة، باب النجاسات، المسألة الرابعة.

(2) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 144-145، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

موضوع دليل نجاسة العرق للجنب من حرام، هل هي الحرمة بنحو المعرفية، أو بنحو الفعلية؟

فإن أخذت بنحو المعرفية والمشيرية إلى ذوات الأسباب المحرمة فهذا الفعل بذاته من الأفعال المحرمة لأنَّه زنا.

وإما إذا كان المأخوذ هو الحرمة الفعلية، بحيث كان معاقباً عليه ومذموماً شرعاً، فهو غير موجود بالنسبة إلى الصبي فيحكم بطهارة عرقه. ومعه يحكم بطهارة عرق الواطئ بالشبهة لأنَّه لا توجد الحرمة الفعليَّة بالنسبة إليه.

تعليقات عدّة على ما أفاده السيد الأستاذ

أولاً: لا تقابل بين المعرفيّة والفعليَّة. كما اتضح مما سبق، وإنما التقابل بين المعرفية والموضوعية، والموضوعية منقسمة إلى الفعليَّة وغيرها. فالتشقيق لا بُدّ أن يكون أوسع.

وثانياً: لم نفهم الوجه من دس استحقاق العقاب في الحرمة الفعلية، فإنَّ الحرمة لو أريد بها واقع الخطاب من دون استحقاق العقاب فهي أيضاً غير ثابتة للصبي، فإنَّ استحقاق العقاب فرع تنجُّز الحرمة الفعليَّة، ودمج أحدهما بالآخر غير صحيح. 

ومن هنا لا ينبغي دسّ مسألة استحقاق العقاب في مسألة الوطء بالشبهة، فمسألة الصبي ومسألة الوطء بالشبهة مبنيتان على أساسين.

ــــــــــ[88]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وثالثاً: لو بنينا على ما أفيد من أنَّ الحرمة المأخوذة في موضوع دليل نجاسة العرق هي الحرمة الفعليَّة المستحق عليها العقاب فكيف قيل إنَّ عرق الجنب في حال الاضطرار نجس كما عرفنا!؟

فإنه بناءً على هذا بنى على النجاسة، وفرّق بينه وبين من وطأ زوجته في أيام العادة على ما سبق(1). إذن فورود هذه الأسئلة يقتضي طرح المسألة بشكل أوسع.

التحقيق في المسألة

فلا بُدّ من تشقيق آخر لهذا الفرع بأن يُقال: إنَّ الحرمة المأخوذة في دليل نجاسة (العرق) على صور:

الصورة الأولى: أن تكون مأخوذة بنحو المعرفية والمشيرية إلى ذوات العناوين. وعليه يحكم على عرق الصبي المجنب بمواقعة الأجنبية، بالنجاسة كما نحكم على عرق الزاني المضطر بالنجاسة أيضاً.

الصورة الثانية: أن الحرمة مأخوذة بنحو الموضوعية لا المعرفية، لكن المراد بها الحرمة الفعليَّة من ناحية ذات الفعل، لا من ناحية الفاعل، يعني إن ذات الفعل لا قصور فيه من حيث الاتصاف بالحرمة، ولا تؤخذ شرائط 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() تقدَّم أنّ السيّد الخوئي استظهر الحرمة الذاتيّة، فبنى على نجاسة عرق الزاني في حال الاضطرار؛ باعتبار حرمة الزنا ذاتاً، وعلى طهارة عرق الواطئ زوجته أيّام عادتها باعتبار حلّيّة وطء الزوجة ذاتاً.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الفاعل لثبوت الحرمة بنظر الاعتبار. إذن يلزم نجاسة كِلا العرقين أيضا، لأنَّ الفعل تام الشرائط للحرمة.

الصورة الثالثة: أن الحرمة المأخوذة بنحو الموضوعية ويراد بها الحرمة الفعليَّة بلحاظ الفعل والفاعل معاً وهي الحرمة على الإطلاق. إذن فلا عرق الصبي يحكم عليه بالنجاسة، ولا عرق الزاني المكره، لعدم تمامية الحرمة من ناحية الفاعل. والمفروض أنَّها أخذت بنحو الموضوعية، فإذا لم توجد الحرمة لم يوجد الحكم.

الصورة الرابعة: أن الحرمة مأخوذة بنحو الموضوعية ويراد بها الفعليَّة من ناحية ذات الفعل، وذات الفاعل، ولكن من ناحية الفاعل تؤخذ مشروطة لولا العوارض.

فهنا يمكن أن يدّعى التمييز بين عرق الصبي عن عرق الزاني، حيث إنَّ الزاني يشمله الدليل لأنَّ فعله حرام لولا العوارض فيكون عرقه نجساً. 

وأما الصبي فالفعل حرام عليه لولا الصغر، إلا أنَّ الصغر ليس عرفاً حالة طارئة، بل هو مرحلة من عمره ووجوده، فيحكم على عرقه بالطهارة لأنَّ الحرمة غير ثابتة لولا الطوارئ والطفولة ليست من الطوارئ. فهذه الصورة هي التي تناسب مقالة السيد الأستاذ. ولا يناسب مع الصور الثالثة والأولى.

وحيث إنَّ الظاهر من الدليل هو الموضوعية والفعليَّة على الإطلاق، فالظاهر هو طهارة عرق الصبي، كالزاني المكره كما تقدم.

ــــــــــ[90]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما وطء الشبهة: فعلى جميع التقادير ما لم نلتفت إلى عناية جديدة مشمولة لإطلاق الدليل. فإنَّه حتَّى على الصورة الثالثة التي كُنَّا نحكم فيها بطهارة عرق الصبي والزاني المكره، يحكم بشمول الدليل لوطئ الشبهة؛ لأنَّ الحرمة الواقعية فعليَّة فيه. فيكون الموضوع ثابتاً ما لم نبذل عناية جديدة، وهي أنَّه أخذ في موضوع دليل النجاسة مضافاً إلى فعليَّة الحرمة قيد الوصول والمنجزية، فإنَّ في وطء الشبهة خلافاً في أنَّه هل هو وطء المعذور فيه؟ أو يشمل موارد الظن بالجواز، وإن كان ظناً غير معتبر ولم يكن معذوراً؟

فعلى الأوَّل يؤخذ في موضوع دليل النجاسة، كونه غير معذور وإن الحرمة أخذت في الموضوع بلحاظ استتباعها للعصيان والشقاوة، وذلك إنما يكون بلحاظ تنجُّز الحرمة، أي إنَّ الفعليَّة تتحقَّق بوجود الكبرى والصغرى والتنجُّز فرع وصولهما.

 وإذا كان وطء الشبهة بالمعنى الثاني(1)، فلا بُدّ من أن يؤخذ في الموضوع كونه معلوماً. 

قال: وهذا القيد يكون جزافياً، ولا نقبل عدم شمول دليل النجاسة له. وحينئذ فلا بُدّ أن نفصل -على المعنى الثاني- بين وطء الشبهة عن عذر وبين غيره. وأما لو قيل بأنَّ وطء الشبهة هو خصوص المعذور فلا إشكال.

ــــــــــ[91]ــــــــــ

() قاله السيد جواباً على سؤالٍ، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الفرع الثاني: هل يطهر عرق الصبي بالاغتسال إذا قلنا بالنجاسة؟

إننا إذا قلنا بنجاسة عرق الصبي، فهل يطهر بالاغتسال، أو لا؟ هذا مبني على شرعية عبادات الصبي وعدمه.

ولو كان غسل الجنابة توصلياً محضاً، لم يكن هناك إشكال في المسألة كغسل النجاسة الخبثية. ولكن الغسل حيث يجب إيقاعه بقصد القربة، ولا تقع رافعيته للحدث إلا بذلك. وحيث إنَّ قصد القربة والعبادية، يتوقف على وجود أمر في الجملة خطاباً أو ملاكاً، فمن هنا وقع الإشكال ووقف تصحيح غسل الصبي على ثبوت أمر له به.

ومن هنا ظهر أنَّه لا ينبغي أن يُتوهّم في مقام تصحيحه أنَّه تكفينا الأوامر الإرشادية المتعلقة بالغسل، بناءً على أنَّها ليست حرمة تكليفية، بل إرشاد إلى رافعية الغسل للجنابة. كقوله: اغسل من ملاقاة ما لا يؤكل لحمه في كونه إرشاداً إلى رافعية الغسل للنجاسة الخبثية. فيُتوهّم أنَّه يمكن التمسّك بإطلاق الأوامر الإرشادية في ثبوتها للصبي، فإنَّ ما لا يثبت في حقه هو الأوامر التكليفية لا الوضعية.

ولا ينبغي أن يُتوهّم ذلك: لأنَّنا نريد أمراً نصحح به الغسل. والأمر الإرشادي لا يصحح بمبادئه الغسل، فإنَّه مجرَّد إخبار عن أن الغسل لو أتى به على وجهه ترتفع الجنابة، وهذا صادق على الصبي. والكلام في أنَّه كيف يأتي به على وجهه مع أنَّه لا بُدّ فيه من وجود الأمر التكليفي!؟

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

استدلوا على مشروعية الغسل في هذه الصورة، وبارتفاع الجنابة بالغسل بوجوه.

الوجه الأول: التمسّك بالدلالة الالتزامية

التمسك بالدلالة الالتزامية لأدلّة الخطابات الواقعية، وهو قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (1).

فمدلوله المطابقي إيجاب الغسل ومدلوله، الالتزامي هو وجود الملاك في الغسل.

والمدلول المطابقي غير ثابت للصبي جزماً، لكنَّنا نتمسّك بالمدلول الالتزامي؛ لأنَّه غير معلوم البطلان، فنثبت أن غسل الصبي محبوب، وفيه ملاك، ومعه يتمكّن الصبي أن يوقع غسلاً صحيحاً. ويتوفر قصد القربة فيه؛ لأنَّ قصد القربة منوط بالمحبوبية.

هذا مبني على كبرى في علم الأصول(2)، هو أنَّه هل هناك تلازم بين الدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية في الحجية كما هما متلازمان في الوجود بلا إشكال؟ 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

(2) اُنظر: دروس في علم الأصول 3: 4٩، تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للدلالة المطابقيّة، بحوث في علم الأصول 7: 259، تعارض الأدلَّة الشرعيّة، القسم الثاني: التعارض المستقرّ، المسألة الأولى: فرضيّات التعارض المستقرّ وأحكامها، ب: نظريّة نفي الثالث.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإن بنى على عدم التلازم في الحُجِّيّة، فهذا الوجه لا بأس به، وإلا فلا يتمّ، والمختار لدينا هو التلازم.

بتعبير آخر: أن يدّعى ثبوت الأمر التكليفي ملاكاً، لا خطاباً، المبني على سقوط الدلالة المطابقية بأدلة رفع القلم وبقاء الدلالة الالتزامية المثبتة على الملاك.

وهذا الوجه يمكن أن يعترض عليه باعتراض أصولي وباعتراض فقهي.

أما الاعتراض الأصولي، فما سبق من وجود الملازمة بين الدلالتين.

وأما الإشكال الفقهي، فإنَّنا لو سلّمنا على عدم التلازم بينهما في الحجية، فلا إشكال في التلازم بينهما في أصل الوجود.

فهذا الكلام إنما يتمّ فيما إذا دلَّ الدليل بظهوره إيجاب الصلاة والغسل على الصبي وغيره، ودلت الدلالة الالتزامية على وجود الملاك في موارده. وجاء مخصّص منفصل فرفع اليد به عن حُجِّيّة الدلالة المطابقية فتبقى حُجِّيّة الدلالة الالتزامية.

ولكن إذا بنينا على أنَّ المخصّص الذي أخرج الصبي كان متصلاً، فلم تتحقق الدلالة المطابقية، فلا تتحقّق الدلالة الالتزامية.

إذن فلا بُدّ من تشخيص أن إخراج الصبي كان بمخصّص متصل أو منفصل.

قد يُتوهَّم أنَّه بمخصّص متّصلٍ، بدعوى أنَّه ارتكازي في أذهان 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المتشرعة، فإنَّ المركوز أن الصبي يرخص من التكاليف، فليس في الدلالة المطابقية ظهور ليتمسك بالدلالة الالتزامية.

لكن هذا التخصيص لو سلِّم بوجوده منفصلاً -ولن يُسلّم- فإنما هو في خصوص الأحكام الالزامية، وأمّا بلحاظ الأحكام الاستحبابية، فلا يوجد ارتكاز بخروج الصبي عنها.

إذن فالأدلة الدالة على الاستحباب النفسي للغسل شاملة له. إذن فالدلالة المطابقية تامَّة في نفسها. ولا يرد عليها إلا الوجه الأصولي.

الوجه الثاني: الاستفادة من شرعية عبادات الصبي

ما ذكره السيد الأستاذ(1) من استفادة شرعية العبادات للصبيان، بلحاظ صغرى فقهية وكبرى أصولية:

فالصغرى الفقهية: هي أنَّه ثبت أمر للولي بأمر الأطفال بالصلاة.

والكبرى الأصولية: هي أن الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك الشيء.

وعليه ثلاث ملاحظات اثنان فقهية وواحدة أصولية:

الملاحظة الأُولى (الفقهية): وجود الأمر المتوجه إلى الصبي مباشرة بمقتضى الروايات، فإنَّ هذه المسألة تطويل للمسافة بلا طائل؛ لأنَّه استعان بضم كبرى أصولية، ليثبت المشروعية، في حين أن هذه الروايات التي يشير إليها وقع الأمر فيها إلى الصبي ابتداء. 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 141، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب، المسألة الرابعة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كرواية محمد بن مسلم عن أحدهما: “في الصبي متى يصلي؟ قال: إِذَا عَقَلَ الصَّلَاةَ، قلت: متى يعقل الصلاة وتجب عليه؟ قال: لِسِتِّ سِنِينَ”(1)

وكرواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله: قال: “إِذَا أَتَى عَلَى الصَّبِيِّ سِتُّ سِنِينَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَإِذَا أَطَاقَ الصَّوْمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ”(2).

وكان السيد الأستاذ ينظر إلى روايةٍ كرواية الحلبي، عن أبي عبد الله عن أبيه، قال: “إِنَّا نَأْمُرُ صِبْيَانَنَا بِالصَّلَاةِ إِذَا كَانُوا بَنِي خَمْسِ سِنِينَ، فَمُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلَاةِ إِذَا كَانُوا بَنِي سَبْعِ سِنِينَ” الحديث(3). فإنَّها تحتاج إلى ضم تلك الكبرى الأصولية.

الملاحظة الثانية (الفقهية): أنَّ الروايات التي يأمر الإمام الولي بأن يأمر 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 408، كتاب الصلاة، الباب 247، الحديث 4، تهذيب الأحكام 2: 381، كتاب الصلاة، الباب 18، الحديث 6، وسائل الشيعة 4: 18-19، كتاب الطهارة، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 2.

(2) الاستبصار 1: 408، كتاب الصلاة، الباب 247، الحديث 3، تهذيب الأحكام 2:381، كتاب الصلاة، الباب 18، الحديث 8، وسائل الشيعة 4: 19، كتاب الصلاة، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 4.

(3) الكافي 6: 432، كتاب الصلاة، الباب 63، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 1:280، باب الحدّ الذي يُؤخذ فيه الصبيان بالصلاة، الحديث 861، الاستبصار 1: 409، كتاب الصلاة، الباب 247، الحديث 6، وسائل الشيعة 4: 19، كتاب الصلاة، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الصبي بأن يصلي، هل نستظهر منها أن الولي يأمر الصبي بصورة الصلاة؟ أو يأمره بالصلاة الصحيحة التي يؤديها هو؟

فإن كان يأمره بصورة الصلاة، لو استظهرناه أو احتملناه، كما يؤيده رواية الصدوق، بسند غير معتبر بمحمد بن سنان عن عبد الله بن فضالة عن أبي عبد الله أو أبي جعفر في حديث قال: “سمعته يقول: يُتْرَكُ الْغُلَامُ حتَّى يَتِمَّ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ، فَإِذَا تمَّ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ قِيلَ لَهُ اغْسِلْ وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ، فَإِذَا غَسَلَهُمَا قِيلَ لَهُ: (صَلِّ)، ثُمَّ يُتْرَكُ حتَّى يَتِمَّ لَهُ تِسْعُ سِنِينَ، فَإِذَا تمَّت لَهُ عُلِّمَ الْوُضُوءَ وَضُرِبَ عَلَيْهِ، وَأُمِرَ بِالصَّلَاةِ وَضُرِبَ عَلَيْهَا …” الحديث(1).

فالصبي يصلي إذن بلا وضوء، فهذه الرواية واضحة الدلالة بأنها أمر بصورة الصلاة، إذن فكيف نستفيد منه مطلوبية غسل الجنابة! فإنَّ غاية الأمر هو أن صورة الصلاة محفوظة من الصبي، ومن المُسلَّم أن ذلك لا يتوقف على غسل الجنابة.

فإن قيل: إنَّنا نستفيده باعتبار الغسل شرطاً للصلاة، وشرط المحبوب محبوب.

قلنا: إنَّه شرط في خصوص الصلاة الصحيحة.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 281، باب الحدّ الذي يُؤخذ فيه الصبيان بالصلاة، الحديث863، الأمالي (الطوسي): 434، المجلس الخامس عشر، الحديث 29، وسائل الشيعة 4:20، كتاب الصلاة، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 7.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وإن قيل: إنَّه من قبيل الإلغاء للخصوصية، وتسرية الحكم إلى سائر العبادات، كالصلاة والصوم والغسل.

فهنا: لا يمكن إلغاء الخصوصية، لوجود فرق بين الغسل والصلاة، وهو مانع عن تسرية حكمها إليه من ناحيتين:

الناحية الأولى: أن أداء الصلاة بوجه صحيح بعد البلوغ يحتاج إلى تمرين طويل حتَّى يتمكن لسانه من الألفاظ وأعضاؤه من الامتثال. بخلاف الغسل فإنَّه سهل على مقتضى الطبع فإنَّ الصبي يغسل في الحمام على كل حال.

الناحية الثانية: أن الغالب في الصبي أن يبلغ قبل أن يبتلي بالغسل، وفي هذه الفترة يمكن أن يتعلم الغسل ولكن الصلاة تجب من أوَّل البلوغ، إذن فلا يمكن أن يُتعدّى من الصلاة إلى غسل الجنابة.

وأما إذا استظهرنا منه جزماً أن الولي يأمر الصبي بالصلاة الصحيحة، فهذا بنفسه يدلُّ على مشروعية الصلاة بلا حاجةٍ إلى ضم الكبرى الأصولية. فإنَّ المطلب يتمّ حتَّى لو لم نضمها، أليس قصد القربة من مقومات الصلاة الصحيحة؟ فيرجع إلى أن الولي يستدعي من الصبي العمل المقترن بقصد القربة، وهنا لا يعقل إلا مع المحبوبية ولو ملاكاً. فهذا بنفسه يتوقف عقلاً على أنَّ الصبي قد أمر بالصلاة لا من باب الاستظهار الأصولي، بل لو لم يكن له أمر لا خطاباً ولا ملاكاً فهو غير قادر على أنَّ يأتي 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بالصلاة الصحيحة، فلا يمكن للولي أن يأمره ولا للإمام أن يأمر الولي بأمره.

وهذا البرهان لا يأتي على الروايات التي تمسكنا بها، لإيجاب الصلاة على الصبي ابتداءً، فإنَّه ظاهر بالصلاة الصحيحة، فلا بُدّ أن يفرض مشروعية الغسل بالنسبة إليه لأنَّها متوقفة على الغسل.

الملاحظة الثالثة (الأصولية)(1): أن النكتة المركوزة: كون الأمر بالأمر أمراً بذلك الشيء، هي أخذ الأمر بنحو الطريقية لا بنحو الموضوعيّة(2).

فإن كان ينحصر أن يكون الأمر طريقاً إلى الامتثال، وإلى متعلق الأمر، فإنَّه يثبت أن غرض المولى متعلق بالامتثال. 

وأما إذا كان الأمر طريقاً إلى مطلبين: 

أحدهما: أن يصلي الصبي الآن. 

ثانيهما: أن يتعلّم لتصحّ صلاته بعد بلوغه.

إذن فطريقية الأمر تلائم محبوبية صلاته بعد البلوغ ولا نستطيع أن نستكشف محبوبيتها قبل البلوغ إلاَّ بنحو مقدّمي غيري. فيرجع المطلب إلى مناقشتنا ونقول: إذا كان هذا القصد كافياً في العبادية فهو وإن كان يحتاج إلى أمر فالأمر بالأمر لا يكفي لأنَّه يناسب مع المحبوبية النفسية والمحبوبية الغيرية.

ــــــــــ[99]ــــــــــ

() هذا جوابه على كلام السيد الأستاذ، (المقرر).

(2) اُنظر: بحوث في علم الأصول 2: 381، بحوث في الأوامر، الأمر بالأمر.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الوجه الثالث: دعوى أن المرفوع هو الإلزام لا أصل الطلب

أن يُدّعى التزام أن ما يكون مرفوعاً عن الصبي إنما هو الإلزام لا أصل الطلب(1). بمعنى أنَّنا لو خلينا وأدلة الأوامر لقلنا إنَّها شاملة له بكلِّ مراتبها، غاية الأمر ورد دليل الرفع وهو مختص بالإلزام، وأما مراتب الطلب غير الإلزامية، فلا بأس أن تكون فعليَّة في حقِّ الصبي قبل البلوغ.

أما كيف نلتزم أنَّ الرفع مخصوص بخصوص مرتبة الإلزام؟ فهذا يمكن تقريبه بأحد تقريبين، وكِلاهما مرجعهما إلى قصور دليل التخصيص عن إثبات رفع غير الإلزام:

التقريب الأول: أن يُقال: إنَّ دليل التخصيص، هو حديث رفع القلم(2)، وهذا الحديث حيث إنَّه مسوق مساق الامتنان على الصبي برفع القلم عنه وحيث إنَّ الامتنان مخصوص بخصوص رفع الإلزام، وأما رفع الاستحباب فليس فيه امتنان، بل خلاف الامتنان، لأنَّه حرمان له عن أن يتقرب إلى الله تعالى بوجوه التقرب، فحديث الرفع وإن كان بإطلاقه اللفظي شاملاً، إلا أنَّه بقرينة الامتنان يتقيد بغير الإلزام من التكاليف.

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) راجع: مستمسّك العروة الوثقى 1: 438، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحاديعشر: عرق الجنب، المسألة الرابعة.

(2) راجع: فقه الشيعة 3: 260، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

التقريب الثاني: أنَّ الدليل على التخصيص منحصر بالإجماع والأخبار الخاصَّة، الواردة في الموارد المتفرقة، وليس هو حديث رفع القلم. فيُدّعى أنَّ هذا الحديث لم يثبت حُجِّيّته، لننتهي إلى التقريب الأول. والقدر المتيقَّن من الإجماع والأخبار الخاصَّة هو رفع الإلزام دون الاستحباب.

وهذه الدعوى تتوقف على إثبات ضعف أسانيد حديث رفع القلم، فلا يكون له أهمِّية وإن كان مطلقاً من حيث الدلالة.

وحديث رفع القلم وارد في ثلاثة مواضع: 

الموضع الأول: في كتاب القصاص من الوسائل، باب حكم غير البالغ وغير العاقل في القصاص، عن عبد الله بن جعفر في (قرب الإسناد)، عن علي بن السندي عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي: “أنَّه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق، والصبي الذي لم يبلغ: عَمْدُهُمَا خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَقَدْ رُفِعَ عَنْهُمَا الْقَلَمُ”(1).

وهذه الرواية ضعيفة لوجود (أبي البختري) الذي كان كذّاباً كما شهد 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

(1) قرب الإسناد: 155، أحاديث متفرّقة، الحديث 569، بحار الأنوار 101: 389، كتاب العقود والإيقاعات، أبواب الجنايات، الباب 3، الحديث 17، وسائل الشيعة 29:90، كتاب القصاص، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

به الشيخ(1) والنجاشي(2).

مضافاً إلى علي بن السندي(3) فإنَّ فيه كلاماً، فإن كان علي بن إسماعيل  السندي فقد وثّقه النصر بن صباح(4)، إلا أنَّ الموثِق لم يوثَّق(5).

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() اُنظر: الفهرست (الشيخ الطوسي): 173، باب الواو، الرقم 757، قال: “عامّيُّ المذهب، ضعيفٌ، له كتاب”، وقال في الاستبصار 1: 48، كتاب الطهارة، الباب 27، الحديث 2: ”فَهَذَا الْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّقِيَّةِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ، وَهوَ عَامِّيٌّ ضَعِيفٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ فِي مَا يَخْتَصُّ بِهِ”.

(2) اُنظر: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 430، ذكر الطبقة الأولى، باب الواو، الرقم 1155، قال: “وهب بن وهب بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى أبو البختري، روى عن أبي عبد الله، وكان كذّاباً”.

(3) هذا الرجل مضطربٌ من حيث الهويّة في كتب الرجال؛ حيث نرى أنّ بعضهم يوحّده مع عليّ بن إسماعيل السندي، وآخر يوحّده مع عليّ بن السري، وثالثاً يفرد هؤلاء إلى ثلاثة، وكلّ واحد منهم له وعليه شهادة رجاليّة، فراجع: نقد الرجال 3: 231-232، باب العين، الرقم 3508، الفوائد الرجاليّة (الخواجوئي): 258، الفائدة 42، الفوائد الرجاليّة (بحر العلوم) 4: 145، الفائدة 24، منتهى المقال في أحوال الرجال 5: 20، باب العين، الرقم 2036، معجم رجال الحديث 13: 50، باب العين، الرقم 8195.

(4) قال الكشّي: “نصر بن صباح، قال: عليُّ بن إسماعيل ثقة”، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي): ٥٩٨، الرقم ١١١٩.

(5) اُنظر: معجم رجال الحديث 20: 149، باب النون، الرقم 13043.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الموضع الثاني(1): ما رواه الصدوق في الخصال بوسائطه إلى إبراهيم بن أبي معاوية عن أبيه عن الأعمش عن ابن ظبيان قال: “أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت، فأمر برجمها، فقال علي: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ يُرْفَعُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حتَّى يَسْتَيْقِظَ”(2).

وهي أيضاً ضعيفة السند لوجود عدة ضعاف فيه، لا أقلّ من إبراهيم بن معاوية(3) ومن بعده.

الموضع الثالث: محمد بن الحسن عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن أحمد بن الحسن بن علي عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله، قال: “سألته عن الغلام متى يجب عليه الصلاة، قال: إِذَا أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَإِنِ احْتَلَمَ قَبْلَ 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

(1) مقدمة العبادات من الوسائل.

(2) الخصال 1: 94، باب الثلاثة، الحديث 40، و1: 175، الحديث 233، دعائم الإسلام 1: 194، كتاب الصلاة، ذكر الوقت الذي يُؤمر فيه الصبيان بالصلاة (باختلاف يسير)، وسائل الشيعة 1: 45، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11.

(3) وهم: الحسن بن أبي محمّد السكوني، إبراهيم بن معاوية – ولم يرد اسمه في كتب الرجال- يونس بن ظبيان، والأعمش. وإبراهيم بن معاوية شخصيّةٌ لم يترجَم لها في كتب أصحابنا في الرجال، وقد ورد هذا الاسم في كتب العامّة، وترجموا له الكثير، وقد ورد بعناوين مختلفة، من (الزيدي) و(المصري) وغيرهما.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ، وَالْجَارِيَةُ مِثْلُ ذَلِكَ: إِنْ أَتَى لَهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ حَاضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَجَرَى عَلَيْهَا الْقَلَمُ”(1). وهذه الرواية تامَّة من حيث السند.

وأما من حيث الدلالة فتقريب الاستدلال بها بالمفهوم: فهي وإن لم يُصرّح فيها برفع القلم، إلا أنَّ مقتضى مفهوم الشرط هو ذلك.

إلا أنَّها لا يمكن العمل بها؛ لأنَّها تدلُّ على أنَّ الصبي والصبية، يبلغان إذا أتى عليهما ثلاث عشرة سنة، وهذا خلاف إجماع الطائفة(2)، إلا عن شواذ كابن الجنيد(3) وبعض المتأخّرين(4)، فمنطوقها ساقط جزماً، فلا يمكن الالتزام بمفهومها.

وحيث لا يبقى دليل على رفع القلم غير الروايات الخاصَّة والإجماع، 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 408، كتاب الصلاة، الباب 247، الحديث 2، تهذيب الأحكام 2:381، كتاب الصلاة، الباب 18، الحديث 5، وسائل الشيعة 1: 45، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 12.

(2) اُنظر: الخلاف 3: 282-283، كتاب الحجر، المسألة الثانية، مسالك الأفهام 4:144، كتاب الحجر، الأوّل: في موجباته، رياض المسائل 9: 240، كتاب الحجر.

(3) حكاه في: مختلف الشيعة 5: 431، كتاب الديون وتوابعها، الفصل الرابع: في الحجر.

(4) راجع: مفتاح الكرامة 16: 28، كتاب الدين وتوابعه، المقصد الثالث: في الحجر، الفصل الأوّل: في سببيّة الصغر للحجر.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فالقدر المتيقن منها رفع الأحكام الإلزامية ويتفرع على ذلك في الفقه فروع كثيرة: منها ثبوت الخمس في مال الصبي، الذي نفاه السيد الأستاذ تمسكاً بحديث رفع القلم(1)، لكونه كلفة مرفوعة، وقلنا: إن القدر المتيقن من الإجماع هو الأحكام التكليفية دون الوضعية، فلا نافي لملكية الفقراء في مال الصبي خمساً.

هذا التقريب ذكره السيد الأستاذ بعنوان الادعاء، بلا بيان التوجيهين، ثُمَّ اعترض عليه باعتراضين:

الاعتراض الأول: أنَّ الأحكام الإلزامية بسائط، وليست مركبة من (أصل الطلب) و(الإلزام)، حتَّى يُقال: إنَّ دليل التخصيص يرفع الحصّة الثانية والحصّة الأُولى تبقى. 

وإذا كانت بسائط فإذا ارتفع الإلزام يرتفع الجامع الذي في ضمنه، فأي دليل يبقى على أصل الطلب(2) ؟!

إلا أنَّه لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّه يخصّص بخصوص الأحكام الإلزامية لو كُنَّا نريد إثبات أصل الطلب بها. مع أنكم لو قبلتم دعوى: أن 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

(1) اُنظر: المستند في شرح العروة الوثقى 25: 308-309، كتاب الخمس، فصلٌ: في ما يجب فيه الخمس، السابع: ما يفضل عن مؤونة السنة، المسألة 84، فقه العترة في زكاة الفطرة: 22-23، فصلٌ: في شرائط وجوبها، الأوّل: التكليف.

(2) اُنظر: فقه الشيعة 3: 260، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

دليل التخصيص قاصر عن الشمول لغير الإلزام من الأحكام، فنتمسّك بأدلة المستحبات كاستحباب غسل الجنابة، أو استحباب الغايات التي تترتب على غسل الجنابة كقراءة القرآن والزيارة. فإنَّها لا يرد عليها هذه الإشكال.

فإن قلتم: إنَّ دليل التخصيص يرفع الوجوب، فهذا الذي قلناه.

وإن قلتم: إنَّه يرفع تمام الأشياء، فالوجوب وإن كان مركباً، فإنَّه يرتفع بحصّته وجامعه.

الاعتراض الثاني: أنَّ حديث “رفع القلم” وما كان من قبيله لا معنى لأن يكون رافعاً للإلزام، بل لا بُدّ ان يكون رافعاً لأصل الطلب، لأنَّ الإلزام ليس مجعولاً شرعياً، وإنما المجعول الشرعي هو أصل الطلب، وهذا مأخوذ من مباني الميرزا النائيني(1) والسيد الأستاذ(2) في بحث صيغة الأمر من أنَّ المجعول هو الاعتبار النفساني أو الطلب، وأما الإلزام فيحكم العقل بقبح(3) المخالفة ما لم يرد الترخيص بها.

ــــــــــ[106]ــــــــــ

(1) اُنظر: أجود التقريرات 1: 95، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الثاني، المقام الثاني، الأوّل: دلالة الصيغة على الوجوب، فوائد الأصول 1: 136، المقصد الأوّل: في الأوامر، الأمر الخامس: في دلالة صيغة الأمر على الوجوب.

(2) اُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 2: 131، بحث الأوامر، صيغة الأمر، الجهة الثانية.

(3) راجع: فقه الشيعة 3: 261، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلّا أنَّ هذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه: 

أولاً: فلأن الإلزام -افرضوا أنه- عنوان منتزع للعقل بلحاظ عدم ورود الترخيص في مخالفته، فليكن حاله حال السببية والشرطية ونحوها من العناوين التي ينتزعها العقل. فهو وإن لم يمكن رفعه ووضعه بلا واسطة، إلا أنَّه يمكن دفعه برفع الطلب أو الترخيص بالطلب. وحينئذٍ فإذا دلَّ الدليل على رفع الإلزام، فيثبت أحد الأمرين: إما رفع الطلب أو الترخيص به، والقدر المتيقن هو الثاني، وأما رفع أصل الطلب فهو منفي تمسكاً بإطلاق أدلَّة المستحبات الأولية.

وثانياً: لو تنزلنا عن ذلك فغايته أن يتمّ لو كان دليل التخصيص منحصراً بحديث رفع القلم. ولكنَّنا قد عرفنا أنَّه ليس هو دليل التخصيص، وإنَّما هو الإجماع.

والقدر المتيقن الذي يكون مرفوعاً هو التكليف الذي لم يقترن بالإذن بالترك، وأما الذي اقترن به فلا. ولم نعرف إجماعاً على ارتفاع المستحبات عن الصبي. بل هي مسألة خلافية، فأيضاً يتمّ المطلب.

إذن فهذا التقريب الثاني صحيح في نفسه بأن يُقال: إنَّ القدر المتيقن من دليل التخصيص هو رفع الإلزام، دون سواه، ومعه نتمسّك بإطلاقات أدلَّة المستحبات الواقعية الشاملة في نفسها للصبي، فيثبت استحباب الغسل واستحباب الغايات المطلوبة بعد الغسل كقراءة القرآن والزيارة.

ــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أصلان موضوعيان فرضا في البحث

هنا يوجد أصلان موضوعيان فرضا في هذا البحث: وهما: 

الأصل الأول: أنَّ غسل الجنابة يحتاج إلى قصد القربة وإلاّ لم يصح.

الأصل الثاني: أنَّ قصد القربة بلا أمر لا يمكن إما خطاباً أو ملاكاً، وعلى ذلك بينت التقريبات الثلاثة(1)، فإذا سلمناها يمكن تتميم المطلب بالتقريب الثاني أو الثالث.

ولكن هذه التقريبات، لا تفيد بالنسبة إلى الصبي الذي لا يتأتى منه قصد القربة، أما لأنَّه لا يفهم، لأنَّه طفل على كل حال، وأما لأنَّه غير مميز، فلا بُدّ أن نحاسب هذين الأصلين الموضوعيين، فهنا مطلبان:

المطلب الأول: أن نسلِّم بالأصل الموضوعي الأول، ولكن هل يحتاج قصد القربة إلى الأمر؟ هذا كلام مشهوري. والصحيح أنَّ قصد القربة لا يحتاج إلى الأمر لا خطاباً ولا ملاكاً، فإنَّه مرّة يدلُّ دليل على أنَّ عبادية الفعل تتوقف على قصد الأمر، لكن مثل هذا الدليل لم يتحقَّق في غسل الجنابة؛ لأنَّه لم يدلَّ دليل على عباديته إلا الإجماع، وهو أن يأتي به على وجه يكون حسناً عقلاً ومقرب من الله عزّ وجلّ. فلو لم يكن الصبي مأموراً بغسل الجنابة، ولكنه يأتي من باب التمرين ومن باب حفظ نفسه لأجل أداء 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() أي: التقريبين الأوّلين اللذين ذكرهما المصنّف، بالإضافة إلى كلام السيّد الخوئي..

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الصلاة بعد البلوغ، وهذا بنفسه حسن ومستحق عليه الثواب، فيكون مقرباً لا محالة.

المطلب الثاني: أن غسل الجنابة هل يشترط فيه قصد القربة؟ نعم، بمقتضى الإجماع القطعي، ولكن هذا الإجماع هل هو قائم على اشتراط قصد القربة من قبل نفس الإنسان المغسول بدنه حتَّى لو تعذر قصده؟ أو يكفي قصد من يتولى الغسل؟ وبعبارة أخرى: هل المعتبر بمقتضى الإجماع هو قصد القربة من قبل نفس المغتسل؟ أو الجامع بينه وبين قصد القربة من قبل الغاسل عند عجز المغتسل؟ فيدور الأمر بين التعيين والتخيير، والقدر المتيقن هو التخيير، ولا يبقى دليل حتَّى خصوص التعيين. وهناك فتوى من قبل بعض الفقهاء المتوسطين في الميت الجنب: أنَّه يغسل غسل الجنابة. وقد قال السيد اليزدي إنَّه لا دليل عليه(1)، والأمر كذلك.

ومعه لا بُدّ أن نقول إن الغسل يقع صحيحاً إذا غسله شخص بقصد القربة. وبهذا تنتهي هذه المسألة.

ولا بُدّ من التنبيه على نقطتين في مناقشة الأصل الموضوعي:

النقطة الأولى: أن أدلَّة غسل الجنابة وإن كان لا يستفاد منها اعتبار قصد القربة، لكن قد يدّعى اعتبار المباشرة للغسل، فلا يمكن أن يغسله شخص آخر. فلا بُدّ أن يقصد من الغاسل المسبب للغسل لا خصوص من ــــــــــ[109]ــــــــــ

(1) اُنظر: العروة الوثقى (المحشّى) 2: 55، فصلٌ: في شرائط الغسل، المسألة الثانية، وفيها: “ولا رجحان في ذلك”.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يصب الماء، بل يُراد به وليّه الذي يلزمه بالغسل والصبي هو الذي يغتسل، وحينئذٍ فلا يتمّ المطلب في من لا يمكن أن يغتسل بالمباشرة.

النقطة الثانية: أنَّنا فرضنا أن الإجماع لا يعين قصد القربة في الجنب، بل الجامع بينه وبين المسبب في حالة عدم وعي الجنب. قد يُقال: إنَّه تام، لكن بأي وجه يقصد القربة مع أن الأمر غير متوفر بالنسبة إليه؟

هنا يقال: يكفي في مقام تحقيق قصد القربة مسألة التمرين لو كان في عمرٍ يعقل فيه التمرين.

وإذا كان في سن لا يمرن عليه، فيكفي أن يكون الولي في مقام التخلص عن نجاسة عرق الصبي وعدم سرايتها إلى ثياب الولي. كالذي يطهر ثوب الصبي من النجاسة الخبثية يمكن أن يقصد به القربة.

ــــــــــ[110]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2










الفصل الثالث

 عرق الإبل الجلالة بل مطلق الحيوان الجلّال

 

  • الاستدلال على النجاسة بروايتين والمناقشة فيه 
  • المسألة الأولى: في نجاسة عرق الإبل الجلالة 
  • المسألة الثانية: [في نجاسة غير الإبل من الحيوانات الجلالة] 

 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2



الفصل الثالث                                                                              عرق الإبل الجلالة بل مطلق الحيوان الجلّال

الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، بل مطلق الحيوان الجلّال على الأحوط (1).

 

الاستدلال على النجاسة بروايتين والمناقشة فيه

 

توجد -باستثناء مرسلة الصدوق(2) التي لا تعويل عليها- روايتان إحداهما في الإبل الجلالة. وأخرى في مطلق الجلالات.

فالرواية الأولى: رواية محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله، قال: “لَا تَأْكُلِ اللُّحُومَ الجَلَّالَةَ، وَإِنْ أَصَابَكَ مِنْ عَرَقِهَا فَاغْسِلْهُ”(3).

ــــــــــ[113]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 149، كتاب الصلاة، باب النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّال.

(2) راجع: المقنع: ٤٢١، الصيد والذبائح.

(3) الكافي 12: 236-237، كتاب الأطعمة، الباب 6، الحديث 1، تهذيب الأحكام 9: 45، كتاب الصيد والذبائح، الباب 1، الحديث 188، وسائل الشيعة 3: 423، كتاب الطهارة، الباب 15 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والرواية الثانية: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله قال: “لَا تَشْرَبْ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ عَرَقِهَا فَاغْسِلْهُ”(1). ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب وكذا الذي قبله(2).

والأمر بالغسل ظاهر بالنجاسة بتقريبات سابقة. 

البحث السندي

أما من حيث السند فالرواية الأُولى بالسند الذي قرأته لا إشكال في صحته، إلا أنَّ هذه الرواية وقع فيها تشويش في رجال السند، لأنَّ الشيخ في التهذيب رواها بسنده إلى أحمد بن محمد كما هنا(3).

ونقلها صاحب الوسائل(4) عن الكافي كما هنا أيضاً.

ــــــــــ[114]ــــــــــ

(1) الكافي 12: 237، كتاب الأطعمة، الباب 6، الحديث 2، الاستبصار 4: 77، كتاب الصيد والذبائح، الباب 49، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 236، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 54، و9:46، كتاب الصيد والذبائح، الباب 1، الحديث 191، وسائل الشيعة 3: 423، كتاب الطهارة، الباب 15 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) هكذا ورد في الوسائل، وقد مرّ تخريج ما في الكافي في الهامش المتقدّم، وعن الشيخ أيضاً.

(3) راجع: تهذيب الأحكام 1: 263-264، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 55، و9: 45، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 188.

(4) وسائل الشيعة 24: 164، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 27 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ولكن نسخ الكافي الموجودة اليوم تختلف عن الوسائل، فإنَّ فيها: عن هشام بن سالم عن أبي حمزة عن أبي عبد الله(1).

فإن بنينا على أنَّ أبا حمزة يتعين في أبي حمزة الثمالي المشهور صاحب الأدعية(2)، وينصرف إليه اللفظ، فلا أثر لهذا التهافت، وإن قلنا إنَّه ليس هو ولو احتمالا،  ويحتمل أن يكون هو أبو حمزة البطائني والد علي بن أبي حمزة البطائني، ولم يثبت توثيقه(3).

على أنَّ في أبي حمزة الثمالي تشكيكاً من حيث مبدأ وجوده ونهايته فمنهم من يجعله معاصراً للإمام الحسن الزكي، ومنهم من يجعله معاصراً للإمام الصادق، ومنهم من يجعله معاصراً للإمام الكاظم.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() الكافي (الإسلاميّة) 6: 251، كتاب الأطعمة، باب لحوم الجلّالات، الحديث1، وقد ورد بالإسناد التالي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله: “لا تأكلوا لحوم الجلّالات…”. بينما ورد في الكافي (دار الحديث) بنحو ما ورد في المتن، بحذف أبي حمزة.

(2) راجع: الفهرست (الشيخ الطوسي): 41-42، باب الثاء، الرقم: 127، خلاصة الأقوال (العلّامة الحلي): 29، الفصل الرابع: في الثاء، الرقم 5، نقد الرجال 1: 311، باب الثاء، الرقم 840، معجم رجال الحديث 4: 292، باب الثاء، الرقم 1960.

(3) اُنظر: كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): ٢١٨، ضمن أصحاب أبي عبد الله، باب السين، الرقم 2884.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإنَّ الشيخ(1) يذكر وفاته في عام 105 هـ(2) ، ومعناه أنَّه توفى خلال إمامة الإمام الباقر.

والنجاشي يذكر أنَّه توفي عام 150 هـ(3)، وهذا معناه أنَّه أدرك الإمام الصادق.

ــــــــــ[116]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 110، ضمن أصحاب أبي محمّد عليِّ بن الحسين، الرقم ١٠٨٣، و: ١٢٩، ضمن أصحاب أبي جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين، الرقم ١٣٠٧، و:١٧٤، ضمن أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمّد، الرقم ٢٠٤٧، و:٣٣٣، ضمن أصحاب أبي الحسن موسى بن جعفر، الرقم ٤٩٥٩. 

(2) المشهور – كما في مرآة العقول ٩: ٦٠-61-: أنّ وفاة أبي حمزة كانت سنة ١٥٠ هـ، وهو ما يأتي قريباً عن الشيخ نفسه. أمّا ما نسبه الشهيد الصدر إلى الشيخ من أن وفاته كانت سنة ١٠٥هـ فقد ورد في بعض نسخ كتاب الرجال كما ذكره السيّد الخوئي في معجم رجال الحديث ٤: ٢٩٧.

(3) اُنظر: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 115، ذكر الطبقة الأولى، باب الثاء، الرقم 296، مَن لا يحضره الفقيه 4: 444، المشيخة؛ كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): ١١٠، الرقم ١٠٨٣، و:١٧٤، الرقم ٢٠٤٧. كما ذكر ابن سعد أنّه “توفّي في خلافة أبي جعفر”، أي: المنصور، الذي كانت خلافته من سنة ١٣٦ هـ إلى سنة ١٥٨هـ، فراجع: الطبقات الكبرى ٦: ٣٤٥، الرقم 2615. وقد رجّح السيّد الأمين أنّه بقي إلى ما بعد سنة ١٥٠هـ، وبذلك فرّ من استشكال القوم في رواية ابن محبوب عنه، فراجع: أعيان الشيعة ٤: ٩-١٠.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والشواهد في ذلك متضاربة، فإذا بني على الإجمال في أبي حمزة، فيكون لهذا البحث أثر عملي وكأن الفقهاء المتأخّرين(1) أخذوا السند من الوسائل فسمّوها بصحيحة هشام بن سالم وأما على هذا فلا تكون كذلك ما لم يعالج هذا التهافت.

وهنا يتصور عدة طرق للعلاج:

العلاج الأول: ان يقال: بأنَّ نسخ الكافي أصبحت متهافتة؛ لأنَّ الكافي الموجود بتمام طبعاته يوجد فيه: (عن أبي حمزة)، ونسخة صاحب الوسائل
-بمقتضى أصالة عدم الغفلة فيه- ليس فيها أبو حمزة. فإذا وقع فيها التهافت يسقط الكافي عن الحجية، وبعده يبقى التهذيب سليماً عن المعارض.

وهذا العلاج غير تام لعدة وجوه يكفينا منها أنَّه لا تعارض أصلاً بين رواية الكافي ورواية الشيخ. بمعنى أنَّنا إذا أمكننا أن نثبت نقل الكافي عن أبي حمزة، فلا يقع تعارض بين نقله ونقل الشيخ، إذ لعلّ هشام بن سالم نقل 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

(1) راجع على سبيل المثال: شرح قواعد الأحكام (كاشف الغطاء): 310، كتاب الطهارة، المقصد الثالث، الفصل الأوّل: في أنواع النجاسات، الدم وأقسامه، القسم السادس، مستند الشيعة 1:225، كتاب الطهارة، المقصد الثاني، الباب الأوّل، الفصل الثامن: في نبذ ممّا اختلفوا في نجاسته، عرق الإبل الجلّالة. على أن صاحب الوسائل لم ينفرد بحذف (أبي حمزة) من السند؛ فقد فعل ذلك أيضاً الشيخ في تهذيب الأحكام ١: ٢٦٣، الحديث ٥٥، و٩: ٤٥، الحديث ١٨٨، ولعلّ الفقهاء المتأخّرين اعتمدوا على التهذيب.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الرواية بلا إسناد وأخرى بالإسناد إلى أبي حمزة.

إلا أنَّ هذا الاحتمال غير صحيح، إذ من البعيد جداً نقل هشام بن سالم للرواية مرتين، ونقل كل واحد ممن بعده في السند مرتين أيضاً. فنحن نطمئن من الخارج بأحد الأمرين: إما أن هشام بن سالم نسب الرواية إلى أبي حمزة، أو أنَّه نسبها إلى نفسه، فيحصل التعارض بين الكافي وكلام الشيخ.

العلاج الثاني: أن نسخ الكافي المتهافتة، يرجح منها الذي ينقل منه صاحب الوسائل، فإن له طريقاً متصلاً إلى الكافي(1).

فبأحد هذين الطريقين، يمكن التغلب على هذا التهافت.

الرواية الثانية: فلا إشكال في سندها حتَّى ابن البختري:

أولاً: لأنَّ ابن أبي عمير يروي عنه(2).

وثانياً: لأنَّ النجاشي(3) وثقه وكلامه وإن كان لا يخلو عن إجمال لأنَّه 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 30: 167، الفائدة الخامسة.

(2) تهذيب الأحكام 1: 263، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 54، و: 9: 46، كتاب الصيد والذبائح، الباب 1، الحديث 191.

(3) فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 134، باب الحاء، الرقم 344: “حفص بن البختريّ، مولى، بغداديّ، أصله كوفيّ، ثقة… له كتاب يرويه عنه جماعة منهم محمّد بن أبي عمير”، خلاصة الأقوال (العلّامة الحلّي): 58، الفصل السادس: في الحاء، الباب الثامن، الرقم 3: “حفص بن البختري، مولى بغداديّ، أصله كوفيّ، ثقة”، معجم رجال الحديث 7: 141-142، باب الحاء، الرقم 3781.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

قال: (قال أبو العباس)، ويحتمل أن يرجع ذلك إلى التوثيق. لكن الموثق ثقة سواء كان هو أبو العباس السيرافي أو ابن عقدة (رحمهما الله عزّ وجلّ).

البحث الدلالي

وأما الدلالة: فالكلام يقع في مسألتين إحداهما: في نجاسة عرق الإبل الجلالة بالخصوص، فإذا لم تثبت النجاسة فلا موضوع للمسألة الثانية. وأما إذا ثبتت؛ بحثنا عن ثبوتها أو عدم ثبوتها لغير الإبل.

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2














المسألة الأولى: في نجاسة عرق الإبل الجلالة

 

بالإمكان الاستدلال عليها بالروايتين، وقد نُوقش في الاستدلال بها بوجوهٍ:

المناقشة الأولى

ما ذكره السيد الأستاذ(1) (من أن الأمر بالغسل) وإن كان يدلُّ على النجاسة ولكن في خصوص هاتين الروايتين قد اقترن بما يحتمل قرينيته على عدم النجاسة، وهو أن الأمر بالغسل تقدَّم عليه تحريم لحم الحيوان الجلال وتحريم لبنه. ولا أقلّ من كون هذا التفريع قرينة بلحاظ أن الامر بالغسل ليس بلحاظ النجاسة لكن بلحاظ مانعية ما لا يؤكل لحمه بجميع توابعه التي منها العرق.

إلا أنَّ هذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه. وذلك لأنَّ الرواية لا تفريع فيها، بل فيها عطف بالواو. وليس فيها استنتاج واستنباط الحكم الثاني من الحكم الأول.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 145، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فلعله أريد بيان حكمين أحدهما حرمة الأكل والثاني النجاسة، فليس هنا إلا ترتيب ذكري وهو ليس مناطاً لظهور عرفي في التفريع. فظهور الأمر بالغسل بالنجاسة يبقى على حاله. من دون أن يوجد ما يحتمل قرينية عليه.

وما يؤيد ذلك: أنَّه ليس في الرواية ذكر للصلاة وإن المكلف لها مقام التهيؤ لها. ومن المعلوم أن العرق لا يبقى إلا فترة قصيرة ويجف. فلو لم يكن المحذور إلا المانعية وأراد أن يصلي بمجرد أن أصابه العرق، كان للبطلان وجهه، ولكن الغالب أنَّه يجفّ في زمن قصير فليصل بعد ذلك، فهذا يؤيد أن المانع هو النجاسة لا المانعية.

ومما يؤيد ذلك: أن كبرى مانعية ما لا يؤكل لحمه وإن كانت ثابتة في الفقه، ولكن من المظنون قوياً أنَّها لم تكن بدرجة من الوضوح في أذهان المتشرعة من أصحاب الأئمة، بحيث تنصرف الجملة الثانية إلى أنَّها تفريع على تلك الكبرى.

وبتعبير آخر: ان التفريع يحتاج أيضاً إلى صغرى وكبرى. فالصغرى هو كون العرق من متعلقات ما لا يؤكل لحمه، وقد أحرزناها بالروايات. وأما الكبرى وهي عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه بسائر متعلقاته، فلو كانت واضحة في أذهانهم كوضوح كبرى عدم جواز الصلاة في النجس لكان للتفريع مجال – مثلاً- ولكنها لم تكن مركوزة، فإنَّ استمرار السؤال عن ذلك في الأزمنة المتأخّرة للأئمة  حتَّى الإمام المهدي القائم، 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

حيث ورد التوقيع عنه -لو صحت الرواية(1)– حول ذلك. وتضارب الأخبار في ذلك والتشويش والتعارض فيها يؤيد أن المسألة لم تكن صافية عن الإشكال وعدم وضوحها في أذهانهم. ولم تكن عليها فتوى من قبل العامة، وليس لها مصدر إلا روايات الأئمة، وهي متضاربة، فمن أين محصل هذا الارتكاز!

إذن فهذا التقريب غير تام.

المناقشة الثانية

أن يُقال -في مناقشة الاستدلال بهذه الرواية-: إنّ الأمر بالغسل وإن كان ظاهراً بالحكم بنجاسة العرق إلا أنَّ هذا الظهور اقترن بما يحتمل قرينيته احتمالاً بل جزماً، فلا بُدّ من رفع اليد عنه.

وهذا المقترن ليس هو ما تقدَّم من التقريب الأول، بل هو الارتكاز الذي هو كالقرينة المتصلة. وتقريب الارتكاز هو أنَّ المركوز في أذهان المتشرعة التسالم ولو مجازاً فتوىً ونصّاً، على أنَّ الحيوانات الجلالة طاهرة البدن، وإنَّما الكلام في عرقها فقط. وقد وردت في طهارتها روايات.

فيُقرَّب الارتكاز بتقريبين:

التقريب الأول: إنَّ التفكيك بين بدن الحيوان وعرقه على خلاف 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 4: 366، كتاب الصلاة، الباب 10 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 15.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الارتكاز العرفي، فلا بُدّ من حمل الأمر بغسل العرق على نحو التنزُّه. 

التقريب الثاني: أنَّنا إذا التزمنا بنجاسة العرق، فالغالب في بدن الحيوان هو النجاسة، فكيف ينتفع بالفتوى بطهارته إلا نادراً!

إلا أنَّ كِلا هذين التقريبين غير تامّ:

أما الأول: فلأنَّنا وإن سلمنا ارتكاز طهارة البدن إلا أنَّنا لا نسلِّم ارتكاز الملازمة بين البدن والعرق؛ لأنَّ حال العرق حاله حال سائر الفضلات التي تخرج منه، فلماذا لم يقل ذلك هناك! فهذه الملازمة غير تامَّة عرفاً.

وأما الثاني: فلأن المقصود إن كان الغالب وجود العرق فالصغرى ممنوعة. وإن كان المراد حدوثه فتبقى النجاسة إلى الأبد، فجوابه أن الحيوان يطهر بزوال النجاسة.

المناقشة الثالثة

إن الأمر بالغسل في نفسه ليس له ظهور بالنجاسة، بل هو أمر قابل للحمل على المانعية، وذلك أن الأمر بالغسل:

تارة: يرد بلسان: (اغسل من عرق الإبل الجلالة).

وأخرى: يرد بلسان: (أغسل عرق الإبل الجلالة).

فعلى الأوَّل يكون ظاهره أن الغسل ليس لنفس العرق، بل للثوب الذي لاقاه، فيصدق عليه حتَّى بعد جفاف العرق ذلك -يعني أن غسله غسل من العرق-، فينعقد له إطلاق لما بعد الجفاف. وحينئذ فيقال: إن هذا 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الإطلاق يعني كون المراد هو النجاسة ولا يحتمل المانعية. فإنَّ المانع يرتفع بالجفاف. 

وأما على اللسان الآخر: (اغسل عرق الإبل الجلالة)، فهذا الأمر يستحيل أن يكون له إطلاق لما بعد الجفاف؛ لأنَّه سالبة بانتفاء الموضوع، فلا يمكن أن نثبت أن الأمر بالغسل بلحاظ النجاسة أو بلحاظ المانعيّة(1).

فالصيغة الواردة في الروايتين باللسان الثاني لا باللسان الأول. بخلاف قوله: (أغسل من أبوال ما لا يؤكل لحمه).

وهذا الكلام كلام فني صحيح، ولكنه يبطل بعض دلالات الأمر على النجاسة، فإنَّ الأمر له ثلاث دلالات على النجاسة، بثلاثة تقريبات:

أولها: إطلاقه لما بعد الجفاف. 

ثانيها: أن مادة الغسل بنفسها مستبطنة لمعنى الوسخ، الذي لا بُدّ أن يزال. 

ثالثها: الانصراف بلحاظ الارتكاز بوجود نجاسات في الشريعة تحتاج إلى تطهير بنحو القضية المهملة، فكلما يرد أمر بالغسل ينصرف ذهن المتشرعة إلى كونه مصداقاً من ذلك المركوز. ويكون هذا الارتكاز منشأ الظهور بلحاظ النجاسة.

ــــــــــ[124]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إذا كان المراد جفاف الثوب فالملاقي يكون متعيناً في المانعية. 

فقال: كَلّا، فإنَّه من اللازم الأعم. إذ من الممكن أن الإمام لم يذكر حكم إزالة النجاسة إلا في أثناء وجود العرق وسكت عما بعده، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وهذا الكلام الذي قلناه، يبطل التقريب الأول، دون التقريبين الأخيرين. إذن فالوجه الثالث للمناقشة في هاتين الروايتين، ساقط.

إذن فالإنصاف أنَّنا لا نعرف مخلصاً من هذا الحكم، وإن كان على خلاف الذوق، مع الالتزام بطهارة بدن الجلال من الإبل، وعدم فهم خصوصيته للإبل في نجاسة عرقهم بناء على التفصيل بينها وبين سائر الحيوانات الجلالة في هذا الحكم. ولو كان هذا الظهور قد أعرض عنه الفقهاء القدماء، لكِنَّا نستكشف وجود ارتكاز في الطهارة متلقى جيلاً بعد جيل، ولكن قدماء الفقهاء افتوا بالنجاسة. نعم، الفقهاء المتوسطون افتوا بالطهارة(1). ولا نعرف وجهاً لموافقتهم فإن لم تكن النجاسة متعينة فلا أقلّ من الاحتياط الوجوبي بالاجتناب. 

هذا تمام الكلام في المسألة الأولى.

ــــــــــ[125]ــــــــــ

(1) شرائع الإسلام 1: 45، قوله: “وفي عرق الجنب من الحرام وعرق الإبل الجلّال والمسوخ خلافٌ، والأظهر الطهارة”، مختلف الشيعة 1: ٤٦١، كتاب الطهارة، باب النجاسات وأحكامها، الأوّل: في أصنافها، طهارة عرق الإبل والجنب من الحرام.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

 

المسألة الثانية: [في نجاسة غير الإبل من الحيوانات الجلالة]

 

في نجاسة غير الإبل من الحيوانات الأخرى كالبقرة وغيرها.

يمكن تقريب النجاسة بأحد تقريبين: 

التقريب الأول: إلغاء الخصوصية في رواية حفص

أن ننظر إلى نفس دليل المسألة السابقة وهو ما دلَّ على نجاسة الإبل الجلالة، وهي رواية حفص بن البختري عن أبي عبد الله قال: “لَا تَشْرَبْ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ الجَلَّالَةِ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ عَرَقِهَا فَاغْسِلْهُ”(1).

فإنَّ موضوعها وإن كان خصوص الإبل الجلالة، ولكن يدّعى بالفهم العرفي والارتكاز العرفي: الغاء خصوصية كونه إبلاً. 

فإنه أخذ في موضوع النجاسة قيدان: (الإبليّة) و(الجلالية)، والعرف 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) الكافي 12: 237، كتاب الأطعمة، الباب 6، الحديث 2، الاستبصار 4: 77، كتاب الصيد والذبائح، الباب 49، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 263، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 54، و9:46 كتاب الصيد والذبائح الباب 1، الحديث 191، وسائل الشيعة 3: 423، كتاب الطهارة، الباب 15 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بحساسيته يفهم أن مناط الحكم هو الثاني دون الأول، ويلغي ظهور القيد الأوَّل في القيدية، ويحمله على المثالية، فيرى أن القيد الثاني هو تمام الموضوع. وبهذه القرينة ينعقد لهذه الرواية ظهور في الإطلاق، ويلزم العمل به ما لم يثبت إجماع تعبدي على طهارة الجلال من غير الإبل.

وإذا تنزلنا عن الوجه الأول، وإن الإبلية لعلها دخيلة في الحكم فننتقل إلى: 

التقريب الثاني: (الإطلاق) في رواية هشام بن سالم

وهو أن رواية هشام بن سالم لها إطلاق لغير الإبل ولم يؤخذ فيها الإبل، رواها عن أبي عبد الله قال: “لَا تَأْكُلِ اللُّحُومَ الجَلَّالَةَ، وَإِنْ أَصَابَكَ مِنْ عَرَقِهَا فَاغْسِلْهُ”(1). وليس المقام من مورد حمل المطلق على المقيد، حتَّى نحمل العموم على خصوص الإبل، إذ لا تعارض بين هذين المثبتين حتَّى يتعين الحمل، لإمكان ثبوت النجاسة على مطلق الجلال وعلى الإبل الجلالة.

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 264، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 55، و9: 45، كتاب الصيد والذبائح، الباب 1، الحديث 188، الوافي 6:200، كتاب الطهارة والتزيّن، باب التطهير من فضلات الحيوانات، الحديث 4103، وسائل الشيعة 3: 423، كتاب الطهارة، الباب 15 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بل حتَّى لو قيل بمفهوم الوصف أيضا لا يحصل التعارض فإنَّ الدليل المقيّد لم يقل: (الجلال من الإبل) حتَّى يؤخذ بمفهومه، بل قال: (الإبل الجلالة). 

مناقشة إطلاق الرواية بوجهين

فما الذي يوجب رفع اليد عن هذا الإطلاق؟ ذكروا(1)  لذلك وجهين؛ داخلي وخارجي:

 أما الوجه الداخلي: فهو إبداء احتمال العهدية في (لام) اللحوم الجلالة، ومع العهدية لا ينعقد له إطلاق، بل يكون خاصاً بالإبل.

وقد أجابوا عن ذلك(2):أنَّه لا موجب للعهد، لأنَّها خلاف الظاهر ومقتضى ظهور اللام هو الجنسية فيتمسك بإطلاق اللام.

وكان الأحسن في إبداء احتمال المانع الداخلي أن يُقال: إنَّ ضمير (عرقها) يرجع إلى ماذا؟ قد يُقال: إنَّه يرجع إلى اللحوم الجلالة، ومعه يتمّ الإطلاق. 

لكن يُدّعى أنَّ إرجاعه خلاف المناسبات العرفيَّة، فإنَّ العرق هو عرق ــــــــــ[128]ــــــــــ

(1) جواهر الكلام ٦: ٧٩، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، القول الأوّل: في النجاسات، العاشر: الكافر، في حكم عرق الإبل الجلّالة، شرح طهارة قواعد الأحكام: ٣١١، كتاب الطهارة، المقصد الثالث، الفصل الأوّل: في أنواع النجاسات، الدم وأقسامه، القسم السادس، التنقيح في شرح العروة الوثقى ٣: ١٥٣، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، فقه الشيعة ٣: ٢٦٥، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة.

(2) المصادر السابقة نفسها.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الحيوان لا عرق اللحوم، فمعنى هذا أن مرجع الضمير غير موجود في الرواية، فيكون مردداً بين أن يكون هو الحيوان أو خصوص الإبل الجلال. فهناك احتمال أن يكون هناك مرجع قبل هذا وحُذِف، ويكون ذلك من احتمال القرينة المتصلة.

إلا أنَّ هذا الكلام غير تامّ لأنَّنا وإن قبلنا – فرضاً- أن مرجع الضمير ليس هو اللحوم، بل هو الحيوان، لكنَّنا لا يمكن أن نستكشف أنَّه حُذِفَتْ كلمة، ومقتضى الإطلاق عدمها. 

غاية الأمر أنَّه لم يذكر المرجع اعتماداً على كلمة (اللحوم)، ومقتضى الإطلاق أن المرجع لو كان هو خصوص الإبل الجلالة فلا بُدّ أن ينصب قرينة عليه تعينه، وحيث لم ينصب فمقتضى الإطلاق الحكمي هو الشمول لغيرها أيضاً. فالمرجع هو مطلق الحيوان، والمانع الداخلي غير موجود.

الوجه الخارجي: وأما المانع الخارجي، فهو الإجماع، بأن يُقال: إنَّ القائلين بطهارة عرق الإبل الجلالة والقائلين بنجاسته قائلون بطهارة عرق غير الإبل من الجلالات. من قدماء الأصحاب وهذا الإجماع يوجب رفع اليد عن هذا الإطلاق، قيل(1):إنَّه يصير قرينة على حمل (اغسله) على الاستحباب في صحيحة هشام، فيصير ذلك قرينة على أنَّ (اغسله) في الإبل يُراد به الاستحباب، فيبطل أصل الحكم في المسألة الأولى، فضلاً عن الثانية.

إلا أنَّ هذا الكلام الثاني غير صحيح بلا إشكال؛ لأنَّ الإجماع إن أخذ 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

(1) المصادر السابقة نفسها.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

قرينة فإنَّه يكون قرينة على أنَّ المراد هو مطلق المطلوبية، وهذا لا ينافي ثبوت الحصّة الإلزامية في بعض الموارد.

بقي عندنا جعل الإجماع مقيداً لصحيحة هشام بن سالم. الإنصاف أنَّه لا يحصل لنا يقين بهذا الإجماع؛ لأنَّ الأقدمين الذين لم يفتوا بالنجاسة في غير الإبل على قسمين:

قسم أفتى بالنجاسة في عرق الإبل(1) وقسم لم يفتِ بذلك(2):

أما الذين أفتوا بطهارة كلٍّ من الإبل وغيرها فيحتمل أن يكون مستنده 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() اُنظر: فقه الرضا: ٨٤، باب الغُسل من الجنابة وغيرها، ونقله الصدوق في المقنع: ٤٣، باب الغسل من الجنابة، مَن لا يحضره الفقيه ١: ٦٧، باب ما ينجّس الثوب والجسد من المياه المخرجة من الإنسان، النهاية: ٥٣، باب تطهير الثياب من النجاسات والبدن والأواني، المهذّب (القاضي) 1: 51، كتاب الطهارة، فصلٌ: في بيان الطهارة الشرعيّة، بابٌ: في ما يتبع الطهارة، غنية النزوع: 45، كتاب الطهارة، الفصل الثاني: الطهارة عن النجس التي هي شرط في صحّة الصلاة، إصباح الشيعة: 53، الفصل الثامن عشر.

(2) راجع: السرائر 1: 180-181 كتاب الطهارة، باب تطهير الثياب من النجاسات، شرائع الإسلام 1: 45، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، العاشر: الكافر، قواعد الأحكام 1: 192، كتاب الطهارة، المقصد الثالث، الفصل الثاني: في أنواع النجاسات، الدروس الشرعيّة 1: 124، درس 19، أحكام النجاسات العشر، التنقيح الرائع 1: 146، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

في القول بالطهارة حمل رواية الإبل على الاستحباب. وقد فرغنا من بطلان هذا المبنى.

وأما الذين أفتوا بنجاسة عرق الإبل دون غيرها، فلعلهم تخيلوا حمل المطلق على المقيد، وحيث إنهم ليسوا مقداراً مهمّاً، بل هم ثلاثة أو أربعة منهم الصدوقان(1)، أفتوا بالتقييد. والغفلة في هذا العدد القليل من علمائنا المحدثين ليس ببعيد، فالاطمئنان الشخصي بالإجماع لا يحصل. إذن فلا موجب في رفع اليد عن إطلاق صحيحة هشام بن سالم. فيفتى بنجاسة مطلق عرق الجلال سواء كانت إبلاً أو غيرها.

ــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) اُنظر: المقنع: 421، باب الصيد والذبائح، اجتناب ألبان الإبل الجلّالة، وقد حكاه عنهما العلّامة النراقي في: مستند الشيعة 1: 225، كتاب الطهارة، المقصد الثاني، الباب الأوّل، الفصل الثامن، في نبذ ممّا اختلفوا في نجاسته، عرق الإبل الجلّالة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الفصل الرابع

خاتمة الكلام في النجاسات

 

  • نجاسة ما لا يؤكل لحمه 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الفصل الرابع                                                                                  خاتمة الكلام في النجاسات

المسألة 1: الأحوط الاجتناب عن الثعلب، والأرنب، والوزغ، والعقرب، والفأر، بل مطلق المسوخات، وإن كان الأقوى طهارة الجميع(1).

 

نجاسة ما لا يؤكل لحمه

 

نتعرض للحديث عن عدّة من الحيوانات، وقع الكلام في طهارتها ونجاستها، منها: الثعلب والأرنب.

الاستدلال على النجاسة ومناقشته

استُدلَّ على نجاستها برواية رواها الكليني(2) عن علي بن ابراهيم عن 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

() العروة الوثقى (المحشّى) 1: 149، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة الأولى.

(2) باب34 من أبواب النجاسات، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

محمد بن عيسى عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله قال: “سألته هل يحل أن يمس الثعلب والأرنب أو شيئاً من السباع حياً أو ميتاً؟ قال: لَا يَضُرُّهُ وَلَكِنْ يَغْسِلُ يَدَهُ”(1). ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى مثله(2).

فإنَّ الأمر بالغسل يدلُّ على نجاسة هذه اليد التي مست الثعلب والأرنب، بتقريبات سابقة، فثبت أن الثعلب والأرنب من نجس العين.

ويمكن ان نناقش في تمامية حجيتها بعدة مناقشات:

الأولى: أن هذه الرواية لم تقتصر في مقام السؤال عن الثعلب والأرنب، بل عن السباع، والسباع بهذا العنوان ورد الدليل على طهارته في صحيحة البقباق، الواردة في أبواب الأسآر، محمد بن يعقوب بسنده عن حماد عن حريز عن الفضل عن العباس. قال: “سألت أبا عبد الله عن فضل الهرة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع، فلم أترك شيئاً إلا سألته عنه، فقال: لا بأس به. حتَّى انتهيت إلى الكلب. فقال: رِجْسٌ نِجْسٌ لَا تَتَوَضَّأْ بِفَضْلِهِ، وَاصْبُبْ ذَلِكَ المَاءَ وَاغْسِلْهُ بِالتُّرَابِ أَوَّلَ 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 180، كتاب الطهارة، الباب 39، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 262، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث50، وفيه: “هل يجوز أن يمسّ” بدل: “هل يحلّ…”، وسائل الشيعة 3: 300، كتاب الطهارة، الباب 6 من أبواب غسل المسّ، الحديث 4.

(2) راجع: المصدر المتقدّم عن التهذيب.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

مَرَّةٍ، ثُمَّ بِالمَاءِ”(1).

فلا بُدّ من رفع اليد عن ظهور تلك الرواية في نجاسة السباع بقرينة صراحة هذه الرواية في الطهارة.

ومن هنا قد يُتوهَّم أن هذه الرواية تدلُّ على اللزوم في تمام هذه الموارد(2).

غاية الأمر خرجنا في السباع بصحيحة البقباق، فقامت قرينة على عدم اللزوم في السباع.

وأما في الثعلب والأرنب فلم توجد قرينة، ومقتضى القاعدة هو اللزوم بناءً على مبنى السيد الأستاذ من كون الأمر يدلُّ على مطلق الطلب ويستفاد اللزوم من حكم العقل(3).

ــــــــــ[137]ــــــــــ

() الاستبصار 1: 19، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 29، الوافي 6: 73، كتاب الطهارة والتزيّن، باب أسآر الحيوانات، الحديث 3793، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

() سألته: عمّا إذا كان الثعلب والأرنب داخلين تحت قوله: فلم أترك شيئاً إلّا سألته عنه.

فقال: كلّا؛ فإنَّه وإن كان يعتقد ذلك، إلا أنَّ العادة تقتضي نسيان بعض الحيوانات لا محالة.

(2) اُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 2: 131، بحث الأوامر، صيغة الأمر، الجهة الثانية.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلا أنَّ هذا غير صحيح:

أولاً: لبطلان المبنى كبروياً، لأنَّنا نبني أن الوجوب والاستحباب مدلول لفظي، فإذا ورد أمرٌ وعرفنا أنَّه ليس للوجوب بلحاظ بعض الموضوع يكون قرينة على عدم الوجوب بلحاظ تمام الأفراد، لأنَّ المدلول اللغوي لا يتبعض.

وثانياً: لو سلّمنا هذا المبنى فهو مختص بباب الأوامر التكليفية، دون الأوامر الإرشادية، والأمر بالغسل ظاهر عرفاً بالإرشاد إلى النجاسة، فلو أردنا أن نحمله على الاستحباب في مورد وعلى النجاسة في مورد آخر، يكون جمعاً بين المعنيين.

إذن فكما نعتبر صحيحة البقباق موجبة لرفع اليد عن هذه النجاسة، فتكون قرينة على عدم اللزوم في سائر السباع فيسقط الظهور في النجاسة في الثعالب والأرانب.

استقصاء صور المسألة

لعل الأحسن أن نبدأ بالكلام من الأعلى فنقول:

الحيوان إما إنسان أو غيره، أما الإنسان فلا إشكال في طهارته، إلا ما وقع فيه الكلام حول الكافر. وقد سبق.

وأما غير الإنسان فإما أن يؤكل لحمه، أو لا.

أما ما يؤكل لحمه فلم يقع إشكال في طهارته لأنَّ أكل لحمه يدلُّ على أنَّه طاهر.

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ويبدأ الإشكال فيما لا يؤكل لحمه، فقد يتصور أنَّه محكوم عليه بالنجاسة، لأنَّه لا يوجد عليه ملازمة واضحة كما في ما يؤكل لحمه.

وقد نسب إلى بعض عبائر الشيخ الطوسي(1) القول بالنجاسة وإن كانت بعد ضمها إلى غيرها يُعلم أنَّه لا يريد منها ذلك.

ويقع الكلام في مقامات أربعة: 

المقام الأول: في طهارة أو نجاسة ما لا يؤكل لحمه. بأن نبحث عن دليل فيما لا يؤكل لحمه بحيث يكون عموماً فوقانياً على النجاسة قابلاً للتخصيص فيما دلَّ الدليل الخاصّ على طهارته.

المقام الثاني: حول عنوان المسوخ، التي يُقال إنَّ الله تعالى حوّل بشراً على أشكالهم.

المقام الثالث: أنَّه هل يُحكم بنجاسة السباع بنحو العامّ الفوقاني، مع غض النظر عن التخصيص، أم لا؟

المقام الرابع: بعد أن لم يتحصل لدينا عمومات تدلُّ على شيء من نجاسة هذه العناوين. يقع الكلام في العناوين الخاصَّة. 

المقام الأول: في نجاسة ما لا يؤكل لحمه

المقام الأول: هل هناك ما يدلُّ بعمومه على نجاسة كل ما لا يؤكل لحمه؟ أو لا؟

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1) راجع: مستمسك العروة الوثقى 1: 278، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الأوّل والثاني: البول والغائط.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ما يمكن أن يستدلَّ به على ذلك هو مفهوم بعض الروايات:

من قبيل رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: “لَا بَأْسَ أَنْ تَتَوَضَّأَ مِمَّا شَرِبَ مِنْهُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ”(1)

ورواية عمار بن موسى عن أبي عبد الله قال: “سئل عمّا تشرب منه الحمامة فقال: كُلُّ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَتَوَضَّأْ مِنْ سُؤْرِهِ وَاشْرَبْ‏…”. الحديث(2).

فيدّعى أن هذه العبارة: “كُلُّ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَتَوَضَّأْ مِنْ سُؤْرِهِ وَاشْرَبْ‏”، تدلُّ بالمفهوم على أنَّه لا تتوضأ ولا تشرب مما لا يؤكل لحمه. والنهي عن الوضوء والشرب من سؤره يدلُّ على النجاسة، إلا ما خرج بالتخصيص.

مناقشة ما يمكن الاستدلال به على النجاسة

    الوجه الأول: أنَّنا إذا سلّمنا أن لهما مفهوماً، فننكر أن يكون لمفهومهما دلالة على النجاسة، لأنَّ غاية ما يثبت بالمفهوم النهي عن الشرب والتوضي من سؤر ما لا يؤكل لحمه. وهذا النهي نستفيد منه النجاسة في بعض الموارد لا مطلقاً؛ لأنَّ هذا النهي لا يدلُّ بالملازمة العقلية على النجاسة، بل يمكن عقلاً الانفكاك بينهما. فإن كانت هناك ملازمة ودلالة فهي عرفية. 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

() الكافي 5: 32، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث 1، وسائل الشيعة 1: 231، كتاب الطهارة، الباب 5 من أبواب الأسآر، الحديث 1.

(2) في أبواب الأسآر باب 5 و6، (المقرر). الكافي 5: 34، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 228، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 43، وسائل الشيعة 1: 230، كتاب الطهارة، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وقد كشفنا مراراً عن نكتة دلالة مثل هذه النواهي على النجاسة، وهي في المقام -يعني في النهي عن التوضؤ والشرب- ارتكازية أنَّه لا منشأ للحزازة إلا النجاسة. وحينئذ يتبادر إلى ذهن المتشرعة النجاسة، فيما ينحصر موجب الحزازة فيه بالنجاسة.

وأما لو كان يوجد هناك احتمال ارتكازي مألوف في ذهن المتشرعة إلى جانب احتمال النجاسة. وذلك كمورد الأسآر. حيث رأينا في بحث الكافر أن السؤر له تشريفات ارتكازية عند المتشرعة، وأن السؤر قد يكتسب كمالاً وقد يكتسب حزازة بلحاظ المؤمن والكافر والكلب وما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه. فهناك احتمال أن يكون عنوان السؤر بنفسه موجباً للمنقصة بنحو ارتكازي عند المتشرعة. إذن لا ينحصر النهي عن الشرب من السؤر في النجاسة، بل لعله بسبب السؤر نفسه.

ومما يؤيد ذلك بل يدلُّ عليه النهي عن شرب سؤر البغال والخيل والدواب، ولا يحتمل نجاستهم في ارتكاز المتشرعة، كرواية جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عن سؤر الدواب والغنم والبقر، أيتوضأ منه ويشرب؟ قال: “لَا بَأْسَ”(1). ولا يحتمل أن يكون منشأ السؤال هو النجاسة ولا كونه مما لا يؤكل لحمه، فلا بد أن يكون هو الحزازة النفسية.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

() أبواب الأسآر، باب 3، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 227-228، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 40، الوافي 6: 75، كتاب الطهارة والتزيّن، باب أسآر الحيوانات، الحديث 3800، وسائل الشيعة 1: 232، كتاب الطهارة، الباب 5 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إذن فتكون حيثية المطلب في هذه الرواية مجملة، فلا يستفاد منها الدلالة على النجاسة.

ومما يؤيد ذلك أيضاً أنَّه في رواية عمار قال: سئل عمّا تشرب منه الحمامة، ولا يحتمل أن يكون المرتكز في ذهن المتشرعة الحكم عليها بالنجاسة الذاتيَّة ولا أقلّ من الاحتمال، فالاستدلال بالرواية ساقط.

الوجه الثاني: أن هذه الجملة لو قلنا بمفهومها. وأن لها ظهوراً بدوياً بالنجاسة، إلا أنَّه يجب رفع اليد عنه، بلحاظ ارتكازية طهارة كثير مما لا يؤكل لحمه في أذهان المتشرعة الموجود يقيناً أو احتمالاً، فيكون ذلك كالقرينة المتصلة لصرف ظهور الدليل من النجاسة إلى غيرها. فإنَّه لم يقع إشكال إلا في أفراد قليلة مما لا يؤكل لحمه، بل يفهم من نفس الروايات ارتكازية عدم النجاسة، كالسباع لما سوف يأتي من أنَّ الإمام يعلل طهارة الهرة بأنها سبع(1)، عن معاوية بن شريح قَالَ: “سَأَلَ عُذَافِرٌ أَبَا عَبْدِ اللهِ -وَأَنَا عِنْدَهُ- عَنْ سُؤْرِ السِّنَّوْرِ وَالشَّاةِ والْبَقَرَةِ والْبَعِيرِ والْحِمَارِ والْفَرَسِ والْبَغْلِ والسِّبَاعِ، يُشْرَبُ مِنْهُ أَوْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: نَعَم، اشْرَبْ مِنْهُ وتَوَضَّأْ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الْكَلْبُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَلَيْسَ هُوَ سَبُعٌ؟ قَالَ: لا وَاللهِ، إِنَّهُ نَجَسٌ، لا وَاللهِ، إِنَّهُ نَجَسٌ”.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

(1) الكافي ٥: ٣٤، كتاب الطهارة، الباب ٦، الحديث ٤، تهذيب الأحكام 1: 227، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 36 و38، وسائل الشيعة 1:٢٢٧-228، كتاب الطهارة، الباب ٢ من أبواب الأسآر، الحديثان ٢ و4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إذن فكيف ينعقد ظهور الدليل بالنجاسة!

الوجه الثالث: لو لم يثبت ارتكاز متصل عند المتشرعة، لكان يلزم الالتزام بالتخصيص المنفصل بالأكثر، لأنَّه ثبت أن أكثر ما لا يؤكل لحمه طاهر. فيدور الأمر بين التحفظ على ظهور الرواية مع الالتزام بتخصيص الأكثر أو رفع اليد عنها، ولا إشكال أن الثاني هو المتعين عرفاً.

الوجه الرابع: أن الوجوه السابقة كانت مبتنية على أنَّ للجملة مفهوماً، فهل لها مفهوم؟

قد يُقال: إنَّ المفهوم غير ثابت لأنَّه لا ينطبق عليه عنوان من العناوين المعتبرة للمفاهيم.

ومن هنا يجوز الشرب والوضوء مما يؤكل لحمه ومما لا يؤكل لحمه.

لكن الانصاف أنَّنا قلنا في بحث المفاهيم(1): إن لها مفهوماً بنحو السالبة الجزئية، يعني لا يجوز الوضوء في سؤر بعض ما لا يؤكل لحمه، وإلا كان اخذ العنوان لغواً.

المقام الثاني: في نجاسة المسوخ

هل يحكم عليها بالنجاسة، أو لا؟ ذكر صاحب الجواهر: أنَّه لا يعرف مدركاً -ولو صورة- للحكم بالنجاسة على المسوخ بعنوانها(2)

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول 3: 137-198، بحث المفاهيم.

(2) اُنظر: جواهر الكلام 6: 81، كتاب الطهارة، القول الأوّل: في النجاسات، حكم المسوخ.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ولكن في روايات المسوخ ما يمكن أن يستدلَّ به -ولو عنواناً- على النجاسة(1). وهو في الباب الثاني من أبواب الأطعمة المحرمة، الشيخ بإسناده عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد بن أبي سهل القرشي، قال: “سألت أبا عبد الله عن لحم الكلب، فقال: هُوَ مَسْخٌ، قلت: هو حرام، قال: هُوَ نَجَسٌ. أعيدها ثلاث مرات، كل ذلك يقول: هُوَ نَجَسٌ”(2).

وتقريب الاستدلال على نجاسة كل مسخ هو استظهار أن عنوان المسخ ذكر لبيان علَّة النجاسة، وذلك: 

إن السؤال عن الكلب فيه ثلاثة احتمالات:

أحدهما: أن يكون سؤالاً عن واقعه بلحاظ صفاته وخصائصه وحياته.

ثانيهما: أن يسأله عن الكلب بلحاظ حرمة الأكل.

ثالثهما: أن يسأله عنه بلحاظ الطهارة والنجاسة. 

 ننفي الاحتمالين الأوليين فيتعين الثالث.

أما الأول: فخلاف مقام السؤال من الإمام بما هو إمام. فإنَّ ظاهره هو 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() وهو في الباب الثاني من أبواب الأطعمة المحرمة، (المقرر).

(2) الكافي 12: 218-219، كتاب الأطعمة، الباب 2، الحديث 6، تهذيب الأحكام 9: 39، كتاب الصيد والذبائح، الباب 1، الحديث 164، وسائل الشيعة 3: 417، كتاب الطهارة، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحديث 10.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كون السؤال عن حكم شرعي.

وأما الثاني: فلان السؤال ينصرف عن حرمة الأكل حتَّى على تقدير جوازه، فإنَّه لا يقع في معرض الأكل، وإن كان هناك من يفتي بجوازه، وليس كالخنزير الذي يكون في معرض الأكل. فخروجه عن محلّ الابتلاء أكلاً يصير نكتة للانصراف عن السؤال عن حرمة الأكل. 

فيثبت أن تكون حيثية السؤال هو الثالث.

والجواب يجب أن يكون مطابقاً مع السؤال عرفاً، فقال: (هو مسخ)، فكأن الإمام أراد أن يبين الطهارة والنجاسة بلسان (هو مسخ)، وهذا لا وجه له، إلا أنَّ للمسخ دخلاً في النجاسة، ولذا بيّن الصغرى، وأما الكبرى وهو (أن كل مسخ نجس) فكأنها مفروغ عنها.

إلا أنَّ هذا التقريب غير تامٍ لأمرين:

الأمر الأول: سقوط الاستدلال بها من ناحية السند باعتبار سهل بن زياد(1) فإنه لم يثبت توثيقه، وكذلك أبو سهل القرشي(2).

