190
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات كلية الفقه – الفلسفة الحديثة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
(264ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1747/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1747) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
1-98-699-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات كلية الفقه
الفلسفة الحديثة
يلقيها الدكتور
صالح الشماع
ضبط وكتابة
المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمد الصدر
النجف الأشرف – العراق
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
محاضرات كلية الفقه
الفلسفة الحديثة
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
[معنى الفلسفة وتصنيف أبحاثها]
ــــــــــ[11]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
عند سقراط: هو صداقة الحكمة، وهذا هو معنى اللفظ اليوناني، فإنَّ (فيلو philos) تعني صداقة، و(سوفيا sophy) تعني حكمة.
المعنى الأفلاطوني للفلسفة:
المعنى العام للفلسفة:
يعني المعرفة بمعناها العام، والمعرفة بهذا المعنى في مقابل الدين، لأنَّ الدين
ــــــــــ[13]ــــــــــ
() المحاضرة الأولى: صُحّحت من كتابة الشيخ عبد الحميد الحرّ (حفظه الله). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يعتمد على الإيمان والوجدان والوحي، في حين أن المعرفة تعتمد على البرهان والتفكير البرهاني والعقل والتجربة.
الإنسان له طاقتان هما التفكير والوجدان، فالفلسفة هي التي تعتمد على التفكير والعقل، والدين هو الذي يعتمد على الوجدان والإيمان، ونقصد بالإيمان هو الاعتقاد بدون تفكير وبصورة وجدانية. والمقصود من الدين هنا هو المفاهيم الرئيسية فيه.
هي أن للفلسفة مجموعة من الأبحاث التي تستعمل التعميم في دراستها للكون، وأنها تبذل محاولة لردّ التفاصيل المختلفة إلى مجموعة محدودة من المبادئ العامة، وأنها بحسب ما قال (هربرت سبنسر)(1): “إنَّ المعرفة بالمعنى الأدنى تكون معرفة غير متّحدة، والعلم معرفة متّحدة جزئياً، في حين أن الفلسفة هي معرفة متّحدة كلياً -بالكلية-“(2).
المقصود من ذلك أن المعرفة بمعناها الأقلّ الأدنى كالمعارف الأسطورية هي مجموعة من الأفكار التي لا يمكن التوحيد بين أجزائها أو ردّها إلى مجموعة أقلّ من المبادئ العامة، في حين أن العلم، أي علم الكيمياء وعلم الفيزياء وعلم النفس وعلم الاجتماع، هذه الفروع من العلم تحتوي على معرفة متّحدة جزئياً. المقصود أن أي واحد من المعارف العلمية المختلفة يبحث في جانب من جوانب
ــــــــــ[14]ــــــــــ
(1) هربرت سبنسر Spencer Herbert 1820 – 1903.
(2) المبادئ الأولى، ج، 2، فصل1.
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الكون، ويحاول العالِم توحيد معارفه في ذلك الفرع فقط، وبالتالي فالمعرفة التي عنده ليست بحيث تشمل كلّ أجزاء الكون، وإنما خاصة في جزء من أجزاء الكون، مثلاً اللغوي يبحث في اللغة والنفساني يبحث في النفس. والفيلسوف هو الذي يبحث بحثاً أساسياً يجمع فيها كلّ أصناف الظواهر المختلفة في الكون.
فالفلسفة هي تلك المعرفة التي تحاول توحيد أجزاء الكون المختلفة. فالفيلسوف -على ضوء ذلك- هو الذي يبحث بحثاً أساسياً في كلّ الكون ويحاول أن يأتي بمذهب عام أو بنظرية شاملة يجمع فيها كلّ أصناف الظواهر الكونية المختلفة.
الفلسفة هي التي تبحث في العقل، في مقابل شيء آخر نسميه المعقول، أي في الموضوعات التي للعقل. ونحن في هذه الحالة إنَّما نقيم تقسيماً واضحاً بين الفلسفة والعلم، فالعلم يبحث في المعقولات والموضوعات المختلفة التي في الطبيعة. والفيلسوف يبحث في العقل نفسه.
وللمعنى الثالث للفلسفة وجهان:
ــــــــــ[15]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الأبحاث المختلفة، ونقاط القوة فيها، وكون أن الفلسفة ما هي إلّا نقد للعلم من الآراء الحديثة.
والمعايير الفلسفية من أشكال متعددة منذ زمن اليونان لدينا هذه المعايير وهي: الحق، والخير، والجمال. الحق موضوعه المنطق، وهو يبحث في الصادق والكاذب من الأحكام وفي كيفية استخلاص الأحكام من بعضها البعض، ويتوصل إلى الصحيح منها. والخير والشر وهو موضوع فلسفة الأخلاق، وهي التي تبحث الفضيلة والرذيلة من الجهة التي تتعلق بأفعال الإنسان. وفلسفة الفنّ والجمال هي التي تبحث في الجميل والجليل من الأحكام والرسوم.
ولدينا أيضاً مجموعة أخرى من المعايير: منها: التقوى، وهو موضوع فلسفة الدين. ومنها: معايير المنفعة واللذة. فمن شأن الفلسفة التي تبحث في هذه المعايير(.). وفكرة التقوى غير فكرة الخير؛ لأنَّ الخير بالنسبة إلى السلوك، والتقوى بالنسبة إلى الاتصال بالله تعالى.
هي أن الفلسفة نوع من النظر إلى الأشياء من أعلى والمقصود هو أن الفيلسوف شخص لا يبالي بمصلحته الفرديّة ويحاول أن ينظر إلى المسائل نظرة
ــــــــــ[16]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
مجردة من ذلك وهو الذي لا يهتم بطعامه وشرابه، أي يخلص نفسه للفلسفة والفكر، وهو المعنى الرواقي للفلسفة وهو نوع من الفلسفة اليونانية، أن الفيلسوف هو الشخص الزاهد في الأشياء ينظر إلى الأشياء بمعايير الحقيقة.
هي اعتبار الفلسفة مذهباً له أصوله وغاياته، مثلاً من ذلك أن نقول: (فلسفة أفلاطون) و(فلسفة ابن سينا) و(فلسفة الغزالي) أي أن ننسبها إلى شخصٍ فيلسوف -ننسب الفلسفة لواضع أصولها- ونحن نعلم أن ليس في الإمكان أن يقوم فيلسوف ما لم يدحض الفلسفات الأخرى ويأتي بفلسفة أخرى غير معروفة من قبل، أي يأتي بأفكار مترابطة، لها منهجها وغايتها ولكنها مختلفة عن سابقاتها.
أن ننسب الفلسفة إلى منطقة جغرافية ما أو إلى شعب من الشعوب أو إلى فترة زمنيّة، تقول: الفلسفة الحديثة واليونانية والانجليزية أو إلى الدين نقول الفلسفة الإسلامية والمسيحية.
ويلاحظ أن هذه الأقسام ليست مستقلة وإنما هي متلازمة الواحد مكمّل للآخر.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أي الذي لا يعرف الفلسفة، كيف ينظر الفيلسوف إلى الكون وكيف ينظر العامي؟
ولا نقصد بالعامي الذي لا يقرأ ولا يكتب فقط، ولكن قد يكون العامي كيماوياً أو فيزيائياً وقد يكون لا يعرف القراءة ولا الكتابة.
الاختصاصي يعرف التفاصيل بشكل أكمل من الفيلسوف، ولكن الفيلسوف يعرف المبادئ العامة ويرد التفاصيل إلى المبادئ أو البديهيات المنطقية الرئيسية.
ــــــــــ[18]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ينقسم الناس إلى عالِم وإلى أسطوري، والأسطوري هو الذي يصدق الإشاعات والأساطير، والفيلسوف ينظر بغير تعصب إلّا للحق والحق مجرّد عن المصالح والأهواء الشخصية.
المشكلات في الفلسفة واحدة، ولكن الأسلوب يختلف من فيلسوف لآخر. وبذلك تتمايز الفلسفات المتعددة وتنقسم بذلك الفلسفة إلى إسلامية وحديثة ويونانية.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هي التي تبحث في مكونات الوجود بالذات. أمّا لفظ (ما وراء الطبيعة) جاءت بصورة مغلوطة، الطبيعة هي (الفوزيقا) وما بعد الطبيعة (ميتافيزيقا). وليس معناه أنه الخاص بالغيب، بل التي تبحث في مكونات الوجود. وفي مفهوم الفلسفة الحديثة ليس من شأن الفيلسوف أن يبحث في مكونات الوجود، فذلك يسند إلى الاختصاصيين، بل يبحث الفيلسوف في معايير الكون، وليس من شأنه أن يبحث في الطبيعة ولا فيما وراء الطبيعة.
ــــــــــ[20]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والتصنيف من موضوعات التعريف.
من الأبحاث الرئيسية في الفلسفة هو أبحاث الوجود أو الميتافيزيقا وهي بأشكالها المختلفة تبحث في موضوعين رئيسيين:
[المدرسة الأولى]: ومدارس الوجود أشكال متعددة:
منها المدارس الواحديّة: (Monism) وهي التي تؤمن بوجود شيء واحد في الكون، وهذه المدارس مشتركة في شيء واحد وهو وجود مكون واحد في الكون وهو يختلف من مدرسة إلى مدرسة فقد يكون هذا الشيء هو المادة كما تقول الماركسيّة، وقد يكون الشيء الوحيد هو الله تعالى، فالمخلوقات صورة لله وليست شيئاً في ذاتها، وعند البعض الآخر هو الطبيعة أو المجهول.
ومدارس اثنينية (Dualism): وهي التي تؤمن بوجود مكونين أساسيين في الكون مثل الفلسفة الزرادشتية التي تؤمن بالخير والشر، وهذين المكونين قد يكونان إما النفس والبدن وإما المادة والروح وإما الانسان والخالق وإما العقل والبدن.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ثمَّ لدينا المدارس الميتافيزيقية التعدّدية (Pluralism): وهي التي تؤمن بأكثر من مصدرين اثنين للكون كاليونانيين الذين آمنوا بالعناصر الأربعة، (برتراند رسل Bertrand Russel) فيلسوف تعدّدي يؤمن بتعدّد المكوّنات التي في الكون.
والفلسفة التعددية لها صور منها:
المدرسة الذرية (Atomism): وهي التي تؤمن بكثرة لا حدّ لها من المكوّنات، ومن أتباعها يونانيون وإسلاميون ومحدثون.
المدرسة الثانية: والتصنيف من حيث المكوّنات التي في الكون: هي مدارس المعرفة أو فلسفات المعرفة، وهي تبحث من ناحيتين من ناحية الوسيلة ومن ناحية الغاية.
[من ناحية الوسيلة]:
الوسيلة التي للمعرفة بأشكال تختلف من مدرسة لأخرى، ولكن أهم الوسائل الرئيسية منها هي:
ــــــــــ[22]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والحدس شيء يختلف عن العقل والحسّ؛ لأنَّ العقل هو الذي يستعمل الحجّة والدليل، والحسّ هو الذي يستعمل الأعضاء الحسيّة، بينما الحدس لا يعتمد على هذه الاشياء أو غيرها من الأمور البينة، بل هو شيء خاص ربما نسمّيه الحاسة السادسة أو سمّه ما شئت، فالوسيلة الحدسية خاصّة وليست عامّة كالعقل والحسّ.
[من ناحية الغاية]:
لدينا نوعان من المدارس المعرفية من حيث الغاية هما:
مدارس الشك، وهي التي تنتهي إلى الشكّ في بحثها في ناحية من نواحي الله أو الإنسان أو المعرفة أو غير ذلك.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
() شرح لِما مضى:
الحدس من الملكات غير الواضحة وغير المتعيّنة، فالنفساني يعرف العقل والحس ولكن لا يستطيع أن يجزم بشيء بخصوص الحدس ولكن البعض من الفلاسفة يؤمن بوجود الحدس.
يعتبر برغسون -وهو فيلسوف حدسي- أن جانب التفكير أو الذكاء وهو وسيلة للمعرفة المحدودة، توجد وسيلة أكمل منها وهو الحدس، فالذكاء وسيلة للعالم، والحدس وسيلة للفيلسوف، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ومدارس اليقين أو المدرسة اليقينية، وهي التي تنتهي إلى اليقين في بحثها، وأغلب المدارس الفلسفية هي مدارس يقينية.
ولدينا الشكّ المنهجي (Methodical doubt): يستعمله الفيلسوف الشاكّ واليقيني. ويستعمله اليقيني كوسيلة لا غاية كديكارت والغزالي، إلى أن ينتهي بالبرهان والحجة إلى اليقين. فالمتفلسف لا يقبل الأفكار إلّا إذا شكّ بها وتبيّنت له الحقيقة بالبرهان، والشك المنهجي هو من المميزات الرئيسية للمتفلسف.
ومدارس الشكّ هي مدارس منكرة للشيء أو غيره من الكون، ومدارس اليقين هي التي تنتهي إلى أن الله أو الإنسان أو المعرفة أو غيرها موجودة.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ومن المدارس الفلسفية مدارس المنطق، وهي متعدّدة: منها المنطق اليوناني. ومن هذه المدارس ما نسمّيه (المنطق الرمزي) وهي مدرسة حديثة حاولت أن تستفيد من استعمال الرموز في تقدم الأبحاث المنطقية. والمنطق اليوناني هو الذي يستعمل الالفاظ في بحثه.
وكانت الغاية عند الرمزيين مشابهة للغاية التي كانت عند الرياضيين المحدثين الذين استفادوا من استعمال الرموز في الرياضة فانتهوا إلى اكتشاف الكثير من الحقائق المفيدة.
ذلك أن الرمزي وجد أن اللغة مجازية في كثير من الأحوال، واستبدال الرمز الثابت مكان اللفظة الواحدة يجعل مهمة البحث أيسر للمنطقي، وبالتالي يتخلّص المنطق من المجازات اللفظية وغير ذلك من صعوبات الألفاظ.
ومن أنواع المنطق الرمزي ما نسميه المنطق الجبري أو الحسابي أو المنطق الرياضي عامة، وهو ليس المنطق الذي يتخذ من الرياضة أساساً له. وإنما المنطق الرياضي يبحث في الحقيقة في أسس الرياضيات، أي يحاول إثبات تلك البديهيات التي يأخذ بها الرياضيون من دون برهان، والفيلسوف الرياضي يقوم بأساليبه المنطقية لإثبات هذه المسلمات والبديهيات، أي ما يتّخذه الرياضي على
ــــــــــ[25]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أنه مسلّم به لا يحتاج إلى إثبات، يقوم المنطقي بإثباته بأساليبه الرياضية.
ولدينا المنطق الديالكتيكي أو المادي الديالكتيكي وهو المنطق الماركسي الذي يستعمل أسلوباً خاصاً في البحث والمناقشة.
ولدينا غير ذلك من مدارس المنطق الحديث منها المنطق البراكماتيزم أو الفعلي أو البراغمي (pragma)، الفعل البراغماتيكي وهو المذهب المشهور في أمريكا ويسمى المنفعي، وهو منطق النجاح أو الأفعال الناجحة، فهي إذن مدرسة منفعية لأخذها مقياس المنفعة أساس التقويم، ويقصد بها المنفعة الشخصية والاجتماعية، وهي التي تتخذ من الحقيقة التي في الفعل أنها هي الحقيقة الناجحة، وتتخذ المنفعة على أنها أساس التقويم. ومن فلاسفته (جون ديوي ohn Dewey).
المنطق الوضعي مدرسة أخرى نسبة (لأوكست كونت Auguste Comte) مؤلّف كتاب (الوضعية Positivism)(1)، وهو الذي يستعمل الأفكار العلمية المختلفة في بحثه ويحاول أن يقيم أدلة على منطق التجربة التي يستخلصها من أبحاث العالم الكيمياوي أو الفيزياوي، ويستفيد من المناهج التي يتقدم بها العالم لتقدم المنطق.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
() كتاب لزكي نجيب محمود، باسم (المنطق الوضعي)، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والفلسفة الوضعية قد بدأت بـ(أوكست كونت) وهو صاحب كتاب (الوضعية)، وفي رأيه أن المعرفة الإنسانية تمرّ بمراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: المرحلة الأسطورية أو الدينية، ويقصد منها أن الفرد يسير في تفكيره سيراً أسطورياً أساسه الأحلام والشعوذات، وعنده أن الدين بكلّ إشكاله من هذا النوع الأسطوري الذي لا أساس له.
[المرحلة الثانية]: ثُمّ يمر الفرد والمجتمع والعلم بمرحلة ثانية يسميها (كونت) المرحلة الميتافيزيقية أو الفلسفية وفيها يحاول الإنسان والعلم أن يستعمل البرهان لكن البرهان يكون فردياً أي يصدق بالنسبة إلى فرد واحد.
[المرحلة الثالثة]: وأخيراً المرحلة الأخيرة المرحلة العلمية الوضعية، ينتقل فيها الإنسان من الاتجاه الذاتي الذي كان في السابق إلى الاتجاه الموضوعي، الذي يكون فيه رائد الإنسان الحقيقة الموضوعية العامة، الموضوعية المشتركة عند كلّ الأفراد.
المرحلة الميتافيزيقية الفرد فيها هو معيار الحق وفي المرحلة العلمية أن التجربة هي معيار الحقيقة.
وهناك تقسيم لمدارس الأخلاق التي تؤمن بالجبر أو بالتفويض أو بالحتميّة.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الفلسفة والمنطق، الرياضة، الفيزياء، الكيمياء، الحياة، النفساني، الاجتماعي وينقسم إلى الاقتصادي والسياسي والقانوني، وينقسم المنطق إلى أحكام عقلية عامة وإلى أحكام عقلية خاصة.
الاجتماعي
النفساني
الحيــاة
الكيمياء
الفيزياء
الرياضيات
الفلسفة والمنطق
ــــــــــ[28]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
من حيث إن الفلسفة والمنطق يبحثون بالبديهيات الأولى للمعرفة أو للكون فهما الأساس، وأقرب الأبحاث إليهما هو الأبحاث الرياضية. وأفلاطون كان يبين أن لا بُدّ للفيلسوف من الرياضيات. وبين المنطق والرياضة كثير من أوجه التشابه في المصطلحات وطرق البحث منها (التجريد).
الفيزيائي يعتبر الآراء الرياضية كبديهيّات، وكذلك الكيميائي بالنسبة إلى الفيزيائي، وهما يقدمان معارفهما إلى الحياتي، وهو يتخذ أفكاره من هؤلاء على أنها مسلّمات ويحاول أن يبرهن على أشياء أخرى هي الظواهر الحياتية.
فتبيّن من هذا أن المعرفة مترابطة الأجزاء وأن الفلسفة والمنطق هما القواعد الجذرية لها.
المنطق يبحث حول الأحكام العامة للتفكير السليم، وشيء ثانٍ هو التفكير السليم في الأبحاث المختلفة، أي المناهج الرياضية والفيزياوية والكيمياوية.
كلّ يبحث آراء ما قبله على أنها بديهيات ويبرهن على أشياء أخرى من اختصاصه، وليس قادراً أو ليس بحاجة إلى البرهنة على آراء العلوم الأسبق منه في شجرة المعرفة، وكل العلوم فيها متركبة على أساس منطقي.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الفكر اليوناني
ــــــــــ[31]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الفلسفة اليونانية أساس للمصادر الفلسفية الإسلامية وهي أيضاً مصدر من مصادر الفلسفة الغربية الحديثة، فلا نستطيع فهم الفلسفة الحديثة من دون الفلسفة اليونانية.
طاليس يقف بين مرحلتين من مراحل الفكر اليوناني وعاش في القرن السادس قبل الميلاد، فالفترة السابقة عليه -الفترة الأولية- هي المسمّاة بالمرحلة الأسطورية للفكر اليوناني أو الشعرية، وهي المرحلة التي سادت فيها الاساطير بشكل أشعار كـ(الإلياذة) و(الأوديسة)، ونحن نجد -فيهما ما كان يتخيّله اليونان عن الآلهة وأحوال الناس- أن (هوميروس) عاش في القرن العاشر قبل الميلاد، فكأن المرحلة بين القرن العاشر ق. م والسادس ق.م، والمراحل السابقة عن القرن العاشر ق.م هي الفترة الاسطورية وهي الفترة التي سادت فيها الأحلام والتخيل دون العقل على العقلية اليونانية، وفيهما -أي في (الإلياذة)
ــــــــــ[33]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
و(الأوديسة)- نجد حديث الشاعر هوميروس عن الآلهة وعن الناس وهي من الناحية الفنية شيء لطيف يظهر الخيال الإنساني في وضع لا يستعمل فيه العقل لأنَّ الإنسان إن استعمل العقل يكون فيلسوفاً وبدونه شاعراً.
إذن هذه الفترة هي الأسطورية وفيها نريد أن نعرف كيف كان اليوناني يفسر الكون، اليونان هي مجموعة من الجزر التي تقع في الجانب الغربي من تركيا الحديثة وهي ما يسمى بآسيا الصغرى.
إذن نلاحظ أن اليونان كانت موجودة في مكان محاط بالماء، وكانوا -أي اليونانيون- من الشعوب المكافحة التي تتّصف بالطموح والرغبة في الاستعلاء والسيطرة، وهذه الرغبات قد جعلتهم يفكرون أن هناك أرباب متعدّدة وغير ذلك من شؤون الإنسان، وكأن هذه الآلهة تحدّ الجموح اليوناني فقد تخيّلوهم وتصوّروهم يقفون أمام الجموح النفسي والرغبة في الجموح، فكان تصورهم للآلهة للحدّ من غلواء النفس اليونانية الجامحة.
إذن النفس اليونانية قد بينت رغبتها بأشكال مختلفة منها النحت والشعر، كانت اليونان دويلات صغيرة بينها حروب وفيها ثورات داخلية وكانت الإمبراطورية الفارسية أكبر خطر يهدد اليونان وكانوا في حربٍ مستمرّة معهم. وكانوا ينتقلون -أي الفرس- عن طريق تركيا الحالية ويأتون إلى اليونان.
فاليونان حيث لم تكن في حرب مع الفرس كانت في حروب داخلية فيما بينها، أو توجد ثورات في داخل نفسها. والحرب مظهر من مظاهر العظمة والاستعلاء، فالنفس اليونانية كانت في ثورة مستمرّة من الناحية السياسية والفنية والعسكرية.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
فالمرحلة السابقة على طاليس حاول فيها اليونان التعبير عن أنفسهم بأسلوب فني، والأرباب الذين خلقهم اليونان كانوا يشبهون الناس في كثير من صفات الخير والشر من الغيرة واللؤم والتنافس، كلّ ما عند الإنسان من رذائل وفضائل كانت مجسّمة في الآلهة، فهي صورة أخرى للنفس اليونانية.
وبطاليس أخذ الفكر اليوناني مساراً آخر فأصبح لا يكتفي بالتفسيرات التخيلية والفنية للكون بل أخذ بتفسيرات أخرى، وهي على نوعين: إمّا تفسيرات علمية حسيّة أو تفسيرات فلسفية عقلية، الحسيّة العلمية يعني مادة متفرعة عن الفلسفة وهي تبحث جانباً من جوانب الكون، وكان الأسلوب الخيالي والعلمي قبل طاليس. وقبل طاليس أخذ الناس ينتهبون بعض الشيء بتأثير حضارة بابل ومصر السابقة على الحضارة اليونانية، الأفكار الفلكية في بابل والرياضية في مصر.
فاليونانيون قد تعلموا شيئاً من مصر وبابل، فالمرحلة السابقة عن طاليس قد ساد فيها الخيال من ناحية والتفكير العلمي المقتبس من بابل ومصر من ناحية أخرى.
ونجد أن طاليس ليس أسطورة وإنما هو رجل تاريخي.
نشاهد أن المرحلة السابقة على طاليس مرحلة أسطورية أساساً، وقد انتشرت في الفترة المباشرة السابقة عليه الثقافة المصرية والبابلية، وطاليس نفسه هو فيلسوف وعالم له آراء فلكية وآراء في الملاحة، وليس هو العالم الوحيد من فلاسفة اليونان، ولم يكن العلم والفلسفة متميّزين حينئذٍ، ولم يتميّز العلم عن
ــــــــــ[35]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الفلسفة إلّا في آخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، فالفيلسوف كان يبحث بما يبحث فيه العالم.
الفيلسوف يبحث في النظريات العامة المتقارنة بين ظواهر الكون، ولكن لا يبحث في أي ظاهرة معينة، إلّا ما يمكن أن نسميه بالظاهرة العقلية، فالفيلسوف يبحث في العقل وفي المعايير العقلية للمنطق والأخلاق.
ونحن نبحث في طاليس وفلسفته من حيث أفكاره الفلسفية لا من حيث علمية أفكاره الفلسفية(1).
ونظرية طاليس هي أن كلّ شيء مرجعه إلى الماء. وهو لا يميز بين المادة والحياة أو الكائن المادي والكائن الحي، وهو من الفلاسفة الماديين، وهؤلاء فلاسفة ماديون مثل ما ذكر، والفلاسفة المتأخرون يميزون بين المادة الميتة والحيّة ولكن السابقين لم يكونوا يميزون ذلك.
إذن النظرية الفلسفية لطاليس هي أن الماء أصل كلّ شيء وهذه الفكرة كانت موجودة عند البابليين، واليهود أخذوها عنهم -أي عن البابليين- عندما كانوا أسارى عندهم. ولكن البابليين واليهود لم يأخذوا الفكرة من الناحية العقلية، ولكن حاول طاليس إثبات الفكرة من الناحية العقلية، وحاول اللجوء إلى العقل وكان هو -أي هذا اللجوء- استعمال الملاحظة ومبدأ التعميم.
سوف نتبيّن أن الملاحظة والتعميم هي من المبادئ الأساسية للمباحث العلميّة التجريبية الحديثة. ولكن طاليس لم يكمل الملاحظات، ومن ناحية ثانية
ــــــــــ[36]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
لم تكن استنتاجاته من ملاحظاته صحيحة، لأنَّ ملاحظاته لم تكن كافية ولكن المهم هو أنه حاول أن يستعمل شيئاً من البحث العقلي.
أمّا الملاحظات التي استعملها:
ويمكن لنا أن ننتقدها: أنه لم يكملها -أي ملاحظاته- بملاحظات أخرى وكان بحاجة إلى ملاحظات أكثر، وأن يلجأ إلى التجربة، ولكننا لا نستطيع أن نقيس المتقدّمين إلى المتأخرّين. والموازين التي نستعملها في حالة لا يجدر أن نستعملها في حالة أخرى. فالتجربة والتمحيص لم تكن موجودة في عصره. فهو فيلسوف عظيم بين سابقيه، لأنه لم يستعمل الخيال بل استعمل الملاحظة. استنتاجاته لم تكن منطقية وكافية، ولكنه حاول على كلّ حال.
الميزات الفلسفية عنده:
ــــــــــ[37]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
-أي التعميم- محاولة أي فيلسوف صادق وأن يجمع الكون بنظرية شاملة.
وعندهم -أي: الماديون اليونانيون- أن المادة خالدة؛ لأنهم لم يكونوا يبحثون في خلق الكون المادي وأن للكون خالقاً، وعندهم أن المادة هي الشيء الوحيد في الكون إما الماء عند طاليس وإما الهواء عن انكسمنس أو الحركة عند انكسمندر(1).
عقله -أي: طاليس- كان بدرجة من السذاجة بحيث إنه كان لا يميّز بين الخالق والمخلوق والأثر والمؤثّر والمادة والروح، بل كان يتخيّل أن في المادة روحاً وأن المغناطيس يجرّ الروح فيه، ولكن فيهم أفكاراً فلسفية عظيمة تدرس إلى الآن، وليس يهمنا سذاجتهم، ولا تستطيع أن تطلب من الأشياء أكثر ممّا
ــــــــــ[38]ــــــــــ
() هؤلاء الفلاسفة كانوا يسكنون في (مَلْطِيَّة)، على الساحل التركي في آسيا الصغرى، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تتحمّل، والإنسان إنما يتربّى في مجتمعه المعيّن، ولا يستطيع أحد أن يبحث جميع الأبحاث السابقة والحاضرة والمستقبلة.
أسلوب طاليس(1) متميّز عن أسلوب البابليين والمصريين؛ لأن هؤلاء لم يكونوا يبحثون بحثاً علمياً من الناحية النظرية، كانت أبحاثهم العلمية هي من الناحية التطبيقية، مثلاً نظريات (فيثاغورس Pythagoras)، وهو فيلسوف ورياضي في آنٍ واحد، ونظريته في الهندسة هي: أن المربع المنشأ على الوتر في المثلث قائم الزاوية، يساوي مجموع المربعين المنشأين على الضلعين القائمين. والمصريون كانوا يعلمون بالتجربة لا بالبرهان النظري أن كلّ مثلث أعضائه تساوي 3 ومضاعفاتها، و4 ومضاعفاتها، و5 ومضاعفاتها، كان مثلثاً فيه زاوية قائمة. فكان أسلوب فيثاغورس رياضي من الناحية النظرية، في حين كان أسلوب المصريين يقصد النتائج العملية التطبيقية مثلاً قاموا ببناء الأهرام، والبابليون كانت لهم النظريات الممتازة في الفلك، ولكن الأسلوب النظري أقرب إلى الطريقة اليونانية في البحث؛ فلذا يصحّ ما يقوله بعضهم من أن منشأ الفلسفة كان عند اليونان، ولكن هذا غير صحيح لوجود الفلسفة عند الهنود والصينيين وعند المصريين القدماء، وهذه حضارات أسبق من حضارة اليونان، عاشوا من الألف الأوّل قبل المسيح إلى زمن المسيح أو إلى 200 سنة قبل الميلاد.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
() الحصّة الثانية: صحّحت أكثرها على كتابة الشيخ جعفر الهلالي حفظه الله، ثُمّ عن المسجّلة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الآن نتحدث عن الطبيعيين الآخرين:
الفيلسوف انكسمندر، وهو أصغر سنّاً من طاليس، وهو من مدرسة طاليس، ويعتبر فيلسوفاً ممتازاً؛ لأنه قد تقدّم بالفلسفة خطوات إلى الأمام لم يكن يحلم بمثلها طاليس، وفكّر في مصدر الظواهر الكونيّة المتعدّدة، وانتهى إلى أن هذا التعدّد ينتهي إلى ما سمّاه باللامحدود أو اللامتعين، هو أصل الكون، أي إن الظواهر المتعيّنة المحدودة المختلفة التي في الكون مرجعها كلّها إلى هذا الأصل. وعنده أن اللامحدود أو اللامتعين يظهر بصورة رئيسية في الحركة، فكأن الحركة عنده هي أصل الكون -ولما كانت الحركة- وهي ظاهرة مادية ولا تظهر إلّا في المادة، وبهذا فقد أصبح فيلسوفاً في الطبيعة، فهو من الطبيعيين اليونانيين؛ لأنه أرجع الكون إلى الحركة، والحركة ظاهرة ماديّة، أي إن الحركة شيء محسوس منظور ملموس.
ثُمّ فكّر في الصفات الرئيسية التي في الكون فوجد أن الحركة تدور في الأشياء المتضادّة الأربعة، بشكل أزواج متضادّة، وهي (الحارّ والبارد والرطب والجاف) أي إنه قد بدأ الفلسفة التي سنقابلها عند كثير من الفلاسفة، وهي فكرة التضادّ والصراع بين هذه العناصر. وهذه الصفات الأربع تؤدّي بنا إلى
ــــــــــ[40]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المكوّنات الأربعة أو الأسْطُقُسّات الأربعة الناتجة عن هذه المكوّنات، فالحارّ يؤدّي إلى أسطقس النار والبارد إلى أسطقس الهواء والرطب إلى أسطقس الماء والجافّ إلى الأرض.
والفلاسفة اليونانيون المتأخّرون حاولوا تطبيق ذلك -الصفات الأربع والمكونات الأربعة- على الأمزجة الإنسانية والكيان الإنساني، وتابعهم الفلاسفة المسلمون، وانتهوا إلى وجود السوائل الأربعة في الإنسان، وهي (الدم واللمف أو البلغم والسوداء والصفراء)، وعندهم أن هذه السوائل أساسية في البدن الإنساني، وبذلك تكون الأمزجة على أربعة أقسام، وهذه النظرية لها بعض الحقيقة بالنسبة إلى النظريات النفسية الحديثة، ولكنها غير مقبولة من هذا التصنيف، وهي تؤدّي إلى أصناف شخصيات أربع بين الناس.
اعتبر أن في البدن الإنساني كلّ هذه السوائل الأربعة، كما أن المادة الميتة مرجعها هذه الأسطقسات الأربعة، والسوائل الأربعة عند الإنسان تؤدّي إلى الصفات الأربع، أي إلى أصناف الشخصيات الأربع التي في الناس.
المكونات | الأسطقسات | السوائل | الأمزجة |
الحارّ | النار | الدم | المزاج الحارّ |
البارد | الهواء | الصفراء | المزاج البارد |
الرطب | الماء | اللمف أو البلغم | المزاج الرطب |
الجافّ | الأرض | السوداء | المزاج الجافّ |
فالإنسان السليم لا بُدّ أن يحتوي على هذه السوائل الأربعة وإذا زاد أحد
ــــــــــ[41]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هذه السوائل يتصف الشخص بهذا المزاج أو ذاك، وهذه الفكرة من حيث الأساس صحيحة لأنه نحن اليوم نقول بالمزاج الانطوائي والمزاج الانبساطي، ويجب أن لا نفهم هذه التصنيفات على أنها تحديدات رياضية. لكننا لا نقبل بهذا التحديد القديم.
وكل هذه الأفكار مرجعها إلى هؤلاء الفلاسفة الطبيعيين الأولين، ونحن الآن نفكر بالنسبة إلى بعض المذاهب المادّية أن المادة -بصفتها المادية- تأثر بالكائن الحي، كما نجد عند الماركسيين الذين يقولون بأنَّ المادة هي أساس الكون، وهي -أي نظرية الماركسيين- مرجعها تلك النظرية -أي نظرية انكسمندر- بأنَّ الصفات الحيّة مرجعها إلى الصفات المادية، هذا مشابه لهذه الفكرة وهي أن الكون المادي مكوّن من هذه المواد الأربع، وبالتالي لا بُدّ أن يكون الكائن الحي كذلك، ولو شئنا التعميم لقلنا ما دام الكون مكوّناً من فلزّات ولا فلزّات، إذن الإنسان مجموع فلزّات ولا فلزّات. والصحيح أن الإنسان مكوّن من مادّة وشيء آخر، هذا الشيء الآخر لا يمكن إرجاعه إلى المادة، ولكن هؤلاء الفلاسفة اليونانيين كانوا بدرجة من السذاجة والسطحية بحيث فكّروا هكذا.
ولكن كيف ننسبهم إلى السذاجة في حين يوجد بيننا فلاسفة محدثون يفكّرون بهذه الصورة في إحالة الروح أو النشاط العقلي إلى المادة، فيقول البعض إن التفكير ما هو إلّا إفراز مادي كالإفرازات المعدّية!
إذن الصفات العامة التي وجدناها عند طاليس وجدناها عند خلفه هذا. ولكن أفكاره -أي انكسمندر- أكثر تقدّماً من أفكار سلفه.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أنكسمنس فيلسوف آخر قال بفكرتين أساسيتين:
أولاهما: قال إن الهواء هو أساس الكون، أي إنه حاول أن يبيّن أن الشيء المتعيّن أو المحدّد هو أساس الكون، بينما عند انكسمندر أن اللامحدود أو اللامتعين هو أساس الكون، ورجع انكسمنس إلى الشيء المادي المحسوس الملموس على أنه أساس الكون.
[ثانيتهما]: وفكرته عن إرجاع التعدد إلى هذا المصدر الواحد وهي فكرة التخلخل والتكاثف، كيف ينشأ التعدد في مظاهر الكون من هذا المظهر الواحد؟ فقال لنا: إن ذرات الهواء تتخلخل فتتكوّن النار وتتكاثف فيتكوّن الماء ويتكاثف الماء فتتكوّن الأرض.
ولكنه لكي يبين أن هذا المصدر الواحد يجوز عليه أن يكون أساساً لكثير من الظواهر المتعدّدة في الكون وهي -أي الظواهر المتعدّدة- نتاج لهذا الشيء الواحد، فقال بفكرة التخلخل والتكاثف، فهما أساس هذا التعدّد. وقال مرّة أخرى بالأسطقسات الأربعة على أنها المكوّنات الأساسية لهذا الوجود الذي نحن فيه، عنده أن النفس أو الهواء أو النَفَس شيء واحد؛ لأنَّ الهواء بالنسبة إلى المادة كالنفس بالنسبة إلى الإنسان. فالنفس عنده معناه النفس والنفس معناه
ــــــــــ[43]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الهواء الذي يستنشقه الإنسان، ولم يكونوا يميّزون بين المادة والحياة، انتهى.
إلّا أن الهواء الذي في الإنسان هو في الحقيقة نفسه، وعندما يموت الإنسان يفارقه الهواء. وبتخلخله أي الهواء يكوّن النار وبتكاثفه يكوّن المادتين الآخريين فكأنه انتهى إلى نفس الأفكار السابقة ولكن بأسلوب آخر.
وقد وصل إلى فكرة التخلخل والتكاثف بملاحظته ظواهر التبخّر والتجمّد، فالماء يتبخّر يشكل الغيم، والبخار يبدو على أنه حارّ في حين أن الماء المنجمد يبدو أنه بارد، فالماء البارد منجمد والماء الحارّ متفرّق، فالحرارة مفرقة والبرودة مجمعة، وهذه فكرة صحيحة من الناحية العلمية. وهذه الفكرة سنجدها عند (أمبادوقليس) وهو فيلسوف متأخّر، قال (بالحب) يعني: التجمع، و(بالكره) يعني: التفريق أو التخلخل.
ــــــــــ[44]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يقصد انكسمندر من اللامحدود: أن الظواهر الكونية لا يمكن إرجاعها إلى قاسم مشترك، وبالتالي اضطرّ إلى القول باللامحدود أو اللانهائي، وهو نفس قول المسلمين بالله تعالى. ولا يوجد فرق كبير بين فكرتنا وفكرته. غاية الأمر أن المسلمين عندهم تفاصيل أكثر عن الله تعالى، ومؤلّفاته ضاعت، فلعله قال بهذه الفكرة أو الأخرى، واللامحدود يظهر بصورة الحركة؛ لأنها هي أشيع الظواهر التي في الكون، وكل الظواهر الكونية تبدو بشكل الحركة، فيجب أن تكون الحركة أصل الكون. وبهذا قد استعمل التعميم وهو أساس المبدأ العلمي والعقلي.
انكسمنس: أن الهواء أو النفس هو الأصل للمادة والإنسان أو الحياة، ولكي يفسّر أن التعدد الذي في الكون ناشئ من هذا الأصل الواحد، قال بفكرة التكاثف والتخلخل، فإنَّ الكم يؤدي إلى الكيف، وكذلك عند ماركس وهي أن التغييرات الاقتصادية بواعث إلى تغييرات اجتماعية.
التجمع يؤدّي إلى الماء والتراب والتخلخل يؤدّي إلى النار، هو لاحظ
ــــــــــ[45]ــــــــــ
() شرح لما سبق. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ذلك، ولكن استنتاجه من الملاحظة غير صحيح، إلّا أنه لا داعي إلى هذا النقد؛ لعدم وجود المختبرات الحديثة عنده.
