24 ,189
ص44الصدر، محمد.
محاضرات كلية الفقه – خلاصة الحكمة الإلهية/ محمد الصدر.-ط.1-النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر،2024.
(72ص.) ؛ 17×24سم.
1.الإلهيات- فلسفة إسلامية – دراسات- أ. العنوان.
رقم الإيداع
1748/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1748) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
8-99-699-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات كلية الفقه
خلاصة الحكمة الإلهية
تأليف
الشيخ محمد رضا المظفر
ضبط وكتابة
المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمد الصدر
النجف الأشرف- العراق
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
محاضرات كلية الفقه
خلاصة الحكمة الإلهية
الباب الأول: مباحث الوجود ويحتوي على:
ــــــــــ[11]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
ــــــــــ[12]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
الفلسفة(1)
أن لكلمة الوجود إطلاقين واستعمالين:
1- أن يطلق ويراد به الوجود بالحمل الأولي أي مفهومه.
2- أن يطلق ويراد به الوجود بالحمل الشايع، أي حقيقته ومصداقه وهو الظاهر بنفسه المظهر لغيره.
والأول: معنى انتزاعي اعتباري وهو مفهوم كلي ولكنه بالنسبة إلى مصاديقه عرض عام، فيصدق عليها صدقاً عرضياً كمفهوم الشيء الذي هو عرض عام بالنسبة إلى جميع الأشياء، وليس هذا المفهوم من حقيقة الوجود أي أنه ليس وجوداً، بل مفهوم له الوجود وذلك عند تصوره في الذهن فلا يكون إلا عنواناً للوجود الحقيقي ومرآة له.
ــــــــــ[13]ــــــــــ
() ملك محمد الصدر، الجمهورية العراقية – النجف الأشرف.
Mohammad AL Sadr – Najaf- Iraq – Republic of Iraq.
نفس نفسي حضرت لنفسي بنفسها (علماً حضورياً، ويستحيل الغفلة). (المقرِّر)..
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
وشأنه في ذلك شأن مفهوم العدم بالنسبة إلى ما هو بالحمل الشايع عدم، فإن مفهوم العدم ليس بعدم، وكذا مفهوم الحرف ليس بحرف ومفهوم الجزئي ليس بجزئي ومفهوم الممتنع ليس بممتنع.
فجميع هذه العناوين ليست النسبة بينها وبين معنوناتها ومصاديقها نسبة الكلي إلى أفراده بل نسبة العنوان إلى معنونه، يعني أن العنوان ليس من حقيقة المعنون، بل يصح سلب العنوان عنه.
وفرق كبير بين الكلي وأفراده، وبين العنوان ومعنونه، فإن الكلي بالنسبة إلى أفراده لا يصح فيه سلب حقيقته عنه، فإن مفهوم الإنسان يصدق عليه أنه حيوان ناطق كما يصدق على زيد فعلاً أنه حيوان ناطق، ولكن لا يصدق على مفهوم الحرف أنه لا يخبر عنه، كيف وقد أخبر عنه أنه لا يخبر عنه.
وبعبارة أوضح: أن بعض الأمور لها صورة في العقل حاكية عنها، تكون الصورة نفس طبيعة ذي الصورة من جهة صدق تعريف واحد عليهما والصورة هي المفهوم وذي الصورة هو المصداق، فإذا علمت بالصورة فقد حصل لك العلم بكُنه تلك الطبيعة لذي الصورة.
وبعض الأمور ليس لها صورة في العقل كالعدم والوجود والحرف والجزئي والممتنع ونحوها، بل العقل لأجل التوصّل للتعبير عنها والتعرف على أحكامها يجعل ويخلق بحسب ما أوتي من قوة متصرفة بعض المفهومات التي يخترعها من نفسه لتكون صورة وعنواناً لتلك الأمور للحكاية عنها، بعد أن كان لا يمكنه أن يحصل لها صورة في الذهن لطبيعتها وعدم إمكان تحصيلها إما
ــــــــــ[14]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
لفرط تحصّلها كالوجود، وإما لفرط بطلانها كالعدم والممتنع والمعنى الحرفي فيلتجئ إلى اختراع صورة وعنواناً يكون كالمرآة في حكايتها عن ذي الصورة مع أن المرآة ليست في طبيعة ذي الصورة في شيء.
ولعدم وضوح الفرق بين المفهوم والمصداق للوجود وللاختلاط الذهني بينهما لم يحصل لكثير من الناس التفرقة بين أحكام مفهوم الوجود وأحكام حقيقة الوجود فوقعت جملة من الشكوك في مباحث الوجود.
وسر الاختلاط في الذهن ؛ أن مفهوم الوجود -حين الحكم على حقيقة الوجود بحكم- يؤخذ وجهاً وعنواناً وحاكياً عن الوجود الحقيقي وآلة للحاظه فهو أي مفهوم الوجود والحال هذه عند الحكاية ليس بشيء ولا ملحوظاً بالذات بل صرف مرآة لملاحظة حقيقة الوجود، ولأجل هذا كان ذلك مصححاً للحكم على الوجود الحقيقي فيختلط على الذهن بين المرآة و الصورة المحكية بها فيتخيل أن الحكم الذي أُعطي للمحكي قد كان للحاكي وكذلك العكس.
وعلى الطالب أن يتدبر جيداً الفرق بينهما لينكشف له كثير من الأبحاث التي وقع فيها النزاع ولعله يستطيع أن يوقع التصالح بين المتنازعين برفع المغالطة الذهنية.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
إن الوجود بأي اعتبار أُخذ لا يصح تعريفه بل يمتنع سواء أُريد مفهومه أو حقيقته.
فإنه من أعرف الأشياء بل كل الأشياء إنّما تعرف به لأنه معنى مرتكز في الذهن ومرتسم فيه ارتساماً أولياً فطرياً، فإذا قصد إظهار هذا المعنى بالكلام فيكون ذلك تنبيهاً للذهن وإخطاراً بالبال وتعييناً له بالإشارة من بين سائر المرتكزات، لا إفادته بأشياء هي أشهر منه وأعرف، فيكون تعريفه على هذا ليس إلا تعريفاً لفظياً.
فأنه لا يمكن تعريفه لأنه يستحيل أخذ صورة ذهنية منه تكون كُنهه؛ لأنه كل ما كانت حقيقته أنه في الأعيان يمتنع أن يكون في الأذهان؛ وإلا لزم انقلاب(1) حقيقته منه في ذهن من الأذهان . فكل ما يرتسم من الوجود في النفس فهو ليس حقيقة الوجود، بل هو وجه من وجوهه وعنوان من عناوينه وهو ذلك المفهوم المنتزع.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
() الحقيقة عما كانت بحسب نفسها، فالموجود اذن يمتنع أن تحصل. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
نعم، يمكن العلم بالوجود علماً حضورياً كعلم النفس بذاتها وأفعالها ولكن هذا العلم ليس من نوع العلم المقصود بالتعريف فإن معنى تعريف الشيء هو تحصيل صورة منه عند العقل وهو العلم الحصولي، وقد ذكرنا الفرق بين العلمين الحصولي والحضوري في التعليقة على أقسام العلم في مدخل المنطق الجزء الأول فراجع.
ولابد أن تأتي المناسبة لشرحها.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
إن العلم الضروري حاصل لكل أحد بأن المفهوم من لفظ الوجود معنى واحد في جميع ما يُحمل عليه من المصاديق فهو أي مفهوم الوجود مشترك بين تلك المصاديق اشتراكاً معنوياً.
ومن زعم أن الوجود غير مشترك وأن لكل موجود مفهوماً خاصاً يباين مفهوم الوجود في الموجود الآخر فقد كذّب نفسه بنفسه وقد قال باشتراكه وهو لا يشعر من حيث يظن أنه قائل بعدم اشتراكه لأنه حينما يقول بأن الوجود غير مشترك فما هو هذا المعنى الذي حكم عليه أنه غير مشترك أنه لابد قد تصور مفهوماً جامعاً أي مشتركاً وحكم عليه أنه غير مشترك فناقض نفسه ولا يتأتى له أن يتصور مفهومات لا نهاية لها لكل موجود، وباعتبار كل واحد منها يحكم عليه أنه مشترك أو غير مشترك.
والحاصل أن اشتراك مفهوم الوجود أمر بديهي يكاد أن يكون في بداهته قريباً من بداهة نفس مفهوم الوجود، وقد أكل الدهر وشرب على أولئك القائلين بعدم اشتراكه فنحن في غنىً عن الاستدلال على اشتراكه.
ولعل القائلين بعدم اشتراك الوجود غرضهم تباين الوجودات الخاصة التي هي وجودات بالحمل الشايع، لا أن لكل موجود مفهوماً منتزعاً يباين
ــــــــــ[18]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
المفهوم المنتزع من الآخر ولكن ضاق بهم التعبير فأوهم كلامهم ذلك للخلط الذي يحصل بين ما هو وجود بالحمل الأولي، وبين ما هو وجود بالحمل الشايع أي بين العنوان والمعنونات بحدودها الخاصة.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
من الأمور التي وقع فيها الخلاف في الأداء أو الخلاف الحقيقي أن الوجود زائد على الماهية عارض عليها أو أن الوجود عين الماهية.
ونحن إذا فرقنا جيداً بين مفهوم الوجود وحقيقته فإنا نستطيع أن نوفق بين القولين ونوقع التصالح بين المتنازعين فإن من قال (بزيادة الوجود على الماهية) أراد مفهوم الوجود فإن العقل يحلل كل ممكن إلى شيئين ماهية ووجود، أي أن كل ممكن موجود معناه أنه شيء ثبت له الوجود، ولذا قالوا أن كل ممكن زوج تركيبي فيكون الوجود زائداً على الماهية تعقلاً ومعنى، وأما من قال (بأن الوجود عين الماهية) فلا أظنه يزعم (أنه) عينها تصوراً ومعنى وإن المعقول من الماهية نفس المعقول من الوجود فإن هذا لا ينبغي أن يتوهمه عاقل، بل المراد أن حقيقة كل شيء موجود هو نحو وجوده الخاص فالوجود تحققاً نفس الماهية فهما متحدان هوية اتحاداً حقيقياً من باب اتحاد اللااقتضاء مع الاقتضاء كالاتحاد بين الجنس والفصل، واللااقتضاء من جانب الماهية إذ أنها من حيث هي ليست إلا هي لا تقتضي وجوداً ولا عدماً، وإنما الوجود بالوجود ومعنى وجودها بالوجود ثبوتها وتحققها لا ثبوت شيء لها، وبهذا يقع التصالح بين الطرفين
ــــــــــ[20]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
وكلا القولين صحيحٌ فإن الوجود زائد عارض على الماهية تصوراً ومعنى ولكنه عينها تحققاً وخارجاً ولذا قال الحكيم السبزواري في منظومته:
إن الوجود عارض الماهية | تصوراً واتحادا هوية |
وعليه فليس معنى زيادة الوجود على الماهية وعروضه عليها أنهما متبائنان بحسب الحقيقة؛ كيف وحقيقة كل شيء كما قلنا هو نحو وجوده الخاص أنه ليس معنى ذلك أيضاً أن الوجود عرض قائم بالماهية قيام الأعراض لموضوعاتها حتى يلزم أن يكون للماهية سوى وجودها الخاص وجود آخر قبله فيتسلسل إلى غير النهاية.
