محاضرات كلية الفقه: مكاسب الشيخ الأنصاري
ويحتوي على:
ــــــــــ[13]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ــــــــــ[14]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[قال: “المسألة الثانية : تزيين الرجل بما يحرم عليه من لبس الحرير… الخ“].
من المسائل(1) التي ذكرها الشيخ: تزيين الرجل بالذهب، وتخصيص الشيخ للبس الذهب بقصد الزينة لا يبدو له وجه بعد إن كان الوارد هو حرمة لبس الذهب، ومعلوم أنَّ بين لبس الذهب والزينة عموماً وخصوصاً من وجه يجتمعان بالذهب المقصود به الزينة، ويفترق الذهب عن الزينة بالذهب المحمول تحت الثياب مثلاً.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
() السبت: 25/2/1382هـ ، 28/7/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ومسألة أُخرى ألحقها الشيخ بما سبق: هي حرمة تزيي الرجل بزي المرأة وبالعكس. وهذا الحكم من فضائل الإسلام التي تتجلّى به عظمته ودقّة أحكامه؛ لأنَّه كما ورد في علم النفس الحديث في سيكولوجية اللباس أنَّ الشخص إذا لبس لباس صنف آخر أو طبقة أُخرى فسوف تذوب نفسه المتمثلة بصنفه أو بطبقته ويصبح مندّكاً في شخصية من تزيا بزيّه، بالإضافة إلى أنَّ الميل إلى التزيي بزي الغير إنَّما يحدث من جرّاء شذوذ في الطبيعة.
أمّا بالنسبة إلى تزيي الأدنى بالطبقة بلباس الأعلى فهو من جرّاء عقدة الاتّضاع، حيث يشعر الشخص بأنَّ من تزيا بزيه أكمل منه فيميل نفسياً إلى التشبه بلباسه وبذلك تظهر عنده عقدة الاتضاع واضحة جلية.
بالإضافة إلى أنَّ الشخص يكون مذبذباً متردّداً مزعزع النفس بين الصنف الذي ينتسب إليه والصنف الذي انتحله، وكل هذه الأمراض النفسية يجل الإسلام عن الرضاء بإظهارها وكشفها، بل هو يريد بهذا الحكم الجليل أن يستر في نفس الشخص مثل هذه الجوانب من الضعف ممّا يؤدي إلى قوّة النفس وسرعة ضبطها وتمركز الشخص في طبقته الاجتماعية.
وأمّا بالنسبة إلى تزييّ الرجل بلباس المرأة وبالعكس فهو شذوذ في الطبيعة
ــــــــــ[16]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الإنسانية؛ لأنَّ في المحافظة على لباس الصنف شرف للإنسان وفي الخروج عليه تشهير به وشذوذ واتضاع.
وإنَّما يحرم تزيي الرجل بلباس المرأة وبالعكس، إذا كان عن قصد فلا بأس بلبس زي الجنس الآخر بقصد التدفئة، إن لم يكن له ثياب غيرها لأنَّ ذلك شيء عارض لا تذوب خلاله الشخصية، والمدار أن يقال للشخص الرجل أنَّه قد أصبح امرأة أو للمرأة أنَّها قد أصبحت رجلاً ويشترط أيضاً وجود زيين متميزين بحيث يصدق أنَّ كلاً من المرأة والرجل قد لبس زي صاحبه، فلو صار الزي بينهما موحداً في مجتمع من المجتمعات أو تحت بعض الظروف كعمال المعامل أو الانخراط في سلك الشرطة أو الجيش فلا يصدق التقليد والتزييّ بزي الجنس الآخر؛ لأنَّ كل واحد منهم يلبس حينئذٍ لباسه الطبيعي، بدون تقليد للصنف الآخر.
وعندنا بهذا الصدد الحديث النبوي “لعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء والمتشبّهات من النساء بالرجال“(1). ونحن بالطبع لا نأخذ بالنبويات، ولكن الذي يبدو بأنَّ هذا الحديث بالخصوص مشهور ومتسالم على قبوله.
وهذا الحديث عامّ يشمل كل نوع من أنواع التشبُّه، وتقييده بما ورد من أنَّ المقصود به عمل النساء فعل الرجال والرجال فعل النساء أي اللواط والمساحقة، غير مقبول؛ لأنَّ هذه الأخبار ضعيفة، بالإضافة إلى أنَّ حرمة
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) بحار الأنوار العلامة المجلسي، ج ١٠٠ الصفحة ٢٥٨.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
اللواط والمساحقة من بديهيات الإسلام ويكفي في حرمتها استبشاع الإسلام لها، فلا يبقى للحديث موضوع سوى التشبّه بالزي والمظهر.
كما أنَّ الحديث يشمل ما هو أعمّ من التشبّه باللباس كوضع المساحيق على الوجه مثلاً، فلا ضرورة إلى حمله على ما ورد بتخصيصه باللباس، وإنَّما الذي ورد في ذلك محمول على أنَّه مصداق من مصاديق الكلي ولا حاجة إلى حمل الكلي عليه وتخصيصه بدائرته.
أمّا الخنثى فلا يحصل منها التشبّه لأنَّها غير منتسبة إلى نوع معيّن من البشر فلا يصدق عليها التزيي بزي الجنس الآخر.
ــــــــــ[18]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
من المسائل(2) التي ذكرناها الشيخ حرمة التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة. وقد استدلّوا (الجماعة السابقين على الشيخ الأنصاري)، على ذلك بوجوه:
إنَّ من لوازم التشبيب تمنّي المحرّم وهو من الأُمور المحرّمة؛ لأنَّه تهاون بأمر المولى وتمنِّ لعصيانه، فعندما يشبب بالمرأة المعلومة فكأنَّه يتمنّى إيقاع الحرام معها، فيُسرون حكم اللازم إلى الملزوم.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
() التشبيب: هو الغزل، قال ابن منظور في لسان العرب: وتشبيب الشعر: ترقيق أوله بذكر النساء، وهو من تشبيب النار… وشبب بالمرأة : قال فيها الغزل والنسيب، وهو يشبب بها أي ينسب بها ، والتشبيب: النسيب بالنساء. وقال العيني في عمدة القاري: فشبب: من التشبيب وهو إنشاد الشعر على وجه الغزل.
(2) الأحد: 26/2/1382، 29/7/1962.(المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والجواب: يقع من جهتين:
أ) من ناحية الصغرى: وذلك بإنكار التلازم لأنَّ بين التشبيب وتمنّي الحرام عموماً وخصوصاً من وجه يلتقيان في التشبيب المقصود به التمنّي. في حين إنَّ المتلازمين لا يكون بينهما عموم من وجه، بل إما أن يكونا متساويين أو أحدهما أعم مطلقاً.
نعم، يمكن أن يقال إنَّه يحرم عند التقاءهما وذلك إذا صار التشبيب مصداقاً للتمنّي يحمل عليه بالحمل الشايع الصناعي بحيث إنَّ القصيدة المعيّنة هي تشبيب وهي تمنّي في نفس الوقت، وكون أنَّ التشبيب هو التمنّي وصدق تصادقهما على شيء واحد مشكل جداً؛ لأنَّهما مفهومان منفصلان لا علاقة لأحدهما بالآخر ولو صدق ذلك لكن المحرّم هو التمنّي لا التشبيب أي القصيدة بصفتها فرداً من أفراد التمنّي، لأنَّ التشبيب ليس له نص خاصّ في الشريعة. إذن فالتشبيب مع التمنّي حرام لا مطلقاً وتكون الدعوى أعم من الدليل.
ب) من ناحية الكبرى: بإنكار أنَّ حكم أحد المتلازمين يسري إلى الملازم الآخر، فمن أين جاءت هذه القاعدة؟ وخاصّة على مبانينا في هذا الإنكار، ومبانينا على توقّف أحكام الشريعة على المصالح والمفاسد في متعلّقاتها، فإذا كان الملزوم مباحاً وليس فيه مفسدة فإنَّ الملازمة لا يمكنها أن تخلق به مفسدة.
وعلى هذا نحن أنكرنا الوجوب المقدّمي وقلنا أن لا ثواب ولا عقاب على مقدّمة الواجب والحرام، وأنَّ مرتكب الفعل لا يعاقب ولا يثاب إلَّا عقاباً
ــــــــــ[20]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وثواباً واحداً، وليس هناك من يلتزم بتعدّد العقابات بتعدّد المقدّمات.
بالإضافة إلى أنَّ عنوان التمنّي لم يرد في الروايات وإنَّما حكم بحرمته لما فيه من التجرّي على المولى.
الدليل الآخر الذي استدلّ به الجماعة هو: هتك المؤمنة، من أنَّ التشبيب بالمرأة المؤمنة المعيّنة هتك لها، والهتك من المواضعات الاجتماعية ومن الأُمور النسبية التي تختلف باختلاف المجتمعات والأزمنة، فربّ مجتمع يصدق به الهتك كمجتمعنا هذا، وفي محيطنا الحاضر لا إشكال أنَّه إذا شبّب شاعر بامرأة معيّنة هتكها وأغرى بها الفسّاق والسفهاء وجعلها عرضة لكلام الناس. أمّا في مجتمع آخر حيث يفتخر الأب أنَّ ابنته قد ذكرت في لسان أكثر من شاعر أو أديب مشببين بها ذاكرين لمحاسنها.
والجواب: أنَّ بين التشبيب والهتك عموماً وخصوصاً من وجه، وإنَّما يحرم التشبيب إذا كان هتكاً وكان مصداقاً له، في حين إنَّه ليس كل تشبيب هتكاً، وبهذا نكون قد ناقشنا الصغرى بإنكار التلازم بين التشبيب والهتك.
أمّا من ناحية الكبرى فمن جهة إنكار أخذ أحد المتلازمين حكم لازمه الآخر.
الدليل الثالث الذي ذكروه: إيذاء المؤمن. من حيث إنَّ التشبيب بالمؤمنة المعيّنة يستوجب إيذاءها.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وعنوان الإيذاء غير موجود في الشريعة في عداد المحرّمات إن كان من الأُمور المباحة، فإنَّ التاجر يستورد بضاعة مماثلة لتاجر آخر في البلدة ويعلم أنَّه سوف يتأذّى لأنَّ ربحه سوف يكون أكثر بدون هذه البضاعة، ولكن صاحبنا يستورد بضاعته وليس عليه من حرج، رغم الإيذاء الذي ينال صاحبه منها.
نعم، عندنا إيذاءات معيّنة ورد تحريمها على لسان الشارع. فهل التشبيب إيذاء؟ التشبيب قد يلازم الإيذاء وذلك أنَّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجه فلو تصادقا على موضوع واحد يكون مَجمع العنوانين محرّم، لا كل تشبيب، فالدليل إذن أضيق من المدّعى. وبهذا نكون قد ناقشنا الصغرى.
أمّا من حيث الكبرى فحكم أحد المتلازمين لا يسري إلى الملازم الآخر.
إدخال النقص على الآخرين وثلم كرامتهم، وهذا لابدَّ أنَّه يعود إلى أحد العناوين السابقة كالإيذاء أو الهتك. ولو جعلناه عنواناً مستقلاً فالكلام الكلام.
فحرمة التشبيب بقولٍ مطلق غير معلومة، إلَّا مع تصادقه مع أحد تلك العناوين.
ثم يستدلّ الشيخ على حرمة التشبيب بأنَّه يكون مصداقاً للّهو والباطل.
عنوان الباطل واللهو غير وارد، وإلَّا لزم تخصيص الأكثر، لأنَّه إن كان
ــــــــــ[22]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
المقصود منهما معاً كان غير عبادة، فما أكثر اللهو والباطل في أفعال الإنسان ومن البديهي حلّية مثل هذه الأفعال.
نعم، عندنا عناوين لهويّة معيّنة محرّمة، كالقمار والغناء حيث يجمع المحرّم عنوانين أحدهما اللهو، والثاني القمار أو الغناء، فما هو العنوان الآخر الذي يجعل التشبيب محرّماً؟ مع العلم أنَّه ليس عندنا في لسان الروايات أنَّ التشبيب من اللهو المحرّم، وأنَّنا بعد أنَّ علمنا أنَّ ليس كل لهو هو محرّم، فكون أنَّ التشبيب من اللهو المحرّم هو أول الكلام.
عندنا روايات نعرف من مجموعها كراهة الشارع لتهييج الشهوة، والتشبيب يوجب التهييج، إذن هو حرام؛ لأنَّ كل ما هو تهييج حرام (حسب ما عرفنا من مذاق الشارع)، وهذا ينهي إلى القياس ونحن أناس لا نؤمن بالقياس. ولو حصل له القطع بالعلّة فنحن ندور مع العلّة، فهل كل تشبيب يوجب تهييج؟ وهل التشبيب بالمعينة فقط هو الذي يوجب التهييج أم حتى بغير المعيّنة والكافرة؟
ــــــــــ[23]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[قال المصنف: وأما حرمة التشبيب بالغلام فهو محرم]
ويرد في التشبيب بالغلام نفس المناطات والأحكام التي ذكرت للتحريم والتحليل.
والواقع أنَّ التشبيب بالغلام شذوذ في الطبيعة ومدعاة للاشمئزاز ولا ينتشر هذا النوع من الشذوذ في المجتمعات إلَّا تحت نوعين من الظروف:
ــــــــــ[24]ــــــــــ
() كما حصل في العصر العباسي عند كثرة الجواري فقد صار إشباع الشهوة تجاههن مائدة مبتذلة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لأن يرى أي امرأة على الإطلاق، مثل ما كان قبل سنوات في مجتمعنا هذا. أمّا الآن فإنَّ هذا التزمّت بدأ يخف؛ فإنَّ الرجل الذي لا يجد إلى التنفيس عن الطريق الطبيعي سبيلاً يضطرّ إلى التنفيس عمّا يجد من الطاقة الحيوية عن طريق شاذ.
والدكتور علي الوردي ذكر هذا الوجه الأخير فقط، وحمّل المجتمعات المحافظة مسؤولية انتشار الشذوذ الجنسي، ويُعتَرض عليه أنَّه كيف انتشر مثل هذا الشذوذ في ألمانيا وأمريكا وفي العصر العباسي.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
“قال المصنف: تصوير صور ذات الأرواح حرام“
من المسائل(1) التي ذكرها الشيخ الأنصاري حرمة التصوير:
وفيها أربعة أقوال:
والذي يبدو أنَّ الجماعة حملوا معنى التصوير والتمثال بمعنى أعمّ من التجسيم والنقش. فكأنَّ هناك حقيقة شرعية تدلّ على ذلك وفي الروايات ما يمكن أن يحمل على الوجهين معاً يختصّ بالنقش غير المجسّم.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
() الاثنين: 27/2/1382، 30/7/1962.(المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما مستند القول الأوّل بالروايات العامّة الناهية عن التصوير كقوله (عليه الصلاة والسلام): “من صوّر تمثالاً فقد ضادّ الله“. والجماعة يستفيدون من هذا الحديث بمناسبة الحكم والموضوع أنَّه حين يصوّر صورة فكأنَّه اعتبر نفسه مشاركاً لخالقه في الخلق وفي ذلك جرأة على الخالق، ويستنتج من ذلك أنَّ ما كان من التصوير يحتوي على التشبّه بالخالق هو حرام وإلَّا فهو جائز.
وأمّا مستند القول الثاني فما ورد من أنَّ من صوّر صورة كلّفه الله يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ، ويقولون بأنَّ ذلك لا يعمّ الصورة المنقوشة كما لا يعمّ تجسيم ما لا روح فيه؛ لأنَّ هذه المذكورات مما لا قابلية للنفخ فيها.
وأجيب بأنَّ الصور قابلة لنفخ الروح فيها، كما فعل الإمام الهادي أمام المتوكل لعنه الله. وأجيب بأنَّ الصور أعراض فكيف تتحوّل إلى جواهر؟ وأجيب كما ذكره السيّد الخوئي بأنَّ هذا من باب طي مراحل الخلقة بصورة خارقة للعادة. فإنَّ هذه الأصباغ هي أجسام لطيفة وليست أعراضاً وهي تحتاج إلى أن تصير أسداً إلى مراحل متطاولة وزماناً طويلاً قد اختصّها الله تعالى في المعجزة إلى لحظة واحدة، فمن هذه المراحل تحوّل هذه الأجزاء إلى طعام يأكله الأسد فيذهب إلى الغدد التناسلية ليتحوّل إلى ماء منوي ثم ليتمّ التلقيح وليتولّد الأسد وليكبر، فالإعجاز يكمن في طي هذه المراحل بهذه السرعة الفائقة.
والواقع إنَّه ليس من دأب الفقهاء أن يستدلّوا بروايات المعجزات على
ــــــــــ[28]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الأحكام الشرعية؛ لأنَّ المقصود من هذه الروايات إثبات الكرامة وليس إثبات حكم شرعي؛ ولأنَّ ذلك يستدعي النظر في أسنادها وهي يغلب عليها الضعف ومداليل متونها لا تخلو من اشكال، بالإضافة إلى أنَّها إذا كانت معجزة فليس من اللازم أن نبرزها ونذكر لها الوجوه.
الذي أتصوّره أنَّ الإسلام جاء بالتوحيد، فلابدَّ أن يحرم كل ما يتّصل بالأصنام. نشأت الأصنام من تعلّق بعض الأشخاص في (الزمان القديم)، بشخص تعلّقاً زائداً فعمل له تمثال وبقي التمثال بعد موته يضفي عليه صانعه شخصية الميت، ثم أضفيت عليه نوع من القدسية ونسي الشخص الأصلي واعتبر هذا التمثال مقدّساً وأخذت درجة التقديس ترتفع حتى وصلت إلى حدّ العبادة والتأليه، والإسلام حين جاء بالتوحيد والتجريد لابدَّ له أن يهدم كل شيء يمتّ إلى التجسيم أو تعدّد الآلهة بصلة.
إذا فهمنا هذا فمناسبة الحكم للموضوع (بالنسبة إلى ما سيق على الاستدلال على القول الأوّل)، تقتضي أنَّه لابدَّ أن يقتصر الحكم على التماثيل. أو نقصرها على ذلك الزمن لأنَّ ذلك الزمن هو زمن عبادة الأصنام وأمّا الآن وبعد أن انقرضت هذه الفكرة -ولن تعود بحسب القوانين الطبيعية- فمن الممكن القول بجواز التجسيم. ولكننا يجب أن نقتصر على لسان الروايات، فكيف نلتمس منها الحكم؟
لسان بعض هذه الروايات عامّ وبعضها تحرم ما ينفخ فيه الروح التي حملوها على تجسيم الحيوانات لمناسبة الحكم للموضوع.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وعندنا صحيح محمّد بن مسلم وهو الصحيح الوحيد في روايات التصوير إلَّا أنَّ الروايات لها شهرة، وهذا الصحيح ينصّ على أنه لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان، فيستفاد منه أنَّ (الحيوان) أعمّ من النقش وصنع التماثيل كما يستفاد حلّيّة صنع التماثيل لغير الحيوان.
وهذا الصحيح خاصّ بالنسبة إلى الروايات العامّة التي تنصّ أنَّ من صوّر صورة فقد ضادّ الله، والقاعدة تقتضي حمل العامّ على الخاصّ وتقييد العامّ بالخاص. إذن فتصوير الحيوان نقشاً وتجسيماً مردوع عنه وهذا هو الرأي المشهور وهو الذي يميل إليه الشيخ أيضاً.
أمّا بالنسبة إلى الروايات التي نصّت على نفخ الروح يوم القيامة، فالجماعة يقولون إنَّنا نستطيع أن نُعمل لها مفهوماً، وهو قربه إلى مفهوم اللقب يقول إنَّ ما لا يصلح أن ينفخ فيه الروح يجوز تصويره.
إذن فعندما ننسبها إلى صحيح ابن مسلم يكون بينهما عموم وخصوص من وجه (الصحيحة تقول: ما لم يكن حيواناً لا بأس بتصويره والأُخرى تقول: ما لم ينفخ فيه لا بأس بتصويره) ويكون موضع التعارض هو موضع الالتقاء وهو تصوير الحيوان نقشاً، فهذا تصوير للحيوان ينص بنصّ الصحيح على حرمته كما أنَّه ليس ممّا ينفخ فيه الروح فتدلّ تلك الروايات بمفهومها على حلّيته.
وفي مثل هذه الحال نرجع إلى المباني: إمّا التخيير وإمّا التساقط وإمّا أن نرجع إلى أدلّة الترجيح.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أوّلاً لا بدَّ أن نرجع إلى الترجيح، والراجح هنا هو صحيح ابن مسلم لأنَّه أقوى من الجميع.
ولو أخذنا بالجميع على أساس أنَّ كليهما حجّة لتوفّر شرطها فيها، فهل تتساقطان ونرجع إلى الأُصول العملية أو نرجع إلى التخيير؟ والجماعة يبنون على التساقط. وحينئذٍ نرجع إلى الأُصول العملية وهي هنا الإباحة، ما لم تثبت الحرمة وهي غير ثابتة بعد تساقط الأدلّة.
والشيخ يستدلّ بالبراءة والصحيح مع أنَّه هو الذي أرشدنا إلى أنَّه لا مجال للأصل مع توفّر النصّ، والجمع بينهما على خلاف الأُصول(1).
مستند القول(2) الأوّل (من الأقوال حول التصوير) الروايات المطلقة الناهية عن التصوير.
ومستند القول الثاني: إنَّه يفهم منه التمثال المجسَّم، ولكن هذا مناقَش بما ورد من مثل وجود التمثال على الثوب وشبهه. وصحيح ابن مسلم يقيّد روايات نفخ الروح بما عدا الحيوان فينتج أنَّ تصوير غير الحيوان جائز في مقابل تصوير الحيوان نقشاً وتجسيماً فيكون هذا الدليل مستنداً للقول الثالث.
أمّا القول الرابع فقد اختاره صاحب الجواهر ولم يتّضح له مبنى، إلَّا إذا كان صاحب الجواهر قد استفاد من مناسبة الحكم للموضوع أنَّ النفع إنَّما
ــــــــــ[31]ــــــــــ
() الثلاثاء: عطلة (وفاة الرسول الأعظم). (المقرِّر).
(2) الأربعاء: 29/2/1382، 1/8/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يكون لتجسيم الحيوان. وحينئذٍ تساءلوا عن كيفية تعميم روايات نفخ الروح لصورة الحيوان فقالوا: إنَّ الله تعالى يكلّفه بتجسيمها ونفخها ويرد الإشكال حينئذٍ عن إمكان تحوّل العرض إلى جوهر. وقد أجابوا أنَّ الألوان ليست بعرض وإنَّما هي جواهر عبارة عن أجزاء صغار ملونة وانقلابها إلى أسد مخالف للعادة وليس مخالفاً للعقل.
وروايات نفخ الروح بينها وبين صحيح بن مسلم عموم من وجه تلتقي في نقش الحيوان وبه تتعارض، فتقول هذه الروايات بمفهومها أنَّه جائز لأنَّه ليس ممّا ينفخ فيه الروح. ويقول الصحيح: بأنَّه غير جائز لأنَّه صورة للحيوان. وقد اختلف العلماء في الوظيفة عند التعارض هل هو التساقط أو الترجيح، والتحقيق في التعارض التساقط. فإذا رجعنا إلى الترجيح فالصحيح هو الأَولى بالإتباع(1). وعند التساقط نلتزم بالعموم الأعلائي (الوارد في الروايات المطلقة المحرّمة) ومفاده الحرمة، فيكون تصوير الحيوان نقشاً وتجسيماً محرّم في مقابل غيره نقشاً وتجسيماً وهو مفاد القول الثالث.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
() يمكن أن يُقال: إنَّنا بهذا قد توصّلنا إلى القول الرابع لأنَّ جواز تصوير غير الحيوان نقشاً وتجسيماً قد عرفناه من الصحيح بدون معارضة من روايات نفخ الروح، وكذلك عرفنا حرمة تجسيم الحيوان من تلك الروايات بدون معارضة، أما محلّ المعارضة وهو نقش الحيوان فهو جائز بعد تقديم الصحيح. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا بالنسبة إلى إجارة التماثيل وبيعها واقتنائها ووجوب تحطيمها فنقول:
أمّا الإجارة فالعلماء يقولون بقول مطلق إنَّه لا يجوز، ولكن ما وجه هذا القول؟ لماذا تكون الإجارة على المحرّم باطلة؟
ذكر لذلك وجهان:
ــــــــــ[33]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
من المتسالم عليه بين الفقهاء أنَّ المحرّم لا يجوز الاستيجار عليه، وقد اختلف في توجيه ذلك فقيل:
أ) إنَّه بسبب رفع الشارع سلطنة عبده عن المال بسبب تحريمه، وبرفع السلطنة تفسد المعاملة؛ لأنَّ التسلّط على المال من شروط الصحّة.
ب) وقيل بسبب أنَّ العمل (وهو هنا نحت التماثيل) من المال، والمال هو ما يصحّ تعويضه والمنافسة عليه، والشارع بعد أن حرّمها أسقط ماليتها، وإنَّما تصحّ المعاملة مع وجود طرفين يكون أحدهما عوضاً عن الآخر، وفي مثل هذا المقام لا يكون المحرّم عوضاً، فيبقى الطرف الآخر بدون عوض وتفسد المعاملة.
ج) بالإضافة إلى ما ورد من أنَّ الله تعالى إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه، وحينئذٍ فلا يبقى مجال للمعاملة.
وتبعاً لهذه الأدلّة حكمنا بحرمة الإجارة.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
() السبت: 3/3/1382، 4/8/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والمدار في تحريم عمل التماثيل هو القصد، أمّا إذا عمل تمثالاً لعرض الثياب أو شكل قدم أو ساق لعرض الأحذية، فاستطاعتنا أن نقول إنَّها ليست محرّمة لأنَّ الحرمة متقوّمة بالقصد والقصد منتفٍ هنا. وإنَّما اشترطنا القصد لأنَّه مفاد: (من صوّر صورة) و(مثّل) أي عن قصد إلى التصوير والتمثيل.
والقصد قسمان:
فمرّة يقصد من التصوير الطبيعة، التصوير لذاته، كما يُقال: (الفن للفن)؛ لأنَّ تصوير الطبيعة شيء جميل في نفسه.
ومرّة يكون لدى الفنان دواعٍ خارجية قد تكون اجتماعية أو سياسية أو غيرها فيصور العالم الخارجي على أنَّه وسيلة لتلك الغاية، فهو قاصد المشابهة لا لأجل المشابهة بل لغاية أُخرى في نفسه.
فإن كان القصد المحرّم هو قصد التشبّه بالطبيعة يخرج أكثر المثّالين والفنانين، ولا يوجد فنان يقصد التشبيه بالخالقية صراحة، ولا يبقى إلَّا القليل وهم المؤمنون بفكرة أنَّ الفن للفن لأن مقصود الأكثر معاني أُخرى اجتماعية وغيرها.
ــــــــــ[35]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وإن كان الثاني بمعنى قصد التصوير بأي غاية كان في مقابل أن لا يكون عابثاً، فهذا لا بدَّ أن يخرجهم جميعاً حتى الذي يعمل خريطة لمدينة على شكل حيوان لأنَّه قد قصد أن يعملها على شكل ذلك الحيوان ولم يكن غير قاصد (في حين أنَّهم أفتوا بحلّية مثل هذا التصوير).
إذن، فحصل خلط بين قصد الغاية وقصد طبيعة العمل:
إذا كان غرضهم هو قصد الغاية، فأوّل الكلام أن المفهوم من الروايات أنَّ قصد الغاية هو مقوّم للحرمة، والروايات لا يظهر منها ذلك.
وإن كان المقصود هو قصد تمثيل العالم الخارجي في مقابل كونه عابثاً، فهذه الغاية ليست لها مدخلية في الحرمة؛ لأنَّ كل فنان له قصد وغاية في عمله، حتى من عمل الخريطة (والتي على شكل طائر)، لماذا عملها؟ عملها كخارطة وهي غاية محلّلة ولكنّه يقصد التشبّه بها بالطائر. إلَّا إذا صرفنا قول الفقهاء إلى الغايات غير المشوبة بقصد التصوير، وإنَّما جاء التصوير عن غير قصد على الإطلاق.
ــــــــــ[36]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ليس عندنا من الدليل ما يصلح لتحريم تصوير الملائكة إلَّا ما دلّ على حرمة تصوير الحيوان.
والحيوان يمكن أن يحمل على أربعة معانٍ:
أما الرابع فيبعد أن تقصده الروايات، كما أنَّ الخالق أجلّ وأعلى من إطلاق مثل هذا اللفظ عليه. كما أنَّ الملائكة لا يصدق عليهم أنَّهم حيوانات، وأولّ الكلام صدق مثل هذا المفهوم عليهم، كما أنَّ المفهوم العامّي لا يعتدّ به. والظاهر من إطلاق الحيوانِ الحيوان المنطقي.
فإذا لم تكن الملائكة حيوانات فالصحيح يقول بجواز تصوير ما لم يكن حيواناً، ورواية (من نفخ) تقول إنَّه محرّم. إذن فالنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق ويتعارضان في تجسيم الملائكة.
فنحن لا بدَّ أن نفرق بين تجسيم الملائكة ونقشهم. أمّا النقش فهو خارج
ــــــــــ[37]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
تخصّصاً من روايات الروح وداخل في رواية ابن مسلم؛ لعدم إمكان نفخ الروح في النقش، وأمّا تجسيم الملائكة فلابدَّ أن نقول بحرمته.
المدار الصدق العرفي بأنَّ فلاناً قد صوّر حيواناً؛ لأنَّها أُمور عرفية، وليست لها حقائق شرعية، وعليه فأوّل جزء يصدق عليه ذلك يكون محرّماً، ولا يكون الأقلّ منه محرّماً كتصوير ظفر أو أصبع.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الجماعة المتأخّرون يجوّزونه بقول مطلق؛ لأنَّه ليس تصويراً وإنَّما هو حبس صورة؛ لأنَّ الكاميرة كالمرآة فكل ما عملته أنَّها احتفظت بالصورة بعد ذهاب الشخص، فوظيفتك وظيفة حافظ للصورة، وليست وظيفة مجسّم أو مصوّر. فالتصوير الفوتوغرافي خارج موضوعاً عن قوله: (من صوّر…)؛ لأنَّ المفهوم منه عمل الصورة وهذا ليس بعمل صورة بل احتفاظ بالصورة.
وإذا قلنا بالمصالح والحِكَم: فالجماعة كانوا يفهمون من الحرمة التشبّه بالخالق، ونحن كنّا نفهم منها مسألة عبادة التماثيل. فإذا صحّ قولهم فهذه الصورة ليس بها تشبّه بالخالق وليس يصدق عليها العمل، وإذا أردنا تعليلها بما ذكرناه فقد يُقال إنَّ الحرمة تأتي لأنَّ المهم هو وجود الصورة (دون عملها) فينبغي أن نقول بتحريمها، إلَّا أن نقول إنَّ التحريم كان حرباً على تعدّد الآلهة. إذن فالتماثيل اليوم كلّها حلال؛ لأنَّ عبادة الأصنام نسخت. ولكن عالم الروايات ليس عالم تعليلات، ولا يمكن أن نلتزم بها.
الواقع(1) بأنَّ التصوير الفوتوغرافي لا يخلو من إشكال؛ لأنَّ حِكمة الشارع في تحريم التصوير لا بدَّ أن تكون هي كراهة الصورة نفسها لا العمل؛ لأنَّه ليس
ــــــــــ[39]ــــــــــ
() ثُمَّ أضاف السيّد (سلّمه الله): الواقع… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لعمل الفنان، وهو منكبّ على عمله من الصباح إلى المساء أي كراهة. إذن فالكراهة موجودة في التصوير الفوتوغرافي(1)، ومادامت الحكمة متوفّرة فيها فالحرمة أيضاً تدور مدارها.
ــــــــــ[40]ــــــــــ
() بل أولى لأنَّها أجمل من تصوير اليد وأحكى للواقع. (المقرر ).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: [“بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصور وعدمه”].
يحاول بعض الفقهاء استفادة التحريم من أدلة تحريم صنع التماثيل نفسها، بتقرير أنَّ الإيجاد والوجود شيء واحد في الخارج، صحيح إنَّ الإيجاد متقدّم على الوجود رتبة وأنَّه علّة له، ولكنّهما شيء واحد في المصداق الخارجي.
كما أنَّهم يقولون: بأنَّ المصدر واسم المصدر شيء واحد في الخارج، أمّا المصدر فبلحاظ نسبة الحدث إلى فاعله وأمّا اسم المصدر فمع عدم هذا اللحاظ، أي: إنَّ المقصود باسم المصدر هو الفعل الخارجي، أي الحركات الخاصّة عند الضرب مثلاً، هذا بلحاظ الاعتبار، أمّا الخارج فإنَّهما تنطبقان على أمر خارجي واحد، فليس هناك شيئين اثنين في الخارج، أحدهما يشار إليه بأنَّه مصدر والآخر يُقال له اسم مصدر.
إذا عرفنا وحدتهما الخارجية، فمعنى ذلك أنَّ الإيجاد (وهو المصدر) عين الوجود (وهو اسم المصدر)، فإذا كان الإيجاد محرّم فالوجود محرّم. ومعنى
ــــــــــ[41]ــــــــــ
() الأحد: 4/3/1382، 5/8/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
حرمة الوجود حرمة بيع الشيء الموجود وشرائه واقتنائه؛ إذ لا معنى لتحريم الوجود الخارجي بدون لحاظ طرو أفعال المكلّفين عليه، فيكون الاقتناء محرّماً استناداً إلى تحريم الإيجاد.
يقولون في الجواب: إنَّنا ولو سلّمنا بوحدة الإيجاد والوجود، ولكن الوجود الذي نقصده (وهو الوجود الذي يساوق الاقتناء) غير الوجود الذي هو توأم الإيجاد.
العلل قسمان: علّة محدثة وعلّة مبقية، وهي التي لا يرتبط بها المعلول وجوداً وعدماً، بل وجودها شرط لوجوده وعدمها ليس شرطاً لعدمه، كالدار بالنسبة إلى البنّاء، ومن ناحية أُخرى هناك علّة (ما دامية) أي ما دامت العلّة موجودة فالمعلول موجود فهو يوجد بوجودها وينعدم بانعدامها.
والوجود الذي هو توأم مع الإيجاد هو الذي يوجد عند العمل (الإيجاد)، أمّا الوجود المستمرّ بعد ذلك فهو غير الوجود الأوّل. فمن صوّر صورة أي من أوجد صورة إنَّما يقصد منها الوجود بمعناه الذي يحدث عند العمل وهو المساوق للإيجاد، أمّا الوجود الاستمراري فهو غير مقصود؛ لأنَّه منفكّ عن الإيجاد وغير منتسب إلى فاعل.
إذن، فليس كلامنا حول الوجود المنتسب إلى الإيجاد، بل حول الصورة من حيث كونها مستقلّة ومنفكّة عن مصوّرها، والوجود في مرحلته الأُولى محرّم بدليل (من صوّر) لا الوجود الثاني الاستمراري؛ لأنَّه غير منتسب إلى الفاعل بدليل أنَّ المصوّر يموت والصورة تبقى، ولو كان منتسباً لفنيت الصورة بفناء
ــــــــــ[42]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فاعلها. إذن فحرمة الإيجاد لا تستلزم حرمة استمرار الوجود، بل تستلزم فقط حرمة حدوث الوجود.
فتحصّل أنَّ عندنا ثلاثة أشياء: إيجاد ووجود مساوق له ووجود استمراري.
أمّا الإيجاد فهو محرّم بأدلة (من صوّر). أمّا الوجود الذي يتبعه في الحرمة فهو توأمه، والمتّحد معه مصداقاً في الخارج والمنتسب إليه. أمّا الاقتناء فهو إنَّما يتمّ بسبب الوجود الاستمراري، وهو غير مستند إلى إيجاد المصوّر للصورة. فالحرمة الموجّهة إلى الإيجاد لا تتوجّه إلى استمرار الوجود، بل إلى الوجود الخاصّ المرتبط بالإيجاد، كما أنَّ دليل (من صوّر) لا يكون شاملاً للوجود بالمعنى الاستمراري.
منها رواية مسعدة بن صدقة في (تحف العقول) فقد أعطتنا كبرى كلّية هي أنَّه كل ما كان فيه الفساد محضاً، فجميع التقلّبات فيه محرّمة. ومن هنا يتبيّن أنَّ الصورة محرّمة بنفسها؛ لأنَّ الفساد يأتي منها محضاً، فتحرم كل التقلّبات فيها التي من جملتها الاقتناء.
والجواب: أنَّها لو كانت صحيحة فلا بأس بها ولكنّها موضع طعن للجماعة وروايات (تحف العقول) كلّها مراسيل. بالإضافة إلى أنَّ مضامين الرواية تحتوي على اضطراب ممّا يدلّ على أنَّه ليس كلام إمام.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ثُمَّ إنَّ الكبرى مسلّمة عندنا، ولكن لدينا مناقشة في الصغرى؛ لأنَّه من قال إنَّ استمرار الصورة فيها الفساد محضاً؟ لأنَّنا إنَّما نستكشف الفساد من تعلّق حكم الشارع بها ونهيه عنها، فلو فرضنا -كما في المقام- أنَّ الحكم غير معلوم لأنّي أحتاج إلى الاستدلال عليه، ولو كان معلوماً لما احتجت إلى الاستدلال.
إذن، فكيف نستدلّ به على الفساد والحرمة لازالت في أول الكلام؟ والكبرى إنَّما تنطبق على الصغرى بعد العلم بالصغرى، ومادامت الصغرى مجهولة فالكبرى أجنبية عنها والقياس غير منتج.
ومن الأدلّة على حرمة الاقتناء الرواية السابقة: صحيحة محمّد بن مسلم التي حرّمت تماثيل الحيوانات، والتماثيل جمع تِمثال وهو اسم مصدر (أي المجسّمة أو الصورة نفسها من حيث كونها نتيجة مستقلّة عن العمل). ومصدره تَمثال وجمعه تمثالات.
إذن فهو يسأله عن اسم المصدر وهو المجسّمة ونتيجة العمل والوجود الخارجي غير المنتسب إلى فاعل. وقد كان الجواب فيها أنَّه إذا كان حيواناً فهو غير جائز. وقد قلنا إنَّ نسبة الحرمة إلى الوجود الخارجي لا معنى لها إلَّا بلحاظ تحريم جميع التقلبات التي تعتريه. إذن فجميع التقلبّات في تِمثال الحيوان محرّمة والتي من جملتها الاقتناء. ويقتضي أن يكون الاستدلال به من أمتن الاستدلالات وهو ما يقتضيه مناسبة الحكم للموضوع.
ولكن الجماعة يحاولون أن يستفيدوا من مناسبة الحكم للموضوع – كما
ــــــــــ[44]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
سبق- أنَّ حرمة التصوير ناتجة عن كراهة التشبّه بالخالق، وهذا التشبّه متعلّق بالمصدر لا باسم المصدر فيحملون اسم المصدر في الرواية على المعنى المصدري. وقد قلنا بحسب رأينا في السابق أنَّ المفاسد متولّدة من نفس التماثيل وهذا يتحقّق بالاقتناء لا العمل، ومن المخالف للذوق أن تكون المفسدة في العمل وتكون مداولة التماثيل جائزة.
عندنا من جهة ثانية جملة من الروايات يُسأل الإمام فيها عن الصلاة في البيوت التي فيها تماثيل فيأمر بوضع ستار عليها أثناء الصلاة. ومن مناسبة الحكم للموضوع يستفاد الجواز، لأنَّه لو كان وجود التماثيل في البيوت محرّماً لكان على الإمام أن يأمر بإتلافها بدل وضع الستار عليها، وهذه الروايات لم ترد نصّاً في الموضوع (الحلّية) وإنَّما يستفاد الجواز من الإطلاقات المقامية.
إذا صحّ هذا فالجمع بين هذه الأدلّة وتلك الأدلّة المحرّمة إنَّما يكون بالقول بالكراهة. وهو المذهب المشهور بين الجماعة والذي ذهب إليه الشيخ الأنصاري أيضاً.
إنَّ(1) هذا إنَّما يتمّ إذا كان الإمام في مقام البيان ولم يبيّن، ولكن السؤال في مثل هذه الروايات إنَّما هو متوجّه إلى الصلاة في بيوت تحتوي على تماثيل وليس إلى حكم التماثيل نفسها، فمن الصحيح -كما قد فعل- أن يجيبه عن الطريقة التي تصحّ بها صلاته مع وجود هذه التماثيل. وليس من المنطقي أن
ــــــــــ[45]ــــــــــ
() ثُمَّ أضاف أُستاذنا (حفظه الله تعالى): إنَّ… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يجيبه على سؤاله عن صحّة الصلاة بأن يأمره بكسر التماثيل ولعلّ صلاته في بيت لا يستطيع أن يمسّ تماثيله بسوء.
وقد استدلّ القائلون بالحرمة أيضاً بما ورد من أنَّ الإمام علي يكره بيتاً فيه تمثال. وبضميمة ما ورد من أنَّه لا يكره الحلال، إذن فالتماثيل حرام. ولكن بعد أن استفدنا الكراهة فالإمام يكره المكروه (والحلال محمول على ما تساوى طرفيه في الرجحان).
والواقع أنَّه (أي الحكم بالكراهة) يخص النقش فقط ولا يعمّ التجسيم لأنَّه ليس فيه قدسية التماثيل التي ربما تؤدي إلى العبادة، كما أنَّ الذي أمر الإمام بوضع الستار عليه هو نقش فوق (المخدة)(1) وليس مجسّمة (وإنَّما استفادوا تعميمه على المجسّمة لنصّ اللغويين على أنَّ التمثال يشمل الطرفين).
إذن، المجسّمات تبقى مندرجة في الحرمة المستفادة من صحيحة مسلم التي هي في المجسّمات من أمتن الأدلّة. والصورة والمجسّمة لا ربط لإحداهما بالأُخرى، فتبقى المجسّمة على رسلها في الحرمة، وهذا القول الموافق للذوق لأنَّ المفاسد إنَّما ترتّبت على الاقتناء أكثر ممّا ترتّبت على العمل.
هذا إذا تناسينا نصّ اللغويين في الترادف بين التصوير والتمثيل، أمّا إذا أخذنا به فالكراهة تعمّ الجهتين.
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) المخدة: الوسادة.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
التطفيف(1): وهو نقصان الكيل والوزن، وفي معناه ثلاثة أقوال:
فإذا عمّمنا التطفيف للمعاملات الأربع يدخل فيه البخس مفهوماً وحكماً، وإن قصرناه على الميزان فقط دخل فيه البخس مفهوماً وخرج موضوعاً.
والواقع أنَّهما حينئذٍ يكونان موضوعين ذوي حكمين متشابهين لا أنَّ حكم البخس ملحق بحكم التطفيف؛ لأنَّ للبخس أدلّته الوافية على حكمه (وهو الحرمة).
ومقصودنا في البحث الآن أعمّ من التطفيف والبخس، أي كل نقصان
ــــــــــ[47]ــــــــــ
() الاثنين: 5/3/1382، 6/8/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يدخل على البيع. والبحث يقع في مرحلتين: مرحلة الحكم التكليفي ومرحلة الحكم الوضعي، أي: البحث عن كونها محرّمة من جهة، وعن صحّة مثل هذه المعاملة بعد طرو النقصان عليها من جهة أُخرى.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والفقهاء يستدلّون بالأدلّة الأربعة على حرمة التطفيف والبخس، وقد يناقش بعضهم بأحد الأدلّة (كما سيأتي عن قريب) فتكون أدلّته ثلاثة.
أمّا بالنسبة إلى الكتاب فهو واضح، وذلك كقوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1)، وأي شيء أعظم من الويل؟ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ(2)، والنهي ظاهر بالحرمة.
أمّا الروايات: فهناك روايات تعرض الكبائر وتعدّ البخس والتطفيف منها.
أمّا حكم العقل: فالعقل يحكم بقبح الظلم، والبخس والتطفيف ظلم. كما أنَّ العقلاء يتطابقون على أن لا يفعل مثل هذا الفعل، والشارع سيّد العقلاء، وما دمنا لم نعرف من الشارع طريق آخر سوى مسلكهم في هذا الموضوع، إذن فهو متّحد معهم في المسلك.
أمّا الإجماع فهو متوفّر. إلَّا أنَّهم يشكّكون بالإجماع بأنَّ الإجماع إنَّما يكون حجّة إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم، بأن لم يكن له مدرك سوى نفس
ــــــــــ[49]ــــــــــ
(1) المطففين: 1.
(2) الأعراف: 85، هود: 85، الشعراء: 183.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الإجماع، حيث يُقال حينئذٍ: إنَّ المعصوم لا بدَّ أن يكون داخل في زمرة المجمعين على الموضوع المعيّن.
أمّا هنا فالأدلّة متوفّرة، إذن فالفقهاء استندوا في إجماعهم على هذه الأدلّة، فلا يكون إجماعهم حجّة؛ لأنَّه متى قطعنا أو احتملنا استناد الفقهاء في إجماعهم على مستند، عرف مستند الإجماع سقط عن الحجيّة وعاد الكلام مع المستند.
أمّا على مبنى من يكتفي بدعوى الإجماع فما أكثر دعاوي الإجماع في المقام، وهو حكم لا يُقال عنه إنَّه إجماع المسلمين عليه، بل إجماع البشر كلّهم، فجميعهم لا يسرق منه شيء، كما أنَّه لا يمكن أن تقوم أمّة على التطفيف والبخس.
وإذا كان الشيء محرّماً فالكسب فيه محرّم، وهذا سبب إدخال البحث حول الكسب من التطفيف في مباحث المكاسب.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هذا من حيث الحكم التكليفي. أمّا من حيث الحكم الوضعي أي الصحّة أو البطلان فيتصوّر في عدّة صور:
وهذا ينقسم إلى قسمين:
أ) أن يكون كلّياً في الذمّة، يقول: أعطني حقة فيعطيك ثلاثة أرباع، ويكون ما أعطاك سداداً ممّا تحمله في ذمّته حين قبض العوض فيكون ما سلّمه مصداقاً لذلك الكلّي الذي في الذمّة ويبقى الباقي ديناً.
ب) أن يكون المعوّض واقعاً خارجياً يقول البائع: هذه الحنطة المعينة بمقدار حقّة (وهي في الواقع أقل) وهذا ما يسمّى باصطلاحهم بالاختلاف بين الإشارة والوصف؛ لأنَّ الوصف ادّعى أنّها حقة، والإشارة وقعت على ما هو أقل.
وهذا القسم الأخير الذي يكون به المبيع عيناً خارجية تنقسم إلى أقسام بلحاظ أساليب بيعها:
ــــــــــ[51]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[صحة المعاملة في المبيع الكلي في الذمة:]
فإذا كان المال المبيع كلّياً في الذمّة فلا إشكال في صحّة المعاملة؛ لأنَّ المعاملة وقعت على حقّة كاملة (كلّية)، إلَّا أنَّ البائع حين أعطاه ثلاثة أرباع الكمّية وبخس الباقي قد أوفى ثلاثة أرباع ما في الذمّة من الدين وبقي مديناً للمشتري بالربع الباقي أو بمقدار البخس أيّاً كان، ولكن المعاملة صحيحة أساساً.
[التعليق في المعاملة:]
أمّا إذا وقع التعليق في المعاملة، فالجماعة يقولون بقولٍ مطلق بأنَّ التعليق في المعاملة مُبطِل لها، إلَّا إذا كان له تعيّن واقعي حالي، فبعضهم يقول بجوازه، وهو في الحقيقة ليس بتعليق مثل (أبيعك إذا طلعت الشمس) أو إذا كان اليوم الجمعة.
وقد استدلّوا على بطلان التعليق: بأنَّ الإنشاء والمُنشئ لا يمكن التفكيك
ــــــــــ[52]ــــــــــ
() ثُمَّ بدأ السيّد الأُستاذ بتفصيل الكلام أوّلاً بصحّة المعاملة على تقدير الاختلاف في الجنس، وذلك على جميع الصور المحتملة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بينهما؛ لأنَّ الفارق بينهما اعتباري مع اتحاد الزمان، فإذا كان عندنا إنشاء فعلي، فلا بدَّ أن يكون عندنا منشئ، أمّا إذا لم يكن لدينا إنشاء فعلاً فكيف تحدث المعاملة عند تحقّق الشرط؟ وما هو سبب انتقال العين عن مالكها الأوّل عندئذٍ؟.
أمّا إذا كان التعليق فعلياً وله تعيّن واقعي فلا يوجد حينئذٍ تفكيك بين الإنشاء والمنشئ لفعلية جميع الأطراف في المعاملة.
[صحة المعاملة وإن تخلف الشرط:]
أمّا إذا باعه على نحو الشرط يقول أبيعك بشرط كونها حقّة، فالمعاملة صحيحة، وتخلّف الشرط غاية ما يُحدث لي خيار تخلّف الشرط، ولكن المعاملة صحيحة أساساً.
أمّا بالنسبة إلى المبيع غير المترابط الأجزاء، فالمعاملة صحيحة غاية الأمر أنَّها تصحّ في الثلاثة أرباع التي سلّمها البائع وتبطل في الربع الأخير؛ لعدم وجود عوض في مقابله.
هذا مع اختلاف الجنسين. أمّا مع اتفاقهما فهل تصحّ المعاملة؟!
أمّا في الصورة الأُولى وهو ما إذا كانت المعاملة على شيء في الذمّة، فالمعاملة صحيحة وليست ربوية؛ لأنَّ ما أعطاه إياه هو في الواقع إيفاء لما في ذمّته، ويبقى الباقي ديناً عليه.
أمّا إذا كان المبيع عيناً خارجيّة فلها صور:
ــــــــــ[53]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فإن وقع فيها التعليق كأن يقول: (بعتك هذه الحنطة إذا كان العوضان متساويين). فالتعليق بما هو تعليق غير مفسد للمعاملة؛ لأنَّ التساوي مأخوذ في البيع الصحيح، فهذا التعليق إنَّما هو إبراز لمضمون العقد في صورة تعليق، وهذا النوع من التعليق ليس مفسداً للمعاملة، لأنَّه تعبير عما له وجود فعلي في الواقع، والتعليق فيه مجرّد لغو، وذلك مثل أن يقول أبيعك إذا كان البيع وارداً في الشريعة الإسلامية. وحينئذٍ فإذا دفع له ثلاثة أرباع وبخس عليه الباقي فيقتضي أن نقول إنَّ المعاملة ربوية لأنَّ الربا مبادلة مال بمال مع تساوي الجنس مع تفاوت الكمية وقد تحقّق هذا الوصف في هذه المعاملة.
إذن، فالمعاملة صحيحة من حيث وجود التعليق فيها ولكنّها باطلة وفاسدة من حيث كونها ربوية.
أمّا إذا أخذناها بلسان الشرط أي بشرط كونه كذا فهل وجود الشرط يخرجها عن كونها معاملة ربوية، والشرط -كما يُعرّفونه- التزام ضمن التزام. فمن جعل للالتزام الثاني (وهو الشرط) قسط من الثمن وكان ثمنه بمقدار الناقص فالمعاملة صحيحة، غاية الأمر يكون لي خيار تخلّف الشرط.
أمّا إذا قلنا إنَّ الشرط لا يستحقّ قسطاً من الثمن وإنَّما وظيفته إحداث الخيار فقط، فتكون المعاملة أربعة في مقابل ثلاثة، وتكون ربوية وباطلة.
أمّا بالنسبة إلى المعدود فالمعاملة صحيحة؛ لأنَّ كل جزء منها هو في مقابل قيمته (التي هي جزء من مجموع القيمة)، وتبطل المعاملة في الباقي لعدم وجود الثمن في مقابله.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[“المسألة السادسة: التنجيم حرام وهو -كما في جامع المقاصد- الإخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية والاتصالات الفلكية“].
التنجيم(1): وهو من المحرّمات المفروغ عنها، وهو النظر في النجوم وما ينتج عن ذلك من اللوازم، ويكون على أقسام:
وأدلّة الحرمة منصرفة عنه؛ لأنَّها لا يمكن أن تقول بحرمة القول بأنَّ القمر يغيب آخر الشهر وأنَّ الشمس تغرب في الساعة الثانية عشرة مساء (بالتوقيت الغربي)، وهذا في الواقع ليس تنجيماً، وبعيد عن لسان الروايات، ومفروغ الحلية.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
() الثلاثاء: 6/3/1382، 7/8/1962. (المقرِّر).
(2) وخطأها يكون لجهل المنجم لا لتخلّف في القوانين الكونية. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فالإخبار عن هذه الأُمور لا محذور فيه وخاصّة بعد القطع. أمّا مع حصول الظن فإنَّه لا يجوز الإخبار على نحو قطعي لحصول الكذب، ويكون محرّماً من أجل كونه كذباً لا من أجل كونه تنجيماً.
أ) إنَّ الكواكب العليا تؤثّر في العالم السفلى مستقلّة، بحيث ينتهي إلى نفي الخالق.
ب) إنَّ هناك خالق، ولكنّه معها مؤثّر على نحو جزء العلّة.
ج) أن يعتقد أنَّها مؤثّرة في الأرض بتفويض من الله تعالى على أساس أنَّه ــــــــــ[56]ــــــــــ
() لا يبدو هناك فرق واضح بين القسم الثالث والرابع من هذه الأقسام. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
تعالى أودع فيها القدرة على التأثير وتأخر هو نفسه عن ناحية الخلق. وهذا ينتهي إلى التفويض.
د) أن يعتقد أنَّ تأثير الكواكب من قبيل الإحراق والنار وهذا ينقسم إلى نحوين:
أوّلاً: مع الاعتراف بالسببية العقلية.
ثانياً: مع عدم الاعتراف بالسببية بل مع الاعتقاد بأنَّها ظواهر مترتّبة على بعضها من دون أن تكون هناك ضرورة عقلية. والغزالي يعتقد بوجود الترابط وليس هناك تأثير بينهما.
وهناك قول بأنَّ الربط بين العلّة والمعلول ربط كاشفٍ ومنكشف، فيكون مدى الربط بينهما أنَّ أحدهما كاشف عن وجود الآخر.
ــــــــــ[57]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ونحن بصدد تمييز ما يوجب الكفر من هذه الأقوال، يجب أن نبحث عن مفهوم الكفر، فما هي الأشياء المكفّرة؟
نحن نعلم أصول الدين، ومنكرها بالطبع كافر، أمّا بالنسبة إلى التوحيد فهل نحتاج إلى إثبات شيئين في أُصول الدين أحدهما وجود الباري تعالى والآخر توحيده؟ نقول: لا، لأنَّ منكر وجود الباري عزّ وعلا منكر لتوحيده من باب السالبة بانتفاء الموضوع. إذن فلا بأس بالاكتفاء بذكر التوحيد.
أما بالنسبة إلى العدل، فنحن العدلية نثبت له وجوب العدل عقلاً، وأمّا الأشاعرة، فإنَّهم ينفون عنه هذا الوجوب العقلي، ولكنّهم يقولون إنَّه تعالى لا يفعل إلَّا الحسن(1).
أمّا بالنسبة إلى الإمامة فالمسلمون أجمع يقولون بالإمامة والخلافة بعد النبيوأنَّ نظام الحكم بالإسلام لا يقوم إلَّا بها، وأنَّها من طبيعة الإسلام، ولكنّهم يختلفون في تشخيص الإمام.
وكذلك من مسبّبات الكفر إنكار ضرورية من ضروريات الدين والتي
ــــــــــ[58]ــــــــــ
() وإن كان كل ما يفعله هو حسن لأنَّه هو مصدر التحسين والتقبيح لا العقل، فما أمر به أو عمله فهو حسن . (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
عرفت من طبيعة الدين ومن بديهيات الإسلام، وإنكارها ينطوي على تكذيب للنبي، وهذا يرجع إلى تكذيبه في ثبوته، وهذا يستحيل على النبيلأنَّه من باب الكذب في عالم التشريع وقد أطبق المسلمون على استحالتها. فأي هذه الأقوال تستوجب الكفر؟
فالقسم الأوّل من أظهر مظاهر الكفر.
والثاني التي تجعل له تعالى شريكاً من حيث إنَّ كلاً منهما لا تؤثّر إراداته في الطرف الآخر وأنَّ كليهما يشتركان بالعلّية. وهذا عين الإشراك وإنكار التوحيد.
أمّا الاعتقاد بتفويض الله تعالى للكواكب فيلزم منه تعطيل قدرة الله تعالى واستغناء المخلوقات عن الخالق (استدامةً)، والروايات قالت بكفر المفوّضة؛ لأنَّ قولهم مخالف للإسلام.
أمّا الاعتقاد أنَّ تأثير الكواكب منوط بإرادة لله تعالى بحيث إنَّ الله تعالى شاء أن يجري المسبّبات لأسبابها وبقيت إراداته تعمل عملها في الأسباب، فالأسباب تؤثّر أثرها بسبب جعل السببية لها من قبل الباري عزّ وعلا وهي منوطة بإرادته، والاعتقاد بهذا ليس له محذور، ولكن القول به يكون كذباً؛ لأنَّه أمر ليس عليه دليل، فإن ثبت الدليل فالقول به من أعظم الإيمان وذلك مثل تأثير القمر في المدّ والجزر، وهذا التأثير من الأسباب الطبيعية وهي داخلة تحت إرادة الله تعالى. فالمسألة من حيث هي لا محذور فيها، وهي أقرب إلى مسألة
ــــــــــ[59]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الأمر بين الأمرين؛ إذ العبد هو صاحب الإرادة لفعله والأُمور الطبيعية هي الأسباب الطبيعية لمعلولاتها الطبيعية من جهة، والله مفيض الوجود من جهة أُخرى. والله تعالى هو الذي شاء أن ينظّم الأُمور على هذا النحو، وأنت تجد أنَّ ما وقع من صورة الكون هو أحسن ما يمكن أن يقع لاستحالة النظام بدون النظام الحالي.
فالمدار بالكفر وعدمه إذن ما يرجع إلى إنكار أحد أُصول الدين أو الضروري منه، وما لا يرجع إلى ذلك لا مانع منه.
والروايات المكفّرة على قسمين:
فمنها: ما هو منصبّ على محاربة الاعتقاد بتأثير النجوم في العالم السفلي، على نحو يكون لها تمام التأثير ولا يكون هناك خالق غيرها، أو أنَّها مشاركة لله تعالى في خلقه.
ومنها: ما هو منصبّ على التنفير من التنجيم وتشويهه بنظر الناس؛ وذلك لأنَّ المنجّمين جعلوا الناس خرافيين وعطّلوهم عن أعمالهم وشلّوا حركتهم وتحكّموا تحكّمات لا أساس لها، وأمّا نسبتها الكفر إليهم فهو ليس الكفر الاصطلاحي الذي يستوجب نجاسة معتقده وخروجه عن الإسلام.
أمّا التنجيم المبتني على الحساب والقياسات الدقيقة فلا محذور منه وهو بعيد عن لسان الروايات، وقد حصل بعض الخلط في تعريف التنجيم في لسان الفقهاء.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: [“المسألة السابعة حفظ كتب الضلال حرام في الجملة …الخ“].
حفظ كتب الضلال من المحرّمات المسلّمة، وله مستند من الأدلّة الأربعة.
أوّلاً: يجب أن نعرف ما هي كتب الضلال وما المراد من حفظها؟
إذا اعتبرنا أنَّ المذهب الجعفري هو المذهب الحقّ، فكل ما يصطدم بخصوصيات المذهب أو معتقدات الإسلام أو أصل عقيدة وجود الله تعالى أو توحيده، هو من كتب الضلال، فكتب الضلال ما كان خلاف الحقّ ممّا يشتمل على أحد هذه الأُمور. فكل الكتب العقائدية التي لا تعنى بالمذهب الجعفري أو تناوئ الإسلام أو أصل العقيدة الإلهية مندرجة فيها.
أمّا ما هو المقصود من الحفظ، هل هو الاقتناء أو الحفظ عن ظهر قلب؟ والظاهر أنَّ المقصود به اقتناؤها وشراؤها وكل ما يوجب عدم تلفها.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
() الأربعاء: 7/3/1382- 8/8/ 1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا بالنسبة إلى الأدلّة على حرمتها، فمن القرآن وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(1) ومَنْ يَشْتَرِي لَـهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّـهِ(2). والكلام يأتي في الآيتين.
الآية الأُولى: ما المراد بقول الزور؟
هو إبراز خلاف الحقيقة (في الكلام). فيكون المعنى اجتنبوا القول على خلاف الحقيقة، وقد فسّرها المفسّرون بالكذب والغيبة والنميمة، وحينئذٍ تخرج كتب الضلال عن نطاق الآية، ولكنّنا إذا أردنا أن نأخذ بمفهوم الزور تكون كتب الضلال داخلة.
ثُمَّ إنَّ هذه الآية مؤدّاها النهي عن قول الزور، فيكون المعنى أنَّه يحرم تأليف كتب الضلال؛ لأنَّها من قول الزور، ويمكن أن يُراد بها اجتناب الكذب من أي أحد، وإن لا تسمع الكذب وأن لا تحتفظ بما هو كذب ليمكن أن تشمل حفظ كتب الضلال.
ولكن هذا إنَّما يتمّ علاوة عل ما مضى إذا قلنا بأنَّ القول يشمل الكتابة، وأنَّ الاجتناب يشمل عدم الحفظ، والظاهر أنَّ الأوّل أنسب بالمراد وأنَّ الآية غير ناظرة إلى الوجه الثاني.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) الحج: 30.
(2) لقمان: 6.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الآية الثانية: ما المراد بـ(لهو الحديث)؟
كأنَّ هذه الآية نزلت بمناسبة قضية كانت تقع في مبدأ الدعوة الإسلامية، حيث كان رجال من قريش يقصّون القصص أو يكتبون النشرات ليلهون الناس ويصرفوهم عن واقع الإسلام وسماع القرآن. فكتب الضلال كأنَّها من لهو الحديث والشارع (في الآية) نهى عن بيعها وشرائها.
ثُمَّ إنَّ الآية ناظرة إلى الحكم الوضعي وهو الشراء بعد المفروغية من حرمتها التكليفية، وقد أخذت للحرمة قيدين: أحدهما الشراء والثاني قصد الإضلال، فالاقتناء في المكتبة مع عدم قصد الإضلال لا تتوفّر به الشروط المذكورة في الآية، فلا يكون مشمولاً لتحريمها.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا الروايات فليس فيها ما هو ناهض بالتحريم.
منها: رواية (تحف العقول)، التي تنصّ على أنَّ الصناعة التي يأتي منها الفساد محرّمة، و ما يأتي منه الفساد فجميع التقلّبات فيه محرّمة.
الصناعة هو العمل لا النتائج والكتب هي من نتائج أعمال المؤلّفين، بالإضافة أنَّ الفساد لا يأتي من كتب الضلال بحفظها بل بتمكين الآخرين منها.
ومنها: الرواية التي سبقت في التنجيم والتي يسأل فيها الإمام عن أنَّه يحتفظ بكتب للتنجيم (فأريد الحاجة فإذا نظرت إلى الطالع ورأيت الطالع الشر جلست ولم أذهب وإذا رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة، فقال لي اتقضي قلت: نعم، قال: أحرق كتبك). (المكاسب: ص26).
ولكن الجماعة يقولون إنَّها تدلّ على عكس المطلوب؛ لأنَّ الإمام لم يأمر بإحراق الكتب أولاً، بل بعد أن عرف أنَّ الراوي يرتّب الأثر عليها، والكلام هو مع عدم ترتيب الأثر لأنَّه لا إشكال بحرمتها معه، وكان على الإمام لو كانت حراماً بالأصل أن يأمره بإحراقها بمجرّد إخباره بوجودها.
ــــــــــ[64]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ويستدلّون على حرمتها بحكم العقل بتقرير أنَّ العقل يحكم بأنَّ مادّة الفساد يجب أن تتلف، فكل ما من شأنه الفساد يجب أن يتلف.
إذن، فكل ما عندك من سكينة وسيف وسم يجب أن تتلفها على أساس أنَّها أداة للقتل!
العقل(1) يقول لا ترتّب أثراً عليها لا أنَّه أتلِفها، لأنَّ وجودها الخارجي قبيح، ولو صحّ هذا فلماذا خلقها الله تعالى.
نعم، ترتيب الأثر عليها في أفعال الإنسان قبيح. وإلَّا نكون قد ألزمنا الله تعالى بفعل القبيح .
أمّا إذا كان المقصود من حكم العقل هو قبح الإضلال ووجوده في الخارج، فهذا مُسلّم وهو من أعظم المعاصي. أمّا أصل وجود المفسِدات فأوّل الكلام أنَّها قبيحة.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
() ثُمَّ أردف أستاذنا الحكيم قائلاً: العقل… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا بالنسبة إلى دليل الإجماع، فليس عندنا لفظ إجماع بل المنقول هو عدم الخلاف، وهو أقل مرتبة من الإجماع، بالإضافة إلى أنَّ عندنا مخالفين كصاحب الحدائق وغيره. بالإضافة أيضاً إلى معروفية مستنده فيسقط عن الحجّيّة ويعود الكلام إلى المستند.
فحفظ كتب الضلال بما هي كتب ضلال لا دليل على حرمتها. نعم، عندنا حرمة الإضلال.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا من حيث مفاهيمنا الاجتماعية، فيجب أن نفصِّل بين الأشخاص وطبيعة الاقتناء.
أمّا بالنسبة إلى الأشخاص، فالإسلام قد تبنى حرية الفكر، لكن لمن يقدّر هذه الحرية، أمّا الشخص الذي ليست له ثقافة تعصمه من الانزلاق في الأفكار التي يقرأها في الكتب فمن أخطر الأخطار عرض هذه الكتب عليه، والحرية إنَّما تصلح لمن له الثقافة الكافية والنضج اللازم الذي يستطيع به اختيار الكتب من ناحية وتعصمه من الأفكار الباطلة من ناحية أُخرى.
والحرية ليس معناه عمل كل شيء، فليس من الصحيح أن نفسد أفكارنا ونسمّم عقائدنا بحجّة حرية الرأي. ونحن التزمنا بوجوب الاجتهاد في أُصول الدين لجميع المكلّفين، ومن مقدّماته التعرّف على كتب الآخرين وآرائهم، ولكن يجب أن يكون للمكلّف ثقافة وفكر نيّر يمكّنه من الاجتهاد ليفهم على الأقل البديهيات العقلية. أمّا الذين تخدعهم الألفاظ برنينها وموسيقاها ويتراقصون حول نورها الشاحب، فاطلاعهم على كتب الضلال محرّم قطعاً.
أمّا بالنسبة إلى الاقتناء، فإذا كان مظنّة أو عرضة لإضلال أحد من الناس فلا إشكال من حرمته، ويكفي الظنّ في ذلك لتحقّق الحرمة. وهذا أشبه بسدّ
ــــــــــ[67]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الذرائع حيث يقولون: إنَّ كل مقدّمة تؤدّي إلى الفساد يجب سدّها، ونحن قد ناقشناهم بأنَّ مقدّمة الحرام ليست بحرام.
ولكن هناك بعض الأُمور التي لا يريد الشارع وجودها في الخارج على كل حال، فيحرم جميع مقدّماته ويجعل عليها حرمة نفسية، والإضلال من هذا القبيل، فيجعل الشارع في سبيله الاحتياط على مقدّماته ويعطيها طابع التحريم النفسي، فيكون المكلّف مستحقّاً للعقاب على ارتكاب المقدّمة.
أمّا إذا كان عندي ثقافة وتمييز واقتنيت الكتب لاختبارها أو ردّها أو الاطلاع على سخافاتها، فقد يكون هذا من الأُمور اللازمة لتمييز الواقع عن غيره ومعرفة المذهب الحق وفضائله. فإن لم تكن واجبة بنفسها فهي واجبة وجوباً مقدّمياً عقلياً لتعذّر الاجتهاد بدون الاطلاع على تلك الكتب، ولكنّه مشروط بدرجة كافية من النضج.
إذن يجب أن توضع المسألة موضع التفصيل:
ــــــــــ[68]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
نضجه الثقافي) أو الآخرين، فحرمته حرمة عقلية -على الأقل- لأنَّ في قبح الإضلال بناء عقلائي عامّ، والشارع يوجب الاحتياط عن المفسدة فيعطيها الحرمة النفسية لمدى كراهته لها وإن لم تكن حراماً في الأصل.
فالمسألة يجب أن تكون ذات تفصيل، فليس لها وحدة تنظّمها لنقول بتحريمها أو وجوبها.
إذا قلنا إنّ العقل يحكم أنَّ كل وسيلة تبعد بالإنسان عن إسلامه محرّمة فوسائل الدعاية المضلّلة تدخل في هذا النطاق، ومنها الراديو والتلفزيون والمجلّات وما إلى ذلك؛ لأنَّ نوع الحكومات حكومات مضلّلة تدعو بوسائلها في الدعاية إلى نفسها، وحينئذٍ يجب أن نقف منها، ولكن هذا الموقف موكول إلى مدى مساعدة الظروف والملابسات عليه.
ــــــــــ[69]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لاحظ الجماعة(1) المتأخّرون أنَّ الشيخ الأنصاري قد أغفل مسألة حلق اللحية في حين إنَّ محلّها بعد مسألة (حفظ كتب الضلال) من حيث الترتيب الهجائي، ولكن السيّد الخوئي قد تكلّم حولها وتناول المسألة بالتفصيل، ونحن نتكلّم على مقتضى ما ذكره.
استُدلّ على حرمة حلق اللحية بأدلة ثلاثة من الكتاب والسنّة واستدلال بارتكاز المتشرّعة.
أمّا بالنسبة إلى الكتاب فالآية المعروفة، وهي أجنبية عن المقام وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّـهِ(2)، ومن جملة خلق الله اللحية، وفي أمر إبليس ما يغضب الله تعالى ويحمله على الوقوف من امتثاله موقفاً حازماً، ولو لم يكن تغيير خلق الله محرّماً فلا معنى لأمر إبليس حينئذٍ؛ إذ لا معنى بأن يأمر بالمباحات، فكأنَّ
ــــــــــ[71]ــــــــــ
() السبت: 10/3/1382- 11/8/ 1962. (المقرِّر).
