أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم النفس الاجتماعي

محاضرات كلية الفقه: علم النفس الاجتماعي



302

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات كلية الفقه – علم النفس الاجتماعي/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

 (400ص.)؛ 17×24سم.

  1. علم النفس الاجتماعي – دراسات – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1753/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1753) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

5-51-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



محاضرات كلية الفقه

علم النفس الاجتماعي

يلقيها الدكتور 

حاتم الكعبي

ضبط وكتابة

المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمد الصدر

النجف الأشرف – العراق

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

محاضرات كلية الفقه 

علم النفس الاجتماعي

ويحتوي على:

  • الفصل الأوّل: ماهيّة علم النفس الاجتماعي
  • الفصل الثاني: تاريخ علم النفس الاجتماعي
  • الفصل الثالث: تطوّر النظريّات السلوكيّة
  • الفصل الرابع: الرابطة بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس، وتميّز المعالجات الاجتماعية والنفسية والسايكولوجية
  • الفصل الخامس: بلورة مفاهيم علم النفس الاجتماعي
  • الفصل السادس: بروز مجال الدراسات الاجتماعية
  • الفصل السابع: طرائق البحث
  • الفصل الثامن: البحوث تكشف آثار الطبيعة    الإنسانيّة في المجتمع

ــــــــــ[11]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




  • الفصل التاسع: جدلية الوراثة والمحيط
  • الفصل العاشر: آثار الوراثة
  • الفصل الحادي عشر: أثر الوراثة والمحيط في الوجوه الأُخرى من الشخصيّة
  • الفصل الثاني عشر: هفوات التعميم في موضوع الوراثة والمحيط
  • الفصل الثالث عشر: النضج والتدريب وأثرهما في النموّ العاطفي
  • الفصل الرابع عشر: الذكاء وتأثير المحيط 
  • الفصل الخامس عشر: الشخصيّة
  • الفصل السادس عشر: الحضارة والشخصيّة
  • الفصل السابع عشر: الحضارة في الشعوب البدائية
  • الفصل الثامن عشر: مذاهب علم النفس الاجتماعي 
  • الفصل التاسع عشر: تطور النظريّة الاجتماعيّة
  • الفصل العشرون: نظريّات علم النفس

ــــــــــ[12]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

 

  • الفصل الحادي والعشرون: الإطار التاريخي للمذهب الفرويدي، أُسّسه وخصائصه، ومذهب التحليل النفسي
  • الفصل الثاني والعشرون: [نقد مدرسة فرويد
    – وتأثير نظريته – وتوضيح بعض مفاهيمها
    – وتلخيص آراءه ]
  • الفصل الثالث والعشرون: مدرسة علم نفس الفرد لادلر
  • الفصل الرابع والعشرون: (يونگ) والتحليل النفسي 
  • الفصل الخامس والعشرون: المدرسة الفرويديّة الجديدة

ــــــــــ[13]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل الأوّل 

ماهيّة علم النفس الاجتماعي

 

  • موضوع علم النفس الاجتماعي وعلاقته بالعلوم الأُخرى
  • مجال علم النفس الاجتماعي 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





[الفصل الأوّل: ماهيّة علم النفس الاجتماعي]

 

[موضوع علم النفس الاجتماعي وعلاقته بالعلوم الأُخرى](1)

 

موضوع علم النفس الاجتماعي أحد حقول علم الاجتماع، له علاقة وثيقة بعلم الاجتماع، وعلم النفس، والانثرـولوجي الذي يُعنى بدراسة الشعوب البدائيّة وعلاقة الوراثة الذي يكشف عن أثر العوامل الوراثيّة في السلوك الإنسانيّ (بخصوص العوامل التي هي ذات أثر بالسلوك)، ويستفيد من علم الغدد الصم: نشاطها واختلالها وهل لها تأثير في السلوك؟

يصبح موضوع علم النفس الاجتماعي ذات علاقة بعلوم أُخرى.

علماء السياسة يذهبون إلى أنّه حقل من حقول اختصاصهم، يساعدهم على دراسة الظواهر السياسيّة، ويذهب علماء الاجتماع إلى أنّه جزء من علم الاجتماع، ويدّعي علماء النفس (الفردي) أنّه جزء من علم النفس، ويدّعي علماء الانثرـولوجي أنّه جزء من موضوع اختصاصهم، كما أنّ علماء الاثنولوجي -وهو علم السلالات البشريّة- يدّعون أنّه جزء من اختصاصهم أيضاً، ولكلٍّ مبرّراته على ما يدّعيه.

ــــــــــ[17]ــــــــــ

() (.) هذه العلامة تدلّ على حذف كلمة أو عدّة كلمات. (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

[مجال علم النفس الاجتماعي]

 

أحد علماء الانثرـولوجي في ناحية الانثرـولوجي الحضاري والاجتماعي والجسماني(1) رانثلنتن [رالف لنتون] له قول: إنّ علم النفس يعنى بدراسة الفرد.

 والفرد: هو ذلك الكائن البايولوجي قبل أنْ يمسّه التفاعل الاجتماعي. 

معنى هذا أنّه لا يستطيع التصوّر والتذكّر؛ لأنّها نتيجة اللّغةوهو يصدق عليه مفهوم الفرد.

وعلم النفس: هو الذي يُعنى بدراسة مثل هذا (الفرد).

 والشخص :هو الذي تناوله التفاعل الاجتماعي بشكل من الأشكال.

وعلم الاجتماع: يُعنى بدراسة المجتمع.

وعلم الحضارة: يعنى بدراسة الحضارة.

والعلاقة بين (الفرد والمجتمع والحضارة) قد أصبحت جداً واضحة في العصر الحديث.

 ــــــــــ[18]ــــــــــ

() علم الانثرﭘـولوجي له ثلاثة فروع:

  1. يعنى بدراسة الحضارة.
  2. وفرع يعنى بدراسة التفاعل الاجتماعي.
  3. وفرع يسمّى بالانثرﭘـولوجي الجسماني وهو يبحث الألوان والاشكال للجسم. (المحاضر). (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إنّ التفاعل بين هذه الحدود هو تفاعل مطّرد مستمرّ، وإنّ الباحث الذي يقصر جهده على أحد هذه المواضيع لا بدّ أن ينتهي إلى نتيجة ميّتة.

يدرس علماءُ النفس الفردَ متتبّعين ردود الفعل عنده من المؤثّرات المختلفة، وعلم النفس يفرض أنّ الإنسان يرد على المنبهات فقط.

فرق بين أنْ نفرض أنّ الإنسان هو يفعل ويبتدئ، أو نفرضه حلقة بين الفعل وردّ الفعل فهو كالحجر. والمقصود بردّ الفعل هنا ما يقصده الفيزيائيون، فيقول الميكانيكي (إنّ لكلِّ فعل ردّ فعل يساويه في القوّة ويعاكسه في الاتجاه).

وكُتب علم النفس زاخرةٌ بمواضيع من قبيل الشعور والذكاء، وما هي إلّا عمليات ردود فعل في ظروف مختلفة. أمّا علماء الاجتماع والإنسان والحضارة البشرية يُعنون بدراسة السلوك الجماعي، والسلوك ليس مقصوراً على ردود الفعل، بل وقد تكون داخلة فيه وهي ردود فعل مقصودة تضمن للإنسان مشاعر وأفكاراً، فردّ الفعل هنا غيره في علم النفس.

ويُعنون بدراسة نتائج هذا السلوك مُغْفلين الأفراد الذين يُكوِّنون هذه الجماعات، مع أنّ علمي الاجتماع والأنثربولوجي قد أفادا في دراسة المجتمع والحضارات المختلفة والقيم والمؤسّسة الاجتماعية والعادات، إلَّا أنّهما بحاجة إلى علمٍ تحليلي يبحث في طبيعة الإنسان، ويلقي الضوء على التفاعل الاجتماعي الذي بواسطته يصبح فيه الفرد شخصاً اجتماعياً، ويدرس طبيعة السلوك الجمعي وطبيعة العوامل التي تتحكّم فيه، وهو موضوع علم النفس الاجتماعي.

ــــــــــ[19]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فعلماء الاجتماع والانثربولوجي يَرَون أنّه يدرس هذه المواضيع.

 ويذهب آخرون أنّه لا يختصّ بهذا الاختصاص الواسع، وإنّما يقتصر على دراسة الطبيعة البشريّة وجذورها، والعوامل التي تتحكّم فيها والوضعيات التي تتمخض عنها، ويدرس التمايز والاختلاف بين الناس في طبائعهم البشرية، ويدرس الطبيعة على أنّ جذورها تمتدّ إلى التفاعل الاجتماعي والحضاري.

ومن العلماء مَن يذهب إلى أنّ موضوعه يُعنى بدراسة ما يسمّى بـ(المواقف)، وهي: ميول جامحة تجنح إلى التعبير عن نفسها، من قبيل أنّك تكره شخصاً ما، فإذا رأيته أمامك ينبعث هذا الموقف عن الحقد والكراهة والغضب والاشمئزاز، ويوجد اختلاف في تعريف المواقف. ذلك الميل الجامح الذي يجنح إلى التعبير عن نفسه وليس بعد معبراً عنه.

ومن علماء النفس الاجتماعي مَن يذهبون إلى أنّه يختص بدراسة العمليات الاجتماعية التي بنتيجتها يصبح الفرد شخصاً(1).

ــــــــــ[20]ــــــــــ

() أمرين أساسيين:

  1. موضوع اختصاص علم الاجتماع. 
  2. علاقته بالمواضيع الأخرى. (من المحاضرة). (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل الثاني

تاريخ علم النفس الاجتماعي

 

  • النموّ الجماعي
  • نموّ المفاهيم الاجتماعية

ــــــــــ[21]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

الفصل الثاني: تاريخ علم النفس الاجتماعي

 

النموّ الجماعي

 

تمهيد تاريخي عن علم النفس الاجتماعي 

إنّ العلوم إنّما تسمّى علوماً لأنّها تستعمل الطرائق العلمية، فهو رهن الطريقة وليس رهن المعلومات التي تنتج عن هذه الطرائق، وتسمّى هذه المعلومات علماً؛ لأنّها نتاج هذه الطرائق وهي مختلفة من حيث توافر الشروط العلمية: منها طرائق الملاحظة غير المنظمة، فهي تعطينا نتائج غير دقيقة ومنسّقة كالمعلومات التي جاءتنا من القدم حول السلوك الإنساني والطبيعة البشرية.

هناك ملحوظات كثيرة نلمحها خلال العصور قام بها المفكّرون، وإنّنا نرى شواهد كثيرة إذا راجعنا التفكير الإنساني خلال القرون من الإغريق حتّى اليوم، نجد فلاسفة الإغريق والقرون الوسطى والمدرسين منهم بصورة خاصّة والفلاسفة المحدَثين وكتّاب الأدب، نجد أنّهم قد ضمَّنوا في كتاباتهم من الاطراء والملاحظات حول الطبيعة الإنسانية والوراثة والغريزة والحوافز والتقاليد الاجتماعية.

ــــــــــ[23]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الفرد والمجتمع 

ففي (جمهورية أفلاطون) و(السياسة والأخلاق) لأرسطو، وكتاب جون ديوي، ومونتوسكيو في كتابه (روح القوانين)، ولوك وروسو، وآخرين غيرهم، نجد أنّ معالجات هؤلاء تدور حول ما يتعلّق بموضوع اختصاص علم الاجتماع بصورة عامّة وعلم النفس الاجتماعي بصورة خاصّة. بعض هذه المحاولات علمية وبعضها سقيم مبهم وغير علمي.

ولم يتنبّهوا إلى العلاقة بين الفرد والمجتمع، فقد أغفلوا البحث في مثل هذه العلاقة، و لم ينتبهوا إلى أهميّة دراسة الإنسان على أساس محيطه الاجتماعي، بل تمّ بحثه على أساس انعزاله عن المجتمع.

وخلال القرن التاسع عشر بدأ المفكّرون يتطرّقون إلى مثل هذه العلاقة ويحاولون دراستها.

العالمان الألمانيان -شتاينهال ولازارس- اللذان أصدرا مجلّة في علم النفس أسمياها (علم النفس الشعبي)، يتوخّيان دراسة الشعوب البدائية عن طريق دراسة عقائدها وخرافاتها ومنظماتها الاجتماعية ومظاهرها الحضارية، وهي سرعان ما انقلبت إلى بحوث غير علمية وآراء فلسفية تسيطر عليها مفاهيم من قبيل العقول الجماعية والأرواح الشعبية.

ــــــــــ[24]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

نموّ المفاهيم الاجتماعية

 

1. الشعب 

نشأ مفهوم العقل الجماعي في القرن التاسع عشر في كتاب (هيگل) لغرضٍ سياسي.

أمّا ( ڤنت) فقد تأثّر بالعالمين الألمانيين، وهو يعتبر أبو علم النفس التجريبي، لأنّه أوّل مَن أسّس المختبر، والغرض منه دراسة العمليات العقلية العليا كالحكم والتمييز. ألّف عشرة مجلّدات ضمّنها بحوثه وآرائه في هذا الميدان، وهي بعنوان (عناصر علم النفس الشعبي). 

إنّ هذه المحاولة من قبل هؤلاء العلماء كان من مؤدّاها أنّها جمعت بين علم النفس من ناحية وعلم الإنسان من ناحية أُخرى. لأنّهم جميعاً توخّوا دراسة العمليات العقلية عند الإنسان البدائي، ولهذا درسوا حضارته لأنّ العمليات العقلية العليا للشعوب البدائية لها اتصال وثيق بحضارتها، وعلى هذا الأساس كان هؤلاء روّاداً ليس لعلم النفس فقط بل لعلم الأنثر بولوجي أيضاً. كان من نتائج هذه الدراسات أنّها قرّبت بين علم الأنفس والأنثربولوجي لدراستها الشعوب البدائية.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

2. التطور الاجتماعي 

من العوامل الهامّة التي تأثّر بها التفكير الاجتماعي هو كتاب داروين (أصل الأنواع) الذي جاءنا بنظرية التطور والانتخاب الطبيعي الذي كان لهما تأثير كبير في الميادين العلمية، ذلك أنّ هؤلاء العلماء الاجتماعيين استوردوا نظرية التطور إلى حقل الظواهر الاجتماعية.

ومن أشهر هؤلاء العلماء من المدرسة (الاجتماعية الدارونية) والذين يُعنون أثر داروين في ميادين هذه العلوم هم: سبنسر هربرت، وبيكهوت، وكارل ماركس. 

وهؤلاء قد استوردوا نظريات داروين إلى حقل الظواهر الاجتماعية وصاغوا نظرياتٍ على هذا الأساس.

3. التقليد 

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت دراسات كان من أهمّ مميزاتها أنّها أكّدت على العمليات التي يصير فيها الفرد شخصاً اجتماعياً، وتُأكّد على أهمّية التفاعل الاجتماعي بلا تسمية، بل سمّوها تسمية أُخرى.

بدأ القاضي (تارد) وهو يشتغل في القضاء ولفت نظره ظاهرة الإجرام، وعند تارد أنّ سبب الإجرام هو الارتداد الوراثي.

بدأ (تارد) بمناقضة (لمبروزو) ذاهباً إلى أنّ السلوك الإجرامي إنّما هو نتيجة عمليّة اجتماعيّة سمّاها (التقليد)، وهي: عنده العملية الأساسية التي يمكن بموجبها فهم الحياة الاجتماعية عامّة، وليس السلوك الإجرامي وحده، 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وذهب إلى أنّ المجتمع ما هو إلَّا تقليد، فقال: المجتمع هو تقليد، وجعل التقليد مرادفاً للمجتمع.

وهو في البداية لم يؤكّد على التقليد وحده، بل على ظواهر التجدّد والتغيير في المجتمع. ذلك أنّ التقليد يفسّر استمرارية العادات الاجتماعية والإطار الحضاري الموروث. أمّا التغيّر الاجتماعي فهو بحاجة إلى عملية أُخرى، وهي عملية الاختراع، ولكنّه أغفل الاختراع على اعتبار أنّها بالنسبة للأُولى لا تحدث إلَّا نادراً في تأريخ الشعوب.

إنّ في تأكيد (تارد) على عملية التقليد هو الذي جعله من الروّاد الأوائل الذين يرجع إليهم الفضل في دفع العلماء المحدثين للتوصّل إلى المفهوم الأساسي الذي تدور حوله المباحث الاجتماعية اليوم، وهو التفاعل الاجتماعي ؛ لأنّ عبارة (تقليد) تشير إلى المشاركة الاجتماعيّة والمشاطرة الاجتماعية اليوم وهو التفاعل الاجتماعي.

4. سلوك الجماهير 

إنّ (كوستاف لوبون) مفكّرٌ فرنسي آخر له الفضل أيضاً في هذا الميدان نحو علم النفس الاجتماعي، وعلى الأخصّ السلوك الجمعي، وكان الرائد الأوّل في لفت المفكّرين في كتابه (الجمهور) إلى أهميّة الجماهير في التنظيم الاجتماعي والسياسي، وإلى أهميّة العمل الجمهوري والعوامل الهامّة التي تتحكّم في السلوك الجمهوري، وإلى طبيعة الفرد الذي يسهم في السلوك الجمهوري، وإلى الوضعيات التي تتمخّض عن السلوك الجمهوري.

ــــــــــ[27]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وقد أكّد على وجه من وجوه علم النفس الاجتماعي، وهو السلوك الجمهوري، ويرجع إليه الفضل في بلورة المفاهيم الاجتماعية عند الجمهور. 

5. المؤسّسات الاجتماعية(1)

مثال آخر (لمالتوس) في القرن الثامن عشر. كان رجلاً محافظاً يرعى التقاليد، وكان أبوه تقياً يرعى غنماً، واستشرَت في زمانه الدعوة الفوضوية، وعلى رأسها (كادوين) ودعى الفوضويّين إلى التخلّي عن المؤسّسات الاجتماعية كالعائلة والملكية الخاصّة.

وذهب (كادوين) إلى أنّ المؤسّسات الاجتماعية مصدر الشرور، وأنّها تناقض الطبيعة الإنسانية كلّ المناقضة، فيجب التخلّص منها والقضاء عليها.

فأراد (مالتوس) أنْ يدافع عن المؤسّسات الاجتماعية ويفنّد دعاوى الفوضويّين، وإنّها مؤسّسات ضرورية للحياة الإنسانية، وهي تعمل على إنعاش الطبيعة وتحقيق السعادة البشرية، فبدأ يُبرهن عن طريق بحثه في السكّان على أنّ ما تعانيه البشرية من شرور ومشاكل وجرائم إنّما هي متأتّية من إهمالنا للمؤسّسات وعدم تنظيمنا لها التنظيم الكافي. فالعائلة ينحطّ مستواها العلمي والتربوي؛ فتنتج عنه المشاكل كالطلاق والتشرّد، سببه عدم تنظيم العائلة لا أصلها، ولم تنظّم الغريزة الجنسية فيتكاثر النسل وينشأ الفقر وسوء التغذية 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

() موضوع الصلة بين الأفكار والمفكرين له حقل خاص يسمى (علم اجتماع المعرفة) الرابطة بين المحيط الاجتماعي وبين مركز الفرد وجوّه الفكري والاجتماعي وبين ما يتمخض عنه من أفكار هو حقل علم اجتماع المعرفة. (المحاضر). (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والمشاحنة من جهة قلّة الدخل. فدعا (مالتوس) إلى تحديد النسل بالكفِّ عن الزواج أو تأخيره مع ملازمة العفّة.

وهذه النظريّة مشدودة شدّاً فكرياً إلى عصره الذي كان فيه الفوضويّون، فالمفكّر رهين وضعه الحضاري والاجتماعي، فقد تأثّر من وضعٍ اجتماعيٍّ خاصّ، فأراد أنْ يردّهم، فالتجأ إلى هذا العلم عن طريق الصدفة لا التصميم، وهذا الحقل(1) من حقول علم الاجتماع.

6. الإيحاء 

(كوستاف لوبون) وبلورته لعلم نفس الجمهور؛ لعلاقة نظريّته حول الجمهور بما يشيع في عصره من بحوث حول الأمراض العقلية والعصبية، ممّا كان مصدراً لبعض المفاهيم والتحليلات للسلوك الجمهوري، كوستاف لوبون كان يتطيّر من الجماهير ويخشى غلبة الاشتراكية عليها وهو من الطبقة الارستقراطية.

يعاني الناس فترة من القلق والاضطراب بعد انهيار النظام القائم بالثورة حتّى تتبلور الثورة عن نظامٍ اجتماعي جديد يتمسّك به الناس؛ لأنّه نتيجة إجماعهم بدرجة من الدرجات.

وكان يرى حرمة المؤسّسات تهان وتُدك، والاضطرابات العمّالية والغوغاء يهدّد التقاليد والمؤسّسات الاجتماعية في فرنسا. فيسخط على كلّ هذه الضروب من الحركات الجماهيرية؛ ولأجل انتقاصها وطعن المشتركين فيها استورد 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) أي: بحث السكان.

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

مفاهيم من حقل الأمراض العقلية، كأنّه يضمن في ذلك أنّ الجماهير يعانون شذوذاً وهم مجانين بشكلٍ من الأشكال، وأراد أنْ يوضح هذه المفاهيم فيمَن يُسهمون في الجمهور، فاستورد مفهوم الإيحاء ليدلّل على أنّهم يُحفّزون بحافز الإيحاء فتنمحي العقول والرَواية التي هي من خصائص المنفرد، أمّا مع الجمهور فيكون الفرد شأنه شأن المنوَّم تنويماً مغناطيسياً يقوم بالأعمال وهو لا يدري، وهو غير مسؤول عن القيام بمثل هذه الأعمال الإجرامية. وهذه الإيحائية هي من أبرز الدلائل على الهستيريا والأمراض العقلية.

والذكاء يختفي أوّل ما يختفي في سلوك الأفراد عند إسهامهم في السلوك الجمهوري، والذي يغلب على الناس هو اللا شعور.

ومن خصائص الإسهام في الجمهور هو طغيان العدوى الاجتماعية، فلا يستطيع الفرد أنْ يعزل نفسه عن السلوك الجمهوري، وتغلب عليه النزوات وتغلب عليه السذاجة والبساطة.

وانتهى إلى أنّ الناس في الجمهور يتصفون بها نتيجة طغيان عقل جمعي يتحكّم في سلوكهم ويملي عليهم ما يقومون به. 

7. العقل الجمعي 

والعقل الجمعي ليس هو مجموع العقول التي يتكوّن منهم الجمهور، وهو بطبيعته أحطّ من العقل الفردي، ومن طبيعته أنّه مستقل عن الأفراد يؤثّر فيهم من بعيد.

إنّ نظرية (هيجل)في العقل الجمعي انشعبت إلى شعب وبقيت بجوهرها، وهذه النظريّة شعبة من تلك الشعب.

ــــــــــ[30]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 [التمثلات الجمعية]:

لـ(دركهايم) نظرية في الضبط الاجتماعي تدور حول ما أسماه بالتمثيلات الجمعية، ولها عنده خاصّيتان:

  1. هذه التمثّلات هي مستقلّة خارج الإنسان.
  2. أنّها إلزامية، من خصائصها الإكراه والإلزام، وهي العادات التي يتبانا عليها الناس، والتي يُعاقب عليها المجتمع بسلطاته المختلفة، وتكبح الناس من مخالفتها. والتمثّلات الجمعية لا تختلف في مفهومها عن العقل الجمعي.

[عقل الجمهور]:

و(كوستاف لوبون) يستعمل ألفاظاً غير مضبوطة الدلالة، مثل عبارة: (جمهور)؛ لأنّ عبارة جمهور عنده مطلقة: فالمظاهرات والمجالس والمجالس النيابية. وهو يعني كل ضروب الجماعات، وهؤلاء الأفراد متجاورون تجاوراً بدنياً فقط، وإنْ لم يكن بينهم تفاعل اجتماعي.

[نقد العقل الجمعي]:

العقل الجمعي هو أُسطورة من أساطير العلم.

ذهب (سبنسر) إلى أنّ العقل لا بُدّ له من جهاز عصبي، والذين يذهبون إلى العقل الجمعي يقول لهم: فأين الجهاز العصبي الذي يستقرّ فيه العقل.

أهمّ ما قدّمه لعلم النفس الاجتماعي تأكيده على مفاهيم استعمال الأمراض لتفسير سلوك الجماعات.

ــــــــــ[31]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

الفصل الثالث

تطوّر النظريّات السلوكيّة

 

  • المستويات النفسيّة 
  • السلوك الغريزي 
  • المدرسة الوظيفية 
  • نظريّة العادة
  • نظرية [(جورج هربرت ميد)]

ــــــــــ[33]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل الثالث: تطوّر النظريّات السلوكيّة

 

1. المستويات النفسيّة 

 

يشتهر بعد هؤلاء في تاريخ الفكر: العلّامة مكدوگل، والعلّامة (روس). كتب كلّ منهما كتاباً في علم النفس الاجتماعي، عنوانه (مقدّمة في علم النفس الاجتماعي)، توخّى كلّ مؤلّف فيما كتب أنْ يبسط نظريّةً من أهمّ خصائصها المعالجة فيها: الشمول والتعميم في علم النفس الاجتماعي.

عرّف (روس) علم النفس الاجتماعي بـ: (ذلك العلم الذي يعني بدراسة التفاعل النفسي بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي)، أو (هو العلم الذي يدرس المستويات النفسيّة والتيارات).

ويعني بالمستويات النفسية: تلك الظواهر الموحَّدة في السلوك، كالدين والغذاء واللّباس أو الفكر الأخلاقي. وأمّا التيارات فهي ليست قائمة على الاتفاق والانسجام والوحدة، بل هي تحريضات وتهييجات مثل عدوى الرعب، أو من قبيل انتشار عاطفة دينية أو طغيان روح التعذيب والانتقام (فيقومون بجمع الحبال)؟. 

اتخذ (روس) من التقليد والإيحاء أساساً لتفسير سلوك الجماهير من المودة 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والتصادم الاجتماعي والرأي العامّ. وأكّد بأنَّ علم النفس الذي يغفل الأثر الاجتماعي لا يمكن أن يسمّى علم نفس صحيحاً.

كما أكّد على أهميّة التفاعل النفسي الاجتماعي في تنمية الفرد، فيقول إنّ نموّ الطفل النفسي يعاق، فلا يعدو أنْ يكون الطفل أبلهاً فيما إذا لم يتح له التفاعل الاجتماعي.

اشتهر في بحثه عن الضبط الاجتماعي، وهو وجه من وجوه علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. والضبط الاجتماعي هوما نعنيه عندما نركّز انتباهنا حول الوحدة التي تطغى على الناس في مجتمعٍ مّا، كالجنازة حينما يشيّعها الناس ويمشون ورائها فيطغى عليهم جوّ الحزن والأسى، فما هذا إلَّا ضبط اجتماعي.

ــــــــــ[36]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي








2. السلوك الغريزي 

 

أمّا كتب (مگدوگل)، فهو على النقيض من (روس) الذي أكّد على الناحية الاجتماعية نحو علم النفس الاجتماعي، فقد ركّز انتباهه على الفرد مفترضاً فيه عدد من الغرائز، على أنّه أساس التفاعل الاجتماعي الذي يسهم فيه الفرد قوى نفسية واقعة فطريّة اسماها غرائز، قسّمها إلى سبع غرائز كلّ منها يصطحب حالة عاطفية معيّنة، وهي:

  1. الهرب، ويلازمها انفعال عند ظهورها وهو الخوف.
  2. النفرة، ويلازمها انفعال الاشمئزاز.
  3. الاستطلاع أو حبّ الاستطلاع، ويلازمها انفعال يسمّيه الدهشة أو التعجّب.
  4. المقاتلة، ويلازمها انفعال وهو الغضب.
  5. امتهان النفس واحتقارها عند الضعفاء من الناس، ويلازمها انفعال الخضوع.
  6. تأكيد النفس أو الذات، ويلازمها انفعال الثناء أو المدح أو الزهو.
  7. الأبوية، ويلازمها انفعال الحنان الأبوي.

وغرائز أُخرى اعتبرها رئيسيّة، ولكنّها لا تصاحبها عاطفة مثل غريزة ــــــــــ[37]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التناسل وغريزة التجمّع والكسب وغريزة البناء.

وقد أضاف مجموعة أُخرى أسماها ميولاً فطرية، وهي عنده عامّة منتشرة وغير معينة عند الناس وهي مفاهيم استعملها غيره من قبيل الإيحاء والتقليد والتعاطف وهذه الغرائز هي الدافع الأساسي للسلوك الإنساني بكلِّ أنواعه، وبدونه لا يتمكّن الفرد على أن يؤتي أيّ شيءٍ في الحياة. وقد راج رأي (مگدوگل)، لأنّه (مودة آراء).

ــــــــــ[38]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي












3. المدرسة الوظيفية 

 

إلّا أن العالم والفيلسوف (جون ديوي)، و(جورج هربرت ميد) و(كولي)، تزعّموا حملةً من النقد، هاجموا فيها المذاهب الغريزية هجمة عنيفة، على أن هؤلاء العلماء إنّما يفترضون الغرائز افتراضاً ثمّ يزعمون أنّها حقائق لها وجود نفساني. وذهب هؤلاء إلى الطرف الآخر من أطراف النقاش؛ لأنّ الغريزيّين يؤكّدون ضمناً أو صراحة على الوراثة وعلى الفرد وعلى الناحية النفسية، وذهبوا ضدّهم يؤكّدون على المحيط بأنواعه المختلفة، وخاصّة المحيط الاجتماعي الذي يتفاعل معه الفرد تفاعلاً اجتماعياً مستمرّاً. ونشأ منه مذهب جديد في كلّ من علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي يسمّى (بالمذهب الوظيفي).

والوظيفة بالإنكيلزية تعني معنيين:

 1.وظيفة (منصب) Function. 

  1. 2. دالَّة (رياضيات) Function. 

قال أرسطو: لا بُدّ من توفّر أربعة أركان في كلِّ عمل قصدي:

وأكّد (.)عليه تأكيداً بايولوجيّاً صرفاً، وداروين في نظره أنّ الوظيفة هي التي تخلق العضو، ومدلول الوظيفة بهذا المدلول بقي شائعاً إلى الآن، وهي ترد في الرياضيات العليا في موضوع التفاضل والتكامل.

مثال ذلك: وذلك أنّ المساحة السطحية = الطول العرض.

 ــــــــــ[39]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فلو تصرّفت بمساحة الطول، فالتغيّر في المساحة نتيجة التغيّر في الطول، أو أنّ التغيّر في الطول يستتبع تغيراً في المساحة، ونوع العلاقة بين الطول والمساحة هنا هي: (Function)، ومعناها (دالّة)، أي: أنّ المساحة دالّة الطول، بمعنى: أنّ التغيّر فيها يتلو التغير في الطول.

مدرسة وظيفيّة أُخرى 

المذهب الوظيفي له وجهٌ آخر، فقد وجد علماء البايولوجي أنّ دراسة الإنسان على شكل أجزاء تخرج عن بعض الشروط العلميّة؛ لأنّ الفرد عندما يخرج من الكلّ تنعدم فيه خصائص الكلّ، فيجب أنْ يُدرس ككلّ.

والمذهب الوظيفي ثبت بين دراسة الفرد ككلّ يتوخّى كشف ترابط المهامّ المختلفة التي تؤدّيها الأجزاء المختلفة ضمن الكلّ.

السلوك الإنساني يجب أنْ يدرس ككلّ ضمن الوضعية العامّة التي يحدث فيها هذا السلوك، فإذا أخرجنا الفرد ذهبت منه خصائص الكلّ.

إنّ انتقاد هؤلاء الثلاثة لعلم النفس الغريزي أدّى إلى تدعيم المذهب الوظيفي في علم النفس الاجتماعي، فيجب أنْ يُدرس ذلك الكائن الحيّ ككلّ ولا نجزّئه إلى غرائز، وهذه الجملة لها وجهين:

الأوّل: نفسيّة الغريزيين ؛ لأنّها غير مبرهن عليها برهاناً علمياً.

الثاني: أنّهم رأوا أنّ الإنسان سلوكه يفسّر على أساس أخذ التفاعل الاجتماعي بعين الاعتبار، ممّا أدّى إلى نشأة المذهب الوظيفي في علم النفس الاجتماعي.

ــــــــــ[40]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

4. نظريّة العادة

 

ومذهب (ديوي): أنّ العادة وليست الغريزة هي التي تتحكّم في السلوك الإنساني. وهو بعيد بها عن الغريزيّين؛ لأنّها نتاج اجتماعي، ولكن ما هي العادة عند (ديوي)؟ والواقع هو يعني بـ(العادة) نفس المعنى الذي يقصده الآخرون من كلمة (موقف).

وبنى مذهباً فلسفياً وتربوياً على أساس هذه العادة، على أنّ وظيفة التربية هي غلغلة العادات المستحسنة في المجتمع، فاتخذ مفهوم العادة مفتاحاً سحرياً في علم النفس الاجتماعي.

والعادة عنده تتكون نتيجة تفاعل القابليات البايولوجية مع المحيط
-وهذا المحيط سواء كان اجتماعياً أو طبيعياً-. وله كتاب عنوانه (الطبيعة الإنسانية والسلوك)(1).

أمثلة من ديوي: يولد الطفل مزوّداً برئة، ولكنّه لا يتنفس قبل الولادة، ولكنّه بمجرّد ملامسة رئته الهواء يبدأ بالتنفس، والتنفس عند (ديوي) عادة طبيعية ويبدأ التفاعل مع المحيط.

ــــــــــ[41]ــــــــــ

(1) قد طرح في كتابه (الطبيعة الإنسانية والسلوك) نظريته في العادة والسلوك الإنساني.

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 (ديوي) ومن تبعه يؤكّدون ويشدّدون النكير على الغريزيّين، وكان العلماء من الجهة الأُخرى يشدّدون النكير على المذاهب الغريزية، وهي التي تؤكّد على الوراثة بصورة خاصّة وعلى أنّ الإنسان هو ابن الوراثة، وأنّها وحدها هي العامل الوحيد الذي يتحكّم في صياغة شخصية الإنسان. (وديوي) يكون المدرسة الوظيفية بدأ بالتأكيد على المحيط وخاصّة المحيط الاجتماعي، والمحيط مفهوم غامض، أكّد (ديوي) على المحيط الاجتماعي وأكّد على الطبيعي أيضاً وهو مذهب اسمه (المذهب الوظيفي في علم النفس).

حين شدّد (ديوي) النكيرَ على المذاهب الغريزية قام بمحاولة جديدة تلقى من الانتقاد ما لقيته المذاهب الغريزية، فأنكر الغرائز وأبدلها بالعادة، وأنّ سلوك الإنسان يتحكّم به العادّة وليست الغرائز، وأنّ مفاتيح دراسة الشخصيّة البشرية والسلوك البشري هي العادات. أمّا العادة عند ديوي، فإنّه يعني بها عبارة عن نتائج تفاعل القابليات البايولوجية الموروثة مع المحيط الطبيعي في البداية، كالرئة للطفل والمشي أيضاً عند الإنسان حين يتحرّك إلى الأمام يتفادى السقوط.

ــــــــــ[42]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



5. نظرية [(جورج هربرت ميد)]

 

(جورج هربرت ميد)، رئيس مدرسة في علم النفس الاجتماعي، اشتهر بتأكيده على أهميّة ما يسمّى بالنفس الاجتماعية ونموّها. و(كولي) أيضاً أجرى دراسات على ولديه منذ حداثة سنّهما، وانتزع من ذلك نظريةً حول النفس، وأنّ نمو الشخصيّة يتوقّف على علم النفس الاجتماعي.

ــــــــــ[43]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي












الفصل الرابع

الرابطة بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس، وتميّز المعالجات الاجتماعية والنفسية والسايكولوجية

 

  • العمليات الاجتماعية

ــــــــــ[45]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفصل الرابع: الرابطة بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس، وتميّز المعالجات الاجتماعية والنفسية والسايكولوجية

 

بدأ بعض علماء الاجتماع بالتأكّيد على أهمية الحياة الاجتماعية كالعادات والتقاليد والطقوس والمراسيم والشعائر، والمثل العليا، والقيم الاجتماعية المختلفة، والمؤسّسات الاجتماعية، والتحفيز الاجتماعي، ممّا يتكوّن منه التنظيم الاجتماعي، والحضارة ودورها في تكوين الشخصيّة وتوجيهها والتحكّم فيها، وأهميّة الإطار الاجتماعي في تكوين الطبيعة البشرية، ولم يغفلوا أهميّة العوامل الفطرية، وهي: عبارة عن المنطويات الوراثية أو العوامل الوراثية، رغم تأكيدهم على العوامل الاجتماعية.

ــــــــــ[47]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





العمليات الاجتماعية 

 

أقول: مع تأكيد هؤلاء العلماء في العقد الثاني على أهميّة النصاب الاجتماعي والحضاري، غير أنّهم ذهبوا إلى أنّ هذه العوامل توجّه وتُصاغ وتنقّح بتأثير التفاعل الاجتماعي الذي يحدث بعد الولادة بزمن يسير، وإلى ما يسمّى (بالعمليات الاجتماعية)، والرموز، ومنها: اللّغة، فاللّغة تبدأ بالرموز والإشارات مهما تعدّدت النظريات، وهؤلاء وضعوا أهميّة كبرى على الحياة الاجتماعية معالجين الدور الذي تلعبه اللّغة والإيحاء والمعالم البدنية واللقانة والتقليد، وما شاكل من مفاهيم تنطوي بصورة مباشرة أو غير مباشرة على العمليات الاجتماعية أو التفاعل الاجتماعي.

 ونجد مفاهيم تطرّقت إلى علم النفس الاجتماعي وهي جديدة عليه، من قبيل المواقف والقيم. 

الأدوار الاجتماعية

والدور الاجتماعي هو النمط المنظَّم من السلوك في وضعيات معيّنة، فالإنسان يلعب عدّة أدوار، من قبيل الزوج بالنسبة لزوجتهِ يلعب دور الزوج، وتعيّن الحضارة نمط هذا الدور، فإذا قصّر الإنسان فيه أو شذّ عن المتطلّبات الحضارية، فإنّه يصبح فاشلاً في ذلك الدور، وإذا أفرط فإنّه شاذّ بشكلٍ من 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الأشكال، وقد يكون الشذوذ مفرطاً فيُلقى في المستشفيات العصبيّة.

ودور الأب ورجل الدين يلعب دور رجل الدين، وذلك الرجل ضابطٌ يلعب دور الأب والزوج في البيت، فإذا ارتدى البزّة العسكريّة يلزمه أنْ يلعب دوراً جديداً منظَّماً.

النفس الإجتماعية

 والمهمّ أنْ نلاحظ أنّ الناس حين يقومون بأدوارٍ مختلفة تتغيّر نظراتهم إلى الحياة وعواطفهم وضروبهم السلوكية وفلسفاتهم.

وهذا ما يسمّى (بالنفس الاجتماعية)، يتغيّر فينا بتغيّر الأدوار، وتكون عندنا مئتا نفسيّة في كلّ وضعيّة أو دور من هذه الأدوار من حيث ما يناسب الدور.

ــــــــــ[49]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفصل الخامس

بلورة مفاهيم علم النفس الاجتماعي

 

  • الأفعال المنعكسة
  • الفوراق بين علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي

ــــــــــ[51]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






الفصل الخامس: بلورة مفاهيم علم النفس الاجتماعي 

 

منذ العقد الثاني بدأت تتدسّس إلى علم النفس الاجتماعي مفاهيم جديدة، كالقيم والمواقف، والضبط الاجتماعي، والتغيّر الاجتماعي، وعولجت معالجات مفصّلة من قبل علماء الاجتماع وعلماء النفس الاجتماعي.

منذ ذلك الحين يضعون التأكيد على المحيط الاجتماعي متتبّعين آثاره في نمو الشخصيّة البشرية. بدءوا معالجاتهم حين أكّدوا على هذه المواضيع التي هي جزء من النصاب الاجتماعي متتبّعين آثاره في السلوك الإنساني في الشخصيّة البشريّة أو الإنسانيّة.

ــــــــــ[53]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الأفعال المنعكسة 

 

في العقد الثالث عالم اسمه (فلويد اولبورت) 1942 ظهر داعياً إلى أنّ علم النفس الاجتماعي لا يمكن أنْ يعالج إلَّا على أساس علم النفس، وهو ذلك العلم الذي يضع التأكيد كلّه على الوراثة غير معترف بالمحيط. إذن، دعوته أنّ علم النفس الاجتماعي الصحيح لا يمكن أنْ يقوم إلَّا على دراسة آثار ومفعول الوراثة، وكان المبرر عنده هو أنّ علم النفس الاجتماعي إنّما يدرس سلوك الإنسان تجاه ذلك الجزء من المحيط الذي يتكوّن من أُناس آخرين فبدأ إلى مهاجمة فرضية العقل الجمعي بشدّة، والتزمه (دركهايم)، والتزمه (كوستاف لوبون) وأشياعهما، مدّعين أنّ الجماعة ليس لها عقل مستقل.

ذهب (اولبورت) في تدعيم موقفه في الكائن العضوي البشري -وهو الإنسان- بأنّ كلّ حوافز السلوك ومحركاته الضرورية لتفسير السلوك الاجتماعي. وما هو إلَّا واسطة لإشباع الحاجات البايولوجية للإنسان. فلماذا يحيد البحث عن هذه المحرّكات الموروثة إلى جانب المحيط الاجتماعي، فقد كان يرى أنّه يجب أنْ يقتصر على تفسير السلوك على الدوافع الفطرية التي يُزوّد الإنسان بها بالوراثة.

وهو أسمى هذه الحاجات: الأفعال المنعكسة الفعّالة سبقاً وسلفاً، وهي 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

محفّزات السلوك ولكنّها غير ثابتة بل تتغيّر وتتطوّر ويمكن تنقيحها بتأثير التفاعل الاجتماعي.

وقد أثّرت تأثيراً كبيراً بين بعض العلماء في علم النفس الاجتماعي، فأصبح أتباعه يكوّنون مدرسةً هذه مدّعياتها.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي














الفوراق بين علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي 

 

1- التعلّم

هناك تبايناً بين التفاسير الاجتماعية والنفسية والذي استمدّ خلال العقدين من هذا القرن نقاط الخلاف بين هذين الجانبين، يدّعي علماء النفس بأنّ كلّ ما يسمّى سايكولوجي يجب أنْ يبدأ بالفرد، فهو يولد مزوّداً بحاجات أساسية وإمكانيات تتكون منها إنسانيته، وهي تتأثّر من تعرّضها للمؤثّرات الاجتماعية من التعلّم.

وعليه فإنّ عالِم النفس يرى واجبه أنْ يقتصر على وصف عوامل عمليات التعلّم وحوافزها المحرّكة أكثر من معالجة المحيط الاجتماعي.

أمّا عالِم الاجتماع فيقصر انتباهه على الميراث الاجتماعي، وهو الحضارة مثل العادات الاجتماعية والتقاليد والقيم والمؤسّسات الاجتماعية وطرائق السلوك.

فهو يصف هذه الوجوه وصفاً مسهباً ويُعنى ضمناً بهذا الميراث، وأنّه أبعد أثراً في تكوين الشخصيّة من الميول البايولوجية المفطور عليها الإنسان أو الأفعال المنعكسة عند علماء النفس.

وعليه فعالم الاجتماع يدرس التعلّم ويُعنى أيضاً بدراسته عالم النفس، 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ولكن هناك فرق بين العنايتين، فعالم الاجتماع لا يُعنى بكيف يتعلّم الإنسان بل بدراسة ما الذي يتعلّمه الإنسان، وإنْ كان يدرس الأوّل ضمناً، ولكن التركيز على الثاني، وعالم النفس بالعكس.

2- الفوراق الفردية

وأغلب علماء الاجتماع وعلماء الحضارة البشرية قد دهشوا للتشابه العظيم الذي يوجد في السلوك الاجتماعي الذي يطغى في المجتمعات البدائية بين أفراد المجتمعات المختلفة وفي المجتمع الواحد، ولأجل تفسير هذه الوحدة وهذا التشابه وهذا الانسجام في السلوك، رأى علماء الحضارة البشرية أنْ يركّزوا انتباههم حول النمط الحضاري ويشترك فيه الجماعة أو المجتمع فيه سرّ هذا الانسجام والوحدة والتشابه.

أمّا عالم النفس، فهو وإنْ كان يُعنى بهذه الوحدة السلوكيّة التي تغلب على سلوك الأفراد في مجتمع مّا ولكنّه لم يُدهش لها، وإنّما دهش للفروق الفردية الموجودة بين أفراد المجتمع الواحد كالذكاء والحماقة وغيرها، وتعرف بعرف علماء النفس بـ(الفروق الفردية في الشخصيّة والسلوك الاجتماعي). 

وحاول أنْ يفسّر هذه الفروق على أساس الاختلاف فيما زوّد به الفرد بايولوجياً على أساس الوراثة، وعليه فإنّ الفروق الفردية ليست إلَّا نتاج الوراثة. لكنّ قسماً منهم ذهبوا إلى تفسيرها على أساس التأثيرات الاجتماعية التي يتعرّض لها الفرد في المؤسّسات الاجتماعية التي أسهم فيها و(.) فيها، كالعائلة والنادي وعشيرة اللّعب ضمن النمط الاجتماعي الأكبر، وهي تختلف بين الأفراد.

ــــــــــ[57]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ونقاط الخلاف أنّ علماء الاجتماع يؤكّدون على المجتمع والمحيط الاجتماعي وعلماء النفس يؤكّدون على الوراثة.

أمّا علم الانثربولوجي وعلم الأمراض العقلية، ألقى الضوء على أهمّية الحضارة الاجتماعية.

3- الدوافع الفسلجية

التطورات الحديثة في حقل علم النفس الاجتماعي وتأثيرها في تقليل شقة الخلاف في السنين المتأخّرة، وجدوا أنّ آثار العوامل الاجتماعية في صياغة سلوك الأفراد عظيمة وبعيدة المدى، وقد اعتبر تأثيرات من شأنها أنْ تحدث في الفرد اضطراباً، وقد وجد في بعض البحوث عندهم أنّ هناك فرق كبير بين سلوكه عند إعطائه اختبار الذكاء وهو منفرد وعندما ينافس مع آخرين، في حين أنّ الذكاء ثابت على اختلاف الوضعيات. فما السرّ إذن؟

حفّزت إلى إيجاد نوعين من الاختبارات، أحدهما يناسب في وضعيته الانفرادية والآخر يناسب الوضعية الاجتماعية، والوضعيات ذات تأثير بالغ في السلوك الذكائي للأفراد.

ووجدوا أنّ التعبير العاطفي والانفعالي واكتساب الضروب هذه تتأثّر بخبرة الفرد مع الآخرين، ولذا قد استقرّ الرأي على أنّ الدوافع وهي الحاجات البدنية، ويؤكّد علماء الاجتماع أنّها ليست حاجات بدنية وتغييرات فسلجية، بل تستلزم الاحاطة بالخبر والمنبّهات والاجتماعية التي تؤثّر في السلوك وتحدّثه.

علماء النفس وجدوا أنّ تأثير العوامل الاجتماعية يختلف شدّة وضعفاً 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

باختلاف السلوك الذي يُدرس، فهو حين يدرس القابليات الاحساسية والفعّاليات العصبية والعضلية للأفراد لا يجد مجالاً في تأثير العوامل الاجتماعية؛ ولكنّه حين يدرس الذاكرة والتفكير والذكاء يجد أثراً بالغاً في هذه العمليات، ولكن بعض علماء النفس لا يرون هذه الآثار الاجتماعية ذات أثر بالغ في هذا الباب.

وجدتُ أغلبية علماء النفس في دراسة التصوّر ودراسة الدفع والعواطف والشخصيّة والسلوك الشاذ أنّها لا تتمكّن من إغفال آثار الخبرة الاجتماعية في توجيه الفرد وإحداث سلوكه.

الدوافع عند جون ديوي: 

(جون ديوي): الدافع هو قيمة اجتماعية يعكسها الإنسان في مجالٍ مستقبل. يعني: أنّنا حين نقوم بعمل ويحفّزنا على العمل هي قيمة اجتماعية توضع على ذلك العمل، ونحن نعكس القيمة الاجتماعية عكساً على المستقبل، كالشاعر حينما ينظّم القصيدة ويلقيها بعد أسبوع؛ لأنّ الشاعر يُدرك أهميّة القصيدة التي ينظّمها عند إلقائها في المستقبل. فهذا النوع غير الواقع الآن هو الذي يحفّزنا على الدفع، فهذا يفرق عن الدفع السايكولوجي الوراثي الذي يقوله علماء النفس.

إنّ هذا معناه أنّ الحافز على العمل ينبع من الإنسان نفسه لا المحيط، فالدافع الأوّل اجتماعي والثاني بايولوجي (والصحيح الأوّل)، لأنّه نقول لماذا يختلف الناس في ضروب السلوك؟ ولماذا يرى هذا الفعل مستهجناً في مجتمع 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ومستحسناً في آخر؟ فلو كانت الدوافع بايولوجية كالأكل مثلاً، لتساوى السلوك الإنساني، فنحن لا ننكر الفطرة والبايولوجية بتاتاً، بل لا نرتّب عليها الآثار 100% كما يفعل بعض علماء النفس، وهذه النظريات الوراثية قد تكون لتبرير الطبقية الموجودة في المجتمع.

ــــــــــ[60]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

الفصل السادس

بروز مجال الدراسات الاجتماعية

 

  • دراسة الحال: توماس وزنانيكي 
  • دراسة كليفورد شو
  • الدراسات الاجتماعية لعلم النفس
  • دراسات التحليل النفسي
  • دراسات (كورت ليفن) 
  • دراسة العوامل

ــــــــــ[61]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل السادس: بروز مجال الدراسات الاجتماعية 

 

منذ أوّل القرن قام علماء الاجتماع بدراسات أشبه بالدراسات النفسية، فكانوا قد اعتادوا أنْ يدرسوا العائلة والزواج والطلاق والقواعد الاجتماعية العامّة والأدبيّة، والمؤسّسات الاجتماعية والتضارب الاجتماعي والإجرام، دون تدبّر هذه الوجوه في شخصية الفرد وسلوكه، وتدرس كمّا أنّها مستقلّة عن حياة الأفراد في المجتمع.

لو كانت وجوه النظر تجاه النفس صحيحة، فلماذا تباين الناس في المجتمعات المختلفة؟! ولماذا نجد الفرد في أحد المجتمعات فعله حسناً وفي غيره سيئاً؟! فموضوع الدفع ليس وراثياً.

الأرستقراطيّون يدعمون مثل هذه النظريات الوراثية؛ لأنّ لهم مصلحة في هذا التدعيم، ولأنّها تبّرر نوعاً من الإيديولوجية في أنْ تكوّن البنية الاجتماعيّة على هذا الشكل.

فالمجتمعات البدائية تُؤمن بالحظِّ كأنّه فرض إلهي والتعويض يكون في الآخرة، وإذا أراد أنْ يتحدّى هذه البنية الاجتماعية فإنّما يتحدّى الإرادة الإلهية أو الكونية، فالمحيط الاجتماعي يصلح ويفسد، ولكن الوراثة يصعب التحكم فيها، فالنظم الاجتماعية الحديثة تقوم على أهميّة المحيط وإمكانية تغييره، وهو الإطار الذي تصاغ فيه شخصياتنا.

ــــــــــ[63]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



دراسة الحال: توماس وزنانيكي 

 

اعتاد علماء الاجتماع أنْ يبحثوا مواضيع علم الاجتماع السابقة الذكر على أنّها أُمور مستقلّة عن حيوات الأفراد بعد أنْ كتب توماس و (زانيكي) كتابهما المشهور) (الفلّاح البولندي في كلٍّ من أمريكا وأوروبا).

وضع (توماس) مجلّدين يحتويان على دراسة للفلّاح البولندي الذي هاجر من أُوروبا إلى الولايات المتحدّة الأمريكية من حياة ريفية لا يحتاج إلى مهارة في اكتساب العيش إلى وضع اجتماعي دقيق، وانقلب وضعه من فلّاح بسيط إلى رجل متمدّن متطوّر وصار ينقد معتقداته الأُولى.

فعاداته التي تتحكم في سلوكه صارت تضعف في سلوك هذا البولندي أي: أنّه تحوّل من شخصٍ ريفيٍّ إلى شخصٍ مدنيٍّ بالمعنى الدنيوي.

وقد تنزح العائلة جميعها وتمرّ بعوامل اجتماعية مختلفة، فبعد أنْ كان زارعاً صار عاملاً في معمل في شيكاغوا، وخاصّة إذا ولد له ولد في أمريكا، ففي الجيل الثاني تتمّ عملية التمثيل الاجتماعي في تأمْرِك النسل.

وهي أنْ تنظر في المجتمع الجديد -وهي التحاضر- وهي أنْ ينملخ من نصابه الحضاري ويوضع في نصابٍ حضاريّ جديد.

الدراسة التي قام بها (توماس) و(زانيكي) تحتوي على أمرين هامين، فيما 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

يتعلّق بطرق الدراسة: تحتوي على دراسة الحال أو تاريخ الحال، والأمر الثاني
-وهو جزء منها- وهو ما يسمّى (الوثائق الشخصيّة) وهي: مصدر معلومات عن شخص أو عن جماعة أو عائلة أو مؤسّسة، فدراستهما حول الفلاح البولندي بعد هجرته إلى أمريكا استندت على هذه الوثائق في دراسة الحال ؛ حيث رجعا إليها على اختلاف ضروبها وأنواعها: إلى المدارس والكنائس التي ارتادوها، إلى الناس الذين زاملوهم ومدرسيهم وإخوانهم وآبائهم وجميع الذين اختلطوا بهم.

ــــــــــ[65]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي










دراسة كليفورد شو

 

وقد أصبحت طريقة دراسة الحال من الدراسات المهمّة في علم الاجتماع، ومن أبرز هذه البحوث هي التي أجراها (كليفورد شو) دراسات على المجرمين، واستند على الوثائق الشخصيّة، وبدأت الكتب تصدر وهي مصبوغة بهذا التوجيه الجديد، وصارت البحوث تبيّن أثر القواعد الاجتماعية والقيم ومختلف الوجوه الحضارية الأُخرى، ممّا يؤثّر في تكوين شخصية الفرد وسلوكه وتبيان العمليات التي تؤثّر في هذه الوجوه جزءاً من الطبيعة البشرية والشخصيّة الإنسانية.

ــــــــــ[66]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






الدراسات الاجتماعية لعلم النفس

 

إنّ علماء الاجتماع الذين بدأوا بمعالجة الحضارة قد اهتدوا في النهاية إلى اكتشاف الفرد، في حين أنّ علماء النفس قد اهتدوا إلى اكتشاف الحضارة والسلوك، وقالوا بتأثير المجتمع في الفرد من الناحية النفسية والسلوكية. وصار الخلاف يسوّى كلّما تقدّمت البحوث في هذين الحقلين.

هناك ثلاثة بحوث أدّت إلى تقليل شقّة الخلاف وآثارها بين المدرسة النفسية والاجتماعية في علم النفس الاجتماعي:

النوع الأوّل: علم الحضارة البشرية، الذي يسمّى بـ(علم السلالات البشرية) وقاموا ببحوث عن الجماعات البدائية، وموضوعهما يُعنيان بدراسة الشعوب البدائية ودراسة العمليات التي تبيّن أنّ الطبيعة الإنسانية تتأثّر وتُقرّر بالنمط الحضاري الذي يولد فيه الفرد.

ليس المؤسّسات الاجتماعية والتقاليد هي وحدها التي تقرّر اجتماعياً، بل إنّ المواقف والاولاع والمصالح والأنماط الغالبة من التفاعل وإنّ العواطف أيضاً تقرر اجتماعياً والعواطف والخصائص الشخصيّة كلّها تتأثّر بالمؤثّرات الاجتماعية المختلفة والنمط الحضاري.

ــــــــــ[67]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فدراسات (روث بندكت) و(ماركريت ميد) هي من بين الدراسات البارزة في هذا الباب.

أهمّية هذه البحوث (العلاقة بين الحضارة والشخصيّة) هي من المواضيع المهمّة التي يُكرّس لها علماء النفس الاجتماعي جهوداً جبّارة.

ــــــــــ[68]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي













دراسات التحليل النفسي

 

النوع الثاني من البحوث: هي بحوث التحليل النفسي وعلم الأمراض العقلية، انتهت نحو أهميّة المؤثّرات الاجتماعية في صياغة السلوك والشخصيّة، سواء كانت سوية أو شاذّة. وأكّدت على الدور الذي تلعبه هذه المؤثّرات في إحداث سوء التكيّف والأمراض العقلية المختلفة، فالعصاب: وجده العلماء الذين درسوا هذا النوع من الشذوذ في السلوك، كشفت هذه البحوث العيادية على أنّ المريض تعتريه انقباضات مفاجئة في كلتا ساقيه أو إحداهما أو في أحد ذراعيه أو كليهما، -وهي التشنّجات- يرى أنّها نتيجة صراع فكري شديد قوامه النزوع النفسي الشديد للتعبير عن رغبة جنسية ملحة للذكر والأنثى بدون إفساح المجال للتعبير عن هذه الرغبة. وهذا هو الاطار الاجتماعي هو الذي يمنع من إفساح المجال، وكذا القيم الدينية والاجتماعية وغيرها.

و(فرويد) الذي اشتهر أنّه قطب من أقطاب التحليل النفسي، لم يشر في كتاباته الأُولى إلى أهميّة العوامل الاجتماعية بصراحة، بل كرّس جهده لدراسة نموّ الشخصيّة الإنسانية وما يتأثّر فيه هذا النموّ خاصّةً في نطاق العائلة، وجعل شذوذ الشخصيّة وفقاً على نوع العلاقات بين أفراد العائلة.

فبيّن أنّ البنت تعشق أباها وتنافس أُمّها به، والولد يعشق أمّه وينافس أباه 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فيها، وتحدث عنده اشمئزاز من أبيه. وعنده أنّ الاستنان -وهو الختان- في كثير من الشعوب إنّما هي من مخلّفات العقوبة التي يمارسها الأب فيحاول اخصائه.

وألقى أهميّة كبرى على العلاقات العائليّة ضمن نطاق العائلة. وبيّن أنّ العائلة، هي المهد الأوّل للطفل الناشئ، هي التي تصوغ شخصيّته وقد تتغلغل فيه عقد تتحكّم به طيلة حياته.

وأشار (فرويد) إلى الذات العليا، وهي الضمير، وإنّما هو انعكاس للقيم الخلقيّة والفكر والمثل العليا التي يتعلّق بها الأبوان ويتمسّكان بها ويعملان بغرسها في الطفل منذ نعومة أظفاره، فتبقى تتحكّم به طيلة حياته.

يبيّن فرويد أهميّة هذا التأثير في ربط الأجيال الناشئة بالخصائص الحضارية لجيل الآباء، وأنّها أكثر انسجاماً مع جيل الأبوين من جيل الأولاد.

وتبقى متخلّفة في نفس الأفراد، ويسبغ عليها شيء من الحرمة بحيث إنّ عصيانها يؤدّي إلى انهيار الشخصيّة وإقدامها على الانتحار وإصابتها بالعصاب والفصام. وأصبحت ذاته العليا جزءاً مهمّاً من نفسه يمثّل الضوابط الاجتماعية إذا هو أحرج لأنْ يخرج على مستلزماته نتيجة ذلك الصراع النفسي الذي يؤدّي بسلامة النفس والصحّة الجسمية.

فكتابات فرويد الأخيرة تكشف لنا عن إدراك فرويد لأهميّة العوامل الاجتماعية المختلفة من حيث هي أسباب الأمراض العصبية والصراع النفسي، ومنه كتاب فرويد المشهور (المدنية وما فيها من عدم الرضا) وما تولّده من عدم 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الرضا. ذهب فيه: أنّ الناس كوّنوا الحضارات، ومنها الفكر والقيم الخلقية والمثل العليا والأديان والشرائع، وهي أغلال وعنق الطبيعة البشرية التي هي الغريزة الجنسية عنده. وهي حوائل وعوائق تكفكف من النشاط الجنسي، وبما أنّه نزاع بالفطرة فهي تؤدّي إلى الكبت، وبما أنّ النشاط الجنسي لا يمكن أنْ يُكبت، فإذا هو كبت نزع إلى الخروج من مسارب أُخرى.

وهذا الانحلال هو سرُّ شقاء الناس نتيجةً من نتائج الصراع بين الجانبين، ولكن من داخل النفس تعصف بالسلامة النفسية والعصبية للأفراد.

وكثيرون من أتباعه وضعوا أهميّة خاصّة على الأُصول الحضارية للشخصية وللاختلال في الشخصيّة، سواء العصبية والعقلية. ومنهم العلاّمة السياسي الأُستاذ في جامعة كولومبيا (هارولد لاسويل) ومنهم المحلّل النفسي الألماني المشهور (ارخ فروم)، ومنهم عالم النفس الاجتماعي (ابرام كاردينر)، ومنهم عالم الاجتماع وصاحب نظريّة في علم النفس الاجتماعي (جون دولارد)، ومنهم العلّامة المشهورة (كريرين هديز).

وهذه البحوث قد كشفت عن أهميّة العوامل الاجتماعية في أحداث الاختلالات على اختلاف ضروبها وأنواعها.

ــــــــــ[71]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

دراسات (كورت ليفن) 

 

أ. دراسة نظرية المجال

النوع الثالث -من البحوث التي كان له الأثر في العوامل والمؤثّرات في صياغة الشخصيّة والسلوك الإنساني-: هو نموّ موضوع والذي هو عبارة عن مذهب يسمّى (نظرية المجال) أو (مذهب المجال)، وعبارة (مجال) مأخوذة من علم الفيزياء في مباحث المغناطيس أو الكهرباء، نحو قولهم (المجال المغناطيسي). حيث كوّن هذا المذهب في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع وعرضه في كتاب له عنوانه (مبادئ علم النفس التبولوجي).

ب. دراسة الجزء في الكلِّ 

 وهو نوع خاصّ من الرياضيات العليا فأراد أنْ يعالج السلوك الإنساني بشكلٍ رياضي يكون منه معادلات تبولوجية؛ وذلك بأنْ يرمز لوجوه السلوك المختلفة فيضربها ويجري بعضها لبعض فتنتج منها إحدى النتائج. والمهمّ هو الذي يتعلّق من نظريّته بمذهب الكشتالت.

فحوى مذهب المجال الذي يتزعّمه (كرت ليڤن) هو أنّ الإنسان لا يجابه الوضعيات على أساس أجزاء، بل على أساس وضعيّات كلّية أو كشتالتية أو هيئية.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ج. دراسة الموضوعي والذاتي 

الأوضاع التي يجابهها الفرد هي وضعيات كليّة أو عبارة عن كليّات معقّدة يتمثلّها الإنسان ويصوغها لنفسه ويفسّرها على هذا الأساس، وعليه فليس المهمّ أنْ يُحيط الباحث بالخصائص الموضوعيّة الظاهرة للوضعيّة التي يجابهها الشخص فحسب، بل المهمّ أنْ نُحيط بتفسير الشخص الذاتي لهذه الوضعيّة أو تلك، كصورة ينظر إليها اثنان، أحدهما يفرح والآخر يحزن، وهي نفس الصورة من الناحية الموضوعيّة.