فهؤلاء الفلاسفة يمثّلون مرحلة الأطفال، ولكن يتميّزون ببعض اللمعات الذهنية، ونحن نعتبرهم فلاسفة لهذه اللمعات، ولكن الأخطاء أكثر من اللمعات. والذي يميّزهم عن الشعراء الأسطوريين: أن الشعراء الأسطوريين خلطوا بين الأسطورة والخيال والشعوذة والملاحم والفكر، في حين أن الفلاسفة استعملوا التجربة والتعميم ولكنهم لم يستعملوا التمحيص.
فطاليس هو الذي انتقل -بالفكر اليوناني- من المرحلة الأسطورية إلى المرحلة العلمية إن أخذنا بمنطق (كونت).
ــــــــــ[46]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الفيثاغورية مدرسة متأخرة عن المدرسة الأولى المادية وهي أكثر من مدرسة فلسفية، فهم من ناحية فلاسفة، وهم من ناحية ثانية رياضيون، أي يجمعون أو يخلطون بين التفكير الفلسفي وبين الأفكار المستنتجة من الرياضيات. وهم أشبه بجماعة لهم بعض الطقوس الدينية المشابهة للأفكار الهندية والفارسية، فهم مدرسة اجتماعية ودينية ورياضية إلى جانب كونهم متفلسفين وليس لدينا منهم مؤلف.
الفيثاغورية تنسب إلى مؤسّسها (فيثاغور Pythagore 580- 495 ق. م) على التخفيف، أو (فيثاغورس)، والفكرة الفلسفية عندهم أن العدد أصل الكون وهذا راجعٌ إلى اعتبار أن النقطة في مقابل الواحد وأن النقطتين هو في مقابل الاثنين والمثلث أو المستوي هو في مقابل الثلاثة، وأن النقطتين يتكوّن منها خط مستقيم، ومن مجموع المستقيمات يتكوّن السطح ومن مجموع السطوح تتكوّن الأجسام. إذن فسّروا أن المستقيمات والخطوط والنقاط هي أعداد. وقالوا إن الفرق بين الأنغام الموسيقية أنها في الحقيقة أعداد، ومختلفة بين بعضها البعض بالطبيعة العددية والتركيب العددي، أي إن التركيب العددي هو المميز الأساسي بين السطوح والاجسام المختلفة.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وقد سمّوا تبعاً لذلك الأعداد الفردية بالأعداد المربعة والزوجية بالمستطيلة ورتّبوا هكذا:
وهكذا:
أمّا الأعداد المستطيلة فتبدأ بالاثنين وبعدها الأربعة وبعدها الستة. وكان عندهم ما يسمّونه بالأزواج أو المبادئ العشرة؛ لأنّهم كوّنوا الرقم عشرة بجمعهم الأعداد الأربعة الأولى 1+ 2+ 3+4= 10.
إذن فاعتبروا العشرة من الأعداد المقدّسة، وهذه الفكرة كانت موجودة عند بابل؛ لأنَّ البابليين كانوا يقدّسون الأعداد كالعدد سبعة. وهذه أصبحت من موروثات الإنسان إلى الآن.
والأزواج العشرة صنفوها في لوحتين، لوحة الخير ولوحة الشرّ، وهذه فكرة فارسية منسوبة إلى (زرادشت) الذي قال بإلهين للكون، إله الخير وإله الشرّ، كأن الكون عنده مكون من مصدرين أو أساسين هما الخير والشرّ، فهذه الأزواج العشرة كونوها بالشكل التالي وجمعوها من مختلف البلدان، الهند وفارس وغيرها وأفكارهم الرياضية.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
فعند باب الخير ما يأتي وعند باب الشر ما يلي:
الخير | الشر |
الواحد | المتعدّد |
الوتر | الشفع |
المربّع | المستطيل |
الخطّ المستقيم | الأعوج أو المنكسر |
الذكر | الأنثى |
النور | الظلمة |
الساكن | المتحرّك |
اليمين | الشمال |
وهذه فكرة هنديّة بوذية أن النفس هي خير وأن البدن هو شرّ، وبالتالي فلا بُدّ من إفناء البدن في سبيل النفس، وأساس هذه الأفكار التي انتقلت إلى المسلمين هو الفيثاغوريّة، وقبله الفلسفة الهنديّة.
وهذا الفصل بين البدن والنفس نجده في كلّ الفلسفة اليونانية بأشكال مختلفة. فنجد أن الأعمال البدنية -حسب ما ذكره أفلاطون في جمهوريته- أعمال حقيرة في حين أن الأعمال النفسية أو النشاط العقلي من الأعمال الرفيعة. ولعله انتشر إلى الأزمان الوسيطة، ونجده عند المتصوفة والزهاد من أن إفناء البدن يؤدّي إلى تطهير النفس. وبعض هذه الأفكار مرتبطة بأفكار رياضية والأخرى مرتبطة بأفكار ميتافيزيقية مقتبسة من شعوب متعددة، فهم كانوا يقدّسون
ــــــــــ[49]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الأزواج التي عندهم بمقتضى الطقوس التي عندهم.
فهم قد خلطوا وربطوا بين التفكير الرياضي وبين الأفكار الفلسفية، وأخذوه بشكل صوفي. عندهم نظريات رياضية، واعتبروا التفكير الرياضي من أسس التفكير الفلسفي. ونحن إلى اليوم لدينا أساسان رئيسيان للفلسفة: إما التفكير في المادة كالفيزياء والكيمياء أو التفكير في الرياضيات أو من ناحية ثالثة التفكير في اللغة. أي إن الفلاسفة لا بُدّ أن يبدءوا إما بالرياضيات كما نجده عند الفيثاغوريين، أو بالطب أو الفيزياء أو الكيمياء أو بالفسيولوجي كما نجده عند بعض الفلاسفة، أو الابتداء بالبحوث اللغوية أو الدينية كما نجده عند فلاسفة آخرين.
فالربط بين الرياضة والفلسفة بدأ عند الفيثاغوريين رغم التفكير الأسطوري والأفكار الوهمية التي يجمعونها مع أفكارهم الفلسفية هذه.
إن الفيثاغوريين نظروا أن أصل الأعداد هو الواحد، والواحد هو الخير والمتعدّد هو الشرّ، فالأعداد متكوّنة من تكرار الوحدة، فكلّ الأعداد كأنما مرجعها الوحدة. فلذا اعتبروا الواحد مصدر الكلّ والأعداد هي مصدر الكون والواحد مصدر الأعداد.
والمراد بالزهاد هم الذين انتقلوا أخيراً إلى التصوف لا خصوص الناس الورعين، والمعلوم أن (لا رهبانية في الإسلام). والغالبية من المسلمين هم الذين يعتقدون أن للبدن حقاً وللنفس حقاً، ولكن المتصوفة وهم أقلّية من المسلمين تشبه أفكارهم الأفكار الفيثاغورية؛ لأنهم قرّروا إفناء البدن في سبيل طهر النفس، فهم أقرب إلى النزعات الإلحادية؛ لأن التصوف محرمّ في الشريعة الإسلامية بنصوص صريحة.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الفيثاغوريون يرون أن الفرق بين الظواهر المختلفة هو الفرق بين التركيب العددي لها. وكانوا يستعملون كرات هي أشبه بـ(الدعبل) للأعداد، فالأعداد كأنها عندهم هي أجسام، فالمستقيمات والخطوط والسطوح أجسام؛ لذا فكرّوا بأن الأجسام مرجعها إلى الأعداد، فالنقطة تصوّروها واحد والخطّ اثنين والسطح أربعة والجسم ستة.
ونحن أيضاً وجدنا أن الرياضيات هي أساس الأبحاث كلها ولكن نحن تقدمنا أكثر فقلنا إن الفلسفة والمنطق هما الأساس للمعرفة ثُمّ الرياضيات ثُمّ الأبحاث الفيزياوية والكيمياوية.
تصوروا أن الخطّ هو تعدّد نقاط، وأن السطح هو تعدّد خطوط وأن الجسم هو مجموعة سطوح. إذن الوحدة سواء بشكل النقطة أو الواحد هو أساس الأشياء التي في الكون.
فهذه خطوة إلى الأمام من حيث إنهم نظروا إلى هذا الشيء الآخر وهو الأعداد، وهم ليسوا ماديين وإنما هم فلاسفة رياضيون، فاعتبروا أن النقطة واحد والخطّ اثنان، وتصوّروا أن الأعداد هي تكرار الواحد، وأن الواحد هو منشأ الأعداد.
الشبه الاساسي بين المحدثين والفيثاغوريين أنهم حاولوا أن يجمعوا بين الفلسفة والرياضة.
ــــــــــ[51]ــــــــــ
() شرح لما سبق. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نسبة إلى السفسطائي وهو باليونانية يعني (سوفست) وهو اسم فاعل مأخوذ من (سوفيا) فكأن (سوفست) معناه الحكيم.
وهم مجموعة من المعلمين يعتبرون أنفسهم معلمي الفصاحة وهم كانوا في القرن الخامس قبل الميلاد، وكانوا يقصدون من الفصاحة التعبير وما يدخل في التعبير من أفكار، ولا يقصدون منها ما نعنيه الآن من البيان والخطابة، وإنما يقصدون العلم بالمعنى العام لأنهم كانوا معلمي العلم والفلسفة.
وكانوا يجمعون في نفس الوقت بين مجموعة من الأفكار الفلسفية وبين أفكار خاصة بالمجتمع وغيرها، لأن الفلسفة حينئذٍ لم تكن متميزة عن العلوم الأخرى.
والسفسطائيون يتميزون بميزة رئيسية في عالم الفكر اليوناني هي: أنهم حوّلوا الانتباه من المادة والأعداد إلى الإنسان، والفلاسفة بعدهم أخذوا الإنسان على أنه هو المشكلة الرئيسية من مشاكل الفلسفة وهو لولب الكون، إذن يمكننا أن نسميهم فلاسفة إنسانيين لأنهم حولوا التفكير إلى مشكلات الإنسان ومشكلات المجتمع الإنساني، ولكن لا نقصد المعنى الأخلاقي بل الإنسانية بالمعنى العام المطلق.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وهم من ناحية ثانية أيضاً كانوا من الفلاسفة الحسيين بالنسبة إلى وسائل المعرفة لأنهم كانوا يستخدمون الحسّ ويعتبرونه الوسيلة الرئيسية لاكتساب المعرفة. وهم من ناحية ثالثة نسميهم فلاسفة شكّاك لأنهم انتهوا في معرفتهم إلى الشكّ أي غاية المعرفة عندهم هو الشك، في حين أنا وجدنا أن الماديين كانوا فلاسفة يقينيين كانوا يعترفون أن أفكارهم والبراهين التي عندهم براهين يقينية ثابتة وأن في إمكان الإنسان أن يصل إلى الحقيقة المطلقة عن الكون وعن المادة. في حين أن الفلاسفة السفسطائيين انتهوا بأفكارهم التي لسانها الحسّ على أنّه الوسيلة الرئيسية في المعرفة إلى الشكّ ولهذا فهم من الفلاسفة الشكاك.
هذا من الناحية العامّة أما من النواحي الخاصة فمن السفسطائيين الذين يذكرهم أفلاطون، (بروتوغوراس) و(غورغياس) وهم من الفلاسفة السفسطائيين المعروفين. والسفسطائيون كانت لهم مؤلفات ولم تبقَ لنا اليوم وليس لدينا عنهم إلّا ما يذكره أفلاطون أو غيره. فليس لنا حق انتقادهم لأنهم من الجائز أنهم كانوا قد انتبهوا إلى هذه الانتقادات التي نؤاخذهم عليها.
فالفكرة الرئيسية المنسوبة إلى بروتوغوراس هي أن الإنسان هو مقياس كل شيء، مقياس الوجود لما هو موجود ومقياس اللاوجود لما هو غير موجود.
يفسر أفلاطون هذه الفكرة التي ينسبها إلى بروتوغوراس بالشكل التالي:
ــــــــــ[53]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
من حيث إن السفسطائيين كانوا يعتقدون بالحس الوسيلة الرئيسية في تحصيل المعرفة. إذن يستنتجون من ذلك أن ما يكون محسوساً للإنسان يكون موجوداً وما لا يكون محسوساً للإنسان لا يكون موجوداً، فكأن أساس الوجود عند السفسطائيين هو إحساس الإنسان بهذا الشيء الذي نقول عنه أنه موجود، وبالتالي اللاوجود اللامحسوس به فالذي لا أستطيع الإحساس به فهو غير موجود.
وفكرة أن الإنسان مقياس الأشياء يعطينا مرة أخرى الأهمية التي وضعها السفسطائيون على الإنسان ولهذا يصح أن نسميهم فلاسفة إنسانيين لأنهم يتخذون الإنسان مصدر الكون والوجود.
ولعل فكرة بطليموس بأن الأرض هي أصل الاشياء ناشئ من هذه النظرية؛ لأنّ الإنسان فوق الأرض وحيث كان الإنسان مقياس الأشياء إذ لا بأس أن تكون الأرض مصدر المجموعة الشمسية أو النقطة المركزية فيها ومن باب التعميم هي مصدر الكون ومركزه، فهذه الأفكار الفلكية متوازية مع هذه الفكرة السفسطائية.
ونجدها مكررة عند فردريك نيتشه -الفيلسوف الألماني في القرن التاسع عشر- وهو فيلسوف حسّي يعتبر السفسطة هي من الفلسفات الممتازة في الفكر اليوناني، بل هو يذم الفلسفة السقراطية الأفلاطونية ويعتبرها خطوة إلى الوراء رغم تأخرها عنها. وأكثر الفلاسفة لا يوافقونه ويعتبرون أفلاطون وسقراط من كبار الفلاسفة.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أما الآخر -غورغياس- فله نظريات ثلاث:
وهو يعتبر الحسّ المصدر الرئيسي للفلسفة، أو الوسيلة الرئيسية للمعرفة، واستعماله المغالطات المنطقية واللفظية المشهورة عند السفسطائيين والأساليب التوهيمية. فهم كانوا يفتخرون بأنهم يستطيعون إثبات الشيء ومعكوسه في آن واحد، يبنون أن شيئاً هو حق ثُمّ يبرهنون على أنه غير حق.
فإذا كان الحسّ هو مصدر الوجود إذن يستنتج السفسطائي بأننا حين نحس باللون المعين لن نشاهده بهذه الدرجة اللونية في ضوء آخر، في وقت وَضَح النهار أو في الليل أو أن الشخص ينظر بوضع صحّي أو يكون سكران أو مريضاً. إذن الألوان متغيّرة بالنسبة إلى الشخص الواحد من وضع إلى آخر من كونه صاحياً أو نعسان.. الخ، بل إنها لا تكون واحدة من إنسان إلى إنسان. إذن المرئيات والمشمومات والمسموعات متغيّرة والعلم لا يكون إلّا بالشيء الثابت، ولما كان الإحساس لا يعطينا هذا الشيء الثابت إذن يكون الشيء الثابت معدوماً.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ونحن نتّفق معهم في المقدمة ونختلف معهم في النتيجة، الفيزياوي الحديث عنده أساليب مختبريّة لتصحيح الأوهام الحسيّة في حين أنه لم يكن عندهم هذه الوسائل التي عندنا فاستنتجوا نتائج غير صحيحة من ملاحظاتهم الصحيحة. ونحن لا نلومهم على استعمال الملاحظة، ولكن نلومهم على أنّهم استنتجوا منها استنتاجات غير صحيحة.
ونحن الآن في استعمالنا للفظي الفلسفة والسفسطة إنما نميل مع سقراط في انتقاده لهؤلاء؛ لأنه كان من العقليين وهؤلاء من الحسيين وهو من اليقينيين، وهؤلاء من الشكاك، فلم يشأ أن يسمي نفسه حكيماً بل سمّى نفسه محبّ حكمة -فيلاسوف-، فلم يعتبر نفسه حكيماً بل صديقاً للحكمة وينتقد بذلك السفسطائيين. وقد صارت الآن لفظة السفسطة معكوسة في المعنى اللغوي ونحن نشايع أرسطو إلى الآن.
ومن ناحية أخرى قد صحّح اليونانيون المتأخرون أفكار السفسطائيين ونحن قد صححناها بالصفات الأولية للأشياء وهي تلك الصفات الفيزياوية الكيمياوية وهي التي لا تتغير سواء كان الإنسان موجوداً أو غير موجود. والفيزياوي يؤمن بأنَّ هذا الطباشير يتصف بصفاته الأساسية وتفاعلاته سواء أحس به الإنسان أو لا، وسواء كان الإنسان حيّاً أو لا، وسواء كانت الحياة موجودة أو لا؟ وهذا ما لاحظه الفلاسفة المتأخرون عند اليونان.
ولدينا الصفات الثانوية للأشياء، وهي تلك التفاعلات بين الصفات
ــــــــــ[56]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الأولية للأشياء وبين الفسيولوجية البشرية أو الإحساس البشري. أي إن الإحساس بالأشياء هي بالحقيقة صفات ثانوية للأشياء، فتغير الإحساس ليس مرجعه الحائط نفسه فالحائط يبقى بنفس الصفات الأولية. وإنما الفرق في الفسلجة البشرية أي في تركيب أعضاء البصر أو الشم أو غيرها من أعضاء الحسّ والحائط بصفاته الأولية غير مسؤول عن تركيبنا الفسيولوجي (الحسي). فكون الإنسان يعشى أو لا يعشى لا يغير من الطبيعة المادية شيئاً فهي محتفظة بصفاتها الأولية. والصفات الثانوية والإدراك الحسي هو عبارة عن تأثير المادة في الإنسان، وهذا التأثير من صفات الإنسان وليس من صفات المادة.
إذن المغالطة التي نشأت عند السفسطائيين أنهم لم يقوموا بالتمييز بين الصفات الأولية للأشياء والصفات الثانوية لها.
أمّا إنكارهم للعلم فأيضاً يستنبطونه بالصورة نفسها، أن العلم لا بُدّ أن يكون بالثابت ولما كان الحسّ لا يعطينا إلّا هذه المعارف المتناقضة المختلفة، إذن العلم ليس ثابتاً وبالتالي فلا يمكن العلم.
ومن ناحية ثالثة إنكارهم للغة أو للتعبير اللغوي، وهو أنهم يغالطون بالصورة التالية: أنه لا بُدّ من وجود التشابه بين التركيب اللفظي للأصوات للألفاظ للكلمات وبين التركيب الحقيقي للأشياء أي إن المقاطع الصوتية المختلفة لا بُدّ أن تكون متوازية في هويتها المادية وتركيبها مع الأشياء، ولما لم تكن هذه الأصوات أو الألفاظ المقطعية متوازية في تركيبها مع الوجود المادي. إذن لا يمكن أن يكون الرمز مضبوطاً، أي إن الرموز التي نعطيها للأشياء –
ــــــــــ[57]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المسمّيات- هي رموز غير متوازية مع الطبيعة الحقيقية للأشياء. فهم ينكرون اللغة باعتبار ذلك.
هذه مغالطة واضحة؛ لأننا يمكننا أن نسمي هذا الشيء باسم مّا من أي لغة من اللغات، ولكن لا يعني أن هذه الرموز المختلفة لا تشير إلى (الممسحة) لأنَّ مجاميع الناس المختلفين في الشعوب المختلفة متفقون على تسمية هذا الشيء باسم ما، سواء كان لفظاً أم رمزاً رياضياً أم رمزاً موسيقياً وفي كلّ الحالات نجد أن الرموز إشارات إلى الأشياء، إشارات لفظية من حيث إنها تعبر عن معانٍ ذهنية مشتركة بين مجموعة من الناس يتفقون على مجموعة من الرموز المعينة سواء كانت مكتوبة أو مرسومة أو مجسمة هي إشارات عن عدة مسميات في الكون المادي. إذن لا يشترط أن تكون الرموز متفقة في تركيبها مع الأشياء المسمّاة.
هم يقولون إن التوازي غير موجود، إذن التعبير غير قائم والحياة اليومية تقول: إن التعبير قائم، وفي الحقيقة لا يهمنا أن تستعمل الرمز الصوتي ولكن المهم أن هذه الرموز تعبير عن المعاني الذهنية عند الفرد ومشاركة بينه وبين الناس في التعبير عن المعاني الخاصة.
إذن العلم موجود واللغة موجودة والوجود موجود ونحن في هذا يقينييون وهم شكّاك. ونحن إنَّما ندخلهم في الفلاسفة لأنهم استعملوا البرهان، واختلافنا معهم لا يعني أننا فلاسفة وهم ليسوا فلاسفة.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
النوع الثالث من الصفات هو ما يسمى بالصفات الفنية للأشياء، الصفات الأولية هي الصفات الفيزياوية الكيمياوية والصفات الثانية هي الصفات الحسية والصفات الثالثة وهي التقويم الفني. كون بعض الناس يتصورون أن بعض الأطوال والألوان أجمل أو أحسن من الأطوال والألوان الأخرى، وهي ليست صفات حسيّة، ولا يجوز لنا أن نخلط بين هذه الصفات الثلاثة، ولكن السفسطائيين كانوا يخلطون بين هذه الصفات.
ولكن لكل شيء حكمه الخاص ولا يجوز أن نقيس المتقدمين بالمتأخرين والحيوان بالإنسان(1).
ولكن مهما كانت النَقَدات فالمزايا الممتازة التي عند السفسطائيين هي توجيههم الانتباه إلى الإنسان من ناحية وإلى مجموعة من مشكلات المنطق ونظرية المعرفة من ناحية أخرى. أي إن بحثهم بأن الحسّ هل يكون مصدراً للمعرفة أو لا يكون؟ وهل العقل يكون مصدراً للمعرفة أو لا يكون؟ والمشكلات المنطقية الأخرى الناشئة من البحث في المعرفة هذه بدون شكّ أساس كل ما نجده عند أفلاطون وسقراط وغيرهما من فلاسفة اليونان المحدثين.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
() نتكلم بعد أسبوعين عن الأفكار الأفلاطونية السقراطية ثُمّ ننتقل رأساً إلى الفكر الحديث. ولا نستطيع عند بحث الفلسفة الفصل بين الآراء اليونانية والآراء الحديثة، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أما أخطاؤهم الأخرى التي لاحظها أفلاطون، أنهم كانوا يأخذون الأجور عن محاضراتهم من الأولاد ومن الشباب المتعلم، ويقال إنهم كانوا يهتمون بأبناء الأغنياء أكثر من اهتمامهم بأبناء الفقراء والسبب واضح فقد كانوا يقدمون البضاعة لمن يستطيع أن يقدم الثمن الأكبر. ولكن سقراط كان زاهداً في الحياة ولم يأخذ أجراً وكان يحارب السفسطائيين لذلك.
ومهما كانت النقدات فالمهم أن النقاط الرئيسية عند السفسطائيين أنهم وجهوا الانتباه إلى الإنسان وإلى مجموعة من مشكلات المنطق والمعرفة.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يبدأ الفكر اليوناني في الساحل الغربي من آسيا الصغرى وهو ما أسماه قدماء اليونان (أيونيّة) وفي أيونية ظهر طاليس أول الفلاسفة في مدينة (ملطيّة) وكان فلاسفة ملطية الذين ظهروا في القرن السادس قبل الميلاد فلاسفة للطبيعة. وقد أدهشهم ما شاهدوه من مظاهر التغيير في الكون حولهم سواء (التغيير المادي): فصول السنة، والمدّ والجزر، أو التغيير الحي الحياة والموت والطفولة والهرم.
لقد أعجب اليوناني بالبطولة وبالكمال وكان هذا سبب التنافس بين الدويلات اليونانية التي عاشت كلّ منها في مدينة كبيرة وما حواليها من ضواحٍ، وكانت هذه المدن في حرب مستمرة فيما بينها. بل كانت الثورات في داخل كلّ مدينة غير منقطعة. هذا عدا الحروب الخارجية بين اليونان وبين الإمبراطورية الفارسية التي كانت تتحد في وجهها جميع الدويلات اليونانية، لما كان اليوناني يمارس الملاحة ويواجه أخطار البحر وكان هذا عاملاً على شحذ قواه وهمته.
ومع أن أفلاطون حاول أن يدحض نظرية (القوة هي الحق)، فإنَّ مجرّد توجّه انتباه هذا الفيلسوف المثالي إلى مناقشة النظرية يعني انتشارها في الحياة اليونانية.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إلّا أن هذا التطرف في حياة اليونان وميلهم إلى المغامرة والتضحية والإسراف في العمل والمنافسة، يقوم جنباً إلى جنب مع ميل آخر ظهر عند اليونانيين هو تقديرهم للاعتدال والانسجام، وهذا ما نتبينه على الخصوص في الفن اليوناني، وفي التماثيل التي لا تزال تحفه نادرة في تاريخ الفن العالي، كما أن الخيال اليوناني الذي يظهر في إبداعهم عالم الآلهة المتعدّدة يدلّ على شعور اليوناني بأن إسرافه وكبريائه ومغامراته لا بُدّ لها من حدود وسدود، وبالتالي فقد كان لا بُدّ من إبداع هذه الآلهة التي تسيطر على حركات الإنسان فتحدّ من غلوائه.
إن هذا الصراع وهذا الطموح فتحا في عقل اليوناني في الميل إلى التفلسف، وقد ارتبط هذا الميل أول ظهوره بملاحظة ظواهر التغيير المادي والحي، إلّا أن الشعور بالتغيير أوصل اليونان إلى أنه لا بُدّ من شيء ثابت دائم يقوم وراء هذه الظواهر المتعارضة المتضادة، هذا الشيء الثابت الدائم هو تلك الوحدة التي لاحظها اليوناني قائمة على أساس الظواهر المتعددة، وهذه بداية التفلسف ونهاية الأسطورة. إنَّ هذه الوحدة الثابتة الدائمة ظهرت عند الفلاسفة الأيونيين على أنها شيء مادي فقد كان الماء عند طاليس والهواء عند انكسمنس والحركة عند انكسمندر(1) والنار عند هيراقليديس Herakleides (360ق.م).
ــــــــــ[62]ــــــــــ
() مع أن انكسمندر يجعل أصل الكون هو اللامحدود فإنّه يقرر أن أبرز ما يظهر فيه هذا اللامحدود هو الحركة، ولما كانت الحركة أمراً محسوساً يظهر في المادة ويبدو فيها كان انكسمندر كغيره من الأيونيين فيلسوفاً مادياً أيضاً، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هؤلاء المفكّرون هم فلاسفة وليسوا علماء؛ لأنهم لم يقنعوا بظاهر الحسّ
-كما يقنع العالم- بل انتقلوا منه إلى باطن الفكر الذي يسّر لهم إثبات أصل الكون، ولم تكن التجربة العلمية هو الموصل إلى نظرياتهم، كما أن التفاتهم إلى وجوب توحيد مظاهر الكون وإعطاء فكرة شاملة عن مختلف صور الظواهر الملحوظة مهما كانت مادية أو حيّة هو ميزة فلسفية أخرى لهم.
ثُمّ هناك فكرة فلسفية أخرى ثالثة ظهرت عند (الأيونيين)، ومنهم انتشرت إلى اليونان جميعاً، وهي فكرة (سلطة القانون)، القانون الذي تخضع له ظواهر الطبيعة والإنسان معاً، بل إنهم أخضعوا الآلهة ذاتها لهذا القانون المطلق الحكم، فالكون ليس موجوداً عبثاً والمجتمع ليس مقصوداً منه الفوضى والدولة لا يصح لها أن تخضع لأفراد ظالمين جائرين، يعيثون في الأرض الفساد، بل إن كلّ شيء بمقدار، سيادة القانون بهذه الصورة هي مبدأ فلسفي آخر يعارض ما نجده في الأساطير التي ظهرت قبل الفلسفة في السِفر الملحمي اليوناني من عبث الآلهة بالناس ومن عدم وجود استقرار في الكون، ومن تمجيد الحرب والتضحية على حساب السلم والاستقرار والسعادة.
نسبة إلى (أيونية) مدينة على شاطئ آسيا الصغرى أنشأها فريق من الأيونيين من قبائل اليونان في القرن 12ق.م، والأيونيون هم الفلاسفة الأربعة، الثلاثة المتقدّمون الذين يشكلّون (المدرسة الملطيّة)، وهرقليطس الذي نشأ في مدينة (افسس).
ــــــــــ[63]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
معالم فلسفتهم:
طاليس تصور الأرض قرصاً مسطحاً عائماً على وجه الماء، وعدّ المادة الأولى في كلّ شيء الماء، يقول أرسطو: إنَّ طاليس لعله أخذ فكرته من ملاحظته أن غذاء كلّ الكائنات مكون من مادة رطبة، وأن البذور ذات طبيعة رطبة وأن الماء هو مصدر كلّ الأشياء الرطبة (ما بعد الطبيعة -أرسطو)، ولعله لاحظ أن الماء يتبخّر ويتجمّد فكأن الغاز والسائل والصلب كلّه من الماء.
إن قيمة طاليس ليست في الجواب الذي أعطاه بل تقوم في السؤال الذي أثاره: ما المصدر النهائي أو الأساس الأقصى لكل شيء في الكون؟ كما أن طاليس عدّ (الأشياء) المختلفة على أنها صور متعددة لعنصر واحد أساسي، أنه لا يعنينا أن يكون هذا الشيء الواحد هو الماء وإنما يعنينا أن طاليس لاحظ الوحدة في التعدّد وهذه فكرة فلسفية أساسية.
ــــــــــ[64]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هذا فيلسوف آخر من (ملطية) وهو أحد أتباع طاليس، وكانت له مشاركات علمية وسياسية، وقد ألّف كتاباً عن نظرياته الفلسفية كان لا يزال متداولاً أيام بنوقراسطس. وقد بحث عن أصل الأشياء لكنه لم يجد أن هذا الأصل هو أية مادة كانت؛ لأنَّ الرطوبة نفسها هي إحدى الأضداد، ولو كان الماء هو مصدر كلّ شيء إذن لامتصّ الماء جميع الأشياء منذ زمن بعيد واختفى الوجود كله داخل الماء.
إن هذا الصراع القائم بين الموت والحياة والكون والفساد جعله يرى أصل كلّ شيء غير محدد، وهذا الشيء غير المحدد أكثر بدائية من هذه الأضداد المنظورة التي تصدر عنه وتأوي إليه. هذا العنصر البدائي سماه انكسمندر (السبب المادي): أنه ليس بماء ولا أي عنصر آخر من هذه العناصر المسماة، إنَّما هو ذو طبيعة تختلف عنها جميعاً وغير نهائي عند نشأة السماوات والعوالم جميعاً، وأنه جوهر لا محدود.
وتدخلات العناصر وتحولاتها عدّت أمثلة للجور والظلم، فالحرارة تجور في الصيف، وكذا البرد يجور في الشتاء، والعناصر المحدودة المعينة هذه تعود فتذوب في الأصل اللانهائي وبذلك تسوية الحساب بعد إتيانها الجور وفي هذا نشر لتطبيق القانون من الإنسان إلى عالم المادة. هكذا تكون الحركة أي التولد من اللامحدود والفناء فيه ثانية من أظهر ما يبدو من هذا الكون وبعد أن تكون الحركة تهبط العناصر الثقيلة: التراب والماء، وترتفع النار ويبقى الهواء بين ذلك.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والحياة منشؤها البحر، والإنسان تولّد عن أحد أنواع الحيوان؛ إذ الإنسان في حاجة إلى فترة طويلة من الرضاعة، ولو كان كذلك منذ البداية لما استطاع العيش لصعوبة التكيّف للبيئة، إلّا أن انكسمندر لا يفسّر مشكلة أبديّة يحس بها أصحاب نظرية التطور والارتقاء، وهي مشكلة كيف عاش الإنسان في المرحلة الانتقالية.
وقد كتب كتاباً لم يبقَ منه إلّا جزء ضئيل، ويرجع إلى القول بعنصر معينٍ محدود، فكأنه يتراجع من الموقف المتقدم الذي وقفه انكسمندر ويشبه طاليس، إلّا أنّه يستبدل الماء بالهواء ولما كان الإنسان يعيش مادام متنفساً فإنّه عدّ الهواء مصدر الحياة واعتبر النَفَس نَفْساً. ووازن بين الإنسان والجماد وجعل الهواء العنصر الأساسي لكل ما في الكون. ولتولّد الأشياء من الهواء يأتي انكسمنس بفكرتي (التخلخل والتكاثف) أن الهواء غير منظور لكنه حين يتخلخل فيكوّن النار أو يتكاثف فيكوّن البخار والغيوم والماء والأرض وأخيراً الحجر.
كما أن تخلخل الهواء يزيد في حرارته في حين أنّ تكاثفه يعين ازدياد البرودة فيه، فالهواء هو العنصر الوسط بين الحار والبارد وبين الصلب والنار، ولعل الصفة الرئيسية -في فلسفته أن يقيم كلّ كيفية على التغيرات الكمية وهذه نظريته في حقيقة الأمر- في التخلخل والتكاثف نقلت إلى المصطلحات الحديثة.
كما أنه تصوره تكاليس الأرض مسطحة تطوف من الهواء فكأنها ورقة شجر.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نسبة إلى فيثاغورس الفيلسوف الرياضي الذي تعرف باسمه بعض النظريات الرياضية، فهو الذي اثبت بالبرهان الرياضي: أن المربع المنشأ على مربع الوتر من مثلث قائم الزاوية يساوي مجموع المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين. مع العلم أن المصريين كانوا يعلمون بالتجربة أن المثلث الذي تكون أضلاعه (3، 4، 5 أو أضعاف هذه الأعداد) هو مثلث قائم الزاوية لكن المعروف عن المصريين أن معارفهم الهندسية كانت عملية لا نظرية.
إن المدرسة الفيثاغورية كانت أكثر من كونها مدرسة فلسفية رياضية، أي تقيم أفكارها على أساس طبيعة أبحاثها في العدد، إذ كانت أشبه بجماعة دينية لها طقوسها التي تحرم فيها أشياء وتحلل أخرى، ولعل بعض عقائدهم هذه مأخوذة من الشرق وعلى الخصوص الهند(1).
كان رأيهم أن أصل الكون هو العدد وأن الفرق في تركيب الأشياء هو الفرق الناتج عن علاقاتها العددية. هكذا اعتبروا النقطة في مقابل الواحد والخطّ المكوّن من نقطتين في مقابل الاثنين، ومن مجموع الخطوط أي وضعها إلى جانب بعض فتكوّن السطوح ومن السطوح تتكون الأجسام، وقد جمعوا الأعداد الأربعة الأولى فكان مجموعها عشرة، وقد اعتبروا هذا العدد مقدّساً. ومن هنا جاءت فكرتهم عن الأزواج العشرة التي تنتظم في حقلين حقل للخير وآخر للشرّ كما يلي:
ــــــــــ[67]ــــــــــ
() كما أن أفكارهم مشابهة للفرس. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الخير | الشر |
الواحد | المتعدّد |
الوتر | الشفع |
الذكر | الأنثى |
المربع | المستطيل |
الساكن | المتحرك |
اليمين | الشمال |
المستقيم | المنكسر |
النور | الظلمة |
ودرسوا الأنغام الموسيقية واعتبروا الفروق بينها هي فروق في الطبيعة العددية لكلّ نغم. وقد سمّوا الأعداد الفردية بالأعداد المربّعة، والمستطيلة هي الأعداد الزوجية كما في اللوحة التالية.
قارن لوحتهم في الأزواج العشرة.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
سقراط Socrates (470- 399ق.م)
ــــــــــ[69]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
سقراط عاش في ما بين 470 و399 قبل الميلاد، وتاريخ الوفاة معروف، ويذكر أفلاطون أنه كان ابن السبعين أو أكثر.
شخصية سقراط من أطرف الشخصيات فقد كان إنساناً إلى أبعد حد ونموذجاً لطيفاً لشخصية فلسفية، ونحن اليوم نجد أن حياة سقراط وفلسفته مرتبطتان لا يمكن الفصل بينهما. كثير من الفلاسفة ليست في حياتهم أهمّية وغير مرتبطة بأفكارهم مثل عمانوئيل كانت، كان يعيش في قرية صغيرة، وكانت حياته من البساطة بحيث لا يذكر منها شيئاً، في حين نجد أن سقراط لا يمكن فصل أفكاره عن حياته، وكانت حياته نموذجاً لفكرته.
سقراط كان من القليلين الذين اشتغلوا بالتعليم ولم يشتغلوا بالتعليم(1) وناقش إلى أن مات.
ــــــــــ[71]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والمصادر التي عندنا ليست من تأليفه، ولكن لدينا المصادر التالية: أرسطو فانيس Aristophanes (457 ق.م): شاعر مسرحي، كان يكتب الروايات المضحكة، منها مسرحية (السحاب).
ثمَّ لدينا فيلسوف آخر وهو إكسينوفون Xenophon (426- 354ق.م): وهو من تلامذة سقراط ومن زملاء أفلاطون، وهو من صغار الفلاسفة، أصغر عمراً من أفلاطون بقليل، وكتب شيئاً عن حياة سقراط.
وأخيراً أفلاطون Plato (427-347 ق.م): كان أقلّ من ثلاثين عاماً عندما مات سقراط.
وهذه المصادر متفاوتة بالنسبة، فالمصدر الأوّل كان يكتب للإضحاك كشاعر وهزلي، فلا يذكر عن سقراط إلّا رأي العامة فيه، وهو لا ينصب على الحقائق بقدر ما ينصب على الأمور التافهة، فقد أثار ضحك النظارة من الاثينيين.
وكان سقراط مستغرب الأطوار مفلطح الأنف، جاحظ العينين ويحتمل في بدنه ما لا يحتمله أكثر الناس، فقد كان يلبس نفس الثوب في الحر والبرد وكان يمشي حافياً فوق الثلج، ولم يكن معروفاً في شرب الخمر ولكنّه كان يبزّ
ــــــــــ[72]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الآخرين في إمكانية الشرب، ولم يكن يفقد عقله ممّا يدل على تحمله البدني.
دع ناحية أفكاره الفلسفية ومنهجه، وعندما نأخذ المظاهر الشكلية عنده نجده بالنسبة إلى العامة شاذّاً. والمواهب الفكرية إنَّما تأخذ محلاً للاعتبار بالنسبة إلى المثقفين لا في نظر العامة.
وكان له اتباع من (أثينا) وغير (أثينا) وكان الناس يأتونه -من الدويلات المجاورة- عندما بلغ الأربعين وذاع صيته، وكان مشهوراً عند العامة بالشذوذ بنفس المقدار الذي كان مشهوراً فيه بالعلم والفلسفة، فكلما كان الشخص مشهوراً عند الفلاسفة نجد ضدّ ذلك عند العامة، ففي (السحاب) نجد الصورة التي يحملها الغوغاء عن الأفذاذ، إذن لا نستفيد منها إلّا من هذه الناحية.
وإكسينوفون كان يتحدّث عن الفضائل عند سقراط وغير ذلك، وسقراط عند إكسينوفون إنسان عادي أي لا يتصف بالعبقرية الفلسفية التي نقابلها عند أفلاطون . وإكسينوفون تصور سقراط واعظاً يعظ الناس بالتمسك بالفضائل ولا يرتفع إلى المنزلة التي رفعه إليها أفلاطون، ولكن لا بُدّ أن نعرف ما قاله إكسينوفون عنه.