بل معنى زيادة الوجود على الماهية أن الوجود الإمكاني لقصوره وفقره مشتمل على معنى آخر غير حقيقة الوجود منتزعاً منه منبعثاً عن إمكانه وقصوره، وهذا المعنى الآخر هو الذي نسميه بالماهية فيكون المعقول من الوجود غير المعقول من الماهية ويكون الوجود في التصور عارضاً على الماهية محمولاً عليها حينما نقول مثلاً: الإنسان موجود، الشجر موجود، الماء موجود، وهكذا. ولكن هذا الحمل إذا لوحظ باعتبار الذهن فإن معناه ثبوت شيء لشيء الذي هو مفاد كان الناقصة وإذا لوحظ باعتبار الهوية والخارج، فإن معناه ثبوت الشيء الذي هو مفاد كان التامة وسيأتي ما يوضح كيفية هذا الحمل بالاعتبارين.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
من المسائل الفلسفية التي يتميز البحث عنها عند المتأخرين من فلاسفة الدورة الإسلامية مسألة أن الأصل في التحقيق هو الوجود أو الماهية.
وليس في عبارات المتقدّمين ما يشير إلى أنهم قد عنوا بالبحث عن هذه المسألة حتى مثل الفارابي والشيخ الرئيس وإن كانت عباراتهم لا تُعدِم ما يشير إلى اختيار أحد القولين لاسيما القول بأصالة الوجود في عبارات الشيخ الرئيس، وتلامذته والرأي السائد إلى ما قبل المولى صدر المتألهين كان على أصالة الماهية حتى أنه نفسه كان يذهب إلى هذا الرأي في أول نشأته الفلسفية تبعاً لأستاذه الحكيم السيد الداماد، وهو فيما نعلم أول باحث أوضح رأي أصالة الوجود وبرهن عليه ولاحق هذا الرأي في فلسفته وبنى عليه كثيراً من آرائه العلمية في المسائل العويصة المشكلة، والمهم لنا أولاً أن نفهم ماذا يعنون من تأصل الوجود أو الماهية فنقول:
إنهم يعنون من ذلك أن المتحقق حقيقة في الأعيان والمشار إليه بكلمة هنا، والذي له الأثر والتأثير والتأثّر ما هو؟ هل هو الوجود أو الماهية؟ فالذي هو المتحقق المشار إليه وصاحب الأثر هو الأصل والآخر يكون أمراً انتزاعياً اعتبارياً ينسب إليه التحقق والأثر والتأثير والتأثر بالتبع وثانياً وبالعرض.
ــــــــــ[22]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
وبعبارة ثانية أدق: إن مفهوم الوجود وكذا مفهوم ما هو ماهية كمفهوم الإنسان مثلاً مفهومان انتزاعيان ولكنهما منتزعان من شيء واحد في العين وهوية متحققة واحدة شخصية، وكل واحد منهما يكون حاكياً عن تلك الهوية ويشار به إليها وهذا لا خلاف فيه.
وإنما الخلاف في أن هذه الهوية العينية الواحدة ماذا تحاذي من هذين المفهومين ويكون حاكياً عنها أولاً وبالذات على وجه يكون حاكياً عنها بلا حيثية أخرى، ولا قيد ويكون المفهوم الآخر ليس ما يحاذيه ويحكي عنه إلا بحيثية المفهوم الأول وقيده فيكون هذا المفهوم الآخر إنّما يحكي عن الهوية العينية بتبع الأول وثانياً وبالعرض.
فقائل يقول: إن المفهوم الأول هو الوجود فيكون هو الأصل وقائل يقول: إن المفهوم الأول هو الماهية فتكون هي الأصل.
وبعبارة ثالثة أخصر: إن الهوية العينية يصح التعبير عنها بالموجود ولا شك في ذلك ولكن عمَّ يحكي مفهوم الموجود أولاً وبالذات وما هو الأحق والأول والأصل في صدق الموجود عليه هل هو الوجود أو الماهية؟ وبأيهما كان فإن الآخر إنّما يكون موجوداً بالتبع وثانياً وبالعرض.
وبهذه التقريرات في بيان وتوجيه النزاع أصبح واضحاً لديك معنى الأصالة المقصودة كما يصبح واضحاً لديك أن يعمل أصل الوجود أو الماهية.
فإن الوجود إذا قيل له إنه موجود فإنه بنفسه موجود لا يحتاج في انتزاع مفهوم موجود عنه إلى قيد آخر وحيثية أخرى فإن ذاته بذاته أحق بصدق الموجود وأولى فهو الأصل وغيره هو الفرع.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
فإن الإنسان مثلاً إنّما يُحمل عليه أنه موجود لاتصافه بالوجود أي لأنه شيء ثبت له الوجود، أما الوجود فهو موجود بذاته بلا حاجة إلى ضم وجود آخر إليه فليس هو شيئاً ثبت له الوجود، وهذا نظير البياض مثلاً ومعروضة الجسم فإن الجسم أبيض ولكن لا لذاته، بل لضم البياض إليه. أما البياض فهو أبيض وأحق أن يقال له أبيض لأنه أبيض بذاته بلا حاجة إلى ضم بياض آخر إليه.
فالهوية العينية إنّما تحاذي كلمة الوجود والوجود حاكياً عنها أولاً وبالذات وليست الماهية بحاكية عنها إلا بالتبع لأنها اتصفت بالوجود أي لأنها صارت هوية عينية.
وعليه فالمتحقق والمتأصل والمشار إليه وصاحب الأثر والتأثر هو الوجود، والماهية كالإنسان إنّما تتحقق ويشار إليها وتكون صاحبة أثر بالوجود.
والحاصل أن الوجود نفس ثبوت الماهية الذي هو مفاد كان التامة لا ثبوت شيء للماهية، فلا ثبوت للماهية مع قطع النظر عن الوجود فكيف تكون هي المتأصلة والوجود يكون فرعاً عنها، بل إنّما تستحق اسم الوجود وكانت هوية عينية بالوجود فهو الأصل وهي منه تُنتزَع وإلا فالماهية من حيث هي ليست إلا هي لا موجودة ولا معدومة.
إنّا لا ننكر أن مفهوم الوجود أمر انتزاعي اعتباري وإنما المتأصل هو المصداق والمعنون أي ما هو وجود بالحمل الشايع ولكن القائلين بأصالة الماهية
ــــــــــ[24]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
غلب عليهم الوهم فلم يستطيعوا التفرقة بين مفهوم الوجود ومصداقه ولا بين عنوانه ومعنونه ولم يحسنوا أن يتصوروا أن الوجود هو الموجود فلذلك تشبثوا للقول بأصالة الماهية ونفي تحقق الوجود بما هو مشهور عنهم وهو قولهم: (أن الوجود لو كان حاصلاً في الأعيان فهو موجود لأن الحصول هو الوجود وكل موجود له وجود فلوجوده وجود إلى غير النهاية).
والجواب يعلم مما تقدم فإن الوجود موجود وكونه وجود هو بعينه كونه موجود وهو موجودية الشيء في الأعيان لا أن له وجوداً آخر حتى يتسلسل إلى غير النهاية، بل هو الموجود من حيث هو موجود، بلا حيثية أخرى ولا قيد آخر غير نفس ذاته فالموجود منتزع من نفس مقام الوجود فالوجود موجود بنفسه وهو أحق بالوجود والتحقق مما يكون تحققه بالوجود وهو الماهية واعتبر في التقدم والتأخر في الزمان والزمانيات فإن الزمانيات وهي التي يكون الزمان ظرفاً لها فإن الزمانيات متقدمة بعضها على بعض بالزمان. أما نفس الزمان فإن أجزاءه متقدمة بعضها على بعض بنفسها وهي أحق بوصف التقدم والتأخر من الزمانيات التي يكون تقدمها وتأخرها بالزمان ولا يلزم من تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالزمان أن يكون لها زمان آخر فيتسلسل.
والحاصل: إن الوجود أمر عيني بذاته ولا يهمنا أن يصح في اللغة أو لا يصح إطلاق الموجود عليه، فإن الموجودية منتزعة من نفس ذاته سواء صح إطلاق لفظ المشتق عليه بحسب اللغة أم لا، فإنا نعني من مفهوم الموجود شيئاً واحداً وهو ما ثبت له الوجود سواء كان من باب ثبوت الشيء لنفسه الذي
ــــــــــ[25]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
يرجع إلى انتزاع هذا المفهوم من نفس ذاته لا بإضافة حيثية أخرى، أم كان من باب ثبوت الشيء لغيره الذي يرجع إلى انتزاع هذا المفهوم من إضافة حيثية أخرى إلى الموضوع فيكون محمولاً بالضميمة.
ولو فُرض أن اللغة لا تساعد على ذلك فلا مشاحة في الاصطلاح فإن المطلوب هنا معرفة الحقائق على ما هي عليها في نفس الأمر، على أن الحق أن اللغة العربية لا تأبى ذلك وإن كان بادي الرأي في المشتق أنه مركب وينحل إلى شيء ثبت له المبدأ ولكن الصحيح أن المشتق بسيط كما حُقق في علم الأصول.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
إن من الأمور التي ترتسم في الذهن ارتساماً أولياً فطرياً مفهوم العدم المقابل للوجود البديل له، فإن نقيض كل شيء رفعه ونقيض الوجود رفعه وهو العدم، وبداهة ذلك كبداهة الوجود نفسه.