والموضوعي والذاتي كلاهما من النموذج المثالي، والذاتي: هو النفسي الصرف، بصرف النظر عن المحيط الخارجي. وهو نوع من المفهوم على النموذج المثالي.

الموضوعي: هو أنّنا نضع التأكيد على ما هو ظاهر له وجود في المكان.

والصورة من الناحية الموضوعية هي نفس الصورة، ولكنّها ليست نفس الصورة من الناحية الذاتية، فالذي فرَحَ لها ربطها بمسبقات ذهنية عنده مفرحة والآخر بمسبقات ذهنية محزنة.

لا بُدّ أنْ تأخذ بنظر الاعتبار الخبر السابق للشخص وتفسيره الذاتي لهذه الصورة بالذات، فإنَّ الإنسان يجابه وضعيات كليّة وليست أجزاءً، والباحث في السلوك يجب أنْ يأخذ بنظر الاعتبار النواحي النفسيّة ولا نقتصر على النواحي الموضوعية.

ولكن (كرت ليڤن) يذهب إلى أنّ الوضعيات ليست ثابتةً مستقرة وأنها 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ذات خصائص. وبعض الوجوه الحركية الديناميكية في هذه الوضعيات الكشتالتية الكليّة من منبثقات خبرة الفرد وخصائصه الشخصيّة من ناحية، والخصائص الموضوعية للوضعية نفسها من ناحية أُخرى.

ــــــــــ[74]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي













دراسة العوامل

 

موضوع الطرائق في علم النفس الاجتماعي وطرق البحث فيه مهمّة، فالبحث في علم النفس هو وصف وتفسير السلوك على أساس اشتراك الفرد في هذا السلوك، أي: وصف سلوك الفرد وتفسيره على أساس أنَّه إنّما يسلك هذا السلوك لأنّه جزء من مجتمع أو طرف من مجموعة من التفاعلات الاجتماعية.

فعلم النفس الاجتماعي: معرفة العوامل الأساسية التي تتحكّم في العلاقات والعوامل التي تتحكّم بين الأفراد، سواء في النوادي أو الزواج أو المودة أو حركة اجتماعية أو في الحرب أو غيره.

وفي أنّ معرفة العوامل الأساسيّة المتغيّرة تسمّى (بالعوامل المتغيرة المستقلّة) هي التي يتحرّاها العلم من علم الاجتماع أو الفيزياء أو الفلك، وهي تلك العوامل التي تتحكّم في الظاهرات، وبما أنّها لا تُعرف إلَّا عن طريق البحث وكذلك آثارها ولهم طرائق خاصّة في تعيين نوعيّة تلك الآثار ومداها، من قبيل أنّنا نضع المركّب الكيماوي في قارورة ونضيف عليه مركبّاً آخر ثمّ العامل المساعد ونضع الخليط على النار، وبما أنّ التفاعل ونتائج التفاعل الكيماوي تتحكّم به العوامل المختلفة، كالضغط والحرارة، فإذا أردنا أنْ نتبيّن عوامل الحرارة ثبّتنا العوامل المستقلّة الأُخرى وأبقينا الحرارة متغيّرة، فنتمكن 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

من معرفة هذا العامل المتغيّر المستقلّ في هذا التفاعل، ومثاله عبارة وظيفة أو دالّة، فإنّ لها معنى رياضي ومعنى بايولوجي.

فالعلوم الايجابية والاجتماعية تستقصي نفس الروابط والعلاقات بين هذه العوامل التي تسمّى العوامل المتغيّرة المستقلّة، وتسمّى مستقلّة؛ لأنّ التغيّر فيها لا يحدث من أثر تغيّر غيرها.

ــــــــــ[76]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي















الفصل السابع

طرائق البحث

 

  • تمهيد
  • تنوّع طرائق البحث 
  • مسببات تنوّع طرائق البحث 
  • أقسام طرق البحث 
  • التعميم في طرق البحث

ــــــــــ[77]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل السابع: طرائق البحث

 

تمهيد

 

يركّز علماء النفس الاجتماعي اهتمامهم في تفسير السلوك البشري، ولكن كيف يدرس السلوك البشري؟

 ما هي الطرائق التي يستخدمها الباحث في دراسة السلوك الإنساني ووصفه وتفسيره؟

وأغلب هؤلاء لم يكونوا معنيّين بهذه الطرائق، بل كانت آرائهم حول التقليد والإيحاء والغريزة قائمة على التصوّر والأهمّ وملاحظات غير مستوفية الشروط العلمية، فلذا كانت موضع شكّ، أو أنّ هذه الطرائق كثيرة ومنها ما هو معقد، وهذا بعضها.

إنّ استعمال أيّ طريقة في البحث يتوقّف على الغاية المتوخّاة في الدراسة وعلى طبيعة الموضوع الذي يخضع للدراسة. ونوعيّة ومدى الحقائق والمعلومات المتيسّرة بخصوص الموضوع الذي نُريد دراسته.

ــــــــــ[79]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

تنوّع طرائق البحث 

 

العلماء المختلفون استعملوا طرائق بحث مختلفة في دراسة كلّ من هذه المواضيع، إلَّا أنّهم وإنْ اختلفت طرائق البحث باختلاف أهدافهم، فإنّ الطرائق يخضع انتقائها إلى تلك الوجوه، وهي الغاية، وطبيعة الموضوع، والحقائق المتيسّرة حول ذلك الموضوع.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي











مسببات تنوّع طرائق البحث 

 

طرق دراسات التفاعل الاجتماعي:

1. التحضّر 

تختلف طرائق علماء النفس الاجتماعي باختلاف أهدافهم. فالطرائق التي يستعملونها في دراسة (التحضّر) هي عملية من العمليات الاجتماعية. ذلك أنّ العالمين (پارك)، و(برجس) -الذي اشتهر في بحوثه عن العائلة، وهو غير متزوج وقد ناهز السبعين- لهما فضل كبير على علم الاجتماع؛ إذ أنّهما أشارا إلى العمليات الاجتماعية وأنّ التفاعل الاجتماعي يتّخذ ضروباً وأنواعاً تتابع واحدة بعد الأُخرى على شكل عمليات.

2. المنافسة والتكيّف الاجتماعي 

منها المنافسة، والمتنافسان أمّا أنْ يؤدّي بهما التنافس إلى الصراع أو التعاون، وفي الأعمّ يؤدّي إلى تعارض وخصومة، وهذا يتعلّق بالجماعات والأفراد. 

والصراع قد يقوم في دخيلة النفس وبه تحدث الانهيارات النفسية والأمراض العصبية والجنون؛ ولذلك يرى (فرويد) أنّ الصراع بين المثل الخلقية والدافع الجنسي إذا اشتدّ يحدث أمراض عصابية، وإذا كانت أشدّ يؤدّي إلى ضروب مختلفة من الجنون.

ــــــــــ[81]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وإذا اشتد الصراع بين أمّتين قد يؤدّي إلى الحرب أو قد تؤدّي الخصومة إلى نوع من التوافق والتكيّف المتبادل، كما يبيّنه بحث العلاقة (.).

يقول (شونلي): إنّ الطائفة عندما تنشقّ على أُختها يتبرعم فيها الإطار الطائفي، وهذا النوع من الانشقاق الجديد يمرّ بمراحل، والطائفة أوّل ما تبزغ تتلقى اضطهاد كبير؛ لأنّه تحدّي على الاطارات القائمة، فتُحرم المصاهرة والبيع والشراء. فالفرقة الجديدة تبدأ علاقتها هكذا. والخصومة عند شدّتها تلملم الطائفة وتزيد في تماسكها، فينشئ ايديولوجي جديد وتنمو مبرّرات جديدة للاضطهاد، وربما أنّهم تحمّلوا العذاب؛ لأنّه ثواب [أو من أجل مبرّر آخر]. وهذا يفيد الطائفة إذا قاطعوهم في المصاهرة صارت الطائفة من الداخل. ثمّ بالتدريج ينشأ نوع من التكيّف المتبادل بين الطائفة والمجتمع الأكبر، وشيئاً فشيئاً يخف الصراع إلى أنْ تكون العلاقة -في يوم ما- بينهما طبيعية.

ومعناه أنّ الخلاف يمرّ بعملية اجتماعية تسمّى (التوافق)، وهذا النوع من التوافق يطغى على الميادين المتبادلة، ثمّ يتطوّر التوافق إلى (تعاون) بين الجهتين.

3. التمثّل الاجتماعي 

الجماعات المختلفة من الناحية الحضارية، كالدين والمؤسّسات الاجتماعية، فالعملية التي يستبدل بها الجماعة معالمها الحضارية معالم حضارية جديدة، كالصيني في بغداد، فهو يسلك على أساس حضاري جديد وينظر إلى الكون بنظرة جديدة حتّى ينشأ عنده حضارة جديدة. أمّا أولادهم المتولّدون في المجتمع الجديد فتحصّل عندهم عملية الهضم والدمج بحيث لا يفرق بينهم وبين أولاد المجتمع الأصلي. فالمرحلة الأخيرة من التحضر هي عملية الهضم أو (التمثّل).

 ــــــــــ[82]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فهذه العمليات ضروب التفاعل الاجتماعي بين الجماعات وهي تمر من مرحلة إلى مرحلة ويختلف ضرب التفاعل في مروره بهذه المراحل.

وهناك دراسات كثيرة حول خصائص هذه المراحل والعوامل المؤثّرة في هذه العمليات، وخاصّة في المنافسة والصراع والتحاضر بغية التعرّف على العوامل التي تُؤثّر فيها، وآثار هذه العمليات في الذين يسهمون فيها.

أمّا الطرائق التي يستعملها العلماء في تأثير التحاضر بالشخصيّة ومنه البحث في الفلاح البولندي في الولايات المتحدّة الأمريكية، والعلاقات قويةٌ في الريف وضعيفةُ في المدن.

4. طرق دراسة الاتّجاهات الاجتماعية

وهذه الطرائق تختلف عن دراسات الاجرام وعن الطرائق التي تستعمل عن جنوح الأطفال، والاتجاهات في نسبة الطلاق.

ماذا يعني بالاتجاهات؟ والاتجاهات في نسب هي أنّ الظواهر الاجتماعية المختلفة لها اتجاهات فنحن نريد أن نعرف اتجاهات الطلاق في ظرف 50 سنة فعلم اجتماع المدينة والريف يجزم أنّ اتجاه الطلاق متجّه إلى الزيادة في المجتمع العراقي والخط البياني بهذا الشكل:

 

                        

فلو قارنّا بين الحدّين لوجدنا فرقاً كبيراً جداً. فبالحدّ الأوّل كان بالألف 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أربعة أو خمسة، وفي الحدّ الأخير 150 بالألف من الزواج. بهذا الخطّ البياني نكشف اتجاه النسب للطلاق وأنّه يستمرّ بالزيادة سنة عن سنة.

ــــــــــ[84]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي











أقسام طرق البحث 

 

تستلزم الدراسات طرائق في البحث مختلفة وتختلف باختلاف الأهداف التي يتوخّاها الباحث. ومع اختلاف الأساليب نشير إلى الخصائص المميّزة في الطرائق في علم النفس الاجتماعي.

يمكن تقسيم الطرق إلى قسمين: قسم يُسمّى (طرق ذاتية)، والقسم الثاني يُسمّى (طرائق موضوعيّة)، وهي من مفاهيم النموذج المثالي، فالموضوع هو الموجود في الخارج، خارج الذات الإنسانية.

من ناحية أُخرى نتمكّن من أنْ نُصنّف الطرائق إلى:

  1. طرائق كميّة. 
  2. طرائق نوعيّة؛ لأنّها طرائق وصفية.

وطرائق البحث الكميّة تُعنى بدراسة كميّة الظاهرة، والنوعية تُعنى بدراسة نوعية الظاهرة.

وكذلك يمكننا أنْ نُقسّم طرائق البحث كما يلي:

  1. طرائق تُعنى بدراسة الحال.
  2. طرائق تجريبيّة.
  3. طرائق إحصائيّة.

ــــــــــ[85]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وهذه الأخيرة من الطرائق الكمية. وطبعاً أنّ كلّ نوع منها يمكن دخوله في الأنواع الأُخرى المذكورة. وهذه الطرائق تختلف في درجة موضوعيّتها.

1. طريقة الاستبطان 

هي طريقة من طرائق البحث التي تسمّى بطريقة (الاستبطان). وهي من استبطن الشيء، وفي الواقع هي طريقة قديمة لصيقة بطبيعة المعرفة، فالمعرفة من الإغريق إلى بداية هذا القرن يُعتبر أنّها معرفة عقلية صرفة، وأنّ العقل هو مصدر المعرفة والحقائق، فدراستها يجب أنْ تجري بطريقة الاستبطان.

والاستبطان: أنّنا إذا أردنا أنْ نتعرّف على آمالنا والآمنا فلا حيلة لنا إلَّا الاستبطان، وهو توجّه الفرد إلى دخيلة نفسه يوجّه انتباهه إلى داخل نفسه يسجّل أُموراً عن خبرته الحاضرة أو الماضية في بعض الأحيان إذا كان يُريد أنْ يعرف -مثلاً- كيف يستقبل الأُمور يوم كان طفلاً أو لماذا كان يكره أباه مثلاً.

وبعبارة أُخرى: إنّ الإنسان يستبطن نفسه كلّما ابتغى التسجيل عن خبرته الذاتية. وعبارة (ذاتي) تأتي في هذا النوع أيضاً؛ وعليه فإنّ المعايير التي تُسمّى بـ(معايير التقييس) عند علماء الاجتماع، وهي أُسلوب من أساليب التعبير عن مواقف الناس وآرائهم بخصوص الأشياء المختلفة، فترى أنّ الناس كيف يتوزّعون بين الشيوعيّة والديمقراطيّة أو الفاشيّة، فعمل العلماء خطّ في طرفه الأوّل الفاشية، والثاني الديمقراطية -مثلاً- وهم يعتبرونها من النموذج المثالي مختلفين 100%.

فنعمل أسئلة حول مختلف الوجوه من النظام الديمقراطي والفاشي ونقيس الناس بهذا الميزان، فالذين لا يجدون بينهما ضرراً ونفعاً يكوِّنون 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الوسط، ويُصّنف الناس على أساس مواقفهم من الفاشية والديمقراطية.

وهذه الحقائق قد استحصلت بطريقة الاستبطان، لأنّ الناس إذا وجّهت إليهم الأسئلة يرجعون إلى دخيلة أنفسهم.

وهذه المعايير لا بُدّ وأنْ يقوم على عملية الاستبطان لترجيح أحد الطرفين على الآخر في مرحلة من مراحل البحث، وهذه الطريقة يُختبر بها الرأي العام. 

كلّ بحوث استطلاع الرأي العامّ قائمة على طريقة الاستبطان؛ لأنّ العالم يطلب من المجيبين أنْ يبيّنوا رأيهم.

نقد طريقة الاستبطان: 

كلّ طريقة فيها نقاط ضعف وقوّة. فما هي الهنات ونقاط القوّة التي تختصّ بها هذه الطريقة من الناحية العلميّة؟ ذلك أنّ هذه الطريقة هي الوحيدة لاستبطان التفكير؛ لأنّني لا أعلم بتفكيرك إلَّا منك، فالاستطلاع من المواقف والمخاوف والأفكار والمفاضلات بين المواضيع، كالفاشية أو الشيوعية، أو أيّ أمرٍ آخر من الأُمور الشخصيّة. لا استطيع أنْ أتعرّف عليها كباحث ما لم استعن باستبطانك لنفسك من معلومات عن مواضيع من هذا النوع وسيبقى الباحثون محتاجون لهذه الدراسة -أي: دراسة كلّ ما هو شخصيّ- ولا يمكن الكشف من هذه الأُمور والاطلاع عليها بهذه السهولة التي تحقّقه طريقة الاستبطان بأيّ طريقة أُخرى غيرها.

ولكن هذا لا يعني أنّ ما يستحصل بهذه الطريقة يمكن أنْ يكون دائماً أساساً للاستنتاجات أو الثقة العلميّة بما تكشفه هذه الطريقة من المواقف 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والأفكار، فقد تُضلّلنا وتكون غير صحيحة فيما إذا كان المجيبون جهلاء أو مهملين، أو يتعمدون لغرض إخفاء المعلومات الصادقة بخصوص الموضوع الذي دار عليه الاستبطان، وهذه الطريقة مجدية ومفيدة عندما تكون المهمّة غير معقّدة ومبهمة، وإنّما هي واضحة وبسيطة وفيما إذا كان الأمر الذي أردنا استكشافه ليس محرّماً أو يتعلّق بقضية يختلف فيها الناس.

كالعالِم الديني إذا سُئل عن العلاقات الجنسية قبل الزواج وكان رأيه أنّها حسنة، ولكنه لا يستطيع أنْ يفصح عن رأيه للقيود الدينية والاجتماعية حوله، فهو يجيبك بجوابٍ ينسجم مع ملابساته الاجتماعيّة.

فالاستبطان في وضعياتٍ من هذا النوع لا يكشف عن دخائل الناس بصورة واقعية، وإنّما يؤدّي إلى اجابات ومعلومات لا يمكن الوثوق بها من الناحيّة العلميّة والواقعيّة.

أمّا إذا كانت الأسئلة بسيطة، كالسؤال: (مَن تريدون)، رئيس بلدية مدينة النجف؟ فإنّها تكون أقرب إلى الصدق والحقائق الواقعيّة الفعليّة.

وهذه الطريقة يجب أن يُكرّس استعمالها بالنسبة إلى الوضعيات المختلفة والملابسات المتباينة التي تستعمل فيها هذه الطريقة.

ولكن هذا لا يعني أنّنا يجب أنْ نهجر هذه الطريقة لأنّها تحتوي على هذه النقائص؛ لأنّ لكلِّ شخص حياة شخصية باطنية ولا يمكن التوصّل إليها إلَّا بهذه الطريقة بالذات.

والدراسات التي تقوم على افتراض أن الناس كلّهم لهم خُبر ونفسيات 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

مثل خُبرنا ونفسياتنا تكون خاطئة، فالخُبر وردود الفعل بين الأفراد مختلفة جدّاً؛ وعلى هذا الأساس تقوم فئة من الباحثين يعتبرون الُخبر التي يعانونها قانوناً عامّاً على الناس(1).

طريقة التعاطف في الاستبطان(كولي): 

 نشط بعض الباحثين إلى ضرورة تجنب بعض نقاط الضعف فيها؛ وذلك عن طريق استعمال ما يسمّيه كولي بـ(التعاطف النفوذي) أو (الاستبطان التعاطفي).

في هذه الطريقة أنّ الباحث يدرب نفسه على أنْ ينزل نفسه منزلة الآخرين أي أنّك تستطيع أن تستبطن في هذه الطريقة التي يرتئيها كولي بمعنى: أنْ يتجنّب الباحث نقائص طريقة الاستبطان.

ولكن إذا ذكرنا عيوب هذه الطريقة في الإنسان يستبطن نفسه، فكيف بالباحث إذا استبطن شخصاً آخر، فهو معرّض إلى هفوات واستنباطات خاطئة مهما تدرّب ومهما بلغ من المهارة. 

طريقة التفاعل العقلي (ماكس فيبر) 

يرتئي (ماكس ڤيبر) طريقة معيّنة في الاستنباط تسمّى (Eympathy)، فما هو معنى هذه الكلمة؟ ولماذا استعمل (ماكس) هذه الطريقة؟

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() قد فرغ العلماء من التأكيد على أنّ الظواهر اجتماعية وليست نفسية. الصنف العلمي يكمن في استنباط التعاميم من خبرتنا الذاتية. وطريقة الاستبطان. (المحاضر). (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 (ماكس) حين يتكلّم عن العمل الاجتماعي أو (الفعل الاجتماعي) فهو يتكلّم عنه حين يقوم به رجل عاقل يملي عليه عقله. التفاعل الاجتماعي هو تفاعل بين كائنين عاقلين، فالفعل الاجتماعي هو عمل يمليه العقل وقوامه التفهّم والروية والتدبّر.

لماذا نهج (ماكس ڤيبر) هذا النهج؟ ولماذا يرى أنّ التفاعل الاجتماعي بين الناس تفاعل عقلي فقط؟

التفاعل الاجتماعي عند الآخرين ليس عملاً عقلياً فقط، بل هناك مستويات عاطفية ولا شعورية وماكس ڤيبر يقصر على المستوى العقلي فقط.

إنّ مفكّري القرن التاسع عشر بعد أنْ وجدوا أنَّ المفكّرين يصورون الإنسان عقلياً محضاً وبعضهم أن الإنسان غير عقلي إطلاقاً، (فماكس فيبر) لا ينكر أنّ الإنسان تسيّره بعض العوامل اللاشعورية والعواطف، ولكنّه يرى من الصعب أنْ يدرس هذا الكائن البشري على هذا الأساس، فهو يعمل على أساسٍ عقلي وغير عقلي. ويجب أنْ يفترض الإنسان على أنّه عقلي خالص حتّى إذا قارنّا الإنسان الفعلي على الإنسان المفترض نجد هناك حيود بين الجهتين، وهذا الحيود يرجع إلى الأسباب الأُخرى غير العقلية اللاشعورية.

ويذهب (ماكس ڤيبر) من ناحية طريقة البحث إلى أنّ الإنسان العقلي افترضه علماء النفس، وعلماء الاقتصاد، وأنّ الإنسان يشتري أحسن ما يمكن بأقلّ ما يمكن من ثمن والعكس بالعكس. فالأسباب التي دعت ماكس ڤيبر لهذا الافتراض على اعتبار أنّ هذا الكائن العقلي (.). وأنّ فلان وفلان عاقلان 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والباحث عاقل فسوف يعرف المراحل المنطقية فيقصّه الباحث ويعرف حقيقته.

فلأجل دراسة العمل الاجتماعي عند (ماكس) يجب أنْ نقتصر على أنّه عمل عقلي صرف، أمّا الأعمال التي دون هذا المستوى فليست لعلماء الاجتماع.

فيجب أنْ يدرسوا الأعمال على أنّها عقلية، فإذا حادت فلا بُدّ أنّ هناك نزوات تتحكّم.

والطريقة التي يدعون إليها هي استبطان عقلي فقط، استبطان للمستوى العقلي، فـ(Eympathy) هي استبطان المستوى العقلي للأعمال الاجتماعية على حدّ تعبير (ماكس ڤيبر).

ويعتبر أنّ الباحث يتمكّن من أنْ يوحّد نفسه مع الآخرين، ويتمكّن من أنْ يدمج نفسه ككائن عقلي في مَن يدرسه دمجاً نفسانياً على مختلف المستويات العقلية؛ حيث إنّ هذا الدمج يمكّنه من تسجيل ما يشعر به وهو عن طريق الاستبطان نفسه أيضاً؛ لأنّ الباحث أصبح هو المبحوث عنه.

فائدة هذه الطريقة تتوقّف على مقدار خُبْر الباحث واطلاعه وفطنته وكفاءته في تفسير ما يسمّى بالمفاتيح الشعورية أو الدلائل الشعورية، وذلك كالمتجهّم وجهه فهو يساعدك على أنْ تنزّل نفسك منزلة هذا الفرد.

هذه معالم كثيرة وعلائم موضوعية خارجية من قبيل ملامح الوجه وتغيّر نبرات الصوت وحدّته ولهجته، وحتّى من حركات العين وحدّتها وهيئة الفم تختلف باختلاف الحالات الانفعالية المختلفة.

طريقة الاستبطان التعاطفي لا تخلو من مخاطر الوقوع في الأخطاء ولكنّها 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

تؤدّي إلى فرضيات -على الأقلّ- لاختبارها بطرائق أُخرى قد تكون أكثر نفعاً.

هذه هي طريقة الاستبطان، وهذا التفكير هو تفكير ألماني في الأصل، ومنهم (شلرماكس) و(شلك) واكتسبها الأميركيون منهم.

2. طريقة الملاحظات غير المضبوطة

طريقة أُخرى من طرائق البحث، وهي الطريقة الوحيدة للروّاد الأوائل في كلّ موضوع اجتماعي. والناس كلّهم في الواقع يستندون إلى ملاحظاتهم الشخصيّة في الاجابة على أسئلة نفسية كثيرة.

ولكن مَن يجيب على أساس مضبوط يختلف عن ذلك الذي يحاول أنْ يعمّم من ملاحظات عابرة غير دقيقة ومن معلومات بسيطة وغير وافية، فالأوّل تكون تعميماته أدقّ وأكثر علمية، ومعلوماته أنفع من النوع الثاني الذي تنقصه المعلومات وتكون معلوماته عابرة ويحاول أنْ يعمّم مثل هذه المعلومات، والثاني تعوزه الدلائل والبراهين العلميّة للتدليل على صحّة تعاميمه، في حين أنّ الأوّل في مركز أفضل من الثاني من هذه الناحية.

خلال التاريخ نجد كثيراً من المفكّرين ملاحظاتهم عابرة، إلَّا أنّ فيها كثيراً من الاستبصار؛ فلقد أشار بعض الكتّاب المختلفين في هذه المواضيع إلى آراء كانت صادقة ومعبّرة تعبيراً علمياً دقيقاً عن بعض الحوادث أو السلوك الإنساني أو ما شاكل. 

وما يتصّل بـ(.) والفكر من هؤلاء: (افلاطون) و(ديكارت) و(هوبس) و(وليم جيمس) ومنهم (گوته) وآخرون كثيرون، كانوا دقيقي الملاحظة في 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

بعض الوجوه بحيث إنّ بعض آرائهم حول السلوك والطبيعة البشرية حصيفة وبعض تفاسيرهم موفّقة.

ولكن هذه الاشارات هي تدلّ على أنّ الملاحظة الموضوعية بسلوك الناس أجدى بكثير من تساؤل الناس عن أفكارهم أي: طريقة الاستبطان؛ إذ الطرائق الموضوعية أفضل بكثير من طريقة الاستبطان والطرائق الذاتية الأُخرى.

نقد طريقة الملاحظات غير المضبوطة

وهذه الملاحظات الموضوعية تتصّف بنقص كبير فيما إذا كانت غير منظّمة وعابرة متناثرة، ولا تربطها خطّة ولا تهدف إلى هدف؛ لأنّها قد تكون تتعلّق بأشخاص لا يمثّلون مَن نريد دراستهم؛ لأنّهم لا يصلحون أنْ يكونوا نموذجاً للجماعة التي هي موضوع الدراسة، من قبيل: أنّي أُريد أنْ أدرس أبرز شخصيّات أهل العمائم، فإنّي إذا أردتُ دراسة هذا الموضوع يجب أنْ أعثر على نموذج من طبقة أهل العمّة بطريقة يُقال لها الطريقة العشوائية، بحيث إنّ هذا النموذج الذي أعثر عليه يدلّني على خصائص أهل العمائم ويكون نتيجته تصدق على كلّ فرد معمّم.

لأجل أنْ تكون النتائج تصدق على كلّ الأفراد يجب أنْ يكون الأفراد المدروسون نموذجاً ولا يكونوا نخبة لهم خصائصهم المشتركة التي لا تمثّل المجموع.

ويجب أنْ يمثّل مجموع السكّان الأكبر -وهو مجموع الجماعة المدروسة- النموذج الممثِّل الذي تطبّق أوصافه على كلّ الجماعة وخصائص السكان الأكبر.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

واستحصال النموذج الممثِّل يكون بالطريقة العشوائية، فتستحصل بها على النموذج العشوائي، وهو أن آخذ من مجموع خمسين -مثلاً- فرداً واحداً من دليل التلفونات -وهذه المجموعة عمياوية- فيحصل (لملوم) يمثّل كلّ السكّان الأكبر لأهل التلفونات. ومعنى ذلك أنّ النتائج فيها احتمال كبير (99%) تصدق على مجموع الجماعة المدروسة.

فالملاحظات العابرة هي غير مستنتجة من هذا النوع. أمّا الملاحظات غير المضبوطة أو الملاحظات غير المنظّمة فقد تكون جمعت في أوقات غير منظّمة وغير مجموعة في إطار واحد، وقد تكون في أوضاع مختلفة، أو التعاميم المستخلَصة من الاتصالات العابرة يكثر فيها التعرّض للأخطاء.

وإنّ مثل هذه التقارير قد تتعرّض لما تتّصف به الذاكرة من نقاط ضعف وعدم دقّة في التذكّر. يضاف إلى ذلك أنّ مثلها قد تكون متأثّرة بالتعصّب اللاشعوري الذي يَدَّسسَ إليها من غير قصد.

كلّ الناس يقومون بملاحظات غير علمية، غير أنّ القليل منّا هم المدرَّبون تدريباً علمياً دقيقاً ويتمكّنون من أنْ يضبطوا ملاحظاتهم مكوّنين نتائج تدعمها أسانيد من الملاحظة.

إنّ جمع الملاحظات بأيّ طريقة -على أنّها ملاحظات- قد تكون أساسية وجيّدة لكنّها صالحة لتكوين بعض الفرضيات أو لإعطاء بعض الدلائل التي يمكن اختبارها بطرائق أُخرى أكثر علمية من هذه الطريقة.

فنستطيع فحص صحّة هذه الفرضيات المستخلصة من ملاحظات عابرة 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

تكون دلائل لتكوين فرضيات (الفرضية وهم من الأوهام ينقلب إلى حقيقة إنْ ساندته الوقائع).

ونعيد اختبار الفرضيات مكرّراً، وإذا وجدناها وقائع حقيقية فتعمّ الفرضية وتكون سناداً علمياً لغيرها من النظريات العلمية التي هي أوسع مدى وأكثر تعقداً وأعلى في سلّم الحقائق العلمية.

وهذه الطريقة -الملاحظات غير المضبوطة- لا تهدي إلَّا إلى تكوين الفرضيات، نظير مسافر يريدون ملاحظاته بعد انتهاء سفره، فهو يعتمد على ذاكرته وقد ينسى مضافاً إلى أنّه قد مرّ بها مرّاً عابراً.

3. طريقة الملاحظات المضبوطة أو المنظمة

والفرق بينها وبين غيرها:

إنّها لا تختلف عن الملاحظة غير المنظمة اختلافاً نوعياً، وإنّما من حيث الدرجة فقط. فهي تهدف إلى هدف علمي وترتبط بخطّة ويُجمع فيها المعلومات ذات العلاقة بموضوع البحث.

فالباحث الذي يريد أنْ يدرس الرأي العام وطبيعة العوامل المؤثّرة فيه وأثره وكيف يتبلور. فالباحث لا يمكنه أنْ يدرس دراسة علمية من انطباعات عابرة حوله، بل هو مضطر إلى البحث والاستقصاء وأنْ يدرس نموذجاً ممثِّلاً من الناس. كما أنّ الباحثين الذين يدرسون الطفل وسلوكه الاجتماعي منظمّين ملاحظاتهم في مختلف الأوضاع الذي يكون فيها الطفل. 

يعمل الباحثون على تحقيق كلّ ما يتطلّبه البحث العلمي. ويتوخّى الباحثون 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أنْ يدرسوا الأطفال من وراء حجاب شفاف يرون الأطفال ولا يرونهم ليكونوا في وضعية طبيعية حتّى لا يؤثّر وجود الباحثين على سلوك الأطفال.

الباحثون على حركة (التسلّح الخلقي)، الحركة الخلقية حركة اجتماعية من علم السلوك الجمعي.

مجموعة من الباحثين يريدون دراستها، يجب أنْ يجمعوا ملاحظات منظمة حول هذا الموضوع، كحضور الاجتماعات ودخولها كأعضاء إن أمكن؛ لأنّك لا تستطيع دراسة الجماعة وأنت خارج عنها، فكيف أدرسها وأنا خارج عنها؟

الملاحظة بالمشاركة: 

رأى علماء الاجتماع أنّ معلومات منظّمة دقيقة حول البحث من هذا النوع تستلزم أنْ يكون الباحث مشتركاً وملاحظاً في نفس الوقت، فيعرف سلوك الأعضاء من الداخل في المؤسّسة. 

وليس من السهل أن يكون الشخص مشتركاً وملاحظاً في وقت واحد. وتسمّى ملاحظة المجال، ويسمّيها البعض الملاحظة بالمشاركة 

و هذه كلمة بالإنكليزية تعني (المشترك الملاحظ) والملاحِظ يبحث الحركة من داخلها، يخالط أقطابها، يقرأ ما يقرأون ويشترك في مناسباتهم الاجتماعية. فالمدرَّب على الملاحظة العلمية يذهب إلى ملاحظاته إلى أبعد من ذلك، فيكشف مواقف الأعضاء والقادة نحو السياسة أو يطّلع على ما يفضّلونه من المذاهب والمناحي السياسية ويعرف أعمارهم، وأنّهم في أيّ المراحل العمرية، ويتعرّف على دياناتهم.

ــــــــــ[96]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ويتمكّن من التعرّف على مستوياتهم الثقافية ومراكزهم الاجتماعية، وعلى مواردهم الاقتصادية، ويتمكّن من أنْ يعرف ما يفضلون من الصحف ومناهج الراديو. فهذه الوجوه يهتمّ بدراستها علم الاجتماع ؛ فهو يدرس هذه الوجوه ليتمكّن من إيجاد الترابط بين آراء الأعضاء والعوامل المؤثّرة في هذه الحركة الاجتماعية.

والباحث الذي يودّ أنْ يستقصي سلوك الأطفال behavior فهو مضطرّ إلى أنْ يجد العلاقة بين المحيط البيتي للأطفال وبين سلوكهم في الروضة.

نماذج الملاحظة المنظمة: 

هناك أمثلة كثيرة وشواهد للملاحظات المنظّمة العلمية، ولعلّ أبرزها الدراسة التي أسهم فيها كثير من العلماء والتي تقوم على أساس طريقة دراسة الحال أو التأريخ النموي، وهي تبيّن لنا أهميّة طريقة الملاحظات المنظمة وصعوبة القيام بها.

درسوا الأطفال من أوّل أعمارهم إلى عشرين سنة من العمر دراسة متيقّنة تسمّى (دراسة نمو المراهقين في كاليفورنيا). وهذا النوع من الدراسة تقوم على طريقة الملاحظات المنظّمة وجمع المعلومات منذ لحظة ميلاده إلى أنْ بلغ عشرين سنة. 

الملاحظات المنظّمة: منظّمة حول هدف، فهو مرهف الإحساس حول كلِّ ذي علاقة، أمّا غير المنظّمة فلا. المفروض في الباحث أنْ يتجرّد من كلِّ سوابقه وتحيّزاته الذهنية وعصبياته وإلّا فتكون الحقائق كما يريدها لا كما تريدها الحقيقة.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أ. انموذج دراسة النموّ

 الملاحظات المنظمة: هناك دراسة على هذه الطريقة و(استعملتها)، وهي تسمّى (دراسة نموّ المراهقين في كاليفورنيا). هذه الدراسة أُجريت من قبل مجموعة من الباحثين على أساس هذه الطريقة، درس فيها حال الأطفال منذ الولادة إلى عشرين سنة من العمر.

وهي صعبة جدّاً في دراسة تفصيلية على عدّة أشخاص وفي مدّة طويلة تتبع فيها انتقال حياة هؤلاء الأطفال، وهي طريقة دراسة الحال خلال عشرين سنة من العمر.

الهدف الأساسي لدراسة الحال، إحدى طرائق أُسلوب الملاحظات المنظّمة، هو الإطلاع على المؤثّرات المهمّة، سواء كان ماضي أو حاضر تلك المؤثّرات التي أثّرت ولا تزال تؤثّر في الفرد.

على الباحث في استعمالها أنْ يقوم بجمع المعلومات عمّا يدرس، سواء منها ردود الفعل الذاتية وسجّلات المرضى أو درجات الامتحان وسجل حضوره وغياباته وتواريخ اشتغاله في أيّ مهنة، وآراء الآخرين عنه كأقربائه وجيرانه والذين اشتغل عندهم. كما يجب أنْ يكون الباحث ماهراً وفطناً في تمحيص المعلومات.

وعلى الباحث أنْ يكتشف مدى صدق هذه المعلومات؛ لأنَّ البعض يكذبون في معلوماتهم، كما أنّ الباحث يجب أنْ يكون ماهراً بنوعية الأسئلة التي يوجّهها إلى جملة هذه المصادر لاستحصال المعلومات ومدرك أهمّ 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

المعلومات التي يجب أنْ يتوفّر الحصول عليها من هذه المصادر للوصول إلى النتيجة.

هذه الطريقة تستعمل في العلوم الاجتماعية، وخاصّةً في موضوعٍ تطبيقيٍّ معيّن هو حقل (الخدمة الاجتماعية) التي لها ربط بعلم الاجتماع.

هذه الطريقة من أهمّ اختصاص المشتغلين بالخدمة الاجتماعية خاصّة الأمراض العقلية؛ لأنّها ذات تأريخ.

فـ(.) فهو مرض ذو تأريخ، ولأجل التعرّف على مراحل المرض يجب على الباحث استعمالها، وهناك مختصّون لها في تتبّع تأريخ الأمراض العقلية Disease. وهم في حقل الخدمة يجب أنْ يكونوا مدرّبين في علم النفس والاجتماع تدريباً عيادياً.

إنَّ هؤلاء يهيئون من قبل علماء الاجتماع، سواء من ناحية الطريقة أو المعرفة؛ لأنَّ موضوع الخدمة يقوم على نتائج بحوث علم الاجتماع.

ب. انموذج دراسة الحال 

طريقة تأريخ الحال وجه من وجوه الملاحظة المنظّمة، وهي سجل نوعي للحوادث التي تتّصل بموضوع البحث، سواء كان إنسان أو حركة اجتماعية أو مؤسّسة اجتماعية. ولكن هذا لا يعني أنّ الباحث لا يجوز له أنْ يستعمل الناحية الكميّة من مواضيع البحث، فالباحث قد يلتجئ إلى دراسة الكميّة.

والقيام بتكوين تأريخ الحال يتطلّب ما يتطلّبه من قابلية على التفسير؛ لأنّ الباحث لا يمكن أنْ يكتفي بتجميع المعلومات والحقائق، ولكن يجب أنْ 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

يعرف كيف يفسّرها وإلَّا (.) فهو غير قادر. ولذلك كان من الضروري أنْ يكون مدرّباً جيّداً.

[فتاريخ الحال] تشير إلى إنمحاء الفواصل بين علم الأمراض النفسية والعقلية من ناحية وبين علم النفس العيادي من ناحية أُخرى. وهو ذلك الفرع الذي يعنى بتشخيص الأمراض النفسية وتعيين أساليب العلاج.

استعمال هذه الطريقة أصبح دليلاً على انمحاء الفواصل بينها؛ حيث إنّ الباحث في أيّ موضوع يحتاج إلى تدريب وخبرة في هذه الأمور، ومعرفة علميّة في هذه الحقول الثلاثة.

4. طريقة التجريب 

حركة التجريب في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي خاصّة ليست قديمة ولكنّها بدأت في هذا القرن سنة 1920، وبدأت من قبل علماء النفس الاجتماعي.

كانت هذه الحركة حركة نشطة ولكن علماء النفس الاجتماعي يختلفون مع علماء النفس حول التجريب وفائدته، حيث يعتقد بعضهم أنّ الملاحظة الدقيقة كافية، ويعتقد آخرون أنّ التجريب يختلف في النوع وليس في الدرجة فحسب؛ لأنّ التجريب عندهم يعني ضبط العوامل المتغيّرة وهو لا يوجد في طريقة الملاحظة.

وأهمّ ما يُعتبر في طريقة التجريب هو أنْ تضبط وضعية التجريب وأنْ يتحكّم في ضروبها، فكلّ ما يحدث يجب أنْ يُفسّر تفسيراً له دلالته، وتضبط 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

العوامل المتغيّرة بحيث تبقى ثابتة ما عدى عامل واحد ينشد الباحث معرفة آثاره في موضوع التجربة.

التجارب الدقيقة من هذا النوع يصعب استعمالها في أكثر وجوه علم النفس الاجتماعي؛ لأنّ التجربة تكون دقيقة بمقدار ضبط العوامل المتغيّرة التي تتحكّم في التجربة؛ ولأنّ بعض التجارب لا يمكن معرفة أثر العوامل المتغيّرة فيها لذا أصبحت صعبة الاستعمال.

دراسات في طريقة التجريب 

ولمّا كانت بعض الميادين لا تعرف كلّ عواملها المتغيّرة أصبحت التجربة صعبة من قبيل السلوك الجماهيري. وهو وجه من وجوه علم النفس الاجتماعي، والوجه الثاني هو العامل الذي يكون فيه الفرد شخصاً.

وذلك كجمهور التعذيب أو الجمهور الانتقامي، فضبط العوامل التي تفعل في هذا السلوك مستحيل، فطريقة التجريب فيها يجعل استعمالها أمراً من الصعوبة بمكان؛ لأنّ هذا السلوك يتغيّر باللّحظات؛ فعدد المشتركين، معرفتهم، سببه، درجة حماسهم، دخول أعضاء جدد ونوعيّتهم، وغير هذه العوامل التي لا يمكن ضبطها.

وكذلك إحداث موجة رعب جمعي، من قبيل -مثلاً- عالم فلكي يأمر الناس بالخروج من هذه المدينة؛ لأنّه سيحدث خسف فيحدث رعب عند الناس بأسباب عمليات معيّنة.

والرعب الجمعي الذي يشتّد كلّما أستمرّ بتأثير عمليات معيّنة يدرسها علم السلوك الجمعي. هذا النوع من الرعب العامّ من مواضيع علم النفس 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الاجتماعي، واخضاعه للتجريب من الصعوبة أنّه في حكم المستحيل، ولكن هذا لا يعني أنّ هذه الطريقة لا يمكن استعمالها مطلقاً في المواضيع الأُخرى؛ لأنّ كثيراً من المواضيع يمكن دراستها بهذه الطريقة.

وهذه الطريقة قد تؤدّي إلى نتائج دقيقة وقد تؤدّي إلى التنبؤ بحدوث حادثة في المستقبل، خاصّة إذا استعملت استعمالاً علمياً صحيحاً في دراسة علم النفس الاجتماعي.

الدعاية والرأي العامّ: 

من قبيل مثلاً أنّنا نريد أنْ نعرف أثر الدعاية في (الرأي العام)، وظواهر السلوك الجمعي تتميّز بالتلقائية وشيوع عاطفة خاصّة، وفي هذا المثال يتصّف بالخاصيّتين.

ما يعني بالرأي العامّ هو ليس مجموع الآراء وإنّما يثار ويحدث على أثر حدوث حادثة أو أمر من الأُمور لم يألفه الناس في حياتهم الاعتيادية، فيكون مثاراً للنقاش من قبل ذوي المصالح ولهم ارتباط بهذه الوضعية. وكلّ جماعة منهم تحشّد كلّ قواها وجهدها إلى الأُسلوب الذي ترتئيه هذه الجماعة المصلحية؛ لأنَّ الجماعة المصلحية التي يلفها تيار الحادث هي كثيرة ومتنوعة وليس مصالحها بطرق متفاوتة.

وهذه الجماعات كثيرة ومتفاوتة ومتنوعة؛ لأنّها تريد أنْ يحلّ على وجه معيّن، وهناك جمهور متفرّج لا تربطه مصلحة ولا يهمّه أيّ حلٍّ من الحلول التي تقدّم ذكرها.

فتعمل المناقشة الديمقراطية التي من خصائصها حرية النقاش.

ــــــــــ[102]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وهذا النقاش ينطوي عن ظاهرتين:

  1. تفنيد حجج الخصم.
  2. أنّ كلّ طرف من الأطراف يحاول بقدر جهده أنْ يجتذب أكبر ما يمكن من هذا المجموع المحايد غير الداخل في النقاش.

فالرأي العام هو محصّلة الآراء المتباينة المتعارفة التي تسهم في أنّ آرائها أحسن الأساليب وضمناً تفنّد الآراء الأُخر.

فهذه العملية من أهمّ خصائصها الأخذ والرد، والنتيجة أنْ يتبلور رأي ليس هو مجموع الآراء وإنّما هو حصيلة كلّ الآراء. فالجماعات تختلف في قوّتها في التأثير.

والرأي العامّ هو محصلة الآراء التي تتمخّض عنها عملية الأخذ والردّ وتدخل عوامل أُخرى تتحكّم في أخذ أحد الرأيين.

وهو رأي المحصّلة في الفيزياء، بفرضنا عندنا سطحين وعليه حبل وتشدّ به ثقل من طرفيه، فهو يُشدّ من طرفيه، فالقوّة المحصّلة هو أنّ الحبل يجرّ إلى الأسفل.

أُنظر الشكل: 



في هذه الظاهرة أنّ الدعاية تدخل في هذا الموضوع؛ لأنَّ هذه النقاشات المختلفة على طريقة حلّ هذه الوضعية المشكلة، فالدعاية أُسلوب من أساليب الأخذ والردّ.

ــــــــــ[103]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أُسلوب التأثير 

لنفرض أنّنا نريد أنْ نعرف إلى أيّ حدٍّ تتأثّر آراء الناس بالدعاية، نختار نموذجاً ممثلاً من الناس أو نموذج أيٍّ كان من قبيل صفٍّ في كلّية أو أعضاء نقابة أو أعضاء في نادي نسوي، تعطيهم أسئلة معيّنة تدور حول بعض الأُمور الراهنة، بعد الإجابة الباحث يقسم الجماعة إلى قسمين، قسم يعرضه للدعاية بخصوص الموضوع الذي دار حوله البحث والآخر لا. والدعاية إمّا تكون سلباً أو أيجاباً، وتعرضهم للدعاية بأساليب وطرق شتّى، ثمَّ يجمع القسمين وتعطى نفس الأسئلة أو مثلها.

فالأجوبة سوف تختلف في النصف الذين عرضوا للدعاية أمّا الذين لم يعرضوا للدعاية، يسمّون (جماعة الضبط) فستبقى أجوبتهم ثابتة.

معنى جماعة الضبط 

ومعنى جماعة الضبط: مرَّ في الأبحاث السابقة أنَّنا ميّزنا بين نوعين من العوامل، فنوع يسمّى (العامل المتغيّر المستقل)، وتوجد عوامل أُخرى تدخل ضمن مواضيع البحث تسمّى العوامل المتغيّرة التي يتوقّف التغيّر فيها على تغيّر العوامل المتغيّرة المستقلّة (.) فالبحوث في العلوم كلّها كذلك.

جماعة الضبط: الذين يستخدمون في البحوث التجريبية لتسوية آثار العوامل المتغيّرة المستقلّة المختلفة في التجربة ماعدا عامل واحد.

مثال ذلك: المساحة= الطول العرض: فإذا زاد العرض أو قلّ حدث تغيّر في الطول سلباً وايجاباً، فالعامل المتغيّر المستقلّ هو العرض والمساحة هي التي تتغيّر تبعاً للعامل المتغيّر المستقل.

ــــــــــ[104]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ونفس هذا المنطق يستعمل في الطريقة التجريبية، فإذا كانت العوامل كثيرة فكلّ تغيّر في أحد العوامل يحدث تغيّراً في النتيجة.

فإذا أردنا أنْ نعرف أثر أحد هذه العوامل في النتيجة فنثبت كلّ العوامل إلَّا هو، فنكتشف في كميّة أو نوعيّة أثره في النتيجة.

ففي علم النفس الاجتماعي في هذا المثال ودراسة طريقة التجريب نحاول أن ننقل نفس المنطق إلى التجربة: فالعامل المتغيّر المستقلّ هو الدعاية، والآراء هو العامل المتغيّر الذي يتوقّف تغيّره على تغيّر الدعاية. فقسمنا الصفّ إلى قسمين وعرضنا بعضهم إلى الدعاية وجمعنا الأسئلة من جديد مرّة أُخرى، والآراء تغيّرت في النصف المعرَّض للدعاية.

معناه أنّ الدعاية هي العامل المتغيّر المستقلّ، وأنّ الآراء هي العامل المتغيّر الذي يتوقّف فيه التغيّر على تغيّر الدعاية.

وأمّا جماعة الضبط: هي التي يثبت العامل فيها، وقد ثبّتناها بطريقة أنّ الجماعة غير المتأثّرون بالدعاية، فلأجل تسوية كلّ العوامل التي تأثّر بها المجموع سواء المعرض للدعاية وغيرها. فجماعة الضبط تقوم بها جماعة الضبط (كذا) للدلالة على أنّ الجماعة التي تأثّرت بالدعاية يمكن أنّها غيّرت آرائها بغير الدعاية. وكان يلزم أنْ تلك العوامل تؤثّر في جماعة الضبط أيضاً.

مشكلات التجريب 

ومع هذا فإنّ الباحث لا يستطيع الجزم بأنّ الدعاية تؤثّر في تكوين الرأي العامّ ؛ لأنّه لم يجرِها إلَّا على عدد محدود من الناس، أي: يجوز أنّه قد أجرى 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التجربة على الأناث فقط أو المراهقين فقط أو في بلدة دون بلدة.

ولأجل أنْ يكسب النتائج خاصيّة التعميم يجب أنْ يتّبع:

  1. إمّا أنْ ينتخب نموذجاً ممثلاً، وعليه أنْ النتائج تصدق على الجميع.
  2. أو سيعيد التجربة في مختلف الوضعيات والجماعات التي تختلف من ناحية العمر والجنس والذكاء والمركز الاجتماعي، وعلى أناس ذوي أُمور اقتصادية مختلفة وهكذا.

كلّما أعدنا التجربة على جماعات سوف تختلف النتائج من ناحية العمر والذكاء والجنس والمركز الاجتماعي؛ لأنّ آراء الطبقات تختلف باختلاف الطبقات، وعلى أُناس ذوي مستويات معاشية مختلفة، وعلى أُناس من محلّات جغرافية مختلفة. فإذا توصّل الباحث إلى نفس النتيجة في كلّ هذه الحالات، فإنّه يستطيع أنْ يجزم أنَّ النتائج التي توصّل إليها تصدق بوجه عامّ على جميع الناس في المنطقة.

التجاريب من هذا النوع صعبة جدّاً، فكم يحتاج إلى جماعة مساعدين ومصاريف كثيرة ونتائجها مختلفة تهمّ مختلف الناس.

نقاط قوة طريقة التجريب

فهذه الطريقة علمية -وطبعاً تُبذل جهود من أجل التوصّل إلى نتائج علمية، فلا يرى العلماء ما تراه من المصاعب والمثبطات في استعمالها- ولكنّها لا تخلو من نقاط ضعف في بعض الأحيان. نذكر محاسن طريقة التجريب ثم الانتقادات التي وجّهت إليها:

ــــــــــ[106]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

  1. أنّها على ما يرى العلماء بتعدّد احتمال تدسس التحيز الشخصي إلى نتائج البحث إلى حدٍّ كبير، فتكون النتائج أكثر موضوعية من النتائج التي يتوصّل إليها من الطرائق الأُخرى.
  2. من محاسنها هو أنّها وحدها تمكّننا من استقصاء أثر عامل واحد من العوامل المتغيّرة المستقلّة التي تؤثّر في موضوع البحث.
  3. من محاسنها هو أنّها تمكّننا من اخضاع التجاريب لاعتبارات (كميّة) لو أردناه نحو مدى تأثير الدعاية في الرأي العام. ومعناه أنّها يمكننا التعرّف على وجود هذا التغيير واتجاهه ومداه.

وهناك تجاريب كثيرة في ما يسمّى (اختبارات الرأي أو استطلاعات المواقف) وهو وجه من وجوه علم النفس الاجتماعي، وهي خاضعة إلى هذه الطريقة إلى حدٍّ كبير.

عيوب طريقة التجربة: 

 ومع كلّ هذه الميزات التي تتّصف بها الطريقة التجريبيّة فهناك جماعة من علماء النفس الاجتماعي يعتقدون أنّ هذه الطريقة ذات عيوب، منها:

  1. أنّ التجريب شيء مصطنع ونحن نريد أنْ ندرس المواضيع من ناحية طبيعية، فإخضاعها للتجربة البحث تغيّرها؛ فالنتائج تصدق على الموضوع من ناحية إخضاعه للتجربة كدراسة الأطفال ولعبهم، فإخضاعهم للتجربة يستوجب التكلّف، وليس في وضعية طبيعية إذا أدرك الأطفال أنّهم ملاحَظين. وهذا الانتقاد يجري على علم الحيوان أيضاً.

ــــــــــ[107]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فالنتائج تخصّ الوضعية المعيّنة التي أُجريت فيها التجربة فقط. فهذه النتائج لا تصدق على السلوك، فهي مشكوك في صحّتها(1).

ما يُؤخذ على استعمال هذه الطريقة ضمن إطار المثال السابق حول تأثّر الرأي بالدعاية(2):

  1. هو ما يتّصل باستعمال معايير أو اختبارات الرأي. يشكُّ بعض الباحثين في صحّة معايير الرأي على أساس أنّها تكون مبنية على أُسس غير صحيحة أو غير صريحة، من قبيل: مثلاً استحصال الرأي بطريقة الاستبطان، فالاختبارات التي تقوم على هذه الآراء غير مبرّرة علميّاً وغير صحيحة؛ لأنّك قد تسأل الناس ولكنّهم لا يجيبونك جواباً صحيحاً.

إنّ هؤلاء النقّاد لهذه الناحية يشكون في قابلية هذه المعايير والاختبارات 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() قال الدكتور في جواب على سؤال وجّه إليه حول الرأي العام:

الرأي العامّ: هو الرأي الذي ينتهي إليه عمل المجموع وإنْ لم يكن رأي جميع فئاته؛ إذ الرأي العام ليس هو رأي الجميع إطلاقاً. وقد يكون رأي جماعة صغيرة متحكّمة، وفي مرحلة العمل يحمل المجموع كلّهم عليه، وإن لم يكن رأيهم وهو نتاج إسهام أفراد المجموع. وهو عام لأنّه نتاج إسهام عام ونتاج تفاعل المجموع مع بعضهم وذلك يكون في المجتمعات الديمقراطية لا إلزام ولا رشوة ولا غيرها، والدعاية تحشد العواطف فتغلب الجبهة التي هي أبرع في استخدام الدعاية. الدعاية قد تؤثّر أثراً سلبياً في العواطف. (المحاضر). (المقرِّر).

() انتهى القسم الصباحي وهذا هو القسم العصري،. مضت نقاط القوة في طريقة التجريب. (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وإمكانيتها على التعبير عن الفروق النوعية في هذه الآراء بطريقتها الكمّية؛ لأنّ معايير الرأي تعمل لنا ميزان: أنّه كذا من الناس يستهجنون الديمقراطية، ولكن لماذا؟ فهذا لا يقوّم به الميزان؛ لأنّ العوامل والوضعيات تختلف ومقدار الاستهجان لا يقوّم هذا الميزان.

  1. تأثير الوضعيات الاجتماعية المختلفة في سلوك الفرد. من المواضيع البيّنة عند علماء النفس الاجتماعي أنّ وضعية الجماعة التي ينتمي إليها الفرد تُؤثّر في آراء الأفراد التي تتكوّن منهم الجماعة في مختلف الأمور، وخاصّة في الأُمور التي هي موضع نقاش بين هؤلاء الأفراد.

وعامل تأثّر الفرد بالجماعة في المثال الذي سبق لم يُحسب له حساب، ونحن تتبعّنا فقط الدعاية وتأثيرها في الرأي.

  1. ينصبّ على ما يسمّى بـ(تغيّرات الرأي) إعطاء الناس اختبار في الرأي قد يسوقهم إلى التفكير ثانية في آرائهم، ممّا يُؤدّي إلى تغيّرها أثناء الإجابة على الأسئلة؛ لأنّ الإنسان يقوم بعملية الاستبطان قبل أنْ يُجيب، فإذا أجاب الإنسان عبّر عن رأي واحد من الآراء التي تمرّ في فكر الإنسان أثناء الاستبطان، فليس هو الرأي قبل الاختبار، ولا هو رأي ثبت عليه الإنسان، وإنّما هي أفكار عابرة في عمليّة بلورة الرأي.
  2. الموقف تجاه الباحث نفسه، وهو الذي يُجري التجربة على بعض الأفراد الذين تجري عليهم التجربة، قد يرون التعاون مع الباحث، وآخرون يأبون أنّ يكونوا موضوعاً للتجربة، فلا يحب أنْ يتعاون مع الباحث فيجيب أجوبة كاذبة 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ويحاول إفساد التجربة، والمتعاون معه يحاول إرضاء الباحث على حساب الحقائق العلمية. فتكون المعلومات حينئذ غير صحيحة.

  1. تتّصل بذكاء مَن يجري عليهم البحوث، فالبعض قد يكونون من الفطنة أنّهم يدركون غاية الباحث سلفاً، بينما لا يدركها الآخرون. وهذا الإدراك قد يؤدّي إلى تغيير الآراء سلباً وايجاباً، فيعطي رأياً معاكساً للرأي الذي يريد الباحث أنْ يبرّره ويصحّحه، فتكون الدراسة غير علمية.

لنفرض أنّ باحثاً أراد استجواب النساء على أساسه يعمل تشريعاً جديداً في البلد، فإذا عرفت النساء النتيجة، فتجيب بشكل آخر عمّا يعتقدونها.

إنّ مثل هذا الإدراك قد يؤدّي إلى تغيير الرأي، فهنا تنتج خللاً في التجربة أو في الغاية التي تتوخّاها.

مثال: انتقاء أشخاص للسلك الدبلوماسي، ويُسأل المرشح هل ترجّح الديمقراطية أو الفاشية، وعرف بعضهم أنّ مَن يرجّح الديمقراطية هو الفائز، فيبدّل رأيه، فتكون النتيجة خطأ.

  1. المتغيّرات الطارئة: مَن تجري عليهم التجربة يتأثّرون بعوامل خارجية كثيرة أثناء اجراء التجربة، فالصوت الذي يبث الدعاية قد يكون أجش أو حسن، فهو عامل طارئ على التجربة من العوامل المتغيّرة المستقلّة، أو لباس الذي يعطي الدعاية أو الباحث تعطي تأثيرات خاصّة وانفعالات متبائنة. أو إعطاء الدعاية بصورة غير متوقّعة. فهذه نوع من العوامل المستقلّة التي تُؤثّر في التجربة، وهذه العوامل ليس من السهل أنْ تُضبط اطلاقاً، ولا يمكن التنبؤ عنه 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

لضبطه وتأثيراته. وإرجاع الخاضعين للتجربة تتأثّر تأثراً كبيراً يختلف باختلاف العوامل المستقلّة المتغيّرة، وأنّ الواسطة التي يستعملها المجرّب لنقل الدعاية هي ليس من السهل ضبطها أو التعرّف على آثارها في التجربة.

  1. المؤثّرات الاجتماعية الخارجية: وضعيات ومعالم وملامح الآخرين ذات تأثير هي وضعيات تفاعل اجتماعي، يتعرّض لها الخاضع إلى التجربة، فتؤثر في رجعه على التجربة وليس بمستطاع الباحث أنْ يضبطها أو يتعرّف عليها؛ فتأثّرات الأفراد تتباين ولا يمكن للباحث ضبطها.

(.) ناسين أو متناسين مثل هذه النقاط النقديّة التي يجب أنْ تؤخذ بنظر الاعتبار من قبل العلماء الذين يدقّقون في العلم.

نقد العيوب 

قسم من هذه الانتقادات يمكن أنْ تفنّد ويمكن أنْ يُجاب على قسم منها:

الأخطاء التي يمكن أنْ تتدسّس إلى التجربة في النقد الأول إنّما تنشأ عن الفشل في ضبط العوامل المتغيّرة المستقلّة فتتدسس عوامل أُخرى دون علم الباحث ودون أن يأخذها الباحث بنظر الاعتبار، وهي من صفات الباحث نفسه. والباحث يبذل جهده في إيجاد جماعة الضبط ووجودها يضمن للباحث من أنَّ العوامل المتغيّرة المستقلّة لا تنتج خطأ كبيراً في التجربة؛ لأنّها تؤثّر في الأفراد جميعاً بالسوية على جماعة الضبط وجماعة من أُجريت عليهم الدعاية. ثمّ إنّ ظروف التجربة لجماعة الضبط الذين تعرضوا للدعاية (.).

أمّا المواقف تجاه الباحث ومَن يُجري عليهم البحث، فيمكن ضبطها 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وإعطاء التعليمات للخاضعين للتجربة من قبل الباحث أو من فردٍ مجهول من قبل المجرِّب عليهم.

فلأجل كفكفة الآثار الخاصّة التي يتركها مَن يُعطي الدعاية، نتمكن أنْ نُعطيها من وراء حجاب أو شخص مجهول من قبل المجرِّب عليهم، ويمكننا اعطاء تجربة من دون أنْ نُشعر الناس بأنّهم يُسهمون بإجراء تجربة، فتُمحى أثر كثير من العوامل المتغيّرة المستقلّة من أنْ تُعطي تفاضل في الآراء.

خصائص طريقة التجريب

طريقة التجريب من أهمّ خصائصها أنّنا نُعيد التجربة على موضوع الدراسة فتتبيّن مواطن الزلل، وربّما تتكشف عن بعض العوامل المتغيّرة المستقلّة التي أُغفلت من قبل الباحث.

إنّ اعادة التجربة تُفيد أيضاً وتمكّننا من إعطائها لأفراد جهلاء ومثقفين، فإذا حصلنا على نفس النتائج نعيد التجربة على أُناس ذوي ثقافات واطئة وأُخرى عالية، فإذا تبيّن بأنّ الثقافة ليس لها تأثير في الدعاية، فمعنى ذلك أنّنا نستطيع أنْ نستنتج مثل هذا الاستنتاج.

فإذا أعطينا التجربة لأُناس مثقفين وجهلاء فاستحصلنا على نفس النتائج، معناه أنّ عامل الثقافة ليس ذا أهميّة في هذه التجربة في تغيير الرأي، وإذا أجريناها على الذكور ثمّ الأُناث والنتائج نفسها، فنعرف أنّ الجنس ليس عاملاً مهماً في هذا الباب. فنفصل العوامل التي ليس لها تأثير وتبقى العوامل المؤثّرة فقط.

ــــــــــ[112]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

كما أنّ الاعادة للتجربة تمكّننا من الاحاطة بالعوامل المتغيّرة المتباينة، ففي المثال تمكّننا من معرفة آثار الدعاية في جماعة صغيرة أو كبيرة، فإذا كانت نفس النتائج، نعرف أنّ حجم الجماعة ليس له تأثير والعكس بالعكس.

وإذا أعدنا التجربة على أفراد منعزلين وغيرهم فكانت نفس النتائج، فنعرف كون العزلة ليس لها أثر وإنْ اختلفت النتائج، كما أنّ العزلة من العوامل المتغيّرة المستقلّة التي يجب أنْ تُؤخذ بنظر الاعتبار للباحث.

موازين التجريب 

إنّ بعض العوامل ليس ذا أهمّية في التجربة؛ لأنَّ البعض لا يعرقلون التجربة ولكنّنا لا نتمكن ضبط مقدار العوامل الأُخرى.

الباحث يجب أنْ يضبط مثل هذه العوامل وأنْ يغيّر خطّة التجربة إذا عرف أنّها تؤدّي إلى ضبط العوامل. وعليه فإنّ تحسين التجربة قد يتحقّق بتغيير خطّة التجربة ممّا يؤدّي إلى معرفة العوامل التي لا يمكن معرفتها.

