أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب البيع الجزء (12)

كتاب البيع
الجزء الثاني عشر
3 , 373
ص44 الصدر، محمد.
كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج12 (112ص.)؛ 17×24سم.
1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.
رقم الإيداع
4036/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (4036) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
7-57-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com


كتاب البيع
تقريراً لما أفاده الأستاذ
آية الله العظمى
السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الثاني عشر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف


بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12


الكلام في الخيارات

ويحتوي على:
[في ماهية الخيارات وأحكامها]
[أقسام الخيارات]
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12

 

 

 

 


[في ماهية الخيارات وأحكامها]

[الجهة الأولى: حول المراد من الخيار]
[الجهة الثانية: في متعلق الخيار]
[التحقيق في المقام]
[دلالة آية الوفاء على اللزوم]
[مقتضى الأصل في المقام]
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12

 

 

 

[في ماهية الخيارات وأحكامها]

بحث في ماهيّة الخيارات، وبحث في أحكامها.
هناك جهات لا بُدّ من التعرّض لها قبل الكلام عن ماهيّة الخيار.

[الجهة الأولى: حول المراد من الخيار]

الجهة الأولى: المعنى اللغوي للخيار؛ لنرى أن هذا المعنى هل ينطبق على المعنى الفقهي، وما هي النسبة بينهما؟
المعنى اللغوي للخيار بالمقدار الذي رأيته في كتب اللغة، أنه قيل تارةّ: إنه اسم مصدر للاختيار كـ(المنجد) و(المجمع)(1) و(الصحاح)(2). وقيل: أن الخيار والاختيار بمعنى واحد(3). وعلى أيّ حال لا بُدّ أن نرى ما هو الاختيار؟ وأن الاختيار في الأفعال الاختيارية، ما هو؟ وهل أن هذا مع سائر موارد استعمال الاختيار متّحد أو مختلف؟
الأفعال الاختيارية لها مبادي متعدّدة، ليس أحدها متّحد مع الآخر:
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) أُنظر: مجمع البحرين 3: 295- 296، مادّة (خير).
(2) أُنظر: الصحاح 2: 651-652، مادّة (خير).
(3) أُنظر: المصباح المنير: 185، مادّة (خير)، ومجمع البحرين 3: 295-296، مادّة (خير).
تقريرات، كتاب البيع، ج12
تصوّر الفعل، وملاحظة فائدته، والتصديق بوجودها، وترجيح وجودها، ثُمّ ينتخبها ويصطفيها.
ثُمّ يريد إيجاد هذا الشيء، تارةً بنحو الشوق، وأخرى بدونه. ففي الحالات الاضطرارية فإنّه يقبل بقطع رجله بدون شوق، والإرادة لا تتعلّق بالفعل مباشرة، بل تحريك الآلات نحو الفعل؛ ليوجد الفعل في الخارج، فهذا الفعل يقال عنه: إنه فعل الإنسان ومراده ومطلوبه ومختاره ومقدوره، وكلّ هذا صادق على الفعل، لكن لا يعود أحدهما إلى الآخر.
فإنّ مدّ اليد إلى الشيء ليس إرادة ولا شوقاً ولا إرادة واختياراً ولا شيئاً من ذلك، فإن الاختيار أمر للنفس، فإنها إن اصطفت الشيء: فتارةً تختاره، وأخرى لا تختاره؛ لوجود الموانع والمزاحمات. فالاختيار -في اللغة- بمعنى الاصطفاء والانتخاب، وهو من أوصاف النفس، وليس هو الفعل الخارجي، وإنما يوصف الفعل بكونه مختاراً للإنسان باعتبار أن من مباديه الاختيار، ومراداً باعتبار أن من مباديه الإرادة وهكذا.
فالخلط بين هذه المطالب بأن يقال: إن الاختيار هو القدرة، أو هو الترجيح، أو أن القدرة والإرادة بمعنى واحد، مع أن الإنسان قد يريد ولا يقدر، وقد يقدر ولا يريد.
فالمعنى اللغوي للاختيار وهو: الاصطفاء، هل هو بمعنى الخيار الذي نتكلّم عنه أو لا؟ بعد أنه لا إشكال أن الخيار أمر اعتباري، ولا إشكال أنه مجعول للكامل والقاصر: كالمحجور والطفل، كما لو اشترى الولي للطفل حيواناً، بحيث لو مات الطفل ورث الخيار الولي، فإذا فحصنا عن النسبة بين
ــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
الخيار الفقهي واللغوي، لا بُدّ أن نأخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار.
فنقول: إن الاصطفاء الذي هو فعل نفساني، غير قابل للجعل أصلاً، إذن فالخيار الذي نتكلّم عنه مباين مع اللغوي لا نفسه ولا أخصّ. فإن الشارع لم يجعل الاصطفاء والاختيار، وإنما جعل حقّ الاصطفاء، وهذا الحقّ أمر اعتباري، فالشارع لم يجعل لنا خيار الفسخ بالمعنى اللغوي، وإنما جعل لنا حقّ ذلك، فإن ما هو قابلُ الجعل هو الحقّ، لا الاختيار والاصطفاء.
ولو كان الاختيار قابلاً للجعل لم يمكن جعله للصغير؛ لأن الصغير اختياره كلا اختيار. نعم، يمكن أن يكون ذا حقّ كما يمكن أن يكون مالكاً.
قال فخر الدين: الخيار ملك فسخ العقد(1). هذا لا يناسب مع المعنى اللغوي أصلاً، وكذلك تفسيره بملك إقرار العقد وإزالته، تفسير بالأجنبي، وإنما هو حقّ الاختيار والاصطفاء، وهو وإن كان مبايناً مع المعنى اللغوي إلّا أنه مناسب معه.
وقَبل جعل هذا الحقّ من قِبل الشارع أو المتعاملين لم يكن لاختياري الفسخ أثر، وبعد جعل هذا الحقّ يصبح ذلك مؤثّراً. وهذا الحقّ يثبت للكبير والصغير والمحجور عليه، ولا يرد عليه إشكالات الشيخ(2) ونقوضه.
هذه إحدى الجهات.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) أُنظر: إيضاح الفوائد 1: 482، كتاب المتاجر، المقصد الخامس، الفصل الأوّل، المطلب الأوّل، القسم الأوّل: خيار المجلس.
(2) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 11، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، المقدّمة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج12


[الجهة الثانية: في متعلق الخيار]

الجهة الثانية: هل الخيار هو حقّ إقرار العقد وفسخه، أو حقّ فسخ العقد بعد أن حقّ الاختيار؟
بناء على أن الخيار حقّ، فهل هذا الحقّ متعلّق بالعقد أو بالعين أو بالفسخ، أو بترك الفسخ، أو متعلّق بإبرام العقد وإزالته؟
نحن نذكر تصوّر القضيّة، ثُمّ نرى أن الخيار العقلائي الثابت في الروايات كيف حاله وبأيّ نحو؟
إذا كان الثابت هو حقّ الخيار وحقّ الاصطفاء كما سبق أن قلنا فهذا -بحسب التصوّر- إسناده إلى نفس العقد أو العين، بأن يقال: بأن للعين حقّ الاصطفاء أو للعقد ذلك؟
الظاهر أن الحقّ الذي يمتّ إلى العين بصلة أن يثبت لها بتبع حقّ الخيار، وإلّا فالحقّ بالعين أو بالعقد ليس هو حقّ الخيار، ونحن كلامنا في حقّ الخيار، ولا يصحّ أن يقال: إن لنا حقّ خيار العين، نعم لـمّا كان لي حقّ فسخ العقد يكون له مساس بالعقد وبالعين لا محالة، لكن ليس ذلك ابتدائياً، كما قال
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
الآخوند(1): إن حقّ الخيار نحو إضافة بين العقد والأشخاص، تستتبعها السلطنة على الفسخ والإمضاء.
فالخيار أوّلاً وبالذات خيار الفسخ أو الاصطفاء، وإن عاد ثانياً وبالعرض إلى العين باعتبار ردّها وإبقائها، وإلى العقد باعتبار فسخه واستمراره.
فهل الخيار بالنحو الذي قاله فخر الدين(2): خيار فسخ العقد أو خيار فسخ العقد وترك الفسخ، أو خيار إقرار العقد وإزالته -كما قاله عدد من المحقّقين ونسبوه إلى المشهور-(3)؟
وكلامنا بحسب التصوّر فعلاً، لا إشكال أن الخيار سواء تعلّق بهذا أو بذاك فإنه يتعلّق بالعناوين لا بالوجود الخارجي، يعني بعد أن يحدث الفسخ يكون لي الخيار، بل هو حقّ يتعلّق بعنوان الفسخ، أو بعنوان الإبرام ونحوه، وكذلك بالنحو الذي قلناه فإنه يتعلّق بعنوان الاصطفاء والاختيار، لا أنه بعد الاصطفاء يكون لي الحقّ.
إذا كان الأمر كذلك، فالفسخ وترك الفسخ عنوانان متغايران، لا يمكن
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 151، كتاب الخيارات، القول في أقسام الخيار، الأوّل: في خيار المجلس.
(2) أُنظر: إيضاح الفوائد 1: 482، كتاب المتاجر، المقصد الخامس، الفصل الأوّل، المطلب الأوّل، القسم الأوّل.
(3) أُنظر: رياض المسائل 8: 289، كتاب التجارة، الفصل الثالث، القسم الأوّل، جواهر الكلام 23: 3، كتاب التجارة، الفصل الثالث، القسم الأوّل، وغيرهما.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
أن يتعلّق بهما حقّ واحد، بدون أن يعتبر نحو من الوحدة بينهما، فإذا كان الحقّ واحداً فلا بُدّ أن يتعلّق بشيء واحد إما الفسخ أو تركه، وكذلك عنواني الإبرام والإزالة اللذان هما عنوانان وجوديان كما يقول الآغايون، وكذلك ما قاله الشيخ(1) من أن الخيار ملك فسخ العقد وإدامته.
فإن أردنا أن نجعل لهما عنواناً واحداً، بأن نقول: إن لهما وحدة اعتبارية، كعنوان فسخ العقد وعنوان ترك فسخ العقد، أو عنوان إبقاء العقد أو ترك إبقاء العقد، فيكون حقّ واحد متعلّق بكِلا الأمرين ولا يكون لي حقّ بأحدهما، ومن المعلوم أنه يستحيل إعمال القدرة في إيجاد كلا العنوانين، وليس هذا حقّ انحلالياً وإلّا رجع إلى حقّين.
ولو كانا حقّين فهل يكون لي حقّ ترك الفسخ، ويبقى حقّ الفسخ؟ أو يكون لي حقّ الإدامة وأسقط حقّ ترك الإدامة، ويكون الخيار حقّين؟ هذا غير ممكن ولم يقل به أحد، بل تسالم الأصحاب على أنه حقّ واحد، وتكلّموا أن طرفيه وجوديان أو وجودي وعدمي، مع أن الحقّ لا معنى لأن يكون له طرفان، بل طرفه شيء وحداني لا تعدّد فيه، وإنما هو حقّ فسخ العقد، غاية الأمر أن لازمه العقلائي أنه لي أن أعمل هذا الحقّ وأن أترك إعماله، وليس أن نلحق طرفين على المجموع أو على أحدهما.
وعلى الذي قلناه يكون حقّ اصطفاء الفسخ غير حقّ اصطفاء ترك الفسخ، فإن لكلٍّ منهما مبادي مستقلّة.
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 11، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، المقدّمة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وهذا الذي قلناه بحسب الثبوت من أن الاختيار هو حقّ اصطفاء الفسخ، هو مطلب عقلائي إثباتي، فالعقلاء يقولون: أعطيته حقّ اختيار الفسخ، ولا يقال: أعطيته الفسخ، ولذا يسمى بالخيار.
وكذلك قوله: “البيّعان بالخيار حتّى يفترقا”(1)، فالخيار كان أمراً معروفاً معلوماً، ويراد به المعنى العقلائي نفسه في الروايات، فإن معنى جعله مختاراً هو إعطاؤه حقّاً لم يكن يعمله قبل ذلك، وبه يستطيع الاختيار ويكون اختياره مؤثّراً، ولازمه نفوذ الفسخ.
إذن فالخيار هو حقّ اختيار الفسخ، وهو مناسب مع اللغة والعرف والروايات، ولازمه أن له ترك الفسخ، لا أن الحقّ يتعلّق بطرفين، هذا محال. وبغضّ النظر عن هذه الاستحالة، نتعرّض لكلمات الفقهاء فيما يأتي.
الأحكام الوضعية كالنجاسة والطهارة -لو كانت وضعية- وغيرها، لا بُدّ لها من موضوع واقعي أو اعتباري، فالملك بما أنه من الأحكام الوضعية والاعتبارات العقلائية، يحتاج إلى موضوع يقوم به، وهذا الموضوع لا يعقل أن يكون مردّداً بين الأمرين؛ لأن المردّد لا تحقّق له أصلاً، فإن ما هو المحقّق في الخارج أن هذا معيّناً أو ذاك معيّناً، وكما لا تطرأ الأوصاف الواقعية على الفرد
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 170، كتاب المعيشة، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث 4، دعائم الإسلام 2: 43، كتاب البيوع والأحكام فيها، الفصل 9، الحديث 104، عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 133، الفصل الثامن، الحديث 21، مع فارقٍ يسيرٍ في اللفظ فيهما، ووسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
المردّد، كذلك الأمور الاعتبارية والأحكام الوضعية، سواء كانت شرعية أو عقلائية، فإنها تحتاج إلى موضوع معيّن: إما تعييناً خارجياً أو تعييناً عقلياً.
فالخيار الثابت للطرف وهو حقّ اعتباري وضعي، فبأيّ شيء تعلّق هذا الحقّ؟ لا بُدّ أن يتعلّق بأمر معيّن، والمراد (هذا أو هذا) لا تحقّق له في الخارج، ولا في العقل، فكيف يتعلّق به مثل هذا الحقّ.
نعم، لو كان في مقام الإثبات بحسب الدليل العقلائي أو الشرعي من الروايات أو الإجماع، ورد: أن لك حقّ فسخ العقد وترك الفسخ أو حقّ إدامة العقد أو إزالته، وعلمنا بأن الخيار حقّ واحد لا حقّان، فلا بُدّ أن نؤوّله ونقول: إن هذا مصداق من عنوان آخر هو عنوان (أحدهما) أو (واحد منهما)، ويكون له مصداقان ومحقّقان، لا أن الحقّ الواحد يتعلّق بطرفين.
وروايات باب الخيارات ليس فيها أصلاً أن حقّ الفسخ يتعلّق بالفسخ وعدمه، أو يتعلّق بإدامة العقد وإزالته. وإنما يقال فيها: (له الخيار)، أو (هما بالخيار)، ونحوه.
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12

[التحقيق في المقام]