(2) النساء: 119.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إبليس إذا أمر بذلك يريد أن يوقع البشر (من مطيعيه) بمحرّم.
إذن، فقد حصلت لدينا صغرى وكبرى، أمّا الكبرى فهي أنَّ كل ما يوجب تغيير خلق الله فهو مبغوض لله تعالى، والصغرى أنَّ اللحية خلق لله عزّ وجل فتغيّرها محرّم.
أمّا من حيث الكبرى فإنَّنا لا نستطيع إبقائها على عمومها لأنَّه يلزم تخصيص الأكثر أو أكثر الأكثر، لأنَّه لو أردنا عدم تغيير خلق الله لوقفت الحياة؛ لأنَّ موارد تغيير خلق الله في أفعالنا أكثر من أن تحصى، فمنها شقّ الأنهر وبناء البيوت واللباس والأكل والشرب وغير ذلك، والعام يسقط عن الاعتبار إذا خصّص بالأكثر، ويتوقّف عن العمل به.
أمّا من حيث الصغرى فإنَّ التغيير إذا صدق على حلق اللحية فإنَّه يصدق على نتفها وتقليم الأظافر عمّا ثبتت حليته مسلّماً.
توجد روايات مفسّرة لها بأنَّ المقصود من خلق الله هو فطرة الإسلام وهو التوحيد، وأنَّ معنى تغييرها أن إبليس يأمرهم بأن يخرجوا عن فطرة الإسلام فتكون الآية أجنبية عن المقام نهائياً.
وتوجد روايات -حسب ما اتذكر- تفسّر هذه الآية بحلق اللحية نصّاً، ولكن هذه الروايات ضعيفة من ناحية وغير مركون إليها من قبل الفقهاء من ناحية أُخرى.
إذن، فلا يمكن أن أستفيد منها كبرى لأطبقها على الصغرى؛ لأنَّنا بعد أن رفعنا اليد عن عمومها بعد تخصيص الأكثر، بقي العموم مجملاً لا يعلم ما المقصود منه.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا السنّة فهناك طوائف من الروايات:
روايات يشاركنا بها العامّة، وهي ما ورد: “من أنَّ رسول الله، لما رأى رسل الروم وقد حفّوا لحاهم وأطلقوا شواربهم سألهم من أمركم بذلك قالوا ربنا القيصر أمرنا بذلك. قال: إنَّ ربي أمرني بخلاف ذلك…“، وقد جمعت هذه الرواية بين حكمين حلق اللحية وحفّ الشارب. وعلى هذا فإذا كان إعفاء اللحية واجباً فحفّ الشارب واجب أيضاً، ولكن لما كان التسالم قد وقع على استحباب حفّ الشارب فإطلاق اللحية مستحب أيضاً، لأنَّهما وقعا في سياق واحد.
هل(1) يمكن أن تكون وحدة السياق قرينة على أحد الحكمين؟
يقول جماعة إنَّه بعد ثبوت الاستحباب في حكم أحد المذكورات في السياق يكون قرينة على الاستحباب الباقي. ولكنَّ السيد الخوئي قال إنَّ ذلك لا يصلح قرينة على الاستحباب؛ لأنَّ الأمر مستعمل في مطلق الطلب ونحن قد استفدنا الوجوب من حكم العقل، حيث يحكم العقل بأنَّ العبد ملزم بامتثال
ــــــــــ[73]ــــــــــ
() وهنا تساءل أُستاذنا الحكيم قائلاً: هل… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أوامر المولى ما لم يأتِ ترخيص منه بذلك، وهنا قد جاء في أحدهما ترخيص وأخذنا به، أمّا الثاني فلم يأتِ به ترخيص فَما الملجأ إلى رفع اليد عن الإلزام العقلي بالنسبة إليه.
والواقع أنَّ وحدة السياق لا يمكن أن تكون قرينة من هذا القبيل، لأنَّنا عرفنا من دأب الشارع وعادته في تبليغ أحكامه أنَّه يجمع بين الواجبات والمستحبّات في سياق واحد.
بالإضافة إلى أنَّ القرينة التي عرفنا بها استحباب حفّ الشارب قرينة خارجية، وقد أفادتني في الاستحباب في هذا الموضوع فقط دون الثاني، وبدونها تدلّ كلّها على الوجوب. والقرينة إذا كانت داخلية توجد وحدة سياق أمّا القرينة الخارجية فلا توجد مثل هذه الوحدة ولا تعطّل الظهور وإنَّما تعطّل حجّية الظهور في أحدها (وهو الذي قامت عليه)، وذلك كما لو ورد تخصيص من دليل منفصل على أحدها فهو يقتصر عليه ولا يوجد لنا وحدة سياق لأنَّه قرينة خارجية، في حين إنَّه لو كان هناك استثناء في الجملة (وهو قرينة داخلية) فالكلام يرد أنَّه هل يقتصر على الأخير أو على الأوّل أو يشمل المجموع؟
إذن، فأصالة الظهور باقية على رسلها، فما ثبت استحبابه يأخذ به والباقي باقٍ على وجوبه، وذلك لأنَّ الاستحباب مستفاد من قرينة خارجية، إذن فقرينة وحدة السياق لا تصلح للقرينية.
ويناقش الفقهاء من جهة ثانية فيقولون: إنَّنا نستفيد من هذه الرواية أنَّ هذا المنظر بمجموعه مبغوض للمولى، فلو قُدِّر لأحد أن يحلق لحيته وشاربه
ــــــــــ[74]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فهو غير محرّم، ويمكن لرفع المبغوضية أن نرفع اليد عن جانب واحد من جوانب التشبّه، وهذا ما يدلّ عليه لفظ التشبّه بالمجوس (حيث كان لهم أسلوبهم الخاصّ بأخذ اللحية وإطلاق الشارب). أما تحريم غير هذا المنظر (وهو إطلاق الشارب وحفّ اللحى على أسلوب المجوس) فالرواية غير متعرّضة له نفياً ولا إثباتاً.
قلنا إنَّ(1) من جملة أدلّتنا على حلق اللحية روايات، قسم منها نشترك والعامّة في روايته، وقسم يختصّ بأهل البيت.
أمّا التي يشترك العامّة معنا في روايتها فهي رواية رسل الروم الذين وردوا على النبي، وقد ورد فيها النهي عن التشبّه باليهود والمجوس، ولفظ اليهود قد أقحم هنا إقحاماً؛ لأنَّ اليهود ليس من شأنهم حلق اللحى وإطلاق الشارب، وإنَّما نهى النبي المسلمين عن التشبّه بالمجوس الذين كانوا يعملون ذلك.
إنَّ(2) هذه الرواية قد جمعت بين واجب ومستحب، لأنَّ من الضروري عدم وجوب حفّ الشارب، فهل يكون المستحب قرينة على استحباب الموضوع الآخر أو لا؟
يمكن أن نتصوّر هذه المسألة بصورتين:
ــــــــــ[75]ــــــــــ
() الأحد: 11/3/1382- 12/8/ 1962. (المقرِّر).
(2) ثُمَّ تطرّق أستاذنا الحكيم إلى مناقشتها صغرى وكبرى وهي نفس المناقشات التي سبقت في محاضرة يوم أمس، ثُمَّ أردف سلّمه الله تعالى قائلاً: (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هذا ما يقرّره السيّد الخوئي، ولكن هنا عندنا أمران ومسألتنا إنَّما تندرج في الشكل الثاني منهما، وهو صورة ما إذا كان هناك أمران أحدهما مستقلّ عن الآخر بمتعلّقه، وقياس هذا الاستدلال الذي إنَّما يتمّ في صورة وحدة الأمر مع تعدّد المتعلّق على مسألتنا في غير موضعه.
الكلام الآن في مسألة تعدّد الأمر وتعدّد المتعلّق تبعاً له، فهل يصلح أحد الأمرين الثابت استحبابه أن يكون قرينة على استحباب الثاني؟
يقتضي أن نبحث في مسألة أنَّ وحدة السياق هل تكون قرينة أو لا تكون، عن أنَّ القرائن الخارجية هل توجد ظهوراً في الكلام أو لا؟
إذا كان الاستحباب مستفاداً من حاقّ الجملة، ففي مثل هذه الصورة يمكن أن يزلزل الظهور بالوجوب في الطرف الآخر، ويكون قرينة على الاستحباب.
وأُخرى يستفاد الاستحباب من دليل خارجي، فالدليل الخارجي هنا لا يقتضي أن يزلزل ظهور الكلام، إذا سكت المتكلّم انعقد لكلامه ظهور،
ــــــــــ[76]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والقرينة الخارجية إذا طرأت ترفع اليد عن حجيّة الظهور لا الظهور نفسه؛ لأنَّ نفس الظهور قد انعقد وانتهى أمره. فحين انعقد الظهور في وجوب الجميع تأتي القرينة وتزلزل ظهور الوجوب في واحد من المذكورات في الكلام بمزاحمتها لحجيّة ظهوره، ويبقى الباقي على رسله في الوجوب.
فالدليل الخارجي الذي قام على استحباب حفّ الشارب يقتصر به بالنسبة إليه ولا يسري إلى اللحية، والأمر في اللحية باقٍ على وجوبه.
بالإضافة إلى أنَّ المفهوم من التشبّه بالمجوس هو بغض هذا المنظر المركّب من حلق اللحية وإطلاق الشارب، أمّا إذا خالف شخصٌ التشبيه، بأن أطلقهما أو حلقهما، فالرواية ساكتة عنه وغير متعرّضة لحكمه.
إذن، فالرواية غير متعرّضة لحرمة حلق اللحية بما هو حلق لحية. نعم، الحلق مع وجود الشارب محرّم، فالمجموع بما هو مجموع هو المحرّم.
أمّا الروايات التي يختصّ بها أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) فهي:
فهذه الرواية تعطينا صغرى وكبرى، فالكبرى هي أنَّ كلّ مثلة محرّمة، والصغرى أنَّ حلق اللحية من المثلة، فحلق اللحية يستوجب اللعنة.
اللعن في الروايات مستعمل في بعضها في الكراهة، وفي بعضها في المحرّمات، في بعضها بصيغة ملعون من فعل كذا، في بعضها (لعنه الله) كدعاء من الإمام على المرتكب، والإمام لا يدعو على الناس في المكروهات.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وعلى كل حال فإنَّ تحريم المثلة من ضروريات الإسلام، ولو بالكلب العقور، فلا نحتاج إلى البحث حول ما إذا كانت اللعنة تفيد الحرمة أو لا، كما أفاض الكلام في ذلك السيّد الخوئي.
ومعنى أنَّ حلق اللحية من المثلة تنزيل الحلق منزلتها وإعطاءه حكمها، وهو دليل حرمتها، فالرواية موسّعة لموضوع المثلة ومرتّبة لأحكامها على الحلق، وذلك كما ورد من أنَّ: “الطواف بالبيت صلاة“.
الجماعة يناقشون في مفهوم المثلة؛ لأنَّ من مفهومها التنكيل وإيذاء الآخرين، فحلق اللحية الذي يستوجب التنكيل هو الحرام، كأن تحلق لحية مؤمن استهزاءً به وتنكيلاً وإيذاءً له، وحلق اللحية بدون هذا القصد غير متناول للرواية.
وفي هذا سعة أفق في فهم الرواية؛ لأنَّ هذا أمر نستطيع أن نستشعره من مناسبة الحكم للموضوع؛ لأنَّ عندنا صورتين:
الأُولى منهما: حلق الإنسان لحية نفسه وحلقه لحية غيره بدون قصد التنكيل.
الثانية: حلقة لحية غيره بقصد التنكيل.
والأنسب بالرواية هو الوجه الثاني، فيكون هو المقصود من الرواية لمناسبته لحكمها، وتكون الحرمة منصبّة عليه والرواية منصرفة إليه وساكتة عن غيره. والسيّد الخوئي يجزم بهذا الوجه ولكنّنا وإن لم نجزم بذلك إلَّا أنَّه يوقف لنا الإطلاق، إذ لا نستطيع أن نعلم أنَّ كل حلق حرام لأنَّ إطلاقها غير تامّ، من حيث إنَّ مقدّمات الحكمة غير متوفّرة فيه، وذلك لأنَّ من جملة المقدّمات أن
ــــــــــ[78]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يكون المتكلّم في مقام البيان ولم ينصب قرينة على خلاف الظاهر، ومع احتمال نصب القرينة -تلك القرينة التي استفدناها من مناسبة الحكم للموضوع- فلا مجال للإطلاق لأستطيع التمسّك به.
وهي أبسط من سابقتها، والإمام فيها يجيز له الأخذ من العارضين وينهاه عن الأخذ من مقدّم اللحية، والأخذ ضروري الجواز بين فتاوى الفقهاء، بالإضافة إلى أنَّ التفريق بين العارض ومقدّم اللحية لم يقل به أحد. إذن فالرواية تعرّضت للأخذ ولم تتعرّض للحلق والأخذ بما هو أخذ غير محرّم.
وقد أعطاها السيّد الخوئي الأهميّة الكبرى وجعلها الدليل الرئيسي على قوله بالحرمة. الشوارب فمسخوا قال: “رأيت أمير المؤمنين في شرطة الخميس ومعه درة يضرب بها بيّاعي الجري والمارماهي(1) والزمير والطافي ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بني اسرائيل وجند بني مروان؟ فقال: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب. وانما يمسخ الناس على المحرمات دون غيرها”(2).
ــــــــــ[79]ــــــــــ
() المارماهي: كلمة باللغة الفارسية تعني: حية السمك أو نوع من السمك يشبه الحيات.
() نص الرواية: “رأيت أمير المؤمنين في شرطة الخميس ومعه درة لها سبابتان يضرب بها بياعي الجري والمارماهي والزمار ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بني إسرائيل وجند بني مروان، فقام إليه فرات بن أحنف فقال: يا أمير المؤمنين وما جند بني مروان؟ قال: فقال له: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا فلم أر ناطقا أحسن نطقا منه“. الكافي الشيخ الكليني، ج1 ص ٣٤٦، الثاقب في المناقب ص 140.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والرواية ضعيفة يوجد فيها عدّة أشخاص مجهولي السيرة، وليس من بناء الخوئي العمل بالضعاف، ولا أنَّ عمل الأصحاب جابر للضعف، وهو إنَّما رد رواية (تحف العقول) وركّز عليها هجماته من ناحية ضعفها رغم أنَّ الشيخ الأنصاري قد أخذ بها واعتبرها مستنداً وثيقاً.
أمّا من جهة لسانها فبني مروان لم يكونوا في زمن أمير المؤمنين ولم يكن هذا التعبير مألوفاً في عصره. نعم، لو كان قال بني سفيان لكان جميلاً.
بالإضافة أنَّنا لماذا لا نفهم من هذه الرواية ما فهمنا من تلك الرواية، وهو أنَّ المبغوض للشارع هو الجمع بين حلق اللحية وإطلاق الشارب وهو الذي يستوجب المسخ، والقوم إنَّما مسخوا لأجل هذا لا لأجل كل واحدة منهما على حدة، كما أنَّ من جملة صفات الممسوخين المذكورين في الرواية هو فتل الشارب، فلو لم يكن كذلك بأنَّ صوّر المكلّف في هذا المنظر فإنَّ الرواية غير متعرّضة إليه. هذا كلّه على مباني السيّد الخوئي نفسه ولم نزد نحن شيئاً، فكيف اعتبر هذه الرواية الدليل الرئيسي على الحرمة؟
ــــــــــ[80]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الدليل الثالث: ارتكاز المتشرّعة بتقريب: إنَّ المتشرّعة كلّهم لا يحلقون لحاهم ويستنكرون حلق اللحية، وهذا الارتكاز ليس بارتكاز فطري وإنَّما يصعد التسلل بالمتشرّعة إلى الأئمّة فيعرف دخولهم في ضمنهم.
ولكنّ هذا القائل لو رجع إلى علم النفس لعلم أنَّه يكفي للفتوى مرور جيلين فقط لتوجِد في أنفس متّبعيها ارتكازاً.
وهذا الارتكاز إنَّما هو وليد عادات، فكل بلد وعادته، فأين ارتكاز المتشرّعة؟ لأنَّه ربّ فتى نشأ وهو يجد والده يحلق لحيته وحينئذٍ لا يجد في نفسه مثل هذا الارتكاز. فجعل هذا الارتكاز دليلاً في مقابل الكتاب والسنّة لا وجه له إلَّا إذا حصل القطع بأنَّه موجود في زمان النبي، فهل تستطيع أن تقطع بذلك بأنَّهم كانوا يستنكرون حلق اللحيّة؟ وعلى تقدير وجود القطع فهو حجّة على القاطع فقط. إذن فلا يصلح الارتكاز أن يكون دليلاً للحرمة في مقابل الكتاب والسنّة.
إذن فلا دليل لنا إلى الآن على حرمة حلق اللحية.
ــــــــــ[81]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
حاول(1) بعض الفقهاء أن يستدل على حلّيتها في الأماكن التي لا يمكن فيها إطلاق اللحية بأدلة الحرج، من حيث إنَّ عدم حلقها في مثل هذه الأماكن موجب للحرج الشديد.
وقد أجاب الفقهاء بأنَّ أدلّة الحرج والضرر لا يمكن أن تشمل المحرّمات وإلَّا وقعنا بضرر أشد؛ لأنَّ هذا يرتكب المحرّم ويقول بأنَّه قد أحرج عليه! وذلك يرتكب محرّماً آخر ويقول بأنَّه يناله الضرر عند عدم ارتكابه! وهكذا، وفي ذلك فتح لباب المحرّمات على مصراعيها.
ولكن الذي أراه أنَّ المحرّمات وكذلك الواجبات تختلف بالنسبة إلى دخولها في أدلّة الضرر أو عدم دخولها، فالمحرّمات على قسمين، كما ان الواجبات على قسمين أيضاً. فمن المحرّمات ما يكون ارتكابها انتهاكاً للدين وخروجاً على ضروريات الإسلام وإنَّما يرتكبها المكلّف على حساب إسلامه ودينه، وهي تلك المحرّمات التي نعلم من مذاق الشارع إرادة عدم وجودها في الخارج على كلّ حال، كالزنا وشرب الخمر، فمثل هذه المحرّمات لا يمكن أن
ــــــــــ[82]ــــــــــ
() وبعد انتهاء المحاضرة تكلّم سيّدنا الأُستاذ حول حلق اللحية فكان من جملة ما قال: (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
تكون مشمولة لأدلّة الضرر والحرج، وإلَّا فتحنا باب الخروج على الدين وأجزنا انتهاك حرماته.
ومن المحرّمات محرمات صغيرة بسيطة لم يعلم من مذاق الشارع إرادة عدم وجودها في الخارج مهما كلّف الأمر، فمثل هذه المحرّمات يمكن أن تكون مشمولة لأدلّة الحرج والضرر. وذلك كما لو كان المكلّف في أوربا ومدّت الأنثى يدها لمصافحته، فهل من الجميل حينئذٍ وفي تلك البيئة بصفاتها المعروفة أن لا يمد يده إليها معتذراً أو يجعل بين يدها ويده ستراً محتجّاً بأنَّه لا يجوز في شرع الإسلام ملامسة بشرة الأنثى مباشرة من قبل الأجنبي؟ فإنَّ في مثل هذا الاعتذار ما يجعلها لا تهزأ منك فقط بل من الشارع نفسه.
ومن الواجبات ما لا يمكن أن يكون مشمولاً لأدلّة الحرج والضرر لأهمّيته كالصلاة مثلاً، فلا يمكن أن يعتذر معتذر عن تركه لها بالحرج أو الضرر، بعد أن عرفنا أنَّ الشارع يريد وجودها على كل حال وأنَّها لا تسقط بحال.
ربما(1) يمكن الأخذ بهذا الرأي بعد التفكير والتدقيق فيه ليكون مدركاً في التفريق بين ما يكون مشمولاً لأدلّة الحرج والضرر وما لا يكون مشمولاً لها(2).
ــــــــــ[83]ــــــــــ
() ولم يتطرّق الأُستاذ الحكيم إلى القسم الثاني من الواجبات وهو الواجبات غير المهمّة؛ لأنَّ الفقهاء أنفسهم يجعلونها مشمولة لأدلّة الحرج والضرر. ثُمَّ أضاف أُستاذنا قائلاً: (المقرِّر).
(2) من 12 إلى 23/3/1382 عطلة بمناسبة سفر لأُستاذنا الحكيم. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: [“الرشوة حرام وفي جامع المقاصد والمسالك ان على تحريمها اجماع المسلمين“].
والكلام يأتي(1) من ناحيتين في مفهومها وفي أحكامها.
أمّا من ناحية مفهومها فقد اختلف اللغويون والفقهاء فيه، فتوسّع بعضهم كصاحب (القاموس) فرادف بينها وبين الجُعْل، ولكن الجُعْل لا يسمّى في العرف رشوة.
وقال بعضهم: إنَّها ما يُعطى لإحقاق باطل وإبطال حق للحكّام، والظاهر أنَّ الرشوة أوسع من هذا الضيق فتعم المناقصة التي تستعمل فيها الرشوة.
وقال الزمخشري في (الفائق): الرشوة هو ما يُعطى في سبيل الحاجة مصانعةً، وهذا التعريف لا يختصّ بالمال بل ربما يشمل قسماً من المعنويات كأن احترمه في سبيل قضاء حاجتي أو أقضي حاجته في نفس السبب، وهذا ــــــــــ[85]ــــــــــ
() السبت: 24/3/1382- 25/8/ 1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
التعريف يتّفق وما يتبادر إلى الذهن من الرشوة.
أما صاحب النهاية فهو في الوقت الذي يأخذ هذا المفهوم (الذي أورده الزمخشري) يُخرِج منه ما كان لإحقاق الحق وإبطال الباطل، حيث يرى أنَّ المصانعة لهذا الغرض وبذل المال في هذا السبيل لا يسمّى رشوة عرفاً، ولكن الظاهر من مفاهيمنا العرفية أنَّ من يعطي المال يُقال إنَّه رشاه (أعم من أن يكون الهدف حقّاً أو باطلاً).
والتعريف الذي يذكره (الفائق) هو الأقرب إلى مفهوم الرشوة، فهذا المفهوم (بمقتضى هذا التعريف) ليس مختصّاً بالمال وليس مختصّاً بالحكّام كما أّنَّه ليس متّصلاً بالأعمال التي من شأنها أن تعطى مجّاناً كما قال السيّد الخوئي، حيث يرى إنَّ الرشوة إنَّما تتحقّق ببذل المال في سبيل الأعمال التي يقوم بها الشخص عادةً بدون عوض، وذلك كعمل الحكّام في قضاء حوائج الناس، ولا تتحقّق الرشوة في الأعمال التي يبذل في سبيلها المال.
ثُمَّ يقول السيّد الخوئي إنَّنا بهذا المفهوم نستطيع أن نثبت الحقيقة الشرعية في مفهوم الرشوة، وذلك بأصالة عدم النقل، وذلك بالاستصحاب القهقهري، كأن نقول إنَّه الآن غير منقول فهو غير منقول في الزمان السابق علينا، ولا الأسبق منه حتى تصل إلى زمان المعصومين والنبي، فنثبت إنَّ مفهوم الرشوة في زمانه كان كذلك.
والواقع أنَّ الرشوة لا علاقة لها بالأُمور المجانيّة، بل تتعلّق بما يبذل في سبيله المال، كأن يكون بعض المتاع معروضاً للمزايدة فأنا أعطي للمزايد شيئاً
ــــــــــ[86]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
من المال في سبيل أن يقدّمني على غيري، ويسمّى هذا عادةً رشوة. ونصّ (الفائق) هو الأقرب وخاصّة وهو تعريف لغوي أفضل من متبادراتنا العرفية، وهو في عقيدتي لا يخصّ المال بل يشمل كثيراً من الأُمور المعنوية وأشباهها.
إذن، فالمفهوم أوسع من مسألة بذل المال الذي أخذه السيّد الخوئي في مفهوم الرشوة، كما أنَّه لا علاقة له بالمجانيّة أيضاً.
هذا من حيث المفهوم.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا من حيث الأحكام، فالكلام يأتي فيها من نواح عدّة:
والكلام يأتي من حيث الحكم التكليفي وهو ما سبق، ومن حيث الحكم الوضعي، هل تترتّب عليه ضمانات ويجب إرجاع المال إلى صاحبه أو لا؟
في الدرجة الأُولى: بذل المال: الجماعة استدلّوا على حرمته بأدلّة متعدّدة، ويقتضي أن يُقال إنَّه محرّم بالأدلّة الأربعة، إن لم يكن هناك ضرورة من المسلمين على تحريمها.
أمّا الكتاب فالآية: وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ(1) فموضع الشاهد قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكّام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم)، كأن تدفع المال للحاكم في سبيل أكل مال الناس.
ــــــــــ[88]ــــــــــ
(1) البقرة: 188.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والسيّد الخوئي يقرّر في أوّل الكلام حول الآية بعض الأوجه البلاغية فيها. فهو يتساءل أنَّه (عزّ من قائل) لماذا قال: وَتُدْلُوا بِهَا؟
ويجيب السيّد حفظه الله تعالى بأنَّ الآية اعتبرت هذا المال كالدلو الذي يلقى في البئر لأجل المتح منه، فكذلك أنت تعطي المال للقاضي في سبيل أن يحكم في صالحك.
ويتساءل الخوئي أيضاً عن وجه قوله تعالى (أموالكم)، والوجه أن يقول أموال غيركم. ثُمَّ يجيب عليها من ناحية التكافل الاجتماعي من حيث إنَّ المال إذا ملكه المواطن في المجتمع فكأنَّه ملك للمجتمع كلّه، فمال كل شخص في المجتمع مال لجميع إخوانه في ذلك المجتمع.
ونحن لا تهمّنا النواحي البلاغية وإنَّما يهمّنا محل الشاهد. إذن فإدلاء المال إلى الحكّام لأكل المال حرام بصريح الآية، فأنت لا يجوز لك أن تعطي الرشوة، وسوف يأتي أنَّ حرمة الأخذ ملازمة لحرمة الإعطاء.
أمّا الروايات فبالعشرات سنيّة وشيعية، وفيها لعن للراشي والمرتشي والرائش وهو الساعي في الرشوة.
وأمّا حكم العقل: فالمجتمع الذي يستعمل الرشوة لا بدَّ وأن يتفسّخ، وإذا كان المجتمع يقوم على الرشوة ويجاهر بها لا يمكن أن يأخذ لصاحب الحقّ من ظالمه حقّه، ولا أن يتوصّل إلى أحكام صحيحة، ولا يمكن أن يستقيم فيه نظام، الآن يرتكبون ذلك ولكنّهم في نفس الوقت يعنّفون أنفسهم من ذلك ولا يمكن أن يعترفوا بها جهاراً! واسأل أيَّ شخص ليس طرفاً في الموضوع هل
ــــــــــ[89]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الرشوة ممّا ينبغي أن يُفعل؟ فسيجيبك بالنفي.
وأمّا الإجماع: فالمنقول منه الإجماع من قبل المسلمين.
ولكن هذه الأدلّة تختلف من حيث السعة والضيق، فالآية واردة في حرمة أكل أموال الآخرين لإبطال الحقّ وإحقاق الباطل، أمّا إذا أردت معرفة حكم أخذ الرشوة على إحقاق الحقّ وإبطال الباطل فالآية غير متعرّضة إليه.
والعقل لا يحكم بعدم الجواز إذ توقّف أخذ حقي الذي أعلم به يقيناً على إرشاء الآخرين.
أمّا الإجماع فالمسألة خلافية، فلا نستطيع أن ننقّح الإجماع على حرمة إحقاق الحقّ بالرشوة، فالعامّة يسيغونه ولعلّ بعض الشيعة أيضاً كذلك.
أمّا الروايات فبعضها يبدو منها النهي عن الرشوة حتى في سبيل إحقاق الحقّ كاللعن للذي يحتاج الناس إلى فقهه فلا يعطيه إلَّا بالمال. وسنفحص الروايات واحدة واحدة، لنناقش دلالتها، والواقع أنَّها ليس لها جلوة وظهور في تحريم الرشوة في سبيل إحقاق الحقّ.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) انظر: بحار الأنوار العلامة المجلسي، ج ٢ ص٦٢.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إذن، فظاهر الرواية هو أخذ المال في مقابل الدعوى والفتوى، والرواية غير متعرّضة لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل أو الرشوة على الحكم لأحد الطرفين كما يستفيد الخوئي. إذن فحرمة أخذ الرشوة على إحقاق الحقّ غير ظاهرة من هذه الرواية.
أمّا بالنسبة إلى حرمة إعطاء المال: فإذا كان عندنا تلازم بين الأخذ والإعطاء، فإذا حرّم الأخذ من هذه الروايات حرم عليه الإعطاء أيضاً بالملازمة. أو نقول إنَّه يوجد تزاحم بين الأخذ بحقي وحرمة الرشوة. هذا حاكم جائر يبيع أحكامه بيعاً وهو غير مستعد إلى الحكم إلى جانبي إلَّا بإعطائه شيئاً من المال، وأنا أعرف أنَّ الحقّ في جانبي، فهل يصحّ أن أعطيه مالاً ليحكم
ــــــــــ[91]ــــــــــ
() نص الرواية: “قال حمزة بن حمران: سمعت الصادق يقول: من استأكل بعلمه، افتقر، فقلت له: جعلت فداك، إنّ في شيعتك ومواليك قوماً يتحمّلون علومكم، ويبثّونها في شيعتكم، فلا يعدمون على ذلك منهم البرّ والصلة والإكرام؟ فقال: ليس أولئك بمستأكلين، إنّما المستأكل بعلمه الذي يفتي بغير علم ولا هدىً من الله عزّ وجلّ ليبطل به الحقوق طمعاً في حطام الدنيا“. معاني الأخبار، بحار الأنوار: ج٢، ص١١٧.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إلى جانبي؟ فهل نعتبر هذه المسألة من باب التزاحم وترتفع الحرمة هنا، أو نفرّق بين أهميّة المال وأهميّة الحق من حيث كون أحدهما قليلاً أو كثيراً؟ فالروايات ليس لها جلوة ووضوح في الحرمة.
*****
إنَّنا(1) نرى(2) أنَّ المصانعة تختلف باختلاف الحاجات فقد تكون في سبيل إبطال حقّ أو إحقاق باطل، وقد تكون في سبيل إحقاق الحقّ وإبطال الباطل، فهل تختلف الأحكام بالنسبة إليها بلحاظ هذا التفصيل؟
أمّا في إحقاق الباطل وإبطال الحقّ فلا خلاف في حرمتها من حيث الكتاب والسنّة والإجماع والعقل.
أمّا بالنسبة إلى إحقاق الحقّ عن طريق الرشوة كما إذا توقّف أخذ الحق على
ــــــــــ[92]ــــــــــ
() انتهينا أمس إلى تعريفها (الرشوة): وهو الوصول إلى الحاجة عن طريق المصانعة، وإن شئت قلت: إنَّها نفس المصانعة للوصول إلى الحاجة لا أنَّها هي الوصول. وهذا التعريف هو أقرب إلى ما نحسّه من معنى الرشوة وإن كان يصعب أن نُهيئ لها التعريف المنطقي الدقيق.
وقلنا إنَّ للبحث حول الرشوة عدّة منطلقات:
(2) الأحد: 25/3/1382- 26/8/ 1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الرشوة، فإنَّ العقل لا حكم له في ذلك؛ إن لم يكن حكمه يسوغ الرشوة في هذا المقام، فهذه داري مغصوبة وأنا أعلم بأنّ القاضي لا يحكم بها في صالحي إلَّا إذا أخذ مني مئة دينار، فإنَّ العقل يسوّغ دفع هذا المقدار من المال في هذا السبيل.
والإجماع هو دليل لُبي ويقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو هنا إبطال الحق وإحقاق الباطل.
وأمّا الآية فهي متعرّضة لأخذ مال الغير وهي أجنبية عن مقامنا.
بقيت شبهة واحدة (ترد لتحريم أخذ الرشوة على إحقاق الحق)، وهي: وجود التلازم بين حرمة الإعطاء والأخذ، إذا حرم أن تدفع الرشوة، فقد حرم على الحاكم أخذها، ويقول الفقهاء نحن لا نحتاج إلى دليل لفظي أو نصّ لإثبات ذلك بل نثبته عن طريق الدلالة الالتزامية من أدلّة تحريم الإعطاء، وما دام هذا التلازم ثابتاً بين الإعطاء والأخذ إذن فهو ثابت بين الأخذ والإعطاء، ويترتّب على ذلك أنَّ الروايات إذ حرّمت أخذ القاضي للمال حتى في سبيل إحقاق الحقّ حرُم إعطاءه المال أيضاً في سبيل ذلك للملازمة.
ولكنّنا إذا أثبتنا الأوّل لا نثبت الثاني؛ لأنَّ الملازمة إذا كانت ثابتة بين الإعطاء والأخذ فهي غير ثابتة بين الأخذ والإعطاء، فإنَّ الأخذ إذا حرم فليس معنى ذلك حرمة الإعطاء؛ لأنَّ هناك موارد كثيرة يحرم فيها الأخذ ولا يحرم الإعطاء، بل قد يكون في بعض الأحيان واجباً كاللص الذي يهددني ليسلبني عباءتي، فإنَّ أخذه للعباءة محرّم وإعطائها له جائز وقد يكون واجباً إذا خفت منه على نفسي -مثلاً-.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إذن، فلا تلازم عرفي ولا عقلي بين الأخذ والإعطاء. إذن فالروايات التي تحرّم على القاضي أخذ المال في سبيل إحقاق الحق لا تثبت (بالدلالة الالتزامية) حرمة الإعطاء لعدم التلازم.
هل(1) نستطيع إثبات حكومة أدلّة الضرر على الأدلة الأوّلية لتحريم الرشوة إذا كان في عدم دفعها ضرر؟
الظاهر أنَّه لا مانع من ذلك ويقتضي أن تكون أدلّة الضرر حاكمة، وخاصّة في مسألة الحقوق والدفاع عن النفس التي عرفنا من مذاق الشارع وجوب المحافظة عليها، وقد جوز الشارع قتل النفس في سبيلها، فهل نستطيع أن نقول بعدم جواز دفع الرشوة في سبيلها؟
المرحلة الثانية: هل يستطيع أن يأخذ أو لا؟
القضاء له صور أربع:
ــــــــــ[94]ــــــــــ
() ثُمَّ قال سيّدنا الأُستاذ: هل… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والثلاث صور الأخيرة محرّمة والقاضي بها في النار، والوحيد الذي هو في الجنة هو الذي يحكم بالحقّ وهو يعلم أنَّه حق (واقعاً أو تعبّداً).
ونحن الآن يجب أن نعرف القاعدة الأوّليّة لأخذ الأجرة:
في الصور الثلاث لما كان القضاء بنفسه محرّماً فهل أخذ الأجرة عليه سائغ؟
يقول الفقهاء إنَّ أخذ الأجرة على المحرّمات باطل لأنَّه أكل للمال بالباطل؛ لأنَّ من شروط الإجارة السلطة على المال، أمّا إذا رفع الشارع سلطنة الشخص عن ماله فلا يستطيع التصرّف به. فإذا منع الشارع عملاً من الأعمال ونهى عنه فيكون بذلك قد رفع سلطنة صاحب العمل عن عمله وأهدر قيمته، في حين إنَّ من شروط صحّة المعاملة هي السلطنة.
إذن، فليس له أن يؤجّر نفسه في هذا الحال لأنَّه إنَّما يأخذ الرشوة على الحكم الباطل وهو مهدور القيمة شرعاً وغير مسلّط عليه فتكون المعاملة باطلة وأخذ الأجرة في مقابل ذلك العمل محرّم وأكل للمال بالباطل؛ لأنَّه أكل بلا إزاء بعد أن أهدر الشارع قيمة الطرف الآخر للمعاملة وهو الحكم بالباطل.
أمّا بالنسبة إلى الشقّ الرابع وهو أن يحكم بالحقّ وهو يعلم أنَّه حقّ، فإنَّ الروايات التي ذكرناها أمس تأتي هنا؛ لأنَّها يستفاد منها أنَّه ليس أن يأخذ المال وإن كان محقّاً، وقد تعرّضنا إلى قسم منها وذكرنا أنَّها غير واضحة في الحرمة، ولكنّنا إذا رجعنا إلى مذاق المتشرّعة وفكّرنا في الروايات نتوصّل إلى الحرمة؛
ــــــــــ[95]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لأنَّه يأخذ المال بلا ميزان لأنَّه فعل واجب.
أمّا كونه(1) عمل محترم، فإنَّ الفقهاء يقسّمون الواجبات إلى واجبات نظامية وهي التي تتوقّف عليها حياة المجموع والأُمّة، وهي مع الانحصار تكون عينية ومع عدم ذلك فهي كفائية، وإلى واجبات غير نظامية كالصلاة والصوم.
والقضاء من أهمّ الواجبات النظامية. إذن القضاء من الواجبات، ويكون إمّا عينياً إذا كان المجتهد واحداً أو كفائياً إذا تعدّد الفقهاء.
وبالنسبة إلى الواجبات النظامية كالطب مثلاً هل أخذ الأجرة عليه حرام أم جائز؟ يبدو بالنظرة الأُولى حرمة أخذ الأجرة لكون العمل واجباً، فإنَّ الشارع حين ألزمه به رفع سلطته عنه.
فإنَّ سلطة الشخص ترتفع عن فعله إذا ألزمه الشارع بإيجاده أو عدمه وإنَّما تكون السلطة مع الاختيار (حيث يستطيع كلاً من الفعل والترك)، فما دام الشخص غير مسلّط على الفعل فكيف يعاوض عليه؟ ولكن فتح هذا الباب يشلّ الحركة الاجتماعية كلّها، لأنَّه إذا قدر أن يقوم كل أصحاب الحرف بأعمالهم بدون أجرة على أساس أنَّها واجبات فمن أين سوف يحصلون على أرزاقهم؟
الجماعة يفرّقون بين ما هو الواجب هنا، هل الواجب هو الفعل أو نتيجة
ــــــــــ[96]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الطلّاب: بأنَّ القضاء عمل محترم مشيراً بذلك إلى جواز أخذ الأجرة عليه.
فقال أُستاذنا الحكيم: أما كونه… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الفعل؟ هل الواجب هو أن يؤهّل الإنسان نفسه ويتعلّم الطب أو يقوم بالعمل ويطبّب الناس مجّاناً؟ الفعل بلحاظ انتسابه مصدر ونتيجة الفعل اسم مصدر والشارع عندما أوجب أن أكون طبيباً إنَّما أوجب أن أؤهل نفسي لذلك لا أن أطبّب الناس مجّاناً. صحيح أنَّه ليس هناك فرق واقعي بين المصدر واسمه وإنَّما الفرق بينهما اعتباري، ولكن الأُمور الشرعية اعتبارية أيضاً. فالذي يتوقّف عليه النظام هو وجود الطبيب لا التطبيب، فوجوب وجود الطبيب شرعاً لا يعني إهدار قيمة عمل الطبيب.
فبالنسبة إلى القضاء يقول الشارع عليك أن تجتهد لتقضي بين الناس، أمّا أن تقضي بين الناس مجّاناً فهذا ما لا نستفيده. وبهذا نقول إنَّ أخذ الأجرة على الواجبات لا بأس به. فمن جهة شبهة أخذ المال على القضاء ليس محرّماً، ولكن هل هناك شبهة أُخرى؟ هذا ما سيأتي.
*****
مسألة(1) أخذ القاضي(2) الأجرة على إحقاق الحقّ مسألة لا تخلو من الخلاف، فقد أجازه بعضهم وادّعى أنَّه المشهور، ومنعه بعض آخرون، والسيّد أبو القاسم الخوئي والشيخ في المكاسب يميلون إلى جوازه. وقد احتجّوا على ذلك بروايات.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
() استعرض أستاذنا الحكيم في بدء المحاضرة صور القضاء المحرّمة وذكر حرمة أخذ الأجرة عليها بنفس التقريب الذي ذكرناه أمس ثُمَّ قال: (المقرِّر).
(2) الاثنين: 26/3/1382، 27/8/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ــــــــــ[98]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
(الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله تعالى ليبطل به الحقوق طمعاً في حطام الدنيا)، فهذه الرواية حصرت المستأكل بالشخص الذي يفتي بغير علم ليبطل الحق.
إذن، وبمفهوم الحصر نفهم أنَّ الذي يفتي بالحق ليس بمستأكل ويجوز له أخذ المال.
وقد أشكل عليها السيّد الخوئي فقال: إن فيها مناقشة من ناحيتين:
ونستطيع أن نناقشه فنقول: إنَّ اللام في قوله: “ليبطل به الحقوق“. سواء كانت للغاية (أي أنَّه يحكم لأجل الإبطال) أو للعاقبة (أي أنَّ الإبطال يترتّب على حكمه ويكون عاقبة له)، وإبطال الحقوق لا يكون بالفتوى وإنَّما يكون بالحكم في القضاء، إذن فالرواية ناظرة إلى هذه المسألة، وهي بها جنبة حكومة على تلك الروايات، حيث تكون مشيرة إليها ومفسّرة لها بالحاكم الذي يفتي بغير علم ليبطل به الحقوق، أي أنَّها تقول إنّني أعني من المستأكل غير الذي يأكل المال بحقه.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فنحن إمّا أن نقدّمها على تلك الروايات لأجل حكومتها بدون لحاظ النسبة بينهما، أو نقول إنَّها أخصّ -إن صرفنا النظر عن الحكومة- لأنَّها بمفهومها تجوّز أخذ الأجرة على الحقّ. في حين إنَّ تلك الروايات لها عموم في التحريم لمثل هذه الحالة، ولهذا فيقتضي أن تكون مقدّمة عليها.
والمستأكل أعمّ من الأجرة والبرّ والصلة، وإذا كان في صدر الرواية ما يدلّ على إرادة البر والصلة فلا يعني أنَّها المعيّنة في الذيل.
إنَّنا(1) يجب أن ننظر في هذه المسألة نظرة جديدة لم يطرقها الفقهاء من قبل.
القضاة(2) الذين يعملون في مصلحة الدولة هل هم مستأجرون للدولة؟ من الأُمور المحرّرة عند الفقهاء أنَّه هل يجوز أن يرتزق القاضي من بيت المال؟ ثُمَّ يقولون إنَّه إذا كان منصوباً من قبل عادل أو إذا كان يريد أن يقضي بالحق فيجوز. أمّا الحاكم الجائر مثل قضاة هذا الزمان فهم الذين تنصب عليهم اللعنات في الروايات.
الذي أستفيده من التعبير بـ(أجور القضاة) أنَّ ما يأخذه القاضي هو أجرة، فإذا كان كذلك فمعناه أنَّ القاضي مستأجر للدولة وأنَّ أعمال القاضي هي ملك للدولة، وقد أباحتها الدولة للناس للانتفاع بها.
فإذا كان كذلك فأخذ القاضي الأجرة من الناس في مقابل حكمه أكل للمال بالباطل؛ لأنَّ أخذ الرشوة يكون في مقابل ما لا يملكه لأنَّ عمله مملوك للدولة.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
() وعندما وصل الأُستاذ الحكيم إلى هذا الموضع من المحاضرة قال: إننا… (المقرِّر).
(2) ثُمَّ أضاف سيدنا الأستاذ قائلاً: القضاة … (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فعلى هذا فقضاة الدولة، إذا كان القاضي صحيحاً ولا كلام لنا في قضاة الجور، إنَّما يأخذون أجرهم من بيت المال لقاء أعمالهم، إذن فأعمالهم مملوكة للدولة ولا يجوز أخذ الرشوة عليها.
ونحن لابدَّ أن نفرّق بين قسمين من القضاة:
كنّا قد(1) قسّمنا القضاة إلى أربعة أقسام(2) وقلنا إنَّه بمقتضى القواعد الأوّلية أنَّ الرواية حرمت الصور الثلاث وقالت: إنَّ القاضي بها في النار. ومعنى ذلك أنَّ عمل القاضي عمل محرّم ومعناه أنَّ الشارع قد رفع سلطنته عنه؛ لأنَّه لا يملك عمله، فيكون ما أخذ من الأجرة عليه بلا إزاء، فيكون أكلاً للمال بالباطل.
أمّا بالنسبة إلى أخذ الأجرة على الحكم أو على نفس إقامة الدعوى في إحقاق الحقّ وهو يعلم أنَّه حقّ فقد قلنا إنَّ لهذه المسألة جنبتين:
ــــــــــ[101]ــــــــــ
() الثلاثاء: 27/3/1382، 28/8/1962. (المقرِّر).
(2) راجع ص57. (المقرِّر). [ص94 من هذا الكتاب].
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يحتاج الناس إلى فقهه أعمّ من الفتوى والحكم، فاستفدنا حرمة أخذ الأجرة من هذا التعميم.
توجد رواية يستدلّ بها صاحب المكاسب ويناقشها السيّد الخوئي (رواية حمزة بن حمران: من استأكل بعلمه افتقر) حيث حصرت المستأكل بالذي يفتي بلا علم ولا هدى، وبمقتضى مفهومها أنَّ الذي يفتي بعلم وهدى فأخذه للأجرة جائز. ونسبة هذه الرواية إلى الروايات السابقة التي تعم في تحريمها لأخذ الأجرة حتى على إحقاق الحقّ نسبتها إليها نسبة العام والخاص، فهي إذن أخصّ منها، فمقتضى القواعد تقديمها عليها.
ومناقشة السيّد الخوئي تقول: إنَّها واردة للإرشاد لا للقضاء أوّلاً. وهي واردة ثانياً بالنسبة إلى البر والصلة والإكرام، وهي أجنبية عن أخذ الأجر والرشوة.
وناقشناها: أنَّ ذيل الرواية صريح في الحقوق، وإنَّما تبطل الحقوق عن طريق القضاء فلسانها لسان قضاء. هذا إن لم نقل إن قوله: “إنَّما ذاك الذي” يكون مفسّراً لتلك الروايات فتكون حاكمة عليها بدون أن تلحظ النسبة بينهما. فكأنه يريد أن يقول: إنَّ المقصود من تلك الروايات هم الذين يبطلون الحقوق. فإن تمّت دلالة الرواية يحقّ له أن يأخذ الأجر على قضائه.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ما هو حساب القاضي هل هو متبرّع في قضائه ولكنّه يأكل من مال الدولة، أو أنَّه موظّف مستأجر للدولة؟
الذي يحاول الفقهاء استفادته من كون القاضي مرتزقاً من بيت المال هو الأوّل، ولكن الظاهر من تعبير (أجور القضاة) أنَّه مستأجر فأعماله خلال ساعات عمله ملك للدولة، فإذا أراد أخذ الأجرة عليه (من الناس)، فإنَّه يأخذها على ما لا يملك فيكون أكلاً للمال بالباطل، وهو من الأُمور المردوع عنها.
إذن، فلابدَّ لنا من أن نفصّل إن كان القاضي مستأجراً من جهة معيّنة، فأعماله مملوكة للجهة فعندما يقضي ليس له أن يأخذ في مقابل قضائه شيء.
يقول الفقهاء: إنَّ القاضي إنَّما يأخذ المال على المنصب لا على القضاء، وإنَّما جاء هذا لأجل وجود الفكرة القائلة بأنَّ لا أجرة على الواجب، ولكنّنا سبق أن قلنا إنَّ الواجب هنا هو أن يؤهّل نفسه للعمل لا أن يبيح نتائج فعله للناس، ولو حكمنا بحرمة الأجرة حتى على نتائج الأعمال لاختلّ النظام. إذن فليس له أن يأخذ الأجرة في مقابل؛ إذ يؤهّل نفسه للطب له لأنَّ هذا هو الواجب، ولا بأس بأن يأخذ على التطبيب أجراً.
وأمّا بالنسبة إلى القاضي فالواجب أن يؤهّل نفسه للقضاء لا أن يقضي بين الناس مجاناً.
فإذا عرفنا أنَّ موظفي الدولة يأخذون أجراً لا أنَّهم يرتزقون من بيت المال ارتزاقاً، والفقهاء يفرّقون بين الأجر والارتزاق، على أساس أنَّ الارتزاق يكون
ــــــــــ[103]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لسدّ الخلّة، في حين إنَّ القاضي يبذل عمله مجاناً ولذا حكموا بعد جواز ارتزاقه إذا كان غنياً، وبعض الروايات صريحة بعبارة الأُجور.
فالذي أحاول أن استفيده أن الارتزاق هو الأجرة فليس هناك شيئان. إذن نتائج قضائه مملوك للحكومة وله مطالبة الحكومة بالأجر على عمله إذا أخّرته، لأنَّ عمله محترم وله أخذ الأجرة عليه، فإذا نصب الإمام قاضياً فما يأخذه القاضي من الإمام من الأجرة يكون ثمناً لعمله، فإذا حاول أخذ الأجرة عليه مرّة أخرى ممن يقضي لهم يكون أجراً بلا إزاء، فيكون أكلاً للمال بالباطل.
فالمنصوب للقضاء ليس له أن يأخذ مالاً كأجر، لأنَّه بعد إن قايضه للسلطان صار عمله للسلطان فليس له أن يقايض به لأحد مرّة أُخرى.
الصورة الثانية: القاضي غير الموظّف كالفقيه الجالس هنا وهو مأمون لا يحكم إلَّا بالحقّ، يأتيه الشخص فيطلب منه دفع ظلامته، فيقول له: إنَّ الدعوى تأخذ مني جهداً ووقتاً وما أنا بالمستعد أن أنظر فيها إلَّا بأجرة. وحينئذٍ فله أن يأخذ الأجرة؛ لأنَّ عمله هذا محترم ومملوك له وليس هو آخذاً الأجرة على الواجب؛ لأنَّ الواجب أن يؤهّل نفسه لا أن يبذل عمله مجّاناً ويقتضي أن نقول بجوازه.
ونحن لابدَّ لنا ان نفرق بين القاضي الموظّف وغير الموظّف ، فالقاضي الموظف، إنَّما لا يسوغ له أخذ الأجرة لأنَّه مأمور على عمله، أمّا غير الموظّف فعمله محترم ومملوك له فله أخذ الأجرة في مقابله، وإنَّما الواجب هو تأهيل النفس لا العمل مجّاناً، ونحن لا نستطيع فتح مثل هذا الباب الذي يقول بحرمة
ــــــــــ[104]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أخذ الأجرة على الأعمال الواجبة الكفائية؛ لأنَّ أغلب الأعمال بين الأمّة هي كفائية في واقعها، ومعنى عدم أخذ الأجرة عليها تعطل النظام وانسداد باب الرزق على عشرات الآلاف من الناس.
ويجب أن يكون هذا هو المدرك في التفريق بين التعليم الذي يجب بذله مجّاناً، وما يحقّ أخذ الأجرة عليه. الفقهاء يحرّمون أخذ الأجرة على العمل الذي يحتاجه الناس، والحاجة هي ما يتوقّف عليه معاش الناس ومعادهم وهي غير متوفّرة في تعليم القراءة والكتابة. إذن فيجوز أخذ الأجرة على أي مستوى من التعليم.
إذن ما الفرق بين القاضي غير الموظّف والمعلّم غير الموظّف، وغير ذلك من الحِرف التي يجوز أخذ الأجرة عليها. وهذه فكرة جديدة وتحتاج إلى تفكير، ونحن بهذا لا نأخذ برأي المكاسب التي تجيز الرشوة على الحقّ أخذاً بالرواية، ولا برأي السيّد الخوئي الذي يمنع مطلقاً، بل نأخذ طريقاً وسطاً هو التفصيل.
والفقهاء يقسّمون القاضي المنصوب إلى أقسام ثلاثة:
أمّا الأوّل فهو القاضي الصحيح ولا إشكال في نفوذ حكمه.
وأمّا الثاني فللمجتهد إذا وجد في نفسه قابلية للقضاء أن يتوظّف لدى
ــــــــــ[105]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الدولة الغاصبة، ويكون حكمه نافذاً بعد أن فوّض الإمام إليه أمر القضاء، وجعله حاكماً والرادّ عليه كالرادّ على الله تعالى، وله أن يأخذ الأجرة من بيت المال على عمله؛ لأنَّ بيت المال وإن كان في يد الحاكم الجائر ولكنّه ملك الأُمة.
ولكن كلا هذين القسمين من القضاة ليس لهم أخذ الأجرة ممن يترافعون لديهم بعد أن كانوا أخذوا أجرهم من الدولة.
أمّا القسم الثالث فمثاله القضاة المنصوبين في هذا الزمان، وعملهم هو الحرام بعينه؛ لأنَّ القاضي منهم لا يستطيع أن يحكم بالحق وهو يعلم أنَّه حقّ، وغاية ما يستطيع أن يصل إليه من الصواب هو أن يحكم بالحقّ وهو لا يعلم أنَّه حقّ، ومثل هذا القاضي في النار أيضاً.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
سبق الكلام(1) في الرشوة. أمّا بالنسبة إلى الهدايا فكلمة الفقهاء مختلفة في حكمها، وبمقتضى القواعد الأوّلية فإنَّ الروايات الكثيرة تحثّ على الإهداء للآخرين لتحبيب النفس إليهم، والقصد من الهدية للقاضي أن أحبّب نفسي إليه ليحكم لي. والفرق بين الهدية والرشوة هي أنَّ الرشوة تكون في مقابل العمل، والهدية إنَّما تكون لمجرّد الزلفى إلى القاضي، فأنا أعطي الهدية للقاضي لا أجراً على حكمه ولا على أساس أن يحكم إلى جانبي بل هو لا يزال حرّاً في حكمه، ولكن كل ما تؤثّره الهدية هو توجيه هوى القاضي نحوي، فلعلّ هذا الهوى يتدخّل في حكمه في القضية فيحكم إلى جانبي.
فالقواعد الأوّلية لا تمنع من الهدية.
أمّا بالنسبة إلى الأحكام غير الأوّلية، فإنَّه توجد هناك ثلاث روايات:
إحداها: في الهدية للوالي تصفها بأنَّها غلول.
والثانية: في عمّال الوالي وأنَّ الهدايا لهم غلول أو سحت.
والثالثة في تفسير قوله تعالى: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ(2)، قال هو الرجل يقضي
ــــــــــ[107]ــــــــــ
() الأربعاء: 28/3/1382، 29/8/1962. (المقرِّر).
(2) المائدة: 42.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لأخيه حاجته ثُمَّ يقبل هديته. وليس لدينا في الروايات تصريح بالقاضي.
أمّا بالنسبة إلى الرواية الأُولى فهي واردة في الوالي، والوالي غير القاضي ولا كلام لنا معه.
أمّا بالنسبة إلى رواية العمّال فيجب أن ننظر من هم عمّال السلطان؟ هل هم عبارة عن موظّفي الدولة، أو هم الذين يعيّنهم السلطان (للعمل في البلاد التي تحت نفوذه)؟
في الكتب القديمة يعبّرون بالعمّال والقضاة وأنَّهم يرتزقون من بيت المال، ونحن إما أن نفهم من العطف المغايرة فيكون معنى العمال الجابي وغير الجابي، وإمّا أن نأخذ بمفهوم العامل فيدخل القاضي ويكون من قبيل عطف الخاص على العامّ.
السيّد الخوئي يقول: بأنَّ القاضي ليس من موظّفي السلطان لأنَّ القاضي يحكم على السلطان فلا يكون من عمّاله، ولكن من هو الذي يوظّفه وكون حكم القاضي نافذاً على السلطان لا ينافي أنَّ القاضي نفسه منصوب من قبل السلطان، فيكون من قبيل مجالس الدولة في الدول الحديثة تعيّنها الحكومة وتكون الحكومة نفسها مسؤولة أمامها، والسلطان رأس الدولة وكل ما يحدث في الدولة ينسب إليه فيكون القاضي من موظّفيه، ولا دخل في كون حكمه نافذاً عليه في ذلك.
ونستطيع أن نقول: إنَّ عمال السلطان إنَّما ذُكِروا لا لخصوصيّة في العمّال، وإنَّما بشكل يشمل القاضي، فالهدية إلى كلا الطرفين غير جائزة بمقتضى
ــــــــــ[108]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الرواية. وإذا صرنا قياسيين نقول إنّما حُرمت الهدية لأنَّها إذا استعملت في البلد بشكل شائع وأجزنا جريانها للعمّال والقضاة فسوف ينهار البلد على نفسه.
أمّا بالنسبة إلى الرواية الثالثة فالتعبير فيها يناسب أن ينصب على قضاء الحاجة المتعارفة، إذن فقد يُقال إنَّ هذه الروايات غير ناظرة إلى باب القضاء.
ونستطيع أن نقول: بأنَّ هذا النوع من الهدايا مبغوض للشارع؛ لأنَّه استغلال للمنصب، فالشارع المقدّس يكره أن يستغلّ الموظّف منصبه لجلب المنفعة، وذلك لأنَّ الهدية إنَّما جاءته لكونه موظّفاً فلو لم يكن كذلك لم يحصل على شيء.
ولابدَّ لنا أن نفصّل في الهدايا:
بين الهدايا المبتنية على الإخوانيات والصداقات يتبادلها الأصدقاء ولم يكن الواحد منهم موظّفاً بحيث لو تخلّى الموظّف عن منصبه لأعطاه الهدية، وهذا النوع من الهدايا لا غبار عليها؛ لأنَّ المفترض في الناس أن يجامل بعضهم بعضاً.
وبين أن أعطيك الهدية وأنت موظّف لانتفع منك، فهذه الهدية تقضي الروايات بمنعها، كما أنَّ مناسبة الحكم للموضوع يقتضي المنع أيضاً. وذوق الشارع يقتضي ذلك أيضاً.
بالإضافة إلى أنَّ الهدية إن كانت تجلب حكماً باطلاً فأولى بالتحريم ولا شبهة في حرمتها، ولكن الكلام فيما إذا كنت تعلم من القاضي أنَّه لا يحكم إلَّا بالحقّ ولكنّك تريد أن تحبّب نفسك إليه، فإنَّ هذا النوع من الهدايا إنَّما تكون للمصانعة ومقتضى ذلك أن تدخل في نطاق الرشوة حسب ما انتهينا إليه من
ــــــــــ[109]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
تعريفها وإن لم تكن رشوة من الناحية اللغوية؛ ومن هنا نرى بعضهم يعدّها من الرشوة وبعضهم يلحقها بالرشوة حكماً.
هذا(1) (أي عدّ الهدية من الرشوة أو إلحاقها بها) إما أن نستفيده من الدليل(2) أو من مناسبة الحكم للموضوع وإلَّا كنا قياسيين.
أمّا بالنسبة إلى الهدية لغير القاضي من الموظّفين، فحكم أخذ الأجرة موقوف على طبيعة العمل الذي يستأجر عليه إن كان حقّاً فلا مانع منه(3).
وإن كان باطلاً كأن يريد توسيط الموظّف في اغتصاب دار فلان فأجرته محرّمة؛ لأنَّ هذا أمر رفع الشارع سلطنته عنه بتحريمه للعمل نفسه فليس له المقايضة عليه، ولكن العمل المباح المستعمل في طريق صالح عمل محترم ولك أنَّ تأخذ عليه الأجرة.
نعم، عندنا رواية عن الشخص الذي يقضي الحاجة ثُمَّ يسأل الهدية، ولكن هذه الرواية قد رفع الفقهاء إطلاقها في التحريم ولم يعملوا به.
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() ثُمَّ أضاف سيّدنا الأُستاذ الحكيم بأنَّ: هذا… (المقرِّر).
(2) أي إمّا أن نستفيد ذلك من الدليل اللفظي بأن نفهم أنَّ الهدية هي الرشوة كما إذا كان تعريفها منطبقاً عليها فكلّ دليل نصّ على تحريم الرشوة فإنَّه يشملها، أو أنَّ نستفيد ذلك من مناسبة الحكم للموضوع وإلَّا احتجنا إلى القياس لإثبات ذلك وليس من مذهبنا القياس. (المقرِّر).
(3) هذا مخالف لما قاله الأُستاذ الحكيم من أنَّ عمل الموظّف ملك للدولة وقد أباحته للناس، فليس للموظّف المقايضة عليه، سواء كان عمله بحقّ أو باطل؛ لأنَّه ليس ملكاً له في الصورتين. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ولكن الجماعة يقولون: إنَّه لا دليل لدينا على السرقفلية في حين إنَّ الرواية في (المكاسب) نصّ في السرقفلية وهي (ما ورد في أنَّ الرجل يبذل الرشوة ليتحرّك من منزله ليسكنه قال لا بأس) لأنَّ المذكور فيها هو عين السرقفلية.
أمّا إذا أردت إنقاص ما تعطيه عن الضريبة في واقعها فذلك محرّم ويدلّ عليه رواية الصيرفي قال: “سمعت أبا الحسين وسأله حفص الأعور فقال: إنَّ عمّال السلطان يشترون منا القرب والأداوة فيوكلون الوكيل حتى يستوفيه منّا فرشوه حتى لا يظلمنا فقال: لا بأس بما تصلح به مالك. ثُمَّ سكت ساعة ثُمَّ قال: إذا أنت رشوته يأخذ منك أقل عن الشرط؟ قلت: نعم، قال: فسدت رشوتك“(2). فالإمام يأبى إهدار مال الدولة في زمانه، إمّا لأنَّه ممضى من قبله، أو
ــــــــــ[111]ــــــــــ
() ثُمَّ تطرّق الأُستاذ الحكيم إلى فروع أُخرى فقال: شخص… (المقرِّر).
(2) الرواية غير متعرّضة إلى دفع الضرائب وإنَّما هي تنصّ على أنَّ ما يدفعونه هو ثمن ما يشتريه عمّال السلطان منهم، وبالطبع يأبى الإمام أن ينقص ما يأخذه الوكيل عن الثمن المقرّر وهو المعبّر عنه بالشرط في الرواية، دون ما كان زائداً فله إسقاطه عن طريق الرشوة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لأنَّ عصيان أوامر الدولة يحدث الفوضى، وإنَّما تعطيه الرشوة بدل إهدار مال الدولة والأئمّة كانوا يأبون ذلك.
هذا من حيث الحكم التكليفي أمّا من حيث الحكم الوضعي بمعنى أنَّه هل تكون الرشوة أو الهدية مضمونة؟ فهذا ما سيأتي(1).
بعد أن(2) انتهينا إلى تحريم الرشوة والهدية واستثنينا من ذلك الأجرة التي يأخذها القاضي غير الموظّف حين يحكم بالحقّ وهو يعلم أنَّه حقّ، وقلنا إنَّ الأدلّة لا تدلّ على حرمة هذه الصورة.
أمّا الموظّف فهو مستأجر فلا يمكن أن يأخذ المال في مقابل عمله مرّة أُخرى؛ لأنَّ الشارع بعد رفع سلطنته عنه فليس له حقّ المقايضة به وإلَّا يكون أكلاً للمال بالباطل لفقدان إحدى العوضين، فيكون العوض الآخر بدون مقابل. وكذلك الذي يحكم بالباطل ويحكم بالحقّ وهو لا يعلم أنَّه حق، فمثل هؤلاء أخذ الأجرة على أحكامهم من السحت لأنَّ حكمهم مهدر القيمة شرعاً بعد تحريمه من قبل الشارع.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
() عطلة بمناسبة سفر للسيد الحكيم (سلّمه الله). (المقرِّر).
(2) الأحد: 16/4/1382، 16/9/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هذا من حيث الحكم التكليفي أمّا من حيث الحكم الوضعي…
هل يمتلك الرشوة أو هل يجب عليه إرجاعها؟
أمّا إذا كانت العين موجودة فلا ينبغي أن تكون المسألة محلّ خلاف بوجوب الإرجاع، لأنَّ هذه الرشوة لا يمكن أن يملكها وليس له حقّ التصرّف فيها فعليه أن يرجعها إلى صاحبها.
تبقى شبهة إعطاءه المال برضاه، فتأتي قاعدة لا يأخذ المال من أحد إلَّا برضا نفسه، ولكن هذا الرضا في الواقع معلّق على الرشوة والهدية، وهي عناوين مبغوضة للمولى، وهذا الرضا المعلّق على المحرّم لا أثر له في هذا الحال.
هذا على تقدير بقاء العين …
والكلام أنَّه إذا تلفت العين هل يكون ضامناً لها؟ وهذه المسألة تبحث من ناحيتين: من حيث الحكم الواقعي ومن حيث التداعي بين الدافع والقابض.
أمّا من حيث الصورة الأُولى: فهناك قاعدتان مسلّمتان:
يقولون إنَّ مقتضى العقود امتلاك كل من المتبايعين ما في يد صاحبه، فأنا أملك عليك المبيع وأنت تملك عليّ الثمن، فقبل القبض أنّا مسؤول عن الدينار وأنت مسؤول عن الكتاب، فإذا تقابضنا ثُمَّ حدث في البيع شيء يوجب فسخه فهل يكون مضموناً؟
الجماعة يستفيدون الضمان لرجوع كل عوض إلى صاحبه الأوّل، فإذا كان
ــــــــــ[113]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
تالفاً فالجماعة يقولون بالضمان وأنَّه ملزم بعوضه مِثلاً أو قيمةً.
فإذا التزمنا بالضمان فالعين تتحوّل (بعد التلف) إلى الذمّة وعليك أن تفرغ ما في ذمّتك بأداء المثل أو القيمة. ومن هنا يستفيد الجماعة أنَّ هذه العقود الصحيحة تستلزم الضمانات على تقدير فسخها، فإذا انكشف أنَّ هذا البيع فاسد فإنَّهم يقولون إنَّ المعاملة مادام في صحيحها ضمان فانكشاف فسادها يستوفيه ضماناً أيضاً. يعني أنَّ العقود التي في صحيحها ضمان ففي فاسدها ضمان أيضاً هذه هي القاعدة الأُولى.
أمّا القاعدة الثانية فعكس ذلك، حيث إنَّ عندنا معاملات لا ضمان في صحيحها كالهبة، فإذا رجعت في هبتي فإن كانت العين موجودة استرجعتها، وإن كانت تالفة فهل تكون في الذمّة؟ الجماعة يقولون لا، أنَّ الهبة إذا كانت فاسدة فلا ضمان؛ لأنَّ ما لا يضمن بصحيحة لا يضمن بفاسده.
أما مستند هاتين القاعدتين ما هو؟ هاتان القاعدتان لم تردا في روايات ولا عندنا فيها إجماع، ولكن الفقهاء استخرجوها من استقراء العقود.
أمّا تطبيق هاتين القاعدتين على موضوعنا، فالشخص عندما يعطي للقاضي مالاً نحن نسأل القاضي هل أخذها على نحو الهدية أو الجعالة والرشوة؟
أما بالنسبة إلى الهدايا فهي لا تضمن بصحيحها فلا تضمن بفاسدها طبقاً للقاعدة الثانية.
أمّا بالنسبة إلى الإجارة فالأجير لا يكون ضامناً لأنَّ الأجير أمين وليس على ــــــــــ[114]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
المحسنين من سبيل (مما يجعل الإجارة مستثناة من سائر العقود في مسألة الضمان).
وأمّا بالنسبة إلى الجعالة فهي معاوضة يضمن بصحيحها، فإذا كانت المعاملة فاسدة ففيها ضمان أيضاً.
هذا إذا كانت العين تالفة، أمّا إذا كانت موجودة فلا بدَّ أن يرجعها بنفسها.
هذا بالنسبة إلى الحكم الواقعي أمّا بالنسبة إلى التداعي، فله أربع صور:
ذكرنا أنَّ(1) لإعطاء الرشوة حكمين تكليفي ووضعي وقد سبق الكلام على الحكم التكليفي وانتهينا إلى أنَّ الحرمة لا إشكال فيها.
أمّا الحكم الوضعي وهو وجوب الإرجاع أو الضمان التالف من المال فقد بحثناه أمس من حيث الحكم الواقعي وتوصّلنا أنَّه يختلف الحال فيها، فإنَّ كانت مع بقاء العين فلا بدَّ من ردّها بنفسها أمّا مع تلفها فينظر إلى العقد الذي جرى بينهما ويطبّق عليه القاعدتين السابقتين، فإن كان من قبيل الهبات فلا ضمان؛ لأنَّ الهبة لا يضمن بصحيحها فلا يضمن بفاسدها أو كانت من قبيل ــــــــــ[115]ــــــــــ
() الاثنين: 17/4/1382، 17/9/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
المعاوضات كالإجارة -مثلاً- فيثبت الضمان لأنَّها ممّا يثبت بصحيحها الضمان فيثبت بفاسدها أيضاً.
أمّا مسألة التداعي فيختلف فيها الصور:
وهذا الوجه ذكره الخوئي ولم يذكره صاحب المكاسب وسننتهي إلى أنَّه خارج عن موضوع كلامنا.
ذكر صاحب المكاسب الثلاثة الأخيرة من هذه الوجوه الأربعة وأضاف الأولى الخوئي وذكر إنَّها خارجة عن محلّ الكلام.
ووجه خروجها عن محل الكلام أنَّها منافية لما نحن فيه من الكلام حول الرشوة والهدية من حيث إنَّها تفرض اتّفاقهما على صحّة العقد، في حين إنَّ مثل هذه الأُمور لا تكون إلَّا فاسدة، ولكن ذلك لا يمنع من الكلام حولها من جهة علمية.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هل هذه المسألة تكون من صغريات مسألة المدّعي والمنكر أو من صغريات مسألة التداعي؟ ما هما هاتان المسألتان وكيف نطبّق مقامنا عليهما؟
كيف نشخّص المدّعي من المنكر؟
المنكر من وافق قوله الحجّة والمدّعي من خالفها، وإنَّما قلنا (الحجّة) ليعمّ ما إذا كانت خبراً أو أصلاً أو عموماً. وبعضهم ذهب أنَّ المنكر هو من لو تُرِكَ ترَكَ والمدّعي من لو ترَكَ تُرِك.