فإذا أُخذ الوجود مطلقاً فنقيضه البديل له هو العدم مطلقاً، وإذا أُخذ الوجود مقيداً كوجود زيد وعمرو فنقيضه البديل له هو عدم هذا المقيد. وحينئذٍ يكون بحسب تعدد ما أُضيف إليه العدم أعداماً متعددة فعدم زيد غير عدم عمرو، وعدم عمرو غير عدم بكر، وعدم العلة غير عدم المعلول … وهكذا يمكن فرض أعدام متمايزة متعددة إلى ما شاء الله تعالى، فهل تمايز هذه الأعدام يدل على أن للعدم مفهومات متعددة وأن للأعدام المتمايزة شيئاً من التحقق والثبوت في الخارج يعني أن المعدوم شيء من الأشياء؟
والحق في الجواب عن هذا السؤال أن نقول: إنّ العدم ليس له إلا مفهوم واحد وإن المعدوم ليس بشيء فإن من الأمور البديهية أن مفهوم العدم في نفسه ليس إلا أمراً بسيطاً ساذجاً متحد المعنى ليس فيه اختلاف وامتياز وتحصل. والامتياز إنّما يحصل له من جهة ما أُضيف إليه وليس في الواقع ولا في الأوهام أعدام متمايزة في ذواتها ولذا قيل في القول المعروف (لا ميّز في الأعدام) نعم،
ــــــــــ[27]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
العقل يتصور أشياء متمايزة في ذواتها أو في عوارضها كالعلة والمعلول والشرط والمشروط، ويضف إليها مفهوم العدم فيحصل عنده عدم العلة مثلاً متميزاً عن عدم المعلول؛ فيقال: عدم المعلول مستند إلى عدم العلة. ويحصل عنده عدم الشرط متميزاً عن عدم المشروط فيقال: عدم المشروط مستند إلى عدم شرطه. وأما مع قطع النظر عن ذلك فلا يتميز عدم عن عدم ولا معدوم عن معدوم فيكون التمايز بين الأعدام تمايزاً عرضياً يُنسب إلى العدم ثانياً وبالعرض والى ما أضيف إليه أولاً وبالذات، فإن الوهم لمّا يجد أن زيداً متميزاً عن عمرو فيغلط ويقول عدم أحدهما غير عدم الآخر، فإذا ألغيت الإضافة إلى تلك الأشياء تُلغى تلك الحصص وينتزع العقل المفهوم العام الجامع.
وبهذا يتضح أن المعدوم ليس بشيء إذ لا ثبوت له ولا تحقق وليس في نفس الأمر شيء هو عدم، فالعدم بما هو عدم بالحمل الشايع لا يكون معقولاً ولا يكون موجوداً وإنما يكون الثبوت والتحقق لمفهومه في الذهن إذ الذهن من شأنه أن يخترع المفهوم لما يريد التعبير عنه ليكون عنواناً وكاشفاً عما يفرض له من مصداق.
فهذا الثبوت إنّما هو ثبوت ذهني للمفهوم الذي يخترعه الذهن من دون أن يكون حاكياً عن حقيقة من الحقائق ومفهوم العدم بما هو مفهوم العدم ليس بعدم كما سبق أن قلنا: أن مفهوم الوجود ليس بوجود.
فوِزان العدم بالحمل الشايع وِزان الوجود بالحمل الشايع من جهة أن كلاً منهما يستحيل أن يكون معقولاً وموجوداً في الذهن. غاية الأمر أن العدم إنّما لا يكون معقولاً لفرط بطلانه والوجود لا يكون معقولاً لفرط تحصّله.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
من المباحث التي تتعلق بمسائل الوجود والعدم مبحث (إعادة المعدوم) وقد أخذ هذا البحث من أفكار المتكلمين مأخذاً عظيماً لأنهم ظنوا أن العقيدة بالمعاد الجسماني لا تتم إلَّا إذا قلنا بإمكان إعادة المعدوم فدافعوا عن هذا القول دفاعاً حاراً جازمين أن القول بالاستحالة يساوق الكفر والمروق عن الدين.
وعليه فيجب أن ننظر إلى المسألة من ناحيتين: من ناحية ارتباطها بعقيدة المعاد الجسماني ومن ناحية النظرة الفلسفية الخالصة.
أما من الناحية الأولى فالحق أنه لا ارتباط بين الرأيين أي أن صحة المعاد الجسماني لا تتوقف على القول بإعادة المعدوم كما ظنوا لأن الجسم بالموت إنّما تتفرق أوصاله وتنحل أجزاؤه ويصير رميماً فلا تنعدم أجزاءه الأصلية وهي ذراته بل تبقى سابحة في الكون المادي. ومعاده هو جمعها مرة ثانية بعد تفريقها وبعثها حيّة سوية. وليس هذا من إعادة المعدوم في شيء بل هو جمع المتفرق وتأليف المنحل وإحياء العظام وهي رميم، فالمعاد الجسماني إذن ليس من إعادة المعدوم حتى نحتاج إلى تصحيح الإعادة للمعدوم.
وأما من الناحية الفلسفية الخالصة فينبغي أن يكون من الواضح البديهي امتناع إعادة المعدوم إذا أريد به إعادة شخص ذلك الموجود أولاً كما هو
ــــــــــ[29]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
المقصود في المعاد لأنه قد تقدم منّا أن وجود الشيء عين هويته الشخصية فقوام تشخّص الشيء بوجوده بل الوجود عين التشخّص فالوجود الثاني بعد العدم وجود شخص ثانٍ لا عين الأول فيكون مثله لا نفسه وإلا لكان الواحد اثنين والاثنين واحداً، وهذا خُلف محال. ولو فرض بقاء ذات الموجود بعد عدمه ليكون الوجود الثاني طارئاً على ذات ذلك المعدوم لكان هذا الفرض مساوقاً لفرض أن المعدوم بالحمل الشايع له ذات ثابتة، وقد سبق أن أقمنا الدليل على أن المعدوم ليس بشيء وليس له أية ذات وأي ثبوت.
والخلاصة أن تشخّص كل شيء إنّما هو بوجوده الخاص فالوجود الثاني بعد العدم شخص ثانٍ مباين للأول في تشخّصه ولو فُرض أنه كان مشابهاً له من جميع الجهات فلا يكون إلا مثلاً له من جميع الجهات لا عيناً له (عينه)(1).
ــــــــــ[30]ــــــــــ
() انتهت السنة الأولى. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
أصبحت من أدق المباحث الفلسفية مسألة الوجود الذهني والنزاع وقع فيها من جهة ثبوته وعدمه؛ إذ أثبته عامة الفلاسفة ونفاه جماعة من الباحثين وليس في هذا البحث فائدة تعود لنا بالنفع فيما نحن بصدده إلا الفائدة العلمية البحتة. ولكن لابد لنا من الاطلاع على مقصدهم (على الأقل) في هذا البحث لنعرف ماذا يقصدون من التعبير بالوجود الذهني لاسيما إذا مر علينا هذا التعبير في أصول الفقه.
والذي يبدو لأول وهلة أن نفيه من أسخف الآراء فيعجب الإنسان كيف يتسنى لأحد أن ينكره أو لا يعترف به فنقول لهذا النافي: هل تنكر تصورات الإنسان واعتقاداته وعلومه وتخيلاته وأوهامه وأحاديث نفسه؟
وهل تنكر أن هذه أمور تحدث للإنسان بعد أن لم تكن؟
أفليس هذا هو الوجود، وهل الوجود شيء وراء هذا وهو المقابل للعدم البديل له.
لاشك أنه لو كان مراد النافين للوجود الذهني هذا المعنى لكان قولاً سخيفاً جداً ولكنّهم قطعاً لا يقصدون ذلك.
إذن ماذا يقصدون من نفي الوجود الذهني؟
ــــــــــ[31]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
أنهم يُنكرون أن يكون للماهية تحقق ووجود لدى الذهن في مقابل الوجود الخارجي للماهية، بل يقولون أن التصور ليس إلا إضافة بين الذهن وبين الشيء المتصور، فالوجود الذهني عندهم ليس إلا وجود هذه الإضافة لا أنه هناك شيء يتحقق لدى الذهن.
وعلى قولهم ينتزع من هذه الإضافة علم ومعلوم وعاقل ومعقول وحاس ومحسوس وهكذا، وهي بذلك نظير الإضافة الوضعية بين الشيئين التي ينتزع منها أمام وخلف وفوق أو تحت أو مُستقِبل ومستدبر وهكذا.
أما الحكماء المُثبتون للوجود الذهني فيعنون من ذلك أن للماهيات سوى هذا النحو من الوجود الظاهر والظهور العيني الخارجي نحواً آخر من الوجود وظهوراً ثانياً لدى الذهن وسمّوه بالوجود الذهني باعتبار أن محلّ ظهوره وأُفق تحققه هو الذهن، وهو هذا الذي يحصل للإنسان من التصور والتخيل والتوهم والتعقل في مداركه الذهنية ومشاعره الحسية، وقد يسمونه بالظهور الظلي والوجود النوري.
وبنص العبارة نقول إنهم يعنون من قولهم هذا أن للماهية الواحدة بذاتها وذاتياتها وبنفسها طورين ونحوين من الوجود، فهذه الماهية الواحدة محفوظة في الوجودين فكما أن لها وجوداً مستقلاً في خارج الذهن على وجه يكون الخارج ظرفاً لوجودها ويكون الأمر الخارجي مصداقاً لها كذلك لها وجود مستقل قائم لدى الذهن على وجه يكون الذهن ظرفاً لوجودها ويكون الأمر الذهني مصداقاً لها.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
والمنكرون للوجود الذهني القائلون بأنه محض الإضافة يُبطل قولَهم تصورُ المعدومات لأن الإضافة – أية إضافة فرضتها- تستدعي وجود طرفين لها والمعدوم لا وجود له حسب الفرض، فما هو الطرف الثاني للذهن يكون مضافاً إليه التصور لينتزع منه أنه معلوم ومتصور ومعقول.
وهذا لا يرد على القائلين بثبوت الوجود الذهني فإنهم يقولون في العلم بالمعدومات إن ماهية المعدوم تتحقق بنفسها لدى الذهن فتكون موجوداً ذهنياً وإن لم يكن لها وجود خارجي ولا يجب في الموجود الذهني أن يكون موجوداً خارجياً.
وأمتن الأدلة على الوجود الذهني صحة الحكم الإيجابي على المعدومات التي لا وجود لها في الخارج مثل قولهم: (اجتماع النقيضين مغاير لاجتماع الضدين) ولا شك في أن الموجبة تستدعي وجود موضوعها؛ لأن ثبوت شيء لشيء يستدعي ثبوت المثبت له وإذ ليس هذا الثبوت في أفق الخارج لأنه معدوم حسب الفرض فلابد أن يكون الثبوت في أُفق آخر وليس هو إلا الذهن.
وبعد ذلك الدليل يحق لنا أن نتساءل عما ألجأ النافين للوجود الذهني إلى هذا الإنكار فإنه بيت القصيد في المسألة فنقول: إن الذي ألجأ هؤلاء لإنكاره شبهات عويصة عرضت لهم نذكر بعضها:
منها: أنه إذا كان معنى الوجود الذهني أنه تحصل في أذهاننا حقائق تلك الأشياء المتصوّرة فلو تصورنا الحرارة لوجب أن يكون الذهن حاراً ولو
ــــــــــ[33]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
تصورنا البرودة لكان بارداً ولو تصورنا الفرد لكان فرداً والزوج لكان زوجاً وهكذا وكذلك سائر المشتقات، فيلزم اتصاف النفس بصفات الأجسام واتصافها بالأمور المتضادة في آنٍ واحد وبطلان هذا من أوضح الواضحات.
