1 , 210
ص44الصدر، محمد.
محاضرات كلية الفقه – الملاحظات العامة/ محمد الصدر.-ط.1-النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر،2024.
(472ص.) ؛ 17×24سم.
1.الفكر الإسلامي- أ. العنوان.
رقم الإيداع
1749/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1749) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
3-55-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات كلية الفقه
دفتر الملاحظات العامة
مجموعة من المحاضرات
التي ألقيت في السنة الرابعة
1961- 1962
ضبط وكتابة
المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمد الصدر
النجف الأشرف- العراق
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الفلسفة: تبحث عن الموجودات بما هي موجودة وعن ثبوتها من حيث هي في نفس الأمر والواقع. وكلّ العلوم إنَّما تنقسم عن تقسيمات الوجود.
والفلسفة تنقسم إلى عامّة وإلهيّة، فالعامة كالبحث عن ا لعلّة والمعلول، والإلهيّة كالبحث عن وجود الله تعالى وصفاته.
وتفترق الفلسفة عن الكلام: أنَّ الكلام وضعه العرب للدفاع عن الفلسفة، فالفلسفة ليس فيها تأييد مسلك معيّن أو دين بخصوصه، بل تبحث الحقائق على ما هي عليه. وهذا التجرّد قد يحمل الفيلسوف على تبنّي رأي مخالف للشريعة الإسلامية أو لظاهر الشريعة الإسلامية مما يوجب الخروج عن الشريعة الإسلامية في الواقع أو في نظر المسلمين، والفيلسوف لا يبالي أن ينقض البرهان الذي أقامه ديناً أو مذهباً.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامة الأول. (المقرِّر).
(2) أوّل يوم للدراسة في السنة الرابعة، الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، 10/10/ 1961م. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فلمّا جاءت الفلسفة اليونانية وهي غير ناضجة وقلّدها بعض العرب تقليداً أعمى، فأوجب بلبلة في الأفكار الإسلامية، وشعر المسلمون بأنهم مهاجمون من قِبَلِ الفلسفة اليونانية. وذلك كما نجد في عصرنا الحاضر في الفلسفة الحديثة أنها أوجبت البلبلة في أفكارنا، وسابقاً كانت الوسائل صغيرة وكان هناك رؤساء لهم أتباع من حولهم، أمّا الآن فقد كثرت الوسائل ممّا أوجب انتشار الآراء بين الناس أجمعين.
ولما كانت طبيعة الفلسفة النظر إلى حقائق الأشياء غير مقيّدة برأي ولا عقيدة، وهذه الآراء اليونانية لما أتت وجد فيها بعض المعارضة لآراء الدين الإسلامي ونظرياته.
فالمسلمون من ذلك العهد -والبلبلة في أفكارهم- تصدّوا للدفاع عن عقائدهم بمثل تلك البراهين اليونانية، وحاولوا تطبيق الشريعة الإسلامية على الآراء الرائجة من الفلسفة. والآراء التي هجمت على المسلمين هي آراء اليونانيين والرومانيين والهنود، وقد جاءت إلى المسلمين عن طريق مدرسة أفلاطون(1).
فدافعوا عن الدين الإسلامي على أنه دين صحيح، وحاولوا تطبيق الدين على تلك الأدلّة والبراهين العقلية، وإلا للتمسوا الاستدلال عليه من تلك الأساليب البرهانية فما وافق الدين في رأيهم أخذوه، فنشأ من هذا علم الكلام.
فعلم الكلام إنما نشأ من الدفاع عن العقيدة الإسلامية عندما هاجمته
ــــــــــ[16]ــــــــــ
() أفلوطين. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الفلسفة اليونانية والرومانية، فأرادوا أن يردّوها بما يعتبرونه صحيحاً في الشريعة الإسلامية على طبق تلك البراهين. كما نستقي نحن من آراء الغربيين ما يكون دليلاً على الدين الإسلامي، وليس معنى ذلك تصحيح الآراء الغربية، ولكن لنقنع أولئك على أن آراء الدين موافقة لآراء الغرب بشكل من الإشكال، وذلك كما نقول بأن الصلاة تحتوي على رياضة بدنية ليرضى بها المتفرنجون؛ وليلتزم بها هؤلاء (الزعاطيط)(1). لأنهم يقدّسون الرياضة ويعتبرونها فوق الأديان والعقائد نتيجة لأخذهم بالآراء الغربية.
فعلم الكلام علم مستقلّ لا علاقة له بالفلسفة. والفلسفة هي: البحث عن الوجود وأقسامه والبحث عن الأشياء الموجودة بما هي هي، أما علم الكلام فلا يشبه علم الفلسفة؛ لأنه إنما نشأ عند المسلمين لردّ عادية الفلسفة المهاجمة خوفاً من أن تؤثّر على العقيدة الإسلامية أو ما يرونه عقيدة إسلامية.
وقد ينشأ عندنا علم كلام آخر نتيجة لاختلاطنا مع الفلسفة الحديثة.
وأئمتنا نَهَوْنا عن علم الكلام وعن اتباع آراء المتكلّمين:
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) كلمة أرامية عراقية قديمة معناها: الولد الصغير. وتقال على الجماعات ذوي الأعمار الكبيرة والعقول الصغيرة.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
اعتبروا آراء اليونان كالوحي المُنزل.
والمسلمون عليهم أن يتبعوا الإسلام بحذافيره وليس عليهم التطبيق على غيره من الآراء، ومن الخطأ الالتزام برأي يغير الإسلام من أيّ رأي إلا إذا كان يقينياً؛ لاحتمال أن يصبح ذلك الرأي في يوم من الأيام اضحوكة العالم. نعم، يمكن على نحو الاحتمال لا الجزم.
فيجب أخذ الآراء الإسلامية ولو من طريق التعبّد وإن لم يكن لي برهان علمي عليها، وهل من الضروري أن أقيم على آراء رسالة محمّد -المبرهن عليها سلفاً- برهاناً؟ بل يجب التسليم بها، كالاعتقاد بالجنة والنار، فإن لم يكن لي دليل عليها فهل يجب أن أرفضها مع أنّي آمنت بالشريعة الإسلامية.
فالذين حفظوا عقيدة الإسلام من الانهيار أمام التيارات اليونانية هم الأئمة الأطهار^ لمحاربتهم علم الكلام وبثّهم الحقائق، ونرى أنَّه لا يوجد فيلسوف عظيم إلَّا هو شيعي المذهب.
ــــــــــ[18]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الحكم في القضية الحقيقية هو ما كان في أصل التشريع، ولا بُدّ فيها من فرض الموضوع سواء تحقق الموضوع في الخارج أم لم يتحقق، نحو صدور قانون يحكم بأن يقدم كلّ من دخل الحدود فعليه أن يقدّم (الباسبورت) وتحقق الموضوع هو المرحلة الفعلية للحكم، ولا تكون المرحلة الفعلية بجعل حكم ثانٍ، أما القضية الخارجية فهي القضايا التي تأتي للتخصيص، كما إذا استثنى القانون شخص رئيس الوزراء من إظهار (الباسبورت).
ــــــــــ[19]ــــــــــ
() الفقه، الشيخ محمد تقي الإيرواني، 11/10/ 1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
حاول البعض حصر الأصول العملية حصراً عقلياً. وننقل بهذا الصدد عبارة كتاب (فرائد الأصول)(2) للشيخ الانصاري: “ثُمّ إنَّ الانحصار في الأصول الأربعة عقلي؛ لأن حكم الشك… الخ”.
والمقياس لدخول الأصول العملية الأربعة في علم الأصول هو: انطباق تعريفنا لعلم الأصول عليها وهو: “العلم بالكبرى التي لو انضمّت إليها صغراها لأنتجت حكماً كلياً أو لأمكن أن تنتج حكماً كلياً“.
ويدخل بهذا التعريف قاعدة الطهارة -الذي يقال عنها أنها أصل فقهي لا أصولي- وقد أجيب في التفريق بين الاستصحاب وأصل الطهارة من جعل
ــــــــــ[20]ــــــــــ
() الأصول، (في كتاب حقائق الأصول)، السيّد محمّد تقي الحكيم، 11/10/ 1961. (المقرِّر).
(2) صفحة 183. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأول أصولياً والثاني فقهياً بعدّة أجوبة:
الأول: ما اخترناه من أنه لا مانع من كونه أصولياً؛ لانطباق التعريف عليه.
الثاني: أن أصل الطهارة لوضوحه غير مستحق للبحث في علم الأصول، وإنما بحثت هذه الأربعة الأخرى فيه؛ لعدم استغناء البحث فيها في علم آخر. والجواب: أن هذا الوجه إنما يقصيها عن أن تحرّر في علم الأصول ولكنه لا ينفي أن تكون مسألة اصولية، وكونها لا تحرّر في علم الأصول لا يستوجب كونها غير أصولية. وفرق كبير بين كونها غير أصولية وبين كونها أصولية غير محرّرة.
الثالث: أن ما يدخل في علم الأصول من الأصول العملية هو ما يشمل جميع ابواب الفقه، أما أصل الطهارة فيخرج؛ لأنه لا يشمل إلا مبحث الطهارات في الفقه. والجواب: أن بعض المسائل التي اتفقت الكلمة على أنها أصولية تنطبق على باب دون باب، كمسألة (أن النهي في العبادة هل هو مفسد لها؟) فهذه القاعدة لا يمكن أن تنطبق إلا على باب العبادات، فإذن لا مانع أن يكون أصل الطهارة اصولياً مع كونه يخص جانباً واحداً من الفقه.
الرابع: اختلف في أن الحكم بالنجاسة والطهارة إخبار عمّا في نفس الأمر ومن الوقائع الخارجية، أو أنه من الأحكام الوضعية؟ فإن كان الأول فلا يمكن أن يكون أصولياً. والصحيح هو الوجه الثاني وقد استدلّ عليه صاحب (الكفاية) بدليلين:
ــــــــــ[21]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأول: لو كانت الطهارة خارجية لما اختلفت الشرائع بتشخيص الطاهر من النجس، ولكنها اختلفت إذن فالطهارة معنى حكمي.
الثاني: لو كانت الطهارة خارجية لكان المستفتى فيها العرف لا الشارع؛ لأن الشارع إنما يستفتى في الحكم لا في الموضوع، ولكن الشارع هو المستفتى في أصالة الطهارة إذن فالطهارة معنى حكمي.
فقاعدة الطهارة والاستصحاب على حد سواء من هذه الناحية، أي في دخولها في علم الأصول.
ــــــــــ[22]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الفلسفة هدفها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليها بقدر الطاقة الانسانية (وهذا التعريف للفلسفة تعريف بالغاية).
والكلام هدفه تصحيح العقائد الإسلامية على ضوء الفلسفة القديمة.
لمّا هاجمت الفلسفة أفكار المسلمين وأوجب اضطرابهم؛ لأنهم كانوا على عقيدة بالفلسفة، وكانوا يعتقدون أنَّ كلام الفلاسفة حقائق (كالوحي). فإذا اتفق أن ناقضت العقيدة الإسلامية أو ما يحسبونه عقيدة إسلامية الحقائق التي يقرّون بها كان الإسلام خلاف الحقيقة بعقيدتهم. فالتجأ المسلمون إلى أن يطبّقوا ما فهموا من الإسلام على تلك المعلومات الطارئة عليهم، وعلى ضوئها أرادوا أن يصوّروا العقائد الإسلامية. فنشأت من ذلك المذاهب المختلفة، فمنها المعتزلة والاشاعرة والآراء (العجيبة) التي افترق المسلمون فيها فرقاً (ما شاء الله).
ــــــــــ[23]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمد رضا المظفر، 12/10/1961 الخميس. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وكان من جملة نقاط الخلاف:
هل يجوز تقدّم المفضول على الفاضل أو لا؟ هل القرآن مخلوق أو لا؟ والبحث بالوعد والوعيد.
ويبتنى الخلاف في خلق القرآن وعدمه على تفسير قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(1)، فما هذه الأشياء الثمانية التي تحمل العرش لا بُدّ أن تكون هي الصفات، وبحثوا عن الصفات فوجدوا سبعاً، ولمّا كان لا بُدّ أن تتم إلى ثمانٍ أضافوا الكلام النفسي واعتبروه قديماً؛ لأنَّه صفة من صفاته تعالى، ولمّا كان القرآن من كلامه عزّ وجلّ فهو قديم، واعتبروا إنكار قدم القرآن كفراً يستحق صاحبه القتل؛ لأنه إنكار لصفة من صفات الله تعالى الثبوتية.
فنشأة علم الكلام كانت عند المسلمين، وهو من العلوم التي لم تكن سابقة على المسلمين، وهو بقدر ما له من حسن، هو في الحقيقة أفسد على المسلمين كثيراً في عقائدهم من الناحية الفكرية ومن الناحية الإسلامية:
أما من الناحية الفكرية: فإنه حدّد حرية الفكر التي نادى بها الإسلام (وهو أن ينظر إلى الأشياء بما هي هي) وجعل ينظر إلى الأشياء من الزاوية التي فرضها المتكلّمون على الإسلام؛ لأن الباحث إنما يجهد نفسه للبحث عن الأدلّة على وجهة النظر الإسلامية التي يراها هو صحيحة.
ولذلك صار الفلاسفة محاربين، ونشأت الفلسفة في (السراديب) والظلمات والتكتّم، وهذا سبب انتشار الفلسفة عند الشيعة أكثر من غيرهم؛
ــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) الحاقة: 17.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لأنهم محاربون أولاً؛ ولأن حرية الفكر مضمونه عندهم أكثر من غيرهم ثانياً.
ومن ناحية إفساد المجتمع الإسلامي بسبب علم الكلام: هذه الفتن التي وقعت بين المسلمين بسبب اختلاف الآراء؛ لأنهم ما سلموا على الإسلام نفسه؛ لأنهم لم يأخذوا الإسلام من منابعه، ولم يأخذوا ما كان منه قطعياً، وإنما أخذوه من (أبي هريرة) الذي يدّعي أن الله تعالى شأنه يضع رجله في النار فتقول: قطني قطني.
فهم لم يأخذوا بالآراء الإسلامية القطعية التي لا خلاف فيها، وإنما أفسدوا الإسلام، ثُمّ حاولوا تطبيقه على الفلسفة.
فكان من هذه المسائل الجبر والتفويض، وما رووا عن أبي هريرة أن الله تعالى يُرى يوم القيامة كالقمر الطالع؛ فحاولوا تبريره من الناحية الكلامية، فهل هذه هي المبادئ الإسلامية التي ندافع عنها ونؤمن بها؟!
وعلى هذا لا يوجد شيء قطعي من الإسلام ناقض شيئاً قطعياً من الآراء الفلسفية، وهذا من معجزات الإسلام، لو جاء هذا الكتاب من شخص عادي ومرّ عليه مائة سنة (لا ألف) لظهر به كثير من النواقص.
فالتقيد بتفسير ما نفهم من الإسلام على أن يكون هو الرأي الحقيقي؛ هو الذي أوجب تبلبل الافكار الإسلامية وتأخّر المسلمين، بل لا بُدّ من أخذ الآراء الإسلامية كما وردت لثبوت الإسلام نفسه بطريق قطعي، فلا تحتاج آراؤه إلى البرهنة عليها من طريق آخر إلا كوسيلة للإقناع، ومن يريد أن يستبصر يأخذ آراء الإسلام اليقينية، أما المظنونة فقد يرجّح الباحث أنها هي الصحيحة، ولكن لا على أن تفسد عقيدته، ويكون البحث حولها من فضول الكلام.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ومن جملة المفاسد التي ابتلي بها الشيعة أنه بعد أن نهانا الأئمة عليهم الصلاة والسلام عن علم الكلام وقع فيه الشيعة (على رغم أنوفهم)؛ لأن العلم والبحث إنما هو عند السنة فاضطرّ الشيعة أن يدرسوا ما يدرسون للردّ عليهم؛ ومجادلتهم مما أوجب بحث الشيعة لعلم الكلام.
وقد أخذ الشيعة بالأخير بعلم الكلام وفسّروا آراءهم كعينية الصفات للذات والأمر بين الأمرين، فوقعوا في شيء من التذبذب والغلط مثل الشيخ الصدوق فقد كان بسيطاً وغير مختص بعلم الكلام، فكان من جملة أقواله في الكلام: أن معنى الصفة الثبوتية هو سلب صفات النقص عن الله تعالى: فمعنى العلم هو عدم الجهل، ومعنى القوة عدم الضعف ومعنى الحياة عدم الموت، فجعل الله تعالى مكوّناً من أعدام؛ لأن الصفات لو أصبحت ثبوتية لأصبحت متعدّدة وفي هذا ما ينافي التوحيد المطلق الذي تدين به الشيعة.
والشيخ الطوسي وهو المصلح الأعظم لعلم الكلام عند الشيعة، وهو الذي صحح ما عند الشيعة من دون أن يصارحهم بالحقيقة وهي أن علم الكلام مفسد لعقائدهم.
والبحث عن حقائق الأشياء من أرقى الأشياء وأعظمها، ولكن تحديد الفكر ليس له معنى، بل نأخذ ما وردنا عن الشريعة الإسلامية، فإن فهمناها وإلا اعتقدناها تعبّداً على كلّ حال؛ لأنَّ مصدرها هو الإسلام، وأننا لا زلنا قاصرين عن إدراك حقائقها.
فعلم الكلام ليس علماً مما يعتمد عليه.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأحكام التي يثبتها العقل للمسائل الفلسفية لا يجوز أن تكون بالاستحسانات و لا بالآراء الفلسفية المختلف فيها، بل بما يؤخذ من فطرة العقل التي لا شكّ فيها، مثل حكمنا في قوله تعالى: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(2) وقوله: يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ(3) بأنه لا يجوز أن يكون لله عرش أو يد كما نفهمه من هذين اللفظين.
وإنما حدثت الاختلافات بين المسلمين بسبب هذه الفلسفة التي نسميها (فلسفة كلامية)، وجرى الشيعة على منهج السنة في ذلك على اسلوب التقليد المنهجي، ففسروا عينية الصفات والأمر بين الأمرين بهذه القواعد الكلامية.
وقد انتشرت الآن حرية عند السنة -سوى الأمويين المتعصبين- بصورة أوسع من السابق، فنحن نستطيع الآن أن نؤثّر عليهم ونغزوهم لو استطعنا
ــــــــــ[27]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، السبت 14/10/1961. (المقرِّر).
(2) طه: 5.
(3) الفتح: 10.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إيصال صوتنا إليهم وبسطنا أمامهم آراءنا بوضوح.
فالكلام أفسد أكثر مما حاولوا أن يصلحوا به العقائد الإسلامية.
لا بأس أن يقرأ الإنسان العلوم، ولكن لا على أن يستقي العقيدة منها،
-أقصد العقيدة بالله تعالى-، فالإنسان حينما ينظر إلى نفسه وأموره يجد لها خالقاً ومدبّراً، ولكن هذه الفلسفة إنما تدرس لرد الشبهات وللإقناع ولتوسيع أفق الذهن، لا على أن نأخذ من الفلسفة عقيدة، والفلسفة أبعد من أن تكوّن عقيدة عند الإنسان.
ولا يجب أن نعتقد بالله على طريقة الفلاسفة؛ لأن الله تعالى لم يكلفنا بذلك بل العقيدة العامية كافية، ولكنك لا تستطيع أن تفهم المصطلحات والبحوث الفلسفية بدون أن يكون لك إلمام بالفلسفة.
إنّ الذي لا عقيدة له ويريد أن يستند بعقيدته إلى مثل هذه الفلسفة فهو يضرب بحديد بارد.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الشكّ يأتي على أقسام:
والشك في التكليف مرة على نحو الشبهة الوجوبية، ومرة الشبهة الحرمتيّة وكل منهما على ثلاث حالات:
ــــــــــ[29]ــــــــــ
() الأصول، (تقرير الشيخ محمّد رضا المظفر) -كان مدرس الأصول غائباً-، 15/10/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهذه ست مسائل جمعها الآخوند في مسألة واحدة أما لوحدة الدليل أو لوحدة الغرض، أو لوحدة الموضوع. والجهة التي توحّد هذه المسائل هو الشكّ في التكليف مع فقدان الحجة وهو معنى كونه مجملاً؛ لأن النص المجمل لا حجة فيه والشك في التكليف مع فقدان الحجة المرجع فيه هو البراءة.
وقد اختلفوا في أن القاعدة فيها هل هو الرجوع إلى أصل البراءة أو الاحتياط، والاصوليون يذهبون إلى البراءة والاخباريون يذهبون إلى أصالة الاحتياط. ونحن يجب أن ننظر في الأدلّة على أصالة البراءة التي قال بها الاصوليون من الأدلّة الأربعة ونحن نذكرها واحدة واحدة مع شرحها ومناقشتها.
لا يخفاكم أن هناك براءة عقلية وبراءة شرعية، فالبراءة العقلية هو أن يحكم العقل أن لا عقاب فيتضمن الحكم بالمعذرية فقط ولا يتضمن حكماً بالإباحة، والبراءة الشرعية حكم بالإباحة كما في الحديث “كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام” غاية الأمر أن موضوع الإباحة هو الموضوع المجهول الحكم، فبما هو مجهول الحكم يكون محكوماً بالإباحة شرعاً وهذا يتضمن حكماً بالإباحة لا رفعاً للعقاب فقط.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالبراءة الشرعية تحتاج إلى دليل شرعي لا فقط من طريق العقل لأن البراءة العقلية ليس فيها إلا رفع العقاب فلا يستكشف من ورائها حكم شرعي، في حين أن البراءة الشرعية حكم ثانوي ظاهري مرتب على مجهول الحكم:
ليس معنى البراءة الشرعية أن دليلها شرعياً فقط، وليس معنى البراءة العقلية أن يكون دليلها عقلياً فقط. بل قد يكون دليل البراءة العقلية شرعياً كما سنتوصل إليه حول هذه الآية: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(1) من أنها لا تدلّ إلا على البراءة العقلية وقد يكون دليل البراءة الشرعية عقلياً، كأن نثبت البراءة الشرعية عن طريق حكم العقل برفع العقاب بلا بيان مع عطف الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع والقول بأن الشرع يحكم بما يحكم به العقل.
أظهر الآيات كما يقول الآخوند آية واحدة لا تخلو من مناقشات وإن تمّت فإنما تدلّ على البراءة العقلية وهذه الآية هي قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً.
وقد اشكل على دلالة الآية من نواحي:
ــــــــــ[31]ــــــــــ
(1) الإسراء: 15.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والجواب:
وهذا تقرير لحكم العقل وهو من باب رفع العقاب والتحذير وليس فيها إثبات حكم إباحة فلسان الآية هو لسان البراءة العقلية.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
احتمال أنّ نفي العذاب في الآية: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(2) من باب التفضّل والمنّة ونفي فعلية العذاب، فذلك لا ينفي الاستحقاق لاحتمال عفو الله عنه مع استحقاقه، بل تدلّ على الاستحقاق؛ إذ لا معنى للعفو بدونه. فلا تكون الآية دليلاً على ما نريد؛ لأن المطلوب من الآية هو نفي الاستحقاق والدليل (وهو الآية) لا يكون مطابقاً للمدّعى.
وجود المُحرّم الواقعي سبب لاستحقاق العذاب عند ارتكابه -لوجود العلم الإجمالي بوجود الأحكام الإلهية على العبيد-، ولكن ربما يكون الجهل بالأحكام مانعاً عن فعلية العقاب، فالشارع رَفَعَ العقاب عن المكلفّ لجهله مع استحقاقه للعقاب.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
() الأصول، (حقائق الأصول ص223). (تقرير الشيخ محمّد رضا المظفر) –كان مدرس الأصول غائباً- الاثنين16/10/1961. (المقرِّر).
(2) الإسراء: 15.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لو أوصى زيد بعبد لبكر وهذا الاخير ممّن ينعتق عليهم العبد، ثُمّ مات زيد ومات بعده بكر قبل أن يجري القبول على الوصية، ثُمّ قبل الوارث بعد أن انتقل له حقّ القبول بالوصية من بكر، وكان هذا الوارث ممن لا ينعتق عليهم هذا العبد كأن كان زوجته أو ضامناً جريرته.
فعلى القول بأن القبول كاشف عن ملك العين (العبد) من حين موت الموصي (زيد)، فإن العبد ينعتق على بكر، ولا يأتي الدور لورثته ليملكوه وإن كان بكر ميّتاً.
وأما على القول بأن القبول ناقل للعين (العبد) من حين وقوعه، لأنه جزء السبب، ولا يمكن أن يحدث المعلول إلا بعد تماميّة السبب، فالعبد يدخل في ملك الوارث بعد قبوله بالوصيّة؛ لأن المالك من لا ينعتق عليه، ومن ينعتق عليه غير مالك.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
() الفقه، نقل بالمعنى لا باللفظ. اللمعة ج2، ص 32، الشيخ محمّد تقي الإيرواني، 16/10/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ذكر الآخوند تعالى للآية وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(2) مناقشتين:
على أنه في الواقع لا ملازمة بين الاستحقاق والفعلية، فلا فعلية مع وجود الاستحقاق.
بقي شيئان يجب أن نبحثهما:
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() الأصول، (الكفاية)، (تقرير الشيخ محمّد رضا المظفر) -كان مدرس الأصول غائباً- الأربعاء 18/10/1961. (المقرِّر).
(2) الإسراء: 15.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
العذاب وإن كان مستحقاً.
الجواب: أنّ غرض الفقيه إنما يبحث المسألة من زاوية خاصة، وهي ناحية ثبوت الحكم الشرعي وعدمه، ولا يبحث المسائل الكلامية من أن الله تعالى يعاقب أو لا يعاقب، وإنما يستدلّ على نفي الاستحقاق لإثبات نفي الحكم؛ لأن نفي الاستحقاق يعني لا حكم، أما إذا كان الاستحقاق موجوداً فالحكم موجود. فيجب نفي الاستحقاق لإثبات البراءة، أما إذا كانت دالّة على نفي فعلية العذاب لا نفي استحقاقه فلا تتم دلالتها على نفي الحكم أو البراءة العقلية.
فنقول -على نحو الاختصار-: إن للعلماء ثلاثة آراء في المسألة:
ــــــــــ[36]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فتكون الملازمة بين الذنب والعقاب من الآراء المحمودة والله تعالى الذي هو سيد العقلاء وخالق العقول يحكم بحكمهم، فيعذّب من عصاه ويثيب من أطاعه.
فعلى كلٍّ من هذه الأقوال هل توجد بين الفعلية والاستحقاق للعذاب ملازمة أم لا؟
أما على القول الأول: فالملازمة موجودة بين الاستحقاق وفعلية العقاب؛ لأن العلّة إذا تمّت لا بُدّ من وجود المعلول ولا يعقل التفكيك(1).
أما على تقدير القولين الأخيرين: وهو فيما إذا كان العقاب مجعولاً عقلياً أو شرعياً، فالعبد بعد عفو الله تعالى لا يعاقب، إما لعدم المقتضي للعقاب أو لوجود المانع، وهذا المانع إما أن يمنع أصل تأثير المقتضي أو يمنع بعد ذلك، كالتوبة وفعل الحسنة، فبالحسنة يجعل الله المقتضي عديم الأثر.
ــــــــــ[37]ــــــــــ
() وسُئِل المدرس: بأن عفو الله تعالى كيف يكون مانعاً من العذاب على هذا القول؟
فقال: إنّ عفو الله تعالى قد يكون مانعاً من العذاب، فلا تكون العلّة تامّة فلا يعذّب. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فعلى القول الثاني فإنّ العقلاء يحكمون بأنّ المذنب معاتب إذا لم يقترن ذنبه بعمل صالح، وعلى القول الثالث أنّ الله تعالى يحكم بعقاب العاصي ما لم يتعقّب ذنبه بحسنة أو توبة، فموضوع العقاب يرتفع حينئذٍ.
فاذا جاء دليل على أن لا عقاب فعليّ على الذنب يدلّ – بمقتضى القولين الأخيرين – على أن لا استحقاق في نفس الجعل؛ لأن الجريمة إما أن تكون مقترنة بتوبة أو جهل أو حسنة، فلا يكون العذاب مجعولاً لا عند الشارع، ولا عند العقلاء؛ لأن الفعلية إذا نفيت نفي الاستحقاق وإذا نُفي الاستحقاق دلّ على نفي الحكم الشرعي؛ لأنه إذا كان هناك حكم لا بُدّ أن يكون هناك استحقاق للعقاب على عصيانه.
فعلى كلّ الاقوال توجد ملازمة بين الاستحقاق والعقاب فتكون الآية دليلاً على المدعى ولا تكون دليلاً جدلياً – كما قال الآخوند في الكفاية – ضد الاخباريين بل دليلاً برهانياً؛ لأنها تدلّ على نفي الاستحقاق فتدلّ على نفي الفعلية على كلّ الأقوال.
فدلّت الآية على البراءة العقلية أي على نتيجة البراءة العقلية -وهو نفي الحكم-، فإذا دلّت الآية على جعل رفع الحكم دلّت على البراءة الشرعية.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا: بأن الآية -على قولنا- لا تحتوي على أيّ شبهة أو إشكال -وهي قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا-، فإننا نقول بأن الفعل ينسب إلى الله وإلى العبد في وقت واحد، وليس في انتسابه إلى كلٍّ من الجهتين مجاز ولا تجوّز،. ولكن لا على أنهما شريكان ولا على أنَّ أحدهما في عرض الآخر، غاية الأمر أن جهة انتساب الفعل إلى كلٍّ من الفاعلين مختلفة، فجهة انتسابه إلى العبد هو المباشرة، وجهة انتسابه إلى الله تعالى إفاضة الوجود. (أكوس أو عريض اللحية، هنا الأمر بين الأمرين). فأنت تزرع بلا مجاز والله تعالى هو الزارع بلا مجاز أيضاً؛ لأنه هو مفيض الوجود، فلذلك قلنا: إنّ الله كريم، إذا طلب الشيء
ــــــــــ[39]ــــــــــ
() الفلسفة، (في كتاب حقائق التأويل ص17)، التأريخ السابق نفسه. 18/10/1961. (المقرِّر).
() آل عمران: 8.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بلسان استعداده أن يدخل في نظام الوجود فهو يفيض الوجود عليه؛ لأنه لا بخل في ساحته.
الفيض لا يكون إلا خيراً، ويكون على طبق ما تقتضيه الأسباب الطبيعية، فإن كانت تقتضي الوجود الكامل جاء الفيض كاملاً، وإن كانت تقتضي الناقص جاء الفيض ناقصاً، فالزيغ وجود ناقص بسبب تأثير الأسباب الطبيعية وعدم قابليتها للوجود الكامل.
(الشرّ منسوب إلى العبد باعتبار عدم قابليته على الوجود الكامل وذلك؛ لأن الوجود خير محظ والعدم شر محظ ونسبة الشيء إلى الخالق تعالى من ناحية وجوده ونسبته إلى الإنسان من ناحية نقيصته وحصّته من العدم والقابلية إنما تأتي من الذات مجعولة بالجعل البسيط)(1)(2).
أما ما ذكره السيد الرضي من الآراء في الآية:
القول الأول: قول بالتفويض؛ لأنه يظهر منه أن أفعالنا ليست مرتبطة بالله تعالى، وأن الله تعالى يعلم بها علماً حصولياً لا حضورياً، وليس هذا هو الأمر بين الأمرين.
والثاني: هذه الأسباب إما أن تكون علّة تامة فيكون قولاً بالجبر، وإلا
-وإن كانت مجرّد تهيئة موضوع- فيكون قولاً بالتفويض، ولا يكون هناك علاقة بين الفعل وبين الله تعالى.
ــــــــــ[40]ــــــــــ
() المحصور بين قوسين كلام للمدرس في اليوم السابق الثلاثاء. (المقرِّر).
(2) انتهى كلام يوم الثلاثاء. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وأما الوجه الثالث: فيمكن تأويله على قولنا كما قال الله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ(1)، فعلى غير قولنا لا تتمّ هذه الآية؛ لأن الإزاغة إما أن تكون من الله أو من العبد، وقولنا هو الذي يصحّح أن تكون منسوبة إلى كلا الجهتين باختلاف النسبة.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
(1) الصف: 5.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
استدلّوا على إمكان إجازة الوارث للوصية حال حياة الموصي فيما زاد عن الثلث بدليلين:
وأجيب بوجهين أيضاً:
ــــــــــ[42]ــــــــــ
() الفقه، في كتاب (اللمعة، الوصية). الشيخ محمّد تقي الإيرواني، الخميس 19/10/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أ. فكون أنّ منجزات المريض لا بُدّ وأن تكون من ثلث ماله إلا بإجازة الوارث، فهذا شيء محلّ خلاف في نفسه، والمعروف بين المتأخّرين أن منجزاته تخرج من أصل المال.
ب. أنّ الدليل أخص من المدّعى؛ لأن الدليل لا يتناول إلا حال مرض الموت، فكيف يكون دليلاً على حال الصحّة، فاللازم جعل الدعوى هي إمكان إجازة الوارث أثناء المرض لتطابق الدليل.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قد مضى الكلام في الآيات التي استدلّ بها الآخوند على البراءة، أما الروايات فأهمها الحديث النبوي الصحيح المشهور المسمّى بـ(حديث الرفع) “رفع عن أمتي تسعة أشياء الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه…“(2). والاستدلال يخص هذه الفقرة من الحديث: (ما لا يعلمون) من أن الحكم المجهول مرفوع عن الأمة، فلا عقاب عمّا هو ثابت في الواقع لو خالفه العبد وهو جاهل بالحكم.
فنقول في أول الكلام: ما هو معنى الرفع؟ وهل يصحّ نسبة الرفع إلى الحكم؟ في حين أن الظاهر أن الرفع يقابل الوضع والرفع غير الدفع، فهل الرفع هو نفس الدفع ينطبق عليه مفهوماً، أم هما شيئان متبائنان.
رفع الشيء ليكون بعد سبق وجوده فيتوقف على سبق الوجود أما الدفع
ــــــــــ[44]ــــــــــ
() الأصول، تقرير الشيخ محمّد رضا المظفر-كان مدرس الأصول غائباً- 22/10/1961. (المقرِّر).
(2) الخلاف للشيخ الطوسي، ج2، ص186.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهو منعه من أن يوجد بعد أن كان معدوماً، فلا يتوقف على سبق الوجود، فاستشكل في الرواية في أنَّ كثيراً من الأشياء المذكور في الحديث لم تكن موضوعة حتى ترفع كرفع الخطأ، ومعناه رفع حكم الخطأ أي لم يجعل الله تعالى لها احكاماً واقعية.
إذن فلا حكم حتى يقال إنه رفعه بل هو دفع، فالرفع في هذه الأشياء لا يكاد يفهم؛ لأنه ليس فيها حكم سابق حتى يقال رفعه.
النائيني: حاول الجواب بشيء عجيب قال أن الرفع والدفع وإن كانا متبائنين ولكنهما من حقيقة واحدة فيصح وضع الرفع مكان الدفع أو الدفع مكان الرفع وهو شيء مستعمل وكثير ووارد، بل كادَ أن يقول إنهما لفظان مترادفان فهو التزم بالإشكال، وأجاب بأن الرفع هو نفس الدفع إن لم يكن مفهوماً فهو بالحمل الشايع الصناعي.
نقول: لا شكّ أن مفهوم الرفع غير مفهوم الدفع ولكن القول بأن الرفع هو إزالة ما كان موجوداً سابقاً به شيء من الإشكال، الرفع هو: رفع الثقيل والثقيل هو الذي يحتاج إلى الرفع، أما ما ليس ثقيلاً فلا يحتاج إلى رفع. الرفع غير الدفع وليسا متحدان مصداقاً فلا يصدق أحدهما على الآخر.
فما معنى رفع الخطأ والنسيان، ما معنى نسبة الرفع إلى الخطأ والنسيان فكل الأمة يخطئون وينسون. نقول: هذه النسبة ليست على حقيقتها فلا بُدّ أن تكون على نحو المجاز، فلا بُدّ أن يقدر شيء يكون مرفوعاً فبعضهم قال إن مثل هذه الرواية مجملة؛ لأنه يحتمل أن يكون المرفوع العقوبة أو بعض الأحكام أو
ــــــــــ[45]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كلّ الاحكام، فتكون موضع للشك نعم هناك قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، ونحتاج إلى قرينة معينة للمجاز فإذا وجدت الأولى دون الثانية يكون الكلام مجملاً فتعيين أن بعض الأحكام هي المرفوعة، أو كلّ الأحكام يحتاج إلى دليل.
والآخوند قال: بأن المؤاخذة ليست من الآثار الشرعية المجعولة بل هو شيء تكويني فلا يشمله الرفع التشريعي.
ــــــــــ[46]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان كلامنا في حديث الرفع، نسبة الرفع إلى هذه الأشياء المذكورة في متن الحديث ليست على سبيل الحقيقة؛ لأنها أشياء واقعة لأنه لم يرتفع الخطأ واقعاً عن أمة محمّد. والمقصود بالرفع في الرواية الرفع التشريعي ولا معنى له في الأشياء التكوينية. فلا بُدّ أن تكون على نحو المجاز وهو الإسناد إلى غير ما هو له، فما هو المسند إليه لا بُدّ وأن يكون مما يصح رفعه وهي الأحكام وآثار الأحكام فهل هي جميع ما لهذه الأمور من أحكام أم بعض معيّن من أحكامها أم رفع المؤاخذة إذا صحت رفع المؤاخذة تشريعاً فيكون الكلام مجملاً لوجود القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي في حين أنها غير تامة في أي من تلك الوجوه للمعنى المجازي فلا يمكن تعيين إحداها.
كما قالوا في (لا) النافية في موضع لا يصح نفي الحقيقة فيه تكون العبارة مجملة مثل (لا صلاة) و (لا ضرر)؛ لأن هذه أشياء تكوينية ولا يمكن رفعها
ــــــــــ[47]ــــــــــ
() الأصول، تقرير الشيخ محمّد رضا المظفر-كان مدرس الأصول غائباً- الاثنين 23/10/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تشريعاً ولا جعلاً. فلا بُدّ أن يكون المرفوع حكماً يناسبها وهذا الحكم غير معلوم لأنه محتمل لأكثر من وجه. هذا أو هذا.
ذكرنا أن ما قيل من أنه مجمل لا إجمال فيه وكيف ذلك؟ من أن نقول: مرة يقال أن مثل هذه العبارة لا بُدّ لها من تقدير محذوف “لا ضرر ولا ضرار“، أي لا حكم ضرري فيُقدّر محذوف أو متعلق لما استحال أن يكون المرفوع أو المنفي هذه الأشياء؛ لأنها أمور تكوينية لا بُدّ أن يكون الحكم مسنداً اسناداً مجازياً إلى شيء آخر فهل نحتاج إلى قرينة على اللفظ فهذا لا يكون اسناداً مجازياً، بل يكون المحذوف لفظاً مقدراً وهو مرفوع تشريعياً وهذا صحيح، بل النفي تحت اللفظ موجه إلى نفس ذلك الشيء ولما استحال نفيه نفياً حقيقياً ينفى نفياً تنزيلياً، يعني ينزّل الموجود منزلة المعدوم أي لا يعتني به أما التقدير فلا يكون مجاز؛ لأن اللفظ المقدر منفي نفياً تشريعياً حقيقة ولا يكون به بلاغة هذه التعبيرات وإنما نشأ الإشكال من الغفلة عن النكتة في المقام وبهذه القاعدة العامة ترتفع امثال هذه الاستفهامات: كيف يكون الحرج مرفوعاً وكيف يكون حكم الخطأ مرفوعاً.
فالإسناد -في مختارنا- مجازي، ونفي هذه الأشياء يعني تنزيلها منزلة العدم فأنت تنفي هذه الأشياء، ولكن لا نفياً حقيقياً وإنما نفياً تنزيلياً أي تعتبر الموجود ك-(لا) موجود فلا احتاج إلى قرينة، بل القرينة هذا المعنى: لما استحال نفي الشيء تكويناً يكون منفياً جعلاً واعتباراً وتنزيلاً أي اعتبر الموجود ك-(لا) موجود.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فرفع الخطأ والنسيان هو اعتباره كأنه لم يكن، ومعنى ذلك أنه إذا كان للشارع أحكام فإنه لا يرتبها عليها “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام” أي رفع الضرر تنزيلاً كناية عن رفع كلّ حكم يناسبه. لأنه إذا ارتفع الموضوع فبالطبع لا تترتب عليه آثاره وأحكامه، وهذا الشيء نعرفه بالملازمة لا بالمدلول المطابقي فلا مقدر في العبارة، وليس المقصود من الخطأ والنسيان غير هذه المعاني، بل هي المقصودة بالرفع غاية الأمر إن النفي نفي تنزيلي.
فكل ما له من آثار تكون مرفوعة بالتبع،مثلاً المؤاخذة إذا قلنا أنها مجعولة بالجعل العقلائي أو بالجعل الشرعي فترتفع بارتفاع موضوعها.
أما إذا قلنا بتلازم العلية والمعلولية بينهما فإذا ارتفع ما يقتضي العقاب ونزّل الموجود منزلة العدم ارتفع العقاب، ويكون ذلك كالعفو عن الذنب(1) فإذا كنّا محتاجين لإثبات البراءة إلى نفي الاستحقاق فقد ارتفع الاستحقاق.
فمن هنا يأتي الجواب على الفرق بين الرفع والدفع، فالنفي هنا الرفع؛ لأنه لما أسند النفي إلى هذه الأشياء الموجودة فمعنى رفعها التنزيلي يعني بعد سبق وجود ما قدر الشارع رفعها ولا حاجة لأن نقول إنهما بمعنى واحد، فالدفع للشيء الذي لم يقع ومنعه من الوجود، والرفع حيث يكون موضوعاً فيُرفع،
ــــــــــ[49]ــــــــــ
() الخطأ والنسيان وغيرها مما ورد في الحديث تستوجب ـ على هذا الرأي ـ العقوبة بنحو العلية والمعلولية. ولكن إذا نفيت هذه الأمور نفي الضرر نفياً تنزيلياً وصرف النظر عن آثاره المترتبة عليه فإنه حينئذٍ لا يستوجب العقوبة وذلك من قبيل العفو عن الذنب الذي يكون مانعاً عن إجراء العقوبة على المكلف. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالتعبير بالنسبة إلى الأحكام غير صحيحة؛ لأنه لا أحكام موجودة ليرفعها وعلى تقدير وجودها فهو نسخ للأحكام المترتبة على هذه الأشياء.
والرفع للخطأ والنسيان هو بعد الوجود لهذه الأشياء فهو رفع تنزيلي فصَدَق الرفع من دون مجاز ولا تسمية الرفع بالدفع.
فهذه الأحكام حاكمة على الأحكام الواقعية وتكون شارحة لها لأنها ترفع الموضوعات تنزيلاً.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الوجه الرابع: هذا الوجه يرجع في الحقيقة إلى وجهين:
الأول: أنه نسبهم إلى الزيغ مجازاً أي سماهم زائغين وهذا التأويل منبثق من الروح التفويضية.
المعنى الثاني: أنه بعد أن منع ألطافه عنهم زاغوا وإن لم يقصد إزاغتهم(3).
هذه الآية: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ آية محكمة وليست متشابهة وكذلك كلّ الآيات التي تجري مجراها كلٌ من لفظي الإزاغة حقيقي المعنى ولا
ــــــــــ[51]ــــــــــ
() الفلسفة، (في كتاب حقائق التأويل)، الشيخ محمّد رضا المظفر نفس التأريخ 23/10/1961(المقرِّر).
(2) الصف: 5.
(3) لم يشرح المدرس كلاً من الوجوه التالية حتى العاشر وقد شرح العاشر على أساس أنه يمثل رأي السيد الرضي في الموضوع. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يكون تحصيل الحاصل؛ لأن نسبة الزيغ إلى كلّ من الفاعلين مختلفة وإنما يكون تحصيلاً للحاصل مع اتحاد النسبة وهما ليسا فاعلين متعارضين ولا مشتركين ولا متعاونين، وهذا الفعل الواحد ينسب في آنٍ واحد – غير زماني – إلى فاعل ما به الوجود وإلى فاعل ما منه الوجود غاية الأمر أن وجهة الانتساب مختلفة.
نسبة الزيغ إلى الله لا تحتاج إلى تأويل، وإنما نحتاج إليه بعد أن يضيق بنا التعبير ونفهم أن نسبة الفعل إلى ربه معناه الجبر.
“الله تعالى مع كلّ الأشياء لا بمقارنة” فهو معنا لكنه ليس متحداً معنا “وغير كلّ الأشياء لا بمزايلة”، أي لا يوجد هناك شيئان منفصلان فالأشياء لا شيئية لها إلا به فهو أولى بوجودها من أنفسها؛ لأنَّ العلّة أولى بالوجود من معلولها.
وتحمل على هذا القول كلّ من الآيات التي تحتمل بادئ الرأي خلاف ذلك منها، فمنها: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ، ما أَصابَ مِنْ مُصيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّـهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَ اللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليم(1)، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّـهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا(2) لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ(3) والذي لا يلتزم بقولنا فلا مناص له من أن يكون إما مجبّراً أو مفوّضاً فيهرب من الالتزام بأحدهما إلى الآخر، والأمر بين الأمرين معناه الوسط لا معناه الجمع بينهما.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
(1) التغابن: 11.
(2) آل عمران: 8.
(3) الرعد: 11.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كنّا نتكلم حول حديث الرفع الذي استدل به الآخوند على أصل البراءة، وقلنا إنه لا حاجة إلى المجاز والتقدير فإنَّ هذه الأشياء -الخطأ والنسيان وغيرها من المذكورات في الحديث- هي المرفوعة. غاية الأمر أنه رفع تنزيلي لا تشريعي، فيكون المجاز في الإسناد لا في المسند إليه ومعنى نفيها تنزيلاً جعل الموجود بمنزلة المعدوم فإذن لا بُدّ أن لا تترتب عليه آثاره الشرعية.
والآن المُزال أي شيء هو؟ هل الأحكام الثابتة للخطأ هي المرفوعة وهل رفع الخطأ مثل رفع الشكّ عن كثير الشكّ هذا لا معنى له؛ لأن الخطأ لا حكم له في الشريعة بخلاف لا شكّ لكثير الشك، بعد إن رتب الشارع على الشكّ أحكاماً خاصة، فلا بُدّ أن يراد بقرينة ما (أُكرهوا عليه وما لا يعلمون) أن المرفوع ما أخطأوا به وما نسوه، لا أن الخطأ ارتفع فأصبح المكلفّ عامداً، وارتفع النسيان فأصبح المكلفّ ذاكراً، فالمراد أن ما نساه يكون مرفوعاً فيكون
ــــــــــ[53]ــــــــــ
(1) الأصول، الشيخ محمّد رضا المظفر -كان مدرس الأصول غائباً- الثلاثاء: 24/10/1961.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كالذاكر الآتي بالفعل؛ لأنني إنما تركته نسياناً فيعتبر المعدوم كالموجود أي يعتبر الجزء المنسي كالمأتي به.
فهنا ينزّل النسيان الموجود منزلة المعدوم على حين يلازمه، أن متعلّق النسيان المعدوم يعتبر موجوداً؛ لأنَّ الشارع بعد أن اعتبر النسيان معدوماً اعتبر المكلفّ ذاكراً وإذا كان المكلفّ ذكراً فلا بُدّ أن يأتي بالفعل ويفرق هنا بين ما كان وجه التكليف هو الترك كالأكل أثناء الصوم أو هو الفعل كقراءة السورة في الصلاة وقد ارتكب خلافه نسياناً.
(وما اكرهوا عليه) ينزل منزلة العدم كالطلاق المكره عليه.
(وما لا يعلمون) المختص بمسألتنا فـ(ما) كناية عن أي شيء عن الحكم الذي لا يعلم أو عن الموضوع الذي جاء جهلاً بحكمه.
أما إذا كان كناية عن الحكم فلا يكون الرفع رفعاً تنزيلياً؛ بل تشريعياً حقيقياً؛ لأن الحكم ليس شيئاً تكوينياً فلا معنى لأن ينزل الموجود منه منزلة المعدوم. فلا يمكن أن يسند ذلك الرفع التنزيلي إلى الحكم في حين أننا نرى الرفع في الجميع واحد وهو رفع الأشياء الثابتة وتنزيلها منزلة المعدوم، ونفي الحكم هو الدفع لا الرفع لأنه لم يجعل حكم الجاهل من الأصل وعلى تقديره فيكون نسخاً ويستلزم أيضاً استعمال اللفظ في أكثر من معنى(1) فلا بُدّ أن نقول
ــــــــــ[54]ــــــــــ
() وبهذا يكون المدرس قد استدل على نفي أن المقصود من (ما لا يعلمون) نفي الحكم بثلاثة وجوه:
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أن (ما لا يعلمون) يعني الموضوع يعني الفعل الذي لا يعلمون فتكون الرواية على سياق واحد فحينئذ لا تكون الرواية دليلاً على البراءة؛ لأن البراءة المقصود منها رفع الحكم لا الموضوع.
الشبهة الموضوعية يكون الشكّ فيها في نفس الموضوع مع العلم بالحكم
-مثلاً- هل هذا خمر أو ماء والشبهة الحكمية مثل التساؤل عن أن التتن حرام أو حلال.
وأصل البراءة يجري في الشبهة الحكمية لا الموضوعية وليست الشبهة الموضوعية موضعَ كلامٍ للأصولي، وليس له أن يبحث بها بل هو مبحث فقهي، فلا معنى للاستدلال بالرواية على موردنا؛ لأن موردنا هو إجراء أصل البراءة في الشبهة الحكمية التي تنشأ من فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين.
وإذا أردنا أن نحمل الرواية حملاً في الاستدلال على اصل البراءة فلا بُدّ لنا أن نرجع إلى ما قاله القوم من وجود مقدر في العبارة وإن الرفع تشريعي لا تنزيلي ونشك بعدها بأن الرفع هل هو منصبّ على الحكم أو العقوبة ولكننا نريد أن نلغي ذلك كلّه ونقول بأن رفع هذه الأمور رفع تنزيلي فحينئذ لا تكون الرواية دليلاً على أصل البراءة.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الرفع التنزيلي لا يتحمل الأحكام ولا معنى؛ لأن أُكره على الحكم بل معناه أنني أُكره على الموضوع. فـ(ما لا يعلمون) معناه الموضوع لسياق الرواية وإلا لوجب أن نغير أسلوب الرواية ونستعمل كلام القوم.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لو كان للميت من مال الدنيا عبد واحد فقط مات عنه وأوصى بعتقه وعليه دين يساوي نصف قيمة العبد فيقسم العبد إلى ستة أقسام يأخذ الديّانة منه ثلاثة اسداس -وهو النصف- ويأخذ الورثة سدسين وهو حصتهم من التركة -وينعتق السدس الباقي- وهو الثلث الذي يملكه الميت ويستسعى العبد لإيفاء حق الورثة والديّان.
ــــــــــ[57]ــــــــــ
() الفقه اللمعة (كتاب الوصية ص41)، الشيخ محمّد تقي الإيرواني، نفس التأريخ: 24/10/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تقدم الاستظهار من حديث الرفع أن المرفوع نفس هذه الأشياء بالرفع التنزيلي وعلى هذا فـ(ما لا يعلمون) ينحصر بالشبهة الموضوعية، وحينئذ لا تكون شاهداً على مقصودنا.
فهذه الرواية تكون حاكمة على جميع أدلة الأحكام فهي سالبة بانتفاء الموضوع انتفاءً تنزيلياً أي إنّ شكك لا حكم له.
فعلى هذا نكون قد حافظنا على معنى الرفع وعلى إسناد الرفع إلى موجود لا إلى مقدّر، وحيث يعلم قطعاً أنها موجودة تكويناً ولا يمكن رفعها تشريعاً فيصبح ظاهر الخبر كاذبة، فلا بُدّ أن نقول أنه رفع تنزيلي كأنه لم يقع ما نسيته أو اخطأت به أو جهلته فلا يترتب عليه حرمة أو مؤاخذة.
وإنما أُسند النفي إلى هذه الأشياء ولم يسند إلى الحكم رأساً؛ لإظهار المنّة من الله تعالى على عباده، واظهار علّية هذه الأشياء لرفع الأحكام فعلى هذا لا
ــــــــــ[58]ــــــــــ
() الأصول، الشيخ محمّد رضا المظفر -كان مدرس الأصول غائباً-، الاربعاء 25/10/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تدلّ الرواية على البراءة؛ لأنها واردة في الشبهة الموضوعية.
قالوا إنها لا بُدّ أن تكون للموضوع أي إنّ (ما) في (ما لا يعلمون) راجعة إلى الموضوع وقالوا إنها لا بُدّ أن تكون للحكم، وقيل أنها لا بُدّ أن تكون للجامع بينهما، ثُمّ اختلفوا في وجود الجامع وتصويره بين الحكم وموضوعه و لكن بناء على ما ذكرنا لا بُدّ أن تكون للموضوع؛ لأنه لا معنى للرفع التنزيلي للحكم.
نقول إن العبارة مطلقة فهي للموضوع لكن ما (لا يعلمون) مرّة يكون إسناد الجهل فيها إلى نفس الموضوع، ومرة يكون إسناد الجهل فيها إلى حكم الموضوع بتقدير (ما لا يعلمونه) في الأول و (ما لا يعلمون حكمه) في الثاني. فيجوز أنه (ما لا يعلمونه) يعني نفس الموضوع مثل الشكّ بهذا السائل هل أنه خمر أو ماء أو (ما لا يعلمون) حكمه مثل الشكّ بحرمة التتن وحليته فيؤول للشبهة الحكمية.
فكون أن (ما) للموضوع لا يوجب اختصاصها بالشبهة الموضوعية، بخلاف (ما أُكرهوا عليه) إذ لا معنى للإكراه على الحكم وهناك جاء (يعفى في ما أكرهوا عليه) بضمير يعود على (ما) فيعلم إن الإسناد يعود إلى الموضوع فينحصر الكلام فيه بالشبهة الموضوعية. ولكن هنا العبارة مطلقة يمكن أن يقصد منه ما جهلوا حكمه أو يقصد ما جهلوه مع العلم بحكمه وكلّها صحيحة.
لو كانت العبارة على هذا الشكل (ما لا يعلمونه) لا بُدّ أن تختص بالشبهة
ــــــــــ[59]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الموضوعية كما اختص غيرها بها. ولكن الإمام المعصوم من السهو والغلط والعالم باللغة وأوجه الكلام جعل العبارة مطلقة تفريقاً بينها وبين غيرها من المنفيات، فيعلم من ذلك تغاير المقصود فنفس هذا التعبير به ظهور للتعميم بين الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية. هذا(1) هو تحقيقنا وهو خارج عن الكفاية وتقريرات المرزا.
فالمراد من الرفع الرفع التنزيلي وهو لا يستند إلى الحكم ولكن الاستدلال بالرواية على البراءة ممكن باعتبار الإطلاق المذكور(2).
كلام القوم كلّه تركز على شيء واحد وهو: أنه هناك محذوف مقدر هو الذي اسند له الرفع فيراد من الرفع إذن الرفع التشريعي فوقعوا في حيص وبيص في ذلك فقدّروا أن المحذوف هو المؤاخذة لإثبات أصل البراءة، وإن الشارع بهذا رفع المؤاخذة على الخطأ والنسيان وما لا يعلمون وما اضطروا إليه.
فاستشكلوا من أن المؤاخذة ليست من الأشياء التي ترفع وتوضع تشريعاً بل هي أمور عقلية على مسلك الحكماء، واستحقاق المؤاخذة مرّة عقلي ومرة شرعي والعقلي مرّة من باب التأثير ومرة بجعل العقلاء الذي لا يبنى على الأشياء الواقعية بل على التحسين والتقبيح العقليين التي تدخل في الآراء المحمودة، فالقوم يعبرون بعبارة مطلقة وهي أن المؤاخذة أمر عقلي أي لا يمكن
ــــــــــ[60]ــــــــــ
() ثُمّ قال المدرس عَرَضاً: هذا… (المقرِّر).
(2) ثُمّ قال المدرس: (هذا خلّوه على صفحة خلّى يروح) [أي اتركوه]. وبدأ كلاماً جديداً. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أن تمسها يد الجعل التشريعي، فكيف جاز إذن إسناد الرفع التشريعي إليها وهذا إشكال أورده الآخوند في الكفاية على اعتبار أن الدليل لا يتم إلّا بتقدير (المؤاخذة) وهي أمر عقلي لا يتحمل الرفع التشريعي. ومسلكنا يختلف عن هذا كلّه وهو المسلك العربي الصحيح الذي لا تكلف فيه(1).
ــــــــــ[61]ــــــــــ
() توضيح لعبارة الكفاية الواردة في صفحة 226.
لو أراد الشارع المحافظة على الواقع لألزمنا بالاحتياط فلما رَفَع الاحتياط لزمه رفع المؤاخذة بالتبع وإن كانت المؤاخذة ممّا لا تناله يد الجعل التشريعي فالدليل على عدم الاحتياط دليل على عدم إيجابه الحكم وعدم إيجاب الحكم يستلزم عدم العقوبة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في قول المصنف (الوصية حق المعتق) وهو العبد؛ لأن كلّ منهم أي من العبيد الذين أوصى الميت بعتقهم، يصبح من حقه أن يتحرر فاختيار أحدهم ترجيح بلا مرجح فتجب القرعة.
ويرد عليه أمران:
أولاً: أن القرعة إنما تأتي للأمر المعلوم واقعاً المشكل ظاهرا ولكن الأمر هنا مشكل ظاهراً وواقعاً؛ لأن الميت لم يقصد بوصيته أشخاصاً معينين.
ثانياً: افرض أنه حق للمعتق ولكنه بعد أن فوّض الميت الوصي ولم يعيّن العبيد فيرجع الاختيار إلى الوصي وتكون إرادته هي المرجحة، نعم الكلام يأتي فيها إذا كان الأمر راجعاً إلى العبيد أنفسهم لأن كلّ واحد منهم لم يطلب الحرية لنفسه وليس كذلك.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
() الفقه في كتاب اللمعة، الشيخ محمّد تقي الإيرواني نفس التاريخ السابق، 25/10/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
مسألة الأمر بين الأمرين كقول الإمام علي بن الحسين حين سأله بن زياد ما اسمك قال علي بن الحسين قال ابن زياد أليس قد قتل الله ابن الحسين قال الإمام كان لي أخ أكبر منّي قتله الناس قال ابن زياد بل قتله الله قال الإمام إن الله يتوفى الأنفس حين موتها.
فجريمة القتل أو أن القتل بما هو جريمة من الناس ولكن الله يتوفى الأنفس هذا هو الأمر بين الأمرين فناحية الشرور والنقص منسوبة إلى العبد والله تعالى يفيض عليها الوجود إن طلبت بلسان استعدادها الوجود منه.
والكلام في آية إيتاء الملك لمن يشاء ونزعه ممّن يشاء.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامّة الثاني. (المقرِّر).
(2) الفلسفة، (حقائق التأويل)، الشيخ محمّد رضا المظفر، الاربعاء 25/10/ 1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الشرور أعدام وليست وجودية فنقصان الوجود يأتي من انضمام الاعدام إليه فإيتاء الملك والسلطنة أمر وجودي فهو من الله تعالى؛ لأن كلّ شيء تحت سلطان الله ولو خرج الشيء عن سلطان الله تعالى لحظة لانعدم.
العدميات تستند إلى عدم تمامية فاعل ما به الوجود وعدم قابلية القابل لإفاضة الوجود الكامل. لو كان الله تعالى فاعل ما به الوجود بالنسبة إلى القتل لما استحق القاتل العقاب.
فالشر لا يفاض وإنما يقال في الوجود الناقص أن الوجود الكامل لم يفض عليه، لا أن النقصان أفيض عليه ولهذا وجد الشيء ناقصاً تحتويه الشرور والأعدام.
الله تعالى يؤتي الملك من يشاء وليس هذا خلاف مذهبنا فالذي يستطيع الاستيلاء على الملك بدون الله تعالى يكون شريك له عز وجل فلا بُدّ إذن أن يؤتيه الله تعالى الملك ويفيض الوجود على ملكه بعد أن تقتضيه الاسباب الطبيعية.
لا يعقل أن يكون النور ظلمة والوجود نور الله في أرضه وعدم تلقي الحائط لكل نور الشمس يعود لعدم قابليته على ذلك، فنقول: إن هذا النور مظلم مجازاً؛ لأنه لم يصل إلى درجة الكمال.
من ناحية فاعل ما به الوجود فأنا مستقلّ وليس الله تعالى شريكاً لي ومن ناحية إفاضة الوجود فالله تعالى مستقلّ ولست شريكاً لله في ذلك.
كل من المجبّر والمفوّض نظر إلى جهة وغفل عن الجهة الأخرى، ولكن
ــــــــــ[64]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الإنسان يجب أن يكون ذا عينين لا ذا عين واحدة فمن نظر بعين واحدة كان أعور ينظر إلى إفاضة الوجود من جهة فيجد أن الناس مجبورين، وينظر من الجهة الأخرى وهو أن الناس يعملون أعمالهم باختيارهم حقيقة فيتخيل أنهم مفوّضون، ولكن لو انقطع فيض الله تعالى عنّي لحظة لانعدمتُ وانعدمتْ أفعالي وأنا أسبح في مائه في سلطانه في وجوده.
معنى الجبر: أن فاعل ما منه الوجود، وفاعل ما به الوجود هو الله تعالى ومعنى التفويض أن العبد هو فاعل ما به الوجود وفاعل ما منه الوجود، ولكن القوم لم يلتفتوا إلى هذه النكتة وهي أن العبد هو فاعل ما به الوجود والله تعالى فاعل ما منه الوجود، فمن
ناحية فاعل ما به الوجود لا جبر ومن ناحية فاعل ما منه الوجود لا تفويض.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تقدّم الإشكال على المؤاخذة أي على تقدير لفظ المؤاخذة في الأمور المنفية في الحديث النبوي الشريف من أنها أمر عقلي لا يُرفع بالجعل وقطعاً المقصود من (رفع عن أمتي) هو الرفع التشريعي فكيف تُرفع بواسطة المؤاخذة. والمهم في حديث الرفع في كونه دالاً على البراءة هو رفع الاستحقاق فلا يتم بدونه الاستدلال به على أصل البراءة.
وأجاب الآخوند بأن المؤاخذة أمر متركب على ايجاب الاحتياط، أن الشارع لو كان يريد المحافظة على التكاليف الواقعية من ايجاب أو تحريم، لأوجب علينا الاحتياط فلو أوجبه كانت مخالفته موجبة للعقاب فحيث ارتفع ايجاب الاحتياط ففي الحقيقة، انتفى موضوع العقاب لا أن العقاب مرفوع بالرفع التشريعي.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
() الأصول، الشيخ محمّد رضا المظفر-كان مدرس الأصول غائباً-، السبت 28/10/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ثم نقول إنه لا يمكن أن يُرفع تشريعاً؛ لأن العقاب إنما يكون على التكليف الواصل إما بنفسه أو بالاحتياط فحيث رُفع التكليف الواقعي يرفع الاحتياط فلا تكون هناك مؤاخذة ولا استحقاق مؤاخذة، وليس ارتفاعها تشريعياً لنقول إنها لا يمكن أن ترفع تشريعاً، بل ارتفعت بارتفاع موضوعها.
ثم يُشْكِل الشيخ الآخوند على هذا الوجه قائلاً بأن هذا خروج عن الموضوع؛ لأن العقوبة حينئذٍ إنما تكون على ايجاب الاحتياط ونحن نقول بورودها على التكليف الواقعي فلا علاقة لها بموضوعنا؛ لأن دعوانا أن مخالفة الواقع لا عقاب عليه، فرفع الاحتياط وعدم العقاب عليه لا علاقة له بدعوانا فإنه يكون لا عقاب على التكليف بالاحتياط لا على التكليف الواقعي فلا يكون الدليل مطابقاً للمدعى.
وقال الشيخ في الجواب عن هذا الإشكال: إنّ ايجاب الاحتياط ليس وجوباً نفسياً لا أن تكليف الاحتياط غير الواجب النفسي، بل هو أمر طريقي لإيصال الواقع، ومخالفة الاحتياط ليس فيه عقاب غير العقاب على الواقع؛ لأنه إذا خالف الاحتياط فإنه إنما يخالف الواقع ويكون هناك عقاب واحد لا عقابين، لا أن مخالفة الاحتياط في نفسه موجب للعقاب وإنما يؤمر به للوصول إلى الواقع فمخالفته مخالفة للواقع وعقابه عقاب على الواقع –أي على مخالفة الأمر الواقعي- فيكون رفع العقاب عن مخالفة الاحتياط عبارة عن رفعه عن مخالفة الواقع، فطابق الدليل المدعى وهو رفع العقاب عن مخالفة الواقع الواصل إما بنفسه أو بالاحتياط.
ــــــــــ[67]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هناك ثلاثة طرق:
والرأي الأول وهو القول بوجود محذوف في المقام ينقسم إلى آراء ثلاثة: أحدها يقول بأن المحذوف هو خصوص لفظ المؤاخذة.
ويقول الآخر: أن المحذوف هو جميع الآثار المترتبة على الموضوع.
ويقول الثالث: أن المحذوف هو الآثار المناسبة للموضوع.
فالشيخ الآن في صدد أن يرجح القول بأن المرفوع جميع الآثار، ويردّ على الشيخ الانصاري الذي كأنه يذهب إلى أن المؤاخذة هي المقدرة؛ لأنه يناقش إرادة جميع الآثار أو الأثر المناسب.
ويقول الشيخ بأن (ما) في (ما لا يعلمون) إذا كانت للحكم فإنه هو الذي يُرفع ويُوضع تشريعاً فلا حاجة لنا إلى تقدير محذوف كما أحتجنا إليه في غيره من منفيات الحديث ؛ لأن المنفي هناك اشياء حقيقية لا يمكن رفعها تشريعاً فلا بُدّ من تقدير لفظ مناسب للمقام أما هنا فحيث كانت (ما) كناية عن الحكم فإن الحكم هو الذي يرفع ويوضع تشريعاً بلا حاجة إلى تقدير.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وهذا(1) هو الكلام الغريب الذي نقول إنه يوجب تفكيك الحديث وإن المنفي هو في الحقيقة واحد.
ــــــــــ[69]ــــــــــ
() ويضيف المدرس قائلاً: وهذا… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كون أن المنفي في (ما لا يعلمون) غير المنفي في غيرها خلاف الظاهر إن لم يكن ممتنعاً؛ لأننا إذا تنزلنا جدلاً إلى جواز القصد من اللفظ الواحد معانياً متعددة فنحتاج إلى قرينة تعيّن هذا المعنى عن سواه، ولا توجد في اللفظ أي قرينة وحيث كان لفظ الرفع واحد فيجب أن يعين بها معنى واحداً، ولا يجوز اسناد لفظين احدهما بطريق الحقيقة والثاني بطريق المجاز إلى مسند إليه واحد.
كلام الشيخ صحيح لو كان (ما لا يعلمون) في عبارة مستقلة (رفع عن أمتي ما لا يعلمون) ومع ذلك فمن أين تثبت أن (ما) كناية عن الحكم.