بعض الأعاظم يقول(1): -بعد أن يقول: إن الخيار عند القدماء هو ملك إقرار العقد وإزالته- الحقّ هو ذلك.
ولأجل تحقّقه نحتاج إلى مقدّمة، وهي أن العقود المعاوضية على ثلاثة أقسام:
الأوّل: المعاوضات التي مقتضاها الذاتي اللزوم.
الثاني: المعاوضات التی مقتضاها الذاتي الجواز.
الثالث: اللامقتضى للّزوم والجواز.
فالقسم الأوّل: ما يلزمها اللزوم ذاتاً هو النكاح والضمان بحسب ما عرفنا من الشرع، ولا يستشكل بحق الفسخ بالعيب أو الشرط في النكاح، فإن هذا بالدليل الشرعي. ولا يستشكل أنه في الضمان أحياناً الخيار ثابت، وذلك في صورة إعسار الضامن، فإنه ثابت أيضاً بدليل شرعي.
والقسم الثاني: كالهبة، نقول: لا يقال: إن الهبة أحياناً لازمة، كالهبة لذي الرحم والهبة المعوّضة، فإنه ثابت بدليل شرعي.
والقسم الثالث: وهو اللا اقتضاء، هو البيع.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1) أُنظر: منية الطالب 2: 2، القول في الخيارات، المقدّمة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
والقسم الأوّل والثاني من المعاوضات يكون لزومها وجوازها حكمياً؛ ولذا لو اشترط لزوم الجائز أو جواز اللازم، كان باطلاً ومخالفاً للكتاب والسنة.
نعم، القسم الثالث من العقود جوازها ولزومها تابع للقرار، ومن الحقوق القابلة للإثبات والإسقاط.
والبيع على قسمين: معاطاة، وصيغة. ففي العقد المعاطاتي ليس هناك إلّا مُنشَأٌ واحد وهو المبادلة، وفي البيع بالصيغة ينشئ المتعاقدان أمرين: مبادلة هذا بهذا، وهذا هو البيع. ومطلب التزامي هو أني ملتزم بما عقدت عليه، وهذا هو العقد. وقوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ راجع للعقد لا البيع، وقلنا: إن المعاطاة بيع لا عقد، والمعاطاة فعل ليس له مدلول التزامي، إذن فليس فيها عهدة.
وهذا المدلول الالتزامي ناشئ من بناء العقلاء من أن الإنسان إذا أوجد معاملة لا بُدّ أن يقف عندها، وإلّا فالناس لا يتعاملون معه معاملة كبيرة، وهذا ثابت في خصوص العقد بالصيغة.
وبجعل الخيار يجعل المدلول الالتزامي، وهو التزام الشخص الآخر ملكه(1)، يكون له أن يحلّه وأن يبقيه، ونفهم من هذا أن الخيار أمر وجودي. ونحن لنا كلام في أمرين في مقدّماته ونتائجه.
أما المقدّمات، فنذكر منها أربعة مطالب:
أحدها: أنه قال: العقود على ثلاثة أقسام، ما كان مقتضياً للّزوم بذاته، وما
ــــــــــ[21]ــــــــــ
() أي ملك ذي الخيار. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج12
كان مقتضياً للجواز بذاته، وما ليس مقتضياً لأحدهما. وفي الأوّلين إذا اشترط العكس فيه فهو خلاف مقتضى العقد بخلاف الثالث، واستكشفنا من الدليل الشرعي في النكاح والضمان أنها من العقود المقتضية للّزوم، وأن الهبة من العقود المقتضية للجواز. وأما ثبوت بعض الخيارات في النكاح فهو ثابت بدليلهِ الخاصّ.
فما مراده من الاقتضاء بالذات للّزوم والجواز؟ أحد الاحتمالات في ذلك، ما يعبّر في المنطق ويقال: إنها مقتضى الذات، أي: بما هي ذات. أو بتعبير آخر: ذاتي باب البرهان، فالعلّة التامّة بذاته مقتضي للمعلول، وكذلك الزوجية للأربعة.
إذا أراد ذلك، فلوازم الاقتضاء بالذات أنه لا يعقل أن يكون معلّلاً بمعنى جعل الاقتضاء بجعل زائد على الذات، فلا يعقل جعل الأربعة بدون الزوجية ثُمّ تجعل لها الزوجية.
من أحكامه عدم إمكان الانفكاك بأن توجد الذات ولا توجد اللوازم الذاتية.
إذا كان مراده ذلك، ففي باب النكاح والهبة وهي من الأمور العقلائية الاعتبارية في الشرع، فهل ذات النكاح مع قطع النظر عن بناء الشرع والعقلاء يكون له لازم ذاتي، كما أن الزوجية تكون للأربعة وإن لم يوجد الشرع والعقلاء؟ أو كما أن النكاح نفسه اعتباري عقلائي كذلك أحكامه من اللزوم والجواز، وليس من الأمور الواقعية بحال، فاللزوم الذاتي لا معنى له في الاعتباريات؟
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
مضافاً إلى أن اللازم الذاتي لا يعقل انفكاكه مع أن اللّزوم إذا كان من مقتضى ذات النكاح، فلا يمكن جعل الخيار فيه، وإذا دلّ عليه دليل لا بُدّ من طرحه، وإنما نستكشف من جعل الخيار فيه كخيار العيب وخيار تخلّف الشرط وخيار تخلف الوصف وغيره أنه ليس مقتضياً للّزوم بهذا المعنى، لا أنه مقتضٍ وهذا استثناء منه.
وإذا كان مراده، أن نقول: إن مفاد عقد البيع هو المبادلة، ومقتضى ذاته هو ذلك، فلو دلّ دليل على أن البيع لا ينتج المبادلة أصلاً، كان هذا الدليل مُلغياً لأصل البيع، فكذلك أن النكاح يقتضي الازدواج [الزواج]، بمعنى: أن مفاده ذلك.
وإذا كان مراده أن النكاح ذاته بذاته -بقطع النظر عن العوارض- لازم، كالماء لو خلّي وطبعه لا لون له، فالبيع لو خلّي وطبعه لا مقتضي للّزوم ولا للجواز، وأما النكاح فبطبعه مقتضٍ للّزوم والهبة للجواز، فهذا علاوةً على الإشكال على الشقّ السابق من كونها أموراً اعتبارية تتبع الاعتبار، وليس لها أمر زائد، كذلك إذا كان الأمر هو ذلك، فإنه لا يكون جعل الخيار مخالفاً لمقتضى العقد؛ لأن النكاح بذاته يقتضي اللزوم إذا لم يطرأ عليه عارض. وجعل الخيار من العوارض. وكذلك في الهبة.
وإذا كان مراده أنه بحسب الأدلّة كذلك. فدلّ الدليل على أن النكاح لازم، إلّا إذا دلّ دليل على خلافه والهبة بالعكس، فحينئذٍ أساس المطلب يكون باطلاً؛ لأن التقسيم لا يكون تامّاً، ففي غير البيع لا يوجد خيار المجلس، وفي غير الحيوان لا يوجد خيار الثلاثة أيام، وفي غير ما يفسد ليومه لا يوجد هذا الخيار فيه، فكذلك في النكاح، بعض أقسام الخيار دلّ الدليل على ثبوته فيه
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وبعض أقسامه دلّ الدليل على عدمه.
إذاً فقولك العقود على ثلاثة أقسام غير صحيح، فالنكاح والبيع معاً دلّ الدليل على لزومه، إلّا ما دلّ الدليل على خلافه.
وهناك موارد أخرى للكلام نغضّ عنها.
والمطلب الآخر الذي يقوله: إن عقد البيع الذي هو لا اقتضاء يمكن أن يصبح مقتضياً للشيء، لا باعتبار نفس البيع، بل باعتبار مدلوله الالتزامي.
وقال في توضيحه: إن البيع مطلقاً -معاطاة أو عقدياً- يوجد المبادلة مالاً بمال، وفي البيع العقدي مدلول التزامي، بأن المتعاقدين متعهدان بالوقوف إلى هذا العقد الذي أوقعاه، وأما المعاطاة فليس لها دلالة التزامية.
لنا كلام في الدلالة الالتزامية -التي قال بوجودها في العقد اللفظي دون غيره-، فلو قبلنا هذه الدلالة فهل يفرق بين العقدين؟
الدلالة الالتزامية وإن قال المنطقيون: إنها من الدلالة اللفظية، إلّا أنها ليست كذلك، وإلّا ففي الواقع هي دلالة المعنى على المعنى، فالشمس دالّ على الموجود المعيّن؟ وأنت تنتقل منه إلى تصوّر النور، واللفظ لا يدلّ إلّا على معناه، وليس له دلالة أخرى، وإنما المعنى يدلّ على أمر آخر، ولذا لو تصوّرنا الشمس بدون لفظ لورد المعنى الملازم إلى الذهن.
فما يقوله من أن بيع الصيغة دالّ على التعهّد بخلاف المعاطاة، كأنّه بما أن هذا لفظ فله دلالة، وذاك ليس لفظاً فليس له دلالة، فلو سلّمنا الدلالة الالتزامية للتعهّد، فهذا من دلالة المعنى على المعنى، فإن العقد يدلّ على النقل
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
والنقل يدلّ على التعهّد، والمعاطاة يوجد فيها ذلك، فإن الفعل يدلّ على النقل أيضاً، فالتفصيل بينهما غير صحيح.
قال: إنّ للعقود مدلولاً مطابقياً وهو المبادلة، ومدلولاً التزامياً وهو التعهّد بالتزام البقاء على المدلول المطابقي، وهذا المدلول الالتزامي ناشئ من بناء العرف والعقلاء، وهذا عبارة عن العقد، وهو الذي كان سبباً للزوم.
نقول: إنه في المدلولات الالتزامية لا بُدّ أن يكون المدلول لازماً للمدلول المطابقي لزوماً بيّناً، ومعنى لزوم شيء لشيء هو: أنه يترتّب عليه قهراً بدون اختيار من أحد، وهذا المعنى لا يمكن أن يكون من المعاني الاختيارية، ولا من المعاني الإنشائية.
وظاهر كلامه أنه أنشأ إنشاءً واحداً له مدلول مطابقي ومدلول التزامي، ونحن نتكلّم على الاحتمالات، فمرّة يريد من المدلول الالتزامي -الذي هو البناء على البقاء والتعهّد به- الالتزام القلبي النفساني بذلك.
وهذا الاحتمال غير صحيح؛ لأن الالتزام النفساني من الأفعال الاختيارية، والفعل الاختياري له مبادئ، ولا يمكن أن يترتّب على شيء بدون مباديه، نظير ما قالوه في مقدّمة الواجب من أن وجوب المقدّمة ناشئ من وجوب ذيها، وقلنا بأن هذا لا معنى له، فإن وجوب المقدّمة له مبادي على حدة، وحين تكون المبادي تحت إرادتي لا معنى للترشّح.
فلو أخبرت عن وجود الشمس، دلّ على وجود النور والنهار وذهاب الليل، وهذه أمور ليست تحت اختياري، وإنما الذي تحت اختياري هو استعمال
ــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
اللفظ في معناه، فالمدلول الالتزامي ما يترتّب قهراً على نفسي، ولا دخل لإرادتي فيه، فلا يعقل دخول المداليل الالتزامية تحت الإنشاء، وإنما المُنشأ المدلول المطابقي، ويترتّب عليه لازمه قهراً.
وإذا كان مراده: أن العاقد ينشئ المعنى المطابقي، ولكن يترتّب عليه التعهّد، وهو لازمه.
نقول: إنه إن كان المراد بالبناء بالبقاء والالتزام به تكويناً هو الذي يترتّب على الإنشاء الاعتباري، بحيث يترتّب على المبادلة بناءٌ حتى بدون مباديه. وإن أريد بالتعهّد التعهّد الاعتباري، فهو ينشئ المعنى المطابقي فيتبعه التعهّد الاعتباري قهراً، فهذا أيضاً باطل؛ لأن التعهّد الاعتباري أيضاً فعل اختياري، ولا يمكن وجوده بدون مباديه.
وإن أراد: أن الناس بحسب الغالب والنوع يلتزمون بمعاملاتهم التزاماً مستقلّاً، فنحن نفهم من هذا البائع وجود هذا الالتزام، إلّا أن هذا لا يكون مدلولاً التزامياً، بل كلّ واحد يعلم بوجدانيات نفسه، فإن لم يكن لي التزام بالبقاء يمكن لي الفسخ، مع أن البناء العقلائي ليس على ذلك.
فاللّزوم من الأحكام العقلائية لا في التعهّد، سواء كان لك هذا التعهّد أو لم يكن، يحكم العقلاء بلزوم بقائك على عقدك.
وبعبارة أخرى: كما أن العقد من الاعتبارات العقلائية، كذلك لزوم العقد من اعتباراتهم.
المطلب الآخر الذي يقوله ويأخذ منه النتيجة، وهو: أنه بعد البناء على
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وجود التعهّد في البيع، ففي البيع الخياري هذا التعهّد الذي عند هذا الشخص يعطي زمام الأمر لنفسه، بحيث يمكن إبقاء العقد وعدمه، فالالتزام الذي كان قد أعطاه لغيره صار ملكه، فالالتزام له طرفان.
نقول: إن الالتزام الذي قلت إنه لازم للمدلول المطابقي ليس له إلّا طرف واحد، وهو الالتزام ببقاء العقد. وقولك: إن هذا التعهّد زمامه بيده تناقض؛ لأن معنى الالتزام هو لابدّية الاستمرار، ومعنى كون الزمام بيده هو: أن الالتزام بالبقاء غير موجود، فلا بُدّ من القول بأنه في البيع الخياري ليس الالتزام موجوداً، وأن هذا التعهّد الموجود في سائر الموارد وكان -بقولك- مدلولاً التزامياً ليس في البيع الخياري موجوداً.
فيكون معنى الخيار هو أن هذا التعهّد الذي أعطيته لزيد قد أخذته منه فانعدم، فليس التعهّد موجوداً، وليس أن كِلا طرفي التعهّد أصبحا لي.
ثُمّ لو سلّمنا كلّ مطالبه، فمَن قال بأن كِلا طرفيه هو معنى الخيار، فإن الخيار له طرف واحد، وهو حقّ الفسخ، والحقّ يمكن إعماله وترك إعماله، وليس أن له حقّين، أو للحقّ طرفين.
ثُمّ لنا كلام مع الذين يقولون بأن للحقّ طرفين: وجودي وعدمي، كما هو ظاهر الشيخ(1)، لا بأس من التعرّض له.
قبل أن نرجع إلى تحقيقات العلماء لا بُدّ أن ننظر إلى محيط العرف والعقلاء، لنرى ما هو الخيار؟
ــــــــــ[28]ــــــــــ
(1) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 12، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، المقدّمة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
فما قاله من أن الخيار هو جعل تعهّد الآخر ملكه، وجعل زمامه بيده. فإن العقلاء يجعلون الخيار شرطاً في المعاملة كعشرة أيام مثلاً، فهل يأتي هذا المعنى إلى ذهنهم؟ أو حين يعقدون بدون خيار يلتزمون بالبقاء -لو صحّ مبنى الالتزام-، وأما لو جعلوا الخيار فهم لا يرون أن التعهّد موجوداً أصلاً، لا أنه جعل عهدة وأصبح العهد ملكه، فإنهم يقولون: أنا لم ألتزم بإبقاء العقد، بل جعلت فيه خياراً، فإذا كان الخيار في تمام الموارد بمعنى واحد، نعرف أن الخيار دائماً لا يتضمّن ما قاله، وإنما معناه ما قلنا من كونه اختيار الفسخ.
وكذلك ما قاله الشيخ من أن الخيار له طرفان وجودي وعدمي، أيضاً غير تامّ، فإن الخيار ليس له طرفان، وإنما له طرف واحد، غاية الأمر أن لازمه أن تكون له سلطنة على إعمال الحقّ وعدم إعماله.
والشيخ كأنّه خلط بين مطلبين، حيث يقول(1): إنه إذا كان المراد من ملك إقرار العقد أن له القدرة على الفسخ وتركه، فالقدرة على الفعل عين القدرة على الترك؛ لأن القدرة لا تتعلّق بطرف واحد، بل بطرفين، وهذا يفهم منه أن الخيار هو القدرة، وأن القدرة على الفعل عين القدرة على الترك، وهي ذات طرفين، والخيار من هذا السنخ.
وإذا ثبتت القدرة في محلٍّ فلا ينبغي لنا أن نقول: إن الحقّ الذي هو موجود اعتباري كذلك.
وليس أن القدرة متعلّقة بالشيء الخارجي، والقدرة عليه عين القدرة على
ــــــــــ[29]ــــــــــ
() بعد أن ذكر أنهم عرفوا الخيار بملك إقرار العقد وفسخه. صحّ. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج12
تركه، بل لدى الإنسان إرادة ناقصة، وبالقدرة الثابتة في الجسم والعضلات يُعمل قدرته بإرادته، فإن أراد فَعَل، وإن لم يرد لم يفعل (إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل)، وأما الخيار فلا يمكن أن يكون ذا طرفين، بل هو إما ملك فسخ العقد على ما قاله فخر الدين، وإما ملك اصطفاء فسخ العقد على ما اخترناه.
المطلب الآخر الذي ذكره الشيخ(1) هنا وذكره مستقصىً في باب المعاطاة، وقد ذكرناه هناك أيضاً، وإنما نشير إليها إجمالاً، فنقول: الأصل في البيع اللّزوم. هل يريد القاعدة المستفادة من الأدلّة الشرعية -اللزوم-، بمعنى: أننا عرفنا أن العقود عموماً لازمة إلّا ما خرج بالدليل؟ أو أن القاعدة عقلائية؟ والفرق بين القاعدتين: أن (القاعدة الشرعية) يمكن أن يكون فيها عموم، كما لو استفيدت من دليل عامّ، وأما (القاعدة العقلائية) فلا عموم فيها، فإن عمل العقلاء ليس لفظياً ليستفاد منه العموم، وليسوا أنهم بأعمالهم أسّسوا قواعد كلّية، فإذا ثبت بناء العقلاء في مورد لا يمكن تعميمه لمورد آخر، فلا بُدّ من النظر إلى بناء العقلاء في كلّ عقد على حدةٍ، فإذا كان البناء في البيع موجوداً لا يثبت وجوده في الإجارة مثلاً.
والمعنى الآخر للأصل هو الاستصحاب، بأن نجعل اللزوم بالاستصحاب.
أما حكم العقلاء، فأيّ شيء كانت نكتتهُ وسببه، فإن العقلاء يبنون على لزوم العقد الذي لا خيار فيه، كما أنهم يبنون على عدم لزوم العقد الذي أشترط فيه الخيار، أو وجد فيه الغبن ونحوه.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم 5: 13، المقدّمة الثانية.
تقريرات، كتاب البيع، ج12

[دلالة آية الوفاء على اللزوم]