ومنها: وهو أصعب من الأول أنه لو كان الوجود الذهني تنحفظ ذاتيات المعلوم فيه فيلزم أن يكون المعلوم الذهني من الجوهر – مثلاً- جوهراً والجوهر حقيقته هو الموجود لا في موضوع مع أنهم قد جعلوا جميع الصور الذهنية كيفيات أي أنها أعراض من مقولة الكيف موجودة لموضوعها وهو النفس فيلزم أن يكون شيء واحد موجوداً لموضوعه موجوداً لا في موضوع ويلزم اندراج حقيقة الجوهر في الكيف المباين له في حقيقته وهو محال.
فهذه الشبهة أو الأدلة وأمثالها هي التي حملت النافين للوجود الذهني على مقالتهم ولكن قوماً من الحكماء لما اعتقدوا صحة الدليل على الوجود الذهني وتعسّر عليهم التخلّص من هذه الشبهات رأوا أن يجمعوا بين هذه الأدلة المتنافية باختيار طريقة أخرى فقالوا: أن الموجود في الذهن ليس حقائق المعلومات، بل أشباحها وأظلالها المحاكية عنها بوجه.
والفرق بين هذا القول والقول بالوجود الذهني واضح فإن هذا القول يمكن أن نسمّيه من الآن القول بـ(الشبح) ونسمّي القول الآخر بالقول بـ (المثل) وإن كان هؤلاء القائلون بالمثل أيضاً يعبرون بالشبح والظل يقصدون به معنى آخر. أنهم يقصدون أن الموجود الذهني شبح لما في الخارج وظل له لكونه مثلاً له باعتبار أن الماهية الواحدة على قولهم، إذا كان لها وجود خارجي فلها
ــــــــــ[34]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
فردان فرد خارجي وفرد ذهني والفرد الذهني مثل للفرد الخارجي ومن هذه الجهة يكون شبحاً له حاكياً عنه.
أما القائلون بالشبح فلا يقولون أنه شبح لما في الخارج بل شبح عن نفس الماهية أو المفهوم أو المعنى ما شئت فعبّر فالموجود الذهني عندهم ليس فرداً من تلك الماهية بل فرد من حقيقة أخرى تكون هذه الحقيقة الأخرى حاكية وشبحاً عن نفس الماهية فالمتصور يكون شبحاً عن نفس الماهية لا عن فردها الخارجي.
وهذه المحاكاة تشبه عندهم محاكاة اللفظ عن المعنى مع تغايرهما بحسب الحقيقة وتشبه محاكاة النقوش الكتابية عن الألفاظ مع تغايرهما غير أن محاكاة اللفظ عن المعنى ومحاكاة الكتابة عن اللفظ إنّما هي بحسب الوضع والاعتبار ومحاكاة النقوش الذهنية عن الماهيات فبحسب الطبيعة.
وبهذا المسلك -مسلك الشبح- حاولوا أن يجمعوا بين أدلة الإثبات وبين أدلة النفي لأنه لما دلّ الوجدان والبرهان على أن الذهن يتصور الحقائق ويجري عليها الأحكام ويخبر عنها وامتنع أن توجد نفس الحقائق في الذهن فلابد أن يكون الموجود ما يحكي عنها وهي أشباحها وأظلالها فليست حقيقة البرودة والحرارة مثلاً هي الموجودة حتى يكون الذهن حاراً بارداً، ولا حقيقة الجوهر موجودة حتى يلزم أن يكون الجوهر كيفاً.
ولكن هذا القول بالشبح لا يظن أنه يصح أن يكون جمعاً بين الأدلة فإن دليل الوجود الذهني إذا صحّ حسب ما يعترفون به، فإنه يدل على أن للماهيات بنفسها وجوداً في الذهن، ولذا صح الحكم عليها لا أن أمراً آخر مبايناً لها
ــــــــــ[35]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
بحقيقتها يكون حاكياً عنها كالنقوش الخطية والهيئات الصوتية فإن الاتحاد المصحح للحكم بين النقش واللفظ وبين اللفظ والمعنى إنّما هو اتحاد جعلي بالوضع والتنزيل، والمفروض أنه ليس هناك جعل ووضع في الأمور الذهنية، ولا اتحاد حقيقي حسب قولهم فكيف صح الحكم على الماهيات بسبب الحكم على أشياء مغايرة لها بحقائقها. هذا.
ولكن من جهة أخرى قد يجيب القائلون بالشبح عن هذا الإشكال بأنه كيف تصنعون في العلم بالمعدومات فإن مفهوم العدم ليس من حقيقة العدم ومثله الحرف فإن مفهومه ليس من حقيقة الحرف، بل هو مفهوم اسمي وكذلك مثل الجزئي فإن مفهومه ليس بجزئي بل مفهوم كلي وتقدّم أيضاً أن مفهوم الوجود ليس بوجود.
وهكذا في كل ما هو بحقيقته ليس موجوداً في الذهن بل الموجود في الذهن طبيعة أخرى.
فإذن كثير من المفهومات ليس الموجود في الذهن منها نفس ما هو يحكم عليه بالحكم الإيجابي في الذهن فلابد أن يكون ما في الذهن شبحاً لما يحكي عن حقيقة هذه الأشياء، وإذا كان الأمر في الوجود الذهني لمثل هذه الأشياء على نحو الشبح فليفرض كذلك في جميع الأشياء الأخرى، على أن دليل القائلين بالمثل إنّما هو في خصوص المعدومات التي لابد أن يكون الأمر فيها -كما قلنا- على نحو الشبح.
وغاية ما يدل عليه دليل القائلين بالمثل المذكور أنه لابد من وجود موضوع
ــــــــــ[36]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
القضية ذهنياً، فليفرض أن هذا الموضوع هو الشبح الحاكي. وأما الاتحاد المصحح للحكم على ما يحكي عنه الشبح فلا ينحصر بالجعل والوضع ولا بالاتحاد الحقيقي، فأنه باعتبار أن الذهن لما امتنع عليه أن يوجد صورة حقيقية لبعض الأمور فإنه يلتجئ لأجل التوصّل إلى التعبير عنها والتعرّف لأحكامها أن يخلق بحسب ما له من قوة متصرفة لبعض المفهومات ويخترعها من نفسه فيجعلها عنواناً لتلك الأمور لغرض الحكاية والتعبير عنها، ولكن بفرضه الاتحاد بين الحاكي والمحكي عنه وهذا من خصائص الذهن الطبيعية إذ أعطاه الله تعالى هذه القوة المتصرفة لغرض التعبير عما يريد التعبير عنه مما لا يناله بنفسه فجعله خلّاقاً للمعاني. والمفهومات لما له مصداق حقيقي موجود في الخارج، ولما يفرض له من مصداق وإن لم يكن موجوداً خارجاً.
أقول: هذا غاية ما يمكن أن يتشبث به القائلون بالشبح ونحن نقول لهم في الجواب نعم، أن الذهن كما قلتم – خلّاق للمعاني لغرض الحكاية عما ورائها مما هو من مصاديقها الحقيقية أو المفروضة ولكن من يقول بالمثل لا يريد أن يقول إن معنى وجود حقيقة الإنسان – مثلاً- في الذهن أن مفهوم الإنسان يصدق عليه إنسان بالحمل الشايع بمعنى يكون مصداقاً للإنسان من جهة ما هو مفهوم حتى تقولوا إن مفهوم العدم ليس من حقيقة العدم إذ لا يصدق عليه أنه عدم بالحمل الشايع وكذلك الحرف والجزئي ونحوهما، وإنما غرض هذا القائل أن ما هو معلوم وموجود في الذهن نفس مفهوم الإنسان لا شبحه والحاكي عنه أي ما هو إنسان بالحمل الأولي وكذلك العدم فإن الموجود في
ــــــــــ[37]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
الذهن نفس ما هو عدم بالحمل الأولي وهو الذي يخلقه الذهن للتعبير عما يقصد الحكاية عنه، فالعدم بنفس حقيقته أي بنفس حقيقة مفهومه الذي جعله العقل موجوداً في الذهن.
وعلى كل حال فجميع المفاهيم الموجودة في الذهن هي مفاهيم بالحمل الأولي لا تخرج عن كونها كذلك أي لا ندّعي أنها يصدق عليها المفاهيم مرة أخرى بالحمل الشايع. نعم، بعض المفاهيم قد يكون لها هذا الشأن لخصوصية فيها لا باعتبار كونها مفاهيم مثل مفهوم الشيء فأنه شيء بالحمل الأولي وشيء أيضاً بالحمل الشايع باعتبار وجوده الذهني والشيئية ترافق الوجود، فكل ما هو موجود بأي خواص نحوٍ من أنحاء الوجود فهو شيء من الأشياء، ومثله مفهوم الكلي ومفهوم الماهية فإن مفهوم الكلي كلي بالحمل الأولي والشايع معاً وكذا مفهوم الماهية.
وإذ انتهينا إلى هنا من تقريب ما يرمي إليه القائلون بالمثل علينا أن نرجع إلى ما ذكرنا من الشبهتين اللتين وُجِهتا على هذا القول:
أمّا الأولى: وهي لزوم أن يكون الذهن حاراً بارداً عند تصور الحرارة والبرودة، وهكذا فقد اتضح الجواب عنها مما أَومأنا إليه قريباً من أن الذهن خلاق للصور الذهنية بما أودع الله تعالى فيه من قوة الإبداع والتصوير فجعل النفس مثالاً له في الإيجاد والإبداع لا مثلاً له فإنه تعالى مُنزَّه عن المثل لا عن المثال فجعلها كذلك لتكون معرفتها مرقاة لمعرفته كما ورد في الحديث الشريف:
ــــــــــ[38]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
“من عرف نفسه فقد عرف ربه“؛ لأنها على مثاله ومما يشير إلى هذا المعنى من خلق النفس للصور قول الإمام الباقر أو الصادق: “كل ما تصورتموه بأوهامكم بأدق معانيه فهو مخلوق لكم مردود عليكم“.
وإذا كان الأمر كذلك فقيام الصور في النفس قيام صدور وإيجاد وفعل لا قيام انفعال عنها وحلول ناعت لها فلا يجب أن تكون وصفاً للذهن والنفس، والله تعالى مفيض الوجود ومبدع الأشياء، وكل ما في الكون قائم به قيام صدور وخلق ولكن الأشياء ليست قائمة به قيام الصفة بوصفها والحال بمحلّه فلا تكون نعتاً له ووصفاً وهذا جلي واضح.