ــــــــــ[70]ــــــــــ
() الأصول، الشيخ محمّد رضا المظفر-كان مدرس الأصول غائباً-، الاحد 29/10/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قوله: “ثم لا يذهب عليك أن المرفوع… مما أخذ بعنوانه الثانوي.. الخ” ص240.
من جملة الإشكالات على تقدير جميع الآثار للخطأ والنسيان وغيرها من المذكورات في الحديث أن رفع آثارها يكون إما نسخاً أو تناقضاً أو تعارضاً، مع أن ذلك ليس موضعاً للنسخ ولا معنى له كالدية في قتل الخطأ فإنها ترتفع بارتفاع حكم الخطأ فيناقض هذا الحديث أصل دليل وجوب إعطاء الدية.
والجواب: أنه ليس معنى ذلك حين نقول (رفع الخطأ) يعني أحكام الخطأ بما له من العناوين الأولية أي ليس الأحكام الثابتة لنفسه، بل الأحكام الثابتة للواقع بقطع النظر عن الخطأ وغيره فعند الخطأ تكون مرفوعة.
العناوين الثانوية هي الأحكام الثابتة للأشياء بما لها من عناوين ثانوية كالقصر في السفر في حين أن الأصل في الصلاة أن تكون تامة وكالسفر نفسه
ــــــــــ[71]ــــــــــ
() الأصول، الشيخ محمّد رضا المظفر-كان مدرس الأصول غائباً-، الاثنين 30/10/ 1961م. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المباح بأصل الشريعة، وقد يكون حراماً بالعنوان الثانوي إذا قصد به القتل أو عصيان الوالدين.
فهناك أحكام ثابتة للخطأ بما هو خطأ وكذلك النسيان والشك وغيرهما وهذه العناوين ليس الحديث متعرض لها. بل متعرض للأحكام الأولية التي طرأ عليها الخطأ أما العنوان المترتب على الخطأ فلا معنى لرفعه لأنه ثبت بالخطأ فكيف يرفع ولا يكون في ذلك منة من الله تعالى على عباده ويكون بالنسبة إلى الأدلّة التي ثبتت بها الأحكام المترتبة على الخطأ إما ناسخاً أو متناقضاً؛ لأنَّ أصل الدليل رتّب – مثلاً – الدية على الخطأ في القتل، فإذا كان هذا الحديث رافعاً للأحكام المترتبة على الخطأ فمعناه أن لا دية على قتل الخطأ.
فالمرفوع هو الأحكام الواقعية بالعناوين الأولية الثابتة سواء أخطأ أم لم يخطأ فحديث الرفع ليس له قابلية الدلالة على هذه الأشياء بما لها من العناوين الثانوية بل يدلّ على الأحكام بما لها من العناوين الأولية ويكون رافعاً لها. مثال ذلك ثبوت القتل على القاتل في أصل الشرع إلا إذا كان مخطأ فيجب عليه دفع الدية فقط.
فهذا الدليل يكون مفسراً لأدلة الأحكام الواقعية فهو تخصيص بلسان الحكومة، أي إنّ الأحكام ا لواقعية إنما تثبت لسوى الموارد المذكورة في الحديث، أما الأحكام الثابتة للخطأ فلم يرفعها الدليل لوجود التناقض بينه وبين أدلة الأحكام الواقعية.
قوله: (لا يقال) فإنه يقال.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وقد أشكل على ذلك أنكم تعتبرون من جملة الأحكام التي ارتفعت بارتفاع (كل) الأحكام المترتبة على (ما لا يعلمون) هو الاحتياط ووجوب المحافظة على الواقع مع أن الاحتياط حكم ثانوي مترتب في حالة الشكّ بالأحكام الواقعية، فيجب أن يكون مندرجاً في جملة الأحكام الثانوية التي قلتم عنها إنها لا ترتفع بارتفاع الخطأ؛ لأنها مترتبة عليه:
الجواب بأن وجوب الاحتياط طريقي لإثبات الواقع ومعنى وجوب الاحتياط هو معنى تحصيل الواقع فلا يكون مضراً في مقصودنا من رفع أحكام الواقع.
ــــــــــ[73]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
“إيتاء الله الملك ونزعه ممن يشاء“(2)
نقول: إن لله إرادة تكوينية وارادة تشريعية فهو مكّنهم بالإرادة التكوينية ونهاهم بالإرادة التشريعية وإنما يكونون ملومين لنقصان أنفسهم واجترائهم على الحرام.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
() الفلسفة في (كتاب حقائق التأويل)، الشيخ محمّد رضا المظفر، نفس التأريخ. 30/10/1961. (المقرِّر).
(2) (حقائق التأويل) ص61.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وملخص هذا القول: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ يعني المؤمنين وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ(1) يعني الكافرين، وعزة الكافرين ليست من الله تعالى.
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) آل عران: 26.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المحجوب أي شيء هو؟ هل هو الموضوع فيختص الحكم بالشبهة الموضوعية، أو هو الحكم ونحن هنا نستطيع أن نقدر (حكماً) ونستريح؛ لأن الكلام الذي سبق في حديث الرفع لا يأتي هنا؛ لأنه هناك عندنا وحدة سياق فتختص (ما لا يعلمون) بالموضوع أما هنا فليس عندنا وحدة سياق.
والفرق بين الشبهة الموضوعية والحكمية أنه إذا كان منشأ الشبهة هو الشارع نفسه بمعنى أنني شككت هل جاء حكم أو لا أو شككت بسبب إجمال ناشئ من الشارع لا من المكلف، فهو شبهة حكمية أما إذا كانت الشبهة ناشئة من المكلفّ بمعنى أنك تعلم أن الخمر حرام ولكنك لا تعلم أن هذا خمر أو لا
ــــــــــ[76]ــــــــــ
() الأصول، في كتاب (حقائق الأصول)، السيّد محمّد تقي الحكيم، الثلاثاء 31/10/1961. (المقرِّر).
(2) من هنا تبدأ تقريرات السيد محمد تقي الحكيم. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهو شبهة موضوعية، والحديث عام للشبهة الموضوعية والحكمية من حيث مرة أنني أجهل الحكم نفسه ومرة أجهل انطباق الحكم على موضوعه فهو عام للشبهتين على السواء وإن قدرنا فيه لفظ (حكم) فدلالته على البراءة أوضح من دليل الرفع.
وهنا يرد إشكال يتوجه على لسان الحديث ما حجب الله علمه عن العباد ما هو؟ عند الله أحكام مشرّعة غير مبلّغة وهذا شيء يقيني محقق وربما كان ذلك مفاد ما روي من أنه إذا ظهر الإمام الحجة جاء بدين جديد.
وقسم من الأحكام بلّغت ثُمّ اختفت وانقطعت بفعل الظالمين أو البعد الزمني أو بسبب اختلاف الروايات. فالأحكام المجهولة على قسمين: قسم لم يأمر الله تعالى نبيه بتبليغها، وقسم بلغها النبي ولكنّها لم تصلنا من جراء عبث العابثين.
والخبر إنما يفيدنا في المقام الأول والنوع الأول من الأحكام فهو غاية ما يثبت أن ما حجبه الله تعالى من الأحكام مرفوع عنّا. ولكن موضوع حديثنا هو الأحكام التي بلّغت ولم تصل أي ما عاد حجبه إلى فعل المكلفين لا إلى فعل الله تعالى.
فحديث الحجب إنما يدلّ على الأحكام التي لم تبلغ خاصة؛ لأنه نسب الحجب إلى الله تعالى لا إلى الظالمين أو البعد الزمني وربما نستفيد من هذه النسبة
-نسبة الحجب إلى الله تعالى- أن المقصود الأحكام التي لم تُبلغ.
إذن فالحديث دليل على البراءة في بعض صورها فالدعوى أوسع من
ــــــــــ[77]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الدليل والدليل أضيق من المدعى.
أما القسم الآخر وهو الاحكام التي حجبها الناس فتحتاج إلى دليل آخر والحديث لم يتعرض لها بشكل من الإشكال.
موثقة مسعدة بن صدقة: “كل شيء هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه من قبل نفسك” وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته ولعلّه سرقه، أو المملوك يكون عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه أو خُدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك ولعلها أختك أو رضيعتك أو الأشياء كلّها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة.
صاحب الكفاية أخذ الفقرة الأولى من الرواية فقط. والرواية إنما تدلّ على البراءة بصورة عامّة بعد عدّة مقدمات:
وأما بخصوص شمولها للشبهة التحريمية فهي دالّة عليه لفظاً فإذا دار الأمر بين الحرمة وعدمها قدّم الثاني حسب منطوق الرواية.
وأما بخصوص شمولها للشبهة الوجوبية وهو الدوران بين الوجوب وغير الحرمة فنثبته بالقول بعدم الفصل.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالإخباريون يقولون بالبراءة في الشبهة الوجوبية وبالاحتياط في الشبهة التحريمية، فنحن عندنا إجماع على البراءة في الشبهة الوجوبية فكل من قال بالشبهة التحريمية قال بالوجوبية ولا عكس.
ولا يوجد القول بالفصل وهو أنَّ أحداً التزم بالتحريمية ولم يلتزم بالوجوبية، والخلاف إنما هو في الشبهة التحريمية وقد تعرّضت لها الرواية فالرواية تدلّ على البراءة في جميع مجالاتها بضميمة الإجماع والقول بعدم الفصل.
ولكنّنا نريد أن نعممها بنفسها للشبهة الوجوبية فنسأل ترك ما شكّ في وجوبه هل هو حلال أو حرام والجواب بمقتضى الرواية قوله: “كل شيء حلال” أنه حلال وهذا عين دلالة الشبهة الوجوبية إذن فالرواية نفسها دالّة على الشبهة الوجوبية، ولكن هذا على خلاف الظاهر؛ لأنها لا يمكن أن تعرف من حاق اللفظ.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الرواية(2) تشمل ثلاثة صور:
والرواية بنفسها تشمل هذه الصور الثلاثة ولكن قسماً واحداً يخرج بقرينة عقلية وهو قسم صورة الخروج بقرينة.
فالرواية تشمل إذن الوجهين الآخرين فقط، ولا يمكن أن تشمل الثالث؛ لأنه بعد أن نصب القرينة على خروج ما في الصندوق عن الوصية لا يمكن
ــــــــــ[80]ــــــــــ
() الفقه، في كتاب (اللمعة)، الشيخ محمّد تقي الايرواني، نفس التاريخ، 31/10/1961. (المقرِّر).
(2) فحوى الرواية أنَّ (الميّت إذا أوصى بصندوق دخل ما فيه في جملة الوصيّة).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بحسب الذوق العرفي أن يحكم الشارع بدخوله رغماً على أنف الموصي. وبهذا التزم الشهيد الأول.
والشهيد الثاني يقول إننا لا بُدّ أن نتصرف بظاهر الرواية فلماذا لا نتصرف هكذا: أنَّ الوصية لا تشمل ما في الصندوق إلا بقرينة على الدخول لأنَّ هذا معنى عرفي ويثبت بدون رواية.
ــــــــــ[81]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا فيما سبق أنَّ موثقة مسعدة بن صدقة إنما تدلّ على البراءة بعد سدّ عدّة فجوات:
أولاً: أنها أعم من الشبهة الموضوعية والحكمية. أما كونها تعم الموضوعية فمما لا شكّ فيه وأما أنها تعم الشبهة الحكمية، فلأن الرواية تثبت الحلية لمشكوك الحرمة من أي جهة كان منشأ الشكّ أي سواء كان الشكّ بالحكم أو بالموضوع فنحن نلتزم -بهذا- بإطلاق الحديث في الحكم بالحلية في كلا الشبهتين.
ثانياً: إنَّ الحديث تعرّض لدوران الأمر بين الحرمة وعدمها أما إذا دار الأمر بين الوجوب وغيره فكيف نستدل عليه؟ ونحن نريد الاستدلال بها على كلا الشبهتين.
ــــــــــ[82]ــــــــــ
() الأصول، من كتاب (حقائق الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الأربعاء 1/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وقد استدل صاحب الكفاية على هذا بعدم القول بالفصل وهو أنَّ كلّ من قال بالشبهة التحريمية قال بالشبهة الوجوبية، فعندنا إجماع على القول بالبراءة في الشبهة الوجوبية، فالرواية وافية في التحريمية أما الوجوبية فبالإجماع وعدم القول بالفصل.
ونحن نستطيع أن نستفيد من الرواية نفسها هذا الحكم فنسأل هل ترك ما لم يعلم وجوبه حلال أو حرام.
الجواب: أنه حلال؛ لأن الرواية تقول: “كلّ شيء حلال حتى تعرف أنه حرام” والترك شيء من الأشياء فترك ما يشك في وجوبه حلال يعني غير واجب، فلا يجب الاحتياط للتوصل إلى الواقع فيه وهو عين مدلول البراءة. ولكن هذا خلاف الظاهر لأن عموم الشيء للوجود والعدم لا يخلو من تأمّل.
والآن نرى هل الرواية وافية بالمطلوب؟!
الجماعة يقولون إن الرواية ليست شاملة للشبهة الحكمية لوجود عدّة قرائن:
والاختلاط قد يأتي في الشبهة الحكمية مثل توجّه أحد التكليفين نحوي
ــــــــــ[83]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يقيناً، ولكنّ هذه الصورة لا تتصور إلا على نحو العلم الإجمالي الذي يجب فيه الاحتياط لا البراءة.
وإنما يتصوّر الاختلاط مع الحكم بالبراءة في الشبهات الموضوعية، عندي خمر وماء الآن ولا أعرف أيهما الخمر لأحكم بحرمته فكلاهما -بمقتضى الرواية- حلال حتى أعرف الحرام بعينه.
فالرواية واردة في الحلية الظاهرية الحاكمة على البراءة والبراءة محكومة لها إذ مع وجود الاستصحاب وقاعدة اليد لا مجال للبراءة، فالحلال هنا حلال ظاهري لم يعرف من البراءة، بل مستكشف من الاستصحاب وقاعدة اليد.
ــــــــــ[84]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الشبهة الحكمية بل نكتفي بخبر الواحد، فاكتفاؤه بالبينة والعلم دليل على إرادة الشبهة الموضوعية ولو أراد الشبهة الحكمية لأضاف له الخبر الواحد.
فكلام الآخوند لا يبدو له وجه.
ــــــــــ[85]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قوله للأصل والآية والرواية: الأصل هنا هو الاستصحاب أية معاملة شككنا في صحّتها وفسادها ولم يكن لدينا إطلاق، فالأصل الفساد أي استصحاب ما كان على ما كان ولكن جاءتنا إطلاقات أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(2) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(3)، وغيرها حيث تعم صحة المعاملة مع القيد المعيّن، وبدونه فنحكم بصحة المعاملة تمسكاً بالإطلاق فإذا لم يكن هناك إطلاق نتمسك بفساد المعاملة، فإذا قال -أي المصنف- وأصالة الصحة أي أصالة الصحة بالإطلاق، وهو الحث على الوصية بدون تخصيص المؤمن من المكان.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
() الفقه، في كتاب اللمعة ص43 أول الفصل3، الشيخ محمّد تقي الإيرواني، نفس التاريخ 1/11/1961. (المقرِّر).
(2) المائدة: 1.
(3) النساء: 29.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
من الأدلّة التي استدل بها حجية البراءة قوله: “الناس في سعة ما لا يعلمون“. والرواية وردت غير معربة فقرئت على وجهين:
ففي أي الوجهين يستدلّ على البراءة وما موقفها من الروايات الآمرة بالاحتياط.
في الصورة الأولى: متعلق العلم الحكم الإلزامي -أي الوجوب والحرمة-
ــــــــــ[87]ــــــــــ
() الأصول، من كتاب (حقائق التأويل)، السيد محمد تقي الحكيم، الخميس 2/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فتدل على البراءة مدة عدم علمهم بالتكليف الإلزامي أي إنّ الناس موسع عليهم ما لم يعلمون بالأحكام الإلزامية.
الصورة الثانية: صورة الإضافة والموصول بما أنه صفة فلا بُدّ من تقدير موصوف وهو الحكم في المقام، فيكون المعنى هكذا (في سعة الحكم الذي لا يعلمونه) فهي تدلّ على البراءة تقول أنت موسع عليك الحكم الذي لا تعلمه، فالنتيجة واحدة في رأي صاحب الكفاية وهو جعل التوسعة عند عدم العلم.
يجب أن أقدر لفظاً هنا وهو لا بُدّ أن يكون الحكم الإلزامي؛ لأنه لا تضييق في غيره -فلا معنى للتوسعة فيه- فأنت موسع عليك ما دمت شاكاً في الصورة الأولى، وفي الصورة الثانية أنت موسع عليك في الحكم.
والآن ننظر في موقف هذه الرواية من أخبار الاحتياط.
أخبار الاحتياط جعلت لي التضييق في حال الشكّ والجهل يعني ائت بالمشكوك الوجوب، وانتهِ عن مشكوك الحرمة فيكون حسابها حساب الأدلّة المتعارضة في رأي صاحب الكفاية.
وغير صاحب الكفاية من السابقين يقولون إن أدلة الاحتياط حاكمة على أدلة البراءة، الأدلّة بنسبة بعضها إلى بعض ربما يكون أحدهما رافعاً لموضوع بعض فتكون حاكمة عليها، ولا تصل النوبة إلى المعارضة، فـ(لاشك لكثير الشكّ) تكون حاكمة على الأدلّة التي جعلت ركعتين لمن شكّ بين الثالثة والرابعة؛ لأن تلك تقول أن الحكم مرتب على موضوعه، وهذه تأتي فتذهب الموضوع نفسه فتكون مقدمة على تلك الروايات ولا تكون معارضة.
ــــــــــ[88]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
(الدليل الحاكم إما لأنه هادم للموضوع أو مفسر ومبين له أو موسع للموضوع أو مضيق له).
روايات الاحتياط على هذا السنخ حين تنسب إلى حديث السعة: “الناس في سعة ما لا يعلمون“، نرى أن النسبة بينهما حاكم ومحكوم لأن أدلة الاحتياط تثبت العلم بواسطة ايجاب الاحتياط في حين أن أدلة البراءة تقول: إنك غير عالم فتكون أدلة الاحتياط حاكمة على أدلة البراءة؛ لأن أدلة البراءة أُخذ فيها عدم العلم وأدلة الاحتياط تقول أنت عالم بالاحتياط فهدمت موضوع البراءة معناه ما عندك عدم علم فما عندك براءة.
متى كان أحد الدليلين هادم لموضوع الآخر قُدّم، ولا تلحظ النسبة بينهما وأدلة الاحتياط هادمة لموضوع أدلة البراءة فقدمت أدلة الاحتياط على أدلة البراءة من ناحية الحكومة إذا قلنا بالمعارضة بينهما فنقول بتساقطهما أما إذا قدّمنا الاحتياط فنكون ملزمين بها.
صاحب الكفاية يقول: هذه أدلة صحيحة لو كانت أدلة الاحتياط تجعلني عالماً بالحكم الواقعي، ولكن أدلة الاحتياط تقول حافظ على الحرمة على تقدير وجودها وعلى الوجوب على تقدير وجوده، أي إنّ الحرمة والوجوب لو كانا موجودين فلا تعصهما ولا تجعلني عالماً بالحكم الواقعي.
أدلة الاحتياط تقول رتب آثار الواقع غير أن هذا هو الواقع فهذا شيء غير معلوم وجوده. الاحتياط مجعول مع الشكّ بالحكم الواقعي والبراءة مجعولة مع الشكّ أيضاً فنسبتهما إلى الحكم الواقعي واحدة أدلة البراءة تقول
ــــــــــ[89]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أنت موسع عليك ما لم تعلم وأدلة الاحتياط تقول أنت مضيق عليك ما دمت جاهلاً.
نعم لو كان وجوب الاحتياط واجباً وجوباً نفسياً كان هذا صحيحاً لأنني عند ايجاب الاحتياط أصبح عالماً بالحكم -وهو وجوب الاحتياط- فلا أكون موضوعاً للبراءة، ولكن وجوب الاحتياط وجوب طريقي للتوصل إلى الواقع والاحكام الطريقية فانية في ذي الطريق فعلمي بها لا يزيدني علماً بالحكم الواقعي وما أزال جاهلاً به.
إذن فالمعارضة ثابتة عند الآخوند فتتساقط أدلة البراءة والاحتياط
-ونرجع إلى القواعد العقلية الموجودة-.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
“لو أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابن وبنت“(2).
“ثم أن زاد نصيبه“ أي نصيب الموصى له “على الثلث“ أي ثلث مجموع التركة “توقف الزايد عليه“، أي على الثلث “على الإجازة“ من قبل الورثة، “فلو كان له ابن وبنت وأوصى لأجنبي بمثل نصيب البنت” قسمت التركة ارباعاً “فللموصى له ربع التركة” وللبنت الربع أيضاً وللولد النصف المتبقي.
“وإن أوصى له بمثل نصيب الابن فقد أوصى له بخُمسي التركة“؛ لأن المسألة من خمسة كما سيأتي “فيتوقف الزايد عن الثلث” أي ثلث مجموع المال “وهو” أي الزائد “ثلث خُمس” الحاصل من طرح الثلث من الخُمسين، وذلك أننا نضرب ثلاثة في خمسة فيصبح خمسة عشر (3 5= 15) فثلثها خمسة وخُمسها
ــــــــــ[91]ــــــــــ
() الفقه (شرح مزجي لعبارة اللمعة)، الشيخ محمّد تقي الإيرواني، نفس التأريخ السابق، 2/11/1961. (المقرِّر).
(2) اللمعة ج2، ص44.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ثلاثة وخمسها ستة وثلث خُمسها واحد الزائد من الفرق بين الخمسة والستة.
“وإن ردّا فمن تسعة” أي يقسم المال تسعة أقسام؛ “لأن للموصى له ثلث التركة” فيأخذ ثلاثة من تسعة “وما يبقى لهما” وهو ستة، يقسم “أثلاثا” فيأخذ الآن الثلثين وهو أربعة وتأخذ البنت ثلثا واحداً وهو اثنين “فتضرب ثلاثة” التي تُقسّم أصل المال “في ثلاثة” التي تُقسّم الثلثين الباقيين فتصبح مجموع الحصص تسعة.
ويلاحظ بأننا إذا أردنا أن نخرج هذه الصورة على فرض أن المال كان 45 فيأخذ الموصى له الثلث وهو،15 ويأخذ الابن ثلثي المتبقي وهو 30 يأخذ 20 وتأخذ البنت الثلث الآخر وهو،10 وإذا أردنا إخراج الصورة الأولى على 45 فتقسم هذا العدد إلى خمسة اقسام كلّ قسم منه 9 فيأخذ الموصى له خُمسين وهو 18 والولد خُمسين وهو 18 أيضاً وتأخذ البنت الخمس المتبقي وهو 9.
“وإن أجاز أحدهما” أما الابن أو البنت “ورد الآخر ضُربت مسألة” أي مجموع حصص “الإجازة” التي هي خمسة “في مسألة” أي في مجموع حصص “الرد“، التي هي تسعة فيحصل من ناتج الضرب 45، (5 9= 45) ويكون هذا العدد قاسم مشترك أعظم للتقسيم “فمن أجاز” منهما “ضربت نصيبه” أي حصته “من مسألة” أي من مجموع حصص “الإجازة” التي هي خمسة حصص “في مسألة الرد” التي هي تسعة “ومن رد ضربت نصيبه” أي حصته (من مسألة) أي من مجموع حصص (الرد) التي هي تسعة (في) مجموع حصص (مسألة الاجازة) التي هي خمسة.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
“فلها” أي البنت “مع إجازتها” ورد الابن “تسعة من خمسة وأربعين” ناتجاً من ضرب حصتها من مسألة الإجازة التي هي واحد في مجموع مسألة الرد التي هي تسعة فيصبح تسعة (1 9=9) “وله” أي للولد “عشرون” من خمسة واربعين ناتجا من ضرب حصته من مسألة الرد التي هي أربعة، كما مضى في مجموع مسألة الإجازة التي هي خمسة فيصبح العدد عشرون (4 5=20) “وللموصى له ستة عشر” من خمسة وأربعين “هي ثلث الفريضة” أي ثلث مجموع المال وهو 45 وثلثه 15 “وثلث الباقي من النصيب” عند طرح الثلث من مجموع ما أوصى له “على تقدير الإجازة” وذلك؛ لأن حصة الموصى له على تقدير عدم إجازتهما 15 وعلى تقدير الإجازة من قبل الاثنين 18 فالفرق بينهما 3 فيقسم هذا الفرق أثلاثاً يأخذ الموصى بإجازة البنت وحدها ثلثه فتكون مجموع حصّته من المال 16 كما سلف، ويأخذ الموصى له ثُلثي الفرق إن كان المجيز هو الولد فتكون مجموع حصّته 17 كما سيأتي.
“وله” أي للابن “مع اجازته” ورد البنت “ثمانية عشر” من خمسة واربعين ناتجاً من ضرب حصّته من مسألة الإجازة التي هي اثنين في مجموع مسألة الرد التي هي 9 فيحصل 18 9 2=18 “ولها” أي البنت “عشرة” من خمسة وأربعين ناتجاً من ضرب حصتها من مسألة الرد التي هي 2 في مجموع مسألة الاجازة التي هي 5 فيحصل عشرة، 2 5=10 “وللموصى له سبعة عشر” المكون من ثلث التركة الذي هو 15 وثلثي المال الذي يحتاج إلى إجازة الورثة الذي هو ثلاثة فتكون حصّته منه اثنين فيكون العدد هكذا (15 + 2=17).
ــــــــــ[93]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ويلاحظ ممّا مضى ما يلي:
ــــــــــ[94]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نبدأ في هذا العام إن شاء الله تعالى في أهم المباحث في الالهيات:
أولاً: إثبات واجب الوجود، والثاني: إنّيته ماهيته يعني أنَّ ماهيته هي محض وجوده، الثالث: صفاته هل هي نفس ذاته أو زائدة عليها.
أمّا مسألة إثبات واجب الوجود فقد تقدّم ما يكفي للكلام فيها هناك طريقان: أحدهما طريق العامّة وهو: إثبات الواجب تعالى من طريق معلولاته والثاني طريق الخاصّة وهو: الطريق اللمّي وهو الاستدلال على واجب الوجود من نفس طريق الوجود.
نبدأ أولاً في معنى (أنَّ ماهيته إنيّته).
الفلاسفة يقولون إنَّ الله تعالى هو محض الوجود أي ليس له ماهية تنتزع فيقال كذا له الوجود كما يعبّر عن باقي الماهيات الممكنة التي هي زوج تركيبي،
ــــــــــ[95]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأحد 5/11/ 1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وليس له ماهية يعرض عليها الوجود كما في سائر الممكنات التي يحللها العقل إلى شيء له الوجود.
وإذا ثبت ذلك يثبت بطريق واضح بطلان نظرية المادّيين الذين يقولون أن العلّة الاولى للأشياء هي المادة، ونحن نقول: إن الوجود هو الأصل حين يقولون إن المادة هي الأصل، أي إنّ أصل الأشياء ماهية لها الوجود وقولنا يكفي لدفع قولهم، إذ لو كانت له ماهية لها الوجود يجوز أن تكون هذه الماهية هي المادة، لا يعقل أن تكون هذه المادة التي فرضوها أصلاً للأشياء، بل لا بُدّ لها من أصل يوجدها وكذلك آراء الدهريين وهم من نفس القوم الذين يفرضون أنَّ هناك شيء آخر هو واجب الوجود، ولكنه ليس محض الوجود مادة أو طبيعة أو دهر أو غيره.
الفاعل الأول يجب أن يكون محض الوجود؛ لأنه لو كان له ماهية خرج عن كونه واجب الوجود وتسائل المدرس: ما معنى أن ماهيته إنيّته؟ وما مدى فائدة هذا البحث! ثُمّ قال: معناه أن الواجب هو صرف الوجود أن أول الأشياء لا يمكن أن يكون ممكناً؛ لأنه لا يمكن أن يوجد بالعرض ولا بُدّ أن يفرض في حد ذاته واجب الوجود.
إذن من أين جاء له التكوين والوجود إذا كان وجوده مستعار المجاز لا بدَّ له من حقيقة لا يمكن فرض العالم كلّه مجاز -ليس وراءه حقيقة-. فهذا الذي (ما بالذات) سمّوه ما شئتم من الأسماء يجب أن تفرضه واجب الوجود؛ لأنه إن فرضته ممكناً محتاجاً فوجوده مستعار فالمستعار منه أي شيء وجوده بالعرض الموجود بالذات أي شيء فلا بُدّ أن يفرض ما وجوده بالذات واجب الوجود.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وواجب الوجود لا بدَّ أن يكون محض الوجود، أي ليس له ذات تعرض لها الوجود وعدم تعقل هذا المعنى هو الذي جوّز على بعض العقول أن يفرضوا أن يكون مصدر الأشياء مادة أو دهر؛ لأنهم لم يتعقلوا أن يكون واجب الوجود هو صرف الوجود.
وعلى قولنا لا يمكن أن يكون صرف الوجود لا مادة ولا طبيعة ولا بُدّ أن يكون متصفاً بجميع صفات الكمال.
هذه المسألة وهي إثبات الإلوهية لواجب الوجود تعالى تتركز على أنَّ ماهيته إنّيته وأنه صرف الوجود؛ لأننا حينما نفرض أن له ماهية يعرض عليها الوجود جاز أن تكون تلك الماهية مادة أو طبيعة فهل يجب أن تكون ماهيته إنّيته وهل يمكن فرض هذا؟ لا يجوز أن يكون -أي واجب الوجود- ماهية لها الوجود؛ لأن ذلك محال ولا يمكن كونه واجب الوجود إلا إذا كان صرف الوجود لأنه إذا كان له ماهية فما فرضته واجب الوجود -ويجب أن تفرض واجب الوجود بالدليل- يخرج عن كونه واجب الوجود. فيجب أن يكون محض الوجود وصرف الوجود لا حدّ له.
فما معنى الماهية هنا؟ بعد أن قلنا بأصالة الوجود وأنه هو المشار إليه أنه كذا فالماهية حدّ من حدود الوجود وهذا التحديد بالنسبة إلى واجب الوجود محال؛ لأنه لا يقبل التحديد لأنه متى ما حدد بأيّ حدّ معناه أنه حصر بشيء من الأشياء معناه احتاج إلى الوجود فيفتقر إلى الغير، في حين أن معنى واجب الوجود أنه غني عن أي شيء غيره.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فلذلك لا يعقل فيه الظرفية المكانية والزمانية والأولية والنهاية الزمانية فيقال لا أولية لأوليته.
نحن نتكلم الآن من ناحية فلسفية محضة غير مقيدين بأيّ رأي ونرى الموضوع من حيث هو هو.
بعد أن قام البرهان على ثبوت واجب الوجود ولا معنى لفرض أنَّ الأشياء كلها ممكنة لذا يقولون إن المادة أو الطبيعة أزلية وإذا فرضت واجب الوجود، لا بُدّ أن يكون صرف الوجود وماهيته إنيّته وغير محدود.
أشياء نقول أنها ذوقيّة وفي الواقع أنها برهانية فهل معنى الموجود الذي له ماهية أنَّ هناك ماهية موجودة طرأ عليها الوجود. فنحن عندما نفرض عروض الوجود على الماهية إنما يكون في الذهن لا في الخارج، لا أنَّ الماهية توجد ثُمّ يعرض عليها الوجود، وإنما نحلل بالتحليل العقلي هنا الموجود إلى أنه ماهيّة، ووجود الوجود هو الموجود وهو المتأصّل وتنتزع الماهية من حدوده ووجودها بالوجود ومعنى وجود الماهية أنه شيء تحقق فهي حدود الوجود، فإذا كان الوجود محدّداً له جهات عدمية صحّ أن ينتزع منه أن له ماهية.
أما إذا كان واجب الوجود فلا يعقل أن يكون محدداً بحدود عدمية لأنه إذا فرض له ماهية يكون الوجود عارضاً عليها فيكون محدداً، ومعناه أنه غير واجب ففرض أنه واجب الوجود ينافي فرض التحديد فما فرضته أنه واجب الوجود لا يكون واجب الوجود، وهذا نسميه (قانون الذاتية) أن كون الشيء هو هو لا يكون غيره فالشيء إذا فرضته واجب الوجود لا يمكن أن يكون
ــــــــــ[98]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
غيره وإلا كان خُلفاً وتناقضاً فبنفس فرض كونه واجب الوجود معناه غير محدود بحد وهو معنى كون لا ماهية له لذا قال ابن سينا أن قولهم: (يجب وجوده) تصحيف (بحتٌ وجوده) أي صرف محض؛ لأن الكتابة كانت بدون نقط.
فلا يمكن أن نتعقل أنه واجب الوجود وله ماهيّة وهذا يرجع إلى أوليات أوليات القضايا.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
من الأدلّة على البراءة، قوله: “كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي“(2)، ما هو مؤدى هذا الدليل وما هي الصور المحتملة فيه؟
صور الحديث ثلاث:
ــــــــــ[100]ــــــــــ
() الأصول، (في حقائق الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، نفس التأريخ السابق، 5/11/1961. (المقرِّر).
(2) (الكفاية) ص233. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المعنى الثاني والثالث: الورود معناه وصول الحكم والمطلق معناه الاباحة أي كلّ شيء مباح حتى يصل حكم من الشارع، ولكن وصول الحكم مرّة يكون لشخص المكلفّ الشاك ومرة لمطلق المكلفّ فالمكلف الشاك -بالصورة الأولى- محكوم بالإباحة حتى يصل إليه الحكم، والثاني يقول إنه مباح إلى أن يصل إلى أحد المكلفين فالمعنى الأوّل هو الذي يدلّ على البراءة.
المعنى الأول: كلّ شيء مباح حتى يصل إلى شخص المكلفّ نهي.
والمعنى الثاني: المهم أن يصل إلى أحد المكلفين فبالنسبة لي لم يصل ولكن لعلّه وصل إلى غيري؛ لأني أعلم بصدور أحكام كثيرة ووصلت ولكن هل هذا منها؟ لا أعلم فلا يمكن أن أقول كلّ شيء مطلق وأنا لا أعلم أن الإباحة ارتفعت أو لا؟ فلا استطيع أن أتمسك بالبراءة؛ لأنه من قبيل الشبهة المصداقية والحكم لا استطيع أن أتمسك به؛ لأن الحكم لا يُثبت موضوعه.
الشيخ صاحب الكفاية اختار الشق الثاني والشيخ الأنصاري اختار الشق الأوّل.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الحكم إنما يأتي بعد موضوعه، كلّ شيء مباح حتى يبلغ إلى أحدهم وأنا لا أعلم أنه هل بلغ أو لا فكيف اتمسك بالبراءة لا نستطيع أن نتمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ لأن الحكم لا يُثبت موضوعه. دليل وجوب الحج على تقدير وجود الاستطاعة لا يثبت لك الاستطاعة بل من الخارج أعرف أنني مستطيع أو غير مستطيع، ولا أعرف ذلك من نفس الحكم لذا قالوا إن المرجع في الشبهات المصداقية هو العرف لا الشارع فتنقيح الموضوعات من خصوص المكلفين. فلا يجوز التمسك بالعام فيها نهائياً بل تعرفه من الخارج(1). فالإباحة إنما تتم مع اليقين بعدم وصول حكم إلى أحد المكلفين، أما إذا شككت أنه وصل حكم إلى أحد المكلفين لا بُدّ أن تبحث من الخارج ولا تعرف ذلك من نفس الحديث.
فإذا شككت هل وصل الحكم أو لا، لا تستطيع أن تتمسك بالعام كلّ شيء مباح؛ لأن العام لا يثبت قيوده وشؤونه فهو لا يتعرض لحال مجهول الحكم فلا يصلح دليلاً للبراءة؛ لأنه يحتاج إلى ضميمة تُثبت عدم الوصول والحديث وحده لا يُثبت ذلك.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
() ثُمّ انتقل المدرس إلى تطبيق هذه القاعدة على الحديث كلّ شيء مباح حتى يصل نهي إلى أحد المكلفين. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
صاحب الكفاية قال هو القسم الثالث وقال إننا نستطيع أن نستعين بأدلة خارجية عن الحديث فنجري الأصل -أصل عدم الصدور- فننقح الموضوع بالأصل ثُمّ نجري عليه الحديث الوصول من الأمور الحادثة، وكل الأمور الحادثة مسبوقة بالعدم فالأصل عدم وصوله إلى احد المكلفين. فالأصل يقول أن النهي لم يصل من الشارع إلى أحد المكلفين فيجري الحديث ويترتب حكم الإباحة.
وأشكل صاحب الكفاية بأنه على هذا يكون الحديث في حق من لم يصل إليه الحكم وإنما تفيدنا البراءة في مجال مجهول الحكم؛ لأن الحديث بمعونة الأصل دلّ على البراءة في حق من لم يصل إليه الحكم لا في حق الجاهل بالحكم.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
من أدلة البراءة التي ذكرها الشيخ صاحب الكفاية الحديث: “كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي“
الصور المتصورة فيه ثلاث:
الأول: أنَّ كلمة (المطلق) يراد بها كما فهم النائيني المرسل ففسر المطلق بالإرسال بمفهومه -أي بمفهوم الإطلاق اللغوي- وأراد بالورود هو الصدور فيكون معنى الرواية: (أن كلّ شيء مرسل حتى يأتي فيه حكم)، يعني الأفعال التي لم تبلّغ أحكامها فهي مرسلة لا حكم لها.
فعلى هذا فالرواية أجنبية عن مفاد البراءة؛ لأن مفاد البراءة إنما هو جعل الحكم بعد ورود التشريع.
التفسير الثاني: ولم يتعرض له بالكفاية أن يراد (مطلق) يعني مباح حسب
ــــــــــ[104]ــــــــــ
() الأصول، في (حقائق الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الأربعاء 8/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
اصطلاح المتشرعة (حتى يرد) يعني حتى يصدر تكليف، إما إلى المكلفّ نفسه أي بشرط أن يعلم به المكلف، أو أن يصل إلى أحد المكلفين على نحو الإجمال وإن لم يعلم به فكل شيء بمقتضى هذا التفسير مطلق حتى يرد فيه حكم من الشارع، ويصل إما إلى نفس المكلفّ أو حتى يصل هذا الحكم إلى أحد المكلفين ولو إلى زرارة أو أبي ذر وإن لم يصل إلى المكلفّ نفسه، والذي يفيد في البراءة هو المعنى الأول لأن وصوله إلى الآخرين لا يكفي في بعث المكلفّ فنحن نجعل الحكم للشاك نفسه فهو محكوم بالإباحة حتى يصل إليه الحكم وهذا القول منسوب للشيخ الانصاري فتكون الرواية وافية بالبراءة كما تفضل الشيخ أنت محكوم بالإباحة إذا شككت بالحكم الواقعي أي إنّ لم يصل إليك الحكم.
صاحب الكفاية يقول: لا، إنّ الرواية لم تعيّن متعلّق الورود فنحتمل أنه المكلفّ نفسه أو أحد المكلفين فكل شيء مباح حتى يكلف به أحد العباد فالإباحة مغيّاة -على هذا القول- بوصول الحكم إلى أحد المكلفين، فإذا شككت بوصول الحكم إلى أحد المكلفين لا تستطيع أن تتمسك بالبراءة، لعدم إمكان التمسك بالإطلاق في الشبهة المصداقية؛ لأن ذلك أي البحث عن المصداق المشكوك شأن المكلفّ نفسه لا شأن الشارع. فأنا لا بُدّ لي أن أبحث في الكتب لأعرف أنه هل وصل أو لا؟ وعلى هذا تكون الرواية أجنبية عن البراءة؛ لأن البراءة أن يشك المكلفّ بوروده أي الحكم إلى نفسه فيحكم بالإباحة، أما إذا شكّ بوروده إلى الغير فلا يمكن معرفته عن طريق الإطلاق لعدم إمكان التمسك به في الشبهات المصداقية.
ــــــــــ[105]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ويقول الآخوند نحن نستطيع أن نكمل الرواية بالأصل وانقح الموضوع بالأصل ثُمّ أطبق عليه الحكم، والأصل هو استصحاب العدم هل صدر من الشارع تكليف وورد إلى أحد المكلفين؟ الأصل العدم؛ لأن الورود من الأمور الحادثة وكل حادث مسبوق بالعدم. فأثبتُ بالأصل عدم الورود والرواية تقول كلّ شيء مباح ما لم يرد حكمه.
بعد هذا قال لكن هذا أي إنّ الأصل ينتج لي مفاد من لم يرد حكمه مع أن مفاد البراءة هو الإباحة الواردة على مجهول الحكم؛ لأن الشيء الذي توصلت إليه بواسطة الأصل هو نفي الحكم لا كوني شاكاً.
الأصل نفي الحكم ولم يجعلني شاكاً إذن فالرواية ساكتة عن مجهول الحكم، ويريد الآخوند أن يُثبت بهذا أنه حتى مع إجراء الأصل لا تدلّ الرواية على الإباحة؛ لأن البراءة إنما تأتي بخصوص الشخص الشاك ولا تجري في الذي لم يصدر في حقّه حكم.
ثم يقول الآخوند: نحن غرضنا أن نرفع الاحتياط سواء كان بعنوان أنه مجهول الحكم أو أنه لم يصدر بحقّه حكم، وقد ارتفع على كلا التقديرين فإذن كلا التعبيرين على حدّ سواء؛ لأن المطلوب هو رفع الاحتياط وقد حصل.
ثم قال: بل هما مختلفان لأننا نستطيع أن نفكك بينهما فنتصور مكان تجري فيه البراءة ولا يجري فيه الأصل -أصل عدم صدور الحكم- وذلك إذا كان عندي حكمين حكم بالإباحة تطرأ عليه الحرمة أو حرمة تطرأ عليها البراءة نعلم أنه صدر من الشارع حرمة وإباحة ونشك بالمتقدم منهما بمفاد
ــــــــــ[106]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
البراءة أنا شاك وحكمي الإباحة ولكن الأصل لا يجري بعلمي بصدور الحكم ولا أعلم المتقدم؛ لأنه بعنوان مجهول الحكم يمكن أن أطبق البراءة وأحكم بالإباحة، أما أنه لم يصدر حكم في حقيّ فأنا لا أستطيع أن أُجري أصل عدم الحكم؛ لعلمي بصدور حكم قطعاً والأصل إنما يجري في حالة الشكّ بحكم واحد. فإذن اختلف هذان ولم يكن مجهول الحكم كمن لم يصدر بحقّه حكم.
ثم قال الآخوند إننا نستطيع أن نكمل الاستدلال بالحكم بالملازمة كلّ الأفعال التي لم يصدر في حقّها أحكام محكومة بالإباحة إلا إذا علم بصدور حكمين هذه هي القاعدة الأولية، ولكن يمكننا أن نجعل حكم عام على هذه الصورة فنحكم بالإباحة هنا بالملازمة بين مصاديق مجهولة الصدور فنسرّيها حتى في معلوم الصدور بالملازمة(1).
ــــــــــ[107]ــــــــــ
() التكملة في دفتر الملاحظات العامة الثالث. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قد يكون هنا مجال لجريان الأصل كما في الشكّ في صدور الحكم، وقد لا يكون مجال لجريان الأصل كالشك في المتقدم من الحكمين المقطوعي الصدور، ولكن في عالم المصاديق هاتان الصورتان متلازمتان -في الحكم بالإباحة- سواء علم بصدور حكمين أو شكّ في صدور حكم واحد من الشارع.
ثم قال الآخوند صاحب الكفاية أنَّ هذا النوع من التلازم في محله لو كان هناك لفظ يدلّ عليه لو كنّا مستفيدين ذلك من دليل لفظي فصحيح، لكنّنا استفدنا حكم من لم يصدر في حقّه حكم من أصالة عدم الصدور والتسرية
-أي تسرية إجراء الأصل- إلى صورة صدور حكمين إنما كانت بواسطة الأصل المثبت وهو ليس حجّة.
خلاصة: الأصل عدم وصول الحكم إلى أحد المكلفين فيكون حكم من لم يصدر فيه حكم وليس حكم مجهول الحكم والبراءة إنما تجري في مجهول الحكم.
ثُمّ قال الآخوند: إنَّ الذي يهمنا هو رفع الاحتياط سواء كان بعنوان المجهول الحكم أو بعنوان أنه لم يصدر فيه حكم فلا فرق بينهما. بعد هذا قال إن
ــــــــــ[108]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامة الثالث. (المقرِّر).
() تكملة بحث من الدفتر السابق، كفاية ص235. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بينهما اختلافاً؛ لأننا نستطيع أن نتصوّر شيئاً مجهولاً حكمه، ولكن ليس فيها عدم صدور ولا نستطيع إجراء الأصل مثل صورة صدور حكمين من الشارع ولا نعلم المتقدم من المتأخر منهما، فالبراءة تجري ولكن الأصل لا يجري فنستطيع أن نفكك بينهما.
ثُمّ قال الآخوند إننا نستطيع أن نتمم الدليل بالملازمة فالجاهل بأمره لا يتفاوت حاله، قسم منها نقول إنه محكوم بالإباحة وقسم منها ليس كذلك؛ لأن العلماء يعتبرون تلازماً بين هذه المصاديق فيثبتون له الإباحة بالملازمة- لأنَّ المصاديق ليس لها حكمان.
ثم قال: إن الحكم بالملازمة إن كان من الدليل اللفظي فصحيح أما تسرية الحكم من موضوع ثبت بالأصل إلى حكم لم يثبت بالأصل فمشكل، وإنما نثبته بالأصل المثبت وهو ليس بحجة.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
من الأدلّة التي استدل بها على البراءة الإجماع وهو منشأ للخلط في كلمات الشيخ وغيره.
فقيل: على أنه قائم على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وأن الشيعة كلمتهم متّفقة على هذا الحكم العقلي فهل يصلح هذا أن يكون لنا إجماعاً.
مع أن المفروض أن الإجماع إنما يكشف لنا رأي المعصوم كمشرع لا على أنه عاقل من العقلاء، فإذا عرف مستند الإجماع بطل كدليل مستقلّ ويرجع الحساب إلى المستند. فإذا عرفنا أنه قامَ على الحكم العقلي فهذا الحكم العقلي كافٍ فإن تمّ هذا الحكم فلا حاجة إلى الإجماع.
أما إذا كان المستند غير محدود فأقول من البعيد أنهم يتفقون على الخطأ فهذا الإجماع إذن يحكي عن قول المعصوم. أما إذا اختلفوا بالاستدلال مع
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() الأصول، في (كتاب فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الخميس 9/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
اشتراكهم في الرأي فيكون حسابي مع المستند لا مع الإجماع كلّ إجماع إذا عُلّل ينتقل الحديث إلى المستند.
فالجهالة في مستند الإجماع هي المبررة لحجيّة الإجماع إن كان الإجماع حجة، فالمهم في الإجماع أن تغفل فيه المستندات.
لمّا -حين- يقول الشيخ إن الجماعة أجمعوا على قبح العقاب بلا بيان فهذا حكم عقلي. ولا يكون بالإجماع عليه أكثر من كونه حكم عقلي؛ لأن مستند الإجماع هو دليل العقل. جماعة أخرى قالوا (من دون بيان واصل).
والدعوى الأولى كانت على الأعم من البيان الصادر. وهذه الدعوى هي الدعوى على الإجماع على قبح العقاب بلا بيان واصل إلى المكلفّ وهذا الإجماع معروف مستنده أيضاً.
والخلاف بيننا وبين الاخباريين أنهم يقولون بأن البيان واصل بأدلة الاحتياط، فإذن لا يمكن أن يكون حكم العقل دليلاً على البراءة بقول مطلق.
الثالث: إجماع على البراءة بما هي براءة وهذا واضح البطلان لخلاف الاخباريين معنا ولا نستطيع أن نسقط قولهم من الاعتبار.
خلاصة: الشيخ صوّر الإجماع بثلاث صور:
أولاً: الإجماع على قبح العقاب بلا بيان صادر والإجماع متى عرف مستنده بطل مفعوله، وهذا معروف أن مستنده العقل؛ لأنني أريد أن أعرف رأي الإمام كمشرع لا كعاقل. ولا استطيع أن أجعل هذا الإجماع دليلاً في مقابل دليل العقل.
ــــــــــ[111]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ثانياً: إن نقول عندنا إجماع على قبح العقاب بلا بيان واصل وهناك -أي إنّ الدعوى الأولى- كانت أعم والمناقشة واضحة فبالإضافة إلى تلك المناقشة فإن الإخباريين يدعون وصول الاحكام بأدلة الاحتياط فلا اتفاق.
ثالثاً: الإجماع على البراءة الشرعية أي على إباحة مجهول الحكم مع غض النظر عن القاعدة العقلية. ومناقشة هذا الوجه واضحة؛ لأن الاخباريين يخالفوننا في دعواهم بأن الشبهات التحريمية مجرى للاحتياط لا للبراءة. ونحن نقول خلاف ذلك والكثرة منهم أُناس محترمون لا يمكن أن نسقطهم من الاعتبار.
فلا نستطيع أن نأخذ بالإجماع كدليل مستقل.
مستند الإجماع: إما أن نقول إنَّ العلماء لا يمكن أن تجتمع على خطأ فلا بُدّ أن يكون لها مستند غير معلوم لدينا، أو نقول إن الإمام واحد من العلماء وإذا عرف الإمام اجتماع العلماء على الخطأ فلا يمكن أن يخفي نفسه.
أن نستند على قاعدة اللطف: أنه لا يمكن أن يجمع الله تعالى الأمة على خطأ ولا بُدّ أن يهيئ مخالفاً حينئذٍ وكل هذه الوجوه مناقشة عند الجماعة.
فتبقى أدلة ثلاثة على البراءة هي: الكتاب والسنة والعقل.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أما دليل العقل على البراءة (فقبح العقاب بلا بيان) محط حكم العقل أي شيء: البيان الصادر أم البيان الواصل فإذا كان البيان الصادر لم يكن للشارع إرادة حتى يصدر أمره فلا مقتضي لاستحقاق العقاب لأن استحقاق العقاب إنما هو لتفويت غرض الولي وإرادته.
بالنسبة إلى دليل العقل بلا بيان صادر أو بلا بيان صادر وواصل أما بلا بيان صادر فلا استحق عقاباً، ولكن هذا ليس موضع اهتمام وابتلاء لأن كلامنا إنما يدور حول الحكم بعد صدوره ووصوله إذا صدر الشيء ولم يصل لا باعثيّة فيه فلا أثر له، وليس موضع للحساب والحساب مع البيان مع وصوله: لأنه هو موضع الحاجة لأننا نشك بأن البيان وصل أولاً ولا نشك -أو لا حاجة لنا بأن نشك- أنه هل صدر أو لا. فمع عدم وصوله بعد البحث عن الأمارات لا يكون منجزاً عليّ بمقتضى الحكم العقلي فإن استطعت بعد البحث أن أحصّل أمارة منها -وإلا لم يكن الحكم منجزاً عليّ.
والواصل ليس معناه أنه ينزل وحياً من السماء بل الشارع بلغه بشكل اعتيادي مألوف إلى الحاضرين في مجلسه.
فنحن ملزمون بالفحص عن الأدلّة فلا نستطيع أن ننفي البيان إلا بعد
ــــــــــ[113]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الفحص واليأس فإذا يئست بعد الفحص أجريت الأصول الشرعية ثُمّ الوظائف العقلية.
هذه الأمور -وهي الأمارة ثُمّ الوظيفة الشرعية ثُمّ الوظيفة العقلية- مرتبة فيما بينها؛ لأن الأصل أخذ في موضوعه الشكّ بالحكم فإذا وجدت أمارة فأنت غير شاك: لأن الأمارة تقول صدّق زرارة والأصل العقلي يقول العقاب قبيح بلا بيان، فإذا أجريت الأصل فقد بيّن لك الشارع وأبعد احتمال الضرر وأتى بالبيان فرفع موضوع الحكم العقلي. البراءة العقلية مستندها العقاب بلا بيان فإذا قال الشارع هذا بيان فلا مجال للبراءة العقلية والبراءة الشرعية مأخوذ فيها الشكّ فإذا قامت عندك الأمارة الشرعية، فأنت غير شاك فهذه الأمور مرتبة أحدهما رافع لموضوع الآخر.
فإذا عرفنا ذلك فنحن لا نستطيع أن نُجري مرحلة حتى نفحص عن المرحلة السابقة ولا يكفي أن أغمض عيني وأقول: إن شاء الله لا يوجد، ثُمّ أقول: (رفع عن أمتي ما لا يعلمون).
فإذن حديث الرفع يرفع التكاليف عن جميع البشر. والصحيح أنك بعد اليأس عن الحكم الشرعي لا بُدّ أن تجري الأصل فلا يمكن أن تأخذ بحكم العقل إلا بعد طي المراتب السابقة.
مقياس الوصول هو أن يجد الحكم بالموسوعات فلا يصدق أن البيان غير واصل وهو موجود في الكتب. فإذا يأستُ فالشارع لا يستطيع أن يعاقبني لأن المدار في تحريك المكلفّ ودفعه إلى الامتثال هو علمه ووصول التكاليف إليه فإذا لم تصل فبأي ميزان يعاقبه.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قال بعضهم يكفينا قبح العقاب بلا بيان صادر.
والجواب: أنَّ هذا إنما يحكم بالبراءة؛ لأنه لا مقتضي للعقاب لأن الشارع لم يعرب عن مراده فإذن أنا لم أفوّت عليه مراده فلا استحق العقاب، أما إذا أظهر مراده ولم يصل فالرافع للعقاب هو وجود المانع وهو أنه لا باعثية فيه مع عدم علم المكلفّ به بعد الفحص عنه أما لقصور من الشارع أنه ما أوصل الحكم أو لقصور من المكلفين أنهم لم ينقلوا لي حكم الشارع. فهناك قاعدتين في رأي الشيخ نستقي من مائين لا من ماء واحد.
ــــــــــ[115]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
من الأدلّة على البراءة: حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هل المراد به قبح العقاب بلا بيان واصل، أو بلا بيان صادر هل يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان صادر؟ نعم إنَّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان صادر ومناطه أنه لا إرادة للمولى بحيث تستتبع أن يأمر بالفعل تبعاً لإرادته فعندما لا يمتثل الإنسان لا يكون مفوتاً لمراد المولى. فحكم العقل بهذا لأنه لا مقتضي للعقاب.
أما إذا كان هناك أمر ولم يصل والمدار في الانبعاث عن الأمر هو وصوله إلى المكلف؛ لأن البعث والانبعاث يكونان وليدي الأمر، والمهم ليس صدور الأمر فقط وإن لم يصل إليه -المكلفّ- بل وجوده العلمي هو الباعث فعدم وصوله يكون مانعاً من الانبعاث وهذا المانع إما من الشارع؛ لأنه لم يؤد أمره
ــــــــــ[116]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، 11/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بالطرق المتعارفة أو من السابقين من المكلفين الذين قصّروا ولم يوصلوا لي الأمر، فأنا لم أكن مانعاً فعلى أي شيء أعاقب؟
فهنا -أي في هذه الصورة الثانية- يوجد مقتضي للعقاب؛ لأنه هناك أمر ولكن يوجد مانع هو اختفاء الأمر عنّي فلا يمكن الاندفاع؛ لأن الأمر بوجوده الواقعي لا يستوجب اندفاعاً، وإنما يستوجب الاندفاع بوجوده العلمي، فإذا ما فحصت عن الدليل وعجزت وظل الحكم مختفياً عنّي إما بسبب الشارع أو المكلفين على كلّ حال لم يصدر من عندي تقصير فكيف أعاقب؟
قال جماعة في مقام الإشكال: إن القاعدة العقلية قبح العقاب بلا بيان صادر فيكون مفاده مفاد: “ما حجب الله تعالى علمه عن العباد فهو مرفوع عنهم” ويكون أجنبياً عن حكم البراءة.
يقول الشيخ إنه، من شؤون البراءة(1)، والبراءة إنما تأتي في البيان الصادر المجهول يعني أن البراءة إنما تجري على تقدير صدور الحكم مع كوني جاهلاً له فاحكم بالإباحة بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
الجماعة الذين يستدلون بالحديث على البراءة يقولون إن المقصود من القاعدة العقلية هو: البيان الواصل؛ لأنه مع عدم وصوله لا يمكن البعث؛ لأن الشارع قبيح عليه أن يعاقب بدون وصول حكمه إلى المكلف. وقال جماعة صدور الأمر كافٍ في رفع القبح عن العقاب بلا بيان فرتبوا الحكم على ترك البيان الصادر.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
() كذا في المسودة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الشيخ يقول: إن عندنا حكمين للعقل: عندنا قبح العقاب بدون بيان صادر، ولكن هنا لا مقتضي للعقاب؛ لأن إرادة المولى لم تبلغ بحيث يصدر الأمر ولم أفوّت عليه غرضه، وعندنا قبح العقاب بلا بيان واصل أي إذا أصدر الأمر ولم يصل إلي فأنا فوّتُ غرضه، لأنني لم أمتثل، ولكن التفويت إن كان مستنداً لي فأنا مستحق للعقاب أما إذا كان التفويت مستنداً إلى الشارع أو إلى السابقين فما كان عندي ذنب لأُعاقب عليه فهناك -أي في الصورة الأولى- لعدم المقتضي وهنا -أي في هذه القاعدة الثانية- لوجود المانع صار العقاب قبيحاً.
إذن فعندنا حكمان للعقل بمناطين فالجماعة التزموا أن هذه القاعدة تدلّ على البراءة أفضل دلالة.
اشكلوا أنه عندنا قاعدتان عقليتان: الأولى قبح العقاب بلا بيان والثانية وجوب دفع الضرر المحتمل، وهاتان القاعدتان متعارضتان لأنني بمقتضى القاعدة الأولى يجب أن لا أمتثل ما أشك بوجود أمر فيه (بعد اليأس) وبمقتضى القاعدة الثانية يجب أن امتثل ما أشك بأنه مأمور به ؛لأنني إذا احتمل الضرر فالعقل يقول دفع الضرر المحتمل واجب؛ لأنني إذا احتملت أن هناك أمراً احتملت أن هناك عقاباً على عدم امتثاله والواجب بمقتضى قاعدة دفع الضرر المحتمل إن امتثل دفعاً للعقاب المحتمل، فإذا جمعت بين الحكمين يكون أحدهما مُذهِبٌ لموضوع الآخر وجداناً.
الأول قبح العقاب بلا بيان فالشارع لا يعاقبني بدون بيان والثاني إذا
ــــــــــ[118]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
شككت بوجود تكليف شككت بأنه هل يجب علي الفعل -الامتثال- أو لا؟ يعني احتملت بوجود عقاب -على تقدير العصيان- فالعقل يقول أنت ملزم بدفع الضرر المحتمل -بالامتثال- فحكم العقل الثاني يصلح لأن يكون بياناً وارداً على الحكم العقلي الأول ورافعاً لموضوعه لأن العقل ألزمك بإتيان الفعل.
ــــــــــ[119]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الورود والحكومة: هو إزالة الموضوع تعبداً فيزول الحكم بزواله وللحكومة اصطلاحان:
أولاً: توسيع الموضوع أو تضييقه.
مثال توسيع الموضوع (الطواف بالبيت صلاة) فوسّع مفهوم الصلاة حتى يشمل الطواف فيأخذ الطواف أحكام الصلاة من الطهارة والاباحة في اللباس وغير ذلك.
ومثال تضييق الموضوع كـ(لا ضرر ولا ضرار)، يعني إذا لزم من بعض الأحكام ضرر فهي مرفوعة فتكون هذه الأحكام الثانوية شارحة موسعة أو مضيقة لموضوعات الأدلّة الأولية.
ثانياً: والحكومة هي الإزالة التعبدية للموضوع نحو (لا شكّ لكثير الشكّ) يعني اعتبر نفسك غير شاك أي لا ترتب آثار الشكّ عليك إن كنت كثير الشك، فأزال موضوع التكليف ولكن لا إزالة وجدانية؛ لأنَّ الشكّ موجود بالوجدان بل إزالة تعبدية، وهذا ما يسمى بلسان رفع الحكم بلسان رفع الموضوع.
قسم ثاني: يسمى (ورود) وهو إزالة وجدانية بواسطة تعبد شرعي،
ــــــــــ[120]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كـ(رفع عن أمتي ما لا يعلمون) بالنسبة إلى قاعدة دفع الضرر المحتمل فحديث الرفع هذا يقول (أنا بيان) بأنّ حكم مجهول الحال هو الإباحة.
فإذن فاحتمال الضرر ارتفع وزال احتمال الضرر زوالاً وجدانياً ولكن بواسطة التعبد الشرعي، ومثل قبح العقاب بلا بيان بالنسبة إلى أدلة الاحتياط؛ لأن أدلة الاحتياط -على تقدير تماميتها- تقول (أنا بيان)، وكذلك أدلة البراءة بالنسبة إلى أدلة الاحتياط؛ لأن موضوع البراءة هو المشكوك في حين أن أدلته تقول (أنا بيان) إذ بمقتضاها لا يكون المكلفّ شاكاً فتكون مقدمة عليها.
الورود: يعني أن يكون أحد الدليلين وارداً على الدليل الآخر مزيلاً لموضوعه بصورة وجدانية بواسطة تعبد شرعي.
عندنا(1) أربع اقسام من صور إزالة الحكم عن الموضوع.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
() ثم قال الأستاذ: عندنا… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الاحتياط الواردة على قبح العقاب بلا بيان، فنفي البيان زال وجداناً بواسطة أدلة الاحتياط التي هي بيان شرعي.
عندنا(1) حكم عقلي بقبح العقاب بلا بيان وعندي حكم عقلي بوجوب دفع الضرر المحتمل. وهاتان القاعدتان متعارضتان مع أن العقل يستحيل أن تتعارض أحكامه بما هو عقل، كما أن الشارع يستحيل أن تتعارض أحكامه بما هو شارع ؛لأنني بحسب القاعدة الأولى لا يجب عليّ الإتيان بالفعل وبحسب القاعدة الثانية يجب علي ذلك؛ لأننا إذا احتملنا التكليف احتملنا الضرر فالعقل يأمرني بالإتيان فكيف نستطيع الجمع بين هاتين القاعدتين. فلا بُدّ أن نجعل لكل منهما مورداً لا ينافي الآخر.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
() ثم عاد المدرس إلى كلامه الأول فقال: (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إن الذي ينبغي أن يؤكّد عليه أنّه ليس المهم هو إثبات أن هناك واجب وجود؛ لأن ذلك لا يحتاج إلى دليل لأن نفس البديهة التي تقول كلّ ممكن لا بُدّ له من علّة تفرض واجب الوجود وهي بديهة يعلم بها كلّ أحد، وإن أنكروها لساناً فهم يعلمون بها حقاً. وكلام المادّيين إنما يرجع إلى إنكار العلم والاختيار في واجب الوجود لا نفس واجب الوجود، فلذلك قالوا بأزلية المادة فإذن لا بُدّ من مبدأ للعالم باعتراف الجميع وبضرورة عقل الجميع. بل نحتاج في الدليل اللمّي والانّي إلى البرهان على صفات واجب الوجود الكمالية.
فأوّل شيء نثبته في هذه الجهة وهو أنَّه صرف الوجود وأنَّ ماهيته إنيّته ومعنى ذلك أنه غير محدود بعد أن ثبت أن الماهية هي حدود للوجود.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
() الفلسفة، (فوائد الأصول)، الشيخ محمّد رضا المظفر، الاثنين 13:11/1961م. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأشياء المميّزة المحددة للشيء تكون معرّفة له أما ما كان يستحيل فيه التحديد يعني غير محتاج إلى الغير من جميع الجهات لا يمكن فيه التحديد يعني لا ماهية له وهذا لا نسمّيه بالبرهان، بل إن فهم واجب الوجود يقتضي هذا المعنى وهذا من الأوليات التي ندركها بوجداننا بمجرد تصوّر الطرفين ونحن نريد أن نرجع أشياءنا إلى الأوليات التي يستحيل أن لا يحكم بها العقل، وهي في المقام ما يلي:
ومن جملة ذلك -أي من جملة صفاته تعالى التي سوف نُثبتها من نفس الاعتراف بوجوب وجوده- أنَّ ماهية إنيّته؛ لأنه لو لم يكن صرف الوجود -لكان ممكناً- إذا كانت له ماهية لم يكن صرف الوجود ولكان محدوداً ولخرج عن كونه واجب الوجود فما فرضته واجب الوجود لم يكن واجب الوجود وهذا مفاد قانون الذاتية وهو البديهة العقلية التي تحكم بأن الشيء هو هو لا
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) النمل:14.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يكون غيره يعني أن (أ) هو (أ) ولا يعقل في حال كونه (أ) أن يكون (ب) وما فرضته كذلك يكون غيره.
ففي عين كونه واجب الوجود، يكون ممكناً ويلزم منه الخُلف.
ويفترق قانون الذاتية عن قانون التناقض -أن التناقض- هو نسبة المحمول إلى الموضوع الخارج عن ذاته.
فالمراحل الأولى التي يجب أن نبتدئ منها هي:
هو حقيقة الوجود المطلق من دون أن يكون له ماهية بعد أن ثبت أن ماهيته هي صرف الوجود وأنه الوجود المطلق الذي لا حدّ له يمكننا أن نتوصل إلى معرفة صفاته وأنه يجب.
ــــــــــ[125]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان حقيقته بذاته من ذاته أنه موجود فما فرضته أنه واجب الوجود لم يكن واجب الوجود فقانون الذاتية كما يفرض علينا أنه واجب الوجود يفرض علينا أنه كامل من جميع جهات الكمال على نحو العموم -أي بدون تعيين صفة معيّنة- يجب أن يتصف بجميع كمالات الوجود.
هناك كمال للوجود وهناك كمال للماهية، يعني كمال للناقص كالكمال الجسماني، مثلاً أن من كمال الإنسان أن يستطيع حمل نصف وزنه فهذا كمال جسماني وليس كمالاً للوجود، ومرّة عندنا أن نفس الوجود يقتضي هذا الكمال مثل العلم والقوة كمال الماهية مثلاً أن كمال المثلث أن يكون متساوي الاضلاع.
أما الذي كان كمالاً للوجود فصرف الوجود لا يعقل أن يدخل في حقيقته النقص، وإلا لخرج عن كونه صرف وجود وهو خلاف بديهة العقل وقانون الذاتية، فلا بُدّ عند إدراك واجب الوجود إدراك أنه كامل من جميع الجهات.
مضافاً إلى ذلك أن نتسائل: أيهما أكمل هل الذي صفاته عين ذاته أكمل أو الذي صفاته زائدة على ذاته؟ طبعاً الذي كماله من ذاته أكمل، فالذي يجب أن
ــــــــــ[126]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يتصف بجميع صفات الكمال لا بُدّ وأن يكون متصفاً بأكمل صورة من صور الكمال وحيث إنه، لا شكّ أنَّ الكمال غير المكتسب أكمل فيجب أن يكون متصفاً به لأنه إذا دخلت أي صفة من صفات العدم في ذاته لم يكن واجب الوجود.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
من الأدلّة العقلية على البراءة هو أن العقل يحكم بأن الشارع إذا لم يصدر حكماً يقبح عليه العقاب -وهي القاعدة العقلية قبح العقاب بلا بيان والمقصود البيان الواصل؛ لأنه هو المدار في تحريك العبد لأنه أي البيان- إذا لم يكن واصلاً – بعد فرض صدوره عن المولى فإن التفويت لمصالح المولى المتعلقة بالأمر لا يستند إلى العبد فلا يستحق العقاب.