ونحن نتكلّم عن القواعد الشرعية التي هي المهمّ في كلام الأصحاب، وأوّلها قوله تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ(1).
يقول: بناء البيع على اللزوم عند العقلاء وعند الشارع، فهل يريد أنه يستفاد ذلك من الشارع من الأدلّة اللفظية ومن سيرة المتشرعة، بحيث كلٌّ منهما دليل بغضّ النظر عن الآخر؟ ويحتمل أن الفقهاء والسيرة للمتشرّعة إنما يلتزم باللّزوم فيها باعتبار سيرة العقلاء، وليست أمراً زائداً، كما يحتمل أنهم بنوا على اللّزوم باعتبار العمومات اللفظية؟
نعم، قد يريد الاختلاف الاعتباري بينهما، وإن كانا مطلباً واحداً لا مطلبين، بمعنى: أن الأدلّة العامة تدلّ على اللّزوم عند الشارع.
نتكلّم عن الأدلّة العامة التي منها: أَوْفُوا بِالعُقُودِ.
العقود كالبيع والصلح والإجارة، ما هو اعتبارها بالنسبة إلى العهد والضمان والكفالة؟ هل هي بنحو واحد من الاعتبار أو لا؟
البيع في سوق العقلاء ليس إلّا مبادلة مال بمال، وليس فيه أيّ عهدة مأخوذة في ماهيّته وإن وجب التسليم بعده، وكذلك إذا نظرنا إلى الصلح
ــــــــــ[31]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
والإجارة ونحوها لا نرى فيها أيّ عهدة، بخلاف الضمان والكفالة والنذر ونحوها، فإنها باب التعهّد، والعهدة اعتبار، والبيع وسائر المعاملات اعتبار آخر، أحدهما أجنبي عن الآخر.
فإذا أخذنا العقد بمعنى العهد، كما في رواية علي بن إبراهيم(1) حيث فسّر أَوْفُوا بِالعُقُودِ أي: بالعهود، فتخرج البيع والصلح والمزارعة والإجارة. وإذا أردنا أن نفهم معنى أعمّ فما قيل من أن العقود هي العهود، والعهد هو مطلق الجعل والقرار، فهذا مما لا ينبغي الاعتداد به، فهذا استفادة من بعض استعمالات القرآن، والاستعمال لا يدلّ على المعنى الحقيقي، مضافاً إلى أنه يراد به مطلب آخر: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ(2) أي: أوصينا.
وإذا قلنا بأن المراد بالعقود هي العقود المتعارفة عند الفقهاء، فهذا مرّة نقول: إنه حيث كان لكلٍّ من المتعاملين ربط بأحد العوضين، فحينما يحصل التبادل بينهما تحصل عقدة كعقدة الخيط، ومن هنا عبّر بالعقد استعارة، إلّا أنه لا يتمّ في النكاح والضمان ونحوه ممّا لا تبادل فيه.
وإذا قلنا بأن الإيجاب والقبول عقدة، فقد استعير ذلك من وقوع العقدة بين القولين، فتدخل كلّ العقود التي فيها التبادل والتي ليس فيها التبادل، وكذلك يدخل عقد البيعة للأمير، فإنها تحتوي على شكل من الإيجاب والقبول. وعلى هذا المطلب تخرج كلّ الإيقاعات؛ لأنها ليست عقدة بين طرفين.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) أُنظر: تفسير القمّي 1: 160، تفسير سورة المائدة.
(2) البقرة: 125.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وإذا أردنا إدخالها لا بُدّ أن نأخذ العقود من العِقد الذي يلبس في الرقبة، فيكون المعنى لزوم كلّ ما يكون ثابتاً في رقبة الإنسان، فتدخل كلّ هذه المطالب.
والعهدة غير الأخذ بالرقبة أو الإلزام، فإن العهد غير متحقّق إلّا في مثل النذر والكفالة، ولكن مطلق العقود فيها الإلزام.
وبغضّ النظر عن الرواية الواردة، ظاهر العقود هو الأوّل، وهو تمثيل العقد بعقدة الخيط بتبادل الإضافتين، فتخرج العهود مطلقاً، والعقود التي لا تبادل فيها، وتدخل العقود التبادلية كالبيع والمضاربة والإجارة وغيرها.
وأما إذا نظرنا إلى رواية علي بن إبراهيم، فإن كانت تفسيراً للآية، وأنّ المراد بالعقود العهود، فتخرج العقود الاعتبارية؛ لأنها ليست عهداً.
وإذا نظرنا إلى ما ورد عن ابن عباس(1) ورجّحه بعضهم من أن العقود هي التكاليف الإلهية من المحرّمات والمحلّلات، فهذا لا ربط له بالمطلب.
ويأتي إلى النظر -بعد النظر إلى قوله: أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ(2)- المعنى الثاني، وهو: وجود العقدة من الإيجاب والقبول نفسه، ليدخل النكاح وإن خرج العهود والإيقاعات.
وإن فهمنا من رواية علي بن إبراهيم أن العهود مندرجة في العقود، وليس منها صراحة بالتفسير، ومن آية عقد النكاح، وغيره، فيستفاد منها معنى أعمّ،
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 6: 32، تفسير سورة المائدة، الدرّ المنثور في تفسير المأثور 2: 253، تفسير سورة المائدة، وغيرها.
(2) البقرة: 237.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
فهذا إما أن يكون لفظ العقود قد استعمل في معنيين، وهو خلاف الظاهر، ويحتاج إلى دليل، وهذا دليله. أو أن يكون العَقد (بالفتح) مأخوذاً من العِقد (بالكسر)، أي: ما يأخذ بالرقبة.
وعلى أيّ حال، فليس هناك معنى مستقرّ يمكن أن يختاره الإنسان، وخاصّة بعد ورود الرواية الصحيحة في المقام.
[بيان الاستعارة في لفظ (العقود)]
على أيّ واحد من المعاني يكون استعمال العقود بنحو الاستعارة لا الحقيقة؟ وفي الاستعارة لا يكون قول اللغويين معتبراً، وإنما لا بُدّ من الرجوع إلى الفهم العرفي، فإن كان منشأ الاستعارة هو تخيّل وجود العقدة الناشئ من تبادل الإضافات، فهذا لا يشمل العهود، ولا يشمل كلّ العقود أيضاً كالنكاح والهبة وغيرهما.
وإذا قلنا بأنه عقدة باعتبار ارتباط الإيجاب والقبول، وفرقه عن الأوّل أنه هناك ادّعي وجود جعل وعقدة، وهنا ادّعاء واحد، وهو العقدة باعتبار اتّصال الإيجاب والقبول، وأن الإيجاب والقبول هو العقد، فإن هذا القرار هو عبارة عن العقد، و أما تبادل الإضافات فهو الحاصل من العقد ونتيجته، وليس هو العقد باصطلاح الفقهاء، على أن الاستعارة في هذا الوجه واحدة، وأما في الوجه السابق فهو متوقّف على استعارة ومجاز، فإن العقدة الحاصلة بالتبادل إنما هي نتيجة العقد، فهذه استعارة، وقد استعمل ذلك مجازاً في سببه، وهو العقد المصطلح، وهذا خلاف الظاهر جداً، فيكون الاحتمال الثاني أوضح.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
كما أن العَقد بمعنى العِقد الدائر على العنق أيضاً خلاف الظاهر، ولا إشكال أن المراد من الآية العقود الاصطلاحية.
ونحن لنا قسمان من العقود الاصطلاحية، وقسمان من العهود، فالعقود الاصطلاحية منها ما ليس فيها عهد أصلاً، فالبيع هو المبادلة ولا يوجد فيه أيّ تعهّد، وكذلك النكاح، وهناك عقود مفادها التعهّد، كعقد الضمان والكفالة، فهو يقول: (تعهّدت بإيجاد فلان)، فهو يأخذ العهد بالحمل الأوّلي؛ لإيجاد العهد بالحمل الشايع، كما في البيع حين يقول: (بعت) يوجد البيع بالحمل الأوّلي، أي: مفهومه؛ لإيجاد البيع بالحمل الشايع، فإن البيع ليس هو مفهوم البيع، بل هو ما هو بالحمل الشايع بيع.
التعهّد على قسمين: منها ما لها طرفان، وفيها إيجاب وقبول، كمعاملات الدول، فإنها إيجاب وقبول، فإن هذه الدولة تتعهّد والأخرى تقبل، والبيعة التي أخذت لأمير المؤمنين، لولا البيعة لَما كان للقبول معنى، وإيجاب ذلك هو تنصيبه للولاية، وهناك تعهّد بطرف واحد إيقاعي كالنذر والقسَم والعهد الاصطلاحي.
إذن فالعقود تشمل قسماً من العهود وكلّ أنحاء العقود، إذا أخذناها بمعنى الإيجاب والقبول، وهو يشمل البيعة، حيث ورد أن النبي عقد له عليهم في عشرة مواضع، فورد أَوْفُوا بِالعُقُودِ(1).
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() أُنظر: تفسير القمّي 1: 160، تفسير سورة المائدة، سعد السعود: 121، البرهان في تفسير القرآن 2: 216، تفسير سورة المائدة، بحار الأنوار 36: 19، كتاب تاريخ أمير المؤمنين، أبواب الآيات النازلة في شأنه الدالّة على فضله وإمامته، الباب 39، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
[حول المراد من الوفاء في الآية]
وأما الوفاء ففيه ثلاثة احتمالات:
الأوّل: العمل بمقتضى القرار، (أوفِ بالنذر) أي: أعطِ الصدقة التي نذرتها.
الثاني: الوقوف عند العقد وعدم تخريبه وإبطاله.
الثالث: أن المراد كِلا هذين المطلبين.
وكلّ واحد من هذه الاحتمالات له لوازم وتقريب في الآية.
لا بُدّ أن نذكر الاحتمالات في الآية؛ لنرى ما هو الظاهر منها:
أُخذ في الآية عنوان العقود، حيث استظهرنا منها نفس المراد الفقهائي، باعتبار ادّعاء أن العقدة حاصلة من الإيجاب والقبول.
وأخذ فيها عنوان الوفاء، ونحن نتكلّم عن المعنى الأوّل له وهو العمل بمقتضى القرار.
وإيجاب الوفاء بحسب الظاهر أن الوفاء بعنوانه من الواجبات التعبّدية، بحيث لو باع شيئاً يحرم عليه الغصب ويجب ردّ مال الغير إليه، وهذا الوجوب لا ربط له بالعقد، فإنه يجب الردّ سواء كان مملوكاً للغير بالعقد أو بالإرث أو غيره، فيمكن أن يقال: إن هنا واجبين: أحدهما الوفاء، والآخر ردّ مال الغير. وأما إذا لم يعط فقد عصى كِلا الوجوبين.
وإذا كان الالتزام بهذا المعنى مشكلاً، فهل نقول: أن العقود هنا يراد بها ما يلحقها وجوب الوفاء تعبّداً، كالعقود التعهّدية؟ ونقول: إن صحيحة بن سنان
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
التي تفسّر العقود بالعهود؛ إما أن المراد بها مطلق العهود، أو أن قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ونحن نعلم أن الإيمان ليس مرادفاً مع الإسلام، بل هو الإسلام مع قبول الولاية.
هذه الآية أيضاً واردة في سورة المائدة التي ورد فيها تشريع الولاية، ومناسبة هذه الصحيحة (لابن سنان) ورواية أن النبي عقد لعلي في عشر مواضع، إذن يقال: إن المراد من العقود عقدة البيعة، ولا بأس بجمعه -أي قوله بالعُقُوْدِ-؛ لأنه منحلّ على المؤمنين.
وهذا تفسير خارج عن المذاق الفقهي وعن فهمنا.
أو نقول: إن المراد مطلق العهود، بقرينة وجود وجوب الوفاء بعنوانه، وبقرينة صحيحة ابن سنان، فتخرج العقود غير العهدية، ويبقى تحته العقود العهدية والعهود الأخرى.
أو أن نحفظ عموم العقود كلّها، وحيث لم نستطيع القول بوجود وجوبين(1)، فنقول: إن وجوب الوفاء ليس وجوباً شرعياً تعبّدياً، وإنما هو هذا الشيء الموجود بين العقلاء، فإنه إذا كان هناك شيء موجود عند العقلاء، وورد فيه شيء من الشريعة، يقول العقلاء: إن المراد بهذا هو الذي كنّا نعمل به، ولا يفهمون منه أمراً زائداً عن ذلك، وحيث إنهم يرون لزوم العقد ووجوب الوفاء به، وليس على عصيانه عقاب، فيفهم العقلاء من الآية ذلك.
فلا يكون وجوب الوفاء تعبّدياً، بل هو اللّزوم العقلائي، فلا بُدّ أن نرى أن
ــــــــــ[37]ــــــــــ
() وجوب الوفاء، ووجوب ردّ المال الى صاحبه. (المقرِّر ).
تقريرات، كتاب البيع، ج12
العقلاء متى يلتزمون بالعقد ومتى لا يلتزمون، فالبيع يلتزمون به والوكالة لا يتلزمون بها، ولا يفهم العقلاء أن العقد مادام عقداً فلا بُدّ أن يلتزم به وإن كان يمكن فسخه، حتى العقد الجائز كذلك، هذا مطلب عقلي مدرسي لا عقلائي.
وإنما يفهمون اللّزوم بمعنى عدم إمكان النقض والمخالفة، وفي العقود الجائزة عقلائياً لا يرون اللزوم موجوداً، ومن هنا نفهم أنه لا يستطيع الفسخ، إذ لو كان يستطيع ذلك لكان الأمر بيده ولم يكن ملزماً، فنفهم من وجوب الوفاء كونه عقداً لازماً.
ثُمّ هل الآية ظاهرة بالوجوب التعبّدي؟ فإنَّ هذا وإن كان مطابقاً للقاعدة عند ورود حكم على موضوع، إلّا أن هذا لا يرد إلى ذهن العقلاء بعد أن كانوا يرونه إرشاداً إلى ما كان لديهم من السيرة على اللّزوم.
إذن فليس له ظهور في الوجوب التعبّدي، على أن هذا ليس ظهوراً لفظياً، بل هو ظهور حال الشارع بكون أوامره تشريعية، ولكنّ العقلاء يفهمون من الأوامر الواردة طبقاً لسيرتهم أنها إمضائية.
فهذا هو الذي يُفهم من الآية، ولا يرد عليه إشكال كونه شبهة مصداقية؛ لأنه لا يريد جعل شيء جديد، وإنما هو إمضاء للمطلب العقلائي.
[دفع وهم]
كان بياني السابق ناقص، فتوهّم أن الآية تنفذ بناء العقلاء فقط. ومقصودنا هنا: أن عندنا عموم وجوب الوفاء بالعقود، وهذا لا كلام لنا فيه، وهو محفوظ في نفسه، ولا نقول: إنه عهد إلى العموم العقلائي، وإنما يريد أن
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
يقول بأن وجوب الوفاء هو الوجوب العقلائي للوفاء، فإنه إذا ورد هذا الوجوب في كلام الشارع لا يفهم العقلاء منه أمراً زائداً على ما هو الموجود عندهم من وجوب الوفاء، غاية الأمر أن له عموماً يشمل كلّ العقود، فنأخذ به، ولم يكن مرادنا أن العقود العقلائية نفسها أنفذها الشارع؛ ليقال بأننا لا نستفيد من الآية شيئاً غير ما عليه العقلاء، وإنما مرادنا بأن الوجوب المراد للوفاء هو الوجوب العقلائي.
ثُمّ إنه لعلّه يُستشكل ويُقال: بأن وجوب الوفاء بالعقد يعني: بمقتضى العقد، وقلنا: إن لازمه عند العقلاء هو أنه لازمٌ، عليه أن يعمل بالعقد، والجائز لا يكون كذلك، فقد يقال: بأن هذا غير ثابت، بل حتى في الجائز أيضاً يكون لازماً، فإن اللزوم قد يكون بمعنى عدم إمكان حلّه، وقد يكون بمعنى عدم جواز حلّه شرعاً، وهذا هو المراد.
ومن هنا تدلّ الآية على جواز العقد لا لزومه؛ لأنه إذا نهاني الشارع عن حلّ العقد يكشف عن أنه قابل للنقض والتخلّف.
هذه الشبهة أيضاً غير صحيحة؛ لأننا إذا عرضنا الآية على العقلاء يفهمون منها نفس الإلزام العقلائي بالعقد، لا أنهم يفهمون منها أن الشارع يردعنا عن الاعتقاد بلزوم العقود بالبيان المذكور في الشبهة.
وبعبارة أخرى: واردة لبيان أفراد المكلّف عن العمل -أي: الفسخ- ثُمّ نهيه عنها. وهذا مطلب مدرسي، يحتاج إلى أن نعمل في فهمه، ولا يثبت عند العقلاء.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
إذن فيستفاد من الآية اللزوم، وكذلك لو استفدنا الوجوب التعبّدي منها.
الإشكال الآخر الذي قالوه: من أنه يلزم منه تخصيص الأكثر لو كان راجعاً إلى لزوم العقود. ونحن لا نعلم أن هذا الإشكال مبني على أن المعاطاة من العقود وهي جائزة؛ لتكون هي أكثر الأفراد في العالم، فهذا لا نسلم مبناه، فإن من يقول بجواز المعاطاة، لا يقول بأنها عقد، بل خارجة عن موضوع أَوْفُوا بِالعُقُودِ، ونحن نقول إنها عقد وإنها لازمة.
أو يريد أن يقول: أن أنواع العقود جائزها أكثر من لازمها، فهذا لا نسلّمه فإن الجائزة أفراد معيّنة واللازمة أكثر منها.
ومن هنا ألحق بعضهم بالإشكال قضيّة الخيارات التي توجب كون كلّ البيوع في العالم جائزة.
وليس في تخصيص الأكثر نصّ محرّم، وإنما نحن والاستهجان العقلائي بأن يقول قاعدة عامة ثُمّ يستثني منها أموراً حتى ينحصر في أفراد معيّنة. وأما لو كان التخصيص أكثر، لكن الباقي كثير جداً، فلا استهجان فيه، كما فيما نحن فيه، فهو من موارد وضع القانون الكلّي، فلا بُدّ من جعله والاستثناء منه، وليس في هذا التخصيص استهجان.
مضافاً إلى أنه ليس تخصيصاً للأكثر، فإنه ليس المراد بحث أنواع العقود، فإن العقد هو الطبيعة المشتركة بين أنواع العقود، بمنزلة الجنس لها، والألف واللام تكثّر هذه الطبيعة تكثيراً فردياً، والكثرة النوعية تحتاج إلى قرينة زائدة واعتبار زائد على نفس الطبيعة، بأن يقول: (أوفِ بكلّ أنواع العقود).
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
فلا بُدّ أن تحسب حساب أفراد العقود، هل أفراد العقود اللازمة أكثر، أو غير اللازمة والفاسدة أكثر؟ نجد أن أكثر أفراد المعاملات في البيع، والبيع لازم بما فيه المعاطاة، وهو أعظم بملايين المرّات من غيره.
