أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
الفقه المقارن

محاضرات كلية الفقه: الفقه المقارن 

42 , 260

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات كلية الفقه – الفقه المقارن/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2025.

 (248ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي  المقارن- أ- العنوان.

رقم الإيداع

93/2025

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (93) لسنة 2025

رقم الإيداع الدولي 

8-50-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

 

محاضرات كلية الفقه

الفقه المقارن

يلقيها فضيلة العلامة 

السيد محمد تقي الحكيم

ضبط وكتابة

المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمد الصدر

النجف الأشرف – العراق

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن



محاضرات كلية الفقه 

الفقه المقارن

 

ويحتوي على:

  • المدخل إلى دراسة الفقه المقارن 
  • الاجتهاد
  • التقليد
  • المصادر الأولية في مقام الاستنباط
  • القياس
  • الاستحسان
  • المصالح المرسلة
  • فتح الذرائع وسدّها

ــــــــــ[9]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 

 




المدخل إلى دراسة الفقه المقارن 

 

  • تعريف الفقه المقارن وعلم الخلاف والفرق بينهما
  • مناشئ الخلاف بين الفقهاء

ــــــــــ[11]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن




بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

المدخل إلى دراسة الفقه المقارن(1)(2)

 

تعريف الفقه المقارن وعلم الخلاف والفرق بينهما

 

يطلق الفقه المقارن ويراد به تارة جمع الآراء المختلفة في المسائل الفقهية على صعيد واحد، دون إجراء موازنة بينها.. وأُخرى جمعها وتقييمها والموازنة بينها وترجيح بعضها على بعض، وهو بهذا المعنى أقرب إلى ما كان يسمّيه العلماء بـ(علم الخلاف) أو (علم الخلافيات). 

وقد حدّدوه كما في (تسهيل الوصول إلى علم الأصول) بالقول بأنَّه “علم يقتدر به على حفظ الأحكام الفرعية المختلف فيها بين الأئمة أو عدمها بتقرير الحجج الشرعية أو إيراد الشبه وقوادح الأدلَّة”(3) والخلافي كما يقول في المصدر 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

() تم ادراج الأبحاث حسب التسلسل الموضوعي. 

(2) السنة الرابعة، كليّة الفقه، 1961- 1962. (المقرِّر).

(3) ص10 نقلاً عن دراسات في الفلسفة الإسلامية لابن الوفا التفتازاني: ص127. دراسات الأستاذ المحقق الخوئي في الأُصول العملية ص5.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

نفسه هو “إمّا مجيب يحفظ وضعاً شرعياً أو سائل يهدم ذلك”(1) كأنَّه يريد بحفظ الأحكام في هذين النصّين هو إعادة ما تبناه منها بالبرهنة عليه وعدم ما عداه بتوهين مستنداته من الأدلَّة. 

والأنسب فيما يبدو ترك الترديد في كلامه والاستعاضة عن (إمَّا) و(أو) بـ(الواو) فإنَّ الذي يستدل لما تبناه دون أن يعرض إلى توهين ما عداه لا يسمّى خلافياً عادة، وإلَّا لتحول الفقه إلى علم (الخلاف)، والفقهاء مطلقاً إلى (خلافيين)، مع أنَّه لا يصدق عليهم ذلك ما لم ينظروا إلى رأي المخالف بشيء من النقد والتجريح.

والظاهر أنَّ الفرق بين (علم الخلاف) و(الفقه المقارن) في عرف (المحدثين) كالفارق بين علم الكلام والفلسفة الإلهية إذ الثاني أقرب إلى الموضوعية من الأول، لأنَّ الأوّل -كما ستعربه كلماتهم- يفترض رأياً مسبقاً ويستدل له، بينما يلتمس الثاني رأيه من خلال عرض الآراء والتماس أدلّتها والموازنة بينها. وعلى أي حال فإنّ أحدهما من حيث الموضوع وطبيعة البحث يشبه الآخر، ومن شروطهما أن يحيط المقارن أو (الخلافي) بمختلف الأسس التي ارتكز عليها أرباب الآراء المختلفة لتسلم له الموازنة بينهما والترجيح والاختيار.

يقول ابن خلدون.. “ولا بُدَّ لصاحبه يعني -الخلافي- من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد لأنَّ المجتهد يحتاج 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

(1) ص10 نقلاً عن دراسات في الفلسفة الإسلامية لابن الوفا التفتازاني: ص127.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

إليها للإستنباط وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المقالب بأدلته”(1).

ــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) تاريخ ابن خلدون، ص457.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن













مناشئ الخلاف بين الفقهاء

 

ومنشأ الخلاف عادة بين أئمة المذاهب وغيرهم من الفقهاء لا يعدو في واقعه أحد أمرين:

  1. الاختلاف في الأُصول والمباني العامّة التي يعتمدونها في استنباطهم، كأن يذهب أحدهم إلى حجّية الاستصحاب أو القياس ويستنتج من طريقهما بعض أحكامه، بينما لا يرى الآخرون حجيتهما ولا يصح اعتمادهما كمصادر للتشريع.

اختلافها في مدى انطباق القاعدة أو النص أو الأصل المتفق عليها بينهم وعلى المورد الخاصّ، كأن يستفيد أحدهم من التحديد -مثلاً- في آية الوضوء أنَّه تحديد للغسل وبيان لكيفيته فيفتي تبعاً لذلك بالوضوء المنكوس، بينما يستفيد الآخرون أنَّه تحديد للمغسول وهو لم يسق لبيان الكيفية، بل لا بُدَّ لاستفادتها من الرجوع إلى الأدلَّة الأُخرى كالوضوءات البيانية وغيرها.

وإذا صحّ هذا فإنَّ علينا -قبل أن نبدأ بدراسة المسائل الفقهية الخلافية- أن نستعرض الأُسس التي ترتكز عليها آراء المجتهدين من أئمة المذاهب وغيرهم، ونلتمس المتفق عليها منها والمختلف فيها ثم نلتمس أدلّتهم -على تنوعها- ونقيّمها ثمّ نختار على ضوء ذلك ما نختاره منها مع ذكر دليله، ونقد 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ما لا نراه في حدود ما نملكه من معرفة، ليسهل علينا بعد حين الرجوع إلى هذه النتائج عندما ندخل في تفصيلات مسائلهم الفقهية من دون أن نلجأ إلى تكرار الوقوف عندها تبعاً لتكرر ذكرها في مختلف المسائل.

  1. أمّا القسم الثاني من مناشئ الاختلاف وهو المنبعث عن الخلاف في كيفية تطبيق النصوص أو القواعد على مواردها. فإنّنا نرجئ البحث فيه إلى مظانه، إذ لا ضابطة كلّيّة يمكن جعلها أساساً في مجالات التطبيق.

وقبل أن نبحث هذه الأُسس والركائز من مصادر التشريع لدى أولئك الأئمة من الفقهاء والمجتهدين الذي عقدت هذه البحوث للمقارنة بين آرائهم نود أن نبدأ ببحث مفهوم (الاجتهاد) وشرائطه العامّة على أساس من المقارنة، لنستبعد عن طريقنا من لم تتوفر فيهم هذه الشروط من نقلة الفتاوى لئلَّا نثقل البحث بالكثير من فضول الكلام، بالإضافة إلى أنَّ فهم هذه الأُسس في القواعد ممّا يتصل اتصالاً مباشراً بفهم بحوث الاجتهاد وملابساته، فماذا يراد بكلمة الاجتهاد؟

ــــــــــ[17]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن




الاجتهاد  

 

  • مفهوم الاجتهاد
  • مراحل عملية الاجتهاد
  • المراد بالحجة
  • التخطئة والتصويب
  • نقض الاجتهاد وعدمه (الإجزاء)
  • تقسيم الاجتهاد بلحاظ طبيعة حججه
  • ملكة الاجتهاد
  • أنواع الحجج من حيث العلم

ــــــــــ[19]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن




الاجتهاد

 

مفهوم الاجتهاد

 

الذي يبدو من كلمات الأُصوليين أنَّ لهذه الكلمة مدلولين في مصطلحهم أحدهما أعم من الآخر، وقد اختلفت كلماتهم في تحديد الأول منهما -أعني الاجتهاد بمفهومه العامّ- اختلافاً كبيراً فـ(الآمدي) يعرفه (باستفراغ) الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه)(1).

ويعرفه كلّ من العلّامة الحلّي والحاجبي “باستفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي”(2).

ويرد على هذين التعريفين: أنَّ الاقتصار على ذكر الظن فيهما يجعلهما غير جامعين تارة، وغير مانعين ولا جامعين أُخرى. لأنَّ الظن إن أُريد منه خصوص ما قام عليه اعتباره دليل من شرع أو عقل كان التعريفان غير جامعين 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

(1) الأحكام: ج4، ص218.

(2) الكفاية: ج2، ص247، رشتي.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

لخروج العلم بالأحكام عنهما أولاً، وخروج ما لم يفد الظن مما قام عليه الدليل بالخصوص ثانياً. 

وإن أُريد به الأعم من الظن المعتبر وغيره كما هو الظاهر من إطلاق التعبير كان بالإضافة إلى ذلك غير مانع لدخول الظنون غير المعتبرة في حيز التعريف مع اتفاقهم على عدم اعتبارها من أدلَّة التشريع.

وقد حاول بعض اساتذتنا -فيما نسب إليه- أن يصحح التعريف على مذهب الآخذين بالظنون القياسية والإستقرائية والإستحسانية(1)، ظانَّا أنَّ هؤلاء إنَّما يعملون بها لأنَّها ظنون فحسب، لا لأنَّها ظنون معتبرة عندهم بقيام الدليل عليها، مع أنَّ لهم أدلَّة على حجّيّتها يذكرونها في مواضعها وسنقف منها بعد حين.

والحقيقة أنَّ ذكر الظن هنا غير ذي موضوع لعدم وجود أيّة خصوصية له تبرّر ذكره في التعريف، إذ المدار على ما قامت عليه الحجّة أفاد الظن أو لم يفده، وكأنَّه لذلك عدل غير واحد من الأُصوليين عن ذكره وأبدلوه بكلمة العلم، كـ(الخضري) حيث عرفه بـ”بذل الفقيه وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة”(2) والعلم هنا إن كان قد أراد به الأعم من العلم التعبدي والحقيقي وأراد بكلمة الحكم الشرعي الأعم أيضاً من الحكم الواقعي والظاهري، كان تعريفه هذا أسلم من سابقه لاندفاع المؤاخذات السابقة عنه. 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

(1) مصباح الأُصول: ص434.

(2) أصول الفقه: ص357.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

إلَّا أنَّه يبقى كسابقه محتاجاً إلى ضميمة ليكون جامعاً، وإلَّا فالتعريف ناقص لعدم تعرّضه للوظائف الشرعية أو العقلية عند عجز المجتهد عن تحصيل العلم بالأحكام الشرعية، وهذه المؤاخذة ترد على أكثر المعرفين لإغفالهم لها حتى المتأخرين منهم كالأُستاذ (الزرقا)، حيث عرفه بـ”عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلَّتها التفصيلية في الشريعة”(1) ومن المعلوم خروج البراءة العقلية بل والشرعية والاحتياط والتخيير العقليين عن هذه التعاريف، لوضوح أنَّ نتائج هذه الأصول إنَّما هي وظائف شرعية أو عقلية لا أحكام. وربَّما كان مفاد بعضها رفع الحكم والتماس المعذورية لصاحبه والأمن من العقاب.

فالأنسب تعريفه بـ”ملكة تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية شرعية أو عقلية عند العجز عن تحصيلها” وقد تبنّت مضمون هذا التعريف مدرسة النجف الحديثة في (علم الأصول)(2) وإنَّما ذكرنا (الملكة) في التعريف لنبعد ما تشعر به بعض كلماتهم السابقة من اعتبار الفعلية في الاجتهاد مع أنَّه من قبيل (الملكات)، إذ من الواضح أنَّ صاحب الملكة يصدق عليه مجتهد وإن لم يباشر (عملية) الاستنباط فعلاً.

أمَّا الاجتهاد بالمعنى الثاني فقد عرفه الأُستاذ (خلّاف) بعد أن قيّده بكلمة (بالرأي) تمييزاً له عن الاجتهاد بالمفهوم الأوّل بـ”بذل الجهد للتوصل إلى 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) مصطفى الزرقا في حضارة الإسلام.

(2) أُنظر: مصباح الأُصول.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الحكم في واقعة لا نصّ فيها بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للاستنباط بها فيما لا نصَّ فيه”(1) ورادف الشافعي بينه وبين القياس فقال إنَّهما (اسمان لمعنى واحد) واعتبره الأُستاذ (مصطفى عبد الرزاق) مرادفاً للرأي والقياس والاستحسان والاستنباط. 

ومن المعلوم أنَّ هذه المعاني مختلفة فلا يمكن أن يرادفها لفظ واحد بوضع واحد ولست أظن أنَّ الأُستاذ عبد الرزاق يريد أن يقول بالاشتراك اللفظي بينها، والظاهر أنَّ هذه اللفظة مرادفة لديهم لمفهوم الرأي والمعاني الأخرى من قبيل المصاديق لهذا المفهوم، وقد وقع الاشتباه نتيجة للخلط بين المفهوم والمصداق. وسنقف من الاجتهاد بهذا المعنى عندما نتحدّث عن هذا المفهوم ومصاديقه في مظانّها من هذا المدخل.

ــــــــــ[24]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن



مراحل عملية الاجتهاد

 

ومن تعريفنا للاجتهاد بمفهومه العامّ ندرك أن على المجتهد إذا أراد أن يتوفر على مختلف مجالات الإفتاء أن يحيط بالمراحل التي عرض لها التعريف بكلّ ما ترتكز عليه من أُسس وقواعد وهي ثلاث:

  1. مرحلة تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي.
  2. مرحلة تحصيلها على الوظيفة الشرعية.
  3. مرحلة تحصيلها على الوظيفة العقلية.

وإذا علمنا أنَّ الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: واقعي وظاهري، وأنَّ أحدهما وهو الحكم الظاهري مجعول في طول الحكم الواقعي لاعتباره عند الشكّ فيه وعدم إمكان تحصيله كانت المراحل (أربعاً) وكلّها مترتبة بحسب الوجود، وحاكم بعضها على بعض تبدأ بمرحلة تحصيل الحجّة على الحكم الواقعي وتنتهي بالوظيفة. فعند حصول العلم بالحكم الواقعي لا مجال للحكم الظاهري لعدم الشكّ فيه وهو مجعول في حال الشكّ كما هو المفروض، ومع قيام الحكم الظاهري لا مجال للوظيفة الشرعية لأنَّها مجعولة عند العجز عن تحصيل الحكم بقسميه. والوظيفة العقلية إنَّما نلجأ إليها إذا عجزنا عن تحصيل البيان من الشارع وهو مأخوذ عدمه في موضوع حكم العقل، ومع تحصيله لا 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

مجال لحكم العقل إذ لا موضوع حتّى يترتب عليه هذا الحكم. 

والإشارة إلى هذا النوع من الترتب بين المراحل ممّا انفردت به مدرسة النجف الحديثة في علم الأُصول، وتترتب عليه آثار مهمّة في مجال المقارنة.

ــــــــــ[26]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن















المراد بالحجة

 

والمراد بكلمة (الحجّة) التي تكرّر ذكرها في كلامنا وفي التعريف هو حكم العقل بصحّة احتجاج المولى على عبده إذا خالف مؤدّى ما قامت عليه، واحتجاج العبد على مولاه إذا سار على وفقها وتبيّن له بعد ذلك الخلاف، ومن لوازمها العقلية المعذرية والمنجزية وصحّة نسبة مؤدّاها إلى من اعتبر حجّيتها من شارع أو عقل.

أقسام الحجة: ذاتية ومجعولة

وقد قسّموها إلى قسمين (ذاتية ومجعولة) وهذا التقسيم نابع من طبيعة ما تتعلق به، فهي عندما تنسب إلى العلم تكون من القسم الأوّل، وإذا نسبت إلى غيره ممّا تقوم عليه احتاجت إلى الجعل.

والسرّ في ذلك بالنسبة إلى الأوّل منهما -وهو موضع الخفاء على الكثير ممّا أوجب اضطراب كلماتهم- إذا علمنا أنَّ الحجّية من اللوازم القهرية التي يستحيل فيها التخلّف عن طريقية العلم، وإن طريقية العلم من اللوازم الذاتية له، بل هي في رأي بعض اساتذتنا عين الطريق؛ لأنَّ القطع ليس هو إلَّا الإنكشاف والرؤية (ومن الواضح أنَّ ثبوت الشيء لنفسه ضروري والماهية هي 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

هي بنفسها فلا معنى لتوهّم جعل الطريقية)(1) 

وبهذا يتبيّن سرّ التزامهم بعدم إمكان تصرّف الشارع في طريقية العلم أو حجّيته، لأنَّ الذي يدخل تحت تصرّف الشارع وقبضته كمشرّع هو خصوص مخلوقاته ومجعولاته، وهما بعد اتضاح كون أحدهما طريقية العلم ذاتياً والآخر حجّيّة العلم من اللوازم العقلية القهرية ليسا من مجعولاته كمشرّع وإن دخلا تحت تصرّفه كخالق ومكوّن، على أنَّ رفع طريقية العلم أو حجّيّته لا يخلو من لزوم اجتماع النقيضين إمّا في الواقع أو عند من يقوم لديه العلم بالحكم، فالعالم بوجوب الصلاة -مثلاً- عندما يقال له إنَّ علمك ليس بطريق أو ليس بحجّة فإنَّ معنى ذلك أن يقال له أنَّك التزم بعدم وجوبها في هذا الحال. ومع هذا فإنَّ تبيّن أنَّها كانت واجبة في الواقع وبقي الشارع مصرّاً على حكميه الأوّل والثاني لزم اجتماع النقيضين، أو كانت غير واجبة واقعاً لزم اجتماعهما في نظر العالم بهما وإن لم يلزم اجتماعهما في الواقع. 

هذا بالإضافة إلى أنَّ إثبات مثل هذا التصرف الشرعي -لو أمكن- مما يحتاج إلى الدليل، فإن كان هو العلم احتاج إلى دليل على حجّيته وهكذا حتى يتسلسل إلى ما لا نهاية. وإن كان غيره فما الدليل على حجّيّته؟ ومن هنا قيل (إنَّ طريقية كلّ شيء لا بُدَّ وأن تنتهي إلى العلم، وطريقية العلم لا بُدَّ وأن تكون ذاتية له، لأن كلّ ما بالغير لا بُدَّ وأن ينتهي إلى ما بالذات وإلَّا لزم التسلسل)(2).

ــــــــــ[28]ــــــــــ

(1) دراسات الأُستاذ المحقق الخوئي في الأُصول العملية: ص5.

(2) الكاظمي في فوائد الأُصول: ج3، ص3.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وأمّا تعلّق الحجّيّة فيما عدا العلم -كما هو التحقيق في إمكان تعلّقها- فهو محتاج إلى الجعل حتماً لعدم حكم العقل بالمنجزية ولا المعذرية بدونه، إذ إنَّ ما عدا العلم إمّا أن لا يكشف عن الواقع أصلاً، أو يكشف كشفاً ناقصاً كما في الظنون والأُصول الإحرازية على قول؛ وكلاهما لا تتوفر فيهما الطريقية الذاتية التي من لوازمها الحجّيّة، فإذا لم يعززا بجعل من الشارع لطريقية ما يصلح للطريقية منهما كالأمارات أو لحجّيتهما فإنَّ العقل لا يحكم بلزوم اتباعهما، ومع عدم حكمه لا مبرّر لاتباعهما بحال.

والذي أخاله أنَّ الحكم باحتياج ما عدا العلم إلى جعل حجّيّته أو طريقيته من الأُمور المتفق عليها بين المسلمين وإن لم تعطه كلماتهم، ودليل اتفاقهم أنَّهم عندما يريدون أن يؤصّلوا أصلاً أو يكشتفوا قاعدة لا يكتفون بالعمل بمقتضى مؤدّاهما حتى يلتمسوا دليلاً من الشرع أو العقل على حجّيته، التماساً للجزم بالمعذرية أو المنجزية. 

يقول الشاطبي وهو يتحدّث عن بعض الأدلّة غير العلمية (إنَّ المعنى المناسب الذي يربط به الحكم الشرعي إذا شهد الشرع في قبوله لا خلاف في صحّته وإعماله، وإن شهد الشرع بردّه كان لا سبيل إلى قبوله ويكون الحكم الذي يربط به ويقوم عليه لا سبيل إلى قبوله)(1).

ويقول الأستاذ (خلّاف) وهو يتحدّث عن مجالات الاجتهاد بمفهومه العامّ “أو يشمل بذل الجهد للتوصّل إلى الحكم فيما لا نصّ فيه بالقياس أو 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) نقلاً عن محمّد يوسف موسى في الإسلام ومشكلاتنا المعاصرة: ص26.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الإستحسان أو الاستصلاح أو غير هذا من الوسائل التي أرشد الشرع إليها للإستنباط فيما لا نصّ فيه”(1). وفي كلام الخضري “وأمّا الأصولية ككون الإجماع والقياس وخبر الواحد حجّة فهذه مسائل أدلّتها قطعية”(2). ونظير ذلك كثير ممّا يشهد بعدم أخذهم بالدليل ما لم تلتمس له الحجّيّة من الشارع الموجبة للقطع بلزوم إتباعها.

ولعلّ المنشا في اضطراب كلماتهم للشعر بعضها بالاعتماد على بعض الظنون بما أنَّها مصاديق للظن المطلق لا بما أنَّها طرق خاصّة قام على اعتبارها دليل قطعي هو ملاحظتهم أنَّ جميع الأحكام التي قامت عليها ظنون معتبرة لم تنتج إلَّا أحكاماً ظنّيّة، غافلين عن أنَّ معنى قيام الدليل على الحجّيّة أو يعدو في مؤدّاه الجزم بالمنجزيّة أو المعذرية، لا الوصول إلى الأحكام الواقعية على نحو الجزم واليقين.

ــــــــــ[30]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه: ص8.

(2) أصول الفقه: ص363.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 

التخطئة والتصويب

 

ومن هنا فيما نعتقد يكون المنطلق إلى الموازنة والتقييم فيما شجر بين المسلمين من الخلاف حول تخطئة المجتهد وتصويبه، فقد انقسمت كلمتهم حول ذلك إلى قسمين أو ثلاثة على الأصح: قسم يقول بالتصويب، وقسم يقول بالتخطئة، وقسم يقع وسطاً بينهما.

التصويب الأشعري والتصويب المعتزلي

والمصوبة انقسموا على أنفسهم فمنهم (من قال أنَّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن، وحكم الله على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه. وهذا مذهب القاضي والغزالي)(1) وقد عرف هذا القول بـ(التصويب الأشعري)(2) (ومنهم من قال أنَّ فيه حكماً معيّناً يتوجّه إليه الطلب إذ لا بُدَّ للطلب من مطلوب، لكن المجتهد لم يكلّف بإصابته فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر به بإصابته)(3) وقد نسب هذا القول إلى المعتزلة(4)

ــــــــــ[31]ــــــــــ

(1) أُصول الفقه للخضري: ص366.

(2) فوائد الأصول: ج1، ص142.

(3) أُصول الفقه للخضري: ص366.

(4) أصول الفقه للمظفر: ج2، ص44.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وهذان القولان إنَّما يتمّان بناء على اختصاص الأحكام بخصوص العالمين بها وإن الجاهلين بها لا حكم في حقّهم إلَّا ما قامت عليه الأمارة، إمّا لعدم جعل الحكم الواقعي في حق الجاهلين ابتداء -كما هو مبنى القول الأوّل-، أو لمزاحمته بما جعل على مؤدّى الأمّارة من حكم وغلبة المزاحم عليه، كما في القول الثاني. وعلى القولين تكون الأمارة سبباً في جعل الحكم الشرعي على وفقها ويكون مفاد حجّيتها هو جعل السببية لها.

القول بالتخطئة

أمّا المخطئة -وهم الشيعة وبعض المسلمين- فإنَّهم يذهبون إلى أنَّ الأحكام الواقعية مستوعبة لجميع أفعال المكلفين فما من واقعة إلَّا ولها حكم، وهذه الطرق من الأمارات والأصول التي تبنّاها الشارع المقدّس ليست في الحقيقة إلَّا منجّزات للحكم الواقعي ومعذرات، والواقع يبقى على واقعه من دون أي تصرّف فيه. وتسمية ما قامت عليه الأمارة أو الأصل بالحكم الظاهري إنّما هو (لمكان احتمال مخالفة الطريق والأصل للواقع وعدم إيصاله إليه، وإلَّا فليس الحكم الواقعي الذي قامت عليه الأمارات والأصول مطلقاً محرزة كانت الأُصول أو غير محرزة، وهذا هو الذي قام عليه المذهب ويقتضيه أُصول المخطئة)(1).

المصلحة السلوكية

والقسم الثالث وهو الذي أخذ من التخطئة والتصويب معاً. قول الشيخ الأنصاري حيث التزم بالطريقية بالنسبة إلى مفاد دليل حجّيّة الطرق 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

(1) فرائد الأُصول: ج1، ص142.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

والأمارات من دون أن يكون هناك أي تصرّف في المتعلق يزاحم به الواقع المجعول بحق الجاهلين والعالمين على السواء، ووافق بذلك المخطئة وأخذ من التصويب سببية الأمارة لخلق مصلحة، ولكنّه وجه بها إلى السلوك لا إلى المتعلق (وتلك المصلحة ممّا يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع)(1).

مناقشة الأقوال

والغريب من هذه الأقوال هو القول الأوّل لما يستلزم من نسبة هذه المتناقضات التي يقع فيها المجتهدون عادةً -إلى الله تعالى- والإقتصار في الأحكام الواقعية التي جاء بها الإسلام على ما علم منها، وهو محدود جدّاً بالنسبة إلى غير المعلوم ممّا يشرع على وفق آراء المجتهدين، على أنَّنا نتسائل عمّا يطلبه المجتهد وعلى أي شيء تقوم هذه الظنون إذا لم يكن هناك واقع يطلب من قبله؟ بينما لا يلزم شيء من ذلك على بقية الأقوال لاعترافهم بوجود أحكام واقعية لمختلف أفعال المكلفين، على أنَّ الروايات والآثار قد تواترت بوجود الحكم المشترك بين العالم والجاهل(2) وهي وحدها تكفي لرد هذا القول وإن لم يقم عليه مانع عقلي.

وقريب منه في الغرابة التصويب الثاني لانتهائه إلى القول الأوّل بعزله للأحكام الواقعية من طريق المزاحمة، على أنَّ مقتضى جعل أدلَّة الطرق لا يفيد أكثر من اعتبارها بمنزلة العلم من حيث ترتيب الآثار، ومعلوم أنَّ العلم لا 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

(1) فرائد الأُصول، الرسائل: ص37.

(2) نفس المصدر: ص36.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

يسري إلى الواقع فيغيّر أو يبدل فيه.

كما أنَّ هذه الأدلة لا تنهض بتقرير المصلحة السلوكية التي ذهب إليها الشيخ، كما يتضّح ذلك عندما تعرّض في مواضعها من البحوث الآتية. وكلّما تدلّ عليه هو جعل الحجّيّة أو الطريقية المستتبعة لحكم العقل بترتيب لوازمها السابقة عليها من المعذرية والمنجزية وغيرها(1).

ــــــــــ[34]ــــــــــ

(1) انتهت المحاضرة الثانية، بعونه تعالى في ط17/5/ 1380.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن








نقض الاجتهاد وعدمه (الإجزاء)

 

وممّا يتصل بالآراء السابقة في مسألة التخطئة والتصويب مسألة جواز نقض الاجتهاد وعدمه، وهي المسألة المعروفة في كتب الأُصول بمسألة الإجزاء، وذلك فيما إذا تبدّل رأي المجتهد بقيام الحجّة لديه على خلاف رأيه السابق، ويتصوّر هذا النقض وتبدّل الرأي في مقامين: مقام العمل والإفتاء، ومقام الحكم وفض الخصومات؛ وفي كليهما وقع الخلاف بين الأعلام. 

وقبل أن نعرض لأقوالهم والتماس أدلَّتها يقتضينا أن نلتمس ما تنهيّنا إليه القاعدة الأولية في المقام.

القاعدة الأولية في المقام

والذي يقتضي أن يقال أنَّ القاعدة مرتّبة على المباني السابقة ومختلفة باختلافها.

قال قائلون بالتصويب الأوّل: كـ(الغزالي والقاضي) لا بُدَّ أن يلتزموا بالإجزاء وعدم جواز النقض -مطلقاً- لإنكارهم الحكم الواقعي بالنسبة إلى الجاهل، والتزامهم بتبعية الحكم لاجتهاد المجتهد، ومثل هؤلاء لا يعقل انكشاف الخطأ بالنسبة إليهم لعدم التزامهم بوجود واقع يمكن أن يقع فيه الخطأ والإصابة، وتبدّل الاجتهاد لديهم وإن استلزم تبدّل الحكم تبعاً له إلَّا أنَّه من قبيل تبدّل الحكم لتبدّل موضوعه لا لانكشاف الخطأ فيه.

ــــــــــ[35]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

والقائلون بالتصويب الثاني، لا بُدّ وأن يلتزموا بإلإجزاء أيضاً لتصريحهم بأن كلّ مجتهد مصيب وإن أخطأ الواقع، وفي حدود ما وجّهنا به كلامهم السابق لا يبقى عليهم بعد حصول الاجتهاد وخلق حكم على وفقه مجال للحكم الواقعي لمزاحمته دائماً للحكم الجديد وغلبته عليه، وتبدّل الاجتهاد لديهم يكون كسابقه من قبيل تبدّل الموضوع لا من قبيل انكشاف الخطأ فيه.

أمّا على قول ورأي الشيخ الأنصاري، من الالتزام بالتخطئة والمصلحة السلوكية فالذي يقتضيه الالتزام به هو القول بعدم الإجزاء، لاعترافه بأن المصلحة السلوكية لم تصنع شيئاً أكثر من تعويض المكلّف ما يفوته من المصلحة بسبب سلوكٍ ما جعله الشارع له من الطرق. أمّا الواقع فهو على حاله غير مزاحم بشيء نهائياً وخطأ الطريق الاجتهادي لم يفوّت المكلّف إلَّا مصلحة الوقت في الموقتات -مثلاً- فهو معوض عنها بالمصلحة السلوكية، أمّا المصلحة الواقعية مع إمكان تداركها فهي لم تنتهِ وعليه الإتيان بها على كلّ حال.

ومن هنا تتضح القاعدة على مبنى المخطأة إذ مع التزامهم بوجود الأحكام الواقعية وانكشاف الخطأ في الاجتهاد الأوّل وعدم تنازل الشارع عن حكمه لعدم جعله بالنسبة إلى الأُصول والطرق غير الطريقية والحجّيّة وهي لا تفيد أكثر من المنجزية عند المصادفة والمعذرية عند عدمها، ومعه لا بُدَّ من القول بعدم الإجزاء. هذا كلّه من حيث القاعدة وهي لا تفرّق بين المقامين، مقام العمل والإفتاء، ومقام الحكم وفض الخصومات، كما لا تفرق بين الأحكام التكليفية والوضعية.

ــــــــــ[36]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الخلاف في مسألة الإجزاء

ولكن بعض العلماء فرّقوا بين مقام الحكم والإفتاء، فالتزموا بعدم جواز النقض في الأول وجوازه في الثاني(1).

كما فرّق الشيخ النائيني بين العبادات من الأحكام التكليفية وبين ما يبقى محلاً للإبتلاء بعد الاجتهاد الثاني في الأحكام التكليفية والوضعية، فالتزم بالإجزاء بالنسبة إلى الأوّل منهما وعدمه بالنسبة إلى الثاني(2). وهناك من أطلق القول من الأعلام -فيما يبدو- بالإجزاء استناداً إلى الأدلة الخاصّة، وهذه الأدلّة التي يمكن أن تذكر أهمّها أربعة:

أدلة القائلين بالإجزاء

  1. أدلّة نفي الحرج أمثال قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(3)، بدعوى أنَّ مقتضى حكومتها على الأدلّة الأوليّة هو تضييق نطاقها عن شمول ما كان حرجياً من الأحكام بالكشف عن عدم جعله ابتداء، وبما أن الحكم بعدم الإجزاء هنا حرجي فهو غير مجعول على المكلّفين.

وهذه الأدلَّة إنَّما تتم حكومتها في المقام إذا كان مفادها هو نفي الحرج النوعي، لبداهة أنَّ القول بعدم الإجزاء لا يستلزم الحرج الشخصي في جميع مسائله، ومفاد هذه الأدلّة كما هو التحقيق منها هو رفع الحرج الشخصي لا 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

(1) أُصول الفقه، الخضري: ص863.

(2) أجود التقريرات: ج1، ص206.

(3) سورة الحج، الآية: 78.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

النوعي. وعليه، فلا تصلح لتأخير القاعدة إلّا في موارد الحرج الشخصي وهي قليلة نسبياً.

  1. دعوى أنَّ الاجتهاد الأوّل كالثاني فلا موجب لرفع اليد عنه بالاجتهاد الثاني، والقول بعدم الإجزاء لا يتم إلَّا برفع اليد عن الاجتهاد الأوّل. 

وهذه الدعوى إنَّما تتم إذا كان كِلا الاجتهادين حجّة، وهذا ما لا يعقل أن يكون، إذ معنى اجتهاده الثاني هو قيام الحجّة لديه على بطلان اجتهاده الأول لاكتشافه خللاً فيه. كأن يكون قد أفتى أوّلاً استناداً إلى إطلاق أو عموم، ثم عثر بعد ذلك على مقيّد أو مخصص له، وليس من الممكن أن يبقى العامّ على حجّيته حتى مع العثور على المخصص. أو يكون قد استند في اجتهاده السابق على رواية كان يعتقد صحّتها ثم تبيّن له كذب راويها وهكذا… ومع هذا الحال كيف يلتزم بعدم ترجيح الاجتهاد الثاني في صورة معارضته له؟ مع أنَّه في الحقيقة من قبيل تعارض الحجّة باللاحجّة لا من قبيل تعارض الحجتين.

  1. ما نسب لصاحب الفصول من القول بأنَّ القضية الواحدة لا تتحمل اجتهادين(1) وهو كلام لم يتضح المراد منه. 

لأنَّه إن أراد منه أنَّ القضية لا تتحمل اجتهادين مع بقاء حجّيتهما للزوم التناقض وشبهه في مدلوليهما فهو وإن كان صحيحاً إلَّا أنا لا نلتزم ببقاء الحجّيّة لهما معاً، لانكشاف الخلل في الاجتهاد الأوّل المانع من حجّيّته، وهو معنى قولنا بعدم الإجزاء.

ــــــــــ[38]ــــــــــ

(1) أجود التقريرات: ج1، ص205.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

أمّا إذا أراد أن طبع القضية الواحدة يأبى ورود اجتهادين عليه من مجتهدٍ واحد، فهو وإن كان مع وحدة الزمان صحيح إلَّا أنَّه خارج عن الفرض، ومع تعدد الزمان لا تأبى القضية ألف اجتهاد لا اجتهادين فحسب كما هو واضح بالبداهة.

  1. دعوى الإجماع(1) على الإجزاء وقد حكاه أستاذنا النائيني واستند إليه في القول بالإجزاء في العبادات باعتباره القدر المتيقن من مورده، وجزم بخروج الأحكام الوضعية عن المورد، وإن فتوى جماعة في الإجزاء “إنَّما هي لأجل ذهابهم إلى كون الإجزاء هو مقتضى القاعدة الأولية لا لأجل الإجماع على ذلك”(2). واستظهر السيّد الخوئي أنَّه ليس هناك إجماع تعبدّي في جميع صور المسألة، وإن (القائل بالإجزاء إنَّما ذهب إليه لدلالة الدليل عليه باعتقاده، وعليه فلا مقتضى لرفع اليد عمّا تقتضيه القاعدة الأوليّة من لزوم الإعادة والقضاء في العبادات بعد انكشاف الخلاف ولزوم ترتيب جميع آثار انكشاف الخلاف في المعاملات)(3) والحق أنَّ الإجماع متى عرف المستند في فتاوى بعض المفتين على وفقه لا يبقى مجال لحجيته كما يأتي تحقيقه في محلّه إن شاء الله.
الإجزاء في مقام الحكم

هذا كلّه بالنسبة إلى مقام الإفتاء والعمل، أمّا مقام الحكم فقد يضاف إلى 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

(1) فوائد الأُصول: ج1، ص145.

(2) أجود التقريرات: ج1، ص206.

(3) هامش أجود التقريرات: ج1، ص206.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

هذه الأدلّة ما يشعر به إطلاق بعض الروايات، من أنَّ لحكم الحاكم موضوعية إذ اعتبرت الراد عليه (كالراد على الله وهو على حدّ الشرك بالله)(1) من دون أن تفرق بين أن يكون الردّ ونقض الاجتهاد مبنياً على اجتهاد أو غيره، وهذا لا يتم إلَّا على السببية المحضة. 

إلَّا أن إثبات هذا الإطلاق من الصعوبة بمكان، إذ مع استكشاف أنَّ حكمه السابق كان بغير ما أنزل الله فكيف يحتمل وجوب قبوله وحرمة ردّه ويكون الراد عليه راداً على الله، مع أنَّ ردّه هذا أخذ بحكم الله بحسب عقيدته؟ والذي يبدو من صحيحة هشام أنَّ حكم الحاكم لا يغير الواقع عمّا هو عليه، وأنَّه لا يزيد على الطريقية المحضة، اسمع ما يحدث به عن رسول الله “قال رسول الله إنَّما أقضي بينكم بالبيّنات والإيمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض فإيّما رجل اقتطعت له من مال أخيه شيئاً فإنَّما قطعت له به قطعة من النار(2).

الاستدلال بالتسلسل على عدم النقض

وقد استدل الأُستاذ (الخضري) على عدم جواز نقض الاجتهاد في هذا المقام بالتسلسل، بدعوى “أنَّه لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض ولتسلسل”(3).

ــــــــــ[40]ــــــــــ

(1) مستمسك العروة الوثقى: ج1، ص75.

(2) نفس المصدر، ص78.

(3) أصول الفقه للخضري، ص368.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وهذ الاستدلال بالتسلسل إنَّما يتم إذا تمّت الملازمة بينهما وكانت واقعة في سلسلة العلل والمعلولات، ولكنَّها هنا غير تامّة؛ إذ من المعلوم أنَّ فعلية نقض الاجتهاد لا تستلزم فعلية نقض النقض، ولو استلزمتها فهي من قبيل الملازمات الاتفاقية، لبداهة أنَّ نقض الاجتهاد لا يكون علّة لنقض النقض ولا معلولاً له، ومع عدم العلّيّة والمعلولية بينهما لا يلزم التسلسل الباطل.

والظاهر أن الأُستاذ الخضري لا يريد من الملازمة (الملازمة الفعلية) وإنَّما يريدها على نحو الإمكان، بمعنى أنَّه لو أمكن نقض الاجتهاد لأمكن نقض النقض وهكذا… 

والظاهر أنَّ هذا النوع من التسلسل لا يمنع منه العقل لوضوح عدم العلّيّة والمعلولية بين الإمكانين، على أنَّ هذا الإشكال لو تمّ فهو وارد عليه نقضاً لالتزامه بجواز نقض الاجتهاد في عالم العمل. يقول: “فإن كان يجتهد لنفسه وعمل بمقتضى اجتهاده ثم تغيّر ظنّه لزمه أن ينقض ما بناه على الاجتهاد الأوّل”(1). ومقتضى ذلك أن يقال له لو نقض ما بناه على الاجتهاد الأول لنقض النقض ولتسلسل.

الاستدلال بقول عمر

وممّا استدل به بعضهم على عدم جواز النقض ما أثر عن عمر بن الخطاب من عدم نقض حكمه مع تبيّن الخطأ له “في المسألة الحجرية المشهورة في علم الميراث، وهي ما إذا وجد مع الاثنين فأكثر من أولاد الأُم أخ شقيق فأكثر 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

(1) أُصول الفقه: ص368.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بالانفراد أو مع أخت شقيقة فأكثر واستغرقت الفروض كل التركة بأن وجد مع هؤلاء زوج وصاحب سدس كالأُم والجدّة الصحيحة”(1) حيث قضى “بعدم توريث أولاد الأبوين، ولما عرضت عليه المسألة مرّة أُخرى قضى بإشراكهم مع أولاد الأُم في فرضهم الثلث، ولمّا قيل له سبق أن قضيت بعدم إشراكهم، قال ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي”(2).

وبالعكس فقد استدل أيضاً بكلمات لعمر في لزوم نقض الحكم مع تبين الخلاف يقول -عمر عبد الله-: “وقد نصّ العلماء على أنَّ القاضي المجتهد إذا تبيّن له الخطأ في قضائه ينقض ما حكم به” إلى أن يقول: “ويؤيّد هذا قول عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري وهو قاضي الكوفة ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك وهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق فإنَّ مراجعة الحق خير من التمادي على الباطل”(3).

وهذا النوع من الاستدلال من قبل هؤلاء الأعلام لا يصلح إلَّا أن يكون إلَّا من باب الاستئناس بأقوال الخليفة فاجتهاده كاجتهاد غيره لا يصلح أن يكون من الحجج النافذة على المجتهدين الآخرين إذا لم يتبيّن وجهه ومع تبيّن وجهه ومستنده يكون الأخذ بالمستند لا به فلا يصلح إذن للدلالة نفياً ولا إثباتاً ولا حاجة إلى التمحلات في توجيهها.

ــــــــــ[42]ــــــــــ

(1) المصدر السابق.

(2) سلم الوصول إلى علم الأُصول: ص343.

(3) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

والخلاصة: أنَّ القاعدة تقتضي عدم الإجزاء في الجميع ولا يخرج عنها إلَّا بدليل خاص، ولو وجد فيقتصر فيه على مورده. أمّا الأدلَّة العامة فلم نعثر منها ما يصلح أن يوقف الأخذ بالقاعدة في جميع الموارد.