بعضهم تصوّر أنَّ هذه القاعدة العقلية بقبح العقاب بلا بيان معارضة بقاعدة دفع الضرر المحتمل؛ لأنَّ الشكّ بالتكليف شكّ بتوجه العقاب والضرر إلى المكلفّ الشاك وحيث كان دفع الضرر واجب عقلاً فالامتثال للأمر المشكوك واجب عقلاً. فعندنا صغرى وكبرى فالصغرى أن الشكّ بالتكليف يستوجب الشكّ بالعقاب، والكبرى وجوب دفع الضرر المحتمل فهاتان القاعدتان متعارضتان؛ لأن إحداهما تسوّغ الترك والثانية تُلزمنا بالإتيان، في
ــــــــــ[128]ــــــــــ
() الأصول (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الثلاثاء: 14/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
حين أن قواعد العقل يستحيل بها التناقض لذلك حاولوا توجيه القاعدتين.
بعضهم قال: إن العقاب بلا بيان واردة على دفع الضرر ومزيلة لموضوعها؛ لأنه مع وجود المؤمّن لا احتمال للضرر.
والبعض الآخر قال: إنّ قبح العقاب موضوعها (بلا بيان) وقاعدة دفع الضرر المحتمل تقول (أنا بيان) ومع وجود البيان تكون واردة عليها.
الشيخ النائيني يقول: يجب أن نفهم ما هو الضرر؟ الأضرار المتصورة ثلاثة أقسام:
المرزا يقول: لكل واحدة منها -أي هذه الصور الثلاثة- مناط وحساب خاص:
ــــــــــ[129]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أما القسم الأول: وهو الضرر الدنيوي وحكم العقل بوجوب دفع الضرر الدنيوي المحتمل يمكن أن يتصور بمناطين:
المناط الأول: إن العقل يحكم أن هذا به مفسدة فيصبح عندنا حكم شرعي ناتج من الملازمة بين حكم العقل بالمفسدة الواقعية وحكم الشارع، فيحكم بتجنبها فيكون حكم الشارع معلولاً لحكم العقل.
شكل آخر أو المناط الثاني: ربما يكون موضوع حكم العقل هو نفس الاقسام على ما يؤمّن من الضرر سواء كان هذا الضرر مقطوعاً أو محتملاً بدون لحاظ مفسدة أو مصلحة، وهذا تمام موضوعه وهذا يستلزم حكماً شرعياً تمام موضوعه الأمن من الضرر. فعندي حكم عقلي يتبعه حكم شرعي في هذا الموضوع.
فإذا تم هذا فمقتضى القاعدة أن دفع الضرر المحتمل حاكم؛ لأن حكم العقل بوجوب دفع الضرر عند احتماله يستلزم حكماً شرعياً بالإتيان بالمشكوك فقبح العقاب بلا بيان لا يرد ؛لأن الحكم الشرعي الذي استلزمه حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل في نفسه بيانٌ فقاعدة دفع الضرر الدنيوي المحتمل واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ومقدمة عليها لأنها تسلتزم حكماً شرعياً.
لكن الجماعة يناقشون بأن العقل لا يسوّغ الإقدام على الأضرار الدنيوية المحتملة، هذا من الأمور المشكلة وما أكثر العقلاء الذين يُقدمون على الأضرار الدنيوية لأسباب مختلفة مع أنها أضرار وجدانية، فهم ينكرون وجود قاعدة
ــــــــــ[130]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وجوب دفع الضرر الدنيوي فإذا ناقشوا بحكم العقل ارتفع حكم الشرع المترتب عليه.
بل أكثر من هذا أن الشارع كلّفني بأوامر تستوجب الأضرار فهل الشارع مشى على خلاف العقل في حكمه هذا. فهذه القاعدة غير موجودة وليس لها أثر، فأنا لا أملك حكماً عقلياً على وجوب دفع الضرر الدنيوي أو عدم الإقدام عليه ولا يستتبع حكماً شرعياً.
القسم الثاني الضرر الأخروي: المرزا يقول: إن قاعدة البراءة تكون واردة على قاعدة وجوب دفع الضرر الأخروي المحتمل، فحكم العقل بوجوب دفع الضرر الأخروي لا يستتبع حكماً شرعياً؛ لأن الضرر الأخروي وليد الحكم الشرعي فأوامر الإطاعة معلولة للحكم الشرعي، وهي عقلية ولا يمكن أن تكون شرعية للزوم الدور أو التسلسل، ولا يمكن أن تستتبع أحكام مولوية.
فدفع الضرر الأخروي المحتمل لا يستتبع حكماً شرعياً، لأنه معلول لحكم شرعي وناشئ منه فلا يكون علّة لحكم شرعي آخر وإلا لزم الدور أو التسلسل. ليس عندي بيان شرعي. إذن فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تأتي هنا فتجرى أصالة البراءة؛ لأن العقاب إنما يقبح إذا لم يكن هناك بيان واصل وليس هنا بيان واصل فلا يوجد احتمال ضرر؛ لأنه لا يوجد حكم شرعي فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تأتي هنا لأن الشارع لا يرتكب القبيح.
إذن فقاعدة قبح العقاب واردة على قاعدة احتمال الضرر.
القسم الثالث: الأضرار المعنوية وهو من أضعف الملاكات ولا نستطيع
ــــــــــ[131]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
القول بأنَّ مجرد الاحتمال يصنع لي حكم شرعي نعم كلّ ما عندي هو أحكام شرعية ولو أراد الشارع هذه الأحكام لفرضها ولو بمتمم الجعل، وذلك بأن يضع عليها الاحتياط فهو ملزم بجعل الاحتياط إن كانت -هذه الأحكام- بدرجة من الأهمية في رأيه وحيث إنه لم يجعل فمعنى ذلك أنه لم يجعل بيان واحتمال البُعد عن المولى لا يستوجب أن لا أُقدم على هذا الفعل، واحتمال القُرب لا يستوجب أن أُقدم عليه ولو أراده لوضع الاحتياط كما وضعه في الدماء والفروج، وحيث أنه لم يضعه بالنسبة إلى القُرب والبُعد نستكشف أنه لا يريدها إذن، إذا كنت لا احتمل الضرر ارجع إلى البراءة.
وبهذا نكون قد عرفنا أنه متى يكون أحدهما وارداً على الآخر وكلّ له مورد خاص فلا تعارض بينهما.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ذكرنا فيما سبق أن هاتين القاعدتين العقليتين وهما قبح العقاب بلا بيان ووجوب دفع الضرر المحتمل متواردتان. إحداهما واردة على الأخرى، ولكن في مقامات مختلفة: لأن الضرر على ثلاثة اقسام: الدنيوي، والأخروي، والقرب والبعد عن الله تعالى، ففي الضرر الدنيوي يمكن أن يتعلق بيان شرعي إذا كان العقل يحكم بوجوب دفع الضرر الدنيوي فبالملازمة بين حكم الشرع والعقل أتوصل إلى بيان الشارع.
وأورد الأستاذ هذا الإشكال(2) على هذا الرأي: وهو بأنَّ الآثار الدنيوية يجب أن تترتب على مؤثراتها سواء نهى الشارع أو لا فهي من نتائج الإقدام على الفعل كان هناك أمر أو لا، فأمر الشارع من باب تنبيه واحتراز فهذا النوع من البيان لا يقتضي أن يقام له وزن في مجالنا الخاص؛ لأنّني إذا خالفت الشارع فإن
ــــــــــ[133]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول ص135)، السيد محمد تقي الحكيم، 15/11/1961. (المقرِّر).
(2) وأورد الأستاذ هذا الإشكال. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هذه المخالفة إنما توقعني بالضرر الدنيوي لا أكثر، فلا أثر لبيان الشارع بما أنه شارع، إنما أعترض لا لأن الطبيب قال لي، بل لأن المرض شيء صدر عن مؤثّره الطبيعي يوجد بيان أو لا يوجد، فإن الضرر الدنيوي يترتب حتماً لأنها -أي الأضرار الدنيوية- من الأمور التكوينية، فيكون كلام الشارع ككلام أي خبير آخر وليس العقاب الدنيوي من آثار التشريع وإنما هو من الآثار الوضعية. فالأمر الشرعي أمر احترازي وإرشاد لأمر خارجي، والشارع لا يستطيع التدخل بها رفعاً ولا وضعاً لأنها من الأمور التكوينية.
وليس وراء الضرر الدنيوي شيء آخر وليس هناك عقاب أخروي؛ لأن المفروض أن هناك ثلاثة أقسام من الضرر، أحدها الضرر الدنيوي فيكون الضرر الدنيوي قسيماً للأخروي فليس نهي الشارع عن الوقوع بالضرر الدنيوي أثر أخروي فبيانه وعدم بيانه سواء وكونه مولى لا أثر له.
فإحدى القاعدتين على هذا لا تكون حاكمة على الأخرى بل تكون أجنبية عنها؛ لأنه ليس قبيحاً على الشارع أن يوقعني بالضرر الدنيوي لأنها -أي الأضرار الدنيوية- ليست وليدة بيان الشارع فإنها تحدث سواء بيّن أم سكت.
نتحدث(1) الآن على مقتضى كلام الشيخ المؤلف المرزا النائيني. فتكون قاعدة الدفع حاكمة على قاعدة القبح فيكون عندي بيان من الشارع عن طريق الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.
وأما العقاب الأخروي فهو من شؤون التكليف، وهو أحكام عقلية بحتة
ــــــــــ[134]ــــــــــ
() ثم قال الأستاذ المدرس: نتحدث… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لا تستتبع حكماً شرعياً للزوم التسلسل إن كانت أوامر الإطاعة شرعية فأوامر الإطاعة إرشادية عقلية وليست شرعية -إذن- فما عندي بيان -من الشارع- بوجوب تجنب العقاب الأخروي بواسطة الامتثال.
فقاعدة قبح العقاب بلا بيان محكّمة على قاعدة وجوب الدفع.
أما في القسم الثالث: فقد أنكر الشيخ أن العقل يستقل بأن احتمال البُعد يُلزم العبد بالامتثال فاحتمال القُرب والبُعد لا يستوجب حكماً عقلياً، بعض هذه الملاكات إن كانت لها أهمية فهو -أي الشارع- ملزم أن يجعل لها دليلاً متمماً للجعل يعني بياناً ثانياً أي يجعل الاحتياط فحيث لم يجعل تعرف أنه لا يريد هذا.
الشيخ الأنصاري قال في صدد الجمع بين القاعدتين: إن دفع الضرر المحتمل بيان عقلي فهي واردة على قبح العقاب فلا تقبح المؤاخذة؛ لوجود البيان ولأن قبح العقاب أخذ بها عدم البيان فالشارع من حقّه أن يؤاخذ ما دام عنده بيان من العقل فالشارع يعاقب اعتماداً على هذا البيان العقلي.
ثم دفع الشيخ الانصاري هذا الايراد عن نفسه وقال: إن هذه القاعدة بيان عقلي وليس تكليفاً واقعياً وإنما يكون العقاب على الحكم الواقعي في حين أنَّ قاعدة دفع الضرر لا تشخص الواقع فهي أشبه بالاحتياط العقلي فهي لم تدلّني على حكم واقعي وما دامت القاعدة هي قبح العقاب عند عدم الحكم الواقعي الواصل. وقاعدة دفع الضرر لم تدلّني على الواقع فالحكم الواقعي لا زال مجهولاً فقاعدة قبح العقاب تأتي هنا.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
غاية الأمر أنها -أي قاعدة وجوب دفع الضرر- تنتج حكماً ظاهرياً فأنا إنما استحق العقاب على هذا الحكم الظاهري لو كان هناك عقاب فهو على القاعدة الظاهرية لا على الواقع.
والعقاب يكون في موردين:
فإذا كانت أي قاعدة قبح العقاب بلا بيان من الأمور المنوطة بالعلم فما لا يناط بالعلم فهو من الآثار الوضعية وهو مجرى الشبهات الموضوعية وهي مجرى أصل البراءة.
هذا كلام الشيخ الانصاري وهو مثار للاستغراب عند النائيني.
وقد اعترض عليه بعدّة اعتراضات:
ــــــــــ[136]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ــــــــــ[137]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وإن تعاسرا أجبرهما الحاكم على الاتفاق إن لم يؤدي بهما التعاسر إلى الفسق. والتعاسر ليس موجباً للفسق عل كلّ حال فإن لم يستطع استبدل بهما وإن أدّى بهما التعاسر إلى الفسق بتأخير تنفيذ الوصية فلا تصل النوبة إلى استبدالهما، بل يأتي بغيرهما لسقوط ولايتهما، وعندنا صورة أخرى وهي أننا وإن اجزنا ولاية الفاسق إلا أن الموصي إن أوصى إلى عادل ثُمّ فسق تبطل وصايته وإن أُجزنا ولاية الفاسق لأنه إنما أراده وصياً عادلاً.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
() الفقه، الشيخ محمّد تقي الإيرواني، نفس التأريخ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في بحثنا الإلهي نتحدث عن مراحل سبعة أو نقلات وخطوات:
الخطوة الأولى: كانت في إثبات أصل واجب الوجود أنه بنفس البديهة العقلية أن كل ممكن محتاج إلى علة فلا بُدّ أن تنتهي الممكنات إلى واجب لذاته، وقد اعترف بذلك الماديون ولكن مادة وطبيعة وتسميتهم ليست موضع نزاع بيننا، فهم إذا اعترفوا بواجب الوجود فهذا يكون اللبنة الأولى لإثبات العقيدة الإلهية في جميع فروعها.
وهي -أي هذه البديهة- اعتقاد الإنسان بصميم نفسه بأنَّ هناك علّة ترجع إليها كلّ الأشياء بأيّ اسم كان، كلّ عاقل مضطر إلى الاعتراف بها وإن أنكرها في نفسه.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
() الفلسفة، (فوائد الأصول)، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأحد 19/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المرحلة الثانية: بعد أن هناك واجب الوجود لا بُدّ أن يكون صرف الوجود أي يستحيل أن يكون له ماهية وحدود؛ لأنه عندما يحد لا يكون واجب الوجود أي ليس له ماهية وليس له حدود وليس يعقل أن يحد بحد من الحدود العدمية، فما فرضته واجب الوجود خرج عن كونه واجب الوجود.
ونحن نبني آراءنا على بديهيات يؤمن بها الفرد في دخيلة نفسه وإن غالط بها وهذه العقيدة أي الخطوة الثانية من الخطوات السبعة تبتني على فكرة أوليّة هي (قانون الذاتية) والخلف وهو أن ما فرضته واجب الوجود لا يكون واجب الوجود، أي الشيء بما هو هو، هو لا يكون غيره لو كان محدوداً لما كان واجب الوجود لذاته أي كان محتاجاً فإذا فرضته محتاجاً فقد فرضته ممكناً أي ليس واجب الوجود.
فيجب أن يكون صرف الوجود ولا ماهية له هو حقيقة الحقائق وأصل الأصول وهو الوجود المحض الذي لا يمكن أن يحدّ بحدّ من الحدود.
المرحل الثالثة: بعد أن ثبت أن هناك واجب الوجود وأنه صرف الوجود لا ماهية في حقيقته. ننتقل إلى مرحلة ثالثة وهي وحدانيته؛ لأنه إذا ثبت أنه صرف الوجود لا بُدّ أن يكون واحد؛ لأن صرف الشيء لا بُدّ أن يكون واحداً وإلا لم يكن صرف الشيء إذا كان معرّىً عن كلّ حدّ فلا يعقل أن يتعدد لأنَّ الأشياء إنما تتمايز بالحدود.
شبهة ابن كموّنة من أنه لماذا لا يمكن أن نفرض هويّتين مميّزتين كلّ منهما واجب الوجود، وإذا كان ذلك جائزاً فلا بُدّ أن يقع لأن الجواز بالنسبة إلى
ــــــــــ[140]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
واجب الوجود لا بُدّ أن يقع ولا يمكن إلا يقع.
ولكن هذا الفرض لا يمكن أن يكون له واقع؛ لأن صرف الشيء لا يمكن أن يتعدد وحينما يتعدد يعني كان له حدّاً، أي إنّ المتميّزَين لا بُدّ أنهما تميّزا بحدّ معيّن وإلا لم يكونا متميّزين، يعني هذا محدود بحدّ ليس له ذلك الحد الآخر إذا كان هذا الموجود مبائناً للآخر من جميع جهاته أو من بعض جهاته فلكل واحد منهما حد يختلف عن الآخر، فلم يكن كلّ منهما صرف الوجود؛ لأن صرف الوجود معناه أنه معرّى من كلّ الحدود فما فرضته صرف الوجود لم يكن صرف الوجود.
فصرف الشيء لا يعقل أن يكون متعدداً ومتى كان متعدداً كان محدوداً ومتى كان محدوداً خرج عن كونه صرف الشيء، فما فرضته صرف الوجود لم يكن صرف الوجود فابتنى على الخُلف وقانون الذاتية.
فلما ثبت أنه صرف الوجود فصرف الوجود لا يتعدد؛ لأنه إذا تعدد خرج عن كونه صرف الوجود وإذا خرج عن كونه صرف الوجود خرج عن كونه واجب الوجود.
لولا وجود الفواصل بين الشيئين لا يمكن أن يتعددا وحينئذ لا يكن كلّ منهما صرف الوجود فصرف الوجود لا بُدّ أن يكون واحداً لا يعقل أن يفرض لصرف الشيء شيئين وإلا لما كان صرف الشيء وهذه من القواعد البديهية والدليل منها عليها.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قوله: “ثم أنه ربما“.
من الأدلّة التي استدل بها على البراءة الاستصحاب وهو يكون بصورتين:
الشيخ قال: إنه سوف يبحثها في بحث الاشتغال، ولكنّنا سوف نذكر الآن رأيه -باختصار-.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول ص135)، السيد محمد تقي الحكيم، نفس التأريخ. 19/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
رأيه بالنسبة إلى الأول يعتقد أن الاستصحاب هنا غير صحيح؛ لأنها استصحابات مبتدأة لأن عدم التكليف قبل البلوغ لعدم قابلية المحل فلا يمكن أن أجرّه إلى محل قابل أشبه شيء باختلاف الموضوع، فالعدم المستند إلى عدم القابلية غير العدم المستند إلى وجود القابلية وعدم التكليف ومن شرط الاستصحاب حفظ الوحدة في الحكم والموضوع فلا يمكن إعطاء حكم أحدهما للآخر (لا تنقض اليقين بالشك) ليس هذا موردها، لأن مشكوكي غير متيقّني، هل هذا صحيح أو غير صحيح؟ لنا موقف معه.
فالعدم قبل البلوغ، لا، لأنَّ الشارع لم يشرّع، وإنما لعدم القابلية للتكليف فإثبات عدم التكاليف بعد قابليتي إنما تأتي في نظر الشيخ من الأصل المثبت.
والاستصحاب الثاني: الاستصحاب ما فائدته الاستصحاب إنما يجري إذا كان ذا ثمرة تشريعية، ولكنك أثبتّ بالتعبد ما هو مرفوع بالوجدان لأنك بالوجدان غير مكلّف وغير معاقب.
المهم أدلّة الإخباريين، الخلاف مركز بالنسبة إلى الشبهة التحريمية فهم يقولون بالاحتياط، ونحن نقول بالبراءة أما بالنسبة الى الشبهة الوجوبية فمتفقون على بالبراءة.
الجماعة الإخباريون استدلوا على الاحتياط بأدلة من الكتاب والسنة فأما من الكتاب فكقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ(1) وجهه أن الاقتحام بالشبهة ينافي التقوى إذا أقحمت نفسك في مشكوك الحرمة فذلك خلاف التقوى وَلاَ
ــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) آل عمران: 102.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(1) والقول بالبراءة قول بعدم العلم قد يقال أن القول بالاحتياط قول بعدم العلم أيضاً، ولكنّه مردود؛ لأن القول بالاحتياط ليس قولاً بوجوب الاحتياط، بل يقتضي أن تحتاط حتى لا تقع في المحرم، فليس هو حكماً وقال الشيخ (تأمل) مشيراً إلى أن الاخباريين يوجبون الاحتياط ايجاباً فهو عندهم من قبيل الحكم لا عدم حكم.
فهل هذه الأدلّة كافية؟
اتَّقُوا اللَّـهَ لا يفيد الوجوب؛ لأن أوامر الإطاعة أوامر إرشادية لا أوامر مولوية ملزمة لمؤدّياتها فهي أجنبية عن جعل الوجوب.
سلّمنا ولكن من قال بأن القول بالبراءة ينافي التقوى؟ أن من استند في قوله بالبراءة على حديث الرفع لا يكون بلا تقوى بل الذي خلاف التقوى هو المتهور بدون ركيزة، ولكننا على ركيزة للأدلة العقلية والنقلية التي سقناها سابقاً فنحن على حجة والارتكاز على الحجة لا ينافي التقوى.
الجهة الثانية: عندما نريد أن نجمع بين الأدلّة السابقة أي المثبتة للبراءة كحديث الرفع، وبين وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إذا عمّمناها على أصول العقائد، وعلى الأحكام الشرعية فإحداهما تكون رافعة لموضوع الأخرى؛ لأن حديث الرفع يقول أنت عالم بعدم التكليف فمع وجود العلم يرتفع موضوع الآية، لأن الآية تقول لا تستند على ما ليس لك به علم فتكون أي أدلّة البراءة مقدمة عليها -أي على الآية- من باب الحكومة.
ــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) الإسراء: 36.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
(المادة للجهة الثانية) بعد فرض تمامية تلك الأدلّة على البراءة فكيف نجمع بينها وبين هذه الآيات بعد تمامية حديث الرفع فإنه يقول أنت عالم وبهذا ذهب موضوع وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؛ لأن موضوعه (بلا علم) فهي حكومة على تلك الأدلّة بإزالة موضوعها فأنا عالم بمقتضى أدلة البراءة -تعبداً- بأن لا حكم فيكون قولي بالبراءة قول بعلم فموضوع الآيات الذي هو عدم العلم -يرتفع- فلم يتضح دلالة الآية على ما يريد الإخباريون.
ومن السنة أخبار كثيرة ربما تبلغ المئات وهي على طوائف ثلاث: قسم منها تأمر بالوقوف عند الشبهة أي لا تتحرك نحوها أي لا تدخل في المحرم وهو عين الاحتياط، قسم آخر آمرة بالاحتياط نصّاً، القسم الثالث: التي تقسم الأحكام إلى ثلاثة أقسام كمقبولة عمر بن حنظلة.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا: إن الخطوات التي سنسير عليها سبعة:
الأول: كانت إثبات أصل واجب الوجود.
والثاني: أنه صرف الوجود أي إنّ ماهيته إنّيته.
والخطوة الثالثة: التوحيد وأنه يجب أن يكون واجب الوجود واحد.
وإذا كان يجب أن يكون واجب الوجود واحد فهل يجب أن يكون الخالق مفيض الوجود، فاعل ما منه الوجود واحد؟ وهل يجوز أن يتعدد؟
فرقاً أن نقول: إن صرف الوجود يجب أن يكون واحداً، ولكن هل كلّ وجود يجب أن يفاض منه. واجب الوجود واحد ولكن الخالق متعدد هل يجوز ذلك؟ هل من لازم كون واجب الوجود واحداً أن يكون الإله والخالق واحد؟
وهل يجوز أن يكون واجب الوجود واحد ولكن الممكن هو الذي يفيض الوجود؟
ــــــــــ[146]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، 20/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأسباب الطبيعية هل هي معطية للوجود لمسبباتها أو لا. وهل يجب أن يكون واجب الوجود واحد ومفيض الوجود واحد؟
نقول: إذا فهمنا ذلك المعنى من أن واجب الوجود هو صرف الوجود إذا كان واجب الوجود واحد، وهو صرف الوجود فكل ما عداه ممكن لا استقلال له فما لا استقلال له في وجوده كذلك لا استقلال له في إفاضة الوجود، فلا بُدّ أن يكون الفيض من واحد قيّوم؛ لأنه كلّ الأشياء فكل الأسباب الأول والثاني والثالث فيضها من الله تعالى.
فنحن قلنا: لمّا كان واجب الوجود وصرف الوجود واحد فهو كلّ الأشياء أي كلّ وجود الكون من فيضه لا يعقل أن يكون هناك فاعل مستقلّ في الفاعلية غيره، فنفس فرض واجب الوجود هو نفس الفرض لوحدة الخالق فالقول بأن الأسباب الطبيعية هي الموجدة قول بالتفويض.
ونحن قلنا بالسببية الطبيعية لا بمعنى أنها منها الوجود بل بها الوجود وكل المخلوقات ترجع إلى الله تعالى لا استقلال لها ولا انفصال لها لو كان في الكون إلاهَاً غير الله تعالى لفسد العالم؛ لأنّه يكون تمانع وتحديد لأنه بسيط ومفيض الوجود على كلّ الأشياء ولو فرض الآخر بهذه الصفة لحصل بينهما تمانع ولفسد العالم.
فوحدة واجب الوجود يلزمه وحدة مفيض الوجود فلا يعقل أن يكون له شريك في الخلق(1).
ــــــــــ[147]ــــــــــ
() راجع البقية في الدفتر الرابع للملاحظات العامّة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهذا متمم وموضح لما أردنا أن نقوله في التوحيد فالتوحيد ليس في وجوب الوجود فقط، بل هو تعالى واحد في خلقه وفيضه فكلّ الأشياء من فيضه وتجليات لنوره.
هناك آراء للقدماء في التوحيد يظنون أنهم برهنوا على التوحيد برهاناً قوياً والبرهان هو أن العالم واحد فلا بُدّ أن يكون الخالق واحد – لأنه إذا كان هناك عالمين فلا بد أن يكون هناك خالقين وإذا كان هناك خالقين فلا بُدّ أن يكون هناك عالمين.
أما القول بوحدة العالم فمبتنٍ على ما كانوا يفرضون من أن الأرض في وسط الكون وأن الكون منتهى الأبعاد.
أما وجه وحدة العالم فلأن العالم كُرة على ما يفرضون فإذا كان هناك عالمين -فالعالم الذي في جنبه- لا بُدّ أن يكون -كُرة أيضاً- وهذان الكرتان لا يلتقيان إلا في نقطة التماس فيلزم الخلاء -بين نهايتي العالمين لعدم
ــــــــــ[148]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامة الرابع. (المقرِّر).
(2)الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، 20/11/1961. (المقرِّر).
(3) تتمة لما ورد في آخر دفتر الملاحظات الثالث. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
التماس التام بينهما – والخلاء ممتنع على ما يبرهن عليه عندهم فإذن يمتنع أن يوجد عالمان فإذن العالم واحد إذن الخالق واحد.
وهذا كلّه مبني على أشياء وهمية فتناهي الأبعاد مبني على امتناع اللانهائية في العدد في حين أن البراهين التي أقاموها عليه فاسدة، واللانهائية الممتنعة إنما هي لا نهائية الاسباب والمسببات ولكن اللانهائية من حيث هي لا دليل على امتناعها، وبرهان (التطبيق) مبتنٍ على أشياء غير صحيحة؛ لأنه مبني على أشياء محدودة في حين أنَّ اللانهائي غير محدود فكون العالم محدود وكونه كُرة وكون العالم الآخر يلزم أن يكون كُرة وامتناع الخلاء مبني على أشياء فاسدة لا نقرّها وغير مبتنية على دليل صحيح.
والمفارقات التي وقعت بين البشر إنما وقعت؛ لأنهم يستعملون آلات الشيء في كلّ مكان ولا يقتصرون في استعمال آلات الشيء على نفس الشيء فقط. فالآت الزراعة لا تستعمل في الطبابة ولا يمكن أن نقيس الأشياء
-كلها- بمقياس واحد.
فالآت الأسباب الطبيعية هو الحس وقد حاول القدماء إخضاعها إلى النظر العقلي ففشلوا، والعصريون يستعملون الحس في مواضعه ولكنهم يرون أن يستعملوه فيما وراء الطبيعة فيفشلون ولا يصلون إلى نتيجة.
في حين أنه لا يمكن تحصيل المحسوسات عن طريق القضايا العقلية ولا يمكن معرفة غير المحسوسات عن طريق الحس.
فيقولون أي الذين يستعملون الحس لما وراء الطبيعة أن ما لا يناله الحس
ــــــــــ[149]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ليس له حقائق، وأن الميتافيزيقيا كلها باطلة فأين وجدانكم وهذه قضايا كلّ الأشياء ترجع إليها وكل التجارب والأعمال والأحكام ترجع إليها، وإنما تستند التجارب على قضايا أولية ولا يمكن أن تقوم تجربة بدونها.
هناك أشياء يدركها الإنسان بالفطرة كمعنى الكلّ والجزء والوجود والعدم والضرورة غاية الأمر أن الطفل لا يدركها؛ لأنه غير ملتفت إليها. وبعد أن يعرفها لا يطلع عليها بواسطة معنى هو أوضح منها.
ــــــــــ[150]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا: بأنَّ الإخباريين استدلوا على الاحتياط في الشبهة التحريمية منها الآيات القرآنية وقد مرّت ومرّ الجواب عنها.
ومنها الاستدلال بالروايات وقد استدلوا بطوائف ثلاث:
الأولى: وهي التي مؤدّاها أن ترك الشبهة خير من اقتحامها، الإنسان يقف عند الشبهات، أي لا يتحرك نحوها أي لا يقتحمها فهو خير من الاقتحام في الهلكة. فهل تصلح هذه الروايات أن تكون دالّة على التوقف في الشبهة التحريمية؟
إن هذه الروايات افترضت سلفاً أن الاقتحام في الشبهة ملازم للوقوع في الهلكة وهو العقاب، فإذا صح ذلك كان الأمر للوقوف عند الشبهات إنما ورد
ــــــــــ[151]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، 21/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
خشية الوقوع في العقاب فيتحول إلى أمر إرشادي؛ لأن الهلكة لا يمكن أن تكون مترتبة على أمر الوقوف، لا يمكن أن يكون الأمر بالوقوف هو منشأ الهلكة؛ لأن الهلكة سابقة على الأمر بالوقوف.
لأنَّ المفروض أنَّ عدم الوقوف يستوجب العقاب والروايات أخذت العقوبة في مرتبة سابقة على الأمر بالتوقف، بل قف لئلا تقع فهو أمر إرشادي يدلّ على -وجود- عقاب سابق وينهى عن الوقوع فيه، فهي حالها حال العقل فلم يصدر الشارع الأمر بما أنه مشرّع بل بما أنه مشرع بل بما أنه عاقل من العقلاء فإذا لم تكن أوامر مولوية تستتبع عقاباً لا تكون دليلاً على مطلوبهم.
متى يكون التلازم بين الشبهة وبين العقاب؟ عندما تتنجز أطراف العلم الإجمالي عليّ، مثلاً عندي ماء وخمر وأعلم أنَّ الخمر حرام ولكن لا أعلم أيهما هي فلا بُدّ أن أتجنب الطرفين فيكون ذلك مورداً للاحتياط، هذا التلازم إنما يقع عندما يتنجز التكليف في صورة العلم الإجمالي ومع عدم تنجز التكليف فلا عقاب، ومع تنجز التكليف في العلم الإجمالي فنحن متفقون على القول بالاحتياط، ولكن الكلام في الشبهات البدوية وبالأخص بعد الفحص.
إذن فالروايات واردة في صورة العلم الإجمالي فالتلازم اعتبر في مرحلة سابقة -على الأمر- والهلكة ليست ناشئة من عصيان الأمر بالوقوف بل أخذت بمرتبة سابقة؛ لأنك إذا أقدمت تقع وليست الهلكة ناشئة من مخالفة الأمر بالوقوف فهو أمر إرشادي إلى حكم العقل والتلازم إنما يكون في صورة وصول التكليف إليّ مع تعدد أطرافه، ولا أعلم أي الأطراف هو المكلفّ به أي
ــــــــــ[152]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في صورة العلم الإجمالي وهو مجرى للاحتياط في كلٍّ من الشبهة التحريمية والشبهة الوجوبية، فإذا خرجت الروايات عن كونها أمر مولوي خرجت عن كونها حجّة على مطلوبهم.
ويمكن أن يكون المراد من الروايات إرشاد ووعظ خالص أن الشخص إذا عوّد نفسه على ضبط نفسه في اقتحام الشبهات جنب نفسه من الاقتحام في المحرمات فهي تقول أيها المؤمن لا تكن متسامحاً مع نفسك لتكوّن فيك حالة نفسية تمنعك من الوقوع في المحرمات، فالشارع يريد أن يربّيك تربية نفسية.
فهذه الروايات ليست واردة في الشبهات التحريمية، بل أن نهيها عن اقتحام الشبهة من حيث أن التسامح -أمام الشبهات- يؤدّي إلى الورع عن المحرمات فهي واردة في مورد وعظ لا مورد جعل حجة للاحتياط.
وإذا كانت واردة في الحجية فهي مشيرة إلى حكم العقل في مورد العلم الإجمالي؛ لأن التكليف يكون حينئذٍ منجزاً عليّ وهو مورد لاحتياط بالإجماع وهي أجنبية عن الشبهات البدوية.
ويمكن أن تنزّل على الإرشاد والوعظ كما قرّره الشيخ.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ذكرنا أنَّ الإخباريين استدلوا على الاحتياط في الشبهة التحريمية بطوائف ثلاث من الأخبار وقد ذكرنا الطائفة الأولى وناقشناها.
الطائفة الثانية: التي تأمر بالاحتياط والظاهر منه الإلزام بالاحتياط فيلزم أن نأخذ بها في الشبهة التحريمية. الشيخ يقول إنها على ثلاث طوائف الطائفة الأولى: هي الصحيحة الأولى، ولم يعمل بها في موردها فلا تكون حجة، والموثقة هي الطائفة الثانية واردة في الشبهات الموضوعية وحتى إذا كانت واردة في الشبهة الحكمية فهي للتقيّة والقسم الثالث غير معلل.
ففي الصحيح: “عن رجلين أصابا صيداً الخ“(2). المرزا يقول أن فيها ثلاث
ــــــــــ[154]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول ص137)، السيد محمد تقي الحكيم، الأربعاء 22/11/1961. (المقرِّر).
(2) نصّ الرواية: “عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن عن رجلين أصابا صيداً وهما محرمان، الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء؟ فقال: لا بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد، قلت: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدرِ ما عليه، فقال: إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا“. (الكافي) الشيخ الكليني، ج 4 الصفحة ٣٩١.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
جهات تمنع من الأخذ بها.
التكاليف على نوعين: ارتباطية وغير ارتباطية فالثانية هي التي ينحل التكليف بها إلى تكاليف بعددها، والمشكوك يرجع به إلى أصل البراءة كما إذا شكّ أنه مطلوب عشرة دراهم أو اثنا عشر، والارتباطية يكون امتثالها واحداً لأنه إن أتى بنصف وترك الباقي يبطل الكل كالصلاة فلا يسقط البعض إلا بامتثال الجميع.
مسألتنا هذه تتصور بصورتين فإن الشاك لا يدري أن عليه تمام البدنة أو نصفها: فإما أن تتحول البُدنة إلى قيمتها والقيمة هي من الدراهم فيتحول الشكّ إلى الشكّ بين الواجبات غير الارتباطية.
والقسم الثاني إذا قلنا أن نفس البُدنة هي المطلوبة فيكون الشكّ في الأجزاء الارتباطية؛ لأنَّه لا يمكن أن يدفع النصف إلا بعد أن يذبح البُدنة فتصف الناقة منضم إلى كلّها على نحو الارتباط وحياتها له مدخلية في امتثال الأمر فلو قدر أن يعطي نصفها لا يسقط التكليف بناء على الارتباط لأنها حينئذٍ تكون غير حيّة.
ففي هذه المسألة إن قلنا إنها ارتباطية أو غير ارتباطية فمبنانا ومبنى
ــــــــــ[155]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المحققين من الإخباريين على الأقل هو الرجوع في كليهما في مورد الشبهة الوجوبية كمسألتنا هذه إلى أصل البراءة فالرواية ساقطة في موردها؛ لأنها إنما أمرتني بالاحتياط في مورد البراءة والرواية أو العالم أو المطلق يكون نصّاً في مورده وظاهراً في غيره، فالرواية سقطت في موردها فكيف فيما هي ظاهرة فيه.
إذا صار أحد الأطراف معلوماً بالتفصيل انحلّ تأثير العلم الإجمالي ومورده هو تنجّز التكليف في جميع الأطراف؛ لأن المتيقن يكون معلوم النجاسة، والثاني يكون شبهة بدوية تجرى فيه أصل الطهارة، المقياس في العلم الإجمالي هو يقين توجه التكليف مع الشكّ في المصاديق أما إذا كان عالماً تفصيلاً في أحد الأطراف ينحل العلم الإجمالي.
بالنسبة إلى دوران الأمر بين الأقل والأكثر غير الارتباطيين الأقل مطلوب أما وحده، أو في ضمن الأكثر وبالنسبة إلى الباقي شكّ بدوي لأني شاك في أصل التكليف ويجري أصل البراءة باتفاق الكلمة.
أما بالنسبة في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين أنا أعلم بأني مكلف بالصلاة وأشك بوجوب السورة فأنا أعلم بأن أجزاء الصلاة أربعة ولكن أشك بأنها وحدها أو في ضمن خمسة والشك بالخامس (عيناً مثل ذاك) فيكون شبهة بدوية؛ لأني شاك في أصل التكليف، فأقول إن المطلوب منّي أربعة لا خمسة أي أُجري أصل البراءة والقدماء كلّهم يجرون أصل البراءة.
لكن المتأخرين لم يستطيعوا أن يصوروا هذه الصورة بالتفصيل لأن الأربعة إذا امتثلتها وكانت في الواقع في ضمن خمسة فإني لم امتثل شيئاً فالأربعة
ــــــــــ[156]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
غير مطلوبة وحدها على تقدير وجوب الخامس، فهو من قبيل الدوران بين المتبائنين فأنت لا تعلم أن الأربعة مطلوبة على كلّ حال فقولهم أنها مطلوبة على كلّ حال إما وحدها أو في ضمن الخمسة، هذا أوّل الكلام؛ لأنك إذا جئت بالأربعة وكان المطلوب خمسة فأنت لم تأت بالصلاة لأن المفروض أن صحّة كلّ جزء منها موقوف على الأجزاء الأخرى.
فهم يقولون إنَّ هذا من الوجهة العقلية صحيح ولكن يجري فيها (رفع عن أمتي ما لا يعلمون)، ولكن أنا لم يتضح لي كيف ينحل العلم الإجمالي رغم براهينهم؛ لأن الأربعة ليست مطلوبة على كلّ حال لأن هذا أول الكلام لأنها إن كانت ضمن الخمسة فهي غير مطلوبة -وحدها- يقيناً وإن كانت مطلوبة وحدها فيدور الأمر بين المتبائنين؛ لأنه يدور الأمر بين الأربعة بقيد كونها أربعة وبين الخمسة بقيد كونها خمسة وما دام العلم الإجمالي منجزاً كيف تجري الأصول في أطرافه ولكن من زمن الشيخ الانصاري يعتبرونه مجرى للبراءة بالإجماع.
فأنا ملزم أن أخالف في المورد المسؤول عنه الإمام فمع إسقاط الرواية في موردها لا يمكن الأخذ بها في مورد آخر.
ــــــــــ[157]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
احتياطيون في العلم الإجمالي ولكن كلامنا في الشبهات البدوية التي لم تقترن بعلم إجمالي.
فهي واردة في الشبهات البدوية قبل الفحص بقرينة الأمر بالسؤال فالسؤال ممكن فهي واردة في مورد الفحص ونحن إنما نجري أصل البراءة بعد الفحص واليأس فهذه الرواية غير دالّة على مرادهم نهائياً.
ــــــــــ[158]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا إن الذين استدلوا على لزوم الاحتياط بالشبهات البدوية استدلوا بطوائف ثلاث من الأخبار وقد ذكرنا الأولى والجواب عنها، أما الطائفة الثانية فقد قلنا إنها تنحل إلى ثلاث طوائف الطائفة الأولى الصحيحة وقد ذكرناها وذكرنا الجواب عليها.
أما الموثقة(2) فالذي يحتمل فيها أن تكون أو أن يكون المسئول عنه من جهة الشبهة الموضوعية أو أن تكون من جهة الشبهة الحكمية.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الخميس 23/11/1961. (المقرِّر).
(2) “عن عبد الله بن وضاح قال: كتبت إلى العبد الصالح: يتوارى القرص ويقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعاً، وتستتر عين الشمس ويرتفع فوق الليل حمرة، ويؤذن عندنا المؤذنون، فأصلي حينئذ وأفطر إن كنت صائما، أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الليل؟ فكتب إلي: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائط لدينك“. وسائل الشيعة (آل البيت) الحر العاملي، ج ١٠ الصفحة ١٢٤.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أما الشبهة الموضوعية: أي إنه يعلم أن الغروب ما هو عند الشيعة ولكنّه يسأل الإمام هل يكون ذهاب الحمرة المشرقية وأذان العامّة أمارة على اختفاء القرص، أو اكتفي بأذان الجماعة واختفاء القرص ولو وراء الجبل فتعود الشبهة موضوعية؛ لأنه عالم بالغروب عند الشيعة ولكن من حيث الشبهة الموضوعية اختفاء الشمس وأذان العامّة هل هو أمارة أو لا؟ وهذا ما يقرّبه الشيخ، ودليل ذلك أن الإمام أجاب بالاحتياط وإذا كانت الشبهة حكمية فقد كان الأنسب أن يجيب الإمام بالحكم الواقعي لا أنه يعطيني حكم ظاهري.
وغاية ما نقول بالاستصحاب أنه حكم ظاهري فجعل الاحتياط مع أنَّ المسئول عنه الشبهة الحكمية خلاف القواعد فيدل على أنَّ الشبهة موضوعية، فالسؤال إذن ورد حول الشبهة الموضوعية والإمام يأمره بالتأكد عند الشكّ فهو تعبير آخر بأنَّ هذه الأمارات لا تصلح للأمارية.
وفي الشبهات الموضوعية نقول نحن والإخباريون بالبراءة وإن دلّت
-هذه الرواية- على الاحتياط فمن وجود الاستصحاب كاستصحاب بقاء النهار إلى ذلك الوقت والاستصحاب حاكم على البراءة؛ لأن البراءة أُخذ في موضوعها الشكّ والاستصحاب يقول أنت عالم فالمورد هو الاحتياط، ولكن، لا أي هذا الاحتياط الذي حكمنا به هنا ليس قاعدة الاحتياط في الشبهة البدوية، بل أنَّ هذا الاحتياط جارٍ على وفق الاستصحاب وهذا الاستصحاب يمدد النهار إلى ذلك الوقت أي يمدد حكم النهار فلا أفطر ولا أصلي حتى أتأكّد من ذهاب النهار، فالمسألة ليست مسألة براءة ولا احتياط اصطلاحي
ــــــــــ[160]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالرواية أجنبية عن المقام تماماً؛ لأنه إنما الكلام في الاحتياط الذي لا أصل يدعوه ولا أمارة في الشبهات البدوية ولكن هنا عندنا أصل حاكم على البراءة.
ومع غض النظر عن هذه الناحية إذا فسرناها أي المسئول عنه في الرواية بالشبهة الحكمية فقد كان على الإمام أن يبيّن الحكم الواقعي وحيث أجاب بالاحتياط علمنا أنها شبهة موضوعية وهي مجرى للبراءة بالإجماع فإذن الرواية سقطت في موردها.
وإن قلنا إنها شبهة حكمية وإنَّ الإمام جعل الاحتياط في الشبهة الحكمية كيف نتصور هذا؟ الإمام ما أراد أن يبيّن الحكم الواقعي؛ لأنها مكاتبة ويحتمل أن يطلع عليه المخالف فيحتمل أن تكون -أي يكون الأمر بالاحتياط عند الجواب- تقية فقد قال له احتط لدينك، ولم يعيّن له الغروب حتى لا يكون خلافاً صريحاً مع السنة، فلمصلحة السائل أراد أن يخفي هذا الحكم فبدل تعيين الغروب قال له انتظر حتى تعلم الغروب ومعنى استعمال الاحتياط إخفاء رأي الإمام فهو محمول على التقية فالعالَم عالَم تأكّد والأمر بالاحتياط في موضعه.
وإذا قلنا أن الشبهة وجوبية فنحن والاخباريون نقول فيها بالبراءة لا بالاحتياط فالاستدلال بالرواية لا ينفعهم بحال سواء حملنا ما على الشبهة الموضوعية أو الحكمية، فلا بُدّ أن تكون الرواية مطروحة لأنها خلاف رأي الطرفين.
القسم الثالث: من الروايات بها لغة تعميم فالأمر بالاحتياط فيها غير معلل ولا معلّق على شبهة موضوعية أو حكمية، بل مجرد أمر بالاحتياط فهي
ــــــــــ[161]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إذن تعم الشبهتين فهي تصلح دليلاً للجماعة.
ولكن الشيخ أجاب على ذلك وقال: إننا لو أردنا أن نأخذ بظاهر الرواية ولم نقل إنه ارشاد لحكم العقل يلزم منه تخصيص الأكثر والعام إذا خصص منه أكثره سقط عن الاعتبار؛ لأن الشبهات الموضوعية والوجوبية نحن والاخباريون متفقون على جريان البراءة فيها، فلو أردنا أن نخص هذا العام
-أي عموم الروايات الآمر بالاحتياط- بالشبهة التحريمية، لزم تخصيص الأكثر والعام إذا خصص حتى لم تبق منه إلّا أفراد نادرة سقط عن الاعتبار فنحن لا نستطيع العمل بهذه الروايات.
ويمكن(1) القول أنه لا يلزم من هذا الاستثناء تخصيص الأكثر لأنه ليس المقياس بالخروج -المسقط لاعتبار العام -الكمية العددية وإنما خروج أكثرية العناوين المتعددة فإذا أخرج أكثر العناوين يسقط العام عن الاعتبار، ولكن إذا أخرجهم بعنوان واحد وكان هذا العنوان يحتوي على أكثرية الأفراد لا يسقط العام من الاعتبار لأن التخصيص المستهجن هو إخراج أكثرية العناوين لا أكثرية الأفراد فهذه الروايات لا يلزم منها تخصيص الأكثرية؛ لأن الخروج كان بعنوانين فقط وإلا -أي وإن اعتبرنا مثل هذا التخصيص مستهجناً- فلا بُدّ أن نحصي أفراد كلّ عام لنتأكد من عدم استثناء الأكثر.
لو قالوا هكذا فما حساب هذه الروايات مع أدلة البراءة عند الجمع بينها وهي واردة في رتبة واحدة فيقتضي أن تتعارض فتتساقط، ثُمّ نرجع إلى القاعدة
ــــــــــ[162]ــــــــــ
() ثُمّ أضاف المدرس قائلاً: ويمكن (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
العقلية وهي البراءة العقلية فيقتضي الالتزام في الشبهة التحريمية والوجوبية والموضوعية بالبراءة العقلية.
الطائفة الثالثة: من الأخبار التي تقسِم الأحكام إلى ثلاثة أقسام وهي لسانها لسان وعظ وأنَّ الذي لا يعوّد نفسه على الضبط عند الشبهات يقع عادةً بالمحرمات وهي أجنبية عن جعل الحجية.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الدليل الثالث الذي استدل به الاخباريون على لزوم الاحتياط في الشبهات الحكمية استدلوا بدليلين عقليين.
الأول: العلم الإجمالي: لورود أحكام شرعية إلينا يقيناً بصفتنا مسلمين وإن لم نعلمها على التفصيل، وبعضها مفاده الحرمة يقيناً فنحن نعلم إجمالاً بتوجّه تكاليف إلينا فالأمور التي نشتبه بها تجري فيها قاعدة الاشتغال؛ لأن (شغل الذمة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني) قاعدة لا يمكن أن يناقش فيها فأنا ملزم بالتجنب عنها جميعاً. أنا أجهل المحرم من بين هذه المحرمات وما دام العلم الإجمالي منجزاً للتكليف عليّ فلا بُدّ من الاجتناب عن جميع الأطراف المشتبهة فعلى هذا يتم دليل الجماعة.
سبق(2) أن تحدّثنا كيف تنجّز عليّ العلم الإجمالي؟ الجماعة يقولون إن العلم
ــــــــــ[164]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، السبت 25/11/1961. (المقرِّر).
(2) ثم دخل المدرس في تفصيل حول العلم الإجمالي فقال: سبق… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الإجمالي هو ومعلوماته ينحل إلى ثلاث قضايا: الأولى معلومة بالإجمال على نحو مانعة الخلو وقضيتين مشكوكتين أما القضية المعلومة فهي توجّه تكليفاً إليك يقيناً، ولكن لا تعلم مصداقه كتوجّه تكليف إليك إما بالصوم أو بالصلاة على نحو منع الخلو، فنعدك قضية معلومة على نحو منع الخلو لما ألزم الصوم وحده أشك في توجّه التكليف إليه بعينه وكذلك الصلاة إذن العلم الإجمالي مع أطرافه يشكل ثلاث قضايا:
الأولى: معلومة على سبيل منع الخلو، إما هذا أو هذا أي لا يخلو الواقعة عن أحد وجوبين لا يرتفعان معاً، أنت مكلّف بأحدهما يقيناً وإذا لحظت كلّ من القسمين -على حدة- أجد أنَّه مشكوك إذن عندي قضية معلومة وقضيتان مشكوكتان.
إذن العلم واصل إليّ على كلّ تقدير، بحيث لو صادف الواقع أحدهما لتنجّز عليّ وأنا لا أستطيع أن أقول بأني جاهل بالحكم فالترديد بالنسبة إلى الأطراف والعلم بالنسبة إلى التكليف، فهذا التكليف لو صادف أحد الأطراف لكان منجزاً، فلو انطبق على أحدهما لخلق فيه تكليف وهذا هو السرّ في تنجّز العلم الإجمالي؛ لأن التكليف يقيني فلو كان منطبقاً على أي الطرفين لأوجد حكماً فيه لو قدر للنجاسة أن تقع في أي الإنائيين لتنجّس ويتوجه إليّ التكليف بالتجنب، فأجتنب! متوجه قطعاً. فلو كنت أعلم أن عندي تكليفاً سابقاً كأن كان أحد الإنائيين نجساً سابقاً فعلى تقدير وقوع النجاسة في النجس لا تحدث تكليفاً جديداً؛ لعدم إمكان توجّه التكليف مرّتين فينحل العلم الإجمالي؛ لأنّك
ــــــــــ[165]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لا يمكن أن تقول إنَّ الاجتناب عن هذا أو هذا -أي يرتفع الترديد- لأن أحد الإناءين فيه تكليف سابق.
المقياس هو أن ينجّز التكليف على كلّ حال فالقضية مانعة الخلو ارتفع عنها (إما وإمّا) -أي الترديد- لأنه لا يمكن اجتماع تكليفين على موضوع واحد؛ لتحصيل الحاصل أو اجتماع المثلين فإذا ارتفع عندي الترديد انحل العلم الإجمالي وصار الثاني شكّاً بدوياً بمعنى أنه ليس طرفاً في العلم الإجمالي فيكون مرجعاً لإجراء الأصول.
فنحن نتكلّم عن التكليف الذي لا يكون طرفاً للعلم الإجمالي، لأنه إذا ارتفع الترديد فنحن والطرف الآخر نجري فيه البراءة أو -أي أصل من- الأصول.
معنى علم الإجمالي أنّي أعلم بالتكليف ولا أعلم –انطباقه- على أي الاطراف فإذا علمت أنه لا يمكن أن ينطبق عليه -أي على طرف معيّن- التكليف فيتحول إلى علم تفصيلي وشكاً سارياً أي يسري إلى العلم الإجمالي فيزلزله.
أما الأولى فقد ذهبت أما الثانية فتصبح شكّاً بدوياً ويحدث فيه شكّ يزلزل العلم الإجمالي ويسمّى شكّ ساري؛ لأنه يزلزل علمي الإجمالي باحتمال توجه التكليف إليه؛ لأنه لم يبق طرفاً في الترديد وهذا النوع من الشكّ يسمّى شكّ ساري؛ لأنه يسري إلى العلم الإجمالي فيحلّه فيذهب الترديد ومدار العلم الإجمالي هو الترديد.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالمدار في العلم الإجمالي أنه لو قدر انطباقه -أي الحكم- على أي من الأطراف لخلق تكليفاً فيها فإذا علمت عدم احتمال انطباق التكليف على أحد الطرفين أصبح الشكّ في الطرف الآخر بدوياً.
فالعلم الإجمالي به ثلاث قضايا:
أولاً: قضية معلومة على نحو مانعة الخلو وقضيتان بالنسبة إلى الطرفين مشكوكي الحكم قضية تنطبق على هذا الطرف وقضية تنطبق على هذا الطرف فإذا ارتفع الترديد؛ لأنَّ الحكم لا يمكن أن ينطبق على أحدهما فالشك في الطرف الثاني شكّ ساري إلى العلم فيزلزله وهو شكّ بدوي تجري فيه الأصول.
فإذن(1) انخلق عندي تكليف بالحرمة في جميع الأطراف فيجب الاحتياط في كلّ الأطراف اجتنب عن هذا أو هذا، تنجّزت عليّ فلا بدَّ من الاحتياط.
فهذا النوع من العلم الإجمالي نحلّه بعلم تفصيلي بقدر المعلوم بالإجمال؛ لأننا عندنا تكاليف معلومة تفصيلاً وهي تسري إلى العلم الإجمالي فتحلّه.
نعدّ في ذهننا المحرمات التي يحرمها الشارع (200 في ضمن 1000) فإذا استطعت أن تحصل على 200 محرم معلوم الحرمة فتكون هذه المحرمات هي نفس هذه المعلومات -بالإجمال- ولا يمكن أن يوجّه إليك تكليفاً مرّة أخرى فصارت في الأطراف الباقية شبهة بدوية.
الآن عنده 100 شبهة منها 20 محرم محتمل الحرمة فالأمور القطعية يكفي
ــــــــــ[167]ــــــــــ
() ثم رجع المدرس للكلام حول دليل الإخباريين فقال: (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أن تخلق لي 20 محرم فقد عُرف المحرم بالتفصيل والباقي لا يكون طرفاً للعلم الإجمالي؛ لأنه يكون شبهة بدوية أن ما أعلمه بالتفصيل بقدر ما أعلمه بالإجمال فحين أجد أن المحرمات المقطوعة على قدر المعلومات بالإجمال فيرتفع الترديد؛ لأنه لا يمكن أن يتوجّه تكليف جديد إلى الأطراف المقطوعة و يكون الشكّ في الباقي شبهات بدوية.
ولو وسعنا في أدلتنا وأخذنا بالخبر الواحد والأمارة ولم نكتف بالمقطوعات فإذا أراد الإخباري أن يناقش أن المعلوم تفصيلاً على نحو القطع أقل من المعلوم بالإجمال فأنت تضيف إليه الأحكام الثابتة بالأمارات والروايات والبينات والأصول؛ لأنها قد جعلها الشارع كالعلم فالذي يحلّ العلم الإجمالي هو الذي يجعل لي تكليفاً سابقاً على العلم الإجمالي فيكون المعلوم بالتفصيل بذلك على قدر المعلوم بالإجمال والأطراف الباقية تكون شبهة بدوية بعد انحلال العلم الإجمالي؛ لأن الشبهة البدوية تزلزل العلم ويرتفع الترديد ويجري فيه الأصول المتعارفة.
فأما أنَّ أصل العلم الإجمالي بالمقطوعات فإذا أردنا أن نوسعه إلى ما قامت عليه الإمارات والبينات والأصول فأنا حتماً أحصل على محرمات بقدر المعلوم بالإجمال.
فهذا دليل لا يصلح أن يكون لهم دليلاً.
ربما يدعون أنه في المشتبهات لا يزال عندي علم إجمالي؛ لأني أحتمل وجود المحرم في الاطراف الباقية بمعنى أن علمي الإجمالي أوسع مما ثبت ــــــــــ[168]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بالمقطوعات والأمارات فهذا يحتاج إلى إثبات وهو في الحقيقة يحتوى على مصادرة؛ لأني بعد استقصاء المحرمات هل يمكن أن أعلم أنَّ في أحد الاطراف الباقية علم إجمالي بالحرمة؟ فنحن ما عندنا علم إجمالي بوجود المحرم في الأطراف الباقية وهو قال لا يستند على حجة بل جدل محض.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الخطوة الرابعة: صفاته الكمالية المشهور أنهم يقسمون الصفات إلى ثبوتية كمالية جمالية وسلبية تنزيهية جلالية، المهم هو إثبات الصفات كمالية كانت أو تنزيهية.
والصفات الكمالية حصروها في ثمانية باعتبار أنه جاء في القرآن وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(2) فلا بدَّ أنَّ هذه الثمانية هي صفات ثمانية -كما أوّلها المتكلمون- والحكماء أولوها بالأفلاك الثمانية أو العقول الثمانية؛ لأن العرش يراد منه الكون المخلوق. فحينئذ فرضوا على أنفسهم أن يحصروا الصفات بثمانية ثبوتية وسلبية وعجزوا عن إثبات صفة ثامنة فقالوا إنه متكلّم فأثبتوا صفة الكلام.
نقول: لا حاجة إلى فرض أي عدد من الصفات أن المهم أن يقال بأن الله
ــــــــــ[170]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، نفس التاريخ السابق25/11/1961. (المقرِّر).
(2) الحاقة: 17.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تعالى لا بُدّ أن يتصف بأعلى صفات الكمال فأي صفة كمال للوجود بما هو وجود يجب أن يتصف بها وصفات التنزيه كذلك؛ لأنه إذا كان يجب أن يتصف بكل كمال كذلك أن يتنزه عن كلّ نقص ينسب إلى المخلوقات الممكنة ولا يهمنا أن نُثبت أن الصفات السلبية أو الكمالية بأيّ عدد كان.
فلذلك نقول: إنه تعالى لما ثبت أنه صرف الوجود وأنه واحد لا شريك له فلا بُدّ أن يكون في أعلى درجات الكمال؛ لأن محض الوجود لا يمكن أن يدخل في ذاته شيء من الأعدام -لأن- محض الشيء يستحيل أن يدخل في حقيقته نقيضه، لأنه حين ينقص عن أي درجة كمال معناه أنَّه ناقص وداخل في حقيقة العدم فلا بُدّ أن يتصف بكل كمال للوجود بأعلى مراتبه.
فحقيقته بما أنّه محض الوجود لا يمكن أن يدخل في حقيقته نقص فإذا دخل في حقيقته نقص كان محتاجاً ناقصاً فلم يكن واجب الوجود، فما فرضته واجب الوجود وصرف الوجود لم يكن واجب الوجود وصرف الوجود فنفس تصوّر صرف الوجود وواجب الوجود هو تصوّر كماله، فلا بُدّ أن يتصف بأعلى درجة يمكن أن يتصورها العقل -من الكمال- وليس كماله ككمال الممكنات؛ لأنَّ الممكنات حقيقتها حقيقة الفقر والحاجة وكذلك صفاتها مهما بلغت من درجة قوة الوجود هي أنزل من واجب الوجود فهي صفاة مستعارة كوجودها المستعار وهي ظلال وجود الله تعالى، فصفاته ليست بالمعاني التي نفهمها بالمخلوقات.
فيجب أن يتصف بأعلى صفات الكمال الذي يتصف به الوجود المحض فالوجود يرافقه العلم المحض والقدرة المحضة لأنه إذا كان بالغاً أعلى درجة في
ــــــــــ[171]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الوجود لا بُدّ أن يكون بالغاً أعلى درجة في الصفات.
فلذلك انبثقت نظرية ملا صدرا بالحركة الجوهرية كلّ موجود بحسب ما له من الوجود يكون هو فيه شيء من الحركة والإدراك والشعور لا بالمعنى الشعور الثانوي بل الشعور البسيط، فكل الموجودات لها درجة من الحس على حسب ضعف وجودها -وقوّته- واستشهد بهذه الآية وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ(1) أي أنه يسبح بالمعنى الحقيقي أي أنه مطيع لله تعالى.
فكل الأشياء بما لها من الوجود تشعر بوجودها وبعظمة خالقها بالشعور البسيط والحركة الجوهرية يعني كل شيء في الوجود له حظ من الحياة والحركة (يعني الحياة) غاية الأمر أن حياة كلّ شيء بقدر ماله من الوجود وحياتها
-الضمير راجع إلى الجمادات على أكبر الظن بقرينة المثال التالي- كالجبال التي تراها هامدة وهي تمر مرّ السحاب بمعنى تمر مرّ السحاب وهي هامدة.
والشاهد بأن حقيقة الوجود ترافقه هذه الحقائق: الإرادة والحياة والشعور، أو الحس والقدرة وهذه صفات ليست زائدة على صفات الوجود بل هو نفس الوجود ولا يمكن أن يكون الوجود مجرداً -عنها- ثُمّ تضاف له هذه الصفاة بل معنى وجود يعني هذه الصفات.
غاية الأمر إذا كان الوجود قوي تكون الصفات قوية بأعلى درجاتها فالله تعالى حي بالحياة الحقيقية (العليا) فهو حي قادر بنفس ذاته؛ لأن الوجود نفسه يقتضي ذلك.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
(1) الإسراء: 44.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فنفس الوجود بما هو وجود يقتضي هذه الصفات فهو تعالى بما هو حقيقة الوجود هو القدرة هو الاختيار هو العلم هو الإرادة فهو يجب أن يكون في أعلى صفات الكمال هذه الجهات التي تليق بالوجود بما هو وجود.
الصفات على قسمين(1):
والذي يتبادر إلى الذهن من الصفات هي التي تكون محمولة بالضميمة وهي التي يتفاهم بها عرفياً ومقصود الإمام هو المعنى العرفي من الصفات.
هو الوجود حي هو نفس الحياة فليست الحياة طارئة عليه فهذه الصفات ترافق الوجود وتضعف وتقوى بضعفه وقوته.
فمن هذا نستطيع أن نخطو إلى الخطوة الخامسة وهو عينية الصفات وأن صفاته عين ذاته.
الدليل الأول: على عينية الصفات من أنَّه متصف بأعلى درجات الكمال فإنه إذا كانت صفاته زائدة على ذاته أو إذا كانت صفاته عين ذاته أيهما أكمل؟ قطعاً إن ما كانت صفاته منتزعة من نفس ذاته أكمل أبيضية البياض أولى بالاتصاف بالبياض من الجسم، فإذن وبعد أن نعلم أنه يجب أن يتصف بمنتهى
ــــــــــ[173]ــــــــــ
() هذا جواب على سؤال وجه إليه: من أنكم تعتبرون صفات الممكن عين ذاته مع أن أمير المؤمنين يقول: في خطبته في التوحيد “لشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة“. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كلّ كمال؛ لأنَّ الدرجة التي دونها تكون نقصاً فإذا دخل عليه أي عدم يخرج عن كونه واجب الوجود فيجب أن تكون صفاته عين ذاته مضافاً إلى الإشكال من أنه يلزم القول بالقدماء الثمانية.
وكلّ هذه الأدلّة التي نسلكها هي أدلة لمّية.
الذاتي لا يعلل لا يعني أنه خارج عن قدرة الله بل ضروري يعني أنه غير مجعول بالجعل التأليفي بل أنه مجعول بالجعل البسيط فجعل الحياة بجعل الوجود لا بجعل آخر لا أنه غير مجعول بالجعل البسيط فيكون واجب الوجود.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وهو مخزن الخبرات بأنواعها والرغبات الفطرية الحيوانية، كما أنه مخزن الطاقة الحيوية لا شعوري في عمله ولا منطقي أو نظامي في تصرفانه يمثّل رغبات الإنسان البدائي قبل نشوء الحضارة، و يحث الإنسان على تحصيل رغباته من دون التفات إلى مجتمعه وهو محكوم ومسيّر بقانون اللذّة والألم.
وهو يمثل القسم الواعي من شخصية الإنسان شعوري في عمله ونظامي في تصرفاته يفهم الواقع ويسير بموجبه ومهمته التوفيق بين رغبات النفس البدائية والنفس أو الذات العليا، فإذا أخفق في مهمته أصيب الفرد بالمرض النفسي.
ــــــــــ[175]ــــــــــ
() علم النفس، الدكتور أحمد حسن الرحيم، نفس التاريخ، 25/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وهي لا شعورية في عملها تحكم بقوتها نزوات النفس البدائية وتسمو بالإنسان إلى المرتبة العليا في الخلق، وهي نتاج التعاليم الدينية والأخلاقية وما يمتصّه الفرد من نصائح وأوامر أفراد أسرته، ولا سيما والداه ولدى مخالفة أوامرهما يشعر الإنسان بألم نفسي شديد يسمى بتبكيت الضمير وهو: من القوى الزجرية الشديدة والرادعة عن ارتكاب الجرائم وهو يسير حسب شرائع الحق والباطل والخير والشر.
مفهوم العقل والنفس عند فرويد بمعنى واحد (the mind) مكتشفات فرويد:
ــــــــــ[176]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان الحديث عن عينية الصفات الثبوتية وقلنا إنَّ هذه هي الخطوة الخامسة الصفات تنقسم إلى: صفات سلبية وصفات ثبوتية، والثبوتية تنقسم إلى قسمين: إلى صفات كمالية، وصفات إضافية فالصفات الكمالية كالعلم والقدرة والإرادة والحياة والصفات الإضافية هي التي تكون بالإضافة إلى مخلوقاته كالرازقية والخالقية كونه خالقاً رازقاً ومدبراً ومنعماً ورحيماً تسمّى هذه صفات ثبوتية لكنّها اضافية فحديثنا عن أن الصفات عين الذات هي الصفات الكمالية، أما الصفات الإضافية فلها حديث آخر.
وقد ذكرنا الصفات على عينية صفات الكمال وفيه غنى عن أي دليل آخر، أن الله لا يمكن أن يدخل في ذاته أي عدم فلو كانت صفاته زائدة أما زيادة حقيقية كما يدّعيه الاشاعرة، وهذا يستحيل في حقّه لأنَّ الذات حينئذٍ تكون مجردة عن كلّ كمال؛ لأن ذلك نقص وهو محال عليه لأنه صرف الكمال وصرف الوجود.
وينسب إلى بعض حكمائنا أنها عين الذات لكنها تتعدد بتعدد حيثية في
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأحد 26/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الذات -وجود- العلم نفس وجود الذات -فهو- عالم من حيث إنَّ الأشياء حاضرة لديه وقادر من جهة أخرى وحي من حيث إنَّ به معنى الحياة فنقول إنَّ هذا ليس تصحيحاً لعينية الصفات للذات.
إنَّ وجود الصفات عين وجود الذات غاية الأمر أنَّ حيثية الصفات غير حيثية الذات ويمكن أن نقيسه بالنفس فالنفس وجودها واحد وصفاتها متعددة فالصفات موجودة بوجود النفس فهي واحدة بوجودها القدرة موجودة بحيثية غير حيثية كونه عالم وغير حيثية كونه ذاكر، فالصفات عين الذات أي ليس لها وجود مستقل، ولكن لكل صفة حيثية غير الصفة الأخرى يقولون إنَّ هذا لا يلزم منه تعدد الذات؛ لأنَّ الوجود واحد فظنّوا أنَّ تعدد الحيثية كاف لأن نفرض التوحيد وليس فيه أي شر على عقيدة التوحيد.