فإذا انتقلنا إلى أفلاطون وجدنا الصورة -التي يرسمها أفلاطون سقراط- مختلفة، فهو يوحي إلى القارئ وينبئه بشكل محاضرات، إلّا بعض الرسائل التي كتبها إلى أصدقائه وأتباعه، في كلّ محاوراته نجد سقراط الشخصية الرفيعة… أي إنه نسب إليه كلّ رفيع من الأفكار، ولكننا نعلم أنه ليس كلّ ما ينسبه
ــــــــــ[73]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أفلاطون إلى سقراط صحيح، ومحاورات أفلاطون في زمن الشباب هي التي تعكس سقراط بصورة صحيحة، والأفكار التي جاء بها في أزمانه المتأخرة هي من أفلاطون نفسه، والنقاد المحدثون يعتبرون سقراط في المحاورات الأول هي أقرب الصور التي حاول أفلاطون أن يبيّن -بها- سقراط ولم يحاول تزويق صورة سقراط بغير علم، وكان متأثراً بهذه الشخصية الفذّة، بالرغم من وجود أسلوب شعري في أسلوبها، وكتابته الفنية في المحاورات من أبرع الكتابات القيمة التي كتبها الفلاسفة من زمنه إلى الآن.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المعروف أنه في سنة (479 ق.م) كانت الحرب بين اليونان وفارس وانتصر اليونانيون قبل ميلاد سقراط، وتوفّر شيء من الرخاء في اليونان
-الدولة المنتصرة-، ليس في الناحية الاقتصادية فحسب بل في السياسة والنحت والكتابات الفنية.
وقد ظهر أشخاص ممتازون في الفترة السابقة على سقراط وفي شباب سقراط منهم اسخيلوس Aeschylus (525- 456ق.م)، ويوريبيدس Euripides (480-406ق.م)، وايردما، وهم من أبرع شعراء البشرية، فقد عاش سقراط في شبابه معيشة ممتازة من الناحية الثقافية والسياسية، لان اليونان كان مستقراً من حيث الدستور والديمقراطية.
ومعروف عن أن أباه علّمه الموسيقى والأدب والشعر وهي المقومات الأساسية للتربية اليونانية وكان معروفاً عنه أنه نحات أو قاطع أحجار. ووالدته اشتهرت بأنها مولّدة وكان -ذلك- من باب المعرفة لا من باب الحرفة، وكان سقراط يتندر بأنه مثل أمه يشتغلان بالتوليد، أمه للأطفال وهو للأفكار، اسم أبيه سوفرونسكوس واسم أمه فيناريته.
وبالنسبة للصناعات يبدو أن سقراط كان يشتغل بالحرف اليدوية،
ــــــــــ[75]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وأفلاطون وسقراط يضعان الصناعات اليدوية في آخر الفنون والصناعات أي إنها أحقر الصناعات. في المرتبة الأولى الفلسفة والاشتغال في السياسة ثُمّ
-العلوم- النظرية والفكرية، ثُمّ الصناعات اليدوية.
سقراط كان من أول حياته مهتماً بالعلم النظري، وعلمه الثاني هو الاشتغال بالجندية وكان عضواً بالمشاة سنة 424، أي عندما كان في الـ45 من عمره. أما فيما عدا هذا الراتب كان له رأس مال من أمه، وقد أودعه عند أحد أصدقائه وكان يأخذ شيئاً منه، وكان مستغنياً في أول حياته، وفي الـ25 سنة الأخيرة من حياته عرف الفقر لأنه ليس كالسفسطائيين يأخذون الأجور على المحاضرات بل انتقدهم على ذلك ولم تكن الدولة أو أي منظمة أخرى مسؤولة عن التعليم وكان السفسطائيين يتاجرون بالعلم أي إنهم كانوا يلتفتون إلى ابناء الأغنياء دون ابناء الفقراء، وسقراط يعد من فضائل المعلم عدم أخذ الأجر على محاضراته.
ثُمّ عاش في فقر إلى آخر حياته وكان يعيش على ولائم أحد أصدقائه.
ــــــــــ[76]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أما من الناحية العائلية فقد عاش مع زوجة وحيده اسمها (اكسانتيبة Xanthippe) وأخذ الناس يتندرون بعد زمن سقراط على زوجة سقراط للفرق بين مستواه ومستواها، ولا يبدو أن ما ذكر عنها من صور من الحماقة وغير ذلك -كانت صحيحة-، وبسببها قد أصاب الظلم زوجات الفلاسفة الآخرين، ومن غير الجائز أن ننتقد الزوجة إذا لم تكن مثل زوجها. وأفلاطون ليس عندنا منه أنها كانت مشهورة بالحماقة أو كانت تتخاصم مع زوجها أو تشكو من فقره، ليس هناك دليلٌ على أنه لم يكن يحبها (يكرهها)، ويذكر أفلاطون أن سقراط في سجنه قد لاقاها ملاقاة طويلة وتحدث إليها ممّا يدل على حبه واحترامه لها.
وكان له ثلاثة أولاد أحدهم في الثامنة عشرة واثنان صغيران، وهذا يدل على احتفاظه برجولته وصحّته الممتازة.
في الشباب اشتغل سقراط من الناحية العلمية، اهتم بما يهتم به الفلاسفة اليونانيين، وكانوا يبحثون عن الفلك والنجوم والطبيعة المادية والاعداد، أي إن أكثر ما اشتغل به فلاسفة اليونان والسفسطائيين وسقراط كانت أبحاثاً في الطبيعة والرياضة فلا يستغرب أنه كان مهتماً بالمشكلات الناتجة عن الطبيعة والحركة.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وفي مسرحية (السحاب) نجد سقراط وكيفية بحثه فيها، وأنه كان ينظر إلى النجوم ويفكر في الفلك، والحكام -أي الذين حاكموه- كانوا يتهمونه أنه إنسان يفكر في السماء وفي باطن الأرض، واعتبروا ذلك مأخذاً عليه، وهو اتهام باطل وسخيف، ومأخوذ من الإشاعات العامة، ولم يكن متفقاً مع حكامه في اللغة، ومع تفرّق اللغات لا يكون مجال لمعقولية(1) المحكمة.
إن سقراط كان مشتغلاً بهذه المسائل في بداية حياته ولما بلغ الأربعين وجد أن أكثر ما يهم الإنسان أن يفكر في الإنسان، فأخذ يفكر في الإنسان الفرد والمجتمع والصفات الناتجة عن ذلك مثل الشجاعة والفضيلة.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
كان عند سقراط نوعان من الحوادث فقد كان عنده ما يسمى بالصوت الداخلي أو الصوت الآمر أو الصوت الناهي، وهو ما كان يأتيه من أصوات تنهاه عن بعض الأفعال وكان يذكر أنه ما من مرة عصى فيها هذه الأصوات إلّا أصابه مكروه وهو ما سموه بعده بشيطان سقراط.
وكانت تصيبه في حالات متعددة إغفاءة أو إغماءة من الزمن، وكان أطولها مدّة يوم وليلة كاملة، وذلك عندما كانت (أثينا) تحارب دويلة أخرى وكان من أعضاء المشاة، وهو يعد الجندية من الفضائل، وأصابته الإغفاءة فوقف شاخصاً وكان الجند يعرفون منه ذلك فتركوه، وشأنه حتّى المساء وكان الليل مقمراً فجاء الجند وحلّقوا حوله طول الليل إلى الصباح التالي وعند الصبح صلى إلى آلهته المعتادة ومضى لسبيله.
ومما يدل على أهمية هذه الإغفاءة ذكر سقراط لها، وكان يقرّر أن الآلهة قد أوصته برسالة وأنه طبقها بعد ذلك. ومضمونها هو أن يفكر سقراط بإصلاح نفسه ويرفع مستواه ويجعل العقل هو -المرشد- الرئيسي في الحياة، وجعل العقل القائد والمرشد في الحياة، وقد اتخذها -أي الوصية- سقراط الرائد والدليل في حياته إلى آخرها. ومضمونها مرتبط بفكرة كانت لفيلسوف يوناني
ــــــــــ[79]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
اسمه انكساغوراس Anaxagory (٥٠٠-٤٢٨): وهو أن الكون المادي يقوم على العقل أو أن العقل أساس الاتّساق والانسجام في الطبيعة، يظهر أن سقراط في غيبوبته هذه قد استفاد من نظرية انكساغوراس هذه وطبّقها بالنسبة إلى الإنسان أي أصبح العقل أساس الاتساق في أفعال الإنسان، أي حاول أن يجعل العقل غاية الإنسان وأساس أفعاله ومصدرها.
هذه الأصوات الغريبة والشاذة وهذه الأصوات الغريبة الناهية والإغماءة، العلم الحديث لا يمكنه إنكار مثل هذه الحالات. ودعوى كونه مصاباً بصرع أو مشعوذاً غير منطبقة على العظماء، فهم كانوا يصابون بالحدس أي إنه تأتي عليه فكرة لا يدري من أين جاءت ثُمّ يتبيّن أنها تؤثر في حياته، ولا يعني ذلك أن أصحاب هذه الحالات مجانين أو مصروعون.
إذن ما يدعيه العامة من أنه إنسان مصاب بكذا وكذا ليس له أهمية؛ لأنَّ ذلك قاله العامة بالنسبة إلى الأشخاص العظماء الآخرين.
والعلم لا يستطيع أن يبحث فيها -أي في مثل هذه الحالات-؛ لأنها تحدث عند الأقلية بعضهم ممتازون وبعضهم من الناس الاعتياديين. فشعور الإنسان بالاتصال بالغيب لا يستطيع أن يقول عنها العلم شيئاً، ولا يستطيع أن يقول: إنه صرع أو جنون، هؤلاء أثبتوا أنهم ليسوا أسوياء فحسب بل هم أحسن من الأسوياء في المستوى العقلي، فلا يصدق ذلك رغم التشابه بين الحالتين -أي حالات سقراط وحالات المجانين-، فهو من النوع السامي من الناس رغم هذه الأصوات والإغماءات، ونفسّرها بأنها من اللاشعور، والمهم أنها أصوات أتت من العقل وإن اعتقد أنها من الآلهة.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
من الفلاسفة من لا تكون حياتهم مثيرة للانتباه، إمّا لأنها عادية مألوفة يحياها كثير من الناس الآخرين، أو أنها موضع طعن وتثريب، لكن غير هؤلاء -فلاسفة أو غيرهم من العباقرة- يحيون أفكارهم وتتظافر أفكارهم مع أحداث حياتهم بصورة طريفة، بحيث إن الإنسان ينحني إعجاباً لا إزاء الإبداع العقلي فحسب، بل لتجسيد الأفكار من أفعال وهذا أبلغ ما نستطيع الارتفاع إليه إذ نتمثل أفكارنا ولا نكتفي بالإيمان بها إيماناً نظرياً فحسب، بل نسير دقائق حياتنا وتفاصيل شؤوننا حسب ما تتطلبه هذه الأفكار وما تستدعيه من نتائج.
لقد جرت عادة أغلبية مؤرخي الفلسفة والمؤلفين فيها أن يقنعوا بتحليل التطور العقلي للفيلسوف من دون الجوانب الشخصية الأخرى، إن مثل هذا الأسلوب لا تعوزه الحيوية والجاذبية فحسب، وإنما هو سبب أساسي في عدم إظهار المذاهب الفلسفية في صورة قريبة من الحق وبالتالي انتشار كثير من
ــــــــــ[81]ــــــــــ
() المحاضرة الثالثة: محاضرة مكتوبة (نقلت من خط الدكتور مباشرة)، الثانية. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الأغلاط عن هذه الفلسفة أو تلك وشيوع أفهام سيئة وتفسيرات خاطئة.
وفي تاريخ الفلسفة الغربية -على الأقلّ- لا يجد الباحث شخصية طريفة كسقراط عاشت أفكارها وفكرت في حياتها كما لا نجد شخصية طريفة أخرى في الفلسفة الغربية ضحت بحياتها بهذه الصورة الكريمة التي أراد منها سقراط أن يبيّن لمواطنيه إمكانية الموت في سبيل الفكرة.
أمّا مصادرنا عن سقراط فلا نجدها في كتب كتبها هو، إذ إنه اكتفى حتّى عامه السبعين أو يزيد بمناقشة أفكاره لنفسه ولغيره وعاش معلّماً طوال حياته، ولم يجمع بين التعليم والتأليف كما هي العادة لدى الفلاسفة الآخرين، إذن ليس لنا إلّا أن نلجأ إلى معاصري سقراط وتلاميذه ممن خلّف لنا شيئاً مّا عن سقراط. وقد جرت عادة مؤلفي الفلسفة أن يذكروا ثلاثة أسماء كمصادر عن شخصية سقراط وأفكاره -على الرغم من التفاوت البعيد بين القيمة التي لكل من هذه المصادر- وهي: (أريسطوفانيسAristophanes)، _ إكسينوفون Xenophon)، (أفلاطون Xenophon).
ــــــــــ[82]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وأول هذه الأسماء [أريسطوفانيسAristophanes] ليس مصدراً في الحقيقة وقيمته سلبية غير إيجابية. ذلك أن (أريسطوفانيس Aristophanes) هو شاعرٌ مسرحي هزلي صور الشخصية العامية -أي الشائعة بين العوام أو مدّعي العلم وهم من الحقيقة براء- لسقراط في مسرحية له أسمها (السحاب) مثّلت في (أثينا) وأثارت الضحك والسخرية، ولا يمكننا القول إن غاية الشاعر الهزلي هذا كانت أي شيء آخر عدا إثارة الضحك ومسخ الحقائق من أجل إثارة النكتة، كما أن الجمهور لم يحمل ضغينة على سقراط، وإنما اكتفى بإثارة الطرف المليحة التي لا تداني العوام، وبالتالي لا يسع العامي إلّا أن يستغرب ويضحك.
لقد كان المعروف عن سقراط أنه دميم الخلقة مفلطح الأنف قليلاً، وجاحظ العينين شيئاً ما، كما أنه كان يلبس القميص نفسه في البرد اللاذع وفي الحرّ القائظ على السواء لقواه الكبيرة من التحمّل والصبر، كما كان لا يبالي بالسير حافياً على الثلج أيام الشتاء، هذه الظواهر الخارجية الغريبة إذا أضفناها إلى عبقرية سقراط العقلية وحبه للجدل والسخرية من الباطل وإظهار الحجة بالمنطق الصائب والبرهان البين -كما علمنا كيف أن المجال كان كبيراً لشاعر ساخر هزلي أن يجد الكثير ليقوله عن سقراط-، وكما قال كفّار (مكّة) وغيرهم
ــــــــــ[83]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
من صنوف الناس الآخرين عن نبي الإسلام إنه مجنون، أكد العامة وأهل اللغو واللهو في زمان سقراط جوانب في شخصيته لا يجد الشخص الجادّ وطالب الحق من الناس داعياً إلى توكيدها، أو على الأقلّ لا داعي إلى توكيدها بأسلوب هزلي يثير السخرية، فكون الأنف مفلطحاً أو غير مفلطح لا يجعل صاحبه كريماً وإن كان لئيماً ولا عالماً وإن كان جاهلاً.
وإن من سخرية الأقدار أن يلجأ حكّام سقراط في شيخوخته إلى رواية كرواية (السحاب) ليتّخذوا منها ومن حجج واهية من أمثالها سبيلاً إلى اتهام سقراط ذلك الاتهام الذي انتهى بتنفيذ حكم الإعدام فيه.
أمّا المصدران الآخران عن سقراط فهما المصدران الجديران بالاعتبار، على الرغم من التفاوت بينهما، إذ إن أفلاطون هو دون شكّ أعمق ذهناً وأحدّ خاطراً وأكثر إعجاباً بكثير بأستاذه سقراط من إكسينوفون، إلّا أن هذا الإخلاص والتعلق الشديدين من جانب أفلاطون قد أثار الريبة في نفوس البعض ودعاهم إلى النظر، في ما نجد عند اسكينوفون الذي تصور سقراط في كتاباته على أنه واعظ من النوع الممتاز، يتحدث عن الفضائل الذائعة بين الناس ويفضل البحث في شؤون الإنسان عن البحث في مسائل الطبيعة والسماء. وإجمالاً فإن سقراط إكسينوفون هو شخص عادي وليس بفيلسوف.
يقول الن تيلور A.e.taylor: -وهو من مشاهير المحدثين في تحليل شخصيتي سقراط وأفلاطون وأفكارهما-، إنَّ كتابات أفلاطون في شبابه عن سقراط على العموم أقرب إلى الحق وأكثر صدقاً وقرباً من سقراط التاريخي،
ــــــــــ[83]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ولأن حصل بعض التمويه فإنّه لم يكن مقصوداً، إنَّ شخصية سقراط العادية في كتابات إكسينوفون لتعارض معارضة شديدة تلك الشخصية المثالية التي تصورها أفلاطون ونسب إليها جميع الكمالات العقلية والخلقية والبدنية. وإن تعليق (تيلور) أعلاه ليشايع ما عرفته الإنسانية في جميع العصور دون شكّ، بل إن رأي (تيلور) هو تعبير آخر عن تلك النبوءة التي ذاعت عن كاهنة معبد (دلفي) من أن سقراط هو أحكم الناس -النبوءة التي سيجد القارئ عنها شيئاً أدناه-.
إلاّ أننا إن كان اعتمادنا الكبير على أفلاطون دون سواه، فإننا مع هذا لا نستغني عن إكسينوفون إذا أردنا أن نكمل الصورة التي رسمها لنا أفلاطون، ولهذا نرجو أن تكون لنا كرة اخرى نبين فيها بصورة مستقلة شخصية سقراط حسب كتابات إكسينوفون. أمّا فيما يلي فسنكتفي بالاعتماد على أفلاطون فحسب.
ــــــــــ[85]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
قضى سقراط شبابه و(أثينا) في مجدها في جميع المجالات، فقد تم انتصارها على فارس في 479 قبل الميلاد، أي ببضع سنوات قبل أن يولد الفيلسوف وبعد هذا بدأت (أثينا) تظهر سيطرتها على البحار وارسخت قواعدها كإمبراطورية بحرية، ثُمّ إن سقراط عاصر مشاهير الكتاب الاثينيين من مثل اسخيلوس ثُمّ من بعد سوفوكليس ويوريبيدس. ثُمّ إن (أثينا) في هذا العصر الذهبي شيدت الجدران الطويلة بينها وبين مينائها القريب من البحر بسيريوس، وأظهرت عظمتها في مجالات الفن والنحت، وفي السياسة كانت (أثينا) تحكم بصورة دستورية وبالتالي فحين تدهور الحكم في النصف الثاني في حياة سقراط كان هذا الأخير بدفاعه الحار عن الدستور كأنه يحن إلى أيام (أثينا) الخاليات في عهدها الزاهر الذي أطلع عليه وهو يافع.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ولد سقراط من أب قيل عنه أنه مثّال أو قاطع أحجار اسمه سوفرونسكوس وأم قيل عنها أنها قابلة أو كانت على الأقلّ تعرف عمل القابلة حتّى وإن لم تتخذ من ذلك حرفة، وكان اسمها فيناريته، وقد عرف عن سقراط أنه كان يتندر بذلك ويقول: إن أمه قابلة وإنه يحترف المهنة نفسها إلّا أنه يولد الأفكار.
ومهما كانت حرفة أبيه، فإنَّ سقراط لم يحترف طوال حياته غير الجندية لمدى طويل حتّى عام 424، حيث كان عضواً في مشاة القوات المسلحة، وغير الفلسفة وتعليمها، وكان يضع الحرف اليدوية -هو وأفلاطون من بعده- في آخر قائمة المهن من حيث الشرف والقيمة.
ويبدو بأن سقراط في صغره تعلم الموسيقى والشعر ويظهر أن أباه لم يكن فقيراً معدماً وبالتالي كان في إمكانه أن يوفر لابنه قسطاً من التربية، بل إن سقراط ورث من أبيه شيئاً من المال تركه عند صديق له ليوظفه له، وعدا هذا فان سقراط لم يكن له مورد مالي سوى ما كان يأخذه كعضو في القوات المسلحة، ولذا فلعله كان معدماً بالفعل في شيخوخته بعد تركه الجندية في 424.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يظهر أن غرابة أطوار سقراط كانت بادية عليه منذ الصغر، وأما صوته الناهي أو المحذر لعله لازمه منذ الشباب، وهذا الصوت هو ما سماه المتأخرون بشيطان سقراط الملازم، ويقول أفلاطون عن هذه الظاهرة: أنها نادراً ما كانت تحدث لسقراط في صورة آمرٍ ناهٍ مفاجئ، وقد ظهر لسقراط بالتجربة أنه ليس من مصلحته أن يخالف هذا التحذير وأنه كان يصيبه السوء من جراء هذه المخالفة لو أقدم عليها.
هذه الظاهرة وظاهرة أخرى سنتحدث عنها بعد قليل يحدث مثيل لها عند أشخاص ممتازين وهي من مقولة ما يسميه الأنبياء بالوحي، وما يسميه الشعراء بالإلهام، بل إن شعراء الجاهلية عرفت شيطان الشاعر. والعلم الحديث يبين بوضوح أن هذه الظواهر الخارقة للعادة هي من الصفات الملازمة للعبقرية وهي ليست أبداً من نوع شذوذ المصابين بالصرع أو ما عداه من مرضى العقول.
أمّا الظاهرة الغريبة الأخرى: فهي نوع من الإغماءة أو الإغفاءة التي كانت تحدث لسقراط، وأطول إغفاءة من هذا النوع حدثت لسقراط هي ما حدث له في معسكر حربي إذ دامت معه يوماً وليله، ولعل في هذه الإغفاءة جاء صوته
ــــــــــ[88]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
السريّ وأخبره برسالته التي طالما تحدث عنها، تلك الرسالة التي عمل على تحقيقها طوال حياته أي العمل على معرفة النفس وتهذيبها بحيث تخضع نفسها لفضيلة العقل دون سواه.
هذه النظرية السقراطية التي تجعل الفضيلة هي العلم وتوجب سيطرة العقل على قيادة الإنسان لعلها مقتبسة بصورة غير مباشرة من الفيلسوف انكساغوراس. لقد قال هذا الفيلسوف أن العقل هو مبدأ الاتّساق والانسجام في الطبيعة ويبدو أن سقراط آمن بهذا وطبقه على الإنسان.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يقول (تيلور) عن سقراط في مطلع رجولته ما يلي: “لقد ظهر في هذا الوقت عبقرياً أصيلاً يجمع بين صفات المحب الموله والمتصوف الديني والمفكر المخلص للعقل والساخر المتندّر وقد جمع بين كلّ هذه الصفات في تركيبة فريدة“.
وبالتالي ما بلغ سقراط الأربعين حتّى عرف في جميع الدويلات اليونانية وصار الناس يتوافدون على (أثينا) للاستماع إلى حكيمها، وفي هذا الظرف ذاعت نبوءة (دلفي) معلنة عن الإله (ابولو): “أن لا إنسان أحكم من سقراط بين الإحياء“. يذكر لنا أفلاطون هذه القصة في محاورته (الدفاع)، وخلاصتها: أن (خيرفون chaeraphon) سأل عمّا يتقاوله الناس من أن سقراط أحكم الناس فجاء الخبر من الكاهنة بالإيجاب. دهش سقراط لهذا وأخذ على نفسه إثبات كذب الإله (أبولو)، وحسب طريقته الاستقرائية في البحث أخذ ينتقل بين أصناف الناس في المجتمع من أجل أن يجد من هو أحكم منه. فإذا وجده ظهر فساد النبوءة. وقد بدأ سقراط بطبقة الساسة الذين يظنون أنفسهم أهل العلم لكن سرعان ما وقفوا حيارى إزاء أسئلة سقراط وتفنيداته لمزاعمهم، ثُمّ انتقل إلى الشعراء وأخذ يسألهم عن قصائدهم وعن الشعر عامة فوجدهم
ــــــــــ[90]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
عاجزين حتّى عن أن يفهموا شطراً من الشعر الذي نظموه بأنفسهم.
واستنتج سقراط من هذا أن الشاعر إنسان ملهم وشعره ليس نتاج روية وعقل بل نتاج قريحة فياضة وخيال جامح، وأخيراً بلغ أصحاب الحرف فوجدهم سقراط خيراً من الطبقات الأخرى من أمر واحد على الأقلّ هو أنهم يعلمون دقائق ما يفعلونه وتفصيلاته إلّا أنه وجدهم يرتكبون مغالطة لا تغتفر، وهي أنهم لكونهم يعلمون حرفهم جيداً يتصورون أنهم يعلمون أموراً أخرى سوى ذلك، من هذا كله وجد سقراط صواب (أبولو) وأن الإله صادق في نبوءته من حيث إن سقراط لا بُدّ أن يكون أحكم الآخرين طراً، فهؤلاء يجهلون ويدعون العلم أما سقراط فيجهل ويعلم أنه جاهل وبالتالي فهو أحكم منهم بدرجة.
يقول تيلور في كتابه عن سقراط بخصوص هذا ما يلي: “وفي الوقت المناسب أشرق على ذهن سقراط المعنى الحق لنبوءة الإله، إنَّ البشرية قاطبة تجهل ذلك الأمر الذي لا يعلو عليه سواه إلّا وهو وجود قيادة الإنسان نفسه قيادة رشيدة مستنيرة ووجوب رعايته نفسه بحيث تصبح خيرة إلى أكبر حد مستطاع، وقد وجد سقراط نفسه استثناء في هذا الصدد. بل إنه هو نفسه إن كان لا يعرف المعرفة القصوى الخاصة بقيادة الحياة في سبيل الخير فإنّه على الأقلّ يعلم أهمّية ذلك وهو يعلم بجهله بها، أنه على الأقلّ أعشى في وسط مكفوفين، فهو أحكم الناس بالقياس إلى المستوى الذي بلغوه. ومن هنا وجد سقراط كأن الإله (أبولو) يحمله واجباً هو أن يظل أبداً دائباً على تحصيل المعرفة
ــــــــــ[91]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
القصوى وأن يحفز أي إنسان غريباً كان أو مواطناً إلى مشاركته في ذلك. ومما يبدو في محاورة الدفاع نعلم أن سقراط هو مؤسس الفلسفة الأخلاقية (في اليونان)” انتهى كلام تيلور.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
انتهج سقراط منهجاً جديداً في البحث والفلسفة، أما البحث فكان له مرحلتان (التهكم والتوليد).
ففي الأولى: كان يتصنّع الجهل ويتظاهر بتسليم أقوال محدّثيه، ثُمّ يلقي الأسئلة ويعرض الشكوك شأن من يطلب العلم والاستفادة بحيث ينتقل من أقوالهم إلى أقوال لازمة لها ولكنهم لا يسلمونها فيوقعهم في التناقض ويحملهم على الإقرار بالجهل –وهذا ما يسمى بالتهكم السقراطي- أي السؤال مع تصنّع الجهل، أو تجاهل العالم وغرضه منه تخليص العقول من العلم السوفسطائي (أي الزائف) وإعدادها لقبول الحق.
وينتقل إلى المرحلة الثانية: فساعد محدثيه بالاعتراضات مرتبة ترتيباً منطقياً على الوصول إلى الحقيقة التي أقروا أنهم يجهلونها فيصلون إليها وهم لا يشعرون، ويحسبون أنهم استكشفوها بأنفسهم، وهذا هو (التوليد)، أي استخراج الحق من النفس، وكان يقول أنه يحترف مثل أمه التوليد، إلّا أنه يولد نفوس الرجال.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وأما في الفلسفة فكان يرى أن لكل شيء طبيعة أو ماهية، أي تكوين معانٍ تامّة الحدّ، فكان يستعين بالاستقراء ويتدرّج من الجزئيات إلى الماهية المشتركة بينها ويردّ كل جدل إلى الحدّ والماهية. فيسأل: ما الخير وما الشر، ما العدالة وما الظلم، ما الحكمة وما الجنون، ما الشجاعة وما الجبن، ما التقوى وما الإلحاد، وهكذا. فكان يجتهد في حدّ الألفاظ والمعاني حداً جامعاً مانعاً، ويصنّف الأشياء في أجناس وأنواع ليمتنع الخلط بينها، في حين كان السفسطائيون يستفيدون من اشتراك الألفاظ وإبهام المعاني ويتهرّبون من الحدّ الذي يكشف المغالطة، فهو (أول من طلب الحدّ الكلي طلباً مطرداً وتوسّل إليه بالاستقراء، وإنما يقوم العلم على هاتين الدعامتين يكتسب الحد بالاستقراء ويركّب القياس بالحدّ. فالفضل راجع إليه في هذين الأمرين).
ولقد كان لاكتشافه الحدّ والماهية الأثر الكبير في مصير الفلسفة، فقد ميّز بصفة نهائية بين موضوع العقل وموضوع الحسّ، وغير روح العلم تغييراً تاماً؛ لأنه إذ جعل الحد شرطاً له قضى عليه أن يكون مجموعة ماهيات ونقله من مقولة (الكمية) حيث استبقاه الطبيعيون والفيثاغوريون إلى مقولة (الكيفية)، فهو موجد (فلسفة المعاني) أو الماهيات المتجلّية عند أفلاطون وأرسطو، والتي ترى في الوجود مجموعة أشياء عقلية ومعقولة.
ــــــــــ[94]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الشطر الثاني من حياة سقراط: محاكمته واستشهاده، حين بلغ سقراط الأربعين جاوزت شهرته حدود دولته (أثينا) وانتشرت بين دويلات اليونان وصار الناس يأتون إليه لتلقي الحكمة منه. وكانت الأمور التي تشغله في الثلاثين عاماً الأخيرة من حياته هي معضلات النظام الأخلاقي وما يتّصل بخلود النفس وطبيعة الله، وهذا نتبينه بصورة واضحة في محاورات أفلاطون في دور الشباب وهي خير ما يعبّر عن طبيعة سقراط التاريخية، وقيمة سقراط ليس في هذه الأفكار التي عالجها وحاول أن يجد لها حلولاً، بل إن له قيمة أخرى هي ما كان له من منهج فلسفي أنماه وهذّبه وصار يعرف به، وكان هذا المنهج السقراطي هو الدليل الذي يقوده في حل معضلاته الذهنية الشتى.
وقد تزوج سقراط بعد الأربعين من زوجته الوحيدة (اكسانتيبة Xanthippe) التي كان له منها عند إعدامه ولد لم يبلغ العشرين وطفلان صغيران، وهذا يدل على قوة سقراط البدنية التي اشتهرت عنه طوال حياته. وكانت زوجتُه وديعةً شفيقةً كان له معها قبل موته لقاء طويل ممّا يدلّ على تقديره لها. ولعل التاريخ قد ظلم زوجة سقراط مثلما ظلم عدداً آخر من زوجات العظماء، وذلك بنشر إشاعات غير لائقة لعل القصد منها إظهار روح التندّر والفكاهة عن غير علم أو جدّ في الأمر.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أمّا الاتّهام الذي أعلنه أحد الحكام الخمسمائة فيتألف من شطرين: أحدهما خاص بإفساد سقراط للشباب، والآخر بأنّه يعبد آلهة غير آلهة الدولة، وأن له طقوسه الدينية غير المألوفة، إن الاتّهام بشقّيه غريب فاسد، عدا عن أنه لا يتطلّب عقوبة كعقوبة الموت. ويظهر أن الحكام كانوا يتوقّعون أن إجراءات المحاكمة ستقود إلى طلب عقوبة أخفّ كعقوبة النفي، لولا أن سقراط طلب الاستشهاد وأراد أن يظهر للملأ بموته أنه غير راضٍ عن السبيل التي يسلكونها، وأنه يريد لهم عيشة أفضل وحياة كريمة. وقد كان موقف سقراط طوال المحاكمة كما يلي:
إمّا أن يكون حكّامه على ضلال وبالتالي فيلزمهم بالإصغاء إلى ما يقوله سقراط في أحاديثه ومحاوراته، والتمثل بأفكاره عن الحياة الفضلى، أو يكون ما يقوله الحكّام صحيحاً وبالتالي فلا يقتنع سقراط بعقوبة أقلّ من عقوبة الموت، هكذا أراد سقراط أن يعيش أحكم الناس أو يموت ميتة فريدة من أجل حكمته. وكان هذا الموقف الصارم سبباً لأن يكشف حكّامه عن زيفهم، وأن يظهروا له عنادهم وصلافتهم، ومن هنا جاءت أكثرية غير كبيرة تؤيّد تنفيذ العقوبة فيه. كانت الأكثرية الأولى 280 إلى 220 أي بنسبة 56% وكان جميع الحكّام ينتظرون أن يتبع سقراط ما هو شائع مألوف فيلجأ إلى طلب عقوبة أخفّ، والكلّ كان يتوقع أن يقول سقراط إنه يودّ النفي والإبعاد عن (أثينا)، وإنه يعتذر عمّا مضى، كما كان شائعاً أن يجلب الإنسان زوجه وأطفاله
ــــــــــ[96]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ليستعطفوا بمنظرهم المؤسف شفقة الحكّام. إلّا أن سقراط لم يفعل شيئاً من هذا كلّه.
قال لحكّامه: إنه رغم براءته فإنّه قانع بحكمهم إذ إن تشكيل محكمتهم هو أمرٌ عدل يطابق الشرعية المألوفة. كما أنّه إذا نفذت فيه العقوبة فنتيجته أحد أمرين كِليهما حلو: فإما أنه سينام ملء جفنيه لا تقلقه أحلام مزعجة، وجميعنا في هذا العالم نتمنّى هذا النوم الهادئ المريح، أو -وهذا ما يفضّل سقراط الإيمان به- أنه سيعيش عشية رضيّة مع الأخيار الأبرار ومع آلهة طيبين. وأنه على فرض أنه سيحاكم ثانية فإنه سيجد من العدل أكثر ممّا وجد في هذا العالم، ومهما ستكون النتيجة فإنها لن تؤول إلى إعدام آخر.
ونتيجة الاقتراع الثاني(1) جاءت أغلبية أكبر ضدّ سقراط، وقد شكر سقراط موقف أولئك الحكّام الذين وقفوا إلى جانبه في الاقتراعين، ولم يظهر أي حقدٍ على أولئك الذين وقفوا ضدّه.
ولما كانت (أثينا) آنذاك تحتفل وكانت تتطيّر من الإعدام في مثل هذه الظروف، فإنها سجنت سقراط مدّة شهر ريثما تنتهي الأعياد، وفي السجن هيأ له تلامذته الهرب إلّا أن سقراط رفض أن يسيء إلى ساجنه، كما رفض أن يعيش خارج (أثينا) التي أحبّها.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) وكانت نتيجة الاقتراع الثاني بعد أن أصرّ سقراط على موقفه الحاسم الأبي هو 360 إلى 140 أي بنسبة 72%.
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أرسطو طاليس Aristotle (384/385 – 322.ق.م)
ــــــــــ[99]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والد أرسطو (نيقوماقوس) كان يشتغل بالطبّ، وكان الطبيب الخاص لجدّ الاسكندر ثُمّ والد الاسكندر من بعده (فيليبوبوس)، ففيلسوفنا كانت له ثقافة طبية، اشتغل بالطبّ وبالأبحاث العلمية الأخرى.
وهو -أي أرسطو- يختلف عن أفلاطون في أنه بحث في النفس والانفعالات والنباتات وأفلاطون كان فيلسوفاً رياضياً.
أرسطو جاء إلى (أثينا) من خارج (أثينا) في عمر الـ(18) أو الـ(17) فلذا عُدّ أجنبياً عن (أثينا) طول حياته، وظلّ إلى السابعة والثلاثين من عمره أي إلى وفاة أستاذه أفلاطون. منذ أن جاء إلى الأكاديمية اعتبره أفلاطون أحسن تلاميذه ثُمّ بعد وفاة أفلاطون على حسب التقاليد لم يعطِ أفلاطون الأكاديمية إلى أرسطو، بل سلّمها من الناحية الاسمية إلى ابن اخته وكان -أي ابن اخته- يبحث في الرياضيات، في حين أن أرسطو كان يبحث في العلم، ولم يقبل أن يستمر في الأكاديمية بل سافر إلى خارج (أثينا) ودرّس الاسكندر، ثُمّ رجع إلى
ــــــــــ[101]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
(أثينا) وحصل على ملعب اشتراه باسم واحد من أتباعه وأسّس الجامعة المشهورة (لوﭘيون) أو المدرسة المشائية(1).
إذن الفرق بين التلميذ وأستاذه أن أحدهما كان يميل إلى الجانب الوجودي الميتافيزيقي والآخر كان يميل إلى الأبحاث العلمية. وكان متأثّراً بأستاذه، ولكن لما أسّست اللـﭙيون أو (اللّيـﭙـة) بعد ذلك صار يهتم بالأبحاث العلمية الجزئية.
ولما جاء ثانية إلى أثنيا ظل فيها إلى أخريات أيامه 323 ق.م، وكان الاسكندر قد مات في بابل، وأخذ الأثينيون يضايقون أرسطو بعض الشيء؛ لأنهم اعتبروه متآمراً، من حيث إنه درّس الاسكندر، والاسكندر من (مقدونة) وليس (أثينا).
ولم يشأ أن يُسنِح الفرصة للأثينيين لأن يوقعوا به، وفرّ من (أثينا)، ومات في العام التالي (322) ممعوداً، أي مات بداء المعدة.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
() فأرسطو كان من عادته أن يمشي في أثناء المحاضرة بين تلاميذه، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أمّا من ناحية أفكار أرسطو: فما كان يقال من أن الإنسان يولد إمّا أفلاطونياً أو أرسططالياً فليس صحيحاً تماماً، بل إننا نستبين نظريته في المعرفة أنها ليست مختلفة عن أفلاطون في كلّ شيء، بل إن المؤلّفات التي ألّفها في حياة أفلاطون كانت متأثّرة بأفلاطون، ثُمّ إنه أخذ يتحوّل عنها -أي عن النظرية الأفلاطونية-. فحين نقرأ تاريخه لا بُدّ أن نعرف تاريخ مؤلّفاته.
كان يعطي مقاماً أكبر للمادة والمحسوس، وأفلاطون اعتبر المحسوس شيئاً وهمياً وأعطى الاهتمام للمُثل المجردة الموجودة في العالم الروحاني غير المادي، وهو ما نسميه بالتعميم أو القانون، وهو صيغة رياضية أو مسألة عقلية ثابتة، في حين أن التفكير في المادة -إنَّما يكون- على أنها متغيّرة، فالبحث العلمي في تغيّر مستمرّ.
أرسطوطاليس هو مثالي كأستاذه، وهما من مدرسة عقلية واحدة، وأصالته أي أرسطوطاليس ليست في إيجاد الأفكار الرئيسية بل في ملء الفراغات وجمع المعلومات. أفلاطون استفاد ممّا قبله من الأبحاث وأرسطو كان بحثه أوسع وأضاف إليها أبحاث جزئية من التاريخ الطبيعي وغيره.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
فهو فيلسوف موسوعي، دائرة معارف فلسفية علمية، فهو نشر أجنحته في سطح الفلسفة، وأفلاطون تعمّق في الفلسفة، وأرسطو لم يكن أصيلاً فالأفكار الأساسية أخذها من أفلاطون.
والفلاسفة إمّا من النوع الأوّل أو الثاني، وكلا النوعين ضروري في المعرفة الفلسفية، فمرّة نجد الفيلسوف يأتينا بمناهج عقلية ومرّة بأبحاث جزئية.
الآن نبحث عن النظرية الأفلاطونية في الوجود ثُمّ نقارن بينها وبين نظرية أرسطو:
نحن نعلم أن الوجود الأفلاطوني في مستويين هما الحسّ والعقل، وعنده أن عالم المعقولات هو العالم الأكمل، وأن عالم الحسّ هو عالم وهمي ظلّي، وهذا من قبيل التعميمات العلمية والصياغات العقلية، وهو أي عالم المثل ذو وجود ثابت أي إن وجوده لا يتغيّر، وأفلاطون وضعه في عالم خارج عن المادة عالم الأرواح، وهي التعميمات العلمية الثابتة التي لا تتغيّر.