وقد يتطرّف الباحث إلى إحدى الجهتين، فقد يعتقد البعض أنّ التجربة هي الطريقة الوحيدة التي يوثق بها، وبعضهم يعتقد أنّها غير وثيقة؛ لأنّها تؤدّي إلى إغفال عوامل متغيّرة كثيرة. والتطرف فيه شيء من الحيود عن الحقيقة؛ لأنّهم ينسون أنّ أوضاع الحياة لا بُدّ وأنْ (.) (.) (.).

إنّ من الواضح أنّ المجرّب هو أقدر على تعيين العوامل وضبطها من قبل الباحث الذي يعتمد على الملاحظة المضبوطة أو غيرها.

والمتطرّفون يغفلون حقيقة مهمّة؛ هي أنّ هناك ظواهر اجتماعية كثيرة من 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الصعب إحداثها كما شاء المجرِّب، فالباحث لا يستطيع أنْ يُحدث الرعب في الجمهور (.).

 علماء أرادوا أنْ يجرّبوا تجربة على موجة الرعب واستدلّوا على وسائل نشر الآراء، وزعموا أنّ انزالاً من المرّيخ سيحدث بعد لحظات (.) (.) كلّ هذا أنْ تُدرس موجة الرعب التي تسري بين الناس. الباحث لا يتمكن من إيجاد غوغاء منهمكين، في تعذيب شخص جمهور معذّب.

أو مثلاً أنّ الجمهور إذا أرادوا الهجوم على المؤسّسة، فما هو السلوك الجمعي الذي يسلكه الأفراد فهو صعب جداً؛ لأنّ الأفراد قد يفلت من يد الباحث وتهلك المؤسّسة على حساب تجربة علمية.

وكذلك دراسة حركة اجتماعية، فأنت تُحدث حركة اجتماعية، فالأيدلوجي والأهداف والزعامة وغيرها، كيف تتكّون. فليس ذلك مضمون النجاح.

وليس يمكن أنْ تضمن الفترات الاجتماعية التي تمرّ فيها الحركات الاجتماعية؛ إذ قد تكون الفترة الواحدة سنة أو مئة سنة أو غير ذلك. وكذلك كثير من ظواهر السلوك الجمعي.

الباحث الذي يبغي دراسة مثل هذه الظواهر لا يمكن أنْ يستند على التجريب بل يجب أنْ يعتمد على الملاحظة المنظّمة.

أبرز دراسات طريقة التجريب 

بعض الباحثين أبدى براعة في الطريقة التجريبيّة في دراسة الظواهر الاجتماعية، منهم: (هارتمن) والذي تمكّن من مقارنة التأثير النسبي لكلٍّ من الدعوات العاطفية والعقلية الموجّهة للمنتخبين في حملة انتخابية فعلية. 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التنافس على انتخاب الدعاية التي تتخذ أساليب ومستويات متباينة، فبعض يبثّ دعايته معتمدة على العواطف، أو الدعاية العقليّة، فهي التي تقوم على أساسٍ عقليّ. فهو (.) يعرف أيّها أعمق أثراً.

كما أنّ (كورت ليڤن) أيضاً ومساعديه تمكّنوا من دراسة آثار القيادة الديمقراطية والدكتاتورية في جماعات نوادي الأولاد، في هذه النوادي توجد قيادات فبعضها ديمقراطية وبعضها دكتاتورية تتزعم بالقوة. أجرى (كورت ليڤن) دراسات مقارنة للتعرف على أثر كلّ نوع من الزعامة في الأولاد تمكّنت من أن تتجنب الأحوال المصطنعة وتمكّنت من ضبط العوامل المتغيّرة المستقلّة.

خلاصة الأخذ بالتجربة 

الخلاصة: أنّ انتخاب أيّ طريقة من هذه الطرائق واستعمالها يتوقّف على نوعي السلوك الاجتماعي التي ينبغي للباحث دراسته والأوضاع والظروف له، كما يتوقّف على حقائق البحث ومعلوماته التي تستطيع الحصول عليها.

فإذا أردنا دراسة ردود الفعل النفسية أو الذاتية، كأن نستطلع مواقف الناس وآرائهم، فنحن مضطرّون إلى استعمال ضرب من الاستبطان.

 وإنْ أردنا أنْ نتبّع تأثير الضغط الاجتماعي على الشخصيّة، فنستعمل دراسة الحال. وأمّا الظواهر الاجتماعية المعقّدة، فالملاحظة الدقيقة والتجريب.

وقد يستعمل الباحثون طريقتين أو أكثر للتأكد من صحّة الطريقة حقل علم النفس الاجتماعي، هو حقل حديث من المعرفة وأنّه يعالج ظواهر معقدة كلّ التعقيد، ولذا وجب على الباحثين أنْ لا يكونوا جامدين، بل يجب أنْ يكون 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الباحث مرناً سريع التكيف، وعنده من الحذر والفطنة والبصيرة الناقدة ما يضمن له الفائدة من الطرائق.

(.) يتوقّف على طبيعة موضوع البحث وعلى وجود المعلومات عنه وملابساته.

غاية الدراسة التوصّل إلى تعاميم تمكنّنا -من فهم الظواهر- التنبّؤ عنها وضبط سلوك البحث (.) (.) وعلم النفس الاجتماعي كذلك (.). والتنبّؤ عنها وضبط السلوك الاجتماعي(.). (.) يدرس العوامل المتغيّرة المهمّة التي يتحكّم تفاعلها في تقرير السلوك الاجتماعي(.). (.).

 قد يجد بعض هذه العوامل في الشخصيّات أو المواقف للمتفاعلين أو دوافعهم أو ظروف من الفشل (الخيبة). والأُخرى تنشأ من نوعيّة التفاعل الاجتماعي التي تحدث في السلوك كالمنافسة والتعاون، أو الباحث قد يتوصّل إلى هناك (.)(.) تتحكّم في السلوك هو من خصائص بعض الوضعيّات الاجتماعية (.).

العالِم (زميل) وطريقته التجريبية

لأن العالم (زميل) وجد أنّ التفاعل يتأثّر بعدد المتفاعلين. ومعنى هذا أنّه في بعض الأحيان يكتشف الباحث أنّ حجم الجماعة عامل في نوعيّة التفاعل.

والواقع أنّ صغر وكبر الجماعة عامل مهمّ في كثير من وجوه الجماعة، يشير (زميل) إلى أنّ التماسك في الجماعة الصغيرة أكثر منه إذا كبرت.

ولذلك يذهب إلى أنَّ الفئات الحاكمة -وهذا خاصّ بعلم الاجتماع 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

السياسي- التي تُريد أنْ يحتفظوا بمركزها وقوّتها يجب أنْ تقوم على الأقلّ بأمرين:

  1. الفئة الحاكمة تبقي نفسها أقلّ ما يمكن من العدد.
  2. بغية تحقيق هذا الموضوع وعدم تلويث الفئة الحاكمة بطبقات أُخرى، أنَّ المصاهرة يجب أن تكون داخلية.

ليس هذا فقط ولكن وجد أنَّ طبيعة الوضعيات ذات تأثير أيضاً، إذا كانت الوضعية يغلب عليها الضوضاء أو الوجوم أو الوقوف أو الجلوس، وهي وضعيات تستلزم وضعيات معيّنة من السلوك. 

الوضعية الموضوعية وحدها ليست كافية لتفسير السلوك، بل إنَّ الوضعية الذاتية من العوامل المهمّة؛ إذ من المهمّ أنْ نحيط بالصورة التي يتصوّرها الفرد ويفسّرها. وعليه فإن الحالة لا تكفي لتفسير السلوك بل الصورة التي يصور فيها الفرد الوضعية ويقسرها. (.).

إنّ الباحث يلتجئ إلى استعمال إحدى هذه الطرائق لتكشف العوامل التي تتحكّم في السلوك الاجتماعي، ويستطيع أنْ يتصوّر العلاقات الموجودة بين هذه العوامل خاصّة معيّنة، كدراسة السلوك إبّان الانتخابات (.).

والباحث وإنْ كان يتحرّى دراسة وضعيّات معيّنة، يمدّ نظره إلى أبعد من هذه الوضعيات باحثاً عن المبادئ العامّة والعلاقات التي من شأنها أنْ تكون شمولاً أكثر، ومع أنَّ الطرائق اليوم هي أفضل على ما كانت عليه كونها تؤدّي إلى استخلاص نتائج مهمّة وإلى التعميم إلى أبعد ممّا تبرّره الحقائق خطر يستهدف له العالم كالرجل العادي.

ــــــــــ[117]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

التعميم في طرق البحث

 

الطرائق السابقة الغرض منها -أي: استعمالها- هو الوصول إلى نتائج يُركن إليها في وضع تعاميم ولكنّها تختلف من حيث الدرجة.

فهناك تعاميم درجتها أعلى من درجة أُخرى، لأجل الإيضاح، مثل هذا التفاضل في التعاميم فيما بينها من الناحية العلمية: أمُّ ترى ولدها الصغير يتبع ولدها الكبير ويقلّده في بعض سلوكه، فإذا هي أرادت أنْ تسجّلها أو تذكر هذه الحقيقة، فهذا الذكر لا ينطوي على تعميم مّا.

أمّا إذا قالت إنَّ ولدي الصغير يقلّد أخاه الأكبر، فإنَّ هذه العبارة فيها تعميم لدرجة مّا.

أمّا إذا قالت مستخلصة من هذه المشاهدة أنَّ الأطفال الصغار يقلّدون الكبار، فهذه درجة أعلى من التعميم، أو قالت إنَّ الأطفال يقلّدون بعضهم بعضاً، ففيها تعميم لدرجة أكبر من السابق.

هذه التعاميم والعبارات التي تنطوي على تفاوت من حيث الدرجة في التعميم، هل هي مبرّرة علمياً [وخصوصاً] التعميمين الأخيرين…

العبارتان فيها درجات تعميم عالية، ولكن المشاهدة الفعليّة [لا تنطوي على هذا التعميم] لأنَّه [لا] يبرر هذا التعميم [من] الناحية العلميّة؛ لأنَّ 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التعميم من هذه الحادثة الفردية على كلّ الأطفال الصغار الذين يقلّدون إخوانهم الكبار غير صحيح؛ لاحتمال كونها حالة شاذّة وليس منطبقاً على الحالات الأُخرى.

هل يمكن أنْ يبرّر إيجاد تعميم؟ طبعاً لا؛ لأنّنا لا نتمكن عادةً من أنْ نعمّم من حادثة واحدة، بل يجب أنْ تُدرس جميع العلاقات من هذا النوع أو نأخذ نموذجاً ممثِّلاً لنستطيع التعميم.

ما أشار إليه من صفات التعميم المستخلصة تعاميم فيها هذه الهنة، [أي]: أنّها قائمة على بعض الملاحظات العابرة القليلة لحوادث معيّنة، ولم تقم فيها دراسات على نماذج ممثِّلة ولا تبررها الحوادث التي وضعت على أساسها.

المؤّلَّفات التي يُؤّلفها العلماء تضم طائفة من التعاميم الخاطئة علمياً. بعض هذه التعاميم يذكر صراحة وبعضها يشار إليه ضمناً، من قبيل بعض علماء النفس درس نفسه وزوجته والعلاقات بينهما معالجاً على أساس الفروق الجنسية عندهما، متّخذاً ملاحظاته الشخصيّة حول هذا الموضوع شيئاً عامّاً بين الأزواج.

ولكن ما هي المبرّرات العلميّة [التي يمكن من خلالها] استخلاص تعميم حول العلاقات الزوجيّة بين كلّ الأزواج والزوجات؟ فقد تكون علاقتهما فريدة من بابها لا تكون أساساً للتعميم.

مؤثرات التعميم

إنَّ بعض الباحثين الذين يدرِّسون طلاب كليّة أو أطفال أو الزوجات في ضواحي المدينة أو رجال أعمال أو غيرها، إنَّ دراساتهم لا يمكن أنْ تتخّذ 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

نتائجها تعاميم تصدق على كلّ نوع؛ لأنَّها لا يمكن أنْ تصدق علميّاً إلَّا على هؤلاء الجماعة الذين درسوا فقط، كما أنَّنا نجد أنَّ هذه النتائج إذا كانت عليه لا تصدق اطلاقاً بل تصدق على الجماعة الخاصّة في هذه الأماكن والأزمنة الخاصّة الذي أُخضعوا فيها للدراسة، فلا تصدق في مكان وزمان آخر.

ولذا كان لزاماً على الباحث الدقيق إذا أراد أنْ يجعل تعاميمه ذات صبغة تعميميّة حول الشخصيّة أو السلوك أو الناس، أنْ يعيد ملاحظاته أو يكرّر تجاربه على نماذج ممثّلة من الناس الذين يختلفون من ناحية العمر، فنكرّر الدراسة على جماعات عمرية مختلفة.

وليس هذا فقط، بل يجب أنْ يدرس الذكور والإناث؛ إذ لعلّ الطبيعة يُؤثّر فيها عامل الجنس؛ لأنّنا إذا اغفلناها أغفلنا آثارها أيضاً. وأنْ نعيد الدراسة على ذوي مستويات تربوية مختلفة وثقافات مختلفة حتّى نتوصّل فيما إذا كانت هناك رابطة بين المستويات الثقافية والطبيعية الإنسانية، وليس هذا فقط، [بل] وندرس ذوي مراكز اجتماعية مختلفة… 

الإنسان إذا تغيّر مركزه تغيّر سلوكه نحو جميع المجتمع ومؤسّساته؛ إذ لا يبقى الإطار الاجتماعي له ثابتاً. النقلة الاجتماعية معها لا بُدّ وأنْ تختلف نظرته إلى الحياة وعلاقاته بين الناس، فنكرّر الدراسة آخذين بنظر الاعتبار المركز الاجتماعي. ليس هذا فقط، بل يجب أنْ نكرّرها على أساس أخذ المحلّ الجغرافي بنظر الاعتبار؛ إذ ربّما يكون للمحلّ الجغرافي تأثير في النتائج.

وأنْ نأخذ بنظر الاعتبار الإطارات الحضارية؛ لأنّ النتائج قد تصدق في إطار معيّن ولا تصدق على آخر.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

يجب أنْ نأخذ كلّ هذه من عوامل صغيرة مستقلّة قد يكون لها أثر في تغيير نتائج البحث. فإذا وجدنا أنَّ الظواهر تحدث في كلّ الجماعات التي درست، فعندها يجوز استنتاج نتائج عامّة شاملة.

دراسات في المؤثرات التعميميّة 

هناك دراسات كثيرة أُجريت على جماعات تتمايز بينها بما يسمّى (المنازل الاجتماعية الاقتصادية). تحرّت التمايز في السلوك الاجتماعي، يجب التمايز الاقتصادي الاجتماعي [للفرد في إجراء الدراسة].

أيّ: إنَّها تتّخذ منه عاملاً متغيّراً مستقلاً تتّبع آثاره في الأفراد والنتائج؛ إذ إنّ من المحظور تعميم ما يصدق على طبقة اجتماعية اقتصادية معيّنة على الطبقات الأُخرى. فقد وجد أنّ رغباتهم ومُثلهم العليا والسلوك وغيره يختلف. الدراسات التي أُجريت على مستويات المطامح وجد أنّ الطبقة الدنيا مطامحها لا تتعدّى واقع المطامح للطبقة الثانية.

ثمَّ الإطارات الطبقيّة تتحدّد وتتحكّم في وجوه مختلفة من السلوك -هي المطامح تتأثّر- بهذه الإطارات.

وجدت البحوث التي أُجريت أنّ ما يُؤثّر سياسياً كان قد اختلف حسب الطبقات الاجتماعية. خلال حكم روزفلت في أمريكا، وجدت أنّ ما تفضّله الطبقات في الميادين السياسية يتباين بتباين الطبقات. وبهذا يظهر لنا أثر انتماء الفرد إلى طبقة مّا في ما يؤثّره سياسياً، والتعميم غلط.

ــــــــــ[121]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

دراسة (ديڤز)

كان (ديڤز) D. Davis وآخرين من الباحثين يرون أنّ نمط تدريب الطفل بين الطبقات الدنيا يختلف عن النمط من هذه الناحية في الطبقة الوسطى، وهو يختلف عمّا هو متّبع في العليا.

حتّى نوعية الطعام والعقائد يختلف باختلاف الطبقات، وعلاقة الطفل بالأُم، فالعليا علاقتها ضعيفة والدنيا شديدة.

دراسة (كنزي) 

و(كنزي) بحاثة في السلوك البشري، وأثار ضجّة في أمريكا في بحثه حول السلوك الجنسي عند الرجال والنساء؛ لأنّه كشف النقاب عن حقيقة السلوك عندهما، وأنّ 95% من الرجال عندهم علاقات غير مشروعة، والباقي رجال دين وهم أيضاً عندهم كذلك [أي: عندهم علاقات غير مشروعة] ولكنّهم يخافون أنْ يفضحوا أنفسهم؛ لأنّهم رجال دين فيكذبونه.

كتابه (السلوك الجنسي عند الرجال)، وكتابه (السلوك الجنسي عند النساء) كتب دقيقة وقيّمة. البحوث تكشف آثار الطبيعة الإنسانية في المجتمع.

بمعنى وجد حديثاً في هذه الدراسات وخاصّة في دراسته المعنونة (السلوك الجنسي لدى الذَكر البشري). أنَّ هناك فروقاً واضحة في السلوك الجنسي بين ذكور الطبقة الدنيا والعليا، فهو يختلف باختلاف الاطارات الطبقيّة والحضاريّة.

ــــــــــ[122]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

تكوين عمليات التعميم

عالم النفس الاجتماعي قد لا يستطيع أنْ يُعيد التجارب للاختبار على جماعاتٍ بغيةَ الوصول إلى مدى صحّة تعاميمه. وفي بعض الأحيان يبيّن الدراسات على أنّ التباين طفيف ممّا يجعل دراسة جماعات أُخرى غير ضروري. فهو يستطيع أنْ يبيّن نتائج صحيحة من الزوجات الحضريّات من الطبقة الوسطى، أو على طلاب الكلّيات من الجزء الجنوبي أو الشمالي أو أيّ جماعةٍ درس منها نموذجاً ممثّلاً.

مثل هذه النتائج تستعمل كفرضيّات في بحوث أُخرى لاختيار صحّتها، ومعنى ذلك أنّ هذه النتائج تستعمل فرضها لدراسة على نطاق أوسع.

علم النفس الاجتماعي يتمكّن من الوصول إلى تعميم مّا بواسطة مثل هذه الاختبارات للنتائج التي توصّل إليها على جماعات مختلفة، إذا أراد معرفة مدى صحّة نتائجه ومدى صحّة عموميّتها. هذا ما يجب أنْ يُحقق في البحث لتكون النتائج علميّة.

فتتبّع النتائج سعة التجربة، فإذا أُجريت التجربة في النجف أو في العراق، أو على الذكور فقط، فلا يجوز التعدّي إلى غيرهم. كلّ عامل له دخل في التجربة يزيد في سعة التعميم وضيقه، ويكون الباحث مبرّراً من الناحية المعنيّة، كذلك يجب على الباحث إعادة التجربة للتمكّن من الوثوق بالنتيجة أنْ تصلح لأنْ تكوّن تعميماً.

ــــــــــ[123]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي











الفصل الثامن

البحوث تكشف آثار الطبيعة الإنسانيّة في المجتمع

 

  • الفرد والشخصيّة
  • التفاعل بين الوراثة والمحيط 
  • أهميّة معرفة الوراثي والبيئي

ــــــــــ[125]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل الثامن: البحوث تكشف آثار الطبيعة    الإنسانيّة في المجتمع

 

الفرد والشخصيّة

 

ما مضى من الكلام تمهيد للمواضيع الأساسيّة في علم النفس الاجتماعي.

أهمّ المواضيع الأساسية: وهو تصيّير الفرد شخصاً اجتماعيّاً، أي: عمليّة التفاعل التي يصبح بمؤدّاها الفرد شخصاً اجتماعياً.

موضوع اختصاص علم النفس الاجتماعي هو يُعنى بهذا الموضوع بعملية التفاعل التي يتعرَّض لها الأفراد منذ الصغر، فيصيرون أشخاصاً اجتماعيّين.

الفرد هو: الكائن البشري الذي لم يتعرّض إلى التفاعل الاجتماعي بعدُ في علم الاجتماع؛ فهو الوليد الجديد الذي لم يتعرّض للتفاعل، أو الشخص الذي حُجر منذ ولادته لسبب من الأسباب، في سجن ولا يُتصّل به، أو شخص مصاب بعاهة لا تمكّنه من التفاعل الاجتماعي. هذه كلّها أفراد.

فإذا عرضوا لعملية التفاعل تحوّلوا إلى أشخاص، وهو الفرد المعرّض إلى عمليات التفاعل الاجتماعي.

ــــــــــ[127]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وعليه فسيكون موضوع البحث: تتبّع هذه العملية من عمليات التفاعل، وهذا الموضوع موضوعٌ لا بُدّ له أنْ يتطرّق إلى العلاقات بين الوراثة والمحيط من حيث إنّها هي نقطة البداية في بحثٍ كهذا.

وهذا الميدان ميدان تكثر فيه الفرضيّات الخاطئة التي نواجهها في حياتنا اليوميّة، وفيما يكتبه الكتّاب ونواجهه فيما نقوم به، وما يكتبه الباحثين حولها ملأى بأمثال هذه الفرضيات.

ــــــــــ[128]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي











التفاعل بين الوراثة والمحيط 

 

ولذلك موضوع البحث: شرح التفاعل والتأثير المتبادل بين الوراثة والمحيط يكون أساساً للوجوه الأُخرى من مواضيع علم النفس الاجتماعي المتعلّقة بمثل هذا التفاعل الاجتماعي تعلقاً مباشراً أو غير مباشر.

أمثلة وراثية 

إلى بعض الأمثلة التي نراها أو نسمعها التي تُؤكّد أهميّة الوراثة أو المحيط، وهو أمثلة شائعة الاستعمال تقوم على أساس فرضيّات وأوهام.

– من هذه الأمثلة: امرأة في مقتبل العمر قلقة دائماً لأنّها تخشى أنْ تُجنّ؛ لأنَّ جدّها قد توفي مجنوناً، كما أنَّ عمّتها أُدخلت إلى مستشفى الأمراض العقليّة. وهي تعتقد بوراثة الأمراض العقلية لا بُدّ أنْ تقلق؛ لأنّ جدّها وعمّتها كذلك، وهي تخشى عن طريق الوراثة أنْ يُتدسّس إليها الجنون وتكون مصيرها كذلك.

– كتب أحد الكتّاب مرّة في احدى الجرائد الأمريكيّة: يجب أنْ لا يُقبل المهاجرون من المناطق الشرقية والجنوبية في أوروبا؛ لأنّهم من سلالات بشرية ضعيفة متخلّفة. 

وهذا يستند إلى الافتراض أنَّ الوراثة هي العامل المتحكّم في شخصيّة الإنسان، وهي في هذه المناطق ضعيفة، فشخصيات المهاجرين ضعيفة بتأثير الوراثة.

ــــــــــ[129]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

– ومنها تقديم أحد المشرّعين لائحة إلى المجلس التشريعي كان الغرض تخليص أحد الولايات من الجرائم؛ وذلك بتعقيم المجانين والمجرمين فيها. 

وهذا يقوم على أنَّ الإجرام وراثيّ والجنون أيضاً، وسبب من أسباب الإجرام يجب أن يُمنع تزاوج المجانين والمجرمين؛ لأن يتخلوا.

– رأي أحد الكتّاب أنّ التعصب أمرٌ طبيعي؛ لأنَّنا ننفر غريزيّاً من الناس الذين هم ليسوا من رسّنا وأمّتنا ونكرههم.

وهذا القول قائمٌ على أهمّية العامل الوراثي في غلغلة التعصّب عند الناس.

– ومنه أيضاً قول أحد سكّان جنوب أمريكا من العبث أنْ تقوم بتثقيف العبيد في أمريكا؛ لأنّهم لا يصلحون إلَّا للخدمة في البيوت.

وهو قائمٌ على افتراض أنَّ صلاح الناس لمهام معيّنة أمرٌ تتحكّم به الوراثة وعدم صلاحيّتهم لها أمرٌ سببه الوراثة.

– ومنه أيضاً دعوة أحد الكتّاب إلى ضرورة التجنيد الاجباري العامّ، قائلاً: وعلى كلّ حال فإنَّ الحروب العالمية لا يمكن أنْ تُمحى أبداً ما دام النزوع إلى المقاتلة والاعتداء شيئاً موروثاً في الطبيعة البشرية، والقضاء على الحروب من قبيل (الوهم)، وهذا النزوع هو الذي يحفّز الأُمم على الانهماك في حربٍ ضروس.

وهذه الأمثلة تُؤكّد على الوراثة وعدم فهم العلاقة بين الوراثة والمحيط.

أمثلة محيطيّة 

الأمثلة التي تنطوي على تأكيد على المحيط، منها: أنّ صبيّاً يجد من الصعوبة أنْ ينهي الثانويّة ولكنّ أباه يلحُّ عليه في ضرورة ذلك فيؤجّر لتدريسه المعلّمين الأخصائيّين لكي ينهي الثانوية فيدخل الكلّية.

ــــــــــ[130]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

هذا النوع من السلوك يقوم على افتراض أنَّ عدم قابليّة الصبي ليس أمراً موروثاً، وإنَّما يتوقّف اجتيازه على وجود معلِّم قدير، وهذا المعلِّم هو جزء من المحيط.

والافتراض قائم على أهميّة المحيط ومثاله كما تعنى الإعلانات التي نجدها من النوع التالي (أرسل لنا دولاراً واحداً نزوّدك بالكرّاس الذي يضع سرَّ النجاح بين يديك)، وهو قائمٌ على أهميّة المحيط، وكون النجاح متوقّف على عوامل محيطية وليس وراثية النوع، وهي التي ينطوي عليها هذا الكرّاس.

أحد مشاهير الموسيقيّين يقول: إنَّ في المثابرة والتدريب كلّ أسرار العبقرية الموسيقيّة. 

فهي إذن في رأيه ليس أمراً موروثاً بل نتاج المثابرة والتدريب، وهي أمرٌ من أُمور المحيط.

ــــــــــ[131]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




أهميّة معرفة الوراثي والبيئي

 

وهذا الخلط وعدم معرفة أهميّة العوامل الوراثيّة والمحيطيّة لا يؤدّي إلَّا لإضرار الإفراد والمجتمع، أو تعرّضهم إلى إضرار بالفرد من جرّاء وضع الأهميّة على عوامل ليست لها تلك الأهميّة من الجانبين (الوراثة – والمحيط). 

ومعرفة أثر هذه العوامل تستلزم وضع خطّة لضبط تأثيرها وتوجيهها لوجهة المصلحة، أي: إنَّ أدراك أهميّة العوامل الوراثيّة أو المحيطيّة يستلزم دراسة هذه العوامل واعتبارها عوامل متغيّرة مستقلّة، ويستقصى آثارها في الشخصيّة؛ ليتبيّن للباحث أهميّة أيٍّ من هذه العوامل الوراثة أو المحيط.

التحكّم في العوامل الوراثية ليس بالأمر الميسور وليس من السهولة في كثير من الأحيان -مثلاً- لا نتمكّن أنْ نتحكّم في الخصائص الجسمانيّة أو الأمراض الوراثيّة إلَّا باتباع (خطّة تحسين النسل) وتطبيقها لمدّة طويلة ومع ذلك لا تؤثّر. لا نتمكن من التحكّم في الوراثة في مثل هذا الصدد، ونتمكّن من التحكّم في العوامل المحيطيّة وضبطها عن طريق التربية والمعالجات العيادية والتشريع وتحسين وجوه الحياة المختلفة وغيرها.

إنّ الخلط والغموض نحو أهميّة العوامل الوراثية والمحيطية ناتجان من عدم وضوح ما تعنيه المفهومان الوراثة والمحيط.

ــــــــــ[132]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

معنى الوراثة 

حيث يفهم بعض الناس من الوراثة الشبه بالوالدين ومن المحيط، على أنّه هو العوامل الخارجيّة المناخيّة والجغرافيّة التي يتعرّض لها الفرد مصدر آخر للغموض والخلط. والارتباط في بعض الأحيان هو تصوير التفاعل بين الوراثة والمحيط من جهة وبين الإنسان من جهة أُخرى، على أنَّه التفاعل الذي يجري في الفيزياء بين القوّة والشيء الذي يتعرّض لمفعولها، في حين أنَّ الرابطة بين الإنسان والوراثة والمحيط شيءٌ آخر؛ وهذا سبب آخر للغموض من وضع المسألة في الوضعيّة التالية: أيهما أهمّ الوراثة أو المحيط؟.

إنَّ الوراثة لا تعني الشبه بالأبوين ولا تعني الخصائص الموجودة في الفرد عند ولادته، بل تعني نمط الخصائص التي تقرّرها الجينات وهي:العوامل التي تحمل الخصائص الوراثيّة.

فهذا النمط هو مفهوم الوراثة. 

يتبيّن من هذا أنَّ وراثة الفرد تبدأ في اللحظة التي يلقّح فيها حويمن الذكر بويضة الأُنثى لحظة الإخصاب.

فالوراثة بما أنّها كذلك ينشأ من هذه اللّحظة، هذا النمط التي تقرّره الجينات الذكرية والأنثوية النمط الحادث من اتّحادهما يتقرّر عن طريق الصدفة كليّاً؛ وعليه فإنَّ وراثة الفرد هي نتيجة هذه الصدفة، وليس معنى هذه الصدفة أنَّ القضيّة (عمياوية)، بل معناها أنَّ العلم لا يزال يجهل الأسباب التي تتحكّم في صيرورة النمط بهذا الشكل أو ذاك، أي: إنَّنا لا نعلم الأسباب المؤدّية إلى هذا الإتّحاد.

ــــــــــ[133]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

هذا ولمّا كانت الأنماط الوراثيّة إلى حدٍّ بعيد كان من الصعب معرفة الخصائص إلَّا عن طريق الاحتمال؛ كما نصَّ على ذلك (قانون مندل) في الوراثة. وهو راهب اشتغل على الوراثة فزاوج بين النباتات وانتهى إلى تكوين قانون يسمّى قانون مندل في الوراثة.

وعلى أساسه نتمكّن من معرفة احتمال نتائج الوراثة، مثل: إذا تزوج رجل أسود وعيناه كذلك وبشرته بيضاء بامرأة عيناها زرقاوان وبشرتها كذلك وكذا نستطيع على هذا الاحتمال إذا ولدت أولاداً أربعة أنْ يكون أحدهم شعره أو عيناه على خصائص أُمّه والباقون على أبيهم؛ لأنَّ زرقة العينين من العوامل الضعيفة وسوادها متغلغلة فتغلّب على الزرقة.

هذا قانون لا يمكننا إلَّا من معرفة لبعض الخصائص الجسمانيّة لا كلّها؛ حيث يبيّن لنا هذا القانون العلاقة المحتملة بين مختلف الارتباطات الجينيّة من ناحية وبين ما يصاحبها من لون الشعر أو الجلد أو الأنف الأقنى أو الاسم أو غيرها من ناحية أُخرى عند الولادة.

والواقع أنّ العوامل الوراثية هذه لا تنقطع مفعولها بالولادة، ولكنّه تستمرّ فعّاليته مؤثّراً في الفرد حتّى دور البلوغ على الأقلّ في نحو وسرعة هذا النموّ، وإن كان هذا النموّ يتأثّر بالعوامل المحيطيّة التي تؤدّي إلى تعجيله أو إعاقته، كالغذاء والمناخ والرياضة وهذه كلّها عوامل محيطيّة. هذا هو مفهوم الوراثة.

معنى المحيط

مفهوم المحيط يُعنى به كلّ العوامل الأُخرى غير الوراثة، أي: العوامل التي تُؤثّر في الكائن الحيّ منذ حدوث إخصاب بويضة الأنثى ببويضة الذكر، 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وإنْ كان المحيط قبل الولادة يتشابه من ناحية الغذاء والحرارة والضغط بين الأفراد في الرحم، إلَّا إذا كان شاذّاً. ولكن هناك عوامل محيطية أُخرى تتعرّض لها الأجنّة تعرّضاً متبايناً مثل البكتريات والسموم وغيرها التي تؤذي الجنين وتؤثّر فيه تأثيراً سيئاً، محدثة فيه نقائض غير وراثية، وإنْ كانت التشويهات موجودة عند الولادة إلَّا أنّها أسباب محيطية منذ كان جنيناً؛ فإنَّ شذوذ الوليد إمّا أنْ يكون للوراثة أو العوامل المحيطية أثناء الحمل أو نتيجة لكليهما.

إنَّ العوامل المتغيّرة المستقلّة المحيطية التي تؤثّر في الطفل قبل الولادة هي أقلّ نسبياً من التي تؤثّر فيه بعد الولادة.

الوراثة السويّة والمحيط السوي

توجد عبارة ترد في هذا السياق، وهي عبارة (الحمل السوي)، ويُعنى به: هو الحمل الذي لا تحدث فيه عوامل من شأنها أنْ تُؤثّر في الجنين تأثيراً سيئاً.

أمّا ما هو المحيط السوي الذي يجب أنْ يوجد فيه الطفل بعد الولادة؟

الإجابة لا تخلو من مصاعب؛ لأنَّها تستلزم فرض التقييم، والناس يعيشون في محيطات مختلفة وتغييرات متنوّعة محيطية، يعيشون في محيطات كثيرة التنوّع من الناحية المناخية والغذائية والعناية والتدريب والإطار الحضاري، ومن ناحية النصاب الاجتماعي هي وجوه محيطيّة، منها: أنَّ الناس يتعرّضون إلى ضروب مختلفة فيها، فهناك أطفال الأسكيمو يتعرّضون إلى عوامل مختلفة محيطية غير العوامل في الأرجنتين، وهم تختلف العوامل عندهم عمّا في المناطق الاستوائية.

ــــــــــ[135]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وهذا التنوّع في العوامل المحيطية يؤدّي إلى التعقّد في سؤالٍ مثل هذا. هذه المحيطات الماديّة والاجتماعية والحضارية المتباينة تتفاعل مع الوراثة دائماً ومؤثّرة في كثير من وجوه نمو الطفل ومتحكمّة إلى حدٍّ كبير ومقرّرة لشخصية الفرد.

ــــــــــ[136]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






الفصل التاسع

جدلية الوراثة والمحيط

 

  • مثال وراثي
  • مثال محيطي
  • مثال وراثي محيطي (روبرت وود ورث)
  • دراسة متغيرات الوراثة التربية

ــــــــــ[137]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






الفصل التاسع: جدلية الوراثة والمحيط 

 

وأوكد ما سبق وهو أنَّ التفاعل بين المحيط والوراثة تفاعلٌ دائمٌ مستمرّ طوال حياة الشخص، وعليه فالشخص نتاج تفاعل الوراثة مع المحيط، وهو أمر بديهيٌّ. واستحالة وجود شخص بلا وراثة أو بلا محيط.

ومع هذا نجد بعض الباحثين يعالجون هذا الموضوع كما لو كان إنسان من غير وراثة أو محيط؛ لأنَّهم يعالجونه كما لو كانت الوراثة أو المحيط معدوم، أي: أنَّهم يعالجون أحدهما منفرداً عن الآخر؛ لجعل التأكيد كلّه مقصوراً على أحدهما. 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي








مثال وراثي

 

مثّل الباحث الذي بحث حشرة الفواكه، وانتهى إلى التأكيد على أنَّ المحيط ليس ذا أهمّية في حياة الإنسان.

العالم غير مخوّل من الناحية العلميّة أنْ يدرس أمراً ويعمّم النتيجة على أُمور أُخرى، فدَرَس حشرة الفواكه وعمّم على الإنسان ثمّ انتهى على أنَّ المحيط ليس ذا أهمّية في حياة الإنسان.

ــــــــــ[140]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي











مثال محيطي

 

بعض العلماء الأنثربولوجي أو الإنسان حين يدرسون الحضارة -وخاصّة علماء الحضارة البشريّة- نجدهم يغفلون أهميّة الوراثة hereditary، ويؤكّدون على الحضارة من حيث إنَّها وجه من وجوه المحيط.

والجدل والخلاف بين المفرطين في التأكيد على الوراثة وبين التأكيد على المحيط مع أنَّ الخلاف قد طال ولكنّه لم يذهب سدى، فقد تمخّض عن نتائج، مكّنتنا من التعرّف على أهميّة كلّ من الوراثة والمحيط والتفاعل بينهما.

والروّاد الأوائل -هم علماء النفس يتّصل موضوعهم بعلوم الحياة والاجتماع- اشتدَّ الجدال والخلاف بينهم ممّا أدّى إلى اجراء البحوث ممّا نتج عنه تفاسير قوامها التفاعل بين الوراثة والمحيط، من التأكيد على أحدهما إلى التأكيد على أهميّة كلّ من الوراثة والمحيط في هذا الباب.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






مثال وراثي محيطي (روبرت وود ورث)

 

موضوع الوراثة والمحيط قد عقد في كثير من الأحيان للمبالغة والتأكيد على المحيط دون الوراثة أو العكس. أو عرض المسألة بالصورة التالية: الوراثة بإزاء المحيط والوراثة مضافاً إليها المحيط ممّا يُوهم بأنَّ الوراثة توجد مستقلّة عن المحيط، أو يُمكن أنْ يُوجد محيط بلا وراثة.

ولذلك وجد بعض العلماء وعلى رأسهم وودورث Woodworth وجد أنَّ موضوع العلاقة بينهما يجب ألَّا يوضع بهذه الاشكال المبهمة، وإنَّما توضع المسألة هكذا: الوراثة المحيط.

فالطفل أو الجنين منذ لحظة الإخصاب يبدأ نموّه لعوامل داخلية ومحيطية؛ لأنَّ الحجيرات الذكرية والأُنثوية تستمرّ بالانقسام في محيط حجيري وينمو الجنين في المحيط الرحمي.

وقد يتعرّض الجنين لنوع من التدريب والتعلّم يبدأ منذ الشهر الخامس من الحمل، كالمرأة عندما تصعد الجبل أو تحمل ثقلاً، والطفل في هذه الوضعيّات يتعرّض إلى التعلّم، فيكيّف نفسه حالة صعودها للجبل على غير الشكل الذي يكيّفها به عند النزول.

فالطفل يكون مزوّداً بأجهزة حسيّة من خصائصها أنَّها مزودة بأنماط من الرجع والأعمال المنعكسة.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

كما أنّنا نجد الوليد الجديد ذا ميل شديد الرجع والتعلّم من خبرته وتجاربه لمرونة جهازه العصبي ولقابليّته على التكيّف السريع.

والخلاصة: أنَّ النموّ على حدِّ تعبير كمبل يونك Kimball Young.

يقول: ما هو إلَّا نتيجة لعلاقة ديناميكيّة أو حركية بين الأحوال الباطنية الداخلية للفرد وبين المحيط الخارجي المتغيّر دائماً.

ــــــــــ[143]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي













دراسة متغيرات الوراثة – التربية

 

وعليه فإنّ العوامل المتغيّرة الوراثية والمحيط وإنْ كانت في تفاعل مستمرّ إلَّا أنَّ من الممكن فصل العوامل الوراثية عن المحيط فصلاً نظرياً على الأقلّ؛ لغرض الدراسة ومعرفة الدور الذي تلعبه هذه العوامل أو تلك. وذلك بتغيير الوراثة وإبقاء المحيط ثابتاً أو بالعكس، فليس بإمكاننا معرفة العلاقة بين الفرد وبين العوامل الوراثية وبينه وبين العوامل المحيطية إلَّا بتغيير الوراثة وإبقاء المحيط ثابتاً لمعرفة ما يحدثه تغيّرهما من فروق بين الأفراد.

دراسة التوائم المتماثلة 

 وأقرب الأمثلة لذلك ما يسمّى بالتوائم المتماثلة والتوائم هي ذات وراثة واحدة، وهي عبارة عن بويضة واحدة مخصّبة تنقسم إلى قسمين. معنى ذلك أنَّ التوأم اثنان ولكن بوراثة واحدة، فإذا عرضناهما إلى محيطات متبائنة فكلّ ما يوجد بينهما من فروق ترجع إلى المحيط، فعندما نفصلهما ونعزلهما عن بعضهما نكون قد قمنا بتثبيت الوراثة وعرضناهما إلى تأثير العوامل المتغيّرة المحيطية.

وقد كشفت دراسة التوائم المتماثلة بعد نموّها عن الاختلاف في كثير من وجوه الشخصيّة رغم أنَّ خلقهما متّحداً، إذن العوامل المحيطية تؤثّر في عوامل غير العوامل الخلفية.

ــــــــــ[144]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التغيّر في المحيط يؤدّي إلى تغيير في الشخصيّة دون إحداث تغيير في الخصائص الجسمية التي هي نتاج الوراثة. أمّا إذا أردنا أنْ نتّبع تأثير الوراثة فإنَّنا نعمد إلى أمثلة تختلف فيها الوراثة ويكون فيها المحيط واحداً ثابتاً.

دراسة (ليهي)

ومن هذه الأمثلة الدراسة التي أجرتها الباحثة (ليهي) على مئتي طفل من الأطفال المتبنّين، ومعناه: أنّ العائلة المتبنّية بها أطفال من صلب العائلة ومتبنّية غيرهم، ومقارنة كلّ منهم مع الطفل الأصلي، فقد أُودع هؤلاء الأطفال لدى العوائل قبل أنْ يولد كلّ منهم ستة أشهر. ومعنى ذلك أنّهم لم يتعرّضوا لآثار محيطاتهم، وبعد أنْ بقي هؤلاء الأطفال عند العوائل المتبنية خمس سنوات فأكثر قامت (ليهي) بدراستهم واختبارهم اختبارات مقارنة مع الأطفال الأصليين لتلك العوائل بغية كشف الفروق في الآثار التي أحدثتها الوراثة المختلفة مع وجود محيط واحد للطفل الأصلي والطفل المتبنى، فاكتشفت أنَّ بين الطفلين
-الأصلي والمتبنّى- اختلافاً كبيراً في درجة الذكاء فيهما.

 ومعنى ذلك أنَّ هذا الاختلاف هو أثر من آثار الوراثة، كما اكتشفت أنَّ الاختلاف في الوراثة يصاحبه عادة اختلاف في الذكاء هو أكثر ممّا يصاحب الاختلاف في المحيط فيما إذا كان الطفلان من وراثة واحدة، كالتوائم المتماثلة في المسألة السابقة.

وبعبارة أُخرى: إنّها وجدت أنَّ عامل الذكاء بين الأطفال المتبنين والأطفال الأصليّين لهذه العوائل كان يختلف اختلافاً أكبر من ذلك الاختلاف 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الذي يصحب تغيير المحيط، أي: إنّ الوراثة أشدّ تحكماً وتأثيراً في تعيين الذكاء للفرد من المحيط.

كما أنَّ الباحثة (ليهي) هذه درست معامل الترابط بين ذكاء الأطفال الأصليّين وذكاء آبائهم من جهة وبين ذكاء الأطفال المتبنّين وذكاء آبائهم المتبنين من جهة أُخرى، فوجدتْ أنَّ معامل الترابط بين الأب والابن الأصلي هو 60%، وبين الأب والابن المتبنى 18%، فترى الفرق بين النسبتين كبير جداً، على اعتبار أنّ هؤلاء الأبناء نزحوا من وراثتين مختلفتين.

 وهكذا تجدون أنَّ الدراسة قلبت على وجوهها المختلفة للتدليل على أنَّ الوراثة ذات أثر أكبر في التحكّم في الذكاء من أثر المحيط.

وقد استنتجت (ليهي) أيضاً أنَّ خصائص الشخصيّة يمكن تفسيرها على أساس تغيير واختلاف الوراثة أكثر من إمكان تفسيرها على أساس اختلاف المحيط.

دراسات أُخرى 

وهناك دراسات أُخرى عالجت مسألة عزل آثار كلّ من الوراثة والمحيط عن الآخر لمعرفة قوّتها في صوغ الشخصيّة. فهؤلاء الأطفال المتبنون أو التائهون في الطرقات حينما تأخذهم وتجعلهم في محيط جديد عليهم، أو كما لو أنّ عراقياً مثلاً أسكنته في بلد مثل الصين مثلاً ذي قيم وتقاليد وحضارة ولغة جديدة فسوف تلاحظ أثر هذا المحيط الجديد على سلوكه وشخصيته بشكل واسع، ممّا يدل على مقدار أثر المحيط في صوغ شخصية الفرد ووجهات نظره 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وفلسفته في الحياة وآراءه وقيمه المختلفة، وطبعاً ليس ذلك من أثر الوراثة؛ لأنَّها ثابتة في هذا المثال.

نقاط الضعف في هذه الدراسات

وهذا الذي ذكرته من الأمثلة -كما في عرض الطرائق التي اتبعت في هذا الموضوع- لا بُدّ لي من تبيان نقاط الضعف والهنات في هذه الدراسات، محاولاً في النهاية الخلوص إلى تفسير قد يكون مفيداً في علم النفس الاجتماعي، وقد تكون مهمّته أسهل وأوضح إذا ابتدأ في الإجابة على السؤال التالي: ما الذي يورث؟، أو في أيّ الوجوه تترابط الفروق في الوراثة مع الفروق البيئية و الوظيفة؟

وقبل الإجابة على ذلك، أودّ أنْ أشير إلى أنّني سأغفل بعض الدراسات فيما يأتي من المحاضرة؛ نظراً لأنّها لم تتمكن من ضبط العوامل المتغيّرة المستقلّة الذي هو الأساس في الاعتماد على نتائج الدراسة.

دراسات شجرة العائلة 

ومن أمثلة هذه الدراسات التي لا يصحّ الاعتماد عليها، الدراسات التي أُجريت على شجرة العائلة أو كما تسمّى السلالات العائلية كأن تدرس العائلة منذ أربع أو خمس قرون أو أكثر للبرهنة على أنَّ هذه العائلة عائلة عباقرة مجرمين أو مجانين -مثلاً- كما ورد في حياة (سان سيمون) الفرنسي، من أنَّه طاف عليه (شارل مان) وقال له: أنا ألمع إمبراطور في السلالة الرومانية وأنت ألمع فيلسوف فيها… الخ.

ــــــــــ[147]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إلى آخر ما في ذلك من سخف كان الغرض منه تدعيم نفوذه الفكري بنفوذ تاريخي.

وكالدراسة التي أُجريت على أحد المجرمين في الولايات المتحّدة، فوجد أنَّ سلالته منذ سنين طويلة منها ما بين مجرم ولص وعاهرة وأشباه ذلك، وكانت الغاية من مثل هذه الدراسة البرهنة على ما للوراثة من أثر، وإغفال جانب المحيط وآثاره، وكلّنا يعلم أنَّ المجرم لا يكون مجرماً لأنَّ والده كان مجرماً؛ بل لأنَّه عاش في محيط اجرامي أثّر في سلوكه، وهذا شيء معروف، ولعلّ حديث: “إيّاكم وخضراء الدمن” من أصدق الأدلّة عليه.

دراسة (كالتون)

 ومن هذه الدراسات التي لم تضبط كلّ العوامل المتغيّرة المستقلّة، الدراسة التي أجراها (كالتون) الإنكليزي، وهو من ألمع علماء الوراثة التي سمّاها (العبقريّة الموروثة)، أو العباقرة الوراثيون، وقد أكّد في دراسته هذه على الوراثة كما أهمل مهمّة المحيط ليثبت أنَّ العبقرية أمر موهوب غير مكتسب.

دراسات مدرسة التحليل النفسي

1. (فرويد) 

وليس الأمر مقتصراً على دراسات الروّاد الأوائل في هذا الموضوع، بل حتّى بعض الدراسات الحديثة التي أهملت ضبط العوامل المتغيّرة المستقلّة وقعت في مثل هذه الاستنتاجات، فقد استنتجت بعض البحوث المعاصرة أنَّ الأمراض العقليّة أمراض وراثيّة، كما ذهب بعض علماء الطبّ وعلماء الوراثة 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إلى أنَّ مرض الفصام النفسي أو (الانشطار النفسي) هو مرض موروث، ولكن علماء الاجتماع -ومنهم (فرويد) كعالم من علماء النفس الاجتماعي- يرون أنَّ الانشطار النفسي هو من الأمراض العقليّة التي تحدث نتيجة للصراع العقلي، صراع بين رغبة جنسية جامحة وضوابط ونظم اجتماعية تحول دون تحقيقها، فيشتدّ الصراع بين هذه الرغبة الجنسية العارمة من ناحية وبين هذه الحدود الاجتماعية التي يجب أنْ تراعى، وإلَّا عُرّض للخطأ، وربّما جاز أنْ يقتل من يعترضه، ثُمَّ إنَّ هذا الصراع ينعكس في دخيلة نفسه ويصبح صراعاً نفسياً عقلياً ويرى المصاب بهذا المرض شاذاً تعاوده فترات من الذهول يذهب إلى حيث لا يدري، ويتكلّم بمفردات ورموز هي غير المفردات والرموز التي يتعاطاها الأسوياء.

2. (زوربو) 

وهناك دراسات اجتماعيّة ونفسيّة لغير (فرويد) كدراسة (زوربو) Zorbough وغيره، تثبت أنَّ بعض الأمراض العقلية ليست كما يدّعي الوراثيون، أو إنّما هي مكتسبة يصاب بها الإنسان لتعرّضه لوضعيات معيّنة، وإنْ تفاوت الناس بالإصابة بها على أساس أنّهم يتفاوتون في سلامة الأعصاب nerves وقوّة المقاومة. ولم تستطع هذه الدراسات إغفال المؤثّرات المحيطية، فتتبّعت عواملها المتغيّرة المستقلّة في هذه الظواهر والامراض التي يدّعى أنّها وراثية.

وضبط هذه العوامل يمكن أنْ يتمّ بمقارنة حدوث المرض العقلي بين 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الأطفال الذين نشأوا وربوا من قبل آبائهم المُرْض عقلياً مع نسبة المَرض بين الأطفال الذين نشأوا في عوائل لم يصب فيها الآباء بمرض عقلي، أو أولئك الأبناء الذين فُصلوا عن آبائهم المرضى في السنين المبكّرة بحيث لم يتعرضوا لآثار العدوى. 

وهناك احتمال كبير كما يرى العلماء أنّ الأطفال الذين ينشئون في عوائل أُصيب الآباء فيها أو الأُمّهات بأمراض عقلية، أنَّ نسبة كبيرة من هؤلاء الأطفال يصابون بهذه الأمراض ليس نتيجة وراثتهم لتلك الأمراض، وإنَّما نتيجة حياتهم وتفاعلهم مع وضعيات اجتماعية اطراف التفاعل فيها مصابون بأمراض عقلية، والاحتمال الكبير أنّ أبناء هؤلاء المصابين إذا عزلوا عن آبائهم في سنين مبكرة أنْ تقلّ نسبة الإصابة فيهم كثيراً، كما يدلّ على أثر المحيط في نقل الجنون أو المرض العقلي من الآباء إلى الأبناء دون العامل الوراثي.

ويعطينا الفرق بين عدد المصابين في الجماعتين -الأطفال المعزولين عن آبائهم وغير المعزولين- يعطينا بعض الفكرة عن أهمّية العوامل المحيطة، ولأجل هذا يغفل بعض الباحثين ما للعوامل الوراثية والفسلجية من أهمية في إحداث الخلل العقلي أو سوء التكيّف الاجتماعي.

الدراسات الشمولية (كارل ماركس)

أمّا الدراسات التي يمكن الاستفادة منها في بحث العلاقات بين الوراثة والمحيط، فهي الدراسات التي يثبت فيها العوامل المتغيّرة الوراثية وتنتخب وجوهاً معيّنة تخضع للدراسة العلمية، ويمكن فيها تثبيت وضبط العوامل المتغيّرة المستقلّة، لا الدراسات الواسعة الشاملة، كدراسة الطبيعة البشري 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

بصورة عامّة، بحيث لا يمكن الركون إلى نتائجها علمياً كما صنع (كارل ماركس) بنظريته الشاملة حول الكون منذ الخليقة إلى نهايته المحتومة الشيوعية-في رأيه- بحيث لا يمكن للإنسان من التثبت من صحّتها وإخضاعها للتجريب.

الدراسات الخاضعة للتجربة 

 ومن هذه الدراسات المفيدة دراسة نوع من أنواع المرض يصحّ إخضاعه للتجريب، وهل هو مثلاً نتيجة المحيط أو الوراثة، لا الأمراض كلّها أو دراسة عامل الذكاء عند هذا الفرد أو ذاك، وروابط الذكاء بالمحيط أو الوراثة ومقارنة ذكاء الابن بذكاء الأب، أو دراسة القابليات والمهارات هل هي موروثة أو مكتسبة، أو دراسة المواقف هل موقف الفتى أو الفتاة من الشيوعية -مثلاً- أو الفاشية هل هو موقف موروث أو مكتسب، وهكذا؟ 

وهذه الدراسات هي التي يمكن الاعتماد عليها في إلقاء الضوء على مدى أهميّة الوراثة أو المحيط في صياغة وجه أو وجوه من شخصية الفرد.

ــــــــــ[151]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفصل العاشر: آثار الوراثة

 

  • 1. التباين الوراثي 
  • 2. الأمراض العقلية والفسلجية 
  • اختبارت الذكاء 
  • نقد اختبارات الذكاء
  • الذكاء العام والتأثير الوراثي

ــــــــــ[153]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفصل العاشر: آثار الوراثة

 

1. التباين الوراثي 

 

إنَّما قدّمه الباحثون الذين يُعنون بموضوع العلاقة بين الوراثة والمحيط يدور أغلبه -إنْ لم يكن كلّه- حول الخصائص الجسمانية والامراض فقط. فقد برهنوا على أنَّهما ينتقلان بالوراثة. وأمّا النتائج التي وصلوا إليها عن أثر الوراثة، فهي أنَّهم يؤكّدون على أنّ التباين الوراثي هو السبب والتباين في الاختلاف الجسماني، ويشمل هذا الاختلاف لون الجلد ولون الشعر، وهيئة الشعر والعيون شكلها ولونها والأنف وشكله والفم والآذان وارتفاع القوام أو انخفاضه والبنية الجسمانية.

كما يرى هؤلاء العلماء أنَّ الوراثة أشدّ تحكّماً بلون الشعر والجلد والعين من تحكّمها بشكل الأنف والآذان والقوام، وإنْ كانت كلّها تتأثّر بالوراثة. كما اكتشفوا عدّة تشويهات جسمانية كان سببها جينية غير اعتيادية بسبب من الأسباب يجهله العلماء لحدّ الآن، كالأصابع المشوّهة في اليدين أو الرجلين زيادة ونقيصة، وبعض العلامات التي يولد الطفل وهو مزوّد بها المشوهة للخلقة، وكصغر الحجم صغراً متناهياً وإنْ كان عمر صاحبه 30 سنة. فهذه 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التشويهات وأمثالها ليست وراثية وإنَّما هي نتيجة تكون أنماط جينية غير سوية. كما أنّهم وجدوا بأنَّ العوامل الوراثية المتحكّمة بالارتباط الجنسي تنتج ما يسمّى بالهيموفيليا، وهو عدم تخثّر الدم بحيث يظلّ ينزف بلا انقطاع، والرجال يصابون به أكثر من النساء، كما أنَّ الصلع كذلك خاصّة وراثية، كما أنَّ بعض الأمراض الأُخرى يؤكّدون أنَّها وراثية، كمرض السكّر وروماتيزم القلب وبعض الأنواع الشاذّة الخبيثة من السرطان. 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي











2. الأمراض العقلية والفسلجية 

 

وكذلك أغلب التشويهات العقلية (كالهنتن كنسي لوكيا)، وهو خلل عقلي نادر الحدوث تصاحبه تشنّجات مفاجئة مثل الصرع. والباحثون في علم الطبّ لا يزالون في نقاش حول وراثة بعض الأمراض، كالسلّ والسرطان بصورة عامّة، والصرع والانشطار العقلي أو النفسي وغيرها، بعضهم يقول أنَّها أمراض مكتسبة، وبعضهم يقول أنَّها وراثية قد تكون هي بذاتها موروثة أو أنَّ قابلية الإصابة بها موروثة، أو بعبارة أُخرى أنَّ الفرد قد يولد وهو مزوّد بقابلية للإصابة بعوامل وأسباب وراثية فعّالة، ولكنّها كامنة قد تستبين آثارها فجأة.

ــــــــــ[157]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي









اختبارت الذكاء 

 

قلت فيما سبق من حديث: إنَّ الدراسات التي قام بها علماء النفس الاجتماعي حول العلاقة بين الوراثة والمحيط من جهة وبين الوراثة والمحيط والشخصيّة من جهة أُخرى، كما وتكون مقصورة في الغالب على دراسة الذكاء، وهل هو متأثّر بالمحيط أكثر أم بالوراثة، أمّ أنَّه نتاجها معاً؟ وأشرت إلى أنَّ هؤلاء العلماء وضعوا ما يسمّى باختبارات الذكاء لمعرفة ذلك.

أنواع الاختبارات 

اختبارات الذكاء نوعان: نوع وضع للذين يعرفون القراءة والكتابة على كلّ أسئلة تطلب الإجابة عليها، ونوع هو مجموعة من الأعمال اليدوية وضعت لغير المتعلمين ومنهم الشعوب البدائية، من قبيل أنْ يُقدَّم للفرد الممتحن دوائر مختلفة من المثلّثات والمربّعات الخشبية، ودوائر أُخرى مثلثة أو مربّعة أو غير ذلك. ولكنّها متفرّعة فيطلب منه العمل على التقاء الدوائر بما يشابهها أو يلائمها من الدوائر الأُخرى أو غير ذلك، وهذا النوع يسمّى بـ(اختبارات الانجاز).

وأوّل مَن أوجد هذه الاختبارات هو العلّامة الفرنسي (بينيه).

 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

نقد اختبارات الذكاء

 

وقد وردت عليه عدّة انتقادات تقول: إن الاختبارات التي تقيّد في مجتمع أو حضارة مّا ليس هناك ما يبرّر استعمالها في حضارة أُخرى، على اعتبار أنّ الناس في هذا المجتمع -مثلاً- لم يألفوا من هذا النوع من الأسئلة ليتمكّنوا من الإجابة عليها. فإذا وضع سؤال في انجلترا -مثلاً- ونقل نفس السؤال لاختبار الذكاء في أواسط أفريقيا ولم يستطع الفرد الأفريقي الإجابة عليه، فليس معنى ذلك أنَّ درجة ذكاءه صفر، بل معنى ذلك أنَّ هذا السؤال لا يناسب مثل هذا المحيط كما يناسب المحيط الإنكليزي، وأنَّ المحيط الأفريقي أو الاسترالي أو العراقي أو غيرها تستلزم مجموعات أُخرى من الأسئلة وضروباً تتّفق وهذه المواطن.

هذا وقد قسّم العلماء الذكاء إلى ذكاء عامّ وذكاء خاصّ، وبقي قسم كبير من علماء النفس حتّى العقد الثالث من هذا القرن يؤكّدون على أنَّ الذكاء العام أمر موروث وأنَّه يبقى ثابتاً طول حياة الشخص لا يتغيّر بتغيّر الوضعيات المختلفة إلَّا في النادر، ومثل هذه الدعوى حفزت العلماء لإجراء تجاريب واختبارات كثيرة لاكتشاف صحّتها.

ــــــــــ[159]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

الذكاء العام والتأثير الوراثي

 

وقد برهنت دراسات كثيرة على أنَّ الذكاء -وخاصّة الذكاء العام- لا يتأثّر أو لا يتغيّر إلَّا بمقدار خمس أو ست نقاط مهما اختلف المحيط، ممّا يدل على أنَّ العامل المتحكّم في الذكاء هو العامل الوراثي، فالطفل الذي يحصل على 120 في اختبارات الذكاء وعمره ستّ سنوات يكون جعل ذكاءه في السنين القابلة من حياته يتراوح حوالي هذه الدرجة، فقد يزيد عليها خمس أو ست نقاط وقد ينقص مثل ذلك، فالذي تتحكّم فيه الوراثة إذن 114 من أصل 120 أو 120 من أصل 126 والخمس أو الست نقاط الأُخرى هي التي يتحكّم فيها المحيط، هذا هو أكبر احتمال في تغيير معامل الذكاء على رأي بعض علماء النفس.

ولكن هؤلاء بدأوا أخيراً يضعون الاستثناءات ويشكّون في صحّة نتائجهم هذه وفي ثبوت عامل الذكاء عند بعض الأفراد؛ مفترضين لثبوته تفسيراً بأنَّ عامل الذكاء إذا كان ثابتاً فمعنى ذلك أنَّ المحيط ثابت وإذا تغيّر فالمحيط متغيّر وأخيراً فإنّهم يشعرون قليلاً أنَّ الوراثة ليس وحدها هي التي تتحكم في تعيين معامل الذكاء، وأنَّ المحيط له دخل في ذلك، فبدأ دراستهم لتعيين أثره في تغيير معامل الذكاء.

ــــــــــ[160]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وقد وصلت بحوث ودراسات هؤلاء العلماء -خصوصاً البحوث التي أجريت خلال العقدين الثالث والرابع من هذا القرن- في كلٍّ من جامعة شيكاغوا وجامعة ابوا إلى أنَّ التغييرات من المحيط تحدث تغييرات إيجابية أو سلبية في معامل الذكاء ولكنّها قد لا تعدوا الخمس إلى العشر نقاط -زيادة ونقصاناً- إذا كانت الوضعيات غير ملائمة، أمّا إذا كانت تغييرات المحيط كبيرة فإنَّ تغييرات عامل الذكاء سلباً أو أيجاباً قد تبلغ ثلاثين أو أربعين نقطة.

وهذه التغيرات على أيِّ حالٍ بسيطة إذا هي قورنت بالاختلافات التي تحدّثها العوامل الوراثية؛ حيث الفرق بين الأبله الذي يقرّر ذكائه بالوراثة فيكون عامل ذكاءه 200 وبين الموهوب فطرة الذي يكون عامل ذكاءه (120) هو فرق كبير بالنسبة إلى فوارق تغيّر المحيط.

فهذا المدى الذي تتحكّم فيه الوراثة بين الـ(200)و (150) أهمّ من مدى تحكّم المحيط بين 10 و 30، وهذه الدراسات تبيّن على أنَّ التغيّرات المفرطة قد لا تغيّر من عامل الذكاء أكثر من الربع أو الثلث، بينما تبقى الثلاثة أرباع أو الثلثان الآخران من حصيلة الوراثة.

ــــــــــ[161]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




الفصل الحادي عشر

أثر الوراثة والمحيط في الوجوه الأُخرى من الشخصيّة

 

  • النموّ، والنضج، والتدريب

ــــــــــ[163]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفصل الحادي عشر: أثر الوراثة والمحيط في الوجوه الأُخرى من الشخصيّة

 

النموّ، والنضج، والتدريب 

 

لقد قام كثير من علماء النفس بدراسات حول العلاقة بين كلٍّ من الوراثة والمحيط وبين الوجوه الأُخرى من الشخصيّة غير الذكاء، كالنموِّ الحركي والنضج والتدريب وما شابهها، هل تتأثّر بالوراثة أكثر أم بالمحيط؟

دراسة (ارنولد جيزيل)

ومن أحسن هذه الدراسات التي أُجريت حول النضج والتدريب، ذلك أنَّ النضج بتأثير الوراثة، بينما التدريب هو عامل محيطي وأثر من آثار المحيط. وهذه الدراسة للأستاذ (ارنولد جيزيل) Arnold Gesell وهو أحد أساتذة جامعة شيل [ييل] الأميركيّة.