ألا ترى أن الحواس الظاهرية تُدرِك الأشياء المحسوسة ولكنها لا تنفعل بها كانفعال الأجسام بها لتكون وصفاً ناعتاً لها، والسر أن الصور المحسوسة موجودة للحواس بنفس وجود الحواس وجود صدور لا حلول فتتحد بها اتحاد المعلول بعلته -مثلاً- حاسة اللمس إذ تحس بالخشونة -مثلاً- لا تكون خشنة، وحاسة السمع تدرك الغناء مثلاً ولكنها لا تكون مغنية، وحاسة الذوق تدرك الحلاوة ولا تكون حلوة، وحاسة الشم تدرك الطيب ولا تكون طيبة وحاسة العين تدرك الأبيض ولا تكون بيضاء، هكذا نقول في جميع القوى الإدراكية بصور الأشياء.
وأما الشبهة الثانية: المستعصية كما قلنا فهي إنّما تكون مستعصية على من يذهب إلى أن قيام الصور الذهنية في النفس قيام العرض بموضوعه من مقولة الكيف أو من مقولة الانفعال أو أية مقولة أخرى. والحق أن العلم ليس إلا
ــــــــــ[39]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
نحو من الوجود الإشراقي للنفس، فلا يدخل في كيف ولا في أية مقولة أخرى. وأي ملزم لنا بالالتزام بأن العلم من إحدى المقولات التي لها وجودات خارجية، بل المقولات كلها من انتزاع الذهن وفرضه، إذ الماهيات كما قررنا سابقاً أمور اعتبارية يعتبرها الذهن للموجودات.
وليس المعلوم إلا نفس العلم وجوداً ومفهوم الجوهر إذ يوجد في النفس فهو مفهوم الجوهر لا أكثر وهكذا جميع المفاهيم ولا يدعي القائل بالمثل أن المفهوم ينقلب فيكون مصداقاً للمفهوم مرة أخرى، بل هو مفهوم إلى الأبد أي ما يصدق عليه المفهوم بالحمل الأولي فالجوهر بحقيقته الجوهرية أي بحقيقة مفهومه جوهر بالحمل الأولي، وهو كذلك موجود في الذهن لا بحقيقته الخارجية، أي ما هو جوهر بالحمل الشايع موجود في الذهن وإنما تتأتى الشبهة كلها إذ توهمنا أن معنى وجود المفهوم بحقيقته في النفس أنه يكون هو المفهوم بالحمل الشايع.
ــــــــــ[40]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
الجعل ينقسم إلى قسمين:
والمقصود منه إفاضة نفس الشيء وإيجاده وتكوينه وخلقه – ما شئت فعبّر- فمتعلقه نفس الشيء أو فعل نفس وجوده من دون أن يكون جعله مشوباً بتركيب والأثر المترتب عليه هو مفاد كان التامة فيقال كوّن الشيء فكان أو أوجده فوُجد، ومفاد كان التامة هو نفس وجود الشيء وتحقّقه وصيرورته لا ثبوت شيء لآخر، وهو الذي يُسأل عنه بـ(هل البسيطة)، فيقال: هل كان الشيء أو هل وجد؟ مثاله، قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ(1) وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ(2) فإن المستفاد من هذه الآية الأخيرة أن المخلوق والمجعول نفس وجود الشيء الحي.
ويسمى الجعل المركب والتأليفي والتركيبي وهو جعل الشيء شيئاً وإثبات شيء لشيء(3)، فمتعلقه ثبوت شيء لشيء ووجوده له الذي يسمى باصطلاحهم
ــــــــــ[41]ــــــــــ
() الأنعام: 1.
(2) هود: 30 .
(3) والأثر المترتب عليه هو مفاد كان الناقصة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
(الوجود الرابط) أي وجود النسبة بين طرفين فلذلك يستدعي الجعل المؤلف طرفين مجعولاً ومجعولاً له، أو فقل موضوعاً ومحمولاً بخلاف الجعل البسيط الذي ليس متعلقه إلَّا شيئاً واحداً بسيطاً بدون تأليف وهو عبارة عن نفس وجود الشيء وتحققه، مثاله قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا(10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا(1) وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا(2). وما هو على هذا النسق من التعبير.
تنبيه: إن الجعل المؤلف يختص تعلقه بالأمور العرضية المفارقة كجعل الجسم أبيضاً والإنسان ضاحكاً؛ لخلو الذات عنها بحسب الواقع. أما بالنسبة إلى الأمور الذاتية فلا يعقل تخلله ووقوعه بين الذات ونفسها ولا بينها وبين ذاتياتها فإنه يستحيل جعل الإنسان إنساناً أو جعله حيواناً لأن ثبوت الشيء لنفسه ضروري، وكذا ثبوت جزئه التحليلي له، وما كان ضروري الثبوت يستحيل جعله ولذا اشتهر عندهم القول (بأن الذاتي لا يعلَّل) يعني أن الذاتي لا علة له. نعم، إنّما المعقول هو جعل الذات بالجعل البسيط أي خلقها وتكوينها مثل خلق الإنسان وتكوينه ونحو ذلك، وجعل الشيء هو نفس جعل الذات وذاتياتها لا بجعل آخر.
وأما الأمور العرضية غير المفارقة أي اللازمة فكذلك كالذاتيات لا يعقل تخلل الجعل المؤلف بينها وبين ملزوماتها، فإن ثبوت اللازم لملزومه ضروري؛
ــــــــــ[42]ــــــــــ
(1) النبأ: 10
(2) الأنعام: 96.
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
ولذا سُمّي لازماً وملزوماً فيستحيل انفكاكه عنه وإذا استحال انفكاكه عنه استحال جعله بالجعل التأليفي.
وإذا قيل إن العرض اللازم مجعول فينبغي أن يكون المراد منه أنه مجعول بالجعل البسيط بتبع جعل ملزومه جعلاً بسيطاً فإن جعل الأربعة – مثلاً- جعل للزوجية يجعل واحد يُنسب إلى الأربعة بالذات والى الزوجية بالتبع لا أن الأربعة تُجعل مجردة عن كونها زوجاً ثم تُجعل الزوجية لها ثانياً بجعل آخر تأليفي؛ لاستحالة وجود الأربعة مجردة عن كونها زوجاً إلا إذا فرض ألا تكون الأربعة أربعة وهذا محال كما يُنسب إلى بعضهم من القول بجعل لوازم الذات فينبغي أن يؤوّل بما ذكرناه من الجعل البسيط التبعي وإلا فهو واضح البطلان.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
اختلفت كلمة الحكماء في أن الأثر الأول للجاعل والمعلول له والمجعول بالذات أي شيء هو الوجود أم الماهية.
والمعروف عن المشائين أتباع المعلم الأول أرسطو هو الأول، أي أن الوجود هو المجعول أولاً وبالذات ثم يُنتزع منه الماهية فهي مجعولة بالعرض والتبع.
والمعروف عند الإشراقيين أتباع أستاذه (أفلاطون) إذ أثر الجاعل ويبدعه ويفيضه أولاً وبالذات هو نفس الماهية ثم يستلزم هذا الجعل موجود له الماهية فيكون الوجود على هذا أمراً عقلياً منتزعاً ومصداقه نفس الماهية، توضيح ذلك:
إن صدق الوجود – عندهم- على الذات يكون نظير صدق نفس الذات على الذات فكما أن مصداق كون الذات ذاتاً نفس الذات بدون الاحتياج إلى أمر آخر يجعلها ذاتاً فتكون الذات منتزعة من نفس ذاتها، فكذلك مصداق كون الذات وجوداً نفس الذات بدون حاجة إلى أمر آخر يجعلها وجوداً
-ويقصدون بالذات الماهية- فإذا صدرت ذات المعلول عن العلة كماهية الإنسان -مثلاً- فلا يحتاج بعد صدورها إلى جاعل يجعلها تلك الذات نفسها
ــــــــــ[44]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
فكذلك لا تحتاج بعد صدورها أن يجعلها وجوداً فهي -على هذا- مستغنية بعد صدورها عن جاعل يجعلها موجودة.
وبعبارة أوضح: إن الوجود على هذا القول من لوازم الماهية المجعولة ولازم الماهية كما تقدم ضروري الثبوت للماهية فيستحيل جعله إلا بالتبع بجعل الماهية.
والحق في مسألتنا هو القول الأول وهو مجعولية الوجود بالذات لأنه هو المتحقق بالأصالة فلابد أن يكون هو المجعول المعلول وكل ما ذكروا من وجوه ودلائل على كون الوجود غير صالح للمعلولية فهي تبتني على كون الوجود أمراً اعتبارياً وعارضاً ذهنياً فلا يوصف بالحدوث والزوال والطريان إلا بالعرض، وقد سبق أن أثبتنا أن المتحقق بالذات هو الوجود، والماهية أمر انتزاعي هي حد لمرتبة من الوجود.
وأشكلوا على كون الوجود هو المجعول بالذات بأنه لو كان تأثير العلة في الوجود لكان كل معلول لشيء يصلح؛ لأن يكون معلولاً لغيره من العلل، ولجاز أن تكون كل علة لشيء علة لجميع الأشياء إذ المفروض أن الوجود حقيقة واحدة فلابد أن تكون علة كل فرد منه صالحة لعلية كل فرد آخر منه لأن حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.
ولا شك أن هذا ظاهر البطلان:
والجواب عن هذا الإشكال واضح بعد ما قدمنا في صدر مبحث الوجود من أن الفرق بين مفهوم الوجود ومصداقه من باب الفرق بين العنوان
ــــــــــ[45]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
ومعنونه، ولكن قد اختلط على المستشكل هذا الفرق البديهي فتخيّل أن صدق مفهوم الوجود على مصاديقه من باب صدق الكلي على أفراده.
وعليه، فنحن نقول لهذا المستشكل. نعم، إن مفهوم الوجود واحد كلّي ولكن صدقه على مصاديقه ليس من قبيل صدق الكلي على أفراده وليست الوجودات بأفراد له، وأما المعنون وهو الوجود بالحمل الشايع فليس هو ماهية كلية لا جنسية ولا نوعية عرضية حتى تكون لها أفراد متماثلة، ولا مثل للوجود بل حقائق الوجودات متبائنة بأنفسها وحصص الوجود ومراتبه مختلفة بذاتها ومن حدودها الخاصة ننتزع الماهيات؛ ولذا قيل. إن ما به الافتراق عين ما به الاشتراك. فالوجود في الخارج ليس إلا الوجود بالذات لأن عنوان موجود منتزع من نفس ذاته بغير ضميمة أخرى، وأما ما يسمى بالماهية كالإنسان والحجر مثلاً فإنما هو متحد مع الوجود ضرباً من الاتحاد وهو اتحاد اللااقتضاء مع الاقتضاء بمعنى أن للعقل أن يلاحظ لكل وجود من الموجودات معنى منتزعاً منه ويصفه بذلك المعنى بحسب الواقع فالمحكي هو الوجود والحكاية هي الماهية.