ــــــــــ[43]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن















تقسيم الاجتهاد بلحاظ طبيعة حججه

 

وإذا تم ما سبق أن انتهينا إليه من أنَّ لله في كلّ واقعة حكماً وأن وظيفة المجتهد هو اكتشاف ذلك الحكم، والتماس المعذّر الشرعي أو العقلي عند عدم الانتهاء إليه، عدنا إلى ما ذكروه من تقسيم للإجتهاد بلحاظ ما يتصل بهذا الاكتشاف، لنفحصه على ضوء ما اعتبروه للقسمة المنطقية من أُصول. ثم لنقول كلمتنا في طبيعة ما تقتضيه من تقسيم، ولعلّ أحدث تقسيم له بهذا اللحاظ هو تقسيم الدكتور (معروف الدواليبي) له يقول: “وتوصلاً إلى معرفة الأحكام من النصوص الشرعية يتكلّم العلماء بعد ذلك عن طرق الكشف عن الأحكام الشرعية، ويمكن أن نقسم ذلك إلى ثلاثة طرق:

  1. طريقة الاجتهاد البياني: وذلك لبيان الأحكام الشرعية من نصوص الشارع.
  2. طريقة الاجتهاد القياسي: وذلك لوضع الأحكام الشرعية للوقائع الحادثة -ممّا ليس فيها كتاب ولا سنّة- بالقياس على ما في نصوص الشارع من أحكام.
  3. 3. طريقة الاجتهاد الاستصلاحي: وذلك لوضع الأحكام الشرعية أيضاً 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

للوقائع الحادثة -ممّا ليس فيها كتاب ولا سنّة- بالرأي المبني على قاعدة الاستصلاح”(1).

وقبل أن نعقب على هذا التقسيم نود أن نشير إلى أن تفرقته بين طريقتي الاجتهاد البياني وتاليتيه، باعتباره الأولى بياناً للأحكام الشرعية والآخرين وضعاً للأحكام الشرعية لا يتضح لها وجه بعد اعتبارها جميعاً من الكواشف، كما هو صريح كلامه في مدخل التقسيم. على أنَّ كلمة (وضع) إن نسبتها إلى المجتهد كان معنى ذلك اعتباره مشرعاً في رأيه، وهو لايلتئم مع جميع المباني السابقة في التخطئة والتصويب لنسبتها جميعاً التشريع إلى الله عزّ وجلّ وإن اختلفت في كون الحكم المشرع من قبله سابقاً على الاجتهاد أو لاحقاً له.

وإن أراد نسبتها إلى الله تعالى بعد قياس المجتهد واستصلاحه، فهو وإن اتفق مع رأي المصوبة إلَّا أنَّه لا يتفق مع طبيعة تقسيمه لها لاعتبارها من الكواشف، على أنَّ المصوبة لا يفرقون بين الاجتهادين البياني وأخويه من حيث نسبة الوضع إلى الله ما داموا غير عالمين بالأحكام الواقعية. فهذه التفرقة لدى الدكتور بين كون بعضها بياناً وبعضها وضعاً لا تبتني على أساس من تلكم الأُسس، ومن البعيد جدّاً أن يلتزم بأنَّ المجتهد مشرع فيخرج على إجماع المسلمين.

مناقشة التقسيم

وأمّا تقسيمه هذا فهو غير جامع لشرائط القسمة المنطقية، لعدم استيعابه لأقسام المقسم مع أنَّه في مقام استيعابها، بدليل تعقيبه بعد ذلك على كلامه هذا 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) المدخل إلى علم أُصول الفقه: ص389.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بقوله: “ولم أتكلم عن الاجتهاد الاستحساني لأنَّ لبعض حالاته تدخل في الاجتهاد القياسي وبعضها الآخر في الاجتهاد الاستصلاحي”(1) إذ من الواضح أنَّ الطرق التي جعلها العلماء كاشفة لا تنحصر بهذه الثلاثة وهو في مقام حصرها، بل وسعوها حتى بلغ بها بعضهم إلى تسعة عشر باباً(2) وعدوا منها الإجماع والاستصحاب والعرف ومذهب الصحابي وسد الذرائع، وكثير منها لا ترجع إلى هذه الطرائق الثلاث، على أنَّ القياس -كما يأتي تحقيقه- ليس في جميع أقسامه قسيماً للاجتهاد البياني بل في بعضها، وهو قسم منه كالقياس المنصوص العلّة، والذي يستفاد من عموم أو إطلاق علّته عموم الحكم لجميع ما تتعلق فيه.

التقسيم الأنسب للاجتهاد

والأنسب فيما نخال -بعد أن تم لنا ما انتهينا إليه- في تعريف الاجتهاد من تعميم وظيفة المجتهد إلى اكتشاف الحكم أو الوظيفتين الشرعية والعقلية أن نوسّع في التقسيم إلى ما يشمل اكتشافها جميعاً، وأن نستوعب مختلف الطرق التي ذكروها وإن لم تتفق كلمتهم عليها، على أن يكون المنطلق لهذا التقسيم هو ما سبق أن رأيناه من اختلاف هذه الطرق في كيفية ثبوت الطريقية أو الحجّيّة لها. فنقول: هذه الطرق إمَّا أن تكون طريقيتها أو حجّيّتها ذاتية لا تحتاج إلى جعل أو مجعولة.

ــــــــــ[46]ــــــــــ

(1) المدخل إلى علم أُصول الفقه: ص389.

(2) مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه: ص90.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وينتظم في الأوّل: منهما باب الملازمات العقلية وغيرها من الطرق العلمية كالخبر المتواتر إذا كانت دلالته قطعية، أو الخبر المحفوف بقرائن توجب القطع سنداً ومتناً وإن لم يكن متواتراً، وقواعد لزوم دفع الضرر المحتمل والضرورات تبيح المحظورات، وما أبيح للضرورة يُقدّر بقدرها ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وتقديم الأهم عند المزاحمة، وشغل الذمة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، وقبح العقاب بلا بيان، والتخيير العقلي عند دوران الأمر بين المحذورين. ونظائرها من الطرق الكاشفة عن الحكم الشرعي أو الوظيفة العقلية، كشفاً علمياً لا يحتاج إلى جعل. وسيأتي الحديث فيها وفي تعيين مواضع جريانها وتمامية ما يتمّ منها وعدمه في مواضعه من الأحاديث القادمة إن شاء الله تعالى.

وينتظم في الثاني: ما احتاج إلى جعل أو إمضاء من قبل الشارع أفاد الظن أو لم يفده، كمباحث حجّيّة الظواهر والإجماع والقياس والاستصلاح والاستحسان والعرف والاستصحاب والبراءة الشرعية وغيرها من مباحث الحجج أو الأصول العملية، مما يكشف عن الحكم الشرعي أو الوظيفة المجعولة من قبل الشارع عند عدم اكتشافه. 

ولنصطلح على الأوّل منهما: (الاجتهاد العقلي)، بمعنى أن حجّيّة طرقه من اللوازم العقلية القهرية، وهي لا تخضع لتصرف الشارع فيها وضعاً ولا رفعاً. 

ولنصطلح على الثاني: (الاجتهاد الشرعي).. بمعنى أنَّ ثبوت الطريقية لها أو الحجّيّة مما تتوقف على جعل أو إمضاء من قبل الشارع. وسنتكلم فيها تبعاً لهذا التقسيم عندما نبلغ مواضعها من هذه الأحاديث.

ــــــــــ[47]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ما يتوقف عليه الاجتهاد العقلي

ويتوقّف الاجتهاد العقلي على خبرة ببعض القواعد الفلسفية والمنطقية وبخاصّة القواعد التي ترتكز عليها أُصول الأقيسة بمختلف أشكالها، ففيها وفي بقية قواعد المنطق -كما يقال- العصمة عن الخطأ في الفكر. شريطة أن تؤخذ من منابعها السليمة في أمثال جامعة النجف الأشرف، من الجامعات الإسلامية التي عنيت بالدراسات المنطقية والفلسفية، وإدخال بعض الإصلاحات عليها، لا ممّا أخذ وترجم حديثاً عن الغرب، لكثرة ما رأينا فيها من الخلط في المفاهيم وتحميلها لوازم غريبة، ينشأ أكثرها من عدم فهمهم لقسم من المصطلحات وتحديد مداليلها بكلّ ما حفلت به من قيود وشروط. 

ما يتوقف عليه الاجتهاد الشرعي

ويتوقّف القسم الثاني من الاجتهاد -أعني الاجتهاد الشرعي- على الإحاطة بعدّة خبرات، وهي تختلف باختلاف الطرق المجعولة أو الممضاة من قبل الشارع المقدّس. 

ففيما يتعلّق باستفادة الحكم من النصوص الشرعية غير القطعية في سندها ودلالتها نحتاج إلى عدّة خبرات:

  1. خبرة في تحقيق النصوص والتأكد من سلامتها من الخطأ والتحريف، وذلك بالتماس نسخها الخطّيّة على اختلافها أو طبعاتها إن كانت موجودة في مؤلّف مطبوع، ومقارنة بعضها ببعض واختيار أصحّها وأسلمها.
  2. التأكّد من سلامة رواتها ووثوقهم في النقل، بالرجوع إلى الثقاة من 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

أرباب الجرح والتعديل، والتماس واقعهم من خلال ما يكتب هؤلاء الأعلام.

  1. إلتماس حجّيتها باعتبارها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد إذا لم يعزز بدليل على حجّيّته من قبل الشارع -ولو من طريق الإمضاء- لا يسوغ العمل به، لعدم المؤمّن في سلوكه.

فإذا توفّرت لدينا كلّ هذه الأُمور عدنا إلى ما تضمنته تلك الروايات ونظائرها من آيات الكتاب العزيز، لنلتمس وسائل فهمها وتطبيقها. 

هذه الوسائل إنَّما تتوفر لنا إذا توفّرت فينا جملة تجارب وخبرات ويمكن حصرها في ما يلي:

  1. أن تكون لنا خبرة لغوية تؤهّلنا لأن نفهم ونؤرّخ مواد الكلمات على أساس زمني، لنتمكن من أن نضعها في موضعها ونفهمها على وفق ما كانو يفهمون من معانيها في زمنها، ولا يشترط أن نكون مستحضرين لمعاني جميع ما ورد في الكتاب والسنة من الألفاظ اللغوية بل تكفينا القدرة على استخراجها من مظانها، من أمثال مفردات (الراغب الأصفهاني) في غريب القرآن، ومجمع البيان في التفسير و (مجمع البحرين) و (نهاية ابن الأثير) في لغة الحديث.
  2. أن تكون لنا معرفة في وضع قسم من الهيئات والصيغ، كهيئات المشتقات والأوامر والنواهي وصيغ العموم والخصوص والاطلاق والتقييد وبعض المفاهيم، وما إليها مما عنيت به كتب أُصول الفقه ولم تعن به كتب اللغويين عناية هامّة.
  3. أن تكون على علم بمسائل النحو والتصريف، وحسبنا منها تمييز 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

مواضع حركات الإعراب وما تكشف من اختلاف المعاني. أمّا الغوص على استقراء العلل النحوية والآراء المختلفة منها فهذا ما لا ضرورة له بالنسبة إلى وظيفتنا في الاجتهاد.

  1. أن نكون على درجة عالية في فهم أساليب العرب من وجهة بلاغية وتقييمها وإدراك جملة خصائصها، وهذا لا يتأتّى غالباً إلَّا من دراسة كتب البلاغة القديمة لانشغالها عن مهمتها بمماحكات لفظية تتصل أكثر ما تتصل بتكثير المصطلحات وتنويعها وإثارة النقاش حولها، أمّا التماس النصوص البليغة ودراستها وتقييمها فهذا ما لا يتفق أن تعنى به إلَّا نادراً. 

وبما أنَّ أهم مصادر التشريع عندنا هو الكتاب والسنّة، وهما في أعلى مستويات البلاغة -وبخاصّة (القرآن) معجزة الإسلام الخالدة- فإن فهمها عادة لا يتأتى إلَّا للبلغاء من الناس وهم الذين توفّرت لديهم الخبرة من تتبع واستظهار وتقييم الكثير من النصوص البليغة في عصر القرآن.

  1. أن تكون لنا خبرة تاريخية واسعة لنحسن فيها أن نضع النصوص في موضعها الزمني وفي أجوائها وملابساتها الخاصّة، فربما غيّرت ملابسةٌ ما دلالةَ نصٍ بأكمله، كأن يكون في الملابسة من القرائن ما يصلح لصرف ذلك النص عن ظاهره أو تقييده في حدود تلكم الملابسة.

وبهذا نرانا في أمس الحاجة إلى معرفة أسباب النزول في الكتاب والمثير لتشريع الحكم في السنة لما يلقيان من أضواء على طبيعة الحكم، والذي نرجو أن لا يفهم من كلامنا هذا أنَّنا نؤمن بأنَّ المورد أو النسب يخصص الوارد، أو ندعو 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

إلى تقييد الوارد في المطلقات في حدود أسبابها، ولكنَّنا نؤمن بأنَّ المورد ربّما يكشف عن طبيعة الوارد ونوع ما يعمّم له من الأفراد. 

وأظن أنَّنا سندرك حاجتنا الكبيرة إلى هذه الخبرة في مجال المقارنة، عندما نعرض لجملة من الفتاوى المتناقضة نلتمس أسبابها، فنرى لأهواء الحاكمين مدخلية في خلقها والتماس الأدلَّة لها، حتّى صح للإمام الصادق أن يجعل في بعض الأخبار العلاجية مخالفة العامة من المرجحات(1)، ويريد بالعامّة أولئك الرعاع وقادتهم من الفقهاء الذين يسيرون بركاب الحكّام، ويبررون لهم جملة تصرفاتهم بما يضعون من حديث. 

وحسبك أن تعلم بأنَّ (أبا حنيفة لكثرة ما شاهده من الكذب كان لا يطمئن إلى أكثر من سبعة عشر حديثاً صحّت لديه(2) وأنّ (يحيى بن سعيد القطان) كان يقول “لو لم أرو إلَّا عمن أرضى ما رويت إلَّا عن خمسة” ومن حديث (يحيى بن معين) -وهو الرجالي المعروف- “كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور وأخرجنا به خبزاً نضيجاً”(3)

ومن الحق أن نلاحظ هنا أن كلمة العامّة لم تنصب في كلمات الإمام الصادق على مقلّدي أئمة المذاهب، فإنَّ هؤلاء الأئمة بين من لم يكن في عهد الإمام الصادق كـ(الشافعي وابن حنبل) لتكون لهما اتباع ومقلدون، 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

(1) مصباح الأُصول: ص422.

(2) مقدّمة ابن خلدون.

(3) الغدير: ج5، ص291، نقلاً عن تاريخ بغداد: ج4، ص184.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وبين من كان ولم يكن له من الاتباع ما يصلح لإطلاق هذه الكلمة عليه، على أنَّ عامّة الناس من السنة لم تجمع كلمتهم على هؤلاء إلَّا في عصور متأخرة جدّاً حيث أبطل (الظاهر بيبرس البندقداري) غيرها من المذاهب(1) في مصر. 

وعلى هذا فإنَّ كلمة الإمام الصادق لم توجه إلَّا إلى أولئك الكذابين من أذناب الحكّام من فقهاء ومحدّثين، ولذا نحتاج إلى التاريخ لمعرفة هؤلاء وأمثالهم.

  1. أن تكون لنا خبرة بأساليب الجمع بين النصوص، كتقديم الناسخ على المنسوخ والخاصّ على العامّ وحمل المطلق على المقيّد وكتعرف موارد حكومة بعض الأدلَّة على بعض أو ورودها عليها، ومعرفة الأُسس التي يمكن أن يستند عليها عند تحكم المعارضة بين المضامين وعدم إمكان الجمع بينها، على نحو ما عرض في أصول الفقه في مباحث الألفاظ ومبحث التعادل والتراجيح.
  2. أن نكون على ثقة -بعد اجتياز هذه العوامل وتحصيل ظهور النص- بحجّيّة مثل هذا الظهور. والظاهر أنَّ إثبات مثل هذه الحجّيّة ليس بعسير، لبداهة أنَّ الشارع لم ينفرد بطريقة خاصّة في عالم تفاهمه مع الناس، بل سار على وفق ما ساد في زمنه بل في جميع الأزمان وفي مختلف اللغات، من الأخذ بالظهور وترتيب لوازمه عليه، ولو انفرد لنقل ذلك إلينا بالتواتر كما تقتضيه العادة، ولا أقل من أخبار الآحاد وهما مفقودان معاً. 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

(1) أُنظر: خطط المقريزي: ج4، ص161، نقلاً عن دراسات في الفلسفة الاسلامية للغنيمي: ص122.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

كلّ ذلك ممّا يوجب القطع باعتماده على أصالة الظهور وترتيب لوازم الحجّيّة عليها حتماً.

هذا كلّه بالنسبة إلى النص، أمّا بالنسبة إلى غيره من الأدلّة والطرق فحسب الفقيه أن يحيط منها بما حرر في كتب الأصول الموسّعة ليعرف الحجّة منها من غيره وموارد جريانها وأصول تقديم بعضها على بعض، على أن يجتهد في ذلك كلّه ولا يقتصر على الأخذ برأي فريق دون فريق، فإنَّ التقليد في أُصول الفقه محق للاجتهاد من أساسه، بل الاجتهاد في واقعه لا يعدو معرفة هذه الحجج وموارد تطبيقها معرفة تفصيلية.

ــــــــــ[53]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن












ملكة الاجتهاد

 

وممّا تقدّم يتبيّن أنَّ ملكة الاجتهاد إنَّما تنشأ من الإحاطة بكلّ ما يرتكز عليه قياس الاستنباط، سواء منه ما وقع في صغرى القياس -كالوسائل التي يتوقف عليها النص وفهمه- أو كبراه، كمباحث الحجج والأُصول العملية. وإن السالك لطريق الاجتهاد لا يمكن أن يبلغ هذه المرتبة حتّى يمرّ بها جميعاً، ليكون على حجّة فيما لو أقدم على إعمال هذه الملكة. 

فالذي يعرف -مثلاً- وسائل تحقيق النصّ وفهمه دون أن يجتهد في معرفة بقيّة الحجج والأُصول لا يسوغ له أن يستنبط حكماً واحداً لعدم المؤمّن له من قيام حجّة يجهلها من الحجج الأُخرى، على خلاف هذا النص وقد تكون سمتها سمة الحاكم أو الوارد عليه، فقبل أن يعرف هذه الحجج والأُصول وموارد جريانها ورتبها -مع إمكان الفحص لتوفّر كتبها ومصادرها- لا يحصل له المؤمّن من عدم مدخليتها في الواقعة التي يريد استنباط حكمها من النص، ومع عدم المؤمّن لا يسوغ له الاجتهاد والاستنباط لعدم الحجّية على جواز مثله، والتقليد في عدم مدخليتها لتأخرها الرتبي أو لعدم حجّيتها مع أنَّه لا دليل على حجّية مثله فإنَّه يخرج صاحبه عن صدق العالم والفقيه عليه، فلا يكون مشمولاً لأدلّة الحجّية مهما كان مصدرها.

ــــــــــ[54]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 [تقسيم الاجتهاد إلى المطلق والمتجزئ]

وإذا صحّ هذا عدنا إلى ما ذكروه من التقسيم للاجتهاد من حيث إمكان التجزي وعدمه لنفحصه في هذا الضوء، فقد قسموا الاجتهاد إلى قسمين:

  1. الاجتهاد (المطلق) وأرادوا به “ما يقتدر به على استنباط الأحكام الفعلية، من أمارة معتدة أو أصل معتبر عقلاً أو نقلاً في الموارد التي يظفر فيها بها”(1). وهذا التعريف يلتقي مع تعريفنا السابق للاجتهاد في جملة من أسسه، باستثناء بعض المؤاخذات الشكلية التي لا تستحق الذكر.
  2. الاجتهاد (المتجزئ) وقد عرفوه بقولهم: “ما يقتدر به على استنباط بعض الأحكام”(2). وربما أوضح كلام (الغزالي) في المقام ما يمكن أن يراد من أمثال هذا التعريف، حيث قال -بعد ذكره لما يتوقف عليه الاجتهاد من علوم اجتماع- “هذه العلوم الثمانية إنَّما يشترط في حقّ المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، وليس الاجتهاد عندي منصباً لا يتجزء بل يجوز أن يقال للعالم أنَّه مجتهد في بعض الأحكام دون بعض، فمن يعرف النظر القياسي فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهراً في علم الحديث” (3).

وهذا الكلام صريح منه في أنَّ العالم ببعض الطرق يستطيع أن يعتمدها في استنباط الحكم دون حاجة إلى الاحاطة ببقية القواعد والأُصول. وهذا الكلام 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

(1) الكفاية: ج2، ص348، ط. رشتي.

(2) المصدر السابق.

(3) المراغي في رسالة الإسلام السنة الأولى: ج، ص352.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

لا يتضّح له وجه لغرابة مضمونه إذ إنَّ العالم الذي يعرف القياس وليست له المهارة في علم الحديث كيف يسيغ لنفسه أن يستنبط حكماً من قياسه وينسبه إلى الشارع؟ مع أنَّه يحتمل أن يكون في الأحاديث التي يتوقف تصحيحها على علم الرجال، وفهمها على توفّر وسائل الظهور، وتقديمها لدي المعارضة على المرجحات السندية أو الجهتية، وتشخيص رتبها على أصول الجمع بين الأدلة والحجج على اختلافها، ما يوقف الأخذ بهذا القياس. ومع ذلك فما هو المؤمّن له والمعذّر فيما لو أخطأ الواقع بهذا الحكم وعمل على وفقه؟ وهل يستطيع أن يجزم به وهو لا يعرف أُصول الاستنباط ورتبة القياس منها؟ 

[في إمكان الاجتهاد المطلق]

وعلى أي حال فقد أختلف العلماء في إمكان كلّ من الاجتهادين ووقوعهما على أقوال، والذي يبدو من بعضهم إحالة الاجتهاد المطلق وكأن وجهة نظرهم في ذلك ما يلاحظ من قصور البشر عن استيعاب جميع الأحكام المجعولة لأفعال المكلفين، على اختلاف مواضعها حتى المستجدة منها، ومثل هذا الاستيعاب ممتنع عادة على البشر المتعارف. وقد فهموا من الاجتهاد المطلق فيما يبدو فعلية استنباط جميع الأحكام، بينما فهم الآخرون من الاجتهاد المطلق القدرة على الاستنباط، وهي غير ممتنعة عادة. والذي يبدو أنَّ النزاع بينها لفظي لصدقها معاً في حدود فهمها للاجتهاد.

في إمكان الاجتهاد المتجزئ ووقوعه

أمّا المتجزئ فالأكثر -فيما يبدو من العلماء- على القول بإمكانه ووقوعه 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

كالغزالي(1) وابن الهمام(2) والرازي(3) والشيخ محمد بخيت(4) وغير واحد من أساتذتنا وقد نسب الشيخ الرشتي القول بعدم إمكان التجزي إلى الشذوذ(5).

وقد انفرد صاحب الكفاية -فيما نعلم- بالقول بوجوب التجزي فضلاً عن إمكانه ووقوعه. 

قال في الكفاية “وحيث كان أبواب الفقه مختلفة مدركاً، والمدارك متفاوتة بسهولة وصعوبة عقلية ونقلية مع اختلاف الأشخاص في الإطلاع عليها في طول الباع وقصره بالنسبة إليها فربّ شخص كثير الإطلاع وطويل الباع في مدرك باب بمهارته في العقليات والنقليات وليس كذلك في آخر لعدم مهارته فيها وابتنائه عليها وهذا بالضرورة ربما يوجب حصول القدرة على الاستنباط في بعضها لسهولة مدركه ولمهارة الشخص فيه مع صعوبة مع عدم القدرة على ما ليس كذلك بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مبسوط بالتجزي للزوم الطفرة”(6) وكأن العقدة في دعوى عدم إمكانه هو أخذهم الملكة أو الاستنباط في تعريفه والتزامهم ببساطتهما، وعدم إمكان التجزءة فيهما، لذلك صاروا في مقام حل هذه العقدة.

ــــــــــ[57]ــــــــــ

(1) المراغي في رسالة الإسلام السنة الأولى: ج93، ص352.

(2) المراغي في رسالة الإسلام السنة الأولى: ج93، ص352.

(3) سلم الوصول لعلم الأُصول ص342.

(4) نفس المصدر.

(5) حاشية الرشتي على الكفاية.

(6) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

يقول صاحب المصباح: “والتحقيق ما عليه الأكثر من إمكانه لا الامتناع ولا الوجوب، فإن المراد من التجزي هو التبعيض في أجزاء الكلّي لا التبعيض في أجزاء الكل، إذ كما أنَّ كل حكم من الأحكام الشرعية في مورد مغاير للأحكام في موارد آخر فكذلك استنباطه مغاير لاستنباطها، فملكة استنباط هذه المسألة فرد من الملكة، وملكة استنباط تلك المسألة فرد آخر منها، وبساطة الملكة أو الاستنباط -يشير إلى من أخذ  الاستنباط في تعريف الأُصول ولم يعتبره من الملكات ومع ذلك التزم ببساطة ذلك الاستنباط- لا تنافي التجزي بهذا المعنى كما هو ظاهر-. وحيث إنَّ مدارك الأحكام مختلفة جداً فربّ حكم بهذا المعنى يبتني استنباطه على مقدّمات كثيرة فيصعب استنباطه، وربما حكم لا يبتني استنباطه إلَّا على مقدّمة واحدة فيسهل استنباطه. 

ومع ذلك يمكن أن يقال: إنَّ القدرة على استنباط حكم واحد لا يكون إلَّا مع القدرة على استنباط جميع الأحكام، وبالجملة حصول فرد من الملكة دون فرد آخر منها بمكان واضح من الإمكان، لا يحتاج تصديقه أكثر من تصوره. ولعلّ القائل بالاستحالة لم يتصوّر المراد من التجزي في المقام واشتبه تبعيض أفراد الكلّي بتبعيض أجزاء الكلّ، فإن الثاني هو الذي تنافيه البساطة ولا دخل له في المقام”(1).

التحقيق في المقام

والذي يبدو لي أنَّ القائلين بعدم التجزي لعدم إمكانه أقرب من غيرهم، لا لما ذكروه من بساطة الملكة وعدم بساطتها ليقال بأنَّ التجزئة هي في مصاديق 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) مصباح الأُصول ص421ـ 422.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الكلّي لا في أجزاء الكل، أو ليقال إنَّ الملكة توجد ضيقّة(1) على قدر استنباط بعض الأحكام ثم تتسع بعد ذلك، بل لما قلناه في مدخل البحث من أنَّ حقيقة الاجتهاد هو المتوفر على معرفة تلكم الخبرات والتجارب على اختلافها، فمع توفّرها توجد الملكة ومع فقد بعضها تنعدم، لا أنَّها توجد ضيقة أو يوجد بعض مصاديقها، كما يبدو ذلك من الغزالي في كلامه السابق.

ولست أخال أنَّ أحداً من أساتذتنا يلتزم بأنَّ المجتهد في خصوص مباحث الألفاظ -مثلاً- مجتهد متجزي لحصوله على بعض مصاديق ملكة الاجتهاد، لأنَّ الملكة التي تحصل من دراسة مباحث الألفاظ لا تكون اجتهاداً ما لم تنضم إليها بقيّة الملكات، فهي أشبه ما تكون بجزء العلّة، فما لم ينضم إليها بقيّة الأجزاء لا يتحقق معلولها، ومع انضمام البقية تتحقق الملكة مطلقة وإن لم يستنبط صاحبها مسألة واحدة.

وصعوبة الاستنباط لابتناء بعض المسائل على مقدّمات لا تنافي حصول الملكة في أولى مراتبها المستلزمة للقدرة على استنباط هذه الأحكام، ونحن لا ننكر أنَّ ملكة الاجتهاد ذات مراتب تقوى وتضعف تبعاً لدرجة إعمالها كأيّة ملكة أُخرى، ولكن أولى مراتبها بعد خلقها بتوفر أسسها، ومعداتها كافية لصدق الإطلاق عليها لقدرة صاحبها على استنباط أية مسألة تعرض عليه، وإن أوجبت صعوبة عليه في بعضها، نتيجة لابتنائها على مقدّمات طويلة يحتاج استيعابها إلى جهد. 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

(1) الكفاية: ج2، ص351 رشتي.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

والذي أخاله أن الخلط بين الملكة وإعمالها هي سبب الاضطراب في كلمات بعض أولئك الأعلام، والتجزي في مقام إعمال الملكة يكاد يكون من الضروريات بل لا يوجد في هذا المورد اجتهاد مطلق أصلاً، ودعوى امتناعه بهذا المعنى لا تخلو من أصالة لامتناع إعمال الملكة في استنباط جميع الأحكام حتى التي لم توجد موضوعاتها بعدُ، كالأمور المستجدة لبشر عادي. ومع غض النظر عن هذه الناحية فالتزام صاحب الكفاية بوجوب التجزي لا يخلو من وجه لامتناع إعمال الملكة دفعة واحدة في جميع المسائل، بل لا بُدَّ في مقام استيعابها من التدرج فيها. 

وعلى هذا النحو من الخلط تنزل جميع أدلّتهم ومنها ما استدل به الأستاذ (عمر عبد الله) على لزوم التجزي بقوله “لو لم يتجزأ الاجتهاد للزم أن يكون المجتهد عالماً بجميع الأحكام وذلك باطل قطعاً؛ فقد سئل كثير من المجتهدين عن مسائل فأجابوا عن بعضها ولم يجيبوا عن البعض الآخر” (1). وهذه الملازمة إنَّما تتم إذا أراد من الاجتهاد إعمال الملكة ومن العلم بجميع الأحكام فعلية العلم، وإلَّا فمع الالتزام بكون الاجتهاد ملكة لا يلزم المجتهد العلم بمسألة واحدة فضلاً عن جميع المسائل، وكذا لو أردنا من العلم شأنية العلم إذ لا مانع من أن يكون لصاحب الملكة شأنية العلم بجميع المسائل. ومع تمامية الملازمة فاللازم لا يكون باطلاً لما ذكره من سؤال بعض المجتهدين وعدم إجابتهم للجهل، لجواز أن يتسرب الشكّ إلى اجتهادهم قبل أن يتسرب إلى القاعدة، 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

(1)  سلم الوصول ص342.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

فالأنسب تعليل بطلان اللازم بامتناع الإحاطة بجميع الأحكام عادة.

والغريب أن يقع بعض القائلين بامتناع التجزي بنفس المفارقة من الخلط وإعمالها، فالأستاذ (خلّاف) في الوقت الذي يعلل فيه عدم إمكان التجزي بقوله “لأن الاجتهاد كما يؤخذ ممّا قدّمناه أهلية وملكة يقتدر بها المجتهد على فهم النصوص واستثمار الأحكام الشرعية واستنباط الحكم فيما لا نص فيه فمن توافرت فيه شروط الاجتهاد وتكونّت له هذه  الملكة لا يتصوّر أن يقتدر بها في موضوع دون آخر” يعود فيقع بالمفارقة نفسها عندما يتم دليله فيقول “وقد يكون هذا المجتهد في أحكام الزواج مبدأً أو تعليلاً تقرّر في أحكام البيع فلا يكون مجتهداً إلَّا إذا كان على علم تام بأحكام القرآن والسنّة حتّى يصل من مقارنة بعضها ببعض ومن  مبادئها العامّة إلى الاستنباط الصحيح”. 

وموضع المفارقة أنَّ العلم بأحكام القرآن أو السنّة إنَّما يحتاج إليها المجتهد في مجالات تكوّنها. على أنَّ هذا التعميم في العلم لجميع أحكامها لا يحتاج إليه مجالات إعمال الملكة وإلَّا لتعذر عليه استنتاج حكم واحد أو تعسر على الأقل، بل يكفيه منها فحصه عن مواضع الأدلّة من الآيات والروايات وغيرها في موضوعات الفقه والحديث على نحو يحصل له الاطمئنان بكفاية ما وصل إليه لاستنباط الحكم الذي يريد استنباطه من أدلته.

تقسيم الاجتهاد بلحاظ مراتب المجتهدين

وتقسيم آخر للاجتهاد ذكروه بلحاظ مراتب المجتهدين وذكروا له أقساماً خمسة هي:

ــــــــــ[61]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

  1. الاجتهاد المطلق أو الاجتهاد المستقل: وحدّدوه بـ(أن يجتهد الفقيه في استخراج منهاج له في اجتهاده على نحو يكون مستقلاً في منهاجه، وفي استخراج الأحكام على وفق هذا المنهاج. أو هو كما يعبّر العلماء مجتهد في الأُصول وفي الفروع).
  2. الاجتهاد في المذهب: ويريدون به أن يجتهد الفقيه المنتسب إلى مذهب معيّن في الوقائع على وفق أُصول الاجتهاد التي قرّرها إمام ذلك المذهب (وقد يخالف الواحد منهم مذهب زعيمه في بعض الأحكام الفرعية، ومن هؤلاء الحسن بن زياد في الحنفية، وابن القاسم وأشهب في المالكية، والبويطي والمازني في الشافعية. وقد أطلق الأستاذ أبو زهرة(1) على الفقيه من هذا القسم أسم المجتهد المنتسب.
  3. الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن إمام المذهب وفق الأُصول المجعولة من قبله، وبالقياس على ما اجتهد فيها من الفروع، كالخصاف والطحاوي والكرخي من الحنفية، واللخمي وابن العربي وابن رشيد من المالكية، والغزالي والأسفرابيني من الشافعية.
  4. اجتهاد أهل التخريج: وهو الاجتهاد الذي لا يتجاوز “تفسير قول مجمل من أقوال أئمتهم، أو تعيين وجه معيّن لحكم يحتمل وجهين. فإليهم المرجع في إزالة الخفاء الذي يوجد في بعض أقوال الأئمة وأحكامهم، ــــــــــ[62]ــــــــــ

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة، ص537.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

كالجصاص وأضرابه من علماء الحنفية”(1).

  1. اجتهاد أهل الترجيح: ويراد به الموازنة بين ما روي عن أئمتهم من الروايات المختلفة وترجيح بعضها على بعض، من جهة الرواية أو من جهة الدراية، كأن يقول المجتهد منهم: (هذا أصح رواية وهذا أولى النقول بالقبول. أو هذا أوفق للقياس أو أرفق للناس). ومن هؤلاء القدوري وصاحب الهداية وأضرابهما من علماء الحنفية.

مناقشة التقسيم

وربما كان الأنسب تبعاً لأُصول القسمة أن يوزع الاجتهاد إلى قسمين مطلق ومقيّد، والمقيّد إلى الأقسام الأربعة المذكورة لوجود قدر جامع بينهما، وهو الاجتهاد المقيّد وفق أُصول مذهب معيّن، وهذا الاجتهاد المقيّد هو القسيم للاجتهاد المطلق.

وفي حدود ما سبق أن ذكرناه من أنَّ الاجتهاد ملكة لا توجد لصاحبها إلَّا بعد توّفره على تلكم الخبرات والتجارب ومعرفتها معرفة تفصيلية، أو كما قلنا إنَّ الاجتهاد في الحقيقة لا يعدو الاجتهاد في أُصول الفقه مع توفّر المقدمات، وهو مناط جملة أحكامه الآتية من حرمة التقليد بالنسبة إلى المجتهد ونفوذ قضائه وجواز رجوع الغير إليه في التقليد أو لزومه أحياناً.

فإن قلت في حدود ذلك هذا التقسيم لا يصبح ذا موضوع لبداهة أنَّ المجتهد المقيّد ليس مصداقاً للمجتهد بهذا المفهوم لعدم توفّر المعرفة التفصيلية ــــــــــ[63]ــــــــــ

(1) خلاصة التشريع الإسلامي، ص343.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

لأُصول الفقه له، إذ مع توفّرها فيه وقيام الحجّة لديه -مثلاً- على بطلان أصل من أصول إمامه كيف يسوغ له أن يجعل ذلك الأصل في مجال استنباط الحكم الشرعي وهو يعلم بفساده؟ وإذا لم يعمله وأعمل ما انتهى إليه اجتهاده خرج عن كونه مجتهداً مقيّداً.

على أنَّ جميع ما ذكروه للاجتهاد من تعاريف لا ينطبق على شيء من أقسام المقيّد، لأخذهم العلم أو الظن أو الحجّة على الحكم الشرعي في مفهومه.

والمجتهد المقيّد في أقسامه الأربعة لا ينتهي باستنباطه -إنَّ صح إطلاق الاستنباط على قسم منهم- إلى الحكم الشرعي، وتمامية ما ينتهي إليه هو رأي إمامه فعلاً أو تقديراً، فكون ما انتهى إليه هو الحكم الشرعي بحكم ما أعمل من قواعد هذا الإمام وأُصوله إمّا العلم أو الظن بكونه حكماً شرعياً. فإنَّ هذا لا يحصل إلَّا لمن قامت لديه الحجّة التفصيلية على ذلك، وهي لا تكون إلَّا للإمام نفسه لا للمستنبط وفق قواعده وأُصوله.

والحقيقة إنَّ هذا التقسيم أشبه بتقسيم الشيء إلى نفسه والى غيره، وما أحسن ما صنعه الأُستاذ خلّاف(1) من عدّ هذه الأقسام الأربعة في عهد التقليد من كتابه (التشريع الإسلامي) بالرغم من إطلاق كلمة الاجتهاد عندهم.

المراحل والأدوار التشريعية 

وما دمنا قد بلغنا من حديثنا إلى هذا الموضع فإنَّ من الحق أن نتعرف ولو على سبيل الإجمال على المراحل والأدوار التشريعية، لنعرف منها ما يمكن أن 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) خلاصة التشريع الإسلامي، 309 وما بعدها.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ينتظم من اعلامها في بحثنا المقارن وما لا ينتظم. لنطلع على وجهتي نظر من آمن بضرورة إيقاف حركة الاجتهاد بسد بابه وتحريم الرجوع إلى غير المذاهب الأربعة من الأئمة، ومن آمن بضرورة إبقاء الباب مفتوحاً أمام الباحثين والمجتهدين حتى عصرنا الحاضر وتسويغ الرجوع إلى كل مجتهد توفّرت فيه شرائط التقليد. مع بيان حكم المسألة ودليله على أساس مقارن.

وعلينا توزيع هذه المراحل حسبما مرّت به من عهود تشريعية إلى ثلاثة:

  1. وهي المرحلة التي وجدت قبل أن تحدد المفاهيم الأصولية، وتشخص مواضيع جريانها، وأسلوب الجمع بينها عند المعارضة، وتعيين رتبها. كلما هنالك ألفاظ غير محدودة لقواعد أصولية كالقياس والرأي والاستصحاب والعموم والخصوص كانت تجري على ألسنتهم -على شك في صحّة نسبة جريان بعضها إليهم- وهي المرحلة التي مرّ بها الصحابة والتابعون على الأكثر، وربما استغرقت أكثر من نصف القرن الأوّل من الهجرة. ومثل أعلام هذا العهد لا نستطيع أن نعتمد ما نعثر عليه من آرائهم في مجال المقارنة ما لم يصرح بدليله أو نعثر على ما يصلح الاستدلال له من الأدلّة ليمكن مقارنته بغيره.
  2. مرحلة تمذهب المذاهب وتأصيل الأُصول وهي المرحلة التي نضج فيها الاجتهاد وتميّزت فيه المذاهب الأصولية على يد تلامذة الإمام الصادق، من أمثال هشام بن الحكم ومؤمن الطاق ومن في طبقتهم من أئمة المذاهب، كمالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ثم الشافعي وابن حنبل. وقد تطورت بعد ذلك وتشعبت على أيدي تلامذتهم حتى بلغت أواخر القرن الرابع حيث ابتدأت.

ــــــــــ[65]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

  1. مرحلة التقليد التي وقفت فيها مرحلة الاجتهاد وتجمد الناس وأصبحوا يدورون في فلك السابقين من أئمة المذاهب لا يعدونها بحال. 

عوامل سد باب الاجتهاد

وقد أرجع الأستاذ خلاف أسباب هذا الجمود إلى عوامل أربعة نجعلها بما يلي:

  1. انقسام الدولة الإسلامية إلى عدّة ممالك، وتناحر ملوكها ووزرائها على الحكم، ممّا أوجب انشغالهم عن تشجيع حركة التشريع وانشغال العلماء تبعاً لذلك بالسياسة وشؤونها.
  2. انقسام المجتهدين إلى أحزاب لكل حزب مدرسته التشريعية وتلامذتها، ممّا دعا إلى تعصب كلّ مدرسة لمبانيها الخاصّة أصولاً وفروعاً، وهدم ما عداها، حتى صار الواحد منهم لا يرجع إلى نص قرآني أو حديث إلا ليلتمس ما يؤيد مذهب إمامه، ولو بضرب من التعسف في الفهم والتأويل، وبهذا فنيت شخصية العالم في حزبيته، وماتت روح استقلالهم العقلي، وصار الخاصّة كالعامّة اتباعاً مقلدين(1).
  3. انتشار المتطفلين على الفتوى والقضاء وعدم وجود ضوابط لهم ممّا أدى إلى تقبّل سد باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع، وتقييد المفتين والقضاء بأحكام الأئمة السابقين، حيث عالجوا الفوضى بالجمود.
  4. شيوع الأمراض الخلقية بين العلماء من التحاسد والأنانية (فكانوا إذا 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() خلاصة التشريع الإسلامي: 341ـ 342.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

طرق أحدهم باب الاجتهاد فتح على نفسه أبواب التشهير به، وحطّ أقرانه من قدره، وإذا أفتى في واقعة برأيه قصدوا إلى تسفيه رأيه وتفنيد ما أفتى به بالحق وبالباطل. فلهذا كان العالم يتقي كيد زملائه وتجريهم بأنَّه مقلّد وناقل لا مجتهد ومبتكر، وبهذا ماتت روح النبوغ ولم ترفع في الفقه رؤوس وضعفت ثقة العلماء بأنفسهم وثقة الناس بهم فولوا وجههم مذاهب (الأئمة السابقين) وجاء بعد ذلك -كما سبق أن ذكرناه في محاضرة سابقة- (البندقداري) فقصر المذاهب في مصر على الأربعة المعروفة وحرم الرجوع إلى غيرها.

الاجتهاد عند الشيعة

وهذه العوامل التي ذكرها الأستاذ (خلّاف) لم تؤثّر على الشيعة الإمامية ليسدوا على أنفسهم باب الاجتهاد، وربما كان بعضها بالنسبة إليهم غير ذي موضوع كالتحاسد والتنابذ وفوضى التشريع، إذ لم نجد في النصوص الصحيحة -ما يشير إلى ذلك بوجه عام-، ولكن عاملاً آخراً كاد أن يؤثّر عليهم فيسد هذا الباب في القرن الخامس وهو عظم مكانة الشيخ الطوسي في نفوس تلامذته، حيث استأثر في نفسهم بالمقام الأسمى حتى تركهم يؤمنون بأن ما كان يأتي به لا يقبل الجدل والنقاش، وقد قيل إن كتبه المعروفة في الفقه والحديث لعظم مكانتها خدرت العقول وسدّت عليها منافذ التفكير في نقدها قرابة قرن(1)

وقد كان لموقف حفيده ابن إدريس منها الفصل الأول في إعادة الفقه إلى النفوس، وفسح المجال أمامها لتقييمها ونقدها والنظر في أصولها وقواعدها، 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) محمود الشهابي مقدمة فوائد الأصول.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وبهذا استمر فتح باب الاجتهاد بعد أن كاد أن يغلق من الأساس وتوسعت وتعمقت على يد المتأخرين إلى حدّ لم يسبق له أي نظير.