وقد انتهت هذه الدراسة إلى أنَّ النضج عامل قليل الأهميّة والتأثير في النموّ العضليّ وفي الضبط الحركيّ عند الطفل.

دراسة (دنس)

 كما أنَّ (دِنِس) W. Dennis عني بهذه الناحية، فوجد أنَّ أطفال مجتمع 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

(الهوبي HOPI) في الولايات المتّحدة الذين يشدّ الأطفال عندهم منذ نعومة الاظفار إلى خشبة طوال عامهم الأوّل، وجد أنَّهم يبدأون المشي في نفس العمر الذي يمشي به الأطفال الآخرون من الهنود الذين يشدّون إلى مثل هذه الخشبة، ولا يتخلّف هؤلاء عن أولئك إلَّا بضعة أيّام لا تتجاوز الست.

دراسة (ماك كرو)

وأحسنُ بحثٍ يُعرف في هذا الباب هو دراسة الباحثة (ماك گرو)
M. Grow، وهي من الباحثات المتوافرات على دراسة نموّ الأطفال في مختلف الوجوه، وقد توفّرت هذه الباحثة على دراسة توأم اسم أحدهما (جوني) والآخر اسمه (جني) وقد تتبّعت (ماك گرو) نموّ هذين الطفلين من التوأم خلال عدّة سنوات، فأخذت (جوني) وأعطته تدريباً عضليّاً مفرطاً، وفعاليّات رياضية كثيرة في السنين الأُولى من حياته، بغية معرفة ما إذا كان هذا التدريب يحسن القابلية الحركية عند مقارنتها بقابليّة (جني) الذي تُرك من غير تدريب.

وقد ظهر لها أنَّ هذا التدريب يحسّن القابلية الحركية ليس له غير أثر قليل فيما اسمته (بالفعاليات الوراثية) التي تتحكّم فيها الوراثة؛ فإنَّ الأفعال المنعكسة -مثلاً- بقيت كما هي عند كلٍّ من الطفلين -جوني وجني- وكذلك (الزحف) الذي هو نوع من النشاط أو الفعاليّة التي تتحكّم بها الوراثة ولا دخل للتدريب فيها وأمّا (القعود) فكلاهما يجلسان في نفس الوقت تقريباً، وهكذا الوقوف والمشي والدبيب ممّا يدلّ على أنَّها نتيجة وراثية ووجه من وجوه (النضج) الذي هو تعبير عن الوراثة.

ــــــــــ[166]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وقد فسّرت (ماك گرو) ذلك بأنَّ هذه الفعّاليات هي فعّاليات (تحت القشرية) -الفعاليّات تحت القشرية: عبارةٌ من علم الأجنّة، والذي يدرس الجنين يعرف كيف تبدأ القشرة وتحتها أنسجة مخاطية مختلفة وكيف تبدأ بالتفرّع وهي أساسية للإنسان السوي، ولذا فهي مستقلّة عن التدريب. بينما هناك فعاليّات أُخرى أسمتها (انتورجنتك) وهي فعّاليات تختصّ بـ(تاريخ حياة الفرد)، وما يختصّ بتاريخ حياة الفرد يكون بالطبع متأثّراً بالعوامل المحيطية وملابسات التدريب. وهذه الفعاليّات الأُخرى التي تتوقّف على المراكز العليا في الدماغ قد يكتسبها الفرد أو لا يكتسبها، ومن أمثلتها: التزحلق والقفز والسباحة.

وقد أنتج التدريب في مثل هذه الفعاليّات نتائج ملحوظة في دراسة (ماك گرو)، فقد تعلّم (جوني) أنْ يسبح وحده وعمره 14 شهراً، والتزحلق وعمره سنة واحدة في حين أنَّ (جني) تعلّم هذه الأشياء بعد جوني بزمن طويل، ممّا يدلّ على أثر التدريب في هذه الفعاليات.

ــــــــــ[167]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




ــــــــــ[168]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



الفصل الثاني عشر

هفوات التعميم في موضوع  الوراثة والمحيط

 

  • دراسة التعميم (كار ميكل)
  • دراسة التخصيص (سارجنت)
  • دراسات ناجحة
  • نتيجة الدراسات

ــــــــــ[169]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



الفصل الثاني عشر: هفوات التعميم في موضوع      الوراثة والمحيط

 

لقد أفرط بعض علماء الاجتماع، وبعض علماء النفس الاجتماعي في تعميم النتائج التي حاولوا عليها من جراء قيامهم بتجارب ودراسات جزئيّة حول المحيط، كما أفرط الآخرون في تجارب قليلة من موضوع الوراثة.

فكثير من هؤلاء العلماء تأثّروا تأثراً بالغاً بتحكّم العوامل الوراثية في كلٍّ من النموّ الحركي والنموّ العقلي، فراحوا يفترضون بأنَّ الوجوه الأُخرى من نموّ الفرد بالإضافة إلى هذين الوجهين خاضعة لمثل هذا التحكّم، وقد ظهر ذلك جليّاً في كتابات علماء النفس الفردي بصورة خاصّة.

ــــــــــ[171]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






دراسة التعميم (كار ميكل)

 

وفي بحث حديث قام به (كار ميكل) Carmichael، بمعاونة خمسة علماء من علماء النفس حول الوراثة والمحيط، وقد نشر في مجلّة (المراجعة في علم النفس – وقد وضعوا فيه الأهمّية الكبرى على الدور الذي تلعبه الوراثة في سلوك الإنسان، وقد قال (كار ميكل) في هذا البحث (أنَّ من الصعوبة جدّاً أنْ نجد حقيقةً مّا بايولوجية أو سايكولوجية تدحض ما قاله بايولوجي مشهور بهذا الصدد: من أنَّ تسعة أعشارنا فطري (وراثي) في حين أنَّ عشرنا قد يكون مكتسباً).

ــــــــــ[172]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي








دراسة التخصيص (سارجنت)

 

وهناك عالم نفسي اجتماعي آخر (ستانسفلت سارجنت)Sergant، الأستاذ في جامعة كولومبيا، هذا العالِم يؤكّد فيما كتب في ميدان علم النفس الاجتماعي على أنَّ الدور الذي تلعبه كلّ من الوراثة والمحيط والنضج والتدريب يختلف باختلاف وجهات السلوك التي نخضعها للدراسة.

وبعبارة أُخرى: أنَّنا لا نتمكّن أنْ نستنتج بأنّ النموّ اللّغوي والادراك والانفعال والعاطفة والمهارات (كذا)، والخصائص الشخصيّة والسلوك الاجتماعي كلّها متأثّرة بالوراثة إلى نفس الدرجة التي يتأثّر فيها، لا تستلزم مطلقاً الادّعاء بأنَّ الوجوه الأُخرى من السلوك الشخصي والاجتماعي متأثّرة بالوراثة إلى هذا الحدّ، ويذهب (سارجنت) إلى وجوب إجراء التجارب في كلِّ وجه على حدة؛ لنتبيّن مدى تأثّره بالوراثة أو بالمحيط، ولا يجوز التعميم على أثر نتيجة دراسة وجهٍ واحد منها، كأغلب البحوث والدراسات حول الوراثة والمحيط.

ــــــــــ[173]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



دراسات ناجحة

 

وهناك دراسة واحدة ناجحة شذّت عن أخواتها، وهي الدراسة التي قام بها ثلاثة من العلماء، هم: (نيومن) [بالالمانية]: Neuman، و(هولزنگر)Holzinger، و(فريمن) Freeman، وهي من أهمّ الدراسات في موضوع العلاقة بين الشخصيّة من ناحية والوراثة والمحيط من ناحية أُخرى؛ ذلك لأنَّ هذه الدراسات أُجريت على (التوائم المتماثلة) -معنية بالعلاقات الموجودة بين الجسم والذكاء والانجاز والشخصيّة- وبالمقارنة مع بعضها البعض من ناحية تأثّرها بالوراثة والمحيط استطاعت أنْ تبيّن مدى تأثرّهما إلى درجة دقيقة.

فقد درس هؤلاء العلماء تسعة عشر زوجاً من (التوائم المتماثلة) التي عاش أطرافها منفصلين عن بعضهم أغلب سنيِّ حياتهم؛ والتوائم كما تعلمون ذات وراثة واحدة، فإذا اختلفت وجوه الشخصيّة فيها فمعنى ذلك أنَّ الاختلاف هو من أثر المحيط، لأنَّه لو كان من الوراثة لما اختلفت.

ــــــــــ[174]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



نتيجة الدراسات 

 

وظهر من نتيجة هذه الدراسة أنَّ علوّ القوام في كلِّ توأم لا يختلف عن بعضه إلَّا بمقدار ثلاثة أرباع الإنج طولاً وقصراً، وأنَّ معامل الذكاء في كلِّ توأم يختلف بمقدار ثمان نقاط فقط. 

ولكنّ هذه الدراسة أبانت بأنَّ المحيط قد أثّر في شخصية وانجاز هذه التوائم إلى درجة كبيرة، فقد وجد (فريمن) أنَّ توأماً متكوّن من أُختين عاشت احداهما في محيط جيّد فكانت ممشوقة القوام حسنة محبوبة الشخصيّة واثقة بنفسها، في حين أنَّ الأُخرى كانت ذات جسم غير رشيق وغير واثقة بنفسها.

ووجد (فريمن) أيضاً ولداً من توأم آخر كان يختلف عن أخيه في كثير من السجايا وإنْ كانا متشابهين في المظهر والطبع، فقد كان أحدهما متزناً نشيطاً يشعر بالمسؤولية، أمّا الآخر فلم يشتغل إلَّا لبرهة من الزمن كعامل بسيط، ولكنّه في الغالب يقوم بأعمال خارجة عن القانون. وهكذا وجد في توأم نشأ أحد طرفيه في الريف، فكان نشيطاً شجاعاً، ونشأ الآخر في الحضر فكان كسولاً خائراً.

ويعتقد (فريمن) بأنَّ هذا التباين في السجايا بين التوائم يطابق التباين بين العوائل المتبنيّة لها.

ــــــــــ[175]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

واعتقد هؤلاء العلماء بأنَّهم مبّررون من الناحية العلميّة أنْ يستنتجوا بأنَّ الفروق الجسمية هي أقلّ تأثراً بالمحيط من غيرها، فالذكاء يتأثّر ثماني نقاط، وهي إذا نسبت إلى مجموع معامل الذكاء كانت أكثر من ثلاثة أرباع الإنج إذا نسبت إلى طول التوأمين.

أمّا الانجاز التربوي والثقافي فقد وجد أنَّه أكثر من الذكاء تأثّراً بالمحيط. أمّا الشخصيّة فهي أكثر تأثّراً بالمحيط من الجميع.

وهذه النتائج التي توصّل إليها (فريمن) وزميلاه -وهي نتائج كثيرة الأهميّة- فلم يستطع أغلب الباحثين التوصّل إلى نتائج أوضح منها، وأنَّ تفسير الأنماط المختلفة التي يتّخذها التفاعل بين الوراثة والمحيط لم يكن قد اهتدى إليها إلَّا من أثر تحليل العمليات -السلوكيّة المختلفة- هذه.

لقد ظهر بأنَّ النضج والتدريب -مثلاً- يشتركان كلاهما في تنمية الطفل من ناحية الكلام اشتراكاً جوهرياً ومتعادلاً إلى حدٍّ كبير أكثر من تأثيرهما في النموّ الحركي، فقابلية الطفل على الكلام تتوقّف على قابليّته على التفوّق أو إحداث الصوت وعلى فهمه لمعاني الكلمات، وهذا التفوّق أو إحداث الصوت موجودة عنده منذ الولادة، غير أنَّه يزداد ويتسّع -من حيث المدى والتعقّد- كلّما ازدادت المحرّكات العضلية والعصبية نضجاً. ولكن اللغة أو الكلام أكثر من احداث الصوت؛ وذلك لأنَّ الكلام يعني فهم واحداث أصوات ذات معنى اجتماعي، وهذا الأخير يتوّقف على الخبرة والتدريب.

ألا ترى أنَّ الطفل المصاب ببعض التشويهات العضوية في أعضاء النطق لا 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

يمكنه أنْ يتكلّم؛ ذلك لأنَّه لا يتمكّن من التكلّم أو إحداث الصوت، ولكنّه مع ذلك يفهم كثيراً من الكلمات التي توجّه إليه نتيجة ممارسته للخبرة الاجتماعية. أمّا الطفل الذي يُعزل عن الاتّصال بالناس فلا يمكنه أنْ يتكلّم أيضاً، ولكن عدم تمكّنه ليس لأنَّه لا يتمكّن من إحداث الصوت، بل لأنَّه لم يتعلّم المعاني المتعارفة اجتماعياً لأصوات معيّنة. إذن، فالنضج والتدريب يُشترطان في تنمية الطفل لفظيّاً.

ــــــــــ[177]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



الفصل الثالث عشر

النضج والتدريب وأثرهما في النموّ العاطفي

ــــــــــ[179]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل الثالث عشر: النضج والتدريب                              وأثرهما في النموّ العاطفي

 

كثر الجدل بين العلماء وتعقّد حول النضج والتدريب -كمظهرين للوراثة والمحيط- على النموّ العاطفي والانفعالي للفرد، وأنَّ أيّهما أبعد أثراً فيه. ولكن هؤلاء المتجادلين يغفلون -غالباً- أنَّ الانفعال عمليّة معقّدة قد يختلف تأثّر وجوهها بالنضج والتدريب اختلافاً كبيراً؛ ذلك أنَّ الرجع الانفعالي الكامل لا بُدّ وأنْ يشمل -على الأقلّ- خمس خطوات:

  1. إدراك الوضعية (المنبّهة) التي تُثير إدراكاً حسيّاً.
  2. تفسير هذه الوضعيّة المنبّهة.
  3. أنْ يُؤدّي هذا التفسير إلى حدوث ردَّ فعل عضوي أو حشوي كأنْ ينزعج أو يقلق أو يفرح أو يسرّ… إلخ.
  4. حدوث حالة شعوريّة قد تكون مزعجة أو مسرّة.
  5. من المحتمل حدوث تعبيرٍ ظاهريٍّ ينطوي على فعاليّة غدديّة أو عضلية، كالابتسام أو الدمع وما شاكل. فالشخص الذي يحزن لموت أبيه لا بُدّ وأنْ يمرّ بهذه الخطوات.

أ) يرى أباه جسماً مسجّى.

ــــــــــ[181]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ب) فيفسّر ذلك بأنّه مات.

ج) فيؤدّي ذلك إلى توتّر في نفسه يؤثّر على الغدّد الصم فتفرِّغ بعض إفرازاتها الكيماوية بالدم.

 د) فيصبح عند ذلك في حالة شعور انفعالية.

هـ) فيبكي.

إذن، فانفعال الحزن هذا -مثلاً المكوّن من خمس خطوات أو الوجوه- يتأثّر بالوراثة أكثر من المحيط أو بالعكس؟

والذي لا شكّ فيه أنَّ النضج الفسلجي يؤثّر في كلّ مراحل ردّ الفعل الانفعالي؛ هذا لأنَّ كلّ هذه المراحل تتطلّب النموّ، فالطفل كلّما نمى كلّما أصبحت ردود فعله الحركية والحشوية والمخيّة أكثر دقّة من ذي قبل، ولكن هذه المراحل تتضمّن تعلّما أيضاً -والتعلّم أثر من آثار المحيط- لأنَّ الطفل يموت أبوه وهو ابن ثلاثة أشهر فلا يبكي؛ لأنَّه لا يدرك أنَّ هذا أبوه، أو لا يدرك أنَّه مات أو لا يؤدّي ذلك عنده إلى التوتّر النفساني والانقباض وما شاكل، ولكن الطفل نتيجة تعلّمه في محيطه يُدرك بعض المنبّهات ويفسّرها حسب ظروفها. إذن، فالتعلّم داخلٌ في هذه المراحل خصوصاً المرحلتين الثانية (تفسير الوضعية) والخامسة (المظاهر التعبيرية للانفعال)، أمّا الثانية فواضحة من مثال الطفل الذي لا يُدرك موت أبيه، وأمّا الخامسة فلأنَّ المظاهر التعبيرية تختلف باختلاف الإطارات الحضارية، ربَّ مجتمع يموت فيه ربَّ الأُسرة فتلبس زوجته البياض أو تضحك وتسرّ، كما عند الكاثوليك؛ لأنَّها تعتقد بأنَّه 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

صعد إلى السماء (الجنّة)، بينما تكون في المجتمعات الأُخرى حزينة باكية. في مجتمع يُعطف على الشيخ الهرم بمساعدته وفي آخر يُقتل إراحة له من ضعفه. وإذن، فالمظهر التعبيري هنا (مُتَعَلَّمٌ) أيضاً.

والتعلّم -كما قدّمت- وجه من وجوه المحيط يكتسب به الفرد أُموراً محيطية ويصبح أكثر مهارة وإدراكاً لهذا المحيط.

وعليه، فإنَّ التدريب -أو المحيط- ذو أثر في المرحلتين الثانية والخامسة من مراحل ردّ الفعل الانفعالية. أمّا الوراثة -أو النضج- فهي ذات أثرٍ في المراحل الأُخرى الثلاث.

وهذا، وقد وجدتْ بعض البحوث التي قام بها علماء الاجتماع أنّ بعض الجماعات الدينيّة لها إشارات ملامحيّة تختلف فيها عن الإشارات والمعالم التي تستعملها الجماعات الدينيّة الأُخرى، فالأميركيّون يعرفون الرجل اليهودي بمجرّد النظر إليه عندما يتكلّم؛ على اعتبار أنَّ الإطار اليهودي الاجتماعي ينمّي ألفاظاً وحساسيّات خاصّة يتميّز بها اليهودي عن غيره.

وطبيعي أنَّ البشر يتمايزون كثيراً في مثل هذه المظاهر التعبيرية سواء منها العاطفية أو الانفعالية أو الدينية، ولهذا فإنَّ عدم تمكّن علماء النفس من تعيين وجوه الانفعال التي تتأثّر بالنضج فقط، وتلك التي تتأثّر بالتعلّم هو الذي يؤدّي إلى كثيرٍ من الجدل العقيم في هذا الباب.

والخلاصة أنَّ كلاً من النضج والتدريب يلعب دوراً أساسياً في التحكّم  بردِّ الفعل الانفعالي.

ــــــــــ[183]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




الفصل الرابع عشر

الذكاء وتأثير المحيط

 

  • ما هو الذكاء وكيف يؤثّر فيه المحيط؟ 
  • اختبارات الذكاء ونقدها 
  • المقارنة: اختبارات الذكاء واختبارات الإنجاز

ــــــــــ[185]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي









الفصل الرابع عشر: الذكاء وتأثير المحيط 

 

ما هو الذكاء وكيف يؤثّر فيه المحيط؟ 

 

لقد رأينا فيما مرَّ أنَّ الفروق بين الأفراد في عامل الذكاء هي نتيجة التباين الوراثي، ومع ذلك فقد قلتُ أنَّ بعض الدراسات انتهت إلى أنَّ تغييرات المحيط تؤدّي إلى نقصٍ أو زيادة ملحوظة في عامل الذكاء، فكيف يتم ذلك؟

وقبل أنْ ندخل في الإجابة لا بُدّ من معرفة ما يعنيه المشتغلون في هذا الموضوع من مفهوم الذكاء، فليست المسألة هي معرفة أنّ الذكاء موروث أم لا قبل أنْ نعرف ماذا يعني بالذكاء.

تعريف الذكاء

وتعاريف الذكاء عند علماء النفس عديدة متناقضة مع بعضها، قد تصل إلى حدود المئتين، منها: أنَّ الذكاء هو (التكيّف) أو (القابلية على التكيف)، وعرّفه بعضهم على أنَّه: (المرونة) أو (القابليّة على المرونة)، وآخرون: أنَّه (القابليّة على التعلّم)، وغيرهم: (القابليّة على التكيّف للأوضاع الجديدة)، وذهب قسم إلى أنَّه: (القابليّة على استعمال الأدوات والوسائل والوسائط).

ــــــــــ[187]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التعريف الموثوق

 ويُعرَّف الذكاء(1): بـ(القابلية على أخذ أدوار الآخرين، أو على أخذ الآخرين بنظر الاعتبار عند قيامك بعمل مّا)، ويعني بـ(الآخرين) هنا ليس للإنسان فقط، بل حتّى الجمادات؛ أنَّك تأخذ دور الجدار أنْ يصدّك، فإذا اندفعت ضدّه -لأنَّك لم تأخذ دوره بنظر الاعتبار- فأنت بليد.

تكلَّم الروادُ الأوائل عن الذكاء كأنَّه شقٌّ مجرّد أو ذاتٌ قائمة بنفسها، ولكن النقّاد في العقد الثاني من هذا القرن، وعلى رأسهم الفيلسوف الأمريكي (جون ديوي) شدّد النكير على هؤلاء، ودعا إلى نهج آخر هو أنّ الذكاء صفة من صفات السلوك لا أكثر ولا أقلّ.

وهناك علماء كثيرون أخذوا نقد ديوي بنظر الاعتبار وراحوا يتحدّثون عن الذكاء من حيث هو وصف للسلوك -لا أكثر ولا أقلّ- فهذا سلوك ذكيّ وذاك سلوك بليد.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

() التعريف الذي يثق به الأستاذ من بين هذه التعاريف المضطربة. (المقرِّر). 

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




اختبارات الذكاء ونقدها 

وهذا السلوك الذكي بعد تعديل وجهات نظر هؤلاء على نقد (ديوي)، يتوقّف حتماً على نوعيّة المحركات الحسيّة والعصبية، والمحرّكات الاجتماعية، ويتوقّف على الدماغ بكامله، ومع هذا فإنَّ هذه المقدرة الفسلجية والعصبية لا يمكن قياسها وهي بحالتها هذه، لا يمكن الحكم عليها بما تنجزه سلوكياً حيث يقاس هذا السلوك بواسطة اختبارات مقيسة بحتة تسمّى (اختبارات الذكاء).

ويجب أنْ تحتوي هذه الاختبارات على اللّغة والصور، وفي كثيرٍ من الأحيان تحتوي على ألوان وأشكال ليست غريبة على الجهلاء أو الشعوب البدائية أو الأطفال، بل يجب أنْ تكون منتزعة من حياتهم الاجتماعية. هذا، وبما أنَّ الأطفال يختلفون في معرفتهم وإحاطتهم بهذه الأشياء الذي تلعب الخبرة الشخصيّة عندهم بعض الدور في انتاج عامل الذكاء.

يضاف إلى ذلك -وهذا من جملة النقود على اختبارات الذكاء- أنَّنا لم نختبر الذكاء في اختبارات الذكاء ذلك؛ لأنَّنا عندما نختبر ذكاء طفلين يتفاوتان في الخبرة فنحن إنَّما نعتبر في الواقع هذا التفاوت في الخبرة، بمعنى: أنَّنا توصّلنا إلى أنَّ هذا الشخص يعرف هذه الأشياء أكثر من زميله، في حين أنّ اختبارات الذكاء لا تضع التأكيد على هذا الجانب من الموضوع، بل إنَّها تذهب إلى أنَّ هذا الشخص أذكى من ذلك.

ــــــــــ[189]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ثمَّ إنَّهم يشترطون لصحّة الاختبار أنْ يُشجَّع الطفل ليقوم بأحسن ما يتمكّن القيام به، كما أنَّه يجب أنْ يكون على وفاق مع مُختبره، وهاتان ناحيتان يلعب تعلّمه فيهما دوراً مهمّاً، فيتدخّل التعلّم والخبرة الشخصيّة تدخلاً كبيراً فيما تقيسه هذه الاختبارات.

 هذا، ولأجل أنْ يحصل علماء النفس على مقياس مضبوط دقيق جهد الإمكان، يقيسون به القابلية الفطرية في الذكاء لجأوا إلى تكوين اختبارات قوامها أشياء ألفها الأطفال على حدٍّ سواء حتّى يُمحى عامل التفاضل في خبرهم الشخصيّة، من قبيل تسمية بعض الأشياء أو رسم رجل أو مربّع أو عقد عقدة أو قصّ ورقة أو ما شاكل من أُمورٍ يُفترض أنَّ لهم فيه خُبراً متشابهة.

وعلى هذا فإنَّ هؤلاء العلماء يفترضون بأنَّ (العامل المتغيّر المستقلّ) الذي يتحكّم في التباين والاختلاف في عامل الذكاء هنا، وبنتيجة هذه الاختبارات ليس هو الخبرة أو التدريب لأنَّها متشابهة، ولكنّه القابلية الفطرية.

ومن هذا الاستعراض لاختبارات الذكاء ونقودها والحلول التي وضعت لها، يظهر لكم أنَّ اختبارات الذكاء هذه لا تختبر الذكاء فحسب، وإنَّما تختبره مضافاً إليه عوامل أُخرى محيطيّة كالتعلّم والخبر الشخصيّة، لذلك فلا مبرّر لمَن يقول بأنَّ ما تكشفه هذه الاختبارات إنّما هو الذكاء، أو أنَّ العوامل الوراثية هي المتحكّمة فيه وحدها!؛ ذلك لأنَّ (التعلّم) ما هو إلَّا طريق يصل به المحيط إلى الشخص فيؤثّر في خبره ومهاراته التي تختبرها هذه الاختبارات من بين ما تختبره من وجوه.

ــــــــــ[190]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

المقارنة: اختبارات الذكاء واختبارات الإنجاز

أمّا الأُولى: فهي موضوعة لاختبار الذكاء، وإنْ صحّ أنْ تختبر بها المهارات والخبرة، وكلاهما اختبار للذكاء، وقد سبق أنْ أوضحت الضعف والغموض فيها.

أمّا اختبارات الانجاز Achievement فقد وضعت لقياس معرفة الانجاز أو المهارة التي يتمتّع بها فردٌ مّا على اختلاف الترابط بين القابليّة الفطرية والتدريب والعوامل الشخصيّة الأُخرى التي أدّت إلى مثل هذا الانجاز.

ومن الواضح أنَّ أهمّ ما يتطلّبه الانجاز هو الخبرة؛ إذ لا يمكن للمهارة أنْ تُكتسب إلَّا بها وبتكرار التدريب عليها، سواء كانت هذه الخبرة إحاطة في الأدب أو التاريخ أو مهارة في النجارة أو الخياطة.

وهذا الانجاز لا يمكن أنْ يتمّ ما لم تكن في الشخص بعض القابلية وما لم يكن فيه بعض الدفع في التعلّم، فالشخص الذي ليس له ما يدفعه لتعلّم النجارة -مثلاً- يلقى مَن يعلّمه صعوبة في تعليمه نظراً إلى أنَّه يجب أنْ يخلق له الدفع وليس من اليسير خلق الدوافع.

على أيّة حال فإنَّ اختبارات الانجاز هذه لا تتمكّن من معرفة مدى تأثير 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

هذه العوامل المختلفة التي تحتويها فعاليّة الإنجاز؛ ذلك لأنَّ الفرد ذو القابليّة الفطرية المتوسّطة إذا دُرّب تدريباً كافياً فقد ينجز أو يقوم بمهمّة الاختبار أحسن بكثير من الفرد الآخر ذو القابلية الفطرية العالية الذي لم ينل قسطاً وافياً من التدريب.

فتبيّن من هذا أنَّ (الإنجاز) يتأثّر بالعوامل المحيطية للتربية والتدريب
-مثلاً- أكثر بكثير من الذكاء.

فاختبارات الذكاء هي على ما يرى جمهرة الباحثين أكثر موفقيّة في الاختبار من اختبارات الإنجاز؛ ذلك لأنَّ تدخّل العوامل المحيطية فيما تختبره اختبارات الانجاز أكبر من تدخلها فيما تختبره اختبارات الذكاء.

وبعد أنْ انتهينا من بحوث الوراثة والمحيط وآثارهما في الشخصيّة الإنسانية -والتي صرفنا فيها وقتاً طويلاً- وما هي في الواقع إلَّا تمهيد لبحث (الشخصيّة) موضوع المحاضرات القادمة.. والشخصيّة والسلوك الجمعي هما محور البحث في علم النفس الاجتماعي. بعد هذا التمهيد ننقلب إلى صلب الموضوع.

ــــــــــ[192]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

الفصل الخامس عشر: الشخصيّة

 

  • مفهوم الشخصيّة
  • الكلية و الجزئية
  • مكوّنات الشخصيّة
  • دراسة الشخصيّة
  • 1. الطبع 
  • 2. الخصائص الشخصيّة personality traits
  • 3. الموافق
  • دراسة ثبوت وجوه الشخصيّة

ــــــــــ[193]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




الفصل الخامس عشر: الشخصيّة

 

مفهوم الشخصيّة

 

مفهوم الشخصيّة كبقيّة المفاهيم في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع مفهوم غامض مرتبك عند المختصّين في هذا الميدان. وسأحاول جهد الإمكان تجنّب التباين والارتباك والقلق بالعناصر المشتركة في تعاريف الشخصيّة لمختلف المعنيّين بدراستها.

ويتّفق علماء النفس على أنَّ الشخصيّة: هي النمط الكلّي الموحّد للسلوك الذي يتميّز به فرد مّا. وعليه، فإنَّ الناس ذوو شخصيّات مختلفة؛ لأنَّ أنماطهم الكليّة الموحّدة لسلوكهم تتباين وتختلف، فهذا متسرّع وهذا بطيء وهذا ذكي وهذا بليد.. إلخ.

وهذا التعريف الموجز يشمل كثيراً من الوجوه، فهو يشمل الوجوه الانفعاليّة عند الفرد، كالحزن والسرور والغضب وما شاكل؛ لأنَّ الوجوه الانفعالية هي جزء من سلوك الفرد.

ولمّا كانت الشخصيّة هي النمط الكلّي الموحّد للسلوك فمعنى ذلك أنّ انفعال المرء جزء شخصيته. كما أنَّ هذا التعريف يُدخل في شخصيّة الفرد جميع 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

قابليّاته، فالمهارة في لعبة التنس والملاكمة والمصارعة وإجراء العمليّات الحسابيّة الدقيقة، كلّها ضروب من السلوك تدخل في نمطه الموحّد.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

















الكلية و الجزئية

 

وهكذا القول في الدوافع، والمعتقدات، والمواقف، والاولاع، والعادات، والخصائص الشخصيّة الأُخرى، كلّها أجزاء من شخصيّة الفرد، وعلى أيّة حال فإنَّ عالم النفس الذي يعرّف الشخصيّة بهذا التعريف يقع حينما يقوم بدراساتها في ضروب من الارتباك والتعارض؛ ذلك لأنَّ هذا العالم يحتاج إلى هذا التعريف من ناحية الدلالة على مجموع ضروب الخصائص والمميّزات التي يتميّز بها فرد مّا، أو يحتاجه للدلالة على (گشتالت) هذه الخصائص والميول.

ومن الناحية الأُخرى فإنَّه يجد صعوبةً كبرى في دراسة الشخصيّة ككلّ (گشتالت) ضِمامة (كذا) من هذه الميول والخصائص مع الاحتفاظ أثناء الدراسة بكليّة هذا الكلّ؛ ذلك لأنَّ العلماء -كما سبق بيان ذلك- إذا أرادوا دراسة شيئاً جزءوه إلى أجزاءه المختلفة سبق أنْ بيّنا -في العام الماضي-: (أنَّ الكلّ أكبر من مجموع الأجزاء)، وأنّ خصائص الشيء ككلّ غير خصائصه كمجموع أجزاء.

فالعالِم النباتي حين يدرس النبتة يدرس جذورها على حدة، ثمَّ يشرّح هذه الجذور إلى انسجتها المختلفة التي تتكوّن فيها، ثمّ ينقلب إلى الساق وانسجته المكوّنة له، ثمّ الورقة ووظائفها من هضم وتنفس والانسجة المكوّنة لها وهكذا… 

أنَّ هذا العالِم لم يدرس النبتة كنبتة أو گتشالت وإنَّما مسخها مسخاً؛ لأنّ 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

خصائص النبتة ككلّ غير خصائصها كمجموع أجزاء؛ وهكذا القول في دراسة الحيوان كجهاز هضم وجهاز دوران وجهاز عصب، وهيكل عظمي وانسجة وخلايا وغير ذلك؛ فإنَّه لم يدرس الحيوان كـ(گشتالت) (كلّ) وإنَّما درس جميع أجزائه؛ لأنَّ دارس الحيوان على شكل أجزاء أفقد الحيوان خصائصه وهي (كلّ).

ودارس الشخصيّة هنا مضطرّ بطبيعة علمية إلى تجزئة الشخصيّة التي قال في تعريفها أنَّها (كلّ موحد) فينشأ التعارض والتضارب من كون مفهوم الشخصيّة هو (گشتالت) (كلّ موحد) من جهة، ومن كون دارسها مضطرّاً إلى تجزئة هذا الكلّ لدراسته من جهة أُخرى، فيفقد بالتجزئة أهمّ خصائص الشخصيّة وهي (كلّ).

فمصدر الصعوبة إذن ناشئ من أنَّ طبيعة الدراسة التي تلزمه أنْ يجزّئ موضوع البحث (الشخصيّة)، في حين أنَّ طبيعة الشخصيّة بالذات تلزمه أنْ يحافظ على كليّتها.

يتبيّن من هذا كلّه أنَّ مفهوماً هو مفهوم نظري مجرّد؛ ذلك لأنَّه كلّي أو (گشتالت) معقّد لا يمكن أنْ تكون دراستها؛ لا من زاوية اختصاصه، فعالِم النفس وعالِم البايولوجي وعالِم الاجتماع وغيرهم كلّهم اسهموا في دراسة هذه الشخصيّة من وجوهها المختلفة، وقد تناول كلّ واحدٍ من هؤلاء العلماء جزءً من أجزاءها بالبحث والدراسة، مع أنَّ علماء النفس يؤكّدون على ضرورة إبقاء كليّة الشخصيّة ككلّ.

أقول: تناول (كلّ) من درس الشخصيّة بعض أجزائها وبقيت مع ذلك تحتفظ بهذه الكليّة، ولكن لفظيّاً ونظريّاً لا عمليّاً وواقعاً.

ــــــــــ[198]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

مكوّنات الشخصيّة

 

ثمَّ إنَّ هذه التجزئة التي استلزمتها طبيعة البحث أدّت إلى ارتباك آخر في مفهوم الشخصيّة، هو أنَّ هؤلاء الذين تناولوا الشخصيّة من بعض وجوهها راحوا يؤكّدون على بعض هذه الوجوه دون بعض؛ زاعمين أنَّها أهمّ مكوّنات الشخصيّة، فالذين تناولوا الناحية الانفعاليّة زعموا أنَّها أهمّ ما في الشخصيّة. وهكذا ذهب دارسوا (المواقف)، ودارسوا (الخصائص الشخصيّة)، وذهب بعضهم إلى أنَّ الصفات الظاهريّة الخلقيّة والأدبيّة هي أهمّ مكوّنات الشخصيّة، وآخرون إلى أهميّة الناحية الباطنية الذاتية منها لا الظاهرية، وأكّد بعضهم إلى أنَّ ما يعنى بـ(الشخصيّة) هي ليست شخصيّة فلان بن فلان، وإنَّما هي عبارة عن النمط النموذجي للسلوك في مجتمع مّا. وهكذا ممّا جعل مفهوم الشخصيّة أكثر مفاهيم علم النفس ارتباكاً.

ــــــــــ[199]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





دراسة الشخصيّة

 

بقي سؤال: هو هل يمكن المحافظة على كليّتها الشخصيّة فيما إذا أردنا أنْ نقوم بدراستها دراسة مجدية؟

يرى بعض العلماء أنَّ ذلك ممكن؛ فإنّنا حين نتأمّل في (السيّارة) -مثلاً- وهي تتحرّك وتركّز انتباهنا نحو البطارية ومخزن الماء وأنابيب البنزين وما شاكلها من أجزاء ومكونات السيارة، لا يمنعنا استعراض هذه الأجزاء كأجزاء فهمنا السيارة (ككل)، بل إنَّ فهمنا لهذا الكلّ يصبح سهلاً ميسوراً إذا بذلنا جهدنا، لا دراسة مهمّة الأجزاء المختلفة في السيارة (كلّ) على حدة من جهة وعلاقتها بالكلّ من ناحية أُخرى.

ألا ترى أنَّنا نتمكّن من دراسة العوامل المتغيّرة التالية في الماء: كدرجة الحرارة واللّون والجسم والضغط ونسبة الاندفاق وغيرها، من دون أنْ نغفل أنْما ندرسه هو (الماء).

دراسة (ستاگنر)

وعلى هذا فإنَّ العالِم الأمريكي (ستاگنر) يرى بأنَّ تحليل الشخصية أمرٌ مشروع ومفيد فيما إذا استعملت الطرائق المناسبة في تحليلها دون أنْ نضيّع كليّتها الفريدة.

ــــــــــ[200]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أمّا ما هي الخطّة التحليليّة التي يجب أنْ تُتّبع في دراسة الشخصيّة وتجزئتها من دون أنْ نفقدها هذه الخاصّة، فيرى بعض المفكّرين -ومنهم (ستاگنر)- بأنَّ الشخصيّة ذات مستويات مختلفة، كالمستوى السلوكي والمستوى الادراكي والمستوى الانفعالي ومستوى الدفع على العمل وما شاكل.

دراسة (سارجنت)

أمّا الأُستاذ (سارجنت) فهو يفضّل أنْ يميّز بين ثلاثة وجوه يرى أنّ الشخصيّة تتكوّن منها: هي (الطبع) و(الخصائص الشخصيّة) و(المواقف)، كما أنَّه يعتقد بأن هذه الوجوه لا تستنفد الشخصيّة كلّها، فهناك دوافع وقابليّات ومهارات تتكوّن منها الشخصيّة ويمكن وضعها وإخضاعها للبحث.

وعلى أيِّ حال فإنَّ علماء النفس متّفقون على أنَّ الطبع والخصائص الشخصيّة والمواقف هي ثلاثة وجوه مميّزة للشخصيّة، كما أنَّهم متفّقون إلى حدٍّ مّا على ما تعنيه هذه المفاهيم؛ لذلك فسندلف إلى وصف دلالة كلّ منهما.

ــــــــــ[201]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





1. الطبع 

 

معنى الطبع:

 الطبع: منذ عهد الأغريق وكلمة (الطبع) موجودة، ولكنّها تغيّرت في مداليلها عمّا كانت عليه سابقاً، فقد كان هيبكرتس الذي يترجم أحياناً
-(هيبوقراط) 400 ق.م- يرد عبارة (طبع)، وكانت تعني سجيّة أوسجايا فردٍ مّا أو الميول السلوكيّة لفردٍ مّا التي تصدر عن حالات فسلجيّة.

وقد كان وغيره من الفلاسفة الكلاسيكيّين يرون أنَّ الطبائع ضروب أربع، هي: (الطبع الدموي)، و(الطبع السوداوي)، و(الطبع الصفراوي)، و(الطبع الناري).

 أمّا اليوم فإنّهم يصوّرون الطبع على غير هذا الأساس؛ إذ يعتقدون بأنَّ للطبع مستويات طافية: مثل سرعة ردّ الفعل، واليقظة، والحالة الانفعالية، والحالة العاطفية وما شاكل.

وهذه الخصائص السلوكية تتوقّف -إلى حدٍّ كبير- على الطبيعة الكيماوية الحياتية للكائن العضوي، وبصورة أخصّ على الجهاز الحسّي والعصبي للفرد وعلى العضلات والغدد، و(العمليات العضوية) كالهضم والتمثيل وما شاكل؛ ولذا وجدنا (البرت) Allport (يقول: بأنَّ الخليقة أو السجية كلّما كانت ذات 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أساس أوغل في الكيان الفطري الجسماني كلّما كنا أميل إلى تسميتها بالطبع.

والذي أود أنْ أُشير إليه بأنَّ كلّ هذه التفاسير للطبع -قديمها وحديثها- ما هي إلَّا من قبيل الفرضيّات وليست نتائج علميّة دقيقة قائمة على دراسة تجريبيّة محضة، والصحيح أنَّ موضوع الطبع لم يبحث إلَّا قليلاً حتّى اليوم.

دراسة (البرت)

وقد أشار (البرت) هذا في أحد بحوثه إلى ما كان يتّصف به طفل قام بدراسته، درس التسع السنوات الأولى من حياته من اضطراب وثبوت في استعداده للضحك، وفي مستوى نشاطه وحساسيّته للوزع والإيقاع وقابليّته على التكيّف وكونه اجتماعياً، إلى غير ذلك.

وهناك عدّة دراسات أُخرى تؤكّد أنَّ شخصيّة الطفل تتّصف بالاستمراريّة لا التغيّر، وهذه الخصائص طبيعة متسمرّة تدوم مع الفرد منذ ولادته حتّى موته، فإذا كان الفرد نشيطاً فمعنى ذلك أنَّ شخصيّته تتميّز من ناحية الطبع بالنشاط ليس في مرحلة العمر الأولى وإنَّما هي مستمرّة معه مدى الحياة، والطبع -على ما يظهر- هو مؤثّر شامل يؤثّر في نوعيّة سلوك الإنسان كلّه.

الخلاصة في معنى الطبع

ثمَّ إنَّ كلمة (طبع) هذه هي ذات علاقة بسؤال (كيف) بخصوص السلوك لا بسؤال (ماذا)، أي: أنَّنا نستطيع أنْ نسأل كيف يسلك فلان في الوضع الفلاني؟ فيكون الجواب ممّا يخصّ طبعه، أمّا سؤال لماذا قام بهذا السلوك؟ فلا يتعلّق بطبعه من قريب أو بعيد. وبعبارة أُخرى أنَّ السؤال عن 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

نوعيّة السلوك ممّا له صلة بالطبع، أمّا عن سببّيته ومحتوياته فلا صلة له بالطبع. هذا ومع أنَّ الطبع يتحكّم إلى حدٍّ كبير ويقرّر ما إذا كان المرء يسلك ببطئ أو نشاط وفرح أو كآبة وما إلى ذلك، إلَّا أنَّه لا علاقة له البتة بما يمارسه الفرد أو يقوم به سواء كان مناقشة سياسية أو قراءة قصّة أو سباق كرة وما شاكل ذلك.

والخلاصة: أنَّ الطبع ذو جذور فسلجية وهو موروث غير مكتسب، وإنَّ المحيط والمجتمع لا يؤثّر فيه -إذا أثّر- إلَّا قليلاً وهو يتحكّم في نوعية السلوك لا في محتوياته، وأنَّ الفرق في الطبائع راجعة إلى الفروق والمحدّدات الوراثيّة.

ــــــــــ[204]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي








2. الخصائص الشخصيّة personality traits

 

معنى الخصائص

الخصائص الشخصيّة. وهذا الوجه من وجوه الشخصيّة هو أهمّ ما يؤكّد عليه علماء النفس في اختباراتهم للشخصيّة.

يذهب فريقٌ من هؤلاء، منهم: (مورفي) Murphy إلى تعريف (خاصّة) تعريفاً من شأنه السعة والشمول؛ حيث يعنونون بها (كلّ ما يتميّز به فردٌ عن آخر).

أمّا (ستاكز) فهو يعرّفها تعريفاً أكثر تحديداً من هذا؛ إذ يقول: إنَّها ميل عامّ لتقييم الوضعيّات بصورةٍ يمكن التنبّؤ عنها والعمل على أساسها. (تقييمها) بمعنى: أنَّك إذا كنت تعرف خصائص شخصٍ مّا معرفةً دقيقة تتمكّن من النتبّؤ بما سيقوم به تجاه الوضعيّة المعيّنة على اعتبار معرفتك لتقييماته لتلك الوضعيّة.

ويذهب فريقٌ من علماء النفس إلى أنَّ (الخصائص الشخصيّة) هي: الميل المستمرّ المستديم يُعبّر عن نوعٍ مستمرّ من الرجع بخصوص شخصٍ أو وضعيّة أو أمرٍ من الأُمور، بمعنى: أنَّه لو كان هناك فرد غير اجتماعي فمعنى ذلك أنَّ هذا الشخص هو ذو ميلٍ مستمرّ في هذه الناحية من السلوك، فهو غير اجتماعي 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

مع زيد وغير اجتماعي مع عمر، وغير اجتماعيّ مع أيِّ شخصٍ آخر، وهكذا القول في الخصائص الشخصيّة الأُخرى من قبيل السيطرة والخضوع والانطوائيّة والحقد وما أشبه.

ويفترض علماء النفس بأنَّ الأفراد يتفاوتون من ناحية اتّصافهم بأيّة خاصيّة من هذه الخصائص، فالأشخاص الذين يتّصفون بالسيطرة -مثلاً- يتفاوتون في درجة سيطرتهم، كما أنَّهم يؤكّدون على أنَّ الفرد نفسه يكشف عن نفس الخاصيّة باضطرار ومن دون تغيير على اختلاف الوضعيّات.

الفروق بين الخصائص الشخصيّة وبين الطبع

الطبع والخصائص الشخصيّة كلاهما وجهان من وجوه الشخصيّة -كما قدّمنا- ولذلك قام فريق من العلماء في تمييزها عن بعضها البعض، ومن هذه المميّزات:

أنَّ الطبع يؤثّر في كيفيّة السلوك من دون أنْ تكون له علاقة بنوعيّته ومحتوياته، فإذا سألتَ: كيف يقوم فلان بالعمل الفلاني؟ كان الجواب: أنَّه يقوم به وهو يائس قانط أو مبتهج نشيط، وهذا ما يتعلّق بالطبع ومعرفتنا لطبع الإنسان تفيدنا كثيراً في فهم منحاه أو طريقته بالسلوك.

أمّا الخصائص، فهي تدلّ بعض الدلالة على نوعيّة أو محتويات السلوك، فإذا كان من خصائص الشخص العصبية أو الاجتماعية أو الخضوع -مثلاً- أعطانا ذلك الفهم لنوعية سلوكه مع الآخرين، فإذا تفاعل مع الآخرين كشفت 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

لنا خصائصه عن خضوعه في هذا التفاعل أو من عصبية أو اجتماعية وهكذا. ومع هذا فإنَّ الخصائص لا ترتبط بمحتويات السلوك ارتباطاً محكماً، أي: إنَّها متغيّرة وليست ثابتة ثبوت الطبع.

زد على ذلك أنَّ (الطبع) يتوقّف على العوامل الفسلجية والوراثية، بينما لا نستطيع الجزم بمقدار تأثّر الخصائص الشخصيّة ممّا يدلّ على علاقتها بالأساس الفسلجي، في حين أنَّ دراسات أُخرى تدلّ على أنَّ الخصائص الشخصيّة يمكن تغييرها وتحويرها نوعاً مّا تبعاً لتغيير المحيط وتحويره.

دراسة (ماكنين)

فالباحثة (ماكنين) Mckinnon قامت بدراسة الحذر والحيطة والطاعة، والانصياع والتجنّب والانسحاب، والاعتداء عند أطفال المدارس خلال خمس سنوات، فوجدت بأنَّ الميل كان نحو الانسجام والاطراد وليس نحو التغيّر والانقلاب، ووجدت أنَّ الاتّجاه كان نحو إطاعة الحدود والأوامر وليس نحو تجاوزها أو للاعتداء عليها بين هؤلاء الصغار.

كما وأجرت دراسة أُخرى على خمس وعشرين امرأة خلال عدّة سنوات، فوجد بأنَّ نسب الخصائص الدائمية أو المستمرّة يتراوح بين 25٪ – 26٪، وهذا يبيّن لنا على أنَّ معدّل نسبة الثبوت في الخصائص هو 60٪، في حين أنَّ نسبة الثبوت بالطبع هي أكثر من 95٪، وهذا ما يدلّ على عدم تأثره بالمحيط كتأثّر الخصائص، فهي وإنْ كانت من خصائصها الإطّراد إلَّا أنَّها تتأثر بالمحيط أكثر من الطبع.

ــــــــــ[207]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

دراسات عياديّة

وهناك دراسات أُخرى هي (الدراسات العياديّة)، تبرهن على أنَّ كثيراً من وجوه الشخصيّة يتغيّر عندما ننقل الطفل من محيطٍ سيّء إلى محيط أحسن فيتبدل تكيّفه مع المحيط السيء إلى الحسن، هذا على أنَّ في هذه الدراسات جانب ضعف من ضعف دراسات تقييميّة تعوزها الشروط العلميّة، فيكون من الصعب علينا التمييز الدقيق بين جوانب الشخصيّة التي تتأثّر بالمحيط وبين تلك التي لا تتأثّر به.

ــــــــــ[208]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






3. الموافق

 

وهذا هو الوجه الثالث من الوجوه المهمّة للشخصيّة، وقد كثرت الأجوبة وتشعّبت واضطربت حول سؤال: ما هو الموقف؟ 

وقد تعطى بعض الجامعات موضوعاً خاصّاً للطالب عن المواقف، فلا يجد ما يجلي معناه. وفي الكتب مئات من تعاريف (المواقف) كلّها مختلفة متناقضة مع بعضها، ولا بُدّ لي من تعريفه بصورة قويّة هي أنَّ المواقف: ميل لأنْ يرجع الإنسان بصورة مرغوبة أو غير مرغوبة نحو الأشخاص أو الوضعيّات

 فإذا استطلعنا رأي شخصٍ عن الشيوعيّة، أو الرأسماليّة، أو الديمقراطيّة -مثلاً- فلا بُدّ أنْ يكون لهذا الشخص رأي -إيجابي أو سلبي- تجاهها، فإذا هو أبدى ميله نحو الشيوعيّة فهذا هو (موقفه) منها وإذا رجّح الديمقراطيّة فهذا هو (موقفه) منها، وهكذا.

هذا على أنَّ العلماء يختلفون فيما يضمّنونه كلمة (موقف)، فقد سبق لي عند استعراض آراء العلماء في أوّل هذه الأبحاث أنْ استعرضت رأي
(W. I. Thomas دبل يو آي تومس) عن الرغبات الأربع، وهذه الرغبات هي مواقف عند (توماس)، فهو يجعل الموقف مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمصالح 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والأولاع، فإذا كان لك ولع في ناحيةٍ مّا فلك موقف إيجابي منها، وإذا كان لك مصلحة في هذه الوضعيّة وهدّدت فأنت على موقف سلبي من هذا التهديد وهكذا. كما أنَّ (جون ديوي) يستعمل كلمة (عادة) ولكنّه يعني بها (موقف) أيضاً.

الموقف العامّ والخاصّ

هذا ويذهب فريق من الباحثين إلى أنَّ المواقف ذات نوعين، مواقف (معيّنة خاصّة)، وأُخرى (من خصائصها الشمول والتعميم)، فالمرء قد يكون له موقف تجاه (تشرشل)، أو تجاه (الانكليز)، أو تجاه (الغربيّين)، أو تجاه (الناس) جميعاً، فهذه المواقف المتباينة كلّ منها أشمل من سابقه وأوسع مدى، ترينا تحوّل الموقف من نوعٍ خاصّ معيّن إلى نوع أعمّ منه وأشمل. 

الطبع و المواقف

ذكرنا أنَّ الطبع من شأنه أنْ يصبغ السلوك كلّه بصبغة معيّنة، وإذا أردنا أنْ نقارن بين الطبع والمواقف من حيث علاقتها بالسلوك نرى أنَّ المواقف أقلّ أثراً منه، أنَّها جزئيّة وكامنة.

وهاتان الخاصيّتان ناتجتان من تعريف الطبع (بالذات)، ذلك الدور الذي تلعبه هذه المواقف -وهي الوجه الثالث من وجوه الشخصيّة- في السلوك الاجتماعي، ويتوقّف إلى حدٍّ كبير على الأوضاع الاجتماعية المختلفة ومقدار اثارتها لهذه المواقف، ولكنّه يكون كامناً حتّى يثار بالوضعية التي تثيره.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فقد يكون الشخص (ب) مولعاً بلعبة التنس أو بجمع الصور أو الطيور، ولكنّه يكره الأساتذة والبحوث النظريّة، فهذا (موقف) وهو كرهه للأساتذة أو للبحوث النظريّة لا يشيع في سلوكه كلّه، ولكنّه مهمّ من ناحيةٍ أُخرى وفي وضعيات معيّنة؛ لأنَّها تتحكّم في ردّ فعله وإرجاعه فيما لو اقترح شخص آخر عليه سفراً لصيد الطيور أو الذهاب إلى نادي رياضي أو الاشتراك في محاضرة حول المذهب الوجودي -مثلاً- وهو موضوع نظري صرف، فهنا سيلقى الاقتراح بخصوص صيد الطيور أو الذهاب إلى النادي استجابة إيجابية منه نظراً لموقفه الايجابي فيها، أمّا الذهاب لسماع المحاضرة حول المذهب الوجودي فالاحتمال كبير أنّه لا يستجيب لهذا الاقتراح؛ على اعتبار أنَّه لا يهوى النظريّة.

ومعنى ذلك أنَّ المواقف تكون موجودة عند الشخص ولكنّها تبقى كامنة حتّى تلتقي بوضعيات معيّنة تحفّزها على الظهور.

هذا ويجد بعض الباحثين من الصعب التفرقة بين الخصائص الشخصيّة وبين المواقف العامّة؛ لما بينهما من علاقة وثيقة في موضوع الشخصيّة.

غير أنّي أؤكّد على أنَّ المواقف أكثر ارتباطاً بالوضعيّات من ارتباط الطبع بها، وأنّ تحليل الخصائص الشخصيّة تحليلاً دقيقاً لا يمكن أن يعيننا في معرفة شعور الفرد الذي ملك خصائصه حول تكوين حكومة عالميّة -مثلاً- أو حول الفنّ الحديث أو التلفزيون أو مناهجه وموقفه من ذلك كلّه، حتّى وإنْ عرفنا طباعه وخصائصه الشخصيّة كلّها، كما أنَّنا لا نتمكّن بعد تحليل الخصائص الشخصيّة للفرد أنْ نعرف مواقف هذا الشخص حول العلم مثلاً.

ــــــــــ[211]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

تكوين المواقف

يؤكّد الباحثون أنّ المواقف مكتسبة وليست موروثة وراثة بايولوجيّة، فهي إذن متعلّمة بواسطة التفاعل الاجتماعي مع مَن حوالينا وما حوالينا.

ولذلك وجدنا العلّامة (الپورت) يعتقد بأنَّ المواقف تتكوّن أثناء الخبرة الشخصيّة للفرد، وقد يكتسبها الفرد من أبويه أو أصدقاءه في الملعب أو من الآخرين الذي يتفاعل وإيّاهم تفاعلاً اجتماعيّاً.

وأنَّ نتائج أغلب الدراسات التي أُجريت على المواقف تؤكّد على أنَّها تتأثّر بالمؤثّرات والعوامل الاجتماعيّة أكثر من تأثّر الخصائص الشخصيّة بهذه العوامل والمؤثّرات، ولأذكر أمثلة عن ذلك -لهذه الدراسات-.

لقد وجد الباحثون أنَّ معدّل معاملات الترابط بين الآباء والأطفال في خصوص الميل العصبي -مثلاً- والاكتفاء الذاتي والسيطرة وكلّها خصائص شخصية، يتراوح من 25% إلى 30%، وهو معدّل معاملات الترابط بين الأبوين والأطفال في الخصائص الشخصيّة وكميّة التأثّر للأطفال.

بينما وجد أنَّ معدّل معاملات الترابط بين الأطفال والآباء في خصوص المواقف يتراوح بين 50% إلى 60% وهو نسبة الضعف، وبه نعرف مدى تأثّر الخصائص الشخصيّة للأبناء بالآباء، ممّا يدلّ على تأثير العائلة الكبير في تكوين المواقف عند الفرد أكثر من الخصائص الشخصيّة.

وتؤكّد الدراسات (النمويّة) أيضاً -وهي دراسة مراحل النمو الفردي في مختلف نواحي الحياة- على هذه النتيجة؛ فإنَّ دراسة الاستمرار والتغيّر في 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الشخصيّة انتهت إلَّا أنَّ 60% من الخصائص الشخصيّة استمرّ من دون تبدّل خلال عدّة سنين، في حين أنّ 15% إلى 20% من المواقف قد استمرّ بلا تبدّل، وهذا دليل على أنَّ المواقف تتغيّر بصورةٍ أسرع وأكثر من الخصائص الشخصيّة.

ــــــــــ[213]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي








دراسة ثبوت وجوه الشخصيّة 

 

دراسة (كروك)

وهناك دراسة قام بها البحاثة (كروكCrok ( وقد حاول فيها مقارنة التناقص في استمراريّة كلّ من: الذكاء، العصبيّات، المواقف، خلال عدّة سنوات لإعطاء فكرة مقارنة عن مدى ثبوت كلّ من وجوه الشخصيّة: الطبع، والخصائص الشخصيّة، المواقف، الذكاء.

وتجدون هنا شكلاً يوضّح ما أورد (كروك) من مدى تغيّر وثبوت للوجوه الثلاثة من الشخصيّة:

 

            

 

            

 



لقد قام ثلاثة باحثين من معاوني (كروك) بإعادة الاختبار لمدّة عدّة سنين، فظهر مقدار ثبوت كلّ وجه من وجوه الشخصيّة (كما في الشكل)، فالذكاء لم 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

يتأثّر على مرور السنين السبع إلَّا قليلاً من ناحية النقص أو الزيادة. 

أمّا العصبيّة فهي أقلّ ثبوتاً واستمراريّة من الذكاء وتغيرها هو 60% خلال السنين السبع، بينما المواقف قد تغيّرت أكثر بكثير من تغيّر السلوك العصبي ومن الذكاء؛ ومعنى ذلك أنَّها أقلّ ثبوتاً من جميع وجوه الشخصيّة شدّة وضعفاً، وهذا يدلّ على أنَّها مكتسبة متأثّرة بالعوامل المحيطيّة وأنَّ العصبيّة أقلّ منها، والذكاء أقلّ من الجميع تأثراً بالمحيط.

هذا وقد جعلنا المفاضلة بين الذكاء والعصبيّة والمواقف مع أنَّ الأوّليّين كليهما من الخصائص الشخصيّة لأجل أنْ نُثبت أنَّها هي نفسها تتفاوت في تأثّرها بالمحيط، أمّا الطبع فهو ثابت كما تعلمون.

والخلاصة: أنَّنا يمكن أنْ نُحسّن أو نغيّر الذكاء بمقدار 55%، والعصبيّة بمقدار 40%، أمّا المواقف فيمكن تغييرها 10%، فقد يحبّ الشخص في يومٍ مّا الدكتاتورية ويصبح في يومٍ آخر ديمقراطياً، أو قد يُرتدّ رجل الدين فيصبح شيوعياً وينقلب من النقيض إلى النقيض.

رأي (ستاكنر) في دراسة (كرو)

يقول العلّامة (ستاكنر) Stagner بخصوص نتائج هذه المقارنة: إنَّ هذه النتائج تنسجم مع ما نتوقّع؛ وذلك أنَّ الذكاء يقرّر إلى درجة قصوى بالوراثة، وعليه فيجب أنْ لا ينكشف إلَّا عن قليلٍ من التغير.

أمّا المواقف فهي آثار خالصة للمحيط، وعليه فمن السهل تحويرها وتغييرها أمّا النفوذ العاطفي فهو يتأثّر بالعاملين: الوراثي والمحيطي، واعتقد 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أنّي سأنقلب إلى مزيد توضيح لهذا الوجه من الموضوع حينما ندرس (علم اجتماع العائلة).

دراسة هولزنكر وفرمين، ونيومن، وراثة ومحيطية الشخصيّة 

بالإضافة إلى ما مرَّ أودّ أنْ أذكر دراسةً أُخرى تلقي الضوء على تأثير الشخصيّة بالوراثة والمحيط. 

وهي دراسة قام بها ثلاثة من العلماء، هم (هولزنكر) Holzinger، و(فريمن)Freeman، و(نيومن) Neumann، وقد اشتهر هؤلاء بدراساتهم حول التوائم المتماثلة التي تقدّم ذكرها.

وقد أشار هؤلاء العلماء إلى أنَّ مفهوم الشخصيّة مفهومٌ واسع بحيث يتعذّر تعيين دللاته بصورة دقيقة من الناحية الواقعية؛ ذلك أنَّ وحدة الضروب المختلفة من الشخصيّة -كالثلاثة التي ذكرناها وكغيرها مّمن سبق أنّ قلنا أنَّه داخل تحت نطاق الشخصيّة- واندراجها تحت هذا المفهوم هو من غير شكّ أمر تستلزمه الفائدة العلمية وليست الطبيعة السايكولوجية الدقيقة؛ لأنَّ هذا التمييز غير موجود في الحياة الواقعية.

 فنحن عرّفنا الشخصيّة بأنّها (گشتالت) -كلّ موحّد مركب- لم نجدها مجزأة على شكل وجوه منفصلة بعضها عن بعض وإنَّما نحن جزأناها بغية دراستها -كما يصنع علماء النبات وغيرهم في تجزئة بحوثهم عند دراساتهم للنبات- أمّا من الناحية السايكولوجية فإنَّ الإنسان وحدة معقدة غير مجزّأة والملاحظة العامّة تدلّ على أنَّ بعض هذه الضروب أكثر جوهريةً وثبوتاً من القسم الآخر منها.

ــــــــــ[216]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

كما أنَّ الجدل -فيما يقول هؤلاء الثلاثة- ما هو إلَّا جدل قوامه هل الشخصيّة وراثية أم مكتسبة؟ 

ولو أنَّ المتجادلين في هذا الموضوع بدأوا بجمع الوجوه المختلفة من الشخصيّة -تلك الوجوه التي يكون بعضها أكثر تكيّفاً وبعضها أقلّ تكيّفاً أو تأثّراً بالمؤثّرات المحيطيّة من البعض الآخر- أقول: إنَّهم لو بدأوا بذلك لما انتهوا إلى هذا الخلاف. 

أسباب الغموض في مفهوم الشخصيّة:

على أيّة حال، كنتُ قد قارنت -فيما سبق- بين الطبع والخصائص الشخصيّة والمواقف كأهمّ وجوه الشخصيّة، وبالطبع فإنَّ الشخصيّة لا تتكوّن من هذه الوجوه فقط، وإنَّما هناك وجوه أُخرى تندرج تحتها -كما قلنا- ولكنّ الباحثين في الشخصيّة يغفلون الوجوه الأُخرى منها؛ لأنَّ كلاً منهم يأخذ الجانب الذي يدخل في موضوع اختصاصه ويجعله هو المتحكّم في الشخصيّة أو هو أهمّ ما يتحكّم فيها.

ولإيضاح ذلك أودّ أنْ أُشير إلى أنَّ عالِم الغدد الصمّ -مثلاً- يشير إلى أنَّها أهم عامل من العوامل المتحكّمة في تنظيم الشخصيّة؛ ذلك لأنَّه لا يفهم من الشخصيّة غير هذا الجانب الفسلجي فيها.