الأمر الثاني: لو كان السؤال عن الكلب كحيوان لكان هذا التقريب وجيهاً، ولكنه قال: سألته عن لحم الكلب، فإن لم ندع الانصراف إلى 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

() راجع للشهيد الصدر حول ابن زياد: بحوث في شرح العروة الوثقى 1: 83، كتاب الطهارة، فصلٌ: في المياه، المسألة ٢. وقد تقدَّم تخريج سهل بن زياد على وفق الكتب الرجاليّة، فراجع.

(2) اُنظر: معجم رجال الحديث 22: 197، باب الكنى، الرقم 14380.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

السؤال عن حرمة الأكل، فلا أقلّ من الإجمال، بحيث يساوي هذا مع ذلك الظهور النوعي الناشئ من عدم أكله.

فإنَّ الغالب أن الإنسان يبتلى بالنجاسة ما دام الحيوان حياً، لا بعد أن يصبح لحماً وعظماً، فإذا صار الدليل مجملاً، فقول الإمام: “هو مسخ“، لعله تعليل لكونه حراماً لا لكونه نجساً. وقوله: “قلت هو حرام” مما يؤيد كون السؤال أوَّلاً عن الحرمة، وقوله: (هو نجس) جواب بالأخص.

إذن فلا دليل بنحو العموم يدلُّ على نجاسة كل ما لا يؤكل لحمه، ولا على كل مسوخ.

المقام الثالث: في نجاسة السباع

أن نفحص عن عموم يدلُّ على نجاسة كل السباع بحيث يكون مرجعاً فوقانياً، قابلاً للتخصيص؛ ما يمكن أن يجعل دليلاً على المطلوب، وهي رواية يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله قال: “سألته: هل يحل أن يمس الثعلب والأرنب أو شيئاً من السباع حياً أو ميتاً؟ قال: لَا يَضُرُّهُ، وَلَكِنْ يَغْسِلُ يَدَهُ”(1).

فقد أُخذ فيها عنوان السباع، والأمر بالغسل يدلُّ على النجاسة 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 180، كتاب الطهارة، الباب 39، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 262، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث50، وفيه: “هل يجوز أن يمسّ” بدل: “هل يحلّ…”، وسائل الشيعة 3: 300، كتاب الطهارة، الباب 6 من أبواب غسل المسّ، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بتقريبات سابقة، فيدل على نجاسة السباع.

وجوه مناقشة ما يمكن أن يستدلَّ به على النجاسة

إلا أنَّ الاستدلال بهذه الرواية غير تامّ لعدّة وجوه:

الوجه الأول: سقوط السند في هذه الرواية، فإنَّنا لا نعلم أن يونس روى عن بعض أصحابه الثقات الذين روى عنهم في مسانيده أو من غير الثقات الذين روى عنهم في مسانيده. فتسقط عن الحجية.

الوجه الثاني: أن يُقال: إنَّ هذه الرواية تكفلت الأمر بالغسل، إلا أنَّه محمول على الاستحباب بلحاظ قرينة متصلة، هي قوله: “لا تضره“، فيعرف أنَّه لا نجاسة؛ لأنَّها أحد أنحاء الضرر المتصورة، وهو يُعين حمل الأمر بالغسل على الاستحباب.

إلا أنَّ هذا التقريب قابل للدفع(1)، بأن يقال: (يغسل يده) يكون مقيداً لإطلاق (لا يضرّه) دون العكس.

وتوضيحه: أن كلمة لا يضره لو كانت وحدها لنفت مطلق الضرر وهو كل ما يكون سبباً لتحميل اللزوم على المكلف، كغسل المس أو 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

() هذا إذا أخذنا بالفهم العرفي وعمّمنا الضرر إلى سائر الأضرار. أمّا لو جمدنا على حاقّ التعبير لَكان قوله “لَا يَضُرُّهُ” ناظراً إلى نفي الحرمة المتوهّمة في سؤال السائل؛ للزوم اتّحاد منظور الإمام في الجواب مع منظور السائل في السؤال. ومعه، يكون الإمام قد بيّن في جوابه أمرين منفصلين: (الحلّيّة) و(النجاسة)، ولا يصلح أحدهما لكي يكون قرينة على الآخر، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

العقاب. إذن فهي تنفي النجاسة بإطلاقها لا بصراحتها.

وقوله: (يغسل يده) ظاهر بالنجاسة، فيدور الأمر بين أن نقيد الأوَّل بظهور (يغسل يده) وأنَّه (لا يضره)، إلا من ناحية النجاسة.

أو أن نجعل إطلاق الجملة الأُولى قرينة على حمل النجاسة على التنزّه.

وكلما دار الأمر بين تقييد الإطلاق بصيغة (افعل)، أو جعله قرينة على حملها على الاستحباب تعين الأول. فهذا الوجه لا يتمّ.

الوجه الثالث: أن يُقال: إنَّ السؤال وقع عن المس واللمس بالنسبة إلى السباع وأمثالها مما ذكر في الرواية، لا يفرض فيه الرطوبة عادة، وليس الغالب في أجسامها الرطوبة، وقد عبر بالمس لا بالإصابة المستنبطة لوقوع الأثر عليه، وحيث إنَّ المركوز في أذهان العرف والمتشرعة، أن النجاسة لا تسري بغير رطوبة، و”كل يابس ذَكِيٌّ” أمر عرفي لا شرعي فقط. فنستكشف من ذلك أن السؤال لم يكن بلحاظ النجاسة، بل بلحاظ محذور آخر، فلا يمكن أن نستفيد النجاسة.

إلا أنَّ هذا التقريب أيضاً غير تامّ، فإنَّنا لو سلمنا ذلك في السؤال فلا ينبغي الإشكال في أن ظهور الجواب بالنجاسة بحيث يوجب صرف النظر إليها. غايته نلتزم بالتقييد بصورة وجود الرطوبة، بنفس الارتكاز العرفي.

وقد يقرب ذلك بتقريب أحسن: وهو أن الغالب في السباع عدم الرطوبة، فالأمر بغسل اليد إن التزمنا أنَّه من باب النجاسة، فلا بُدّ من تقييده بالفرد النادر وهو صورة وجود الرطوبة بخلاف ما إذا كان الأمر بغسله تعبدياً.

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلا أنَّ هذا التقريب غير تامّ؛ لأنَّه لا إشكال في أن الأمر بالغسل ظاهر بالإرشاد إلى النجاسة، والتقييد ليس منفصلاً، بل هو بقرينة الارتكاز وهو كالقرينة المتصلة والتقييد بالمتصل النادر لا مانع منه.

الوجه الأخير: إيقاع المعارضة بين الأمر بالغسل وطائفة من الروايات

وهو الوجه الرابع: إيقاع المعارضة بينه وبين طوائف أُخر من الروايات. بحيث يؤدي إلى تقديمها عليها أو التساقط معها على أقلّ تقدير. وهي تنقسم إلى طوائف ثلاث:

الطائفة الأولى: ما دلَّ على طهارة السباع بالصراحة والمطابقة. 

منها: ما عن معاوية بن شريح قال: “سأل عذافر أبا عبد الله وأنا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه. فقال: نَعَمْ، اشْرَبْ مِنْهُ وَتَوَضَّأ..”، الحديث(1).

وهي تامَّة سنداً إلَّا في معاوية بن شريح نفسه لكن حيث إنَّه يروي عنه صفوان ومحمد بن عمير في روايات أخرى وكل من يروي عنه هذين فهو ثقة إذن فهو ثقة.

وهي دالة بالمطابقة على طهارة السباع.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 19، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث 3، تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 30، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الأسآر، الحديث 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومنها: رواية البقباق السابقة، قال: “سألت أبا عبد الله عن فضل الهرة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئاً إلا سألت عنه. فقال: لَا بَأْسَ بِهِ”، حتَّى انتهيت إلى الكلب، فقال: “رِجْسٌ نِجْسٌ ..”، الحديث(1)

وهي واضحة الدلالة على طهارة السباع. فيتعين حمل الأمر بالغسل في رواية يونس على النجاسة التنزيهية.

غير أنَّها عُبِّر عنها: بالصحيحة(2) في كلام السيد الأستاذ وهو يحتاج إلى بحث، لأنَّ هذا التعبير بلحاظ السند الذي جاء في الوسائل “محمّد بن الحسن، بإسناده عن الحسين بن سعيد”(3). فإنَّ طريق الشيخ إليه معتبر.

ــــــــــ[150]ــــــــــ

() الاستبصار 1: 19، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 29، الوافي 6: 73، كتاب الطهارة والتزيّن، باب أسآر الحيوانات، الحديث 3793، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

(2) عبّر السيّد الخوئي عن هذه الرواية بالصحيحة في مواضع متعدّدة من أبحاثه: منها: في انفعال الماء القليل بالمتنجّسات، (التنقيح في شرح العروة الوثقى ١: ١٧٧، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الماء الراكد، انفعال القليل بالمتنجّسات). ومنها: في سؤر طاهر العين، (المصدر نفسه ١: ٤٣٩ كتاب الطهارة، فصل في الأسآر). ومنها: في وجوب غسل الأواني ثلاث مرّات لو تنجّست بغير الولوغ، (المصدر نفسه ٣: ٤٩، كتاب الطهارة، فصل في المطهّرات، المسألة الخامسة).

(3) وسائل الشيعة 3: 413، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلا أنَّ الشيخ في التهذيب لم يبدأ الرواية بالحسين بن سعيد، بل ذكر سنده إليه فقال: “أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد”(1).

وهذا سند غير معتبر باعتبار أن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد لم يثبت توثيقه. فالرواية من هذه الناحية لا يمكن الاعتماد عليها.

ولا يمكن أن يقال: إنَّه إذا كان للشيخ طريق آخر إلى الحسين بن سعيد فإنَّه يشملها، كسنده إليه في الفهرست(2). لأنَّه لا يعلم أن سنده الآخر شامل له أو لا.

إلا أنَّ الصحيح هو تصحيح هذه الرواية باعتبار نكتة: هي أن الشيخ في آخر التهذيب يذكر له طريقين إلى الحسين بن سعيد:

أحدهما: هو ما ذكره بإزاء هذه الرواية.

والآخر: طريق صحيح، وهو ابن أبي جيد عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد(3).

ــــــــــ[151]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 29، قال: “وبهذا الإسناد عن حمّاد”. ويقصد به الإسناد المتقدّم في الرواية السابقة على هذه الرواية، وهو: “ما أخبرني به الشيخ أيّده الله تعالى، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه محمّد بن الحسن، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد عن حريز”.

(2) اُنظر: الفهرست (الشيخ الطوسي): 58، باب الحاء، باب الحسين، الرقم 220.

(3) تهذيب الأحكام 10: 63-65، المشيخة: تحت عنوان (ما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسين بن سعيد).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وظاهر عبارته أن تمام الروايات المنقولة بهذا الطريق ينقلها، بالطريق الآخر أيضاً فلو ثبت -كما في المقام- أنَّه رواه من أحد الطريقين، يثبت أنَّه ينقله بالطريق الآخر.

الطائفة الثانية: تعليل الحكم بالطهارة لكونها من السباع

ما دلَّ على تعليل الحكم بالطهارة بكبرى كونها من السباع، فيفهم منه طهارة السباع.

منها: عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الكلب يشرب من الإناء، فقال: اغْسِلِ الْإِنَاءَ، وعن السنور، قال: لَا بَأْسَ أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْ فَضْلِهَا؛ إِنَّمَا هِيَ مِنَ السِّبَاعِ”(1)

ومنها: رواية أبي الصباح عن أبي عبد الله قال: “كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: لَا تَدَعْ فَضْلَ السِّنَّوْرِ أَنْ تَتَوَضَّأَ مِنْهُ، إِنَّمَا هِيَ سَبُعٌ”(2).

التي تعلل الحكم بالطهارة على الحيوان بأنَّه سبع، والروايتان ــــــــــ[152]ــــــــــ.

(1) الاستبصار 1: 19، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 27، الوافي 6: 72، كتاب الطهارة والتزيّن، باب أسآر الحيوانات، الحديث 3791، وسائل الشيعة 1: 227، 228، كتاب الطهارة، الباب 2 من أبواب الأسآر، الحديث 3.

(2) تهذيب الأحكام 1: 227، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 36، الوافي 6: 75، كتاب الطهارة والتزيّن، باب أسآر الحيوانات، الحديث 3798، وسائل الشيعة 1:228، كتاب الطهارة، الباب 2 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المندرجتان في هذه الطائفة، يمكن إبطال رواية يونس بتقريبين:

التقريب الأول: إعمال باب التعارض باعتبار أن هاتين الروايتين دالتان على الطهارة ورواية يونس دالة على النجاسة، وبعد التعارض لا بُدّ من حمل الأمر بالغسل على النجاسة التنزيهية. وهذا هو التقريب الذي كان في الطائفة الأولى.

التقريب الثاني: وهو مركب من أمرين:

الأمر الأول: أن نستظهر من هاتين الروايتين ولا أقلّ من الاستشعار: إن كبرى طهارة السبع كانت أمراً مفروغاً عنه ومركوزاً لدى المتشرعة، ولذا يرفع الإمام به الاستيحاش من الحكم بطهارة الهرة.

الأمر الثاني: أنَّنا إن استظهرنا هذا الارتكاز من هاتين الروايتين، بمعنى أنهما تدلان على وجوده، فهي تدلُّ وجود قرينة متصلة برواية يونس توجب رفع اليد عن ظهورها بالنجاسة، فتكون متقدِّمة عليها بنحو آخر (91) من غير ما سبق أن ذكرناه.

وأما إذا لم نجزم بذلك، فلا أقلّ من أنَّ هذه الروايات تكون موجبة لاحتمال عقلائي معتد به بوجود هذا الارتكاز، فيحصل الإجمال في رواية يونس؛ لأنَّنا في علم الأصول ذكرنا بأنَّ احتمال القرينة المتصلة احتمالاً معتداً به يوجب الإجمال.

سواء القرينة اللفظية أو اللُّبِّيّة، ولم نفرق بين احتمال وجود القرينة واحتمال قرينية الموجود، وكِلاهما يوجب الإجمال، إذا كان احتماله عقلائياً معتداً به لا عقلياً دقيّاً.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فهذا هو الذي جعلنا نفرز هذه الطائفة من الطائفة الأولى. ولا إشكال في التقريب الأوَّل سواء تمَّ التقريب الثاني أو لا.

الطائفة الثالثة: الاستدلال بالإطلاق المقامي

وهي ما يدلُّ على الطهارة بالإطلاق المقامي، فيستأنس بها للمطلب. وقد وردت في جواز لبس ما لا يؤكل لحمه في غير الصلاة وحرمته في الصلاة، فإنَّ مقتضى إطلاقها المقامي هو الطهارة لأنَّ جواز لبسه في غير الصلاة مع النجاسة الذاتيَّة ملازم غالباً للابتلاء بالنجاسة، فكان المناسب ذكرها على تقدير وجودها. فتكون هذه مؤيده للطهارة ولو في الجملة.

قال السيد: إلّا أنَّ هذا الإطلاق المقامي لا يقاوم -لو بقي وحده- على معارضة رواية يونس التي نتكلم عنها.

وعلى أيّ حال فلا إشكال في أن مجموع هذه الروايات كافٍ للقرينية المنفصلة على حمل الأمر في رواية يونس على النجاسة.

هذا تمام الكلام في المقام الثالث(1).

المقام الرابع: في نجاسة عناوين خاصة من الحيوانات

الكلام عن نجاسة حيوانات بعناوينها التفصيلية: كالثعلب والأرنب والفارة بعد أن ثبت عدم وجود عمومات دالة على نجاسة كل ما لا يؤكل 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

() العطلة الصيفيّة، (المقرر). [وقد استأنف الشهيد الصدر البحثَ يوم الأحد مسترجعاً ما تقدَّم سابقاً، ثُمَّ أكمل البحث ابتداءً من يوم الاثنين].

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لحمه لا كل مسخ ولا كل سبع. ويقع الكلام في هذا المقام ضمن جهات:

الجهة الأولى: في نجاسة الثعلب والأرنب

ويستدلُّ على نجاستهما بنفس الرواية التي استدللنا بها على نجاسة السباع، وهي رواية يونس حيث قال فيها: “سألته هل يحل أن يمس الثعلب أو الأرنب أو شيئاً من السباع حياً أو ميتاً؟ قال: لَا يَضُرُّهُ، وَلَكِنْ يَغْسِلُ يَدَهُ”(1). فيستدلُّ بالأمر بالغسل على ثبوت النجاسة الذاتية.

1- مناقشة ما يمكن الاستدلال به على نجاستهما

ونحن نذكر المناقشات الزائدة عما سبق. وهو إيقاع المعارضة بينها وبين ما دلَّ على الطهارة، وهنا لا بُدّ أن نغض النظر عن الروايات الدالة على جواز أكل لحم الأرنب لأنَّها دالة بالالتزام على الطهارة، باعتبار أنَّنا نفترض الفراغ من سقوط تلك الروايات في المرتبة السابقة باعتبار تعارضها مع ما يدلُّ على عدم الجواز وسقوط دلالتها المطابقية فتسقط الدلالة الالتزامية لها أيضاً، كما هو واضح.

وأيضاً ينبغي أن نغض النظر عن طائفة أخرى من الروايات دالة على 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 180، كتاب الطهارة، الباب 39، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 262، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث50، وفيه: “هل يجوز أن يمسّ” بدل: “هل يحلّ…”، وسائل الشيعة 3: 300، كتاب الطهارة، الباب 6 من أبواب غسل المسّ، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

جواز الصلاة في جلد الثعالب(1) فإنَّها أيضاً تدلُّ بالالتزام على طهارة الثعلب لارتكاز عدم جواز الصلاة في النجس لدى المتشرعة. وذلك: بأن نفترض الفراغ عن إيقاع المعارضة بينها وبين ما دلَّ على عدم جواز الصلاة في جلود الثعالب والأرانب وكل ما لا يؤكل لحمه، ومعه لا يمكن الاستناد إلى الدلالة الالتزامية.

الروايات المعارضة لرواية يونس

وبعد غض النظر عن ذلك تبقى عندنا عدة طوائف أخرى تقع طرفاً للمعارضة مع رواية يونس.

الطائفة الأولى: ما دلَّ على جواز لبس جلود الثعالب في غير الصلاة(2)

فإنه يمكن أن يستدلَّ بإطلاقها المقامي على الطهارة، إن لم يدع ظهورها الابتدائي.

ــــــــــ[156]ــــــــــ

(1) اُنظر: مسائل عليّ بن جعفر: 152، قسم المسائل، الحديث 205، قرب الإسناد:282، باب ما يحلّ لبسه من الثياب، الكافي 6: 392، كتاب الطهارة، الباب 60، الحديث1، دعائم الإسلام 1: 126، كتاب الطهارة، ذكر طهارات الجلود، مَن لا يحضره الفقيه 1:262، أبواب الصلاة وحدودها، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه، الاستبصار 1:382، كتاب الصلاة، الباب 223، الحديث 8، وسائل الشيعة 4: 345، كتاب الصلاة، الباب 2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1.

(2) راجع: وسائل الشيعة 4: 352، كتاب الصلاة، الباب 5 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1، و4: 356، الباب 7 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أما الإطلاق المقامي فبأن يُقال: إنَّ اللبس في غير الصلاة -على فرض النجاسة العينية- حيث إنَّه ملازم مع النجاسة غالباً لعرق أو غيره، فيكون الحكم بالجواز بدون التنبيه على محذور النجاسة الذاتيَّة والسكوت عنه، موجباً لانعقاد إطلاق مقامي دال على عدم النجاسة.

وأما تقريب الظهور: إن بيان جواز لبسه في غير الصلاة متعرض إلى الطهارة؛ لأنَّ المحذور المحتمل من لبسه في غير الصلاة ليس هو الحرمة الذاتية، فينحصر بالنجاسة.

إلا أنَّ هذا التقريب للظهور قابل للمناقشة باعتبار أن احتمال الحرمة الذاتيَّة موجود، ولو باعتبار الشكّ في قابلية الثعالب للتذكية واحتمال حرمة سائر التصرفات في الميتة مطلقاً، كما هو المشهور لدى الإماميّة(1)، فالصحيح تمامية الإطلاق المقامي لا الظهور العرفي.

وهذا الإطلاق لا يفيد في المعارضة مع مرسلة يونس، إذ لو تمَّت لكانت مقدَّمة عليه.

الطائفة الثانية: الروايات التي ظاهرها قابلية جلود الثعالب للتذكية

فإنها تدلُّ على الطهارة لا محالة، فإنَّ التذكية لا معنى لها مع نجس العين، فإنَّها لا تكون إلا بلحاظ الحلية والطهارة أو الطهارة فقط، ومع 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

(1) راجع: المكاسب المحرّمة (الأنصاري) 1: 31، النوع الأوّل: الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثني، المسألة 5، مصباح الفقاهة 1: 62، النوع الأوّل: الاكتساب بالأعيان النجسة، المسألة 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

انتفاؤهما لا يبقى لها أثر. ومعه تقع هذه الطائفة طرفاً للمعارضة مع رواية يونس، فيحمل الأمر بالغسل فيها على الاستحباب.

ونقسم هذه الطائفة إلى قسمين: 

القسم الأوّل: ما يدلُّ على ذلك بالإمضاء السكوتي لسؤال السائل حيث يسأل عن جلود الثعالب المذكاة هل يجوز الصلاة فيها؟ فيقول: “لَا تُصَلِّ فِيهَا”(1)، فكأن المركوز في ذهن السائل إن الثعلب يقبل التذكية، كما هو المعروف في الفقه المتعارف يومئذ والإمام لم يردع عن هذا الارتكاز، وهذا القسم لا بأس بدلالته على ذلك لكن غاية الأمر أن هذا إطلاق سكوتي فيكون قابلاً للتقييد بظهور الأمر بغسل اليد.

القسم الثاني: ما ورد فيه ذلك في كلام الإمام، ومصداقه ما ورد بعنوان: (يجوز الصلاة في جلد الثعالب المذكّاة)(2). ولا شكّ أن جواز ــــــــــ[158]ــــــــــ

() الاستبصار 1: 381، كتاب الطهارة، الباب 223، الحديث 3، تهذيب الأحكام 2: 206، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 15، وسائل الشيعة 4: 357، كتاب الصلاة، الباب 7 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 6.

(2) راجع: الاستبصار 1: 206، كتاب الطهارة، الباب 223، الحديثان 5 و6، تهذيب الأحكام 2: 206، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 17، وسائل الشيعة 4: 357-358، كتاب الصلاة، الباب 7 من أبواب لباس المصلّي، الحديثان 9 و10. ومن هذه الأخبار: وَبِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ جَمِيلٍ‌، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ، قَالَ: “سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَتْ ذَكِيَّةً فَلَا بَأْسَ”. وأيضاً: وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ جَمِيلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ، قَالَ: “سَأَلْتُهُ عَنْ جُلودِ الثَّعَالِبِ، إِذَا كَانَتْ ذَكِيَّةً: أَيُصَلَّى فِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ”.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الصلاة حكم باطل بُيِّن لا بداعي الجدّ، بل بلحاظ التقيّة.

إلا أنَّه يُدّعى هنا التحليل والتفكيك بين المطلبين. ويقال: إن جواز الصلاة بُيّن على وجه التقية وأما كونه مذكى فلا دليل على أنَّه بُيِّن على هذا الوجه أيضاً.

ومعه يجعل قرينة على حمل الأمر بالغسل على الاستحباب.

وجوابه: أن هذا التفكيك في المداليل التحليلية لا نقبله. فإنَّ التذكية أخذت بنحو النسبة الناقصة في طرف نسبة تامَّة ليست بداعي الجدّ. وليس هنا نسبتان تامتان حتَّى يدّعى في أحدهما عدم وجود التقية وإن وجدت في الأخرى، فهذه الطائفة أيضاً ساقطة.

الطائفة الثالثة: ما دلَّ على طهارة السباع

وهي التي تقدَّم الكلام عنها في المقام السابق، كرواية معاوية بن شريح(1) أو رواية الفضل أبي العبّاس(2) فتكون قرينة على حمل الأمر بالغسل 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 30، الوافي 6: 74، كتاب الطهارة والتزيّن، باب أسآر الحيوانات، الحديث 3794، وسائل الشيعة 1:226، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الأسآر، الحديث 6.

(2) الاستبصار 1: 19، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 29، الوافي 6: 73، كتاب الطهارة والتزيّن، باب أسآر الحيوانات، الحديث 3793، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

في رواية يونس على النجاسة التنزيهية.

قد يُتَخَيَّل أن مقتضى القاعدة حمل الخاصّ على العامّ بأن تجعل رواية يونس مقيّدة لهذه الطائفة، لأنَّها وردت في خصوص الثعلب والأرنب فهي أخص مطلقاً منها.

إلا أنَّ هذا التوهم غير صحيح لأنَّ رواية يونس لو اقتصرت على ذكر الثعلب والأرنب فقط لأمكن صحَّة ما قيل ولكن ورد فيها: “الثعلب والأرنب أو شيئاً من السّباع”(1)، وكان الجواب بالأمر بالغسل واحد بلحاظ مجموع ما ورد من العناوين في السؤال. وهذا الأمر الواحد بعد حمله على عدم النجاسة اللزومية من ناحية السباع لا يبقى مجال لإعمال ظهوره في اللزوم بلحاظ الثعلب والأرنب ولا جعله مخصصاً أو مقيداً.

وهنا أيضاً قد يتوهم إن المقام من صغريات المسألة التي ذهب إليها الميرزا النائيني ومدرسته(2)، من أنَّ اللزوم ليس من مداليل الخطابات الشرعية، فإنَّ ما هو مدلولها هو الطلب واللزوم إنما يكون بحكم العقل ما 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 180، كتاب الطهارة، الباب 39، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 262، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث50، وفيه: “هل يجوز أن يمسّ” بدل: “هل يحلّ…”، وسائل الشيعة 3: 300، كتاب الطهارة، الباب 6 من أبواب غسل المسّ، الحديث 4.

(2) راجع: أجود التقريرات 1: 95، المقصد الأوّل: في الأوامر، المبحث الأوّل: في دلالة الصيغة على الوجوب.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لم يرخص الشارع.

وفرع على هذا أنَّه يمكن التفكيك في موارد الدليل الواحد، لأنَّهما ليسا مفاد الدليل، بل مستفاداً من القواعد العقلية. فلو قال: (اغتسل للجمعة والجنابة)، يكون دليلاً على الوجوب فيما لم يرد فيه ترخيص على الترك. 

إلا أنَّ المقام ليس من صغريات تلك المسألة، بقطع النظر عن المناقشة الأصولية فيها. باعتبار أن تلك المسألة إنما ادعاها المرزا في اللزوم التكليفي لا اللزوم الوضعي الذي هو معنى النجاسة، وبهذا يتمّ جعل هذه الطائفة معارضة لرواية يونس لا أنَّها تكون مقيّدة لها.

نعم، هناك كلام في ان سند هذه الطائفة صحيح أو لا. كما ذكرنا في المقام الثالث. وقد قلنا إن أكثرها لا يخلو من إشكال. وهو ما ذكرناه من أنَّ رواية الفضل عن العبّاس(1) ينقلها الشيخ الطوسي عن الحسين بن سعيد بطريق متصل إلى الفضل عن العباس.

ولو أنَّ الشيخ كان قد نقل الرواية بادئاً باسم الحسين بن سعيد، لعرفنا أنَّه ينقلها عن كتابه وحيث له في المشيخة إلى هذا الكتاب عدة طرق منها صحيح فيكون سندها تامّاً.

ــــــــــ[161]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 19، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 29، الوافي 6: 73، كتاب الطهارة والتزيّن، باب أسآر الحيوانات، الحديث 3793، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ولكن الشيخ لم يبدأ بالحسين بن سعيد، بل ذكر سنده إليه وهو الشيخ (يعني المفيد) عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسين بن أبان عن الحسين بن سعيد(1). وهذا السند فيه أحمد بن محمد بن الوليد وهو لم يثبت توثيقه بحجة تعبّديّة(2) وإن كان يحتمل كونه من أعاظم العلماء!!. ولا يُكفى في تصحيحه طريق المشيخة لاحتمال ورودها إلى الشيخ الطوسي عن الحسين بن سعيد مشافهة لا عن طريق الكتاب وطرق المشيخة خاصة بالكتاب.

بحث استطرادي: حلّ مشكلة روايات الشيخ عن الحسين بن سعيد

إن هذه المشكلة يتعرض لها حوالي مئتي رواية في كتاب الطهارة للشيخ مما رواه عن الحسين بن سعيد.

ــــــــــ[162]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 225، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 29، قال: “وبهذا الإسناد عن حمّاد”. ويقصد به الإسناد المتقدّم في الرواية السابقة على هذه الرواية، وهو: “ما أخبرني به الشيخ أيّده الله تعالى، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه محمّد بن الحسن، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد عن حريز”.

(2) تقدَّمت الإشارة إلى ذلك سابقاً لدى الحديث عن الطائفة الأُولى ضمن الوجه الرابع، فراجع.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ويقع الكلام في هذه المشكلة في جهتين: 

الأولى: في حل هذه المشكلة بلحاظ المشيخة فقط بقطع النظر عن الفهرست. 

الثانية: هل حلّ هذه المشكلة بلحاظ الفهرست.

الجهة الأولى: بلحاظ ما جاء في مشيخة التهذيب

إن المشيخة هل تحل هذا الإشكال أو لا؟ 

هذا مربوط بأنَّ هذه الرواية أخذها الشيخ من كتاب الحسين بن سعيد، والطريق الذي ذكره هو أحد طرقه إليه. وحيث إنَّ ظاهر المشيخة أن له طرقاً إليه فيها الصحيح. فيكفي ذلك في إثبات صحَّة الرواية.

هناك قرائن مبعدة لذلك وهناك قرائن مقربة له، فلا بدّ من حسابها:

القرائن المبعّدة

أما القرائن المبعدة فلعلّ أهمّها أنَّه لو كانت هذه الروايات التي تكررت أمثالها في طهارة الشيخ لو كانت مأخوذة من كتاب الحسين بن سعيد في الوضوء لكان المناسب أن تكون الوسائط بين محمد بن الحسن بن الوليد والحسين بن سعيد من سنخ واحد. وعلى نسق واحد، ونترقب أن تكون هذه الوسائط مشتركة.

وأما إذا كانت هذه الروايات مشتتة في النقل ورواتها على غير نسق واحد، فإنَّ ذلك مناسب مع المشافهة. 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وفي مقام الاستقراء نجد أن هذه الروايات تحقّق الفرضية الثانية يعني أن الواسطة بين محمد بن الحسن ابن الوليد والحسين بن سعيد مختلفة. 

فتارة تكون الواسطة هو الحسين بن الحسن بن أبان(1).

وأخرى تكون الواسطة اثنين: 

أحدهما: الحسين بن الحسن بن أبان. والآخر: محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى(2).

وثالثة: تكون الواسطة: محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى ولا يذكر اسم الحسين بن الحسن بن بان(3).

ورابعة: تكون الواسطة سعد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن بن عيسى(4).

ــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) اُنظر: الاستبصار 1: 73، كتاب الطهارة، الباب 43، الحديث 2: “عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد”.

(2) اُنظر: الاستبصار 1: 20، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 1: “أخبرني أبو الحسين بن أبي الجيد القمّي، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن الصفّار، عن أحمد بن محمّد والحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد”.

(3) اُنظر: الاستبصار 1: 30، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث 1: “أخبرني الشيخ أبو عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد”.

(4) اُنظر: الاستبصار 1: 53، كتاب الطهارة، الباب 31، الحديث 7: “عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه الحسين بن سعيد”. وفي موضع آخر من الاستبصار 1: 61، كتاب الطهارة، الباب 35، الحديث 1: “عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد”.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وخامسة تكون الواسطة: أحمد بن إدريس عن احمد بن محمّد(1).

وسادسة: تكون الواسطة ثلاثة: محمد بن يحيى عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد(2).

وسابعة: يكون شخص ينقل عن الحسين بن الحسن بن أبان عنه، وهذا يناسب مع فرضية المشافهة وإن هذه الروايات لم تنقل عن كتاب الحسين بن سعيد.

القرائن المقرّبة

وأما القرائن المقربة لأن تكون هذه الروايات كلها مأخوذة من كتاب الحسين بن سعيد فهي عديدة نذكر أهمها:

القرينة الأولى: أنَّنا إذا استقرأنا عدد الروايات للشيخ في طهارة 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

(1) اُنظر: الاستبصار 1: 72، كتاب الطهارة، الباب 42، الحديث 1: “عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد”.

(2) اُنظر: الاستبصار 1: 97، كتاب الطهارة، الباب 59، الحديث 2: “عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد”.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

التهذيب عن الحسين بن سعيد نرى أن عدداً كبيراً منها ثلاثة أرباعها أو أكثر منقولاً بهذه الطريق وأقله مبدوء بالحسين بن سعيد ففي مجموع 300 رواية يوجد 115 رواية نقلت عن الحسين بن سعيد منها 85 بهذا السند وفي 30 منها ابتدأ بالحسين بن سعيد. وفي أكثر هذه الموارد التي ابتدأت به كانت من الروايات التي يسوقها الشيخ في مقام المعارضة مع مختاره أو مختار الشيخ المفيد. يعني حين تكون الرواية على وفق الفتوى فإنَّه يذكر الواسطة وإذا كانت على خلاف الفتوى فإنَّه يقول: “وأمّا ما رواه الحسين بن سعيد”(1).

حينئذٍ يقال: إنَّنا نستبعد جداً أن تكون 85 رواية مأخوذة مشافهة عن الحسين بن سعيد و30 رواية مأخوذة من كتابه، فإنَّ هذا بعيد لعدة وجوه:

منها: مسألة الكثرة والقلة، لأنَّ المترتب أن يكون المأخوذ من الكتاب أكثر من المأخوذ في المشافهة.

ومنها: أنَّه يستغرب أن يكون ما في الكتاب هو الشاذّ والروايات المشافهة هي الموافقة للمشهور. فإنَّ كتب الحسين بن سعيد لم تكن شاذة أو نادرة، بل كانت مشهورة متداولة.

وبهذه القرينة نعرف أن حال كل هذه الروايات واحد، وأنَّها مأخوذة من الأصل، وإنما اختلف طرز التعبير باعتبار فنّ التأليف؛ لأنَّ الشيخ الطوسي وهو في مقام شرح المقنعة للشيخ المفيد، فهو في مقام إعطاء مدركها 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

(1) كما في الاستبصار 1: 8، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 8.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وإعطاء الهيبة لها يسند الروايات إلى الشيخ المفيد نفسه. فيذكره في طريقها فيقع في طريقها احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد.

وأما الروايات المعارضة له فنكتة التأليف تقتضي ألا يذكر اسم الشيخ المفيد.

فهذه القرينة لا بأس بها إلا أنَّها لا توجب الاستناد إلى كل الروايات الـ85، وإن أوجبت الاطمئنان بأكثرها.

القرينة الثانية: أنَّنا إذا لاحظنا كتاب التهذيب نجد أن هذا السند الذي تكرر في كتاب الطهارة هو: “الشيخ المفيد، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن بن الوليد”(1)، هذا السند الثلاثي المتوسط بين الطوسي والحسين بن سعيد تكرر كثيراً في كتاب الطهارة قبل الزيادات، ثُمَّ انقطع بعد ذلك فلا نجده في الزيادات، ولا في كتاب الصلاة، ولا فيما بعده، وجرت عادة الشيخ بعده أن يبدأ بالحسين بن سعيد.

وهذا يشكل قرينة على أنَّ هذه الروايات التي وقع فيها هذا الوسط الثلاثي، حالها حال غيرها، إذ نستبعد جداً أن تكون هذه الروايات في كتاب الطهارة غير مأخوذة من كتاب الحسين بن سعيد، ومسموعة مشافهة عنه، ثُمَّ بعد ذلك تنقطع أخبار المشافهة، وتكون خاصة بكتاب الطهارة.

وبتعبير آخر: إن كانت هناك روايات بهذه الكثرة، متلقاة بالمشافهة عن 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 6، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 1. والموارد كثيرةٌ في باب الطهارة، وإنَّما اكتفينا بنقل هذا المورد من باب المثال.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

غير كتاب الحسين بن سعيد، فلا بُدّ أن نجد أمثالها في الكتب الأخرى من الفقه. فكيف اختصّت المشافهات كلها بخصوص كتاب الطهارة؟!

ويمكن أن يخدش في هذا الوجه؛ أن الشيخ الطوسي بدأ بالتهذيب في حياة الشيخ المفيد، ولذا كان يقول في كتاب الطهارة: (أيّده الله)(1)، وترحّم عليه في أوَّل كتاب الصلاة(2)، مما يعرف أن الشيخ المفيد قد مات، فمن المحتمل إلى درجة معقولة أن نفسر هذا الفارق بين كتاب الطهارة وما بعده؛ بأنَّ الشيخ المفيد كان له روايات حول المسائل التي بينها في بحثه، ومن البعيد أنَّه ينقلها عن شيوخه حفظاً صدراً عن صدر. ولكن الشيخ الطوسي كان يحضر مجلس درسه وأخذها منه مشافهة.

ثم توفى الشيخ المفيد؛ فما كتبه الشيخ الطوسي بعده من كتاب الصلاة وما بعده، والزيادات على الطهارة التي ألحقها بعد ذلك، لم تكن مسموعة من الشيخ المفيد؛ ولذا أضافها إلى الكتب التي تعرف أسانيدها بالطرق النوعية.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

(1) اُنظر: تهذيب الأحكام 1: 6، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 1، و1: 9، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 14، و1: 27، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 9، و1: 55، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث 6، و1: 104، كتاب الطهارة، الباب 5، الحديث 1، إلى غير ذلك من الموارد المتكرّرة إلى آخر كتاب الطهارة.

(2) اُنظر: تهذيب الأحكام 2: 12، كتاب الصلاة، الباب 2، وقد رد فيه: “قال الشيخ رحمه الله تعالى: والمفروض من الصلاة على المسافر إحدى عشر ركعة في اليوم واللّيلة”. ولكن نجد في 2: 3، كتاب الصلاة: 3، الباب 1، قولَه: “قال الشيخ أيّده الله تعالى: والمسنون من الصلوات في اليوم واللّيلة…”.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلا أنَّ هذه الخدشة غير واضحة، بمعنى إمكان أن نستبعدها: 

أما بأن نقول بأنَّ الشيخ الطوسي وإن سمع هذه الروايات من الشيخ المفيد في مجلس درسه، لكن لا إشكال أن كتب الحسين بن سعيد كانت في تناول يد الشيخ الطوسي، وكان يرجع إليها بدليل أن جملة من الروايات في كتاب الطهارة نقلها مبدوءة بالحسين بن سعيد. وهي الروايات المعارضة على الأغلب. فحين كان يسمع الروايات عن الشيخ المفيد وكان الشيخ المفيد قد أخذها من الكتب، ومن البعيد أنَّه أخذها صدراً عن صدر كما قلنا، فيرجع الشيخ الطوسي إلى الكتب، فلا بُدَّ أنَّه كان يجد هذه الروايات إذ لو لم يجدها لكان عليه أن ينبه على ذلك. فيثبت المطلوب.

وأما بأن يُقال: إنَّ الشيخ الطوسي قال في آخر التهذيب: “إنني(1) حين 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

() كان السيد ينقله بالمعنى، (المقرر). [نص ما قاله الشيخ الطوسي في التهذيب: “كنّا شرطنا في أوّل هذا الكتاب أن نقتصر على إيراد شرح ما تضمّنته الرسالة المقنعة، وأن نذكر مسألةً مسألةً، ونورد فيها الاحتجاج من الظواهر والأدلّة المفضية إلى العلم، ونذكر مع ذلك طرفاً من الأخبار التي رواها مخالفونا، ثُمَّ نذكر بعد ذلك ما يتعلّق بأحاديث أصحابنا (رحمهم الله)، ونورد المختلف في كلّ مسألة منها والمتّفق عليها.

ووفينا بهذا الشرط في أكثر ما يحتوي عليه كتاب الطهارة، ثُمَّ إنّا رأينا أنَّه يخرج بهذا البسط عن الغرض، ويكون -مع هذا- الكتاب مبتوراً غير مستوفى، فعدلنا عن هذه الطريقة إلى إيراد أحاديث أصحابنا (رحمهم الله)، المختلف فيه والمتّفق.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فرغت من كتاب الطهارة رأيت أن منهج البحث غير مناسب، لأني كنت أنقل روايات عن المخالفين، ولم أكن أستوعب رواياتنا، وبعدها حاولت الاستيعاب والاستغناء عن رواياتهم، وأضفت على كتاب الطهارة زيادات. وحذفت الأسانيد، وأضفت الروايات إلى أصحاب الكتب التي أخذتها منه”(1)

فيمكن أن نستظهر أن الشيخ الطوسي ناظر إلى هذه النكتة، فكأنه يريد أن يقول: إن حال الروايات المتأخّرة حال روايات كتاب الطهارة، غاية الأمر كنت أذكر سندها ثُمَّ وجدت أنَّ فيه تطويلاً فحذفته.

نعم، يبقى هنا شيء وهو أن هذه الروايات، وأن فرض أنَّها مأخوذة من الكتب التي استند الشيخ إليها، لكن لو كان في السند عدة من أصحاب 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 10: 4، المشيخة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الكتب، فلا يتعين أن تكون مأخوذة عن الحسين بن سعيد، بل لعلها مأخوذة عمن قبله.

مثاله ما يرويه بسنده عن سعد بن عبد الله عن الحسين بن سعيد، فإنَّ سعداً أبتلى ايضاً بنفس هذا الشيء من حيث إنَّ الروايات المنقولة عنه في كتاب الطهارة قد ذكرت فيها الوسائط، وبعده حذفت وبدأ يذكر سعد بن عبد الله ابتداء، فلسعد بن عبد الله 59 رواية من 300 رواية في كتاب الصلاة كلها مبدوءة به، وفي كتاب الطهارة 58 رواية من300 رواية لم يبدأ فيها بسعد إلا في 9 منها. لكن هذا لا يضرنا لأنَّها تكون صحيحة سواء كانت مأخوذة من الحسين بن سعيد أو سعد بن عبد الله بأيهما اقتدينا اهتدينا، إذا كانت الوسائط بعد سعد صحيحة.

نعم، خصوص الرواية التي هي محلّ الكلام، لا تكون مشمولة لهذا الذي قلناه فإنَّها منقولة عن الشيخ المفيد عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد.

والحسين بن الحسن بن أبان ليس من المصنفين ولذا لم يترجمه النجاشي في رجاله ولا الشيخ في فهرسته.

كما ان محمد بن الحسن بن الوليد وإن كان له كتاب، إلا أنَّه من البعيد أخذ الشيخ الطوسي منه؛ لكونه متأخّراً، ولدى الشيخ نفس الكتب والمصادر التي اعتمد عليها محمد بن الحسن بن الوليد. 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ولذا يتعين ان تكون مأخوذة من كتاب الحسين بن سعيد فتصحح بالطريق الآخر، نعوض به عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، بل وعن الحسين بن الحسن بن أبان الذي لم تثبت وثاقته(1). هذا تمام الكلام في حل المشكلة بلحاظ مشيخة التهذيب.

الجهة الثانية: بلحاظ ما ذكره في الفهرست

وأما الكلام بلحاظ الفهرست، فلو لم يتمَّ هذا الكلام الذي قدّمناه ولم يثبت أن هذه الرواية مأخوذة من كتاب الحسين بن سعيد، فهل يمكن 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 398-399، أصحاب أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكري، باب الحاء، الرقم 5845، قال: “أدركه ولم أعلم أنَّه روى عنه، وذكر ابن قولويه أنَّه قرابة الصفّار وسعد بن عبد الله، وهو أقدم منهما؛ لأنَّه روى عن الحسين بن سعيد، وهما لم يرويا عنه”، ولم يذكره بمدح أو قدح. وفي موضع آخر من كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 424، باب من لم يروِ عن واحدٍ من الأئمّة، باب الحاء، الرقم 6109، وفي رجال ابن داود: 499، في ترجمة محمد بن أورمة، الرقم 417: “روى عنه الحسين بن الحسن بن أبان، وهو ثقة”، نقد الرجال 2: 84، باب الحاء، الرقم 1428، وفي الوجيزة في الرجال: 62، باب الحاء، الرقم 556: “يعدّ حديثه صحيحاً؛ لكونه من مشايخ الإجازة”، الفوائد الرجاليّة (الخواجوئي): 190، الفائدة 29، تحقيقٌ حول كلام الشيخ البهائيّ في الجرح والتعديل، الحسين بن الحسن بن أبان، منتهى المقال في أحوال الرجال 3: 27، باب الحاء، الرقم 856، معجم رجال الحديث 6: 231، باب الحاء، الرقم 3350. وخلاصة القول فيه: أنَّ الأكثر قد تجنّبوا مدحه أو ذمّه.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

تصحيح هذه الرواية بلحاظ ما ذكره الشيخ في الفهرست في ترجمة الحسين بن سعيد من قوله: “أخبرنا بكتبه ورواياته”(1)؟!

وهذا هو الفرق بين المشيخة والتهذيب. فإنَّه في المشيخة ذكر طريقه إلى كتبه خاصة. وهنا ذكر رواياته أيضاً. فإذا لم يكن إثبات صحتها من المشيخة باعتبار الشكّ في أنَّها مأخوذة من كتابه لكن على الأقلّ هي رواياته.

لأن المقصود من رواياته أحد احتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأول: ما هو من رواياته، بحيث لا بُدَّ أن نحرز أنَّه صحيح عند الشيخ الطوسي؛ ليندرج تحت إطلاق كلامه.

الاحتمال الثاني: كل ما نقل عنه من الروايات مهما كانت.

الاحتمال الثالث: وهو الذي اخترناه سابقاً من بطلان الاحتمالين الأولين: 

أما الأول: فلان الشيخ الطوسي ليس في مقام الاجتهاد، والجرح والتعديل في تعيين الصحيح، بل هو يتحدث بما هو محدث وناقل للروايات. 

وأما الثاني: فلا يحتمل شموله لكل رواية وإن كانت مرسلة بحيث يكون طريق الشيخ حائلاً دون إرسالها.

ــــــــــ[173]ــــــــــ

(1) الفهرست (الشيخ الطوسي): 58، الرقم 220، وقد تكرّر منّا تخريجه مرّات عديدة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والاحتمال الثالث: هو الأقرب، الروايات التي وصلت بالطريق النوعي؛ لأنَّ الروايات على قسمين: 

فمنها: ما وصل بطرق شخصية.

ومنها: ما وصل بطرق نوعية، تنقل للشيخ مجموعة كبيرة من روايات صاحب الكتاب. 

فإن فرض أن واحداً من هذه الطرق النوعيَّة كان صحيحاً، يكفي في تصحيح الرواية، حتَّى لو نقلها في متن التهذيب بطريق غير صحيح.

وإنما أطلنا بهذا البحث؛ لأنَّه ينقذ حوالي 200 رواية من روايات الشيخ، فما جرى عليه صاحب الوسائل من عدم التمييز بين روايات كتاب الطهارة وغيرها هو الصحيح. كلها يقول فيها: “الشيخ بسنده إلى الحسين بن سعيد”.

وقد تحصّل بما ذكرناه: أنَّ ما جرى عليه صاحب الوسائل من عدم التمييز بين روايات كتاب الطهارة وغيرها -في كلها يقول-: “الشيخ بسنده إلى الحسين بن سعيد”- هو الصحيح، ولعلّه كان ملتفتاً إلى هذه النكتة التي بيّنّاها.

2- ما يستدلُّ به على نجاسة الثعلب خاصّ

ثُمَّ إنَّه يمكن أن يستدلَّ على نجاسة الثعلب بالخصوص، بروايات أخرى، ويمكن تقسيمها إلى طائفتين:

ــــــــــ[174]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الطائفة الأولى: التي تنهى عن الصلاة في جلود الثعالب

وردت في أبواب لباس المصلي تنهى عن الصلاة في جلود الثعالب وفي الثوب الملاصق لجلود الثعالب. 

وتقريب الاستدلال بها: أن النهي عن الصلاة في جلود الثعالب لا يدلُّ على النجاسة بمجرده لأنَّه مما لا يؤكل لحمه وهو محتمل المانعية في نفسه، فلعلّ الرواية وردت لبيان مانعيتها، ولكن حينما نهى الإمام عن الصلاة في الثوب الملاقي له أو الملاصق له، مع أنَّه لم يفرض أنَّه مما لا يؤكل لحمه، وهذا النهي لا منشأ له بارتكاز المتشرعة إلاَّ سريان المحذور منه إليه، وما هو القابل للسريان بارتكاز المتشرعة هو النجاسة فيثبت أن الثعلب نجس(1).

ومن هذه الروايات: ما رواه الشيخ بإسناده إلى علي بن مهزيار، عن رجل: “سئل الماضي عن الصلاة في جلود الثعالب، فنهى عن الصلاة فيها وفي الثوب الذي يليه، فلم أدرِ أيّ الثوبين: الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجلد، فوقع بخطه: الثَّوْبُ الَّذِي يَلْصَقُ بِالْجِلْد. وذكر أبو الحسن يعني على بن مهزيار أنَّه سأله عن هذه المسألة فقال: لَا تُصَلِّ فِي الَّذِي فَوْقَهُ وَلَا فِي الَّذِي تَحْتَهُ(2).

ــــــــــ[175]ــــــــــ

(1) باب 7 من أبواب لباس المصلي.

(2) الكافي 6: 398، كتاب الصلاة، الباب 60، الحديث 8، الاستبصار 1: 381-382، كتاب الصلاة، الباب 223، الحديث 4، تهذيب الأحكام 2: 206، كتاب الصلاة، الباب11، الحديث 16، وسائل الشيعة 4: 357، كتاب الصلاة، الباب 7 من أبواب لباس المصلّي، الحديث8.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومنها: ما رواه الشيخ بسنده إلى أبي علي بن راشد في حديث قال: “قلت لأبي جعفر: الثعالب يصلى فيها؟ قال: لَا، وَلَكِنْ تَلْبَسُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، قلت: أُصلّي في الثوب الذي يليه؟ قال: لَا(1).

إلا أنَّ الصحيح أنَّ هذه الروايات لا تدلُّ على النجاسة، وذلك لأنَّها لو كانت في مقام المنع عن الصلاة في الثوب الذي يليه بلحاظ سريان النجاسة، لكان الأنسب التنبيه على نجاسة البدن بمثل هذا، خاصةً مع طول الزمان في الجملة بعرق ونحوهما. فإن فُرضت الرطوبة التي وجدت بين جلد الثعلب والثوب الذي يليه، كذلك يمكن أن تفرض مع أجزاء البدن، فالسكوت عن هذه الناحية يكون قرينة على أنَّ المنشأ ليس هو النجاسة.

ويؤكد ذلك ويؤيده الإطلاق في الرواية، من حيث فرض الرطوبة وعدمه. وإنما النظر إلى محذور آخر، وهو عبارة عن أن الثوب الذي يليه في معرض أن يقع عليه شيء من جلد الثعلب خاصةً مما يكون من طرف الوبر؟ أو يحمل على محذور نفسي غير النجاسة؟

ــــــــــ[176]ــــــــــ

(1) الكافي 6: 405، كتاب الصلاة، الباب 60، الحديث 14، الاستبصار 1: 384، كتاب الصلاة، الباب 224، الحديث 4، تهذيب الأحكام 2: 210، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 30، وسائل الشيعة 4: 356، كتاب الصلاة، الباب 7 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الطائفة الثانية: ما ورد في تحديد الكرّ

وهي بعض الروايات الواردة في تحديد الكرّ، كالذي رواه محمد بن الحسن بإسناد عن أحمد بن محمد بن ابي نصر عن صفوان بن مهران الجمال قال: “سألت أبا عبد الله(1) عن الحياض التي ما بين مكة والمدينة تروها السباع وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها قال: وَكَمْ قَدْرُ المَاءِ، قال: إلى نصف الساق وإلى الركبة، فقال: تَوَضَّأْ مِنْهُ”(2). ورواه الكليني عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن أبي نصر -وسند الشيخ صحيح وسند الكليني غير صحيح؛ لأنَّه وقع فيه محمد بن سهل-، إلا أنَّه قال: “وإلى الركبة وأقلّ، قال: تَوَضَّأْ”(3).

وتقريبه بوجهين: 

الوجه الأول: أن المستظهر منها أن نجاسة السباع كانت أمراً مركوزاً في ذهن السائل فيستفاد منه أن سكوت الإمام، عن ذلك امضاء لهذه النجاسة.

ــــــــــ[177]ــــــــــ

() باب 9 من المياه، (المقرر).

(2) الكافي 5: 19-20، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 7، الاستبصار 1: 22، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 9، تهذيب الأحكام 1: 417، كتاب الطهارة، الباب 21، الحديث 36، وسائل الشيعة 1: 162، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب المياه وأحكامها، الحديث 12.

(3) الكافي 5: 19-20، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 7.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الوجه الثاني: أن يدّعى أن الإمام فصّل في مقام الجواب: إذا كان الماء قدر (كرّ) فتوضأ منه، وأما إذا لم يكن فلا تتوضأ منه.

فهذا يدلُّ على أنَّ تنجس الماء يكون بالسباع والكلاب.

ولو تمَّ أحد التقريبين لا يستفاد منها قاعدة عامة في نجاسة كل سبع؛ لأنَّه ينصرف إلى السباع المتعارفة التي تلغ في الحياض بين مكة والمدينة، ومن هنا يكون القدر المتيقن هو الأسد والثعلب ونحوها، ولا يشمل الفيل فإنَّه لم يكن موجوداً في الجزيرة العربية.

إلا أنَّ كِلا التقريبين غير تامّين:

أما التقريب الأول: فلأنَّه لم يعرف أن المركوز في ذهن السائل هو النجاسة الذاتيَّة للسباع وليس في مقام إثبات هذه الناحية. بل يريد أن يقول: إنَّه وقع محذور في الماء فهل الماء معتصم أو لا. وأما هذا المحذور فغير معروف، لعله لأجل أن محذور نفسي، ومما يؤكد ذلك عطف الحمير عليها ولا يُحتمل أن يَحتمل الراوي أن الحمير نجس العين.

وجواب التقريب الثاني: إن هذا التقريب مبني على أنَّ الكلام كان بنحو الجملة الشرطية بحيث ينعقد له مفهوم ولمفهومه إطلاق: إذا لم يكن كراً فلا تتوضأ منه. ونفهم منه إطلاقه بلحاظ كل حادثة من المذكورات لا بلحاظ مجموع الحوادث.

حينئذٍ يمكن التمسّك بالإطلاق لإثبات عدم جواز الوضوء به. لكن لا يثبت النجاسة لأنَّنا قلنا إن سؤر الحيوان يحتمل المتشرعة أنَّه سبب 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لمحذور نفسي في الشرب أو وضعي في الوضوء. إذن فلا معين للنجاسة مع وجود الاحتمال الآخر، بل لعلّ هناك معيناً لمسألة السؤر وهو عطف الحمير، فلا تكون هذه الروايات دالة على نجاسة الثعلب.

الجهة الثانية: في نجاسة الفأرة

 في أبواب النجاسات والأسآر والأطعمة، روايات يمكن أن يستدلَّ بها على نجاسة الفأرة، فيقع الكلام في ناحيتين:

الأولى: في استعراض الروايات التي تدلُّ على النجاسة لنرى مقدار دلالتها.

الثانية: في الروايات المعارضة الدالة على الطهارة، وما هو مقتضى الجمع بينهما. 

الناحية الأولى: في الروايات الدالّة على النجاسة

وفيها عدّة روايات:

منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر(1)، قال: “سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في ماء فتمشي على الثياب أيصلى فيها؟ قال: اغْسِلْ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَثَرِهَا، وَمَا لَمْ تَرَهُ فَانْضَحْهُ بِالمَاءِ”(2).

ــــــــــ[179]ــــــــــ

(1) باب22 من النجاسات.

(2) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 348، الأخلاقيّات، الحديث 857، قرب الإسناد:192، باب الصلاة، لباس المصلّي، الحديث 722، الكافي 5: 179، كتاب الطهارة، الباب 39، الحديث 3، تهذيب الأحكام 1: 261-262، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 48، وسائل الشيعة 3: 460، كتاب الطهارة، الباب 33 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وتقريب الاستدلال بها: إن الفأرة مع الرطوبة لاقت الثوب، وقد أمر بالغسل فيما يرى من أثرها والمراد به الرطوبة لا الشعر ونحوه، والأمر بالغسل يدلُّ على النجاسة بتقريبات سابقة.

ولا يوجد في دلالتها دغدغة سوى ناحية عطف (فانضحه) على (أغسل). فإن انضح محمول على الاستحباب والتنزّه بحسب الفهم العرفي، فقد يدّعى أن هذا يشكل قرينة على أنَّ الأمر بالغسل في الجملة الأُولى أمر تنزيهي.

وهذه الدغدغة مبنيةٌ على أنَّ المراد بالأثر هو الرطوبة، وأما إذا كان المراد به شيئاً آخر كالشعر أو الوسخ، فلا تأتي هذه القرينة، بل يكون المراد من (اغسل) و(فانضحه) – وكِلاهما للوجوب- وجوب الفرك والغمز في (اغسل) إذا خلّفت أثراً، وإن لم يخلّف كفى صبَّ الماء عليه.

ما ورد في البئر

ومنها روايتان أخريان في أبواب البئر(1):

الرواية الأولى: كالذي رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد وفضاله بن أيوب عن حماد بن عمار (صحيحة): قال: “سألت أبا عبد 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

() باب19، من الماء المطلق، (المقرر). 

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الله عن الفأرة والوزغة تقع في البئر، قال: يُنْزَحُ مِنْهَا ثَلَاثُ دِلَاءٍ”(1)، وعنه عن فضاله عن ابن سنان يعني عبد الله عن أبي عبد الله مثله(2).

الرواية الأولى: وعنه عن القاسم عن محمد بن علي قال: “سألت أبا عبد الله عن الفأرة تقع في البئر قال: سَبْعَ دِلَاءْ”(3).

وتقريب الاستدلال بها: أن الأمر بالنزح يدلُّ على نجاسة الفأرة، لأنَّها لو كانت طاهرة، فما هو المنشأ للأمر به.

وتوضيح الحال في ذلك: أنَّه في مورد السؤال يوجد ملاقي وملاقى: ماء البئر والفأرة، وكل منهما صالح لأن يكون منشأ للاستشكال. يعني يتصور ما في نفس السائل عدة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون السؤال بلحاظ ماء البئر، من ناحية أن الفأرة هل هي محكومة بالنجاسة أصلاً بعد فرض فراغ السائل عن أن ماء البئر ينفعل بملاقات النجاسة. كما هو الظاهر في سائر الموارد التي يفرغ فيها عن 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 39، كتاب الطهارة، الباب 21، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 238، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 19، وسائل الشيعة 1: 187، كتاب الطهارة، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

(2) راجع المصدر السابق.

(3) الاستبصار 1: 36، كتاب الطهارة، الباب 20، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 235، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 11، وسائل الشيعة 1: 183، كتاب الطهارة، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

عدم عصمة الملاقي كما لو قال: (دم البرغوث وقع على ثوبي)، ولا إشكال أن الثوب غير معتصم، فيكون السؤال واضحاً في أنَّه سؤال عن نجاسة دم البرغوث وعدمها.

الاحتمال الثاني: عكس الأوَّل وهو أن تمام نظر السائل هو إلى ان ماء البئر هل ينفعل بالملاقات أو لا؟ بعد الفراغ عن أن الفأرة والوزغة وقعت بنحو يوجب الانفعال. وهذا يكون في سائر موارد الفراغ عن نجاسة الملاقي، كما لو سئل عن الميتة وقعت في الكر، فإنَّه ينصرف إلى السؤال عن قابلية الكرّ للانفعال لا عن نجاسة الميتة.

الاحتمال الثالث: أن تكون هناك جهتان من الإشكال في ذهن الراوي، حين لا يدري أن ماء البئر ينفعل بالنجاسة أو لا؟ وأن الفأرة نجسة أو لا؟ فيسأل عن النتيجة الخارجية، فإن طهارة البئر تترتب على أحد الأمرين: اعتصام ماء البئر أو طهارة الفأرة.

الاحتمال الرابع: أنَّه مركوز في ذهن السائل كبرى النزح على إجمالها، بنحو نجهل أنَّه يرى أنَّها على نحو الحكم الوضعي وهو النجاسة أو الحكم الوجوبي النفسي كما قال به بعض الفقهاء(1) أو الحكم التنزيهي الاستحبابي، ــــــــــ[109]ــــــــــ

(1) اُنظر: مفتاح الكرامة 1: 321، كتاب الطهارة، المقصد الثاني: في المياه، الفصل الأوّل: في المطلق، الثالث: ماء البئر، مستند الشيعة 1: 67، كتاب الطهارة، المقصد الأوّل: في المياه، الباب الأوّل: في المطلق، الفصل السادس: في البئر.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كما قال أكثر المتأخّرين(1). فهو يسأل عن أن مورد وقوع الفأرة والوزغة هل هو من موارد تلك الكبرى على إجمالها أو لا؟

فهذا احتمالات أربعة للعبارة؛ لأنَّ الرواية لم تذكر فيها جهة السؤال.

وحينئذٍ بناءً على الاحتمال الرابع: لا تدلُّ الرواية على النجاسة، بل غاية الأمر أن تلك الموارد من موارد الكبرى المركوزة على إجمالها، التي لا يُعلم أنَّها بنحو اللزوم الوضعي أو التكليفي أو التنزيهي، إذن فيجب أن تؤخذ حدود الكبرى من دليل آخر قد تكون هذه الرواية دالة على النجاسة.

وأما بناءً على الاحتمال الثاني: فيسقط الاستدلال بها أيضاً، لأنَّه قد فرغ عن نجاسة البئر، وليس في مقام بيان الفأرة ليتمسك بإطلاقها للحية والميتة، لأنَّ المفروض أن الراوي لا نظر له إلى ذلك. بناءً على هذا الاحتمال. والقدر المتيقن منه هو الغالب وهو أن الفأرة إذا وقعت في البئر تموت.

وأما بناءً على الاحتمال الأول: وأن نظره إلى السؤال من نجاسة الفأرة بعد فرض فراغه عن انفعال ماء البئر. أو الاحتمال الثالث: وهو أن يكون سؤاله عن كِلا الجهتين فلا بأس بالتمسك بهذه الرواية في نفسها لإثبات نجاسة الفأرة حتَّى إن لم تكن قد ماتت.

لكن تقع هذه الرواية طرفاً للمعارضة مع روايات اعتصام ماء البئر لأنَّها -بناء على هذين الاحتمالين- تكون دالة بالمطابقة على انفعال ماء البئر وبالالتزام العرفي على أنَّ الفأرة نجسة. وكلا الحكمين استفيد من الأمر بالنزح.

ــــــــــ[183]ــــــــــ

(1) راجع المصادر السابقة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وبعد تقديم دليل الاعتصام على ما هو الصحيح يكون دالاً على أنَّ النزح من البئر استحبابي وليس لزومياً، فلا يمكن إثبات نجاسة لزومية في الفأرة، بل غايته النجاسة الاستحبابية.

ما ورد في الأسآر

ومنها روايتان في أبواب الأسآر(1):

الرواية الأولى: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن جهمي عن محمد بن الحسن بن أبي الخطاب والحسن بن موسى الخشاب جميعاً عن يزيد بن اسحاق عن هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حياً، هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ به؟ قال: يُسْكَبُ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يُشْرَبُ مِنْهُ وَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ، غَيْرَ الْوَزَغِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ”(2).

وسندها لا بأس به، إلَّا من ناحية يزيد بن اسحاق الذي لا نعرف له توثيقاً(3).

ــــــــــ[184]ــــــــــ

() باب 9 من الأسآر، (المقرر).

(2) الاستبصار 1: 24، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 238، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 21، وسائل الشيعة 1: 188، كتاب الطهارة، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

(3) راجع: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 453، باب الياء، الرقم 1225، يزيد بن إسحاق بن أبي السخف الغنوي، حيث لم يذكره بمدحٍ ولا بذمّ، كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 324، باب الياء، الرقم 4847، أصحاب الإمام الصادق، خلاصة الأقوال (العلّامة الحلّي): 183، الفصل السابع والعشرون، الباب الثاني، الرقم 3، نقد الرجال 5: 88، باب الياء، الرقم 5828، معجم رجال الحديث 21: 114، باب الياء، الرقم 13667.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والاستدلال بها مبني على دعوى أنَّه قوله: “يسكب منه ثلاث مرات“، نحو من أنحاء التطهير من قبيل النزح.

وهذا الاستدلال يتعرض إلى مناقشة وهو قوله: “وقليله وكثيره بمنزلة واحدة” مع أن الكرّ لا ينفعل بالميتة فضلاً عن الفأرة. فيصير ذلك قرينة على الاستحباب، وهنا يجب حمل القليل والكثير على ما هو العرفي الذي دون الكر لا الاصطلاحي.

وجواب هذا الاستدلال: إن قوله: (يسكب منه) لا يدلُّ على النجاسة لأنَّ إراقة أكفٍ منه ليس مطهراً بحسب الارتكاز العرفي.

فلا يفهم منه أن الإمام في مقام جعل مطهر.

ولا يقاس ذلك بالنزح لأنَّ البئر له مادة فيتجدد ويحصل به النقاء، ولكن إن أريق شيء من النجس لا يطهر الباقي ولا يحصل له النقاء. فلا يفهم منه أن الإمام في مقام جعل مطهر وأنَّه الإرشاد إلى النجاسة، بل لعله لأجل نكتة نفسية، ويؤيده أن الفأرة حشرت مع العقرب وأشباه ذلك.

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والرواية الثانية: من الأسآر(1)، ما عن محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه في حديث المناهي: “أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ أَكْلِ سُؤْرِ الْفَأْرِ”(2).

وحديث المناهي على طوله لم تثبت حُجِّيّته، ولو فرضت حُجِّيّته بفرض أن شعيب بن واقد(3) ثقة، فإنَّه لا يُثبت النجاسة؛ لما قلناه من أنَّ الأسآر بنفسها ملاك مستقلّ للمحذور.

ومنها: عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد(4) عن عبد الله بن الحسن عن  علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: “سألته عن الفأرة والكلب إذا أكلا من الجبن وشبهه أيحل أكله؟ قال: يُطْرَحُ مِنْهُ مَا أُكِلَ وَيَحِلُّ الْبَاقِي”(5)

ومنها: قال: “وسالته عن فأرة أو كلب شربا من زيت أو سمن، قال: 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

() باب 9 من الأسآر أيضاً، (المقرر).

(2) مَن لا يحضره الفقيه 4: 4، باب: ذكر جمل من مناهي النبيّ’، الحديث 4968، وسائل الشيعة 1: 240، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب الأسآر، الحديث 7.

(3) اُنظر: معجم رجال الحديث 10: 37، باب الشين، الرقم 5749.

(4) كتاب الأطعمة، أبواب الأطعمة المباحة: ج2، ص298، (المقرر).

(5) قرب الإسناد: 274، باب ما يحلّ ممّا يُؤكل ويشرب، الحديث 1089، بحار الأنوار 77: 56، كتاب الطهارة، الباب 2 من الأسآر، الحديث 6، وسائل الشيعة 24: 198، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 45 من أبواب الأطعمة والأشربة، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إِنْ كَانَ جَرَّةً أَوْ نَحْوَهَا فَلَا تَأْكُلْهُ، وَلَكِنْ يُنْتَفَعُ بِهِ لِسِرَاجٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مُوسِراً يَحْتَمِلُ أَنْ يُهَرِيقَهُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي شَيْ‏ءٍ”(1)، ورواه علي بن جعفر في كتابه(2).

والرواية عن قرب الإسناد ضعيفة لوقوع عبد الله بن الحسن وهو لم يثبت توثيقه، ولكن رواها الوسائل عن كتاب علي بن جعفر وسنده صحيح لأنَّ سند صاحب الوسائل عن الشيخ صحيح(3)، وسند الشيخ إلى علي بن جعفر صحيح(4).

وهذا نظير أخبار السؤر فلا يستفاد منها النجاسة والاستدلال بها يكون بقوله: “فلا ينتفع به في شيء” والأمر بالإراقة ظاهر أنَّه إرشاد إلى النجاسة، غاية الأمر أنَّه إذا كان المالك فقيراً خفف عنه.

وهو غير صحيح؛ لأنَّه من الواضح بحسب الارتكاز العرفي أن غنى 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

(1) قرب الإسناد: 274، باب ما يحلّ ممّا يُؤكل ويشرب، الحديث 1090، بحار الأنوار 77:58، كتاب الطهارة، الباب 2 من الأسآر، الحديث 11، وسائل الشيعة 24: 198، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 45 من أبواب الأطعمة والأشربة، الحديث 3.

(2) راجع: مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 133، المسألة 128.

(3) وسائل الشيعة 30: 151، الخاتمة، الفائدة الرابعة.

(4) اُنظر: تهذيب الأحكام 10: 86، كتاب المشيخة، ذكر أسماء الذين للشيخ إليهم طريق، الفهرست (الشيخ الطوسي): 87، بابُ علي، الرقم 367.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المالك لا دخل له في النجاسة فيصير قرينة على حمل هذا النهي على التنزّه(1).

هذا تمام الكلام في الروايات الدالة على نجاسة الفأرة.

الناحية الثانية: في الروايات الدالة على الطهارة

الرواية الأولى: ما رواه محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن محمد بن اسماعيل عن علي بن النعمان عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد الله عن الفأرة والكلب يقع في السمن والزيت يخرج منه حياً قال: “لَا بَأْسَ بِأَكْلِه”(2).

هذه الرواية يمكن أن يستدلَّ بها على طهارة الفأرة لحكمه بجواز أكل السمن الذي وقعت فيه،

ولا ينبغي أن يتوهم أن غاية ما تدلُّ عليه هو طهارة الملاقي وهو الزيت وهو لازم أعم من النجاسة إذ لعله ناشئ من طهارة الملاقي وهو الفأرة أو من عدم السراية وإن كان نجساً حيث لم يحكم الشارع بالسراية. 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

() هنا سُئل : هل تشمل الرواية الكلب أيضاً؟ 

فأجاب: نعم، تكون من الروايات الدالّة على طهارة الكلب، فتكون معارضة لأخبار نجاسته، فتقدّم الأخيرة عليها؛ لأنّها قطعيّة السند، فلا بدّ من إهمال هذه الرواية، (المقرر).

(2) الكافي 12: 267-268، كتاب الأطعمة، الباب 14، الحديث 4، وسائل الشيعة 24: 198، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 45 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإنَّنا في مقام استفادة المعنى من هذه الرواية نضم إليها ارتكازية السراية بحسب ارتكاز المتشرعة، فتكون دالة على طهارة الفأرة.

وإن شئتم قلتم: إنَّ ظاهر السؤال كونه منصباً على الفأرة، لا على السمن. وإنَّه قابل للانفعال؛ لأنَّ احتمال عصمة السمن، كالكرّ، ليس احتمالاً عرفياً، فينسبق إلى الذهن العرفي كونه سؤالاً عن الفأرة. إذن فلا ينبغي الإشكال في دلالتها على طهارة الفأرة.

وإنما الإشكال من حيث عطف الكلب عليها، ونحن نعلم بالضرورة من الفقه أنَّ الكلب محكوم عليه بالنجاسة، فيكون ذلك منشأ لإشكال في الرواية يمكن تقريبه بتقريبين: فإنَّه يوجد هناك صورة بدوية للدفاع عن هذه الرواية، بأن يُقال: إنَّ الرواية تسقط عن الحجية من جهة الكلب، وتبقى من تلك الجهة حجة، ويمكن أن يجاب على ذلك بوجهين:

الوجه الأول: أن يُقال: إنَّ هذه الجملة الصادرة من الإمام بعد العلم أنَّ الكلب نجس وان بيان طهارته ليس بداعي الجد. معناه أنَّنا نعلم أنَّ شخص هذه الجملة قد تدخل داع غير داعي الجدّ في صدورها، ومعه لا يبقى بناء عقلائي على أصالة الجد في سائر مداليل هذه الجملة، فتسقط عن الحجية. وهذا الكلام يتمّ حتَّى مع فرض قطعية صدور هذه الرواية من الإمام، كما لو كُنَّا سمعناها منه.

الوجه الثاني: أنَّنا لم نسمع هذه الجملة من الإمام ولم يحصل اليقين 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بصدورها، وإنما يثبت حجيتها بلحاظ أدلَّة حُجِّيّة خبر الواحد. وهذه الأدلَّة مقيّدة بما إذا لم يكن الكلام مخالفاً مع الدليل القطعي كتاباً وسنة، وهذه الرواية بظهورها منافية للدليل القطعي من السنة.

ولا يُتوّهم: أنَّ هذه الرواية بإطلاقها تنافي السنة القطعية، لا بذاتها، ونحن في مثل ذلك لا نرفع اليد عن أصل الدليل، بل عن إطلاقه، فإن هذا صحيح في الإطلاق والعمومات المنعقدة بمقدمات الحكمة ونحوها، لا في مثل المقام؛ لأنَّ (الكلب) و(الفأرة) كِلاهما مورد للسؤال، فيصدق على ذات هذه الجملة أنَّها مخالفة للسنة القطعية، لا أنَّ إطلاقها يكون هو المنافي. 

وإن شئتم قلتم: إنَّ الإطلاق قسمان: 

الأول: إطلاق يمكن إزالته وانتفاءه مع المحافظة على أصل الجملة، فإن كان الإطلاق منافياً مع الدليل القطعي أمكن رفع اليد عنه، لأنَّه ثابت بعناية زائدة على أصل الجملة، 

وأما الثاني: إذا ثبت الإطلاق بنفس العناية المفروضة في الجملة فلا يمكن الغاؤه مع التحفظ عليها.

الرواية الثانية: من روايات طهارة الفأرة، في باب الأسآر(1)، ما عن محمد بن الحسن بإسناده عن العمركي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر في حديث: قال: وسألته عن فأرة وقعت في حب دهن 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

() باب9، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأُخرجت قبل أن تموت أيبيعه من مسلم، قال: “نَعَمْ، وَيَدَّهِنُ مِنْهُ”(1). ورواه الحميري في قرب الإسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر مثله(2). وسندها لا بأس به.

وتقريب الاستدلال بها على طهارة الفأرة هو التقريب السابق. ولا تأتي تلك الخدشة معها. وقال السيد: إنَّه مع نجاسة الفأرة كان ينبغي للإمام أن ينبه وحيث إنَّه لم ينبّه فينعقد لها إطلاق مقامي في الطهارة.

نعم، هنا نحتاج إلى ضم دعوى جديدة لم نكن نحتاج إليها في تلك الرواية، وهو أن ندعي حقّاً ارتكازية عدم الفرق في مقام السراية بين القليل والكثير، فيكون الجواب دالاً على الطهارة.

وأما إذا لم ندع ذلك، وكان من المحتمل الفرق بين القليل والكثير -كما فرق في رواية علي بن جعفر السابقة-، فحينئذٍ يكون من المحتمل أنَّ عدم النجاسة باعتباره خصوصية في الملاقى لا الملاقي. ولكنه لا تعقل هذه التفرقة ارتكازاً، فينعقد للرواية ظهور في الطهارة.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 14، كتاب الطهارة، باب المياه.. طهرها ونجاستها، الحديث 19 (باختلاف يسير)، الاستبصار 1: 24، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث4، تهذيب الأحكام 1: 419، كتاب الطهارة، الباب 21، الحديث 45، وسائل الشيعة 1: 238-239، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب الأسآر، الحديث 1.

(2) قرب الإسناد: 261، باب ما يحلّ من البيوع، الحديث 1034.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الرواية الثالثة: وهناك روايات أخر تدلُّ على ذلك، وهي روايات الأسآر: ما رواه الشيخ بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله: “أنَّ أبا جعفر كان يقول: لَا بَأْسَ بِسُؤْرِ الْفَأْرَةِ إِذَا شَرِبَتْ مِنَ الْإِنَاءِ أَنْ تَشْرَبَ مِنْهُ أَوْ تَتَوَضَّأَ مِنْهُ”(1)

ورواه الصدوق أيضاً بإسناده عن إسحاق بن عمّار(2).

الرواية الرابعة: وفي قرب الإسناد عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه: “أنَّ علياً قال: لَا بَأْسَ بِسُؤْرِ الْفَأْرِ أَنْ يُشْرَبَ مِنْهُ وَيُتَوَضَّأَ(3)، والثانية ضعيفة بأبي البختري. والأُولى لا بأس بسندها. وقد أجاز الشرب والوضوء من الإناء الذي شربت منه الفأرة وهو يدلُّ على الطهارة بأحد تقريبين: 

أحدهما: أنَّ نضم إليها ارتكاز أنَّ الماء القليل ينفعل بالنجاسة.

 ثانيهما: أنَّ نستبعد هذا الارتكاز، فيكون الحكم بجواز الشرب مستند إما إلى طهارة الفأرة أو إلى اعتصام الماء القليل كما كان يقول الفيض 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 26، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1:419، كتاب الطهارة، الباب 21، الحديث 42، وسائل الشيعة 1: 239، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب الأسآر، الحديث 2. 

(2) مَن لا يحضره الفقيه 1: 20، باب المياه وطهرها ونجاستها، الحديث28.

(3) قرب الإسناد: 150، أحاديث متفرّقة، الحديث 542.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الكاشاني(1). فتكون الرواية مجملة، وحينئذٍ نرفع إجماله بأدلة انفعال الماء القليل، فيتم الاستدلال. 

وبعض ما ذكرناه يكفي لرفع اليد عن ظهور دليل النجاسة في النجاسة لو تمَّ في نفسه. 

هذا تمام الكلام في هذه الجهة.

الجهة الثالثة: في نجاسة العقرب

الجهة الثالثة من المقام الرابع، في نجاسة العقرب ذاتياً وطهارتها. والكلام يقع أيضاً في ناحيتين: الأولى: فيما يمكن أن يستدلَّ به على نجاسة العقرب. الثانية: فيما يصلح أن يكون معارضاً ودالاً على الطهارة.

الناحية الأولى: في دليل نجاستها

فيما يمكن أن يُستدلَّ به على نجاسة العقرب، وهو روايتان(2)

إحداهما: ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي بصير عن أبي جعفر قال: “سألته عن الخنفساء تقع في الماء أيتوضأ به؟ قال: نعم، لا بأس به، قلت: فالعقرب؟ قال: أَرِقْهُ”(3).

ــــــــــ[193]ــــــــــ

() اُنظر: مفاتيح الشرائع 1: 81، كتاب مفاتيح الصلاة، الباب الثاني: في المقدّمات، القول في المياه، المفتاح 93، كيفيّة تنجّس الماء.

(2) أبواب الأسآر، (المقرر).

(3) الاستبصار1: 27، كتاب الطهارة، الباب 13، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 230، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 47، وسائل الشيعة 1: 240، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب الأسآر، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ثانيتهما: ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن سماعة. قال: “سألت أبا عبد الله عن جرة وجد فيها خنفساء قد مات قال: أَلْقِهَا وَتَوَضَّأْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَقْرَباً فَأَرِقِ المَاءَ وَتَوَضَّأْ مِنْ مَاءٍ غَيْرِهِ”(1).

ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب مثله(2).

فقد دلت الروايتان على الأمر بالإراقة، فيُقال: إنَّه يستفاد منه النجاسة، لأنَّ الأمر بالإراقة إرشاد إلى أنَّه لا ينتفع بالماء بوجه، وهو أبلغ تعبير عن كونه نجساً في نظر الشارع.

ويمكن أن يضاف إليهما رواية الغنوي السابقة التي يقول فيها: “سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حياً هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ به. قال: يُسْكَبُ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ…”(3). الحديث.

ــــــــــ[194]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 35، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث 6، الاستبصار 1: 21، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 3، وسائل الشيعة 1: 240، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب الأسآر، الحديث 6.

(2) تهذيب الأحكام 1: 229، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 45.

(3) الاستبصار 1: 24، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 238، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 21، وسائل الشيعة 1: 188، كتاب الطهارة، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لو جعلت هذه الرواية دليلاً على النجاسة، ولم نضم إليها ارتكاز أنَّ السكب ثلاث مرات ليس بمطهر، فإنَّنا إن ضممناه دلت على الطهارة. وإن لم نضمه وقطعنا بعدمه دلت على النجاسة. وإن احتملناه لم ينعقد لها ظهور في النجاسة.

أما من حيث السند فرواية الغنوي كما تقدَّم ساقطة سنداً؛ لأنَّه ورد فيها: يزيد بن إسحاق، وهو لم يثبت توثيقه(1)

وأما الروايتان الأخريان فلا بأس بسندهما؛ لأنَّ تمام الرواة موثقون على مبانينا.

نعم، على مبنى السيد الأستاذ لا بُدّ ألّا تكون موثقة. رغم أنَّه عبر عنها بذلك؛ لأنَّ عثمان بن عيسى لم يثبت توثيقه عنده(2). وأما عندنا فثقة؛ لأنَّه روى عنه أحد الثلاثة، وهو صفوان(3).

وأما من حيث الدلالة فالظاهر عدم الدلالة؛ لأنَّ غاية ما تدلُّ عليه هو الأمر بالإراقة، وهو إنما نحمله على أنَّه إرشاد الى النجاسة ونرفع اليد عن ظهوره بالنكتة النفسية باعتبار عدم مثل هذه النكتة في سائر الموارد بحسب 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

(1) تقدَّم تخريجه سابقاً، فراجع.

(2) اُنظر: فقه الشيعة 1: 183-184، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الماء الراكد، المسألة1، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: ٢٠٧، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الماء الراكد، المسألة1، معجم رجال الحديث 12: 129، باب العين، الرقم 7623.

( ) تهذيب الأحكام 8: 8، كتاب الطلاق، الباب 1، الحديث 23.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الارتكاز فيتعين الحمل على الإرشاد.

وهنا توجد نكتة نفسية وهي مسألة الضرر والسُمّية، فلعلّ الأمر بالإراقة أمر نفسي باعتبار هذه النكتة، ولا يكون أمراً إرشادياً، ومعه لا موجب لرفع اليد عن ظهوره بالنكتة النفسية. ولا أقلّ من احتماله. 

ويؤيده ما ورد في (العظاية) الذي هو حيوان آخر، ورد الأمر بالإراقة وعلل بنكتة السُمّية. إذن فالمقتضي قاصر عن إثبات النجاسة.

الناحية الثانية: الروايات المُعارضة والدالة على الطهارة

فيما يمكن أن يكون معارضاً ودليلاً على الطهارة، لو تمَّ دليل على النجاسة، ويندرج في ذلك ثلاث روايات(1)

الرواية الأولى: رواية الغنوي بعد ضم الارتكاز السابق.

الرواية الثانية: في أبواب النجاسة ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن سنان عن ابن مسكان قال: “قال أبو عبد الله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ يَسْقُطُ فِي الْبِئْرِ لَيْسَ لَهُ دَمٌ مِثْلُ الْعَقَارِبِ وَالْخَنَافِسِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ”(2)

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() باب 35، (المقرر).

(2) الكافي 5: 23، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث 6، الاستبصار 1: 27، كتاب الطهارة، الباب 13، الحديث 3، تهذيب الأحكام 1: 230، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 49، وسائل الشيعة 3: 464، كتاب الطهارة، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بتقريب: أنَّه لو كان محكوماً بالنجاسة الذاتية، لكان فيه محذور وبأس. فيستفاد من نفي البأس عدم النجاسة.

والاستدلال بها موقوف على البناء على عدم اعتصام ماء البئر، وأما مع القول باعتصامه فلا يتمّ الاستدلال؛ لأنَّ نفي البأس يثبت حتَّى مع ثبوت النجاسة، فإن المعتصم لا ينجس بملاقاة الكلب فضلاً عن العقرب، وإنما يكون نفي البأس إشارة إلى نفي النزح التنزيهي، فلعله نجس ولا ينزح منه.

الرواية الثالثة: ما عن عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد(1) عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر: “أنَّه سأل أخاه موسى بن جعفر عن العقرب والخنفساء وأشباههما تموت في الجرّة أو الدَنِّ يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لَا بَأْسَ بِهِ”(2).

بتقريب أنَّها تموت في ماء قليل كالجرّة أو الدَنِّ، فتدلُّ على عدم النجاسة.

أما بنفسها لو قلنا بارتكازية انفعال الماء القليل، أو بضمِّ أدلَّة انفعاله.

إلا أنَّ الروايات الثلاثة كلها غير تامَّة سنداً:

أما رواية (البئر): فلأنَّه ورد فيه ابن سنان، وهو الذي يروي عنه الحسين بن سعيد، إن لم ندع الاطمئنان بأنَّه محمد بن سنان، فلا أقلّ من الإجمال، ومعه لا يمكن الاعتماد عليها لأنَّه لم يثبت توثيقه.

ــــــــــ[197]ــــــــــ

() نفس الباب، (المقرر).

() قرب الإسناد: 178، في الوضوء، الحديث 657.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والرواية الأخيرة: لعبد الله بن الحسن(1)، ومعه لو سلمنا تماميته الروايات على النجاسة لم يكن لها معارض حسابي وإنما العمدة على انتفاء الدليل على النجاسة.