أمّا عالم الحسّ والمحسوسات فهو عالم وهمي ولكنه يعطينا بعض المعارف، فالإنسان مضطرّ أن يبدأ به؛ لأنه تخالطه المادة، وفي النهاية ينتهي بأبحاثه العلمية كما ينتهي بوجوده إلى الأرواح الثابتة والتعميمات الثابتة.
واحتفظ التلميذ من أستاذه بفكرة المثال وحوّلها إلى فكرة الصورة، وعنده أنها لا بُدّ منها وأنها عامل أساسي في تركيب الوجود وليست هي العامل الوحيد، بل إلى جانبها أقام المادة في تركيب الموجودات، فالذي ليست له مادة
ــــــــــ[104]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
غير موجود وهو متخيَّل وليس إلّا تعميماً، وإذا كان موجوداً فلا بُدّ أن له مادة.
وهو استطاع أن يجمع في كتاباته كلّ الفكر اليوناني، واستطاع بفكره الممتاز أن يملأ الفراغات الموجودة بالأفكار الفلسفية، في كلّ هذا كان أصيلاً. ولكن لم يكن أصيلاً في أنه يأتينا بالأفكار الأساسية.
فنحن نجد عنده بعض التعارض من أجل أن أفكاره مرّت بأدوار متعدّدة وكانت كتاباته بشكل مسودات لتلاميذه.
إذن نتبيّن أن نظريته في الوجود أنه يتألّف من مادة وصورة، وهي -أي المادة- الشيء القابل لأنَّ يَتَصَوَّر -يتعيَّن-، فالمادة الأولى أو الهيولى هي شيء غير موجود، ولكي تكون موجودة لا بُدّ لها من مادة، والصورة هي التي تعطي المادة التعيين، والمادة هي الشيء التي تقبله. فالوجود لا بُدّ له منهما، ونحن من الناحية العقلية نستطيع أن نفكّك بين الطرفين ونتصور الهيولى الأولى -بدون صورة- والصورة بدون مادة، فالوجود متكوّن من طرفين: الهيولى الأولى أو المادة الأولى (الإمكان المطلق)، والصورة الخالصة (الله) (الفعل التامّ)، فالمادة الأولى موجودة منذ أن تأخذ الصورة الأولى، فالحركة أو التصوّر أو الصيرورة هي من صور الوجود، فنجد المادة الأولى تأخذ صورة وتكون موجودة، ثُمّ تتحوّل إلى لا وجود، ومعنى ذلك أن هذه الصورة قد زالت وجاءت صورة أخرى مكانها. فهي تتحوّل من وجود إلى لا وجود، ثُمّ إلى وجود، ثُمّ إلى لا
ــــــــــ[105]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وجود. فالباب تحوّلت إلى لا وجود من حيث إنها غير جذع الشجرة.
فالكون والفساد هو من ظواهر الوجود الأساسية، وهو التحوّل من الوجود إلى اللاوجود إلى الوجود. والتحوّل في الصيرورة هو انتقال ارتقائي، كما نعتقد اليوم في عالم الحياة من أن الكائنات تترقّى، فالكائنات العليا هي نتيجة الكائنات الأسفل منها، فهو يعني الشيء نفسه ليس فقط بالنسبة إلى الحياة بل حتّى إلى المادة الميتة.
ثمَّ هذه الكائنات في صيرورتها وارتقائها المستمرّ تتحوّل من كامل إلى أكمل حتّى تنتهي إلى صورة خالصة ليست مشوبة بالمادة، فكأن الوجود سيره إلى اللاوجود، فانتقال الوجود إلى اللاوجود يجعل انتقال الإمكان المطلق إلى الفعل التامّ، ومعناه أن الفعل التامّ هو خارج الوجود، إذن وقعنا في مفارقة في حين أنه أرقى أنواع الوجود، وهذه مفارقة أرسطو.
أفلاطون اعتبر أكمل الموجودات هو عالم المجرّدات، وتلميذه اعتبر أن الوجود إذا كان موجوداً فلا بُدّ له من صورة وهي -فيما يقابل- المثال عند أفلاطون ومادة. ومن الناحية الذهنية يمكن أن نتصور فصلهما، ومن حيث إن الارتقاء في هذا الوجود يتأدّى من مادة أكبر إلى مادّة أقلّ(1)، والنهاية أن الصورية تزداد والمادية تقلّ، فهو يفكّر بنفس العقلية الأفلاطونية، وأن المادة
ــــــــــ[106]ــــــــــ
() في المسودة: “من مادة أقلّ إلى مادة أكبر”، والذي اثبتناه أصحّ بدلالة ما يلي. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تؤثّر في الوجود وأن..(1) الصورة أو المثال أكمل.
والنتيجة المنطقية لذلك كله أننا عندما ننتهي إلى الصورة الخالصة أو إله لم تكن الموجودات ذات مادة فكأن الوجود بأكمل أشكاله لا مادة له، وهذه مخالفة لنظريته من أنه إنما يكون الوجود موجوداً لا بُدّ له من مادة، فكلام أرسطو يبدو غير متّسق، وسببه أنه ليس له أفكار تفصيلية خاصة(2).
ــــــــــ[107]ــــــــــ
() يوجد عبارة في المسودة لا يمكن قراءتها. (المقرِّر).
(2) أجوبة على بعض الأسئلة:
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أفكار أرسطو في المعرفة متوازية مع أفكاره في الوجود. نظرية المعرفة عند أرسطو: لما كانت المادة هي العامل الأساسي في الوجود ولا بُدّ منها لكي يكون الشيء موجوداً إذن وازت المادة للحسّ. والحسّ ما هو إلّا المرتبة الأساسية الأولى للمعرفة، فالشيء المحسوس هو الموجود، وما لا نحس به غير موجود. في حين أن الحسّ والأحلام عند أفلاطون هي صور مشوشة نستفيد منها بعض الشيء ولكن ليست لها أهمية، وعند أرسطو أنه لا بُدّ من الحسّ في كلّ معرفة.
والمدركات الحسية من أنواع متعددة: فنوع منها ما يدرك بعضو حسي واحد، أو بحاسة واحدة كاللون للعين والصوت للأذن، لكن في المدركات الحسية الأخرى نجد أن المدرك الحسي يدرك بأكثر من حاسة أو أن الحاسة الواحدة تدركه بصورة مشوشة؛ لأننا ندرك المحسوس بأكثر من حاسة واحدة، كالشكل والحركة فإننا ندركهما في العين واللمس، والبرتقالة ندركها بالسمع والبصر والشم والذوق واللمس، فنستعمل عدة أعضاء في إدراك المدرك الحسي، فرؤيتك للبرتقالة فقط ليس كلّ إدراك وجودها.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ثُمّ من ناحية ثالثة بعض المدركات الحسية سماها بالخصائص العارضة، مثال ذلك أن الشخص الواقف خلف الباب هو ابن أخي. إذن في الخصائص العارضة نحن نجمع بين المحسوس وبين بعض صفاته العارضة غير الحسية، وعنده أن كلّ الكائنات في إمكانها الإحساس لكن الأحياء الكبيرة تكون ذات معرفة أكبر. الحسّ لا يبقى وإنما لا بُدّ لها من قابلية أخرى يسميها التذكّر.
وهو مستوى أرقى في المعرفة، وهي الحفظ وإمكانية الاستعادة، ولا توجد إلّا عند الإنسان والحيوانات العليا كالكلب واللبنيات الأخرى.
والتذكر يستفيد من مهارة أخرى يسميها التخيل وهو أن الصورة الحسية تبقى في الحسّ ويدركها الإنسان بعد فوات المحسوس، والصورة المتخيلة يعتبرها أنها هي المادة المستعملة في الذكريات. وهذه إمكانية في المعرفة أكثر من إمكانيات الحيوانات السفلى، والذكرى مجموعة من إحساسات يمكن خزنها في الذاكرة واستعادتها.
الذكريات المتعددة عنده هي التي تكوّن ما يسميه بالخبرة أو التجربة، وهي: مجموعة ذكريات تحصل للإنسان يستفيد من مجموعها خبرة، والذكريات متشابهة هي ما سميناه بالخبرة، وإقامة التشابه والمقارنة بين الذكريات أو المفارقة بينها هو من قابليات الإنسان لا الحيوان.
إذن ليس إلّا الإنسان من يستطيع أن يكون مختبِراً ومجرِّباً، فالتجربة هي من صفات الإنسان.
التجارب المختلفة يمكن أن تتّصل بطريق المقارنة عند أصحاب المهارات
ــــــــــ[109]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
من الناس إلى مستوى الفنّ، أو ما يسمّيه (تخنه techne) الفنّ أو التكنولوجي أو المهارات العملية، وفي الفنّ نستطيع أن نصل إلى القواعد العامة، ولا نستطيع أن نصل إلى الأسباب البعيدة والتعليل. ففي مستوى المهارات العملية كالأخلاق والاقتصاد والسياسة كلّ هذه تدخل في الفنّ النظري أو العملي، نستطيع أن نصل إلى بعض التعميمات، وهي ليست من نوع المعرفة الأصيلة القائمة على أساس معرفة الأسباب الأولى.
وإنما تكون المعرفة في مرتبة العلم، فالعلم هو أشرف المراتب المعرفية لأنه يوصلنا إلى العلل الأولى للأشياء أو التعليل الأكمل، ومن هذا نتبيّن أن المعرفة متدرّجة بين الحسّ والعلم، لدينا الحسّ وفيه نعلم الفرد، ولدينا العلّة الأولى أو العلم وفيه نعلم القانون أو الجنس.
إذن المعرفة مترتبة في أفراد وأجناس والأجناس في مقابل المثال الافلاطوني. والفرد من أفكار أرسطو الخاصة.
ونجد عنده القضايا الكلية والجزئية والمهملة، فـ(سقراط إنسان) قضية أساسية عنده؛ لأنه يعطي اهتماماً للفرد كما يعطي أهمية للجنس فهو يجمع بين المثالية والجزئية، وهو يقدِّر المادة والشيء المتعين أكثر من أفلاطون.
وهو يستعمل الاستقراء والاستنتاج، فالاستقراء لا بُدّ منه في معرفة الأفراد وفي المعرفة العلية(1) ولعل الأصل معرفة العلية أو المعرفة العلمية
-والأول أوفق بالمقصود- نحتاج إلى الاستنتاج فهو فيلسوف مثالي وعالم معاً.
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() كذا في المسودة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نجد أن الفرد يتقصَّى بعض الأسباب وعنده أن الأسباب مشوشة ويصل إليها بصورة تقريبية، فمجموع الإحساسات تنتهي إلى التذكّر، ومجموعة التذكّر ينتهي إلى الخبرة، ومجموعة الخبرات تنهي إلى الفنّ، والفن ينهي إلى العلم.
فالإحساس أقرب إلى الفن، والعلم أقرب إلى الحقيقة أو الجنس والنوع، وفي هذا مفارقة، فهو يفكّر في المثال الافلاطوني لا شعورياً رغم نقداته للمثال الافلاطوني، و-قوله- إن هذا ليس إلّا تعميماً وهو غير موجود وفي عالم اللاوجود، ومن ناحية أخرى، أنه يقول: إن كلاً من الفرد والعلم وجوده وجود حقيقي، من حيث إنه فيلسوف يبحث في التفاصيل كان يبحث في الجزئيات، وكان لا شعورياً يؤمن بالمثال الافلاطوني، وهذه المفارقة لأن أبحاثه مرّت بأدوار متعدّدة فهو كان يؤمن في أول حياته بمذهب أفلاطون ثُمّ حاول النظر والبحث.
يقول إن الفرد هو الموجود بالحقيقة، ثُمّ يقول إن الجنس والنوع هو الموجود في الحقيقة، فهو يصارع بين تفكيره التجريبي وأفكاره المتأثّرة بأفلاطون.
إذن نلاحظ أن تفكير أرسطو في الوجود أدّى به إلى فكرته عن المقولات وهي نوعين أساسيين:
ــــــــــ[110]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وهي عشرة(1):
والجوهر يؤخذ بمعنيين بمعنى الفرد أو بمعنى النوع أو الجنس، وأرسطو مذبذب بين اعتبار كون الوجود الحقيقي هو الفرد أو النوع.
الأمثلة عن هذه الأعراض: الجوهر: مثل (سقراط) أو (هذا الكرسي). الزمان مثل: (أمس). المكان: (هنا) أو (في بغداد)، الكم: (ثلاثة أشبار). الكيف: (أبيض). الوضع: (مقلوب) أو (أفقي). الإضافة: () أو (ابن زيد)، الحالة: (متّسخ) أو (مريض)، الفعل: يعني حالة تأثير الشيء بالشيء الآخر، والانفعال: هو حالة التأثير من الأخير للأول، فالفعل يكون من جانب النجّار
ــــــــــ[112]ــــــــــ
() في المسودة تسعة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والانفعال من جانب الخشب، وكلّ عمل به فعل وانفعال، والجوهر هو الأساس. فنرجع إلى الفكرة الفيثاغورية بأن الواحد هو المصدر. وبعض الأعراض أكثر أهمية من الآخر، فنجد أن الوضع يتحدّث عن المكان والحالة تتحدّث عن الكيف، والفرق بين الوضع والمكان أن المكان يتحدّث عن مجموع الشيء والوضع عن جانب منه. والكيف يتحدّث عن مجموع الشيء، والحالة تتحدّث عن بعض الشيء. فعندما نقول: (إن الصفحة بيضاء)، فهذا كيف، وهو أنها كلها بيضاء، أما كونها متّسخة فهي حالة، وليست كيفاً؛ لأن قليلاً منها متّسخ، ولو كانت كلها متسخة لتغيّر تحدّثنا عنها وقلنا إنها سوداء فتغيّر الكيف حينئذٍ.
فنجد أن الحالة والكيف هما من مقولة واحدة، مع فارق: أن الكيف يتحدّث عن جميع الشيء والحالة تتحدّث عن جانب الشيء، وكذلك المكان والوضع، فنحن عندما نقول: (زيد في بغداد) فكله في بغداد وعندما نقول (إن الشيء مقلوب) أو (أفقي) فليس كلّ الشيء مقلوباً أو أفقياً بل الشكل العام موصوف بذلك، فالحالة صورة من الكيف وهي للجزء، وأن الكيف للكل، والصحة نستطيع أن نعدّها من الحالة؛ لأنه -أي الشخص المريض- ليس كله مريضاً. وكل هذه الأعراض تتحدّث عن الصفات التي للجوهر وهو الفرد أو النوع والجنس.
فالرقم عشرة كان مقدّساً عند الفيثاغوريين صار مقدّساً عند أرسطو، وبالرغم من أنه لاحظ أن بعض المقولات أقلّ أهمية من بعض، مع ذلك حاول الاحتفاظ بالرقم عشرة.
ــــــــــ[113]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الفعل والانفعال نستطيع أن نعدّهما مقولة واحدة؛ لأنها تحدث في آنٍ واحد. وهذه الأعراض استنتجها ممّا سبق ما عرفناه من مذهبه الفلسفي.
ومن جملة نظرياته(1) أن الأجسام في سقوطها متناسبة في سرعتها مع وزنها، وهذه نظرية فيزياوية استنتجها استنتاجاً عقلياً، وهو في الاستنتاج العقلي لا يختلف عن الفلاسفة المثاليين الرياضيين وبخاصة أفلاطون، وفي الخمس والعشرين سنة الأخيرة من حياته استفاد من التجربة والجزئيات والاستقراء. الفيلسوف الرياضي هو الذي يفكّر بأسلوب عقلي استنتاجي.
بعد المدرسة المشائية انهارت المدرسة اليونانية، ولكننا نجد بعض اللمعات العقلية الفكرية بين حين وآخر.
ومن التيارات البارزة التي نجدها بعد المدرسة المشائية هي المدرسة الرواقية والابيقورية، وهما مدرستان اخلاقيتان، ولم يكونوا يعنون بالجانب العقلي أو بالأبحاث المنطقية التي كانت عند السابقين.
الفكرة الرئيسية عندهم هي فكرة الزهد لإعطاء المجال الرحب للتفكير العقلي، وذلك لأنَّ المادة من شأنها إزعاج الأفكار العقلية.
والأبيقورية هي مدرسة اللذّة، واعتبرت إشباع الحواس هي من كمال
ــــــــــ[114]ــــــــــ
() ومن جملة نظرياته… (شرح). (المقرِّر).
(2) في هذه الحصة زاد الدكتور من سرعة كلامه، ممّا أدّى إلى قلّة الضبط في كتابة المحاضرة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الإنسان، وإن الأبحاث لا بُدّ أن تتّجه إلى أبحاث الحواس(1). ولكننا لا يمكن أن نعتبرهم أصحاب شره ونهم في الطعام والشراب، بل اعتبروا التفكير من المميزات الأساسية في الإنسان التي يجب أن يوفيها الإنسان -حقّها-.
ويبدو أن مشكلة السعادة عندهم من المشكلات البارزة في كلا المدرستين، ومشكلة التكامل الأخلاقي وما ينتج عنها.
وفي الفترة اللاحقة نجد أن اليونان انحطّت من الناحية السياسية، وحلّت محلّها الإمبراطورية الرومانية، فاختلطت المدارس بين الشرق والغرب.
هذه الفلسفة التي جمعت بين العقل والدين هي أقرب إلى الفلسفة الإشراقية، أي تجمع بين الزهد والتفكير العقلي(2).
ومن ناحية أخرى إن الفلسفة اليونانية مرتبطة بالفلسفة الحديثة أكثر من ارتباطها بالفلسفة المسيحية بالعصور الوسطي. فالفكر الحديث في الغرب هو استمرار للعقل اليوناني، وهو ثورة على الأفكار في العصر الوسيط، والمدارس المسيحية من بينهم الأكويني Aquinas Thomas (1225-274)، والقديس أوغسطين.
ثُمّ إن التفكير المسيحي -والمشاكل التي كانت عندهم- مشابه للأفكار التي عرفوها في الفلسفة الإسلامية، أي إن توماس الأكويني كان يأخذ الأفكار
ــــــــــ[115]ــــــــــ
() كذا في المسودة. (المقرِّر).
(2) وفي المرّة المقبلة نتكلّم عن الفلسفة الحديثة في الغرب، بعد أن نجتاز ألفي عام، وفي خلالها كان يوجد تفلسف في الشرق والتفلسف المسيحي وهو أقلّ في صعوده من التفلسف الإسلامي. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
اليونانية ويخضعها للمسيحية. وهو بهذا متأثّر بابن رشد Ibn Roshd (1126- 1198)، وحاول أن يعمل نفس الشيء للمسيحية، فكما أن ابن رشد حاول أن يخضع الفلسفة اليونانية للإسلام حاول توماس أن يخضعها للمسيحية.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إن الذي شاع لدى الوسيطيين وجود التعارض بين أفلاطون وتلميذه ليس هو تعارضاً في الجوهر والأسس، وإنما هو في الواقع مجرّد اختلاف في وجهات نظر بخصوص تفاصيل معيّنة، وحتى هذا الاختلاف لم يظهر بوضوح إلّا منذ وفاة أفلاطون (347 ق.م) وبصورة تدريجية؛ لاهتمام أرسطو المتزايد بالدراسات العلمية الجزئية. إنَّ التفسير الفلسفي للكون عند كلٍّ من الأستاذ وتلميذه يقوم على أساس ربط الكون -الطبيعة- بعالم الوجود المطلق. ولذا بحسب ما قدّمناه من تعريف لأصحاب مذاهب الوجود كان أرسطو ميتافيزيقياً رغم أبحاثه العلمية بالقدر نفسه الذي تميّز فيه أستاذه بالأمر ذاته، بل إن الاثنين معاً أقرب إلى أن يكونا من مدرسة واحدة. إيمان أرسطو بالوجود المطلق الثابت، وربط ما في العالم من تغيّر وحركة بذلك المطلق، هو الذي يقرّبه في نظرنا من أفلاطون، ويجعلنا نعدّه مجرد تلميذ مخلص لآراء أستاذه لا غير، رغم النقد الشديد الذي يقدّمه أرسطو لأستاذه حينما يتعرّض لآرائه التفصيلية. إلّا أن عبقرية أرسطو جعلته في تفسير التغيّر لا يكتفي بالرجوع إلى الماهيات الثابتة فحسب، والأيدوس Eidos (المثال) الافلاطوني لم يكن عنده سوى
ــــــــــ[117]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تعميم وليس وجوداً أو كياناً أو ماهية قائمة في حدّ ذاتها، ومن هنا فإن هذا التعميم هو نتاج الفكر وإن كان عند أرسطو عنصراً وصفة للأشياء -الكائنات الموجودة-، إلّا أن هذا المثال ليس في حد ذاته شيئاً رغم كونه جزءاً من بناء الأشياء، ولا تعميم عند أرسطو يكون ذا وجود جوهري.
وأرسطو كأستاذه يؤمن أن العلم لا يكون إلّا بالكلي الضروري، لكن بينما تتقوم ماهيات الأشياء عند أفلاطون بالمعرفة فقط إذا بأرسطو يرى أن ماهية الشيء لا تتقوم إلّا به وفي دائرته من حيث هو كيان موجود (متعين)، والوجود الحقيقي عند أرسطو إذن يشمل حالات متعددة من الصيرورة -اتّخاذ الصور المختلفة-، ويكون ذلك ابتداءً من الهيولى -المادة الأولى- وهي مجرد إمكان بحت حتّى نصل إلى الواقع أو الفعلية التامة -أي الله-. لكن الله من حيث هو صورة خالصة من غير مادة أصبح هو الآخر إمكانية عقلية ذات وجود ضروري كضرورة المادة الأولى التي هي غير متعيّنة بأي صورة وبالتالي فهي إمكان، فالوجود ينسج نفسه في دائرة متتابعة الأجزاء تبدأ بإمكان وتنتهي به، وكل كائن عيني -موجود أو له واقع متعين- لا بُدّ أن يتألف إذن حسب رأي أرسطو من مادة وصورة، المادة هي بطانة كلّ صيرورة أو تغيّر. المادة هي الشيء الذي يراد تعينه والصورة هي العنصر المعين الذي يعطي للمادة خصائصها وصفاتها، والصورة هي الماهية المقابلة للتعقل وللقول بأن شيئاً ما هو (كيت)، والتمييز بين المادة والصورة ليس إلّا تمييزاً نظرياً ذهنياً، أمّا في الواقع فهما متّصلان غير منفصلين.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
فالوجود هو هذه الصيرورة التي تسير في سلم ابتداءً من المادة الأولى، والإدراك عند أرسطو يقع في ترتيب موازٍ لهذا السلم الوجودي ايضاً، ومن هنا إذا كانت المادة الأولى تُبدأ الوجود، كان الإدراك الحسي عند أرسطو هو أساس ما يأتي بعده من صور المعرفة والإدراك عند الإنسان، والإدراك الحسي لا يقع إلّا على جزئيات أو أشياء فردية، وتعريف الإحساس عند أرسطو هو أنه الملكة التي نتقبل بها صور الأشياء دون مادتها. فخاتم الذهب الذي يطبع نقشه في الشمع لا يكون الشمع قد اخذ من الخاتم سوى النقش دون مادة الذهب نفسها، إلّا أن الإدراك الحسي ليس مجرد تقبل سلبي إنما هو فعل للذهن يقوم بالتمييز.
وميّز أرسطو في محتوى الإدراك الحسي ما يأتي:
إن جميع الكائنات التي تدركها حسيّاً يمكن أن تكون لها قابلية المعرفة، إلّا أن ليس كلّ كائن يدرك حسياً يرتفع إلى مرتبة المعرفة المعممة، هذه الكائنات الأخيرة لها قابلية خاصة هي مقدرتها على التذكر memory أي المقدرة على حفظ واستعادة الاستحضارات وقرنها بما سبق لنا إدراكه في الماضي.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والذاكرة تعتمد على (الخيال phantasia) الذي هو نتيجة آلية للإدراك يعمل بعد فوات المدركات الحسّية، وعمل الخيال يكون على المترسّبات أو (الصور المتخيلة Phantasmata) التي تبقى في أعضاء الحسّ، وبمعونة الذاكرة يتكوّن في الذهن نوع من المعرفة أعطاها أرسطو اسم الخبرة (التربة)، وماهية الخبرة تقوم في تجميع جزئيات متشابهة تحت أسماء عامة، وتميّزت الخبرة أو المعرفة التجريبية عن الأشكال العليا من العلم و(المهارة العملية Techne episteme) لكونها لا تتجاوز إقامة التشابه بين الجزئية المقارنة ببعضها البعض. لكن من الناحية الأخرى حين تقوم التعميمات على أساس علّة عندها تبلغ الاستبصار العلمي.
إن الفرضية العلمية يجب أن تكون بالضرورة كلية، والكلية هنا ذات وجهين: فالفرضية تحوي فئة بأجمعها أولاً، وتحوي Eidos أي الماهية التي يمكن اكتشاف مشابهاتها تجريبياً في كلّ الأفراد التي تدخل في الفئة. وأعلى مرتبة تبلغها هي مرتبة العقل Eidos وهي تتقبّل الصورة الممكن تعقّلها، كما أن الحسّ يتقبّل الصورة الممكن الإحساس بها. وقد صعب على أرسطو أن يعرض نظريته عن العقل Nous بصورة تتلاءم بدقة مع ما قاله عن الإدراك الحسي والاستبصار العلمي.
فالعقل يدرك المبادئ إدراكاً مباشراً أو حدساً وهذه المبادئ غير شبيهة بغيرها من القضايا التي يمكن أن توصف بالصدق والكذب. إلّا أن العقل لا يعمل أو ينشط في عالم مجرد، إذ هو يدرك المبادئ المتيسّرة له بواسطة المادة التي
ــــــــــ[120]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تزودها الملكات الدنيا للذهن، إن الفكرة هي غير الصورة المتخيلة إلّا أننا لا نستطيع التفكير من دون الصور المتخيلة.
وقد آمن ارسطو بكل من الاستنتاج والاستقراء كوسيلتين في البحث العلمي، فالعالم هو -أولاً- كثرة من الجزئيات، و-ثانياً- هو من ناحية أخرى جهاز أو نظام من القوانين العامة تعتمد عليها الجزئيات. والفرد العارف يرى الجزئيات أقرب إليه نسبياً من القوانين الكلية، والجزئيات أيسر عليه من القوانين الكلية، علماً أن الجزئيات أسبق ومعرفتها أيسر نسبياً. لكن بالنسبة إلى طبيعة الأشياء أو بحسب نظام الحقيقة، تكون المبادئ أسبق من الجزئيات وأولى منها وجوداً. وبها نفسّر وجود الجزئيات وبطريقها نعرفها أن الصور العظمى للاستدلال التي اكتشفها أرسطو لأول مرّة -الاستقراء والقياس- يناظران هذا الاختلاف بين الأولية بالنسبة إلينا والأولية بالقياس إلى الطبيعة، ففي الاستقراء، وهو في الواقع في صورة قياسية، نتقدم من الجزئيات إلى الكليات بجمع الأمثلة. أمّا في القياس فنتقدم من المقدمات إلى النتيجة عن طريق حدّ أوسط هو سبب الارتباط الموصل إلى النتيجة.
إن الاستقراء من حيث الترتيب الزمني مرحلة ضرورية من تقدم العقل إلى تلك المرحلة التي يمكنه بها أن يصل إلى الكل كما هو، والكل هو ما يمكن حمله على أفراد صنف بأكمله، وهو أساساً ما يمكن حمله على كلّ فردٍ فرد على حدة، ومن هنا قامت المعرفة على أساس مبدأ التغاير أو التناقض (أي أن
ــــــــــ[121]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الخاصية الأساسية الواحدة لا يمكن أن تنتسب وأن لا تنتسب إلى فئة مّا من فئات الأشياء). هذا المبدأ لا يمكن البرهنة عليه لأنه أساس كلّ برهان. أما إنكاره فيقرب من إنكار اتّصاف الأشياء الحقيقية بأية صفات ثابتة.
نقد: على الرغم ممّا قد يكون من صائب في كلام أرسطوطاليس فإنه نظر إلى الوجود على أساس ككونه في صورة (موضوع – محمول) والمحمول عنده هو واحد من مقولاته، والمقولة الأساسية الجوهر هي الفرد الحقيقي، هذا الفرد ليس ذرّة، وإنما هو عضو في نوع طبيعي. أما المقولات التسع الأخرى فتشير إلى الخلافات العامة بين المحمولات التي نعبّر بها عن معرفتنا بما هو فردى متعيّن. إن موضوع الحمل أقرب عند أرسطو إلى أن يكون الفرد العددي منه النوع الطبيعي، أمّا الكثرة العددية فقد عدّها أرسطو عرضاً أخيراً يتصل بالفرد الحقيقي الممكن الحمل عليه، لا سيما وأن الفرد هو جزء من عالم الكون
-الكون في مقابل الفساد-. إن كلّ شيء عند أرسطو في دورة (وجود – لا وجود – وجود)، وهذه هي الصيرورة. لكن لما كان العلم هو بالكلي أصبح الفرد وكأنه خارج نطاق المعرفة.
شاع في الغرب اليوم التمييز بين الخلق الفرد والسلوك الاجتماعي أو الشخصية الاجتماعية للفرد. فهناك ما نتوقّعه من الفرد كمواطن يخضع لقانون اجتماعي، وهناك ناحية أخرى ما نتوقّع من الفرد نفسه من خارج إطار هذا السلوك الاجتماعي. وفي هذا ثنائية في التفكير لا يستطيع الفكر الغربي الحديث
ــــــــــ[122]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أن يتخلّص منها، ومن مفارقات مثل هذه النظرة أنه حينما لا يخرج الفرد على القانون الاجتماعي عندها يستطيع أن يفعل ما يشاء، مثل هذه النظرة الازدواجية لا تعطي مقاماً للنيّة كما يفعل الإسلام مثلاً إذ لا يميّز من هذه الناحية بين الظاهر والباطن، والظاهر الذي لا يسنده دافع داخلي هو تزوير وخبث في نظر الله، وأفلاطون وإن لم يتحدّث عن النيّة فإنه من الناحية الأخرى قد تصور توازياً أساساً بين تركيب الطبيعة الفردية والطبقات الاجتماعية، ومن حيث وجود مثل هذا التوازي ينتفي إذن ازدواج السلوك الفرد، وأصبح من غير الممكن في نظر أفلاطون وجود المواطن من ناحية ورغبات الفرد الخاصة من ناحية أخرى.
وقبل الخوض في نظريات أفلاطون لا بأس من مقارنة أخرى نقدمها بين يدي هذه النظريات: أن أحد العلوم الحديثة هو علم النفس الاجتماعي، وهو علم يتوسّط بين علمي النفس والاجتماع ويدرس الأسس النفسية والاجتماعية للسلوك الإنساني، هذه الأسس تتوزع بين نظريتين متطرفتين رئيسيتين: إحداهما تؤكّد عامل الفطرة والوراثة، والأخرى تؤكّد عامل الوسط والبيئة والثقافة (أي المجتمع).
الواقع أن كلاً من النظريتين متطرف وأن الحق الذي يتبعه عدد كبير من العلماء في شتى الحقول الإنسانية يتوسّط بين هذين الطرفين، هذا السبيل المتوسّط هو سبيل تركيبي يؤكّد على عاملي الوراثة والبيئة معاً.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إن من مفاخر أفلاطون أنه رغم بعد الشقّة بيننا وبينه فإنه من هذا الخصوص لا يتطرّف في موقفه لا مع الذين يؤكّدون عامل البيئة ولا مع الآخرين، وإنما هو يبيّن أن كلاً مِنّا حينما يولد يكون مزوداً بعدد كبير من الاستعدادات، وأن هذه الاستعدادات متفاوتة من فرد إلى فرد من ناحية، وهي لا تظهر دون وسائط التربية والتعليم من ناحية أخرى.
وعنده أنه لا يصلح حال الفرد بغير مجتمع فاضل سعيد، ولكن حتى في مثل هذا المجتمع فالأفراد كلهم ليسوا سواء بطبيعتهم، ينظر أفلاطون في تحليل المجتمع البسيط، غير أن أبسط المجتمعات لا بُدّ أن يتألف من طبقات ذكرها كالتالي:
ب: التجّار.
ج: البحّارة وأصحاب السفن.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ويسمّيها باسم (الحراسة) اقتباساً للاسم من كلاب الحراسة.
إن طبقة الحراس يصلحون للأعمال العسكرية البدنية وقت الحرب ضدّ الخطر الخارجي، لكن في أوقات السلم لا بُدّ أن يكون لدينا حرّاس من نوع آخر هم الطبقة العليا في أي مجتمع متطوّر في وقت السلم.
هذه الطبقة هي طبقة الفلاسفة والساسة وذوي الاختصاص في كلّ علم وفنّ.
هكذا كان المجتمع المثالي أو الراقي وهو الذي يتألف ممّا يأتي:
وأفلاطون كفيلسوف يتحدّث عن الطبقة الأولى ويهمل الطبقتين الأخريين، ويرى أن كلاً من هذه الطبقات إذا قامت بواجباتها المطلوبة منها كانت النتيجة توفّر المجتمع الأمثل الأفضل، أو بكلمة واحدة توفّر لدينا المجتمع العادل.
إن الواجب الرئيسي للطبقة الثالثة أو وظيفتها الرئيسية هي أن تتّصف بالعفّة أو ضبط النفس، وما يتّصل بذلك من الأمانة وصفات أخرى إن توفرت في العمال والزراع والتجار لم يكثروا من الربح على حساب بعضهم البعض، ولم يفرطوا في الاحتكار وغير ذلك من شؤون البيع والشراء. والمجتمع إذا لم
ــــــــــ[125]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تتّصف طبقته الثالثة بالعفّة أو ضبط النفس أو حكمه أفراد كانت صفتهم الرئيسية الجشع والطمع، أدّى ذلك إلى إثراء الساسة على حساب الشعب، وإلى اهتمام الحكام بملء جيوبهم بدل إنجاز المشاريع، وهذا يؤدّي من جانب إلى افتقار المجتمع بصورة عامة، كما أن مثل هذا المجتمع سيتحارب فيه الحكام فيما بينهم وبين أنفسهم، ويتعدّى الواحد على ما للآخر. والنتيجة من هذا كلّه افقار الجميع أيضاً.
أمّا الطبقة الثانية: فهي في حاجة إلى فضيلة العفّة، إلّا أنها مطالبة بفضيلة أخرى أكمل هي فضيلة الشجاعة والمبادءة والمجتمع الذي لا يتّصف جنده بهذه الفضيلة نتيجته الخسران في الحرب واستعداء البلاد المجاور عليه.
أمّا الطبقة الأولى: فهي في حاجة إلى صفتي العفّة والضبط من ناحية، وفضيلة الشجاعة والمروءة والمبادءة من ناحية أخرى.
إلّا أن الصفة البارزة أو الفضيلة التي هي أكمل من هاتين الفضيلتين هي فضيلة الحكمة التي يجب أن يتّصف بها الفلاسفة ورجال الحكم، ولهذه الفضيلة وجهان: وجه نظري هو الحكمة النظرية أي المعرفة والعلم بالعلل الأولى، وآخر عمل سياسي، وأفلاطون يوحد بين هذين الوجهين ولا يرى السياسي إلّا حكيماً نظرياً (أي فيلسوفاً) ولا الفيلسوف إلّا سياسياً إدارياً.
مثل هذه النظرية هي نتيجة رغبة أفلاطون أساساً في إصلاح الأوضاع الفاسدة التي كانت في زمانه، وقد كان نظام الحكم في زمانه هو الذي يطلق
ــــــــــ[126]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
عليه اسم النظام الديمقراطي، ذلك النظام الذي جلب إلى منصّة الحكم أفراداً من الغوغاء وطغمة من الناس لا يعرفون من الحكمة والفضيلة شيئاً، وهذه الطغمة هي التي قدّمت على مذبح رذائلها شخصاً كسقراط واتّهمته بالإلحاد وإفساد الشباب، في حين كان أفضل الناس وأعلمهم، وحكّامه كانوا أفرغ الناس علماً ووجداناً. إذن فما يريده أفلاطون هو أن يعيد التاريخ دورته ويجعل شخصاً مثل سقراط على كرسي الحكم، فيجعل كلّ شيء في نصابه. إلّا أن أفلاطون لم يجعل الفرد فقط مسؤولاً عن المجتمع بل جعل المجتمع مسؤولاً عن خلق الرئيس الأكمل الأفضل، وبالتالي نكون قد وقعنا في مأزق، فالمجتمع الأكمل لا بُدّ أن يُوجَد للإتيان بالفرد الأكمل، والفرد الأكمل هو نفسه المسؤول عن المجتمع الأكمل، للتخلّص من هذه المفارقة جعل أفلاطون الفرص السانحة والظروف السعيدة هي المسؤولة عن جلب الطرفين معاً وتوفير الأمرين في آنٍ واحد، هذا المجتمع الأكمل هو المجتمع المثالي الأفلاطوني وفيه يتحقّق الخير الأعلى الذي هو غاية فلسفته.
يتوازى مع مثل هذا التركيب الاجتماعي تقسيم أفلاطون لفضائل الفرد إلى أربع فضائل، هي مرّة أخرى أشبه بوظائف لملكات الفرد أو ما يسمّيه بالنفوس الفردية:
ــــــــــ[127]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
فإذا انجزت النفس الغاذية واجباتها على أكمل وجه اتّصف المرء بالعفّة، وإذا انجزت النفس النزوعية واجباتها اتّصفت بفضيلة الشجاعة والمروءة، وإذا انجزت النفسان الغاذية والحيوانية وظائفهما، وأدّت النفس العاقلة وظيفتها الرئيسية وهي فضيلة الحكمة، نتج عن ذلك فرد متوازن سعيد يسميه أفلاطون فرداً عادلاً.
وبالتالي كانت الفضائل الكبرى، أربع: العفّة والشجاعة والحكمة والعدل، تماماً كما هي في المجتمع الأمثل أربع. ويقدّم أفلاطون تشبيهاً يقرّب لنا فيها مراده، فالفرد الأكمل هو كالحوذي الذي يقود حصانيه على حدّ سواء بحيث يتعاون الجميع من أجل الوصول إلى هدف معين، الحصانان يقومان مقام النفس الغضبية والنفس الشهوية، والحوذي هو مقام النفس العاقلة.
كما أنه يعدّ العقل من معدن الذهب، والنفس الغضبية من الفضّة، [والشهوية] من معدن النحاس والحديد، فإذا أزداد المعدن الأوّل في الفرد هيأته له طبيعته إلى الفلسفة والحكم، وإذا ازدادت عنده الفضة بالقياس إلى بقية المعادن تهيأ إلى الجندية، وإذا ازداد عنده النحاس أو الحديد تهيأ إلى الزراعة أو الصناعة والتجارة. إلّا أننا يجب أن نفهم هذه التشبيهات في ضوء ما سبق أن ذكرناه عن أهمّية الفطرة والبيئة معاً، دون أن تكون الغلبة لأيّ منهما دون الآخر.
وكما يفسد المجتمع يفسد الفرد، فإن لم تتوفّر العفّة في الفرد تكوّن لدينا الفرد الطماع الجشع، وإن فسدت النفس الغضبية توفّر لدينا الفرد الجبان القليل
ــــــــــ[128]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الحيلة الذليل، وإن فسدت النفس العاقلة غلبت الشهوة على الفرد واتّصف بالذلّ والجبن.