وأما مسألة الخيارات فليست تخصيصاً، فإن خروج الهبة تخصيص في أَوْفُوا بِالعُقُودِ، وأما الخيار فهو تقييد الإطلاق لا تخصيص العموم، فإن إطلاقه يقتضي أن تمام الموضوع هو العقد، وبالخيار يخرج حال من حالات البيع، لا أن عنوان البيع يكون خارجاً، وتقييد الإطلاق بهذا الشكل تقييد نادر، فإنَّ مدّة المجلس فيه خيار وما بعده كلّه لازم، وكذلك البيع الغبني.
هذا كلّه إذا كان وجوب الوفاء هو وجوب مقتضى العقد من التسليم والتسلّم، كما هو ظاهره العقلائي، وأما إذا كان المراد وجوب إبقاء العقد كما قيل، أو كان له إطلاق لكِلا المعنيين، فهذا ما نذكره.
إذا بنينا على أن معنى وجوب الوفاء هو إبقاء العقد وعدم فسخه والوقوف عنده، فهل هذا حكم تعبّدي تكليفي بوجوب إبقاء العقد، أو إرشادي إلى الجواز أو اللزوم؟ أو هو من قبيل الكناية للانتقال منه إلى شيء آخر، فهل هو انتقال إلى اللزوم أو الجواز…؟ احتمالات.
فإذا كان حكماً تكليفياً بوجوب الوقوف عند العقد، ونريد أن نفهم أن الشارع جعل العقد جائزاً؛ ليصحّ التكليف بإبقائه، وإلّا لو كان العقد لازماً وكان فسخه خارجاً عن قدرتي، فلا يمكن تعلّق التكليف به، ومعه إذا كان العقد لازماً عند المكلّف، فهل يصحّ عند العقلاء هذا العمل؟ وذلك أن الأمر
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
بإبقاء العقد لا بُدّ أن يكون على طبق مصلحة لا محالة.
فهل هذا الذي يحكم بالإبقاء يحكم بجواز العقد، وإمكان فسخه، ولكنّه ينهى عن استعمال الفسخ، فهو يجعل العقد اللازم العقلائي جائزاً، ثُمّ ينهى عن الفسخ؟ فهذا المطلب إذا فهمه العقل فإنه لا يفهمه العقلاء، فإنه يُسأل أنّه لماذا جعلت الخيار إذا نهيت عن استعماله؟ هذا يراه العرف تناقضاً.
وإذا كان كناية عن جواز العقد، كقولك: (زيد كثير الرماد)، فإنه إذا لم يكن كثير الرماد لم يكذب القائل. نعم، إذا لم يكن كريماً كان كاذباً، ففي المقام يكون إرشاداً إلى معنى الجواز.
فهذا فيه إشكالان:
أحدهما: أن هذا غير معقول، فإن الشيء الذي يستعمل بالإرادة الاستعمالية يراد به مطلب آخر، حيث إن الكرماء يكونون كثيري الرماد عادة، فهناك ملازمة بين الأمرين عند العقلاء، بحيث يفهمون منه ذلك.
وأما في المقام حيث تريد أن تفهم الجواز من وجوب إبقاء العقد، فجواز العقد هو اللازم الواقعي لوجوب إبقاء العقد جداً، فإن لازمه العقلي أن أكون قادراً، ولازم القدرة أن يكون العقد جائزاً، وأما إذا كان الأمر استعمالياً لا جدياً، فلا يصلح للكناية؛ لأن التكليف الصوري غير محتاج إلى القدرة.
على أن من يريد بيان جواز العقد ببيان وجوب الوفاء، فهذا من باب اللّغز لا من الكناية.
فإن تمّ ما نقوله فبها، وإلّا دلّ على أن وجوب الوفاء ليس معناه إبقاء العقد.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وقد يكون إرشاداً إلى اللّزوم، فإن قوله: (لا تصلِّ فيما لا يأكل لحمه)(1) لا يعني التكليف، بل يعني الشرطية أو المانعية، فكان الحكم التكليف إرشاد إلى ذلك.
فكذلك في المقام إيجاب الوفاء إرشاد إلى اللزوم، وعدم نفوذ العقد، ولا مانع من ذلك ولا يخالف العقد، وخاصّة في هذا المورد، حيث إن لزوم المعاملة أمر معهود لدى العقلاء.
لكن هل هناك ظهور عقلائي من (ابقِ العقد) أن فسخه غير مستطاع؟ وإذا لم يكن ظهوراً عقلائياً، فهذا يدلّ على أن المراد ليس هو ذلك، بل ما قلناه.
نعم، لو تعيّن معنى الآية بوجوب الإبقاء لكان هذا الوجه الأخير متعيّناً؛ لعدم إمكان الأخذ بالوجوه الأخرى.
والاحتمال الآخر: وإن كان خلاف الظاهر، وهو أن يراد كِلا الأمرين: إبقاء العقد، والعمل به، فهو حكم واحد، إلّا أن معنى الوفاء أعمّ من ذلك. فإن كان هذا حكماً تكليفياً يرد عليه ما قلناه من الإشكال في الحكم التكليفي، وإن كان أحدهما حكماً تكليفياً والآخر وضعياً، فالراجع إلى مقتضى العقد حكم تكليفي، وإبقاء العقد حكم وضعي، مع أنه قد يقال: إنه لا يمكن الجمع بين الحكم التكليفي والوضعي بخطاب واحد، إلّا أن هذا الإشكال غير تامّ؛ لأنَّ
ــــــــــ[43]ــــــــــ
(1) نص الرواية: “لا تصلّ في جلد ما لا يُشرب لبنه ولا يُؤكل لحمه”، مَن لا يحضره الفقيه 4: 366، باب النوادر، الحديث 5762، ووسائل الشيعة 4: 347، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلّي، الباب 2، الحديث 6.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
الحكم الوضعي ليس معناه استعمال الأمر في الحكم الوضعي ابتداءً، بل استعمل الأمر بمعناه وهو البعث، غاية الأمر أن العقلاء إذا رأوا له نفسية كـ(لا تشرب الخمر)، يفهمون منه التكليف، وإذا فهموا منه الارتباط بشيء آخر فهموا منه الحكم الوضعي، ومعه فلا يكون الأمر بالوفاء قد استعمل في معنيين، وإنما حيث يريد كِلا المطلبين، وفي أحدها يريد الحكم التكليفي، وفي الآخر يريد إفادة الحكم الوضعي.
هذا كلّه بحسب التصوّرات، والواقع أنه ليست هذه المطالب عقلائية مفهومة، ومجرد إمكان الجمع بين الوضع والتكليف لا يعني استظهاره من الكلام، وما هو الصحيح الموافق للعقلاء إن وجوب الوفاء هو تنفيذ العقلاء، والعقلاء يرون أنه أشار إلى ما يعرفونه من اللّزوم.
[تقريب الشيخ الأعظم لدلالة الآية على اللزوم]
الشيخ يقرّب دلالة الآية هكذا(1): أن العقد عبارة عن العهد أو مطلق العهد العرفي أو اللغوي، والوفاء عبارة عن العمل بمقتضى العقد، وقد أوجبته الآية، فإذا وجب الوفاء حرم نقيضه، ووجوب الوفاء إذا اقتضى أنه واجب الوفاء بعد الفسخ فنقيضهُ حرمة التصرّف بعد الفسخ أيضاً، ولازمه المُساوي هو أن الفسخ غير مؤثّر، ويستدلّ من الحكم التكليفي على الحكم الوضعي، وهو اللّزوم، بل لا معنى للحكم التكليفي إلّا ذلك.
ــــــــــ[44]ــــــــــ
(1) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 18، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، الأدلّة على أصالة اللزوم.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
[إشكال الشبهة المصداقية ودفعه]
وقد أشكلوا عليه بعدّة إشكالات أهمّها إشكال الشبهة المصداقية، حيث قيل: إنه في موارد تأثير الفسخ لا شكّ أن العقد يرتفع كخيار المجلس ونحوه، فإذا احتملنا تأثير الفسخ احتملنا أن العقد غير محقّق بعد الفسخ، والآية إنما توجب الوفاء بالعقد المحقّق، ونحن لم نحرز وجود العقد، فيكون التمسّك بالآية تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية.
وقد أجيب بعدّة أجوبة نذكر بعضها:
منها: ما ذكره الميرزا محمد تقي في (الحاشية)(1)، حيث يقول: إن العقد الذي يجب الوفاء به إنما هو الإنشاء الذي أوجده البائع والمشتري، وهذا يكون قرينة عقلية على أن المراد هو ذلك، فإنه كلّما جعل الحكم المستمرّ على الوجود الآني يكون قرينة على أن الموضوع هو الوجود الآني، كقوله تعالى: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2)، فلو كان شخص ظالماً ولو آناً مّا، وحكم الولاية حكم مستمرّ، فإذا ترك ظلمه فليس ظالماً فعلياً، فقد جاء الحكم المستمرّ الوجود على موضوع آني الوجود، فيدلّ ذلك على أن من صدر منه الظالم أناً مّا لا يجوز أن يتولّى أمر المسلمين مستمرّاً.
نظيره في المقام: أن الإنشاء غير قابل للبقاء والاستمرار، وإنما هو آني التحقّق، والعقد عبارة عن هذا الإنشاء، فإذا قيل يجب العمل به فهذا دليل على
ــــــــــ[45]ــــــــــ
() أُنظر: حاشية المكاسب (للميرزا الشيرازي) 2: 71، الخيارات، المقدّمة الثانية.
(2) البقرة: 124.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
أن هذا الوجود الآني موضوع لوجوب الوفاء مطلقاً، ولا يكون شبهة مصداقية؛ لأنه بالفسخ لا يرتفع ذلك الوجود الآني، بل يستحيل ارتفاعه بعد تحقّقه في محلّه. وأما الأزمنة المتأخّرة فليست موضوعاً للحكم.
ويشبه هذا التقريب ما قالوه من أن العقد هو السبب وهو الألفاظ، وهي متصرّمة الوجود، ولا يعقل تحقّقها في الآن اللّاحق، وهذا الوجود المتصرّم موضوع للحكم الباقي، فيستفاد منه عقلاً أنه لا يجب بقاء الموضوع مع بقاء الحكم(1).
ولا يقال: إنه إذا كان الأمر كذلك، ففي مورد الفسخ المعلوم كخيار المجلس والعيب العقد موجود، إذن فالفسخ غير مؤثّر، ومعه لا بُدّ من إيقاع المعارضة مع كلّ أدلّة الخيارات.
فإنه يقال: إنه تخصيص حكمي، فإن الخيار مرّة يحلّ العقد، فيرفع موضوع الخيار، فلا يكون تخصيصاً للآية، بل رفعٌ لموضوعها، وأما إذا قلنا أن وجوب الوفاء وارد على ذلك الوجود الآني المتصرّم ولا يمكن زواله، ومعه تكون أدلّة الخيارات مخصّصة حكماً للآية.
نقول: نحن لا نريد أن نفهم المطلب بالتأويل، فإنه لو سلّم أن الآية شاملة لِما بعد الفسخ، إذن نكون بإزاء الأمر الواقع، فنصير إلى هذا التأويل.
لكنّنا نحن و(أَوْفُوا بِالعُقُودِ) والاستفادة منها عرفاً؛ لنرى أن العقود ما هي عرفاً؟ هل هي عبارة عن الإنشاءات، أو الألفاظ المتصرّمة، أو يقال عرفاً:
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم 2: 72.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
أنه أنشأ العقد، لا أن العقد هو الإنشاء، والفقهاء بفطرتهم العرفية يعبّرون أن الألفاظ ينشأ بها العقد، فنحن عندنا عدّة أمور:
أحدها: إنشاء وإيجاد البيع.
والآخر: آلة الإيجاد الذي قد يكون هو اللفظ بما له من المعنى، وقد يكون هو الفعل.
والثالث: المنشَأ، فإن الموجب أوجد البيع أو التزويج، فإنه بالألفاظ يوجد شيئاً في الخارج، وهي ماهيّة ليست خارجية، بل اعتبارية، ويقال عرفاً: إني أوجدت العقد بالألفاظ، كما يقال: لي حقّ فسخ العقد.
وإذا كان العقد هو الإنشاء أو الألفاظ، لَما كان قابلاً للنقض والرفع، كما أنها غير قابلة للبقاء، ونرى أن العقلاء يرون الزوجية قابلة للبقاء بشكل قابل للارتفاع عند الفسخ.
فوجوب الوفاء وارد على المنشأ، ولا أقل من احتماله، مضافاً إلى أن وجوب الوفاء بالإنشاء أو الألفاظ لا معنى له، وظهور الآية أن العقد محقّق ويجب الوفاء به، وإذا كان العقد هو الإنشاء أو الألفاظ فهو لا بقاء له، وإذا كان هو المنشأ أو المسبب، فهو باقٍ عند العقلاء بقاءً اعتبارياً.
فقد حفظنا هذا الظهور في الآية، وفي الآية قامت القرينة عليه، وفي المقام لا قرينة عليه، إذن فتعود الشبهة المصداقية؛ لأني لا أعلم أن الفسخ مؤثّر فأشكّ بوجوب العقد، فلا يشمله وجوب الوفاء.
إذا رفع إشكال الشبهة المصداقية بتقريب الشيخ، فيرتفع عن سائر الأدلّة.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وأحد الطرق لرفع الإشكال: أن الموضوعات التي تتعلّق بها الأحكام مختلفة، بعضها تكوينية كالعالم والخمر والفقاع، فهذا النحو لا يمكن للشارع أن يتصرّف في أصل الموضوع؛ لأن ذلك ليس من شأن الشارعية، فإذا قال: (الفقاع خمر)، لا يكون كذلك تكويناً، بل يفهم منه الشمول الحكمي.
وبعض الموضوعات تكون انتزاعية من مناشئ الانتزاع، فلو تصرّف الشارع في مناشئها ينقلب الموضوع عما هو عليه، كالباطل وهو ما ليس له أثر أصلاً، فمثلاً الفسخ الذي لا يؤثّر باطل لا أثر له، وأما إذا جعله الشارع مؤثّراً يتغيّر الباطل إلى الحقّ وذي الأثر، ويكفي في رفع الباطل أن يكون له أثر في الجملة.
القسم الآخر من الموضوعات: الأمور الاعتبارية كالبيع والإجارة ونحوها، وهي متقوّمة باعتبار العقلاء، فهذه هل هي كالقسم الأوّل الذي لا يقلبه تصرّف الشارع عما هو عليه، أو كالثاني الذي يوجب التصرّف انقلابه.
فالبيع مثلاً، لو قال الشارع: إن قسماً منه ليس بيعاً، هل يخرج عن البيعية عند العقلاء، ويسقط عن التأثير، أو هو كالأمور التكوينية لا ينقلب عما هو عليه، بل هو تخصيص بلسان رفع الموضوع، ولا ينقلب عما هو عليه، وللشارع أن يغيّر حكمه؟
نحن حين ننظر إلى العقلاء المسلمين، حتى بعد أن يصل إليهم حكم الشارع يبقى العنوان الاعتباري على حاله، فكلّ المسلمين يعرفون أن بيع الخمر باطل، لكنّهم يرونه بيعاً وأيّ بيع! فالشارع لم يسقطه عن البيعية، بل هو تخصيص حكمي، ولو فرض أنه في محيط الشارع تخصّصاً، لكن حيث يراه العقلاء بيعاً، فيرون الشارع قد تصرّف في حكمه لا أكثر.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
فالفسخ أيضاً من الأمور الاعتبارية العقلائية، فلو قال الشارع بصحّة الفسخ لمعاملة، ولكن العقلاء لم يكن يرونه فسخاً كخيار المجلس والحيوان، فهل بوجود هذا الحكم الشرعي يرفع العقلاء يدهم عن حكمهم، ويرون البيع ليس بيعاً؟ كلّا، بل هو بيع، ولكنّنا نتّبع الحكم الشرعي، ونرتّب آثار عدم البيع.
فـأَوْفُوا بِالعُقُودِ هل هو وارد على العقد العقلائي، فالعقلاء حين يحكمون بانهدام البيع يرتفع الموضوع تكويناً، وأما بناء العقلاء فهو حاصل من مباديه التكوينية، وهو ممّا لا يمكن أن يتصرّف به الشارع. ومع انحفاظ البيع عقلائياً لا تكون هناك شبهة مصداقية، فإن الفسخ الشرعي لا يُزيل موضوع البيع عقلائياً، فإن العقلاء يرون البيع لازماً وموجوداً، ويرون الدليل تخصيصاً بلسان التخصيص. والدليل حيث إنه خاصّ بالعقود العقلائية فيشمل حتى موارد الفسخ المتيقّنة، فضلاً عن موارد الشكّ.
وإذا لم نصدّق بهذا الوجه، فهناك وجه آخر أقرب للتصديق، وهو أن يقال: إنه في موارد وجود بناء عقلائي كالعمل بخبر الثقة أو الظواهر، لا يكفي في الردع عنها نهي واحد في دليل واحد. ولو احتمل العقلاء صدور مثل هذا الدليل فإنهم يرفعون اليد عن بنائهم، ولو(1) فرض أنهم حين يعلمون بنهي الشارع يرفعون يدهم عن بنائهم، إلّا أن الاحتمال غير كافٍ في ذلك. وإنما يحتاج ذلك إلى إيصال الشارع حكمه إلى العقلاء، فإذا كانوا على مستوى الإطاعة، فإنهم يرفعون اليد عن بنائهم.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
() (وصلية). (المقرِّر ).
تقريرات، كتاب البيع، ج12
فلو قال: (أكرم العالم)، وأحتمل أن هذا ليس بعالم، يكون شبهة موضوعية، ولكن إذا كان البناء العقلائي على العمل بخبر الواحد، واحتملت الردع لا يرتفع الموضوع، وإنما يرتفع فيما إذا رفع العقلاء يدهم عنها وإنما يتبدل إذا بدّل العقلاء اعتبارهم. ويستحيل أن يتغير بناء العقلاء بمجرّد وجود دليل شرعي غير واصل.
ونحن في المقام نحتمل أن هذا الفسخ مؤثّر شرعاً، في حين أن المعاملة لازمة عند العقلاء، ونحن نحتمل أن ما هو لازم عند العقلاء جعله الشارع جائزاً. وهذا لا يكفي في رفع اليد عن الاعتبار العقلائي، فالعقد موجود عقلائياً جزماً بلا شكّ، فيكون مشمولاً للدليل.
وهذا البيان أسلم من الأوّل الذي يقال فيه: إنه حتى مع العلم بحصول الفسخ شرعاً تكون المعاملة موجودة، وإن كان هو أيضاً صحيحاً، فإن محيط العقلاء غير محيط الشرع، ولو رفضناه كان هذا الثاني صحيحاً. فلا تكون الشبهة مصداقية.
ومعه: أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(1) وأوفوا بالشروط(2)، وغيرها تكون نافذة أيضاً بهذا التقريب، ولا تكون الشبهة مصداقية. على أننا قد سبق أن استقصينا البحث في ذلك فلا نعيد. وإنما الكلام يقع عن مقتضى الأصل.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
(2) راجع الأحاديث والروايات الواردة في وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، وغيره.
تقريرات، كتاب البيع، ج12