وبعضهم قال أن تعدد الصفات بتعدد الاعتبارات يعتبر -الذهن- أنه تعالى عالم وقادر وحي على نحو المجاز؛ لأنهَّ إذا قلنا إنها أشياء حقيقية إمّا لأنه يلزم تعدد الذات(1)، وهو محال أو تعدد الحيثيات يوجب تعدد الذات.
من الأقوال:
ــــــــــ[178]ــــــــــ
() كذا في المسوّدة والأرجح أن تكون (أمّا أنه يلزم تعدد واجب الوجود) من حيث إنَّ الصفات تكون حينئذٍ واجبة الوجود لأنها إذا كانت ممكنة تكون الذات معراة عنها في يوم من الأيام. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهذه الأقوال جميعاً لا نرتضيها وكلّها غير صحيحة وإنما نشأ الخلط في دقّة النظر في فهم عينية الصفات للذات.
الأشاعرة لم يفهموا معنى عينية الصفات وظنوا أنَّ معنى عينية الصفات أنه لا صفات له، والكرامية قالوا إن الصفات لو كانت لازمة للزم تعدد واجب الوجود والقائلون بتعدد الحيثية قالوا إن القول بتعدد الحيثية لا يثلم عقيدة التوحيد، القائلون بالاعتبار حتى القول –بالتعدد- بالحيثية غير معقول.
وأعجب الأقوال قول الصدوق عجز عن فهم أن الصفات الثبوتية عين الذات فقال إنها كلّها ترجع إلى أمور سلبية فيمكن تصور انطباق عدّة (سُلُوب) على موضوع واحد فمعنى الصفات الثبوتية معناها السَّلب.
فالشيخ الصدوق في عقائده يذكر أنه معنى الصفات الثبوتية أنها عين الذات، باعتبار أنها ترجع إلى العدم إلى السلب فمعنى الحياة عدم الموت ومعنى
ــــــــــ[179]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
العلم عدم الجعل فهذه (سُلُوب) يمكن أن تنطبق على ذات واحدة(1).
نحن نحترم الصدوق كمحدث وناقل فإذا تجاوز الحديث والنقل فنحن لا نقبل آراءه.
فنحن الذي نريد أن نقول إنَّه لا تعدّد حقيقي، ولا من حيث الحيثية، ولا تعدد اعتباري؛ لأن التعدد الاعتباري لا قيمة له، فالفكرة التي نقولها يعرب عنها قول الفارابي “هو عالم من حيث هو قادر وقادر من حيث هو حي وحي من حيث هو عالم”، إنَّ هذه الصفات ليست بها تعدد حقيقي ولا تعدد حيثية؛ لأن جهة العلم ليست غير جهة الحياة.
فالتعدد الذي نفرضه هو بالمفهوم، ولا نقصد بالمفهوم المعنى الانتزاعي الذي لا يحكي عن حقيقة بل نقصد المفهوم الذي يحكي عن حقيقة، وتعددها عين وحدتها، مرة نقول إن هناك ماهيات متعددة موجودة بوجود واحد، وهذا هو القول بتعدد الحيثيات، وهذا يلزم منه أن يكون لله تعالى ليس صرف الوجود ويلزم أن يكون له ماهية من الماهيات فصار مركّباً وناقصاً ومحدوداً و لكن هو صرف الوجود وصرف الوجود لا يعقل أن يفرض فيه حيثيات متعددة حتى إذا كان لها وجود واحد لأن فرض وحدة الوجود لا يبرر التوحيد، ففرض واجب الوجود مع تعدد الحيثيات فيه يكون ممكناً فيخرج عن كونه صرف الوجود وواجب الوجود ولا ماهية له.
فيمتنع أن تكون له حيثيات زائدة على الذات وإن كانت موجودة بوجود
ــــــــــ[180]ــــــــــ
() فصار الله مجموعة سُلُب، وهذا لم يكن من اختصاص الصدوق! (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
واحد وليس هذا مصححاً لوحدة وجوده الذي هو صرف الوجود وهذا القول معناه أنَّ له عدّة ماهيات موجود بوجود واحد ومعنى التعدد الاعتباري أنَّه ينتزعه الذهن أي ليس لها واقع بل لقلقة لسان ليس ورائها شيء.
نحن نقول إنه عالم من حيث هو قادر وهي حيثيات واقعية لكن لا بمعنى أنَّ لها وجود واحد بل بمعنى أنَّ نفس الوجود هو بنفسه هو العلم وهو بنفسه هو القدرة، لا أنَّ القدرة موجودة بذلك الوجود لتكون حيثية مقابلة لتلك الحيثية فهذه الصفات وإن كانت حقيقية وواقعة ففي عين تعددها هي واحدة، وتعدد هذه المفاهيم يكشف عن معنى حقيقي ولكن ليس هناك تعدد حتى بالمعنى وهذا -العمق في هذا- القول هو الذي غاب عن أفكار أصحاب الأقوال السابقة.
القول بالاعتبار معناه أنها صفات نحن نجعلها لقلقة لسان مع أن الله تعالى هو وصف نفسه بأنه عليم حكيم قادر.
هو محض القدرة ومحض العلم ومحض الحياة، لا أنَّه ذات لها القدرة والعلم والحياة ولكنّها متغايرة بالمفهوم لأنها ألفاظ غير مترادفة فهي متغايرة تغاير اعتباري يعني متغايرة بالمفهوم.
فلا تغاير بحسب الصفات وجوداً ولا تغاير من ناحية الحيثية وإن كان الوجود واحداً ولا تعدد بالاعتبار المفهومي المحض، بل هناك تعدد مفهومي يحكي عن حقيقة هو كلّ الحقائق.
فلذلك قال مولانا أمير المؤمنين “لشهادة كلّ صفة أنه غير الموصوف
ــــــــــ[181]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ومن وصفه فقد عدّه” الخ فالأمير يقول فمن وصفه، أليس هو قد وصفه بصفات كثيرة، ولكنّه -يعني- أنَّ من وصفه بصفات زائدة على الذات -فقد عدّه-، وتكون لها حيثيات بحيث تكون غير الذات وهي الصفات المتعارفة المحمولة بالضميمة. فيريد أن ينفي أن يكون الوصف بحيثية زائدة في الذات وهذا ممّا يوجب تعدد الذات ويخرج عن كونه واجب الوجود ويعني من قوله: “ومن قال فيمَ ومن قال علامَ ومن قال أين…ألخ” أنه لا يسأل عن مكانه وزمانه ولا مبدأه ومنتهاه لأنه إذا كان كذلك كان له ماهية وهذا كلام أئمة في الحقيقة.
ــــــــــ[182]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
سبق أن ذكرنا أنَّ أدلة الأخباريين العقلية على لزوم الاحتياط في الشبهات البدوية هما دليلان:
أحدهما: العلم الإجمالي: نحن نعلم (بلا إشكال) بتوجّه تكاليف محرمة في الشريعة الإسلامية وهذا النهي هو منجز عليّ أي إنه يخلق لي (اجتنب عن كلّ الأطراف) وهذا هو معنى الاحتياط، وهذا معناه إنكار الشبهات البدوية أصلاً أعلمُ -أنَّ هناك- تكاليف توجّهت إليّ بالحرمة فإذا شككت بحرمة شيء كان(2) طرفاً للعلم الإجمالي فهو محرّم.
العلم الإجمالي لماذا يتنجّز عليّ! قلنا: إنّه ينحل إلى قضية على نحو مانعة ــــــــــ[183]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، نفس التأريخ السابق. 26/11/1961. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة (وكان طرفاً) والواو زائدة على الأرجح. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الخلو وإلى قضيتين مشكوكتين، ومنع الخلو حاصل في هذا الفرد أو بين الأطراف؛ لأني أعلم بوقوع نجاسة في أحد الإناءين فأعلم أن الشارع قال لي اجتنب عن أحد الإناءين إما هذا أو هذا فالتكليف وصل حتماً غاية الأمر أنه متردد بين الأطراف وهذه قضية مانعة الخلو، والقضيتان إنما تكونان بالنسبة إلى الأطراف قضيتين مشكوكتين؛ لأني عندما أنظر إلى أيٍّ من الإناءين أشك في توجه التكليف إليه.
والشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني فيجب أن أجتنب عن كلا الطرفين لأحقق غرض المولى ومع ارتكاب أحد الطرفين لا يكون فراغاً للذمة.
ومن شروط العلم الإجمالي أنَّ الحكم إذا انطبق على أحد الطرفين تنجز عليّ، أي ذلك الطرف المحكوم بالحكم المعيّن بخصوصه أما إذا كان به حكم سابق فالعلم الإجمالي ينحل؛ لأنه لا يستطيع أن يخلق لي تكليفاً على كلّ حال فالقضية مانعة الخلو ذهبت؛ لأنه لم ينخلق عندي تكليف جديد بخصوص الإناء المتنجس -سابقاً- فينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشبهة بدوية ويكون أي الشكّ البدوي مجرى للأصول ويسمى الشكّ في الشبهة البدوية شكّ ساري أي شكّ سرى إلى العلم -الإجمالي- فأزاله عن الوجود.
ونستطيع أن نسرّي الحكم إلى ما قامت عليه البينة، والاستصحاب كما إذا(1) كنت أعلم إجمالاً بوقوع النجاسة في أحد ظرفين أحدهما به استصحاب
ــــــــــ[184]ــــــــــ
() في المسودة (كما إذا وقعت النجاسة في إناء به استصحاب نجاسة إلخ) والعبارة المثبتة أصح. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نجاسة أو قامت على نجاسته بيّنة فيرتفع الترديد فيكون شكّ بدوي مزلزل للعلم ومسقط له عن الاعتبار.
الإخباريون يقولون إن الشارع وجّه إليّ تكاليفاً وإذا علمت أنَّه أي الموضوع المعيّن طرف للعلم الإجمالي فيكون الأمر منجزاً عليّ فتكون عندي قضية مانعة الخلو كثيرة الأطراف و(اجتنب) حتماً صادرة من الشارع والتفريق بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة ليس مناطه هو الكمية العددية خلافاً لصاحب (العروة الوثقى)، بل مناطه خروج الطرف عن القدرة ومحل الابتلاء ؛لأن القضية مانعة الخلو ترتفع حينئذٍ لأنه لو قدر انطباق الأمر على ذلك الطرف لا يتنجّز عليّ فينحل العلم الإجمالي ويكون في الثاني شكّ بدوي يسري إلى العلم فيزلزله.
فقول الإخباريين هو: أنَّه عندي اجتنب عن هذا أو هذا أو هذا أو هذا الخ وإنما تفرغ الذمة بترك جميع المحتملات؛ لأنَّ نفي الطبيعة إنما يكون بنفي جميع مصاديقها بخلاف الأمر بها فإنه يصدق بفرد واحد. فالعلم الإجمالي ينتج الاحتياط في جميع أطراف الشبهة.
يقول الجماعة -في الرد على قول الإخباريين- إنني صحيح أعلم بتوجّه تكليف إليّ ولكن هذا العلم الإجمالي منحل؛ لأنّي افترض للمعلومات الإجمالية حدّ أعلى أو قدر متيقن لأنَّ ما زاد على القدر المتيقّن غير معلوم عندك، فلا يصلح أن يكوّن عندك علم إجمالي وبعد الاطلاع على المحرمات نستطيع أن نحل العلم الإجمالي بها.
ــــــــــ[185]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهذا العلم الإجمالي تستطيع أن تحلّه بالمعلومات(1) المعلومة تفصيلاً؛ لأننا نقول أنَّه لم يبق في سواها علم إجمالي ولم يولّد العلم الإجمالي تكليفاً جديداً بالنسبة إليها -أي بالنسبة إلى الاطراف المعلومة حرمتها تفصيلاً- وبالنسبة إلى الأطراف الباقية يكون فيها شكّ ساري -يسري- إلى العلم فيحله.
فإذا كان لا زال عندي علم إجمالي في الباقي سوى هذه المحرمات فنفحص عمّا ثبت بالخبر الواحد والبينة والإجماع فهي -أي المحرمات المعلومة لي بهذه الطرق- معلومة لي تعبداً وهو يحل العلم الإجمالي.
ومن يقول إنه باستثناء المعلوم قطعاً وتعبداً مع ذلك نعلم أنه يوجد محرمات في الباقي بعد هذا هل استطيع أن أقول بوجود العلم الإجمالي في الشبهات الباقية؟ هذا مصادرة وأوّل الكلام فتعود الشبهات بدوية ويكون مرجعها البراءة فهذا العلم الإجمالي لا يفرض عليّ الاحتياط في الشبهات البدوية فنرجع إلى قبح العقاب بلا بيان.
والاعتراض الثاني: أنَّه لماذا لا يجري هذا القول في الشبهة الوجوبية؛ لأنّك تعلم بوجود واجبات عليك في الشريعة فتخصيص الاحتياط بالشبهة التحريمية لا وجه له. فنفس الطريقة التي حللت بها العلم الإجمالي في الشبهة الوجوبية يمكنك حلّه بها في التحريمية مع العلم أن لا قائل بوجوب الاحتياط بالشبهة الوجوبية من كلا الفريقين.
فهذا الدليل العقلي لا يصلح لإثبات الاحتياط.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
() بالمحرمات أصح. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والجماعة -أي الإخباريين- عندهم أصل عقلي آخر للاستدلال على وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية أنَّ الأصل في الأشياء في أفعال المكلفين وفي مخلوقات الله تعالى هل يكون فيها المنع والحظر أو الإباحة فكل الأشياء حرام إلّا أن ينص الشارع على الحليّة أو كلها حلال حتى ينص على الحرمة فإذا قلنا بأن الأصل الحلية فتكون الحرمة استثناء من القاعدة وإذا قلنا حرمة فتكون الحلية استثناء من القاعدة.
الإجماع على أنَّ الأمور المعاشية التي يفسد بتأخيرها النظام العام مباحة في الأصل أما الباقي فيقولون -أي الإخباريين- إنَّ الأصل التحريم لأنَّ الأشياء كلها ملك الله تعالى والتصرف بمال الغير محرم إلا أن يأذن صاحب المال وكلّما هو داخل تحت تصرف المكلفّ داخل تحت هذه القاعدة فالأصل الحرمة ما لم تثبت الحلية(1).
ــــــــــ[187]ــــــــــ
() أنظر التكملة في دفتر الأمور العامّة الخامس. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قالوا(1) -في صدد الجواب- أنَّ هناك جوابين:
أولاً: أنه يوجد خلط بين قاعدتين(2):
الأولى: أنَّ الأشياء هل الأصل فيها الحظر أو الإباحة؟
والثانية: أن الشبهة البدوية تكون محكومة بالحرام أو الحلال، أي تجري فيها البراءة أو الاحتياط؟
فالأولى تتعرض للأشياء بما لها من أحكام واقعية، والثانية تتعرض للأمور المشكوكة بمالها من العناوين الثانوية. فكيف تسوق القاعدة المحررة في القاعدة الأولى إلى القاعدة الثانية.
والجواب الثاني: أنَّ الأصل في الأشياء هي الإباحة؛ لأنه عندنا أدلّة على الإباحة المطلقة خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا(3) معناه أنها مباحة لك ما لم تثبت الحرمة.
فهناك قاعدتان لا يمكن تداخلهما مسألة الشيء بما له عنوان أولي والشيء
ــــــــــ[188]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامّة الخامس. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة (مثالين). (المقرِّر).
(3) البقرة: 29.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بما له عنوان ثانوي، ولا يجوز الخلط بينهما فالإباحة بالمشكوك غير الإباحة بالأصل.
والأصل في الأشياء الإباحة بصريح الأدلّة فليس هناك دليل عقلي يعيّن الاحتياط في الشبهة البدوية؛ لأنه لم ينهض دليل على الاحتياط فيها.
الأصل الاحرازي كالاستصحاب حاكم على البراءة والاحتياط؛ لأنَّ البراءة إنما هو مؤمّن فقط أُخذ في موضوعه الشكّ والأصول المحرزة إنما تكون (اعتبر نفسك متيقناً) فيكون حاكماً على البراءة، فالبراءة والاحتياط إنما يكون إذا لم يكن عندي أصل احرازي والشيخ النائيني سمّاه أصلاً موضوعياً ونحن نريده أصل أعم من الموضوعي والحكمي. فإذا شككت أن الحيوان مذكى أو غير مذكى فاللحم حرام عليّ؛ لأنَّ الأصل أنه غير مذكى. انتهى بحثنا إلى أصالة عدم التذكية وننتقل الآن إلى الخاتمة في صفحة 161.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قال أمير المؤمنين وسيّد الوصيين عليه أفضل التحية والسلام من خطبة له في التوحيد:
“أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف وشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال فيمَ فقد ضمنه، ومن قال علامَ فقد أخلى منه كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة الخ“.
يقولون: إنها من وضع الشريف الرضي والحال أن الرضي وأبو الشريف الرضي لا يفهم ما يُقصد من كلام الأمير، وهو من معجزاته.
ــــــــــ[190]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الاثنين 27/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
“كمال الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به” هذا تدرج في معرفة الله تعالى، فلا دين إذا لم يبتن على معرفة الله تعالى أصول الدين أولها قبل كلّ شيء معرفة الله تعالى لكن أي معرفة؟ المعرفة العاميّة، لكن كمال المعرفة التصديق به.
فالمعرفة الأولى المعرفة التصورية يُعلم بالتصور أن هناك إلهاً وواجب الوجود، ثُمّ يترقّى ذلك التصور بنفسه فيكون تصديقاً وهذا -هو- أصلنا العلمي الذي قلنا من أنَّ هناك تقسيم للموجود إما ممكن أو واجب الوجود. وهو معرفة تصورية أنَّ هناك واجب وجود فيترقى هذا التصور إلى التصديق؛ لأنَّ الممكن لا بدَّ أن يرجع إلى واجب الوجود؛ لأن كلّ ما بالعرض لا بُدّ أن يرجع إلى ما بالذات فإذا كان كلّ ما بالوجود على نحو الإمكان فكيف توجد الأشياء فلا بُدّ للمجاز من حقيقة، فالتصديق بواجب الوجود ينبعث من نفس تصور أن هناك واجب الوجود من نفس هذا التقسيم أنَّ الموجود إما ممكن أو واجب تعرف أنَّه يوجد واجب وجود لذاته؛ لأنه إذا كانت في ساحة الوجود كلّها ممكنات كيف وجدت من الممكنات إذ لا وجود لها بذاتها فلا بُدّ أن ترجع إلى ما بالذات.
فقال: “كمال معرفته” وكمال الشيء يعني ترقّيه يعني نفس وجود الشيء يكمل ولا توجد إضافة، يعني معرفة ثانية تضاف إلى المعرفة السابقة فهي بنفسها تترقى، والتصور بنفسه يترقّى فيكون تصديقاً، فمن نفس هذه الفكرة من تقسيم الموجودات إلى ممكن وواجب نفس هذه الفكرة تترقى بنفسها إلى الاعتراف -أو التصديق- بواجب الوجود، فلذا قال: “كمال الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به“.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
“وكمال التصديق به توحيده“؛ لأنّك إذا صدّقت بواجب الوجود فلا بُدّ أن يكون صرف الوجود فلا بُدّ أن يكون واحداً؛ لأن صرف الشيء لا يعقل أن يتعدد، فهذه المعرفة التصديقية -بواجب الوجود- بنفسها تكمُل وتكوِّن الاعتراف بعقيدة التوحيد بواسطة البديهيات وهو ترقي في العقيدة وليس عقيدة ثانية.
“وكمال توحيده الإخلاص له” والفكرة العاميّة للإخلاص هو الإخلاص بالعبادة و لكن هذا المعنى لا يترتب على ما قبله ولا ينسجم مع ما بعده، فالإخلاص يعني تنزيهه من كلّ النقائص فهو أعم من الإخلاص في العمل بل تنزيهه من كلّ شيء يقدح في كونه واجب الوجود فالتوحيد لا يكون توحيداً حقيقياً إلا إذا وحدّه من جميع الجهات في ذاته وصفاته وأفعاله وعبادته أيضاً، فالإخلاص له يعني التوحيد من جميع الجهات أي تنزيهه عن الشريك من جميع النواحي.
فلذا قال: (وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه)؛ لأنه يلزم القول بتعدد الشركاء على عدد الصفات فالإخلاص في التوحيد إنما يكون في تنزيهه عن الصفات الزائدة عن الذات التي تجعل مقابل الذات، وإلا لما كان الإنسان موحّداً فكمال الإخلاص نفي الصفات عنه.
فلذا قال: “لشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف وشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة” يعني إذا كان له صفة غير الموصوف وبذلك يتعدد واجب الوجود سواء قلنا بتعدد الوجود -أي وجود الصفات- أو بوحدة الوجود مع تعدد
ــــــــــ[192]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الحيثيات فلا بُدّ من نفي الصفات عنه.
قال: “فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه“ لأنه؛ إذا وصفه فقد قرنه بغيره في وجوب الوجود “ومن قرنه فقد ثنّاه“، أي قال بأكثر من واجب الوجود على عدد الصفات؛ لأنَّ الصفة العرفية الزائدة على الذات تستدعي التعدد، وأمّا الصفة المنتزعة من نفس مقام الذات فلا تستدعي التعدد.
“ومن ثنّاه فقد جزّأه” يعني إذا قال أنه اثنين فقد قال أنَّه مركّب يلزم من التثنية التجزأة إذا قال بأكثر من واجب وجود واحد يلزم أنَّ كلّ واحد منهما مجزّء بنفس التثنية أي نفس التثنية تجعل كلّ طرف مجزء نفس التثنية تستدعي تجزئة كلّ واحد منهما.
أي لا يمكن أن نجمع بين حقيقتين بسيطتين مع كونهما بسيطتين والاعتراف أن الحقيقة بسيطة من جميع جهاتها لا يمكن إضافة حقيقة بسيطة أخرى إليها، نقول لا يمكن أن يكون بسيط الحقيقة إلّا واحداً ولا يعقل أن يكون له ثانٍ حين يكون له ثانٍ يخرج عن كونه بسيط الحقيقة يلزم أن يتعدد ويتركب.
الكلام هو في أنَّ التثنية توجب التجزئة نقول: إنَّه واضح؛ لأنَّ معنى التثنية أنَّ هذا غير هذا إنَّ كلّ اثنين متباينان فأحدهما غير الآخر وإلا ما صارا اثنين فكل منهما يصدق عليه أنه غير الآخر والمفروض أنَّ كلّ منهما أمر وجودي وهذا بديهي وهو مقتضى التثنية.
فإذا قلنا هذا فالتثنية معناها التجزئة لكلّ منهما؛ لأنه أنت عندما تقول إنَّ
ــــــــــ[193]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
(أ) غير (ب) معناه أنَّ (أ) نفس حيثيته أنه ليس (ب) وهذا غير معقول لأنَّ كلّ منهما أمر وجودي وهذا -القيد- قيد عدمي -فيلزم أن- يدخل في ذاته العدم.
لما كان كلّ من (أ) و (ب) أمرين وجوديين ويصدق أنَّ (أ) ليس (ب) وليس منتزعاً من مقام (ب) فلا بُدّ أن يكون (ب) منتزعاً من حيثية وجودية أخرى فيكون -كلّ منهما- محدوداً بأمر عدمي ولا يكون صرف الشيء فلا يعقل غيريّة أحد الموجودين وتفرض كلّ منهما أنه صرف الوجود.
فلا يعقل أن يكون (أ) غير (ب) إلا إذا حدّدت (أ) بحدّ عدمي لأنَّ كلّاً منهما أمر وجودي ولما انتزعت من (أ) أنه ليس (ب) من نفس ذاته فقد فرضته محدداً بحدّ عدمي فيقلب الواجب إلى ممكن.
ــــــــــ[194]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ذكر الشيخ تبعاً للشيخ في الرسائل أنَّ الأصول الأربعة تنتج بشكل حصر عقلي فهذه الأمور المشكوكة إما أن يكون له حالة سابقة فهو استصحاب، وإن لم يكن له حالة سابقة فإن كان الشكّ في المكلفّ به فهو الاحتياط، أو في أصل التكليف فإما أن لا يمكن فيه الاحتياط فهو التخيير أو شكّ في نفس أصل التكليف فهو البراءة.
وقاعدة التخيير نادرة المصاديق، فلذا اندرجت في البراءة؛ لأن نتيجتها قريبة من البراءة تريد أن تختار هذا أو هذا -يعني أنك بريء الذمة من أحدهما-.
فلو علمت بالتكليف ولو بجنسه ولكن الشكّ تردد بين أطرافه بين وجوب فردين كالشك إما بوجوب إكرام زيد أو وجوب إكرام عمرو، وإما يتردد الشكّ بين وجود فرد وحرمة آخر كوجوب اكرام زيد وحرمة اكرام عمرو، وإما أن يتردد الشكّ بين وجوب وحرمة في فرد واحد ومقام التخيير أن
ــــــــــ[195]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الثلاثاء 28/11/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يفترض أنَّ الاحتياط غير ممكن وقد قلنا إن العلم الإجمالي يتنجز عليّ؛ لأنَّ براءة الذمة يحكم بها العقل(1).
لا يمكن الاحتياط بين الوجوب والحرمة ولا بين؛ الوجوبين لعدم اتساع الزمن لهما فإذا فرضنا أنَّ الاحتياط غير ممكن فيرجع فيهما إلى أصالة التخيير.
المرزا قال: في تنجيز العلم الإجمالي عليّ لو قدر للشارع أن يأمرني بهذا المعلوم بالإجمال لم يكن هناك مانع من التكليف؛ لأنه لو قال ابتداء عليك أن تكرم زيداً أو عمراً فيوجه تكليفاً إلزامياً مردداً وهذا جائز ومن حق الشارع، فلو وجه الشارع على نحو التفصيل لصح وهذا هو المدار -في رأي المرزا- في تنجيز العلم الإجمالي.
أنا أعلم بالتكليف ولا أعلم على أي شيء انطبق فالترديد من عندي لا من الشارع والتكليف مفصّل في اللوح المحفوظ ولكنّني أنا الذي اختلط عليّ.
فالجماعة يقولون أن المدار في تنجيز العلم الإجمالي والالزام بالاحتياط أنَّ هذا الترديد لو صدر من الشارع نفسه لصح أي أنّ المجمل هو تبنّاه لصحّ ولم يكن منه مانع عقلي، كما لو صرّح تفصيلاً بهذا اجتنب، إما عن هذا أو هذا فكون التردد من جانبي لا يمنع من وصول التكليف إليّ أي إنّ شكّي في مصداق التكليف لا يمنع من تنجّز نفس التكليف عليّ فلو كان التردد من الشارع لصح أي أنَّ الأمر بالمجمل لا مانع منه غاية الأمر أنه ينتج لي تخييراً.
ويقسمون التخيير إلى شرعي وهو الذي يردد بينها أي بين الأفراد الشارع؛
ــــــــــ[196]ــــــــــ
() كذا في المسودة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لأنه لا قدر جامع بينها ككفارات الصوم وآخر عقلي وهو أن يكون بين الأفراد قدر جامع فانطباقه على كلّ الأفراد يكون مردداً من وجهة عقلية فالشارع يريده على نحو البدلية وترك الخيار في اختيار أحد الأفراد لي فله أن ينجز الأمر بالشيء الإجمالي ويترك التخيير لك كما في صورة التخيير العقلي أو هو يصرح بالتخيير كما في صورة التخيير الشرعي فيمكن إذن تنجّز هكذا تكاليف.
والفرق بين العلم الإجمالي والتخيير: أنَّ العلم الإجمالي يلزم بالاحتياط والتخيير لا يلزم بالاحتياط؛ لأنَّ الإنسان لا بُدّ أن يخرج من عهدة التكليف في صورة العلم الإجمالي فلو صدر من الشارع حكم يقيناً ودار الأمر بين وجوبين أو وجوب وحرمة في شخص واحد أو في شخصين ونفترض أنَّه لا يمكن الاحتياط.
تصوّر التخيير هو هذه الصور الثلاث:
أيها يكون المدار لقاعدة التخيير؟
بدأ المرزا في دوران الأمر بين المحذورين ولا يمكن الاحتياط.
ــــــــــ[197]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالشارع لا يستطيع أن يجعل التخيير الواقعي ولا الظاهري. فالواقعي كما إذا هو تبنّى التخيير وهذا النوع مستحيل -في صورة دوران الأمر بين محذورين؛ لأن المقصود من التكليف جعل الداعويّة في نفس المكلفين وحيث إن الأمر لا يخلو من أحد الأمرين فالشارع لا يمكن أن يتبنى الترديد بينهما إما أن تصلّي أو لا تصلي؛ لأن النتيجة حاصلة على كلّ تقدير؛ لأنها من الأمور التكوينية التي لا بُدّ أن تحصل سواء أمر الشارع أو لا، والتكاليف المفروض فيها أن تجعل الداعي في نفس المكلفّ – ولكنّها تكون حينئذٍ عين اللغو.
وجعل التخيير الظاهري لا يمكن أيضاً (الحكم الظاهري المجعول في حال الشكّ أي بعد الشكّ بالوجوب والحرمة والتردد بينهما يقول الشارع إنك مخيّر بينهما) وهذا محال غير معقول؛ لأن التكوين هو الملزم بذلك؛ لأنّي لا استطيع الفرار من أحد الاحتمالين ولا يمكن أن يجعل الشارع ما هو مجعول تكويناً كأن يقول إذا دار الأمر بين محذورين فعليك التخيير؛ لأن الواقع نفسه يقتضي التخيير ولا يوجد حد وسط بينهما، فالأمر هنا لا فائدة منه ولا فائدة من جعل الداعي في نفسي؛ لأنَّ الأمر التكويني يستدعي ذلك.
والتخيير العقلي غير معقول أيضاً؛ لأنَّ مدار التخيير العقلي أنه يوجد ملاك -معيّن ومعلوم- في البين يقول العقل أئتِ بأحدهما كالتزاحم بين الوجوبين في صورة التساوي كلّ له ملاك محفوظ فأنت مخير بينهما عقلاً، ولكن هنا ليس كذلك. هناك يوجد ملاك محفوظ لكلّ منهما فالعقل يقول أنت ملزم بالمحافظة على الملاك، ولكن هنا أنا لا أعلم بالملاك أين يقع لأن الأمر مردد بين
ــــــــــ[198]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الوجوب والحرمة، والمفروض عندي ملاك واحد في أحدهما.
إن شئت أن تقول إن عندنا تخيير طبعي؛ لأن التكوين وطبع المكلفّ يقتضي ذلك ولا يخلو من أحدهما وهذا صحيح ولا ضرورة للالتزام بالحكم
-بالتخيير- الشرعي الواقعي أو الظاهري أو العقلي.
ــــــــــ[199]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تحدّثنا عن دوران الأمر بين المحذورين في صورة عدم إمكان الاحتياط لا يمكن أن يجعل لي الشارع التخيير الشرعي لا الواقعي ولا الظاهري؛ لأنه أي جعل الشارع للتخيير يناقض المعلوم بالإجمال؛ لأنه بعد علمي بجنس الإلزام في البين، فقوله لك أن تفعل أو تترك يناقض الإلزام فلا يعقل جعل الإباحة الظاهرية من قبل الشارع.
أهم المؤاخذات على جعل الإباحة الظاهرية: أنَّ الشارع لا يناقض نفسه فيكون عندي جنبة إلزام ثُمّ يقول لك أن تفعل أو تترك؛ لأن الأصل -أصل الإباحة- كما يجري في الفعل يجري في الترك بخلاف أصالة البراءة فتنفي طرفاً واحداً -من طرفي الإلزام- تقول الجانب الأول ليس بحرام والجانب الثاني
ــــــــــ[200]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم السبت 2/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ليس بواجب فيصح التخيير بخلاف أصالة الإباحة في دوران الأمر بين المحذورين لأجل استحالة التناقض.
وقيل أن المانع من الإباحة الظاهرية هي المخالفة الالتزامية؛ لأنه بعد أن علمت بجنس الإلزام فإذا علمت بأن هذا مباح، فمعنى ذلك أنك لم تلتزم بقول الشارع، فإما أن يكون من ضروريات الدين فيلزم الكفر وإما أن يكون من ضروريات المذهب فيلزم الفسق.
هذا هو تفسير منها -أي المخالفة الالتزامية- ينتهي إلى عدم التدين بما قاله الشارع. كيف يلتزم بما قاله الشارع ثُمّ يعقد قلبه على خلافه فإما أن يكون ضرورياً في الدين فيلزم الكفر، أو ينافي ضرورياً في المذهب فيلزم الفسق.
يقولون -في سبيل الجواب- إنّا حين نلتزم نلتزم بالإباحة الظاهرية لا الواقعية فلا تناقض في التزامي أي الإباحة المترتبة على الشكّ ولا اتصال بين الحكم الواقعي والظاهري، فلا تناقض بين الإباحة الظاهرية مع كون التكليف الواقعي هو الإلزام بعد فرض كوني شاكاً، لأني عندما ألزم أي من الطرفين أشك فيه وخصوصية الوجوب ليست معلومة لي فهو مباح لي. ولا ينافي ذلك أي الإباحة الظاهرية الوجوب الأصلي فأعقد قلبي على كلا التكليفين فأعتقد بالحكم الواقعي والظاهري فلا مانع من هذه الناحية فقد يكون بالعنوان الأولي واجباً أو حراماً وبالعنوان الثانوي مباحاً.
نعم، إذا كان مفاد أصل الإباحة أنَّه أصل تنزيلي كالاستصحاب هذا الطرف -أي الحكم المتعلق بهذا الطرف- أعتبره واقعاً فمع التزامك أنه خلاف
ــــــــــ[201]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الواقع هذا لا يكون، ولكن الإباحة إنما تقول أنت في حال الشكّ مخيّر وليس فيها جنبة نظر إلى الواقع.
لسان الاحتياط يقول اعتبر المشكوك متيقناً أي واقعاً. فإذا قلت: إنَّ أحد الطرفين ليس بواجب بالاستصحاب فرفع جنس الإلزام ينافي القدر الجامع الإلزامي وهذا صحيح، ولكن هذا في الأصول الاحرازية ولكن البراءة وظيفة مجعولة في حال الشكّ وليس فيها نظر إلى الواقع.
تفسير آخر للمخالفة الالتزامية وهذا غير ناظر إلى إخطار ضروري كلّ ما عندي أنه كيف يلتزم العاقل بالإباحة بعد علمه بجنس الإلزام، وهذا تناقض عقلي؛ لأنه يعلم بجنس الإلزام ويقول بالإباحة في أحد الأطراف ولكن هذا التزام لا مانع منه كما قال الشيخ: لا مانع من الالتزام بشيء وعقد القلب على خلافه إذا لم يستند إلى كفر بالضروري في المذهب أو الدين
فالجماعة أخذوا كلمة الالتزام من ناحيتين:
ــــــــــ[202]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قالوا: إنَّ الإباحة تناقض الالتزام بالحكم الواقعي؛ لأنها جارية في الطرفين والمحاذير التي ذكر على ذلك ثلاثة فهذه المحاذير:
ــــــــــ[203]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يوجد علم كالاعتقاد بالغيب فنحن نعتقد بالغيب ولكننا غير عالمين بالغيب.
وناقشنا هذا الوجه -الثالث- بأنه:
فالنتيجة أنَّ الالتزام بأيّ معنى فرض لا محذور منه أو المحذور الأساسي هو وقوع الشارع بالتناقض فمع وجود التكليف كيف يحكم بالإباحة وإذا كانت الإباحة من الأصول الاحرازية كالاحتياط فلا يمكن أن يجتمع معها الواقع -إبنِ علي أن هذا هو الواقع- هذا هو معنى الأصول الاحرازية – وأنت تعلم بأن الواقع على خلافه، هذا لا يكون لكن الإباحة ليست من الأصول الاحرازية وليس فيها نظر إلى الواقع فلا تنافي بين الإباحة والحكم الواقعي فأستطيع أن التزم به ولا محذور منه؛ لأن العقلاء قد يعلمون بشيء ويعقدون قلوبهم على خلافه.
ــــــــــ[204]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان الحديث عن كلمة مولانا أمير المؤمنين وقلنا إنها تضمنت الخطوات في معرفة الله تعالى: “أوّل الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به” نفس المعرفة لكن مع تكاملها وهذا التكامل ينشأ من التفات النفس؛ لأنَّ ما بالعرض لا بُدّ أن ينتهي إلى ما بالذات “و كمال التصديق به توحيده” فبنفس التصديق به لا بُدّ أن يصدق أنَّه واحد؛ لأن صرف الوجود لا بُدّ أن يكون واحداً لأنَّ صرف الحقيقة لا يمكن أن تتعدد؛ لأن الحقيقة الواحدة حقيقة واحدة ففرض التعدد وصرف الوجود لا يجتمعان؛ فلذا قال “وكمال التصديق به توحيده“ أي بنفس العقيدة لا بدليل آخر “وكمال توحيده الإخلاص له“، وقلنا معنى الإخلاص ليس بالعبادة فقط بل تنزيهه عن كلّ ما عداه وتوحيده من جميع الجهات التوحيد في وجوب الوجود، والتوحيد في
ــــــــــ[205]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، نفس التأريخ. 2/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأفعال، والتوحيد في العبادة.
والتعبير بالكمال لأنه ترقٍ في المعرفة، فمنتهى التوحيد هو نفي الصفات المتعارفة عنه، لأنَّ وجود الصفة المتعارفة معناه أنها غير الموصوف فيستدعي الاثنينية وكمال التوحيد أن تنفي عنه الصفات الزائدة عنه، وقلنا إنَّ صفاته الكمالية عين ذاته؛ لأنه إذا كان صرف الوجود فالصفات المنتزعة من نفس ذاته قطعاً أكمل من الصفات الخارجة عن ذاته؛ فلذلك لما وجب فيه تعالى أن يكون محض الكمال وأن يكون منزهاً عن كلّ نقص، فيجب أن يكون يحتوي على كلّ كمال وأعلى درجات الكمال هو أن تكون صفاته منبعثة من ذاته وأن صفاته عين ذاته.
ودليل ثانٍ وهو أن نفس الوجود لا يمكن إلا أن يتصف بهذه الصفات فالوجود هو الحياة وهو القدرة، فإذا لم يكن قدرة لم يكن وجود وإذا لم تكن حياة لم يكن وجود كلّ موجود به حظ من الحياة والقدرة والعلم بالمعنى البسيط فالذات متحركة ولو لم تكن عالمة بنفسها -بالعلم البسيط- لما تحركت وكذلك حركة الدم والقلب والمعدة لو لم تعلم بنفسها لما تحركت.
غاية الأمر أنَّ الانتباه لهذا العلم لا يكن إلا للموجودات العالية كالإنسان والملائكة والجن ممن يعلم بعلمه ويشعر بشعوره، والعلم البسيط يعني غير مركّب من علم الشيء وعلمه بعلمه العلم لا يكون إلا بسيطاً ولكن اصطلاح العلم المركّب يعني علمين، علم وعلم بالعلم وكل منهما بسيط فنفس الوجود هو يقتضي أن يكون متصفاً بهذه الصفات.
ــــــــــ[206]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
“وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة وشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف فمن وصفه” بالصفات الزائدة “فقد قرنه” بغيره “ومن قرنه” بغيره “فقد ثنّاه ومن ثنّاه فقد جزّأه” أن التثنية عين التجزئة، فالنكتة في كلام الإمام علي أنه أسند التجزئة إلى نفس التثنية بلا واسطة.
يُستدل على أن التثنية توجب التجزئة بأنه إذا كان هناك إلهين يلزم أن يشتركا بجهة جامعة ويفترقا بجهة مفرقة، فيلزم أن يكون كلّ منهما مركّباً، وهذا الدليل يحتاج إلى واسطة في الاستدلال، لا لأنّ التثنية نفسها توجب التجزئة بدون واسطة، ولو كانت هناك واسطة لبيّنها الإمام، نفس كون أنهما اثنين يوجب تركّب كلٌّ منهما، لا أن التثنية توجب شيئاً وذلك الشيء يوجب التجزئة.
فهو رتب الأشياء ترتيباً فجعل التوصيف تقرين و التقرين تثنية والتثنية تجزئه بدون واسطة، وذلك الدليل صحيح ولكنه يكون بالواسطة في حين أن الظاهر من الإمام من سياق كلامه أن نفس التثنية هي التجزئة.
وهذه الجمل هي من أكبر المعجزات على إمامته؛ لأنّه تربى في ظرف لا علوم فيه ولا فلسفة؛ ولأنّه قضى عمره في الحروب، ولم يدرس في مدرسة، في حين أن الفلاسفة يقضون أعمارهم ليتوصلوا إلى مثل هذا، والسيد الرضي أقل من أن يفهم هذا الكلام فرضاً عن أن يضع مثله.
كيف يكون نفس التثنية تجزئة؟
ــــــــــ[207]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وهذه تدخل في الخطوة السادسة وهي: مسألة الصفات السلبية وكيف أن الله تعالى يتصف بالصفات السلبية.
معنى التثنية يعني أنّه يفرض كلّ من الاثنين موجوداً كامل الوجود واجب الوجود، فنقول: إنّ سلب شيء كامل الوجود عن شيء لا بُدّ أن يكون لجهة عدمية وإلا لما صح السلب.
مقارنة الشيء بأشياء أخرى مرة بشيء دونه ومرة بالمساوي ومرة بأعلى منه. (أ) و(ب) موجودان مرة متساويان في الكمال أو (ب) أكثر كمالاً من (أ) أو أقل كمالاً من (أ)، حينما ننسب الإنسان إلى الفرس ونقول إن الإنسان ليس بفرس، وهذه الليسيّة منتزعة من كمال الإنسان عن الفرس، وأن هذا الإنسان يحتوي على كمال لا يحتويه الفرس، الإنسان ليس بفرس يعني ليس بدرجة النقص التي للفرس يعني هو أكمل من الفرس، فبقياس وجود الإنسان إلى وجود الفرس صحّ أن تنفي الفرس عن الإنسان(1)، فمنبع هذا السلب هو الكمال الوجودي للإنسان.
وإذا قلنا إن الفرس ليس بإنسان فمن جهة أن الفرس لم تبلغ الكمال الموجود للإنسان، فلذلك صح سلب الإنسان عن الفرس(2) فمعنى ذلك أنها اتصفت بأمور عدمية ووجودها لم يبلغ إلى كمال الإنسان، وهذا السلب ليس منبعثاً من وجود الفرس، بل هو من جهة عدمية.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
() في المسودة أن تنفي الإنسان عن الفرس. وما أثبتناه أصح. (المقرِّر).
(2) في المسودة الفرس عن الإنسان وما أثبتناه اصح. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهناك حيثيتان، حيثية وجودية موجودة للفرس وهي لا تستدعي سلبها عن الإنسانية، وإنّما الذي يستدعي ذلك هو نقصان الفرس عن الإنسان، فإذن في الفرس جهتان، جهة وجود وكمال لائق بها وجهة درجة نقصان عن وجود الكمال في الإنسان، والسلب ليس منبعثاً من وجود الفرس، وإلا كان الفرس أكمل من الإنسانية، بل صح سلب الإنسان عن الفرسية لجهة النقص في الفرس وليس من جهة وجودها.
فجهة النقص هي المصحح لسلب الإنسانية عن الفرس، في حين أن المصحح لسلب الفرسية عن الإنسان كان منبعثاً من كمال وجود الإنسان وسلب الفرس عن الإنسان كان منبعثاً عن نقصان الفرس عن الإنسان، فإذن السلب ليس دائماً منبعثاً عن النقصان.
فالنسبة بين وجودين كاملين واجبي الوجود، فلما يكونان اثنين، فالاثنينية قوامها التغاير، فإذا كان بينهما التغاير وكلاهما كامل الوجود وواجب الوجود، فإذا كان هذا يتصف بأنه هو ويتصف بأنّه ليس هذا (وهذا معنى الاثنينية) فمعنى ذلك أنّه اتصف بالنقصان، فجهة السلب موجهة فقدانه للكمال الذي في الآخر، فصار مركّباً.
فنفس الاثنينية تقتضي تجزئة كلّ منهما، أي فرض أنّ له جزءاً وجودياً وجزءاً عدمياً؛ لأنّه فاقد لكمال جهة أخرى، بخلاف إذا كان أنقص منه، فالسلب يكون منبعثاً من نفس جهة الوجود. فهذا جهة الفقدان فيه منتزعة من نفس ذاته، فهو مركّب من جهة كمال وجهة فقدان، فكل شيئين متساويين إذا
ــــــــــ[209]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نُسبا إلى بعضهما لا بُدّ أن يكون به جهة كمال في نفسه وجهة نقصان عن الآخر. إذا قال بوجودين كاملين واجبي الوجود فقد قال بتجزئة كلّ منهما؛ لأنّ كلاً منهما به جهة وجود وجهة سلب؛ لأنّ أحدهما غير الآخر.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا إن الخطوات التي نسير عليها في معرفة الله تعالى سبع:
الأولى: معرفة واجب الوجود كما ذكر مولانا أمير المؤمنين “أوّل الدين معرفته“.
ثم أنه صرف الوجود، إنّيته ماهيته أي لا ماهية له وكل هذه الأبحاث بنيناها على أمور وجدانية واضحة، فمبدأها معرفة العلّة وأن الممكن لا بُدّ له من واجب الوجود لذاته؛ لأنَّ ما بالعرض لا بُدّ أن ينتهي إلى ما بالذات؛ لأنَّك عندما تفرض انقسام الموجودات إلى واجبة وممكنة فإذا كانت ممكنة فليس الوجود الذاتي إذن فوجودها بالعرض، ومن ينكر أنَّ هذه بديهة عقلية ينكر وجدانه ونفسه ولا كلام لنا معه.
فنحن إنما ندرك هذا الأمر أن الممكن بما هو ممكن لا اقتضاء له للوجود ولا للعدم كيف يوجد إذا لم ينته إلى واجب الوجود؟ لأنَّ المجاز لا بُدّ أن ينتهي إلى حقيقة حتى السلسلة غير المتناهية من الموجودات أي لا نهائية فرضتها في
ــــــــــ[211]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الاثنين 4/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الكون؛ لأنَّ اللانهائية من حيث هي ممكنة إلّا اللانهائية في العلل فإنها ممتنعة؛ لأنَّ العلل تكون حينئذٍ ممكنة فمن أين فرضت لها الوجود. والماديون يعترفون بهذه البديهة وإن أنكروها بلسانهم ومقالاتهم فهم لا ينكرون من فرض (كذا) واجب الوجود وراء الأشياء الممكنة والبديهة العقلية تدعونا بأن نجزم بأنَّ الأشياء لا يمكن أن توجد بلا علّة (نكرر هذا الكلام لأنه يجب تأكيده) فهاتان البديهيتان، أي قانون العلية بديهي لا يستغني عنه الإنسان في معرفة نفسه ومعارفه وهو أساس المعارف في الدنيا فنحن أساسنا الاعتقادي يبتني على هذه البديهة الأولية التي لا شكّ فيها ولا ريب، وهو أنَّ الممكنات لا يمكن أن توجد ما لم يكن من ورائها واجب الوجود.
فلما نعترف بأن هناك واجب وجود فلا بُدّ أن لا تكون له ماهية؛ لأنه إذا كان له ماهية كان محدوداً بحد فيدخل في حقيقته العدم ويكون محتاجاً إلى من يحدّده فيكون فقيراً في ذاته ولا يكون غنياً في ذاته إلا إذا كان مطلق الوجود ولا يحدّه أي حد.
توجد غيريّة بين الله تعالى ومخلوقاته لكن لا بمعنى الغيرية التي توجب حدوداً -وانفصالاً- فهو “غير كلّ شيء لا بمباينة“؛ لأنه إذا كان محدوداً يكون محتاجاً ولذلك تقول التثنية توجب التحديد و التحديد يوجب التجزئة يعني تكون فيه جهة عدمية فيكون محتاجاً إلى الكمال لأنَّ كلّ من الموجودين يصدق عليه أنه نفسه ويصدق عليه أنه غير ذاك يعني أنه ناقص عن ذلك وفاقد لجهة الكمال التي في الآخر.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كل الصفات السلبية ترجع إلى صفة واحدة وهي الإمكان وهو أي الإمكان عدم الضرورة فسلب العدم إيجاب، سلب السلب إيجاب وهذا الإيجاب يعني الضرورة يعني الكمال أما إذا كان سلباً للوجود كان ناقصاً وكان مجزءاً وهذا معنى الاثنينية.
سلب الأشياء الممكنة عن الله تعالى هو عين التوحيد يعني يسلب عن حدودها العدمية وسلب العدم إيجاب وليس هو سلباً للوجود، والسلب للوجود هو الذي يوجب التثنية والتجزئة وهذا أي سلب الممكنات ليس معناه سلب الموجودات بل سلب الحدود العدمية.
ومن كمال وجوده أن تسلب عنه النقائص وإنما تلزم الاثنينية والتجزئة إذا فُرض كلاهما كاملان في الوجود؛ لأن كلّاً منهما يُفرض كامل الوجود وأنه ناقص عن الآخر فيدخل في ذلك العدم ويكون محتاجاً إلى كمال الآخر.
فلا بدَّ أن لا يكون له ماهية ولا يكون له حد يعني يشمل كلّ شيء فكل شيء فيض وجوده وإنما تسلب عنه الممكنات لا بمزايلة كلّ مرتبة ناقصة بما هي ناقصة هي غير الله تعالى، فالغيرية حقيقية فهو ليس هو هو ايّاها (كذا) ولكن في نفس الوقت لا يوجد فاصل بحيث يكون صرف الوجود محدداً.
ووحدة الوجود الذي يقول به المتصوفة باطل لأنه بمقتضاه تكون المخلوقات هي الله تعالى فنحن نقول بتعدد الوجود والموجود، وباتحاد الوجود والموجود فإذا قطعنا النظر عن الخصوصيات فلا موجود ولا وجود إلّا لله. وإذا نظرنا إلى الخصوصيات فالموجودات متكثرة، فنحن نقول إنَّ وحدة
ــــــــــ[213]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الوجود وبقول المتصوفة باطل بل بهذا المعنى لا واجب بذاته إلا الله تعالى ولا موجود بذاته إلا الله تعالى والمخلوقات متبائنة بحدودها وخصائصها وليست متبائنة بوجودها.
نور الجدار هو نور الجدار بلا مجاز ولا تجوّز وهو نور الشمس بلا مجاز ولا تجوّز بلا زيادة في نور الشمس ولا نقصان منه فهو نور الشمس ونور الجدار بلا مجاز في كلّ منهما(1) فواجب الوجود لذاته هو كلّ الأشياء هو مع الأشياء هو أقرب إلى الأشياء من حبل الوريد.
المرحلة الثانية: أنه صرف الوجود.
المرحلة الثالثة: أنه واحد لا يمكن أن يتكرر؛ لأنه حقيقة الوجود -والحقيقة لا يمكن أن تتكرر- ؛لأن الواحد لا يتكرر ولا يمكن أن يكون اثنين.
الرابعة: أنه لا بُدّ أن يكون متصفاً بجميع صفات الكمال.
والمرحلة الخامسة: أنَّ صفاته عين ذاته.
والسادسة: الكلام في الصفات السلبية:
من أنها نفي صفة الإمكان والإمكان هو سلب الضرورة وسلب السلب إيجاب ولا يمكن أن يتصف الله تعالى بالسلب؛ لأنَّ ما هو صرف الوجود لا
ــــــــــ[214]ــــــــــ
() وقد سألته: بأنَّ هذا النور أولى بأن يضاف إلى الشمس من أن يضاف إلى الجدار؟ فأجاب: لأنَّ الشمس هي علّة النور وكل شيء يضاف إلى العلّة فإضافته إلى العلّة أولى من إضافته إلى المعلول فمن نقصان النور الذي في الجدار يقال إنه نور الجدار لا بما هو نور الشمس. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يعقل أن يدخل في حقيقة العدم الذي هو نقيضه وإلا لما كان صرف الوجود. فهو إذن لا يمكن أن يتلبس بأيّ صفة عدمية وصفاته العدمية ليست سلباً لكمال وجود آخر ولا تلزم الاثنينية ولا التجزئة، وإنما هي سلب نقائص وسلب السلب ايجاب فسلب الجسمية والحركة هي في الحقيقة ترجع إلى سلب النقائص وسلب الحدودات الممكنة ومبعثها صفة الإمكان، والإمكان هو سلب الضرورة وسلب السلب إيجاب فهو معنى الضرورة فليس معنى سلب هذه الصفات أنه نقص في كماله بل كماله هو الذي ينتزع منه هذه الصفات ويستحيل أن يتصف بصفات عدمية.
ولذلك تعجبنا من قول الصدوق من إرجاع الصفات الثبوتية إلى سلبية؛ لعدم تعقله أنها نفس ذاته على أساس أنها لا يلزم منها ثلم الوحدة في حين أنها تثلم الوحدة؛ لأنها تكون أعداماً داخلة في ذاته ويلزم تركّب الشيء من وجود وعدم فيكون مركّباً.
وهذه السلوب أي الصفات السلبية إنما هي سلوب النقص لأن فرض وجوده فرض كونه لا يتصف بهذه النقائص وبذلك يكون محض الوجود.
السلوب قد تكون سلب كمال ولا يعقل أن يتصف به؛ لأنه يلزم منه التركيب والسلب الذي يصح إسناده إليه إنما هو سلب النقائص الذي يرجع إلى سلب السلب وهو ايجاب.
المرحلة السابعة: الصفات الكمالية.
علمه وقدرته وحياته التي هي أساس في العقيدة الإلهية وهي -محل-
ــــــــــ[215]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الافتراق بين الموحدين والملحدين فإنهم -أي الملحدين يعترفون بواجب الوجود وإن أنكروها بأقوالهم- يعترفون بأن هناك وراء الكون واجب وجود بعضهم يسميه مادة وبعضهم يسميه طبيعة وبعضهم يسميه (الله) تعالى لكن يغفلون عن خواص واجب الوجود بحيث يتم كونه واجب الوجود.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا في دوران الأمر بين المحذورين إنه لا يمكن للشارع أن يجعل أصالة التخيير والإباحة الظاهرية لوقوع التناقض منه؛ لأنَّ علمي بجنس التكليف لا يجتمع من كون الشارع يقول لي أنت مخيّر أن تفعل أو تترك؛ لأنَّ أصالة الإباحة متكفلة لبيان الطرفين (الفعل والترك)، وكلاهما يكون ملحوظاً للجاعل وهذا لا يلائم مع العلم بجنس التكليف وهذا ما يعبر عنه الشيخ بانخفاض رتبتها.
أما المخالفة الالتزامية التي تقول: إنَّ علمك بجنس التكليف مع التزامك بالإباحة الظاهرية لا يجتمعان، فالمانع هو وجود التزام على خلاف العلم الذي عندك فإن كان يؤدّي إلى إنكار ضروري من ضروريات الدين فهو ينتهي إلى الكفر، أو يؤدّي إلى إنكار ضروري في المذهب فيؤدّي به إلى الفسق.
والاشكال في الجواب أنه ما المانع بأن التزم بجنس التكليف وبالإباحة فهي ترفع لي نوع التكليف فتقول: التكليف ليس وجوباً ولا حرمة -من حيث
ــــــــــ[217]ــــــــــ
(1) الأصول، (فوائد الأصول ص163)، السيد محمد تقي الحكيم، 6/12/1961.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إنها متعرضة للطرفين- فأنا التزم بوجود شيء في الواقع والتزم بالإباحة الظاهرية.
نعم، لو كانت الإباحة من الأمور(الأصول) التنزيلية اعتبر هذا هو الواقع فهو ينافي علمك بجنس الإلزام، ولكن الإباحة ليست من الأصول التنزيلية، فلا تنافي بين الإباحة الظاهرية والتكليف الواقعي.
وقيل وهذا تفسير آخر للمخالفة الالتزامية: أنت كعاقل من العقلاء كيف تعلم بجنس الإلزام وتعمل بخلافه قلنا هذا لا مانع منه إذا لم يرجع إلى إنكار الضروريات في الدين وإلى تحدي الشارع المقدس.
ولا يوجد مانع عقلي من أن التزم بخلاف علمي وبين العلم والاعتقاد عموم من وجه فيجتمعان في معرفة الله تعالى، وقد يكون اعتقاد ولا علم كما إذا تعبّد -المكلفّ- بالخبر الواحد – فهو يعقد قلبه على الالتزام بها مع كونها ظنية. وقد يكون اعتقاد ولا علم وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ(1) أما إذا رجع إلى إنكار ضروري فصحيح ولكن بدونه لا مانع منه.
فإذن جريان أصالة الإباحة لا مانع منه في هذه النواحي.
وعند الشيخ -النائيني أنها- لا تجري للزوم التناقض وهو السبب الوحيد المانع لجعل الإباحة؛ لأنك تعلم أنك إما أن تفعل أو تترك فكيف يقول -لك-: لك أن تفعل أو تترك لعدم انخفاض رتبتها من العلم.
بالنسبة إلى البراءة هل يستطيع الشارع أن يجعل البراءة كلّ الموانع السابقة
ــــــــــ[218]ــــــــــ
(1) النمل: 14.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
غير جارية هنا والبراءة متعرضة لأحد الطرفين؛ لأنها ترفع خصوصية الوجوب لا جنس التكليف فهي لا تتعرض إلى الطرفين فقط تقول: لك مؤمّن في البين، فالإلزام بالترك هو الذي ترفعه البراءة فإذا أجريتها في جانب فإنها لا تنظر إلى الجانب الآخر.
فإشكال التناقض ارتفع؛ لأنه إنما يكون التناقض بالدلالة المطابقية أما في البراءة فهي تقول إذا شككت فلا وجوب وأنا عالم بجنس التكليف الذي هو أعم من الوجوب والحرمة فيمكنك أن تجريها في الطرفين كلّ على حدّة، ولكن إجراء البراءة في كلا الطرفين لا يمكن لوجود التناقض بين مفاد البراءتين والعلم بجنس التكليف، فمن حيث جعل الشارع لا تناقض ولا انخفاض في الرتبة؛ لأن المحل محل براءة (في حين أن التخيير منخفض رتبة بجنس التكليف عن العلم فالخصوصية هي المدفوعة بواسطة إجراء أصل البراءة عنك أي نوع التكليف لا جنس التكليف.
وفي المرحلة الثانية وهي: مرحلة إجراء المكلفّ لأصل البراءة في كلا الطرفين فتحدث إباحة في الطرفين، وهذا يناقض العلم بأصل التكليف، البراءة تقول خصوصية الوجوب مرفوعة عنك ولا تقول لا يوجد جنس إلزام بل مجرد خصوصية وجوب لا توجد، نعم لو أجريتها في كلا الطرفين فإن ذلك يناقض العلم بجنس الإلزام ولكن البراءة بما هي براءة لا تناقض العلم بجنس الإلزام ؛لأنها تجري في طرف واحد ومفادها غير مفاد أصالة الحل والإباحة فلو أمكن إجراء البراءة في أحد الطرفين لجاز.
ــــــــــ[219]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نعم من ناحية المخالفة الالتزامية الإشكال هل يأتي هنا؛ لأنّي أعلم بجنس الإلزام وهو يناقض إجراء البراءة في كلا الطرفين -الجواب- ولكنّي لا أقول أنه لا وجوب ولا حرمة واقعاً بل اعترف بجنس الإلزام مع ذلك ارفع خصوصية كلٍّ من الوجوب والحرمة بإجراء أصل البراءة في حالة الشكّ وليس في هذا تحدّي للمولى.
فلا يوجد تناقض من ناحية الشارع ولا انخفاض رتبة؛ لأنها أي البراءة ترفع نوع التكليف أي خصوصية طرف واحد؛ لأنَّ الشارع يقول: الشيء الذي لا تعلم به مرفوع عنك، فأنت تعلم بجنس الإلزام فهو غير مرفوع ولكنّك تشك في الخصوصية خصوصية الوجوب أو خصوصية الحرمة فتكون مرفوعة فهي ترفع نوع الإلزام لا جنس الإلزام.
وأنا إذا أجريتها في كلا الطرفين لزم التناقض ولو أجريتها في أحد الطرفين لما تناقض، و لكن هذا من عملي لا من عمل الشارع فالتناقض في إجراء أصالة الحل يكون في عالم جعل الشارع وهنا من ناحية الإجراء أي إجراء المكلفّ لأصالة البراءة.
والمخالفة الالتزامية إن أنهتك إلى مخالفة عملية فهذا منهي عنه، أعلم أنَّ هذا إما واجب أو حرام ثُمّ أجري البراءة في الطرفين فأنا أقع في مخالفة عملية أي خالفت الشارع في مقام العمل، فلذا يقولون في العلم الإجمالي إنَّ الأصول لا تجري إذا كانت هناك مخالفة عملية.
ففي مقامنا هذا هل تلزم المخالفة العملية؟ نقول: لا تلزم؛ لأنّي إما أن
ــــــــــ[220]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أفعل أو اترك ولا يمكن في واقعي أن أخرج عن أحدهما من كليهما؛ لأن الفرض هو الدوران بين المحذورين وإنما تلزم المخالفة العملية أن أترك كليهما أو أفعل كليهما في صورة إمكان ذلك وهنا لا تعلم بمخالفة تكليف -معيّن- في البين وإنما المخالفة العملية تأتي إذا كان لي إلزام في الوجوب فتركت الطرفين أو في الحرمة ففعلت الطرفين فالأصول حينئذٍ لا تجري، و لكن هنا أما أن تفعل أو تترك فإجراء الأصلين لا يجرّ إلى مخالفة عملية، فأنت على كلّ حال تحتمل الموافقة وليس هناك علم بعدم الموافقة.
العلم بجنس الإلزام معناه التردد بين الفعل والترك والواقع التكويني يقتضي بدوره ذلك ومجرد كوني أتيت بأحد الطرفين لا يحدث لي علم بمخالفة الإلزام الواقعي الذي أعلم بجنسه فما عندي -إذن- مخالفة عملية تمنع من تنجّز العلم الإجمالي.
والبراءة ليست من الأصول التنزيلية -وليس فيها نظر إلى الواقع- فاستطيع أن أجري البراءة لارتفاع كلّ الإشكالات السابقة.
وقال الشيخ ما الفائدة من إجراء البراءة؟
فالبراءة العقلية (قبح العقاب بلا بيان) فأنت لأنك عالم بجنس الإلزام لا يتنجز عليك شيء؛ لأن الواقع التكويني -يقتضي- إما أن أفعل أو أترك فأنا لا أحتمل العقاب؛ لأنّي لا أعلم بمخالفة التكليف فابتداءً أنا قاطع أنَّ العلم الإجمالي لا ينجّز عليّ التكاليف؛ لأنَّه لا بُدّ أن يوصل إليّ العلم بالتكليف ولو إجمالاً وهنا ليس عندي علم.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والبراءة الشرعية “رفع عن أمّتي ما لا يعلمون” فقد قيل إنَّ رفع الشيء وليد وضعه وفي المقام لا يستطيع الشارع أن يضع الطرفين؛ لأنَّ التكوين يستلزم ذلك فلا يستطيع الشارع أن يرفع الطرفين.
لا يمكن أن أعلم بأنَّ هناك وجوب وحرمة أو أنَّ هناك تخيير بينهما والرفع إنما يكون بعد الوضع وأنا يستحيل هنا أن أعلم بوجود حرمة ووجوب في نفس الوقت فلا يمكن أن يرفعها الشارع؛ لأنّي إنما أجري حديث الرفع بعد العلم بوجود التكليف ومع عدم إمكان الوضع لا يعقل الرفع.
فنحن(1) لا نستطيع أن نجري كلاً من البراءة الشرعية والعقلية أما العقلية فإنّي إنما أجريها؛ لأني احتمل العقاب فإذا لم احتمل العقاب لا يمكن جريانهما لعدم القطع بالمخالفة لجنس الإلزام فلا أحتمل عقاباً لأن الواقع التكويني غير خارج إما عن الفعل أو الترك وجنس الإلزام يستلزم ذلك أيضاً. فالقاعدة لم تفعل شيئاً لأني بإجراء أصالة البراءة لن يزيد عن كونه إما أفعل أو أترك وهذا ما هو حاصل بالطبع التكويني فلا استطيع أن اقطع بمخالفة التكليف، فالعلم الإجمالي لم يولّد لي تكليفاً، أي لم يتنجز عليّ.
والبراءة الشرعية: الرفع وليد إمكان الوضع، والشارع لا يمكن أن يضع وجوب وحرمة في آنٍ واحد، وهو مستحيل على نحو الاستقلال. وعلى نحو التخيير (إما أن تفعل أو تترك)؛ لأنه يستلزم التناقض أي تناقض التخيير مع الحكم الواقعي. فلا معنى للرفع، لا معنى لأن يرفع عنّي ما لا يمكن وضعه
ــــــــــ[222]ــــــــــ
() إعادة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عليّ؛ ولأنّ الرفع والوضع من الأمور المتضايفة التي لا يمكن أن يجتمعا ولا أن يرتفعا معاً. فالمانع من إجراء البراءة ليس هو كلّ ذلك، بل المانع أنّها لا مسرح لها في هذا الموضوع، لا البراءة الشرعية ولا العقلية.
ــــــــــ[223]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كنا نتحدث عن دوران الأمر بين المحذورين، هل يمكن فيه جعل الأصول الشرعية أو العقلية عند العجز عن الشرعية.
أما التخيير الشرعي فلا يمكن جعله؛ للزوم التناقض من قبل الشارع لأنّ جعل التخيير ينافي جعل الإلزام بأحدهما، فهو يقول أنت ملزم بأحدهما، ويقول أنت مخير، فيناقض نفسه.
وأمّا التخيير العقلي فلا يمكن أيضاً؛ لأنّه لا بُدّ أن يكون هناك ملاكان متمايزان، فالعقل يقول إنّك لا بُدّ أن تحرز أحدهما، أما إذا كان الملاك مجهولاً
-كما في صورة مسألتنا هذه- فالعقل لا يُلزم باتباع أحدهما؛ لأنّه لا هذا ولا هذا معلوم، فعلى أي الملاكين يأمرني العقل بأن أحافظ.؟
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، السبت 9/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فما عندنا إلا التخيير التكويني الفطري، أي لا مندوحة من الفعل أو الترك، فالجماعة يقولون إنَّ التخيير هنا فطري.
أمّا الإباحة: فالجماعة يقولون: بأنّها لا تجري من جهة المخالفة الالتزامية، وقلنا: إنّ المخالفة الالتزامية لا أثر لها؛ لأنّ الإنسان يستطيع أن يؤمن بجنس الإلزام ويؤمن بالإباحة الظاهرية المجعولة في حال الشكّ، ولا يلزم من ذلك إنكار ضروري.
أمّا البراءة فيقتضي أن تجري؛ لأنّ الموانع مفقودة؛ لأنّه لا يوجد تناقض شرعي؛ لأنّ الإباحة تلخص الطرفين، بينما البراءة ترفع لي خصوصية طرف واحد، إمّا الوجوب أو الحرمة. نعم، بعد جريانها في الطرفين يقع المكلفّ بالتناقض بالدلالة الالتزامية، فليس هو أي الوقوع بالتناقض بالدلالة الالتزامية من جهة الشارع.