نعم، إن الوجود أيضاً ينتزع منه أمر مصدري وهو عنوان الوجود وهو الوجود بالحمل الأولي الذي يعرض للماهية عند اعتبار العقل إياها وهو كما قلنا ليس من حقيقة الوجود في شيء.
فوجود كل ماهية بنفس ذاتها يقتضي التعيّن بتلك الماهية لا بسبب زائد فالوجودي هو وجود وإن لم يضف إليه شيء غيره يكون علة ويكون معلولاً
ــــــــــ[46]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
ويكون شرطاً ويكون مشروطاً وهكذا. والوجود العلي غير الوجود المعلولي والوجود الشرطي غير الوجود المشروطي، كل ذلك بنفس كونه وجوداً لا بانضمام شيء زائد على ذاته وهذه هي الدقة في الموضوع التي تسبب اختلاط الذهن وارتباكه.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
قسم الحكماء الوجود إلى قسمين:
الوجود المحمولي: ويقصدون به نفس ثبوت الشيء أي ما هو مفاد كان التامة، والذي يقع محمولاً في (هل) البسيطة كوجود الإنسان والحجر والبياض والقيام ونحو ذلك من الموجودات، وإنما يسمى (محمولياً) لأنه يحمل على الماهية فيقال – مثلاً- الإنسان موجود، البياض موجود، القيام موجود … وهكذا.
الوجود الرابط: ويقصدون به ثبوت شيء لشيء أي ما هو مفاد كان الناقصة وهو ما يقع رابطة في الحمليات الموجبة، ولا يقع محمولاً حتى في مفاد كان الناقصة وستأتي له زيادة توضيح.
ثم الوجود المحمولي قسموه إلى قسمين أيضاً:
الوجود النفسي: ويقصدون به تحقق الشيء في نفسه ولنفسه كوجود الجوهر.
الوجود الرابطي: ويقصدون به تحقق الشيء في نفسه أيضاً ولكن في عين الحال يكون ثابتاً لغيره يعني أنه بعين ثبوته في نفسه هو ثابت في شيء آخر أو ثابت لشيء آخر، فهو على نوعين:
ــــــــــ[48]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
مثال ما هو ثبوته في نفسه عين ثبوته في شيء آخر. وجود العرض المقابل للجوهر كوجود السواد في الجسم فأن السواد ثابت في نفسه ومع ذلك بعين ثبوته في نفسه هو ثابت في الجسم أي حال فيه.
ومثال ما هو ثبوته في نفسه عين ثبوته لشيء آخر وجود المعلول لعلته فإن المعلول موجود في نفسه، ولكنه بعين ذلك هو موجود لعلته سواء كان جوهراً أو عرضاً غير أنه لا من قبيل وجود العرض في موضوعه الحال فيه بل قيام المعلول بالعلة – كما سبق- قيام صدور لا حلول.
ومن هنا يتضح أن الوجود الرابطي غير مختص بالأعراض كما توهمه بعضهم، ولأجل هذا نحن فرّقنا في التعبير، فقلنا مرة أن الرابطي يكون في غيره وأخرى يكون لغيره لتوضيح شموله للنوعين وإلا فكثيراً ما يقولون إن العرض موجود لموضوعه فيأتون باللام مكان (في) وهو تعبير صحيح فلذلك يمكننا أن نعبر تعبيراً واحداً يجمع النوعين فنقول: الوجود الرابطي ما كان وجوده في نفسه عين وجوده لغيره.
وعلى كل حال فتوضيح معنى أن ثبوته في نفسه عين ثبوته لغيره نقول: أنه لو قيل -مثلاً- البياض موجود في الجسم فهنا اعتباران:
اعتبار تحقق البياض في نفسه وإن كان في عين الحال هو موجود في الجسم ولكنه بقطع النظر عن ذلك فيكون بهذا الاعتبار محمولاً لـ (هل) البسيطة، ومفاداً لكان التامة كما لو تقول: هل وجد البياض أو كان البياض.
والاعتبار الآخر هو أن يلاحظ موجوداً في الجسم وإن كان بعين الحال هو
ــــــــــ[49]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
موجود في نفسه، وهذا مفهوم آخر غير مفهوم تحقق البياض في نفسه وإن كان أحدهما عين الآخر واقعاً، ولكن ملاحظة حيثية تحققه في الجسم غير ملاحظة حيثية تحققه في نفسه فيكون بهذا الاعتبار الأخير محمولاً لـ(هل) المركبّة ومحمولاً في مفاد كان الناقصة، وعليه فيكون مفاد الوجود الرابطي أنه حقيقة ناعتية ليس وجوده في نفسه لنفسه بل وجوده في نفسه لغيره.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
قلنا فيما سبق: إن الوجود الرابط هو ثبوت شيء لشيء الذي هو مفاد كان الناقصة، وقد يتوهم متوهم أنه لا فرق على هذا بين الوجود الرابط والوجود الرابطي لأنه قلنا أيضاً إن الوجود الرابطي ما كان ثبوته في نفسه هو عين ثبوته لشيء آخر، وهذا معناه أن الوجود الرابطي هو ثبوته لشيء آخر فالثبوت لشيء آخر يكون معنى جامعاً للرابط والرابطي معاً فأي فرق بينهما؟ ولعلّه لأجل هذا استعمل بعض الحكماء أحد التعبير مكان الآخر، فسمى الوجود الرابط رابطياً إذ لا يرى فرقاً بينهما.
قلت: فرق عظيم بين المعنيين ولا جامع بينهما أصلاً فإن معنى الوجود الرابطي أنه ثبوت الوجود نفسه لشيء آخر؛ فلذلك ينتزع منه أنه ثابت لغيره فيكون معنى استقلالياً لا تعلقياً ومعنى الوجود الرابط أنه ثبوت شيء لشيء لا ثبوت الوجود نفسه فلا يكون هذا الثبوت ثابتاً لغيره، بل الذي يصح أن يقال أنه ثابت لغيره هو ذلك الشيء المضاف إليه الثبوت لا نفس الثبوت.
ويتلخص من هذا أن الوجود الرابط هو نفس الثبوت من دون أن ينتزع منه أنه ثابت للغير، فحقيقته حقيقة التعلق والربط وهو نفس الوجود من دون أن يكون نفسه موجوداً لغيره بل ما أضيف إليه يصح أن ينتزع منه أنه ثابت
ــــــــــ[51]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
وموجود لغيره بخلاف الوجود الرابطي فإنه هو الثابت للغير فمعناه أنه المتعلق لا التعلق.
وعلى هذا فالوجود الرابط في حقيقته مباين معنى الوجود المحمولي ولا جامع بينهما، فإن إطلاق الوجود على الرابط من باب المسامحة والمجاز أو أنه لفظ مشترك بين المعنيين أي بين الوجود بمعناه المعروف الذي ينتزع منه أنه موجود وثابت وهو الذي بمعنى التحقق وكون الشيء ذا حقيقة ثابتة وبين الوجود بالمعنى الرابط الذي كما قلنا لا ينتزع منه أنه ثابت وموجود، بل هو نفس ثبوت شيء لشيء ونفس تعلق شيء بشيء وارتباطه به ولذلك عبّرنا فيما سبق عن الوجود الرابطي بأنه الثابت لغيره.
ولو كان ثبوت شيء لشيء الذي هو معنى الوجود الرابط يستدعي أن يقال له أنه ثابت لغيره فهذا يحتاج إلى ربط آخر بينه وبين الغير الثابت له، وننقل الكلام إلى هذا الربط الآخر وهو أيضاً يستدعي أن يكون ثابتاً للغير فيحتاج إلى ربط ثالث وهكذا، فيذهب إلى غير النهاية.
والحاصل أن معنى الوجود الرابط هو وجود النسبة المحضة ومحض التعلق، والنسبة لا تكون منسوبة وإلا لكانت لها نسبة أخرى فيتسلسل إلى غير النهاية.
نعم، لو التفت إليه الذهن على أنه معنى الثبوت والوجود فإنه في حال التفات الذهن إليه وملاحظته يخرج عن كونه رابطاً ونسبة، بل يكون معنى اسمياً ووجوداً محمولياً ثابتاً ملاحظاً بالاستقلال. وهذا حينئذٍ يحتاج إلى الربط
ــــــــــ[52]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
ولكن لا يلزم التسلسل المحال واللانهائية الممتنعة لأن هذا الربط الثاني ككل ربط لا يجب أن يلاحظ بالاستقلال ويلتفت إليه بنفسه ولكن لو التفت إليه ولوحظ مستقلاً بمحض الاختيار فإنه ينقلب إليه معنى اسمياً فيحتاج إلى رابط … وهكذا، ولكن هذا ليس بالتسلسل المستحيل لأن هذه اللانهائية الحاصلة من تضاعيف لحظات الفكر وخطرات الوهم تنقطع بانقطاع الملاحظة وانبتاتهما لا يجب استمرار هذه اللحظات والخطرات حتى تذهب إلى غير النهاية.
وهذا أصل في اللانهائية للتفرقة بين ما هو مستحيل منها وبين ما هو غير مستحيل يجب أن يبقى في ذكرك لتنتفع به في موضع آخر.
ولأجل هذا السر الذي ذكرناه في الوجود الرابط قلنا في كتاب (أصول الفقه): إن المعاني الحرفية مباينة في حقيقتها وسنخها للمعاني الاسمية وإن وجود الروابط والنسب في حد ذاته متعلق بالغير ولا حقيقة له إلا التعلق بالطرفين واستنتجنا من ذلك أن وضع الحروف غير وضع الأسماء، فراجع.
ــــــــــ[53]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
من المعاني التي ترتسم في النفس ارتساماً أولياً فطرياً معنى الضرورة واللاضرورة، فإن الإنسان لا يتصور بعد مفهوم الوجود والشيء مفهوماً أقدم وأوضح من معنى الضرورة ولذلك يكون مثل هذا غنياً عن البيان والتعريف.
إذا عرفت هذا فإذا نظرنا إلى حال الأشياء وقسناها إلى ما ينسب إليها فلا يخلو واقعها من إحدى حالات ثلاث ضرورة الثبوت أو ضرورة العدم أو لا ضرورة الثبوت والعدم. هذا واقع كل قضية لا تخرج عن إحدى هذه الحالات ولذلك تسمى هذه مواد القضايا سواء لاحظها من يحكم بالقضية أو لم يلاحظها وسواء عبّر عنها بكلامه أو لم يعبّر عنها.
أما إذا لاحظها في حكمه وعبّر عنها بكيفية من كيفياتها فإن القضية تسمى حينئذ (موجّهة) والتعبير عن تلك الكيفية أو ملاحظتها يسمى (جهة القضية).