فإذا اعتبرنا أنَّ المدار في تشخيص المدّعي والمنكر هو القول الأوّل، فأيهما يكون المدّعي وأيّهما المنكر في مقامنا هذا؟
هناك خلاف على أنَّ مخالفة الأصل هل تلحظ بالنسبة إلى مصبّ الدعوى أو بالنسبة إلى غرض الدعوى؟
ومصب الدعوى هو ما يقوله كل منهم (في دعواه على صاحبه)، فإن كان مخالفاً للأصل كان صاحبه منكراً، وإن كان موافقاً للأصل كان صاحبه مدّعياً.
أمّا غرض الدعوى فهو في المقام إشغال ذمّة القاضي بالرشوة، والأصل عدمه، فمن يوافق قوله هذا الأصل فهو منكر والآخر المدّعي.
فإذا لاحظنا جريان الأصل في مصبّ الدعوى في مسألتنا، فإنَّ أحدهما (القاضي) يقول إنَّها هدية والآخر يقول إنَّها إجارة.
وقول كل منهما مخالف للأصل؛ لأنَّ كُلاً من الهدية والإجارة من الأُمور الحادثة والأصل عدمه، فإذا انتفى قول كل منهما بالأصل ثبت قول الآخر بالنسبة إليه؛ لأنَّ الأصل الذي ينفي كونها هدية يقول إنَّها إجارة، والأصل
ــــــــــ[117]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الذي ينفي كونها إجارة يثبت أنَّها هدية لانحصار الأمر فيهما. فقول كل منهما مخالف للأصل من ناحية؛ لأنَّ الأصل عدم ما يدّعيه وموافق له من ناحية أُخرى(1)؛ لأنَّ انتفاء مدّعاه بالأصل يعني ثبوت مدّعي صاحبه؛ لأنَّهما متّفقان على وقوع معاملة على نحو الإجمال.
وحينئذٍ فإن أقام أحدهما بيّنة أخذ بها، وإن أقاما معاً البيّنة تساقطا ونرجع إلى اليمين. فإمّا أن يحلف أحدهما فيأخذ بيمينه، وإمّا أن يحلفا معاً، أو ينكلا معاً، فيتساقطان ونعتبر العقد بذلك منفسخاً.
إذن نعرف أنَّ هذه المسألة مسألة تداعي.
أمّا إذا بنيت المسألة على أنَّ سماع الدعوى مبني على الغرض من الدعوى، والغرض هنا إشغال ذمّة القاضي والأصل عدمه، فالمنكر هو القاضي وهو الذي لو تُرِك تَرَكَ، والموافق قوله الأصل والمدّعي وهو الراشي والمخالف قوله الأصل، فنحن نرى في المقام توافقاً بين كلا التعريفين للمدّعي والمنكر.
ومن هنا نعرف أنَّنا إذا سلّطنا النظر على مصبّ الدعوى تدخل المسألة في مسألة التداعي، وإذا سلّطنا النظر على الغرض من الدعوى تكون المسألة مسألة مدّعي ومنكر.
والخوئي قد ألحق هذه الصورة بمسألة التداعي بالتقريب السابق، ولكنّه ــــــــــ[118]ــــــــــ
() يكون منكراً لأنَّ قوله موافق للأصل الذي عند صاحبه، والمنكر من وافق قوله الحجّة ومدّعياً لأنَّ الأصل عدم ما يدّعيه فيخالف قوله الأصل والمدّعي من خالف قوله الحجّة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
صرفها عن محل الكلام، وربطه هذا إنَّما يتمّ إذا أمكن تطبيقها على مسألة الرشوة وإذا غضضنا النظر عن كيفية اتّفاقهما على الصحّة مع أنَّ الرشوة باطلة أساساً.
والحقّ هو أنَّ الغرض هو الأساس في الدعوى؛ إذ لولاه لما ترافعا وإنَّما نتصوّر التداعي إذا طالب كل منهما الآخر بحق له عليه وإذا استحقّ كل منهما حقّاً على صاحبه وهنا ليس كذلك، فإنَّ القاضي لو تركه الراشي وشأنه يقول: أشكرك فقد تفضّلت علي فضلاً كبيراً، ويذهب لشأنه.
فالمسألة إذن مسألة مدّعي ومنكر؛ لأنَّ المدار في الدعوى هو الغرض وهو تثبيت الرشوة في ذمّة القاضي، ولا تداعي بينهما؛ لأنَّ القاضي لا يطلب حقّاً من الراشي، وإنَّما قال القاضي إنَّ ما أخذته كان هدية إنكاراً لضمانه وتخلّصاً من الحكم عليه.
تبقى لدينا ناحية أُخرى: وهي أنَّهما إذا كانا متّفقين على صحّة المعاملة فلا معنى للضمان؛ لأنَّ المعاملة الصحيحة لا ضمان فيها! إذن فلا بدَّ من ضميمة تتمّ بها دعوى الراشي على القاضي، كأن يقول له إنَّه آجره على أن يحكم له؛ فلم يحكم له أو لم يحكم أصلاً. أو آجره على أن يحكم بالحقّ؛ فلم يحكم بالحقّ، ممّا يسبّب فسادها بعد وقوعها.
أمّا بالنسبة إلى صحّة المعاملة وكيفية تصوّرها في الرشوة فهذا غير ممكن بالنسبة للسيّد الخوئي، حيث يرى أنَّ الأجرة بجميع صورها باطلة.
أمّا نحن فقد تصوّرنا إجارة صحيحة بالنسبة إلى القضاة وهي التي يأخذها القاضي غير الموظّف على الحكم بالحقّ. إذن فقد استطعنا تصوّر هذا ــــــــــ[119]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الوجه من التداعي وربطه بما نحن فيه من الكلام.
أن يتّفقا على الفساد، وهذه ينقسم إلى صورتين بلحاظ وجود العين أو تلفها، فمع وجودها والمفروض اتّفاقهما على الفساد فلا إشكال في وجوب إرجاعها لقاعدة على اليد ما أخذت حتى تؤدّي.
وإنَّما النزاع والاختلاف مع تلف العين مع الاتّفاق على الفساد، فإن كانت هبة فهي ممّا لا يضمن بصحيحه فلا يضمن بفاسده، وإن كانت جعالة فهي تضمن بصحيحها فتضمن بفاسدها. ولكنّنا لا نعلم أيّها هو الصحيح ،إذا القول قول من؟
ماذا تقتضي القواعد الأوّلية في هذا المقام بالضمان أو عدم الضمان؟
عندنا قاعدة (على اليد ما أخذت حتى تؤدّي)، وقد أخذ القاضي المال حتماً إما على سبيل الهبة أو الجعالة، خرج من هذه القاعدة ما لا يضمن بصحيحه وهو الهبة. إذن القاعدة قد خصّصت بالهبة، ونحن نشكّ أنَّها هبة أو لا، فإذا تمسّكنا بالعامّ يكون من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، حيث أشكّ أنَّ هذه المسألة الخارجية هل هي من الهبة المستثناة من القاعدة أو لا؟ وليس لي التمسّك بالعامّ في مثل هذه الشبهات المصداقية، لأنّني في الخارج يجب أن أنقّح الموضوع وأطبّق عليه القاعدة، والقاعدة نفسها لا تدلّ على أنَّ هذا بخصوصه موضوع لها أو لا.
ــــــــــ[120]ــــــــــ
() الثلاثاء: 18/4/1382، 18/9/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هل عندنا أصل موضوعي نثبت به أنَّ هذا من قبيل العامّ أو من قبيل الخاصّ، وذلك نحو (أكرم العلماء) وزيد كان عالماً أمس، فأنا استصحب علمه الى اليوم وأتمّم الموضوع بمعونة الأصل، ويصحّ التمسّك بالعامّ حينئذٍ بضميمته.
فإذا كان عندي أصل أزلي هل أستطيع أن أتمسك به لتنقيح الموضوع؟
هناك خلاف بين الجماعة فمنهم من يقول لا يجوز استصحاب الأعدام الأزلية، ومنهم من يقول بجوازه. ووجه القول الأوّل أنَّ الشخص قبل وجوده وإن كان غير متّصف بالوصف الذي يراد استصحاب عدمه ولكنّه من باب القضية السالبة بانتفاء الموضوع، والذي يفيدنا هو السلب بعد وجود الموضوع.
فإثبات العدم الموضوعي لما بعد الوجود استصحاباً من العدم الأزلي قبل الوجود مشكل؛ لأنَّ أحد العدمين غير الآخر، فيكون المعلوم غير المشكوك، فلا يصحّ الاستصحاب؛ لأنَّ المعلوم هو عدم الاتّصاف مع عدم الموضوع، والمشكوك هو عدم الاتّصاف مع وجود الموضوع.
إثبات الحكم بواسطة مقدّمة عقلية هو المعبّر عنه بالأصل المثبت، كأن يقول الوالد إذا بلغ ولدي بلوغاً شرعياً فإنّي أتصدّق بدرهم، ثُمَّ غاب الولد وبعد عشرين سنة يقول الوالد إذا كان ولدي باقياً إلى الآن، فلابدَّ أن يبلغ بلوغاً شرعياً. مثال آخر أنّني استعرت منك كتاب المكاسب قبل شهر ثُمَّ طالبتني بعد ذلك بالكتاب، فلما بحثنا في المكتبة لم نجد إلَّا كتاباً واحداً للمكاسب، فنقول: إنَّه لا بدَّ أن يكون ذلك الكتاب المستعار.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هذه اللوازم العقلية وقولك (لابدَّ أن يكن كذلك) ممّا لا يثبته الدليل الشرعي؛ لأنَّه لا يثبت الوقائع الخارجية ولا الأُمور العقلية، فالأصل المثبت لا يمكن التمسّك به.
والأعدام الأزلية لا يسوغ استصحابها لأنَّها مثبتة، مثال ذلك بالنسبة إلى المرأة المشكوكة القرشية، أنك تقول إنَّها ما دامت معدومة ليست مرأة قرشية، فإذا وجدت كان لازم ذلك أنَّها امرأة ليست بقرشية، فالعدم الأوّل غير الثاني، وتسريته لا يكون إلَّا بالأصل المثبت.
قلنا: إنَّ(1) الصورة الثانية هي فيما إذا اتّفقا على الفساد واختلفا في نوع العقد، فالقاضي يقول إنَّه هدية فاسدة أخذتها بقصد الحكم بالباطل، والراشي يقول إنَّه أجرة فاسدة لنفس الغرض. فإن كانت العين باقية فلا بدَّ من إرجاعها إلى صاحبها لفساد المعاملة.
أمّا إذا تلفت، فالقاضي يقول ليس عليّ ضمانها لأنَّها هدية، وهي لا يضمن بصحيحها فلا يضمن بفاسدها، والراشي يقول إنَّها جعالة وهي تضمن بصحيحها فتضمن بفاسدها، فمن المدّعي هنا ومن المنكر؟
لو رجعنا إلى الحجّة القائمة (وهي على اليد ما أخذت حتى تؤدّي) نراها تكون في جنب صاحب الإجارة فيكون منكراً ويكون القاضي مدّعياً، وهذه القاعدة خرجت منها الهبة وهي ممّا لا يضمن بصحيحه فلا يضمن بفاسده، فإذا كان لدي أصل وهي القاعدة يقول إنَّها ليست هبة، إذن تنقّح عندي أنَّ ــــــــــ[122]ــــــــــ
() الأربعاء: 19/4/1382، 19/9/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هذا ممّا يضمن، أي أنَّه داخل تحت العامّ.
ومن هنا نتبيّن أنَّ قول الراشي بأنَّها إجارة موافق للقاعدة، فيكون منكراً لأنَّ كليهما يلزمان القاضي بالضمان، ويكون القاضي مدّعياً لمخالفة دعواه مع القاعدة. ومن هنا تتعاكس القاعدتان اللتان وضعتا لتشخيص المدّعي والمنكر في رأي السيّد الخوئي؛ لأنَّ قاعدة أنَّ المنكر من وافق قوله الأصل أو الحجّة تذهب إلى أن يكون الراشي منكراً والقاضي مدّعياً، في حين إنَّ القاعدة الأُخرى تذهب إلى العكس؛ لأنَّ القاضي يَتركُ لو تُرِكَ، في حين إنَّ الراشي هو المطالب بالحقّ لنفسه ، وإنَّما يُتركُ لو تَرَكَ.
ونحن من الآن نأخذ بالقاعدة الأولى في تشخيص المدّعي والمنكر منهما، ونتكلّم بحسب ما يذهب إليه السيّد الخوئي.
القاضي يقول: بأنَّ هذه القاعدة التي تلزمني بالضمان مستثناة بالهبة، والتمسّك بها لإثبات الضمان يكون تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية. إذن قولي ليس مخالفاً للرواية بل موافق لها؛ لأنَّها حين خصّصت بالهبة وشككنا أنَّ هذا هو هبة أو لا، لا نستطيع التمسّك بها لإثبات أحد الطرفين وإلَّا كان من التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقية.
ثُمَّ يقول الراشي: عندي أصل يدفع أنَّها هبة؛ لأنَّ الهبة من الأُمور الحادثة؛ لأنَّها قبل وجودها لم تكن هبة، فالآن بعد وجودها ليست هبة باستصحاب العدم الأزلي، هناك يد وجدانية وليست هبة. إذن فهي مضمونة فتدخل في العام بعد تنقيح موضوعها بالأصل على هذا الأساس.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فيجيب القاضي: إنَّ هذا الأصل لا يجري لأنَّه معارض بأصل آخر، فإنَّك كما تقول بأنَّها ليست هبة لأنَّها لم تكن هبة تقول: إنَّها ليست إجارة؛ لأنَّها لم تكن إجارة؛ لأنَّ الواقعة واحدة فيتعارض الأصلان ويتساقطان، فنرجع إلى الأصول العملية وهي هنا البراءة من الضمان.
ثُمَّ يجيب الراشي: هناك فرق يبن الأصلين، فإنَّ الأصل الذي يجري في الإجارة أصل مثبت؛ لأنَّ انتفاء الإجارة لا يعيّن كونه هبة (لا يضمن بصحيحها) إلَّا باللازم العقلي لوجود الانحصار بين الدعويين حيث ليس هناك احتمال ثالث. إذن فتعيين الهبة جاء باللازم العقلي من انتفاء الإجارة بالأصل وهذا من الأصل المثبت؛ لأنَّ هذه الواسطة عقلية لا تتناولها الأحكام الشرعية، والأصل المثبت باطل.
في حين إنَّ الأصل الآخر معتقد بالقاعدة (قاعدة اليد)؛ لأنَّ هناك يد وجدانية موجودة، وهي ليست هبة إذن فعليها الضمان؛ لأنَّ على اليد ما أخذت حتى تؤدّي.
أمّا نقاشنا مع السيّد الخوئي فيتمّ كما يلي: إنَّ الأصل الجاري في الهبة مثبت أيضاً؛ لأنَّك تقول لم تكن الهبة موجودة ويستمر هذا القول إلى ما بعد وجودها، فيكون لازمه أنَّ هذه المعاملة ليست هبة ولا تستطيع أن تقول في حال عدمها إنَّ هذه ليست هبة لتستطيع أن تجرّه إلى ما بعد وجودها؛ لأنَّ المعدوم لا معنى للإشارة إليه، بل تقول فقط إنَّه لم تكون الهبة موجودة ويكون لازمها نفي أن تكون هذه المعاملة هبة، ومن هنا يكون هذا الأصل مثبتاً أيضاً.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الأصل يقول لي: إنَّه لم تكن هبة موجودة في الخارج وإنَّما يفيدني في نفي الهبة أنَّ هذه ليست بهبة، فالأصل إنَّما يثبت مفاد كان التامّة، في حين إنَّ المفيد في المقام هو مدلول كان الناقصة، ولا يمكن إثبات ذلك إلَّا بنحو الأصل المثبت(1).
إذن فليس عندي أصل التمسك به في كلا الطرفين، إذن أبقى أنا والعامّ (وهو قاعدة اليد)، ولا يجوز التمسّك به في الشبهات المصداقية. إذن فلا بدَّ أن أرجع إلى الأصل العملي، وهو في المقام براءة الذمّة.
والقاضي يكون قوله موافقاً للأصل فيكون منكراً ويكون الآخر مدّعياً، وحينئذٍ تتوافق القاعدتان في تعريف المدّعي والمنكر، وتكون المسألة على خلاف ما قال به الجماعة.
الصورة الثالثة(2) في الدعوى: أن يتّفقا في نوع العقد ويختلفا في الصحّة والفساد، فالقاضي يقول إنَّها هبة صحيحة والراشي يقول إنَّها هبة فاسدة.
وهذه الدعوى إما أن تقوم مع وجود العين أو بعد تلفها، أما مع تلفها فلا أثر للدعوى لأنَّها ممّا لا يضمن بصحيحها فلا يضمن بفاسدها، فهما إذن متّفقان على عدم الضمان.
والدعوى إنَّما تتمّ عند بقاء العين واتّفاقهما أنَّها هبة وأنَّها هبة ملزمة (وإن لم تكن ملزمة يكفي في رجوع الراشي عن هبته فض النزاع). فالقاضي يقول إنّني
ــــــــــ[125]ــــــــــ
() كما سبق قبل لحظات. (المقرِّر).
(2) الأحد: 1/5/1382، 30/9/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ملكتها بالهبة الصحيحة، والثاني يقول إنَّها ليست لك؛ لأنَّ الهبة كانت فاسدة لأنَّني أعطيتكها لأجل أن تحكم لي بالباطل. فمن هو المدّعي والمنكر في المقام؟
مقتضى القواعد هو أن نحكم بأصالة عدم ترتّب الأثر على هذه المعاملة، ولكن الجماعة يبنون على صحّة المعاملة، ويدّعون بناء العرف وقيام الإجماع على صحّة معاملة وقعت لا يعلم أنَّها صحيحة أو فاسدة، ولو أردنا أن نفتح باب عدم ترتّب الأثر فإنَّنا نبطل كثيراً من المعاملات.
إذن، فالقاضي يدّعي أنَّ الهبة صحيحة وقوله موافق للأصل، فهو منكر والثاني يكون هو المدّعي، وتتطابق هذه القاعدة مع قاعدة من ترك تُرِك.
أن يختلفا على الفساد وعلى نوع العقد، فالقاضي يقول إنَّه هبة صحيحة والراشي يقول إنَّه إجارة فاسدة.
وأصالة الصحّة لا يمكن أن تجري في مثل هذا العقد؛ لأنَّهم يدّعون أنَّها لا أثر لها مع الاختلاف في نوع العقد، وإنَّما تجري مع الاتّفاق على المعاملة؛ لأنَّه شيء واقع فيحكم بصحّته. وهنا لا نعلم ما هو الواقع.
فإذا كانت أصالة الصحّة لا تجري، إذن فلا بدَّ لأصالة الفساد أن تجري. فالقاضي يدّعي الصحّة ويكون قوله على خلاف الأصل، فيكون مدّعياً ويكون الراشي منكراً، فتنعكس عن قاعدة لو ترك تُرِك.
ولكنّنا تساءلنا سابقاً عن أنَّ الخلاف هل يبتني على مصبّ الدعوى أو على الغرض من الدعوى؟
ــــــــــ[126]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فإن كان الأوّل فمقتضى القواعد أنَّ هذا الكلام صحيح؛ لأنَّ أصالة الفساد جارية والمخالف لها -وهو القاضي- يكون مدّعياً وخصمه منكراً.
وإن كان الثاني فالغرض هنا من الدعوى الضمان وعدمه، فمن يقول إنَّها إجارة فاسدة يقول: إنَّ الإجارة يضمن بصحيحها فيضمن بفاسدها.
إذن، فالقاضي ضامن لما أخذه من المال، والقاضي يدفع عن نفسه ذلك بقوله: إنَّ العقد كان هبة صحيحة. إذن فالراشي يريد أن يضمِّن القاضي والقاضي يريد أن يدفع ذلك. وقلنا إنَّ الغرض هو المدار في تشخيص المدّعي من المنكر.
وهنا تنعكس القاعدة عمّا قلناه سابقاً؛ لأنَّه قد مسك المال فعلاً، فهو ملزم بالأداء بمقتضى قاعدة اليد، ولكن لما تخصّصت هذه القاعدة بالهبة فالتمسّك بها لإثبات أنَّ هذا المال مضمون يكون من باب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية.
الخوئي قال: بأنَّ هذه يد وجدانية على المال خرج عنها الهبة، فحين نشكّ أنَّها هبة أو لا، نجري أصالة كونها غير هبة.
وقلنا: إنَّ هذا الأصل لا يثبت أنَّها مضمونة إلَّا بالأصل المثبت؛ لأنَّ اليد قد انشطرت شطرين مضمّنة وغير مضمّنة، فكل أصل جارٍ هناك لا يقول لي إنَّها يد مضمّنة إلَّا بالأصل المثبت؛ لأنَّ الأصل إنَّما يثبت مفاد ليس التامّة، وهو لا يثبت مفاد ليس الناقصة (وهو الوصف الذي أريد نفيه عن الذات الموجودة) إلَّا بالأصل المثبت.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وإذ انتفى هذا الأصل نرجع إلى أصل آخر فنقول: إنَّ المال قبل أن يتلف لم تكن ذمّته مشغولة به، فهل شغلت ذمّته بعد تلفه؟
هل يوجد تكليف بالأداء أو لا؟ وهذا شكّ في أصل التكليف والمجرى فيه البراءة.
فالقاضي يقول أنا غير ضامن. فهو يوافق قوله الأصل، فيكون منكراً والثاني يكون مدّعياً، فتنعكس الدعوى على مذهب السيّد الخوئي. وتتطابق حينئذٍ مع قاعدة لو ترك تُرِك.
ــــــــــ[128]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[المسألة الرابعة “سب المؤمن حرام بالجملة“]
من المحرّمات(1) التي ذكرها الجماعة (سبّ المؤمن).
والمراد بالسبّ، السب العرفي من إيصال الأذى عن طريق القول بإظهار وإبداء معايب الشخص أو إضفاء معايب عليه، توجب إهانته، مع القصد إلى الإهانة، وقد استدلّوا على حرمة هذا النوع من السبّ بالأدلّة الأربعة.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
() الاثنين: 2/5/1382، 1/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا بالنسبة إلى الكتاب فلم يرد فيه لفظ السبّ بهذا المعنى. نعم، ورد فيه قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّـهِ فَيَسُبُّوا اللَّـهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ(1). وهي أجنبية عن مقامنا. ولكنهم استدلّوا بقوله عزّ من قائل: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(2)، والزور بمعنى الميل والانحراف، فكل قول فيه ميل عن الجادة واعتداء على الآخرين يجب تجنّبه. ومن هنا نرى أنَّهم إنَّما استدلّوا بمثل هذه الآيات العامّة على حرمة سبّ المؤمن دون أن يكون لديهم آيات بخصوص المورد.
أما السنة: فهناك روايات كثيرة موجودة في المكاسب وغيرها.
ففي(3) رواية أبي بصير عن أبي جعفر قال: قال رسول الله سباب المؤمن فسوق (فسق) وقتاله كفر وأكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه.
وفي رواية السكوني عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله سبّاب المؤمن كالمشرف على الهلكة.
ــــــــــ[130]ــــــــــ
() الأنعام: 108.
(2) الحج: 30.
(3) ثُمَّ قرأ سيّدنا الأُستاذ بعض هذه الروايات من المكاسب، وعلّق على بعضها فكان مما قرأ: ففي… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وفي رواية أبي بصير عن أبي جعفر قال: جاء رجل من تميم إلى رسول الله فقال له أوصني، فكان فيما أوصاه: لا تسبّوا فتكتسبوا (فتكسبوا) العداوة
والنهي(1) فيها عن السبّ يكون على نحو سدّ الذرائع أي النهي عن المقدّمة، اجتناباً للوقوع بذيها وقد قلنا فيما سبق بأنَّ المقدّمة الأمر فيها غيري، وأنَّه لا ثواب عليها ولا عقاب، وإنَّما العقاب والثواب على ذيها.
وفي رواية ابن الحجّاج عن أبي الحسن في الرجلين يتسابّان قال البادي منهما أظلم، ووزره على صاحبه (ووزر صاحبه عليه) ما لم يعتذر إلى المظلوم.
وقد استشكل الشيخ الأنصاري في مرجع الضمائر وقال: إنَّ فيه اغتشاشاً، وذلك لأنَّ الضمير في (وزره) راجع في ظاهر الحال إلى البادي وكذلك في (صاحبه) ومعنى ذلك أنَّ وزر البادي على صاحبه، بالإضافة إلى ظلامته، وهذا مما لا يمكن أن يكون مقصوداً للرواية، إلَّا أن نحمل مرجع الضمير على السبّ نفسه، فيكون المعنى أنَّ وزر السبّ على صاحبه وهو السابّ.
أمّا حكم العقل فواضح؛ لأنَّه لا إشكال أنَّ الاعتداء على الآخرين ظلم لهم، وأنَّ العقلاء جميعاً يستنكرون من السابّ سبّه، ولو استفتيت أي عاقل من العقلاء يفتيك بأنَّه ظلم قبيح، والشارع سيّد العقلاء فمن باب الأولى أن يحرّمه.
ــــــــــ[131]ــــــــــ
() وقد علّق السيّد الأُستاذ على هذه الرواية الأخيرة بأنَّ.. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بالإضافة إلى سيّئات السبّ نفسه، فكيف ينشأ للسابّ أصدقاء مخلصون وكيف تتماسك أفراد الأُمّة وتتحابّ إذا كان السباب شائعاً بينهم؟
إذن فكل الوجوه تقتضي مثل هذا التشريع.
وأمّا الإجماع فإنَّه لا يُعرف في ذلك مخالفاً. ولكن قد يناقش في الإجماع
–كالسيّد- الخوئي على أساس أنَّه يكفينا في إسقاطه وجود احتمال أنَّ أفراده استدلّوا بالآية أو الرواية. وعلى كل حال فإن سقط فالأدلة الأُخرى وافية بالمراد.
الظاهر(1) من السبّ قصد الإهانة به للآخرين، فإذا فتحنا هذا الباب دخلت علينا المستثنيات كالدفاع عن النفس أو السباب الذي يوجهه الأُستاذ لتلميذه أو الأب لأبنه أو الأخ الأكبر للأصغر. وهذا موجود عند الناس بكثرة، وإطلاق الروايات يشمل بالتحريم ذلك كلّه، إذن فلا بدَّ من دليل مخرج لها من إطلاق الروايات.
لكنّنا إذا افترضنا أنَّ قصد الإهانة مقوّم لحرمة السبّ تكون هذه الأُمور خارجة تخصّصاً عن إطلاق الروايات، لن نكون بحاجة إلى أدلّة أُخرى لإخراجه عن إطلاق الروايات. وذلك أنَّ الأب عندما يسبّ ابنه لا يمكن أن يقصد إهانته بدليل أنَّ شخصاً آخر لو أهانه فإنَّه سوف يقف منه موقفاً حازماً.
ولكن الجماعة حاولوا أن يخرجوا سباب الأب للابن بدليل خارجي هو
ــــــــــ[132]ــــــــــ
() ثُمَّ أضاف أُستاذنا : الظاهر… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قوله: (أنت ومالك لأبيك) على أساس أنَّ الابن مملوك للأب فللأب مطلق الحرية في جميع التصرّفات في ابنه، ومن جملة التصرّفات السبّ، فيجوز له سبّه. ولكن هذا الحديث وارد في مورد أخلاقي، كما أنَّه لا يوجد أحد يقول بإطلاق الرواية، فإنَّه ليس للأب التصرّف في نفس الولد ولا في ماله إلَّا بمقدار أكله. ولذلك قال الشيخ بعد سرد الحديث فتأمّل! ولعلّه إشارة إلى ما قلناه آنفاً.
أمّا بالنسبة إلى سبّ الأُستاذ تلميذه، فالإهانة مفقودة غالباً، إلَّا إذا كان التلميذ مشاكساً ويريد الأُستاذ الدفاع عن نفسه. نعم، لو قصد الإهانة حرم بلا إشكال.
ويظهر بأنَّ سباب الأُستاذ لتلاميذه كان مستعملاً في العهد السابق على عهد الشيخ بكثرة، وللشيخ كلام خطابي في ذلك، حيث قال مستدلاً على جواز مثل ذلك، (مضافاً إلى استمرار السيرة بذلك إلَّا أن يُقال إنَّ استمرار السيرة إنَّما هو مع عدم تأثّر السامع وتأذيه بذلك، ومن هنا يوهن التمسّك بالسيرة في جواز سبّ المعلّم للمتعلّم، فإنَّ السيرة نشأت في الأزمنة السابقة من عدم تألّم المتعلّم بشتم المعلم لعدّ نفسه أدْوَن من عبده بل ربما كان يفتخر بالسبّ لدلالته على كمال لطفه، وأمّا زماننا هذا الذي يتألم المتعلّم فيه من المعلم ممّا لم يتألّم به من شركائه في البحث من القول والفعل فهل إيذائه يحتاج إلى دليل والله الهادي إلى سواء السبيل).
وهنا نرى الشيخ يجعل المناط في حرمة السبّ هو الإيذاء وتأثّر الطرف
ــــــــــ[133]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الثاني منه، ولكن الأَولى جعل قصد الإهانة هو المناط، فمتى توفّرت حرم السبّ وإلَّا فلا، فإنَّ بين الإيذاء والسبّ عموماً من وجه، وقد يجتمعان في بعض الموارد.
أمّا بالنسبة إلى سبّ أهل الضلال، فلا بأس بسبابهم إذا كان القصد توهين عقائدهم وتنفير الناس منها، وخاصّة إذا كانت هناك ثمرة فعلية من ذلك، وإلَّا فالسبّ غير جميل دائماً وخاصّة إذا كان بدون فائدة ولا ينبغي للإنسان أن يكون سبّاباً.
ــــــــــ[134]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ما هي النسبة(1) بين السبّ والغيبة؟
اختلفت الأقوال في ذلك، فالشيخ في المكاسب يذهب إلى أنَّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجه.
ويذهب آخرون أنَّ أحدهما مباين في مفهومه للآخر، فلا يمكن أن يتطابق المفهومان على معنى واحد؛ وذلك لأنَّ السبّ إنشاء والغيبة إخبار عن معايب الآخرين، فإنَّ السابّ لا يريد الإخبار عن كون هذا الشخص كلب حقيقة (إذا قال له يا كلب)، بل يريد إنشاء السبّ. إذن فأحدهما مباين للآخر، فالحكم الوارد على أحدهما لا يكون وارداً على الآخر، فلا تأتي هنا شبهة اجتماع حكمين.
والجماعة يناقشون في ذلك من حيث إنَّ قولك إنَّ السبّ إنشاء هو أوّل الكلام، بل هو إخبار حتى الذي يكون بمبرز الإنشاء؛ لأنَّ المقصود منه هو الإخبار عن لوازمه، فليس المقصود من قوله (يا حمار)، أنَّه حمار حقيقة، بل بلحاظ البلادة، فهو يريد أن يخبر الآخرين عن بلادته.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
() الثلاثاء: 3/5/1382، 2/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إذن فكل منهما إخبار، من حيث إنَّ الغيبة أيضاً إخبار وإن جاءت بصورة الإنشاء، يُراد به الإخبار عن أحد معايبه المستورة. إذن فلا يصحّ أن يكون الإخبار والإنشاء فرقاً بينهما.
القول الآخر: أنَّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجه؛ لأنَّ السبّ أُخِذ في مفهومه الإهانة، سواء كان الشخص المسبوب حاضراً أو غائباً، أمّا الغيبة فهي -كما يستفاد من رواياتها- ذكر معايب الشخص سواء قصد الإهانة أم لم يقصدها، وذكر المعايب لا يلازم الإهانة، فنحن نرى غالب السبّابين إنَّما يسترون معايب أنفسهم بذكر معايب غيرهم، ويضفون بذلك الكمال على أنفسهم، فهو من عوامل التعويض عن النقص الذي يحسّونه في أنفسهم، فهؤلاء غالباً ما يذكرون معايب الناس قصدوا بها الإهانة أم لم يقصدوا.
فينتج إنَّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجه يلتقيان في ذكر معايب الإنسان بقصد إهانته في غيبته، وذكره في غيبته لا بقصد الإهانة غيبة ولا سب، وذكره أمامه بقصد الإهانة سب ولا غيبة. وعلى هذا بنى الشيخ في توجيه أنَّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجه.
ولكن الجماعة أخذوا هذه النسبة من ناحية أُخرى، فالسيد أبو القاسم الخوئي يذهب إلى أنَّ الغيبة تصدق وإن كان الشخص حاضراً، وإنَّما المأخوذ بها كشف العيوب المستورة التي لا يعلم بها الناس عادة، فهذه غيبة سواء قصدت الإهانة أم لم تقصد، أمّا السبّ فهو أعمّ من أن يكون فيه كشف مستور أو ذكر
ــــــــــ[136]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
عيب هو من الوضوح بدرجة، بعد توفّر قصد الإهانة. فيتوجّه العموم والخصوص من وجه فيها على شكل آخر غير ما ذكر الشيخ، فهما يلتقيان في كشف المستور بقصد الإهانة، وكشف المستور بدون إهانة غيبة ولا سبّ والإهانة بالعيب الواضح سبّ ولا غيبة.
وهنا يرد سؤال آخر: إنَّ موضع الالتقاء هذا هل يكون محكوماً بحكمين أو تتداخل التكاليف فيهما كما في باب اجتماع الأمر والنهي غاية الأمر أنَّ أحد التكليفين هناك إيجابي والآخر سلبي وهنا التكليفان إيجابيان؟
بعضهم يمنعه منعاً باتّاً معللاً بأنَّ الواحد من جميع الجهات لا يمكن أن يتّصف بحكمين. وبعضهم يجيز ذلك معلّلين بأنَّ التكاليف موضوعة للعناوين من حيث سريانها إلى المعنونات فانطباق عنوانين على معنون واحد لا مانع منه، ويتّصف بالحكمين بهذا الاعتبار.
التزاحم آمري ومأموري:
فإذا كان في كل من التكليفين مصلحة ومفسدة، فإن كان مما يمكن أن يصدر الآمر على طبق هذه المصلحة والمفسدة تكليفين وكان التزاحم ناشئاً من عدم قدرة المكلّف من أمثالهما معاً فإنَّ هذا يسمّى بالتزاحم المأموري، وحينئذٍ يكون على المكلّف أن يبحث في الخارج عن المرجّحات في أحد الطرفين في نظر الشارع فيمتثله ويصرف قدرته فيه.
وإذا كان الشارع ابتداءً لا يقوى على الأمر والنهي معاً، إمّا لأنَّ التكليفين متلازمان دائماً بحيث يستحيل انفكاكهما وأحدهما حامل للمصلحة والثاني
ــــــــــ[137]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
حامل للمفسدة، فلا يستطيع أن يأمر وينهى في عين الوقت؛ لأنَّ أحد الإلزامين يكون عبثاً في المقام لعدم إمكان امتثاله، وهذا يسمّى تزاحم آمري، وحينئذٍ يختار الشارع لنفسه الأهمّ ويضع الحكم له، فهو لم يرسم في اللوح المحفوظ إلَّا حكماً واحداً، وحينئذٍ إذا اختلف النقل فإنَّه حتماً أنَّ أحد المخبرين كاذب في إخباره، وحينئذٍ يرجع إلى باب التعارض وهو صدور حجّة واحدة مشكوكة بين روايتين، والتزاحم هو صدور حجّتين متدافعتين في مقام الامتثال كـ(صلِ) و (لا تغصب).
فالتزاحم هو صدور حجّتين مع كون المطلوب واحداً، وهو الأهمّ، وعلى المكلّف أن يشخّص ذلك من الخارج وأن يمتثله مع كونه عاجزاً عن امتثال كلا التكليفين، والتعارض صدور حجّة واحدة والأخرى كاذبة.
فبعضهم من جوّز اجتماع الأمر والنهي في التزاحم المأموري وبعضهم أرجعها إلى التزاحم الآمري ومنع الجواز في اجتماع الأمر والنهي، والكلام في اجتماع الأمر والنهي نفسه يرد في اجتماع الحكمين المتماثلين وذلك لأنَّ اجتماع المثلين محال أيضاً كاجتماع الضدّين، ولأنَّ الزجر عمّا كنت انزجرت عنه لغو. وإن قلنا بجواز اجتماعهما كما قلنا هناك فبما أنَّه سبّ فيه مفسدة السبّ وبما أنَّه غيبة فيه مفسدة الغيبة. وهذا لا تزاحم فيه لإمكان امتثالهما معاً بامتثال واحد كما يمكن عصيانهما معاً بفعل واحد.
فإن قلنا بتعدّد التكليفين بتعدّد الجهة فلابدَّ أن نلتزم بعقابين على تكليفين، وإن منعنا تعدّد التكليف، فلابدَّ أن نلتزم بعقاب واحد؛ لأنَّ العقاب إنَّما يكون على مخالفة التكليف الصادر لا على الملاك فقط.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قلنا(1)(2) إنَّ هذه المسألة تتفرّع على مسألة اجتماع الأمر والنهي. فبعضهم أجاز اجتماع الأمر والنهي بلحاظ عنوانين يستدعي أحدهما حكماً سلبياً والثاني حكماً إيجابياً، فيكون شيء واحد محطّاً للحكمين معاً؛ وذلك لأنَّ الأحكام موجّهة إلى العناوين بما هي فانية في المُعَنونات؛ لأنَّ الواقع الخارجي لا يكون متعلّقاً للتكاليف بنفسه لأنَّه إما أن يتعلّق به التكليف حال وجوده أو حال عدمه. فإن كان الأوّل فالأمر بإيجاده يكون لغواً لأنَّه من باب تحصيل الحاصل والنهي عن إيجاده لغو أيضاً لأنَّه موجود فعلاً، وإن كان الثاني فالتكليف لا يمكن أن يتعلّق بالمعدوم.
ومنع بعضهم الاجتماع معللاً بأنَّ الواحد من جميع الجهات لا يمكن أن يتّصف بحكمين متناقضين، وهذا يرد في الحكمين المتماثلين أيضاً لأنَّنا نمنع اجتماع المثلين كما نمنع اجتماع الضدّين.
فإذا قلنا بجواز الاجتماع هناك نقول هنا أيضاً وتكون المسألة داخلة في باب التزاحم المأموري، وهو أنَّ يوجد مصلحة ومفسدة وعلى المكلّف نفسه أن يمتثل الأهم منهما ويترك المهمّ، وهو الذي يعود فيه التزاحم إلى المكلّف.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
() الأربعاء: 4/5/1382، 3/10/1962. (المقرِّر).
(2) ذكر سيّدنا الأُستاذ (سلّمه الله) في بدء المحاضرة ما كان ذكره من أنَّ النسبة بين السبّ والغيبة هو العموم والخصوص من وجه وتقريب ذلك على مذهب الشيخ الأنصاري، ومذهب السيّد الخوئي. ثُمَّ تساءل عن حكم موضع الالتقاء هل له حكم واحد أم حكمين؟ ثُمَّ أضاف قائلاً: قلنا… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وإن قلنا بعدم جواز الاجتماع، فتعود المسألة إلى مسألة التزاحم المأموري، وهو وجود مصلحتين لا يستطيع الشارع جعل حكمين على مقتضاهما فلا بدَّ أنَّه قد رجّح أحدهما وهو الأهمّ في نظره ووضع له الحكم.
فالتدافع:
مرّة يكون في عالم الامتثال وهو التزاحم المأموري وهو أن يكون عندي جعلين وضعهما الشارع لعنوانين كلّيين قد تدافعا من باب الاتّفاق، وأنا لا أستطيع أن آتي إلَّا بواحد منهما وحينئذٍ فلا بدَّ أن أبحث عن الأهمّ في ذوق الشارع وامتثله وأترك المهمّ.
ومرّة يكون هناك شيئان متلازمان أحدهما فيه مصلحة والآخر فيه مفسدة والشارع لا يستطيع أن يأمر وينهى، أي أن يفكّك بينهما في التكليف، وهذا هو التزاحم الآمري، والشارع حينئذٍ يرجّح أحد الجانبين ويضع الحكم له، فهنا الحكم واحد بخلاف التزاحم المأموري فهناك حكمين.
فإذا بنينا المسألة على جواز الاجتماع يُرجع إلى التزاحم المأموري. وإن قلنا بعدم الجواز نرجع إلى التزاحم الآمري.
ونفس هذه المسألة تأتي في اجتماع المثلين، فإن جوّزنا اجتماعهما يكون الفعل الواحد عصيانين، وتستحق عليه عقابين. وإن قلنا بعدم الإمكان نرجع إلى التزاحم الآمري، حيث نعلم أنَّ الشارع هنا لم يجعل إلَّا تكليفاً واحداً، فيكون العقاب واحداً؛ لأنَّ العقاب إنَّما يكون على التكليف لا على الملاك.
الجماعة يحاولون أن يوجّهوا الاجتماع بتأكّد التكاليف، ولكنّنا لا نفهم هذا
ــــــــــ[140]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
التأكّد المدّعى، فهل هما تكليفان يتداخلان أو أنَّهما تكليف واحد يشتد؟ والاشتداد إن كان يصدق على الملاك فهو لا يصدق على التكليف؛ لأنَّ التكليف دفع وهو معنى بسيط لا يصدق عليه الشدّة والضعف، وإذا بقي التكليف على تقدير شدّته واحداً فكيف استحقّ عقابين؟
هذا ما يتعلّق بمفهوم السبّ والغيبة.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا المستثنيات من حرمة السبّ:
فمنها: سبّ الفاجر المتجاهر بالفسق، ولكن هل ترتبط هذه المسألة بباب النهي عن المنكر؛ إذ نجوّز سبّه لأجل ارتداعه عن فسقه، وحينئذٍ فلا بدَّ أن نأخذ شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنظر الاعتبار حين سبّه، أو إنَّنا نسبّه مطلقاً سواء توفّرت الشروط أو لم تتوفّر؟
فعلى الأوّل يكون حكمه تابعاً لتوفّر الشروط، فإن توفّرت جاز سبّه وإلَّا فلا. وعلى الثاني هو عنوان مستقلّ وهو أنَّ المتجاهر يجوز سبّه.
يقول الشيخ الأنصاري: إنَّ المستفاد من الروايات هو جواز سبّ المتجاهر بالفسق ولم نربطها بمسألة الأمر بالمعروف، وإنَّما جاز سبّه لأنَّه متجاهر بالتمرّد على الشارع، فالشارع قد أهدر حرمته وأجاز سبّه.
الدليل الأول: ومن المستثنيات أصحاب المبادئ الضالّة، فإنَّهم يجوز سبّهم للتنفير من آرائهم كما تشير إلى ذلك الروايات، وحتى إذا لم يكن بذلك القصد، أو لم يكن هناك ناس لينفروا من آرائهم بسبب السبّ.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الدليل الثاني(1): السيرة. وهي أنَّ السيرة قائمة على أنَّ الآباء يسبّون أبناءهم بدون أن يتأثّموا، ونقطع بأنَّ هذه السيرة كانت موجودة في زمان الأئمة، ولم نسمع منهم ردعاً عنها على الإطلاق.
ولكن بعد أن أخذنا في حرمة السبّ قصد الإهانة، وهي غير ملازمة للسبّ دائماً، فإنَّ حلّ سبّ الوالد لولده يدخل في هذا الباب؛ لأنَّه ليس هناك والد يريد توهين ولده بسبّه، بدليل أنَّه إذا سبّه شخص آخر فسوف يغضب ويدافع عن ولده ما وسعه الدفاع.
أمّا الاستدلال بالسيرة فإنَّ الشيخ يشكّك فيها، ويقول: إنَّها كانت ثابتة فقط في الأزمنة السابقة.
ــــــــــ[143]ــــــــــ
() ثُمَّ ذكر أُستاذنا الحكيم سبّ الوالد لولده وذكر استدلالهم على جوازه بحديث “أنت ومالك لأبيك” كما مضى سابقاً. ثُمَّ قال: الدليل الثاني… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[المسألة العاشرة: “السحر حرام بالجملة بلا خلاف“]
بحث الجماعة(1) في السحر أقرب إلى بحث غير العارف، إذ يجد الإنسان من ورائها أنَّها غير حاكية عن واقع؛
لأنَّنا لا نعلم ما هو السحر حتى نعمّم التعريفات له؟ نعم، نحن نعرف اسمه ولكنّنا لا نعرف ماهيته.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
() السبت: 7/5/1382، 6/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
التعاريف التي ذكرت له على ألسنة اللغويين مختلفة فمنها أنَّ سحره بمعنى حرفه وحوّل نظره عنه، والسحر بالمفهوم الذي نحسّه ولا نعرف معناه ليس هذا معناه
القاموس: ما دقّ مأخذه ولطُف، أي: ما كان سببه مجهولاً وخفياً بالنسبة إلينا، فتدخل في التعريف المخترعات الحديثة؛ لأنَّها ممّا لطف مأخذها ودق، وذلك كالذرة والكهرباء في أشياء موجودة لها تأثيراتها الواقعية ولكنّنا لا نعرف حقائقها.
والتعريف الذي يختاره الخوئي هو التمويه والخديعة، أي بلغتنا الجديدة أنَّه يوحي للشخص أنَّ اللون أو الطعم الفلاني بهذه الصورة بدون أن يكون كذلك.
ومن هذا القبيل السحر المذكور في القرآن، فإنَّ العصا تراءت للحاضرين كالحيّات، وهي ليست بحيّات، وإنَّما أبرزت بمبرز الحيّات، فهو ليس بأمر واقعي أبرز مبرز الأمر الواقعي.
ما هو تفسير هذا السحر من وجهة علمية؟ ربما يكون الإنسان ذا نفس قوية بحيث ينوّم الطرف المقابل نوماً مغناطيسياً، ويخيّل له أنَّ الحيّة تسعى،
ــــــــــ[146]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ولكن قد يكون المشاهدون ألف شخص بحيث مهما أوتي الساحر من قوّة في نفسه يستبعد أن يستطيع تنويمهم دفعة وإيقاظهم دفعة واحدة.
كما أنَّ من حوادث السحر ما يشهد من أنَّه من قبيل ما هو واقعي لا من قبيل الخداع والتمويه. فهذا السحر الذي نصّ عليه القرآن والذي هو أوضح فرد في السحر وهو جعل الزوج لا يحب زوجته، هل سلب هذا الحب من قلب الزوج هو خديعة وتمويه أو أنَّه أصبح يكره زوجته واقعاً تحت تأثير السحر؟
وأحسن ما يُقال: إنَّ السحر شيء لا نفهمه، وإخواننا الفقهاء إنَّما يكتبون كتابة من لا يفهم، ومفهوم السحر غير متبلور في نفوسهم؛ لأنَّهم يعتبرون الساعة مثلاً من قبيل السحر! والواقع أنَّنا لا نفهم ذلك وكلّ قول نقوله حوله تطفّل خارج عن دائرة اختصاصنا.
مرّة أعرّف البيع تعريفاً منطقياً جامعاً مانعاً؛ لأنَّ تحديده من عملي واختصاصي، ولكن السحر شيء لا أعلمه لذا لا أستطيع أن أعطي حوله حكماً عامّاً، وإنَّما لكل مصداق من مصاديقه حكم خاصّ؛ وذلك لأنَّ السحر كمفهوم مجهول عندنا، ولكن عندنا مصاديق هي من قبيل القدر المتيقّن كالعدالة، فأنا لا أعرف معناها، هل هي مجتنب الكبيرة أو الصغيرة والكبيرة معاً؟ والقدر المتيقّن على أنَّ مجتنبهما معاً عادل.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الفرق بين السحر وبين الشعبذة أو الشعوذة وبين المعجزة: السحر لا سبب طبيعي له، والشعبذة لها سبب طبيعي، ولكن الغرابة فيها آنية من ناحية السرعة والخفّة في القيام بالعمل فيها، فهو شيء طبيعي ينتج نتائج طبيعية أيضاً، لكن بتوسّط السرعة التي قد تخفى على الإنسان فيتخيل أنَّها نتائج غير طبيعية، والمعجز هو أمر طبيعي ولكن سببه غير طبيعي، فالقرآن أمر طبيعي له وجود وتأثير واقعي، ولكن إعجازه من ناحية تطاول الدهر عليه من دون تمكّن أحد من معارضته، هذا هو الخارج عن الوجود الطبيعي.
فهذه التعريفات لا يخرج منها بمحصّل، بحيث تكون حكماً جامعاً مانعاً، والأنسب أن يكون لكلّ من الأقسام التي ذكروها حكم معيّن.
ــــــــــ[148]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
انتهينا(1) بالأمس إلى أنَّ مفهوم السحر مجهول لدينا وإن كانت بعض مصاديقه معلومة، وإجمال المفهوم لا يستلزم خفاء مصاديقه. وكل ما ذكر له من تعاريف لا تصلح أن تكون تعريفاً محدّداً له، نعم، يمكن أن تكون تعريفاً لبعض المصاديق.
ثُمَّ إنَّهم قد أخذوا الأقسام التي ذكرها المجلسي للسحر أخذ المسلّمات! في حين إنَّ أكثرها لا يمكن أن ينطبق على التعريف الذي يذكره كل منهم مهما كان ذلك التعريف. بالإضافة إلى أنَّ هذه الأقسام نفسها لا تنتظمها وحدة معيّنة لتدخل تحت تعريف معيّن.
والأقسام التي ذكرها المجلسي هي:
والذي يبدو أنَّ قسماً من السحرة كانوا يعتقدون ذلك وكانوا يستخدمون الكواكب لعملهم الخاصّ.
ومنهم: من يعتقد بالحدوث الذاتي والقدم الزماني، من حيث إنَّ كلَّ ممكن
ــــــــــ[149]ــــــــــ
() الأحد: 8/5/1382، 7/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يكون واجب الوجود بتأثير علّته، فحيث نتصوّر العلّة نتصوّر المعلول، وحيث كانت العلّة قديمة فالمعلول لا شكّ أنَّه قديم، ولكنّه ليس قديماً قدماً ذاتياً. كما هو فحوى القول الأوّل؛ لأنَّه محتاج إلى الخالق بذاته وإنَّما فقط هو قديم قدماً زمانياً.
ومنهم: كذلك من يعتقد بحدوث الكواكب الذاتي والزماني، ولكنّه يدّعي أنَّها استغنت بعد حدوثها عن الخالق، بعد أن فوّض الخالق إليها الأمر وأعطاها القوّة في التصرّف في الكون. فالساحر بما لديه من قوّة نفسيّة يستخدم تلك القوى الكوكبية في صالح نفسه.
وكثير من الروايات تكفّر الساحر وتوجب قتله، ويحاول الفقهاء أن يصبّوا مثل هذه الروايات على هذا النوع من العقائد وأظهرها بالكفر هو الأوّل، ثُمَّ الثالث. أمّا الثاني فهو مثار مشكلة بين الفلاسفة وأهل الأديان جميعاً.
فالمسلمون بل أهل الأديان جميعاً يؤمنون بأنَّ الكون حادث ذاتاً وزماناً، لظاهر الآيات التي تقول بخلق السماوات والأرض في ستّة أيام.
ونوع الفلاسفة يعتبرون أنَّ الكون حادث ذاتاً قديم زماناً وذلك في مسلكين:
المسلك الأول: مسلك القائلين بقاعدة أنَّ الواحد لا يصدر منه إلَّا الواحد، من حيث إنَّ العلّة واحدة من جميع الجهات، فلا يمكن أن يصدر إلَّا شيئاً واحداً. فبإدراك الواجب تعالى لذاته أصدر العقل الأوّل، وبإدراك العقل الأوّل لذاته من ناحية ولعلّته من ناحية أُخرى صارت له جنبة تعدّد فأصدر ــــــــــ[150]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
العقل الثاني، وهكذا إلى عشرة عقول.
ويعلّق الغزالي على هذا القول بأنَّه لا مانع من القول بأكثر من عشرة عقول؛ فإنَّه لا صداقة لنا مع الرقم عشرة لتعتبر العقول عشرة فقط، بل المقصود أنَّ صدور الكثير من الواحد كان على هذا الأُسلوب، فإن تمّ ذلك بعشرة عقول فقط فبها، وإلَّا قلنا بتكثرها ما شاء الله أن تتكثّر.
ويمكن أن يجاب على هذا المسلك بأنَّ هذه القاعدة لا يمكن أن تنطبق إلَّا على الفاعل غير المختار، كالآلة التي تصدر شيئاً معيّناً لا يمكن أن تؤدّي عملاً آخر. أمّا الفاعل المختار فمعنى اختياره أنَّه يستطيع التنويع في مخلوقاته وإلَّا لم يكن لاختياره أثر.
فمن يقول بهذه القاعدة قولاً تعطّل اختيار الخالق، فإنَّ قوله هذا لا شكّ أنَّه يؤدي إلى الكفر، أمّا إذا قلنا باختيار الخالق عزّ وعلا فإنَّ هذا المسلك ينتفي ولا يبقى لنا ملزم بالقول بالقدم الزماني، حيث لا بأس بالقول بوجود الفاصل العدمي بين الله ومخلوقاته، وحينئذٍ تبقى الروايات على ظهورها فنتمسّك به.
المسلك الثاني: مسلك أهل نظرية الفيض، من حيث إنَّ الله تعالى كريم بذاته لا بخل في ساحته، فلا بدَّ أن يفيض الوجود على المعلول كلّما طلب بلسان استعداده الدخول في عالم الوجود.
ويجاب أيضاً عن هذا المسلك: بأنه صحيح أنَّ الله تعالى كريم لا بخل في ساحته، ولكنّه مختار في نفس الوقت، ومقتضى اختياره أنَّه يحدّد فيضه بالمصلحة فمتى وجد هناك مصلحة فإنَّه يفيض وإن لم يجد لم يفض، وربما كان إكرام ــــــــــ[151]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بعض الأشخاص قضاء عليه، فيكون الفيض حينئذٍ خلاف المصلحة.
والمصلحة اقتضت أن لا يكون الكون في الأزل، كما أنَّها اقتضت أن لا يوجد ما وجد في اليوم السابع في اليوم الأوّل، فجاء الفيض على مقتضى هذه المصلحة، وترتّب الخلق بمقتضى هذا الفيض.
إذن، فنظرية القدم ليس لها أساس، لأنَّ أساسها إمّا نظرية الفيض أو قاعدة أنَّ الواحد لا يصدر منه إلَّا الواحد، وكلّها محلّ مناقشة من حيث إنَّنا قلنا إنَّه عزّ وجلّ خالق مختار ولم تصدر منه هذه الأُمور صدوراً تلقائياً، جلَّ عن ذلك وتقدّس.
والجماعة ربطوا بين هذه العقائد وبين السحر، لأنَّ السحرة كانوا يقولون بقدم الكواكب وبتأثيرها في الكون.
ومن ذلك عبادة القواد في الجيش والخضوع لهم، فإنَّهم يطيعونه في أن يبعث بهم إلى الموت، لماذا؟ لأنَّهم يخافون القائد في حين إنَّهم باستطاعتهم أن يجتمعوا عليه ويقتلوه. وهذا أمر واقع ولا دليل على حرمته، لا دليل على حرمة استخدام الشخص لقوّة شخصيته
ــــــــــ[152]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بالنسبة إلينا، فلعلّ استخدام المستخدمين للجنّ شيء صحيح ولعلّهم مدجّلون كذّابون، فهذا شيء لا نستطيع معرفته ووجود الجن أمر صحيح لنصّ القرآن على ذلك، ولكن من هم وكيف هم وكيف اتّصالهم بالبشر وإلى أي حدٍّ؟ كل ذلك مجهول في مجهول. ولكن مع فرض وجود الاتّصال واقعاً، فإنَّه يرجع إلى شيء واقعي وحقيقي ولا يدخل في عالم التمويه والخديعة، فكيف يمكن أن يندرج هذا القسم في التعريف(1)؟
ــــــــــ[153]ــــــــــ
() ولم يذكر السيّد الأُستاذ حكم هذا القسم أثناء كلامه في المحاضرة اعتماداً على ما ذكره الخوئي في المقام، فكأنَّه موافق له في الرأي. (المحاضرات: 224). (المقرِّر).
(2) ولم يذكر السيّد حكم هذا القسم أيضاً لنفس المناط، أو لعدم اندراجها في مفهوم السحر لتكون حراماً بحرمته. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
*****
توصّلنا(2) فيما سبق إلى أنَّ لا وحدة تجمع بين أقسام السحر، والشيخ نفسه يقول بأنَّ تحصيل القدر الجامع بينها مشكل، ليمكن تعريفها.
إذن فيكون السحر أمراً مجملاً، فما نصّ عليه من الأقسام يتمسّك بحرمته، أمّا الأقسام الأُخرى فنجري عليها أصالة البراءة من التحريم.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
() ولم يذكر السيّد الحكيم سلّمه الله حكم هذا القسم إما اعتماداً على فتوى السيّد الخوئي الموجودة في الكتاب وهي الحرمة، أو لأنَّه توصّل في القسم الثاني الذي أشار إليه إلى الجواز وحيث إنَّ هذا القسم مندرج في ذلك القسم فيكون جائزاً. (المقرِّر).
(2) الاثنين: 9/5/1382- 8/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الظاهر(1) أنَّ السحر نوعاً يجب أن يقف منه الشارع موقفاً حازماً، للوقوف ضد شيوع الخرافات بين الناس؛ لأنَّ البلدان التي شاعت فيها مثل هذه الأعمال السحرية شلّت فيها نفوس الناس وأفكارهم وصاروا يتعلّقون بأُمور غيبية تستأثر بحياتهم وسلوكهم، في حين إنَّ أكثرهم دجّالون يهدفون إلى تحصيل المال لقاء إغراء العامّة وغوايتهم، والشارع لا يمكن أن يقرّ مثل هذا الأمر.
والذي يظهر أنَّ له آثاراً مضرّة كقول الإمام أبي عبد الله حين دخل عليه عيسى بن السقفي وقال: “جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر وكنت آخذ عليه الأجر وكان معاشي وقد حُجبت منه وقد منّ الله عليّ بلقائك وقد تبت إلى الله من ذلك، فهل لي في شيء من ذلك مخرج؟ فقال له أبو عبد الله : حلّ ولا تعقد“.
فعالم عقد السحر كان شائعاً حينذاك وهو تعطيل الإنسان جنسياً عن جرّاء أعمال سحرية معيّنة وأكثرها لها آثار وضعية حقيقية ومجرّبة لا يمكن أن تدخل في التدجيل أو الخديعة.
ــــــــــ[155]ــــــــــ
() ثُمَّ قال سيّدنا الأُستاذ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فالسحر إن كان واقعاً فلا بدَّ أن يقف دونه الشارع، وكذلك إذا كان من قبيل الخرافات، وفعلاً قد وقف الشارع منه موقفاً صلباً، حتى ألحقت بعض الروايات السحر بالكفر وقالت أُخرى إنَّه لا توبة له وهذا يعني التشديد بالحرمة، وإلَّا فليس السحر أعظم من الشرك. وعلى كل حال فالبحث حوله ليس بهذه الأهمّيّة.
ــــــــــ[156]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وهو أمر مجهول بالنسبة إلينا تماماً، وقد استشكلوا فيه من حيث إنَّه يستلزم سلب إرادة الآخرين وقيادتهم في خدمتهم بدون اختيارهم، في حين إنَّ الناس مسلّطون على أنفسهم.
يقولون في الجواب إنَّ تسخير الجن بسلب إرادتهم غير معلوم الحرمة، ولعلّ الجن تخدم الساحر طواعية وباختيارهم كما يخدم الملائكة الأنبياء والأولياء وحينئذ فلا حرمة فيه(1).
ــــــــــ[157]ــــــــــ
() ثم أضاف سيّدنا الحكيم أنّ مثل هذه البحوث يجب أن تطوى في مثل هذه الأيام. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[المسألة الحادية عشر: “الشعبذة حرام بلا خلاف“]
الشعبذة: ذكرنا الفرق بينها وبين السحر والمعجز، ويستدلون على حرمة الشعبذة أنها من قبيل اللهو وكل لهو حرام.
والمناقشة ترد في الصغرى والكبرى، فإن الشعبذة لا تكون دائماً من قبيل اللهو، لأنّ معنى اللهو هو سلب الغرض العقلائي، وقد ترتّب عليها اغراض عقلائية كثيرة، وذلك من حيث أنّ السرعة في العمل التي هي مناط الشعبذة لها الأثر الكبير في كثير من الأعمال، ومن أظهرها السينما وعرض الصور المتحركة.
ومن ناحية الكبرى، ما الدليل على أنّ كلّ لهو حرام؟ نعم عندنا عمومات تحرّم اللهو ولكنّنا لا نستطيع التمسك بها للتخصيص بالأكثر، لأن أكثر أعمال الإنسان هي في واقع أمرها لهو، فهل الإنسان من الصباح إلى الليل يقوم بمحرمات؟
نعم، عندنا أشياء محرمة من حيث كونها لهواً كالغناء والقمار، وأن الجامع(1) بين العنوانين هو المحرم فلا مانع من الغناء إذا ترتّب عليه أثر عقلائي كالغناء
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() والسيد الحكيم يقول وأن الجامع… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
في العرس أو المأتم، واللهو وحده أيضاً ليس بمحرم، إذن فالحرمة تحتاج إلى جمع عنوانين وكلّ منها بنفسه ليس بمحرم.
وحيث انتفى لدينا الدليل على حرمته نرجع إلى أصل البراءة من التحريم.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[المسألة الثانية عشر: “الغش حرام بلا خلاف“]
الغشّ: وهي من المباحث التي يقتضي أن تحرر لمدى أهميته وكونه محل حاجة وابتلاء.
والحديث تارة يرد في مفهومه وأُخرى في أحكامه، وأحكامه مرّة تكليفية وأخرى وضعية، والحديث يرد في كلّ واحدة واحدة منها.
ــــــــــ[161]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما مفهوم الغش فهو من المفاهيم الواضحة البسيطة، غشّ فلاناً خدعه وأخفى عليه جانباً كان يجب عليه إظهاره. وهذا يأتي في باب النصائح وهو حجب النصيحة، وقد يقال أنه لا يكفي في الغش في النصيحة السكوت عنها بل مع إظهار خلاف النصيحة، ولا إشكال في حرمته.
أما الغش في المعاملات فهو إخفاء العيب في المبيع، وإنَّما يتصوّر وجود الغش إذا كان العيب معلوماً للبايع مجهولاً للمشتري، أما إذا كان خافياً على الاثنين فلا معنى لتصوّر الغش فيه.
وفي الصورة الأولى أي مع علم البايع بالعيب دون المشتري فلها صور:
ــــــــــ[162]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وموضع الكلام يأتي في الثاني والثالث. أما ما كان معلوماً عند العامّة فلا يجب الإخبار به، لأنّي في الواقع لم أحجب عن المشتري عيباً.
فالغش إذن إخفاء عيبه على الطرف المقابل وإن لم يكن هناك داع للإخفاء.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما حكمه التكليفي، فالروايات متظافرة في حرمته مثل ما عن أبي عبد الله “قال رسول الله لرجل يبيع التمر يا فلان أما علمت أنه ليس من المسلمين من غشّهم“، وفي الحديث: “من غش مسلماً في شراء أو بيع فليس منّا ويحشر يوم القيامة مع اليهود لأنهم أغش الخلق للمسلمين”، وغيرها كثير.
ولا مجال للمناقشة في دلالتها على التحريم.
وهذا النوع من الحكم ممّا لابدَّ أن تتبناه الشريعة التي تريد صلاح الأمّة، ولا معنى لشياع الغش والخداع بين الأمة ولا يمكن أن تحلله الشريعة الإسلامية حتى مع عدم وجود هذه الروايات فكيف مع وجودها؟! أما حكمه الوضعي فسيأتي.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ذكرنا بالأمس مفهوم(1) الغش وحكمه التكليفي والآن نبحث في أحكامه الوضعية، هل تصح المعاملة التي يقع فيها الغش؟.
والصور التي تمنع من الصحة في المعاملة:
أولها: الترابط بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي، إذا توجّه النهي إلى العبادة فإنّ ذلك يقتضي فسادها، فكذلك في المعاملة.
وقد سبق أن بيّنا في الأصول أنّ هذا لا يصلح أن يكون منشأ دائماً، لأن النهي تارة يكون عن السبب وتارة النهي عن المسبب. والنهي عن المسبب تارة يكشف عن مبغوضية في المنهي عنه أو لا يكشف عن المبغوضية وإنما يكشف عن سقوط جزء أو شرط.
فإن كان النهي عن نفس المعاملة كالنهي عن البيع عند النداء للصلاة يوم الجمعة، فالشارع قد قلّص من سلطنتي على أعمالي في هذه المعاملة، فأنا غير مسلّط على هذا العمل، ومن شروط الصحّة السلطنة، فإذا قلّص الشارع من سلطنته على ماله كالحبس أو على نفسه كهذه المعاملة، ومن شرائط التكليف
ــــــــــ[165]ــــــــــ
() الثلاثاء: 10/5/1382، 9/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وجود السلطنة فيها فالمعاملة تكون فاسدة لعدم السلطنة على النفس فيها.
وأما إذا توجه النهي عن المسببات فقد يكشف عن مبغوضية في المسبب أو يكون كناية (إشارة )على عدم صحّة المعاملة لعدم وجود المسبب إذا كان مترتباً على هذه الأسباب، أما بالنسبة إلى هذا الأخير فمعناه أن المسبب لم يوجد إذن فالمعاملة فاسدة.
أما بالنسبة إلى المبغوضية فوجودها لا صلة له في صحّة المعاملة وعدمه، وذلك لشمولها لعمومات صحّة البيع. نعم، في العبادات يفسد النهي العبادة لأن قصد القربة يتناقض مع النهي ويستحيل التقرّب بالمُبعّد، أمّا هنا فليس عندنا ذلك، والمفروض أنّ جميع الشرائط والأجزاء تامّة ولم تنقص المعاملة سوى كونها مبغوضية للشارع، ونحن لم نشترط في صحّة المعاملة أن لا تكون مبغوضة له.
لكن إن جرّت المبغوضية إلى فقد شرط أو جزء يكون ذلك مفسداً للمعاملة، والمرزا قال بفساد المعاملة على أساس أن الشارع بنهيه أفقد السلطنة على هذا العمل المنهي عنه.
ولكن الجواب يرد أنّ هذا إنّما يصح في النهي عن الأسباب والكلام إنّما هو بعد تمام الشرائط ولا كلام لنا في عدم صحّتها مع عدم تمامها، أما بعد تمامها فالمبغوضية ليست شرطاً في المعاملة، إذن فلتوجد المعاملة وهي مبغوضة وخاصة وهي ليست من العبادات التي تجب قصد القربة فيها، وهنا جميع الشرائط متوفرة فلا بدَّ أن يوجد المشروط وليس للمبغوضية أي أثر.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما بالنسبة إلى النهي الوارد في الروايات فننظر فيه فإما أن يكون وارداً على الأسباب أو على المسببات، فإن كان النهي متوجهاً على الأسباب فالفعل حينئذ لا يكون مقدوراً شرعاً بعد أن سلب الشارع سلطنة المكلّف عنه بمنعه عن فعله، ولا فرق بين رفع القدرة العقلية والشرعية لأن الممنوع عنه شرعاً كالممنوع عنه عقلاً، وذلك لأن العقل يحكم بالاستحالة عند وجود النهي الشرعي، فإذا كانت الأسباب ممنوعة فإن المسبب لا يوجد حتماً.
وإن كان النهي متوجه إلى المسببات لا إلى الأسباب، فأوّل الكلام أنّ المبغوضية في المعاملة توجب فسادها بعد تمام الشرائط.
قسم من الروايات صريحة في البطلان كالرواية التي تذكر أنّ الإمام كسر الدرهم وألقى به في البالوعة (وهي ما روي عن موسى بن بكر قال: “كنا عند أبي الحسن فإذا دنانير مصبوبة بين يديه فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثم قطعه نصفين وقال: ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش“) وهذا المثال لا يصلح أداة لمنع عام بل للمنع في صورة من الصور التي سوف نعددها.
فالشارع عندما كسر الدرهم اعتبره ليس بمال، أي من حيث كونه ذهباً وفضة مغشوشة لا من حيث صورته (أي سكّه)، وإلا فأي وجه لإلقائه في البالوعة وهو عين التبذير؟! إذن فهو لم يكن فضة ولا ذهباً أصلاً لذلك كسره الإمام حيث اعتبر أنّ لا مالية فيه وإلا لما ساغ له كسره، فنحن لا نلتزم بالفساد على طول الخط إذا لم تكن النواهي متوجهة إلى الأسباب.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
القاعدة الأولية ماذا تقتضي في المقام؟ الفساد أو الصحّة؟
المنسوب إلى (جامع المقاصد ) أنّ هذه المسألة من باب اختلاف الوصف والإشارة، مثل أن أقول: أبيعك هذه (الكفاية). في حين إنَّه في الواقع كتاب المكاسب، فاختلف المشار إليه عن الوصف المنطوق به. يقول (جامع المقاصد) أنّ مسألتنا من صغريات تلك المسألة فهو يرجع إلى اختلاف الوصف، والإشارة نحو أبيعك هذا الكتاب الصحيح وهو في الواقع مغشوش، فأنا أشير إلى الكتاب بوصف كونه صحيحاً في حين أنّ المشار إليه فاسد، فإن اختلف الوصف مع الإشارة هل تصح المعاملة أو لا؟
نحن إذا غلّبنا جانب الإشارة على الوصف تصح المعاملة لأنّ ما وقع عليه البيع هو الموجود، وقيل لا تصح، لأن الذي وقع عليه البيع هو الموصوف فتبطل المعاملة. وقد شبّه (جامع المقاصد) هذه المسألة بمسألة الإمام الذي يصلي ورائه المكلف جماعة على أنه فلان ثم يظهر أنه شخص آخر.