ومن هنا كان ما يميّز الفرد السعيد المتكامل -أي العدل- هو عين ما يميّز المجتمع السعيد الأمثل -وهو العدل أيضاً- وتوفّر العدل في كلّ من الفرد والمجتمع هو مطلب أفلاطون الأقصى، وهو غاية الغايات، أي الخير الأعلى.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أوغسطين
Saint Augustine (354- 430)
ــــــــــ[131]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نتكلم(1) عن الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى وهي متمثّلة في شخصية أكبر فيلسوف مسيحي (القديس أوغسطين Saint Augustine)، وهو الفيلسوف الأكبر للمسيحية، كان مسيطراً على التفكير المسيحي منذ ظهر إلى القرن الثالث عشر بصورة خاصة وإلى الآن بصورة عامة.
نتكلّم عن حياته لأنها مرتبطة بفلسفته، كما أن سقراط وجدنا حياته مرتبطة بأفكاره الشيء نفسه يصدق بالنسبة إلى أوغسطين. عاش في شمال أفريقيا، ولد في بلدة اسمها (طاغسطة Tagaste) في مقاطعة (مادورة) تبعد 150 ميلاً عن قرطاجنية، وتقع في تونس الحالية، من أب وثني وأمّ مسيحية. وكانت المقاطعة تحت السياسة الرومانية، فهو كان تحت ثقافة رومانية، وكان من عائلة فقيرة نسبياً ولكن كان لأبيه الرغبة لأن يدفع بابنه إلى المدارس فتعلم اللاتينية واليونانية.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
() المحاضرة السادسة الخميس 4/2/1962 . الحصة الأولى. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وكان أبوه وثنياً في عقيدته وأخلاقه، وأمّه كانت تتحمّل من زوجها ما تتحمّل، وابنها حين أخذ يكبر وشابه أباه ولم تستطع الأمّ تحويله إلى المسيحية.
وكان ذا ذكاء وقّاد، وقد ظهر -ذكاؤه- في الدراسات الأدبية، وكان الولد كأبيه ذا ذكاء وقّاد وانفعالات حادّة، وقد وجد في الشعر واشباع الحواس الحيوانية مجالاً واسعاً للتعبير.
في الثامنة عشرة التقى بكتاب لشيشرون -مفقود لنا الآن-، كان يذكر فيه أشياءً عن الفلسفة، واستفاد أوغسطين من اللمعات الموجودة في الكتاب وبصورة خاصة النزعة المانوية التي كانت فيه(1).
والنزعة المانوية كانت تنتقد الديانة المسيحية واليهودية؛ لأنها نزعة مستقلّة، وتنتقد الاتجاهات الفكرية الأخرى، وتنتقد ما كان سائداً في اليهودية عن التصوير التجسيدي للإله، فهم يتحدّثون عن إمكانية أن يكون للإله شعر أو يد. أما بالنسبة إلى المسيحية فالمانوية لم تقبل بالأفكار المسيحية واليهودية واعتبرتها تزييفاً للدين.
وانتقدت المانوية ما في المسيحية من فكرتها عن الخير، (قال المسيحيون: إن الله خالق كلّ شيء، ونحن نجد في العالم ألم وشرّ، إذن الله مسؤول عن الخير
ــــــــــ[134]ــــــــــ
() (ماني) الوثني الذي كان يؤمن بإلهين إله للشر وإله للخير (أورمزد) و(أهريمان). إذن النور والظلمة هما أساس النزعة المانوية، وقد ارتبطت عند انتقالها للشرق بالأفكار المسيحية، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والشر، إذن الخير مسؤول عن الشر)، فلم يقبل بها أوغسطين واعتبرها من نتائج التزييف.
وقد وجد مبدأي الخير والشر عند المانوية أقرب إلى الحقيقة. أي إن هذا العالم فيه الخير وهو مقارن للنفس والشر يقارن البدن، وكان والجاً في -(0)- الخير والشر ويؤمن بهما. وكان لا يستطيع أن يصدّ رغباته الحيوانية، وكان يسرق لمجرد حب السرقة.
فالرذائل التي كانت عنده والنهم بالنسبة إلى الجنس الآخر لم يجد له تفسيراً إلّا في المانوية التي تعتبر الخير والشرّ مبدأين أزليين خالدين، فيجد أوغسطين ملجأً لرغباته المختلفة، في حين أن المسيحية لا تستطيع أن تفسّر الشرّ في هذا العالم.
إذن استمرّ أوغسطين إلى سن الـ21 في الأفكار المانوية وفي هذه الفترة كانت له عدّة مؤلفات منها كتاب اسمه (في الجميل والمناسب) وهو كتاب في الأدب من كتاباته الأولى، وانتقل إلى التدريس في (قرطاجنة) وظل هناك إلى سن الـ28، وكان غير راضٍ عن الأفكار التي عنده؛ لأنه لم يستطّع أن يجد حلّاً لكلّ المشكلات التي لديه.
كانت له خليلة وجاء له منها ولد، سمّاه رغم كونه وثنياً (عطية الله) وقد أصبح ابنه مسيحياً.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إذن في سن 28 وهو لم يستطع أن يستقرّ في فلسفة يقينية معينة، وكان نزّاعاً إلى الاستقرار العقلي والنفسي، ولهذا وجد في النهاية أنه لا بُدّ له من السفر. وعامل آخر -لسفره- هو أن التلاميذ الذين يدرّسهم في قرطاجنة لم يكن مرتاحاً منهم، سمع أن التلاميذ في روما أكثر هدوءً واستفادة.
إذن لم يكن أوغسطين مستقرّاً من الناحية العاطفية والنفسية والعقلية والفلسفية، ولم يجد في الفلسفة المانوية حل مشكلاته ولم يكن مرتاحاً من تلاميذه.
واتّصل في (روما) بالمدرسة الأفلاطونية الحديثة Neo Platonism، وهي مدرسة أفلاطونية اختلطت بالمبادئ الشرقية، وتسمى مدرسة الفيض الإلهي، واستطاع أن يجد فيها شيئاً من التفكير المسيحي ويجد شيئاً من الراحة، وكأنه في هذه المدرسة استطاع أن يتبيّن شيئاً من حقيقة المسيحية، فكانت الأفكار الأفلاطونية مختلطة ببعضها وكذلك مع النزعات المانوية وغيرها.
إن ما تعلمه من الأفلاطونية أن هناك أمكانية لألوهية المسيح، ولكنه لم يستطع أن يتحوّل نهائياً من مانويته ووثنيته، لكنه ظلّ في حالته الانفعالية هذه غير المستقرّة.
وسافر بعدها إلى ميلانو وكان فيها أحد القديسين المشهورين هو القديس (امبروزو Aurelius Ambrosius 340 – 397 م) وكان واعظاً، ويختلف
ــــــــــ[136]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تماماً عن أوغسطين من ناحية الأخلاق كان (امبروزو) إنساناً صارماً في تفكيره الاخلاقي نموذجاً للشخص الثابت اليقيني، فكلّ ما وجدناه عند أوغسطين أنه إنسان شاكّ لا يستطيع أن يبقى في مكان معين وليس له أهداف في الحياة.
ولهذا وجد أوغسطين مقابلاً تماماً لنفسه وفي هذا الاختلاف وجد شيئاً من الارتياح النفسي، فلذا استمرّ أوغسطين يأخذ منه أفكاره ويستمع إلى مواعظه.
وقد دخل في المسيحية نهائياً سنة 387 -كان عمره 33 سنة-، وذلك بعد انتهاء عملية التعميد وهي نوع من الطقوس لا يصبح بدونها الشخص مسيحياً، بحسب النظرية المسيحية: أن الإنسان مجبول على الشرّ وكلّ مِنّا يشارك آدم في خطيئته، ولإزالة هذا الإثم لا بُدّ من عملية التعميد، فلا يكفي الإيمان بألوهية المسيح، ليكون الفرد مسيحياً، بل لا بُدّ من عملية التعميد.
وإذن بالنسبة إلى أوغسطين حينما دخل في المسيحية نهائياً نجد أنه تمّت له عملية التعميد.
الأزمة الاخلاقية والروحية التي حدثت في السنة نفسها، وهي معروفة للفلاسفة الممتازين، وحدثت لسقراط في حرب الخندق وكانت المحور الأساسي لحياته، ومثل ذلك حدث عند ديكارت René Descartes (1596-1650) والغزالي (1059-1111) والكثير من كبار المفكرين.
والأزمة التي حدثت لأوغسطين حينما ازدادت آلامه واشتدت الشكوك
ــــــــــ[137]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
التي لديه بحيث أنه فكر أن يذهب إلى حديقة قرب منزله، واستلقى إلى قرب شجرة التين وصار يبكي كالأطفال من أفكاره المتقلبة، وفي هذا الاثناء جاء صوت أحد الأطفال، ولكنه اتخذ هذا الصوت كأنه صوت سماوي، واعتبر ما فيه رسالة إلهية إليه، وكان الصوت يقول (totlelege) أي: انهض اقرأ. وعندما استمع إلى هذا الصوت يتكرّر كان معه نسخة من الإنجيل ففتحها على غير تعيين فوصل إلى كلمات القديس (بولس) في فصل اسمه (رسالة الى الرومانيين)، وهذا القديس ذهب إلى روما وأخذ ينشر المسيحية وقد انتقل بالمسيحية من عالم ضيق إلى عالم واسع، وخرج بها عن كونها رسالة إلى بني إسرائيل إلى جعلها رسالة إنسانية.
في الفصل 13 في الجملتين 13- 14 وجد هذه العبارة: “اترك ما عندك من فسوق وتقرّب إلى المسيح“. إذن اعتبر ذلك وهو فارغ الرأس تماماً وانفعالاته بلغت الأوج، وكان يؤمن في شمال أفريقيا بالتنجيم ولا يزال يؤمن به. اتّخذ كلّ هذا الموقف وهو أنه لا بُدّ أن يصبح مسيحياً وأن سلامة نفسه لا تكون إلّا بالدخول إلى المسيحية، فأصبح مسيحياً عقلاً ومن الناحية النفسية.
وبعد أن حصل له التعميد نجده يكتب ويكتب، وله كتابات متعددة، وأشهر كتاب كتبه اسمه (مدينة الله) في 12 مجلداً، الكتاب يصف نوعين من المجتمعات مجتمع يسوده الشيطان ومجتمع يسوده الرحمن، أي مجتمع تسوده المسيحية ومجتمع لا تسوده، وكان بذلك يعارض كتاب الجمهورية لأفلاطون.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وله كتابه المشهور الآخر وهو (الاعترافات) وظلّ يكتب إلى آخر لحظة من حياته، وكتاب (الاعترافات) أشبه بدعاء موصول إلى الله، وفي هذا الكتاب يقرّر أوغسطين تاريخ حياته الشخصية من قبل الأزمة، وأنه كان فاسداً، وأنه بعد أن اعتنق المسيحية ترك شروره وشكوكه. إذن هو – أي كتاب (الاعترافات)- مقصود من ناحيتين: أولاً: ذكر حياته. وثانياً: التبشير بالمسيحية.
من جملة أفكاره الفلسفية المذكورة هناك نظريته في الزمن، ولكن في عرف الفلسفة الحديثة هو فيلسوف دين أي إنه متكلّم، لكن رغم ذلك نجد بعض المتكلّمين له نظريات فلسفية.
بعد أن بلغ أوغسطين الثالثة والثلاثين من عمره استمرّ أكثر من عام في روما وميلانو، وأراد أن يرجع إلى شمال أفريقيا وكان معه أمه وابنه، وبينما كان ينتظر الباخرة صابت أمه الحمى وماتت واسمها (مونيكا).
وبعدها انتظر ريثاً من الزمن ومات ابنه اديوداتس -أو عطية الله- ثُمّ رجع إلى شمال أفريقيا. وفي سنة 391 في السابعة والثلاثين جعلوه قسّيساً وارتبط مع أسقف في مدينة (هيبو)، ورتبة الأسقف شخصية بارزة في التدرج المسيحي، واختاره الأسقف معاوناً له، ولما مات صار أسقفاً للمدينة، فكأنما صار مطراناً إلى أن مات وقبل ذلك اشتغل كراهب.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
سنتحدث الآن عن بعض ما يتّصل بأوغسطين، شيء عن المنهج عنده ونظريته في المعرفة، وبعض العلاقات بينه وبين الفلاسفة الآخرين وبصورة خاصّة الغزالي.
أمّـا بالنسبة إلى الـمنهج عنده: فـيسمى بــ(المنهج الاستبطاني Introspection)
والمقصود بهذا المنهج أنه ينظر إلى الوضوح الذاتي للأفكار، وهو منهج حدسي، أي إن أوغسطين عندما نريد أن نصنّفه من المدارس الفكرية فهو حدسي، وأساساً فلاسفة الدين فلاسفة حدسيون، لا يعتبرون العقل كافياً في الوصول إلى حقائق الإيمان، ومن ناحية أخرى ومن حيث غاية المعرفة هو فيلسوف يقيني، كلّ فيلسوف دين لا بُدّ أن يكون يقينياً.
وعند أوغسطين أنه ليس البحث عن الحقيقة أو المحاولة للوصول إلى الحقيقة هي غاية الفيلسوف، بل الوصول إلى الحقيقة هو صرف الفيلسوف. فكما اعتبر المتصوفة غايتهم هي الوصول إلى الله، وبالنسبة إلى أوغسطين: الوصول إلى الله أو إلى المسيح أو الحكمة المسيحية. فهو من ناحية حدسي ومن ناحية أخرى يقيني. وغاية الحكمة عنده هو الحكمة المسيحية والتأمّل في الإنجيل والتوراة.
ــــــــــ[140]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أمّا من حيث نظرية المعرفة عنده: أن النفس هي صورة الله. إذن في الوصول إلى الله لا بُدّ من استبطان الحقائق الذاتية. وينظر إلى البدن نفس النظرة الفيثاغورية وهو أنه موضوع الشر، فلذا مال إلى الزهد بعد دخوله إلى المسيحية بعد أن كان يحاول الإشباع إلى غاية الحدود.
والمنهج الذي استعمله يشبه منهج الغزالي في القرن الخامس وديكارت في القرن السابع عشر، والمقصود به -أي بمنهج أوغسطين- أن يحارب النزعات الشكيّة من المانوية.
ذكر أنه إذا كان يشك في كلّ شيء فلا يستطيع مهما شكّ أن يشك في أنه يشك، ونفس هذه المحاججة يستعملها فلاسفة آخرون كديكارت، ومهما شككت في الوجود فلن نشك في خبرتنا ووجودنا الذاتي. إذن الذي يشك ينتهي إلى حقيقة الشكّ أو الحقيقة، وبالتالي لا يستطيع أن يكون شاكاً. إذن لديه هذه الحقيقة الثبوتية وهي ناتجة عن نفسه فلا بُدّ له من إثبات نفسه أي إثبات وجوده.
ومن حيث إن النفس هي صورة الله حيث إن كليهما غير مادي، يثبت
-أوغسطين- الله والنفوس الأخرى، ثُمّ ينتهي إلى إثبات الوقائع الأخرى. إذن فكرة أوغسطين مشابهة إلى الفكر اليوناني، وفكرة أفلاطون خاصة الذي آمن
ــــــــــ[141]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
بالمثل من ناحية وبالجزئيات المادية التفصيلية في هذا العالم، ونظر إلى الصنف الثاني على أنه أقلّ في الشرف من الأولى. تكرّر هذا عند أوغسطين في لباس مسيحي.
عنده أن الله والنفس يقومان في الرتبة الأولى، وأن البدن والمادة في مرتبة حقيرة إلى الوجود.
السفسطائيون انتهوا من خداع الحسّ إلى الشكّ في وجود الحسّ والمعرفة والوجود. ولكن أوغسطين لم ينته إلى نفس النتائج الشكية، إذا وجدنا المجذاف منكسراً في الماء فهذا يدلّ على أن المادة حقيرة، ولكن العقل والنفس يقومان بتصليح نتائج الحسّ والشهادات التي تأتي من الآخرين.
إذن اعتبر الاستبطان أو الوضوح الذاتي والحدس هي المعدّلة لشهادات الحواس، فإيماننا الداخلي نستطيع أن نعدل به التصورات المادية الحسّية.
ما وجدناه عند أفلاطون ممّا يتصل بنظرية الاستذكار، وهو أن الإنسان يصل إلى الحقائق بتذكره لعالم المثل الذي كان فيه، وبنتيجة الجدل مع النفس أو مع الآخرين يستطيع الإنسان أن يتذكر الأفكار التي عاشها مع الآلهة والمثل الروحانية.
ما يقوم مقام هذا -(منهج الاستبطان) عند أوغسطين- هو أن الإنسان يستطيع أن يتوصل إلى الحقائق من داخل نفسه. وهذا مشابه لنظرية أفلاطون
نعتبر أوغسطين يغطّي ما يقارب من مدة ثمانية عشر قرناً من القرن 3 ق.م إلى ق 15م.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نلاحظ تشابهات بينه وبين أفلاطون وبينه وبين الغزالي الذي مات 505 هجرية، و1111م ولادته كانت450 هجرية.
كان الغزالي فيلسوف دين وكتابه الرئيسي (الإحياء) الذي يشبه كتاب أوغسطين وله كتاب في الاعترافات وهو كتاب (المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال). والغاية منه أن يبين المراحل التي مرّ بها وأن يبين للآخرين في أن يصلوا إلى برد اليقين الذي وصل إليه.
ومن ناحية ثالثة اعتبر الشكّ وهو الشكّ المنهجي وهو أن المفكر أو العالم يبدأ بالشك، لأجل الوصول إلى الحقائق الثابتة. ويستعمل الشكّ المنهجي لتمحيص اليقين وقد استعمله -أي الشكّ المنهجي- بعض الفلاسفة اليقينيين مثل أوغسطين والغزالي وديكارت.
ومن ناحية رابعة نجد من الغزالي أنه مرّ بأزمة روحية نتيجة الانفعالات الداخلية، وشكّه بالمذاهب التي سادت في زمانه، ولم يستطع الوصول إلى الحقيقة وأن يواصل التدريس وأكل الطعام إلى أن انتهى إلى اليقين، وهو اعتبار النزعة الصوفية الحديثة في الوصول إلى الحقيقة -الحقيقة الإسلامية-.
أوغسطين إذا كان أكبر فيلسوف مسيحي حاول صياغة المسيحية في ثوب فلسفي(1) والغزالي يعتبر بالنسبة إلى المذاهب السنّية الإسلامية الذي استطاع أن يصوغ المعتقدات الإسلامية بصبغة فلسفية، ولا أظنّ أن الشيعة تعارضه. عندما يطعن الغزالي بالباطنية فهو يطعن بالإسماعيلية والدرزية لا
ــــــــــ[143]ــــــــــ
() في المسودة في ثوب مسيحي. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نحن -الشيعة- فنحن نقيمها بقدر ما يقيمها السنيون. فهو يمثل أفكار أكثر المسلمين.
صورة مختصرة من المواضيع الرئيسية عن كتاب (الاعترافات Confessions) لأوغسطين:
الكتاب الأوّل: يبحث في مجد الله وجلال الله وقدر إمكانية الإنسان الإحاطة به. كما يبحث في لطف الله على أوغسطين في طفولته وصباه، ويبحث في مظاهر الكسل التي كانت عند أوغسطين في هذه الفترة، ومخالفة الدرس والعلم التي(1) ظهر في الصبا عند أوغسطين، ويبحث في كلّ من نعم الله على أوغسطين إلى السنة الخامسة عشرة.
الكتاب الثاني: يبحث موضوع الاعترافات وإعطاء درس للآخرين، ثُمّ يتحدّث عن مفاسد أخرى كانت عنده، ثُمّ في عامه السادس عشر من حياته الاجتماعية التي عاش فيها الآثام التي دفعت به إلى السرقة واعتبارها رغم كونه لم يكن في حاجة إلى السرقة.
الكتاب الثالث: يتكلّم في حوادث حياته في السادسة عشرة وذهابه إلى قرطاجنة في السابعة عشرة وإلى التاسعة عشرة. ثُمّ يبحث في اسباب اضطراباته الشخصية، وعن تقدمه في الدراسة في الحكمة عامة، وعن الكره الذي كان عنده للكتابات المقدّسة المسيحية واليهودية، وكيف أنه قد دخل في ضلال
ــــــــــ[144]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر)..
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
(المانوية) في هذه الفترة نتيجة لمطالعة كتاب (شيشرون)، ويتحدّث عن دحضه بعض نظريات المانوية وعن أحزان (مونيكا) أمّه لضلال ابنها وزندقته وصلواتها من أجل ابنها أن يدخل في المسيحية وعن رؤياها التي رأتها كأنها وهي (.) التفسير التي حصلته من الأسقف لتلك الرؤيا.
الكتاب الرابع: الحياة التي عاشها أوغسطين بعد مطالعته لكتاب (شيشرون) من التاسعة عشرة إلى الثامنة والعشرين وهي الفترة التي كان فيها تحت تأثير النزعة المانوية، ويدعو فيها الناس إلى الدخول في المانوية، وكيف أنه كان معنياً بالتنجيم وكان يستشير المنجمين في هذه الفترة. ثُمّ يتحدّث عن رفيق له قد دخل المسيحية ومات في تلك الأثناء، وآلامه عن تلك الفنون(1)، وعن الحزن عامة والصداقة الحقيقية والمزيفة واهتمام الإنسان بـ(.) وفي هذه الفترة أخرج مؤلّفه (في الجميل والمناسب).
الكتاب الخامس: العام التاسع والعشرون من حياة أوغسطين، وفيه يكتشف أوغسطين مساوئ المانوية وسقطاتها العقلية وجمل(2) المانوية بالعلم، رغم أنهم أدعوا أن لهم معرفة إلهية، وبهذا يقرّر أوغسطين أن يرمي جانباً كلّ ما أخذ من أفكار المانوية، ويقرّر الذهاب إلى (روما) و(ميلانو) حيث يقابل القديس (أمبروزو) ويقرّر التخلّص نهائياً من المانوية.
الكتاب السادس: وصول (مونيكا) أمه إلى (ميلانو) ومقابلتها والتقدير
ــــــــــ[145]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر)..
(2) كذا [في المسودة]. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المتبادل بينها وبين (امبروزو). والتحدث عن عادات (امبروزو). والابتعاد التدريجي لأوغسطين عن الأخطاء وزلّات الأخلاق. واستيضاحه التدريجي أنه كان على غير حقّ في لومه وتخطئته للكنيسة الكاثوليكية أو للدين الكاثوليكي. رغبته الأصلية في الوصول إلى اليقين المطلق وانزعاجه المتواصل من رغباته وشهواته الحسّية. أوغسطين يناقش نفسه وأصدقائه عن أسلوب الحياة التي يحيونها، وتحدثه عن آثامه والنتيجة المخيفة المرتقبة في عالم آخر.
الكتاب السابع: العام الواحد والثلاثون من حياة أوغسطين، أوغسطين يتخلّص بالتدريج من أخطائه، لكنه لا يزال يحمل في رأسه أفكاراً مانوية عن الذات الإلهية، وبالرغم من تخلص أوغسطين من النزعة المانوية في التفسير إلّا أنه لم يستطع أن يقبل الله بالنظرية المسيحية. أوغسطين يترك نهائياً ديانة التنجيم(1) ولكن لا يزال لا يستطيع أن يفسر مصدر الإثم والخطيئة في العالم. أوغسطين ينقد الأفلاطونية -الحديثة- ويشاهد عندهم بذور العقيدة المسيحية في الوهية المسيح لكنه لا يزال لا يستطيع أن يعتبر المسيح الوسيط أو الشفيع بين الناس وبين أب المسيح وهو الله. زوال الشكوك الأوغسطينية عندما يقرأ القديس بولس ويقرأ كتاباته في الانجيل.
الكتاب الثامن: العام الثاني والثلاثون من حياة أوغسطين، تفكير أوغسطين في أن يخلص نفسه إلى الله لكنه لا يزال تحت التأثير السيء لعاداته السابقة، وعندما تحصل له الحالة التي ذكرناها وهي حالته في الحديقة وسماعه
ــــــــــ[146]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
للصوت واعتبره ذا مصدر إلهي(1)، ورجوعه إلى الكتاب المقدس وإيمانه نهائياً بالمسيحية، وعندها تكون الرؤية التي شاهدتها أمّه في شمال افريقيا قد تحقّقت وهي أن ابنها سيهتدي.
الكتاب التاسع: إخلاص أوغسطين نفسه لله، وتركه وظيفته السابقة في تعليم البلاغة واللغة والأدب. ثُمّ يذهب أوغسطين إلى الريف ليستعدّ لتقبّل اللطف الإلهي بطريق التعميد، ثُمّ يتمّ تعميده مع ابنه (عطية الله). ثُمّ يذهب إلى (اوستيا) استعداداً للسفر مع أمّه مونيكا إلى أفريقيا، وتموت أمّه آنذاك وهو في الثلاثة والثلاثين. ثُمّ ملاحظات أوغسطين عن وفاة أمّه وحياتها وصفاتها.
الكتاب العاشر: يتحدّث فيه أوغسطين عن الملكة التي يستطيع بها أن يفكر في الله أو يعرف بها الله، ويتحدث بصورة سرية أو رمزية (أي بصورة غير مفهومة بدرجة كافية) عن ملكة الاستذكار أو التذكّر عند الإنسان ويعتبرها في الإنسان على أنها موضع الله وأنه موجود في هذه الملكة، إذن يستطيع أن يعرف -الإنسان- الله من نفسه. ثُمّ يتحدّث عن فطنته في محاولاته البدنية الشهوانية. ويتحدّث عن آثام رئيسية في هذا السبيل وهي الشوق إلى البدن (أي شوق الرجل إلى الجنس الآخر) وشوقه إلى العيون وشوقه إلى الكبرياء (والشوق الأوّل هو العلاقة الجنسية وشوقه إلى العيون هو حب الإنسان للشهرة، وهو أن ينظره الناس بما لا يستحقّه، وكلّها آثام في نظريته المسيحية). ثُمّ يتحدّث عن
ــــــــــ[147]ــــــــــ
() قال الدكتور: بأنني ذكرت لكم أن هذه الحادثة وقعت له في السنة الثالثة والثلاثين من عمره، وهنا يقول: إنها وقعت في الثانية والثلاثين فصحّحوها. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
العفّة المسيحية وشروطها بالنسبة إلى كلّ فرد منّا، ثُمّ يتحدّث عن المسيح على أنه الشفيع أو الوسيط الوحيد بين الإنسان ومصيره، وأنه المنقذ الوحيد الذي يشفي الإنسان وكلّ إنسان من كلّ نقص فيه.
الكتاب الحادي عشر: أوغسطين يتحدّث عن كيفية فتح الله له مغاليق الكتاب المقدّس، وكيف أن موسى مثلاً لا يمكن فهمه إلّا في ضوء السيد المسيح وتعاليم المسيح وشخصيته. بل حتّى مثل هذه المقدمة التي نجدها في التوراة: (في البدء خلق الله السماوات والأرض)، لا يمكن فهمها إلّا في ضوء ما قاله المسيح وتعاليمه، ثُمّ يتحدّث أوغسطين عن طبيعة الزمن -نظريته الفلسفية في الزمن-.
الكتاب الثاني عشر: يتحدّث أوغسطين عن سِفر التكوين في التوراة -وهو السِفر الأوّل وما يتّصل بالخلق- ويتقدّم إلى شرح أن (السماء) تعنى في رأيه ذلك الخلق الروحي غير المادي وهو خلق من طبيعة الله، وحيث إن الله روحي وغير مادي فكأن الله في الجنة أو في السماء ينظر إلى وجهه (ينظر إلى نفسه) باستمرار. أما الأرض عند أوغسطين فهي تلك المادة التي لا شكل لها، التي خلق منها فيما بعد الأجسام الماديّة أو أبدان الأشياء. وفي هذا التأويل يحاول أوغسطين أن يفهم معنى الكتاب المقدّس وما فيه من أبحاث عن الله والإنسان.
الكتاب الثالث عشر: استمرار في الكلام عن (سفر التكوين)، وعن سرية أو رمزية فكرة الثالوث المسيحي، وهي من أسرار ودعائم الدين المسيحي المهمّة. وهو في هذا -في بحثه عن الثالوث- يحاول أن يدعم الكنيسة -أي العقيدة أو الدين الكاثوليكي-.
ــــــــــ[148]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هو ندّ للغزالي في الفكر الإسلامي، وكلّ منهما اشتهر باعترافاته، الأوّل في كتاب كبير نسبياً والآخر في كتيب صغير لكنه مشهور عند المسلمين، لأنه فريد نوعه وهو(المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال). وكلاهما اتّخذ الشكّ في مرحلة من المراحل ليصل إلى برد اليقين وطمأنينة الدين، وكلاهما ذو مزاج أفلاطوني صوفي حدسي، وكلاهما بعد أن وصل إلى مرتبة اليقين أخذ على عاتقه صياغة الأفكار المناسبة، للخاصة والعامة، بحيث صار أحدهما علماً في المسيحية والآخر علماً في التراث الإسلامي، وكلاهما مرّ بأزمة روحية معروفة في تاريخ الكبار، وسجّل هذه الأزمة في اعترافاته وكانت هذه الأزمة ذات أثر حاسم في ما تبعها من كتابات.
هي سجل لتاريخ فيلسوف كتبها لأهمّيتها الذاتية من جهة وقصد العبرة والقدوة الحسنة من الجهة الأخرى. فمن حيث إن أزمة القديس أدّت به إلى تحوله إلى المسيحية، بعد أن اختلفت عليه مدارس عقلية وثنية متعدّدة علمنا
ــــــــــ[149]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الغاية من كتابتها من الناحية الشخصية البحتة، أي كونها تكفيراً عن سيئات الشقّ الأوّل من الحياة وتقرّباً أكثر فأكثر إلى الذات الإلهية.
وحين نقرأ في الاعترافات نراها من الناحية الشكليّة أشبه بدعاء موصول هو تمجيد لله وتقرّب إليه وطلب لمغفرته ونسبة كلّ علم وكمال وفضل إليه.
يربط أوغسطين بين كلّ هذه العوامل وبين فكرة أساسية في العقيدة المسيحية هي فكرة (الخطيئة) -هذه الفكرة التي تعد الإنسان آثماً بالفطرة ما لم يأته اللطف الإلهي عن طريق الغطس في الماء المقدس في طقوس التعميد المسيحي المعروفة-. هكذا يربط الفيلسوف بين حالته الخاصة وبين دعائم المسيحية.
كانت ولادة أوغسطين في (طاغسطة) من أعمال شمال أفريقية وكانت تحت الحكم الروماني، وكان أبوه وثنياً وأمّه مسيحية ورعة، ولم يستطع ورع الأمّ أن يهدي ولدها، لأنَّ الأب الوثني قلباً وقالباً كان القدوة لابنه. لم يكن الأب مترفاً لكنه عمل على تثقيف ابنه في (طاغسطة) وفي مدينة مجاورة لها وجعله يتعلم اللاتينية -لغة الدولة والثقافة آنذاك- وشيئاً من الإغريقية، وبعد أن اجتاز أوغسطين المراهقة وأظهر من التفوّق في الدراسة ما أظهر انجذب إلى نبوغه أحد الأثرياء، فذهب به إلى العاصمة قرطاجنة حيث أظهر الشاب ذكاءه في دراساته الأدبية فيها.
إلّا أن هذا التفوّق كان مصاحبة لانغماس الشاب في ملذّات الجنس ورذائل أخرى كالسرقة/ كان فيها الشاب يأتي الرذيلة لا حاجةً إليها بل حبّاً
ــــــــــ[150]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
لها. وقبل أن يبلغ العشرين جاءته خليلته بولد سماه باسم هو أبعد ما يكون عن حمأة الرذائل التي أحاط بها نفسه وكان الاسم لاتينياً يعني (عطية الله Adeodatus).
إلاّ أن سعير الشعر والجنس سرعان ما تحوّل جانب منه إلى شؤون الفلسفة وذلك حين عثر أوغسطين صدفة على كتاب لشيشرون عالج فيه بعض أوجه من النظريات الفلسفية. وقد استطاع هذا الكتاب أن يلفت ذهن شابّنا المتوقّد إلى عالم الفكر وهو لم يبلغ العشرين بعد.
ارتاح الشاب على الخصوص إلى أفكار المانوية ونقدهم للنظرات التجسيدية اليهودية التي زعموا فيها أموراً عن الله تجعله في صورة الإنسان لحماً ودماً، وكانت الثنائية المانوية مناسبة لعمر أوغسطين الذي كان تتجاذبه مثاليات الفلسفة ودواعي الحسّ والشهرة بالمقدار نفسه، وفي 380 نشر كتابه الأوّل في موضوع (الجميل واللائق) إلّا أنّه لا شهرته الأدبية ولا أصدقاؤه المانوية استطاعوا أن يجيبوا عن حجيج الأسئلة التي كانت سبب شقائه، ولذا كان لا بُدّ من الهجرة إلى روما ليستطيع أن يجد فيها ما عجزت عنه قرطاجنة.
ساد في روما تعاليم مدرسة فلسفية شكّية، وقد انغمس فيها أوغسطين ممّا ساعده على التخلص بالتدريج من مانويته السابقة، وبعد ردح من الزمن في روما سافر شمالاً إلى ميلانو حيث قابل مطرانها المشهور (أمبروزو في 384) واستمع إلى مواعظه المليئة بالحماس والإخلاص، وكان امبروزو متين الأخلاق
ــــــــــ[151]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
خالص النية غير مزعزع النفس على عكس أوغسطين الذي مزّقته الأهواء ولعبت برأسه شتى المدارس. وكان هذا الالتقاء ذا أثر موحٍ على أوغسطين.
وتعرف أوغسطين على النزعة الأفلاطونية الجديدة جعله يتخلّص من مفارقات التجسد التي سبق للمانوية أن زرعتها فيه وصار ينظر إلى الانجيل والتوراة نظرة ذاتية، وهذا ما يسّر له سبيل منهج خاص به في الفلسفة. هذا التقرّب من أفلوطين (Plotinus ما بين 205 – 270م) جعل أوغسطين يزداد قرباً من المسيحية، وهنا ظهر صراع آخر عند أوغسطين بين زهدية مفرطة وبين دائه القديم وهو الحسّية المطلقة، صراع كاد أن يجعل أوغسطين راهباً خصوصاً أن (امبروزو) كان يدعو إلى الرهبنة.
هكذا اجتمع الحرج مصوّباً سهامه من كلّ جانب إلى أوغسطين، ففرّ يوماً من منزله ولجأ إلى جنينة، وأوى إلى شجرة تين وأخذ يبكي، وهنا جاء صوت من منزل مجاور كان فيما يبدو صوت طفل، لكن أوغسطين المرهف الإحساس المليء بالمفارقات الذي آمن في ماضي حياته بالسحر والشعوذة اتخذ من كلمتي الطفل هذا: (أنهض، أقرأ) وحياً، كأنه صدر عن الله، في مثل هذه الحال هرع أوغسطين إلى الإنجيل وفتحه على غير هدى، ليجد فيه ضالّته، فوجد فيه ما معناه أن على الإنسان أن يترك السكر والفسوق، وأن يتوجّه إلى المسيح (الرب) وأن يترك حاجات البدن وشهواته. وهكذا كان في يقين المسيحية ما يهدّئ من روع فيلسوفنا بعد أن أشرف على الثالثة والثلاثين من العمر، وهكذا أخذت
ــــــــــ[152]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تترى كتب أوغسطين، فكتب ضدّ الشكاك من المدرسة الأكاديمية الجديدة وكتب في السعادة وموضوعات أخرى. وقد شارك (عطية الله) أباه في هدايته وتعبّداته ومات بعد ردح قصير من الزمن كما توفّيت أمّ أوغسطين في إيطالية أيضاً في الأثناء، وكان لفقد هذين الشخصين العزيزين دافع قوي لدى أوغسطين إلى الرجوع إلى موطن رأسه فعاد إلى (طاغسطة) في 388. وهنا ترهّب أوغسطين في دير، وعمل واعظاً في الكنيسة أيضاً، وفي 395 تمّ تنصيبه مطراناً في (هيبو) حيث ظلّ فيها بهذه الصفة 35 عاماً حتّى وفاته.
لقد أثّر أوغسطين في تاريخ المسيحية اللاحق له ما يفوق تأثير الغزالي في الاتجاهات الفكريّة اللاحقة له في الإسلام. ويرجع التأثير الكبير لكلٍّ من فيلسوفي المسيحية والإسلام هذين إلى أن كلاً منهما قد هضم ثقافة عصره ولقّحها بالثقافة الإغريقية. وأن كلاً من الفيلسوفين مؤمن بدين سماوي، والإسلام والمسيحية في تعارض واضح مع الوثنية الإغريقية، إلّا أن هذه الأخيرة أفادت كلاً من القديس أوغسطين وحجّة الإسلام الغزالي في عمق الأفكار ودقّة الحجاج وتوضيح الأفكار وإجادة صياغة الكلام. ومع أن كلاً من الفيلسوفين أتخذ من الحدس وسيلته القصوى في المعرفة، إلّا أن التلقح بالثقافة الفلسفية الإغريقية كان عاملاً هامّاً في جعل هذا الحدس حدساً مبصراً وليس حدساً أعمى، كما هو الحال عند كثير من المتصوفين الذين أصبح كلامهم ألغازاً في ألغاز وصار ما يتقوّلونه نوعاً من الرمز، أمّا كلام أوغسطين وكلام الغزالي فمع ما فيه من عدم اتّساقٍ أحياناً فإنّه أقرب إلى الفهم.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إن أية فلسفة ترتبط بالوحي والإيمان لا بُدّ أن تعتمد على حرارة الإيمان بقدر اعتمادها على برودة العقل وصرامة البرهان. ولعل من الأمثلة في تاريخ العصر الوسيط في أوربا والشرق الإسلامي مثلي أوغسطين وابن حامد الغزالي في جمعهما بين الإيمان والبرهان، وإن كان التغليب عندهما كليهما هو العامل الأوّل.
ورغم أن ديكارت في القرن السابع عشر اعتبر فلسفته ثورة على عقائد اليونان وعقائد القرون الوسطى إن فإنه من حيث لا يدري سيواصل مساعي أفلاطون وأوغسطين والغزالي، وسيعيد التاريخ نفسه عنده إذ يلجأ إلى الشكّ المنهجي، وستكون له أزمته الروحية الشبيهة بأزمات كبار الفلاسفة، وسننتهي في نهاية الأمر إلى اصطناع نوع من الحدس على أنه وسيلة المعرفة الأساسية. لكن ديكارت هو أكبر من أن نكتفي بهذه العجالة عنه، فعسى أن تكون لنا كرّة أخرى عنه.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
فرنسيس بيكون
Francis Bacon 1561– 1626
ــــــــــ[155]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هو فيلسوف إنجليزي، نتحدث شيئاً عن حياته وإن كانت ليس فيها الشيء الكثير ممّا يحتاج أن نذكره. وهو يعتبر رائد الفلسفة الحديثة التجريبية.
هناك نزعتان أساسيتان النظرية الرياضية ورائدها ديكارت، ونزعة تجريبية علمية ورائدها بيكون، رائد الفلسفة الحديثة الأوّل عند الانكليز ورائد الفلسفة الحديثة، الثاني في الفرنسية بيكون أرسططالي النزعة وديكارت أفلاطوني النزعة.