فإذا قلنا إنّ المخالفة الالتزامية لا مانع منها، فيقتضي أن نقول لا بأس بها
-أي لا بأس بإجراء البراءة في أطراف الدوران بين المحذورين- إن لم تكن هنا مخالفة عملية، وهي غير موجودة؛ لأنّه -أي المكلف- لا يمكن أن يقطع بالمخالفة.
وهنا البراءة العقلية لا مسرح لها؛ لأني لا احتمل وجود عقاب حتّى أُجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنّ العلم الإجمالي غير منجز؛ لأنّي لا استطيع أن أخالف قطعاً ولا أن أوافق قطعاً، فالعلم الإجمالي وجوده وعدمه سواء، فلا أحتمل عقاباً حتى أدفعه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وأمّا(1) البراءة الشرعية؛ فلا تجري لأنّ الرفع والوضع من باب الملكة والعدم، فالشيء الذي يمكن أن يوضع يمكن أن يرفع، والشارع لا يستطيع أن يجعل كلاً من الوجوب والحرمة، فلا يستطيع أن يرفعهما، فمادام لا يمكن أن يجعل كلا الحكمين فإذن لا أثر لرفعهما؛ لأنّه إنّما يرفع الشيء الذي يمكن أن يضعه، فرفع عن أمتي ما لا يعلمون ليس لها مسرح.
إذن ما عندي براءة شرعية ولا عقلية.
والاستصحاب هل يمكن جريانه(2)؟
ــــــــــ[226]ــــــــــ
() في المسودة من البراءة.. الخ. (المقرِّر).
(2) أنظر التكملة في دفتر الملاحظات العامة: السادس. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نستعرض المحاذير السابقة واحداً واحداً، أمّا المحذور الأول فمرتفع؛ لأنّ الشارع يستطيع أن يجعلهما علماً معاً ولا يقع هنا الشارع في تناقض؛ لأنّه -أي الاستصحاب- يرفع خصوصية طرف واحد، ولا يرفع جنس الإلزام حتى يقع في تناقض، و لكن إذا أجريت الاستصحاب في الطرفين يقع الشارع في تناقض باللازم.
والاستصحاب من الأصول التنزيلية، يعني: أعتبر هذا هو الواقع، فأنا أبني على عدم الوجوب وعلى عدم الحرمة(2) ينافي العلم بجنس التكليف الذي يقول بأنّ أحدهما هو الواجب، بينما الاستصحاب يقول إنَّ الواجب هذا وهذا(3)، وهذا يرجع إلى مخالفة جنس الإلزام، فيلزم منه إنكار ضروري في
ــــــــــ[227]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامة السادس. (المقرِّر).
(2) اقتضى إضافة لفظ (عدم) قوله في الكتاب (فإنّ البناء على عدم وجوب الفعل وعدم حرمته كما هو مفاد الاستصحابين… الخ). (المقرِّر).
(3) مقتضى الاستصحابين نفي الطرفين لا إثباتهما، كما ورد في الكتاب، والظاهر أنّ هذا سهو من المدرس حفظه الله تعالى. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الدين؛ لأنّ جنس الإلزام مردد بين الاثنين، والاستصحاب يجمع بينهما، فمن حيث المخالفة الالتزامية يقولون إنّها موجودة.
أما محذور المخالفة العملية فغير موجود؛ لأنّ المخالفة القطعية غير موجودة. فابنِ على أنّ الواقع هو الوجوب والحرمة يتنافى مع العلم بجنس الإلزام، وهذا هو المانع من جريان العلم الإجمالي لا المخالفة القطعية؛ لأنّ المخالفة القطعية غير محرزة؛ لأنّك مجبور على (إما أن تفعل أو أن تترك). فالمخالفة الالتزامية هي المانع؛ لأنّ الشارع -حينئذٍ- يتناقض مع نفسه؛ إذ يقول بمقتضى جنس الإلزام -أنّ المطلوب- إما هذا أو هذا، ثُمّ يقول بمقتضى الاستصحاب هذا وهذا.
الإباحة تقول إنَّ هذا مباح لك واقعاً، والاستصحاب يقول اعتبره واقعاً، ورتب الأثر على الواقع، لا بمعنى أن الواقع اختلف أو تغيّر، كما في دليل الإباحة الذي يحول الواقع من وجوب إلى إباحة، (فاعتبره واقعاً) ليس معناه كاشفيته أي الاستصحاب عن الواقع، فالشارع لم يتناقض على نفسه واقعاً بل فقط يلزمني بخلاف الواقع فتكون مخالفة التزامية تديّنية.
فعلى هذا، الاستصحاب يلزم من جريانه مخالفة التزامية تديّنية؛ لأنّ التزامك بأنّ هذا هو الواقع ينافي علمك بالواقع، والشارع لا يقع في تناقض؛ لأنّه لم يقل إنَّ هذا هو الواقع بل قال فقط: اعتبر هذا هو الواقع.
والمخالفة العملية غير موجودة؛ لعدم إحراز المخالفة القطعية في مقام العمل والعلم الإجمالي غير منجز؛ لأنّه لا بُدّ أن نُجري كلا الاستصحابين في
ــــــــــ[228]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كلا الطرفين؛ لعدم إمكان ترجيح أحدهما بلا مرجح، فنقع في مخالفة قطعية في مقام الالتزام.
الجماعة يستدلون بروايات مفادها التخيير بين الأخبار (بأيهما أخذت وسعك) فالمراد بالتخيير هناك التخيير إما بالمسألة الأصولية أو الفرعيّة.
أمّا في الأصولية: فإنّه يتخيّر بين الروايات ثُمّ لا يمكنه أن يتخيّر مرّة أخرى؛ لأنّ ما يختاره يجعله باختياره له حجّة، والآخر لا يكون حجّة، فلا يمكن أن يعدل إلى ما لا يكون حجّة؛ لأنّ الأمر دائر بين حجّة ولا حجّة؛ لأنّه يعلم بكذب أحد الروايتين، فالشارع قال أيهما تأخذه فهو حجّة، فلا يجوز أن تعدل إلى الآخر، والمسألة الأصولية ترجع إلى وظيفة المجتهد لا العامي ولا المستفتي؛ لأنّ العامّي لا يستنبط.
والمسألة العملية هو التخيير الذي ينتهي إليه الإنسان في مقام العمل، والتخيير استمراري في هذا المقام، كالتخيير بين القصر والتمام في المواطن الأربعة.
في المسألة الأصولية التخيير لا يكون استمرارياً، والذي يفيدك فيه هو المجتهد لا العامي.
وفي المسألة الفقهية التخيير استمراري، وهي وظيفة العامي.
فالتخيير في المسألة الفقهية استمراري لا أني إذا اخترت التقصير مرّة فلا بُدّ أن أقصر دائماً، والتخيير في المسألة الأصولية ابتدائي؛ لأنّه بعد أن أختار إحدى الروايتين تعيّنت عليه الحجّة، فلا يمكن أن يعدل عنها إلى اللا حجّة.
ــــــــــ[229]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في المسألة الفقهيّة الترديد في الواقع موجود، وفي المسألة الأصوليّة الترديد موجود بالنسبة إلى المجتهد نفسه لا في الواقع؛ لأنّ أحدهما أي الروايتين هو الصادق، والثاني كاذب، فالشارع جعل لك التخيير.
وهذا التخيير إذا أردنا أن نطبقها أي قاعدة التخيير على دوران الأمر بين المحذورين، فهل يفيدنا ذلك؟ الشيخ يقول إنّه لا يفيدنا؛ لأنّه أي الدوران بين المحذورين، دوران استمراري لا ابتدائي، فالتخيير في المسألة الأصولية لا ينطبق عليّ؛ لأنّ التخيير في المسألة الأصولية تحوّل بعد الاختيار إلى تعيين، والكلام أنّ الترديد دائمي وأنت عالم بجنس الإلزام، فالمسألة الأصولية خلاف فرض مسألتنا.
والتخيير في المسألة الفقهية هل الشارع يستطيع جعله؟ وهذا يختلف بين صورتين:
فإذا أمكنت المخالفة القطعية فجعل التخيير ممكن؛ لأن الشارع يستطيع جعل أحدهما على نحو التخيير لأنَّه هناك -أي في صورةٍ لا يمكن فيها المخالفة القطعية- لا يستطيع أن يجعل لي التخيير للزوم اللغوية؛ لأنَّ التكوين يلزم
ــــــــــ[230]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بذلك وهنا عندي في الواقع التكويني حدّ ثالث فالشارع يستطيع أن يجعل التخيير في المقام
فلو أمكن حمل الروايات على المسألة الفقهية في صورة التعبديات فالتخيير الشرعي لا بأس به ولا محذور لغوية فيه.
ــــــــــ[231]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كنا نتكلّم في دوران الأمر بين المحذورين؟ وعدم إمكان جعل التخيير والبراءة والاستصحاب بين الاطراف؛ لأنه إما لا جدوى فيه أو يوجد مانع عقلي منه.
وهذه القاعدة التي أعطيناها أن العلم الإجمالي في صورة دوران الأمر بين المحذورين لا يكون له أثر هل نستطيع أن نجريها إذا كان أحد الاحتمالين أقوى من الآخر؟ فهذه الزيادة في الاحتمال ترجح الوجوب على الحرمة؛ لأنَّ الوجوب مظنون والحرمة متوهّمة أو قد يكون الوجوب مهماً في نظر الشارع والحرمة صغيرة ضئيلة.
ففي الصورة الأولى: المحتمل بمقياس واحد عند الشارع ولكن الاحتمال نفسه أقوى.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول الامر الثاني، ص164)، السيد محمد تقي الحكيم، الأربعاء 13/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والثانية: ناحية المحتمل أقوى أي لو قدر لهذا الوجوب أن يكون هو المتوجّه إليه لكان من أعظم الواجبات والحرمة ضئيلة فهل يقدّم الأقوى على الأضعف أخذاً بقاعدة دوران الأمر بين التخيير والتعيين.
هناك كنّا نقول يقدّم المعيّن؛ لأن المعيّن قدر متيقن حجة إما لكونه طرفاً للتخيير وإما لأنه الحجّة الوحيدة، فالحجة تكون مطلوبة منّي إما وحيدة أو بكونها طرفاً للشك، و ذلك كتقليد الميت والحي فإن تقليد الحي متيقن وتقليد الميت مشكوك فمتى عرفت الأهمية في أحد الأطراف يقول العقل إئت به، وهو مسقط لما في الذمة إما وحده أو مع غيره والثاني إذا جاء به المكلفّ منفرداً لا يسقط.
فهل ينطبق هذا على موردنا إذا كان الوجوب أرجح أو الواجب أرجح؟ عندي علم بجنس التكليف مردد بين الحرمة والوجوب وجانب الوجوب أرجح عندي فقوة الاحتمال ربما يقدّمه على جانب الحرمة، أو جانب المحتمل قد يكون أقوى كقوة الواجب وصغر المحرم فيدور الأمر بين أن يكون المعيّن عليّ الوجوب أو الأعم منه ومن الحرمة، فهل ينطبق هذا على قاعدة دوران الأمر بين التعيين والتخيير أو لا فهل قوة الاحتمال أو المحتمل يعين طرف الأهمية؟
جماعة قالوا يتعيّن عليّ، آخرون أعطوا مقياساً للتعيين، الشيخ أنكر أن تكون هذه المسألة من صغريات تلك المسألة؛ لأنَّه هناك العلم الإجمالي نجّز عليّ تكليفاً، ويدور الأمر بين معلوم ومحتمل وتقديم المعلوم أولى وهنا الخطاب
ــــــــــ[233]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
توجّه بجنس التكليف وهو لا أثر؛ لأنَّ الشارع لا يستطيع أن يجعل التخيير للزوم التناقض إذن فهذه المسألة ليست من صغريات تلك المسألة.
والسرّ واضح؛ لأنَّه هناك التكليف نجّز عليّ شيئاً وهنا العلم الإجمالي وجوده وعدمه سواء؛ لأنه لا مسرح للبراءة ولا الاحتياط ولا التخيير غاية الأمر عندنا تخيير طبعي فالعلم لم ينجز عليّ شيئاً حتى أقول إنَّ محتمل الأهمية يُقدّم، هناك أعلم بالأهمية تفصيلاً فإذا أتيت به -أي بالأهم- أسقطت التكليف؛ لأنه -مطلوب- إمّا وحده أو مع غيره والطرف الآخر لا يُسقط التكليف؛ لأنه لو كان مطلوباً -فامتثاله- لا يُسقط -امتثال الطرف المتعيّن، وهنا خصوصية الوجوب أو الحرمة غير معلومة لتقول أنَّ هذا مسقط يقيناً.
إنما ينحل العلم الإجمالي إذا انحلّ إلى علم تفصيلي وشك بدوي كدوران الأمر بين التخيير والتعيين وهنا أقوائية الاحتمال لا تعيّن أنَّه واقعاً توجّه التكليف عليك به فالعلم الإجمالي لم ينحل فما زلتَ متردداً فهذه المسألة لا تنتظم في قاعدة دوران الأمر بين التعيين والتخيير؛ لأنَّك لو أتيت بالأهم لا تعرف أنه مسقط للذمة لأنَّ الأقوائية إنما تؤثّر إذا نجّزت لي التكليف ولكن هنا فقط يوجد ترجيح واحتمال ولا أثر لها أي الأقوائية؛ لأنَّها لم تعيّن التكليف ولا أزال مردداً بين الوجوب والحرمة.
الجماعة حاولوا أن يرجّحوا الطرف الآخر إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة يقولون إن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة فإذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة فالوجوب يولّد مصلحة والحرمة تولّد مفسدة فيكون
ــــــــــ[234]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ترجيح جانب الحرمة أولى من ترجيح جانب الوجوب.
فهل تكون مسألتنا هذه أي دوران الأمر بين المحذورين صغرى لهذه المسألة وهي أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة.
ولنا فيها عدّة مناقشات وهي ما يلي:
نعم، في صورة التساوي يمكن أن يأتي هذا الاحتمال لا في صورة ترجيح المصلحة على المفسدة وحتى في صورة التساوي فنحن نجد التاجر يُقدم على الصفقة مع أنه يحتمل أنه يخسر 50 دينار أو يربح 50 دينار ونجده يبذل الأموال الطائلة لأمور معنوية.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
التكاليف مصلحة شخصية بل فقط نوعية فهل تقول إنّها أي المقصود من المصلحة والمفسدة ما هو -أعم- من النوعية والشخصية؟ فقد يقال إنَّ ذلك صحيح بالنسبة إلى الشخصية، ولكن بالنسبة إلى النوع نتساءل هل دفع المفسدة عن النوع أولى من جلب المصلحة إليه.
فهذه القاعدة لو تمّت فهي في المصالح والمفاسد الشخصية لا النوعية إلا إذا عادت المصالح النوعية بالنفع إلى نفسه وقلنا إنه قد لا يستفيد من المصلحة؛ لأنه غني يعطي الزكاة ولا يأخذ منها.
وعلى هذا في دوران الأمر بين المحذورين عندي تخيير تكويني فقط والعلم الإجمالي لا ينحل سواء كان أحد الاحتمالين أرجح أو لا.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قالوا في دوران الأمر بين المحذورين أن هناك أربع صور:
أما في صورة كونهما توصليين فإني لا استطيع أن أخالف بصورة قطعية. وإذا كان أحدهما توصلياً والآخر غير المعيّن تعبدياً فأنا لا أعلم أيهما التعبدي ولم ــــــــــ[237]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول الأمر الثالث ص165)، السيد محمد تقي الحكيم، الخميس 14/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
آت به فمخالفته القطعية غير ممكنة فحاله حال الأول.
وتمكّن المخالفة القطعية في حال كونهما تعبديين في صورة الإتيان بالفعل بدون قصد قربه فعندي مخالفة قطعية إما للوجوب أو للحرمة؛ لأني إما مكلّف بالإتيان أو بالترك وكلاهما لا بُدّ أن يكونا بقصد القربة فلا يدخل في دوران الأمر بين المحذورين لأنَّ المخالفة القطعية فيه ممكنة.
وكذلك تمكن إذا كان احدهما المعيّن تعبدياً وهو إتيان الفعل خالياً من قصد القربة؛ لأني خالفت الأمر بالإتيان بالفعل متقرباً وخالفت الأمر بالترك لأنّي أتيت بالفعل.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
مسألة أخرى: أنَّ التخيير الجبلّي الذي ذُكر في دوران الأمر بين المحذورين هل هو ابتدائي أو استمراري كما إذا شككت أن النذر الذي صدر منّي قطعاً هو السفر يوم الجمعة أو عدمه، فمرّة تكون له جنبة استمرارية بمعنى يعم كلّ يوم جمعة وأخرى أسلط نظري على خصوص الجمعة القادمة.
ففي الصورة الثانية: لا معنى لأن يقال إنه تخيير ابتدائي أو استمراري لا أثر له -أي للتخيير- لأنه شيء معيّن لا يتحمّل إما الفعل أو عدمه.
والصورة الأخرى: أنه صدر منه نذر على كلّ جمعة فهل تمكّن(1) المخالفة القطعية والموافقة القطعية فهل التخيير مستمر في كلّ جمعة أم أنه إذا اختار الترك أو الفعل يستمر عليه؟
ما هو الأثر العملي على هذا النزاع؟ الجماعة يقولون إذا قلنا بالتخيير الاستمراري فسوف يقع -المكلفّ- بالمخالفة القطعية حتماً بعد مرور عدّة أسابيع؛ لأنه إن كان التكليف هو السفر فقد خالفه وإن كان عدمه فقد خالفه أما إذا بقي على أحدهما فهو دائماً في موافقة احتمالية.
فهل المخالفة الاحتمالية مقدمة على المخالفة القطعية هل الأفضل أن ــــــــــ[239]ــــــــــ
() في المسودة تجب المخالفة…الخ. وهذا أوفق بالمراد. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يخالف ويوافق قطعاً أم أن يبقى متأرجحاً يحتمل الموافقة والمخالفة؟
بعضهم قال يقتضي أن يكون التخيير استمراري آخرون قالوا التخيير ابتدائي لئلا يقع بمخالفة قطعية.
فهل يستطيع الشارع أن يقول يجب عليك أن توافق أو يحرم عليك أن تخالفه؟ قلنا إن أوامر الإطاعة أوامر عقلية فلو صدر أمر -من الشارع- بالإطاعة فلا بُدّ أن يحمل على الإرشاد إلى الحكم العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل، فالمخالفة والموافقة القطعية وهي من شؤون الإطاعة بها حكم عقلي فليس لي حكم شرعي بها حتى أتسائل هل التخيير ابتدائي أو استمراري.
فإذا أنكرت الحكم الشرعي بقيت أنا والحكم العقلي فهل الوقوع بالمخالفة القطعية والموافقة القطعية أولى أو الاحتمالية أولى؟ فمرة نفرضها في دوران الأمر بين المحذورين وتارة لا.
فالأول كما إذا لحظت الجُمَعُ مترابطة كجمعة واحدة ووقع النذر على الجميع دفعة واحدة أي تؤخذ على نحو العموم المجموعي ومرّة تؤخذ على نحو العموم الاستغراقي الجميعي، فإذا كان العموم استغراقياً يكون الحلف منحلاً إلى عدّة أحكام فعلمي بالمخالفة القطعية والموافقة القطعية بكل واحدة منها لا يفيدنا شيئاً؛ لأن كلّ جمعة لها علم إجمالي مستقل، ولها تكليف مستقل، ولها تخيير مستقل، فأنا بعد مرور جمعتين لست عالماً(1) بالمخالفة والموافقة القطعية؛ لأنَّ كلّ تكليف قائم بذاته.
ــــــــــ[240]ــــــــــ
() في المسودة لست بملزم. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ووقوع الإنسان بمخالفة قطعية في هذه الصورة -لا محذور فيها- لأنَّ التكليف هنا غير منجّز وإنما تكون ذات محذور إذا كان فيها تحدّي للمولى وإنما يكون ذلك إذا كان العلم الإجمالي منجزاً وهنا العلم الإجمالي غير منجز علي؛ لأنَّ كلّ جمعة لها تكليف مستقل.
-فالدعوى إذن تبتني على دليلين مردودين-:
نعم، إذا قلنا أن التكليف مترابط فهنا العلم الإجمالي له أثر؛ لأنه تمكن المخالفة والموافقة القطعية وإذا وجبت المخالفة في التكليف فيكون العلم الإجمالي منجزاً بالردع عنها لأنَّك بمرور جمعتين تعلم بموافقة الشارع ومخالفته قطعاً وهو -أي العلم الإجمالي- هنا يوصل التكليف ويتنجز فلا بُدّ من القول بالتخيير الابتدائي.
ــــــــــ[241]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ومن المسائل التي تفرّعت عن مسألة دوران الأمر بين المحذورين هي دوران الأمر بين الشرط والمانع كدوران الأمر بين الجهر والإخفات على تقدير أن يكون كلّ منهما مبطلاً للصلاة على تقدير وجوب الآخر واقعاً -الشيخ يقول لا علاقة لها بالمسألة- مسألة دوران الأمر بين المحذورين؛ لأنه يمكن الاحتياط بها فأصلي صلاتين وبعدها أعلم بالموافقة القطعية.
وتبقى المسألة الخلافية من أنَّه هل يأتي قصد القربة في الاحتياط؟ و الصحيح أن الاحتياط ممكن والموافقة الاحتمالية كافية للاندفاع نحو أمر الشارع كما قالوا في موضعه.
أو أنه أقرأ الذكر مرّتين بعنوان أنه ذكر لا بعنوان أنَّه جزءٌ صلاتيّاً أحدهما جهر والثاني إخفات وزيادة الذكر في الصلاة غير مبطل وإنما يكون مبطلاً إذا جيء به بعنوان الجزئية.
ــــــــــ[242]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
“المقام الثالث: في الشكّ في المكلفّ به“. أول الجزء الرابع من (فوائد الأصول).
قبل أن نبدأ بالحديث في الشكّ في المكلّف به يجب أن نجعل عندنا ضابطة لنعرف أن هذا شكّ في أصل التكليف أو شكّ في المكلفّ به، فالأول يكون مجراً للبراءة والثاني للاحتياط.
التشريعات وردت على نحو قضايا حقيقية من قبل الشارع وليست واردة على زيد وعمرو بشخصهما وتكون القضية نافذة إذ شخّصت موضوعاتها في الخارج يقول الشارع الخمر حرام فإذا عرفت أنَّ هذا خمر فهو حرام(2)، فكل قضية حقيقة تتحول في واقعها إلى قضايا شرطية أي إن وجد الخمر فهو حرام.
وتشخيص الموضوع هو من عمل المكلفين أنفسهم فعندما نريد أن نستفيد
ــــــــــ[243]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول ج4)، السيد محمد تقي الحكيم، السبت 16/12/1961. (المقرِّر).
(2) في المسودة يكون. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فعلية تكليف من التكاليف لا بُدّ أن نحرز الصغرى والكبرى معاً فعندما يقول الشارع الخمر حرام فلا يمكن أن استفيد فعلية أي تكليف إلا إذا علمت أنَّ هذا السائل خمر وأنه حرام، فلو قدّر لي أن أكون عالماً بالكبرى دون الصغرى أو بالصغرى دون الكبرى فلا أستطيع أن أقول إن التكليف واصل إلي؛ لأن وصول التكليف لا يكون إلا بعد معرفة المقدمتين معاً.
فيجب أن أعرف الكبرى من الدليل وأن أعرف من الخارج أنَّ هذا السائل خمر فأقول: هذا خمر وكل خمر يجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه، فلا يصل التكليف إلا بعد إحراز الصغرى والكبرى والصغرى إما أن تكون
-وجدانية- أو ثابتة- بالأمارة.
فعندما أشك بالصغرى أو بالكبرى يعود الشكّ شكّاً في أصل التكليف وهو مورد للبراءة، فالشك بقسميه أي الشكّ بالصغرى وبالكبرى مجراه البراءة.
فإذا كان الشكّ في أصل الكبرى أي شاك في حرمة الخمر فأنا شاك في أصل التكليف وشاك في هذا المايع أنه خمر، فيكون شكّاً في أصل التكليف فالشك في الموضوعات والأحكام شكّ في أصل التكليف إذا شككت في الصغرى معناه أشك في انطباق الصغرى على الكبرى أي شككت في وصول التكليف إليّ أي أشك في أصل التكليف وهو مجرى للبراءة.
ومعرفتي بالقضية الحقيقية لا يجزيني في تنجز الحكم إنَّ لم أعرف الصغرى؛ لأنها قضايا حقيقية وليست خارجية شخصية.
ــــــــــ[244]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فلا يتنجّز التكليف إلا بعد العلم بالصغرى والكبرى، فإذا شككت في احداهما فلا يصل التكليف إليّ ويرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في أصل التكليف وهو مورد للبراءة.
فإذا عرفنا أنه إذا رجع الشكّ إلى الكبرى أو إلى تطبيقها على الصغرى يرجع إلى الشكّ في أصل التكليف، فالشك في المكلفّ به إنما يكون إذا عُلم بجنسه أي التكليف أو نوعه أي عُلم بالجملة ويكون أصل التكليف محرزاً عندي.
تارة يكون الشكّ في المتعلّق وهو نفس الأفعال الخارجية وتارة يكون الشكّ في الحكم وهو الوجوب أو الحرمة تقول: (يجب الاجتناب عن الخمر) فالاجتناب هو متعلق التكليف والخمر هو الموضوع الخارجي أو متعلق المتعلق كما يسميه المرزا والحكم وهو الوجوب.
وأقسام الشكّ في المكلفّ به:
ــــــــــ[245]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والشك بالمحقق أو المحصِّل هو أن يشك إن ما أتى به هل هو محقق للتكليف: وهو أظهر موارد الاحتياط.
أ. فمرة المتعلق معلوم لديه بجنسه وفصله كأن يعلم بالصلاة ويعلم كونها ظهراً مثلاً، ويعلم بتوجّه تكليف إلزامي ولكنّه لا يعرف هل هو وجوب أو حرمة فهو يشك في فصل التكليف فهو راجع إلى الشكّ في نوع التكليف.
ب. الفصلان معاً مجهولان أي إنه يعلم بجنس التكليف ويعلم بالصلاة أي يعلم بجنس المكلفّ به فهو يعلم إما يجب عليه أو يحرم إما صلاة الجمعة أو الظهر ولكن جنس التكليف -وجنس- المتعلق معلوم.
جـ. ومرّة يعلم بجنس التكليف ويشك بفصله وجنس المتعلق وفصله
ــــــــــ[246]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كأن يشك هل حرام أو واجب الصلاة ام الصدقة وكل هذه الأمور من موارد الاحتياط.
والشك في جنس التكليف يرجع به إلى البراءة وقلنا إنَّ الاحتياط إنما يجري في الشكّ في نوع التكليف فهذا -الكلام كان- بالنسبة إلى المتعلق ويأتي الكلام في متعلق المتعلق وهو الموضوع الخارجي كالخمر مثلاً.
ــــــــــ[247]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إنَّ القائلين بالكشف في البيع قالوا إنَّ العقد سبب للملك بنفسه وقد توفّرت جميع شروطه ما عدا رضا المالك قد حصل بالإجازة فالعقد جايز للعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(2) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(3)، وقال المبطلون لعقد الفضولي إننا إذا(4) قلنا إنَّ عقد الفضولي صحيح فلا بُدّ أن نقول إنه يحتاج إلى الإجازة ومعناه أصبح السبب للإباحة هو العقد والإجازة، والمفروض أنَّ الدليل قال أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ووَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(5)، أن الأثر للبيع والعقد
ــــــــــ[248]ــــــــــ
() الفقه، (اللمعة الدمشقية)، الشيخ محمّد تقي الإيرواني، نفس التاريخ، نفس التأريخ السابق16/12/1961. (المقرِّر).
(2) المائدة: 1.
(3) النساء: 29.
(4) في المسودة فإذا. (المقرِّر).
(5) البقرة: 275.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نفسه فيصبح المؤثر العقد والإجازة وهذا خلاف العموم أي عموم الآية؛ لأنَّ الآية لم تعلق البيع على العقد والإجازة، معناه أصبح المؤثر للإباحة هو العقد والإجازة وهو خلاف الإطلاق وتقييد له بلا وجه.
ويرد عليه: أنَّ العقد بمجرده ليس سبباً بل السبب هو العقد الصادر من المالك وولي الأمر، وعقد كلّ مؤثّر في حق نفسه وخاصة إذا قلنا تجارة عن تراضٍ فالمؤثر هو عقد المالك أو العقد المرضي به من قبل المالك وقد دلّت الآية على ذلك بقولها (عن تراض) فإذا وقع العقد من الفضولي فالاستناد إلى المالك لا يحصل إلّا بالإجازة؛ لأن الإجازة تعمل الاستناد فيكون العقد بعد الإجازة عقد المالك ويكون العقد مؤثراً.
ــــــــــ[249]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كنّا نتحدّث في الشكّ في المكلفّ به وقسمناه إلى شكّ يتعلّق بالمتعلق والى شكّ يتعلق بمتعلق المتعلق، شكّ في الصلاة هل هي أو هل الواجب عليه الظهر أو الجمعة، وقد سمّاه المرزا المتعلق أي ما يرجع إلى أفعال المكلفين أنفسهم ومتعلّق المتعلق هو الموضوع الخارجي.
الشك في المكلفّ به تارة يرجع إلى المتعلّق وقد سبق، وتارة يكون في متعلق المتعلق، ويتصور فيه أربع صور توجه التكليف إليه بالوضوء وتردد الاحتمال بين الماء المضاف والقراح فعندما يقول يجب عليك التوضّي بالماء فلازم أن يحتاط إن أمكن الاحتياط ويتوضّأ مرّتين.
والأربع صور للشك في متعلق المتعلق ما يلي لأنَّه مرة تكون الشبهة وجوبية وهي على قسمين فمرة يكون الفرد مردداً بين أطراف محدودة ومرة يتردد في كثير من الأطراف، كما قال صاحب العروة كالواحد في الألف وقد
ــــــــــ[250]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الثلاثاء 19/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
مثّلوا له بالعلم بوجود جبن في السوق فيه ميتة والجبن الذي في السوق غير محدّد ولكننا سننتهي إلى أن الشبهة غير المحصورة غير موجودة.
ومرة يكون الشكّ شبهة تحريمية، خمر تردد بين آنيتين وبين ألف آنية فتكون مجموع الصور أربع.
ودوران الأمر بين المحذورين تارة يدور الأمر بين المتباينين فتارة(1)يدور الأمر بين الأقل والأكثر وينقسم إلى أقل وأكثر ارتباطيين كـ(الشكّ) في أن ما صلّاه كان أربع ركعات أو خمسة، وغير ارتباطيين كوجوب وفاء اربعة أو خمسة دراهم فهل تجب الموافقة القطعية وتحرم المخالفة القطعية أو تجب الموافقة القطعية و -لكن- لا تحرم المخالفة القطعية. والمشهور أنَّه تحرم المخالفة القطعية كما أنَّ الموافقة القطعية واجبة فيجب أن يحتاط حتى يأتي بجميع الأطراف وهو الأقوى.
ثم يقول المرزا إنَّ العلم الإجمالي الذي عندنا يتوقف على مقدمات مبحوثة في مكان آخر منها: أنَّ العلم الإجمالي إنما يقال إنه تجب موافقته أو تحرم مخالفته إذا كانت عندنا أحكام واقعية فمنهم من أنكر الأحكام الواقعية إنكاراً تاماً.
ثار الكلام بين الجماعة وعلى الأخص العامّة في الأحكام الواقعية وفيه أقوال: الأول: أن لا احكام واقعية على الجاهلين -وهو قول الغزالي وغير الغزالي- وانما تخلق الأحكام على وفق القواعد الاجتهادية، وقسم منهم أنكر
ــــــــــ[251]ــــــــــ
() في المسودة (و). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأحكام الواقعية تماماً، فنحن عندما نقول تحرم المخالفة القطعية -أو تجب الموافقة القطعية- إذا كانت هناك احكام واقعية والمفروض هنا أن المجتهد يجب عليه متابعة ما دل عليه الأصل لا ما دلّ عليه العلم الإجمالي.
وقالوا: عندنا أحكام واقعية ولكنها مزاحمة بالأحكام الظاهرية ومغلوبة بها وفي هذا الحال لا معنى لأن نقول يجب موافقة العلم أو لا يجب بل نقول يجب موافقة قول المجتهد، بل يجب أن نفرض أنفسنا مخطّئة وحينئذ نقول هل تحرم المخالفة القطعية أو تجب الموافقة.
ويوجد خلاف عند الجماعة: أن الأحكام واردة في حق العالمين والجاهلين أو مقيدة بالعالمين، سبق أن قلنا إنَّ العالم من الانقسامات الثانوية فالشيء بعد فرضه موجوداً يقال أنه معلوم أو مجهول والانقسامات الثانوية لا يمكن أن تسري إلى الانقسامات الأولى؛ وإلا لزم الدور أو التسلسل وذلك لأن العلم موقوف على وجود الحكم فإذا كان الحكم موقوفاً على العلم لزم الدور، فنحن لا نستطيع أن نقيد الحكم الواقعي بالعلم لأن الإطلاق والتقييد من قبيل الملكة والعدم فما لا يمكن الإطلاق فيه لا يمكن التقييد.
والمرزا يقول: إننا نستطيع أن نتمّمه بمُتمم الجعل أي إذا كان غرض الشارع التقييد فعليه جعل خطاب ثاني يقيد به الخطاب الأول وحينئذ كلاهما يكون لهما ملاك واحد وعصيان واحد، ويقول نحن نحتاج إلى دليل آخر غير دليل الصلاة نفسها لنحكم بوجوب القربة فيهما.
وإنما يفيدنا -العلم الإجمالي- إذا قلنا إنَّ الأحكام مطلقة أما إذا قلت إنّها
ــــــــــ[252]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لا تعمّ الجاهلين فلا يمكنني أن أعلم بالمخالفة أو الموافقة القطعية أني شاك بوجوب الصلاة عليّ فلا يكون العلم الإجمالي بوجوبها منجزاً، مع العلم أن الشكّ والجهل شيء واحد وهو ما دون العلم.
واختُلف في أنَّ الألفاظ الموضوعة للأحكام هل أُخذ العلم في متعلقها أن الصلاة مجعولة لمطلق الصلاة أو بقيد كونها معلومة، والتحقيق أنَّ هذا لا أساس له بل أن الألفاظ مجعولة للطبائع نفسها والعلم والجهل لا علاقة له بالأوضاع اللغوية فإذا قيّدنا الألفاظ بالعلم لا يكون الأمر منجزاً عليّ فيما إذا شككت بأنَّ الواجب عليّ الصلاة أو الزكاة فإن التكليف حينئذٍ يكون مجهولاً.
يقول المرزا نحن لا نحتاج إلى البحث في هذه المسائل لأنَّ بعضها فقهي وبعضها لغوي فيقتضي أن ننتهي من هذه الأمور أولاً ثُمّ نبحث أنه هل تجب الموافقة القطعية وتجب المخالفة القطعية فإذا تمّت المقدمات تُحرر المسألة.
ونحن نبدأ بحرمة المخالفة لكثرة المخالفين بها، إلى أن يقال: (كل شيء حلال حتى تعرف الحرام بعينه) فأنا لا أعلم أنَّ هذا خمر ولا هذا فاشرب كلا الطرفين فأقع في محرم قطعاً.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بعد أن ذكر أن لدينا سبع خطوات في مباحث الإلهيات وكانت الخطوة التي انتهينا إليها هي عينية الصفات للذات (يعني الصفات الكمالية) ويستحيل أن تكون زائدة على الذات.
وأهم الصفات الكمالية: هي العلم والقدرة والإرادة والاختيار والحياة.
فنبحث الآن عن علمه تعالى:
إن الله تعالى يجب أن يكون عالماً بذاته وبجميع الأشياء التي (دونه) أي عالم بمعلولاته؛ لأنَّ كلّ ما دونه معلول له مخلوق له من فيض وجوده ولا يمكن أن يخرج شيء عن سلطانه؛ لأنه لا يمكن أن يفرض شيء في قباله شيء مستقلّ الوجود وإلا لزم تركب ذاته من وجود وعدم؛ لأنه لو كان هناك شيء مبائناً له لكان يجب أن يدخل في ذاته العدم في حين أنه صرف الوجود ويستحيل أن يتصف بصفة عدمية حقيقة.
الذات الموجودة إذا كانت مبائنة لذات أخرى موجودة فلا بُدّ أن يكون
ــــــــــ[254]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الاثنين 25/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وجودها مبائن في حدّ ذاته للذات الأخرى أي -أنَّ هذه- الليسيّة والغيرية تنتزع من نفس مقام الذات ف-(أ) من حيث هي ليست (ب) فلا بُدّ أن التغاير من فقدان (أ) للوجود الذي لـ(ب)؛ لأنها إن كانت واجدة له ما كانت مبائنة لها فيلزم أن يدخل في حقيقته العدم وهو محض الوجود ويستحيل أن يدخل في حقيقته العدم.
فلا يعقل أن يكون أي ذات مباينة لذات الله تعالى بمعنى أن يكون هناك غيرية حقيقية بينهما(1) فهو مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة فلو كان غيرها بمزايلة لكان فاقداً لمزيتها، ولكان داخلاً في حقيقته الفقدان والعدم، فلم يكن صرف الوجود ومن ثَمّ لم يكن واجب الوجود فما كان صرف الحقيقة لا يعقل أن يدخل في حقيقتها عدم تلك الحقيقة فما فرضناه واجب الوجود لم يكن واجب الوجود.
وهذا ليس معنى عرفانياً بل يرجع إلى أمر بديهي يفهمه كلّ إنسان وهو قانون الذاتية وهو: أنَّ الشيء هو هو لا يكون غيره وهو من الأشياء التي يحكم بها الإنسان بمجرد تصور طرفيها كالكل أعظم من الجزء وكقانون التناقض، والمجددون الذين يشككون في ذلك إنما يشككون بأنفسهم وبتجاربهم وعلومهم فهذا الكلام -أي الكلام هو الإلهيات بالمعنى الأخص- نحن نبنيه على البديهيات الأولية وأولى البديهيات هو قانون الذاتية.
مسألة (وحدة الوجود) مسألة مفهومة بشكل مشوّه جداً وإن الحقائق
ــــــــــ[255]ــــــــــ
() في المسودة بينها. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تشوّه من جراء التلاعب بالألفاظ فوحدة الوجود، بمعنى اتحاد الخالق مع المخلوق الممكن مع الواجب هذا شيء مستحيل ولا يمكن أن يكون المخلوق خالقاً أو الخالق مخلوقاً ولا يمكن أن يتصوره عاقل.
إذا أُريد من تعدد الوجود هو تعدد حقيقة الوجود على أن يكون هناك وجودات مستقلة فيلزم منه تعدد واجب الوجود، وهذا مستحيل إن كانت المخلوقات لها بينونة مستقلة فلا يكون الله تعالى صرف الوجود.
بل نقول إنه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد، والمخلوقات تصرُّفُه وفيض قدرته فهو مع الأشياء لا بمقارنة بحيث يكون هناك اتحاداً بينهما فهذا محال وإذا كان غيرُ كلّ شيء على نحو المزايلة فيلزم أن يتصف بصفات عدمية، وتكون المزايلة بينه وبين المخلوقات كالمزايلة بين بعض المخلوقات عن بعضها والله تعالى هو اللانهائية المحضة لا يمكن أن يحد بحدود.
إنَّ الله تعالى في عين كونه عين الموجودات، -فإن- كلّ الموجودات مغايرة له أي إنّ الوحدة عين الكثرة والكثرة عين الوحدة ومرشدنا إلى هذا هو كلام الإمام وهو أحسن من تعبير أي فيلسوف أو حكيم.
وهذا شيء لا نستطيع أن نتصوره و لا أنَّ نتمثّله؛ لأن المتناهي لا يمكن أن يدرك اللامتناهي (كل ما تصورتموه في أذهانكم بأدق معانيه فهو مخلوق لكم مردود عليكم)، وغاية ما نفهمه هو أن الله تعالى خالق ومتصرف وأنه أمرنا بأوامر ويجب علينا اتباعها أما كيف علمه وكيف وجوده وكيف يفيض الوجود على الكائنات فلا نستطيع أن نتمثله؛ لأنه لا متناهي ونحن لا نستطيع أن نعلم
ــــــــــ[256]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إلا بمقدار ما لنا من الحدود المتناهية.
نقول: باتحاد الوجود والموجود في عين تغاير الوجود والموجودات بلا تناقض فالنفس علمها معلول لها فهو غيرها وفي عين الوقت هو ذاتها فهو معلول لها متحد معها وهو عينها فهو غيرها من ناحية الصدور وذاتها من حيث إنه كمال لها.
فعين التغاير هو اتحاد فليس علم النفس بالأشياء هو بمقارنه أي ليس شيئاً قرنته إلى شيء وهو غيرها لا بمزايلة أي لا بانفصال، والنفس تكمل بالعلم ولكن الله تعالى لا يكمل بمخلوقاته فإذا كان مع كلّ شيء بمقارنه هذا مستحيل؛ لأن حدود الممكن تكون نفس حدود الواجب، وإذا كان غير كلّ شيء بمزايلة بمعنى مزايلة الأشياء لخالقها فمعناه أن ما كان خالقاً لم يكن خالقاً وما فرضته موجداً لم يكن موجداً وما فرضته واجب الوجود لم يكن واجب الوجود.
فقولنا هو أمر بين الوحدة والتعدد لا وحدة ولا تعدد لا وحدة بحيث يكون الوجود واحد والموجود واحد ولا تعدد بمعنى المغايرة والانفصال بل حد وسط.
علم الله تعالى بالأشياء مرة نبحث عنه من ناحية أن الله تعالى لا بُدّ أن يكون عالماً؛ لأنه خالق العلم وفاقد الشيء لا يعطيه، أو أنه كامل الوجود وصرف الوجود فلا بُدّ أن يكون صرف الكمال والجهل نقص فلا بُدّ أن يكون عالماً.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وأما كيف يعلم بالأشياء فهذا شيء وقع فيه الخلاف (ما شاء الله):
ــــــــــ[258]ــــــــــ
() وسئل: عن الفرق بين قول المتصوفة والاشراقيين؟
أجاب (حفظه الله تعالى) بأن: الاشراقيين يقولون إن الموجودات هي علم الله تعالى وأن الأشياء الخارجية هي موجودة لله تعالى والمتصوفة يقولون إن الأشياء لها وجودات عينية -أي في علمه تعالى- قبل وجودها الخارجي. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عندنا قاعدتان وردت بالأخبار الصحيحة عن أهل البيت: لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولا ينكح أبو المرتضع في أولاد المرضعة؛ لأنه بمنزلة أبيهم.
فهو لا ينكح أولاد صاحب اللبن من المرضعة أو من غيرها، ولا أولاد المرضعة سواء من صاحب اللبن أو من غيره، وهذا خلاف القاعدة الأولية لولا الأخبار؛ لأنه ليس عندنا قاعدة تحرم نكاح أخت الابن.
وقد تحرّم الأولاد على أبي المرتضع لا على ابنه -أي المرتضع نفسه – كما إذا كان لصاحب اللبن أولاد رضاعيين من امرأة أخرى فهم لا يحرمون على المرتضع؛ لعدم اتحاد الفحل.
ــــــــــ[259]ــــــــــ
() الفقه، (شرح اللمعة الدمشقية)، الشيخ محمّد تقي الإيرواني، نفس التأريخ السابق، 25/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ويحرم على أبي المرتضع كلّ من ينتمي إلى المرضعة من ناحية النسب ولو من رجل آخر ولكن هذا يختص بالنسب دون الرضاعة.
عموم المنزلة هو تعدّي حكم الرضاع المنزَّل منزلة النسب إلى خارج ما نطقت به النصوص وقد ردها بعضهم لأنهم وجدوا أن الخروج بها عن القاعدة كثير.
ــــــــــ[260]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان الكلام في علم الله تعالى وقلنا إنَّ الدليل على ذلك واضح بعد أن عرفنا إنَّ واجب الوجود يجب أن يكون كاملاً من جميع الجهات لا يمكن أن يدخل في حدّه نقص أو أن يدخل في حدّه عدم، ولا شكّ أنَّ العلم من أفضل كمالات الوجود وعدمه عدم محض فلو كان الغني بذاته لا يتصف بالعلم لكان ناقصاً ويدخل في ذاته العدم، وما كان كامل الوجود من جميع الجهات لا يعقل أن يدخل في ذاته العدم.
هذا هو البرهان الحقيقي لوجوب اتصاف الواجب تعالى بجميع الكمالات ومنها العلم ولا شكّ أن العلم كمال للوجود وهو أمر وجودي وليس عدمياً كما تصوروا.
أما الاستدلال بأدلة أخرى كما قيل إنَّ من يعطي الشيء لا يمكن أن يكون فاقداً له فيها بعض المناقشات التي لا يسعنا ذكرها ولكن كفانا هذا البرهان اللمّي.
ــــــــــ[261]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأحد: 31/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بقي أنه كيف يعلم الله تعالى بالأشياء إذا كان وجود العلم عين الذات ومن كمال الوجود فبأي معنى يفرض علمه بالأشياء، وهنا وقعت المعركة بين الفلاسفة التي لا يهمنا أن نخوضها، بل يكفينا أن نعلم أنه تعالى لا بُدّ أن يتصف بهذه الصفة العليا، ولا يمكن أن يكون مجرداً عنها أما كيف يعلم فلا يهمنا إثباته ولو -أنهم قد- اتعبوا أنفسهم بها.
هذه الأشياء الخاصّة(1) كيف يعلم بها هل بارتسام صورة منها أو بأنه
-مثلاً- بناء على نظرية المثل الافلاطونية أن الله خلق أشياء هي من قبيل القوانين هي مثالات الأشياء الخارجية فهو يعلم بها وإذا علم بالمثال علم بالممثِّل فإذا علم بقوالب علم بالأشياء الحادثة.
الشيء الذي نذكره على نحو الإجمال ونذكر الأقوال حوله استئناساً نقول: إن العالم أوّل شيء في علمه أن يكون عالماً بذاته وأساس العلم كلّه هو العلم بالذات فالإنسان يعلم بذاته؛ لأنَّ ذاته حاضرة لديه فعلمه بذاته بالعلم الحضوري أي لا يجرد من نفسه صورة ويكون عالماً بنفسه بتلك الصورة، بل الذات لما تكون حاضرة لذاتها ولها قابلية العلم فهو يشعر بها فلما تحضر له الذات لا بُدّ أن يكون شاعراً بها وبمعلولاتها وتجلياتها.
فهو عندما يشعر بنفسه يشعر بجميع ما بها من صفات وأفكار وخيالات وعلوم باعتبار أنها معلولات للنفس فهي حاضرة للنفس كحضورها لنفسها، كما أنَّ النفس حاضرة لذاته فكذلك أفعالها حاضرة لها بنفس حضورها لذاتها.
ــــــــــ[262]ــــــــــ
() أو الخارجية في المسودة كلمة تحتمل الوجهين. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بل نحن نترقى فنقول إن علمها بالأشياء بالعلم الحصولي مرجعه إلى العلم الحضوري؛ لأنَّ الصورة حاضرة لها فالصورة التي تخلقها النفس هي علم حضوري؛ لأن النفس واجدة لها بهذا الانطباع فتكون عالمة بها فبالنسبة إلى الشيء الخارجي يكون علماً حصولياً أما بالنسبة إلى النفس فهو علم حضوري.
فالنفس ليس لها إلا العلوم الحضورية، وإنما ترتسم في النفس صوراً يقال إنّها تعلم بها علماً حصولياً. فالعلم الحصولي مرجعه إلى العلم الحضوري.
فالنفس لما كانت:
هذه النفس التي تعلم بهذه الأشياء تترقى وتنزل فهذه الحاضرة لديها هي أفعالها فإذا غفلت عنها انعدمت ولكنّها -تبقى- موجودة بالعلم الارتكازي.
فالعلوم الذاتية التي تنطبع في النفس وتكون ملكات للنفس هي جزء من النفس وتبقى ببقاء النفس، ولكنّها قد تغفل عنها ولكنّها لا تنعدم من صفحة النفس بل موجودة في العلم البسيط، أو العقل الباطن، أو العقل الفعّال، أو أعماق النفس فالنفس لتجردها تنطبع فيها هذه الأشياء وتكون ترقيات لها.
ــــــــــ[263]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فبالنسبة إلى الصورة علم حضوري ولكن بالنسبة إلى ذي الصورة علم حصولي فالنفس تكون واجدة لهذه الأشياء وهي ترقيات للنفس فعلمها بها علم حضوري مشاهد.
فعلم الله تعالى بالأشياء باعتبار أنَّ كلّها مخلوقاته وأنه أفاض عليها الوجود وأنه عالم بذاته وبجميع أفعاله فهو عالم بكل ذرّة في السماوات والأرض فهي حاضرة له بنفس وجودها لا بصورة منتزعة منها.
الله تعالى ليس يقارن بزمان إذا قيل أنه أزلي ليس معناه في الزمن فليست أزلية زمانية أو قدم زماني بل قدم ذاتي؛ فلا أوّل لأوليته ولا آخر لآخريته، فعلمه بالأشياء المتقدمة زماناً كعلمه بالمتأخرة.
أنا بالنسبة إلى غد لا يمكن أن أعلم به بالعلم الحضوري بل بالعلم الحصولي؛ لأنه غائب عنّي ولكن الموجودات الزمنية بالنسبة إلى الله تعالى كلّها حاضرة لديه لا نقول في آن واحد؛ لأنه لا آن له ولكن يشبه أن يكون في آن واحد فلا سبق ولا تأخّر فكلّها حاضرة لديه حضوراً فعلياً واحداً فكلّ الأشياء المتقدمة والمتأخرة حاضرة لديه وليست غائبة عنه وإنما تكون الغيبة بالنسبة إلى بعضها البعض(1).
ــــــــــ[264]ــــــــــ
() وأجاب المدرس على سؤال: حول تأويل الآيات القرآنية التي تقول (كان الله…) في حين إن كان هنا ناقصة وليست تامة، في الأصح الأفعال يستحيل أن تدلّ على الزمن بل بالنسبة إلى الزمانيات ينتزع منها الزمان وبالنسبة إلى المجردات تدلّ على التقدّم الذاتي فمعنى الكينونة هنا هو القدم الذاتي ولكن لكون الإنسان مغموراً بالزمن فلا يستطيع أن يتصوّر شيئاً مجرداً عن الزمان ويتمثّله في نفسه.
من حيث أنَّ ذهني لم يألف إلا الزمان والمكان فلا يمكنه أن يتصوّر المجرد إلا في حدود الزمان والمكان وبشكل محسوس.
فإذا قلنا كان الله ولم تكن الأشياء فباعتبار أنه خالق للأشياء وليس هناك تقدّم زماني يعني ليس هناك زمان كان فيه ولم تكن المخلوقات.
معنى ينكشف لي افعال -أو حوادث- الغد ليس معناه أنها موجودة ـ في ـ هذا اليوم بل هي موجودة في وقتها الآن يعني تنكشف الأشياء إليه في ظرف وجودها وفي حال كونها موجودة هي معلولة له.
فبالنسبة إليه الزمان ملغى وكلّها حاضرة لديه على قدم المساوات أي -أنني- أعلم بحوادث غد لا بمعنى أن حوادث غد صارت حوادث اليوم. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهو عالم بها في الأزل منذ وجودها أعلم بها أنها في غد -سوف- تقع لا
-بمعنى أنني- أعلم أنها تقع الآن فالعلم حاضر والمعلوم غائب بالنسبة لي أما بالنسبة إليه تعالى فهي حاضرة لديه على قدم المساوات -المساوات- غير الزمنية.
وفهم هذا الشيء يحتاج إلى سليقة.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كنّا نتحدّث في العلم الإجمالي وقسّمناه إلى قسمين: علم إجمالي في الشبهة المحصورة، وعلم إجمالي في الشبهة غير المحصورة والكلام تارة يكون في حرمة المخالفة القطعية وتارة يكون في وجوب الموافقة القطعية.
قلنا نبدأ بحرمة المخالفة القطعية:
في تنجيز العلم الإجمالي يعود بنا الحديث عن المواضع السابقة أنَّ العلم الإجمالي ينحل إلى علم تفصيلي وقضيتين مشكوكتين فهو يعلم بتوجّه تكليف إليه تفصيلاً إما في هذا المكان أو في هذا المكان، فالعلم التفصيلي يكون على نحو مانعة الخلو.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامّة: السابع. (المقرِّر).
(2) الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الأحد 31/12/1961. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بعضهم يقول إن العلم الإجمالي في هذه الصورة منجّز وبعضهم يقولون غير منجّز. وعلى تقدير القول بالتنجيز فإما أن نلتزم أنه يمكن مخالفة العلم الإجمالي، أو لا يمكن مخالفته.
أنا أعلم بأني عندي نهي بالاجتناب إما عن هذا الإناء أو هذا الإناء، فأنا عندما أمسك كلّ أناء أشك في توجّه التكليف إليه بخصوصه فكل منهما بخصوصه مشكوك، والمعلوم هو توجّه تكليف أما لهذا أو لهذا، فكل علم إجمالي ينحل إلى قضية معلومة بالتفصيل على نحو منع الخلو وقضيتين مشكوكتين متعلقتين بالإناءين؛ لأنَّ كلاً منهما مشكوك أمره بالخصوص، ولكن جنس التكليف بالاجتناب إما عن هذا وإما عن هذا معلوم بالتفصيل.
فهل يحرم ارتكاب الإناءين معاً وهل عندنا مؤمن عقلي بذلك؟ وهو جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي؟ هل أستطيع أن ألتمس مؤمّن في كلّ من الأطراف فأخالف المعلوم بالتفصيل؟
وهذه المؤمّنات إما طرق وأمارات وإما أصول إحرازية وهو اعتبار متعلقها متيقناً في رأي الشارع، فليس فيه كاشفية كاملة كالبيّنة والشارع تمم ناحية الكشف في الأمارات وإن كان ظاهر السياق أنه في الأصول الإحرازية بقرينة قوله فيما بعد، فالجعل إنما كان للطرق فهو جعل لي واسطة في الإثبات هذا مظنون الخمرية وكل مظنون الخمرية خمر هذا هو الذي جعله الشارع فالمظنون جعله حاكياً عن الواقع وتمّمه، فالجعل إنما كان للطرق و هذه الطرق غير ناظرة إلى الحجية وإن كانت الحجية من لوازمها.
ــــــــــ[267]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالفرق بين الأصل والأمارة أن الأمارة تُثبت جميع لوازمها ومن تكاليف تترتب عليها، والأصول ليس فيها ناحية كشف وليس فيها نظر إلى الواقع كلّ ما فيها اعتبر هذا هو الواقع.
فالشارع في البينة واليد وخبر الواحد كمّل لك الواسطة في الإثبات قال إنَّ هذا هو الواقع والأصول الإحرازية لسانها لسان (اعتبر هذا هو الواقع) أي رتّب آثار الواقع عليه وفرق بين أن يقول إنَّ هذا هو الواقع، أو أن يقول اعتبر هذا هو الواقع، لا تنقض اليقين بالشك يعني أيها الشاك بالوجدان اعتبر نفسك متيقناً فهذا -أي الاستصحاب أو مطلق الأصول الإحرازية- لأنه لسان جعل واعتبار.
والأصول غير الإحرازية لسانها لسان جري عملي لا يقول هذا هو الواقع ولا اعتبر أنَّ هذا هو الواقع، بل امشِ على وفق هذا الشيء أصل البراءة يقول امشِ على اعتبار أنه ما عندك تكليف.
فعندنا أمارات وأصول إحرازية و أصول غير إحرازية فالأمارات هي حكاية عن الواقع حالها حال علمك أقصاه إن علمك وجداني وهذا تعبدي، والأصول الإحرازية تقول نزّله منزلة الواقع واعتبره واقعاً، والقسم الثالث تقول أجد في عملك على هذا الأصل وظيفتك أن تجري على أصل البراءة أو عدم التكليف وليس بها جنبة نظر إلى الواقع وهذا نسمّيه أصل غير إحرازي في مقام العمل وترتيب الآثار اجرِ على حسب الأصل والواقع مغفل نهائياً.
فهل نستطيع أن نجري هذه الأمور الثلاثة في العلم الإجمالي ونحصّل
ــــــــــ[268]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
مؤمّناً حتّى -أستطيع أن أقع بمخالفة قطعية-؟ هل استطيع أن أُجري الأمارتين معاً في الطرفين؟
أما بالنسبة إلى الأمارات كأن قامت بينة على أن النجاسة وقعت أو لم تقع في أي من الإناءين فهل يمكنني حينئذٍ أن أرتكب الطرفين وأخالف المعلوم بالتفصيل بالطبع لا؛ لأنَّ هذا يناقض المعلوم بالإجمال ولا يمكن أن يجتمع أنت عالم بأنَّ هناك تكليف، و أنت عالم أن ليس هناك تكليف؛ لأن الأمارة لسانها لسان واقع وتقول لا تكليف فإجراء الأمارتين معاً لا يجتمع مع علمك القطعي فيتصادمان ويتعارضان في مدلولهما الالتزامي؛ لأنَّ الذي يقول لا تكليف هنا يقول إن التكليف هنا والذي يقول لا تكليف هنا يقول إن التكليف هنا فيتعارضان ويتساقطان.
أما الأصول الإحرازية فهل أستطيع أن أجريها؟ بعض الأصول بنفسها تكون مناقضة للمعلوم بالإجمال كالإباحة؛ لأنَّ الإباحة بها نظر للطرفين فإذا توجّه لك تكليف والشارع يقول لك بمقتضى الإباحة لك أن تفعل أو تترك هذا، لا يمكن لانخفاض رتبة الأصل عن رتبة العلم لأنَّ الشكّ مأخوذ فيه -أي في الأصل- ولا نستطيع أن نأخذ المتأخر رتبة في المتقدم.
فالتخيير بين الفعل والترك ينافي علمي بالإلزام بأحد الطرفين الفعل أو الترك فهذا النوع من الأصل يستحيل جريانه في أطراف العلم الإجمالي.
أما الاستصحاب وأصل البراءة الأصول الإحرازية لا يستطيع جعلها الشارع فالشارع حينما يقول اعتبر هذا الأصل واقعاً وكذلك يقول في الطرف
ــــــــــ[269]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الثاني فإذا أجريت الاستصحاب في أحد الأطراف لا يناقض التكليف ولكنّي عندما أريد أن أجريه في الطرفين فهذان الاعتباران بأنه لا تكليف في الطرفين يناقضان العلم بجنس التكليف، الشارع يستحيل أن يجعل اعتبارين في الطرفين مع علمي بالتكليف اعتبر نفسك متيقناً في كلا الطرفين لا يجتمع مع علمي بنجاسة أحدهما.
قلنا إنَّ الاستصحاب لو خُلّي وطبعه إنما يجري في أحد الأطراف ولا مانع من جريانه، ولكن هل استطيع أن أرتكب الطرفين معاً؟ وهل تجوز المخالفة القطعية؟ هل أستطيع أن اعتبر الاستصحاب مؤمّناً لي على المخالفة؟
نقول: لا؛ لأنّي إذا لم أجتنب عن الإناءين يكون عندي مخالفة قطعية ونحن لا نستطيع أن نجري كلا الاصلين من أجل أنَّ هذا يؤدّي إلى المخالفة القطعية ويناقض العلم التفصيلي. وجريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي يكون ترخيصاً من الشارع بالمعصية، وهو -أي النهي عن المعصية- حكم عقلي لا يستطيع أن يتصرّف فيه الشارع، الشارع يستطيع أن يتصرف بأحكامه رفعاً ووضعاً، ولكن مع احتفاظه بحكمه يجعل لي مرخصاً فهذا لا يمكن؛ لأنه يناقض حكم العقل الذي لا يمكن أن يتصرف به الشارع رفعاً ولا وضعاً.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ذكرنا المجمل الذي ينبغي أن يقال في علم الله تعالى وقلنا إنَّ الناس اختلفوا اختلافاً فاحشاً في كيفية علمه وقلنا إن أقرب الأقوال إلى الحقيقة في الحقيقة هو أنَّ الله تعالى عالم بالأشياء علماً حضورياً بنفس خلقه لها(2).
ــــــــــ[271]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الاثنين 1/1/1962. (المقرِّر).
(2) ثُمّ نظر المدرس في كتاب الأسفار لصدر المتألهين ليستخرج منه الأقوال المتعددة في كيفية علم الله تعالى بالأشياء، فكان يقرأها ويعلّق عليها ونضع ما استطعنا كتابته من لفظ الأسفار بين قوسين. (المقرِّر).
(3) في المسودة فهم الفارابي. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أن يكون حصولياً لا حضورياً وارتسام الصور في الذهن لا يكون إلا كلياً والصور دائماً وإن كانت حاكية عن أمور جزئية هي صور كلية مثل المهندس عندما يتصوّر صورة الدار ليبنيها هذه الصورة كلية؛ لأنه يمكن أن يكون
-مصداقها- هذا الفرد أو ذلك -الذي هو- مثله من جميع الجهات وهذا مذهب لا يُقبل.
أي نفس وجودها بالخارج هو علمه بها وهو يعلم بها علماً حضورياً فهي حاضرة لديه حضوراً ذاتياً بنفس وجودها الخارجي ولا يحتاج إلى انتزاع صورة منها وهو مذهب الاشراقيين.
فمناط علمه تعالى بالأشياء هو اتحاده بالمعقولات فإن يتحد بها يكون عالماً بها فالمعلوم هو نفس العلم ونفس العالم فهو يعلم بنفسه فيعلم بمعقولاته وملا صدرا يؤيد كلامه.
ــــــــــ[272]ــــــــــ
() كذا مكتوب في المسودّة ولعلّه غلط. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المتجددون يجعلون أن كلّ من يقول بالروحانيات يقول بالمثل ومقابله المادّيون الحسّيون فمقابل افلاطون ارسطو ويسمّوه: واقعي وهذا ظلم اشاعه المتجددون وظلموا به (أصحاب الآراء) فمجرد كون الشخص مثالي يعني كونه خيالياً وليس واقعياً -وهذا الظلم إنما هو- كالظلم في التفرقة بين الفلسفة والعلم جعلوا العلم للأمور المحسوسة والفلسفة لما عداها، في حين أنَّ كلاً من الفلسفة والعلم كلمة عامّة وإنما جعلوا هذا الاصطلاح يريدون أن يوحوا للسامع بأنَّ الفلسفة إنما هي مجموعة أمور غير واقعية و يقصدون من ذلك بما وراء الطبيعة وبأبحاث ما وراء الطبيعة أي أنّ الفلسفة كلها خيالية فتغيير الاصطلاحات عمّا كانت في السابق مبعثه سوء النية بما وراء الطبيعة.
فسبب التعبير بالمثل إنما هو مأخوذة عن فكرة افلاطون فهو يفرض في كلّ موجود من الأنواع الموجودة فرد منها مجرد هذا الفرد المجرد هو قانون كلّ نوع موجود وهو مستقلّ عن هذه الأفراد يعني كلّ نوع له فرد واحد هو صرف الحقيقة صورة موجودة بلا مادّة أي أنه يوجد إنسان كامل مجرد يتصف بأعظم صفات الكمال الإنساني.
القانون الذي يكون به الإنسان إنساناً هو موجود في عالم الروحانيات أو المثل الإلهية مثل القالب الواحد يخرج أفرادا كثيرة.
فكل الأنواع الجوهرية أو العرضية أو الصفات لها فرد كامل أعلى فكلّها
ــــــــــ[273]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
-أي كلّ أفراد النوع- تطلب فردها الكامل فكل فرد يطلب كمال نوعه الذي يسمّيه (رب النوع) يعني هو السبب لوجود تلك الأفراد وإنما سمّي أعلى لأنه جامع لجميع الكمالات التي يصلح لها هذا النوع والأفراد تطلب ذلك الكمال.
فكل الأنواع لها قانون موجود في عالم الروحانيات يكون سبباً في وجود فرد فرد من الجزئيات وهو فرد غير محسوس له وجود خارجي مجرد والفكرة اليونانية بتعدد الآلهة وانقسامها إلى آلهة للجمال والخير وغير ذلك هو مثال لتلك المُثل كلّ الأنواع المادية لها فرد واحد ويستحيل أن يكون أكثر من فرد واحد وبجميع الكمالات التي هي لذلك النوع وكل فرد به شوق لأن يصل إلى ذلك الكمال، كلّ إنسان يسعى لأن يكون مثالاً للمثال الذي له بأن يكون على قالبه وعلى قانونه فهو قانون الموجودات المادية هذا هو مذهب المُثل الافلاطونية. ويقول إن (ربّ الأنواع) هو السبب الطبيعي لوجود أفراد ذلك النوع فالله تعالى أوجد تلك الأسباب لتوجد الأفراد فهي علّة فاعلية ما به الوجود لا ما منه الوجود.
يرتب على هذا أنَّ الله تعالى عالم بالأشياء بسبب حضور تلك المثل عنده فما دامت موجودة ومخلوقة لله تعالى وعلى نسقها وقانونها يخلق الله تعالى الموجودات فهو يعلم بهذه الموجودات الجزئية كعلمه بأسبابها الطبيعية الروحانية الموجودة في سابق علمه.
فمناط علمه هو نفس حضور تلك الأسباب الحقيقية له نفس حضورها يكون حضوراً للأفراد فيكون عالماً بها.
ما نسب إلى افلاطون أنه يقول بنظرية الاستذكار غلط بل له نظرية أخرى.
ــــــــــ[274]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ذكرنا بالأمس في تنجيز العلم الإجمالي هل تحرم المخالفة القطعية فيه -أي في العلم الإجمالي- بعد القول بتنجّز العلم الإجمالي، وقلنا إنه ينحل إلى ثلاث قضايا: قضية معلومة تفصيلاً على نحو مانعة الخلو، وقضيتن مشكوكتين تتعلقان بالطرفين فهو يعلم تفصيلاً بتوجّه (اجتنب) إليه إما عن هذا أو عن هذا.
-و- قلنا بأن حرمة المخالفة القطعية خالف بعض الجماعة فيها في الشبهة المحصورة أي أن نرتكب الإناءين معاً قلنا إنَّ هذا لا يكون إلا إذا حصلتُ على مؤمّن، ارتكاب جميع الأطراف، يحتاج إلى مؤمّن إما أمارة كقيام البينة على عدم النجاسة في كلا الإناءين -كلّ على حدة- أو يقول لديك أصل إحرازي كالاستصحاب. (الأصول الإحرازية هي الاستصحاب وقاعدة الفراغ والصحة) كأن تكون الحالة السابقة في الإناءين الطهارة أو أن تقوم بقية الأدلّة عندنا من نوع البراءة والإباحة أي الأصول غير الإحرازية فأجريها في الطرفين.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، نفس التأريخ السابق، 1/1/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في الدرجة الأولى نلتجئ إلى الأمارات فإن عجزنا فإلى الأصل الإحرازي فإن عجزنا فإلى الأصل غير الإحرازي.