ويجاب عليه أن التشبيه بالإمام في غير موضعه، لأن المأموم إنّما يصلي وراء الوجود الخارجي الذي تخيّله فلاناً، فهو خطأ في التطبيق بحيث لو سألناه أنه هل يصلّي وراء هذا الإمام الفعلي (لا المتخيل) إذا عرفه؟ فيقول لا مانع من ذلك. وتخيّله بأنه فلان لا أثر له في المقام، بينما في باب الإشارة وصف الصحة أو النقصان مقوّم لشرائه المبيع بحيث لو قلت له أنه ناقص لما اشتراه، فالتشبيه بالإمام فاسد.
ــــــــــ[168]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
نعم، يمكن رجوع مسألة الإمام إلى مثل مسألتنا لو كان الإمام المتخيل عادلاً والفعلي فاسقاً فإنه غير مستعد للصلاة وراءه لو عرفه، على حين لا يمكن رجوع مسألتنا إلى تلك المسألة لأنها ليست من باب الخطأ في التطبيق، فالمسألة إذن لا تبتني على تقديم الإشارة على الوصف.
إنّ هذه(1) المسألة تنحل إلى مسائل متعددة، تختلف الأحكام فيما بينها باختلافها:
والمعاملة هنا صحيحة غاية الأمر أنه يوجد تخلّف في مقام التسليم والمشتري يبقى مطالباً للبايع بالصحيح.
وعللها بعضهم أن في المعاملة تعليقاً فكأنه يرجع إلى قوله (أبيعك إن كان المبيع كفاية)، والتعليق في باب المعاملات مفسد لها بدليل الإجماع أو الاستحالة العقلية.
يناقش الآخرون في هذا الرأي بأنّ هذا النوع من التعليق غير مفسد وذلك لأن التعليق على قسمين:
ــــــــــ[169]ــــــــــ
() ثم قال أُستاذنا الحكيم : أنّ هذه. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إذن فالتعليق في مسألتنا غير مانع بل من حيث إنّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، ولا يوجد تطابق بين المقصود من المعاملة والقصد، وعدم التطابق في تبدّل الصورة النوعية للمبيع يكون موجباً للفساد.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يقع البيع(1) -كما ذكرنا بالأمس- على ما في الذمّة مرّة وعلى ما في الخارج أخرى.
وفي الصورة الأخيرة مرّة يتسلّط الغش على الصورة النوعية جميعها ومرّة يكون من باب تبعّض الصفقة فيدخل الغش في بعض المبيع.
ومثال تبدّل الصورة النوعية أن يقول (بعتك حماراً )، وفي الواقع أن المبيع فرس، فالصورة النوعية مختلفة وإن اتّحد الجنس.
ومثال الثاني أن يبيعه دورة من كتاب الجواهر ويدس فيها أجزاء من كتاب آخر.
والحكم في الصورة الأولى -وهي انعدام الصورة النوعية- بطلان المعاملة، لأنّ الصورة النوعية أساس في البيع، والمادة وحدها غير مقوّمة للمبيع، وللفقهاء آراء في توجيه بطلانها:
منها: اختلاف الإشارة والوصف من حيث أنّ ما أشار إليه البايع هو الفرس والواقع أنه حمار.
ــــــــــ[171]ــــــــــ
() الأربعاء: 11/5/1382، 10/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فإن قلنا بتغليب جانب الإشارة صح البيع؛ لأن المقصود بيع هذا الوجود الخارجي المشار إليه ولا اعتبار بالوصف.
وإن غلّبنا جانب الوصف أبطلنا البيع؛ لأن الوصف ذو مدخلية في البيع وهو لم يقع على المشار إليه (أي أنّ المشار إليه غير متصف بالوصف واقعاً)، فاعتبرها هؤلاء الفقهاء من صغريات هذه المسألة كصاحب (جامع المقاصد).
قلنا: إن المسألة ليست مسألة وصف وإشارة لأن الوصف – في مسألتنا- مقوّم للمادة فلا يصلح أن يكون المقوّم منشأ لتغليب أحد الجانبين.
ومنهم من أبطل المعاملة للتعليق، أي نحو قوله: أبيع هذا إن كان حماراً. والتعليق في المعاملة يكون مبطلاً لها للزوم التفكيك بين الإنشاء والمنشأ، فيكون البطلان عقلياً لعدم جواز أن يكون الإنشاء حالياً والمنشأ متأخراً.
وصاحب (الفصول) صحح التعليق في العبادات ولكن ذلك لا يعني صحّته في المعاملات لأنّ عندنا إجماع على بطلانه، بل هو أشبه بضروريات المذهب وهو المميز لنا عن العامّة، حيث يصححون التعليق في الطلاق وغيره ونحن لا نسوغه.
ويجاب على هذا الرأي بأن التعليق قسمان:
ــــــــــ[172]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
القسم الأوّل، لأنّ قوله (إن كان حمار) له وجود في الواقع، إذن فمن حيث التعليق لا بطلان. نعم، يأتي البطلان من تخلّف المبيع ويلتحق حينئذ بالقسم الثالث.
إذن فمن حيث التعليق لا بطلان، نعم البطلان من حيث إنّ ما قُصد لم يقع وما وقع لم يُقصد، لأنّ الذي قُصد وهو الفرس لم يقع وما وقع وهو الحمار لم يُقصد، وهذا هو الذي يكون مانعاً من صحّة المعاملة.
أما في الصورة الثانية وهي فساد بعض الصورة النوعية لا جميعها كخلط الحنطة بالتراب، فهذه الصورة لها صورتان:
مثال الأول: خلط الحنطة في التراب فإنّ النصف الذي هو التراب لا يسري فساده إلى الحنطة فهو لا يحط من قيمتها ولا يرفع.
وحينئذ تصح المعاملة في بعض أطرافها (و هو السالم)، ولا تصح في البعض الآخر.
ومثال الصورة الثانية: أن يبيعه ستة أجزاء من الجواهر يجعل ثلاثة منها من كتاب آخر، فهذه النقيصة تدخل الحيف على المجموع لأنّ هذه الأجزاء في ضمن الكل لها قيمة، ووحدها مستقلاً لها قيمة أخرى، وذلك كما إذا كانت قيمة الدورة السليمة بستة دنانير فإنّ قيمة نصف الدورة تصبح دينارين لا ثلاثة
ــــــــــ[173]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
دنانير، فعندما يخلط البائع الكتاب مع كتاب آخر فإنه يدخل النقصان على الأجزاء الصحيحة نفسها، وللمشتري حينئذ الخيار في الفسخ وإن أراد إبقاء ما يرجع على البايع بأرش النقصان.
وفي صورة أخرى يكون الغش منصبّاً على تخلف الوصف، وهو إما وصف صحة أو وصف كمال.
أما وصف الكمال فنحو: (بعتك هذا العبد الكاتب) والعبد في الواقع لا يحسن الكتابة. قد يقال في المقام أنّ المسألة ترجع إلى التعليق، وقد قلنا إنّ الحساب يختلف فيها، فإن أوقفها على الوصف كأن يقول: (بعتك العبد إن كان كاتباً) وقلنا بفساد المعاملة المعلّقة فلا بدَّ أن نقول بفساد هذه المعاملة، أما إذا أبرزها بصيغة الوصفية، فتخلّف الوصف لا يورث البطلان لأنّ البيع إنّما وقع على هذه المادّة الموصوفة بالكتابة، فإذا تخلّف الوصف فله خيار تخلّف الوصف.
ثم أنّ هذا(1) يرجع إلى وحدة المطلوب وتعدد المطلوب فإن رجع إلى وحدة المطلوب بمعنى أنّ الكتابة مقوّمة للعقد بحيث إن العبد لو لم يكن كاتباً لما أقدم المشتري على شرائه، فهذا يرجع إلى أنّ ما قُصد لم يقع وما وقع لم يُقصد، والمعاملة لا توجد إذا لم يوجد المعلّق عليه، أما إذا رجعت المسألة إلى تعدد المطلوب بمعنى أن المشتري مُقدِم على شراء هذا العبد على كلّ حال ولكن صفة الكتابة به جهة حُسن له، فحينئذ عند انتفاء الوصف يثبت الخيار.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
() ثُمَّ قال سيّدنا الأستاذ: أنّ هذا… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما بالنسبة إلى تخلّف وصف الصحة نحو بعتك هذا العبد الصحيح وهو في الواقع مكسور اليد، فيقتضي أن له الخيار ولكن الروايات دلّت على إمكان الرجوع بأرش العيب عند عدم فسخه للمعاملة، فالفرق بين شرط الكمال وشرط الصحة أن تخلّف شرط الكمال موجب للخيار فقط، وتخلّف شرط الصحّة موجب للخيار والأرش، وهذا الأرش مستفاد من النص وإلا فوصف الصحة لا يقتضي أن يكون في مقابله ثمن(1).
ــــــــــ[175]ــــــــــ
() ثُمَّ تعرّض السيّد الحكيم إلى ما تقتضيه الأدلّة اللفظية في المقام، باختصار، وأعاد ما كان ذكره بأمس من أن الحكم الوضعي تابع للحكم التكليفي، فإن كان النهي مسلّط على الأسباب تفسد المعاملة وإن كان مسلطاً على المسببات فإنَّ المبغوضية وحدها لا توجب الفساد، أما كسر الإمام للدرهم فهو من باب الفساد لأجل تبدّل الصورة النوعية وإلا لما كسره الإمام، إذن فليس عندنا أدلّة لفظية في المقام، فنبقى نحن والقواعد، وقد نزلناها على ما مضى قبل قليل. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[المسألة الثالثة عشر: “الغناء لا خلاف في حرمته في الجملة”]
من المباحث التي يجب أن تكون واضحة في أذهان المسلمين حكم الغناء ومفهومه لأنه محل ابتلاء كثير، في حين أنه يدخله الغموض في أكثر من ناحية في مفهومه وحكمه وأدلّته.
يرد الحديث عندنا في مراحل أو بحوث، بحث في مفهوم الغناء ما هو؟ وبحث في حكمه ما هو؟ والأقوال في المسألة والبحث الأخير حول أدلّة هذا الحكم، هكذا يجب أن يترتب البحث.
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() السبت: 21/5/1382، 20/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
مفهومه اللغوي: نجد الاضطراب الكثير في كلام اللغويين، يصل بها إلى إثني عشر قولاً.
فبعضهم يوسعه جداً، فيقول: إنه الصوت. ويقول آخر: إنه مد الصوت. وثالث: إنه مد الصوت مع الترجيع. ورابع: إنه الصوت المطرب الذي يكون فيه ترجيع.
فالكلمات مضطربة جداً، فعندما نتحدّث عن الغناء فأي غناء هو المقصود؟ على حين أنّ في هذه التعاريف اختلافاً كثيراً وبعضها ربما يناقض بعضاً، إذن فنحن لا نستطيع أن نرتكز على اللغة في تحديد مفهومٍ للغناء. فهل للعرف مفهوم نستطيع الركون إليه؟ والواقع أننا لا نستطيع أن نحدد الغناء برأيه فهو لا يقول إن هذا غناء وهذا ليس بغناء.
إذن فهل نحصل على مفهوم شرعي بهذا الخصوص؟
وهذا بخصوص المحاولة التي قام بها السيّد الخوئي لتحديد المفهوم الشرعي، هل الغناء من صفات الصوت أو من صفات مادة الصوت؟ هل هو
ــــــــــ[178]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
كيفية في الصوت مخصوصة إن وجدت فالصوت غناء، أو يعتبر في الغناء مفهوم الحديث فللمضمون مدخلية في ذلك؟
فالذي يحاول الخوئي أن يفهمه بأن الغناء ذو شقين، في الصوت وفي المضمون، في الصورة وفي المادة. فالغناء هو كيفية خاصة في الصوت إذا كان حديثاً لهوياً ومادة باطلة، والترجيع وحده ليس هو المفهوم الذي يحرمه الشارع.
وهذا الرأي إنّما نتج عن الجمع بين الآيات والروايات كما يلي:
فإنّ قول الزور في الآية معناه الميل وهو التجنّي على الآخرين، وهو من المضامين عادةً لعدم إمكان أخذ الكيفية فيه، في حين أنّ الآية تُفسّر بالغناء وهو -على الأقل- من قبيل المصاديق لها فتطبيقها عليه لا يكون بلحاظ المضمون.
وقوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ(1) فإن تطبيقها على الغناء الشرعي لا يمكن إلّا إذا كان المضمون -وهو مادة الغناء- ملحوظة فيها. أما الهيئة فلا يمكن أن يشملها قول الزور، لأن الزور من شؤون المضامين لا من شؤون كيفيات الصوت.
إذن، فكل من المضمون والكيفية ملحوظان للحكم الشرعي، أما الأوّل فلعدم صحّة الآيات المتقدمة بدونها، وأما الثاني فللروايات الظاهرة بالنهي عن الكيفية الخاصّة، فهذا هو الذي يكون موضعاً لحديثنا وهو الذي به جنبتان.
فكأنّ وجهة نظر الشارع -أي الحِكمة من الحكم- هو أنّ التغنّي بالشعر كان الهدف هو المضامين الهجوية لإغراء المهاجرين على الأنصار أو إغراء
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) الأنبياء: 38.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الأوس على الخزرج، فهو يتغنى بمثالب الآخرين ليشق العصا بينهم، ويكون مجالاً لثورة بعضهم على بعض وينشأ من ذلك مفاسد كثيرة.
وهناك أيضاً مضامين تبعث على البطر والكسل وليس فيها غرض عقلائي لأنه مجرد أداة لقتل الوقت، في حين أن للوقت قيمة في الإسلام فهو يحرّم ما يكون قتلاً له بدون أي فائدة أخرى تُجنى من هذا الفعل كالقمار، فهو إذا اعتاد مثل هذه العادات فإنه يقامر طول النهار وقسماً من الليل ويزجي الوقت بما لا فائدة فيه على الإطلاق، فهذا النوع من المضامين التي ليس فيها إلا البطر نعرف من الإسلام أنه يقف منها، فكأن ناحية المضمون ملحوظة في الآيات لما فيها من مفاسد وتزجية وقت.
فكلام الأئمة انصب على النوع من الغناء ذي المضمون الباطل واللهوي، فالمضمون مأخوذ بعين الاعتبار في مفهوم الغناء، ومن هذه الناحية تُطبَّق عليه الآيات، وإلّا فقول الزور مع عدم تطبيق المضمون ناشز عن الغناء ويحتاج إلى كثير من التجوزات.
كما أنه من ناحية أخرى فإنّ نقل المضمون وحده ليس غناء، فالترجيع وكيفية الصوت ملحوظة أيضاً، فإذا ضممت بعضها إلى بعض حصل الغناء.
فالغناء الذي صار مصباً للأحكام الشرعية هو المتصف بالجهتين، أما الإطراب فهو لم يدخل في الغناء، والغموض إنّما نشأ من وضوح المفهوم عند الآخرين في ذلك الحين وذلك كصعوبة تفسيرنا للماء مثلاً.
فالنتيجة التي ينبغي أن نصل إليها هي أنّ الغناء بمفهومه اللغوي مجمل، ولا مفهوم عرفي له.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما المفهوم الذي يستفاد من الروايات ويكون محطاً للأحكام الشرعية فهو ذو شقين، شق يتعلق بالمضمون وشق يتعلّق بالكيفية، وهذا القول لا نستطيع أن ننسبه إلى اللغويين لأنه يقال – في اللغة- إنّ فلاناً يتغنى بالشعر. فليس الشعر هو الغناء وإلا لأخذ جزء الشيء فيه فاعتباره جزءه في اللغة في غير موضعه، فمعرض الأحكام الشرعية ذو شقين نستفيدهما من هذه التطبيقات كالزور واللهو المأخوذ فيها المضمون، والروايات الباقية كلّها مشعرة ببيان الكيفية، والجمع بينهما يُظهِر أن الشارع أراد موضع أحكامه أن يجمع الطرفين معاً، والخوئي يقرّب أن اللغويين يفهمون ذلك ولا نساعد عليه، حيث إنهما شيئان (الباطل والغناء) في قوله يتغنّى بالباطل وإلا لما صح التعبير.
فالشيخ يقول: ليس عندنا عنوانان، عنوان غناء محرّم وعنوان تلهّي. بل إن جمع العنوانين هو الغناء المحرّم فالموضوع صار مركّباً لا أنّ المركّب هذا اسمه غناء والسيد الخوئي يقول إنَّ هذا المركّب اسمه غناء.
والذي يهمّنا ليس تحقيق المفهوم اللغوي ولا المفهوم العرفي، أما المفهوم الشرعي الذي ذكره الخوئي فهو ليس ببعيد وان كان خارجاً عن مفهومنا، لأننا نقول: إنّه يتغنّى بالشعر الباطل وهو مشعر بالإثنينية.
فالخوئي يوافق السيّد الحكيم في أن الغناء ليس بمحرم وحده بل مع الباطل، ولكنه يقول: إنَّ الجامع بينهما هو الغناء والمحلل خارج تخصصاً.
والحكيم يقول: إنّه غناء ولكنه محلل. لهذا يقول السيّد الحكيم: بأن المفهوم بما هو غير محرم بل هو محرم بالعنوان الثاني( أي إذا تصف بالباطل).
ــــــــــ[181]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والخوئي يقول: إنّه محرم بالعنوان الأولي ولكنه الذي جمع العنوانين معاً.
ونحن نستطيع أن نتقبله فلسنا حريصين على مفهوم معين وهو ما يقتضيه الجمع بين الآيات والروايات.
*****
قلنا إن(1) كلمات اللغويين حول تحديد الغناء لا تؤدي إلى نتيجة ولا محصّل لأنها مختلفة اختلافاً كبيراً. وقلنا لعل المنشئ لهذا الاختلاف هو وضوح المفهوم في أذهانهم وتفسير الواضحات من أشكل المشكلات. ولكن مهما تكثرت أقوال اللغويين فالكلام منصب على الكيفية فقط.
خالف بعض أساتذتنا (الخوئي) وقال إن الكيفية وحدها غير كافية في مفهوم الغناء بل هو صوت بما له من معانٍ مع الكيفية الخاصة، فهو كلام له معنى مع الترجيع، والترجيع وحده غير كافٍ، كما لو رجع شخص بمعنى مبهم فإنه لا يقال عنه إنه يغني. ومن ناحية أخرى فإن الذي يتكلم بالباطل من دون ترجيع لا يقال عنه بالطبع إنه يغني. فالكيفية والمادة كلاهما يكونان مفهوم الغناء.
وهذا شيء لا يستفيده من اللغة -لأنَّها يمكن فيها أن يقال إنه يتغنّى بالمدح أو الذم فيجعل متعلقاً للغناء مما يدلّ على المغايرة بينهما- ولا من العرف، ولكنه يستفيده من الروايات من حيث إن الآيات فُسِّرت بالغناء، ومن ظاهرها أنها أطلقت الغناء على الصوت الذي فيه مضمون فيه ميل، فالمضمون ملحوظ في
ــــــــــ[182]ــــــــــ
() الأحد: 22/5/1382، 21/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الغناء. إذن وهو الذي كان مصباً لحكم الشارع فالغناء المحرم هو ذو المضامين الفاسدة.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى عندما أقول زوراً لا يقال إني أغني إذا كان من دون ترجيع، إذن أُعتبر الغناء مفهوم مركّب هو كيفية خاصة مع مضمون فاسد.
وهذا على الأقل المفهوم المستفاد من الأدلة الشرعية لأنها صدقت عليه انه غناء فهو الذي أُخِذ موضوعاً لكلام الشارع.
والقائل بهذا القول يريد أن يعتبر هذا المفهوم لغوياً وباعتباره لا يكون التغنّي بمدح النبي غناء.
بعضهم أخذ في مفهومه الطرب وهو الخفة غير المتعارفة التي تعتري الإنسان عند سماعه، وربما نُسب ذلك إلى الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء من حيث إنه أخذ الإطراب في مفهوم الغناء، وهو مشكل. لأن غير المطرب يصدق عليه الغناء فيقال: إنه يغني بصوت قبيح.
إذن، فنحن لا نستطيع أن نحدد الغناء تحديداً منطقياً ولكنه مفهوم عرفي ولذا عبّرت بعض الروايات عنه بلحن أهل الفسوق، مما يظهر أن هناك لحن خاص عندهم يسمّى غناء.
ــــــــــ[183]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما بالنسبة إلى حكمه: هل عندنا ما يدل على حرمته وما هي مواضع الخلاف فيه؟
أما كونه محرم في الجملة فهذا ما لا إشكال فيه؛ وبعد هذا تتشعب الأقوال.
فمن قائل بتحريمه لذاته وهو قول كثير من العلماء وكل المتأخرين ومنهم السيّد الخوئي نفسه. ومن قائل إن حرمته ليست لذاته بل لما يكتنفه من محرمات. ومن ثالث يقول: إن عنوان الغناء غير محرم إلا إذا انضم إليه عنوان آخر غير محرم وهو اللهو فيكون الجامع محرماً وهو الغناء اللهوي الجامع للعنوانين. وهذا ما يذهب إليه السيّد الحكيم ويشعر به قول المكاسب.
والقول الثاني هو قول المحقق الكاشاني: وهو تحريم الغناء بما يرافقه من محرمات. فكأن الحرمة أُخذت فيه على نحو القضية الخارجية، فإن الغناء عند بني العباس كان يرافقه كثير من المحرمات وقد بلغ الاستهتار حده في تلكم العصور.
فإذا كان الحكم مأخوذاً على نحو القضية الخارجية لا الحقيقية، فالغناء وحده ليس محرّماً بل المحرّم هو الغناء الذي يستلزم المحرم ولعلّ بعض
ــــــــــ[184]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الروايات تشير إلى ذلك، نحو قول الإمام الكاظم: “لا بأس به ما لم يعص به الله”، ومن هنا يتبين أنَّ حرمته عرضية وليست ذاتية.
أما الاستدلال على حرمته بالآيات فمن الممكن لكل من أصحاب هذه الأقوال الثلاثة السابقة الاستدلال بها على قولهم:
أما قول الخوئي فمن حيث أنها أخذت قول الزور في مفهوم الغناء، فتكون دالة على الحرمة بدون عنوان آخر مما يرافقه من المحرمات، ويكون الجامع بين الزور والكيفية الخاصة هو المحرم. وقصد التلهي أيضا غير مأخوذ في الآيات بل الغناء بما هو غناء هو المحرم.
و أما القول بأنّ الغناء صفة في الصوت وهو محرم للتلهي. فقد طبقت الغناء على هذا المعنى وجعلته مصداقاً للمحرم، ونحن إذ نعلم -بمقتضي هذا القول- أن المضمون غير داخل، إذن نستفيد من الآية أن المحرم هو جامع العنوانين.
إذن، فالغناء على ما فهمناه وهو الكيفية في الصوت محرم إذا كانت معه مادة باطلة.
وهذا القول مشابه لرأي المحقّق الخوئي ولكن الفرق بينهما أنَّ الخوئي يقول: بأنَّ المضمون مأخوذ في مفهوم الغناء وهذا القول يذهب إلى أنَّ المحرّم منه هو ما رافق المضمون الفاسد.
وأما القول بالحرمة العارضية القائل بأن الغناء وحده ليس محرماً بل هو
ــــــــــ[185]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
محرم من جهة انطباق قول الزور عليه وهو محرم، إذن الغناء محرم من جهة مرافقته للمحرم وهو قول الزور المحرم في المقام كما يحرم الغناء بمرافقته لمحرمات أخرى كدخول الرجال على النساء.
والآية أظهر في التطبيق على قول الخوئي.
لو(1) لم تكن(2) هذه الأخبار ناظرة إلى حرمة الغناء بنفسها وكان المحرم ما اقترن به كان ضمه إلى ذلك المحرم من قبيل ضم الحجر إلى جنب الإنسان. فبدل أن يقول إنّ الغناء محرم، يقول إن دخول الرجال على النساء وضرب الأوتار محرم.
نعم، لو كانت هذه الأمور ملازمة للغناء إذن يمكن أن يكون قد عبر بالملزوم عن اللازم لأن لهما نتيجة واحدة، ولكن لا تلازم بين الغناء وبين دخول الرجال على النساء وضرب الأوتار وقول الزور.
ومن الروايات التي تدل على حرمته ما ورد عن ابن فضّال قال: “سألت أبا عبد الله عن الغناء، وقلت: إنّهم يزعمون أن رسول الله رخّص في أن يقال: جئناكم جئناكم حيونا نحييكم. فقال كذبوا إن الله تعالى يقول: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ(17) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَـهْواً لاَتَّخَذْنَاهُ
ــــــــــ[186]ــــــــــ
() تأخرت في هذه المحاضرة عن الحضور من أولها وحين وردت كان سيدنا الأستاذ يقول: لو… (المقرِّر).
(2) الاثنين: 23/5/1382، 22/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ(17) بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ(1). ثم قال: ويل لفلان مما يصف رجل لم يحضر المجلس” الخبر.
يستفاد من هذا الخبر أنَّ الإمام استشهد بالآية على حرمة الغناء، لكن من حيث اشتماله على اللعب. إذن فجامع الكيفية الخاصة واللعب هو المحرم، وعلى قول الخوئي أن اللعب من المضامين وهو مأخوذ في المفهوم.
ومنها: رواية يونس قال “سألت الخراساني عن الغناء، وقلت: إنَّ العباسي زعم أنّك ترخص في الغناء. فقال: كذب الزنديق ما هكذا قلت له! وإنما سألني عن الغناء، قلت له: إن رجلاً أتى أبا جعفر فسأله عن الغناء، فقال له: إذا ميز الله بين الحق والباطل فأين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل. فقال: قد حكمت.” أي أنت طبقت الغناء على الباطل إذن عندك ارتكاز على الحرمة؛ ونستطيع أن نقول أنها دالة على حرمة الغناء مطلقاً لعدم تقييدها بشيء.
ومنها: رواية محمّد بن أبي عباد وكان مشتهراً بالسماع وبشرب النبيذ قال: “سألت الرضا عن السماع. قال: لأهل الحجاز فيه رأي وهو في حيز الباطل واللهو، أَما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا” وهنا نرى أن الإمام طبق الغناء على اللهو -الذي هو على رأي الخوئي- في ضمن المفهوم، وعلى رأي الجماعة أن المحرم هو مَجمْعَ العنوانين.
ومنها: رواية الأعمش الواردة في تعداد الكباير قوله: “والملاهي التي تصدّ
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) الأنبياء: 16-18.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
عن ذكر الله كالغناء وضرب الأوتار”، فالغناء حرام من حيث كونه لهواً.
ومنها: قوله -وقد سئل عن الجارية المغنية- “قد يكون للرجل الجارية تلهيه وما ثمنها إلَّا كثمن الكلب”(1).
وهذه الروايات ليست ظاهرة فقط بالحرمة ولكن من حيث هو لغو وقول زور ولهو، وقد ضُمَّت له عناوين ثانوية فجامع (مَجمْعَ) العنوانين يقال أنه محرّم، والسيد الخوئي يقول أنّ هذا هو معنى الغناء.
أمّا ما يدلّ على الحلية من الروايات فليس عندنا منها ما يقول بالحلية بقول مطلق، نعم، عندنا ما يدلّ على أنّ الغناء في الأعراس لا بأس به ما لم يعص به الله.
فإذا اعتبرنا أن الغناء اللهوي هو المحرم فالغناء في الأعراس هل جوازه من قبيل التخصيص أو التخصص؟ فليس عندنا إذن مطلقات في الحلية حتى تعارضها بالمطلقات في الحرمة.
*****
بعد أن(2) انتهينا إلى أن الروايات دالة على حرمة الغناء على اختلاف المباني فيه، إما هو كيفية فقط أو هو كيفية ومضمون أو أن التلهي قد أخذ في مفهومه.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
() الكافي الشيخ الكليني ج ٥ ، الصفحة ١٢٠..
(2) الثلاثاء: 24/5/1382، 23/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أنه منها مراثي سيد الشهداء: فإن قلنا إنَّه كيفية في الصوت أي أنه ترجيع من دون أن يكون للمضمون دخل في مفهومه ومن دون أخذ عنوان آخر فيه فهو غناء على كل حال ويقتضي أن نلتزم بحرمته.
كل ما قيل في الخروج عنها ادعاء السيرة التي أوصلها بعضهم إلى الإمام المعصوم، فيكون إقرار الإمام لهم سُنة ويكون هذا الحكم استثناء من القاعدة.
الجماعة يناقشون في السيرة لأنَّها طرائق مستحدثة لا يمكن أن نوصلها إلى زمن الإمام فيقتضي أن نلتزم بحرمتها.
ولكن الإنسان إذا رجع إلى كتب التاريخ يجد أنَّ السيد الحميري أنشد الإمام قصيدة له فقال له: (اقرأ كما تقرأ بالرقّة). أي لا تقرأها بمجرّد التلاوة ولكن حسن صوتك بقراءتها كما تحسّنه بالرقة. فلا بَّد أن هذه القراءة موجودة في ذلك الزمان، فإن أثبتنا السيرة والإقرار فيكون الحكم استثناء من القاعدة.
أما على المباني الأُخر فيكون خارج عنها تخصصاً لأنَّه:
على مبنى أنَّ الغناء حرام مع قصد التلهّي، فهو خارج عن الحرمة تخصصاً،
ــــــــــ[189]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لأنّ المحرم هو مجمع العنوانين يكون كل منهما بنفسه غير محرم؛ على حين إنَّ هذا (أي التغنّي بمراثي سيد الشهداء) لا يكون جامعاً للعنوانين لعدم توفّر التلهّي فيه. نعم، لو قصد منه التلهي توجّه القول بحرمته.
وأما على مبنى أخذ اللهو في نفس مفهوم الغناء، فيخرج موضوعنا تخصصاً أيضاً، وخروجه أوضح لأنَّه لا يكون حينئذ غناء.
إذن، فالتغنّي بمراثي سيد الشهداء صحيح على جميع المباني لو تممنا السيرة.
وهو ليس عندنا من العناوين المحللة، بل نطبّق عليه المباني.
فإن قلنا: بأن الغناء كيفية فيكون محرماً. ولكن الجماعة يذكرون تقرير النبي لعبد الله بن رواحة وعدم ردعه عنه وكذلك الطرمّاح بالنسبة إلى الحسين.
فإن صححنا هذه الروايات حتى يمكن أن نقيد تلك المطلقات فنتمسك بها.
وإن لم نصححها من حيث إنَّ رواية الطرمّاح مرسلة وراية عبد الله بن رواحة مروية عن طرق العامة لا من طرقنا، نبقى نحن والقاعدة.
فإن قلنا: بأن للغناء كيفية في الصوت فقط، فإن هذه الكيفية متوفرة في الحداء فهو حرام.
وإن قلنا: إنَّه حرام إذا قصد به التلهّي، فإن التلهي غير متوفر في الحداء
ــــــــــ[190]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لوجود غرض عقلائي مترتب عليه وهو تنظيم سير الإبل وسرعة سيرها، فيكون خارجاً عن الحرمة تخصصاً.
وإن قلنا: إنَّ المضمون اللهوي داخل في مفهوم الغناء، فننظر إلى ما يتكلمه الحادي، فإن كان يتكلّم بمضامين باطلة فهو حرام؛ وإلَّا فهو خارج تخصصاً عن الحرمة.
عندنا في هذا الصدد ثلاث روايات لراوٍ واحد، وهي روايات أبي بصير الثلاث.
الأولى عن علي بن ابي حمزة عن أبي بصير قال: “سألت ابا جعفر عن كسب المغنيات. فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس وهو قول الله عز وجل وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَـهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّـهِ(1).
الثانية عن الحكم الحناط عن أبي بصير “قال أبو عبد الله: المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها“.
الثالثة عن أيوب بن الحر عن أبي بصير “قال ابو عبد الله: أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس ليست بالتي يدخل عليها الرجال“. فمن إجازة بيعها نعلم أن العملية نفسها صحيحة أيضاً.
الخوئي يشكل في صحة هذه الروايات لأنها ضعيفة وهي لا تصلح أن
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) لقمان: 6.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
تكون مخصصة لتلك الروايات المتواترة في الحرمة، وعمل الأصحاب -على ما يذهب إليه الخوئي- لا يكون جابراً للضعف.
ولكن المعلق السيد عبد الرزاق المقرم نسب إلى المجلسي تصحيح الحديث الأول والثالث (وقال في الثاني مجهول وربما يُعد حسناً) (244 المحاضرات).
ومن هنا نجد أن لا خصوصية للأعراس ويشهد لذلك رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى “سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والأضحى والفرح، قال: لا بأس به ما لم يعص الله“. وخاصة أن في تلك الروايات جنبة عموم لهذه المناسبات جميعاً.
فكأن الشرع لا يريد شيوع الغناء بين الناس في كل الأوقات بل يحاول حصره في مواسم خاصة.
رواية علي بن حمزة عن ابي بصير (وهي الأولى من الثلاث) تدل على حليّة كسب المغنّيات فإذا كان ما نأخذه صحيحاً فالعمل نفسه صحيح إذن.
أما رواية علي بن جعفر فتدل على أن الغناء من حيث هو ليس بحرام وإنما حرّم من حيث العصيان.
فإذا كان عندنا إن الغناء في نفسه غير محرم فنصححه حتى في غير الأعراس من المواسم وخاصة مع عدم التلهّي وعدم الباطل، أما مع وجود الروايات فتكون الأغاني في الأعراس محللة حتى مع وجود اللهو.
أما تخصيصه بالنساء المشعر به تجويز كسب المغنّيات، فإن ذلك لا يعني تحريم كسب المغنّين لأن مثل هذه الخصوصيات لا نأخذ بها، وذلك كالأعرابي
ــــــــــ[192]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الذي يواقع أهله في شهر رمضان فإننا لا نحتمل خصوصية الأعرابي ولا خصوصية أهله، من حيث إن قاعدة المشاركة عامة في جميع الخصوصيات ما عدا مختصات النساء والرجال وما ينصّ عليه من التقييد بأحد الجنسين.
القاعدة الأولية -مع الغض عن الروايات الناهية عن قراءة القرآن بلحن أهل الفسوق- لا تقتضي على مبنى الخوئي الحرمة لعدم احتواء القرآن على مضمون باطل.
أما على مبنى السيد الحكيم (وهو الحرمة مع وجود التلهّي) فإذا توفر التلهّي كان محرماً وإلَّا فلا.
وإن أخذنا بالمذهب الذي يقول بأن الغناء كيفيته في الصوت فإنَّه يكون حراماً على كل حال.
الجماعة يذكرون أن بين حكم الغناء وحكم قراءة القرآن عموم من وجه، من حيث إنَّ الغناء محرّم سواء في القرآن أو في غيره، وقراءة القرآن مستحبة سواء عن طريق الغناء أو لا. فإذا اجتمعا فإنهما يتعارضان، فإن استطعنا أن نقدّم استحباب قراءة القرآن قدّمناه، وإلَّا تساقطا ونرجع إلى أصالة الحلية.
المتأخّرون قالوا: كيف يمكن أن يتعارض الحرمة والاستحباب مع كون الحرمة إلزاماً والاستحباب جوازاً؟ وهذا في الواقع اشتباه بين التزاحم والتعارض يرد تفصيله إن شاء الله تعالى.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
كان الكلام(1) في أن الغناء بالقران محرّم أو لا؟
قراءة القرآن مستحبة سواء كانت بكيفية خاصة أو لا، (أو هذا يرد إذا كان الغناء هو الكيفية فقط)، والغناء حرام سواء في قراءة القرآن أو في غيره. فمَجْمَع العنوانين يكون محرم من جهة ومستحب من جهة أُخرى، لأن عندنا روايات كثيرة على استحباب قراءة القرآن فيتعارض الحكمان، فإما أن نقدم أحدهما فنعمل به، وإما أن نساقطهما ونرجع إلى الأُصول العملية وهي الإباحة.
من الجماعة من قال بأننا إذا فتحنا هذا الباب فلا يسلم عندنا محرم أصلاً، لانّ كلّ محرم قد يحتوي على جوانب استحبابية كالزنا إذا كان فيه قضاء حاجة مؤمن، فهنا نقول الزنا حرام سواء في قضاء حاجة المؤمن أو في غيرها. وقضاء حاجة المؤمن مستحبة سواء في الزنا أو غيره، وعند تقديم المستحب يقتضي أن نستبيح الزنا والعياذ بالله!
ومثل التماس شرب الخمر، فإنَّ إجابة التماس المؤمن مستحبّة في شرب الخمر وغيره، (وشرب الخمر حرام في اجابة التماس المؤمن وغيره)، وعند التعارض وتقديم الاستحباب يقتضي أن نبيح شرب الخمر وهكذا… فالجماعة بهذه الطريقة الاستبشاعية قالوا لا إشكال من تقدم الأحكام الإلزامية على غيرها.
المتأخّرون يقولون بدخول هذه المسألة في باب التزاحم.
ــــــــــ[194]ــــــــــ
() الأربعاء: 25/5/1382، 24/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
التزاحم هو ما إذا كان عندنا ملاكان وتكليفان ولكن وقت المكلف يضيق أو قدرته لا تتسع لامتثال التكليفين معاً، فالعقل هنا يرجح تقديم الأهم على المهم، فقراءة القرآن من حيث كونها مستحبة بها مصلحة وبما أنَّها غناء بها مفسدة، وامتثال التكليفين لا يمكن؛ لأنه إما أن يفعل أو يترك فتدخل المسألة في باب التزاحم، وعندها لا بدّ من تقديم الجانب الإلزامي على غير الإلزامي ونلتزم بحرمة التغني بالقران.
أما إذا رجعت المسألة إلى باب التعارض وهو أن نفترض وجود حكم واحد ولكن لا نعلم ما هو هل هو الحرمة أو الاستحباب؟ فحينئذ إذا لم يكن عندي معيِّن يتعارض الدليلان وأرجع إلى مرجحات باب التعارض من تقديم الأصح سنداً أو دلالةً.
والمسألة هنا هي شيء واحد ذو وجهين، ذو مصلحة من جهة ومفسدة من جهة أُخرى، ويقتضي أن تدخل في صغريات اجتماع الأمر والنهي.
وفي تلك المسألة بعض التفصيل: فإما أن يكون عندي مندوحة كما إذا كان يمكن امتثال فرد آخر، كما في مسألتنا حيث يمكن قراءة القرآن بغير الغناء. أو لم تكن هناك مندوحة كما إذا انحصرت قراءة القرآن بالصوت الغنائي.
فمرة: نبني على استحالة اجتماع الأمر والنهي لعدم إمكان تعليق حكمين على موضوع واحد، وخاصة أنَّ التكاليف متوجهة إلى الموضوعات لا إلى العناوين.
ومرة أُخرى: نقول بعدم استحالة الاجتماع لأن الأحكام متوجهة إلى
ــــــــــ[195]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
العناوين ولا تسر؛ إلى المعنونات بل العناوين مرآة لمعنوناتها فقط؛ إذن فالشارع يمكن أن يكلفني بتكليفين ولا يتناقض.
فإذا فرضنا إمكان فرد آخر فهو تزاحم مأموري حصل في مجال الامتثال.
أما إذا لم يكن هناك فرد آخر وانحصرت القراءة بالغناء فيكون التكليفان متلازمين في الواقع، والشارع عندما يضع لا يستطيع أن يفكك بين المتلازمين، لأنّ امتثال كلّ ملازم معناه حصول ملازمه الآخر المغاير له بالحكم، وحينئذ يرجع الأمر إلى التناقض. فتكون المسألة مسألة تزاحم آمري، وعند ذلك ينظر الآمر إلى الأهم من الجهتين ويضع له الحكم.
فإذا كانت هناك مندوحة، فالتزاحم مأموري والشارع لا مانع لديه من أن يضع تكليفين، وإنما المكلّف نفسه أوقع نفسه بسوء اختياره.
وإذا لم تكن مندوحة، فالشارع لا يستطيع أن يفكك بين المتلازمين في الأحكام، لأنّ امتثال أيٍّ من المتلازمين يستدعي امتثال الآخر.
وحينئذ فينظر الآمر إلى الأهم منهما من وجهة نظره ويسلط عليه التكليف.
لذا نجد أنَّ التزاحم الآمري يرجع إلى باب التعارض، لأني أعلم بصدور تكليف واحد ولكن التبليغ قد تعدّد.
والتعارض وهو صدور تكليف واحد مع تعدد التبليغ فإن هذا التكليف الواحد إما أن يكون صادراً وحده لعدم وجود المزاحم أو لوجود المزاحم وتقديم الأهم في نظر المولى.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فهنا ثلاث صور: اثنين منها تدخل في التعارض وهو صدور تكليف واحد لعدم المزاحم أو لوجود المزاحم وتقديم الأهم. وصورة واحدة تدخل في باب التزاحم وهو التزاحم في الامتثال، وأن المكلّف هو الذي أوقع نفسه بسوء اختياره في التزاحم.
ففي مسألتنا توجد في القراءة مصلحة من جانب ومفسدة من جانب، وقلنا بإمكان اجتماع الأمر والنهي وكانت هناك مندوحة موجودة، فترجع المسألة إلى التزاحم. وقلنا إن التكليف غير الإلزامي لا يزاحم التكليف الإلزامي فإذا تزاحما يقدم الحكم الإلزامي لا محالة ويلتزم بحرمة التغني بالقرآن.
أمّا إذا أرجعنا المسألة إلى التعارض فهنا أعلم أنه لا تكليف إلَّا واحد ولم يصدر من الشارع تكليفان، فحينئذ ترجع المسألة إلى باب التعارض ويلتزم بالتساقط ويرجع إلى الأصول العلمية.
توجد كلمة غريبة للخوئي: وهي انه يمكن ترجيح جانب الحرمة بمثل (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، من حيث إن الإطاعة لا تتحقق مع المعصية، فيقتضي أنَّ نقدّم الحرمة. ولكننا في الواقع يجب أن نحرز أنَّه معصية، والمفروض أنَّ الصادر هو حكم واحد، ولا أعلم هل هو الحرمة أو الاستحباب؟ إذا كان هذا الحكم مجهول فالمعصية غير معلومة فلا أستطيع أن أطبّق الحديث على المورد.
ــــــــــ[197]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فهذا المورد هو من باب التزاحم، لأنَّه مصلحة ومفسدة مستفادة من الإطلاقات، والمفسدة الملزمة مقدمة ولا يوجد شخص قائل بتقديم الحكم غير الإلزامي على الحكم الإلزامي، فكيف يمكن أن نرجع المسألة إلى باب التعارض؟
نعم، ذلك يتصوّر إذا كان كل دليل نص في شموله لمورد الآخر لا فيما اذا كان مستفاداً شموله من الإطلاق.
فإذا أرجعنا المسألة إلى باب التزاحم تحل كل هذه المشاكل. ولو سلمنا رجوعها إلى باب التعارض، فلا بدّ من تساقطهما والرجوع إلى أصل البراءة ولا تجري المرجحات التي ذكروها لجانب الحرمة.
*****
تكلّمنا في(1) أنَّ بين أدلة حرمة الغناء وأدلة استحباب قراءة القرآن عموماً من وجه يلتقيان في القراءة الغنائية.
فإن فهمنا أنَّ هذه المسألة من صغريات باب التزاحم لأن بها مصلحة من حيث كونها مستحبة ومفسدة من حيث كونها محرمة، وبنينا على جواز اجتماع الأمر والنهي واعترفنا بوجود المندوحة لإمكان قراءة القرآن بدون الكيفية الغنائية، فحينئذ تدخل المسألة في باب التزاحم، والحكم غير الإلزامي لا يزاحم الحكم الإلزامي، فيقدم الإلزامي ونلتزم بالحرمة.
وإن أدخلنا المسألة في صغريات باب التعارض، كأن نقول: إنَّ الصادر من
ــــــــــ[198]ــــــــــ
() السبت: 28/5/1382، 27/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الشارع حكم واحد لا حكمان (وهذا إنما يتم إذا قلنا باستحالة توجّه الأمر والنهي إلى الموضوعات في نفس الوقت)، فإما أن نرجع إلى مرجحات باب التعارض من الأقوى سنداً ودلالةً -ومع الغض عن هذا الترجيح- أو مع فرض التساوي، فأي مرجّح آخر يمكن أن يكون لدينا؟
السيد الخوئي رجح جانب الحرمة بالحديث الوارد (أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
وجوابه: أنَّنا لابدّ أن نحرز أنَّ هذا الفعل هو معصية، في حين أن الحكم الصادر واحد ولا أعلم أنه الحرمة بخصوصه حتّى يثبت أنه معصية للخالق حتّى يمكن أن أرتب عليه عدم جواز التقرّب به.
والسيد الخوئي يريد أن يجعل أدلّة حرمة الغناء حاكمة على أدلّة استحباب قراءة القرآن.
والجواب: أنَّه إن كانت هذه الحكومة مستفادة من نفس الأدلة، فباطل. لأن أحدهما غير ناظر إلى الآخر، ومن شرط الدليل الحاكم أن يكون ناظراً إلى الدليل المحكوم ومفسراً له، وبمعنى( أي) بالنسبة إليه. كأن يقول الشارع: إن غرضي من الصلاة ما يعمّ الطواف. وأما في مقامنا فإننا إذا رجعنا إلى حاق أدلة الحرمة والاستحباب لا نرى ربطاً بينهما ولا لأحدهما أي إشارة إلى الآخر.
وإن كانت الحكومة تتم بمعونة دليل خارجي كالرواية (لا طاعة لمخلوق) فهي أجنبية عن مقامنا، والحكومة إنما تتم إذا كان الدليل بنفسه قائماً بها لا مع الاستناد إلى دليل خارجي. هذا بالإضافة إلى ما عرفت من المناقشة في الرواية.
ــــــــــ[199]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والسيد الخوئي يريد أن يعتبر حرمة الغناء من الأحكام الحيثية فالغناء محرم من حيث كونه غناء، وعلى هذا فالقراءة مستحبة إلَّا من حيث كونها غناء، والحكم الحيثي مقدّم لأنه حكم ثانوي، والحكم الثانوي مقدّم على الحكم الأولي. فالقراءة مستحبة بالعنوان الأولي ولكنها محرمة من حيث كونها غناء، فأدلّة الحرمة مقدّمة لوجود الحيثية.
وهذا صحيح إذا كان قيد الحيثية مأخوذ في دليل الحرمة، بالإضافة إلى معارضتها بحيثية أُخرى يمكن إن ترد في المقام، فإن القراءة مباحة من حيث كونها كلاماً.
وللسيد الخوئي كلام يقول فيه: إنّ الجماعة يعارضون بين الحرمة والاستحباب.
والواقع أنّهم لا يعارضون بينهما أصلاً لوجود الجمع العرفي وتوفره في المقام وهو تقديم الدليل الإلزامي؛ والظاهر أن السيد الخوئي لم يطلّع على ما كتبه المقرر هنا.
ثم يترقى السيد الخوئي فينكر أن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه، بل يقول إنّ بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، لأنّ العموم من وجه يصح إذا لاحظنا حرمة الغناء مع استحباب القراءة، ولكن لماذا نلحظ القراءة وحدها؟ بل يجب أن نسلّط نظرنا على القاعدة التي استقيناها من مختلف المجالات وهي(أن كل كلام مباح)، وحينئذ فالقران الغنائي لا يكون إلَّا بالكلام فيكون الكلام الغنائي أخص من قاعدة (كل كلام مباح) فنقيّد العام به، فينتج أن كل كلام مباح إلَّا ما تغنّي به سواء في قراءة القرآن أو في غيره.
ــــــــــ[200]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ثُمَّ يزيد فيقول:
الأمارة إما أن نقول إنها حاكمة على الأصل لأنه قد أُخذ في موضوعه الشك كقوله (لا تنقض اليقين بالشك)، (لا شك لكثير الشك)، في حين إن دليل الأمارة رافع للشك ومزيل لموضوع الأصل وهو الشكّ، فإذا زال الموضوع لا يرد الحكم السابق للأصل وإنما يرد فقط معنون الحكم في الأمارة، وذلك لأنّ الأمارة تقول: أنت غير شاك والأصل يقول إذا شككت فأجرِ الأصل. وعندما ترفع الأمارة نفس الشك فلا مجال للأصل الذي موضوعه الشك لأنك غير شاك تعبداً.
فبين دليل الأمارة وكل أصل عموماً وخصوصاً من وجه، لأن الأمارة حجة سواء وجد أصل على خلافها أم لا، والأصل حجة سواء مع الأمارة أو مع عدمها؛ وحينئذ فلا بدّ أن نسقطهما مع الغض عن الحكومة بينهما التي تقتضي تقديم الأمارة الحاكمة مع عدم لحاظ النسبة بينهما.
فالخوئي يريد أن يقول كما قال الشيخ الأنصاري من أن الأمارة مع ذلك مقدّمة. لأننا إذا لاحظنا تعارضها مع كل أصل أصل فبينها وبينه عموم وخصوص من وجه. ولكننا إذا لاحظنا أدلة الأصول مجتمعة فتكون الأمارة أخص، لأن كل أمارة يوجد أصل على خلافها، فحينئذ فقد تكون أصل ولا أمارة ولا تكون أمارة ولا أصل؛ وحينئذ فلا بدّ من السير على وفق الأمارة لأن الخاص مقدم على العام.
السيد الخوئي يقول: هذه العملية نجريها هنا أيضاً فنلاحظ قاعدة( كل
ــــــــــ[201]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
كلام مباح) المستنتجة من أصل البراءة، لأن الشك في حرمة الكلام شك في التكليف خرج منه الكلام الغنائي فهو أخص منه فيقدّم عليه. إذن كل كلام غنائي حرام سواء كان في القرآن أو في غيره.
والجواب: انه لو كان عندنا قاعدة بأن كل كلام مباح فهو صحيح. ولكنك تريد أن تستفيد هذه القاعدة من الأصل العملي، على حين أنَّك تبني على تقديم الدليل اللفظي على الأصل، ولذا قال إنه مع الحكومة لا تصل النوبة إلى التخصيص لأن الخاص والعام لا بدّ أن يكونا في رتبة واحدة حتى يجري فيهما التخصيص، أما الأمارة فإنما تكون في رتبة الأصل مع الغض عن الحكومة وإلَّا فتكون مقدمة حتماً.
والشيخ إنما ذكر هذا الكلام وغض النظر عن جانب الحكومة إلزاماً للخصم، في حين أنك تريد أن تفتي ولا بدّ لك أن تنقح أن (كل كلام مباح) كحكم واقعي لا كحكم مستنتج من الأصل، لأن غاية ما ينتجه الأصل هو الحكم الظاهر ولا يعارض به الأدلّة اللفظية لأنهما ليسا في عرض واحد.
أنت أثبت القاعدة عن طريق الأصل وأنت بانٍ على أن الإمارة مقدّمة وحاكمة على الأصل، فكيف تكون معه في رتبة واحدة وتتعارض معه؟! كيف يأتي المتأخّر رتبة في عرض المتقدّم؟!
هذه صحيح لو كان لنا دليل لفظي ولكن الأصل لا يكون في رتبة الأمارة حتى يتعارضا. والشيخ إنما قال ذلك مع غض النظر عن الحكومة وأنت لا تستطيع غض النظر لأنك في مجال الفتوى.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والظاهر أن هذه الصفحات من التقريرات قد طبعت بدون أن يَطلَّع عليها السيد الخوئي وإلَّا فإن أكثر ما ذكر فيها مخالف لمبانيه وفيها مجال للمناقشة.
فالأنسب هو أن هذه المسألة من صغريات باب التزاحم لا باب التعارض، لأنّ فيها مصلحة ومفسدة والمندوحة موجودة، والموجود عندنا حكمان لا حكم واحد، وحينئذ تكون المصلحة الملزمة مقدّمة على غير الملزومة.
قلنا: إن أخذنا(1) بالروايات العامة في استحباب قراءة القرآن وأخذنا بالروايات العامة في حرمة الغناء فينتج أن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه وحينئذ تتعارضان وتتساقطان ونرجع إلى أصل البراءة.
وقلنا: إن المسألة لابد أن ترجع إلى باب التزاحم لا باب التعارض. لأنّنا إذا قلنا بإمكان اجتماع الأمر والنهي وإن المندوحة موجودة، فحينئذ يصح رجوعها إلى باب التزاحم ويقدّم عندئذٍ الدليل الإلزامي. ولو أرجعنا المسألة إلى باب التعارض فكلام الجماعة لا يرد في تقديم جانب الحرمة، لأن الدليل الأجنبي لا يصلح أن يكون مرجّحاً لجانب الحرمة، لأننا إنما نرجّح به إذا علمنا بالحكم أما إذا أحرزنا فقط انه حكم واحد ولم نحرز أيهما هو الحكم فكيف نرجح به الحرمة؟
السيد الخوئي يريد أن يجعل بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، لأننا مرة نأخذ أدلة حرمة الغناء واستحباب القراءة ونعارض بينهما فينتج أن بينهما
ــــــــــ[203]ــــــــــ
() الأحد: 29/5/1382، 28/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
عموماً من وجه، ولكن لماذا نأخذ استحباب قراءة القرآن وحده ونعارض به الحرمة؟ بل نأخذ كل ما يتحقق به الكلام لأن عندنا موارد كثيرة يمكن أن نستقي منها قاعدة هي أن (كل كلام مباح)، وعندنا من الجانب الآخر أن الغناء محرم فتكون النسبة بينهما هو العموم والخصوص المطلق؛ لأن الغناء لا يتحقق إلَّا في الكلام فينتج أن كل كلام مباح إلَّا الغناء.
هذه العملية نفسها أجراها الشيخ الأنصاري عندما عارض بين الأمارات والأصول، فنحن مرة نقدّم الأمارات التي تقول (أنت عالم تعبداً) على الأصول التي تقول (إذا شككت فاجرِ الأصل)، فالأمارة تهدم الشك فتهدم الأصل الذي بُني موضوعه على الشك، وبذلك تكون حاكمة عليها ورافعة لحكمها بلسان رفع الموضوع، فالأمارة تقول (أنت عالم تعبداً) وبذلك ينهدم الشك المأخوذ في موضوعات الأصول ويزول حكمه بزوال موضوعه، فنحن إذا أجرينا الحكومة فلا إشكال في تقديم الأمارات على الأصول.
ولكن الإشكال عند الجماعة، أننا إذا أردنا أن نلحظ الأصول أصلاً أصلاً فيكون بينهما عموماً وخصوصاً من وجه، فالاستصحاب نافذ الحكم سواء كانت عندك أمارة على خلافه أو لم تكن. والأمارة سارية المفعول سواء كانت لديك حالة سابقة أم لا. ويكون موضع الالتقاء هو ما إذا كانت الأمارة قائمة وعلى خلافها توجد حالة سابقة فتتعارض وتتساقط، فكيف تقولون بتقديم الأمارة؟
يقول الشيخ: إنّنا إذا غضضنا النظر عن الحكومة تُقدَّم الأمارة أيضاً، وذلك بأن نجمع أدلّة الأصول كلها ونضعها في جانب واحد، وأدلة الأمارات
ــــــــــ[204]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ونضعها في جانب واحد مقابل، وحينئذ يكون بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً. لأنّ كلّ أمارة لا بدّ أن يوجد معها أصل إما على وفقها أو مخالف لها، في حين أنَّنا يمكن أن نتصور أصلاً بلا أمارة كما لو كنت شاكاً وليس عندي أمارة، وحينئذ تكون أدلة الأمارات أخص من أدلة الأصول العملية لأن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، لأن كل أمارة معها أصل ولا عكس، فيُقدّم الأخص فينتج كل أصل حجة يعمل به إلَّا إذا قامت أمارة على خلافه؛ ويعني ذلك أنه مع قيام الأمارة لا مجال للأصل
الخوئي يريد أن يجري نفس هذا الأمر هنا، فنحن إذا اقتطعنا قراءة القرآن وحدها فيكون بينها وبين الغناء عموماً من وجه، ولكن لماذا نذكر القرآن وحده في حين إن الغناء لا يرد إلَّا في ضمن الكلام؟ وعندنا قاعدة عرفناها من الموارد المختلفة وإن أعوزتنا الموارد فنعرفها بمعونة الأصل، وهو أن (كل كلام مباح)، وحينئذ يكون الغناء أخص من الكلام فيُقدَّم الأخص ونلتزم بحرمة قراءة القرآن بالغناء.
ولكن هذا شيء لا نلتزم به لأنّه لو كان عندي قاعدة تقول (كل كلام مباح) فصحيح. ولكن الخوئي يقول إنَّنا نستفيد هذه القاعدة ولو بالاستعانة بالأصول العملية، والأصول العملية قد أُخذ في موضوعها الشك، وحرمة الغناء حكم واقعي وغير ناظر إلى حالة الشك. أصالة الإباحة لا تقول إن الكلام مباح واقعاً، في حين إنّ الحرمة تقول: إن الغناء حرام واقعاً. فكيف نجمع بين هذين الحكمين مع أنهما مختلفان في الرتبة؟
ــــــــــ[205]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والشيخ إنَّما عمل ذلك مع غض النظر عن الحكومة وذلك تنازلاً مع الخصم، في حين أنك لا تستطيع أن تتنازل ولا أن تغض النظر لأنّك تريد أن تستنبط حكماً واقعياً، فالعام عندك ظاهري والخاص واقعي، فكيف يخصص الحكم الواقعي الحكم الظاهري؟
ثُمَّ يقول السيد الخوئي: هذا إذا قلنا إن الغناء كيفية فقط، أما إذا رجعنا إلى مبنانا وقلنا إنه كيفية ومضمون فالمضمون الباطل ليس موجوداً في القرآن، فالغناء بالقرآن خارج عن الحرمة تخصصاً لأنّه (ليس بغناء في الواقع مع عدم دخل المضمون الباطل فيه).
ثم عَقَّبَ على ذلك بقوله: وبالجملة التغنّي بالقرآن بمعنى قراءته بألحان أهل الفسوق محرّم وعقابه شديد، بل ربما يوجب الكفر لأنّه إتيان بالعبادة على الوجه المحرم فهو موجب للهتك انتهى.
كيف صار هذا تلخيصاً للكلام السابق مع أنك لم تلتزم بالغناء هو الكيفية فقط؟ قولك هذا صحيح وهو مستفاد من روايات وردت بهذا الخصوص تنهى عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق، وهي تحرم هذا العمل سواء كان اسمه غناء أو لا يسمى غناء، ولكن هذا لا يعني أنه يكون تلخيصاً للكلام السابق لأنّ الخوئي أدخل المضمون في مفهوم الغناء فيكون التغنّي بالقرآن خارجاً تخصصاً.
ومع وجود هذه الرواية الناهية عن قراءة القرآن بلحون أهل الفسوق فلا حاجة إلى كل ذلك الكلام الطويل، بل إن بينها وبين مطلق قراءة القرآن عموماً وخصوصاً مطلقاً، وحينئذ يقدّم المقيد لا محالة ونحكم بالحرمة من دون نظر إلى
ــــــــــ[206]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
عمومات إباحة الكلام وغيرها. أما إذا غضضنا النظر عن هذه الرواية فلا بدّ أن يكون حلالاً لأن الغناء ما كان محتوياً على مضمون باطل وليس في القرآن مضمون باطل.
فالنتيجة التي نريد أن نتوصّل إليها أنه إذا تمّت الرواية فالغناء بالقرآن محرم على أي المعاني أخذناه. وإلَّا فالمسألة تدخل في باب التزاحم دون باب التعارض، ويقدّم حينئذ الحكم الإلزامي ولا تأتي مرجّحات باب التعارض. وأما التقرّب بالقراءة الغنائية للقرآن فتأتي هنا (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) لأن الطاعة لا يمكن أن تتحقق بالمعصية.
أما سماع الغناء:
فإذا حرم الغناء حرم استماعه وهو الذي يكون القصد دخيلاً فيه، نحو فعل هذا الرجل الذي كان يطيل الجلوس في المرحاض، فقال له أبو عبد الله الصادق”أما سمعت قول الله عز وجل أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً. ولما أظهر الرجل الاستغفار والتوبة قال: قم واغتسل وصلِّ ما بدا لك فإنك كنت مقيماً على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك“(1).
ــــــــــ[207]ــــــــــ
() نص الرواية: “محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد قال: كنت عند أبي عبد الله فقال له رجل: بأبي أنت وأمي، إني أدخل كنيفاً ولي جيران وعندهم جوار يتغنين ويضربن بالعود فربما أطلت الجلوس استماعاً منى لهن، فقال: لا تفعل، فقال الرجل: والله ما آتيهن، إنما هو سماع أسمعه بأذني، فقال: لله أنت، أما سمعت الله يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا؟ فقال: بلى والله، لكأني لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله من عربي ولا عجمي، لا جرم إني لا أعود إن شاء الله، وإني أستغفر الله، فقال له: قم فاغتسل وصل ما بدا لك، فإنك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوء حالك لو مت على ذلك. أحمد الله، وسله التوبة من كل ما يكره، فإنه لا يكره إلا كل قبيح، والقبيح دعه لأهله، فإن لكل أهلا“. (وسائل الشيعة آل البيت) الحر العاملي، ج ٣ ص٣٣١، (من لا يحضره الفقيه) الشيخ الصدوق، ج ١ ص٨٠.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فالذي يظهر من الرواية أن الرجل كان قاصداً للاستماع، فالاستماع الذي كان بقصد التلهّي لا بد أن يكون محرماً لصراحة الرواية فيه.
أما السماع فليس بمحرم بل أكثر من ذلك فإن مثل هذا التشريع لو وجد هو من أشق المشقات وهو سد الأُذن بمجرّد مروره في الشارع ثمَّ يطرق أُذنه صوت غناء. نعم، استماعه محرم مهما كانت معانيه لأنّ الأدلة وافرة على ذلك.
أما الاستماع لغير قصد التلهي فليس محرماً كما إذا أردت أن تعرف مضامين القصيدة التي يُغنّي بها، أو إذا فرضنا أن التداوي يكون بالغناء فيقتضي أن نجوّزه ما لم يدخل فيه اللهو.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[المسألة الرابعة عشر: “الغيبة حرام بالأدلة الأربعة”]
أما بالنسبة إلى مفاهيم اللغويين فهي لا تضمها وحدة يمكن الرجوع إليها لمعرفة كنه الغيبة، فلا بدّ أن نستكشف لها معنى شرعياً، ويبدو أن الغيبة كانت معنى غامضاً حتّى في زمان النبي.
الروايات مختلفة أيضاً في تحديد الغيبة، بعضها تؤيد أقوال بعض اللغويين في مدلول الغيبة (وهو ذكرك لأخيك بما يكره)، وبعض اللغويين يذهبون إلى هذا المبنى، فهل يصلح هذا المفهوم أن يكون محدداً للمتبادر من الغيبة في أذهاننا؟ وهل يتلاءم مع ما تعرفه منها؟
ما المقصود من (ما يكره)؟ هل هو راجع إلى الذكر أو المذكور؟
فإذا لاحظنا المعنى المصدري بمعنى الذكر حين يكون مكروهاً فربما تشمل الشيء الحسن إذا أردت نشره وهو يأباه.
ــــــــــ[209]ــــــــــ
() الاثنين: 30/5/1382، 29/10/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فهذا التضايق من ذكر محاسنه هل يدخله في الغيبة إنك تذكر محاسنه وهو يكره ذلك؟ فهل أنت تسمى مغتاباً له؟ بالطبع لا حسب المتبادر لنا من الغيبة.
وأُخرى نلاحظ المذكور بالمعنى الاسم المصدري، أي ما يقع به الذكر. فإذا ذكرت شخصاً يشرب الخمر بتستر وهو يأنس بشرب الخمر فهذا يسمى غيبة، مع أنك حين ذكرت شربه للخمر فإنك لم تذكر شيئاً مكروهاً ولكنه يسمى غيبة بلا إشكال، مع أنه بحسب الرواية النبوية ليست بغيبة.
فهذا التعريف لا يتلاءم مع ما في أذهاننا منها وهو غير جامع من ناحية أنه يخرج أكثر الأفراد إن لم يكن كلهم لو حملنا (ما يكره) على المذكور،( لأن مَن يرتكب شيئاً لا بدّ أن يوقعه عن طيب نفس) وغير مانع من ناحية عده لذكر المحاسن غيبة هي ليست منها.
نعم، لو كان هذا الحديث وارداً في رواية صحيحة لأخذنا به وعرفنا منه الموضوع الذي يريد أن يجعله الشارع المقدّس مدار أحكامه، وحينئذ نقول: إن ذكر المحاسن خارج عن دائرة الغيبة بالتخصيص لها بالبداهة أو بدليل خارجي آخر.
ولكن هذه الرواية النبوية مروية بطريقين: أوّلهما عامّي والثاني عن أبي بصير عن النبي وبينهما زمان طويل، فالرواية مرسلة وان كان أبو بصير موثوقاً في نفسه، بالإضافة إلى أن عندنا عدة أشخاص مُسمّين بأبي بصير بعض منهم في غاية الوثاقة وبعضهم ليس كذلك ولا نعلم الراوي أيّاً منهم؟ فالراوي هو مردد بين الثقة وغيره، فهاتان الروايتان مردودتان.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا الوارد في لسان أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ويظهر أيضاً أن الغيبة كانت من المفاهيم الغامضة في ذلك الزمن فليست لها ذاك المفهوم المحدد عند العرف فكانوا يرجعون إلى الإمام ليسألوه عن مفهومها.
وقد وردت عدة روايات في سؤال الإمام عن مفهومها، تقول هذه الروايات إن “الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه“(1) فتأخذ في الغيبة أن تحتوي على الأنقاص ممن تتعلق به وذلك كما هو ظاهر من قوله: “أن تقول في أخيك” لأن ذكر المحاسن ليس قولاً في الشخص فظاهر هذا التعبير هو النقص ويؤيد هذه قوله “ما ستره الله عليه“. فالمحاسن المستورة لا يقال إنَّ الله سترها بل هو الذي سترها وإنما الذي سترها الله فهي المساوئ المستورة.
كما أنّها أخذت في الغيبة ذكر المساوئ التي لا يعرفها نوع الناس، فلا غيبة في العاهات الجسمية والمتجاهر بالفسق وإن كان المخاطب نفسه لا يعرفها لأن نوع الناس يعرفها، فإذا كانت من الأمور الواضحة فليست من الغيبة؛ وإن أمكن دخولها تحت عنوان محرم آخر كالسب والإهانة.
وربما تكون هذه الروايات صحيحة، فهل تصطدم مع مسبقاتنا عن الغيبة؟
ربما كان ذكر المكشوف غيبة عرفاً لأن الغيبة العرفية هو ذكر الإنسان في غيبته، ولكن بعد وجود صحة الرواية إذن يمكننا أن نتمسك بها ونرفع اليد
ــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) (الكافي) الشيخ الكليني، ج ٢ ص٣٥٨.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
عن التعميم اللغوي الذي يقول غابه أي عابه وعن التضييق في الرواية النبوية.
أما إذا نسبت إلى شخص ما لا يعمله كأن تقول: إنه يشرب الخمر. في حين أنَّه لا يشربها، فقد بهتَّه تبهته وقولك عليه بهتان.
ويؤيد أن كشف الأُمور غير المستورة ليست بغيبة. بعضُ الروايات التي تعرف الغيبة بأنها ذكر النقائص المستورة، وربما خفف علينا مثل هذا التعريف بعض الأعمال التي نقوم بها أثناء محاوراتنا من حيث إن بعضهم يتلذذ بذكر الآخرين، فإن كان هذا الذي يذكره من النقائص المستورة فيكون غيبة، وإلَّا فلا. ولكن ربما دخلت في محرم آخر.
ولكن يغلب أن يكون ما يُذكَر بين الأصدقاء مما يعرفه بعضهم عن بعض وخاصة إذا لم يكن قصد التنقيص موجوداً فحينئذ إذا كان ما ذكر من النقائص من الأُمور المستورة ولو نوعياً فلا إشكال في حرمته. وإذا دخلت في مفهوم السبّ فهو محرم أيضاً، وإلَّا فلا.
فهذا يخفف في نفسي ذكر الآخرين بين الأصدقاء، وبهذا نستطيع أن نحمل الناس على محمل حسن. ولكن الأحسن أن ينزّه الإنسان لسانه لأن ترك التعرّض للآخرين أولى بكثير من التعرض لهم وإن كان أمراً مباحاً …. وذلك لقبح اعتياد مثل هذه العادة السيئة، ولأن الإنسان قد يتخيل انه في كلامه يتظلم للشخص حزناً عليه، في حين أنه لو رجع إلى دخيلة نفسه يجد أنه يتكلم في التشفي منه.
ولكن الاشتراط في الغيبة بقصد التنقيص بالأُمور المستورة يجعل موارد
ــــــــــ[212]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الغيبة محدودة نسبياً، مما لا يدعنا أن نحكم على كل شخصين يتناولان بالحديث شخصاً ثالثاً نحكم عليهما بالفسق، وإلَّا فان أكثر الناس فسقة.
وهذه الروايات لصحتها تحدد مفهوم الغيبة الشرعي وهو مفهوم لا بأس به ويمكن الركون عليه، ورفع اليد به عن المفهوم الوارد في النبوي والوارد في كلام اللغويين.
هذا هو الكلام في مفهوم الغيبة.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بعد أن(1) انتهينا من مفهوم الغيبة نأتي إلى:
[حكم الغيبة:] ذكروا على حرمتها أدلّة من الأدلة الأربعة، أو من حق الأدلة الأربعة أن نذكر في سبيل الاستدلال على حرمتها.
وحرمة الغيبة على الإجمال من الأمور التي ينبغي أن تكون من الضروريات أو ما يشبه الضروريات لأني لا أظن أن مسلماً اعتنق الإسلام وهو لا يعرف حرمة الغيبة، فالغيبة على نحو الإجمال ليست حرمتها موضعاً لخلاف.