يأتي من عائلة متقدّمة في السياسة، أبوه يحمل لقب (سير) وهو لقب رؤساء الوزارات، وحين كان بيكون من العمر تحت الثلاثين انتخب في مجلس النواب البريطاني، ثُمّ ترقّى إلى الوزارة، وكان في الأصل محامياً ففي منصبه الوزاري كان مختصاً بالعدل.
ــــــــــ[157]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ومن الناحية الأخلاقية غير محدود الصفات، وكان الشخص المسؤول عن تقدمه الاخلاقي قد غضبت عليه الملكة.
والنقطة السوداء الأخرى عند بيكون كان معروفاً في ذلك الزمن بأنه لا يتورّع من أخذ الهدايا من الأطراف المتخاصمة، فإنهم لم يكونوا يتسامحون في تأثر الحاكم بهذه الهدايا وإن كانوا لا يمانعون من أخذه للهدايا.
وقد اتّهم بيكون وهو في منصب وزاري بأنه يتأثّر بالهدايا في أحكامه وقدّم إلى المحاكمة وأدين وغرّم بغرامة ثقيلة، وطرد من منصبه وسجن عدّة أيام، وحرم من صفاته المدنية المختلفة، ومع أن الملكة توسّطت في إعفائه إلّا أنه عاش بقية عمره لا يستطيع أن يستردّ ماضيه السابق متألماً، ومات في السادسة والستين من عمره بتجربة من تجاربه -كان يعملها عن اللحوم المتفسّخة- كان يفكر في قبض اللحم من التفسّخ وأصابه البرد نتيجة ذلك ومات بذلك البرد، وفي هذا تعويض عن النقاط السوداء، التي عنده إن كانت سوداء.
أما بالنسبة إلى النقاط السوداء فقد دافع عن قبوله للهدايا بأنها شيء مألوف لدى الناس، وأنه لم يتأثّر بحكمه وهذا هو المطلوب، إذن لا داعي إلى اتهامه، وكان شخصاً ذكياً محظوظاً عند الملكة محسوداً عند الناس بسبب المعرفة التي
ــــــــــ[158]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
عنده، فله حسّاد كثيرون فما يعتبرها المؤرخون نقاط سوداء هي غير سوداء.
والنقطة الرئيسية من حيث الثقافة أنه لم يكن معروفاً بثقافته الرياضية وما يتصل بالثقافة الفيزياوية، ولم يكن قد حصّل المعارف التفصيلية في ذلك أيضاً، أي رغم كونه فيلسوفاً ممتازاً، فإنّه لم يدعم فلسفته بمعارف رياضية ولا فيزياوية علمية، ولكنه رغم ذلك أتى بمباحث فلسفية أصيلة.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وله تصنيف للعلم يشبه أساساً التصنيف الأفلاطوني الذي يرجع التصنيف إلى المواهب الفردية للفرد، وهو في أقلّ المراتب الأحلام والخيال، ثُمّ الحسّ ثُمّ الذهن وأخيراً الحدس أو العقل، وهذا يقابل أربعة أنواع من أصناف العلم المختلفة: فالأحلام مقابل الشعر، فهو في الجمهورية لم يعطِ مجالاً للشعراء لكي يعيشوا فيها، والسبب أن الشعراء عنده يقومون على أساس أخسّ الملكات في الفرد. والحسّ هو المعارف العلمية الطبيعية والحدس للمعارف الفلسفية أو المثل الثابتة.
وبيكون يشبهه من حيث إقامته العلوم على المواهب النفسية، وهي عنده ثلاث: الخيال، والتذكّر، والعقل. وهو يعتبر كلاً من هذه الملكات ملكة أساسية أي لا يفكّر في الارتقاء بشكل سلّمي كاليونانيين. إذن المعارف التي للإنسان إما شعرية وهي مقابلة للخيال، أو معارف تاريخية وهي نوعان: معارف تاريخية ومعارف اجتماعية أو ما نسميه الآن بالعلوم الاجتماعية والعلوم التاريخية أو العلوم الطبيعية وأخيراً الفلسفة.
إذن يقوم تصنيف العلم على المواهب النفسية كأفلاطون ولكنه لا يعتبرها مترتبة في الشرف مثله.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المنهج الذي يبحثه لنا في كتابين من كتبه أحدهما (Novun Organon -أي الأورغانون الجديد-، والأورغانون (Organon) معناها الآلة، وسمّيت مؤلّفات أرسطو في المنطق والفلسفة الآلة أو (الأورغانون).
وفي هذا الكتاب يعارض بيكون أرسطو طاليس ومنهجه الذي اعتبره غير منتج، وهو يعارض الفلسفات الكلاسيكية ويأتي بمنهج جديد فسمّي كتابه (الأورغانون الجديد) أو (المنهج الجديد).
وعنده كتاب (تأويل الطبيعية) وهذان الكتابان هما العمل الرئيسي عند بيكون(1).
لدينا في الحديث عن المنهج التجريبي عند بيكون ما يمكن أن نسميه الجانب الإيجابي من منهجه وما يمكن أن نسميه بالجانب السلبي من منهجه وهو أي الجانب السلبي أهمّ.
وسنبدأ بالمظهر الإيجابي للنزعة التجريبية عند بيكون.
وهو يعتبر ويطالب الباحث أن يتابع الطريقة العلمية، وما نسميه الآن بالطريقة العلمية هو نتيجة التجارب المختلفة للبحاث المختلفين، وحينئذٍ لم
ــــــــــ[161]ــــــــــ
() پيس ماستَر: الكتاب الرئيسي للفيلسوف. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تكن قد تهذبت وصقلت التجارب كالوقت الحاضر وهي متفقة مع جوانب ممّا نسميه الآن الطريقة العلمية.
ويتفق معها، بالبدء بالملاحظة وجمع البيانات فيجب أن لا نكتفي بالآراء الشائعة، وإن كانت آراء الفلاسفة الكبار كأفلاطون بل يجب أن نحصله من الرجوع إلى الطبيعة، وهذا نجده عند المفكرين الغربيين في القرن السادس والسابع عشر، وأنهم ثاروا على المسيحية والأفكار الوسطى واليونانية. بعد عصر النهضة في القرن السادس عشر نجد أنه حينما ظهر الفكر الفلسفي يبزغ أخذ الفلاسفة يخرجون حتّى على الفلسفة اليونانية وأنها تستحق الحرق والإزالة نهائياً.
فيجب أن نتخذ كتاب الطبيعة المفتوح أمامنا هو المرجع الأساسي، إذن الحواس والطبيعة هو العامل الحاسم في تحصيل النظريات.
الإنسان يجب أن ينسى جميع ما لديه من أفكار أولية ويجب أن يبدأ بدراسة الطبيعة من جديد ولا بُدّ للمرء أن يجمع الوقائع.
وبعد أن نحصل على الملاحظات والبيانات الكافية، لا بُدّ لنا من التصنيف أو التبويب، أي وضع الملاحظات في أصناف متعددة لكي يسهل لنا التفسير. وللتصنيف طالبنا بيكون أن نعمل الأصناف الثلاثة الآتية:
ففي صنف (المتشابهات): نحاول أن نضع الظاهرة المدروسة في أحوالها المتشابهة التي لها أُسس متشابهة. الحالات المتشابهة نضعها كلها في صنف واحد من الاصناف الثلاثة. والمختلفات: صنف الأحوال المختلفة عن بعضها البعض التي ليس بينها اتصال. وصنف يضع فيه الحالات المتدرجة بين الصنفين السابقين وهو صنف (المقارنة)، وسوف نصل بنتيجة فهم هذه
ــــــــــ[162]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الأصناف إلى النتيجة المطلوبة والتفسير الصحيح للظاهرة.
والفلاسفة لا يعنون بالأمثلة لأنهم يتكلمون كلاماً مركزاً، وبيكون يعطينا مثالاً وحيداً وهو يتّفق مع آخر الآراء التي عندنا في الفيزياء. وهو الحرارة، فدرس أسباب الحرارة، وبالمنهج السليم الذي اتخذه استطاع أن يصل إلى نظريات صحيحة عن الحرارة، رغم كون أنه لم تكن له ثقافة فيزياوية ولا رياضية، وكانت له ثقافة قانونية.
اختار لنا في صنف الحالات المتشابهة جميع الأجسام التي تعطي الحرارة كالنار والشمس والبخار والأجسام الحيّة كلها مصدر للحرارة، وما تبرزه الأجسام الحيّة من البول والروث هو مصدر للحرارة، وفي صنف الحالات المقابلة لها نجد أنه يعتبر القمر مصدر البرودة والرماد والثلج والأجسام الميتة، وفي صنف المقارنة يذكر الحالات المتدرجة كالماء والسائل والأجسام الضعيفة المريضة المتدرجة بين الموت والحياة.
وينتهي إلى ان الحرارة أصلها وطبيعتها الحركة، فكلما ازدادت الحركة ازدادت الحرارة وكلما نقصت الحركة نقصت الحرارة، والفكرة هذه أن أصل الحرارة الاحتكاك، والحركة هي آخر ما نعرفه في الفيزياء، فالحدس انتهى به إلى فكرة معقولة، وقد مات بتجربة أجراها على الحرارة.
النقد الحديث الذي يمكن أن ننقد به بيكون وإن لم يكن من الحق أن نطالب الأقدمين بأفكار المحدثين، وهو عيب في الناقد لا في المنقود، فهو أنه في هذه المراحل لم يأت على تعداد جميع المراحل المختلفة التي تمثل المراحل العلمية،
ــــــــــ[163]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وعندنا مرحلة علمية مهمة هي مرحلة (الفرضية) لم يعطها -يكون- الأهمّية وهي تعرف بهذا التصنيف، أي بهذا التصنيف يصل إلى الفروق الصحيحة، ولكن هذا لا يعني أننا في كلّ الحالات نستطيع أن نتأدّى بطريقة التصنيف والجمع إلى الفرضية، وإنما هي -أي الفرضية- قسم متمثّل بنفسه، والفرق بين عالم وآخر لا يكون في جمع البيانات، وإنما في الإتيان بالفرضيات الصحيحة. الفرق بين العالم الأصيل وغيره أن الأصيل يصل بعقله الوقّاد إلى الفرضية التي يستطيع أن يخضع أكبر ما يمكن من الحقائق، والعالم العادي ليس كذلك.
فالجانب الإيجابي بالنسبة إلى هذا النقد الرئيسي لا يمكن أن يكون إيجابياً بالنسبة إلينا في المراحل العملية والاكتشافات التي جدّت بعده، ولكنه لا يمكن أن يكون مسؤولاً عن هذه الاكتشافات وهو قد تقدم بفلسفة الوسيطيين تقدماً عظيماً.
الجانب السلبي(2) جانب محاذير الفكر أو البحث، هو الجانب الخالد من فلسفة بيكون.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
() الجزء الثاني من المحاضرة السادسة، الذي ألقاه يوم الجمعة 5/2/1962. (المقرِّر).
(2) الجانب السلبي يشبه أن يكون موضوع الأغاليط أو الزلقات، وهو أنه لا بُدّ من أن يعرف الباحث الزلقات العقلية التي يمكن أن يقع فيها. إذن الجانب السلبي هو ذكر الزلقات التي يمكن أن يقع فيها العالم، وفي هذا من الخلود والأهمّية ما فيه، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المقصود من الأوثان عند بيكون هي المحاذير التي تكون للباحث في بحثه والذي لا بُدّ له من مجانبتها، وموضوعنا مشابه لموضوع الأغاليط عند اليوناني أو المسلم؛ لأنها هي المفارقات العقلية أو اللفظية التي يمكن أن تؤدّي بالنقاش إلى الوقوع بالزلل.
والأوثان هذه هي مشابهة للبحث في الأغاليط، ولكنها ليست في الفكر أو القول، بل في الأفعال من ناحية والنفس من ناحية أخرى -الأوهام التي تكون للباحث في بحثه أو في نفسه-، وأي باحث لا يعرف المهاوي التي في بحثه لا يعرف المنهج الصحيح.
فلا بُدّ أن يعنى بتأسيس منهج له يتبعه في الوصول إلى هذه الأفكار. والفلاسفة يختلفون لا بالأفكار العامة بل لهم مناهجهم الخاصة، وبه يستطيع أن يصل إلى أفكار تختلف عن الفلاسفة الآخرين، اختلاف الفلاسفة قد يكون في اختلاف أسلوب البحث أو في الفكرة عن أسلوب واحد في البحث، فأرسطو له أسلوب آخر غير أسلوب الفيثاغوريين الذين أقاموا براهين رياضية.
فالبحث في المنهج يؤدّي بالفيلسوف إلى أن يبحث في محاذير البحث وهي الأغاليط أو ما يسميه بيكون الأوثان. والمحاذير التي يمكن أن تكون للباحث يقسّمها أربعة أقسام أساسية:
أوثان الكهف، أوثان القبيلة، أوثان السوق، أوثان المسرح، والمقصود بها ما يلي:
ــــــــــ[165]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
بالنسبة إلى أوثان الكهف هي الأوثان الناتجة عن الطبيعة الفردية للإنسان. من حيث الأساس الكائن الحي يختلف عن الجماد بأنَّ فيه أشياء إضافية لا توجد في الحي، وفي الحي أشياء لا توجد في الجماد، فكل له صفات خاصة.
فالكائن الحي يتميّز عن الميت بما يمكن أن نسمّيه (الفردية Individuality)، فنحن لا نستطيع أن نقول لمنضدة إن لها فردية خاصة؛ لأنَّ كلّ صفات المنضدتين أن لها فردية غير تلك -هذه العبارة غير حاملة لمعناها المقصود-، فلا معنى للفردية بالنسبة إلى الكائن الميت. وإلى الكائنات السفلى نجد من الصعوبة تمييز الفردية فيها كالنباتات، بحيث نعتبرها -أي الفردية- ملغية، لكن من حيث المبدأ نحن نفترض وجود فردية، وعلماء النبات يقولون إنه ليس فقط كلّ نخلة مختلفة عن الأخرى بل إن كلّ ورقة مختلفة عن الأخرى ولو كانتا متشابهتين إذن لما احتاجت الطبيعة إلى إحداها.
وهذه الفردية تتبيّن كلّما ترقّينا أكثر، فإذا وصلنا إلى اللبائن المستأنسة وجدنا الفردية واضحة والشخص يستطيع أن يميّز بين قطّته وأي قطّة أخرى.
وحيث نتقدّم إلى الانسان نجد الفردية تستمرّ بصورة أقوى، ومن البدائي إلى المتحضّر.
إذن ما يتحدّث عنه بيكون في أوثان الكهف هي -أي أوثان الكهف- بخصوص الطبيعة الفردية، أو التي يقع فيها الباحث وهو لا يعلم، من حيث هو منفصل عن الآخرين يقع في الزلل بصورة لا شعورية.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
لدينا في علم النفس ما يسمى (بالمنهج الإسقاطي) وهو أن الإنسان بصورة لا شعورية يحاول أن يسقط على الآخرين أفكاراً يحسبها صحيحة بالنسبة إليهم، في حين أنها ليست صحيحة إلّا بالنسبة إليه، كالذي يلبس النظارات الصفراء يرى الكون كلّه أصفر رغم أن الصفرة في النظارات.
وعندنا (المعادلة الشخصية Personal equation) وهي تتّصل بالحواس، ومعناها أن لكلٍّ مِنّا رجعه الخاص به بالنسبة إلى إحساسات الشمّ والذوق والسمع والبصر وخاصة الحاسّتين الأخيرتين.
كيف ظهرت المعادلة الشخصية أول الامر؟ ظهرت بين الفلكيين أول الأمر، عندما كان فلكيان يشاهدان مرور نجم وكانا يعلمان بحسب الحسابات أنه يجب أن يمرّ في وقت خاص من زاوية معينة، وقد تبيّن أن المراقب اختلف عن زميله في مشاهدة النجم وهو يمرّ، وهذا الاختلاف لم يكن بالطبيعة الخارجية؛ لأنها نتيجة الحسابات الرياضية وهي لا يمكن أن تخطئ، والأفلاك في سيرها كلها تسير سيراً موقوتاً معيناً، إذن جاء إلى فكر الفلكيين أن هذا الاختلاف إنما هو بالنسبة إلى الفلكيين أنفسهما معناه أن التركيب الفسيولوجي أو الطبيعة الحسّية تختلف عند الاثنين.
هذه الحالة أدّت بواحد منهما إلى -القول بـ- المعادلة الشخصية، وهو أن يحسب الإنسان المقدار الذي يختلف به عن الآخرين في زمن الرجع على الاستفزازات البصرية والسمعية.
ونحن بوصفنا أحياء نختلف في بعض الصفات الفردية وهي واضحة في الفعاليات الحياتية وفي الفعاليات النفسية والاجتماعية.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إذن قول بيكون موافق لما عرفناه في العلم الحديث بخصوص المنهج الإسقاطي. والإنسان يتخيّل أن الآخرين يفكّرون بنفس أسلوب تفكيره والتجربة سوف تثبت خلافه، ولا بُدّ أن نعرف هذا الاختلاف.
والمقصود من أوثان الكهف أنه يحذرنا أن نقع في الزلات الفردية في المنهج الإسقاطي الذي يختلف فيه عن الآخرين ويفكر في صورة غير طريقة الآخرين والعلم لا بُدّ أن يكون بالكلي ويتفق فيه الجميع والذي يتفق مع نفسه فقط لا يعتبر علماً لأنَّ المجنون قد يكون له مفهوم خاص للكون.
ولماذا استعمل الكهف؟ فهذا ناتج عن تفكيره في الكهف الأفلاطوني، وقد ذكرنا لكم في نظرية المعرفة عن أفلاطون وما يسميه بالكهف، أن الإنسان في بداية المعرفة عندما يولد هو أشبه ما يكون في دهليز والمعرفة الحقيقية من الشمس خارج هذا الدهليز أو الكهف والإنسان موجود في داخل الكهف، وهو يعطي ظهره لفتحة الكهف بشكل ثابت، وإن خلفه توجد نار تأخذ ضوءها من الشمس وتعكس أمامه ضلالاً وهو يرى هذه الضلال، فهو لا يرى الصورة الحقيقية في الشمس بل معكوساتها. فالفرد لا يرى إلّا أشباحاً وسوف يدير ظهره بعد أن يترقّى في سلّم المعرفة إلى الأشياء التي خلفه، وسيقابلها بشكل أوضح. كان يعتقد أن الأوهام التي كان يراها هي الحقائق ولكنه عندما يقابل النهار سوف يعلم أشياء في الوجود لم يكن يعرفها، وعندما يتقدم في الدهليز تكون معرفته أوضح، وحين يخرج من الدهليز تكون أقوى، وعندما
ــــــــــ[168]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يتوجه إلى ضوء الشمس يكون عارفاً بالحقيقة، ولا يكون ذلك إلّا للفيلسوف، وهو في كلّ مرحلة في الدهليز يظن أنه يرى الحقيقة حتّى يرى الشمس وهي تمثل الخير الاعلى أو مثال المثل أو كما يقول المتصوفة تمثل الله تعالى.
فكل إنسان في كهفه الخاص ولا يمكن أن يتخلص منه إلّا إذا تجرد من محاذيره اللاشعورية، فلا بُدّ أن يخرج الباحث من كهفه الخاص لأن العلم لا يكون إلّا كلياً عاماً، لا العلم المصطبغ بالشخصية.
إن فكرة اللاشعور التي جاء بها فرويد وهي: أن الجانب النفسي الأكبر جانب مخفي غير مشعور به، وهو يمثل الطبيعة الفطرية والخبرات التي مرّ بها الإنسان، والتي لا يحتاج إليها ولا يستعيدها في ذهنه. إذن اللاشعور هذا هو نتيجة المخزونات النوعية(1) من ناحية، وهو كلّ المخزونات التي مرّ بها الفرد في حياته ويستفيد منها بين حين وآخر.
واللاشعور يختلف في كلّ فرد مِنّا عن الآخرين؛ لأن شخصين لا يمكن أن يمرّا بنفس الظروف فتكون لكلّ شخص نفسه الخاصة. إذن لا بُدّ أن ينتبه الباحث إلى الفردية الخاصة ويتجنّب المحاذير التي تؤدّي به إلى أغلاط هو في غنى عنها، وأن بحثه إن اتّصف بها لا يكون مقبولاً، وإن تجنّب أغلاطه الخاصة يكون بحثه مقبولاً لدى الآخرين.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
() في المسودة عبارة يمكن أن تقرأ على ما أثبتناه أو (القوية) وما أثبتناه أولى. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الصفات الفردية ليست دائماً دقيقة مشتركة يمكن أن تساوي ذلك الشيء العام، الإنسان له عادات اجتماعية ونفسية خاصة قد تؤثر في بحثه، كلّ مِنّا له أفكاره وكهفه الخاص، فيجب أن يكون الباحث منتبهاً إلى الصفات الشخصية التي تؤثّر في بحثه والتي لا حاجة إلى غيره أن يؤثّر(1) بها في أنها شخصية غير مشتركة.
إذا كان الشخصان يختلفان في الصفات الجسمية من الأولى أن يختلفا في التفكير والعادات.
الأوثان من النوع الثاني هي أوثان القبيلة، وهي أوثان إنسانية، ولكنها ليست ناتجة عن الطبيعة الفردية بل ناتجة عن العائلة البشرية، من حيث إنه نوع إنساني مختلف عن الأنواع الأخرى ولا بُدّ أن تكون له سقطاته الخاصة، وهي أوثان نتأثر بها كالعادات الاجتماعية والأديان والتعصب الاجتماعي والسياسي والإقليمي، وهي لا تميز الفرد الواحد عن الآخرين بل هي سقطات في المجتمع ولا بُدّ أن يتجنبها الباحث حتّى يكون بحثه صحيحاً.
أوثان القبيلة: التي يقع فيها النوع الإنساني من حيث هو نوع مختلف عن باقي الأنواع، ولا بُدّ للعالم أن ينتبه إلى الأخطار التي من هذا النوع قبل التعصّب الديني والإقليمي وكلّ ما يرتبط بالنوع الإنساني، فلا(2) أن يتحرر من التعصّب بمختلف أنواعه لأنه إقلال للموضوعية في البحث.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر).
(2) كذا في الخطية.
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
فكون أن الناس متفقون ليس معناه أن الآراء المتفق عليها صحيحة. فهي نتيجة الآراء والرواسب المشتركة بين الناس والمتأصلة في الطبيعة البشرية. ونحن نجد التعصّب بصورة فطرية إما لدين أو قومية أو مجتمع في حين أنه لا داعي للعالم أن يتعصّب إلّا للحق.
والبحث لا يكون علمياً موضوعياً إلّا إذا تخلص منها.
وإن العالم يجب أن يتصف بالجرأة والشجاعة الأدبية ليستطيع أن يخالف الآخرين؛ لأننا حيث نجاري العامة التي أخطأت في العادات إنما يكون على حساب الحقيقة. إذن يجب أن لا تعنينا المخالفة للعامة إذا عرفنا أنها مجانبة للصواب.
هي الأوثان الناتجة عن طبيعة الألفاظ لا تستطيع أن تكون متوازية مع الفكر الصحيح. من نظريات السفسطائيين هي أفكار اللغة، وأن اللغة نوع غير نوع المسميات، فغورغياس Gorgias (480- 375ق.) قال: إنهما غير متوازيين، إذن اللغة لا يمكن أن تعبر عن المسميات، المقدمة صحيحة ولكن النتيجة غير صحيحة، فنحن لا نستطيع أن نستغني عن اللغة، ولكن يجب أن نتجنّب سقطاتها.
فلا موضوعة للسلب(1) ولكن اللاشعور ليس معناه أن الشعور منفي
ــــــــــ[171]ــــــــــ
() وضرب الدكتور مثلاً لعدم تطابق اللفظ مع المعنى فقال: فلا موضوعة للسلب… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نهائياً، لأن المقصود باللاشعور أن الشعور في حدّه الأدنى يختلف عن الشعور الذي يكون فيه الإنسان منتبهاً، فهذه الـ(لا) ليست للنفي، بل استعملناها لأنا لا نستطيع أن نستعمل غيرها.
واللغة لا تستطيع أن تعطينا الفروق الدقيقة بين الأشياء، والفكر أدقّ بكثير من اللغة، والنفس في ظواهرها أكثر تعقيداً وخصوبة من الظواهر المادية، فحين نكون مقيدين باللغة فمعنى ذلك أننا ليس لنا وسيلة أخرى، فنحن مضطرون لأن نقبل بصعوبات اللغة ولكن يجب أن لا تقف كحائل في الوصول إلى التعبير الصحيح.
المثل الوحيد الذي يستعمله بيكون، وهو أنه كيف أن الرطب يعني معاني مختلفة، ويؤدي إلى صعوبات نحن في غنىً عنها، نحن نقول عن الرطب أنه الشيء غير الجافّ ونستعمل الرطب بمعنى غير اللين، ونستعمله في مجموع الحالات المجازية والحقيقية بالنسبة إلى الأشياء المادية والنفسية والمزاج، وسننتهي بالرطوبة إلى أنها ليست بشيء معين، والنتيجة أن لن نستعمل الكلمة الواحدة بصورة واحدة.
إذن الكلام العلمي الذي يتألف من مثل هذه الجملات سوف يكون غير مفهوم، ويكون كلاماً رمزياً ككلام المتصوفة، في حين أن العلم يجب أن يكون مشاعاً ومفهوماً بدرجة واحدة من الجميع؛ لأنها إذا فهمت من قبل الطرف الآخر فسوف لا يمكن النقاش، وسوف نقع في محذور السفسطائيين.
فيجب أن تكون ألفاظنا خادمة لأفكارنا في حين أننا مستعبدون للألفاظ
ــــــــــ[172]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وتكون الألفاظ وسيلة لإساءة التفاهم بين الناس، فنحن في حاجة إلى تخليص اللغة من هذه الألفاظ.
إذن فلا بُدّ أن تكون ألفاظنا مصطلحاً وأن نجعلها ذات مفهوم محدد أي لا بُدّ من تخليص ألفاظنا من المجازات والمواقف الغامضة والسياقات غير المفهومة بقدر الإمكان.
وتوفيق(1) الألفاظ هي غير صحيحة نجدها عند كثير من الفلاسفة. فكأن جانباً كبيراً من الفلسفة هو نتيجة هذه المشكلة، وكلما نستوضح أفكارنا أكثر فأكثر، نكون قد تقدمنا بالفكر أكثر فأكثر.
وعندنا الآن المدرسة الأكسفوردية، وهي تبحث في فلسفة اللغة، وتحاول أن تجعل الفلسفة مفهومة أكثر بجعل الاستعمالات بأدّق صورة ممكنة، فالفيلسوف في المدرسة الأكسفوردية يأتي إلى حروف الجر وإلصاقها بالألفاظ، ويجد الفرق بينها فهي -أي المدرسة الأكسفوردية- تقوم على توسيع الألفاظ بشكل أدّق بحيث أن اللغة تكون خادمة لنا بدل أن تكون سيدة لنا، وسقراط من جملة صيحاته المشهورة: (وضّح ألفاظك)، وفي محاضراته لم يكن يفعل أكثر من توضيح اللغة، أي إنه لا يقبل بمجموعه غير الألفاظ التي يستعملها زيد ويفضل مجموعة الألفاظ التي يستعملها عمرو(2).
ــــــــــ[173]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر).
(2) لا نستطيع أن نستبعد المجاز والاشتراك من اللغة تماماً؛ لأن ذلك يصدق بالنسبة إلى المنطق والفلسفة والحساب. أما الحياة الوجدانية والانفعالية فلا بُدّ أن نستعمل فيها الكلمات المجازية؛ لأن الخيال صفة قائمة في الإنسان كالتفكير الفلسفي. فاستبعاد بيكون للمجاز والاشتراك بصورة تامة، وتصوّره بأن الإنسان في المستقبل يكون فلسفياً، فهو شيء غير مقبول، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أوثان المسرح هي الناتجة عن الثقافة الفلسفية، أن كلّاً مِنّا مضطرّ إلى أن يتابع التقارير الفلسفية بحسناتها وسيئاتها ويقع في السيئات بدون أن يعلم.
وهي صورة ثانية عن أوثان السوق؛ لأنها تقوم على المغالطة اللفظية، وقد تصبح أفكار الفيلسوف مشبعة في أفكار الإنسان، ممّا يخفى عليه كثيراً من سيئات الفلاسفة.
فيجب أن نتجنّب المحاذير التي وقع بها الفلاسفة، أمّا من الناحية اللفظية أو النفسية أو الإنسانية عامة. وبيكون قد جمعها لنا في هذه الصورة البديعة، وهو -أي الجانب السلبي- خير منهجه(1).
ــــــــــ[174]ــــــــــ
() الفلسفة يجب أن تكون عامة شاملة لكل انواع المجتمعات، ولا يتكلّم الفيلسوف حسب مذهبه الخاص، بل لا بُدّ من غربلة المذاهب الفلسفية لإيجاد فلسفة عامة شاملة.
قال (لايبنس – Leibnitzباللاتينية– 1646- 1716): إن من واجب الفيلسوف أن يوجد ما سمّاه بالخصائص العامة، وهي الألفاظ الثابتة كالرموز الرياضية، أو الأفكار المطلقة الثابتة التي إن استعملها يستطيع أن يصل إلى نتائج محتمة، ويجب أن يكون بحث الفيلسوف لبنة في بناء الفلسفة لا بناء آخر. إذن يجب أن تكون مصطلحاتنا وأفكارنا ثابتة مطلقة ونحن متّفقون عليها، فحين يتناقش فيلسوفان يجب أن لا يختلف أحدهما مع الآخر ويجب أن يصلا إلى نتائج ثابتة.
المقصود من الخصائص العامة: إيجاد لغة فلسفية شاملة وإيجاد أفكار فلسفية ثابتة يستعملها كلّ الفلاسفة ولا يختلفون فيها، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وتقسيم العلم باعتبار الملكات هو تقسيم غير واضح؛ لأنه حينما يعتبر ملكة التذكّر، وأنها تقابل معرفة التاريخ والتي هي من نوعين، فهو لم يستطع أن يبيّن لنا الفروق الجوهرية بين تاريخ النباتات والحيوانات وبين تاريخ المجتمعات البشرية، فتصنيف العلم عنده ليس تصنيفاً دقيقاً.
فمنهجه الإيجابي فيه كثير من المحاذير التي سوف تتكشف للفلاسفة بعد بيكون(1).
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) وتكلّم الدكتور الشمّاع عن الوجودية في هذه المحاضرة فقال: الوجودية تأخذ من مسلماتها الأولى أن العقل لا يصلح للفلسفة، وأنه يقيّد الحياة، ولا بُدّ أن يأخذ الإنسان من مصادر أخرى هي الانفعال. ومن أشهرهم في القرن التاسع عشر (كيركجارد
Soren Kierkegaard: 1813- 1855)، يقارنون بين الوجود والجوهر ويقصدون من الوجود (الإنسان الفرد) لاّ الماهيات العقلية؛ لأنَّ الذي يبحث بوجود الفرد يبحث الحياة بأحسن أشكالها، وليس من همّ الفيلسوف أن يبحث بالماهيات العامة؛ لأنه تجميد للوجود الفردي، فالفلسفة عندهم نوع من الإحساس الفردي، أما العقل السليم ومبادئ المنطق الصوري فهي عندهم غير صحيحة، لذا سمّوا بالوجوديين نسبة إلى الوجود الفردي.
إنَّ الحياة يجب أن تصدر عن الإحساس الفردي لا ما يصدر عن زيد أو عبيد، في حين أن العقليين يقولون: إن هناك مبادئ عامة.
وإذا أردت أن تأخذ الوجودية إلى نهايتها المنطقية فهي تعتبر الفيلسوف والمجرم والمجنون من نوع واحد أو أنهم متقاربون..
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ديكارت
Rene Descartes (1650-1596)
ــــــــــ[177]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نتكلّم في هذه المحاضرة عن ديكارت، وهو يشبه فرنسيس بيكون من حيث إن كلاً منهما رائد الفلسفة الحديثة، بيكون أبو الفلسفة التجريبية، وديكارت أبو النزعة الحدسية العقلية في الفلسفة الحديثة، وبالتالي أستحقّ ديكارت اللقب بقدر ما يستحقه فرنسيس بيكون.
وهو شخص ممتاز من ناحية كونه ليس فيلسوفاً فحسب بل هو عالم رياضي بالدرجة الأولى، استطاع أن يوجد علماً رياضياً بالنسبة لمنهجه الفلسفي، أن يبدع علماً رياضياً هو علم الهندسة التحليلية، فهو عالم رياضي متفوّق وهو أبو الفلاسفة أيضاً.
يأتي ديكارت من عائلة نبيلة بمعنى النبل المالي والاجتماعي، كان لها إقطاع، وهو من عوائل الإقطاعيين المتوسّطين، وهو فرنسي، ومنذ ميلاده كان ديكارت رقيقاً ومرهف الحسّ لا يتّصف بالمتانة البدنية ويميل إلى النوم ويفرط في البقاء في فراشه، حتّى يعلو النهار، واستفاد من هذه العادة في التأمّل.
ــــــــــ[179]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ومنذ الطفولة اتّصف أيضاً بذكائه فكان يكثر السؤال إلى حدّ أن أباه يسمّيه الفيلسوف.
ودخل إحدى مدارس الآباء اليسوعين، وهي مدارس يشرف عليها رجال الدين الكاثوليك، وتتّصف بالصرامة في التدريس، وكان ديكارت معجباً بهذه المدارس ويحمل لها إحساسات رقيقة، رغم أن رجال الدين لم يكونوا راضين عن فلسفته وحرّموا بعض مؤلفاته.
ونحن نعلم أن غاليليو (Galileo Galile 1564-1642)، العالم الرياضي المشهور الذي عارض أرسطوطاليس، قد أدّت به الكنيسة إلى السجن والتعذيب وهو شيخ؛ لأنه قال: إن الأرض هي من جملة الكواكب التي تدور حول الشمس وليس العكس، بينما قال أرسطوطاليس بالعكس، والكنيسة المسيحية كانت قد اتخذت من ذلك إحدى عقائدها الثابتة واستنتجت أن الإنسان من أعظم مخلوقات الله تعالى، فموضع قدميه لا بُدّ أن يكون مركز الكون. فلما أثبت غاليليو بأن الأرض لا يمكن أن تكون مركزاً بل الشمس هي المركز بالنسبة إلى المجموعة الشمسية، قال رجال الدين إن فيها بدعة ومخالفة للمأثور وفيها إنزال للإنسان من المستوى الرفيع.
وغاليليو كان محكوماً بالإعدام لولا بعض التدخّلات واعترافه ولو من الناحية الشكليّة أنه كان مخطئاً. وكذلك حكمت الكنيسة على (برونو) بالإعدام وهو من فلاسفة القرن الخامس عشر الممتازين جداً، والقرن السابع عشر كان
ــــــــــ[180]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
لا يزال يحتوي على الاضطهادات التي بدأتها محاكم التفتيش ضدّ رجال الفكر.
وديكارت وجد أن الدراسات التي تعلّمها وهي اللغات الكلاسيكية واليونانية والرياضة واللغة والأدب لا تسمن ولا تغني من جوع، ووجد الرياضيات غير قائمة على بعض الأسس العامة ولا تزال غير وافية بمرام العقل، وأن الاهتمام باليونانية واللاتينية وهي لا يحتاجها الطالب بقدر ما يحتاج إليها، أي إلى ما هو أهم من هذه اللغات.
فعندما تخرّج لم يكن مرتاحاً إلى ما تعلّمه فيها(1). ثُمّ كان أبوه يرجو أن يلتحق ابنه بجيش من الجيوش الأوروبية، وكانت العادة أن أبناء النبلاء يلتحقون بالجيوش مدّة من الزمن، وكانت تعتبر التربية العسكرية من الكمالات الضرورية لأبناء النبلاء. فالتحق بالجيش الهولاندي وكان هو يقوم بنفسه غير محتاج إلى ما يدفعه إليه الجيش من راتب، واشترك في بعض الغزوات التي يدبّرها الأمراء.
وفي ليلة من ليالي الشتاء في 1619 -أي كان في الثالثة والعشرين- التجأ وهو في طريقه إلى معسكر [من تتويج الإمبراطور] فرديناند، وأصابته أزمة روحية كان لها التأثير الكبير عليه في المستقبل. وهي من نوع ما أصاب الفلاسفة الممتازين في جميع الأزمان مثل ما حدث لسقراط وأوغسطين والغزالي.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
() في المسودة (عنه). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إذن نشاهد أن الفلاسفة الممتازين تصيبهم هذه الحالات، وديكارت أصابته في ليلة من ليالي الشتاء، وقد فكر في كلّ الأشياء التي تعلّمها من قبل وأخذ في التفكير من جديد فيما يلزمه عمله في المستقبل، وهو يعتقد أن الأفكار التي حدسها في تلك الليلة كان لها التأثير الكبير في جميع أفكاره الفلسفية.
ــــــــــ[182]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الخطوات الأربعة التي استطاع أن يحدسها في تلك الليلة ويذكرها لنا في كتابه (مقال عن المنهج) وهو صغير مكتوب بالفرنسية.
والمراحل الأربع هذه:
المرحلة الاولى: هي مرحلة الأفكار الواضحة المتميّزة أي إنه شعر أن ما تعلّمه من الوسيطيين واليونانيين أن الطامة أو العقبة الرئيسية التي تكون عند الفيلسوف هي أنه يحمل في ذهنه أفكاراً غامضة مختلفة مع بعضها البعض(1)، ووجد أن التفكير السليم لا يمكن أن يأتي من هذه الأفكار، وإن أراد الإنسان أن يجعل تفكيره نامياً لا بُدّ أن يبدأ من أفكار راسخة الجذور، والأفكار البسيطة الواضحة هي تلك الجذور الأساسية (.) وفي توكيده على البدء بهذه الأفكار إنما يصدر عن منهج رياضي من أن الرياضي يبدأ بالتعريفات والبديهيات والمسلّمات، فكذلك في رأي ديكارت أن لا بُدّ للفيلسوف أول الامر أن لا يقبل بشيء إلّا أن يكون واضحاً متميّزاً عن غيره، ومن هذه الأفكار: الأفكار المحدوسة للعقل بشكل مباشر، ومنها يستطيع أن يبدأ ابنيته الضخمة ولولاها لتداعى البناء.
ــــــــــ[183]ــــــــــ
() في المسودة (ببعضها) البعض. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المرحلة الثانية: هي مرحلة التحليل: والمقصود بها أن الفيلسوف الذي يواجه مشكلات صعبة لا يستطيع أن يحلّها كلّها أو يحلّ المعضلة الكبيرة دفعة واحدة، كالمعمار إذا أراد أن يبني مدينة فلا بُدّ أن يبنيها مجزّأة والتجزئة هي الطريقة الصحيحة للبناء، فلا بُدّ للفيلسوف أن يأخذ بتجزئة المعضلة إلى أجزائها، ويجب أن لا يكون هذا التحليل من جنس التقطيع غير الطبيعي، بل لا بُدّ أن يريدها(1) إلى مكوّناتها العضوية الطبيعية بحيث يرجعها إلى أسسها الأصلية. والمفكّر يأخذ بعد هذا التحليل بحلّ أجزاء المعضلة واحدة واحدة، فيبدأ بالبسيط ثُمّ إلى الأكثر تعقيداً إلى أن ينتهي من البناء.