هل اجتهاد الشيعة مطلق أو منتسب

والغريب من الأُستاذ (ابن زهرة) أن يحاول تأخير رتبة المجتهد لدى هذه الطائفة عن مرتبة الاجتهاد المطلق إلى الاجتهاد النسبي، لاعتقاده بأنَّه (رسمت له المناهج من بيان أحكام النسخ والعموم وطريق الاستنباط والتعارض بين الأخبار وحكم العقل وإن لم يكن نص) وكلّ هذا يقتضي أن يطبق في اجتهاده لا أن يرسم ويخطط، فهو يسير في اجتهاده على خط مرسوم لا يعدوه ولا يبتعد عنه يمنة ولا يسرة، وبهذا النظر لا يكون في درجة المجتهد المنتسب(1)

وكأنَّه لاحظ استدلالهم في كتب الأُصول على حجّيّة بعض المباحث في كلام أئمتهم وهو لا يريد أن يعترف لأئمتهم بالعصمة ولا بكونهم ملهمين، ولا بقيام الدليل لديهم على حجّية قولهم كما قام عند غيرهم بالنسبة لمذهب الصحابي على الأقل الذي اعتبروه من الحجج، بل أراد لهم أن يكونوا كسائر الأئمة من المجتهدين، وشيعتهم مقلدون لهم في الأُصول غافلاً عن تصريحات أئمتهم بأنَّهم في أحاديثهم لا يعدون أحاديث رسول الله ولا يتجاوزونها بحال، فما يستدل به من أقوالهم إنّما هو من حديث رسول الله وبعضه بإملاءه وخط علي(2).

ــــــــــ[68]ــــــــــ

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة، ص540.

(2) راجع رجال النجاشي ص455 ترجمة محمود بن عذافر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

على أنَّ أدلّة الشيعة على الحجج على اختلافها لم تقتصر على أحاديث أهل البيت وهم عدل الكتاب في حديث الثقلين، بل تجاوزتها إلى الكتاب العزيز والسنة النبوية والسيرة القطعية وبناء العقلاء وحكم العقل وغيرها ممّا أفاضت به كتب الأُصول، والظاهر أنَّ السيد (أبا زهرة) لم يقرأ من كتب الأُصول لدى الشيعة إلّا ما ألّف في قرون سابقة كما يشهد بذلك ما اعتمده من الكتب، ولم يستطع أن يواصل السير إلى دراسة كتب المتأخرين أمثال (فرائد الأُصول) و(الكفاية) وشروحهما ونظائرهما، وكتب التقريرات المتأخّرة. وربما لم تقع بيده أو وقعت ولم يستطع فهمها لدقة مبانيها وغموض مصطلحاتها، ولو قرأها فتدبرها لصحح الكثير من آراءه في كتبه عن اجتهاد الشيعة وبخاصّة كتابيه (أُصول الفقه الجعفري) و(الإمام الصادق)، والذي نرجوا أن يعلم هو وأمثاله من الكتّاب أنَّ مجتهدي الشيعة لا يسيغون نسبة أي رأي يكون وليد الاجتهاد إلى المذهب ككل، سواء كان في الفقه أو الأُصول أو الحديث، بل يتحمل كلّ مجتهد مسؤولية رأيه الخاصّ. بل لا يصحّ نسبة شيء إلى المذهب إلَّا ما كان من ضرورياته خاصّة.

ما استدلوا به على سد باب الاجتهاد 

أمّا سد باب الاجتهاد فلم يجد الشيعة ما يسيغه من الأدلّة الشرعية، كما لم يجدوا من الأدلّة ما يحرم الرجوع إلى غير جماعة من المجتهدين مهما كان شأنهم، وربما وجدوا في الأدلّة ما يحضر التقليد على غير الأحياء من المجتهدين مع توفّر الشرائط فيهم. 

أمّا أهل السنّة فقد التمس بعضهم الأدلّة على حرمة الرجوع إلى غير الأئمة 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الأربعة كابن الصلاح، حيث أدّعى إجماع المحققين على عدم جواز الرجوع إلى غيرهم. يقول صاحب (الأشباه) “الخامس مما لا ينفذ القضاء به ما إذا قضى بشيء مخالف للإجماع وهو ظاهر. وما خالف الأئمة الأربعة مخالف للإجماع وإن كان فيه خلاف لغيره فقد صرّح في (التحرير) أنَّ الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة لانضباط مذاهبهم وكثرة اتباعهم”(1).

وقد رأينا في المتأخرين من يوافقه على هذا الحكم فتوىً ودليلاً كالشيخ محمد عبد الفتاح الغناني وزملاءه في لجنة الفتيا في الأزهر الشريف(2)، ومثل هذا الإجماع غريب في بابه. 

وما أحسن ما ناقشه الشيخ (المراغي) في رسالته عن الاجتهاد في الشريعة صغرى وكبرى.

فمن حيث الصغرى نسأل أولاً عن إمكان تحصيل مثل هذا الإجماع. قال: “إن محققي العلماء يرون استحالة الإجماع ونقله بعد القرون الثلاثة الأولى نظراً لتفرق العلماء في مشارق الأرض ومغاربها واستحالة الإحاطة بهم وبآرائهم عادة” “وهذا رأي واضح كل الوضوح لا يصحّ لعاقل أن ينازع فيه، وإذا كان هذا واضحاً بالنسبة لإجماع المجتهدين وهم أقل عدداً بلا ريب من المحققين، فكيف عرف إجماع المحققين؟”(3) وتساؤل ثانياً عن قيمة ابن الصلاح مدعي 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() الاجتهاد في الشريعة للمراغي: ص357.

(2) عبد المتعالي الصعيدي في كتابه (من أين نبدأ)، ص114.

(3) الاجتهاد في الشريعة للمراغي، ص357. من رسالة الإسلام س1 ج3.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

هذا الإجماع فقال “ابن الصلاح هذا فقيه مقلّد فكيف يؤخذ برأي فقيه مقلّد ليس واحداً من الأئمة الأربعة؟ وكيف ينسخ الإجماع برأي واحد لا يصح تقليده والأخذ بقوله؟”(1) وبخاصّة بعد سد باب الاجتهاد.

ثم ناقش فيه من حيث ناحية الكبرى بقوله “ليس لإجماع المحققين قيمه بين الأدلّة الشرعية، فهي محصورة: كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المجتهدين والقياس على المنصوص، ولم يعدّ أحد من الأدلّة الشرعية إجماع المحققين، فكيف برز هذا الإجماع وأخذ مكانته بين الأدلّة وأصبح يقوى على نسخ إجماع المسلمين؟”(2).

وقد أطال في تفنيد هذا النوع من الإجماع على نحو لم يبق له مقاماً بين الأدلّة فليراجع. 

على أنَّ هذا الإجماع كما مرّ معلل بعلّتين: بانضباط مذهبهم وانتشارها وكثرة أتباعهم، والإجماع متى عرف مستنده -كما يأتي- فقد حجّيته كدليل وتحول الكلام إلى مستنده. وهاتان العلّتان لا يثبتان حكماً ولا ينفيان، إذ متى كان كثرة الأتباع وضبط المذهب من الحجج المانعة من الأخذ بقول الغير؟ وربما كان الغير أعلم وأوصل إلى الحكم الواقعي وفتواه موجودة محرّرة، كما إذا كان معاصراً للمستفتي يمكنه الرجوع إليه والأخذ منه.

وانضباط هذه المذاهب لو تمّ فهو لا يمنع انضباط غيرها، كما نشاهد اليوم 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

(1) الاجتهاد في الشريعة للمراغي، ص357. من رسالة الإسلام س1 ج3.

(2) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

في الكثير من آراء الفقهاء فالحق ما ذهب إليه الشيعة ومن تبعهم من العلماء في فتح باب الاجتهاد كالشيخ المراغي وأضرابه من علماء السنة المعاصرين. 

بقي للشيخ المراغي كلام لا يلتئم مع دعواه في فتح باب الاجتهاد التي مهد لها بقوله: “ليس ممّا يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها إن ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والأصول لا يكفي لفهم خطاب العرب ولا لمعرفة الأدلّة وشروطها، وإذ صحّ هذا فيا ضيعة الأعمار والأموال التي تنفق في سبيلها”(1) إلى أن يقول: (وإني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد أخالفهم في رأيهم وأقول: إن في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيه شروط الاجتهاد ويحرم عليه التقليد)(2)

والكلام هو قوله (والواقع أنَّه في أكثر المسائل التي عرضت للبحث وافتى الفقهاء فيها لم يسبق للمجتهد إلَّا اختيار رأي من آرائهم فيها، أمّا الحوادث التي تجد فهي التي تحتاج إلى آراء محدثة)(3). وكأنَّه فهم من الاجتهاد أنَّه إحداث رأي جديد وهو لا يكون إلَّا في الأُمور المستحدثة لاستيعاب الفقهاء مختلف الأقوال في المسألة المبحوثة غالباً ووظيفة المجتهد بالنسبة إليها اختيار واحد منها، مع أنَّ الاجتهاد استنباط الأحكام من الأدلّة سواء وافق رأي المستنبط رأي الآخرين أم خالفهم، وكونهم مستوعبين للأقوال فيها لا يسقط عنه وظيفة 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) رسالة الإسلام المصدر السابق: ص350.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

إعمال ملكته في مقابلهم حتى ينتهي إلى ما ينتهي إليه. ولماذا يختار رأياً من آرائهم إلَّا أنَّه يعتقد أنَّ أولئك السابقين أوصل منه وأعرف وأُصولهم ومبانيهم بيده وفيها ما ربّما لم يكن ليرتضيه لعدم نهوض الحجّة لديه عليه؟ وهل يسوغ للمجتهد أن يقلّد وبيديه أُصول الاستنباط يستطيع الرجوع إليها متى شاء؟ وهو نفسه يلتزم بحرمة التقليد على مثله كما هو صريح كلامه السابق. 

والذي ننتهي إليه من مجموع هذا البحث أنَّ الذي يدخل ضمن بحثنا المقارن من آراء إخواننا أهل السنّة هم المجتهدون المطلقون، أعني أئمة المذاهب الأربعة ومن عاصرهم أو جاء بعدهم من الأئمة إلى عهد التقليد، ومن الشيعة نأخذ آراء مجتهديهم على الإطلاق شريطة أن تكون معللة. أمّا بقية الأقسام من المنتسبين والمخرجين وغيرهم فحسبنا من اعتمادهم نقل آرائهم الحاكية عن آراء أئمتهم، وتكون مناقشتها على أساس مباني أولئك الأئمة لا غير. 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن







أنواع الحجج من حيث العلم

 

وإذا تمّ لنا ما نريده من معرفة أقسام المجتهدين وما ينتظم منها في مجال بحثنا المقارن عدنا لنتسائل عن مجالات إعمالهم لهذه الملكة. وأظن أن الإجابة على هذا التساؤل تتوقف على معرفة أنواع الحجج من حيث العلم، وهي تنقسم تبعاً لقيامها للعلم المتعلق بها إلى قسمين:

  1. ضرورية.
  2. نظرية.

والمراد بالضرورية فيها ما لا يحتاج في حصولها إلى كتب ونظر وفكر، بخلاف النظرية لاحتياجها إلىها.

والأولى منهما: وهي التي تتعلق بضروريات الإسلام كـ(أصل وجوب الصوم والصلاة المفروضة والحجج) وغيرها ممّا يعتبر انكارها انكاراً لأصل الإسلام خارجة تخصّصاً عن نطاق الاجتهاد، لما أخذ في مفهومه من بذل الجهد والطاقة في تحصيل الحجّة على الحكم أو الوظيفة والعلم بهذه الأحكام لا جهد فيه ليدخل ضمن نطاقه وتشمله أحكامه. 

والثانية منهما: هي التي تدخل ضمن نطاقه، لاحتياج تحصيل العلم بها إلى كسب وفكر. ولا يتفاوت ذلك بين أن تكون مصادرها هي الكتاب والسنّة أو 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

غيرهما، كما لا يتفاوت أن تكون النصوص التي يستفاد منها الحكم مقطوعة الصدور كالكتاب العزيز والسنة المتواترة والخبر المحفوف بقرائن توجب القطع ومقطوعة المضمون، كما لو كانت نصّاً في مدلولها أو مظنونها، إذا كان القطع بها أو الظن ممّا يحتاج تحصيله إلى كسب ونظر وفكر.

وما يقال عن أنَّ الاجتهاد لا ينتج إلَّا حكماً ظاهرياً وما تنهي إليه النصوص القطعية هو الحكم الواقعي فكيف تدخل ضمن نطاقه ليس بتامّ على إطلاقه، وعموم التعريف لهما بالنسبة إلى عمل المجتهد، لأنَّ بذل الجهد في تحصيل الحجّة على الحكم لا يفرق فيه بين العلم الوجداني أو العلم التعبدي. نعم، هذا الكلام تام إلى عمل مقلديه، حيث إنَّ رأيه بالنسبة إليهم لا يتعدّى الحكم الظاهري لجعله في حال الشكّ وعدم معرفة الحكم معرفة تفصيلية.

وما يقال عن النصوص القطعية يقال عن الإجماع إذا استوجب القطع به، وبما قام عليه إلى بذل الجهد والكلمة المعروفة (لا اجتهاد في مورد النص) أو (لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نص قطعي صريح)(1) لا يراد من كلمة الاجتهاد فيها الاجتهاد بمفهومه العامّ وإنّما يراد منها الاجتهاد بمفهومه الخاصّ، أي إعمال الرأي في مقابل هذه النصوص وهو الذي ينهي إليه القياس والاستحسان وغيرهما ممّا سبقت الإشارة إليه -ويأتي الحديث عنه مفصلاً- لجعل حجّيّتهما بناء عليها في حال الشكّ.

وإذا تذكّرنا مراتب الأدلّة السابقة عرفنا أيضاً موقع النصوص القطعية أو 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع الإسلامي خلاف ص8.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الإجماع القطعي منها لحكومتها على بقيّة الأدلّة، إذ مع القطع بالحكم الواقعي لا يبقى مجال للقطع التعبدي بواسطة الطرق والأمارات، لاعتبار حجيّتها في حال الشكّ في الحكم، ومع وجود العلم لا يبقى شك بمجيئ دور هذا القسم من الاجتهاد المستند إلى الأمارة أو الأصل، وكذا مع القطع التعبدي (بواسطة الأمارة) لا يبقى مجال للأصل لأخذ الشكّ في موضوعه وقيام الأمارة بجعل المكلف غير شاك تعبداً، ومع عدم الشكّ لا موضوع للأصل وهو معنى حكومة الأمارات على الأصول مطلقاً؛ وهكذا بقية المراتب.

فما ذكره الأستاذ خلّاف من إطلاق القول بأن النصوص القطعية والإجماع لا مجال فيهما، وإنّما مجاله في النصوص الظنية وفيما لا نص فيه، على أن يكون الاجتهاد في النصوص الظنية ضمن ما يفهم من النص، لا يبدو له وجه وبخاصّة وهو يتحدّث عن مجالات الاجتهاد بمفهومه العامّ(1).

وعلى هذه المسألة تبتني حرمة التشريع أعني إدخال ما ليس من الشرع في الشرع وهو لا يكون إلّا مع عدم قيام الحجّة، والاجتهاد بمعنى الرأي في مقابل النصوص الصريحة أو الظاهرة لا حجّة عليه -لتأخّر رتبة حجّيته بناء عليها- من هذه النصوص، وكذا كلّ مرتبة بالنسبة إلى سابقتها لحكومة الحجية السابقة أو ورودها عليها، والقول بلا حجّة افتراء على الله بحكم ما يستفاد في الآية المباركة اللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُونَ(2) إذا قابلت بين الإذن والافتراء، ومقتضى 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) المصدر السابق.

(2) يونس: 59.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ذلك أنَّه مع عدم الإذن لعدم قيام الحجّة فيحقق الافتراء وهو من أعظم الكبائر على أنَّ حرمة التشريع تكاد تكون من الضروريات فلا تحتاج إلى إطالة الحديث.

أحكام المجتهد

وما دمنا قد عرفنا الاجتهاد وجملة من ملابساته الخاصّة يبقى علينا حكم من تلبس به بالنسبة إلى نفسه، والحديث عن ذلك يقع في مواضع ثلاثة:

  1. حجّية رأيه فيما لو أعمل ملكته واستنبط حكمه الفعلي منها وعدمها بالنسبة إلى فعل نفسه.
  2. جواز إفتائه على وفق ما يرتئيه وعدمه.
  3. جواز رجوعه إلى الغير فيما يبتلى به من المسائل مع عدم إعمال الملكة وعدمه.

الأول: حجية رأيه بالنسبة إلى فعل نفسه

أمّا أولاها: فالذي يبدو لي -في حدود ما رأيت- أن كلمتهم تكاد تتفق على حجّية رأيه ولزوم العمل به وعدم جواز رجوعه إلى الغير في الجملة، والسر في ذلك واضح بعد ما اتضح -من بحوثنا السابقة- مفهوم الحجّية وكونها من اللوازم العقلية القهرية لطريقية العلم.

والمجتهد في حدود ما انتهينا إليه من مفهوم الاجتهاد -إذا أعمل اجتهاده وانتهى إلى رأي- فهو عالم بالحكم الواقعي علماً وجدانياً أو علماً تعبدياً بواسطة جعل الشارع للطريقية أو الحجّية، أو يكون عالماً بإحدى الوظيفيتين الشرعية والعقلية على نحو ترتبها السابق.

ــــــــــ[77]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ومع فرض حصول العلم لا يبقى مجال للتصرف الشرعي، فلا يمكن أن يقال للمجتهد العالم بالمسألة أنَّك لا يسوغ لك أن تعمل بعلمك وعليك الرجوع إلى الغير واستشارته فيما تراه حاصلاً لديك من الواقع. 

نعم للشارع أن يرفع بعض الحجج الموقوفة على جعله وإمضائه فيذهب علمه المستند إليها، أمّا مع بقائها وبقاء علمه المستند إليها فإنَّ الشارع لا يقوى على التصرف فيها لأنَّها -كما سبق أن قلنا- غير واقعة تحت تصرفه كمشرع وإن وقعت تحت قبضته كمكون وخالق.

وإذا صحّ هذا لم نعد بحاجة إلى التشكيك بشمول إطلاقات أدلّة جواز التقليد لمثله لعدم إمكان شمولها له من الأساس، على أنَّ الأدلّة -مع التنزّل- غير شاملة له لخروجه عنها على نحو التخصّص، إذ هي واردة في رجوع الجاهل إلى العالم لا العالم إلى مثله. ولقد حكى كلّ من الآمدي(1) والغزالي الاتفاق على ذلك ففي (المستصفى): (وقد اتفقوا على أنَّه إذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنّه حكم فلا يجوز له أن يقلّد)(2) وفي (مصباح الأُصول): (أمّا جواز عمله بفتواه فهو لا ينبغي الإشكال فيه فإنَّه بالإضافة إلى ما استنبطه من الحكم عالم فلم تشمله أدلّة جواز التقليد فإنَّ قوله تعالى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(3) والسيرة العقلائية وغيرها إنّما يدلّان على لزوم رجوع 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

(1) إحكام الأحكام: ج3، ص158.

(2) المستصفي: ج2، ص121.

(3) النحل: 43. الأنبياء: 7.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الجاهل إلى العالم لا رجوع العالم إلى مثله)(1)

ولا يفرق في هذا الحكم بين رجوعه إلى مثله أو الأعلم منه، لأن الأعلمية المفروضة إن أوجبت تشكيكاً في صحّة مستنده، كأن يكون قد اطلع على وجهة نظره فأقرّها أو أثارت لديه الشكوك فهو خارج عن الفرض لعدم وصوله إلى الحكم. وإن لم توجب له التشكيك وبقي مصرّاً على وجهة نظره فهو في الحقيقة يرى نفسه أوصل منه، فكيف يسوغ له الرجوع إليه؟ فما يوهم بالتفصيل المذكور في كلمات بعضهم لا يبدو له وجه.

التفصيل بين المتجزئ وغيره

نعم هناك تفاصيل ربما تذكر بالنسبة إلى التجزي وعدمه، فالذين يؤمنون بإمكان التجزي ووقوعه اختلفوا على أنفسهم فبعضهم يرى لزوم رجوع المتجزي إلى غيره كصاحب المعالم ووالده وجده في حدودٍ ما ربّما يستفيده من كلامهم، وخالفهم العلّامة والشهيد وصاحب الكفاية(2) بعدم اختصاص أدلّة المدارك بالمتصف بالاجتهاد المطلق. وأضاف الشيخ الرشتي بأنَّه “كيف يرفض ظنّه ويأخذ بظن المجتهد المطلق مع أنَّه يخطئه في ظنّه وهل هذا إلّا رجوع العالم إلى الجاهل”(3).

والحقيقة بعد تسليم إمكان التجزي ووقوعه لا يبقى مجال للقول بعدم 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

(1) مصباح الأصول: ص442.

(2) الكفاية وشرحها للشيخ الرشتي: ج2، ص351.

(3) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الحجّيّة لنفس ما قلناه سابقاً، من أنَّه بعد فرض الالتزام بكونه عالماً بما قامت الحجّة عليه كيف يمكن أن يقال له إن علمك ليس بحجّة عليك مع أنَّ الحجّية من لوازم العلم القهرية؟ -هذا كلّه بالنسبة إلى الأول منهما-.

الثاني: جواز إفتائه على وفق ما يرتئيه وعدمه

أمّا الثاني: -أعني جواز فتواه- فهو ممّا لا ينبغي الإشكال فيه، إذ إنَّ من اللوازم العقلية للحجية جواز نسبة مؤدّى ما قامت عليه إلى مصدره من شارع أو عقل، وليس المراد من الفتوى إلّا الإخبار عمّا يراه من حكم أو وظيفة؛ والظاهر أنَّ جميع ما ورد من الأدلّة على جواز الإفتاء يكون من قبيل الارشاد إلى هذا اللازم العقلي.

الثالث: جواز رجوعه إلى الغير مع عدم إعماله للملكة

وأمّا الثالث: -أعني: ما إذا لم يُعمل ملكته ولم يستنبط بعد حكمه- فهل يلزمه من إعمال ملكته والعمل على وفقها أو يسوغ له الرجوع إلى الغير؟

هذا موضع الاختلاف، فالجبائي لا يسوغ لغير الصحابي ويرى أنَّ تقليده مع ذلك خلاف الأولى، وبه قال الشافعي في رسالته القديمة وعمم بعضهم الرجوع إلى الصحابة والتابعين دون من عداهم(1)، وفصل محمّد بن الحسن بين الأعلم وغيره فأجاز تقليد الأعلم دون غيره ممّن هو دونه أو مثله، كما فصّل بين ما يخصّه وما يفتي به فأجازوا في الأوّل ومنعوا في الثاني(2).

ــــــــــ[80]ــــــــــ

(1) أحكام الأحكام للآمدي، ج3ص158.

(2) المستصفى: ج2 ص158.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وهناك تفصيل آخر فيما يخصّه بين ما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد وما لا يفوت، حيث أُجيز في الأول ومنع في الثاني. بينما أطلق الجواز كلّ من أحمد بن حنبل واسحق بن راهويه والثوري ولأبي حنيفة روايتان(1).

والعمدة في المسألة التماس أدلّة جواز التقليد والنظر في عمومها وإطلاقها لشمولها مثله، ومع عدم إحراز الشمول يشكّ في حجّية قول الغير بالنسبة له، وعند الشكّ في الحجّية يقطع بعدمها؛ لما سبق أن قلناه من أنَّ صحّة احتجاج المولى على عبده أو العبد على مولاه إنما يتم في خصوص الحجّة الواصلة يقيناً، ومع عدم اليقين بها يجزم العقل بعدم صحّة الاحتجاج كما يجزم بعدم ترتيب لوازمها السابقة عليها وهو معنى القطع بعدمها. 

وأهم هذه الأدلّة بناء العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم الممضى من قبل الشارع جزماً، لبداهة أن عهده لم يكن بدعاً من العهود لينفرد فيه جهاله بالنهوض في شؤونهم المعاشية والصحّية وغيرها دون استرشاد بعلمائهم والرجوع إليهم فيما يجهلون. ولا بُدَّ أن يكون المشرّع قد أمضى هذا البناء، ولعلّ في الآيات والأحاديث أمثال سؤال أهل الذكر وآية النفر ما يكفي في تحقيق هذا الإمضاء.

والظاهر أنَّ بناء العقلاء يفرق بين القادر على ملكته لسعة الوقت وتوفر أدوات البحث وبين غير القادر أن يرجع إلى الغير لعدم تصديقه لعنوان الجاهل عليه، ويجيز لغير القادر ذلك. فالطبيب الذي يصاب ببعض العوارض ويخشى 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

(1) أحكام الأحكام للآمدي، ج3ص158.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

على نفسه من فوات الفرصة فيما لو أراد أن يُعمل معارفه الخاصّة في تشخيص مرضة، لفقده بعض المعدات يرجع عادة إلى استشارة طبيب آخر، وهكذا بالنسبة إلى المتدرج في إعمال ملكته.

ولنفرض في تشخيص مرضه بالملكة فلو قُدّر لمثل هذا أن لا يصدر إلّا عن هذه الملكة لتَعذر عليه استيعاب جميع تكاليفه، وعليه في هذا الحال وفي حدود بناء العقلاء أن يرجع فيما يعجز عنه إمّا إلى الاحتياط أو تقليد الغير. إن كان يراهما في عرض واحد وكان الاحتياط غير متعذّر ولا متعسر، أمّا مع تعذّر الاحتياط أو عدم بناءه على جوازه يتعيّن الرجوع إلى الغير لتحصيل المؤمّن فيما يقدم عليه أو يتركه من أعمال.

ومن اختار هذا التفصيل بين الضيق وعدمه صاحب القوانين المحكمة، حيث عرض رأى المانعين مطلقاً وحجّتهم وناقشها. قال (ودليل المانع وجوب العمل بظنّه إذا كان له طريق إليه إجماعاً خرج العامّي بالدليل وبقي الباقي، وفيه: منع الاجتماع فيما نحن فيه ومنع التمكن من الظنّ مع ضيق الوقت فظهر أنَّ الأقوى الجواز مع التضييق واختصاص الحكم به)(1) وإذا صحّ هذا اتضحت أوجه المناقشة في جميع هذه الأقوال فلا حاجّة إلى الإطالة بردها(2).

 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

() القوانين المحكمة: ج2، ص163.

(2) إلى هنا انتهى نصف السنة الأول. (المقرّر)

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 

التقليد 

 

  • التقليد لغةً واصطلاحاً
  • الخلاف في حجية التقليد
  • شرائط المقلَّد

ــــــــــ[83]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن




التقليد

 

أمّا حجّية قوله بالنسبة إلى الغير فهو موقوف على ثبوت جواز التقليد وتوفّر شرائط المفتي الذي يجوز تقليده فيه. وقبل أن ندخل في تفصيل المسألة يحسن أن نتسائل عن معنى التقليد تمهيداً لالتماس الدليل على جوازه كما يحسن أن نتسائل عن الشرائط التي يجب توفّرها في المجتهد ليصح تقليده بعد فرض جوازه في الشريعة الإسلامية.

ــــــــــ[85]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن









التقليد لغةً واصطلاحاً

 

أمّا التقليد فهو في اللغة جعل القلادة في العنق. ومنه التقليد في حجّ القِران، أي جعل القلادة في عنق البعير.

وقد عرف في اصطلاح الأصوليين والفقهاء بتعاريف عديدة ربما التقت جملة منها في الخطوط العامّة، ففي (المستصفى)(1) أنَّه -كذا- وقبول قوله بلا حجّة. وفي (إحكام الأحكام)(2)، عبارة عن: العمل بقول الغير من غير حجّة ملزمة. وفي (العروة الوثقى)(3) هو: الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن وإن لم يعمل بعد. وفي (المستمسك)(4) هو العمل اعتماداً على رأي الغير.

وهذه التعاريف وما يشبهها مختلفة سعة وضيقاً، فبعضها أخذ فيه عدم الحجّية كتعريف الغزالي والآمدي ومن وافقهما، بينما أطلق البعض الآخر التعريف ليعم ما قامت عليه الحجّة وما لم تقم، وربما ظهر من الفحوى لسان بعضها تقييدها بما قامت عليه الحجّة. 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

(1) (المستصفى)، ج2 ص123.

(2) (إحكام الأحكام)، ج3 ص166.

(3) (مستمسك العروة الوثقى): ج1 ص8 (متن).

(4) مستمسك العروة الوثقى: ج1 ص8.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

فيكون مفهوم التقليد لديها مبايناً لمفهومه عند الغزالي على الاختلاف في هذه التعاريف لم يقتصر على هذه الناحية. فقد أخذ بعضها الالتزام بقول الغير في مفهومه، بينما اكتفى البعض الآخر بالعمل اعتماداً على رأيه. 

وفرق بين الالتزام والعمل وقد حاول بعض الأعلام أن يجعل مرادهم من الجميع واحداً بإرجاع بعضها إلى بعض واعتبار المراد منه هو خصوص العمل، ولكن هذا الاعتبار غير ظاهر ويأباه ما ذكروه لاختلاف المفهومين من ثمرات، ومنها ما لو التزم بقول مجتهد ولم يعمل بعد ثم مات المجتهد فهو على أحد التعريفين مقلد لالتزامه بالعمل على قوله وعلى التعريف الثاني ليس بمقلد لأنَّه لم يعمل بما التزم به، فلو كنّا نحن ممن يقول بلزوم البقاء على تقليد الميّت لكان علينا أن نلزم الأول بالبقاء على التقليد لصدق التقليد في حقّه، ونلزم الثاني بتقليد الحيّ لعدم صدقه عليه في التزامه السابق لعدم عمله على وفق ذلك الالتزام.

ولكن هذه الثمرة ونظائرها إنّما تترتب لو كان للفظ التقليد موضع من لسان الأدلة، ولكن لفظ التقليد لم يرد إلّا في رواية ضعيفة لا تصلح أن تكون مستنداً لحكم شرعي. 

والذي يُستفاد من الأدلة هو لزوم التماس المؤمّن أو المعذر من قبل جميع المكلفين في أفعالهم تروكهم، وهو إنّما يكون بالنسبة إلى الجاهلين بمعونة الأدلّة القاطعة برجوعهم إلى العالمين والاعتماد على قولهم. 

ربما ناسبه معنى التقليد اللغوي أي جعل مسؤلية أعماله قلادة في عنق من 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

يرجع إليه ويعتمده في مجالات عمله، وهذا المعنى أجنبي عن الالتزام. ومع غض النظر عن هذه الجهة فالمتبادر من لفظ التقليد أنَّه الدليل على صحّة العمل لا أنَّه العمل، ولذا يُقال عمل عن اجتهاد أو تقليد، والحاصل أنَّ الذي يناسب فحوى الأدلّة هو ما أفاد في (المستمسك) في تعريفه من أنّه العمل اعتماداً على رأي الغير، والأمر بعد ذلك هيّن ما دامت لفظة التقليد لم ترد إلّا في رواية تفسير العسكري (فللعوام أن يقلدوه) وهي ضعيفة لجهالة راوي هذا التفسير. 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن








الخلاف في حجية التقليد

 

وإذا تمّ هذا عُدنا إلى مفاهيم التقليد لديهم لنلتمس الأدلة على حجيتها.

فتقليد الغزالي والآمدي -بعد أخذ عدم الحجّية في مفهومه- لا يصلح أن يكون مثاراً للجدل في عدم صحّة الركون إليه إذ الركون إليه ركون بلا حجّة كما هو الفرض، ومع عدم الحجّة كيف يأمن العبد من غائلة العذاب وما هو المعذّر له لو وقع في مخالفة التكاليف الواقعية؟

والغريب ما نسب إلى الحشوية والتعليمية من حصرهم معرفة الحق بهذا النوع من التقليد، وأن ذلك هو الواجب وإن النظر والبحث حرام -الغزالي في (المستصفى)(1)– ومثل هؤلاء لا يحتاج كذا معهم ألف كلام. والغريب من الغزالي حيث عقد فصلاً لمناقشة دعاوى هؤلاء وردها مع تصريحهم بعدم قيام الحجّة على صحّة مثل هذا التقليد.

ومثل هذا التقليد -بالإضافة إلى عدم قيام الحجّة عليه- قامت الأدلة القاطعة على الردع عنه، وحسبك منها ما صرح به الكتاب من ذم اولئك المقلدين الذين اعتمدوا أقوال وأعمال آبائهم في مجال التأثّر بهم ومحاكاتهم، مع أنَّ آبائهم لا يقلّون عنهم جهلاً أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

(1) (المستصفى)، ج2 ص123.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

يَهْتَدُونَ(1) ورجوع الجاهل إلى الجاهل هو عين هذا النوع من التقليد.

ولأخذ الغزالي والآمدي عدم الحجية في مفهومه اعتبر رجوع المقلد إلى المفتي الجامع لشرائط الافتاء ليس من التقليد بشيء لخروجه عنه -بعد قيام الحجّة- من طريق التخصص هذا، ومن حيث النتائج يتفق أصحاب التعاريف من هذه الناحية وإن اختلفوا في وضع المصطلح وتعريفه والأمر فيهما هين جدّاً.

وإذا كان ما نسب إلى التعليمية من حضر الاجتهاد والنظر مبعث استغراب! فإن ما نسب إلى علماء حلب من لزوم الاجتهاد عيناً وحرمة التقليد لا يقلّ غرابة عن ذلك إذا حمل على ظاهره، لبداهة أدلّة جواز التقليد بالمعنى الثاني أولاً، ولما يلزم اختلال النظام وشل الحركة الاجتماعية لو قدر لها أن تطبق ثانياً. فضلاً عن العسر والحرج والدين أيسر وأسمح من أن يكلف الأمّة بمثل هذه التكاليف، وما أدري ما يصنع الناس قبل بلوغهم الاجتهاد في رأيهم، أُيلزمون بالتقليد وهو محضور عليهم، أم يلزمون بالاحتياط؟ وربما لا يعرفون موارده أو لا يرون جوازه أو لم يمكن في حقّهم كما في دوران الأمر بين المحذورين.

والذي أخاله(2) أنَّ هذه الدعوى لم يرد بها ظاهرها، وربما أُريد بها لزوم الاجتهاد عيناً على الجميع في أصل مسألة جواز التقليد لا في جميع المسائل، 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() البقرة: 170. 

(2) لم أوفق إلى الاطلاع على أصل أقوالهم لأعرف فحوى ما يريد هؤلاء الأعلام. (المحاضر). (المقرّر).

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

لعدم إمكان التقليد بها للزوم الدور أو التسلسل. وهذا حقّ لو صحّ إطلاق كلمة الاجتهاد على هذه البديهة، والاجتهاد معناه بذل الجهد -كما سبق بيانه- والعامي لا يحتاج إلى بذل جهد ليدرك لزوم رجوع الجاهل إلى العالم وهو يعيشه في واقعه العملي كل يوم.

الدليل على حجية جواز التقليد

ودليل حجّية جواز التقليد بالمعنى الثاني يكاد يكون بديهياً كما أشرنا إليه أمّا لكونها -أعي الحجّية- نظرية جبلية كما يعبّر عنها صاحب (الكفاية)(1)، أو لأن بناء العقلاء قائم عليها ولعل التعبير عنها بـ(الظاهرة الاجتماعية) أولى من التعبير ببناء العقلاء، لأن وجودها ضرورة لازمة لجميع

(لطبيعة) المجتمعات [وجد] تبانٍ أو لم يوجد، وإلّا فما أخال أنَّ مجتمعاً من المجتمعات -مهما كان شأنه من الحضارة- يستطيع أن ينهض أفراده بالاستقلال بالمعرفة التفصيلية لكلّ ما يتصل بحياتهم دون أن يكون فيهم علماء وجهّال يرجع جهالهم إلى علمائهم، على نحو يكون كل منهم مثلاً عالماً بالطب والهندسة وأصول الحرف والصناعات وغيرها، بحيث يستغني عن الاستعانة بالآخرين في شؤون العلم والمعرفة، وحتى في الأُمم البدائية لا يمكن أن تتخلى عن هذه الظاهرة نسبياً.

والذي نعلمه أنَّ مجتمع النبي ما كان بدعاً من المجتمعات لينفرد أفراده بالاستقلال بالمعرفة التفصيلية لمختلف ما يحتاجونه من شؤون دينهم 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) (الكفاية)، ج2 ص359 حاشية الرشتي (متن).

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ودنياهم، بحيث لا يتفاوتون من حيث العلم والجهل ليرجع الجهّال إلى العلماء للأخذ منهم، وفيهم من كان يشغله الصفق في الأسواق عن تتبع المعرفة من منابعها.

وإذا كانت هذه الظاهرة موجودة على عهد النبي -رسول الله- وهي موجودة حتماً فهي ممضاة -في الجملة- من قبله بإقرارهم عليها. إذ لو كان له تشريع على خلافها لأثر من طريق التواتر والاستفاضة، وهو ما لم ينقل حتى عن طريق الآحاد فضلاً عنهما. 

وما يحتمل أن يكون ردعاً من أمثال تلكم الآيات الناهية عن التقليد لا يصلح لذلك ما دامت الآيات صريحة في الردع عن رجوع الجاهل إلى الجاهل كما سبق بيانه، وهو أجنبي عن هذا البناء العقلائي أو هذه الظاهرة -كما أسميناها-.

على أن أمثال آيتي (النفر) و(السؤال) بناء على ظهورهما في التقليد وعشرات الأحاديث التي أمرت بعض أصحاب الأئمة بالتصدي للإفتاء، إذ أرجعت إلى بعضهم للإستفتاء صريحة في إمضاء هذا البناء ولزوم الأخذ به في الجملة.

وهذه الأدلة -فيما أخال- ليست من الأحكام التأسيسية ما دام هذا البناء قائماً في ذلك العصر، فلا حاجة إلى الدخول في استعراضها ورد ما أثير حول دلالتها من مناقشات. 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 

شرائط المقلَّد

 

وشرائط المقلد التي ذكروها كثيرة وأهمها أربعة:

  1. الحياة.
  2. العقل. 
  3. الأعلمية.
  4. العدالة.

أمّا غيرها من الذكورية والحرية والبلوغ وشبهها فقد ذكرت أدلّة على اعتبارها وهي غير ناهضة بالدلالة إلّا فيما يحكى من الإجماع على بعضها، وهو لو تم وتمت حجيته في مثل المقام لكان هو الرادع عن بناء العقلاء الذي لا يفرق بين من توفّرت فيه هذه الصفات ومن لم تتوفر، وما عداه فلم يثبت لنا ما يصلح للردع مع الجزم بوجود مثل هذا البناء على عهده.

اعتبار الحياة والخلاف فيه

واعتبار الحياة في حجيّة قول المفتي من الشرائط التي وقع فيها الاختلاف كثيراً، فالأصوليون من الشيعة اعتبروا هذا الشرط ومنعوا من تقليد الميت ابتداءً، بينما أجاز الإخباريون منهم ذلك.

أمّا أهل السنة فقد اختلفت كلمتهم في ذلك، فبعضهم أجازوا تقليد الميت ابتداءً كما سوغوا الرجوع إلى الحي إذا توفرت فيه شرائط التقليد، ومنع البعض 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الآخر من تقليد الأحياء وقصر التقليد على الأئمة الأربعة. كابن الصلاح.

والظاهر أنَّ خلاف الإخباريين لإخوانهم الأصوليين إنّما كان لاختلافهم في وظيفة المجتهد عند الفتيا، فالإخباريون يعتقدون أنَّ وظيفة المجتهد أن ينقل مضمون الرواية بفتياه وليس له أن يستند في الفتيا إلى مقدمات نظرية، فهو مخبر عن المعصوم ولا يشترط الحياة في حجّية المخبر باتفاق الكلمة.

بينما يرى الأصوليون وغيرهم أنَّ المجتهد مستنبط للحكم من الأدلّة وقد يكون بعضها نظرياً، وما دام كذلك فهو ليس بمخبر حين يفتي عن المعصوم وإن أخبر عن الحكم والوظيفة. وعلى هذا فدليل الحجية بالنسبة للمخبر إنّما يتقوم بخبره وهو غير منوط ببقاء الحياة. ودليل الحجية بالنسبة إلى المفتي إنّما يتقوم برأيه القابل للتطور والتبدل، وهو يمكن أن يكون منوطاً بالحياة.

فاختلاف الإخباريين مع الأصوليين اختلاف في أصل وظيفة المجتهد لا في شرائط الإفتاء، فخلافهم في هذه المسألة لا يصلح أن يكون خلافاً في موضع الكلام لأنَّه بالنسبة إليهم أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

وخلاف ابن الصلاح مع إخوانه أهل السنة وإصراره على الاقتصار على تقليد الأئمة وحرمة تقليد غيرهم إنّما كان مستنده إجماع المحققين وبعض الأدلة وقد علمنا من الشيخ المراغي قيمة هذا الإجماع كما عرفنا قيمة بقية الأدلة فيما سبق فلا نعيد فيها الكلام فعمدة الخلاف إذن هو ما بين أكثرية الشيعة والسنة من الاعتبار وعدمه لأنَّ الأقوال الأُخر إمّا ليست ذات موضوع لاختلافها في مبنى وظيفة المجتهد أو ليست بذات أهمية لعدم استنادها إلى أساس.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

مقتضى الأصل في المسألة

وقبل أن نفحص أدلّة الطرفين المتجاورين نودّ أن نتعرف على الأصل في هذه المسألة لو اعتبرنا أنفسنا على شك من أمرها، وأظننا إذا تذكرنا ما قلناه من أنَّ الشكّ في الحجية كافٍ للقطع بعدمها، لأنَّ الاحتجاج لا يكون إلّا مع العلم ومع عدم العلم لا مجال للاحتجاج، اتضح لنا موقفنا من الرجوع إلى الحي الجامع للشرائط للعلم نظراً لاتفاقهم بإجزاء مثله وإبراءه للذمة والشك بالنسبة إلى الميت لاختلاف كلمتهم في ذلك.

وقد خرج بعضهم عن هذا الأصل بأمور ذكرت أو تذكر لهم في مقام الاستدلال وهي:

1. التمسك بإطلاق الأدلة اللفظية

التمسك بإطلاق الأدلة اللفظية: أمثال آيتي النفر وسؤال أهل الذكر من الكتاب العزيز، وطوائف من الروايات كان بعضها يأمر بعض الرواة بالتصدي للفتيا الدالة بالملازمة على جواز الأخذ منهم، وكان بعضها يأمر بالرجوع والاستفتاء إلى بعض أصحاب الأئمة دون تقييد بالحياة.

وقد أجيب عن هذه الأدلة: 

أ . بأن طبيعة السؤال والإنذار والرجوع إلى شخص معيّن تقتضي اعتبار الحياة إذ لا معنى لسؤال غير الأحياء أو إنذارهم.