والغريب أنَّ السيد الأستاذ في مقام تبعيد القول بالنجاسة قال: إنَّه مما يبعد القول بالنجاسة أنَّ العقرب الميتة لا يكون فيها محذور وتكون محكومة بالطهارة؛ لأنَّه ليس له نفس سائله. فكيف تكون محكومة بالنجاسة حال كونها حية(2)؟!

هذا غريب: لأنَّنا لو بقينا على هذه القاعدة، وهي أنَّ ما لا نفس له فميتته طاهرة، فمن الواضح أنَّها ناظرة إلى النجاسة من حيث الميتة.

فلو كانت العقرب نجسة ذاتاً في حياتها كانت نجسة حال موتها أيضاً. لا من حيث كونها ميتة، بل بما هي عقرب. ولا يدلُّ ذلك على نفي النجاسة الذاتيَّة بما هي عقرب، فهذا الدليل ينفي النجاسة من جهة واحدة لا من سائر الجهات.

فالمهم أنَّ الدليل الدال على النجاسة قاصر في نفسه.

ــــــــــ[198]ــــــــــ

(1) حيث لم يذكر في كتب الرجال.

(2) راجع: فقه الشيعة 3: 275، كتاب الطهارة، فصلٌ: في أحكام النجاسات، المسألة1، التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: ١٥٣، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الجهة الرابعة: في نجاسة الوزغ 

الجهة الرابعة في الوزغ أو الوزغة. ولم يبق فيها مزيد بحث عما ذكرناه، فإنَّ الروايات التي يمكن أن يستدلَّ بها على النجاسة، روايتان:

الرواية الأولى: رواية الغنوي السابقة حيث قال: “غَيْرَ الْوَزَغِ؛ فإنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ”(1).

الرواية الثانية(2): رواية معاوية بن عمار قال: “سألت أبا عبد الله عن الفأرة والوزغة تقع في البئر، قال: يُنْزَحُ مِنْهَا ثَلَاثُ دِلَاءٍ”(3)، وقد تقدَّم أنَّ صحيحة معاوية بن عمار لا يمكن الاستدلال بها على نجاسة الفأرة، فلا تكون  دالة على نجاسة الوزغة بنفس الملاك.

وأما رواية الغنوي فالاستدلال بها مبني على ارتكازية عدم النكتة النفسية، والإنصاف أنَّه لا يوجد هذا الارتكاز، بل الرواية مسوقة لبيان النكتة النفسية دون النجاسة، ولا أقلّ من احتمال ذلك، بحيث الحمل على 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

() الاستبصار 1: 24، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 2، تهذيب الأحكام 1: 238، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 21، وسائل الشيعة 1: 188، كتاب الطهارة، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

(2) سبقت، (المقرر).

(3) الاستبصار 1: 39، كتاب الطهارة، الباب 21، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 238، كتاب الطهارة، الباب 11، الحديث 19، وسائل الشيعة 1: 187، كتاب الطهارة، الباب 19 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النجاسة، لما قلناه من أنَّ الحمل عليها إنما يكون من عدم ارتكاز النكتة النفسية. ويقرب ما أشرنا إليه أنَّ قوله: يسكب منه ثلاث مرات مسوق لبيان النكتة النفسية، فلتكن العبارة الثانية كذلك.

وأما ما يدلُّ على طهارة الوزغة، فرواية علي بن جعفر التي سأل فيها: “عن العقرب وأشباهها، يموت في الجرّة أو الدَنِّ يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لَا بَأْسَ بِهِ”(1).

ودعوى أنَّ كلمة الماء هنا مطلقة وليست خاصة بالماء القليل كبعض الروايات السابقة، فتقيد بخصوص الماء الكثير لو تمَّ الدليل على النجاسة. مدفوعة بأنَّ هذا ليس تقييداً عرفياً؛ لأنَّه حمل على الفرد النادر، فيستفاد منه الطهارة إما مستقلاً أو بضم دليل انفعال الماء القليل إليه.

هذا تمام الكلام في جهات هذا المقام الرابع.

ــــــــــ[200]ــــــــــ

() سبقت أخيراً، (المقرر). قرب الإسناد: 178، في الوضوء، الحديث 657.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2







الفصل الخامس

قاعدة الطهارة

 

  • الاستدلال على قاعدة الطهارة
  •  مسألة في استحبابُ رشِّ معابد الكفّار قبل الصلاة فيها
  • عدم وجوب الفحص عند الشكّ في الطهارة والنجاسة

 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2





الفصل الخامس                                                                                      قاعدة الطهارة

 

المسألة 2: كلّ مشكوك طاهر، سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة، أو لاحتمال تنجّسه مع كونه من الأعيان الطاهرة(1).

 

الاستدلال على قاعدة الطهارة

الكلام فيما إذا شكّ في طهارة شيء ونجاسته:

المعروف بين الفقهاء هو الحكم بالطهارة، وهو المسمى بأصالة الطهارة، ويمكن أن يستدلَّ على ذلك بوجهين:

الوجه الأول: رواية عمار التي ورد فيها: أنَّ كل شيء طيب حتَّى تعلم أنَّه قذر.

الوجه الثاني: تصيّد القاعدة من الروايات الخاصَّة الواردة في موارد متفرقة.

ــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 149، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الوجه الأول: التمسّك برواية عمار الساباطي

وهي ما رواه الشيخ في التهذيب(1)، فقال: محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار الساباطي عن أبي عبد ، قال: سُئِل عن الكوز أو الإناء يكون قذراً كيف يغسل، وكم مرّة يغسل؟ وفيها أحكام كثيرة عن أحكام الأمارات، وسؤر ما لا يؤكل لحمه وغيره، وفي آخره يقول-: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ نَظِيفٌ حتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ(2)، فَإِذَا عَلِمْتَ فَقَدْ قَذِرَ، وَمَا لَمْ تَعْلَمْ فَلَيْسَ عَلَيْكَ”(3).

وقد وردت بعض فقراتها في مواضع أخرى من الكتب الأربعة، فقد نقل قسماً منها الشيخ في الاستبصار(4)، فقال اخبرني الحسين بن عبيد الله عن عدة من أصحابنا عن محمد بن يعقوب عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله، قال: سئل عن ماء 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

() ص284، من الطبعة الجديدة، (منه )، (المقرر).

(2) سيأتي قريباً أنّ في البين قراءتين: (قَذِرٌ) و(قَذُرَ).

(3) تهذيب الأحكام 1: 284-285، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 119، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(4) الاستبصار، ص25. منه ، (المقرر). 

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يشرب منه الحمام … إلخ الرواية(1). وليس فيها الفقرة التي هي محلّ الكلام. 

ورواها الكليني في الكافي(2)، فقال: احمد بن إدريس عن محمد بن يحيي عن محمد بن أحمد عن أحمد بن الحسن بن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمّار(3)،ثُمَّ نقل المتن بشكل يشابه ما نقله في الاستبصار، والصدوق في الفقيه نقل صدر الرواية مرسلاً عن الإمام الصادق(4).

إذن فلم تذكر فقرة الاستدلال إلا في موضع واحد من التهذيب، وهذه الرواية قد تكون بالأسانيد الأخرى صحيحة، إلا أنَّ صحتها لا تكفي للاستدلال بالفقرة، بل تحتاج إلى ملاحظة سند الرواية الطويلة المحتوية على فقرة الاستدلال.

وتمام هذه الأسانيد تنتهي إلى محمد بن أحمد بن يحيى إلى عمار. ولكن سند الرواية الطويلة جاء فيه اسم شخص توسط بين احمد بن محمد بن يحيى وأحمد بن الحسن بن علي بن فضّال وهو احمد بن يحيى.

فإن قطعت النظر عنه كما قطع النظر عنه في الأسانيد الأخرى فأحمد بن محمد بن يحيى ومن بعده ثقات.

ــــــــــ[205]ــــــــــ

() الاستبصار 1: 25، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 1. 

(2) الكافي (ص9) منه .

(3) الكافي 5: 34-35، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث 5.

(4) مَن لا يحضره الفقيه 1: 13-14، باب المياه وطهرها ونجاستها، الحديث 18.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بحث سندي 

فتكون الرواية مرهونة في التخلص من المشكلة الحادثة من هذا التوسط.

ويكون ذلك بأحد دعويين:

الدعوى الأولى: بأنَّ هذا التوسط وقع سهواً من الشيخ، وبحسب الحقيقة لم يكن أحمد بن يحيى موجوداً في السند، فإن السند الذي يذكره الشيخ في الاستبصار خالٍ منه، وهنا لعلّ الشيخ ذكر أحمد بن يحيى اشتباها لغلبة الأحمدين، وتشوشهم عليه، كمحمد بن أحمد وأحمد بن الحسن. 

الدعوى الثانية: أن نعترف بوجود الواسطة وندعي وثاقة احمد بن يحيى.

الدعوى الأولى: في اشتباه الشيخ الطوسي

أما الدعوى الأُولى وهي دعوى اشتباه الشيخ الطوسي فحيث إنَّها على خلاف الأصل العقلائي فتحتاج إلى قرينة، وما يُتصوّر قرينة عليه هو سقوط هذا الوسط في طريق الاستبصار. فقد نقل الشيخ نفسه في الاستبصار جزءاً من هذه الرواية بدون هذه الواسطة.

إلا أنَّ هذه القرينة لا توجب الاطمئنان الشخصي بكونه مذكرواً اشتباهاً حتَّى يرفع اليد عن مقتضى الأصول العقلائيَّة بعدم الاشتباه. خاصة بعد الالتفات إلى نقطتين:

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النقطة الأولى: أنَّ طريق الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى في رواية الاستبصار(1) يختلف عنه في رواية التهذيب(2)، إذ لو كان واحداً لكان للقرينة صورة، إلا أنَّ هذه الرواية بدأها الشيخ في التهذيب -وهي محلّ الاستدلال- بمحمد بن أحمد بن يحيى، ما يعني أنَّه أخذها من كتبه وطرقه إليه من المشيخة والتهذيب لم يقع فيها الكليني.

بينما في الاستبصار وقع فيها الكليني ولم يبدأ فيها بمحمد بن أحمد بن يحيى. فإذا عرفنا أنَّ للشيخ طريقان إليه، فلا يستبعد أنَّ أحدهما فيه واسطة زائدة دون الطريق الآخر، ويكون ذلك أقلّ بعداً مما إذا كان طريقاً واحداً.

النقطة الثانية: أنَّ هناك اختلافاً في التعبير، في متن الرواية، فإن ما نقله في الاستبصار -الذي فيه الكليني- يختلف عن صدور الرواية الطويلة التي نقلها في التهذيب عن كتاب محمد بن أحمد بن يحيى، وهذا التفاوت يذكر أنَّ كُلاً منهما مأخوذ بنحو غير ما أخذ منه الآخر، لا أنَّ هذا تكميل لذاك، فهذا أيضاً يبعد الاطمئنان الشخصي بأنَّ الرواية واحدة.

والذي يظهر بالمقارنة بين ورودات هذه الرواية في الكتب الأربعة. نرى أنَّ الصيغة التي نقلها الشيخ في الاستبصار والتي وقع فيها محمد بن يعقوب الكليني، هو عين ما نقله الكليني في الكافي تقريباً.

ــــــــــ[207]ــــــــــ

(1) تقدَّم تخريجه سابقاً، فراجع.

(2) تقدَّم تخريجه سابقاً، فراجع.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وقد ورد فيها ذكر الحمام، بينما لم يرد في رواية التهذيب.

ومرسلة الصدوق ورد فيها ذكر الدجاجة. ومن هنا يعرف أنَّ للرواية مأخذين ولا يمكن أن يحصل الاطمئنان الشخصي بالاتحاد.

الدعوى الثانية: في توثيق أحمد بن يحيى

أن نوثق أحمد بن يحيى؛ لأنَّه يوجد عندنا ثلاثة بهذا العنوان. اثنان منهم لا يناسب وقوعهم في هذا السند وواحد يناسب وهو ثقة:

1- أوَّلهم: أحمد بن يحيى من طلاب العياشي، وهو لا يناسب أن يكون راوياً مباشرة عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال؛ لأنَّ العيّاشي(1) نفسه لا يناسب روايته عنه فضلاً عن طلابه، فإن العياشي(2) سمع عن أصحاب علي 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 407، أصحاب الإمام العسكريّ، باب: مَن لم يرو عن واحدٍ من الأئمّة، الرقم ٥٩٣٢: “أحمد بن يحيى، يكنّى أبا نصر، من غلمان العياشي”، وفي صفحة: 451، باب الكنى، الرقم 6402، قال: “أبو نصر بن يحيى الفقيه، من أهل سمرقند، ثقة، خيّر، فاضل…”، نقد الرجال 1: 178، 179، باب الهمزة، الرقم 362، الوجيزة في الرجال: 25، باب الهمزة، الرقم 145، منتهى المقال في أحوال الرجال 1: 366-367، باب الهمزة، الرقم 267، معجم رجال الحديث 3: 158-159، باب الهمزة، الرقم 1012.

(2) اُنظر: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 350-351، الرقم 944: “محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش السلميّ السمرقندي‌، أبو النضر المعروف بالعياشي، ثقة، صدوق، عين من عيون هذه الطائفة، وكان يروي عن الضعفاء كثيراً. وكان في أوَّل أمره عامّيّ المذهب، وسمع حديث العامّة فأكثر منه، ثمَّ تبصّر وعاد إلينا، وكان حديث السنّ، سمع أصحاب علي بن الحسن بن فضّال”، وانظر أيضاً: كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 440، باب الميم، الرقم 6282، كتاب الرجال (ابن داود): 335-336، باب الميم، الرقم ١٤٧١، خلاصة الأقوال (العلّامة الحلّي): 145، الفصل الثالث والعشرون، في الميم، باب محمّد، الرقم 37، معجم رجال الحديث 18: 237، باب الميم، الرقم 11795.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، فكيف بطلابه!

2- ثانيهم: أحمد بن يحيى المقرئ(1): وهذا لا يناسب؛ لأنَّه متقدِّم في الطبقة؛ لأنَّه يروي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر -من أصحاب الكاظم- وهو يروي عن أصحاب السجاد. فيستبعد أن يروي عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال وهو من أصحاب الهادي.

3- فيتعين الثالث: وهو أحمد بن يحيى بن الحكيم الأودي وهو ثقةٌ(2) 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) راجع: معجم رجال الحديث 3: 160، باب الميم، الرقم 1018.

(2) راجع: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 81، باب الهمزة، الرقم 195: “أحمد بن يحيى بن حكيم الأودي الصوفي، كوفي، أبو جعفر ابن أخي ذبيان، ثقة. له كتاب دلائل النبي، رواه عنه جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري”، كتاب الرجال (ابن داود): 47، باب الهمزة، الرقم 141، خلاصة الأقوال (العلّامة الحلّي): 19، الفصل الأوّل: في الهمزة، الباب السابع: أحمد، الرقم 40، نقد الرجال 1: 179، باب الهمزة، الرقم 363، منتهى المقال في أحوال الرجال 1: 367، باب الهمزة، الرقم 268، معجم رجال الحديث 3: 159، باب الهمزة، الرقم 1013.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فتكون الرواية حُجَّة.

وهذا يتمّ لولا تهافت النسخة للتهذيب، بين أحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى، فإن فرضنا أنَّه أحمد بن يحيى فقد تمَّ المطلب. وإن فرض أنَّه محمد بن يحيى على ما في بعض النسخ فيقع فيه إشكال لأنَّه عندنا محمد بن يحيى الصيرفي(1) وله كتاب ومشهور ولم يثبت توثيقه يروي عند جماعة منهم أبو عبد الله البرقي وغيره.

فإذا لم نستطع تقديم نسخة أحمد بن يحيى ولو بلحاظ تقديم نسخة الوسائل -باعتبار صحَّة طريقه إلى الشيخ- فإن نسخها متفقة على أحمد وإنما نسخ البدل في نسخ التهذيب.

الوجه الثاني: تصيد القاعدة من الروايات

وأما الوجه الثاني فهو تصيّد القاعدة من الروايات المتفرقة الواردة في موارد متفرقة، بدعوى أنَّ المستفاد منها أنَّ الشكّ من حيث هو يكون مناطاً للعفو من قبل الشارع والتسامح في الطهارة والنجاسة وهو معنى قاعدة الطهارة التي يقول بها الفقهاء.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

(1) اُنظر: الفهرست (الشيخ الطوسي): ٤١٧، باب الهمزة، باب محمّد، الرقم ٦٣٥، معالم العلماء: 104، باب الميم، فصل: محمّد، الرقم 697، نقد الرجال 4: 349، باب الميم، الرقم 5176، منتهى المقال في أحوال الرجال 6: 232، باب الميم، الرقم 2938، معجم رجال الحديث 19: 42، باب الميم، الرقم 12031.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وهذه الروايات عديدة أذكر جملة منها:

الرواية الأولى: رواية علي بن جعفر(1) قال: “سألته عن الفأرة والدجاجة والحمامة وأشباههما تطأ العذرة تطأ الثوب أيغسل؟ قال: إِنْ كَانَ اسْتَبَانَ مِنْ أَثَرِهِ شَيْ‏ءٌ فَاغْسِلْهُ، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ”(2).

والرواية وإن وردت في مورد خاص، إلا أنه بإلغاء الخصوصية بالارتكاز العرفي يفهم أنَّ المناط هو الثبوت من النجاسة وبدونها فلا بأس.

الرواية الثانية: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي جعفر عن أبيه عن حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي قال(3): “مَا أُبَالِي أَ بَوْلٌ أَصَابَنِي أَوْ مَاءٌ إِذَا لَمْ أَعْلَمْ”(4). ورواه الصدوق مرسلاً(5).

ــــــــــ[211]ــــــــــ

() أبواب النجاسات باب37، (المقرر).

(2) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 193، قسم المسائل، الحديث 402، تهذيب الأحكام 1: 424، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 20، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(3) أبواب النجاسات باب 37، (المقرر).

(4) الاستبصار 1: 180، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 253-254، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 22، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(5) اُنظر: مَن لا يحضره الفقيه 1: 72، باب ما ينجّس الثوب والجسد، الحديث 166.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ودعوى إلغاء الخصوصية هنا أوضح من سابقتها، بل من كل الروايات الآتية، وأن المناط في المبالات هو العلم.

الرواية الثالثة: ما رواه محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن عمار بن موسى الساباطي: “أنَّه سأل أبا عبد الله عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الإناء مراراً أو أغتسل منه، أو غسل ثيابه وقد كانت الفأرة متسلخة؟ فقال: إِنْ كَانَ رَآهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَمَا رَآهَا فِي الْإِنَاءِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ، وَيَغْسِلَ كُلَّ مَا أَصَابَهُ ذَلِكَ المَاءُ، وَيُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ. وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا رَآهَا بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ وَفِعْلِهِ فَلَا يَمَسَّ مِنَ المَاءِ شَيْئاً، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَتَى سَقَطَتْ فِيهِ، ثُمَّ قال: لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا سَقَطَتْ فِيهِ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي رَآهَا”(1)

ويستفاد منها أنَّ المناط في الطهارة هو احتمال منشأ الشكّ وبيانه. فكأن احتمال عدم النجاسة يكفي في الحكم بعدم النجاسة.

الرواية الرابعة: رواية حنّان بن سدير، قال: “سمعت رجلاً سأل أبا عبد الله فقال: إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي. فقال: إِذَا بُلْتَ 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

() في الباب 5، من الماء المطلق، (المقرر). مَن لا يحضره الفقيه 1: 20، باب المياه وطهرها ونجاستها، الحديث 26، الاستبصار 1: 32-33، كتاب الطهارة، الباب 17، الحديث 7، تهذيب الأحكام 1: 418-419، كتاب الطهارة، الباب 21، الحديث 41، وسائل الشيعة 1: 142، كتاب الطهارة، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وَتَمَسَّحْتَ فَامْسَحْ ذَكَرَكَ بِرِيقِكَ، فَإِنْ وَجَدْتَ شَيْئاً فَقُلْ هَذَا مِنْ ذَاكَ”(1).

فالإمام يبين طريقاً لجعل منشأ احتمال ألا يكون هناك محذور، سواء كان هو النجاسة والناقضية، أو الناقضية فقط.

الرواية الخامسة: ما عن محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن إبراهيم بن أبي البلاد عن معاوية بن عمار، قال: “سألت أبا عبد الله عن الثياب السابرية يعملها المجوس، وهم أخباث، وهم يشربون الخمر، ونساؤهم على تلك الحالة، ألبسها ولا أغسلها وأصلي فيها؟ قال: نَعَمْ”(2).

لكن لا يمكن الاستدلال بها على الطهارة، إذ قد يكون مدركها الاستصحاب دون أصالة الطهارة.

ــــــــــ[213]ــــــــــ

() نواقض الوضوء، باب 13، (المقرر). الكافي 5: 65، كتاب الطهارة، الباب 13، الحديث 4، مَن لا يحضره الفقيه 1: 69-70، باب ما ينجّس الثوب والجسد، الحديث 160، تهذيب الأحكام 1: 348، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث 14، وسائل الشيعة 1: 284، كتاب الطهارة، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7.

(2) تهذيب الأحكام 2: 362، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 29، الوافي 6: 219، كتاب الطهارة والتزيّن، أبواب الطهارة من الخبث، باب التطهير من الخمر، الحديث 4150، وسائل الشيعة 3: 518، كتاب الطهارة، الباب 73 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والفرق بينها وبين ما سبق أنَّه فيما سبق ذُكرت النكتة في كلام الإمام. وأن المناط فيها هو مجرَّد الشكّ، وإن كانت هناك حالة سابقة.

وأما في هذه الرواية فلم تُذكر في الجواب. وجواز الصلاة فيه كما يحتمل أن يكون مستنداً إلى قاعدة الطهارة كذلك يحتمل أن يكون مستنداً إلى الاستصحاب.

ومن هنا لا يمكن أن نستدلَّ بروايات الاستصحاب كرواية عبد الله بن سنان، التي يقول فيها: “صَلِّ فِيهِ وَلَا تَغْسِلْهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؛ ‌فَإِنَّكَ أَعَرْتَهُ إِيَّاهُ وَهُوَ طَاهِرٌ، وَلَمْ تَسْتَيْقِنْ أَنَّهُ نَجَّسَهُ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ حتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ نَجَّسَهُ”(1).

وإنما يستدلُّ بها في مورد لا يجري الاستصحاب فيه كتوارد الحالتين. 

وكذلك مرسلة محمد بن إسماعيل(2)، عن أبي الحسن في طين المطر: “أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يُصِيبَ الثَّوْبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ نَجَّسَهُ شَيْ‏ءٌ بَعْدَ المَطَرِ…”(3).

ــــــــــ[214]ــــــــــ

() الاستبصار 1: 392-393، كتاب الطهارة، الباب 231، الحديث 1، تهذيب الأحكام 2: 361، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 27، وسائل الشيعة 3: 521، كتاب الطهارة، الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) في باب4 من الماء المطلق، (المقرر).

(3) الكافي 5: 45، كتاب الطهارة، الباب 9، الحديث 4، مَن لا يحضره الفقيه 1: 70، باب ما ينجّس الثوب والجسد، الحديث 163، تهذيب الأحكام 1: 267، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 70، وسائل الشيعة 1: 147، كتاب الطهارة، الباب 6 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإنه أيضا لا يمكن أن يستدلَّ بها لأنَّه نظر فيها إلى الحالة السابقة، فلعلّ المدرك في الطهارة هو الاستصحاب.

وفيما ذكرناه كفاية في إثبات القاعدة.

يبقى البحث فقهياً في أصالة الطهارة. من حيث إنَّها لم يتكلم عنها في علم الأصول، فيحسن استيعاب الكلام فيها بمقدار ما.

وأول ما نتكلم فيه هو البحث عن نتيجة هذين الوجهين.

الكلام في تحقيق مفاد قاعدة الطهارة في جهات:

الجهة الأولى: في اختصاص القاعدة بالشبهة الموضوعية أو تعميمها للحكمية؟

أنها هل تجري في الشبهات الحكمية والموضوعية معاً أو تختص بالشبهات الموضوعية فقط؟ فإن الشكّ في الطهارة والنجاسة يكون على نحو الشبهات الموضوعية، كما لو شككت أنَّ هذا الدم متخلف في الذبيحة أو لا.

وقد يكون على نحو الشبهات الحكمية، كما لو شككت أنَّ الدم المتخلف في الذبيحة طاهر أو نجس.

التحقيق في المقام:

لا بُدّ في تحقيق ذلك من الرجوع إلى المدرك: فإن كان المدرك هو الوجه 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الثاني وهو تصيّدها من الروايات المتفرقة ويلغي بالارتكاز خصوصيات مواردها وأن المناط هو العلم بالنجاسة.

إلا أنَّه ليس هناك ارتكاز يقتضي التعميم للشبهات الحكمية. بل المتيقن منها هو جريان أصالة الطهارة في الشبهات الموضوعية، لأنَّ احتمال الاختصاص بها احتمال عقلائي، فلا ارتكاز يقتضي الإطلاق.

وأما إذا بنينا على الوجه الأول، وهو التمسّك برواية عمار، فلا ينبغي أن يفرّق بين الشبهتين: الحكمية والموضوعية، فإن مقتضى قوله: (كل شيء نظيف حتَّى تعلم أنَّه قذر)، أنَّه إذا لم يعلم بنجاسة شيء سواء من ناحية الشبهة الحكمية كعرق الإبل الجلالة أم الموضوعية فإنَّه يحكم عليه بالطهارة.

ولا يوجد دغدغة بذلك إلا تقريب واحد، وهو أن يُقال: إنَّ العموم لا يشمل في عرض واحد كِلا الشبهتين؛ لأنَّ المستظهر عرفاً من العموم -كقوله: (كل شي نظيف حتَّى تعلم أنَّه قذر)-، أنَّ الاشياء التي يسري الحكم إليها هي أشياء متغايرة متباينة، ولذا فرضت موضوعات متعددة للعام، ووجودات متقابلة للأفراد.

فلو قلنا إنَّ الدليل شامل للشبهتين فمعناه أنَّه يشمل طبيعي عرق الجلال لأنَّه شيء لا يعلم نجاسته ويشمل هذا الفرد من العرق لأنَّه شيء لا يُعلم نجاسته. وهذا خلاف استظهارنا تباينية الأفراد للعام، فإن الفرد ليس مقابلاً للطبيعي المنطبق عليه.

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومعه لا بُدّ من الالتزام بأنَّ هذا الدليل لا يشمل إلا أحد الشبهتين.

هذا يمكن أن يجاب عليه بتقريبات أحسنها: أنَّنا نختار حمل العموم على الأفراد ابتداءً، كما هو الطبع الأولي للعمومات. ومع هذا نقول بشموله لكِلا الشبهتين، لأنَّ هذا الفرد قد يشكّ في نجاسته للشك في الكبرى أو للشك في الصغرى، فقد حفظ ظهور العموم بالتقابل بين الأفراد ولم نجمع بين العناوين وأفرادها. 

الجهة الثانية: في اختصاص القاعدة بالشك في طروّ النجاسة أو التعميم للشك في أصلها؟

أن قاعدة الطهارة هل تختص بخصوص ما إذا كان الشكّ في طروّ النجاسة؟ أو تشمل ما إذا كان الشكّ في ثبوت النجاسة من أوَّل الأمر؟

على تقدير الشبهة الموضوعية والحكمية.

فالشبهة الحكمية لها قسمان:

تارة: يفرض الشكّ في طروّ النجاسة كما لو لاقى الثوب مع المتنجس وأشك أنَّ ملاقي المتنجس يتنجس أو لا.

وأخرى: يفرض في أصل النجاسة، كما لو شكّ في طهارة عرق الإبل الجلالة أو نجاستها. 

والموضوعية أيضاً قسمان:

فقد يتفق أن يكون الشكّ في الطروّ كالشكّ في أنَّه وقعت قطرة دم على ثوبي أو لا. 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أو في أصل النجاسة من أوَّل الأمر، كما لو كان خمر في إناء واستحال إلى شيء مردد بين ما يتنجس وما لا يتنجس كالماء والخل. أو هذا الحيوان كلب أو غنم.

فهذه جهة بعنوانها في مقابل الجهة السابقة وأن قاعدة الطهارة: هل تختص بصورة الشكّ في طروّ النجاسة أو تشمل ما إذا كان الشكّ في ثبوتها من أوَّل الأمر. سواء قلنا بالاختصاص بالشبهة الموضوعية أو قلنا بالتعميم للحكمية.

فإن كان المدرك هو الوجه الثاني فلا ينبغي أن يفرق بين ما إذا شكّ في طروّ النجاسة وما إذا شكّ في أصلها.

باعتبار أنَّ المستظهر من كلام أمير المؤمنين وغيره من الروايات أنَّ المناط في العفو هو عدم العلم بالنجاسة لا الشكّ في طروّها. وإن كانت جميع الروايات خاصة بصورة مراد النجاسة، لكن المستظهر أنَّ المناط هو كونه لا يعلم بالنجاسة طروّاً أو من الأصل. فهذا مطلب قابل للادعاء على المدرك الثاني على إشكال.

وأما على الوجه الأول، فلرواية عمار وجهان في قرائتها: (كل شيء نظيف حتَّى تعلم أنَّه قَذِر) أو (أنَّه قذُر)، وكِلاهما محتمل في العبارة. فان قرأناها بالكسر بالمعنى الوصفي فلا إشكال في شمولها للموردين من دون فرق في الشبهتين.

وأما إذا قراناها بالضم، فهي قابلة للحمل على المعنى الوصفي، فإنَّها 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وارد في اللغة على ذلك، وعلى معنى الفعل(1) بمعنى تقذّر.

فإن كان بالمعنى الوصفي فالكلام فيه هو الكلام السابق.

وإن كان بمعنى الفعل فالغاية تكون عبارة عن العلم بطروّ القذارة، فتختص القاعدة بذلك.

وأما في الموارد التي يشكّ في وجودها من أوَّل الأمر فلا تشملها القاعدة.

وحيث إنَّ العبارة مجملة من هذه الناحية، فيصير من اقتران الكلام بما يحتمل قرينته متصلاً ومعه لا يمكن التمسّك بالإطلاق.

 نعم، لو ادعينا ارتكازية عدم الفرق في أذهان المتشرعة بين النجاسة المشكوك طروّها والنجاسة المشكوك أصلها، فحتى مع فرض الإجمال وعدم وجود الاطلاق اللفظي نلغي الخصوصية بالارتكاز.

إلا أنَّ اثبات هذا الارتكاز غير ممكن لأنَّ احتمال الفرق بين حدوث النجاسة وأصلها موجود في أذهان المتشرعة، فإن كونه قد مرّ عليه زمان طاهراً قد تكون نكتته أنَّه يحتمل المتشرعة دخلها في جعل قاعدة الطهارة، 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب العين 5: 133-134، باب الثلاثي الصحيح، باب القاف والذال والرّاء، تاج اللّغة وصحاح اللّغة العربيّة (الصحاح) 2: 787-788، فصل القاف، قذر، لسان العرب 5: 80، فصل القاف، مادّة (قذر)، المصباح المنير 2: 494، كتاب القاف، مادّة (قذر)، مجمع البحرين 3: 454، باب أوّله القاف، مادّة (قذر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

هذا إذا كان المدرك هو الوجه الأول.

وإن كان المدرك هو الوجه الثاني فقد يُقال: إنَّه أسوأ حالاً من الوجه الاول، فإن الروايات المتفرقة كلها وردت في مورد طروّ النجاسة لا في مورد وجودها من أوَّل الأمر.

اللهم إلا أن يُقال: إنَّ قوله: (حتى تعلم) بمنزلة التعليل وإعطاء الميزان الكلي، لا أنَّه تقييد واشتراط، فإنَّه إذا كان بنحو القضية الشرطية فالطبع الأولي، لها التقييد. ومعه لا يمكن أن نتوسع عن المورد وهو صورة طروّ النجاسة، وأما إذا كان تعليل فمقتضاه إلغاء خصوصية المورد وجعل الحكم دائراً مدار العلة.

على أن نضيف إلى ذلك مطلب آخر وهو دعوى: أنَّ العلَّة المطلقة لصورة وجود النجاسة من أوَّل الأمر ولم يؤخذ فيها عنوان الحدوث.

فإذا ضممنا هذين المطلبين أمكن استفادة العموم منها. والدعوى الأُولى قريبة من النفس بحسب الاستظهار العرفي.

التعارض بين دليل الاستصحاب ودليل القاعدة

قد يقال: إنَّنا لو بنينا على وجود إطلاق في قاعدة الطهارة يقتضي الشمول لصورة الشكّ في أصل النجاسة، فقد تقع المعارضة بينه وبين ظهور أدلَّة الاستصحاب في دخل اليقين بالطهارة السابقة في الحكم بالطهارة لاحقاً، فإن مقتضاها هو أنَّ الشكّ بما هو شكّ لا يكفي للحكم بالطهارة، بل لا بُدّ أنَّ يكون هناك علم بالطهارة سابقاً، في حين أنَّ ظاهر 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

دليل أصالة الطهارة عدم دخل اليقين السابق في الحكم بها، بل يكفي الشكّ بما هو شك، فيتعارضان.

وقد يُقال في جواب ذلك: إنَّه لا معارضة بين الدليلين لأنَّ لكل دليل مفاد غير مفاد الدليل الآخر، فدليل الاستصحاب وإن كان ظاهراً بدخل اليقين السابق في الموضوع لكنه دخيل في محموله وهو الاستصحاب وهذا لا ينافي عدم دخله في محمول دليل أصالة الطهارة.

إلا أنَّ هذا الجواب لا يكفي لأنَّ اليقين بالحالة السابقة أخذ تعليلاً للحكم بعدم وجوب الإعادة للصلاة في الثوب: “صَلِّ فِيهِ وَلَا تَغْسِلْهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؛ ‌فَإِنَّكَ أَعَرْتَهُ إِيَّاهُ وَهُوَ طَاهِرٌ، وَلَمْ تَسْتَيْقِنْ أَنَّهُ نَجَّسَهُ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ حتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ نَجَّسَهُ”(1) فإذا بنينا على أنَّ أصالة الطهارة أوسع من الاستصحاب وتجري في صورة وجود الحالة السابقة وصورة عدمها، فيكفي حينئذٍ في موضوعها مجرَّد الشكّ، فلا يكون لليقين السابق دخل في الحكم، مع أنَّ دليل الاستصحاب ظاهر في دخله لا محالة.

وقولوا نفس الشيء بالنسبة إلى صحيحة زرارة حيث صلى ورأى النجاسة بعد الصلاة، فأمره بعدم الإعادة وقال: “لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 392-393، كتاب الطهارة، الباب 231، الحديث 1، تهذيب الأحكام 2: 361، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 27، وسائل الشيعة 3: 521، كتاب الطهارة، الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

شَكَكْتَ”(1). وهو ظاهر في أنَّ كِلا الجزئين له دخل في الحكم بعدم وجوب الإعادة.

فلو بني على أنَّ قاعدة الطهارة قاعدة برأسها وتمام موضوعها هو الشكّ فإنَّه لا يكون لليقين السابق دخل في الحكم المعلل. وهو خلاف ظاهر دليل الاستصحاب.

ولكن الصحيح، مع هذا أنَّه لا تعارض بين الدليلين: لأنَّ هناك في الشيء المشكوك النجاسة ثلاث حالات، هي: 

1- الشكّ مع العلم أنَّه طاهر قبلاً.

2- والشك مع العلم أنَّه نجس قبلاً.

3- والشك مع عدم العلم بشيء قبلاً.

فلو كان قوله: (لأنك أعرته إياه وهو طاهر) دخل اليقين السابق 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

() الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 13، تهذيب الأحكام 1: 421-422، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 8، وسائل الشيعة 3: 466، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 1. ونصّ الحديث كالتالي: “عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَصَابَ ثَوْبِي دَمُ رُعَافٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَنِيٍّ… إلى أَنْ قَالَ: فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَلَمْ أَتَيَقَّنْ ذَلِكَ، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، ثمَّ صَلَّيْتُ، فَرَأَيْتُ فِيهِ؟ قَالَ: تَغْسِلُهُ وَلَا تُعِيدُ الصَّلَاةَ، قُلْتُ: لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً، قُلْتُ: فَهَلْ عَلَيَّ إِنْ شَكَكْتُ فِي أَنَّهُ أَصَابَهُ شَيْءٌ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّكَ إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تُذْهِبَ الشكّ الذِي وَقَعَ فِي نَفْسِكَ…” الْحَدِيث.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بالطهارة في مقابل كِلا الفرضين الآخرين، فهذه الشبهة مستحكمة.

وأما إذا كان هذا الجزء المأخوذ في التعليل في مقابل الصورة الثانية وهو العلم بالنجاسة السابقة، فإنَّه لا يكون بين الدليلين تعارض. لأنَّه يريد أن يقول: إنَّ لليقين دخلاً في عدم وجوب الإعادة ولا شكّ أنَّ له دخلاً في مقابل الصورة الثانية بالخصوص.

إذن فيجب البحث في أنَّ اليقين مأخوذ في مقابل الصورة الثانية والثالثة معاً. أو الثانية فقط، فإذا لم نحرز أنَّه أخذ في مقابل كِلا الصورتين ارتفع التعارض.

وهذا هو الصحيح، فإنَّ المستظهر عرفاً أنَّ هذه الصورة هي في مقابل الصورة الثانية فقط، وذلك لأنَّ مورد الرواية وهو الثوب الذي اعاره للذي لا يتصور فيه عادة ألا يكون له حالة سابقة، وإنما يتصور مثل ذلك في النجاسات الذاتية، فيما إذا شككت أنَّ هذا دم سمك أو سبع، فيفهم بهذه القرينة أنَّ العرف يفهم مقابلة الصورة الأُولى للثانية.

الجهة الثالثة: في اختصاص القاعدة بمورد النجاسة العرضيَّة أو شمولها النجاسة الذاتية

إن قاعدة الطهارة هل تشمل مورد الشكّ في النجاسة الذاتيَّة أو تختص بموارد النجاسة العرضيَّة.

وهذا مطلب في نفسه في مقابل الجهة الأولى، لأنَّ الشكّ في النجاسة الذاتيَّة ليس مساوقاً للشبهة الحكمية ولا الشكّ في النجاسة العرضيَّة 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

مساوق مع الشبهة الموضوعية، بل قد تكون الشبهة حكمية والنجاسة ذاتية كالشكّ في نجاسة عرق الإبل الجلال، وقد تكون الشبهة حكمية والنجاسة عرضية كالشكّ في نجاسة ملاقي المتنجس.

كما أنَّ هذا في مقابل الجهة الثانية، فان الشكّ في النجاسة الذاتيَّة قد يكون مع الشكّ في طروّ النجاسة، كالشكّ في نجاسة الحيوان الجلال نفسه، وقد يكون مع الشكّ في وجودها من أوَّل الأمر كما لو شكّ أنَّ هذا الحيوان كلب أو غنم كما أسلفناه.

إننا هنا أيضاً لا بُدّ أنَّ نرجع إلى المدرك:

فإن كان المدرك هو الوجه الثاني: فلا ينبغي الاستشكال في أنَّ القاعدة المتحصلة من الروايات ليس لها إطلاق لموارد الشكّ في النجاسة الذاتية، بل تختص بمورد الشكّ في النجاسة العرضيَّة لأنَّ هذه الروايات كلها واردة في مورد النجاسة العرضيَّة فلا يمكن التعدي منها إلى الذاتية.

فإن قيل: إنَّ التعدي هنا يكون باستفادة الضابط الكلي من قوله: (إذا لم أعلم)، وأن المدار في عدم المبالاة هو عدم العلم سواء كان ذلك في النجاسة الذاتيَّة أو العرضيَّة.

قلنا: أُريد بقوله: (لا أعلم) عدم العلم بخصوص المورد، يعني لا أعلم أنَّ قطرة بول سقطت على ثوبي، فكأنه يقول: الملاقي طاهر ما لم أعلم بنجاسته، فمتعلق العلم هو ذلك.

صحيح أنَّه إنما أخذ في الموضوع لكونه سبباً للشك في النجاسة، ولكن 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

هل أخذ في الموضوع جامع النجاسة الشامل للنجاسة الذاتية؟ أو اخذ فيه خصوص النجاسة العرضية؟ ومعه لا يمكن تعيين الأوَّل من الثاني.

يبقى كلام واحد، وهو أنَّه إذا فرض أنَّه بارتكاز المتشرعة لا يوجد احتمال الفرق بين النجاسة الذاتيَّة والعرضيَّة، فنفس هذا الارتكاز يكون قرينة على التعدي.

إلا أنَّه من الواضح أنَّ هذا الارتكاز غير موجود لأنَّ احتمال الفرق بين النجاستين موجود في ذهن المتشرعة؛ لأنَّهم يستقذرون نجس العين أكثر من النجس بالعرض، فيحتملون أنَّ أصالة الطهارة مجعولة للنجاسة العرضيَّة دون الذاتية.

وعليه فيتعين بناء على الوجه الثاني الاقتصار على جريان القاعدة في النجاسة العرضيَّة.

وأما بناءً على الوجه الأول: فهنا لا إشكال في صحَّة التمسّك بالإطلاق سواء كان (قذر) بالمعنى الوصفي أو الفعلي، وتكون شاملة للنجاسة العرضيَّة والنجاسة الذاتيَّة إذا كانت طارئة.

الجهة الرابعة: الشكّ المأخوذ في القاعدة يشمل الشكّ في بقاء النجاسة أو لا؟

إن قاعدة الطهارة شاملة في نفسها لمورد العلم بالنجاسة سابقاً، بعد فرض رفع اليد عما قلناه في الجهة الثانية، وبنينا على أنَّ الشكّ المأخوذ في القاعدة ليس هو خصوص الشكّ في طروّ النجاسة، بل شامل للشك في 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أصل النجاسة، حينئذٍ يقع الكلام في أنَّ الشكّ المأخوذ في القاعدة هل يشمل الشكّ في بقاء النجاسة أو لا.

وأثر ذلك أنَّه إن كانت شاملة لصورة الشكّ في بقاء النجاسة، فمعناه أنَّ إطلاق دليلها شامل لمورد استصحاب النجاسة، وحينئذٍ نحتاج إلى علاج للتعارض بينهما كالحكومة، كما ذكر الأصحاب.

وأما إذا قلنا إنَّ دليلها قاصر عن الشمول لهذه الصورة، فحينئذٍ يكون جريان الاستصحاب ليس للحكومة، بل لقصور القاعدة عن الشمول لمورده.

فهذا بحث علمي وليس عملياً؛ لأنَّه لا إشكال في أنَّه إذا شكّ في بقاء النجاسة فإنَّه لا تجري قاعدة الطهارة لكنهم يقولون إنَّها لا تجري لحكومة الاستصحاب على القاعدة. لأنَّنا علمنا أنَّه قذر، فقد تحقّق فرد تعبداً من الغاية.

مع تمامية المقتضي في نفسه، وهو إطلاق دليل القاعدة. أو أنَّ عدم جريانها لقصور المقتضي بحسب مقام الاثبات في نفسه للعلم بالنجاسة سابقاً حتَّى لو لم تتمَّ روايات الاستصحاب.

وهنا أيضاً لا بُدّ أنَّ نرجع إلى المدركين للقاعدة.

الوجه الأول: وهو التمسّك برواية عمار لو تمَّت سنداً، هل لها إطلاق لمورد العلم بالنجاسة السابقة، أو لا؟

هذا مربوط بقراءتها التي أشرنا إليها. فإن قرأنا كلمة (قذر) بالكسر 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بالمعنى الوصفي فلا بأس بشموله لصورة العلم بالنجاسة السابقة، لأني لا أعلم فعلاً أنَّه قذر.

واما إذا قراناها بالضم فتارة: يكون بالمعنى الوصفي والكلام فيه هو الكلام. وأخرى: بمعنى الفعل (تقذر)، والفعل يستبطن الحدوث بالفهم العرفي يعني: حتَّى تعلم أنَّه حدثت فيه القذارة، ومعه لا يكون شاملاً لما إذا كان الشكّ في البقاء، بل يختص بالشك في الحدوث، لأني أعلم أنَّه تقذر وإنما الشكّ في البقاء فلا يكون مشمولاً لإطلاق الدليل.

ومع الشكّ في القراءة تكون العبارة من باب احتمال احتفاف الكلام بما يحتمل قرينيته فتكون مجملة.

الوجه الثاني: وهو التمسّك بالروايات في الموارد المتفرقة، فالاختصاص أوضح؛ لأنَّ العلَّة هنا هي عدم العلم بإصابة البول لا عدم العلم بأنَّ النجاسة البولية ارتفعت أو لا. فلا تشمل مورد الشكّ في البقاء، ومعه فيختص دليل أصالة البراءة بموارد عدم العلم بالنجاسة السابقة، ويكون قاصر الشمول لموارد استصحاب النجاسة بلا حاجة إلى وجود حاكم عليه.

الجهة الخامسة: هل القاعدة تجري في توارد الحالتين؟

إن قاعدة الطهارة هل تجري في مورد توارد الحالتين أو لا؟ فإن كانت لا تجري فسوف لا يكون لها أثر في مقابل الاستصحاب، هذا هو أهم ثمرة بين القاعدة وبينه. فلا بُدّ من تحقيق أنَّ دليلها له إطلاق لذلك أو لا؟

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كما إذا فرض أنَّ الجسم كان طاهراً قبل طلوع الفجر يقيناً، ثُمَّ تواردت عليه حالتان في الطهارة والنجاسة، ولا ندري المتقدم والمتأخّر منهما.

لا إشكال أنَّ دليل الاستصحاب لا يجري، إما للمعارضة أو لعدم جريانه في نفسه، فنبقى نحن ودليل أصالة الطهارة، فلا بُدّ أنَّ نلاحظ هل أنَّ له إطلاقاً لموارد توارد الحالتين؟

وفي ذلك لا بُدّ أنَّ نرجع إلى المدركين للقاعدة:

أما الوجه الأول: وهو التمسّك برواية عمار على تقدير تصحيح سندها، فقد يُقال على ضوء ما علمناه من الإجمال في كلمة (قذر).

كما أنَّ القاعدة لا تشمل محلّ الكلام؛ لأنَّها على المعنى الفعلي تكون مخصوصة بخصوص الشكّ في حدوث القذارة ولا تشمل مورد العلم بحدوثها والشك في بقائها، ونحن نعلم بأنَّ القذارة أصابت الجسم وإنما نشكُّ في بقائها.

لكن الصحيح هو أنَّ القاعدة المستفادة من الرواية -حتى بالمعنى الفعلي أيضاً- تشمل موارد توارد الحالتين.

وتوضيح النكتة في ذلك: أنَّ الشكّ في مورد توارد الحالتين يمكن أن ينظر إليها بعينين: 

بإحداهما: أكون شاكاً في بقاء النجاسة باعتبار أنَّه قد أصابه النجاسة أو لا.

وبالأخرى: هذا جسم بعد أن أصابه المطر هل حدثت فيه النجاسة أو لا؟

ــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وهذان الشكان مزدوجان في هذه الواقعة، بمعنى أنَّه لو حصل لنا الآن علم بنجاسة هذا الجسم فعلاً فإنَّه يصدق عليه أنَّه علم بحدوث النجاسة بعد أن أصابه المطر. ويصدق عليه أنَّه علم ببقاء النجاسة بعد أن حدثت والمستفاد من دليل القاعدة أنَّها تجري في كل مورد يكون هناك علم النجاسة يصدق عليه أنَّه علم بحدوث النجاسة سواء أنَّه صدق عليه أنَّه علم بالبقاء بلحاظ آخر أو لا. إذن فإطلاق القاعدة لمورد توارد الحالتين تام.

ولا يقاس المقام بمورد الجهة السابقة وهو ما إذا علمنا بنجاسة وشككنا بطروّ الطهارة، حيث قلنا بأنَّ القاعدة لا تجري، لأنَّنا علمنا بالنجاسة فهو علم متمحض بأنَّه علم بالبقاء ولا يصدق عليه أنَّه علم بالبقاء. 

فبهذه القرينة نعرف أنَّ قاعدة الطهارة تجري فيما لو كان هناك علم بالنجاسة لصدق علم أنَّه علم بحدوث النجاسة، وهناك لا يصدق ذلك ولكنه يكون صادقاً في مورد توارد الحالتين.

الوجه الثاني: وهو التمسّك بالروايات المتفرقة في الموارد المتفرقة، فقد يتوهم أيضاً عدم شمولها لمورد توارد الحالتين لأنَّ هذه الروايات كلها ليست مواردها من مورد التوارد، ليكون فيها إطلاق له، بل كلها في مورد الشكّ البدوي.

إلا أنَّ هذا أيضاً غير تامّ لاستظهار الإطلاق من ناحية التعليل المستفاد 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

من هذه الروايات، صحيح أنَّها ليس لها شمول وخصوصيّة لمورد التوارد لا بالنصّ ولا بالإطلاق، ولكن الذي يستظهر من جواب الإمام: “مَا أُبَالِي أَ بَوْلٌ أَصَابَنِي أَوْ مَاءٌ إِذَا لَمْ أَعْلَمْ”(1): أنَّ المناط في الحكم هو مجرَّد عدم العلم بالإصابة، وهو في مورد التوارد موجود.

إذن، فإطلاق الدليل تام على كِلا الوجهين، وتكون هذه ثمرة بين قاعدة الطهارة والاستصحاب.

الجهة السادسة: التعويض عن قصورين تعاني منهما قاعدة الطهارة

اتّضح من الجهات الخمسة السابقة: أنَّ القاعدة على كِلا مدركيها، فيها قصور عن الشمول لموارد الشكّ بالنجاسة من أوَّل الأمر وأنَّه مقيّد بصورة طروّها.

كما اتّضح أيضاً على المدرك الثاني، -الذي هو أخسّ انتاجاً من الوجه الأول- أنَّ هناك قصورات أخر زائداً على القصور المشترك بين الوجهين؛ لأنَّها حينئذٍ لا تشمل موارد الشكّ بالنجاسة الذاتيَّة حتَّى لو كانت طارئة، ولا تشمل موارد الشكّ بنحو الشبهة الحكمية، ولو كان طارئاً، فهذان سنخان من القصور.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 180، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 22، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فهذه الجهة نعقدها للتعويض عن هذا القصور، بأصل أو نحوه، فما يوصلنا إلى نفس النتيجة أو غيرها.

1- التعويض عن القصور المشترك على المدركين

أما القصور المشترك بين الوجهين، وهو قصورها لما إذا كان الشكّ في النجاسة من أوَّل الأمر، فهذا الشكّ نقسمه إلى قسمين:

القسم الأول: ما يكون بنحو الشبهة الموضوعية، كما لو شككنا أنَّ هذا دم سمك أو خروف.

القسم الثاني: ما يكون بنحو الشبهة الحكمية كما إذا شككنا أنَّ الدم طاهر أو لا.

إذا كان الشكّ بنحو الشبهة الموضوعية

فإن كانت الشبهة موضوعية:

فتارة: نتكلم بلحاظ الأحكام الاستقلالية كحرمة الشرب.

وأخرى: بلحاظ الأحكام الارتباطية كالشرطية والمانعية.

1- أما الأحكام الاستقلالية اللزومية، فالحكم:

تارة: يكون مترتباً على عنوان النجس.

وأخرى: يكون مترتباً على عنوان غير الطاهر، أو ما لا يكون طاهراً.

بمعنى أنَّ الموضوع تارة يكون وجودياً، وأخرى عدمياً:

أ- فإن كان الموضوع وجودياً، فلا بأس بإجراء استصحاب عدم 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النجاسة، بنحو استصحاب العدم الأزلي، بناءً على ما هو الصحيح من جريانه(1)، فينفى بذلك موضوع الحكم اللزومي، ولو استشكلنا بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، فتنتهي النوبة إلى الأصول العملية، فتجري البراءة.

ب- وأما إذا كانت الأحكام الاستقلالية مترتبة على عدم الطهارة، فإن بنينا على جريان استصحاب العدم الأزلي، جرى استصحاب عدم الطهارة، ويثبت بذلك الحكم اللزومي، ولو بنى على عدم جريانه فتجري البراءة أيضاً، فعلى الأوَّل لم يكن هناك فرق بين جريان استصحاب العدم الأزلي وعدمه في النتيجة، بخلاف هذا الثاني.

2- وأما الحكم الارتباطي كالشرطية والمانعية: فتارةً نفرض مانعية النجاسة. وأخرى نفرض شرطية الطهارة:

أ- أما في فرض مانعية النجاسة فباستصحاب العدم الأزلي يثبت عدم النجاسة. ولو قلنا بعدم جريانه فتجري البراءة عن المانعية.

ب- وأما في جانب الشرطية لو كانت الطهارة شرطاً فيشكل المطلب سواء قلنا بجريان الاستصحاب الأزلي أو لا. أما مع جريانه؛ فلأنَّه يثبته عدم الطهارة. وأما بناء على عدمه؛ فلأن المورد وهو مورد جريان قاعدة الاشتغال دون البراءة.

ــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول (مباحث الدليل اللّفظي) 3: 327، الفصل الثاني: في التخصيص، حُجِّيّة العامّ مع المخصّص المجمل.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إذا كان الشكّ بنحو الشبهة الحكمية

وإن كانت الشبهة حكمية مثل الإبل الجلالة يُشكّ في نجاسة عرقها، بنحو الشبهة الحكمية. 

فهنا تارةً ننفي أحكام النجاسة، وأخرى نثبت أحكام الطهارة.

فإن كُنَّا ننفي أحكام النجاسة فبالإمكان استصحاب عدم النجاسة إلا أنَّ الاستصحاب في المقام أوسع ممّا هو عليه في الشبهة الموضوعية، فإنَّه يكون جارياً سواء قلنا باستصحاب العدم الأزلي أو لم نقل، أما إذا قلنا به فتقريبه عين التقريب السابق، واما إذا لم نقل به فننقل الكلام من عالم المجعول إلى عالم الجعل فنتكلم في أصل جعل النجاسة على عرق الإبل الجلالة بنحو كلي في الشريعة فإنَّه مشكوك الحدوث فنستصحب عدمه، وهذا الاستصحاب لم يكن ممكن في الشبهة الموضوعية لأنَّه لم يكن هناك شكّ في الكبرى وكان الشكّ خاصاً بالصغرى، ولو قطع النظر عن هذه الاستصحابات، جرت الأصول الطولية المؤمّنة كالبراءة عن المانعية وعن حرمة الاستعمال.

وأما إذا أردنا ترتيب الأثر على الطهارة، فهل يمكن أن ننفي طهارة المشكوك أو نثبتها. هنا يجري استصحاب عدم الطهارة الأزلي كما جرى في الشبهة الموضوعية.

ولكن تمتاز الشبهة الحكمية بدعوى إمكان إجراء استصحاب متقدِّم على هذا الاستصحاب وبه تثبت الطهارة، لكنه موقوف على أمر وهو أنَّ 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الطهارة والنجاسة من الاعتبارات العقلائيَّة الموجودة عند العرف.

فحين بدأ التشريع لم تكن أحكام النجاسات موجودة وهذا معناه أنَّ الشارع أمضى الاعتبارات العقلائيَّة وحكم بالطهارة، فلو فرض أنَّ عرق الإبل الجلالة كان مورداً للنظافة بحسب الاعتبارات العقلائية، فنعلم بأنَّ الشارع حكم عليه بالطهارة، من أوَّل الشريعة، ثُمَّ يشكّ في الحكم بالنجاسة فيستصحب عدمه.

2- التعويض عن القصور الخاصّ بالمدرك الثاني

وأما القصور الذي تختص به القاعدة لو ثبتت بدليلها الثاني، وكان مورد القصور هو الشكّ في الأثناء سواء كانت النجاسة ذاتية، أو كانت الشبهة حكمية، فهنا يكون التعويض واضحاً؛ لأنَّ الشكّ ما دام شكاً في طروّ النجاسة فهو مجرى للاستصحاب دائماً. سواء في الشبهة الحكمية أو الموضوعية.

الجهة السابعة: في أنحاء ثلاثة من الاستصحاب تحيط بقاعدة الطهارة

إنَّه يتصور في مقابل قاعدة الطهارة ثلاث أنحاء من الاستصحاب: استصحاب في عرض القاعدة واستصحاب فوقها واستصحاب تحتها:

فالأول: عبارة عن استصحاب النجاسة في نفس الثوب الذي تجري فيه أصالة الطهارة.

والثاني: من قبيل استصحاب نجاسة الملاقي كما لو لاقى ثوبي شيئاً فنستصحب النجاسة.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والثالث: كما في استصحاب يدي لو غسلتها بماء تجري فيه أصالة الطهارة.

أما الحالة الأولى: وهو أن يكون استصحاب الطهارة في عرض قاعدة الطهارة فالمشهور يبنون على أنَّ دليل الاستصحاب حاكم على دليل أصالة الطهارة حتَّى لو قطع النظر عن الاستصحابات الموضوعية، وقد سبق أن بيّنا أنَّ استصحاب الطهارة في نفسه ليس له إطلاق للشمول لهذا المورد لا أنَّ الاستصحاب حاكم عليه.

وأما الحالة الثانية: كاستصحاب النجاسة في الملاقى لإثبات النجاسة في الملاقي، فالمشهور يقولون إنَّ استصحاب في الملاقى حاكم على أصالة الطهارة(1) لأنَّه يجعل المكلف عالماً، بنجاسة الملاقى وتمام آثاره، ومن جملتها نجاسة الملاقي، وهنا لا مجال للمناقشة المفصلة، بل موكول ذلك إلى علم الأصول.

وإنما الذي ينبغي ذكره هنا أنَّ تقدُّم الأصل على القاعدة ليس بلحاظ رفع الموضوع وتبديل اللاعلم بالعلم لأنَّنا لا نقول بمباني جعل الطريقية ومستلزماته(2)، بل هذا من باب كون الأصل موضوعياً. فإن كون الأصل 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

(1) راجع: فرائد الأصول 3: 394، كتاب الطهارة (تراث الشيخ الأعظم) 5: 290، النظر السادس: في ما يتبع الطهارة، مطهّريّة الشمس.

(2) راجع: أجود التقريرات 2: 63، المقصد السادس: إمكان التعبّد بالأمارة غير العلميّة، و2: 163، المقصد السابع: في الأصول العمليّة الجارية عند الشكّ، مقدّمة: الحكومة على قسمين: واقعيّة وظاهريّة، و2: 505، خاتمةٌ في التعادل والتراجيح، المبحث الرابع.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

موضوعياً بنفسه نكتة للتقدم، وحل ذلك في علم الأصول ونقضه نذكره هنا وهو الالتفات إلى.

الحالة الثالثة: وهو ما إذا كان ثوبي متيقن النجاسة، وغسلته بماء تجري فيه قاعدة الطهارة دون الاستصحاب لتوارد الحالتين، وهنا لا إشكال عندهم فقهياً أنَّ أصالة الطهارة في الماء مقدَّمة على استصحاب النجاسة في الثوب. مع أنَّ مباني الحكومة لا تنطبق هنا(1)؛ لأنَّ لسان قاعدة الطهارة ليس هو جعل الطريقية، ولم يدّعِ المرزا ذلك، فلا يجعلنا عالمين بطهارة الماء. ومع هذا تقدّم على الاستصحاب.

فهذا أكبر شاهد وملزم لمدرسة المرزا في أنَّ نكتة التقدُّم ليست هي الطريقية، بل هو كون الأصل موضوعياً، ولهذا قدم أصالة الطهارة الموضوعي على الاستصحاب الحكمي.

الجهة الثامنة: النسبة بين دليل قاعدة الطهارة وأدلّة الأصول الطولية الحكمية

التي نسبتها إليها نسبة الحكم إلى الموضوع، فحين تجري أصالة الطهارة في الماء، يكون هناك أصول حكمية في طوله، كأصالة الحل في الماء 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول (مباحث الحجج والأصول العمليّة) 6: 355، الاستصحاب، تقديم الأصل المحرز والسببي على الأصل غير المحرز والمسبّبي.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المشروب، أو أصالة الطهارة عن المانعية في الصلاة، وهذان الأصلان موافقان مع أصالة الطهارة فلا أثر من ناحيتهما.

وإنما نريد أن نتكلم في أصول حكمية مخالفة ما إذا أجرينا القاعدة في الماء المشكوك وأردنا أن نتوضأ به وقد أخذت الطهارة شرطاً في ماء الوضوء، فأصالة الطهارة تقتضي صحَّة الوضوء وهنا أصل حكمي مخالف وهو استصحاب بقاء الحدث، ونحوه استصحاب النجاسة في الثوب المغسول بهذا الماء. فما هي النسبة بين الأصلين؟

أولاً: لا إشكال ولا ريب بأنَّ أصالة الطهارة في الماء متقدِّمة على استصحاب الحدث والنجاسة وهذا الكلام بناءً على مبنانا في غاية الوضوح؛ لأنَّنا نرى أن كون الأصل موضوعياً نكتة كافية لتقدم الأصل الموضوعي على الحكمي، من دون حاجة إلى النظر إلى النسبة. 

ثانياً: وأما إذا لم نبنِ على ذلك، كما هو مشرب مدرسة المرزا التي بنت على أنَّ تقدُّم الأصل الموضوعي من باب الحكومة؛ لأنَّ الأصل الحكمي أخذ في موضوعه الشكّ في الحكم، والأصل الموضوعي يرفع الشكّ في الحكم من ناحية موضوعه، فيرتفع موضوع الأصل الحكمي(1).

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) اُنظر: أجود التقريرات 2: 163، المقصد السابع: في الأصول العمليّة الجارية عند الشكّ، مقدّمة: الحكومة على قسمين: واقعيّة وظاهريّة، دراسات في علم الأصول 4:252، مباحث الاستصحاب، تعارض الاستصحاب مع الأدلّة، الثالثة: في تعارض الاستصحابين، مصباح الأصول 3: 348.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلّا أنَّ هذا إنما يتمّ في أصل يكون المجعول فيه هو إلغاء الشكّ وجعل الطريقية كالاستصحاب إذا أصبح أصلاً موضوعياً.

وأما إذا لم يكن الأصل الموضوعي بلسان الغاء الشك، وجعل الطريقية عندهم كأصالة الطهارة، فكيف نقول بحكومتها على الأصل الحكمي!؟ فإنَّها لا تتعبد بعدم الشكّ، بل تتعبّدنا بالطهارة الظاهرية، فيشكل تقدُّم أصالة الطهارة على استصحاب الحدث على هذا المشرب.

نعم، يمكن -بناء على هذا- تقديمه بقرينة ورود أصالة الطهارة في أدلتها مورد استصحاب الحدث. فإن بعض رواياتها كرواية عمار وردت في ماء توضأ منه عدّة مرات، ثُمَّ وجد في الماء فأرة متسلخة، فإن الملحوظ للسائل هو هذا الأثر وهو صحَّة الوضوء، وبهذا تمتاز هذه الرواية عن موثقة عمار : “كُلُّ شَيءٍ نَظِيفٌ حتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ”، فإنَّها لا تلحظ هذا الأثر بالنصوصية وعلى أيّ حال فيتقدَّم أصل الطهارة بهذه النكتة.

ويمكن أن نصحح هذه النكتة أكثر من هذا المقدار فنقول: إنَّ دليل أصالة الطهارة دائماً في مقابلها أصل طولي إما موافق وإما مخالف.

أما الأصول الموافقة فلا تنافي دليل أصالة الطهارة.

وأما الأصول المخالفة فتضع في إحدى كفتي الميزان أصالة الطهارة، وفي الكفة الأخرى جميع الأصول المعارضة.

ونقول يمكن تقدُّم تلك الأصول على أصالة الطهارة؛ لأنَّه يلزم لغوية هذه القاعدة في محلِّها بعنوانها، لأنَّها لا يبقى لها مورد إلا موارد وجود 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الأصول الموافقة، إلى أن تنتهي بناء إلى نفس نتيجتها. وهذا معناه إنَّ دليل أصالة الطهارة أخص مطلقاً من المجموع فيتقدَّم عليه.

فإن كانت هذه الأصول الطولية المعارضة ثابتة بدليل واحد، كدليل الاستصحاب فيقدم دليلها عليه.

وإن كانت ثابتة بأدلة مختلفة فيقدم دليل أصالة الطهارة على مجموعها ويحصل بينها التعارض والتساقط.

وعلى أيّ حال، يتعيّن تقدُّم أصالة الطهارة على الأصول الطولية المعارضة.

الجهة التاسعة: في كون قاعدة الطهارة حكماً واقعياً

إلى الآن افترضنا أنَّ قاعدة الطهارة طهارة ظاهرية، لكن وقع في ذلك كلام بين الفقهاء، فقد ذهب صاحب الحدائق(1) إلى أنَّ قاعدة الطهارة 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

() اُنظر: الحدائق الناضرة 1: 136، المقدّمة الحادية عشرة: اشتراط ثبوت النجاسة للأشياء بعلم المكلّف واقعاً، «الثاني: أنَّ ظاهر الخبر المذكور أنَّه لا تثبت النجاسة للأشياء ولا تتّصف بها إلَّا بالنظر إلى علم المكلّف؛ لقوله: “فإذا علمت فقد قذر“، بمعنى: أنَّه ليس التنجيس عبارة عمّا لاقته عين النجاسة واقعاً خاصّةً، بل ما كان كذلك وعلم به المكلّف، وكذلك ثبوت النجاسة لشيء إنّما هو عبارة عن حكم الشارع بأنَّه نجس وعلم المكلّف بذلك، وهو خلاف ما عليه جمهور أصحابنا (رضوان الله عليهم)؛ فإنَّهم حكموا بأنَّ النجس إنّما هو عبارة عمّا لاقته النجاسة واقعاً وإن لم يعلم به المكلّف، وفرّعوا عليه بطلان صلاة المصلّي في النجاسة جاهلاً، وإن سقط الخطاب عنه ظاهراً، كما نقله عنهم شيخنا الشهيد الثاني في شرح الألفيّة. وأنت خبير بما فيه من العسر والحرج ومخالفة ظواهر الأخبار الواردة عن العترة الأبرار….».

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

حكم واقعي وأنَّها تقيِّد أدلَّة الأحكام الواقعية، وأن ملاقي البول نجس إذا كنت عالماً وأما إذا لم تكن عالماً فهو ليس بنجس واقعاً.

فهنا احتمالان بدويان في القاعدة بلحاظ خلاف صاحب الحدائق: 

أحدهما: أن تكون إطلاق الأدلَّة الواقعية باقية على إطلاقها، دليل القاعدة يكون حالها حال سائر الأحكام الظاهرية، يتعبدنا بالطهارة مع بقاء الحكم الواقعي على حالة بناء على الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية.

الثاني: أن يكون مفاده تقييد أدلَّة النجاسة الواقعية بصورة العلم.

وهذا له آثار مهمة، فلو لاقى ثوبي مع المشكوك فإنَّه يكون طاهراً، فلو انكشف نجاسة الملاقى فعلى مبنى المشهور يترتب عليه بأنَّ الأصل الظاهري ظهور أنَّه مخالف للواقع وأن الثوب نجس من الأول.

وأما بناء على ما قاله صاحب الحدائق فيكون طاهراً واقعاً لأنَّ الحصير كان طاهراً واقعاً حين الملاقاة، وهو يتنجس حين علمي بالنجاسة، وبعد علمي بها لم تحصل ملاقاة.

تقريب صاحب الحدائق ومناقشته

وما يمكن أن يُقرَّب به كلام صاحب الحدائق هو ما يلي: وهو أنَّ 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

قوله: “كُلُّ شَيءٍ نَظِيفٌ حتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ(1)(2).

إما أن نستظهر منه أنَّه في مقام جعل الطهارة الظاهرية.

وإما أن نستظهر منه أنَّه في مقام جعل الطهارة الواقعية. 

وإما أن يكون مجملاً بحيث لا يستفاد منها إلا جعل جامع الطهارة مع إجمال كونها واقعية أو ظاهرية.

ويتم كلام المشهور على تقديرين: أما إذا استظهرنا كونها حكماً ظاهرياً فواضح.

وكذلك بناءً على الإجمال؛ لأنَّنا نتمسّك بإطلاقات أدلَّة الأحكام الواقعية لصورة الشكّ، ودليل أصالة الطهارة مجمل على الفرض لا يدرى أنَّه يدلُّ على الطهارة الواقعية حتَّى يصبح تخصيصاً لتلك الأدلة، أو ظاهرية حتَّى لا يصبح مخصصاً، فهو من الشكّ في مخصصية المنفصل. وتدلُّ إطلاقات الأدلَّة الواقعية بالالتزام على كون الطهارة المجعولة في دليلها ظاهرية. فعلى صاحب الحدائق أن يثبت استفادة الطهارة الواقعية من الدليل.

ــــــــــ[241]ــــــــــ

(1) تقدّم أنّ في البين قراءتين: (قَذِرٌ) و(قَذُرَ).

(2) تهذيب الأحكام 1: 284، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 119، الوافي 6: 15، كتاب الطهارة والتزيّن، الحديث 3657: “الماء كلّه نظيف”، و19: 120، كتاب المطاعم والمشارب والتجميلات، أبواب ما يحلّ من المطاعم وما لا يحلّ، الحديث 19050: “كلُّ شيءٍ نظيف”، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وما يمكن أن يكون نكتة في مقام استظهار الحكم الواقعي: هو التقابل بين (نظيف) و(قذر) في الرواية، فإنَّ المراد بـ(القذر) هو القذر الواقعي، وبظهور التقابل يُقال إنَّ المراد من (النظيف) ما كان واقعاً نظيفاً أيضاً.

إلا أنَّ هذا الكلام غير صحيح، وتُقدَّم له مقدّمة فنقول: إنَّه هل يمكن في مقام الثبوت أن تكون النجاسة الواقعية مقيَّدة بالعلم، كما ادّعى صاحب الحدائق، أو لا؟ وقد حُقِّق في بحث القطع من علم الأصول(1) أنَّ أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم أمر مستحيل.

وحينئذ فكلما أريد التوصل إلى هذه النتيجة فلا بُدّ من استعمال عناية وتورية في عالم الجعل بحيث لا يلزم المحذور العقلي. وهذه العناية إما أن تكون في الشبهة الموضوعية أو في الحكمية.

أما في الشبهة الموضوعية، فيقال: إنَّ نجاسة الثوب مشروطة لا بالعلم بهذه النجاسة، حتَّى يلزم المستحيل، بل بالعلم بملاقاة الدم الذي هو أمر خارجي.

ولكن يمكن التوصل إلى ذلك عن طريق التمييز بين الجعل والمجعول بأن يؤخذ العلم بالجعل في المجعول، نعم إذا كان العلم بالمجعول مأخوذاً في موضوع المجعول لزم كون المتقدِّم متأخّراً وهو مستحيل.

وأما إذا قال: إذا علمت بجعلي للنجاسة ثبتت النجاسة، فهذا متأخّر 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

(1) اُنظر: بحوث في علم الأصول 4: 99، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث القطع، أخذ العلم بالحكم في موضوعه.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

عن الجعل ومتقدِّم على المجعول، وهو مما لا محذور فيه. فإن ما يترتب على العلم هو المجعول وما يكون العلم مترتباً عليه هو الجعل.

فإيصال صاحب الحدائق إلى مقصوده يتوقف على تتميم إحدى العنايتين.

على ضوء ذلك نقول له: هل تريد أن تقول: إنَّ النجاسة الواقعية أخذ في موضوعها العلم بالنجاسة الواقعية، بلا عناية؟ أو أنك تريد أن تستعمل هذه العناية وترجع إلى الوجه المعقول؟ فإن كنت تريد الأوَّل فهو غير صحيح:

أولاً: فلأنها غير معقولة ثبوتاً لأنَّها من باب أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، وهو مستحيل.

ثانياً: أنَّنا لو غفلنا عن هذه الاستحالة فهذا خلاف الفهم العرفي في مقام الإثبات، فإنَّك إن سلمت معنا أنَّ الغاية هو العلم بالقذارة بمعنى المجعول لا الجعل، فلا إشكال أن القذارة لها نحو ثبوت قبل العلم، وواقع محفوظ في المرتبة السابقة عليه وتنكشف بالعلم، وهذا لا يناسب مع حمل نظيف على الطهارة الواقعية، فبهذه القرينة لا بُدّ من حمله على الطهارة الظاهرية، بنحو يجتمع مع ثبوت الواقع على خلافه.

وأما إذا قلت: إنَّ معنى الحديث: (كل شيء نظيف حتَّى تعلم أنَّه لاقى الدم)، أو (حتى تعلم أنَّ الشارع جعل النجاسة)، فالإشكال الثبوتي يندفع عنّك، لكن يرد عليك الإشكال الإثباتي، وهو أنَّ هذا تأويل بلا قرينة، بل 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ظاهر هذا العلم بالنجاسة المجعولة غاية، وهو لا يناسب إلا مع جعل الطهارة الظاهرية.

ومما يؤيد كون الطهارة ظاهرية: ذيل الرواية، “وَمَا لَمْ تَعْلَمْ فَلَيْسَ عَلَيْكَ”(1)، فإنَّها واضحة في أنَّها في مقام جعل الوظيفة العملية للشخص، وليست في مقام بيان أنَّ هذا طاهر أو ليس بطاهر.

ومما يؤيد ذلك بحسب الفهم العرفي هو أنَّنا لو حملنا الرواية على الحكم الواقعي وقيدنا النجاسات الواقعية بصورة العلم بها، لكانت النجاسة أمراً إضافياً يختلف باختلاف الأشخاص، فيكون هذا طاهر بالنسبة إلى زيد ونجساً بالنسبة إلى عمرو، وهو بعيد عن ارتكاز أهل العرف والعقلاء.

فإن النجاسة والطهارة صفة قائمة في موضوعها وليست مضافة إلى الإنسان، كالصفات ذات الإضافة كالعلم والقدرة.

ولا يُقال: إنَّ هذا الإشكال يأتي بالنسبة إلى أصالة الطهارة، حيث تجرى في حقِّ الجاهل دون العالم.

فإنه يُقال: إنَّه من الواضح أنَّ تمام الأصول والأمارات وسائل في مقام الإثبات لا في مقام الثبوت ومن المعلوم أنَّ إثبات الشيء يختلف من شخص إلى شخص فقد يوجد لهذا الشخص دليل على الطهارة ولا يوجد لذاك، فيقوم الدليل عند هذا على عدالة زيد ولا يقوم عند ذلك. ولكن في مقام الثبوت لا 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

معنى لأن يُقال: إنَّه عادل بالنسبة إليّ وغير عادل بالنسبة إليك، فإن هذا مخالف للارتكاز.

الجهة العاشرة: في كون أصالة الطهارة من الأصول التنزيلية

 هل أصالة الطهارة من الأصول التنزيلية -بالمعنى الذي سنشير إليه-؟ أو لا؟ بنحو يترتب بعض الفوائد على قول صاحب الحدائق، بحيث لو كان تنزيلياً فقد يُدّعى أنَّ بعض الثمرات الفقهية المترتبة على قول صاحب الحدائق تترتب دون حاجة إلى كونه حكماً واقعياً.

توضيحه: أنَّ عندنا دليلين طوليين:

أحدهما: إذا لاقى ثوبك البول نجس. 

ثانيهما: إذا كان ثوبك نجساً فالصلاة فيه باطلة.

إذا بنينا على قول صاحب الحدائق، من أنَّ مفاد دليل قاعدة الطهارة حكم واقعي، وأنَّه مقيّد للأدلة الأولية، فهذا معناه تقييد إطلاق الدليل الأوَّل من ذينك الدليلين الطوليين، بما إذا كانت ملاقاته مع البول معلومة.

وأما إذا كانت مجهولة فإن الثوب لا يكون نجساً، ولا يشمله إطلاق الدليل، فلو انكشف بعد الصلاة ملاقاته، فالصلاة صحيحة واقعاً؛ لأنَّ الثوب كان طاهراً واقعاً.

هنا يوجد منطلق جديد أشار إليه صاحب الكفاية في بحث الإجزاء(1)، 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

(1) اُنظر: كفاية الأصول: 86، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الثالث: في الإجزاء، المقام الثاني: في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وحاصله أن يُقال: إنَّ مفاد دليل أصالة الطهارة وإن لم يكن حكماً واقعياً ولا يقيد مفاد الدليل الأول، ومقتضى إطلاقه أنَّ الثوب الذي لاقى البول نجس وإن كنت لا أعلم، ولكنه حكم ظاهري تنزيلي، وبهذا يكون حاكماً على الدليل الثاني من الدليلين السابقين. فإن موضوع ذلك الدليل هو النجس الواقعي، ودليل أصالة الطهارة يُعدِم فرض عدم كونه حكماً واقعياً.

احتمالات في المقام 

الاحتمال الأول: أن يكون أصلاً تنزيلياً بمعنى أنَّه ينزّل المشكوك الطهارة منزلة الطاهر الواقعي كالطواف المنزل منزلة الصلاة، فهو يوجد فرداً تنزيلياً لموضوع الدليل المحكوم، وهذا ينتج حكومة على الدليل الثاني فإن موضوعه هو (اللانجس) أو (الطاهر)، وهذا ينزل (اللاطاهر) منزلة الطاهر، فيترتب على مشكوك الطهارة تمام أحكام الطاهر الواقعي، وإن لم يكن طاهراً واقعياً.

ومن آثاره عدم وجوب الإعادة وهذا هو معنى الإجزاء، ولهذا قال الآخوند: إنَّ لسان قاعدة الطهارة هو لسان الإجزاء، وهذا غير قابل لانكشاف الخلاف، فإنَّه إذا انكشف أنَّه لم يكن طاهراً لم ينكشف خلاف التنزيل، فإنَّ أصالة الطهارة كانت جارية والتنزيل كان ثابتاً. نعم، بالعلم ينتهي عمر التنزيل من حينه.

الاحتمال الثاني: أن يكون مفاده الطهارة الظاهرية، بدون نظر إلى تنزيله 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

منزلة الطاهر الواقعي. ومقتضاه وجوب الإعادة وعدم الاجزاء كما هو المشهور خلافاً للآخوند.

فأي هذين الاحتمالين هو مفاد دليل أصالة الطهارة؟

وما يمكن أن يكون قرينة على الاحتمال الأول، إنما هو النكتة التي أشرنا إليها كشاهد على قول صاحب الحدائق وهو نكتة التقابل بين قذر ونظيف، فإن المراد من القذر ما كان قذراً واقعاً، فلو بقينا وهذا الظهور لحملنا النظيف على الواقعي، ولكن بعد معلومية بطلان ذلك، نتحفظ على ظهور بالواقع، لكن نحمله على الواقع التنزيلي، وهو معنى الأصل التنزيلي.

إلا أنَّ الأنصاف أنَّ الاحتمال الأوَّل أقرب من الثاني، ولكن مع هذا لا يصل صاحب الكفاية إلى مقصوده.

وتوضيح ذلك: أنَّ هنا احتمالين: 

الأول: أنَّ كلمة (نظيف) لها نظر تنزيلي. 

الثاني: ألا يكون لها مثل هذا النظر. 

أما الأول: وهو أنَّ كلمة (نظيف) لها معنى تنزيلي، تحته احتمالان لا بُدّ من إبرازهما: 

أولهما: أن يكون تنزيل مشكوك الطهارة منزلة الطاهر الواقعي، بلحاظ الأحكام الشرعية المترتبة على الطاهر الواقعي، فهو توسعة في دائرة الأحكام المترتبة على الطاهر الواقعي وتضييق في دائرة الأحكام المترتبة على النجس الواقعي المعنى.

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ثانيهما: تنزيل المشكوك منزلة الطاهر الواقعي، بلحاظ الآثار العملية والوظيفة العملية والجري العملي لا من قبل الحكم الشرعي من قبل المولى.

وإن شئتم قلتم: إنَّ التنزيل قد يكون بلحاظ عمل الشارع وهو الأحكام ومعناه توسعة الأحكام، وقد يكون بلحاظ عمل المكلف والجري العملي وهو ما فهمه المشهور من التنزيل في هذا الدليل، فإن الطاهر الواقعي له أثران: 

الأثر الأول: حكم الشارع بعدم وجوب الإعادة.

والأثر الثاني: عملي وهو جواز تطبيق موضوعه على هذا الثوب من قبل المكلف.

والتنزيل الأوَّل يتعرض للأثر الأول، والتنزيل الثاني يتعرض للأثر الثاني.

ولا إشكال أنَّ كل تنزيل إذا لم يؤخذ في موضوعه الشكّ فإنَّه ينصرف إلى التنزيل بالمعنى الأول، وإذا اخذ الشكّ في موضوعه يكون قرينة على التنزيل بالمعنى الثاني، ولا أقلّ من صلاحية ذلك -يعني أخذ الشكّ في موضوعه- للإجمال.

إذن فليس عندنا احتمالان في دليل أصالة الطهارة، بل ثلاثة احتمالات:

أولها: أن يكون تنزيلاً بلحاظ توسعة الحكم الشرعي.

ثانيها: أن يكون تنزيلاً بلحاظ مرتبة العمل.

ثالثها: ألا يكون فيه نظر تنزيلي أصلاً.

ــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والاحتمال الثالث وإن كان موهوناً بقرينة التقابل إلا أنَّه لا يعين الاحتمال الأوَّل الذي يقتضي الإجزاء، بل يحتمل فيه الاحتمال الثالث الذي فيه القول بالإجزاء.

الجهة الحادية عشرة: تخصيص القاعدة بالدم الذي يُرى على منقار الطير

إن السيد الأستاذ(1)وجماعة ادعوا خروج مورد عن القاعدة تخصيصاً، وهو ما إذا رأى دماً على منقار صقر أو غراب أو بازي، وشك أنَّه دم سمك طاهر أو دم ميتة نجسة، ومقتضى عموم أصالة الطهارة وإن كان هو طهارته، لكنه خرج بالتخصيص فيحكم بالنجاسة، فهل هذا التخصيص تامّ أو لا؟

أنَّ أصالة الطهارة مخصّصة في مورد وهو ما إذا رؤي الدم على منقار الطير، وتردد الأمر بين كونه دماً طاهراً أو نجساً، فإنَّنا لو خلينا ودليل أصالة الطهارة لحكمنا بطهارته تمسكاً بعمومه، ولكن هناك ما دلَّ على خروج هذا المورد بالخصوص من عمومها.

ــــــــــ[249]ــــــــــ

(1) اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى ٣: ٨، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الخامس: نجاسة الدم، و3: ١٦٠، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 3، مصباح الفقيه 7: ١٣١، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، الخامس: الدماء، دليل العروة الوثقى 1: 410، كتاب الطهارة، فصلٌ: النجاسات اثنا عشر، الخامس: الدم.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

التحقيق في المقام

وهنا قد يُقال: إنَّ المدرك في قاعدة الطهارة:

إن كان هو الوجه الأول، وهو التمسّك برواية عمّار، فنحتاج إلى التفتيش عن دليل على التخصيص.

وأما إذا كان المدرك هو الوجه الثاني، وهو الروايات في الموارد المتفرقة، فغاية ما تدلُّ عليه أنَّنا نتعدى عن موردها بمقدار نقطع فيه بعموم الفرق، أو نقطع فقهياً بعدم الفصل، فيكفي النزاع في بعض الموارد للبناء على عدم الجريان من دون استئناف دليل على ذلك؛ لعدم وجود الإطلاق في دليل أصالة الطهارة.

إلا أنَّ هذا غير صحيح فإن تصيّد القاعدة من الموارد المتفرقة لم يكن على نحو الاستقراء، حتَّى يتمّ ما قيل، بل نحن قلنا في مقام تقرير الوجه الثاني أنَّنا نُلغي خصوصية المورد بالارتكاز العرفي، وجعله قرينة على التعدي.

ومعه لا يفرق فيه بين التعدي إلى هذا المورد وغيره من الموارد، ونحتاج إلى مقيد، فما هو:

وما ذكر كونه مقيداً هو موثقة عمار الطويلة، حيث ورد في بعض قطعاتها بسند صحيح غير ذلك السند المشتبه الذي وقعت فيه الفقرة التي تدلُّ على أصالة الطهارة، وقع فيها ما يدّعى كونه مقيداً لأصالة الطهارة.

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

حيث قال ما حاصله: سألته عن باز أو صقر أو عقاب شرب من ماء، قال: (لا بأس، إلا أنَّ ترى في منقاره دماً، فإن رأيت في منقاره دماً فلا تتوضأ منه ولا تشرب).

فكأنه يريد تأسيس أصالة النجاسة في دم المنقار، وبهذا الأصل نخرج عن قاعدة الطهارة.

وتفصيل الكلام في ذلك: أنَّ هذه الفقرات اشتملت على جملتين:

إحداهما: قولُه “كُلُّ شَيءٍ مِنَ الطَّيْرِ يُتَوَضَّأُ مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ تَرى‏ فِي مِنْقَارِهِ دَماً”.

وثانيتهما: قولُه: “فَإِنْ رَأَيْتَ فِي مِنْقَارِهِ دَماً فَلَا تَوَضَّأْ مِنْهُ وَلَا تَشْرَبْ”.

أما الجملة الأُولى فغير معارضة لقاعدة الطهارة، بل موافقة معها. نعم، ادعى أنَّها معارضة مع قاعدة الاستصحاب أو مخصصة له، فإنَّها تشمل بإطلاقها ما إذا كان رأى الدم سابقاً واحتمل أنَّه باقٍ إلى الآن، فإن مقتضى الاستصحاب النجاسة بينما تقتضي الجملة الأُولى الطهارة.