استدلوا على حرمتها من الكتاب بعدة آيات:
منها قوله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَـحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ(2) وهي من أوضح الآيات في الاستدلال بها على حرمة الغيبة.
أوّلاً: لوجود النهي الظاهر بالتحريم في شطرها الأول.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
() السبت: 5/6/1382، 3/11/1962. (المقرِّر).
(2) الحجرات:12
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وثانياً: لتبشيع الغيبة. هذا التبشيع المنفر في شطر الآية الثاني من حيث إنه من البشاعة بمكان أكل لحم الأخ العزيز على الإنسان ونهش لحمه حياً فرضاً عن كونه ميتاً، فمن هذا التبشيع والإبعاد عن هذا الأمر المبغوض يستكشف أن الغيبة مبغوضة للمولى.
ثمَّ يتكلم الجماعة عن وجه التشبيه المغتاب بآكل لحم الميت، وذلك لأن الغيبة تقع غالباً على غير الحاضر ومثله لا يقوى على الدفاع عن نفسه، كما أن الميت لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ما ينهش لحمه.
السيد الخوئي يريد أن يربط بين هذه الآية وبين تجسم الأعمال.
بعضهم يدعي أن الثواب والعقاب الذي يناله الإنسان ليس إلَّا عمل الإنسان نفسه، فكلمة الخير تتجسم بما يسره، والعمل السيئ يتجسم بما يسيئه.
الآن نرى هل العلم يوافق على ذلك؟
نعم، يوافق من حيث إنه يقول: إن كل حركة في الجسم وكل مادة وكل صوت هو ليس إلَّا طاقة من الطاقات، والطاقة لا تفنى فهي باقية في الفضاء، فما يُرى من فناء خارجي في بادئ النظر ليس بفناء في الواقع وإنما هو تحوّل الشيء من مادة إلى طاقة. والطاقة ليست إلَّا مادة، غاية الأمر أنها مادة تشتتت بعد أن كانت مضغوطة في حيز معين(1).
ــــــــــ[215]ــــــــــ
() قال أُستاذنا الحكيم هذه الجملة للرد على من ظنّ بأن الطاقة من قبيل الأُمور الروحية المجردة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وهذه المادة هي عبارة عن طاقة والطاقة تبقى خالدة قائمة في الكون، ثمَّ عندما تنضغط تعود أنت بواقعك وبكل متعلقاتك وأعمالك في الدار الآخرة.
ونستطيع أن نتكلم بلغة العلم فنقول: إنك عندما تتحول إلى طاقة تنطلق على أساس موجة معينة تصل بك إلى الشمس وتبقى هناك تحترق، أو تصل بك إلى نجمة جميلة جداً فتبقى هناك في النعيم.
فأنت عندما تطلق الكلمة ثمَّ عندما تفتح عينيك ترى كل أعمالك حاضرة لا يخفى عليه صغيرة ولا كبيرة.
ويقول العلم أيضاً: إن جميع هذه المواد الموجودة في الكون تتفق سنخاً من حيث التركيب فكلها طاقة مضغوطة، فجسمك وحركة يدك وفكرتك التي في ذهنك كلها من هذه الناحية في سنخ واحد.
هذه النظرية تفسّر لنا تجسد الأعمال، وكيف أنني أتكلم بكلمة تتحول إلى حورية أو إلى عربيد(1)، فإما أن نقول إنَّ هذه كنايات وتجوّزات في التعبير أو أن نفسّرها بتفسير اللاشعور الذي يقول به علم النفس، وهو أن كل خاطر هو باقٍ في لا شعور الإنسان ثمَّ هي تتحول في اليوم الآخر إلى الشعور فيتأذى الشخص من سوء مفارقاته التي قام بها، لأنَّه صحيح عندما فعلها لأوّل مرة شعر باللذة ولكن اللذة قد ذهبت ولا يبقى عليه إلَّا وبالها.
أو أن نفسّر تجسد الأعمال بمنطق العلم الذي يقول بوجود السنخية بين ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) وهو ثعبان الحنش الأسود الملقب بصديق الفلاح، وباللهجة العراقية العامية (العربيد).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الكلمة والحورية، والشيء الذي يُخيف الإنسان أنه عندما يواجه الحقيقة ويتجلّى له الواقع السيئ الذي عاشه يجد أنّه يجر ورائه سرباً من الأفاعي والحشرات، ولقد كان ضميره أسوأ من أقذر الحشرات وأفتك الأفاعي.
نعم، العفو هو الذي يُزيل أو يضيّق أو يحجب بعض هذه الأُمور المتجسد عني لكي لا ينالني منها سوء ولكي أتخفّف من بعض الأوزار.
هذا كله ممكن، وما كنا نعتبره خرافة عرفنا أنه هو العلم نفسه وغيره هو الخرافة.
فالخوئي يريد أن يقول: إنّ أكل لحم الأخ يكون من نتائج الغيبة حيث تتحول الغيبة إلى ميتة عزيز على الإنسان، ثمَّ يؤمر بنهشها وأكل لحمها. ويستشهد على ذلك بما ورد عن الربيع عن يزيد عن أنس، “أن النبي أمر الناس أن يصوموا يوماً ولا يفطرنّ أحد حتّى آذن له، فصام الناس فلما أمسوا جعل الرجل يجئ إلى رسول الله فيقول: ظلت منذ اليوم صائماً فإذن لي فلأفطر. فيأذن له. حتّى جاء رجل وقال: يا رسول الله أن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين فإذن لهما أن تفطرا. فأعرض عنه ثمَّ عاد عليه فقال رسول الله: ما صامتا وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس؟ اذهب فمرهما أن كانتا صائمتين أن تستقيئا، ففعلتا فقاءت كل واحدة منهما علقة فأتى النبي فقال رسول الله لو ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار“.
ونحن لا نقول بالتجسد على هذا النحو وإنما يكون التجسد في الدار الآخرة، إلَّا أن يكون ما حدث كان من باب المعجزة. فإذا صحت الرواية
ــــــــــ[217]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فنحن ملزمون بها ولكنه ليس من باب تجسد الأعمال المصطلح لأنَّه إنما يقع في الآخرة، التجسّد المصطلح الذي يقول بأن جنة الإنسان وجحيمه هو أعماله الحسنة أو السيئة.
العلم عندما يتحدث عن هذه الأُمور يأتي بما يشابه هذه الأُمور التي كنا نقرأها في البحار فنعدُّها خرافة ونسخر منها! حيث أجاز العلم أن تكون هناك حورية طولها كذا لأن هذه الحورية عبارة عن طاقة، والطاقة منتشرة في الكون كله، فليس من الغريب أن تكون ذات طول وعرض كبيرين جداً، فإذا كانت عندك حاسة تحس الطاقة بواقعها فتراها، فلا يمكن أن تكون الحورية إلَّا بهذا الطول ولا مجال لأن تكون قصيرة.
ذكرنا أن(1) الجماعة استدلوا بالأدلّة الأربعة على حرمة الغيبة.
والواقع انه ينبغي الاستدلال بالأدلة الأربعة على حرمة الغيبة أن لم نقل إن الغيبة لا تحتاج إلى استدلال.
استدلوا من الكتاب العزيز بقوله تعالى:وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا(2) الآية.
وهي أظهر الآيات، وليست موضعاً لمناقشة وقد سبق أن تحدثنا عنها.
وقد استدلوا بآيات أُخر وكلها لا تخلو من مناقشة.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
() الأحد: 6/6/1382، 4/11/1962. (المقرِّر).
(2) الحجرات:12.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ(1) بعد تفسير الهمز واللمز بالسخرية، همزه ولمزه أي سخر به وعابه. فاعتبروها من أدلة الحرمة بقرينة (الويل) لأن الغيبة إعابة للشخص.
الجماعة ناقشوا: أنَّ بين الآية وبين الغيبة عموماً وخصوصاً من وجه، لأن الآية تدل على حرمة الهمز واللمز سواء كان به كشف مستور أو لا. والغيبة محرمة سواء انطوى على سخرية أو لا.
فإذا كان بين الدليلين عموم من وجه فلا نقول إنّ أحد الدليلين صالح للدلالة على الآخر، لأن غاية ما يدل عليه هو حرمة الالتقاء ولا تدل الآية على حرمة الغيبة مطلقاً بل الآية دليل برأسه لحرمة الهمز واللمز، وهو قد يقترن كما يمكن أن تقترن بأي محرم آخر كالقتل مثلاً .
إذن، فالآية أجنبية عن الغيبة وهي تلتقي معها في بعض الموارد كالتقائها بأي محرم آخر، فدلالة الآية ليست واضحة.
والواقع أن هذا ترف في الاستدلال لاستغناء الغيبة عن الأدلة ووضوح حرمتها، فلذا نرى أنَّ الأحكام المفروغ منها لا يقيد الجماعة أنفسهم في تحليل أدلّتها، أما الأُمور غير الواضحة فنراه يتعب نفسه الكريمة في صياغة أدلتها.
واستدلوا أيضاً بآية إشاعة الفحشاء وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَـهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ
ــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) الهمزة:1.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(1) بناء على أن المراد من الآية ذكر الفاحشة ونشرها بالتحدّث عنها، والغيبة إشاعة للفاحشة، لأنها ذكر للمحرمات التي لا يعلمها الآخرون.
وفي الاستدلال بهذه الآية على حرمة الغيبة مجال للمناقشة:
فلا تصلح إحداهما أن تكون دليلاً على الأُخرى.
الجماعة في مقام الدفاع قالوا: إنَّ الإمام استشهد بها على حرمة الغيبة حيث اعتبرها كبرى لقياس الاستنباط.
وكثيراً ما يستشهد الإمام بالآية أو السنة النبوية أو أقوال أمير المؤمنين، وكأنه يريد أن يعلمنا الاستدلال، وغالباً يكون استشهاده أمام من ليس له اطمئنان كافٍ بإمامته.
ومع استشهاده على الحرمة فلا بدّ أن يكون فيها دلالة على الحرمة وإن كنا لم نعرفها، وكوننا لم نلتفت إليها لا يعني أنّها غير دالة في الواقع. وإذا استفاد الإمام شيئاً فاستفادته حجة علينا ولا بدّ أن نتغافل عن استفاداتنا الخاصة
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) النور: 19.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فتكون الآية دليلاً على الغيبة بمعونة استشهاد الإمام بها في هذا السبيل، وإلَّا فبدون ذلك فبينها وبين الغيبة عموم من وجه، ومن ثمَّ لا يصلح أحدهما أن يكون دليلاً على الآخر.
وبمقتضى فهم الإمام للآية يكون للغيبة مفهوم جديد غير ما فهمناه سابقاً، فيجب رفع اليد عن القيود التي أخذها فيهما وهي الستر والتنقيص، لأن الإمام يقول بأن الغيبة إنما هي محرمة بهذه الآية فلا بدّ أن نتمسّك بالآية بتشخيص مفهومها وحكمها.
وعلى كل حال فحكم الغيبة من الضروريات وليس كل هذا الكلام إلا من باب إطالة الطريق.
ومن الآيات التي استدلوا بها على حرمة الغيبة قوله تعالى: لاَ يُحِبُّ اللَّـهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ(1) بتقريب أنّ الغيبة جهر بالسوء من القول، وهو محرم بمقتضى الآية لأن الله تعالى لا يحبه.
ودلالة الآية على حرمة الغيبة تتوقف على مقدمتين:
ــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) النساء:148.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لا يكون مكروهاً لا يستلزم أن يكون محبوباً وبالعكس.
ولكننا لو خُلينا وطبع التعبير نعرف بمناسبة الحكم للموضوع المبغوضية؛ لأنّ عندنا جهر بالسوء من القول الذي يعني سبّ الناس علانية، فإذا قال لك أحد إني لا أحب سبّ الناس علانيةً، فهل يعني ذلك أنه لا يحبها ولا يبغضها؟
وقولنا: (لا أحب لك أن تفعل ذلك) قول متعارف بيننا يُقال في مقام تبكيت الآخرين، ولا يعني أنني لا أبغضه أيضاً وأنك مباح لك العمل.
نعم، لو خُلينا وحاق التعبير فذلك صحيح ولكن عندي من مناسبة الحكم والموضوع ومن أجواء التعبير ما يُعيِّن المقصود.
وهذه المناقشة التي نوقشت بها الآية مبنية على الفهم الفلسفي للحب والبغض، من حيث إنَّها من الأُمور المتضادة التي توجد بينها واسطة؛ ولكن هذا بعيد عن فهم واقع التعبير.
أمّا بالنسبة إلى المناقشة الأُولى فهل إذا كان القول سيئاً فلازمه أن يكون المقول سيئاً أيضاً؟ القول قد يتكفل الوعظ ولكنه يورد أقوالاً سيئة حول الزنا وشرب الخمر مثلاً.
ولكن المسألة لاتصل إلى هذه المرحلة بعد وضوح الحرمة.
أما بالنسبة إلى السنة فالروايات متوافرة في أماكن كثيرة على حرمتها، منها ما سبق أن ذكرناها حول مفهوم الغيبة وذكر كل رواية منها ومحاكمتها في غير موضعه.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما حكم العقل فلو استفتيت كل عاقل: أني أتلذذ بغيبة الآخرين لقال لك: إنّ هذا في غير موضعه لأنه ظلم، والظلم قبيح عقلاً. كما أنني لا أظن أن عاقلاً يقول: إن هذا مما ينبغي أن يفعل.
أمّا الإجماع فنحن ادّعينا الضرورة لأنّ من يعرف الإسلام يعرف حرمة الغيبة، بالإضافة إلى أنّه ما عُرف أحد من العلماء من يقول بإباحتها ما عدا الاختلاف في بعض الصغريات.
أوّلاً لا بدّ أن نحدد مفهوم الكبيرة والصغيرة ثُمَّ نرى ما هي الثمرة العملية لكونها كبيرة أو صغيرة؟
أما في مجال تحديد الكبيرة فقد حُددت بأنّها الذنب التي يتوعد القرآن عليه بالعذاب، وأنّها أشد عذاباً من ذنب آخر عرف انه من الكبائر.
وكلا التعريفين تنطبق على الغيبة بلا إشكال، لأن الآية التي استدل بها الإمام على حرمة الغيبة صريحة وقد أوعدت عليها بالنار.
والروايات تقول إنها تعدل 36 زنية فهي أعظم من الزنا الذي هو كبيرة حتماً.
وعندنا روايات مضمونها: (أنَّ الغيبة لا تُغفَر ما لم يرضَ صاحبها)(1)،
ــــــــــ[223]ــــــــــ
(1) ورد: “إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا، قالوا: وكيف الغيبة أشد من الزنا؟ قال: لأن الرجل يزني ثم يتوب فتاب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر حتى يغفر له صاحبه”. (بحار الأنوار) العلامة المجلس، ج ٧٢ ص٢٥٩.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بعضهم يستفيد من هذه الروايات أنها من الكبائر ولكنها – في الواقع- راجعة إلى حقوق الناس من حيث إنَّ الله لا يغفر حقوق الناس إلَّا أن يغفرها المعتدى عليه نفسه. وهذا من قبيل الحكم التكليفي والحكم الوضعي، فالله جل شأنه يغفر الحكم التكليفي والناس عليهم غفران الحق الذي هو الحكم الوضعي .
فكونها لا تُغفَر لا يستلزم كونها كبيرة لأنّها إنَّما لا تُغفَر لأنّها من حقوق الآخرين. وسيأتي أنّ الاستغفار للآخرين كفارة للغيبة في حالة ترتب مفسدة، حين يطلب ممن تناوله بالغيبة أن يعفو عنه.
بالإضافة إلى أنّ بعض الناس يقولون ليس عندنا صغيرة في الإسلام، فالكبيرة هو كل إقدام على مخالفة المولى وكل مخالفة هي عصيان له ويستحق عليه العقاب. إلَّا أن نقول أن الكبيرة من الذنوب أمر نسبي من حيث إنَّ بعض الذنوب أشد من بعض فسُمّي الضعيف منها صغيراً، كالتقبيل بالنسبة إلى الزنا.
أمّا الثمرة العملية المترتّبة على كونها صغيرة أو كبيرة فمرة نقول إنه قلّة العقاب على تقدير كونها صغيرة وكثرته على تقدير كونها كبيرة. ولكن الثمرة الفقهية لها هي أنّ الجماعة أوقفوا عليها العدالة حيث اعتبروا في انتفائها ارتكاب الكبيرة دون الصغيرة.
إنَّ مسألة(1) أن الغيبة من الكبائر أو الصغائر لا تترتب عليها ثمرة عملية
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() الأربعاء: 9/6/1382، 7/11/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
على بعض المباني وتترتب الثمرة على مبانٍ أُخرى.
فإذا قلنا: إن العدالة هي ترك الكبيرة. فالصغيرة لاتتنافى مع العدالة، وتترتب على مرتكبها آثار العدالة كالصلاة وراءه جماعة وجواز تقليده إذا كان مجتهداً وقبول شهادته وغير ذلك.
وإذا قلنا: إنّ الفاسق هو مرتكب الصغيرة والكبيرة معاً فلا ثمرة للمسألة.
منشأ النزاع في المسألة هو النزاع في مفهوم العدالة: فقيل إن العدالة هي الملكة، ومن ثمَّ فإن الصغيرة لا تذهب بالملكة. وقيل: إنَّ العدالة ليست إلَّا الاستقامة. أي أنهم يأخذون بمفهومها اللغوي من استقام في سيره، وهي في المقام: الاستقامة على جادة الشرع. وهذه الاستقامة الظاهرية في السلوك وليدة الاستقامة النفسية، وهي عبارة عن الجهد الذي يبذله الفرد في إصلاح نفسه حتّى يتكوّن عنده ضمير على وفق تعاليم الإسلام بحيث يصعب عليه أن يتخلّى عنها وينحرف عنها. والشخص الذي يستقيم في نفسه ويقدم ضميره على شهواته لا يكون إلَّا بعد معاناة وإجراء تجارب كثيرة على نفسه.
والجماعة الذين يقولون بأن العدالة هي ملكة لا يريدون بالملكة إلَّا هذا، وهو صدور الأفعال عنه صدوراً تلقائياً، وهي الاستقامة النفسية على وفق الجادة بحيث تكون طبيعة ثانية له، وهذا هو معنى الملكة.
ورأي الخوئي أن ارتكاب الصغيرة ينافي الاستقامة على الجادة لأنَّه انحراف فإذا عاد سمي مستقيماً من جديد.
أما على القول بالملكة فالملكة لا تزول بالكبيرة وهذا هو أثر القول بالملكة
ــــــــــ[225]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وعدمه، وهي أن ارتكاب الكبيرة (الواحدة) لا يزيل الملكة على القول بها. وإذا قلنا أن العدالة هي الفعل الخارجي. فمرتكب الكبيرة غير معتدل وغير مستقيم فهو غير عادل، ولكن العدالة تعود إذا عاد إلى الاستقامة.
وحينئذ إذا قلنا بالملكة وشككنا بزوالها بالكبيرة الواحدة فنستصحب بقاء العدالة باستصحاب الملكة. أما على القول بالاستقامة الخارجية فقد زالت الاستقامة بارتكاب الكبيرة فزالت العدالة بزوالها، فإذا شككنا برجوعه إلى الجادة فيقتضي أن نستصحب العدم. لكن على الظاهر إذا بنينا على الاستقامة النفسية التي تصبح طبيعة ثانوية في النفس، فهي لا تزول بانحراف بسيط ونستصحب بقاءها حين الشكّ بزوالها.
هذه هي الثمرة العملية للقول بأنَّها كبيرة أو صغيرة.
والسيد الخوئي ربط الاستقامة في السلوك بالاستقامة النفسية وأراد أن يفرّق بين الاستقامة النفسية وبين الملكة، ولم يتضح الفرق بينهما لأن القائلين بالملكة لا يريدون بها إلَّا ذلك.
وعلى مذهب الخوئي الذي ينافي بين العدالة والصغيرة فلا ثمرة عملية في الخلاف حوله إلَّا الثمرة الأخروية وهي شدة العقاب وخفّته.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
استدلوا على جواز غيبة السنّي بجواز سبّه من حيث إنَّه إذا كان السبّ جائزاً فالغيبة أولى بالجواز.
ولكن سبق أن قلنا في قياس الأولوية (في مباحث أخرى) إننا إما أن نستفيد العلة من القطع، فهو حجة لا يستطيع الشارع التصرّف فيها رفعاً ولا وضعاً، وذلك كالآية من حيث إننا نقطع بأن العلة في تحريم قول (أف) للأبوين هو عدم جواز إيذائهما وانتهاك حرمتهما، وذلك متوفر في الضرب والشتم بطريق أولى.
وأما أن نستفيد العلة من ظواهر الألفاظ كالعلة المنصوصة، أو أن نستفيدها من مناسبة الحكم للموضوع، فإن ثبت أحد هذه الجهات الثلاث لا شكّ أننا نرتب الحكم عليه، ولكن هل ثبت أحدها في مسألتنا هذه؟
في قولهم: (إذا جاز سب السني فغيبته أولى بالجواز)، هل نحن اطلعنا على العلة في السب حتّى نقول إنها مُعنوَنة بطريق أولى في الغيبة، بحيث يكون لنا من ذلك مفهوم نخصص به أدلة الغيبة؟ هذا أوّل الكلام لأننا لا ندري لعل الله لا يريد شياع الفاحشة وكشف المستور حتّى من الكفار.
ــــــــــ[227]ــــــــــ
() السبت: 12/6/1382، 10/11/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فالألوية القطعية لا نستطيع أن نستفيدها بحيث تكون الغيبة أولى بالجواز، أما عالم ظهور الألفاظ فعالم السب أجنبي عن عالم الغيبة.
إذن فالأولوية ليست مستفادة من اللفظ ولا من الأدلة اللفظية فما استدلوا به لا يبدو له وجه.
واستدلوا على ذلك بوجه آخر، وهو أن عندنا أنَّ المتجاهر بالفسق يجوز اغتيابه حتّى بالشيء غير المتجاهر به، كشخص يتجاهر بشرب الخمر ويتستر بالزنا، فبالنسبة إلى شرب الخمر ليس غيبة لأنه ليس أمراً مستوراً، أما بالنسبة إلى الزنا فهذا الرأي يقول بجواز ذكره أيضاً، فإذا بنينا على ذلك فالسنة قد تجاهروا بإنكار الولاية وأي فسق أعظم من إنكار الولاية، فحينئذ يجوز كشف ما انستر من الفضائح الأُخر عندهم.
هل نستطيع أن نقول بهذا الرأي في الجاهل القاصر والمقصر أم في المقصر فقط؟ هل يمكن أن يصدق على الرجل القاصر عندما يرتكب موبقة من الموبقات أنه فاسق؟
الظاهر أنه لا يمكن لأنه شخص قد تربّى في الصعيد(1) من أبوين وجَدّين يُنكران الولاية وفي بيئة تُنكر الولاية ولم يطرق سمعه اسم الولاية في وقت من الأوقات، فهذا الشخص لا نستطيع أن نعتبره فاسقاً. أما من يعلم إجمالاً بالمحرمات ولا يبحث عنها مع توفر أسبابها لديه فهذا شخص فاسق حتماً ويمكن أن يتم به هذا الرأي.
فلو تمّت أدلة الفاسق المتجاهر بأنه يجوز أن يستغاب، فهذا يصدق بالنسبة
ــــــــــ[228]ــــــــــ
(1) الريف المصري.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إلى المقصر فقط وهو الذي لا يكون في مجال الفحص الواقعي مع توفر أسبابه لديه، ولكن هذه القاعدة لا يمكن أن نطبقها على القاصر، بل صدق الفاسق على القاصر أوّل الكلام.
فهذا الدليل لا يصلح إلَّا في المقصر، إن تم لدينا أن الفاسق المتجاهر يجوز غيبته حتّى فيما يتستر فيه، فنقول: إن هذا منكر للولاية ومتجاهر بذلك فيجوز غيبته في موبقاته الأُخر. ولكن شمول هذا الرأي للقاصر أول الكلام، لأنّنا لا نعرف المناط في تحريم الغيبة حتّى نطبّقه على القاصر.
*****
ذكرنا أن(1) الأدلة المحرمة للغيبة هل تتناول المخالفين أو لا؟ ذكر بعضهم أنها خاصة بالمؤمنين لعدة أدلة:
الأول: بعد قيام الدليل على جواز سب المخالف، فالغيبة ليست أولى من السب بالحرمة.
والأولية موقوفة على أن نستفيدها من الأدلّة اللفظية الواردة في هذا المجال بحيث نستفيد أن ما دل على جواز السب يجوّز الغيبة من باب الأولى، ونستفيد ذلك من حاقّ اللفظ كما استفدنا من حاقّ الآية فَلا تَقُلْ لَـهُما أُفٍّ أولوية عدم جواز الضرب. ولكن أول الكلام أنّنا نستطيع أن نعرف أولوية الغيبة على السب بالجواز.
ــــــــــ[229]ــــــــــ
() الأحد: 13/6/1382، 11/11/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ويمكن أن يعلل أن ما دلّ على جواز ذي العلة الشديدة يدل على جواز ذي العلة الخفيفة من باب الأولى.
فمرة تكون العلة منصوصة ولا شك في حجية العلة المنصوصة، ولكن تارة أُخرى أظن بأن العلة خفيفة في الغيبة قوية في السب. ونحن لا نبني على العلل المستنبطة لأنّنا إنما نأخذ بالعلل اللفظية وما تمُتّ إلى اللفظ بصلة.
ومن ناحية أُخرى أنّنا من أين نعرف أن علة الغيبة أخف من علة السب؟ لعل الإسلام يرى أن تواجه الشخص بسبّ ولكنه يكره أن تذكره بغيبته، لأنك إن ذكرت الكثيرين بما يرتكبون يظهر المجتمع الإسلامي وكأنه مجموعة فواحش ومفارقات وهذه صورة لا يريدها الإسلام أن تظهر، وهو معنى حرمة نشر الفاحشة بين المسلمين، إذن فمن أين استفدنا أن علة الغيبة اخف؟
بالإضافة إلى أننا لا نعلم بالعلل والمعلولات وخاصة وهي غير مدلولة للفظ فلا نستطيع أن نستفيد عن طريقها الجواز.
فتحصّل أننا لا نستطيع أن نعرف جواز الغيبة عن طريق جواز السب بالنسبة إلى المخالف.
الثاني: يقولون إن المتجاهر بالفسق يجوز اغتيابه فيما تستر فيه، ونحن في هذا نتكلم على مبنى الجواز لأنّ هذه المسالة لم نبحثها بعد.
وحينئذ فنحن نحاول أن نطبّق هذا الدليل على السني، حيث إنَّه فاسق بحكم إنكاره للولاية، وليس عندنا فسق أشد من إنكار الولاية وهو متجاهر بإنكار الولاية.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والمتجاهر بالفسق يجوز اغتيابه فيما تستر فيه، إذن يجوز أن نغتاب السني في مفارقاته الأُخر غير جانب إنكار الولاية.
ونحن عندنا في هذا السبيل شخصان: قاصر ومقصر.
أما بالنسبة إلى المقصر فلا إشكال من تمامية الدليل بالنسبة إليه لأنَّه فاسق، من حيث إن الحجج متوفرة أمامه ولا يبحثها، ويعلم بوجود محرمات في الشريعة إجمالاً ولكنه لا يسأل عنها.
أما بالنسبة إلى القاصر الذي لا يخطر بذهنه وجود مذهب غير مذهبه، أو دين غير دينه، ولا يستطيع أن يتصور دين حق غير دينه، وقد يكون لم يسمع بأي من الأديان، كالإنسان في مجاهل أفريقيا. فهل ارتكاب مثل هذا الشخص الزنا يعني أنه فاسق؟ لا، لأنَّه إنما يكون فاسقاً إذا كان عالماً بالحكم أو يمكنه العلم، أما هذا فليس كذلك فلا يمكن أن يصدق عليه انه فاسق.
يستدل الخوئي-إتماماً للدليل- بالقول بعدم الفصل، من حيث إنّنا إن جوزنا في أحدهما جوزنا في الآخر. مع أن الخوئي في الإجماع فكيف يمكنه القول بعدم الفصل؟
ويمكن أن نتمم الدليل بالقول بأن الملاك موجود في القاصر والمقصر، فيجوز اغتيابهما ولكن هذا ما لا نستطيع أن نثبته، لأنَّه لعل الملاك موجود في المقصر فقط. بالإضافة أننا لا ندري ما هو الملاك؟ فإن كان هو إشاعة الفاحشة فلا بدّ أن نمنع الغيبة في المقصر أيضاً.
ــــــــــ[231]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وردت في أدلة تحريم الغيبة كلمة “أن تقول في أخيك المؤمن” والسني ليس بأخ، أو على الأقل هو ليس بأخ مؤمن، فأدلة حرمة الغيبة لا تتناوله، وعند الشكّ تجري أصالة البراءة من الحرمة.
وهذا الدليل يعتبره الخوئي من المؤيدات، والسر في ذلك أن كلمة (الأخ المؤمن) لم ترد في جميع الروايات الناهية عن الغيبة، وقسم منها تحتوي على الأخ المسلم، وإذا توافق الخاص والعام في حكميهما لا يُحمل الخاص على العام لعدم التنافي بينهما، فلا يكون أحدهما مقيداً للآخر.
يقولون -إتماماً للدليل-: إننا يجوز أن نحمل الخاص هنا على العام، لأنّ الخاص وهي روايات (الأخ المؤمن) واردة مورد التفسير عند السؤال عن معنى الغيبة، وإذا كانت واردة في مقام التفسير فهي شارحة لتلك الروايات العامة ومبيّنة لموضوعها أي أنها بمنزلة( أعني) بالنسبة إليها، إذن فلا بدّ أن تكون مخصصة لها، وإنما أخذنا بتلك القاعدة (وهي أن العام والخاص غير المتنافيين لا يحمل أحدهما على الآخر) حين لا يكون الخاص مفسّراً للعام.
والتفسير يقول: إن ذلك الحكم الواسع المنطقة المراد منه هو هذا الحكم فدلالتها حينئذ تكون واضحة وهي مختصة بالأخ المؤمن، وغير الأخ المؤمن وهم أهل السنة نجري أصالة البراءة بالنسبة إليهم.
لدينا الآن مناقشة في الصغرى وهو أن الوارد أن المسلم أخو المسلم لا المؤمن أخو المؤمن.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يقولون في الجواب: إن أخوة المسلم للمسلم أخوة ظاهرية بخلاف أخوة المؤمن للمؤمن فإنها واقعية. ولكن الإسلام قال إنهم أخوة. فإن تمّمنا هذه الجهة فبها وإلَّا تكون روايات الأخ المؤمن قوية.
ولا أعلم كيف أتمم مثل هذا الدليل في هذا المجال؟ مع أنه ليس من ديدن الفقهاء أن يستدلوا بهذه الأساليب.
قالوا إن الغيبة لماذا حرمت؟ ما هو الباعث على تحريم الغيبة هو المحافظة على حرمة المؤمن وعدم جواز هتكها، وقد أسقط الشارع حرمة الشيء فتجوز غيبته.
ولكن من أين فهمنا أن الباعث على الغيبة هو هذا الشيء؟ ونحن لماذا نعتب على أبي حنيفة إلا في التماسه العلل الخارجة عن نطاق الأدلّة اللفظية؟
فهذه الأدلّة كلّها واهية إلَّا إذا صح التفسير بالمؤمن، فيستدل منه أن حرمة الغيبة في لسان الشارع منصبة على المؤمن فيه ، لا على حليتها فيما سواه وإلا فتبقى الحرمة سارية في جميع المسلمين.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هل نخص الرجل بالحكم لأنه أخ مؤمن ولا يعم الحكم النساء لأنه لم يرد الأخت المؤمنة في الأدلة؟
ولكن ذكرنا أن عندنا قاعدة المشاركة، فعندنا من ناحية أحكام خاصة بالرجال وأحكام مختصة بالنساء، فهي تختصّ بمن توجّهت إليه ولا تعم الجنس الآخر، وذلك كالجهاد الوارد تخصيصه بالرجال وأحكام الحيض والنفاس بالنسبة إلى النساء.
أما الأحكام المشتركة فهي واردة على الرجال من باب التمثيل أو من باب الفرد الأظهر، وليس عندنا أن حكم الغيبة مختص بالرجال، ونحن لا نحتاج في تعميم الحكم إلى الرجال إلَّا أدلة المشاركة لأنه ليس دلينا دليل على اختصاصها بالرجال.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بالنسبة إلى الصبي الذي لم يبلغ الآيات عبّرت عنه أنه أخ وذلك في قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَـهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ(1) فما دل على حرمة اغتياب الأخ تدل على حرمة غيبته، وخاصة إذا كان الصبي مميزاً فما الذي يفرقه عن غيره؟ وكثير من الصبيان المميزين أفضل من كثير من الشَيَبَة.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
(1) البقرة: 229.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إذا عرفنا(1) الأحكام التكليفية، فهل وراء الحرمة طلب استغفار؟ وهل هناك شرط في التوبة عن الذنب المقترف بالغيبة، وهو أن يستحلّ من الرجل الذي اغتابه او يكتفي بالاستغفار له؟
الذي يبدو من كثير من الرايات أنَّ الغيبة لا تغفر لأنَّها متعلّقة بحقوق الآخرين فلا بدّ أن يرجع المستغيب إليهم ليحللوه.
روايات أُخرى تقول: بأن كفارة الغيبة الاستغفار للمغتاب. ما هي كيفية الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات؟
جماعة أخذوا بالطائفة الأولى وآخرون ضموا الطائفتين إلى بعضهما لعدم التنافي بينهما، لأن الطائفة الأولى لا تعين التكليف بالاستحلال ومقتضى الجمع حينئذ(استحلّ واستغفر) أو( استحلّ أو استغفر) فيكون أي منهما مجزياً. وقيل: إن الاستحلال مقدم فإن كان يستلزم مفسدة أو محذوراً آخر فالاستغفار.
فالأقوال في المسألة خمسة:
ــــــــــ[236]ــــــــــ
() الاثنين: 14/6/1382، 12/11/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وكان دليل السيد الخوئي أننا مرة نتناول المسألة من الناحية اللفظية، فإن عجز وأعوزتنا الأدلّة اللفظية رجعنا إلى الأصول العملية.
يقول الخوئي: إننا عندما استقصينا روايات الاستحلال وجدناها كلها ضعيفة وهي محدودة وليست مستفيضة، خلافاً لمن يقول إنها مستفيضة. وحتى لو كانت مستفيضة فما دام كل واحد منها ضعيفاً فضم الضعيف إلى الضعيف لا يُحدث الاستفاضة، كضم الصفر إلى الصفر لا يحدث إلَّا صفراً.
أما روايات الاستغفار فهي لا تخص الغيبة وإنما تأمر بالاستغفار من كل ظلم، في حين أن الاستغفار لم يرد في الفتوى إلا على الغيبة، ومن هنا يلزم تخصيص الروايات بالأكثر وهو قبيح، كما أنها روايات ضعيفة أيضاً.
فإذا انهارت الروايات نبقى نحن والأصول العملية.
ونحن إذا كان عندنا كلام مع الخوئي فحول الاستفاضة، هل صحيح أن ضم الضعيف إلى الضعيف لا يحدث استفاضة؟
يجب أن نعرف أوّلاً ما هي الاستفاضة؟ هي كمية كبيرة من الروايات يبعد
ــــــــــ[237]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
عنهم الكذب بحيث إن الإنسان عندما يشاهدها تحدث عنده اطمئناناً فتكون حجة بالنسبة إليه. فقول الخوئي إن ضم الضعيف إلى الضعيف لا يُحدث اطمئناناً، هو أوّل الكلام، لأنه يحدث الاطمئنان.
أما إذا ناقش الخوئي بأنها ليست من الكثرة بحيث تُحدث اطمئناناً أو أنها لا تُحدث لي اطمئناناً، فهي مناقشة صغروية، وهي لا تخدش القاعدة التي ذكرناها، وذلك مثل الشخص المتحجر الذي لا يحدث له العلم من الخبر المتواتر، ونحن إنّما نحتاج إلى الاستفاضة في الخبر الضعيف، أما بالنسبة إلى الصحيح فواحدة منها كافية في إقامة الحجة، إذن فضم الضعيف إلى الضعيف يُحدث استفاضة.
أما إذا أنكرنا الاستفاضة ولم نأخذ بجبر عمل الأصحاب للخبر الضعيف وناقشنا الروايات من حيث السند والدلالة، إذن فليس لدينا دليل لفظي، ولا بدّ من أن نرجع إلى الأصل العملي.
الشيخ في المكاسب يرتئي إجراء الاستصحاب، وبعضهم تمسك بالاحتياط.
أما تقريب الاستصحاب فمن حق المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه وبعد، الغيبة نشك بارتفاع هذا الحق، واستناداً إلى الاستصحاب نعلم ببقاء هذا الحق، فلا بدّ من أن يسقطه صاحبه، فهو حق كان موجوداً ويحتاج إلى إسقاط، وشككنا أن التوبة مسقطة أو غير مسقطة، فبالاستصحاب نعلم بقاء الحق ولا بدّ أن يسقطه صاحبه.
ــــــــــ[238]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الخوئي يناقش في هذا الاستصحاب من جهات:
الأولى: أنه استصحاب للحكم الكلي وهو غير قابل للاستصحاب.
قسم من الجماعة يقولون: إن الأحكام الكلية غير قابلة للاستصحاب لما ينتهي إليه من الشكّ في سعة الحكم وضيقه، كأن أشك بأن حكم المتعة باقياً إلى الآن أو أنه قد رُفِع، ومنشأ الشكّ أن الشارع هل جعله واسعاً لجميع الأزمنة أو أن مصلحته مختصة بزمان دون زمان؟
وهنا لا يمكن الاستصحاب لدوران الأمر فيها بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع؛ لأنّ الحكم إذا كان واسعاً فأنا أعلم ببقائه وإن كان ضيقاً فأنا أعلم بارتفاعه، فليس عندي متيقن حتّى أجره، كمثال البقة والفيل حيث أعلم أنه كان في داخل الغرفة حيواناً قبل أيام وأشك في بقاءه، كما أني أشك في نوعه ولا أعلم هل هو فيل أم بقة؟ ففي مثل هذه الحال لا يمكن استصحاب بقاء الحيوان لأنّ أمره دائر بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع؛ لأنه إذا كان فيلاً فهو لا زال حياً يقيناً وإن كان بقة فقد ماتت يقيناً، فما الذي استصحبه؟
ففي مسألتنا الحق حكم كلي وبعد حدوث الاستغفار أشك بارتفاعه، فإن كان هذا الحق موضوعاً لما قبل الاستغفار وبعده، فأنا أعلم ببقائه. وإن كان موضوعاً إلى ما قبل الاستغفار فقط، فأنا أعلم بارتفاعه، وليس عندي شيء استصحبه.
الجهة الثانية: أن نقول إنه من حقّه أن لا يغتاب وقد سقط هذا الحق بالعصيان، ونحن نريد الآن أن نثبت له حقاً جديداً هو حق الاستحلال منه،
ــــــــــ[239]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وحينئذٍ فلا معنى لاستصحاب الحق الأوّل، ونحن نعلم بارتفاعه، والحق الثاني، أوّل الكلام أنه وجد، فأي شيء نستصحب.
وهذا على نحو ما إذا شككت بارتفاع أحد أفراد الكلي وشككت في حدوث فرد آخر من الكلي،فالمعلوم مقطوع الارتفاع والمشكوك مشكوك حدوثه، فما الذي استصحبه؟ كما إذا كنت أعلم أنه كانت هناك امرأة ولكنها ماتت يقيناً، ولكني أشك بأنها هل وضعت طفلاً قبل موتها أم لا؟ فأنا لا استطيع أن استصحب وجود المرأة لأني قاطع بموتها، ولا وجود الطفل لأنَّه مشكوك الوجود.
ففي مقامنا قد ارتفع الحق في أن لا أغتابه بالعصيان ولكن هل ولد له حق آخر وهو أن استحل منه أو لا؟ فما الذي استصحبه؟ فجريان الاستصحاب في المقام لم يتضح له وجه.
*****
فإذا(1)لم(2) نصل إلى مطلوبنا عن طريق الأدلة اللفظية، فالشيخ في المكاسب
ــــــــــ[240]ــــــــــ
() شرح سيدنا الأستاذ الحكيم في أول المحاضرة جانب الأدلّة اللفظية على وجوب الاستحلال والاستغفار وأكد على أن ضم الضعيف إلى الضعيف يمكن أن يحدث قوة كأن يخبرك عدد من الناس في أوقات وأماكن مختلفة عن وقوع حادثة وكان كل واحد بمفرده غير موثوق فإنك – حتماً- سوف يصل لك الاطمئنان بحدوث ما اخبروا عنه هذا إذا لم يصل عددهم إلى ما يصدق عليه التواتر. ثمَّ قال الأستاذ الحكيم سلمه الله تعالى: (المقرِّر).
(2) الثلاثاء: 15/6/1382، 13/11/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يتصور أن الاستصحاب يلزمنا بالاستحلال، لأنّك قبل أن تغتابه كان له حق في أن لا تغتابه، أما بعد اغتيابه وقبل الاستحلال فإنك تشك بسقوط هذا الحق، وبمقتضى الاستصحاب نعرف أن الحق لازال قائماً ولا مسقط له إلَّا الاستحلال.
الآخرون يقولون: إن هذا الاستصحاب من باب الاستصحاب في الأحكام الكلية وهو لا يقع فيها، لأنّ هذه المسألة تبتني على مسألة سعة المجعول وضيقه، حيث لا أدري أن الجعل واسع المنطقة في الحق في أن لا اغتابه إلى ما بعد الغيبة أو أن الغيبة تقطعه، فيدور الأمر بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، فما الذي استصحبه؟
وهو أشبه بمثال البقة والفيل، فما الذي بيدي حتّى استصحبه؟ لأن المجعول أن كان واسعاً فأنا قاطع ببقائه، وإن كان ضيقاً فأنا قاطع بارتفاعه.
هذا إذا أردنا مناقشته من حيث كونه من باب استصحاب الأحكام الكلية.
ويمكن للشيخ الأنصاري أن يناقش هذا الرد فيقول: إن الاستصحاب إنما لا يجري إذا كان الشكّ في المقتضي لاما إذا كان الشكّ في الرافع، والشك في مسألتنا شكّ في الرافع، لأن من شأن الحكم أنه إذا وجُد ثبت فيحتاج إلى رافع والأصل عدمه. فيكون النسخ من باب الشكّ في الرافع والأصل عدمه، لا من باب سعة الحكم وقابليته للبقاء وضيقه، فلا يجري الاستصحاب.
أما إذا تغافلنا عن هذه المناقشة فنرجع إلى المناقشة الأساسية في الباب،
ــــــــــ[241]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وهي عدم تعقل الاستصحاب من ناحية ما يلي:
فإن الحقّ السابق في أن لا يغتابه قد سقط بالغيبة، والآن هل تولد له حق جديد آخر يستوجب منه الاستحلال؟ فأنا اعلم بارتفاع الحق السابق وأما الحق الآخر فهو مشكوك الوجود. فما الذي استصحبه؟ الأول ارتفع يقيناً والآخر مشكوك حدوثه فيكون المتيقن غير المشكوك وهنا تتخلف أحد شروط الاستصحاب الأولية في وجوب اتحاد المشكوك والمتيقن حتّى يمكن جريان الاستصحاب، إذن فهذه الاستصحابات غير واضحة عندنا.
بعضهم تمسكوا بقاعدة الاحتياط: تقريبها انه عندما صدرت منه الغيبة علم يقيناً بتوجه العقاب عليه ثمَّ تاب، ويشك الآن انه هل رفعت عنه التوبة العقاب؟ وشغل الذمّة اليقيني بالعقاب يستدعي الفراغ اليقيني بالاستحلال أو الاستغفار، أو نجري الاستصحاب بأن نقول: إنَّه كان مستحقاً قبل التوبة للعقاب فيستصحب إلى ما بعدها.
ولكن قاعدة الاشتغال لا يمكن جريانها، وسبب ذلك أننا مهما أردنا أن نتمسك بهما فهي لا تخرج عن كونها أصلاً من الأصول وهو محكوم بالأدلة اللفظية، وهي في مسألتنا( من تاب عن ذنب كمن لا ذنب له)، وهي تعم كل الذنوب التي من جملتها الغيبة، وهذه الأدلة تقول: إن التوبة مفرغة للذمة، ومن هنا لا مورد لإجراء أصالة الاشتغال بعد اليقين بفراغ الذمة.
فالأدلّة اللفظية تكون مقدمة وحاكمة على الأصول لأن مفادها -أي
ــــــــــ[242]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الأصول- دفع الضرر المحتمل، في حين أن الأدلة اللفظية تقول إنه لا يوجد ضرر. وبنفس هذا الأسلوب قدمنا البراءة الشرعية على الأصول العقلية لأنّها -أي البراءة الشرعية- نافية للضرر.
فإذا نفت الأدلة اللفظية كوني مذنباً فالعقاب قد رفع عني قطعاً، أما الاستحلال فهو الذي يحتاج إلى دليل لفظي. وتكون حكومة الأدلة اللفظية على الأصول من باب الورود وهو الارتفاع الوجداني للموضوع بدليل شرعي تعبدي.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بعد أن(1) تمت لدينا الأدلة على الحرمة، ذكر الجماعة مستثنيات من الحرمة، أظهرها غيبة المتجاهر ونصح المستشير وظلامة المتظلم.
وقد وقع الخلاف أن خروج هذه المستثنيات هل هو من باب التخصيص أو التخصص؟ هل هي يتناولها مفهوم الغيبة فنحتاج في استثنائها إلى أدلة أخرى، أم أنها لا تدخل في مفهوم الغيبة رأساً؟
ذهب المحقق الكركي إلى أن الغيبة هو السخرية والاستهانة بالآخرين(2)، وليس هي كشف المستور كما قلنا نحن، فإذا أخذنا بتعريفه فيكون كل كلام على الغير ذو غرض عقلائي وليس فيه قصد للسخرية والاستهانة بالآخرين خارجاً تخصصاً من مفهوم الغيبة، ولا نحتاج إلى إخراجها عن الحرمة إلى أدلة أخرى، أما على القول بأنها كشف المستور فنحتاج إلى دليل للاستثناء وتكون من باب التخصيص لا التخصص.
ــــــــــ[244]ــــــــــ
() الأربعاء: 16/6/1382، 14/11/1962. (المقرِّر).
(2) وإظهار جوانب ضعف أكثر ما تكون في نفس المتكلم نفسه بدون أن تكون فيها أغراض عقلائية. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ولكن ناحية السخرية والاستهزاء بالآخرين لا نستطيع استفادتها من الروايات لأنه لم يرد بها إلَّا “أن تقول في أخيك“، ومن هنا نعتبر القصود خارجة عن مفهوم الغيبة، وحينئذ تبقى الغيبة على مفهومها العام، ويمكن استثناء المستثنيات من قبيل التخصيص.
نعم، يمكن استفادة القصود من مناسبة الحكم للموضوع والنظر إلى السبب والدافع لتحريم الغيبة، وهو السخرية بالآخرين مثلاً، فيصح قول المحقق الكركي حينئذٍ ولكن هذه أمور استحسانية، إذن فلا نستطيع أن نستفيد من الروايات أن الاستهزاء داخل ضمن مفهوم الغيبة، كما أنني لم أرَ أحداً يوافق كلمة المحقق الكركي.
ثمَّ أن الذي يبدو أنه بمقتضى أدلة التزاحم وتقديم الأهم تكون هذه المستثنيات محللة؛ لأنّ غيبة المتجاهر وغيبة المتظلم بها ملاكان: ملاك للجواز وملاك للتحريم. ملاك للجواز بلحاظ توفر غرض عقلائي فيها، وملاك للتحريم بلحاظ اندراجها في أدلة حرمة الغيبة، فالغرض العقلائي في غيبة المتظلم هو التنفيس عن النفس بذكر الظلامة وهي أمر مستور، وفي نصح المستشير هو هداية لئلا يقع في مفارقة مع من يريد أن يتعامل معه.
وعلى كل حال فإن مجمع العنوانين يكون من صغريات باب التزاحم لأن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه، فالغيبة حرام سواء في نصح المستشير أو في غيره، ونصح المستشير جائز سواء في الغيبة وغيره، فيتزاحمان. والشيخ
ــــــــــ[245]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الأنصاري يريد أن يجعل المسألة من صغريات باب التزاحم، حيث تقتضي القاعدة هناك تقديم الأهم، وقد أرجعها الشيخ إلى ذلك الباب قبل النظر في أدلة الاستثناء التي تقتضي إخراجها عن حرمة الغيبة.
هناك عنوانان: أحدهما جائز والآخر محرم، وبينهما عموم وخصوص من وجه، فلا يكون أحدهما مخصصاً للآخر، فالمجْمَع يكون جامعاً للمِلاكين، فإما أن نرجعهما إلى باب التعارض إذا فهمنا من الأدلة أنه لم يصدر من الشارع إلا حكماً واحداً، وإما أن نرجعهما إلى باب التزاحم وهو ما إذا أحرزنا صدور حكمين من الشارع ويكون التزاحم من قبل المكلف نفسه في مقام الامتثال.
ذكرنا في المقياس في رجوع المسألة إلى باب التعارض أو التزاحم، أنه إن كان الصادر حكم واحد ولكن عندنا أداءان عنه، فيتعارض الأداءان ونرجع إلى المرجحات السندية أو الجهتية المذكورة في باب التعادل والتراجيح، وإما أن نعلم بأن الصادر من الشارع حكمان ولكن المكلّف نفسه عجز عن الامتثال في مورد التصادق.
وذكرنا أن صدور حكم واحد من الشارع يرجع:
إما إلى التزاحم الآمري وهو أن الشارع لا يستطيع أن يحكم على المتلازمين بحكمين مختلفين، فالشارع نفسه يقدّم الأهم في نظره ويصدر الحكم عليه.
وإما أنه ليس عند الشارع إلا ملاك واحد، والتزاحم المأموري هو تلازم اتفاقي بين تكليفين عند المكلّف، فالمكلف نفسه عليه أن يقدّم أهمهما في نظر الشارع أخذاً بقواعد باب التزاحم.
ففي مسألتنا يتزاحم ما دلّ على جواز النصح للمستشير وما دل على حرمة
ــــــــــ[246]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الغيبة، فنقدّم الأهم. ولما كان إبداء المشورة والتظلّم أهم من الغيبة قدّمناه على حرمة الغيبة وأخذنا به.
وهناك طريقة ثالثة في استثناء المستثنيات هي التخصيص، من حيث إنّ لدينا مطلقات تدل على حرمة الغيبة وعندنا أدلة اخص منها تدل على جواز غيبة المتجاهر والمتظلّم، فتكون النسبة بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، فيقدم الخاص منها على العام ويحكم بجواز المستثنيات.
ومما مضى نعرف أن لدينا ثلاث طرق في الاستثناء:
أولاً: طريق المحقق الكركي، حيث قال بخروجها تخصصاً. لأنّ الغيبة هي الاستهزاء بالآخرين بدون فرض عقلائي، في حين إن هذه المستثنيات يتوفر فيها الغرض العقلائي ولا تنطوي على استهزاء بالآخرين، فهي خارجة عن مفهوم الغيبة وحكمها تخصصاً.
ثانياً: طريقة الشيخ الأنصاري بأن نوجه النظر إلى التزاحم بين الدليلين، فتكون غيبة المتظلّم مجمعاً للعنوانين. فإما أن نفهم أن الصادر حكماً واحداً وأن الاختلاف في التعبير عن هذا الحكم والواحد، وإما أن نفهم أن الصادر حكمان لكل منهما ملاك مستقل وليسا هما من باب المتلازمين ليستحيل الحكم عليهما بحكمين مختلفين وحينئذ فلابد من تقديم الأهم، وذلك كما في مسألتنا فترجع المسألة إلى باب التزاحم.
ــــــــــ[247]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ثالثاً: وأما أن تقدم أدلة المستثنيات من باب تقديم الخاص على العام.
أما الأول: فلم يتّضح أن الغيبة تنطوي على قصد السخرية ولم نستطع استفادة ذلك من الروايات، فلا نستطيع القول بخروج المستثنيات تخصصاً.
وأما الثاني: فأول الكلام أننا نستطيع تطبيق باب التزاحم في جميع الموارد، لأنّه إذا تزاحم الحكم الإلزامي وغير الإلزامي يقدّم الإلزامي بلا إشكال. لأنّ لدينا دليل يقول: بأن المتظلّم يجوز له غيبة ظالمه ولا نقول بأنه يجب عليه، ذلك إذ يمكنه السكوت عن الغيبة في التظلم أو النصح، إذن فعندي دليل على جواز النصح والتظلّم، فإذا كان عندي دليل على حرمة الغيبة يقدّم بلا كلام. إذن فباب التزاحم لا ينطبق هنا.
نعم ذلك يأتي في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لو تعارض مع الغيبة فينظر إلى أيهما الأهم، لتعارض الحكمين الإلزاميين هناك، أما حكم الجواز فلا يزاحم الحكم الإلزامي للقطع بتقديم الإلزامي، وحينئذ فلا بدّ أن نقدم أدلة الغيبة ونحكم بالحرمة. وعلى كل حال فهذا المسلك لا يعطي الثمرة المرجوة منه.
وأما الثالث: مسألة التخصيص فهل نستطيع أن نستفيد الاستثناء عن طريقها؟ لا بدّ أن نأخذ الروايات واحدة واحدة ونناقشها. أما بالنسبة إلى المتجاهر فبعضها ظاهر وبعضها موضع مناقشة.
ــــــــــ[248]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
سبق أنَّ بيّنا أنَّ الحديث في القمار يقع في أربع مسائل:
ــــــــــ[249]ــــــــــ
() [الدفتر الثاني]، الأحد 2/8/1382- 30/12/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الكلام في القسم الرابع: وهو اللعب بغير آلات القمار بلا مراهنة. هل هناك ما يمنع مثل هذا؟
المسألة موضع خلاف وليست موضع اتّفاق كالسابقات. بعضهم منعه واستند في منعه إلى روايات، وليس في شيء منها ما يكون دالاً على المقصود.
أهمّها: “لا سبق إلَّا في خف أو حافر أو نصل“. فكأنَّ هذه الرواية حصرت المسابقة بهذه الثلاثة، فكل مسابقة غيرها محرّمة كالمسابقة بالشعر ورفع الحجر الثقيل والركض، وبمقتضى إطلاقها يشمل ما إذا كانت المسابقة مع مال أو بدون مال، فهي محرّمة على كلّ حال.
هذه الرواية لو كانت مشكَّلة على الأُصول لكانت دلالتها وافية. فنحن إذا قرأناها: (لا سَبْقَ) بالمعنى المصدري يتمّ الاستشهاد بها. وإذا قلنا إنَّها لا سَبَقَ بثلاث فتحات متوالية وهو نتيجة المسابقة وهو الرهان وهو المال الذي يُعطى على أساس المسابقة، فيكون معناها أنَّه لا يعطي المال مع المراهنة إلَّا في هذه الأُمور الثلاثة، وتصلح هذه الرواية حينئذٍ أن تكون دليلاً على المسائل السابقة التي اعتبر فيها المال.
فإذا شككنا وهي قد وردت غير محرّكة في كلام القدامى، تبقى الكلمة
ــــــــــ[250]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
مجملة، فلا تصلح للدلالة على المدعى ونبقى متوقّفين. ونرجع إلى أصالة البراءة من الحرمة.
أما بقية الأدلّة فيبدو منها النهي عن اللعب واللهو، فتدلّ على حرمة مطلق اللهو واللعب. وقلنا إنَّه لا مجال للأخذ بها على إطلاقها للزوم تخصيص الأكثر. فلو أمكن أن نخصّصها بإقامة السيرة على حليته للزم تخصيص الأكثر وتسقط عن الاعتبار. فلذا نرى الفقهاء قد أفتوا بحرمة ما كان مَجْمَعاً لعنوانين، أحدهما اللعب واللهو كاللعب بالقمار، أمّا اللعب بعنوانه فهو غير محرّم. بالإضافة إلى أنَّنا لا نستطيع أن نثبت حرمة القمار من هذه الأدلّة لسقطوها بعد تخصيصها بالأكثر.
قسم آخر يقولون: إنَّ اللعب مطلقاً يصدق عليه أنَّه قمار، وهذا بعيد لغةً وعرفاً. فإنَّ بعضها ممّا يقطع الإنسان أنَّه ليس بقمار كالمسابقة بالركض والسباحة والشعر. فما الذي يلزمنا بتحريم هذا النحو من اللعب ولا دلالة لهذه الأُمور على الحرمة، فترجع إلى الأصل العملي وهو البراءة في المقام.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[المسألة السادسة عشر: القيادة حرام وهي السعي بين الشخصين لجمعهما على الوطء المحرم…]
من المحرّمات (القيادة) وهو للجمع بين الرجل والمرأة أو بين رجلين على محرّم، وكأنّ من الغرابة بمكان أنَّ هذه اللفظة من المفاهيم العراقية لا الحجازية، فقد كان لها في الحجاز معنى آخر.
والكلام فيها يقع من ناحيتين: ناحية الحكم التكليفي وناحية الحكم الوضعي.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا الحكم التكليفي، فالقوّاد يستحق على فعله العقاب بلا كلام، والأدلّة اللفظية عندنا متوفّرة.
منها ما سبق من لعن الواصلة وهي التي تجمع بين الرأسين على محرّم. وإذا لم يكن الفعل حراماً لم يستحقّ صاحبها اللعن.
وثانياً: جعل الشارع عليها حدّاً هو ثلاثة أرباع حد الزنا أي خمس وسبعون جلدة. وهو ما ورد في الكافي مسنداً عن عبد الله بن سنان: “قلت لأبي عبد الله أخبرني عن القوّاد ما حدّه؟ قال: لا حد على القوّاد، إنَّما يعطى الأجر على أن يقود. قلت: جعلت فداك إنَّما يجمع بين الذكر والأنثى حراماً، قال: ذاك المؤلف بين الذكر والأُنثى حراماً. فقلت: هو ذاك؟ قال: يضرب ثلاثة أرباع حدّ الزاني خمسة وسبعون سوطاً وينفى من المصر الذي هو فيه“.
(307 محاضرات. والرواية صريحة في وجوب الجلد، والحدّ إنَّما يكون عل المحرّمات، فلا بد أن تكون القيادة محرّمة).
أمّا تساؤل الإمام عن معنى القيادة، فإنَّنا إذا اعتبرنا في الإمام فعلية العلم فالرواية تنافي مفهوم الإمامة فيجب طرحها. ولو قلنا إنَّه لو أراد لَعَلِم فتصحّ نسبة الجهل إليه ونصحّح على هذا الأساس ما ورد من: “أنَّ الجارية تختفي وراء
ــــــــــ[254]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الحائط ولا أعلمها“، أو أن يسأل الإمام عن بعض الأُمور.
هل الإمام يعلم بالواقعيات أو يأخذ بالحكم الظاهري ويعتمد على الأُصول والقواعد العامّة؟ اختلف أصحابنا في ذلك فبعضهم يعطي الإمامة فعلية العلم. فهذه الروايات تتنافى معها فلابدَّ من طرحها بعد قيام الدليل على ذلك.
وبعضهم قالوا إنَّه لو أراد أن يعلم لعلم، وهذا المعنى أقرب إلى الطبيعة البشرية وسدّ الحاجة. وعلى هذا الضوء فإنَّ الإمام فهم من القيادة، قيادة الدابة ومعنى هذا أنَّ الإمام كان جاهلاً بمقصود السائل.
وتصحّ هذه النسبة إلى الإمام بأحد وجهين: إمّا بالعلم الإرادي أو أنَّه ربما كان في المجلس من أهل الحجاز الذين قد يثير تحريم القيادة أمامهم شيئاً من الاستغراب، فلم يبيّن الإمام الحكم إلَّا بعد أن شرحه للحاضرين.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا من حيث الحرمة الوضعية، أي أخذ المال على القيادة؛ لأنَّ هذا هو نوع من المعاملة يقوم بها تجاه أجر معيّن لا قربة إلى الله!! فهل المعاملة صحيحة أو لا؟
لابدَّ أن نقول إنَّها غير صحيحة؛ لأنَّه إذا حرّم الله شيئاً حرّم ثمنه. ولكنّنا كنا نستضعفها فيما سبق. ولكنّنا لا نحتاج إليها بعد وجود قاعدة إنَّ النهي عن المعاملة يقتضي الفساد، فالإنسان يجب أن يكون مسلّطاً على العمل الذي يأخذه عند الأجر. وبعد أن نهاه الشارع عنه فقد رفع سلطنته عنه فليس له إجراء المعاملة عليه، فتكون المعاملة فاسدة، فانتقال المال فاسد ويبقى على ملك صاحبه السابق والتصرّف فيه من قبل غيره تصرّف بمال الغير بغير إذنه وهو محرّم. ولا أقل من الشك، فالأصل عدم ترتّب الأثر؛ لأنَّ الأثر من الأُمور الوجودية والأصل عدمه، وهذا الأصل يقول إنَّ المعاملة فاسدة، والمال باقٍ على ملك صاحبه، ولابدَّ من إرجاعه إليه.
ــــــــــ[256]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[المسألة السابعة عشر: القيافة حرام في الجملة…]
اختلف الجماعة في حرمتها وعدم حرمتها.
وهي معرفة الشخص من آثار أقدامه، وتشمل بمفهومها الواسع تتبع بعض الصفات والآثار لمعرفة صحة انتساب الولد إلى أبيه. وهذا هو محلّ حاجتنا، وهي كما يظهر كانت عادة سائدة في الجاهلية، فكان الآباء يلجئون إلى القافة لإثبات صحّة انتساب الأبناء المشكوكين إليهم، وذلك بدل الملاعنة في الإسلام، وكان هؤلاء القافة يصيبون في الأكثر.
ومنه ما جرى لأسامة بن زيد فقد شكّكوا في نسبته إليه لاختلاف بين لونيهما، ورجعوا إلى القافة فقال القائف هذا والله ينتمي إلى ذاك فسرّ النبي. وهذا الحديث يعتمد عليه العامّة كثيراً. والنبي إنَّما سرّ لأجل عجبه من حسن نظرهم لا إقراراً للقيافة.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا ما هو موقف الإسلام من القيافة، فالكلام يقع فيها في مواقع ثلاثة:
أمّا الجهة الأُولى: وهو تعلّم القيافة، فالقيافة لا تأتي إلَّا بالتعلم وليست أمراً اجتهادياً. والظاهر أنَّ الأدلّة الأوّلية لا تردع عن ذلك، أمّا دعوى الإجماع فلم يتّضح أنَّ لدينا إجماعاً على حرمة ذلك. فنبقى نحن والأُصول العملية وهي هنا أصالة البراءة من جهة التعلّم.
وأمّا الجهة الثانية، وهو الإتيان بالقيافة من دون ترتيب الآثار عليها بل لمجرّد الاستيناس بآرائهم. فليس عندنا دليل يمنع من ذلك، والأصل البراءة عن الحرمة، وقد حاول البعض أن يستفيد الحلّية من قصّة الإمام الجواد (عليه الصلاة والسلام)، حيث (شكّك أعمامه نسبته إلى الإمام الرضا (عليه الصلاة والسلام) وقالوا: ما فينا إمام حائل اللون فبيننا وبينك القافّة فقال: ابعثوا
ــــــــــ[258]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أنتم إليه وأمّا أنا فلا، ولا تعلّموهم لما دعوتموهم إليه)، الحديث (312).
والقلق يدخل في هذه الرواية من عدّة جهات:
الجهة الأُولى: كيف يحتمل أن ترتكب أم الجواد شيئاً على خلاف مقتضى القواعد.
الجهة الثانية: قول القائف هذا عمّه وهذا عمّ أبيه وهذه عمّته، فكأنّهم جميعاً كانوا حاضرين في ذلك المجلس، ممّا يشعر بجلوس النساء مكشفات أمام القافة بحيث يشخّصهن القائف.
الجهة الثالثة: كيف يفسح الإمام المجال لهذه الخرافات ويدع القافّة يتحكّمون بالنسب على ما يشاؤون.
والظاهر أنَّ الرواية غير تامّة سنداً (فقد رماه المجلسي بالجهالة في مرآة العقول: ج ص337، وذلك لأنَّ راويه زكريا بن يحيى ولم يذكره أهل الرجال. المحاضرات ص313).
وغير دالّة على إقرار الإمام للقيافة، فإنَّ الإمام إنَّما قال لهم ابعثوا عليهم ولم يذهب هو إليه، وإنَّما قال لهم ذلك لإلزامهم، لأنَّهم على تقدير صحّة القصّة، لو أراد أن يشكّك بالقيافة لكثر الكلام حوله واتهموه بإرادة ستر ابنه وزوجته، في حين أنَّه يعلم الأمر الصحيح ويعلم ما سوف يقوله القافّة، فأجاز لهم الرجوع إليهم. فهو إنَّما أقرّهم عليها بالعنوان الثانوي لا بالعنوان الأولي، فهو ليس إقراراً لأصل المسألة بالعنوان الأوّلي، وإنَّما هو إقرارٌ لها بالعنوان الثانوي لأنَّها واردة في مقام إلزام هؤلاء وتبكيتهم، لذا قال الإمام ابعثوا عليهم، لتحميلهم مسؤولية دعوتهم للقافة.
ــــــــــ[259]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فالرواية إذن مجملة، بل أجنبية من ناحية إقرار الإمام للرجوع إلى القافّة بالعنوان الأولي؛ لأنَّ هناك في الواقع الخارجي ما يصلح أن يكون قرينة على ذلك، لأنَّه لو لم يقرّ الإتيان بالقافّة فسوف يُقال له أنَّك تريد أن تستر على زوجتك وولدك.
والواقع أنَّها رواية قلقة، فكيف يتجرأ إخوة الإمام الرضا هذه الجرأة إلى هذا الحد، وكيف يسقطون الإمام عن إمامته لمجرد لونه دون علمه وسلوكه وإمكانياته، في حين أنَّ هناك طرقاً لإثبات الإمامة كثيرة. بالإضافة إلى ما فيه من طعن بزوجة الإمام بارتكاب أمر عظيم وهذا تشكيك عظيم الخطورة لا يمكن أن يبلغه إخوة الإمام الرضا مهما بلغوا ما بلغوا إليه. واجتماع القافّة بالنساء بهذا الشكل الفاضح، وهو محرّم مهما قلنا بجواز كشف الوجه واليدين.
إذن فالرواية غير صحيحة. فبقينا نحن والأصل العملي وليس عندنا دليل على حرمتها والأصل البراءة من الحرمة.
الجهة الثالثة: وهي ترتّب الآثار على القيافة، قلنا: إنَّ الأمارات مما لا يفيد القطع يحتاج إلى إقرار من قبل الشارع، وقلنا: إنَّ الشكّ في الحجيّة كافٍ للقطع بعدمها، فالشكّ في الانتساب كافٍ للقطع بعدمه، فيكفي في عدم جواز الرجوع إلى القافّة عدم الدليل على الجواز، بالإضافة إلى أنَّ الأصل عدم إقرار الشارع لها، والأصل عدم الحجيّة، كما أنَّ الأصل عدم التوارث بين من حكم القائف بنسبهم وعدم لحاقه به.
ــــــــــ[260]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[المسألة الثامنة عشر: الكذب حرام بضرورة العقول والأديان ويدل عليه الأدلة الأربعة…]
تحدّث الجماعة عن الكذب فأجمعوا على أنَّه من المحرّمات وحرمته لا يقتصر أن يكون موضوعاً لكلام.
واستدلّوا عليه بالأدلّة الأربعة:
أمّا الكتاب فدلالته وافية فكثير من الآيات تحتوي على لعن الكذّابين. والشيء الذي يُلعَن صاحبه محرّم، فإنَّه لا يلعن إلَّا على محرّم.
وأمّا السنّة فالروايات بالعشرات سنعرض لها عند الحديث عن كون الكذب كبيرة أو صغيرة، ودلالتها على حرمة الكذب وافية، بل إنَّ حرمة الكذب من ضروريات الإسلام.
أمّا الإجماع فعلى المباني في قبوله وردّه. بعضهم يقول إنَّه إذا علم مستند
ــــــــــ[261]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الإجماع يكون ساقطاً عن الاعتبار كالسيّد الخوئي. وهنا عُرف مستند الإجماع ومع احتمال استناد المجمعين في فتاواهم إلى الآيات والروايات يُنقَل الكلام إلى المستند ويبطل الإجماع بما أنَّه إجماع.
قلنا: إنَّ إسقاط الإجماع عن الاعتبار شيء صعب، فالإجماع عند السيّد الخوئي ليس بحجّة لاحتمال أنَّهم أفتوا استناداً إلى المستند وبعد معرفة المستند لا مجال للإجماع.
وآخرين قالوا: لابدَّ في إسقاط الإجماع عن الاعتبار من إحراز استناد المفتين إلى مستند معيّن ولا يكفي الاحتمال في ذلك. فإذا قلنا بكفاية الاحتمال نقول بسقوط هذا الإجماع وإلَّا اعتبرناه دليلاً في مقابل تلك الأدلّة.
أمّا دليل العقل فقد تحدّثنا عن معنى العقل الذي نريده في المقام. إذا وجّهنا استفتاء إلى أي عاقل بما أنَّه عاقل عن حسن الكذب أو قبحه، فإنَّه لن يتوانى عن استقباحه.