هذا بالقياس إلى كل محمول ينسب إلى موضوعه وبالخصوص الوجود إذا نسب إلى الماهية فواقعه لا يخلو أيضاً عن إحدى هذه الحالات الثلاث، ويختص الوجود باصطلاحات خاصة باعتبار هذه الحالات:
1- إذا كان الوجود ضرورياً سمّي (واجب الوجود).
2- إذا كان العدم ضرورياً سمّي (ممتنع الوجود).
ــــــــــ[54]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
3- إذا لم يكن الوجود ولا العدم ضرورياً سمي (ممكناً).
وأما احتماله كون الشيء ضروري الوجود والعدم معاً فيرتفع بأدنى التفات، فالأقسام المتصورة ثلاثة:
وعلى هذا فالوجوب هو ضرورة الوجود والامتناع ضرورة العدم والإمكان سلب الضرورتين وهو المسمى بالإمكان الخاص.
وأنت في ملاحظتك للضرورة لك أن تلاحظ حال الماهية بالقياس إلى الوجود كما صنعنا فيما تقدم فتقسّم الشيء إلى واجب الوجود وممتنع وممكن الوجود ولك مرة أخرى أن تلاحظ نفس الوجود فتقسّمه إلى واجب وممتنع وممكن فتكون هذه الأحوال صفة لنفس الوجود بالذات لا للماهية.
وهذه الملاحظة الأخيرة هي الأصح وهي المطابقة للواقع التي ينتهي إليها البرهان، ويكون حينئذٍ للوجوب والامتناع والإمكان معنى آخر غير ما خرج أولاً من معنى التقسيم الأول فإن الملاحظة الأولى إنّما هي لسهولة التعليم إذ ينظر فيها إلى حال الماهيات الكلية بالقياس إلى الوجود وبعدما يثبت بالبرهان أن واجب الوجود لا ماهية له بل هو صرف الوجود لابد أن ينظر في التقسيم إلى حال الوجود نفسه وتبطل الملاحظة الأولى، أي أنه لا واقع لها فيظهر حينئذٍ للوجوب معنى آخر وهو تأكد الوجود وغناه إذ يكون صفة للوجود ولا معنى لأن يفرض في الوجود أنه ضروري الوجود وواجب الوجود، ولذا قال ابن سينا -كما نُقل عنه- ((أن قولهم يجب وجوده تصحيف لقولهم بحت وجوده أو بحت الوجود)).
ــــــــــ[55]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
وكذلك يظهر للإمكان معنى آخر هو نفس الفقر والحاجة ولا معنى لأن يفرض في الوجود أنه مسلوب عنه ضرورة الوجود والعدم. وكذلك الامتناع لا يكون معناه ضرورة عدم الماهية بل محض البطلان والاستحالة للوجود.
وسيأتي لهذا البيان زيادة توضيح إن شاء الله.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
سبق أن علمت أن كل حكم ووصف لا يخلو واقعه من أن يكون واجباً أو ممكناً أو ممتنعاً وهذا التعبير ليس واضحاً بهذه البساطة لما دخلت عليه من الشبهات التي شغف بها بعض المشككين في كل أمر واضح. ولأجل أن تدفع عنك تلك الشبهات لابد من توضيح حقيقة هذه الجهات الثلاث.
تأمل في نفسك حينما تقول -مثلاً-: الإنسان موجود، فتلاحظ نسبة الوجود إلى الإنسان من جهة الضرورة وعدمها فماذا تحكم على ذلك؟
لاشك في أنك تحكم بأن الإنسان ممكن الوجود وهذا حكم تقتضيه فطرتك السليمة غير المشوبة بالشبهات وتراه حكماً قطعياً واقعياً حقيقياً صادقاً، ولكن هذا الحكم الجلي الواقعي قد تدخل فيه الشبهة حينما يأتيك المشكك فيقول:
إن هذا الإمكان الذي حكمت به على الإنسان -مثلاً- هل هو موجود خارجاً أو معدوم وكلاهما لا يصح ولا ثالث لهما لأن النقيضين لا يرتفعان.
فإن قلت: إنه موجود، فيقول لك المشكك أن هذه صفة الإمكان الثابتة حسب الفرض هي كسائر الصفات والأحكام لا يخلو واقعها من إحدى الجهات الثلاث ولا شك في أنها واجبة الثبوت إذ أن ثبوت الإمكان للممكن
ــــــــــ[57]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
ضروري وإلا لانقلب فصار واجباً أو ممتنعاً. وإذا كانت صفة الإمكان واجبة الثبوت فهذا الوجوب أيضاً صفة ثابتة فننقل الكلام إليها وهي أيضاً لابد أن تكون على نحو الوجوب وإلا لزم الانقلاب، فننقل الكلام أيضاً إلى هذه الصفة صفة الوجوب الثانية وهكذا إلى غير النهاية فيتسلسل.
وإن قلت: الإمكان معدوم، فيقول لك قولك الإنسان ممكن الوجود حكم صحيح صادق له واقع يحكي عنه ولو كان الإمكان معدوماً فلا تكون له حقيقة ولا واقع فعمَّ يحكي هذا الخبر إذ يكون إخباراً عن لا شيء -حسب الفرض-.
وبعبارة أخرى: لو كان الإمكان معدوماً لم يبق فرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفي، أي لم يبق فرق بين لا إمكان له وإمكانه لا إذا لا تمايز بين الأعدام فيكون اعتبار الإمكان منفياً معدوماً مساوقاً لنفي الإمكان أصلاً، ولا شك أن الإمكان صفة ثابتة للإنسان.
وهكذا يقال في صفة الوجوب والامتناع فهل هذه الجهات موجودة أو معدومة. إذن ماذا تحدس في حل هذا التشكيك؟
وأنت إذا تفطنت إلى ما مررت عليه من أبحاث فأنك تستطيع بكل سهولة أن تحل هذه المغالطة بأن تقول لهذا المشكك:
ماذا تقصدون من الإمكان الذي تحكم عليه بأنه موجود أو معدوم؟
فإن الإمكان قد يُقصد منه الوجود الرابط وهو حقيقة الإمكان ومعنون هذا العنوان الذي هو من أحوال النسبة وقد يُقصد منها الوجود الرابطي. وهو
ــــــــــ[58]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
عنوان الإمكان وهو المفهوم الذي ينتزعه الذهن ويلاحظه معنى مستقلاً فتصف به الشيء وتحكم به عليه إذ نقول الإنسان ممكن أو الوجود ممكن.
فإن أردت من الإمكان الوجود الرابط وما هو نسبة قائمة بطرفين فقد عرفت تحقيق حال الوجود الرابط وأنه لا يتصف بأنه موجود ولا ينتزع منه بأنه ثابت وبتبع ذلك لا يتصف بأنه معدوم لأنه لا يلزم من كونه غير متصف بأنه موجود أنه يتّصف بأنه معدوم وهذا ليس من العجيب. ولا يكون هذا من قبيل ارتفاع النقيضين واعتبر ذلك في العدم فأنه لا يتصف بأنه موجود ولكن لا يلزم من ذلك أن يتصف بأنه معدوم أي منفي، ولو اتصف العدم بأنه معدوم ومنفي فإن سلب السلب إيجاب فيلزم أن يكون نقيضه أي سلب العدم وهو الوجود متحققاً.
وعلى كل حال فنحن نقول: إن الوجود الرابط في الأعيان ولكن لا نعني أنه شيء من الأشياء حتى يتصف بأنه موجود فلا يصح الترديد فيه بأنه إما موجود وإما معدوم. بل هو لا موجود ولا معدوم لأنه سنخ حقيقة ليست قابلة لهذا التوصيف كما قلنا في العدم وأنه لا يلزم ارتفاع النقيضين، وفي العدم تكرر نفس هذه الشبهة فيقال: إن كان ثابتاً فيلزم أن يكون العدم موجوداً فيتصف بنقيضه وإذا كان منفياً فسلب السلب إيجاب فيلزم أن يكون نقيضه وهو الوجود متحققاً.
والجواب: إن حقيقة العدم (وما هو عدم بالحمل الشايع ويكون عدماً رابطاً) لا يوصف بأنه موجود كما لا يوصف بأنه معدوم وكذلك يقال في
ــــــــــ[59]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
الوجود الرابط والحاصل أنه فرق كبير بين (عدم لا) و(لا عدم)، فإذا قلنا بأن (العدم لا) لا يلزم منه أن لا يكون عدم، وكذلك الإمكان الذي هو نسبة ووجود رابط فأنه (إمكان لا) أي لا يتصف بأنه موجود في الخارج ولا يلزم منه أن لا يكون إمكان.
وإذا أردت من الإمكان الوجود الرابطي أي ما يحمل على الشيء كقولك: (الإنسان ممكن) فهذا أمر انتزاعي يخترعه الذهن للتعبير عما هو حقيقة الإمكان فهو مفهوم استقلالي لا وجود له إلا في الذهن، فنحن نختار أنه موجود. ولكنه موجود في الذهن فقط، ولا يلزم من كونه موجوداً في الذهن التسلسل المحال، بل التسلسل اللازم إنّما هو بمعنى (لا يقف) لأنه ينقطع بانقطاع اعتبار الذهن وملاحظته على ما مر من معناه مفصلاً.
والحاصل: إن توصيف الشيء بالإمكان لابد أن يكون له إحدى الحالات الثلاث في الواقع ولكن لا تجب ملاحظة تلك الحال على نحو الاستقلال حتى يجب أن تكون له أيضاً نسبة أخرى، ولكن إذا لاحظناه معنى مستقلاً منظوراً إليه بالذات كانت له نسبة أخرى وكان لابد أن تكون في الواقع هي الوجوب أو الإمكان أو الامتناع … وهكذا على ما شرحناه من حال الوجود الرابط.
النتيجة:
فتحصّل من جميع ما شرحناه أن الجهات الثلاث هي موجودات ذهنية واعتبارات عقلية؛ لأنها مما يعتبرها العقل حالة للماهية أو الوجود، وهذه الاعتبارات الذهنية هي عناوين حاكية عما هو حالة في النسبة، فواقعها
ــــــــــ[60]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
ومعنوناتها وحقائقها من نحو الوجود الرابط، فمعنوناتها في الأعيان ولكن ليس معنى أنها في الأعيان أنه ينتزع منها أنها موجودة في الأعيان.
ولذا اشتهر عندهم أن النسبة يكون الخارج ظرفاً لها لا لوجودها كسائر الأشياء الموجودة.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
إن كل واحد من هذه الطبايع العقلية الوجوب والامتناع والإمكان يحتمل في بادي الرأي أن يكون بالذات أو بالغير أو بالقياس إلى الغير فهذه تسعة احتمالات:
ولكن العقل بعد التدبر فيها يحكم بأن الإمكان يمتنع أن يكون بالغير فيسقط من الاحتمالات التسعة احتمال واحد فيبقى المتحقق منها ثمانية اعتبارات.