وفي بيان كيفية الاستدلال بالفقرة الثانية عدة مواقف: 

الموقف الأول: هو أنَّه لا إشكال أنَّ طبع كل دليل تكفّل حكماً ولم يُؤخذ في موضوعه الشكّ أن يكون حكمه واقعياً، كما أنَّ طبع الدليل إذا أُخذ في موضوعه الشكّ أن يكون حكمه ظاهرياً، فقوله: “إِلَّا أَنْ تَرى‏ فِي مِنْقَارِهِ دَماً”، أخذ في موضوعه الشك؛ لأنَّ الرؤية أخذت بنحو 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الطريقية، يعني ما لم تعلم بأنَّ عليه دم، إذن فمفاد الجملة الأُولى حكم ظاهري وهذا هو الذي ادُّعيَ أنَّه مخصّص للاستصحاب.

وأما الجملة الثانية فلم يؤخذ في موضوعها الشكّ في طهارة الدم ونجاسته، فمقتضى الظهور الأولي للدليل في الجملة الثانية أنَّه حكم واقعي، ومعه يبطل دعوى كونه مخصصاً للقاعدة، لأنَّ مفاده ليس في مرتبة مفادها، بل هو يفيد نجاسة كل دم فلو دلَّ دليل على أنَّ دم السمك طاهر أو الدم المتخلف في الذبيحة طاهر، فإنَّه يكون تخصيصاً في ذلك.

وهذا معناه أنَّ من يقول بأنَّ الجملة الثانية مخصصة للقاعدة لا بُدّ أنَّ يبرز قرينة على رفع اليد عن ظهور الجملة بالحكم الواقعي، وحملها على الحكم الظاهري لتكون في مرتبة قاعدة الطهارة فتكون مقيّدة لها.

والقرينة التي تصوّر على ذلك هو أن يُقال إنَّه لا إشكال أنَّ الجملة الثانية لم يؤخذ في موضوعها الشكّ فمفادها حكم واقعي، لكن هذه النجاسة الواقعية، لو حملت على كونها نجاسة واقعية محضة لا تستبطن حكماً ظاهرياً، فإنَّه يلزم محذور، لا بُدّ من فرض استبطانها للقاعدة الظاهرية.

والمحذور هو أنَّنا لو حملنا الجملة على محض النجاسة الواقعية، فإنَّه يلزم منه أن يكون مفادها مختص بخصوص كون الدم حيوان له نفس سائلة، ولم يكن من السمك، لأنَّه لو كان سمكاً أو دماً متخلفاً في الذبيحة، لكان ما دلَّ على طهارة هذا الدم مقيداً له.

ــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وهذا التقييد ليس تقييداً بالفرد النادر، لأنَّ الغالب في الصقور ألا يكون على منقارها دم سمك أو دم متخلف في الذبيحة، ولكن إحراز هذا القيد فرد نادر والأغلب أن يكون هذا الدم مشكوك الانتساب إلى نوع طاهر،

والمنساق من العبارة أنَّها في مقام بيان حكم واقعي يطرح للعمل بقرينة تعليقه على رؤية الدم في قوله: فإن رأيت، بينما الحكم الواقعي بالنجاسة مربوط بواقع الدم الذي على المنقار ولا دخل للرؤية فيه.

فبتعليقه على الرؤية نعرف أنَّ مفاد الجملة، حكم واقعي يكون أساساً للوظيفة والعمل، ومعه لا يمكن أن يكون حكماً واقعياً محضاً، لأنَّه في الأغلب جداً من موارده يكون مشكوك الانتساب إلى الدم النجس فتجرى عنه أصالة الطهارة، وليس الشارع في مقام جعل حكم مؤمّن عنه في أغلب موارده.

إذن بهذا نستفيد نكتة أخرى وهي أنَّ المراد جعل أصالة النجاسة في حال الشكّ بنحو الأصل أو الأمارية، وإلا كان هذا الحكم الواقعي مقروناً بما يبطله؛ لأنَّه مشكوك فتجري عنه أصالة الطهارة.

الموقف الثاني: أن نلتزم أنَّ مفاد هذه الجملة حكم ظاهري محض بقرينة بطلان الظهور الأولي وهو أصالة النجاسة فيما إذا شكّ أنَّه دم طاهر أو نجس بدعوى أنَّ غلبة الشكّ يكون قرينة على أخذه في موضوع الحكم، ومعه يدعي القائل بالتخصيص أنَّه يكون تخصيصاً لأصالة الطهارة.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلا أنَّ هذا غير صحيح لأنَّنا لو جعلنا الحكم متمحضاً بالحكم الظاهري يلزم أنَّ الرواية لا تشمل ما إذا علمنا أنَّه دم نجس وهو وإن كان أندر المصاديق، إلا أنَّه أوضحها من حيث التنجيس فعدم شمول الرواية له بعيد جداً، إذن كيف يفرض أنَّ دليل التنجيس لا يشمل أوضح الحالات، ويختص بصورة الشك!؟

الموقف الثالث: أنَّ هذه الرواية بعد تلك الأدلَّة المخصصة نحملها على أنَّها بمدلولها المطابقي في مقام جعل نجاسة مزيجة بين الواقعية والظاهرية، بأن نقول: إنَّ النجاسة المجعولة فيها أخذ في موضوعها عدم العلم بأنَّه دم السمك، فيدخل تحته صورتان صورة الشكّ وصورة العلم بالعدم، فتكون نجاسة ظاهرية على الأوَّل وواقعية على الثاني.

وبناءً على هذا أيضاً يُقال: إنَّ التخصيص تام أيضاً، فإن مدلولها هو النجاسة الجامعة بين الحكم الظاهري والواقعي، فتدلُّ في مورد الشكّ على النجاسة الظاهرية.

الموقف الرابع: أنَّ الرواية بمدلولها المطابقي يبقى متمحضاً بالحكم الواقعي، ولكن بالعناية التي أبطلنا بها الوجه الأوَّل ينعقد لها دلالة التزامية عرفيَّة تدلُّ على جعل النجاسة الظاهرية في مورد الشك. وهذا أيضاً مناسب مع التخصيص.

وعلى أيّ حال، فأحد الموقفين الأخيرين مناسب مع التخصيص بعد بطلان الموقفين الأولين.

ــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

مناقشة المدعى في المقام

ولنا عدة كلمات في مناقشة هذا المدعى:

الكلمة الأولى: في صحَّة التخصيص

هل هذا التخصيص صحيح أو لا؟ بمعنى أنَّنا لولا هذه الرواية هل نتمسّك بأصالة الطهارة؟ أو لولاها لكان هناك أصل حاكم عليها ثبت للنجاسة وهو الاستصحاب؟

فلا يكون المورد مشمولاً لقاعدة الطهارة لنخرج عنه بالتخصيص.

الشك الاعتيادي في المطلب أحد شكين:

الأول: أنَّ هذا الدم هل أخذ من الميتة أو من الحيوان المذكى؟

الثاني: أنَّنا نعلم أنَّه أخذ من الميتة ولكن لا ندري أنَّها ميتة سمكة أو بقرة.

أما الشكّ الأول: فمقتضى الاستصحاب الموضوعي هو الحكم بالنجاسة بلا حاجة إلى دليل تعبدي كموثقة عمار، لأنَّنا لا نعلم أنَّ الدم هل ذكي أو لم يذك، فيجري استصحاب عدم كونه مذكى، فيثبت أنَّ تمام دمه نجس.

وبتعبير واضح: أنَّ كل دم البقر محكوم عليه بالنجاسة خرّج الدم المتخلِّف في المذبوح منه، فإذا شككنا أنَّ هذه بقرة ذبحت أو لا، يجري استصحاب عدمها، فهو دم مسفوح بالوجدان وغير مذبوح بالاستصحاب، 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فيشمله دليل النجاسة.

وأما الشكّ الثاني: بأن كُنًّا نعلم أنَّه دم الميتة، ولكن لا ندري أنَّها ميتة سمك أو بقر، فهل نرجع إلى أصالة الطهارة أو لا؟ هذه المسألة مبنية على أن نعرف أنَّ الخارج بالتخصيص من دليل نجاسة الدم هل هو عنوان وجودي أو عنوان عدمي؟ فتارة نقول: إنَّ دليل تخصيص نجاسة الدم هو الروايات الواردة في دم البق والإجماع القائم على طهارة الحيوانات التي يكون دمها غير سائل، فيكون الخارج بالتخصيص من دليل نجاسة الدم عنوان وجودي وهو الحيوان الضعيف الدم.

وبناءً عليه يصير موضوع النجاسة بعد التخصيص مركباً من دم حيوان وإن لا يكون ضعيف الدم.

فاستصحب عدم كونه ضعيف الدم، ولو باستصحاب العدم الأزلي الثابت قبل وجوده، وفاقاً للسيد الأستاذ الذي يجري استصحاب الأعدام الأزليّة(1).

نعم، لو دلَّ دليل على إخراج أمر عدمي وهو كل ما لا يكون قوي 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 22، كتاب الطهارة، فصلٌ في النجاسات، الخامس: الدم، المسألة 11، دراسات في علم الأصول 2: 259، مبحث العامّ والخاصّ، التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، التعويض عن العامّ باستصحاب العدم الأزلي.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الدم أو كل ما ليس له نفس سائلة، فيصير موضوع النجاسة أمراً وجودياً وهو ما له نفس سائلة، فيكون مقتضى الاستصحاب ألا يكون له نفس سائلة.

فعلى الأوَّل يكون الاستصحاب مثبتاً للنجاسة بلا حاجة إلى موثقة عمار، وعلى الثاني لو تمَّت دعوى النجاسة فتكون هذه الموثقة مخصصة لقاعدة الطهارة وقاعدة الاستصحاب معاً.

إذن فدعوى كونها مخصصة لقاعدة الطهارة مبني على عدم جريان الاستصحابات الموضوعية التي تثبت النجاسة وإلا كانت مقدَّمة على أصالة الطهارة.

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الكلمة الثانية: في أنَّ الغالب حصول الاطمئنان الشخصي بالنجاسة

إننا نمنع أنَّ الغالب هو الشكّ في أنَّ هذا من الدم النجس أو الدم الطاهر، بل في أمثال الصقر والباز والعقاب لعلّ الغالب هو حصول الاطمئنان الشخصي بأنَّ هذا الدم من النجس لا من الطاهر.

ولا يستغرب ذلك إذ من المعلوم أنَّ اللحم المذكى لا يوجد في المكان الذي يوجد فيه الصقر والعقاب، وإنما منطقة اللحم المذكى هو المدن ومنطقة العقاب هو منطقة الجيف والصحاري، وكذلك احتمال كونه من السمك يحصل الاطمئنان بعدمه في كثير من المناطق وخاصة في صحراء الحجاز، فحصول الاطمئنان العادي بأنَّه دم الميتة أمر غالب فلا يلزم المحذور، وليس أمراً نادراً كما ذكر.

الكلمة الثالثة: المحافظة على ظهور العبارة بالحكم الواقعي

إنَّنا نسلِّم أنَّ حصول العلم بأنَّه دم الميتة أمر نادر، ومع هذا نلتزم بالموقف الأوَّل وهو أن نحافظ على ظهور العبارة بالحكم الواقعي.

فماذا يلزم؟ يقولون: يلزم أن يكون معطلاً لتأمين أصالة البراءة منه غالباً مع أنَّ ظاهر الكلام أنَّه حكم مجعول في مقام العمل.

فلماذا ظاهر الكلام هو ذلك؟ هل لأنَّ المولى تصدى لبيانه؟ أو لأنَّه علّقه على العلم وهو يشعر بذلك؟

وجواب ذلك: أنَّه من المحتمل قريباً أنَّ نظر الإمام، وتوجهه في هذا الكلام، وفي تعليقه النجاسة على الرؤية -دون واقع المرئي الذي هو موضوع الحكم الواقعي-، كان بلحاظ تأكيد الحكم في المستثنى منه، وأن أصالة الطهارة لا يرفع اليد عنها إلا بالعلم والرؤية.

توضيح ذلك: أنَّنا تارة نقول: إنَّ اهتمام المولى منصب على بيان نجاسة الدم في حال رؤيته. وأخرى نقول: إنَّ اهتمامه الرئيسي منصب على الطهارة وإنَّها مستمرّة حتَّى تعلم بالنجاسة.

ويؤيد الثاني الجملة الأخرى الواردة في طريق الاستبصار عن الدجاجة، حيث قال: (إلا أن ترى فيها قذراً)(1)، وهو نصٌّ بمعنى النجاسة، 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

() وهي قوله:-“إِنْ كَانَ فِي مِنْقَارِهَا قَذَرٌ لَمْ تَشْرَبْ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ فِي مِنْقَارِهَا قَذَراً تَوَضَّأْ مِنْهُ وَاشْرَبْ” سبق تخريجها فراجع.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يعني لا ترفع يدك عن الطهارة إلا مع العلم بالنجاسة، ومعه فلا يبقى فيها أي دلالة على النجاسة.

نعم، تبقى مشكلة واحدة وهي: أنَّه كيف نعالج معارضة الجملة الأُولى في الرواية مع استصحاب النجاسة؟ فإنَّ مقتضى الإطلاق في الجملة الأُولى هو شمول خطاب “تَوَضَّأْ مِنْهُ وَاشْرَبْ” لصورة ما إذا كان قد رأى الدم واحتمل بقاءه، مع أنَّ هذه الصورة هي نفسها مجرى لاستصحاب النجاسة.

ويمكن بيان هذا الإشكال، بحيث يمنع عن جريان الاستصحاب بتقريبين: 

التقريب الأول: هو ما أشرنا إليه الآن من أنَّ قوله: “تَوَضَّأْ مِنْهُ وَاشْرَبْ” حكم عامّ استثني منه صورة رؤية الدم فعلاً فيبقى تحته صورتان:

الصورة الأولى: أنَّه لم يعلم بوجود الدم على المنقار أصلاً.

الصورة الثانية: أنَّه رأى الدم سابقاً وشك في بقائه.

فمقتضى إطلاق العبارة هو الشمول للصورة الثانية. وحينئذٍ تصير المعارضة بهذا التقريب بنحو العموم من وجه، فيتساقطان وتكون النتيجة هو الرجوع إلى الأصول المؤمّنة.

التقريب الثاني: أنَّ هذه الجملة أخص من دليل الاستصحاب أو بحكم الأخص، ببيان: أنَّ الغالب هو العلم بأنَّ هذا المنقار قد تلوث بالدم، خلال ساعات قليلة، لأنَّه يجوع ويفترس اللحوم. فالعلم بالحالة السابقة 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أمر غالب. لا أنَّها حالة تثبت بالإطلاق. وهذا معناه أنَّ الجملة تصبح كالأخص مطلقاً من دليل الاستصحاب، فتخصصه.

وفرق هذا الوجه عن سابقه أنَّنا هنا نتمسّك بالمقامين بنفس الرواية، وهناك بالأصول العملية.

إلَّا هذين التقريبين غير صحيحين فإنَّ كِليهما يختص بإشكال وعليهما إشكال مشترك.

أما الإشكال المختص بالتقريب الأول: فهو أنَّنا لو سلمنا أنَّ التعارض بنحو العموم من وجه، وقطعنا النظر عن الجواب المشترك بين التقريبين، فنقدم دليل الاستصحاب(1)على إطلاق هذه الجملة باعتبار نكتة تقتضي هذا التقدُّم. وهو كونه بالعموم بقرينة قوله: “أبداً“، الذي هو من أدواته.

بينما في الجملة الواردة في رواية عمار فالإطلاق ثابت بمقدّمات الحكمة، وكُلَّما تعارض عامّ ومطلق، ففي الأغلب يتقدَّم العامّ بحسب 

ــــــــــ[260]ــــــــــ

() اُنظر: الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 13، تهذيب الأحكام 1: 421-422، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 8، وسائل الشيعة 3: 466، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 1: محمّد بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: “قُلْتُ لَهُ: أَصَابَ ثَوْبِي دَمُ رُعَافٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ شَيْ‌ءٌ مِنْ مَنِيٍّ، إلى أَنْ قَالَ: فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَلَمْ أَتَيَقَّنْ ذَلِكَ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، ثُمَّ صَلَّيْتُ، فَرَأَيْتُ فِيهِ؟ قَالَ: تَغْسِلُهُ وَلَا تُعِيدُ الصَّلَاةَ، قُلْتُ: لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً…”.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النظر العرفي(1).

ولا يرد هذا الجواب على التقريب الثاني؛ لأنَّه يدّعى فيه أنَّ الموثقة أخص من دليل الاستصحاب وليست أعم من وجه ليطبق عليه الميزان المشار إليه.

وأما الإشكال المختص بالتقريب الثاني: هو أنَّ الغالب وإن كان هو طروّ الدم على منقار هذا الطير إلا أنَّه ليس الغالب هو احتمال بقاء الدم إلى الآن ايضاً.

فإن بنينا على أنَّ بدن الحيوان يتنجس وتبقى نجاسته حتَّى بعد زوال العين، فإنَّ هذا التقريب يتمّ حيث يكون الأغلب وجود الحالة السابقة.

ولكن بعد المتسالم القطعي القائم على أنَّ بدن الحيوان طاهر بعد زوال العين، نقول: إنَّ الغالب وإن كان هو طروّ الدم على منقار الطير، لكن من الحالات الكثيرة جداً – إن لم يكن الغالب- أن نعلم بارتفاعه؛ لأنَّ هذا الطائر يفحص الأرض بمنقاره، فنطمئن بارتفاع الدم عنه، وإنما نشكُّ بوجود دم آخر عليه. إذن فالأخصّية غير تامَّة.

وأما الإشكال المشترك على التقريبين: هو دعوى حكومة دليل الاستصحاب على إطلاق موثقة عمار سواء كانت بنحو الأخصية أو بنحو 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول (مباحث الحجج والأصول العمليّة) 7: 277، تعارض الأدلّة، القسم الثاني: التعارض المستقرّ، تطبيقات مشكوك فيها للتعارض المستقرّ، تعارض الدلالة الوضعيّة مع الدلالة الحِكَميّة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

العموم من وجه يعني بعد الالتفات إلى النكتة التي ذكرناها في الجواب الثاني نقول: بأنَّ دليل الاستصحاب يكون حاكماً على هذه الجملة لأنَّه بعد فرض إبطال الأخصية يكون قوله: (إلا أن ترى في منقاره دماً)، يعني إلا أن تعلم أن فيه دماً، حيث أخذ الرؤية بنحو الطريقية على العلم، وحيث إنَّ مفاد الاستصحاب على ما هو المشهور هو الطريقية وجعل مفاده علماً، فيكون حاكماً على الموثقة، بلا حاجة إلى إبراز نكتة.

إن أحدهما بالوضع والآخر بمقدّمات الحكمة.

هل الاستصحاب في نفسه يجري في هذه الموارد؟

وهنا يجب أن نعرض سؤالاً أعمق من ذلك وهو أنَّ الاستصحاب هل يجري في نفسه في هذه الموارد أو لا. فإذا علمنا بوجود الدم على منقار الصقر قبل ساعة وشككنا في بقائه إلى حين دخول المنقار في الماء، هل يجري الاستصحاب ويحكم بنجاسة الماء أو لا؟

وهذا المطلب بيناه في بحث الأصل المثبت(1)، وقلنا إنَّ جريان الاستصحاب وعدمه مبني على الخلاف المعروف، في أنَّ أبدان الحيوانات هل تنجس ثُمَّ تطهر؟ أو أنَّها لا تتنجس أصلاً؟

توضيح ذلك: أنَّه لا إشكال عند الفقهاء أنَّ بدن الحيوان يتميز عن 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

(1) بحوث في علم الأصول 6: 200-202، الاستصحاب، الفصل الثالث: مقدار ما يثبت بالاستصحاب، حدود ما يثبته الاستصحاب من آثار القطع الطريقي.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

باقي الأجسام بأنَّه يطهر بزوال عين النجاسة بلا حاجة إلى تطهير. ولكنه وقع الخلاف في أنَّه في حال وجود الدم: هل يحكم بالنجاسة العرضيَّة للحيوان بحيث يكون عندنا نجاستان عرضية وذاتية، وتزول العرضيَّة بزوال الذاتية؛ لأنَّها علَّة لها حدوثاً وبقاءً؟ كما يناسب قولهم: إنَّ زوال العين من المطهرات المتضمن للاعتراف بوجود النجاسة العرضيَّة.

أن نقول: إنَّ بدنه لا يتنجس أصلاً، وإذا لاقى ثوبي مع بدن الحيوان فإنَّه ينجس؛ لأنَّه لاقى الدم، لا لأنَّه لاقى بدن الحيوان؟

فإذا بنينا على أنَّ بدن الحيوان ينجس بالنجاسة العرضيّة، فإذا رأينا على منقاره دماً، وبعد ساعة شككنا ببقائه، وأدخل منقاره في الماء. فهنا لولا الموثقة لحكم بجريان الاستصحاب. فإنَّ بدنه سرت إليه النجاسة حتماً وشُكّ بارتفاعها، فنستصحب بقاء النجاسة فيه، وبه يثبت نجاسة الماء.

بل يمكن أن نجري الاستصحاب الموضوعي، وهو استصحاب بقاء الدم فإنَّ النجاسة العرضيَّة من الأحكام المترتبة على بقاء الدم ومسببه عنه. فإذا استصحبناه نحكم على بدن الحيوان بالنجاسة فنحكم على الماء بالنجاسة.

وأما لو بنينا على أنَّ بدن الحيوان لا ينجس بالنجاسة العرضية، بل ما هو نجس هو الدم فقط، والماء يتنجس بملاقاة الدم لا المنقار. ففي مثل ذلك لا يجري الاستصحاب الحكمي ولا الموضوعي. 

أما الاستصحاب الحكمي للنجاسة العرضيَّة للمنقار، فلأنَّه لا حالة 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

سابقة لها؛ لأنَّ بدن الحيوان لا ينجس على هذا المبنى. 

وأما الاستصحاب الموضوعي: أي استصحاب بقاء الدم، فهو أصل مثبِت؛ لأنَّه يلزم من بقائه إلى حين ملاقاة المنقار للماء ملاقاة الماء مع الدم، وهي ملازمة عقلية لا تثبتها الأصول، وحينئذٍ فمقتضى القاعدة هو الطهارة.

نعم، هذا إشكال مبني على مبنانا في الفقه، على المبنى الأول، فإنَّنا نقول: إنَّ الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس بل بملاقاة النجس(1)، فماذا تستصحبون؟

إن استصحبتم النجاسة العرضيَّة للمنقار، فنحن نبني على أنَّ وجودها الوجداني لا ينجس فكيف بوجودها المستصحب!

وإن استصحبتم النجاسة العينية فهو لا يثبت الملاقاة إلا بالملازمة العقلية، ومعه فيمكن المصير إلى الطهارة حتَّى بناء على القول الأول. نعم، في غير الماء لا يأتي هذا الإشكال، كالماء المضاف وغيره.

هذا تمام الكلام في الجهة الحادية عشر من جهات أصالة الطهارة.

ــــــــــ[264]ــــــــــ

() اُنظر: منهاج الصالحين (تعليقة الشهيد الصدر) 1: 20، كتاب الطهارة، الماء القليل؛ حيث علّق على قول الماتن: “القليل ينفعل بملاقاة النجس أو المتنجّس على الأقوى” بقوله: “الظاهر عدم الانفعال بملاقاة المتنجّس الجامد الخالي من عين النجاسة”. وراجع أيضاً: بحوث في شرح العروة الوثقى 1: 392، كتاب الطهارة، الماء الراكد، الكلام في انفعال الماء القليل، التفصيل بين النجس والمتنجّس.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الجهة الثانية عشرة: في استثناء الرطوبة المشتبهة قبل الاستبراء من البول والمنيّ

نعم، يستثنى ممّا ذكرنا: الرطوبةُ الخارجةُ بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات، أو بعد خروج المنيِّ قبل الاستبراء بالبول؛ فإنَّها مع الشكّ محكومة بالنجاسة(1).

ذكر في المتن أنَّه يستثنى من قاعدة الطهارة البلل المشتبه، بمعنى أنَّ الشخص إذا بال ثُمَّ خرج منه بلل مشتبه ولم يكن قد استبرأ بالخرطات فإنَّه يحكم عليه بالنجاسة وبالناقضية للوضوء. فيجب عليه الوضوء وتطهير الموضع. مع أنَّ هذا مشمول لأصالة الطهارة فإنَّه يشكّ في نجاسة البلل المشتبه بنحو النجاسة الذاتيَّة وفي ملاقيه بنحو النجاسة العرضيَّة، لكن خرج هذا المورد بالروايات الخاصَّة، ونحوه المنيّ إذا خرج البلل المشتبه قبل الاستبراء بالبول، فإنَّه يحكم بناقضيته للغسل وبنجاسته الخبثيّة(2).

هذه الروايات الخاصَّة، والكلام في أصل حجيتها في مقام إثبات هذا الحكم في الجملة، وأن البلل المشتبه منشأ للمؤونة، فليس محلّ بحثه الآن. بل نفرض هنا تمامية تلك الروايات سنداً ودلالة، وأنَّها قدمت على 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 149، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 2.

(2) اُنظر: وسائل الشيعة 1: 282، كتاب الطهارة، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، باب حكم البلل المشتبه الخارج بعد البول والمنيّ.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

معارضاتها. وأثبتت أنَّ البلل المشتبه قبل الاستبراء منشأ للعناية واللزوم.

وإنما يتمحض كلامنا في أنَّ هذه العناية هل تختص بالنجاسة الحدثية أو تشمل الخبثية أيضاً. ومن المعلوم أنَّ هذين الحكمين متلازمين في الواقع، فإنَّ الخارج إن كان بولاً فقد انتقض وضوؤه وتنجس. وإن لم يكن بولاً لم ينتقض ولم يتنجس.

ولكن حيث إنَّ روايات الاستبراء في مقام جعل الحكم الظاهري عند الشكّ لهذا يعقل التفكيك بأن يقال: إذا شككت بالبلل فيثبت كونه ناقضاً ولا يثبت كونه نجساً.

فيقع الكلام في أنَّ مفاد الروايات هل هو كِلا الحكمين، أو أنَّ القدر المتيقن منها هو النجاسة الحدثية، ولا يمكن إثبات النجاسة بها؟

قصور الروايات عن إثبات النجاسة الخبثية

وهذا الإشكال اتجه إليه صاحب الحدائق(1) وغيره، فذكر أنَّ هذه الروايات قاصرة عن إثبات النجاسة الخبثية ولا يثبت بها إلا النجاسة الحدثية. وهذا الإشكال يقرّب بوجهين: أوَّلهما يرجع إلى نفي المقتضي، والآخر إلى وجود المانع.

ــــــــــ[266]ــــــــــ

(1) اُنظر: الحدائق الناضرة 2: 62، كتاب الطهارة، الباب الثاني: في الوضوء، المطلب الأوّل، الفصل الأوّل: في آداب الخلوة، المورد الثالث: في المستحبّات، تنبيهات الاستبراء، الثاني: البلل المشتبه.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أما التقريب الأول: وهو قصور إطلاق الروايات في أنفسها، بأن يُقال: إنَّ هذه الروايات تأمر بإعادة الوضوء وهو أمر ظاهري وليس واقعياً؛ لأنَّ الواقع مشكوك، فيؤخذ بها بهذا المقدار. وأما مسألة كون البلل خبثاً فهو يحتاج إلى قرينة زائدة، بعد التفكيك بين الحكمين.

التقريب الثاني: بعد تسليم الإطلاق بحسب مقام الإثبات، بأن يُدّعى أنَّ ذكر الوضوء كان من باب المثال، وأن المقصود منه هو ترتيب تمام أحكام البول على البلل المشتبه. فيشمل بإطلاقه الحكم الخبثي.

ولكن نقول: إنَّه يوجد مانع عن التمسّك بهذا الإطلاق، لأنَّه يقع طرفاً للمعارضة مع دليل الطهارة الظاهرية، أي: دليل أصالة الطهارة؛ لأنَّ شمول الروايات للوضوء، لا تعرض له للخبث، فلا يعارض دليل أصالة الطهارة وإنما يعارضه شموله للخبث.

فتكون الروايات معارضة مع القاعدة بنحو العموم من وجه، إذ تفترق روايات الاستبراء بالحكم بالانتقاض وتختص قاعدة الطهارة بالحكم بطهارة غير البلل المشتبه. وتجتمعان فيه.

وحينئذٍ: فإما أن نقول بالتساقط، ونرجع إلى أصل مؤمّن، ولو كان هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان. 

أو نقول نقدم أصالة الطهارة على روايات الاستبراء بناء على تقدُّم العموم على الإطلاق، وفي المقام العموم في قاعدة الطهارة بالوضع؛ لأنه قال: “كل شيء نظيف حتَّى تعلم أنَّه قذر“.

ــــــــــ[267]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

1- مناقشة التقريب الثاني لإشكال صاحب الحدائق

أما مناقشة التقريب الثاني فهذه المعارضة يتوقف دفعها على أحد أمرين:

أولاً: أن نثبت من خلال دفع التقريب الأوَّل استظهار الأمارية لا الأصلية الصرفة. فحينئذٍ يمكن أن يُقال بتقدم روايات الاستبراء على قاعدة الطهارة.

توضيح ذلك: أنَّ مفاد روايات الاستبراء:

إما أن يكون مجرَّد حكم ظاهري يتكفل إيجاب الاحتياط، فتكون نسبته إلى القاعدة نسبة العموم من وجه، فيتعارضان على مستوى واحد.

وإما أن تستظهر منها جعل الأمارية والكاشفيَّة النوعيَّة عن أنَّه هذا البلل مما تبقَّى من البول. ومعه يتقدَّم على دليل قاعدة الطهارة بناء على ارتكازية تقدُّم دليل الأمارة على مثل دليل الطهارة.

ثانياً: أنَّنا لو سلمنا عدم الأمارية، فلا أقلّ من أن نستظهر أنَّ هذه الروايات وإن كانت في مقام جعل قاعدة ظاهرية، ولكنها تنقح لنا الموضوع
-لا الحكم- فإنَّ مفادها: هذا بول وليس مفادها ابتداء الحكم بالحدثية والخبثية. وحينئذٍ تكون نسبتها إلى قاعدة الطهارة نسبة الأصل الموضوعي إلى الأصل الحكمي. فإنَّ مفاد كِلا الدليلين أصل ظاهري لكن أحدهما أصل موضوعي والآخر حكمي، فيتقدَّم عليه تقدُّم الأصول الموضوعيَّة على الحكميَّة.

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أما أنَّه هل يتمّ شيء من هذين الوجهين أو لا؟ يظهر حاله في الكلام عن التقريب الأول.

2- مناقشة التقريب الأوَّل لإشكال صاحب الحدائق بوجوه

أما مناقشة التقريب الأول، فيمكن أن يجاب عنه بعدة وجوه، نرى هل يتمّ شيء منها أو لا؟

الوجه الأول: ما ذكره السيد الأستاذ(1)وحاصله: أنَّ هذا الدليل دالّ على وجوب الوضوء، فإذا ضممنا إليه دليلاً قطعياً من الخارج يدلُّ على أنَّ نواقض الوضوء محصورة في خصوص النواقض المعروفة التي منها البول، فيستنتج من ذلك أنَّ هذا بول، فينتج التعبد ببوليته، فيترتب عليه تمام أحكام البول.

وهذا غريب من السيد الأستاذ؛ لأنَّ هذين الدليلين ليسا في مرتبة واحدة حتَّى يضم إحداهما إلى الأخرى كصغرى وكبرى. فإنَّ دليل (لا ينقض الوضوء إلا بالبول) دليل واقعي، ودليل (البلل المشتبه) ليس مراده جعل ناقض واقعي، بل في مقام التعبد، بكون البلل المشتبه ناقضاً للوضوء واقعاً، ومعه لا يمكن أن يستنتج منه كونه بولاً، إلا إذا أثبت الحكم الظاهري لوازمه، فهذا الجواب غير تام.

ــــــــــ[269]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: ٤٣٩، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الاستبراء، المسألة 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الوجه الثاني(1): -وهذا الوجه للسيد الأستاذ أيضاً- أنَّ هذه الشبهة مبنية على أنَّ روايات الاستبراء لم يتعرض فيها إلا للوضوء. مع أنَّ في بعضها تعرّضاً إلى الأمر بالغسل مع الأمر بالوضوء أيضاً، وهذا يستفاد منه أنَّها ناظرة إلى الخبث والحدث معاً، ولو وجِد ذلك في رواية واحدة، كموثقة سماعة، قال: “سألته عن الرجل يجنب ثُمَّ يغتسل قبل أن يبول فيجد بللاً بعدما يغتسل، قال: يُعِيدُ الْغُسْلَ، فَإِنْ كَانَ بَالَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلَا يُعِيدُ غُسْلَهُ، وَلَكِنْ يَتَوَضَّأُ وَيَسْتَنْجِي”(2).

فقد تعرض إلى الأمر بالغسل مع الوضوء، وهذا يستفاد منه أنَّها ناظرة للخبث كما أنَّها ناظرة للحدث.

وهي وإن كانت مطلقة لما إذا لم يستبرئ بالخرطات، إلا أنَّنا نقيدها بما دلَّ على ذلك فيصير مفادها: إذا بال ولم يستبرئ بالخرطات ووجد بللاً مشتبهاً فإنَّه يتوضأ ويستنجي.

والأمر بالغسل بنفسه يكون مقيداً لقاعدة الطهارة، سواء قلنا إنَّ الأمر 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

() اُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: ٤٣٨، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الاستبراء، المسألة 2.

(2) باب 36 من أبواب الجنابة، (المقرر). الكافي 5: 151، كتاب الطهارة، الباب 32، الحديث 4، الاستبصار 1: 119، كتاب الطهارة، الباب 72، الحديث 3، تهذيب الأحكام 1: 144، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث 97، وسائل الشيعة 2: 251، كتاب الطهارة، الباب 36 من أبواب الجنابة، الحديث 8.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بالغسل يثبت البولية أو أنَّه لا يثبتها، ولكنه يثبت نجاسة البلل المشتبه أو يقتصر على إثبات نجاسة الملاقي للبلل المشتبه. أو أنَّه فقط بوجوب الغسل احتياطاً، وجعل احتمال النجاسة منشأ للاحتياط. وعلى كل التقادير لا بُدّ من رفع اليد عن إطلاق دليل القاعدة.

تحقيق الحال في رواية سماعة

أن رواية سماعة أمرت بالوضوء والاستنجاء، وموضوعها هو البلل الخارج بعد البول. وهذا البلل:

تارة يفرض مردداً بين أمرين بين كونه بولاً وكونه منياً.

وأخرى يفرض مردداً بين ثلاث أمور هما الأمران السابقان وكونه مذياً طاهراً.

ولا إشكال أنَّه لوحظ في الرواية الشكّ بكونه منياً ومن هنا أمر بالغسل لو خرج قبل البول. كما أنَّه لوحظ الشكّ بكونه بولاً ومن هنا أمر بالوضوء لو خرج بعد البول. ولكن لم يؤخذ في الرواية فرض وجود طرف ثالث للاحتمال هو كونه مذياً. وإنما يكون هذا مشمولاً لإطلاق الرواية حيث يُقال: إنَّه يتوضأ ويستنجي سواء احتمل كونه مذياً أو لا. فالقدر المتيقن من العبارة هو صورة التردد الثنائي.

وحينئذٍ نقول: إنَّه إذا تردد البلل بين البول والمني فالنجاسة محرزة على كِلا التقديرين، فإذا كان غسلهما على نحو واحد، فلا يبقى أثر للتعيين كونه بولاً أو منياً. بل يكون قوله يستنجي، باعتبار النجاسة المحرزة على أيّ حال.

ــــــــــ[271]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما صورة التردد الثلاثي، فهو يقع طرفاً للمعارضة بنحو من الأنحاء مع قاعدة الطهارة، فإنَّه معه لا يعلم بنجاسة البلل المشتبه فيكون مجرى للقاعدة. ويكون قوله أغسل معارضاً لها.

وبهذا يتضح: أن التعارض يكون بنحو العموم من وجه، أي: (اغسل)، سواء كان الأمر مردداً بين البول والمني، أو بين البول والمذي. فيجتمعان في البلل المشتبه بين الطاهر والنجس وتفترق الموثقة فيما إذا تردد الأمر بين البول والمني، وتفترق القاعدة في غير البلل المشتبه، وحينئذٍ تكون النتيجة في الطهارة. 

إلا أنَّ هذا الجواب قابل للمناقشة؛ لأنَّ النسبة بينهما وإن كانت هي العموم من وجه، إلا أنَّ تقييد رواية سماعة بخصوص التردد الثنائي وإخراج صورة التردد الثلاثي تخصيص بالفرد النادر؛ لأنَّ الغالب هو وجود احتمال ثالث. فيكون إطلاق موثقة سماعة كالأخص مطلقاً. فيقدم على دليل قاعدة الطهارة.

الوجه الثالث: أنَّ نستظهر -بعد فرض تمامية الوجه السابق- أنَّ المقصود من الأمر بالغسل لو كان بعنوان (اغسل) فالأمر كما قلناه في الوجه الثاني. ولكن الأمر كان بعنوان (يستنجي)، والاستنجاء إنما يكون بالبول والغائط، فله ظهور عرفي بأنَّه تعبد ببولية هذا البلل المشتبه، وإلا فإنَّه لا يعبر عن غيره بالاستنجاء. وحينئذٍ فيصير بمثابة الأصل الموضوعي بالنسبة إلى قاعدة الطهارة، فإنَّه ينقح موضوع الحكم بالنجاسة، فيتقدَّم عليه، وإن 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كانت النسبة بينهما هي العموم وجه.

وفرق هذا الوجه عن سابقه، أنَّنا في سابقه كُنَّا نسلِّم أنَّ (يستنجي) لا يثبت البولية، فكان كِلا الأصلين حكمياً، فيتعارضان بنحو العموم من وجه ويتساقطان، وفي هذا الوجه أصبح الأصلان طوليان فلا يتعارضان.

إلا أنَّ هذا الوجه موقوف على الجزم بأنَّ كلمة (الاستنجاء) لا تشمل في حقيقتها الأولية إلا غسل موضع البول والغائط.

ولا إشكال أنَّ هذه الكلمة بطبعها الأوَّلي، لا تشمل إلا الغائط لأنَّ الاستنجاء عبارة عن غسل موضع (النَّجو)(1)ولكن أضيف إليها البول في أخبار الاستنجاء(2) باعتبار المقارنة، كما استعمل في جملة من الروايات في غسل المني والدم والقيء والقيح.

فلاحظوا باب نواقض الوضوء وباب التخلي. فقيل -مثلاً-: لا استنجاء إلا من بول أو غائط أو مني(3) أو: لا استنجاء من القيء والقيح 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

() النهاية في غريب الحديث والأثر ٥: ٢٦، مادّة (نجا)، لسان العرب ١٥: ٣٠٧، مادّة (نجا).

(2) من لا يحضره الفقيه ١: ٣٦، باب ارتياد المكان للحدث والسنّة في دخوله والآداب فيه إلى الخروج منه، الحديث ٥٩.

(3) “وَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِكَ وَدُبُرِكَ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا وُضوءَ عَلَيْكَ وَلَا اسْتِنْجَاءَ، إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْكَ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ مَنِيٌّ. وَإِنْ كَانَ بِكَ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ مَنِيٌّ وَكَانَ بِكَ فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَرْحَةٌ أَوْ دَمَامِيلُ وَلَمْ يُؤْذِكَ فَحُلَّهَا وَاغْسِلْهَا، وَإِنْ أَضَرَّكَ حَلُّهَا فَامْسَحْ يَدَكَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالْقرُوحِ وَلَا تَحُلَّهَا وَلَا تَعْبَثْ بِجِرَاحَتِك‏” الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا: ٦٩، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل ١: ٢٢٩، كتاب الطهارة، الباب ٢ من أبواب نواقض الوضوء، الحديث ٤٣٧.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والدم(1). فصار للكلمة توسيعات في كلام الأئمة بحيث أصبحت تستعمل بمعنى مطلق التطهير.

وهذا الوجه مبني على أنَّها على نحو واحد، بحيث يستظهر منها التعبد بالبولية، إلا أنَّه لا يمكن الجزم بأحد المعنيين.

الوجه الرابع: وهو تطوير وتحسين للوجه الأوَّل وحاصله: أنَّ مفاد روايات الاستبراء بقطع النظر عن رواية سماعة وإن كان هو النقض الحدثي دون التعبد بالبولية وهو لا يلازم عقلاً مع التعبد بالبولية، لأنَّه ما أكثر الأصول الحكمية التي لا تثبت موضوعها كأصالة الحلية، كما لو شككنا في مايع أنَّه خل أو خمر، كان مقتضى الأصل حليته ولكنه لا يثبت كونه خلاً.

والإنصاف هو التفصيل بين ما إذا كان الدليل الدال على الحكم دليلاً عاماً غير ناظر إلى واقعة مخصوصة، كأصالة الحل لو وردت في موضوع خاص.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

(1) “وكلّ ما خرج من قُبلك ودُبرك من دمٍ وقيحٍ وصديدٍ وغير ذلك فلا وضوء عليك ولا استنجاء”، مستدرك الوسائل 1: 234، كتاب الطهارة، الباب 7 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 456.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإن كان دليلاً عاماً: فليس له نظر إلى الموضوعات بل له نظر إلى الحكم فقط، فلا يثبت التعبد بالموضوع لعدم الملازمة لا عقلا ً ولا عرفاً.

وأما في الدليل الخاصّ -كما في محلّ الكلام- فإنَّ التعبد ورد على الحكم بعنوانه، وهو عنوان الناقضية، لا بعنوان كلي ينطبق عليه، ومن المركوز في أذهان المتشرعة الارتباط بين الحكم بالناقضية وموضوعها وهو البول، وأنَّها من شؤون البول، فينعقد للدليل دلالة التزامية عرفيَّة في التعبد بالبول أيضاً.

ولهذا لا أظن أنَّ أحداً من أهل العرف سليماً من الشوائب، إذا أُلقِيَ عليه هذا الخطاب، يقول إنَّه بول في نظر الشارع. 

وهذا معناه أنَّ هذه الروايات في مقام بيان حكم ظاهري على مستوى الأصل الموضوعي، متقدِّم على قاعدة الطهارة بالحكومة. 

الوجه الخامس: يُدّعى من قبل الشيخ الأعظم(1) وحاصله: استظهار الأمارية من روايات الاستبراء، فتكون نسبتها إلى قاعدة الطهارة نسبة الأمارات إلى الأصول.

بتوضيح: أنَّنا حين نقول: (انتقض وضوؤه) أو (يتوضأ) فإن حملناه على مجرَّد الحكم الظاهري التعبدي على مستوى الأصل غير التنزيلي، فلا بأس بإشكال صاحب الحدائق ولا بأس بالتفكيك بين التعبد بالحدث 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

(1) اُنظر: فرائد الأصول 2: ٢٣٩، المقصد الثالث: في الشكّ، المقام الأوّل: في الشكّ في الحكم الشرعيّ، المطلب الأوّل، المقام الثاني، التنبيه الرابع.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والتعبد بالخبث، فإنَّ التفكيك في مقام التعبد الظاهري أمر معقول.

إلا أنَّنا نستظهر من هذه الروايات أنَّها ليست في مقام جعل مجرَّد حكم تعبدي صرف، بل فيها تعويل على كاشفيَّة الأمارة. وهي أمارية العادة، فإنَّ العادة جارية على أنَّ البائل لو لم يستبرئ من بوله تبقى قطرات منه في المجرى، فالعادة تكون أمارة على أنَّ الخارج هو من ذلك المتبقي في المجرى، فيثبت أنَّ هذا بول بالأمارة، فيترتب عليه سائر الأحكام. 

وهذه العبارة من الشيخ مجملة من حيث كيفية ترتب سائر الأحكام على الأمارية، فيمكن تحديدها بتقريبين: 

التقريب الأول: أن يُقال: إنَّه بناءً على استظهار الأمارية من روايات الاستبراء يجب أن نقول إنَّ ما يثبت بالأمارة بالدلالة المطابقية هو بولية البلل، ويثبت في طوله حدثيته، بالدلالة الالتزامية، لأنَّ مقتضى العادة هو ذلك.

وفي لسان الرواية وإن بُيّن المدلول الالتزامي دون المطابقي، لكن حيث استظهرنا الأمارية من الرواية، فقد انقذتها في مدلولها المطابقي ثُمَّ في مدلولها الالتزامي؛ لأنَّ انقاذ المدلول الالتزامي من نتائج انقاذ المدلول المطابقي، فإنَّ العرف لا يفهم أنَّ الرواية حُجَّة في المدلول الالتزامي دون المدلول المطابقي، فإذا ثبت أنَّه بول يترتب عليه سائر أحكامه.

ــــــــــ[276]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

التقريب الثاني: أنَّ حكم الشارع بحدثية البلل المشتبه لو كان ظاهرياً صرفاً، لاقتصر عليه لكن بعد فرض أنَّ هذا التعبد بنكتة كاشفيَّة الأمارة ونسبة كاشفيتها إلى كل من الأثرين على نحو واحد، وليست نسبتها إلى النجاسة الحدثية أقوى من نسبتها إلى النجاسة الخبثية، بل نسبتها بالارتكاز العرفي إليهما على حد واحد، بمعنى أنَّ نفس الدرجة التي توجب الظن بالحدث، بنفسها توجب الظن بالخبث.

وهذا يحتاج إلى ضم متمم جعلٍ، فإنَّ كاشفيَّة الأمارة وإن كانت موجودة بلحاظ كِلا الأثرين، ولكن يمكن للشارع -إمكاناً عرفياً- أن يخصّص حُجِّيّة الأمارة بأحد الأمرين، فيما إذا وجدت نكتة نفسية في النظر العرفي ترجّح أحد الأمرين على الآخر.

مثاله: لو صلى وشك أنَّه هل كان متوضأ أو لا، فإنَّه تجري قاعدة الفراغ، وقد جعلت هذه القاعدة في حقه من ناحية الأمارية، كما نستظهر من أدلتها، فظهور حاله يقتضي أنَّه قد توضأ، ووضوئه له أثران: أحدهما: صحَّة صلاته التي فرغ منها. والآخر: صحَّة صلاته اللاحقة.

لكن مع هذا فإنَّ الصحيح -وفاقاً للمشهور(1)– أنَّ قاعدة الفراغ تصحح الصلاة السابقة دون اللاحقة، مع أنَّ نسبة الكشف إلى الصلاتين على حد واحد ولا يحتمل المكلف أنَّ صلاته السابقة غير محتاجة إلى وضوء وصلاته اللاحقة محتاجة؛ لأنَّ هناك نكتة نفسية عرفيَّة تناسب الحكم بصحة الصلاة السابقة فقط، وهي نكتة الفراغ، فإنَّها نكتة تناسب عرفاً التسهيل 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول 6: 180، الاستصحاب، الفصل الثالث: مقدار ما يثبت بالاستصحاب، حدود ما يثبته الاستصحاب من آثار القطع الطريقي.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

عنه والفراغ عن تبعاته ومعه لا يمكن أن نقول: إنَّه ما دامت الكاشفيَّة على حدّ واحد فكِلا الصلاتين صحيحة؛ لأنَّ هناك فرقاً ما بينهما بحسب النظر العرفي.

إذن، ففي المقام: إذا استظهرنا من روايات الاستبراء الكاشفيَّة، وهي نسبتها إلى الخبث والحدث على حد سواء، فهنا لا بُدّ أنَّ نضيف إلى ذلك أنَّه لا يوجد نكتة نفسية في الحدث يجعله أليق من الخبث في مقام الجعل فتكون النتيجة من كِلتا هاتين المقدّمتين.

وهذا الوجه صحيح، في مقام تقديم روايات الاستبراء على قاعدة الطهارة، باعتبار تقدُّم الأمارات على الأصول، وبذلك يثبت أنَّ إشكال صاحب الحدائق غير تام.

تنبيه

نعم، هناك نكتة لا بُدّ من التنبيه عليها، وهي أنَّه لو فرض أنَّنا قبلنا كلام صاحب الحدائق، وقلنا إنَّ غاية ما ثبت هو الحدث دون الخبث.

فلو خرج البلل بعد البول، فإنَّه يحكم عليه أنَّه محدث لكن لا يجب عليه غسل الموضع بجريان أصالة الطهارة عن الخبث، ولا بأس بذلك.

وأما لو خرج البلل بعد الغسل وقبل البول فيحكم عليه بالحدث الأكثر، وبطهارة الموضع بناءً على كلام صاحب الحدائق. فإذا اغتسل المكلف بلا تطهير الموضع فإنَّه تتولد مشكلة. إذ يعلم المكلف حين يغسل موضع البلل المشتبه أنَّ هذا الغسل ليس غسل جنابة، إما لأنَّه ليس بجنب، أو لأنَّه جنب 

ــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وهذا الموضع نجس، ويشترط في صحَّة غسل الجنابة طهارة البدن.

وتوضيح ذلك: أنَّه يشترط في غسل الجنابة طهارة الأعضاء المغسولة، ولكن وقع الكلام بأنَّه هل يشترط طهارتها قبل الغسل، أو يكفي غسل واحد للخبث والحدث معاً؟

فالأوَّل هو المشهور(1) والصحيح، وذهب إلى الثاني الشيخ المحقق العراقيّ(2) وآخرون(3)، فإن بنينا على الفتوى الأُولى فإنَّه يأتي الإشكال 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

() راجع على سبيل المثال: الكافي في الفقه: 133، التكليف السمعي، باب تفصيل أحكام الصلاة، فصلٌ: في تعيين شروط الصلاة، الفصل الثالث: في الوضوء والغسل، المبسوط 1: 29، كتاب الطهارة، فصلٌ: في ذكر غسل الجنابة وأحكامها، إشارة السبق إلى معرفة الحقّ: 73، الكلام في ركن الإمامة، في التكليف الشرعيّ، غنية النزوع: 61، كتاب الطهارة، الفصل الخامس: في الغسل، السرائر ‌1: 118، كتاب الطهارة، باب الجنابة وأحكامها وكيفيّتها.

(2) راجع: شرح تبصرة المتعلّمين 1: 188، كتاب الطهارة، الباب الثالث، قال: “ومقتضى فحاوى ما دلَّ على وجوب غسل البدن: وجوب غسل ما فيه من شعر أو لحم أو غيره… وهذا الوجوب تبعيّ محض، لا نفسيّ، ولا غيريّ، ولذا يسقط وجوبه بسقوط وجوب غسل البدن، نظير سقوط ضيافة غلام زيد بسقوط ضيافته”.

(3) راجع: مستمسك العروة الوثقى 3: 95، كتاب الطهارة، فصلٌ: في أنَّ غسل الجنابة مستحبّ نفسي، المسألة 5، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 4: 244-251، كتاب الطهارة، فصلٌ: في أنَّ غسل الجنابة مستحبّ نفسي، المسألة 5، وقد استعرض الكثير من الأقوال حول المسألة تجاوزت الخمسة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الذي بيناه، فإنَّه يعلم أنَّ غسله لموضع البلل ليس غسل جنابة، ما لم يطهر قبل ذلك.

وأما على القول الآخر: فالإشكال يأتي فيما لو أراد أن يغتسل اغتسالاً لا يكفي للتطهير كالدلك والمسح.

وأما إذا صبَّ الماء بنحو كافٍ، فإنَّه يصح غسله بناءً على هذا الوجه بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ الماء القليل لا ينفعل بملاقاة موضع البلل على تقدير نجاسته، وأما إذا قلنا إنَّه يتنجس وأن ماء الغسالة نجس أيضاً، فإنَّ المكلف يعلم أيضاً أنَّ غسله هذا ليس مصداقاً لغسل الجنابة، إما لأنَّه ليس بجنب، أو لأنَّ الماء نجس.

إذن فنحتاج -حتى على قول صاحب الحدائق- إلى الغَسل قبل الغُسل وإما بالغسل بماء معتصم.

الجهة الثالثة عشرة: في حكم غسالة الحمّام

المسألة 3: الأقوى طهارة غسالة الحمّام، وإن ظنّ نجاستها، لكنّ الأحوط الاجتناب عنها(1).

الجهة الثالثة عشر فيما ينبغي التعرض إليه من جهات أصالة الطهارة: ما أشار إليه الماتن من مسألة غسالة ماء الحمام، فإنَّه وقع في كلام عدد كثير 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 149، كتاب الطهارة، باب النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّال، المسألة 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

من الفقهاء النهي عن استعمالها(1)،  وقيل بأنَّ ذلك يكون تخصيصاً في دليل قاعدة الطهارة، فإنَّ ماء الحمام يحتوي على ثلاثة مياه:

أولها: الماء الموجود في الخزان الكبير، ولا إشكال في اعتصامه.

ثانيها: مياه الحياض الصغار، ولا شكّ في اعتصامها عنه اتصالها بالمادة.

ثالثها: الماء المتخلف عن غسل الأجسام، يجتمع في منخفض من الأرض يسمى بالبئر أو الجِيَّة(2)، وهذا هو الذي وقع فيه الكلام.

خروج بعض الصور عن محلّ الكلام

ولا إشكال أنَّه مع العلم بنجاسته يجب الاجتناب عنه، ولو بلغ كراً، لما سبق في بحث الكر من أنَّ المياه النجسة إذا تجمعت فكونت كراً فإنَّها لا تطهر.

كما لا إشكال أنَّه مع العلم بالطهارة وعدم الملاقاة مع النجاسة يترتب عليها آثار الطهارة.

نعم، الإشكال فيها: أنَّه من المعلوم أو المظنون أنَّ فيها ماء مستعملاً في 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

(1) النهاية: 5، كتاب الطهارة، باب المياه وأحكامها، السرائر 1: 90، كتاب الطهارة، باب المياه وأحكامها، المعتبر 1: 92، كتاب الطهارة، الركن الأوّل: في المياه، مسألة: ولا يغتسل بغسالة الحمّام.

(2) الجِيَّةُ: حفرةٌ تتّسع ويجتمع فيها ماء السماء والأقذاء، فراجع: جمهرة اللغة ١: ٢٣١، الصحاح ٦: ٢٣٠٧، لسان العرب ١٤: ١٥٩، تاج العروس ١٩: ٣٠٠.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

رفع الحدث الأكبر، فتدخل صغرى في كبرى منع استعماله في غسل آخر عن الحدث الأكبر. 

فإن بنينا على الجواز -إما مطلقاً أو مع الشكّ أو مع استهلاكه في ضمن غيره-، فلا يبقى إشكال. وعلى أيّ حال، لا إشكال من ناحية عدم النجاسة.

كما أنَّ ماء الغسالة الواقع في الممر من الحياض إلى البئر خارج عن محلّ كلام الفقهاء، فإنَّهم عبروا بأنَّه لا يجوز استعمال غسالة الحمام. والاستعمال للغسل إنما يُتصور في الماء المجتمع في البئر، ويؤيّده وقوع التعبير بالبئر والجبّة فيما وقع في كلماتهم(1).

على أنَّ الروايات أيضاً غير ناظرة إلى ذلك على ما يأتي، فتجري عليها القواعد الأولية، وليس لها حكم خاص

وأما الحكم الخاص، فهو في الماء المجتمع في بئر الحمام. فإنَّ الأصل فيه القذارة فيكون تخصيصاً للقاعدة ولو من باب كونه هو الغالب، فقدم الظاهر على الأصل. فلا بُدّ من النظر إلى الروايات التي يستدلُّ بها في المقام.

في الروايات الدالة على خورج ماء الحمام عن قاعدة الطهارة

ويقع الكلام في الروايات في مقامين: 

المقام الأول: فيما قد يستدلُّ به على إثبات هذا التخصيص.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

(1) راجع: السرائر ١: ٩٠، ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد ١: ١٤٤، كشف اللثام ١: ٣٠٦.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والمقام الثاني: فيما يصلح أن يكون معارضاً لتلك الروايات.

المقام الأول: ما يستدلُّ به على التخصيص

فالروايات التي يمكن أن يستدلَّ بها على المقصود، متعددة:

الرواية الأولى: محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن عدة من أصحابنا عن محمد بن عبد الحميد عن حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأول قال: “سألته أو سأله غيري عن الحمام قال: ادْخُلْهُ بِمِئْزَرٍ وَغُضَّ بَصَرَكَ، وَلَا تَغْتَسِلْ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا مَاءُ الحَمَّامِ؛ فَإِنَّهُ يَسِيلُ فِيهَا مَا يَغْتَسِلُ بِهِ الجُنُبُ وَوَلَدُ الزِّنَا وَالنَّاصِبُ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَهُوَ شَرُّهُمْ”(1).

وتقريب الاستدلال على ذلك: أن يُقال: إنَّ الإمام نهى عن الاغتسال بالماء المجتمع في الحفرة وعلله بأن يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصبي، وهو يناسب الشكّ لا اليقين لأنَّه لم يقل لأنَّ فيها غسالة الجنب بل إنَّ الحفرة بطبعها مُعدّة لأن يسيل فيها مثل هذا الماء فكون الحفرة بهذه المثابة، يكفي للامتناع عن الاغتسال بذلك، فهو يناسب مع جعل قاعدة مع الشكّ.

ــــــــــ[283]ــــــــــ

() أبواب الماء المضاف، باب11، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 373، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث 1، الوافي 6: 595، كتاب الطهارة والتزيّن، أبواب قضاء التفث، باب الحمّام وستر العورة وغضّ البصر، الحديث 5004، وسائل الشيعة 1: 218-219، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب المضاف، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وحيث إنَّه قال: “يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت“، إذن فنظره إلى النجاسة، لا إلى مسألة غسالة الحدث الأكبر، فإنَّه لو اقتصر على الجنب لكان لتوهم أنَّ سبب النهي هو من باب الاحتياط، بلحاظ كبرى أنَّ الماء المستعمل في الغسل لا يجوز استعماله في الغسل مرّة أخرى.

وأما مع عطف الناصب عليه يظهر منه أنَّ النهي هو لحيثية أخرى، وليس هناك حيثية أخرى غير النجاسة.

وأما سند هذه الرواية فساقط؛ لأنَّ حمزة بن أحمد(1) لا ندري بوثاقته.

الرواية الثانية: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن في حديث إنَّه قال: “لَا تَغْتَسِلْ مِنْ غُسَالَةِ مَاءِ الحَمَّامِ؛ فَإِنَّهُ يُغْتَسَلُ فِيهِ مِنَ الزِّنَا، وَيَغْتَسِلُ‏ فِيهِ وَلَدُ الزِّنَا وَالنَّاصِبُ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَهُوَ شَرُّهُمْ”(2)، وهي مرسلة.

ــــــــــ[284]ــــــــــ

() لم نعثر في كتب الرجال بمدحٍ ولا قدح لهذا الراوي، فراجع: الطبقات (رجال البرقي): 48، أصحاب أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم، كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 335، أصحاب أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم، باب الحاء، الرقم 4982، نقد الرجال 2: 162، باب الحاء، الرقم 1692، معجم رجال الحديث 7: 277، باب الحاء، الرقم 4034.

(2) الكافي 13: 160، كتاب الطهارة، الباب 43، الحديث 10، الوافي 6: 594-595، كتاب الطهارة والتزيّن، أبواب قضاء التفث، باب الحمّام وستر العورة وغضّ البصر، الحديث 5003، وسائل الشيعة 1: 219، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

حيث إنَّ الحمام محلّ عامّ يدخل إليه مثل هؤلاء وفي معرض ذلك، فلا تغتسل من غسالة مائه، بنفس التقريب السابق.

الرواية الثالثة: وعن بعض أصحابنا عن ابن جمهور عن محمد بن القاسم عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله قال: “لَا تَغْتَسِلْ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا غُسَالَةُ الحَمَّامِ؛ فَإِنَّ فِيهَا غُسَالَةَ وَلَدِ الزِّنَا، وَهُوَ لَا يَطْهُرُ إِلَى سَبْعَةِ آبَاءٍ، وَفِيهَا غُسَالَةَ النَّاصِبِ، وَهُوَ شَرُّهُمَا؛ إِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً شَرّاً مِنَ الْكَلْبِ، وَإِنَّ النَّاصِبَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنَ الْكَلْبِ‏.

وقوله: فإنَّ فيها غسالة ليس معناه الجزم بذلك، إذ كيف يمكن الجزم به في اليوم الواحد، خاصّة في أول اليوم حين يكون الماء في الحفرة قليلاً؟ فبقرينة ذلك نحمله على أنَّ الحفرة في معرض ذلك، وأنَّها بطبعها معدّة لذلك، فيكون معناه أيضاً ضرب القاعدة عند الشك.

وهذه الرواية غير تامَّة السند باعتبار (بعض أصحابنا)، حيث لا ندري من هو؟

الرواية الرابعة: محمد بن علي بن الحسين في العلل عن محمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال عن الحسن بن علي عن عبد الله بن بكير عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله في حديث قال: “وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ غُسَالَةِ الحَمَّامِ؛ فَفِيهَا تَجْتَمِعُ غُسَالَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالمَجُوسِيِّ وَالنَّاصِبِ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَهُوَ شَرُّهُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً أَنْجَسَ مِنَ الْكَلْبِ، وَإِنَّ النَّاصِبَ لَنَا أَهْلَ 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الْبَيْتِ لَأَنْجَسُ مِنْهُ”(1)، ولا بأس بسندها.

وفي قوله: “فَفِيهَا تَجْتَمِعُ…”، نفس الكلام السابق. فيحمل على أنَّ هذا بلحاظ القضية الطبعية لا الفعلية.

ومن هذه الروايات ظهر ما ذكرناه من أنَّ مورد الروايات كمورد الفتاوي غير متعرض للماء الواقع في المجرى بين البئر والحياض.

ما يرد من نقاط ضعف على الروايات المتقدِّمة

وهذه الروايات يمكن أن نشير فيها عدة نقاط ضعف إلا أنَّ جملة منها لا تكون واردة على تمام هذه الأخبار بل يختص الواحد منها بالبعض من تلك الروايات، التي وردت فيها نكتة الإشكال.

أولاً: كلمة (الشر)، كما ورد في الرواية الأولى، والثانية. 

والنكتة في ذلك: أنَّ الشرية في الواقع على عكس النجاسة، فإنَّ النجاسة ظاهرة بالقذر الحسي وقد تحمل على القذر المعنوي، وأما الشر فهو في مقابل النجس، فإنَّ المنصرف منه القذر المعنوي وقد يستعمل في النجاسة الحسية، فهذا يوجب أن نحتمل أنَّ الملحوظ في الرواية هو النجاسة والحزازة المعنوية دون النجاسة الخبثية الشرعية، فإن لم يكن له ظهور بالمعنوية، فلا أقلّ من إجماله.

ثانياً: ذكر في بعضها في مقام التعليل مسألة ولد الزنا، بل ذكر في 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

(1) علل الشرائع 1: 292، الباب 220، الحديث 1، وسائل الشيعة 1: 220، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بعضها أنَّه لا يطهر إلى سبعة آباء، يعني أبناء، فإن ضمنا دعوى ارتكازية طهارة ولد الزنا، فإنَّه لم يفتِ فقيه من علماء المسلمين -إلا ما نسب إلى ظاهر بعض كلمات الشيخ الصدوق(1)-القول بنجاسة ولد الزنا، 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

() اُنظر: من لا يحضره الفقيه 1: 9، كتاب الطهارة، باب المياه وطهرها ونجاستها، الحديث 11، الهداية في الأصول والفروع: ٦8، أبواب الطهارة، باب المياه: “ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وكلّ من خالف الإسلام”، وانظر أيضاً: السرائر 1: 356-357، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الأموات: “وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: مسألة: ولد الزنا يغسّل ويصلّى‌ عليه، ثمَّ قال: دليلنا إجماع الفرقة، وعموم الأخبار التي وردت بالأمر بالصلاة على الأموات، وأيضاً قوله: (صلّوا على مَن قال لا إله إلَّا الله)، هذا آخر المسألة، ثمَّ قال في مسائل خلافه أيضاً: مسألة: إذا قتل أهل العدل رجلاً من أهل البغي فإنَّه لا يغسّل ولا يصلّى عليه… قال محمّد بن إدريس: لا أستجمل لشيخنا هذا التناقض في استدلاله، يقول في قتيل أهل البغي: لا يصلّى عليه؛ لأنَّه قد ثبت كفره بالأدلّة، وولد الزنا لا خلاف بيننا أنَّه قد ثبت كفره بالأدلّة أيضاً بلا خلاف، فكيف يضع هاتين المسألتين، ويستدلُّ بهذين الدليلين؟! وما المعصوم إلَّا من عصمه الله تعالى”. وقد نسب هذا القول إلى السيّد المرتضى أيضاً، كما عن العلّامة في مختلف الشيعة 1: 231، كتاب الطهارة، باب المياه وأحكامها، الفصل الرابع: في حكم المضاف، المسألة 4: مسألة: “قال الشيخ أبو جعفر ابن بابويه: لا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي‌ والنصرانيّ وولد الزنا والمشرك، وجعل ولد الزنا كالكافر، وهو منقول عن السيّد المرتضى، وابن إدريس، وباقي علمائنا حكموا بإسلامه، وهو الحقّ عندي”. 

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

خصوصاً إلى سبعة آباء. فيكشف هذا التطابق عن ارتكازية طهارته، فيكون هذا قرينة على كون النهي من جهة حيثية النجاسة المعنوية، دون الحسية فإنَّ الحزازة في ولد الزنا مرتكزة في أذهان المتشرعة وقد حُرِم من جملة من المناصب كالقضاء وغيره.

وأما ثالثاً: فلوجود قرينة منفصلة، وذلك لأنَّه ورد في بعضها اليهود والنصارى، وقد ثبت من الخارج طهارته، فيكون ذلك الدليل معارضاً مع ظهور هذا النهي في النجاسة وحيث إنَّ هذا الدليل مقدَّم على معارضه، كما قلنا في محلِّه، فلا بُدّ من حمل هذا النهي على حزازة تناسب النجاسة وغيرها، ومعه يكون الكلام مجملاً.

رابعاً: أنَّه يمكن أن يُقال في المقام: إنَّ هذه الروايات واردة في مقام وجود القرينة والأمارة على النجاسة، وهي أنَّ الحفرة بطبعها تستورد المياه القذرة، وهذه القرينة توجب الاطمئنان الغالبي باشتمال الحفرة على غسالة اليهودي والنصراني -بعد فرض القول بنجاستهم والتنزل عن الوجه السابق- وخاصة بعد امتلاء الحفرة في آخر النهار.

إذن ففي بعض الموارد يوجد اطمئنان شخصي على طبق الأمارة، وفي بعضها لا يوجد -فيما إذا كانت الحفرة قليلة المياه- فيقع التعارض بنحو العموم من وجه مع دليل قاعدة الطهارة. فإنَّ دليل القاعدة يقول: (كل شيء نظيف حتَّى غسالة الحمام)، وهذه الروايات تقول: (لا تغتسل بها) سواء وجد الاطمئنان أو لا. ويجتمعان بالغسالة مع الاطمئنان بنجاستها، 

ــــــــــ[288]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومن المحتمل أن تخرج مورد الاجتماع من إطلاق كِلا الدليلين.

ولا يستبعد ذلك، إذ من المحتمل أنَّ الأئمة كانوا في مقام التنبيه على مطلب غفل عنه الناس، فإنَّهم كانت تعمّهم اللامبالات والتهاون في النظافة، وكانوا يذهبون إلى حفرة الحمام فيغتسلون بها على خلاف الذوق، فلعلّ الأئمة لم يكونوا في مقام بيان حكم ظاهري مخصّص للقاعدة، بل في مقام التنبيه على نجاسة هذا الماء. فتخصيص كل من الدليلين في مورد الاجتماع أمر محتمل، ولا أقلّ من التساقط ومعه يرجع إلى الأصول الطولية.

خامساً: يمكن أن يدّعى العلم الوجداني بنجاسة هذا الماء دائماً لا في أغلب الموارد، لأنَّ الماء النجس ينجس نفس الحفرة، وبعد أن ينزحها الحمامي في آخر النهار، فإنَّه لا يطهر الحفرة، فأي ماء يأتي بعد ذلك إليها فإنَّه -بناءً على تنجس الماء القليل بالملاقاة- ينجس لا محالة. فيحصل علم وجداني بنجاسة سائر المياه التي فيها قلّت أو كثرت، وتكون هذه الروايات أجنبية عن مورد الشك.

نعم، يبقى فرض نادر جداً، وهو أنَّ ماء الحفرة أتصل بماء المجرى وماء المجرى اتصل بماء الحياض وماء الحياض اتصل بماء الخزان الكبير، فاتصل بالمعتصم فطهر، وحيث إنَّ هذا الاحتمال نادر جداً، فهو لا يكفي، فإنَّ الغالب أنَّ الحفرة يأتي إليها الماء من أبدان المغتسلين لا من الأحواض الصغيرة. فهذا مجرَّد احتمال وفي مقابله الاستصحاب.

ــــــــــ[289]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

سادساً: أنَّه قد يدعي شخص بأنَّ هذه الروايات -لو لم يتمَّ شيء ممّا سبق ولزم علينا العمل بها- فغايته أنَّنا نرتب أثر النجاسة من ناحية جواز الاغتسال فقط.

لأنَّ مفادها ليس هو الحكم بنجاسة الماء بل النهي عن الاغتسال به لأنَّه محتمل النجاسة. فإذا اقتصرنا على هذا الأثر فيكون وجهاً للجمع بين هذه الروايات وبين الروايات التي يستدلُّ بها على طهارة غسالة الحمام فإنَّها واردة في مقام بيان أنَّ النجاسة لا تسري من غسالة الحمام للثوب ونحوه. فإنَّ مقتضى الجمع بينهما الاقتصار على خصوص المنع عن الاغتسال، وأما الآثار الباقية، فتبقى تحت الطهارة بما فيها نجاسة الملاقي بمقتضى تلك الروايات وأصالة الطهارة.

وبعبارة أخرى: أنَّ لنجاسة غسالة الحمام أثران: 

الأثر الأول: بطلان الاغتسال به.

الأثر الثاني: نجاسة الملاقي.

والطائفة الأُولى تثبت الأثر الأول، والطائفة الثانية تنفي الأثر الثاني، فلا تعارض بينهما.

إلا أنَّ هذه الحيثية لا نقبلها للظهور العرفي، بأنَّ النهي عن الاغتسال هو باعتبار النجاسة، فإنَّه يعلل بأنَّه يرد إليها غسالة اليهودي والنصراني، فلو بنينا على نجاستهم فلا إشكال أنَّ إثبات هذا الحكم بلحاظ إثبات موضوعه وهو النجاسة لا بغض النظر عنه.

ــــــــــ[290]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الاستدلال برواية محمد بن مسلم على طهارة ماء الحمام

وتوجد من هذه الطائفة رواية واحدة أجّلناها، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن العلا عن محمد بن مسلم عن أحدهما‘: قال: “سألته عن ماء الحمام، فقال: ادْخُلْهُ بِإِزَارٍ، وَلَا تَغْتَسِلْ مِنْ مَاءٍ آخَرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ جُنُبٌ أَوْ يَكْثُرَ أَهْلُهُ، فَلَا تَدْرِي فِيهِمْ جُنُبٌ أَمْ لَا”(1)، وهي صحيحة.

فقد أمره بالإتزار ونهاه عن الاغتسال من ماء آخر، إلا إذا كان فيهم جنب أو يحتمل أن يكون فيهم جنب ففي مثل ذلك لا تغتسل بماء الحمام بل بماء آخر.

وتقريب الاستدلال بها من محلّ الكلام: أنَّ السائل سأله عن ماء الحمام، هل يغتسل به أو لا؟ وما يكون بحاجة إلى سؤال إنَّما هو ماء الغسالة، فإنَّه لا إشكال في جواز الاغتسال بغيره. وبقرينة أخرى وهي قوله: (لا تغتسل من ماء آخر)، فلا بُدّ أن يفرض ماء آخر يمكن أن يغتسل به في الحمام، وهذا يناسب أن يكون الماء الأوَّل ماء الغسالة حتَّى يكون الثاني ماء الحياض، إذ لو أريد بالأول ماء الحمام الاعتيادي، فالثاني يكون هو ماء الغسالة، وهو أخس منه وأردأ، مع أنَّ ظاهره أنَّه يوجد في الحمام ماء أطهر من الماء الأول، فيقول لا تنتقل إليه إلا إذا وجد في الحمام جنب.

ــــــــــ[291]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 379، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث 33، وسائل الشيعة 1:149، كتاب الطهارة، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

اللهم إلا أن يُراد بالماء الثاني ماء الخزانة، وهو غير متعارف أن يذهب ويدخل فيه.

والإمام يقول في مقام الجواب: (اغتسل إلا إذا كان فيهم جنب أو شكّ أنهم فيهم جنب)، وهذا معناه تأسيس أصالة النجاسة.

مناقشة الاستدلال برواية مسلم

إلا أنَّ هذا التقريب غير تامّ، وذلك:

أولاً: لو تمَّت دلالتها وسلمنا أنَّها منصبة على ماء الغسالة.

فغاية ما تدلُّ عليه عدم جواز الاغتسال فيه باعتبار وجود الجنب ولا يعلم أنَّ هذا من باب الجنبة الحدثية للجنب أو الجنبة الخبثية له؛ بل لعلّ الأقرب أنَّ الملحوظ الجنبة الحدثية باعتبار التركيز على الجنب. مع أنَّه يدخل الحمام كثير من المتنجسين غير الجنب، فيكون تخصيصاً لدليل كون الماء غير مستعمل، وهو استصحاب عدم كونه مستعملاً.

ثانياً: لو بنينا على أنَّ الملحوظ هو الجهة الخبثية.

حينئذٍ يقال: بأنَّ قوله: لا تغتسل من ماء آخر، نهي عن الاغتسال بماء آخر مع استثناء صورة العلم بوجود الجنب أو الشكّ فيه. فما هو مفاد النهي. من الواضح أنَّه ليس مفاده التحريم؛ لأنَّه في مورد توهم الالزام فلا يفيد التحريم، كالأمر في مورد توهم الحظر لا يفيد الوجوب.

ولكن ما هو مفاد النهي؟ هل مفاده نفي الوجوب أو نفي المقتضي، الأعم من الوجوب والاستحباب؟

ــــــــــ[292]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإن فرض أنَّ مفاده نفي الوجوب فيكون المراد لا يجب عليك أن تغتسل من ماء آخر إلا إذا كان فيهم جنب فيكون الاستثناء دليلاً على الوجوب.

وأما إذا فرض ظهوره بنفي المقتضي -ولا أقلّ من احتماله- فإنَّ الاستثناء يكون دالاً على ثبوت المقتضي.

فالاستدلال على الالزام مبني على أن يكون النهي دالاً على نفي الوجوب.

ثالثاً: ما هو (ماء الحمام) الذي وقع السؤال عنه؟ قد فرضنا في مقام الاستدلال أنَّه ماء الغسالة، ولكنَّنا الآن نريد استئناف البحث فيه، هل هو ماء الغسالة أو ماء الخزان الكبير أو ماء الحياض الصغار. وفي الرواية فرض ماءان كِلاهما في الحمام، فأيّ منها هما؟

أما أن يُراد من ماء الحمام ماء الخزان الكبير، فهو مقطوع بعدمه:

أولاً: لأنَّ الطبع الأولي عدم الاغتسال فيه.

وثانياً: لأنَّه لا يقع محلّ إشكال وسؤال.

وثالثاً: لأنَّه لا يوجد ماء أنظف منه حتَّى يرجع إليه.

وأما أن يُراد منه ماء الغسالة، ويكون الماء الأنظف هو ماء الحياض، فهو أيضاً بعيد جداً؛ لأنَّ ماء الحمام بنفسه لا ينصرف إلى ماء الغسالة، فإنَّه من نتائج ماء الحمام لا ماء الحمام نفسه. 

وماء الحمام هو الماء الذي أعده الحمامي للاستحمام، وهو ماء الحياض 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الصغار لا ماء الغسالة، فحمل ماء الحمام عليها بعيد جداً عن عنوان ماء الحمام.

فيتعين أن يكون المراد به ماء الحياض الصغار. ولا يأتي الإشكالان اللذان ذكرناهما في الشبهة، فإنَّه ليس ماء الحوض الصغير مما لا إشكال في جواز الاغتسال به، لأنَّه ماء قليل واعتصامه أنما يكون باتصاله بالخزان الكبير أو المادة، والذي يبدو من الروايات أنَّه اعتصامه لم يكن واضحاً في أذهان الرواة لأنَّهم سألوا عنه كثيراً. وأما ما هو الأنظف منه فهو ماء الخزان الكبير، لا بأن يرتمس فيه على خلاف العادة بل بأن يأخذ منه ويستعمله في الغسل الترتيبي.

بل هناك نكتة في الرواية تقرب هذا المطلب، وهو أنَّ الماء ماء الحوض لا ماء الغسالة، وهو أنَّ الإمام قال: إلا أن يكون فيه جُنب، وظاهره أنَّه يشترط في الاغتسال بماء آخر وجود الجنب فعلاً ليصح الغسل، لا ما إذا كان قد دخل إلى الحمام جنب.

ومعه فإن حملناه على ماء الغسالة، فالشك في وجود غسالة الجنب فيها، لا يفرق فيه بين أن يكون الجنب موجوداً أو خارجاً من الحمام، علماً أنَّه من غير المحتمل عادة عدم دخول جنب إلى الحمام، ولا فرق في ذلك بين كثرة المجنبين عرضياً أو طولياً. فوجود الجنب بالفعل لا يكون نكتة للاحتياط.

وأما إذا أريد به الحوض الصغير، فيكون له دخل في الاحتياط، فإنَّ هذا الذي يحتمل كونه جنباً ويحتمل أنَّ يده نجسة باعتبار جنابته، يصلح بوجوده أن يكون منشأ للشك.

ــــــــــ[294]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما إذا كان قبلي فقد اتصل الحوض الصغير بالماء وطهر لأنَّه يتصل به بين حين وحين ومعه يكون لوجود الجنب دخل في الموضوع.

وحينئذٍ يكون مرجعه إلى النهي عن الاغتسال بالحوض الصغير، وهذا خارج عن محلّ الكلام(1).

المقام الثاني: ما يصلح أن يكون معارضاً لروايات النجاسة

فيما يصلح أن يكون معارضاً لتلك الروايات، وهي عدة روايات:

الرواية الأولى: رواية محمد بن مسلم

 الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن فضّالة عن جميل بن دراج عن محمد بن مسلم: قال: “رأيت أبا جعفر جائياً من الحمام وبينه وبين داره قذر. فقال: لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَ دَارِي مَا غَسَلْتُ رِجْلِي، وَلَا نَحَيْتُ مَاءَ الحَمَّامِ”(2).

قد يستدلُّ بها على طهارة غسالة الحمام بتقريب: أنَّ الإمام صار في مقام تعليل غسل رجليه إذ قد يُتوهَّم أنَّه غسلها من باب البناء على نجاسة غسالة 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إذن يثبت نجاسة الغسالة بالأولوية، فقال السيد: كَلّا، فإنَّ العلامة لا يعمل بالمدلول المطابقي، فلا يعمل بالمدلول الالتزامي.

هذا تمام الكلام في الطائفة من الأخبار التي تدلُّ على النجاسة، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام 1: 379، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث 31، وسائل الشيعة 1: 148-149، كتاب الطهارة، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الحمام لأنَّه مشى على أرض الحمام التي عليها الغسالة، فصار في مقام بيان نفي ذلك، وأنَّه غسلهما لما علق بها من القذر، لا من باب استنجاس غسالة الحمام، فهو بيان على أنَّ هذه الغسالة محكوم عليها بالطهارة.

وهذه الرواية وإن كان ظهورها في طهارة ماء الغسالة مما لا ينبغي إنكاره، ولكن مصب نظرها إلى الغسالة الواقعة في أرض الحمام في الطريق بين الحياض والجِبّة، وقد ذكرنا أنَّنا استظهرنا من الفتوى والنصّ أنَّ محلّ الكلام هو الماء الذي يجتمع في الجِبّة لا في الماء الذي يقع في الوسط. ومعه لا تكون الرواية ناظرة إلى الغسالة التي هي محلّ الكلام.

وقد يُقال: إنَّها وأن كانت وردت حول هذه الغسالة الواقعة في الممر. إلا أنَّ هذه الغسالة عين تلك الغسالة، فإنَّها تسري وتصل إلى الجبة، وأي فرق في الغسالة بين مبدأ أمرها ومنتهاه، (156-) فإن حكم في مبدأ أمرها بالطهارة يحكم بها كذلك في منتهى أمرها.

إلا أنَّ هذا الكلام غير صحيح:

 أما أوَّلاً: لأنَّ احتمال النجاسة في الجبة أقوى من احتماله في ماء الغسالة الواقع في الوسط، باعتبار أنَّ هذا الماء الواقع في الحفرة احتمال النجاسة فيه ناشئ من منشأين: 

المنشأ الأول: أنَّه فيها ماء غسل به الجنب خبثه.

 المنشأ الثاني: أنَّ هذا الماء الجاري الآن في الحفرة هو غسالة الجنب من 

ــــــــــ[296]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الخبث، هذا بخلاف الماء الجاري قبل وصوله إلى الحفرة فإنَّه لا منشأ لاحتمال نجاسته إلا الثاني، فالحكم بأصالة الطهارة في المبتدأ لا يلازمه الحكم بطهارة المنتهى.

وأما ثانياً: فبلحاظ ما أشرنا إليه- بناء على أنَّ الماء القليل ينفعل بالملاقاة-. فإنَّه يصبح الفرق أوضح من باب اليقين بالنجاسة في المنتهى لأنَّ أرض الحفرة تكون متنجسة حتماً. ولا يعلم طروّ طهارته فيستصحب وجداناً أو تعبداً.

 ومعه يكون الماء الوارد إليها متنجساً بملاقاة المتنجس، بينما لا يوجد يقين بنجاسة المجرى أو أرض الحمام، فإنَّه توارد عليها حالتان ولا يعلم حالها من الطهارة أو النجاسة.

والتقريب الأوَّل أنسب بكلام الخصم -الذي يدعي جعل أصالة النجاسة في الحفرة- لأنَّه لا يدعي بنجاسة الحفرة بل الشكّ فيها. 

وعلى أيّ حال فلا يمكن إسراء حكم الممرّ إلى الجِبّة، ولهذا لم يتكلموا عن حكم الممرّ بل صرّح بعضهم بطهارته.

الرواية الثانية: محمد بن مسلم أيضاً

 الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن محمد بن مسلم، قال: “قلت لأبي عبد الله: الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره اغتسل من مائه، قال: نَعَمْ، ‌لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْهُ الجُنُبُ، وَلَقَدِ اغْتَسَلْتُ فِيهِ ثُمَّ 

ــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

جِئْتُ فَغَسَلْتُ رِجْلِي، وَمَا غَسَلْتُهُمَا إِلَّا مِمَّا لَزِقَ بِهِمَا مِنَ التُّرَابِ”(1)، وهي معتبرة كسابقتها.

والاستدلال بهذه الرواية على أصالة الطهارة في البئر يكون بأحد مواضع ثلاثة من الرواية:

الموضع الأول: صدر الرواية، وهو قوله: (الحمام يغتسل فيه الجنب)، بدعوى التمسّك بإطلاق كلمة (ماء الحمام)، فإنه عبارة عن الماء الموجود في الحمام، وهو شامل للحياض من الصغار والجِبّة.

ويرد عليه: 

أولاً: أنَّ ماء الحمام له ظهور عرفي انصرافي إلى خصوص ماء الحياض الصغار، ولا يشمل ماء البئر بالإطلاق أصلاً، لأنَّه ليس المراد بماء الحمام الماء الموجود فيه، بل الماء الذي أعده الحمامي للاستحمام. وليس هو ماء الجِبّة، فإنَّ ماء الحمام هو الماء الذي لو لوحظ الحمام بنفسه مع غض النظر عن المستحمين، وذلك ليس إلا ماء الحياض وأما الجِبّة فتكون فارغة.

وثانياً: لو سلِّم الإطلاق، فيمكن للخصم أن يدّعي أنَّه مقيّد فإنَّ الروايات السابقة لو تمَّت دلالتها على النجاسة فهي مخصوصة بالبئر، فتكون مقيّدة لها.

ــــــــــ[298]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 1: 379، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث 30، وسائل الشيعة 1: 148، كتاب الطهارة، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الموضع الثاني: وسط الرواية، وهي قوله: “لا بأس أن يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه“. 

بتقريب: أنَّه دال على فعل الإمام واغتساله في الماء، والاغتسال فيه إنما يكون بنحو يكون الماء ظرفاً للمغتسل وهذا مما لا يتحقَّق في الحوض الصغير، لأنَّه لا يمكن أن يكون ظرفاً للمغتسل. 

نعم هناك الخزانة الكبيرة، لكن هذا غير متعارف الانغماس فيه. فظرفية الاغتسال إنما يكون في الماء الثالث. فتدلُّ الرواية على طهارته، فتكون تأكيد للإطلاق، ومعه فلا يمكن تقييده.