ب. ولو سلم فإن هذه الأدلة لا يعقل شمولها للمختلفين بالفتوى إذ لا معنى لأن يعبّدني الشارع بالمتناقضين ولو على سبيل البدل، لأن جعل الحجية 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

لهما تبنيهما معاً من قبله، وكيف يمكن ذلك مع الجزم بمخالفة أحدهما للواقع؟ وموضع الخلاف هو صورة اختلاف الحي مع الميّت بالفتوى، إذ مع اتفاقهما لا تبقى ثمرة لتعيين أحدهما بالذات إذ لا موضوعية لهذا اليقين.

2. الاستدلال بالقياس

قياسها على عدم اعتبار الحياة في حجيّة قول المخبر، لأنَّ العلّة التي أوجبت حجية قول المخبر هو حكايته عن الواقع، وهي متوفرة في المفتي لأن وظيفته الإخبار عن الحكم أيضاً.

والجواب: أنَّه قياس مع الفارق الكبير، فالمخبر إنّما يستند في إخباره عن الواقعة إلى الحس والحدس القريب منه، وبقاء الحياة لا يبدل في واقع ما أحسّه إذا كان صادقاً في إخباره، ولذلك قلّما يختلف الصادقون في أخبارهم إذا أخبروا عن واقعة واحدة، بينما يستند المفتي أحياناً إلى مقدّمات نظرية وهي تختلف باختلاف المفتين علماً بأصول الاستنباط وذكاءً وصبراً على البحث.

بل تختلف باختلاف المراحل العلمية التي يجتازها المفتي الواحد، وما أكثر ما عدل المفتون عن فتاوى سابقة لتوفّر الأدلة خلافها أو لزيادة تجاربهم في معرفة كيفيات الاستنباط. 

وما يدرينا لو قُدّر للمجتهدين من الأموات استمرار الحياة لهم ما يدخل الزمن على آرائهم وفتاواهم من التطور والتغيير، ومع هذا فكيف يسلم قياسها على الإخبار مع وجود هذا الفارق الكبير؟ هذا كلّه بناء على القول بحجية أصل القياس. وسيأتي لنا حديث فيه في موضعه إن شاء الله.

ــــــــــ[96]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

3. الاستدلال ببناء العقلاء

 بناء العقلاء حيث لا يفرق في رجوع الجاهل إلى العالم بين العالم الحي والميت، فهو مخيّر بينهما بحكم هذا البناء. وهذا البناء لو تمّ في صورة التساوي بينهما من حيث الأعلمية أو صورة ما إذا كان الميت أعلم، إلّا أنَّه يحتاج إلى إمضاء من الشارع المقدّس أو عدم ردع على الأقل، والإمضاء وعدم الردع إنّما يتحققان إذا فرض وقوع مصداق من مصاديق هذه المسألة أمام الشارع فأقرّه ولم يردع عنه. كأن نتصور واقعة وقعت أمام النبي أو أحد المعصومين قلّد فيها مكلف عالماً ميتاً مع وجود عالم حي مساوٍ له أو دونه بالفضيلة وهما مختلفان بالفتيا، فأقرّه النبي على ذلك أو لم يردعه. ومن أين لنا تصوّر ذلك أو إثباته تأريخياً؟ ومثله نادر الوقوع عادة، إذ مع علمه بالاختلاف لا تصل النوبة إلى تقليده مع إمكان سؤال النبي عن المسألة والأخذ عنه.

فالقول بوجود البناء العقلائي غير المردوع عنه في خصوص هذه المسألة لا يخلو من افتئات على أنَّ هذا البناء ممّا يشك في وجوده مع الاختلاف حتى بين الأحياء، على أنَّه لو صحّت استفادة خصوصية الحياة في الأدلّة اللفظية أو ثبت الإجماع المدعى على عدم جواز تقليد الميّت ابتداءً كان ذلك كافياً في الردع عن هذا البناء لو وجد.

4. الاستدلال بسيرة المتشرعة

سيرة المتشرعة التي يدعى بلوغها إلى عصر المعصومين وأمرها أهون من ذلك البناء لبداهة عدم قيامها على الرجوع الابتدائي إلى الأموات وبخاصّة في صورة الاختلاف.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

5. الاستدلال بالاستصحاب

الاستصحاب بتقريب أنَّ هذه الحجية كانت ثابتة لقول المجتهد حال حياته ويشك بارتفاعها بالموت فتستصحب. 

والجواب على ذلك: أنَّ الاستصحاب تارة يكون للحجية الفعلية وأخرى للحجية الانشائية.

أمّا الحجية الفعلية فهي لم تكن ثابتة في حقّه لعدم ابتلائه بتقليد هذا المجتهد حال حياته إمّا لعدم معاصرته له أو لأنَّ قوله لم يكن حجة عليه لوجود مجتهد أعلم منه، ومع عدم اليقين بثبوتها لا تتم أركان الاستصحاب بالنسبة له، بداهة توقفه على يقين سابق وشك لاحق ليكون مصداقاً لقوله “لا تنقض اليقين بالشكّ“.

نعم يمكن تصوير الحجية الفعلية بالاستصحاب التعليقي، كأن يقال بأنَّ هذا المقلد لو كان في حياة ذلك المجتهد وكانت وظيفته الرجوع إليه لوجب عليه تقليده، فالآن يجب بالاستصحاب.

وقد قيل إنَّ إطلاق أدلّة الاستصحاب لا تفرق بين الاستصحاب التخييري والتعليقي، ولكن التحقيق ان الاستصحاب التعليقي ليس بحجة لابتلائه غالباً بالمعارضة بالاستصحاب التنجيزي. 

فالحجّة الثابتة هنا بالاستصحاب التعليقي معارضة بعدم الحجّية التي كانت ثابتة له قبل بلوغه سن التكليف، وليس أحدهما حاكماً على الآخر خلافاً لبعض أساتذتنا الأجلاء. هذا بالإضافة إلى ما يذكر على أصل سريان الاستصحاب التعليقي من الإشكالات وموضعها في الأصول.

ــــــــــ[98]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وأمّا الحجّية الإنشائية المجعولة على نحو القضية الحقيقية فهي غير معلومة الثبوت في حقّه لجواز إيجادها ضعيفة لا تتسع لما بعد موت صاحبها، ومع غض النظر عن هذه الجهة فهي معارضة باستصحاب عدم الجعل الثابت له قبل البلوغ. وممّا يقال عن الحجية يقال عن الحكم الظاهري الثابت بها في حال حياته للشك في سعة المجعول وضيقه، شأن استصحاب الأحكام الثابتة في الشرائع السابقة بالإضافة إلى معارضتها باستصحاب عدم الجعل.

وإذا لم تتم هذه الأدلة على جواز الرجوع إليه كان شكّنا بحجّية قوله كافياً لئن نقطع -كما سبق أن قلنا- بعدمها، فلا حاجة إلى التماس الأدلة على عدم جواز الرجوع من الإجماع وغيره، على أنَّ الأصل العقلي مع عدم الدليل الاجتهادي أو الأصل الشرعي -لو كان هناك ما يساعد على التخيير بينهما- يقتضي تعيين الحي لدوران الأمر بين التعيين والتخيير. إذ الحي إمّا أن يكون معيّناً -لو كان للحياة مدخلية- أو طرفاً في التخيير، ومع احتمال التعيين في عالم الحجية يتعين الأخذ بقول الحي للعلم ببراءة الذمة به، والشكّ ببراءتها في الأخذ بالطرف الآخر.

واشتراط العقل في المفتي يكاد يكون من البديهيات فلا مجال لاطالة الحديث فيه لبداهة لغوية قول المجنون فلا معنى لجعل الحجية له. اللهم إذا كان المجنون ادوارياً على نحو يستكمل صحوه في آنٍ ويجن في الآن الآخر، ففي حال صحوه وتوفر شرائط التقليد فيه لا مانع من الرجوع إليه والأخذ بقوله لشمول الأدلة له.

ــــــــــ[99]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

اعتبار الأعلمية

وأمّا اشتراط الأعلمية في حجّيّة قوله لدى اختلافهم في الفتوى فقد اختلفت كلمتهم، فمنهم من لا يتخيّر بينهم حتى يأخذ بقول من شاء منهم، بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين من الأورع والأدين والأعلم وهو مذهب أحمد بن حنبل وابن سريج والقفال كذا من أصحاب الشافعي وجماعة من الأصوليين(1)، واختار الغزالي ذلك حيث قال “الأولى عندي أنَّه يلزمه اتباع الأفضل فمن اعتقد أنَّ الشافعي أعلم والحق على مذهبه أغلب فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي”(2) وهو المشهور بين أعلام الشيعة بل “عن المحقق الثاني الإجماع عليه وعن ظاهر السيد في الذريعة كونه من المسلّمات عند الشيعة”(3) “وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال لمن شاء من العلماء سواء تساووا أو تفاضلوا”(4) ، وعن جماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني من علماء الشيعة ذلك.

أدلة عدم اعتبار الأعلمية

وأهم ما استدل به لعدم اعتبار الشرط مع الاختلاف في الفتوى:

  1. إطلاق الأدلّة اللفظية السابقة حيث لم تفرق بين الأعلم وغيره مع 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) (إحكام الأحكام)، للآمدي 173، ج2.

(2) (المستصفى)، ج2، 125.

(3) (إحكام الأحكام) نفس الصفحة.

(4) (مستمسك العروة الوثقى) ج1 ص19.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

اختلاف المسؤولين عادة في العلم والمعرفة وندرة الاتفاق في الفتوى وحملها على صورة الاتفاق حمل على الأفراد النادرة. 

ويتضح الجواب عن هذا ممّا سبق بيانه من امتناع أن يعبدني الشارع بالمتناقضين، ومع هذا الامتناع لا بُدَّ من حملها على صورة اتفاقهم بالفتوى وهو ليس بنادر كما يدّعى، وبخاصة في مورد الآيتين النافرين [وأهل الذكر] قلما يختلفون إذا كانوا ثقاة في النقل وهم أشبه بالمخبرين منهم بالمجتهدين لقرب عهدهم بمصدر التشريع، فالقول بندرة اتفاقهم لا نعرف له وجهاً.

2ـ استقرار السيرة في عهد المعصومين على الأخذ بفتاوي العلماء المعاصرين لهم مع العلم باختلاف مراتبهم بالعلم والفضيلة وعدم ردعهم عن ذلك.

والجواب عن ذلك بالتشكيك في وجود مثل هذه السيرة مع العلم بالاختلاف بل المتعارف في مثل هذه المواضع عادة أن يفزع السائل مع وجود النبي والإمام إليه ليقطع على نفسه طريق التردد والتشكيك ولا يأخذ بأيهما شاء.

  1. بناء العقلاء على التخيير بينهما غير المردوع عنه. وهذا الاستدلال لا يتم، لبداهة إنَّ بناء العقلاء على خلافه، فالناس لا يرجعون إلى المفضول من أهل الخبرة مع وجود الأفضل وبخاصة في صورة اختلافهم في الرأي، ويرون العامل على وفق رأي المفضول مقصراً إذا أخطأ الواقع.

 يقول الغزالي: (ومن مرض له طفل وهو ليس بطبيب فسقاه دواء برأيه كان متعدياً مقصراً ضامناً، ولو راجع طبيباً لم يكن مقصراً. فإن كان في البلد 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

طبيبان فاختلفا في الدواء فخالف الأفضل عد مقصراً”(1). بينما لا يراه العقلاء مقصراً لو قدّر له استعمال دواء الأفضل ولو أنهى بمريضه إلى الموت، وعلامَ يبذل الناس أموالهم الطائلة في اختيار المهندس الأفضل لو أرادوا البناء مثلاً، والمعلم الأفضل والطبيب الأفضل؟ وهكذا لو لم يكن مثل هذا البناء قائماً على الخلاف وبخاصّة في صورة اختلافهم. وسيأتي أنَّ أهم أدلّة اعتبار هذا الشرط هو هذا البناء الذي لم يثبت الردع عنه بشيء من هذه الأدلّة.

  1. ما استدل به الآمدي من “أنَّ الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإنَّ الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ. قال: أقضاكم عليّ وأفرضكم زيد وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. وكان فيهم العوام ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم لا غير، ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له مع وجود الأفضل، ولو كان ذلك غير جائز لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه، ويتأيد ذلك بقوله أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم أولى” (2)

وهذا الاستدلال لا يتمّ صغرى وكبرى.

ــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) (المستصفى)، ج2، 126.

(2) الآمدي، ج3، 174..

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

أمّا من حيث الصغرى: فلأن إثبات الإجماع والتطابق لا يتمّ بمجرد عدم النقل، لما هو معروف من أنَّ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود بل يحتاج إلى نص على عدم الخلاف من معاصريهم والإطلاع على واقعهم التأريخي تفصيلاً، وهو ما لم يدون أكثره. 

أمّا من حيث الكبرى: فلأن هذا الإجماع لو تمت حجيته فهو لا يعدو كونه من الأدلّة اللبية التي لا إطلاق فيها يشمل صورة المختلفين في الحكم، وحتى لو كان هناك إطلاق فهو ليس بحجة كما سبق في الأدلة اللفظية في خصوص المختلفين، والقدر المتيقن هو صورة اتفاقهم في الحكم أو عدم العلم بالاختلاف على الأقل.

على أنّا نشك أنَّ العوام في صدر الإسلام كانوا لا يفرقون بين علي ومعاذ بن الجبل وبين أبي سفيان ومروان بن الحكم في الرجوع إلى أيهم شاؤوا مع علمهم في الحكم، وما يقال عن هذا الإجماع في عدم شموله للمتناقضين يقال عن الأدلة اللفظية التي ذكرها، لو صلحت سنداً وتمّت دلالة وسيأتي الحديث عنها في حجية قول الصحابي واعتباره سند.

  1. أدلّة العسر والحرج: الرافعة لوجوب الرجوع إلى الأعلم لكون تشخيصه حرجياً غالباً، والمناقشة فيها أيضاً من حيث الصغرى والكبرى.

أمّا من حيث الصغرى: فلعدم وجود العسر والحرج مع توفّر أهل الخبرة في تعيينه، وهل يحتاج تعيينه إلى مؤنة بالنسبة إلى العامي أكثر من تعيين المجتهدين وبخاصّة في عصورنا هذه؟ 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وأمّا الكبرى: فلما سبق أن ذكرناه من أن موضوع أدلة الحرج هو الحرج الشخصي لا النوعي، فوجود الحرج النوعي لا يرفع الحكم عمّن لم يتحرج من الأشخاص، والحرج الشخصي لو كان فهو مقصور على مورده، على أنَّ مسألتنا إنّما هي فيما لو أمكن تشخيص الأعلم وعلم الاختلاف بينه وبين غيره.

أدلة اعتبار الأعلمية

وإذا كانت هذه الأدلة لا تكفي لرفع اليد عن لزوم تقليد الأعلم، فهل هناك أدلّة تعيّن أعتبار هذا الشرط؟ ذكر العلماء لذلك عدّة أدلّة أهمها:

  1. بناء العقلاء الذي سبقت الإشارة إليه ولم يثبت الردع من قبل الشارع عنه مع أنَّه بمرأى منه عادة.

2ـ والإجماع وهو موضع مناقشة لوجود المخالفين من العلماء ممّن عرضنا رأي قسم منهم في بداية البحث.

  1. وبعض الأخبار الضعيفة التي نوقش فيها سنداً ودلالةً. 

وحسبنا من هذه الأدلّة لتعيين هذا الشرط ومع غض النظر عن ذلك، فإن شكّنا في حجية قول غير الأعلم يكفي للقطع بعدمها.

وإذا تم الإجماع على التخيير في المختلفين واحتملنا التعيين في جانب الأعلمية كما هو المفروض إذ لا نحتمل في جانب غير الاعلم، كان مقتضى دوران الأمر بين اليقين والتخيير في الحجّية هو اليقين فيتعيّن الرجوع إلى الأعلم.

اشتراط العدالة

وشرط العدالة فيما يبدو أمر مفروغ منه عند الجميع لإرساله إرسال المسلمات في كلماتهم، وقد استدل له في كلماتهم:

ــــــــــ[104]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

  1. بالإجماع حكاه غير واحد من الشيعة والسنة واعتبروه رادعاً لبناء العقلاء -لو تم- على عدم اعتبار هذ القيد. 
  2. بناء العقلاء على اعتباره لبداهة أن العقلاء لا يساوون بين المستهتر في نتائج ما ينتهي إليه وما يؤمن به، والمتقيد بحرفية ما يقول منهم أكثر وثوقاً واطمئناناً إلى العامل برأييه في صورة تساوي أهل الخبرة حتى مع الوثوق في صدق ما يخبر به من نقل رأيه وفتواه.

وهذا النوع من البناء لو نوقش في وجوده بالنسبة إلى مطلق أهل الخبرة في بقية المجالات، فلا أظنّ المناقشة تتمّ بالنسبة إلى عالم التقليد، فالناس ترى
-بطبعها- في المقلَّد موضعاً للاقتداء والمحاكاة لا أخذ الرأي فقط، ومن الصعب تفكيكهم بين تمثل واقعه الناشز والإيمان بقوله، فهم في هذا الحال ينساقون إلى الأخذ عمن توفرت جوانب الملاءمة بين فعله وقوله وترك الآخر.

على أن الشارع لا يمكن أن يعبّدني بقول الفاسق ويجعله مقتدىً لعمله. إن العامة أسرع إلى التأثّر بواقع المقلَّد ومحاكاته منه إلى الأخذ بقوله، فلو قدّر لمقلَّد أن ينتهي عن شرب الخمر لفتواه بحرمتها وهو يعاقرها ليل نهار، لكان تأثيره على العوام في التسامح في شربها أكثر بكثير من ألف قول يصدر عنه.

ومن هنا قيل إن وظيفة المرجع وظيفة إمامة، وفساد الإمام فساد لرعيته، وكم حدّثنا التاريخ عن انهيار مجتمعات لانهيار حكّامها الذين اتخذوا من أنفسهم أئمة للناس يقتدونهم في أعمالهم، فاعتبار العدالة فيه في جواز الرجوع إليه أمر لا يقتضي أن يكون موضعاً للشكّ عادةً.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

على أن هذا البناء على التخيير بينهما المدّعى في ألسنة بعضهم –لو تمّ- لكان محتاجاً إلى عدم ردع، ولست أظنّ أنه حادثةً واحدةً وقعت أمام النبي أو أحد الأئمة اختلف فيها مجتهدان متساويان في العلم ومختلفان في الفسق والعدالة ورجع فيها إلى الفاسق وتمّ إمضاؤها من قبله أو لم يردع عنها بحال، فإثبات الإمضاء أو عدم الردع في غاية الإشكال.

أما بقية الأدلّة التي تذكر على التخيير بينهما من إطلاقات الأدلّة اللفظية وغيرها فقد عرفت حالها -في ما سبق- من عدم شمولها للمختلفين. والإجماع على التخيير في المتساويين المدّعى لو تمّ فهو في غير هذه المسألة، لدعوى الإجماعات من السنة والشيعة على خلافه، ولا أقلّ من دوران الأمر بين التعيين والتخيير الذي عرفته مما سبق ما يقتضيه حكم العقل في عالم الحجّية من التعيين..

وفي (المستمسك) أن المرتكز عند المتشرّعة: ” قدح المعصية في هذا المنصب على نحو لا تجدي عندهم التوبة والندم، فالعدالة المعتبرة عندهم مرتبة عالية، لا تزاحم ولا تغلب، والإنصاف أنه يصعب جدّاً بقاء العدالة للمرجع العام للفتوى، كما يتفق ذلك في كل عصر أو جماعة، إذا لم تكن بمرتبة قوية عالية ذات مراقبة ومحاسبة، فإن ذلك مزلّة الأقدام”(1). علماً أن علماء النفس يشكّون كثيراً في سلامة استنباط الحكم الشرعية عادةً من أمثال هؤلاء لتحكّم عوامل التبريرفي استنتاجاتهم غالباً، وهي عوامل بعضها لا شعوري.

ــــــــــ[106]ــــــــــ

(1) (مستمسك العروة الوثقى) ص 14، ج1..

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بقيت أدلّة لفظية ذكروها لاعتبار العدالة، وهي غير ناهضة سنداً ودلالةً، فلا حاجة إلى عرضها ومناقشاتها، بعد أن كانت نتيجتها موافقة لما ذكرناه من الأصل العملي -لو أمكن إتمامها- وكونها حاكمةً على هذا الأصل لا يزيد في ثمرات المسألة.

ــــــــــ[107]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

















المصادر الأولية في مقام الاستنباط 

 

  • الكتاب العزيز
  • السُنّة

ــــــــــ[109]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن






المصادر الأولية في مقام الاستنباط

 

وما دمنا قد عرفنا الاجتهاد وبعض ملابساته وأحكامه التي تتصل اتصالاً مباشراً أو غير مباشر بمهمة الباحث المقارن، فإن علينا أن نعود إلى الأصول العامّة والقواعد التي ترجع إليها تلكم الحجج، التي أخذت في مفهوم الاجتهاد سواء ما يتعلق منها بالأحكام الشرعية أم بالوظائف العقلية أو الشرعية. أو إن شئت أن تقول علينا أن نعود إلى المصادر الأولية التي يرجع إليها المجتهد في مقام الاستنباط لنضع أيدينا على مواضع الاتفاق والاختلاف منها ونلتمس ما ينهينا إليه الدليل القطعي لنجعله أساساً للمقارنة وأوّل هذه المصادر وسيّدها باتفاق الكلمة:

ــــــــــ[111]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن







الكتاب العزيز

 

والمراد بالكتاب هو كتاب الله تعالى الذي أنزله على نبيّه محمّد ألفاظاً ومعانياً وأسلوباً دون أن يكون للنبي دخل في انتقاء ألفاظه أو صياغته. فليس منه ما نزل على النبي من الأحكام وأداها بأسلوبه الخاصّ، كما ليس منه الحديث القدسي وهو ما أثر نزوله على النبي ولم يثبت نظمه من قبله في سلك القرآن. 

وتفسير القرآن وترجمته ليسا من القرآن في شيء فلا تجري عليهما أحكام القرآن الخاصّة، من حيث التلاوة ولا من حيث المس، وثبوت الحجية للتفسير -إذا كان صادراً من معصوم- إنّما هو باعتبار كونه سنة لا باعتباره من الكتاب. وهذه الأمور موضع اتفاق المسلمين ولا أعرف مخالفاً في ذلك إلّا ما يبدو من أبي حنيفة، حيث (جوّز القراءة بالفارسية في الصلاة لمن لا يعرف العربية ولا يقدر على القراءة بها)(1)

والظاهر أن تسويغه القراءة بالفارسية لا لكونها قرآناً بل لاعتقاده أنّها ذكر يجزي عن القرآن مع الضرورة، كما وجه به كلامه نفس المصدر السابق. وهي أقرب إلى تطبيقه لقاعدة الميسور في مثل المقام. ولكن القاعدة على خلاف 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

(1) (علم أصول الفقه)، لخلّاف ص4.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الأصل فلا يصار إليها إلّا في الموارد المنصوصة، ومقتضى القواعد -في مثل المقام- سقوط المشروط لتعذّر شرطه، ومع وجود الدليل للقائل أن الصلاة لا تسقط بحال فإنَّ مقتضى القاعدة سقوط شرطية القراءة مع التعذر، لا إبدالها بالترجمة لعدم الدليل على لزومها.

ولقد أُحصيت آيات القرآن فبلغت (ستة آلاف وثلاثمائة واثنين وأربعين منها خمسمائة آية تقريباً تتعلق بالأحكام)(1) وقد انتظمت هذه الآيات في سور بلغ مجموعها مائة وأربعة عشرة سورة، بدأت بالفاتحة وختمت بسورة الناس. وآخر ما نزل منها قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِيناً(2) وقد نزلت -كما في كثير من الروايات- في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة بعد أن نادى بولاية علي في غدير خم.

حجيته

وأمّا حجيته فهي أظهر وأكبر من أن يتحدّث عنها لدى المسلمين بعد أن ثبت تواتره الموجب للقطع بتبليغ النبي له، وثبت بإعجازه صدوره عن الله عز وجل، وإذا لم يقطع بحجيّة مثله فبأي شيء بعد ذلك يقطع؟! وسيأتي أنَّه أساس الحجج الآتية لانتهائها جميعاً إليه، فما كان نصّاً في مدلوله منه كان حجّة باتفاق المسلمين. وما احتمل الخلاف فيه وكان ظاهراً فحجّيته تنتظم في باب حجية الظواهر.

ــــــــــ[113]ــــــــــ

(1) المدخل إلى علوم أصول الفقه، ص20.

(2) المائدة: 3.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وقد سبق أنَّ حجية الظواهر أوضح من أن يطال فيها الحديث ما دام البشر قد جرى في تفاهمه على الأخذ بها، بل لو أمكن أن يتخلى عنها لما استقام له التفاهم بحال. وقلنا بأن عصر النبي ما كان بدعاً من العصور لينفرد الناس به في أساليب تفاهمهم ولا كان للقرآن طريقة خاصّة للتفاهم انفرد بها بل نزل بلغة العرب وعلى طريقتهم في تداول الأحاديث والأخذ بظواهرها، ولو كانت له طريقة خاصّة لبيّنها القرآن والنبي ولبلغتنا حتماً إمّا من طريق التواتر أو الآحاد على الأقل وهذا ما لم يفه به مؤرخ على الإطلاق.

وبما أنّنا نعلم أن من طريقة الشارع المقدس التي سار عليها الاعتماد على القرائن المنفصلة، وإن بعضها تكفلت ببيانها السنة بحكم كونها مبينة للمراد من الكتاب وشارحة له، كان علينا قبل أن نعتمد على أصالة الظهور الفحص عن ذلك حتى إذا يئسنا من العثور عليه وتم انعقاد الظهور أخذنا به نظراً لاكتمال حجّيته، ومتى عثرنا على ناسخ من الكتاب أو السنّة المتواترة أو عثرنا على مقيّد ومخصص منهما رفعنا أيدينا عن حجية الظهور في حدود ما تقتضيه تلك الأدلة الخاصّة.

وما ورد من التشكيك في حجية ظواهر القرآن أمر لا يستقيم بحال وغاية ما يمكن أن يذكر من الأسباب التي تقتضي التوقف عن العمل بها أمور لا تخلو كلّها من مناقشة وهي:

دعوى التوقف عن العمل بظواهر الكتاب

  1. ما نسب إلى الإخباريين من دعوى التوقف عن العمل بها لأمرين:

أ. العلم الإجمالي بطرو مخصصات من السنة أو مقيّدات على عموماتها 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وإطلاقاتها، ومثل هذا العلم يمنع من التمسك بالأصول الجارية في أطرافه حتى اللفظية منها كأصالتي العموم والإطلاق.

وهذا الإشكال صحيح لو لم نقل بلزوم الفحص في مظان هذه المقيدات والمخصصات، وحل العلم الإجمالي بما يعثر عليه منها بعد اليأس من العثور على غيرها، ومع حل العلم الإجمالي لا مانع من جريان الأصول في ما تبقى من الأطراف لتحول الشكّ فيها إلى شكّ بدوي. على أنَّ هذه الشبهة لا تختص بالكتاب بل تعم حتى ظواهر السنة، بعد العلم بأنَّ الشارع المقدّس كان من طريقته التي اتبعها في البيان الاتكال أحياناً ـ ولمصلحة ما ـ على القرائن المنفصلة.

ب. الأحاديث الناهية عن العمل بالكتاب. 

والجواب عليها: أنَّ الأحاديث الواردة على قسمين: 

قسم منها: يردع عن تفسير الكتاب العزيز بالرأي والظنون الاستحسانية، وهي أجنبية عن موضع الكلام لخروج العمل بالظواهر عنها تخصصاً لأنَّها لا تحتاج إلى تفسير وإنّما تفسر الغوامض والمعميات لا الظواهر.

والقسم الآخر: ينهى عن الاستقلال بالظواهر دون الرجوع إلى السنة وهذا صحيح. وقد أخذنا به عندما ألزمنا أنفسنا بضرورة الفحص واليأس من العثور على القرينة قبل الأخذ بالظهور.

على أنَّ هناك طوائف من الروايات يرجع بعضها إلى الكتاب ويجعله مقياساً لترجيح بعض الأحاديث على بعض. وبعضها يظهر منه الاستدلال من ــــــــــ[115]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الأئمة بما في الكتاب، ممّا يظهر منه المفروغية عن جواز العمل بظواهره. وعقيدتي أنَّ الإخباريين يريدون أكثر ممّا أراده إخوانهم الأصوليين وغيرهم من المسلمين، من ضرورة الفحص عن القرائن المنفصلة وإن أوهمت كلماتهم خلاف ذلك.

دعوى اختصاص حجية الظواهر بمن قصد إفهامه

  1. ما نسب إلى المحقق القمي من اختصاص حجية الظواهر بمن قصد إفهامه من المخاطبين لاحتمال الاعتماد على القرائن الحالية. 

والجواب: أن الكتاب لا يختص بطائفة دون طائفة ولا خصوصية للمخاطبين فيه بعد أن عرف بأنَّه نزل لعموم البشر، وقضاياه واردة على نحو القضية الحقيقية، واحتمال القرائن الحالية يُدفع بالأُصول الجارية عادةً كأصالة عدم القرينة ونظائرها ممّا يرجع إليها في أمثال هذا المقام. على أنَّ هذا الإشكال جارٍ بناء على تماميته حتى على السنة، لاحتمال اختصاص حجيّتها بالمشافهين بها من نقلة الأخبار.

شبهة التحريف بالنقيصة في آياته

  1. شبهة التحريف بالنقيصة في آياته كالذي روي في إتقان السيوطي(1) عن الخليفة الثاني من أنَّ القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف، بينما نرى أنَّ القرآن الذي بأيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار. 

والذي رواه عن عائشة من أنَّ سورة الأحزاب كانت تُقرأ في زمن 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) (الإتقان) ج1 ص60.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

النبي مئتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلّا ما هو الآن. وما في صحيح مسلم عن عائشة: “أنّها قالت كان فيما أنزل من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرمن) ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله وهن فيما نقرأ من القرآن”(1). وفيما ذكره السيوطي عن مصاحف ابن أشته عن الليث ابن سعد أنّه قال: أوّل من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد وإن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبه لأنّه كان وحده. 

إلى أمثال هذه الروايات التي وردت على ألسنة الرواة في جملة من الكتب، كصحيح مسلم والاتقان ومصاحف السجستاني وغيرها من كتب أهل السنة كما ورد في الكافي.

من الغريب أن يتطاول السيّد أبو زهرة(2) على الشيخ الكليني لمجرد روايته لهذه الروايات واستنتاج الصافي بأنّها من رأيه لعدم تعقيبه عليها بالنفي مع وثوقه بما يروي. حتى أنَّه شكك في كتابه هذا في أكثر من موضع -أعني أبو زهرة- بإسلام الكليني لذلك، مع أنَّ الكليني لم يختلف عن مسلم والسجستاني وغيرهم من أعلام السنة الذين رووا أمثالها ولم يعقبوا عليها، وبعض كتبهم فيما يرونها من الصحاح. وأكثر ما رواه الكليني موجود نظيره في قسم من هذه الكتب وليس بجديد دفاعه عن السيوطي بأنَّه ساقها لبيان أنَّها منسوخة تلاوة مع أنَّ بعضها صريح بإصرار رواتها على الإسقاط لا النسخ كما في روايتي 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

() صحيح مسلم ج4 ص167.

(2) في كتابه (الصادق): ص234 وما بعدها. (المحاضر). (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

عائشة وعمر السابقتين. وفهم الصافي لا يكون حجّة إلّا على نفسه، ومجرد عدم التعقيب في كتاب بأخبار لم تسق لإعطاء الرأي والفتوى لا يدل على إيمان صاحبه بمضمونها، وإن صرّح بأنّه لا يروي إلّا ما يثق به فمجرد الوثوق بصدور الرواية لا يدل على الإيمان بمضمونها ما دام باب التأويل مفتوحاً أمام الباحثين. 

وفي الأخبار العلاجية للجمع بين الأخبار المتعارضة ما يلقي الكثير من الأضواء على ذلك، وإلَّا أفمن المعقول أن يعتقد بأن الكليني كان يؤمن باجتماع النقيضين مع أنَّه روى أخبار متناقضة في دلالتها في كتابه هذا؟ ومنها رواية
-بالإضافة إلى تلك الروايات- (وكان من نبذهم الكتاب أنّهم أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، وهي صريحة بنسبة التحريف إلى عدم العمل به لا الإسقاط. وما أغنى العلماء عن التهاتر ما دام رائد الجميع هو الوصول إلى الحقيقة، وحسب الكليني وغيره من أعلام السنة والشيعة إن جمعوا لنا كلّ ما وقع بأيديهم من الأخبار على تناقض مضامين بعضها، ليفسحوا المجال أمام الباحثين والمستنبطين للاستفادة منها ولكلٍّ اجتهاده في كيفية الاستفادة وتصحيح الحديث). 

رُقم من الكتب الأخرى للشيعة بعض ما أثر عن أهل البيت في ذلك.

الجواب عن الشبهة

والجواب عن هذه الشبهة: أنّها شبهة في مقابل البديهة، لأن كل ما ورد من أخبار التحريف على تضارب مضامينه لا يعدو كونه من أخبار الآحاد، وهي لا 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

تنهض للوقوف أمام التواتر الموجب للقطع، بأنَّ هذا القرآن الذي بأيدينا هو القرآن الذي نزل على محمّد دون أن يزاد أو ينقص فيه بأسلوبه الموجز وكلمه البليغ وحسبك أن تعرض -ما أدّعي إسقاطه منه كسورتي الخلع(1) والحفد(2) المنسوبتين إلى مصحفي زيد بن ثابت وأُبي بن كعب وآية الرجم المأثورة عن الخليفة الثاني- على آيات الله لتعرف أثر الوضع عليها، للفرق الكبير بينهما، من حيث صنعة الأسلوب ورفعته وسهو المضامين وسخفها.

على أنَّ الزيادة في الكتاب لو صحّ ما نسب إلى ابن مسعود من اعتقاده بزيادة المعوذتين والنقيصة فيه لو كانتا لكان المسؤول عنهما في الدرجة الأولى الخليقة الثالث لحرقه المصاحف الكاملة، ومثل هذه المسؤولية لا يمكن أن يسكت عليها المهاجرون والأنصار، وهم الذين أنكروا عليه ما لا يقاس أعظمه فضاعة بالتلاعب في آيات الله، ولكانت خير وثيقة بأيدي الثوار للتشنيع عليه وتهييج الرأي العامّ، وهذا ما لم يحدثنا عنه التأريخ. 

فهذه الروايات بالإضافة إلى معارضتها بمثلها لا تصلح للوقوف أمام هذه البديهة، وحسبها هنا هجرانها من قبل جميع الأعلام المحققين شيعة وسنة.

وأظنّنا مع هذه البديهة لا نحتاج إلى الاستدلال بأمثال آية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

() بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يتحيرك. (المحاضر). (المقرِّر).

(2) بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد أن عذابك بالكافرين ملحق. (المحاضر). (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(1) لأن الاستدلال بها إنّما يكون مع الشكّ، ومع الشكّ لا تصلح هذه الآية ونظائرها للاستدلال للزم الدور، لأن دلالتها على عدم التحريف موقوفة على كونها غير محرفة وكونها غير محرفة موقوفة على دلالتها على عدم التحريف. والظاهر أن هذا الدور لا مدفع له مع الشكّ. 

نعم، من آمن بأهل البيت وآمن بإمضائهم للكتاب الموجود يرتفع إشكال الدور عنه، لأن دلالتها على عدم التحريف تكون موقوفة على حجّية ظهورها بتوسط إمضائهم على عدم التحريف. والحقيقة أن المسلمين في غنى عن الاستدلال أخذاً ورداً بعد ثبوت تواتر الكتاب(2).

وعلى هذا فحجية ظواهر الكتاب ممّا لا مجال للمناقشة فيها بعد أن ثبت تواتر ما بين الدفّتين، وأنّه هو الكتاب المنزل من السماء دون أن يدخل عليه أيّما تحريف. والشبه الباقية ليس فيها ما ينهض للوقوف دون الحجية ولعلها شبه في مقابل البديهة.

ــــــــــ[12]ــــــــــ

(1) الحجر: 9.

(2) راجع كتاب البيان لأُستاذنا الخوئي فهو خير من أشبع الموضوع بحثاً وتدقيقاً.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن







السُنّة

 

والمصدر الثاني للتشريع ويأتي بعد المصدر الأول في الأهمية هو (السنّة).

تعريف السُنّة

ويراد بها في عرف اللغويين الطريقة، وعليها ينزل الحديث (أن من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل به إلى يوم القيامة). أمّا الأصوليون فقد اختلفوا في مدلولها من حيث السعة والضيق، حيث قصرها بعضهم على خصوص (ما صدر عن رسول الله من قول أو فعل أو تقرير)(1)، بينما عممها الشيعة من جانب إلى أقوال وأفعال وتقريرات الأئمة المعصومين من أهل البيت. ومن جانب آخر عممها الشاطبي إلى ما يصدر عن الصحابة في ذلك. وموضوع التقاء المسلمين جميعاً هو قول النبي وفعله وتقريره. ودلالة التقرير على التشريع إنّما تكون في رأي الشاطبي “إذا علم بالقدرة على الإنكار أو قدر للفعل الواقع أمامه أن يكون منكراً ولم ينكر أمّا مع عدم القدرة على الإنكار فليس لسكوته أي دلالة تشريعية” وبهذا يلتقي مع الشيعة في اشتراط عدم التقية لاستفادة الحكم الواقعي من بيانه. 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

() خلّاف في (علم أصول الفقه) ص38. (المحاضر). (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

حجية السُنّة

وحجية السنة بهذا المعنى ـ أعني قول النبي أو فعله أو تقريره ـ أوضح من أن يطال فيها الحديث، إذ لولاها لما اتضحت معالم الإسلام ولتعطل العمل بالقرآن، لكون أحكامه -غالباً- واردة في مقام بيان أصل التشريع لا في بيان كل ما يعتبر فيه من شرائط وأجزاء. خذوا لذلك مثلاً هذه الآيات: أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ(1)، وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(2)، وتجردوا عن تحديدات السنة لها ولما يعتبر فيها من أجزاء وشرائط، فماذا تفهمون منها والى أي شيء تنتهون؟ وهكذا بقية الآيات -إلّا ما قلّ منها- لا يمكن الانتهاء إلى واقع ما أُريد منها دون توسط ما ورد عن النبي في ذلك. فالقول(3)، بأن حجّيتها من ضروريات الإسلام قول لا يخلو من أصالة ومعه لا يحتاج إلى التماس الأدلّة على حجّيتها، إذ لا يمكن أن نشك كمسلمين في ذلك حتى نحتاج إلى الدليل، ومع ذلك فقد ذكروا لها عدّة أدلّة:

الأدلة على حجية السُنّة

  1. الإجماع، حكاه غير واحد من الباحثين يقول (خلّاف): “أجمع المسلمون على أنَّ ما صدر عن رسول الله من قول أو فعل أو تقرير وكان 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) البقرة: 183.

(2) آل عمران: 97.

(3) (أصول الفقه) للخضري ص234.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

مقصوداً به التشريع والاقتداء ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين”(1)، وهذا الدليل إنّما يتم إذا تمّت حجية الإجماع من غير طريق السنة وإلّا فلا يمكن الاستدلال به هنا للزوم الدور.

  1. الآيات القرآنية: آية أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ(2)وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(3)وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى(4) ودلالة هذه الآيات بظاهرها أضيق من المدّعى لأنّها لا تمثل غير القول إلّا بضرب من التجوز.

ما دلّ على عصمة النبي واستحالة صدور الذنب والسهو والغفلة منه من حكم العقل، وآية التطهير ونظائرها، إذ مع العصمة لا بُدَّ أن تكون جملة تصرفاته القولية والفعلية وما يتصل بها من إقرار موافقة للشريعة وهو معنى حجيتها. 

والحق أنَّ القول بحجية السنة بمدلولها الواسع لا يلتئم مع إنكار العصمة أو بعض شؤونها. إذ مع إمكان المعصية والغفلة والسهو لا يحصل لنا الوثوق بدلالة ما صدر منه على حكاية التشريع أو موافقته وبخاصّة أفعاله وتقريراته، وأصالة الصحّة وأصالة عدم الغفلة والسهو لا تثبت التشريع ولزوم الاقتداء 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

(1) (علم أصول الفقه)، ص39.

(2) النساء: 59.

(3) الحشر: 7.

(4) النجم: 3.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وإلّا لسرى مفعولها إلى سائر المسلمين، إذ يكفي أن نجري أصالة الصحة في عمل مسلمٍ ما لنحكم بموافقة فعله للشريعة ونلزم أنفسنا بإتباع ما يدل عليه ذلك الفعل. والشيء الذي نستطيع أن نحتج به ونجعله ديناً بيننا وبين ربنا -كما سبق أن قلنا- هو العلم بدلالة هذه الأمور على التشريع، كما سبق أن قلنا من أنَّ كلّ حجة لا توصل إلى العلم فهي ليست بحجة. وهذه الأُصول لا تحدث علماً بمداليلها لا من حيث العلم الوجداني ولا التعبدي.

أمّا العلم الوجداني فواضح. وأمّا العلم التعبدي فلو كانت من قبيل الأمارات فهو موقوف على إمضاء من الشارع ولو من طريق إقراره العقلاء عليها وهذا موقوف على حجية إقراره، وإذن لا يتم العلم التعبدي بها إلّا على شكل دائر لبداهة أنَّ حجية الإقرار -مثلاً- موقوفة على حجية أصالة الصحّة، وحجية أصالة الصحة موقوفة على حجية إقراره لها، لو كان هناك إقرار فحجية إقراره إذن موقوفة على حجية اقراره.

ما استدل به الأستاذ (محمد سلام مذكور) من قوله في حجة الوداع “تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدهما أبداً كتاب الله وسنة نبيه” وإقراره لمعاذ بن جبل لما قال: “أقضي بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسوله”(1). ولزوم الدور في هذا الاستدلال أوضح من سابقيه، لوضوح توقف حجية السنة في الروايتين على حجية قوله وإقراره، وتوقف حجية قوله وإقراره على حجية السنة، فإذن لا يمكن إثبات الحجية لها بهذا الدليل.