المرحلة الثالثة: التركيب: وهي أن المفكر عندما يأخذ بتحليل المشكلة إلى أجزاء، فإنه لم يفعل ذلك لنفسه كغاية، بل اتخذ ذلك واسطة في البناء، فلا بُدّ أن يعيد النظر في المشكلة ليعيد للمشكلة انسجامها وطبيعتها، فلا بُدّ أن نبني المشكلة من جديد فنصل إلى الموقف الأصلي الذي كان قبل التجزئة بعد أن حلّلنا المشكلة.
المرحلة الرابعة: مرحلة الإحصاء والتدقيق والمسح: أي إن الفيلسوف عندما أخذ بالمرحلتين الثانية والثالثة من الجائز أن ينسى واحداً أو آخر من أجزاء المشكلة، فلا بُدّ أن نعيد النظر من جديد، وأن نأخذ بمسح المشكلة مسحاً (طبوغرافياً) من جديد، ويعيد المفكّر النظر في كلّ الأجزاء المختلفة لكي يتأكّد أنه لم ينسَ جزءاً أساسياً من المشكلة.
ــــــــــ[184]ــــــــــ
() كذا في المسودة، والظاهر أن الصحيح (أن يردّها). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
والآن عندما ننظر في هذه المرحلة نرى أنه كانت من جملة نتائجها أن الفيلسوف أخذ يحلّ مشاكله بهذا المنهج الرياضي، واستطاع ان يوجد علماً عاماً في الرياضة يجمع شتات العلوم الرياضية المتفرّقة، أو بالأحرى التي كانت متفرّقة في عصره، وهو يقوم على أساس العلوم الفرعية وهو علم (الهندسة التحليلية) كتطبيق من تطبيقات منهجه الفلسفي. وإيجاده لهذا العلم كان تحقيقاً لفكرة توحيد العلوم الرياضية وإقامتها على مجموعة من المبادئ العامة.
مقارنة بين منهج فرنسيس بيكون وديكارت:
بيكون أكّد على جانب التجربة والملاحظة، في حين أن ديكارت كأفلاطون يحاول أن يؤكّد على المنهج النظري الرياضي، فهو أصلح للعلوم الفكرية، في حين أن منهج بيكون أصلح في العلوم الطبيعية والاجتماعية. وهما منهجان متكاملان يمثلان مسارين عقليين هما المسار الرياضي من ناحية والاستقرائي الطبيعي من ناحية أخرى.
ــــــــــ[185]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هناك مجموعة من القواعد العامة وضعها ديكارت، وهذه القواعد العامة يقصد بها إنجاز أبحاثه بخصوصها وما نسميه الآن بالأبحاث الحياتية والسلوكية، أي المنهج الديكارتي الذي يرتبط بحياة الفيلسوف. المشكلة الأخلاقية أي تلك المشكلة التي يحدده بها سلوكه مع نفسه من ناحية ومع غيره من ناحية أخرى.
وهذه القواعد هي أربع وضعها لنفسه لكي يحدد أخلاقه وتصرّفاته بحسبها.
القاعدة الأولى: قرّر أن يخضع لقانون بلاده وأن يخضع للدين السائد، فقد وجد أن ديكارت كان يعيش في زمن مضطرب، وجد أن المفكر لا يستطيع أن يقف بوجه التيارات الاجتماعية وأن يخالف الحكومة، كان من رأيه أن يساوم الإنسان مع القوانين المعروفة في بلده، ومع الحكّام ورجال الدين في بلده، وعليه أن يفكر في حلّ المشكلات الفلسفية.
لكن المفكّرين ونقّاد الفكر الديكارتي ينتقدونه من هذا الجانب ويصفونه بالجبن، ولذا نجد أنه ساوم مع القانون والأفكار السائدة، وعندما سمع بحكم الإعدام على غاليلو، وكان قد ألّف كتاباً اسمه(العالم) يحوي أفكاراً كأفكار
ــــــــــ[186]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
غاليلو فأخفى كتابه وخرج من فرنسا لكي لا يصل إلى المقصلة. فكان
-ديكارت- معروفاً بجبنه ولكنه جبنه من النوع المغتفر، أي إنه يجد من العجز أن يماحك الإنسان الحمقى، وإن ظهر أمام الأحمق بالجبان خير له من أن يصارع الحمقى. وهو مثل ما يسمّى بالتقية عندنا في الإسلام. ومثل ما نجده عند أرسطو عندما اعتبره الأثينيون غريباً وحاولوا أن ينوشوه، فلم يشأ أن يقدّم إلى الفلسفة فداءً آخر، بل هرب إلى خارج (أثينا) ومات ممعوداً.
القاعدة الثانية: وجد ديكارت أنه حينما يصمّم فكرة او يتقّصى رأياً فلا بُدّ أن يستمرّ في تقصّية وأنه يجدر به أن لا يتردّد كما يتردّد التائه في الغابة فيسير يمنة ويسرة من دون أن يصل إلى شيء، فأجدر به أن يسير في سبيل واحدة قد يصل إلى غاية، وهو أنه يخرج من متاهته، في حين أنه إذا ضاع وقته في التردد يمنة ويسرة فلن يخرج من متاهته أبداً.
القاعدة الثالثة: أنه لا بُدّ من مغالبة الشهوات، وجد أن أكبر ما يعيق المفكّر في أبحاثه هو الخلط بين الرغبات والشهوات الحسّية ومتطلّبات المجتمع وما شاكل ذلك، وإن ذلك يجب أن لا يؤدي إلى عرقلة أعمالنا الفكرية، وبالتالي فيجب أن لا نحصل منها إلّا بالمقدار الأقلّ أي ما يكفي لإدامة الشخصية وغيره باطل وزائد.
[القاعدة الرابعة]: ومن ناحية رابعة وأخيرة فكّر أن يعمل وأن يختار مهنة برقي(1) الحياة، وهو عندما رجع من المانيا -أي بعد سنة 1619- إلى فرنسا
ــــــــــ[187]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
شاءت له أسرته أن يتزوّج وان يحترف النشاط السياسي بوصفه من عائلة بارزة وذكياً فلا بُدّ أن يشتغل بالسياسة وأن يظهر اسمه. وفكّر هو أن يعمل شيئاً ما وأن خير ما يمكن أن يعمله هي مهنة الدرس والتفكير.
فالقاعدة الرابعة هي أن يواصل في دروسه وتفكيره وأن لا يؤخّره مؤخّر عن ذلك، لذا ظل طوال حياته أعزباً وترك إقطاعه وذهب إلى هولندا حيث لا يعرفه أحد وعاش هناك وحيداً.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
في أواخر أيامه دعته ملكة السويد التي يظهر أن لها ميولاً فلسفية ليحضر، وقد كان إنساناً مؤدّباً لا يستطيع أن يرد الناس بسهولة، فخضع لهذه الدعوة وعندما ذهب إلى السويد وكانت ذات مناخ بارد لا يجاري طبع الفيلسوف المرهف، وطلبت الملكة منه أن يلقي عليها محاضرات في الفلسفة في الخامسة صباحاً وهذا يناقض ما اعتاده من بقائه في الفراش إلى نصف النهار. فمرض وأتوا إليه بطبيب الماني فوصف له عملية جراحية فظهر فيه تعصّبه الفرنسي، وقال: لا يجوز أن يسكب الألماني دم فرنسي ورفض العملية. ولذا مات من عناده، ومات موتة تكاد تكون أسطورية.
ومن مؤلّفات ديكارت المشهورة كتابه (العالم) وهو يبحث الأفكار الفيزياوية، وكتاب (الأخلاق) وله أبحاث في الناحية الفسيولوجية البدنية أي الوظائف الحية في الإنسان.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يبدأ تقريره بفكرة الشكّ بعد أن تبيّن له أن كلّ العقائد الأخرى والمذاهب الفلسفية الأخرى كما قال بيكون في أوثان المسرح، الشيء نفسه شعر به ديكارت، وشعر بأن الفلسفة اليونانية والوسطية بها كثير من الأوهام والأخطاء فلا بُدّ من الشكّ فيها.
ولكن الشكّ عندما انتهى به أن يرفض به كلّ الأفكار، انتهى به إلى حقيقة يقينية وهي إن رفض كلّ شيء فلا يستطيع أن يرفض حقيقة واحدة: هي أنه يشكّ وشكّه شيء يقيني غير قابل للشكّ فيه. وعندما يتأكّد من هذه الحقيقة
-وهي أنه يشكّ- يستنتج حقيقة ثبوتية أخرى: أنه مفكّر، وأن الشكّ مظهر من مظاهر تفكيره، إذن تفكيره موجود ومن يفكّر فهو موجود (أنا أفكر فأنا موجود cogito ergo sum). إذن هذه الحقيقة اليقينية هي نتيجة لشكّه، وشكّه انتهى به إلى الاعتقاد بذاته العاقلة المفكّرة.
وأخذ يفكّر في شيء آخر وهو أن ذاته العاقلة المفكرة لها أشباه مفكرون، ولا بُدّ أن يكونوا صادرين عن خالق لهم. إذن يتوصل إلى حقيقة وجود الله، وله عدّة براهين بأنَّ الله موجود وأنه خالق، وهو -أي الله تعالى- من نوع النفس أيضاً مفكّر، ولكنه يتّصف بصفات أعظم من صفات النفس الإنسانية،
ــــــــــ[190]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ويتّصف بالصفة الرئيسية وهو أنه مفكّر.
ثمَّ يأخذ بأثبات وجود العالم الذي يتّصف بصفة أساسية هي صفة الامتداد أو الحجمية، وبالتالي أصبحت في هذا العالم صفتان رئيسيتان: الفكر والامتداد. وعندنا ثلاثة أشياء رئيسية الله والنفس والعالم.
ونستفيد من هذا(1) رغم أنه اعتبر نفسه مسؤولاً عن كلّ أفكاره، إلّا(2) أنه رفض أن يكون للآخرين فضل على فلسفته. فإننا حين نحلّل ميتافيزيقاه نجد أنها تتألّف من هذه المشكلات الفلسفية الثلاث: الله النفس العالم، وهي نفس المشكلات الموجودة عند الوسيطيين الذين اعتبر أنه ليس لهم عنده أي فضل، والبراهين التي استعملها نجدها عند أوغسطين وتوماس الاكويني. وحتى فكرة الشكّ نفسه(3) وهو من نوع الشكّ المنهجي الذي يبدأ به الفيلسوف للتأكد من أفكاره ثُمّ إلى اليقين.
فهو أنكر أن تكون للفلسفات الأخرى أي فائدة، ولكن أصحاب الفضل الأوّل يبقون أصحاب الفضل الأوّل وإن أنكره ديكارت وبيكون. ولعل هذه مذمّة أخرى نضيفها إلى الأولى التي حاولنا تبريرها بعض الشيء أما هذه فلا يمكن أن تغتفر أبداً.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
() كذا [في المسودة]. (المقرِّر).
(2) (إلّا) في المسودة (إلى أنه).. إلخ. (المقرِّر).
(3) الأصحّ (نفسها). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
باروخ اسبنوزا
[Baruch Spinoza] (1632- 1677)
ــــــــــ[193]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
باروخ بالعبرية تعني (المبارك)، اسبنوزا يأتي من عائلة يهودية نزحت من أسبانيا إثر الاضطهادات التي عمّت أسبانيا من محاكم التفتيش، وانتقلت إلى البرتغال ثُمّ إلى فرنسا ثُمّ إلى هولندا في أمستردام، حيث كانت هولندا أيسر عيشاً لمثل هذه الجماعات.
دخل في معهد يهودي يتعلّم اللغة العبرية والدراسات اليهودية، وكان أبوه يشتغل في السوق، وطلب من ابنه في الثامنة عشرة بعد التخرج أن يشتغل في السوق معه.
تعلّم العبرية وبعض الدراسات اليهودية، ولكنه فضّل الفلسفة وبصورة خاصة فلسفة ديكارت والفلسفة اليونانية، ورآها أجمل من الفلسفة الوسيطة، واعتبر اللغة اللاتينية أجمل وأحسن في التعبير من العبرية، فبدأ في هذه السنّ المبكرة يبحث ما تعلّمه من الرياضيات، وكان معجباً بالرياضيات وبديكارت،
ــــــــــ[195]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وهو رياضي ولكنه لم يجئنا باكتشاف في الرياضة أو علم فيها.
بعد هذه السنّ عندما أراد أبوه أن يعمل معه في السوق وأبى، واصلَ أبحاثه وأخذ يفكر في التوراة من حيث إنها أقرب إلى ما تعلّمه، واليهود كانوا مبعدين عن السياسة وهو لم يشتغل في السوق، فكان لا بُدّ أن يشتغل حتّى يكون رجل دين يهودي.
ثُمّ وجد أن التوراة لا تتّفق مع نفسها، أي إن فيها مفارقات في الدراسة العقلية، وبالإضافة إلى ذلك وجد بعض أفكار التوراة مخالفة للعقل السليم، أي إنه حاكم التوراة بالاتّساق الداخلي، وهو أن الأفكار الداخلية متّفقة مع بعضها البعض، والاتّساق الخارجي وهو أن الأفكار هل هي متّفقة مع الأحكام العقلية وما يفكّر فيه الناس؟ ومن هنا بدل أن يكون حبراً يهودياً أخذ يخرج من الديانة اليهودية شيئاً فشيئاً، ويقلّل زيارته للكنائس اليهودية واهتمامه بالطقوس اليهودية، ويقلّل تفكيره في الكتب اليهودية.
واليهودية تقبل بنتائج (النقد العالي Higher critique)، أي ما يتقدّم به العقل السليم في شرح النصوص الدينية المختلفة، واستفادة نقدات أو تأثيرات تاريخية عندما ألّفت التوراة أو الانجيل.
المتعصّبون يرون أن الأفكار الخارجة عن الأفكار الموروثة شيء يشبه الكفر، فحاولوا وحاول أبوه أن يقنعه بالكفّ عن أفكاره وهدّده بحرمانه من ميراثه، وأخذ اليهود يطمعونه أنهم سيعطونه راتباً سنوياً إن كف، ثُمّ هدّوده، ولما لم يفد ذلك قاطعوه بالنبذ الأصغر -أي النبذ لمدّة شهر- فلما لم يفد قاطعوه
ــــــــــ[196]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
بالنبذ الأكبر -أخرجوه من الديانة اليهودية- ووصفوه بأشنع الأوصاف الموجودة في التوراة للكفّار، وصاروا يحرّضون المسيحيين عليه، فليس هو خطراً على اليهودية فحسب، بل على المسيحية أيضاً فأخذوا أيضاً يضايقونه، ولكنها لم تصل إلى حدّ مضايقة اليهود له، والمسيحيون حرّموا كتبه وأفكاره، وعندما نشر (رسالة سياسية دينية) أو لاهوتية أو رسالة الدين في السياسة واللاهوت، أخذ يظهر أفكاره فيما يلزم أن يكون عليه الحكم الديمقراطي، وما يلزم أن يكون عليه رجال الدين من صفات (نشر الكتاب في 1670).
وهذه الآراء لم تنزل منزلاً حسناً من الناس، لذا كفّ عن نشر مؤلفاته إلى أن مات، وحتى بعد وفاته لم ينشرها أصدقاؤه، وحينما نشروها نشروها بالحروف الأولى لاسمه، ونشروا كتاباً باسم مستعار لكلٍّ من المؤلّف والكتاب خوفاً عليه.
عاش اسبنوزا 44 عاماً، ومؤلّفاته إلى جانب هذا (رسالة سياسية) لم ينته من تأليفها عندما مات، (رسالة في إصلاح العقل) لم ينته منه كذلك، يصوّر فيه الارتقاء العقلي عنده والمنهج الواجب الاتباع، وما يلزم على الفيلسوف أن ينهجه في بحثه، وهو يشبه (مقال عن المنهج) لديكارت، ولكنّه انتهى من كتابه (الأخلاق) وهو كتاب فريد لم يؤلّف بعده ولا قبله مثله، وله كتاب (مبادئ الفلسفة الديكارتية) ألّفه في شبابه، وأظهر اسمه ورفعه من شخص غير معروف إلى مصاف الفلاسفة، وبحث فيه محاسن ومحاذير فلسفة ديكارت.
عاش في عدّة مدن انتقل من (أمستردام) بعد أن وجد الاضطهاد إلى مدينة
ــــــــــ[197]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
صغيرة اسمها (رنزبرغ)، ولا تزال المدينة تحتفظ بالغرفتين اللتين عاش فيهما إحداهما مكتبته والأخرى مصنع لصنع العدسات التي اتّخذها مورداً لرزقه، ولم يكن يرد عليه منها إلّا الشيء القليل، ومن أثر ما كان يصيبه من تراب الزجاج مات بالسلّ أو ما يشبه السل، ثُمّ انتقل إلى مدينة أخرى اسمها (فوربُرغ)، ثُمّ انتقل إلى (لاهاي)، ثُمّ انتقل إلى مدينة أخرى، وكلّها في هولندا.
كتابه عن الاخلاق هو كتابه الرئيسي الذي يعدّ مفتتحاً لعصر جديد للفلسفة، ألّفه بحسب الطريقة الهندسية الإقليدية، فإننا نجد أن أبحاث إقليدس تبدأ بالمسلّمات والبديهيات، ثُمّ يأخذ الرياضي بالبرهنة على مسائله اعتماداً عليها، ويستنتج منها بعض النتائج، ثُمّ يبرهن على مسألة أخرى على أساس أنه برهن على المسألة الأولى.
فيذكر فيه آرائه في علم النفس والأخلاق ووجود الله، وهو من الكتب النادرة والممتازة، ولم يعرفه في حياته إلّا القليل، وبعد أن نشر أخذ الناس يذكرونه بكل خير ورفع إلى المصاف العليا من كتب الفلسفة.
ــــــــــ[198]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يبدأ الرسالة هذه: بأنه أخذ بالبحث في ما يتداوله الناس من أفكار وآمال، يبحث في ماهية الأماني الشائعة عند الناس، ما يرتاح إليه الناس في حياتهم، ويمكن وضعه تحت هذه العناوين الثلاثة التالية: وهي الثراء والجاه والشرف وأخيراً الملذّات الحسية، وتبيّن له أنها لا تكون خيرات حقيقية؛ لأن الخير الحقيقي هو الذي يمكن أن تكون له فائدة حقيقية في ذاته، ولا يمكن أن يأتينا بأضرار، في حين أن هذه الأنواع الثلاثة لا تأتينا بخيرات حقيقية.. لا تجنّبنا كثيراً من الأضرار.
فلا بُدّ أن يخرج عن عادة الناس ويبحث عن خير أعظم حقيقي، يطلب في ذاته، يأتينا بخير وسعادة حقيقية، ويجنّبنا ما يمكن أن يوجد من أضرار، إذن هو نفس ما توجّه إليه سقراط، وهو الوصول إلى قواعد لجعل السلوك الشخصي والحياة أسمى وأكمل.
إلاّ أنه قال: إني لو أهملت هذه الأغراض الثلاثة التي شاعت بين الناس وقد تبيّن أن لها بعض المنافع، فمن يدريني أنني سأحصل على شيء آخر فيه مثل منافعها، فهو لا يريد أن يترك الشيء المعروف المؤكّد إلى شيء غير معروف وغير مؤكّد في نتائجه، ولو استطاع أن يكشف الخير الأعظم فسيتجنّب الأضرار في
ــــــــــ[199]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هذه الخيرات التي بين الناس، وسيحصل على السعادة الأبدية في حياته أو حياة أخرى -التي يتوخّاها من الخير الأعظم-.
والخير الأعظم الذي يكون للإنسان أو للفيلسوف هي معرفة الذات الإلهية، واتّحاد الإنسان بالذات الإلهية، وهي بكلمة أخرى عند اسبنوزا: تلك الوحدة وذلك الاتّساق في هذا الكون الذي نعيش فيه. وبالتالي فالفيلسوف عندما يستطيع الاتّحاد بهذه الذات الإلهية، ويفهم أن نفسه ما هي إلّا مظهر من مظاهر الاتّساق والوحدة الإلهية يكون بهذه المعرفة قد اتّحد بالوجود الأعظم.
إذن الحبّ الإلهي هو حبّ صوفي روحي من ناحية وعقلي من ناحية أخرى؛ لأنه قد فسّر الذات الإلهية على أنها هي تلك الوحدة وذلك الاتّساق الذات(1) في الكون الذي نحن فيه.
وهو يعتبر الذات الإلهية ذات مظهرين أساسيين: مظهر الفكر من ناحية والامتداد من ناحية أخرى(2)، فكأن الكون المادي ما هو إلّا الصورة المتعدّدة الممتدّة للذات الإلهية.
ونقول تعليقاً على ذلك: إن اسبنوزا ليس من الفلاسفة الماديين، ممن يعتبرون الروح مادة وأن الصورة الإلهية صورة من صور المادة، بل اعتبر الطبيعة الماديّة هي صورة روحية وهي مظهر من مظاهر وجود الله.
ــــــــــ[200]ــــــــــ
() كذا ولعلّ أصله (الذاتي). (المقرِّر).
(2) قال الدكتور في ردّ على سؤال: الامتداد أي الحجمية والمكانية أي الصفات الفيزياوية الكيماوية للشيء. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إذن لا بُدّ لاسبنوزا أن يهمل الغايات الثلاث هذه التي شاعت عند الناس.
إلّا أنه من ناحية أخرى لم يزهد في كلّ شيء فيها؛ لأنه كان يعرف أنه لا بُدّ للإنسان من شيء من المال لكي يعيش، فهو يقرّر لنفسه أن الإنسان مادام يستطيع أن يحصل على ذلك المقدار من المال الذي يكفي لسدّ حاجاته الأولية الأساسية فيجب أن يرفض كلّ ما عدا ذلك، وقد نفّذ اسبنوزا ذلك تنفيذاً أدّى به أن يعيش مريضاً وأن يموت في مقتبل العمر.
وهو عندما مات أبوه وكان له أختان، حرمتاه بحسب وصيّة أبيه من ميراثه، تقدّم إلى المحاكم لكي تحكم له بميراث أبيه، وهي -أي هذه المحاكم- لم تأخذ بوصية الأب وحكمت له بالميراث، ولكنه رفض أن يأخذ منه أكثر من فراش واحد، وواحدة من هاتين الأختين واسمها (ربيكا) عاشت بعد اسبنوزا، واعتبرت نفسها وريثته، ولكن بعد أن تبيّن لها أن كلّ ما عنده يفي بمصاريف دفنه والأجور المتأخّرة عن غرفته، كفتّ عن المطالبة بميراثه، ولم يترك اسبنوزا إلّا بعض المخطوطات عند أصدقائه المخلصين الذين أبقوا لنا ذكره.
وبالنسبة إلى (الجاه) وجد أن يقلّل الإنسان منه ما يستطيع؛ لأن الجاه والشهرة تأدّيان لأن يساوم الإنسان الآخرين ويرضي رغبات الغير ويخالف روح الحق، وهذا من شأنه أن يعكّر على الفيلسوف أفكاره وأبحاثه.
ودُعِي إلى جامعة (هايدلبرغ) في ألمانيا وأعطوه كرسي الأستاذية، وأن يتفلسف كما يشاء ولكنّه ردّه، وقال: إنه لم يفكّر في تدريس الشباب؛ لأن ذلك من شأنه أن يؤخّر أبحاثه الفلسفية، ورجال الدين ليس فقط يتدخّلون فيمن
ــــــــــ[201]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يضايقهم بل يتدخّلون حتّى مع المنعزل عنهم، وهو في اعتزاله غير ناجٍ منهم فكيف إذا ظهر أمام الناس، فسوف يتعرّض بصورة أكثر إلى مضايقات رجال الدين.
بعد أن نشر إحدى رسائله وظهر اسمه عيّنت له الحكومة(200) فلورين إلى ما يساوي 20 دينار في السنة، بالإضافة إلى ربح العدسات وهو يكفي لأجور الغرفة والطعام الذي يأكله.
فالجاه فيه مضرّة للتفكير السليم، ولكنه يقول: إنه يجدر بالفيلسوف أن لا يتحدّث مع العامة إلّا بالأفكار البسيطة وباللغة التي يفهمونها؛ لأننا إن خاطبناهم بما يفهمون فإننا سوف نقنعهم بأفكارنا، وهو وإن(1) كان مستغنياً عن معرفة العامة لأفكاره، زاهداً في نشر رأيه، ويرى بأن الفلسفة مسألة شخصية بحتة، واعتزاله إنما نتج من الاضطهاد الذي رآه، وكان اسبنوزا شجاعاً عند الأزمات.
وبالنسبة إلى ملذّات الحسّ، لا ينكر أن الحاجات الطبيعية هي أمور ضرورية لا بُدّ من إشباعها، لكنه يقول: إن الافراط في إشباع ملذّات الحسّ يؤدّي إلى الانزعاج بعد ذلك، أي إن الإنسان ما دام يلتذّ أثناء الإشباع ولكنه سرعان ما يتألّم بعد انقطاعه عن ذلك، وبالتالي فالملذّات الحسّية زائفة موهومة، ولا بُدّ للإنسان أن يتجنّب الآلام الناتجة عن ذلك، وأن لا نفرط في الإشباع إلّا إلى الحدّ الأدنى.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
() جواب الشرط غير موجود في المسودة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وهي الأربعة التالية:
النوع الأوّل: هو ما يتلقّاه الإنسان بالسماع -أي المعرفة التي يتلقاها الإنسان بالسماع أو الإشاعة-، وهي أحقر المعارف وهي المعرفة التي تأتينا من طريق السلطة كالوالدين أو غيرهما، والمثال الوحيد الذي يذكره: أننا مولودون في يوم كيت وكيت، وليس لها قيمة بالنسبة إلى الأنواع التالية.
النوع الثاني: وهي أكمل، وهي ما يسميه المعرفة الغامضة أو القدرة الشخصية الغامضة: ما يحصله الإنسان من تجارب شخصية، أو هي ما يحصله الإنسان شيئاً من آخر من دون أن تكون مرتبطة، بل لها اتصال سطحي،
-وهذان القسمان- هما أدون المعارف.
النوع الثالث: الاستدلال أو استدلال ماهية شيء من شيء آخر، وفي هذا لا يصل العارف إلى ماهية الشيء من الشيء نفسه بل يحصله من شيء آخر، مثل المعارف المادية التي نحصل عليها من الظروف المحيطة بهذا الشيء، ويعتبر هذه الرتبة من المعرفة أقلّ في الشرف من الرتبة الأخيرة.
[النوع الرابع]: والرتبة الأخيرة هي التي يدرك فيها الإنسان ماهية الشيء من داخل الشيء، وهي من الحدس، أي: أن الإنسان يحدس ماهية الشيء من
ــــــــــ[203]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
معرفة الشيء نفسه، وهو يعتبر أن الرياضيات كلّها من هذا القبيل، فالحدس الاسبنوزي حدس يقيني يشابه طريقة المتصوّفة في الحدس، إذن الإدراك الباطن للذات العليا الإلهية هو إشراق عقلي للقوانين العليا البعيدة في هذا الكون، فهو يشبه القوانين الفيزياوية الحديثة إن تحدّثت عنه بلغتها، ويشبه طريقة المتصوّفة إن تحدّثت عنه بلغتها، واسبنوزا من الوجوديين الواحديين يقول بوحدة الوجود على أساس عقلي ممتاز.
المعارف الأربع هي هذه عند اسبنوزا وعند أفلاطون، وجدنا عنده مراحل أربع للمعرفة، ولكن المرحلة الرابعة عند اسبنوزا هي المرحلة الثالثة عند أفلاطون، والثالثة عند اسبنوزا هي الثانية عند أفلاطون .
ثُمّ لدينا أربع رابعة حيث وجدنا أربعتين عند ديكارت ومثلهما عند اسبنوزا فهذه هي الأربع الرابعة، وهي مجموعة من القواعد السلوكية أراد أن يجعلها لنفسه في سبيل المعرفة بمعناها الرابع.
[القاعدة] الأولى: هي التي وجدناها عند ديكارت من قبل وهي فكرة الوضوح ،أن لا يأخذ إلّا بأوضح الأفكار.
القاعدة الثانية: أنه لا بُدّ أن نوجد القواعد التي تصبح بحسبها الأمور المجهولة معلومة، وهو في هذه القاعدة يحاول أن يعيّن أنواع المناهج التي يستعملها الباحث لحلّ مشكلاته المختلفة.
[القاعدة الثالثة]: لا بُدّ لنا أن نؤسّس نظاماً للبحث ينقذنا من الجهود المبذولة عبثاً وباطلاً، وهو في هذا يفكّر في نفس الأوثان التي فكّر فيها بيكون،
ــــــــــ[204]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ولكي يجعل الباحث أفكاره سليمة من الأغلاط لا بُدّ أن يدرك هذه الأغلاط.
[القاعدة الرابعة]: أن غاية الباحث يجب أن تتّجه دائماً إلى الوصول إلى الوجود الأكمل، وهي الله بمعنى ما نفهمه في اللغة الدينية المعروفة من ناحية، والوحدة والاتّساق من ناحية أخرى، وهي تتكوّن من خاصيتين: الفكر والامتداد. فالمعرفة التي يطلبها مِنّا في القاعدة الرابعة ليست إلّا المحاولة من أجل القوانين البعيدة العليا للطبيعة المادية والنفس البشرية، وبمقدار ازدياد معرفتنا بقوانين العقل والنفس نتّحد أكثر بهذه الذات العليا أو الوجود الأكمل، وبقدر ما نجهل هذا الوجود وتلك القوانين نكون مبتعدين أكثر فأكثر عن الله.
وهذه القواعد الأربع هي من الأفكار المبذولة لنا اليوم في البحث العلمي، والتي أصبحت من موروثاتنا العلمية بفضل أشخاص مثل اسبنوزا وبيكون وديكارت.
ــــــــــ[205]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هو كتاب فريد من نوعه يحاول فيه مؤلّفه أن يثبت وجود الله والنفس البشرية وصفات الكون باعتبار أنها من نوع الخطوط والسطوح والأشكال الهندسية وبذل بذلك جهداً مشكوراً وصار كتابه في مصاف الكتب الفلسفيّة العليا.
يتألف الكتاب من خمسة أقسام:
يبحث في الأوّل في موضوع الله، ويبدأ كالعادة بمجموعة من التعريفات والبديهيات، ثُمّ يبحث في مسائل فيما يتّصل بجوهر الله ووجوده وكمالاته، اعتباراً على التعريفات السابقة، أي إنه يتّخذ الطريقة الأقليديّة مثالاً يحتذيه في إثبات هذه المسائل الوجودية.
ثمَّ بالجزء الثاني يبحث في العقل وطبيعته الخاصة وأصله أو منشئه، وهو أيضاً يأخذ بتقرير مجموعة من التعريفات والبديهيات، ثُمّ يبرهن على مجموعة من المسائل ويستنتج منها نتائج خاصة.
ثمَّ في الكتاب الثالث يبحث فيما يسمّيه الانفعالات أو الرغبات، وما يمكن أن نسمّيه بالجانب الوجداني من الإنسان وهو الجانب المقابل للعقل. وهو أيضاً يبدأ بمجموعة من المقدّمات والتعريفات ثُمّ يبدأ بتقرير المسائل.
ــــــــــ[206]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ثُمّ في الجزء الرابع يبحث في موضوع ما يسمّيه بالاستعباد الإنساني أو سيطرة الانفعالات، أي: ماذا يحصل للإنسان عندما تتغلّب انفعالاته عليه
-عندما يتغلّب الجانب الوجداني على الجانب العقلي-.
وفي الجزء الأخير من الكتاب يبحث عن الحرية الإنسانية -في موضوع يقابل ما بحثه في الجزء الرابع-.
نبدأ بالكتاب الأوّل وهو الذي يبحث في الذات الإلهية ويبدأ بعدّة تعريفات مرقّمة اعتباراً من واحد وهكذا، كما هو موجود في كتاب إقليدس في الهندسة، ثُمّ يأخذ بالبرهنة على المسائل، ابتداء من تلك البديهيات.
التعريف الأوّل: أفهم من كون الشيء هو سبب نفسه أو علّة ذاته عندما تكون ماهيته متضمّنة لوجوده -أو تحتوي وجوده-، وأن طبيعته لا يمكن تصوّرها ما لم يكن موجوداً، أو بكلمة أخرى: علّة ذاته هو ما تحتوي ماهية وجوده، ولا يمكن إدراك طبيعته ما لم يكن موجوداً.
التعريف الثاني: يكون الشيء نهائياً في جنسه أو في نوعه عندما يكون محدوداً بشيء آخر من ذات الجنس أو من الجنس ذاته، أو يكون الشيء محدوداً عندما يمكن تعريفه من الجنس نفسه، مثال ذلك: الجسم يقال عنه إنه محدود؛ لأننا نستطيع أن نعقل جسماً آخر أكبر منه، أي نستطيع أن نتصور شيئاً آخر يتصف بالجسمية ويكون أكبر أو أصغر من الجسم الأوّل، وهكذا الفكرة يمكن
ــــــــــ[207]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تحديدها بفكرة أخرى لكن الجسم لا يمكن حدّه بفكرة ولا الفكر بجسم، أي ننتهي من هذا على أن في الكون نوعين من الأشياء مستقلين عن بعضهما ومتميزين هما الفكر والمادة، وسنعلم في ما بعد أن الفكر والمادة هما مظهران للذات الإلهية.
التعريف الثالث: أفهم من الجوهر ذلك الذي يكون في ذاته والذي يدرك عقلاً بذاته (في ذاته)، أي أفهم من ذلك أن ما نتصوره عن الجوهر لا يُشتقّ (أو يستنبط) من تصور شيء آخر وإنما يؤخذ من ذات الجوهر، فلكي يتّصف الشيء بأنه جوهر لا بُدّ أن تكون فكرته مستنبطة منه لا من جوهر آخر.
التعريف الرابع: أفهم من الأعراض ما يدركه العقل على أنه يؤلف -أو يمثّل أو يكوّن- ماهية الجوهر. فالأعراض هي الصفات المختلفة التي للماهية.
التعريف الخامس: أفهم من الحال (أو الأحوال) التغيرات أو التأثيرات التي تحصل في الجوهر.
التعريف السادس: الله، أفهم منه أنه ذلك الكائن اللامحدود (اللانهائي) بصورة مطلقة، أو أنه ذلك الجوهر المؤلف من أعراض لا محدودة أو لا نهائية، وكل من هذه الأعراض يعبّر عن ماهية لا محدودة خالدة (أو أبدية)، فكأن الله هو ذلك الجوهر اللامحدود والخالد، وكل من أعراضه لا محدودة وخالدة، وهذا ينطبق على الفكر والمادة من حيث إنهما الصفتان الرئيسيتان لله.
التعريف السابع: يكون الشيء متصفاً بالحرية عندما يوجد بمحض ضرورة طبيعته الخاصة، ويكون متعيناً في أفعاله بذاته فقط، أي إن الحرية
ــــــــــ[208]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تنطوي على كون الشيء موجوداً بذاته وإن أفعاله ناتجة عن ذاته الأصيلة وليس عن خارجي، ومن هذا سنتبيّن أن السارق لا يمكن أن يسرق بمحض إرادته الخاصة؛ لأنه ليس من طبيعة الإنسان أن يسرق، وإنما هو من الأحوال الطارئة على الإنسان بسبب الجهل أو المرض أو مخالفة القانون.
التعريف الثامن: أفهم من الخلود أن يكون الوجود نفسه من حيث إنه متصور بحيث يصدر بالضرورة من تعريف أن الشيء خالد(1).
انتهت التعريفات الثمانية التي هي كأس لكتاب الله.
وهي سبعة كمؤيّدة لتلك التعريفات:
البديهية الأولى: كلّ الأشياء التي توجد (أو تكون) هي كائنة في ذاتها أو في أشياء غيرها، أو بتعبير آخر: كلّ ما يكون في ذاته أو في غيره.
البديهية الثانية: ما لا يمكن إدراكه بغيره لا بُدّ من إدراكه بذاته أو بتعبير آخر ما لا يمكن إدراكه بتصور شيء غيره فلا بُدّ من إدراكه بذاته أي بإدراكه
ــــــــــ[210]ــــــــــ
() الشرح: يشرح (اسبنوزا) التعريف هنا فيقول: إن وجود الشيء من حيث إن حقيقته خالدة يتصور على أنه -الوجود- ماهيته أيضاً، وإذن لا يمكن فهم وجود الشيء هذا بحدّه بالديمومة أو الزمن لأنه خالد، والشيء الخالد لا يحدّ بالشيء الناقص أي بجزء منه.
فالشيء الخالد لا يحدّ بالزمن؛ لأنه ليس من جنسه، إذن وجود الشيء من كونه خالداً لا يمكن حدّه بالديمومة. الديمومة أو التأثيرات الزمنية هي: ما لها بداية ونهاية، وليس الحال كذلك بالنسبة إلى الخلود. الخلود بمعنى السرمدية -بدون بداية ونهاية-، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
بصفاته الذاتية، أو إما أن نفهم الشيء بصفاته الذاتية التي فيه أو نستنتج إدراكنا له بشيء آخر متصل به.
البديهية الثالثة: من أي علّة محدودة كانت -متعينة بذاتها، أو قائمة بذاتها- تأتي النتيجة وتصدر عنها بالضرورة. لكن إن لم نستطع أن نفترض علّة معينة مّا فمن المستحيل أن يصدر عن مثل هذه العلّة معلول مّا. أو بكلمة أخرى أبسط لا بُدّ لكلّ أثر من سبب.
البديهية الرابعة: معرفة المعلول تعتمد على معرفة العلّة وتحتويها أو تنطوي عليها.
البديهية الخامسة: الأشياء التي ليس بينها عامل مشترك بالتبادل لا يمكن إدراكها (أو الإحاطة بها) بالتبادل. أي إن لم يكن شيئان مرتبطان ارتباطاً ذاتياً فيما بينهما فلا يمكن أن نستنتج معرفتنا بالواحد من الآخر. أو بكلمة أخرى لا يمكن أن تكون الفكرة التي لنا عن الواحد منطوية على (أو محتوية لـ) الفكرة التي لنا عن الآخر.
البديهية السادسة: الفكرة الصادقة يجب أن تتفق مع مثالها أي مع مدركاتها.
البديهية السابعة والأخيرة: ماهية ما ندركه على أنه غير موجود لا تنطوي على الوجود.
بعد أن انتهينا من التعريفات نبدأ بدراسة المشاكل المبتنية على تلك المقدّمات.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المسألة أو المشكلة الأولى: الجوهر في طبيعته أقدم من أحواله أو سابق لأحواله.
البرهان: هذا واضح من التعريف 3 و5(1).
المشكلة أو المسألة الثانية: عندما يكون جوهران مختلفي الأعراض لا يكون بينهما شيء مشترك أو ليس بينهما أي عامل مشترك. أو ليس بينهما ما يشتركان فيه.
البرهان: هذا أيضاً واضح من التعريف الثالث لأنَّ كلّ جوهر من هذين الجوهرين يجب أن يدرك أو يتصور بذاته وفي ذاته، أو أن إدراك الواحد لا ينطوي على إدراك الآخر. ومن حيث إن الأعراض هي الصفات الأساسية فعندما يكون الجوهران غير مرتبطين في الأعراض إذن لا يكون بينهما شيء مشترك وهو المطلوب.
المشكلة أو المسألة الثالثة: عندما يكون شيئان غير مشتركين في شيء بينهما لا يكون أحدهما علّة للآخر.