[مقتضى الأصل في المقام]

في الاستصحاب بعض الخصوصيات التي لم نتعرّض لها فيما سبق.
الشيخ هنا يقرّب الاستصحاب بشكل وفي باب المعاطاة على شكل آخر(1). هنا قال: إنه أحد الاحتمالات أن يكون الأصل بمعنى الاستصحاب، وهو أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرّد الفسخ وهو حسن(2)، وهناك تمسّك باستصحاب بقاء الملك. وقد تكلّمنا في ذلك.
[في جريان الاستصحاب في المقام]
وأما الاستصحاب الذي يذكره هنا فما هو المراد به؟
هل بمجرّد الفسخ يكون قيداً للمستصحب أو لا؟ إن كان قيداً فليس له حالة سابقة، فإنه أيّ وقت لم يكن الأثر مرتفعاً بالفسخ؟ فلا بُدّ أن لا يكون المراد القيدية، حتى نتمسّك بالاستصحابات الأزلية المثبتة.
بل المراد أنه بالفسخ نشكّ بارتفاع الأثر، فنستصحبه، فلا يكون قيداً. لكن ما هو أثر أصالة عدم ارتفاع أثر العقد؟ هل تريد بارتفاع النقيض إثبات
ــــــــــ[51]ــــــــــ
(1) أُنظر: كتاب المكاسب 3: 52، كتاب البيع، الكلام في المعاطاة، مقتضى القاعدة اللزوم.
(2) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 14، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، الثانية: الأصل في البيع اللزوم.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
النقيض الآخر. وهو الملكية؟ وهو من واضحات الأصول المثبتة. وإنما لا يكون مثبتاً إذا كان مجرى الاستصحاب بنفسه ذا أثر شرعي.
إذن فهذا الأصل لا يمكن تصحيحه، ولا ذاك الأصل الذي ذكره هناك، ولا أصالة عدم تأثير الفسخ، لا يستطيع أيٌّ منها إثبات اللزوم.
وعندنا استصحاب آخر يشترك في بعض الجهات مع استصحاب بقاء الملك، ومن بعض الجهات يفترق عنه، وهو استصحاب بقاء هذه العناوين، فإنه بعد أن وجد العقد تحقّق العقد والبيع والشرط والتجارة. وبعد الفسخ أشكّ أن العقد باقٍ أو لا، فاستصحب بقاء العقد فيكون موضوعاً لـأَوْفُوا بِالعُقُودِ، أو بقاء البيع فيكون موضوعاً لـأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وأمثال ذلك.
فإذا أجرينا هذا الاستصحاب بحيث انطبق أَوْفُوا بِالعُقُودِ على المورد، فلو لزم الدليل نأخذ بها، وإن كانت عقلية. فإن اللازم العقلي للمستصحب لا يترتّب؛ لأنه مثبت، وأما إذا انطبق الدليل الاجتهادي على المورد فنأخذ بلوازم هذا الدليل.
وهناك إشكالات مختصّة بهذا الأصل، وهناك إشكال مشترك بينه وبين الأصل الذي أجراه الشيخ.
[هل الاستصحاب في المقام شخصي أو كلي؟]
والإشكال الذي يمكن توهمّه في المقام: أن الاستصحاب ليس شخصياً في المقام، فإن منشأ الشكّ هو التردّد في أن العقد الذي تحقّق في الخارج هل هو جائز أو لازم، فيكون مردّداً بين طويل الوجود وقصيره، فيكون استصحاباً كلّياً من القسم الثاني.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وما توهّموه في هذا القسم من الاستصحاب: أنه يمكن الاستصحاب الشخصي، وذلك فيما إذا دار الأمر بين البقّة والفيل وشككنا ببقائه، نشير إلى الموجود الشخصي الذي كان موجوداً هنا، واستصحب بقاؤه، هذا غير صحيح؛ لأن ما كان موجوداً في الخارج هو موجود شخصي بلا إشكال، لكنّ ما تعلّق به العلم ليس هو الموجود بخصوصيته، وإلّا لعلمت أنه فيل أو أنه بقّة.
وأما قولنا: ما هو موجود جزئي شخصي في هذا البيت هو عنوان كلّي، وإن كان جزئياً بالحمل الأوّلي، فلم يتعلّق العلم بالمشخّص بالحمل الشايع، فيكون الاستصحاب كلّياً لا شخصياً.
فالعقد أيضاً مردّد بين المنهدم والباقي، والدليل لا يمكن أن يشمل العقد الجائز، وإنما هو وارد على اللازم، والاستصحاب استصحاب الجامع فلا يكون مشمولاً لـ أَوْفُوا بِالعُقُودِ.
هذا الإشكال غير تامّ، فإن الكلّي قابل للصدق على كثيرين، لا أنه منطبق بالفعل، بمعنى أن الكلّي لا يأبى بحسب مفهومه الانطباق على كثيرين، فقد يكون غير آبٍ ولكنّه يستحيل انطباقه إلّا على واحد، كواجب الوجود بالذات أو ابن زيد إذا لم يكن له إلّا ابن واحد، فـ أَوْفُوا بِالعُقُودِ لم ترد على العقد اللّازم، بل بهذا الدليل تريد جعله لازماً. وإنما هو وارد على نفس الطبيعة، وليس أنه حيث إنه قابل للصدق على هذا وهذا، له فعلية الصدق عليهما، فلا يمكن التمسّك به. بل هو لا يأبى عن الصدق على القسمين، ونفس الطبيعة صادقة على أيّ حال. وليس أن الكلّي يجعل كاشفاً عن الخارج بخصوصياته،
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وإنما المأخوذ نفس الطبيعة، وإنما تنطبق على الخارج بصفتها قد تحقّقت نفس الطبيعة في الخارج. هذا في باب الإطلاق.
وكذلك في العموم، فأما ما توهّموه من إرادة الأفراد غير صحيح، وإنما اللفظ دالّ على الطبيعة، والأداة دالّة على التكثر. والفرق بين الطبائع والعمومات الاستغراقية أنه في الطبائع لم تلحظ فيها الكثرة، والعمومات الاستغراقية لوحظت فيها الكثرة الإجمالية. فالأداة تدلّ على الكثرة الإجمالية في المدلول، ومن تعدّد الدالّ والمدلول نستفيد الكثرة الإجمالية وكلّ فرد.
فـأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ ينفذ نفس طبيعة البيع، بدون لحاظ الخارج والكثرة، غاية الأمر أنه إذا وجد عقد في الخارج تتحّقق الطبيعة بالحمل الشايع، فيكون مشمولاً للحكم. وأَوْفُوا بِالعُقُودِ شاملة لكلّ العقود بالكثرة الإجمالية بالإرادة الاستعمالية القانونية، ولولا المخصّص لحكمنا بلزوم كلّ العقود. ولم ترد على العقود اللّازمة حتى يشكّ في أنه لازم.
[هل الاستصحاب في المقام كلي من القسم الثاني؟]
والإشكال المشترك: هو أن هذا الاستصحاب هو استصحاب الكلّي من القسم الثاني، سواء ما ذكرناه أو ما ذكره الشيخ هنا أو ما ذكره في المعاطاة، كاستصحاب بقاء العقد واستصحاب عدم ارتفاع أثر العقد واستصحاب بقاء الملك.
وهناك في استصحابات القسم الثاني إشكالات مشتركة لا يخلو التعرّض لها من فائدة.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
هنا: أحد الأصول: استصحاب بقاء العقد والبيع والشرط. وهذا النحو من الاستصحابات لا إشكال أنها من الاستصحابات الكلّية من القسم الثاني؛ لأن العقد قسمان: جائز ولازم، وكذلك البيع. وقد وقع عقد ولا نعلم أنه جائز أو لازم، وبعد الفسخ يدور الأمر بين أن يكون باقياً قطعاً إذا كان لازماً، أو مقطوع الزوال إذا كان جائزاً، وهذا لا إشكال فيه.
وأما أصالة بقاء الملك الذي تشبّث به الآغايون. وقد وقع الكلام أنه استصحاب للكلّي أو للشخصي، وإذا كان كلّياً فهل هو من القسم الأوّل أو الثاني؟ فلا بُدّ أن ننظر في ذلك.
إذا كان عندنا استصحاب بقاء العقد، سواء كان كلّياً أو شخصياً، فهو حاكم على استصحاب عدم رفع الأثر. فإن العقد إذا كان مرتفعاً فالملك والأثر مرتفع، وإذا كان باقياً كان ذلك باقياً، فالشكّ في بقاء الأثر والملك مسبّب عن الشكّ في بقاء العقود والبيع والشراء ونحوه. فالقاعدة هو التمسّك بهذا الاستصحاب، فإن الأصل الحاكم وإن كان موافقاً لا يكون المحكوم جارياً.
لا لِما قاله الآغايون من أن الأصل السببي حاكم على المسبّبي، بل لا يمكن أن يمنع عن جريانه؛ لأنه مثبت، فإن نفي المسبّب بنفي السبب مثبت وإن كانت السببية شرعية، فإن ترتّب المسبّب على السبب الشرعي عقلي لا شرعي.
فلو شككنا في طهارة الثوب المغسول في الماء المشكوك الكرّية فما قاله الآغايون: بأن نفس الأصل السببي مقدّم على المسبّبي رتبة. غير تامّ؛ لأن بقاء الكرّية وبقاء النجاسة ليست متناقضة بالأصالة، وما هو متناقض هو أن
ــــــــــ[55]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
استصحاب بقاء النجاسة في الثوب يقول إنه نجس، واستصحاب بقاء الكرّية يقول إنه طاهر. فلو أراد الأصل السببي نفي مدلول الاستصحاب الآخر، كان مثبتاً.
وواقع المطلب أن الدليل الاجتهادي مقدّم على الأصل المسبّبي. فإن الاستصحاب لا يتأتّى منه إلّا ببقاء اليقين، فيكون موضوع الدليل الاجتهادي متحقّقاً.
مثلاً: الطهارة بالغسل بالكرّ حكم شرعي كبروي واستصحاب بقاء الكرّية لا يقول إلّا: (أن هذا كرّ)، والدليل الاجتهادي يقول: (ما غُسل بهذا فهو طاهر)، والأصل الآخر يقول: (هذا الثوب نجس). وقد أُخذ في موضوع استصحاب النجاسة الشكّ، والدليل الاجتهادي يرفع الشكّ.
وفي المقام كذلك، بناءً على الجريان في القسم الثاني من الكلّي: أننا كنّا نعلم بوجود العقد ونشكّ بارتفاعه، إذن فالعقد محقّق. والكبرى الشرعية تقول: (يجب الوفاء بالعقود)؛ فثبت بالدليل الاجتهادي اللّزوم وتمام الآثار الشرعية.
فهل استصحاب بقاء الملكية كاستصحاب بقاء العقد من الكلّي القسم الثاني؟ أو هو استصحاب شخصي، أو الكلّي من القسم الأوّل؟
أما كونه من الكلّي القسم الثاني: أن الملك على قسمين: مستقرّ ومتزلزل. والعقد اللّازم سبب للملك المستقرّ، والجائز سبب للمتزلزل، ونحن شاكّون أن الملك الحاصل بهذا البيع، هل حاصل بالعقد اللازم ليكون مستقرّاً أو بالجائز ليكون متزلزلاً. وبعد الفسخ يعلم ببقائه على فرض، وبارتفاعه على فرض، فيكون استصحاباً من القسم الثاني.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وإشكاله: أنه لا ينبغي الإشكال أن العقد على قسمين جائز ولازم، فإنه واضح الثبوت عند العقلاء. واللّزوم وعدمه وماهيّة العقد اللازم والجائز كلّها أمور اعتبارية، وليست أموراً واقعية ثابتة بغضّ النظر عن اعتبار العقلاء.
فمَن يقول: بأن العقد اللازم يترتّب عليه الملك المستقرّ، والعقد الجائز يترتّب عليه الملك المتزلزل، هل ذلك بمعنى السببية التكوينية، أو كما أن العقد أمر اعتباري كذلك اللّزوم والتزلزل؟ فهل العقلاء يعتبرون تارةً لزوم العقد، وأخرى لزوم الملك؟ لا شكّ أن الاعتبار الثاني لغو. فإن لزوم العقد لازمه أن العقد باقٍ والملك باقٍ. فاستقرار الملك وعدمه ليس من خصوصيات المسبّب، بل هذا من خصائص السبب، وينسب الاستقرار إلى الملك بالمجاز والعرض لا حقيقة ولا باعتبار عقلائي مستقلّ.
إذن فالملك ليس على نحوين، ومعه ليس من الاستصحاب الكلّي من القسم الثاني.
فهل هو كلّي من القسم الأوّل أو شخصي. هذا تابع لمتعلّق الحكم ما هو؟ فلو كان زيد في الدار وشككت بارتفاعه، فإن كان الحكم الشرعي متعلقاً بزيد فنستصحب زيد ويترتّب عليه آثار زيد، وإن كان الحكم الشرعي متعلقاً بالكلّي وهو الإنسان -مثلاً- استصحبنا الكلّي، والاتّحاد الخارجي لا يوجب أخذه في متعلّق الحكم.
ففي المقام هل الحكم متعلّق بالشخصي أو الطبيعي؟ فـأَوْفُوا بِالعُقُودِ، هل ينفذ طبيعي العقد، أو العقد بخصوصياته الحافّة؟ فإن كان الثاني كان
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
استصحاباً شخصياً. وحيث إن الموضوع هو طبيعي العقد يكون استصحاباً كلّياً، هو وعلى أيّ حال سواء كان استصحاباً شخصياً أو كلّياً من القسم الأوّل، فهو جارٍ.
[إشكالات على استصحاب الكلي من القسم الثاني]
نتعرّض إلى بعض الإشكالات التي ذكرت للاستصحاب من القسم الثاني.
الاستصحاب الذي يمكنه أن يثبت اللّزوم للبيع ليس هو الاستصحابات التي ذكرها الآغايون. وما يمكنه إثبات أصالة اللزوم هو استصحاب بقاء العقد، لا باعتبار نفس الاستصحاب، بل إن الاستصحابات الموضوعية مطلقاً تنقّح موضوع الكبريات الشرعية، فإن الاستصحاب يثبت بالتعبّد العقد الواقعي، فإن الاستصحاب أصل محرز ينطبق عليه أَوْفُوا بِالعُقُودِ، فنأخذ بلوازمه.
وحيث إن لازم أَوْفُوا بِالعُقُودِ هو اللّزوم إن العقد المستصحب له وجوب الوفاء، نفهم منه لزوم هذا العقد.
ومعه فلا بُدّ أن ندفع الإشكالات الواردة على استصحاب بقاء العقد، ونذكر أوّلاً بعض الإشكالات الواردة على الاستصحاب الكلّي من القسم الثاني.
أما الشبهة الواردة في مطلق هذه الاستصحابات: أنها تجري على مذاق الرجل الهمداني(1) الذي كان يعتقد أن الكلّي موجود في الخارج بنعت الوحدة، فالإنسانية واحدة في الخارج، والخصوصيات لاحقة له. والشيخ الرئيس كتب
ــــــــــ[58]ــــــــــ
(1) أُنظر: رسائل ابن سينا: 469، رسالة بعض الأفاضل إلى علماء مدينة السلام.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
رسالة(1) في مقابله وقال: بأن الكلّي متكثّر بتكثّر الأفراد، وإن إنسانية عمرو غير إنسانية خالد، وإنما في العقل صورة واحدة قابلة للانطباق على الكثرة. وأما في الخارج فالطبيعي موجود بنعت الكثرة في الخارج.
ومعه فعلمنا غير متعلّق بالجامع، وهذا الحيوان غير ذاك الحيوان، فلا يمكن الاستصحاب.
وهذا الإشكال واضح وصحيح عقلاً، إلّا أننا في الفقه غير تابعين للفلاسفة، بل تابعون للعرف العامّ والسوق، و(لا تنقض اليقين بالشكّ)(2) وارد على ذلك. فلا بُدّ أن نرى أن العرف العامّ يرى مثل الشيخ الرئيس أو مثل الرجل الهمداني.
نحن نرى في العرف العامّ -حتى لدى الأصوليين(3) ولدى بعض الفلاسفة(4) يرون- ما يرى الرجل الهمداني، مثل قولهم: إن المهملة توجد بوجود فرد ما، ولا تنعدم إلّا بانعدام جميع الأفراد. فإنه عين كلام الهمداني، فإنه وجود واحد يوجد بوجودٍ ولا ينعدم إلّا بانعدام آخر فرد. وكلّنا نقول ببقاء
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم: 471.
(2) تهذيب الأحكام 1: 8، كتاب الطهارة، الباب 10، الحديث 11، ووسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.
(3) أُنظر: فوائد الأُصول 4: 424-425، المقام الثالث، الفصل الثالث، تنبيهات الاستصحاب، التنبيه الثالث، القسم الثالث.
(4) أُنظر: الحكمة المتعالية 2: 7-8، وشرح المنظومة (قسم المنطق): 21، وغيرهما.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
نوع البشر، مع أن الأفراد دائماً في انعدام وانوجاد. وبالارتكاز العقلائي حقيقةً باقٍ. وعدم بقاء نوع الإنسان يحتاج إلى التدقيق.
ومثله لو ضربه عدد من الأشخاص فمات المضروب، قالوا: إنه لم يمت بهذه الضربة ولا بتلك، بل مات بالجامع بينهما. ولو حمل الصخرة مائة إنسان قالوا: إنها محمولة بالجامع ما بين هذه الأفراد، وكلّ هذه المطالب بالبرهان غير صحيحة.
ومعه عرفاً نقول: إن هذا الحيوان كان موجوداً هنا يقيناً، وأنا لا أعلم أنه طويل العمر أو قصيره، فأنا أعلم بالجامع وأشكّ بارتفاعه، فتكون القضيّة المشكوكة والمتيقّنة محفوظة وحدتها عرفاً.
وفي خصوص العقد إشكال آخر، وهو: أن كلّ العقود من الاعتباريات، فهل العقلاء اعتبروا عقد البيع واعتبروا عقد الصلح واعتبروا الجامع بينها، أو اعتبروا العقدين فقط؟ فإذا لم يكن للجامع اعتبار، فاستصحاب الكلّي غير صحيح.
ومثله العقد الجائز والعقد اللازم، فإن العقلاء اعتبروا هذا واعتبروا هذا، ولم يعتبروا الجامع بينهما.
هذا الإشكال ليس وارداً، فإن الجامع في الأمور التكوينية، فإن الخالق حين يوجد زيداً ويوجد عمراً، لا يوجد الجامع بينهما، لكن بإيجاد زيد أوجد الإنسان وبإيجاد عمرو يوجد الإنسان والجامع هو ذلك. ويراه العرف أمراً واحداً.
والعقلاء حين اعتبروا العقد فإن الجامع بينهما يحصل بحصول الفرد، فإن
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
الجامع بينهما أمر انتزاعي من اعتباريين، وليس أمراً اعتبارياً. فإن العقلاء بعد أن اعتبروا عقد البيع فتمام ماهيّة العقد توجد بوجوده. فلو حصل في هذه الدار عقد بيع واحتملنا أنه وجد عقد صلح مقارن له، ثُمّ علمت بانفساخ عقد البيع، فالعقلاء يمكنهم أن يستصحبوا الجامع.
الإشكال الآخر على المقام: أنه في أَوْفُوا بِالعُقُودِ لفظ العقد دالّ على نفس طبيعة العقد، والألف واللام تكثّر نفس الطبيعة. فلا تكون الأنواع ملحوظة، والعموم الاستغراقي عموم أفرادي وليس عموماً أنواعياً، وإلّا احتاج إلى قيد زائد.
فإذا كان الدليل وارداً على الأفراد، فيمكن استصحاب الفرد، ولم يرد الحكم على الجامع ليمكن استصحابه.
هذا الإشكال أيضاً غير وارد؛ لأننا: وإن فهمنا الكثرة من أَوْفُوا بِالعُقُودِ، إلّا أنها كثرة لنفس الطبيعي، فالحكم وارد على الطبيعي، وإنما يلحق الحكم للفرد باعتبار تحقّق الطبيعي فيه، فإنّه يتعرّض إلى جهة الطبيعي فيه.
ومعه فعقد هذا هو طبيعي العقد، وعقد هذا أيضاً هو طبيعي، والحكم وارد على الطبيعي. والمهملة توجد بوجود فرد ما ولا تنعدم إلّا بانعدام الجميع، ونحن أحرزنا وجود الطبيعي وشككنا بالارتفاع.
الشيخ يقول: نحن نستصحب بقاء العلاقة مع المالك الأوّل، وهو مقدّم على استصحاب بقاء الملك الذي قاله الشيخ، وعلى استصحاب بقاء العقد الذي قلناه.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
[تقريب الشيخ لحكومة الاستصحاب]
ينبغي أن نقول أوّلاً: إن كلامنا هنا يرجع إلى الشكّ في أن البيع جائز أو لازم، لا في أن الخيار ثابت أو لا. فإن الشكّ في الخيار مسألة أخرى. ونحن نتكلّم في الشكّ في لزوم البيع ومقتضى الأصل فيه، ثُمّ نتكلّم في المسألة الأخرى استطراداً.
الشيخ يقول(1): قد يقال: عندنا في هذه الموارد استصحاب حاكمٌ، وهو استصحاب بقاء علقة المالك على العقد، وكان تقريبه لذلك ناقصاً وردّه ناقص.
فإن لذلك عدّة تقريبات:
أحدهما: أن هذا الشخص حين كان قبل العقد مالكاً كان له في العين علاقة مالكية، إذن فقد تحقّقت طبيعي العلاقة. ونحن نحتمل أن هذه العلاقة حين انقطعت حدثت علاقة أخرى وهي علاقة استرجاع العين. فنستصحب طبيعي العلاقة، وهو من أشكال القسم الثالث للاستصحاب.
نتكلّم أوّلاً أن هذا الشكل من الاستصحاب جارٍ أو لا، ثُمّ نتكلّم أن هذا الاستصحاب لو جرى فهل يكون مقيّداً أو لا؟
أما الكلام الأوّل: لو كان هناك حيوان في البيت وعلمنا أنه قد زال، فهنا يمكن شكلان من الاحتمال:
أحدهما: أن نحتمل وجود حيوان آخر حين وجود ذاك الحيوان، فنحن
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 22-23، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، الأدلّة على أصالة اللزوم.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
نعلم بوجود حيوان ونحتمل وجود الآخر، وبعد زمان نعلم بزوال الحيوان المعلوم، فنقول: إنه حين كان ذاك الحيوان موجوداً فطبيعي الحيوان كان موجوداً، وحيث نحتمل وجود حيوان آخر فنحن نحتمل أن ذاك الطبيعي الذي كان موجوداً بوجود الحيوان المعلوم لا زال باقياً فنستصحبه.