وسقوط هذا الاحتمال واضح لأن الشيء لو فرض أنه يصح أن يكون ممكناً بالغير يعني أن إمكانه مستفاد من الغير فهو في واقع حاله لا يخلو من أن يكون واجباً أو ممتنعاً أو ممكناً؛ لاستحالة أن يخلو واقع الشيء عن أحد هذه الثلاثة كما تقدم.
وحينئذ فإن كان في ذاته واجباً أو ممتنعاً فلو كان ممكناً بالغير أيضاً للزم الانقلاب يعني يلزم خروج الواجب عن كونه واجباً لذاته والممتنع عن كونه ممتنعاً لذاته وهو محال. وإن كان في ذاته ممكناً لكان اعتباره بالغير لغواً.
أما الممكن لذاته فإنه لا مانع من أن يكون واجباً بالغير وذلك في المعلول عند وجود علته التامة فإنه يجب وجوده بالغير لاستحالة تخلّف المعلول الممكن عن علته التامة، فإنّ هذه إحدى البديهيات العقلية التي تعد من القضايا الأولية
ــــــــــ[62]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
وهي التي يكفي في الحكم بها تصور الطرفين والنسبة فإن نفس تصور معنى الممكن وعلته والعلقة بينهما يكفي في حكمنا بضرورة وجود الممكن عند وجود علته واستحالة تخلّفه عنها. ولا منافاة بين الإمكان الذاتي والوجوب بالغير لأن الإمكان في حقيقته اللااقتضاء واللااقتضاء الذاتي لا ينافي الاقتضاء من قبل الغير. وكذلك يكون الممكن لذاته ممتنعاً بالغير وذلك في المعلول عند عدم علته لاستحالة وجود الممكن بدون علته وهذه بديهة عقلية أولية أخرى؛ إذ لما كان الممكن في حد ذاته لا اقتضاء له للوجود والعدم فيستحيل أن يخرج من حد اللااقتضاء من دون علة خارجة عن ذاته، وعليه فإن تصور الممكن بنفسه يكفي في الحكم باستحالة وجوده بدون العلة.
وعلى هذا فالواجب بالغير والممتنع بالغير مختص بالممكنات ويستحيل أن يكون الواجب لذاته واجباً بالغير أو ممتنعاً بالغير لأن الأول لغو والثاني انقلاب، وكذا الممتنع لذاته يستحيل أن يكون واجباً بالغير أو ممتنعاً بالغير لأن الأول انقلاب والثاني لغو.
وأما ما هو بالقياس إلى الغير فالمراد منه أنه إذا قيس شيء إلى شيء آخر فلا يخلو في الواقع من إحدى حالات ثلاث، إما أن يكون بالقياس إليه محكوماً بلابدّية الوجود، وهذا هو الواجب بالقياس، وإمّا أن يكون محكوماً بلابدّية العدم وهو الممتنع بالقياس، أو يكون غير محكوم بلابدّية الوجود ولا العدم وهو الممكن بالقياس.
والمراد من اللابدّية هنا مطلق الاستدعاء الذي هو أعم من الاقتضاء، مثال الأول -وهو الواجب بالقياس-: وجود أحد المتضائفين بالقياس إلى الآخر
ــــــــــ[63]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
فالمتضائفين متكافآن قوة وفعلاً فإذا فرض أحدهما ففي عين فرضه لابد أن يفرض الآخر قضاءً لحق الإضافة التي لا تقوم إلا بطرفين، وكذلك المعلول واجب بالقياس إلى علته إذا فرضت موجودة، وكذلك العلة واجبة بالقياس إلى معلولها إذا فرض موجوداً وكذلك أحد المعلولين لعلة واحدة بالقياس إلى الآخر إذا فرض أنه موجود.
ويرجع معنى الوجوب بالقياس إلى الغير إلى أن الغير تأبى ذاته إلا أن يكون للشيء المقيس ضرورة الوجود، وبهذا يتضح الفرق بين الوجوب بالغير والوجوب بالقياس إلى الغير فأنه في الوجوب بالغير الإباء إنّما هو للواجب وفي الوجود بالقياس الإباء إنّما هو للغير المقيس إليه وإن كان قد يجتمع الوجوبان في شيء واحد بالنظر إلى شيء واحد كالمعلول بالنظر إلى علته.
ومثال الثاني:- وهو الامتناع بالقياس إلى الغير نفس الأمثلة المتقدمة إذا فرض ما قيس إليه ليس موجوداً فإنه يمتنع وجود أحد المتضائفين مع فرض عدم وجود الآخر ضرورة أن يمتنع فرض الأبوة لمن ليس له ابن موجود، وكذا فرض التحتية لما ليس له فوق موجود وهكذا … .
ومثال الثالث:- وهو الممكن بالقياس إلى الغير وجود أحد الممكنات وقياسه إلى الممكن الآخر الذي لا يرتبط معه بارتباط علّي أو معلولي وكذلك منه وجود واجب الوجود لذاته بالقياس إلى واجب آخر لو فرض محالاً وجوده فإنه يستحيل أن يكون بينهما ارتباط علّي أو معلولي وإلا لما كان واجب الوجود لذاته واجباً لذاته.
ــــــــــ[64]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
من المباحث التي تخص الإمكان الذاتي مبحث (علة الحاجة إلى العلة) فإنه من الأسئلة التي تجري دائماً على أفكار الناس السؤال عن سر احتياج الشيء الموجود إلى العلة.
ومبعث هذا التساؤل هو الشعور العميق الموجود عند كل أحد وهو من البديهيات الأولية أن كل موجود حادث لابد له من علة وأن كل شيء موجود حادث يحتاج إلى السبب وهذه بديهة من إحدى بديهتين هما أساس حياة الإنسان في كل شؤونه المادية والعلمية إذ كل منّا يشعر في أعماق نفسه بأن كل موجود حادث لابد أن ينشأ من سببٍ ما، وأن العلة التامة إذا وجدت يستحيل تخلّف المعلول عنها ولولا هاتان البديهتان لما عمل الإنسان ولما سعى ولما حاول الانتفاع والاختراع ولما طلب العلم والمعرفة فإن كل ذلك لا يتم للإنسان لو لم يشعر شعوراً عميقاً بهاتين البديهتين حتى أنه يعسر على الفكر العامي أن يتعقل وجود شيء يستغني عن العلة.
وفي الجواب عن ذلك التساؤل عن سر الحاجة إلى العلة أكثر ما يذهب فكر الإنسان العامي إلى تخيل أن السر هو الحدوث أبى وجود الشيء بعد عدم إذ يألف الحوادث الكونية فيرى أن خروج الشيء من كتم العدم وظلمته إلى ظهور
ــــــــــ[65]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
الوجود ونوره هو الذي يحتاج إلى العلة ومن هذا يتخيل أن السرّ في الحاجة إلى العلة هو وجود الشيء بعد عدمه.
وشيوع هذا التخيل عند البشر هو الذي مكّن الملحدين أن يوهموا الناس أن القول بقدم المادة أو الدهر يستلزم إنكار الخالق واجب الوجود فأكدوا على ذلك مستغلين غفلة العامة وبساطة تفكيرهم إذ يظنون أن القديم بعد أن تخيلوا أن سر الحاجة إلى العلة هو الحدوث، يستغني عن علة موجبة له فينسد عندهم باب إثبات الصانع.
ولكن التأمل يقضي بنا إلى أن نرجع إلى قولنا (الحادث محتاج إلى العلة) فنتأمل فيه لنقول لأنفسنا: هل أن الموضوع لهذا الحكم بالحاجة هو الحادث بما هو حادث أو بما هو ممكن.
والحق هو الثاني أي أن علة الحاجة إلى العلة هي الإمكان لا الحدوث، وأن موضوع الحكم في الحقيقة هو الممكن بما هو ممكن وإنما يعبّر عنه الإنسان بعنوان الحادث، فمن باب وضع ما بالعرض مكان ما بالذات وهذه المغالطة وهي وضع ما بالعرض مكان ما بالذات سر بلوى البشر في أكثر تفكيرهم وهي في موضعنا بالخصوص متمكنة من النفوس. غاية التمكن إما لأنه لا يشاهدون أكثر الممكنات التي يعرفونها إلا وهي حادثة، أو لأنهم لا يتعقلون ممكناً إلا وهو حادث.
مع أنه في الحقيقة لا يكون الحادث حادثاً إلا إذا في نفسه ممكناً فإن الواجب والممتنع يستحيل أن يكونا حادثين فرجع الأمر في الحقيقة إلى الإمكان ويكون
ــــــــــ[66]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
السر في الحاجة كامناً فيه والسر واضح لأن الممكن هو الذي لا اقتضاء فيه للوجود ولا للعدم وما لا اقتضاء له في ذاته لا يكون له اقتضاء إلا من قِبل الغير لأن كل ما بالعرض لابد أن ينتهي إلى ما بالذات.
فإذن الممكن محتاج إلى العلة سواء كان حادثاً أو قديماً لو سلّمنا -جدلاً- أن بعض الممكنات قديمة في الزمان كالمادة فيما يزعم الماديون وكالدهر فيما يزعم الدهريون وكالعقول فيما يقول الحكماء فإن كون هذه الممكنات قديمة لا يجعلها مستغنية عن العلة؛ ولأنها تسبّح بحمد ربها فلا يكون وجودها منبثقاً عن علة مستغنية عن كل علة وهو واجب الوجود لذاته.
(انتهت السنة الثانية)
الباب الثاني للسنة الثالثة(1)
مباحث العلة والمعلول
تمهيد
ــــــــــ[67]ــــــــــ
(1) هكذا ورد في النسخة الخطية.
محاضرات كلية الفقه، خلاصة الحكمة الإلهية
الفلسفة 13
الباب الأول: مباحث الوجود 13
تمهيد 13
1- تعريف الوجود 16
أ. مفهوم الوجود 16
ب. حقيقة الوجود 16
2- اشتراك الوجود 18
3- زيادة الوجود على الماهية 20
4- أصالة الوجود 22
تعقيب وتوضيح 24
5- العدم مفهوم واحد والمعدوم ليس بشيء 27
6- إعادة المعدوم 29
7- الوجود الذهني 31
الملجأ إلى إنكار الوجود الذهني 33
ردٌ لشبهتي منكري الوجود الذهني 38
8- أقسام الجعل 41
الجعل البسيط: 41
الجعل المؤلف: 41
9- ما هو المجعول بذاته – الوجود أو الماهية-؟ 44
10- تقسيم الوجود إلى المحمولي والرابط 48
11- تحقيق معنى الوجود الرابط 51
12- مواد القضايا وجهاتها 54
13- الجهات اعتبارات ذهنية 57
14- أقسام كل واحد من المواد الثلاث 62
15- علة الحاجة إلى العلة 65
الفهرس 69