يقول السيّد الخوئي: إنَّنا إنَّما نستنكر الكذب بواسطة أنَّنا مسلمين لذا فإنَّه شكّك في أنَّ العقل يستقلّ على قبح الكذب خصوصاً مع كونه مؤدّياً إلى غرض عقلائي. فهل هذا صحيح؟
إذا ترتّب على الكذب غرض عقلائي فإنَّه يحسُن بالعنوان الثانوي كما إذا ترتّب عليه مصلحة عامّة. ولكن إذا وردت رواية تقول الكذب على الزوجة جائز أو الكذب في سبيل إصلاح البين جائز، فهل هذا من قبيل تخصيص حكم العقل أو طرو عنوان ثانوي عليه يُخرجه عن كونه ظلماً إلى كونه عدلاً؟
ــــــــــ[262]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
حكم العقل غير قابل للتخصيص ولا يمكن أن نقول إنَّ هذه الروايات من قبيل المخصّص لحكم العقل أو أنَّها خرجت على حكم العقل، وحينئذٍ لابدَّ أن ننكر حكم العقل لعدم إمكان التخصيص فيه ولأنَّ الشارع لا يمكن أن يخرج على حكم العقل، بل هو عنوان ثانوي يجعل الكذب حسناً بعد طروه عليه.
فحكم العقل وارد على الكذب بعنوانه الأولي لا بما يطرأ عليه من خصوصيّات فمناقشة السيّد بعدم استقلال العقل بقبح الكذب لا يمكن المساعدة عليها فإنَّ العقل قد لا يستقل بقبح الكذب لكن لا بما هو كذب، بل بعنوان ثانوي يطرأ عليه.
أمّا بالعنوان الأولي فإنَّنا إذا فرضنا أنَّنا وجّهنا استفتاء إلى أي شخص عن الكذب بما هو كذب لقال بقبحه. ولا يمكن أن تتبنى دولة الكذب في دساتيرها إلَّا صارت سخرية الأمم ولا الأفراد فليس هناك فرد يقول إنَّ الكذب حسن جداً، حتى أكلة لحوم البشر يحكمون بقبحه. فلذلك لا تجد أمّة تتبنى الكذب في دساتيرها مع أنَّها تتبنى نكاح الأخت وتستقبح الزوجات الأربع أشد الاستقباح. فالعقل إذن يستقلّ بأنَّ الكذب قبيح كاستقلاله بأنَّ العدل حسن والظلم قبيح. فمناقشة السيّد الخوئي غير واضحة عندنا. فجعل العقل دليلاً على جانب الكتاب والسنّة في محلّه.
قلنا إنَّ حرمة الكذب تكاد تكون من الضروريات، والأدلة عليه وافرة من الكتاب والسنة وإن كنا لا نحتاج إليها بعد ثبوت كونه من الضروريات.
ــــــــــ[263]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والنقطة التي ناقشها السيد الخوئي هو دلالة العقل على قبح الكذب، وقلنا أنَّه إذا قدر لك أن تفحص أي عاقل وتسأله هل الكذب مما يحسن فسوف يجيب حتماً بأنَّه قبيح. وهذا لا يختص بتقاليد معينة أو أوضاع اجتماعية خاصة ومن هنا فإنَّ أي دولة إذا أباحت الكذب في دساتيرها تكون سخرية العالم، إذن فهذا أمر عقلائي غير راجع إلى تقاليد معينة.
إذن فلا نستطيع أن نقول أنَّ العقل لا يستكشف قبح الكذب، فدلالة العقل وافية في ذلك. أما الإجماع فلا نحتاج إليه بعد توفر تلك الأدلة وقد ناقشه السيد الخوئي من حيث احتمال استناد القائلين إلى هذه الأدلة وحينئذٍ يرجع الكلام مع المستند.
ــــــــــ[264]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
المقام الثاني: إنَّ الكذب هل هو من الكبائر أو الصغائر؟
ما هو مقياس الكبيرة لنستطيع أن نطبّق عليها موردنا هذا؟ وقع الخلاف في ذلك فأنكر جماعة أن يكون عندنا كبيرة أو صغيرة وإنَّما الذنوب بينها متفاوتة.
وقال جماعة: إنَّ الكبيرة هو الذنب الذي توعّد عليه الله بالعقاب في القرآن. واستشهدوا بقوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ(1). والذي أفهمه من اللمم هو الزيادة الخفيفة للكبائر أي ورود الذنب مع التوبة عنه، أمّا إذا أصرّ عليها فإنَّه يستوجب العقاب.
والكذب بأي معنى أخذناه هو من الكبائر. نرى أنَّه تعالى لم يوعد عليها بالنار في القرآن وإنَّما ورد في القرآن اللعن على الكاذبين، فلم ينطبق إذن عليه المقياس السابق للكبيرة. فنحتاج إلى دليل آخر لذلك.
الروايات: بعضها صريح في أنَّه من الكبائر كرواية ابن شاذان، وهي ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا في كتابه إلى المأمون. “الإيمان أداء الأمانة
ــــــــــ[265]ــــــــــ
(1) النجم: 32.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
واجتناب الكبائر، وهي قتل النفس التي حرّمها الله والزنا والسرقة إلى أن قال والكذب“، (ص315).
ورواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ذكرها في المكاسب وذكر أنَّها تدلّ على أنَّها كبيرة لأنَّ الشراب مفتاح الشرّ، والكذب شرّ منه. فإذا كان الشراب كبيرة فلابدَّ أن يكون الأكبر كبيرة أيضاً. وقسم من المناقشات التي ذكر السيّد الخوئي واردة وبعضها خلاف مبانينا.
كرواية محمّد بن مسلم السابقة: “إنَّ الله تعالى جعل للشر أقفالاً وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب والكذب شرّ من الشراب“.
قال الخوئي: إنَّ محاولة الاستفادة من هذه الرواية أنَّ الشراب مفتاح الشرّ ولابدَّ أن يكون مفتاح الشرّ كبيرة، فالأكبر منه كبيرة أيضاً. هذه المحاولة غير تامّة؛ لأنَّه من الجائز أن يكون مفتاح الشرّ كبيرة. وليست هذه المناقشة تامّة لأنَّ الذي ركّز عليه الشيخ هو جهة أنَّ الكذب شرّ من الشراب وعندنا مفروغية من أنَّ الشراب كبيرة فلابدَّ أن يكون ما هو شرّ منه كبيرة أيضاً. في حين إنَّ السيّد الخوئي ركّز في مناقشته على كونه مفتاح الشرّ.
ومنها ما ورد عن النبي: (من أنَّ المؤمن إذا كذب لعنه سبعون ألف ملك وكتب عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن يزني مع أمه).
وقد ناقشها الخوئي بوجوه:
أهمّها أنَّها ضعيفة لوجود أنس وقتادة بين رواتها، وهما ليسا من الرواة المعتمدين لا عندنا ولا عند غيرنا.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وناقشها السيّد الخوئي أيضاً من ناحية اشتمالها على ما لا يؤمن به العقل فإنَّ الكذبة الواحدة التي لا يترتّب عليها مفسدة أُخرى كيف يترتّب عليها من العقاب أكثر من شرب الخمر أو الزنا. مع أنَّنا إذا أردنا أن نفتح باب إخضاع الروايات إلى حكم العقل بأن نتخيّل العلل ونصرف الرواية عنها، مع أنَّ هذه ليست طريقتنا، فإنَّنا لا نخضع الرواية إلى حكم العقل إلَّا إذا خرجت على الأوليات العقلية كالدور واجتماع النقيضين، وأمّا دأبنا أن نأخذ ما سوى ذلك تعبّداً.
إذن فلا نستطيع أن نعتبر العقل بهذا المعنى مقياساً لأنَّ العقل لا يدرك فلسفة التشريع. وأصحاب الرأي في الكوفة كانوا يخضعون الروايات لحكم العقل في علل هم يستنبطونها، كقول أبان: كنّا نسمع بذلك ونحن بالعراق فنقول إنَّ الذي يقول به شيطان. لكن الإمام لما أبان له فلسفة الحكم خضع.
وحكم العقل في مقامنا مناقش من عدّة جهات فنحن لا نعلم ما الذي يترتّب على الكذب من مفاسد. وأوّل الكلام كون ما يترتّب عليه من المفاسد لا يضرّ إلَّا الفرد نفسه، ومتى كان العقل له قابلية تقييم روايات وتزييف روايات. فالأنسب أن يقتصر في مناقشة الرواية على ضعف سندها ولا تصل النوبة إلى نقد المضمون.
وعند السيّد الخوئي أنَّه (لا خلاف) هل أراد بذلك الإجماع به “كما لا إشكال في تعيّن الكذب إذا دار الأمر بينه وبين شرب الخمر والزنا”، أي: في باب التزاحم إذا دار الأمر بين محرّمين متزاحمين أيّهما يقدّم؟ فالدعوى التي
ــــــــــ[267]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يدّعيها السيّد أنَّه أضعف منهما فلابدَّ أن يُقدَّم عليهما. ولكن هل هو أضعف بقول مطلق؟ كيف مع أنَّه قد تكتنف الكذب كما تكتنف شرب الخمر والزنا أجواء مختلفة تؤثّر في ضعفه وشدّته، ومن أين لنا الإجماع على ضعفه؟ في حين إنَّ هذه الرواية تقول إنَّه أشدّ. إذن فمثل هذه المناقشات لا توقف الاستفادة.
عندنا روايات مطلقة في أنَّ الكذب كبيرة مطلقاً.
بعض الجماعة يناقش في ذلك فيقول بأنَّ هذا الإطلاق مقيّد عندنا لأنَّ هناك روايات تخصص الكبيرة بالكذب على الله ورسوله والأئمة، فمن حمل المطلق على المقيّد نعرف أنَّ الباقي ليس كبيرة.
والسيّد الخوئي يعتبر هذه الرواية المخصّصة ذات مفهوم هو مفهوم العدد. في حين إنَّ بها تعداد لا عدد فمفهومها على تقدير وجوده هو مفهوم تعداد لا مفهوم عدد.
بحسب القواعد عندنا مطلق ومقيّد غير متخالفين بالحكم وليس هنا إحراز بأنَّ الحكم واحد في الروايتين، فإنَّه إذا أحرز وحدة الحكم فلابدَّ من حمل المطلق على المقيّد، أمّا إذا لم يكن هناك تنافٍ بين المطلق والمقيّد فلا ضرورة للحمل نحو أكرم العلماء وأكرم زيداً الذي نعلم أنَّه عالم. فالجماعة لا يحملون المطلق على المقيّد في هذه الصورة، بل يدّعون كل حكم يحمل على […](1) ففي مقامنا ليكن كل كذب كبيرة وليكن الكذب على الله ورسوله كبيرة أيضاً. وليس عندي شيء يعيّن أنَّ الصادر واحد لا حمل المطلق على المقيّد والسيّد يريد
ــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) كلمة غير واضحة في الخطية.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أن يستفيد من الرواية مفهوماً، والعدد ومفهوم العدد ليس بحجّة، والرواية بها تعداد لا عدد، حيث إنَّها -أي رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله- التي نصّت على: “أنَّ الكذب على الله تعالى وعلى رسوله وعلى الأوصياء من الكبائر” لم تقل إنَّ الكذب على ثلاثة أقسام، بل عدّدت فقط أقساماً من الكذب، ففيها مفهوم تعداد لا عدد، وحتى لو كان بها مفهوم عدد فهو ليس بحجّة. إذن فهذه الرواية لا تصلح أن تكون مقيّدة لتلك الإطلاقات.
إلَّا أن نقول: إنَّ الروايات الواردة في أنَّ الكذب من الكبائر غير واردة في مقام بيان الإطلاق، فليست في مقام بيان كل ما له مدخلية وخصوصية في حكمه. فإذا قلنا إنَّها ليست في مقام البيان من هذه الناحية فقد سقط الإطلاق، فغاية ما تدلّ عليه أنَّ الكذب حرام في الجملة، والروايات المقيّدة تقول إنَّ الكذب على الله ورسوله والأوصياء كبيرة فنأخذ به ونجري في الباقي أصل البراءة من كونه كبيرة. فلا يبقى حينئذٍ عندنا مطلقات تعين أنَّه كبيرة.
فالنتيجة التي توصّلنا إليها أنَّنا إذا أخذنا بإطلاق الروايات فليس هناك ما يصلح لتقييدها، وإلَّا أخذنا بالقدر المتيقّن وهو الكذب على الله ورسوله والأوصياء ونرجع بالباقي إلى الأصول.
الثمرة المترتّبة على كون الكذب من الكبائر أو من الصغائر:
ــــــــــ[269]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فاسق وإذا قلنا إنَّه من اللمم فليس بفاسق، وإن قلنا إنَّ العدالة تنتفي بالكبائر والصغائر فلا أثر لهذه المسألة؛ لأنَّ الكاذب يكون فاسقاً سواء كان الكذب صغيرة أو كبيرة. وإنَّما تترتّب الثمرة على القسم الأوّل فقط.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
انتهينا إلى حرمة الكذب وأنَّه من الكبائر، وحرمته من البديهيات وقلنا إنَّ الذي دلّ على حرمته الكتاب والسنّة وحكم العقل، خلافاً لبعض أساتذتنا، حيث ناقش في دلالة حكم العقل على قبح الكذب، وقلنا إنَّ معناه أنَّ كل أمّة لو سئلت عن الكذب بغضّ النظر عن تقاليدها وأديانها لقالت بقبحه حتماً، ولا توجد دولة تستطيع أن تستبيح الكذب وتنسج به علائقها الدولية مع أنَّها تستطيع أن تبيح الزنا وشرب الخمر. إذن فحكم العقل وافٍ من هذه الناحية.
بقيت فروع للمسألة.
إنَّ الكذب المحرّم هل يكون بداعي الجد فقط، بمعنى: أنَّ الكذب الهزلي هل يكون محرّماً؛ فإنَّ الإنسان قد يتكلّم كلاماً لا يريد مدلوله، بل لمجرّد الهزل والسخرية وتارة يتكلّم كلاماً يريد منه مدلوله مع كونه قاصداً للسخرية. فنحن يجب أن نفهم ما هو الكذب المقصود بالبحث.
وقد وقع الخلاف بين القدماء في تشخيصه ومنه الخلاف المذكور في المختصر بين الجاحظ والنظام من أنَّ الكذب هل هو مخالفة الكلام للواقع أو للاعتقاد. والذي انتهى إليه التحقيق في العهود المتأخّرة أنَّ الصحيح هو أنَّ الكذب هو ما
ــــــــــ[271]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يخالف الواقع لا ما يخالف الاعتقاد، والاعتقاد ليس جزءاً مقوّماً له.
فالذي يهزل تارة يكون كلام مقصوداً به الإخبار ولكنّه بداعي الهزل، فأنا أُريد أن أوصل المعنى إلى السامع لكن بداعي الهزل، وأنّا أريد أن أخبرك بما يخالف الواقع ولكن إذا سألتني لماذا تستر الواقع عني أقول لك بداعي السخرية. والداعي كما قلناه غير مقوّم لمفهوم الكذب، فهو كاذب لأنَّه أخبر بخلاف الواقع والدواعي أجنبية عن مفهوم الكذب. فالأدلة المطلقة الدالّة على حرمة الكذب دالّة على حرمته أحسن دلالة.
وأُخرى لا يقصد الإخبار نهائياً، بل مجرّد لقلقة لسان كما هو شأن جلّ الهزليين، وليس هو إزاء عالم إخبار عن واقع وإنَّما عالم قتل وقت، فإذا سألته هل أنت تقصد الإخبار يقول لك لا، بل أضحك. فهذا خارج عن حرمة الكذب تخصّصاً، خارج تخصّصاً عن أدلّة تحريم الكذب لأنَّه ليس كذباً. فالأدلة الناهية عن الكذب هزله وجدّه لا تكون متناولة له ابتداءً إذا اعتبرنا قصد الإخبار مقوّم للكذب فالأدلّة لا تتناوله لعدم القصد فيه.
ومن ذلك كثرة من الشعر المتداول، قصائد كاملة تصف مشهد غرامي، وليس الشاعر قصده الإخبار عن واقع حدث، وإنَّما هو كلام يُقال ومن ثَمَّ لا يرتّب عليه أثر الواقع ولا يتساءل عن مطابقته للواقع وعدمها.
فإذا تم هذا لا نحتاج إلى أن نستدلّ بالسيرة على حلّيّة مثل هذا القسم من الهزل، كما حاول بعضهم حيث يحاول أن يخصّص عمومات الكذب بالسيرة حول هذا القسم من الهزل فيكون خارجاً منها بالتخصيص لا بالتخصّص.
ــــــــــ[272]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والسيرة مبنية على أساس صدور هذا النوع بكثرة في مجالس العلماء والمتشرّعين ونرتقي به إلى زمن الأئمّة ولم نرَ أنَّه نُهي عنه، فتحدث لدينا سيرة تكون مخصّصة لأدلّة حرمة الكذب المطلقة. ولكن لابدَّ في السيرة أن نوصلها إلى الإمام وأن نعرف أنَّه قد أقرّها وذلك ليس بالشيء السهل. ولكن النوبة لا تصل إليه بعد أن عرفنا أنَّه خارج تخصّصاً عن أدلّة التحريم. فنبقى نحن والأُصول العملية، والشكّ هنا شكّ في أصل التكليف ويرجع في مثله إلى أصل البراءة من الحرمة.
كما أثير الكلام بالنسبة إلى خلف الوعد. وهذه المسألة ذات شقّين الشقّ الأوّل: الكذب في الوعد. الشقّ الثاني خلف الوعد.
ولابدَّ أن نعرف أوّلاً ما هو معنى الوعد. ويمكن أن نرتقي في معناه إلى ثلاثة أقسام:
أمّا بالنسبة إلى الصنف الأوّل: في حكاية الالتزام فإنَّه يلتقي مع الكذب في
ــــــــــ[273]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بعض الصور، فإنَّه إذا كان له واقع مطابق بمعنى أنَّه كانت هناك حالة نفسية هي عبارة عن الالتزام بالوعد فأنت صادق وإن لم تكن هناك مثل هذه الحالة النفسية فهو إخبار مخالف للواقع فهو كذب.
أمّا الصنف الثاني: وهو جعل الالتزام على الإنسان. فهذا من شؤون الإنشاء والإنشاء لا يتحقّق به الصدق والكذب لأنَّه ليس به حكاية عن الواقع حتى تطابقه أو تخالفه، وإنَّما به يُخلَق الواقع ويوجد. فلا معنى للصدق والكذب فيه.
وأمّا القسم الثالث: وهو الإخبار بما يتحقّق في الواقع كأن أخبر بأنَّ زيد سيجيئ فكذب هذا القسم وصدقه يبقى مراعى إلى أن يتحقّق المجيء في الخارج فإن وقع صدق وإلَّا فيكون كاذباً. فالصدق والكذب إنَّما ينطبقان عليه بعد تحقّقه أو عدم تحقّقه لا بالفعل لأنَّه ليس له واقع فعلي.
أمّا بالنسبة إلى خلف الوعد: بعد أن التزم عليك بشيء هل يجب الوفاء به؟
هذه المسألة ليس من مسألة الكذب والصدق، لأنَّ الوعد لا يصدق عليه أنَّه صدق وأنَّه كذب لأنَّه أجنبي عن ذلك وإن كان يُقال إنَّه صادق في وعده أي إنَّ وعده طابق الواقع فلازمه أنَّه وفى بوعده.
فهذه الوعود أي الإخبار عما سوف يتحقّق، غير كاذب بها الآن لأنَّ وقت الإنجاز غير متحقّق، ولكن هل يجب إنجازها لكي يصدق القول السابق أو لا؟ هذا موقوف على أنَّه هل كانت له حجّة عندما قاله أو لا؟ فإذا كان عنده علم وأخبر بتحقّق شيء يكون مع تحقّقه صادقاً ومع تخلّفه كاذباً أمّا إذا كان
ــــــــــ[274]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
شاكّاً فتكون الحرمة متوقّفة على تخلّفه؛ لأنَّه الآن ليس له دليل على الخلاف، فإن وقع كان صادقاً وإلَّا كان كاذباً.
فما هو الكذب المحرّم هو الذي تعلم بوقوعه وتخبر بعدم ذلك أو بالعكس؛ لأنَّ الواقع قد انكشف لك عن طريق علمك وقد أخبرت على خلافه. نعم إذا انكشف أنَّ علمك مخطئ فهل يكون هذا من قبيل الخطأ في التطبيق أو جهلاً مركّباً؟ وغاية ما عندنا أنَّه تجرّي لأنَّه ليس بكاذب لأنَّ الكذب هو مخالفة الواقع وقد وافق قوله الواقع، غاية الأمر أنَّه أقدم على مخالفة المولى، والجماعة يبنون على حرمة التجرّي لأنَّه يكفي أن تكون لدى الشخص نفسية مخالفة المولى.
فبين خلف الوعد والكذب المنجز عموم وخصوص من وجه يجتمعان في صورة ما إذا كان يعلم أنَّه ما يعد به لا يتحقّق كما أنَّه عازم على عدم تحقيقه. فإن وعدتك بالمجيء وأخبرتك بتحقّقه ولم يتحقّق فهذا كذب وخلف وعد.
ومورد الافتراق بالنسبة إلى الكذب أنَّه قد يكون مقدّماً على كذب، لكنّه ليس طرفاً في الموضوع ليكون له تحقيقه نحو سوف يقدّم والدك ولم يقدّم. فهو كذب منجز ولكنّه ليس بخلف وعد. وربما كان خلف وعد وليس بكذب منجز كما لو أخبر وهو شاكّ في أنَّ هذا الشيء سوف يفعله أو لا، فإنَّه لم يفكّر في ذلك بعد وجاء الموعد ولم يذهب فصار عنده خلف وعد دون الكذب لأنَّه لم يخبر عن علم وإنَّما أخبر وهو شاكّ.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أمّا بالنسبة إلى خلف الوعد هل هو حرام أو لا؟ يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
كان الكلام بالنسبة إلى خلف الوعد، والكلام فيه يقع في مقامين: الأوّل في الوعد. الثاني: في خلف الوعد.
أمّا المقام الأوّل: في الوعد، فللوعد ثلاث إطلاقات يختلف ثبوت الصدق والكذب فيها.
الأوّل: الذي يراد به الحكاية عن الالتزام النفسي فهو يحدّث عن التزامه، فإذا كان الالتزام موجوداً واقعاً يكون صادقاً وإن لم يكن لديه التزام يكون كاذباً؛ لأنَّ قوله ذلك مخالف للواقع.
الثاني: أن يجعل للآخرين على نفسه شيئاً كالنذر واليمين والعهد. وهو من الأُمور الإنشائية وليس لها واقع لتتحقّق المطابقة بينه وبينها أو عدمها، ومن ثَمَّ لا يصدق عليه الصدق والكذب.
الثالث: أن يتحدّث عن وقوع شيء في الخارج في المستقبل ويبقى الصدق والكذب مراعى إلى أن يحدث أو لا يحدث. وقلنا إنَّ وعود الله تعالى كلّها من هذا القبيل. فإذا تحقّق الكذب بأحد هذه الأقسام يكون محرّماً.
الآن فيما يتّصل بالقسم الثالث أي الإخبار عن وقوع الشيء في الخارج في
ــــــــــ[276]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
المستقبل، فيما يتّصل بالإنسان نفسه، بعد صدور هذا القول منه هل يجب أن يأتي بالفعل حتى لا يتحقّق منه الكذب أو لا؟ هل يجب الوفاء بهذا النحو من الوعود؟ فإنَّ صدق الكلام وكذبه يبقى مراعى بحدوث المخبر عنه وعدمه فهل يكون الإنسان ملزماً أن لا يجعل قوله كاذباً. بمعنى: أنَّه يفعل الفعل ليكون كلامه مطابقاً للواقع فيكون صادقاً أو لا؟ (مع ملاحظة أنَّ الفعل ممّا يتعلّق بالإنسان نفسه وبيده اختيار فعله وعدمه، كأن يخبر صديقه أنَّه سوف يأتيه في الغد فهل يجب أن يأتيه لكي يكون قوله صادقاً). فإيقاع الموافقة بعد صدور الكلام هل تجب أم لا؟
والسيد الخوئي يرى أنَّ الأدلّة التي تدلّ على الحرمة منصرفة عن هذا القسم لأنَّها تدلّ على تحريم قول مخالف للواقع، ولكنّها لا تدلّ على حرمة منع مطابقة الكلام للواقع، فمثل هذا الأمر لا دليل عليه.
والكلام فيه يقع في مقامين:
ــــــــــ[277]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فإذا رفضنا الوجوب النفسي ولم نلتزم بوجوب الضدّ عند حرمة ضدّه كما لم نلتزم بالوجوب المقدّمي. فهل يسوّغ لك أن تفعله يقتضي أيضاً لا يسوّغ ذلك، لا لأنَّه تكليف آخر وراء حرمة الكذب.
الذي يظهر من السيّد الخوئي إنَّه يسوغ ذلك لأنَّ أدلّة تحريم الكذب لا تتناوله، فمن حيث حرمة الكذب غير متناول له، فنبقى نحن والدلالة الأوّلية.
ولكن نحن نقول إنَّه بعد صدور الكلام لم يتحقّق الكذب بعد، ويبقى كذبه أو صدقه مراعى بالمطابقة وعدمها، فالحرمة التكليفية للكذب تبقى مراعاة بحدوث الفعل في المستقبل، فالعقل يقول لك لا تسقط نفسك في هذه الحرمة، ولما كان أمر الواقع بيدك وأنت تستطيع أن تجعله صادقاً أو كاذباً، فبعدم إتيانك للفعل تكون قد نجزت الحرمة عليك واستحققت العذاب لنفسك، فالعقل يقول بلزوم إتيانك بالفعل تجنباً للوقوع بالحرمة. وهذا ليس من قبيل الوجوب النفسي ولا الغيري وإنَّما هو أمر عقلي وحرمته عين حرمة الكذب. فإنَّه من الصحيح أنا ليس عندي وراء حرمة الكذب حرمة، لكن ليس معنى ذلك الإباحة، فإنَّه أنا ملزم أنَّ أوقع المطابقة بين قولي وفعلي لأجل أن أسلم من العقاب على الفعل. فلابدَّ أن تفعل عقلاً لئلا تستحق العقاب، والعقاب عليه هو العقاب على الكذب لا عقاب آخر.
العقل يقول أمنع عقاب الكذب عنك. إذن نستطيع أن نقول إنَّ عندنا حكماً عقلياً يلزم هنا بالمطابقة للهرب من حرمة الكذب. فنحن ليس عندنا وجوب نفسي ولم نؤمن بالوجوب الغيري، ولكن عندنا وجوب عقلي لأنَّك تستطيع أن تجعل كلامك صدقاً لا عقاب عليه.
ــــــــــ[278]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
خلف الوعد: هل عندي دليل على حرمته؟
استدلّ الجماعة بأدلّة من الكتاب والسنّة وكانت عندهم موضع مناقشة، فإنَّ دلالتها وإن كانت وافية إلَّا أنَّ المشهور خالفها، فنزولاً عند رغبة المشهور لابدَّ من طرح هذه الروايات، والغريب أنَّ السيّد الخوئي يأخذ بهذه المناقشة مع أنَّها خلاف مبانيه.
من الأدلّة قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّـهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(1)، فبما أنَّ خُلف الوعد قول بلا فعل فبالملازمة يكون الفعل واجباً حتى يستحقّ التأنيب على تركه.
وقد ناقشها السيد الخوئي وبقية فقهائنا المتأخّرين، بأنَّها غير واردة في خلف الوعد لأنَّها لم تقل لمَ لا تفعلون ما تقولون، بل قالت: لمَ تقولون ما لا تفعلون، وهذا شيء وراء الوعد، بل هي أشبه شيء بالنهي عن الكذب في الوعد كما في القسم الأوّل، لا أن أفي بما وعدت به. لا تكذب في الوعد لا أنَّه بعد أن تعد عليك الوفاء.
ولتوضيح المناقشة نقول: إنَّ لهذه الآية في معناها ثلاثة احتمالات:
ــــــــــ[279]ــــــــــ
(1) الصف: 2-3.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
تأمر بشيء ولا تفعله، فيكون عكس قول الشاعر لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله.
والآية تدلّ على الوجهين الأوّلين بالدلالة المطابقية، وتدلّ على الثالث بالدلالة الالتزامية، فهي لا تدلّ على خلف الوعد لأنَّه لو كان مراداً لكان عليه التعبير بنحوٍ آخر، فليس عندنا بالنسبة إلى خلف الوعد في الآية إلَّا الاستشعار بنحو الدلالة الالتزامية؛ لأنَّنا نعرف بالالتزام أنَّ خُلف الوعد غير مرغوب للمولى. فلا أقلّ أن تكون الآية مجملة، فلا نستطيع أن نجعلها ظاهرة بخصوص الثالث ونطرح الاحتمالين الأولين، إذن فلا نستطيع التمسّك بها في الاستدلال على حرمة خلف الوعد.
ومن الروايات رواية شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله “قال رسول الله: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفِ إذا وعد“. واللام للوجوب.
ومنها رواية هشام بن سالم سمعت أبا عبد الله يقول: “عدّة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف الله بدأ“.
ولكن الأصحاب أعرضوا عنها وإعراض الأصحاب موهن لها، ولكن هناك من يقول بأنَّ إعراض الأصحاب غير موهن؛ لأنَّه ناشئ من فهمهم للروايات وهو (فهمهم) ليس حجّة علينا.
ولذا استدلّوا بالسيرة لإثبات حلّيتها من حيث إنَّ المتشرّعة يخلفون الوعد كثيراً. ونرتقي بهذه السيرة إلى عصر الأئمة، ولابدَّ أنَّهم قد أقرّوها وإلَّا لبلغنا، ويكون هذا دليلاً على حلّيّتها.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والذي ينبغي أن يُقال: إنَّنا سبق أن قسّمنا الوعد إلى ثلاثة أقسام:
فبمقتضى القواعد، في القسم الثاني أنَّه يجب أن يعمل الإنسان ما يحلّله من هذا الوعد بعد أن كانت الرواية تقول إنَّه نذر ولم نطرح الرواية لأنَّنا لا نقول بأنَّ رفض الأصحاب موهن لها. فإنَّ في هذا القسم إشغال للذمة للغير فما الذي يرفع هذا الجعل؟ (عدّة المؤمن نذر) تدلك على أنَّ للإنسان أن يجعل على نفسه للآخرين شيئاً ولكنّه يجب عليه الوفاء به.
أما أن يكون حكاية عن واقع، فإذا تمّ ما قلناه من أنَّه يجب عليه أن يخرج من عهدة الكذب بالوفاء بقوله فعلية أن يأتي به؛ لأنَّنا قلنا إنَّه ما دام عقاب الكذب يبقى مراعى، فيجب تخلّصاً من الحرمة أن تطابق بين قولك والواقع بأن تفي به، فالوفاء عقلي للخروج عن عهدة الكذب.
بقيت هذه الالتزامات التي لا تبتني على جعل وإنشاء، فإنّك لا تستطيع أن تقول إنَّ مثل هذه الوعود لها أساس. فهذا القسم مبني على أنّي التزمت لا بنحو الجعل، فهذا لا دليل على وجوب الوفاء به. إذن فقسمان من الوعد يجب الوفاء به وقسم لا يجب الوفاء به.
والذي أتخيّله أنَّ دعوى السيرة العرفية هي في القسم الأوّل الذي ليس فيه
ــــــــــ[281]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الوعد من قبيل الجعل. وأُخرى يكون الوعد جعلاً بحيث يكون للموعود حق بأن يطالب به. فالسيرة المدّعاة هي من الأدلّة اللبيّة التي لابدَّ أن يقتصر فيها على القدر المتيقّن، وهي غاية ما يمكن أن تقوم عليه هو الوعود العادية التي ليس فيها جعل وإلزام، فنأخذ بالقدر المتيقّن ونخرجه من إطلاق الروايات وتبقى الروايات وافية الدلالة على حرمة القسمين الآخرين.
ومن العجيب أن لا تكون الشريعة الإسلامية غير ملتزمة بالوفاء بالوعد مع أنَّه من الأُمور الحسنة في نفسها التي يستقلّ العقل بإدراك حسنها وقبح خلف الوعد ولا أظن أنَّ اثنين يختلفان في ذلك، ومع ذلك لا يلزمني الشارع بهذا. هذا عيب كبير!
سبق أن ذكرنا أنَّ الوعد على ثلاثة أقسام:
الأوّل: ما يكون حكاية عن الالتزام النفسي، والمدار في صدق هذا القسم وكذبه وجود الالتزام وعدمه. فإن كان موجوداً كان صادقاً لأنَّ المدار في الصدق موافقة الواقع وقد حصلت، وإذا لم يكن هناك التزام كان الكلام كاذباً.
أمّا بالنسبة إلى خُلف الوعد في هذا القسم، فإنَّه لم يتحقّق هناك وعد حتى يجب عليه الوفاء. ومثل هذا القسم هو الذي تنطوي عليه التعابير المتعارفة، تقول أين تذهب الليلة فيقول إلى المكان الفلاني، فيقول إذن فأنّا أحضر أيضاً، وينتهي الكلام ولا تشعر بأي إلزام ولا يشعر هو بأنّك حتماً سوف تذهب أو أنَّك ألزمت نفسك تجاهه بشيء.
ــــــــــ[282]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وتسمية هذا المتعارف في الحقيقة وعداً يحتوي على مسامحة وخُلفه ليس بخُلف وعد، والسيرة قائمة على هذا القسم، والأدلّة منصرفة عنه، فإنَّ غاية الأمر فيه أنَّه كلام يُقال ثُمَّ لا يشعر الإنسان أنَّه ملزم تجاه الآخرين بشيء. فإذا لم يوجد التزام، ففي الحقيقة أنت لم تعطِ شيئاً لتكون ملزماً به، فعليك حرمة الكذب أمّا الوعد فلا شيء موجود لكي يصدق عليه الخلف.
الثاني: أن تجعل للآخرين عليك شيئاً على أن تضع لهم شيئاً، وحسابه حساب اليمين والعهد والنذر، وهو إنشائي لا يحتمل الصدق والكذب؛ لأنَّ الإنشاء إيجاد للواقع ولا يتحمّل المطابقة وعدم المطابقة، فهل يجب الوفاء بهذا القسم؟
بعد أن افترضنا صحّة جعل الإنسان على نفسه شيئاً فما هو المفرغ لهذا الشيء؟ ذمّتك قد انشغلت فتحتاج إلى مفرغ. والأدلّة تجعل الإنسان مُلزَم به لأنَّ تشبيهه بالنذر معناه أنَّه مُلزَم به كما هو مُلزَم بالنذر، وكذلك وعد المؤمن دين أي بمنزلة الدين بل هو دين مُلزَم بأدائه ومُطالَب به يحرم عليه الخُلف فيه. فإذا جعل شيئاً على نفسه للآخرين فالأدلّة وافية على وجوب تنفيذه وأنَّه مطالب به.
الثالث: أن يخبر عن وقوع شيء في الخارج، وعليها تنزل وعود الله عزّ وجل، حيث إنَّه لا معنى فيها للحكاية عن التزام يلتزمه الله تعالى على نفسه. وصدق مثل هذا القسم وكذبه مراعى بما يحدث في الخارج، فإن حدث ما أخبر عنه كان القول صادقاً وإلَّا كان كاذباً.
ــــــــــ[283]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هل يجب عليّ أن أفي ليكون الكلام صدقاً أم أنَّ بوسعي أن أترك الفعل؟ سبق أن قلنا إنَّ هذا الوجوب ليس نفسياً لعدم وجوب الدليل على حرمته مستقلاً. ولا غيّريا لأنَّنا لم نقل بالوجوب المقدّمي ولا بوجوب الضد عند حرمة الضد، فلو كان موردنا منطبقاً عليهما فنحن لا نلتزم به. لكن عندنا وجوب عقلي، بمعنى لو أنّك كذبت فإنَّك تعاقب حتماً، وبوسعك أن تجعل قولك صادقاً فبوسعك أن تدفع عن نفسك عقاب الكذب، فأنت مُلزَم إذن بذلك عقلاً. وهذا ليس من قبيل حرمة خلف الوعد بل حكم عقلي لتجنب عقاب الكذب.
الجماعة يشكّكون في حرمة خُلف الوعد، في حين إنَّ الأدلّة وافية في ذلك فلئن كنّا قد ناقشنا الآية فإنَّ هناك من الروايات ما يفي بالاستدلال نحو (عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له) و(وعد المؤمنين دين). يقولون إنَّ الأصحاب أعرضوا عن الأخذ بالروايات وإعراضهم موجب للجزم بأنَّها لم ترد عن الأئمّة، ولذا أفتوا بكراهة خلف الوعد، واستدلّوا كذلك بالسيرة وأوصلوها إلى زمن الأئمّة على عدم وجوب الوفاء بالوعد.
نحن ناقشنا حول هذا الاستدلال:
أمّا قصة أنَّ إعراض الأصحاب موهن للرواية، فهل كان إعراض الجماعة عن نفس الرواية أو عن فهم الرواية؟ هل الجماعة لم يأخذوا بها ولم يذكروها أو أنَّهم أخذوها واستدلّوا بها ولكنّهم حوّلوها إلى معاني أخلاقية؟ فإعراضهم عن الرواية بمعنى إعراضهم عن فهم الحرمة منها لا عن نفسها لأنَّ الجميع قد استدلّوا بهذه الروايات ولكنّهم لم يفهموا منها الحرمة، وفهم الأصحاب لا أثر
ــــــــــ[284]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
له، أمّا الإعراض الموهن للروايات والذي يكشف عن عدم صدورها هو ما إذا طرحوا الرواية ولم يأخذوا بها، وهذا ما لم يحدث لأنَّهم استدلّوا بها كثيراً.
أمّا بالنسبة إلى وجود السيرة، فمن المكابرة أن نقول إنَّ عندنا سيرة على خلف الوعد بالمعنى الثاني. والسيرة من الأدلّة اللبيّة ولابدَّ أن نأخذ فيها بالقدر المتيقن والقدر المتيقن خروجه بالسيرة من أدلة الحرمة هو القسم الأوّل، ولكن الإلزام في غيرها ثابت ولذا نرى نوع العقلاء عند الإلزام يطالبون بالوفاء فإن لم تفِ فإنَّه يقول لك أنا جئت وانتظرتك ولم تجيء، هذا بخلاف الكلام العادي فإنَّه لا سيرة عندنا للإلزام فيه، ولو كان عندنا سيرة على خلف الإلزام فهي مردوع عنها بهذه الروايات والسيرة موقوفة على عدم الردع.
فهل أنت تطمئن إلى أن يبيح لك الشارع خُلف الوعد؟ والحقيقة أنَّ هذه الفتوى غريبة جدّاً وهو تبنّي الإسلام لإباحة خلف الوعد، مع أنَّه لا رواية يستشم منها جواز خلف الوعد، مع كثرة الروايات الآمرة بالوفاء. وليس هناك إلَّا شبهة إعراض الأصحاب والسيرة وقد ناقشناهما.
والوعد في الواقع هو القسم الثاني، أمّا في الثالث فليس وجوبه من قبيل الوفاء بالوعد، بل وجوباً عقلياً تحاشياً عن الوقوع في عقاب الكذب، وأمّا الأوّل فلا يوجد وعد حتى يجب أن أفي به لأني لم ألتزم في الواقع لأني كذبت في الإعراب عن التزامي النفسي، فإذا لم يكن لدي التزام في الواقع فأنا غير مطالب بالوفاء. فهو كلام عادي له شكل الوعد وليس وعداً، والذي أعتقده أنَّه هو الذي قال الأصحاب بكراهته وهذا القول هو الذي يناسب قدسية الشريعة.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
من جملة الموارد التي وقع الكلام حولها في الصدق والكذب:
المبالغة: المبالغات على ثلاثة أقسام:
ومنه أن يقول: (قلت لك ألف مرة) مع أنَّه لم يقل له سوى أربع أو خمس مرّات ولعلّه أقل من ذلك. فذكر الألف لا يراد به حكاية عن واقع حتى يراد مطابقته معه أو عدم مطابقته. ومنه الحديث: “علمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كلّ باب ألف باب“، فإنَّه لا يراد منه التحديد بمعنى أنَّها ليست 999 باباً ولا 1001 باب، وإنَّما ذكر الرقم لبيان الكثرة، ولذا ورد في بعض الروايات (يفتح لي من كل باب ألف ألف باب). فالأعداد تُذكَر ولا يُراد منها التحديد.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
(1) التوبة: 80.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ومنه سبعين ألف سنة، وإنَّما يراد بها الكثرة أو كثر الكثرة أو أكثر من ذلك، ولما كان مثل هذا النوع من الأرقام لا تحكي عن واقع عددي فليس بكذب.
فالمقياس بالمبالغة أنَّه إذا كانت المبالغة معروفة للمخاطب، وكانت واردة لمجرّد التعبير عن الكثرة وليس لها واقع، فإذا لم تطابق الواقع فليس بكذب، أمّا إذا احتوى استغفال للسامع ولم يستكشف السامع منها المبالغة كأنَّ أخذ ديناراً واحداً وقال أخذت عشرة فيكون كذباً.
ومن جملة الأُمور التي وقع فيها الكلام حول الصدق والكذب:
التورية: وهو أن يكون للّفظ معنى ظاهراً ومعنى خفياً ويريد الإنسان المعنى الخفي منه ويقيم قرينة خفية عليه.
البلاغيون يقسّمون التورية إلى قسمين تورية مجرّدة وتورية مرشّحة، أمّا التورية المجرّدة فهي التي ليس فيها بعض الصفات التي تؤيّد المعنى الظاهر نحو قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(1) الظاهر منه الجلوس والمعنى الخفي الاستواء، وقد أراد المعنى الثاني، والآية مجرّدة ليست فيها ما يشعر بإرادة الجلوس سوى ظاهر التعبير.
أمّا التورية المرشّحة ففيها ما يدلّ على المعنى الظاهر نحو قوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَـمُوسِعُونَ(2)، الأيدي هنا بمعنى القُدرة وهي
ــــــــــ[287]ــــــــــ
(1) طه: 5.
(2) الذاريات: 47.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
المعنى الخفي، ولكنّه أتى في الآية بصفة تناسب اليد الجارحة وهو البناء لزيادة الخفاء، وقد عرفنا المعنى الخفي بالقرينة.
اختلفت الكلمة في صدق التورية وكذبها، وكان الاختلاف في نوعين:
الكلمة متفقة على جوازها مع غضّ النظر عن إمكان انطباق عنوان الكذب عليها أو عدمه.
ففي الآيات كثيراً من التوريات وفي الروايات ما يفي بالجواز أيضاً. ففي الآيات قسم كبير منزّل على التورية لأنَّنا لو أردناه أن نأخذه بظاهره تكون مخالفة للواقع فتكون كذباً.
فمنها قوله تعالى: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ(1)، مع أنَّهم لم يسرقوا، والإمام يجيب على ذلك: “قال: إنَّهم سرقوا يوسف من أبيه ألا ترى أنَّهم قالوا نفقد صواع الملك ولم يقولوا سرقتم صواع الملك“. فالمتعلّق هو الأخ وإن أوهم الكلام أنَّه صواع الملك فهو إنَّما يريد المعنى الخفي.
ومنها: إِنِّي سَقِيمٌ(2)، قال ما كان إبراهيم سقيماً وما كذب، إنَّما عنى سقيماً في دينه. ومنها ما عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله في الرجل
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) يوسف: 70.
(2) الصافات: 89.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يستأذن عليه فيقول للجارية قولي ليس هو ههنا، قال: لا بأس ليس بكذب.
فهنا يمكن أن يعني منها البيت وهي ظاهرة فيه ويمكن أن يعني به أمام باب الدار وهو المعنى الخفي المقصود.
ومنها: ما روي عن سدير بن حنظلة قال خرجنا نريد رسول الله ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرّج القوم أن يحلفوا وحلفت أنا أنَّه أخي فخلّوا سبيله فأتينا رسول الله فأخبرته أنَّ القوم تحرّجوا أن يحلفوا وحلفت أنَّه أخي. فقال: صدقت، المسلم أخو المسلم. أي أنَّه أخوك في الدين.
ومنها بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ(1) “وسئل أبو عبد الله عن قوله تعالى: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ. قال: ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم، قيل وكيف ذلك. قال: إنَّما قال إبراهيم إن كانوا ينطقون فما نطقوا وما كذب إبراهيم“. فقد علّق صدق فعل كبيرهم على نطقهم، وهم لا ينطقون إذن لم يفعله كبيرهم.
والذي أفهمه من الآية أنَّ الكلام يقصد به التعجيز ولإظهار ضعف المخاطب، لأنَّه عاجز عن النطق فكيف يكون قادراً على أن يفعل. وذلك نحو: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(2)، أو خنازير، كيف يكونون قردة أو خنازير؟ فهذا الكلام لا يُراد به بيان الواقع، بل تعجيز الآخرين. فكان غرض إبراهيم أنَّهم لا يستطيعون هذا لأنَّهم عاجزون عن النطق فكيف يمكن أن يفعلوا ذلك. ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) الأنبياء: 63.
(2) البقرة: 65، الأعراف: 166.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فالمقصود ليس هو قصد الحكاية ليتساءل عن كذبها وصدقها.
فإذا صحّ هذا لا حاجة لأن يُقال إنَّ الشرطية (إن كانوا ينطقون) متعلّقة بـ(فعله) وإن الشرطية صادقة بصدق الملازمة، ثُمَّ يستشكل أنَّ الشرطية كيف تكون متعلّقة بـ(فعله) مع أنَّها متقدّمة، وإنَّما المناسب بحسب القواعد العربية أن تكون متعلّقة بـ(فاسألوهم) كل هذا لا حاجة إليه، بل إنَّ الذي اعتقده أنَّ الشرطية متعلّقة بـ(فاسألوهم) نفسها، وأنَّ المتكلّم في مقام بيان إظهار ضعفهم وعجزهم فهو يريد أنَّهم أضعف من أن يفعلوا، ولا يريد بيان واقع حتى يكون له معنى خفي وظاهر وهو يريد المعنى الخفي منه، فإنَّ الآية أجنبية عن هذا المعنى. فهي جملة خبرية لا بداعي الإخبار بل بداعٍ آخر، فلا تصلح شاهداً للتورية.
فكأنَّ التورية من حيث الحكم جائزة سواء كانت كذباً أو لم تكن.
بقي الكلام عن كونها كذباً أو لا، وهل يكون حسابها حساب تخصيص أو تخصّص؟ هل هي كذب فتعمّها أدلّة تحريم الكذب؟ فلابدَّ من إخراجها عنها بالتخصيص أو هي ليست بكذب فلا تعمّها تلك الأدلّة ابتداءً فتخرج تخصّصاً.
بعضهم ادّعى أنَّ التورية كذب، ونحن يجب أن نبحث ذلك على مختلف المباني في الكذب، وعلى أي تقدير تكون كذباً؟ يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
*****
ــــــــــ[290]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
تساءلنا عن أنَّ التورية بعد الفراغ عن كونها جائزة، هل يعدّ خروجها تخصّصاً أو تخصيصاً، هل مفهوم التورية ومفهوم الكذب ينطبقان على مورد معيّن أو لا؟
نقول ما هو مفهوم الكذب؟ اختلفوا فيه، هل هو مطابقة الكلام للواقع أو مطابقته للاعتقاد، أو مطابقته للواقع والاعتقاد؟ خلاف يعرض في علم البيان، وتُعرَض هناك الأدلّة على كل مبنى.
بعضٌ ذهبوا إلى أنَّه مطابقة الكلام للواقع، وآخرين ذهبوا إلى أنَّه مطابقته للاعتقاد واستدلّوا بقوله تعالى: إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ(1). حيث إنَّه حكم بكذب المنافقين، مع موافقة الرسالة للواقع، وما ذلك إلَّا لأنَّهم لا يعتقدون أنَّه رسول الله تعالى. فاعتبروا أنَّ المدار في صدق القضية وكذبها هو موافقتها للاعتقاد. وقلنا إنَّه لا يصحّ أن تكون هذه الآية دليلاً لهم لأنَّ المنافقين إن كانوا كاذبين بشهادتهم لا بقولهم، فهم كاذبون بالحكاية عمّا في أنفسهم، فهم كاذبون في شهادتهم لا في قولهم، فقولهم: (إنَّك لرسول الله) يعني أنَّه بدرجة من الوضوح في أنفسنا مع أنَّه ليس كذلك فهم كاذبون من هذه الناحية في شهادتهم.
والحديث عن التورية يجرّ إلى الحديث عن أصل مفهوم الخبر ما هو؟ هل هو ما يحتمل الصدق والكذب؟
ــــــــــ[291]ــــــــــ
(1) المنافقين: 1.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
رأي صاحب الكفاية وقد بلوره السيّد الخوئي أنَّ الخبر ليس هو ما يحتمل الصدق والكذب، وإنَّما المدار فيه قصد الحكاية، أي إنَّ المتكلّم يريد أن يُبرز أمراً نفسانياً قائماً في النفس يشتمل على الإيجاد مرّة (في الإنشاء) وعلى الحكاية أُخرى (في الإخبار) فالخبر هو دائماً مطابق للحكاية فأنا أحكي عن وقوعه.
فلو بقينا وطبع الخبر لا يستوجب أن تكون له دلالة تصديقية هي مطابقته للخارج بل غاية ما يعمل لي دلالة تصوّرية ولذا عرّفوه أنَّه ما يحتمل الصدق والكذب، أمّا الدلالة التصديقية فتحتاج في ثبوتها إلى مثبتات خارجية كالتواتر وقيام البينة والقرينة وأشباه ذلك.
من هذا نستفيد أنَّ غاية ما يحدث لي الكلام دلالة تصوّرية وهي لا تنفع إلَّا في إثبات المفردات، بل هي ليست إلَّا من قبيل تداعي المعاني ومجرّد خطور شيء في الذهن وراء الألفاظ لا يعني الوضع له؛ ولذا احتجنا إلى التبادر وعدم صحّة السلب. أمّا المثبت للدلالة التصديقية، فهو أشياء خارجة عن الإخبار من تواتر وقيام القرينة.
ولما كانت وظيفة الألفاظ إبراز المعاني النفسية، فالمعاني الإنشائية عبارة عن الالتزامات النفسية والإخبار عبارة عن قصد الحكاية. أمّا أنَّ محكيها مطابق لها أم لا فهذا أمر أجنبي عن الجملة. نعم، قد يكون هناك تطابق بين المراد الجدي والمراد الاستعمالي كأن يخبر ويقصد الخبر وقد لا يكون كأن يخبر ويقصد الهزل أو السخرية أو أي غرض آخر.
فإذا صحّ هذا فالتعبير بمطابقة الكلام للواقع غير صحيح؛ لأنَّ الكلام
ــــــــــ[292]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بنفسه لا يكون مطابقاً للواقع أو لا يكون بل متعلّق الحكاية هو الذي يمكن أن يكون مطابقاً أو لا يكون. فعندما نقول (قام زيد) فمتعلّق الحكاية هو نفس وقوع القيام في الخارج. فالمدار في الصدق هو تطابق المحكي للواقع لا نفس الحكاية لأنَّها دائماً موجودة ومطابقة لأنَّها حالة نفسية، فالتساؤل عن مطابقة الحكاية للخارج غير ذي موضوع.
وإنَّما الصدق والكذب هو في مطابقة المحكي للواقع فنتساءل هل يوجد تطابق أو لا؟ هل يوجد تطابق في المحكي بين الواقع الخارجي وما حكيته. أي بين الخارج ومتعلّق الحكاية؟ فالمدار في الصدق والكذب هو تطابق المحكي مع الخارج.
فإذا تمّ هذا المطلب هل ينطبق على التورية أو لا؟ يأتي الكلام عليه.
تساءلنا عن أنَّ التورية هل هي كذب أم لا؟ أي هل هي خارجة عن حرمة الكذب بالتخصّص أو بالتخصيص؟ وقلنا إنَّ هذا موقوف على معرفة معنى الخبر، وقد استعرضنا الأقوال في معنى الخبر وكان منها أنَّ الموضوع له في الخبر والإنشاء واحد، ولكن الفرق بينهما في الداعوية، فإذا كان الداعي هو الحكاية كان خبراً وإذا كان الداعي هو الالتزام كان إنشاءً.
وقلنا إنَّ رأي السيد الخوئي قريب من هذا القول وإن لم يكن عينه حيث يرى إنَّ كلاً منهما لا يدلّ على أكثر ممّا يريد المتكلّم إبرازه. فتارة يريد إبراز الحكاية فيكون الكلام إخباراً، وأُخرى يريد إبراز الالتزام فيكون إنشاءً،
ــــــــــ[293]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فالفرق بينهما فيما يراد إبرازه، وكلٌ منها مجعول للإبراز وهو حالة نفسية تكون في الإخبار قصد الحكاية وفي الإنشاء الالتزام.
الجماعة الآخرون يعتبرونهما مفهومين لا ارتباط بينهما ولا هما يحكيان عن حالة نفسية، فإن كان يحتوي على إيجاد للشيء فهو إنشاء وإن كان يحتمل الصدق والكذب فهو إخبار.
وقلنا أنَّ المدار بالكذب ما هو؟ الصحيح أنَّه مخالفة الواقع.
أمّا في رأي السيد الخوئي فإنَّ الإخبار عبارة عن الحكاية والحكاية عبارة عن التزام نفسي، فالمدلول المطابقي للإخبار هو الحكاية، والحكاية لا تحتمل الصدق والكذب؛ لأنَّها إمّا أن تكون موجودة أو لا تكون. وإنَّما يصدق احتمال الصدق والكذب في متعلّق الحكاية وهو زيد قائم.
فقولك (زيد قائم) أي أحكي أنَّ زيداً قائم، ومتعلّق الحكاية هو قيام زيد، فإن كان المتعلق مطابقاً للخارج كان الكلام صادقاً وإلَّا كان كاذباً. فليس المدار في الصدق والكذب هو مطابقة المدلول للخارج؛ لأنَّ الدلالة هو الحكاية والحكاية حالة نفسية وهي المدلول المطابقي للخبر وإنَّما المدار في المطابقة هو ما تعلّقت به الحكاية وهو ما أحكيه، فهو الذي يمكن تطابقه مع الخارج وعدم تطابقه، فالمدار في مطابقته لا مطابقة الحكاية نفسها.
الآن نرى هل التورية كذب على هذا المبنى، سبق أن تساءلنا عن معنى التورية، والكلام الذي يكون فيه معنيان أحدهما ظاهر والثاني خفي والمتكلّم
ــــــــــ[294]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يريد الخفي وينصب عليه قرينة خفية، وأن تبادر الظاهري من الكلام. فالتورية بها مخالفة لظاهر الكلام ومطابقة للواقع.
يوجد قسم من التورية فيها مطابقة للظاهر والواقع، ولكن تخفى على السامع لغباوته كقولك: (ليس في يدي شيء) الظاهر باليد الجارحة. والسامع يحمله على المعنى الكنائي، وكقول الجارية ليس ههنا مولاي، و(ههنا) إشارة إلى المكان القريب مع أنَّ السامع يفهم أن مولاها ليس في الدار، فهل يعتبر كذباً؟ إنَّ هذا من أظهر مظاهر أفراد ما ليس بكذب؛ لأنَّ المراد موافق للواقع والظاهر فسواء اعتبرنا في الكذب مخالفة المراد مع الواقع أو الظاهر (أو موافقة الظاهر للواقع) كان الكلام صادقاً لأنَّه موافق على كل تقدير.
ومخالفة المراد مع الواقع وظاهر الكلام هو أظهر مظاهر الكذب.
وأُخرى يكون المراد موافقاً للواقع ومخالفاً لظاهر الكلام كالتوريات التي تكون المقصود بها الجانب الخفي من الكلام.
نحو: إِنِّي سَقِيمٌ، هل تكون كذباً؟! ونحو: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ(1)، مع أنَّ كبيرهم لم يفعله فيقتضي أن يكون كذباً من إبراهيم؟!
[التعليق في قول إبراهيم إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ]
قيل في توجيهه أنَّ التعليق الموجود في الآية رافع للكذب لأنَّه راجع إلى فعله، وهذا وإن كان خلاف الظاهر لأنَّ الظاهر رجوعها إلى فَاسْأَلُوهُمْ، إلَّا
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) الأنبياء: 63.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أنَّه موافق للواقع. فالكلام صادق من حيث مطابقته للواقع وإن كان يحتوي على مخالفة في الظاهر.
الجماعة قالوا إنَّنا لو سلّمنا هذه الناحية وأنَّ التعليق متوجّه إلى فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ، فإنَّ التعليق لا يصحّ لأنَّ صدق الشرطية متوقّف على صدق الملازمة، فإذا لم يكن تلازم في الواقع لا تكون القضية صادقة. وحين نطبّق هذه القاعدة على الآية نجد أن لا ملازمة بين كسر الصنم والنطق، لأنَّه أوقع الملازمة بين الفعلية لا بين القدرة عليهما ولا ملازمة. ومادامت الملازمة منتفية فلابد أن تكون الشرطية كاذبة.
السيّد أبو القاسم الخوئي يريد أن يقول إنَّه ما كذب حتى على هذا المبنى. يقول: إنَّ هذا التعليق في الجمل الإنشائية أمّا أن يتعلّق في أصل الإنشاء أي نفس الإيجاد وإبراز الالتزام. أي يكون إبرازي معلّق على الشرط وأمّا أن يتعلّق الشرط بمادة الشيء وأمّا أن يتعلّق بهيئته.
وعند رجوعها إلى المادة ينتج لدينا الواجب المعلّق حيث يكون الوجوب مطلقاً والواجب مقيّداً فيكون الواجب هو المعلّق بالشرط. أمّا عند رجوع الشرط إلى الهيئة فينتج لدينا الوجوب المشروط.
مرّة نرجع الشرط في الإنشاء إلى نفس الإنشاء، وهذا لا معنى له لأنَّ الإنشاء فعل المتكلّم وهو إمّا أن يوجد أو لا يوجد ولا معنى لأن يوجد معلّقاً، فالإنشاء لا يقبل تعليقاً بل وجوداً وعدماً.
فإذا أردنا أن نرجع الشرط إلى نفس الإكرام، أي المادة فقسم من الجماعة
ــــــــــ[296]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قالوا مستحيل لأنَّه ينتج الواجب المعلّق وهو مستحيل على مبنى أكثر علمائنا، وعلى مبنى السيّد الخوئي أنَّه ممكن لكنّه خلاف ظاهر الجملة، لأنَّ الظاهر أنَّ الشرط ربط بين جملتين لا بين جملة ومفرد ولذا لم يسمّوا ما كان ربطاً بين مفردين شرطاً وإن أفاد تقييداً بعض الشيء، فإذا علقت الشرط بالإكرام (المادة) وهو مفرد خالف مقتضى الشرط.
وشبهة الشيخ في ذلك أنَّ الهيئة معنى حرفي والمعلّق عليه لابدَّ أن يتصوّر ذلك على نحو الاستقلال والمعاني الحرفية لا يمكن فيها ذلك فلا يمكن رجوع التقييد إلى الهيئة وقد أجابوا على ذلك أنَّ للشرط يتعلّق بمؤدّاه من الأسماء.
فإذا كانت الجملة ظاهرة بعدم تعلّق الشرط بالمادة (الإكرام) ولا يمكن رجوع الشرط إلى نفس الإنشاء فلابدَّ أن يتعلّق في مفاد الهيئة.
هذا في الإنشاء أمّا في الإخباريات فالقيد لا يمكن أن يكون راجعاً إلى المادة لأنَّه خلاف الظاهر من أن يكون الربط بين جملتين، ولا إلى الهيئة لأنَّ الربط بين الجملتين لا معنى له. فيتعيّن أن يكون التعليق على الحكاية فقط، بمعنى أن أحكي هذا الشيء على التقدير الفلاني. فلا تلازم بين الجملتين ليكون صدق القضية بصدق التلازم.
بل التلازم واقع بين الشرط والحكاية فعندما علّق الحكاية على الشرط لم يكن كاذباً، فقولي يكون معلّقاً على كذا فإذا لم يكن هذا موجوداً إذن فقولي غير موجود أي إني لم أقل شيئاً ولا حكيت شيئاً. ومن ثَمَّ قلنا إنَّ الإنشاء والإخبار لا يقبلان تعليقاً؛ لأنَّها إما أن تكون موجودة أو معدومة، فإذا لم يوجد نطق (كما
ــــــــــ[297]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
في الآية) لم توجد حكاية فلا حكاية عندي حتى يتساءل عن التلازم بين متعلّقها والشرط.
إذن فلا يصدق على المقام صدق وكذب، ولقد كان الإمام صادقاً عندما قال إنَّ إبراهيم ما كذب لأنَّه علّق حكايته على الشرط لا فعله.
وفي حدود استفادتنا أنَّ كل هذا في غير موضعه لأنَّ الآية واردة في مقام التحدّي وإظهار التعجيز، فالشخص الذي يعجز عن الجواب فإنَّه لا يستطيع من باب الأَولى ألا يفعل. فالآية غير واردة في قصد الحكاية حتى يصدق عليها الصدق والكذب.
فالتورية إذا فسّرنا الكذب بمخالفة الواقع لا مخالفة الظاهر كانت صدقاً لأنَّ المراد فيها موافق للواقع وإن كان مخالفاً للظاهر، وإن قلنا إنَّ المدار هو ظاهر الكلام باعتبار مطابقته للخارج فتكون كذباً، لكنه كذب سائغ. وسيأتي أنَّهم عدّوا من مسوّغات الكذب التورية.
ــــــــــ[298]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بعد الفراغ عن حرمة الكذب فهل نستطيع أن نلتمس له مسوّغات. ذكروا له مسوّغات:
منها التقيّة ومنها دفع الضرر واستدلّوا عليه بالكتاب والسنّة والإجماع والعقل فكأنَّ الأدلّة بمجموعها وافية بالمقصود.
أمّا الإجماع: فلا أظن أنَّ هناك أحداً لا يسوّغ الكذب للتقيّة إذا أوجب عدمها القتل أو نهب الأموال، فكلمة الشيعة متّفقة على أنَّ الكذب في التقية سائغ.
ولكن هذا الإجماع لا يصلح دليلاً على من ينكر حجيّة الإجماع رأساً. وكذلك بالنسبة إلى من يشترط أن لا يكون الإجماع معللاً.
في الأصول يجد المحقّقون بأنَّ أدلّة الإجماع ضعيفة. فإنَّهم استدلّوا عليه بقاعدة اللطف(1)، في حين إنَّها لا تصلح أن تكون دليلاً لأنَّ مقتضاها أن يبعث
ــــــــــ[299]ــــــــــ
() بتقريب أنَّ من اللطف على الله تعالى أنَّه إذا أجمعت الأُمّة على الخطأ، أن يوقع الله بينهم الاختلاف حتى لا يضيع الحقّ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الله الأنبياء بكثرة أو أن يقتل الشيطان لتُعرف أوامره ولا تعصى.
ولكن هذا وإن كان لطفاً بالمعنى الواسع إلَّا أنَّنا لا ينبغي أن نفهم اللطف بهذه الصورة بل اللطف في المقام أن يبلّغ الأمر بالطرق العرفية المتعارفة، فإذا لم يصلنا بفعل ظالم أو غيره فليس الشارع نفسه مسؤولاً عنه؛ لأنَّ هذا الخفاء ناتج عنّا لا عنه.
واستدلّوا عليه بأنَّ الإمام المعصوم لابدَّ أن يكون داخلاً ضمن المجمعِين، ومع دخول الحجّة معهم يكون الإجماع حجّة.
ولكن نوقش ذلك بأنَّك من أين حصلت على كون المعصوم من جملة المجمعين من حسّ أو حدس قريب من الحسّ؟ وعلى تقدير ثبوته فإقرار المعصوم هو الذي يكون حجّة.
ولعلّ أهم مستند لحجيّة الإجماع هو أنَّ الأُمّة إذا أجمعت على أمر فإنَّه يحصل للمرء اطمئناناً بأنَّه لابدَّ لهؤلاء المجمعِين من دليل استندوا إليه ولابدَّ أنَّ هذا الإجماع راجع إلى قول المعصوم أو فعله أو تقريره، ولا يمكن أن يجمعوا بصورة جزافية وبدون دليل. وحينئذٍ فيكون الإجماع حجّة لمن حصل لديه هذا الاطمئنان.
ولكن… ضعف الأدلّة على الإجماع في الأُصول، فإنَّه من الصعب الخروج على الإجماع في الفقه. فحينئذٍ يلتجئ إلى بعض الطرق لإسقاط الإجماع عن الحجيّة، كأن يُقال كما قال السيّد الخوئي إنَّ الإجماع إذا كان معلّلاً، بل إذا احتمل ذلك فقط، سقط الإجماع عن الحجيّة. ويرجع الكلام إلى المستند، وفي
ــــــــــ[300]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
المقام كذلك فإنَّ كل من ذكر المسوّغات ذكر عليها هذه الأدلّة من الكتاب والسنّة والعقل.
فإذا سقط الإجماع عن الحجيّة نرجع إلى دليل العقل، هل يسوّغ العقل ارتكاب الكذب للتقية أو لدفع الضرر. ولطرو العنوان الثانوي عليه؟
سبق أن قلنا إنَّ الحكم العقلي مشكّك فيه عند السيّد الخوئي بالنسبة إلى قبح الكذب، ونحن انتهينا إلى أنَّ عندنا حكم العقل بهذا الخصوص، وجعلنا المقياس فيه هو تطابق العقلاء بأنَّه لا ينبغي أن يُفعَل، وهو من الوضوح بحيث لا حاجة بنا إلى استقراء الآراء حول ذلك؛ لأنَّه لا يمكن أن تتبنى أي دولة الكذب في دساتيرها وتعتبره مباحاً وتبني علائقها الدولية عليه إلَّا أصبحت سخرية الأمم. إذن فيوجد تطابق عقلاء والشارع داخل في ضمنهم.
أمّا عند طرو العنوان الثانوي على الكذب فالذي يبدو من السيّد الخوئي أنَّه عندنا حكم عقلي في ذلك؛ لأنَّ العقل عند تزاحم القبيح والأقبح يحكم بارتكاب أخف القبيحين، فالكذب قبيح وقتل الإنسان المترتّب على الصدق قبيح أيضاً أو طرو أي مفسدة كبيرة غير القتل، فعندنا مفسدتان يكون بينهم تزاحم والعقل يحكم بارتكاب أخف القبيحين.
هل يكون في هذا الرأي للسيد الخوئي تهافت مع كلامه السابق؟ فقد قال في السابق أنَّ العقل لا يحكم بقبح الكذب وهنا قال بأنَّه يحكم بذلك. الظاهر
ــــــــــ[301]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أنَّه ليس تهافتاً؛ لأنَّ نظره في مقامنا هذا ليس منصبّاً على نفس الكذب من حيث حكم العقل، ولكن لما انتهينا إلى تحريم الكذب فالشارع أوصل إلى العقل حرمته، فحين يطرأ عليه العنوان الثانوي الذي هو أقبح من الكذب فالعقل يحكم بارتكاب أخف القبيحين وهو الكذب. وليس هذا من باب حكم العقل بقبح الكذب.
فالذي انتهى إليه الشيخ في المكاسب والسيّد الخوئي أنَّ المسألة ترجع إلى باب التزاحم وتقديم أهون القبيحين. إذن فعندنا حكم عقلي بجواز الكذب.
فالكبرى العقلية إذن من الأوّليات، لكن في مقام المناقشة الصغروية هل أنَّ حكم العقل هذا يمكن أن توفّره دائماً في مجال التقية والاضطرار؟ لابدَّ في هذا المجال أن نفحص الموارد واحداً واحداً لننظر أي المفسدتين أهون من الأُخرى. هل يحكم العقل بجواز الكذب إن كنت مهدداً باغتصاب كتاب قيمته 100 فلس؟ ألست معاقباً على هذا الكذب الذي فعلته لأدفع عن نفسي هذا الضرر الخفيف. إذن فالكذب لا يكون دائماً أهون الضررين؛ إذ قد تكون المفسدة المترتّبة على عدم التقيّة والاضطرار مفسدة خفيفة. نعم لو كانت مفسدة معتنى بها عقلائياً لأمكن تقديمها على الكذب.
إذن فالحكم العقلي لا يصلح أن يكون دليلاً لجميع المصاديق، بل يجب أن نفرّق بين المسائل فما كان الكذب فيها أهون قدّمناه وإلَّا قدّمنا الأهون منهما. نعم هو دليل في الجملة.
ــــــــــ[302]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
بعد هذا استدلّوا بالكتاب: ليس في آيات القرآن ما هو صريح في تجويز الكذب عند التقية أو الاضطرار.
نعم، يوجد عندنا من الآيات قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ(1)، الذي يدلّ على جواز الكذب عند الضرر وقوله تعالى: إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً(2)، ففي حال التقيّة سوّغ مصانعة الكافرين، بل أكثر من ذلك ففي بعض المأثورات أنَّ هذه الآية نزلت في عمّار، حيث جوّز له النبي قول كلمة الكفر فقالها، “ولما أخبر النبي بذلك قال له: إن عادوا فعد لهم“.
فجواز الكذب بهذه الآية بطريق أولى. فإنَّ الشارع أجاز للمرء أن يقول كلمة الكفر في سبيل المحافظة على نفسه. ولا أظن أنَّ أحداً يقول إنَّها أهون من الكذب، فثبوت جواز الكذب يكون بدليل الأولوية، لا بنص الآية.
ولكن يبقى التساؤل عن أنَّ كلمة الكفر هل هي مصداق من مصاديق الكذب؟ فإذا كانت مصداقاً للكذب فيظهر منه أنَّ الشارع كما أباح كلمة الكفر أباح هذا النوع من الكذب وأباح مصانعة الظالم المستلزمة للوقوع بالكذب. وكون كلمة الكفر مصداقاً من الكذب راجعاً إلى أنَّها إخبار عمّا في نفسه أم إنشاء.
الجماعة ناظرون إلى أنَّها أقرب إلى الإنشاء بمعنى أنَّه ينشأ على نفسه الكفر
ــــــــــ[303]ــــــــــ
(1) النحل: 106.
(2) آل عمران: 28.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وليس فيها عالم حكاية، والإنشاء لا يتحمّل الصدق والكذب.