يوجد في مقابل ذلك مبعِّدان:

أحدهما: داخلي، وهو ظهور الضمير في قوله (فيه) في أنَّ مرجعه هو نفس ماء الحمام الذي سأل عنه السائل، وقد قلنا إنَّ حمله على ماء الغسالة بعيد جداً، فبضم هذين الظهورين، يحدث إجمال الظهور في الظرفية، بحيث لا يبقى لها ظهور يعبئ به أو يمكن التعويل عليه.

ثانيهما: خارجي، وهو استبعاد أن يغتسل الإمام من ماء الجِبّة الذي قال عنه -هو بنفسه- في رواية ابن أبي يعفور: “فَفِيهَا تَجْتَمِعُ غُسَالَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالمَجُوسِيِّ وَالنَّاصِبِ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَهُوَ شَرُّهُمْ”(1).

فهذان اللسانان -في الحقيقة- متعارضان، ولا ينبغي أن يُقال: إنَّ قوله 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

(1) علل الشرائع 1: 292، الباب 220، الحديث 1، وسائل الشيعة 1: 220، كتاب الطهارة، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

“وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ غُسَالَةِ الحَمَّامِ”(1) محمول على الكراهة وفعل الإمام محمول على الرخصة، لأنَّ فعله -لو تمَّت الدلالة عليه- يدلُّ على نفي أي حزازة حتَّى الكراهة، فيكون معارضاً.

الموضع الثالث: ذيل الرواية وهو قوله: “ثم جئت فغسلت رجلي، وما غسلتهما إلا مما لزق بهما من التراب“. 

وتقريب الاستدلال عين تقريب الرواية الأولى، وأن الغسل ليس من رطوبات الحمام، بل من التراب، ومناقشتها نفس المناقشة هناك.

الروايتان الثالثة والرابعة

الرواية الثالثة: الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان عن ابن بكير عن زرارة، قال، رأيت أبا جعفر يخرج من الحمام فيمضي كما هو لا يغسل رجليه حتَّى يصلّي(2).

وحالها استدلالاً ومناقشة حال الرواية الأولى، والفقرة الثالثة من الرواية الثانية.

الرواية الرابعة: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

() المصدر السابق.

(2) الباب9، من الماء المضاف، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 379، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث 32، الوافي 6: 227، كتاب الطهارة والتزيّن، أبواب الطهارة من الخبث، باب ما يطهّر بغير الماء، الحديث 4167، وسائل الشيعة 1: 211، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الماضي قال: “سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب. قال: لَا بَأْسَ بِهِ”(1).

لا إشكال في دلالتها على طهارة الملاقي لماء الجِبّة، وفي مقام الاستدلال بهذه الرواية بنحو تجعل معارضة للطائفة الأولى، لا بُدّ من إثبات أنَّها دالّة على طهارة الملاقي لا الملاقى فقط. فإنَّ ماء الغسالة له حكمان أحدهما عدم جواز الاغتسال والآخر نجاسة الملاقي، وهما أثران متلازمان في الواقع ولكن يمكن أن يتعبد بأحدهما في الظاهر شرعاً دون الآخر. 

ومن هنا يمكن أن تتكفل الطائفة الأُولى الأثر الأوَّل وتتكفل هذه الرواية الأثر الثاني، ويكون حالها في التفكيك بين الأثرين حال ملاقي الشبهة المحصورة على المشهور من طهارة الملاقي.

ومعه لأجل أن تصلح هذه الرواية لمعارضة الطائفة الأُولى لا بُدّ أن يُقال إنَّها تدلُّ على طهارة الملاقي بالملازمة العرفيَّة، فإنَّه كما أنَّ الدليل الواقعي الدال على طهارة الملاقي يفهم منه العرف طهارة الملاقي كذلك يُقال في ما دلَّ على الطهارة الظاهرية، وأما إذا لم يتمَّ ذلك فليس هناك ما 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 12، كتاب الطهارة، باب المياه وطهرها ونجاستها، الحديث17، تهذيب الأحكام 1: 379، كتاب الطهارة، الباب 18، الحديث 34، وسائل الشيعة 1:213، كتاب الطهارة، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الحديث 9.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يوجب جعله قرينة على حمل تلك الطائفة على النجاسة التنزيهية على أنَّ هذه الرواية ساقطة باعتبار إرسالها.

هذه هي أهم الروايات التي يمكن أن يستدلَّ بها بحيث تجعل معارضة للطائفة الأولى. 

وهناك روايات أخرى استُدلَّ بها لكنَّها روايات واردة في ماء الحمام ويراد بها ماء الحياض الصغار، وهو خارج عن محلّ كلامنا، فلا معنى للاستدلال بها.

وبذلك أتضح أنَّ ماء الغسالة لم يخرج عن القاعدة: بمعنى أنَّه لو لم يحصل يقين أو اطمئنان منه بالنجاسة فالأصل فيه هو الطهارة، لو تمَّت دلالة كِلتا الطائفتين وتعارضتا فإنهما يتساقطان ويرجع إلى عموم قاعدة الطهارة.

هذا هو تمام الكلام في الجهة الثالثة عشرة.

الجهة الرابعة عشرة: أنَّ قاعدة الطهارة عبارة عن قاعدتين 

 وهي أنَّه قد يقال: قاعدة كبيرة وقاعدة صغيرة، بمعنى أنَّ هناك دليلين على أصالة الطهارة:

أحدهما: وارد في طبيعي الأشياء، كموثقة عمار: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ نَظِيفٌ حتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ(1)(2).

ــــــــــ[302]ــــــــــ

() تقدَّم منه أنّ في البين قراءتين: “قَذِرٌ” و”قَذُرَ”. 

(2) تهذيب الأحكام 1: 285، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 119، الوافي 6: 15، كتاب الطهارة والتزيّن، باب طهارة الماء وطهوريّته، الحديث 3657، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ثانيهما: وارد في دليل خاصّ (في خصوص المياه)، وهو ما رواه الشيخ الطوسي بإسناده عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن أبي داود المنشد عن جعفر بن محمد عن يونس عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله قال: “المَاءُ كُلُّهُ طَاهِرٌ حتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ”(1)، ورواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن أبي داود المنشد، عن جعفر بن محمّد، عن يونس، عن حمّاد بن عثمان(2).

هذه القاعدة الصغيرة، فيها نقطة ضعف بالنسبة إلى القاعدة الكبيرة وفيها نقطة قوة بالنسبة إليها وهناك أثر عملي يترتب عليها، فهنا ثلاث كلمات:

الكلمة الأولى: في نقطة الضعف

نقطة الضعف في القاعدة الصغيرة، لم تكن واردة هناك في موثقة عمار، فإنَّنا كُنَّا نحمل هذه الموثقة على أنَّها في مقام جعل الطهارة الظاهرية، ولم 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 1: 215، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 4، وسائل الشيعة 1: 134، كتاب الطهارة، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

(2) باب من أبواب الماء المطلق، (المقرر). راجع: الكافي 5: 9، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

نكن نحتمل أنَّها في المقام بيان الطهارة الواقعية، ومن هنا استفدنا منها أصالة الطهارة.

أما في هذه الرواية فيوجد احتمالان: 

الاحتمال الأول: أن تكون مسوقة مساق موثقة عمار فكما تلك الرواية في مقام بيان أصالة الطهارة، كذلك هذه الرواية لكنها في خصوص الماء.

الاحتمال الثاني: أن تكون هذه الرواية في مقام بيان الطهارة الواقعية، وإن كل ماء طاهر بالذات بكل أقسامه، بنحو مساوق مع قوله: “خَلَقَ اللهُ المَاءَ طَهُوراً”(1)، ويحمل قوله: “حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ” على الطريقية الصرفة، فيكون المعنى: (حتّى يتقذّر)، مثل حمل التبين والعلم في جملة من الآيات والروايات على الطريقية الصرفة. مثل قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ(2)، وتكون الغاية ذات المعلوم لا العلم، وهذا أمر عرفي يوافق عليه طبع الطريقية في العلم عرفاً. 

ومعه لا يكون العلم مأخوذاً على وجه الموضوعية لتكون قاعدة الطهارة مستفادة.

حيث يكون هذان الاحتمالان متكافئين في هذه الرواية فلا يمكن أن 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

(1) اُنظر: المعتبر 1: 40، كتاب الطهارة، الركن الأوّل: في المياه، مسألة: “وكلّه ينجس باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه”، مستدرك الوسائل 1: 190، كتاب الطهارة، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 316.

(2) البقرة: 187.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

تجعل دليلاً على قاعدة خاصة في المياه. 

مع أنَّه لم يكن هذا الاحتمال الثاني مناسب مع موثقة عمار. بل كان يتعين فيها الاحتمال الأوَّل وهو أن يكون مفادها الطهارة الظاهرية وأخذ العلم غاية على وجه الموضوعية. إذ لو حملناها على المعنى الثاني يصير محصل العبارة: (كل شيء طاهر واقعاً إلى أن يتقذر من غيره)، وهو مما لا محصل له. فإنَّه إذا كان كل شيء طاهراً فمن أين ينشأ القذر، والدليل الدال على عموم الطهارة، لا معنى لأن يفرض وجود القذر.

إلاَّ أن يُقال: إنَّ كل شيء نظيف، حتَّى لو حملناه على الطهارة الواقعية، فلا إشكال بنحو القضية المهملة من وجود بعض الأعيان النجسة بالارتكاز المتشرعي خاصة في زمان الإمام الصادق الذي رويت عنه هذه الرواية. فيكون العموم مخصصاً ويكون فرض التقذر بلحاظ الأمور الخارجة بالتخصيص. 

إلا أنَّه لو تمَّ ذلك فنفس ارتكاز وجود الأعيان النجسة في الشريعة يوجب صرف الرواية عن كونها في مقام بيان الطهارة الواقعية، إلى كونها في مقام الطهارة الظاهرية، فإنَّه يُعرف أنَّه ليس من ذوق الشريعة أن تحكم بأنَّ كل شيء طاهر واقعاً.

وهذا الارتكاز غير موجود في الماء، إذ لا يوجد ارتكاز أنَّ بعض انحاء الماء نجس حتَّى يصرف قوله: (الماء كله طاهر)، إلى الطهارة الظاهرية، إذن 

ــــــــــ[305]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فليس هناك قاعدة صغيرة للطهارة في مقابل الكبيرة(1).

الكلمة الثانية: في نقطة القوة

ونقطة القوة في قاعدة الطهارة الصغيرة، هو أنَّنا لو سلمنا أنَّ مفاد هذه الرواية قاعدة الطهارة في خصوص المياه، فحيث إنَّ الحكم بطهارة المياه ظاهراً ينصرف إلى ابرز آثار الماء بما هو ماء، كجواز الوضوء والاغتسال به وتطهير الثوب به. 

ومن هنا قلنا بأن: استصحاب الحدث بعد التوضي بماء مشكوك الطهارة ملغى بدليل قاعدة الطهارة، فإنَّ دليلها إن كان وارداً في خصوص المياه فإنَّه يكون نظره إلى هذه الآثار، باعتبارها أهم الآثار المطلوبة للماء بخلاف دليل: (كل شيء نظيف)، فإنَّ هذه الآثار ليست هي المطلوبة والمرغوبة من الحكم بطهارة كل شيء. فيشكل تقدمه على الاستصحاب.

الكلمة الثالثة: في الأثر العملي

ما هو الأثر العملي لأن يكون لدينا قاعدتان للطهارة، مع إمكان إثبات طهارة الماء بالقاعدة الكبيرة؟ ويظهر هذا في جملة من الموارد، كموارد العلم الإجمالي.

وتوضيحه يحتاج إلى بيان مقدّمة، وهي أنَّنا إذا كان عندنا علم إجمالي ــــــــــ[306]ــــــــــ

() وهنا قال بعض الإخوان: سبق أن رتّبتم على هذه القاعدة بعض الآثار. 

        فقال: نعم، ارفعوا يدكم عن تلك الآثار، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وكان يوجد في طرفٍ أصلٌ واحد وفي الطرف الآخر أصلان، كما لو علمت إجمالاً بنجاسة هذا الماء أو هذا التراب والماء فيه أصلان: (أصالة الطهارة والإباحة)، والتراب فيه (أصالة الطهارة فقط). 

فهنا نلحظ الأصلين المتسانخين فيسقطان؛ لأنَّ دليلهما واحد، وقد طرأ على هذا الدليل خلل في هذه الواقعة، لأنَّه لا يمكن أن يشمل الطرفين، وشموله لأحدهما بلا مرجح، فيصبح الدليل مجملاً. 

وأما دليل أصالة الإباحة في الماء، فلا يبتلي بالإجمال، لأنَّه لا يقابله أصالة إباحة في التراب، ولا أصالة الطهارة، لأنَّ دليلها أصبح مجملاً، والمجمل لا يعارض المفصل. 

ومن هنا بنينا وفاقاً للسيد الأستاذ على سقوط أصالة الطهارة وجريان أصالة الإباحة(1).

وهنا يظهر الأثر العملي: 

فإنَّنا إذا بنينا على أنَّه لا يوجد في المياه دليل خاص، فهناك دليل واحد يشمل الماء وغيره على نحو واحد، فيبتلي هنا الدليل بالإجمال. 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

(1) بحوث في علم الأصول 5: 210، أصالة الاحتياط، تطبيقات وتنبيهات، الثمرة العمليّة بين مسلك العلّيّة والاقتضائيّة، دراسات في علم الأصول 3: 364، مباحث الأصول العمليّة، المبحث الثالث: أصالة الاحتياط، المسألة الرابعة: في شمول أدلَّة الأصول لبعض الأطراف دون البعض، التنبيه الأوّل، والمصدر نفسه 3: 403، التنبيه الحادي عشر.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما إذا بنينا على أنَّ قاعدة الطهارة في الماء لها دليل خاص، حينئذٍ يُقال: إنَّ الدليل الكبير يبتلي بالإجمال؛ لأنَّه كِلا الطرفين فرد له، وأما الدليل الصغير في خصوص المياه فهو في نفسه ليس مجملاً، لأنَّ له فرداً واحداً، ولا يمكن جعله معارضاً على الدليل الكبير في التراب لأنَّه أصبح مجملاً والمجمل لا يعارض المبين. فينتج إجراء أصالة الطهارة في الماء دون التراب.

إلا أنَّه حيث بنينا على أنَّ هذه الرواية ليس لها ظهور في الطهارة الظاهرية، لهذا لا يكون هذا الأثر العملي تامّاً، ومعه فتسقط أصالة الطهارة في الماء والتراب معاً.

وبذلك نختم الحديث في قاعدة الطهارة(1).

ــــــــــ[308]ــــــــــ

() عطلة شهر رمضان، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2




مسألة في استحبابُ رشِّ معابد الكفّار قبل الصلاة فيها

 

قال المصنف: 

المسألة 4: يُستحبُّ رشُّ الماء إذا أراد أن يصلّي في معابد اليهود والنصارى مع الشكّ في نجاستها، وإن كانت محكومةً بالطهارة (1).

والكلام في ذلك يقع في جهتين:

الجهة الأولى: في تحقيق حال الحكم.

والجهة الثانية: في بيان حدود موضوع الحكم.

الجهة الأولى: في تحقيق حال هذا الحكم 

لا إشكال أنَّه إذا نظرنا إلى مقتضى القواعد الأولية بغض النظر عن الروايات الخاصَّة في المسألة، فلا إشكال في جواز الصلاة في هذه المعابد؛ لأنَّ عدم الجواز يكون لأحد أمرين: إما لكون القذارة المعنوية الناشئة عن انحراف الكنيسة عن جادة الحق مانعة عن صحَّة الصلاة. وإمّا لأنَّها في معرض النجاسة فقد تكون الصلاة في الكنيسة صلاة في النجس. 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 149-150، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بحسب مقتضى القواعد الأولية 

وكِلا الأمرين مندفعان.

أما الأمر الأول: فهو مندفع إما بالمطلقات الدالة على أنَّ الأرض كلها مسجد(1) إلَّا ما خرج بدليل، وإما بالتمسك -بعد قطع النظر عن العمومات- بالأصول العملية كأصالة البراءة عن مانعية هذا العنوان.

وأما الأمر الثاني: جهة النجاسة المحتملة. 

فإن بني على أنَّ مكان المصلي لا يشترط فيه الطهارة كما هو أشهر القولين(2)، 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

(1) اُنظر: المحاسن (البرقي) 2: 365، كتاب السفر، الحديث 110، تهذيب الأحكام 3: 260، كتاب الصلاة، الباب 25، الحديث 48، الاستبصار 1: 441، كتاب الطهارة، الباب 272، الحديث 1 (وقد اشتركت هذه المصادر في الفقرة الدالّة على أن “الأرض كلّها مسجد”، وإن اختلفت في مصاديق المستثنى)، وسائل الشيعة 5: 118، كتاب الصلاة، الباب 1 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 3.

(2) اُنظر: مدارك الأحكام 3: 225، كتاب الصلاة، الركن الأوّل: في المقدّمات، المقدّمة الخامسة: في مكان المصلّي، مصباح الفقيه 11: 85، كتاب الصلاة، الركن الأوّل: في المقدّمات، المقدّمة الخامسة: في مكان المصلّي، التنبيه الرابع، الحدائق الناضرة 7:194، كتاب الصلاة، الباب الأوّل، المقدّمة السادسة: في المكان، المسألة الثالثة، رياض المسائل 3: 19، كتاب الصلاة، المقدّمة الخامسة: في مكان المصلّي، جواهر الكلام 8: 330، كتاب الصلاة، الركن الأوّل: في المقدّمات، المقدّمة الخامسة: في مكان المصلّي.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فلا إشكال إلَّا من حيث مسجد الجبهة، وهي حيثية أخرى من الكلام. 

وأما إذا اشترط ذلك فحيث إنَّه لا يعلم بالنجاسة وإنما هو مجرَّد احتمال أو ظن، فتجري الأصول المؤمّنة لإثبات جواز ذلك.

فهذا هو مقتضى القواعد، ولا بُدّ من ملاحظة أنَّه هل هناك ما يوجب الخروج عن هذه القواعد أو لا؟ 

الروايات المخرجة عن مقتضى القواعد الأولية

بحسب الفتوى لم يخرج الفقهاء عليها، غاية الأمر أنهم حكموا باستحباب الرشِّ عملاً بالروايات الآمرة به مع حملها على الاستحباب، فلا بُدّ من النظر إلى الروايات.

صحيحة عبد الله بن سنان: عن محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن عبد الله بن سنان قال: “سألت أبا عبد الله عن الصلاة في البيع والكنائس، فقال: رُشَّ وَصَلِّ. قال: وسألته عن بيوت المجوس فقال: رُشَّهَا وَصَلِّ”(1). 

وظاهرها كون الرشِّ من شؤون الصلاة، لكن هل هي من الشؤون الكمالية الاستحبابية أو اللزومية؟

ــــــــــ[311]ــــــــــ

(1) الكافي 6: 360، كتاب الصلاة، الباب 58، الحديث 1، وسائل الشيعة 5: 139، كتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 4، كما ورد الحديث في التهذيب بغير إسناد الكافي، فراجع: تهذيب الأحكام 2: 222، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 83.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المدلول الأوَّل للرواية: (مانعية الكنيسة للصلاة – ترتفع بالرشّ) أنَّنا لو جمدنا على حاق العبارة ولم نضم إليها الارتكازات اللُّبِّيّة، فمقتضى مدلول الرواية هو أنَّ الصلاة في الكنيسة لا تصحّ إلاَّ مع الرش، فيكون عنوان الكنيسة موجباً لحزازة في الصلاة ومنقصة تؤدي إلى عدم جواز الصلاة إلاَّ بالرش، فلا يكون لها نظر إلى باب الطهارة والنجاسة بوجه، بل إلى مانعية الكنيسة عن الصلاة وأنَّها ترتفع بمجرد رشِّ الماء. فيتم المدلول الأول.

المدلول الثاني للرواية: (النظر إلى جنبة النجاسة) لكن إذا ضممنا إلى ذلك ارتكازاً وهو أن ندعي أنَّ المركوز في ذهن العرف أنَّ رشَّ الماء والغسل به لا يكون مطهراً للقذارة المعنوية وإنما تناسب مع قذارة الجسم بما هو جسم لا قذارة المعنى بما هو معنى. فبضم مناسبات الحكم والموضوع نستفيد أنَّ النظر إلى قذر جسمي لا إلى قذر معنوي، ومعه يكون النظر إلى جنبة النجاسة. ويتمّ المدلول الثاني للرواية.

المدلول الثالث للرواية: (النجاسة العرضية)، ولكن أي نجاسة هي؟ هل هي نجاسة الكنيسة بما هي كنيسة، باعتبار انحرافها كما أنَّ الإنسان إذا أصبح كافراً يتنجّس كذلك الأرض إذا أصبحت داراً لعبادة الكفار تتنجس، وترتفع هذه النجاسة بالماء. أو هي نجاسة عرضية من حيث ملاقاة جسم الكافر أو الخمر لها.

ــــــــــ[312]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

حينئذٍ لا بُدّ من أن ندّعي ضمّ ارتكاز آخر، لننتهي إلى مدلول ثالث للرواية، وهو أن يُقال: إنَّ هذه النجاسة هي النجاسة العرضيَّة لأنَّها لو كانت ناشئة من عنوان الكنيسة بما هي كنيسة فالمركوز أنَّها لا ترتفع بالماء لأنَّها تكون من قبيل النجاسة الذاتيَّة كالكافر نفسه. ومعه يكون مدلول العبارة النظر إلى النجاسة العرضيَّة. وحيث لم يفرض العلم بالنجاسة العرضيَّة سؤالاً وجواباً والغالب هو عدم العلم، فيكون الأمر بالرشِّ ناظراً إلى النجاسة العرضيَّة المشكوكة أو المظنونة التي هي في مظان وجودها، ومعه لا تشمل العبارة بإطلاقها صورة ما إذا علمنا بطهارة الأرض، وهذه هي نكتة تخصيص المشهور(1) الفتوى بصورة الشكّ في النجاسة خلافاً للسيد الأستاذ(2) الذي ادعى التعميم أخذاً بإطلاق العبارة. 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

(1) لاحظ: العروة الوثقى (المحشّى) 1: 149، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 4، المعالم الزلفى في شرح العروة الوثقى: 408، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة4، مستمسك العروة الوثقى 1: 446، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الحادي عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 4، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 1: 448، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 4.

(2) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 153، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 4، فقه الشيعة 3: 284، كتاب الطهارة، فصلٌ: في أحكام النجاسات، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لكن بالبيان الذي بيّناه يظهر أنهم ضموا تلك الارتكازات إلى هذه الرواية وفهموا من الرواية المدلول الثالث.

هل حكم الرشّ بنحو اللزوم أو الاستحباب؟

بعد هذا يقع الكلام في أنَّ الحكم بالرشِّ هل هو لزومي كما هو طبيعته، أو لا؟

إذا بنينا على أنَّ مكان المصلي لا يشترط فيه الطهارة، فمن الواضح أنَّ هذا ليس لزومياً؛ لأنَّ النظر ليس إلى مسجد الجبهة بل إلى الصلاة في الكنيسة. فلا يمكن البناء على النجاسة اللزومية مع البناء على أنَّ الأرض المعلومة النجاسة يجوز الصلاة عليها. 

نعم، لو بنينا على أنَّ مدلول العبارة هو النجاسة المعنوية وأنَّها ترتفع بالرش، على خلاف الارتكاز العرفي، فلا مانع من القول بأنّ المانعية تكون لزوميّة؛ لأنَّ جواز الصلاة في الأرض النجسة أمر وجوازها في القذر المعنوي أمر آخر. ولكن بعد تعيّن مدلولها بالنجاسة العرضيَّة لا بُدّ من حملها على القذارة الاستحبابية، وبه يتمّ كلام المشهور.

ولكن إذا بنينا على أنَّه يشترط في مكان المصلي الطهارة، لو شككنا في أرض جُوّز أن نصلي عليها بمقتضى أصالة الطهارة؟  فيمكن أن يُدَّعى حمل دلالة هذا الأمر على النجاسة، ويكون تخصيصاً في قاعدة الطهارة، ويكون الأصل في أرض الكنيسة هو النجاسة.

ــــــــــ[314]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

قرائن حمل الأمر بالرشِّ على الاستحباب

فلا بُدّ من استئناف كلام في القرينة على رفع اليد عن ظهور هذا الأمر في كونه لزومياً إلى كونه تنزيهياً.

وهنا يمكن أن نذكر عدّة أمورٍ:

القرينة الأولى: الأمر بالرشِّ ليس بلحاظ النجاسة

ما أشار إليه السيّد الأستاذ(1) من أنَّ الأمر بالرشِّ ليس بلحاظ النجاسة، فإنَّ الرشَّ لا يطهر النجاسة، بل يوسعها على تقدير وجودها، فلا بُدّ أن يكون محمولاً على الاستحباب

وبتعبير آخر: أنَّ الأمر بالرشِّ لو كان تخصيصاً لقاعدة الطهارة للزم الأمر بالغسل لا بالرش، وحيث إنَّ الأمر بالرشِّ لا بالغسل، فيستفاد أنَّه ليس تخصيصاً لها بل هو أمر تعبدي في نفسه.

وهذا غير صحيح: لأنَّ الرشَّ مساوق للنضح، وقد ورد في جملة من الروايات الواضحة النظر إلى النجاسة، وأنَّه يتخلص به من النجاسة ولو استحباباً، فمن جملة ما ورد فيه ذلك: 

1- صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله في حديث قال: رأيته في المنازل التي في طريق مكّة، يرشّ أحياناً موضع جبهته، ثُمَّ يسجد عليه رطباً ــــــــــ[315]ــــــــــ

(1) راجع: فقه الشيعة 3: 284، كتاب الطهارة، فصلٌ: في أحكام النجاسات، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كما هو، وربما لم يرشّ المكان الذي يرى أنَّه نظيف(1)

فهذه الرواية صريحة في أنَّها ليست بقذارات معنوية بل ناظرة إلى باب الطهارة والنجاسة، ويقرب منها روايات أخرى في الصلاة في مرابض الإبل:

2- وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عن الصلاة في أعطان الإبل قال: “إِنْ تَخَوَّفْتَ الضَّيْعَةَ عَلَى مَتَاعِكَ فَاكْنُسْهُ وَانْضِحْهُ، وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ”(2)

3- وعن الحلبي عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صَلِّ فِيهَا، وَلَا تُصَلِّ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ إِلَّا أَنْ تَخَافَ عَلَى مَتَاعِكَ الضَّيْعَةَ، فَاكْنُسْهُ وَرُشَّهُ بِالمَاءِ وَصَلِّ فِيه…” الحديث(3)

ــــــــــ[316]ــــــــــ

() باب 22، من مكان المصلي، (المقرر). مَن لا يحضره الفقيه 1: 243-244، أبواب الصلاة، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها، الحديث 730، وسائل الشيعة 5: 154، كتاب الصلاة، الباب 22 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 1.

(2) باب 6 من مكان المصلي، (المقرر). الكافي 6: 361، كتاب الصلاة، الباب 58، الحديث 2، تهذيب الأحكام 2: 220، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 76، الاستبصار 1: 395، كتاب الصلاة، الباب 235، الحديث 2، وسائل الشيعة 5: 144-145، كتاب الصلاة، الباب 17 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 1.

(3) الكافي 6: 362-363، كتاب الصلاة، الباب 58، الحديث 5، مَن لا يحضره الفقيه 1: 243، أبواب الصلاة، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها، الحديث 729، تهذيب الأحكام 2: 220، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 73، وسائل الشيعة 5: 145، كتاب الصلاة، الباب 17 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

4- ويتمم بيانه روايات النضح في إصابة الكلب للثوب قال: “اغْسِلْ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَثَرِهَا، وَمَا لَمْ تَرَهُ فَانْضَحْهُ بِالْمَاءِ”(1)إذن فالرش قد يلحظ فيه باب النجاسة أيضاً فالأمر به قد يستعمل باعتبار أنَّه أوَّل مراتب الغسل.

صحيح أنَّ الرشَّ قد يصدق على ما هو أقلّ من مراتب الغسل، إلا أنَّه لا بُدّ من رفع اليد عن إطلاقه لمثل ذلك بعد استفادة النظر إلى النجاسة، وأنَّها لا تزول إلاَّ بأدنى مراتب الغسل، ومعه يرفع اليد عن إطلاق المادة لا عن ظهور الأمر بالإلزام.

نعم، لو قيل إنَّ تطهير الأرض يحتاج إلى رفع الغسالة، فهي مسألة أخرى تحتاج إلى عنايات زائدة لا تستفاد من كلمة الرش.

إلاَّ أنَّنا لا نقول بذلك، ومعه تكون أدنى مراتب وصول الماء إلى الأرض كافية في تطهيرها، ومعه تبطل هذه القرينة على الاستحباب.

القرينة الثانية: صحيحة العيص بن القاسم

صحيحة العيص بن القاسم قال: “سألت أبا عبد الله عن البِيَع والكنائس يُصلَّى فيها؟ قال(2): نعم، وسألته عن كذا يصلح بعضها مسجداً 

ــــــــــ[317]ــــــــــ

() الرواية واردة في الفأرة، وفي تهذيب الأحكام أنّ الكلب مثل ذلك، فراجع: مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها: 348، الأخلاقيّات، الحديث 857، الكافي 5: 178، كتاب الطهارة، الباب 39، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 262، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 48، وسائل الشيعة 3: 460، كتاب الطهارة، الباب 33 من أبواب النجاسات والأواني والجلود، الحديث 2.

(2) باب 13 من مكان المصلي، (المقرر). 

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فقال: نعم(1). قد يناقش في قرينيتها بوجهين:

المناقشة الأولى: أنَّها يمكن أن تكون قرينة على الاستحباب بناء على الاحتمال الأوَّل دون الثالث، فإنَّ غاية ما يستفاد منها هو أن كون المكان كنيسة لا يمنع عن الصلاة فيها وليس ناظراً إلى أنَّه مع احتمال النجاسة لا يكون مانعاً.

إلاَّ أنَّ هذه المناقشة غير تامَّة، وهذه الرواية تفيد الاحتمال الثالث لما قلناه من الملازمة الغالبية بين الكنيسة والنجاسة العرضيَّة. فقوله: (نعم)، يدلُّ على الإذن والترخيص بلحاظ كِلتا الجهتين: النجاسة الذاتيَّة والعرضيَّة.

المناقشة الثانية: أنَّ الاطلاق في قوله (نعم) قابل للتقييد، فتكون مقيّدة بالأمر بالرشِّ يعني: (نعم إلاَّ إذا رششت).

إلَّا أنَّ الإنصاف أنَّ التقييد في المقام في غاية البعد لأنَّ التقييد بالرشِّ مؤونة زائدة. 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

() الكافي 6: 308، كتاب الصلاة، الباب 48، الحديث 3، تهذيب الأحكام 3: 260، كتاب الصلاة، الباب 25، الحديث 52-53، وسائل الشيعة 5: 138، كتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 1. علماً أنّ الرواية
-بصيغتها الواردة أعلاه- موافقةٌ لما في الوسائل، بينما الوارد في الكافي والتهذيب: “سألتُ أبا عبد الله عن البِيَعِ والكنائس، هل يصلح نقضهما لبناء المساجد؟”..

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وبتعبير آخر: أنَّ (نعم) ترخيص فعلي بلحاظ الحالة الاختيارية للإنسان فهي بنفسها لها ظهور في نفي المؤونة الزائدة. فهذا التقييد بالرشِّ تقييد غير عرفي، فتكون هذه الرواية قرينة على الاستحباب.

القرينة الثالثة: رواية حكم بن حكيم (الحكم)

قال سمعت أبا عبد الله يقول: “وسئل عن الصلاة في البِيَع والكنائس فقال: صَلِّ فِيهَا؛ قَدْ رَأَيْتُهَا مَا أَنْظَفَهَا…”، الحديث(1).

وهي واضحة في رفع اليد عن اللزوم هناك؛ لأنَّها لها نظر إلى باب الطهارة والنجاسة لأنَّه يقول: “مَا أَنْظَفَهَا“، وهو ظاهر في عدم وجود أي عناية من العنايات في التنظيف.

إلا أنَّها ضعيفة السند فإنَّ فيها حكم بن حكم في طريق الشيخ(2)، وصالح بن الحكم في طريق الصدوق(3). وكِلاهما لم يوثَّق(4).

ــــــــــ[319]ــــــــــ

() الباب13 من مكان المصلي، (المقرر). تهذيب الأحكام 2: ٢٢٢، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 84، الوافي 7: 454-455، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، باب المواضع التي يكره فيها الصلاة وما لا تكره، 57، الحديث 28، وسائل الشيعة 5: 138، كتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 3.

(2) راجع: تهذيب الأحكام 2: 222، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 84، وذلك بالإسناد التالي: “عنه، عن فضالة، عن حمّاد الناب، عن الحكم بن الحكم”.

(3) راجع: مَن لا يحضره الفقيه 1: 244، أبواب الصلاة، باب المواضع التي تجوز الصلاة فيها، الحديث 731.

(4) أمّا الحكم بن الحكم فمجهول، لاحظ: نقد الرجال 2: 139، باب الحاء، الرقم 1610، خاتمة المستدرك 7: 302، باب الحاء، الرقم 690، معجم رجال الحديث 7: 175، باب الحاء، الرقم 3857. وأمّا صالح بن الحكم فراجع حوله: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 200، باب الصاد، الرقم 533؛ حيث ضعّفه قائلاً: “صالح بن الحكم النيلي الأحول: ضعيف”، كتاب الرجال (ابن داود): 461، باب الصاد المهملة، الرقم 227، خلاصة الأقوال (العلّامة الحلّي): 230، القسم الثاني، الفصل الثاني عشر: في الصاد، الرقم 3، معجم رجال الحديث 10: 64، باب الصاد، الرقم 5809.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وعلى ذلك يمكن أن نقول إنَّ في نجاسة أرض الكنيسة ثلاثة احتمالات:

أحدها: النجاسة المعنوية.

وثانيها: النجاسة الذاتية.

وثالثها: النجاسة العرضيَّة.

وهنا يُثار حول كل احتمال ثلاثة أسئلة:

أولها: ما هو مقتضى القاعدة فيه؟

وثانيها: ما هي القرائن الدالة عليه؟

وثالثها: ما هي القرائن الدالة على خلافه؟

وقد سبق الجواب عن عدد من هذه الأسئلة ونثبت هنا ما هو جديد مما لم تسبق الإشارة إليه.

ومقتضى القاعدة في النجاسة العينية، أنَّها غير موجودة، إما تمسكاً بما دلَّ على طهورية الأرض أو تمسكاً بالأصل. ولا يمكن التمسّك بما دلَّ على 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

مسجدية الأرض لأنَّه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

والقرينة على هذا الاحتمال أنَّه بعد نفي الاحتمال الأوَّل وتعيّن أنَّ المراد هو النجاسة الجسمية لا المعنوية، ودار الأمر بين النجاسة الذاتيَّة والعرضيَّة ولم تكن العرضيَّة مفروضة الوجود لا يقيناً ولا شكاً، فيتعين أن يكون المراد النجاسة الذاتية.

إلاَّ أنَّ هذه القرينة غير تامَّة؛ لأنَّ النجاسة العرضيَّة لازم غالب للكنيسة فليس في السؤال عنها مؤونة زائدة.

وأما القرينة المعينة للنجاسة العرضيَّة فهي ارتكاز أنَّ الذاتيَّة لا تزول بالماء.

على هذا تكون رواية حكم بن الحكم، أوضح من الرواية السابقة، لعدم ورود كِلتا المناقشتين عليها كما هو واضح للمتأمل، لكنها ضعيفة السند.

الجهة الثانية: في تحقيق حال موضوع هذا الحكم

ذكر السيّد الأستاذ(1): أنَّ الحكم لا يختص بخصوص معابد اليهود والنصارى بل يشمل بيوتهم أيضاً لعدم الاختصاص بالمعابد.

وهذا التعميم لم يذكر له وجه في كلامه فلا بُدّ أن يُقرَّب بأحد وجهين ــــــــــ[321]ــــــــــ

(1) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: ١٦٤، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 5: “وكذلك بيوت النصارى واليهود؛ لعدم اختصاص الحكم بمعابدهم”، فقه الشيعة 3: 283، كتاب الطهارة، فصلٌ: في أحكام النجاسات، المسألة 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وكِلاهما غير تامّ على مبناه.

التقريب الأول: أن يقال: بإلغاء الخصوصية من حيث إنَّ الأمر بالرشِّ وإن أُخذ في موضوعه الكنيسة، ولكنَّنا نلغي الخصوصية بحسب التفاهم العرفي ونقول: إنَّ الموضوع هو المكان الذي يكون الكافر شديد الممارسة له، فينعقد للدليل إطلاق بهذا اللحاظ.

إلا أنَّ هذا التقريب لا يتمّ بناء على مبنى السيّد الأستاذ من كون النجاسة هي النجاسة المعنوية، فإنَّه معه لا يمكن إلغاء الخصوصية والتعميم لدار النصراني، فإنَّه من الواضح وجود حزازة في الكنيسة لا يُعلم بوجودها في دار النصراني لا بحسب الفهم الواقعي ولا المتشرعي.

أما بحسب الفهم المتشرعي؛ فلأنَّنا نرى أنَّ الرجل المسلم إذا دخل الكنيسة يعاتب بخلاف ما لو دخل إلى دار النصراني.

كما أنَّ الفهم الواقعي يقتضي ذلك إذ إنَّ الكنيسة هي دار الضلال وشعاره، ودار النصراني دار أحد الضالين، فتعميم النصّ وإلغاء الخصوصية بالارتكاز غير ممكن.

نعم، بناء على المختار يكون هذا الكلام صحيحاً، وهو أنَّ الأمر بالرشِّ باعتبار معرّضية الكنيسة للنجاسة العرضيَّة.

فإنَّ احتمال ذلك: إما باعتبار نجاسة أبدان الكفار، أو باعتبار ملاقاتهم للنجاسات كالخمر الذي يحولونه إلى دم المسيح، احتمال معتد به فينبغي التنزه عنه بالرش. 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فهذه النكتة موجودة في تمام موارد احتمال النجاسة غاية الأمر أنَّه كلما كانت موارد احتمال النجاسة أكثر يكون استحباب التنزه عنه آكد. ومعه يكون التعميم صحيحاً لأنَّ المعرّضية كما هي موجودة في الكنيسة موجودة في دار النصراني، إن لم تكن المعرّضية هناك أكثر.

التقريب الثاني للتعميم: الروايات الواردة في الأمر برش الدار بعنوانها، فإنَّه ورد الأمر بالرشِّ أما تتميماً للأمر برش الكنيسة كصحيحة عبد الله بن سنان السابقة قال: “سألت أبا عبد الله عن الصلاة في البيع والكنائس فقال: رُشَّ وَصَلِّ. قال: وسألته عن بيوت المجوس فقال: رُشَّهَا وَصَلِّ”(1) .

كما ورد الأمر بالرشِّ مستقلاً، في رواية محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن النضر عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله في حديث، قال: “سألته عن الصلاة في بيوت المجوس فقال: رُشَّ وَصَلِّ”(2). وغيرها.

وهي وإن وردت في بيوت المجوس إلا أنَّه تعمم لبيوت اليهود والنصارى لعدم الفرق بينها ارتكازاً.

ــــــــــ[323]ــــــــــ

() مرّ تخريجها.

(2) باب 14 من مكان المصلي، (المقرر). تهذيب الأحكام 2: 222، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 83، وسائل الشيعة 5: 138، كتاب الصلاة، الباب 13 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلا أنَّ هذا التقريب ليس تامّاً، وذلك:

أولاً: لأنَّه يمكن المناقشة في دلالة هذه الروايات، بدعوى أنَّ المقصود من بيوت المجوس بيوت النار لا دورهم؛ لأنَّه لم يكن هناك تعبير عنها كالتعبير بالكنيسة عن بيوت عبادة النصارى وبالبِيَع عن بيوت عبادة اليهود. ولهذا عبر في صحيحة عبد الله بن سنان وسألته عن بيوت المجوس بعد السؤال عن الكنيسة وبالبِيَع، فبقرينة التقابل نعرف أنَّ المراد به ذلك. 

والإنصاف أنَّ هذا الاحتمال لا يخلو عن قوة.

ثانياً: وبقطع النظر عن ذلك كما لو ورد بصيغة الإفراد: (بيت المجوسي)، فإنَّ له ظهوراً في أنَّ المراد داره التي يسكنها.

وحينئذٍ يقال: كيف نتعدى من بيت المجوسي إلى غيره؟ وإلغاء الخصوصية بلا موجب سواء كان الملحوظ في الأمر النجاسة المادية أو المعنوية، أما بناء على المعنوية فلأنَّه لم يتضح من الشرع والمتشرعة مساواة المجوسي مع الكتابي: اليهودي والنصراني في القذارة المعنوية. 

أما بحسب النظرة الواقعية فباعتبار انطماس معالم الأصل الديني للمجوس بنحو أشد من اليهود والنصارى إلى حدّ من المعلوم أنَّ اليهودية والنصرانية ناشئة من دعوة أنبياء صادقين في زمانهم مرسلين عن الله (عزّ وجلّ) وأما المجوسية فليس لها صورة محددة عن شخص آمنوا بنبوته.

وأما بحسب الارتكاز المتشرعي فلأن اليهودي والنصراني يسمى ــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بالكتابي وهو لفظ احترامي والمجوسي لا يوجد في كتابيته أي ارتكاز.

وأما بناء على التمييز بين (اليهودي والنصراني) من ناحية وبين المجوسي من ناحية أخرى، من حيث النجاسة الذاتية، والحكم بها على المجوسي (ولو احتياطاً) دونهما. فالأمر بالرشِّ في بيت فيه نجس ذاتاً لا يلازم الأمر برش بيت فيه طاهر ذاتاً.

من مؤيدات ما ذكرناه من وجود الفرق بين المجوسي وغيره، ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن محمد بن عبد الحميد عن أبي جميلة عن أبي أسامة عن أبي عبد الله قال: “لَا تُصَلِّ فِي بَيْتٍ فِيهِ مَجُوسِيٌّ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُصَلِّيَ وَفِيهِ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ”(1)فهذا شاهد على أنَّ نجاسة المجوسي أشد وهو يؤكد ويؤيد عدم إمكان التعدي من الأمر برش بيوت المجوس إلى الأمر برش بيوت اليهود والنصارى، هذا إذا كان المراد من البيوت دورهم لا بيوت عبادتهم.

المراد من بيت المجوس

وعلى أيّ حال فالبيت إذا أضيف مفرداً إلى الجماعة فقيل بيت المجوس، فهو ظاهر في المعنى الذي قلناه، وهو معبدهم. كما لو قيل بيت ــــــــــ[325]ــــــــــ

() باب 16من مكان المصلي، (المقرر).  الكافي 6: 364، كتاب الصلاة، الباب 58، الحديث 6، تهذيب الأحكام 2: 377، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 103، وسائل الشيعة 5: 144، كتاب الصلاة، الباب 16 من أبواب مكان المصلّي، الحديث1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النصارى أو اليهود، كما أنَّه لو أضيف المفرد إلى المفرد فقيل بيت المجوسي أو النصراني، فلا إشكال أنَّه يُراد به الدار التي للسكنى. 

وأما إذا أضيف الجمع إلى الجمع فقيل بيوت اليهود أو المجوس أو النصارى فماذا يراد، معابدهم أو دورهم؟ بحسب الحقيقة هذه الإضافة قابلة لكلا الوجهين، فيمكن أن تكون من قبيل الأوَّل كما لو قلنا أئمة المسلمين، فإنَّنا لا نريد أنَّ لكل مسلم إماماً يخصّه، بل نريد أئمة كل واحد مضافاً إلى كل المسلمين يعني إضافة أفراد الجمع إلى المجموع، فيكون المراد من بيوت المسلمين أو النصارى هذا المعنى أيضاً ومعه يتعين في المعبد لأنَّ البيت الاعتيادي ليس ملكاً للعموم، كما يمكن أن يُراد المعنى الثاني كما في مثل: أقلام العلماء خيرٌ من دماء الشهداء، فإنَّ المراد به اختصاص كل عالم بقلم. فكِلا الوجهين معقولاً ومتداولاً فتكون هذه الإضافة مجملة.

ومثاله من الروايات صحيحة عبد الله بن سنان السابقة التي فيها: وسألته عن بيوت المجوس، الخ. 

وبهذا تمَّ الكلام عن هذه المسألة صناعياً.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2







عدم وجوب الفحص عند الشكّ في الطهارة والنجاسة

المسألة 5: في الشكّ في الطهارة والنجاسة لا يجب الفحص، بل يُبنى على الطهارة إذا لم يكن مسبوقاً بالنجاسة، ولو أمكن حصول العلم بالحال في الحال(1).

هذا الكلام نحيله بكامله على علم الأصول، فإنّا ذكرنا في مبحث شرائط جريان الأصول(2): أنَّ المشهور بنى على وجوب الفحص في الشبهات الحكمية، وإن إطلاق أدلَّة الأصول المؤمّنة لا تشمل ما قبل الفحص.

وأما في الشبهات الموضوعية فالمعروف منهم أنَّ إطلاق أدلَّة الأصول لا بأس بالتمسك بها لما قبل الفحص ولا حاجة إلى السؤال والاستفسار إلى حين حصول اليأس عن العلم.

ــــــــــ[327]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 150، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، الثاني عشر: عرق الإبل الجلّالة، المسألة 5.

(2) لاحظ: بحوث في علم الأصول 5: 395، مباحث الأصول العمليّة، خاتمةٌ: في شرائط جريان الأصول المؤمّنة، مباحث الأصول، ق2، 4: 425، خاتمةٌ: في شرائط الأصول.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وقد فصل المحقق النائيني(1) في وجوب الفحص فقسمه إلى مرتبتين: 

المرتبة الأولى: الفحص المقابل لغمض العين بحيث يكون عدمه مساوق لغمض العين.

المرتبة الثانية: الفحص بعنايات زائدة.

فالمرتبة الأُولى ذهب إلى وجوبها وعدم شمول إطلاق أدلَّة الأصول لحال عدمها.

والمرتبة الثانية ذهب إلى عدم وجوبها.

ونحن تابعناه هناك(2) وقلنا: إنَّه هو الصحيح وبيّنا نكات لكيفية تقييد إطلاق أدلَّة الأصول وعدم شمولها لهذا المورد.

لكن هناك أشرنا أنَّه يخرج من موارد هذه الكبرى خصوص مورد الطهارة والنجاسة، فإنَّ الشارع الإسلامي قد تسامح بها خلافاً للوسواسيين أكثر مما تسامح في سائر الموارد. 

فلم يوجب الفحص حتَّى في أدنى مراتبه، وقد استندنا هناك إلى روايات واردة في باب النجاسة كقول الإمام أمير المؤمنين: “مَا أُبَالِي 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

(1) لاحظ: أجود التقريرات 2: 340، المقصد السابع: في الأصول العمليّة، خاتمةٌ: في شرائط الأصول.

(2) راجع: بحوث في علم الأصول 5: 413، مباحث الأصول العمليّة، أصالة البراءة، خاتمةٌ: في شرائط جريان الأصول المؤمّنة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أَبَوْلٌ أَصَابَنِي أَوْ مَاءٌ إِذَا لَمْ أَعْلَمْ”(1). فإنَّه يفهم منها عرفاً بمعذرية الشكّ من دون أي عناية في رفعه بأي مرتبة كان فلا يكون الفحص واجباً بكل مراتبه، ولا يوجد هنا شيء نضيفه على هذه المسألة في المقام.

وبهذا ينتهي فصل النجاسات.

ــــــــــ[329]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 72، بابُ ما ينجّس الثوب والجسد، الحديث 166، تهذيب الأحكام 1: 254، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث22، الاستبصار 1: 180، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2








الفصل السادس

فيما تثبت به النجاسة

 

  • الطريق الأول: العلم
  •  الطريق الثاني: البيّنة
  • الطريق الثالث: خبر الواحد
  • الطريق الرابع: قول صاحب اليد

ــــــــــ[330]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

 

الفصل السادس                                                                                 فيما تثبت به النجاسة

فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة أو التنجّس: العلمُ الوجداني(1).

تثبت النجاسة بعدة أمور:

الطريق الأول: العلم

أولها: العلم: لا إشكال ولا ريب أنَّه مع العلم تكون النجاسة فعليَّة ومنجزة ومحملة على المكلف.

نعم، هناك بحث علمي أشرنا إليه في جهات قاعدة الطهارة، وحاصله: أنَّ فعليَّة النجاسة في حال العلم وإن كان مفروغاً عنها لكن هل العلم بالنسبة إلى النجاسة طريقي أو موضوعي؟

فإن كان طريقياً شمل الحكم بالنجاسة العالم والجاهل.

وإن كان موضوعياً كان العلم من مبادئ ثبوت النجاسة. كما عليه صاحب الحدائق(2).

ــــــــــ[332]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 150، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة.

(2) تقدّمت الإشارة إلى ذلك مراراً، فراجع.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وقد بيّنا أنَّ الصحيح ما عليه المشهور من أنَّ العلم طريقي صرف وليس موضوعياً، وهذا البحث له بعض النتائج في مسألة طرق ثبوت النجاسة.

نتيجتان لكون العلم طريقي لا موضوعي

النتيجة الأولى: أنَّنا أشرنا أنَّنا إذا بنينا على أنَّ العلم طريقي صرف في إثباتها فإنَّه لا يفرق فيه بين العلم الناشئ من مناشئ عادية والناشئ من مناشئ غير عادية كعلم الوسواسي فإنَّه يكون حُجَّة عليه لما ثبت في محلِّه من أنَّ حُجِّيّة العلم ذاتية غير قابلة للتخصيص(1)

وأما إذا قلنا إنَّ العلم موضوعي بالنسبة إلى النجاسة، وفرغنا عن معقولية ذلك ثبوتاً وصحته إثباتاً، فبالإمكان أن نفصل بين أقسام العلم بعضها عن بعض ولو من ناحية دعوى الانصراف بأنَّ العلم الذي أخذ غاية لقاعدة الطهارة منصرف إلى العلم العادي وأما غير العادي فيكون اللفظ منصرفاً عنه.

ومعه لا يكون كل العلم منجزاً للنجاسة فيشكل إطلاق عبارة المتن، إلا أنَّ هذا مما لا سبيل إليه بناء على الطريقية الصرفة.

النتيجة الثانية: أنَّنا إذا بنينا على الطريقية الصرفة للعلم فكل أمارة أو أصل تثبت حجيتها بدليل، فإنَّه تثبت بها النجاسة لما ثبت من أنَّ الأمارات ــــــــــ[334]ــــــــــ

(1) اُنظر: بحوث في علم الأصول 4: 31، حُجِّيّة القطع، مباحث الأصول ق2، 1: 223، المقدّمة، الأمر الأوّل: في حُجِّيّة القطع، جعل الحجّيّة ورفعها في القطع.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والأصول تقوم مقام القطع الطريقي الصرف(1).

وأما إذا قلنا إنَّ العلم أخذ موضوعاً للنجاسة فمجرد قيام دليل على حُجِّيّة أصل أو أمارة لا يكفي إلاَّ إذا بنى في الأصول على قيامها مقام القطع الموضوعي المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة(2).

وأما إذا لم نبن على ذلك -كما عليه مسلك صاحب الكفاية(3)، وهو الصحيح-. فمجرد حُجِّيّة أمارة أو أصل لا يكفي ولا بُدّ من قيام دليل خاصّ على ثبوت النجاسة بالأمارات والأصول.

ولكنَّنا حيث نبني على الطريقية الصرفة فنلتزم بأنَّ العلم مطلقاً حُجَّة سواء كان من وسواسي أو غيره، وأنَّه إذا قام دليل على حُجِّيّة أمارة أو أصل فإنَّه يقوم مقام القطع في إثبات النجاسة.

ــــــــــ[335]ــــــــــ

(1) اُنظر: بحوثٌ في علم الأصول (عبد الساتر) ٨: ٢٥٥، القسم الأوّل: مبحث القطع، الجهة الثالثة: أقسام القطع وأحكامه، الجهة الرابعة: في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الصفتي، مباحث الأصول ق٢، ١: ٣٤٧، المقدّمة، الأمر الثالث: في أقسام القطع، قيام الأمارات والأصول مقام القطع الطريقي الصفتي.

(2) راجع: بحوث في علم الأصول 4: 73 وما بعدها، مباحث الحجج والأصول العمليّة، أقسام القطع ومدى قيام الأمارة مقامه، قيام الأمارة مقام القطع الطريقي، مباحث الأصول ق2، 1: 347، المقدّمة، الأمر الثالث: في أقسام القطع، قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف.

(3) راجع: كفاية الأصول: 263، المقصد السادس: في بيان الأمارات المعتبرة شرعاً أو عقلاً، الأمر الثالث: أقسام القطع.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

 

الطريق الثاني: البيّنة

أو البيِّنة العادلة…(1).

ثانيها: مما تثبت به النجاسة: البيّنة: فإنَّها إذا قامت على شيء فإنَّه يرفع اليد عن مقتضى الأصول المؤمنة، بما فيها أصالة الطهارة.

الاستدلال على حُجِّيّة البينة

وما يمكن أن يستدلَّ به على حجيتها في المقام بعدّة أدلة:

الدليل الأول: ما دلَّ على حجيتها في باب القضاء

 فإنَّه لا إشكال -نصّاً(2) وفتوىً(3)– أنَّ البيِّنة حُجَّة في مورد الخصومة ــــــــــ[336]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 150، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة.

(2) راجع: الكافي (الإسلاميّة) 7: 415، كتاب القضاء والأحكام، باب أنّ البيِّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، مَن لا يحضره الفقيه 3:66، أبواب القضاء والأحكام، باب الحكم في جميع الدعاوى، تهذيب الأحكام 6:228، كتاب القضاء والأحكام، الباب 89.

(3) اُنظر: المبسوط 8: 256، كتاب الدعاوى والبيّنات، السرائر 2:168، كتاب القضاء والأحكام، باب سماع البيّنات وكيفيّة الحكم بها، نضد القواعد الفقهيّة: 509، المقصد الخامس، الفصل الثاني: في القضاء، السابعة عشرة: البيِّنة حجّة شرعيّة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والمنازعة. فيتعدّى من حجيتها من هذا المورد إلى غيره من الموارد.

وبالنظر البدوي الجمودي يتبادر إشكال واضح على ذلك، وهو: أنَّ هذا الدليل لا إطلاق فيه ليتمسك به، فإنَّه دلَّ على حُجِّيّة البيِّنة في موارد القضاء وأما في غيره كموارد الطهارة والنجاسة فالتعدي إليها بلا موجب لاحتمال الفرق ثبوتاً ما بينهما فيكون التعدي إليها مشبهاً للقياس.

إذن فلا بُدّ من الفحص عن أنَّه هل هناك تخريج أو تقريب فني لهذا التعدي بحيث يجعله مستساغاً ويخرجه عن كونه قياساً؟

فنذكر عدة تقريبات لاستساغة هذا التعدي:

التقريب الأول: ما ذكره المحقق الهمداني بلحاظ الأولوية

 أن نتعدى بلحاظ الأولوية ولا أقلّ من المساواة، وهذا ما ذكره المحقق الهمدانيّ(1)، وذكر في تقريبه: أنَّه كانت البيِّنة في باب القضاء والمرافعة حُجَّة مع أنَّها مبتلاة بقواعد على خلافها فإنَّ البيِّنة على المدعي وهو من خالف قوله القواعد.

فإذا عوّل الشارع على كاشفيتها بالرغم من مخالفتها للقواعد بما فيها قاعدة اليد وغيرها من القواعد المحكّمة بالنظر العقلائي، ففي باب الطهارة والنجاسة لا يوجد أمارات في مقابلها كاليد بل يوجد أصول كقاعدة 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

(1) راجع: مصباح الفقيه 8: 167، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، أحكام الدم المعفوّ، تنبيه: لا تثبت النجاسة إلَّا بالعلم أو ما قام مقامه.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الطهارة، بل حتَّى مثل هذه الأصول قد لا تكون موجودة.

ومن هنا كان التعويل عليها في المقام أولى، ولا أقلّ من المساواة.

وينبغي أن يكون مقصوده من دعوى المساواة أو الأولوية في المقام بحسب الارتكاز العرفي لا بحسب مناطات الأحكام وملاكاتها. فإنَّ المساواة بالملاكات يحتاج إلى سبر كامل للملاكات الواقعية، ونحن لا ندعي المساواة العقلية الثبوتية ليقال إنكم لم تستوعبوا النكات الواقعية للملاكات، بل يكفينا في مقام تصوير هذا الكلام أن ندّعي المساواة أو الأولوية بحسب الارتكاز العرفي.

وأريد بذلك: أنَّه بحسب ما ينسبق إلى ذهن العرف من دليل حُجِّيّة البيِّنة في باب المرافعات على ضوء مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في ذهن العرف، أنَّ مناط وملاك حُجِّيّة البيِّنة لا يفرق فيه بين موارد المرافعة وغيره، كما لو ورد: سألته عن حب في باب المسجد فقال طهور، فإنَّ العرف يلغي خصوصية المسجد ويعمم الدليل إلى كل حبّ فيه ماء مطلق ويحمل المسجدية على المثالية، فكذلك الحال في المقام يحمل باب القضاء على المثالية.

فنحن يجب أن نميّز بين ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أن يأتي دليل على حكم فنعممه من مورده إلى مورد آخر من باب الظن بالمشابهة، فهذا هو القياس المحرم.

الأمر الثاني: أن نسري الحكم من باب حساب المناطات الواقعية وأن الشارع بما أنَّه حكيم فهو يحكم على المورد الثاني كحكمه على المورد الأوَّل ــــــــــ[338]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لانحفاظ جميع المناطات المتصورة فيه.

وهذا صحيح كبروياً إلا أنَّه متعذر صغروياً، لأنَّه متوقف على الاطلاع على المناطات الواقعية للأحكام.

الأمر الثالث: التعدي تمسكاً بمدلول اللفظ نفسه بعد توسعته من باب إلغاء خصوصية المسجدية بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة وحملها على المثالية، فينعقد لنفس الدليل مدلول واسع وإطلاق شامل للماء الذي لا يكون على باب المسجد ولا يكون هذا قياساً ولا تنقيح مناط.

والذي ينبغي أن يدعيه المحقق الهمداني هو الثالث، وهو أن يحمل مورد القضاء على المثالية ويلغي خصوصيته ويتعدّى منه إلى غيره، للقطع العرفي ارتكازاً بعدم الخصوصية وأن حُجِّيّة البيِّنة في باب القضاء تساوي حجيتها في غيره من الأبواب.

اعتراض السيد الاستاذ على تقريب المحقق الهمداني

اعترض على ذلك السيّد(1) الأستاذ نقضاً وحلاً:

أما نقضاً: فلأنَّه لا يلزم من جعل شيء حُجَّة في باب القضاء، أن يكون حُجَّة في غيره، فإنَّ من جملة ما اتّفق الفقهاء على حجيته فيه هو اليمين، مع 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

(1) راجع: فقه الشيعة 2: 64، كتاب الطهارة، فصلٌ: في المياه، ماء البئر، المسألة 6، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: ٣١٥، كتاب الطهارة، فصلٌ: في المياه، فصلٌ: في ماء البئر، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أنَّه من الواضح عدم حُجِّيّتها في غيره من الموارد.

فإن تعقَّلت اختصاص حُجِّيّة اليمين في باب القضاء فليكن كذلك حال البينة.

وأما حلاً: فهو الذي ذكره: أن هناك نكتة واضحة يمكن أن تكون منشأ للفرق ما بين مورد القضاء وغيره، وهي بما أنَّ فيه خصومة ومنازعة فلا بُدّ من وضع حُجَّة تكون معياراً لقطع الخصومة وإلاّ لزم اختلال النظام والفوضى وتعطل القضاء.

وهذا غير موجود في غير موارد المرافعة، فلعلّ حُجِّيّة البيِّنة لنكتة خاصة في باب القضاء.

وبتعبير آخر: أنَّ حُجِّيّة البيِّنة لو كانت بنكتة الطريقية لأمكن تعميمها إلى غير باب القضاء ولكنَّنا نبرز إلى جانبها نكتة نفسية خاصة بموارد القضاء فلا يمكن التعدي منه إلى غيره.

التحقيق في المقام

أننا لو اقتصرنا على هذا النقض وهذا الحل فإنهما لا يردان على المحقق الهمداني.

أما عدم ورود النقض: فتوضيحه يتوقف على توضيح نكتة نميِّز فيها بين نوعين من الحُجِّيّة، وأنَّه يوجد في موارد القضاء مطلبان:

أحدهما: ثبوت الواقع وتنجزه.

والآخر: فصل الخصومة وإنهاؤها يعني إسقاط حقِّ إقامة الدعوى.

ــــــــــ[340]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فلو ادعى شخص الملكية لما في يد غيره فإنَّه يطالب بالبيِّنة فإن يكن طولب الآخر باليمين، فهل اليمين حُجَّة لإثبات مالكية صاحب الدار؟ كَلّا.

وإنما الحُجَّة على ذلك هي اليد وهكذا في سائر موارد اليمين فإنَّها دائماً -بمقتضى طبيعتها الأولية- في موردها قاعدة شرعية تقتضي ثبوت قول المنكر واعتباره منكراً أساساً وجواز ترتيب الأثر على كلامه ولذا يجوز لك أن تشتري الدار منه وإن كانت المرافعة عليه جارية. 

فاليمين حُجَّة بمعنى فصل الخصومة لا أنَّها حُجَّة في إثبات الواقع وإنما تثبته القواعد في موردها، بخلاف البيِّنة فإنَّها دائماً تكون حُجَّة لإثبات الواقع، إذ لولاها لكان قول المدعي على خلاف القواعد الشرعية، فالبيِّنة طريق للواقع وموضوع لفصل الخصومة، بخلاف اليمين فإنَّها متمحضة بطبيتعها في كونها موضوعاً لفصل الخصومة.

وبهذا يندفع النقض، فإنَّ للمحقق الهمداني أن يقول: إنَّ دليل حُجِّيّة دليل البيِّنة في موارد القضاء مفاده جعل البيِّنة طريقاً إلى الواقع ومثبتاً له زائداً على فصل الخصومة.

وحينئذٍ فلتكن طريقاً إلى إثبات الواقع في غير باب القضاء أيضاً والتعدي إنما كان بلحاظ إثبات الواقع لا فصل الخصومة، إذن فكيف تقاس اليمين على البيِّنة؟ 

إذن فهذا النقض ساقط.

ــــــــــ[341]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما وجه اندفاع الحلّ الذي ذكره: فكأن السيّد الأستاذ أخذه من إفاداته وسائر الآغايون في بحث التعادل والتراجيح(1)، فيما إذا تعارض خبران، فهل مقتضى الأصل هو التخيير، أو الترجيح؟

فقال جماعةٌ(2) بلزوم الترجيح بالمرجحات واستدلوا بمقبولة عمر بن حنظلة(3)، وهنا توجد مناقشة لهذه المقبولة هي:

أن موردها هو مورد المخاصمة والمرافعة، فغاية ما يثبت بها هو أنَّه في مورد المرافعة لا يحكم بالتخيير، فمن قال إنَّه في غير هذا المورد لا يثبت الحكم بالتخيير أيضاً؟!

وهناك قيل مثل ما قيل هنا من أنَّنا نتعدى عن مورد المرافعة، بإلغاء الخصوصية.

ــــــــــ[342]ــــــــــ

() لاحظ: دراسات في علم الأصول 4: 348، خاتمةٌ: في التعادل والتراجيح، المقام الثاني: في حكم التعارض.

(2) لاحظ: بدائع الأفكار (الرشتي): ٤٣٤، المقصد الثالث: في الترجيح، المقام الأوّل: الكلام في إثبات وجوب العمل بذي المزية والرجحان في الجملة، غاية المأمول 2: ٧٧٥، في التعادل والتراجيح، الجهة الثالثة: في ما هو الأصل في المتعارضين، مرجّحات باب التعارض.

(3) راجع: الكافي 1: 67-68، كتابُ فضل العلم، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث10، مَن لا يحضره الفقيه 3: 9-11، أبواب القضاء والأحكام، باب الاتّفاق على عدلين في الحكومة، الحديث 3233، تهذيب الأحكام 6: 301-303، كتاب القضايا والأحكام، الباب 92، الحديث 52، وسائل الشيعة 27: 106-107، كتاب الصلاة، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وحينئذٍ أجاب السيّد الأستاذ وغيره أنَّ هذا التعدي مما لا يمكن لأنَّ هناك نكتة نفسية في موارد المخاصمة غير موجودة في غيرها. فإنَّه في مورد المخاصمة لا يعقل جعل التخيير؛ لأنَّ كُلاً من المتخاصمين يختار الحاكم الذي حكم في مصلحته فلا تنحسم الخصومة فيبقى النظام مختلاً فاستدعى ذلك إلغاء التخيير، وأما في غيرها فهذه النكتة غير موجودة، فأي محذور في غيرها في التخيير.

فكأن السيّد الأستاذ يريد أن يأتي بنفس هذا الجواب إلى هنا، مع أنَّه هناك صحيح وهنا غير صحيح، فإنَّ التخيير في باب المخاصمة غير متصور، وإلاّ فإنَّ الدعوى تبقى غير منحسمة، وفي المقام يقول السيّد الأستاذ لعلّ هناك نكتة نفسية في موارد المخاصمة هي حفظ النظام ولزوم حسم الدعوى، وهي غير موجودة في الموارد الأخرى.

إلا أننا نقول: إنَّ هذه النكتة موجودة، لكن كما يمكن أن تجعل البيِّنة حُجَّة لحسم الدعوى كذلك يمكن أن تجعل القواعد الأولية حُجَّة لحسم الدعوى.

ففي المثال السابق كما يمكن أن نحسم الخصومة بالبيِّنة كذلك يمكن حسمها بقاعدة اليد. فحين أوكل الشارع حسمها إلى البيِّنة فلا بُدّ أن تكون هناك نكتة طريقية لا نفسية تقتضي ذلك، لاستواء البيِّنة مع سائر القواعد في تلك النكتة فعدم إبقاء الشارع على القواعد كحاسم للدعوى، وإرجاعه في ذلك إلى البينة، من باب أقوائيتها عن القواعد.

ــــــــــ[343]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وحينئذٍ فيأتي كلام المحقق الهمداني في أنَّه لماذا لا نتعدى من هذه الموارد إلى غيرها؟

لكن مع هذا لا تستريح النفس إلى كلام المحقق الهمداني استراحة كاملة، وإن كان قريباً من النفس.

ووجه عدم الاستراحة هو أنَّه قد يُقال: إنَّ الميزان في جعل الحجية للبينة وإن كان هو النكتة الطريقية لا النفسية لكن من قال: إنَّه يجب على المولى -حيث إنَّه يتحفظ على هذا هنا- أن يتحفظ على غيره في الموارد الأخرى.

ويكون ذلك بتوضيح أمرين:

الأمر الأول: أنَّ كل إنسان قد يلتزم بنكتة طريقية في مورد ولا يلتزم بها في مورد آخر. فلو أخبره شخص أنَّ أباه يريده، فإنَّه يتصدّى للذهاب، ولكن لو أخبره نفس الشخص عن أنَّ فلان يريده، فإنَّه يقول: كَلّا، إنَّه لو أرادني لأرسل إليّ، فلا يعمل على طبق هذه الأمارة في المورد الثاني، مع أنَّه عمل عليها في الأول، وذلك باعتبار اختلاف اهتماماته باختلاف الموارد، فلا يلزم من البناء على طريق في مورد التعويل عليه في مورد آخر.

الأمر الثاني: أنَّه من المحتمل أن يكون اهتمام الشارع في إدراك الواقعيات بين الناس في موارد الخصومات أكثر من اهتمامه في غيرها من الموارد.

ــــــــــ[344]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإذا قبلنا هذا الاحتمال فنحتمل أنَّ البيِّنة حُجَّة في خصوص المخاصمات بما لها من المقربية النوعيَّة للواقع أكثر من قاعدة اليد والاستصحاب. 

وأما في غير المخاصمة فهي وإن كانت مقربة للواقع إلا أنَّ المولى حيث ليس له اهتمام أعلائي بالواقع فيقول: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ هُوَ لَكَ حَلَالٌ حتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِه”(1)، أو “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي… مَا لَا يَعْلَمُونَ…”(2). فلو قامت بيِّنة على نجاسة ثوبي وكان مجرى لاستصحاب الطهارة، لعلّ الشارع تعبدنا بالطهارة، أو لعلّ اهتمامه بإيصالي إلى الواقع أقلّ من باب القضاء، فهو كما أنَّه لم يلزمنا بالاحتياط الموصل إلى الواقع 100%، كذلك لا يلزمنا بالبيِّنة الموصلة إليه 90%، واكتفى بالأصول الموصلة إليه 70%.

التقريب الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ باستظهار المعنى اللغوي للبينة

 ذكره السيّد الأستاذ(3)، وهو أعقد وأدقّ من الأوَّل، وبيانه بتوضيح 

ــــــــــ[345]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 313، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40، تهذيب الأحكام 7:226، كتاب التجارات، الباب 21، الحديث 9، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(2) تحف العقول: ٥٠، الخصال: ٤١٧، باب التسعة، الحديث ٩.

(3) راجع: فقه الشيعة 2: 67-68، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 6، و3:289، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة، التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: ١٦٦-167، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

منّا: أنَّ قوله “إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ‏”(1) – والذي هو دليلٌ على حُجِّيّة البيِّنة في القضاء- أخذ البيِّنة موضوعاً للحجية، فلا بُدّ أن نعرف ماذا يُراد بها؟ 

فإنَّ للبينة معنيين؛ لغوي واصطلاحي:

فاللغوي: عبارة عن الدليل المبين للمطلب.

والاصطلاحي: هو شهادة عدلين.

فإن أُريد المعنى اللغوي فمعناه إني أقضي بينكم بالأدلة المثبتة للمطلب.

وإن أراد المعنى الاصطلاحي، فيعني أقضي بشهادة عدلين. 

ويستظهر السيّد الأستاذ منه المعنى اللغوي؛ لأنَّه المعنى الأصلي للكلمة، والمعنى الاصطلاحي حصل في عصر متأخّر، فلا ينبغي أن نحمل الكلمة عليه خاصّة في صدر الإسلام.

وهنا قال(2) جواباً على سؤال: التقابل بين البيِّنة واليمين محفوظ بناء على المعنيين، أما على المعنى الاصطلاحي فواضح وإما بناء على المعنى ــــــــــ[346]ــــــــــ

() الكافي 7: 414، كتاب القضاء، باب أنّ القضاء بالبيّنات والأيمان، الحديث 1، تهذيب الأحكام 6: 229، كتاب القضايا والأحكام، الباب 89، الحديث 3، وسائل الشيعة 27: 232، كتاب القضاء، الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 1.

(2) أي السيد الشهيد الأول السيد محمد باقر الصدر.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

اللغوي فلأن اليمين ليس مثبتاً بحال وإنما هو قاطع للدعوى.

فيرجع المعنى بناء على المعنى اللغوي إلى: إني أقضي بينكم بالأدلة المثبتة وهذه العبارة إذا حللناها نراها تتكفل حجّيتين: حُجِّيّة جعلت محمولاً وحُجِّيّة جعلت موضوعاً.

فما جعل محمولاً هو قوله: أقضي بكذا فإنَّ مرجعه إلى جعل هذا الشيء حُجَّة. وهذه هي الحجية القضائية.

وما أخذ موضوعاً هي الحجية المستفادة من نفس كلمة البيِّنة بناء على المعنى اللغوي وهو الدليل الموضح وهو مستبطن معنى الحجية لأنَّ الدليلية والمثبتية عبارة أخرى عن الحجية.

وهذا معناه جعل الحجية للحُجَّة، فلا بُدّ من فرض أنَّ الحجية المجعولة موضوعاً غير الحُجَّة المجعولة محمولاً، لأنَّه لا يعقل جعل الحجية موضوعاً لنفسها، فيرجع معنى العبارة، إني اجعل الحجية القضائية لما يكون حُجَّة في نفسه.

وهذا دليل على أنَّ كل حُجَّة قضائية هي حُجَّة في نفسه، وحيث ثبت بدليل آخر أنَّ شهادة عدلين حُجَّة قضائية قد طبقها النبي، إذن يثبت أنَّها حُجَّة في نفسها.

وهذا يتوقف على أنَّ كلمة (بينة) مستعملة بالمعنى اللغوي.

وأما لو كانت مستعملة بالمعنى الاصطلاحي فإنَّه يكون المعنى: إني أقضي بينكم بشهادة عدلين، فلا يستفاد من الخطاب وجود حجيتين موضوعاً ومحمولاً.

ــــــــــ[347]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومعه فلا يمكن التعدي من جعل الحجية القضائية للبينة إلى حجيتها في نفسها لسائر الموارد.

مناقشة التقريب الثاني

إلا أنَّ هذا التقريب مما لا يمكن المساعدة عليه وإن كان دقيقاً، لوجهين:

الوجه الأول: أنَّنا لو سلمنا بهذا التقريب فإنَّه لا يمكن أن ينعقد لنا إطلاق على حُجِّيّة شهادة العدلين في أنفسهما بحيث يمكن أن نتمسّك به في موارد الشكّ، فلو احتملنا أنَّ البيِّنة ليست حُجَّة في نفسها في موردٍ فإنَّه لا يمكن أن نتمسّك بهذا الحديث، فإنَّنا في المقام نحتاج إلى قيام دليل على حُجِّيّة شهادة العدلين بحيث يكون له إطلاق لموارد النجاسة في مقابل الحلبي وغيره ممن أنكر حجيتها فيها.

وهذه الحاجة لا يمكن أن تتحقق بهذا التقريب، فإنَّ غاية ما يثبت به أنَّ البيِّنة حُجَّة في نفسها، ولكن ما هي حدود حجيتها وهل تشمل باب النجاسة؟ أو لا؟ فهذا لا يمكن أن يستفاد من الدليل؛ وذلك لأنَّ حُجِّيّة البيِّنة أخذت موضوعاً والموضوع دائماً مفروغ عنه وما يُقال في الخطاب هو المحمول، كما لو قال السورة واجبة في الصلاة الواجبة، فإنَّنا لا نستطيع أن نتمسّك به في مورد نشكُّ أنَّ هذه الصلاة واجبة، ولذا قالوا: إنَّ القضية المشروطة لا تعيّن أنَّ موضوعها متى يتحقَّق ومتى لا يتحقَّق.

إذن فهذا البيان حتَّى لو تمَّ لا يتحقَّق لنا إطلاق لدليل حُجِّيّة البينة.

ــــــــــ[348]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الوجه الثاني: أنَّ هذا الخطاب لو حملناه على المعنى اللغوي فهو إما إخبار وإما إنشاء.

فقد يُقال: إنَّه إنشاء يعني أنَّه في مقام جعل الحجية القضائية للبينة بالمعنى اللغوي. 

وقد يُقال: إنَّه إخبار بألّا يكون النبي في مقام جعل الحجية القضائية بل جعلت الحجية قبل هذا وإنما هو في مقام الإخبار عن ذلك. فنتكلم على كِلا التقديرين.

فإن كان إخباراً فيمكن أن نقول: إنَّ هذه الجملة ليست إلاَّ في مقام جعل حُجِّيّة واحدة هي الحجية القضائية، ومرجعُ قول النبيّ: “إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ‏” إلى معنى: (أخبركم أنَّ الشيء الذي أعتمد عليه في فصل الخصومات بينكم هو الأدلَّة والحجج) في مقابل احتمال أنَّ النبي يعتمد على العلوم الغيبية المرموزة في فصل الخصومات كما اعتمد على ذلك الأنبياء قبله، وسيعتمد عليه بعض الأوصياء بعده(1)!!

ومعه فلا يستفاد من هذه الرواية إلاَّ الحجية القضائية، فبناء على ذلك يكون اندفاع هذا التقريب واضحاً.

وأما بناء على أنَّ هذه الجملة إنشائية فيوجد في بادئ الأمر لهذا التقريب 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

() يشير إلى ما جاء حول كيفيّة قضاء الإمام المهديّ، فراجع، للمقرّر: تاريخ ما بعد الظهور: ص611، القسم الثاني، الباب الثالث، الفصل السابع، الخاتمة الأولى، الجهة الثانية.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وجاهة لأنَّ الحجية القضائية بنفسها منشأة من طرف المحمول فلا ينبغي أن نحمل موضوعها على الحُجَّة القضائية كما لو حملناها في الأخبار بل يحمل على ارادة الحجية في نفسها، فيثبت أنَّ البيِّنة حُجَّة في نفسها، غاية الأمر أنَّ دليلها لا إطلاق له بناء على إشكالنا الأول.

فهل هذا إخبار أو إنشاء؟ وتتميم هذا التقريب يتوقف على تعيين الإنشائية، وأما إذا فرض أنَّه لم تكن قرينة على ذلك وأنَّه لم تكن قرينة على الإخبارية، وكانت العبارة مرددة بينهما، فإنَّه أيضاً يكفينا في مقام الجواب، ويكون صاحب التقريب مسؤولاً عن إقامة القرينة على الإنشائية ولا قرينة على ذلك.

التحقيق في المسألة

ويبدو أنَّ التعدي دون الاستعانة بالارتكازات العقلائيَّة لا يخلو من صعوبة، وأما التعدي بضمّ هذه الارتكازات فهو أن يُقال: إنَّ قوله: “إنما أقضي بينكم بالبينات“، يوجد فيه احتمالان:

الاحتمال الأول: أن يُراد بالبيِّنة ما كان بلحاظ الحُجَّة القضائية بمعنى كونها موضوعاً لفصل الخصومة، فيكون بابها باب القطع الموضوعي.

الاحتمال الثاني: أن تكون بلحاظ الحجية الطريقية، فيكون بابها باب القطع الطريقي في التنجيز والتعذير عن الواقع. 

فكلمة البيِّنة المطعمة بالحجية باعتبار التبيّن أمرها دائر بين الاحتمالين. والسيد الأستاذ أراد تعيين الاحتمال الثاني من باب أنَّ البيِّنة أخذت في 

ــــــــــ[350]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

موضوع الحجية القضائية، وقد سبق ذلك مع مناقشته.

الآن نفرض أنَّ مفاد الحديث هو الإخبار فماذا يُراد بالبيِّنة؟ لذا نحن نستظهر في هذه المرحلة أنَّ المراد منها الحجية الطريقية لا الحجية القضائية.

والوجه في ذلك: أنَّ الحجية القضائية ليست حُجَّة بمعنى الطريقية، بل بمعنى أنَّها موضوع لوجوب فصل الخصومة على القاضي وماده التبيّن ظاهرة بالطريقية فيكون المنصرف من الحجية المستبطنة فيها القطع الطريقي فيكون كاشفاً وطريقاً وأما القطع الموضوعي فلم يؤخذ فيه البيان المحض والكاشفيَّة الصرفة.

فبلحاظ ظهور مادة التبيّن في الطريقية الصرفة تحمل الحجية المستبطنة فيها على الحجية الطريقية دون القضائية، فيكون معنى الحديث: (أنني اقضي بينكم بما يكون مثبتاً للواقع ومحرزاً له).

وهنا قال(1) جواباً على سؤال: أنَّنا نتكلم بناء على المعنى اللغوي، وعلى المعنى الاصطلاحي، فإنَّ المعنى اللغوي أخذ في المعنى الاصطلاحي، كحيثية تقييدية.

بعد أن تبيَّن ذلك: فهل هذه الحجية الطريقية خاصة بباب القضاء، أو شاملة لغيره أيضاً؟

نقول: إنَّ المستظهر من هذه الطريقية المأخوذة في مادة التبيّن أنَّها ــــــــــ[351]ــــــــــ

() أي السيد الشهيد الأول السيد محمد باقر الصدر.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

طريقية طبعية لا طريقية فعلية، يعني بطبعها تكون طريقاً، كما لو قال: (اشرب المياه النافعة)، أو (لا تأكل السموم القاتلة)، يعني ما كان كذلك بطبعه، فيرجع المعنى إلى قوله: (أقضي بينكم بشهادة رجلين، يكون إخبارهما بطبعه محرزاً للواقع، ومنجزاً له).

ولو خلينا نحن وهذه القضية الطبعية، فإنَّها ليس لها إطلاق وتكون قابلة للتخلف في بعض الموارد، فإنَّه قد لا يكون السمّ قاتلاً أحياناً، ولكن نستفيد هذا الإطلاق بضم أنَّ هذه القضية ليست تأسيسية حتَّى يقال: إنَّنا لا نعلم أنَّ تأسيسها بأي حدود، بل هي مركوزة في أذهان العقلاء، وثابتة قبل الشرع أيضاً في القضاء وغيره، فهذا يصير قرينة على الإطلاق في هذه الجملة، لما بيّن في بحث خبر الواحد وغيره(1) ، بأنَّ الدليل إذا تكفل جعل قضية عقلائيَّة يكون لها ظهور في أنَّها في مقام الإشارة إلى تلك القضية العقلائية، فقد يتوسع وقد يتضيق تبعاً لذلك.

ومعه نستفيد حُجِّيّة البيِّنة على الإطلاق في سائر الموارد. ولهذا لم يستشكل في هذا المطلب أحد من الفقهاء إلى أيام المتأخّرين، وكان مهم مدركهم في ذلك ومعوّلهم على أدلَّة حُجِّيّة البيِّنة في باب القضاء.

فهذا التطابق يكشف عن وجود تقريب عرفي قريب من الفطرة لدلالة 

ــــــــــ[352]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول (عبد الساتر) ٩: ٢٦٤، مبحث الظنّ، الأمارات المعتبرة لاكتشاف الحكم الشرعي، حُجِّيّة الظواهر، الجهة الأولى: في إثبات أصل حُجِّيّة الظهور.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

هذا الدليل على ذلك. فهذا هو الدليل الأول.

الدليل الثاني: رواية مسعدة بن صدقة

قال: سمعته يقول: “كُلُّ شَيْءٍ هُوَ لَكَ حَلَالٌ حتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ، فَتَدَعَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ، وَذلِكَ مِثْلُ الثَّوْبِ يَكُونُ قَدِ اشْتَرَيْتَهُ وَهُوَ سَرِقَةٌ، أَوِ المَمْلُوكِ عِنْدَكَ، وَلَعَلَّهُ حُرٌّ قَدْ بَاعَ نَفْسَهُ، أَوْ خُدِعَ فَبِيعَ، أَوْ قُهِرَ، أَوِ امْرَأَةٍ تَحْتَكَ وَهِيَ أُخْتُكَ، أَوْ رَضِيعَتُكَ. وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلى‏ هذَا حتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ غَيْرُ ذلِكَ، أَوْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ”(1).

ولا ينبغي الإشكال في دلالتها على حُجِّيّة البيِّنة على الإطلاق.

ولا يلتفت إلى ما يقال(2): من أنَّها ليست لها إطلاق لأنَّها في مقام جعل حُجِّيّة البيِّنة في مقام رفع اليد عن الحلية لا مطلقاً، فيفصل بين الحلية وغيرها، فالحلية بتمام قواعدها يرفع اليد عنها بالبيِّنة، وأما الأحكام الأخرى فلا يلتفت فيها إلى ذلك؛ لأنَّ التعدي هنا ارتكازي وعرفي، بينما لم يكن في باب القضاء عرفياً. فإنَّ العرف لا يتعقل الفرق بين مورد ومورد.

مضافاً إلى أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ الحلية المأخوذة في الحديث بمعنى 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 313-314، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40، تهذيب الأحكام 7: 226، كتاب التجارات، الباب 21، الحديث 9، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(2) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى 1: 302، كتاب الطهارة، فصلٌ: في ماء البئر، المسألة6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

جامع بين الحلية التكليفية والحلية الوضعية فالزوجية نوع من الحل والأجنبية نوع من المنع ومن الأحكام الوضعية الطهارة والنجاسة.

ولذا نراه طبّق الحلية على الثوب والعبد والمرأة.

والحكم الذي يكون قابلاً للانطباق على الذات ليس إلاَّ الحكم الوضعي. فنعرف أنَّ الحلية بمعنى يناسب نسبته إلى نفس الثوب والمرأة، وهو ليس إلاَّ المعنى الجامع بين الوضع والتكليف.

إلَّا أنَّ المهم هو سند هذه الرواية فإنَّ مسعدة بن صدقة وإن كان في إسناد كامل الزيارات(1) إلا أنَّه لم يثبت توثيقه بالطرق الصحيحة(2).

وما ذكره جملة من الأكابر(3) من أنَّه يثبت توثيقه عن طريق استقراء رواياته فإنَّنا نرى أنَّها متقنة وصحيحة تتجه عادة إلى بيان قواعد كلية. غير تام فإنَّ معرفة حال الراوي من استقراء رواياته وإن كان صحيحاً إلاَّ أنَّ ــــــــــ[354]ــــــــــ

() اُنظر: كامل الزيارات: 164، الباب السادس والستّون: أنَّ زيارة الحسين تعدل حججاً، الحديث 9.

(2) لاحظ: اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي): 390، الجزء الخامس، في ترجمة محمّد بن إسحاق، الرقم ٧٣٣، فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 415، باب الميم، الرقم 1108، كتاب الرجال (الشيخ الطوسي): 146، أصحاب أبي جعفر الباقر، باب الميم، الرقم 1609، معجم رجال الحديث 19: 148، باب الميم، الرقم 12304.