الآغايون قالوا في الاستصحاب من القسم الثاني: إنه إذا وجد الفرد فقد وجد الكلّي المشترك، فإذا شككت في ارتفاع الطبيعي أمكن استصحابه. وحين يأتون إلى القسم الثالث كأنّهم يغفلون عن ذاك الكلام، ويقولون بأن الحصّة موجودة، والفرد الآخر حصّة أخرى، وتلك الحصّة مرتفعة جزماً، والأخرى مشكوكة الحدوث.
فهل يفرق القسمان من الاستصحاب من هذه الجهة أو لا؟ فإننا إذا قلنا بتكثّر الكلّي الطبيعي وقسّمناه إلى حصص، ففي القسم الثاني ليس لنا علم بالحيوان الجامع المشترك؛ لأن الجامع المشترك غير موجود أصلاً، وإنما يصدق أننا نعلم تفصيلاً بالحيوان إذا قلنا بأن هناك معنى مشتركاً متحقّقاً في الخارج، فإن قسّمناه إلى حصص كان لنا علم إجمالي، إما بوجود البقّة أو الفيل، وبعد العلم بزوال البقّة يكون لنا علم إجمالي إما بارتفاع البقة أو وجود الفيل؛ لأن الحصص متباينة فيما بينها.
وإنما نجري هذا الاستصحاب؛ لأن العرف يرى أن الكلّي الطبيعي بتمام ذاته موجود بوجود زيد، وبتمام ذاته موجود بوجود عمرو. ونحن نرجع في تشخيص موضوعات الأحكام للعرف، وهو يرى أن الفرد إذا وجد وجد
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
الجامع المشترك، وإذا لم يذهب آخر فرد لا ينعدم هذا الكلّي. ومن هنا يجري هذا الاستصحاب، ولو قلنا بالحصّة لم يكن جارياً.
وهذا البيان بعينه يرد في القسم الثالث من الاستصحاب بدون أيّ فرق. ولا فرق بين أن يكون الفرد مقارناً له، أو حادثاً مقارناً مع زوال الأوّل، فإني احتمل بقاء نفس ذاك الجامع، غاية الأمر أن منشأ الشكوك مختلف، وإلّا فالشكّ وارد على نفس ما ورد عليه العلم وهو الطبيعي المعرّى من كلّ شيء.
وأما ما استثناه الشيخ(1) وتبعه بعضٌ(2) مثل الحركة والسواد من الشدّة إلى الضعف، هذا الاستثناء منقطع، فإنه استصحاب شخصي، فإن الحركة ليست حركات متعدّدة وحصص متتابعة، أما عقلاً فذلك مستحيل وأما عرفاً فهي حركة واحدة، وكذلك في اللون فأنه لون واحد عرفاً، وباقٍ شخصياً.
ونحن في الاستصحاب من القسم الثالث قلنا بالتفصيل؛ لأننا تبع العرف، والعرف يوافق على بعض الموارد، فإنك لو قلت نوع الإنسان باقٍ، كان باقياً في الخارج، وسرّه أن الأفراد المتبادلة لا تضرّ ببقاء النوع، وليس هناك فرد واحد باقٍ من آدم إلى الآن ولا نحتمله حتى نحتمل بقاء النوع باحتمال بقائه.
ومعه إذا شككنا في بقاء الغابة للشكّ في وجود أشجار جديدة فيها، أمكن
ــــــــــ[64]ــــــــــ
(1) أُنظر: فرائد الأُصول 2: 645، المقام الثاني، تنبيهات الاستصحاب، الأمر الثاني.
(2) أُنظر: فوائد الأُصول 4: 428- 429، التنبيه الثالث، القسم الثالث من استصحاب الكلّي: الوجه الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
استصحاب الغابة (جنکل)(1)، وهو عين الاستصحاب من القسم الثالث.
وما كان توجّه العرف إلى الخصوصية، كما لو كان زيد قد ذهب واحتمل أن عمراً قد جاء، فهنا ليس لنا علم بالكلّي، ففي مورد تكون النفس متوجّهة إلى الكلّي يجري الاستصحاب من القسم الثالث، ومعه يكون جارياً في المقام، فالإشكال بعدم جريانه غير وارد.
نعم، هنا إشكال آخر، فإن قولكم إنه كان له علاقة ملك، وشككنا أنه مقارن لذلك، هل حدثت علاقة أخرى أو لا؟ نقول: إنه لا جامع بين العلاقتين خارجاً، وإنما هو عنوان انتزاعي منهما، وهو ليس حكماً ولا موضوعاً للحكم.
وإذا غضضنا عن ذلك فاستصحاب الجامع ما بين الملك وبين الجواز الشرعي لإثبات الجواز، فهو من استصحاب الكلّي لتنقيح حال الفرد، فيكون مثبتاً.
[تقريب آخر للاستصحاب في المقام]
أحد التقريبات للاستصحاب في المقام أن يقال: إنه حين كان له خيار المجلس كان للطرفين علاقة بالعقد، وهو علاقة فسخ العقد، ويحتمل مقارناً لهذه العلاقة وجود علاقةٍ أخرى، وهي علاقة فسخ العقد، من باب أنّنا نحتمل أن العقد جائز.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: الغابة.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وبالتفرّق بينهما نستصحب طبيعي العلاقة. ونحن غضضنا النظر عن الدليل الاجتهادي فلا يقال: “إذا افترقا وجب البيع “(1). وإنما يقتصر على النظر إلى الأصل.
هذا يفهم جوابه مما سبق، فإن طبيعي العلاقة ليس أمراً زائداً على خيار المجلس والجواز الحكمي للبيع إذا كان جائزاً، وإنما هو أمر انتزاعي، فإنه ينتزع من خيار المجلس وجود علاقة، وتنتزع من حقّ الفسخ العلاقة، وهو عنوان انتزاعي وليس مجعولاً شرعياً، ولا يترتّب عليه حكم شرعي.
على أن استصحاب بقاء طبيعي العلاقة لإثبات الجواز واستصحاب الكلّي لتنقيح حال الفرد، هو مثبت.
التقريب الآخر لهذا الأصل: أن نفوذ الفسخ في حال وقوع البيع، ووجود الخيار، حكم وضعي كان متحقّقاً، وأنا أحتمل أنه في هذا الحال يوجد لي حكم وضعي آخر، وهو نفوذ الفسخ باعتبار جواز الوضع، فأستصحب طبيعي هذا الحكم الوضعي.
هنا عندنا عدّة كلمات:
إحداها: أن الشارع جعل الخيار للمتبايعين، فهل زائداً على ذلك له حكم
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 170، كتاب المعيشة، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث 7، تهذيب الأحكام 7: 20، كتاب التجارات، الباب 2، الحديث 3، الاستبصار 3: 72، كتاب البيوع، الباب 45، الحديث 3، ووسائل الشيعة 18: 6، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 4.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
آخر وهو: الفسخ نافذ. وإنما هو جعل الخيار، فيحكم العقل بنفوذ الفسخ. وفي طرف جواز البيع، جعل الشارع جوازه، وزائداً عليه جعل نفوذ الفسخ، أو أنه لازم عقلي له ويكون جعله لغواً؟
فإن كان الشارع لم يجعل إلّا الخيار وإنما يحكم العقل بأن الفسخ نافذ، فاستصحاب جامع ذاك المعنى الوضعي يكون مثبتاً؛ لأنه لازم عقلي للحكم. على أن طبيعي النفوذ ليس حكماً شرعياً وليس له أثر شرعي.
على أنك لو استصحبت حقّ الخيار، كان ترتّب نفوذ الفسخ عليه، مثبتاً؛ لأنه حكم عقلي وليس شرعياً.
فهل يمكن أن يقال: أن الأصل المثبت لا نصّ له إطلاق على بطلانه شرعاً؟ فلا بُدّ أن نحسب حساب العرف. فإذا أردنا ترتيب اللازم على الملزوم العرفي كنبات اللحية على استصحاب الحياة كان مثبتاً، وأما إذا استصحبنا المالكية لك فهل لا يثبت مملوكية الشيء؟ فالعرف كأنّه يرى أنّه مفهوم من نفس الكلام الشرعي، فإذا قيل له من أين فهمت ذلك؟ قال: الله قال ذلك، ولا يقول: هذا لازمه العقلي. واعتبروا ذلك من اللوازم الجليّة. فلو قال الشارع: (أنت مالك) يفهم العرف أن هذا مملوك. ونحوه أن العرف يرى أن زيداً أبا عمرو عين عمر بن زيد.
ففي المقام لو قال الشارع أنت لك حقّ الفسخ يفهم العرف: أن فسخك نافذ، فهذه من الوسائط التي لا تعتبر واسطة في نظر العرف. وإذا لم يتمّ ذلك فاستصحاب الخيار فيه إشكال.
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
ثانيها: الكلام الآخر الذي أردنا أن نقوله: قضيّة حكومة الأصل السببي على المسبّبي، فإن شككت فإن العقد باقٍ أو لا. فنستصحب بقاء العقد ولا إشكال، وإن شككت ببقاء العلاقة نستصحبها، لكن الشكّ بانهدام العقد مسبّب عن الشكّ في أن الفسخ نافذ أو لا.
وليس عندنا نصّ بتقدّم الأصل السببي، وقلنا بأن التقدّم ليس للأصل، بل التقدّم للدليل الشرعي. ففي المقام لو كان لنا كبرى (الفسخ نافذ ممن له خيار)، لاستصحبنا بقاء الخيار، وانطبقت عليه الكبرى. وليس لسان الكبرى لسان الشكّ.
وأما الاستصحاب فقد أُخذ في موضوعه الشكّ، فيكون لسان الدليل الاجتهادي مقدّماً على لسان الاستصحاب. وكِلا الاستصحابين السببي والمسبّبي لسانه لسان الشكّ، فلا يكون أحدهما مقدّماً، بل متعارضان وإن كان الشكّ في مورد أحدهما ناشئاً من الشكّ في موردٍ آخر، وإنما يتقدّم اللسان الذي لم يؤخذ فيه الشكّ على ما أُخذ فيه الشكّ، فيقدّم الدليل الاجتهادي ليرفع الشكّ في المورد. فالأصل السببي بما أنه ينطبق عليه الكبرى الشرعية يكون مقدّماً. ولو كان للأصل المسبّبي كبرى شرعية لتعارضا.
وفي المقام ليس عندنا كبرى تقول: (إذا فسخ صاحب الخيار فالعقد منهدم)، ومجرّد أن أحدهما سبب للآخر لا يكون مقدّماً، إلّا إذا أزال أحدهما الشكّ في الآخر في عالم التعبّد، وكِلاهما وارد على الشكّ، فلا يمكن أن يزيل أحدهما الشكّ في الآخر. فقولنا: (إذا شككت فالخيار باقٍ)، وقولنا: (إذا
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
شككت فالفسخ نافذ)، ليس أحدهما مقدّم على الآخر.
وما قيل من: الحكم(1) يترتّب على الأعمّ من الواقع والمستصحب، غير تامّ، فإن الأحكام دائماً تتبع الواقع، وإنما يجب إطاعة الاستصحاب باعتبار أنه إذا كان مطابقاً للواقع كان كاشفاً عنه.
وأما إذا كان مخالفاً للواقع، فليس هنا إلّا الوهم، وليس الحكم ثابتاً. وكلّ موارد الأمارة هكذا، غاية الأمر أنه تارةً أكون معذوراً عن الواقع، وأخرى لا أكون معذوراً كما في أطراف العلم الإجمالي.
فالقول هنا: أن انهدام العقد من الأحكام الأعمّ من نفوذ الفسخ الواقعي والظاهري، غير صحيح.
[تفصيل الميرزا النائيني بين العقود والإذنية وغيرها]
يوجد في كلمات الآغايون تفصيل في جريان أصالة اللّزوم:
منه التفصيل في كلام بعض الأعاظم(2): وهو أنه يقول إن العقود على ثلاثة أقسام: إذنية، تنجيزية، تعليقية. أما الإذنية فراجعة إلى الإذن وليست عقداً، كالأمانة والعارية والمضاربة، فإذا استرجع الإذن تكون منعدمة، فلا تكون مجرىً للأصل، فتخرج عن العموم تخصّصاً. وأما القسمان الآخران فيجري فيهما الأصل.
ــــــــــ[69]ــــــــــ
() كوجوب الإطاعة. (المقرِّر ).
(2) أُنظر: منية الطالب 2: 9، القول في الخيارات، المقدّمة ا لثانية.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وتفصيل آخر يظهر من الشيخ(1): وهو أن العقود التعليقية كالسبق والرماية، لا يجري فيها الأصل، فإنه لم ينتقل إلى ذاك الطرف حتى نجري الأصل، والباقي يجري فيها الأصل.
وتقسيم العقود إلى الأقسام لا يخلو من مسامحة، فإن التعليق عبارة عن تعليق القرار كقولنا: (إذا جاء زيد بعتك). أو: (إذا جاء زيد وتسابقنا فكذا). وإنما التعليق والإذن في متعلّق العقد. فالقرار التنجيزي لنا هو على الأمر التعليقي، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وإنما الكلام أن عقد المزارعة والمساقاة هل هي لازمة لا تنفسخ بالفسخ، وعقد المضاربة جائز؛ لأنه يعود إلى الإذن على ما قيل؟ فما هو الفرق بينهما؟
المفاد في عقد المساقاة هو قرار أن هذا الفرد يسقي الزرع فإذا أوجد الزرع يأخذ ثلثه. وفي المزارعة أنه يزرع ويأخذ قسماً من الزرع، فالعمل منك والأجرة مِنّي. وفي المضاربة أيضاً العمل منك والأجرة مِنّي. فلماذا صار عقد المضاربة ليس عقداً وإنما هو مجرّد الإذن؟ وكونه عقداً جائزاً في الشرع لا يخرجه عن كونه عقداً.
فإن العقد ليس إلّا قراراً بين شخصين حول أمر من الأمور، فإنّ قرار المبادلة كان بيعاً وإنّ قرار مبادلة المال بالمنفعة كان إجارة، وكذلك الأمانة والعارية فإن الإذن وحده ليس أمانة ولا عارية ما لم يقبل الآخر، وكذلك
ــــــــــ[70]ــــــــــ
(1) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 23-24، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، ظاهر المختلف أنَّ الأصل عدم اللزوم والمناقشة فيه.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
الوكالة وهي مما مثّل به.
إذن لا يتمّ هذا التفصيل، وكلّ هذه الأمور هي عقود، والفقهاء كلّهم يذكرونها في باب العقود، وجعلوا للمتعاقدين شرائط عامّة. غاية الأمر أن بعضها جائز وبعضها لازم.
وفي الحقيقة إن هذه العقود الثلاثة: المضاربة والمزارعة والمساقاة، ذات معنى واحد إلّا أن متعلّقاتها تختلف، وإن كان بعضها لازماً وبعضها جائزاً.
[تفصيل الشيخ الأعظم في المقام]
والتفصيل الذي يقوله الشيخ: إن العلّامة في (المختلف)(1) قال: إن الأصل في السبق والرماية الجواز، ونحن ليس لنا أصل عام للجواز. نعم، هو حسن في السبق والرماية؛ لأنه لم ينتقل الملك إلى الآخر(2) حتى نستصحبه.
نقول: إن أصالة عدم رجوع الملك إذا لم تكن جارية، كما هو ظاهره، ومن هنا قال: الأصل عدم اللّزوم، والعلّامة يريد جعل أصالة عدم اللزوم، وهو أصل استصحابي، ومجرّد أنه ليس عندنا أصل عدم الرجوع، فهذا يعني أن أصالة اللّزوم غير جارية، لا أن أصالة عدم اللّزوم جارية.
وما يمكن أن يقال وجهاً لِما ذكره الشيخ نفس ما قيل في الاستصحابات التعليقية، فإنه ذهب جماعة إلى عدم جريانها؛ لأنه ليس هناك حكم موجود
ــــــــــ[71]ــــــــــ
(1) أُنظر: مختلف الشيعة 6: 255، كتاب الإجارة، الفصل الثامن.
(2) كتاب المكاسب 5: 23-24، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، ظاهر المختلف أنَّ الأصل عدم اللزوم والمناقشة فيه.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
لنستصحبه، وهذا غير صحيح، وإنما الموجود شيء تعليقي، ولم يُعتبر في قاعدة (لا تنقض اليقين بالشك) كونه جزمياً، فالميزان هو وجود اليقين، وإنما قيل ذلك بخيال أن الميزان هو المتيقّن. ونحن وإن لم يكن لنا متيقّن فعليّ إلّا أن لنا يقيناً فعلياً.
ومتعلّق الشكّ واليقين لا بُدّ أن يكون حكماً ذا أثرٍ فيجري في الحكم التعليقي.
وفي المقام أن القرار في المقام: (إذا حصل السبق لك أنا أعطيك عشرة، وإذا أنا سبقت أنت أعطني كذا)، أو يورد الحكم على العنوان فيقال: (للسابق كذا).
ونحن نشكّ أن هذا المعنى التعليقي الحاصل بالعقد أو المعنى الوارد على العنوان، وقد أنفذه الشارع، إذن فهناك حكم شرعي: (أنه إذا سبق هذا فله كذا)، وكون هذا سابقاً معلوم فيشمله الحكم التعليقي.
وأما ما قيل من أصالة عدم اللزوم، فقد يكون نظره(1) إلى ما قيل من أن الاستصحابات التعليقية دائماً معارضة بالاستصحابات التنجيزية، فإن الاستصحاب التعليقي بأنه (إذا سبق فله كذا) معارض باستصحاب الأوّل لماله، والشيخ(2) قال هناك: إنه إذا كان التصرّف بعد الفسخ حراماً فهو لازم مساوٍ للّزوم. فهنا أيضاً أصالة عدم اشتغال ذمّة الآخر بالمال مساوق لعدم اللّزوم.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) كما مرّ بيانه وتخريجه آنفاً، فراجع.
(2) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 18، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، الأدلّة على أصالة اللزوم.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
ويكون الأصل التعليقي حاكماً على الأصل التنجيزي، فإن الأصل التعليقي يكون مشمولاً للكبرى الكلّية، فلا بُدّ أن ننظر ما هو لسان تلك الكبرى.
فلو شككنا أن الأمارة الفلانية ساقطة عن أماريتها أو لا. فنستصحبها، فتكون مشمولة لدليل الحجّية، ولا يكون هذا مثبتاً؛ لأنه تمسّك بالأمارة لا بالأصل. ففي المقام حين نشكّ أن هذا الأمر التعليقي المجاز شرعاً: (إذا سبق له كذا)، وقد تحقّق بعد العقد، وأشكّ باستمراره، فأستصحبه. والاستصحاب الآخر يقول: (إذا شككت فالمال غير منتقل)، والاستصحاب التعليقي يقول: (إذا حصل السبق أنتقل المال)، والسبق حاصل بالوجدان؛ فيحكم الشارع بالانتقال، فيكون حاكماً على الاستصحاب الآخر. فإن الاستصحاب التنجيزي وارد على الشكّ والكبرى لم يؤخذ في موضوعها الشكّ.
فالاستصحاب جار في كلّ أقسام العقود.
[حول جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية]
الكلام في الشبهات الحكمية هو ما سبق.
وأما إذا كانت الشبهة موضوعية، كما لو وقع عقد، ولا أعلم أنه بالصيغة؛ ليكون لازماً، أو بالمعاطاة؛ لكي لا يكون لازماً، وكما لو وقع تمليك مجّاناً ولا أعلم أنه صدقة أو هبة.
الكلام فيه إلى حدٍّ ما نفس الكلام السابق، لو بنينا أن المعاطاة عقد والصيغة عقد، وبنينا أن الصدقة والهبة عقد، فيجري استصحاب بقاء العقد، وهو يثبت اللزوم بدليل (أَوْفُوا بِالعُقُودِ).
ــــــــــ[73]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وأما استصحاب بقاء الأثر، فلا يثبت اللّزوم، فقط يقول: (الأثر باقٍ).
الشيخ يقول(1) بعد ذلك: إلّا إذا كان عندنا أصل موضوعي يثبت الجواز، كما لو حصل إعطاء مجّاني، وشككت أنه يقصد القربة؛ ليكون صدقة، أو لا؛ ليكون هبة محضة. والصدقة لازمة والهبة جائزة، فاستصحاب عدم قصد القربة يثبت كونه هبة جائزة، ويتقدّم على استصحاب بقاء الأثر.
نتكلّم أوّلاً، لو كان استصحاب بقاء العقد الذي قلناه هو الجاري، فهل يتقدّم عليه استصحاب عدم قصد القربة على تقدير جريانه أو لا؟
فهنا لو أردنا أن نستصحب بقاء الأثر، فالشكّ ببقاء الأثر ناشئ من الشكّ في أن العقد جائز أو لا. فلو استطاع استصحاب عدم قصد القربة كونه جائزاً كان مقدماً؛ لأن الحكم الشرعي التعبّدي للهبة مع عدم قصد القربة هو كونها عقداً جائزاً.
وأما لو استصحبنا بقاء العقد على النحو الذي قلناه، وأردنا تنقيح اللزوم بدليل (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) فهنا عندنا كبرى شرعية، تقول: إن العقد إذا وجد في الخارج فهو واجب الوفاء. فقد يتوهّم أن هذا الدليل الاجتهادي أمارة على أن العقد هو صدقة لازمة، أو أنه بالصيغة، فيكشف حال الموضوع؛ لأنه لازم اللّزوم.
هذا غير صحيح؛ لأن العمومات الواردة في الشرع تشبه القضايا الحقيقية، وقد قالوا: إن القضايا الحقيقية قضايا تقديرية (إذا وجد كذا فهو كذا)، فهو
ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم 5: 24، إذا شكّ في عقدٍ أنَّه من مصاديق العقد اللازم أو الجائز.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
حكم بالحرارة على النار على تقدير الوجود، مع أن الحال ليس كذلك فإن الحكم وارد على (كلّ نار)، أو على الإنسان في قولنا: (الإنسان ناطق)، وما تصورته ليس بنار، وما لم يتحقّق في الخارج فليس بنار، والحكم وارد على النار، وهي ليست بنار ما لم توجد؛ إذن فليس في الواقع فيها أيّ تعليق كما هو الظاهر منها. ونحن هنا نتكلّم على الفرضين.
فإن أرجعناها إلى أمر تقديري كان الدليل الاجتهادي يقول: (إذا وجد عقد فهو واجب الوفاء). وهذا لا تعرّض له إلى كشف حال الموضوع؛ لأنه أخذه مقدّر الوجود، ونحن بالاستصحاب نريد أن نعيّن حال الفرد، هذا أيضاً لا يمكن.
وإذا فهمنا المطلب على النحو الذي قلناه، وهو أن الحكم وارد على العنوان، فإنه لا يتعرّض إلى العقد واقعاً وموجوداً أو لا.