أمّا إذا كانت حكاية فتكون كلمة الكفر مصداقاً للكذب وتدلّ بنفس جوازها على جواز الكذب لا بالأولوية بل بمنطوق الآية. وحينئذٍ لا يرد ما يمكن أن يرد على الأولوية من المناقشات وإن كانت الأولوية قطعية على ما اعتقد فإنَّ الكذب حتماً أهون من كلمة الكفر وأولى بالجواز منها إن كانت جائزة. والظاهر أنَّه يقولها بداعي الحكاية عن واقعه النفسي فيكون كاذباً لأنَّ قلبه مطمئن بالإيمان، فتكون الآية دالّة على جواز الكذب مطابقة.
ولكن ما هي حدود دلالة الآية؟ هل نستطيع أن نتمسّك بالإطلاق في تسريتها إلى كل تقية وإلى كل اضطرار، أو نحكم بمناسبة الحكم والموضوع. أنَّ غاية ما تدلّ عليه الآية أنَّ الإكراه من هذا النوع هو الذي يبيح الكفر لا كل إكراه، فإنَّه لا يسوغ لك قول كلمة الكفر للإكراه الخفيف. فمناسبة الحكم للموضوع ومن مجموع أجواء الآية وما يحيط بها تعرف أنَّ جواز قول كلمة الكفر عند الإكراه بدرجة من الضيق وليس فيها سعة فجوازها مبني على إكراه عظيم لا على كل إكراه. ونحن لا نقول بذلك أنَّ المورد يخصّص الوارد ولكن هذا النوع من الصياغات توحي بأن يكون الإكراه له درجة من الأهمّيّة.
وإن شئت قلت: إنَّها ليست واردة في كل إكراه إلَّا الإكراه الذي يكون كذا. فهي قضية أشبه بالقضية الخارجية، فالخارجية عندنا قسمان قسم تكون على موضوع معيّن كأن يأمر شخص ولده أن يأتيه بماء ولا معنى لسريان هذه القضية في موارد أُخرى.
ــــــــــ[304]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وقسم آخر تكون القضية واردة على هذا الموضوع وكل ما شابه هذا الموضوع، فهو محكوم بهذا الحكم.
وعلى سبيل المثال قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)، الذي حمله الجماعة على العقود التي كانت متعارفة في زمان النبي، فالآية تجيزها وتجيز كل عقد مشابه لها. ففي الوقت الذي أشارت فيه الآية إلى عقود خارجية فهي أجازت كل ما شابهها، وبذلك كانت قضية مركّبة من خارجية وحقيقية، وتارة أُخرى أُسرّي الآية إلى كل عقد على الإطلاق، فتكون قضية حقيقية أوسع من الأُولى.
والثمرة تظهر في العقود المستحدثة بأساليب جديدة، فإنَّنا إذا أخذنا الآية على نحو القضية الخارجية الحقيقية لم نستطع أن نصحّح مثل هذه العقود، وإن حملناها على أساس أنَّها حقيقية صرفة بمعنى أنَّها تأمر بالوفاء بكل ما ينطبق عليه مفهوم عقد فنستطيع التمسّك بها في تصحيح هذه العقود. وهذا هو الاتجاه الأخير لدى الفقهاء في تصحيح العقود الحديثة بهذه الآية.
فالإكراه في الآية يكون إشارة إلى القضية الخارجية وما شابهها، فإذا كان عندك إكراه كالإكراه الذي رآه عمار بن ياسر فكلمة الكفر جائزة لك. ومن هذا نعرف أنَّها لا تجيز ذلك إلَّا تحت إكراه يكون بدرجة من الأهمّيّة.
أما إذا لم نستفد من الآية هذه الاستفادة وأردنا أن نتمسّك بإطلاقها، فهل لها مقيّد من الروايات أو لا؟ يأتي الكلام عليه.
ــــــــــ[305]ــــــــــ
(1) الإسراء: 34.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
تساءلنا أنَّ الكذب هل له مسوّغ أم لا؟ ذكر الجماعة أنَّه يسوغ عند الضرورة مثل الإكراه وحفظ المال. والأدلّة الأربعة قائمة عل ذلك. أمّا الإجماع فقد سبق أن ذكرناه وناقشناه. وأمّا العقل فقد ذكرنا أنَّه لا يحدد الضرورة، وإنَّما مقياسه تقديم أخف الضررين عند التزاحم بين الفاسد والأفسد. فلابدَّ أن يفكر الشخص في الموضوع لينظر أيّهما أهون في نظر الشارع، هل هو الكذب أم الضرر الآخر. فالعقل لا يعطي حكماً عامّاً يقول إنَّ الكذب يسوغ في كل ضرورة، بل التي يستكشف العقل أنَّها أهم في نظر الشارع، فلابدَّ من تقديمها، فإذا كان الكذب أهون قدّم وإن كانت تلك الضرورة أهون قدّم.
أمّا بالنسبة إلى القرآن فالكلمة التي وردت عند الجماعة الإكراه والتقية وقد ورد في القرآن: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ(1). وقال بعض أساتذتنا إنَّها ليست متعرّضة للكذب بل إلى تجويز كلمة الكفر.
وقلنا له: إنَّ ذلك مبني على القصد من كلمة الكفر، هل إنَّه يحكي بها عن التزامه النفساني فتكون إخباراً، فتكون كذباً؛ لأنَّ قلبه مطمئن بالإيمان؟ أو إنَّها إنشاء للكفر والإنشاء لا يعقل فيه الصدق والكذب؟ والجماعة يريدون الاستدلال بالآية في الكذب عن طريق الأولية، أي إذا ساغ إظهار كلمة الكفر ساغ الكذب بالضرورة؛ لأنَّ الأعظم إذا كان سائغاً كان الأخف منه سائغاً أيضاً.
ــــــــــ[306]ــــــــــ
(1) النحل: 106.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الروايات كثيرة ومختلفة، حتى أنَّ بعضها يسوّغ الحلف كذباً في سبيل نجاة المؤمن. إذن فلا نحتاج إلى استعراض ونقد واحدة واحدة.
إذن لا إشكال في جواز الكذب للضرورة، لكن هل يسوغ في كل ضرورة حتى مع إمكان التفصّي عن الكذب بالتورية؟ الذي يبدو من البعض أنَّه لا يسوغ الكذب إلَّا إذا اضطر إليه ولم تمكن التورية. وبعضهم قال إنَّ عندنا إطلاقات تسوّغ الكذب مع وجود هذه المندوحة فنأخذ بها. فالكلمات مختلفة في المقام.
والذي يريد أن يقوله السيّد الخوئي في المقام: إنَّنا حين نفحص أقوال الجماعة الذين لا يسوغون الكذب إلَّا مع عدم التمكّن من التورية، نراهم لم يتعرّضوا إلَّا للحلف كاذباً، أي أنَّهم اشترطوا عدم المندوحة في الحلف الكاذب. فنحن إذن ليس باستطاعتنا أن نعرف رأيهم في الكذب المجرّد هل يشترطون فيه عدم القدرة على التورية أو لا يشترطون؟ لأنَّه إذا ثبت الحكم للأشد لا يلزم أن يثبت للأخف؛ لأنَّه لعلّ لشدّته مدخلية في ورود الحكم عليه.
فالحكم الوارد على جواز الإفطار للضرورة ليس معناه جواز الإفطار لوجع الرأس. فمن يقول أنَّ الحلف كاذباً لا يجوز إلَّا إذا لم تمكَّن التورية ليس لازمه أنَّه لا يجوز الكذب البسيط أيضاً؛ لأنَّ الحلف كذباً أشد منه؛ لأنَّ فيه خروج على
ــــــــــ[307]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
حرمة القسم باسم الله تعالى. فالقائل إذن ليس متعرّضاً للكذب المجرّد.
والخوئي يقول للشيخ الأنصاري إنك من أين استفدت رأي هؤلاء في أنَّ إباحة مطلق الكذب معلقة على عدم إمكان التورية مع أنَّ كلماتهم منصبّة على الحلف كاذباً وتحريم الأشدّ لا يستلزم تحريم الأخف؟
أمّا الروايات فبعضها لم تؤخذ فيها التورية:
منها: ما عن إسماعيل بن سعد الأشعري: “سألت الرضا عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق وغير ذلك فحلف. قال: لا جناح عليه، وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلفه لينجو منه. قال: لا جناح، وعن الرجل يحلف على مال أخيه كما يحلف على ماله. قال: نعم”.
وقسم آخر تأخذ الإكراه شرطاً في جواز الكذب، (وهي رواية سماعة إذا حلف الرجل لم يضرّه إذا أكره إذا اضطر إليه)، ومفهومها: وإذا لم يضطر ولم يكره فإنَّه يضرّه حتى إن أمكنت التورية، سواء كان فيه نجاة مؤمن أو لا، فهذه الرواية ناظرة إلى التورية، لأنَّه يستطيع أن يرفع اضطراره بالتورية، فهو يستطيع أن يواري فلماذا لم يفعل؟
فبيّن مفهوم هذه الرواية ومنطوق تلك الروايات التي تقول: نج أخاك من القتل بالكذب سواء كانت هناك تورية أو لا؟ عموم وخصوص من وجه يجتمعان في الكذب لأجل نجاة المؤمن مع إمكان التورية فإنَّ رواية إسماعيل بن سعد تحلّله لأنَّه حلف على نجاة مؤمن ورواية سماعة تحرّمه لأنَّه ليس مضطراً
ــــــــــ[308]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إليه مع إمكان التورية. وحينئذٍ تتساقط الروايتين في مورد الاجتماع ويرجع إلى العموم الأعلائي وهو رواية الحرمة.
وهذه المسألة ترجع إلى صورة ما إذا كان لدينا عام يسمى بالعامّ الفوقاني وطرأ عليه حكمان أحدهما موافق له والآخر مخالف. نحو أن يكون عندنا عامّ هو (إكرام كل عالم) ويطرأ عليه حكمان أحدهما موافق هو (إكرام الفقيه) وهو أخصّ منه، والآخر مخالف يقول (لا تكرّم العالم الفاسق)، فبين العالم والفقيه عموم من وجه يلتقيان بالفاسق الفقيه. فحين نصفّي المسألة هل نلحظ المعركة أوّلاً بين الخاصّين وتساقطهما في مورد الالتقاء ونرجع إلى العامّ الأعلائي، أو نشرك العام الأعلائي في المعركة فنخصّصه بالدليل المخالف فينتج (أكرم كل عالم إلَّا الفاسق) وحينئذٍ يكون بينه وبين الدليل الموافق الخاصّ عموم من وجه، فيتساقطان في مورد الاجتماع ولابدَّ أن أرجع إلى الأُصول العملية.
وفي مثالنا النسبة بين (الفاسق) و(الفقيه) عموم من وجه والالتقاء هو عند الفقيه الفاسق، فهل نعارض بين (أكرم الفقيه) و (لا تكرم الفاسق) في مورد الالتقاء فيتساقطان ونرجع إلى العامّ الأعلائي الذي هو (أكرم العالم)، فيكون الحكم موافقاً للخاص. أو نأخذ الحكم الخاصّ المعاكس (لا تكرم الفاسق) وننسبه إلى العامّ الأعلائي (أكرم العالم) فيكون مفاده (أكرم العلماء إلَّا الفسّاق) وحينئذٍ يكون بينه وبين الخاصّ الموافق (أكرم الفقيه) عموم من وجه يلتقيان بالفقيه الفاسق، فيتساقطان في مورد الاجتماع وأرجع إلى الأُصول العملية.
مقتضى القواعد هو أنَّ العامّ الأعلائي (أكرم العالم) انعقد ظهوره، فأحتاج
ــــــــــ[309]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إلى أن آتي بخاصّ يزاحم ظهوره لأستطيع أن أقدّمه. في حين إنَّ كلاً من الخاصّين لم ينعقد لهما ظهور في تمام أفراده ولم تتمّ حجّيّة الظهور فيهما؛ لأنَّ لكلّ منهما دليل معاكس له في رتبته ودرجته، فلا أستطيع أن أخصّصه به العامّ، فالمعركة أوّلاً تكون بين الخاصّين لأنَّهما في درجة واحدة ولم ينعقد لكل منهما ظهور في مورد الاجتماع ولم تتمّ حجيّته فيه، وحينئذٍ يتساقطان، وتبقى دلالة العامّ وافية على عمومه.
ففي موردنا العامّ الأعلائي الذي عندي هو (كل كذب حرام) وقد ورد أنَّ الكذب لنجاة المؤمن حلال، وعندنا الحكم الذي استفدناه من مفهوم الرواية والقائل: إنَّ الكذب إذا لم يضطرّ إليه حرام. وحينئذٍ فلابدّ أن يتساقطا وأرجع إلى العامّ فأتمسّك به.
كنّا نتكلّم في مسوغات الكذب وقد ذكروا منها الضرورة، إلَّا أنَّ موضع الخلاف أنَّه لا يكون الكذب سائغاً إلَّا إذا لم تكن مندوحة عنه أو لا، حتى مع إمكان التورية يسوغ.
ذهب جماعة أنَّه لا يجوز أي لابدَّ من التفصّي من الكذب مهما أمكن بالتورية أو بغيرها، واستدلّوا بمفهوم رواية سماعة (إذا حلف الرجل لم يضرّه إذا أكره أو اضطر إليه وقال ليس شيء ممّا حرّم الله إلَّا وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه)، فكأنَّه إذا لم يضطر إلى الكذب فإنَّه يضرّه وإذا أمكنت التورية لم تكن للكذب ضرورة.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وذهب جماعة إلى الجواز حتى مع إمكان التورية واستدلّوا بإطلاق رواية الحلبي: “سئل أبو عبد الله عن الرجل يحلف لصاحب العشور ويحرز بذلك ماله. قال: نعم” أي سواء أمكنت التورية أم لا.
فعندنا مطلقات تأمر بالكذب لنجاة المؤمن سواء أمكنت التورية أو لا. وعندنا رواية سماعة الدالّة بمفهومها على أنَّه إذا لم يضطر يضرّه الكذب ويكون محرّماً عليه سواء كان هناك نجاة مؤمن أو لم يكن.
وإذا كانت التورية ممكنة فهو غير مضطرّ إلى الكذب. والنسبة بين هاتين الروايتين العموم والخصوص من وجه، يلتقيان في الكذب مع إمكان التورية في نجاة المؤمن، فهذه الصورة من حيث إمكان التورية وعدم الاضطرار إلى الكذب تحرّمها مفهوم رواية سماعة القائل بأنَّه إذا لم يضطر إلى الكذب فإنَّه يضرّه. ومن حيث كونه نجاة للمؤمن تحلّله مطلقات جواز الكذب لنجاة المؤمن أمكنت التورية أم لم تمكن.
فإذا تعارض مفهوم تلك الرواية مع منطوق هذه الرواية، فإنَّهما يتعارضان ويتساقطان ونرجع إلى العموم الأعلائي وهو (كل كذب حرام).
وقد قلنا إنَّ في هذه المسألة خلاف، فبعضهم قالوا إنَّ التنافي واقع بين العامّ الأعلائي والخاصّ المخالف، فحين تلحظ النسبة بينهما يكون أخصّ منه فيقدّم عليه، وحينئذٍ يكون العامّ المخصّص بينه وبين الخاصّ الموافق عموماً من وجه فيتعارضان ويتساقطان في مورد الاجتماع ونرجع إلى أصالة الحل.
الآخرون قالوا إنَّه يقتضي أن ننظر إلى الخاصّين المتعارضين من وجه أوّلاً،
ــــــــــ[311]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فإذا أسقطناهما في مورد الاجتماع نرجع به إلى العامّ الأعلائي. والسرّ في ذلك أنَّه في الأدلّة المنفصلة تنعقد للعامّ الأعلائي ظهور في العموم وتتمّ حجّيّته، فأنا عندما أريد أن أقيّده بالمخصّص يجب أن أعرف أنَّ المخصّص حجّة تامّة، ولكنّه في المقام غير معلوم لأنَّه معارض بخاصّ آخر، فليس له قوّة ظهور في مورد الاجتماع تصلح لمزاحمة العامّ في ظهوره. فيبقى العامّ بلا مزاحم. إذن فلا ننسب العامّ الأعلائي إلى الخاصّ المخالف، بل ننظر إلى أن نرسو على شيء ثُمَّ ننسبه إلى العامّ. ويكون ذلك الوجه في غير موضعه.
[إشكال المحقق العراقي على ما أفاده الشيخ الأعظم]
بعض الأعاظم ولعلّه آغا ضياء العراقي يعترض على مطلب الشيخ في الرجوع إلى العامّ الأعلائي ويقول: إنَ رواية سماعة ليس فيها مفهوم فإنَّها تقول: “ليس شيء ممّا حرّم الله إلَّا وقد أحلّه لمن اضطر إليه“. فكأنَّه أخذ الشقّ الأخير من الرواية وهي قد حلّلت ما يضطر إليه ولم تحرّم بمفهومها ما لم يضطرّ إليه كما يريد الشيخ الأنصاري أن يفهم منها، فهي لم تتعرّض للتحريم، فهل معنى أنَّها علّلت ما يضطرّ إليه أنَّها حرّمت غيره؟ إذن فالرواية متعرّضة لناحية الإيجاب ولم تتعرّض لناحية السلب فلا مفهوم لها. وحينئذٍ فكيف تعارض بمفهومها تلك الرواية.
الناحية الثانية: سلّمنا أنَّ بينهما عموم وخصوص من وجه، ولكن لما كان عندنا عموم أعلائي فهو على وفق المفهوم. فالمفهوم والعامّ ينزلان معاً في قبال الخاصّ المخالف. فالعامّ وهو (كل كذب حرام) يقف مع المفهوم وهو الخاصّ
ــــــــــ[312]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الموافق (الكذب غير المضطرّ إليه حرام) في قبال الخاصّ المخالف (نجِّ أخاك بالكذب)، فالعام والخاصّ الموافق ينزلان في ميدان واحد ويقابلان ذلك. فنسبتهما ذلك [إلى] الخاصّ عموم من وجه فيتعارضان ويتساقطان، ويسقط العامّ الأعلائي أيضاً ونرجع إلى أصالة الحلّية.
[رد السيد الخوئي على إشكال المحقق العراقي]
ويجيب السيد الخوئي على ذلك:
أمّا بالنسبة إلى الشقّ الأوّل: فيقول: إنَّك نظرت إلى ذيل الرواية، والشيخ الأنصاري نظر إلى صدرها، والصدر هو: “إذا حلف الرجل لم يضرّه إذا أكره أو اضطر إليه” وهذا صريح بمفهوم الشرط، فنحن أخذنا بالصدر لا بالذيل لتقول إنَّها متعرّضة للإثبات لا للسلب، فإنَّ صدر الرواية يحتوي على مفهوم للشرط.
أمّا بالنسبة إلى الشقّ الثاني: فإنَّك افترضت بين العموم الأعلائي وبين الخاصّ المعاكس عموماً وخصوصاً من وجه، في حين إنَّ بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، فيكون أخصّ منه فيقدّم عليه من باب تقديم الخاصّ على العامّ، لأنَّه فرد داخل تحت العامّ.
فكأنّ الشيخ العراقي اعتبر أنَّ بين العامّ الأعلائي والخاصّ الموافق وبين الخاصّ المخالف عموماً من وجه مع أنَّ بينهما عموماً مطلقاً. فهل المحقّق العراقي يجهل ذلك؟
ــــــــــ[313]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[توجيه إشكال العراقي]
الذي اعتقده أنَّ المحقّق العراقي يرى أنَّ الخاصّ المخالف أوّل ما يجري حسابه مع العامّ الأعلائي، ثُمَّ تلاحظ نسبته إلى الخاصّ الموافق عموم من وجه. فإذا قيّدنا العامّ بالخاصّ المعاكس فتكون نسبته إلى الموافق عموم من وجه. فيتعارضان ويتساقطان ونرجع إلى أصالة الحلّية.
فبعد تصريح الشيخ العراقي أنَّ بينهما عموم من وجه، فالظاهر أنَّ وجهة نظره أنَّ العامّ (كل كذب حرام) يُنسب إلى الخاصّ المخالف (الكذب لنجاة المؤمن جائز) فيكون نتيجته (كل كذب حرام إلَّا لنجاة المؤمن) وحينئذٍ فنسبته إلى الخاصّ الموافق (إذا لم يضطرّ إلى الكذب فهو حرام) عموماً من وجه فيتعارضان في مورد الاجتماع فيتساقطان، ويرجع إلى أصالة الحلّ.
وحينئذٍ يكون لكلامه وجه وجيه، وغاية الخلاف بينه وبيننا أنَّنا قلنا إنَّه يجب أن نصفي الخاصّين أوّلاً ليكون عندنا ما يصلح لتخصيص العامّ ثُمَّ ننسبه إلى العامّ، فيكون التمسّك بحرمة الكذب في موضعه لأنَّ محلّ الالتقاء داخل تحت العامّ (كلّ كذب الحرام). إذن فليس بينهما عموم وخصوص مطلق بل عموم وخصوص من وجه. وما أظنّ أنَّ ذلك يخفى على الشيخ العراقي.
فالظاهر أنَّ المعركة معه حول من أين يبدأ الحساب، هل ننسب العامّ الأعلائي إلى الخاصّ المعاكس ثُمَّ ننسبهما إلى الخاصّ الموافق، كما يذهب إليه العراقي؟ أو نصفي الخاصّين ثُمَّ ننسبهما إلى العامّ الأعلائي كما ذهبنا إليه؟ الظاهر أنَّ هذا هو مراده والله أعلم بالمراد.
*****
ــــــــــ[314]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
كانت النتيجة التي استنتجها الشيخ الأنصاري من العامّين من وجه، أي مفهوم رواية سماعة ومنطوق رواية نجاة المؤمن. أنَّه بمقتضى التقائهما في الكذب في سبيل نجاة المؤمن مع إمكان التورية فإنَّهما تتعارضان وتتساقطان، ونرجع إلى الأصل الأعلائي.
بعضهم يدّعي أنَّ روايات النجاة غير قابلة للتقييد بصورة الاضطرار، كالحلف على حفظ مال الغير الذي ليس فيه اضطرار لنفس الحالف. فيستفيد الجماعة أن روايات النجاة لا تقبل تقييداً بصورة الاضطرار، ومن ثُمَّ رأوا إبقاءها على إطلاقها وتقييد المحرّمات الأُخرى بصورة الاضطرار.
يأتي الإشكال على من قيّد الكذب بالإكراه والاضطرار هل أنَّ هذا الأثر يترتّب على المعاملات الوضعية أيضاً؟ هل يوجب الإكراه والاضطرار رفع أثر المعاملات أيضاً؟ أولئك الجماعة قالوا بأنَّ الإكراه والاضطرار يوجب رفع أثر أي شيء ولم يقيّدوها بعدم إمكان التورية، فأغفلوا التورية، مع أنَّ التورية ممكنة، فالتزموا ببطلانها في المعاملة حتى مع إمكان قصد خلافها. فأنا مرّة أقصد المعاملة ومرّة لا أقصدها، فإذا لم أقصدها كانت المعاملة باطلة لعدم قصدها، أمّا إذا قصدتها فقد قالوا ببطلانها أيضاً عند الإكراه حتى مع تحقّق القصد. مع أنَّ الإكراه لا يتوجّه إلى الإرادة، بل إنَّما يتوجّه إلى الفعل الصوري. مع ذلك التزموا ببطلان المعاملة من دون تفصيل.
ــــــــــ[315]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[صحة المعاملة بالاضطرار دون الإكراه]
وقد أفتى الجماعة بأنَّ المعاملة في حال الاضطرار تكون صحيحة وفي حال الإكراه تكون باطلة، مع أنَّ اللسان فيهما واحد، وهو رفع عن أمتي ما اضطروا إليه وما أكرهوا عليه، فيكون الحكم مرفوعاً في الإكراه والاضطرار، لماذا لم يقل الجماعة في حالة الاضطرار بالبطلان وقالوا في صورة الإكراه به؟
من الواضح أنَّ حديث الرفع امتناني، فيرفع التكليف بمقدار المنّة، فلسانه لسان تفضّل، فالمضطر إلى بيع داره هل من المنّة أن نقول له: إنَّ معاملتك باطلة، مع أنَّ حاجته إلى ثمنها هي الباعث على بيعها ولا يعني ذلك إلَّا أنَّنا نزيد في المشقّة عليه، فليس من المنّة أن نقول له إنَّ معاملتك باطلة. بخلاف الإكراه، فإنَّه من المنّة أن نبطل المعاملة لأنَّه بعد إكراه الغير على إجرائها، فقد أجراها على خلاف اختياره، وليس من المنّة أن نجعلها نافذة. فرفع الإكراه في المعاملات في موضعه دون الاضطرار. أمّا في المعاملات فرفع الاضطرار في موضعه فلو اضطرّ إلى الكذب فمن المنّة رفعه عنه.
الجماعة لا يقيّدون جواز الكذب بالاضطرار إليه، فإنَّ الكذب لإنجاء المؤمن جائز مطلقاً، ولكنّهم أبطلوا المعاملة على كل تقدير ولو كانت التورية ممكنة.
والإشكال في ذلك أنَّ عدم إمكان التخلّص ما يشترطونه في جواز سائر المحرّمات، في حين إنَّهم لا يلتزمون ذلك في باب الإكراه على المعاملة ويذهبون إلى بطلانها حتى مع إمكان التورية.
ــــــــــ[316]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[في عدم بطلان المعاملة بالكذب الاضطراري]
والسرّ في ذلك: أنَّ المعاملة لا تتقوّم فقط بالإرادة والقصد بل تتقوّم أيضاً بالرضا وطيب النفس، ولو الرضا المزاحم بشيء آخر.
فالاضطرار وإن كان منافياً للرضا إلَّا أنَّه لو لوحظت رغبته في بيع الدار لم يكن راضياً ولو لوحظت المصلحة المترتّبة على رفع الاضطرار كان راضياً، فهو قدّم المصلحة على تلك الرغبة، وحصل عنده رضا حقيقي بالبيع، أما لو أكره فإنَّه لا يكون قاصداً للمعاملة فتبطل.
فالمحرّمات الباقية التي يعتبر فيها التخلّص من المحرّمات والتفصي منها مهما أمكن، لا يدخلها عنصر الرضا، أمّا المعاملات التي حكموا ببطلانها حتى مع إمكان التورية فسرّها أنَّ معاملة المكره موقوفة على الرضا ومع الإكراه لا رضا حتى مع إمكان التورية؛ لأنَّه لا معنى للرضا مع الإكراه. فالمعاملة فاقدة لأهمّ مقوّماتها وهو طيب القلب والرضا، وحينئذ يترتّب عليها آثار البطلان. وأمّا باقي المحرّمات فحالها حال الكذب في اعتبار التفصّي منها مع وجود مندوحة.
فالشيخ الأنصاري عندما حرّر المسألة في التفرقة بين الإكراه على الكذب والإكراه على المعاملة لم يعلّلها بالرضا (أي لم يعلّل بطلان المعاملة حتى مع إمكان التورية بعدم وجود الرضا فيها، وهو عنصر مقوّم للمعاملة)، وقال إنَّ عنوان الرضا متحقّق حتى مع إمكان التخلّص. ويتوجّه عليه الإشكال أنَّه كيف يتحقّق ذلك مع إمكان التخلّص؟ الشيخ قال: إنَّ الإكراه وإن لم يتناول
ــــــــــ[317]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
القصد ولكن الإكراه وقع على المعاملة الواقعية فأبطلها. ولكنّا قلنا إنَّ المعاملة متقوّمة بالرضا وهو لا يجتمع مع الإكراه. فلابدَّ أن تكون المعاملة باطلة على جميع الوجوه.
من المسائل التي أرسلها الشيخ قوله: يستحب تحمّل الضرر المالي الذي لا يجحف لتجنب الكذب. بعد أن قلنا إنَّ من مسوّغات الكذب دفع الضرر. ذكر الشيخ أنَّه ليس كل ضرر يسوّغه حتى إذا كان مما يتحمّل عادة. فإنَّه وإن كانت أدلّة لا ضرر تشمله، لكن نستفيد استحباب تحمّل الضرر في سبيل أن لا أكذب. ودليله ما ورد في نهج البلاغة: “من علامات المؤمن أن يؤثِر الصدق حيث يضرّه على الكذب حيث ينفعه“. فكأنَّه من جملة علائم المؤمن أن يؤثّر الصدق الذي يضرّه ضرراً غير مجحف على الكذب الذي ينفعه. ومن المقارنة بينهما نستفيد الاستحباب.
وناقشه السيّد الخوئي ما هو الضرر الذي يتحمّل هل هو الضرر الذي يصدق عليه أنَّه ضرر دنيوي، ولكن الأدلّة منصرفة عنه كفلس واحد يدفعه في سبيل ألّا يكذب. فهو وإن كان ضرر لغة لأنَّ الضرر في اللغة هو إدخال النقص على الإنسان في المقام وهو كذلك. إلَّا أنَّ الأدلّة منصرفة عنه لأنَّه ضرر محتمل، فليس إدخال النقص اللغوي كافٍ فيه؛ ولذلك التزموا أنَّ الكذب فيه محرّم لانصراف أدلّة لا ضرر عنه؛ لأنَّ الضرر فيها هو العرفي لا اللغوي. والضرر العرفي يختلف باختلاف الأشخاص ومقدار ما يملكون.
ــــــــــ[318]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فهذا النوع من الضرر، قد يُقال إنَّ الأدلّة منصرفة عنه فيبقى الكذب معها محرماً. فإن كان غرض الشيخ هذا النوع من الضرر فلا معنى للقول باستحباب تجنّب الكذب معه، أو أنَّ غرض الشيخ هو الضرر الذي تتناوله أدلّة الضرر فهو مرفوع. فإن تم فيها فبها وإلَّا فالفتوى بالاستحباب بها حينئذٍ تشريعية، فالفتوى بالاستحباب لا يصلح لها الدليل الذي ذكره الشيخ، فهو أقرب إلى التشريع. وإدخال السيّد الخوئي للتشريع في غير موضعه لأنَّ الشيخ قد استند إلى دليل. فزج السيّد للتشريع في المقام في غير محلّه، وكون الدليل غير وافٍ بالاستدلال لا يعني كون الفتوى بدون مستند.
السيّد يقول إنَّ الدليل مأخوذ عن النهج فهو غير وافٍ. ومن المقارنة بين النفع والضرر في الدليل نعرف أنَّ العرف يستعملون الضرر في مقابل النفع، فالضرر عبارة عن عدم النفع لا إدخال للنقص. فالإنسان يقدم الصدق الذي لا ينفع به على الكذب الذي ينفعه. والكذب النافع محرّم، وترك المحرّم من علائم الإيمان، فيكون قوله أنَّ ترك الكذب النافع من علائم الإيمان في موضعه والفتوى باستحباب تحمّل الضرر بمعنى إدخال النقص بلا منشأ.
لكن الظاهر أنَّ هذا النوع من الفهم خلاف الظاهر، أي إنَّ العرف لا يفتهمون من الضرر عدم النفع. ثُمَّ إنَّ هذه المبالغة الوارد في لسان التعبير إنَّه يؤثّر الصدق حيث يضرّه على الكذب حيث ينفعه. هذا اللسان يأبى ذلك وإنَّما يريد الصدق الذي يدخل عليك نقصاً لا الصدق الذي لا ينفعك. والتعبير إنَّه من علائم الإيمان يعطي الاستحباب أكثر ممّا يعطي الوجوب؛ لأنَّ عندنا من
ــــــــــ[319]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
علائم الإيمان: (زيارة الأربعين والتختّم باليمين).
ففهم الشيخ مستقيم ودلالة الرواية على الاستحباب وافية، والضرر ليس المقصود منه غير المتناول لدليل لا ضرر، بل هو ضرر ولكنه غير مجحف. فإنَّ العرف يقولون إنَّه قد تضرّر ولكنّهم يمدحونه على تحمّله للضرر في سبيل ألَّا يكذب. فهو متناول لأدلّة لا ضرر ومرفوع ولكن تحمّله مستحب. أمّا سند الرواية فمن حيث كونها مروية في النهج فهي مرسلة، إلَّا أنَّه لا بأس بالتهاون في أدلّة الاستحباب بأدلّة من بلغ، فيكفي أن يصلك شيء من الاستحباب فتعمل به.
قال المصنف: “ثم ان الاقوال الصادرة عن أئمتنا… “
مسألة أُخرى أثاروها وذكرها الشيخ، ولا يقتضي أن تثار. وهو أنَّ ما ورد عن الأئمّة ممّا يشعر كونه كذباً أو تورية، فإذا دار الأمر بينها أيّهما الأَولى الحمل عليه. أوّلاً أنا لست مسؤولاً عن تحديد مسؤولية الإمام فأحررها مسألة فقهية وأنظر أيّهما أولى.
الشيخ يقول: إذا دار الأمر بينهما فالحمل على التورية أولى لأنَّ بها تخلّصاً من الكذب. أمّا السيّد الخوئي فيقول إنَّه بعد إباحة الكذب للعنوان الثانوي يكون كلٌّ من التورية والكذب مباحين، فتعيين التورية في غير موضعه، مع عدم وجود مانع عقلي من الكذب.
ولكن الظاهر أنَّ كلام الشيخ مقدّم لأنَّه لا يناسب أن يكذب الإمام مهما
ــــــــــ[320]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
طرأ عليه عنوان ثانوي. ونحن لا ننكر أن الحكم العقلي لا يخصّص وإنَّما هو حكم ثانوي ولكن مع ذلك توجد أشياء تنفر عنها الطباع. فأنا لا أستطيع أن أسمع أنَّ الإمام أكل ميتة للضرورة أو شرب خمراً للضرورة أو كذب للتقية. فإنَّ هذه أُمور منفّرة ليس لها وجه فيما نرى.
فالأولى أن يُقال بالتورية وأنَّها تقصد إلى معاني خفية، ولكن الكلام من أوّله إلى آخره في غير موضعه لأني لست مسؤولاً عن تحديد تكليف الإمام.
*****
الظاهر من الشيخ أنَّه فرّع على مسألة دوران الأمر بين التقية والتورية، بعد أن مال إلى التورية وقال: بأنَّ حمل الكلام عليها أولى من حمله على الكذب.
فرّع عليه ما إذا دار الأمر بين حمله على الاستحباب أو التقية. وهذه المسألة لا ترتبط بمسألتنا؛ لأنَّ الكذب يتأتّى في الإخبار لا الإنشاء والأمر من قبيل الإنشاء. فتفريع هذه المسألة على تلك في غير محلّه؛ لأنَّنا هناك حملنا كلام الإمام على التقية إذا دار الأمر بينها وبين الكذب تنزيهاً له عن الكذب وأمّا هنا فيدور الأمر بين أن يكون الكلام مستعملاً في معناه الجدي أو للتقية، فالإلحاق غير واضح.
الشيخ حمله على الاستحباب وقال إنَّه أولى من التقية؛ لأنَّ الحمل على التقية يحتاج إلى قرائن أكثر من المجاز.
ــــــــــ[321]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وأمّا السيّد الخوئي فقال إنَّه لابدَّ من تحرير هذه المسألة على صعيد أُصولي، لو دار الأمر بين الوجوب والاستحباب، فهنا لا أثر لهذا الدوران لأنَّه شكّ في أصل الوجوب فيرجع إلى أصل البراءة من التكليف ويأخذ بالاستحباب، فإذا دار الأمر بين الحكم الإلزامي وغيره، يكون الحكم الإلزامي مورداً للبراءة من التكليف.
(فالأمر) إذا دار بين حمله على موافقة العامّة أو الاستحباب فلا ثمرة عملية تترتّب على ذلك؛ لأنَّ الإتيان به حسن أمّا للاستحباب أو للوجوب والأصل موافق لذلك. ولكن الثمرة تظهر في الفتوى، وهو أنَّ الجزم بالاستحباب في فتوى الفقيه تحتاج إلى مستند فما هو المستند؟
فمرة نلحظ المسألة بالنسبة إلى المستفتي العامّي، فنعلم أنَّه لا أثر عملي بالنسبة إليه؛ لأنَّ كلاً من التقية والاستحباب لا يلزمه بشيء؛ لأنَّ الحمل على التقية إسقاط للرواية والاستحباب حكم غير إلزامي. وأُخرى نلحظ المسألة بالنسبة إلى المفتي الفقيه، ما مستنده بالجزم بالاستحباب؟ مستنده أنَّنا إذا رجحنا جانب الاستحباب نأخذ به أو التقيّة فنقول بها. فالثمرة تعود على شخص المفتي لا على شخص المستفتي.
[الصور في المسألة]
فإذا دار الأمر بينهما، فمن حيث المسألة الأُصولية تتصوّر المسألة بثلاث صور:
ــــــــــ[322]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الأُولى: أن يكون الأمر وارداً لبيان الحكم الوضعي من دون إشارة إلى الحكم التكليفي نحو إجابة الإمام لمن سأله عن ملامسة المرأة أن يقول تنقض الوضوء والغرض من هذا القول هو الإنشاء لا الإخبار، فقوله تنقض الوضوء، إشارة إلى الحكم الوضعي الخالص وهو البطلان لا التكليفي الناظر إلى الثواب والعقاب.
الثانية: أن يأتي بحكم تكليفي خالص ليس فيه حكم وضعي نحو أشرب النبيذ، نبيذ المدينة، الذي هو الماء يلقى فيه كف من التمر، ونفترض أنَّه عند العامّة مباح جائز وغير معلوم حكمه لدى الخاصّة، فيسأل الإمام عنه فيقول له: اشرب النبيذ، واشرب فعل أمر ظاهر بالحكم التكليفي، أي يسوغ لك الشرب ولست بمعاقب عليه. ونحن نعلم من الخارج قطعاً أنَّ شرب النبيذ ليس بواجب فقول الإمام إما أن يكون محمولاً على الاستحباب أو على التقية موافقة للعامّة، فأيهما أولى أن يحمل عليه قول الإمام؟
الثالثة: أن يصدر أمر يحمل صورة الحكم التكليفي ويراد به الإرشادي إلى الحكم الوضعي: المانعية أو الجزئية أو البطلان. نحو تستر في الصلاة، فإنَّ ذلك لا يعني أنَّه يجب عليه التستر وإن لم يتستر يكون مأثوماً ويعاقب، بل إنَّه بيان لكون التستر شرطاً في الصلاة، فهو إرشاد إلى بيان الشرطية، ونحو (لا تقهقه في الصلاة) إرشاد إلى بيان المانعية، فما هو الحال في هذه الصور الثلاث؟
الصورة الأولى: [حكم وضعي]
هي أن يسأله عن الملامسة فيقول تنقض الوضوء، وذلك عند العامّة،
ــــــــــ[323]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
عندنا غير ناقضة. وهذا تصريح بالمانعية، ولا معنى بالاستحباب، فلابدَّ من الحمل على التقية؛ لأنَّ الحكم الوضعي والاستحباب لا يتلاءمان، فلا يمكن أن تحمل على الاستحباب بل على التقية. أما أن تحمل الرواية على استحباب تجديد الوضوء فهو بعيد لا يمكن الحمل عليه.
بل إنَّ عدّ هذه الصورة من صور الدوران بين التقية والاستحباب في غير محلّه؛ لأنَّ حمله على التقيّة متعيّن، وإنَّما الداخل في كلامنا كل مورد يمكن أن نحتمل فيه الاستحباب ليصحّ حمله على الاستحباب، أما إذا كان حكماً وضعياً فيتعيّن حمله على التقية، فما معنى إيراد المسألة في الدوران بين التقية والاستحباب وعدّها صورة في مقابل الصور الأُخرى؟ ولكنّنا جاريناهم على ذكرهم لها.
الصورة الثانية: [حكم تكليفي محض]
وهي أنَّ يكون الأمر حكم تكليفي محض ليس فيه شائبة إرشاد إلى حكم وضعي.
نرجع إلى مفهوم الأمر عندنا:
قيل: هو مطلق الطلب فيشمل الاستحباب والوجوب، وتوجد قرينة خارجية عقلية أو كلامية على حصره بالوجوب.
وقيل: إنَّه وضع للوجوب والسيد الخوئي على أنَّه وضع لإبراز أمر نفساني. واختلفوا في بساطة الأمر وعدمها، فالقدماء على أنَّه ليس ببسيط بل مكوّن من إرادة الشيء مع النهي عن ضدّه، والمتأخّرون أنَّه بسيط وضع للقدر
ــــــــــ[324]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الجامع بين الوجوب وغيره، والوجوب تدلّ عليه القرينة العقلية وهو أنَّ المولى إذا أمر بالشيء ولم يرخّص في تركه فالعقل يلزمك بفعله.
فإذا فرضنا ورد أمر مردّد بين التقية والاستحباب، وليس هو حكم إلزامي حتماً؛ لأنَّ الوجوب مقطوع العدم، والإمام قال لي اشرب وحمله على الوجوب غير ممكن فيتعيّن إمّا حمله على الاستحباب أو حمله على التقية.
فإذا بنينا أنَّ مفهوم الأمر بسيط، ولا تصرّف فيه من ناحية الطلب (لأنَّه موضوع للأعم من الوجوب والاستحباب). فهنا عندنا قرينة على الترخيص وهو الإجماع على عدم الوجوب، فعندي من جانب طلب وعندي من جانب قرينة على الترخيص فلابدَّ من حمله على الاستحباب لأنَّ التقية خلاف الظاهر لأنَّه يلازم أنَّ الإمام لا يريد مدلول الأمر الجدي، أمّا الاستحباب فلا تجوز فيه. وإذا دار الأمر بين الظاهر وخلاف الظاهر تعيّن حمله على الظاهر، فلابدَّ من حمله على الاستحباب موافقةً للشيخ على اختلاف في التقريب.
أمّا إذا قلنا إنَّ الوجوب هو الإلزام المأخوذ في مفهومه المنع من الترك، فيكون الاستحباب خلاف الظاهر والتقية خلاف الظاهر أيضاً، فيتعيّن التوقّف ولا يمكن الحمل على أحدهما؛ لأنَّ تعيين أحدهما بلا معيّن.
لكن إذا قلنا إنَّ الوجوب مجعول لمطلق الطلب، والعقل يعيّن الوجوب ما لم يرخّص الشارع. فهنا عندي بعث وعندي ترخيص ناشئ من الضرورة أو الإجماع. فلابدَّ من الحمل على الاستحباب والحمل على التقية خلاف الظاهر.
ــــــــــ[325]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الصورة الثالثة: [حكم إرشادي]
وهو الحكم التكليفي الذي يُراد به الحكم الوضعي، أي إنَّ به إشارة إلى جزئية أو شرطية. يأتي به نفس الكلام الذي ذكرناه بالقسم الأوّل، مع فرق أنَّ ذلك كان نصّاً بالحكم الوضعي وهذا حكم تكليفي يراد به حكماً وضعياً، ولا معنى لاستحباب الجزئية أو الشرطية. ومع علمنا أنَّه ليس بجزء ولا شرط في الواقع فلابدَّ من حمله على التقيّة إلَّا بتأويلات بعيدة.
فالنتيجة أنَّه في صورتين، وهي ما إذا ورد الأمر التكليفي لبيان حكم وضعي أو كان نصّاً في الحكم الوضعي فلابدَّ أن يحمله على التقية ولا معنى لحمله على الاستحباب. أمّا إذا كان حكماً تكليفياً محضاً، فعلى مباني المتأخّرين نوعاً من أنَّ الوجوب يتعيّن بالقرينة العقلية ما لم يثبت الترخيص فيتعيّن حمله على الاستحباب، وهو الظاهر، أمّا على مباني القدماء فيقتضي التوقّف لأنَّ كلاً من الاستحباب والتقية خلاف الظاهر فلا معيّن لهما.
قال: “الثاني من مسوغات الكذب إرادة الإصلاح وقد استفاضت الأخبار بجواز الكذب عند الإصلاح… الخ”.
تحدّثنا(1) بالأمس عن المسوّغ الثاني للكذب وهو إصلاح ذات البين.
وذكرنا أنَّ إصلاح ذات البين من الأُمور المستحسنة المندوبة عند الله تعالى،
ــــــــــ[326]ــــــــــ
() وكان سيّدنا الأستاذ الحكيم قد ألقى محاضرة مختصرة أمس لم نكتبها لأنَّ في محاضرة هذا اليوم ما يفي. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وفي الروايات الواردة كثيراً من الحث عليه، وبعضها تفضّله على عامّة الصلاة والصيام. ومن كثرة اهتمام الشارع به سوّغ الكذب في سبيله، ليعيش الناس في مجتمع يسوده التفاهم والوئام؛ لأنَّه لو نقل كلام الطرفين بأمانة لم يحدث الصلح، فأباح له الشارع تغيير ما سمعه من الطرفين في سبيل إدخال الوئام على النفوس، بل إنَّ بعض الروايات تقول إنَّه ليس بكذب، وأنَّ الساعي في الصلح صادق. وبعضها تقسّم الكلام إلى ثلاثة أقسام صدق وكذب وإصلاح. فالإصلاح أسمى من أن يسمّى كذباً للمصالح المترتّبة عليه، والذي يهمنا في المقام الناحية الفقهية.
إذا قلنا إنَّ إصلاح ذات البين كذب سائغ فتكون الأدلّة المجوّزة له مخصّصة لعمومات تحريم الكذب، وإذا قلنا إنَّه ليس بكذب فتكون سمتها سمة حاكمة على تلك العمومات. والدليل الحاكم هو الدليل الناظر إلى الدليل العامّ والمضيّق له أو الموسع.
ومقامنا به جنبة تضييق أي أنَّ الشارع يقول: إنَّ الموضوع الذي حرمته من الكذب لا يشمل هذا، فهو إخراج من موضوع الكذب وتخصيص المحرّم من الكذب بما لا يشمل هذا. مثل أدلّة لا حرج، مع وجوده وجداناً، ومعناه تضييق الأدلّة الأولية بما لا يشمل الموضوع الحرجي.
وقد يكون الدليل الحاكم موسّع لموضوعه نحو الطواف في البيت صلاة، والفقّاع خمر استصغره الناس، فيه توسعة لموضوع الحاكم. فإذا كان الدليل
ــــــــــ[327]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ناظراً إلى العامّ موسّعاً أو مضيّقاً فهو حاكم عليه.
وفي مقامنا بعض الأدلّة لسانها لسان تخصيص وأُخرى تقول إنَّه ليس بكذب، فهو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع. فهو وإن كان كذب وجداناً إلَّا أنَّها تعدم الموضوع تعبّداً، فيكون من باب الحكومة.
الثمرة المترتّبة على كونها تخصيصاً أو حكومة تتجلّى مع إمكان التخلّص من الكذب بالتورية. وقد سبق أن تساءلنا هل الكذب جائز مطلقاً أو مع عدم إمكان التورية؛ لأنَّه مع إمكان التورية التي انتهينا إلى أنَّها ليست بكذب، لا يكون مضطراً إلى الكذب، فهل يسوغ الكذب في هذه الصورة؟ فيه خلاف. والذي انتهينا إليه أنَّه لا يسوغ الكذب مع إمكان التورية إلَّا في نجاة المؤمن؛ لأنَّ عمومها لا يقبل التخصيص. فحال الكذب حال سائر المحرّمات التي لا تحل إلَّا عند الضرورة، ومع إمكان التورية ليس مضطراً في الواقع. كما أنَّه لو أكرمه شخص على أنَّه يشرب خمراً وكان بوسعه أن يستغفله ويشرب ماء فعليه أن يفعل ولا يحلّ له شرب الخمر.
فمع إمكان التخلّص من الكذب بالتورية هل يسوغ له أن يكذب في إصلاح ذات البين. فإذا قلنا إنَّ الأدلّة المجوزة للكذب في الإصلاح إنَّما هي مخصّصة لعمومات تحريم الكذب، فلابدَّ أن نقيّد جواز الكذب بعدم إمكان التورية. حتى يتوقّف الإصلاح على الكذب فيسوغ ومع إمكان التورية لا يتوقّف على الكذب. والقاعدة العقلية تقول إنَّ الضرورات تقدر بقدرها.
ــــــــــ[328]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ومناسبة الحكم للموضوع تقتضي أن تقيّد الكذب بالضرورة لا أنَّ تبيحه في الإصلاح مطلقاً، لكن حيث يتوقّف الإصلاح على الكذب يكون مرفوعاً.
وهذا من قبيل أنَّ عندنا عامّ مخصّص مردّد بين الأقل والأكثر، فالأقل قدر متيقن خروجه والأكثر غير معلوم الخروج فبقى داخلاً تحت العامّ. وفي المقام يكون الكذب مع عدم إمكان التورية قدر متيقّن ويبقى ظهور العامّ في الحرمة نافذاً مع إمكان التورية. هذا هو مقتضى الصناعة في الجمع بين العامّ والخاصّ المردّد بين الأقل والأكثر.
وأمّا إذا مشينا على الحكومة فهذا الكلام لا يأتي لأنَّه ليس بكذب، فلا معنى للتساؤل عن إمكان التورية وعدمه حينئذٍ.
والظاهر أنَّ الأدلّة بها جنبة تفسير وحكومة، وحينئذٍ فلا معنى لاشتراط التورية، والواقع أنَّنا إذا فتحنا باب عدم إمكان التورية فقد أغلقنا باب للإصلاح، لأنَّ المصلح إذا فكر ليجد تورية يقولها فإنَّ المخاطب سوف يحسّ بأنَّ هناك شيء ما، فطبيعة الإصلاح تأبى التورية.
قسم ثالث لتسويغ الكذب: هو الكذب على الزوجة، أي الكذب في الوعد. وهذا يقرب وجهة نظرنا من أنَّ خلف الوعد محرّم؛ لأنَّنا قلنا إنَّ الوعد مرة يكون إخباراً عن التزام نفسي فيكون صدقه وكذبه يدوران مدار مطابقته مع واقع التزامه النفسي وعدمه. وأُخرى إخباراً عن وقوع أمر في الخارج فيكون صدقه وكذبه دائراً مدار حدوثه في الخارج، وثالثة يكون إنشاء بشيء
ــــــــــ[329]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
على نفسه، وهذا لا يدخله الكذب لأنَّه إنشاء ولكن هل يجب عليه تحقيق ما التزم به.
الآن لو جعل لزوجته عليه وعداً فالأدلة تجوّز عدم الوفاء به، والظاهر أنَّ هذا الجواز ممّا تقتضيه الحياة العائلية، فالزوجة مطاليبها لا تنتهي، وليس على الزوج إلَّا أن يكيل الوعود.
السيّد الخوئي يقول إنَّ ذلك لا يجوز من الناحية الأخلاقية، فلابدَّ أن نحمل الجواز على الضرورات ونقيّدها بحال الضرورة، وإلَّا فالعائلة التي تقدم على الكذب في الوعد، الطفل يرى أباه يكذب والزوجة ترى زوجها يكذب، فكيف يمكن أن يتربّى الطفل تربية صالحة في مثل هذه العائلة. فمن مناسبة الحكم للموضوع لابدَّ من تخصيص جواز خلف الوعد للزوجة بحال الضرورة(1).
فالنتيجة التي انتهينا إليها أنَّ الكذب من الأُمور المبغوضة للمولى، فلابدَّ من التجنّب عنه حتى في الأُمور السائغة.
ــــــــــ[330]ــــــــــ
() ثُمَّ قال أستاذنا الحكيم: في الذهن أنَّه قد ورد أنَّ الكذب مطلقاً جائز على الزوجة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: “المسألة التاسعة عشر: الكهانة حرام…“
تطلق الكهانة ويُراد بها الإخبار عن المغيّبات، واختلف في طريقة الإخبار عن المغيّبات، فقيل إنَّه بواسطة رَئي من الجن وقيل بلا واسطة. وقد وضعت هذه المسألة موضع أهمّيّة عند الجماعة، وكان ينبغي ألا تبحث؛ لأنَّ هذه أشياء مجهولة عندنا، وكيف يبحث عن شيء مجهول.
فالكهانة إخبار بواسطة رئي من الجن أو إنَّه إخبار عن أسباب ومسبّبات طبيعية، والظاهر أنَّ هذا الأخير يسمّى عرّافاً، فهو عنده قوّة فراسة فيخبر عن شؤون تتّصل بالشخص وربما أخبره عن ماضيه أو حاضره أو مستقبله، والعرّاف لا يعتمد في ذلك على قوّة خارقة. وربّما أردف بين الأطراف والكاهن. والكاهن عندما يطلق اسمه يخبر عن الحاضر والمستقبل والماضي بواسطة رئي من الجن أي تابع. فالكهّان له تأثيرات خاصّة على بعض الجن وعن طريقه يحصلون منهم على أخبار الحاضر والماضي والمستقبل ومن ثَمَّ يقولونها للناس.
ــــــــــ[331]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وهذا كان موجوداً قبل البعثة، ومنه التوصّل إلى الإخبار عن المستقبل، حيث إنَّ الجن كان لهم طريق أن يسترقّوا السمع ويأخذوا أخبار السماء الدائرة بين الملائكة، فكأنَّ الملائكة يتحدّثون بأخبار أهل الأرض، فيسمعون الأخبار ويقولوها للكاهن ويقولها الكاهن للناس فيقع الخبر كما أخبره.
أمّا بعد البعثة فقد ارتفع ذلك؛ لأنَّ الجن صاروا يرمون بشهاب ويمنعون عن استراقّ السمع، فالإخبار عن المستقبل بواسطة السماء انقطع بعد البعثة، غاية الأمر بقي شيء وهو أنَّ الجن يخبر بعضهم بعضاً بما يقع على الأرض في الماضي والحاضر كحدوث سرقة وما شابهها.
ــــــــــ[332]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والجن قوّة موجودة، والقرآن والروايات مصرّحة بوجودها، والواقع الفعلي أكّد أنَّ هناك شيئاً، فإنَّ كثيراً من الناس وجدوا سرقاتهم عن هذا الطريق، ولكن ما هو؟ غير معلوم. إنَّها إراءة غير طبيعة تصدر عن الجن، ولكنّها شيء مجهول لنا، فليس لنا أن نجزم بنفيه؛ لأنَّ نفي المجهول نفي بلا دليل. فحتى لو كنّا ماديّين ليس لنا حق الإنكار؛ لأنَّ الإنكار كالإثبات يحتاج إلى دليل. وليس المدار في إنكارهم الجن أنَّهم غير مرئيين، فإنَّ كثيراً من الموجودات المتحقّقة يقيناً غير مرئية كالجينات التناسلية والإلكترونات وبعض الميكروبات وكذلك القوّة الدافعة للجسم، بالإضافة إلى ما ثبت بالعلم الحديث من أنَّ المادّة طاقة مضغوطة في مجال معيّن، ولكن ما هي الطاقة، لم يصدر إلى الآن رأيّ فيزياوي قاطع في حقيقتها، وقطعاً ليست هي من الأُمور الحسيّة بالمعنى المعروف.
فمن الغرور أن ينفي الشخص الشيء غير المحسوس، إلَّا إذا كان متّصلاً بجميع العوالم! وغاية ما يمكن أن يقوله الشخص غير المؤمن بالقرآن: إنَّه لا يدري، ونحن مؤمنون بالقرآن، فلابدَّ أن نؤمن بما نصّ عليه. غاية الأمر أنَّ هناك أخباراً عن الجنّ ترويها الجدّة ويرويها الدراويش، هي مثار للسخرية
ــــــــــ[333]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وتحتاج إلى إثبات. كل ما يستطيع أن يقوله الإنسان: إنَّ هذه أُمور لا يستطيع أن يجزم بها في شيء، ولكن مفهوم وجود الجن موجود حتماً.
ــــــــــ[334]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
وهناك رواية عن الصادق وهي: “ما روى الطبرسي في الاحتجاج أنَّ بعض الزنادقة اجتمع بأبي عبد الله الصادق فسأله عن مسائل كثيرة: منها: قوله من أين أصل الكهانة، قال: الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل كان الكاهن بمنزلة الحاكم، يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأُمور فيخبرهم عن أشياء تحدث، وذلك من وجوه شيء، فراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النفس، وفتنة الروح مع قذف في قلبه؛ لأنَّ ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة يعلمه الشياطين ويؤديه إلى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف. وأمّا أخبار السماء فإنَّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراقّ السمع وهي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم، وإنَّما منعت من استراقّ السمع لئلا يقع في الأرض تشاكل للوحي من خبر السماء، فيلبس على أهل الأرض ما جاء عن الله لإثبات الحجّة ونفي الشبهة. وكانت الشياطين تسترقّ الكلمة الواحدة من خبر السماء، بما يحدث من الله في خلقه فيتخطّفها ثُمَّ يهبط بها إلى الأرض فيقذفها إلى الكاهن، فإذا زاد عليها كلمات من عنده اختلط الحقّ بالباطل، فما أصاب الكاهن ممّن خبر ممّا يخبر به فهو ممّا أراه إليه الشيطان من سمعه، وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، ومنذ منعت الشياطين عن
ــــــــــ[335]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
استراقّ السمع انقطعت الكهانة، واليوم إنَّما تؤدّي الشياطين إلى الكهّان أخباراً للناس بما يتحدّثون به وما يحدثونه، والشياطين تؤدّي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق يسرق وقاتل يقتل وغائب غاب، وهم بمنزلة الناس صدوق وكذوب“.
فعلى هذا يكون إخبار الجن عن الحاضر والماضي لأنَّ الإخبار عن المستقبل انقطعت. وهذا الأمر صحيح؛ لأنَّه لم يبق من الإخبار عن المستقبل إلا بعض أنواع الفراسة كقراءة الكف، أما الكهانة فقد اختفت بالماضي والحاضر، فهذه الرواية تفسير عدم إخبار الكاهن عن المستقبل.
هناك شيء يسمى بالكهانة يقيناً وكانت موجودة عند العرف، وكان للكاهن مزية يقصد من أجلها، ولكن ما هي هذه المزية وما حدودها، وإنما تهمنا معرفة حدودهما وماهيتها إذا كانت تهمّنا التفسيرات المادية ولكن هذه الرواية ـ على تقدير صحّتها ـ تنص على أنّهم ينطقون الاخبار من السماء، فهذه الأمور مجهولة لا زالت مجهولة.
ــــــــــ[336]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
والمهم عندنا الناحية الشرعية: والكهانة تبحث من عدّة جهات:
أما الناحية الأولى: في حرمة التكهّن فهو من الأمور التي لا مراد فيها وقد حمل الشارع عليها حملات شديدة.
أما الناحية الثانية: وهي الرجوع إلى الكاهن وهو موضع الابتلاء، فيها صورتان:
فإما أن ترجع إلى الكاهن للاستفسار والاستيناس وإما أن ترجع إليه لترتيب الأثر على قوله على أساس أنه هو الواقع، ومعناه إذا كنت ذا سلطان أن تأخذ السرقة من يد السارق وتعاقبه عليها.
أما الصورة الأولى: وهو الرجوع إلى الكاهن للتفرج والاستيناس، فالأدلّة
ــــــــــ[337]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
منصرفة عنه إلى الرجوع إليه من حيث ترتيب الأثر، لا الرجوع من ترتيب آثار وضعية.
أما الصورة الثانية: وهي الرجوع إلى الكاهن على أساس أنه صادق القول وأنّ قوله وحي يوحى، هناك روايات تقول (ومن مشى إلى كاهن فصدّقه فقد برأ مما أنزل الله تعالى على محمّد). وهذا إنّما يقصد به الإخبار عن المستقبل لأنّ القرآن إنّما نفى قدرة الشياطين على الإخبار بالمستقبل بعد حجبهم عن السماء، فإذا صدّقت الكاهن في إخباره عن المستقبل فقد كذبت محمداً أي أثبتّ له مزية نفاها عنه القرآن.
أما ترتيب الأثر على قول الكاهن كإخراج السرقات، فهذا بالإضافة إلى الأدلّة الناهية عن الرجوع إليه، فإن نفس الالتجاء إليه قول بغير علم، وقد سبق أن قلنا إنه لابدَّ من الرجوع إلى العلم والعلمي في الأحكام والموضوعات (من حيث ترتيب الآثار الشرعية عليها) فليس لنا أن نعتمد على إخبار شخص غير موثوق به، ومنه قول الكاهن.
إذن لا نستطيع أن نثبت به حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي؛ لأنّ قوله لم تقم عليه حجّة شرعية وما لم تقم عليه حجّة شرعية يكون التمسك به تشريعياً لأنك تكون قد تمسكّت بقول في ترتيب الآثار وقد نهاك الشارع عنه، فالقول ما لم يصل إلى الشارع لا يكون حجّة وقد ثبت نهي الشارع عن الأخذ بقول الكاهن.
أما إذا حصل لك القطع بقول الكاهن فيكون قطعك عليك حجّة، إلا إذا ثبت الردع عنه على كلّ حال.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
القطع مرّة يؤخذ على نحو الطريقية ومرة يؤخذ على نحو الموضوعية أي أُخذ موضوعاً للحكم، فإذا أخذ على نحو الطريقية فكاشفيته ذاتية وحجيته عقلية ولا يستطيع الشارع كمشرّع أن يتصرف فيه رفعاً ولا وضعاً.
وأما إذا أخذ موضوعاً للحكم فالشارع حرّ في التصرّف بحكمه كيف يشاء، فمرة يقول أيها القاطع بأنّ هذا الإناء أصابه البول، أن البول قد أصاب الإناء أو أنه لم يصبه هذا محال لأنه لا يستطيع التصرف بالقطع رفعاً ولا وضعاً، ولكنّه يمكنه أن يقول أيها القاطع بأنّ هذا الإناء أصابه البول، عليك بتطهير الإناء، فيجعل موضوع حكمه هو المركّب من القطع والموضوع الخارجي.
فالقطع الذي لا يمكنه أن يتصرّف فيه هو القطع الطريقي، أما القطع الموضوعي نحو أيها القاطع بوجود المنضدة عليك التصدق بدرهم، فهو لابد من ان يجعل حكماً على القطع ويجعله تمام الموضوع، فقسم من القطوع يمكن للشارع أن يجعلها أو يرفعها كأن يقول أن للقطع الذي يثبت لك عن الطريق الفلاني ليس من موضوعات احكامي.
فعندي حكم شرعي يقول بوجوب قطع يد السارق ولكن الشارع يقول: أيها القاطع بالسرقة عن طريق الكهانة لا تقطع يد السارق فيكون نسبته إلى الأحكام الأولية نسبة التخصيص، أي أنه يرفع يده عن حكمه إذا حصل به القطع عن طريق معيّن، أي لا ترتّب على هذا القطع أثراً.
وهذا نظير ما قلناه في القطع، عن طريق قول الفاسق أو الوسواس أو قطع القطّاع، أي أن الأحكام التي ثبتت بالقطع عن هذه الطرق أنا لا أريدها. فهو
ــــــــــ[339]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لا يتصرّف بالقطع من حيث كونه طريقاً له بل يتصرف بحكمه أي أن حكمي موجود إلّا إذا ثبت بالطريق الفلاني، فالحكم غير وارد على مطلق السرقة بل على السرقة الثابتة من غير طريق الكهانة والعرافة والطيف والرمل وأشباه ذلك.
فإذا ثبت المنع في الأخذ بهذه الأمور لابدَّ أن يكون مؤدّاه أن موضوع الحكم مقيّد بغير هذه الأمور، الشارع يقول أنّ موضوع حكمي مقيد بما لا ينتهي إليه من القطع الناتج من الكهانة والعرافة والرمل، فلا يكون الشارع متصرفاً في القطع من حيث كونه كاشفاً بل متصرفاً في حكمه.
ذكرنا أنَّ الكلام في الكهانة يقع في مواقع ثلاثة: في عمل الكاهن، وفي ترتيب الأثر على قوله، وفي الأخبار عن المغيبات لا عن طريق الكهانة، هل يسوغ أو لا؟
أما القسم الأول: فحرمته من الوضوح بمكان والأدلّة متوفّرة على حرمته.
وأما القسم الثاني: وهو الرجوع إلى الكاهن، فهو يتصوّر على صورتين، فإنه إما أن يرجع إليه للاستيناس وليرى ما يقول، أو لترتيب الآثار على قوله، وكلامنا في الرجوع عليه على نحو ترتيب الآثار، أما ما سوى ذلك من التفرج على الكاهن وزيارته والاستيناس برأيه فكلّ ذلك بالعنوان الأولي جائز، ولكن الشيء غير الجائز هو الرجوع إليه لترتيب الأثر.
وقلنا أن الروايات التي تنهى عن الرجوع إليه لترتيب الآثار على كلامه:
ــــــــــ[340]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إما مع عدم الجزم بأن ما يخبر به واقع، فحرمته واضحة لأن ترتيب الآثار من دون أن يكون لك طريقاً شرعياً غير جائز، والكهانة ليست طريقاً شرعياً لأنها مردوع عنها، ولذا قلنا أن كلّ طريق ظنّي لابدّ أن يصل إلى طريق قطعي وإلّا لكان بلا أساس، بل يجب أن يصل إما إلى العقل أو إلى نص الشارع أو إلى بناء العقلاء المُقرَّ من قِبل الشارع والكهانة مردوع عنها شرعاً، فلا يجوز الأخذ بها.
أما إذا أوجبت لك القطع، وأنت بهذا تريد أن ترتّب الأثر على حكم مقطوع به، هنا الشارع لا يستطيع أن يتصرف بالقطع لا رفعاً ولا وضعاً، وأما الروايات: (فصدّقه)(1) بها إشارة إلى أن من طبيعة الإنسان أنه يصدق هذه الأمور المجهولة التي تقال له من قبل الكاهن أو قارئ الكف أو غيره، فيعتقد به ويؤثر في نفسه تأثيراً كبيراً بحيث يصعب التغلب عليها، فهو يصدق قول الكاهن ويقطع به، فقول الروايات: (فصدّقه)، أي قطع به، ومع القطع كيف يمكن للشارع التصرف به مع أنّ حجيته ذاتية؟
قلنا مرّة يقول الشارع أيها القاطع بكذا عليك كذا بحيث يأخذ القطع موضوعاً للحكم، فالشارع بوسعه أن يأخذ ما يشاء في موضوع حكمه، ومرّة يتصرّف في حكمه كأن يقول أيها الوسواسي إذا قطعت بالنجاسة فرتّب آثار الطهارة، فهو يتصرّف بحكمه لا بحكم العقل.
فقول الروايات (فصدّقه) ينزّل على هذا القسم الثاني المقطوع به، لأنه من
ــــــــــ[341]ــــــــــ
() في حديث المناهي أن رسول الله نهى عن إتيان العرّاف وقال: “من أتاه فصدّقَه فقد برأ مما أنزل الله على محمد“. الوسائل، ج2، ص545، باب54.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الأمور البعيدة جداً أن يسمع الإنسان قول الكاهن ولا يقطع به فقوله نوعاً مولد للعلم، فإذا قال لك الشارع لا تصدّقه أي أن المطلوب منك أن تكذّبه، أي لو كانت هناك أحكام موضوعة بالعنوان الأولي فهي مرفوعة الآن، فلابدَّ من هذا التصرف للجمع بين حكم العقل بحجية القطع الذاتية وبين هذه الروايات، فلابدَّ من القول بأنَّ المرفوع هو حكم الشارع لا حجّيّة القطع العقلية وذلك كما قلنا في القياس وقطع القطاع وقطع الوسواسي، وهو عدم ترتيب الآثار.
القسم الثالث: الإخبار بالمغيبات عن طريق غير الكهانة كالطيف والخيرة (إذا جوزناهما في هذا المضمار) فهل له أن يخبر عن المغيبات؟ هذا يتصوّر على صورتين:
فمرة يكون الإخبار عن المغيبات مع جزم بها.
وأخرى يخبر عن المغيبات عن طريق طيف وشبهه وهو غير جازم.
أما إذا لم يكن جازماً وأبرزه مبرز القطع، فهذا قول من غير علم تحرمه بعض الروايات، لا لأنه كذب بل أن القول من غير علم عنوان من العناوين المحرمة، وليس هذا من قبيل الكذب لأن بينه وبين الكذب عموماً وخصوصاً من وجه، فإن الكذب هو عدم مطابقة الكلام للواقع فحينئذ يمكن أن يكون القول بغير علم مع مطابقة الواقع ومع عدم مطابقته كما يمكن أن يكون عدم
ــــــــــ[342]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
المطابقة مع علم ومع غير علم، فهما عنوانان مستقلان، فلا يلزم من تحريم أحدهما تحريم الآخر، ولكن القول بغير علم هو عنوان مستقل محرّم بنفسه.
وبعضهم حاول أن يوجّه تحريمه على أساس أنه كذب، فقالوا: إن الذي يعتاد الأخبار عن أمور مقبلة فهو يعلم أن منها أخبار كاذبة لأنه يعلم أنها ليست صادقة كلها وهذا العلم الإجمالي منجز عليه، فيكون جميع الأطراف منهي عنها. و من هذه الجهة قالوا بتحريمه بما أنه طرف للعلم الإجمالي فهو تحريم احتياطي، فإن صادف المحرم الواقعي كان محرماً وأما لم يصادف عوقب صاحبه على التجري.
القسم الثاني: أن يخبر بالمغيبات وهو جازم بها، رأى حلماً وقطع بتحققه فأخبر عنه، هذا النوع من القطوع هو إخبار عن علم، فهل يوجد دليل آخر على حرمته؟
الشيخ في المكاسب يستفيد تحريمه استناداً إلى ثلاث روايات جعل إحداها دليلاً مستقلاً والأُخريان جعلها مؤيدات، أما الرواية الأولى فهي ما “في (مستطرفات السرائر) من كتب المشيخة للحسن بن محبوب عن الهيثم قلت لأبي عبد الله: عندنا بالجزيرة رجل ربما أخبر من يأتيه عن الشيء يسرق أو شبه ذلك فنسأله، فقال: قال رسول الله: من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب يصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب“، وأما الروايتان الأخريان ففي ما يشبه هذا المضمون.