(3) لاحظ: حاشية على رسالة التقيّة (المامقاني): 249، خاتمة المستدرك 5: 252، الفائدة الخامسة: شرح مشيخة من لا يحضره الفقيه.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

استقراء كل شخص بحسبه.

فإنَّنا غاية ما نستنتج من روايات هذا الرجل أنَّه كان فقيهاً وذو عقلية قانونية ولم يكن يسأل عن وقائع معينة تقع تحت حاجته مثل كثير من الرواة، فهذا يدلُّ على الجانب العلمي فيه.

وأما جوانب الوثاقة والصدق فهذا لا يمكن أن نستفيده في المقام. ومعه فلا يمكن الاعتماد على رواياته من هذه الناحية، فهذا الدليل لا يمكن التعويل عليه.

الدليل الثالث: الإجماع

 الإجماع(1)، وهو وإن لم ينبغ الاستشكال فيه في الجملة، إلا أنَّ كونه إجماعاً تعبدياً مستقلاً عن دليل حُجِّيّة البينة، ما لم يثبت، بل إنَّ احتمال استنادهم إليه احتمال معتد به. فالمهم هو استفادة حُجِّيّة البيِّنة من دليل حجيتها في القضاء.

هل يشترط العدالة في البيِّنة أم تكفي الوثاقة؟

الكلام في أنَّه هل يشترط في البيِّنة التي تكون حُجَّة بنحو القضية الكلية أن يكونا عادلان عدالة مطلقة؟ أو عدالة صِدْقيّة التي هي عبارة عن الوثاقة؟

ــــــــــ[355]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الكلام 6: 172، كتاب الطهارة، الركن الرابع: القول في أحكام النجاسات، في حُجِّيّة البيّنة، مصباح الفقيه 8: ١66، كتاب الطهارة، الركن الرابع: القولُ في أحكام النجاسات، أحكام الدم المعفوّ، لا تثبت النجاسة إلَّا بالعلم أو ما قام مقامه.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لا إشكال ولا ريب في خصوص مورد القضاء دلَّ الدليل على اعتبار العدالة في الشاهد عدالة مطلقة، إلا أنَّ الكلام أنَّه في سائر الموارد هل يسري هذا الشرط أو يكفي مجرَّد الوثاقة؟

هذا يختلف باختلاف المباني والتقريبات في كيفية استفادة حُجِّيّة البيِّنة بنحو الموجبة الكلية.

فإذا كان المدرك في التعميم هو الإجماع الذي هو الوجه الثالث، فمن الواضح أنَّ هذا المدرك لا يساعد على عدم الاشتراط لأنَّه دليل لُبِّي ليس فيه إطلاق، والقدر المتيقن فيها هو البيِّنة الواقعة حُجَّة في باب القضاء لا مطلقاً، وأما لو لم تكن وافية بشرائط باب القضاء فإنَّه لا يعلم بشمول الإجماع له.

وإن كان المدرك هو رواية مسعدة بن صدقة حيث إنَّها صادر منه في عصر متأخّر بعد اشتهار اصطلاح البيِّنة فيما بينهم فيراد بها المعنى الاصطلاحي لا محالة. ومعه فيكون من المحتمل أن يكون قيد العدالة مأخوذاً في ذلك الاصطلاح.

ومعه لا يجزم بوجود إطلاق في كلمة البيِّنة لغير العادلين.

وإن كان المدرك هو دليل حُجِّيّة البيِّنة في باب القضاء بدعوى التعدي منه إلى سائر الموارد بأحد التقريبات السابقة، فيجب أن ننظر إلى تلك التقريبات الثلاثة: 

ــــــــــ[356]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أما تقريب المحقق الهمداني(1): وهي دعوى إلغاء الخصوصية من أنَّ البيِّنة إذا كانت حُجَّة في باب المخاصمة مع أنَّها مقابلة لقواعد قوية، فمن باب أولى أو المساواة تكون حُجَّة في غير القضاء، فمن المعلوم أنَّ هذه الأولوية أو المساواة إنما تكون محرزة إذا حفظت نفس الشروط التي منها العدالة وإلاّ فلا أولوية ولا مساواة.

إذن فمقتضى هذا التقريب اشتراط العدالة.

وإن كان طريق الاستفادة بيان السيد الأستاذ(2): وهو أنَّ البيِّنة أريد بها المعنى اللغوي وهو ما يكون حُجَّة في نفسه، وقد طبّقها النبي على شهادة رجلين فنستفيد أنَّ ذلك حُجَّة في نفسه فتثبت حجيته فأيضاً لا يمكن التعدي إلى الثقتين غير العادلين لأنَّ النبي لم يطبّقها على شهادة فاسقين بل على شهادة عدلين. وهذا واضح.

نعم، لو بنى على التقريب الثالث وهو استظهار كون هذه الأدلَّة إمضاء للقواعد العقلائية، فإنَّ العقلاء يرون صحَّة البيِّنة في سائر الموارد، ــــــــــ[357]ــــــــــ

(1) راجع: مصباح الفقيه 8: 167، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، أحكام الدم المعفوّ، لا تثبت النجاسة إلاّ بالعلم أو ما قام مقامه.

(2) راجع: فقه الشيعة 2: 67-68، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 6: “تثبت نجاسة الماء كغيره بالعلم”، و3: 289، كتاب الطهارة، فصلٌ: طرق ثبوت النجاسة، التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: ٣١٢، كتاب الطهارة، فصلٌ: في المطهّرات، فصلٌ: طرق ثبوت النجاسة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فهنا حيث إنَّ القضية المركوزة عند العقلاء لا يشترط فيها عدالة الشهود بل يكفي وثاقتهم وعدالتهم الصدقية، فيكون للدليل ظهور في إمضاء هذه القضية العقلائية، بحيث لو خلينا نحن وإياه لقلنا إنَّه لا يشترط في باب القضاء العدالة. لكن رفعنا اليد عنه في خصوص القضاء للدليل الخاص، وأما في غيره فلم يدلَّ دليل على اشتراط العدالة، فيبقى الدليل على طبع المطلب في الإمضاء.

هذا تمام الكلام في البينة.

ــــــــــ[358]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2



الطريق الثالث: خبر الواحد

وفي كفاية العدل الواحد إشكال، فلا يُترك مراعاة الاحتياط(1).

هذا الكلام صغرى من صغريات أنَّ خبر الواحد حُجَّة في الشبهات الموضوعية أو لا؟

والكلام في ذلك يقع في ثلاث مقامات: 

المقام الأول: هل يمكن أن نستفيد حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية من نفس الدليل الذي دلَّ على حُجِّيّة الخبر في الشبهة الحكمية؟ أو نحتاج إلى استئناف دليل آخر؟

فإن بنينا على استفادة ذلك من نفس الدليل فلا نحتاج إلى تعب آخر، وإلاّ انتهينا إلى:

المقام الثاني: وهو أنَّ الأدلَّة التي تقام في الشبهات الحكمية هل لها في نفسها إطلاق للشبهات الموضوعية؟ أو لا؟ وفرق هذا المقام عن سابقه أنَّه هناك نفرض أنَّه ليس لدليل حُجِّيّة خبر الواحد إطلاق للشبهات الموضوعية وإنما نتعدى بملاك من مَلاكات التعدي من دون حاجة إلى 

ــــــــــ[359]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 150، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إطلاق لفظي. وفي هذا المقام بعد فرض عدم كفاية ملاك التعدي، هل في دليل الحجية إطلاق لفظي بحيث تثبت حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهتين؛ الحكمية والموضوعية؟

المقام الثالث: أنَّه بعد فرض عدم الإطلاق اللفظي يقع الكلام في أنَّه هل يمكن استفادته من دليل آخر من الأدلَّة أو لا؟

المقام الأول: في استفادة حُجِّيّة الخبر في الشبهات الموضوعية بملاك التعدِّي

إن خبر الواحد لا إشكال أنَّه قام الدليل على حجيته في الشبهات الحكمية، وافرضوا أنَّه ليس له إطلاق يشمل الشبهات الموضوعية، فهل يمكن أن نتعدى إلى الشبهات الحكمية؟

قد يُتوهّم التعدّي بأحد تقريبين:

التقريب الأول: بتحويل الشبهة الحكمية إلى شبهة موضوعية

بأن يُقال: إنَّ الدليل الذي دلَّ على حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الحكمية وارد في شبهة موضوعية لا شبهة حكمية، فإنَّ الخبر لا ينقل حكم الله تعالى مباشرة بل ينقل كلام المعصوم.

وهذا الكلام ليس هو الكبرى الكلية الإلهية، بل هو صغرى لكبرى إلهية كلية وهي كبرى حُجِّيّة الظهور. 

فقوله: اقرأ سورة بعد الفاتحة صغرى لتلك الكبرى، فيكون ظهور هذا الكلام حُجَّة. فإذا شككنا أنَّه قال ذلك أو لا؟ فهذا بالدقة شبهة موضوعية 

ــــــــــ[360]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بلحاظ كبرى حُجِّيّة الظهور.

والكبرى الكلية الإلهية في باب النجاسة: هي أنَّه إذا غسل الثوب في الماء الطاهر يطهر. فلو شككت أنَّ هذا الثوب غسل بالماء الطاهر، أو لا؟ فأخبر الثقة بغسله، فهذا أيضاً شبهة موضوعية.

غاية الفرق بين الموردين؛ أنَّ الكبرى هنا واقعية وهناك ظاهرية. فإذا ثبتت حُجِّيّة الخبر في الشبهة الموضوعية للكبرى الظاهرية، فأي فرق بينها وبين الكبرى الواقعية.

إلا أنَّ هذه الشبهة غير صحيحة، فإنَّ هذا التحليل وإن كان تامّاً، وهو رجوع الشكّ في صدور الخبر إلى الشكّ في صغرى حُجِّيّة الظهور إلا أنَّ هناك فرقاً بين الصغرى هنا والصغرى هناك، فإنَّ الصغرى هناك لها حيثيتان: 

الحيثية الأولى: أنَّه صغرى من كبرى من حُجِّيّة الظهور. 

الحيثية الثانية: أنَّه كاشف عن كبرى وجوب السورة.

أما الصغرى في المقام وهو غسل الثوب بالماء الطاهر ففي الحيثية الأُولى فقط، فالأُولى تمتاز بحيثية أخرى ومعه فلا يمكن التعدي وكيف يُقال إنَّه أي فرق بين شبهة موضوعية وشبهة موضوعية!؟

التقريب الثاني: التعدّي إلى الشبهات الموضوعية بالذوق العرفي

أن نميّز بين الشبهتين ولكن نقول: إنَّنا نستفيد من حُجِّيّة الخبر في الشبهة الحكمية حجيتها في الشبهة الموضوعية؛ لأنَّ خبر الواحد إذا كانت 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

طريقته وكاشفيته بنحو يعتمد عليه المولى في إثبات حكم كلي مع أنَّه يترتب عليه ضياع مصالح كثيرة أو وقوع مفاسد كثيرة بعدد مصاديقه بخلافه في الحكم الجزئي فإنَّه لا يترتب عليه مثل ذلك المقدار من المفاسد، ومعه فيتعدّى بالفهم العرفي.

وهذا الكلام لا يخلو من وجاهة بحسب الذوق العرفي، وليس في مقابله إلاَّ شيء واحد يوسوس في النفس وهو أنَّ الشارع في الشبهات الحكمية جعل اعتماده على خبر الواحد من باب أنَّ الشبهة الحكمية بطبعها وسائل الإثبات فيها ضيقة وقليلة، فإذا لم يعتمد على خبر الواحد فعلى ماذا يعتمد؟ 

إذ بعد التشويش في تبليغ الأحكام لا يوجد طريق غالبي أوثق من خبر الثقة في الشبهة الحكمية باعتبار ذلك.

وأما في الشبهة الموضوعية فطرق الإثبات كثيرة حتَّى أنَّ تحصيل العلم متوفر في جملة من الأحيان، فإذا قال الشارع لا تعتمدوا على خبر الثقة إلاَّ إذا أفاد الاطمئنان في الشبهات الحكمية لتعطلت كثير من الأحكام.

وأما لو قال ذلك في الشبهات الموضوعية لما تعطل الحكم في أكثر الموارد. وهذا معناه -باللغة الأصولية- انسداد باب العلم في باب الأحكام مع عدم انسداده في الموضوعات، لعله لأجل ذلك جعل الخبر حُجَّة في الأحكام ولم يعتمد عليه في باب الموضوعات.

وبهذا ينتهي الكلام في المقام الأول.

ــــــــــ[362]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المقام الثاني: في شمول إطلاق الأدلَّة للشبهات الموضوعية

إنَّه بعد أن تمَّ الكلام في عدم إمكان التعدي لو لم يوجد إطلاق لفظي في دليل الحُجِّيّة، يقع الكلام في أنَّ الأدلَّة إنّما دلّت على حُجِّيّة الخبر في الشبهة الحكمية فهل لها إطلاق للشبهة الموضوعية، أو لا؟ 

هنا لا بُدّ أن نستعرض أهمّ تلك الأدلَّة لنرى شمولها: 

الدليل الأول: السيرة العقلائية

بدعوى: أنَّ بناء العقلاء على جعل الحجية لخبر الواحد واعتباره كاشفاً عن الواقع ونستكشف من عدم الرادع إمضاء الشارع لها. وهذا الوجه بتخريجاته موكول إلى علم الأصول(1)، ولا إشكال أنَّ هذه السيرة لا يفرق فيها بين الشبهتين الحكمية والموضوعية فكما لو بلغه مطلب له  تنجيز وتعذير فإنَّه يعتبر مؤاخذاً عند عصيانه، كذلك لو بلغته صغرى مطلب له تنجيز أو تعذير، ولا يفرق بين الموردين في المؤاخذة عقلائياً.

نعم، قد يشكك أو يمنع(2) من شمول الكبرى لأقسام معينة من الشبهة 

ــــــــــ[363]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول 4: 395 وما بعد، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الظنّ: حُجِّيّة الأخبار، المقام الثاني: أدلَّة الحجّيّة، الاستدلال على حُجِّيّة خبر الواحد بالإجماع والسيرة.

(2) اُنظر: مصباح الفقيه 8: 170، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، القول في أحكام النجاسات، أحكام الدم المعفوّ، أحكام غسل موضع النجاسة في صورَتَي العلم والجهل.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الموضوعية، فالشبهة الموضوعية المقرونة بالمخاصمة والمنازعة قد يُقال إنَّه لا ارتكاز في التعويل على خبر الواحد فيها.

كما أنَّ الارتكاز لا يشمل موارد مقابلة الخبر الواحد لأمارة قوية عند العقلاء كاليد. كما لو أخبر الثقة أنَّ صاحب اليد ليس بمالك، ولم يحصل وثوق شخصي بكلامه، فلا يكون كلامه حُجَّة في نظر العقلاء.

إلا أنَّ كل ذلك لا يمنع عن شمول السيرة للشبهة الموضوعية بنحو القضية المهملة التي يدخل فيها محلّ الكلام جزماً، فلو استطعنا أن نثبت من عدم الردع الإمضاء لأثبتنا الحجية الشرعية لخبر الواحد في الموضوعات.

دعوى الردع عن السيرة في الشبهات الموضوعية برواية مسعدة بن صدقة

لكن هناك كلام تختص به الشبهة الموضوعية، ولا يأتي في الحكمية وهو أن يُقال إنَّ السيرة العقلائيَّة وإن انعقدت على حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية والحكمية معاً، لكن ندعي أنَّ هذه السيرة مردوع عنها ردعاً يختص بالشبهة الموضوعية، فنعمل بالخبر في الشبهات الحكمية لعدم الردع وأما في الموضوعية فلا يكون خبر الواحد حُجَّة لورود الردع عن السيرة، وذلك في رواية مسعدة بن صدقة التي يقول فيها: “وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلى‏ هذَا حتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ غَيْرُ ذلِكَ، أَوْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ”(1). الدالّ على أنَّ غير العلم 

ــــــــــ[364]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 214، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40، تهذيب الأحكام 7:226، كتاب التجارات، الباب 21، الحديث 9، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والبيِّنة ليس حُجَّة في الشبهات الموضوعية بإطلاق المستثنى منه أو المغيّى بـ(حتى) يعني إذا لم يستبين لك ولم تقم به بيِّنة فابقَ على القواعد الأولية، سواء أخبر ثقة أو لا. 

بل إنَّ هذا ليس إطلاقاً بل هو ظهور عرفي أقوى من الإطلاق، فإنَّنا لو بنينا على حُجِّيّة خبر الثقة لم يكن ذلك مجرَّد تقييد للإطلاق بل تصرف في ظهور اللفظ لأنَّ معناه إلغاء عنوان البيِّنة التي هي مجموع الثقتين والاكتفاء بثقة واحد ومعناه أنَّ البيِّنة بمجموعها ليست حُجَّة، وهو خلاف الظاهر العرفي من أنَّ البيِّنة بعنوانها موضوع للحجية.

وعليه فتكون رواية مسعدة بن صدقة رادعة عن السيرة، ومعه فلا يمكن أن يستكشف الإمضاء.

المناقشة في دعوى الردع عن السيرة

ويمكن إعطاء عدة أجوبة على ذلك:

الجواب الأول: أن يدّعى أنَّ البيِّنة لا يُراد بها المعنى الاصطلاحي(1)، أي شهادة رجلين، بل أريد بها المعنى اللغوي، أي الدليل والموضح والحجة 

ــــــــــ[365]ــــــــــ

(1) اُنظر: فقه الشيعة 2: 67-68، كتاب الطهارة، فصلٌ: ماء البئر، المسألة 6، و3:289، كتاب الطهارة، فصلٌ: طرق ثبوت النجاسة، التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: ٣١٢، كتاب الطهارة، فصلٌ: طرق ثبوت النجاسة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كما قلنا في قوله: “إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ‏”.

ومعه فلا يبقى تنافٍ بين خبر مسعدة والسيرة العقلائية، ليكون رادعاً عنها؛ لأنَّ أيَّ دليل على حُجِّيّة شيء يكون موضحاً وداخلاً تحت عنوان البينة. 

إلا أنَّ هذا الجواب غير تام؛ لأنَّ حمل البيِّنة على المعنى اللغوي بعيد غايته. وفرق بين هذا الخطاب والخطاب النبوي؛ لأنَّ خبر مسعدة ورد عن الإمام الصادق، وقوله: “إِنَّمَا أَقْضِي‏” حديث نبوي. ولا ينبغي التشكيك أنَّ هذا الحديث ورد بعد شيوع المعنى الاصطلاحي وتداول التعبير على شهادة الرجلين بالبيِّنة بين الفريقين لأنَّ الحياة القضائية الإسلامية كانت مبتنية على البيِّنة بهذا المعنى. 

ومثل هذا الشيوع لا ينبغي التشكيك في أنَّه يوجب ظهور الحديث بالمعنى الاصطلاحي بخلاف الحديث النبوي الذي لا نعلم تاريخه ولعله وجد قبل رسوخ هذا الاصطلاح.

ويؤيد ذلك المقابلة بين البيِّنة والاستبانة والمقابلة ظاهرة بالإثنينية، فإنَّها واضحة لو كان المراد بالبيِّنة المعنى الاصطلاحي، يعني (تعلم أو يشهد رجلان بخلافه)، وأما إذا كانت بمعنى الدليل والموضح فيحتاج التقابل إلى نحو من التأويل حتَّى يصح لأنَّه يكون المعنى: حتَّى يتضح أو يقوم به الدليل الموضح فلا بُدّ أن يُقال: إنَّ المراد من (يستبين) ما كان كذلك من نفسه أو تقوم به البيِّنة يعني يخبرك شخص آخر.

ــــــــــ[366]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الجواب الثاني(1): أنَّ هذه الرواية ضعيفة السند لما تقدَّم من أنَّ مسعدة بن صدقة(2)، لم تثبت وثاقته، فلا يمكن العمل بروايته.

هنا مناقشة وحاصلها: أنَّ مسعدة وإن لم يكن ثقة لكن لا أقلّ من احتمال صدق قوله، فيوجد ظن بصدور هذا الكلام من الإمام وإن لم يكن مشمولاً لدليل الحُجِّيّة، وهذا يعني احتمال الردع لأنَّها تحتمل أنَّه صدر من الإمام والجملة رادعة، ونحن بيّنا في علم الأصول(3): أن السيرة إنما تكون حُجَّة إذا أحرز إمضاؤها وذلك إنما يكون إما بالتصريح أو السكوت الذي معناه عدم الردع، واحتمال الردع يكفي في عدم وجود دليل على الإمضاء.

نعم، لو قلنا في الأصول بأنَّه يكفي في حُجِّيّة السيرة عدم إحراز الردع(4). لكنه ليس صحيحاً كما بيّنا في الأصول. وهذه الشبهة سيّالة، 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

() ورد هذا الجواب في: فقه الشيعة 2: 70، كتاب الطهارة، فصلٌ: في ماء البئر، المسألة 6.

(2) تقدَّم الحديث عن حال مسعدة بن صدقة، فراجع.

(3) لاحظ: بحوث في علم الأصول 4: 243-244، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الظنّ: حُجِّيّة السيرة، كيف نستكشف الموقف الملائم الكاشف عن الإمضاء؟ و4: 247، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الظنّ، حُجِّيّة السيرة، الفوارق بين السيرة المتشرّعيّة والعقلائيّة.

(4) لاحظ: نهاية الدراية 2: 232، المبحث الثاني: في الظنّ، حُجِّيّة خبر الواحد، الاستدلال بسيرة العقلاء، بحوث في علم الأصول 4: 244، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الظنّ، حُجِّيّة السيرة، كيف نستكشف الموقف الملائم الكاشف عن الإمضاء؟

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومقتضاها أنَّنا حين نريد أن نثبت سيرة عقلائية، لا يكفي أن نقول: إنَّه لم يثبت الردع. بل لا بُدّ من إثبات عدم الردع.

وجواب هذه الشبهة من وجهين:

الوجه الأول: أنَّنا سلّمنا بهذه المناقشة لكن احتمال الردع إنما وجد في زمان الصادق، ولا يوجد ما يدلُّ في مجموع الروايات على صدور الردع قبل زمانه ولهذا لم يستدلّ أحد على الرادعية إلاَّ بهذه الرواية. 

إذن ففي صدر الإسلام لم ينقل ردع أصلاً، وإلاّ لنقل إلينا ولو بنقل ضعيف.

وهذا السكوت الجزمي كاشف عن الإمضاء، ولكن نحتمل أنَّ هذا الإمضاء نسخ برواية كرواية مسعدة.

وإن شئتم قلتم: إنَّ النبي لا يحتمل أنَّه ردع عن هذه السيرة في السنة الأُولى أو الثانية، فإن كان ردعٌ فهو متأخّر، فنتمسّك باستصحاب الإمضاء.

وكذلك نقول في كل سيرة عقلائية، يثبت عدم الردع عنها في صدر الإسلام، ونشك أنَّه إمضاء مؤقت أو مطلق فيستصحب.

والاحتمال الناشئ من خبر مسعدة لا يضرّ بجريان الاستصحاب.

ــــــــــ[368]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الوجه الثاني: أنَّنا قلنا مراراً(1): إنَّ السيرة حين تكون قوية ومستحكمة بين الناس لا يكتفى بالردع عنها ببيان واحد أو بيانين، فإنَّ الشارع حين يريد أن يحول سلوك العقلاء إلى سلوك جديد وقاعدة جديدة. فإنَّه يحتاج إلى بيانات متكثرة كأخبار الردع عن القياس(2).

وعليه فالصحيح أنَّ الاستدلال بالسيرة العقلائيَّة واحتمال الردع إنما يضر إذا كان احتمال ما يصلح للردع، والبيان الواحد لا يصلح للردع وإن كان محتملاً.

الجواب الثالث: هو نفس ما ذكرناه في الوجه الثاني للشبهة الواردة على الجواب الثاني، فإنَّها بنفسها صالحة لأن تكون جواباً ثالثاً، فإنَّنا حتَّى لو قطعنا النظر عن مسألة ضعف السند مع ذلك نقول: إنَّ هذه الرواية لا تصلح للردع عن هذه السيرة العقلائيَّة لأنَّها تحتاج إلى ردع متوفر متضافر كالردع عن القياس فمجيء رواية واحدة دالة بظهورها على الردع لا يمكن التعويل عليها في الردع.

الجواب الرابع: أن يدّعى أنَّ خبر مسعدة بن صدقة قال: والأشياء 

ــــــــــ[369]ــــــــــ

(1) بحوثٌ في علم الأصول (الهاشمي) ٤: ٢٥٣، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الظنّ، حُجِّيّة الظواهر، بحوثٌ في علم الأصول (عبد الساتر) ٩: ٢٢٣-٢٢٤، ٢٥٨، مبحث الظنّ، الأمارات المعتبرة لاستكشاف الحكم الشرعي، السيرة، الجهة الثالثة: في إثبات الركن الثاني في تتميم السيرة.

(2) راجع المصدرين السابقين.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كلها على هذا حتَّى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة.

والمراد بالبيِّنة المعنى الاصطلاحي لا اللغوي -كما قيل في الجواب الأول- فيحصل عندنا أمران: (العلم) و(شهادة رجلين)، حينئذٍ نقول: إنَّ دليل حُجِّيّة خبر الثقة يكون حاكماً على عنوان العلم؛ لأن مفاده جعله علماً، وفرق هذا الجواب عن الأول، أنه هناك ادعينا أنَّ الخبر الواحد داخل في معنى البيِّنة بالمعنى اللغوي، وأما هنا فيدّعى أنه داخل في مدلول العلم تعبداً.

وهذا الجواب غير صحيح، فإنَّه مضافاً إلى مناقشات أصولية في هذا الكلام لا مجال لها هنا.

نقول: إنَّ الحكومة غير تامَّة لأنَّها إنما تتمُّ إذا لم تكن قرينة في الدليل المحكوم على أنَّه أريد بالعلم خصوص الوجداني، وأما إذا كانت هناك قرينة على ذلك، فلا معنى لأن يكون دليل الحجية موسعاً للموضوع. والقرينة موجودة في المقام وهي جعل الاستبانة في مقابل البينة، فنعرف أنَّه يُراد بالعلم ما يقابل العلم التعبدي لأنَّ البيِّنة أيضاً علم تعبدي ومعه كيف يكون دليل التعبد بالعلّية موسِّعاً لدائرة هذا الدليل؟! فهذه الحكومة لا تتمُّ في المقام، ولو سلِّم تمامية الحكومة في غير المقام.

الجواب الخامس(1): وهو أغرب ما قيل في المقام وحاصله: أنَّ رواية مسعدة لا يمكن أن تكون رادعة عن السيرة الدالة على حُجِّيّة خبر الواحد، 

ــــــــــ[370]ــــــــــ

(1) اُنظر: دليل العروة الوثقى 1: 147، كتاب الطهارة، فصلٌ: في ماء البئر، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لأنَّها بنفسها خبر واحد فتكون رادعة عن نفسها فيلزم من وجود شيء عدمه. إذن فرادعيتها غير متصورة.

وجوابها واضح: لأنَّنا لا ندعي أنَّ خبر مسعدة يردع عن السيرة بتمامها بل يردع عن جزء منها وهو السيرة على العمل بخبر الواحد في الشبهة الموضوعية وخبر مسعدة يتكفل شبهة حكمية لا موضوعية.

الجواب السادس: أنَّ رواية مسعدة لو كانت دالة بالظهور أو الصراحة على عدم حُجِّيّة خبر الواحد لكانت كافية في الردع عن السيرة ولكنه يدلُّ على ذلك بالإطلاق، فعندنا صغرى وكبرى: الكبرى أنَّ ما يدلُّ على الردع بالإطلاق لا يكون رادعاً، والصغرى: أنَّ هذه الرواية تدلُّ على الردع بالإطلاق.

أما الصغرى: فتوضيحها: أنَّ هناك تقريبين لاستفادة الردع من هذه الرواية:

أحدهما: التمسّك بإطلاق المستثنى منه وهو ردع بالإطلاق.

وثانيهما: أنَّ ظاهر (البينة) دخلها بعنوانها في موضوع الحُجِّيّة، فلو كان خبر الواحد حجة لكان ضمُّ الثقة الثاني إلى الأوَّل من باب ضمِّ ما ليس دخيلاً في الحجية إلى موضوعها. فيكون الردع بهذا الظهور لا بالإطلاق، ففي هذا الجواب نحاول إبطال هذا الظهور فينحصر استفادة الردع من الإطلاق. 

وذلك بأن يُقال: إنَّ خبر الواحد لو أردنا إثبات حجيته في كل موارد البيِّنة لتم هذا التقريب. لكن المدعى ليس هو ذلك إذ لا إشكال أنَّ خبر 

ــــــــــ[371]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الواحد ليس بحجة في بعض موارد الشبهة الموضوعية، وينحصر إثباتها بالبيِّنة، كمورد المخاصمة واليد والإقرار. 

ويستفاد من رواية مسعدة حُجِّيّة البيِّنة في مقابل الإقرار بقوله: “أَوِ المملوك عِنْدَكَ، وَلَعَلَّهُ حُرٌّ قَدْ بَاعَ نَفْسَهُ”، يعني: (أقرّ بالرق)، فلو قيدنا إطلاق الرواية بخبر الواحد، وقلنا: (حتى يستبين لك، أو تقوم به البينة)، أو يخبر به الثقة الواحد، فلا يلزم منه إلغاء حجية البينة. غاية الأمر يلزم جعل جزء البيِّنة كافياً في بعض الموارد لا في كل الموارد، ويكفي ذلك في دخالة عنوان البيِّنة وتصحيح أخذها في موضوع الحجية. 

إذن فقد تمَّت الصغرى وهي أنَّ دلالة الرواية على الردع عن خبر الواحد بالإطلاق.

وأما الكبرى: فنكتتها نفس النكتة التي ذكرناها في الجواب الثالث، من أنَّ السيرة المستحكمة لا يُكتفى في الردع عنها بإطلاق في رواية، بل السيرة توجب بنفسها انصراف أذهان العقلاء عن كون النص رادعاً.

وبذلك تبيّن أنَّ خبر مسعدة بن صدقة غير رادع عن حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية.

دعوى الردع عن السيرة في الشبهات الموضوعية برواية عبد الله بن سليمان

وهناك رواية أخرى قد يُدّعى رادعيتها عن الخبر الواحد، وتلحق برواية مسعدة بن صدقة، وهي ما رواه الكليني بسنده عن عبد الله بن 

ــــــــــ[372]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

سليمان عن أبي عبد الله في الجبن، قال: “كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حتَّى يَجِيئَكَ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عِنْدَكَ أَنَّ فِيهِ مَيْتَةً”(1). فقد بنت هذه الرواية على الحلية حتَّى يشهد شاهدان على الحرمة ولا يكفي خبر الواحد.

وجملة من المناقشات السابقة مع الأجوبة لا ترد عليها.

نعم، تتميم رادعية هذه الرواية يتوقف على إلغاء الخصوصية، والتعدّي من باب الميتة إلى غيرها من الموارد ومعه فكما تكون رادعة عن خبر الثقة كذلك تكون دالة على حُجِّيّة البينة.

إلا أنَّها لا تتمّ؛ لأنَّ جملة من الأجوبة السابقة تأتي عليها ولا أقلّ من ضعف السند.

الدليل الثاني: سيرة المتشرعة

من أدلَّة حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية سيرة المتشرعة، فإنَّ المتشرعة من أصحاب الأئمة كانوا يعملون بأخبار الثقات جزماً. فهل يشمل هذا الجزم الشبهات الموضوعية، أو لا.

ونحن ذكرنا في الأصول(2) مبررات الجزم بهذه السيرة وقرائنها إلا أنَّ 

ــــــــــ[373]ــــــــــ

() الباب 6 من الأطعمة المباحة، (المقرر). الكافي 6: 339، كتاب الأطعمة، باب الجبن، الحديث 2، الوافي 19: 98، كتاب المطاعم، أبواب ما يحلّ من المطاعم، باب ما ينتفع به من أجزاء الميتة، الحديث 2، وسائل الشيعة 25: 118، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

(2) راجع: بحوث في علم الأصول 4: 238، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الظنّ: حُجِّيّة السيرة، السيرة المتشرعيّة وكيفيّة الاستدلال بها.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كل تلك القرائن تختص بالشبهات الحكمية، ولا تشمل الشبهات الموضوعية، ومعه فلا جزم بشمول سيرة المتشرعة للشبهة الموضوعية.

الدليل الثالث: الكتاب

كُنَّا نستعرض أهمَّ أدلَّة حُجِّيّة خبر الواحد؛ لنرى ما هو الشامل منها للشبهة الموضوعية، وقد استُدلَّ بالسيرة والكتاب والسنة.

أما السيرة فقد سبق الكلام فيها. وأما الكتاب فقد استُدلَّ بعدّة آيات: 

1- آية الكتمان: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ(1).

2- وآية النفر: وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(2).

3- وآية النبأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(3).

أما آية الكتمان: فمن الواضح عدم شمولها للشبهة الموضوعية لأنَّها تختص بما حرم كتمانه وهو ما أنزل من البينات وهو مربوط بالشبهات الحكمية دون الشبهات الموضوعية.

ــــــــــ[374]ــــــــــ

(1) البقرة: 159.

(2) التوبة: 122.

(3) سورة الحجرات، الآية: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما آية النفر: فلا إشكال -لو فرض دلالتها- على اختصاصها بالشبهة الحكمية لأنَّها توجب الهجرة إلى دار العلم والتفقه في الدين، وهذا مخصوص في الشبهة الحكمية، فإنَّ الشبهة الموضوعية لا تحتاج إلى هجرة.

نعم، آية النبأ لو فرض تمامية دلالتها على حُجِّيّة خبر الواحد فإنَّ مقتضى إطلاق المفهوم هو عدم وجوب التبين لو كان الجائي بالنبأ عادلاً سواء كان خبره مربوطاً بالشبهة الحكمية أو الموضوعية، فلا بأس بالتمسك بإطلاقها لإثبات حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية.

دعوى التعارض بين (آية النبأ) ورواية مسعدة بن صدقة

والمطلب الجدير بالذكر في المقام: هو دعوى إيقاع المعارضة بين آية النبأ وبين رواية مسعدة، بناء على اعتبارها سنداً؛ لأنَّها كانت تدلُّ على عدم حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية، وأما الآية فتدلُّ على حجيته وبنحو كبروي.

لا إشكال في أنَّ هنا ثلاث حالات متصورة، لكل واحدة حكمها: 

الحالة الأولى: أنَّ النسبة بين الخبر والآية هو نسبة العموم والخصوص، على أن تكون الآية أخص، ومعه فلا إشكال من لزوم تخصيص الخبر بالآية.

الحالة الثانية: أن نفترض العكس ولا ينبغي الإشكال بلزوم تقييد الآية بالخبر لو قيل باعتباره سنداً بعد البناء على أنَّ العامّ الكتابي يقيد بالخبر الواحد. 

ــــــــــ[365]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الحالة الثالثة: أن يفرض أنَّ النسبة بينهما هو العموم من وجه، فأيّهما يقدّم؟ 

الصحيح أن يقدّم (آية النبأ) على خبر مسعدة، لما ذكرناه في الأصول(1): من أنَّ الخبر الظني إن كان معارضاً للدليل القطعي بنحو التباين أو العموم من وجه، فيقدّم القطعي على الظني. فأي من هذه الحالات صادق؟

حينئذٍ يقال:

أولاً: نقرب فرضية أنَّ التعارض بينهما بنحو العموم من وجه: وذلك أنَّ (آية النبأ) تقول بمفهومها -مثلاً-: إذا كان الجائي بالنبأ عادلاً فهو حُجَّة، سواء كانت شبهة حكمية أو موضوعية. 

وخبر مسعدة يقول: إذا لم يستبن لك ولم تقم به بيِّنة فابن على الأصول الأولية سواء دلَّ خبر الثقة على خلاف الأصل أو لم يدلَّ. 

ويجتمعان بما إذا أخبر الواحد في الشبهة الموضوعية، ولم يحصل منه العلم، وتنفرد الآية بما إذا أخبر الواحد في الشبهات الحكمية، وينفرد الخبر بما إذا لم يخبر الواحد فإنَّ البقاء على الأصول الأولية لازم. 

وهذه الفرضية -أي العموم من وجه- هي الصحيحة، إذا لم يثبت بنكتة أنَّ هذه أخصّ أو ذاك أخصّ، فلا بُدّ من النظر إلى البيانات الأخرى، وأنَّه هل يمكن إثبات الأخصية من أحد الطرفين؟ أم نرفع اليد عن هذا التقريب، أو لا؟

ــــــــــ[376]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول 7: 231، تعارض الأدلَّة الشرعيّة، القسم الثاني: التعارض المستقرّ.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ثانياً: وأما تقريب أنَّ (آية النبأ) أخصّ من خبر مسعدة بن صدقة، فهو أن يُقال: إنَّ خبر مسعدة يقول: إنَّه ما لم يستبن لك أو تقوم به البيِّنة فابقَ على الأصل سواء قام به خبر الواحد أو لا، فشموله للخبر بالإطلاق.

وأما (آية النبأ) فلو قلنا بشمولها للشبهة الموضوعية بالإطلاق لتم التقريب السابق، إلا أنَّه هنا يُقال: إنَّ القدر المتيقن منها منطوقاً ومفهوماً هو الشبهة الموضوعية لأنَّها وردت في مورد الارتداد. وإخراج مورد الآية منطوقاً أو مفهوماً ليس تقييداً عرفياً، بل هو إلغاء للمفهوم.

وهذا التقريب غير تامّ؛ لأنَّ هذا المورد ليس مأخوذاً في نفس الخطاب كما لو قال: (هل أكرم زيداً؟) فقال: (إن كان عالماً فأكرمه)، فإنَّ الارتداد لم يذكر في الآية، بل هي خطاب كلي غاية الأمر أنَّ الارتداد أثار الوحي فأنزل قرآناً بصددها(1)، ومثل هذا المورد يكفي فيه أدنى مناسبة من هذه الجهة، ويكفي في المناسبة شمولها للمورد بمنطوقها. وما يقال: من أنَّ القدر المتيقن هو المورد، يُراد به مورد الكلام المأخوذ فيه الذي بذل المتكلم عناية في تطبيق الدليل عليه، كمثال (هل أكرم زيداً؟) ومعه فلا يمكن إخراجه من المنطوق والمفهوم معاً.

وأما إذا كان المورد بمعنى سبب النزول، فيكفي فيه أدنى ملابسة، 

ــــــــــ[377]ــــــــــ

(1) إشارة إلى إخبار الوليد بن عقبة بن أبي معيط بارتداد بني المصطلق، فراجع: المعجم الكبير (الطبراني) ٢٣: ٤٠١، الاستيعاب ٤: ١٥٥٣، الرقم ٢٧٢١، التبيان في تفسير القرآن ٩: ٣٤٣، سورة الحجرات.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وشمول المنطوق له دون المفهوم.

ثالثاً: وأما تقريب أنَّ الخبر أخص من الآية: فهو أن يُقال: إنَّ خبر مسعدة يدلُّ على عدم حُجِّيّة خبر الواحد بدلالتين:

إحداهما: إطلاق المستثنى منه فيكون دالاً على ذلك بالإطلاق، ولو بقينا نحن وإياه لتم التقريب الأول.

والدلالة الأخرى: هو ظهور عنوان (البينة) بدخلها بعنوانها، فلو قلنا بحجية الخبر في الشبهة الموضوعية، لكان ضمّ الثاني إلى الأوَّل كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.

وهذا الظهور يعامل معاملة الأخصّ مع الآية التي يفرض أنَّها مطلقة بقطع النظر عن دعوى الاختصاص، فيصير خبر مسعدة بلحاظ دلالته الثانية أخص مطلقاً من آية النبأ.

وهذا التقريب غير صحيح؛ لأنَّ ظهور البيِّنة في دخلها بعنوانها وإن لم يكن محلّ إشكال لكن هذا الظهور لا ينفي حُجِّيّة الخبر في الشبهة الموضوعية بنحو عموم السلب بل يكفي فيه سلب العموم المساوق مع السالبة الجزئية في إعطاء البيِّنة حقها والمحافظة على هذا الظهور. وهذا لا يكفي في تقييد الآية به فإنَّ كلامنا في عموم السلب لا في سلب العموم.

وإن شئتم قلتم: إنَّ الآية وإن كانت مطلقة والخبر وإن دلَّ على سلب العموم إلا أنَّ هذه الأخصية غير مفيدة لنا، بل ما يفيدنا هو دلالته على عموم السلب، ليكون أخصّ من الآية من هذه الناحية. وغاية ما يدلُّ عليه ــــــــــ[378]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

هو سلب العموم لا عموم السلب.

ومعه فينحصر وجه دلالته على عدم حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية بالإطلاق، ولا تكون دلالته بالظهور، ومعه فنعود إلى نسبة العموم من وجه بينهما.

إذن فالتقريبان الثاني والثالث غير تامّين. إلا أنَّ التقريب الأوَّل تامّ وهو: أنَّ النسبة بين الآية وخبر مسعدة هي العموم من وجه، وهذا يكفي في إثبات حُجِّيّة خبر الواحد؛ لأنَّ دلالته على عدم الحجية بنحو عموم السلب؛ ودلالة الآية على الحجية بالإطلاق، فيسقط الخبر في نفسه.

هذا هو تمام الكلام في الاستدلال بالقرآن الكريم.

الدليل الرابع: السنة

انتهى الحديث إلى السنة حينما تكلّمنا في الأصول عن إثبات حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الحكمية بالسنة لم يكن يمكن الاكتفاء بحديث واحد ظنّي السند؛ لأنَّه يلزم محذور الدور، من حيث إثبات حُجِّيّة خبر الواحد بخبر الواحد. وحُجِّيّة خبر الواحد شبهة حكمية، فلا يمكن إثباته بخبر واحد في الشبهة الحكمية، فكُنَّا نشترط في حُجِّيّة الاستدلال أن تكون الأخبار متواترة أو مستفيضة، بحيث توجب القطع إجمالاً بصدورها.

وأما في الشبهة الموضوعية –بعد الفراغ عن حُجِّيّة الخبر في الشبهة الحكمية بسند متواتر قطعي- فلا نحتاج إلى تواتر بل يكفي إطلاق رواية واحدة إذا كانت تامَّة من حيث شرائط الحُجِّيّة، لأنَّنا فرغنا عن كبرى حُجِّيّة 

ــــــــــ[379]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الخبر في الشبهة الحكمية وأما حجيته في الشبهة الموضوعية بنفسه شبهة حكمية فيكفي فيه ما يكفي في إثبات وجوب السورة في الصلاة، وهو خبر الواحد المعتبر، فهل مثل هذا الخبر موجود؟ أو لا؟

نكتفي من الأخبار المتعددة التي يطول استقصاؤها بنموذج واحد، ندعي فيه الإطلاق للشبهة الموضوعية وهو المكاتبة المعروفة التي قال فيها الإمام: “الْعَمْرِيُّ وَابْنُهُ ثِقَتَانِ؛ فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ، وَمَا قَالا لَكَ فَعَنِّي يَقُولَانِ …”، الحديث(1). التي هي من أصحّ الروايات السندية، التي دلّت على حُجِّيّة خبر الواحد، وقد يبدو بالنظر الأولي أنَّها لا تشمل الشبهات الموضوعية، فإنما الكلام في الأداء عن الإمام، وظاهره الأداء عنه بما هو إمام، وهو لا يشمل الشبهات الموضوعية كغسل الثوب ونحوه.

إلَّا أنَّه يمكن مع هذا استفادة حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية، بتقريبات نذكر ألطفها من الناحية الفنية، وهو: أنَّ الظاهر من العبارة أنَّ الإمام في مقام بيان الحجية وبيان تعليلها، فكأنه قال (قولهما حجة؛ لأنَّهما ثقتان)، ومن الواضح أنَّ هذا التعليل اقتصر على بيان الصغرى، وحذف الكبرى وهي: (كل ثقة نقله حُجَّة، فهذا نقله حجة).

ــــــــــ[380]ــــــــــ

() الكافي 1: 330، كتاب الحجّة، بابٌ في تسمية من رآه، الحديث 1، الوافي 2: 397، كتاب الحجّة، أبواب العهود بالحجج، بابٌ لتسمية من رآه، الحديث 888، وسائل الشيعة 27: 138، كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

إلا أنَّ حذف الكبرى أمر عرفي شائع بين الناس، فيما إذا وجدت قرينة تدلُّ على توضيحها، فيصح للمتكلم الاعتماد عليها بحيث لا يخل بمقصوده.

ولو لم تكن هناك قرائن تدلُّ عليها كان حذفها عناية؛ لأنَّه إخلال في مقام البيان لو كان في مقامه، فيستكشف من ذلك أنَّه في مقام البيان. ومع القرائن فالمتكلم يقدر الكبرى، ويتلفّظها تلفّظاً غير مسموع، ونحن السامعون كيف يمكننا ملئ الفراغ للكبرى، وتحديدها في الكلام!

هنا توجد حالتان:

الحالة الأولى: وهي الحالة الاعتيادية، وهي أن نحدد الكبرى بمقدار، بحيث تقتنص منها النتيجة لا أكثر. فإنَّه قد يصلح أن نملأ الفراغ بكبريات متعددة، بعضها واسع وبعضها ضيّق، فنقول في هذه الحالة: إنَّ الكبرى المقدرة هي التي لو صغرناها أكثر لما كفى في اقتناص النتيجة، دون دوائرها الأوسع، مثاله لو قال: (لا تشرب الفقاع لأنَّه مسكر) وهو تعليل ذكرت فيها الصغرى وقدرت الكبرى، وفيها احتمالان:

إحداهما: كل مسكر يحرم شربه.

ثانيهما: كل مسكر يحرم استعماله.

وتحتاج الثانية إلى ضم كبرى أخرى هي أنَّ (كل شرب استعمال). إلا أنَّها واضحة عرفاً فتكون محذوفة عادة.

ونحن نقدر الكبرى التي تكفي لاقتناص النتيجة؛ لأنَّ المتكلّم صار في 

ــــــــــ[381]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

مقام التعليل، وظهوره السياقي أنَّه في مقام بيان كِلا جزئي العلَّة وهما الكبرى والصغرى، ولم ينصب قرينة على التوسعة، وإنما عندنا قرينة واحدة وهي أنَّ الكبرى تكفي لإنتاج النتيجة، فنقول: إنَّ كانت هذه هي الكبرى فقد بيّنها ولو كانت أوسع فلم يبينها لأنَّه لم ينصب قرينة على إرادتها.

إذن فمراده الكبرى الصغيرة دون الأوسع، وأما اختيار كبرى أصغر منها فالقرينة قائمة على نفيها لأنَّها لا تكفي لاقتناص النتيجة.

الحالة الثانية: أنَّه قد يحدث أحياناً أنَّنا نجد مسوغاً، بحسب ظهورات الأدلَّة على حمل الكبرى على الكبيرة، فيما إذا وجدت قرينة صالحة لإرادتها.

فمقدمات الحكمة حينئذٍ لا تجري لنفيها، فإنَّها إنما تجري فيما إذا لم تكن قرينة دالة على إرادة الكبيرة، وأما إذا كانت هناك قرينة فلا تجري.

فمن أمثلة ذلك ما لو قال شخص: (هل أُسلِّم على زيد؟)، فقال المولى: (سلّم عليه لأنَّه عالم). فهذا تعليل ذكرت فيه الصغرى وحذفت منه الكبرى وهي (يستحب -أو يجب- إكرام العالم أو احترامه). 

ولكن لو دققنا لوجدنا كبرى صغيرة تكفي لاقتناص النتيجة وهي: (كل عالم يجب السلام عليه). والكبرى الكبيرة أنَّ (كل عالم يجب احترامه)، والسلام نحوُ احترامٍ. فتتعين الكبرى الكبيرة في مقام التقدير. 

ونكتة ذلك أنَّ الكبرى مركوزة في أذهان العرف أي: يوجد بمناسبات الحكم والموضوع مناسبة بين هذه الكبرى وبين كبرى معينة هي الكبرى الكبيرة، أي توجد مناسبة بين العالمية والاحترام لا مع خصوص السلام، 

ــــــــــ[382]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإنَّ كل صغرى بحسب الوضع الارتكازي للعرف يناسب مع كبرى معينة فيتبادر إلى الذهن تقديرها، وهذا التبادر يشكل ظهوراً في إثبات تلك الكبرى المركوزة.

وفي المقام يوجد عندنا حكم معلل بعلة ذكرت صغراها وبقيت كبراها، والكبرى يمكن تصورها على نحوين: 

الكبرى الصغير: هي أنَّ (خبر الثقة حُجَّة فيما يؤديه عني في الشبهة الحكمية)، وهي تكفي في اقتناص النتيجة؛ لأنَّ الحكم المعلل هو حُجِّيّة قول العمري في الشبهة الحكمية.

والكبرى الكبيرة: هي أنَّ (كل ثقة قوله حجة)، أو (اقبل قوله عني). ولو بقينا نحن والعبارة بغض النظر عن الارتكاز، لكان اللازم تعيين الكبرى الصغيرة، ولكن حيث توجب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في أذهان العرف بين الوثاقة وبين الحجية المطلقة، توجب ظهوراً عرفياً بتقدير الكبرى الكبيرة المركوزة، وهي لا يفرق فيها بين الشبهة الموضوعية والحكمية.

ومعه فيمكن أن يعتبر هذا البيان دليلاً على حُجِّيّة خبر الواحد في مطلق الشبهات.

نعم، لا يمكن إثبات حجيته في الموارد(1) التي يشكّ أنَّه يشملها الارتكاز أو لا؛ لأنَّ التعميم بالارتكاز العرفي، فلا بُدّ من إحراز شموله.

ــــــــــ[383]ــــــــــ

(1) كما في اليد وموارد المخاصمة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المقام الثالث: الاستدلال على حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية بالروايات المتفرقة

في الاستدلال على حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية بالروايات المتفرقة في الموارد المتفرقة، فيما لو تنزلنا عن المقامين السابقين ولم ننته إلى نتيجة.

إشكال عامّ على الاستدلال بالروايات المتفرقة

ويوجد إشكال عامّ إجمالي على الاستدلال بهذه الروايات، حاصله(1): أنَّنا لو سلّمنا دلالتها على حُجِّيّة خبر الثقة، فغاية ما تدلُّ عليه هو حجيته في مواردها، فاللازم الاقتصار في حجيته على تلك الموارد أو التفصيل بينها وبين غيرها، فلو أخبر في بعض هذه الموارد كما في عزل الوكيل، وتشخيص الكيل المعتبر في البيع، وأن الجارية لم تمسّ من قبل مالكها الأول، وأن الدهن الذي يباع نجس، وفي دخول الوقت، ونجاسة الثوب، ووقوع نجاسة على ثوب المصلي، لو أخبر به من كان حُجَّة، ولا تشمل حجيته سائر الموارد. مع أنَّ المقصود تأسيس القاعدة العامة في حُجِّيّة خبر الثقة في الشبهات الموضوعية.

ــــــــــ[384]ــــــــــ

(1) لاحظ: التنقيح في شرح العروة الوثقى ٢: ٣١٩، كتاب الطهارة، فصلٌ: في الماء الراكد بلا مادّة، فصلٌ: في ماء البئر، طرق ثبوت النجاسة، ثبوت النجاسة بإخبار العدل، فقه الشيعة 2: 71، كتاب الطهارة، ماء البئر، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الجواب على الاشكال العامّ بعدّة تقريبات

والتخلص من هذا الإشكال الإجمالي يكون بأحد تقريبات ثلاثة:

التقريب الأول: إلغاء خصوصية المورد بالارتكاز العرفي

أن يُقال: الرواية وإن كان موردها هو خصوص موردٍ، لكن خصوصية المورد تُلغى بالارتكاز العرفي، ونفهم من المورد أنَّه مورد للتطبيق لا أنَّه شرط في الحُجِّيّة، وكثيراً ما يلغي العرف خصوصيات المورد بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة في ذهنه، وينعقد بتوسطها ظهور للخطاب في المطلق، وأن المورد هو مجرَّد مورد لا أنَّه شرط أو قيد في موضوع الحكم.

وإذا طبّقنا هذا التقريب في موضوع الحكم نقول: إنَّ الوثاقة مناسبة مع الحجية المطلقة ولا خصوصية للأخبار عن عزل الوكيل فلو أخبر عن موت الموكل يكون حُجَّة أيضاً لعدم تعقل الفرق بينهما عرفاً فيحمل على أنَّ المقصود هو أن تكون الوثاقة مناط للحجية في نفسها.

وهذا التقريب لو تمَّ فهو يكفي فيه رواية واحدة بنحو يمكن التعدي فيها، ولا نحتاج إلى كثرة الروايات.

التقريب الثاني: التمسّك بالاستقراء 

هو الاستقراء بأن يقال: إنَّنا نستقرئ ذوق الشارع في الموارد المتفرقة التي قلناها، فنستفيد قاعدة عامة كلية وهي حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية.

ــــــــــ[385]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وهذا التقريب يختلف عن الأوَّل في مطلبين:

الأول: أنَّ هذا التقريب يحتاج إلى تكثير الروايات، بخلاف التقريب الأوَّل كما أشرنا.

الثاني: أنَّه في التقريب الأوَّل كُنَّا ندعي أنَّ التعدي يكون من باب الاستدلال بظهور اللفظ الحاصل من مناسبات الحكم والموضوع.

أما هنا فهو استدلال بتنقيح المناط بحسب الحقيقة، من حيث إنَّه يُقال: بما أنَّ الحجية ثبتت في الموارد المتعددة، فمن المستبعد أن تكون لكل هذه الموارد خصوصية، فلا بُدّ أن تكون موجودة في الجميع. 

وهذه نقطة ضعف فيه لأنَّ هذا الاستبعاد ما لم يصل إلى الاطمئنان الوجداني الشخصي لا يكون حُجَّة، وإذا بقي احتمال معتد به وعقلائي في الفرق بين هذه الموارد وغيرها، فلا يمكن تتميم هذا التقريب.

التقريب الثالث: التلفيق بين التقريبين

وهذا يمكن أن يسمى تلفيقاً بين التقريبين السابقين: فإنَّنا حيث استظهرنا المثالية من التقريب الأوَّل -ولو من رواية واحدة-، فقد نشكُّ في المثالية في الرواية الواحدة، لكن إذا تكثرت الأمثلة تعاملنا مع الروايات المنفصلة معاملة المتصلة. 

فالظهور بالمثالية يكون أوضح، فإنَّ استظهار المثالية من بيان يشتمل على تطبيق واحد، أضعف من استظهارها من بيان يشتمل على تطبيقات كثيرة. 

ــــــــــ[386]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإذا ضممنا إلى ذلك: أنَّنا نتعامل مع منفصلات الشارع معاملة المتصلات، فيتم هذا التقريب، ويكون أحسن من كِلا التقريبين.

أما أنَّه أحسن من الأول؛ فلأن الظهور بالمثالية يكون أقوى مع تعدد الأمثلة. 

وأما أنَّه أحسن من الثاني؛ فلأن ذاك استدلال عقلي من باب تنقيح المناط، وما يمكن التعويل عليه هو الاطمئنان.

 وأما في هذا التقريب فالاستدلال يكون بظهور اللفظ المكتسب من الارتكاز العقلائي، إلا أنَّه يتوقف على تحقيق نكتة أصولية حقّها أن تبحث في باب العامّ والخاصّ، وإن لم تبحث في كلماتهم، وهي أنَّه هل يعامل مع منفصلات الشارع معاملة متّصلاته من سائر الجهات والخصوصيات، أو لا؟ 

فإن تمَّت على هذا النحو، فلا إشكال من تمامية هذا التقريب الثالث عرفاً. أما تماميتها فهي موكولة إلى علم الأصول(1).

وفي هذا المقام تفصيل وهو أنَّ الدليلين إذا كان ضَمُّ أحدهما إلى الآخر يوجب ظهوراً، فإنَّ أحدهما يُضمّ إلى الآخر.

ــــــــــ[387]ــــــــــ

(1) راجع: بحوثٌ في علم الأصول (عبد الساتر) ٧: ١٦٩-١٧٠، العامّ والخاصّ، الفصل الثاني: في التخصيص، حُجِّيّة العامّ مع المخصِّص المجمل، القسم الأوّل: المخصِّص المجمل مفهوماً، الفرع الثالث.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما إذا كان ضمه يوجب إجمالاً فلا يُضمُّ إليه، كما في المخصّص المردّد أمره بين الأقلّ والأكثر، حيث قال الأصوليون: إنَّ إجماله لا يسري إلى العامّ المنفصل، ويسري إلى العامّ المتّصل(1).

فعلى تقدير اعتبار منفصلات الشارع متصلات مطلقاً، فإنَّ ذلك يوجب سريان الإجمالي حتَّى إلى العامّ المنفصل، وتمام الكلام في محلِّه.

فهذه هي التقريبات الثلاثة لدفع الإشكال.

الروايات التي يُدّعى دلالتها على الحجية

وأما الروايات فنبحثها على تقدير تمامية شيء من هذه التقريبات، ويمكن أن نقسمها إلى طوائف، بحسب نقاط الضعف والقوة التي فيها، ونذكر نقطة الضعف المشتركة التي يمكن أن تمنع عن ورود كل التقريبات الثلاثة، حتَّى نصل إلى طائفة يمكن أن ينطبق عليها بعض هذه التقريبات.

ونقطة الضعف المشتركة فيها، هو أنَّه لو سلِّم أنَّها دالة على حُجِّيّة خبر الواحد، فلا يمكن إثبات حجيته مطلقاً، حتَّى لو تمَّت عندنا التقريبات الثلاثة؛ لأنَّها واردة في مورد قول صاحب اليد.

ومن الواضح أنَّ التعدي من حُجِّيّة خبر صاحب اليد إلى غيره، ما لا 

ــــــــــ[388]ــــــــــ

(1) لاحظ: كفاية الأصول: 220، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، فصلٌ: في إجمال الخاصّ، فوائد الأصول (الكاظمي) 1: 523، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، المبحث الثاني: في إجمال المخصّص، نهاية الأفكار 1: 515، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، الجهة الثالثة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يوافق عليه تمام التقريبات الثلاثة السابقة، إذ لعلّ أنَّ نكتة الحجية هو كونه ذا يد.

لا بُدّ من الاعتراف بأنَّ أكثر الروايات التي استدلوا بها على حُجِّيّة خبر الواحد في الموارد المتفرقة لا تدخل في الكبرى التي نبحث عنها وهي الخبر الدال على ذلك من دون مزية له عرفاً بحيث يمكن التعميم منه إلى غيره من الموارد بحسب ارتكازه.

فإنَّ من هذه الأخبار ما لا يكون دالاً على الحجية أصلاً.

ومنها ما هو دال على الحجية بنحو يناسب تطبيقه على الحجية العقلية المختصة بخصوص صورة إفادة العلم -إما ظهوراً أو إجمالاً-. 

ومنها ما هو دال على الحجية التعبدية، لكن توجد في موردها نكتة محتملة لا يمكن إلغاؤها في نظر العقلاء والتعدي منها إلى غيرها، وهذه المزايا أحد أمور:

إما أنَّ المخبر كان صاحب اليد، وقد قلنا إنَّه لا يمكن التعدي من قول صاحب اليد إلى غيره. 

وإما أنَّ هذا الشخص يتصف بعنوان نفسي لعله دخيل في جعل الحجية له فلا يمكن التعدي منه إلى غيره.

وإما أن يكون هذا الشخص كلامه نحو إقرارٍ واعترافٍ، فيدخل تحت عنوان إقرار العقلاء على أنفسهم، فهو ليس إخباراً صرفاً وإنما هو مطعم 

ــــــــــ[389]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بالإقرار. ومن المعلوم أنَّ التعدي منه إلى الإخبار المحض لا يجزم به عرفاً بعد ارتكازية أنَّ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز. 

وإما أنَّ إخباره يكون موافقاً مع مقتضى القاعدة، فلا يلزم من جعل الحُجَّة له جعل الحجية لما يكون مخالف لها.

الأولى: رواية معاوية بن وهب 

من هذه الروايات: رواية معاوية بن وهب عن أبي عبد الله: “في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك الزيت، فقال: بِعْهُ، وَبَيِّنْهُ لِمَنِ اشْتَرَاهُ لِيَسْتَصْبِحَ بِهِ”(1).

تقريب الاستدلال بها على حُجِّيّة خبر الواحد: أنَّ الإمام أمر الراوي أن يخبر المشتري بأنَّ هذا الدهن متنجس. ولو اقتصر على ذلك لما دلَّ على حُجِّيّة الخبر؛ إذ لعلّ ذلك لأجل خروج البائع عن العهدة سواء صدّقه المشتري أو لا. ولا ينبغي أن يقال: إنَّه يدلُّ على ذلك بدعوى أنَّه لو لم يجب القبول لكان الإخبار لغواً، فإنَّ الإخبار(2) ليس لأجل أن يخرج عن العهدة فلا يكون الإخبار لغواً.

ــــــــــ[390]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 7: 129، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 34، الوافي 17: 285، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب وجوه المكاسب، بابٌ جامعٌ في ما يحلّ الشراء والبيع فيه، الحديث 17294، وسائل الشيعة 17: 98، كتاب التجارة، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(2) شروع في الجواب، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فلو اقتصرنا على هذا المقدار لما دلّت على الحُجِّيّة، لكنّه قال: “لِيَسْتَصْبِحَ بِهِ”، وهو ظاهر في أنَّه يفترض أنَّ إخبار البائع مساوٍ لترتيب الأثر من قبل المشتري. فلا يأكل الدهن لأنَّه نجس بل يستصبح به. فقد فرغ من ترتيب الأثر، وهذه المفروغية مساوقة مع الحجية.

ويمكن المناقشة فيه:

أولاً: ولو سلِّم هذا التقريب فإنَّه لا يمكن إثبات الحجية به لأنَّ مورده هو مورد اليد، فالتعدي منه إلى قول غير ذي اليد، بحيث تثبت به حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعية غير ممكن.

ومما يؤيده أنَّه لم يؤخذ في موضوعها وثاقة البائع حتَّى يجعل دليلاً على حُجِّيّة خبر الثقة ولعله ثقة في نظر الإمام ولكن لا يعلم كونه ثقة عند المشتري وهذا يعزّز أنَّنا لو استظهرنا الحجية فهي مربوطة بقول صاحب اليد بما هو صاحب، يد لا بصفته ثقة.

وثانياً: أنَّنا نناقش في دلالتها على الحجية التعبدية أصلاً، حتَّى في موردها فضلاً عن التعدي منه إلى غيره، لأنَّنا فهمنا منها الحجية بظهور كلام الإمام في أنَّ إخبار البائع يكون منشأ لترتيب الأثر من قبل المشتري وإلاّ فإنَّ الإمام لم يكن في مقام بيان وظيفة المشتري لو أخبره البائع بل كان في مقام وظيفة البائع، وقد استظهرنا المفروغية عن جهة لم يكن الإمام في صدد بيانها.

وحينئذٍ فلا يمكن التمسّك بإطلاقها. فيكفي للمفروغية عنها أن 

ــــــــــ[391]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

تكون ثابتة في أكثر الموارد لأنَّه يحصل للمشتري العلم بصحة الخبر غالباً، فإثبات الحجية التعبدية يتوقف على التمسّك بإطلاق العبارة، وهو غير ممكن لأنَّ المولى لم يكن في مقام البيان.

ثالثاً: أنَّ هذا الإخبار سنخ إخبار مطعّم بنحو من الاعتراف والإقرار، بحسب الارتكاز العقلائي، فإنَّ البائع حين يقول: إنَّ سلعته فيها منقصة وعيب، فهو إقرار، وأيّ عيب أكثر من كونه نجساً، فلا يجوز الأكل، منه وهو منفعته الغالبة، وبه تنقص قيمة المبيع لا محالة، ومن الواضح أنَّ التعبد بإخبار مطعّم بالاعتراف إلى غيره لا يطابق الارتكاز العرفي.

الثانية(1): رواية عبد الله بن بكير

مما ذكروه للاستدلال على حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية: رواية عبد الله بن بكير قال: “سألت أبا عبد الله في رجل أعارَ رجلاً ثوباً فصلّى فيه، وهو لا يصلّي فيه، فقال: لَا يُعْلِمُهُ. قلت: فإن أعلمه؟ قال: يُعِيدُ”(2).

وتقريب الاستدلال بها: أنَّ شخصاً استعار من آخر ثوباً وهو لا يصلي فيه لكونه نجساً، فصلى فيه المستعير، فهل من وظيفة المعير أن يخبره 

ــــــــــ[392]ــــــــــ

(1) باب 47، من أبواب النجاسات.

(2) قرب الإسناد: 169، أحاديث متفرّقة، الحديث 620، وسائل الشيعة 3: 488، كتاب الطهارة، الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بنجاسته؟ قال: (لا). قال: فإن أعلمه؟ قال: (يعيد). فهذا ظاهر أنَّ إخباره يكون منشأ لترتيب الأثر ووقوع الصلاة بوجه باطل ولذا حكم بوجوب الإعادة.

وفي هذه الرواية عدّة نقاط ضعف ومناقشات:

أوَّلاً: أنَّنا لا بُدّ أن نعرف معنى (يعلمه) و(فإن أعلمه)، فإنَّه إمَّا أن يُراد به: (أخبره) ويعبر عنه بالإعلام، باعتبار أنَّه من شأنه عادة أن يترتّب عليه العلم. أو أنَّه يُراد به جعله عالماً بالمطلب.

والاستدلال بها مبني على الاحتمال الأول، وإلاَّ فتكون مخصوصة بخصوص ترتب على قول المعير، فيخرج من محلّ الكلام لأنَّها تكون حُجَّة عقليّة لا حجة تعبديّة، ويكفينا التردّد بين الأمرين في المناقشة.

ولكن الإنصاف أنَّه لا يستفاد منها أكثر من الإخبار وذلك لنكتة نوعيَّة هي أنَّ حصول العلم لدى السامع ليس بإخبار المخبر ولا قدرة له على إيجاد العلم فيه، وليس بيديه إلاَّ الإخبار، فلا يفهم العرف من الإعلام إيجاد العلم.

ثانياً: أنَّه إخبار صاحب اليد، فإنَّ المعير كان صاحب اليد، وقد قلنا إنَّ التعدي من حُجِّيّة قوله إلى حُجِّيّة مطلق الخبر بلا موجب.

ويؤيد ذلك أنَّه لم يقيّد بكونه ثقة.

ثالثاً: أنَّ هذه الرواية يمكن أن تجعل معارضة برواية أخرى دلّت على عدم وجوب الإعادة، وهي رواية العيص بن القاسم عن أبي عبد الله: ــــــــــ[393]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

“في رجل صلى في ثوب رجل أياماً ثُمَّ إنَّ صاحب الثوب أخبره أنَّه لا يصلّي فيه. قال: لَا يُعِيدُ شَيْئاً مِنْ صَلَاتِهِ”(1).

ومعه فلا بُدّ أن يحمل الأمر بالإعادة على الاستحباب ومعه لا تثبت الحجية؛ لأنَّه لعلّ الأمر بالإعادة للاحتمال أو الاحتياط.

الثالثة: رواية بكر بن حبيب

قال: “سئل أبو عبد الله عن الجبن فيه الأنفحة(2) من الميتة، قال: لَا تَصْلُحُ(3)، ثُمَّ أرسل بدرهم، فقال: اشْتَرِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ”(4).

فقد نهاه عن أن يسأل ذلك الرجل المسلم عن شيء، فيكون له ظهور ــــــــــ[394]ــــــــــ

() الكافي 3: 404، كتاب الصلاة، باب الرجل يصلّي في الثوب وهو غير طاهرٍ عالماً أو جاهلاً، الحديث 1، الاستبصار 1: 180، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 3، تهذيب الأحكام 2: 360، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 22، وسائل الشيعة 3: 475، كتاب الطهارة، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(2) (إِنْفَحَةٌ) و(إِنْفِحَةٌ) و(إِنْفَحَةٌ” و(مِنْفَحَةٌ)، ولا تقل: (أَنْفَحَةٌ)، فراجع: تهذيب اللغة (الأزهري) ٥: ٧٣، المحكم والمحيط الأعظم (ابن سيده) ٣: ٣٨٤.

(3) في المحاسن: “يَصْلُحُ”.

(4) الباب 41 من الأطعمة المباحة، (المقرر). المحاسن (للبرقي) 2: 496، كتاب المأكل، الباب 77، الحديث 598، وسائل الشيعة 25: 118-119، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

عرفي عن حُجِّيّة كلام ذلك الشخص لو أخبر أنَّه فيه (إنفحة). إذ لو لم يكن حجة فلماذا نهى عن أن يسأله؟! فكان النهي عن السؤال لأجل الهرب من تنجُّز التكليف عليه، والتنجُّز لا يكون إلاَّ إذا افترضنا مسبقاً أنَّ إخباره لو صدر لكان حُجَّة.

وفيها عدّة نقاط ضعف: 

أولاً: أنَّها لو سلِّم دلالتها على الحجية التعبدية فيقتصر فيها على صاحب اليد ولا يتعدّى منها خصوصاً مع فرض كونه مسلماً وعدم فرض كونه ثقة.

ثانياً: أنَّنا ننكر دلالتها على الحجية التعبدية أصلاً إذ لعله يقصد الهرب من تنجُّز التكليف عليه لعدم وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية ولو بأدنى مراتبه. لا أنَّه لو فحص وأخبره كان الاجتناب واجباً، فهي لا تفيد أكثر من نفي وجوب الفحص، وهذا أجنبي عن حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية.

ثالثاً: أنَّ هذا الإخبار من قبله مطعم بالاعتراف والإقرار، باعتبار الإعراب عن أنَّ الجبن فيه منقصة، فحجيته لا يلزم منها بالارتكاز حُجِّيّة غيره.

رابعاً: أنَّ الإنفحة لا محذور فيها؛ لأنَّها من مستثنيات الميتة، فلا بُدّ أن تحمل الرواية على نحو من التنزه لا على الحكم الإلزامي.

ــــــــــ[395]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الرابعة(1): رواية حفص بن البختري

عن أبي عبد الله: “في الرجل يشتري الأَمَة من رجلٍ فيقول: إنّي لم أطأها، فقال: إِنْ وَثِقَ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْتِيَهَا”(2).

 ونحوها أخرى يقول فيها: “قلت: أفرأيت إن ابتاعها وهي طاهر وزعم صاحبها أنَّه لم يطأها منذ طهرت؟ فقال: إِنْ كَانَ عِنْدَكَ أَمِيناً فَمَسَّهَا”(3).

وتقريب الاستدلال بها على حُجِّيّة خبر الثقة أن يُقال: إنَّ الائتمان المأخوذ في هذه الروايات فيه احتمالان:

الاحتمال الأول: الائتمان الشخصي بلحاظ شخص هذه الإخبار.

الاحتمال الثاني: الائتمان النوعي بمعنى كونه أميناً في ما يخبر به. 

ــــــــــ[396]ــــــــــ

(1) باب نكاح الإماء.

(2) الكافي 5: 472، كتاب النكاح، باب استبراء الأَمة، الحديث 4، تهذيب الأحكام 8: 173، كتاب الطلاق، الباب 7، الحديث 27، الاستبصار 3: 360، كتاب الطلاق، الباب 210، الحديث 2، وسائل الشيعة 18: 260، كتاب التجارة، الباب 11 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 2.

(4) الكافي 5: 473، كتاب النكاح، باب استبراء الأَمة، الحديث 7، تهذيب الأحكام 8: 172، كتاب الطلاق، الباب 7، الحديث 25، الاستبصار 3: 358، كتاب الطلاق، الباب 209، الحديث 8، وسائل الشيعة 18: 261، كتاب التجارة، الباب 11 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإن كان الأوَّل فمرجعه إلى الوثوق الشخصي والاطمئنان، فيخرج عن محلّ الكلام؛ لأنَّه لا إشكال في حُجِّيّة الاطمئنان الشخصي.

وإن كان المراد به الاطمئنان النوعي، فمرجعه إلى الوثاقة، فكأنه قال: (إذا كان ثقة فلا بأس). وبعض روايات هذا الباب وإن ادعي فيها الإجمال كقوله: “إِنْ أَمِنَتْهُ فَمَسَّهَا”(1)، لكن قد يستظهر الاطمئنان النوعي من بعضها كقوله: إن كان عندك أميناً فمسّها.

فإذا تمَّت هذه الدعوى يُقال: إنَّها تدلُّ على حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية ويتعدّى منها بقوانين التعدي السابقة.

إلا أنَّ فيها نقطتين من نقاط الضعف:

أولاً: أنَّه لو سلِّم هذا التقريب وحمل على الائتمان النوعي فلا يمكن التعدي عنه، لكونه صاحب اليد، لاحتمال أنَّه يعول عليه لكونه صاحب اليد لا لكونه ثقة. فالثقة غير صاحب اليد لا يمكن التعميم إليه؛ لأنَّ صاحب اليد أقرب إلى ما تحت يده فلا يكون التعدي ممكناً.

ثانياً: أنَّ خبر هذا الرجل موافق مع الأصول والقواعد، وهو استصحاب عدم المسّ؛ لأنَّ الاستبراء هو من الماء، فاستصحاب عدم المسّ ينقح عدم وجوب الاستبراء. إلا أنَّ الشارع في باب الفروج حكم بوجوب 

ــــــــــ[397]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 8: 173، كتاب الطلاق، الباب 7، الحديث 28، الاستبصار 3: 360، كتاب الطلاق، الباب 210، الحديث 3، وسائل الشيعة 21: 90، كتاب النكاح، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الاحتياط ولم يكتف بالاستصحاب، ولكنه رفع يده عن الاحتياط إذا انضم إلى الأصول تأكيد من البائع أنَّه لم يمسها. 

إذن فقوله على طبق القاعدة في نفسها، فبالتعدي منه إلى واقعة أخرى يكون كلام القاعدة الأولية غير ممكن، لاحتمال دخل مطابقته للقواعد، وهو احتمال عرفي لا يوجد جزم ارتكازي على نفيه.

الخامسة: روايات الاعتماد على قول البائع 

روايات الاعتماد على قول البائع في كيل المكيل ووزن الموزون بناء على لزوم الكيل والوزن في البيع.

1- من قبيل رواية محمد بن حمران قال: “قلت لأبي عبد الله اشترينا طعاماً فزعم صاحبه أنَّه كاله، فصدّقناه وأخذناه بكيله، فقال: لَا بَأْس‏. فقلت: أ يجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل؟ قال: لَا، أَمَّا أَنْتَ فَلَا تَبِعْهُ حتَّى تَكِيلَهُ”(1).

وتقريب الاستدلال بها: أنَّ قوله (فصدقناه) لا يُراد به أنَّه حصل الجزم واليقين بكلامه، خصوصاً مع قوله (زعم) الذي يناسب عدم حصول اليقين، بل المراد به اليقين في مقام العمل وترتيب الأثر. ووافق الإمام 

ــــــــــ[398]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 37، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 45، الوافي 17: 488-489، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب أحكام التجارة، باب الاتّكال على كيل البائع ووزنه، الحديث 17692، وسائل الشيعة 17: 345، كتاب التجارة، الباب 5 من أبواب عقد البيع، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومرجعه إلى جعل الحُجِّيّة، لهذا القول المخصوص.

إلا أنَّ هذا التقريب غير تام لعدّة نقاط ضعف:

أولاً: لو تمَّت دلالتها على الحجية التعبدية، فلا بُدّ من الاقتصار على موردها وهو قول صاحب اليد ولا يمكن التعدي لما أسلفناه.

ثانياً: وجود نحو من الإجمال في روايات هذا الباب لأنَّه يوجد فيها ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون المقصود جعل الحجية لإخبار هذا البائع لأنَّه خبر ثقة، فيكون حُجَّة في إثبات الكيل المخصوص، وحيث يشترط تعيين الكيل فيكون إخباره قائماً مقام العلم في إحرازه من باب قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي، وهذا الاحتمال هو النافع للاستدلال بهذه الرواية.

الاحتمال الثاني: الاعتماد على خبره لا باعتبار حُجَّة، بل لحصول الظن الاطمئناني به.

الاحتمال الثالث: أنَّ صحَّة البيع بحسب الحقيقة حكم شرعي له موضوع وهو إحراز الكيل في المكيل والوزن في الموزون، والشارع باختياره جعل قول البائع كافياً في ذلك، بأن يدعي البائع هذه الدعوى ويتنازل المشتري عن التدقيق لأنَّ المدار هو قطع الخصومة.

2- ويناسب الاحتمال الثالث رواية من روايات هذا الباب: عن سماعة يقول فيها: “فَلَا بَأْسَ إِنِ اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ وَلَمْ تَكِلْهُ وَلَمْ تَزِنْهُ إِذَا كَانَ 

ــــــــــ[399]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المُشْتَرِي الأوَّل قَدْ أَخَذَهُ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، وَقُلْتَ لَهُ عِنْدَ الْبَيْعِ: إِنِّي أُرْبِحُكَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ رَضِيتُ بِكَيْلِكَ وَوَزْنِكَ، فَلَا بَأْسَ”(1).

فإنَّ قوله: “رَضِيتُ بِكَيْلِكَ” يكون بنفسه قرينة على الاحتمال الثالث، وأن الباب ليس باب جعل الحُجِّيّة، وإلا فعلى كل حال لا بأس سواء رضي أو لا، بل اكتفى الشارع المقدس بالتراضي على كيل معين، وإن لم يقم عليه علم ولا علمي.

3- وهناك رواية يمكن أن تجعل شاهداً على الاطمئنان الشخصي، وهو ما روي عن أبي العطار قال: “قلت لأبي عبد الله اشتري الطعام، فأضع في أوَّله وأربح في آخره، إلى أن يقول: قلت فأخرج الكرّ والكرّين، فيقول الرجل أعطيته بكيلك، قال: إِذَا ائْتَمَنَكَ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ”(2)، يعني إذا ائتمن إخبارك، لا أنَّه ائتمنك في نفسك.

وهناك قرينة على نفي الاحتمال الأول، وهو الحجية التعبدية، وهي ذيل الرواية: “فقلت أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل؟، قال: لَا، أَمَّا 

ــــــــــ[400]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 178، كتاب المعيشة، باب شراء الطعام وبيعه، الحديث1، تهذيب الأحكام 7: 38، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 46، وسائل الشيعة 17: 346، كتاب التجارة، الباب 5 من أبواب عقد البيع، الحديث 7.

(2) الكافي 5: 179، كتاب المعيشة، باب شراء الطعام وبيعه، الحديث 6، تهذيب الأحكام 7: 38، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 47، وسائل الشيعة 17: 345، كتاب التجارة، الباب 5 من أبواب عقد البيع، الحديث 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أَنْتَ فَلَا تَبِعْهُ حتَّى تَكِيلَهُ”. فلو كان بابه باب الحجية التعبدية من باب إخبار الثقة فأي فرق بين المعاملة الأُولى والثانية! ولماذا يحتاج إلى الكيل في الثانية! 

فالاكتفاء بقول البائع في المعاملة الأُولى فقط، قرينة على عدم الحجية في باب خبر الثقة.

ولعل أقوى الاحتمالات -بناء على ما ذكرناه- هو الثالث، فلا يمكن الاستدلال بهذه الروايات على حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية.

السادسة: رواية محمد بن مسلم

“في الرجل يرى في ثوب أخيه دماً وهو يصلي. قال: لَا يُؤْذِيه حتَّى يَنْصَرِفَ”(1).  

وتقريبه: أنَّه لو لم يكن إخبار الثقة حُجَّة لما حصل إيذاء، فإنَّه حينئذٍ لا يبالي بإخباره لضعف السند، مثل ذلك المسلم الذي أخبره اليهودي بأنَّ في هذه الزجاجة خمر، فشربها المسلم، وحين سأل اليهودي عن ذلك قال: شربتها لضعف السند!! فحصول الإيذاء لا يناسب إلاَّ بأنَّ إخباره ينجز المطلب وهو الحجية.

وجوابه: أنَّ هذه الرواية فيها نقطة ضعف وهي: أنَّها لا تشمل صورة عدم حصول العلم بل هي مختصة حصول العلم للمصلي-ولو إجمالاً- بإخباره، فإنَّ الإيذاء يتحقَّق بالتنجّز. ولكن بِمَ يتحقَّق التنجّز؟ هل بمجرد 

ــــــــــ[401]ــــــــــ

(1)  تهذيب الأحكام 2: 361، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 25.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الإخبار؟ أو من إراءة الدم له؟ والغالب أنَّه يمكن أن يرى الدم حال صلاته. 

والكبرى لا تحقِّق صغراها، بل غايته أنَّها تدلُّ على ملازمة الإخبار للتنجز في الجملة، ولو بحصول العلم عن طريق رؤية الدم. ومعه فلا يمكن الاستدلال بها على حُجِّيّة خبر الواحد(1).

السابعة: رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي 

من الروايات التي يستدلُّ بها على حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده عن علي قال: “المُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ”(2)، يستدلُّ بها على حُجِّيّة أذان المؤذن في 

ــــــــــ[402]ــــــــــ

() أقول: وجدت رواية محمد بن مسلم الأخيرة في الوسائل والكافي وجامع أخبار الشيعة هكذا، قال: “لَا يُؤْذِنُهُ حتَّى يَنْصَرِفَ”بدل “لَا يُؤْذِيهِ”. 

نعم، وردت (يؤذيه) في أحد نسختي التهذيب وقال السيد: إنَّ (يؤذنه) أنسب بكلام الإمام، وعلى أيّ حال لا يختلف ما قلناه من وجه دلالتها، من حيث إنَّ النهي عن الإيذان كاشف عن حُجِّيّة قول المخبر. 

وجوابه: من أنَّ هذا الإيذان في معرض حصول العلم، فلا تكون دالة على الحجية التعبدية، (المقرر).

(2) تهذيب الأحكام 2: 282، كتاب الصلاة، الباب 14، الحديث 23، الوافي 7: 617، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلّي ومكانه والقبلة، باب وقت الأذان وأنّ المؤذّن مؤتمن، الحديث 6736، وسائل الشيعة 5: 378، كتاب الصلاة، الباب 3 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

دخول الوقت، وحيث إنَّ الأذان لا خصوصية له عن سائر الإخبار، فكما أنَّ أذانه حُجَّة كذلك لو أخبر بلسانه عن دخول الوقت. ويتعدّى من هذا الإخبار إلى سائر الإخبارات بقوانين التعدي السابقة. والائتمان هنا عبارة عن التعويل ولزوم الاعتماد عليه وهو معنى الحجية.

إلا أنَّه لا يمكن المساعدة على ذلك، لأنَّه لم يؤخذ قيد الوثاقة أو العدالة، فكما يمكن أن يشمل المؤذن الثقة، كذلك يمكن أن يشمل من يتبرع بالأذان من الخارج.

ويمكن أن يحمل المؤذّن على عنوان المؤذّن المنصوب لا الفاعل، يعني الشخص الذي يُنصّب للأذان، كما هي العادة الجارية من صدر الإسلام إلى يومنا هذا، فلا تشمل من يؤذّن تبرعاً، هذا الحمل ممكن، وليس بأبعد من الحمل الأول، بل هو أقرب؛ لأنَّه أنسب بعبارة المؤتمن، فإنَّ نصبه للأذان نحو ائتمان له وتفويض للأمر إليه، فكأنَّه يريد أن يقول: إنَّ المؤذن يكون الوقت في عهدته، كما أنَّ قراءة المأموم في عهدة الإمام.

ومعه فلا يمكن التعدّي منه إلى الآخرين، ولا يتمّ الاستدلال بهذه الرواية على الحجية.

روايات تدلُّ على الحجية التعبدية

وبعد سقوط هذه الروايات عن إمكانية الاستدلال بها، تبقى عدة قليلة، يمكن أن تكون صغرى جامعة للشرائط المطلوبة، بمعنى أنَّها تدلُّ 

ــــــــــ[403]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

على الحجية التعبدية، ولا مزية في موردها تكون مانعة عن التعدي، مثل الروايات الواردة في عزل الوكيل، وأن الوكيل لا ينعزل إلا بالمشافهة، أو إخبار الثقة له بالعزل.

1- كرواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله: في رجل وكل آخر على وكالة في أمر من الأمور.. إلى أن قال: نَعَمْ، إِنَّ الْوَكِيلَ إِذَا وُكِّلَ ثُمَّ قَامَ عَنِ الْمَجْلِسِ فَأَمْرُهُ مَاضٍ أَبَداً، وَالْوَكَالَةُ ثَابِتَةٌ حتَّى يَبْلُغَهُ الْعَزْلُ عَنِ الْوَكَالَةِ بِثِقَةٍ يُبَلِّغُهُ أَوْ يُشَافَهَ بِالْعَزْلِ عَنِ الْوَكَالَةِ”(1).

لا بأس باستفادة الحجية التعبدية منها لخبر الثقة.

نعم، هي تدلُّ زائداً على ذلك على حكم تعبدي على خلاف مقتضى القاعدة الأولية، وهو أنَّ الوكيل ينعزل إذا عزله الموكل سواء بلغه أو لا، لأنَّ الوكالة عقد جائز، لكن الشارع جعل الفسخ موجباً للعزل بوجوده الواصل لا بوجوده الواقعي تحفظاً لرعاية الوكيل ومن يتعامل معه. فجعل الإيصال على عهدة الموكل حتَّى يتصدى لتبليغ الوكيل. وقد جعل الوصول على نحوين: بالمشافهة وبخبر الثقة.