فهل يمكن أن يجعل أمارة في الطرفين؟ ليس ذلك بمعقول؛ لأنَّ كونها حجة في الطرفين يستلزم التناقض؛ لأنَّ لكلّ أمارة دلالة التزامية ومطابقية؛ لأنَّك تعلم تفصيلاً بأنَّ النجاسة وقعت في أحد الإناءين فكل بيّنة عندما تقول لم تقع النجاسة في هذا الإناء فمعناه أنها وقعت في الإناء الثاني وقلنا إنَّ مُثبتات الأمارة حجة والشارع لا يستطيع أن يجعل المتناقض؛ لأنَّ الأمارات بنفسها متدافعة.
و أمّا الأصول هذه الأصول مرّة تكون في رتبة العلم كما في مثل الإباحة في صورة دوران الأمر بين المحذورين، أي إما أن يرتكب أو يترك في هذا الحال لا يمكن جعل الإباحة؛ لأنَّ الأصل الذي يمكن أن يجعله الشارع متأخّر عن رتبة العلم والشارع لا يسجل على نفسه تناقض يقول بمقتضى جنس الإلزام إما أن تفعل أو تترك، ثُمّ يقول بمقتضى الإباحة لك أن تفعل أو تترك فيناقض نفسه؛ لأن جنس الإلزام معناه لا اباحة وبما أنها -أي أصالة الإباحة- ناظرة للطرفين معاً تكون مصادقة للعلم؛ لأنها غير منخفضة رتبة عن العلم؛ لأنها ناظرة إلى العلم لا إلى الشكّ إذن فلا نستطيع أن نلتزم بجعل الإباحة في العلم الإجمالي.
فإذا كان الأصل منخفض الرتبة كالبراءة والاستصحاب وينظر إلى خصوص طرف واحد وغير ناظر إلى الطرف الآخر فطبيعة الاستصحاب والبراءة و الإباحة في غير دوران الأمر بين المحذورين. لا تنافي المعلوم بالإجمال
ــــــــــ[276]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في كلّ طرف على حدة، فمن حيث انخفاض الرتبة الشارع يستطيع أن يجعلها غاية الأمر قد تلزم المخالفة العملية، وذلك إذا أجرى الأصل في الطرفين.
في الاستصحاب يقول الشارع اعتبر نفسك متيقناً فاعتبر نفسك متيقناً في هذا الطرف واعتبر نفسك متيقناً في هذا الطرف يصطدم بالعلم اعتبر كلا الإناءين ليس فيه نجاسة، هذان الاعتباران يصطدمان بالعلم، فجعل الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي غير ممكن لاصطدامه بالعلم.
الأمارة تقول هذا هو الواقع والأصول الإحرازية تقول اعتبر هذا هو الواقع والأصول غير الإحرازية تقول: في مقام الجري العملي اجر على هذا الأصل وهي غير مشيرة إلى الواقع فالأصل الإحرازية جعله في أطراف العلم الإجمالي غير ممكن لما في جعل الاعتبارين معاً واقعاً مصادمة للعلم.
بالنسبة إلى الاستصحاب أنه لا يجري في جميع الأطراف أما للزوم المخالفة القطعية العملية للمعلوم بالإجمال؛ لأنه -أي الاستصحاب- ينتج طهارة في كلا الطرفين يعني جواز استعماله في الوضوء وهذا يصطدم بعلمه بوجوب الاجتناب عن أحد الإناءين (قسم من الجماعة يقولون ذلك) وإذا لم تلزم المخالف العملية فلا مانع -من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي-. كما إذا كان مقتضى الاستصحاب هو عين المعلوم بالإجمال كما إذا كان في كلا الإناءين استصحاب نجاسة؛ لأنَّ مدلولي المعلوم بالإجمال والاستصحاب هو اجتنب عنهما معاً فإذا لزمت المخالفة العملية لا نجري الاستصحاب وإن لم تلزم نجريه.
ــــــــــ[277]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والمرزا يقول: إنما لا يجري الاستصحاب ؛ لامتناع جريانه وإن الشارع لا يستطيع وضعه؛ لأن مفاده مفاد أصل إحرازي واجراءه في كلا الطرفين يجتمع مع العلم.
والثمرة العملية التي تترتب إذا كان المدار في جريان الاستصحاب هو المخالفة العملية متعددة واحدة. منها ملاقاة أحد الأطراف فإذا قلنا إن الاستصحاب يجري ولا توجد مخالفة عملية كما إذا لاقت يدك ماءً مستصحب النجاسة وليس هنا مخالفة عملية ومعناه أن يدك تنجست؛ لأنها لاقت مستصحب النجاسة وإذا قلنا لا يجري فأصل الطهارة هو الذي يجري ولا يتنجز العلم الإجمالي.
ــــــــــ[278]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالشارع لا يستطيع جعل الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي بسبب امتناع جعل اعتبارين في أطراف العلم الإجمالي على خلاف العلم فالشارع لا يستطيع أن يجعل اعتبارين؛ لأنه أصل إحرازي فالاستصحاب لا يجري.
وإن كان المدار المخالفة العملية فإذا كانت فيه مخالفة عملية لا يجري وإن لم تكن فيه مخالفة عملية يجري.
هذا بالنسبة إلى الاستصحاب أما في باقي الأصول أي غير الإحرازية فليس عندي اعتبار فإذا كان عندي مخالفة عملية نقول لا تجري وإن لم يكن عندي مخالفة عملية تجري.
ــــــــــ[279]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان الحديث في نظرية المثل الأفلاطونية وأنها هي التي تصحح علم الله تعالى بالموجودات يعني أنَّ أساس العلم ونظرية المعرفة سواء معرفة الله تعالى أو معرفة المخلوقات أساسها كما يُنسب إلى أفلاطون هو المُثل الأفلاطونية، أي إنّ المثل هي المصححة للعلم بالموجودات أي علم الله تعالى أو الناس يعلم بالأشياء الموجودة بسبب وجود المثل ومعقوليتها.
وجه النظر في مسألة المثل الذي يفترق ابن سينا عن غيره أنه يدّعي أنَّ أفلاطون يرى بأنه لكل نوع من الأنواع فرد موجود بالفعل واحد مجرد من كلّ مادة. فهذا الفرد المجرد هو الكلّي الذي يقال له الكلّي الطبيعي الذي يشمل كلّ فرد ويتحد مع جميع الأفراد.
هل أفلاطون يرى أن الكلي الطبيعي هو الفرد المعقول وأنه موجود بوجود أفراده، أو أنَّه يرى أنَّ المثال فرد من الكلي الطبيعي وأن الكلّي الطبيعي يشمله ويشمل الأفراد المحسوسة، وهو فرد منه كسائر الأفراد له وجود مستقلّ -إلا
ــــــــــ[280]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأحد 7/1/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أنه- أبدي وينطبق عليه الكلّي الطبيعي، أي أنّ الكلّي الطبيعي له فردان جزئي معقول وجزئي محسوس. غاية الأمر أنَّ الفرد المعقول لا يكون إلا واحداً وهو المثال.
في المحسوسات يمكن تكثّر الأفراد ولكن الأشياء المعقولة لا يتعدد باعتبار أنَّ صرف الحقيقة لا يتعدد؛ لأنه مجرد من كلّ شيء.
ابن سينا يتخيّل أن المراد من هذا الفرد هو الكلّي الطبيعي وأنه قديم فالمسألة من هذه الناحية كانت موضع اعتراضات ابن سينا أنه كيف يعقل أن يكون شخصاً متفرداً موجوداً مستقلاً عن الأفراد؛ ولذا قيل إنَّ الكلّي الطبيعي هل هو من قبيل أب واحد للأبناء أو لكل فرد أب من الكلّي الطبيعي ف-ابن سينا فسّر كلام أفلاطون من أن الكلّي يكون كأب واحد والأفراد المحسوسة أبناءه؛ فلذا اعترض من أنَّ هذه الوحدة نوعية لا شخصية فأنتم اشتبهتم في معنى الواحد حين قلتم إنه واحد في الشخص؛ لأنَّ الكلي هو من قبيل الآباء إلى الابناء.
تخيّل ابن سينا بأنَّهم يريدون من المثال هو الكلي الطبيعي وهو موجود مستقلّ فيكون كأب واحد بالنسبة إلى الأفراد فيقول أي ابن سينا معترضاً أنه ليس له تشخّص غير تشخّص أفراده.
القول الآخر لمن يصحح القول بالمثال أنه ليس المراد من المثل الكلي الطبيعي، بل فرد من الكلي الطبيعي ووحدته وحدة شخصية لا نوعية وأنه متشخص معقول ومجرد.
ــــــــــ[281]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نريد أن نبيّن الداعي الذي دعا هؤلاء إلى قولهم بالمثل وبالصور النوعية ما هي الأسباب لفرض المثل هذه و ما هو الدليل اللمّي عليها؟
فهذا الذي هو معروف ويتصوّره ابن سينا من أنهم يقولون إنَّ نظرية المعرفة لا تتم إلا بفرض المثل. أي لا يمكن للإنسان وحتى الله تعالى أن يعلم بوجود الأشياء إلا بواسطة وجود أشياء معقولة، والعقول: هي التي تنال تلك الأشياء المعقولة ولا تنال المحسوسات، فلا بُدّ أن نوجد تلك الأشياء المعقولة وهي موجودة في عالم الإله وموجودة في النفس أيضاً، أي إنّ السبب لمعقولية الأشياء المحسوسة وهي لا تنالها العقول حتى بالنسبة إلى الله تعالى فلا بُدّ أن يدركها بإدراك صورها، فلها مثال يكون هو المدرك وجهاً، أي بالمثل يدرك الأشياء المحسوسة فهي كلّي طبيعي بالنسبة إلى الخارج وجزئية بالنسبة إلى العقل.
إذن لا معرفة إلا بالتجريد ووجود معقول في النفس يكون متحداً معها وهو ما يسمّى بالمثال، فإدراك الله تعالى للأشياء أيضاً كذلك.
إذن سبب قول أفلاطون بالمثل هو تصحيح العلم بالأشياء المحسوسة أي لا يمكن العلم بها إلا بالعلم بصورٍ لها موجودة بوجود المدرك.
فهي بالنسبة إلى الله نقول أنها موجودة بوجود الإله وبالنسبة إلى النفس نقول إنها موجودة بوجود النفس فتصحيح نظرية المعرفة مبني على تصحيح المثل إذ لولا المثل لا يمكن المعرفة لا معرفة الله ولا معرفة النفس بالأشياء فلا بُدّ من فرض المثل لكل أنواع المحسوسات.
ــــــــــ[282]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هذا التصحيح تصحيح المعرفة بالمثل الافلاطونية إنما يتم على فهم الجماعة ابن سينا والفارابي لها كلها مبنية على فهمهم للمثل على أنها عبارة عن الكليات الطبيعية المعقولة وأنها السبب لمعرفة جزئياتها. أما إذا قلنا إنَّ المثل هي أفراد من الكلّي الطبيعي متشخصة موجودة في الخارج وهي العلّة الطبيعية لما في الخارج أي أنّ فيض الوجود يمر منها فلذا يسمّى كلّ صورة للنوع (ربّ النوع) أي كلّ موجود له قانون متشخص موجود في الخارج.
بناءً على هذا يكون سبب القول بالمثل ليس تصحيح المعرفة بشيء آخر ما له علاقة بالمعرفة؛ لأنَّ المثال ليس هو الكلي الطبيعي فهو لا يعلم بالأشياء إلا بواسطة المثل بل لا يخلق الأشياء إلا بواسطتها فتكون وسائط في الفيض كأب بالنسبة إلى ابنه فتكون هذه القوانين الموضوعة خلقها الله تعالى لكي تكون قوالب للموجودات لكل موجود قالب وكل موجود يطلب الكمال في رب نوعه.
والسبب في وجودها هي أن الله تعالى لا يمكن أن يباشر الأعمال فكيف توجد الأشياء على نسق واحد، فالسبب الطبيعي لهذه الأشياء هي المثل بالنسبة إلى الأشياء المادية لا يمكن مباشرة الله تعالى لها إلا باتحاده معها كفاعل ما به الوجود المباشرة لهذه الأفعال. لا بُدّ أن يفرض سبباً مجرداً توجد عليه الأشياء بحيث لا تتعدى هذا القانون فهو فرد من الكلي الطبيعي موجود متشخص هو قانون للأشياء موجود في عالم الإله على نسقه توجد الأشياء وتخلق.
فنظرية المثل إنما يقولون إنها مصححة لنظرية المعرفة إنما هو على الرأي
ــــــــــ[283]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الذي يفهمه ابن سينا وغيره لنظرية المثل الأفلاطونية بينما هو -أي أفلاطون- برئ من هذه التهمة؛ لأنه يتوجّه ألف إشكال وإشكال على هذا الرأي.
نحن نقول إنَّ كلّ الأشياء حاضرة لديه بنفس وجودها ولسنا نحتاج إلى كلّ هذا الكلام. إنَّ نظرية المثل إنما تبتني عليها المعرفة إذا كانت على ما فهمه ابن سينا أما إذا فهمناها بشكل آخر فلا تكون سبباً للمعرفة.
ــــــــــ[284]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بعد أن عرفنا أنَّ المخالفة القطعية أمر لا يمكن اعتباره بعد تنجّز العلم الإجمالي إنما لا يمكن جعل المخالفة القطعية في أطراف العلم الإجمالي لعدّة أمور: لأنَّ ارتكاب جميع الأطراف لا يمكن بدون مؤمّن، فإما أن يكون المؤمّن هو أمارات و قد قلنا إنها هي بنفسها متدافعة بعد جريانها في كلّ الاطراف وهي تتدافع مع طبيعة العلم لأني أعلم بكذب أحد الأمارتين فيتعارضان ويتساقطان.
ثم ارجع إلى الأصول الإحرازية كالاستصحاب وقلنا إنها لا يمكن أن يصنعها الشارع في هذا الحال؛ لأنَّ مفاد الأصل الإحرازي هو اعتبار الحكم معلوماً أي اعتبره واقعاً، وهذا معناه أنَّ الشارع جعله لي واقعاً، فلا يمكن أن يجعل الشارع واقعين على خلاف العلم جعل اعتبارين على خلاف الواقع المعلوم -بالإجمال- هذا شيء لا يكون التزم بأنَّ هنا وجوب وحرمة لا يلتئم
ــــــــــ[285]ــــــــــ
() الأصول (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، نفس التأريخ 7/1/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
مع علمي بأنَّ الموجود إما الوجوب أو الحرمة.
فالأصول لا يمكن أن يضعها الشارع لا من أجل وجود المخالفة العملية كما قال بعضهم: إنها أي الأصول الإحرازية لا تجري للزوم المخالفة العملية؛ لأني عندما استصحب الطهارة في الإناءين وارتكبهما معاً فلا بُدّ أن أقع في مخالفة عملية، والشارع لا يستطيع أن يسوّغ لي المخالفة العملية؛ لأنها من الأوامر العقلية ولكن المرزا يقول إنها -أي: جريان الأصول في طرفي العلم الإجمالي- منافية للعلم.
ومن ثمرات ذلك أننا إذا قلنا أن أطراف العلم الإجمالي إنما لا تجري فيها الأصول؛ لوجود المخالفة العملية ففي وقت عدم المخالفة كما إذا كان مدلول الاستصحابين والمعلوم بالإجمال حكماً واحداً كما إذا كان عندي استصحابان في نجاسة كلا الإناءين، فإذا أردت أن أتركهما معاً كان هو مفاد العلم الإجمالي، فمقتضى الاستصحابين هو مقتضى المعلوم بالإجمال ولا توجد مخالفة عملية، ويقتضي أن يلتزم القائل بأنه لا مانع من جريان الاستصحابين إذا لم تكن مخالفة عملية كما في هذا الحال.
فيقتضي أن يقول بأنَّ الاستصحاب جاري ونرتب عليه آثاره ومن آثاره إذا أصابت يدي أحد الإناءين يقتضي أن نحكم بنجاسة يدي لأن الإناء مستصحب النجاسة.
فإذا قلنا الأصول تجري فإذا لاقى طرف ثالث أحد الطرفين حكم بحكمه أما إذا قلنا لا تجري؛ لأن الشارع لا يستطيع جعلها لأنَّي أعلم بنجاسة واحدة
ــــــــــ[286]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فجعل نجاستين مناقض له، ومبنى المرزا أنَّ الاستصحاب لا يجري سواء لزمت المخالفة العملية أو لا وملاقي أحد الطرفين لا يحكم بحكم ذلك الطرف لأنه أصل محرز في النجاسة في هذا الحال.
أما بالنسبة إلى الأصول غير الاحترازية مثل أصالة الإباحة والبراءة سواء البراءة العقلية منها والشرعية وهي أصول غير احترازية أي غير ناظرة إلى الواقع فالشارع هنا لا يتناقض مع نفسه.
ولكن بالنسبة إلى أصالة الإباحة في صورة دوران الأمر بين المحذورين فهي لا تجري لانخفاض رتبتها فجعل الإباحة في الطرفين لا يلتئم مع علمي بوجود الإلزام في أحد الطرفين ورتبتها غير منخفضة عن العلم؛ لأن موضوعها الشكّ لو كانت ناظرة إلى طرف واحد فصحيح، ولكنّها ناظرة إلى الطرفين فإجراؤها في الطرفين معناه لك أن تفعل أو تترك في حين أني عندي علم بالإلزام بأحدهما وهو أي العلم الإجمالي بالإلزام يرفع موضوع بأنّي مخيّر بينهما فأنا عندي شكّ بالنسبة إلى طرف واحد لا بالطرفين.
فجعل الإباحة في هذا الحال لا يمكن لعدم موضوع الإباحة؛ لأنّي ليس عندي شكّ في مجموع الطرفين بل في طرف واحد فلو كانت ناظرة إلى طرف واحد لما كان هناك مانع من وضعها، ولكنّها ناظرة إلى الطرفين فالانخفاض رتبة أصل الإباحة عن العلم لا يجري في أطراف العلم الإجمالي.
أما بالنسبة إلى الأصول البقية غير الإباحة كالبراءة فإذا لزمت مخالفة عملية لا تجري وإذا لم تلزم كما إذا كان مقتضاها نفس مقتضى المعلوم بالإجمال تجري.
ــــــــــ[287]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أما إذا لزمت المخالفة العملية كما إذا أجريت هذه الأصول في الطرفين فأكون عادةً قد وقعت في مخالفة عملية والشارع لا يستطيع أن يسمح بالمخالفة؛ لأن شؤون الإطاعة والعصيان من الشؤون العقلية الخالصة التي لا يستطيع الشارع التصرف بها رفعاً ولا وضعاً.
والسر في هذا واضح لأنَّه إن قلنا إنَّ أوامر الإطاعة أوامر شرعية يلزم إما الدور أو التسلسل، فالشارع لا يستطيع أن يقول خالف المعلوم بالإجمال؛ لأنه من الأحكام العقلية فنلتزم بأنَّ المخالفة العملية تمنع من جريان الأصول والمانع من المخالفة العملية هو العقل لا الشارع.
الانقسامات الثانوية لا يمكن أن يقيد بها الشارع الانقسامات الأولية كالعلم والجهل؛ لأنَّ الإطلاق والتقييد كالملكة والعدم وإنما لا يمكن التقييد للدور أو توقّف الشيء على نفسه.
والمرزا عنده طريقة يسمّيها نتيجة التقييد أو متمم الجعل، وذلك بأن يجعل الشارع أمرين أحدهما على الموضوع ثُمّ يأتي بدليل آخر يقول ذلك الموضوع مقيد بالعلم أو بقصد الأمر الأول فالجعل الثاني يكون دافعاً للدور وهما متحدان موضوعاً وامتثالاً فالأول مطلق والثاني مقيّد؛ لأنه إذا لم يستطع أن يأخذه بلسان واحد يأخذه بلسانين وهذا ما يسمّيه المرزا نتيجة التقييد.
فمع إصرار الشارع على حكمه ومع عدم تقييد حكمه بالعلم الإجمالي لا يمكنه أن يقول لك أن تخالف؛ لأنه حكم عقلي لا يستطيع الشارع أن يتصرّف به فالشارع لا يستطيع أن يقول اعص العلم الإجمالي، لا يستطيع أن يقول
ــــــــــ[288]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
علمك غير حجة أو لك أن تخالف علمك بل إذا كانت المصالح منوطة بما إذا لم يكن بها علم إجمالي يستطيع أن يرفع حكمه بدليل آخر فهو لا يستطيع أن يبيح لي المخالفة العملية بل، الذي يستطيعه هو أن يقول: حكمي هذا مقيد بما إذا لم يكن دائراً في علم إجمالي.
فإجراء الأصول غير الإحرازية في صورة وجود المخالفة العملية غير ممكنة.
أما إذا لم تلزم كما إذا علمت أن أحد هذين مهدور الدم والثاني مؤمّن فتوجّه إليك حرمة قتل أحد هذين فأصالتا الحرمة في كلا الطرفين موافقة للمعلوم بالإجمال وهو عدم قتل الاثنين.
إذا لم تكن مخالفة عملية فما المانع من إجراء الأصول غير الإحرازية أقصاه توجد مخالفة التزامية، وقد قلنا إنها ليست محذوراً نعم إذا دار الأمر بين المحذورين فهذا شكل آخر ولكن المفروض أنَّ الإلزام في طرف واحد والثاني مباح وإجراء الأصلين إذا لم تكن فيه مخالفة عملية لا بأس به.
ــــــــــ[289]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
“القول الرابع ما ذهب إليه افلاطون من إثبات الصور المفارقة والصور العقلية وأنها علوم إلهية بها يعلم الله الموجودات كلها“.
كما فهم من عند افلاطون أنَّ نظرية المعرفة مبتنية على المثل.
“الخامس مذهب القائلين بثبوت المعدومات الممكنة قبل وجودها وهم المعتزلة فعلم الله تعالى عندهم بثبوت هذه الممكنات عنده في الأزل” يقولون إنَّ المعدومات هي ثابتة في الأزل وهي معدومة ثابتة في علم الله فالمعدوم بما هو معدوم ثابت، ويقرب من هذا ما ذهب إليه المتصوفة القائلون بثبوت الأشياء ثبوتاً علمياً لا عينياً، وهو ما يسمّوه بالماهيات الثابتة، وهي أنها ثابتة في علم الله تعالى قبل وجودها.
قلنا إن الله يعلم بالشيء بوجوده الخارجي في أزل الآزلين يعلم به في
ــــــــــ[290]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الاثنين 8/1/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ظرفه، الزمن ثابت بالنسبة إلى الأشياء لا بالنسبة إلى الله تعالى فالمتقدم والمتأخر بالنسبة إليها وهي بالنسبة إليه سواء؛ لأنه هو خالق الزمان وفوق الزمان وهو يعلم بها قبل وجودها قبلية ذاتية لا زمانية.
وإنما قالوا بهذه الأقوال لأنهم لم يتعقلوا كيفية علم الله تعالى بالأشياء قبل وجودها، ولا بدَّ من زمن فقالوا بالماهيات الثابتة أو ثبوت المعدومات أو المثل الافلاطونية.
“السادس مذهب القائلين أنَّ ذاته تعالى علم إجمالي بجميع الممكنات فإذا علم ذاته علم بعلمه واحد كلّ الأشياء وهو مقارن لها“، وبالتفصيل تظهر مثل أنا الآن أعلم بألف مسألة بالإجمال ولكن حينما تعرض لي أستطيع أن أتكلم بها فأنا عالم بالعلم الفعلي لكنه إجمالي، ولكن حين تعرض الحاجة إليه أتذكره فالإنسان عالم بكل الأشياء التي يعرفها بالفعل لكن لا كالكتاب المبسوط بل بمعنى أنه حينما يأتي سبب ظهورها تظهر.
فالله تعالى عالم بالأشياء كلها وكلّها حاضرة لديه بالعلم الإجمالي ولكن لما يوجد الشيء يعلم به علماً تفصيلياً؛ لأنه لا يجوز العلم بالشيء قبل وجوده.
“السابع أنَّ ذاته علم تفصيلي بالمعلول الأول وإجمالي بما سواه أو علم تفصيلي بالمعلول الثاني واجمالي بما سواه… وهكذا“، فكل علّة عالمة بالتفصيل بمعلولها وبالإجمال بمعلول معلولها. فالله تعالى يعلم بالتفصيل المعلول الأول وبالإجمال باقي الأشياء.
المهم هو الذي قلناه في مسألة البرهان على وجود علم الله تعالى بالأشياء
ــــــــــ[291]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
البرهان الذي يرجع إلى الأمور البديهية أنه لما كان محض الوجود وصرف الوجود ولا يعقل أن يدخل في حقيقته العدم، فكل نقص دخوله في ذاته خلاف الفرض -من أنه صرف الوجود ولا يجوز دخول العدم في حقيقته- بنفس كونه واجب الوجود، وصرف الوجود يجب أن يكون في أعلى درجات الكمال والجهل نقص وعدم ولا يمكن أن يدخل في ذات ما هو صرف الوجود.
أمّا كلمة أن فاقد الشيء لا يعطيه فيجعله الكلاميون دليلاً على علمه تعالى؛ لأنَّ معطي العلم لا يمكن أن يكون فاقداً لها.
هل المقصود بالعلم بحدود الماهية؟ فالله معطي الوجود لا -معطي- خصوصيات الماهية الله يعطي القدرة على المشي وهو غير ماشٍ فمعطي الشيء لا يمكن أن يكون فاقداً له -هذا- غير صحيح نعم هو معطي الوجود والأشياء الذاتية لا يمكن أن تجعل بالجعل التأليفي بل الله يخلقها بالجعل البسيط.
فالكمال الوجود بما هو موجود لا بما هو متعلق بماهية من الماهيات -هو فيض الله تعالى- فالله يفيض الوجود، فالوجود من حيث هو وجود هو من فيض الله تعالى، أما حدود الوجود فهو من فعل ما به الوجود أي السبب الطبيعي.
فالقاعدة -التي ذكرت آنفاً- صحيحة ولكن الله تعالى هو مفيض الوجود أما حدود الماهيات فليس الله متصفاً بها؛ لأنه فاعل ما منه الوجود لا ما به الوجود.
ــــــــــ[292]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
القاعدة عندما تؤخذ على إطلاقها -فيمكن أن- يقال إنَّ الله معطي المشي فلا بدَّ أن يكون ماشياً ولكنّه تعالى يعطي وجود هذه الأشياء فهو يعطي الوجود والعلم والقدرة.
فإذن الدليل البرهاني يجب أن يكون من ناحية الوجود لا من حيث إنَّ معطي الشيء لا يمكن أن يكون فاقداً له.
ــــــــــ[293]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كنّا نتكلم أنَّ الأصول هل تجري في أطراف العلم الإجمالي أو لا كلامنا السابق كان كلّه في مقام الثبوت أي هل يستطيع الشارع أن يجعل الأصول في أطراف العلم الإجمالي. فكل الكلام كان في مقام الثبوت وقلنا إنها مختلفة:
فمن ناحية الأمارات لا يجوز جعلها للزوم التناقض والأصول الإحرازية التي مؤدّاها (اعتبره واقعاً) لا يستطيع في الطرفين لمفاد التناقض أما الأصول غير الإحرازية فإن كانت مصادمة للعلم الإجمالي كأصل الإباحة في صورة دوران الأمر بين المحذورين فلا يستطيع الشارع جعلها.
أما الباقي فلا مانع من جعلها إذا لم تستلزم المخالفة العملية وهو -حينئذ أي في صورة المخالفة العملية- لا يستطيع أن يجعل الأصول في جميع الأطراف لأنها -أي المخالفة العملية- حكم عقلي لا يستطيع الشارع التصرف به.
المرحلة الثانية: مرحلة الإثبات هل تشمل الأدلّة (ولا تنقض اليقين
ــــــــــ[294]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، نفس التأريخ 8/1/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بالشك) و (كل شيء طاهر… الخ) وغيرها، هل الأدلّة بمفادها يمكن أن يشمل الطرفين معاً في آن واحد أو لا؟ وهذا متفرع عن المقام الأول، فإن قلنا بالإمكان – هناك – فنقول هل جعل الشارع الأصول في أطراف العلم الإجمالي أو لا؟ وإذا قلنا بعدم إمكان الجعل فلا مسرح لمقام الإثبات إذا قلنا بعدم الإمكان نعلم أنه لا إطلاق في الدليل يشمل الطرفين وإن بدا أنه شامل لجميع الاطراف لأننا نعلم بخلافه.
الذي يبدو من الشيخ الأنصاري كلامه مختلف قد يبدو أنَّ النزاع في مقام الإثبات وقد يبدو أنه في مقام الثبوت فعندما يفرض لمقام الإثبات يقول: إنَّ الأدلّة لا يمكن أن تشمل الطرفين لمعارضة الصدر للذيل لأنَّ دليل الاستصحاب فيه جهتين:
ــــــــــ[295]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يجتمع مع يقينك بالنجاسة ولا بُدّ أن انقضه بيقين آخر كما هو منطوق الذيل.
دليل الاستصحاب منحل إلى شقين لا تنقض اليقين بالشك ولكنّه تنقضه بيقين آخر، فالصدر إذا أردت أن أطبقه على الطرفين وكان مسبوقاً بالطهارة فيصبح عندي يقينان وعندك يقين آخر بطرو النجاسة على أحدهما فهو لا يجتمع مع العلم بطهارتهما معاً، ومع توفّر اليقين الآخر فالفرد مأمور بنقض اليقين السابق باليقين اللاحق.
فمقتضى صدر الرواية أنت مأمور بإجراء الاستصحاب في كلّ طرف على حدة ومقتضى الذيل أنك مأمور بالعدم في كلا الطرفين ومن هذا التناقض أي تناقض جريان الاستصحابين نقول إنَّ الدليل لا يشمل مسألة الاستصحاب و (كل شيء حلال حتّى تعرف الحرام بعينه) لا يشمل صورة المشتبهات وهكذا.
فالشيخ يقرّب نظراً لمناقضة الصدر للذيل وهو أي هذه المناقضة – فقط في دليل الاستصحاب أنه لا بُدّ أن تكون الرواية أجنبية عن صورة المعلوم بالإجمال فلا نستطيع التمسك بها.
فنظره متوجّه على مقام الإثبات فكأنه عنده مفروغية من مقام الثبوت في الجواز ولو كان يشكك في مقام الثبوت لا يستحق الإطالة في مقام الإثبات.
والمرزا يقول: يكفينا دليل الثبوت إذا قلنا إنه لا يستطيع أن يجعل فلا مجال للتساؤل عن شمول الدليل لصورة العلم الإجمالي.
وقسم آخر من بحثه أي الشيخ الأنصاري منع جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي للزوم المخالفة العملية؛ لأن إجراء الأصول يبيح الطرفين أو يحرمهما أو يوجبهما وينتهي إلى المخالفة لمقتضى جنس الإلزام فمن هذه الناحية ينظر الشيخ الأنصاري إلى مقام الثبوت.
فيسجّل المرزا إشكالاً على الشيخ الأنصاري في أنَّه بحث في مقام الثبوت، وفي مقام الإثبات في حين أنه إذا تمّ الكلام في مقام الثبوت فلا حاجة إلى الكلام في مقام الإثبات.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فكلام الشيخ مختلف بعضه منصب على مقام الثبوت وبعضه منصب على مقام الإثبات.
ويقول المرزا: إننا إن بحثنا في مقام الثبوت لا يصل الكلام إلى مقام الإثبات، ولكن يجب أن نتحدّث معه في كلا الطرفين.
قال الشيخ: إنه لا تجري الأصول للمخالفة العملية ونحن قلنا لا يجوز وضعها للزوم التناقض. نعم بالنسبة إلى الأصول غير الإحرازية إذا كان فيها مخالفة عملية لا تجري وإن لم تستلزم لا مانع من جريانها.
وأما مقام الإثبات يقتضي أن نقول إنها متناولة ولا مانع منها؛ لأنَّ الأدلّة ناظرة إلى كلّ طرف من الأطراف على حدة فكل طرف بنفسه به يقين سابق وشك لاحق وليس لي علم آخر بخصوص ذلك الطرف الشيخ يجمع بين الطرفين ويقول “ولكن لا تنقضه بيقين آخر” ولكن كلّ طرف له حسابه الخاص، وليس كالإباحة ناظرة إلى الطرفين فالدليل ينظر إلى كلّ طرف على حدة وعند الجمع أنت مسؤول عن ذلك التناقض لا الدليل وأنا عندي في كلّ طرف يقين سابق وشك لاحق متصل، فلا مانع من جريان الاستصحاب في كلّ طرف على حدة، ولكن بعد الجمع اعتقد أن اليقين في أحدهما منخرم وكل طرف ليس عندي فيه يقين على خلاف العلم السابق فقوله: (ولكن تنقضه بيقين آخر) لا تأتي.
ــــــــــ[297]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نحن حين نقول كلّ نوع من الأنواع الموجودة كيف توجد هل توجد بقانون أو بغير قانون؟ لاشكَّ أنَّه بقانون فهذا القانون بعد أن قلنا إننا لا ننكر السببية الطبيعية ولا نقول بأنَّ الله تعالى هو المباشر لفعل الأشياء وهو -أي لا نقول إنه هو- يضع القوانين لكل فرد، والإنسان أفعاله هي مواضع لقدرة الله تعالى.
ومفروضنا وجود السبب الطبيعي وأنه لا بُدّ أن يكون موجوداً بناءً على ذلك، نحن حينما نقول توجد الأنواع فلا بُدّ أن يكون بقانون، فكلّ بذرة حنطة تنتج نفس الشكل ونفس العدد من السنابل وتبلغ نفس ما يمكن أن تبلغه أي مثيلة أخرى.
هذه كلّها بقانون وهو يمشي طبيعياً ولا يتخلّف في هذه الأرض أو تلك أو في هذه السنة أو قبل ألف سنة أو بعد ألف سنة.
هذا القانون الطبيعي موجود أو لا؟ فإذا قلنا غير موجود فكيف وجدت الأفراد على شكل واحد.
ــــــــــ[298]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، 14/1/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نقول: في الجواب طبيعة، فما معناه أي قولنا طبيعة؟ هل هو الكلّي الطبيعي، فهو بأيّ عقل موجود أو أنَّ القانون موجود في كلّ بذرة فهذا فرد من ذلك القانون ما الذي جعل القدر المشترك بين هذه القوانين الموجودة في كلّ بذرة؟
فهذا الذي يفسّر نظرية المثل من أنّه يوجد قانون ينطبق على الأفراد كلّها هذا القانون هو المثل الأعلى فهو جزئي ولكن تأثيره على كثيرين إذا لم يكن له وجود خارجي وكان موجوداً في الذهن – كما ظنّ ابن سينا فإنّا نقول: فبأي ذهن هو موجود ويكون حينئذٍ كلياً ولكنّه جزئي وله وجود خارجي.
ــــــــــ[299]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ذكرنا أنَّ جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي تارة يلحظ مقام الثبوت، وتارة يلحظ مقام الإثبات، فمرّة نقول أن هناك مانع عقلي عن جريان الأصول والأمارات في أطراف العلم الإجمالي للتناقض كما في الأمارات والأصول الإحرازية أو للمخالفة العملية- كما في الأصول غير الإحرازية أو لانخفاض الرتبة في الإباحة في دوران الأمر بين المحذورين؛ لأنها تجري في طرفي الشك.
الكلام الآن تحوّل إلى مقام الإثبات مع الغض عن مقام الثبوت هل الأدلّة تستطيع أن تشمل العلم الإجمالي (لا تنقض اليقين بالشك) (كل شيء حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه) هل ينحصر مدلولها بالشبهة البدوية فقط أو تعم أطراف الإجمالي؟ في مقام الإثبات هل يستطيع أن يجعل الشارع الأصول في أطراف العلم الإجمالي أو لا؟ هل الأدلّة متناولة -للطرف المشكوك في صورة العلم الإجمالي- أو لا؟
ــــــــــ[300]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، نفس التأريخ، 14/1/1962 (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الشيخ كلامه مختلف في بعض الأحيان يجعل المخالفة الالتزامية هي المانع وفي بعضها يقول الأدلّة غير شاملة أي أن المانع من عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي هو كون الأدلّة غير شاملة لها. وقلنا: هناك فرق بين المقامين في مقام الثبوت قال الشيخ: بأنَّ الأدلّة فيها صدر وذيل كلّ منهما ناظر إلى شيء ولا يمكن الجمع بينهما لا تنقض اليقين بالشك، ولكن تنقضه بيقين آخر فأنا حين أجري الاستصحاب في الطرفين فبمقتضى الصدر تنتج لدي طهارة في الطرفين وهو -أي طهارة الطرفين- يتنافى مع علمي بالنجاسة في احدهما ومعناه أنه -أي اليقين الناتج عن إجراء الاستصحاب- نقض بيقين آخر فأنا ملزم بـ(مقتضى) الصدر بالاستصحاب وبالذيل أنا ملزم بنقضه بيقين آخر وحاول -الشيخ– بذلك أن يقرب عدم جريان الأدلّة للعلم الإجمالي.
ناقشه المرزا بثلاث مناقشات:
متعلّق اليقين الأوّل نجاسة احدهما أي اليقين الذي كان قبل إجراء الاستصحاب، ومتعلّق اليقين الثاني الذي حصل من إجراء الاستصحاب هو طهارة أحدهما(1).
ــــــــــ[301]ــــــــــ
() كذا في المسوّدة والأحسن أن يكون طهارة كليهما على تقدير أنَّ الاثنين مستصحباً الطهارة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إذن لا ينطبق إلّا الصدر أما الذيل فلا ينطبق؛ لأننا نشترط أنَّ ما تعلّق به الشكّ وما تعلّق به اليقين واحد، بينما هنا مختلفان اليقين اللاحق(1) هو نجاسة كلّ منهما على تقدير أن يكون في كلا الطرفين استصحاب النجاسة واليقين السابق على الاستصحاب، هو طهارة احدهما فلا يكون ناقضاً أي اليقين اللاحق للأوّل، إذن الذيل لا يجري.
التقريب أو الإشكال الثاني: إذا لم يمكن تطبيق الصدر والذيل، إذن سواء لزمت المخالفة العملية أو لا. لأنَّ المخالفة العملية ناظرة إلى مقام الثبوت لا
-مقام – الإثبات ومناقضة الصدر للذيل توجد سواء كان هناك مخالفة عملية أو لا.
لا تنقض اليقين بالشك سواء كانت مخالفة عملية أو لا، المخالفة العملية إنما تأتي في مقام الثبوت والدليل يأتي في مقام الإثبات، وإذا لم نجز جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي في مقام الثبوت لا تصل النوبة إلى مقام الإثبات(2).
ــــــــــ[302]ــــــــــ
() في المسودة السابق. (المقرِّر).
(2) أنظر التكملة في دفتر الملاحظات العامّة الثامن. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الجهة الثالثة: أننا إذا استقصينا الأدلّة لا نجد وجود الصدر والذيل إلّا في دليل الاستصحاب وهو: روايتين في الاستصحاب فما عندنا من أدلّة الأصول ما فيه صدر وذيل إلّا بعض أدلّة الاستصحاب.
“كل شيء حلال حتى تعرف الحرام بعينه” فمتعلّق الغاية هو عين متعلّق المغيّى فليكن الاستصحاب لا يجري بقية الأصول لماذا لا تجري.
الشيخ دعواه أوسع من دليله الشيخ يقول إن الأصول إنما لا تجري لمناقضة الصدر للذيل في حين أن ذلك لا يوجد إلّا في دليل الاستصحاب فالمرزا يقول: “لا مانع من جريان الأدلّة في أطراف العلم الإجمالي”(3).
() دفتر الملاحظات العامّة: الثامن. (المقرِّر).
(2) الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الأحد بتاريخ 14/1/1962. (المقرِّر).
(3) إعادة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تفصيلي واحدهما إجمالي وعندي يقين سابق وشك لاحق فالدليل وافي.
ثم يقول المرزا: أنّ الشيخ اتعب نفسه في البحث حول أصالة الإباحة “حتى تعرف الحرام بعينه” ما المقصود (بعينه)؟ في حين أنها صارت واضحة من أنها ليست ناظرة إلى الواقع بل – تتضمن – حكم ظاهري مترتب على الشك(1).
ــــــــــ[304]ــــــــــ
() فترة امتحانات نصف السنة وعطلتها. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأصول: الإطلاق: بعد أن كان نكاح المتعة مشرعاً ولم يرد عليه مقيّد
-يقيده بالأربع- إلّا أن يقال إنه يصدق عليه الزواج فإطلاق المقيّد بالأربع يشمل ويقيده ويكون المنقطع داخل في العدد إلّا أن يأتي دليل ويقول أن التقييد بالأربع مختص بالدائم ولا يشمل المنقطع.
ــــــــــ[305]ــــــــــ
() الفقه، (اللمعة الدمشقية)، الشيخ محمّد تقي الإيرواني، السبت 17/2/1962. (المقرِّر).
(2) اللمعة ص 88. أوّل يوم دراسة بعد عطلة نصف السنة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا: إنَّ الكلام في باب الاحتياط يقع في مقامين: حرمة المخالفة القطعية، ووجوب الموافقة القطعية هذان المبحثان متفرعان من مباحث العلم الإجمالي ومن الأساس التي ينطلق منه الإنسان إلى المباحث في باب الاحتياط وانتهينا فيما سبق إلى عدم جواز جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي للأسباب السابقة يحرم عليك المخالفة القطعية أي ليس لك أن تأتي بجميع الأطراف المشكوكة حرمتها لأنَّك لا تستطيع ارتكابها إلّا بمؤمّن.
هذا بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية، ومن حيث وجوب الموافقة القطعية هل تجب الموافقة القطعية أو تكفي الموافقة الاحتمالية ليعلم المكلفّ أنه لم يتحدَّ الشارع أي ليس عندي علم تفصيلي بتحدّي الشارع؛ وذلك بأن آتي بأحد الأطراف وأترك الآخر فيتكّون عندي موافقة احتمالية على تقدير أن الواقع هو ما ارتكبته في الحقيقة هل يوجد عندي ملزم عقلي بالإتيان بجميع
ــــــــــ[306]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الاثنين 19/2/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الاطراف المحتملة الوجوب؟ هل لا بُدّ أن يأتي أو يكفي أن يأتي بطرف واحد؛ لاحتمال أن يكون هو المطلوب واقعاً فتتحقق عنده موافقة احتمالية من جانب ومخالفة احتمالية من جانب؟ هل يكتفي بالموافقة الاحتمالية، أو لا بُدّ من الإتيان بجميع الأطراف هل هو ملزم بتفريغ ذمّته من جميع الأطراف؟
قلنا: إنَّ العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي أي أنّه منجّز للتكليف الواقعي موصل للتكليف ومنجّز له، فأنا ملزم بالتكليف على هذا التقدير فلو قدّر أن يأمرك الشارع بالاجتناب عن أحدهما لصح، فإذا طلب منك الاجتناب عن أحدهما المعيّن واختلط عليك فتحصّل لديك نفس النتيجة.
فبعد أن تنجّز التكليف فأنا احتاج إلى أصلٍ أو شبهه يؤمنني ففعلي للإناء الثاني مع وجود (اجتنب) لا بُدّ أن يكون مستنداً إلى أصل فهل عندي من الأصول ما يمكن أن استند فيه في صورة المخالفة الاحتمالية.
الشارع يستطيع أن يقول (اترك هذا الإناء بعينه) ويجوز أن يأمرني بأحدهما على غير تعيين ثُمّ يعيّن.
عندنا هذه القواعد العامّة (رفع عن أمّتي ما لا يعلمون)، (كلّ شيء طاهر) (كل شيء حلال)، هل أستطيع أن أجريها في أحد الأطراف دون الآخر؟
قلنا: إن نسبتها إلى كلّ من الأطراف نسبة واحدة فبعد إجرائها في الطرفين يناقض المعلوم بالإجمال فمع علمك التفصيلي، بأن الشارع يلزمك كيف يرفعه عنك ليس للبراءة العقلية ولا الشرعية مجال لتنافيها مع المعلوم بالإجمال ولا
ــــــــــ[307]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
للاستصحاب من حيث كونه أصل تنزيلي لا يستطيع الشارع وضعه كلا الطرفين ولا أصالة الحلية أو الإباحة لعدم حفظ رتبة الأصل فيها بالنسبة إلى العلم.
وإجراؤها أي هذه الأصول في أحد الطرفين دون الآخر ترجيح بلا مرّجح فتتعارض وتتساقط، فإذا لم تجرِ الأصول فأي مؤمّن لك في ترك الموافقة اليقينية؟ فلا بُدّ من القول بوجوب الموافقة اليقينية.
وإجراؤها في أحدهما لا بعينه غير ممكن؛ لأنها واردة على أساس جريانها في معيّن.
بعض الجماعة يقولون: نستطيع أن نجريها في أطراف العلم الإجمالي قياساً على الأمارات في باب التزاحم.
أولاً: ما هو باب التزاحم – باب التزاحم – هو: فيما إذا صدر من الشارع حكمان لهما ملاكان صادران من الشارع يقيناً، والمكلّف لا يستطيع الإتيان بكلا التكليفين قلنا: إن كان أحدهما أهم يقدّم أهمهما، أما في صورة تساويهما بعضهم يقولون: إنَّ منشأ التزاحم هو إطلاق الدليلين (صلَّ) سواء كان هناك إزالة أو لا، (أزِلْ) سواء كانت هناك صلاة أو لا فإذا كان أحدهما مهماً قدّمناه، وإن كانا متساويين قيّدنا أحدهما بعدم الآخر لما كان المنشأ للاختلاف هو الإطلاق فنحن نرفع اليد عن الإطلاق.
وقيل لا بدَّ من إسقاط الأمرين لعدم القدرة عليهما وعندنا ملاك عقلي في المحافظة على أحدهما على نحو التخيير.
ــــــــــ[309]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أما في باب التعارض فعندي تكليف واحد أعلم بأنَّ الشارع لم يكلّفني إلّا تكليفاً واحداً ولكن اختلف النقل عنه قيل إنه قال (صل) وقيل إنه قال (لا تصلّ) وأنا أعلم أنه لا يستطيع أن يأمرني بكليهما.
فإذا كان هناك تكليف واحد والخلط جاء في النقل فهذا نسميه باب التعارض؛ ولذلك نقول إنَّ أحد الدليلين يكذّب الآخر يعني أنَّ الدليل الذي يقول إنه أي الشارع قال (صل) يقول إنه لم يقل (لا تصلّ) والعكس بالعكس فإذا كان عندي تكليفان واجتماعهما في زمان واحد هو الذي أعجزني عن امتثالهما فهذا يكون من باب التزاحم.
وفي باب الأمارات بناءً على السببية (0) المصوبة يقولون: إنَّ الأمارة حينما تقوم عند المجتهد تخلق مصلحة في متعلّقها أي توجب خلق تكليف من الشارع التصويب، الأشعري يقول: إنه لا توجد أحكام في حق الجاهلين وإنما تقوم المصلحة في دلالة الأمارة والتصويب المعتزلي هو: أنَّ هناك أحكام واقعية ولكن ما دلّت عليه الأمارة مزاحم له، وغالب عليه والشيخ -الأنصاري– يقول: إنَّ الأمارة تخلق مصلحة في الطريق ولكنّها لا تتعرض للواقع ولا تخلق به مصلحة ولكن الواقع إن فات فأنت معوض بمقدار ما فاتك منه.
هذه السببية بناءً على تماميتها هل يكون حسابها حساب باب التعارض أو التزاحم؟
بناءً على مذهب المخطئة باب الأمارات ينتظم في باب التعارض لأنَّ أحداها تصيب الواقع إن وافقته والثانية تخطئه على رأي المصوبة وبأن الأمارة
ــــــــــ[309]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تخلق مصلحة في متعلقها، فلا بُدّ أن يرجع إلى باب التزاحم لأنها تخلق حكماً على مقتضاها في كلا الطرفين والمفروض أن كلّ من الحكمين يحكيان(1) عن واقع واحد، فمعناه أعلم أنه خلق عندي حكمين من الشارع ولا استطيع أن أمتثلهما فيرجع إلى باب التزاحم.
فجريان الأصول هل هو من قبيل الأمارات أو لا؟ قالوا إنه بمقدار المزاحمة يجب أن أرفع يدي عن التكليف فأرفع يدي عن إطلاق كلا التكليفين من حيث إنَّ التزاحم -إنما حصل- من جهة الإطلاق، فينتج تقييد أحدهما بعدم الآخر وهذا هو الترتّب وما الملجأ لأن أسقّط أحدهما لأن الضرورات تقدّر بقدرها وغاية حاجتي أن أرفع يدي عن الإطلاقين، ولا ملجئ إلى أن أرفع اليد عن نفس الحكم.
هل أستطيع أن أجري الأصول أو لا؟ هذا يأتي في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
() في المسودة وكان كلّ من الحكمين الخ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تحدّثنا بالأمس عن وجوب الموافقة القطعية والسرّ في وجوبها بعد تنجّز العلم الإجمالي عليّ وإيصاله للتكليف إلي كالعلم التفصيلي فإذا اكتفيت بالموافقة الاحتمالية(2) وصادف ما أتيت به الفرد المنهي عنه فمعناه أنك خالفت حكماً واصلاً إليك في هذا الحال. وهذا هو قول الجماعة هل الموافقة الاحتمالية كافية، أو لا بدَّ أن تأتي بجميع المحتملات في حالة الوجوب أو تتركها في حالة الحرمة؟
قال الجماعة الذين قالوا بوجوب الموافقة القطعية: إنَّ الإتيان بأحد الأطراف وترك الآخر لا بُدّ أن يكون مستنداً إلى مؤمّن والمفروض أنَّ العلم الإجمالي منجّز، فلا بُدّ أن يكون لك في البين شيء تستند إليه في الفعل أو الترك فما هو هذا الشيء؟
ــــــــــ[311]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، 20/2/1962. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة الموافقة القطعية وما أثبتناه أوفق بالمراد. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأصول على اختلافها لا تجري؛ لأنها غير قابلة للجريان في أطراف العلم الإجمالي فلا بُدّ من الإتيان بهما – أي بطرفي العلم الإجمالي – معاً في الوجوب وفي تركهما معاً في الحرمة أي لا بُدّ من الموافقة القطعية.
الجماعة قالوا ما المانع أن تجري الأصول في أحد الأطراف دون الآخر.
لأننا مبنانا في باب التزاحم والتحقيق فيه أن الساقط فيها ليس هو أصل التكليف وإنما هو إطلاق أحد التكليفين وهو ما سوى الأهم إن كان أحدهما أهم أو كليهما على تقدير تساويهما في الأهمية والتزاحم هو صدور حكمين من الشارع والمكلّف لا يستطيع أن يأتي بهما معاً لضيق الوقت أو لغير ذلك، والتعارض أنه أنا أعلم بصدور حكم واحد لا حكمين، و لكنّه اختلط في الحكاية عنه. فلماذا لا نجعل هذه الأصول بمنزلة الأمارات بناءً على السببية.
في الأمارات قولان: أنها على نحو السببية، أو أنها على نحو الطريقية، مبنى المصوبّة أن الأمارات تخلق في التكليف مصلحة تخلق حكماً على أساسه على اختلاف السنة التصويب، فإما أن يوجد واقع أو لا يوجد، وعلى كلٍّ ليس عندنا إلّا الأمارة والشيخ يقول المصلحة تكون في الطريق.
فالأمارة -على القول بالسببية- تخلق حكمين فلا بُدّ أن يرجع إلى التزاحم، ومبنى المخطئة أنها ترجع إلى باب التعارض؛ لأنَّ الواقع واحد والحكاية متعددة في حين أن المصوبة يقولون بتعدد الواقع بتعدد الحكاية.
قلنا إنه يوجد قولان في باب التزاحم أحدهما سقوط التكليفين و العقل يقول لا بُدّ أن تحافظ على أحد التكليفين على نحو التخيير، وقيل إنَّ أحدهما
ــــــــــ[312]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يقيّد بعدم الآخر؛ لأنه لو وجد أحد الحكمين ابتداءً مقيداً أحدهما بالآخر لما تصادما؛ لعدم التزاحم فما دام في كلّ منهما إطلاق وناظر إلى الآخر ولا يجتمعان فنرفع اليد عن موضع المعارضة والتزاحم، إنما يأتي في الجمع بينهما وبعد رفع اليد عن الإطلاق ترتفع المزاحمة.
وعلى هذا بنو مسألة الترتب وهو أننا في باب الامتثال لا بُدّ من وجود أمر وهو غير موجود بعد السقوط، فصححه بعضهم على أساس الملاك وقد صحّحه الجماعة على أساس تقييد أحدهما بعدم الآخر. ولا محذور من الترتب؛ لأنَّ المزاحمة جاءت من إطلاقهما لا من الأمر بهما وهذا هو المبنى السائد والأخير.
فيقال: أن هذا يأتي في الأصول في جريانها في أطراف العلم الإجمالي علمنا أنَّ “رفع عن أمّتي ما لا يعلمون” متناول لأطراف العلم الإجمالي على حدّ سواء، إذا كان هذا فأين هو المحذور؟ أُجري الأصل في الأول وأجريه في الثاني فكلاهما لا يجتمعان مع علمي بالتكليف التفصيلي، لو خلينا وطبع الدليل لكان متناولاً لكل من الطرفين أقصاه أنني إذا أجريته في الطرفين يلزم مخالفة عملية أو مناقضة للمعلوم بالإجمال فلماذا نسقط الدليل بل نقول: اجرِ البراءة في أحد الأطراف إن لم تجرها في الطرف الآخر أي أنّ البراءة تجري في أحد الطرفين إن لم تجر في الآخر فنحن بوسعنا أن نرتّب آثار مثل هذه القيود نقيّد إجراء أحد الأصلين بعدم جريانه في الآخر، فيدخل في باب التعارض لا التزاحم فإذا استعملتُ أحد إناءين – المأمور بالاجتناب عن أحدهما – استطيع أن اجري فيه الأصل؛ لأنَّ الطرف الآخر ليس تحت عملي.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فتبيّن أنَّ الأصول لا يمكن أن تجري في أحد الأطراف؛ لأنه ترجيح بلا مرجح، ولا أن تجري في طرف لا بعينه؛ لأن لسان الأصول إنما يكون متناولاً للأطراف بعينها، ولا أن تجري في كلا الطرفين للزوم المخالفة العملية أو المناقضة للمعلوم بالإجمال.
فنحن لماذا نسقّط كلا الأصلين بل نسقّط إطلاق الأصلين كما عملنا في باب التزاحم، فأجري الأصل في أحد الطرفين إن لم أجريه في الطرف الثاني.
فلذلك يقول الشيخ آغا رضا الاصفهاني: أننا نُرجع الأصول إلى باب التزاحم لأن محذورنا ناشئ – من الاطلاقين لا من أصل الدليل فنرفع اليد عن الاطلاقين فينتج تقييد أحدهما بعدم الآخر، وإذا أجريت الأصل في أحد الأطراف لا تلزم مخالفة عملية.
فعلى هذا الحال يكتفى بالمخالفة الظنيّة ولا تجب الموافقة القطعية وقد أطال الشيخ في الجواب عليه.
ــــــــــ[314]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قول الشارح: “فيستصحب الحكم مع عدم التوالي“(2)، الاستصحاب يأتي في ثلاثة موارد:
ــــــــــ[315]ــــــــــ
() الفقه، (شرح اللمعة)، الشيخ محمّد تقي الإيرواني، نفس التاريخ، 24/2/1962. (المقرِّر).
(2) ج2 ص80. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والضابط الكلّي لهذا القسم من الاستصحاب هو أن يكون هناك شبهة حكمية نشك فيها لتبدّل بعض الطواري والخصوصيات هل الحكم السابق من ناحية تبدّل الموضوع باقٍ أو أنه قد تغيّر. وفي الحالة الأولى يحكم عليه بحكم ويحكم عليه بالحالة الثانية بحكم آخر فنقول ما دام محكوماً بالحالة السابقة بحكم فهو محكوم بالحالة اللاحقة بنفس الحكم وهذا لا ينطبق على مسألتنا.
و لكن يمكن أن يصدق على موضوعنا الاستصحاب التعليقي العنب كان في حالة بحيث لو غلى يحرم فالآن بعد أن صار زبيباً هل يصدق عليه الحكم أو لا، فيستصحب؟ نقول لو طلقها تسعاً متواليات لحرمت فإذا طلقها عشرين طلاق بينها ستّة للعدة فهل تحرم؟ هذا لفظ استصحاب لا واقع استصحاب؛ لأنه يجب أن يكون هناك تدرج في الحالات على ما في الاستصحاب التعليقي من إشكال فالاستصحاب استصحاب لغوي هنا -أي في عبارة الشارح- لعدم توفّر أركان الاستصحاب.
ــــــــــ[316]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأساس الذي بنينا فيه رأينا على اتصاف الله تعالى بجميع صفات الكمال المناط في وجوب اتصافه بجميع صفات الكمال.
أننا بعد أن أثبتنا أنه يجب أن يكون صرف الوجود فما يتعلّق بالوجود من كمال يجب أن يتصف به ومتى نقص عن واحدة من الصفات لا يكون صرف الوجود؛ لأنه تدخل في حقيقته(2) العدم وما كان صرف الشيء لا يمكن دخول نقيضه فيه.
وهذا الدليل يأتي في كلّ صفات الكمال فإذا دخل في حقيقته العدم لا يكون صرف الوجود فلا يكون واجب الوجود، فما فرضته صرف الوجود لا يكون صرف الوجود.
فمناط اتصافه بجميع الكمالات مناط واحد وهو الدليل اللمّي لا الدليل الإنّي الذي يقول: لمّا وجدت الموجودات على أدق نظام فلا بُدّ أن
ــــــــــ[317]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأربعاء 28/2/1962. (المقرِّر).
(2) في المسودّة صفته. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يكون خالقها عالماً مدبراً مختاراً.
لما أثبتنا أنه صرف الوجود فلا بُدّ أن يتصف بجميع صفات الكمال ومن جملة صفات الكمال الاختيار؛ لأنَّ المختار خير من المجبور والاختيار هو: القدرة على التصرّف والقادر على التصرّف لا بُدّ أن يكون أعلى درجة من العاجز والعالم أعلى درجة من الجاهل، وهذا طريق لـمّي وهو أعلى درجة من الطريق الإنّي؛ لأنه يمكن أن ينشأ هناك المغالطات من أنه -أي هذا العالم- مخلوق بالصدفة أو غير ذلك فتكون المناقشة معهم صعبة أما الدليل اللمّي فليس كذلك.
ــــــــــ[318]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
سبق أن تحدّثنا عن وجوب الموافقة القطعية في العلم الإجمالي بعد أن بيّنا سابقاً حرمة المخالفة القطعية.
ولكن هل تجب الموافقة القطعية؟ هل أنت ملزم بالإتيان بالجميع في حالة الوجوب و هل أنت ملزم بترك الجميع في حالة الحرمة أم تكفي الموافقة الاحتمالية؟
قلنا: بعد أن تنجّز العلم الإجمالي وهو أوصَلَ التكليف إلي بـ(وجوب) الاجتناب عن أحدهما، فهل أنا ملزم بالتكليف أو لا وهل استحق العقوبة إذا صادف ما ارتكبته أنه المتنجس واقعاً أو لا؟
ولدينا قبل الحديث عن تنجّز العلم الإجمالي قاعدة هي: أن الإنسان قبل أن يقدم على تكليف من التكاليف لا بُدّ أن يتّكل على مؤمّن وهو قد يكون قاعدة عقلية، أو نقلية ليحرز جوازه من الشارع فعندنا هنا أيضاً لا بُدّ أن نعتمد
ــــــــــ[319]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، السبت 3/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
على أصل أو قاعدة، فما هو هذا الأصل الذي يمكن أن يجريه في أحد الأطراف دون الآخر.
قلنا لا يمكن أن يجري قسم من الأصول في أطراف العلم الإجمالي أما لأن رتبته غير محفوظة، وأنها تصادم نفس المعلوم بالإجمال كالإباحة التي هي متأخّرة رتبة عن العلم لا مترتبة على حال الشك، فأنت ملزم وأنت مخيّر لا يجتمعان والأصول التنزيلية.
اعتبر هذا واقعاً في هذا الطرف و-اعتبره واقعاً- في الطرف الآخر وعلمك بالواقع لا يجتمعان، أي اعتبر هذا الطرف على خلاف الواقع.
فعلى مبنى المرزا الشارع لا يستطيع جعلها، أما الأصول غير التنزيلية فإذا لزمت المخالفة العملية تجري وإلّا فلا.
فالأصول لا تجري؛ لأننا لا نستطيع إجراءها بالطرفين لأنها مصادمة للعلم واجراؤها في أحدهما غير المعيّن لا يمكن؛ لأنَّ مفاد الأصول مفاد تعيين لا مفاد لا معيّن أي إنّ (الشيء) المشكوك مرفوع.
وتجريه في أحد الطرفين دون الآخر ترجيح بلا مرّجح؛ لأن الأصول لا تتفاوت بالنسبة إلى الأطراف بما هي أصول.
إذن الأصول لا تجري ولا بُدّ أن تنتهي إلى التساقط فإذا أقدمت على أحد الأطراف أقدمت بدون مؤمّن(1) وإذا صادف ما ارتكبته المنهي عنه واقعاً فأنت تستحق العقوبة؛ لأنَّك أقدمت على الارتكاب بدون إذن الشارع.
ــــــــــ[320]ــــــــــ
() في المسوّدة: منجز. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
سبق أيضاً أن قلنا: إنَّ الإشكال الذي وجهه آغا رضا الاصفهاني هو أننا لماذا لا نجري الأصلين معاً في كلا الطرفين مع تقييد أحدهما بالآخر.
القدماء في باب التزاحم يقولون لا بُدّ من سقوط الحكمين و لكن ما دام الملاك محفوظاً فعندي تخيير عقلي بينهما لا بما أنه مأمور به لأنَّ الشارع لا يستطيع أن يكلفني بغير المقدور بل لأنَّ ملاكه محفوظ.
والمرزا والجماعة الترتبيّون يقولون لا حاجة إلى رفع اليد عن أصل الدليل بل أرفع اليد عن الإطلاقين فأقيّد أحدهما بعدم الآخر فأنا أرفع اليد عن مقدار مسألة التزاحم.
بالنسبة إلى الأمارات أرادوا أن يطبقوا نفس هذا المطلب لما كان مفاد السببية في الأمارات خلق حكمين على مفاد كلا الأمارتين فمعناه أن تكليفين وجدا ولا أستطيع أن أقوم بكليهما فلا بُدّ أن اقيّد أحدهما بمفاد الآخر.
هذه القاعدة هل أستطيع أن أجريها بالنسبة إلى الأصول في أطراف العلم الإجمالي بالنسبة إلى كلّ واحد من الأطراف أو لا؟
فتطبيقهما أي الأصلين اللذين نجريهما في الطرفين على كلّ من التكليفين(1) تلزم منه المخالفة العملية فلماذا أسقّط التكليفين كليهما، بل أرفع اليد عن الإطلاقين؛ لأنَّ المخالفة العملية نشأت عن التعارض فأقيّد أحدهما بعدم الآخر فأدخلهما في باب التزاحم حالها حال الأمارات على مبنى السببيّة.
نريد أن نقيّد الأصول على الأمارات؛ لأنَّ المخالفة العملية إنما نشأت من
ــــــــــ[321]ــــــــــ
() كذا في المسودّة والأصح على كلّ من الطرفين. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إجرائهما معاً فأنا لا أجريهما كليهما بل أقيّد أحدهما بعدم إجراء الآخر، وأنا أختار حينئذٍ فأجري الأصل به أي بالطرف الذي اختاره وارتكبه.
طريقة دفعها: يجب أن أعرف أنَّ التخيير بين الطرفين من أين يأتي فإمّا أن يقتضي ذلك التخيير نفس لسان الدليل الكاشف وأخرى طبيعة الحكم المنكشف ولا ثالث لهما، فإذا عرفنا أنه لا يتأتّى بها التخيير في الدليل الكاشف ولا المنكشَف فلا تخيير.
أما الأوّل فإذا جاء أمر بإكرام العلماء وأنا أعلم بأنَّ زيد وعمرو خرجا ولكنّني أشك أنهما قد خرجا خروجاً أفرادياً أو أحوالياً فهما يخرجان في جميع الأحوال إذا كان خروجهما أفرادياً، وفي الصورة الثانية أي في الخروج الأحوالي يكرم أحدهما مع عدم إكرام الآخر.
فأنا أشكّ أن التقييد جاء في بعض الحالات أو في جميع الحالات فهل خرجا بجميع أحوالهما فيكون تخصيصاً أفرادياً وأحوالياً، أو أنَّ زيد يكرم في حال عدم إكرام عمرو فيكون تخصيصاً أحوالياً فقط.
عندنا قاعدة بالنسبة إلى التخصيص لو دار الأمر بين تخصيصين أحدهما أكبر من الثاني فنقتصر على التخصيص الأقلّ والباقي نعتبره داخل في العام.
فهنا إذا قلنا إنهما خرجا في جميع أحوالهما يكون التخصيص أكثر والقدر المتعيّن هو الصورة الثانية، فمعناه أنَّ زيداً يكرم ما لم يكرم عمرو والعقل يخيّرك بينهما وهو أي هذا التخيير العقلي ليس تخييراً واقعياً؛ لأنَّ زيداً إما أن يكرم في الواقع أو لا يكرم وإنما جاء التخيير من طبيعة الجمع بين الدليلين وجود عام
ــــــــــ[322]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وعدم إمكان الجمع بينهما ومن الجمع بين هذه القواعد نتج التغيير.
إنَّ التخيير بلحاظ الدليل المنكشَف ف-هو العلم بصدور حكمين معاً ولكن العقل يقول بأن كلاً من الدليلين مأخوذ فيه القدرة أنت لا تستطيع على أن تأتي بالاثنين(1) وليس التخيير وارداً من نفس الدليل وإنما طبيعة الكشف هو الذي دلّك على التخيير.
ــــــــــ[323]ــــــــــ
() في المسوّدة على أحدهما. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
انتهينا بالأمس أن الأصول لا تجري في أطراف العلم الإجمالي لأنَّ إجراءها في الطرفين يلزم منه المخالفة العملية و إجراؤها في الطرف غير المعيّن لا يجوز؛ لأنَّ الأمور غير المعيّنة ليست موضعاً لإجراء الأصول، وإجراؤها في أحدهما دون الطرف الآخر ترجيح بلا مرجح فتتساقط الأصول، ويحتاج ارتكاب أحد الأطراف إلى مؤمّن فالمخالفة والموافقة الاحتمالية لا ترتكز على مؤمّن عقلي أو شرعي إذن فهي غير جائزة ولا بُدّ من الموافقة القطعية عند ارتكاب أحد الطرفين.
الإشكال الذي ورد على لسان -لعلّه- آغا رضا الاصفهاني لماذا لا نقيس الأصول على الأمارات على مبنى السببية؟ وهي أي الأمارات بناء على السببية تجري على باب التزاحم لا التعارض والتزاحم هو صدور حكمين من الشارع مع عدم إمكان امتثالهما جمعاً، فإذا صدر أمران والزمان لا يتسع لهما فإما أن
ــــــــــ[324]ــــــــــ
() الأصول، (فوائد الأصول)، السيد محمد تقي الحكيم، الأحد: 4/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نسقط الأمرين ونرجع إلى التخيير العقلي، أو نسقط إطلاقا الأمرين كما قال المرزا؛ لأنَّ التزاحم من إطلاق الأمرين لا من نفس الأمرين فأنا بمقدار ما أرفع اليد عن المزاحمة أرفع اليد عن الإطلاق، وهذا هو معنى الترتب فيكون أحدهما مقيداً بالآخر.