كما أنَّ عالِم التشريح لا يفهم من الشخصيّة غير ما يخصّ بحثه، فيجعل الجانب التشريحي من الإنسان أهمّ المؤثّرات في صياغة الشخصيّة. حتّى ليبالغ بعضهم كالعلّامة (شالدون) Shaldon، والعلّامة (هوتن) Hooton، فيؤكّد (شالدون) على العلاقة الوثيقة بين نماذج التركيب الجسماني كطول 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الشخص وضعفه أو قصره وسمنه وبين الطبع أو بعض الخصائص الشخصيّة، من قبيل إذا كان الشخص بهذا الشكل فهو خبيث، أو بهذا الشكل فهو كريم أو انطوائي أو انبساطي.. الخ.

وقد اشتهر (لمبروزو Lombroso) أيضاً بربطه بين المظاهر الجسمانية وبين السلوك الشخصي، فيذهب إلى أنَّ هناك دلائل جسمانية تدلّ على أنَّ هذا الفرد مجرم أو غير مجرم، وهذه النظريّة وإنْ كانت تُعدّ اليوم من الخرافات العلمية إلَّا أنَّنا نذكرها؛ لأنَّ هناك مدرسة تربط بين ناحيتين من نواحي الخلقة الإنساني وهؤلاء -أعني عالِم الغدد الصمّ وعالِم التشريح- حين يأخذون من الشخصيّة، فهم يأخذون جانب الطبع، أمّا عالِم النفس فإنَّه تركّز انتباهه منها على الخصائص فيختبر الذكاء أو مدى سرعة ردّ الفعل عند هذا الفرد أو ذاك.

أمّا عالِم السلالات البشرية فهو عندما يدرس أثر الحضارية [و] البدائية في الشخصيّة يركّز انتباهه حول القيم والمواقف بصورة خاصّة، وهكذا بقيّة العلماء يجعل موضوع اختصاصه أهمّ ما في الشخصيّة، فأنتم ترون أنَّ مفهوم الشخصيّة -كما يرى بعض الكتّاب- أصبح مثقلاً بمفاهيم كثيرة، فكلّ فئة من العلماء تفهم وجهاً معيّناً، وتوسِّع هذا الوجه وتجعله مدلول الشخصيّة بصورة عامّة وهكذا، فينشأ تباين وتعدّد في مدلولاته الشخصيّة ممّا يؤدّي الارتباك والتناقض في دلالة هذا المفهوم.

ولذلك يرى هذا الفريق من الكتّاب أنَّ مفهوم (الشخصيّة) هذا بتعدّد دلالته وارتباكها قد فقد فائدته العلمية والعملية معاً. 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

هذا ولكنّنا -سواء ارتبك هذا المفهوم أو لم يرتبك- بحاجة إلى مفهوم يدلّ على (گشتالت) الخصائص والميول في فردٍ مّا، فإذا نحن استغنينا عن مفهوم الشخصيّة فنكون مضطرين إلى إيجاد مفهومٍ آخر للدلالة على هذا (الگشتالت) تحلّ محلّ المفهوم السابق، ثُمَّ لا يكون الاشكال قد انتهى؛ إذ يتّصف المفهوم الجديد بنفس خصائص مفهوم الشخصيّة الحالي الذي ينطوي على الابهام والتباين والارتباك.

وهنا لا بُدّ لي أنْ أُشير إلى أنَّ بعض الكتّاب والباحثين قد يستعملون عبارة شخصيّة في ثنايا بحوثهم، ولكنّهم يعنون فيها وجهاً واحداً أو بعض وجوه الشخصيّة ممّا يؤدّي إلى الخلط والغموض والابهام.

ــــــــــ[219]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي













الفصل السادس عشر

الحضارة والشخصيّة

 

  • ما هي الحضارة
  • التراث الاجتماعي
  • دراسات الحضارة ومتى بدأت

ــــــــــ[221]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفصل السادس عشر: الحضارة والشخصيّة

 

كنتُ في المواضيع السابقة قد بيّنت العلاقة بين الوراثة والمحيط من جهة وبين الشخصيّة من جهة أُخرى، ولم تكن العلاقة بين الوراثة وبين الشخصيّة ممّا يعنيني كباحث في علم النفس الاجتماعي، ولكن لمّا كان الإنسان ككائن بايولوجي يرث عن آبائه بعض الأُمور ويرث هذا الجسم الذي هو أساس الشخصيّة، كان لزاماً عليَّ أنْ أجول هذه الجولة في نطاق العلاقة بين الوراثة والشخصيّة.

أمّا الآن فسوف أبحث ما يعنيني من الشخصيّة، وهو تتبّع واستقصاء المؤثّرات الاجتماعية والحضارية التي تصوغ الشخصيّة وتطبعها بهذا الطابع أو ذاك، ممّا سيأتي في البحوث القادمة التي سأجعلها إلى حدٍّ كبير بالدراسات الأنثربولوجية المختلفة.

وسأقوم الآن ببحث هذه العلاقة بين الشخصيّة والحضارة أوّلاً في المجتمعات البدائيّة، لنعرف كيف تتباين شخصيّات الأفراد بتباين حضارات المجتمعات البدائية، ثمَّ انقلب بعد ذلك إلى تبيان أثر المحيط الاجتماعي في المجتمعات الحديثة الصناعية في صياغته وبلورة الشخصيّة بما يختلف فيه من المجتمعات البدائية.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

هذا وسأقتصر في بحثي هذا من بين المؤثّرات الاجتماعية على أثر الحضارة في الشخصيّة، وسأمهّد للدخول في هذا الحديث بتعريف الحضارة قبل الدخول في صلب الموضوع.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي














ما هي الحضارة

 

مفهوم (حضارة) من المفاهيم التي يدور حولها علم الأنثربولوجي، ومع هذا فإنَّ هؤلاء العلماء أنفسهم متناقضون في تعريف هذا المفهوم. ومن أمثلة هذا التناقض والارتباك تعريف (لنتن)Linton -وهو من أقطاب الأنثربولوجيّين- بأنَّها (المجموعة الكليّة للأنماط السلوكية والمواقف والقيم التي يتشاطرها أعضاء مجتمعٍ مّا)، والتي يتناقلها هؤلاء الأعضاء.

 وتعريف (كروبر) Kroeber، -وهو من أقطابهم أيضاً-: ما هي إلَّا مجموع ردود الفعل الحركيّة والعادات والوسائل والفنون والأفكار والقيم. وهي أُمور متعلّمة يتناقلها الناس، بالإضافة إلى السلوك الذي تحفّزه هذه الأُمور.

خلاف في ترجمة (حضارة)

والفرق كبير كما ترون بين التعريفين. ولأجل إيضاحه أود أنْ أُشير إلى أنَّ هناك في اللّغة الانكليزية واللّغات الغربيّة عامّة مفهومين منفصلين، هما: (الحضارة Culture) و(المدنية Civilization)، ولكن قد يُستعمل أحدهما مكان الآخر، في حين أنَّه يجب الفصل بينهما، ومن هنا يقع هؤلاء العلماء في مثل هذا الارتباك، فبعض العلماء مثل (نستن) و(ردفيلد) Redfield، و(تايلر) 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

Tylar، وغيرهم يميّزون بين حضارة ومدنية، بأنَّ الأُولى تعني الناحية المعنوية، كالقيم والعقائد والآراء وما شاكل، أمّا المدنية فهي تعني الوسائل الماديّة، كالأدوات والطائرات والسيارات وما شاكل.

وأنتم ترون لو رجعتم إلى التعريفين أنَّ (لنتن) يلتزم بهذا التمييز بين المفهومين -حضارة ومدنية- فكلّ ما ذكره يخصّ الجانب المعنوي غير المادّي، أمّا زميله (كروبر) فهو يخلط في تعريفه ولا يميّز بينهما؛ لأنَّه يذكر ردود الفعل والعادات والقيم وما أشبهها؛ وهي أشياء غير مادّية، ويذكر الوسائل، وهي شيء مادّي ويضيف إليها (وما نتعلّمه من الآخرين وما نضيف إليهم)، فالمخترعات -سواء الماديّة كالطيارة والسيارة والتلفزيون وغير الماديّة كالشعر والفنون والنظريات- كلّه مّما نستعمله ونخترعه ونضيفه فهو جزء من الحضارة على رأيه.

فالحضارة إذن عند (كروبر) تشمل المؤسّسات الاجتماعية كالدولة، والكنيسة، والعائلة، والآداب والقواعد السلوكية العامّة والعادات، على اختلاف صورها وحتّى فكرة الخطأ والصواب.

ــــــــــ[226]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



التراث الاجتماعي

 

وما دمتُ بسبيل التمهيد لموضوع الحضارة وأثرها في الشخصيّة، فأودُّ أنْ أُشير إلى أنَّ العلماء حين يكتبون عن الحضارة يبدءون عادة بالإشارة لمفهومٍ آخر هو (التراث الاجتماعي)، وهو ما تخلّفه الأجيال البائدة للأجيال التالية من لغة ودين وتقاليد وما أشبه.

وأودُّ أنْ أُشير إلى أنَّ هذا التراث نفسه قسمان: ماديّ ومعنويّ. وعبارة (حضارة) أيضاً تخصّ القسم غير الماديّ من التراث الاجتماعي، و(مدنية) تخصّ القسم الماديّ منه.

وهذا التراث الاجتماعي بقسميه حينما نتسلمه من آبائنا لا نسلّمه إلى الأبناء كما هو من دون تغيير أو تحوير، أننا نحور فيه ونضيف إليه أو نميت بعضه أو نحدث فيه أو نؤكّد على جوانب منه تأكيد أكبر.

فهو في الواقع في تغيّر مستمرّ، ولكن هذا التغيّر قد يكون بطيئاً كما في بعض المجتمعات البدائية، وقد يكون سريعاً كما في المجتمعات الحديثة، وفي كلتا الحالتين ليس معنى هذا أنَّ المعالم الأساسية والخطوط الرئيسية للتراث الاجتماعي في المجتمعات السريعة التغيّر، أقول ليس معنى ذلك أنّ التغيّر يتناولها بسرعة، كما يتناول الحواشي والوجوه الأُخرى من هذا التراث، بل إنَّ 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التغيّر الكبير لا يحدث على المعالم الأساسيّة من التراث الاجتماعي خلال جيلٍ واحد أو عدد من الأجيال قليل.

ــــــــــ[228]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي















دراسات الحضارة ومتى بدأت

 

درج الناس فيما بينهم في مختلف المراحل على أنْ يضعوا تأكيداً بالغاً على الوراثة دون المحيط ذاهبين إلى أنَّها ذات أثرٍ كبير في بلورة شخصياتهم وسلوكهم أكثر من تأثير المحيط؛ وذلك أنَّ الحضارة كوجه من وجوه المحيط حين نعيشها ونقتبسها ونستعملها حتّى كأنَّها الهواء الذي يستنشق تصبح بنتيجة التفاعل الاجتماعي جزء منّا من دون أنْ نحسّ بذلك؛ ولذلك صار الناس يغفلون آثارها بينما هم يشعرون بآثار الوجوه الماديّة من المحيط، وكأنَّ شعورهم بها -كأمر معنويّ غير ماديّ- ليس من السهولة بمكان.

ولم يكن البحث في الحضارة واستقصاء آثارها أمراً من الأُمور العلميّة إلَّا في هذا القرن، ولم يكن التفكير في الحضارة وآثارها يخطر لنا على بال إلَّا حين نرى شخصاً آخر من حضارة أُخرى يتزيّا بزيٍّ لم نألفه أو يتمسك بمبادئ أو آراء أو عصبيات أو يعبد عبادة لم نألفها نحن في محيطنا.

 وقد كان بعض الناس حتّى هذه الاختلافات يعزونها إلى الوراثة بينما هي اختلافات أساسها الأساس الاختلافات في الإطار الحضاري، فقد يتمسّك هذا الرجل بتقاليده وقيمه لأنَّه عاش في حضارة صارت جزءاً منه، في حين عشنا نحن في حضارة أُخرى صارت جزءاً منّا، فاختلف عنّا واختلفنا عنه في 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

عقائدنا ومواقفنا وأنماطنا السلوكية وما يتّصل بهذا أو ذاك من وجوه الشخصيّة.

لقد كان علماء الأنثربولوجي -الذين سأقصر حديثي هذا عليهم- وخاصّة علماء السلالات يعنون بدراسة العادات الاجتماعية والمؤسسات أو سلوك الشعوب البدائية، غير أنَّهم بدأوا يعنون بدراسة الشخصيّة منذ سنة 1920 من مثل الانثربولجي (بوس)Boas، و(منوفسكي Malinoiviki)، و(رادكيلف براون Brown Radeliffe) والأستاذ (ساپير Sapir)، فقد قام هؤلاء العلماء بدراسة ومقارنة شخصيات أفراد مختلفين من حضارات مختلفة، وكان لهم وللعلماء الآخرين -في الواقع- الفضل في جلاء ما للحضارة من أثر في صياغة الشخصيّة.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي











الفصل السابع عشر

الحضارة في الشعوب البدائية

 

  • دراسات (مارگريت ميد)
  • دراسات (روث بندﮔت)

ــــــــــ[231]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






الفصل السابع عشر: الحضارة في الشعوب البدائية

 

دراسات (مارگريت ميد)

 

1. جزر ساموا الأمريكيّة 

من أشهر هذه الدراسات دراسة الباحثة (مارگريت ميد)، وهي تلميذة الأُستاذ (بوس). فقد ذهبت (ميد) هذه سنة 1925 إلى (ساموا)، وهي: جزيرة يسكنها قوم بدائيون لدراسة سلوك الفتيات المراهقات في المجتمع السموي، وقد كتبت كتاباً بعنوان (فترة المراهقة في المجتمع السموي)، ومكثت (ميد) في هذا المجتمع قرابة السنة تدرس القوم من الناحية التي تتصل بالمراهقة، وقد تمكّنت في التعرّف على ما يقارب 50 فتاة في ثلاث قرى.

وقد كان الباعث لـ(ميد) على هذه الدراسة هو تفسير مشكلة عرضت لها، فقد لفت نظرها إلى أنَّ المراهقين والمراهقات بصورة خاصّة يتعرضون في الولايات المتّحدة إلى اختلالات في هذه الفترة، وأرادت أنْ تعرف أنَّ هذه الاختلالات هي من طبيعة مرحلة المراهقة أو من نتائج المدنية الأمريكية، فلم يكن أمامها غير دراسة هذا المجتمع البدائي في (ساموا) ففيه حلّ المشكلة. 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فلسوف تجد فيه نفس الاختلالات إنْ كانت وليدة هذه الفترة وإلَّا فسوف تعرف أنَّ المدنية الأميركية أو الحياة الاجتماعية -بصورة عامّة- ذات أثر فيها.

وكان ما وجدته ميد يتلخّص فيما يأتي:

أنّه وإنْ كانت عملية النموّ الجسماني في مجتمع (ساموا) كما هي في أغلب المناطق الأُخرى من العالم، إلَّا أنَّ المراهقة ليست صعبة فيها كما هي في المناطق الأُخرى؛ ذلك أنَّها لا تتّصف بتلك الثورة النفسانية وذلك الحرج والضيق وإرهاق الأعصاب كما في أميركا، وكان السبب في هذا كما تراه ميد هو أنَّ الحضارة في (ساموا) حضارة سهلة ليس فيها من التصادم غير القليل -يعني بالتصادم وجود مؤسّسات متعارضة مثلاً- أو أنماط سلوكية مختلفة وقيم متناقضة، فالمجتمعات البدائية حيث يكون إطارها الحضاري جامداً لم يكن فيها تضارب وإنَّما تكون المجتمعات المتمدّنة ذات تصادم وتضارب مستمرّ -مثلاً- (ب) كان أبوه رجل دين، وقد غلغل فيه نوعاً معيّناً من السلوك ولكنّه يعيش في مجتمعٍ مختلط تزامله فتاة مغرية تحيطه بشباك قويّة من الإغراء، فسوف يقع (ب) هذا فريسة التصادم بين السلوك الذي غلغله فيه أبوه وبين الإغراء الذي اقتضته مزاملته لهذه الفتاة، وهكذا قل في تصادم العقائد والمؤسّسات والقيم وما شاكل. وقد أخذنا في البحوث السابقة أنَّ المجتمع إذا تغيّر أصبح عرضة للتصادم وليس في المجتمع البدائي تصادم لجموده وعدم تغيّره، كما ليس فيها وضعيّات انتقاء صعبة؛ لأنَّ الوضعيات قليلة العدد وغير متنوّعة إلى حدٍّ كبير كما هي في المجتمعات الحديثة.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

يضاف إلى ذلك أنَّ الأُمور الجنسية تُعتبر أُموراً طبيعية في هذا المجتمع (السموي)، وهي غير محدودة تحديداً دقيقاً إلَّا بين القليل من العوائل التي تتمتّع بمركز اجتماعي عال.

والفتيات والفتيان في ساموا يزاولون التجريب الجنسي بينهم مزاولة حرّة عدّة سنوات قبل الزواج، وقد وجدت (ميد) أنَّ أهالي ساموا يتميّزون بكونهم أفراداً من خصائصهم الاستقرار والثبوت وأنَّهم متكيّفون جدّاً بحياتهم أقوياء أصحّاء، والتعلّق العاطفي العميق قليل جدّاً عندهم، كما أنَّ مخائبهم وفشلهم قليلة جدّاً إذا قيست بمثلهم من أفراد المجتمعات الأُخرى.

وتُعزي (ميد) هذه الخصائص في الفرد السموي إلى كونه ثابتاً مستقرّاً وغير أهوج، وإلى أنَّ هذا الفرد يعيش في عوائل متعدّدة الأفراد، ففي ساموا قد تكون العائلة من الجدّ والآباء والأبناء والأحفاد في وقت وبيت واحد، وكبر العائلة يستدعي تكيّف الفرد فيها تكيّفاً جيّداً نتيجة لتفاعله الاجتماعي وتدريبه وتعرّضه إلى وضعيّات مختلفة فيها خِبَرٌ سابقة لأعضاء أسرته الكبيرة، كما أنَّها تعزو ذلك إلى نظرة المجتمع السموي إلى الجنس هذه النظرة الخاصّة التي تقدّمت، والتي يدخل بها الطفل مرحلة المراهقة دخولاً تدريجياً غير مفاجئ لممارسة العمليات الجنسية بينما غيره في المجتمعات الأُخرى يدخل هذه المرحلة وهو مثقل برقابة الناس وما شاكلها من أُمور تكفكف نشاطه الجنسي.

كما أنَّها تعزو ذلك إلى حرية الفرد السموي وعدم تعرّضه إلى دواعي الوضعيات والضرورات وضغطها لأنْ يعاني مشكلة الانتقاء بين أُمور لا بدّ له 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أن ينتقي بعضها دون البعض، وهذا معناه أنَّ الطفل لم يعرض إلى ما يثيره ويهيّجه انفعالياً وعاطفياً فلا وضعيات للانتقاء يحرج فيها ولا باب للجنس مسدود مع هذه المزاولة الحرّة.

2. مجتمع المانوس Manos

وقد درست (مارگريت ميد) مجتمعاً بدائياً آخر هو مجتمع (المانوس)، وهو مجتمع يسكن في بعض جزائر غينيا في البحر الأطلسي، وتتّبعت (ميد) في دراستها لهذا المجتمع أنماط الحضارة البدائية التي يختلط بها عنصر أجنبي حضاري؛ لتعرف كيف تُؤثّر هذه الانماط في نموّ الأطفال والشباب، وقد لخّصت دراستها هذه بالمجتمع المانوسي في كتاب لها مشهور عنوانه (النموّ في غينيا).

تقول ميد: إنَّ سكّان هذه المنطقة يزاولون صيد الأسماك والمتاجرة، وهذا النوع من الحياة يغلب عليه عادةً التغيير وعدم الاستقرار، وهذا يجعلهم يؤكّدون في أطفاله على أمرين:

  1. احترام الملكية؛ لأنَّ حياتهم الاجتماعية تستلزم ذلك.
  2. التدريب على المخاطرة والمغامرة؛ لأنَّ الصيد والمتاجرة في عرض بحر -كالمحيط الأطلسي- تستدعي ذلك، أو المخاطرة والمغامرة يستلزمان الشجاعة البدنية.

ثمَّ إنَّ أطفال هذا المجتمع لا يتصفون إلَّا بقليل من الضبط، لهم دليل ايجابي في نموّهم يعتقدون به إلَّا ما قلّ.

ــــــــــ[236]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ثمَّ إنَّ الفنّ والأنس عندهم خاضع لاعتبارات اقتصادية، فهذا الوجه من الحياة (الاقتصاد) متحكّم في الوجوه الأُخرى عندهم، فشخصية الطفل هناك مطابقة لشخصيّة أبيه إلى حدٍّ كبير، فهو اعتدائي إذا كان أبوه كذلك، وخجول إذا كان الأب خجولاً، وقائد بين زملاءه إذا كان أبوه كذلك، وهكذا.

وأمّا الجنس عندهم، فهو يثير الخجل، ويشعرون من جراء العمليات الجنسية بالعار على عكس مجتمع ساموا، وتُزاول العادة السرّية عندهم بالخفاء، ولا توجد كلمة حبّ وما يتصّل بها في لغة المجتمع المانوسي، كما ليس عندهم فكرة الغزل والغرام.

أنّ المراهَقة بين هؤلاء القوم تشتمل على مصاعب أكثر من المجتمع السموي، فالبنت تحتفل ببلوغها الجنسي وتنتظر حتّى يُرتَّب لها الزواج، وهي في هذه الفترة ممنوعة أنْ تكوّن صداقات ولا يجوز لها أنْ تبحث عن حبيب.

أمّا الولد فيذهب ليعمل مستخدماً عند رجل من الجنس الأبيض مدداً يستطيع بها جمع بعض الدراهم ليهيّئ بها مسألة زواجه عند رجوعه، ولكن هذين الزوجين الجديدين لا يكونان مطمئنين عادةً، وليس لهما منزلة اجتماعية ؛ لأنَّ المجتمع بعدُ لمّا يعترف بهما، فهما يعيشان مع عمّ الرجل أو أحد أقربائه إلى مدّة حتّى يستطيعا الحصول على بيت.

إنّ هذه الظروف والعوامل هي التي تكون الإطار الحضاري أو الاجتماعي لشخصيّة الفرد المانوسي، فالاعتماد على النفس وجمع الدراهم للزواج والسعي للحصول على المنزلة الاجتماعية وأمثالها هي من خصائص 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

هذا المجتمع، أمّا الأهداف الرئيسية لهذا المجتمع فهي: العمل، والصناعة والفضائل الجنسية، والشجاعة والثروة وما شاكل.

3. مجتمعات الارابش، المندكومر، الجامبولي

ثمَّ قامت (ماركريت ميد) بدراسة ثالثة استقصت فيها الفروق الجنسية أيضاً، وكانت بغيتها الإجابة على ما يلي: إلى أيّ درجةٍ تكون الفروق في (الطبع) بين الجنسين فروقاً فطرية موروثة؟

وإلى أيّ درجة تكون الفروق نتيجة تحكّم الحضارة والضروب المختلفة من التربية والتدريب؟

وقد حفّزت (ميد) هذه المعضلة لدراسة ثلاثة مجتمعات بدائية في غينيا الجديدة هي: الارابش، المندگومر، الچامبولي.

وهذه المجتمعات الثلاثة متشابهة من حيث (الرس)، كما أنَّها تعيش في نفس المنطقة من الجزيرة، وقد أقامت (ميد) بين هذه المجتمعات الثلاثة، وكان أنْ وجدت من نتيجة دراستها المقارنة هذه أنَّ:

أ. مجتمع الآرابش Arapesh 

هم جماعة تعاونيّون تضامنيّون يؤكّدون على الدماثة وعلى الاهتمام بالآخرين، ولحساسية الرجع reaction في المساعدة بسرعة لمن يطلبها منهم، كما يؤكّدون على العون أو المساعدة المتبادلة، وهذا المجتمع قائم على اعتبار أنَّ الطبيعة الإنسانية خير كلّها، وأنّ الشر ليس موجوداً أبداً، والشواذّ في هذا المجتمع هم القساة الاعتدائيّون المتجبرّون، ثمَّ أنَّهم يقلّلون من أهميّة الفوارق العمرية والجنسية.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وعليه فإنَّ ما تؤكّد عليه حضارة الارابش هو: أنْ يُعنى رجالهم والنساء بتنشئة الأطفال على أنْ يكونوا خلوقين دمثي الطباع حاضري المساعدة للآخرين، وأنْ لا يكون الفرد منهم عدائياً متجاوزاً.

ب. مجتمع المندكَومر MUNDUGUMAR

قد وجدَتْ (ميد) أنَّ هؤلاء القوم هم من أكلة لحوم البشر سابقاً، فهم قوم كثيروا العراك والمشاجرة فيما بينهم، وهم أُناس تسودهم الكراهية وتغلب عليهم البغضاء المتبادلة، يضعون أهميّة كبرى على القسوة وعدم الرحمة وعلى الشجاعة البدنية بالخصوص، ويعاملون أطفالهم بخشونة بالغة ويدرّبون تدريباً أشبه بالتدريب (الاسبارطي)؛ حتّى ينشأ الطفل فظاً غليظ القلب كثير التحمّل. أمّا المثل الأعلى عندهم فهو أنْ يكون الرجال والنساء أشدّاء قساة اعتدائيين حتّى في العمليات الجنسية شديدي الغيرة متهيّئين للثأر لأنفسهم متى اجترأ عليهم أحد. أمّا المتواضعون الليّنون ذوو الأخلاق الدمثة والطباع الليّنة، فهم غير محترمين في هذا المجتمع؛ لأنَّ لهم صفات وتقاليد خارجة على تقاليد العرف، وهؤلاء هم الشواذّ عند المندگومر.

ج. مجتمع الجامبولي Tchambuli

فتصف حضارتهم بأنَّها حضارة فنيّة دقيقة تلعب فيها الاحتفالات دوراً خطيراً، فكلّ فردٍ منهم ماهر بعدّة فنون، وللمجتمع الچامبولي أدوار جنسية خاصّة لكلٍّ من الرجال والنساء، ونعني بالجنس ما يقوم به جنس الرجل من عمل وما يقوم به جنس المرأة كذلك، فالرجال هم الذين يُسهمون في 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الاحتفالات فيقومون بالرقص والتمثيل ليصيبوا حظاً من الظهور، أمّا النساء فهنَّ اللائي يسيطرن على التجارة ويقمن بصيد الأسماك وصنع الأشياء المختلفة، وليس على الرجل إلَّا القيام بالتمثيل وهنَّ اللائي يقدرن نجاحه.

ولا يبدأ الرجل في جامبولي بمغازلة المرأة، بل هي تبدي له الميل والمغازلة وإظهار الحبّ وما أشبه، والنساء عندهم ذوات طبع سمح، أمّا الرجال فهم كثيروا العراك والمشاجرة يتنافسون بضروب مختلفة لاجتذاب انتباه النسوة نحوهم وربح غرامهن، وهم عادةً كثيرو الشكّ ببعضهم البعض، والرجل منهم كثير الخداع والمخاتلة ماهر فيهما.

مقارنة 

تُلخّص (ميد) نتائج دراستها لهذه المجتمعات الثلاثة مقارنة بينها، فتقول: إنَّ هذه المجتمعات تنمّي شخصيّة المرأة والرجل في كلّ منها تنمية خاصّة حسب الإطارات الحضاريّة لكلِّ منها.

فالشخصيّة المثلى عند الآرابش هي من حيث الأساس انثوية، فيها رقّة الأنثى ولينها، فالفرد يجب أنْ يكون تضامنياً غير عدائي مستجيباً للآخرين، وهم يحبّذون للرجل المتّصف بهذه الصفات أنْ يتزوّج المرأة هذه صفاتها أيضاً.

في حين أنَّ مجتمع المندگومر يؤكّد على أنَّ كلاً من الرجل والمرأة يجب أنْ يكون فظاً غليظ القلب اعتدائياً، وأنْ يكون كلّ منهما جنسياً مفرطاً إلى حدِّ الاعتداء. وإذن، فالشخصيّة المثلى عندهم هي الشخصيّة المتجبّرة ذات الطابع الرجولي.

ــــــــــ[240]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أمّا الچامبولي: فإنَّ حضارتهم على العكس من الحضارة الأميركية -كما تقول ميد- من حيث النظرة إلى الجنس؛ فإنَّ المرأة هي التي تسيطر وتنظّم شؤون الأُسرة، في حين أنَّ الرجل أقل مسؤولية وأكثر افتقاراً إليها من الناحية العاطفية.

استنتاج

وتستنتج (ميد) من هذا كلّه أنَّ ما يذهب إليه الأميركيّون من أنَّ الخصائص الذكوريّة للرجال والصفات الأُنثوية للمرأة هي فطرية موروثة هو أمرٌ خاطئ لا حجّة له، ولا يستند إلى دليل علميّ، وإنَّما الصحيح أنَّ هذه الخصائص الاجتماعية والدورية مكتسبة وغير موروثة.

وعليه فإنَّ الطبيعة البشرية -على رأي (ميد) ويوافقها الجميع- مرنة جدّاً بحيث هي قابلة لأنْ تتشكّل بعدّة أشكال وتتّخذ عدّة أدوار، وهي بذلك كلّه متأثّرة بالصياغة الحضرية خلال عهد الطفولة المبكّر.

4. مجتمعات أُخرى درستها ميد 

وماركريت ميد قامَتْ بدراسات أُخرى مع عدّة مساعدين، من هذه الدراسات: دراسة استقصت فيها موضوع (التعاون) و(المنافسة) في الحضارات البدائية، ومع أنَّ هذه الحضارات ليست من البساطة بحيث يسهل تحليلها، كما ليس من الميسور إيجاد مجتمع قوامه التعاون والتنافس فقط؛ فإنَّ مثل هذه الدراسة انتهت إلى الكشف عن فروق مهمّة واضحة في كلا النوعين من الحضارات.

ــــــــــ[241]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الكواكويتل، الباذونكا، إلاوجبوا 

فقد وجدَتْ (ميد) أنَّ مجتمع (الكواكويتل Kwakiutl) هو مجتمع بدائي قوامه المنافسة المفرطة، في حين أنَّ مجتمعاً بدائيّاً آخر هو (الباذونگا) Bathonga قائم على التعاون المفرط. وهناك مجتمع ثالث هو (إلاوجبوا) Ojibwe تشيع فيه الفردية المفرطة، فأهله يسعون وراء أهدافهم الشخصيّة دون المبالاة بالآخرين وأخذهم بنظر الاعتبار.

وليست هذه الفروق بين هذه المجتمعات هي نتاج الاختلاف في جغرافيتها أو مناخها أو مواردها الغذائية، فكلّها تقع ضمن منطقة واحدة. ولكن هذا التعاون وذلك التنافس وتلك الفردية: هي نتاج الأُسلوب الذي بنيت به بنية هذه المجتمعات.

أنّ هذه العلاقات بين بنية المجتمع وبين عمليات التفاعل الاجتماعي فيه وبين هذه الخصائص الشخصيّة يمكن أنْ تُستقص وتُدرس بدقّة في النظام التربوي، وفي بعض النماذج الخلقية والسلوكية التي تُستحسن وتُستهجن في هذه المجتمعات والحضارات.

إنَّ النقاط الرئيسية التي تلقي الضوء على التكوين الخلقي أو تكوين السجايا -على ما يظهر- تلك النقاط المتعلّقة بتلك الذات وقوة الإحساس بالأمن والطمأنينة، وبوجهٍ عامّ أنَّ (الذات) في المجتمعات نامية نمّواً جيّداً وخاصّة في المجتمعات التنافسية؛ لأنَّ التنافس يستدعي الاعتماد على النفس، في حين أنَّ الإحساس بالأمن والطمأنينة والضمان هو أبرز ما تتّصف به المجتمعات التعاونية.

ــــــــــ[242]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



دراسات (روث بندﮔـت) 

 

وهذه باحثة أُخرى هي (روت بندگت)، قامت بدراسات لبعض الشعوب البدائية بغية فهم العلاقة بين الحضارة والشخصيّة، وقد أكّدَتْ هذه الدراسات ما ذهبت إليه الباحثة (ميد) في دراستها من أهميّة الحضارة في التحكّم بصياغة الشخصيّة، وقد جمعت (بندگت) أهمّ دراساتها في كتاب عنوانه (أنماط الحضارة)، وفيه دراسات لثلاثة مجتمعات بدائية، وقالَتْ ما نصّه:

(إنَّ تاريخ حياة الفرد ما هو إلَّا تكيّف للأنماط والمعايير التي ورثت تقليداً في مجتمعه. إنَّ العادات الاجتماعية التي يجد الإنسان فيها نفسه هي التي تكوّن وتصوغ تجاربه وسلوكه منذ ساعة ولادته، إنَّ هذا الطفل ما هو إلَّا مخلوق صغير لحضارته، فعندما يصبح قادراً على الكلام وعندما ينمو أكثر ويسهم في النشاط والفعاليات الاجتماعية كبني قومه تصبح عادات ذلك المجتمع عادات ومعتقدات ومستحيلات ذلك المجتمع معتقداتٍ ومستحيلاتٍ عنده هو، وهكذا، فإنَّ كلّ طفل يولد في جماعة مّا سيشارك تلك الجماعة في هذا كلّه.

ومعنى ذلك أنَّ الإنسان هو ابن الحضارة التي يعيش وينشأ فيها). انتهت المقتطفة.

هذا، وقد أكّدت (روث) في دراستها لهذه المجتمعات على أنَّ الحضارة تتباين وتختلف مع بعضها، ولكنّها تصرُّ على أنَّ لكلِّ حضارة نمطاً أو حدة، 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وعليه فإنَّ كلّ مجتمع أنساني قد انتقى وانتخب بعض الوجوه من مدى واسع من إمكانيّات المصالح والأولاع ونماذج السلوك، وما ينتجه مجتمع مّا من هذه الأُمور هو الذي يكون النمط الحضاري له، وهذا النمط يُنظم تنظيماً متماسكاً يمثّل سلوك الأفراد في ذلك المجتمع.

وبعد، فإنَّ المجتمعات الثلاثة التي درستها (روث) وحلّلت حضاراتها البدائيّة هي: 

 (مجتمع الزوني) Zuni، في مكسكا الجديدة.

 (مجتمع الدبوا) Dabua، في غينيا الجديدة.

 (الكواكيتول) Kwakiutl في جزيرة (فانگوبر) قرب ساحل المحيط الاطلسي.

أ. مجتمع الزوني 

هم نوع من الهنود يؤكّدون على الاحتفالات الطقوسية ومحافظون يتعلّقون بالعرف والتقاليد إلى درجة أنَّهم لا يبيحون الإبداع.

أمّا (مثلهم الأعلى Ideal) في الشخصيّة، فهو أنْ يكون الفرد وقوراً محترماً محبوباً مجتنباً الخروج على ما هو مألوف، متعلّقاً بالعرف مبتعداً عن الشذوذ مجتنباً حتّى الزعامة؛ لأنَّ فيها تبريزاً على الآخرين.

أمّا الحياة العملية اليومية عند الزونيين، فيجب أنْ تتّصف بالاعتدال واللين والتواضع والاتزان، ولا تتّصف حياتهم بشيءٍ من الصراع أو الشعور بالذم إلَّا قليلاً.

ــــــــــ[244]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والخلاصة: أنَّ الجمود والمحافظة والشكليات وعدم الإفراط هي الخصائص البارزة عند الزوني.

تسمّي (روث بندگت) هذا النوع من الحضارة بـ(الحضارة الابلونية) نسبة إلى (ابولو) إله الجمال والشعر عند الإغريق.

ب. مجتمع الدّبوا Dabua

فهم على النقيض من الزوني، أشدّاء قساة سفّاكوا دماء، شكّاكون في بعضهم البعض، خدّاعون غرارون مشهورون بالغش والاعتقاد بالسحر، وكلّ فرد منهم يكره الآخر، وكلّ قرية من قراهم معادية للأُخرى.

والأمّ في مجتمع الدبوا هي التي تنظّم زواج ابنتها، وذلك بنصب الشباك والأحابيل لصيد الولد الذي يزاول الاتصال لابنتها جنسياً، ويجب أن يقضي الزوج في هذا المجتمع سنة في قريته وسنة أُخرى في قرية زوجته على التعاقب، وفي هذه السنة التي يقضيها في قرية زوجته يهان من قبل أهل القرية ويُعتبر خارجياً، كما تعاني زوجته الاحتقار في قرية زوجها مثل ما يعانيه، باعتبار أنّ كلاً منهما غريب على محيطه، وقد عرفنا سابقاً كره المجتمع البدائي للغريب.

أمّا من الناحية الاقتصادية فإنّ النشاط قائم فيها على المنافسة تقول (روث) ما نصّه: “إنَّ حياة هؤلاء قوامها المنافسة المفرطة، وكلّ منفعة يجنيها فرد مّا فهي على حساب منافس آخر مندحر”.

وأخيراً فإنَّ مجتمع الدبوا قائم على السريّة والغدر، والرجل الطيّب الناجح فيه ذلك الذي غدر بآخر فاغتصب مكانه، أمّا الشكّ والظنون فتنظم كلّ 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

العلاقات الاجتماعية بما فيها علاقة الزوجة بزوجها، وكما يشيع الفسق والفجور عندهم كذلك تشيع الأفكار والمثل الطهرية.

ج. مجتمع الكوكتيول Kwakiutl

الذين يسكنون شمالي غربي المحيط الباسفيكي، فقد أطلقت (روث) على حضارتهم بأنَّها (حضارة ديونيزية) نسبة إلى (داينيوزس)(1) الطاغية الإغريقي، نظراً إلى أنَّ هؤلاء القوم كانوا يأكلون لحوم البشر قديماً، ونظراً إلى رقصاتهم هي رقصات جنونية إلى درجة مفرطة.

وهؤلاء القوم فرديون متنافسون إلى درجة أنَّهم لا يتقاسمون الملكية الخاصّة فحسب، بل إنّهم يقتسمون حتّى الشاطئ والمناطق العميقة بالبحر بل حتّى الخرافات والأغاني، وكلٌّ منهم يسعى وراء المنزلة والتبريز على الآخرين، والحاق العار والخجل بالمنافسين الآخرين، وهذه هي الأهداف الأساسيّة عندهم.

وتتجلّى هذه المنافسة عندهم بتقليدٍ يقومون به يسمّى (البوتلاج) potlatch ويقصد به أنَّ هؤلاء يقيمون مهرجانات في مناسباتهم، يوزّعون فيها الأغطية أو الزيت أو غيره على الناس، أو يجمع الإنسان كلّ أغطيته مثلاً فيحرقها، والذي يوزّع أكثر أو يحرق أكثر تكون منزلته أعظم عند مجتمعه، فإذا 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

(1) ويقرأ ديونيشيوس أحد الملوك الاسبارطية في يونان القديمة (الإغريق) وبالتحديد ملك سراقوصة، بذلك، ول ديورانت، الكتاب الرابع، الجزء الثاني من المجلد الثاني، الباب التاسع عشر الفصل الرابع (نهضة سراقوصة) 399.

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

حدث أنْ وزعت بعض هذه الأشياء فإنَّ المتعارف أنْ ترجع هذه الأشياء إلى أصحابها في المناسبات الأُخرى من قبل الذين أخذوها مضافاً إليها زايد وهكذا -لعلّ هذا يشبه ما يسمّى عندنا بـ(الشوباش) في الأعراس وغيرها- وغالباً ما يكون هذا الفائض عالياً جدّاً، بحيث يصعب احضاره وتدبيره من قبل الذين وزّعت عليهم هذه الهدايا، إنَّ كلّاً من هذا التوزيع والإعادة بأكثر تكسب القائمين بها نفوذاً ومنزلة، وعليه فإنَّ ما يقوم عليه مجتمع الكوكوتيل هو الحصول على منزلة.

ــــــــــ[247]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل الثامن عشر

مذاهب علم النفس الاجتماعي

 

  • المذهب المادّي
  • فلسفة هيجل وأثرها في تنوّع العلوم

ــــــــــ[249]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي









الفصل الثامن عشر: مذاهب علم النفس الاجتماعي 

 

المذهب المادّي(1)

 

في القرن السادس عشر بدأت -إلى حدٍّ مّا- تظهر بوادر البلورة العلميّة في حقول العلوم الماديّة Science، كالكيمياء وما شاكل. وفي ذلك القرن بلورت نظرية كان لها أثر في مناحي العلم هي التي تسمّى (بالنظريّة الماديّة)، سيطرت على الفكر منذ ذلك الحين، وبادر كثير من العلماء إلى صياغة نظريات على أساس النظريّة الماديّة بالذات.

ما هي هذه النظريّة الماديّة

هي تذهب إلى أنَّ الكون مكوّن من أجزاء صغيرة تسمّى (جزيئات)، وهي التي ثبت في العلم الحديث أنَّها مكوّنة من أجزاء أخرى أيضاً، هي عبارة عن: نواة وبروتون والكترون.

ــــــــــ[251]ــــــــــ

() في هذا العام يبدأ موضوع المذاهب المختلفة في علم النفس الاجتماعي في المحاضرات الأولى، يقتصر الدكتور على تمهيد هذه المذاهب المختلفة ووجهات النظر، بعد الانتهاء يمكن مقارنة بعضها ببعض للخلاص إلى وجهة نظر عامة. (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وهذا الجوهر أدّى إلى تكوين مذهب مشابه فيما يخصّ النفسيّة الإنسانية، يسمّى هذا المذهب (بالمذهب الإحساسي)، يذهب إلى أنَّ العقل يتكوّن من أفكار كالمادّة حينما تتكوّن من جزيئات، والفكرة هي اضمامة من الأحاسيس، والأحاسيس هي حوافز فسلجية، والحوافز الفسلجية موطنها الأنسجة البايولوجية. فمردّ الفكر إذن هي ظواهر الجسم.

فهي تلتقي مع النظريّة الماديّة:

  1. من حيث صياغتها أنَّ الكون مكوّن من أجزاء.
  2. مصادر بايولوجيّة صرفة للتفكير والعقل والإحساس.

هذا المذهب يذهب إلى أنَّ مجموعة من الفكر تكوّن (المواقف). هذا المنحى من التفكير لا يزال سائداً في علم النفس الاجتماعي، في بحوث التجاريب الحديثة وخاصّة الذين يجدون البحوث في موضوع (المواقف).

ــــــــــ[252]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






فلسفة هيجل وأثرها في تنوّع العلوم

 

هذا أثر من التاريخ كان له دور فعّال في بلورة وجهة نظر معيّنة نحو العقل والكيان النفسي للإنسان. والأثر الآخر من الناحية التاريخية هو الأثر الذي تركه هيجل في هذا العلم -علم النفس الاجتماعي- ولا تزال آثاره فعّالة في وجوه مختلفة من هذا الموضوع إلى الآن.

ظهر هيجل فكتب كتاباً عنوانه (فلسفة التاريخ) ضمن نظريّة نفسية فلسفيّة في فلسفة السياسة، ربّما حفّزه حافز الرياء إلى عاهل ألمانيا هو فريدريك الكبير، فحواها أنَّ لكلِّ أمّة روحاً وهذا الروح تستقر في زعيم الأُمّة أو تتركّز فيه، ومعنى هذا أنَّه على ضوء الإطار السياسي أنَّ روح الأُمّة الألمانيّة يتقمّصها فردريك الكبير.

هذا النوع من التفكير أدّى إلى القول بأنَّ كلّ أُمّة لها مظاهر روحية خاصّة تتميّز بها، هي مظاهر تلك الروحية التي لها خواصّ وميزات خاصّة يتميّز بها كلّ شعب على حدة.

علوم الشعب 

هذا النوع من التفكير أدّى إلى إنشاء مذهبٍ في علم النفس الاجتماعي بين الألمان يسمّى (فولك سايكلوجي) أو (علم النفس الشعبي)، خلاصته أنَّ لكلِّ 

ــــــــــ[253]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

شعب خواصّ نفسيّة معيّنة تتكوّن منها روحه.

تكوّنت مذاهب مختلفة عن طريق ردّ هذا المذهب أو الاتفاق معه. 

من هذه المذاهب ما يسمّى (بعلم النفس الرسّي)، إذا كان لكلِّ شعبٍ من الشعوب روح فأحرى أنْ يكون لكلِّ رسٍّ من الأرساس روح يتميّز بها كلّ جماعة رسيّة عن الجماعات الرسيّة الأُخرى.

شُغل المفكرون بتحرّي المظاهر التي تتميّز بها الأرساس المختلفة على أثر تمايزها بالأرواح المختلفة، وأدّت إلى دراسة الخصائص النفسيّة والشعورية والمميّزات الجسمانية للأرساس المختلفة.

بقي هذا النمط من التفكير حتّى أواخر القرن التاسع عشر بل إلى يومنا هذا.

 المجتمع والبايلوجيا

أساس هذا المذهب هو الفرضيّة التي فحواها أنَّ هناك علاقات تشريحية بين الخصائص الشخصيّة الفردية والنفس البشرية.

وعليه قامت البحوث بقياس الرأس والوجه والأنف، وبتصنيف لون الشعر والعينين وكافّة الأعضاء. وهذه البحوث كانت أساساً لمذهب (علم الأنثربولوجي الجسماني).

وهو الذي يُعنى بتحرّي مثل هذه المظاهر في دراساتهم للشعوب البدائية للتوصل للميزات الظاهرية الجسمانية، وما تدلّ عليه من خواصّ نفسيّة تميّز رسّاً عن رسّ.

ــــــــــ[254]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ووجهة النظر هذه أثّرت في العلوم المرتبطة بعلم النفس ارتباطاً وثيقاً، منها العلوم السلوكيّة التي تبحث الإنسان منفرداً أو مجتمعاً.

الإجرام والغدد الصمّ

منها علم الإجرام: أدّت إلى تكوين نظرية من قبل (لمبروزو(، وضع نظريّة للسلوك الإجرامي. ذهب إلى أنَّ للمجرمين خصائص جسمانية معيّنة هي منعكس طبائعهم النفسية المطبوعة بالجريمة، وهو أمر موروث بالفطرة.

وذهب آخرون إلى أنَّ السلوك الإنساني إنَّما تتحكّم به الغدد الصمّ وإفرازاتها، مثل أنْ يكون فلان أحمقاً، فلا بُدّ أن تكون إفرازات غدده الصمّ غير منتظمة، أمّا افراطاً أو تفريطاً.

وبُلورت على أساسِ هذا، نظريةٌ قوامها أنَّ الغدد الصمّ هي التي تتحكّم في نمط هذه الشخصيّة وفي التفكير والشعور والإحساس.

نما هذا المذهب وأُفرِط فيه، حتّى ألَّفَ العلّامة (برمن) Berman، كتاباً عنوانه (الغدد الصمّ المنظمة للشخصيّة).ذهب فيه مذهباً من أنَّ الشخصيّة تتحكّم بها هذه الغدد.

الشخصيّة والفسلجة

ومن أقطاب هذه النظريّة (گريتشمر).

بلوَرَ گريتشمر إطاراً نظريّاً قوامه استعراض الترابط بين الشخصيّة وبين الناحية الفسلجية التشريحيّة لها.

وقد قام گريتشمر بتصنيف الشخصيّات بحسب الظواهر الجسمانية ممّا أدّى إلى إيجاد (النماذج الجسمانيّة) للناس.

ــــــــــ[255]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ذهب إلى أنَّ الشخص النحيف الطويل له خصائص نفسيّة واجتماعية معيّنة خاصّة، وكذلك القصير السمين، حيث تكون من صفاته سمح اليد كثير النكتة يهوى المنتديات والاجتماعات. ويُعتقد أنَّ الناس منقسمون على شُعب على هذا الأساس. وتبعه العلّامة (شلدن).

فكلّ ذلك امتداد لوجهة النظر (فوك سايكلوجي) علم النفس الشعبي التي كانت أساسه فكرة هيجل وامتدّت في مختلف الميادين الإنسانيّة.

علم النفس الشعبي -الذي نمت بذرته في ألمانيا- كان أساس مذاهب بين الفرنسيّين عبر الحدود الألمانيّة وانتشر بين مفكّريهم، وتسمّى نظريّات في علم الاجتماع والمرتبطة بالعلوم السلوكية.

ــــــــــ[256]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفصل التاسع عشر

تطور النظريّة الاجتماعيّة

 

  • دوركايم، التمثلات الجمعيّة
  • مكدوكل، العقل الجمعي
  • آثار المدرسة البايلوجيّة

ــــــــــ[257]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفصل التاسع عشر: تطور النظريّة الاجتماعيّة

 

دوركايم، التمثلات الجمعيّة

 

من هؤلاء المفكرين هو دوركايم هذا المفكر اقتبس نفس الفكرة فكوّن ما كان أساساً لمذهبه في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. كان أساس لمفهوم من المفاهيم التي تدور حولها المعالجات النظريّة لدركهايم. هومفهوم (التمثلات الجمعية)، وهو مفهوم أساسي في كلِّ المعالجات لدركهايم.

هذا المفهوم إنَّما هو امتداد لمفهوم الروح لهيجل؛ لأنَّ التمثلات الجمعية على ما يزعم تتميّز بخاصيّتين:

  1. هي خاصّية من خواصها: أنَّها مستقلة من الأفراد، وأنَّ التمثلات الجمعية في نظر دركهايم لها كيان قائم خارجي مستقلّ.
  2. الإلزام والإكراه من خواصّ التمثلات الجمعية: إنَّ القواعد والفكر العامّة تلزم الأفراد بضرورة الانصياع إلى منطوقها ومستلزماتها.

إنَّ التمثلات الجمعية تتميز أنَّها خارجية عن الأفراد. الأمر الآخر أنَّها ذات أثرٍ ملزم في سلوك الأفراد، وإلَّا فهناك تمثلات أُخرى هي القوانين تُوقَع على الخارج عن هذه التمثلات.

ــــــــــ[259]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إذن التمثلات الجمعية ما هي إلَّا امتداد لفكرة الروح عند (هيجل). ولا تزال هذه النظرة موجودة وهي لمذهب من المذاهب في علم النفس. 

ومفهوم التمثلات الجمعية عند دركهايم لا تختلف عن نظرة (گوستاڤ لوبون) في العقل الجماعي، وهو امتداد لمفهوم الروح أيضاً؛ فإنَّ له نفس الخصائص التي يؤكّد عليها دركهايم.

الناس إذا اندفعوا مهاجمين أو كوّنوا إضراباً عامّاً أو هاجموا مؤسّسةً فاحرقوها، إنَّما يقومون بهذه الأعمال بدافع من العقل الجماعي دفعهم إلى هذا السلوك.

العقل الجماعي ليس هو مجموع عقول هذه الأفراد التي يتكوّن منهم الجمهور، وإنَّما هو مستقلّ عنهم خارج عن عقولهم، وهو عين الخاصيّة الأُولى للتمثلات التي أكّد عليها دركهايم.

والأمر الآخر أنَّ هذا العقل هو يسيطر على عقول الأفراد، وهو نفس الخاصّيّة الثانية للتمثلات.

ــــــــــ[260]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




مكدوكل، العقل الجمعي

 

اشتهر أيضاً عالم النفس الانگليزي (وليم مكدوجل) ببلورة نظريّة العقل الجماعي. وكتب كتاباً بعنوان (نظرية العقل الجماعي).

وَرَدَ في هذا الكتاب التأكيد على الخصائص الجسمانية ودور الغدد الصمّ في ضبط السلوك والنماذج الشخصيّة.

الإفراط في التأكيد على الخصائص الجسمانية أدّى إلى مذهب جديد معارض لهذه النظريّة؛ لأنَّها إنَّما تؤكّد على الوراثة؛ لأنَّ الخصائص أثر من آثار الوراثة، وكذلك الغدد الصمّ. إذن، هذه المذاهب تؤكّد على الوراثة بطريق غير مباشر.

علم نفس التربوي والأنثروبولوجي 

انبرى فريق للتأكيد على جانب آخر من الجوانب التي تتحكّم في السلوك الإنساني، وهؤلاء يُسمون (بالمحيطيّين). أكّدوا على المحيط دون الوراثة، وعّلى أهميّة المحيط في صياغة الشخصيّة وفي التحكّم في السلوك.

حتّى إذا بلغنا سنة 1920 وجدنا أنَّ عدد هؤلاء العلماء يزداد تزايداً مفرطاً، وتجرى البحوث على أساس هذه النظرة الجديدة التي فحواها: أنَّ المحيط هو العامل الذي يتحكّم في السلوك والشخصيّة.

وقد اختلفوا فيما بينهم مكوّنين فرقاً كالفرق الدينيّة.

ــــــــــ[261]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

انشعب هؤلاء إلى فرق علمية تختلف آرائها ضمن الإطار العامّ، هو هذا العامل المحيطي.

التربويّون أكّدوا على التربية، وذهبوا إلى أنَّ هذا الوجه من المحيط هو أهمّ الوجوه المحيطية في السيطرة على شخصيّة الإنسان. 

أمّا علماء الاجتماع فيؤكّدون على الحضارة والتراث الاجتماعي بضروبه المختلفة: العادات، والتقاليد، والمؤسسات، والوجه الطبقي، والمثل، والقيم، والمعايير الخلقية هي أهمّ أوجه المحيط في الشخصيّة الإنسانيّة والسلوك.

أحد المذاهب البايولوجية التي تؤكّد على الوراثة مذهب (تحسين النسل). يقومُ على هذا الأساس.

المحيطون لم يؤكّدوا على تحسين النسل كوسيلة من الوسائل الإصلاحية، بل أكّدوا على تحسين المحيط لتحسين النوع الإنساني.

أكّد المربون على تحسين التربية في نطاق العائلة والمدرسة، والمجتمع الأكبر هو الناجح في تحسين الشخصيّة.

أمّا علماء الاجتماع فأكّدوا أنَّ العناية وتحسين النطاق الاجتماعي هو الكفيل بتحسين السلوك الإنساني.

علم نفس القصدي

المذاهب البايولوجيّة التي تؤكّد على الوراثة والكيان. انشعبت إلى فرق، من هذه الفرق (الغريزيون) يذهبون إلى أنَّ المتحكّم في سلوك الإنسان والجماعة وفي التفاعل الاجتماعي هو الغرائز (علم الاجتماع هو العلم الذي يبحث التفاعل الاجتماعي ونتائجه وأسبابه).

ــــــــــ[262]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

اختلفوا في ما هي هذه الغريزة وعدد الغرائز. هؤلاء الغريزيّون هم في الواقع مدرسة من الرأي في علم النفس الاجتماعي، بايولوجيّون يؤكّدون على الوراثة؛ لأنَّ الغرائز موروثة على رأيهم.

أفرط المتعلّقون بالمحيط في التأكيد على العامل المحيطيّ دون الوراثة، ويوضع التأكيد على المحيط تربويّاً أو اجتماعيّاً.

ــــــــــ[263]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي










آثار المدرسة البايلوجيّة

 

الخصائص الشخصيّة 

التأكيد على ناحية العوامل البايولوجيّة أدّى إلى نشوء نظريّات كثيرة تدور حول إثبات أنَّ القادة والعباقرة والمجرمين والمجانين والشواذّ من الناس إنَّما يتّصفون بهذه الخصائص لأسباب وراثيّة فسلجيّة ليس للإنسان قدرة على تغييرها أو التحكّم فيها.

وفئة ابتدعوا مقاييس للذكاء تسمّى بمعايير الذكاء -منهم (بينة) Benet و(سيمون simon)- قائمة على أُسس بايولوجيّة ليس للمحيط أثر في هذا النوع من المظاهر الإنسانية.

نشط هذا الفريق لاكتشاف الفروق الفرديّة، منها: التفاضل في الذكاء؛ ولأجله وضعت مقاييس الذكاء والفرضيّة التي تقوم عليها هي أنَّ الذكاء وراثيّ في الإنسان.

وهؤلاء حوّروا هذا الافتراض مؤخّراً بعد أنْ قام البرهان على أنَّ الذكاء ليس أمراً موروثاً فحسب بل هو يتأثّر بالعوامل المحيطيّة.

عدّل هذا الفريق افتراضهم فأخذوا العوامل المحيطيّة في نظر الاعتبار في وضع مثل هذه المقاييس.

ــــــــــ[264]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

علم النفس السلوكي الفردي: 

هذا التعارض بين المحيطيّين والوراثيّين في نقاط مختلفة أدّى إلى ظهور مذهبين آخرين في علم النفس الاجتماعي.

أوّلهما المذهب الذي يضع التأكيد على الفرد دون المجتمع، وهو يؤكّد على الوراثة. يتزعم هذا المذهب البحّاثة (فلويد البورت).

علم النفس الجماعي: 

المذهب الآخر هو المذهب الذي يضع التأكيد على المجتمع كأهمّ وجه من وجوه المحيط، وقد كثر الباحثون في هذا المذهب، منهم (ڤنت)، و(ستاينشل)، و(لازارس)، و(لوبون)، و(سيغل)، و(روث بندكت)، و(مارگريت ميد)، و(جارلس كولي).

يلحظ المتتبّع لمؤلَّفاتهم التأكيد على العقل الجماعي أو التصوّرات أو التمثلات الجمعية بشكلٍ من الإشكال.

علم النفس الفارق أو النوعي

منها ما كتبه (ليڤي برول)، حاول فيه أنْ يقارن بين عقليّة الرجل البدائي والمتمدّن.

يذهب -برول- إلى أنَّ هناك فرقاً كبيراً بين منطق وأُسلوب تفكير الرجل المتمدّن الأُوروبي والرجل البدائي في المجتمعات البدائية.

ذلك أنَّ منطق الرجل الأُوروبي المتمدّن يخضع إلى (قانون التناقض): إنَّ هذا الطباشير إمّا أنْ يكون هو أو لا يكون هو.

ــــــــــ[265]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والمنطق في الشعوب البدائيّة يخضع إلى (قانون الاشتراك).

في الشعوب البدائية توجد ظواهر سلوكية أقام عليها (برول) مثل هذا الحكم، منها: أنَّ بعضهم في بعض الشعوب البدائيّة يقومون بأعمال تبرّر هذه الوجهة من الرأي.

فمثلاً في أواسط أفريقيا إذا كره أحدهم آخراً يصنع له تمثال من التمرّ وينخسه بإبرة حتّى يشفي غليله، وهو يعتقد أنَّه إنَّما ينخص عدوه فعلاً؛ ففلان -عدوه- وهذا التمثال شيء واحد.

هذه الظاهرة موجودة، وسواء أصحَّ قول برول أم لا، فهذه الظاهرة موجودة فعلاً، فالمنطق يختلف باختلاف الأُطر الاجتماعية أو المحيط الاجتماعي.

على هذا الأساس كان برول في المدرسة الاجتماعية لعلم النفس الاجتماعي؛ لأنَّه يؤكّد على المحيط في صياغة التفكير.

نظريّات العوامل

نما مذهب إلى المذهبين المتطرّفين، مذهب يضع التأكيد على العوامل والعمليّات الاجتماعية في تفسير الظواهر الاجتماعية، كالتقليد والإيحاء والمواقف والغريزة والشعور بالنوع، ومن أقطابهم الأُستاذ (روس)، و(تارد)، تارد وضع كتاباً عنوانه (قوانين التقليد)، و(بيك هوت)، و(كِدِنگز)، الرائد الأوّل لعلم الاجتماع في أمريكا، و(مكدوگل) و(بوكاردس)، ومنهم (ألبورت)، و(ودبليو اي تومس)، صاحب الرغبات الأربع.

ــــــــــ[266]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

المذهب السلوكي 

من المدارس البايولوجيّة المذهب الذي يسمّى بالمذهب السلوكي: وهو مذهب نشأ في أمريكا على يد العلّامة (واطسن)، هذا المذهب تمخّض عن الأخذ والردّ بين المحيطيّين والوراثيّين. كما أنَّ المذهب الغريزي أيضاً نما في إطار هذا الصراع.

من الغريزيّين (مكدوجل) الذي وضع كتاباً سنة 1905 عنوانه (مقدّمة في علم النفس الاجتماعي) أكّد فيه أنَّ فهم السلوك الإنساني يستلزم الاحاطة بالمصادر الأساسيّة للسلوك، وهذه المصادر هي دوافع تسمّى بالغرائز، وهي محدودة كلّ غريزة يصاحبها انفعال.

هذا المنحى لـ(مكدوجل) اتَّبع من قبل الكثير من المفكّرين خلال العقد الثالث والثاني -من هذا القرن- وأُلِّفت مؤلَّفات كثيرة، منها: كتاب لـ(ثورندايك) عنوانه (الطبيعة الأصليّة للإنسان)، ذهب فيه إلى أنَّ الغرائز موروثة وأنَّها تتحكّم في سلوك الإنسان، و(ودورث) في كتابه (علم النفس الديناميكي) (الحركي، و(تروتر) في كتابه (غريزة القطيع في حالتي السلم والحرب)، ومنهم (ذبلن)، والذي اشتهر ببلورته إلى غريزة جديدة أسماها غريزة العمل، أقام على أساسها بحوثاً ومؤلَّفات.

كلّ هذه البحوث قائمة على تصنيف الغرائز لا على أساس اثباتها اثباتاً علميّاً تجريبياً، فهي أقرب إلى الخيال والوهم.

وفي العقد الرابع أثار حركة مضادّة كان من نتيجتها أنْ نبذت الغريزة 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

كأساس في تفسير السلوك وحلّت مفاهيم أُخرى محلّه، كالحوافز والرغبات والميول.

هذا الصراع لم يذهب سدى، بل أشار إلى أهمّية الدفع في السلوك الإنساني.

وهذه الناحية -ناحية إيجاد السلوك أو حفزه- هو ما يسمّى (بالدفع) قد جلبت انتباه المفكّرين إلى الناحية الحركيّة في السلوك الإنساني.

ــــــــــ[268]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






الفصل العشرون

نظريّات علم النفس

 

  • تشعب المدارس

ــــــــــ[269]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي








الفصل العشرون: نظريّات علم النفس 

 

تشعب المدارس 

 

هذا الصراع بين المحيطيّين والغريزيّين جلب انتباه المفكّرين إلى الطبيعة الحركيّة للسلوك وعلاقاته الاجتماعية. في هذه المرحلة حين يشتدّ الصراع بين الغريزيين والآخرين كانت تجري بحوث في علم الأنثربولوجي، وهو: الذي يبحث في الشعوب البدائية، وكان العلماء يبذلون جهدهم فيه لتفسير ظاهرة الحضارة في هذا العلم، وهي مجموعة التعاريف الاجتماعية للوضعيات الاجتماعية التي يجابهها الناس منفردين أو مجتمعين.

في بعض القبائل الصينيّة عندهم التحيّة حكّ الأنف، فهذه تعاريف لوضعيات متّفق عليها، وكلّ من الطرفين المتفاعلين يتوقّع ما يقوم به صاحبه سبقاً وسلفاً. فتبيّن من هذا أنَّ الحضارة هي مجموعة تعاريف للوضعيّات المختلفة.

المدرسة الحضاريّة

هؤلاء في الصراع كانوا معنيّين بهذه الظاهرة -الحضارة- والتعرّف على طبيعتها وخصائصها وانتقالها وانتشارها؛ لأنَّ الحضارة تنتشر. وتُعرف عملية 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

انتشار الحضارة بعملية الذيوع والانتشار، ممّا الجأهم إلى تكوين فرضيّات في علم النفس الاجتماعي ابتُدعت لتفسير هذا البحث.