البرهان: إن لم يكن بينهما مشتركاً بالتبادل، إذن اعتماداً على البديهية الخامسة لا يمكن أن يعرف الواحد بالآخر، لأننا رأينا عندما لا يمكن أن تكون معرفة أحدهما من معرفة الآخر، وعندما تكون الأشياء مرتبطة فيما بينهما
ــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) شرح: لا أستطيع أن أفهم أن زيداً مصاب بالملاريا ما لم يكن زيد موجوداً، والملاريا هي من الأحوال بلغة اسبنوزا. إذن التغيّرات لاحقة لوجود نفس الجوهر.
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
بالتبادل يمكن اقتباس الواحد من الآخر، وإذا لم يكن بينهما شيء مشترك لا يمكن اقتباس أحدهما من الآخر اعتماداً على البديهية الرابعة. إذن اعتماداً على البديهية الرابعة لا يمكن أن يكون أحدهما علّة للآخر.
الباب أو الكتاب الثاني وهو ما يتّصل بالعقل:
ويتكلّم في المقدمة: اتقدّم الآن لتفسير بعض الأمور التي تصدر عن كائن سرمدي لا نهائي -الله-، ولن أتحدّث عن كلّ الأشياء هذه؛ لأنها لا حصر لها ولا عدّ، وليس لأحوال الله من حصر كما سبق أن بينّا ذلك في براهيننا، وإنما سنتعرض إلى بعض الأمور التي تعطينا معرفة بالعقل لا بأس بها.
التعريف الأوّل: أفهم من الجسم ذلك الحال الذي(1) تعبّر عن ماهية الله بطريقة معينة خاصة، من حيث إنه -أي الجسم- معتبر شيئاً ممتدّاً، إذن فالجسمية هي حال من الأحوال الطارئة على ماهية الله أو وجود الله.
ولا يقصد بذلك المادة بشكلها المحدود، بل المادة بشكلها المطلق الأزلي. فهو يرفع المادة إلى المستوى الإلهي لا أنه يعتبر الله مادة.
التعريف الثاني: ينتسب إلى ماهية الشيء، عندما نفترض هذا الشيء -ما يمكن أن يصدر بالضرورة عن فرض هذا الشيء-، أو بكلمة أخرى: أننا نقول إن شيئاً ينتسب إلى ماهية الشيء، إننا عندما نفترض هذا الشيء المنسوب نكون
ــــــــــ[212]ــــــــــ
() الأحسن (التي). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
قد فرضنا الشيء نفسه، وهذا صورة ثانية عن وجود المعلول عن العلّة، ولكنه هنا يستعمل كلمة (الانتساب) وهي ليست من أنواع العلية، وإلاّ لما احتجنا إلى هذا التعريف، بل من أنواع أخرى كالمجاورة أو المضادة أو غيرها.
I say that appertaining(1)to the essence (2)of a thing which، when granted(3) it necessarily(4) involves(5) the granting of the thing itself.
إننا لا نستطيع أن نفترض شيئاً ينسب إلى شيء آخر إلّا عندما نفترض الشيء الآخر، وإذا أزلنا الشيء الذي نسبناه استلزم ذلك بالضرورة إزالة الشيء المنسوب إليه.
الشيء المنسوب يجب أن يتحّقق بتحقّق الشيء المنسوب إليه وينتفي بانتفاء الشيء المنسوب إليه.
نقتصر على هذين التعريفين.
البديهية الأولى: ماهية الإنسان لا تحتوي بالضرورة وجوده -لا تنطوي على وجوده بالضرورة-، بالنسبة إلى نظام وترتيب الأشياء في الطبيعة سيّان أن
ــــــــــ[213]ــــــــــ
() ينتسب. (المقرِّر).
(2) ماهيّة. (المقرِّر).
(3) يفترض. (المقرِّر).
(4) بالضرورة. (المقرِّر).
(5) يستدعي أو ينطوي على. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
يكون زيد أو عبيد موجودين أو غير موجودين، ونفهم من حيث إن الإنسان هو مظهر متكوّن من حالي الفكر والمادة، وهما في المدى البعيد أحوال طارئة على الذات الإلهية، فكون أن الإنسان فكرة مدركة لا ينطوي بالضرورة على وجوده.
البديهية الثانية: الإنسان يفكّر. مرّ علينا سابقاً أن من أعراض الله الأساسية التفكير، وهنا نجد أيضاً أن من أعراض الإنسان الأساسية التفكير.
البديهية الثالثة: أحوال التفكير من مثل الحبّ والرغبة(1) أو أي اسم آخر من الأسماء المعطاة إلى تغييرات الفكر أو العقل، أقول: إن كلّ أحوال التفكير لا يمكن أن نفترضها ما لم نفترض في هذا الفرد المفكّر فكرة عن الشيء المحبوب، يعني: الحبّ لا يكون موجوداً ما لم يكن المحبوب موجوداً، والرغبة لا تكون موجودة ما لم يكن المرغوب فيه موجوداً، وما لم يكن للمفكّر فكرة عن المحبوب أو المرغوب فيه، أي أحوال الفكر الحادثة للإنسان لا بُدّ لها من موضوع. لا بُدّ لها أن تحتوي على فكرة عن موضوع الحال(2). ولكننا نستطيع أن نفترض فكرة -فكرة المرغوب فيه- من دون أن نفترض أي حال من أحوال التفكير. وبكلمة أخرى نستطيع أن نجد شيئاً مرغوباً من دون أن نجد رغبة في
ــــــــــ[214]ــــــــــ
() أذكر ما في الهامش: أنه يفهم الفكر بالمعنى الواسع -بحيث- يشمل النفس، لا أنه جانب من جوانب النفس، بل شامل لكلّ الظواهر النفسية، فالحبّ حال من أحوال الفكر. (المقرِّر).
(2) لا بُدّ من المحبوب حتّى يكون الحب ولا بُدّ من المرغوب حتّى تكون الرغبة وحال الفكر هو النشاط النفسي أو العقلي، (المحاضر). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ذلك المرغوب فيه. أو بكلمة ثالثة: الفكرة عن المرغوب فيه أو المحبوب أو المكروه أسبق من الرغبة والحبّ والكره. وهذه الأشياء الأخيرة هي أحوال الفكر.
البديهية الرابعة: نحن نشعر أن جسماً ما يمكن أن يتأثّر بعدّة أشكال من التأثير. بكلمة أخرى: أن الأجسام تقبل التأثير بمختلف الظروف، وهي إشارة إلى النمو أو الكون والفساد بلغة أرسطو.
البديهية الخامسة والأخيرة: نحن لا نشعر ولا ندرك أية أشياء فردية ما عدا أجساماً وأحوالاً للفكر، أي إننا لا نرى حولنا في هذا الكون الذي نحن فيه إلّا أجساماً متعدّدة مختلفة الأشكال والحجوم، أو تغييرات للفكر -أحوالاً نفسية-، وهذا تعبير آخر عن أن الكون يحتوي على شيئين هما المادة والفكر.
المسألة الأولى: الفكر هو واحد من أعراض الله -أو أحد أعراض الله- أو أن الله هو شيء مفكّر.
البرهان: الأفكار الفردية أو الفكرة هذه أو غيرها ما هي إلّا أحوال فيها تعبير بطريقة محدّدة خاصة عن طبيعة الله(1). والأعراض التي تحويها الأفكار الفردية والتي نفهمها(2) من خلال هذه الأفكار الفردية تنتسب إلى الله أو ترجع
ــــــــــ[215]ــــــــــ
() ارجع إلى النتيجة المستنتجة من المسألة الخامسة والعشرين في الباب الأوّل. (المقرِّر).
(2) في المسودة عبارة مطموسة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أو تصدر عن الله(1). الفكر إذن واحد من الأعراض اللانهائية لله يعبّر عن ماهية الله الخالدة اللامحدودة أو السرمديّة(2). إذن فالله هو شيء مفكّر وهو المطلوب.
المسألة الخامسة والعشرون(3): الله ليس العلّة المنتجة فحسب -أو المؤثّر المنتج لوجود الأشياء-، إنما ينتج ماهيتها أيضاً؛ إذن فالله منتج للفكر.
البرهان: إن أنكر هذا (المنطوق أو المشكلة)، إذن لا تجعل الله منتج ماهيات الأشياء، إذن باعتبار البديهية الرابعة، يمكننا إدراك ماهيات الأشياء من دون الله، لكن هذا باعتبار المسألة الخامسة عشرة يكون (هذا) مفارقة وخُلفاً، إذن الله ينتج ماهيات الأشياء وهو المطلوب.
النتيجة: الأشياء الخاصّة الجزئية ليست غير أحوال تغييرات في أعراض الله، أو أنها أحوال يظهر فيها التعبير عن أعراض الله بطريقة متعينة خاصة -أي القوانين التي تحكم هذا الشيء الجزئي هي مطلقة وثابتة وهي أعراض الله-. البرهان هذا واضح من المسألة الخامسة عشرة والتعريف الخامس.
المسألة الخامسة عشرة(4): منطوق المشكلة: كلّ ما يوجد فهو (موجود) في الله، ولا يمكن أن يوجد شيء أو يدرك شيء من دون الله.
البرهان: من دون الله لا يمكن أن نفترض -أو نتصور أو ندرك- أي
ــــــــــ[216]ــــــــــ
() ارجع إلى التعريف الخامس في الجزء أو الباب الأوّل. (المقرِّر).
(2) أنظر التعريف السادس للجزء الأوّل. (المقرِّر).
(3) ثمَّ رجع الدكتور إلى المسألة الخامسة والعشرين من الباب الأوّل التي أشير إليها خلال البرهان. (المقرِّر).
(4) ورجع الدكتور إلى المسألة الخامسة عشرة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
جوهر من الجواهر(1)، أي(2) الشيء نفسه لا يوجد إلّا ويوجد في نفسه ويمكن إدراكه بنفسه، لكن التغييرات(3) لا يمكن أن توجد ولا يمكن إدراكها بدون الجوهر، لهذا تكون التغييرات موجودة في الذات الإلهية ولا يمكن إدراكها
-أي التغييرات- من دون الذات الإلهية، لكننا لا نستطيع أن نفترض شيئاً إلّا ويتّصف بالجوهرية، أو يكون أحوالاً أو تغيرات للجوهر(4). إذن لا يوجد ولا يمكن إدراك شيء إلّا بالله وهو المطلوب.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
() ارجع إلى المسألة الرابعة عشرة. (المقرِّر).
(2) وفي هذا ارجع إلى التعريف الثالث. (المقرِّر).
(3) ارجع إلى التعريف الخامس. (المقرِّر).
(4) ارجع بهذا إلى البديهية الأولى. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
حين غزا الأسبان بلاد الأندلس وأسقطوا الحكم الإسلامي، أخذوا باستعمال العسف وأنشأوا محاكم التفتيش التي كانت نقمة على المسلمين وغير المسلمين، وقد فرّ الناس حين استطاعوا، وكان من بين من فرّ عائلة اسبنوزا اليهودية، نزحت إلى هولندا راجية أن تجد فيها طمأنينة وسكينة، ولم تدر أن ابنها سوف يخرج عليها، وأنها سوف تقاطعه وتلعنه، والغريب أن اسم اسبنوزا الأوّل هو (باروخ) الذي يعني بالعبرية (المبارك)، لكن اليهود نقموا عليه وسمّوه (الملعون).
هذه مأساة أنبل فيلسوف عاش في زمن ثورات واضطهادات، وكان ناقماً لا بعقل، وكان ثائراً إلّا أن ثورته عن علم وبرهان، والعجيب أن اليهود لم يكونوا وحدهم ناقمين عليه، وقد هاجموه مرّة رغبة في اغتياله فأسقط في أيديهم حين فشلوا وخاب مسعاهم، بل إن النصارى أيضاً انزووا عنه.
عاش اسبنوزا ومات منبوذاً وظلّ كذلك حيناً من الدهر، لكن بعد قرن أو بعض قرن عادت إليه هيبته، وصار مطمح أنظار الفلاسفة وقبلة أنظار المتفلسفين.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
درس اسبنوزا أول حياته الدين اليهودي والتوراة، وتخرّج من المعهد الديني اليهودي في الثانية عشرة، وأراده أبوه أن يعمل مثله في السوق، لكن اسبنوزا احتقر العمل وفضّل الفكر تماماً كما فعل سقراط من قبله بحوالي ألفي عام.
واستعدّ الصبي ليكون حبراً يهودياً، وكان عليه أن يدرس فلسفة اليهود وفلسفة العصور الوسطى، لكن سرعان ما انتبه عقله الخصب إلى الفلسفة اليونانية من ناحية والفلسفة الحديثة من ناحية أخرى، كما أخذ بطرف من العلوم الرياضية والفيزياء. وكان كلّ هذا حافزاً له على دراسة ديكارت الذي طبّقت شهرته كلّ أوربا قبل هذا الوقت.
هكذا توجه عقله الوقّاد إلى اكتشاف عدم اتّساق في التوراة وإلى مخالفتها لأحكام العقل، وهكذا بدأ ما يسمّى الآن (النقد العالي) للكتب المقدسة. وإذا كان رجال الغرب المسيحي اليوم يقبلون بنتائج النقد العلمي النزيه بكتاباتهم الدينية، فقد عاش اسبنوزا في وقت لم يعرف الناس فيه حكمة مثل هذا العمل. ومع أن اسبنوزا لم يدخل المسيحية أبداً إلّا أنه صار يتقرّب أكثر فأكثر إلى المسيحية، ويرى فضل شخصية المسيح على اليهود، وانقطع عن الذهاب إلى المجمع اليهودي، وتوقّف عن إنجاز الطقوس الدينية، وكان هذا إيذاناً لتحمّله الأذى من أهله، إذ حرموه من الميراث ونبذوه من اليهودية ورموه بأشنع صفات الزندقة، وذهبت محاولة إقناعه ورشوته عبثاً طبعاً.
وفي سنة 1656 نبذ نهائياً من الجماعة اليهودية وهو في الرابعة والعشرين.
ــــــــــ[219]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
كلّ هذا جعل الفيلسوف يبحث عن مورد رزق له، فأخذ يتعلّم ويتقن صنع العدسات البصرية، وفعلاً مهر في العمل وعاش منه عيشة ضنك طوال حياته.
إلاّ أنه بعد أن تداولت أيدي أصدقائه عدداً من كتاباته وظهر اسمه بين نخبة ممتازة من أهل الفضل، وأعجب به عدد من الناس، استطاع أن يحصل من الدولة على راتب سنوي قدره مئتي فلورين، لكنه حتّى مع هذا الراتب ظلّ في شظف من العيش حتّى مات مصدوراً، وهو في الرابعة والأربعين ولولا اعتدال مزاجه وعفّة حواسه لاخترمه الموت قبل ذلك بسنوات.
ولم يكن له ميل إلى نشر كتبه، إلّا أنه بعد إلحاح من أصدقائه جرّب أن يخرج كتاباً صغيراً له هو (رسالة سياسية لاهوتية) أظهر فيها بعض آراءه في الدين والسياسة، وقرّر أن يكون نشر كتابه هذا إيذاناً له بنشر كتبه الأخرى أو عدم النشر حسب ما يكون وقع آراء على الناس مقبولاً أو مثيراً، ولما وجد
-وهذا ما عرفه مقدّماً- أن الناس لم ترضَ لا عن آراءه في السياسة ولا عن آرائه الحرّة في الدين قرّر أن لا ينشر شيئاً بعد ذلك.
وبعد أن ذاعت شهرته جاءه عرض من جامعة (هايدلبرغ) في ألمانيا يقدّم إليه كرسي الأستاذية في الفلسفة، ويفسح له أكبر المجال في التفلسف، ولم يطلبوا إليه شيئاً سوى أن يأخذ حرّيته في النيل من الدين كما هو معروف عند الناس، وبعد أن فكّر طويلاً في هذا الرض انتهى إلى أنه في غير حاجة إلى المال والجاه، وأن واجبه نحو الفكر يدفعه إلى الابتعاد عن كلّ ما يحرمه عن الدراسة الخالصة.
ــــــــــ[220]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وقد ردّ الجامعة ردّاً مؤدّباً كعادته قائلاً: إنه لم يفكر أبداً في يوم من الأيام أن يدرّس الشباب؛ لأن ذلك يبعده عن دراساته الشخصية، ثُمّ إن المعنيين بالدين لا يتدخّلون في شؤون من يتّهمهم على الدين فحسب، وإنما هم يتعرّضون حتّى لمن لا يتكلّم إلّا أعدل الكلام وأكثره براءة وحسن نية.
لقد تعرّضوا له في عزلته فكيف سيتركونه بعد أن يظهر أمام الناس ويخطب في الجامعة، وهكذا ظلّ يفكّر ويؤلّف حتّى وافاه الأجل، وقد أكمل كتابه الرئيسي (الأخلاق) وهو كتاب يجمع نظرياته في نظرية المعرفة والميتافيزقيا والدين والأخلاق وعلم النفس، وهو كتاب فريد في تاريخ الفلسفة من حيث تأليفه إذ جعله على طريقة كتاب إقليدس في الهندسة يبدأ بعدد من التعريفات والبديهيات ثُمّ يأخذ بالبرهان على مسائله استناداً إلى تلك البديهيات والتعريفات والقضايا التي سبقت البرهنة عليها. وقد ألّف بهذه الصورة طالباً أن يجعل من النفس والأخلاق نماذج من الخطوط والأشكال التي يعالجها الهندسي، كما ترك رسالة في السياسة ورسالة في إصلاح العقل وكلاهما ناقص لم ينتهِ منه . ويتلخّص غرض اسبنوزا من الفلسفة في أمر شبيه بتلك الرسالة التي قال سقراط أنه تلقّاها من السماء، أي توفير قواعد للسلوك وتبيين الغرض من الحياة والحصول على السعادة، والسعادة التي أرادها اسبنوزا هي السعادة الشخصية، بالدرجة الأولى؛ لأنه لم يكن يرى أن يقنع الآخرين بآرائه رغم أنفهم، ثُمّ إن الجوّ المضطرب المكهرب الذي عاشته أوربا في زمانه لم يسمح له بأن ينشر آراءه ويقنع الناس بضرورتها.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وقد وجد أن الحبّ الإلهي هو غاية الغايات ونهاية مآربه، وقد وحّد بين الحب الإلهي والمعرفة القصوى بقوانين الكون والنفس؛ لأن الله عنده -كما عند ديكارت- يتّصف بصفتي الفكر والامتداد. وإذن فمعرفتنا قوانين العقل والمادة هي من الآن نفسه معرفة القوانين التي للذات الإلهية، والمعرفة العقلية هي عنده وحي إلهي من داخل النفس، هي التي تستطيع أن توحّد الإنسان بالله، وتجعل -كما قال فلاسفة وحدة الوجود في جميع العصور- من أن العقل والعاقل والمعقول هوية واحدة، وهكذا يجمع اسبنوزا بين عقلية مفرطة إذ عالج الذات الإلهية والنفس وشؤونها، كما يعالج المهندس النقطة والشكل والخطّ وبين صوفية عميقة، واسبنوزا هذا شبيه بأفلاطون فكلاهما يجمع بين النزعة العقلية وبين الإلهام.
إن رسالته في إصلاح العقل هي أقرب ما كتبه مائلاً لكتاب ديكارت (مقال عن المنهج)، وفيه بعض التصوير لتطوّره العقلي، يقول في أوله: علمتني الخبرة أن الأمور التي يتكرّر حدوثها في الحياة العامة هي عبث وزيف، وأنه لم يكن هناك أي موضوع يثير الخوف في نفسي هو في حدّ ذاته شيء مخيف؛ إذ ليس فيه خير وشرّ ذاتيان، وإنما الخوف ناتج عن النفس البشرية. عندما أخذت أبحث عن أعظم خير يمكن إيصاله من فرد إلى فرد، وبفضله يمكن النفس إهمال الخيرات الأخرى جميعاً، خير إذا حصلت عليه النفس تعلقت به وسعدت باكتسابه أبداً.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ثمَّ يأخذ بتحليل ما يكثر عليه إقبال الناس عادة فيرى ذلك مجملاً تحت العناوين التالية: المال والجاه وشهوات النفس، ولم يرَ في هذه الخيرات الثلاث من شيء باقٍ، أمّا المال فأقلّ قدر منه يكفي الحاجات الضرورية وهذا ما طبّقه اسبنوزا؛ إذ عاش زاهداً فقيراً مستغنياً بعلمه وتفكيره، وأما الجاه فقد سعى إليه وردّه واكتفى بعدد قليل من الأصدقاء المخلصين. ونصح في هذا الصدد أننا حين نخاطب العامة فعلينا أن نخاطبهم بلغتهم وننزل إلى مستوى أفكارهم، فبهذه الصورة وحدها نستطيع أن نفيدهم بما عندنا. وأما شهوات الحسّ فإن كان في إشباعها لذّة فهي يعقبها الألم، ولذا يحب أن لا نرضي من شهواتنا إلّا تلك التي لا بُدّ منها لإدامة البدن، وقد عاش اسبنوزا دون زواج.
وخلاصة منهجه ما يأتي:
ــــــــــ[232]ــــــــــ
() القاعدة الأولى تبحث في تأثير الخيال كأن نتصور شجرة تتكلّم، وهذا نتيجة عدم المعرفة بقوانين الكون، وأي خيال أو غلط يمكن اكتشافه بردّه إلى أفكار أبسط بحيث إن البساطة تضمن الوضوح والتميز. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إن القواعد الثلاث الأولى قد أصبحت جزءاً من البحث العلمي وهي مبذولة لنا اليوم، وما يعنيه اسبنوزا من القاعدة الرابعة هي الوصول- طبعاً إلى الله-. لكنه يعني أيضاً من الموجود الأكمل فكرة الانسجام والاتّساق والوحدة، وفكرة الوحدة والانسجام هما من الأفكار الأساسية من العلم الذي يصبح فيه الفرد جزءاً من الوحدة الكونية العامة تبلغ مرتبة السعادة القصوى والراحة الأبدية.
وهذه أربعة:
ــــــــــ[224]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الشيء المعروف، وهذه المعرفة الأخيرة هي مرحلة الحدس عند اسبنوزا وهي أكمل المعارف.
والحدس يرتبط بالصدق واليقين، وكما تقدم يوصلنا إلى السعادة من الناحية الأخرى(1).
ــــــــــ[225]ــــــــــ
() راجع في الدفتر الملحق هذه المحاضرة. (فيلسوف الحب الإلهي اسبنوزا). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
[تلخيص واستدراك]
ــــــــــ[227]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ــــــــــ[228]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الوجه الأول: أنها تعني نقداً للعلم أي يحاول الفيلسوف أن ينتقد النتائج المختلفة للعلماء.
الوجه الثاني: أنها تبحث في المعايير الخلقية في حين أن العالم يبحث في الوقائع.
ــــــــــ[229]ــــــــــ
() كتب المقرِّر مجموعة من الملاحظات حول ما طرحه أساتذته في الفلسفة الحديثة، وأدرجناها تحت هذا العنوان (تلخيص واستدراك).
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ــــــــــ[230]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ــــــــــ[231]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إن التعدد يرجع إلى أصل هو اللامتعيّن، وهو يظهر بصورة رئيسية في الحركة، وهي تبدو -بارد وحارّ وجافّ ورطب- في الأسطقسات الأربعة. وتؤدّي إلى المكونات الأربعة (هواء، نار، أرض، ماء). الحرارة تجور في الصيف، والبرودة في الشتاء، ثُمّ تذوب في المصدر اللانهائي.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الهواء هو أساس الكون وهو محّدد ومادي، وهو يتخلخل فتتكوّن النار ويتكاثر فيتكوّن الماء والأرض. وقال: الأسطقسات الأربعة على أنها المكوّنات الأساسية للكون. وأن الهواء بالنسبة إلى المادة كالنفس بالنسبة إلى الإنسان، فالهواء هو نفسه، وعندما يموت يفارقه الهواء.
وهؤلاء الفلاسفة استعملوا التعميم ما يميّزهم عمّن قبلهم من الشعراء، ولكنّهم لم يستعملوا التمحيص.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
إن العدد أصل الكون باعتبار أن النقطة مقابل الواحد والنقطتين في مقابل الاثنين والمستوي في مقابل الثلاثة، والنقطتان يتكوّن منها خطّ، ومن الخطوط سطح، ومن السطوح جسم، إذن هذه أعداد، والفرق بين الأنغام الموسيقية في الطبيعة والتركيب العددي، وسمّوا الأعداد الفردية بالأعداد المربعة والزوجية المستطيلة، والأزواج العشرة صنّفوهما في لوحتين للخير والشر. اعتبروا التفكير الرياضي من أسس التفكير الفلسفي. والواحد أصل الأعداد ومصدرها، فالشيء الأساسي أنهم حاولوا أن يجمعوا بين الرياضة والفلسفة.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
حاولوا الانتباه من المادة والأعداد إلى الإنسان على أنه المشكلة الرئيسية للفلسفة، وإلى مجموعة من مشكلات المنطق ونظرية الفلسفة. وهم حسّيون شكاك.
الخير | الشر |
الواحد | المتعدد |
الوتر | الشفع |
الذكر | الأنثى |
المربع | المستطيل |
الساكن | المتحرّك |
اليمين | الشمال |
المستقيم | المنكسر |
النور | الظلمة |
ــــــــــ[235]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الإنسان هو مقياس الوجود لما هو موجود، ومقياس اللاوجود لما هو غير موجود؛ لأن الحسّ وسيلة المعرفة، فإحساس الإنسان هو مقياس الوجود واللاوجود.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
وانكار اللغة: لا بُدّ من وجود التشابه بين مقاطع الكلمات الصوتية والتركيب الحقيقي للأشياء، ولما لم تكن كذلك إذن لا يمكن أن يكون الرمز مضبوطاً.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الشيء المحسوس هو الموجود، وما لا نحسّ به غير موجود، والمدركات الحسّية إما أن تدرك بعضو واحد أو بأكثر أو الخصائص العارضة، مثل الشخص الواقف خلف الباب هو ابن أخي، نجمع فيها بين المحسوس وبعض صفاته العارضة غير الحسّية. والحسّ لا يبقى بل لا بُدّ له من قابلية التذكّر وهو مستوى أرقى من المعرفة، وهي الحفظ وإمكانية الاستعادة، والتذكّر يستفيد من التخيّل، والصورة الحسّية تبقى في الحسّ ويدركها الإنسان بعد فوات المحسوس، والصورة المتخيّلة هي المادة المستعملة في الذكريات. ومجموعة الذكريات تكوّن الخبرة أو التجربة، وهي مجموعة ذكريات تحصل للإنسان يستفيد من مجموعها خبرة، وإقامة التشابه والمفارقة بين الذكريات من خصائص الإنسان، والتجارب تتّصل بطريق المقارنة من أصحاب المهارات إلى مستوى الفنّ، وفيه نستطيع أن نصل إلى القواعد العامة، ومن الأسباب البعيدة والتعليل وإنما يكون ذلك في العلم وهو أشرف مراتب المعرفة.
(سقراط إنسان) قضية أساسية عنده؛ لأنه يعطي اهتماماً للفرد كما للجنس، فهو يجمع بين المثالية والجزئية.
ــــــــــ[238]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
6- الحالة.
ــــــــــ[239]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هو الملكة التي نتقبّل بها صور الأشياء دون مادتها.
ــــــــــ[240]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ب) التجّار.
ج) البحّارة وأصحاب السفن.
ــــــــــ[241]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المنهج الاستبطاني والمقصود به أنه ينظر إلى الوضوح الذاتي للأفكار، وهو حدسي يقيني، ونظرية المعرفة عنده أن النفس هي صورة الله، إذن في الوصول إلى الله لا بُدّ من استبطان الحقائق الذاتية، وينظر إلى البدن نظرة الفيثاغورية. ومنهجه يحارب به النزعات المانوية الشكّية، أنه إذا شكّ في كلّ شيء فلا يستطيع أن يشكّ بأنه يشكّ -في خبرته ووجوده الذاتي-، إذن ينتهي إلى حقيقة الشكّ أو الحقيقة، وبالتالي لا يستطيع أن يكون شاكّاً.
الاستبطان والوضوح الذاتي والحدس هي المعدلة لشهادات الحواس، الإنسان يتوصّل إلى الحقائق من داخل نفسه وهذا يشبه نظرية التذكّر الأفلاطوني.
ــــــــــ[242]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ــــــــــ[243]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
له تصنيف للعلم بحسب المواهب الفردية، وهي عنده ثلاث: الخيال التذكر والعقل، والمعارف إما شعرية وإما تاريخية أو اجتماعية وإما فلسفة.
منهجه الإيجابي: بعد أن نحصل على الملاحظات عن طريق الحسّ لا بُدّ من تصنيف البيانات إلى ثلاثة أقسام: صنف المتشابهات والمختلفات والمقارنة.
منهجه السلبي: الأوثان هي المحاذير التي تكون للباحث في بحثه والذي لا بُدّ له من مجانبتها.
هي الأوثان الناتجة عن الطبيعة الفرديّة للإنسان.
عندنا المنهج الإسقاطي:
وهو أن الإنسان بصورة لا شعوريّة يحاول أن يسقط على الآخرين أفكاراً يحسبها صحيحة لدى الآخرين، في حين أنها ليست صحيحة إلّا بالنسبة إليه.
وعندنا المعادلة الشخصية:
ومعناها أن لكلٍّ مِنّا رجعه الخاص بالنسبة إلى إحساسات الشمّ والذوق والبصر وخاصة الأخيرتان، فهو يحذّرنا أن نقع في الزلّات الفردية في المنهج الإسقاطي الذي يختلف فيه عن الآخرين.
ــــــــــ[244]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
هي أوثان إنسانية ناتجة عن النوع الإنسانية؛ لأن كلّ نوع إنساني مختلف عن الأنواع الأخرى، وله سقطاته الخاصة كالعادات والتعصّب، والعالم يجب أن يتّصف بالشجاعة الأدبية لمخالفة الآخرين وإلاّ كان على حساب الحقيقة.
هي الناتجة عن طبيعة الألفاظ؛ لأنها لا تستطيع أن تكون متوازية مع الفكر الصحيح ولا تستطيع أن تعطينا الفروق الدقيقة بين الأشياء، والنفس في ظواهرها أكثر تعقيداً وخصوصية من الظواهر المادية، فيجب أن لا تقف اللغة كحائل عن التعبير الصحيح، إذن لا بُدّ أن تكون ألفاظنا مصطلحاً ذات مفهوم محدّد.
هي الناتجة عن الثقافة الفلسفية؛ لأن كلّ مِنّا مضطرّ أن يتابع التعابير الفلسفية بحسناتها وسيئاتها ويقع في السيئات بدون أن يعلم، فيجب أن نتجنّب المحاذير التي وقع بها الفلاسفة، إما من الناحية اللفظية أو النفسية أو الإنسانية عامّة.
ــــــــــ[245]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ــــــــــ[246]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
خلاصة منهجه:
ــــــــــ[247]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
تتكوّن المعرفة إما عن طريق (التشابه) أي عندما نشاهد الحديد ندرك أنّه نفس الحديد الذي شاهدناه أمس وقبل يومين، أو (التغاير أو التباين) وهو أننا نستطيع أن نميّز بين الشيء وغيره.
ــــــــــ[248]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ــــــــــ[249]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
القبلي: الحكم السابق للتجربة.
البعدي: الحكم اللاحق للتجربة.
التحليلي: المحمول مستفاد من الموضوع.
التركيبي: المحمول إضافة إلى الموضوع.
ــــــــــ[250]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نستفيده بالتجربة، فلا بُدّ أن تكون تركيبية.
والقبلية لا بُدّ أن تكون تحليلية؛ لأن الأفكار الأولية لا تحتاج إلى التجربة، ونستطيع أن نصل رأساً إلى المحمول، فهي تحليلية.
المبادئ الأولية عند (كانت) هي من مصدرين الحسّ أو الحساسية والعقل أو الفهم، والحساسية لها صورتان الزمان والمكان، والفهم له 12 مقولة هي: الكم والكيف والجهة والإضافة. أما مقولتا الزمان والمكان فهي من الصور الأولية الموجودة في العقل البشري، الزمان يعني معنيين: التعاقب والتوالي، ويعني فكرة الآنية وفكرة الوجود مع -أو ما نسميه بـ- التعاصر، ومقولة الزمان أوسع نطاقاً من المكان، لأن المكان يرتبط بالعالم الخارجي، والزمان يرتبط بالعالم الخارجي وداخل الفرد.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ــــــــــ[252]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
[معنى الفلسفة وتصنيف أبحاثها] 13
معنى الفلسفة 13
المعني الرئيسي الأول للفلسفة 13
المعنى الرئيسي الثاني للفلسفة 14
المعنى الثالث [للفلسفة] 15
المعنى الرابع للفلسفة 16
المعنى الخامس [للفلسفة] 17
المعنى السادس [للفلسفة] 17
المقارنة بين الفيلسوف والشخص العامي 18
الميتافيزيقا 20
تصنيف أبحاث الفلسفة 21
مدارس المنطق 25
الفلسفة الوضعية 27
الشجرة المعرفية 28
ــــــــــ[253]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الفكر اليوناني 33
أولاًً: [طاليس Thales (624- 550 ق.م)] 33
الميزات الفلسفية عند طاليس 37
[أسلوب طاليس] 39
ثانياً: انكسمندر Anaximandre (610- 547 ق.م) 40
[ثالثاً:] انكسمنس Anaximenes (588- 524 ق.م) 43
[شرح] 45
[الفلسفة الفيثاغورية] 47
شرح 51
الفلسفة السوفسطائية 52
[الفلاسفة السوفسطائيون] 53
أولاً: بروتوغوراس [Protagoras (480-410 ق.م)] 53
[ثانياً: غورغياس Gorgias (480- 375ق.)] 55
[نقد أفكار السوفسطائيين] 56
شرح 58
[مزايا السفسطة] 59
تفسيرات الوجود عند اليونانيين 61
الأيونيّون 63
طاليس Thales 64
ــــــــــ[254]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
انكسمندر Anaximandre 65
انكسمنس Anaximenes 66
الفيثاغورية The Pythagoreans 67
سقراط Socrates (470- 399ق.م) 71
[المصادر التي تحدّثت عن سقراط] 72
سقراط حياته وأطواره، وفلسفته من هذه الحياة والأطوار 75
[عائلته] 77
الصوت الداخلي والإغماءة لدى سقراط 79
سقراط ضحية الحق والفضيلة 81
صورة سقراط في المصادر 83
شباب سقراط 86
[أبواه] 87
[غرابة اطوار سقراط] 88
[مطلع رجولة سقراط ونبوءة (دلفي)] 90
فلسفته 93
التهكم والتوليد 93
[أفكاره الفلسفية] 94
محاكمته واستشهاده 95
الاتّهام 96
ــــــــــ[255]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
الاقتراع 97
أرسطو طاليس Aristotle (384/385 – 322.ق.م) 101
حياته 101
أفكاره 103
الفرق بين أفلاطون وأرسطو في التفكير من الناحية المثالية 103
موقف أرسطو من مثالية أفلاطون 104
[نظريته في الوجود] 105
[المادة الأولى (الهيولى) والصورة] 105
[الكون والفساد] 106
تطوير المعرفة عند أرسطو 108
أفكار أرسطو في المعرفة أو نظرية المعرفة عند أرسطو 108
[الإدراك الحسّي] 108
شرح 111
الأعراض والمقولات العشر عند أرسطو 111
المدرستين الرواقية والأبيقورية 114
نظرية المعرفة عند أرسطو طاليس (384- 322) 117
اختلاف وجهات النظر بين أفلاطون وأرسطو 117
الاستنتاج والاستقراء 121
نظريات أفلاطون النفسية والاجتماعية 122
ــــــــــ[256]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
[فائدة: مقارنة مع علم النفس الاجتماعي] 123
[طبقات المجتمع البسيط] 124
طبقات المجتمع المثالي 125
[الفرد الأكمل والمجتمع الأكمل] 126
أوغسطين Saint Augustine (354- 430) 133
حياة أوغسطين 133
[مع كتاب شيشرون Cicero] 134
اتباعه للمانوية 135
[أسفاره] 135
[إلى قرطاجة] 135
[إلى روما] 136
[إلى ميلانو ] 136
[دخوله المسيحية] 137
[أزمته الروحية] 137
كتاباته 138
[رجوعه إلى مسقط رأسه] 139
المنهج عند أوغسطين 140
نظرية المعرفة عند أوغسطين 141
مقارنة بينه وبين الغزالي 142
ــــــــــ[257]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
المواضيع الرئيسية من كتاب (الاعترافات Confessions) 144
حياة أوغسطين وفلسفته 354- 430 م 149
فرنسيس بيكون Francis Bacon 1561- 1626 157
[نقاط في حياته] 158
تصنيفه للعلم 160
المنهج التجريبي عند بيكون 161
[الجانب الإيجابي في منهج بيكون] 161
نقد طريقة بيكون 163
الجانب السلبي 164
أوثان الكهف Idola speluncae 166
الكهف الافلاطوني 168
الكهف واللاشعور الفرويدي 169
أوثان القبيلة Idola Tribs 170
أوثان السوق Idola Fori 171
أوثان المسرح Idola Theatric 174
ــــــــــ[258]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
ديكارت Rene Descartes (1650-1596) 179
حياة ديكارت 179
[دخول ديكارت المدرسة اليسوعية] 180
[أزمته الروحية] 181
الخطوات الأربع في منهج ديكارت 183
مقارنة بين منهج بيكون وديكارت 185
قواعد ديكارت السلوكية العامة 186
[أواخر أيامه] 189
فكرة ديكارت في الشكّ المنهجي 190
باروخ اسبنوزا [Baruch Spinoza] (1632- 1677) 195
[حياته] 195
رسالته في إصلاح العقل 199
أنواع المعرفة عند اسبنوزا 203
كتاب (الأخلاق) لاسبنوزا 206
القسم الأول من الكتاب: في الذات الإلهية 207
[التعريفات] 207
[البديهيات] 209
[المسائل] 211
ــــــــــ[259]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
[القسم الثاني من الكتاب] في العقل 212
التعريفات 212
البديهيات 213
[المسائل] 215
عودة الى باروخ اسبنوزا (1632- 1677) 218
حياته ومنهجه: 218
منهجه وغايته من الفلسفة 222
خلاصة منهجه 223
أنواع المعرفة 224
[تلخيص واستدراك] 229
[معنى الفلسفة] 229
طاليس استعمل الملاحظة والتعميم، ولاحظ 231
ميّزات طاليس 231
انكسمندر 232
انكسنس 233
الفيثاغورية 234
السوفسطائيون 235
بروثروغوراس 236
غورغياس 237
ــــــــــ[260]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
نظرية المعرفة عند أرسطو 238
المقولات العشر 239
تعريف الإحساس عند أرسطو 240
أفلاطون: المجتمع البسيط يتكون من 241
المنهج عند أوغسطين 242
مقارنة بينه وبين الغزالي 243
بيكون 244
أوثان الكهف 244
أوثان القبيلة 245
أوثان السوق 245
أوثان المسرح 245
ديكارت 246
منهجه وأصل البحث عنده 246
قواعد ديكارت السلوكيّة 246
اسبنوزا 247
أنواع المعرفة 247
جون لوك 248
أنواع الأفكار عنده 248
تحديد المعرفة وقيمتها 248
ــــــــــ[261]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، الفلسفة الحديثة
أنواع المعرفة 249
عمانويل كانت 250
مبادئه في التعليم: 250
خصائص العقل عند اسبنوزا 252
الفهرس 253