والأمارات بناءً على السببية تقوم على التزاحم؛ لأن معنى السببية خلق حكم على وفقيها فإذا انخلق حكمين على وفق الامارتين معاً ولا يمكن الجمع بينهما فيتزاحمان فإما أن آخذ أهمهما إن كان فيهما أهم، أو أرتب آثار الترتّب.
والإشكال يقول: إننا نطبق نفس العملية في أطراف العلم الإجمالي والمحذور من إجراء الأصلين معاً هو المخالفة العملية، فأنت اجرِهِ في أحدهما ما لم تُجرِهِ في الطرف الآخر فأرفع اليد عن إطلاق كلّ منهما أي الأصلين وأجرِ الأصل في أي طرف ما لم أُجرِهِ في الآخر، فأنا أريد أن أرتكب مخالفة احتمالية فأجري الأصل في أحد الطرفين ويكون إجراء هذا الأصل مؤمّناً لي.
وقد أخذت هذه الشبهة مأخذاً من نفوس أهل العلم فلذا أطال المرزا في ردّها.
المرزا يقول: يجب أن نفهم التخيير الموجود عندنا ما هو منشأه والتخيير على قسمين: تخيير منشأه الكاشف، وتخيير مستفاد من المنكشف، قسم يستفاد من الأدلّة وفي الواقع يوجد حكم واحد، وحيث هو – أي الواقع – مخفي علينا فأنا مخيّر بين الفردين و قسم مستفاد من التكليف الواقعي وأنا مخيّر بين الطرفين.
ــــــــــ[325]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والقسم الأوّل كما إذا ورد عندي عام (أكرم العلماء) وعرفت خروج زيد وعمرو منه قطعاً، ولكن شككت بخروجهما على كلّ حال أي خروجاً أفرادياً وأحوالياً، أو أحوالياً فقط بمعنى أنَّ زيداً أكرمه إن لم أكرم عمراً، أو عمرو أن لم أكرم زيداً، فهل يخرجان بجميع أحوالهما، أو يخرج أحدهما ما لم يخرج الآخر؟ فيدور الأمر بين التخصيص الأفرادي و الأحوالي و بين التخصيص الأحوالي فقط.
فإذا شككت فعند الجماعة قاعدة في باب التخصيص: أنَّ المخصِّص إذا دار أمره بين السَّعة والضيق يأخذ بالقدر المتيقن أي أقلّهما تخصيصاً والقدر المتيقن هنا التخصيص الأحوالي، ومفاد التخصيص الأحوالي أكرم أحدهما إن لم تكرم الآخر، فأنت مخيّر حينئذٍ بالإكرام، وهذا التخيير نتج من اجتماع هذه المقدمات.
هل هذا التخيير واقعي موجود في اللوح المحفوظ أو ظاهري؟ بل هو ظاهري؛ لأنَّ الواقع: إما زيد أو عمرو يكرم، أو كلاهما لا يكرمان ومن الجمع بين الأدلّة حصل التخيير.
أمّا القسم الثاني: فعندي حكمان واقعيان موجودان والعقل يقول: كلّ تكليف لا بُدّ أن يكون منوطاً بالقدرة. وليس عندي أنا مقدرة إلّا على أحدهما فإذا كانا متساويين بالأهمية وملاكاً فأنت مخيّر بينهما، وهذا تخيير واقعي أي أنني لو اطلعت على اللوح المحفوظ لوجدت نفسي مخيراً. وليس عندنا تخيير ثالث.
فما هو هذا التخيير المدّعى في إجراء الأصول في أطراف العلم الإجمالي هل هو واقعي أو ظاهري؟
ــــــــــ[326]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
(ظاهري)(1)! أدلّة الأصول غير ناظرة إلى الطرف الثاني نهائياً أي لا تقول اجرِ هذا الأصل في هذا الطرف إن لم تجره في الآخر. فلو خلّيت أنت والأصل فهو ناظر إلى طرف واحد والعلم بالمخالفة القطعية لا تجعلني مخيّراً؛ لأنه ما الملزم أن أجريهما كليهما، إذن فالدليل أجنبي عن هذا التخيير؛ لأنه ما الملجئ إلى التخيير حيث يمكن الاجتناب عن كلا الطرفين والشارع لا يقول لا بدَّ أن نلتمس عوضاً على كلّ حال.
أمّا عالم المنكشف أي التخيير الواقعي فهل أنا مخيّر من طبع المنكشف؟ وهل يوجد ملاكين والشارع يلزمني بأحد الملاكين؟ لا، فلا عندي إلزام واقعي ولا ظاهري، فمن أين جاء هذا التخيير. فلا منشأ للتخيير.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
() في المسوّدة (واقعي). (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كنّا نتكلّم عن الأساس الذي بنينا عليه في معرفة الله تعالى وصفاته وقلنا إنَّ الأساس هو الأساس اللمّي أي ليس من طريق معرفة المعلولات كما يصنع الناس. فالناس ينظرون إلى الأشياء من زاوية المعلومات على قدر ما يفهمون المعلولات ودقّة تنظيمها ويقولون إن خالقها لا بُدّ أن يكون قادراً مختاراً حكيماً. وهذا يتبع مدى المعرفة الإنسانية بالمعلولات والمعرفة الإنسانية أقصر من أن تحيط بمدى دقّة المعلولات وصحّتها وهي طريقة صحيحة؛ لأنَّ الإنسان يعجب من دقّة المعلولات وهذا التنظيم لا بُدّ أن يكشف عن منظّم.
ولكن قلنا أننا سلكنا إلى ذلك مسلك اللميّة أوّل ما فكرنا أنَّ الأشياء الموجودة لا تخلو: إمّا أن تكون واجبة، أو ممكنة وكل ممكن ليس معناه إلّا بسلب ضرورة الطرفين، فلو قدر كلّ الموجودات أن تكون ممكنات لكان ذلك معنى وجود المعلول بلا علّة ومعنى كلّ ما بالعرض لا يرجع إلى ما بالذات، وهذا غير معقول؛ لأن معنى ممكنة أن وجودها مستقى من الغير، وأن وجودها
ــــــــــ[328]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الثلاثاء 6/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
مستقى من الغير أنه يوجد (غير) فلا بدَّ أن يوجد موجود هناك وجوده غير مستقى من غير وهو ما نسميّه واجب الوجود.
وهنا تبدأ نقطة الخلاف بين الالهيين والماديين، أنَّ الالهيين يقولون إنَّ واجب الوجود لا بُدّ أن يكون واجب الوجود لا مادة له، وأن الروح أسبق من المادة، والماديين يقولون إنَّ المادة قديمة فهم يسمّون المادة واجبة الوجود، فهم يقولون بشيء لا أوّل له ولا منتهى ولا نهاية له كقولهم بلا نهائية الفضاء، والمادة هي أساس الكون لا أوّل لها ولا آخر ولا يحدّها زمان ولا مكان.
فنقول: إنهم وإن لم يصرّحوا بذلك وإن لم يسمّوا الأشياء بأسمائها خوفاً من أن يُلزَموا فيأبون أن يقولوا أن المادة واجبة الوجود أو لا أوّل لها ولا آخر أو لا زمان ولا مكان لأنَّها لما كانت قديمة لا بدَّ أن لا يكون لها مكان ولا زمان.
فنقطة الخلاف ليس في أصل أنَّ مبدأ الكون واجب الوجود ولكن أصل الخلاف أنَّ هذا الأصل هل هو المادة أو الروح أي الأشياء المجردة عن المادة إذن هذه النقاط التي نختلف معهم -فيها- تأتي بالدرجة الثانية:
فنقول لهم: أولاً أمّا هذه المادة التي تقولون أنها واجبة الوجود هل لها ماهية؟ وكل جزء منها أليس له مكان وعرض وطول وزمان وجهات؟ وهذه كلّها صفات الممكن ولا يكون واجب الوجود – شيء هكذا صفاته – فما
ــــــــــ[329]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فرضته واجب الوجود لا يكون واجب الوجود.
ولا يعقل أن يكون واجب الوجود إلّا متصفاً بجميع صفات الكمال ولا يعقل أن يدخل في ذاته العدم ولا يعقل أن يكون ماهية – لأنّك – لما حدّدته بشيء فقد ثنيّته وجزأته وقد قلت إنه ليس بواجب الوجود كما في كلمة الأمير التي سبقت.
وإن كانت ممكنة فنحتاج إلى واجب الوجود لأنَّ ما بالعرض يحتاج إلى ما بالذات.
والقول بواجب الوجود يكفي لإثبات كلّ اللوازم لأنَّ واجب الوجود لا بُدّ أن يكون كاملاً في جميع جهات الكمال ولا يمكن أن يدخل النقص في ذاته ومتى دخل النقص في ذاته لم يكن واجب الوجود ولم يكن وجوده منتزعاً من ذاته فهذه المراحل التي سلكناها مبنية على هذا الأساس.
فمن جملة الصفات التي يجب أن نتحدّث عنها قدرته تعالى أن يكون قادراً لأنَّ العجز نقصان بذلك المناط -السابق- فيجب أن يكون متصفاً بأعلى درجات القدرة وإلّا لم يكن واجب الوجود.
ولكن ما معنى القدرة؟ القدرة لها تفسيران: 1. صحّة الفعل والترك كما يعبّرون.
كلمة القدرة في الحقيقة لها اصطلاحان: القدرة بمعنى القوة والقوة لها اصطلاحان في مقابل الفعلية -كما تقول- البذرة في قوة إنَّ تكون شجرة أي لها
ــــــــــ[330]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قابلية – ذلك – والقوة في مقابل العجز أي التمكن فحينما نقول أنَّ الله تعالى قادر أي قوي ليس المقصود المعنى الأول بل هو عين الفعلية، نعم القدرة فينا تكون بمعنى الاستعداد أنا لي قدرة على التكلم أي استعداد على التكلم.
والطبيعة والأجسام بها القوة بالمعنى الأوّل كالقوة الموجودة في بذرة الشجرة ونطفة الإنسان ونطفة الحيوان فنطفة الإنسان إنسان بالقوة وهو -أي القوة- نقصان لها -أي للممكنات-.
ولا يمكن أن يوصف الله تعالى بها بمعنى ما ينسب إلى المخلوقات لأنه نقصان لأنَّ القوة لها شيء من الفعلية ولكنها ليست جميع الفعلية لأن ما به القوة معناه ممكن يعني ناقص.
وبالنسبة إلى الله تعالى لما قلنا إنه يستحيل أن يدخل في حقيقته شيء من الأشياء العدمية فلا بُدّ أن يكون فعلية تامّة فالقوة يعني الفعلية وليس الاستعداد.
فلا معنى لصحة الفعل والترك بالنسبة إلى الله تعالى لأنَّ معنى إمكان أن يفعل أو يترك -أن- يدخل في حقيقته الإمكان فلا بدَّ أن نفسّر القوة أنه: إذا شاء فعل وإذا لم يشأ لم يفعل وهو تمام الفعلية فيه.
ومن أغرب العبارات عبارة الآخوند: أنه تعالى إذا شاء فعل وإذا شاء أن لا يفعل لا يفعل لأنَّ العدم لا يحتاج إلى علّة.
ــــــــــ[331]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كنّا نتحدّث عن نسبة القدرة إلى الله تعالى ومعناها القدرة تأتي بمعنيين: القدرة فسّرت بصحّة الفعل والترك، وفسّرت بأنَّ القادر إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
وذكرنا أنَّ التفسير الأخير على خلاف ما هو مشهور عند بعض المؤلفين في الأصول كما هو في الكفاية يقول: إن شاء فعل وإن شاء أن لا يفعل لا يفعل. وقلنا إنَّ هذا التفسير غير صحيح؛ العدم مقدور ولكن معنى القدرة على العدم ليس بمعنى القدرة على استمراره أو قطعه، وأن تتعلق القدرة بالفعل وتعلّقها بالعدم على طبع تعلقها بالفعل. أي يكفي في العدم عدم حصول العلّة لأن الشيء إذا تمّت علته كاملة فلا بُدّ أن يوجد وإذا نقص جزء منها لا يوجد لا أنه يحتاج إلى علة لعدمه، ولذلك يقال من باب التسامح عدم العلّة علة العدم، وهذا ليس من قبيل العلية لأن العلية بمعنى التأثير وهنا لا يمكن التأثير فنستطيع أن نقول إن العدم لا يمكن أن تتعلق بها القدرة.
ــــــــــ[332]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الاثنين 12/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالقدرة على الوجود، فإذا لم يشأ لم يفعل لا أنه استمرار للعدم، والعدم لا وجود له حتّى يكون مستمراً.
الظلمة بالنسبة إلى النور عدم ملكة كالأعمى والبصير، فإن الأعمى يكون بما من شأنه أن يكون بصيراً أمّا ما ليس من شأنه أن يكون بصيراً لا يقال له أعمى كالحجر، فالظلمة باعتبار أن من شأن هذا الفضاء أن يكن مستنيراً فيكون مظلماً، فالظلمة ليست مطلق عدم النور بل عدم ملكة بالنسبة إليه.
فيكفي في العدم عدم العلّة في الوجود يقولون أنَّ العدم ليس بمقدور أي ليس متعلقاً بإرادة أو مشيئة؛ لأنه لا يمكن فيه التأثير فلذا نقول: القادر مَن إذا شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
فالغرض أنَّ هذا التعبير يجب أن تتأكّدوا منه أنَّ المختار مَن إن شاء فعل وإن شاء أن لا يفعل لا يفعل، هو تعبير بعيد عن الحقيقة جداً لأنَّ العدم لا يحتاج إلى إشاءة بل تكفي عدم الإشاءة.
القدرة لا تتعلق بالأعدام وكذلك الخلق والإرادة ممّا يفرض علّة للوجود وهو لا يمكن نسبته للعدم بالأصالة بل ينسب إلى العدم على نحو التبعية والمجاز؛ لأنَّ المعدوم لا [شيء] فلا تأثير ولا تأثّر فيه.
بقي تفسير القدرة بصحّة الفعل والترك، أنه إذا أريد منه إمكان الفعل والترك فهذه صفة ليست في القادر بل صفة للفعل، يمكن للفعل أن يوجد وأن لا يوجد وهو لا يزيد على معنى الإمكان، وشرط في كلّ قدرة هو إمكان المقدور.
أمّا الإمكان وصحة الفعل والترك من الفاعل، أي يمكنه أن يفعل أو لا
ــــــــــ[333]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يفعل أي لا يمتنع عليه فهو صحيح ويرجع إلى: “إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل”، ولكن لا يصح بالنسبة إلى الله تعالى؛ لأنَّ القدرة عنده تكون عين الفعلية فعندما نفرض أنه قادر فلا بُدّ أن تكون قدرته كاملة فعلية فلا معنى للإمكان فيه.
فإذا أريد بالقدرة صحّة الفعل والترك إلى الفاعل بمعنى الإمكان فلا يصح نسبة القدرة بهذا المعنى إلى الله تعالى؛ لأنه تام من جميع الجهات لا يمكن أن يدخل في حقيقته الإمكان؛ لأنَّه ينافي وجوب الوجود ومعنى دخول الإمكان في حقيقته عدم الضرورة، والعدم لا يمكن أن يدخل في حقيقة من هو ينتزع الوجود من نفس ذاته وهو محض الوجود والوجوب، فلا يمكن أن يكون الله تعالى قادراً بمعنى صحّة الفعل والترك، نعم يصح ذلك بمعنى أنه إذا شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل على تبع إرادة الفعل إذا تعلّقت إرادته بالأشياء فحينئذ يريدها فيفعلها.
فالقدرة فينا لا ينبغي نسبتها إلى الله تعالى، لأنَّ القدرة فينا معناها الإمكان ومعناها صحّة الفعل والترك أي معناها القوة في مقابل الفعلية نحن لنا قوة على الفعل أي لنا قوة على الفعل والترك، أي متمكنين من الفعل والترك، ولا يصح أن تنسب إلى الله تعالى وهو محض الفعلية والوجود فنحن نصف الله تعالى بأنه عالم لا على المعنى الذي يصدق علينا فكذلك قدرته.
أمّا كيف تتجدد الأشياء وقدرته قديمة وهي محض ذاته ولا بخل في ساحته، ولكن ذلك أي الحدوث يكون نقصاً في القابل لا في القادر لأن القدرة إنما تتعلق بالشيء القابل فيوم الخميس لا بُدّ أن يأتي بعد الأربعاء وقبل الجمعة
ــــــــــ[334]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وإلّا لم يكن يوم الخميس، فقدرته تسع كلّ شيء إذا كان الشيء له استعداد للوجود في هذا الظرف فالنقصان ليس في القدرة بل في المقدور.
كل شيء لا بُدّ أن تكون له قابلية حسب ظروفه الخاصّة وعليه فلا بُدّ أن يتجدد، وكل شيء يتجدد على حسب قابليته وتجدد المخلوقات ليس معناه تجدد القدرة فيه، وذلك كما قلنا في العلم إنَّ جميع الأشياء حاضرة لديه بدون تقدّم وتأخّر وإن كانت فيما بينها متقدّمة ومتأخرة، كما تعقّلنا أنَّ الحادث يكون معلوماً لله تعالى وعلمه قديم. نتعقّل كيف يكون الحادث فعلاً لله تعالى وقدرته قديمة؛ لأن قدرته محيطة بكل شيء وكل شيء بحسب استعداده الزماني والمكاني يكون مشمولاً لقدرته تعالى.
فالله تعالى(1) حيث إنه واجب الوجود من جميع الجهات فقدرته واجبة الوجود من جميع الجهات بالنسبة إليه ولكنّها ليست كالقدرة فينا المشوبة بالإمكان والقصور والتردد(2).
ــــــــــ[335]ــــــــــ
() في المسودة مع كونه. (المقرِّر).
(2) ثُمّ تعرض الشيخ حفظه الله إلى الدليل الإنّي الذي يقيمه المتكلمون على القدرة والدليل اللمّي الذي اختاره ـ وقد ذكرناهما فيما سبق ـ ثُمّ قال ـ لمّا كان الشيء موجوداً فلا بدَّ أن يكون حياً قادراً شاعراً غاية الأمر -أنه يتصف بهذه الصفات- بمقدار حظّه من الوجود فلذا نقول كلّ ذرة من العالم قادرة على الحركة وعالمة وشاعرة بحركتها ـ بل هذه الصفات هي نفس الوجود وكلما يترقى الوجود تترقى معه هذه الصفات. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يجب(2) أن يكون الموضوع هكذا: هل يستطيع غير الأديب أن يكون فقيهاً؟
الفقه معناه الفهم والعلم وأسّ عمله فهم النص، ولن يفهم النص بدون فهم أدبي، فالشخص إن لم يكن ذا حظ من الأدب فمن الصعب أن تصدر أحكامه عن صحّة، وأنا أشك في شخص لا يحسن العربية احساناً جيداً جداً ويحسن التمييز بين وجوه المجاز، والكنايات والاستعارات، ثُمّ يستطيع أن يستنبط حكماً فقهياً من قرآن أو حديث نبوي أو رواية إمام.
قد يقال إنَّ كثيراً من الفقهاء هم من أصل فارسي وذوقهم الأدبي ضعيف فكيف صار فقيهاً. والواقع يكذب هذا فكثير من أساطين الفقهاء وخاصّةً المتقدمين كانوا على جانب كبير من الفهم الأدبي جائز أن يكون هناك قائل لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد ليس عندهم ذوق في فهم النصوص.
ــــــــــ[336]ــــــــــ
() تقرير الدكتور عبد الرزاق محي الدين، السبت 17/3/1962. (المقرِّر).
(2) سألته حفظه الله: هل يمكن للفقيه أن يكون أديباً؟
فأجاب: يجب… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
و لكن مجرّد كون الإنسان أديباً لا يستطيع أن يكون فقيهاً؛ لأنَّ الشعر لا صلة له بالموضوع، بل يجب أن يجرّب نفسه في فهم النصوص النثرية الأدبية.
والأديب الصحيح لا بدَّ أن يكون ذا ثقافة واسعة، والشخص الذي له ثقافة عامة ليس بأديب في الواقع، أمّا الذين يقصرون أنفسهم على تراجم الشعراء وفهم النصوص فهم ليسوا بأُدباء.
ــــــــــ[337]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المورد لا يخصص الوارد العام قطعاً، ولكنّه يكون من قبيل القدر المتيقن، وهذا يوجب غالباً رفع اليد عن التمسك بالإطلاق؛ لأنَّ القدر المتيقن في مقام التخاطب يؤثّر بالتمسك بالإطلاق فيبقى الكلام مجملاً ليس له ظهور في التقييد أو الإطلاق.
فالمورد يكون موجباً للخلل بالعام في عمومه والمطلق في إطلاقه لأنه يكون من قبيل القدر المتيقن الذي يمنع من الأخذ بالإطلاق.
ولكن إذا كان هناك -أي في العبارة- شيء أقوى من الإطلاق كما إذا كان الإطلاق ظاهر عن طريق غير مقدّمات الحكمة.
إذا كان الإطلاق عن طريق مقدمات الحكمة فيضر القدر المتيقن بالإطلاق، أما إذا كان الاطلاق أو العموم من ناحية ظهور اللفظ أو القرائن المقامية، أو التعليل لا يضر التمسّك بالظهور.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
() تقرير الشيخ محمّد رضا المظفّر في كتاب مسائل فقهية، الاثنين 19/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هذا من ناحية القاعدة الأصولية وهذه الروايات فيها جهة تعليل وهو أن لا يُحرج أُمّته؛ لأنَّ ذلك ظاهر في السفر وفي الحضر. وهو وإن كان ظاهراً في السفر -فقط إلّا أنَّه- ليس(1) من المنّة كثيراً أن يرفع الحرج في السفر – دون الحضر.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
() في المسوّدة وليست (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان الحديث عن قدرة الله تعالى وكيف يجب أن يتصف بكونه قادراً وطبعاً معنى قدرته أنه مختار يفعل ما يشاء.
كنّا نتحدّث عن قدرة الله تعالى وفسّرنا القدرة بأنَّه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل. وفعلية القدرة بالنسبة إلى الله تعالى غير فعليتها بالنسبة إلى الممكنات؛ لأنَّ القدرة بالنسبة إلى الممكنات هي بمعنى القوّة أي القوة الإمكانية لا في مقابل الضعف، أما بالنسبة إليه تعالى فتكون دائماً على نحو الفعلية، فهو أكمل ما يمكن أن يفرض في القادر(2) وهو فعلية السيطرة والتسلط وفعلية إشاءة أن يفعل ما يشاء.
بقي البحث في أنَّ إرادته كيف تكون تكوينية وتشريعية وكيف يأمر بالشيء أن يكون فيكون.
ــــــــــ[340]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، نفس التاريخ، 19/3/1962. (المقرِّر).
(2) كذا في المسوّدة ولعلّ الصحيح أن تكون العبارة هكذا فقدرته أكمل قدرة يمكن أن تفرض في القادر. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
من جملة الصفات الثبوتية هي (الحياة) فقالوا إنَّ الله حيٌّ وقد نطق بذلك القرآن الكريم والروايات عن النبي والأئمة و لكن ما معنى اتصافه تعالى بكونه حياً وعلى أن تكون حياته عين ذاته.
لما يقولون هذا به حيوية ما معناه؟ فهل نفهم من الحياة الحركة أو قوة الحركة، أو قوة النمو. وهذه أمور لا يمكن أن تنسب إلى الله تعالى أو هي القدرة على الفعل أو في الحقيقة القدرة على التصرّف هي الحياة.
ما هي الحياة التي يمكن أن تطلق على الله تعالى، ونحن لا نريد اصطلاحاً لغوياً غير ما نفهمه من الحياة -عند سائر الأحياء- غاية الأمر أنها عنده أقوى. وكما أننا نفهم من علم الله كما نفهم من علم غيره.
غاية الأمر أن عنده أعلى درجات العلم، وكذلك القدرة فالحياة التي يصح أن نطلقها على الله تعالى لا بُدّ أن تكون هي التي نفهمها من سائر(1) الموجودات و لكن تكون عنده أقوى من جميع الجهات، فهي على نحو ما نجده في الممكنات غاية الأمر أنَّ وجودها في الله تعالى أقوى ممّا هو موجود في الممكنات.
ففي الحقيقة هي القوة على التصرف والقوة على الفعل، سواء كان هذا الفعل اختيارياً أو غير اختياري، والحياة التي نستطيع أن نفهمها وتنطبق على كلّ حي، هي التي ترافق الوجود بحيث يكون الوجود والحياة متلازمين مقابل الميت.
ففي الحقيقة أنَّ معنى الحياة يلازم معنى الوجود وكلّ موجود يكون حياً
ــــــــــ[341]ــــــــــ
() المسودة على سائر الخ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
غاية الأمر أنَّ الحياة تكون بقدر ماله من حصّة في الوجود وكلما يقوى الوجود تقوى معه الحياة والقدرة. والقدرة والحياة تلازم الوجود بما هو وجود.
فالحياة أمر ومعنى يرافق الوجود بحقيقة وإن لم يكونا متحدّين مفهوماً فلا يمكن فرض موجود بدون حياة، ولا يمكن فرض حي بدون وجود وهذه المعاني التي نفهمها كالقدرة على التصرّف والقدرة على الحركة هي مظاهر الحياة، والحياة في الحقيقة هي الوجود وفي مقابلها الميت(1).
وسرّ استكشاف ملا صدرا للحركة الجوهرية يظهر من هنا حيث أدرك أن كلّ موجود لا بُدّ أن يكون حيّاً وأن الجمادات لا بُدّ أن تحتوي على الحياة والقدرة والشعور، والعلم الحديث صار دليلاً على ما استنبطه ملّا صدرا -من الدليل- إذ قال إنَّ كلّ ذرّة فيها من الحركة ما يدهش.
فالحياة التي نفهمها هي ما ترافق الوجود تحققاً ووجوداً وثبوتاً وهوية وإن اختلفت معه مفهوماً، وكلّما فرض الوجود فرضت مع الحياة وتختلف باختلاف مراتب الوجود فما كان وجوده ضعيفاً كانت حياته ضعيفة وما كان وجوده قوياً كانت حياته قوية وإن كان الوجود من أقوى الموجودات كان الحياة عنده من أقوى الحيوات.
واقع الوجود يرافق واقع الحياة فلا يمكن(2) أن تفرض أنَّ شيئاً هو موجود إلّا وهو حيّ غاية الأمر أنها -أي الحياة- تتبع درجات الوجود فإذا كان في أعلى
ــــــــــ[342]ــــــــــ
() كذا في المسوّدة ولا بُدّ أن يكون وفي مقابلها الموت. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة لا يمكن الخ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
درجة من الوجود فهو في أعلى درجة من الحياة.
وهذا يكون برهاننا على حياة الله تعالى؛ لأنَّه واجب الوجود وهذا هو الدليل اللمّي ولا يهمّنا الدليل الإنّي الذي يذكره المتكلّمون فنحن عندما نعرف أنَّه موجود نعرف أنه حي وهذا هو برهاننا ولا نحتاج معه إلى برهان آخر.
يقول الطوسي أنَّ الحي أفضل من الميّت فيجب أن يكون الله تعالى حيّاً، ولكن هذا يحتوي على مناقشة.
هل(1) يمكن أن يصدّق هذا بالنسبة إلى قولنا الطويل أفضل من القصير؟ فليس كلّ صفة يجب أن يتصف بأفضل صورها بل الصفات التي هي كمال للوجود فيجب أن يتصف بأعلى درجاتها.
وهذا هو الدليل اللمّي أي ليس استدلالاً بالمخلوقات على الخالق فالله أجلّ من أن يعرف بخلقه بل الخلق تعرف به.
مستحيل مفارقة الحياة للوجود فإذا كان الله تعالى واجب الوجود فلا بُدّ أن يكون واجب الحياة ويقولون إنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، فمعطي الحياة لا بُدّ أن يكون حيّاً ولكننا لا يمكننا أن نأخذ هذا كقاعدة لأنَّ معطي البياض لا يجب أن يكون أبيضاً.
فالشيء الذي لا يرتبط بالوجود لا يمكن أن نقرن به الله تعالى المنزّه عن صفات الممكنات لأنَّه منزّه(2) عن صفات الممكنات بما هي ممكنات لا بما هي
ــــــــــ[343]ــــــــــ
() ثُمّ قال المدرس بأنه هل…(المقرِّر).
(2) في المسوّدة فهو تنزّه الخ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هي موجودة، أي أنه منزّه عن الصفات التي ترافق الإمكان لا عن الصفات التي ترافق الوجود إذ لا معنى؛ لأن يتصف من صفات الممكنات بأفضلها بل يجب أن يتصف بأفضل صفات الوجود.
ــــــــــ[344]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
التعليل الوارد في الروايات للجمع بين الصلوات وهو أن لا يخرج النبي أُمّته عام وتخصيصه بالحرج السفري يحتاج إلى قرينة، فهو من باب انطباق العام على موضوعه لا أنَّ مورد العام هو الخاص فقط.
المورد لا يخصص القاعدة فهو أسند الحرج من حيث كونه حرجاً ولم يقل لئلا لا يحرج أُمّته في السفر، فلا ظهور له في خصوص السفر بل الحرج من حيث هو حرج لا يرضاه الله للناس، فالمنّة من الله برفع الحرج إنما يكون(3) بإسناد الحرج من حيث هو حرج لا تخصيصه بالسفر فقط وتطبيق الكبرى على الصغرى لا يخصص الكبرى.
فإذا فُهم من الحرج أنَّه من حيث هو حرج تكون قاعدة عامّة لا تختص
ــــــــــ[345]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامّة: التاسع. (المقرِّر).
(2) الفقه المقارن، (كتاب مسائل فقهية)، الشيخ محمّد رضا المظفر 20/3/1962. (المقرِّر).
(3) في المسوّدة وأسفار الخ.(المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بالسفر ولكن تبقى المسألة هكذا: هل هذا التعليل من قبيل الحكمة أو من قبيل العلّة، أمّا الحكمة فلا يجب أن نثبت في كلّ مكان يثبت فيه الحكم أما العلّة فيدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، فهل الحرج من قبيل الحكمة فيكون إنما جوّز الجمع مطلقاً؛ لأنه في بعض المقامات يوجد حرج أو من قبيل العلّة أي يدور الحكم مدار الحرج.
ففي هذه الرواية أو غيرها لم يكن هناك ظهور في أنه من قبيل الحكمة، أو العلّة فإن كان من قبيل العلّة يكون الرأي يميل إلى رأي العامّة، ولكنّنا نرى بأنَّ ذلك من قبيل الحكمة فيجوز الجمع وإن لم يستلزم الحرج.
فلا بدَّ أن نفهم: أنَّ هذه الروايات هل تدلّ على أنَّ التسهيل هل هو من قبيل الحكمة أو العلّة.
ــــــــــ[346]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان البحث السابق في أنه تعالى حي وقلنا إنَّ هذا يفهم بالاستدلال على حياته تعالى من كونه موجوداً وأنَّ الحياة كمال الوجود، بل هي عين الوجود واقعاً فلا وجود لمن لا حياة له، ولا حياة لمن لا وجود له فكل حيّ موجود، وكل موجود حيّ غاية الأمر أنَّ الحياة تتبع الوجود ضعفاً وقوة، فإن اختلف اختلفت مراتب الحياة، بل الحياة من كمال الموجود من حيث هو موجود، فإذا كان كذلك فإذا دلَّ الدليل على أنَّه تعالى موجود وأنه واجب الوجود وجب أن يكون بنفس ذاته هو حيّ كما أنَّه بنفس ذاته موجود، وليست الحياة شيئاً زائداً على الذات بل هو عين الذات.
ومن هنا قلنا إنَّ ملّا صدرا استنتج الحركة الجوهرية في الأشياء أي لا جماد حقيقي، بل كلّ موجود فيه حركة، وهي: من مظاهر الحياة أي كلّ الموجودات هي متحرّكة متصاعدة، وقد كشف العلم الحديث عن صدق هذه الدعوى وهو المتنبّه إلى هذا وهو أنَّ الحياة ترافق الوجود وكلّ موجود لا بُدّ أن يكون
ــــــــــ[347]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، نفس التأريخ20/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
حياً، وما ليس بحيّ فليس بموجود غاية الأمر أنها تختلف بحسب مراتب الوجود.
فإنه تعالى يقال له حيّ لا من حيث الدليل الذي يقول بأنَّ معطي الحياة يجب أن يكون حياً، ولا من حيث أنَّ الحي أفضل من الميت؛ لأنَّ الكمالات التي ليست من حيث الوجود لا يجب أن يتصف بها الله تعالى كما نقول بأنَّ الجميل أفضل من القبيح، والليّن أكمل من الخشن، وهذه صفات ليست أكمليّة للوجود بل تناسب الموجودات الماديّة وهي ممّا لا يتصف بها الله تعالى بل إنما يتصف بكمال الوجود بما هو وجود فكمال الماهية غير كمال الوجود والصفة التي تكون كمالاً في الوجود من حيث هو وجود يجب أن يتصف بها الله تعالى بأعلى درجاتها؛ لأنه في أعلى درجات الوجود.
وهذا هو الدليل اللمّي أي الاستدلال من العلّة على المعلول، أي أننا بعد أن علمنا بأنه تعالى موجود وأنه أكمل الوجود، فلا بدَّ أن يتصف بأعظم كمالات الوجود.
ومعنى الحياة هو قوّة التصرّف غاية الأمر أنَّه قد يكون من شأن الحي الحركة أو الإدراك أو غير ذلك، فالحياة قوّة موجودة في الشيء تستدعي الإنتاج والتثمير، والتأثير، والحركة، والإدراك، أما التعبير الحقيقي عن معنى الحياة الذي نفهمه فيقصر اللسان واللغة عن تأديتها وإنما نعرفها بآثارها، فنحن لا نقول إنه -أي الشيء- حي لأنه تحرّك ونما بل تحرك ونما لأنَّه حي، أما الشيء الذي يكون به الشيء حيّاً فنحن لا نستطيع أن نعرفه، كما إذا حللنا الشيء ثُمّ أردنا أن نجمعه فقد
ــــــــــ[348]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فقدَ جزءاً منه نسميه الحياة، ولا يمكن أن يعود كما كان فهي أي الروح أو الحياة أجزاء غير ماديّة، ولكنّها في المادّة فهذا هو الذي نعبّر عنه بالحياة فنحن نعرف الحياة بآثارها ولا نستطيع أن نفهمها بحقيقتها كما لا نستطيع أن نفهم حقيقة الوجود وعدم معرفتنا لحقيقة الشيء أي بالحمل الشايع الصناعي لا يلزم منه أن لا نعرفه مفهوماً فالحياة كالمفاهيم العامّة البسيطة التي(1) لا يمكن تعريف مفاهيمها ولا مصاديقها كالوجود وغموض -المفهوم- لا يدلّ على عدم بداهته بل هو دليل بداهته أما مصاديقها فليست فقط مجهولة بل يستحيل العلم بها.
الآن انتهى الكلام عن كونه تعالى حيّاً.
أشرنا أمس أنه سنتحدّث عن كونه تعالى سميعاً بصيراً: وهذا قد ورد في القرآن والروايات ما شاء الله، لذا بحث عنه المتكلمون والفلاسفة في أنَّ إثبات السمع والبصر بأيّ معنى.
لاشكَّ أنه يستحيل إطلاقه على الله تعالى على ما نفهمه لأن السميع باصطلاحنا هو الذي يسمع بآلة سامعة والبصير –باصطلاحنا– هو الذي يبصر بآلة باصرة، فكيف صحّ إطلاقه على الله تعالى، مع أنها من صفات الممكنات، وهو لا يجوز أن يتصف بصفات الإمكان فهل إطلاقه عليه تعالى من قبيل المجاز فتكون من قبيل: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(2).
وهذا هو المشهور عند المتكلّمين وبعض الفلاسفة فمعنى كونه سميعاً
ــــــــــ[349]ــــــــــ
() الأصح بدون التي. (المقرِّر).
(2) طه: 5.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بصيراً، أي إنه عالم بالمسموعات والمبصرات كما أنا أعلم بالمسموعات والمبصرات عن طريق الآلة، فهو تعالى يعلمها بدون آلة وإنّما سمّي سميعاً؛ لأنه علم بالمسموع لغيره وسمّي بصيراً؛ لأنه علم بالمبصر لغيره وهذا الإطلاق يكون مجازاً؛ لأنَّ اسم الفاعل إنما يطلق حقيقة على المتلبس بالمبدأ أما إطلاقه عند المتكلمين فمجاز لأنَّه علم ما سمعه وأبصره غيره فهو من باب الإسناد لغير ما هو له.
فهل أنَّ كلّ هذه الأمور مجاز والظاهر من تمدح الله تعالى بها في القرآن أنها من كمالات الله تعالى. وهو – على تقدير كونها مجازاً – معنى لا يزيد على العلم وعلى هذا يصدق أنَّه ذائق ولامس لأنه يعلم بالمذوق والملموس فلماذا الاهتمام بهذين القسمين من الإحساس دون غيرهما؟
والذي يظهر من القرآن أنه كمال لله تعالى في حين أن الذي(1) نفهمه من السمع والبصر ليس كمالاً له تعالى بل كمال للمكن، فلا ينبغي أن يوصف به الله تعالى، بل يشترط لصفة الكمال التي يوصف بها الله تعالى – أن تكون صفة للموجود بما هو موجود لا للمكن بما هو ممكن.
-فتبيّن أن حمل السميع والبصير على المجاز-:
أولاً: أنه خلاف الظاهر من هذه الآيات لأنَّ صفة كونه بصيراً غير كونه عالماً.
ثانياً: أنه أمر ليس زائداً على العلم فالاهتمام به أكثر من العلم ما وجهه؟.
ــــــــــ[350]ــــــــــ
() في المسوّدة والذي الخ… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهل نستطيع أن نفهم أنَّ السمع والبصر هو من كمال الموجود بما هو موجود؟ هل هما صفتان للموجود بما هو موجود أو للممكن بما هو ممكن؟ فإذا استطعنا أن نفهم أنهما صفتان للموجود بما هو موجود فاتصافه تعالى بهما يكون على سبيل الحقيقة، بل يجب أن يتصف بهما كما اتصف بالحياة والقدرة.
فنقول: ظاهر العبارة السميع والبصير أنه يسمع بآلة ولكن في الحقيقة عندما ننظر إلى الآلة هل الآلة هي السامعة أم النفس هي السامعة، وإنما لا بُدّ للنفس من آلة للحس لعدم اتصالها بالمسموعات ولا تستطيع أن تعلم بالمسموعات إلّا بهذه الآلة، فهذه الذبذبة آلة تحصل في الأُذن تحس بها النفس فتحس بالسمع. أمّا هذه الآلة المادية فليست هي سامعة بل هي موضع للذبذبة أنَّ الأُذن ليس فيها حس بل هي موضع ذبذبة الكلام، هذه الذبذبة تحس بها النفس فتسمع فقولنا للأُذن أنها سامعة مجاز ففي الحقيقة أن النفس هي التي تدرك الصوت فهي المصوّتة وهي الحاسّة.
وكذلك نأتي إلى البصر: لا أنَّ العين تنظر إنما العين انطبعت فيها الصورة المواجهة لها فأحسّتها النفس فالنفس تحس بهذه الانطباعات فتبصر.
فإذن السمع والبصر ليس بالأُذن ولا بتوسّط الأُذن، أي إنّ الأُذن ليست بحاسّة ولا أنَّ النفس تبصر أو تسمع بتبع العين أو الأُذن وإنما العين موضع الصورة والنفس تحس بهذه الصورة، أمّا كيف تحسّ فهذا الشيء لا يعلمه إلّا الله تعالى.
فالآلات ليست ناقلة للإحساس بل هي موضع الحس بل هي المُحَسَّة
ــــــــــ[351]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالإنسان يحس بعينه، وأذنه فهو الحاس والأذن والعين هي المحسوسة، فالنفس هي الحاسّة والتبصّر محسوس إذ البصر انطبعت عليه الصور فأحسّت به النفس، لا أنَّ البصر أحس وأحسّت النفس منه بل هو المحسوس فأنا في الحقيقة أسمع أذني فهي – أي أعضاء الحس وعلى الخصوص الأذن والعين ليس بحاسّة وإنما هي متحدّة مع النفس فعندما يكون في الأذن تحرّك أو انطباع تحس به النفس لا أنَّ الأذن أحسّت فأحسّت النفس بإحساس الأّذن فالإحساس للنفس أولاً وآخراً غاية الأمر أنها قد تحس بواسطة الآلات وقد تحس بدون الآلات كما في الأحلام.
فهذه مقدمة لأن نعرف بأنَّ السمع والبصر من كمال الوجود بما هو موجود لا من كمال الممكن بما هو ممكن.
ــــــــــ[352]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان الكلام في إثبات السمع والبصر لله تعالى قلنا إن هاتين الصفتين صفة واحدة، ممّا ثبت نقلاً جواز وصف الله تعالى بهما والقرآن الكريم صريح في ذلك وكذلك الأحاديث والروايات فالنقل ثابت على نحو القطع. وإنما الكلام في معنى كونه تعالى سميعاً بصيراً مثلاً الشيخ الطوسي استدل في تجريده على إثبات هذين الوصفين بالنقل، أي لم يجعل دليلاً عليهما إلّا دليل النقل غاية الأمر استشكل في ناحية إثباتهما أنهما في ظاهرهما حينما يقال في نسبتهما إلى الإنسان أنَّه سميع بصير أي بصير وسميع بآلة ويستحيل بهذا المعنى إثباتهما لله تعالى المنزّه عن الجسمانيات فلا ينطق ولا يسمع ولا يبصر بآلة؛ لأنَّ ذلك من صفات الأجسام والعقل دلّ على استحالة نسبتها إليه تعالى.
فلا بدَّ أن يكون نسبة السمع والبصر إلى الله تعالى على وجه آخر بحيث لا يكون محلاً للحوادث؛ وأن لا يتصف بصفات الأجسام فيجب أن يؤخذ كما نقل على أن لا يفهم أنَّ له آلة ولم يتطرّق الطوسي إلى أنَّه تعالى كيف يسمع ويبصر.
ــــــــــ[353]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأحد 25/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لذلك بحثوا أي معنى لكونه سميعاً بصيراً؟ أي هل هما صفتان زائدتان على العلم، أو لا أنهما نفس العلم وإنما هما للتفصيل في صفة العلم؟ فمعنى سميع أي يعلم بالمسموعات لغيره فإذن تسميّته بالسميع مجاز، فصفة كونه سميعاً بصيراً إذا فُسرتا بالعلم فلا يكون متصفاً بهما أي ليس هو سميع بل السمع لغيره، غيره يسمع وهو يعلم بما يسمع غيره فالسمع ليس منتزعاً من ذات الشيء أليس يشترط في كلّ مشتق التلبس بالمبدأ بأيّ نحو من إنحاء التلبس وإلّا لم يصح اتصافه به إلّا على نحو المجاز.
فلما نقول إنَّ الله سميع وفهمناهما على الوضع اللغوي، فلا بدَّ أن يكون المبدأ قائماً به وإذا عرفنا استحالة نسبته إليه تعالى فمعنى أنه سميع أي عالم بالمسموعات، أي أنّ المبدأ ليس قائماً به بل عالم بما يسمعه غيره لا بما يسمعه هو فمبدأ السمع يكون مجازاً بالنسبة إليه ولا يكون قائماً به تعالى بل قائماً بالغير (غيري جنى وأنا المعذّب فيكم) إذن فهو غير سميع بهذا المعنى فإطلاق السميع عليه مجاز.
هذا هو القول الأوّل الذي يطبق عليه وكثير من الفلاسفة معنى سميع أي عالم بالمسموعات، أي أنّ مبدأ السمع لم يكن قائماً به بل قائم بالغير واتصف به؛ لأنه عالم به فهو عالم بالمسموع لغيره وعالم بالمُبصر لغيره فإطلاق السميع والبصير عليه يكون على نحو المجاز.
ويلاحظ على هذا القول شيئان:
ــــــــــ[354]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الحقيقة. فهذه المبالغة والتكرار وتمجيد الله تعالى بأنه سميع بصير هل فقط لأنه عالم؟
نقول: إنَّه بناءً على تفسيرهم بكون استعمال السمع والبصر مجازاً حين نقول: إن إطلاق كلمة السميع والبصير مجاز كما يقول هؤلاء وهم كلّ المتكلمين وجلّ الفلاسفة حتى نصير الدين الطوسي وهو من نوابغ البشر ليس له دليل عليه إلّا النقل ويستحيل عقلاً فلا بُدّ أن يراد منه المجاز.
وهو إمّا أن يكون مجاز في الإسناد أو في الكلمة ومعناه – أي معنى المجاز في الإسناد – أنَّ السمع والبصر أي المبدأ قائم بغيره ونسبته إليه على نحو المجاز كما تقول لراكب السفينة متحرّك وهذا هو المجاز في الإسناد. فأنت لم تغيّر المعنى اللغوي للحركة ولكن إسنادها إلى الراكب كان مجازاً.
فحينما تقول الله تعالى سميع فهو ذلك السمع الذي نفهمه غاية الأمر أنَّ المبدأ قائم بغيره والنسبة إليه على نحو المجاز؛ لأنه عالم به لأنه لما كان عالماً
ــــــــــ[355]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بالمسموع فكأنه سمع ولما علم بالمبصور فكأنه أبصر فمعناهما اللغوي لم يتغيّر، وإنما كان المجاز في الإسناد وهذا هو الظاهر من كلماتهم.
ومرّة نقول إنّ معنى المجاز مجاز في الكلمة، أي أنّ كلمة سميع لم تستعمل بالمعنى الموضوع له لغةً، بل استعملت بمعنى عليم فمعنى سميع أي عليم، فلم ينسب إليه مجازاً – أي المجاز ليس في الإسناد – بل المجاز في الكلمة فالغرض حين يقولون إنَّ إطلاق سميع وبصير على نحو المجاز ماذا يريدون هل يريدون مجازاً في الكلمة أو في الإسناد والظاهر أنهم يريدون المجاز في الإسناد؛ لأنهم يجعلون ذلك كصفة أخرى غير العلم ولو كان المجاز في الكلمة لما كان معناه أنه عالم بالمبصرات والمسموعات، بل يكون معنى كلمة سميع وبصير معنى كلمة عليم وقولهم بأنَّ سميع معناه عالم بالمسموعات وبصير معناه عالم بالمبصرات يُشعر بأنَّ المجاز في الإسناد.
ونحن اعترضنا عليهم أنَّه خلاف الظاهر أن يكون مجازاً في الإسناد. مضافاً إلى أنه لا معنى للمبالغة أما إذا كان مجازاً في الكلمة فيكون سميع بمعنى عالم، فلا معنى للتأكيد عليه، بل معنى سميع أي عالم بكل شيء وبصير عالم بكل شيء وهو خلاف ظاهر الوجود في الآيات والروايات.
وعلى كلّ فالمجاز جداً خلاف الظاهر وارتكابه يحتاج إلى برهان قطعي حتى نلتزم بهذه التمحلات. صحيح إذا قام البرهان القطعي على استحالة وصفه بذلك لجأنا إلى المجاز ولكن هل قام البرهان بذلك؟
نعم قام البرهان أنه ليس محلاً للحوادث أو أنه لا يسمع ويبصر بآلة فإن
ــــــــــ[356]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان معناها هذا المعنى فهو مستحيل بالنسبة إليه، فنلجأ إلى هذه التأويلات فإن كان هناك دليل يدلّ على أنَّ معنى السمع والبصر ليس ما نفهمه لغةً أي السمع والبصر بآلة، بل يفهم ذلك بالنسبة إلينا وأمّا لغةً فالسمع والبصر له معنى أوسع من ذلك يصح أن يثبت بالنسبة إلى تعالى وأن يقوم به، فلماذا التأويل ولماذا المجاز؟ فهل يمكن أن يكون لكلمة السمع معنى يصح أن يتصف به الله تعالى من دون أن يكون محلاً للحوادث وبدون أن تكون له آلة ويجب حينئذٍ أن يحمل عليه ولا نلتجئ إلى المجاز وهو أي عدم الالتجاء إلى المجاز هو الظاهر من الآيات القرآنية و من تمجيد الله تعالى بأنه سميع بصير وصريح نهج البلاغة من أنه سميع بصير؛ لا أنه سميع بالمسموعات وبصير بالمبصرات(1)، فبصير بالعباد له معنى غير معنى عليم بالعباد.
إذن يجب أن نفهم ما معنى السمع والبصر ما معنى كونه سميعاً بصيراً صحيح أنَّ العرف يفهم من كلمة السميع والبصير بآلة ولكن لا يجب أن يكون ذلك هو المعنى لغةً، بل العرف يرى ذلك الشخص المتصف بالصفة المعيّنة فيحكم به فهل نستطيع أن نجد لهما معنى يمكن أن يتصف به الله تعالى على سبيل الحقيقة من دون المجاز؟ فإن امتنع اتصافه بالمعنى الحقيقي نلتجأ إلى المعنى المجازي، وإلا نحمل على الحقيقة.
ــــــــــ[357]ــــــــــ
() في المسوّدة لا أنه سميع بالمبصرات والمسموعات وهو اختصار مُخلّ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا: إنَّ الجماعة المتكلمين وجماعة من الفلاسفة إنما أطلقوا كلمة سميع وبصير على الله تعالى تبعاً للقرآن الكريم؛ لأنَّه ثبت ذلك إطلاقهما سمعاً بشرط أن لا يستلزم منه وصف الله تعالى بآلة أو أن يكون محلاً للحوادث فلذلك أولوه بأنَّ المراد من البصير العليم بالمبصرات والسميع العليم بالمسموعات.
وقلنا: إن هذا إنما يتم إذا امتنع علينا أن نفهم من الكلمتين -ما- لا يصح إطلاقهما على الله تعالى فنلجئ إلى التأويل. والتأويل على قسمين مجاز في الكلمة ومجاز في الإسناد، والظاهر منهم الثاني لأنهم يقولون إنه عالم بالمبصرات أي عالم بما أبصره غيره فالبصر أريد منه معناه الحقيقي والمجاز -إنما هو- في الإسناد باعتبار أن البصر قائم بالغير باعتبار أنه عالم بالمبصر.
وقلنا: إنَّ ذلك إن صحّ فلا معنى للمبالغة بل يقال مبصر وسامع لأنه لما يكون الإسناد إليه مجازاً فأي معنى يكون للمبالغة حينئذٍ، وهذا التأويل أي الحمل على المجاز في الإسناد خلاف القواعد الحقيقية لأنه لو كان المراد منه البصير بهذا المعنى لما صح المبالغة فيه.
ــــــــــ[358]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الاثنين: 26/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
وإذا أُريد المجاز في الكلمة وهو خلاف ظاهر كلماتهم فيكون معنى بصير أي عليم استعمل البصر بمعنى العلم كما ربّما يظهر من كلمات بعضهم من أن البصر بمعنى العلم، وحينئذ تصح المبالغة فتكون سميع مثل عليم مجازاً، ولكنّها تكون مرادفة للعلم وليست صفة تضاف إليه تعالى غير صفة العلم، فهي صفة مجازية بمعنى العلم تسند إليه والحال أنهم يجعلونها من الصفات المعدودة من الثمانية وإذا كانت مرادفة للعلم لا معنى لجعلها صفة أخرى لتكميل عدد الثمانية المباركة.
فالعمدة أننا إنما نلتجئ إلى هذا القول حينما يتعذّر علينا وصفه تعالى بأنه سميع وبصير على سبيل الحقيقة فتلتجئ إلى التأويل وإن كان باطلاً؛ لأنه ثبت بالقطع وصفه بأنه سميع وبصير غاية الأمر ننزهه عن أن يكون محلاً للحوادث وعن الآلات الجسمانية.
وأمّا إذا قلنا من أنه لا، -بل- يمكن أن نفهم منهما معنى يصح انطباقه على الله تعالى بلا مجاز ولا تأويل فأولى باتصافه به. فالغرض أنه إذا استطعنا أن نتصوّر لمعنى السمع والبصر ما يصح انطباقه عليه تعالى، قطعاً لا نحتاج إلى التأويل، بل نأخذ بهذا الظاهر فإذا أمكن أن يؤخذ على معناه الحقيقي فهو الأولى والمتعيّن، ونستريح من هذه التمحلات ولا بُدّ أن نتصوّر أنَّ السمع والبصر أنهما من صفات الموجود بها هو موجود.
فإذا لم يكن فلا يصح وصفه تعالى بها فكل ما هو كمال للوجود يجب أن يتصف به تعالى وليس هو بصفة زائدة على الذات بل هي عين الذات.
القاعدة العامّة في كلّ صفات الله تعالى الثبوتية إنما يصح وصف الله تعالى
ــــــــــ[359]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بها ويجب أن يتصف الله تعالى بها أن تكون من كمال الوجود بما هو وجود فلذلك يستحيل عدم اتصافه بها؛ لأنه يلزم منه نقصانه فلا يمكن فرض الموجود الكامل وهو ليس بعالم أو هي وإلّا فهو ليس بموجود وفرض كونه موجوداً وواجب الوجود يجب أن يفرض فيه أنَّه قادر مختار حيّ سميع بصير.
فإن كان السمع والبصر من صفات كمال واجب الوجود، فيجب أن يتصف بهما الله تعالى وليس هناك برهان عقلي – آخر – يمكن أن يثبت لنا هذه الصفات، وإنما هي براهين إقناعية مثل: فاقد الشيء لا يعطيه، أو أننا نجد النظام فلا بدَّ أن يكون خالقه عالماً قديراً.
فأساس فكرتنا التي نؤكّد عليها أنه إنما يصح وصفه تعالى بالصفة الثبوتية إذا كانت من كمال الوجود بما هو وجود، وإذا لم تكن كذلك فلا يجب أن يتصف بها(1) الله تعالى.
علماً أنه يجب أن يتصف بأفضل الصفات المتقابلة لا برهان عليه؛ لأنَّه يلزم في بعض الأحيان أن يتصف بصفات الأجسام كالناعم أفضل من الخشن والأبيض أفضل من الأسود فلا معنى لأن نصفه بها لأنَّها ليست من صفات الوجود، وإنما يجب أن يتصف الله تعالى بالصفات التي هي من كمال الوجود من حيث هو وجود.
فهل نستطيع أن نفرض في السمع والبصر معنى هو من كمال الموجود بما هو موجود فيجب أن يتصف به الله تعالى، وإلّا دخل في حقيقته العدم وخرج عن كونه واجب الوجود.
ــــــــــ[360]ــــــــــ
() في المسودة: به. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والإطلاقات هذه لا تتوقف على الأفهام العرفية في تطبيقها على الأفراد؛ لأنه قد يفهم العرف شيئاً لأنه لا يرى إلّا هذا الفرد – في حين أنَّه(1)– بحسب الحقيقة هو أوسع معنى ممّا يفهم العرف. فكثيراً ما يتخيّل العرف بأنَّ الصفات لها حدود خاصّة؛ لأنَّه لا يراها إلّا بتلك الحدود و -وكثيراً ما- يخطئ في التطبيق ونحن يجب أن نفهم المعنى من حيث هو هو لا باعتبار ما يفهم العرف.
فنحن نقول في السمع والبصر: إنّ حقيقة السمع من ناحية فلسفية ما معنى أن الإنسان يسمع حينما يقول العرف أنَّه سامع وسميع وما هي حقيقة السمع هذا الذي نعبّر عنه بالسمع هل يتوقّف على الآلة وهل هو السمع بالآلة أو لا؟
قلنا إنّه في الحقيقة إنّ الآلة ليست إلّا موضع الإحساس وهي في الحقيقة مُحَسّة لا مُحِسّة، فإحساس النفس أو إدراكها الحسّي بهذا الشيء ليس ذلك بمعنى وساطة الآلة الحاسّة بمعنى أنَّ الآلة الحاسّة تحس وبتوسطها ثانياً وبالعرض تحس النفس بذلك، بل كما ثبت علمياً وفي القديم والحديث أنَّ الآلات تكون موضع تأثرٍ لا موضعَ حسٍّ.
والأذن ليست بسامعة وإنما هي موضع للإحساس والنفس تحس بهذه الذبذبة التي في الأُذن فتحس بالصوت، مثلاً هناك أخرس يسمع من فمه، يضع الساعة في فمه فيسمع، فكيف يسمع؟ تحدث ذبذبات تحس بها النفس.
فتبيّن أن السمع في الحقيقة ليست للأُذن وإنما هي -أي الأُذن ناقلة- حسّاسة للتموجّات تتأثّر بالتموجّات الضعيفة؛ لذا تختلف الأسماع فبعضنا
ــــــــــ[362]ــــــــــ
() في المسوّدة: وبحسب الخ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يسمع الصوت الخفيف وبعضنا لا يسمع إلّا الصوت القوي؛ لأنَّ أُذنه لا يهزّها إلّا الصوت القوي وإلّا لولا النفس لما كانت أيّة قيمة لهذه الآلات.
فالنفس لا تحس بإحساس الأُذن تبعاً لإحساس الأُذن وإنما النفس تحس بالأُذن فالإحساس ليس مشتقاً من الأُذن بحيث إذا لم تكن أُذن فلا يكون حس ولا حاسّة.
نحن نريد أن نقول: إنَّ النفس من ذاتها بذاتها هي المحسّة والدليل على ذلك مسألة النائم لأنَّه قد يسمع رجّة عظيمة وتأخذ من نفسه كثيراً من الأصوات و لما يستيقظ يعرف بأنَّ آلته لم تنقل له أي إحساس وإنما كان ذلك من داخل النفس فهذا الصوت إنما أدركه بدون توسّط آلة.
فالنفس تدرك هذا الصوت وإن لم يكن هناك مصوّت ولم تدرك هذا الصوت بالآلة ولما كان في عادة الإنسان أن لا يسمع إلّا بآلة فاصطلح العرف على ذلك وقد يسمع بلا آلة كما في النوم فالسمع هو الحسّ السمعي بالمسموع لا المسموع الخارجي.
وعندنا المعلوم معلومان والمسموع مسموعان: كما أنّي قد اسمع صوتاً غير واقع أو أسمع الصوت على خلاف الواقع، والمبصر مبصران: معلوم بالذات ومعلوم بالعرض فالمعلوم بالذات هو الذي -انخلق- في النفس وقد انكشف للنفس فسمعته، فالمسموع بالذات هو الموجود في النفس وهو جزء من النفس فتحس به النفس وكيف تحس النفس بالأصوات الخارجية وهي أمر خارجي لا صلة لي به والمحسوس في الواقع هو الحس الذي يتقوّم بالنفس وهو عين النفس.
ــــــــــ[362]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
مقتضى القاعدة -في ترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى- (طائفة منها تقول أنت مخيّر بين القصر والتمام والثانية تقول يجب التقصير) مقتضى القاعدة إذا لم نقدّم الأحسن سنداً أن تتعارض وتتساقط ونرجع إلى القواعد، التقصير شرع يقيناً باتفاق الأُمّة وهو مجزٍ ولكن هل الإتمام مجزٍ أيضاً أو لا؟ فالتقصير مبرئ للذمة والإتمام مشكوك فيه و قد قلنا في -مسألة دوران الأمر بين التخيير والتعيين- إنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني فيتعيّن التقصير أنا إمّا معيّن على القصر أو مخيّر بين القصر والتمام وليس عندي تعيين التمام فالقصر مفرغ للذمة والتمام مشكوك وشغل الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.
ــــــــــ[363]ــــــــــ
() الفقـه الـمقارن (في مسائل فقهية)، تقرير السيّد محمّد تقي الـحكيم الثلاثاء، 27/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ذكرنا أمس أنَّ الإحساس بالبصر والسمع لا يحتاجان إلى آلة إلّا فيمن له آلة، فالإحساس في الحقيقة يكون بالنفس وليس الإحساس بالعين أو بالأُذن وإنما العين والأُذن وسائط للتأثّر وسائط لإحساس النفس لا أنَّها هي الحاسة والنفس تحس بتوسّط إحساسها بل الحس للنفس.
فإذن من ناحية أنَّ البصر لا يكون إلّا بالعين والسمع لا يكون إلّا بالأُذن، وهي من صفات الأجسام ولا يمكن تثبت لله تعالى هذا كلام لا يبقى له موضع فلا استحالة من هذه الناحية أن يتصف الله تعالى بالسمع والبصر؛ لأنها وسائط لمن لا يستطيع أن يسمع بنفسه ابتداءً أما من كان له سمع وبصر ذاتي ويستطيع أن يتصل بالمسموع والمبصر ابتداء بدون آلات فليس فيه استحالة.
فهذا التأويل الذي قالوه إنما يترتب إذا كان السمع والبصر بآلة ولا بدَّ أن يؤّل بالعلم بالمسموعات والمبصرات، أمّا الآن فلا حاجة إلى التأويل.
بقيت ناحية واحدة: وهو أنَّ السمع والبصر هو التأثّر، وهو -أي التأثّر- ــــــــــ[364]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، نفس التأريخ27/3/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الانفعال، فتكون النفس موضعاً للحوادث فمن هذه الناحية يستحيل اتصاف الله تعالى بها؛ لأنَّه يستحيل أن يكون محلاً للحوادث.
لا يكون السمع والبصر إلّا بالإحساس والإحساس انفعال النفس وهو أمر حادث فتكون النفس محلاً للحوادث إذن يستحيل أن يتصف الله تعالى بالحوادث من هذه الناحية وهم علّلوا استحالة اتصافه تعالى بذلك أي بالسمع والبصر لأنَّه يكون محلاً للحوادث وأنه يكون الإحساس بآلة.
فحين نفينا أن يكون السمع والبصر بآلة فيبقى أنَّ الإحساس هو في الحقيقة انفعال النفس وتكون النفس محلاً للحوادث فيستحيل اتصاف الله تعالى بها فلا بدَّ أن نلتجئ إلى التأويل.
نقول ألا نستطيع أن نتصوّر حساً بدون قيام الحوادث؟
قلنا في الوجود الذهني أنَّ قيام المحسوسات بالنفس قيام صدور لا قيام حدوث(1) أي أنها تخلق العلم لا أن العلم من العوارض على النفس فتجلّي هذه الأشياء للنفس هو تطوّر للنفس وإشعاع لها، فهو من أفعال النفس فهو من قبيل الإشعاعات كالنور عندما يعطي الخيوط الشعاعية وهي -أي هذه الخيوط الشعاعية- ليست عوارض على النور وإنما هي إشعاعات للنور وتجليّات للنور، فالنفس خلّاقة لها وليس قيام الحس والإدراك في النفس كقيام العارض على موضوعه، و ليس من قبيل الانفعالات، بل النفس لها قدرة على إيجاد العلم والاعتقاد؛ فلذلك تجحد وتستيقن – وتظن وتتخيل – وكل ذلك فعل النفس.
ــــــــــ[365]ــــــــــ
() كذا والأحسن: حلول. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إذا تهيأت أسبابها -أي العلم والإحساس وغيره- فالنفس فياضة عليه، النفس عندما تتجلّى لها هذه الأشياء تعلم بها ولا تستطيع أن لا تعلم بها؛ لأنَّ أسبابها قد تهيأّت وكذلك تحكم النفس بالبديهيات كما نقول في الله تعالى: إنّ الشيء إذا طلب بلسان استعداده الانخراط في سلك الوجود، فالله فيّاض لا بخل في ساحته فيفيض الوجود عليه.
وهذا يحتاج إلى برهان والى فحص للنفوس ولكن هذا من الناحية الأولية أمر بديهي أن النفس تخلق هذه الأشياء فإذا كان الإحساس ليس من قبيل الحوادث بل يكون من قبيل الخلق والإيجاد فالله تعالى يخلق العلم أي بهذا المعنى هو عالم ومُحِسّ أي من كمال وجوده أن يكون عالماً ومحسّاً وما دام من كمال الوجود، فلا بُدّ أن يتصف به الله تعالى كما برهنا على أنَّه حي قادر مختار نبرهن على أنَّه بصير سميع.
فيكون إطلاق السمع والبصر على الله تعالى على سبيل الحقيقة بل هو أمر لا بدَّ منه ولا نحتاج إلى التأويل، فيكون أمراً برهانياً صحيحاً ولا بُدّ من الاعتقاد به وتكون السميع والبصير من الأسماء الحسنى التي بها يكون تمجيد الله تعالى، وهو أن يكون سميعاً بصيراً فالمسموعات والمبصرات له لا لغيره وسمعه وبصره أعلى من جميع البشر(1) ومن يدرك الأشياء ادراكاً حسياً(2).
ــــــــــ[366]ــــــــــ
() كذا في المسوّدة والأحسن أن يكون: أعلى من جميع المبصرين والسامعين. (المقرِّر).
(2) سألتُهُ: عن قوله بأنَّ الله يخلق علمه في حين أن علمه عين ذاته.
فأجاب: النفس تتطور فتحس وحيث كان الله تعالى كمال التطور فيكون -علمه وإحساسه- من ذاته في ذاته. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تبقى شبهة: من أنَّ الحواس الخمس كلّها إحساسات بدنية وإذا كان الإحساس كلّه على درجة واحدة ويكون بواسطة الآلات بالنسبة إلى النفس، ويمكن أن يكون بدون الآت فإذن يمكن أن يكون الله تعالى شامّاً ذائقاً لامساً ولماذا خصّ السمع والبصر بالذكر بالآيات والروايات.
فإذا كان الإحساس مطلقاً هو خلق النفس فتصح نسبتها إلى الله تعالى على حدّ سواء فلماذا لا يقال إنَّ الله شام وذائق ولامس كما يقال إنَّه سميع بصير. ولماذا يتصف بالسمع والبصر فقط؟
يجوز أن يكون ذلك أنَّ اللمس يشعر بحركة اللامس وكذلك الذوق يشعر بحركة اللسان الذائق والشم بحركة الشام مثلاً إذن فلا يجوز نسبتها إلى الله تعالى أولاً. فالمسألة أدق من ذلك والإشكال بظاهره متوجّه على برهاننا.
عندنا من جملة الصفات التي (تكلم) فيها من أنَّ الله تعالى متكلّم وأنَّ كلامه قديم فهل يصح أن يتصف الله تعالى بأنه متكلّم بحيث تكون صفة الكلام صفة مقابلة لتلك الصفات الأخرى.
إذا كان معناه خالق الكلام فلا يخرج عن كونه خالقاً قادراً، فلا بدَّ أن يراد منه صفة أخرى زائدة على صفاته الأخرى؛ لأنهم كمّلوا بالكلام الصفات الثمانية فلا بُدّ أن تكون متميزة عن غيرها ولا تكون في معنى خلق الكلام.
فمراد الاشاعرة من كونه تعالى متكلماً أنه صفة ذاتية للنفس أي (نفس
ــــــــــ[367]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الوجود)(1) أي أن صفة الكلام زائدة على صفة القدرة، والإدراك والحياة بحيث تكون صفة أخرى يتصف بها الله تعالى وليست داخلة في غيرها وإلّا -أي وإن كانت داخلة في غيرها- لم تكمل الثمانية فلا يصدق أنه وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(2).