طغيان هذه الفرضيّات شجّع بعض علماء النفس وعلم النفس الاجتماعي على تبنّيها خلال العقد (3-4)؛ حيث راح المتأثّرون بوجهة النظر هذه يقيمون البراهين على أهميّة الحضارة في صياغة الطبيعة الإنسانية، وإنَّما تُقرّر وتصاغ على أساس المؤثّرات الحضارية التي تُؤثّر فيها، وأن الطبيعة الإنسانية Human تصاغ في قوالب معيّنة تميّز قوماً من قومٍ ومجتمعاً عن مجتمع.

أنَّ هذا التأثير يتمّ -كما يدّعون- أمّا بتحوير الطبيعة الأصلية وهو: كلّ ما يكون الفرد مزوّداً به عند الولادة من ميول وحوافز وغرائز، ومفهوم الطبيعة البشريّة يختلف عنها عند كثيرين وإنْ كان يكتفي عند آخرين.

التعلّم

هذا النوع من التحوير في الطبيعة الأصلية من الحضارة قد يوجّه الطبيعة وجهة معيّنة بحيث تتبنى أوجه من السلوك معيّنة في أُطر حضاريّة معيّنة(.)أنماط سلوكية شائعة في مجتمع الفرد وتكف الفرد عن أنواع أُخرى من السلوك التي لا يمارسها المجتمع. تطغى في بعض المناطق الجغرافية وحدات سلوكية معيّنة، هذا النوع من الوحدة السلوكية تنتج عن تفاعل الطبيعة الأصلية مع الإطار الحضاري الذي يتفاعل معه ولما كان هذا التفاعل إنَّما يتم بطريقة التعلم لذلك أصبحت عملية التعلّم ذات أهميّة كبرى عند هؤلاء الحضاريين.

ــــــــــ[272]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الجبر الحضاري

أصبحت هذه العملية إلى التعلّم ذات أهمية في نظرهم من أنَّها العملية التي يمكن أن يُتتبّع فيها آثار الحضارة في الشخصيّة لتمييزها عن الطبيعة الأصلية.

هذه المدرسة تسمّى بالمدرسة الحضارية، ويسمّى المتطرّفون فيها (بالحضاريين الجبريين) الذين يدّعون بأنَّ الحضارة وحدها هي العامل الأهمّ الذي يسيطر على الطبيعة الأصلّية، ومن ثم الطبيعة البشرية ويسيطر على كلّ الأنماط السلوكية والعواطف.

الحضاريين الجبريين: الحضارة هي التي تقرر شخصية الفرد بوجوهها المختلفة.

هذا المذهب وإن لم يفد في تبيان طبيعة عملّية التعلّم، ولكنّه بتأكيده عليها على أنَّها تفاعل اجتماعي بيَّن ضمناً أهمية علم النفس الاجتماعي، وبيَّن ضرورة أخذ العملية التاريخية بنظر الاعتبار لأن عملية التعلم ذات تاريخ؛ لأنَّها تجري عادةً في سنيِّ الطفولة، ولذلك أكّدوا على ضرورة دراستها ضمن هذا النوع من الإطار التاريخي؛ لأنَّ عملية التفاعل عملية ذات تاريخ.

العملية:

هذا المذهب الحضاري قد بيَّن أهمية بعض المفاهيم التي من خصائصها الحركة كمفهوم (العملية) في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع بصورةٍ عامّة، وقد جاء هذا التطّور بعد أن كانت تسود هذين العلمين مفاهيم جامدةً مثل الإيحاء والتقليد، هذه المفاهيم لا تغلب عليها الخصائص الحركيّة، أو 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

يبعد أن تتضمّن مثل مفهوم الإيحاء والتقليد التي كانت مسيطرة على الأذهان في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي مفهوم التفاعل الاجتماعي أو العلمية الاجتماعية التي أصبح المحور الأساسي لعلم النفس الاجتماعي من العقد الثاني.

المدرسة الغريزية

هذا التأكيد على الحضارة وأهميته في شخصية الإنسان هو في الواقع ردّ فعلٍ عن الغريزيّين الذين يقولون بوراثة العوامل النفسيّة التي أسموها القابليّات الذهنية أو الغرائز، أو الميول الطبيعية، ومن هؤلاء (مكدوجل)، أو الارجاع الطبيعية المختلفة لـ( البورت) أو الرغبات (آي دبل يو تومس)، أو الدوافع لـ(كدني) أو الحاجات الحشويّة لـ(گرنه) أو الرغبات، ومن قبيل مفاهيم أُخرى. 

جميع هؤلاء يؤكّدون على الوراثة ضمناً أو صراحة؛ لأنَّ هذه العناصر يولد الإنسان مزوداً بها وإن اختلفت مدارسهم.

هذا التأكيد على الوراثة وإعطاء الوراثة أهمّية حفّزَ بعض العلماء والمناهضين لأن يؤكّدوا على المحيط في صياغة وتوجيه السلوك والشخصيّة واختلفوا فيما بينهم:

فوَضَع المربّون أهميّة كبرى على التربية كوجه من وجوه المحيط، وعلماء الاجتماع على أنَّ المجتمع هو الذي يلعب الدور الأهم في تكوين الشخصيّة، وعلى الإنسان أنَّ الحضارة هي أهم الوجوه في المحيط الاجتماعي.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

المدرسة السلوكيّة 

تطرُّف بعضهم أدى إلى نشوء مذهب يسمّى بـ(المذهب السلوكي)الذي يتزعمه عالم روسي (باڤلوڤ) وامريكي (واطسن، وأخيراً نجد شيوع وطغيان الطرائق الإحصائية في علم النفس الاجتماعي.

من الظواهر هذه الطرق الإحصائية ما نشاهدها من استعمال المقاييس التربوية والفردية كاختبارات الذكاء.

أصبحت الطرائق في نظرهم هي طريقة البحث الوحيدة الصحيحة في هذا الموضوع. من أعلام التأكيد على أهميّة هذه الطرائق الأستاذ (ترستن) العالم في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس [التطبيقي].

وكوّن (ترستن) مدرسة على أساس أنَّ علم النفس لا يبحث سوى المواقف، وهو إنَّما يبحثها من وجهة النظر الرياضية الإحصائية وحسب. 

تطرف السلوكيّين أدّى إلى ظهور مدرسة شدّدت النكير عليهم يتزعمها جون ديوي، وجون هربرت ميد، وچارلس كولي،.

المدرسة الرمزيّة 

هؤلاء العلماء تزعموا مدرسة شددت النكير على الغريزيين تسمى مدرسة (التفاعليين الرمزيّين) كما نمت إلى جانبها (دراسة نمو الطفل) والطرائق التجريبية في علم النفس الاجتماعي.

ظهور هذه المدرسة -أي مدرسة التفاعليين الرمزيّين- أدّت إلى ظهور بحوث تميّز بها الرمزيون ودراسات تدور حول طبيعة النفس ونشؤها ونموّها ومراحل نموّها منهمّ وليم جيمس. 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

و(بودون) وكولي، وجون هربرت ميد في كتابه، (العقل والنفس والمجتمع). أدّعى في كتابه أنَّ التفاعل هو أساس نشأت العقل والنفس، ومن لم يتفاعل ويسهم في تفاعل في مجتمع لا تتكوّن فيه النفس والعقل.

هذه المدرسة في العقد الثالث اكتسبت انصاراً كثيرين في أمريكا وألمانيا من الاعلام الذين يواكبون هذه الحركة.

مدرسة الكشتالت 

من بين الحقول التي نمت مؤخراً نشوء مذهب الهيئة أو الكشتالت، وذلك على أثر نمو النظريّة العضوية الشاملة التأكيد على ضرورة دراسة الكائن العضوي ككلّ، وليس على شكل أجزاءٍ ممّا أدّى إلى مذهب الهيئة.

الأمر الثاني الذي أدّى إلى نموّ علم النفس الاجتماعي نمو فرع الخدمة الاجتماعية، أكّد على الطريقة العملية في دراسة مواضيع الخدمة. موضع الدراسة يجب أن يدرس الشخص من حيث علاقاته بمحيطه الحضاري والعائلي والاجتماعي. ندرس مجنوناً أو هستيرياً، ندرسه على ضوء علاقاته العائلية والاجتماعية والحضارية سواء كان سوياً أو شاذاً؛ لأنَّهم نتاج تأريخ حياتي طويل، وهؤلاء كانوا يستعملون طريقة دراسة الحال.

من الأمور التي ساعدت على نمو علم النفس الاجتماعي تأسيس عيادات الأطفال، وخاصّةً إرشاد الأطفال والمؤسسات العلميّة لدراسة الأطفال كانت من نتائج محاكم الأحداث في العالم الغربي، ممّا أدّى إلى ضرورة دراسة الأطفال وخاصّة الجانحين منهم.

ــــــــــ[276]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

مدرسة التحليل النفسي

هو استعمال طريقة التحليل النفسي وذلك بتأثير (فرويد)، و(يونگ) و (ادلر)، (وارخ فروم)، و(سلڤان)، و(برو) و(مورينو) الأمريكي وآخرين. نموّ هذا المذهب سواء الفرويدي أو المعارض أدّى إلى نمو علم النفس الاجتماعي هذا القرن.

مدرسة علم الإنسان

هو نموّ علم الإنسان أو الانثربولوجية, كانت البحوث قُبيل هذا القرن يسيطر عليها الوهم والتعاميم غير المبررّة علمياً لأنَّ؛ السوّاح هم الذين كانوا يكتبون عن الشعوب البدائيّة، وهي زيارات عابرة والملاحظات غير دقيقة، وهذه الملاحظات العابرة تتّخذ أساساً لبحث تلك الشعوب من حيث أديانها وفنونها وآدابها وما شاكل.

ولكن الطرائق في الانثربولوجي تغيّرت وصار الباحثين يعيشون بين هذه الشعوب البدائية أمداً طويلاً في بعض الأحيان، يتعلمون لغاتها ويسهمون مع أفرادها ممّا مكّنهم من إجراء دراسات علميّة مباشرة دقيقة لهذه الشعوب.

وأدّى علم الانثربولوجي إلى شيوع المذهب الوظيفي في علم النفس الاجتماعي بعد أنْ ركّز في موضوع علم الانثربولوجي، على يد أعلام الانثربولوجي منهم (برونشك) و(مالينوفسكي)، و(بندكت وما رگريت ميد)، وزعيم المذهب الوظيفي وعلم الانثربولوجي، (رادكليف براون)، و(لويد وارنر) ولنتن، وغيرهم من الباحثين الآخرين.

وإنَّ علم الإنسان صار يؤكّد في مراحله الأخيرة على دراسة الشخصيّة 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ومشاكلها النفسية والاجتماعية، وعلى ضرورة دراسة الزعامة والعصبيات والتحاضر، وأكّد على ما يسمّى بـ(النسبيّة الحضاريّة) للجنون وللعاهات الأُخرى لكلِّ مرض نسبيّة اجتماعية، فالمجتمع ينظر إلى المجنون نظر ازدراء.

في بعض المجتمعات البدائيّة الشواذّ يتميّزون بزعامات لاهوتيّة، من قبيل الشامان، أو رجل الدين في الشعوب البدائيّة رجلٌ مصاب بالصرع يعاوده بين الفينة والفينة، وهم يرون في هذا النوع من الصرع أنَّه نوع من الاتصال بالأرواح أو تلقي الوحي.

فالمرض العقلي يتّخذ في هذه الشعوب البدائيّة دليلاً على سموّ الشخص لا على امتهانه دليل على شذوذه ولكن من الناحية الإيجابيّة؛ ولذلك فله مركز اجتماعي مرموق.

ولذا أكّدوا أنَّ الخصائص الشخصيّة يختلف اعتبارها من مجتمع إلى مجتمع، ومن الضروري أخذه بنظر الاعتبار. واقحموا العناية بمجال التكيّف الاجتماعي والشخصي، ولكنّها ليست من مواضيع علم الانثربولوجي ولكنّه نتج أخيراً.

المدرسة الاجتماعيّة لعلم النفس 

نموّ فروع علميّة ألقت ضوءاً على بعض المشاكل من المفكّرين، نحو: (لاسويل) من علماء السياسة والسلوك السياسي، ويعالجها عن وجهة النظر في علم النفس الاجتماعي، و(ارخ فروم)، و(كارل مانهايم)، وهو مكوِّن علم اجتماع المعرفة، وعالم السياسة الانكليزي (لاسكي)، وآخرون. 

بعد هذه التوطئة وتبيان نقاط التعارض سيأتي البحث في المذهب الفرويدي.

ــــــــــ[278]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الفصل الحادي والعشرون

الإطار التاريخي للمذهب الفرويدي، أُسسه وخصائصه، ومذهب التحليل النفسي

 

  • من هو فرويد هذا؟
  • مراحل تطور مدرسة فرويد
  • أُسس المدرسة الفرويديّة في التحليل النفسي  (نظرية الكبت)
  • خصائص المدرسة الفرويدية الهفوات والأمراض العصبية
  • النفس عند فرويد

ــــــــــ[279]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




الفصل الحادي والعشرون: الإطار التاريخي للمذهب الفرويدي، أُسسه وخصائصه، ومذهب التحليل النفسي

 

من هو فرويد هذا؟

 

فرويد رجل من سكان (ڤينا) في النمسا، في القرن التاسع عشر كان مولعاً بدراسة علم وظائف الأعضاء، وولع بصورة خاصّة في فسلجة الجهاز العصبي كان يدرس الطب هناك، أصبح فرويد مولعاً بالاختلالات العصبيّة. في ذلك الزمن كان -موضوع الاختلالات العصبيّة- موضوعاً عُنىَ به الباحثون في أُوروبا الوسطى، فليس غريباً أن يولع فرويد بهذه الاختلالات التي كانت تشغل ذهن المفكرين هناك.

في سنة 1885 رحل فرويد إلى باريس ليدرس الموضوع على يد (چاركو)، وهو باحث مشهور وقطب من أقطاب هذا الموضوع.

ونتيجة لهذه التلمذة أعجب فرويد بمعالجة (چاركو) للأمراض الهستيرية، وخاصّة استعماله التنويم المغناطيسي في إحدى الأُمسيات كان چاركو يتحدّث إليه عن خبرته مع حالة مرضية من الحالات التي خبرها فأعلن قائلاً: أنَّ هذه 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الحالات المرضية تحتوي دائماً على نوع من التعلق الجنسي، وأكد أنَّ لا بُدّ من وجود هذا الموضوع دائماً دائماً دائماً، فلفت نظر فرويد إلى أهمّية هذا العمل.

حين بدأ فرويد يتتبع معالجة الأمراض العصبيّة كوّن نظريّةً تؤكّد على الأساس الجنسي للأمراض العقلية والهستيرية قاطبة، مؤيّداً ما ذهب إليه چاركو.

وانتبه إلى حالة مرضية أُخرى يوم كان تلميذاً في فيينا على يد (بروير) حيث إنّ أحدى هذه الحالات كانت حالة امرأة يانعة الشباب مصابة بالهستريا على أثر حادثة في حياتها المبكرة أثر فيها تأثيراً بالغاً وهي قد نسيتها.

قام بروير بمعالجتها بتنويمها تنويماً مغناطيسيّاً وأن تتذكّر هذه الحادثة التي كانت السبب الأساسي في مشكلتها المرضية.

كلّ منهما فسّر هذه الحالة. أنَّ هذه الحادثة قد أثارت الفتاة إثارة عاطفية عميقة قد منعت من التعبير عن نفسها بالطرق المعتادة، فقد بحثَت عن التعبير عن نفسها بشكل علامات أو رموز أو أعراض، وهي الأعراض الهستيرية.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي




مراحل تطور مدرسة فرويد

 

التحول 

دعي فرويد هذه العملية بالانقلاب أو التحّول وهو تحوّل الطاقة العاطفية أو الانفعالية إلى الهستيريا، وهو مظاهر تحوّل للأثر الأصلي الذي عانته هذه الفتاة في حياتها المبكرة إلى هذا النوع من الاعراض.

هذه الحادثة كانت مهمة في تاريخ علم التحليل النفسي؛ لأنَّها اشارت إلى أهمية الاضطرابات النفسية التي كانت قد نسيت والشخص لا يتذكرها وهي مصدر شذوذه في السلوك.

اللاشعور 

كل هذا قد جلب انتباه الباحثين إلى ما أسماه فرويد باللاشعور، والدور الفعال الذي يلعبه في السلوك وأنَّه يستقر فيه ديناميكية السلوك والعامل المحركة للسلوك.

رجع (فرويد) إلى فيّينا فرافق (بروير) من جديد، وكان في الواقع ينتقل بين پاريس وفيينا. وخبرته خلال هذه السنوات الأولى قد علّمته أنَّ المرضى الذين يشفون موقتاً بالتنويم المغناطيسي والتطهير؛ والاشباع وهي الطريقة التي 

ــــــــــ[283]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

تشبع فيها الدوافع اشباعاً مفرطاً وتسمى بالتطهير لأنَّها تطهّر الإنسان معاناة ذلك الدافع من بعد، كانت من الطرائق المألوفة كطريقة لمعالجة هذه الأمراض العصبية.

الكبت 

لاحظ فرويد أنَّها غير ناجعة إلى أمد طويل؛ لأنَّ المرضى ينتكسون إلى معاناتهم تلك للاختلالات مرّة أُخرى، فخمن أنَّ لهذه الأمراض سبب لا شعوري عندما يرفعه العالِم إلى حيز الشعور يذهب المرض، وإنَّما سبب الإصابة لأنَّه كبت. فلو أفسح لها المجال بصورة طبيعية في المجتمع لما كانت سبب مرض الشخص في الوقت الذي يرفع عن هذه الأسباب -الكبت- عندما يتحدث المريض إلى الطبيب بطلاقة فتنبعث المشكلة من اللاشعور إلى الشعور ويعود المريض سويّاً.

فرويد لاحظ أنَّ استشفاء هؤلاء بهذه الطريقة ليس طويلاً، بل الأعراض تظهر مرّة أُخرى أو أعراض أخرى فذهب إلى أنَّهم إنَّما ينتكسون مرّةً أُخرى لأن طريقة العلاج والتشخيص لا ينفذ إلى جذور الداء وإلى مصدر الحالة المرضية الحقيقي، فاضطر إلى نبذ طريقة التنويم المغناطيس على أنَّها من طرق العلاج أو التشخيص و(برويد) أيضاً نبذها.

التداعي الحر 

متبنياً طريقة قوامها أن يطلب إلى المريض أن يتكلّم بحرية، فيقول كلّ ما يخطر على باله من غير تحرّج، وأن يسترسل في الكلام ولا يخفي شيئاً مهما كان 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

تافهاً؛ لأنَّه يحتمل أن يكون ذو علاقة مهمّة من حيث إنّ هذا الخاطر يدل الطبيب النفسي على مصدر الداء.

كان المرضى يستعيدون خُبْراً نسوها منذ عهد طويل يهتدي الطبيب إلى سبب الداء، وهذه الطريقة هي التي سمّاها (فريزر) طريقة الكلام أو التحدث.

هذه الطريقة هي الطريقة التي تبناها فيما بعد للتشخيص وللعلاج معاً واعتمد عليها في بحوثه ومعالجاته لأنَّه وجد أنَّ هذه الطريقة تنمّي التعاون بين المريض وبين طبيبه على كشف موطن الداء في حين أنَّ طريقة التنويم لا تمكّن الطبيب من السيطرة على المريض؛ لأنَّ أغلب الشخصيّة لا تكون تحت سيطرة الطبيب حينئذ، والطبيب يستطيع أن يرشده فيما يجب أن يتحدّث عنه متى شاء.

هذه الطريقة كانت أولى الطرائق في علم النفس التحليلي التي سمّيت فيما بعد (الترابط الحر أو (التداني الحر) والتي ترجمت إلى التداعي الحر)، وهي أنَّ فكرة ما تستدعي فكرةٌ أخرى. والصحيح في الترجمة (الترابط الحر أو التداني الحر) free Association. وهي أفكار متسلسلة تحفز المريض على فكرة أُخرى. هذه الطريقة هي التي صارت تستعمل مكان طريقة التنويم.

النقل

ملخص هذا الحديث: أنَّ في هذه الخُبْر التمهيدية الأُولى مع (156) هؤلاء المرضى ومع هؤلاء الأقطاب في موضوع الاختلالات العصبية انتهت بفرويد إلى التعرّف إلى ظاهرتين مهمّتين في التحليل النفسي:

الأولى: ظاهرة النقل، وذلك أنَّ المريض أثناء تفاعله الاجتماعي مع المحلّل 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

يتعلّق معه تعلقاً ودّياً عميقاً، وأنا أقول أنَّه وديٌّ وإن كان هذا التعلّق جنسّياً مفرطاً في الواقع أو يكرهه كرهاً شديداً إذ يعتبر فرويد هذا الكره وجهاً مبهماً من الحبّ للمحلّل النفسي، هذه الظاهرة هي ظاهرة النقل والتحويل حيث اعتبرها كدليل على أنَّ أساس الأمراض العصبية أساس جنسي بحيث إنّ العاطفة حوّلت إلى المحلل حين ثبوت بطريقة التحليل النفسي.

المقاومة 

الظاهرة الثانية: هي الظاهرة التي سمّاها (المقاومة) هي في الواقع لاحظها فرويد عند المرضى، حيث كانوا يبدون محاولات مقاومة يقاومون فيها المحلّل النفسي، حتّى لا يستطيع المحلل من أن يكشف نفسية هذا المريض، وليحول من أن يصل إلى طبيعة المشكلة التي يعانيها المريض.

فالمريض حينما يتحدّث تحدثاً حراً كثيراً ما يصل إلى مرحلة لا يريد فيها الكلام عن نقاط حسّاسة معيّنة، ويبدأ عندها مقاوماً المحلل ومعارضاً محاولاته من أن يستمر متابعاً هذا المريض في هذا الصدد، ويبدي ممانعة مطردة كلّما استمر المحلل النفسي محاولاته لكشف الداء.

ويتحقّق المريض من الاسترسال في الحديث؛ لأنَّه لا يحبذ أن يتحدّث عن هذه النقاط الحسّاسة، ولأنَّه يشعر شعوراً جازماً أنَّ الحديث عنها يثير فيه شجوناً مؤلمة، وخُبْراً لا يريد أن يواجهها مرّة أُخرى ولو عن طريق الحديث. 

أطال فرويد النظر في هذه الظاهرة، فتوصّل إلى أنَّ عدم رغبة المريض في الاستمرار في الحديث عن نفسه وعدم قابليّته أي: المريض على الاستمرار في 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

هذا الحديث هي درجتان من درجات المقاومة للمريض، في بعض الأحيان لا يرغب بالاستمرار وفي أحيان أُخرى ليست فيه القابلية على الاستمرار.

فأكّد فرويد على هاتين الدرجتين في المقاومة. وأكّد أنَّ كلاً من هاتين الظاهرتين ما هما إلَّا طريقتين يتخذهما المريض لحماية نفسه ضد الألم.

مذهب السعادة واللذّة والألم

هذا النوع من الرأي أساسيٌ في نظريّة فرويد. فكرة فرويد إذا سلسلت فلسفياً ترتبط بمذهب السعادة فهي قائمة على الالتذاذ والالتذاذ الجنسي بالخصوص على اعتبار أنَّه النوع الأساسيّ من الالتذاذ.

ويؤكّد على أنّ معاناة المريض للألم في هذه الحالة تدلّ دلالة واضحة على أنَّ المحلّل قد وصل مرحلة من الكشف صار فيها يختبر الجرح الحقيقي لهذا المريض -وأعني بالجرح الجرح النفسي- وإنَّ المقاومة تدلّ على أنَّ المعالجة سائرة في الطريق الصحيح الموفَّق، وأنَّ المحلل قد أوشك أن يصل إلى مصدر العلّة وأنَّ عليه أن يتابع المحاولات حتّى يتغلّب على مقاومات هذا المريض في هذا الإتجاه بالذات. فالمريض مهما يقاسي من الآلام عند استرجاع الخُبْر المؤلمة التي أحدثت عنده الاختلالات العصبيّة، نجده ينفّس عن العاطفة المكبوتة الجامحة عندما يتكلّم عنها بصراحة. وهذا التنفيس هو التطهير؛ لأنَّه يطهّر نفسية المريض ممّا علق بها من عواطف جامحة تحدث فيه الاختلالات.

ــــــــــ[287]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



أُسس المدرسة الفرويديّة في التحليل النفسي  (نظرية الكبت)

 

معنى الكبت

أدّت ظاهرة المقاومة السابقة بفرويد إلى تكوين نظريّة الكبت، وفحواها: أنَّ الخبرة المؤلمة المنسيّة – سواء كانت منطوية على ذكرى أو رغبة ما- تُصبح لا شعورية من جرّاء دفعها عن الشعور إلى اللاّشعور وهذه الخبرة تكون عادةً مشحونة شحناً عاطفيّاً؛ لأنَّها متصلة برغبةٍ جامحة يتعذر الوصول إلى تحقيقها ولما كان من خصائص الرغبة الاندفاع والميلان للتعبير عن نفسها بصورة سلوك ظاهري فإنَّ كبتها أمر ليس بالهين، فهذا (الكبت) فيما يرى فرويد لا يستطيع القضاء على اندفاع الرغبة وجموحها، وكلّ ما في الأمر أنَّها تُكبت في اللاّشعور وتدفع عن الشعور لتمارس مفعولها بصورة خفيّة باطنة مؤثّرة في السلوك ومظهرة له بصورةٍ مشوّهة غير معتادة.

 يضاف إلى ذلك أنَّ (الأنا) أو الذات لا تستطيع القضاء أيضاً على هذه الرغبة، بل كلّ ما تستطيع هو ابقائها في اللاشعور ومنعها من الظهور على شكل سلوك ظاهري فعلي.

وهذه النظريّة -الكبت- هي الأساس التي يقوم عليه مذهب التحليل النفسي الذي تتبنّاه المدرسة الفرويديّة.

ــــــــــ[288]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

نتائج نظريّة الكبت

1. الأحلام 

ومن مضامين نظريّة الكبت هذه أنَّ اللاشعور فعّال نشيط، وإنَّ هناك حرباً دائمة بين الأنا -الذات- وبين الرغبة المكبوتة. وقد استخلص فرويد من دراسة الأحلام فيما بعد ما أضافه إلى نظريّة الكبت من أنَّ الرغبات المكبوتة تُعبّر في الحلم عن نفسها تعبيراً زائفاً مشوهاً حيث تجد في غفلة ما يسمّيه بـ(الرقيب) سلطة للتعبير عنها وإشباع نفسها اشباعاً لا يستسيغه المجتمع في الأحوال الاعتيادية وفي الحلم يدّعي فرويد نوعين من المضامين ظاهرية وكامنة، فالظاهرية هي ما يتذكره الحالم عندما يستيقظ، أمّا الكامنة فهي ما تشير إليه تلك المضامين في نظر المحلّل النفسي.

وتنطلق الرغبة المكبوتة للتعبير عن نفسها في الوقت الذي يختفي الرقيب به، وهو- أي: الرقيب- عبارة عن قوى القمع التي تسلّطها الأنا على اللاشعور ثم أنَّها لا تستطيع التعبير عن نفسها بصراحة في الحلم حتى وإن كان الرقيب غافلاً متراخياً فهي قد توقظ النائم عندما تعبر عن نفسها بصراحة ووضوح كما هو الحال في الأحلام الجنسية لذلك فهي تتخذ لها صوراً تنكرية حتى تستطيع الاجتياز إلى الشعور من دون أن يحس بها الرقيب.

 ولها في تنكرّها صور متعددة، من أهمها (الرمزية) فهذه الأشياء والأشخاص والحوادث التي يحتوي عليها الجزء الظاهري من الحلم إنَّما ترمز إلى أشياء أُخرى- كما يرى فرويد- فالاحتفال العام -مثلاً- الذي شاهدته وتمتعت به 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إحدى المريضات في حلمها لم يكن إلَّا تشييع جنازة زوجها، والهرب فزعاً من عدو في الحلم يرمز في نظرية فرويد إلى السعي وراء ما نحب أو نشتاق وهكذا.

وتكتسب بعض الرموز أهمّيتها ومعالمها من الخُبْر الشخصيّة بالحالة الخاصّة بالحالِم نفسه أمّا البعض الآخر فهو رمز عامّ بين الناس عموماً على اختلاف حضاراتهم وأزمنتهم؛ فالحدائق والشرف والأبواب مثلاً، ترمز إلى عضو خاصّ من جسم المرأة، ومنائر الكنائس والشموع والأفاعي وأمثالها ترمز إلى العضو الخاصّ من جسم الرجل وهكذا.

وليست الرمزيّة وحدها هي التي تعرض محتويات الحلم، بل إنَّ هناك طرائق أُخرى لإخفاء المعاني الحقيقيّة للحلم، فأساليب اللاشعور في ابتداع الأساليب التي يتّخذها للإنسان من الرقيب أكبر من أن تُحدّ، فقد يعرض الجزء المهمّ في الحلم بشكل يبدو وكأنّه أتفه ما فيه، في حين أنَّه السبب الرئيسي لإحداث هذا الحلم، وقد يذهب إلى أبعد من ذلك في تغطية الدوافع المكبوتة فيتنبّه الحالِم وهو لا يعرف كنه ما كان يقوم به أثناء حلمه؛ ولذلك يرى فرويد أنَّ الحالِم عندما يستعرض حلمه يحاول لا شعورياً أن يربط بين أجزاء ليعرضها في وحدة منطقية بحيث تبدو ذات صلة أو شبه ببعض الحوادث الفعليّة، مع أنَّ هذا الترابط المنطقي لم يكن موجوداً في الحلم ذلك أنَّ الحلم ليس إلَّا تعبيراً عن ضرب من التفكير يتميّز بكونه عميقاً جدّاً وبدائياًّ بطبيعته، أي: أنَّ أساليب التفكير المنطقي التي قوامها النقل هي أبعد ما يكون عن خواصّه، بل إنَّ اللاشعور يتّصف بأنَّ عملّياته من خصائصها اللامنطقيّة.

ــــــــــ[290]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

2. النظريّة الجنسية الطفليّة 

خلال هذه المرحلة من مراحل تكوين علم التحليل النفسي تكّونت من قبل فرويد نظريّة سمّيت بـ(الجنسيّة الطفليّة)، وفحواها: أنَّ الميول الجنسية موجودة وفعّالة حتى في المرحلة التي تسبق النضج الجنسي، أي منذ الطفولة، وأنَّ الأمراض العقلية والعصبية ذات أساس جنسّي وأنَّ الجرح النفسي أو ما يسمّيه فرويد (trauma) قد يمتدّ إلى عهد الطفولة الأُولى، حيث إنّ ممارسة فرويد لهذه الأحوال المرضية كانت تقوده دائماً إلى أنَّ سبب الداء يمتدّ إلى ضرب من الإغراء كان قد حدث من عهد الطفولة، على أنَّ البحوث قد أطلعته فيما بعد على أنَّ أكثر الإغراءات الجنسية لم تكن قد وقعت فعلاً، ولكنَّها كانت لا تعدو مرحلة التصورات والأوهام، فقد كان تحليله للمرضى المتردّدين عليه يقوده إلى الكشف عن صدماتهم الجنسية منذ الطفولة، ولكن استقصائه يُبرهن على أنَّها صدمات ليس لها وجود ظاهري في المحيط الواقعي، فخطر له أنَّه إذا كان كلّ هؤلاء المرضى يتصوّرون هذه الإغراءات الجنسية، فإنَّ ذلك دليل قاطع على أهميّتها دون الالتفات إلى كونها واقعية من الناحية الفعلية، ذلك أنَّ تصورات إغراءات جنسية من هذا القبيل يلعب نفس الدور الذي تلعبه الخبرة الواقعية، من أجل ذلك صار فرويد يعتقد بأنَّ إشباع الطفل لميوله الجنسية بطرائق مستهجنة ومحرمة اجتماعياً تلجئه لإخفائها عن النفس الشاعرة، وممارستها ممارسة تصورية خيالية يتجنّب اللوم وتقريع النفس. 

وقد قاده هذا المنحى من التفسير إلى أهميّة الجنس في حياة الأطفال، وإلى 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إدخال هذه الفكرة وضمّها إلى أفكاره حول الكبت والنقل واللاشعور ومن هناك ترى سبب تأكيد التحليل النفسي على أهمية الطفولة في توجيه سلوك الراشدين، وتقرير خصائصهم النفسية والعقلية معاً وباكتشاف الدور الذي يلعبه الكبت، وباكتشاف ظاهرة التحويل والنقل ومعرفة أهميّة الطفولة في حياة الإنسان، استكمل علم التحليل النفسي مرحلته التكوينية من حيث النظريّة والطريقة ولم تكن هذه الاكتشافات وليست هذه المفاهيم التي أشرت إليها تصورات وأخيلة توهمها المحللون النفسيون كما يزعم النقاد، وإنَّما هي ثمرات التحليل العملي ونتيجة الملاحظات الدقيقة المباشرة.

الخطوط الرئيسية لمذهب فرويد

لم يكن مذهب فرويد كما رأينا مذهباً كاملاً جامداً منذ البداية بل كان أثناء تطّوره ونمّوه عرضة للتنقيح والتعديل، فقد استمرّ فرويد في تنقيح نظريّته حصراً على أنَّها لا تزال في دور التكوين، ولكن الخطوط الرئيسيّة بقيت ثابتة لم تتغيّر ويمكن تلخيصها بما يلي:

الخطّ الأوّل: الشعور واللاشعور

إنَّ الحياة النفسية للإنسان تتكوّن من خبرتين مهّمتين: الشعور واللاشعور، وأهميّة الشعور-كما يرى فرويد- بالنسبة إلى اللاشعور وأهميّته هو جزء بسيط جدّاً، وقد شبّه فرويد النسبة بينهما بقوله المشهور: أنَّ الحياة النفسية للفرد تشبه القطع الثلجية الكبيرة التي ترمى في البحر فيطفوا منها عشر وتختفي تسعة أعشار، واللاشعور هو تسعة أعشار الحياة النفسية تقريباً.

ــــــــــ[292]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إنَّ اللاشعور هذا على رأيه قويّ متحكّم في الإنسان، ومستقرّ وراء النفس الشاعرة وهو مستودع القوى الخفية التي تكوّن الدوافع الأساسيّة لسلوك الإنسان.

يضيف إلى ذلك أنَّ بين اللاشعور وبين الشعور يوجد ما يسمّيه فرويد (ما قبل الشعور) وهو شبيه بالشعور أكثر من اللاشعور من حيث محتوياته وخواصّه، كما أنَّه يمكن اقتحامه من قبل الشعور دون أن تكون هناك مقاومة عاطفية أو انفعالية، كما أنَّه لا يحتوي على رغبات مكبوتة وذكريات مؤلمة كاللاشعور وبعبارة أُخرى أنَّ ما يحويه ما قبل الشعور يمكن أن يُستحضر بطرائق الترابط المعتادة ثم أنَّ الرقيب يستقر عادة فيما قبل الشعور وليس هو جزءاً من اللاشعور.

ويرى فرويد أنَّ كلاً من الشعور واللاشعور دائب العمل نشيط في توخي الأهداف للتعبير عن نفسه، وأنَّ هذه الخصائص والمميّزات حقائق وأُمور اعتيادية هي كالحقائق التي يراها الإنسان في حياته اليومية ولا تحتاج إلى برهان. واللاشعور كما يصفه لا يتكوّن من ممرّات عصبية، ولا هو منظومة من العادات ولا جزء منحلّ من الشخصيّة، بل إنَّ له شخصية التي من خصائصها العمل الدائب والفعالية والنشاط الهادف لإشباع الرغبات الكامنة فيه، وإذن فهذا اللاشعور حركي دائب الفعالية.

الخط الثاني: الدافع الجنسي

هو أنَّ البنية النفسية كلّها -سواء منها الجزء الشعوري أو اللاشعوري- ما هي إلَّا نسيج من الرغبات والفعالية.

 ــــــــــ[293]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ومنطوق نظرية فرويد يؤكّد على أنَّ هناك حرباً دائمية بين هذا الشعور واللاشعور، فالطفل يتعلَّم منذ نعومة أظفاره أنَّ كلّ ما يتعلّق بالغريزة الجنسية هو شيء معيب، والمجتمع على هذا الأساس يكبّل أفراده بأغلال المحرمات منذ طفولتهم، وهذا يضطرّ النفس الشاعرة للاستجابة لمستلزمات المجتمع هذه، فيعمل على إخفاء كلّ مظاهر الجنس ومعالمه عن النظر، مغلغلة آثار هذا الإخفاء في اللاشعور، غير أنَّ هذه الرغبات الجنسية تستقر تحت مستوى الشعور حيّة نامية باذلة كلّ قواها لكسر هذا النطاق من التحريم الذي ضربته الأنا الشاعرة عليها.

والخلاصة: هي أنَّ الحياة النفسية تتكون من مركزين، هما: (الأنا) أو النفس الشاعرة التي يتفرّع منها الضمير تعبيراً عما يستحسنه المجتمع، واللاشعور واللبيدو الذي تستقر فيه الرغبات الجنسية التي يسعى (الأنا) إلى مقاومة أو تعديل ضروب التعبير عنها.

وقد وجّه فرويد انتباهه إلى (اللاشعور) معتبراً تأثير الدافع الجنسي نقطة مهمّة في نظريته. ولذلك فقد كان يعتبر كلّ حيود أو تغافل عن هذا الأمر -وإن جعل النظريّة أكثر قبولاً في الأوساط العامّة- ما هو إلَّا اذعان وتسليم للطرائق التقليدية المتصادمة في عالم الفكر آنذاك.

 (يونك) و (ادلر) من اللبيدو 

لقد كان هذا هو الاتهام الذي وجهه فرويد إلى كلّ من حوارييه (يونگ). و(رادلر) تلميذيه وساعديه، وهما مؤسسا مدارس فكرية في هذا الباب، حَادَ 

ــــــــــ[294]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

كلّ منهم عن جوهر نظرية فرويد هذه.

فقد ذهب (يونگ) – الذي سنشير إلى مذهبه بشيءٍ من التفصيل- إلى أنَّ أعظم قوة دافعة ما هي إلَّا حافز ياتي عامّ، فإنَّه من التمحّل اعتبار هذا الحافز الحياتي العامّ جنساً وحسب، وإن كانت هذه القوّة الدافعة تتكوّن من جزء جنسي كبير هامّ.

أمَّا (رادلر) فقد جعل الدور الذي اسبغه فرويد على الغريزة الجنسية من مهمّة رغبة أُخرى أسماها (رغبة السيطرة): أو الرغبة في الفرد لأن يصبح رجلاً كاملاً، ولكن فرويد كما قلنا اعتبر هذين الرأيين حيوداً وزيغاناً عن الأمر الواقع، أعطى (الدافع الجنسي) الأهمية الكبرى في توجيه سلوك الإنسان.

معنى الجنس

يستعمل فرويد مفهوم الجنس استعمالاً مطاطاً؛ إذ هو لا يقصد به الاولاع والنشاطات الجنسية فحسب، بل كلّ ما يشمله معنى الحبّ أو كلّ ما تشمله (اللّذة) في حياة الناس.

إنَّ قائمة النشاط والفعاليات الجنسية التي وصفها فرويد وأتباعه تحتوي على ضروب من السلوك يلعب فيها الجنس دوراً هامّاً، ومن استعراض ضروب هذا النشاط الذي تحويه القائمة يمكن معرفة ما يقصدون والإحاطة به فهي تضمّ أعمالاً بسيطة (كالمشي) الذي يعتبره عملية جنسية، وكالتدخين والاستحمام وغيرها، كما أنَّها تضمّ أعمالاً وفعاليّات معقّدة كالاختلاق، والإبداع الفنّي، والاحتفالات الدينيّة، والمؤسسات الاجتماعيّة وحتّى نموّ وتطوّر المدنيّة.

ــــــــــ[295]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

مراحل الجنس عند الانسان

ويعتبر فرويد أنَّ الصراع بين اللاشعور وبين (الأنا) يبدأ مبّكراً منذ الطفولة، وهذا ما أسماه بنظريّة (الجنسيّة الطفليّة) المتقدّم موجزها والتي يأتي إيضاحها فيما بعد. فأول بوادر الالتذاذ عند الطفل هو الرضاعة؛ حيث يعتبر فرويد هذا الالتذاذ عملاً جنسيّاًّ وغراماً من الطفل بأُمه، وإن لم يعترف المجتمع بهذه الحقيقة.

عقدة أوديب: 

يضاف إلى ذلك أنَّ تلذّذ الطفل بأُمّه لا يستمّر من غير أن يكفّ ويحال دونه؛ ذلك أنَّ الأب له أحقيّة في هذا الباب، فهو منافس للطفل وغريمه على أُمّه. وينتج عن ذلك ما يسمّيه فرويد بـ(عقدة أوديب) 

وفحواها أنَّ الطفل يحب أُمّه حبّاً جنسيّاً ويكره أباه، ويضيف فرويد أنَّه قد يحب أباه أحياناً، ولكن موقفه في هذا الوجه هو موقف التعارض والتناقض، فهو يحب أباه حبّاً مفرطاً؛ لأنَّه أبوه، ولكنّه يكرهه كرهاً مفرطاً لأنَّه منافسه في أُمه.

عقدة الكترا: 

وهذا التعارض في الانفعالات نحو نفس الشخص أو الشيء يحدث صراعاً في دخيلة الطفل. وكذا الطفلة فإنَّها تعاني بالنسبة لأبيها وأُمّها نفس ما يعانيه الطفل من التعارض في الحب والكراهية وما يرافقهما من الغيرة والكبت والصراع النفسي التي تعرض للفرد -كما يقول فرويد- إلى الشدّة والتضييق النفسي التي تكون بداية للاضطرابات الانفعالية.

ــــــــــ[296]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

المرحلة الفمية: 

والحياة النفسية عند الطفل تختلف -كما يرى فرويد- عمّا هي عند الراشدين، فهي عند الطفل مصبوغة بالتلذذ الذاتي، فهو يستطيع التلذّذ بنفسه من نفسه حاصلاً على ذلك من إثارة المنبهّات في المناطق الهياجيّة من جسمه، كباطن الشفتين -مثلاً- التي تكون عادة مبطنة بالأنسجة المخاطية المتمركز فيها النشاط الجنسي أو اللبيدي، فإذا أهيجت شعر بنوع من التلذّذ الجنسي.

مرحلة الركود:

ويعاني الطفل أو يمر بفترة ركود تقع -على ما يرى فرويد- بين الطفولة والبلوغ، وتأتي عادة بين الخامسة أو السادسة من عمره، وقد يعبر خلالها عن رغباته الجنسية بطرائق وضروب من الودّ يرتضيها، ويقتضيها المجتمع عادةً. ويقضي الطفل أو الطفلة أوقاتهما مع آفاق الجنس: البنت مع البنت والولد مع الولد. أمّا حين يشرف عهد المراهقة فإنَّ الرغبة الجنسيّة تستشري بعد هذا الركود وتصبح موجّهة نحو الجنس الآخر فيما إذا كان هذا النمو الجنسيّ سوياًّ.

أمّا إذا كان غير سويّ، فإمَّا أن يتوجّه الجنس إلى نفس الجنس -البنت نحو البنت والولد نحو الولد- أو تحصل ضروب من الشذوذ والزيغان؛ حيث تعترض الطفل ضروب مختلفة من التعقيدات والوضعيات المنطوية على مشاكل هي نتيجة الحقيقة القائلة: إنَّ الحافز الجنسي عند الطفل حافز عامّ غير محدود، وإنَّه يعبّر عن نفسه بأساليب لا حدَّ لها، ويركز نفسه حول عدد كبير من الأهداف.

ــــــــــ[297]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وكان من نتائج ذلك عدم تركّز الجنس حول الجنس الآخر فحسب، بل حتّى حول نفس الجنس، وهذا ما يسمّى بـ(التعلق بنفس الجنس).

التثبّت:

يضاف إلى ذلك أنَّ الطفل قد يتعرّض إلى ضروب أُخرى من التعقيدات في حياته العاطفية، كالظاهرة التي يسمّيها فرويد بـ(ظاهرة التثبّت)(1) (Ficxation): وهي ظاهرة تحدث في أيّ مرحلة من مراحل النمو الجنسي للفرد، فقد يحدث ضرب من التكيّف يشبع رغبة الناشئ الجنسيّة وعندها لا يسعى الطفل ناشداً المرحلة التي بعدها. أو أنَّه يفضّل بقاءه ليثبت نشاطه الجنسي في مرحلة، وذلك لأنَّ المراحل الأُخرى تستلزم منه القيام بتكيّفات جديدة قد لا تكون في مقدوره. فقد يكرّس بعض الأطفال -مثلاً- كلّ جهودهم حول أمهاتهم راضين بهذا النوع من العلاقة، خاصّة إذا كانت الأُم مركّزة عنايتها حول هذا الطفل، فلا يميل للولع بأيِّ امرأة أُخرى. وقد تولع البنت برفيقتها ولعاً عميقاً يسدّ عليها منافذ الغرام أو توجيه الانتباه إلى الجنس الآخر، وهذا التثبّت يُعتبر زيغاناً في الميول الجنسية وفي السلوك بنظر المجتمعات مطلقاً.

ــــــــــ[299]ــــــــــ

() التثبيت: التزام أسلوب معيّن في التعبير عن النشاط الجنسي أو الرغبة الجنسية أو الغريزة الجنسية قبل المرحلة الأخيرة من مراحل النمو الجنسي؛ لأن المرحلة الأخيرة لا تثبيت فيها، (المحاضر). (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

النكوص:

وقد تحتوي هذه الأدوار أو لا تحتوي على التماسّ البدني، وقد تكون أدواراً انتقالية أو تثبّت Fixation في بعض الأحيان فتصبح مستمرّة، وقد تصحب الانتقال من دور إلى دور ضروب من المشاكل، يفضّل الطفل الخامل الخجول، أو المجروح نفسيّاً، أو المفرط الحساسيّة بنتيجتها البقاء في نفس المرحلة على الانخراط في انتقال يتطلّب منه جهداً وتكيّفاً جديداً. 

يضاف إلى ذلك أنَّ الطفل الذي يجتاز مرحلةٍ مّا قد لا يكون في أمن من الارتداد إلى مرحلةٍ سابقة مرّ بها وتكيّف لمستلزماتها، فالطفل الذي لا يستطيع مسايرة رفاقه قد يلجأ إلى الدار راضياً قانعاً بصحبة أهله دون الناس. والمحبّ الفاشل في حبّه قد يلجأ لمرافقة الآخرين من جنسه أو يرجع ليسبغ حبّه على أُمّه أو ينطوي على جسمه, نفسه ومشاعره، إلى غير ذلك ممّا يسمّيه فرويد (بالتقهقر والارتداد).

قمع الدوافع وآثاره عند فرويد

1. الهفوات 

يضاف إلى ذلك أن فرويد يؤكّد على أنَّ ليس هناك من يفلت من الصراع بين الرغبة والكبت، فكلّ من يولد في المجتمع الإنساني لا بُدّ أن تكفكف بعض حوافزه ودوافعه، ونتيجةً لهذه الكفكفة يكون سلوك الأشخاص -حتّى الأسوياء منهم- مبرهناً على وجود هذا الصراع النفسي. وفرويد وأتباعه يقتطفون أمثلتهم على ذلك من حياة الناس اليوميّة والحوادث الجارية فيها، 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التي يعزونها الناسّ للصدف، ولكنَّهم يعتبرونها برهاناً على صحّة النظريّة: فسقطات اللّسان أو نسيان الأسماء والمواعيد وما شاكل تشير إلى دور الرغبة والدوافع، أي إنَّك تنسى بعض المواعيد أو تغفل بعض الأسماء؛ لأنَّك تكره هذا الاسم أو ذاك الموعد الذي سيحضر فيه رجل ينافسك في ميدان جنسي من قريب أو بعيد، وليس ذلك من طريق الصدفة أبداً. فالمرأة التي تفقد (حلقة الخطوبة) تتمنى لو لم تحصل عليها لأنَّها تكره ذلك الخطيب؛ ولأنَّ هذه الحلقة شارة خطيبها فهي تودّ لو لم توجد، والطبيب الذي ينسى اسم منافسه في المهنة يودّ لو لم يوجد هذا الاسم في الأُسرة الطبّية كلّها وهكذا.

2. أحلام اليقظة 

أضف إلى ذلك أنَّ فرويد وأتباعه يلقون أهميّة كبرى على ما تنطوي عليه الأحلام ؛ مدّعين أنَّها تقدّم أدلّة قاطعة على ميول اللاشعور حتّى عند الأسوياء من الناس، وما هي عند فرويد -سواء منها أحلام النوم أو أحلام اليقظة- إلَّا ضروب لتحقيق الرغبة وصور لأنواع من التفكير البدائي.

وأحلام اليقظة تلعبُ دوراً مهمّا في نظريّات فرويد، خاصّة تلك التي تعالج دور العقل في الشؤون الإنسانية، فنظريتّه لا تُعير العقلَ اهتماماً كبيراً؛ لأنَّها في الواقع تسبح في إطار نظرية التطور التي تذهب إلى أنَّ الغرائز هي الأصلية، وأنَّ العقل ما هو إلَّا طارئ في الحياة الإنسانية؛ بدليل أنَّك إذا ضربت امرأً على غفلة منه فقد ينقلب في لحظة إلى حيوان يصطرع وإيّاك على أحطّ الأساليب التي لا يجيزها العقل ولا يقرّها المجتمع.

ــــــــــ[300]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

محوريّة الرغبات

وعليه، فليست قوّة العقل من القوى الغالبة في الطبيعة الإنسانيّة، بل إنَّ دورهما دور ثانوي، هو في الواقع خدمة الحوافز والرغبات الأساسيّة للإنسان، فالعقل إذن -في زعم فرويد- خادم لهذه الرغبات، وهو خادم غير أمين؛ وذلك أنَّه يخفي أو يحوّر معالم الحقيقة ليظهرها بالمظهر الذي ترضى به الرغبات القويّة المتجبرة. وكمثل يقرب للذهن مضامين هذا القول هو أنَّ الجمال ليس إلَّا دالّة من دوال الغريزة الجنسية، فقد لا تكون المرأة جميلة في نظر العقل ولكنَّه يصيّرها جميلة؛ لأنَّ الدافع الجنسي هو الذي أسبغ عليها هذا الجمال.

ومعنى ذلك أنَّ العقل إنَّما تحركّه وتتحكّم به هذه الرغبات، وهو موجود ينفّذ أوامرها، ويعمل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لتحقيق إشباعها، أو بغية أن يخدمها خدمةً نافعة، فهو مضطر لأنه يتعامل مع العالم الخارجيّ وأن يتعلّم الطرائق المجدية المبنيّة على التفكير والمنطق، غير إنَّها أشكال ثانوية من الرجع أُضيفت إلى التفكير اللامنطقي نتيجةً للحقيقة القائلة: إنَّ المطاليب الغريزية التي تنشد الإشباع لا يمكن أن تشبع إلَّا في عالم واقعيّ.

والخلاصة: أنَّ أكثر أنواع التفكير في نظر (فرويد) تقرّره هذه الرغبات البدائية، وأنَّ العقل لا يتّعظ أو لا يتعلّم العبر من الدروس القاسية التي يواجهها، فقد يعجز أحياناً عن مواجهة الأوضاع الواقعيّة والتكيّف لها لاجئاً إلى الاستمتاع بلذائذ، ونصر خيالي لا يمكن تحقيقها، وقد أسمى العلامة السويسري (پلولر ) pleuler هذا النوع من الاستمتاع الخيالي (بالتفكير 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الذاتي) ومن أحسن الأمثلة عليها أحلام اليقظة فإنَّ الإنسان الذي لا يستطيع أن يحقق مستلزمات الرغبة واقعيّاً يلجأ إلى الهرب من واقعه لتحقيق هذه المستلزمات خيالاً وتصوّراً، وإذا قارنّا بين التفكير الذاتي وبين التفكير الواقعي Realistic thinking وجدنا أنَّ الأوّل قوامه الرغبة والتتبّع لإشباعها عن طريق التصور دون أن يضطر الفرد لمواجهة العالم الواقعي.

التبرير

أمّا الوجه الآخر من نظرية (فرويد) بخصوص العقل، فهو يرى أنَّ دور العقل ثانوي، وأنَّ دور النزوات والغرائز الأوّل والمهّم. وهذا ما يسمّيه أتباعه بالتبرير، ويعنون به إيجاد أسباب مبررة لعمل من الأعمال، خاصّة عندما لا يريد الفاعل الإشارة إلى السبب الحقيقي بعمله أو عندما لا يعرف السبب أحياناً فيلجأ إلى التبرير وحدوث هذا التبرير الذي هو عملّية عقلية كما تعلمون. يعني: أنَّنا نعمل الأعمال؛ لأنَّنا نريد ونرغب في عملها أوّلاً، ولذلك نقوم بإيجاد أسباب تبرّر قيامنا بهذا العمل، فهو أمر ثانوي بالنسبة لرغبتنا في العمل، فمَن يرغب في لعبة التنس يستطيع اختلاق المبررّات المختلفة المعقولة لرغبته تلك.

يضاف إلى ذلك أنَّ الأفراد ميّالون للاعتقاد بأنَّ سلوكهم خاضع للعقل، ولذلك فهم يلجئون إلى التبرير دائماً، ويعتقد فرويد أنَّ هنا وهم باطل، وأنَّ التبرير بالذات ليس إلَّا وسيلة لغلغلة مثل هذا الوهم؛ وذلك لأنَّ الناس ليسوا حيوانات عاقلة من حيث الأساس وإنَّما هم حيوانات راغبة وراغبة جنسيّاً وأنَّهم إنَّما يلجئون إلى اصطناع العقل واستخدامه خاصّة في التبرير لإيهام أنفسهم بأنَّهم عقلاء، وهذا دليلٌ آخر على أنَّهم خاضعون لهذه النزوات والرغبات.

ــــــــــ[302]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الأُصول الفلسفيّة والمعرفية لمدرسة فرويد

وأود في هذه المرحلة من البحث أن أُشير إلى أمرين هامّين يتصلان بنظريّة (فرويد) هما:

أوّلاً: علم اجتماع المعرفة: الذي يرى أنَّ التفكير ما هو إلَّا خادم أو دالَّة للمصلحة، وعلى هذا الأساس فهو قريب ممّا تراه نظرية (فرويد) في العقل.

ثانياً: أنَّ أغلب المذاهب في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي تمتّ جذورها إلى أصول فلسفية، ومذهب فرويد بالذات يمكن ربطه بمذهب المنفعة أو المذهب المنفعي، وهو مذهب قديم وإن ازدهر وبلور في القرن السادس عشر.

ويتصل مذهب فرويد بجزء من هذا المذهب المنفعي الذي انشقّ إلى مذاهب ومدارس، كان من بينها مدرسة السعادة الذي يتصل بها مذهب فرويد، وقوامها أنَّ الإنسان إنَّما يبغي اللذاذة دائماً ويبتعد عمّا يثير فيه الألم ونظرية فرويد -كما هو واضح- تدور في هذا الفلك، فالإنسان عنده يبتغي اللذاذة واللذاذة الجنسية على الأخصّ، وهو لا يبحث عن الوضعيّات التي لا تستطيع فيها إشباع لذاذاته الجنسية؛ فالإنسان إذن في نظرية (فرويد) مخلوق باحث عن اللذة.

ــــــــــ[303]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي



خصائص المدرسة الفرويدية الهفوات والأمراض العصبية

 

السلوك رهين الوضعية التي يحدث فيها فلتات اللّسان، التي يضع عليها (فرويد) أهميّة كبرى، وسقطات القلم، والنسيان والفرض على أنَّها ليست من الأمور الهامّة في الحياة الإنسانية. وهذا المفترض يطلب من فرويد وإتباعه بأمور هي أهمّ من هذه التوافه في زعم هؤلاء المفترضين.

أقول في الجواب: إنَّ هذه الأمور تُعدّ توافه في نظر المعترضين وليس عند فرويد؛ لأنَّه وإتباعه من المحللين النفسيين لا يعتبرون مثل هذه الأمور تافهة. كما أنَّهم عنوا بضروب الأمراض العصابية Neuros نيوروس حيث يعتبرونها طريقاً لفهم وتشخيص ومعالجة هذه الأمراض في المجتمعات البدائية والحديثة.

يعتقد أتباع فرويد: أنّ القوى المذكورة سابقاً هي التي تعمل في السلوك سوياً أو شاذّاً، وهي (الأنا) و(الهو) و(أنا الأعلى) واللاشعور، وتكون أقوى في السلوك الشاذ. لذا عنوا بدراسة السلوك الشاذّ والأعراض العصابية، وأنَّ لها أنواع مختلفة وتختلف باختلاف المجتمعات والأُطر الاجتماعية: منها ما يسمّى بالعمى الهستيري. قد يكون تهرّباً من عمل أو من عمل لا يطاق، من قبيل الجندي لا يتمكّن من الهرب من المعركة. فالعمى هنا حلّ غير مقصود ولا 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

شعوري لوضعية مشكلة تُحيط بهذا الشخص. والحلّ وإن بدا سخيفاً ولكنَّه من شأنه أن يخفّف الصراع بين الضمير والرغبة في حبّ البقاء والتخلّص من الخطر.

ومن هذا الشكل الهستيري ما قد يكون دفاعاً ضدّ اغراء رهيب. 

العادات وتمركز السلوك

ومنها: العادات التي لا معنى لها وما يسمّى بتمركز السلوك كشخص يركض سريعاً بدون مبرر عقلي لمركزة سلوكه، فهو تمركز سلوكي اكراهي لا شعوري.

ومنها: ما لاحظه فرويد في حالة فتاة اعتادت أن تُعيد حركة روتينيّة فقرّر أن الحركة تمثّل المحبّ الذي فقدته؛ لأنَّه موسيقار يضرب على الكمنجة، ومثل هذه الأمراض العصابية ليس لها مبرر عقلي وإنَّما هي لصيقة بدوافع لا شعوريّة.

الأعراض 

إنَّ الرابطة بين الرغبة المكبوتة وبين العرض، وهي السمات الظاهرية للرغبة المكبوتة هذه الرابطة تسمّى بالأعراض، وهي على ما يرى الفرويديّون ليس من السهل اكتشافها؛ لأنَّ المريض نفسه لا يعرف ما يقوم به ولا سببه؛ لأنَّ الدوافع كامنة في اللاشعور وما يعرف يجب أن يكون شعورياً. 

ومن خصائص اللاشعور أنَّه يعمي حقيقة هذه المحرّكات وهي الرغبات عندهم أصل الداء ومصدر البلاء.

فرويد قد عالج هذه الأعراض وعنى بها عناية فائقة، ولكنَّ اتباعه قد ــــــــــ[305]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

عدّوا تفاسيره إلى ظواهر جديدة لم يطرقها، مثل الانشطار النفسي أو الشخصي وقد مضى عند ذكر (زوربو) في موضوع وهو انشطار نفسي يستحيل أن استفحل إلى جنون خطر وكذلك ضروب الجنون المختلفة.

فـ(بلولر) تعرّض لتفسير ظاهرة الانشطار النفسي أو الشخصي، ويرى أنَّها صراع نفسي اشتدَّ على رأيه، فمزّق الشخصيّة، وأنَّه جنون في مراحل اشتداده.

اللوبيدو وحياة الانسان

ليس هناك في (علم نفس الشواذّ) وجهٌ لم تتدسّس له تفاسير فرويد القائمة على أساسٍ من التحليل النفسي، وأهمّ هذه التفاسير أنَّها تعتبر كلّ عرض ذا أهميّة من حيث دلالته على دائه وكلّ الاختلالات الشخصيّة، وتمكن من معالجتة على رأيهم أيضاً. ويذهبون الى أنَّها تفسر كلّ معضلة في الحياة الاجتماعية والشخصيّة. وأنَّها دَرَسَت الأسوياء من الناس أيضاً، إذ يرى الفرويديّون أنَّ الحافز الذي يدفع الناس إلى العمل وابتغاء التفوّق هو الرغبة إلى الحصول على زوج أو على زوجة أو اجتذاب انتباه الجنس الآخر، وهذا الدافع حبّ ظهور جنسي، وهو الذي يحفز العالم والفنان ورجل الدولة على التبرز. إنَّ هذا الدافع وإن كان متسامياً، أي: أنَّ الدافع الجنسي -حسب ما يعني به فرويد- موجّه توجيهاً آخر مقبولاً في المجتمع؛ وذلك لأنَّ الدافع الجنسي قد يظهر بمظاهر محّرمة اجتماعياً ولكن المجتمع يضع الضغط على الإنسان في أن يحّور في أسلوب التعبير عن الدافع الجنسي فيظهره بأشكال مختلفة، على شكل قصيدة غرامية -مثلاً-.

ــــــــــ[306]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

حبّ الاستطلاع

فالدافع للظهور وإن كان دافعاً متسامياً إلَّا أنَّه لا يزال من حيث الجوهر رغبة بدائية جنسية. فما يقوم به العالِم وإن كان يبدو أنَّه سعي وراء الحقيقة إلَّا أنَّ أُصوله الأُولى تمتدُّ إلى حبِّ الاستطلاع الجنسي الذي كان قد أُعيق في عهد الطفولة فأصبح قوياً ولكن في مجالات أُخرى، وأنَّه أصبح متسامياً في سلوك العالم الذي يشتغل في المختبر.

وهذا الحبّ في الاستطلاع كما يرى فرويد يستمرُّ عاملاً عمله متعلّقاً بمواضيع تبدو غير متعلّقة بالمواضيع التي أثارته لأوّل مرّة.

الأعمال الفنيّة 

فرويد وأتباعه أعاروا الأعمال الفنيّة خصوصاً انتباهاً، على اعتبار أنَّها مظهر من مظاهر التسامي بالرغبات الجنسية التي هي أساس مثل هذه الضروب من السلوك، وقام فرويد بالبحث عن (ليونارد دافنشي) -وهو فنّان ايطالي مشهور نحات- مدّعياً أن كلّ ما قام به هذا الفنان من نحوت وتصاوير هو من أبرز الأمثلة على مفعول عقدة أوديب. لأنَّ هذا الفنان -كما يرى فرويد- هو ولد غير شرعي كرّس حياته لأُمّه الشقية التعسة بحيث إنّ وجهها كان يمثل في تصاويره مراراً. وقد حاول الفرويديون تفسير المنتجات الأدبية على أساس الدوافع المكبوتة أنَّ الرغبات الجنسية لا تفعل مفعولها في الفرد -عند الفرويديين- والسلوك الفردي أو الشخصي، بل لها من القوى الفعّالة في المجتمع أيضاً فهي الطاقة الجنسية تتسامى في صور مختلفة يرتضيها المجتمع منها هذه الوجوه أو الصور والخرافات.

ــــــــــ[307]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الخرافات 

لفرويد مذهب خاص في تفسير الخرافات على أساس من الجنس، بل الدين كلّه أيضاً والاحتفالات الدينية والمحرمات المختلفة في القبائل والشعوب والمؤسسات الاجتماعية، وعلى رأسها العائلة كلّها مظاهر من هذا الجنس بصورة متسامية مصورة ومقبولة اجتماعياً.

المحّرمات 

والطوطميّة -في رأي فرويد- ما هي إلَّا أثر من آثار هذا الدافع الجنسي في ملابسات ووضعيّات معيّنة وعبادة الأجداد أيضاً. 