ــــــــــ[343]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فكأن رواية الحسن بن محبوب، حصرت المخبرين بالساحر والكاهن والكذّاب، فإذا حرّم الرجوع إليهم حرم ما يصدر عنهم من إخبار، فما في مسألتنا من اخبار عن أمور مقبلة ينطبق عليه.
ولكن الواقع أنها غير صالحة للاستدلال:
فلا ينافي دخول غيره فيه.
فاستفادة الشيخ من الرواية لا يمكن المساعدة عليها، وحساب الروايات الأخرى أهون من هذه الرواية لأنَّها من نفس المضمون.
ــــــــــ[344]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: “المسألة العشرون اللهو حرام…”
حرمة اللهو: هل عنوان اللهو من العناوين المحرمة بقول مطلق، أو أنّ أنواعاً من اللهو هي المحرمة، هل عنوان اللهو من العناوين المحرمة في نفسه، أو أنه لا يكون محرماً في نفسه وإنما بضميمته إلى عنوان آخر يكون حراماً، فيكون عنوان الاجتماع هو المحرم لا عنوان اللهو؟
الذي يبدو من بعض أساتذتنا أنهم يحرمون اللهو مطلقاً، ويميل إليه الشيخ في المكاسب والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها ما ورد في الصيد اللهوي من أنه بحكم سفر المعصية فيجب عليه الإتمام، ولو لم يكن الصيد اللهوي محرماً لما كان السفر فيه معصية، مما يدلّ على حرمة اللهو نفسه.
ولكن هذه الدلالة غير تامّة لعدم وجود تلازم بين التمام في السفر والمعصية. نعم، لو ذكر العلّة وقال أنه سفر معصية من أجل كونه لهوياً لأخذ به، ولكن لعلّ اللهو في الصيد هو بنفسه يوجب التمام كالحضر وكالسفر في المعصية، فلا تلازم بين وجوب التمام والمعصية، إذ لعلّه عنوان مستقلّ في مقابل العنوانين فالإتمام لا يدلّ على كون الصيد اللهوي معصية.
ــــــــــ[345]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
السيّد وجماعة قسّموا اللهو إلى ثلاثة أقسام:
التلهي بالآلة الموضوعة لكي يتلهّى بها الناس، فالتلهي بها محرّم ووافية في ذلك لكن ينبغي أن نفهم من أن التلهي بهذا الآلات محرم إن قصد التلّهي مقوم لهذه الأمور فلو قصد قصداً آخر يحرزه بينه وبين ربّه، نقول أنه غير محرّم، بل المحرّم هو استعمال هذه الآلات لمجرّد اللهو والأدلّة وافية في ذلك.
التلهّي بغير هذه الآلات مع كون اللهو بها يصدّ عن ذكر الله تعالى، الغرض من الصد عن ذكر الله تعالى هو أن تكون هذه الآلات مانعة حال
ــــــــــ[346]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
التلهّي بها عن ذكر الله تعالى. إذا كان كذلك فهو متوفّر في سائر المباحات كمطالعة كتاب والتمشي وغيره، حيث يكون المطالع مصدوداً عن ذكر الله تعالى أي: لا يتعبّد ولا يذكر الله عز وجل.
فهل معنى الصادة عن ذكر الله هو الحاملة على معصية الله تعالى أو المانعة من المستحبات والواجبات؟ إذا كان معناه الصد عن ذكر الله تعالى فكل المباحات كذلك ويقتضي أن نحكم بتحريمها.
السيّد الخوئي يستفيد من الصد هو ما يكون من شأنه أن يصدّ بمعنى أن الإقبال عليها يؤدّي به إلى استصعاب الإقبال على الصلاة والدعاء، فالذي يألف مجالس القمار والملاهي لا يبقى لديه ذهن للصلاة أو الصيام، فكأنها تكوّن حول النفس ظلمات تصدّها عن ذكر الله تعالى وعبادته. وهذا هو مدلول عبارة الصدّ، بحيث يتكوّن من ألفة المنكر لديه ضمير على ذلك ويتضاءل إقباله على العبادة والطاعة، فهذا النوع من اللهو هو الذي يصدّه عن التوجه إلى الله تعالى، ومجرد عدم رواح الإنسان إلى الحج لا يسمى أنه مصدود ولو كان من باب عدم الاقتضاء.
فقسم من الملاهي يؤدّي الانغمار فيها إلى البعد عن الله تعالى فيكون من شأنها الصد عن ذكره عزّ وعلا فتكون محرمة، فلو شككنا في أمر ليس محرماً بالعنوان الثانوي كـ(الدّوز) وعرفنا أن تكراره والاعتياد عليه يؤدّي إلى الصدّ عن ذكر الله تعالى، فإنه يكون مشمولاً لهذه الأدلّة ويكون محرماً.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الذي يكون من قبيل المباحات ولا يصد عن ذكر الله تعالى كاللعب بالمسبحة والمشي لا لغرض عقلائي، هذا النوع من التلهي بأمور مباحة ليس من شأنها أن تصد عن ذكر الله تعالى حتى ولو تكرّرت، هذه لا إشكال أنها من الأمور اللهوية لكن لا دليل لنا على حرمتها نهائياً.
ليس هناك شبهة في تحريمها غير الإطلاقات المحرمة للهو، ولكن هذه الاطلاقات مخصصة بالسير القطعية. نعم، التلهي بالضحك سخرية بالآخرين من نواحي بعض نقاط الضعف فيهم، ورد النهي عنه.
*****
فما يبدو من المكاسب من جعل اللهو عنواناً من العناوين المحرّمة بذاتها بقول مطلق، لا يبدو له وجه، فإنه وإن كان عندنا بعض الأدلّة على التحريم المطلق للهو إلا أنّ أقساماً من اللهو خارجة عنها بالسيرة القطعية، فإنه لا إشكال من أنه كان في زمان الأئمة هذه الأنواع من اللهو العادي المشي والمطالعة والجلوس ساعة بلا عمل وغيرها ولم يرد الردع عنها، ولو أخذنا من الأدلة على إطلاقها ثم بحثنا عن مخصصاتها لكانت أكثر ولم يبق إلّا فرد نادر، فتسقط الإطلاقات فنبقى نحن وانضمام عنوان آخر معه، فالنتيجة التي توصلنا إليها: أن عنوان اللهو ليس محرماً في نفسه فنبقى نحن والدليل الخاص.
ــــــــــ[348]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: “المسألة الحادي والعشرون مدح من لا يستحق المدح…“
مدح من لا يستحق المدح: ذكروا من المحرمات مدح من لا يستحق المدح وكأن الأدلّة بلسان الشيخ مختلفة أي لا تنطبق على عنوان المسألة.
منها حكم العقل بأن مدح من لا يستحق المدح قبيح، وهو يستتبع حكماً شرعياً، إذن فالشارع يقبحه ويردع عنه، لأنه إذا كان الشيء قبيح عقلاً فإنه يستتبع حكماً شرعياً بالردع عنه.
واستدل الشيخ أيضاً بروايات، كلّ منها تشكّل عنوانا مقابلاً لذلك العنوان قد تلتقي معه وقد تفترق فبينها وبينه عموم وخصوص من وجه.
منها مدح الأغنياء طمعاً في مالهم، فإن عندنا روايات محذرة عن ذلك أشد
ــــــــــ[349]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
التحذير، وكأن الإسلام بذلك لا يريد هذه العبودية التي يظهرها الشخص لمن يطمع في ماله أن تجامل شخصاً لأنك تطمع في ماله مع أن الله هو الرزاق، وإذا لم يعطك ذلك الشخص تتنكر له. وهذا أقرب إلى (شرك التجوز) لأنك تتصور أن رزقك منوط به وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأنت تجعله وسيلة للرزق في مقابل الله تعالى، وقد وردت في هذا المضمون روايات كثيرة منها ما عن النبي: “من عظم صاحب دنيا وأحبه طمعاً في دنياه سخط الله عليه وكان مع قارون“.
والحقيقة أن خلق الإسلام، وهذه الرفعة التي يريدها للمجتمع ولا يريد أن يتبدل الفرد للآخرين، فهو يقول لك: اتجه بالطريق المعقول يأتيك المال بالطريق المعقول لا أن تعظم الشخص لأجل ماله وهذا أشبه ـ كما قلنا ـ بالشرك الخفي.
وحين نأتي إلى عنوان تعظيم صاحب الدنيا والى عنوان مدح من لا يستحق المدح نجد بينهما عموم وخصوص من وجه فإن من لا يستحق المدح أعم من أن يكون صاحب دنيا أو لا يكون كأن يكون فقيراً لا يستحق مدحاً، وكذلك التعظيم كما يكون بالمدح يكون بغيره كالاحترام فيكون التعظيم أعم من الكلام والمدح لا يتحقق إلا في كلام، إذن بين العنوانين عموم من وجه يلتقيان في مدح صاحب الدنيا الذي لا يستحق المدح، ومع كون أن بينهما عموم من وجه فلا تصلح الرواية أن تكون دليلاً على المورد ولو صلحت دليلاً في الجملة حيث صدقت على بعض مصاديقها لا على العنوان لأن هذا العنوان أعم من وجه مع العنوان الوارد في الرواية.
ــــــــــ[350]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فكل ما ذكر الشيخ من العناوين بينه وبين مدح من لا يستحق المدح عموماً من وجه لا نسبة التساوي أو العموم المطلق لكي يمكن أن يعد الحكم.
ومنها: الركون إلى الذين ظلموا، في قوله تعالى وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ(1) والركون إلى الذين ظلموا هو الالتجاء إليهم وهو أعم من المدح، فإنك مرّة تلتجئ إليه ووسيلتك المدح الكلامي وتارة بوسيلة أخرى كتوسيط الوسائط والشفاعات، بالإضافة إلى أنّ مدح من لا يستحق المدح أعم من كونه ظالماً أو لا؟ فالنهي عن الركون إلى الظلمة لا يصلح لتحريم عنوان مدح من لا يستحق المدح، ولا يصلح للاستدلال على القاعدة ككل مع كون بينه وبين المدح عموم من وجه، فهو عنوان مستقل في مقابله.
ومن الأدلّة التي ذكرها الشيخ: حرمة الكذب فيكون شاملاً للمورد، ولكن بين الكذب وبينه عموم من وجه يلتقيان فيما إذا كان المتكلّم في مقام الإخبار عن الواقع فيكون كاذباً ولكن قد يكون المدح من نوع الإنشاء كقوله
ــــــــــ[351]ــــــــــ
(1) هود: 113.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أنا أمدحك، وما كان له صفة الإنشاء لا يصدق عليه الكذب، وكذلك فالكذب أعم من مدح من لا يستحق المدح وذلك في الكذب بحوادث أخرى، إذن فكل الأدلّة التي ذكرها الشيخ لا تصلح للاستدلال ولكن بين عناوينها وبين عنوان المسألة عموم من وجه فما يكون داخلاً تحت عناوينها يكون محرّم وما لم يدخل يبقى تحت الإباحة.
نعم، عندنا حكم العقل إذا تم فهو في موضعه وقد ناقش السيّد أبو القاسم فيه وقال ليس عندنا حكم عقلي بالتقبيح حتى يستتبع حكماً شرعياً، ولكن الظاهر أنّ عندنا حكم عقلي بذلك، فأنت بالعنوان الأولي تمدح من لا يستحق شيئاً من المدح وتعطيه أكثر مما يستحق الظاهر أن العقل يقبحه، ولكن هل له درجة من الأهمية بحيث يكون حكم العقل إلزاميا ليكون مفاده الشرعي الحرمة وليس له هذا المقدار من الأهمية، الظاهر أن العقلاء لا يلتزمون بهذا وهو أن تكون المفسدة بحيث لا يمكن أن يفعل هذا الشيء بحال، فهو يحتوي على مفسدة ولكن العقلاء يتسامحون به(1).
ــــــــــ[352]ــــــــــ
() هنا ذكر السيّد الحكيم أنهم يقسمون الحسن والقبح العقليين إلى ثلاثة أقسام: قسم بمعنى إدراك الكمال، وقسم بمعنى إدراك الملائمة، وقسم بمعنى ما ينبغي أن يفعل وأن لا يفعل، ولا إشكال أن العقل يدرك الكمال والملائمة كحسن العلم والجمال والأشاعرة لا ينكرون ذلك، ولكن الشيعة يضيفون إلى ذلك أن للعقل أن يقول أنّ هذا كمال أو شيء ملائم وينبغي فعله أو تركه والجماعة ينكرون أن يكون العقل دافعاً إلى فعل شيء بل الحسن ما حسّنه الشارع، العدلية يقولون أن العقل دافع إلى فعل الشيء ولكنّه ليس بكاف وحده ما لم يثبت حكم الشارع على طبقه أما بقاعدة الملازمة أو من تطابق العقلاء والشارع سيد العقلاء فنستكشف حكم الشارع، والعقلاء يلومون ويمدحون والشارع خالق العقل. إذن فلابدَّ أن أدركه كما أدركنا. نعم، قد يتفرّد الشارع بأُمور لا يدركها العقلاء. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فإذا أنت مدحت شخصاً بما لا يستحق هل يقول العقلاء أنّ هذا ظلم، ومع الأسف أن واقعنا قائم على هذا والمقاييس إنّما تفقد عندنا بهذا السبب، فمهما كانت البواعث العقلاء يحكمون بقبحه، لكن تحديد درجة حكم العقل ما هو؟ فإننا لو سألنا أي عاقل هل هذا مما ينبغي أن يفعل يقول لا؟ لكن ما هي حدود هذه المفسدة هل هي على نحو ملزم.
الكمال المدرك للعقل نسبي والملائمة نسبية، فجواب استفتاء العقل أنه ينبغي أن لا يفعل هل هو أن لا يفعل على كلّ حال على نحو الإلزام، فإذا كان هو الإلزام فحكم الشرع يكون هو الحرمة، وإن كانت له أهمية نسبية بنظر العقل فالشارع يعطيه أيضاً أهمية نسبية.
المهم أن الأدلة اللفظية بينها وبين المقام عموماً من وجه فلا تصلح دليلاً للمقام، فما كان من مدح من لا يستحق المدح كذباً أو ركوناً إلى الظلمة أو مدح الغني من أجل ماله، كان محرماً، فجعل الشيخ هذه الأدلة دليلاً على حرمة المورد في غير محلّه.
ــــــــــ[352]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: “المسألة الثانية والعشرون معونة الظالمين في ظلمهم حرام“
معونة الظالمين: هذا بحث له أهمية، وقد مر تحت عناوين ثلاثة، فتارة يراد من إعانة الظالمين إعانتهم على ظلمهم، وأخرى إعانتهم على أمور أخرى مباحة، وأخرى التوظيف عندهم أي عدّ الشخص في جملتهم، فالحديث في المقام يقع تحت مسائل ثلاث:
كأن تجد شخصاً يضرب شخصاً ظلماً فتعطيه عصاً أو تمنع المضروب من الهرب لكي يستمر في ضربه، والظاهر أنّ معونة الظالمين عندما تطلق يراد بالظالم الحاكم الظالم كما إذا أخذ شخص الضرائب من الناس فتعينه على أخذها فتكون آلة لاستحصال أموال الآخرين.
هذا النوع من إعانة الظالمين لا إشكال أنه من الأمور المحرمة، وقد حررت في الفقه مسألة الإعانة على الإثم هل هي محرمة أو لا كأن تبيع العنب لشارب الخمر أو الخشب لصانع الصنم.
ــــــــــ[355]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هناك من الفقهاء من يناقش في حرمة الإعانة على الآثم إلّا إذا أوجبت تسبيباً للمحرم وكانت الجزء الأخير من أجزاء علّته، حينئذ تكون الحرمة متوجهة إلى المقدمة لأن الحرمة المتوجهة إلى المسبب متوجهة إلى السبب لأن المسبب إنّما يكون مقدوراً بسببه، فيكون الجزء الأخير من العلّة محرم، ولكن مطلق المقدمات غير محرمة، ومقدمات الواجب كذلك فإنه ليس عندنا أحكام متعددة بعدد المقدمات يثاب عليها ويعاقب، إذن فلا دليل على حرمة المقدمة حرمة مولوية بحيث تكون مصباً للتكليف في قبال ذيها، وعلى تقديره فلا أثر له للإجماع على أنه ليس له عقاب مستقل، فالإعانة على الإثم بمعنى حرمة المقدمة، لا نستفيدها.
كلّ ما يستدلون به هو قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ(1)، ولكن التعاون غير المعاونة، لأن التعاون هو المشاركة في المعونة كالمشاركة في حمل الحجر الثقيل أو المشاركة في قتل شخص بحيث يستند الموت إلى كلا الطرفين، والآية غير ناظرة إلى المعونة كأن أراك تريد أن تقتل شخصاً فأعطيك سيفاً، وعلى تقدير كونها دالّة على حرمة المعونة فهي حرمة غيرية مقدمية ليس عليها عقاب مستقل.
والإعانة على الظلم لا ترتبط بالإعانة على الإثم، لأن معونة الظالم على ظلمه هو في نفسه من الأُمور القبيحة عقلاً، شخص يريد أن يقتل شخصاً
ــــــــــ[356]ــــــــــ
(1) المائدة: 2.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فأنت تمسكه لكي يقتله، لا أظن أن عاقلاً يرحب بذلك، ويمكن أن يستكشف من حكم العقل هذا حكم شرعي بالحرمة.
وأما الروايات فهي وافية بالتحريم:
منها رواية أبي حمزة عن علي بن الحسين: “إياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين“، و(إياكم) هو تحذير.
ومنها رواية طلحة بن زيد عن أبي عبد الله: “العامل بالظلم والمعين له والراضي به (شركاء)“، وشركاء يعني أنّ كلّ واحد منهم يأخذ نصيبه من الإثم.
ومنها رواية الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عن رسول الله في حديث المناهي، قال: “ألا ومن علّق سوطاً بين يدي سلطان جعل الله ذلك السوط ثعباناً من النار طوله سبعون ذراعاً يسلط عليه في نار جهنم“.
وسواء كان يراد بهذه العقوبة دلالتها الواقعية أو بيان مدى المبغوضية للمولى بحيث تستدعي مثل هذه العقوبة أو ما يشبهها، فإن معونة الظالم على ظلمه محرمة قطعاً وتدل على حقارة وضعه نفس فاعلها، فإذا لم يكن عندنا حكم عقلي، فالروايات وافية بالحرمة.
ــــــــــ[357]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
في قسم آخر من معونة الظالمين هو أن تكون موظفاً عندهم وتسجل في ديوانهم وتعد واحد منهم، والتوظيف عند الحاكم الظالم مسألة محررة وسوف تأتي، وسوف ننتهي هناك إلى حرمة التوظيف ما لم يطرأ عليه عنوان ثانوي إسلامي، فيتزاحمان ويقدم العنوان الثانوي لأهميته، إذن فنستطيع تسويغ التوظيف للعنوان الثانوي أما بحسب العنوان الأولي فمحرم، لأننا لو سمحنا للموظفين بالانخراط في سلك الظالم معناه أننا نعينه على ظلمه ونمد في عمره، فإنه لو رفض كلّ موظف منهم العمل فإنه يضطر إلى الوقوف موقف الاعتدال، وإنما يستغل الحاكم الظالم ضعف موظفيه لتمشية أموره و(نهرو) حصل على الاستقلال الكامل من مقاطعة السلطة سلبياً، فمقاطعة السلطة إن لم تؤثّر كلياً فهي تحمل الحاكم على تقدير موقفه، فإن الإنسان ليس صديقاً للشر على كلّ حال حتى ولو تزاحم مع الخير.
والأئمة وقفوا من دخول أصحابهم في سلك الطاغية موقفاً شديداً والروايات في ذلك كثيرة.
منها رواية الوليد بن صبيح الكاهلي عن أبي عبد الله: “من سوّد اسمه
ــــــــــ[358]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
في ديوان سابع حشره الله يوم القيامة خنزيراً “.
ومعنى (سابع) يبدو أنّ الأئمة كانوا يرمزون به إلى بني العباس لأن سابع مقلوب عباس، فيكون المعنى أن من سجل اسمه في ديوان بني العباس…الخ. ولا يذكرونهم باسمهم أما تقية أو خوفاً على المخاطب أو لأن من أراد أن يتبع هذا القول ويمتنع عن التوظيف يعرف أنه شيعي فيناله منهم مكروه.
ومنها رواية السكوني عن أبي عبد الله أن رسول الله قال: إياكم وأبواب السلطان وحواشيه فإن أقربكم من السلطان وحواشيه أبعدكم عن الله تعالى.
والواقع أنّ هذا له آثار وضعية لا مدفع لها، فإن الذي تمتد يده إلى ذلك يضطر أن يتغاضى عن كثير من سيئاتهم وشرورهم وإن لم يعنهم على ظلم بل يكون موظفاً عندهم فقط، وهذا مردوع عنه إلّا مع ترتّب الغرض الثانوي عليه كدفع مظلمة أو تركيز عقيدة، على أن يكون هذا العنوان هو المبرّر لفعله بينه وبين الله لا أن يغالط به نفسه، فيحاول أن يتسقّط مواضع الظلامة فيرفعها ومواضع تركيز العقيدة فيعملها فضلاً عن قضاء الحوائج والظلامات المعروضة عليه. فإذا دخل لأجل هذا العنوان الثانوي لا لأخذ المال من هؤلاء كان جائزاً.
فالتوظيف حتى بدون استلزامه لإعانة الظالم على ظلمه محرم، والسر في ذلك واضح فإننا إذا لم نجز للأشخاص الخيرين الدخول في سلك الظلمة
ــــــــــ[359]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فيكون ذلك أشعاراً للظلمة بمقاطعتهم، فيضطر الحاكم الظالم إلى التنازل لأنه لابدَّ أن يثبت وجوده فإذا لم يستطع ذلك عن طريق الظلم استطاع ذلك بالطرق الخيّرة بالإضافة إلى أن الروايات وافية في الحرمة.
قد يخطر في الذهن أن الظالم في الروايات يشار به إلى الواقع الخارجي، لأن الأئمة كان لهم واقعاً سياسياً في ذلك الحين وقد أقصوهم عن الحكم، فيمكن أن يكون الظالم إشارة إلى هؤلاء الذين ظلموهم حقّهم وأبعدوهم عن إدارة دفّة الحكم، ولكن هذا الاحتمال يبعّد بأنّ الروايات أنها أطلقت عليهم الظالمين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله ولا إشكال أنّ كلّ الحكومات تحكم بغير ما أنزل الله والظاهر من الروايات هو المعنى الثاني.
ــــــــــ[360]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
من معونة الظلمة معونتهم في جوانب أخرى غير الإعانة على ظلمهم والتوظيف لديهم كأن يكري لهم الدواب أو يبني له قصراً أو عمارة، هذه الأعمال التي تتصل بأعمال الحكومة وليست من نوع التوظيف الروايات الموجودة وافية في حرمته.
ولكن الجماعة لا يطمئنون بهذه الروايات لقيام السيرة على عدمه، والسيرة لابدَّ أن تثبت بطريق القطع، فإننا كيف نثبت أن الناس كانوا يأخذون بالظواهر في زمن النبي مع أن التاريخ غير متكفّل لذلك، ولكنّك تقطع أن هذا الزمان ليس بدعاً من الزمان في الأخذ بالظواهر، فإنه هناك قسم من العادات يعرف بأنها عادات موقتة ومختصة بزمان معيّن، وتارة تكون عادة دائمية مقطوعة الاستمرار. فهل توجد عندنا سيرة في زمان الأئمة بهذا المقدار من الوضوح بأن الموظفين كانوا يقاطعون السلطة الحاكمة؟
على كلّ حال من المشكل أن نحكم بأن السيرة لم تكن قائمة على عدم المقاطعة، وعلى تقدير قيام السيرة فإنه مع تمامية الروايات تكون الروايات رادعة عنها لأن السيرة إنّما تكون حجّة إذا لم يثبت الردع عنها.
ــــــــــ[361]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
إلّا شيء واحد: أن إعراض الأصحاب إذا كان موهناً للروايات فالروايات ساقطة من الاعتبار، فنبقى والأصل العملي وهو البراءة من حرمة معاملتهم.
فالطريقة التي مشى عليها السيّد الخوئي أنه استدل بالسيرة وحاول توجيه الروايات، وأما الإعراض فلا يوجب ـ عنده ـ توهين الروايات إلا إذا أوجب اطمئناناً بأن مدلولها غير مراد أو أنها غير صادرة، فيكون اطمئنان الشخص حجّة عليه.
ولكن كلّ التوجيهات على خلاف الظاهر مكابرة على الأمر الواقع، وأما السيرة فتحتاج إلى مد إلى زمن الأئمة والروايات تكون رادعة عنها، ولكن إذا ثبت إعراض الأصحاب عن الروايات بأنهم لم يفتوا بمضمونها مع أنها بين أيديهم، فتسقط الروايات ونأخذ بالسيرة ونقول لا بأس بمبايعتهم ومشاراتهم.
من الروايات رواية يونس بن يعقوب قال أبو عبد الله: لا تعنهم على بناء مسجد ووجه دلالتها على حرمة معاملتهم أنه حتى في بناء المسجد الذي يكون مظهراً من مظاهر التقوى لا يجوز إعانتهم.
ومنها: رواية محمّد بن عذافر عن أبيه قال أبو عبد الله: نبّئت أنك تعامل أبا أيوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة قال فوجم أبي ولما رأى أبو عبد الله ما أصابه قال له إنّما خوفتك بما خوفني الله به.
ومنها: رواية أبي بصير قال سألت أبا جعفر عن أعمالهم فقال يا أبا
ــــــــــ[362]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
محمّد لا ولا مدة قلم أن أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا في دينه مثله.
فأي شيء يدلّ على الحرمة أكثر من ذلك.
وعلى كلّ حال فالقاعدة هي أن الروايات إذا كان معرض عنها فنبقى نحن والأصل العملي وهو البراءة من حرمة معاونتهم، أما السيرة فتكون الروايات رادعة عنها لأن السيرة تحتاج في حجيتها إلى عدم الردع فلا تكون السيرة حجّة.
ــــــــــ[363]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: “المسألة الثالثة والعشرون النجش ـ بالنون المفتوحة والجيم الساكنة أو المفتوحة حرام…“
النجش: الكلام في النَجَش أو النجش على اختلاف اللغويين في فتحه وتسكينه وهو يطلق ويراد به أن يدخل الشخص في معاملة بين المتبايعين ليزيد قيمة الكتاب، والنجش يطلق ويراد به معنيين:
أحدهما: أن يزيد القيمة في المزاد إلى أزيد من قيمتها الطبيعية وهو غير قاصد للشراء بل مجرد اغراء المشتري.
الثاني: أن يمدح الحاجة أما بوصف موجود فيها أو بوصف غير موجود فيها.
والمعنى الأول: وهو أن يزيد في سعر الحاجة وهو لا يريد شرائها له موردين، فإنه تارة يكون مع التواطي مع البايع وتارة يكون بدون التواطي معه بل تبرعاً، فإنه مرّة يتواطى البائع مع أشخاص يتولّون إزادة قيمة الكتاب بدون أن يكون عليهم الشراء وأخرى أجد أنّ البائع صديقي فأزيد له تبرعاً بلا أن أكون ناوياً للشراء.
وكذلك المدح له صورتان أن يمدح السلعة بما فيها وأن يمدحها بما ليس
ــــــــــ[365]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فيها. فأي هذه الأقسام محرم ويتكلّم في الحرمة على صعيدين صعيد الحكم التكليفي وصعيد الحكم الوضعي أي صحة المعاملة وعدم صحّة، بمعنى أن المعاملة التي يقع فيها النجش هل تكون باطلة؟
ــــــــــ[366]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
فمن حيث الحكم التكليفي: الظاهر أن النجش بمعنى الزيادة مع التواطي ومع عدم التواطي، واضح التحريم والروايات على حرمته متوفرة.
منها النبوي: لعن الله الناجش والمنجوش له. السيد يريد أن يستفيد من مقتضى عطف المنجوش له أنَّ الرواية تدلّ على تحريم القسم الأوّل، لأنَّ الناجش إذا كان متبرّعاً فلا وجه للعن المنجوش له فالجمع بين الناجش والمنجوش لا يدلّ على التواطي بينهما، فالنبوي إذن ناظر إلى القسم الأول من النجش، أما إذا لم يكن بينهما تواطٍ فالرواية غير شاملة له.
نعم، يمكن استفادة التسبيب من لعن الناجش والمنجوش له، ونستفيد مبغوضية وجود النجش في الخارج ولذا استحق صاحبه اللعن، فوجوده من طرف واحد مبغوض أيضا فمن مناسبة الحكم للموضوع نعرف أن النجش بنفسه مبغوض للشارع ولا يريد وجوده في الخارج، فما دام الناجش وحده يوقعه في الخارج فيكون مستحقاً للعقاب وإن لم يكن متواطياً مع البائع، فمن أين نستفيد التواطي؟
مرّة نقول أن العملية التي يشترك بها طرفان هي المبغوضية، وأخرى نقول
ــــــــــ[367]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أن نفس الزيادة من دون رغبة المشتري هي المبغوضية وهي النجش، وإنما لعن الناجش والمنجوش له لتحقق الزيادة من دون رغبة المشتري، فالواحد أيضاً يحقق الزيادة فيكون محرماً، فالسيد يحاول تعميم الحرمة من مناسبة الحكم للموضوع لأنه إنّما يكون الشخص ملعوناً لتسبيبه النجش فالواحد يكون مسبباً له أيضاً وإن لم يكن مع التواطي والتواطي لا خصوصية له، وقد قلنا إن الأحكام الواردة على المسببات واردة على الأسباب لأن النهي عن المسببات لا معنى له من دون النهي عن أسبابه.
من هذا يفهم واقعية الدين الإسلامي، وأن هذا النوع من التلاعب والخداع الذي يبعد بالإنسان عن طبيعته حرم في الإسلام لأن الإسلام يريد أن يصوغ سلوك الناس بحيث لا تشوبه أي شائبة، فتدخل طرف اجنبي بين المتعاملين مع أحدهما ضد للآخر لابدَّ أن يكون مبغوضاً له، وأن هذه الجزئيات الصغار تدل على واقعية الدين الإسلام قد يكونا أكثر مما تدل عليه الأحكام الكبرى التي تذكر، كلّ ما يتنافى مع الواقعية يريد المولى. أن يبعده فإذا أردنا أن نفهم الموضوع بهذا الشكل من الفهم فتكون الحرمة أعم وجد تواطي أم لم يوجد، فلا خصوصية للتواطي، والرواية إنّما وردت في صورة التواطي كمورد للتحريم لا لتقييد التحريم بصورة التواطي، إذن فالنجش مبغوض سواء كان من طرف واحد أو طرفين.
فذكر المنجوش له لا لخصوصية فيه، بل الناجش بنفسه ملعون والنجش قبيح وفاعله ملعون، فكأنه من المسلمات حرمة القسمين الأولين.
ــــــــــ[368]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما القسم الثالث: وهو ما إذا مدح السلعة بما ليس فيها، فهو بالإضافة إلى كونه تغريراً للمشتري فهو كذب، لأنك تقول أن السلعة مشتملة على صفات وقولك هنا غير مطابق للواقع.
أما القسم الرابع: وهو أن تمدح الكتاب بما فيه من دون زيادة في القيمة أو تواطي، فلا دليل على حرمته، أنك تحبب الكتاب إلى المشتري بمدحه له بصفاته الواقعية، فإن غاية ما يسببه هو دفع المشتري لقيمة أكثر، والمشتري مخيّر في دفع مثل هذه القيمة، فلا دليل على المنع عنه، لأنه لا تغرير فيه، فإذا أقدم المشتري على شرائه فهو أعلم بتكليفه أو السيرة قائمة عليه ولا رادع عنها، إلا قوله (ولا تناجشوا) حيث فرضنا أنّ للنجش تفسيرين احدهما المدح للسلعة، وغير معلوم أنّ أي القسمين هو المنهي عنه، فإذا دار أمر النجش بين الأقل والأكثر فالقدر المتيقن هو الأقل وهو الزيادة ويرجع في الباقي وهو المدح إلى أصل البراءة كما هو الحال في الشبهات المفهومية مطلقاً إذا دار الأمر فيها بين الأقل والأكثر.
لكن لم يتّضح عندي كيف يدور أمر النجش بين الأقل والأكثر، مع أن النجش مشترك لفظي لأنهم يذكرون له معنيين أحدهما زيادة قيمة السلعة والآخر مدحها أو أحد هذين المفهومين غير الآخر ولا نستطيع أن نرجع أحدهما إلى الآخر وأن نتصور مفهوماً عامّاً ينطبق على كليهما، ما هو القدر الجامع بين المفهومين، مقتضى قول اللغويين أنّ بينهما تباين، فيدور الأمر إذن بين المتبائنين، فإما أن نسقط الرواية وإما أن نقول بأن هذا القسم منه مراد
ــــــــــ[369]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
اللغويين يقيناً فهو قدر متيقن في التحريم وإطلاق النجش على القسم الآخر مشكوك فيتمسك بأصالة البراءة فيه، فإذا دار الأمر بين المتبائنين فأنا لا أعلم أنّ هذا محرم أو هذا وأنا أعلم إجمالاً بحرمة احدهما والاحتياط هنا ممكن لأنه ليس دوراناً بين محذورين فلابدَّ من الاحتياط فيهما، وهذا العلم الإجمالي بحرمة أحدهما لا يسقط الرواية سقوطاً كاملاً بل هو إجمال في المراد مع تردد الأمر بين مفهومين متباينين، ولا نستطيع أن نلتمس لهما قدر جامع، فلابدَّ أن نرجع إلى الاحتياط ونحرم الطرفين تحريماً احتياطياً، أما إذا التمسنا له قدراً جامعاً كما فعل السيّد الخوئي، فيدور الأمر بين الأقل والأكثر، فيكون القدر المتيقن محرماً ونرجع بالبراءة بالنسبة إلى هذا القسم الرابع.
هذا من حيث الحكم التكليفي.
ــــــــــ[370]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أما من حيث الحكم الوضعي، هل أنّ هذا النوع من التغرير يوجب بطلان المعاملة ليس عندنا دليل على بطلان المعاملة، كلّ ما هنالك أنه يوجب غبناً للمشتري فيكون للمشتري خيار الغبن، افرض أنه أزاد الثمن فلماذا تبطل المعاملة، كلّ ما عندي حرمة النجش وهو ليس من شرائطها فلا تسري حرمته إليها، فنبقى نحن والقاعدة وهو أصالة الصحة، إلّا إذا احتملنا بأن عدم النجش شرط في المعاملة فلابدَّ حينئذ من الرجوع إلى أصالة عدم ترتيب الأثر.
الفقهاء يرجعون في العبادات فيما إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطين فيها كأن أشكّ أن أجزاءها تسعة أو عشرة فأدفع جزئية العاشر بأصالة البراءة، ولكنّهم يرجعون في المعاملات إلى أصالة عدم ترتّب الاثر، مع أنّ مقتضى القاعدة أن يكون حساب المعاملات حساب العبادات.
الجماعة يذهبون في الشك في جزئية شيء أو شرطيته في العبادات إلى البراءة وفي المعاملات إلى عدم ترتّب الأثر مع أن مرجعه في الطرفين إلى اعتبار شرط وعدمه، فإذا كان عندي أصالة البراءة فتكون حاكمة على عدم ترتّب الأثر، فلماذا لا يعتبره الجماعة حاكماً؟
ــــــــــ[371]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
أشرنا سابقاً إلى أنّ للنجش معنيين:
الأول زيادة السلعة من دون شراء مع تواطي ومن دونه.
الثاني: مدح السلعة إما بما فيها أو بما ليس فيها ويتصوّر مع التواطي وبدونه.
وذكرنا أنهم استدلوا على الحرمة بأدلّة منها الإجماع ومنها أنه تغرير بالآخرين ومنها أنه غش والغش محرم، ومنها ما ورد من قوله ولا تناجشوا و(لعن الله الناجش والمنجوش) وعطف المنجوش على الناجش يكشف لنا عن تعرّض الرواية لصورة التواطي لأنه بدونه لا معنى للعن المنجوش له، فلابدَّ أن صورة التواطئ هي الملحوظة والسيد الخوئي أراد أن يستفيد منها من مناسبة الحكم للموضوع حرمة إيجاد النجش في الخارج وأنه هو بنفسه قبيح، فالرواية مشيرة إلى ذلك فيحرم النجش ولو من واحد، فإن تم تمّت هذه الاستفادة فيها.
القسم الثالث: مدح بصفة غير مطابقة للواقع وهو كذب وتغرير بالإضافة إلى الإجماع على حرمته.
القسم الرابع: مدح السلعة بما فيها، يرغب بها المشتري وهو غير ناوٍ
ــــــــــ[372]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
للشراء، ما هو حكم هذه الصورة؟ وهل هي محرمة؟ دعوى قيام السيرة على جوازه إن تمّت واستطعنا إيصالها إلى المعصوم وإقرارها من قبلهم فإن تم ذلك تكون السيرة مخصصة لأدلّة الحرمة فيكون كلّ نجش محرّم إلّا المدح بلا كذب.
فإذا لم تتم السيرة فمقتضى الأصل العملي أما الأدلّة اللفظية متناولة للنجش بتمام مفاهيمه أو لا؟
السيّد الخوئي يبدو أنه جعلها من باب دوران الأمر بين الأقل والأكثر، فيأخذ بالقدر المتيقن ويكون محرماً ويرجع في الأكثر إلى أصالة البراءة فيكون هذا النوع من النجش (أي القسم الرابع) جائز، لأنه دوران بين أقل وأكثر غير ارتباطيين والإجماع قائم على جواز ارتكاب الزائد.
قلنا أنّ كلام السيّد غير واضح تماماً، لأننا إذا رجعنا إلى النجش نجد له عدّة مفاهيم هي الزيادة والمدح واحدهما لا ربط له بالآخر واحدهما مباين للآخر، والعلم الإجمالي الدائر بين المتباينين الوظيفة فيه الاحتياط، لأننا لا نستطيع أن نتصور جامعاً بينهما نجعله الأساس فنحكم بحرمة القدر المتيقن ونجري البراءة في الزائد.
والآن نقول أنه يريد بالنجش مفهوم الثاني وهو مدح السلعة وقد أدّعي الإجماع على حرمتها، وهو ذو شقين مدح السلعة بما هو فيها وبما ليس فيها والقدر الجامع هو المدح، فمدح السلعة بما ليس فيها حرام قدر متيقن، فيبقى
ــــــــــ[373]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
مدحها بما فيها فنجري أصالة البراءة فيه.
والذي يبدو من السيّد هو ما أشرنا إليه سابقاً، فيدور الأمر بين المتباينين، والمرجع فيه الاحتياط، وهذا من الأوليات ويبعد أنّه يخفى على السيّد، إذن يمكن أن يكون نظره إلى مدح السلعة التي ادّعي الإجماع على حرمتها والقدر الجامع هو المدح، والقدر المتيقن وهو المدح بما ليس فيها محرّم قطعاً لأنه كذب وتغرير، ونجري بالباقي أصالة البراءة.
هذا ما كان من أمر الحكم التكليفي وقد عرفنا أنه الحرمة.
هذا الحكم التكليفي هل يولد لي بطلان المعاملة أو لا؟ بالدرجة الأولى نرجع إلى الأصول اللفظية، ثم إلى الأصول العملية، أما من حيث الأدلّة اللفظية فالجماعة كلّهم إذا شكّوا في قيد تمسكوا بـ(أحل الله البيع) و(أوفوا بالعقود) لأنّ هذا لا إشكال أنه عقد ولكن هل اعتبر فيه شرط زائد هو عدم النجش، لو كان هذا الشرط لبيّنه وحيث لم يذكره فنتمسّك بالإطلاق ونرفع اليد عن الزائد أما إذا عجزنا عن الأدلّة اللفظية كأن نقول إنها غير واردة في هذا المقام أو إن هذا الحكم التكليفي نفسه يكون قيداً للعام، حينئذ نرجع إلى الأُصول العملية.
ومقتضى القواعد الأولية أن نرجع إلى دوران الأمر بين الأقل والأكثر لأن البيع مكوّن من عدّة من الأسباب والشرائط فيدور الأمر بين أن تكون هذه الأسباب كافية في البيع أو أنّ هناك شيء زائد هو عدم النجش، فيدور الأمر بين
ــــــــــ[374]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الأقل والأكثر ويرجع في الزائد إلى أصالة البراءة، وتكون أصالة البراءة حاكمة على أصالة عدم ترتّب الأثر؛ لأنّ أصالة عدم ترتّب الأثر أن تجري إذا لم يكن هناك أصل موضوعي يقول بأن النجش لا أثر له ونحن قد دفعنا سببيته بأصالة البراءة.
والتحقيق أن البراءة تجري في الأحكام الوضعية كالأحكام التكليفية ومن هنا دفعوا بها جزئية الجزء الزائد في الصلاة في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطين.
فجزئية الجزء وشرطية الشرط ومانعية المانع في الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطين قسم من الجماعة يقولون إنها تدفع بأصالة البراءة، ولكن في الدوران بين الأقل والأكثر غير الارتباطين دفعها بالبراءة قدر متيقن.
ولكن بالنسبة إلى المعاملات في الشك في شرطية شرط وسببية سبب يرجعون إلى أصالة عدم ترتّب الأثر، مع أنها تكون محكومة للأصل السببي والسر في رجوعهم هذا أنهم يدعون بالنسبة إلى الصلاة أنه يمكن توزيع الواجبات متعددة ضمنية فإذا شككنا في توجّه الوجوب لأحد الأجزاء فندفعه بالبراءة، أما في المعاملات إذا شككنا أن شيئاً جعله الشارع شرطاً أو لم يجعله، فإذا لم تجري البراءة فإن استصحاب عدم الشرطية يجري، ولكنّهم يقولون أنه لا يثبت أن بقيّة الأجزاء هي السبب الكامل للنقل لأنه أصل مثبت لأن لازم نفي الشرط أنّ الأسباب الباقية كاملة، وهذا يرد حتى في البراءة فإنها تقول إنك غير مكلّف وضعاً بهذا الشرط لكنّها لا يمكن أن تثبت أنّ ما سواه من الأسباب
ــــــــــ[375]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هي الأسباب الكاملة إلّا بنحو الأصل المثبت. والمسبب إنّما يترتب على الأسباب الكاملة، فهل يترتب الأثر على هذه الأسباب والتي هي من دون الشرط المشكوك، أو لا؟ أصالة عدم ترتّب الأثر جارية.
فهم مع تعميم الأصول إلى الأحكام التكليفية والوضعية، حكموا في الدوران في الأقل والأكثر الارتباطين بالبراءة ولكن في المعاملات يُجرون أصالة عدم ترتّب الأثر والسر فيه هو أن الأصل لا يثبت أن الأسباب كاملة لأنَّه مثبت والمسبب إنّما يترتب على الأسباب الكاملة، فنتمسك بأصالة عدم ترتّب الأثر ولكن في مسألتنا لا تصل النوبة إلى الأصول بعد ثبوت الإطلاقات وهي كافية في صحّة المعاملة.
ــــــــــ[376]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: “النميمة محرمة بالأدلة الأربعة“
عرفوا النميمة بأنها وشاية بين شخصين أو أكثر بنقل الأحاديث التي تسيء إلى كلّ منهما، والتي تصدر من أحدهما فتنقله إلى الآخر.
الشيخ استدل على حرمة النميمة بالأدلّة الأربعة:
أما كون المسألة إجماعية فمما لا إشكال فيه، ولا أظن أحداً من المسلمين فضلاً عن الشيعة يفتي بالجواز، والسيّد الخوئي يرى بأنَّ هذا الإجماع مستند إلى دليل فليس بحجة عنده لأن المفتين استندوا إلى آيات وروايات موجودة في المسألة، ومع احتمال استنادهم إليها فلا يبقى الإجماع حجّة بما هو إجماع.
أما حكم العقل، فالعقل يحكم بقبح النميمة وأنها مما لا ينبغي أن تفعل، فإنها على كثرة استعمالها يشعر فاعلها بأنه قد ارتكب ذنباً، وأنت إذا سألت أي
ــــــــــ[377]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
عاقل عن أنك تنقل الحديث بدون غرض عقلائي (إذا ترتّب عليه غرض عقلائي كالجاسوسية للدولة الإسلامية كأن يذهب شخص مراقباً عن النبي لبعض الناس ويأتي ليخبره بأمرهم فهذا لا مانع منه، ولكن مفروض كلامنا أن لا يكون هناك غرض عقلائي) مزاحم له، بل ينقل الكلام لمجرد التلذّذ بإيقاع الفتنة بين الأخوين، لا أظن أنّ عاقلاً يمكن أن يستسيغ ذلك أو يحكم أنه مما ينبغي أن يفعل، فإن العقلاء جميعاً يأبون هذا الخلق ودليل ذلك أنك تسأل أي شخص في أي درجة من الحضارة، فيقول لك أنها قبيحة ولا ينبغي أن تفعل، ومن المؤسف أن ينتشر هذا الخلق في مجتمعنا ويشيع في حين أن المجتمع الذي يزن نفسه ويحترمها لا يفعل مثل هذه الأفعال، والسيد لم يناقش في دليل العقل هنا وإن ناقش فيه في الكذب والغيبة، فكأن هناك مفروغية عن قبح النميمة.
أما الآيات، فقد ذكر الشيخ عدّة منها واستشهد بها على حرمة النميمة وقد عرضها السيّد وناقش في دلالتها وقال بأنها أضيق من المدعى.
منها: (والذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل)(1) فكأن الصلة بين
ــــــــــ[378]ــــــــــ
() قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّـهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَـهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (البقرة: 27، الرعد: 25).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الاخوان مما أمر الله به في مثل قوله تعالى (إنما المؤمنون إخوة) والأدلة كثيرة تحث على إشاعة الألفة بين الناس فيأتي شخص فيفسخ هذه الأمور الألفة المحمودة للشارع بنقل الأحاديث من أحد الأصدقاء إلى الآخر، فيكون ممن قطع ما أمر الله به أن يوصل، ولسان التأنيث في الآية دلالة على حرمة القطع، فتتكون لدي كبرى تضم إليها صغراها وهي أن النميمة قطع فيقبح حرمة النميمة.
والذين(1) يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وهذا النمّام غير مأمور بإيجاد الصلة بين الصديقين فلا يكون منهياً عن قطعها لأن متعلّق الأمر والنهي واحد فيحرم على الصديقين قطع علاقاتهما ولا يحرم على شخص آخر قطعها، فإذا استفدنا ذلك تقف الآية عن الدلالة على حرمة النميمة.
ولكن من أين استفدنا ذلك: لو كان التعبير هو: ما أمروا به أن يوصلوه لكانت الاستفادة صحيحة، ولكنّا نستفيد من مناسبة الحكم للموضوع أن المنهي عنه هو قطع كلّ صلّة يريدها المولى سواء كان القطع من جانب المتواصلين أنفسهم من قبل شخص آخر، لأن قطع هذه العلائق بالنميمة هي من قطع ما أمر الله به أن يوصل، إذن فالآية وافية في حرمة النميمة إلّا إذا كانت واردة في غير هذه الجهة واردة على نحو القضية الخارجية أي أن المقصود هو
ــــــــــ[379]ــــــــــ
() وقد ناقشنا السيّد بأننا نستفيد بأن متعلّق الأمر والنهي واحد، فالذي أمر بالوصل ونهى عن القطع واحد، أنت المأمور بصلة الشيء وأنت المأمور بقطعه، فكأنه قال: والذين… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
حرمة قطع الولاية مع أهل البيت، فإذا فهمنا من الاستشهاد بالآية على حرمة قطع أنها واردة فيها فلابدَّ أن تتقيّد بها وإلا فدلالة الآية وافية.
ومن الآيات: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ والنميمة إفساد في الأرض، فدلالة الآية على الحرمة وافية، السيّد ناقش دلالتها بأن الفساد في الأرض به جنبة شموله، ويكون الدليل أضيق من المدّعى؛ لأنّ المدّعى كلّ نميمة محرمة، ولكن ليس كلّ نميمة توجب الفساد في الأرض فإنه كما مثل له، النميمة التي تكون بين رئيسين وتوجب مقاتلة أصحابهما وأعدائهما توجب الفساد في الأرض ولكن النميمة بين شخصين عاديين فلا توجب، ولذا ورد تفسير الآية بقطاع الطرق ومشيعي الأفكار الإلحادية، ويكون مفاد الآية مقارباً للآية والذين وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا(1) فالإفساد في الأرض به جنبة عموم ولا يمكن أن يخص النميمة الواحدة بين شخصين عاديين، فالحرمة إذ تختص بنميمة خاصة أو هي التي توجب الفساد في الأرض.
ومنها: مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(2)، ومشاء صيغة مبالغة تطلق على من يمارس النميمة بكثرة ويعرف بها لا على من ينم بين شخصين مرّة واحدة.
ومنها: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ(3)، والفتنة التي هي أشد من القتل لا تتناول النميمة بين شخصين، فإنه غاية ما يحصل أنهما يتباغضان ولكن قتلهما لا
ــــــــــ[380]ــــــــــ
(1) المائدة: 33.
(2) القلم: 11.
(3) البقرة: 191.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
يفضل على وقوع التباغض بينهما، إذن فبعض النميمة تكون كالفتنة أشد من القتل وبعضها لا تكون، هذه مناقشة السيّد لاستفادة الشيخ من الآية، لكن هذا النوع من المناقشة غير تام لأن الآية واردة في مقام تفظيع أمر الفتنة لا لبيان الواقع بأن القتل يفضل على الفتنة بل هو كناية عن شدّة الردع عنها، إذن فكل ما يقع من فتنة بين شخصين ويدعهما يتسابان فهو مبغوض للمولى، وإلّا فإننا لا نستطيع أن نجد مصداقاً واحداً للآية بحيث يكون القتل أولى من الفتنة، لأنه دائماً الفتنة مع السلامة أولى من القتل بدون فتنة، إلّا مع ترتّب المفاسد الكبيرة كأن أقتل خمسة لينجوا الناس من الفتنة في دينهم، فلابدَّ من قتلهم حينئذ، أنا أجد أنّ الآية واردة للتشديد على الفتنة لا للحكاية من الواقع الخارجي.
أما الروايات فمذكورة في المكاسب وفي التقريرات وهي وافية الدلالة في الحرمة.
فالنتيجة: حكم العقل ذاتي في التقبيح، والإجماع وافٍ أيضاً لمن يغض النظر عن استناد المفتين إلى مستند وإلا فهو ساقط عن الحجّيّة، والروايات وافية أيضاً، وأما الآيات فقوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وافية ومَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ تشمل نوعاً خاصّاً من النميمة، ووَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ تشمل قسماً منها، فالنتيجة تكون هي حرمة النميمة بالأدلّة الأربعة.
ــــــــــ[381]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: “المسألة الخامسة والعشرون: النوح بالباطل“
من العناوين المحرمة التي ذكروها هو النوح بالباطل، ويراد به ذكر الأموات بما ليس فيهم، والحديث مرّة يقع في نفس النوح سواء كان حقّاً أو باطلاً، وأخرى يقع الحديث عن النوح بالباطل.
أما النوح بما هو نوح وهو ذكر الميت وتعداد فضائله والتأثر والتأسف عليه، لا دليل على حرمته بل يستفاد من الأدلّة استحبابه، فقد أوصى الإمام الباقر النوادب يندبنه إلى عشر سنوات، وهذا هو الذي يوافق الخلق الاجتماعي فإنك إذا كنت لا تتأثر عند سماع موت شخص فإنه لا صلة بينك وبينه، فالمظهر الانفعالي لا دليل على حرمته ولو اقترن بالنوح، وفي رواية عذافر: “سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن كسب النائحة، فقال: تستحله بضرب إحدى يديها على الأخرى“.
ــــــــــ[383]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
لكن الإشكال فيما إذا كان النوح بالباطل، وهو إنّما يكون محرم لأنه كذب، ولكن هذا النوع من التعبيرات وهو الإطلاق في مدح الميت، قسم منه كلام يقال ويقصد منه مطابقته للواقع فيرجع به إلى المطابقة وعدمها فإن طابق الواقع كان صادقاً وإلَّا كان كاذباً، فالمدح بالباطل إذا كان ذكراً للميت على نحو الحكاية عن الواقع فيكون عند عدم مطابقته كذباً، أو أنه يقول شيئاً ولا يريد المعنى الحرفي له، بل يقصد مجرد إظهار العاطفة كما هو الأغلب في الشعر، فحينئذ لا يعتبر مطابقته للواقع، فهو مبالغة لا كذب، فالنتيجة أن النوح إذا رجع إلى الكذب كان حراماً وإلَّا فلا دليل على حرمته.
الإنسان(1) إنّما يعاقب بالمقدار الذي يملك من إرادة، فإذا كانت متصنّعة بأقوالها تلك فهي حتماً معاقبة، وإذا كانت تعيش في جو نفسي تضعف تحته إرادتها بحيث تتحدث مثل ذلك، بدون إرادة وحديث غير مدرك بحيث لو نبهت إلى ذلك لاستغفرت الله تعالى فلا تكون مثل هذه معاقبة، فإننا ما دمنا قد
ــــــــــ[384]ــــــــــ
() وسُئل استاذنا الحكيم عن هذه الألفاظ التي تصدر من النساء بحق أمواتهن والتي قد ترتقي إلى حد الكفر بالله تعالى أو الاعتراض على قضاءه؟
فقال (سلّمه الله). الإنسان… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
علمنا أن الثواب والعقاب إنّما يقاسان بالإرادة فبمقدار العوامل اللاإرادية التي تتحكم في العمل يقل الثواب ويقل العقاب فإذا رأينا شخصاً يصلّي لا نستطيع أن نحكم أنَّ ملاكه من الدرجة العليا.
وهذه المسألة لا تستحق إطالة الكلام فيها ولا أعلم لماذا حررت وتكلموا حولها، مع أنه ليس لها من الأهمية بهذا المقدار.
ولكن المسألة المهمة التي سوف ندخل بها، هي ولاية الجائرين.
ــــــــــ[385]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قال: “المسألة السادسة والعشرون: الولاية من الجائر”
وهو أن تتوظف عند الحكومة أي تتولى عملاً لهم وتسجل في ديوانهم.
هذه المسألة تختلف عن مسألة إعانة الظالمين، فإن أعانة الظالمين تكون مع التوظيف وبغيره والتوظيف قد يكون لإعانة الظالم على قتل مؤمن ـ مثلاً ـ أو يكون لإنقاذ مؤمن، يجتمعان في التوظيف لقتل المؤمن ويفترقان بإعانة الظالمين بدون توظيف وبالتوظيف عن الظلمة لأجل رفع الظلامات، إذن فلابدَّ أن تحرر هذه المسالة كعنوان مستقل.
لو رجعنا إلى العنوان الأولي للمسألة من حيث التوظيف عندهم، لا إشكال في أنَّه من المحرمات والأدلة على ذلك أوفر من أن نتحدّث عنها:
منها: “ما ورد في رواية زياد بن أبي سلمة عن أبي الحسن موسى قال له: يا زياد أنَّ أهون ما يصنع الله بمن تولى لهم عملاً أن يضرب عليهم سرادق من نار إلى أن يفرغ الله من حساب الخلائق“.
ــــــــــ[387]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
و[منها:] “رواية الكاهلي عن أبي عبد الله قال: من سود اسمه في ديوان الجبارين من ولد سابع (وقد سبق أن قلنا أنها بمعنى بني العباس، حشره الله يوم القيامة خنزيراً“.
و[منها:] “رواية ابن أبي يعفور قال أبو عبد الله: ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وإن لي ما بين لابتيها، ولا مدّة بقلم، أن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد“.
وقد ذكر الشيخ في المكاسب روايات مطوّلة حول ذلك، إذن فالحكم بالعنوان الأولي لا إشكال في حرمته ولا مجال للمناقشة فيها، والحرمة ثابتة للتوظيف سواء استلزم الإعانة أو لم تستلزمها.
ولكن وقع الكلام في مقامين، في أنّ هذه الأدلّة هل تشملها أو لا؟
فالكلام يقع في مقامين: المقام الأول: إذا كان دخوله في التوظيف عند الظلمة لأجل غرض وراء المادة(1)، نحو تركيز عقيدة أو إعانة مظلوم أو غير ذلك، المقام الثاني: إذا لزم بالدخول في الوظيفة.
ــــــــــ[388]ــــــــــ
(1) الأموال.
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قد يقال: أن هذه العناوين تكون مقدَّمة على تلك الأدلة الأولية المحرمة بطريق الحكومة، بتقريب أن في ولاية الجائر مفسدة وفي إعانة المظلوم مصلحة فيتزاحمان ويقدم الأهم في نظر الشارع وهو إعانة المظلوم فيجوز التوظيف لأجل ذلك، وفي صورة الإكراه يكون تقديمه على مفسدة ولاية الجائر أوضح. ولكن الإشكال أن المصلحة والمفسدة إنّما يتزاحمان إذا كانا إلزاميين ولكن إذا كانت احدهما ملزماً والآخر جائزاً فإن الملزم يقدّم حتماً وإن ذلك من أوليات باب التزاحم، وفي المقام مفسدة ولاية الجائر ملزمة ولكن مصلحة رفع المظلمة مستحبة والمستحب لا يزاحم الحرام، فتكون المفسدة مقدَّمة.
فإذا لم نستطع أن نجعلها من باب التزاحم وننزلها عليه، فلابدَّ أن ننظر إلى أدلّة المسألة والى طريقة الجمع بينهما، فنذكر الأدلّة الواردة في هذه العناوين وننسبها إلى الأدلّة الأولية في الحرمة لنجد ماذا تكون النسبة بينهما.
ــــــــــ[389]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[تزيين الرجل وتزيي الرجل] 15
[حرمة تزيين الرجل بالذهب] 15
[حرمة تزيي الرجل بزي المرأة وبالعكس] 16
[حرمة التزيي بقصد التشبه] 17
التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة 19
أدلة الحرمة 19
الدليل الأول 19
الدليل الثاني 21
الدليل الثالث 21
الدليل الرابع 22
الدليل الخامس 22
الدليل السادس 23
حرمة التشبيب بالغلام 24
التصوير 27
حرمة التصوير فيها أربعة أقوال 27
ــــــــــ[391]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
القول الأوّل: حرمة التصوير مطلقاً 28
القول الثاني: حرمة التجسيم مطلقاً 28
القول الثالث: حرمة تصوير وتجسيم ذوات الارواح 29
القول الرابع: حرمة تجسيم ذات الأرواح 31
اجارة التماثيل 33
[أدلة حرمة] إجارة التماثيل 34
المدار في التصوير هو القصد 35
تصوير الملائكة 37
تصوير جزء من جسم الحيوان 38
التصوير الفوتوغرافي هل يجوز أو لا 39
اقتناء التماثيل 41
هل يجوز اقتناء التماثيل 41
الأدلّة الأُخرى لحرمة الاقتناء 43
[رواية مسعدة بن صدقة] 43
[صحيحة محمد بن مسلم] 44
[ما يدل على جواز الاقتناء] 45
[دليل آخر على الحرمة] 46
[مناقشة القول بالكراهة] 46
التطفيف والبخس 47
ــــــــــ[392]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[أدلة حرمة التطفيف والبخس] 49
[مرحلة الحكم الوضعي] 51
[صورة اختلاف الجنس في العوضين] 51
[صورة اتفاق الجنس في العوضين] 53
التنجيم 55
[أقسام التنجيم] 55
[مفهوم الكفر] 58
[حكم القول بتأثير النجوم بنحو المسببات من الخالق] 59
حفظ كتب الضلال 61
[الاستدلال بالكتاب الكريم على الحرمة] 62
[الاستدلال بالأخبار على الحرمة] 64
[الدليل العقلي على الحرمة] 65
[الإجماع] 66
[حرمة الإضلال] 67
حلق اللحية 71
[الاستدلال بالكتاب الكريم] 71
[الاستدلال بالسنة الشريفة] 73
[الروايات المشتركة مع العامة] 73
[روايات أهل البيت في المقام] 77
ــــــــــ[393]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[الاستدلال بارتكاز المتشرعة على الحرمة] 81
[الاستدلال على الحلية بأدلة رفع الحرج والضرر] 82
الرَّشوَة 85
تعريفها 85
حكم الرشوة 88
[الناحية الأولى:] حكم بذل المال في سبيل الرشوة 88
الرشوة للحكم بالباطل 92
[الناحية الثانية:] أخذ القاضي للرشوة 94
[انواع القضاة:] 94
[أخذ القاضي الأجرة على احقاق الحق] 95
[اقسام القضاة] 105
الهدية 107
[فروع أُخر] 111
ضمان الهدية والرشوة 112
صور التداعي على الرشوة 115
الصورة الأولى: [الاتفاق على صحة العقد مع الاختلاف في نوعه] 116
الصورة الثانية: [الاتفاق على فساد العقد مع الاختلاف في نوعه] 120
الصورة الثالثة: [الاختلاف في صحة العقد وفساده مع الاتفاق في نوعه] 125
ــــــــــ[394]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الصورة الرابعة: [الاختلاف في صحة العقد ونوعه] 126
سب المؤمن 129
[الاستدلال على الحرمة بالأدلة الأربعة] 130
[في سعة وضيق مفهوم السب] 132
النسبة بين السب والغيبة 135
[نسبة التباين] 135
[نسبة العموم من وجه] 136
المستثنيات من حرمة السب 142
جواز سب أصحاب الضلال مطلقاً، وحكم سب الأب لابنه 142
السحر 145
[تعريف السحر] 146
[الفرق بين السحر والشعبذة والإعجاز] 148
أقسام السحر 149
[الآثار السيئة للسحر بين المجتمعات ] 155
تسخير الجن 157
الشعبذة 159
الغش 161
[مفهوم الغش] 162
[حكم الغش تكليفاً] 164
ــــــــــ[395]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[حكم الغش وضعاً] 165
بيان النهي في المعاملة مفسد إذا كان نهي عن سبب 165
[في النهي الوارد في الروايات] 167
[مقتضى القاعدة الأولية] 168
أقسام الغش وأحكامها 171
القسم الأول: انعدام الصورة النوعية 171
[القسم الثاني: فساد بعض الصورة النوعية] 173
[القسم الثالث: تخلّف الوصف] 174
الغناء 177
مفهومه 178
[المفهوم اللغوي للغناء] 178
[المفهوم الشرعي للغناء] 178
حكمه 184
حرمة الغناء بالعناوين الثانوية 184
[الوجه في الاستدلال على حرمة الغناء بالآيات] 185
[الروايات الدالة على حرمة الغناء] 186
مستثنيات الغناء 189
[منها: مراثي سيد الشهداء] 189
ومنها الحداء 190
ــــــــــ[396]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
ومنها: الغناء في الأعراس 191
ومنها: التغنّي بالقرآن 193
ما حكمه؟ 193
التنافي بين التغني بالقرآن واستحباب قراءته بنحو التعارض أو التزاحم 194
[مناقشة ما أفاده السيد الخوئي في المقام] 197
[الرأي المختار] 203
سماع الغناء 207
الغيبة 209
مفهومها وتعريفها 209
[ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام في مفهوم الغيبة] 211
حكمها 214
[الاستدلال بالكتاب على حرمة الغيبة] 214
[1. آية (ولا يغتب بعضكم بعضا)] 214
[تجسيم الأعمال] 215
[2. آية الهمز] 218
[3. آية إشاعة الفحشاء] 219
[4. آية الجهر بالسوء] 221
[أدلة أخرى حول حرمة الغيبة] 222
ــــــــــ[397]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
هل الغيبة من الصغائر أو الكبائر 223
في الثمرة العملية 224
في غيبة المخالف 227
[الدليل الأول] 229
[الدليل الثاني] 230
الدليل الثالث 232
الدليل الرابع 233
في تخصيص الرجل بالحرمة 234
حكم غيبة الصبي 235
[في تحديد كفارة الغيبة] 236
[الأقوال في المسألة] 236
[ما أفاده السيد الخوئي في المقام] 237
[المناقشة في إجراء الاستصحاب في المقام] 238
[التمسك بقاعدة الاحتياط] 242
[مستثنيات الغيبة] 244
[الخروج تخصصاً] 244
[الخروج بمقتضى أدلة التزاحم] 245
[الخروج تخصيصاً] 247
[التحقيق في المقام] 247
ــــــــــ[398]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
قسم من مبحث القمار 249
[اللعب بغير آلات القمار بلا مراهنة] 250
القيادة 253
[ناحية الحكم التكليفي] 254
[ناحية الحكم الوضعي] 256
القيافة 257
[مفهوم القيافة] 257
[حكم القيافة] 258
[الجهة الأولى: تعلم القيافة] 258
[الجهة الثانية: الإتيان القيافة] 258
[الجهة الثالثة: في ترتيب الآثار على القيافة] 260
الكذب 261
[أدلة حرمة الكذب] 261
هل الكذب من الصغائر أو الكبائر 265
[الروايات الواردة في المقام] 265
[الثمرة العملية] 269
[فروع في المسألة] 271
الكذب في الهزل 271
خلف الوعد 273
ــــــــــ[399]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[النسبة بين الكذب وخلف الوعد] 275
[تحقيق في مقامين] 276
[المقام الأول: في مفهوم الوعد] 276
[هل يجب الوفاء بالوعد] 276
[المقام الثاني: في أدلة حرمة خُلف الوعد] 279
[تلخيص وتنقيح] 282
المبالغة 286
التورية 287
أدلة جواز التورية 288
[هل ينطبق على التورية عنوان الكذب] 290
في أصل مفهوم الخبر 291
التحقيق في المقام 293
اقسام التورية 294
[التعليق في قول إبراهيم إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ] 295
في مسوّغات الكذب 299
1 . [التقية ودفع الضرر] 299
[الدليل الأول: الإجماع] 299
[الدليل الثاني: العقل] 301
[المناقشة الصغروية] 302
ــــــــــ[400]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[الدليل الثالث: الكتاب] 303
[قياس الأولوية في الآية] 303
[النقاش في إطلاق في الآية] 304
[تلخيص] 306
الدليل الرابع: السنة 307
[في اعتبار إمكان التفصي بالتورية] 307
[دلالة الروايات في المقام] 308
[التحقيق في المطلب] 310
[إشكال المحقق العراقي على ما أفاده الشيخ الأعظم] 312
[رد السيد الخوئي على إشكال المحقق العراقي] 313
[توجيه إشكال العراقي] 314
[في الاضطرار والإكراه على المعاملة مع إمكان التورية] 315
[صحة المعاملة بالاضطرار دون الإكراه] 316
[في عدم بطلان المعاملة بالكذب الاضطراري] 317
في استحباب تحمل الضرر المالي في سبيل عدم الكذب 318
في تأويل ما ورد مما يظهر أنه كذب أو تورية 320
[فرع: في حمل الأمر على الاستحباب أو التقية] 321
[تنقيح المسألة أصولياً] 322
[الصور في المسألة] 322
ــــــــــ[401]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
الصورة الأولى: [حكم وضعي] 323
الصورة الثانية: [حكم تكليفي محض] 324
الصورة الثالثة: [حكم إرشادي] 326
2 . في إصلاح ذات البين 326
[خروج الإصلاح عن الكذب من باب الحكومة] 327
[الثمرة المترتبة على القول بالتخصص أو الحكومة] 328
3 . الكذب على الزوجة 329
الكهانة 331
[تعريف الكهانة] 331
[وجود الجن] 333
[رواية الصادق عن الكهانة] 335
[حكم الكهانة] 337
الناحية الأولى: [في حرمة التكهن] 337
الناحية الثانية: [في الرجوع إلى الكاهن] 337
[تلخيص وتحصيل] 340
[الناحية الثالثة: هل للإنسان أن يُخبر بالمغيبات] 342
[الصورة الأولى: الإخبار عن المغيبات مع عدم الجزم] 342
[الصورة الثانية: الإخبار عن المغيبات مع الجزم بها] 343
اللهو 345
ــــــــــ[402]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
[أقسام اللهو] 346
القسم الأول: [اللهو بالآلات المعدّة للهو] 346
القسم الثاني: [اللهو بغير الآلات المعدّة له مع كونه صاداً عن ذكر الله] 346
القسم الثالث: [اللهو بغير الآلات المعدّة له وهو غير صادٍّ عن ذكر الله] 348
[مدح من لا يستحق المدح] 349
[الاستدلال بحكم العقل] 349
[الاستدلال بالروايات الواردة في المقام] 349
[الاستدلال بآية(ولا تركنوا إلى الذين ظلموا)] 351
[الاستدلال بحرمة الكذب] 351
[مناقشة الدليل العقلي] 352
معونة الظالمين 355
المسألة الأولى: في اعانة الظالمين على ظلمهم 355
[مناقشة في حرمة الإعانة على الإثم] 356
[الروايات الدالة على حرمة معونة الظالمين بظلمهم] 357
المسألة الثانية: [حكم الولاية والتوظيف من الظالم] 358
[الروايات الدالة على حكم التوظيف من الظالم في سلكه] 358
المسألة الثالثة: [معونة الظالمين بغير ظلمهم] 361
[الاستدلال بالسيرة على الجواز] 361
[الاستدلال بالروايات على حرمة معونتهم] 362
ــــــــــ[403]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، مكاسب الشيخ الأنصاري
النجش 365
[الحكم التكليفي للنجش] 367
[الوجه في استفادة الحرمة للنجش مطلقاً] 367
[الحكم الوضعي للنجش] 371
[تلخيص وتحصيل] 372
[حول جريان البراءة في الأحكام التكليفية] 373
[حول جريان البراءة في الأحكام الوضعية] 374
النميمة 377
[الإجماع] 377
[الدليل العقلي على حرمة النميمة] 377
[الآيات الدالة على حرمة النميمة] 378
النوح بالباطل 383
[حكم النوح بذاته] 383
[حكم النوح بالباطل] 384
ولاية الجائرين 387
[الادلة على حرمة ولاية الجائرين] 387
[في مستثنيات المسألة] 388
الفهرس 391