ــــــــــ[124]ــــــــــ

(1) المدخل للفقه الإسلامي: ص225.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وفي (الموافقات) ضرب من الاستدلال بالقياس وبتقرير النبي على حجية السنة لا تخلو كلها من مناقشة. والحقيقة أنَّنا في غنى عن جميع هذه الاستدلالات بعد ما ثبت لدينا حجيتها بالضرورة من الدين، لأن التشكيك بحجيتها محق للإسلام من أساسه بعد أن علمنا أن جملة ما ورد منه يعتمد في جلّ خطوطه وتفصيلاته على السنة، على أنَّ ما دلّ على لزوم العصمة من الآيات وأحكام العقل يكفينا للتعبد بها قولاً وفعلاً وتقريراً. أو على هذا فالمنكرون للعصمة لا يستطيعون أن يثبتوا حجية السنة بشكلها الواسع بحال من الأحوال، واستنادهم إلى هذه الضرورة أو غيرها من الأدلة اعتراف بالعصمة ضمناً.

سُنّة الصحابة

وتعميم الشاطبي(1) لها إلى ما يصدر عن الصحابة لا يخلو من تأمل، وقد استند هذا التعميم إلى أدلّة عدّة نوضحها ملخصة وهي:

  1. ثناء الله عليهم من غير مثنوية كذا ومدحهم بالعدالة ما يرجع إليها كقوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(2) وقوله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(3) ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم في كلّ حال، 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

(1) (الموفقيات) ج4 ص74.

(2) آل عمران: 110.

(3) البقرة: 143.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة. وفي الثانية إثبات العدالة مطلقاً، وذلك يدل على ما دلّت عليه الأولى.

والجواب:

أ. أنَّ إثبات الأفضلية على سائر الأُمم لا تستلزم الاستقامة على كلّ حال بل تكفي الاستقامة النسبية.

ب. أنَّ التفضيل الوارد فيها إنّما هو بلحاظ المجموع كمجموع لا بلحاظ تفضيل كلّ فرد على كلّ فرد لتلزم له الاستقامة على كلّ حال، ولذا لا ينافي أن يفضل فرد من تلك الأمّة على فرد من هذه الأمّة، كما لو فُضّل -مثلاً- حواري عيسى على بعض غير المتورعين من المسلمين.

ج. أنّها واردة في مقام التفضيل لا مقام جعل الحجية لكلّ ما يصدر عنهم، إذ هي أجنبية عن هذه الناحية، ومع عدم إحراز كونها واردة لبيان هذه الجهة لا يمكن التمسك بها بحال.

د. أنَّ هذا الدليل لو تمّ فهو أوسع من المدّعى بكثير، وذلك لبداهة أنَّ لفظ الأمّة لا يخص الصحابة، وكونهم المخاطبين بالخصوص ودخول غيرهم بأدلّة المشاركة لا يوجب اختصاصهم بالحكم، لأنَّ خصوصية الخطاب إن أوجبت صرف التكليف إلى خصوص المخاطبين كان هذا الدليل ضيقاً جداً لاقتصاره على خصوص من حضر نزول الآية من الصحابة لا جميعهم، كما أنَّ أولوية دخولهم أو أولية الدخول لا يوجب صرف الخطاب إليهم وقصره عليهم، إذ معنى الأولوية والأولية هو مشاركة الغير لهم فيما ذكره من الاختصاص بهم، 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

من هذه الجهات لا يخلو من مؤاخذة، ومع ثبوت التعميم لا يمكن إثبات أحكام السنة لجميع الأمة كما هو واضح.

وما يقال عن هذه الآية يقال عن الآية الثانية، فهي بالإضافة إلى هذه المؤاخذات والغض عن تسليم إفادتها لعدالتهم جميعاً أن مجرد العدالة لا توجب كون ما يصدر عنهم من السنة، وإلّا لعممنا الحكم إلى كلّ عادل سواء كان صحابياً أم غير صحابي. وحكم الآيات الباقية التي وردت في مدحهم حكم هذه الآيات، من حيث دلالتها على ثبوت الحجية لما يصدر عنهم وعدمه. والمناقشة فيها تتضح من الجواب عن الآيتين.

  1. ما جاء في الحديث من الأمر بإتباعهم وإن سننهم في طلب الإتباع كسنة النبي كقوله: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الممهدين تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ“. وقوله: “تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلّا واحدة. قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي”(1).

والجواب: على أنَّ هذه الروايات ونظائرها بعد التغافل عن حساب أسانيدها لا يمكن الأخذ بظاهر بعضها ولا دلالة للبعض الآخر على المدّعى. فالرواية لو أريد منها الخلفاء الأربعة المعهودين للزم أن يعبّدني الشارع بالمتناقضات لبداهة اختلافهم الكبير في الكثير من أمورهم، حتى أنَّ سيرة الشيخين عرضت على الإمام علي في يوم الشورى فأبى التقييد بها ورفض 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1) (الموفقيات) ج4 ص76.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الخلافة لذلك والتزمها عثمان، وخرج عليها بإجماع المؤرخين. كما أنَّ سيرة الشيخين هي ذاتها مختلفة، فأبو بكر ساوى في توزيع الأموال الخراجية وعمر فاوت بها، وأبو بكر كان يرى طلاق الثلاث واحداً وعمر شرعه ثلاثاً. ونظائرها كثير، بالإضافة إلى خلاف علي لسابقيه ممّا هو معلوم من سيرته، وعلى هذا فبسيرة أيّهم نأخذ وعلى أيّها نعض بالنواجذ؟ 

بالإضافة إلى أنّها لو تمّت دلالة لكانت أضيق من المدّعى، إذ لا يعم غير الخلفاء من الصحابة، فتعميمها لمطلق الصحابة لا يتضح له وجه. 

أمّا بقية الروايات فهي أجنبية عن جعل الحجية لهم، وغاية ما يفاد منها المدح -لو صحّت أسانيدها-، ومجرد المدح والأمر بمحبتهم لا يعني إثبات العصمة لهم، على أنّها لا يمكن أن تجعل الحجية لهم في صورة الاختلاف. ومقام النبوة أجل من أن يجعل لنا في أمثال عمرو بن العاص وبسر بن أرطأة ومعاوية بن أبي سفيان أمثلة نقتدي بها في أقوالها وأفعالها وإقراراتها كالنبي على حدّ سواء. 

وما لنا نبعد وروايات الحوض وهي من مأثورات البخاري وغيره صريحة بالردع عن أكثرهم لإثبات الارتداد لهم. خذوا لكم على ذلك مثلاً رواية البخاري عن أبي هريرة قال: “قال رسول الله بينا أنا قائم (يعني يوم القيامة) على الحوض فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: قال إنّهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وبينهم فقال هلم قلت أين؟ قال إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم(1) وأخرج في الباب المذكور “عن أنس عن النبي قال: ليردنّ علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول أصحابي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعدك(2). ومثل هاتين الروايتين كثير وهي صريحة في الارتداد. ومع علمه بارتداد أكثرهم فإنّ من المستحيل في حقّه أن يعبّدنا بهم جميعاً لانتهائه إلى الأمر باتباع المرتدين حتماً. 

ولا يقال بأنَّ هذه الرواية واردة في خصوص أهل الردّة، لأنَّ أهل الردّة لا يشكلون إلّا أقل القليل، بينما صرّحت الرواية الأولى بكثرتهم وصريح قوله فيها (فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم) وهي كناية عن القلّة. ولولا أنّنا في مقام التماس الأدلّة والطرق إلى أحكام الله عزّ وجلّ وهو يقتضينا أن لا نترك ما نحتمل مدخليته في الحجية رفعاً ووضعاً إلّا وعرضنا له لما كنّا في حاجة إلى عرض هذه الروايات وأمثالها.

  1. تقديم جمهور العلماء لهم عند ترجيح ألأقاويل. وهذا أجنبي عن اعتبارهم من السنّة، لأن هذا الاعتبار غاية ما يدل عليه أنّهم كانوا يرونهم في مجال الرواية أو الرأي أوثق أو أصل من غيرهم، والصدق وأصالة الرأي شيء وكون ما ينتهون إليه من السنة شيء آخر. على أنَّ هذا الترجيح لا يشكل إجماعاً 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

(1) الفصول المهمّة لشرف الدين نقلاً عن البخاري في آخر كتاب الرقاق: ج4.

(2) البخاري ج8 ص120.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ليصلح الاستدلال به لو قلنا بحجية مثل هذا الإجماع.

  1. الروايات الآمرة بمحبتهم. وقد عرفت حالها ممّا سبق، لأن الأمر بمحبتهم قد يكون من أجل تقدير خدماتهم وجهادهم في سبيل الإسلام، وهذا لا ارتباط له بكون ما يصدر عنهم من السنة المساوق لاعتبار العصمة لهم على كلّ حال.

والخلاصة: أنَّ لزوم الاتباع والاقتداء وجعل ذلك المتبع حجة فيما بيننا وبين ربّنا باعتبار ما يصدر عنه سنة تقتدي لا حكاية عن السنة لا يلتئم إلّا على القول بالعصمة، والصحابة ليسوا بمعصومين بإجماع الكلمة، فلا يمكن جعل الحجية لما يصدر عنهم بقول مطلق(1).

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() انتهت السنة الثالثة بحسن عونه تعالى، وعلى الله توكّلت وإليه أُنيب. (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن









القياس 

 

  • [تعريف القياس لغةً واصطلاحاً]
  • أركان القياس
  • حجية القياس

ــــــــــ[131]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن




بسم الله الرَّحمن الرَّحيم(1)

القياس

 

وخامس المصادر وأكثرها حديثاً بين الفقهاء (القياس)، ونظراً لما يترتب عليه من ثمرات فقهية ذات أهمية اقتضانا أن نطيل الوقوف عنده والتحدث فيه، عارضين فيه مختلف وجهات النظر وأدلتها على أساس من المقارنة وفق ما انتهينا إليه سابقاً من منهج.

ــــــــــ[133]ــــــــــ

() محاضرات الفقه المقارن السنة الثالثة التي ألقيت في (كلية الفقه) في السنتين الثالثة والرابعة عامي 1960-1961 ميلادية. (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن








[تعريف القياس لغةً واصطلاحاً]

 

وأول ما يواجهنا منها اختلافهم في تحديده اصطلاحاً مع اتفاقهم على مدلوله اللغوي.

فالقياس في اللغة “التقدير، ومنه قست الثوب بالذراع إذا قدّرته به”(1). قال الشاعر يصف جراحة أوشجة:

إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت

 

غشيتها أو زاد وهيا هزومها

وقد عرف في اصطلاحهم بـ(الاجتهاد) تارة كما ورد ذلك عن الشافعي، ويبذل الجهد لاستخراج الحق أُخرى(2).

وأورد على التعريفين بكونهما غير جامعين ولا مانعين.

أمّا كونهما غير جامعين، فلخروج القياس الجلي عنهما إذ لا جهد ولا اجتهاد فيه لاستخراج الحكم.

وأمّا كونهما غير مانعين، فلدخول النظر في بقية الأدلة كالكتاب والسنة وغيرهما من مصادر التشريع ضمن هذا التعريف، مع أنّها ليست من القياس المصطلح بشيء. ولهذين التعريفين نظائر: وهي أقرب إلى الشروح اللغوية منها ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) روضة الناظر وجنة المناظر: ص145.

(2) ص3 الآمدي: ج3 ـ 4.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

إلى الحدّ المنطقي والقريب من الحدّ المنطقي:

أ. منها: ما عرفه به القاضي أبو بكر: “من أنّها حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما” (1).

ب. وقريب منه تعريف الغزالي(2)، وتابعهما عليه أكثر الأصحاب(3).

وقد وردت عليه إشكالات وتشكيكات كثيرة، (أهمها) إشكال الآمدي، من لزوم الدور في أمثال هذا التعريف لأنَّ الحكم في الفرع نفياً وإثباتاً متفرع على القياس إجماعاً، وليس هو ركناً في القياس لأنَّ نتيجة الدليل لا تكون من الدليل لما فيه من الدور الممتنع(4).

وتقريب الدور أن إثبات الحكم للفرع موقوف على ثبوت القياس، وثبوت القياس -بناءً على هذا التعريف- موقوف على إثبات الحكم للفرع لأخذه في لسان التعريف، فتكون النتيجة هي إثبات الحكم في الفرع موقوف على إثبات الحكم فيه.

ج. والذي اختاره الآمدي في تعريفه: “أنَّه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلّة المستنبطة من حكم الأصل”(5).

ــــــــــ[135]ــــــــــ

(1) المصدر السابق.

(2) المستفيض: ج3، ص54.

(3) الآمدي: ج3، ص4.

(4) المصدر نفسه.

(5) المصدر نفسه.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

د. كما اختار ابن الهمام أن يكون التعريف: “هو مساواة محل لآخر في علّة حكم له شرعي لا تدرك بمجرد فهم اللغة”(1).

وقد سلم هذان التعريفان من مؤاخذة عامّة وردت على أكثر التعاريف التي أخذت في مفهومه كلمة (التسوية) أو كلمة (إلحاق) أو كلمة (حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل لاشتراكهما في العلّة) أو (حملك)، وما شابه من الألفاظ التي تبعد القياس عن كونه دليلاً للمجتهد، لبداهة أن فعل المجتهد لا يكون دليلاً له وإنَّما هو من نتائج استنباطه من الدليل، وهذه المفارقة وقعت حتّى على ألسنة المتأخّرين أمثال خلّاف.

هذا بالإضافة إلى سلامتهما من الإشكالات السابقة، يبقى في التعريفين أخذهما كلمة (المستنبطة) (ولا تفهم من مجرد اللغة)، وهو ينافي ما ورد عن الآمدي وغيره من تقسيم القياس إلى جلي وخفي، وتحديده للجلي بما كانت العلّة فيه منصوصة، والخفي ما كانت العلّة فيه مستنبطة(2).

فالأنسب تعريفه على مبانيهم: (بمساواة فرع لأصله في علّة حكمه الشرعي) لسلامته من المؤاخذات السابقة وصلوحه بعد إقامة الأدلة على حجيّته وتماميتها، لأن يكون من الأدلة التي يستنبط منها المجتهد أحكامها الشرعية.

والغريب أن يعتبر خلّاف هذا التعريف أبعدها عن الفن لاعتقاده في 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

(1) سلم الوصول: ص274.

(2) المقدسي في روضة الناظر: ص145.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

القياس: “أنَّه عملية يجريها القائس(1)(2) وما أدري كيف تكون عملية الاستنباط من الدليل هي الدليل له في عمليته الاستنباطية هذه، مع وضوح لزوم توقّف الشيء على نفسه فيه، لبداهة توقف العملية الاستنباطية من الدليل عليه، فإذا كان الدليل هو العملية الاستنباطية لزم توقف الشيء على نفسه. اللهم إلَّا أن ينكر أن يكون القياس من الأدلة، مع أنَّه عدّه في جملتها في مختلف مؤلفاته الأصولية. 

ــــــــــ[137]ــــــــــ

(1) ص63: ج3 منه.

(2) مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه: ص18.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن





أركان القياس

 

ومن هذا التعريف وغيره، منها يعرف أن أركان القياس لديهم أربعة:

  1. الأصل أو المقيس عليه: (وهو المحل الذي ثبت حكمه من طريق النص، وثبتت به أو استنبطت منه علّته).
  2. الفرع أو المقيس: (وهو الموضوع الذي يراد معرفة حكمه من طريق مشاركته للأصل في علّة الحكم).
  3. العلة: (وهي الجهة المشتركة بينهما والتي بيّن الشارع حكمه عليها في الأصل).
  4. الحكم: (ويراد به حكم الأصل الذي يراد إثبات نظيره في الفرع).

فالخمر في المثال المعروف للقياس أصل، والحرمة حكمه، والإسكار علّته، والنبيذ المسكر فرعه.

وقد ذكرت لهذه الأركان شرائط وتقسيمات عرضت أكثرها للوقاية من الوقوع في القياسات الفاسدة، فلا يهم عرضها، وتحديدها عدا ما يتصل منها بالعلّة لأنها هي المنطلق للبحث عن حجية القياس وعدمه، فالأنسب صرف الكلام إليها، فماذا يراد من العلّة في التعريف؟

ــــــــــ[138]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

تعريف العلة

لقد اختلفت كلماتهم في تعريفها، فالمقدسي(1) والغزالي(2) عرّفاها (بمناط الحكم) وفسّر الغزالي مناط الحكم بقوله: (ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به، ونصّبه علامة عليه(3).

 ومن هذا يعلم أن غرضهم من العلّة ليس مدلولها الفلسفي أعني ما أوجبت معلولها لذاته، وهي المؤلفة من المقتضي والشرط وعدم المانع، بل غرضهم منها ما جعله الشارع علامة على الحكم.

وبهذا صرّح الغزالي بقوله: “العلّة الشرعية علامة وأمارة لا توجب الحكم بذاتها، إنّما معنى كونها علّة نصب الشارع إيّاها علامة وذلك وضع من الشارع”(4)، وأضاف بعضهم إلى كونها أمارة وعلامة “اعتبار المناسبة بينها وبين الحكم” وأراد بالمناسبة أن تكون مظنة لتحقيق حكمة الحكم أي أن ربط الحكمة به وجوداً وعدماً من شأنه أن يحقق ما قصده الشارع بتشريع الحكم من جلب نفع أو دفع ضرر(5).

وبذلك كان تعريفها لدى المتأخرين بـ”الوصف الظاهر المنضبط الذي 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1) روضة الناظر: ص146.

(2) المستصفى: ج3، ص54.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر: ص72.

(5) علم أُصول الفقه لخلاف: ص77.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

جعله الشارع علامة على الحكم مع مناسبته له”(1). وقد انتزعوا من هذا التعريف شروطاً أربعة اعتبرها الأستاذ خلّاف من الشرائط المتفق عليها.

والأنسب تسميتها بالأركان لأنَّها جماع ما أخذ في العلّة من أجزاء وهي:

  1. أن تكون وصفاً ظاهراً أي مدركاً بحاسة من الحواس الظاهرة كالإسكار في المثال السابق ليمكن اكتشافه في الفرع.
  2. أن يكون وصفاً مناسباً (ومعنى مناسبته أن يكون مظنة لتحقيق حكمة الحكم.
  3. أن يكون وصفاً منضبطاً، أي محدداً بحدود معيّنة يمكن التحقق من وجودها.
  4. أن لا يكون قاصراً على الأصل، أي غير متعدّ منه إلى غيره من فروعه.

وقد ذكر الأستاذ خلّاف خلافاً في الشرط الرابع(2) ثم عقّب عليه -ومعه حقّ- بأنَّ هذا ممّا ينبغي أن لا يقع فيه خلاف (لأنَّه لا تكون العلّة أساساً للقياس إلَّا إذا كانت متعدّية).

وبهذه الشروط المنتزعة من التعريف حاول بعضهم إقصاء العبادات عن كونها مجرى للقياس، (لأنَّها ممّا لا تدرك عللها بالعقل كعدد الركعات، كل صلاة، وعدد أيّام الصيام وغيرهما من العبادات، كما ألحقوا بها العقوبات المقدّرة كالجلد في الزنا مائة جلدة وقذف المحصنات ثمانين(3) وهكذا. 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

(1) مباحث الحكم عند الأصوليين: ص136.

(2) علم أصول الفقه: ص78.

(3) مصادر التشريع: ص21.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وأظن أنَّ هذه القيود والاستدراكات إنَّما كانت من المتأخرين عن أبي حنيفة وتلامذته كردّ فعل للصراع الفكري الذي دار بين أبي حنيفة وأهل البيت لتوسعه في القياس توسعاً لا يخضع لحدود، ممّا استدعى أهل البيت وبخاصة الإمام الصادق إلى الوقوف منه ومن تلامذته موقفهم المعروف ومن يقرأ احتجاجات الإمام على أبي حنيفة وسكوت أبي حنيفة عن جوابها يعرف منها أنَّ دلالة العلّة لديه كانت أبعد ما يكون عن مفهومها في هذه التحديدات، وربما كانت مرادفه لديه للعلل الواقعية للتكاليف. 

وإليكم نموذجاً من احتجاجات الإمام عليه مأخوذاً من كتاب (حلية الأولياء) قال ابن جميع “دخلت على جعفر بن محمد أنا وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، فقال لإبن أبي ليلى: من هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين، قال: لعلّه يقيس أمر الدين برأيه -إلى أن يقول والحديث طويل نقتصر منه على موضع الشاهد فيه- يا نعمان حدّثني أبي عن جدّي أنَّ رسول الله قال أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له (اسجد لآدم) فقال: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ(1)  فمن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس. ثمّ قال جعفر -كما في رواية ابن شبرمة- أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس، قال: فإنَّ الله عزّ وجلّ قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلَّا أربعة ثم قال: أيّهما 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) سورة ص: 76.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

أعظم الصلاة أو الصوم؟ قال: الصلاة، قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فكيف ويحك يقوم لك قياسك؟ اتق الله ولا تقس الدين برأيك(1).

ومن هذا -ونظائره كثير- يتضح أنَّ المسألة كانت مسألة علل واقعية للأحكام لا أمارات وعلامات ظاهرة على الحكم وإلَّا لقال أبو حنيفة في جوابه إنَّني لا أقيس في العبادات والعقوبات وأمثالها ممّا لا تدرك عللها وأوصافها المنضبطة وإنَّني إنمّا استدل بالأمارات المجعولة من الشارع في أحكامه لا بالعلل الواقعية التي لا تدرك، وأمثال ذلك من الإجابات التي لا تدع مجالاً لامثال هذه النقوض.

وما استفاض مضمونه عن الأئمة من أمثال (أنَّ دين الله لا يصاب بالعقول، وأنَّ السنة إذا قيست محق الدين) يؤيد هذا الاستظهار.

فالمسألة إذن مسألة إدراك علل الأحكام لا الأمارات المجعولة من قبله عليها لأنها ممّا تصاب بالعقول عادة، وإذا صح هذا الاستظهار فقد أحسن المتأخرون صنعاً بتحويلهم مجرى الحديث في القياس من العلل الواقعية للأحكام إلى (الأوصاف الظاهرة المنضبطة المناسبة التي جعلت أمارة على الحكم).

وبهذا تتضيق شقة الخلاف بين مدرسة أهل البيت -التي أنكرت بلوغ العلل الواقعية للأحكام غالباً إلَّا من طريق المشرع نفسه- وبين المتأخرين 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

(1) حلية الأولياء: ج3، ص197.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الذين سلموا ذلك في العلل الواقعية غالباً، وحولوا الحديث إلى هذه الأنواع من العلل التي لا يأبى حجّيتها العقل بعد قيام دليل الحجية عليها وتماميته. وقبل أن نتحول عن الحديث عنها إلى أدلة حجّيتها نود أن نتحدث تبعاً لهم في الفرق بين العلّة والسبب والحكمة والشرط تمييزاً لبعضها عن بعض بلحاظ ما يترتب عليها من ثمرات.

الفرق بين العلة والسبب والحكمة والشرط

والذي يبدو أنَّ السبب عند أكثرهم أعمّ من العلّة.

  1. قد عرّفه الأصوليون بقولهم (هو معنى ظاهر منضبط جعله الشارع أمارة للحكم)(1) واحترزوا بالمنضبط عن الحكمة التي عرفوها بالباعث على شرع الأحكام لمصلحة العباد من جلب نفع أو دفع ضرر كنفع الناس مثلاً بالنسبة لوجوب الزكاة لأنها غير منضبطة في جميع الأفراد والأحوال، ولذا لم يعتبرها الشارع أمارة على الحكم(2).
  2. وبعضهم قيد السبب (بما ليس بينه وبين المسبب مناسبة ظاهرة) فيكون مبايناً للعلة بهذا المعنى.
  3. وقيل إنَّهما مترادفان(3) ومثّلوا بالسفر بالنسبة إلى إفطار شهر رمضان والدلوك بالنسبة إلى الصلاة والعقد بالنسبة إلى ترتب النكاح.

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) مباحث الحكم عند الأصوليين: ص135.

(2) المصدر نفسه.

(3) مصادر التشريع: ص42.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

أمّا الشرط فقد أخذ فيه -بالإضافة إلى ما اعتبر في السبب- عدم الإفضاء إلى المشروط، أي الانتهاء إليه فكان تعريفه لديهم (بأنَّه الوصف الظاهر المنضبط الذي يتوقف عليه وجود الشيء من غير إفضاء إليه) وذلك لعدم لزوم وجود المشروط عند وجود شرطه لديهم وإن استلزم انعدام المشروط عند عدمه(1)، ومثّلوا له بالوضوء بالنسبة للصلاة في شرط الواجب والاستطاعة بالنسبة للحج في شرط الوجوب، إذ إنَّ وجودهما لا يستلزم وجود مشروطهما لجواز توقفهما على شروط أُخر وإن استلزم عدمها العدم. وعلى هذا فالشرط والحكمة لا يصلحان أمارة للحكم بخلاف العلة والسبب في حدود ما ذكروا لهما من تعريف. 

تقسيم المناسبة المأخوذة في العلة

وقد قسموا هذه المناسبة التي أخذوها في العلة بلحاظ جعل الشارع لها وعدم جعله إلى أربعة أقسام:

  1. المناسب المؤثر (وهو الذي اعتبره الشارع بأتم وجوه الاعتبار ودلل صراحة أو إشارة على أنَّه علّة للحكم الذي شرعه) ومثل هذا (لا خلاف -في ما يدّعي الأستاذ خلّاف- بين العلماء في بناء القياس عليه. ويسمون القياس بناء عليه قياساً في معنى الأصل)(2).

ولكن دعوى عدم الخلاف سينقضها ما يرد عن ابن حزم وغيره من عدم الأخذ به أصلاً، اللهم إلَّا أن يريد بعدم الخلاف فيما بين الآخذين 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

(1) مباحث الحكم عند الأصوليين: ص144.

(2) مصادر التشريع: ص45.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بالقياس كدليل من الأدلة الشرعية.

  1. المناسب الملائم: وهو الذي لم يعتبره الشارع بعينه علّة لحكمه في المقيس عليه وإن كان قد اعتبره علة لحكم من جنس هذا الحكم في نص آخر، ومثلوا له بالحديث القائل (لا يزوّج البكر الصغيرة إلَّا وليها) ففي رأي أصحاب القياس أنَّ الحديث اشتمل على وصفين كلّ منهما صالح للتعليل وهو الصغر والبكارة، وبما أنَّه علل ولاية الولي على الصغيرة في المال في آية وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ(1) بالصغر فلا بُدَّ أن يكون التعليل هنا وارداً عليه دون البكارة، ولذا يعمم الحكم لكل صغيرة وإن كانت ثيباً(2)، وبذا اسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث مع إمكان أن تكون جزءاً من التعليل كما هو مفاد جمعها مع الصغر لو أمكن استفادة التعليل من أمثال هذه التعابير. وستأتي المناقشة في المسألة كبروياً، فلا تهم المناقشة من حيث الصغرى بعد إنكار الكبرى مطلقاً.
  2. المناسب الملغى: وهو الذي ألغى الشارع اعتباره مع أنَّه مظنة فيما يبدو لتحقيق مظنة الحكمة. ومثّلوا له بفتوى من أفتى أحد الملوك بأنَّ كفارته في إفطار شهر رمضان هو خصوص صيام شهرين متتابعين، لأنَّه وجد أنَّ المناسب من تشريع الكفارات ردع أصحابها عن التهاون في الإفطار العمدي، ومثل هذا الملك لا يهمه العتق ولا الإطعام لتوفرّ وسائلهما لديه، فإلزامه بالصيام أكثر مناسبة لتحقيق مظنة الحكمة من التشريع ولكن هذا الاستنتاج 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

(1) النساء: 6.

(2) مصادر التشريع: ص45.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ينافي اطلاق التخيير المرتب فكأن الشارع بإطلاق حكمه ألغى هذا المناسب لذا لم يصوّبوا هذا المفتي بفتياه.

  1. المناسب المرسل: وهو الذي يظهر للمجتهد أنَّ بناء الحكم عليه يحقق مصلحة، مع أنَّ الشارع لم يقم على اعتباره وإلغائه دليلاً، وسيأتي الحديث حوله في مبحث المصالح المرسلة إن شاء الله تعالى.

تقسيم الاجتهاد في العلة

أمّا الاجتهاد في العلة فقد قسّموه إلى ثلاثة أقسام:

  1. تحقيق المناط وقد قسمه المقدسي إلى نوعين:

أحدهما: أن تكون القاعدة الكلية متفقاً عليها، أو منصوصاً عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع(1)، ومثّلوا له بوجوب التوجّه إلى القبلة وهو معلوم بالنص والاجتهاد، إنَّما يكون في تشخيص القبلة من بين الجهات. 

ثم قال: (فليعبر عن هذا بتحقيق المناط إذا كان معلوماً لكن تعذّر معرفة وجوده في آحاد الصور فاستدل عليه بأمارات)(2). وقد اعتبر هذا النوع من تحقيق المناط ممّا لا يعرف في جوازه خلافاً، وكأنه أراد به تنقيح الصغريات لكبراها المسلمة وهو أقرب إلى القياس المنطقي المنتج للنتيجة القطعية متى كان الاجتهاد في تنقيح الصغرى جارياً وفق ما وضع له من أصول كأن تكون الأمارات القائمة عليها ممّا قامت عليها الحجّة بالخصوص.

ــــــــــ[146]ــــــــــ

(1) المصدر السابق: ص46.

(2) نفس المصدر: ص47.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ثانيها: (ما عُرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده) ومثالها تعليل الشارع لطهارة الهرّة بكونها من الطوافين عليكم والطوافات (فإذا اجتهد المجتهد في تشخيص أنَّ الفأرة مثلاً من الطوافات عمم الحكم لها بعدم النجاسة). 

وقد عبّر عن هذا القسم بالقياس الجلي وأنكر أن يكون القسم الأول من القياس، وعلل ذلك بأنَّ القياس مختلف فيه بينما اتفق على هذا القسم من تحقيق المناط. والأنسب تعليله بما ذكر (من أنَّ هذا من ضرورة كل شريعة لأنَّ التنصيص على عدالة كلّ شخص وقدر كفاية الأشخاص لا يوجد)(1) فلا بُدَّ من الاجتزاء بالقواعد العامّة، كقوله مثلاً (يجوز الصلاة خلف الإمام العادل) أو قوله: (تجب نفقة الزوجة على قدر الكفاية) وكأن مراده أنَّ جميع القضايا الشرعية إنَّما وردت على نحو القضية الحقيقية لا القضايا الخارجية، فلا تتكفل تشخيص موضوعاتها وإنما يعود تشخيصها إلى المكلفين أنفسهم على وفق ما جعله الشارع من القواعد والأصول لتشخيص الموضوعات، وهو أجنبي عن التماس العلل التي أناط بها الشارع تكاليفه في الأصول وتطبيقها على الفروع لتسرية الحكم إليها الذي هو مفاد القياس.

  1. تنقيح المناط (وهو أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه فتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة فيجب نفيها عن الاعتبار ليتسع الحكم)(2).

ــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) روضة الناظر: ص146.

(2) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ومثّلوا له بقصة الأعرابي الذي قال للنبي: “هلكت يا رسول الله فقال له: ما صنعت؟ قال وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: اعتق رقبة“. حيث استفادوا عدم الخصوصية لكونه أعرابياً فيلحق به جميع المكلفين، ولا لكون التي وقع عليها حلالاً، فالزنا ملحق بها بالحكم. ولا لكونه في خصوص شهر رمضان الذي وقع فيه وقاع الأعرابي، فيعم كل رمضان إلى ما هنالك من خصوصيات معلوم عدم مدخليتها في الحكم، وهذه التعميمات ممّا تقتضيها مناسبة الحكم والموضوع، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.

وهناك تعميمات مظنونة وقعت موقع الخلاف كالقول بأنَّ النكاح لا خصوصية له، فلا بُدَّ أن يعمم إلى كلّ مفطر، وهي مبنية على حجية القياس المظنون.

  1. تخريج المناط: وهو “أن ينص الشارع على حكمه في محل دون أن يتعرض لمناطه أصلاً”(1).

كتحريم الربا في البر المراد تعميمه إلى كل مكيل من طريق استنباط علّته بلحاظ أنَّ الكيل هو العلة في التحريم وهذا القسم هو أظهرها في مواضع الخلاف.

تقسيم مسالك العلة

لقد قلنا فيما سبق إنَّ البحث في العلّة ومسالكها وبعض ملابساتها هو المنطلق إلى البحث عن حجية القياس، وعلى أساسها يقوم السر في تقييمنا 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) المصدر السابق: ص146.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

للحجج المساقة عليه وجوداً وعدماً. فمن الحق أن نتحدّث عن مسالك العلّة بعد أن تحدّثنا عن مفهومها وجملة من ملابساتها تبعاً لمن سبقنا من الباحثين، وإن كنا سنخالف الكثيرين منهم في نهج التحدث عنها إبعاداً لما وقعوا فيه من تداخل بعض أقسامها في بعض. وقد آثرنا نهج (الغزالي) في تقسيمها، وإن لم نقتفه في جملة خصوصياته احتفاظاً بجملة ما جد عليه من تنظيم.

لقد قسم (الغزالي) مسالك العلّة إلى قسمين (صحيحة وفاسدة) 

المسالك الصحيحة

وقسم الصحيحة منها إلى ثلاثة أقسام(1)

أوّلها: ما كانت العلّة مدلولة فيه للأدلّة اللفظية وينتظم في هذا القسم منها:

أ . ما كان دالاً عليها بالدلالة المطابقية أي دلالة اللفظ على تمام معناها كدلالة لفظ العلّة ومشتقاتها وحروف التعليل، مثل (اللام) و(الفاء) و (إن) و (من)، وما شاكلها ممّا نصّ اللغويون أو النحاة على وضعها لهذا المعنى أو استعمالها فيه، مع توفر القرائن المعيّنة في المشترك منها أو الصارفة فيما كان مدلولاً لها بالدلالة المجازية، على أن يفهم -نصّاً أو إطلاقاً- استقلالها في العلّية وعدم قصرها على موضوعها.

ب. ما كان مدلولاً بالدلالة الالتزامية وهي التي ينتقل الذهن فيها إلى المعنى بمجرد سماعه اللفظ، أي ما كان اللازم فيها بيّناً بالمعنى الأخص وينتظم في هذا القسم:

ــــــــــ[149]ــــــــــ

(1) المستصفى: ج2، ص81.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

  1. مفهوم الموافقة أو قياس الأولوية وهو ما كان اقتضاء الجامع فيه للحكم بالفرع أقوى وأوكد منه في الأصل(1) ومثاله ما ورد في الآية المباركة من قوله تعالى فَلاَ تَقُلْ لَـهُمَا أُفٍّ القاضي بتحريم ضربهما وتوجيه الإهانة إليهما.
  2. مفهوم المخالفة كمفهوم الشرط بناءً على التحقيق من ثبوت الحجّية له والوصف عند من يعتبرها فيه شريطة أن يفهم منهما أيضاً ولو بمعونة القرائن الخاصّة أو العامّة أنَّ العلة مستقلة وغير قاصرة ليستفاد الاطراد منها وإن كان ثبوت العكس لا يحتاج إلى أكثر من إثبات انحصارها في العلية وهو معنى ظهورها في مفهوم المخالفة.
  3. دلالة الاقتضاء وهي الدلالة المقصودة للمتكلم التي يتوقف صدق الكلام أو صحّته عقلاً أو شرعاً أو لغة عليها(2) إذا كان المحذوف هو العلّة واستكملت شرائطها بالقرائن، كأن يسأل السائل عن علّة وجوب إكرام العالم في قوله مثلاً (أكرم العالم العادل) هل هي العدالة فيجيبه المسؤول بلى.
  4. دلالة الإيماء والتنبيه وهي الدلالة المقصودة للمتكلم(3) أيضاً إلَّا أنَّ الكلام لا يتوقف صدقه أو صحّته عليها وإنَّما يقطع أو يستبعد عدم إرادتها ومثالها في مقامنا قوله (طهر فمك) لمن قال (شربت ماء متنجساً بالدم) مثلاً ممّا يستكشف منه أنَّ العلّة في وجوب تطهير الفم هو شرب المتنجس وإنَّها مستقلة مطردة.

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) القوانين: ج2، ص87.

(2) أُصول الفقه للمظفر: ج1، ص118.

(3) المصدر السابق.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 ج. أن لا تكون مدلولة بالدلالة البيّنة بالمعنى الأخص بل بالدلالة غير البينة أو البينة بالمعنى الأعم كأن تستفاد العلّة مثلاً من الجمع بين دليلين أو أكثر، ويسمى هذا النوع من الدلالة بدلالة (الإشارة). وتسميتها (دلالة) لا يخلو من مسامحة وهي لو تمّت حجّيتها لكان الأنسب إلحاقها بباب الملازمات العقلية وإن عدّها بعضهم ضمن مباحث الألفاظ. ومن حقّها هنا أن تنتظم ضمن مباحث القسم الثالث من مسالك العلة لا في هذا القسم. 

ولقد وقع الخلط والتداخل بين هذه الأقسام من مسالك العلّة، في السنة أكثر الباحثين بما فيهم أمثال الآمدي من محققي الأصوليين، إلَّا أنَّه لا يهم عرضها وتحقيقها إذ لا ثمرة تترتب على ذلك.

ثانيها: الإجماع، كما إذا قام على معقد له معلل بعلة خاصّة فهم منها الاطراد والاستقلال أو قام الإجماع على نفس العلّة المستوفية للشروط يقول في القوانين والتعدي من قوله “اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه(1) إلى وجوب غسل البدن والإزالة عن المسجد والمأكول والمشروب وغيرهما إنَّما هو لأجل استفادة أنَّ علة وجوب الغسل عن الثوب هي النجاسة، ودليله الإجماع، فيجب الاحتراز عنه في كل ما يشترط فيه الطهارة(2).

ثالثها: اثباتها من طريق الاستنباط، وهو أنواع أهمها:

أ. طريقة السبر والتقسيم ويراد بالسبر الاختبار، وبالقسيم استعراض 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

(1) الكافي – الشيخ الكليني – ج ٣ – الصفحة ٥٧.

(2) القوانين ج2، ص84.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الأوصاف التي تصلح أن تكون علّة بالأصل وترديد العلّة بينها. (وخلاصة هذا المسلك أنَّ المجتهد عليه أن يبحث في الأوصاف الموجودة في الأصل ويستبعد ما لا يصلح أن يكون علة منها ويستبقي ما هو علّة، حسب رجحان ظنّه وهاديه في الاستبعاد والاستبقاء تحقق شروط العلّة، بحيث لا يستبقي إلَّا وصفاً ظاهراً منضبطاً متعدياً مناسباً معتبراً بنوع من أنواع الاعتبار)(1).

وفي هذا المسلك تتفاوت عقول المجتهدين، فالحنفية رأوا المناسب في تعليل التحريم في الأموال الربوية القدر مع اتحاد الجنس، والشافعية رأوه الطعم مع اتحاد الجنس، والمالكية رأوه القوت والادخار مع اتخاذ الجنس(2).

ب. إثبات العلّة بإبداء مناسبتها للحكم كأن يقال: إنَّ هذا الوصف في الأصل هو الذي يناسب أن يكون مظنّة لتحقيق الحكمة من هذا الحكم، وعليه فيجب أن يكون هو العلّة. وقد مضى منا الحديث في أقسام المناسب وتعيين ما يدخل منها في موضع النزاع من غيره، فلا نعيده هنا.

المسالك الفاسدة

هذا كلّه في المسالك التي اعتبرها الغزالي صحيحة، أمّا المسالك الفاسدة فقد حصرها في ثلاثة:

  1. أن يستدل على علّة الأصل بسلامتها عن علّة تعارضها وتقتضي نقيض حكمها، بدعوى أنَّ دليل صحّتها هو انتفاء المفسد. وقد ردّ هذا الدليل بإمكان 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

(1) علم أصول الفقه لخلاف: ص87.

(2) المصدر نفسه.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

قلبه، بدعوى أنَّ دليل فساده عدم الدليل على صحّته إذ لا يكفي للصحّة انتفاء المفسد بل لا بُدَّ من قيام الدليل على الصحّة.

  1. أن يستدل على علّية أحد الأوصاف باطراده مع الحكم. ولكن مجرّد الاطراد لا يكفي لإثبات علّيته له، لاحتمال أن يكون من اللوازم غير المنفكة عن علّته واقعاً، فقد يلزم الخمر لون وطعم يقترن به التحريم مع أن العلّة مثلاً هي الشدّة.
  2. أن يستدل على العلّية بالاطراد والإنعكاس معاً. وهذا كسابقه لا يدل على أكثر من الاقتران بالحكم وهو أعم من كونه علّة له أو ملازماً مساوياً لها يدور معها وجوداً وعدماً، وزيادة العكس على الاطراد لا يدل على أكثر من هذا المعنى.

واعتبار هذه المسالك من المسالك الفاسدة صحيح جداً إن أُريد أنّها طرق لإثبات العلّة على نحو الجزم واليقين، أمّا إذا اكتفى منها في الظن بإفادتها لها فإنكار ذلك لا يخلو من مصادرة، ولا أقل من تحول النزاع فيها إلى نزاع صغروي لا جدوى من تحريره. والأدلة التي ساقوها غاية ما تفيد عدم استفادة الجزم بالعلّية منها لا الظن. 

والذي ينبغي أن يقال إنَّ هذه المسالك كغيرها ممّا لا يفيد علماً من المسالك السابقة وبخاصة الأخير منها، إن قام عليها دليل بالخصوص كانت حجّة وإلَّا فلا.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 

حجية القياس

 

والحديث عن حجّية القياس يتشعب جداً بتشعب أقوالهم وتباينها فقد نسب (الغزالي) وغيره إلى الشيعة -بقول مطلق- وبعض المعتزلة استحالة التعبد بالقياس عقلاً(1) كما نسب (المقدسي) ذلك إلى أهل الظاهر والنظّام وقال (وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله فقال يتجنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين المجمل والقياس وتأوله القاضي على قياس يخالف به نصّاً)(2). وقال (قوم في مقابلتهم يجب التعبد به عقلاً)(3). وذهب آخرون إلى أنَّه (لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب ولكنَّه في مظنّة الجواز ثم اختلفوا في وقوعه فأنكر أهل الظاهر وقوعه بل أدّعوا حظر الشرع له)(4)

ولكن بعض الشافعية أوجبوا التعبد به شرعاً وإن لم يوجبوه من وجهة عقلية(5). والذي عليه أئمة المذاهب وغيرهم من أعلام السنة(6) على اختلاف، في 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

(1) المستصفى: ج2، 56.

(2) روضة الناظر: 147.

(3) المستصفى: ج2، ص56.

(4) نفس المصدر.

(5) روضة الناظر: ص147.

(6) الآمدي: ج3، ص64.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

حدود الأخذ به هو الجواز العقلي ووقوع التعبد الشرعي به كما هو فحوى أدلّتهم التي سنعرضها، وإن كان في استدلال بعضهم ما يوجبه عقلاً لو تمّت أدلّته العقلية.

ومن هذا العرض تدركون اختلاف العلماء في نسبة بعض الآراء إلى أصحابها، فالمقدسي يعتبر أهل الظاهر من محيلي القياس عقلاً، بينما يعتبره الغزالي من مجوزيه عقلاً ومانعييه شرعاً. 