ويرى أنَّ الطوطمية ما هي إلَّا الطوطم الأول هو الجد أو الأب عندما يقتله الأبناء بتأثير المنافسة الجنسيّة في ميدان العائلة بشكلها القديم، حيث أجمع الأولاد على أن يزيحوا الأب من ميدان المنافسة؛ لأنَّه وحده الذي يستأثر بالإناث، ثمَّ ندموا على فعلتهم من بعد وصاروا في مشاعر متضاربة، ومن هنا نشأت عبادة الأجداد واستحال الأب إلى طوطم. وهكذا يذهب فرويد مذاهب من هذا القبيل في تفسير كثير من المؤسّسات والتقاليد والعادات الاجتماعية المستحكمة.

ويرى فرويد أنَّ جذور المراسيم والطقوس وضروب الفعاليات والنشاط التي تصاحب هذه الظاهرة عادة كلّها تمتدّ إلى اللاشعور بالذات وأنَّها مشحونة بالعاطفة والانفعال. 

وبعبارة موجزة: المدنيّة كلّها هي نتاج الدافع الجنسي عند رأي فرويد. 

ــــــــــ[308]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 

النفس عند فرويد 

 

[الأنا، الهو، الأنا الأعلى]

وجهٌ آخر من وجوه نظريّة فرويد وهو ما يتعلّق بالنفس. 

تركيب النفس حسب نظرية فرويد الأُولى -حيث مرّت بمراحل- كانت تتضمّن الشعور واللاشعور، وكانت النفس في بداية نظريّته تتميّز بالتعارض والصراع بين هذين القسمين من النفس؛ حيث ارتأى أنَّ هناك ميولاً تسمّى بميول (الأنا ( أو الذات، وميولاً تسمّى بالميول الجنسيّة أو (الهو). 

(الهو) واللاشعور

وأضاف بأنَّ النفس الإنسانية تتركّب من (الهو) وهو الذي سمّاه بعد ذلك اللاشعور، هذا (الهو) أو (الأنا) أو اللاشعور هو أعمق قسم في الشخصيّة وأقدم قسم فيها، وهو أكثر أجزائها بدائية وأكثر ما يحتوي على الحوافز الجنسية وبعض الميول المكبوتة وعلى شيء من الحكمة العمياء التي ورثها الإنسان من النوع الإنساني، وهو وجهٌ من وجوه الغريزة، كما يزعم الفرويّديون: أنَّ هذا الحيوان أو الإنسان، مفطور بالغريزة على هذا الموضوع، وهذا أمر -عند فرويد- قد خلف في اللاشعور بنتيجة الخبرة الإنسانية طوال حياة النوع الإنساني.

إنَّ هذا (الهو) وإنْ كان قوياً فعّالاً إلَّا أنَّه أعمى يندفع اندفاعاً كليّاً من غير 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

استبصار، وهذا الهو -عند فرويد- يتميّز بأنَّه غير أخلاقي، وهو متجبّر ومندفع وراء اللذاذة سعياً أعمى وليس من السهل كفّ جماحه.

والإنسان -في رأيه- لتحكّم (الهو) يسعى الذكر إلى الأنثى وبالعكس، ولولا وجود الضوابط الاجتماعية لسعى أحدهما إلى الآخر والتصقا حتّى يموتا متحدين جنسياً.

سبق أنَّ مذهب فرويد يمتدّ إلى وجه من وجوه الفلسفة المنفعيّة، وهو مذهب السعادة الذي يفترض الإنسان نَزّاع إلى اللذاذة ويتجنّب الألم، غير أنَّ فرويد خصّ هذه اللذاذة بالجنسية منها، وأنَّ الإنسان يبتغي هذا النوع من اللذاذة ذكراً وأُنثى، وإنّ السلوك الإنساني جملة وتفصيلاً بشكله البدائي الطبيعي أو المتسامي أنَّه هو كذلك.

(الأنا)

أمّا الوجه الآخر من وجوه النفس، فهو ما يسمّيه بـ(الأنا).

 يتكلّم (فرويد) بلغةٍ يفهم منها أنَّ النفس تتركّب من أجزاء، وإنَّما يعني بها وظائف، ولا تعني بالجزء ذاتية قائمة نسمّيها اللاشعور فهو لا يتحدّث عن ذاتيات بل عن وظائف (الأنا) و(الهو)، والرقيب وظيفة من الوظائف النفسية وليست بذاتيات قارة في مكان.

وجهات فرويد الداروينة:
  •  الوظيفية 

الوظيفة هنا بالمعنى الدارويني، مذهب داروين إلى أنَّ الوظيفة هي التي تخلق الجهاز. الطيور مثلاً في مرحلة نموها كانت زاحافات ولكن لوناً من 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الملابسات والبيئة الجأتها إلى الطيران من أجل التنازع على البقاء. وأنَّ نظرية فرويد منطبعة بنظرية التطور انطباعاً أساسياً، فكما سلسل داروين الكائنات الحيّة عن بعضها البعض هو الآخر ما يُفرَّع النفس بعضها من بعض وظائف من وظائف أُخرى

ب. اللاعقلية 

وكما أنَّ نظرية داروين فيها شيء من التأكيد على اللاشعور أو على العوامل اللاعقلية، وذلك بعد منتصف (القرن التاسع عشر) بعد ما كان التفكير على النقيض من هذا. فرويد والمذاهب الأخرى التي تؤكّد على أنَّ الإنسان (لا عقلي) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان الإنسان يعالج على أنه عاقل وسلوكه كلّه يخضع للعقل، وبنيت عليه مذاهب اقتصادية في (قرن التاسع عشر) إنَّ الإنسان يشتري بأرخص ثمن ويبتع بأغلى ثمن.

ولكن في أواخر القرن التاسع عشر بدأت تظهر مذاهب، قسم منها تربط الإنسان بالحيوان -كنظرية التطور- تزعم أنَّ الإنسان في الواقع تسيّره عوامل لا عقلية.

 ومنها: مذهب فرويد الذي يعتبر العقل أمراً ثانوياً، ويعتبر أنَّ نشأة العقل نشأة حديثة في تركيب النفس الإنسانية؛ وذلك معنى قوله: إنَّ (الهو) أعمق وأقدم أجزاء النفس، وأكثرها بدائية وتحكّماً… وإلى آخره. 

هذا وجه من وجوه تأثّر نظرية فرويد بنظرية التطور وربط الإنسان بالمملكة الحيوانية.

ــــــــــ311]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 (الأنا) وجهٌ آخر من وجوه النفس تنشأ عن (الهو) -وعبارة (تنشأ) عبارة مقصودة في سياق هذا الحديث- وإنَّما تنشأ عن (الهو) نتيجة الاتصال بين النفس وبين العالَم الواقعي. وما أشبه (الأنا) بوظيفة الطيران ممّا تنطوي عليه آراء داروين، ونستطيع أن ندرك الآن كيف تكون وظيفة وليست ذاتية، وهي نتاج تفاعل الكائن الحيّ مع ملابساته المحيطية -مما يقرّبها بها من نظرية داروين-، ومن هنا تنشأ (الأنا) عن (الهو) نتيجة اتصال (الهو) بالعالم الخارجي الواقعي، لتكيّف الكائن الإنساني تكيّفاً نفسياً، وبذلك تكون (الأنا) وسيطة بين النفس والعالَم الخارجي. فـ(الأنا) تعرف العالم الواقعي بخلاف (الهو) لأنَّها لا تحتكّ به.

فـ(الأنا) وظيفة نشأت لإحلال الموازنة بين (الهو) والمحيط الخارجي، ولها اتباع حوافز (الهو) بالطريقة التي تحفظ هذا (الهو) من التحطيم، أمّا بدافع انهماكه بإشباع رغباته أو طغيان المحيط على هذا (الهو) وتحطيمه.

والمحيط هو الوجه الاجتماعي بتقاليده ومحرّماته وسلطاته الدينيّة والقانونية، فإذا خرج عليه كان تعريضاً للكائن الحي للضرر، وتعريضاً لـ(الهو) إلى العقوبة والكبت الإكراهي، ولذلك (الأنا) تقوم بوساطة.

ومن هنا تعرف اتصال نظرية فرويد بداروين؛ لأنَّ من أهمّ الركائز في نظريته هو قانون حفظ الذات.

(الأنا) والنرجسيّة: 

إنَّ من أهمّ مهام (الأنا) تحوير المحيط بصورة يمكن بها إشباع بعض مطامح ونزعات (الهو)، وأيضاً ضبط وتعديل مطاليب لـ(الهو) الملحّة العمياء جهد 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الإمكان، وبهذا تُدركون الوظيفة التي تقوم بها (الأنا) من ناحية حفظ الذات. 

إنَّ هذه (الأنا) قد تصبح موضع للحبِّ من قبل (الهو)، ومن هنا كان يرى فرويد أنَّ في حبّ أو عشق الذات عنصراً (لبيدياً) ينتج من تزويد (الأنا) به من قبل (الهو)، وهذه هي بحسب الظاهر نوع من الأمراض يسمّى بالمرض النرجسي وهو عشق الإنسان لذاته.

(الأنا الأعلى)

إنَّ من أجزاء -وأعني بالجزء الوظيفة- النفس حسب رأيه الجديد فيما يسمّى بـ(الأنا الأعلى) super ego، وقد صوّره على غرار ما نسمّيه بالضمير باللّغة الخلقية، ولكنّه ضمير طفليٌ غير منوّر وأنَّه مندفع؛ لأنَّ أغلبه لا شعوريّ غُلغل في عهد الطفولة، فمن خصائصه القوة والصلابة إلى آخر حدّ. وإنَّ (الأنا الأعلى) ما هو إلاّ نتاج تفاعل عائلي في سني الطفولة.

إنَّ كلمة الضمير لا تعني ضميراً معيّناً، فربّ ضمير متفسّخ يبتني على القيم والمعايير الفاسدة. هذا (الأنا الأعلى) يتكوّن عند الطفل أثناء اتصالاته الاجتماعية المبكرة في حياته، حيث يتقمّص في نفسه المثل العليا التي يؤكّد عليها الأبوان.

وإنَّما يؤكد الأبوان على مثل هذه الوجوه، أوّلاً: لأنَّهما يريدان أن ينشأ الطفل نشأة موفقة، أن يكون سلوكه مقبولاً في المجتمع، ولكن من الناحية الثانية من ناحية تنمية الشخصيّة أنَّ هؤلاء الآباء يغلغلون في أبنائهم بطريقة المكافأة والدفع والتحفيز والتخويف ونحوها قيماً ومعايير خاصّة، ويرسمون له أهدافاً ينهجها فيما بعد، وإن لم يشعر بقيمتها في عهد الطفولة.

ــــــــــ[313]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إنَّ الأبوين حين يغلغلان الأوامر والنواهي في نفسيّة الطفل -ممّا ينشأ عنه الضمير الطفليّ الذي يبقى يتحكّم في سلوك الفرد حتّى موته، وهذه الأوامر إنَّما هي منتزعة من جيل الأبوين ومجتمعهما وهي مختلفة- فهم وإن كانوا يغلغلون قيم المجتمع الأكبر ولكنّهم يتأثّرون بمحيطاتهم الخاصّة المباشرة من حيث إنّ أحدهم سمسار والآخر رجل دين.

وخلاصة القول: أنَّ هذا الضمير محافظ رجعي يربط الطفل إلى جيل الأبوين، وهذا جارٍ في كلّ الأجيال.

(الأنا الأعلى) وعقدة أوديب: 

هذا (الأنا) -في رأي فرويد- وريث عقدة أوديب، لأنَّ (الأنا الأعلى) ينشأ نتيجة المحاولة الطفلية لتهذيب النفس، وكفّها عن الأعمال المحرّمة الممنوعة. وعليه، فإنّ (الأنا الأعلى) هذا يحتوي على الانفعالات التي ترافق عقدة اوديب وعلى الأوامر والنواهي المكتسبة من وضعيات عاطفية انفعالية خلقية تعّرض لها الطفل أثناء طفولته، فهي وضعيات ليس من خصائصها التعقّل ولا يستطيع الطفل تفهمها آنذاك، وهذا (الأنا الأعلى) يشبه (الهو) من هذه الناحية أكثر ممّا يشبه (الأنا)؛ من حيث شدّة اندفاعه وإصراره الأعمى على تحقيق مطاليبه.

(الأنا الأعلى) والأخلاق: 

إنَّ الضمير من خصائص (الأنا الأعلى)، أنَّه ذو قوة عاطفية غالبة قادرة أن تعاقب معاقبة صارمة قاسية إذا خرجت (الأنا) على بعض الأوامر والنواهي 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التي تستلزمها (الأنا الأعلى). وقد تضطرّ الأنا الأعلى بأن تسمح لـ(الأنا) بأن تخرج على القانون الخلقي الذي تتبّناه، ولكن ثمن هذا الخروج ما تعانيه (الأنا) فيما بعد من ندم وتقريع عليه.

فإنَّ (الأنا الأعلى) هي الأخلاق اللاشعورية عند الفرد، وهذه الأخلاق قد تختلف اختلافاً كبيراً عن عقائده ومبادئه وآراءه الشعورية الأُخرى، وهي تعاقب وتدفع الفرد على مقاساة الألم في كثير من الأحيان، وتضطرّه إلى التفكير عن أُمور اقترفتها من دون أن يعرف شعورياً بأنَّه يستهجنها، ممّا يزيد احتمال تعرض الفرد للصراع النفسي.

ويذهب فرويد إلى أنَّ كثيراً من الطاقة النفسيّة تضيع مستهلكة في أُمور تخلقها وتعقدها (الأنا الأعلى) وتصرّ عليها، ويضع فرويد على هذا الصراع أهميّة كبرى.

ــــــــــ[315]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






الفصل الثاني والعشرون

[نقد مدرسة فرويد – وتأثير نظريته – وتوضيح بعض مفاهيمها – وتلخيص آراءه ]

 

  • نقد مدرسة فرويد
  • تأثير نظرية (فرويد) في علم النفس
  • توضيح بعض المفاهيم الرئيسية في نظرية فرويد
  • تلخيص آراء فرويد الرئيسية في كتابه (الموجز في التحليل النفسي)

ــــــــــ[317]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل الثاني والعشرون                                                            [نقد مدرسة فرويد – وتأثير نظريته – وتوضيح بعض مفاهيمها – وتلخيص آراءه ]

 

نقد مدرسة فرويد

 

إنّ نظريّة (فرويد) قد نُقّحت مراراً من قبله، ومن قبل أتباعه، بعض هذه المقترحات التنقيحيّة كانت قد قبلت من قبله، ولكنّه نبذ المقترحات التي جاء بها (ادلر) و(يونگ) حوارياه ورئيساً مذهبين في علم النفس.

رغم المعترضات فقد بقيت الأفكار الأساسيّة التي وصفها (فرويد) ولا تزال آرائه حو ل الحرب بين النفس وبين الرغبات اللاشعورية غالباً على هذه المدرسة التي نرى إنَّ هناك تيارات سعيٍ واندفاعٍ وراء اللذاذة يعوقها الكبت.

مذهب (فرويد) ككثير من المذاهب إذا نحن تحرّيناه وجدناه يقوم على فرضية فلسفيّة تقوم عليها شعبة من شعب الفلسفة المنفعيّة. هذا المذهب المنفعي نما في انكلترة وانشعب إلى شعب:

ــــــــــ[319]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أحدها المذهب المنفعي الذي يذهب إلى أنّ الإنسان حيوان يسعى وراء اللذة، وإنّما هي الدافع الذي يدفع الإنسان في مختلف ميادين الحياة. ونظرية (فرويد) إنّما هي امتداد لهذا المذهب، ولكنّه خصّ اللذاذة بالجنسية في حين أنّ مذهب السعادة اطلق هذه اللذاذة.

وعلى كلّ فإن مذهب (فرويد) يرى بأن هناك تيارات سعيٍ واندفاعٍ وراء اللذاذة يعوقها الكبت، وأنّ هذه الظواهر تغلب على البنية النفسيّة كما سبق، وعليه فإنّه يؤكّد أنَّ الرغبات الجنسيّة الأساسيّة تحقق مبتغياتها بعد أن تواجه الكبت والردع من طريق غير مباشر أحياناً؛ إذا تعذّر عليها الإشباع المباشر. والإشباع غير المباشر يكون فيما إذا أعيق إشباعها توجّه إلى اشباعها بطرق أُخرى غير مباشرة، كما يحدث عادة في الاحلام -احلام اليقظة أو النوم-.

ثمّ إنّه ليس من السهل تبنّي نظريّة (فرويد) لعسر إثبات صحّتها أو عدم صحّتها من الناحية العلميّة؛ لأن اخضاعها إلى التجريب العلمي صعب إلى حدّ كبير. وفي الواقع أنها من الشمول والتعميّم إلى درجة أنّها تشبه نظرية (كارل ماركس) التي تقول: بأن العامل الاقتصادي هو العامل الأولي الذي يخلق بقية الظواهر المختلفة.

 فنظريّة بهذا الشمول بحيث إنّها تفسر الظواهر الاجتماعيّة بهذا الشكل الواسع في مختلف المجتمعات على اختلاف المراحل التاريخية أمر يصعب إثباته وعدم إثباته؛ لأنه من اليسير جداً أن تنتقي من تأريخ البشر المتطاول، فتجد الأحوال التي تساند مثل هذه الدعوى وتجد من الأحوال والوضعيّات أيضاً 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

التي تضاد أو تنافي مثل هذا النوع من الدعوى الماركسيّة أو هذا النوع من الشمول الذي تتصف به نظريّة (فرويد) يصدق عليه هذا الوجه من الضعف.

ثمّ إنّ أقطاب هذه المدرسة ينكرون استعمال أغلب الأساليب العلميّة مثل الطُرق الاحصائيّة التي هي عبارة عن أساليب علميّة في الوقت الحديث، ينكرون أهميتها في دراسات نفسيّة من هذا النوع، كما أنّهم ينكرون أهميّة الدراسات الكمّية، كما أنهم لا يعترفون بأهمّية التجارب المختبرية كما يعترف بأهميتها بقية العلماء مدّعين بأنّ مثل هذه الأساليب والطرائق إنّما تجعل الفرد في المؤخرة، فيغفل الفرد على أساس إبراز الظاهرة الجمعية، وأنّ هذه الأساليب تبعد الفرد الذي يجب أن يكون مركز الانتباه في هذه الدراسات فتجعل مركزه مركزاً ثانوياً، في حين أنّ الفرد نفسه -كما يدّعون- هو الذي يجب أن يكون موضع البحث فلذلك كانت هذه الطرائق تجعل الفرد في مؤخّرة البحث مثل أن نفرض أنّنا لو أردنا أن نعرف طبيعة الطلاق في النجف، وأسباب الطلاقات فيجب أن ندرس كلّ طلاق حدثَ في النجف في فترة معيّنة، ولنفرض أنّا وجدنا ألفي طلاق، ووجدنا أسبابها تتلخّص في كونها (أ، ب، جـ) التي تحكّمت في إحداث هذه الطلاقات. فإنّ بحثاً من هذا النوع هو بحث كمّي يبيّن لنا أنّ 60% منه حدث لأمور اقتصادية و20% منه لخلافات جنسية أو ما شاكل.

فطلاق (حسون) لـ(زينب) في هذا النوع من البحث أغفل في الدراسة، ولكنّنا بيّنا الظاهرة الجمعية، أمّا الطلاق المعيّن فقد أُغفل ولم يجعل مركز الإنتباه، في حين أنّ مركز الأهمّية والاعتبار يجب أن يكون هو الفرد كما يرى (فرويد).

وعلى كلّ فالدلائل والبراهين التي يقدّمها المحلّلون النفسيّون على صحّة 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

تفاسيرهم وتحليلاتهم تختلف تماماً عمّا هو متعارف عند العلماء في الحقول الأُخرى من المعرفة؛ ذلك لأنّهم لا يقومون باختبار فرضيات كمّا يفعل الباحثون؛ لأن الباحثين يشاهدون ظاهرة من الظواهر فيكّونون وهماً من الأوهام أو تصوراً معيناً. فإذا استطاع هذا الوهم أن يفسر هذه الظاهرة فإنّ هذه الفريضة ترقى إلى مرتبة النظريّة وإلاّ فينبذ ويستبدل بوهم آخر، وإذا أثبتت النظريّة في تفسير هذه الظاهرة ترقى إلى مرتبة القانون، ولكن الفرويديون لا يبدأون بهذا النوع من الوهم بل يكتفون بالمشاهدة مدعّين أن ما يشاهدونه هو الدليل القاطع على صحّة تفاسيرهم.

يعترض العلماء عادة إلى أنّهم يقرأون افتراضاتهم فيما يلاحظونه مثل افتراض التفكير للشخص المطرق ولعلّ تخيله بخلاف ما عليه المفكر نفسه لأن هذا المفترض يقرأ أو يعكس ما يتصوره هو فيما يشاهده، في حين أنّ ما يتصوره بعيد كلّ البعد عن الحالة الواقعية وهذا هو النقد الذي يؤخذ على الفرويديّين. 

وعلى كلّ فمذهب التحليل النفسي ضرب من الاعتقاد لم تبرهن صحّته أو عدمها على كثرة المؤيدين والمنتقدين.

التأكيد (فرويد) المفرط على الدافع الجنسي

يضاف إلى ذلك أنّ (فرويد) يعطي الدافع الجنسي أهمية عظيمة لا يرى بعض النقّاد مبرراً علمياً، أو واقعياً لمثل هذا الدور الذي تلعبه الغريزة الجنسية على ما يزعم فرويد.

يرد (فرويد) ذلك بأن التأكيد المفرط على الدافع الجنسي -كذا- كلها تدور حول الجنس ويذهب أنّ هذا التأكيد المفرط هو ردّ فعل عنيف ضدّ ما يدّعيه 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

كل من (ادلر ويونك)؛ لأنهما أنكرا على (فرويد) أهمية الغريزة الجنسيّة إلى هذا الحد الذي يدّعيه في حين أنهما أقرب إليه من جميع المفكرين الآخرين؛ لأن كلّ منهما عوض الغريزة الجنسية بحافز عام آخر.

لكن كثيراً من العلماء -في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي- يذهبون إلى أنّ ليس من الصحيح أن يفترض عامل واحد لتفسير كلّ ضروب الفعاليّات الإنسانيّة، كما يفعل (فرويد) في تأكيده على العامل الجنسي.

إنَّ هؤلاء النقّاد ينقدون كلّ النظريّات ذات العامل الواحد سواء كان هذا العامل التفسيري هو حفظ الذات: وإن حفظ الذات هو الدافع العامّ الذي يحفز الناس على السلوك، وسواء كان هو الدافع الجنسي أو قوة حيوية عامّة مهما كانت كما ادّعى ذلك (هنري بتسن) يقول النقّاد أنّ مثل هذه النظريّات تكون عادة نهبة للتخيل والأوهام؛ لادّعاء سبب واحد للسلوك. وإن تقدم علم النفس كان ذا علاقة فرديّة بمقدار معرفته للفروق الخاصّة التي تتحكم في حوادث معينة، وليس بالركون إلى ميادين عامّة وأنّ مثل هذا الركون لمبدأ عام واحد لتفسير السلوك من شأنه أن يثبط الهمم؛ لبحث الأحوال الخاصّة التي تؤثر في السلوك ولإجراء بحوث علميّة على اعتبار أن العوامل التي تحفز الظاهرة أو توجدها هي معروفة سبقاً وسلفاً، ولا حاجة لإجراء بحوث حول طبيعة السببية التي تربط النتيجة بالسبب.

وجد المدافعون إفراطاً في هذا النقد؛ ذلك لأن الفرويديون على ما يرى هؤلاء المدافعين لا يكتفون بعرض مذهبهم وحسب، بل أنهم يصرّون على 

ــــــــــ[333]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وجوب معرفة تفاصيل الظروف الفعلية البشرية التي أدّت إلى ظهور الحالات المرضيّة في الأشخاص المرضى أو الشواذ.

 ويجب أن لا ننسى الفرق بين تتبع الظروف الخاصّة التي أدّت إلى الخلل النفسي بربطها بسبب معيّن من طبيعة الشمول الذي يدّعيه الفرويديون، وبين تتبع الظروف التي أدّت إلى الخلل للتوصل إلى طبيعة السبب الذي أحدث الخلل.

يضاف إلى ذلك أنّ مطّ كلمة الجنس بهذا الشكل الواسع مطّاً جعل عبارة جنس تدل على ما هو أوسع بكثير ممّا يعرفه الناس. فهذا مدعاة للغموض ومثاراً للنقد، حيث يرى النقّاد بأن من الصعب جداً أن ندرك مقدار تضمن أو اشتراك العامل الجنسي في فعالية يدّعي الفرويديون أنّها جنسيّة الصيغة من حيث الأساس، ويذهب المعجبون بالنظريّة أنّ التأكيد على الناحيّة الجنسيّة لا يخلو من وجاهة ولا من ضرورة أو مبرر؛ لأنّ علماء النفس قد أهملوا الغريزة الجنسيّة يومذاك في مناهجهم التدريسيّة قبل (فرويد)، فتأكيد فرويد يلفت الانتباه إلى أهمية هذا الجنس كحافز في السلوك الإنساني.

ومع هذا قد يشكّ بأنّ برهان (فرويد) على الجنسية الطفليّة يؤدّي بالضرورة إلى مثل هذه النتائج التي افترضها فرويد افتراضاً.

 نظرية(فرويد) الجنسية عند الطفولة

نظرية الجنسية الطفلية عند (فرويد) تمّت نتيجة محاولاته لتحليل السلوك الشاذّ على أنّ التحليل الكامل لا يمكن أن يتوصل إليه ما لم يسع الباحثون؛ فلذا أكّد على استعمال طريقة الحال باعتبار أنّ كلّ مريض يمثّل طريقة خاصّة 

ــــــــــ[324]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والأسباب الأصلية تتصل بنعومة أظفاره؛ لأن جذور العلل تمتد عادة إلى الطفولة المبكرة.

هذا البحث أدّى إلى اكتشاف نوع من الاغراء المتصور وهنا تثار الشكوك منها: هل من الضروري أن يبرهن هذا التتابع على وجود جنسية طفلية، وهل يبقى مدلول الجنس كما هو في الطفولة كلّها كأن البحث ينتهي إلى وجود نوع من الإغراء المتصور كأساس في الخلل. فهل ليس من الممكن أن تكون طريقة البحث هي التي أسبغت الأهمية على مثل هذه الإغراءات.

نقد التداعي الحرّ في نظرية (فرويد)

يرى النقّاد أن ما يسميه (فرويد) بطريقة الترابط أو التداعي الحرّ المستعملة في التحليل النفسي ليست في الواقع طريقة تداعي حرّ؛ لأن المحلل مهما حاول أن يزيح نفسه من الوضعية قد يؤثر في مجرى أفكار المريض، وقد أفهم المريض منذ البداية بأنه يجب أن يترك نفسه لأفكاره، ويذكر كلّ ما يحنّ له مهما كان تافهاً، هذا الإفهام من شأنه أن يعيّن الوجهة التي ينساق إليها التفكير، والمحلل يتدخل أثناء العملية فقد يقترح بعض التفاسير أو يساعد المريض على التغلب على المقاومة، وخاصّة يساعده في عملية النقل.

وهذه الوضعيات تسمح للمحلل لأنّ يؤثّر في موضوع البحث، فلا مجال لتسميتها بالتداعي الحرّ؛ لأنها ليست حرّة وليس المريض حرا،ً بل تحت تأثير المحلل النفسي يوجهه. وأن النقّاد يذهبون إلى أنَّ إزالة مثل هذا التأثير من الأمور الصعبة؛ لذا ابتدع الفرويديون طرائق مختلفة لتذليلها. 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

من الإنصاف أن نذكر أنه كانت لـ(فرويد) مرونة العلماء، والنقّاد يرون أن نظرية (فرويد) فيها كثير من التناقض والإبهام وخاصّة -من حيث النقد- عقدة أوديب. ويسأل النقّاد ترى كيف يتعلّم الوليد الجديد أن يكبت رغباته الجنسية لتتكون عقدة اوديب نتيجة ميله لأمّه -كما يرى فرويد- ومن أين تأتي قابلية هذا الوليد على الكبت.

نقد الكبت في نظرية فرويد

والكبت عند نظرية فرويد أمرٌ عام عند جميع الناس على الإطلاق، وهو أمر فطري إذا كان عامّاً شاملاً إلى هذا الحد. من أسئلة النقّاد: هل تتأتى القابلية على الكبت من (الأنا) وميولها، وهل هذه الميول أقوى من اللبيدو، أو الذي هو أقوى جزء في التركيب النفسي؟ فكيف كانت (الأنا) أقوى وبحيث يتمكن الإنسان أن يكبت مثل هذه الرغبات الجامحة؟

ومن الأسئلة: ما هي العلاقة بين الرغبات الجنسية وبين (الأنا)التي تشير إلى أنَّ هناك ضرباً من التفاعل المعقّد يجري بين (الأنا) واللبيدو، والتي تشير إلى ظاهرة (عشق الذات) التي تشمل اللبيدو وذاته، وهذه النظريات تجعل الفارق بين (الأنا) واللبيدو أقلّ وضوحاً من قبل. وهاجموها على أنّها يكثر فيها التفكير الخرافي، والتشخيص الذي هو جعل الأجزاء النفسية أشخاصاً لكلّ منها ميزات وصفات.

وقد استعمل فرويد تعابير يصعب إخضاعها للتفاسير العلمية مثل عبارة (الرقيب) وكذلك (عقدة أوديب) أو (الصرع) أو (الكبت) أو (العمل 

ــــــــــ[326]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

العلمي) وما شاكل ولما لم يكن هناك اتفاق حول صحّة الدليل العلمي بين العلماء فسيبقى الخلاف حول نظرية فرويد مستمراً حتى تثبت صحته في ميدان علم النفس وعلم النفس الاجتماعي.

ــــــــــ[327]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي


















تأثير نظرية (فرويد) في علم النفس

 

وعليه فإنّ نظرية (فرويد) -التحليل النفسي- قد أثّرت في علم النفس عامّة لأنها تتميز بخصائص منها:

  1. إيجاد مفاهيم جديدة كما سبق.
  2. إيجاد طرائق في الدراسة.
  3. إصرارهم وهو أمر ضروري على ضرورة الاتصال بين الباحث وبين مادّته، أو موضوع بحثه.

ووجد علماء النفس أن مفاهيم (فرويد) في التحليل النفسي مفيدة مثال ذلك (مفهوم (الكبت) و(الصراع النفسي) و(التبرير) و(التفكير الذاتي) ومختلف صور إشباع الرغبة مثل (أحلام اليقظة) وفرويد قد وجّه الانتباه إلى ضرورة دراسة الشخصيّة ككلّ، وهو أساس مذهب (الگشتالت). وفرويد
-عند كثير من العلماء كذلك- قد بدأ مذهباً جديداً من شأنه القضاء على المذهب الذي كان يدّعي بأنّ الإنسان هو مخلوق عاقل (بالطاقة)، تلك هي مجموعة المذاهب التي تسمّى (بالمذاهب العقلية) وهي تُجمع رغم اختلافها في أمور ثانوية على افتراضها أن الإنسان حيوان عاقل، حيث إنّ نظرية (فرويد) تؤكّد على الجانب الارادي والاندفاعي والعاطفي من الطبيعة الإنسانية ولا تؤكّد على الجانب الشعوري العقلي منها.

ــــــــــ[328]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ويعطي الكثير من علماء النفس أهميّة كبرى لـ(فرويد) من حيث لفت النظر الغريزة الجنسيّة التي كانت مهملة كلّ الإهمال قبله.

 وأن نظرية فرويد في أهميّة الطفولة قد دعمتها أخيراً نتائج بحوث كثيرة، إلاّ أنّ أغلبهم ينكرون عليه مبالغة في أهميّة (الجنسيّة الطفلية) أنّ تأكيد (فرويد) على الدور الذي يلعبه اللاشعور في السلوك والطبيعة الإنسانية كان قد أدّى إلى ظهور مشاكل جديدة في (علم الطريقة) في علم النفس كما أنّ (فرويد) قد غيّر بنية علم النفس ومحتوياته إلى شكل ما.

ــــــــــ[329]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي










توضيح بعض المفاهيم الرئيسية في نظرية فرويد

 

1. اللبيدو

فمنها عبارة (اللبيدو) وهي: عبارة رئيسيّة ويطلقها على الطاقة الحيوية للغريزة الجنسية، وقد يعتريها التثبيت الذي يعيق التطور الطبيعي لهذه الغريزة وقد يؤدّي إلى (الانحراف النفسي) من قبيل ميل الجنس إلى مثله وهو: يسمّى بـ(الانتظار الجنسي)، وهذا الشذوذ قد يحدث بنتيجة الردّة أو التقهقر في بعض الأحيان، حيث ينشأ عن الكبت ارتداد الطاقة إلى حدّ المظاهر الجنسية الأولى. والطاقة الحيوية للغريزة الجنسية تمر بمراحل مختلفة عادة:

  1. مرحلة (النشاط الفمّي) في الخمس أو الست سنوات الأولى حيث يستشعر الطفل اللذة الجنسية من (المناطق الشفتية الهياجية) وتكون الغريزة الجنسية مركّزة في النسيج المخاطي الذي يبطن الشفتين.
  2. مرحلة (التبرّز) يكون النشاط الجنسي مركزاً في داخل الشرج يكون غالباً من السادسة إلى الثانية عشرة.
  3. مرحلة (التبوّل) أو مرحلة الهياج الجنسي التبوّلي ويتركز النشاط الجنسي في نسيج آخر من الأنسجة المخاطية تكون في المجاري البولية أو حواليها.
  4. عند الأسوياء، أمّا غير الأسوياء فيثبت على مرحلة من المراحل التي 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

مرّت، يتركّز فيها النشاط الجنسي بالأعضاء التناسلية حيث تصبح مصدر اللذة الجنسية، فالجنسية الطفلية إذن تمرّ بمراحل معقّدة إلى أن تنضج الأعضاء التناسليّة فتركّز الطاقة واللذة الجنسية فيها بعد مرورها في المراحل المتقدمة.

ويدّعي (فرويد) بأن هذه الفترات تنتهي بمرحلة (المراهقة) المتقدمة التي تبدأ بنزوع ظاهر للاختلاط مع أفراد الجنس نفسه فتكثر الصداقات، وقد تنتج ميولاً وانهماكاً جنسيّاً بين أفراد الجنس الواحد أحياناً، وهو ما يسمّى (ظاهرة الجنسية المثلية). ثُمّ تختم الغريزة الجنسية تطورها (بمرحلة الجنسية الغريزية) أي توجّه الميل الجنسي إلى الجنس الآخر، ومعنى ذلك أنّ الفتى أو الفتاة مرّت بمراحل نموّ جنسي متتابعة بشكل سوي لم يحدث فيها شذوذ أو تثبيت أو تقهقراً أو ردّة.

فإذا حدث التثبيت عند مرحلة (اللذة الذاتية) المستمدة من الأعضاء التناسلية أدّى إلى عدم استشعاره اللذة الجنسية، إلاّ عن طريق العادة السرّية وإذا حدث التثبيت في مرحلة (الميل لذات الجنس) أدّى إلى توجّه الدافع الجنسي إلى أفراد من نفس الجنس.

2. مضامين مذهب التحليل النفسي

من خصائص (مذهب التحليل النفسي):
  1. إنّ هذا المذهب يؤكّد على أنّ الحياة النفسيّة تتصف بكونها تسعى وراء هدف معيّن أي إنّ النشاط الإنساني إنّما هو يتجّه؛ لتحقيق هدف وليس نشاطاً عشوائياً لا هدف له ولا غاية، بل هدفه هو إشباع الغريزة الجنسية.

ــــــــــ[331]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

  1. يؤكد على الخصائص الخفيّة والطبيعة الخفيّة لهذه المسائل مثل (الكبت) الذي ينتج تعبير محرفاً يؤدّي إلى تعبير محرّف للدوافع والرغبات المكبوتة ومثل (الإزاحة)، و (الرمزية)، و خاصّة تلك الرمزية في الحكم وكذلك في (التبرير) وفي (حبّ الادعاء) و (حب الظهور) وما شاكل في كلّ هذه المظاهر للنشاط الإنساني برهنة ودليلاً، على أن الرغبات أو اللبيدو من خصائصه أن يسعى سعياً باطناً خفياً، والإزاحة هي إزاحة الميل الجنسي من شخص إلى شخص آخر حيث ينقل المريض النفسي بعقله الجنس من محبوبه إلى المحلل النفسي بالذات فيحدث نقل أو إزاحة.
  2. هذا المذهب يؤكّد على شمول وأهمية النشاط الجنسي في سلوك الإنسان.
  3. إنَّ هذا المذهب يؤكّد على أنّ جذور ميول الراشدين تمتد إلى عهد الطفولة.
  4. ويؤكّد أيضاً على أهمية التقارب والتضامن بين الحوافز الغريزية وبين الحدود والمستلزمات الاجتماعية، والحضارية مما ينتج عنه الشذوذ في السلوك والانهيار العصبي.

إنّ المطلّع في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي يدرك أهمية المعالجة الفرويدية في إلقاء الضوء على عملية التفاعل بين الفرد وبين محيطه الاجتماعي، وخاصّة العائلة والجماعات الأولية. وعلى هذا الأساس نؤكّد على أهمية التدريس، أو التفاعل الاجتماعي الذي يتم عادة في نطاق العائلة. وتبين أهمية 

ــــــــــ[332]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

العلاقة بين الفرد والمؤسسات الاجتماعية التي ينمو الفرد متعرضاً لآثارها كالعائلة والمنظمات المختلفة الأُخرى.

ومذهب التحليل النفسي مهم أيضاً في تأكيده على أهمية وأثر العلاقات الشخصيّة في إحداث الأمراض العصبية، فيهتم اهتماماً كبيراً بالإحاطة بالعوامل العائلية، والشخصيّة، والاجتماعية، والحضارية التي أدّت إلى الحالة المرضيّة موضوع البحث، وهذا وجه من وجوه أهمية نظرية (فرويد) حيث أنها تؤكد على أن أسباب هذه الأمراض إنّما تحدث في مثل هذه العلاقات والعوامل.

بحوث حديثة في علم النفس الاجتماعي وعلم الإنسان تؤكد أهمية نظرية فرويد ومذهب التحليل النفسي:
  1. بحوث قامت بها (روث بندكت) الأستاذة في علم الانثربولوجي لها مؤلّف عنوانه (أنماط الحضارة)، وفيه دراسة مقارنة لثلاثة مجتمعات بدائية في مختلف وجوه الحياة الاجتماعية، وكما أدّت هذه الدراسة المقارنة إلى استقصاء العوامل التي تلعب دوراً رئيساً في إحداث الخلل العقلي والعصبي وفيه نوع من الاستناد لما يذهب إليه (فرويد) من أسباب الأمراض العقلية والشذوذ.
  2. بحوث (الدر)، و (كورناي)، وبحوث (سلفن)، و (بورو)، و (مورنيو) و(كاردنير).
  3. بحث المحلل النفساني (ارخ فروم) يدعم ما ينطوي عليه مذهب التحليل النفسي.

ــــــــــ[333]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

  1. ومن البحوث التي تدعم نظرية (فرويد) بحوث (ماركريت ميد)، هذه البحوث وأضرابها جاءت برهاناً على أهمية العلاقات الشخصيّة في تقرير سلوك الأمراض، وكذلك المدرسة التي يتزعّمها (جون ديوي) في علم النفس الاجتماعي، و (جورج هربرت ميد) أيضاً وفي الواقع أنّ العلاقات الشخصيّة ذات أثر كبير في صياغة شخصية الإنسان، وفي تعيين خصائصها سلباً وإيجاباً سواء الإنسان كان سوياً أو غير سوي، فإن شخصيته نتاج هذه العوامل الشخصيّة التي تتدسَّس إليه عن طريق التفاعل الاجتماعي.

والعلماء ومنهم فرويد يقولون بأن أساس هذه الأمراض اجتماعي ويجب أن تكون طبيعة العلاج اجتماعية، وهو ما يسمى (بالتفاعل العلاجي) فيقومون بتهيئة وضعيات للتفاعل الاجتماعي العلاجي، وتسمّى تمثيلية اجتماعية (رواية اجتماعية) وهي تحتوي على العناصر الاجتماعية الرئيسية ويعتقد المحللون النفسيّون أنها كانت السبب في إحداث الخلل العصابي أو المرض العقلي. وهذه المعالجات أنتجت علاجاً يسمى بـ (العلاج الجماعي) وهو اتجاه اجتماعي يؤكّد على أنّ العلاج يجب أن يكون اجتماعياً بعد أن كشف أنّ السبب أيضاً هو سبب اجتماعي.

ــــــــــ[334]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







تلخيص آراء فرويد الرئيسية في كتابه                                                  (الموجز في التحليل النفسي)

 

من الأمور التي يتناولها الكتاب هو مفهوم (الهو) وهو في نظره في هذا الكتاب (كلّ ما هو موروث) أيّ كلّ ما هو مزود به الفرد منذ الولادة.

وهذا الجزء هو أقدم مكوّناتنا وقسماً منه يتأثر نتيجة تأثّره بالعالم الخارجي؛ ليكون الوسيط بين الهو والعالم الخارجي، وهذا القسم هو ما يسميه الذات أو الأنا، ومهمته ضبط الحركات العضلية ولولا ذلك لدفعت الميول الجنسية الجانحة هذا الإنسان إلى الالتصاق جنسياً بهذه اللذة الجنسية، ولكن الأنا بسيطرتها على العضلات تضبط الجهاز الحركي الذي يمكن اللبيدو والهو من أن يشبع رغباته الجنسية.

إنَّ (الأنا) ينشد اللذائد وتختلف عن (الهو)؛ لأنها تتجنب كلّ ما يؤلم لقانون (حفظ الذات) وإذا لم توجد (الأنا) يندفع الإنسان تحت أمرة (الهو).

إنَّ ما يؤلم عادة يواجَه بالهياج، أو هو يثير الهياج وهو بالغ في الانهيارات العصبية فيما إذا استشرى واستمر. ويؤكد (فرويد) أن جهة خاصّة من (الأنا) منذ عهد الطفولة فيها أثر الأبوين وهي الضمير أو (الأنا الأعلى). (الهو) ينشد 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إشباع الحاجات الأساسيّة، وخاصّة الغريزة الجنسيّة أمّا (الأنا الأعلى) فهو يحدّ من مدى هذا الإشباع.

الغرائز في نظر (فرويد) تمثل الحاجات الجسمانيّة. وهنا تعبير (ايروس Eros) أو غريزة الحبّ أو اللبيدو موجودة في الذات أو (الأنا)، وتنقل إلى الشيء المحبوب الذي يأخذ بدوره مكان الذات، كما إذا أصبح إنسان أعزّ عليك من نفسك فتتمنّى أن يقع عليك الضرر مكانه.

ويشير إلى ما يسمى (بالإخصاء) ويذهب إلى أن خوف الإخصاء في المرحلة القضيبية: وهي مرحلة تركز النشاط الجنسي في القضيب عند الذكر وفي القضيب الأنثوي عند الأنثى. وهذه المرحلة وجه من وجوه (الأوديبية) أي عقدة أوديب، وأن خوف الإخصاء هو بداية الفترة الكامنة التي من أهم خصائصها العفّة الجنسية غير الناتجة عن المثل العليا الأخلاقية، وإنما التي ترتبط بمصلحة تجنب الإخصاء، وأن هذه الفترة تصحبها عادة أعظم الخبرة الجنسيّة البالغة الأثر، وتحدث جروحاً نفسية عميقة تسبب كثيراً من العقد مما يكون له الأثر السيء في احداث السلوك الشاذ، أو الانهيار العصبي أو العقلي.

إنَّ نظرية (فرويد) كما تجول في إطار مذهب السعادة تجول حول إطار نظرية (ستانلي هول) التي تسمى بنظرية (الإعادة أو التلخيص) التي تذهب إلى أن كل فرد يمر بتاريخ النوع البشري الذي هو امتداد للمملكة الحيوانية. فالإنسان منذ لحظة الإخصاب يبدأ بحجيرة واحدة ويتكوّن من حجيرات، وهذا هو إعادة لتاريخ المملكة الحيوانية الذي يبدأ حسب نظرية (التطور) 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

بكونه من حجيرة واحدة وتتعقد تدريجياً وتتطور الأجهزة وأشكال الحيوانات حتّى ينتهي بالإنسان فقد يمرّ الإنسان بعد الإخصاب في تاريخ مرحلة الحمير أو على شكل الغنم أو السمكة. فالإنسان يمرّ بهذه المراحل بشكل تلخيصي في سبعة أيّام أو سبعة أشهر ثُمّ يعبر إلى المرحلة الأُخرى في حين أنّ تاريخ المملكة الحيوانية قد قطع هذه المرحلة بأزمان متطاولة.

وإنما سميت بالمرحلة التلخيصية؛ لأن هذا الجنين النّامي يلخّص هذه المراحل التي مرّت بها المملكة الحيوانية. هذا من ناحية بايولوجية، ولكن هناك وجه اجتماعي نظري مساند يذهب إلى أنّ الأطفال يلعبون في بعض هذه المراحل ألعاب متشابهة، وإن اختلفت أسماؤها فالميول نفس الميول، وهم بهذا يلخّصون ضروب النشاط التي مرّ بها النوع البشري خلال مليوني سنة. 

إنَّ الرجل خاصّة عندما يشيخ وله عدة أزواج وعدة شبّان في عنفوانهم الجنسي وهم أقدر منه على إشباع هذه الإناث جنسياً فيسدون على الشيخ الهرِم، فإمّا أن يقتلهم وإمّا أن يخصيهم، فكان الآباء يعملون الإخصاء، والاستنان إنّما هو بقية أثرية لهذه المزاولة الفعلية للإخصاء.

والإخصاء له معنيان: حديث وهو إزالة عضو الذكر، وقديم وهو إزالة المعمل الذي يعمل الحويمنات المنويّة. و(فرويد) يعني به المعنى الأوّل؛ ولذلك بقي في النوع الإنساني خوف من هذه العمليّة؛ لأنّها في نظره عندما كانت تزاول فعلاً كانت تثير هياجاً شديداً لهؤلاء المراهقين، وهذا الخوف سبب (عقدة الإخصاء) التي هي سبب الانهيارات العصبية عند الذكر. ويذكر (فرويد) في 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

هذا الكتاب إلى أن الإنسان يعاني تقهقر أو ردّة كلّما انتكس (اللبيدو) إلى تعلّقاته مبكراً التي هي من مراحل النمو الجنسي قبل المرحلة القضيبية.

إحدى الفرضيات الأساسيّة في علم التحليل النفسي هي: أنّ ما هو عقلي بذاته (لا شعوري)، وبعبارة (فرويد): إن العقل هو نتاج اللاشعور وخادم له وإن كلّ ما هو عقلي وجد بهذا الشكل؛ لأن اللاشعور يريده هكذا. ويؤكّد بأن (الهو) واللاشعور مرتبطان ارتباطاً وثيقاً.

والحُلم يتكون من مادة حلمية ظاهرة، وتفكير حُلمي كامن، وأن تشويه الحُلم وتنكيره يحدثان نتيجة عبور الحُلم من اللاشعور إلى ما قبل الشعور، أيّ مروره من اللاشعور إلى (الأنا). والحُلم ما هو إلا ضرب من الجنون بأخيلته وأباطيله، ولكنّه جنون مؤقت لا يكون إلاّ لفترة قصيرة ويقوم بمهمة مفيدة هي التنفيس عن هذه الرغبات المكبوتة العارمة.

إنّ بعض المصابين بالعصاب يظهر أنهم يفقدون ما يسمّى بغريزة (حفظ الذات)؛ إذ يؤذون أنفسهم وقد يميلون إلى القضاء عليها، فينتحر، فـ(الأنا) عنده غير قادرة على القيام بمهمتها -في نظر فرويد- المودعة إليها بخصوص العالم الخارجي، فيفقد العصابي أهم وسيلة لتكيّفه للمحيط الخارجي؛ لأنّ (الأنا) إذا انهارت لا يمكن أن يتكيّف للمجتمع وهذا من أهم اعراض الاصابة بالعصاب وقد تنقلب هذه الغريزة لتهديم الشخص بالذات فينتحر. وتنهار (الأنا) بتجاوز (الهو) وايثاره عليها، ويعاني الفرد بذلك شكوكاً وريباً وصراعاً عارماً تثار بنتيجته (الأنا). فـ(الأنا)تنهار بجهتين:

ــــــــــ[338]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

  1. إنّها تعجز عن تلبية مطاليب (الهو) العارمة فيتجاوزها.
  2. لتشديد النكير عليها من جراء خدمتها لـ(لهو)، ومن كثرة اللوم والتقريع من قبل (الأنا الأعلى). ويظهر أنّ العصاب يكتسب في عهد الطفولة المبكرة -كما يرى فرويد- فقط.

وذلك؛ لأن العصاب قبل أن يظهر كان كامناً موجوداً في عهد الطفولة، ولكنّه فلما وافت الظروف ظهر العصاب، فسبب العصاب يتعرض له الإنسان منذ الولادة حتى السنة السادسة من العمر، وإن كانت أعراضه لا تظهر إلّا مؤخّراً.

وسبب تعرض الذكر لـ(عقدة أوديب) تقدّم، أما الانثى فتتعرّض لها بسبب فقدانها المبيض وما ينتج عنه ممّا يسمى (حبس القضيب). فالبنت منذ حداثة سنّها تكتشف أنّ الجنس الآخر يفوزها بعضو ليس عندها، وهذا التباين يثير فيها هياجاً يرافق الحسد، ويكون الحسد سبباً في الانهيارات العصبية والعقلية وتكوين العصاب منذ حداثة السن عند الأنثى.

أمّا (عقدة أوديب) عند الذكر فهو وجود القضيب وخوف الإخصاء والتهديد به حيث يحدث التهديد عقدة بالغة عميقة قد يكون سبباً في الانهيارات العصبية فيما بعد. 

إنَّ ظهور (الأنا الأعلى) مثالاً على الأسلوب الذي بواسطته يصير الحاضر ماضياً، و(الأنا الأعلى) ضمير طفلي تتكون من الملزمات الخلقية التي تغلغل فينا منذ الطفولة؛ من جرّاء تفاعلنا مع آباءنا وأمهاتنا. فـ(الأنا الأعلى) في عبارة 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 (فرويد) ناتج عن الأسلوب الذي بواسطته يصير الحاضر ماضياً.

المحلّلون النفسيّون يحلّلون الشخصيّة بصورة تخطيطية تصويرية، أو (طبوغرافية) وهو علم يتصل بطبيعة الأرض وتنوع سطح الأرض. فلذلك الفرويديون يصورون التركيب النفسي أو الكينونة النفسية طبوغرافياً. فيكونون النفس من (الهو) وهو مجموعة الحوافز الموروثة، والأشواق ومن (الذات أو الأنا ego) التي تصوّر على أنها قائمة على (الهو) مشتقّة منه، وذلك خلال نموّ الإحساس بالواقع الخارجي. وتتكوّن أيضاً من (الذات العليا soper ego) أو (الأنا الأعلى) وهي: مجموعة القوى المقترنة اقتراناً اجتماعياً، فتكفّ الفرد من أن يقوم بإشباع (الهو) إشباعاً مباشراً.

إنَّ التفاعل بين مناطق الشخصيّة هذه الذي يقرّر بصورة رئيسية نمطاً خاصاً للعلاقات العائلية التي يجب أن ينسجم فيها الفرد خلال سنيّه الأولى، هو المسؤول عن تنوع (النماذج الشخصيّة) كأن يكون أحدنا أحمر وهذا أسود وإلى آخره. هذه النماذج الشخصيّة المختلفة إنما هي نتاج تفاعل هؤلاء الأفراد في نطاق العوامل المتباينة لهؤلاء الأفراد.

هناك علماء قسموا الشخصيّة إلى نماذج مختلفة منهم (شلدن) و (ادلر) اللذين قسّموا شخصيّات الناس إلى الشخصيّة الانطوائية والانبساطية. ولكن الفرويديون لم يحدّدوا المعالم والميزات والخصائص التي تميّز كلّ نموذج شخصي عن الآخر، بل اكتفوا بالقول بأن النماذج الشخصيّة إنّما هي نتاج العلاقات العائلية وأكّدوا على أهمية العائلة في صياغة الشخصيّة، وأن أنواع العصاب 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

تؤدّي إلى تكوين نماذج شخصية معيّنة، وأكّدوا أن التجاوز والاعتداء المكبوت هو أساس أنواع العصاب. وهذه الفكرة بداية لـ(نظرية الخيبة في الاعتداء) أي الخيبة الجنسيّة عندما تخيب جنسياً يحب الاعتداء وهو نظرية يتزعمها (جون دولارد)، وكانت جزءاً من نظرية (فرويد) ويرجع الفضل إليه في الإشارة إلى هذه الرابطة بين الخيبة والاعتداء.

فكرة يؤكد عليها (فرويد) وأتباعه، ومنهم (فرانس الكزاندر) الذي اشتهر بحقل من حقول علم الاجتماع يسمّى (بالتحلل الاجتماعي والشخصي)، وله كتاب عنوانه (المجتمع من حيث هو مريض) تدور المعالجات فيه حول تفسّخ المجتمع، ووجود المشاكل فيه ومعاناته للأمراض المختلفة والشرور على أساس نظرية (فرويد) بالذات، ويعتقد مؤلّفه بصحة (عقدة اوديب) لـ(فرويد) ولكنّه يختلف عنه في تفسير هذه العقدة حيث يذهب إلى أن أساسها وجوهرها ليس الحاجة الجنسيّة، ولكنّه التعلق بأمّه؛ لأنها الشخص الذي يستند إليه الطفل من الإشباع، والطمأنينة، والأمن ولا يريد أن ينافسه على أمّه أحد، وليس هذا التعلق جنسياً كما يزعم (فرويد) وإنّما قوامه وطبيعته أنّه نتاج حاجة الطفل إلى الإشباع والطمأنينة والأمن، تلك الحاجة التي تيسرّها وتحققها الأم.

فيكون الأب منافساً لهذا الطفل على الأمّ ويهدد هذا التعلق كما أنّ الأساس هو الغيرة على ذلك الشخص ومعادات الذين ينافسون هذا الطفل على هذا الشخص.

إنَّ هذه الحوافز العدائية التي يتعرّض لها الطفل من قبل أبيه والآخرين 

ــــــــــ[341]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

لمنافسته على الأمّ إنما بحث عن الطفل الذي لا يريد الاعتداء حيث تخيب تعلقاته بالأمّ وغيرته عليها. فهذه الحوافز العدائية إذا هي ظهرت إلى حيز الواقع تستجلب العقوبة العاجلة حيث يقتل الطفل أباه.

فكبت هذه الحوافز -عند فرانس- هي الحقيقة الهامّة في تأهيل هذا الحيوان الإنسانية وتدجينه، ويعني كفكفة هذه الميول العدائية وتيسير العيش مع هؤلاء الآخرين. وهذا الكبت مع ما يلازمه من الهياج أو بالتعبير الفرويدي يعاني ما يسمّى (enxity) (القلق) على اعتبار أنّ هذا الهياج والإثارة التي تعصف بالسلامة العصبية هي أصل الداء.

 والأمراض العصبية لا بُدّ أن تمتدّ جذورها إلى هذا الهياج والانفعال الجامع العميق الذي يؤدي بالتدريج إلى انهياره العصبي، وربما اجهازه على نفسه بالانتحار. ويعتقد (فرانس) أنّ هذا الهياج الذي يصاحب الكبت مثل هذه الميول الاعتدائية من جرّاء منافسة أبيه هو سبب كلّ عصاب (فروما) وهذا هو الفرق عن رأي فرويد في العصاب.

إنّ بعض الباحثين المحدّثين الذي يسمّون (بالمدرسة التحليلة) بالتحليل النفسي منهم (لنس) من علماء الانثربولوجي و (ابرام كاردينار) وغيرهم هؤلاء وإن كانوا يذهبون مذهب فرويد في العلاقات، ولكن ليس على الجانب الجنسي. 

إنَّ عيوب بحوث هؤلاء الكتّاب تنحصر في كونهم لم يعالجوا هذه العلاقات معالجة علميّة في تصاميمهم التحليلية القائمة أساساً على أهمية الدور 

ــــــــــ[342]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الذي يلعبه التثبيت، وتضاد الطفل مع رغبات والديه في هذه العلاقات في نطاق العائلة.

ويرى الأستاذ (بلومر) أنّ هؤلاء الأقطاب للمدرسة الجديدة في التحليل النفسي لا يرون أنّ هناك مدى واسعاً للعلاقات الأوليّة خارج نطاق العائلة. والعلاقات الأولية هي التي تكون بين الأشخاص وجهاً لوجه، وتكون عادة وثيقة ويكون فيها المتفاعلون في نطاق الشم والسمع والبصر؛ لأن (بلومر) يرى أنَّ هناك مدى واسعاً لهذه العلاقات خارج العائلة، فالناس في الشارع في علاقات أوليّة وفي النادي وما شاكل. فتأكيدهم عليها ضمن نطاق العائلة وحسب استهانته بآثارها خارج نطاق العائلة؛ لأنّ هذه العلاقات مهمّة أيضاً كالعلاقات العائلية من حيث تأثيرها في الطفل وصياغة شخصيته.

سؤال يتّصل ببعض مضامين نظرية فرويد

وهو: ما هي جذور الضبط الشخصي والضبط الاجتماعي عند فرويد؟

الجواب: أنَّ هذه الجذور تمتد إلى (الأنا الأعلى) التي تمثل موانع وحدود الأبوين، وما يستهجنان تلك الحدود التي تُغرس عند الطفل في عهد الطفولة، وتدعم وتساند هذه القابلية الوظيفية وتقوى وتشدّ بالمؤسسات الاجتماعيّة والسلطات الاجتماعيّة والقواعد الخلقية وما شاكل.

ــــــــــ[343]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفصل الثالث والعشرون

مدرسة علم نفس الفرد لادلر

 

  • نقد مدرسة ادلر

ــــــــــ[345]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي








الفصل الثالث والعشرون                                                               مدرسة علم نفس الفرد لادلر

 

كل من (يونگ) و(ادلر) كان من حواريي (فرويد)، خاصة بالأساليب التي ابتدعها فرويد كطريقة التدّاعي أو التداعي الحرّ وكتحليل الأحلام، ولكنّهما انشقا عليه إلى درجة أنه صار لا يرغب في تسميتهما محللين نفسيين، وإن كان قد تبنّى بعض آرائهما في مذهبه النظري، كما أن المحلّلين المتأخّرين أعادوا بعض تلك الآراء. لقد انشعبت المذاهب من مدرسته سنة 1912 في فينا وكان (ادلر) أحد هؤلاء المنشقّين حيث اختلف مع فرويد في عدّة وجوه من أهمها:

  1. تأكيده على الذات -الأنا- لا على (اللبيدو) ويرى (ادلر) أنّ هذه (الأنا) هي القوى المحركة العظمى في هذه الحياة، ومن حيث مصدر مصاعب المشاكل العصابية. وأخذ ادلر يبتعد عن مذهب فرويد النظري مكوناً لنفسه مذهب (علم النفس الفردي)، وذلك لتأكيده على (الفروق الفردية) في تلك الشخصيّة التي تتوقّف فروقها الفردية على المحيط المبكّر للفرد، ولم يعن فرويد بذلك.

ــــــــــ[347]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وإنما ندرس نحن هذه المذاهب؛ لأن في كلّ منهما نقاط ضعف ومقترحات وفرضيات وربما نتائج من السلوك الإنساني، والطبيعة البشرية والشخصيّة، بعضها خاطئ وبعضها مصيب. فبالبحث المقارن يمكننا أن نضمّ المفيد منها إلى المفيد، وأن نتعرّف إلى مواطن الزلل في كلّ منها ونكوّن بالأخير صورة ذهنية جامعة إلى حدّ ما عن أهمّ النظريات الصادقة في هذه الحقول من حقول المعرفة الإنسانية، ويعرف الباحث ما يحتاج منها إلى الاستمرار بالبحث فيه وإلى بلورة نظريات جديدة.

  1. إنَّ فرويد وضع أهمية كبرى على الجنسيّة الطفليّة، ولكن الذي يراه (ادلر) أهم من هذه النسبيّة الطفلية هي مقاومة الطفل للسيطرة عليه، ونزعته القوية لأن يسيطر هو نفسه؛ لأن الطفل ضعيف ويشعر بأنّه أضعف من الذين حواليه من نواحي متعددة، ولكنه في نفس الوقت يحارب هذا الشعور ويقاومه؛ وذلك بتأكيده على الذات جهد الإمكان وبطموحه وتطلبه؛ لأن ينمو فيصبح قوياً جبّاراً متفوقاً بارعاً مبرزاً على غيره في هذا الميدان أو ذاك، وعليه فإن (ادلر) يؤكّد على أنَّ لكلّ فرد نزعة أساسية للقوة، كما أنّ مذهب (ادلر) امتداد من نظرية (سوس هاور) المشهورة (بإرادة القوة) فكذلك مذهب فرويد امتداد لـ(مذهب السعادة) وفرع من فروع (الفلسفة المنفعية).

ويؤكد (ادلر) على أنّ الأفراد نزاعّون إلى القوة للسيطرة على الآخرين وللتفوّق والتريّس عليهم فإذا أحس الفرد أنه اضعف من ناحية ما دفعه هذا الشعور بالنقص إلى تحقيق التفوّق، حيث يكون التفوّق هو هدفه الأساسي. 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فإذا لم يتمكّن من التفوّق الفعلي فهو يلجأ إلى الادعاء. مثل هذا التفوّق إن هو قصر على التفوّق، أيّ أنه يدافع نحو التعويض فقد ينهمك إلى تعويض هذا النقص بكلّ جدّية بكلّ قواه، مثل (روزفلت) الذي كان مصاباً بالشلل الطفلي كان من أمهر السياسيين.

وقد يعوّض الفرد نقصه في ناحية بالتبريز في ناحية أُخرى، كأن يلمع التلميذ الضعيف عضلياً في العمل المدرسي. إنّ هناك ما يحفز بخاصّة في الحياة بأن نعتقد بأنه فخور بهذا النجاح أو التفوّق، ولكنّنا إذا عرفنا هؤلاء الأفراد معرفة وثيقة وجدناهم يعانون الشعور بالنقص، وأنهم لم يتمكّنوا بعد كل ما بذلوه من جهد من التغلب عليه كلّه.

وعليه فإنّ (ادلر) يرى بأنّ الحافز لتأكيد النفس أو الذات، وليس الجنسي هو الدافع الأهم كما أنّه هو الدافع الذي يكثر احتمال إعاقته وتخييبه من قبل المحيط أكثر من احتمال ذلك ضد الرغبة الجنسية. وهكذا يرى (ادلر) أنّ مثل هذا الدافع هو الذي يولّد النقص والعداء، أيّ هو الذي يولّد المواقف الاجتماعيّة، ويحدث سوء التكيّف العصابي والجنوني على حدّ سواء.