ولا إشكال أنَّ أخذ خبر الثقة قسيماً وعدلاً للمشافهة ظاهراً عرفاً أنَّه حُجَّة في نفسه لا أنَّه من باب الصدفة قد أخذ قيداً في الموضوع بدون أنَّ يكون حُجَّة.

ــــــــــ[404]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 87، باب الوكالة، الحديث 3385، الوافي 18: 960، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب أحكام الديون والضمانات، باب الوكالة، الحديث 18660، وسائل الشيعة 19: 162، كتاب الوكالة، الباب 2، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ولو جمدنا على الدلالة المطابقية لهذه الرواية فهي غير ناظرة إلى الحجية التعبدية لخبر الثقة بل إلى أخذه موضوعاً للحكم بالانفساخ. 

ولكن يفهم عرفاً أنَّ خبر الثقة، إنما أخذ في موضوعه عدلاً للمشافهة، باعتبار حجيته وطريقيته في نفسه.

فدلالة الرواية على حُجِّيّة الخبر في خصوص المورد، مما لا ينبغي الإشكال فيه، ويعمّم إلى كل مورد يجزم بعدم الفرق بينهما عرفاً.

2- ورواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله قال: “سألته عن رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضاً. فقال لي: إنَّ حدث بي حدث فأعطِ فلاناً عشرين ديناراً، وأعط أخي بقية الدنانير، فمات ولم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق، فقال لي: إنَّه أمرني أن أقول لك اُنظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي، فتصدّق منها بعشرة دنانير، أقسمها في المسلمين، ولم يعلم أخوه أنَّ له عندي شيئاً. فقال: أَرَى أَنْ تَصَدَّقَ مِنْهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ كَمَا قَالَ”(1).

فقد كان عنده دنانير وكان مريضاً، وكأن أخاه هو الوارث، فأضاف إلى العشرين عشرة دنانير أخرى، فقال: “أَرَى أَنْ تَصَدَّقَ مِنْهَا بِعَشَرَةِ 

ــــــــــ[405]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 64-65، كتاب الوصايا، باب النوادر، الحديث 27، مَن لا يحضره الفقيه 4:235، كتاب الوصية، باب نوادر الوصايا، الحديث 5561، تهذيب الأحكام 9:237، كتاب الوصايا، الباب 20، الحديث 16، وسائل الشيعة 19: 433، كتاب الوصايا، الباب 97، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

دَنَانِيرَ”، يعني: أرى تنفيذ هذه الوصية. ومن المعلوم أنَّ عنوان الصادق يعني أنَّه صادق في نفسه لا بلحاظ شخص هذه الرواية. لأنَّه أُخذ وصفاً للرجل وهو معنى الوثاقة فتكون دالة على الحجية التعبدية لخبر الثقة في موردها ويتعدّى منها إلى غيرها.

ولكن حيث إنَّ هذه الروايات قليلة، فالتقريب الثاني والثالث للجواب على الإشكال الإجمالي السابق لا يأتي وإنما يرد التقريب الأوَّل لأنَّه تكفي فيه رواية واحدة.

هل يشترط العدالة في المخبر أم تكفي الوثاقة؟ 

وبعد ثبوت حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية يقع الكلام في أنَّ المأخوذ فيها العدالة الخبرية أو العدالة المطلقة.

فعلى الأوَّل يكون موضوع الحجية هو الثقة، وأن كان فاسقاً.

وعلى الثاني لا يقبل قول الفاسق وإن كان ثقة.

وحينئذٍ لا بُدّ من الالتفات إلى مدرك الحجية لنرى مقتضى كل وجه منها.

أما إذا كان المدرك هو السيرة العقلائية، فلا إشكال أنَّها في نفسها لا يفرق فيها بين الفاسق والعادل مع فرض كونه ثقة. فإن الخاصية التي تقتضي التعويل عليه إنما هي كونه ثقة في الأخبار لا في غيره. 

نعم، يبقى كلام في أنَّ إطلاق السيرة للثقة الفاسق مردوع عنه بآية النبأ فتكون ساقطة عن الحجية، وسيأتي تصفية حسابها.

ــــــــــ[406]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وإن كان المدرك هو السيرة المتشرعية لأصحاب الأئمة إذا كُنَّا نجزم بأنهم كانوا يعملون بأخبار الثقات في الشبهة الموضوعية -وإن لم نجزم- فلا إشكال أنَّ كل فرض باطل يقتصر فيه على القدر المتيقن، وذلك في خصوص المخبر العادل وأما غيره فلا جزم لنا بعملهم بخبره. ومعه فيشترط عدالة المخبر ولا تكفي وثاقته.

وأما إذا كان الدليل هو الكتاب الكريم، حيث يستدلُّ بمفهوم (آية النبأ) أنَّه إذا لم يكن الجائي بالنبأ فاسقاً فلا تتبيّنوا، فهل له إطلاق لخبر الفاسق الثقة؟ الأمر مربوط بأن نحقق أنَّ المراد بالفسق في الآية هل هو الفسق الخبري أو الفسق من سائر الجهات. فإن فرض الثاني كان مفهومها مختصاً بالعادل المطلق. وأما على الأوَّل فيكون مفهومها: إذا لم يكن الجائي بالنبأ فاسقاً بالخبر فلا تتبينوا سواء كان فاسقاً من سائر الجهات. أو لم يكن فتكون دالة على حُجِّيّة خبر الفاسق الثقة، وسيأتي تصفية حسابه.

وأما إذا كان مدركه هو الروايات فلا إشكال أنَّه يستفاد منها سواء منها مثل: “الْعَمْرِيُّ وَابْنُهُ ثِقَتَانِ‏”(1)، أو الأخبار في الموارد الخاصَّة، دلالتها على حُجِّيّة الخبر مطلقاً حيث يستفاد منها أنَّ مناط الحجية هو الوثاقة لا ــــــــــ[407]ــــــــــ

() الكافي 1: 330، كتاب الحجّة، باب في تسمية من رآه، الحديث 1، الوافي 2: 397، كتاب الحجّة، أبواب العهود بالحجج، بابٌ لتسمية من رآه، الحديث 888، وسائل الشيعة 27: 138، كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

العدالة؛ لأنَّها تنقسم إلى قسمين: 

القسم الأول: ما أخذه فيه الوثاقة بعنوانها كقوله:”الْعَمْرِيُّ وَابْنُهُ ثِقَتَانِ‏”، وقوله: “مُسْلِمٌ صَادِقٌ”(1)، وقوله: “بِثِقَةٍ يُبَلِّغُهُ”(2). فيتمسك بإطلاقها لإثبات أنَّ مناط الحجية هو الوثاقة سواء كان عادلاً مطلقاً أو لا.

القسم الثاني: ما دلَّ على حُجِّيّة خبر المخبر من دون قيد أصلاً فيقتصر فيه على القدر المتيقن وهو الثقة وأما الثقة سواء كان فاسقاً أو عادلاً فيبقى على إطلاق هذه الروايات.

دعوى التعارض بين الروايات وآية النبأ

نعم، يبقى الكلام في استئناف(3) بحث في ملاحظة النسبة بين هذه الروايات والآية الكريمة، حيث يحصل بين الروايات على تقدير تماميتها وبين إطلاق منطوق آية النبأ تعارض في خبر الثقة الفاسق. فما هو الحال؟!

تقريب دعوى التعارض

قد يقال: بأنَّ هذه الروايات تعارض منطوق آية النبأ حيث تنهى عن الأخذ بخبر الفاسق وهي مطلقة تشمل صورة الوثاقة أيضاً، وحينئذٍ لا بُدّ من تقديم الآية أو القول بالتساقط والرجوع إلى أصالة عدم الحجية.

ــــــــــ[408]ــــــــــ

(1) مرّ تخريجها آنفاً، فراجع.

(2) مرّ تخريجها آنفاً، فراجع.

(3) راجع ص 325، دعوى التعارض بين (آية النبأ) ورواية مسعدة بن صدقة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وتوضيح ذلك: هو أنَّ هذه الروايات كما قلنا على قسمين: قسم أخذ في موضوعه عنوان الوثاقة وما يرادفها، وقسم آخر مطلق يدلُّ على حُجِّيّة خبر كل مخبر. إذن فلا بُدّ أن نلاحظ النسبة بين الآية وكل من هذين القسمين: 

أما القسم الأول: فالنسبة بينه وبين الآية هي العموم من وجه حيث إنَّ الروايات مطلقة من حيث الفسق وعدمه، والآية مطلقة من حيث الوثاقة وعدمها. وحيث إنَّ هذا القسم ليس متواتراً، فيكون التعارض بين ظني السند وقطعيّه.

وحينئذٍ فإن ذهبنا إلى ما هو المختار(1) من أنَّه في مثل ذلك يقدم السند القطعي مطلقاً، فهنا لا بُدّ من تقديم الآية ويثبت بذلك عدم حُجِّيّة خبر الفاسق وان كان ثقة. 

وإن لم نذهب إلى هذا المبنى بل ذهبنا مثلاً إلى مبنى السيد الأستاذ(2)، من أنَّه لو كان شمول الدليلين لمادة الاجتماع بالوضع فيقدم القطعي، ولو لم يكن بالوضع بل كان بالإطلاق يتساقطان، ففي المقام لا بُدّ من القول 

ــــــــــ[409]ــــــــــ

(1) اُنظر: بحوث في علم الأصول 7: 232، تعارض الأدلّة الشرعيّة، القسم الثاني: التعارض المستقرّ، المسألة الأولى: حكم التعارض المستقرّ، فرضيّات التعارض المستقرّ وأحكامها.

(2) اُنظر: مصباح الأصول 3: 377، الكلام في التعادل والتراجيح، المرجّح الرابع، فرعٌ.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بالتساقط في حالة الاجتماع والرجوع بعد ذلك إلى أصالة عدم الحجية.

وأما القسم الثاني: فالنسبة بينه وبين الآية هي العموم والخصوص المطلق. وهذا الكلام بناءً على عدم القول بانقلاب النسبة(1)،  في غاية الوضوح. 

وأما بناءً على انقلابها(2)، فقد يتخيل أنَّ النسبة هي العموم من وجه، وذلك باعتبار أنَّ هذا القسم قيدنا بعلمنا الوجداني بأنَّ خبر غير الثقة ليس بحجة قطعاً، وحينئذٍ تكون النسبة بعد هذا التقييد هي العموم من وجه.

إلا أنَّ هذا التخيل في غير محلِّه، وذلك لأنَّ من يقول بانقلاب النسبة لا يقول به في مثل ما نحن فيه، فيما إذا ورد عامّ وورد عليه مخصصان فلا يقول بأنَّ العامّ يخصّص بمخصّص أوَّلاً، ثم بعد ذلك نلاحظ النسبة بينه وبين المخصّص الآخر.

إذن فعلى أيّ حال النسبة هي العموم المطلق ولا بُدّ من تقديم الآية على الروايات حينئذٍ.

هذا هو تقريب المعارضة.

ــــــــــ[410]ــــــــــ

(1) راجع: بحوث في علم الأصول 7: 288، تعارض الأدلّة الشرعية، القسم الثاني: التعارض المستقر، تطبيقات مشكوكٌ فيها للتعارض المستقرّ، نظريّة انقلاب النسبة.

(2) راجع: أجود التقريرات 2: 518، خاتمةٌ: في التعادل والتراجيح، المبحث السابع: إذا كان التعارض بين أكثر من دليلين، فوائد الأصول (الكاظمي) 4: 741، خاتمةٌ: في التعادل والتراجيح، المبحث السادس.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ما يرد على هذا التقريب 

 إلا أنَّه يرد على هذا التقريب: 

أولاً: أنَّ الآية في نفسها لا تعارض مع هذه الروايات لا مع القسم الأوَّل منها ولا مع القسم الثاني منها. وذلك: باعتبار أنَّ المراد من الفاسق في الآية الكريمة ليس هو مطلق من صدرت منه المعصية بل الظاهر منه هو الفاسق في القول بمعنى غير الثقة، وذلك:

إما باعتبار مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في أذهان العرف، حيث إنَّ قبول القول إنما يناسب مع الوثاقة وعدم الفسق في القول فقط ولا يناسب مع ثبوت بقية المعاصي.

وإما باعتبار التعليل: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1)، بدعوى أنَّ الجهالة تكون ظاهرة في معنى السفاهة، والسفاهة العرفيَّة إنما تتحقق عند العمل بخبر غير الثقة دون العمل بخبر الثقة، وحينئذٍ فهذه العلَّة تكون قرينة متصلة توجب اختصاص الآية بالفاسق الخبري.

ولو تنزلنا عن ذلك ولم نقل بأنَّ ظاهر الجهالة هو السفاهة واحتمال أنَّ يكون المراد منها هو عدم العلم فلا أقلّ من الإجمال. ومع الإجمال يكون المقام من باب اقتران اللفظ بما يحتمل قرينيته، وحينئذ لا يبقى للآية إطلاق يقتضي 

ــــــــــ[411]ــــــــــ

(1) الحجرات: 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

عدم حُجِّيّة خبر الثقة الفاسق حتَّى يقع طرفاً للمعارضة مع الروايات. 

وثانياً: أنَّ ما قيل من أنَّ الآية أخص مطلقاً من القسم الثاني من الروايات في غير محلِّه وذلك: لأنَّ ارتكازية عدم حُجِّيّة خبر غير الثقة تكون كالقرينة المتصلة توجب انصراف الروايات لخصوص أخبار الثقات، وحينئذ فلا محالة تكون النسبة العموم من وجه.

وثالثاً: لو قبلنا أنَّ الآية تكون معارضة مع الروايات بنحو العموم من وجه وقلنا بتساقط الطرفين -ولو باعتبار أنَّ مجموع الروايات تصل إلى حد التواتر فتصبح قطعية السند أيضاً- فحينئذٍ لا نرجع بعد التساقط إلى أصالة عدم الحجية بل المرجع بعد التساقط هو استصحاب بقاء الحجية الثابتة في أوَّل عصر التشريع. فإن السيرة العقلائيَّة كانت ثابتة على العمل بخبر الثقات ولو كانوا فاسقين.

والقدر المتيقن أنَّ هذه السيرة لم يردع الشارع عنها في أوَّل زمان التشريع بل كانت ممضاة، وحينئذٍ فبالإمكان إجراء استصحاب بقاء الحجية إلى زماننا هذا.

وبذلك اتضح أنَّه لا يشترط العدالة في قبول قول المخبر بل يكفي كونه ثقة.

ــــــــــ[412]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2




الطريق الرابع: قول صاحب اليد

وتثبت أيضاً بقول صاحب اليد: بملكٍ، أو إجارةٍ، أو إعارةٍ، أو أمانةٍ، بل أو غصب(1).

1- الاستدلال على حُجِّيّة إخبار صاحب اليد

الكلام في إخبار صاحب اليد باعتباره أحد الطرق التي تثبت بها الطهارة والنجاسة وترفع اليد بها عن الأصول الأولية.

استدلوا على حجيته بأدلة وتقريبات: 

الدليل الأول: السيرة العقلائية

أولها وأهمها الاستدلال عليه بالسيرة، وذلك بتقريب: أنَّه لا ينبغي الاستشكال في أنَّ بناء العقلاء خارجاً في مقام التعامل وترتيب الأثر على تصديق قول صاحب اليد في الطهارة والنجاسة. ويقربون ذلك بأمثلة فيقال:

 مثلاً: لو أنَّ شخصاً سلَّم ثياباً إلى الغسال ليغسلها فأرجعها الغسال 

ــــــــــ[413]ــــــــــ

(1) العروة الوثقى (المحشّى) 1: 150-151، كتاب الطهارة، فصلٌ: في طريق ثبوت النجاسة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأدعى طهارتها فإنَّه يبني على الطهارة، ولا يستشكل صاحبها ويطالبه بالبيِّنة.

ومثله: تصديق قول الحجام. فإنَّه حين الحجامة يسير على ظهر المحجوم الدم فيطهره الحجام، فلا يسأله عن إقامة البيِّنة بل يقبل قوله في الطهارة. 

ومن ذلك أنَّ إنساناً لا يشكّ في أنَّ لحوم الذبائح تتنجس حين الذبح من الدم المسفوح على الأقلّ، ولكنَّنا نأكل (الكباب) ولا نسأل البيِّنة، بل إنَّ كل من دخل إلى بيت مسلم، فإنَّه يسلم قياده من حيث الطهارة والنجاسة إلى صاحب البيت، ولا يطالبه بالبيِّنة.

فهذه مقرّبات للارتكاز العقلائي للبناء على قول صاحب اليد.

تصعيدان في المقام

ثم صعد هذا المطلب في كلماتهم بتصعيدين:

الأول: قيل(1) إنَّ ارتكازية قبول إخبار صاحب اليد في باب الطهارة والنجاسة، صغرى من صغريات كبرى مركوزة في الأذهان، هي أعمّ من ذلك هي مصب الارتكاز العقلائي، وهي: (أن كل شخص صاحب 

ــــــــــ[414]ــــــــــ

(1) لاحظ: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 168، كتاب الطهارة، فصلٌ: في النجاسات، فصلٌ: في طرق ثبوت النجاسة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

سلطان على شيء يُقبل قوله فيه)، فإذا قال: هو ملكي أو عارية عندي، أو هذا اللحم مذكى، أو هذا الثوب طاهر، قُبِل منه، سواء كان في باب الطهارة والنجاسة، أو في غيرها من الأبواب.

الثاني: الذي وجِد في كلمات المحقق الهمداني(1)، في مصباح الفقيه: أنَّ هذا الارتكاز من فروع وشؤون كبرى أعمّ من الكبرى الأولى، وهي كبرى أنَّ (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)، الثابتة في الارتكاز الفقهي والعرفي، وهي أوسع من باب الأقوال، وتشمل الأفعال أيضاً. كما لو ملك إنسان أن يطلّق زوجة الغير بالتوكيل، وأخبر أنَّه طلقها، فإنَّه يقبل قوله، فهي قاعدة لها عرض عريض، يكون قبول قول صاحب اليد صغرى منها.

التحقيق في المقام 

ونحن وإن لم نشكَّ في هذه السيرة المدعاة على قبول قول صاحب اليد. لكن لنا مناقشات فنية لهذه الأمثلة وهذه التصعيدات: 

بلحاظ التصعيد الثاني

نبدأ بالتصعيد الثاني، الذي جعل قبول قول صاحب اليد صغرى لقاعدة: (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)، والتحقيق في المقام أنَّها أجنبية عن قبول قول صاحب اليد، ولا يمكن أن تجعل صغرى لها بحسب الصناعة الفقهية.

ــــــــــ[415]ــــــــــ

(1) اُنظر: مصباح الفقيه 8: 172، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، أحكام الدم المعفوّ، تثبت النجاسة بإخبار صاحب اليد.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وتوضيح ذلك يتوقف على بيان معنى تلك القاعدة، ومعنى قول صاحب اليد.

معنى قاعدة (من ملك شيئاً ملك الاقرار به)

فالحديث فيها تارة في المدرك وأخرى في المفاد.

من حيث المدرك

1- فمدركها إما هو رواية كما تخيّل بعض الفقهاء(1)، بدعوى أنَّها عبارة مشهورة متداولة في كلمات الفقهاء، من سائر المذاهب في الفقه الإسلامي، الأمر الذي يكون قرينة على أنَّ العبارة أخذت بالتلقي عن رسول الله، فتكون – بناءً على هذا التقريب- مرسلة نبوية، وبضم العمل بها من قبل فقهائنا يحصل الانجبار، فتكون رواية معتبرة.

إلَّا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّه لا يوجد في حدود علمي من أدعى أنَّها رواية عن النبي، حتَّى في كتب أهل السنة، وأما وجودها بشكل متظافر في الكتب، فيكفي كونها شعاراً فقهياً صناعياً، إذا ذكر في كتاب أخذه عنه الآخرون، ولم يكن الفقه الشيعي مفصولاً عن الفقه السني، حتَّى يجعل وجودها فيهما دليلاً على كونها رواية، بل كانا على ارتباط يتعرض كل 

ــــــــــ[416]ــــــــــ

() قال الشيخ الأنصاري: “قد اشتهر في ألسنة الفقهاء من زمان الشيخ إلى زماننا قضيّة كلّيّة يذكرونها في مقام الاستدلال بها على ما يتفرّع عليها، كأنّها بنفسها دليلٌ معتبرٌ أو مضمون دليلٍ معتبر، وهي أنّ من ملك شيئاً ملك الإقرار به…” رسائل فقهيّة (الأنصاري): ١٧٩، رسالةٌ في قاعدة من ملك.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

منهما لآراء الآخر، فيكفي ذكرها في كتاب واحد لتذكرها سائر الكتب.

2- وأما أن يكون المدرك فيها هو الارتكاز الفقهي والعقلائي، وهو الصحيح في باب صحَّة هذه القاعدة، وعلى أيّ حال فالبحث في المدرك غير داخل في محلّ الكلام.

من حيث المفاد

وإنما نتكلم عن مفادها لكي نعرف كيف أصبحت قاعدة: (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)(1) توسيعاً لها وتمديداً لمضمونها؟!

قاعدتها الأساسية: (إقرار العقلاء على أنفسهم حجة)

بحسب الحقيقة أنَّ قاعدة (من ملك شيئاً ملك الاقرار به) توسيع لقاعدة أخرى قبلها وهي: أنَّ (إقرار العقلاء، على أنفسهم حجة)، وتوضيحه يستدعي أن نتكلم في معنى هذه القاعدة؛ لنرى كيف أنها توسيع لها، فإنَّ قاعدة إقرار العقلاء من القواعد العقلائيَّة التي أمضاها الشارع ومفادها أنَّ الشخص إذ أقرّ على نفسه فإن إقراره يكون حُجَّة ومقبولاً وهو:

تارة: بلحاظ الأثر الذي يكون تحميلاً وضرراً على الفرد.

ــــــــــ[417]ــــــــــ

(1) لاحظ: رسائل الميرزا القمّي 1: 344، رسالةٌ في الإقرار بالطلاق، عوائد الأيّام في بيان قواعد الأحكام: 488، العائدة 48: نفوذ إقرار العاقل على نفسه، العناوين الفقهيّة 2:630-631، العنوان الحادي والثمانون: قاعدة الإقرار، القواعد الفقهيّة (للبجنوردي) 3:45، القاعدة 27: قاعدة إقرار العقلاء..

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأخرى: بلحاظ أثر فيه نفع للمقرّ.

وثالثة: بلحاظ أثر ليس فيه تحميل ولا نفع للمقرّ، فالأوَّل من قبيل الإقرار بالدين حيث يحمل عليه اشتغال الذمة ووجوب الأداء.

ومثال الثاني: الاعتراف بأبوة أو ببنوة حيث يرثه المقر.

ومثال الثالث: الإقرار بأنَّ هذا الكتاب الذي في يد المقر لزيد، فإن في ثبوت أنَّ الكتاب ليس له تحميل عليه وفي ثبوت كونه لزيد لا تحميل ولا نفع للمقر، من الناحية التشريعية.

وقاعدة إقرار العقلاء تكون حُجَّة في ترتيب الآثار التحميلية بلا إشكال. كما لا ينبغي الإشكال في أنَّها لا تثبت القسم الثاني من الآثار وهي الآثار النفعية؛ لأنَّ المستفاد منها أنَّ هذه الحجية حُجِّيّة للإقرار بلحاظ الأثر التحميلي لا أكثر منه، بقرينة أنَّ الإقرار يستبطن نحواً من الاعتماد والتحميل والوقوع تحت العهدة، كما أنَّ المسؤولية والإقرار أيضاً يستبطن التحميل؛ لأنَّه من القرار وهو وضع الشيء على شيء. 

وأما القسم الثالث من الآثار فهل تثبت بالإقرار أو لا؟ وجهان: 

الوجه الأول: أنَّها تثبت به -وإن كان على خلاف المشهور(1)– بدعوى أنَّ القاعدة وإن كان مفادها المطابقي لا يشمل إلا القسم الأوَّل فقط، لكن المركوز عقلائياً أنَّ حُجِّيّة الإقرار من باب الكشف النوعي والأمارية؛ لأنَّ 

ــــــــــ[418]ــــــــــ

(1) راجع: المصادر المتقدِّمة في الهامش السابق.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

العاقل لا يسجل على نفسه تحميلاً وضرراً جزافاً، ما لم يعلم بصدقه. ولعلّ ذلك أقوى من قرينية وثاقة المخبر، ولهذا قدّموها على البيِّنة فضلاً عن خبر الثقة. نعم، لا تشمل القاعدة القسم الثاني؛ لأنَّها أمور نفعية فقد يقر العاقل كذباً لأجل نفع نفسه.

إلا أنَّ هذا الوجه غير تام: لأنَّ الإقرار ينحل إلى إخبارين:

أحدهما: أنَّ الكتاب ليس له. 

ثانيهما: أنَّه لزيد، والأمارية موجودة في الإخبار الأوَّل دون الثاني. فلا يلزم من حجيته في أحدهما حجيته في الآخر، إلا إذا علم التلازم صدفة بين عدم كونه له وكونه لزيد. 

الوجه الثاني: الصحيح أنَّ الإقرار لا يكون حُجَّة في إثبات الأثر الثالث.

نعم، في خصوص المثال: وهو ما لو أقرّ أنَّ الكتاب الذي تحت يده ملك زيد، فإنَّه يُقبل منه، حتَّى أنهم استدلوا بقبوله على حُجِّيّة قول صاحب اليد. ولكن ليس ترتيب الأثر عليه باعتبار حُجِّيّة الإقرار بل من باب ضم الإقرار إلى اليد. لأنَّه قبل أن يقر كان الكتاب تحت يده فكانت يده أمارة على نفي تمام ملكيات الآخرين، وقد أصبح هذا لزيد بالإقرار، فتبقى سائر دلالات قاعدة اليد. 

وبعبارة أخرى: أنَّ قاعدة اليد تقول: هذا الكتاب ليس لغير زيد. والإقرار يقول: إنَّه ليس للمقر، فيتعين كونه لزيد. وتمام الكلام في محلِّه.

ــــــــــ[419]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

مفاد القاعدة التوسيعية (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)

التي قلنا إنَّها تمديد وتوسيع لقاعدة (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز)، هي قاعدة: (من ملك شيئاً ملك الإقرار به). وإنَّما كانت توسيعاً لها لأنَّنا لو بقينا مع القاعدة الأُولى لما أمكننا أن نحكم بنفوذ الإقرار لو صدر من شخص غير ذلك الذي يقع التحميل عليه. فلو أنَّ الوكيل في الإبراء أو الطلاق أو استيفاء الدين قال: أبرأت أو طلقت فإنَّه لا ينطبق هذا على قاعدة إقرار العقلاء؛ لأنَّ جنبته التحميلية تقع على عاتق الموكل، لا الوكيل المقر. لذا كانت القاعدة الأخرى متممة لها.

ومرجعها إلى أنَّه كان تحت سلطانه ونفوذه. ومعنى كون الشيء تحت سلطانه يعني نفوذ أمره ونهيه فيه، ومعنى أنَّ التحميل نافذ عليه يعني أنَّه لو أقرّ بشيء فإنَّه يتسجل على من يجب أن يتسجل عليه. فإن من هو نافذ قراره في الإبراء هما شخصان: الوكيل والموكل. فيكون مالكاً للإقرار به أيضاً وتسجيله على الجهة التي يجب أن يسجل عليها وهو الدائن الموكل.

وإن شئتم قلتم: إنَّ مفاد هذه القاعدة أنَّ ما هو مسلط عليه ثبوتاً يكون مسلطاً عليه إثباتاً بمقدار كونه تحميلاً. وقد ثبت ذلك بقاعدة إقرار العقلاء على نفس المقر وبهذه القاعدة على الموكل. فهذه القاعدة توسيع لدائرة من يصدر منه الإقرار لا توسيع للآثار التي ثبتت بالإقرار، فإنَّها لا زالت خاصة بالآثار التحميلية.

نعم، هناك كلام في أنَّ هذا التوكيل هل هو بلحاظ تمام الآثار أو 

ــــــــــ[420]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بعضها؟ يعني هل يكتسب إقرار الوكيل نفس القوة التي لإقرار الموكل على نفسه؟ أو أنَّه أقلّ منه؟

فإقرار الموكِّل على نفسه بالإبراء حاكم على البينة، فهل حُجِّيّة إقرار الوكيل كذلك، بحيث لو أقام الموكِّل بيِّنة على أنَّه لم يبرئه لم تقبل، أو لا؟  بحث في درجة الحُجِّيّة لإقرار الوكيل، لكن من حيث دائرة الآثار التي ثبتت فيها الحُجِّيّة، هي نفسها تلك الآثار التي ثبتت فيها حُجِّيّة إقرار الموكل، فقد اتضح معنى هذه القاعدة.

حجية قول صاحب اليد من حيث القاعدة

الآن نأتي إلى حُجِّيّة قول صاحب اليد حتَّى نعرف أنَّها لا يمكن جعلها صغرى من قاعدة: من ملك شيئاً ملك الإقرار به، كما أفاده المحقق الهمداني(1) في مصباحه؛ لأنَّنا في قاعدة حُجِّيّة إخبار صاحب اليد نتكلم عن أنَّه هل يكون إخباره حُجَّة في إثبات آثارٍ ليست في ضرره ولا هي تحميلات عليه؟ فهذا هو الأثر المرغوب منه، وهذا أجنبي عن مورد تلك القاعدة، فان موردها هو خصوص الآثار التحميلية التي يكون الشخص مسؤولاً فيها أمام القانون، فكيف يمكن أن يُقال إنَّ هذه القاعدة تعود بحسب الارتكاز العقلائي والفقهي إلى تلك القاعدة؟! وبهذا بطل التصعيد الثاني في كلماتهم.

ــــــــــ[421]ــــــــــ

(1) اُنظر: مصباح الفقيه 8: 172، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، أحكام الدم المعفوّ، تثبت النجاسة بإخبار صاحب اليد.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بلحاظ التصعيد الأول

أما التصعيد الأوَّل وهو أنَّ هذا يعبر عن كبرى كلية في إخبار صاحب اليد في خصوصيات المال الذي تحت سلطانه سواء كان مما يعود إلى الطهارة والنجاسة أو مما يعود إلى غيره. هذا التصعيد برهنوا عليه بجمع الأمثلة والنظائر فقالوا: إنَّ إخبار صاحب اليد يكون حُجَّة في أنَّ هذا المال ملك له أو عارية أو إجارة أو رهن أو كونه لزيد أو كونه طاهراً أو نجساً أو قليلاً أو كثيراً -يعني الكر- فحدسوا أنَّ هذه الكبرى مركوزه في الأذهان العقلائية.

بحسب الحقيقة يوجد إجمال وغموض في هذه الأمثلة، بمعنى أنَّه لا يمكن إرجاعها جميعاً إلى هذه القاعدة. يعني أنَّنا نسلِّم أنَّ صاحب اليد يقبل قوله في أكثر هذه الأمور، لكن هذا لا يكون شاهداً على كبرى أنَّه يقبل قول صاحب اليد في الطهارة والنجاسة.

المناقشة في الأمثلة التي سيقت لاستنباط القاعدة

وتوضيح ذلك: أنَّ أكثر الشواهد إما جزماً أو احتمالاً ترجع إلى حُجِّيّة نفس اليد لا حُجِّيّة إخبار صاحب اليد، ونحن نفتش عن كبرى حُجِّيّة إخباره.

فأول ما يثبت باليد هو الملكية يعني الاختصاص بالمال من جميع الجهات. ومن المعلوم أنَّ هذا لا ربط للإخبار به أصلاً. فإن ما هو أمارة على الملكية هو نفس اليد خارجاً لا إخبار صاحبها. فإن اليد أمارة عقلائيَّة ممضاة شرعاً لكونه مالكاً حتَّى لو لم ينضم إليه إخباره؛ لأنَّ مقتضى الطبع 

ــــــــــ[422]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

هو أن يكون المال تحت يد مالكه فإن الغصب خلاف الطبع. وأين هذا من باب الطهارة والنجاسة. فإن كون الشيء تحت يده لا يدلُّ على كونه طاهراً أو نجساً.

إذن فثبوت الملكية ليس من مصاديق كبرى إخبار صاحب اليد حتَّى نطبقها على باب الطهارة والنجاسة.

ونفس الشيء يأتي في باب الإجارة والعارية والرهن ونحوه، وإن كان هناك أخفى لأنَّ الغالب في أنَّ الإجارة أو الوديعة أو الرهن إنما يحصل البناء عليها بإخباره، ومن هنا قد يتخيل أنَّ إثبات هذه العناوين يكون بإخبار صاحب اليد.

لكن يُقال إنَّها بالدقة ليست من باب حُجِّيّة إخبار ذي اليد بل باعتبار حُجِّيّة اليد نفسها. ويكون الإخبار استثناء من اليد من باب أنَّه إقرار لا من باب أنَّه شهادة. فإن اليد تثبت تمام مراتب الاختصاص، فإن ثبت بدليل حاكم على اليد نفى بعض المراتب، فإنه يكون استثناء منها، ويبقى الباقي ثابتاً بقاعدة اليد نفسه.

كما لو رأينا عند فقير (كومة) من الذهب، فإنَّنا نقطع عادةً أنَّها ليست له. فدلالة يده على هذه المرتبة العليا من الاختصاص قد انتفت.

وأما دلالتها على ما دونها كالعارية والوديعة ونحوها وأنَّ له فيه حقّاً مشروعاً للتصرف فيبقى ثابتاً باليد. فكما يكون العلم الخارجي استثناء كذلك لو أقرّ أنَّ المال ليس له.

ــــــــــ[423]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإنه بلحاظ نفي الملكية بمرتبتها العليا إقرار وبما هو مثبت للعارية شهادة، ونحن نقبله إقراراً فيكون حاكماً على قاعدة اليد. فتخرج الملكية عن المرتبة العليا والباقي يبقى ثابتاً باليد لا بشهادته.

إذن فثبوت هذه العناوين ليس من باب حُجِّيّة الشهادة حتَّى يرجع إلى كبراها لكي نطبقها في باب الطهارة والنجاسة(1).

ومن جملة هذه الشواهد: إخبار ذي اليد بأنَّ المال لزيد. فهل يجوز هذا من باب حُجِّيّة إخبار صاحب اليد، كما قد جعله في المستمسك(2) من أدلَّة هذه الحُجِّيّة؟

لكن في الإمكان أن يرجع إلى التلفيق بين اليد والإقرار، كما هو الحال في العارية؛ لأنَّ اليد لها اقتضاءات إيجابيّة وسلبيّة، فالإيجابيّة هي أنَّ المال هو لصاحب اليد، والسلبيّة وهي أنَّه ليس لغيره ممن يده من المال صفر. فإنَّه كما 

ــــــــــ[424]ــــــــــ

() وحين سألنا السيد عن أنَّ ما يثبت حينئذٍ هو جامع عدم الملكية دون الخصوصيات الأخرى. 

فقال: إن كان بين الإجارة والعارية والوديعة ونحوها ما فيه أقوى وأضعف كما لو قلنا: إنَّ الإجارة هي ملكية المنفعة، والعارية ملكية الانتفاع. فثبت باليد المرتبة العليا منها. وإن كانت على قدم المساواة من هذه الناحية لم يثبت شيء منها، (المقرر).

(2) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى 1: 208، كتاب الطهارة، فصلٌ: في ماء البئر، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أنَّ وجدان المال يدلُّ على الملكية، كذلك عدمه يدلُّ على عدمها. فيكون لليد ثلاث دلالات: 

إحداها: أنَّه لزيد.

ثانيها: أنَّه ليس لزيد. 

وثالثها: أنَّه ليس لعمرو. 

وبالإقرار سقطت دلالتها الأولى. وبشهادته أنَّه لزيد تسقط دلالتها الثانية؛ لأنَّ دلالة اليد مشروطة دائماً بأن لا يخبر صاحبها على خلافها.

وأما الدلالة الثالثة فتبقى على حالها، فبالإقرار ننفي أنَّ المال لصاحب اليد وبدلالة اليد ننفي كونه لعمرو فيتعين كونه لزيد، ويكون أثر شهادته أنَّه مسقط لإحدى دلالات اليد لا أنَّه مثبت كونه لزيد، كما عليه في المستمسك.

إذن فأكثر الشواهد التي ذكرت في كلماتهم لا تنطبق على هذه الكبرى.

التسليم بكبرى قول صاحب اليد

إلَّا أنَّ هذه المناقشات التي ذكرناها، هي مناقشات في الجنبة الصناعية لهذا التصعيد، فإنَّنا لو لم نستعن بهذه الأمثلة ناقشنا في أصل هذا التصعيد، وهو أنَّ صاحب اليد يقبل قوله في الحيثيات الراجعة إلى ما يكون تحت يده. وهي كبرى مركوزة في الأذهان العقلائية، لا باعتبار موضوعية صاحب اليد بما هو صاحب اليد. بل باعتبار الكاشفيَّة التي يستند إليها العقلاء، ولو لم يكن ثقة، يتميز بها عن غيره ولو لم يكن ثقة أيضاً. وهذا المائز هو الأخبرية 

ــــــــــ[425]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النوعية، فإن مقتضى الطبع هو أن يكون صاحب اليد أخبر بشؤون ما يكون تحت يده من غيره، فقوله قول الخبير بما تحت يده بخلاف غيره، فهذه هي النكتة الارتكازية لا مجرَّد كونه صاحب اليد. 

فلهذا لا ينبغي أن نجمد على عنوان (قول صاحب اليد) ونتعامل مع هذه العبارة كما لو كانت واردة في دليل لفظي، فإنَّها لم ترد كذلك، وإنما هي معقد للارتكاز العقلائي النوعي بنكتة الأخبرية. فلو تحققت اليد دون الأخبرية فإنَّنا لا نبني على حُجِّيّة قوله.

وهذا قد يتفق بالنسبة إلى بعض حيثيات المال، فإن مجرَّد كون الشيء واقعاً تحت يده لا يجعله أخبر بتمام خصوصياته وشؤونه، فمن ذلك جهة القبلة فإن كونه صاحب اليد على الدار لا يستلزم كونه أخبر من غيره، وكم فرق بين ذلك وبين إخباره عن الماء الذي عنده بالطهارة والنجاسة أو القلة أو الكثرة، فإنَّه أخبر بالحوادث التي تقع عليه من ناحية حسية. وليس كذلك الخصوصيات الأخرى ككونه جيران المسجد. 

ففي المورد الذي ليس مقتضى طبع اليد الأخبرية حسّاً، لا يقبل قوله، كما لو كان تحت يده عبد مستقلّ في تحركاته وإرادته عن مولاه، فإذا شهد بطهارته ونجاسته لم يقبل، وإن كان العبد تحت يده.

وما يكون بحسب طبع اليد حسّاً، كون صاحبها أخبر من غيره قُبِل قوله فيه. كالطهارة والنجاسة والقلة والكثرة، فإنَّها قاعدة مركوزة ولم يردع عنها، فتكون حُجَّة.

ــــــــــ[426]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الميزان هو إمضاء النكتة لا ذات العمل الخارجي

من دون فرق بين أن يكون المورد مورداً متعارفاً في عصر الأئمة أو لم يكن. خلافاً للسيد الأستاذ(1) الذي استشكل في حُجِّيّة إخبار صاحب اليد عن القلّة والكثرة في الماء، بدعوى أنَّه في أيام الأئمة لم يكن الكر رائجاً له مصاديق كثيرة في الخارج، حتَّى يرى أنَّ السيرة الجارية على طبق اليد لم يردع عنها. إذ لعلها لو كانت موجودة لردع عنها. فقد كانت السيرة سالبة بانتفاء الموضوع فلا يمكن البناء على حجيتها.

هذا الكلام يجب إرجاعه إلى بحث كبروي في الأصول، ذكرناه في أوائل بحث الظنّ(2)، من أنَّ إمضاء السيرة هل ينصبّ على مقدار العمل الخارجي الموجود في عصرهم؟ أو ينصبّ على النكتة التي صدر منها العمل الخارجي؟ وهذا البحث له فوائد جليلة في الأمور التي نثبت بالسيرة حكمها، إذ قد تكون النكتة أوسع. 

وقد ذكرنا هناك أنَّ الصحيح هو استفادة الإمضاء بالنكتة لا من مجرَّد العمل، فينبغي ربط الإشكال بهذه الكبرى فإذا اقتصرنا على إمضاء العمل 

ــــــــــ[427]ــــــــــ

(1) راجع: فقه الشيعة 2: 85-86، كتاب الطهارة، فصلٌ: في ماء البئر، المسألة 9، التنقيح في شرح العروة الوثقى ٢: 328، كتاب الطهارة، فصلٌ في ماء البئر، المسألة 9.

(2) اُنظر: بحوث في علم الأصول 4: 246، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الظنّ، حُجِّيّة السيرة، الجهة الرابعة: في مقدار مفاد الإمضاء للسيرة العقلائيّة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كان ما قاله تامّاً وأما إذا قلنا بأنَّ الإمضاء ينصب على النكتة المركوزة، فالنكتة كانت موجودة وهي مسألة الأخبرية النوعية، فتكون ممضاة.

فالصحيح أن يُقال: إنَّه لا فرق في هذه الكبرى، بين أن يكون لها مصاديق عملية في زمان الأئمة، أو لا؛ لأنَّ الميزان هو إمضاء النكتة لا العمل الخارجي، فهذه الكبرى نقبلها، وهو قبول قول صاحب اليد فيما هو أخبر به.

شبهة إجمال العمل مع إمكان تفسيره بنكتة أخرى غير اليد

وأما ما قالوه -قبل التصعيدين- من أنَّ السيرة العقلائية، قائمة على قبول قول صاحب اليد في الطهارة والنجاسة، فلا إشكال في قبولها أيضاً
-كما عرفنا الآن- لكن هناك مناقشات صناعية في كيفية تقريب هذه السيرة، حيث قالوا إنَّ الشاهد عليها أنه:

–  لو سلَّم إلى الغسال ثيابه فإنَّه يصدقه بالطهارة.

– أو سلَّم إلى الحجام ظهره فإنَّه يصدقه بزوال الدم.

– أو في دخول الإنسان إلى دار الآخرين، وهو يعلم إجمالاً أنَّ كثيراً من الأشياء التي هناك ابتليت بالنجاسة على مرّ الزمان.

فيبني على الطهارة، ويرفع اليد عن استصحاب النجاسة بقول صاحب اليد، ولا يطالبه بالبيِّنة.

فلو كُنَّا نريد استفادة الكبرى من هذه الشواهد، لأمكننا أن نستشكل في ذلك لأنَّنا يجب أن نستشهد بشواهد لا يكون فيها احتمال تفسير العمل 

ــــــــــ[428]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

على أساس نكتة أخرى غير قول صاحب اليد، ولو كان فيها مثل هذا الاحتمال يكون العمل مجملاً، وعلى هذا فالأمثلة محلّ إشكال من هذه الناحية، إذ بالإمكان أن يُقال في بعضها: 

إنَّ نكتة البناء على الطهارة هو تصديق الأمين فيما أؤتمن عليه لا باعتبار صاحب اليد. كالحجام والغسالة. ولعله يفرق بينه وبين شخص لم يؤتمن على ذلك. فلا يمكن الاستدلال بذلك على قبول قول صاحب اليد.

وبالنسبة إلى البعض الآخر، يمكن أن يكون من باب إجراء أصالة الصحة، فإذا شهد الحجام بعدم وجود الدم، فإن أصل صدور الغسل محرز؛ لأنَّ الفرد يحسّ بالماء على ظهره، ويشكّ في تمامية الغسل فيبني على الصحة وهي أصل عقلائي، وقد ورد التعليل بالامتنان في بعض الروايات، مما يؤيد ما ذكرناه كرواية عبد الأعلى عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الحجامة أفيها وضوء؟ قال: لَا، وَلَا يَغْسِلُ مَكَانَهَا؛ لِأَنَّ الْحَجَّامَ مُؤْتَمَنٌ إِذَا كَانَ يُنَظِّفُهُ وَلَمْ يَكُنْ صَبِيّاً صَغِيراً”(1)، وكذلك إذا دخلنا بيت زيد فلعلّ ذلك يكون من باب توارد الحالتين.

فإنَّه كما يعلم إجمالاً أنَّ بعض الأواني قد تنجست، فإنَّه يعلم إجمالاً 

ــــــــــ[429]ــــــــــ

() النجاسات، باب 56، (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 349-350، كتاب الطهارة، الباب 14، الحديث 23، الوافي 6: 186، كتاب الطهارة، باب التطهير من الدم، الحديث 4066، وسائل الشيعة 3: 499، كتاب الطهارة، الباب 56 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

أيضاً أنَّها غسلت على طول الزمان، وحينئذٍ يكون مقتضى الأصل هو الطهارة بينما تساقط الاستصحابان، ومن يغفل عن العلم الأوَّل يغفل عن العلم الثاني، ومن يلتفت إلى العلم الثاني يلتفت إلى العلم الأول.

ولهذا لا نأتي ونسأله عن طهارة ما نستعمله، إلا بنحو العادة السيئة للوسواسي، وهو غير موجود لدى العقلاء، فليس المدار هو إخبار ذي اليد. وهذه الأمثلة مجملة.

فهذه لا تصلح أن تكون شواهد للكبرى وإن كانت الكبرى صحيحة ومطابقة للارتكاز العقلائي، بل مصعدة إلى ارتكاز الرجوع في كل مطلب إلى الأخبر فيه، والتعبّد باليد ليس مورداً للتعبد عقلائياً فإن العقلاء ليس عندهم تعبدات، بل لا بُدّ من إرجاعها إلى ملاك للكاشفيَّة والأماريَّة، وليس هو الوثاقة؛ لأنَّها ليست شرطاً عند العقلاء، بل هو الأخبريَّة. وهي ممضاة بمقدار النكتة وتكون حاكمة على الدليل وموسعة له.

فهذا هو الوجه الأوَّل في إثبات حُجِّيّة خبر صاحب اليد في باب الطهارة والنجاسة، وهو أهمّ الأدلة.

الدليل الثاني: التمسّك بأدلّة رفع الحرج

ما هو منتزع من بعض التقريبات السابقة، وهي أنَّ كل إنسان يعلم أنَّ الغير يُبتلى بالنجاسة، فلو بنى على عدم حُجِّيّة قول صاحب اليد لأدّى ذلك إلى الحرج الشديد والمشقة العظيمة، ولتوقف تعامل الناس مع الآخرين 

ــــــــــ[430]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

باعتبار جريان استصحاب النجاسة.

وهذا البيان بصيغته الساذجة واضح الجواب: وهو أنَّ القواعد النافية للحرج لا تثبت حُجِّيّة قول صاحب اليد، ولا إلغاء استصحاب النجاسة؛ لأنَّ الحرج إنما يقع في الأحكام التكليفية لا في النجاسة بما هي، فلتُرفع اليد عن هذا المقدار الذي به الحرج، ومعه فإثبات حُجِّيّة قول صاحب اليد بأدلة العسر والحرج ليس أمراً صناعياً.

والصيغة المعمقة لهذا البيان: ما نحاوله من استفادة الحُجِّيّة من دليل آخر غير دليل الحرج، بأن يُقال: إنَّ هنا صغرى وجدانيّة -مثلاً- هي أنَّه لو لم يبنِ على قول صاحب اليد يلزم الحرج لجريان استصحاب النجاسة. 

ويضم إليه أمر آخر من تعليل حُجِّيّة اليد في أخبار اليد ومن أنَّه لولاها لم يقم للمسلمين سوق، فإن مرجعه إلى ثبوت مرتبة من الحرج لولا جعل حُجِّيّة اليد.

فيقتنص من ذلك كبرى عرفيَّة هي أنَّه أي أمارة لو لم تجعل حُجَّة للزم الحرج بمستوى توقف سوق المسلمين، فتكون حجة، فهنا لو لم يكن إخبار صاحب اليد حُجَّة لوقع الناس في حرج شديد، فيكون حُجَّة.

وهذا التقريب وإن كان أحسن من سابقه، إلا أنَّه لا محصّل له؛ لما بيناه من أنَّه لا يلزم حرج أصلاً، من عدم جعل حُجِّيّة قول صاحب اليد؛ لأنَّه يكون مورداً لتوارد الحالتين، على ما قلنا.

فيرجع إلى أصالة الطهارة، أو أصالة الصحة. وما لا يكون مورداً 

ــــــــــ[431]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لتوارد الحالتين، لا يلزم منه الحرج وتعطل المعاشرة. وعلى أيّ حال فهذا الوجه لو تمَّ فهو دليل على حُجِّيّة قول صاحب اليد، في الطهارة دون النجاسة.

الدليل الثالث: الروايات

الأولى: روايات الاستصباح بالدهن المتنجس

التي سبق أن ذكرناها في الاستدلال على حُجِّيّة خبر الثقة(1).

والغالب في مثل المقام حصول العلم، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها. فالاستدلال بروايات الاستصباح غير تامّ. 

الثانية: رواية بكر بن حبيب

ومن الروايات التي يستدلُّ بها على حُجِّيّة قول صاحب اليد. رواية بكر بن حبيب السابقة في وضع الإنفحة في الجبن: “اشْتَرِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ” (2)

ــــــــــ[432]ــــــــــ

() أقول: ذكر السيد نفس التقريب السابق مع بعض الإشكالات السابقة وقال فيما قال: والمفروغية وإن كانت مناسبة مع الحُجَّة لكن لم يكن التسليم مسوقاً لبيان الحُجِّيّة، وإنما كان مسوقاً لبيان وظيفة البائع، لا لبيان وظيفة المشتري، فلا يمكن التمسّك بإطلاق كلام الإمام لإثبات أنَّ مِن وظيفة المشتري -حتى لو لم يحصل له العلم من كلام البائع- التعبّد بكلامه، (المقرر).

(2) المحاسن (البرقي) 2: 496، كتاب المأكل، الباب 77، الحديث 598، وسائل الشيعة 25: 118-119، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ببيان: أنَّ النهي عن السؤال عن شيء ليس المراد به التحريم، إذ من الواضح أنَّه ليس من المحرمات، وإنما أُريد به الفرار من محذور يترتب على السؤال. ومن المعلوم أنَّ هذا يكون كاشفاً من أنَّ هذا الشخص لو سئل وأجاب البائع: بأنَّ في الجبن ميتة؛ لكان يقبل قول البائع، وهو معنى الحُجِّيّة، إذ لولاه لا يكون هناك محذور، فيكشف عن حُجِّيّة قول البائع. ولا تكون حجيته بما هو بائع بل بما هو صاحب اليد لإلغاء خصوصية البائع عرفاً.

إلَّا أنَّ هذا غير تامّ وتحقيق الجواب عن ذلك: أنَّه يوجد ثلاثة احتمالات في الرواية بعد بطلان حمله على الحرمة التكليفية: 

الاحتمال الأول: ما ذكرناه في مقام الاستدلال بالرواية وهو أنَّ النهي إرشاد إلى مغبّة السؤال ووجوب قبوله.

الاحتمال الثاني: أنَّ يكون النهي نهياً عن شيء في مورد توهم الوجوب فيكون دالاً على نفي الوجوب فقط. فيكون المراد من السؤال هو الفحص والفحص في الشبهة الموضوعية مظنة الوجوب في نفسه وعدم جريان الأصول المؤمّنة لولاه. فيكون مرجع النهي إلى نفي وجوب الفحص. ومعناه التحويل على الأصول المؤمّنة قبل الفحص.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد بيان أنَّ حُجِّيّة يد المسلم في مقام نفي 

ــــــــــ[433]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الميتة ليست مشروطة بأن يخبر مسلم بذلك، بل هي مطلقة من هذه الناحية، فإنَّه لا إشكال أنَّ يده حُجَّة في إثبات كونه مذكى. فهل هي حُجَّة بمجردها أو هي حُجَّة مع إخباره؟ 

فيكون النهي في مقام بيان أنَّ نفس تعريض المسلم الشيء للبيع ونحوه مما يشترط فيه الطهارة كافٍ في الحُجِّيّة، وغير مشروط بالسؤال(1).

أما الاحتمال الأول: فهو يناسب مع حُجِّيّة إخبار صاحب اليد ولا يكون فيه إلا شيء واحد وهو ما أشرنا إليه فيما سبق من أنَّ إخبار صاحب اليد إذا كان على خلاف مصلحته فهو نحو من الإقرار بحسب الفهم العرفي ولا إشكال أنَّ مورد الرواية كذلك. وحُجِّيّة الإخبارات الإقرارية من صاحب اليد لا يمكن التعدي منها إلى الإخبارات الأخرى لأنَّ نكتة الإقرار من العناوين العقلائيَّة التي يحتمل دخلها عقلائياً في الحجية.

وأما بناء على الاحتمال الثاني: وهو النهي عن الفحص، فهو يكون أجنبياً عن حُجِّيّة إخبار صاحب اليد، وإنما معناه أنَّ الأصول المرخصة يجب الرجوع إليها ولهذا لم يخصّص السؤال عن خصوص البائع بل يعم النهي للسؤال عن حال البائع نفسه.

وأما على الاحتمال الثالث: فهو مسألة أخرى غير مسألة حُجِّيّة قول 

ــــــــــ[434]ــــــــــ

() وهنا قلت له ما مؤدّاه: إنَّه كان يُعلم إجمالاً بوجود الميتة عند بعض البائعين، فتسقط حُجِّيّة اليد. ومعه يكون قول صاحب اليد حُجَّة. 

فأجاب: أنَّ هذا العلم الإجمالي غير منجز لخروج أكثر أطرافه عن محلّ الابتلاء، (المقرر). 

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

صاحب اليد، وهو أنَّ ما استعمله المسلم فيما يشترط فيه التذكية كالأكل والبيع يكون عمله حُجَّة في إثبات التذكية والطهارة. يبقى الاستفهام عن أنَّ هذا هل هو منوط بالسؤال أو لا؟ يجيب الإمام: (أنه لا يحتاج إلى سؤال).

ومبنياً على هذا التشريح يوجد احتمال آخر:

الاحتمال الرابع: وهو أنَّ هذه الأمارة منوطة بأن لا يشهد نفس المسلم على خلافها. وحينئذٍ فلعلّ النهي عن السؤال هو باعتبار ألا يخبر هذا الشخص عن كونه فيه ميتة بحيث يمنع عن جريان أصالة الصحة وعلى كل حال يكون أجنبياً عن حُجِّيّة قول صاحب اليد.

هذا مضافاً إلى ما بيناه من أنَّ المشكلة مبنية على مطلب وهمي وهو نجاسة الإنفحة، مع أنَّها محكوم عليها بالطهارة بين علمائنا(1)، وهي مستثناة من حكم الميتة.

الثالثة: رواية عبد الله بن بكير 

ومما يستدلُّ به في المقام رواية عبد الله بن بكير قال: “سألت أبا عبد 

ــــــــــ[435]ــــــــــ

() لاحظ: النهاية في مجرَّد الفقه والفتاوى: 585، كتاب الصيد والذبائح، بابُ ما يحلّ من الميتة، تحرير الأحكام الشرعيّة 1: 157، كتاب الطهارة، المقصد الخامس: في النجاسات، الفصل الأوّل، الخامس: الميتة من كلّ حيوان ذي نفس سائلة، مجمع الفائدة والبرهان 11: 223، كتاب الصيد وتوابعه، المقصد الثالث، الباب الأوّل: في حال الاختيار، الخامس: الجامدات.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الله في رجل أعار رجلاً ثوباً فصلى فيه وهو لا يصلي فيه، فقال: لَا يُعْلِمُهُ‏. قلت: فإن أَعْلَمَه؟ قال: يُعِيدُ”(1). وقد سبق ذكرها.

والاستدلال بها بلحاظ إحدى فقرتين فيها:

الفقرة الأولى: قوله: “لَا يُعْلِمُهُ‏”. بتقريب: أنَّ المقصود من الإعلام في أمثال المقام هو الإخبار لا إيجاد العلم لأنَّه ليس باختياره وغاية ما هو تحت اختياره هو الإخبار. فحينئذٍ يقرب الاستدلال على الحجية بنحو ما قربنا به الاستدلال برواية الجبن على الحجية. بناء على الاحتمال الأوَّل فيها، إلا أنَّه حينئذٍ لا يكون تامّاً:

أما أوَّلاً: فلأنَّنا لو سلمنا أنَّ النهي عن الإعلام أو الإخبار كان بلحاظ مغبة محذور الإخبار للمستعير فمن قال إنَّ المحذور هو وجوب القبول تعبداً، بل لعلّ المحذور هو أنَّ الإخبار يولد العلم كما هو الغالب لدى المستعير والعلم حُجَّة عقلاً، ويكفي هذا محذوراً للإخبار عن كونه مظنة إيجاد العلم. وهذا بنفسه يرد على الاستدلال بتلك الرواية بناءً على الاحتمال الأول.

وأما ثانياً: فإن قوله: “لَا يُعْلِمُهُ‏” لعله نهي في مورد توهم الوجوب، فإن المعير يحتمل أن يكون في عهدته طهارة الثوب، ويجب أو يستحب أن يخبر بها الطرف الآخر، حتَّى لا يقع في مخالفة واقعية. 

ــــــــــ[436]ــــــــــ

(1) قرب الإسناد: 169، أحاديث متفرّقة، الحديث 620، وسائل الشيعة 3: 488، كتاب الطهارة، الباب47 من أبواب النجاسات، الحديث 3، بحار الأنوار 80: 266، كتاب الصلاة، الباب 8، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فالإمام -لو صح الحديث- لا يجب ولا يستحب الإخبار. فلا يكون دالاً على أكثر من نفي الوجوب ولا يكون دالاً على إثبات الحجية.

الفقرة الثانية: قول: “يُعِيدُ”، بتقريب أن يُقال: إنَّه فرض صدور الاخبار من صاحب اليد فقال الإمام:”يُعِيدُ”، ومقتضى إطلاقه أنَّه يعيد مطلقاً سواء حصل له العلم من اخبار صاحب اليد أو لا. وإطلاقه لحالة عدم حصول العلم ينبئ عن الحجية وإلا لم تجب الإعادة حينئذٍ.

وهذا يوجد فيه ثلاث مناقشات بعضها غير تامّ وبعضها تامّ:

المناقشة الأولى: أنَّ السائل حين قال: (فإن أعلمه) كان له جهة من الاستشكال مجهولة، فما هي؟ وما يتصور أن يكون جهة لاستشكاله جهتان:

الجهة الأولى: أنَّه لا يدري أنَّ اخبار صاحب اليد هل هو حُجَّة ثبت به النجاسة أو لا؟ 

الجهة الثانية: أن يعلم أنَّ إخباره حجة، وقد صلّى المستعير في الثوب النجس، فهل الصلاة الواقعة في الثوب النجس جهلاً مجزية شرعاً أو لا؟ فإن فرض أنَّ جهة استشكاله هي الجهة الأولى، فيكون دليلاً على أنَّ خبر صاحب اليد مثبت للنجاسة. وأما إذا كانت جهة استشكاله هي الثانية، فلا يكون في الجواب تعرّض إلى أنَّه متى تثبت النجاسة ومتى لا تثبت، ولا يكون ناظراً إلى جهة ثبوت النجاسة.

هذه المناقشة -إلى هنا- يمكن دفعها بأن يقال: إذا لم يتبين أنَّ جهة السؤال هل هي الأُولى أو الثانية؟ فيمكن التمسّك بإطلاق الجواب لكِلتا 

ــــــــــ[437]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الناحيتين. فإن وجوب إعادة الصلاة مبني على كِلتا الجهتين أو المقدمتين: 

إحداهما الصغرى: وهو أن يكون إخبار صاحب اليد مثبتاً للنجاسة.

ثانيهما الكبرى: وهي أن تكون الصلاة في الثوب النجس جهلاً باطلة، وحيث لا يتعين أن يكون السائل ناظراً إلى الكبرى أو الصغرى يتعين للجواب ظهور في النتيجة، فيكون له نظر إلى كِلتا المقدمتين؛ لأنَّ النتيجة فرع كِلتيهما. ومعه يمكن التمسّك بإطلاقه لإثبات الصغرى، وأنَّه تجب إعادة الصلاة سواء ثبتت الصغرى بالوجدان أو بالتعبد.

المناقشة الثانية: أنَّ قوله “يُعِيدُ”، له مدلولان مطابقي والتزامي:

فالمدلول المطابقي: هو الإعادة إما وضعاً بمعنى الإرشاد إلى بطلان الصلاة كما هو الصحيح. أو تكليفاً بمعنى الإلزام بالإعادة.

والمدلول الالتزامي: هو أنَّ خبر صاحب اليد حُجَّة. 

ولا يمكن الالتزام بالمدلول المطابقي والتمسك به لدلالة الأخبار الصحيحة على عدم وجوب الإعادة للصلاة في النجاسة جهلاً(1)، فيكون المدلول المطابقي ساقطاً. ومعه تسقط الدلالة الالتزامية، فلا يمكن الاستدلال بها على الحجّيّة(2).

ــــــــــ[438]ــــــــــ

(1) الكافي ٦: ٤١٨، كتاب الصلاة، الباب ٦١، باب: الرجل يصلّي في الثوب وهو غير طاهر عالماً أو جاهلاً.

(2) راجع: مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 1: 461، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 14.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وصحة هذه المناقشة مربوط باستظهار عرفي هو استظهار الطولية بين المدلولين وإنَّنا بعد أن نستظهر الإلزام بالإعادة نفهم أنَّ خبر صاحب اليد حُجَّة في إثبات النجاسة. حينئذٍ يصبح المدلول الثاني التزامياً ويسقط بسقوط المدلول المطابقي، وأما إذا استفدناهما من (يعيد) في عرض واحد، غاية الأمر أنَّنا نرفع اليد عن الإلزام فيه، فيصير بابه باب التفكيك بين المدلولين المطابقيين وهو غير مسقط للآخر.

إلا أنَّ المناقشة الثالثة هي المناقشة التي لا يمكن الفرار عنها: وهي في الحقيقة تعميق للمناقشة الأُولى بأن نقول: إنَّه من المحتمل قوياً ألا يكون نظر السائل إلى الصغرى، وهي أنَّ النجاسة هل ثبتت بخبر صاحب اليد أو لا؟ بل فرغ عن ثبوتها إما بالعلم أو بالتعبد ويسأل عن الكبرى وهي أنَّ الصلاة في النجس مجزية أو لا. وهنا نبرز ما هو محتمل القرينية بحيث يوجب إجمال الرواية، وهو قوله (صلى فيه) فإنَّه مشعر بأن السائل فرغ عن أنَّه لو وقع الإخبار قبل ذلك لما صلّى فيه. فنظره إلى أنَّ هذا الإخبار الذي ينجز الأمر لو وقع قبل الصلاة، هل نجزه لو وقع بعدها أو لا؟ فالسؤال عما إذا وقع الإخبار بعد الصلاة، لا عما إذا كان خبر صاحب اليد حُجَّة أو لا.

ويؤيّد ذلك أنَّه عبر بـ(الإعلام)، وهو وإن قلنا إنَّه يستعمل بمعنى الإخبار، لكن لو كان الراوي له نظر إلى فرض الشكّ والتردد لكان الأنسب استعمال غير مادة الاعلام، فاستعمالها يؤيد أن يكون نظره إلى الكبرى لا إلى الصغرى ولا أقلّ من الإجمال إن لم ندع الجزم بأنَّ نظره إلى الكبرى، فالاستدلال بهذه الرواية بكِلتا نقطتيها غير تامّ بمقتضى الصناعة.

ــــــــــ[439]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الرابعة: رواية إسماعيل بن عيسى

الروايات حتَّى الآن وردت في قول صاحب اليد في النجاسة. رواية واحدة وردت في الإخبار عن الطهارة، فإن تمَّت دلالتها واقتصر على ذلك فالفقيه بين أمرين: 

إما أن يقتصر على هذا المقدار ولا يتعدّى إلى الاخبار بالنجاسة.

أو أن يتعدّى إليها من ناحية أنَّ العرف يستظهر من حُجِّيّة قول صاحب اليد بالطهارة أنَّ نكتته كونه صاحب اليد لا كون المخبر به هو الطهارة أو النجاسة، فإنَّه لا خصوصية للمخبر به في النكتة الارتكازية.

فتلغى بمناسبات الحكم والموضوع بحيث ينعقد للخطاب ظهور في الإطلاق.

وإن شئتم قلتم: إنَّ قبول قوله في الطهارة، يدلُّ بالملازمة العرفيَّة أو الأولوية العرفيَّة على قبوله إخباره في النجاسة، لأنَّ إخباره يقبل مع أنَّه ليس فيه نقص في ماله، فإذا أخبر بما هو نقص في ماله فمن باب الأَولى أن يقبل، وهي دلالة التزامية عرفية، وهي حُجَّة كالعقليّة.

وتلك الرواية هي ما رواه الشيخ بإسناده إلى إسماعيل بن عيسى، قال: سالت أبا الحسن عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال: عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنْهُ إِذَا رَأَيْتُمُ المُشْرِكِينَ يَبِيعُونَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ ــــــــــ[440]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يُصَلُّونَ فِيهِ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهُ”(1).

بتقريب: أنَّ الإمام فرض فرضين: 

الفرض الأول: أنَّ المسلم يبيع الفراء، فقال تعامل معه معاملة المذكى اعتماداً على ظهور حال المسلم وعمله.

الفرض الثاني: أنَّ المشرك يبيع الفراء، وهو لا تجري فيه أصالة الصحة، فلا بُدّ من الاجتناب، ولا يتخلص منه إلا بالسؤال.

ومتعلق السؤال وإن لم يكن موجوداً إلا أنَّه بحسب المناسبات العرفيَّة يُراد به البائع. فيثبت أنَّ قول صاحب اليد وإن كان مشركاً(2)، يكفي لإثبات الطهارة ونتعدى من الطهارة إلى النجاسة كما سبق.

إلا أنَّ هذا البيان لا يخلو من مناقشة لأمرين: 

الأمر الأول: أنَّ الرواية لا إشكال في ظهورها بما قلناه من أنَّه إذا كان البائع مسلماً فالجهة اللزومية غير موضوعة على المكلف لظهور حال المسلم. وأما إذا كان مشركاً فالجهة اللزومية موضوعة عليه ولا رافع لها إلا اخبار صاحب اليد. ولكن ما هي هذه الجهة اللزومية التي يكون اخبار صاحب 

ــــــــــ[441]ــــــــــ

(1) باب 5 من النجاسات، (المقرر). تهذيب الأحكام 2: 371، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 76، وسائل الشيعة 3:492، كتاب الطهارة، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(2) اُنظر: مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى 1: 450، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

اليد حُجَّة في نفيها؟

إن كانت هي النجاسة يتمّ الاستدلال بالرواية – بقطع النظر عن مناقشة أخرى- بأن يقال: بأنَّ هناك جهة لزومية على القاعدة لا ترتفع إلا بالسؤال من البائع، فيكون قوله حُجَّة في رفع مقتضى الأصل.

وأما إذا كانت الجهة اللزومية هي حرمة الصلاة فيها من دون نجاسة، فغايته أنَّ إخبار البائع يرفع الحرمة الثابتة على القاعدة ولا يكون له أي أثر في إثبات النجاسة.

توضيح ذلك: أنَّنا إذا قصرنا النظر على الجلد قبل اخبار البائع، فلا إشكال أنَّه يجري فيه استصحاب عدم التذكية، فهل يترتب عليه النجاسة وحرمة الصلاة معاً؟ أو حرمة الصلاة فقط؟ 

الصحيح هو الثاني؛ لأنَّ المستفاد من الروايات أنَّ الحرمة معلقة على عنوان عدمي هو عدم التذكية، والنجاسة مجعولة على عنوان وجودي هو عنوان الميتة، وباستصحاب عدم التذكية يتحقَّق موضوع الحرمة على القاعدة، وأما إثبات النجاسة باستصحاب عدم التذكية مبني على الأصل المثبت.

فيكون مقتضى القاعدة جريان أصالة الطهارة. ولذا نقول في كل من أخذ من الكافر لحماً واحتمل تذكيته فإنَّه يبني على حرمة الصلاة والأكل والشرب مع البناء على طهارته.

إذن فنحن قبل أن نسأله كانت الطهارة ثابتة وحرمة الصلاة ثابتة، 

ــــــــــ[442]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فحين يقول الإمام: “عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنْهُ”، فإنَّه يكون في مقام رفع الجهة اللزومية الثابتة لولاه، وهي كونه حراماً لا كونه نجساً، فلا دلالة مطابقية على أنَّ اخبار البائع في التذكية هو المنشأ للحكم بالطهارة. وإنما هو منشأ لنفي الحرمة، وأما الطهارة فثابتة قبل اخباره، لأنَّ النجاسة لا تثبت باستصحاب عدم التذكية.

فغاية ما تدلُّ عليه الرواية هو أنَّ إخبار صاحب اليد حُجَّة في نفي الحرمة لا أكثر، فيحتاج الاستدلال حينئذٍ بالرواية على الطهارة إلى ضم كبرى عدم الفرق ارتكازاً وأن هناك كبرى تستوعب كل الحالات التي تحت يد الإنسان، فإذا ثبت حُجِّيّة اليد في أحدها يثبت حجيتها في الأمور الأخرى.

الأمر الثاني: ثُمَّ إنَّنا لو قطعنا النظر عن ذلك وبنينا على ما بنى عليه الشيخ(1)، من أنَّ استصحاب عدم التذكية يثبت الحرمة والنجاسة معاً، فنقول: إنَّ المراد من السؤال في قوله: “عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنْهُ” هل هو الاستخبار من البائع؟ أو الفحص وتبين الحال؟

فإن فرض الأوَّل تمَّ المطلب. وإن كان الثاني فلا يكون فيه دلالة على حُجِّيّة إخبار صاحب اليد بما هو صاحب اليد. بل معناه أنه: إن كان ظاهر حال المسلم موجوداً فلا تفحص، وإن كان البائع مشركاً فافحص حتَّى 

ــــــــــ[443]ــــــــــ

(1) راجع: فرائد الأصول 2: 642، المقصد الثالث، المقام الثاني: في الاستصحاب، أدلَّة الأقوال في الاستصحاب، التنبيه الأوّل.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

يثبت لك الحال. فلا يكون مربوطاً بحجية صاحب اليد.

وبهذا تمَّ ما ينبغي التعرّض له من الروايات، التي استُدلَّ بها على حُجِّيّة قول صاحب اليد. 

وتبيّن مما ذكرناه أنَّه لا يتمّ صناعة شيء من الاستدلالات، وإنما مُهمُّ الدليلِ عليها هو تلك السيرة.

نعم، لا بأس بجعل هذه الروايات من المؤيدات والمعززات لتلك السيرة.

2- تفصيلات حُجِّيّة إخبار صاحب اليد

بعد أن انتهى الكلام في أصل حُجِّيّة قول صاحب اليد، يقع الكلام في تفاصيل ذلك جهات: 

الجهة الأولى: في أقسام اليد وأن الحجية هل تشملها جميعاً أو بينها تفصيل؟ 

الجهة الثانية: في التفاصيل الناشئة من ناحية إخبار ذي اليد كالإخبار قبل الاستعمال أو بعده. 

الجهة الثالثة: في التفاصيل من ناحية صاحب اليد نفسه من حيث كونه مسلماً أو مشركاً أو صبياً أو ثقةً.

الجهة الرابعة: في التفاصيل من حيث الشيء الذي يكون تحت اليد.

الجهة الخامسة: في التفاصيل من حيث الخصوصية التي يخبر بها صاحب اليد، كالطهارة الناشئة من الماء أو من ذهاب الثلثين أو نحو ذلك.

ــــــــــ[444]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الجهة الأولى: في التفصيل من ناحية أقسام اليد

في التفاصيل من ناحية اليد نفسها والكلام فيها يقع في مقامين:

المقام الأول: في انقسامها إلى اليد الشرعية وغير الشرعية

إن صاحب اليد الذي يكون اخباره حجة: تارة تكون يده مشروعة كالمالك والأمين. وأخرى يده غير مشروعة كالغاصب.

فإن فرض كونها مشروعة فلا إشكال أنَّه القدر المتيقن من حُجِّيّة قول صاحب اليد سواء كان دليلها لفظياً أو عقلائياً. وأما إذا لم تكن يده مشروعة، فهل يقبل قوله أو لا؟

والصحيح أن يُقال: إنَّ المدرك في الحجية إن كان هو الارتكاز العقلائي فلا ينبغي الاستشكال أنَّه لا يفرق في الحجية بين اليد المشروعة والغاصبة، لأنَّ النكتة المركوزة لها هي ما ذكرناه وهي الأخبرية النوعيَّة وهي ناشئة من كون الشيء تحت سلطانه تكويناً سواء كان تحت سلطانه تشريعاً أو لا. وهو وإن خرج بالغصب عن العدالة، إلا أنَّ المفروض عدم اشتراط العدالة في إخبار صاحب اليد ولهذا نقبل قوله لو أخبر عن طهارة ثوب نفسه.

وأما إذا كان المدرك لحجيتها هي الأدلَّة اللفظية، فإن فرض أنَّ هذه الأدلَّة كانت هي رأس المال في الاستدلال، ونوسعها بالارتكاز العقلائي، فالكلام الكلام، وأما إذا شككنا بالارتكاز أو أنكرناه وبقينا نحن والأدلة 

ــــــــــ[445]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

اللفظية، فالإنصاف أنَّ دعوى الإطلاق فيها للغاصب في غاية الإشكال فإن الروايات كلها منصبة على خصوص ما إذا كان البائع مالكاً للتصرف في هذا الحال. فشموله لما إذا لم يكن مالكاً للتصرف في غاية الإشكال، فينبغي حينئذٍ الاقتصار على غير الغاصب في الحجية ويكون مقتضى الأصل هو عدم الحجية فيه. هذا هو الكلام في انقسام الأيدي.

ويمكن أن نقول: إنَّ قول صاحب اليد بالطهارة أوسع موضوعاً من اليد الشرعية، كما قد يكون أضيق من اليد الشرعية، أما كونها أوسع؛ فباعتبار قبول قول الغاصب في الطهارة والنجاسة كما سبق. وأما كونها أضيق؛ ففيما لو لم يكن المالك هو الأخبر، كما لو كان يملك بستاناً بعيداً عنه تحت يد موكَّله، فبين قول صاحب اليد في الطهارة والنجاسة، وقول صاحب اليد الشرعية، نسبة العموم من وجه. وروح ذلك يرجع إلى أنَّ (اليد) مشترك لفظي بين معنيين: الأول: كون الشيء تحت مباشرته. الثاني: كون الشيء تحت حوزته. واليد التي هي أمارة الملكية المسماة بقاعدة اليد هي الثاني سواء كان مباشراً له أو لا(1).  وما هو موضوع لتصديق قوله في الطهارة وهو ملاك الأخبرية هو الأول، وهو يصدق على الغاصب أيضاً.

ــــــــــ[446]ــــــــــ

(1) لاحظ: عوائد الأيّام: 739، العائدة 69: في بيان أنَّ مقتضى اليد الملكيّة، القواعد الفقهيّة (البجنوردي) 1: 133، القاعدة السادسة: قاعدة اليد.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المقام الثاني: في انقسامها إلى اليد الضمنية والاستقلالية

فهل حُجِّيّة إخبار صاحب اليد بالطهارة أو النجاسة تختص بالاستقلاليّة(1)، أو تشمل الضمنية أيضاً؟!

وهو من الفروع التي ذكرها الماتن في العروة (2)، فلو كان المال تحت يد شخصين ولكل منهما نصف يد على المال، فهل يقبل قول أحدهما في الطهارة والنجاسة في الجميع؟ أو في البعض؟

لا إشكال عندهم -على ما يظهر من كلماتهم(3)– أنَّه لا يفرق بين الضمنية والاستقلالية في الحجية في تمام الثوب.

وتحقيق الكلام في ذلك: أنَّه بناءً على ما حققناه من أنَّ السيرة العقلائيَّة هي مدرك الحجية، وأنَّه ليس مرجعها التعبد الصرف بل قائمة على نكتة 

ــــــــــ[447]ــــــــــ

() ذهب المحقّق العراقيّ إلى أنَّها تختصّ باليد الاستقلاليّة، فلاحظ: العروة الوثقى (المحشّى) 1: 158-159، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 11، تعليقة استدلاليّة على العروة الوثقى (العراقي): 27، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة.

(2) اُنظر: العروة الوثقى (المحشّى) 1: 158، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 11.

(3) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى 1: 464، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 11، مصباح الهدى في شرح العروة 1: 450، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 11، التنقيح في شرح العروة الوثقى ٣: 193، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 11.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الأخبرية، إذن فلا يفرق فيه بين صاحب اليد المستقلّة وصاحب اليد الضمنية. فإن صاحب اليد الضمنية أيضاً له أخبرية نوعيَّة في مجموع المال فإنَّها تنشأ من كونه يباشره وهو أمر متحقق على الفرض.

ولكن إذا أردنا أن نجمد على عنوان اليد، وأخذها على وجه الموضوعية لا الطريقية إلى هذه النكتة، فهذه اليد هي على نصف المال لا على تمامه، لأنَّه معنى الشركة في اليد، فيكون إخباره حُجَّة بما يكون تحت يده وهو نصف المال. بينما لم يستشكل في ذلك أحد وهذا من الشواهد على ما قلناه، من أنَّ المأخوذ في الحجية ليست التعبد الصرف بل بما هي نكتة الأخبرية.

نعم، لو قطعنا النظر عن الارتكاز وجمدنا على حاق الألفاظ، فبالإمكان أن يُقال: إنَّ القدر المتيقن من الروايات هو اليد الاستقلالية، دون اليد الضمنية، فلا يشملها الإطلاق فتبقى تحت أصالة عدم الحجية، إلا أنَّ هذا الفرض غير صحيح، كما ذكرناه.

وبما ذكرناه ظهر وجه الفرق بين المقام وبين موارد قاعدة اليد، فإنَّه هناك كانت اليد ضمنية وادّعي مالكيته لتمام المال فإنَّه لا تقبل دعواه.

بينما لو أخبر عن نجاسته فإنَّه يقبل، ونكتة الفرق هي أنَّ حُجِّيّة قول صاحب اليد لم تكن من باب الموضوعية، بل هي من باب الاستطراق إلى نكتة الأخبرية، وأما هناك فالكاشف عن الملكية هي اليد لأنَّ الأصل بمقتضى الطبع أن يكون كل مال تحت يد مالكه فاليد حيث تكون على ــــــــــ[448]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

نصف المال، لا تكون حُجَّة إلا في نصفه.

على أنَّ وضوح النتيجة من أنَّ حُجِّيّة اليد لو كانت راجعة إلى قاعدة (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)، لما نفذ قوله إلا في النصف… تعزّز ما قلناه للتسالم على قبوله في تمام المال.

وبهذا تمَّ الكلام في الجهة الأُولى من الجهات الخمس.

الجهة الثانية: في التفصيل من ناحية إخبار صاحب اليد

ويقع الكلام فيها في مقامين: 

المقام الأول: في التفصيل من حيث تاريخ صدور الإخبار

لأنه تارة يفرض صدور الإخبار في حال فعليَّة اليد وقبل صدور الاستعمال.

وأخرى: أن يخبر بنجاستها بعد أن تكون قد خرجت منه.

وثالثة -حالة وسط- أن يخبر قبل خروجها من يده بعد الاستعمال.

الحالة الأولى: الإخبار حال فعليَّة اليد وقبل الاستعمال

أن يخبر في حال فعليَّة اليد وقبل صدور الاستعمال، يعني قبل أن تصلّي فيه. فهي القدر المتيقن من الحجية المفروغ عنها.

الحالة الثانية: الإخبار بعد الخروج من اليد وبعد الاستعمال

فيما إذا فرض أنَّ الإخبار عن النجاسة بعد خروج الثوب عن يده واشتراه شخص آخر.

 ــــــــــ[449]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

استشكل بعض في قبولها كالمحقق الهمداني(1) والسيّد الأستاذ(2)، وذكر ما قاله المحقق الهمداني مما ذكرناه سابقاً وهو أن قبول قول صاحب اليد من فروع قاعدة (من ملك شيئاً ملك الإقرار به). ومن المعلوم أنَّ هذه القضية تكون فعليَّة ما دام موضوعها فعلياً، فإذا خرج عن سلطنته، فإن موضوعها يرتفع فيرتفع محمولها أيضاً.

والتحقيق في المقام: أنَّنا تارةً نمشي على مسلك الاستدلال بالسيرة. وأخرى نمشي على مسلك الاستدلال بالروايات والجمود على الدلالة اللفظية

الكلام على مشرب الاستدلال بالسيرة

أما على المشرب الأوَّل فقد عرفنا أنَّ حُجِّيّة خبر صاحب اليد المركوزة ليست هي من متفرعات قاعدة (من ملك) وقد أوضحنا أنَّ إحدى القاعدتين أجنبية عن الأخرى، بل نكتتها هي الأخبرية كما في حُجِّيّة إخبار الشخص بما لا يعرف إلا من قبله، وهذه النكتة لا يفرق فيها بين ما إذا أخبر عن النجاسة والمال تحت يده أو أخبر عن نجاسة سابقة حين كان المال تحت يده. فإن خروجه عن تحت يده، لا يخرجه عن كونه خبيراً بلحاظ تلك 

ــــــــــ[450]ــــــــــ

(1) لاحظ: مصباح الفقيه 8: 172، كتاب الطهارة، الركن الرابع: أحكام الدم المعفوّ، أحكام غسل موضع النجاسة.

(2) لاحظ: التنقيح في شرح العروة الوثقى ٣: 195، كتاب الطهارة، فصل: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 14.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الفترة الزمانية التي كان المال تحت يده، فيقبل قوله فيه. ولا يقاس ذلك بما إذا أخبر عن نجاسة متأخّرة، فإنَّه حينئذٍ لا يكون هو الأخبر نوعاً بعد أن فارق المال وفارقه المال.

ومن هنا ظهر الإشكال فيما ذكره السيد الأستاذ تبعاً للمحقق الهمداني لما أشرنا إليه من قاعدة قبول قول صاحب اليد في باب الطهارة لا ترجع إلى قاعدة (من ملك شيئاً ملك الإقرار به).

ثم كأنّ زحمة هذه القواعد يوجب تشويشاً في المقام لأنَّه لا يشترط في قاعدة (من ملك) أن يكون مالكاً أصلاً. ولو سلِّم فالاستنتاج باطل؛ لأنَّه لا يشترط فيه فعليَّة الملكية بخلافه في مورد قاعدة اليد.

توضيح ذلك بنحو لا يختلط مقام بمقام، أن عندنا ثلاث مقامات: 

المقام الأول: حُجِّيّة إخبار صاحب اليد بأنَّ هذا المال الذي تحت يده لزيد، وهذا هو الذي ادّعي في المستمسك(1) أنَّ حُجِّيّة إخبار صاحب اليد في الطهارة راجع إليه.

فهنا يأتي السؤال: أنَّ إخبار صاحب اليد بأنَّ المال لزيد هل يكون حُجَّة حتَّى بعد أن يبيع المال، أو لا؟

المقام الثاني: قاعدة (من ملك شيئاً ملك الإقرار به) وهو الذي أدعى 

ــــــــــ[451]ــــــــــ

(1) اُنظر: مستمسك العروة الوثقى 1: 208، كتاب الطهارة، فصلٌ: في ماء البئر، المسألة 6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المحقق الهمداني والسيّد الأستاذ(1): أنَّ حُجِّيّة صاحب اليد في باب الطهارة والنجاسة ترجع إليه. فلو قال الوكيل في الطلاق طلقتُ قبل. فهل يكون حُجَّة بعد أن خرج الطلاق عن ملكيته وعزله الزوج، فإذا أخبر عن أنَّه طلق حال وكالته يقبل أو لا؟

المقام الثالث: حُجِّيّة قول صاحب اليد في باب الطهارة والنجاسة، فهل يقبل قوله في النجاسة السابقة لو خرج عن تحت يده؟

المقام الأول: في حُجِّيّة إخبار صاحب اليد بعد خروج المال من يده

أن صاحب اليد إذا باع ماله أو وهبه، ثم أخبر أنَّه لم يكن له، وأنَّه لزيد، فهل يكون إخباره حُجَّة، أو لا؟

نستخلص الجواب مما تقدم، في تحقّق نكتة قبول إخبار صاحب اليد في أنَّه ملك زيد. حيث قال في المستمسك(2): إنَّه يقبل لأنَّه شهادة وشهادة صاحب اليد مقبولة.

وقلنا إنَّه يقبل بضم الإقرار إلى مفاد اليد لا من باب الشهادة، فإذا خرج المال من تحت يده وأخبر أنَّه لزيد لا يكون حُجَّة بلا إشكال. فإنَّه بعد 

ــــــــــ[452]ــــــــــ

(1) لاحظ: مصباح الفقيه 8: 172، كتاب الطهارة، الركن الرابع: أحكام الدم المعفوّ، أحكام غسل موضع النجاسة، التنقيح في شرح العروة الوثقى ٣: 195، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 14.

(2) اُنظر: مستمسك العروة الوثقى 1: 208، كتاب الطهارة، فصلٌ: في ماء البئر، المسألة6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

خروجه لا يوجد يد ولا إقرار حتَّى يثبت به كون المال لزيد. فإنَّه إن قال الآن إنَّ المال ليس لي لا يكون ذلك سبباً للتحميل على زيد والمال على أيّ حال لا يحكم بأنَّه للمقر سواء قال شيئاً أو لم يقل شيئاً. والإقرار الذي يحكم به أنَّ المال لزيد هو الإقرار الذي لولاه لكانت اليد نافذة المفعول.