وربما وقف كل منهما على ما نسب إليهم من أدلّة يشعر بعضها بالإحالة العقلية وبعضها بالحظر الشرعي، فاستند إلى ما وجد من أدلّتهم في تحقيق ذلك. وهذه الأدلّة معروضة في كتاب ابن حزم (ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل) ومقدّمة كتابه (المحلى).

إلَّا أنَّ الشيء الذي لم أجده في حدود تتبعي هو نسبة الإحالة العقلية إلى الشيعة بقول مطلق، وربما وجدوه في بعض كتب الأصول الشيعية كرأي لصاحب الكتاب، ومن الخطأ نسبة رأي إلى مجموع الشيعة لمجرد ذهاب مجتهد منهم إليه، ما لم يكن من ضروريات مذهبهم، وبخاصة بعد أن فتحوا على أنفسهم باب الاجتهاد، وأصبح الحق لكلّ منهم أن يختار لنفسه ما يختار. 

نعم الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن المنع عن العمل بقسم من أقسام القياس يُعدّ من ضروريات مذهبهم لتواتر أخبار أهل البيت في الردع عن العمل به(1) لا أنَّ العقل هو الذي يمنع التعبد به ويحيله، ولذلك احتاجوا إلى 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

(1) المعالم: مبحث القياس: ص213.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بذل جهد في توجيه ترك العمل به مع أفادته للظن بناءً على تمامية مقدمات دليل انسداد باب العلم، وتشريع العمل بالظن بقول مطلق سواء قيل بحكومة العقل بحجّيته أو كشفه عن جعل الشارع الحجّية له في هذا الحال. 

إلَّا أنَّ جمهور علماء الشيعة هم من القائلين بانفتاح باب العلم بقسميه
-الوجداني والتعبدي- بالأحكام الشرعية فلا تصل النوبة إلى مثل هذه المحاولات الجاهدة في الجمع بين نتائج دليل الانسداد وما دلّ على حرمة العمل بالقياس الظني(1)، ومع فرض الإحالة العقلية له لا نحتاج إلى مثل هذا الجمع. وعلى أي فإن حجّية القياس وعدمها ذات أقوال رئيسية ثلاثة: 

  1. قول بالإحالة العقلية.
  2. قول بالوجوب العقلي.
  3. قول بالإمكان مع الوقوع أو عدمه.

القول بالإحالة العقلية للقياس

والقائلون بالإحالة العقلية لا تختص أدلتهم بالقياس بل تعم جميع الطرق والأمارات الظنّية من لزوم اجتماع المثلين أو النقيضين وغيرهما(2).

وكأن منشأ الشبهة لديهم هو ما استفادوه من أدلة جعل الطرق من كونها دالّة على جعل أحكام ظاهرية في مقابل الأحكام الواقعية تتفق معها أو تختلف. 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

(1) اقرأ ما أفاده الشيخ الأنصاري في ذلك في فرائد الأصول: ص220، في أواخر دليل الانسداد.

(2) راجعها مفصلة في كتاب فرائد الأصول: ج3، ص32.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

حيث يلزم من اتفاقها جعل الحكمين المتماثلين، ومن اختلافها جعل الحكمين المتناقضين، ولذلك احتاجوا إلى التماس وسائل للتوفيق بين الجعلين. 

وقد أعوزت هذه الوسائل الكثير من الأعلام فذهبوا إلى التصويب، إمّا بانكار الأحكام الواقعية في حال الجهل أو الاعتراف بها وتغليب مفادات الطرق عليها. ولكن التحقيق هو أنَّ أدلّة جعل الطرق والأمارات لا تدلّ على تشريع حكم ظاهري في مقابل الحكم الواقعي وإنَّما تدل على جعل الحجّية أو الطريقية لها، وهي لا تفيد أكثر من جعل المعذرية أو المنجّزية للواقع عند إصابة الطريق. 

ومع هذه الاستفادة لا يبقى مجال لتلكم الشبه لتحتاج إلى دفع، فإحالة القياس للزوم التناقض أو اجتماع المثلين لا تتم لهذا السبب، وحاله حال بقية الأمارات.

ولكن الآمدي صوّر اشكالهم بصورة أخرى ودفعه على مبناه من التصويب. يقول: (إذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين فإمّا أن يقال بأنَّ كلّ مجتهد مصيب فيلزم منه أن يكون الشيء ونقيضه حقّاً وهو محال، وإمّا أن يقال بأن المصيب واحد وهو أيضاً محال. فإنَّه ليس تصويب أحد الظنين مع استوائهما دون الآخر أولى من العكس)(1) حيث التزم بالتصويب ورفع إشكال التناقض باختلاف الموضوع، لأنَّ موضوع أحد الحكمين هو ظن أحد المجتهدين، وموضوع الحكم في الآخر ظن المجتهد الثاني، ومع اختلاف الموضوع لا تناقض.

ــــــــــ[157]ــــــــــ

(1) الآمدي: ج3، ص66.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

هذا على مبنى المصوّبة أمّا على مبنى المخطئة فالإصابة تابعة لواقعها، فقد تكون مع هذا القائس إذا أصاب العلّة وقد تخطئهم جميعاً، كما إذا كانت العلّة غير ما تخيّلوه. ومعنى جعل الحجّية للقياس هو جعل المعذّرية أو المنجّزية له لا إصابة الواقع إصابة تشريعية ليسلم هذا الترديد، وقد سبق الحديث في التصويب وإبطاله فيبطل كلّ ما يترتب عليه. وإذا استثنينا من أدلّتهم هذا الدليل فإنَّ أكثرها لا تستحق أن تعرض ويجاب عليها.

القول بالوجوب العقلي للقياس

أمّا الموجبون له عقلاً فأدلتهم لو تمّت فهي لا تشخص القياس ولا تعينه، وسيأتي عرضها عند الاستدلال على حجّية القياس عن طريق حكم العقل، بل تشمل جميع الظنون، وربما كان مفادها أقرب إلى مفاد أدلّة انسداد باب العلم.

القول بإمكان القياس

يبقى القول الثالث وهو الذي يستحق إطالة الحديث فيه. وتحقيق الحال فيه أن يقال إنَّ القياس في حدود ما عرفنا من مفهومه من أنَّه (مساواة محل لآخر في علّة حكمه) لا يقتضي أن يكون موضعاً لحديث في حجّيته كدليل على الحكم في الفرع لأنَّ العلّة التي أخذت في لسان الدليل إن أريد بها العلة الواقعية التامّة للحكم استحال تخلّف معلولها عنها في الفرع لاستحالة تخلّف المعلول عن العلّة وإن أُريد بها الوصف الظاهر المنضبط المناسب غير القاصر الذي أناط به الشارع حكمه وجعله أمارة عليه وجودا وعدماً، عدم تخلفه، ومعنى تخلف الحكم في الفرع عنه أيضاً وإلا لزم الخُلف، لأن معنى أناطته به وجوداً 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وعدماً عدم تخلفه، ومعنى فرض إمكان تخلفه –كما هو مفاد عدم الحجية- عدم الأناطة به، وهو خلاف الفرض.    

إلَّا أن موضع الشبهة والتأمل إنّما هو في استنباط الحكم من هذا الدليل لا في أصله، وعملية الاستنباط هذه موقوفة على تمامية مقدّمتين: 

(أولاهما) -معرفة العلّة في الأصل. 

(ثانيتهما)- التعرف على وجودها في الفرع.

وكلتاهما موقوف على حجّية الطرق والمسالك إليهما ومع إثبات الحجّية لها وثبوت العلّة بها يثبت حكم الفرع بها حتّى بأي معنى أخذنا العلّية من المعنيين السابقين.

مسالك العلّة

ومسالك العلّة -كما سبق عرضها- تنقسم إلى قسمين قطعية وغير قطعية، والثانية تنقسم إلى قسمين ما قام دليل على اعتبارها حجّة أو طريقاً وما لم يقم. وعلى هذا فالأقسام المتصوّرة ثلاثة:

  1. المسالك المقطوعة.
  2. المسالك غير المقطوعة مع قيام الدليل عليها.
  3. المسالك غير المقطوعة مع عدم قيام الدليل عليها، ولكلّ منها حديث.

1. المسالك المقطوعة

أمّا الأولى منها: فحجّيتها أوضح من أن يقام عليها دليل لما سبق أن قلنا من أن طريقية كلّ طريق غير العلم لا بُدَّ أن تنتهي إلى العلم وطريقية العلم 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

نفسه لا بُدَّ أن تكون ذاتية وإلَّا لزم الدور أو التسلسل وقلنا إنَّ الحجّية من لوازمه العقلية القهرية التي لا تقع تحت إرادة المشرّع وتشريعه فإذا صحّ هذا إتضح عدم إمكان تصرّف الشارع في هذا القسم من القياس وضعاً أو رفعاً لأنَّ الطريقية والحجّية له من الأمور التكوينية وهي غير واقعة ضمن نطاق قدرته كمشرّع وإن وقعت ضمن نطاقها كمكوّن وإذن لا بُدَّ من تأويل ما ورد من الردع عن الأخذ بالقياس حتّى إذا أنهى إلى القطع.

ولعل أجمل ما يمكن أن يذكر في هذا المجال هو أنَّ الشارع وإن لم يمكنه التصرّف في حجّية العلم أو طريقيته إلَّا أنَّه يمكنه التصرف بحكمه فيرفعه عن المكلف على تقدير المصادفة، كأن يقول إنَّ أحكامي التي تنتهون إليها من طريق القياس لا أُريدها منكم أو لا أؤاخذكم على تركها، وتكون أشبه بالأحكام التي يبدل واقعها إذا طرأ عليها عنوان ثانوي، فالخمر -مع توقّف إنقاذ الحياة عليه- يتحول حكمه من الحرمة إلى الوجوب وهكذا في موضعنا هذا، فكأن الشارع المقدس ألزم نفسه بتبديل الأحكام الواقعية إذا انتهي إليها من طريق القياس، كما يعلم من كثرة تفويت الأقيسة لمصالح المكلفين ولكثرة ما تلقيهم في المفاسد، ولذا شدّدوا في النكير على استعمالها.

إلَّا أنَّ الذي يهوّن علينا الأمر أنَّه ليس في الأدلة الرادعة عن الأخذ بالقياس ما هو صريح الردع عن هذا النوع من القياسات إلّاَ ما ربما يبدو من روايات أبان، قال: “قلت لأبي عبد الله ما تقول في رجل قطع أصبعاً من أصابع امرأة كم فيها؟ قال عشرة من الإبل، قلت قطع اثنين؟ قال عشرون، قلت قطع ثلاثاً؟ قال ثلاثون، 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

قلت قطع أربعاً؟ قال عشرون، قلت سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون إنَّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قال ونقول إن الذي قاله شيطان، فقال مهلاً يا أبان هذا حكم رسول الله: إنَّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الديّة فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف يا أبان إنَّك أخذتني بالقياس والسنّة إذا قيست محق الدين)(1).

وقد ناقشها بعض أساتذتنا بمناقشات جدّ متينة ننقلها نصّا من تقريرات بعض تلامذته:

(وأمّا ما أفاده -يعني أستاذه- من ثبوت المنع عن العمل بالقطع الحاصل من القياس لرواية أبان ففيه:

أولاً: أنَّ رواية أبان ضعيفة السند لا يمكن الاعتماد عليها.

وثانياً: أنَّه لا دلالة فيها على كونه قاطعاً بالحكم. نعم يظهر منها أنَّه كان مطمئناً به ولذا قال كنّا نسمع ذلك بالكوفة ونقول: إنَّ الذي جاء به شيطان.

وثالثاً: ليس فيها إشعار بالمنع عن العمل بالقطع، وإنَّما أزال الإمام قطعه ببيان أنَّ السنّة إذا قيست محق الدين. نعم ظهورها في المنع عن الغور في المقدمات العقلية للأحكام الشرعية غير قابل للإنكار)(2).

وهذا الغور على العلل هو آفة ذلك العصر فيما يبدو، حتّى أنَّ الجرأة فيه قد بلغت على لسان بعض من تبنّى مدرسة الرأي في العراق مبلغاً سهّل لصاحبه 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

(1) القوانين: ج2، ص89.

(2) دراسات في الأصول العملية: ص29.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الاستهانة بالنصوص لمجرد اصطدامها بما تخيله صالحاً للتعليل، كما هو صريح رواية أبان (إنَّ الذي قال به شيطان). والمتورع منهم يكتفي بالقول إنَّ هذا النص مخالف للقياس، وقد رأينا في المتأخرين عن ذلك العصر أمثال ابن القيم من أتعب نفسه بالدفاع عن نصوص الشريعة وتحويلها على وفق القياس، من الجمع بين المؤتلفات والتفريق بين المتفرقات(1) بالتماس علل خفية تُنزَّل عليها النصوص، وهذا ما دعا الأئمة وتلامذتهم أمثال هشام بن الحكم ومؤمن الطاق إلى الوقوف أمام تسرب هذا التيار، الذي لو قُدّر له الاستمرار على جرأته على النصوص لأتى مع الزمن على الشريعة من أساسها.

ولقد أحسن المتأخرون صنعاً حين نقلوا الحديث في القياس من العلل الواقعية إلى مناطات الأحكام التي جعلها الشارع أمارة على الحكم، وحدودها بحدودها التي سبق عرضها في تعريف العلّة، ممّا أبعد الحديث عن التلاعب بالنصوص والتحكم في مضامينها.

وفي هذا القسم -أعني في القياس المقطوع العلّة- تنتظم بعض القياسات الجلية كقياس الأولوية وما يقطع بها لمناسبة الحكم والموضوع، كمثال الأعرابي السابق وما شابه ذلك من الأقيسة.

2. (المسالك غير المقطوعة) مع قيام الدليل القطعي عليها 

وينتظم في هذا القسم كلّ ما يرجع إلى حجّية الظواهر من المسالك السابقة، أي ما كانت العلّة فيها مستفادة من دليل لفظي، سواء كانت مدلولة له 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

(1) راجع أعلام الموقعين: ج2، وكتاب القياس في الشرع الإسلامي لابن تيمية.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بالدلالة المطابقية أم الدلالة الالتزامية.

وهذه المسألة تعدّ من صغريات مسألة حجّية الظهور. فالأدلة الدالة على حجّية الظهور والتي سبق أن سقناها في محاضرة سابقة دالّة عليها، وحالها حال بقية الظهورات التي هي المستند في استنباط أكثر الأحكام الشرعية، والحقيقة أنَّ عدّها في مقابل السنّة في غير موضعه، فالأنسب -كما يقول الأُستاذ خلّاف وغيره- أبعادها عن مبحث القياس وإلحاقها بمباحث السنّة(1)، وكلّ ما وقع فيها من نقاش من أمثال السيّد المرتضى(2) وابن حزم(3) وبعض نفاة القياس إنَّما هو من قبيل النقاش في الصغرى، أي إنكار الظهور لا التشكيك بحجّيته بعد ثبوته، وما يقال عن هذه المسالك يقال عن الإجماع المثبت للعلة بعد القول بحجّيته، وقد سبق الحديث عنه مفصلاً.

يبقى الحديث عن الجمع بين مقتضى حجّية هذه المسالك وما دلّ على الردع عن الأخذ بالقياس، كما ورد ذلك بكثرة عن أهل البيت، مع أنَّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجه. لأن الأدلة الرادعة تشمل القياس المنصوص العلّة -مثلاً- وغير المنصوص، ممّا استنبطت العلّة منه. وأدلّة حجّية الظواهر تشمل القياس المنصوص العلّة وغير القياس. فمورد الاجتماع القياس المنصوص وهو مورد المعارضة، ومقتضى القاعدة تساقط الدليلين والرجوع إلى الأصل، وهو 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع: ص24.

(2) القوانين: ج2، ص81.

(3) ابطال القياس: ص29.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

هنا أصالة عدم الحجّية. لأنَّ الشكّ في الحجّية -كما سبق أن قلنا- كافٍ للقطع بعدمها، إلَّا أنَّ المسألة في الحقيقة لا تصل إلى المعارضة لنرجع بعد التساقط إلى الأصل، لأنَّ منصوص العلّة إن قلنا إنَّه من السنّة -كما ذهب إليه خلّاف وغيره- كان خارجاً عن أدلّة الردع تخصصاً، لأنَّها إنَّما تردع عن القياس وهذا ليس بقياس كما هو الفرض.

وإن لم نقل إنَّه من السنة فلا بُدَّ من صرف الأدلّة الرادعة إلى غيره، مما لا يقوم على اعتبار مسالكه دليل، لأنَّ لسان الردع يقتضي ذلك كما يتضح من قول بعضها: (إنَّ دين الله لا يصاب بالعقول)، إذ مع فرض كون العلّة مستفادة من النصوص لظهوره فيها، يكون المشرّع هو الذي دلّ عليها لا أنَّ العقول أصابتها بمنأى عنه. كما أنَّ قولهم: “السنة إذا قيست محق الدين” ظاهر في ذلك، إذ لا معنى لأن تمحق السنة بنفسها، إذ المفروض أنَّها هي التي صرّحت بالعلل أو كانت ظاهرة فيها فلا بُدَّ أن يراد منها خصوص، ما لم تدلّنا هي على علله، بل كان الدليل عليها هو عقولنا التي أثبتت لها هذه الروايات العجز والقصور.

3. المسالك التي لم يقم دليل قطعي على حجّيتها

وهي المسالك التي تنتهي إلى العلّة من طريق الاستنباط بأي وسيلة من وسائله، كالسبر والتقسيم وإثبات المناسبة وسلامة العلّة عن النقيض واطرادها وانعكاسها، وأمثالها من المسالك التي لا تفيد إلَّا الظن على أكثر التقادير، والظن -كما سبق أن شرحنا ذلك في محاضرة سابقة- ليست طريقته منجعلة بذاتها لنقصان الكشف فيه، كما أنَّ حجّيته ليست من اللوازم العقلية القهرية 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

التي لا تحتاج إلى جعل من قبل الشارع، ولذلك احتجنا إلى الاستدلال عليه بالأدلة القطعية شرعية أو عقلية. وهذه الأدلة إن تمّت أخذنا بها، وإلَّا فحسبنا من القطع بعدم الحجية عدم ثبوتها، والشكّ وحده فيها -كما سبق بيانه- كافٍ للقطع بعدمها؛ لكونها -أعني الحجية- لا تتقوم إلَّا بالعلم. 

ومن هنا لا نحتاج إلى التماس أدلة على النفي، بل لا نحتاج إلى عرض الأدلة التي ذكرها النافون بما في ذلك ما ورد عن أهل البيت وفحصها. اللهم إلَّا إذا تمت أدلة الحجية فإنَّنا نحتاج إلى فحصها لالتماس ما يصلح للمعارضة منها تمهيداً للجمع بينها وبين ما دلّ على حجّية القياس، حيث يمكن الجمع بينهما أو إسقاطهما والرجوع إلى الأصول.

أدلة المثبتين

والأدلة التي ذكرها المثبتون لهذا النوع من القياس كثيرة نعرض أهمها وأظهرها في الدلالة، ومنها يعرف حساب باقي الأدلة، وهي مستندة إلى الأدلة الأربعة (الكتاب والسنة والإجماع والعقل) أمّا أدلّتهم من الكتاب فأظهرها.

1. الاستدلال بالكتاب
الآية الأولى

قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(1) بتقريب أنَّ القياس بعد استنباط علّته 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

(1) النساء: 59.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بالطرق الظنّية من الكتاب والسنة يكون رداً إلى الله والرسول، ونحن مأمورون بالرجوع إليهما بهذه الآية، فينتج أنَّنا مأمورون بالرجوع إلى القياس عند التنازع، وليس معنى الأمر بذلك إلَّا جعل الحجّية له. وهذا أفضل تقريب للآية في دلالتها على المراد، انتزعناه من مختلف الصور المعروضة لدى المثبتين في توجيهها مع إكمال نقص بعضها ببعض.

ولكن هذه الآية لم تتضح دلالتها بعد، لوجود مواضع لعلامات الاستفهام والتعجب فيها وهي:

  1. أنَّ دلالة الآية موقوفة على أن يكون القياس الظنّي رداً إلى الله والرسول وهو موضع النزاع، ولذلك احتجنا إلى هذه الآية ونظائرها لإثبات كونه رداً، والمقياس في الرد وعدمه قيام الدليل عليه، فإن كان هو هذه الآية لزم الدور، بداهة أنَّ دلالتها على حجّية القياس المظنون موقوفة على كونه رداً، وكونه رداً موقوف على دلالتها على حجّية القياس. بالإضافة إلى أن الحكم لا يثبت موضوعه بل يحتاج في إثباته إلى دليل خارج عنه، وإن كان المثبت لكونه رداً هو الدليل الخارج تحول الحديث إلى حجّية ذلك الدليل، ومع قيامه لا تصل النوبة إلى الاستدلال بهذه الآيات.
  2. ومع الغض عن هذه الناحية فالآية إنَّما وردت في التنازع والرجوع إلى الله والرسول لفض النزاع والاختلاف، ومن المعلوم أنَّ الرجوع إلى القياس لا يفض نزاعاً ولا اختلافاً لاختلاف الظنون، بل الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يفض نزاعاً أيضاً لما يقع فيه المتنازعون عادة من الاختلاف في فهم النصوص، 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ومن هنا رأينا أعاظم العلماء والصحابة يختلفون في فتاواهم مع وحدة مصادرهم. 

وإذن فلا بُدَّ أن يكون المراد من الآية هو تشريع الرجوع في مقام التخاصم والتنازع إلى الرسول ومن ينصبه بأمر الله من أولى الأمر لفض خصوماتهم، أي إلى أشخاص القائمين بالحكم بأمر الله، وإن شئت أن تقول إلى أشخاص القضاة والولاة في الإسلام.

ومن هنا أعطي الحكم الحاكم في الإسلام أهمية كبرى حتى جعل الراد عليه راداً على الله (وهو على حدّ الشرك بالله). فالآية أجنبية عن جعل الحجّية لأي مصدر من مصادر التشريع قياساً أو غير قياس، وموردها الرجوع إلى من له القضاء باسم الإسلام لفض الخصومات.

  1. ومع الغض عن هذه الناحية والناحية التي قبلها فالآية لا تدلّ على حجّية القياس بقول مطلق إلَّا بضرب من القياس، لورودها في خصوص باب التنازع، فتعميمها إلى مقام الإفتاء أو العمل الشخصي لا يتم إلَّا من طريق السبر والتقسيم، وإذن يكون ظهور الآية في حجّية القياس مطلقاً موقوفاً على حجّيّة القياس، فإذا كانت حجّيّة القياس موقوفة على هذا الظهور لزم الدور.
الآية الثانية

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ ِلأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّـهِ فَأَتَاهُمْ اللَّـهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ(1). وموضع الدلالة منها كلمة (اعتبروا) الظاهرة في جعل الوجوب للإعتبار. 

وقد اختلفت كلمتهم في المراد من الاعتبار، فقال بعضهم إنَّ المراد منها الألفاظ، وقيل -كما عن ابن حزم- إنَّ معناها التعجب، وهما أجنبيان عند أكثرهم عن القياس. وقيل إنَّ الاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة، والقياس عبور ومجاوزة، فيكون مأموراً به أخذاً بإطلاق (اعتبروا)، وحتى لو كان معناها الاتعاظ، فهو -فيما يرى خلّاف- التقرير، لأنَّ سنة الله في خلقه أنَّ ما جرى على النظير يجري على نظيره(2).

ويرد على هذا الاستدلال أنَّ إثبات الحجّيّة لمطلق الاعتبار بحيث يشمل المجاوزة القياسية موقوف على أن يكون في مقام البيان من هذه الجهة، بحيث لو أراد أن يصرح بكل ما ينطبق عليه التعبير لما كان يأباه سياق الكلام، فالآية المباركة أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(3) لو قدّر أن نصرح بمختلف البيوع فيها بدلاً من الإطلاق لساغ الكلام، وليس ما يمنع من ذلك إلَّا التطويل كأن نقول (أحل الله البيع) العقدي والمعاطاتي وبيع الصرف والسلم، وهكذا، وإذا صح هذا عدنا إلى الآية لنرى هل أنَّ سياقها ممّا يسيغ ذلك فنقول وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ، فقيسوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

(1) الحشر: 2.

(2) مصادر التشريع: ص26.

(3) البقرة: 275.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

أنفسكم عليهم والنبيذ على الخمر والضرب على التأفيف والذرة على البر في الربا، وهكذا أمثل هذا ممّا يقرّه سياق الكلام؟ 

ومن هنا يعلم أنَّ الآية ليست واردة في مقام البيان من هذه الجهة وإنَّما هي في مقام التماس العبر من أمثال هذه الأحداث، ومتى لم تكن واردة في هذا المورد لم تصلح للتمسك باطلاقها في كلّ مجاوزة.

ومع التنزل فهي واردة في جعل الحجّية لأصل القياس كدليل، وأصل القياس لا ينبغي أن يكون موضعاً لمناقشة جذرية وإنَّما الخلاف الجذري في الطرق والمسالك الكاشفة عن توفّر أركان القياس في الأصل والفرع، والدليل الوارد في جعل الحجّيّة لأصل الدليل لا يتعرض إلى طرق إثباته، فكما أنَّ الأدلة الدالة على أنَّ السنّة النبوية من مصادر التشريع لا تتكفل جعل الحجّيّة لخبر الواحد الحاكي لها بل نحتاج إلى إثبات حجّيّته إلى أدلّة أخرى، كذلك في هذا الموضع.

الآية الثالثة

قوله تعالى: قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ...(1) بتقريب: (أن الله عزّ وجلّ استدل بالقياس على ما أنكره منكرو البعث، فإنَّ الله عزّ وجلّ قاس إعادة المخلوقات بعد فنائها على بدء خلقها وإنشائها أوّل مرّة، لإقناع الجاحدين بأن من قدر على بدء خلق الشيء قادر على أن يعيده، بل هذا أهون عليه. 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

(1) يس: 78- 79.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

فهذا الاستدلال بالقياس إقرار لحجّيّة القياس وصحّة الاستدلال به، وهو قياس في الحسّيّات ولكنّه يدل على أنَّ النظير ونظيره يتساويان)(1)

والجواب على ذلك: 

  1. أنَّ هذه الآية لو كانت واردة لبيان الإقرار على حجّيّة القياس لصح أن يعقب بمضمون الإقرار على الآية ولسلم الكلام، كأن يقول -قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة- فقيسوا النبيذ على الخمر والذرة على البر وهكذا، ولكم بعد ذلكم أن تقدروا قيمة هذا التعقيب من وجهة بلاغته، ومن عدم جوازه يستكشف أنَّ الكلام ليس وارداً في مقام جعل الحجج ليصح الاستدلال به عليه.
  2. ولو سلم ذلك جدلاً فالآية غاية ما تدل عليه هو مساواة النظير للنظير، أي جعل الحجّية لأصل القياس لا للمسالك الظنية إلى علله، وهو ممّا لا ينبغي أن يكون -كما مرّ إيضاحه عن قريب- موضعاً لنزاع، والدليل الذي يتكفل حجّية الأصل لا يتكفل بيان ما يتحقق به.
  3. ولو سلم أيضاً دلالتها على المسالك الظنية فهي لا تدل عليها بقول مطلق إلَّا بضرب من القياس، لأنَّ الآية إنَّما وردت في قياس الأمور المحسوسة بعضها على بعض، فتعميمها إلى الأمور الشرعية موقوف على ضرب من القياس فيلزم الدور، وقول خلّاف: “أنَّها تدل على أنَّ النظير ونظيره يتساويان” غير صحيح على إطلاقه، إذ غاية ما تدل عليه هي مساواة النظير للنظير في الأمور التكوينية، وتعميمها لغيرها لا يتم إلَّا بالقياس الظنّي.

ــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع ص 37.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الآية الرابعة

قوله تعالى: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ(1) وهي التي استدل بها الشافعي على حجّيّته حيث قال: “فهذا تمثيل الشيء بعدله وقال: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ(2) وأوجب المثل ولم يقل أي مثل فوكل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا وأمر بالتوجّه إلى القبلة بالاستدلال وقال: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ(3). انتهى”(4).

والجواب: أنَّ تشخيص الموضوعات وإن كان من شؤون المكلفين أنفسهم ولكن وفق ما وضع لهم العقل والشارع من طرق ولو كان من طريق الإقرار، وكون القياس الظنّي من هذه الطرق المجعولة كالبيّنة هو موضع الخلاف، والآية أجنبية عن إثباته على أنَّ تشخيص الصغريات للكبرى الكلية -لو أراد ذلك الشافعي من كلامه- وإن كان من شؤون المكلفين حسبما جعل لهم من الطرق الاجتهادية إلَّا أنَّه ليس من القياس بشيء، لأنَّ القياس في جميع تعاريفه لا ينطبق عليه بحال. فتشخيص أنَّ هذا مثل ينطبق عليه حكم الجزاء لا يتصل بالقياس لأنَّه من تحقيق المناط بقسمه الأوّل، كتشخيص أنَّ هذه الجهة قبلة وهو ليس موضعاً لخلاف. وقد سبق الحديث في ذلك مفصلاً.

ــــــــــ[171]ــــــــــ

(1) المائدة: 95.

(2) المائدة: 95.

(3) البقرة:44 و:150.

(4) ارشاد الفحول (ص201).

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الآية الخامسة

قوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ(1) وقد استدلّ بها ابن تيمية على القياس بتقريب: “أنَّ العدل هو التسوية، والقياس هو التسوية بين مثلين في الحكم، فيتناوله عموم الآية)(2).

وقد أجاب عنه الشوكاني: “بمنع كون الآية دليلاً على المطلوب بوجه من الوجوه، ولو سلّمنا لكان ذلك في الأقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها فإنَّه لا تسوية إلَّا في الأمور المتوازنة، ولا توازن إلَّا عند القطع بنفي الفارق، لا في الأقيسة التي هي شعبة من شعب الرأي ونوع من أنواع الظنون الزائفة وخصلة من خصال الخيالات المختلفة”(3).

والأنسب أن يقال إنَّ هذه الآية لو تمّت دلالتها على الأمر بالقياس بما أنَّه عدل فهي إنَّما تدل على أصل القياس لا على مسالكه المظنونة، والكلام إنَّما هو في القياس المعتمد على استنباط العلل بالطرق السالفة.

وهذه المؤاخذات -كلاً أو بعضاً- واردة على كلّ ما استدل به من الآيات من أمثال قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ(4) وفَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ(5). وأمثالها، 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

(1) النحل: 90.

(2) ارشاد الفحول ص202.

(3) نفس المصدر.

(4) الكهف: 110.

(5) النساء: 59.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

فلا نطيل الكلام بعرض ما ذكروه لها من كيفيات الاستدلال والمناقشة، وهي تتضح من جملة ماذكرناه في مناقشة هذه الآيات.

2. الاستدلال بالسنة

أمّا ما استدل له من السنة فروايات تكاد تنتظم في طائفتين تتمثل.

الطائفة الأولى:

أولاهما: بحديث معاذ بن جبل: 

ونظراً لما أعطاه مثبتو القياس من أهمية فإنَّنا نطيل فيه الحديث نسبياً، والحديث -كما رواه (أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم)- من حديث الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، قال: “حدثنا ناس من أصحاب معاذ عن معاذ، قال لما بعثه النبي إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: بسنّة رسول الله، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو، قال فضرب رسول الله صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله (1).

وخير ما يقرّب به هذا الحديث أنَّ رسول الله أقرّ الاجتهاد بالرأي مع عدم النص بإقراره لاجتهاد معاذ وهو شامل بإطلاقه للقياس. 

ويرد على هذا الاستدلال:

  1. أنَّ الرواية ضعيفة بجهالة الحارث بن عمرو حيث نصّوا على أنَّه 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

(1) إرشاد الفحول للشوكاني: ص202، مطبعة الحلبي.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

مجهول، وبإغفاله لذكر من أخذ عنهم الحديث من الناس من أصحاب معاذ “قال في (عون المعبود) وهذا الحديث أورده الجوزقاني في الموضوعات. وقال هذا حديث باطل رواه جماعة عن شعبة وقد تصفحت هذا الحديث في أسانيد الكبار والصغار وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه فلم أجد له طريقاً غير هذا، والحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة مجهول وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون، ومثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه في أصل الشريعة. 

فإن قيل: إنَّ الفقهاء قاطبة أوردوه في كتبهم واعتمدوا عليه. 

قيل: هذا طريقه، والخلف قلد فيه السلف، فإن أظهروا طريقاً غير هذا ممّا يثبت عند أهل النقل رجعنا إلى قولهم، وهذا ممّا لا يمكنهم البتّة”(1).

وما أدري مَن مِن السلف تلقاه بالقبول غير مثبتي القياس وهم لا يصلحون لتقوية حديث هذا سنده لكونهم من المتأخرين، وبخاصة وقد أوردوه كغيره من الأحاديث دليلاً على الأخذ بالقياس، فلو كان مجرّد أخذهم به يوجب تقويةً له لكان حال ما أخذوا به من الأحاديث الضعيفة حاله في التقوية وهو ممّا لم يدّعوه لها على الإطلاق.

  1. على أنَّ إقرار النبي لمعاذ -لو صحّت الرواية عنه- فربما كان لخصوصية يعرفها النبي فيه تبعده عن الوقوع في الخطأ عادة وإلَّا لما خوله هذا التخويل المطلق في استعمال الرأي، بقرينة عدم الاستفصال منه واستفساره عن أقسام الرأي التي يستعملها في مجالات اجتهاده، مع كثرة ما في هذه الأقسام من 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

(1) هامش الأحكام السلطانية: ص46.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الآراء التي سلم عدم حجّيتها حتى من قبل جملة القائلين بالقياس، وإذا صحّ هذا الاحتمال فإنَّ تسوية الحكم من معاذ إلى سائر المجتهدين لا يتم إلَّا بإبعاد هذه الخصوصية عنه من طريق السبر والتقسيم أو غيره من المسالك الظنّية فيلزم الدور؛ بداهة أنَّ دلالة الحديث على حجّية القياس الظنّي موقوفة على حجّيّة هذا القياس الذي تمّ من طريق هذه المسالك، وحجّيّة هذا النوع من القياس موقوفة على دلالة الحديث على حجّيّته، وبإسقاط المتكرر ينتج أنَّ دلالة الحديث على حجّيّة هذا النوع من القياس موقوفة على حجّيته نفسه.

  1. أنَّ هذا الحديث وارد في خصوص باب القضاء، وربّما اختص باب القضاء بأحكام لا تسرى إلى عالم الإفتاء، فتعميمه إلى عالم الإفتاء والعمل الشخصي للمجتهد موقوف على إلغاء الفارق بالسبر والتقسيم، فيلزم الدور أيضاً بنفس التقريب السابق.
  2. أنَّنا نعلم -ومعنا مثبتو القياس- أنَّ هذا الحديث معارض بما دلّ على الردع عن أعمال الرأي(1)، ولا أقل من تخصيصه بخروج الآراء الفاسدة جمعاً بين هذه الأدلة على طريقتهم من الأخذ بالجموع التبرعية أو أخذاً بالضرورة، من أنَّه لم يبق على عمومه بالنسبة إلى كلّ رأي، فإذا علمنا أنَّ عندنا نوعين من الرأي أحدهما فاسد وهو المردوع عنه والآخر صحيح وهو الذي أقرّ عليه معاذ، فمع الشكّ بحجّيّة القياس الظنّي -والمفروض أنَّنا شاكّون ولذلك احتجنا إلى هذه الأدلة- لا يصح الرجوع إلى هذا الحديث، وإلَّا لزم الشكّ 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

(1) إبطال القياس لابن حزم: ص56.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بالعامّ في الشبهة المصداقية؛ بداهة أنَّ الحكم في القضايا الحقيقية لا يمكن أن يثبت موضوعه، فالدليل الدال على حجّية الرأي الصحيح لا يشخص لك أنَّ هذا الرأي صحيح، أو ليس بصحيح بل عليك بتشخيصه من الخارج وتطبيق الحكم عليه، وإذن فالقياس الظنّي لا يكون مدلولاً للحديث حتى يثبت من الخارج أنَّه من القياس الصحيح، ومع إثباته من الخارج لا نحتاج بعدُ إلى هذا الحديث.

وقد تكون أصرح في الدلالة من هذه الرواية ما أثر عنه من أنَّه قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري: “بمَ تقضيان؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنّة قسنا الأمر بالآمر فما كان أقرب إلى الحق عملنا به”(1) حيث صرّحوا بالعمل بالقياس والنبي أقرّهما فكان حجّة(2).

ولكن هذه الرواية:

  1. بالإضافة إلى ضعفها.
  2. وعدم طبعيتها في صدور الجواب المشترك عنهما بلسان واحد دفعة واحدة كأنهما كانا على اتفاق مسبق بالنسبة له -يرد عليها الإشكالان السابقان على رواية معاذ-.
  3. من لزوم الدور فيها لتوقفها على دفع احتمال الخصوصية لهما من ناحية.
  4. ودفع احتمال خصوصية القضاء من ناحية ثانية بطريق القياس الظنّي 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

(1) الأحكام للآمدي: ج3، ص77.

(2) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ومع الغض عن ذلك وفرض تماميتها.

  1. فإنَّ مقتضى لسانها إنَّما هو إقرارهما على أصل القياس لا على مسالكه المظنونة التي هي موضع النزاع. 

وقد قلنا فيما سبق إنَّ الدليل الدال على أصل الشيء لا يدلّ بنفسه على الطرق التي يثبت بها، فالاستدلال على حجّية السنّة بـ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ(1) لا يصلح لإثبات حجّيّة خبر الواحد بالبداهة باعتباره من الطرق المثبتة لها والأمر هنا كذلك، وأصل القياس بمعنى مساواة فرع لأصله في علّة حكمه وتسرية الحكم للفرع لهذه المساواة لا يقتضي بالبرهان الذي اسلفناه أن يكون موضعاً لنزاع، وإنَّما النزاع في طريق إثبات أركانه.

الطائفة الثانية: 

ما ورد من الأحاديث المشعر بعضها باستعمال النبي للقياس وبما أنَّ عمله حجّة باعتباره سنة واجبة الإتباع فإنَّ هذه الأحاديث دالّة على حجّيّة القياس وقد ذكروا أحاديث كثيرة نجتزي بذكر بعضها.

 ففي حديث الجارية الخثعمية أنَّها قالت: “يا رسول الله إنَّ أبي أدركته فريضة الحج شيخاً زمناً، لا يستطيع أن يحج إن حججت عنه أينفعه ذلك؟  فقال لها: أرأيت لو كان على أبيكِ دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟ قالت نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء(2).

ــــــــــ[177]ــــــــــ

(1) النساء: 59.

(2) الأحكام للآمدي: ج3، ص78.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ووجه الإحتجاج به -كما قرّبه الآمدي-: “أنَّه ألحق دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه وهو عين القياس”(1).

وفي حديث ثانٍ: (أنَّه قال لأمّ سلمة وقد سئلت عن قبلة الصائم هل أخبرته أنّي أقبّل وأنا صائم)(2) وإنَّما ذكر ذلك -فيما يقول الآمدي- (تنبيهاً على قياس غيره عليه)(3).

وفي ثالث: أنَّه لما سئل عن بيع الرطب بالتمر “أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا نعم، فقال: فلا إذن”(4) إلى ما هنالك من أحاديث ذكرها مثبتو القياس، وكلّها تجري على هذه الوتيرة وما يقاربها.

والجواب عنها ككل:

  1. أنَّها لو كانت واردة في مقام جعل الحجّيّة للقياس فغاية ما يستفاد منها جعل الحجّية لمثل أقيسته ما كان معلوم العلّة لديه، كما هو مقتضى ثبوته من كونه لا يعدو في تشريعاته ما علم بورود الحكم له من الشارع فيه، ولا يتأتى مثل هذا العلم له إلَّا مع العلم بالعلّة وتوفرها في الفرع -لو صحّ ورود الاجتهاد عنه-. 

أمّا إذا نفينا الاجتهاد عنه وقصرنا جميع تصرفاته على وفق ما يتلقاه من 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

(1) الأحكام للآمدي: ج3، ص78.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الوحي كما هو مقتضى آية وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى(1) فتشبيه قياساتنا بقياساته وإثبات الحجّيّة لها على هذا الأساس قياس مع الفارق الكبير، وقد أشار عمر إلى هذا الفارق في بعض خطبه حيث قال: “يا أيّها الناس أنَّ الرأي إنَّما كان من رسول الله مصيباً لأنَّ الله كان يريه وإنما هو منَّا الرأي والتكلّف”(2) ومع هذا الفارق كيف نسري الحكم إلى قياساتنا المظنونة، أليست صحّة هذه التسرية إليها مبنية على ضرب من القياس المظنون؟ وهو موضع الخلاف والقياس معلوم العلّة تعبّداً أو وجداناً ممّا لا ينبغي أن يكون موضعاً لخلاف كما سبق الحديث فيه.

  1. أنَّ هذه الأنواع من الأحاديث ليست من القياس في شيء، فرواية الخثعمية واردة في تحقيق المناط في قسمه الأول، أي التي تطبق الكبرى على صغراها، فالكبرى كلّ دين يقضي فيها عموم لدين الله ودين الآدمي وقد طبقها رسول الله على دين الله لا لأبيها فحكم بلزوم القضاء. وأين هذا من القياس؟ على أنَّه لو سلمنا أنَّه منه فهو من قبيل قياس الأولوية بقرينة قوله (فدين الله أحقّ)، أي أولى بالقضاء فهو ليس من القياس موضع النزاع بشيء كما مرّ تحقيقه. 

وما يقال عن رواية الخثعمية يقال عن الرواية الثالثة حيث نقّح بسؤاله صغرى لكبرى كلّيّة وهي كلّما ينقص لا يجوز بيعه لو أمكن نسبة الجهل 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

(1) النجم: 3-4.

(2) ابطال القياس لإبن حزم: ص558.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بالموضوعات إليه لتصحيح مثل هذا السؤال منه، اللهم إلَّا أن يكون من قبيل (وكم سائل عن أمره وهو عالم).

والرواية الثانية لا أعرف كيف أقحمت في هذا المجال مع أنَّها صريحة بحكم ما فيها من استفسار من أمّ سلمة، أنَّها واردة في تنبيه أمّ سلمة إلى لزوم ذكر السنة النبوية لهذه السائلة لتأثرها، وحجّيّة السنة فعلاً وقولاً وتقريراً لا تتوقف على مقدمة قياسية، لأنَّها واردة في مقام التشريع عدا ما كان من مختصاته، فكأنَّه أراد تنبيهها إلى أنَّ هذا العمل ليس تشريعه مختصاً به وإنَّما يعم جميع المكلفين، وأين هذا من القياس؟ ولسان الرواية يأبى نسبة مضمونها إلى النبي، فالنبي أسمى من أن يشهر بشيء يعود إلى شؤونه الخاصّة مع نسائه، وحسبه من تبليغ الحكم غير هذا الطريق.