فهل يجري استصحاب قصد القربة؟
بعضٌ قال(1) -بتعبير مِنّي-: إنه في المثال عدّة احتمالات:
أحدها: أنه بين الصدقة والهبة الجائزة تباين.
والآخر: أنهما من ماهيّة واحدة، ويكون امتياز أحدهما عن الآخر بأمر وجودي، فالصدقة تحتاج إلى قصد القربة، والهبة إلى قصد عدم القربة.
الثالث: أن الفرق بينهما على نحو الماهيّة بشرط شيء والماهيّة بشرط لا. فالصدقة بشرط قصد القربة، والهبة بشرط عدم قصد القربة.
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 4: 49، الخيارات، المقدّمة الثانية: أصالة لزوم البيع، الاستصحاب.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
ففي الاحتمالين الأوّلين لا يجري الاستصحاب، فإن نفي أحد المتباينين لا يثبت الآخر، وإذا انتفى أحد القيدين الوجوديين لا يثبت الآخر.
وفي القسم الثالث يجري استصحاب عدم قصد القربة؛ لأنه يعبّدنا بذلك، وهو كافٍ لإثبات الهبة، ثُمّ يختار هذا القسم الثالث.
لنا كلام في أصل جريان هذا الأصل: وهو ما قلناه كِرارا من أن شيئاً إذا كان موجوداً في الخارج، وكان فاقداً لوصفٍ، فلو كان الحكم على القضيّة المعدولة، أي: على الإعطاء المجّاني لا بقصد القربة، فإذا كان هذا الإعطاء موجوداً وشككنا في بقائه، أمكن استصحابه، كما لو كان الحكم على العالم غير الفاسق، وكان شخصاً عالماً غير فاسق، وشككت بارتفاعه، فاستصحب وإن كانت القضيّة موجبة سالبة المحمول، فالحكم كان على الشخص الذي هو ليس بفاسق، فأيضاً يجري الاستصحاب؛ لأن هذا الشخص كان عالماً ليس بفاسق، فنستصحب، فيترتّب عليه الحكم.
وإذا كانت القضّية سالبة سلباً تحصيلياً فمدلولها سلب المحمول عن الموضوع، وهي صادقة وإن لم يوجد الموضوع، إلّا أن الموجبة المعدولة المحمول، لا تصدق إلّا بوجود المحمول.
وعليه، فإذا تحقّق الموضوع في الخارج، جرت الاستصحابات، وإن لم يتحقّق فالموجبة المعدولة المحمول غير متحقّقة، وإن تحقّق السلب المطلق.
وأنت تريد إجراء استصحاب عدم قصد القربة، ونحن لنا تمليك موجود لا أعلم أنه مقرون بقصد القربة أو لا، فهل نقول: (كان في الخارج تمليك ليس بكذا)، أو: (هو ليس بكذا)، هذا غير صادق. فإجراء الأصل فيها ليس له حالة
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
سابقة. نعم، السلب المطلق(1) صادق، فإجراء الأصل في الجامع بين السالبة بانتفاء الموضوع والسالبة بانتفاء المحمول لإثبات السالبة بانتفاء المحمول مثبت؛ لأنه من استصحاب الجامع لإثبات الفرد. فإن ما هو موضوع الحكم هو الفرد، وما هو موضوع الاستصحاب هو الجامع.
هذا راجع إلى أصل جريان الأصل.
فهل هذا الأصل يمكنه أن يثبت القسم الآخر؟ نقول:
التمليك المطلق جامع ما بين الهبة وبين الصدقة، فعندنا جامع مع فردين، والهبة ليست هي طبيعة التمليك، بل (بشرط لا)، أي: بقيد كونه ليس بقصد القربة، فهو قيد وجودي طرفه عدمي، وليس أنه من الهبة عدم قصد القربة المنسجم مع اللا تمليك؛ إذن فكِلا الفردين لا بُدّ أن يمتازا عن الجامع لتحقّق القيود. ومعه فأنت تريد استصحاب أحد النوعين لإثبات النوع الآخر، فأنت إن استصحبت التمليك الذي ليس فيه قصد القربة، ليس له حالة سابقة، والسلب المطلق لا يثبت بالأصل، ونفي أحد القسمين لا يثبت القسم الآخر.
ثُمّ إن استصحاب اللّزوم هل يثبت أنه صدقة أو عقد بالصيغة في المثال أو لا؟
إذا بنينا على إمكان التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، فيمكن ذلك بعد إجراء الاستصحاب.
وأما إذا بنينا على بطلان ذلك، فعموم أَوْفُوا بِالعُقُودِ لا يشمل
ــــــــــ[77]ــــــــــ
() بنحو ينسجم مع عدم الموضوع. (المقرِّر ).
تقريرات، كتاب البيع، ج12
المشكوك. فما هو الاستصحاب الممكن؟ هل إنّه استصحاب الجامع بين الممكن واللّازم، وهو لا يثبت أنه عقد لازم حتى يكون مشمولاً للعموم، واستصحاب الأثر أيضاً لا يثبت وجود العقد اللّازم. كما أن استصحاب بقاء اللّزوم لا يثبت أن هذا بيع.
فلذا يقول الشيخ(1): إنه في كلّ عقد لا بُدّ أن نجري الأصول المربوطة به. فإذا تردّد الأمر بين الهبة والبيع بعد الفراغ عن الصحّة، فالأصل أصالة البراءة عن العوض. وإن علم بالبطلان، وتردّد الأمر بين الجائز واللّازم، وكان قد سلّم العين، وشككنا أنه ضامن أو لا، فإن شملته قاعدة اليد، وإلّا فأصالة براءة الذمّة تكون جارية.
[حول جريان الأصل فيما بعد الفسخ وقبله]
لنا كلام في الأصول الجارية فيما بعد الفسخ، وكلام في أصول ما قبل الفسخ. نتكلّم عما بعد الفسخ. لنا أصلان:
أحدهما: أصالة عدم اشتغال ذمّته بعشرة الدنانير (العوض)، فإنه كان غير مشغول الذمّة، فيستصحب.
وقد يتوهم أنه في موارد وجود أصالة البراءة لا يجري الاستصحاب، بالرغم من أنه حاكم؛ لأن الشكّ كافٍ في البراءة، فلا يجري استصحاب البراءة.
ونحن تارةً: نجري استصحاب البراءة الأصلية، وأخرى: استصحاب
ــــــــــ[78]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
عدم اشتغال الذمة. والبراءة العقلية تقول: ما دام الدليل غير موجود فإننا في مؤمِّن والتكليف مؤمّن عنه. وتوافقه البراءة الشرعية التي دليلها: “الناس في سعة ما لا يعلمون”(1).
فهنا يستصحب عدم اشتغال الذمّة(2)، وهو إما بنفسه أثر أو له أثر وهو عدم وجوب الأداء. وبعد الفسخ يجري استصحاب بقاء الأثر، وما هو الأثر هو انتقال المبيع، لا انتقال العوض لكونه مشكوكاً للشكّ في كون العقد بيعاً أو هبة. وهذان الأصلان ليسا متعارضين بالذات ولكنّهما متعارضان بالعرض، إذ يُعلم إجمالاً بكذب أحد الأصلين؛ لأنه إن كان بيعاً فلا بُدّ من إعطاء العوض، وإن كان هبة فلا بُدّ من إرجاع العين، وأما دفع العين بدون عوض فغير محتمل، فيتساقط الاستصحابان.
فتصل النوبة إلى أصالة البراءة عن العوض، وأما العين فلا يجري فيها الأصل بعد سقوطه، فإن أخذ المشتري العين كان ذلك طرفاً للعلم الإجمالي(1)، وإن أخذ البائع العين فأيّ دليل عليه بعد سقوط استصحاب الأثر، ونحن نشكّ أنه بيع أو لا؟
والقرعة في العين غير ممكنة؛ لأنه لو حصلت باسم المشتري كانت خلاف العلم الإجمالي، والتصالح بالتقسيم أيضاً كذلك. نعم، التصالح على الإقالة على
ــــــــــ[79]ــــــــــ
() عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 424، المسلك الثالث، الحديث 109، ومستدرك الوسائل 18: 20، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب 12، الحديث 4.
(2) للمشتري أو الموهوب له. (المقرِّر ).
(3) فإما أن يعطي العوض أو يعطي العين. (المقرِّر ).
تقريرات، كتاب البيع، ج12
تقدير كونه بيعاً أمر ممكن وصحيح. على أن القرعة لا تعيّن الواقع، وإنما هي لمجرّد فض النزاع، فهل الأصل الجاري قبل الفسخ لا مزاحم له؟
قالوا في محلّه(2): إننا إذا قلنا بالواجب المشروط، وكان من المعلوم وجود الشرط، كما لو قال: (إذا وردك الضيف فأكرمه)، ويعلم بوروده في الغد، فهل يقال: إنه الآن ليس واجباً ومقدّماته غير واجبة، فإذا فاتت الضيافة لا يقبل هذا عذراً عن فوتها عند العقل والعقلاء؟ أو أن نفس ذاك الوجوب الذي يحصل بعد ذاك يقول العقلاء بضرورة الإعداد له وتهيئة مقدّماته، ولا عذر له بتركها؟
كلام آخر: اختار الشيخ(1) -وخالفناه-: أن ما هو ظاهر بالواجب المشروط تعود الشروط فيه إلى المادّة، ويستحيل رجوعها إلى الهيئة. فلا بُدّ أن ترجع جميع القيود إلى المواد. فتبقى الهيئة بإطلاقها غير مقيّدة، فمن الآن تجب الركعتان اللّتان بعد طلوع الشمس، فالوجوب حاصل على عنوان يحصل معنونه متأخّراً، ونحن نتكلّم على كِلا المبنيين.
فإذا قلنا بمقالة الشيخ وإن لنا تكليفاً من الآن بالمقيّد، فمرّة أعلم أن قيده لا يحصل، وأخرى أشكّ بذلك، وثالثة أعلم أن قيده يحصل.
فالآن قبل الفسخ عندنا قضيّة تعليقية: إذا فسخ يجب ردّ العين (في البيع
ــــــــــ[80]ــــــــــ
(1) أُنظر: بدائع الأفكار في الأُصول (للآملي): 349، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الثالث: في مقدّمة الواجب، الأمر الخامس: في الواجب المشروط والمعلّق والمنجّز.
(2) أُنظر: مطارح الأنظار (ط. ق): 49، القول في وجوب مقدّمة الواجب، هداية في أنَّ الأصل الإطلاق أو المشروطيّة؟ وفي (ط.ج) 1: 250.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
الاعتباري)، وفي محلّ الكلام لو فسخ أعلم إجمالاً أنه إما يجب ردّ العين الآن أو ردّ العوض. وبعبارة أخرى: إنه يعلم قبل الفسخ إما يجب عليه دفع العوض الآن، أو يجب ردّ العين بعد الفسخ. وإن أنكرت تنجّز العلم الإجمالي في التدريجيات، فالعقل ببابك، فإن التكليف من الآن حاصل على كِلا التقديرين، وأنا أعلم بأحد التكليفين على سبيل المنفصلة المانعة الجمع. فيكون الكلام فيه ذاك الكلام.
وإن بنينا على الواجب المشروط، وقلنا بأن تهيئة المقدّمات لازمة عقلاً قبل مجيء الوجوب، لو علمت بتحقّق الشرط، فأعلم إجمالاً قبل الفسخ إما يجب دفع العوض، أو أنه يجب دفع العين بعد الفسخ، ونعلم أنه يفسخ.
إذا علمنا بحصول الفسخ بعد ذلك، ولم نقل بالواجب المشروط، وأرجعنا القيود إلى المادّة، فمن الآن أعلم أنه إما أن يجب الآن ردّ العوض، أو يجب الآن ردّ العين بعد الفسخ، ويكون العلم الإجمالي منجّزاً.
وبحسب نظرنا أن الواجب المشروط الذي نعلم بوجود شرطه في ظرفه، يحكم العقل بتنجّزه، ولذا قلنا بأنه على تقدير القول بوجوب المقدّمة يجب الإتيان بها قبل زمن الواجب(1).
ــــــــــ[81]ــــــــــ
() ثُمّ أطال سيدنا الأستاذ في شرح أن وجوب المقدّمة ليس ترشّحياً؛ لاستحالة ترشّح الوجوب من الوجوب والإرادة من الإرادة، وإنما كلٌّ من المقدّمة وذيها لها مبادي مستقلّة، وإنما يدخل تصوّر توقّف ذي المقدّمة عليها كعنصر في التصديق بوجوب المقدّمة وإرادتها.
ثُمّ قال: وأما… (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وأما إذا علمنا بعدم تحقّق الشرط، فالعلم الإجمالي لا فائدة فيه؛ لأنه لا يوجد علم مردّد بين تكليفين، سواء قلنا بالواجب المشروط أو لم نقل به، وكان التكليف وارداً على العنوان.
وأما إذا شككنا بتحقّق الشرط، إذا قلنا بالواجب المشروط، أو شككنا بتحقّق العنوان إذا أنكرنا الواجب المشروط -ونتكلّم الآن على الثاني- فهل هذا شكّ في القدرة، فإن لي تكليفاً موجوداً بحسب الكبرى الجارية على كلّ المكلفين، لكنّي أشكّ في قدرتي على إنجاز الامتثال. والقدرة ليست شرط التكليف ولا قيد المكلّف به، وإنما هي عذر المكلّف به. وكذلك بالنسبة إلى العلم حيث قالوا به جميعاً، ولذا كان التكليف شاملاً للجاهل، ويجب عليه التعلّم. نعم، إذا كان جاهلاً بعد الفحص كان الجهل عذراً عقلياً على تقدير مخالفة الواقع. وإنما الخطابات الشرعية خطابات كلّية عامة، ليس فيها أيّ قيد. نعم، إذا كان عاجزاً كان معذوراً عقلاً. وأما لو قال: (أنا كنت احتمل العجز فلم امتثل) فليس هذا مقبولاً عقلاً وعرفاً.
فهل في المقام شكّ في القدرة، أو الحكم -في الواقع- وارد على العنوان مع الشكّ في حصول القيد، أو واجب في المشروط مع الشكّ في تحقّق الشرط، ولا يكون العلم الإجمالي المردّد بين التكليف الفعلي واحتمال التكليف فيما بعد، منجّزاً؛ لأنه ليس علماً بالتكليف على كلّ تقدير؟
ثُمّ إنه يقال: إن مقتضى احترام مال المسلم أن لا يذهب من البين. فمن يدّعى البراءة لا بُدّ أن يثبت ذلك؛ لأن مال المسلم بطبعه يقتضي أن لا يكون بلا
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
عوض؛ لأنه محترم. فلا بُدّ أن يثبت الطرف أنه بريء من العوض ليذهب احترامه. لذا قالوا: إذا دار الأمر بين الإجارة والوديعة، أو القرض والوديعة، قالوا: وعليه نصّ أنه لا بُدّ أن يقيم البيّنة على البراءة.
نقول: قاعدة احترام مال المسلم هل تنافي هبة هذا المال أو بيعه بأقلّ من قيمته؟ كلّا. فإن معنى احترامه هو وجود الحريم له، لا يمكن للغير دخول هذا الحريم، وأنه إذا تلف يتلف بعوض.
فما قاله من أن طبع المال هو أن لا يكون بلا عوض، غير صحيح، بحيث لو وهبت المال فقد عملت خلاف الطبع، وإنما هو تابع لحكم الشرع. وأنا الآن شاكّ أنه مال موهوب أو لا. وعمومات حرمة مال المسلم لا تشمل تصرّف المالك في ماله، وإنما تشمل الآخرين، فالذي يهب ماله لم يخرج على هذه القاعدة.
هذا كلّه إذا علمنا أن العقد صحيح، وكان مردّداً بين الجائز واللّازم.
[في ثبوت الضمان أو البراءة مع العلم بفساد العقد]
وأما إذا علمنا بفساد العقد، وكان مردّداً بين البيع والهبة، فهل لا بُدّ أن يقال بالضمان أو بالبراءة؟
يذكر الشيخ(1) -استطراداً- فهماً آخر وهو ما إذا علمنا بفساد العقد وكان مردّداً بين الجائز واللّازم.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
(1) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 24، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، إذا شكّ في عقدٍ أنَّه من مصاديق العقد اللازم أو الجائز.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
فرض الشيخ كون العين في يد المشتري أو الموهوب له قد تلفت. ومحصّل الكلام: أن المستند في الضمان إذا كان هو قاعدة اليد، وجوّزنا التمسّك بالعموم في الشكّ في المصداق، فنثبت بالقاعدة الضمان. وأما بناءً على ما هو التحقيق من عدم جواز التمسّك في الشبهة المصداقية، فلا يمكن التمسّك بالقاعدة. وإن كان المستند هو قاعدة الإقدام، فلا نعلم أن هذا أقدم على عدم المجّانية وضمّ إليه البعض؟ إن المستند إن كان هو حرمة مال المسلم، فإن تمسّكنا بالعام في الشبهة المصداقية كان شاملاً، وإلّا فمن المحتمل أنه أسقط احترام ماله بالمجّانية. وبعض المحشين(1) يستشكل بأن يكون مستند الضمان ذلك، وقلنا في محلّه أنه مستند صحيح.
البعض الآخر(2) يريد أن يتممّ الضمان بالأصل والوجدان. فإن العين في العقد الفاسد إذا كانت موجودة يجب ردّها، وإن تلفت لا بُدّ من ردّ عوضها؛ لأن موضوع الضمان مركّب من أمرين: وجودي وعدمي. فالشيء الوجودي وهو اليد بالوجدان ثابت. وعدم إقدام صاحب المال على المجّانية وهو ثابت بالاستصحاب.
وإقدام صاحب المال ليس مفاد (كان) الناقصة، فيكون عدمه مفاد (ليس) الناقصة، ليقال: إنه ليس له حالة سابقة، بل الإقدام من صفات صاحب اليد لا من صفات اليد كالعرض والجوهر، ومعه نشكّ في إقدامه على المجّانية،
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) أُنظر: منية الطالب 2: 12، القول في الخيارات، المقدّمة الثانية.
(2) راجع المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
فنستصحب عدمها المحمولي، فيثبت الضمان بضمّ الوجدان إلى الأصل.
نحن أوّلاً لا بُدّ أن نرى أن قاعدة على اليد من أيّ محلّ منها يفهم الضمان؟
اليد المأخوذة في القاعدة كناية أو استعارة عن الشخص، كما لو قيل: (فلان عين)، يعني: رقيب؛ لأن تمام قواه كأنّها مجتمعة في عينه، وتمام ماهيّته هو عينه، وقد يقال هو أُذن قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ(1) وإنما قيل ذلك على نفس النبي بادعائهم أن تمام ماهيّته هو الأُذن؛ لأنهم يدّعون أنه لا رأي له وإنما يكرّر ما يسمع، ويقال: “وهم يدٌ على من سواهم”(2)؛ لأن اليد مظهر القدرة، لا أن اليد استعملت في القدرة.
“وعلى اليد ما أخذت”(3)، حيث إن الغالب أن الأخذ والإعطاء يكون باليد، فالمقصود جداً هو الشخص، يعني: على عهدة هذا الشخص ما أخذه، فالأخذ والاستيلاء على مال الغير هو سبب الضمان. فالشخص بنفسه غير سبب الضمان ولا عدم الإقدام على المجّانية.
فما يقتضي إطلاقه الضمان للمجّاني وغيره وللهبة وغيرها وللمنافع
ــــــــــ[85]ــــــــــ
() التوبة: 61.
(2) الكافي 1: 403، كتاب الحجّة، باب ما أمر النبي بالنصيحة لأئمّة المسلمين…، الحديث 1، ووسائل الشيعة 29: 75، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 31، الحديث 1.
(3) عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 224، الحديث 106، مستدرك الوسائل 14: 7، كتاب الوديعة، الباب 1، الحديث 12.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وغيرها، هو مادّة الأخذ. فإذا لم نقل بالانصراف فهو إطلاق قابل للتقييد كـ(يد الأمين)، “وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده”. فلو أخذ مالاً بالاستيمان أو المجّانية، يكون خارجاً عن هذا الإطلاق بالتقييد.
فلنا في واقع الحكم حكمان على موضوعين مقيّدين: حكم الضمان على الاستيلاء اللا مجّان، وحكم عدم الضمان على الاستيلاء المجّان. فإذا أردنا إثبات الضمان لا بُدّ أن نثبت هذا العنوان، وهو أنه أخذ بغير المجّان، وهو ليس له حالة سابقة؛ لأنه من حين الأخذ لا نعلم أنه مجّاني أو لا.
والإقدام وعدمه لا ربط له بالموضوع أصلاً. وإنما أخذه الفقهاء باعتبار أنه يكون قيداً في الأخذ، لا أنه هو موضوع الحكم. ومجرّد أن الإقدام من أوصاف ذي اليد لا من أوصاف اليد لا دخل له في الموضوع.
فإذا حدّدنا موضوع الضمان يتّضح أنه يرجع إلى الكون الناقص، أو –في الواقع- بنحو القضيّة المعدولة: (التسليط لم يكن كذا)، وهو ليس له حالة سابقة.
ولو غضضنا عن ذلك فإقدام المالك على تسليط الغير على ماله مجّاناً هو الموجب لرفع الضمان، وليس الإقدام وحده أو الإقدام المجّاني وحده كافياً. كما أن إقدام المالك على تسليط الغير على ماله لا مجّاناً. وليس المقدّم هو الموضوع ولا الإقدام ولا الإقدام المجّاني. فإذا كانت كلّ هذه القيود مأخوذة فليس لها حالة سابقة. نعم، كِلاهما(1) مسبوق بالعدم الأزلي. فإن كان جارياً كان الأصل
ــــــــــ[86]ــــــــــ
() لم يقدم على تسليم ماله مجّاناً، ولم يقدم على تسليمه بعوض. (المقرِّر ).
تقريرات، كتاب البيع، ج12
جارياً في موضوع الضمان، وموضوع عدم الضمان، على أن العدم الأزلي ليس هو موضوع الحكم لينضمّ إلى اليد فيتمّ به الموضوع.
فإن قلت: استصحب العدم الأزلي. وقعت في تناقض.
وإن قلت: إن الموضوع هو قسم من هذا الموضوع العامّ، وهو الإقدام حال الوجود، فهذا من استصحاب الجامع لإثبات القسم، فلا يكون هذا الاستصحاب مثبتاً للضمان. وإن كان استصحاب براءة الذمة وأصالة براءة الذمة جارياً.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12