وكما اضطرّ (فرويد) قد اضطرّ (ادلر) في سبيل ضبط الميل الاعتدائي؛ لتصبح الحياة الاجتماعيّة ممكنة إلى افتراض ما يسمى (بقطبية الدوافع) في عرف علماء النفس وعلماء النفس الاجتماعي. وأقام على أساسه نظريته في (الدوافع الفطرية) كما فعل قبله فرويد.

يرى (ادلر) أنّ للطفل قابلية فطرية على الرجع من خصائصه الحب 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والتعلق وإبداع الصداقة وما شاكل. ومثل هذه القابلية الأساسية الفطرية أو الموروثة يمكن أن تنمّى بعناية مناسبة خلال السنوات الأولى، فتنمو عنده روح تعاونية، فمن واجب الأم أن تعني بتلك الروح التعاونية وذلك بتركيز وتقوية المعلومات الإنسانية بينها وبين الطفل. وترتكب الأم خطأ كبيراً إذا هي دلّلت الطفل ورضخت إلى مطاليبه من غير تحّرج، وجعلته يسيطر عليها ويتحكم بها في كلّ شيء، وإذا هي أيضاً تدخلت في سلوكه متحكمة فيه بكلّ وجوه سلوكه ساعية أن تتسلط عليه تسلطاً كاملاً، حيث تقضي بهذا العمل على الاستقلال الذي عند هذا الوليد.

إنَّ ما يحتاجه الطفل هو التعاون المتبادل، والتضامن المتقابل، والولع في الناس، والاستيناس بهم وليس النفرة منهم، فإذا غُلغلت مثل هذه المواقف الاجتماعيّة في نفسه أصبح مهيأً لأن يجابه مشاكل الحياة بالاعتماد على النفس من غير حقد أو بغض دفين. وأن الأم لا يمكن وحدها أن تكون هي المسئولة، بل الوضعية العامّة للعائلة كلّها التي يسعى الطفل لأن ينسجم معها ويستجيب لها خلال السنين الأولى من طفولته هي التي تحفزه لأن ينمّي أسلوباً حياتياً معيناً. 

ويرى ادلر أنّ الطفل المدلّل أن يصدر هو الأوامر والنواهي فقط وغيره مطيع له قائم بما تستلزمه تلك المطاليب، ولكن الطفل الضعيف المستغل يحاول أن يتبنى موقفاً فحواه (محاولة الهرب) إلى مسافة تؤمّله وتطمأنه. أما الطفل الأكبر في العائلة فهو أميّل إلى تبني المواقف المحافظة ساعياً لأن يحتفظ بما عنده أو يعود له وأن يحتفظ بمكانته ومركزه في العائلة، حتّى لا يحلّ محلّه الطفل الثاني 

ــــــــــ[350]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الذي من طبيعته أن يتبنّى المواقف النظريّة التي تنطوي على تغيير الأمور في صالحه دون سواه هذه الأساليب من الحياة التي معناه مجموعة المواقف التي تغلغل في الطفل في سنين حياته المبكرة، إنّها توصف من قبل (ادلر) بالثبات والاستمرار اتصافاً مفرطاً، أي أنّ كلّ فرد يكوّن ويتبنّى سلوكه في الحياة مبكراً، ويستمرّ محتفظاً بهذا الأسلوب مواجهاً به كلّ القضايا والوضعيّات التي تحترمه في حياة الصبا والرشد وما بعدهما.

فادلر ليس أقلّ من فرويد تأكيداً على أهميّة الوضعية العائلية من أنها تكون وتصون سجايا الفرد وأخلاقه وطباعه في أهمية الحافز الجنسي، إلاّ أنه لا يعطيه تلك الأهميّة. ويرى (ادلر) إنَّ المشاكل الجنسيّة الملحّة لا يواجهها الفرد إلاّ بعد أن يكتمل أسلوبه في الحياة.

 وعليه فإنّ الجنس يجب أن يجد له مكاناً في الأسلوب العام للحياة، ذلك الأسلوب الذي قد يكون هدفه أنانياً أو هدفه التفوّق الاجتماعي. فالجنس فقط لا بدّ وأن يعطي صورة زائفة مشوهة لنشاط الفرد وفعالياته. فالبرودة الجنسيّة العنّة كذا قد تكون محاولة لا شعورية لتمكين الفرد الذي يعوزه الحسن والشعور الاجتماعي من أن ينال أكبر قسط من أن يواجه المشارك الآخر في الاتصال الجنسي.

إنّ ما يواجهه الطفل أولاً هو الواجب الاجتماعي، وإنّ تكيّفه لهذا الواجب هو الذي يضع النمط الأساسي لمعالجة القضايا والأمور الأخرى التي تعرض له في الحياة. وخاصّة في النواحي النموذجية الثلاثة التالية:

ــــــــــ[3051]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

  1. الحياة الاجتماعيّة.
  2. الحرفة أو المهنة.
  3. الحبّ الجنسي.

فإذا كان موقف الفرد الاجتماعي موقفاً من شأنه العزم والشجاعة والتضامن بحيث يكون الفرد قد تهيأ لأن يأخذ ويرد، فإنّه يستطيع أن يقحم الولع الجنسي في أسلوبه الحياتي كما يستطيع أن يتفوّق على الأقران، فالجنس هنا موقف عام أو (أسلوب الحياة) الذي يدور حوله مذهب فرويد.

أمّا إذا كان الموقف الاجتماعي للطفل من خصائصه التوقان للتفوّق فإنّ الجنس يتخذ شكلاً من قبل هذا الفرد؛ ليكون وسيلة لنفس هذا الهدف. يرى (ادلر) أن الفرد الذي يرسخ فيه الموقف الاجتماعي الذي من شأنه التضامن والشجاعة والتعاون؛ بحيث يكون هذا الفرد مهيأ لعلاقات اجتماعية يأخذ فيها ويرد. فهو يستطيع أن يقحم الولع الجنسي في أسلوبه الحياتي وبذلك يتوفق بالحبّ والزواج.

والجانب الجنسي هو أن يكون قائماً على الأخذ والرد بينه وبين الطرف الآخر لا على الاستقلال من قبيل الزواج، يعني أن يكون قائماً لا على الأخذ وحده ولا على الإعطاء وحده بل عليهما معاً.

أمّا إذا كانت من خصائص الموقف الاجتماعي للطفل أنه يسعى إلى بزّ الأقران والتفوّق عليهم. فإنه اتخذ الجنس أخيراً من قبله وسيلة لنفس هدف بزّ الأقران.

ــــــــــ[352]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فالعلاقات بين الناس ليست علاقات إنسانية، بل إنّها علاقات قائمة بين الفرد يسعى لهدف وبين الآخرين يكونون آلات لهذا الهدف، والفرق بين هذين النوعين من العلاقات واضح فإن أناساً يتّخذون من الآخرين آلات مثل شخص يلبس الناس للوقاية عن نفسه. 

على كلّ أن المصاب بالعصاب -وبحث العصاب رئيسي عند فرويد-سببه عند (فرويد) هو خوف الإخصاء عند الذكور، وحسد القضيب عند الأنثى وهو غير السبب عند (فرانس الكزاندر) وفي كليهما الهياج والانفعال.

وأمّا سبب المصاب بالعصاب عند (ادلر) فإنّ شخصاً مغلّلاً أو معاقاً بأسلوب في الحياة من خصائصه انعدام التوازن المناسب بين الدوافع الاجتماعية من ناحية والدوافع الفردية، وليس هو كما يدّعي (فرويد) من أنّه شخص يعاني عقداً جنسيّة مكبوتة.

إنَّ هدف المصاب بالعصاب على رأي (ادلر) ليس هدفاً واقعياً فيما يخصّ حياة الهيئة الاجتماعية. فيضطرّ لأن يعوض هذا النقص بادعاءات فارغة مبالغ فيها؛ لتحل محل الانجاز العقلي. وإنّ الغاية اللاشعورية لهذا الشخص هو أن يحوز تفوّقاً موهوماً متصوراً خياليّاً؛ وذلك بتجنب المصاعب والمشاكل بدل محاولته التغلب عليها فعلياً.

يقول ادلر: “إنَّ مشكلة كلّ عصاب من ناحية المريض هي الاحتفاظ بأسلوب معيّن في العمل وفي التفكير وفي إدراك حسّي؛ وذلك الأسلوب الذي من شأنه أن يشوّه ويغفل مطاليب واقعية، وكما برهن علم النفس الفرد برهنة 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

قاطعة أن هدف الفرد في التفوّق هو العامل المتحكم في كلّ عصاب ولكن هذا الهدف نفسه يتولّد دائماً خلال الخبرة الفعلية لمركب النقص، فإذا لم يكن توّاقاً وجلاً، وإذا لم أكن مريضاً وجب أن أكون قادراً على القيام بما يقوم به الآخرون، ولو كانت حياتي خلواً من المشاق والمصاعب اللفظية، كذا للزم أن أكون السبّاق الأول في كلّ الميادين ومع هذا الموقف فلا يزال الفرد متمكناً من الشعور بتفوّقه، ولكنّه يخدع نفسه حيث تكون مهمته الأولى في الحياة هي تحرّي المصاعب لمواجهتها.

إنَّ مثل هذا الفرد إنما يقوم بذلك من حيث الأساس يخدع نفسه هو ويغفلها لا لينفع الآخرين، ولكن الناس بطبيعة الحال يشهدون ما يقوم به هذا الفرد من فعاليّات الصعاب وما يلاقيه في هذا الميدان، وما يبذله من جهد وبذلك يشقّ طريقه إلى المجد والحياة الرفيعة كما يراها الآخرون، ويحكمون على أساس معاييرهم المدرجة أو المتواضعة، ولكن هذا الفرد في نفس الوقت يؤدّي ثمن ذلك بأعصابه إلى ما يتعرض له من عصاب”.

إنّ فعاليّة من قبل من لا قابلية لهم على هذه المغالبة يؤدّي إلى المصاب بالعصاب، فالذي لا يكون له قابلية ومع ذلك يبذل جهده للتفوق، ولكن على حساب من أعصابه يعني لا يستفيد إلاّ العصاب.

ــــــــــ[354]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





نقد مدرسة ادلر

إنّ نظرية وطريقة (ادلر ( العلاجية قد استهجنها المحللون النفسيّون بوجه عامّ على أساس أنّها مصطنعة مكوّنة باستعجال من دون نظر دقيق، فإنّ هؤلاء المحلّلين يميلون إلى استعمال طرائق في بعض الحالات ذلك؛ أنّ ليس كلّ المرضى يحتاجون إلى نفس النوع من المعالجة، بل هم مختلفون اختلافاً كبيراً وهذا يستدعي الاختلاف في طريقة الكشف والعلاج. إنّ طريقة (ادلر) هذه في الكشف قد برهنت على أنّها طريقة مفيدة في بعض الحالات، وخاصّة في مساعدة الأطفال على التغلّب على سوء تكيّفاتهم. ومع أنّ مذهب (ادلر) ليس مذهباً فيما يسمى (بعلم نفس الأعماق) -وهو الذي ينفذ إلى جوهر الإنسان وإلى أعماق نفسه- ولكن فيها شيء من الصحّة لإمكانية انطباقه على كثير من حوادث الحياة اليومية، ومشاهدتنا في الحياة العملية. كما أنّ مفهوم ادلر وهو (أسلوب الحياة) مفيد في (علم نفس السجايا) وفي دراسة الشخصيّة.

ــــــــــ[355]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي








الفصل الرابع والعشرون

(يونگ) والتحليل النفسي

 

  • ملخص تاريخ مذهب (يونگ)
  • معالم مدرسة (يونگ)

ــــــــــ[357]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي






الفصل الرابع والعشرون(1)                                                         (يونگ) والتحليل النفسي 

 

ملخص تاريخ مذهب (يونگ)

 

ننتقل إلى مذهب يونگ، لنعلم نقاط الخلاف بينه وبين ادلر وفرويد.

بعد أن بلور علم التحليل النفسي أنشأت له عيادات بدأت أوّلها في فيّنا ثمّ انتشرت إلى أوائل (أوربا)، وكان أوّل مركز للتحليل النفسي في (زيوريخ سويسرا) حيث كان يقيم (بلولر) الذي اشتغل معه فرويد وأخذ منه. 

كان لـ(بلولر) الفضل في بلورة مفهوم (schizophrenia) أيّ الانشطار النفسي: وهو عصاب، وإذا اشتدّ أصبح جنوناً، وقد أصبح فرويد مولعاً فيه وبالبحث عن جذوره وخصائصه وآثاره السلوكية.

كان (يونگ) في هذه المرحلة مساعداً لـ(بلولر) في زيورخ، وبدأ (يونگ) في استعمال طرائق (فرويد) في التحليل النفسي مع الطرائق المألوفة يوم ذاك، ومنها طريقة (الترابط الحر) التي استعملها المحللّون النفسيون في استكشاف ما 

ــــــــــ[359]ــــــــــ

() الجزء الأغلب من المحاضرة السادسة. (المقرِّر). 

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

يسمّى (بالعُقد الخفيّة) عند المصابين بهذه الأمراض، ومن بعد ذلك تعرف يونگ على فرويد فأسّسا معاً سنة 1911 الجمعية العالميّة في التحليل النفسي وجُعل يونگ منذ تأسيسها رئيساً لها لأوّل مرّة، ولكن سنة 1913 بدأت آراء يونگ تُحيد تدريجياً عن آراء فرويد وصار (يونگ) يكره أن يدعو نفسه محللاً نفسياً مع إصرار فرويد عليه، ودعى نفسه (عالم نفس تحليلي) وراح يبني مدرسة جديدة. إنّ الذي ابتدعه كان أكثره يدور حول ضروب العصاب.

ــــــــــ[360]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي











معالم مدرسة (يونگ)

 

اللبيدو 

 وحول اللبيدو في نظرية (فرويد) وذلك أنّ فرويد قد أرجع العصاب الذي يصيب الراشد إلى (عقدة أوديب) التي تتكوّن في عهد طفولتهم إنّما هي تكشف عن السبب الذي يمهد الإصابة بالعصاب كما يرى (يونگ)، وليس عن السبب الذي يهيج ذلك العصاب؛ ذلك أن (يونگ) يرى أنّ كثيراً من الأشخاص ينطوون على عقدة تركّزت فيهم منذ الطفولة ولا يصابون بالعصاب إلاّ إذا اصطدموا بمشكلة في حياة الرُشد فالسبب المهيّج للعصاب إنّما هو بعض المشاكل التي يحتاج الفرد في حملها إلى طاقة نفسية هي أعظم بكثير ممّا يتمكن أن يحشده هذا الفرد لمواجهتها والتغلب عليها.

وهو بهذا الصدد إنما يتبع (جانيت) ويحذو حذوه؛ لأنّه حضر محاضراته في باريس.

ويبيّن يونگ أنّ الفرد إذا فشل في حلّ مشكلته الراهنة يلجأ إلى أساليبه المبكّرة وطرائقه الطفلية في محاولة التغلب على المشاكل التي تعترضه، فيرتد أو يتقهقر الراشد إلى أسلوبه أو طريقته الذي واجه بها طريقة عقدة أوديب يوم 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

كان طفلاً، ولمّا كان تكيّفه ضعيفاً لمثل هذه الحالة فإنّ استعادة هذه الطريقة والأسلوب لا يجديان نفعاً في حلّ المشكلة الراهنة وإعانته على التغلب عليها. فإذا كان ردّ فعله الطفلي لمشكلة أوديب هو تجنب الوضعية الواقعية في اللجوء إلى حياة الوهم يوم كان طفلاً، والخيال وأحلام اليقظة فإنّ هذا الشخص الراشد عند مواجهته مشكلة يستعصي حلّها في حياة الرشد فيلتجئ إلى الأسلوب الوهمي وأحلام اليقظة؛ لتجنب الوضعية الواقعية.

إنّ هذا النوع من التكيّف هو تكيّفٌ ضعيف فاشل فيما يخصّ وضعيته الراهنة -كما يرى يونگ- فإذا حدث أن انحلت مشكلته بنفسها من دون أن يبذل في ذلك جهداً كبيراً فإنّ سلوكه الطفلي ينقطع ويزول أحياناً، وعصابه يختفي باختفاء سببه. واستعمل (يونگ) طريقة الترابط الحرّ وتحليل الحلم؛ لاستكشاف المشكلة الراهنة عند المريض وفي هذا الصدد يقول يونگ ما نصّه:

أبعد العائق أو أزل المعرقل من طريق حياة هذا المريض؛ وبذلك تزول كلّ هذه المنظومة من الأوهام والأخيلة الطفلية حالاً، وتصبح مرّة ثانية غير فعّالة ولا نافذة المفعول كما كانت قبل ظهور المشكلة، ولكن هذا يجب ألاّ ينسينا بأن هذه الأوهام الطفلية موجودة تعمل عملها إلى حدّ ما وتفعل مفعولها مؤثّرة فينا دائماً وأينما كنّا“.

يقول يونگ: وعليه فإنّني لا أرى أنّ سبب العصاب موجود في الماضي كما يعتقد فرويد وعليه فإنّي أسأل المريض ما هو واجبه الضروري الذي لم يستطع إنجازه بالقيام به.

ــــــــــ[362]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

اللبيدو عند يونگ:

يونگ قد كرّس جزءاً من وقته لمعالجة اللبيدو واستعمله بصور أوسع وأعمّ مما ينطوي عليه هذا المفهوم عند (فرويد)، كما نزعه من خاصّيته الجنسية المميّزة له في نظر (فرويد)؛ ذلك أن اللبيدو في نظر (يونگ) يشتمل على كلّ من لبيدو (فرويد) وإرادة القوة (لادلر)، أيّ ينطوي على كلّ الدوافع.

وعليه فاللبيدو عند يونگ مرادف لمفهوم الفيلسوف (شوبنهاور) الألماني، وهو مفهوم (إرادة الحياة) كما أنّه مرادف لمفهوم العالِم الفرنسي (بكسن) المسمّى (بالعامّ الحيوي)، وذلك؛ لأنّ يونگ كان يعني باللبيدو: مجموعة الطاقة الحيوية عند الفرد، تلك الطاقة التي تجد منافذها في أساليب وضروب مختلفة، لعلّ من أهمها منفذ النموّ الإنساني، وجميع ضروب النشاط والفعاليّات الأخرى التي يقدّمها الإنسان منفرداً مجتمعاً.

إنّ أولى منافذ هذه الطاقة الحيوية عند الطفل هي: التغذية والنموّ وهي مصدر اللذاذات للطفل التي ليست بلذاذات جنسيّة وحسب كما يدّعي (فرويد)؛ ذلك أنّ الدافع الجنسيّ عند الطفل لم يكن قد انبعث ونما كما يرى (يونگ)، وميّز من مجموع الحافز للحياة.

 ومن هنا يتبيّن أن (يونگ) قد أوضح رأيه بخصوص مفهوم (فرويد) الذي تقدّم وهو مفهوم الجنسية الطفلية وهنا يقول يونگ ما نصّه:

“إنَّ التحليل الفرويدي الدقيق هو: تحليل جنسي فقط قائم على العقيدة التي فحواها أنّ علاقة الأم بالطفل هي علاقة جنسية بالضرورة”.

 ــــــــــ[363]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

إنَّ فرويد -كما يقول يونگ- يؤكّد من أنّ هذه العلاقة لا تنطوي على الجنسيّة الفاحشة أيّ: أنّها لا تنطوي على ابتغاء الاتصال، بل إنّما تعني الجنسيّة (النفسيّة) وهو -كما يرى يونگ- تمطيط أو مدّ غير علمي وغير مبرّر من الناحية المنطقية، يعني: أنّه ميل جنسي نحو الأّم. إنَّ الميل الارتدادي عند الطفل ينكر أنّ يُسمّى أو يُشخّص على أنه شوق جنسي ملِحّ للاتصال بالأمّ ولكن من الناحية التشبيهية أو الشكلية فقط.

هذا ما يذهب إليه الفرويديون بعد تشديد النكير عليهم بخصوص عدم أخلاقية مذهبهم أنَّ الطفل أو الولد يتعلق بأمّه جنسياً.

ثُمّ يقول (يونگ) إنّ كلمة (incest) وهي تعني المحارم أيّ العلاقات الجنسيّة المحرّمة من قبيل ما ذكر في القرآن: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ(1). مع العلم أنَّ لكلّ دين ومجتمع محارم معيّنة تختلف عن بعضها، وعبارة (incest) واردة في نصّ عبارة (فرويد) وأتباعه بخصوص ميل الولد إلى أمّه وهو ميل ينطوي على علاقة جنسية محرّمة أيّ (incest). فردّ (يونگ) على (فرويد) بأنّ كلمة (incest) تعني معنى خاصّاً معيناً، وليس هناك مجال لتأويلها بأنّها ميل نفسي فقط من دون أن يكون له مرمى جنسي بدني هو اتصال فعلي بين الولد وبين الأمّ.

يضاف إلى ذلك -كما يرى يونگ- أنّ استعمال هذا المفهوم لمشاكل الطفل، ومصاعبه هو أسوأ من الخطأ. أمّا (فرويد) في هذا النقد عليه من قبل (يونگ) 

ــــــــــ[364]ــــــــــ

(1) النساء: 23.

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وأتباعه فقد أصّر على أن اللبيدو هو جنسي حتى في عهد الطفولة، لكن (يونگ) ينكر أن يكون اللبيدو جنسياً في عهد الطفولة، بل إنّما هو دافع عام للحياة والجنس لا يزال غير بيّن، ولا هو واضح بالمعنى الأخصّ من بين هذه الدوافع للحياة.

 فإذا كانت محاولة (يونگ) لتخليص اللبيدو من الجنس نوعاً من الإجهاز على مذهب التحليل النفسي؛ ذلك أنّ مثل هذا المسعى معناها نبذ الفوائد التي أنجزها فرويد في علم نفس الجنس، وفي ذلك خروج على ما يستلزمه التحليل النفسي.

لقد رأينا فيما مرّ بأن دراسة فرويد للظاهرة النرجسيّة أو عشق الذات دفعته لأن يمزج بين اللبيدو وبين الغرائز الأُخرى التي أسماها غرائز الحياة، مسمّياً نتاج المزج (ايروس) أيّ غريزة الحب أو الحياة. وهذه الغريزة لا تختلف من حيث الأساس جوهرياً عن لبيدو (يونگ) ما عدا أنّ (فرويد) قد اختار غريزة الموت، أو الميل إلى الهدم أو التخريب؛ لأنّه القطب المضاد في غيرة الحب والحياة.

الاستقطاب عند يونگ:

أمّا يونك فلم يقبل ولم يقرّ غريزة الموت أو الهدم، إلاّ أنّه كان مقتنعاً بضرورة افتراض قوى متضادّة لا لغرض تفسير ضروب الصراع وسوء التكيف الذي يحدث عند بعض الأفراد، بل لغرض تفسير التركيب والنموّ السوي عند الإنسان.

ــــــــــ[265]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

وعلى كلّ حال فإن نظرية يونگ المعقدة تحتاج إلى عدّة استقطابات التي هي مستوردة من علم الفيزياء الكهربائية أو المغناطيسية بصورة خاصّة، ومعناها أنّ هناك قطبين سالب وموجب فإذا تأيّن الماء أيّ تكهرب فإنّ الجزئيات السالبة تذهب إلى القطب الموجب وبالعكس. فإنّ غريزة فرويد فيها استقطاب وفيها قطبان غريزة الموت السالب وغريزة الحياة الموجب المقابل له.

وأمّا نظرية (يونگ) فإنّها تتميّز عن نظرية (فرويد بأنّ فيها استقطابات لا قطبين فحسب. ومن أشهر هذه الاستقطابات (الانبساط) و(الانطواء)؛ ذلك أنَّ (يونگ) رأى أنَّ من الحكمة التمييز بين نموذجين من الأفراد الانطوائيين: وهم: (الذين تكون اولاعهم موجّهة إلى أنفسهم، ويكون انتباههم مركّزاً حول أنفسهم). الانبساطيون (وهم الذين تكون اولاعهم موجّهة إلى أمور في المحيط، ويكون انتباههم مركّزاً حول المحيط، سواء كان المحيط اجتماعياً أو طبيعياً. أيّ: إنّ الانبساطيين ميسّرون للتعامل مع محيطهم الخارجي، والانطوائيين موجّهون للتعامل مع الأفكار والمشاعر.

ولذا يرى (يونگ) أنّ الانبساطيين يجدون قيم الحياة في الأشياء، وفي الأشخاص بصورة خاصّة، وينظرون سلوكهم على هذا المنوال، في حين أنَّ الانطوائيين يجدون القيّم ويرونها في الأفكار والمشاعر والمثل العليا وما شاكل.

 وبعبارة أُخرى أنّ اللبيدو عند الانبساطي موجّه إلى الخارج وعند الانطوائي موجّه إلى الداخل والباطن. وقد سمّي الانطوائي انطوائياً على ما يشتمل عليه هو من مشاعر وأحاسيس وأفكار، ثُمّ إنّ كلاً من الانطوائي 

ــــــــــ[366]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

والانبساطي يختلف فقد يكون انطوائياً 80% والآخر 90%، وكذلك الانبساطي على نحو النموذج المثالي.

والخلاصة فإنّ يونگ يرى بأن الأفراد يختلفون باتجاه ميولهم واولاعهم، ونشاطهم وفعاليّاتهم حسب انطوائهم وانبساطهم. كما أنهم يختلفون في نوعية النشاط العقلي الذي يكون أميل إليه.

وعلى هذا الأساس فإنّ (يونك) قد ميّز بين أربع ضروب أساسية وهي:

  1. التفكير.
  2. الإدراك الحسّي.
  3. الافتطار أو الحدس الفطري.
  4. الشعور.

وإنّا نرى أنَّ التفكير والشعور هما قطبان متضادّان، فالإنسان على رأي (يونگ) طالما هو يفكر بواسطة مفاهيم منطقية فهو لا يقيّم الأشياء على أساس حبّه لها، أو تعلقه بها، أو كرهه، لها أو تسرّه أو لا تسرّه؛ ولذا يرى (يونگ) بأن هذا النوع من الناس؛ لأنّهم مفكّرون ينشعبون إلى شعب: فهناك نوع من المفكّرين يسميهم (المفكر الانبساطي) وهو: في جانب القطب الأيمن من الاستقطاب الأوّل مع القطب الايمن من الاستقطاب الثاني، لتكوين استقطاب آخر أكثر تعقيداً من الاستقطابين، وهذا المفكر الانبساطي يعالج الأشياء الخارجية معالجة منطقية.

 في حين أن هناك نوعاً آخر من الناس هو الانبساطي الشاعر؛ لأنه يوجد 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

شاعر انبساطي ومفكّر انبساطي والشاعر الانبساطي ينهمك إلى الرغبة في الأشياء الخارجية أو الرغبة عنها.

أمّا ما يتصل بالفعالية الثانية: وهو الإدراك الحسّي، وفي الثالثة وهو الحدس فهما يعتبران أيضاً قطبان متناقضان وذلك؛ لأن الإدراك الحسّي يكون متوجّهاً ويتركّز فيه الانتباه بالتفاصيل، في حين أنّ الحدس يكون موجّهاً أو منتبهاً إلى الآثار العامّة، أو إلى الكلّيات أو الهيئات أو الگشتالت.

إنّ (يونگ) يرى أنَّ هذه الأنواع الأربعة تصبح ثمانية وذلك(1)؛ لأنه كما قلنا يوجد شاعر انبساطي، ومفكر انبساطي، وكذلك ينقسم الانطوائي وكذلك القسمين الآخرين فيحصل على ثمانية نماذج أساسية من الأفراد، علاوة على النماذج المتوسطة الأُخرى التي هو يعترف بها أيضاً؛ لأن هذه النماذج يكون بينها نماذج معيّنة أُخرى ثانوية؛ على اعتبار أنّ الناس لا ينشعبون إلى أصناف معيّنة بينها فواصل، بل إنّما يمثلون بأنواعهم المختلفة امتداد على طول المدى؛ وذلك بربط الظروف والأنواع الأربعة من الفعاليّة العقليّة بالاتجاه الانبساطي للولع والاتجاه الانطوائي.

استقطاب الشعور واللا شعور

ثُمّ إنَّ (يونگ) لم يقتصر على هذه الاستقطابات، بل أشار إلى استقطاب آخر في زعمه هو: أعظم من كلّ ما مرّ من الاستقطابات ويُسمّى قطبية الشعور واللاشعور؛ ذلك أنّ (يونك) يستخدم مفهوم اللاشعور أكثر ممّا يستعمله 

ــــــــــ[368]ــــــــــ

() على أسس النموذج الثاني. (المحاضر). (المقرِّر).

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

(فرويد)، حيث إنّ يونك يرى إنَّ اللاشعور يحتوي على طبقات بعضها أعظم من بعض، وإنّ أقلّ هذه الطبقات عمقاً هو (اللا شعور الشخصي) الذي يتكون جزئياً مما كان الفرد قد كبته. وفي هذا المنحى يحذو (يونك) حذو (فرويد)، ولكن (يونك) يرى إنَّ هذه الطبقة من اللاشعور تتضمن الأمور التي كانت قد نُسيّت وتلك كانت قد تعلّمت لا شعورياً من قبيل المهارات وما شاكل.

إنَّ الطبقة التي هي أعمق من طبقة اللاشعور تُسمّى اللاشعور (الريسّي) أو اللاشعور الجمعي، وهو الأساس المشترك للإنسانية جمعاء؛ لأن كلّ فرد إنّما يكون ويتسمّى لا شعوره الشخصي ويكون أيضاً لا شعوره في الحياة على أساس من اللاشعور الريسّي أو النوعي أو الجمعي أعني للنوع الإنساني.

إنّ هذا اللاشعور الجمعي هو موروث متحدّر لنّا من أجدادنا البدائيين ومن القرون السحيقة في القِدم، فهو إذن موروث في بنية الكائن الحي الذي نسميه الإنسان وبضمنه (بُنية الدماغ الفطرية) تلك البُنية التي تتحكم في جعل الفرد يفكر ويعمل، كما كانت الأجيال الإنسانية تفكر وتعمل منذ ما لا يُحصّى من آلاف أو ملايين السنين.

إنّ هذا اللاشعور الجمعي الموروث بينما يشتمل على رأي (يونك) على اللاشعور الشخصي، وعلى الغرائز وهي: التي عبّر عنها (فرويد) بـ(الهو) كذلك يتضمّن على شيء آخر ما يسمّيه (يونك) (بالنماذج الأصليّة). 

والغرائز في نظر (يونك): هي الطرائق البدائية في العمل، وأمّا النماذج الأصليّة فهي الأساليب أو الطرائق البدائية في التفكير.

ــــــــــ[369]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فاللاشعور الجمعي إذن يحتوي على نوعين من الأساليب:

  1. أساليب بدائية في العمل.
  2. وأساليب بدائية في التفكير وهي النماذج الأصلية.

ولا بُدّ من أنّ نعرف بأنّ هذين القسمين من الأساليب هما ليسا منفصلين عن بعضهما ما دام التفكير والعمل متلازمين مترادفين وخاصّة في المستوى البدائي.

إذ النموذج الأصلي الاساسي الذي تقدّم يصبح فكرة عندما يرتفع إلى مستوى الشعور أو يصبح مشعوراً به، ولكنّه عندما يكون في اللاشعور الجمعي فهو أشبه بفرضية كامنة أو صامتة، من قبيل الاعتقاد عند بعض البدائيين
-مثلاً- بأن السحر وما هو من قبيله يؤثر بالرغم من البعد عمّن يُسحّر ضدّه.

هذا، ومع أنّ هذه النماذج الأصليّة تكون كامنة أثناء حياة اليقظة للراشد وخاصّة المتمدن، إلاّ أنّ هذه النماذج الأولية تندرس وتظهر في الأحلام وفي أخيلة وأوهام الأطفال، والمجانين، والخرافات والقصص عن الجنّ وما شاكل، تلك الخرافات والقصص التي تحدّرت إلينا من القرون الخالية والتي لا تزال تروق لطبيعتنا الباطنية رَوَقاناً غامضاً.

إنَّ الفرد من الناحية السايكولوجية إذن -على رأي يونگ وفرويد أيضاً وإن اختلفا في تفسير هذا التكوين- هو مكوّن في الشعور واللاشعور معاً. وهذان الجانبان مكملان لبعضهما البعض فما لا يكونه الفرد شعورياً يكنّه لا شعورياً. فإذا كان الفرد -مثلاً- شعورياً انبساطياً فهو انطوائي لا شعوري أيّ 

ــــــــــ[370]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أنه انطوائي من الناحية اللاشعورية، وإذا كان الفرد من النوع أو النموذج المفكّر شعورياً فهو من النوع أو النموذج الشاعر لا شعورياً.

 ثُمّ يؤكّد (يونگ) أنَّ كلّ القابليات والاولاع الممكنة التي تنمى من قبل الفرد ولم تُستعمل أو تُستغل في حياته الشعورية تبقى ميولاً كامنة في اللاشعور.

وعليه فإنّ (يونگ) يرى أنَّ النجاح والتوفيق في الحياة العمليّة يستلزم الاختصاص، وهذا يؤدّي بدوّره إلى النمّو في جانب واحد، وهو جانب الاختصاص دون بقية الجوانب، ولا بأس في ذلك في النصف الأوّل من الحياة، ولكنّه مستهجن في النصف الثاني منها: يعني أنّ الاختصاص يتمّ في سن الأربعين ويستهجن إذا بدأ بعد ذلك، حيث إنّ مثل هذا النمّو في جانب واحد من الفرد قد يجعل الفرد فريسة للشعور بالكبت؛ نتيجة إحساسه بهذا النمو الأعور -ذو عقل أعور ينظر إلى الأمور من جانب واحد-؛ لأنّه نمّو تافه حيث يجعل الفرد يشعر بفراغ نفسي ويجد نفسه توّاقاً بنوع طريقة غامضة إلى ما هو أعمق من ذلك كلّه وأعمّ.

إنّ نظريّته وما كان يقوم به كان أغلبه حول هؤلاء الأشخاص الذين يمرّون في النصف الثاني من الحياة؛ ولذا رأيناه يسعى لتحفيز اللاشعور وتنمية بعض إمكانياته الكامنة، ودمجها في الحياة الشعوريّة وما شاكل؛ ليحقق نموّ كلّ جوانب شخصية الفرد.

وعليه يجب على رأي (يونگ) البدء في اللاشعور الشخصي كما يفعل المحلّلون النفسيون. ومن ثُمّ يتقدّم الباحث تدريجياً نحو اللاشعور الجمعي؛ 

ــــــــــ[371]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

ولذا يجب أن يساعد الباحثُ المريض؛ لأن يدرك أظلم جانب من جوانب نفسه وأعمقها، التي تشتمل على الميول التي أُهملت وعُزلت عمّا يسمى (بالمثال الأعلى للذات عند يونگ).

إنّ هذه المهّمة التي يجب أن يقوم بها المعالج النفسي ليست ميسورة؛ لأن الباحث يجب عليه أن يساعد الرجل، لأن يدرك جانب الأنوثة الأزليّة في نفسه ويساعد المرأة؛ لأن تدرك جانب الرجولة الأزلية في نفسها. وهذا هو طبعاً استقطاب آخر، وذلك أن الرجولة لا تكون رجولة في الرجل بل توجد إلى جانبها الأنوثة وكذلك المرأة بصورة عكسية.

وعليه فإن من يعالج هؤلاء الناس يجب أن يدرك وأن يعترف بالغريزة الدينية العميقة المتغلّغلة التي هي أعمق من غريزة البحث عن اللذة، وهذا يكون تحديّاً لـ(فرويد)؛ لأن أهم ما عنده هو السعي وراء اللذة الجنسيّة؛ لأنّ (يونگ) يرى أنّ أقوى غريزة هي الغريزة الدينيّة، والتي يراها أيضاً أقوى وأعمق من الرغبة في القوة التي يجعلها (ادلر) أساساً لمذهبه فيكون بهذا متحديّاً لـ(ادلر) أيضاً.

كما أنّ على الباحث أن لا يملي على المريض معتقداته اللاهوتيّة، بل عليه أن يقود المريض ويعرّفه على لا شعوره الجمعي أيّ: على ما نُبذ فيه وأٌهمل وُدفع من مهارات متعلَّمة لا شعورياً، ومن ميول كبتت فيه، وعلى المحلّل أيضاً أن يساعد المريض على الاطلاع على لا شعوره الجمعي، بحيث إنّ هذه القيادة تؤدّي إلى الشعور بالوحدة مع الإنسانيّة جمعاء؛ لأن المريض إذا تعرّف على لا شعوره الجمعي، فإنّ معناه: تعرّف على ما يربطه بالناس الآخرين؛ لأن اللاشعور 

ــــــــــ[372]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الجمعي هو: عبارة عن: (ميراث مشترك بين كلّ أفراد النوع البشري من ناحية وهو أعمّ جزء في اللاشعور)، ولكنّ الناس يختلفون في لا شعورهم الجمعي من ناحية ما يُغفل في هذا اللاشعور مما يُتعلَّم ومما يُكبَت لا شعورياً، وكذلك نتيجة هذا التحليل يجعل الفرد شاعراً بوحدته مع الكون كلّه. وعلى المحلل في رأي (يونگ) أن لا يقلق وأن لا يضطرب فيما إذا انتهى مريضه إلى وجهة نظر غامضة؛ ما دامت حياته قد أصبحت ذات معنى له وذات أهمية ومغزى.

لقد شجّع (يونگ)؛ لأن ينغمروا في الخرافات، وأن يعبّروا عن لا شعورهم تعبيراً حراً في فعاليات فنّية معيّنة، وكان هذا التشجيع في نظره جزء من طريقته في العلاج، وهذا يختلف فيه عن (فرويد). 

كما أنَّ (يونك) استغل الأحلام واستخدمها على أنها ليست دلائل على العُقد النفسيّة المقلقة المزعجة التي خُلقت من الماضي وحسب، بل أنها أيضاً حوافز اللاشعور البقائية (كذا) المتطلّعة إلى المستقبل.

ولقد قام مرّة بمقارنة تفسيره هو لحلم مع ما يجب أن يكون عليه تفسير (فرويد)؛ لذلك الحلم نفسه فكان لذلك سبباً مهيّجاً لكن السبب المباشر للإصابة بالعصاب هو أنّ هذا الشاب عنده مشكلة وهو غير قادر على التصميم المباشر للعصاب يعني: أنّ هذا الشاب أُصيب بالعصاب؛ لأنه كان في طفولته معرضاً لعقدة أوديب على تفسير يونك.

ولقد كان الحلم كما يلي: (لقد كنت أصعد على السلّم ترافقني أمّي وأختي فعندما بلغنا أعلى السلم كنت أتوقع أن تلد أُختي حالاً).

ــــــــــ[373]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

فتفسيره عند الفرويديين: هو أنّ الصعود على السلّم رمز للسلوك الجنسي، والأم والأُخت هما الهدفان المعتادان للرغبات الجنسيّة الطفليّة. وفسّره (ادلر) بسهولة أسلوب الحياة المفتقِّر وذلك؛ لأن هذا الذي رأى نفسه يصعد السلّم لم يكن وحده بل كانت أمّه وأُخته معه عند الصعود، فإن وجودهما معه (كذا)، إذن هو مفتقر إلى مساعدتهما في الحياة، أيّ: إنه لا يمكن أن يُدرَج في الحياة ويحقق أهدافه بمفرده.

وفسّره يونگ بتفاسيره المقننة سبقاً وسلفاً؛ ولذا فقد التجأ إلى الحصول على التداعي الحرّ لهذا المريض، ذلك التداعي الذي يومي إليه الحلم نفسه، فالأمّ في الحلم عند (يونگ) تدل على إهمال الواجبات؛ لأن المريض قد أهمل واغفل أمّه منذ زمن طويل، وأمّا أخته في الحلم فهي تدل على أنّ هذا المريض يحب امرأة حباً خالصاً -عذرياً-.

وأمّا الصعود على السلّم فإنّه يشير إلى محاولة المريض؛ لأن يحقّق التوفيق والنجاح في حياته، وأمّا الطفل المنتظَر من الحمل فإنّه يشير إلى بعث أو إعادة حياة المريض نفسه.

هذا هو النموذج الأصلي الذي أشرت إليه من أن يكون جزءاً من اللاشعور الجمعي. وهكذا ينتهي (يونگ) بأنّ هذا الحلم يكشف عن قوى وعن طاقات لا شعوريّة تدور حول المشكلة الراهنة التي تواجه هنا الشخص. هذا ملخص ما يتصل بمذهب (يونگ).

ــــــــــ[374]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي





الفصل الخامس والعشرون

المدرسة الفرويديّة الجديدة

 

  • كاردينار وأريخ فروم

ــــــــــ[375]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي








الفصل الخامس والعشرون                                                               المدرسة الفرويديّة الجديدة

 

أنتقل الآن إلى مجموعة من الباحثين الذين يتبعّون فرويد جزئياً ولكنّهم ينتقدونه بنواحٍ أُخرى، وينهجون منهاجاً جديداً في التفسير وفي التحليل النفسي، وهذه المجموعة من الباحثين تسمى: (المدرسة الفرويديّة الجديدة) عند علماء النفس وعلماء النفس الاجتماعي.

وينبغي أن نعرف من أين بدأ هؤلاء الفرويديون المحدّثون فنقول:

إنّ نظريّة فرويد كما سبق بدأت قبل نهاية القرن التاسع عشر وبقيت مسيطرة على الأذهان، ولا تزال كذلك حتّى نهاية العقد الرابع من هذا القرن،ولكن منذ منتصف القرن الرابع بدأت نظريّة (فرويد) يضعف نفوذها في ميادين التحليل المختلفة حيث سبق، ومنهم أتباع (فرويد) يشذّ قليلاً عن الاتجاه الذي رسمه (فرويد) وخاصّة في طرائقه التي ارتآها للتحليل النفسي.

ومن هنا رأينا هؤلاء الأواخر من الباحثين يشذّون فيما ابتدعوه ممّا سمّاه (بالعلاج العاجل القصير) الذي أكّد عليه (يونك) كذلك.

العلاج الذي يتعلّق بـ(عُقدة أوديب) وفيما يخص غريزة الموت -مثلاً- 

ــــــــــ[377]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

هذه الفئة من المحلّلين يرون أن التمسّك عرفياً بما ذهب إليه (فرويد) لم يعد أمراً ضرورياً في موضوع التحليل النفسي. 

ومنهم من يرغبون في تمييز نظريّته عن نظريات فرويد وبين أساليبهم وطرائقهم العلاجية أو التحليلية وبين التي وصفها فرويد، ومنهم من يحاول أن ينفرد باسم جديد يميزه عن التقاليد الفرويديّة المتعارفة. وعلى كلّ، إنّ من هؤلاء الجدد من يؤكّد على أنّ موضوع التحليل النفسي يجب أن يعتبر موضوعاً أو علماً من العلوم الاجتماعيّة، وليس فرعاً من العلوم البايولوجية -علوم الحياة-، وعلى هذا الأساس يرى هؤلاء إنَّ موضوع التحليل النفسي يجب أن يسعى للكشف عن مصدر الدوافع البشرية في مطاليب ومستلزمان الوضعيّة الإنسانية التي يوجد فيها الإنسان ويحلّل فيها تحليلاً نفسياً، وهي وضعية اجتماعيّة. وعلى الباحث أن يتتبّع هذه الدوافع الإنسانيّة فيجد جذورها في هذه الوضعية بالذات، ولا يرجعها إلى الغرائز الموروثة كغريزة حبّ الذات والغريزة الجنسية والدينية وغيرها.

وبدلاً من أن يعتبر علم التحليل النفسي نمّو الطفل العاطفي والإنفعالي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بنموه الجسمي البطيء، وبنضجه الجنسي المتأخّر. فيجب أن يركّز علم التحليل النفسي انتّباهه حول المؤثرات والعوامل التي تؤثّر في الطفل، وتصله من -كذا- العائلة والمدرسة والمجتمع والحضارة التي يعيش فيها.

ولمّا كانت المدرسة أو الحضارة تختلف باختلاف الأقطار والأزمان، كان من المتوقّع أن تحدث فروقاً وتغيّرات ملازمة في نموّ الطفل، وتحدث أيضاً 

ــــــــــ[378]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

تغيّرات ملازمة في الدوافع الإنسانيّة، وفي ضروب الفشل والخيبة وسوء التكيّف في الحياة العاطفية الانفعاليّة.

يرى هؤلاء أنّ ما توصّل إليه (فرويد) من ملاحظاته في (ڤيّنا) حول سنة 1912 ليس من الضروري أن يصدُق على أقوام أُخرى وفي أوقات أُخرى. فقد تكون الرغبة الجنسيّة قد خيّبت في ذلك الوقت في (ڤيّنا) بالذات؛ مما جعل آراء (فرويد) منطبقة على الواقع موفقة في تفسيرها الواقع المحدود. ولكن اليوم يطغى الميل للتجاوز والاعتداء بين الناس، وتعمّ الحاجّة إلى الطمأنينة والأمن. وعلى هذا فإنّ الزمن يتغيّر وبتغيره تتغيّر ضروب العصاب الذي يتعرض له الناس وتتغير أسبابه.

ــــــــــ[379]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







كاردينار وأريخ فروم

 

إنّ الدور الذي تلعبه الحضارة في مثل هذا الصدد كان قد عرض من قبل أقطاب المدرسة الفرويديّة الجديدة وهم: (كاردينار واريخ فروم).

وقد استغل (كاردينار) الدراسات الانثربولوجيّة لتتبع آثار المؤسسات الاجتماعيّة التي يعيش فيها الإنسان، زاعماً أنّ كل مجموعة من المؤسسات في مجتمعٍ مّا هي التي تلعب الدور الرئيسي في تنميّة شخصيّات الأفراد الذين يعيشون في تلك الحضارة، ويتعرّضون لتأثير تلك المؤسسات التي من أهمها العائلة، التي أكّد عليها (كاردينار) في صياغة شخصيّة الفرد. ويعتقد أنَّ في كل مجتمع وفي كل حضارة توجد شخصيّة أساسيّة يشترك فيها كلّ أفراد ذلك المجتمع، وهذه الشخصيّة تتميّز بها كلّ حضارة عن بقية الحضارات الأُخرى بواسطة طريقة التحليل النفسي.

أمّا ارخ فروم: المحلّل النفسيّ فإنّه قد انشق على مذهب التحليل النفسيّ الذي التزمه (فرويد) وهذا الانشقاق يُعرف من نصّه، حيث يقول (فروم): “إنّنا نعتقد بأن الإنسان من حيث الأساس هو كائن اجتماعي” ويقابله عند (فرويد) بأنّه كائن بايولوجي. وبعبارة أُخرى أنَّ الإنسان على زعم (فرويد) يتميّز بالاكتفاء الذاتي وهو لا يحتاج إلى الآخرين إلاّ من الناحية الجنسيّة، وفي 

ــــــــــ[380]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

زعم (فروم) أنَّ الإنسان كائن اجتماعي، وهو يحتاج إلى الآخرين في جميع النواحي ويعيش معهم ويتأثّر بهم ويؤثّر فيهم.

إنّ ما يذهب إليه من الاعتقاد بخصوص الأشخاص الذين يتميزون بنشاطهم الجنسي الكمّي والتبرّزي ليس من حيث الأساس مرجعه كما يدّعيه فرويد من التثبت في مثل هذه المستويات من النحو الجنسي، بل إنَّ هذه الخصائص هي نتاج طريقة التي يعامل بها الطفل من قبل الوالدين، أو هي نتاج موقف الآخرين تجاه الطفل في مراحل نموّه المختلفة.

فموقف الاعتماد على الآخرين مثلاً الذي يتميّز بكونه فنّياً على تعبير فرويد، فالمرحلة الفنّية التي تمثّل رضاع الطفل بعد الولادة من أمّه، يرى (ارخ فروم): بأن هذه المرحلة تمثّل اعتماد الطفل في أهمّ حالاته الأساسيّة على إنسان آخر وهو الأمّ في هذا المثال، فإذا استمر هذا الطفل في هذه المرحلة معناه أنّه غلّغل فيه موقف هو: (موقف الاعتماد على الآخرين) في إشباع هذه الحاجة الأساسية وربما مدّته هذا الاعتماد إلى مناطق وميادين أُخرى، أو موقف (الاكتفاء الذاتي) الذي يتميّز به الفرد في المرحلة التبرزيّة فإنّ هذين الموقفين إنّما يتكّونان عند الطفل نتيجة خبرته مع المحيط الاجتماعي ككل، وليس كما يدّعي (فرويد) إنّما يكوّن مثل هذه المواقف والسجايا نتيجة الإطعام والتبرّز، وإن كانت مثل هذه القضايا الطفلية العامّة تلعب دورها بالتأكيد في نمو الطفل وتؤثّر فيه.

والحاصل: أنَّ تأكيد (فرويد) يرجع إليها في السببيّة الفسلجيّة البايولوجيّة، 

ــــــــــ[381]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أمّا (فروم) فهو يؤكّد على عملية التفاعل الاجتماعي من حيث أنّها هي التي تغلّغل مثل هذه السجايا والمواقف، فتثبت بعض سجايا الفرد ممّا يتخذه (فرويد) دلائل على صحّة نظريتّه ورأيه على صحّة التثبّت؛ لأنه يعتقد إنَّ الإنسان لم يكن عنده قدرة إلى أن يتكيّف إلى مستلزمات مرحلة أُخرى، ولذا يفضل أن يبقى في مرحلته منفصلاً؛ لانهماكه في هذه الأساليب التي اعتادها.

في حين أنّ (فروم) له تفسير آخر وهو أنّ هذه المواقف إنّما تكتسب من المحيط بواسطة ضرورة التفاعل المختلفة حيث تتغلّغل في الفرد معينة تصبح مركّزة فيه فتبيّن وتعين خصائصه السلوكية.

وعليه فإنّ الفرق بين نظريّة فرويد وفروم هو: أنّ فرويد يؤكّد على الناحية الفسلجيّة البايولوجيّة وفروم يؤكّد على المحيط الاجتماعي.

ــــــــــ[382]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي







الفهرس

 

[الفصل الأوّل: ماهيّة علم النفس الاجتماعي] 17

[موضوع علم النفس الاجتماعي وعلاقته بالعلوم الأُخرى] 17

[مجال علم النفس الاجتماعي] 18

الفصل الثاني: تاريخ علم النفس الاجتماعي 23

النموّ الجماعي 23

تمهيد تاريخي عن علم النفس الاجتماعي 23

الفرد والمجتمع 24

نموّ المفاهيم الاجتماعية 25

  1. الشعب 25
  2. التطور الاجتماعي 26
  3. التقليد 26
  4. سلوك الجماهير 27
  5. المؤسّسات الاجتماعية 28
  6. الإيحاء 29
  7. العقل الجمعي 30

ــــــــــ[383]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 [التمثلات الجمعية] 31

الفصل الثالث: تطوّر النظريّات السلوكيّة 35

  1. المستويات النفسيّة 35
  2. السلوك الغريزي 37
  3. المدرسة الوظيفية 39

مدرسة وظيفيّة أُخرى 40

  1. نظريّة العادة 41
  2. نظرية [(جورج هربرت ميد)] 43

الفصل الرابع: الرابطة بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس، وتميّز المعالجات الاجتماعية والنفسية والسايكولوجية 47

العمليات الاجتماعية 48

الأدوار الاجتماعية 48

النفس الإجتماعية 49

الفصل الخامس: بلورة مفاهيم علم النفس الاجتماعي 53

الأفعال المنعكسة 54

الفوراق بين علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي 56

1- التعلّم 56

2- الفوراق الفردية 57

3- الدوافع الفسلجية 58

ــــــــــ[384]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الدوافع عند جون ديوي 59

الفصل السادس: بروز مجال الدراسات الاجتماعية 63

دراسة الحال: توماس وزنانيكي 64

دراسة كليفورد شو 66

الدراسات الاجتماعية لعلم النفس 67

دراسات التحليل النفسي 69

دراسات (كورت ليفن) 72

أ. دراسة نظرية المجال 72

ب. دراسة الجزء في الكلِّ 72

ج. دراسة الموضوعي والذاتي 73

دراسة العوامل 75

الفصل السابع: طرائق البحث 79

تمهيد 79

تنوّع طرائق البحث 80

مسببات تنوّع طرائق البحث 81

طرق دراسات التفاعل الاجتماعي 81

  1. التحضّر 81
  2. المنافسة والتكيّف الاجتماعي 81
  3. التمثّل الاجتماعي 82

ــــــــــ[385]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

  1. طرق دراسة الاتّجاهات الاجتماعية 83

أقسام طرق البحث 85

  1. طريقة الاستبطان 86

نقد طريقة الاستبطان: 87

طريقة التعاطف في الاستبطان(كولي) 89

طريقة التفاعل العقلي (ماكس فيبر) 89

  1. طريقة الملاحظات غير المضبوطة 92

نقد طريقة الملاحظات غير المضبوطة 93

  1. طريقة الملاحظات المضبوطة أو المنظمة 95

الملاحظة بالمشاركة: 96

نماذج الملاحظة المنظمة 97

أ. انموذج دراسة النموّ 98

ب. انموذج دراسة الحال 99

  1. طريقة التجريب 100

دراسات في طريقة التجريب 101

الدعاية والرأي العامّ 102

أُسلوب التأثير 104

معنى جماعة الضبط 104

مشكلات التجريب 105

ــــــــــ[386]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

نقاط قوة طريقة التجريب 106

عيوب طريقة التجربة 107

نقد العيوب 111

خصائص طريقة التجريب 112

موازين التجريب 113

أبرز دراسات طريقة التجريب 114

خلاصة الأخذ بالتجربة 115

العالِم (زميل) وطريقته التجريبية 116

التعميم في طرق البحث 118

مؤثرات التعميم 119

دراسات في المؤثرات التعميميّة 121

دراسة (ديڤز) 122

دراسة (كنزي) 122

تكوين عمليات التعميم 123

الفصل الثامن: البحوث تكشف آثار الطبيعة الإنسانيّة في المجتمع 127

الفرد والشخصيّة 127

التفاعل بين الوراثة والمحيط 129

أمثلة وراثية 129

أمثلة محيطيّة 130

ــــــــــ[387]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

أهميّة معرفة الوراثي والبيئي 132

معنى الوراثة 133

معنى المحيط 134

الوراثة السويّة والمحيط السوي 135

الفصل التاسع: جدلية الوراثة والمحيط 139

مثال وراثي 140

مثال محيطي 141

مثال وراثي محيطي (روبرت وود ورث) 142

دراسة متغيرات الوراثة التربية 144

دراسة التوائم المتماثلة 144

دراسة (ليهي) 145

دراسات أُخرى 146

نقاط الضعف في هذه الدراسات 147

دراسات شجرة العائلة 147

دراسة (كالتون) 148

دراسات مدرسة التحليل النفسي 148

  1. (فرويد) 148
  2. (زوربو) 149

الدراسات الشمولية (كارل ماركس) 150

ــــــــــ[388]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الدراسات الخاضعة للتجربة 151

الفصل العاشر: آثار الوراثة 155

  1. التباين الوراثي 155
  2. الأمراض العقلية والفسلجية 157

اختبارت الذكاء 158

أنواع الاختبارات 158

نقد اختبارات الذكاء 159

الذكاء العام والتأثير الوراثي 160

الفصل الحادي عشر: أثر الوراثة والمحيط في الوجوه الأُخرى من الشخصيّة 165

النموّ، والنضج، والتدريب 165

دراسة (ارنولد جيزيل) 165

دراسة (دنس) 165

دراسة (ماك كرو) 166

الفصل الثاني عشر: هفوات التعميم في موضوع الوراثة والمحيط 171

دراسة التعميم (كار ميكل) 172

دراسة التخصيص (سارجنت) 173

دراسات ناجحة 174

نتيجة الدراسات 175

الفصل الثالث عشر: النضج والتدريب وأثرهما في النموّ العاطفي 181

ــــــــــ[389]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الفصل الرابع عشر: الذكاء وتأثير المحيط 187

ما هو الذكاء وكيف يؤثّر فيه المحيط 187

تعريف الذكاء 187

التعريف الموثوق 188

اختبارات الذكاء ونقدها 189

المقارنة: اختبارات الذكاء واختبارات الإنجاز 191

الفصل الخامس عشر: الشخصيّة 195

مفهوم الشخصيّة 195

الكلية و الجزئية 197

مكوّنات الشخصيّة 199

دراسة الشخصيّة 200

دراسة (ستاگنر) 200

دراسة (سارجنت) 201

  1. الطبع 202

معنى الطبع 202

دراسة (البرت) 203

الخلاصة في معنى الطبع 203

  1. الخصائص الشخصيّة personality traits 205

معنى الخصائص 205

ــــــــــ[390]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

الفروق بين الخصائص الشخصيّة وبين الطبع 206

دراسة (ماكنين) 207

دراسات عياديّة 208

  1. الموافق 209

الموقف العامّ والخاصّ 210

الطبع و المواقف 210

تكوين المواقف 212

دراسة ثبوت وجوه الشخصيّة 214

دراسة (كروك) 214

رأي (ستاكنر) في دراسة (كرو) 215

دراسة هولزنكر وفرمين، ونيومن، وراثة ومحيطية الشخصيّة 216

أسباب الغموض في مفهوم الشخصيّة: 217

الفصل السادس عشر: الحضارة والشخصيّة 223

ما هي الحضارة 225

خلاف في ترجمة (حضارة) 225

التراث الاجتماعي 227

دراسات الحضارة ومتى بدأت 229

الفصل السابع عشر: الحضارة في الشعوب البدائية 233

دراسات (مارگريت ميد) 233

ــــــــــ[391]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

  1. جزر ساموا الأمريكيّة 233
  2. مجتمع المانوس Manos 236
  3. مجتمعات الارابش، المندكومر، الجامبولي 238

أ. مجتمع الآرابش Arapesh 238

ب. مجتمع المندكَومر MUNDUGUMAR 239

ج. مجتمع الجامبولي Tchambuli 239

مقارنة 240

استنتاج 241

  1. مجتمعات أُخرى درستها ميد 241

الكواكويتل، الباذونكا، إلاوجبوا 242

دراسات (روث بندﮔـت) 243

أ. مجتمع الزوني 244

ب. مجتمع الدّبوا Dabua 245

ج. مجتمع الكوكتيول Kwakiutl 246

الفصل الثامن عشر: مذاهب علم النفس الاجتماعي 251

المذهب المادّي 251

ما هي هذه النظريّة الماديّة 251

فلسفة هيجل وأثرها في تنوّع العلوم 253

علوم الشعب 253

ــــــــــ[392]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

المجتمع والبايلوجيا 254

الإجرام والغدد الصمّ 255

الشخصيّة والفسلجة 255

الفصل التاسع عشر: تطور النظريّة الاجتماعيّة 259

دوركايم، التمثلات الجمعيّة 259

مكدوكل، العقل الجمعي 261

علم نفس التربوي والأنثروبولوجي 261

علم نفس القصدي 262

آثار المدرسة البايلوجيّة 264

الخصائص الشخصيّة 264

علم النفس الفارق أو النوعي 265

نظريّات العوامل 266

المذهب السلوكي 267

الفصل العشرون: نظريّات علم النفس 271

تشعب المدارس 271

المدرسة الحضاريّة 271

التعلّم 272

الجبر الحضاري 273

العملية 273

ــــــــــ[394]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

المدرسة الغريزية 274

المدرسة السلوكيّة 275

المدرسة الرمزيّة 275

مدرسة الكشتالت 276

مدرسة التحليل النفسي 277

مدرسة علم الإنسان 277

المدرسة الاجتماعيّة لعلم النفس 278

الفصل الحادي والعشرون: الإطار التاريخي للمذهب الفرويدي، أُسسه وخصائصه، ومذهب التحليل النفسي 281

من هو فرويد هذا 281

مراحل تطور مدرسة فرويد 283

التحول 283

اللاشعور 283

الكبت 284

التداعي الحر 284

النقل 285

المقاومة 286

مذهب السعادة واللذّة والألم 287

أُسس المدرسة الفرويديّة في التحليل النفسي  (نظرية الكبت) 288

ــــــــــ[394]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

معنى الكبت 288

نتائج نظريّة الكبت 289

  1. الأحلام 289
  2. النظريّة الجنسية الطفليّة 291

الخطوط الرئيسية لمذهب فرويد 292

الخطّ الأوّل: الشعور واللاشعور 292

الخط الثاني: الدافع الجنسي 293

(يونك) و (ادلر) من اللبيدو 294

معنى الجنس 295

مراحل الجنس عند الإنسان 296

عقدة أوديب 296

عقدة الكترا 296

المرحلة الفمية 297

مرحلة الركود 297

التثبّت 298

النكوص 299

قمع الدوافع وآثاره عند فرويد 299

  1. الهفوات 299
  2. أحلام اليقظة 300

ــــــــــ[395]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

محوريّة الرغبات 301

التبرير 302

الأُصول الفلسفيّة والمعرفية لمدرسة فرويد 303

خصائص المدرسة الفرويدية 304

الهفوات والأمراض العصبية 304

العادات وتمركز السلوك 305

الأعراض 305

اللوبيدو وحياة الانسان 306

حبّ الاستطلاع 307

الأعمال الفنيّة 307

الخرافات 308

المحّرمات 308

النفس عند فرويد 309

[الأنا، الهو، الأنا الأعلى] 309

(الهو) واللاشعور 309

(الأنا) 310

وجهات فرويد الداروينة 310

أ-الوظيفية 310

ب. اللاعقلية 311

ــــــــــ[396]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

 (الأنا) والنرجسيّة 312

(الأنا الأعلى) 313

(الأنا الأعلى) وعقدة أوديب 314

(الأنا الأعلى) والأخلاق: 314

الفصل الثاني والعشرون: [نقد مدرسة فرويد – وتأثير نظريته – وتوضيح بعض مفاهيمها – وتلخيص آراءه ] 319

نقد مدرسة فرويد 319

التأكيد (فرويد) المفرط على الدافع الجنسي 322

نظرية(فرويد) الجنسية عند الطفولة 324

نقد التداعي الحرّ في نظرية (فرويد) 325

نقد الكبت في نظرية فرويد 326

تأثير نظرية (فرويد) في علم النفس 328

توضيح بعض المفاهيم الرئيسية في نظرية فرويد 330

  1. اللبيدو 330
  2. مضامين مذهب التحليل النفسي 331

من خصائص (مذهب التحليل النفسي) 331

بحوث حديثة في علم النفس الاجتماعي وعلم الإنسان تؤكد أهمية نظرية فرويد ومذهب التحليل النفسي: 333

تلخيص آراء فرويد الرئيسية في كتابه (الموجز في التحليل النفسي) 335

ــــــــــ[397]ــــــــــ

محاضرات كلية الفقه، علم النفس الاجتماعي

سؤال يتّصل ببعض مضامين نظرية فرويد 343

الفصل الثالث والعشرون: مدرسة علم نفس الفرد لادلر 347

نقد مدرسة ادلر 355

الفصل الرابع والعشرون: (يونگ) والتحليل النفسي 359

ملخص تاريخ مذهب (يونگ) 359

معالم مدرسة (يونگ) 361

اللبيدو 361

اللبيدو عند يونگ 363

استقطاب الشعور واللا شعور 368

الفصل الخامس والعشرون: المدرسة الفرويديّة الجديدة 377

كاردينار وأريخ فروم 380

الفهرس 383