وما يقال عن هذه الأحاديث والروايات يقال كلاً أو بعضاً عن الأحاديث الأُخر، فلا حاجة إلى الإطالة، على أنَّ جل ما ذكروه منها ضعيف في أسانيده فراجعه في مظانّه.

الاستدلال بالإجماع
  1. الدليل الثالث: إجماع الصحابة وقد اعتبره الآمدي أقوى(1) أدلّتهم، وكذلك جملة من الأعلام “قال ابن عقيل الحنبلي: وقد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله وهو قطعي. وقال الصفي الهندي: دليل الإجماع هو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين. وقال الرازي في (المحصول): مسلك 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

(1) إحكام الأحكام للآمدي: ج3، ص81.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الإجماع هو الذي عول عليه جمهور الأصوليين”(1) وأمثال هؤلاء في التصريح بأهميّته كثير. 

وتقريب الإستدلال به هو: أنَّ الصحابة اتفقوا على استعمال القياس في الوقائع التي لا نصّ فيها من غير نكير من أحد منهم(2). وتوجيه اتفاقهم مع أنَّه لم ينقل تاريخياً ذلك عنهم أنَّ آحاداً منهم أفتوا استناداً إلى القياس وسكت الباقون عن الإنكار عليهم وسكوتهم يكون إجماعاً، أو أن بعضهم صرّح بالأخذ بالرأي من دون إنكار عليه “فمن ذلك قول أبي بكر في الكلالة: أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه”(3) والكلالة مع ما عدا الوالد والولد ومنه “حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء حتى قال له عمر: كيف تجعل من ترك دياره وأمواله وهاجر إلى رسول الله كمن دخل في الإسلام كرهاً؟ فقال أبو بكر: إنَّما أسلموا لله وأجورهم على الله وإنَّما الدنيا بلاغ وحيث انتهت النوبة إلى عمر فرق بينهم”(4) ومنه قول عمر: “أقضي في الجد برأيي وأقول فيه برأيي”(5) وعن ابن مسعود”سأقول فيها بجهد رأيي فإن كان صواباً فمن الله وحده وإن 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

(1) إرشاد الفحول: ص303.

(2)إحكام الأحكام للآمدي: ج3، ص81.

(3) روضة الناظر: ص148.

(4) الآمدي: ج3، ص81.

(5) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء”(1) ولم يرد في رواية عن أحدهم لفظ الأخذ بالقياس إلَّا نادراً، كقول عمر في رسالته إلى أبي الأشعري “واعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور”(2). وهي رسالة قال عنها ابن حزم إنَّها موضوعة مكذوبة عليه(3) وراويها “عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وهو ساقط بلا خلاف وأبوه أسقط منه أو من هو مثله في السقوط”(4) ونظائر هذه الأحاديث كثير.

والنقاش في هذا الإجماع واقع صغرى وكبرى.

(أمَّا الصغرى) فبإنكار وجود مثله عادة لأنَّ مثل هذه الروايات -لو تمّت دلالتها على القياس- إنَّما هي صادرة من أفراد من الصحابة أمام أفراد، فكيف اجتمع عليها الباقون منهم واتفقوا على فحواها ومصدرها ولعل الكثير منهم لم يكن في المدينة عند صدورها؟

ومعلوم أنَّ ميادين الجهاد والبلدان المفتوحة والثغور أخذت كثيراً من الصحابة ولاة أو قادة أو جنداً أو عمالاً، فكيف عرف اتفاقهم على هذه المضامين حتى كوّنوا إجماعاً؟ ومن هو الجامع لكلمتهم؟ وما يدرينا أنَّ بعضهم سمع بشأن هذه الأحكام وأنكرها؟ ولم يصل إلينا ومجرد عدم العلم لعدم النقل 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

(1) المحلّى لابن حزم: ص61.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

لا يخلق لنا علماً بالعدم وهو الذي يفيدنا في الإجماع لتصحيح نسبة السكوت إليهم المستلزم للإطلاع وعدم الإنكار.

وأمّا المناقشة من حيث الكبرى، فبالمنع عن حجّيّة هذا الإجماع.

  1. لأنَّ السكوت لو شكّل إجماعاً لا يدل على الموافقة على المصدر الذي كان قد اعتمده المفتي أو الحاكم، وبخاصة إذا كان هو نفسه غير جازم بسلامة مصدره، كقول أبي بكر السابق (أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان). وكذلك قول ابن مسعود المتقدم؛ إذ لو كانا عالمين بسلامة مصدرهما وصحّته لقيام الدليل القطعي على حجّيّته لديهما لما صحّ نسبة استنادهما -إليه حتى مع الخطأ- إلى الشيطان. وأصرح منهما ما ذكره عمر في ذلك حيث قال: “اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني وإنّي لأرد أمر رسول الله برأيي اجتهد ولا آلو وذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب فقال رسول الله: اكتبوا باسم الله الرحمن الرحيم، فقال: تكتب باسمك اللهم، فرضي رسول الله وأبيت، فقال: يا عمر تراني قد رضيت وتأبى”(1).

ومنشأ السلوك قد يكون هو المجاملة أو الخوف أو الجهل بالمصدر، فدفع هذه المحتملات وتعيين الإيمان بالمصدر من بينها لا يتم إلَّا بضرب من القياس المستند إلى السبر والتقسيم أو غيره من مسالك العلة وهو موضع الخلاف، ولا يمكن إثباته بالإجماع للزوم الدور بنفس ما مرّ من التقريب في نظائره من الأدلّة السابقة.

ــــــــــ[183]ــــــــــ

(1) ابن حزم في إبطال القياس: ص58.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

  1. معارضته -لو تم- بإجماع مماثل على الخلاف ادّعاه بعضهم(1)، ويمكن تقريبه بمثل ما قرّبوا به ذلك الإجماع من صدور الإنكار من الصحابة على العاملين بالرأي والقياس، أمثال قول أمير المؤمنين علي “ولو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه(2). وفي رواية: “لو كان أدين الدين بالقياس لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره(3). وقول ابن مسعود “إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيراً ممّا حرم الله وحرمتم كثيراً ممّا حلل الله”(4) وقول ابن عبّاس “إيّاكم والمقاييس فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس”(5)

إلى عشرات أمثالها معروضة في كتاب (إعلام الموقعين) وكتاب (إبطال القياس)، وغيرهما من الكتب التي عنيت بالإفاضة في أمثال هذه المواضيع. وسكوت الصحابة بنفس تقريبهم السابق يدل على الإجماع على ابطاله، وقد حاول غير واحد من مثبتي القياس أن يوفقوا بين هذه المضامين ومسابقاتها بعمل الطائفة الثانية، على ما كان من ذلك صادراً عن الجهال ومن ليس له رتبة الاجتهاد، وما كان مخالفاً للنص، وما كان ليس له أصل يشهد بالاعتبار، وما 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) المحلّى: ج1، 59ـ 61.

(2) المحلّى: ج1، 59ـ 61.

(3) الآمدي الأحكام: ج3، ص83ـ 85.

(4) نفس المصدر.

(5) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

كان على خلاف القواعد الشرعية، وما استعمل من ذلك فيما تعبدنا فيه بالعلم دون الظن جمعاً بين النقلين(1).

وهذه الجموع -كما تراها- كلّها من قبيل الجموع التبرعية التي لا يقتضيها ظاهر الكلام، والجمع الذي لا يقتضيه ظاهر الكلام لا يسوغ أن يرجع إليه، وإلَّا لما تعذر جمع بين حديثين مختلفين، فإذا ورد -مثلاً- يأمر بالصلاة على نحو الوجوب وآخر على نحو الحرمة تجمع بينهما بحمل الأمر بها على الصلاة في الليل والنهي عنها على الصلاة في النهار، أو الأولى على صلاة الشاب والثانية على صلاة الشيخ، وهكذا. 

والحق أن الجمع إذا لم يكن له شاهد من متفاهم عرفي أو غيره لا يمكن الركون إليه، ومجرد كونها (منقولة عمّن نقلنا عنهم القول بالرأي والقياس)(2) لا يستدعي هذا النوع من الجمع، والأنسب حملهما على التساقط لو صدرا من معصوم يستحيل في حقّه صدور المتناقضين عند تحكّم المعارضة. أمّا إذا صدرا عن غير معصوم فلا ملجأ لتساقطهما، ودعوى أنَّ الشخص لا يتناقض مع نفسه فيقول بالقياس مرّة وبعدمه أُخرى، بعيدة عن تفهم طبيعة الاجتهاد في أكثر ما تتبدل آراء المجتهدين مع الزمن فيعدلوا عن فتاوى سبق لهم فيها رأي. 

وما الذي يمنع من وقوع ذلك من الصحابة مع الإيمان بعدم عصمتهم؟ بل إنَّ مقتضى العدالة أن ينبّهوا على أخطائهم بعد تبيّن وجه الخطأ فيها لئلا 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

(1) الآمدي الأحكام: ج3، ص83ـ 85.

(2) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

يتكرر وقوع خطأ العاملين فيها من اتباعهم، على أنَّ بعض هذه الروايات صريحة في تسجيل الخطأ على أنفسهم لعملهم بالرأي كما سبق في رواية عمر (اتهموا الرأي على الدين). ومن تتبع هذه الفتاوى التي يبدو أنَّ أصحابها عملوا فيها بالرأي يجد الكثير منها جارياً على خلاف النصوص لا ضمن النصوص كما يراد حملها عليه. وقد عرض العلّامتان شرف الدين في كتبه وبخاصّة (النص والاجتهاد) والأميني في كتابه (الغدير) وعلى الأخص في رسالته (أحسن الأثر في علم عمر) المذكورة في ضمنه نماذج كثيرة ممّا وقع فيه بعضهم من مخالفات.

  1. ومع الغض عن تحكم المعارضة فإنَّ مقتضى الطائفة الثانية -بعد الأخذ بما ذكروه من الجمع بينهما وبين الأولى- هو الردع عن القياس الفاسد، ومقتضى الطائفة الأولى الأخذ بالقياس الصحيح، فإذا شككنا أنَّ قياس السبر والتقسيم أو المناسبة من ايها فهل نتمكن من إثباته بأحد الإجماعين؟ وهل ذلك إلَّا من قبيل إثبات الحكم لموضوعه؟ وهو ممّا تأباه جميع القضايا الحقيقية، كما سبقت الإشارة إليه.
  2. سلّمنا تماميّة هذا الإجماع ولكنّه قام على أصل القياس لا على مسالكه وطرقه المظنونة، إذ ليس في شيء منها ما يشير إلى مسلك من هذه المسالك موضع الخلاف ليصلح التمسك به على إثباته، والإجماع -كما هو التحقيق- من الأدلَّة اللبّيّة التي يقتصر فيها على القدر المتيقن إذا لا إطلاق أو عموم لها ليصح التمسك فيه.

ــــــــــ[186]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وهذه المناقشات إنَّما تحسن وتكون ذات جدوى إذا صحّ صدور هذه الروايات على اختلافها من أصحابها بهذه الألفاظ (الرأي – القياس)، وبما لها من مداليل وفق ما حدد من مفاهيمها ومسالكها بعد أكثر من قرن من الزمان. 

ولقد أنكر كلّ من الأستاذ سخاو والدكتور جولد تسيهر أن يكون القياس بمفهومه المحدد لدى المتأخرين كان مستعملاً لدى الصحابة(1)، ورد عليهما الدكتور محمد يوسف موسى بقوله: “حقّاً أنَّ الرأي في هذه الفترة من فترات تاريخ الفقه الإسلامي ليس هو القياس الذي عرف فيما بعد في عصر الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، ولكن الرأي الذي استعمله بعض الصحابة لا يبعد كثيراً عن هذا القياس إن لم يكنه وإن كانوا لم يؤثر عنهم في العلّة ومسالكها وسائر البحوث التي لا بُدَّ منها لاستعمال القياس شيء ممّا عرفناه في عصر أولئك الفقهاء”(2).

وما أدري كيف عرف أنَّ الرأي الذي استعملوه لا يبعد عن قياس المتأخرين إن لم يكنه إذا كان لم يؤثّر عنهم شيء عن العلّة ومسالكها وسائر بحوثها؟ وإذا صحّ ما يقوله الدكتور موسى من أنَّه لم يؤثر عنهم فيها شيء
-وهو صحيح- في حدود ما تقتضيه طبيعة زمنهم وفي حدود ما قرأناه من مأثوراتهم، فكيف يتم لنا الإجماع منهم على حجّية السبر والتقسيم وغير السبر والتقسيم من المسالك المظنونة؟

ــــــــــ[187]ــــــــــ

(1) تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد يوسف موسى: ص26ـ 29.

(2) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

والذي يبدو لي من جمعي ما تتبعت من أسانيد بعض الروايات المتعرضة للرأي والقياس على اختلاف مذاهبها في النفي والإثبات شيوع الضعف والوهن فيها ممّا يدل على أنَّ الكثير منها كان وليد الصراع الفكري بين مثبتي القياس ونفاته من المتأخرين.

الاستدلال بحكم العقل
  1. ورابع الأدلَّة التي ذكروها على حجّيّتة حكم العقل. وقد أغفله بعضهم لإيمانه بعدم نهوضه بالدليلية، وقد صوروه بصور عدّة تعود في أصولها إلى أربع:
  2. ما ذكره خلّاف من “أنَّ الله سبحانه ما شرع حكماً إلَّا لمصلحة وأنَّ مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعة المسكوت عنها الواقعة المنصوص عليها في علّة الحكم التي هي مظنّة المصلحة قضت الحكمة والعدالة أن تساويها في الحكم تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، ولا يتفق وعدل الله وحكمته أن يحرم الخمر لإسكارها محافظة على عقول عباده ويبيح نبيذاً آخر فيه خاصّية الخمر وهي الإسكار، لأنَّ مآل هذه المحافظة على العقول من مسكر وتركها عرضة للذهاب بمسكر”(1).

وهذا الدليل -لو تمّ- فهو إنَّما يتم على مبنى العدلية في التحسين والتقبيح العقليين، وإلَّا فأي ملزم للشارع المقدس بحكم العقل أن يخالف بين الحكمين ما دام لا يؤمن العقل بتحسين عقلي أو تقبيح، ودعوى إجماع غير العدلية من 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع: ص29.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

المسلمين على صدور أحكامه عن مصالح ومفاسد لا تجدي في تتميم حكم العقل ما دام هو لا يلزم بذلك ولا يؤمن به.

 وموضع المفارقة في هذا الدليل -حتى على مبنى العدلية- ما أخذه في العلّة من كونها مظنّة المصلحة، فالعقل لا يحكم بالمساواة بين الفرع وأصله في الحكم إذا لم يدرك المساواة بينهما في العلّة المحقّقة للمصلحة لا التي هي مظنّة تحقيقها، وما هي علاقة ظنون المجتهدين بأحكام الله الواقعية ليتقيد بها الشارع المقدّس في مقامات الجعل والتشريع؟ وبخاصّة على مبنى من ينكر التصويب كخلّاف وأضراب خلّاف من جمهور المسلمين. والحقيقة أنَّ حكم العقل غاية ما يدل عليه حجّيّة أصل القياس كدليل لا حجّيّة مسالك علله وطرقها، فمع المساواة في العلّة التامّة الباعثة على الحكم لا بُدَّ أن يتساوى الحكم أي مع إدراك العقل المقتضي للتكليف وشرائطه وإدراكه لعدم المانع من الجعل لا بُدَّ أن يحكم بصدور حكمه على وفق ما يقتضيه أمّا أن يحكم لمجرد ظنّه بالعلّة وتوفّرها في الفرع فهذا ما لا سبيل إليه بحال. 

نعم إذا ظنّ العقل بوجود الحكم، إلَّا أنَّ مثل هذا الظن لا دليل على حجّيته من العقل أصلاً، لأنَّ حجّيّته ليست ذاتية وما ذكر من الوجه العقلي لا يلزمه بجعل الحجّيّة له ويوجب لديه اكتشافها له من قبل الشارع.

  1. ما ذكره الشهرستاني من “أنَّا نعلم قطعاً ويقيناً أنَّ الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات ممّا لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعاً أنَّه لم يرد في كلّ حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضاً، والنصوص إذا كانت متناهية وما لا 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

يتناهى لا يضبطه ما يتناهى علم، قطعاً أنَّ الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كلّ حادثة اجتهاد”(1).

وهذا الاستدلال يبتني على مقدّمتين:

الأولى: تناهي النصوص وعدم تناهي الحوادث.

والثانية: أنَّ ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى.

وتمامية الأولى ليست موضعاً لشك ولا إشكال، ولكن تمامية الثانية هي موضع الشبهة والإشكال، لأنَّ الذي لا يتناهى هي الجزئيات لا المفاهيم الكلّية، والجزئيات يمكن ضبطها بواسطة كليّاتها، وقضايا الشريعة إنَّما تتعرض للمفاهيم الكلّيّة غالباً، وهي كافية في ضبط جزئيات ما يجدّ من أحداث وبخاصّة إذا ضم إليها ما يكتشفه العقل من أحكام الشرع أو يعينه من وظيفة. 

ومن راجع أحكام الشارع الواقعية منها بعنوانها الأوّلي والثانوي وما جعله من الطرق والأمارات في حال الشكّ ثم ما جعله من وظائف شرعية عند عدم التمكن منها يدرك وفاء ذلك بحاجات الناس على اختلاف العصور، فلا تصل النوبة إلى القياسات بمسالكها المظنونة، ومع الغض عن ذلك فإنَّ حكم العقل هذا -لو تمّ- فهو لا يشير ولا يعين القياس المظنون، فكيف يكون حجّة فيه؟ لأنَّ تعيين ذلك يحتاج إلى ضم مقدّمات أخرى ستأتي الإشارة إليها في الدليل الرابع.

  1. “أنَّ القياس دليل تؤيّده الفطرة السليمة والمنطق الصحيح ويبني عليه 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

(1) سلم الوصول: ص295.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

العقلاء أحكامهم، فمن نهى عن شراب لأنَّه سام يقيس بهذا الشراب كلّ سام…الخ”(1).

وفي هذا الدليل ما لا يخفى من الخلط بين الفطرة السليمة وبناء العقلاء وحكم العقل، فلكّل منها مجال لا يتصل بالآخر. 

وعلى أيّ فإن ما ذكر من هذه الأمور صحيح جدّاً إلَّا أنَّه لا يثبت أكثر من أصل القياس، أمّا طرقه المظنونة والتي هي موضع الخلاف فهو أجنبي عنها تماماً، فمن نهى عن شيء لعلّة فيه وإن لم تكن موجودة واقعاً لأنَّ الظن لا يسري إلى الواقع فيغيّره عمّا هو عليه.

  1. ما يمكن أن يذكر من حكم العقل بحجّيّة مطلق الظن المبتني على مقدّمات الدليل المعروف لدى قسم من الأصوليين (بدليل الإنسداد)، وهو شامل بعد تماميته للظنون القياسية، وتقريبه يبتني على ذكر مقدّمات بلغ بها صاحب الكفاية إلى خمس(2):
  2. علمنا إجمالاً بتوجّه تكاليف من الشارع المقدس لنا.
  3. انسداد باب العلم التفصيلي بالكثير منها، وكذلك انسداد باب العلمي أي الطرق والأمارات المجعولة من قبل الشارع عليها، والتي ثبتت حجّيتها أو طريقيتها بأدلَّة قطعية. 
  4. القطع بعدم تسامح الشارع عنها على نحو يسوغ إهمالها وعدم امتثالها.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع: ص29.

(2) حقائق الأصول: ج2، ص156.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

  1. عدم وجوب الاحتياط في أطراف العلم للزوم العسر والحرج أو عدم جوازه، كما إذا لزم منه اختلال النظام. وربّما يكون غير ممكن كما في دوران الأمر بين المحذورين، ومع عدم جعل الاحتياط لا يسوغ العقل الرجوع إلى الأصول في أطرافه لمنافاتها لمقتضى العلم، كما لا يسوغ التقليد لأنَّ مبنى التقليد قائم على رجوع الجاهل إلى العالم، ومع اعتقاد المكلّف بانسداد باب العلم والعلمي لا يرى غيره عالماً ليسوغ لنفسه الرجوع إليه وتقليده.
  2. امتناع ترجيح المرجوح على الراجح. وبما أنَّ الظنّ بالحكم في بعض الأطراف أرجح من الشكّ أو الوهم تعيّن بحكم العقل الرجوع إليه واعتباره حجّة، سواء كان منشأه القياس أو غيره، واستثناء القياس من الحجّيّة يلزم منه تخصيص الحكم العقلي، والأحكام العقلية لا تقبل التخصيص بحال.

وهذا الدليل من أمتن الأدلَّة -نسبياً- لو تمّت مقدّماته، إلّا أنَّ النقاش في المقدّمة الثانية واضح بعد قيام الأدلّة القطعية على جعل الطرق والأمارات أو حجّيّتها من قبل الشارع كخبر الواحد وغيره، وهي وحدها كافية لحلّ هذا العلم الإجمالي والرجوع إلى الأصول في بقيّة أطرافه، ومع فساد هذه المقدّمة لا نصل إلى النتيجة العقلية من إلزامه بحجّيّة مطلق الظنون. وفيما أخال أنَّه ليس في المسلمين اليوم من يعتقد بانسداد باب العلمي عليه وإن كان فيهم من يسدّ على نفسه أبواب الاجتهاد. 

والنقاش في هذه المقدّمة يكفي عن ذكر ما نوقشت به بقيّة المقدمات، وحسبنا ما مرّ، ويأتي من الأدلّة القطعية على جعل الطرق والأمارات على أنَّ هذا الدليل لا 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

يلزم نفاة القياس ابتداءً لأنَّ حكم العقل -لو تمّت جميع المقدمات- (بكفاية الامتثال الظنّي من أوّل الأمر مقيّد ومعلّق على عدم قيام الدليل القطعي على المنع عنه في مورد)(1)، ونفاة القياس -بخاصّة المعتقدون منهم بروايات وأحاديث أهل البيت- يدّعون قيام الأدلّة القطعية على الردع عن العمل به، ومع قيام الدليل القطعي على الردع عنه، كيف يمكن للعقل أن يعتبره حجّة يصح الركون إليها في مقام الاحتجاج على المولى عند المخالفة؟

وما يقال: من أنَّ حكم العقل لا يقبل التخصيص صحيح جدّاً إلَّا أنَّه أجنبي عن هذا المورد، لأنَّ خروج القياس الظنّي عن حكم العقل بحجّيّة مطلق الظنون ليس من قبيل التخصص، لأنَّ حكم العقل هذا مأخوذ في موضوعه عدم قيام الحجّة على المنع عنه، ومع قيامها في القياس لا يبقى موضوع لحكمه ليقال إنَّه قابل للتخصيص أو غير قابل. 

وقد ذكرت محاولات كثيرة للتوفيق بين ما دلّ على الردع عنه من الروايات وبين نتائج دليل الانسداد -لو تمّ- معروضة في (رسائل) الشيخ الأنصاري(2) و(حقائق الأصول)(3) وغيرهما من الكتب المعنيّة بأمثال هذه المواضيع، كما نوقشت مقدّمات دليل الانسداد ونتائجها مناقشات ذات أصالة من قبل هؤلاء الأعلام وفي (الدراسات)(4) إنكار لإعطائها الحجّيّة -لو تمّت- لمطلق الظنون 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

(1) فوائد الأُصول: ج3، ص110.

(2) نفس المصدر: ص255.

(3) نفس المصدر: ج2، ص198ـ 204.

(4) دراسات المحقق الخوئي: ص136ـ 137.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

بحكم العقل، وغاية ما تلزم به هو التبعيض في محتملات التكليف المعلوم بالإجمال بما لا ينتهي إلى العسر والحرج واختلال النظام، سواء كانت -هذه المحتملات- مظنونة أو موهومة أو مشكوكة، ما دامت طرفاً للعلم الإجمالي المنجز فلا تصل النهاية إلى حجّيّة مطلق الظنون ليفكر بكيفية الجمع بينها وبين ما دلّ على الردع عن القياس المظنون.

وأخال أنَّ فيما ذكرناه كفاية عن التعرّض لجملة تلك المناقشات، وحسبنا الإيمان بانهيار المقدّمة الثانية بما قام لدينا من الأدلّة على انفتاح باب العلم والعلمي لتنهار النتيجة بنفسها. 

وإذا لم تتم هذه الأدلَّة التي ذكروها على حجّيّة القياس، سواء ما يتعلق منها بالكتاب أو السنّة أو الإجماع أو حكم العقل بقينا نحن والشكّ في الحجّيّة، وهو كافٍ كما سبق أن أكّدنا للقطع بعدلها، فلا حاجة بعد هذا إلى عرض لأدلَّة نفاة القياس ومناقشتها. والحق أنَّ الأدلَّة التي عرضوها لا تصلح لإثبات الردع عنه عدا ما تواتر من أخبار أهل البيت في ذلك، وقد سبقت الإشارة إليها.

والخلاصة التي انتهينا إليها من بحث القياس أنَّ القياس يختلف باختلاف مسالكه، فما قام الدليل على حجّيّته منها أخذنا به وما لم تقم الحجّيّة عليه توقّفنا عن العمل به، وأظن أنَّ في مقياس الحجّيّة الذي صار بأيدينا ما يغني عن التعرض لبقية تقسيماته وشرائطه، إذ لا جدوى من عرضها ولا ثمرة عملية تترتب عليه.

ــــــــــ[194]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن




الاستحسان 

 

  • تحديد مفهوم الاستحسان
  • حجية الاستحسان ومنشأ الخلاف فيها

ــــــــــ[195]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن









الاستحسان

 

وإذا كان القياس موضع اختلاف بين المذاهب الإسلامية، فإنَّ الخلاف بينهم في الاستحسان أكثر، وربما كان منشأ الخلاف فيه اختلافهم في تحديد مفهومه فماذا يراد بهذه الكلمة.

 

تحديد مفهوم الاستحسان

 

لقد صرّح اللغويون أن معنى الاستحسان: (هو عد الشيء حسناً سواء كان من الأُمور الحسّية أو المعنوية)(1).

ولكن الأصوليين اختلفوا في تحديده في اصطلاحهم، وكثيراً من تعاريفهم التي ذكروها أبعد ما تكون عن فن التعريف المنطقي، وهي أقرب إلى سجعيات الأدباء في العصور العباسية التي يراعى فيها إخضاع المعنى للمحسّنات البديعية إلى تحديدات المنطقيين. واليكم نماذج ممّا ذكره السرخسي في مبسوطه من تعاريفه: الاستحسان: 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

(1) سلم الوصول ص296.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

  1. الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس(1).
  2. الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلي به الخاصّ والعامّ(2).
  3. الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة(3).
  4. الإستحسان الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة(4).

وقريب منها في البعد عن فن التعريف ما نسب إلى المالكية من تعريفه: من أنَّه (الالتفات إلى المصلحة والعدل)(5).

ومثل هذه التعريفات لا تستحق أن يطال فيها الكلام بعدم رجوعها إلى أمورد محدّدة يمكن إخضاعها للحديث عن الحجية وعدمها.

والذي يقتضي الوقوف عنده من تعاريفها لقربها من فن التعريف ما ذكره كل من:

  1. البزدوي من الأحناف من أنَّه (العدول عن موجب قياس إلى

 قياس أقوى منه أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه) (6)

  1. الشاطبي من المالكية من أنَّه (العمل بأقوى الدليلين)(7).

ــــــــــ[198]ــــــــــ

(1) محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء ص236.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.

(5) فلسفة التشريع: ص164.

(6) مصادر التشريع: ص58.

(7) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

  1. الطوفي من الحنابلة في مختصره من أنَّه (العدول بحكم المسألة عن

 نظائرها لدليل شرعي خاص)(1).

  1. ابن قدامة، وقد ذكر له معانياً ثلاثة:

أحدها: (العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنّة).

ثانيها: (ما يستحسنه المجتهد بعقله).

ثالثها: (دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه)(2).

وهذه التعريفات يختلف حالها من حيث التعميم والتخصيص فبعضها تخصه بتقديم قياس على قياس، وبعضها تجعله عامّاً إلى تقديم دليل على دليل. كما أنَّ القسم الثالث لا ينظر إلى عالم تقديم الأدلة بعضها على بعض، بل تأخذ به لمجرد الاستحسان أو الانقداح وإن لم تعرف حدود هذا الاستحسان ولا أسبابه. وقد حاول بعضهم إرجاع هذه المفاهيم بعضها إلى بعض أي إرجاع الخاصّ منها إلى العامّ، إلَّا أنَّ هذه المحاولة غير ذات جدوى لاحتمال تقييد أصحابها في مجال الحجّية بحدود ما عرضوه لها من مفاهيم، بالإضافة إلى أنَّ بعضها غير ناظر إلى عالم تقديم دليل على دليل لينتظم في هذا السلك من الأدلة العامّة.

فالأنسب توزيعها في مجالات التماس الحجّية لها على ما أُريد لها من 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع: ص58.

(2) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

تحديدات. والذي يلاحظ -بادئ ذي بدء- أنَّ هذه التعاريف ليس فيها ما يدعو إلى جعل الاستحسان دليلاً له استقلاله الذاتي في مقابل بقية الأدلة، إذ إنَّ قسماً منها يمكن ارجاعه إلى الكتاب والسنة، وقسماً منها إلى القياس، وثالثاً إلى حكم العقل، ورابعاً إلى المصالح المرسلة لو صحّ أنَّها من الأدلة المستقلة، كما سيتضح ذلك من تفصيل الحديث عن حجيته حسب آراء أرباب المذاهب فيه، فلا وجه في ما يبدو لعدّه من الأدلة المستقلة.

ــــــــــ[200]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن





 

حجية الاستحسان ومنشأ الخلاف فيها

 

والذي أخاله أنَّ منشأ الخلاف فيه بين الأعلام هو الاختلاف في تحديده، ومع الاتفاق على التحديد تزول بواعث الخلاف في أكثر خطوطها، وربما وقع الوفاق بذلك بين كثير من الأعلام المختلفين.

وهذا ما يدعونا إلى العودة إلى تلكم التعاريف وإلقاء بعض الأضواء عليها وملخص ما يمكن أن يقال: إن تلكم التعاريف قد أُخذ في بعضها العمل أو الأخذ بأقوى الدليلين، وهذا بعمومه شامل لما كان فيه الدليلان. 

  1. من الأدلة اللفظية والاختلاف بين الدليلن اللفظيين قد يكون منشؤه:

(أولاً) التزاحم بينهما 

ويراد بالتزاحم: صدور حكمين من الشارع المقدس وتنافيهما في مقام الامتثال اتفاقاً، إمّا لعدم القدرة على الجمع بينهما -كما هو الغالب في باب التزاحم- وإما لقيام الدليل من الخارج على عدم وجوب الجمع بينهما؛ ومثال الحكمين المتزاحمين قول الشارع مثلاً: يجب إزالة القذارة من المسجد، وقوله: (صلّ). فلو اتفق للمكلف أن دخل: المسجد للصلاة فوجد فيه قذارة كان موجّهاً إليه تكليفان، أحدهما بالصلاة والثاني بإزالة النجاسة، وبما أنَّ المكلف لا يستطيع الجمع بينهما في آنٍ واحد، فلا بُدَّ من الرجوع إلى مرجحات باب ــــــــــ[201]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

التزاحم وقد أرجعوها في أسسها إلى عدّة مرجحات:

أ. تقديم المضيق على الموسع إن كان في التكليفين مضيق وموسع.

ب. تقديم ما كان له بدل اضطراري منهما على ما ليس له البدل.

جـ. تقديم ما كان معيناً منهما على ما كان مخيّراً بينه وبين غيره.

د. تقديم ما كان مشروطاً بالقدرة الشرعية على ما كان مشروطاً بالقدرة العقلية.

هـ. تقديم ما كان أهم منهما على غيره.

و. تقديم أسبقهما في زمان امتثاله إن لم يكن في البين أهم.

والأنسب -فيما أخال- أن يكون المقياس هو الخامس وحده، وهذه الأمور الأربعة وغيرها مما ذكر إن تمت فهي من قبيل تنقيح الصغريات له، لأن شعور الإنسان بالأهمية قد يكون منشؤه المحافظة على التكليفين معاً بتقديم المضيق على اختيار الموسع والمعين على المخيّر وما ليس له البدل على ما له البدل وهكذا، وقد يكون غيرها. والمقياس شعوره بأهمية أحد التكليفين في نظر الشارع وترجيحه على الآخر، ومع هذا الشعور فتقديم الأهم في باب التزاحم تعيين للحجة الفعلية من بين الأدلة المتزاحمة فلا بُدَّ من الأخذ بها، إذ لا نحتمل -مع القطع بالأهمية في أحد الجانبين- أنَّ الشارع ألزمنا بالمهم ورفع اليد عن الأهم لاستحالة ترجيح المرجوح على الراجح في حقّه تعالى، ومع امتناع تكليفنا بهما معاً في عرض واحد لاستحالة امتثالهما -كما هو الفرض- تعيّن أن يكون المرتفع عنا هو التكليف بالمهم.

ــــــــــ[202]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

هذا إذا كان هناك أهم ومهم، أمّا إذا تساويا قدم أسبقهما في زمان امتثاله، ومع تساويهما من جميع الجهات يتخير المكلف بينهما بحكم العقل.

المنشأ الثاني: التعارض

وثانياً وقد يكون منشؤه التعارض وأمره يختلف باختلاف صور المسألة فقد يكون التعارض بدوياً وله عدّة صور:

أ. أن يكون فيهما عام وخاص كنهي الشارع عن بيع كلّ معدوم وترخيصه في السَلَم مثلاً، ومثل هذا التقديم -أعني تقديم الخاصّ على العامّ- ممّا يقتضيه الجمع العرفي من تقديم النص على الظاهر أو الأظهر على الظاهر. وقد قلنا إن الشارع المقدس لم يبتدع طريقة لتفاهمه تخالف ما جرى عليه الناس في طرق تفاهمهم، وما دام الناس يقدّمون القرينة على ذي القرينة ويعتبرون الخاصّ قرينة على المراد من العامّ وكاشفة ومحددة له فلا بُدَّ من الأخذ بها في كلام الشارع تبعاً لهم، وما يقال عن العامّ والخاصّ يقال عن المطلق والمقيد وفق ما جعل لهما من شروط معروضة في مظانها.

ب. أن يكون فيهما حاكم ومحكوم. ويراد بالدليل الحاكم الدليل الناظر إلى الأدلة الأولية نظر شرح وتفسير، ومثل هذا النوع لاتلحظ فيه النسبة بين الدليلين، ومثاله دليل (لا ضرر) أو قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1) بالنسبة إلى الأدلة الأولية فكأن الشارع المقدس بذكره لهذه الأدلة شرح لك المراد من أدلته على التكاليف بلسان أن ما كان منها ضررياً أو حرجياً 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) الحج: 78.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

لم أجعله عليك أو هو مرفوع عنك على اختلاف في لسانها.

وهذه الأدلة الحاكمة قد يكون بعضها شرحه موسّعاً للتكاليف الأولية مثل قوله: “الطواف بالبيت صلاة” ومثلها جميع الأدلة التنزيلية كقوله: “الفقاع خمر استصغره الناس” أي ما جعلته من أحكام للصلاة رتبه على الطواف.

ج. أن يكون فيهما ناسخ ومنسوخ. كما لو ورد دليلان يكون الثاني منهما محدّداً لأمد الأول وكاشفاً عن عدم استمراره إلى ما بعد مجيئه.

والفرق بينهما وبين العامّ والخاصّ أنَّ الخاصّ إنّما يقصد به تحديد حكم العامّ من حيث انطباقه على بعض الأفراد دون بعض، بالكشف عن عدم ورود حكم العامّ على ما أخرجه الخاصّ ابتداءً. بخلاف النسخ فإنَّه لا يتعرض للأفراد وإنَّما يتعرض لتقليص حكمها من حيث الأزمان، فهو كما قيل: تخصيص في الأزمان وذلك تخصيص في الأفراد.

هذا كلّه في التعارض البدوي. أمّا التعارض المحكم وهو الذي لا يقبل الجمع العرفي كتعارض المتباينين أو العموم والخصوص من وجه في موارد اجتماع الدليلين فالمرجع فيهما قواعد باب التعارض من الرجوع إلى المرجحات السندية أو الجهتية، ومع عدمها فإمّا إلى إسقاط الدليلين أو التخيير بينهما، على اختلاف في هذه القواعد بين العلماء تراجع في مواضعها من كتب الأصول.

  1. ما يرجع فيه الدليلان إلى القياس، كتقديم قياس على قياس وهذا يعود -بعد إثبات الأهمية لأحدهما على الآخر- إلى تعيين الحجّة من القياسين بعد 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

فرض إثبات حجّية أصل القياس وتكون هذه المسألة إذ ذاك من صغريات مسائل القياس.

  1. ما يرجع فيه الاستحسان إلى العرف، كعقد الاستصناع، وهو عقد على معدوم، وصح استحساناً لأخذ العرف به. وهذا من صغريات مسألة حجّية العرف، وسيأتي أنَّه لا يكون حجّة ودليلاً إذا لم يصل الحكم الذي ينتهي إليه من طريقه إلى زمن المعصوم ويقرّ من قبله، وعندها يكون إقرار المعصوم هو الدليل لا الاستحسان العرفي، وإقرار المعصوم من السنة كما مرّ.
  2. ما يرجع فيه إلى إدراك العقل لمصلحة توجب جعل حكم من الشارع له على وفقها، ومثل هذا يدخل ضمن الحديث عن المصالح المرسلة؛ وسيأتي تشخيص ما هو الحجة منها من غيره.

وملخص الحديث عن ذلك: أنَّ ما أدركه العقل منها إن كان ممّا يتطابق العقلاء على أنَّه ممّا ينبغي أن يفعل أو يترك دخل ضمن ما سبق بيانه من حجّية العقل، وإلَّا فلا دليل على حجّية مثله. كأن يكون العقل قد أدرك مصلحة تقتضيه لجعل حكم على وفقها ولكنّه لم يدرك أنَّ شرائط التأثير متوفرة فيها، أو احتمل أنَّ هناك مانعاً من تأثيرها كمزاحمتها بمفسدة خفي عليه أمرها، ومع هذه الاحتمالات لا يمكن إثبات الحجّية بمثل هذا الإدراك، لعدم تقوم الحجّية بغير العلم كما سبق ببيان ذلك مفصلاً.

  1. استحسان مصدره بعض الحالات النفسية من ملائمة الحكم لنفسه وهواه وعدم ملائمته لها، وربما كانت بواعثها لا شعورية كالانقداحات التي لا 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

يقدر على التعبير عنها كما جاء في بعض تعاريفه، ومثل هذا النوع من الاستحسان لا يمكن اعتباره من مصادر التشريع لعدم قيام الدليل عليه -كما سيتضح ذلك- ولكونه عرضة لتحكم الأهواء فيه لعدم الضوابط له حتى في أنفس المستحسنين.

والنتيجة: أنَّ الاستحسان إن أُريد به أحد المعاني الأربعة السابقة فلا ينبغي عدّه دليلاً مستقلاً في مقابلها وحسابه من حيث الحجّية حساب ما ينتظم فيه. وإن أُريد به المعنى الخامس فهو وإن كان له استقلاله الذاتي إلَّا أنَّه لا يصلح أن يكون حجّة أو طريقاً إلى حكم واقعي لعدم الدليل عليه، وما ساقوه من الأدلة لا يصلح لإثباته.

أدلة المثبتين

على أنَّ الحق يقتضينا أن نتعرض لأدلتهم لننظر واقعها من إثبات الطريقية أو الحجّية له ثم واقعها من هذه الأقسام:

وأهم ما استدلوا به:

الاستدلال بالكتاب

  1. من القرآن الكريم قوله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ(1). وقوله تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ(2) بتقريب أن الله تعالى مدحهم على اتباع أحسن ما يستمعونه من القول في الآية الأولى، وألزمهم 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

(1) الزمر: 18.

(2) الزمر: 55.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

باتباع أحسن ما أُنزل إليهم من ربهم في الآية الثانية، والمدح والالزام أمارة جعل الحجّية له. 

ويرد على هذا الاستدلال:

أنَّ الآية الأولى وإن مدحت هؤلاء المستمعين على اتباع أحسن الأقوال إلَّا أنَّها افترضت أنَّ هناك أقوالاً بعضها أحسن من بعض، وترجيح بعض الأقوال على بعض إذا كانت صادرة من الشارع نظراً لأهميتها -كما هو مقتضى التعبير عنها بكونها أحسن- إنَّما هي من شؤون الكتاب والسنة، وقد سبق أن قلنا إنّ ترجيح دليل لفظي على دليل عند المزاحمة أو المعارضة يعود في واقعه إلى تعيين الحجة الفعلية له من بين الأقوال.

وما يقال عن هذه الآية يقال عن الآية الثانية، بالإضافة إلى أنَّ الآية اعتبرت الأحسن في خصوص ما نزل إليهم، فإثبات أن الاستحسان ممّا أنزل أو مما لم ينزل لا يرجع في تعيينه إلى الآية، لبداهة أنَّ القضية الحقيقية لا تثبت موضوعها كما سبق أنَّ قلنا أكثر من مرّة، على أنَّ حمل كلمة الأحسن على الاستحسان المصطلح لا يخلو من غموض، مع أنَّ تحديد الاستحسان المصطلح هو نفسه موضع لخلاف كبير حتى من القائلين بالاستحسان. فعلى أي هذه المعاني المتباينة في أكثر مفاهيمها تحمل كلمة الأحسن في الآيتين لتكون حجّة فيه؟

الاستدلال بالسنة

  1. السنة: واستدلوا منها بما روي عن عبد الله بن مسعود من أنَّه قال: “ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن” وهذه الرواية موقوفة على ابن مسعود 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ولم يروها أحد مرفوعة إلى النبي فلا تصلح للحجية. وربما كانت كلاماً له لا حديثاً منه عن النبي لتصلح للاستدلال.

ومع الغض عن ذلك فما هو المراد بكلمة حسن وعلى أي مفهوم من مفاهيم الاستحسان السابقة تصدق لو كان معنى الحسن والاستحسان واحداً؟ وقد قلنا فيما سبق إنَّ الأنسب في مثل هذه الرواية أن تكون إرشاداً لقاعدة الملازمة، إذا لم نعتبر الخصوصية في لفظة المسلمين وعممناها لمختلف العقلاء ومع الاقتصار على لفظة المسلمين بما لها من مدلول فهي أقرب إلى أدلة الإجماع منها إلى أدلة الاستحسان بعد حمل كلمة المسلمين وهي من الجمع المحلى بالألف واللام على العموم المجموعي، لأنَّ العموم الاستغراقي لا يمكن أن يكون هو المراد منها، وإلَّا لأوقعتنا هذه الرواية بألف مفارقة، إذ تكون نتيجتها أن استحسان أي مسلم حجّة ولو كان عامّياً. ولا يحسن أقامة الرأي من الطرق الموصلة إلى الأحكام الواقعية والمتبناة من الشارع بهذا الحديث ونظائره -لو كان له نظائر-.