 

 

 

[أقسام الخيارات]

خيار المجلس
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12

 

 

 

 

 

[أقسام الخيارات]

خيار المجلس

الكلام في خيار المجلس ما هو الوجه في هذا الإطلاق؟ هل هو مجرّد تسمية أو استعارة أو مجاز؟ والظاهر أنه مجرّد تسمية لعلاقة في المقام. وليس هذا بحثاً مفيداً.
والبحث المفيد هو أننا هل نفهم من مدرك هذا الخيار شرعاً أن موضوعه هو البيّعان المجتمعان في مجلس واحد، بحيث لو لم يوجد بعض هذه القيود لم يوجد الخيار، أو أن بعض هذه القيود هي الموضوع، كالبيّعين المجتمعين وإن لم يكونا في مجلس البيع، فلو خرجا مصطحبين يبقى الخيار، بخلافه على الأول؟
أو أن الموضوع نفس المتبايّعين، ولا دخل للاجتماع ولا للمجلس، وتكون الغاية إلى الافتراق، فيكون الافتراق غاية، لا أن الاجتماع قيداً؟ وهذا يؤثّر في جريان بعض الأصول. وهذه الأمور يتضح الحال فيها من خلال المسائل التي نبحثها تدريجاً.
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
[هل يثبت خيار المجلس للوكيل]
وما جُعل مورداً للبحث هو أن الوكلاء مختلفون:
تارةً: يكون وكيلاً في إجراء الصيغة فقط، بدون أن يكون للوكيل أيّ دخل آخر.
والنحو الآخر: أن يوكل النظر في صلاح العقد إلى الوكيل، فإذا رآه صالحاً يجري الصيغة بعد اتّفاقهم على الرأي مسبقاً.
والنحو الثالث: أن يوكل النظر بتمامه إلى الوكيل في بيع الدار مثلاً.
والنحو الرابع: أن يكون وكيلاً في كلّ المعاملات، كالعامل في المضاربة، وخاصّة إذا كان الربح له المسمّى بالبضاعة. ولعلّ هناك أقساماً أخرى.
وما افترضه الشيخ أوّلاً: أن تكون الوكالة فقط لإجراء الصيغة، فقوله: “البيّعان بالخيار حتّى يفترقا “(1)، يشمل مثل هذا الشخص أو لا؟
واختلف النافون لذلك. واستدلّ الشيخ(2) بالتبادر، ويريد به الانصراف، ولذا يقول: التبادر من النصّ. ونفاه الآخوند(3)، وقال آخرون(4): إن الإطلاق عليه مجاز.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 170، كتاب المعيشة، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث 4، ووسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1.
(2) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 28، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، خيار المجلس، أقسام الوكيل.
(3) أُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 151، القول في أقسام الخيار، خيار المجلس.
(4) أُنظر: منية الطالب 2: 12، القول في الخيارات، القول في أقسام الخيار، خيار المجلس.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
نحن لا بُدّ أن نرى معنى البيع، ومعنى مادّة الفاعل؛ لنرى أنه حقيقة أو مجاز. ولا يمكن القول بالمجاز مع الانصراف، فإن الانصراف باب والمجاز بابٌ آخر. وبعد أن يثبت أنه حقيقة نراه أنه منصرف أو لا.
[في إطلاق عنوان البائع على الوكيل]
فهل إطلاق البيع حقيقة على الوكيل والموكل، أو مجاز فيهما، أو أحدهما حقيقة والآخرة مجاز؟
فما هو معنى البيع؟ وما هو معنى اسم الفاعل، وهو عنوان يصدق على المتلبّس، وليس معنىً حرفياً؟ وبحثه على بابه.
ماهيّة البيع هي مبادلة مال بمال، فهل يراد به المبادلة الواقعية للملكية، بحيث لو لم يكن هذا منقولاً في مكان ذاك، ليس بيعاً، حتى لا يكون بيع الفضولي والصرف بيعاً؟ أو أن البيع إنشاء الملكية، لا الملكية الإنشائية؟ فالذي يريد إنشاء الصيغة لا بُدّ أن يكون إنشاؤه جدياً في مقابل الإنشاء الهزلي.
وما قيل(1): إنه بالحمل الشايع لا بالحمل الأوّلي. كأنّه خلط بين الحملين، فإن مفهوم الإنشاء والبيع هو بالحمل الأولي، وليس موضوعاً لحكمٍ أصلاً، ولا يصدق عليه حقيقة البيع. وما هو الواقع خارجاً هو بيع بالحمل الشايع، لا أن البيع الإنشائي بيع بالحمل الأولي. وما يترتّب عليه الأثر هو البيع بالحمل الشايع. ليس كذلك. والإنشاء إذا وقع جدياً، يلحقه في المرتبة اللاحقة اعتبار
ــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 4: 56، الخيارات، أقسام الخيارات، خيار المجلس.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
العقلاء بأن النقل قد حصل، وفي مرتبة الإنشاء لا فرق بين الأصيل والفضولي أصلاً.
وما يقال: من أن المنشئ يوجد التبادل الواقعي، فإنه ملتفت إلى أن بيع مال الغير لا يحصّل النقل، فالفضولي يوجد الإنشاء ويوجد البيع الإنشائي، ويقال: (باع مال الغير حقيقة). نعم، لا يترتّب عليه حكم العقلاء، ولذا نرى الفقهاء يطلقون مثل هذا التعبير: (بائع الخمر ومشتري الخمر) مع علمهم بأنه لم يحصل النقل ولم يترتّب الأثر.
إذن فالمادّة غير مقيّدة.
وهيئة اسم الفاعل موضوعة لعنوان انتزاعي عن شخص تلبّس بالمبدأ، وليس فيه أيّ انتساب أو صدور مثل لفظ الجسم، غاية الأمر أنه اسم للذات، وهذا اسم بعد القيام بالعمل. وكذلك اسم المفعول وليس معنى ًحرفياً أصلاً.
ومن أوجد ماهيّة البيع هو الذي أجرى الصيغة، وتمام مباديه عنده.
ومن يقول: بأن إطلاق البائع عليه مجاز؛ لأن تمام مبادي اسم المصدر بيد غيره.
تقول له: إنه لا فرق بين المصدر واسمه إلّا في جهة لحاظية اعتبارية، وتمام مبادي المصدر واسم المصدر بيد مجري الصيغة. ولا توجد هذه المبادي في نفس المالك أصلاً. نعم وجدت له مبادي التوكيل فوكّله، ثُمّ وجدت مبادي البيع في نفس الوكيل فباع. وهي مبادي المصدر واسم المصدر، فإن مباديهما واحدة.
نعم، ذاك الشخص صار سبباً لعمل هذا، ونحن نرى أن هذا التسبيب لا
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
ينافي الاختبار حتى في الكلب الـمُعلَّم إذا أغريته، والحمار إذا أعطيت له حشيشاً، فأننا نرى الاختيار موجوداً عندهم، وتمام المبادي من التصوّر والتصديق بالفائدة موجود عندهم. وقد يكون فاعلاً مُكرهاً إذا ضربه صاحبه على السير في طريق معيّن.
فهذا الشخص الوكيل هو فاعل البيع وهو البائع حقيقة. نعم، الانصراف باب آخر لا بُدّ من النظر فيه.
فبعد أن عرفنا أن البائع هو الوكيل، وليس صادقاً على الموكّل، وإنما هو المسبّب للبيع، فيكون دليل “البيّعان بالخيار” شاملاً لهذا دون ذاك. بغضّ النظر عن وجوه أخرى.
محصّل كلامنا: أن إيجاد المادّة بالهيئة في قوله: (بعت هذا بهذا) لا يفرق بين الأصيل والوكيل المطلق والولي والفضولي والغاصب والوكيل في إجراء الصيغة.
وكلّهم يوجد لديهم تمام المبادي التصورية والتصديقية للإيجاد، ولا يفرّق بينهم في تحقّق المادّة والهيئة. وفي أفق إجراء الصيغة، كما أن المالك يجريها كذلك غيره من هؤلاء، وهم على السواء في هذا الأفق، وليس أن البائع إذا كان أصيلاً يجريها على شكل، وإذا كان غيره فإنه يجريها على شكل آخر. وقيام المبادي بغيري لا يكون سبباً في وجود الفعل مِنّي.
وبعد أن يحدث إجراء الصيغة، يصدق عنوان البائع هو مجري الصيغة، أي: موجد المادّة بالهيئة، فهذا بائع وذلك مشتري، وهما بيّعان ومتبايعان، والفرق بين الوكيل المجري الصيغة وبين المالك في أمور أخرى، إذن
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
فالاستعمال حقيقي، بغضّ النظر عن الانصراف الذي نؤجّل الكلام فيه إلى ما بعد نقل الأقوال.
[إيراد على ثبوت الخيار لمجري الصيغة]
ومما قيل أحياناً بنحو الإشارة وأحياناً بالتفصيل، وقد ذكر الإشكال والجواب بنحو قاصر، ونذكره بناءً على رأينا: لا إشكال أن أَوْفُوا بِالعُقُودِ متوجّه إلى المالك، أو الأعمّ منه ومن يتصرّف كالأولياء، وهذا الدليل سواء أخذ بمعنى إبقاء العقد أو العمل بمقتضى العقد، فإنه كان هو المستند الوحيد أو المهمّ في المقام للاستدلال على اللّزوم(1).
وصاحب الخيار يكون مستثنى من هذا الدليل، ووجوب إبقاء العقد -بقطع النظر عن الخيار- غير متوجّه إلى مجري الصيغة، فلا معنى للاستثناء، وإذا كان معناه العمل بمقتضى العقد، فهو أولى.
وليس هذا التقريب مبتنياً على جواز التصرّف ليقال بأنه متوجّه إلى الوكيل بذاك المعنى ولا يلزم التصرّف.
نقول: إن الاستثناء من كلّ شيء لا بُدّ أن يكون من مصاديق المستثنى منه، فإذا كان عندنا في هذا العموم وجوب تكليفي، وفهمنا منه المعنى التكليفي. وقد سبق أن بحثنا مفصّلاً، وقلنا: إنه إما هو كذلك أو أنه حكم وضعي فقط، باعتبار كونه كناية عن اللّزوم.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) راجع ما أفاده المحقّق الأصفهاني في حاشيته على كتاب المكاسب 4: 57، الخيارات، أقسام الخيارات، خيار المجلس.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
فإن قلنا بالوجوب التكليفي ويستفاد منه الأمر الوضعي، والوجوب التكليفي ليس من مصاديق الأمر الوضعي(1)، فيكون الاستثناء من المعنى الوضعي، وهو ليس تكليفاً حتى يتوجّه إلى أحد، فينتفي أساس الإشكال. فإن لزوم العقد غير متوجّه إلى أحد. وكذلك على المبنى الثاني وهو كونه كناية عن الحكم الوضعي كما هو معلوم.
[تقريب الشيخ لعدم ثبوت الخيار لمجري الصيغة]
المهمّ هو الدليل الذي ذكره الشيخ، وهو في كلام الشيخ(2) على نحو، وقرّبه المحشّون(3) بأشكال أخرى، لا بُدّ أن نرى تقريبه أوّلاً، ثُمّ تقريباتهم؛ لأنها تفيدنا في أبواب أخرى.
قرّب الشيخ تقريباً آخر لعدم ثبوت الخيار لمجري الصيغة، وتدلّ عبارته على أنه يقول: إن خيار الفسخ هو سلطنة المتعاقدين على ما انتقل إلى الغير بعد الفراغ عن سلطنتهما على ما انتقل إليه، وأدلّة الخيار تثبت الخيار في مثل هذا المورد(4).
ــــــــــ[97]ــــــــــ
() فلا يناسب استثناء الحكم الوضعي من الحكم التكليفي. (المقرِّر).
(2) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 29، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، أقسام الخيار، خيار المجلس.
(3) أُنظر: منية الطالب 2: 12، القول في الخيارات، القول في أقسام الخيار، خيار المجلس، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 4: 60، الخيارات، أقسام الخيارات، خيار المجلس، وغيرهما.
(4) أُنظر: كتاب المكاسب 5: 29، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، أقسام الخيار، خيار المجلس.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
ومراده ليس هو تعلّق الحقّ بالعقد، ولا تعلّقه بطرف واحد، بل مراده السلطنة على إرجاع ما وصل إليه وأخذ البدل الذي خرج منه، ومن ليس له هذه السلطنة فليس له الخيار. وظاهر أدلّة الخيار هو جعل مثل هذا الشيء لذي الخيار.
ويقول(1): ولهذا إذا شككنا أن العبد ممن ينعتق على المالك أو لا، لا نستطيع بأدلّة الخيار إثبات أنك ذو سلطنة على الردّ، فهو لا ينعتق؛ لأن السلطنة على العين مفروغ عنه في أدلّة الخيارات، ومصبّها هو ما انتقلت العين إليه.
فإذا بقينا نحن ومطلب الشيخ نفهم أن دعواه أن مصبّ أدلّة الخيارات هو جعل الحقّ في استرجاع ماله بعد كونه مسلطاً على العين. وهذا أسدُّ التقريبات لهذا المطلب.
ولكنّه لا يلتزم بهذا الوجه؛ لأنه حين يقول بعد ذلك: إن خيار المجلس غير موجود لِـمَن ينعتق عليه، لا بُدّ أن يقرّبه بمثل هذا التقريب فيقول مثلاً: إن الخيار ثابت في مورد البيع، ودليل الوفاء وارد فيه أيضاً، وهو ما إذا استطاع التسليم والتسلّم، وأما إذا لم يستطع ذلك، فهو ليس موضوعاً لعمل العقلاء بالبيع، ولا بُدّ أن يكون مصبّ دليل الفسخ هو ذلك أيضاً.
ولكنّه لا يلتزم بذلك؛ لأنه يرى وجود خيار المجلس مع الانعتاق، ولكنّه إذا تعذّر العوض يرجع إلى عوض العوض.
نقول: هذا صحيح، فإن الخيار ليس معناه لزوم ردّ العين، فإنه إن كان متعلّقاً بالعقد فواضح، وإن كان متعلّقاً بالعين فالمراد به الترادّ الاعتباري،
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
ويعيد الملكية إلى حالها الأوّل.
فما يقوله من أن مصبّ أدلّة الخيار هو وجود السلطنة غير صحيح، لا عقلاً ولا عقلائياً، ولا هو رحمه الله يلتزم به.
[كلام السيد اليزدي في المقام]
المرحوم السيد يقول(1): الحقّ تعلّق بالعقد لا بالعين حتّى يتمّ الوجه الذي ذكره الشيخ. مع أن الشيخ لا يريد تعلّقه بالعين.
نسأل الشيخ: أنه لو وكّله في كلّ عمل إلّا في الردّ الخارجي، فهل لا يكون له الخيار؛ لأنه ليس مسلّطاً على العين، مع أنه يصدق عليه البيع؟ وإنما لا يكون الحقّ ثابتاً فيما إذا كانت العين بنفسها غير قابلة للردّ، وليس مصبّ دليل الخيار أصلاً: إن الفاسخ هو الذي ينبغي أن يرجع العين، بل قد يكون الفاسخ شخصاً ومرجع العين شخصاً آخر كالمالك المشتري أو البائع، يأتي فيأخذها.
وأما قضيّة الانصراف التي يدعيها السيد من أن أدلّة الخيارات منصرفة إلى من له سلطنة قبلاً على حقّ الإقالة، ومن ليس له حقّ الإقالة فلا خيار له.
هل الانصراف أمر ينبغي أن يخرج من مدرسة المرحوم السيد أو من السوق؟ والانصراف معناه ذهاب الذهن إليه فيكون قيداً في نظر العقلاء وإذا عرض قوله: “البيّعان بالخيار” على أهل السوق هل يفهم منه: البيّعان اللذان لهما حقّ الإقالة؟ لا يرد إلى ذهنهم أصلاً.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
(1) أُنظر: حاشيته على المكاسب 2: 5، القول في أقسام الخيار، خيار المجلس.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
[بيان الميرزا النائيني في المقام]
بعضهم(1) أراد أن يتممّ المطلب بمناسبات الحكم والموضوع، حيث ادّعى أن تمام الوجوه التي قالها الشيخ صحيحة. ومن الوجوه: إن أدلّة الخيارات بعد الفراغ عن السلطنة على ما انتقل إليه، وبمناسبة الحكم والموضوع المطلب هكذا. فإن الخيار من المحمولات التي في الرتبة الثانية للموضوع.
فإن بعض الموضوعات هو الماهيّة المعرّاة عن الوجود والعدم كالإنسان موجود، وبعضها هو الماهيّة بعد الفراغ عن الوجود كالإنسان كاتب، وبعضها بعد الفراغ عن وصف آخر، كالإنسان متحرّك الأصابع، فإنه بعد الفراغ عن كونه موجوداً كاتباً.
وهذا هو منشأ الفرق في الاستصحاب، فإن العقلاء يرون بعض المحمولات محمولات ثانوية، ويرون بعضها محمولات على الذات نفسها، والصيغة واسطة في العروض كـ(الماء المتغيّر نجس)، فالنجاسة صفة للماء نفسه، بخلاف (المجتهد يجوز تقليده) فإنه يزول بزوال الاجتهاد، وهذا تشخيصه إلى العرف.
والمقام من قبيل المحمول الثانوي، فإن الخيار إنما هو لمن يستطيع أن يرد التزام الغير ليأخذ التزامه.
وبعبارة أخرى: إن الخيار لمن له حقّ الإقالة. وهكذا ينبغي أن نحمل عليه كلام الشيخ؛ لكي لا يرد عليه الإشكال. فالخيار هو ترادّ الالتزامين لا ترادّ العينين، حتى لا يقال: إن الخيار متعلّق بالعين، وهو خلاف صريح كلام الشيخ.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) أُنظر: منية الطالب 2: 12، القول في الخيارات، القول في أقسام الخيار، خيار المجلس.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
ويتحصّل من ذلك ثلاثة مطالب:
المطلب الأوّل: إن موضوعات القضايا بعد أن تكون مشتركة في أن الموضوع مجرّد عن المحمول، مختلفة. فبعضها ماهيّته معرّاة عن الوجود، وبعضها مفروض الوجود، وبعضها تحتاج علاوةً على فرض الموجودية إلى فرض وصف آخر.
نحن تارةً: نلحظ العوارض التي تثبت للموضوعات بحسب نفس الأمر؛ لنرى ما هو نسبتها إليها. فنرى مثلاً أن الوجود عارض الماهيّة غلط حتى تصوّراً. نعم، قد يوجد تخيّلاً، وإنما نسبة الوجود للماهيّة في الواقع، لا يمكن أن يثبت للماهيّة؛ لأن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت الشيء، وكذلك العروض، والمفروض أن الماهيّة دون الوجود غير ثابتة، فهذه محمولات بسيطة ليست من باب ثبوت شيء لشيء.
وهناك عوارض: إما عارضة للوجود أو للشيء بعد الوجود، وهناك عوارض لا يكفي الوجود في عروضها، بل لا بُدّ من وصف آخر، كالحركة المتوقّفة على الوجود وكونه جسماً وأن توجد مبادي الحركة.
هذا بالنظر إلى الواقع بغضّ النظر عن الإخبار والإنشاء. وأما إذا نظر إلى الإخبار والإنشاء، فالإخبار الصادق عن (الإنسان موجود)، فالإنسان يجب أن أعلم أنه موجود حتى يصدق ذلك. وأما الإنسان المعرّى عن الوجود والعدم فهو غير موجود، وإنما الموضوع هو الإنسان، وكذلك في مثل (الإنسان قابل للصنعة) يجب أن أعلم أنه متّصف بالصفة لأخبر صادقاً. وأجعل الموضوع هو
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
نفس الإنسان الذي جعلته موضوعاً في قولي (الإنسان موجودٌ). وليس من اللّازم أن أخذ كلّ مبادي الوجود في القضيّة، فإذا قلت: (الإنسان متحرّك)، وأنا أعلم أنه لا يكون كذلك إلّا إذا كان جسماً مريداً للحركة، لكن لا يلزم أخذه في الموضوع، وإلّا لزم أخذ إرادة الله تعالى فيه، فإنه المبدأ الأعلى للموجودات كلّها.
فإذا قيل: (زيد متحرّك الأصابع) ليس معناه أنه قال: (زيد الكاتب متحرّك الأصابع)، وإن كان له علّيّة توقّف واقعي. ولو قال: (زيد قائم) ولم يكن زيد موجوداً، أقول: إنه كذب مرّتين: في (زيد موجود)، و(زيد الموجود قائم).
نعم لو أخذنا الصفة قيداً في الموضوع، وحملنا عليه صفة أخرى، نحو: (زيد العادل جاء)، فإن زيداً العادل معنى تصوّري ليس فيه صدق وكذب. ولكن إذا لحقته نسبة تصديقية كلّها تصبح تصديقية.
في قولنا: (زيد العادل العالم الزاهد جاء)، فلو لم يكن متّصفاً بالعدالة كان الإخبار كذباً. فالإخبار بالمحمول هو إخبار بالرتبة الأولى، والوصف المأخوذ في الموضوع إخبار في الرتبة الثانية. ونحوه في الإنشاء إذا قيل: (صلِّ خلف زيد العادل). فإنه يكون شهادة بعدالته.
فتقسيمه الموضوع إلى تلك الأقسام غير صحيح، فإن قولنا: (زيد موجود) و(زيد كاتب) و(زيد متحّرك الأصابع) كلّها الموضوع فيها (زيد) ليس إلّا.
المطلب الثاني: أن هذا مربوط بالاستصحاب، فإنه تارةً يفهم العرف أن
ــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
الموضوع هو المعنون بما هو معنون، وأخرى يفهم العرف أن ذات المعنون هو الموضوع، وهذا علّته، فالأوّل مثل: (المجتهد يجوز تقليده). والثاني: مثل: (الماء المتغير نجس). ففي الأوّل لا يبقى الموضوع، وفي الثاني يبقى الموضوع.
نقول: إنه لا ربط لموضوع الاستصحاب بموضوع الأدلّة، وإنما المهمّ هو صدق قضيّة (لا تنقض اليقين بالشك)(1)، وفي الأدلّة اللفظية الحجّة هو ظهور اللفظ، فقد نفهم من الدليل الاجتهادي لبعض القرائن أن ذات الموضوع هو الموضوع، وإذا فهمنا أنه واسطة في العروض فيخرج عن كونه مجرىً للاستصحاب، وقد لا نستفيد ذلك من الدليل، فلو احتملنا جواز تقليد من زال اجتهاده، أمكن استصحابه، والحكم وإن كان وارداً على العنوان إلّا أن الاستصحاب ليس للعنوان، وإنما العنوان بعد أن يجيء إلى الخارج ويقال عقلائياً: (زيد يجوز تقليده) فاستصحب، فحين قال: (المتغيّر نجس)، فالمتغيّر بما هو متغيّر هو الموضوع، ولكن إذا زال التغيّر لا يزول الموضوع بزواله، بل أقول: (هذا الماء كان نجساً فالآن نجس).
فإن قلت: إنه ليس موضوع الدليل.
أقول: نعم، والاستصحاب دائماً ينفع فيما إذا كان الدليل قاصراً.
نعم، إذا فهمنا من الدليل الاجتهادي: ارتفاع الموضوع أساساً، كالاجتهاد، وإذا علمنا بأن جواز التقليد يدور مداره، فلا شكّ في بقائه حتى نستصحبه.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 8، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 11، ووسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
المطلب الثالث: أن موضوعنا من المحمولات الثانوية، فلا بُدّ من ثبوت القيد الأوّلي ليثبت القيد الثانوي.
وبعبارة أخرى: إننا فهمنا بمناسبات الحكم والموضوع: أن الخيار ثابت لمن له حقّ الإقالة، ومن ليس له ذلك ليس له خيار.
فهل تقول: أن ذلك ثابت في الواقع، فبالنسبة إلى متحرّك الأصابع كان البرهان قائماً على أنه لا بُدّ أن يكون موجوداً، فهل تقول بقيام البرهان على ذلك شرعاً أو عقلاً، فالنكاح ليس فيه إقالة، ولكن فيه خيار، مع أن الخيار حقيقة واحدة؟
وأين مناسبة الحكم والموضوع؟ وأين المناسبة بين حقّ الإقالة وبين “البيّعان بالخيار ما لم يفترقا”؟ هل نفهم من ذلك البيّعان اللذان لهما حقّ الإقالة؟ وإذا لم نفهم فأعلم أنه لا مناسبة ولا انصراف.
[تقريب المحقق الأصفهاني]
التقريب الآخر لما قاله الشيخ: أن ماهيّة الخيار في كلّ مكان معنى واحد، وهو الاسترداد لا الردّ؛ لأن المالك أو الوكيل المطلق له لا يمكن أ ن يكون لهما حقّ الردّ، فما يمكن لأدلّة الخيار إثباته دائماً هو حقّ الاسترداد، وحيث إن هذا الحقّ وحده ثابت كما في الوكيل في إجراء الصيغة لا يكون لهم هذا ثابتاً(1)، هذا تفسير آخر لكلام الشيخ.
ــــــــــ[104]ــــــــــ
() أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 4: 60، الخيارات، أقسام الخيارات، خيار المجلس.
تقريرات، كتاب البيع، ج12
نقول: لو كان مقصود الشيخ ذلك، فهل تقولون: أن ماهيّة الخيار هو الاسترداد، أو أنه ليس فيها، ولكن أدلّة الخيار لا تثبت الخيار، بل الاسترداد فقط، أو أنها تثبت الخيار ولكن حيث تقع المزاحمة بينهما فيقال: أن الثابت هو حقّ الاسترداد؟
فإن قلتم: إن ماهيّة الخيار هو الاسترداد، فهو خلاف الضرورة، وإنما هو على الأقل حقّ الترادّ، وقد وقع في باب الخيار احتمالان: إما هو ملك فسخ العقد، أو هو الترادّ الاعتباري، فهذه المعاملة التي أوجدنا نقلبها وذلك بالترادّ الاعتباري، والردّ الاعتباري ليس تمليكاً جديداً، فلا يقال: إن له سلطنة على ماله بأن يردّه إلى الآخر، فإنه يقال بأن المطلوب بالفسخ رفع المعاملة لا التمليك الجديد.
وعلى أيّ حال، فكون الخيار هو الاسترداد خلاف الوجدان، وهو يقول بأن الخيار معنى واحد، وهذا صحيح، فهل يقال: بأن الخيار في النكاح هو الاسترداد؟
وإذا قلتم: بأن الخيار ليس إلّا الترادّ، ولكن الجاعل للخيار حيث لاحظ أن المالك والوكيل المطلق لهما حقّ الإقالة، فلم يجعل لهما الخيار، وإنما جعل لهما الاسترداد، وهو نصف الخيار؟! فيكون الخيار بالنسبة إلى الآخرين بمعناه، ويكون بالنسبة إلى هذين هو الاسترداد، لكن هذا معناه أن الآخرين عندهم خيار وهذين ليس لهما الخيار أصلاً، وإنما جُعل لهما شيء آخر وإن أورد بلفظ الخيار، ولكن الإرادة الجدّية غير متعلّقة به.
نقول: إن الجاعل لا نظر له إلى الأفراد، فإن الحكم وارد على ماهيّة البيّعين،
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
ولا ينظر إلى سواها، وما نراه من الخارج أن بعضهم لهم حقّ الإقالة وبعضهم ليس لهم ذلك، فهذا يحتاج إلى دليل خارجي، فإن دلّ دليل على ذلك أخذنا به.
وإن قلتم: إن الخيار مجعول، ولكنّه يسقط بالتزاحم؛ لأنه لا يمكن الجمع عقلاً بينهما.
نقول:
أولاً: لو صدّقنا وجود المزاحمة وتقديم هذا، فمن ليس له حقّ الردّ فليس فيه مزاحمة، فنأخذ بدليل الخيار، ومن له حقّ الردّ كالمالك، فيقدّم الآخر.
وثانياً: على أننا لو سلّمنا وجود المزاحمة، فإن وردا معاً على موضوع واحد، فتقدُّم أحد المتزاحمين لا يمكن حتى بدليل خارجي، وأما إذا كان أحدهما قد ثبت في مكانه رفع الآخر، ففي المقام: أُثبت الحكم بالخيار للبيع، فيشمله الحكم بمجرّد أن يكون بيعاً، فلو كان دليل الإقالة هو سلطنة الناس على أموالهم، فهذا يقول: (إذا كان مالاً فأنت مسلّط)، والآخر يقول: (إذا كنت بيّعاً فلك الخيار)، والبيع سببٌ لحصول الملكية، وهو يحدث وفي رتبته لا يحدث الملك أصلاً، فعندنا حكم مرتّب على السبب وهو الخيار، وعندنا حكم مرتّب على المسبّب، فيتقدّم حكم السبب.
وإن قلت: إن الرتب العقلية لا نلحظها، فلا أقلّ من أن دليل الخيار يكون مخصّصاً لدليل السلطنة، ووارداً في مورد من مواردها، فيكون الخيار ثابتاً، ومقدّماً لدى العرف والعقلاء، ولعلّ العقلاء أيضاً يسيرون على ذلك، فإن من له الخيار لا معنى لأن يكون له حقّ الإقالة.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
وأما بناءً على القول الذي قلنا إذا كان دليل السلطنة دليلاً على الإقالة، فأولى أن يقف دليل الخيار دونه. وما قاله بعض المحشّين المحقّقين(1) من الاعتراف بأن دليل السلطنة لو كان ذلك لَما أمكن الأخذ بدليل الخيار، ولكن دليل الإقالة ليس هو دليل السلطنة.
ولكن هذا غير صحيح، فإن الإقالة مطلب عقلائي في رفع القرار الذي كان متّفقاً عليه. نعم، إذا لم تكن سلطنة فالإقالة غير ممكنة، ولكن الإقالة معنى كالبيع، رصيدها الأساسي هو السلطنة.
فهذا التقريب الذي ذكر لكلام الشيخ غير صحيح.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) أُنظر المصدر المتقدّم 4: 61-62.
تقريرات، كتاب البيع، ج12

الفهرس

[في ماهية الخيارات وأحكامها] 13
[الجهة الأولى: حول المراد من الخيار] 13
[الجهة الثانية: في متعلق الخيار] 16
[التحقيق في المقام] 21
[دلالة آية الوفاء على اللزوم] 31
[بيان الاستعارة في لفظ (العقود)] 34
[حول المراد من الوفاء في الآية] 36
[دفع وهم] 38
[تقريب الشيخ الأعظم لدلالة الآية على اللزوم] 44
[إشكال الشبهة المصداقية ودفعه] 45
[مقتضى الأصل في المقام] 51
[في جريان الاستصحاب في المقام] 51
[هل الاستصحاب في المقام شخصي أو كلي؟] 52
[هل الاستصحاب في المقام كلي من القسم الثاني؟] 54
[إشكالات على استصحاب الكلي من القسم الثاني] 58
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج12
[تقريب الشيخ لحكومة الاستصحاب] 62
[تقريب آخر للاستصحاب في المقام] 65
[تفصيل الميرزا النائيني بين العقود والإذنية وغيرها] 69
[تفصيل الشيخ الأعظم في المقام] 71
[حول جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية] 73
[حول جريان الأصل فيما بعد الفسخ وقبله] 78
[في ثبوت الضمان أو البراءة مع العلم بفساد العقد] 83
[أقسام الخيارات] 91
خيار المجلس 91
[هل يثبت خيار المجلس للوكيل] 92
[في إطلاق عنوان البائع على الوكيل] 93
[إيراد على ثبوت الخيار لمجري الصيغة] 96
[تقريب الشيخ لعدم ثبوت الخيار لمجري الصيغة] 97
[كلام السيد اليزدي في المقام] 99
[بيان الميرزا النائيني في المقام] 100
[تقريب المحقق الأصفهاني] 104
الفهرس 109