نعم، هذا الإقرار ينفذ بمقدار ما يكون (عليه) الآن وهو حرمة أكله الثمن. وأما ملكية زيد (المشتري) فتثبت بيده على المال، ولا يحكم عليه إقرار الآخر، لأنَّ الإقرار لا تثبت به إلا الآثار التحميلية على نفس المقر. وهذا هو الوجه في أنَّ إخبار صاحب اليد بأنَّ المال ليس ملكاً له بعد خروجه عن يده ليس حجة، فإن اخباره قبل خروج المال من يده يكون نافذاً في هدم مدلول اليد رأساً لأنَّه إقرار تحميلي على نفس المقر. وأما بعد خروجه عن يده فلو كان الإقرار هادماً لمدلول اليد فيكون على حاله أيضاً فهو نافذ على الآخر لا على المُقرّ.

بناءً على قول المستمسك من حُجِّيّة شهادة صاحب اليد، هل يكون قوله مقبولاً حتَّى بعد خروجه عن يده، فهذا منوط بالدليل المزعوم القائم على حُجِّيّة شهادة صاحب اليد.

وحيث لا يقدم مثل هذا الدليل يكون السؤال وارداً حول الفرق بين هذه المسألة ومسألة قبول قول صاحب اليد في الطهارة والنجاسة. فلماذا يقبل قوله في الطهارة ولا يقبل في ادعائه أنَّه لزيد. بعد أن كان كِليهما بعد الخروج عن يده، وكانت مسألة الطهارة راجعاً إلى تلك المسألة.

ــــــــــ[453]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما نحن فلا نكون مسؤولين عن الجواب، لأنَّه إنما لم يقبل قوله في كون المال لزيد لسقوط الإقرار عن الحجية وعدم تحميله للآثار على الآخر. لا من باب الشهادة ليسأل عن الفرق. وأما في باب الطهارة والنجاسة فيقبل قوله لنكتة محفوظة حتَّى بعد خروجه عن يده وهي الأخبرية النوعية.

المقام الثاني: في رجوع حُجِّيّة إخبار صاحب اليد إلى قاعدة (من ملك)

 ذهب المحقق الهمداني والسيد الأستاذ من أنَّ حُجِّيّة قول صاحب اليد في الطهارة والنجاسة تعود إليها، وفرّع عليه اشتراط أن يكون مالكاً.

نقول: إنَّ الصحيح أنَّ قاعدة (من ملك) لا تختص بالمالك بالفعل، فلو وكل شخصاً آخر أن يزوجه يوم الجمعة، ثم قال الوكيل يوم السبت: أوقعت الزواج. فيقول له الزوج: لا أقبل قولك، لأنك وكيل يوم الجمعة لا يوم السبت. هذا أمر لا يقبله العرف لأنَّه لا يشترط أن يكون مالكاً للتصرف حال (الإقرار) بل يكتفي أن يخبر عن وقوع التصرف حال الملكية ولو سقطت مالكيته.

وكذلك لو ماتت زوجته فقال: لا أريد أرثها لأني طلقتها قبل موتها، فيقبل فعلاً في عدم الإرث والطلاق معاً، مع أنَّه فعلاً غير مالك للطلاق بعد الموت. إذن فلا يشترط فيه مالكية التصرف فعلاً.

ثُمَّ إنَّ كلام السيد الأستاذ ينحلّ إلى دعويين: 

الأولى: أنَّ حُجِّيّة إخبار صاحب اليد عن الطهارة والنجاسة من ــــــــــ[454]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

صغريات قاعدة (من ملك شيئاً ملك الإقرار به).

الثانية: أنَّ قاعدة (من ملك) مخصوصة بخصوص ما إذا كان مالكاً بالفعل، وأما إذا صدر الإقرار من بعد انتهاء زمان مالكيته فلا يكون حُجَّة.

وكِلا هاتين الدعويين محلّ نظر: 

أما الدعوى الأولى: وهي أنَّ قبول قول صاحب اليد من صغريات قاعدة (من ملك) فقد تقدَّم الكلام في ذلك مفصلاً وبيَّنا أنَّ هذه القاعدة عقلائيَّة ولم ترد هذه العبارة في دليل لفظي حتَّى تعامل معاملة الألفاظ. وواقع هذا المطلب هو توسيع وتمديد قاعدة (إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ) من نفس الفرد المقر إلى غيره. فكما لو صدر الإقرار من المقر نفسه ينفذ عليه، كذلك لو صدر من غيره، المالك للتصرف، وذلك في حدود الآثار التحميلية، وهذا أجنبي عن إخبارات صاحب اليد بالنجاسة.

ولو جمدنا على حاق عبارة (من ملك) وعاملناها معاملة الألفاظ فأيضاً، لا تكون شاملة لباب الأخبار بالطهارة والنجاسة، لظهورها بأنَّ متعلق الملكية والإقرار شيء واحد. وهذا أمر يشمل التصرفات كما لو كان مالكاً للطلاق فأقرّ به.

وأما قولنا: (من ملك شيئاً ملك الإقرار بطهارته ونجاسته)، فهذا متعدد المتعلق فيه. إلّا أنَّ يرجع إلى عناية: أنَّ للمالك أن يطهره وينجسه، يعني: يجوز له شرعاً، فإذا أقرّ يقبل قوله فيه.

ولكن لا يريد فقيه من الفقهاء هذا المعنى، وإلّا كان كل شخص مأذوناً 

ــــــــــ[455]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

في تطهير مال يُقبل قوله في طهارته، ولو لم يكن تحت يده. ولم يقل به فقيه.

وأما الدعوى الثانية: وهي أنَّه يشترط في قاعدة (من ملك) بقاء الملكية الفعليَّة الصحيح أنَّه لا يشترط؛ لأنَّ هذه القاعدة إن فرض أنَّها مركوزة في الأذهان بعنوانها الأولي لا بما هي متفرعة من قواعد عقلائيَّة قبلها من باب أنَّ نفس تملك الشخص لشيء يكون نكتة لقبول قوله فيه. فبالإمكان أن يُقال على ضوء هذا الارتكاز: إنَّ الإقرار إذا كان ناظراً إلى زمان الملكية فيكون مقبولاً وإن لم تكن اليد ثابتة بالفعل. بشهادة مثال الوكيل الذي يوكَّل لإيقاع الطلاق يوم الجمعة فيخبر عن إيقاعه يوم السبت. إذ المركوز عدم التفريق في زمن الإخبار عرفاً وعقلائياً.

بينما لو اشترطنا الملكية فيجب ألا يكون قوله مقبولاً في يوم السبت وهو مخالف للارتكاز.

وأما إذا قلنا: إنَّ قاعدة (من ملك) ترجع إلى قواعد أخرى قبلها. وفي ذلك احتمالان: 

الأول: أنَّ مرجعها إلى عدم اتهام الأمين، حيث إنَّها تطبق على الوكيل والمأذون. فمن الواضح أنَّ هذه القاعدة تبقى نافذة المفعول حتَّى بعد سقوط الاستيمان. والفقهاء في قاعدة (الأمين مؤتمن) لم يقيدوها بفعلية الاستيمان ولذا لو تصادق الأمين وصاحب المال على التلف وادعى الأمين تلفه بلا تعدٍ وتفريط فإنَّه يقبل قوله، مع أنَّه لا استيمان بعد تلف المال.

الثاني: أنَّها ترجع إلى مسألة عدم التهمة، يعني أنَّ كل من يخبر بخبر ــــــــــ[456]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وهو غير متهم فيه يقبل قوله. كما لو أخبر الزوج في العدة أنَّه رجع بالأمس، فإنَّه يقبل قوله، لإمكان أن يبدل هذا الإخبار بالإنشاء فيقبل. ففي هذه القاعدة يتّجه التفصيل بين الملكية الفعليَّة وبين حال زوالها. فإذا قال في أثناء العدة ذلك لم يكن متهماً، وأما إذا قاله بعد العدة لا يقبل؛ لأنَّه يكون متهماً. وعلى أيّ حال فمقامنا غير مربوط بقاعدة (من ملك) أساساً.

فتحصل في هذه الحالة الثانية فيما إذا أخبر بالطهارة بعد خروجه من تحت يده، فإنَّ الصحيح قبوله. فإنَّ الارتكاز ليس تعبدياً بل هو قائم على نكتة الأخبرية وهي متوفرة حتَّى بعد خروج العين عن يده. ولا ينبغي إدراج ذلك في تلك القواعد الأخرى.

الكلام على مشرب الاستدلال بالروايات

وأما بناءً على قطع النظر عن الارتكاز العقلائي والتعويل على الأدلَّة اللفظية. فهل في الروايات إطلاق يشمل الإخبار الواقع بعد خروج المال عن تحت اليد أو لا؟

من المعلوم أنَّ أكثر الروايات التي ليس فيها هذا الإطلاق. 

ففي رواية بيع الدهن المتنجّس(1) كان البايع صاحب يد فهو، فتكون خاصة بما إذا صدر الإخبار من ذي اليد، فإنَّ ظاهرها صدور الإخبار حال البيع لا بعدها.

ــــــــــ[457]ــــــــــ

(1) اُنظر: تهذيب الأحكام 7: 129، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث34، وسائل الشيعة 17: 98، كتاب التجارة، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وكذلك رواية الجبن(1)؛ فإنَّها أيضاً مخصوصة بما إذا كان الجبن تحت يد البائع فليس لها إطلاق لما إذا خرج المال عن يده.

نعم، يمكن أن يُقال: إنَّ بعضها وارد في مورد خروج المال من تحت يده، وهي رواية إعارة الثوب وكان لا يصلي فيه فصلى فيه(2)، فإنَّها ظاهرة بوقوع الإخبار حين خروج المال من تحت يده.

وقد يُناقش ذلك بأنَّ المعير لم يخرج الثوب من تحت يده؛ لأنَّه وقع تحت يد المستعير، وهي يدُ أمان ويد الأمان لا تُفني يد المالك، بل تتلاءم معها، فيد المعير محفوظة.

لكنه يندفع بما ذكرناه من أنَّ اليد في باب صاحب اليد يُراد بها معنى غير المعنى الذي يُراد منها في باب قاعدة اليد، فإنَّه يُراد في قاعدة اليد كون الشيء في حوزته وهو أمرٌ محفوظ حتَّى بعد طروّ الاستيمان عليه. واليد هنا بمعنى الاستيلاء والمباشرة ومن المعلوم أنَّه لو أعار ثوبه فإنَّه يخرج عن يده بهذا المعنى.

ــــــــــ[458]ــــــــــ

(1) اُنظر: المحاسن (البرقي) 2: 496، كتاب المأكل، الباب 77، الحديث 598، وسائل الشيعة 25: 118-119، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4.

(2) اُنظر: قرب الإسناد: 169، أحاديث متفرّقة، الحديث620، وسائل الشيعة 3: 488، كتاب الطهارة، الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 3، بحار الأنوار 80: 266، كتاب الصلاة، الباب 8، الحديث 5.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فالاستشهاد بهذه الرواية لا بأس به. لو أنَّ الرواية في نفسها كانت دالة على حُجِّيّة خبر صاحب اليد. فإن كان المعتمد من الدليل اللفظي هذه الرواية فلا بأس من التمسّك بها لما بعد الخروج عن اليد. وإن كان المعتمد هو سائر الروايات فإنَّ القدر المتيقن حجيته مادام ذا يد ولا تكون شاملة لحال خروجه عن يده.

وحينئذٍ يمكن أن يُقال هنا: يجري الاستصحاب؛ لأنَّ خبره حين كان صاحب يد كان حُجَّة، وبعد أن خرج منه يشكّ في أنَّه بقي على الحُجِّيّة، أو لا؟ فيستصحب. إلا أنَّ جريانه يتوقف على اجتياز مقدّمتين نقول بهما:

المقدّمة الأولى: القول بجريان الاستصحاب في الشبهة الحكميّة عموماً؛ لأنَّ الشكّ في حُجِّيّة قول صاحب اليد بعد الخروج عن يده شبهةٌ حكميّة(1).

المقدّمة الثانية: أن نبني على مسلك الرسائل(2) والكفاية(3) من جريان 

ــــــــــ[459]ــــــــــ

(1) لاحظ: بحوث في علم الأصول 6: 127، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الاستصحاب، الفصل الثاني: التفصيل بين الشبهات الحكميّة والموضوعيّة.

(2) راجع: فرائد الأصول 2: 654، المقصد الثالث: في الشكّ، المقام الثاني: في الاستصحاب، الأمر الرابع: الاستصحاب التقديري والتعليقي.

(3) راجع: كفاية الأصول: 411، المقصد السابع: في الأمارات، فصلٌ: في الاستصحاب، التنبيه الخامس: الاستصحاب التعليقي.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الاستصحاب التعليقي، فإنَّ الاستصحاب هنا تعليقي لا تنجيزي. لأنَّنا نعلم أنَّه لو أخبر لكان خبره حُجَّة، فإنَّ الحجية ثابتة بنحو القضية الشرطية لا بنحو القضية التنجيزية؛ لأنَّ موضوعها الإخبار وهو لم يتحقَّق حين كان صاحب اليد.

فإذا بنينا على جريانه فلا بأس من جريانه هنا.

وأما إذا بنينا على مبنى مدرسة المحقق النائيني(1) من عدم جريان الاستصحاب التعليقي، فلا يمكن التمسّك بهذا الاستصحاب.

وبذلك تمَّ الكلام في الحالة الثانية من المقام الأوَّل من الجهة الثانية.

الحالة الثالثة: الإخبار حال فعليَّة اليد وبعد الاستعمال

أن المال لا زال تحت يد مالكه، ولكنه لم يُخبر عن نجاسته إلا بعد الاستعمال، فهل تثبت النجاسة بقوله أو لا؟ هنا لا بُدّ أن نتصور أثراً للنجاسة السابقة بوجودها الواقعي، وأما إذا لم يكن كذلك بل كان الأثر للنجاسة الواصلة فلا أثر للحجية؛ إذ يقع العمل بلا وصول صحيحاً سواء كان إخباره حُجَّة أو لم يكن. فلو صلينا في الثوب ثُمَّ أخبر عن نجاسته وكانت الصلاة في الثوب النجس صحيحة فلا أثر لإخباره. وكذلك لا بُدّ أن نفرض أنَّ الاستعمال السابق لم يتلف المال وإلا يكون المال قد خرج من تحت يده، فيدخل في الحالة الثانية.

ــــــــــ[460]ــــــــــ

(1) فوائد الأصول (الكاظميّ) 4: 466، الفصل الثالث من المقام الثالث: في الاستصحاب، التنبيه السادس: تحقيق الكلام في الاستصحاب التعليقي.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإن تكلّمنا على مشرب السيرة العقلائية

فقد اتضح مما قلناه وجود الحجية هنا، فإنَّنا اخترنا الحجية من بعد الخروج عن تحت يده فضلاً عمّا إذا كان باقياً تحت يده. 

وذلك لأنَّ النكتة المركوزة ليست هي التعبد، فإنَّ التعبد بعيد عن ارتكاز العقلاء، وإنما هي نكتة الأخبرية النوعية، وهي لا يفرق فيها بين ما إذا صدر الإخبار قبل الاستعمال أو بعده.

ويمتاز المقام بنكتة ارتكازية أخرى تقتضي الحجية لم تكن موجودة في الحالة الثانية، وهو أنَّنا لو بنينا على أنَّ إخباره بنجاسة الماء لا يثبت به بطلان الوضوء السابق، لكن لو أخبرنا قبل الوضوء لبطل الوضوء، فيلزم التفكيك بين هذين الوضوأين وهو خلاف الارتكاز، فإنَّ الارتكاز غير مبتنٍ على التعبد بل على الكاشفيَّة، وهي على حد واحد بالنسبة إلى الوضوئين، فالتفكيك مرجعه الى التعبد الصرف، وهو بعيد عن الارتكاز العقلائي.

وهذا لا يأتي في الحالة الثانية؛ لأنَّنا لو قلنا: إنَّ قوله ليس بحجة في ما خرج عن تحت يده، فإنَّ قوله يكون ساقطاً بتمام آثاره قبل الاستعمال وبعده فلا يلزم التفكيك بين الإخبارين.

وأما على مشرب الأدلَّة اللفظية:

فمن المعلوم أنَّ أكثر روايات الباب مخصوصة بخصوص الإخبار قبل الاستعمال، ففي رواية بيع الدهن المتنجس يقول: “بِعْهُ، وَبَيِّنْهُ لِمَنِ اشْتَرَاهُ 

ــــــــــ[461]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

لِيَسْتَصْبِحَ بِهِ”(1)، وفي رواية الجبن يقول: “اشْتَرِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ”(2).

نعم، رواية إعارة الثوب المتنجس لو بنينا على حجيتها يكون من باب الإخبار بعد الاستعمال.

هذا تمام الكلام في المقام الأوَّل من الجهة الثانية.

المقام الثاني: في التفصيل من حيث تاريخ وقوع النجاسة

إذا صدر الإخبار حال كونه تحت يده قبل الاستعمال لكن تارة يكون إخباره حال كون المال تحت يده وأخرى يكون إخباره عن نجاسة واقعة قبل ذلك.

والإنصاف أنَّنا إذا بنينا على مشرب السيرة العقلائية، فحجية هذا الإخبار في غاية الإشكال، لأنَّه لا يفرق فيه بين ما قبل الشراء وما بعده؛ لأنَّ نسبته إلى تلك الحادثة كنسبة أي شخص آخر إليها وشراؤه لها لا يقتضي زيادة نسبته إليها.

ــــــــــ[463]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 129، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 34، الوافي 17: 285، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب وجوه المكاسب، باب جامعٌ في ما يحلّ الشراء والبيع فيه، الحديث 17294، وسائل الشيعة 17: 98، كتاب التجارة، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(2) المحاسن (للبرقي) 2: 496، كتاب المأكل، الباب 77، الحديث 598، وسائل الشيعة 25: 118-119، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وبتعبير آخر: أنَّه لو أخبر قبل أن يشتري الثوب، فإنَّنا لا نصدّقه؛ لأنَّه أخبار غير صاحب اليد وليس ثقة -على الفرض-، فإن اشتراها وأخبرنا فأيضاً لا تصدق منه، فإنَّ الارتكاز لا يفرق بين الحالتين، ولا يوجب الشراء أن يكون أخبر بالعباءة أو الثوب، إلا على أساس التعبد الصرف، والمفروض عدمه في الارتكاز.

ويشبه ذلك ما لو أخبر عن نجاسة معللة بعلة تكون نسبتنا ونسبته إليها على حد واحد. كما لو أخبر عن نجاسة عباءته؛ لأنَّها لاقت مع عباءتي وأنا لا أدري أنَّ عباءتي نجسة أو لا. فهو يخبر بأمرين:

أحدهما: نجاسة عباءته.

والآخر: نجاسة عباءتي.

أما الثاني فلا يقبل. وأما الأوَّل فهل يقبل أو لا؟

لا يمكن التفكيك بينهما بحسب الارتكاز العقلائي، فإنَّ مرجعه الى التعبد الصرف.

وإن شئتم قلتم: إنَّ الأخبرية النوعيَّة إنّما تكون متحققة فيما إذا لم تقم قرينة شخصية على أنَّ هذا الإخبار لم ينشأ من تلك الأخبرية النوعية، وإلا لم يكن إخباره حُجَّة، ونحو ذلك لو قال: عبائتي نجسة لأنَّها لاقت فراش المسجد ونسبتنا ونسبته إليه على حد واحد. فالسيرة العقلائيَّة لا تقتضي حُجِّيّة تلك الأخبار.

وأما إذا تعاملنا مع الأدلَّة اللفظية فلا بأس من أن يدّعى لها الإطلاق 

ــــــــــ[463]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

كقوله: “اشْتَرِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ”(1)، لو تمَّت دلالتها على الحجية تكون شاملة لما إذا كان قوله عن نجاسة سابقة أو عن نجاسة لاحقة معللة أو غير معللة.

الجهة الثالثة: التفصيل في صاحب اليد

وهنا يوجد ثلاثة تفاصيل:

الأول: التفصيل بين الثقة وغيره

إنَّ صاحب اليد تارة يكون ثقة وأخرى لا يكون ثقة. فهل تختص الحجية بخبر الثقة أو تعمّ غير الثقة؟

الجواب: أنَّ غير الثقة مشمول للحجية على كِلا المسلكين. أما بناء على الدليل العقلائي فواضح، فإنَّ ارتكازهم يقتضي جعل الحُجِّيّة لصاحب اليد بما هو صاحب يد، فإن قُيّدت بالوثاقة لزم إلغاء اليد أصلاً؛ لأنَّ خبر الثقة حُجَّة، سواء كان صاحب يد أو لا. وكذلك بناء على الدليل الرواياتي فإنَّها مطلقة ولم يؤخذ في شيء منها التقييد بالوثاقة. فمقتضى الإطلاق اللفظي أو ترك الاستفصال هو عدم التقييد.

نعم، أخذت الوثاقة قيداً في قبول صاحب اليد في روايات البختج وسوف نتعرض لها في الجهة الخامسة.

ــــــــــ[464]ــــــــــ

(1) المحاسن (البرقي) 2: 496، الباب 77، الحديث 598، وسائل الشيعة 25: 118- 119، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4، بحار الأنوار 62: 155، كتاب السماء والعالم، أبواب الصيد، الباب 1، الحديث 23.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الثاني: التفصيل بين المسلم والكافر

فهل تشملهما الحجية أو تختص بالمسلم؟ أما إذا بنينا على الدليل العقلائي، فنكتته الأخبرية النوعيَّة وهي لا يفرق فيها بين المسلم والكافر. فكما أنَّ المسلم هو الأخبر نوعاً بما هو تحت يده كذلك الحال في الكافر.

لكن هنا في الكافر استدراكان:

الاستدراك الأول: أنَّه لا يفرض عالماً بكبريات ما هو نجس وما هو غير نجس، كما يفرض في متشرعة المسلمين، ومعه فلا تكون شهادته شهادة.

إلا أنَّ هذا شكّ في صغرى الشهادة لا كبراها. ومعه فتقبل شهادته في الشبهة الموضوعية خاصة، كوقوع الدم والبول ونحوه.

ولا يختص هذا بالكافر بل يشمل كفرة المسلمين الذين لا يعرفون أحكام الحلال والحرام.

الاستدراك الثاني: أنَّ كفر هذا الشاهد قد يشكل قرينة عرفيَّة -ولا أقلّ من الاحتمال-، في أن يكون الكافر بصدد الاستهزاء والتسامح واستدراج المسلمين الى الوقوع بالنجاسات، فهي تهمة ناشئة من قرينة نوعية. ولا إشكال أنَّ خبر الثقة وصاحب اليد يسقط مع احتمال التهمة. ونفس الشيء نقوله في كفرة المسلمين.

وبقطع النظر عن الاستدراكين، فالصحيح أنَّ الحجية تثبت لصاحب اليد سواء كان كافراً أم مسلماً.

ــــــــــ[465]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما إذا حسبنا حساب الروايات، فهي وإن كان لا يوجد في شيء منها تقييد الحجية واشتراطها بأن يكون صاحب اليد مسلماً.

اللهم إلا ما قد يُتوهّم من استفادة الاشتراط من قوله في رواية الجبن: “اشْتَرِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ”.

إلا أنَّ جواب هذا التوهم هو: تقييد الرجل بذلك لم يكن لأجل أنَّ الإسلام دخيل في حُجِّيّة خبر صاحب اليد بل لأجل دخله في حُجِّيّة ظهور الحال، فإن المسلم له ظاهر حال يكون حُجَّة، وأما ظاهر حال الكافر فليس بحُجَّة.

إذن فلا يوجد في الروايات ما يدلُّ على اشتراط الإسلام في حُجِّيّة قول صاحب اليد.

لكن يمكن أن يُقال: إنَّ الروايات وإن لم تقيد بالإسلام لكن ليس فيها إطلاق يشمل صاحب اليد الكافر، ومعه يكون القدر المتيقن هو خصوص ما إذا كان صاحب اليد مسلماً.

فهل هذا منطبق على كل الروايات؟ لا بُدّ أن نفحص الروايات لنرى أنَّها هل فيها إطلاق، أو لا؟

فرواية بيع الدهن المتنجس فرغ فيها عن كون البائع مسلماً إلا إذا جزمنا بإلغاء الخصوصية إلا أنَّ المفروض أنَّنا نجمد على نفس اللفظ ولا نلحظ الارتكازات.

وكذلك أيضاً رواية الجبن “اشْتَرِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ 

ــــــــــ[466]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

شَيْ‏ءٍ”(1) فإنَّها واضحة الاختصاص بالمسلم. ونحن استفدنا حُجِّيّة خبر صاحب اليد من قوله: “وَلَا تَسْأَلْهُ“ومن المعلوم أنَّ مرجع الضمير هو المسلم.

وكذلك رواية إعارة الثوب حيث يقول: (أعاره ثوباً لا يصلى فيه فصلى فيه) فالمعير والمستعير مسلمان، ومرجع الضمير في (أعلمه) هو المسلم أيضاً.

نعم، رواية واحدة لا بأس بإطلاقها لو تمَّت دلالتها. وهي الرواية الواردة في الجلود، عن إسماعيل بن عيسى، قال: “سألت أبا الحسن عن الجلود والفراء يشتريها الرجل في سوقٍ من أسواق الجبل، أَيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال: عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنْهُ إِذَا رَأَيْتُمُ المُشْرِكِينَ يَبِيعُونَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ يُصَلُّونَ فِيهِ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهُ”(2).  إذا بنينا على أنَّ الواجب هو سؤال البائع وأنَّه يدلُّ على القبول تعبداً. فمن الواضح أنَّ موردها هو غير المسلم.

ومعه فينبغي أن يفصل بين ما إذا كان المدرك هو هذه الرواية أو هو 

ــــــــــ[467]ــــــــــ

(1) مرّ تخريجه.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 1: 258، أبواب الصلاة، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه من الثياب، الحديث 792، تهذيب الأحكام 2: 371، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث76، وسائل الشيعة 3: 492، كتاب الطهارة، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

سائر الروايات، فإن كان هو هذه الرواية الأخيرة كانت الحجية شاملة للكافر، وإلا لم تكن شاملة.

وعلى أيّ حال، فإخبار صاحب اليد حُجَّة، سواء كان كافراً أو مسلماً.

الثالث: التفصيل بين البالغ وغيره

إن صاحب اليد ينقسم الى بالغ وغير بالغ، فهل يشتركان في الحجية؟ أو يفترقان فيها؟ وينبغي أن يُراد بالصبي: المميز، فإنَّه لا إشكال في عدم حُجِّيّة قول غير المميز. وحينئذٍ يقع الكلام في نقطتين:

أحدها: في تمامية المقتضي في نفسه للحجية، أي إنَّ أخبار حُجِّيّة قول صاحب اليد هل لها إطلاق وشمول لما إذا لم يكن صاحب اليد بالغاً، أو لا؟

ثانيها: أنَّه هل يوجد مانع يمنع عن تأثير هذا المقتضي، ويقيد إطلاق أدلَّة الحُجِّيّة، أو لا؟

النقطة الأولى: في تمامية المقتضي للحجية

وهو وجود المقتضي، فلا بُدّ أن نلتفت الى المسلكين في دليل الحُجِّيّة، فإن بنينا على المسلك العقلائي فقد عرفنا أنَّ نكتة الحجية ليست هي التعبد الصرف بل هي الأخبرية النوعية، وهي نكتة لا يكون البلوغ دخيلاً فيها على وجه الموضوعية.

نعم، قد يكون دخيلاً فيها على نحو الطريقية كالتمييز والالتفات الى الجهات والنكات. ولكنَّنا نتكلم عن صبي حاله من هذه الجهات حال البالغ، ومعه فلا يحتمل أن يكون البلوغ دخيلاً في نكتة الحُجِّيّة، بل تكون 

ــــــــــ[468]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النكتة وهي الأخبرية شاملة للصبي فينبغي تعميم الحجية له أيضاً.

وأما لو اقتصرنا على الألفاظ فجلّ الروايات ليس لها إطلاق، أو لا يحرز فيها الإطلاق إلا على تأمّل.

أما رواية إعارة الثوب: في رجل أعار رجلاً ثوباً فصلى فيه وهو لا يصلي فيه … (1) .

ورواية الجبن التي يقول فيها: “اشْتَرِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ”(2)، فقد أخذ فيهما عنوان الرجل أما سؤالاً أو جواباً. وهذا وإن لم نستفد منه المفهوم وهو إثبات عدم الحجية إذا لم يكن رجلاً، لكن لا يوجد إطلاق في العبارة لصورة ما إذا لم يكن صاحب اليد رجلاً.

فلا بُدّ من أن نرى أنَّ عنوان الرجل هل ينطبق على ما قبل البلوغ ولو بيوم واحد. فيتعدّى منه الى غيره من غير البالغين بعدم القول بالفصل ونحوه من التلفيقات.

وأما إذا لم ينطبق عليه عنوان الرجل بل نشكك في انطباقه عليه حتَّى بعد بلوغه -خاصة بالإنبات مثلاً-.

ــــــــــ[469]ــــــــــ

(1) قرب الإسناد: 169، أحاديث متفرّقة، الحديث620، وسائل الشيعة 3: 488، كتاب الطهارة، الباب47 من أبواب النجاسات، الحديث 3، بحار الأنوار 80: 266، كتاب الصلاة، الباب 8، الحديث 5.

(2) المحاسن (للبرقي) 2: 496، كتاب المأكل، الباب 77، الحديث 598، وسائل الشيعة 25: 118-119، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومعه فمقتضى الجمود على اللفظ هو الاقتصار على الرجل البالغ دون الصبي ودون المرأة أيضاً، وإنما نتعدى بإلغاء الخصوصية إلى المرأة والصبي، بواسطة الارتكاز وقد فرض عدمها في المقام.

وأما رواية بيع الدهن المتنجس للاستصباح فالمخاطب فيها بالغ والتعدي إنما يكون للمماثل، ويكون التعدي إلى الصبيّ بارتكازية عدم الفرق مشكلاً.

نعم، رواية واحدة لا بأس بدعوى إطلاقها لو تمَّ الاستدلال بها، وهي رواية “عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنْهُ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُشْرِكِينَ يَبِيعُونَ ذَلِكَ”(1)، بناء على أنَّ المسؤول هو البائع، وأنَّه يجب تصديقه تعبداً، ومن المعلوم أنَّ عنوان المشرك ليس كعنوان الرجل، ويصدق على غير البالغ أيضاً إذا كان مميزاً مشركاً وابن مشركين. وعليه فإن كان المدرك هو هذه الرواية أمكن دعوى الإطلاق، وإلا كان دعواها مشكلاً. ما لم يضم إليها الارتكاز، هذا هو تمام الكلام في المقتضي للحجية وقد تحصل أنَّ المقتضي لحجية قول الصبي موجود.

ــــــــــ[470]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 258، أبواب الصلاة وحدودها، باب ما يصلّى فيه وما لا يصلّى فيه من الثياب، الحديث 792، تهذيب الأحكام 2: 371، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 76، وسائل الشيعة 3: 492، كتاب الطهارة، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث7.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النقطة الثانية: في وجود المانع عن الحجية

هل هناك مانع يمنع من الأخذ بإطلاق دليل الحجية أو لا؟ وما يتصور مانعية عن ذلك، أحد أمرين:

الأمر الأول: حديث رفع القلم(1) فإنَّه قد يُتخيّل أنَّه يوجب إلغاء تمام ما يصدر من الصبي من الكلام، ولذا استدلّوا به على لغوية عبارة الصبي. إلا أنَّه بقطع النظر عن عدم تمامية سند هذه الرواية فإن الاستدلال بها غير تام؛ لأنَّ حديث رفع القلم يرفع الآثار التي تكون على الصبي في مقابل وضعها عليه، فإن وضع القلم معناه وضع الحكم التحميلي الإلزامي عليه، فيختص الحديث بحسب الفهم العرفي بقرينة المقابلة بذلك. وأما ما لا يكون فيه إلزام للصبي فلا موجب لرفع ذلك عنه، وحُجِّيّة خبره في الطهارة والنجاسة ليس فيه أي إلزام عليه، فإنَّه لا يلزم منها بشيء. نعم، البالغ العاقل يكون ملزماً بخبر الصبي لو كان حُجَّة.

وهذا هو الفرق بين هذه الحُجِّيّة وحُجِّيّة الإقرار، التي صرّح كثير من 

ــــــــــ[471]ــــــــــ

(1) اُنظر: الخصال: 94، رفع القلم عن ثلاثة، الحديث 233، عوالي اللآلي العزيزيّة 1: 209، الفصل التاسع، الحديث 48، السنن الكبرى (البيهقي) 3: 83، كتاب الصلاة، الباب 670، الحديث 5292، سنن أبي داود 11: 481، كتاب الحدود، بابٌ: في المجنون يسرق أو يصيب أحداً، الحديث3825.

ملاحظة: ورد في الوسائل الكثير من الروايات الدالّة على ارتفاع القلم عن الصبي حتَّى يحتلم، لكن ما هو المعروف بهذا العنوان -أعني: عنوان (حديث رفع القلم)- إنَّما هو ما خرّجناه من مصادر الفريقين.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الفقهاء أنَّها ترتفع بخبر رفع القلم. فإن حُجِّيّة الإقرار تكون محملة على الصبي في ذمته ولو وضعاً. وأما الإخبار بالطهارة والنجاسة فلا يصدق عليه هذا المعنى.

الأمر الثاني: حديث “عمد الصبيِّ وخطأه واحد(1)، وهذا أكثر إثباتاً للمقصود من السابق لأنَّ ذلك يختص بقرينة التقابل بخصوص الأحكام التي لو شرعت لكانت تحميلاً على الصبي.

وأما هنا فيقول: عمده خطأ. فكل أثر يترتب على العمد يكون منتفياً بالنسبة الى الصبي. فيكون هذا الدليل حاكماً على جميع الأدلَّة التي ترتب الأثر على العمد بدون فرق بين أن يكون على الصبي أو لم تكن. ولذا استدلوا على لغوية عبارة الصبي وبطلان وكالته في بيع ما لغيره إلى غيره؛ لأنَّ صحَّتها فرع القصد وقصده وعمده ملغى. مع أنَّها ليست آثار تحميلية.

إلا أنَّ هذا التقريب غير تامّ لمناقشتين:

المناقشة الأولى: وهو يثبت عدم تمامية هذا التقريب لا في محلّ الكلام ولا في سائر موارد المعاملات. وهو أنَّ قوله: “عَمْدَ الصَّبِيِّ خَطَأٌ”. ظاهر في 

ــــــــــ[472]ــــــــــ

(1) راجع: تهذيب الأحكام 10: 233، كتاب الديات، الباب 18، الحديث 53، الوافي 16:671، كتاب الحسبة والأحكام، أبواب القصاص والديات، الحديث15942، وسائل الشيعة 29: 400، كتاب الديات، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

تنزيل العمد منزلة الخطأ، وظاهره إسراء حكم المنزل على المنزل عليه، يعني حكم الخطأ للعمد.

فلا بُدّ أن يفرض أنَّ الخطأ قد وقع موضوعاً لحكم شرعي وأن العمد قد وقع موضوعاً لحكم شرعي. ويريد الشارع أن يجعل عمد الصبي مصداقاً لدليل حكم الخطأ لا لدليل حكم العمد.

وهذا يكون في باب الجنايات، كالقتل الخطأ الذي حكمه الدية والقتل العمد الذي حكمه القصاص، فيترتب على القتل العمد من الصبي حكم الخطأ وهو الدية، وأما إذا لم يكن للخطأ والعمد حكم فلا معنى للتمسك بإطلاق دليل التنزيل.

وحُجِّيّة قول صاحب اليد والمعاملات من هذا القبيل، فإن الحكم الشرعي مترتب على قصد الإنشاء أو العقد العمدي، وأما عنوان الخطأ في الإنشاء غايته عدم ذلك الحكم عند عدم علته. فليس للخطأ حكم وللعمد حكم آخر، حتَّى يتمسك بإطلاق التنزيل.

المناقشة الثانية: أن نفرض أنَّه ورد في الحديث: (عمد الصبي لا عمد)، ولم يرد: “أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ خَطَأٌ”(1)، لكي لا نحتاج إلى دليل يثبت الحكم لعنوان الخطأ، بل يكيفنا دليل يثبت الحكم على عنوان العمد. 

ــــــــــ[473]ــــــــــ

(1) الوارد في تهذيب الأحكام ١٠: ٢٣٣، الباب ١٨، الحديث ٥٣، ووسائل الشيعة ٢٩: ٤٠٠، كتاب الديات، أبواب العاقلة، الباب ١١، حكم عمد المعتوه والمجنون والصبي والسكران، الحديث ٢: “عَمْدُ الصَّبِيِّ وَخَطَؤُهُ وَاحِدٌ”.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فيكون هذا الحديث حاكماً على هذا الدليل ومخرجاً للصبي عن حكم العمد.

وحينئذٍ يتمّ الحديث في باب معاملات الصبي ولا يتمّ في باب إخبار صاحب اليد بالطهارة والنجاسة.

توضيح ذلك وتفصيله: أنه في باب المعاملات يترتب حكم شرعي أخذ في موضوعه القصد والإرادة المسمى بالعمد. وهذا الحكم هو التمليك والتملك يعني مضمون العقد. فإنَّه مترتب على من باع واشترى وهو لا يصدق على من أوقع العقد بلا قصد، فإذا ورد: (عمد الصبي لا عمد)، يخرج بيع الصبي عن كونه موضوعاً للدليل الذي دلَّ على التمليك والتملك. فيتم الاستدلال بالحديث في باب المعاملات.

ولكنه لا يتمّ في محلّ الكلام، والنكتة في ذلك هو أنَّ الحجية لو أخذ في موضوعها بحسب لسان دليلها القصد والعمد، فالكلام هو الكلام، كما لو قلنا إنَّه أخذ في موضوعها الإخبار المتوقف على قصد الحكاية، كتوقف الإنشاء على القصد، فيصير حال الحُجِّيّة حال التمليك والتملك، ويكون الدليل موجباً لإخراج إخبار الصبي عن كونه موضوعاً لدليل الحجية.

لكن التحقيق ليس هو ذلك فإن موضوع الحجية ليس هو الإخبار وإنما هو الكشف النوعي المترتب على الإخبار بدليل أنَّ المخبر صاحب اليد قد يخبر عن الطهارة والنجاسة مما يدلُّ التزاماً عليهما، كما لو أخبر أنَّ عباءتي في هذه الغرفة، ونحن نعلم أنَّ كل ما في الغرفة نجس. فيقبل من صاحب اليد 

ــــــــــ[474]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

مع أنَّه ليس له قصد إلى الإخبار عن النجاسة. وإنما يقبل لأنَّ الكشف النوعي متحقق حتماً.

فهذا برهان على أنَّ الحجية بحسب الفهم العقلائي والشرعي ليس موضوعها قصد الحكاية عن النجاسة وإلا لم يقبل لو كانت مدلولاً التزامياً خالياً عن القصد. وإنما موضوعها هو الكشف النوعي وهو لازم تكويني لصدور الإخبار من صاحب اليد.

وبهذا نعرف أنَّ الحجية تترتب على الإخبار بواسطة أثر ولازم تكويني وهو الكشف النوعي، ومن المعلوم أنَّ الحديث ينفي الآثار الشرعية المترتبة على العمد دون الآثار التكوينية المترتبة عليه والتي تقع موضوعاً لحكم شرعي آخر.

فكم فرق بين المقام وبين نفوذ المعاملة! لأنَّ موضوع نفوذ المعاملة هو الإنشاء المتضمن للقصد. فيكون موضوعها منفياً بالحديث مباشرة بخلافه في المقام، فإن موضوعه أثر تكويني ودليل التنزيل ينظر إلى الآثار الشرعية دون التكوينية.

فاتضح أنَّ المقتضي للحجية موجود والمانع مفقود.

الجهة الرابعة: التفصيل في النجاسات

هي أنَّه قد يدّعى التفصيل بين بعض النجاسات وبعض، فيكون خبر صاحب اليد حُجَّة في بعضها دون البعض الآخر، ولا يقبل قوله إلا إذا كان ثقة. وهذا التفصيل مأخوذ من روايات البختج، حيث قيد فيها قبول 

ــــــــــ[475]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

صاحب اليد بما إذا كان ثقة مسلماً عارفاً.

والبختج(1) عبارة عن العصير العنبي الذي يغلي على النار، ويتخذ للشرب. وقد كان متداولاً عندهم منذ صدر الإسلام بعد تحريم الخمر -وهو المغلي بنفسه- والأئمة عليهم السلام أفتوا بحرمته ما لم يذهب الثلثان(2).

بينما المشهور بين فقهاء السنة التسامح في هذه المسألة، فكثير منهم أفتى بجواز شربه قبل ذهاب الثلثين(3).

والواقع الخارجي للعصير العنبي أنَّه إذا لم يذهب ثلثاه فإنَّه ينش وتحصل فيه حالة من حالات السكر. ولهذا حرمه الشارع ولهذا أيضاً حرص الناس على شربه فإنَّه لا يسكر إلا بكميات كبيرة.

والعامة لم يكونوا يفتون بأنَّ ما أسكر كثيره فقليله حرام(4). وأما إذا 

ــــــــــ[476]ــــــــــ

(1) لاحظ: النهاية في غريب الحديث والأثر 1: 101، حرف الباء، باب الباء مع الخاء، مادة (بختج)، لسان العرب 2: 211، فصل الباء، مادّة (بختج)، تاج العروس 3: 292، باب الجيم، فصل الباء، مادّة (بختج).

(2) اُنظر: الكافي 12: 744، كتاب الأشربة، روايات الباب 27، تهذيب الأحكام 9: 120، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، وسائل الشيعة 25: 277، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 32 من أبواب الأشربة المباحة.

(3) الاختيار لتعليل المختار ٤: ١٠٠، كتاب الأشربة.

(4) لاحظ: كتاب الخلاف 5: 475، كتاب الأشربة، المسألة 3، المبسوط (السرخسي) 27:135، كتاب الأشربة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ذهب ثلثاه يصبح كـ(رُبّ) الطماطة(1) ويذهب عنصر الشيطان منه وتذهب قابليته للنشيش والإسكار.

فهنا يأتي السؤال: أنَّه إذا قدم شخص لك (البختج)، وقال: إنَّه ذهب ثلثاه، فهل يصدق أو لا؟

ومقتضى القاعدة -لولا أخبار حُجِّيّة قول صاحب اليد- هو استصحاب بقاء الثلثين ومقتضاه الحرمة والنجاسة.

ومقتضى هذه الأخبار أنَّه وجد المطهر والمحلل.

روايات البختج المخالفة لحجية صاحب اليد

ولكن جاءت الروايات على خلاف هذه الأخبار. ويمكن تقسيم هذه الأخبار إلى طائفتين:

الطائفة الأولى: ما اشترط في قبول خبر صاحب اليد خصوصية من الخصوصيات في ذلك العصير، كصحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عن البختج فقال: إِذَا كَانَ حُلْواً يَخْضِبُ الْإِنَاءَ، وَقَالَ صَاحِبُهُ: قَدْ ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ الثُّلُثُ، فَاشْرَبْهُ”(2).

ــــــــــ[477]ــــــــــ

(1) معجون الطماطة.

(2) الكافي 12: 746، كتاب الأشربة، الباب 28، الحديث 6، تهذيب الأحكام 9: 121، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 258، الوافي 20: 655، كتاب المطاعم والمشارب، أبواب المشارب، باب العصير الحلال والعصير الحرام، الحديث 20212، وسائل الشيعة 25: 293، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 3.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فقد فرض في قبول قول صاحب اليد مؤونة زائدة، وهي أنَّ العصير يخضب الإناء يعني يصبغه، وهي درجة يصل إليها العصير في الثخانة يصبح فيها خالياً من الكحول وغير قابل للإسكار.

الطائفة الثانية: ما اشترط في قبول قول صاحب اليد شروطاً تعود إلى نفس صاحب اليد، وهي على نحوين:

النحو الأول(1): ألا يكون مستحلاً له كرواية عمر بن يزيد، قال: “قلت لأبي عبد الله: الرجل يهدى إليه البختج من غير أصحابنا. فقال: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ المُسْكِرَ فَلَا تَشْرَبْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِلُّ شُرْبَهُ فَاقْبَلْهُ، أَوْ قَالَ: اشْرَبْهُ(2).

ورواية معاوية بن عمار قالت: “سألت أبا عبد الله عن الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث وأنا أعرف أنَّه يشربه على النصف. أفاشربه بقوله وهو يشربه على النصف. فقال: لا تشربه قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبرنا أنَّ عنده بختجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي 

ــــــــــ[478]ــــــــــ

(1) سيأتي ذكرها على أنها الطائفة الثالثة.

(2) الكافي 12: 746، كتاب الأشربة، الباب 28، الحديث4، تهذيب الأحكام 9: 122، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 259، وسائل الشيعة 25: 293، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ثلثه يشرب منه. قال: نَعَمْ(1).

النحو الثاني(2): الروايات التي اشترطت أن يكون صاحب اليد مؤمناً ورعاً كرواية عمار عن أبي عبد الله في حديث أنَّه سئل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول هذا مطبوخ على الثلث. قال: “إِنْ كَانَ مُسْلِماً وَرِعاً مُؤْمِناً(3) فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْرَبَ(4).

تفصيل البحث في الروايات

ويقع الكلام حولها في نقطتين:

النقطة الأولى: أنَّ هذه الروايات في موردها هل هي خارجة عن مقتضى القاعدة في حُجِّيّة إخبار صاحب اليد أو لا؟

النقطة الثانية: أنَّه لو قلنا إنَّها توجب التصرف في مقتضى القاعدة في 

ــــــــــ[479]ــــــــــ

(1) الكافي 12: 747، كتاب الأشربة، الباب 28، الحديث7، تهذيب الأحكام 9: 122، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 261، وسائل الشيعة 25: 293، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4.

(2) سيأتي ذكرها على أنها الطائفة الثانية من الروايات.

(3) وردت بلفظ (مأموناً) بدلاً عن (مؤمناً) في: تهذيب الأحكام 9: 116، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 237، الوافي 20:658، باب العصير الحلال والعصير الحرام، الحديث 20220. 

(4) وسائل الشيعة 25:294، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث6.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

موردها، فهل يمكن التعدي منها إلى غير موردها؟

النقطة الأولى: في خروج الروايات عن مقتضى القاعدة

في أنَّه هل يمكن أن يثبت بهذه الروايات أمر على خلاف مقتضى القاعدة في قبول إخبار صاحب اليد، في موردها أو لا؟

لا بُدّ في ذلك من استعراض هذه الروايات:

أما صحيحة معاوية بن وهب(1)، فقد أناطت قبوله بشرطين:

أحدهما: أن يشهد صاحب اليد أنَّه قد حصل المطهر وذهب ثلثاه.

ثانيهما: أنَّه بلغ إلى درجة من الثخانة إلى حد يصبغ الإناء.

ولو كان قول صاحب اليد حُجَّة لكان الشرط الثاني زائداً، ولكنه أضيف هذا الشرط وهو أمارة على صدق المخبر، فقد أنيطت حُجِّيّة قوله بأن تنضم إليه أمارة وقرينة أخرى تؤيده وإلا فلا يكون حُجَّة.

وتحقيق الحال في ذلك: أنَّ أخذ خضاب الإناء وعطفه على إخبار صاحب اليد، فيه احتمالان ثبوتيان:

الاحتمال الأول: أن يكون أخذه بلحاظ الحكم الواقعي دون الظاهري، بحيث تكون طهارة البختج موقوفة على أمرين:

أحدهما: ثخونة ملازمة لصبغية العصير.

ثانيهما: ذهاب الثلثين.

ــــــــــ[480]ــــــــــ

(1) روايات الطائفة الأُولى.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وما لم يجتمع الأمران فإنَّه لا يجوز شربه واقعاً، وهذا أمر معقول ثبوتاً سواء كانت النسبة بين ذهاب الثلثين والخضاب هي العموم المطلق بأن كان الخضاب أسبق، أو كانت النسبة هي العموم من وجه.

فإنه على كِلا التقديرين يمكن أن يكون الحكم الواقعي بجواز الشرب منوطاً بكلا الأمرين. 

فإذا كان الأمر كذلك فلا يكون أخذ الخضاب ناظراً إلى تقييد حُجِّيّة صاحب اليد، بل هو حُجَّة على كل حال. 

ولكنه حُجَّة فيما يخبر به وهو ذهاب الثلثين. وأما الخضاب فقد أخذ جزءاً من موضوع الحكم الواقعي لا جزءاً من موضوع حُجِّيّة خبر صاحب اليد.

نعم، لو كان الموضوع لجواز الشرب هو خصوص الثلثين لكان الخضاب قيداً لصاحب اليد.

وأما إذ اكان الحكم الواقعي مترتباً على الأمرين، فيكون أحدهما ثابتاً بخبر صاحب اليد، باعتبار كونه أمراً بعيداً عن الحسّ وهو ذهاب الثلثين، ويكون الآخر وهو خضاب الإناء -باعتباره أمراً حسياً- موكولاً ثبوته إلى الحسّ بوجوده الواقعي. 

وبناء عليه فلا يكون الاستدلال بهذه الرواية على تقييد حُجِّيّة خبر صاحب اليد تامّاً.

الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم الواقعي بجواز الشرب تمام موضوعه 

ــــــــــ[481]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

واقعاً ذهاب الثلثين فقط. فقد يُقال: إنَّ الرواية تكون موجبة لإسقاط حُجِّيّة خبر صاحب اليد، وتقييدها بما إذا قامت قرينة على وفقها.

لكن مع هذا يمكن أن يقال: حيث إنَّ الخضاب بحسب الغالب أسبق من ذهاب الثلثين إلا ما شذ، فإذا لم يخضب العصير الإناء فهذا أمارة نوعيَّة على تهمة صاحب اليد في إخباره.

وقد سبق أن قلنا إنَّ حُجِّيّة خبر الثقة فضلاً عن خبر صاحب اليد مشترطة عقلائياً بأن لا يكون هناك أمارة نوعيَّة عقلائيَّة على كونه متهماً، وإلا فلا يكون قوله مقبولاً.

وهذا الاشتراط ليس ثابتاً بهذه الرواية بل هو أمر على القاعدة في نفسه. فإن دليل كِلا الحجيتين وهو السيرة اشترط ألا يوجد أمارة نوعيَّة على تكذيبه.

ومن هنا قلنا في الأصول(1):إنَّ خبر الثقة المعرض عنه من قبل الأصحاب القدماء لا يقبل لأنَّ الإعراض يكون أمارة نوعيَّة على تكذيب مثل هذا الخبر.

فظهر أنَّنا لا يمكن أن نستفيد شيئاً على خلاف مقتضى القاعدة في حُجِّيّة صاحب اليد، على كِلا الاحتمالين.

ــــــــــ[482]ــــــــــ

(1) اُنظر: بحوث في علم الأصول 4: 426، مباحث الحجج والأصول العمليّة، مبحث الظنّ: حُجِّيّة الأخبار، تحديد دائرة الحجّيّة.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وأما الروايات الدالة على تقييد حُجِّيّة قول صاحب اليد على كونه مسلماً ورعاً مؤمناً(1) -كرواية عمّار(2)– فإنَّها دالة بظاهرها على أنَّ خبره لا يكون حُجَّة إلا إذا كان متصفاً بالإسلام والتشيع والوثاقة.

ومعه فتكون مثبتة لحكم على خلاف القاعدة. ولا بُدّ من التقييد بقرينة هذه الطائفة.

إلا أنَّ هذه الطائفة معارضة بالطائفة الأخرى(3)، التي منها رواية معاوية بن عمار: عن الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج …(4) الخ. فإنَّها صريحة في أنَّه لا يشترط في قبوله كون الإنسان عارفاً ورعاً؛ لأنَّه صرّح: أنَّه ليس من أهل الحق ولا نعرفه، إلا بأنَّه لا يشربه على النصف.

وبعد فرض وقوع التعارض بين الطائفتين يكون مقتضى الجمع العرفي 

ــــــــــ[483]ــــــــــ

(1) روايات النحو الثاني من الطائفة الثانية.

(2) راجع: تهذيب الأحكام 9: 116، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 237، الوافي 20: 658، باب العصير الحلال والعصير الحرام، الحديث 20220، وسائل الشيعة 25: 294، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 6.

(3) وهي روايات النحو الأوّل من الطائفة الثانية بحسب تقسيم البحث الأولي.

(4) الكافي 12: 747، كتاب الأشربة، الباب 28، الحديث7، تهذيب الأحكام 9: 122، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 261، وسائل الشيعة 25: 293، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بينهما هو حمل القيود المأخوذة في تلك الطائفة -وهي كونه ورعاً مسلماً مؤمناً- على الطريقية لا الموضوعية، فإنَّها وإن كان مقتضى الجمود على حاق اللفظ هو الموضوعية لهذه العناوين، لكن بعد أن ورد قوله في رواية معاوية بن عمار: في رجل من غير أهل المعرفة … الخ، يحمل قيد المعرفة والورع على الطريقية، يعني أن يكون مسلماً ورعاً استطراقاً إلى أنه لا يستحله على النصف، فترجع الطائفة الثانية(1) إلى الثالثة(2)، يعني إذا كان لا يستحل شربه على النصف فلا بأس.

فيقع الكلام في هذه الطائفة الثالثة: وهي الدالة على تقييد الحجية بما إذا لم يكن مستحلاً لشربه قبل ذهاب الثلثين.

هنا اختلط عنوانان أحدهما بالآخر:

العنوان الأول: أنَّ الفرد في مقام الاعتقاد هل يرى أنَّ هذا العصير حلال على النصف أو حرام. وهو العنوان الذي اقتصر عليه في رواية عمر بن يزيد.

العنوان الثاني: أنه يشرب هذا العصير، أو لا يشربه؟ وإن كان يشربه، فهل يشربه مستحلاً أو عاصياً؟

وبمقتضى مناسبات الحكم والموضوع، أنَّ العنوان الأوَّل مأخوذ طريقاً إلى العنوان الثاني طريقاً غالبياً. 

ــــــــــ[484]ــــــــــ

(1) روايات النحو الثاني من الطائفة الأولى.

(2) روايات النحو الأوّل من الطائفة الأولى.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

فإنه ليس للاستحلال دخل في كاشفيَّة إخبار صاحب اليد، فنعرف بمناسبات الحكم والموضوع أخذه بما هو طريق إلى التصديق، فإن الناس المستحلون كانوا يصنعون البختج لأجل شربه على النصف. 

فهذا مرجعه في الحقيقة إلى أمارة نوعيَّة عقلائيَّة على خلاف قول صاحب اليد، فإنَّه إن كان قد اعتاد شربه على النصف فلا تصدقه في إخباره؛ لأنَّ الغالب فيما يكون تحت اليد أن تكون على طبق أغراضه، وهو كونه على النصف. فإن أخبر بخلافه كان إخباره على خلاف حاله النوعي.

إذن فالطوائف الثلاث(1) لا يمكن أن يستفاد منها حكم على خلاف القاعدة، بل معزز لها وهي: حُجِّيّة صاحب اليد فيما إذا لم تتمَّ قرينة نوعيَّة على اتهامه.

النقطة الثانية: في التعدي من الروايات إلى غير موردها

أنَّه لو سلِّم أنَّه يتحصل من هذه الروايات في شخص موردها حكم على خلاف القاعدة، بأن كان مفادها اشتراط حُجِّيّة خبر صاحب اليد في البختج أن يكون مسلماً عارفاً ورعاً غير مستحل لشربه على النصف. فهل يمكن التعميم للموارد الأخرى أو لا؟

دعوى التعدي مبنية على أن يُقال: إنَّ ذهاب الثلثين أحد المطهرات في 

ــــــــــ[485]ــــــــــ

(1) روايات الطائفة الأُولى بالإضافة إلى الطائفة الثانية بنحويها الأوّل والثاني بحسب تقسيم البحث الأوّلي.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الفقه كالماء والتجفيف بالشمس. وقد ثبت أنَّ إخباره بهذا المطهر لا يكون حُجَّة إلا بهذه القيود، فبإلغاء خصوصية مطهر في مقابل مطهر، يتعدّى منه إلى سائر المطهرات الأخرى في باب الطهارة والنجاسة عيناً، كما تعدينا في حُجِّيّة إخبار ذي اليد من موارد الروايات الدالة على حجيته في موارد خاصة، إلى سائر الموارد. فكذلك في مطهرية الثلثين.

ويوجد في هذا التعدي ثلاث مناقشات إن تمَّت واحدة منها بطل:

المناقشة الأولى: أنَّ هذا التعدّي أخذ في مبناه أصل موضوعي وهو: أنَّ ذهاب الثلثين مطهر، وهذا مبني على الفتوى بأنَّ العصير العنبي إذا غلى نجس وحرم(1)، فيكون ذهاب الثلثين مطهراً ومحلّلاً.

ــــــــــ[486]ــــــــــ

(1) لاحظ: قواعد الأحكام 3: 331، كتاب الصيد والذبائح، المقصد الخامس: في الأطعمة والأشربة، الفصل الأوّل: المطلب الخامس: المائعات، المائع الرابع، مسالك الأفهام 1: 123، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، العاشر: الكافر: “القول بنجاسة العصير هو المشهور بين المتأخّرين”، المصدر نفسه 12: 73-74، كتاب الأطعمة والأشربة، القسم الخامس: في المائعات، الأوّل: الخمر: “لا خلاف بين الأصحاب في تحريم عصير العنب إذا غلى، بأن صار أسفله أعلاه، وأخبارهم ناطقة به… ومن هذه يستفاد عدم الفرق بين الغليان بالنار، وغيرها… وأكثر المتأخّرين على نجاسته أيضاً”، مجمع الفائدة والبرهان 11: 198-200، كتاب الصيد وتوابعه، المقصد الثالث: في الأطعمة والأشربة، الباب الأوّل، الرابع: المائعات.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وحينئذٍ فيقال: أيّ فرق بين مطهر ومطهر؟ لكن بناء على ما هو الصحيح من أنَّ العصير العنبي بالغليان يحرم، ولكنّه لا ينجس، فإنّ النجاسة مخصوصة بخصوص الخمر، وهو ما غلى بنفسه لا ما غلى بالنار.

ومعه فيقطع بطهارته سواء ذهب ثلثاه أو لا. فلا يكون إخبار صاحب اليد بذهاب الثلثين من الإخبار بالطهارة والنجاسة، فإن الطهارة محرزة على أيّ حال، بل من موارد الإخبار بالحلية والحرمة.

وحينئذٍ لا يمكن أن يُقال بالتعدّي من باب أنَّه أي فرق بين مطهر ومطهر، ويحتاج التعدّي إلى مؤونة زائدة.

المناقشة الثانية: أنَّنا لو سلمنا أنَّ العصير العنبي حرام ونجس، فيكون الشكّ في ذهاب الثلثين شكاً في الطهارة والنجاسة.

لكن نقول: إنَّ إخبار صاحب اليد بذهاب الثلثين له أثران: (ارتفاع النجاسة) و(ارتفاع الحرمة). فلو خلينا نحن وقاعدة حُجِّيّة صاحب اليد لثبت كِلا الأثرين.

إلا أنَّ القدر المتيقن من هذه الروايات هو التعبد بارتفاع الحرمة، وإن المولى أسقط حُجِّيّة خبر صاحب اليد بارتفاع الحرمة، فإن قوله: (لا تشربه)، ناظر إلى جانب الحرمة التكليفية دون النجاسة والطهارة الوضعيتين. فيثبت أنه لا يكون حُجَّة في نفي الحرمة.

وأما أنه لا يكون حُجَّة في إثبات الطهارة فلا يمكن إثباتها بها، فنبقى فيها على مقتضى القاعدة، فينتج التفصيل من حيث حجيته في الطهارة 

ــــــــــ[487]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والحرمة، ويكون صاحب اليد غير الورع قوله حُجَّة في إثبات الطهارة دون الحلية.

إلا أنَّ هذه المناقشة وإن كانت صناعية لكنها على خلاف ظهور هذه الروايات، فإنَّها ظاهرة في إنَّ الملاك في عدم ثبوت الحلية هو إنَّ الموضوع لم يثبت وهو ذهاب الثلثين، ومعناه إنَّ موضوع الطهارة أيضاً لم يتحقَّق، ففرق بين أن تقول: إنَّه يثبت بالحجية أثر دون أثر. أو أن نقول: إنَّ الموضوع أساساً لم يثبت كما هو ظاهره، فلا يترتّب عليه كِلا الأثرين.

ويدل عليه ما ورد في رواية علي بن جعفر من قوله، “سألته عن رجلٍ يصلّي للقبلة لا يوثَق به، أتى بشراب، فزعم أنّه على الثلث، أيحلّ شربه؟ قال: لَا يُصَدَّقُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْلِماً عَارِفاً”(1)، وظاهره أنَّ عنوان ذهاب الثلثين لا يثبت به.

وإن شئتم قلتم: إنَّنا لو بقينا نحن وروايات: لا تشرب. فقط لأمكن أن يُقال: إنَّ المتيقن منها إسقاط حُجِّيّة قول صاحب اليد من ناحية إثبات الحلية دون الطهارة. لكن بقرينة: (لا تصدقه)، نعرف إلغاء تمام الآثار المترتبة على الخبر. فيدل أنه (لا تصدقه) بلحاظ الطهارة والحلية.

ــــــــــ[488]ــــــــــ

(1) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 285، كتاب الأطعمة والأشربة، الحديث721، تهذيب الأحكام 9: 122-123، كتاب الصيد والذبائح، الباب 2، الحديث 263، وسائل الشيعة 25: 294، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 7.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

المناقشة الثالثة: لو سلّمنا أنَّ العصير العنبي ينجس وأن إخبار صاحب اليد لا يثبت به الطهارة والحرمة، فلا يمكن التعدي منه إلى غيره.

لأن القيد الذي أخذ في موضوع الحجية بحسب الفرض والتنزل:

إمّا أن يكون تعبدياً موضوعياً صرفاً من دون دخل له في كاشفيَّة قول صاحب اليد، كما لو كان القيد المأخوذ في خبر صاحب اليد في البختج هو عدم استحلال الشرب. فهل نقول ذلك في باب النجاسات ألا يكون مستحلاً لشرب النجاسات؟ كَلّا؛ لأنَّ هذا القيد ما دام تعبدياً، ولا دخل له في كاشفيته بمناسبات الحكم والموضوع، فلا يمكن التعدي إلى غيره لأنَّ هذه المناسبات على خلافه ويكون التعدي منه إلى غيره من قبيل القياس.

وإما أن يكون القيد غير تعبدي، وكان له دخل في كاشفيَّة الخبر وأماريّته كالورع والإيمان، فالتعدي وإن كان لا يخلو من وجه بالارتكاز العرفي؛ لأنَّ دخله في الكاشفيَّة لا يفرق فيه بين هذا المورد وغيره من الموارد.

لكن يزاحم هذا الارتكاز العرفي بارتكاز متشرعي وهو ارتكازية أنَّ الشارع له اهتمامات بخصوص باب المسكر. وهذا الارتكاز يمنع الذهن المتشرعي عن التعدي، لأنَّه يحتمل أن تكون شدة الاهتمام هو الوجه للتقييد.

هذا تمام الكلام في الجهة الرابعة.

 

ــــــــــ[489]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الجهة الخامسة: التفصيل بحسب ما يقع تحت اليد

التفصيل في إخبار صاحب اليد بين بعض الأشياء التي تقع تحت اليد وبعض.

ذهب مشهور الفقهاء(1) -على ما يظهر من العبائر- أنه لا يفرق في ما يقع تحت اليد بين أن يكون إنساناً أو غيره.

وذهب بعض الفقهاء كالسيد الأستاذ(2) إلى التفصيل بين الإنسان وغيره. فلو كان ما تحت اليد عبداً يبنى على عدم حُجِّيّة إخبار ذي اليد في طهارته ونجاسته بخلاف الثوب ونحوه.

وجعلوا هذا تخصيصاً في دليل حُجِّيّة صاحب اليد وقالوا في توجيهه: إنَّ دليلها ليس له إطلاق لهذه الصورة فيلتزم بالقدر المتيقن وهو غيره هذه الصورة.

والحق أنَّ كِلا القولين مجانب لمقتضى القاعدة، قول المشهور بدخول العبد تحت الحُجِّيّة، وقول السيد الاُستاذ بخروجه التخصيصي عن دليلها. 

ــــــــــ[490]ــــــــــ

(1) لاحظ: الحدائق الناضرة 5: 252، كتاب الطهارة، الباب الخامس، المقصد الثاني: في الأحكام، المبحث الأوّل: المسألة الأولى، مصباح الفقيه 8: 172، كتاب الطهارة، الركن الرابع: في النجاسات، أحكام غسل موضع النجاسة.

(2) لاحظ: التنقيح في شرح العروة الوثقى ٣: 191-192، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 10، فقه الشيعة 3: 317، كتاب الطهارة، فصلٌ: طريق ثبوت النجاسة، المسألة 10.

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

والتحقيق أنَّ مثل هذه الأشياء كالعبد والجارية خارجة عن مقتضى القاعدة تخصصاً، والنكتة في ذلك: ما ذكرناه من أنَّ اليد لها معنيان:

الأول: كون الشيء في حوزته وهو المعنى المراد بقاعدة اليد الدالة على الملكية.

الثاني: كون الشيء تحت استعماله وتصرفه وهو المراد باليد التي يكون قول صاحبها حُجَّة في الطهارة والنجاسة. 

والنكتة الأُولى وإن كان لا يفرق فيها بين العبد والثوب إلا أنَّ الثانية يفرق فيها بينهما؛ لأنَّ الملاك في قبول قول صاحب اليد إنما هو الأخبرية النوعية.

ومن المعلوم أنَّها لا تكون إلا فيما كان الشيء تحت مباشرته واستعماله، لا مجرَّد كونه في حوزته، وقد سبق أن مثّلنا بالبستان الذي يملكه شخص في بلدة أخرى فإنَّه في حوزته ولكنه ليس تحت تصرفه فيحكم بملكيته ولكن لا يقبل قوله في طهارته ونجاسته، وإنما يقبل في ذلك قول الفلاح الذي يعيش في البستان ويكون تحت تصرفه.

إذا اتضح ذلك، فمن المعلوم أنَّ يد المولى على العبد والجارية، ليس يد مباشرة؛ لأنَّ العبد باعتباره متحركاً بالإرادة، فإنَّه يمكن أن تقع عليه نجاسات ومطهرات دون أن يعلم مولاه، بخلاف الثوب فإن الغالب أن يعلم صاحبه بما يطرأ عليه.

إذن فخروج المورد عن دليل الحجية خروج تخصصي وليس تخصيصاً.

ــــــــــ[491]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

ومن هذا القبيل ما إذا أخبر صاحب اليد على الدار أنَّ القبلة من هذا الجانب، فإنَّه لا يقبل قوله تخصصاً من دليل القاعدة؛ لأنَّه إخبار عن القبلة، وهي رابطة مخصوصة بين داره وبين الكعبة، والدار وإن كانت تحت يده إلا أنَّ الكعبة ليست تحت يده. وليس هذا من باب التخصيص كما يدعي السيد الاُستاذ وغيره.

وكذلك لو أخبر صاحب اليد بأنَّه جار المسجد، فإنَّه لا يثبت به مسجدية الجار ولا يشمله قوله: “لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إِلَّا فِي المَسْجِدِ”(1)؛ لأنَّه إخبار عن أمرين أحدهما تحت يده، والآخر ليس كذلك(2).

هذا تمام الكلام في تفصيلات صاحب اليد. وبذلك انتهى الكلام في هذه المسألة.

ــــــــــ[492]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 1: 92، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث 93، وسائل الشيعة 5: 194، كتاب الصلاة، الباب 2 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1.

(2) وقال السيد في جواب عن سؤال: إنَّنا إنما نقبل قول صاحب الدار في القبلة عادة باعتباره مصلياً له خبرة بجهة القبلة، وأما مجرَّد كون الدار تحت يده من دون أن يصلّي فيها أصلاً، فهذا لا يقتضي أخبريته بجهة قبلتها، (المقرر).

تقريرات، كتاب الطهارة ج2






الفهرس 

 

الفصل الأول الكلام في نجاسة الفقاع 15

[أدلة نجاسة الفقاع] 15

الوجه الأول: [الاجماع] 15

الوجه الثاني: [رواية هشام بن الحكم] 16

الوجه الثالث: دليل الحكومة [بتنزيل الفقاع منزلة الخمر] 16

مناقشة دليل الحكومة 19

امتياز المناقشة هنا عمَّا في العصير العنبي 20

روايات مؤيدة لاختصاص الفقاع بالمغلي 21

مناقشة دليل التنزيل بناء على المسلك المشهور 23

مناقشة دليل التنزيل على المسلك المختار 27

مؤيّدات وقرائن على أنَّ المراد بالخمر المعنى الأعم 28

تعليق على ما في متن العروة 32

الفصل الثاني الكلام في نجاسة عرق الجنب من حرام 37

ــــــــــ[493]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

مناقشة دعوى الإجماع على النجاسة 37

الروايات الدالة على النجاسة 40

تقريب الاستدلال 42

مناقشة كلام المحقق الهمداني. 50

في مفاد الروايات المطلقة 55

فروع وتطبيقات 58

الفرع الأوّل: العرق المتقدِّم والمقارن والمتأخّر 58

الفرع الثاني: عموم الحكم للرجل والمرأة 62

الفرع الثالث: التعميم للحرمة الذاتيَّة والعرضيَّة 62

كلام السيد الأستاذ في المقام ومناقشته 64

عرق الزاني المكره 66

عرق الجنب من حرام بالحرمة العرضية 68

المختار في المسألة 70

التحقيق في الصغرى 72

مسائل متفرقة 75

1- العرق الخارج حال الاغتسال قبل تمامه 75

2- حكم عرق من أجنب من حرام ثُمَّ من حلال أو بالعكس 79

ــــــــــ[494]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

عدّة صور في تحديد معنى الجنابة 79

3- حكم عرق المجنب من حرام إذا تيمم 83

إشكال السيد الأستاذ في عدم رافعية التيمُّم للجنابة 83

مناقشة إشكال السيد الأستاذ 85

4- حكم عرق الصبي غير البالغ إذا أجنب من حرام 87

الفرع الأول: في أصل نجاسة عرق الصبي 87

تعليقات عدّة على ما أفاده السيد الأستاذ 88

التحقيق في المسألة 89

الفرع الثاني: هل يطهر عرق الصبي بالاغتسال إذا قلنا بالنجاسة 92

الوجه الأول: التمسّك بالدلالة الالتزامية 93

الوجه الثاني: الاستفادة من شرعية عبادات الصبي 95

الوجه الثالث: دعوى أن المرفوع هو الإلزام لا أصل الطلب 100

أصلان موضوعيان فرضا في البحث 108

الفصل الثالث عرق الإبل الجلالة بل مطلق الحيوان الجلّال 113

الاستدلال على النجاسة بروايتين والمناقشة فيه 113

البحث السندي 114

ــــــــــ[495]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

البحث الدلالي 119

المسألة الأولى: في نجاسة عرق الإبل الجلالة 120

المناقشة الأولى 120

المناقشة الثانية 122

المناقشة الثالثة 123

المسألة الثانية: [في نجاسة غير الإبل من الحيوانات الجلالة] 126

التقريب الأول: إلغاء الخصوصية في رواية حفص 126

التقريب الثاني: (الإطلاق) في رواية هشام بن سالم 127

مناقشة إطلاق الرواية بوجهين 128

الفصل الرابع خاتمة الكلام في النجاسات 135

نجاسة ما لا يؤكل لحمه 135

الاستدلال على النجاسة ومناقشته 135

استقصاء صور المسألة 138

المقام الأول: في نجاسة ما لا يؤكل لحمه 139

مناقشة ما يمكن الاستدلال به على النجاسة 140

المقام الثاني: في نجاسة المسوخ 143

المقام الثالث: في نجاسة السباع 146

ــــــــــ[496]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

وجوه مناقشة ما يمكن أن يستدلَّ به على النجاسة 147

الوجه الأخير: إيقاع المعارضة بين الأمر بالغسل وطائفة من الروايات 149

الطائفة الأولى: ما دلَّ على طهارة السباع بالصراحة والمطابقة. 149

الطائفة الثانية: تعليل الحكم بالطهارة لكونها من السباع 152

الطائفة الثالثة: الاستدلال بالإطلاق المقامي 154

المقام الرابع: في نجاسة عناوين خاصة من الحيوانات 154

الجهة الأولى: في نجاسة الثعلب والأرنب 155

1- مناقشة ما يمكن الاستدلال به على نجاستهما 155

الروايات المعارضة لرواية يونس 156

الطائفة الأولى: ما دلَّ على جواز لبس جلود الثعالب في غير الصلاة 156

الطائفة الثانية: الروايات التي ظاهرها قابلية جلود الثعالب للتذكية 157

الطائفة الثالثة: ما دلَّ على طهارة السباع 159

ــــــــــ[497]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بحث استطرادي: حلّ مشكلة روايات الشيخ عن الحسين بن سعيد 162

الجهة الأولى: بلحاظ ما جاء في مشيخة التهذيب 163

القرائن المبعّدة 163

القرائن المقرّبة 165

الجهة الثانية: بلحاظ ما ذكره في الفهرست 172

2- ما يستدلُّ به على نجاسة الثعلب خاصّ 174

الطائفة الأولى: التي تنهى عن الصلاة في جلود الثعالب 175

الطائفة الثانية: ما ورد في تحديد الكرّ 177

الجهة الثانية: في نجاسة الفأرة 179

الناحية الأولى: في الروايات الدالّة على النجاسة 179

ما ورد في البئر 180

ما ورد في الأسآر 184

الناحية الثانية: في الروايات الدالة على الطهارة 188

الجهة الثالثة: في نجاسة العقرب 193

الناحية الأولى: في دليل نجاستها 193

ــــــــــ[498]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الناحية الثانية: الروايات المُعارضة والدالة على الطهارة 196

الجهة الرابعة: في نجاسة الوزغ 199

الفصل الخامس قاعدة الطهارة 203

الاستدلال على قاعدة الطهارة 203

الوجه الأول: التمسّك برواية عمار الساباطي 204

بحث سندي 206

الدعوى الأولى: في اشتباه الشيخ الطوسي  206

الدعوى الثانية: في توثيق أحمد بن يحيى 208

الوجه الثاني: تصيد القاعدة من الروايات 210

الجهة الأولى: في اختصاص القاعدة بالشبهة الموضوعية أو تعميمها للحكمية 215

الجهة الثانية: في اختصاص القاعدة بالشك في طروّ النجاسة أو التعميم للشك في أصلها 217

التعارض بين دليل الاستصحاب ودليل القاعدة 220

الجهة الثالثة: في اختصاص القاعدة بمورد النجاسة العرضيَّة أو شمولها النجاسة الذاتية 223

الجهة الرابعة: الشكّ المأخوذ في القاعدة يشمل الشكّ في بقاء ــــــــــ[499]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

النجاسة أو لا 225

الجهة الخامسة: هل القاعدة تجري في توارد الحالتين 227

الجهة السادسة: التعويض عن قصورين تعاني منهما قاعدة الطهارة 230

1- التعويض عن القصور المشترك على المدركين 231

إذا كان الشكّ بنحو الشبهة الموضوعية 231

إذا كان الشكّ بنحو الشبهة الحكمية 233

2- التعويض عن القصور الخاصّ بالمدرك الثاني 234

الجهة السابعة: في أنحاء ثلاثة من الاستصحاب تحيط بقاعدة الطهارة 234

الجهة الثامنة: النسبة بين دليل قاعدة الطهارة وأدلّة الأصول الطولية الحكمية 236

الجهة التاسعة: في كون قاعدة الطهارة حكماً واقعياً 239

تقريب صاحب الحدائق ومناقشته 240

الجهة العاشرة: في كون أصالة الطهارة من الأصول التنزيلية 245

احتمالات في المقام 246

الجهة الحادية عشرة: تخصيص القاعدة بالدم الذي يُرى على منقار الطير 249

ــــــــــ[500]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

التحقيق في المقام 250

مناقشة المدعى في المقام 255

الكلمة الأولى: في صحَّة التخصيص 255

الكلمة الثانية: في أنَّ الغالب حصول الاطمئنان الشخصي بالنجاسة 257

الكلمة الثالثة: المحافظة على ظهور العبارة بالحكم الواقعي 258

هل الاستصحاب في نفسه يجري في هذه الموارد؟ 262

الجهة الثانية عشرة: في استثناء الرطوبة المشتبهة قبل الاستبراء من البول والمنيّ 265

قصور الروايات عن إثبات النجاسة الخبثية 266

1- مناقشة التقريب الثاني لإشكال صاحب الحدائق 268

2- مناقشة التقريب الأوَّل لإشكال صاحب الحدائق بوجوه 269

تحقيق الحال في رواية سماعة 271

تنبيه 278

الجهة الثالثة عشرة: في حكم غسالة الحمّام 280

ــــــــــ[501]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

خروج بعض الصور عن محلّ الكلام 281

في الروايات الدالة على خورج ماء الحمام عن قاعدة الطهارة 282

المقام الأول: ما يستدلُّ به على التخصيص 283

ما يرد من نقاط ضعف على الروايات المتقدِّمة 286

الاستدلال برواية محمد بن مسلم على طهارة ماء الحمام 291

مناقشة الاستدلال برواية مسلم 292

المقام الثاني: ما يصلح أن يكون معارضاً لروايات النجاسة 295

الرواية الأولى: رواية محمد بن مسلم 295

الرواية الثانية: محمد بن مسلم أيضاً 297

الروايتان الثالثة والرابعة 300

الجهة الرابعة عشرة: أنَّ قاعدة الطهارة عبارة عن قاعدتين 302

الكلمة الأولى: في نقطة الضعف 303

الكلمة الثانية: في نقطة القوة 306

الكلمة الثالثة: في الأثر العملي 306

مسألة في استحبابُ رشِّ معابد الكفّار قبل الصلاة فيها 309

الجهة الأولى: في تحقيق حال هذا الحكم 309

ــــــــــ[502]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بحسب مقتضى القواعد الأولية 310

الروايات المخرجة عن مقتضى القواعد الأولية 311

هل حكم الرشّ بنحو اللزوم أو الاستحباب 314

قرائن حمل الأمر بالرشِّ على الاستحباب 315

القرينة الأولى: الأمر بالرشِّ ليس بلحاظ النجاسة 315

القرينة الثانية: صحيحة العيص بن القاسم 317

القرينة الثالثة: رواية حكم بن حكيم (الحكم) 319

الجهة الثانية: في تحقيق حال موضوع هذا الحكم 321

المراد من بيت المجوس 325

عدم وجوب الفحص عند الشكّ في الطهارة والنجاسة 327

الفصل السادس فيما تثبت به النجاسة 333

الطريق الأول: العلم 333

نتيجتان لكون العلم طريقي لا موضوعي 334

الطريق الثاني: البيّنة 336

الاستدلال على حُجِّيّة البينة 336

الدليل الأول: ما دلَّ على حجيتها في باب القضاء 336

التقريب الأول: ما ذكره المحقق الهمداني بلحاظ الأولوية 337

ــــــــــ[503]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

اعتراض السيد الاستاذ على تقريب المحقق الهمداني 339

التحقيق في المقام 340

التقريب الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ باستظهار المعنى اللغوي للبينة 345

مناقشة التقريب الثاني 348

التحقيق في المسألة 350

الدليل الثاني: رواية مسعدة بن صدقة 353

الدليل الثالث: الإجماع 355

هل يشترط العدالة في البيِّنة أم تكفي الوثاقة 355

الطريق الثالث: خبر الواحد 359

المقام الأول: في استفادة حُجِّيّة الخبر في الشبهات الموضوعية بملاك التعدِّي 360

التقريب الأول: بتحويل الشبهة الحكمية إلى شبهة موضوعية 360

التقريب الثاني: التعدّي إلى الشبهات الموضوعية بالذوق العرفي 361

المقام الثاني: في شمول إطلاق الأدلَّة للشبهات الموضوعية 363

الدليل الأول: السيرة العقلائية 363

دعوى الردع عن السيرة في الشبهات الموضوعية برواية مسعدة ــــــــــ[504]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

بن صدقة 364

المناقشة في دعوى الردع عن السيرة 365

دعوى الردع عن السيرة في الشبهات الموضوعية برواية عبد الله بن سليمان 372

الدليل الثاني: سيرة المتشرعة 373

الدليل الثالث: الكتاب 374

دعوى التعارض بين (آية النبأ) ورواية مسعدة بن صدقة 375

الدليل الرابع: السنة 379

المقام الثالث: الاستدلال على حُجِّيّة خبر الواحد في الشبهة الموضوعية بالروايات المتفرقة 384

إشكال عامّ على الاستدلال بالروايات المتفرقة 384

الجواب على الاشكال العامّ بعدّة تقريبات 385

التقريب الأول: إلغاء خصوصية المورد بالارتكاز العرفي 385

التقريب الثاني: التمسّك بالاستقراء 385

التقريب الثالث: التلفيق بين التقريبين 386

الروايات التي يُدّعى دلالتها على الحجية 388

الأولى: رواية معاوية بن وهب 390

ــــــــــ[505]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الثانية: رواية عبد الله بن بكير 392

الثالثة: رواية بكر بن حبيب 394

الرابعة: رواية حفص بن البختري 396

الخامسة: روايات الاعتماد على قول البائع 398

السادسة: رواية محمد بن مسلم 401

السابعة: رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي 402

روايات تدلُّ على الحجية التعبدية 403

هل يشترط العدالة في المخبر أم تكفي الوثاقة؟ 406

دعوى التعارض بين الروايات وآية النبأ 408

تقريب دعوى التعارض 408

ما يرد على هذا التقريب 411

الطريق الرابع: قول صاحب اليد 413

1- الاستدلال على حُجِّيّة إخبار صاحب اليد 413

الدليل الأول: السيرة العقلائية 413

تصعيدان في المقام 414

التحقيق في المقام 415

بلحاظ التصعيد الثاني 415

ــــــــــ[506]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

معنى قاعدة (من ملك شيئاً ملك الاقرار به) 416

من حيث المدرك 416

من حيث المفاد 417

قاعدتها الأساسية: (إقرار العقلاء على أنفسهم حجة) 417

مفاد القاعدة التوسيعية (من ملك شيئاً ملك الإقرار به) 420

حجية قول صاحب اليد من حيث القاعدة 421

بلحاظ التصعيد الأول 422

المناقشة في الأمثلة التي سيقت لاستنباط القاعدة 422

التسليم بكبرى قول صاحب اليد 425

الميزان هو إمضاء النكتة لا ذات العمل الخارجي 427

شبهة إجمال العمل مع إمكان تفسيره بنكتة أخرى غير اليد 428

الدليل الثاني: التمسّك بأدلّة رفع الحرج 430

الدليل الثالث: الروايات 432

الأولى: روايات الاستصباح بالدهن المتنجس 432

الثانية: رواية بكر بن حبيب 432

الثالثة: رواية عبد الله بن بكير 435

ــــــــــ[508]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الرابعة: رواية إسماعيل بن عيسى 440

2- تفصيلات حُجِّيّة إخبار صاحب اليد 444

الجهة الأولى: في التفصيل من ناحية أقسام اليد 445

المقام الأول: في انقسامها إلى اليد الشرعية وغير الشرعية 445

المقام الثاني: في انقسامها إلى اليد الضمنية والاستقلالية 447

الجهة الثانية: في التفصيل من ناحية إخبار صاحب اليد 449

المقام الأول: في التفصيل من حيث تاريخ صدور الإخبار 449

الحالة الأولى: الإخبار حال فعليَّة اليد وقبل الاستعمال 449

الحالة الثانية: الإخبار بعد الخروج من اليد وبعد الاستعمال 449

الكلام على مشرب الاستدلال بالسيرة 450

المقام الأول: في حُجِّيّة إخبار صاحب اليد بعد خروج المال من يده 452

المقام الثاني: في رجوع حُجِّيّة إخبار صاحب اليد إلى قاعدة (من ملك) 454

الكلام على مشرب الاستدلال بالروايات 457

الحالة الثالثة: الإخبار حال فعليَّة اليد وبعد الاستعمال 460

المقام الثاني: في التفصيل من حيث تاريخ وقوع النجاسة 462

ــــــــــ[508]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2

الجهة الثالثة: التفصيل في صاحب اليد 464

الأول: التفصيل بين الثقة وغيره 464

الثاني: التفصيل بين المسلم والكافر 465

الثالث: التفصيل بين البالغ وغيره 468

النقطة الأولى: في تمامية المقتضي للحجية 468

النقطة الثانية: في وجود المانع عن الحجية 471

الجهة الرابعة: التفصيل في النجاسات 475

روايات البختج المخالفة لحجية صاحب اليد 477

تفصيل البحث في الروايات 479

النقطة الأولى: في خروج الروايات عن مقتضى القاعدة 480

النقطة الثانية: في التعدي من الروايات إلى غير موردها 485

الجهة الخامسة: التفصيل بحسب ما يقع تحت اليد 490

الفهرس 493

ــــــــــ[509]ــــــــــ

تقريرات، كتاب الطهارة ج2