الاستدلال بالإجماع

  1. اجماع الأمّة باستحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير لزمان المكث وتقدير الماء والأجرة. وهذا الإجماع لو صحّ وجود مثله فهو قائم على هذه الأحكام بالخصوص لا على استحسانها، فضلاً عن قيامها على كلّ استحسان، ولا أقل من اقتصاره على هذه الموارد بحكم كونه من الأدلة اللبية التي يقتصر منها على القدر المتيقن. والظاهر أنَّ مثل هذا 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الإجماع لا أساس له، وإنما قامت السيرة على هذه الأحكام وهي مستمرة على (جريان ذلك إلى زمن النبي مع علمه وتقريره لهم عليه)(1)، والذي أخاله أنَّ -أصلاً- هذه حججه وأدلته لا يستحق أن يعطى له أهمية كالتي أعطاها له مالك حيث قال “الاستحسان تسعة أعشار العلم(2) اللهم إلَّا أن يريد به معناه السليم من تقديم دليل على دليل.

أدلة النافين

وأمّا النفاة لحجيته فأظهرهم الشافعي وقولته في ذلك “من استحسن فقد شرع(3) معروفة لدى الأصوليين، وكان ممّا علل به وجهة نظره قوله: “أفرايت إذا قال الحاكم والمفتي في النازلة ليس فيها نص خبر ولا قياس وقال استحسن فلا بُدَّ أن يزعم أنَّه جائز لغيره إن استحسن خلافه فيقول كل حاكم في بلد ومفتٍ بما يستحسن فيقال في الشيء الواحد بضروب من الحكم والفتيا فإن كان هذا جائزاً عندهم فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاؤوا وإن كان ضيقاً فلا يجوز أن يدخلوا فيه”(4)

ومثل هذا الكلام غريب عن الفن لانتهائه -لو تمّ- إلى حظر الاجتهاد مطلقاً مهما كانت مصادره، لأنَّ الاختلاف واقع في الاستنباط منها إلَّا نادراً، أو 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) الأحكام للآمدي ص138، ج3. 

(2) المدخل إلى الفقه الإسلامي ص257.

(3) فلسفة التشريع الإسلامي ص174.

(4) نفس المصدر: ص175.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

لا خصوصية للاستحسان في ذلك، ومتى جاز لحاكم أن يجتهد فقد أجاز لغيره أن يجتهد وعندئذ ينتهي الأمر إلى ضروب من الأحكام والفتاوى المختلفة، ولازمه حظر الاجتهاد بجميع مصادره، وهو لا يمكن أن يلتزم به مثله. 

ولعل مراده هو القسم الخامس من الأقسام التي ذكرناها كما تومي إليه بقية أقواله، ومما لا يخضع لضوابط من شأنها أن تقلل من وقوع الاختلاف، وتفسح المجال أمام المتطفلين على منصب الإفتاء ليرسلوا كلماتهم بسهولة استناداً إلى ما يدعونه من انقداحات نفسية وأدلة لا يقدرون على التعبير عنها ممّا يسبب إشاعة الفوضى في أمثال هذه المجالات. ولكن هذا النوع من الإستدلال هو أقرب إلى النهج الخطابي منه إلى الروح العلمية، فالأنسب أن يدفع هذا القسم لعدم قيام الدليل على حجيّته، لأن ما ذكروه من الأدلّة لا يصلح لإثبات ذلك.

والخلاصة: كما يقول ابن القفال: “إن كان المراد بالاستحسان ما دلّت عليه الأصول بمعانيها فهو حسن لقيام الحجّة به -قال- فهذا لا ننكره ونقول به وإن كان ما يقع في الوهم من استقباح الشيء واستحسانه من غير حجّة دلّت عليه من أصل ونظير فهو محظور والقول به غير سائغ”(1). والمدار هو قيام الحجّة وعدمها، ولقد بيّنا في مدخل البحث انتظام ما قامت عليه الحجّة من غيره كلّ في موضعه من الأصول المعتبرة وغيرها.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

( ) رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشيع ص:93.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 

المصالح المرسلة 

 

  • تعريفها 
  • أقسام الأحكام المترتبة على المصلحة
  • اختلاف كلماتهم في تعريف المصالح المرسلة
  • آراء العلماء فيها من حيث الاعتبار وعدمه
  • أدلة المثبتين

ــــــــــ[211]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن




المصالح المرسلة

 

لتحديد معنى المصالح المرسلة لا بُدَّ من تحديد معنى المصلحة أولاً ثمَّ معنى الإرسال فيها، فماذا يكون معنى كلّ منهما؟

 

تعريفها 

 

يقول الغزالي: “المصلحة هي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرّة”(1) ثم قال: “ولسنا نعني به ذلك فإن جلب المنفعة ودفع المضرّة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع”(2). ومقاصد الشرع في الخلق التي عدّها خمسة وهي أنَّه “يحفظ عليهم: دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم”(3) ثم قال: “وكلما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”(4).

ــــــــــ[213]ــــــــــ

(1) المستصفى: ج1، ص140.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وقد عرفها الطوفي بـ”السبب المؤدّي إلى مقصود الشرع عبادة وعادة”(1) وفسر العبادة بقوله “ما يقصده الشارع لحقه” والعادة “ما يقصده الشارع لنفع العباد وانتظام معايشهم وأحوالهم”(2).

ــــــــــ[214]ــــــــــ

(1) رسالة الطوخي المنشورة في مصادر التشريع: ص93.

(2) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن











أقسام الأحكام المترتبة على المصلحة

 

وقد قسّموا ما يتضمن حفظ هذه الأصول بلحاظ ما يتعلق به إلى اقسام ثلاثة:

  1. 1. ضروري: وهو المتضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمسة التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها(1). ومثلوا له بالأحكام التي شرعت للمحافظة على الدين والنفس والعقل والنسل والمال، كالجهاد والقصاص وقطع يد السارق وحد الزاني وقتل المرتد وجعل الضمان على المعتدي، وأمثالها من الأحكام التي شرعت للمحافظة على تلكم المقاصد الخمسة.
  2. الحاجي: وأرادوا به ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة(2)، كتشريع أحكام البيع والإجارة والنكاح لغير المضطر إليها من المكلفين.
  3. التحسيني: وأرادوا به ما يقع ضمن نطاق الأمور الذوقية، كالمنع من أكل الحشرات واستعمال النجس فيما يجب التطهير فيه، أو ضمن ما تقتضيه آداب السلوك كالحث على مكارم الأخلاق باختلاف مجالاتها. وهذه الأمور الثلاثة مرتبة لديهم في أهميتها، أي يقدم منها لدى المزاحمة الأول على الأخيرين والثاني على الثالث.

ــــــــــ[215]ــــــــــ

(1) ارشاد الفحول: ص216.

(2) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

اختلاف كلماتهم في تعريف المصالح المرسلة

 

أما تعريفهم للمصلحة المرسلة فقد اختلفت كلماتهم فيه:

فابن برهان يعرفها بقوله: “هي ما لا تستند إلى أصل كلّي أو جزئي”(1). وربما رجع إلى هذا التعريف ما ورد على لسان بعض المحدّثين من أنها الوصف المناسب الملائم لتشريع الحكم الذي يترتب على ربط الحكم به جلب نفع أو دفع ضرر، ولم يدل شاهد من الشارع على اعتباره أو إلغائه”(2) ولكن معروف الدواليبي يخالف هذين بإدخالها ضمن ما شهد له أصل كلّي من الشريعة يقول وهو يتحدث عن الاستصلاح:

الاستصلاح في حقيقته هو نوع من الحكم بالرأي المبني على المصلحة، وذلك في كلّ مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها ولم تكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها، وإنّما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامّة برهنت على أنَّ كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء، وتلك القواعد هي مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ(3) وقوله: “لا ضرر

ــــــــــ[216]ــــــــــ

(1) المصدر السابق: ص242.

(2) سلم الوصول: ص309.

(3) النحل: 90.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 ولا ضرار(1). وقد رادف البعض بين المصالح المرسلة والاستصلاح(2) كما رادف آخر بينها وبين الاستدلال(3). وهذا النوع من الترادف بعيد عن مصطلحاتهم؛ إلَّا أن يكون اصطلاح لهم خاصّة، لأن الاستصلاح -كما هو صريح كلامهم- هو بناء الحكم على المصلحة المرسلة وليس هو عينها، كما أنَّ الاستدلال إنَّما يكون بها على الحكم لا أنَّها عين الاستدلال.

وبما أنَّ هذه التعاريف التي عرضناها، نموذجاً منها لا تحكي عن واقع واحدٍ، ليلتمس تعريفه الجامع المانع من بينها وربما اختلف الحكم فيها لاختلاف مفاهيمها فلا جدوى لمحاكمتها.

وإنَّما الأنسب أن تعرض أحكامها وتحاكم على أساس ما ينتظمها من الأدلة التي ذكرت في مجالات الاستدلال عليها، على اختلاف مفاهيمها، سواء كانت في مقام النفي أو الإثبات. 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

(1) المدخل: ص284.

(2) أصول الفقه للخضري: ص302.

(3) ارشاد الفحول: ص242.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن



آراء العلماء فيها من حيث الاعتبار وعدمه

 

وقبل أن نفصل القول في هذه الأدلّة يقتضينا أن نتعرف على آراء العلماء فيها من حيث اعتبارها من الأدلة وعدم اعتبارها:

  1. فمالك واحمد ومن تابعهما ذهبوا إلى أن الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع، وأن المصلحة المطلقة التي لا يوجد من الشرع ما يدل على اعتبارها ولا على إلغاءها مصلحة صالحة لأن يبنى عليها الاستنباط(1).
  2. وغالى فيها الطوفي -وهو من علماء الحنابلة- فاعتبرها “الدليل الشرعي الأساسي في المعاملات وقدّمها على ما يعارضها من النصوص عند تعذّر الجمع بينها(2).
  3. بينما ذهب الشافعي ومن تابعه إلى أنَّه لا استنباط بالاستصلاح، ومن استصلح فقد شرع كمن استحسن، والاستصلاح كالاستحسان متابعة للهوى”(3).
  4. ولكن الغزالي -وهو من اتباع الشافعي- يرى أنَّها إن وقعت في مرتبة 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع: ص73.

(2) نفس المصدر: ص82.

(3) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

التحسين والتزيين لم تعتبر، إلَّا إذا شهد لها أصل معيّن بالاعتبار في نظر الشارع. وإن وقعت في مرتبة الضروري فهو إلى قبولها أميل، وإن وقعت في مرتبة الحاجي فقد رأى في (المستصفى) ردّها وفي (شفاء الغليل) قبولها(1).

والذي انتهى إليه في (المستصفى) أنَّه ليس لديه ما يمنع من الأخذ بها بعد توفّر شروط ثلاثة فيها وهي:

  1. أن تكون ضرورية.
  2. أن تكون قطعية.
  3. أن تكون كلّية.

ومثاله أنَّ الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافّة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأُسارى أيضاً(2).

  1. أمّا الأحناف فالمنسوب إليهم أنَّهم لا يقولون بالمصالح المرسلة. وإن كان ما استظهره الأستاذ خلّاف من جملة ما أثر عنهم مما يلابس طبيعة هذا الموضوع خلاف ذلك(3). وقد نسب الأستاذ الخفيف إلى الشيعة وأهل الظاهر ردّ العمل بالمصالح المرسلة لكونهم لا يرون العمل بالقياس(4).

ــــــــــ[219]ــــــــــ

(1) محاضرات في أسباب الاختلاف: ص244.

(2) المستصفى: ج1، ص141.

(3) مصادر التشريع: ص74.

(4) أسباب اختلاف الفقهاء: ص244.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 

أدلة المثبتين

 

وخلاصة ما استدل به للاستصلاح بعد أكمال بعض الأدلة ببعض:

  1. أن الأحكام الشريعة إنَّما شرعت لتحقيق مصالح العباد، وأن هذه المصلح التي بنيت عليها أحكام الشرعية معقولة أي ممّا يدرك العقل حسنها، كما أنَّه يدرك قبح ما نهى عنه، فإذا حدثت واقعة لا نصّ فيها وبنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع، ولذلك لم يفتح باب الاستصلاح إلَّا في المعاملات ونحوها ممّا تعقل معاني أحكامها، وأنَّ العبادات ونحوها ممّا لا تعقل معاني أحكامها فلا تشريع فيها بالاستصلاح(1).
  2. أنَّ الوقائع تحدث والحوادث تتجدد “فلو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح ضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد وقصرت عن حاجاتهم ولم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال، مع أنَّها الشريعة العامّة لكافة الناس وخاتمة الشرائع السماوية كلّها”(2).
  3. أنَّ الصحابة عندما وجدت لديهم بعض الحوادث بعد وفاة 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع: ص74-75.

(2) نفس المصدر.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الرسول شرعوا لها أحكاماً رأوا أنَّ فيها تحقيق المصلحة، كحرب أبي بكر لمانعي الزكاة عنه، ودرء القصاص والحد عن خالد بن الوليد، وإيقاع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة من قبل عمر، وأمثالها ممّا سبق عرضه والجواب عنه في مبحث القياس.

التحقيق في المقام

والذي ينبغي أن يقال أنَّ المصلحة المرسلة يختلف الحال فيها باختلاف تعاريفها واختلاف ما تنتظم فيه من الأدلة.

إذا كان منشأ المصالح حديث لا ضرر ونظائره

  1. فإن كانت مستفادة من القواعد العامّة أمثال (لا ضرر) كما هو مقتضى ما يدل عليه تعريف الدواليبي لها وفحوى كلام الطوفي فمقتضى ذلك إلحاقها بالسنة، والاجتهاد فيها إنَّما يكون من قبيل تحقيق المناط بقسمه الأول، أي تطبيق للكبرى على صغراها بعد التماسها من الطرق المجعولة من قبل الشارع، إلَّا أنَّ تسميتها بالمصلحة المرسلة لا تلتئم إذ ذاك مع واقعها، إذ مع دلالة النص عليها -ولو بعمومه- لا يبقى مجال لصدق الإرسال عليها بحال من الأحوال ومتى اشترطنا في السنة أن تكون خاصّة ليصح التمسك بها كمصدر من مصادر التشريع؟
غلو الطوفي في المصالح المرسلة

وقد أوضح الطوفي هذا المعنى بعد استدلاله بحديث: “لا ضرر ولا ضرار” على مطلوبه، حيث قال -فيما حكي عنه-: “فهذا نص قاطع في نفي كل 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

ضرر وكل ضرار لأن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم، فإذا دلّ نص على حكم وكان تطبيق حكم هذا النص في واقعة من الوقائع يستلزم ضرراً بأن كان يفوت مصلحة أو يجلب مفسدة يخصص النص بما عدا هذه الواقعة عملاً بحديث: “لا ضرر ولا ضرار“، كما هو الشأن في تعارض العامّ والخاصّ يعمل العامّ فيها عدا الخاصّ. وعلى هذا لا يكون التعارض في التحقيق بين النص والمصلحة وإنَّما هو بين النص ونص (لا ضرر ولا ضرار)، ولا نكون أهملنا العمل بالنص مراعاة للعمل بالمصلحة وإنّما خصّصنا عموم النصّ أو قيدنا إطلاقه بنص الحديث: (لا ضرر ولا ضرار). 

وكان الشارع كما شرع أحكامه في المعاملات والسياسة الدنيوية قيد تنفيذها بما إذا لم يستلزم تنفيذها ضرراً، بقوله: “لا ضرر ولا ضرار(1) ويقول: “ثم أن قول النبي “لا ضرر ولا ضرار” يقتضي رعاية المصالح إثباتاً والمفاسد نفياً، إذ الضرر هو المفسدة، فإذا نفاه الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة، لأنَّهما نقيضان لا واسطة بينهما”(2).

وإذا صحّت هذه الاستفادة من الطوفي كان التشريع على وفق المصلحة يكون تشريعاً من قبل السنة نفسها، وهي ممّا لا ينبغي أن يكون موضعاً لشبهة؛ إلَّا أنَّ الإشكال كل الإشكال في استفادة هذا المعنى من حديث (لا ضرر)، والحقيقة أنَّ كلام الطوفي عن هذا الحديث لا يخلو من فجوات وأهمها: 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

(1) مصادر التشريع: ص82.

(2) رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع: ص91.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

مناقشة كلام الطوفي 

أ. اعتقاده أن بين الضرر والمصلحة نسبة التناقض، ولذلك رتب على انتفاء أحدهما ثبوت الآخر لاستحالة ارتفاع النقيضين، مع أنَّ الضرر معناه النقص في المال أو العرض أو البدن، وبينه وبين المصلحة واسطة، فالتاجر الذي لم يربح ولم يخسر في تجارته لا يتحقق بالنسبة إليه ضرر ولا منفعة، ومتى حصلت واسطة بينهما فانتفاء أحدهما لا يستلزم ثبوت الآخر. والذي يترتب على هذا أنَّ حديث (لا ضرر) لا يتناول أكثر من نفي التكليف الضرري دون نظر إلى تشريع حكم غير ضروري في موضع ذلك الحكم المنفي، وتشريع نوع الحكم الذي يحل محل ما ارتفع من التكاليف الضررية إنَّما يلتمس من الأدلة الأخرى، ولا يتعرض لها هذا الحديث بنفي ولا إثبات.

ب. إنَّ هذا الحديث لا يخصّص الأدلة الأولية كما يرى الطوفي وإنَّما يحكم عليها، ولذلك قدّمناه على جميع الأدلة غير الواردة في مواضع الضرر، مع أنَّ النسبة بينه وبين أيّ منها هو نسبة العموم من وجه، فوجوب الوضوء -مثلاً- أعم من كونه ضرراً أو غير ضرري، و(لا ضرر) نافية للتكليف أعم من كونه وضوءاً أو غير وضوء، فالوضوء الضرري موضع لالتقاء الحكمين وبه يتعارض الحكمان، ومقتضى المعارضة إمّا التخيير أو التساقط. ولكن لما كان دليل (لا ضرر) سمته سمة الشارح والمفسر بلسانه للأدلة الأولية، قدم عليها تقديم القرينة على ذي القرينة. وكأن الطوفي أدرك بثاقب بصيرته أنَّ هذا الدليل مقدّم على بقية الأدلة فقدّمه وإن لم يحسن تعليله.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

والحاصل: أنَّ دليل (لا ضرر) حاكم على الأدلة الأولية، سواء قلنا إنَّ المقدر هو نفس الحكم الضرري أو الموضوع الضرري، باعتبار أنَّ حمل الدليل على ظاهره غير ممكن لاستحالة تصرف الشارع كمشرع في الأمور التكوينية رفعاً ووضعاً، فالضرر بوجوده الواقعي لا يتسلط عليه نفي الشارع بل لا بُدَّ من تقدير محذوف هنا، وهذا المحذوف إمّا أن يكون هو الحكم الضرري رأساً أو الموضوع الضرري، فيكون من قبيل نفي الحكم بلسان نفي الموضوع. كما أنَّ هذا الدليل مخصّص للأدلة الواردة في مواضع الضرر كأحكام الجهاد والأحكام المالية وأمثالها.

بقيت هناك مؤاخذات على الطوفي في تفسيره للحديث ليست داخلة في صميم بحثنا فلا ضرورة لعرض آراءه ومناقشتها. ومن هنا يتبين أنَّ غلو الطوفي في المصالح المرسلة وتقديمها على الأدلة الأولية استناداً إلى هذا الحديث وشبهه لا يتضح له وجه.

هذا إذا كان منشأ هذه المصالح هو أمثال حديث (لا ضرر) ونظائره مما يعود إلى السنة:

إذا كان منشأ المصالح المرسلة إدراك العقل

  1. أمّا إذا كان منشؤها إدراك العقل فحالها يختلف باختلاف حدود هذا الإدراك فقد يكون كاملاً، أي إدراكاً للمصلحة بجميع ما يتعلق في عوالم تأثيرها في جعل الحكم من قبل الشرع لها ومثل هذا الإدراك لا بُدَّ أن يكون حجّة، يقول في (القوانين المحكمة): “والمصالح امّا مقيّدة في الشرع ولو بالحكم القطعي من 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

العقل من جهة إدراك مصلحة خالية من المفسدة كحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل فقد اعتبر الشارع صيانتها وترك ما يؤدّي إلى فسادها”(1).

ومن كلام صاحب القوانين هذا وهو من القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين يتضح أنَّ رأيه ورأي أمثاله من العلماء أنَّ العقل ليس هو المشرع وإنَّما المشرع هو الشارع والعقل ينتهي إلى حكمه من جهة إدراكه، لأن العقل ليس من وظيفته التشريع وقد أوضحنا ذلك في مبحث العقل. لكن الأستاذ خلّاف ينسب إلى القائلين بالتحسين والتقبيح -بعد أن ذكر أن هذا المذهب يتفق في أساسه مع مذهبهم- أنَّهم يعتبرون العقل هو المشرع. يقول: “وإنَّما قلت إنَّهم يتفقون معهم في الأساس فقط لأنَّ المحتجين بالاستصلاح لا يرون أنَّ الحكم بالاستصلاح هو حكم العقل وإنَّما يرون أنَّه حكم الشرع اهتدى إليه العقل على ضوء أحكام الشرع ومبادئه العامّة ومقاصده في التشريع”(2).

وأظن أن بالتعرف على المبادئ من مصادرها الأصلية تقليصاً لأكثر مبادئ الخلاف وقضاءً على كثير من المفارقات. وفي هذا القسم من المصلحة. ينتظم مثال الغزالي -فيما أخال- إن لم يرجع إلى باب التزاحم كما استفيد حكم من قتل المسلم وحفظ بيضة الإسلام من محتوى جملة من النصوص أو الإجماع، حيث لا يمكن الجمع بين الحكمين في مقام الامتثال ممّا يوجب أهميتها في نظر الشرع وهو حفظ بيضة الإسلام.

ــــــــــ[225]ــــــــــ

(1) القوانين المحكمة: ج1، ص92.

(2) مصادر التشريع: ص76.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

أمّا إذا لم يدرك ادراكاً كاملاً بأن كان قد أدرك المصلحة واحتمل وجود مزاحم لها يمنع من جعل الحكم لها واحتمل أنَّها فاقدة لبعض شروط الجعل، فمثل هذا الإدراك لا أثر له لعدم قيام الدليل على حجّيته، مثله ومع عدم الدليل على عدم الحجّية يقطع بعدمها، وما ذكر من الأدلّة التي سبق فرضها لا تصلح لإثبات هذا القسم، إذ إنَّ ما لدينا من المفاهيم العامّة المجعولة في الإسلام ما يكفي لسدّ حاجة ما استحدث من الأمور سواء انتهى إلى أخذ هذه المفاهيم من طريق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو حكم العقل. 

كما أنَّ المفاهيم العامّة غير قابلة للتغيير والتطور تبعاً لتبدل الأزمان والبيئات، وإنَّما الذي يتبدل هو مصاديقها أي أنَّ المصاديق هي التي تنتقل من مفهوم إلى مفهوم -أحياناً- تبعاً لتبدل الأزمان، فالموضوع الواحد ربّما يكون ضررياً في زمان وغير ضرري في آخر، فإذا لم يكن ضررياً شملته الأحكام الأولية وإن كان ضررياً خرج عنها وهكذا. ولعل من أهم أعمال المجتهد هو تشخيص الصغريات لكبريات الأحكام المكتشفة لديه بوسائلها المعروفة عنده، أو تشخيص الوظيفة الشرعية أو العقلية مع عدمها، وخلود الشريعة إنَّما هو بضمان استمرارها وتمشّيها مع الزمان لا بتقبلها للدخيل عليها استناداً إلى التخيلات والتخرصات.

والخلاصة: أنَّ المصالح المرسلة لا تصلح أن تكون من الأدلة المستقلة، لأنَّها إمّا أن ترجع إلى النصوص الشرعية أو إلى حكم العقل، وإمّا أن لا تكون حجّة لعدم قيام الدليل عليها، فعدها من الأدلة المستقلة لا يبدو له وجه.

ــــــــــ[226]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

فتح الذرائع وسدّها 

 

  • الذريعة لغةً واصطلاحاً
  • حكم الذريعة وأقسامها
  • تحرير المسألة في كتب الشيعة
  • خلاصة المبحث

ــــــــــ[227]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن




فتح الذرائع وسدّها

 

الذريعة لغةً واصطلاحاً

 

وللذريعة مدلولان: لغوي واصطلاحي، فهي في اللغة “الوسيلة التي يتوسل بها إلى الشيء”(1). وفي الاصطلاح وقعت موضعاً لاختلافهم، ففي تحديد الشاطبي لها:

  1. “أنَّها التوسل بما هو مصلحة إلى ما هو مفسدة”(2).

وقريب منه ما ورد على ألسنة بعض المتأخرين من تحديدها:

  1. “ما يتوصّل به إلى شيء ممنوع مشتمل على مفسدة”(3).

ولكن هذين التعريفين غير جامعين لاقتصارهما على وسائل الأمور المحرمة، بينما لا تختص دليلية الذريعة عليها بل تعم جميع الوسائل، سواء كانت وسائل لمحرمات أو واجبات أو غيرهما من الأحكام. يقول: “الذريعة كما يجب سدّها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح”(4)، وقريب منه قول سلام “الذرايع إذا كانت تقضي إلى مقصد هو قربة وخير أخذت الوسيلة حكم المقصد. وإذا 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

(1) المدخل للفقه الإسلامي: ص266.

(2) الموافقات: ج4، ص199.

(3) المدخل للفقه الإسلامي: ص266.

(4) نفس المصدر: ص267.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

كانت تفضي إلى مقصد ممنوع هو مفسدة أخذت حكمه. ولذا فإن الإمام مالكاً يرى أنَّه يجب فتح الذرايع في الحالة الأولى، لأن المصلحة مطلوبة وسدّها في الحالة الثانية لأنَّ المفاسد ممنوعة”(1) ولعلّ أقرب تعاريفها إلى السلامة ما ذكره ابن القيّم من أنَّ:

  1. “الذريعة ما كانت وسيلة وطريقاً إلى الشيء”(2).

إلَّا أن لفظ الشيء فيها يجعلها غير مانعة لدخول جميع الوسائل المفضية إلى غير الأحكام الشرعية، وهو ما لا يتصل بوظيفة الأصول في البحث عنه، فالأنسب تعريفها بـ:

4ـ “الوسيلة المفضية إلى الأحكام الشرعية الخمسة” ليشمل البحث عنها كل ما يتصل بالذريعة وأحكامها من أبحاث.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) المدخل للفقه الإسلامي: ص267.

(2) أعلام الموقعين: ج3، 147.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن




حكم الذريعة وأقسامها

 

أمّا حكمها فقد اختلفوا فيه، فالذي عليه ابن القيم وجماعته: “أنَّ الوسيلة تأخذ حكمها مما تنتهي إليه” وقرّر ذلك بقوله: “لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلَّا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبّتها والأذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود، ولكنّه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل”. 

فإذا حرّم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنَّه يحرمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له ومنعاً أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كلّ الإباء. 

ومن هذا العرض والاستدلال يبدو أنَّ ابن القيم يحاول إثبات الحكم لها من طريق الملازمة العقلية بين حكم الشيء ووسيلته، أي أنَّ العقل يكتشف الحكم الشرعي للمقدمة أو الوسيلة من حكم ما تفضي إليه، بتقريب أنَّ الشارع لو لم يجعل الحكم على الوسيلة تبعاً لذي الوسيلة لكان نقضاً للتحريم وإغراء 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

للنفوس بارتكاب المحرمات وحكمته تعالى تأبى ذلك، وقد أضاف إلى استدلاله هذا جملة موارد قاربت المائة في عدّها ورد فيها التصريح من الشارع بحكم الوسائل، وهو على وفق ما جعل لذيها من أحكام، كقوله تعالى وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّـهِ فَيَسُبُّوا اللَّـهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ(1). أو قوله: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ(2). وأمثالها من الآيات والأحاديث والكثير من هذه الموارد لا يصلح لإثبات مدّعاه، ولا يهم الدخول في تفصيلاتها والمناقشة في الأمثلة متّى عرّف المبنى. 

وقد قسم ابن القيم الوسائل المفضية إلى المفاسد إلى أربعة أقسام:

  1. الوسائل الموضوعة للإفضاء إلى المفسدة مثل شرب المسكر المفضي إلى السكر والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش، وليس لهذه الأفعال ظواهر غير الإفضاء إلى المفسدة.
  2. الوسائل الموضوعة للأمور المباحة إلى أنَّ فاعلها قصد بها التوسل إلى المفسدة، كفعل من يعقد النكاح قاصداً به التحليل أو يعقد البيع قاصداً الربا.
  3. الوسائل الموضوعة للأمور المباحة والتي لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنّها مفضية إليها غالباً، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، مثل سب المسلمين آلهة المشركين بين ظهرانيهم، وتزين المتوفى عنها زوجها في زمن عدّتها.
  4. الوسائل الموضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح، 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) الأنعام: 108.

(2) النور: 31.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

مثل النظر إلى المخطوبة والمشهود عليها، وكلمة الحق عند سلطان جائر.

ومن رأيه تحريم هذه الوسائل جميعاً باستثناء القسم الرابع منها. ويحدّث سلام أن كتب المالكية والحنابلة منصبّة على القول بسد خصوص الثانية، أعني الوسائل الموضوعة للأمور المباحة ويقصد فاعلها التوصل بها إلى المفسدة.

ــــــــــ[233]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن












تحرير المسألة في كتب الشيعة

 

ولقد حرّرت هذه المسألة في كتب الشيعة في مبحث مقدّمة الواجب من الأصول ولم يعتبروها هناك أصلاً مستقلاً يرجع إليه لاستنباط الحكم الشرعي، لأنَّ حكمها -بناءً على تبعيته بحكم الأصل- إمّا أن يستفاد من الدليل اللفظي الدال على الأصل -أعني ذا المقدمة- من طريق الدلالة الإلتزامية فيكون مدلولاً للكتاب أو السنة، أو يستفاد من حكم العقل بقاعدة الملازمة فتكون من صغريات حكم العقل؛ فعدّها أصلاً في مقابلها لا يتضح له وجه. 

وقد كادت أن تطبق كلمتهم على اعتبار المقدمة تابعة في حكمها لذي المقدمة، على اختلاف في معنى التبعية وفي حدودها إطلاقاً وتقييداً، وكلماتهم تبلغ في جهات اختلافها مقداراً ربّما تجاوز في عدة عشرة أقوال تجدها معروضة في كتب الأصول المطولة، أمثال (حقائق الأصول) و(أجود التقريرات) و(الكفاية) وغيرها. 

ولعلّ أسدّ هذه الآراء ما ذهب إليه أئمة الأصوليين من المتأخرين، أمثال الشيخ محمد حسين الأصفهاني والسيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي من إنكار تبعيتها في حكمها لذي المقدمة، بإنكار الملازمة بحكم العقل بين أمر الشارع -مثلاً- بالفعل وأمره بما يفضي إليه من الوسائل.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

وقد استدل الشيخ المظفر لهذا الرأي بعد نسبته إليهم بقوله “وذلك لأنه إذا كان الأمر بذي المقدمة داعياً للمكلف إلى الإتيان بالمأمور به فإنَّ دعوته هذه لا محالة بحكم العقل تحمله وتدعوه إلى الإتيان بكلّ ما يتوقف عليه المأمور به تحصيلاً له، ومع فرض وجود هذا الداعي في نفس المكلف لا تبقى حاجة إلى داع آخر من قبل المولى، مع علم المولى -حسب الفرض- بوجود هذا الداعي، لأنَّ الأمر المولوي سواء كان نفسياً أم غيرياً إنَّما يجعله المولى لغرض تحريك المكلف نحو فعل المأمور به، إذ يجعل الداعي في نفسه حيث لا داعي، بل يستحيل في هذا الفرض جعل الداعي الثاني من المولى لأنَّه يكون من باب تحصيل الحاصل”(1).

وما يقال عن الأمر الوجوبي يقال عن بقية الأحكام الاقتضائية بقول أستاذنا النائيني: “ولا يخفى أنَّ ما ذكرناه من الوجوه والأقوال في مقدمة الواجب يجري في مقدمة المستحب أيضاً”(2)، ويقول أيضاً: “وأمّا مقدمات المكروه فحالها حال مقدمات الحرام”(3)، وعلى هذا فالأوامر الواردة من قبل الشارع المقدّس على الوسائل لا يتم الانتهاء إلى المقصود إلَّا من طريقها ولا تعرف إلَّا من قبله لا بُدَّ من حملها على الإرشاد، وشأنها في ذلك شأن بقية المقدمات التي يدرك العقل توقّف ذي المقدمة عليها، ويلزمها بالإتيان بها عند 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

(1) أصول الفقه: ج2، ص85.

(2) أجود التقريرات: ج1، ص248.

(3) نفس المصدر: ص250.

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

إرادة امتثال ذيها دون احتياج إلى تكليف من قبل الشارع بها أصلاً، وكذلك هذا النوع من النواهي الغيرية التي لا تعرف مقدمتها إلّا من قبله.

والذي يهون الأمر أنَّ النزاع في سد الذرائع وفتحها غير ذي جدوى، إذ لا ثمرة مهمة تترتب عليه، ولست أتخيل أن هناك من يلتزم بأنَّ المخالف لذي المقدمة يعاقب بعقابات متعددة تبعاً لتعدد ما يتوقف عليه من وسائل ومقدمات، ولذلك التزموا بأن المقدمة لا ثواب ولا عقاب عليها وإنَّما الثواب والعقاب على ترك وفعل ذيها فحسب.

نعم، لا يبعد القول إنَّ مخالفة بعض النواهي التي جعلها الشارع سداً عن الوقوع في بعض المحرمات لشدة مبغوضيتها -أعني المحرمات- وكراهة وقوعها في الخارج من المكلفين كالأحكام المتعلقة بالدماء والأموال والفروج ممّا ثبت نهي الشارع عن اقتحام شبهاتها حذراً من الوقوع في مفارقاتها، وهذا النوع من النواهي باستحقاق العقاب على مخالفته مع عدم مصادفة الواقع ولكن من باب التجري أو ما يشبهه -لو قلنا باستحقاق العقاب عليه- لا من باب مخالفة الحكم الواقعي، إذ لا مخالفة كما هو الفرض به.

ــــــــــ[236]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 

خلاصة المبحث

 

وإذا صح هذا عدنا إلى ما ذكره ابن القيم وغيره من النواهي التي وردت من قبل الشارع كسد للذرايع إلى المحرمات -أو هكذا يتخيل- لنفحصها عمّا إذا كان النهي فيها من قبيل النهي النفسي الكاشف عن وجود مفاسد في متعلقاتها بمنأى عمّا يتخيل أنَّها ذريعة له، أو أنَّ نواهيها غيرية لا يستحق على مخالفتها عقاباً. والظاهر أنَّ الكثير منها إنّما هو من قبيل سدّ الذرائع ولا أقل من الشكّ في ذلك والأصل يقتضي كونها نفسية تمسكاً باطلاق أدلتها، لأنَّ غيريتها من الأمور الزائدة التي تحتاج إلى بيان، فمع عدم البيان وهو في مقامه وعدم ذكر القيد يكشف عدم التقييد به فتثبت النفسية.

والخلاصة: أنَّ جلّ من تعرفنا على آرائهم من الأصوليين شيعة وسنّة
-باستثناء بعض محقّقيهم من المتأخرين- هم من القائلين بفتح الذرائع وسدّها، وإن لم يتفقوا في صدد ما يأخذون منها وما يتركون. 

يقول سلام: “الواقع أنَّ الفقهاء جميعاً يأخذون بأصل الذرائع مع اختلاف في مقدار الأخذ به وتباين في طريقة الوصول إلى الحكم، إذ المشاهد في أحكام الفروع أنَّ أكثر الفقهاء يعطي الوسيلة -الذريعة- حكم الغاية إذا تعيّنت الوسيلة لهذه الغاية، أمّا إذا لم تتعين طريقاً لها فالمشهور عن الإمام مالك أنّها 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

تعتبر أصلاً للأحكام، ويقرب منهم في ذلك الإمام احمد وتبعهما ابن تيمية وابن القيم”. 

إلَّا أنَّ الشيء الذي لم يتضح هو اعتبارها أصلاً مستقلاً من الأصول التي يرجع إليها في مقام الاستنباط في مقابل الكتاب أو السنة أو العقل، مع أنَّ استفادة حكمها -كما سبقت الإشارة إليه- لا تعدو الدلالة الالتزامية للألفاظ الدالة على حكم الأصل أو الملازمة العقلية، وكلاهما موضع نظر.

ولقد أحسن الآمدي والغزالي وأمثالهما من أعلام الأصوليين في عدم ذكرها في عداد المصادر العامّة للتشريع.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن








الفهرس

 

المدخل إلى دراسة الفقه المقارن 13

تعريف الفقه المقارن وعلم الخلاف والفرق بينهما 13

مناشئ الخلاف بين الفقهاء 16

الاجتهاد 21

مفهوم الاجتهاد 21

مراحل عملية الاجتهاد 25

المراد بالحجة 27

أقسام الحجة: ذاتية ومجعولة 27

التخطئة والتصويب 31

التصويب الأشعري والتصويب المعتزلي 31

القول بالتخطئة 32

المصلحة السلوكية 32

مناقشة الأقوال 33

نقض الاجتهاد وعدمه (الإجزاء) 35

القاعدة الأولية في المقام 35

ــــــــــ[239]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الخلاف في مسألة الإجزاء 37

أدلة القائلين بالإجزاء 37

الإجزاء في مقام الحكم 39

الاستدلال بالتسلسل على عدم النقض 40

الاستدلال بقول عمر 41

تقسيم الاجتهاد بلحاظ طبيعة حججه 44

مناقشة التقسيم 45

التقسيم الأنسب للاجتهاد 46

ما يتوقف عليه الاجتهاد العقلي 48

ما يتوقف عليه الاجتهاد الشرعي 48

ملكة الاجتهاد 54

[تقسيم الاجتهاد إلى المطلق والمتجزئ] 55

[في إمكان الاجتهاد المطلق] 56

في إمكان الاجتهاد المتجزئ ووقوعه 56

التحقيق في المقام 58

تقسيم الاجتهاد بلحاظ مراتب المجتهدين 61

مناقشة التقسيم 63

المراحل والأدوار التشريعية 64

عوامل سد باب الاجتهاد 66

ــــــــــ[240]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الاجتهاد عند الشيعة 67

هل اجتهاد الشيعة مطلق أو منتسب 68

ما استدلوا به على سد باب الاجتهاد 69

أنواع الحجج من حيث العلم 74

أحكام المجتهد 77

الأول: حجية رأيه بالنسبة إلى فعل نفسه 77

التفصيل بين المتجزئ وغيره 79

الثاني: جواز إفتائه على وفق ما يرتئيه وعدمه 80

الثالث: جواز رجوعه إلى الغير مع عدم إعماله للملكة 80

التقليد 85

التقليد لغةً واصطلاحاً 86

الخلاف في حجية التقليد 89

الدليل على حجية جواز التقليد 91

شرائط المقلَّد 93

اعتبار الحياة والخلاف فيه 93

مقتضى الأصل في المسألة 95

  1. التمسك بإطلاق الأدلة اللفظية 95
  2. الاستدلال بالقياس 96
  3. الاستدلال ببناء العقلاء 97

ــــــــــ[241]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

  1. الاستدلال بسيرة المتشرعة 97
  2. الاستدلال بالاستصحاب 98

اعتبار الأعلمية 100

أدلة عدم اعتبار الأعلمية 100

أدلة اعتبار الأعلمية 104

اشتراط العدالة 104

المصادر الأولية في مقام الاستنباط 111

الكتاب العزيز 112

حجيته 113

دعوى التوقف عن العمل بظواهر الكتاب 114

دعوى اختصاص حجية الظواهر بمن قصد إفهامه 116

شبهة التحريف بالنقيصة في آياته 116

الجواب عن الشبهة 118

السُنّة 121

تعريف السُنّة 121

حجية السُنّة 122

الأدلة على حجية السُنّة 122

سُنّة الصحابة 125

القياس 133

ــــــــــ[242]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

 [تعريف القياس لغةً واصطلاحاً] 134

أركان القياس 138

تعريف العلة 139

الفرق بين العلة والسبب والحكمة والشرط 143

تقسيم المناسبة المأخوذة في العلة 144

تقسيم الاجتهاد في العلة 146

تقسيم مسالك العلة 148

المسالك الصحيحة 149

المسالك الفاسدة 152

حجية القياس 154

القول بالإحالة العقلية للقياس 156

القول بالوجوب العقلي للقياس 158

القول بإمكان القياس 158

مسالك العلّة 159

  1. المسالك المقطوعة 159
  2. (المسالك غير المقطوعة) مع قيام الدليل القطعي عليها 162
  3. المسالك التي لم يقم دليل قطعي على حجّيتها 164

أدلة المثبتين 165

  1. الاستدلال بالكتاب 165

ــــــــــ[243]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

الآية الأولى 165

الآية الثانية 167

الآية الثالثة 169

الآية الرابعة 171

الآية الخامسة 172

  1. الاستدلال بالسنة 173

الطائفة الأولى 173

الطائفة الثانية 177

الاستدلال بالإجماع 180

الاستدلال بحكم العقل 188

الاستحسان 197

تحديد مفهوم الاستحسان 197

حجية الاستحسان ومنشأ الخلاف فيها 201

(أولاً) التزاحم بينهما 201

المنشأ الثاني: التعارض 203

أدلة المثبتين 206

الاستدلال بالكتاب 206

الاستدلال بالسنة 207

الاستدلال بالإجماع 208

ــــــــــ[244]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، الفقه المقارن

أدلة النافين 209

المصالح المرسلة 213

تعريفها 213

أقسام الأحكام المترتبة على المصلحة 215

اختلاف كلماتهم في تعريف المصالح المرسلة 216

آراء العلماء فيها من حيث الاعتبار وعدمه 218

أدلة المثبتين 220

التحقيق في المقام 221

إذا كان منشأ المصالح حديث لا ضرر ونظائره 221

غلو الطوفي في المصالح المرسلة 221

مناقشة كلام الطوفي 223

إذا كان منشأ المصالح المرسلة إدراك العقل 224

فتح الذرائع وسدّها 229

الذريعة لغةً واصطلاحاً 229

حكم الذريعة وأقسامها 231

تحرير المسألة في كتب الشيعة 234

خلاصة المبحث 237

الفهرس 239