وهم لأجل أن يقولوا -بالكلام النفسي قالوا- إننا نبحث في نفوسنا (والنفس مثال الله تعالى وإن لم تكن مثله) فنجد فيها كلام نفسي مقابل الحياة والقدرة والعلم وليس المقصود منه هو اللفظ.
فنحن يجب أن نبحث أولاً عن أنفسنا ثُمّ نتكلّم عن الله تعالى وكيف يصدق عليه أنه متكلّم.
-فبُحث- في أنه هل هناك في النفس صفة زائدة على العلم والإحساس، والإدراك، هل عندنا صفة تسمّى كلام موجودة في النفس ليس بالوجود العلمي.
مرّة توجد الأشياء بالنفس بوجود علمي وإرادي ووجودها بوجود العلم والإرادة، ومرّة توجد الأشياء في النفس بوجود غير وجود العلم والإرادة، فإن كان معنى الكلام النفسي أنه – أي الإنسان – يعلم الألفاظ والمعاني فلا تكون هي صفة زائدة على العلم. غاية الأمر أنه علم بمعاني الكلام علم بالألفاظ، مرّة تخلق النفس العلم بالكلام ومرّة تخلق الكلام في مقابل العلم، فإن كان بهذا المعنى أي أنّ الكلام موجود بوجود العلم فليس صفة زائدة على العلم، بل هو
ــــــــــ[368]ــــــــــ
() في المسوّدة: صفة لوجوده وما أثبتناه أوفق بالمراد. (المقرِّر).
(2) الحاقة: 17.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
داخل في حقيقة النفس(1).
فإذا أردتم قياس الله تعالى على النفس فإذا كانت النفس تخلق الكلام فالله تعالى يخلق الكلام، وإذا كان من صفات الوجود فيجب أن يتصف بها الله تعالى، وأما إذا أُريد منه العلم بالكلام وإرادة الكلام فليس صفة زائدة عن العلم والإرادة، فليس هي من صفات الوجود ولا يجب أن يتصف الله تعالى به.
وإن كان معناه أنَّ النفس تخلقه فهذا معنى لا نفهمه. صحيح أنني أنا أخلق معانياً وأحاديثاً في نفسي ولكن ما معناه؟ هل معناه أنه يوجد الكلام في النفس ابتداءً أو يوجد العلم بالكلام؟ هل هناك كلام نفسي له وجود غير الوجود العلمي، غير الوجود الذهني، غير وجود المعاني في النفس؟.
هذا هو الذي لا نتعقّله فإذا أراد الأشاعرة هذا المعنى وهم يريدونه ويسمّوه الكلام النفسي و يعتبرون أنَّه هو صفة زائدة على العلم، والإرادة، والإحساس بحيث تكون النفس ظرفاً لوجوده، في حين أن النفس ظرف للعلم لا وجود العلم(2).
ــــــــــ[369]ــــــــــ
() كذا في المسوّدة والظاهر أنَّ الأصح: داخل في حقيقة العلم. (المقرِّر).
(2) ولمّا سألته عن معنى ذلك قال: إنَّ العلم موجود بنفسه لا يحتاج إلى علم آخر والإرادة موجودة بنفسها لا تحتاج إلى إرادة أخرى.
ولما قلت له: إنَّ هذا صحيح ولكن عبارته كانت أنَّ النفس ظرف للعلم لا لوجود العلم، ولم تكن أنَّ العلم لا يحتاج إلى علم آخر؟
قال حفظه الله: إنَّ الوجود والعلم والإرادة شيء واحد فنحن لا نتعقّله أي الكلام النفسي فينا، فكيف نتدرج إلى الله تعالى؟ (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان الموضوع نسبة الكلام إلى الله تعالى أنَّه متكلّم أو لا، وقلنا إنَّ الأسباب التي أدّت إلى هذا الفرض هو إتمام(2) الصفات الثمانية فالكلام أنه هل يمكن أن يكون الله تعالى متكلّماً بالمعنى الذي يريدون أو لا؟.
ماذا قلنا هناك؟ لماذا يجب أن يكون الله تعالى متكلّماً على أي أساس أو على أي برهان يقوم؟ قلنا فيما سبق أنه إذا كانت الصفة من صفات الموجود بما هو موجود فيجب اتصاف الله تعالى بها، هل الكلام من صفات الموجودات الماديّة، أو من كمال أصل الوجود.
مهما فرضت الكلام فهو من صفات الآلات أو الأشياء الماديّة فلا يعقل أن يكون قائماً في ذات واجب الوجود فقيامه به غير متعقّل إذا كان الكلام بمعنى الصوت.
ــــــــــ[370]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، 2/4/1962. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة: تتمة. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالأشاعرة لا يقصدون من كونه تعالى متكلّماً بمعنى الصوت المسموع وإنما يقولون:
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما | جعل الكلام على الفؤاد دليلا |
فليس الغرض قطعاً من كونه تعالى متكلّماً من أنَّ اللسان يظهر الصوت فلذا يستدلون على كلامه بهذا البيت.
فنقول: إن الكلام الذي يكون بقرع الأصوات ليس ذلك الكلام الذي يجب أن يتصف به الله تعالى هذا قطعاً ليس مقصودهم؛ لأنه أمر لا يمكن أن يتفوّه به موحد لأنَّه أي الصوت من صفات الممكنات لا يعقل اتصاف واجب الوجود بها، وإنما يتصف تعالى بصفات الوجود بما هو موجود وكل صفة للمكن بما هو ممكن يستحيل أن يتصف بها الله تعالى كما نقول بأنه ليس له جسم ولا زمان ولا مكان إلى آخر هذه الصفات السلبية.
فكل الصفات السلبية ترجع إلى صفة واحدة وهي وجوب الوجود لأنَّها ترجع إلى سلب صفات الإمكان، أي سلب الإمكان أي سلب ضرورة الطرفين فسلب السلب للضرورة يرجع إلى نفس وجوب الوجود، معنى سلب سلب الإمكان وهو سلب ضرورة الطرفين فإذا نفينا السلب رجع إلى الضرورة فنفي الصفات السلبية يرجع إلى وجوب الوجود، فيستحيل أن يتصف الله تعالى بأية صفة سلبية؛ لأنَّه صرف الوجود ويستحيل أن يدخل في حقيقته العدم وإلا لم يكن صرف الوجود.
ولذا نقدنا من أرجع الصفات الثبوتية إلى السلبية فقال إنَّ معنى العلم
ــــــــــ[371]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدم الجهل، ومعنى القدرة عدم العلم، ومعنى الإرادة عدم الجبر لأنَّها إذا كانت ثبوتية لا تكون عين الذات أما إذا كانت سلبية فتنتزع من نفس الذات فيمكن أن تكون عين الذات وأوّل بطلان(1) أي لهذا القول إن ما كان محض الوجود يكون عين التحقق(2)؛ لأنَّ الصفات السلبية إذا كانت منتزعة من نفس الذات صار أمراً عدمياً ولم يكن محض الوجود فهو -أي هذا القول- أفظع ما يتصور في(3)العقيدة -وهو- افظع من القول بأنَّ الصفات الثبوتية زائدة على الذات وهذا القول مبدأها من الصدوق والعجيب أن يلتزم بها المتكلمون المتأخرون.
الغرض أنَّ صفة الكلام لا يمكن أن يراد منها الصفة الممكنة؛ لأنَّ كلّ صفات الممكن بما هو ممكن يجب أن ينزّه عنها واجب الوجود لأنَّه محض الوجود، وإلّا لم يكن صرف الوجود.
إذن هم متفقون معنا أنَّ صفة الكلام الذي يكون بالآلات ليست من صفات الله تعالى بل هو من صفات الممكنات والله تعالى منزّه عنه فالغرض أنه هم متفقون معنا أنَّ الكلام الذي يكون بقرع الصوت على الآلة ليس من صفات الله تعالى، ولا يمكن فرض ذلك.
بل هم يقولون إنَّ هذا الكلام الصوتي يدلّ على صفة نفسية كمالية وهي
ــــــــــ[372]ــــــــــ
() كذا والأفضل: وأوّل إبطال له. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة: عين السلب وهو سهو. (المقرِّر).
(3) في المسودة: من. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
التي يتصف بها الله تعالى؛ لأنَّها من صفات الوجود وهي صفة مقابلة للعلم والقدرة والاختيار، ولما وجب أن يكون الله تعالى قادراً عالماً مختاراً، وجب أن يكون متكلماً، لأنَّ الكلام هو من كمال الوجود لا من صفات الممكنات، بما هي ممكنات كالعلم والإرادة فلا بُدّ أن يكون الكلام من صفات الله تعالى.
لا شكّ أنَّ الإنسان حين يتكلّم يهيأ كلامه في نفسه فينطق به ليعبّر عنه فالكلام موجود في النفس والقلب فهو موجود، فالكلام أساسه في الحقيقة إحضاره في النفس ثُمّ يبرزه الناطق بالصوت، فالصوت مبرز للكلام، وليس معنى عدم إخراجه بالصوت أنه غير موجود فهو من صفات النفس ومن عرف نفسه فقد عرف ربّه.
بحثنا سابقاً من أنَّ الكلام الذي يريدونه -يوجد حذف- أن الكلام يُحضِره الإنسان بالتخيّل والعلم والإرادة، فمعنى يناجي نفسه أنه يحضر الألفاظ ويحضر المعاني في ذهنه هل هو -أي الإنسان- خلق الكلام أو خلق العلم بالكلام؟ هذه الألفاظ الذهنية والمعاني هل هي بنفسها موجودة كالعلم بنفسه موجود في الذهن، أو هي من الموجودات الذهنية، أي أنها توجد بالعلم والإرادة فتكون متعلقاً للعلم والإرادة فلا تكون صفة زائدة على نفس العلم والإرادة فلا تتصف النفس بصفة أخرى غير العلم؟
المعلوم بالذات هو وجوداً نفس العلم لكن مع ذلك المعلوم نفس العلم، فهذه المعاني التي تحضرها في نفسك هل هي صفة قائمة في النفس زائدة على العلم والإرادة أو هي في الحقيقة متعلّقة للعلم والإرادة وإذا كانت متعلّقة للعلم
ــــــــــ[373]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والإرادة فتكون موجودة بوجود العلم والإرادة فلا تكون صفة زائدة عليها؟
هم يتصورون أنَّ هذه الصفة قائمة في النفس زائدة على النفس والإرادة، والعلم فإذا ثبت ذلك يجوز اتصاف الله تعالى بها؛ لأنَّها من صفات الموجود بما هو موجود.
نقول لا بُدّ أن تكون أي لا بُدّ أن يعنون من صفة الكلام أنها هي صفة للوجود في مقابل العلم، أما إذا كان بمعنى عالم بالكلام فلا تزيد عن حقيقة العلم، فلماذا تعدّونها من جملة الثمانية؟ هم لا يريدون ذلك بل يريدون أنَّ صفة الكلام النفسي هي صفة قائمة بالنفس؛ فلذا يقولون بأنَّ القرآن قديم إذا كان القرآن من مخلوقات الله تعالى فلماذا يكون قديماً في حين أنهم لا يقولون بقدم العالم بل يقولون بأنه أي الكلام النفسي من صفات الله تعالى وما دام الله تعالى قديماً فكلامه قديم والقرآن من كلام الله تعالى فهو إذن قديم، فيجعلون الكلام صفة ثابتة في مقابل العلم والإرادة فلذا يقولون بقدم القرآن فكل من قال بحدوثه عوقب وقتل.
هل الكلام النفسي هو قائم بالنفس بقيام علمي وإرادي فيدخل تحت حيّز العلم فلا يكون قديماً(1) وإن كان في مقابلها أي في مقابل صفة العلم فهي من صفات الموجود بما هو موجود، فيجب أن يتصف بها الله تعالى فتكون واجبة الوجود وقديمة.
ــــــــــ[374]ــــــــــ
() كذا في المسوّدة والأحسن أن تكون هكذا: فلا يكون صفة زائدة على العلم. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بقي شيء يتعلّق بموضوعنا وهو مسألة اتحاد الطلب والإرادة وهو منبعث من مسألة أنَّ الله تعالى متكلّم. الامامية يقولون باتحاد الطلب والإرادة والأشاعرة يقولون بتعدد الطلب والإرادة.
كيف ينبعث هذا من مسألة أن الله تعالى متكلّم وكيف يترتب عليه؟
من جملة أدلّة الاشاعرة على الكلام النفسي: نحن نقول أيضاً إنّ الله تعالى متكلّم، أي موجد للكلام في الأشياء ولكنّه لا يزيد على صفة العلم والإرادة أو الخلق، فليس معناه أنَّ هناك كلام نفسي موجود في قبال الصفات الموجودة بالنسبة إلينا وبالنسبة إلى الله تعالى.
فمن جملة أدلّتهم على الكلام النفسي: يقولون في مواقع الامتحان، أنَّ الآمر إذا امتحن شخصاً بأمر(2) لا يريده في الواقع لتجربة العبد وبيان مدى طاعته وانقياده، وهذا الأمر جدّي وحقيقي ولا شكّ أنَّه إذا عصاه عدّ عاصياً مع ذلك
ــــــــــ[372]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، السبت: 7/4/1962. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة: لأمر…الخ. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فإنَّ الله تعالى ليس مريداً له حقيقة فهنا ليست هناك إرادة جديّة من الآمر.
فإذا كان كذلك فليس هناك إرادة جديّة من الآمر مع أنَّه لا شكّ أنه طلب جدّي؛ لأنَّه إذا لم يمتثل عدّ عاصياً، وعوقب على عدم امتثاله مع أنَّه -أي الأمر- غير مراد للآمر حقيقةً. فهذه ليست بإرادة وإنما هو طلب، إذن فقد تحقق(1) من الآمر طلب ولا إرادة. فهي من أفراد الكلام النفسي إذن فيمكن أن يكون للإنسان كلام نفسي ليس موضعاً لإرادة المريد إذن حصل الطلب ولا إرادة، إذن الطلب غير الإرادة وهو موجود في النفس بشكل مستقلّ من الإرادة.
فهو صفة في النفس ليست إرادة، ولا علماً ولا صفة من صفات النفس المعروفة وهذا بالنسبة إلينا ونقيسه بالنسبة إلى الله تعالى فيكون له طلب ولا إرادة.
فهم يريدون أن يجعلوا دليلاً على ما يقولون من وجود الكلام النفسي الصفة الزائدة على الإرادة والعلم ما يذكرونه من مسألة الأمر الامتحاني؛ لأنَّ فيه طلب ولا إرادة، والطلب قائم في النفس قياماً مستقلاً وليس بإرادة ولا علم.
فيقولون الطلب غير الإرادة و الامامية في قبالهم يقولون إنَّ الطلب هو الإرادة وإذ لا طلب لا إرادة وإذ لا إرادة لا طلب. فأين الإرادة هنا، أي كيف نعرف وجود الإرادة في الأمر الإمتحاني في قول الامامية.
ــــــــــ[376]ــــــــــ
() في المسوّدة: فمنها الآمر. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
شيخنا صاحب الكفاية تعرض إلى هذه المسألة، وهو من أعجب الأشياء التي ذكرها حيث قال: إنَّه لا نزاع بين القوم وإنما هو نزاع لفظي و لكن الواقع أنَّه نزاع أساسي في الحقيقة.
قال عندنا شيئان: إرادة واقعية حقيقية أي ما هو إرادة بالحمل الشايع، وإرادة إنشائية وهي تسمّى بالطلب فمن قال باتحاد الطلب والإرادة قال إنّ الإرادة الحقيقية عين الطلب الحقيقي.
فعندنا طلب إنشائي وطلب حقيقي وإرادة إنشائية وإرادة حقيقية ففي استعمال الناس يراد من الإرادة _ الإرادة_ الحقيقية، وإظهار الإرادة يسمّى طلباً الذي هو بعث المخاطب على الفعل.
فالطلب الإنشائي عين الإرادة الإنشائية، والإرادة الحقيقية عين الطلب الحقيقي، ومن يقول -وهم الاشاعرة- بعدم اتحادهما قصده أنَّ الطلب الإنشائي أي الإرادة الإنشائية مغايرة للإرادة الحقيقية فافترق الطلب عن الإرادة ونحن أيضاً نقول بافتراقهما بهذا المعنى، لأن الإرادة الحقيقية بالنفس، ولا علاقة لها باللفظ والإرادة الإنشائية تتعلق باللفظ. هذا خلاصة ما أفاده صاحب الكفاية في هذه المسألة.
نحن نقول: إنَّ هذا نزاع أصيل؛ لأنهم يقولون أنَّ الطلب الحقيقي هو غير الإرادة الحقيقية -وهو- أي رأي صاحب الكفاية هذا من مفارقاته العجيبة في الكفاية.
فالغرض أن الذي نقوله: إنهم يقولون إن الطلب الحقيقي القائم بالنفس الذي تدلّ عليه الأوامر الإمتحانية يدلّ على الطلب الحقيقي (كذا) في حين أنَّه
ــــــــــ[377]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لا إرادة حقيقية، فهنا ليست إرادة حقيقية ولكن هناك إرادة إنشائية لأنَّه -أي الآمر- في(1) سبيل أن يظهر الأمر.
فنحن في مقام الجواب نقول: ما معنى أنه طلب موجود بدون إرادة؟ ما المقصود من ذلك؟
دائماً الألفاظ لا يمكن أن تدلّ على المعاني(2) أي إنّ الألفاظ ليست موضوعة للمعاني الخارجية بما هي خارجية ولا الذهنية بما هي ذهنية أي إنّ ما في الخارج يستحيل نقله باللفظ هل نفس الذات الخارجية بما هي خارجية مدلولة للفظ أو صورة ذهنية تدخل في النفس فتدركها النفس؟
هم يقولون إنَّ الألفاظ ليست موضوعة للموجودات الذهنية ولا الخارجية لأنَّ، ذلك مستحيل حسب ما قُرِّر في الأصول إنما الألفاظ موضوعة في قبال نفس المعاني بما هي هي، لا من حيث هي موجودة في الذهن ولا من حيث هي موجودة في الخارج؛ لأنَّ ما في ذهني لا يمكن أن ينقل إلى ذهنك؛ وإلّا لزم أن يكون للوجود وجود وهو تحصيل الحاصل. وإنما ينتقل المعنى لا بما هو موجود ذهني فيوجد بوجود آخر في ذهنك.
فالألفاظ دائماً موضوعة للمعاني -بما هي هي- فالكتابة تدلّ على الألفاظ
ــــــــــ[378]ــــــــــ
() في المسوّدة: كأنه يظهر الأمر. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة: لا يمكن أن تدلّ على الألفاظ وهو غلط واضح قد يكون تصحيحه ما أثبتناه. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
والألفاظ تدلّ على المعاني فحينما تكتب (زيد) فكأنّك أحضرت المعنى ولكن هذه النقوش -أي الكتابة- إحضار للألفاظ والألفاظ إحضار للمعاني.
كذلك الألفاظ لمّا تكون حاكية عن المعاني الخارجية فكأنَّ الأمور الخارجية موجودة في ذلك اللفظ. فليست من وظيفة الألفاظ أن تدلّ على المعاني بما هي ذهنية ولا بما هي خارجية، بل بما هي معاني فهي تدلّ على المعاني بما هي هي لا بما هي موجودة في الذهن ولا بما هي موجودة في الخارج.
في مقام الإنشاء إنما غرض الإنشاء هو إيجاد ذلك المعنى باللفظ وهو إيجاد اعتباري لا إيجاد حقيقي، فأقصد من قولي (بعت) إيجاد هذا المعنى الاعتباري أما البيع الخارجي فلا يوجد باللغة، بمعنى أن يكون اللفظ علّة له بل يوجد بأسبابه، وهي اعتبار الله أو اعتبار المعتبر فالألفاظ حكمها إظهار المعاني وإيجادها باللفظ وهي ليس معناه الإرادة الحقيقية والطلب الحقيقي ولا يعني أن الطلب قائم في نفسي وإنما أنا أنشأت الطلب، وقد يكون هذا الطلب طلباً حقيقياً أو امتحانياً أو بداعي التعجيز باختلاف الدواعي النفسية. فهذه قصود تكون في النفس هي التي تدعو إلى إنشاء هذه الألفاظ.
فليس هناك صفة موجودة أخرى تسمى بالطلب الحقيقي في مقابل الإرادة الحقيقية وكل الصفات موجودة في النفس بوجود العلم والإرادة.
ــــــــــ[279]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
حكم الافطار:
البحث يقع في جهات ثلاث:
أمّا بالنسبة إلى الآية فهو موجود في الكتاب فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(3) -ص73- الشهود بمعنى الحضور لا الرؤية الشخصية بقرينة وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ(4) فموضوع الصيام على الحاضرين والافطار على المسافرين.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامّة: العَاشِر. (المقرِّر).
(2) الفقه المقارن، (مسائل فقهية ص69)، السيد محمد تقي الحكيم، السبت 7/4/1962. (المقرِّر).
(3) البقرة: 185.
(4) البقرة: 185.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إذا تخليّنا عن جانب الأدلّة الاجتهادية ولنفرض أنها متعارضة فهل عندنا من الأصول العملية التي تعيّن الحكم فنجري أصالة عدم النسخ؛ لأنَّ الصوم في السفر كان مشرعاً؛ لأنَّ هؤلاء كانوا يسافرون فمنهم الصائم ومنهم المفطر، ولا يلام الصائم على صومه ولا يعاب المفطر على إفطاره، فهل نسخ هذا الحكم؟ هل عندنا أصالة عدم النسخ تعبدنا بمشروعية الصوم في السفر.
سبق أن بيّنا أنَّ أصالة عدم النسخ لا يجري فيها الاستصحاب، والسرّ في ذلك أنَّ الاستصحاب دائماً لا بُدّ أن يكون فيه يقين سابق وشكّ لاحق، أي أنَّ جميع جهات اليقين مكتملة ما عدا الاستمرار في الزمان فإذا شككنا في النسخ يدور أمره بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع لأنَّ الحكم إن كان واسعاً في الزمان فهو مقطوع، البقاء وإن كان الحكم ضيقاً فمقطوع الارتفاع أشبه بمثال البقّة والفيل.
فالغرض إن عندنا في المرحلة الثانية، قلنا: إنّنا لا نستطيع أن نجريها أي أصالة عدم النسخ؛ لأنَّ الشكّ فيها يكون مردداً بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، فلا أستطيع أن أتصوّر مرحلة يقين حتى أجرّه إلى حالة الشكّ فما هو المتيقّن هنا؟ إذا كان -المتيقّن- واسع المنطقة فلا احتمل ارتفاعه، وإن كان ضيق المنطقة فلا أشك في بقاءه أي أعلم ارتفاعه، فليس بين أيدينا يقين حتى نجريه في حالة الشكّ -إذن- فليس عندي حكم يقول أنَّ الحكم منسوخ أو غير منسوخ، معناه أنَّ ليس لي أصلاً احترازياً ينقّح لي هذه الجهة ويحدد الوظيفة.
ــــــــــ[381]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فنرجع إلى الأصل العقلي، أننا نعلم يقيناً باتفاق كلمة المسلمين أنَّ الإفطار مشرّع ولكن هل الصوم مشرع أو لا، فيدور الأمر بين التعيين والتخيير؛ لأنّي أما مخيّر بينهما أو متعيّن على الإفطار وفي الدوران بين التعيين والتخيير، فالقاعدة العقلية تلزم بالتعيين والاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني لأنّي أشك في إسقاط غير المعيّن -وهو الصوم- للذمّة.
أنَّه(1) قد وجّه إليك تكليف بالصوم في شهر رمضان يقيناً ولكن هل الصوم مسقط للتكليف أو لا، وعند الشكّ في المسقطيّة فأنت ملزم بتفريغ ذمّتك يقيناً.
فهذه المراحل كلّها في صالح الشيعة.
هذا(2) إنما يتم مع غض النظر عمّا ورد عن أهل البيت من الأخبار أمّا إذا أخذت بنظر الاعتبار فلن يكون هناك مجال لأي شك.
ــــــــــ[382]ــــــــــ
() واستدل المدرس بدليل آخر فقال: (المقرِّر).
(2) ثم قال المدرس سلّمه الله بأنَّ… (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المطلب الخامس: في أنَّه يريد الطاعات ويكره المعاصي
العلامة في هذا الكتاب(2) خطابي أكثر منه علمي؛ لأنَّ المقصود إرضاء العامّة فاستعمل الجدل.
الشيء المهم أنَّه قد يكون لأقوالهم وجهة صحيحة لو أرادوا ما يقولون، ولكن لوازم أقوالهم يوجب سوء الظن فيهم. فيجب أن ندقق النظر في أقوالهم قبل أن نرى الحق(3)، فنحن لا نريد أن نتعصّب لرأي على أنَّه شيعي من ناحية فلسفية بل لا بُدّ أن ننظر نظرة موضوعية.
فهذا الذي نقله العلامة الحلّي عنهم لا يقرّه عاقل حيث نقل عنهم قولهم: بإنه -أي الله تعالى- يريد الشرك، والمعاصي، الجبر والتفويض وأنه سبب كلّ
ــــــــــ[383]ــــــــــ
()الفلسفة، (دلائل الصدق ص246)، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأحد 8/4/1962. (المقرِّر).
(2) كتاب (نهج الحق).
(3) كذا في المسوّدة والأحسن قبل أن نستدل على الحق. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
شيء وإنكار السببية بين الأشياء، وفي مسألة أنه تعالى فاعل ما به الوجود وفاعل ما منه الوجود، فكل الأشياء تصدر منه والفاعلون المختارون وغير المختارين ليسوا فاعلين حقيقة فكل الأشياء التي تقع تقع بفعله فهذا التهويل الذي ذكره العلامة يكون في محلّه.
في مذهبهم نفي القبيح عن الله تعالى ونحن لا نستطيع أن نقول له هذا قبيح وهذا حسن فنحكم على الله تعالى، فلا بدَّ أن ننكر القبيح والحسن فالله يفعل ما يشاء حتى الكفر والعقاب، فمذهبهم متراصّ آخذ بعضه برقاب بعض؛ لأنَّهم حين يُنكَر عليهم لوازم إنكار السببية ينكرون الحسن والقبح هذا ما يقوله العلامة فماذا يقول ابن روزبهان(1)؟
ــــــــــ[384]ــــــــــ
() ثم قال المدرس (سلّمه الله): الآن نبحث مبحثاً كلامياً ونتناسى كلّ ما قلنا عن البراهين واثبات الصفات ونبحث مع الكلاميين ككلاميين ولا نأخذ بالطريق التي سلكناها فننزل إلى المستوى الذي نزلت إليه هذه الكتب، أمّا كيف نستطيع أن نخرج من هذا الأسلوب من البحث فهذا شيء آخر*.
ثم يستمر المدرس الشيخ المظفر حفظه الله بالقراءة في رأي بن روزبهان في دلائل الصدق ويعلق عليها بين حين وحين يقول الإمامية كما يفهم ابن روزبهان أنه غير مريد للمعاصي والأشاعرة يقولون إن خلق الله عام لجميع الأشياء فلا بُدّ أن تكون مرادة له.
هذا الرجل أي ابن روزبهان مقلّد للغير وليس له مستوى عقلي بحيث يستطيع أن يقول الإنسان أنه فهم كلام اصحابه ولكن القوشجي أسمى منه وله آراء قيّمة.
* المقصود من هذه العبارة حسب ما يظهر أن رأينا الصريح الذي نسلكه سلوكاً طبيعياً في الجواب عن إشكالات الكلاميين هو شيء آخر ليس هذا محلّه. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إنّ البحث في هذه الموضوع سيكون في أربع مراحل:
المرحلة الأولى: مذكورة في الكتاب
المرحلة الثانية: من جملة الإشكالات:
ــــــــــ[385]ــــــــــ
() الفقه المقارن، (مسائل فقهية ص79)، السيد محمد تقي الحكيم، الاثنين 9/4/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
طويلة الأمد و حيث كان كلّ ما يمتّ إلى الجنس بصلة مقدّس في نظر الناس فالتشريع لا يستطيع أن يغيّر منها إلّا بصعوبة ولو كان جارياً من أوّل تشريعه لما وجدنا منه أي حرج وإلا فالنظرة المنطقية بالنسبة إلى الاثنين – أي العقد الدائم والمنقطع – متساوية ورواسبنا ليس لها أساس عقلي وإنما يقوم على أساس تراكمات منذ أن شرع تحريمها. ولا بُدّ أن نعيش حتّى يصبح العقد المنقطع طبيعياً ولن يكون في ذلك أي حرج أو تأنيب ضمير.
المرحلة الثالثة: الحكمة من العقد المنقطع: نفترض أنفسنا بشراً ولنا غريزة ونحن نعيش في عصورنا الحاضرة والزواج الدائم لا يمكن اليوم إلّا بعد عمر يناهز الثلاثين سنة ثُمّ يتخرّج من المدرسة ويبلغ التخصص ثُمّ يتعيّن في وظيفة ما يستطيع أن يحصل على مورد ثابت يستطيع أن يكّون بها أسرة ونفس المشكلة تمر بها الفتاة.
وفي هذه الفترة تكون أعلى فورة جنسية، وزواج دائم لا يستطيعه، أو يرجع إلى العادة السريّة التي لها ضرر قبل الزواج وبعد الزواج على ما يقول الاختصاصيون، أو يلجأ إلى المثليّة فأي شيء يصنع وكيف يعالج نفسه فهل نلتجئ إلى الزنا وفيه اختلاط المياه والمشاكل الاجتماعية؟
فالذي يعتقد أنَّ الحل الوحيد لهذه المشاكل الاجتماعية الشائعة هو أن يطلب من الكنيسة أو الحكومة البريطانية أن تشرع قانوناً للزواج الموقّت.
ــــــــــ[386]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المرحلة الرابعة: نلتزم بهذه الرواية “حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة” فنظرتها نظرة حاكم. بالنسبة إلى الأدلّة الأخرى معتبرةً، لها البقاء والخلود وهذا الحكم – أي المتعة – شرع في الإسلام إجماعاً بين المسلمين ولكن هل نسخ أو لا؟ فالجواب لا؛ لأنَّ حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة ويكفي في القطع بعدم الرفع عدم القطع بالرافع.
هذا من ناحية الأدلّة الاجتهادية، ولكن الأصول العملية هي في جانب الجماعة أكثر ممّا هي في جانبنا؛ لأننا نشك في ترتب الأثر على العقد المنقطع فتجري حينئذٍ أصالة عدم ترتب الأثر على عقد الصيغة لأنَّ ترتب الأثر من الأمور الحادثة والأصل عدمه.
ولكن الأمر لا يصل إلى هذا الحد بعد وروده في القرآن وفي السنّة النبوية والقرآن لا ينسخ بخبر الواحد والآيات التي ذكروها ناسخة فهي بالإضافة إلى
ــــــــــ[387]ــــــــــ
() الفقه المقارن، (مسائل فقهية)، السيد محمد تقي الحكيم، الثلاثاء 10/4/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تقدّمها الزمني غير متناقضة معها؛ لأنَّ المتمتع بها يصدق عليها أنها زوجة.
-والاحتياط هنا لا يجري أيضاً؛ لأنه من قبيل- الاحتياط في الدماء والفروج والمتعة خلاف الاحتياط وأصالة العدم أي أصالة عدم النسخ لا تجري؛ لأنَّها مترددة بين فردين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، فليس عندي متيقن حتى أجرّه إلى الأزمنة اللاحقة فالأصول خلاف مذهبنا ولكن مع وجود الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة إلى أصالة عدم النسخ أو الأصل العملي.
هذا لو خليّنا نحن وحديثنا مع العامّة أما نحن كشيعة فهي من ضروريات المذهب الشيعي والمائز بين الشيعة والسنة هو هذا.
ــــــــــ[388]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عن الاشاعرة: إنَّ الله يريد ما لا يأمر به ويكره ما يأمر به.
الدليل الذي استدلوا به: أنَّ الله فاعل كلّ شيء والفاعل لا يفعل إلّا بالإرادة فالله مريد لكل هذه الأشياء فالمعاصي عندما يعصى هو فعل الله تعالى؛ لأنَّ كلّ ما في الكون مخلوقاته ففعل العاصي مراد له تعالى هو كامل القدرة كامل السلطنة لا يخرج عن سلطانه شيء في الأرض ولا في السماء. ففعل الكافر ما دام داخل الوجود فهو مراد له إذن فقد نهاه عنه، وهو يريده ويأمر بالشيء وهو يكرهه، تقول هذا قبيح من الله يقولون لا قبيح من الله تعالى.
كلامنا في أنَّ – كما هم يقولون – كلّ ما هو في الوجود هو من خلق الله تعالى لأنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ(2) ومعناه أنَّه لا بدَّ أن يراد الفعل الموجود منهم، ولمّا كان كلّ شيء بخلق الله فكل
ــــــــــ[389]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، نفس التأريخ، 10/4/1962. (المقرِّر).
(2) الإسراء: 44.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
شيء هو فعله، ففعل العاصي فعل الله تعالى والحال أنَّه نهاه عنه وأراده، وترك المطيع الطاعة مكروهة لله تعالى فهو أمَرَه بها ولم يردها منه.
الإرادة على قسمين: إرادة تكوينية وإرادة تشريعية، وهي لم تدخل في البحث عند الأشاعرة -.
ما معنى الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية؟
الإرادة التكوينية: أن تتعلّق الإرادة بفعل الإنسان أنا أريد أن أقول فهذه إرادتي تسمّى إرادة تكوينية لكن أنا أريدك أن تسمع كلامي فأقول لك أسمع فهذا نسميّه إرادة تشريعية فمعناه ليس أنَّ سماعك يصدر من عندي بل سماعك يصدر منك فأنا أحب واشتاق أن يصدر – الفعل – من الغير بشرط أن يصدر من الغير فأوجّه الدعوة إلى الغير لكي يفعل فإذا فعله فقد حصل مرادي التشريعي، لا مرادي التكويني.
فالذي هو تحت سعتي أن أوجّه الدعوة فتوجيه الدعوة هو فعلي فهو مراد لي بالإرادة التكوينية، أمّا فعل الغير فهو مراد منّي بالإرادة التشريعية، أي أنّي أُحدث في نفسه الشوق إلى هذا الفعل فيقوى هذا الشوق حتّى يكون إرادة تكوينية له فيفعل.
فإرادتي التشريعية تكون سبباً للإرادة التكوينية للطلب هذا الشوق إذا تأكّد في نفسي فأبعثه نحو الفعل بأن أطلب منه الفعل.
هذا تحليل الموضوع: أنا لمّا أكون راغباً في فعل شخص فهذه الرغبة إذا تأكّدت في نفسي تحركني لأن أبعثه على هذا الفعل، فأطلب منه فأنشاء الطلب
ــــــــــ[390]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هو فعلي صدر منّي بالإرادة التكوينية، فإذا سمع المخاطب طلبي يرغب بالفعل وتقوى في نفسه هذه الرغبة فيفعل بالإرادة التكوينية وإرادتي لفعله إرادة تشريعية وإرادته هو لفعله وإرادتي لفعلي إرادة تكوينية.
والإرادة التشريعية غير الإرادة التكوينية؛ لأنَّ معنى الإرادة التشريعية: أنّي أُريد أن يصدر منه الفعل فإذا أنا فعلت عند عصيان المأمور، فمعناه إنّي قمت بهذا الفعل بإرادة أخرى لا بتلك الإرادة فقوام الإرادة التشريعية هو أن يريد الفعل أن يصدر من الغير بشرط أن يصدر من الغير. الشوق مهما تأكّد لا يكون إرادة لنفس الفعل(1).
فإذن نقول: إن الله تعالى فيه إرادة تشريعية وإرادة تكوينية، وكل الأشياء صادرة منه بإرادة تكوينية، والأوامر والنواهي مبعثها الإرادة التشريعية.
فعند التعبير: (أراد ما نهى عنه) لا مقابلة بينهما؛ لأنه إرادة بالإرادة التكوينية ونهى عنه بالإرادة التشريعية، وكذلك التعبير (كره ما أراده) أي كره تكويناً ما أراده تشريعاً فإذا اختلفا لا يلزم هذا التناقض أو أي شيء محال.
فإذا كرهت أن يصدر منّي ولكن أردت أن يصدر من الغير فلا تناقض، والتناقض إنما يقع إن كانت في كلا الطرفين إرادة تكوينية.
كذلك حينما تقول (أمر بما يكره) أي أراد ما يكره أي أراد بالإرادة
ــــــــــ[391]ــــــــــ
() المفهوم من هذه العبارة أنَّ الشوق التشريعي مهما تأكّد فلن يكون تكوينياً أي لا يمكن أن أقوم أنا بالفعل بنفس الشوق الذي أريد به أن يقوم غيري بالفعل ـ فإذا أردت فعلي فهي إرادة أخرى تكوينية. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
التشريعية فأكره أن يصدر منه بالإرادة التشريعية.
فيقولون إن فعلي هو فعل الله فهو يكره أن يصدر منّي الفعل ولكنّه يفعله فإذا كان فعلي هو فعل الله تعالى فهو فعله مباشرة وقد(1) أراده وإن كان يكره أن يصدر منّي فليس هو كاره لنفس الفعل، بل بما هو صادر منّي مكروه لله، وبما هو فعله محبوب له غاية الأمر أنه يلزم منه القبيح، ولكنَّه أي إرادة الله ما يكرهه وكرهه ما يريد مستحيلاً في ذاته ولا يلزم منه تناقض. هذا شيء لم يقوله الاشاعرة وغير موجود في كلامهم ولكن نحن نريد أن نوجّهه لهم، فكلامنا أننا حين نريد أن نفسّر كلام الأشاعرة، -في- أنَّه كره ما أراد وأراد ما يكره، نفسّره باختلاف الإرادة.
تبقى مسألة – في أنَّه – كيف يدخل الشيء في القضاء الإلهي إذا كان خالقاً كلّ شيء فهذه مسألة مهمة أخرى ينبغي أن نتأمّل فيها.
ــــــــــ[392]ــــــــــ
() في المسوّدة: فقد. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كان كلامنا في أنَّ الله تعالى يريد ما لا يرضى، أو يريد ما كرهه أو يريد ما نهى عنه، ويكره ما أمر به، أو ما أراده أو ما طلبه فهذه الأشياء تبدو متناقضة. ولمّا نقول إنَّ أفعال الإنسان كلّها مخلوقة لله تعالى فإذن أمره بالشيء أو على الخصوص بالمعاصي التي يعصيها البشر وهو قد نهاهم عنها وقد أرادها وقد رضي بها؛ لأنَّها قد وقعت منهم بعد أنَّ فعلوها(2) وقد فعلها الله وإذا فعلها فقد رضي الله بها واختارها، وهذه الأشياء تشبه أن تكون مستحيلة أو قبيحة.
والاشاعرة يمكنهم أن يقولوا ولا أقول أنَّ هذا هو كلامهم نفسه لأنَّ الأشاعرة لم يذكروا الإرادة التكوينية والتشريعية، بل هم قد اعترفوا بالإشكال الذي وجّه إليهم، ولكن قالوا إنَّ الأمر لا يجب أن يصدر عن إرادة ولا النهي عن كراهة.
قلنا إنَّه -أي قول الاشاعرة- يمكن توجيهه من دون لزوم محال أنه عندما
ــــــــــ[398]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأربعاء 11/4/1962. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة فقد فعلوها. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
يأمر يريده أي ما أمر به بالإرادة التشريعية أي يريد أن يصدر منه أي من العبد ولكن لا يريد أن يصدر منه أي من الله أي لم تتعلّق الإرادة التكوينية بهذا الفعل وإن تعلّقت الإرادة التشريعية بتركه(1).
فعندما يأمر الله بشيء فقد أراد أن يصدر الفعل من العبد أمّا هو على أن يصدر الفعل منه فهو لم يرده بالإرادة التكوينية.
إذن فيمكن أن نقول أراده ولم يرده، أراده أن يصدر من العبد ولم يرده أن يصدر منه، فترتفع المناقضة غاية الأمر أنَّ هذا قبيح.
فهذه المناقضة الظاهرة التي يقول بها الأشاعرة تزول إذا قلنا إنَّ هناك إرادة تشريعية وإرادة تكوينية فتتعلّق إحداهما بشيء وتتعلق الأخرى بشيء آخر، فيأمر بما لا يريد وينهى عمّا يريد واستحالة الجمع بين الإرادتين لا يكون أمراً ذا بال لاختلاف الإرادتين ويرتفع التناقض.
وهذا شيء لا بدَّ أن تكون الإشارة إلى قول الاشاعرة من أنه إمّا مستحيل أو قبيح، أما أنَّه قبيح فواضح؛ لأنَّ المفروض أنَّ العبد ليس مستقلاً بإرادته وأفعاله وإنما هو موضع للفعل وكل الموجودات والأفعال هي أفعال الله تعالى فإذا كان كذلك فمعنى أنَّ الله يريده هل يريده على أن هو يشرب الخمر هذا بالنسبة إلى العبيد -أي الموالي العرفيين- جائز لأنَّ عبدي إذا عصى فأنا أقوم بالفعل أمّا بالنسبة إلى الله فليس بهذا الشكل وإنما تتعلّق الإرادة التشريعية(2)
ــــــــــ[394]ــــــــــ
() كذا والأحسن: به. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة: التكوينية. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بنفس الفعل فينهى عبده عن شرب الخمر ويفعل فيه شرب الخمر، كما هو مفروض الاشاعرة.
بالنسبة إلى الله: لما كان الله تعالى هو خالق الافعال فهو لما نهاهم عن شرب الخمر، وأراد شرب الخمر ما أراد أنه هو يشرب الخمر بل هم يشربون فنفس إرادة العبد تكون بنفسها(1) إرادة الله التكوينية، فبالكراهة التشريعية كره نفس ما أراده بالإرادة التكوينية هذا قبيح لا أنَّه يكره صدوره من العبد وهو يقوم به لا يجوز أن أكره منه شرب الخمر ثُمّ ألجأه إلى الشرب بالجبر.
أنا أكره (تشريعاً) أن يصدر هذا الفعل من زيد وأنا أفعله (تكويناً) أو أكره أن أقوم أنا به، ولكن أريد أن تقوم أنت به وهذا شيء ليس غريباً، ولكنَّه لا يتمّ على رأيهم؛ لأنَّه كيف يعقل أن يتصوّر أنه يريد الشيء بالإرادة التشريعية ويكرهه بالإرادة التكوينية.
الغرض أنَّ التوجيه الذي نقوله لكلام الاشاعرة هو: أنَّه ليس محالاً أن يريد ما يكره ويكره ما يريد على اختلاف المتعلّق أي يكرهه من العبد ولكن يقوم به تكويناً وهذا شيء معقول ويقع ولا بأس به.
إذن فكلام الاشاعرة صحيح ولماذا هذا التهويل عليهم به؛ لأنَّه بالقياس إلينا أننا نريد أن يصدر الفعل من الغير ونكره أن يصدر منّا أو نكره أن يصدر من الغير ونريد أن نقوم به فأنا نفس الفعل أكرهه وأريده، أكرهه أن يصدر منّي وأريده أن يصدر من غيري وبالعكس كذلك.
ــــــــــ[395]ــــــــــ
() في المسوّدة بنفسه. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ولكن تصويره بالنسبة إلى الله مستحيل؛ لأنَّه على ما توهمّوا (1) أنَّ العبد ليس مستقلاً بإرادته وكل ما فعله هو فعل الله تعالى، وليس العبد إلّا موضعاً للأفعال فعلى كلّ حال يكون العبد موضعاً للأفعال سواء بالإرادة التشريعية أو بالإرادة التكوينية.
فهل يمكن أن يريد أن يصدر الفعل من العبد ولا يريد أن يصدر منه؟ فعندما يعصي يكون الله أجبره(2) على العصيان أي أراد أن يصدر منه مع أنَّه نهاه عنه فهو يكرهه ويريده منه وهذا الذي نقول أنه متناقض.
هذا تصويره بالنسبة إلى العبد ممكن؛ لأنَّ الآمر والمأمور مستقلان عن بعضهما البعض في العمل والإرادة، ولكن هذا لا يصدّق بالنسبة إلى الله تعالى؛ لأنَّ العبد ليس له استقلال في الأعمال فيتحد متعلّق النهي التشريعي والإرادة التكوينية، فهو يأمرني ويجبرني على الترك وينهاني ويجبرني على الفعل فكيف يتعقلون هذا المعنى؟
فليس هذا – أي التفريق بين الإرادتين حلاً للموضوع وصاحب الكفاية حلّ الإشكال على مذهب الامامية ولكن هذا لا يكون حلاً بالنسبة إلى الأشاعرة؛ لأنَّ الفاعل واحد على كلّ حال.
فإذن كيف نحلّها على طريقة الامامية على طريقة الأمر بين الأمرين؟
ــــــــــ[396]ــــــــــ
() في المسوّدة كلمة تحتمل ما أثبتناه أو: على ما برهنوا. (المقرِّر).
(2) في المسوّدة أي أن الله أجبره. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا: إنَّ التوجيه الذي ذكرناه لرأي الاشاعرة إنما يرد إذا أمكن أن يستقل العبد بأفعاله كما هو الحال في الموالي العرفيين.
وبالنظر إلى أنَّ كلّ أفعال العبد صادرة من الله تعالى مباشرة فلا يتأتّى هذا الجواب من التفريق بين الإرادة التشريعية والإرادة التكوينية وإنما يتأتّى على رأي المفوضة، أنَّ هذا إنما يتصوّر بالنسبة إلى العبيد لا بالنسبة إلى الله الذي هو مسيطر على كلّ شيء فمثل هذا الجواب لا يلائم الاشاعرة.
فالجواب الذي يرتضيه الاشاعرة هو اختلاف الطلب والإرادة ليس كلّ ما أمر به إرادة بل كلّما أمر به طلبه فإن اتحد الطلب والإرادة صدر الفعل وإن اختلفا لم يصدر فهناك تباين عندهم بين الطلب والإرادة كما في الكلام النفسي والأوامر الامتحانية. -فهو- يريد ولا يطلب ويطلب ولا يريد، يريد الترك
ــــــــــ[397]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأحد: 15/4/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
ويطلب الفعل أو يريد الفعل ويطلب الترك، والعبد لا يستطيع أن يخالف الإرادة. وهذا لا يرد عليه التناقض لأن التناقض إنما يلزم عند اجتماع الكره والإرادة.
ــــــــــ[398]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في الحقيقة في قمة المسائل التي ابتلي بها البشر من أقدم العصور إلى يومك هذا مسألة التوفيق بين حرية الإرادة والقضاء والقدر.
لاشك أنَّ الإنسان حرّ في تصرفاته يجد في نفسه القدرة وكون كلّ شيء بقضاء وقدر. هذه تخامر كلّ أحد فمنهم من التجأ إلى الجبر أو التفويض هذه المفارقات التي سمعتموها.
ومنها وقوع الشر في القضاء الإلهي والله خير محض ولا يفيض إلّا الخير فمن أين يأتي الشر إذا قلنا بتوحيد الله تعالى فكيف نوفق بين هاتين الفكرتين.
نحن حاولنا إقامة البرهان في التوفيق بين هذه المتناقضة الظاهرية أنه خالق وأن الإنسان حر ووقوع الشر أيضاً من أنَّه أمر عدمي، ومن مفارقات نقصان الماهية ونقصان الوجود وأنَّ الوجود يقال له شر بالتبع و ليس بالأصالة، وانتفى على ذلك ظاهر التناقض والتهافت في القرآن الكريم وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا
ــــــــــ[399]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الثلاثاء 17/4/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أَنْ يَشَاءَ اللَّـهُ (1) وأنَّ الحسنة من الله والسيئة منك.
فهذه الأشياء بدون أن يحملها الإنسان بمبدأ أهل البيت مبدأ الأمر بين الأمرين يحار في تأويلها وكل التأويلات غيره غير صحيحة؛ لأنَّها -أي ما ورد من الآيات الموهمة- ألفاظ صريحة لا تقبل التأويل وليس كلّ تأويل يمكن الركون إليه.
فليس الأشاعرة ولا المفوّضة استطاعوا التأويل بشكل دقيق وصحيح.
قلنا هذه ظاهرة التناقض الموجود في القرآن الكريم ينسق على التناقض الأولي الموجود قبل القرآن من أنَّ الله فاعل الخير فكيف يقع الشر والتوفيق بين حرية الإرادة وأن لا شيء يخرج من سلطانه. فإن لم نوفّق به على مذهب أهل البيت فسنبقى في ضلالة مدى الدهر وكل ما ذكره غيرهم لا يسمن ولا يغني من جوع.
ومما ينسق على هذه المسألة مسألة إرادة الله أنَّ الله كيف يريد المعاصي إذا كان هو الفاعل، وكل شيء بقضاء وقدر وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله فمن شاء المعصية فقد سبقت إشاءته إشاءة العبد، فكيف يريد ما يكره ويكره ما يريد، وكيف نوفق بينهما وهذه مسألة مهمة ولكنّها تنسق وتتفرع على تلك.
جماعتنا نراهم يفصلون أنَّ الأشياء التي تصدر من العبد وقد نهى الله عنها أنَّ الله لا يريدها، إذا استقلّ العبد وصار مفوضاً كيف نفسّر هذا الفعل الذي وقع من العبد هل أراده الله أو لا؟
ــــــــــ[400]ــــــــــ
(1) الإنسان: 30.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فإذا أردنا أن نقول إنَّ العبد مستقلّ في عمله وليس له سلطان عليه فهذا كلام المفوضّة إذن فلماذا نعتب عليه.
إذا لم نلتزم بالجبر ولا التفويض كيف نحلّ أنَّه يكره ما يريد وهذه هي المسألة.
الشيخ المظفّر يجيب على الطريقة الكلامية وهي طريقة غير مقنعة فإذا لم يرد الله فعل العاصي إذن فقد خرج عن سلطانه وهذا هو التفويض وهو خلاف في مقابل الله تعالى.
فالغرض أننا أردنا أن نحل المسألة عن طريق تقسيم الإرادة فرأيناها لا تنحل وإنما تنحل بالنسبة إلى الموالي العرفيين الذين لهم استقلال بالوجود أمّا بالنسبة إلى العبد والله فلا يعقل لأنَّ العبد وما يملك لمولاه فكيف تتصوّر إلّا بالتفويض أنَّه تتعلّق به الإرادة التشريعية دون التكوينية.
إذن فقد نهاه عن الفعل وأراده منه ولم تحل الشبهة بعد.
إذن كيف نوفّق بين حرية الإرادة والقضاء والقدر؟
قلنا حل المشكلة وهو الحل الحقيقي الذي يوضّح المسألة ويدفع كلّ شبهة أن الله فاعل ما منه الوجود ويستحيل أن يكون مباشراً للأفعال والعبد فاعل ما به الوجود، ولا يعقل أن ينسب الفعل من هذه الناحية إلى الله فإفاضة الوجود من الله وليس من العبد.
فليس أحدهما في طول الآخر ولا في عرضه وليسا علّتين على معلول واحد بل كما قلنا إذا طلب الشيء بلسان استعداده أن يدخل في نظام الوجود
ــــــــــ[401]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فهو يفيض عليه الوجود؛ لأنَّه تعالى كريم لا بخل في ساحته.
والنقص إنما يأتي من ماهية الفاعل فيكون نقصاناً في الوجود من جهة عدم انطباق جهات كمال الوجود عليه، وهذه الجهة منسوبة إلى العبد وغير منسوبة إلى الله تعالى. والقضاء والقدر معناه تقدير الوجود وهو من الله تعالى وكل فعل يصدر من المختار أو غير المختار إنما يصدر بمباشرته.
فالفاعل ما به الوجود هو السبب الطبيعي سواء كان بتوسّط اختيار أو بدون توسّط اختيار فوجود الإحراق من الله تعالى وخاصيّة الإحراق بما يسمّى إحراق إنما كان من خصوصية النار وبمباشرة النار لكن من ناحية كونه وجود لا يسمّى إحراق وإنما يسمّى إحراقاً من ناحية ماهيته.
فخصوصية كونه منتسباً إلى العبد هو المبغوض الفاقد لجهات الكمال هو كونه شراً ومبغوضاً لا أصل وجوده.
الظلم لجهة كونه غير منطبق على القواعد يكون ظلماً إنَّ عدم انطباقه على القواعد هذا أمر عدمي؛ لأنه لم يتهيأ له سببه.
أما ناحية وجوده فليس ظلماً فخصوصية الفعل إنما جاءت من خصوصية هذا الفاعل؛ لأنَّه لم يطبق القواعد الشرعية أو الكونية أو الناموسيّة فصار الفعل ناقصاً من نقصان فاعله فدخل في نظام الوجود بهذا المقدار وما تهيأت الأسباب ليكون أكمل فمن ناحية كونه منسوباً إلى الله هو خير، وإنما جاء الشر من ناحية العدم والعدم لا يحتاج إلى علّة ويكفي فيه عدم العلّة ولما لم تتوفّر العلّة لم يتهيأ الكمال.
ــــــــــ[402]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا: يوجد خلاف مستحكم بين الأشاعرة وغيرهم في مسألة اتحاد الطلب والإرادة.
اتحاد الطلب والإرادة من فروع مسألة الكلام النفسي سبق أن قلنا إنَّ الأشاعرة يقولون بأن الله تعالى متكلّم ومعنى متكلّم أنَّ له صفة زائدة على صفة العلم والإرادة والاختيار والقدرة هذه الصفة هي الكلام.
وقلنا في مقام ردّهم: إنَّه ليس لله تعالى صفة غير العلم والإرادة هي الكلام صحيح أنَّ الإنسان يزوّر(2) في نفسه كلاماً ثُمّ يتكلّم، واللفظ ليس له شأن إلّا إبداء ما في الضمير، ولكنّه ليس له صفة غير العلم والإرادة هو -أي الكلام النفسي- تصوّر المعنى وإرادته فمرجعها إلى العلم والإرادة فليس هناك شيء غيرها يسمّى بالكلام النفسي.
ــــــــــ[403]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، الأحد 22/4/1962. (المقرِّر).
(2) زَوَّرَ الكلامَ في نفسه: هيَّأَه وأّعَدَّه.
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
قلنا لا نتعقّل شيء غير الإرادة والعلم والإنسان يجد في نفسه أنَّه يتخطّر المعاني ويحكي عنها فهي موجودة بالعلم بالوجود الذهني فليس لها وجود آخر غير وجود العلم.
نحن نقول إنَّ العلم موجود في النفس بنفسه لا بوجود آخر وإلّا لكان له وجود -وهذا الوجود هو علم أيضاً- ويتسلسل والمعاني موجودة في النفس بالعلم.
إذا علمت بزيد فأنا أعلم بزيد وهو موجود في نفسي -بالعلم- وعلمي بزيد معلوم بنفسه ولو كنت أعلم به -أي بعلمي بزيد- بالعلم الحصولي لتسلسل علمي بعلمي علم حضوري وزيد معلوم بالعلم الحصولي.
وإنما ذكرنا هذا التفريق بين ما هو في النفس وما هو صفة للنفس والعلم من صفات النفس، وهو الحاضر في النفس أمّا صورة زيد المنطبعة فهي موجودة في النفس بوجود علمي، فليس هو من صفات النفس بل العلم به من صفات النفس العلم بزيد صفة للنفس وزيد معلوم.
فالكلام النفسي الذي يقولون به يقولون إنَّه بمنزلة العلم كيف أنَّ العلم موجود في النفس بنفسه(1) بخلاف مفهوم زيد فهو موجود في النفس بوجود النفس نفس العلم خارجاً، والعلم نفس النفس لا مفهوماً فالعلم مفهوماً غير الإرادة والإرادة غير النفس، كالماهية والوجود متفقان تحققاً مختلفان تصوّراً.
فالكلام: أنَّ في النفس صفات نفسانية موجودة بوجود النفس لا موجودة
ــــــــــ[404]ــــــــــ
() في المسوّدة بوجوده. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
بوجود علمي أو إرادي. فهل هناك وجود في النفس موجود فيها غير الوجود العلمي والإرادي بصورة استقلالية.
الشيء الذي أريده موجود بالإرادة بوجود إرادي، والإرادة هل هي موجودة بالإرادة هي موجودة بنفسها وإلا لتسلسل فهل الكلام النفسي من قبيل العلم أو المعلوم.
فالذي ندّعيه أنه عندنا معانٍ معلومة موجودة بوجود العلم فليس هناك صفات في النفس، النفس ظرف لها لا لوجودها فما في النفس من خواطر موجودة بوجود علمي وإرادي فليس هناك كلامٌ نفسي مدلول للفظ موجود بوجود استقلالي.
فيقصدون من الكلام النفسي أنه في مقابل العلم والإرادة، فالذهن ظرف له لا لوجوده.
اختيارهم الكلام النفسي هو إكمال الصفات الثمانية فإذا كان له وجود مستقلّ عن العلم والإرادة وهو صفة من صفات الله تعالى فلا بُدّ أن يكون قديماً، وتفرع عنه القول بقدم القرآن وكفَّروا من قال بحدوثه.
فمن جملة أدلّتهم على الكلام النفسي مسألة الأوامر الامتحانية من المولى يقولون لا شكّ أنَّ هذا أمر حقيقي كما أُمر إبراهيم بذبح ابنه هذا طلب ولكن بدون إرادة؛ لأنه يعلم أنه لا يذبح ولا يريد ذبحه فهنا طلب ولا إرادة.
وكأنما أن الاشاعرة يقولون إنَّ هناك كلام في النفس موجود بوجود النفس وهي ظرف له لا لوجوده في مقابل العلم والإرادة واستدلوا بالأوامر
ــــــــــ[405]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الامتحانية، وأنَّه يوجد فيها طلب دون الإرادة إذن هناك صفة في النفس لا تسمّى علم ولا إرادة، و الكلام النفسي من هذا القبيل فهذا الطلب مدلول للإنشاء ولوجود النفس، وغير موجود بوجود العلم والإرادة وهو من مصاديق الكلام النفسي.
وقلنا إنَّ دليلهم من أسخف ما يكون، قلنا إنه في الحقيقة أنَّ الصفات النفسية لا يعقل أن تكون مدلولات الألفاظ، سواء كان إرادة أو علماً أو طلباً؛ لأنَّ المقصود من اللفظ إحضار المعاني ومدلولاتها إلى ذهن السامع. أنا أتكلّم لأنقل ما في نفسي إلى نفسك، فالألفاظ تدلّ على تلك المعاني وعندما تسمعها ينتقل ذهنك إلى نفس المعاني فتوجد في نفسك كما توجد في ذهني.
والموجود الخارجي يستحيل أن يوجد في نفسك لأنَّ الموجود الخارجي لا يعقل أن يكون مدلولاً متصوراً، بل المتصوّر المعاني فالألفاظ لا تدلّ على ما في الخارج وعلى ما في الذهن بقيد كونها في الخارج وكونها في الذهن، فلا بُدّ أنها مجعولة للمعاني بنفسها فأنت لا تتصوّر المعاني التي في نفسي بقيد كونها في نفسي وإلّا لكان للوجود وجود فدائماً الموجود الخارجي لا يعقل أن يكون في الذهن.
فليس الموجود في الذهن الأشياء الخارجية، بل المفاهيم، وهي مدلولة للألفاظ لا بشرط وجودها في النفس، فنحن إنّما ننتفع بالألفاظ لأجل أن نوصل معانيها إلى الغير، والموجود في النفس لا يعقل أن يدخل في ذهنك؛ لأنّ ما في النفس وجود خارجي، فالوجود العلمي -لا بقيد الوجود العلمي- هو المدلول للفظ، فمدلولات الألفاظ لا يعقل أن تكون موجودات خارجية بأيّ
ــــــــــ[406]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
معنى، ويستحيل، بل المعاني من حيث هي هي وإن كانت حين وجودها في الذهن تكون مدلولة، ولكن لا بقيد وجودها في الذهن.
إذن، أي لفظ: أمر أو نهي أو خبر، جمل ومفردات، لا تدلّ على المفاهيم بما هي هي، فكيف يعقل أن تكون مدلولات الألفاظ نفس الموجودات الذهنية نفس العلم والإرادة والطلب.
فكيف يكون مدلول الألفاظ في مقابل العلم والإرادة، فلا يعقل أن يدلّ اللفظ على الطلب الحقيقي، بل المفهوم هو المدلول للفظ، فهو موجود في النفس، والنفس ظرف لوجوده لا لنفسه.
لا يعقل أن يكون الطلب مدلولاً للألفاظ وإنّما مدلول الألفاظ هو الطلب الإنشائي، أما الطلب الحقيقي والعلم الحقيقي فلا يمكن أن تكون مدلولة للألفاظ؛ لأنّها موجودات خارجية، فما هو بالحمل الشايع طلب يقولون – أي الأشاعرة- أنّه مدلول للأوامر، هذا أمر لا يعقل، كذلك الكلام النفسي إذا كان موجوداً في النفس بنفسه لا بوجوده، فلا يعقل أن يكون مدلولاً للألفاظ.
فالتفرقة ببيان أن في الأوامر الامتحانية طلب ولا إرادة، كلام غير معقول، وكلام لا نفهمه، بل الطلب هي الإرادة والإرادة نفس الطلب.
لا يعقل أن تكون الموجودات الخارجية مدلولات للألفاظ، ولا الموجودات الذهنية؛ لأنّها ترجع في الحقيقة إلى الموجودات الخارجية.
في الكفاية يقول: إنّ الطلب ظاهر في الإنشائي والإرادة تدلّ على الطلب بالحمل الشايع، لذا تجد التفريق. وإلا فالإرادة نفس الطلب.
ــــــــــ[407]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فالمسألة أنَّ الأشاعرة يقولون إنّ الله يريد المعاصي من العبد وينهاهم عنها ويكره الطاعات ويأمرهم بها.
نقول بكلمة واحدة هذا غير معقول الله يريد الطاعات ويكره المعاصي لا يعقل أنه يريد المعاصي ويكره الطاعات.
هم يقولون: لا -إنّ الله يريد المعاصي ويكره الطاعات-؛ بدليل أنَّ المعاصي تقع من العبد فلو لم يردها الله لما وقعت وكلّما يقع هو بإرادة لله والطاعات لا تقع من العبد ولو أرادها الله تعالى لوقعت، إذن هو لا يريدها.
باعتبار الله خالق كلّ الأفعال فهو مريد لها فرجع إلى إنكار السببية والجبر فمتى تقع المعصية في الوجود فهو يريدها.
فقول العلامة الذي ينسبه إلى الإمامية أنه يريد الطاعات يكره المعاصي سواء تقع أم لا، كيف يريد الطاعات مع أنَّه إذا قال كن فيكون فإذا أراد
ــــــــــ[408]ــــــــــ
() الفلسفة، الشيخ محمّد رضا المظفر، 25/4/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الطاعات كيف لا تقع الطاعات؟ فمعنى يريد الطاعات يقولون: يريدها بالإرادة التشريعية.
فنحن(1) لا نستطيع أن نقول إنّ العبد مؤثّر في الجانب العدمي من المعاصي بل كان العبد سبباً لنقصان العلّة(2) والله تعالى يفيض الوجود على قدر استعداد المعلول.
أنَّ العبد أيضاً لا يؤثّر للوجود (كذا) ولكن عدم المعلول لعدم العلّة فعدم صفات الكمال للأثر سببها عدم كمال المؤثّر.
فالعبد لم يرد الطاعة فلم يطع لا أنَّه أراد ترك الطاعة وقد قلنا إنَّ المختار مَن إذا شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، وليس هو مَن إذا شاء فعل وإذا شاء أن لا يفعل لم يفعل؛ لأنَّ نفس عدم إشاءته كافٍ للعدم، دائماً نقصان الأثر من نقصان المؤثّر ومن عدم وجود الاستعداد لتقبُّل الأثر الكامل.
فإذا كان كذلك فالله تعالى يريد المعاصي لا بحدود كونها معصية لأنَّ هذا أمر عدمي إنما كانت معصية؛ لأنَّها أعدام وهو الظاهر أنَّ الضمير يرجع إلى العدم من الفاعل (القابل) لا من القابل (الفاعل) فاتصافها بالمعصية من العبد، لا من الفاعل وهو مفيض الوجود، بل من قبل القابل واستعداد العلّة فهو
– اي الله تعالى- يكره المعاصي كمعصية فالله لا يريد المعاصي بل يريد الوجود.
ــــــــــ[409]ــــــــــ
() ثم قال المدرس حفظه الله في الجواب على سؤال أثاره بنفسه. (المقرِّر).
(2) كذا في المسوّدة ولعلّ الصحيح النقصان قابلية العلّة على خلق الوجود الأكمل. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأشياء(1) غير الاختيارية يكون جبر -أي يكون العبد مجبوراً عليها- كالنقصان البدني والتفكيري، بل إنما تصدق المعصية الاختيارية بعدم الاستعداد ولو بعدم إرادته للفعل الكامل، تعلّقت إرادته بالناقص ولم تتعلّق بالكامل فهو أراد مرتبة للوجود لكن كمالها لم يرده، فلم تحصل المرتبة الكاملة فهو لم يرد الكمال في فعله فلم يكن الفعل كاملاً.
والخلط إنما يقع للخلط بين ما بالذات وما بالعرض صحيح إن الأشياء توصف بالشرور ولكن بالدقّة العقلية أن الشرور تكون بالعرض وليست موصوفة بها بذاتها.
ــــــــــ[410]ــــــــــ
() وقال (حفظه الله) في الجواب على سؤال وجه إليه: (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هذا التعبير أن (لا تنقض اليقين بالشك) ورد في عدّة روايات، زرارة له ثلاث صحاح مروية في مثل هذه التعابير.
الشيخ الأنصاري ركّز بحثه كلّه على هذا التعبير وأخذ رأيه في مسألة الاستصحاب من هذا التعبير.
وهو له مذهب في الاستصحاب وهو القول التاسع وأول من تنبّه له -أي إلى هذا الرأي- المحقق في المعارج الشيخ المحقق اختار هذا المذهب وأوّل من تنبّه له، والمحقق الخونساري في شرحه للدروس أكّد عليه واهتم به، وجاء ثالثهم الشيخ الأنصاري فاختاره واستنبطه من هذه الروايات.
والقول هو التفريق بين الشكّ في المقتضي والشك في الرافع ففي الأوّل يجري الاستصحاب، وفي الثاني لا يجري.
فالشيخ الأنصاري على ما فهم من كلامه هنا أنَّ المقتضي -وطبعاً نحن
ــــــــــ[411]ــــــــــ
() الأصول، تقرير الشيخ محمّد رضا المظفر، كان مدرس الأصول غائباً، 30/4/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
نفهم من المقتضي ما يقتضي وجوده والرافع الذي يرفع وجود شيء، فالمقتضي للحكم- هو الملاك، أو الإرادة، أو الأمر، الإنشاء.
لكن الشيخ الأنصاري لا يريد هذا المعنى يعني الشكّ في المقتضي، الشكّ في الاقتضاء في الاستعداد في البقاء، الأحسن للبقاء توجد أشياء مستعدة للبقاء وتوجد أشياء بخلاف ذلك، فالدار لها استعداد للبقاء فنشك بأن هل هناك شيء رفعها فاستعداد الشيء للبقاء ونحن نشك بوجود شيء يرفعه.
وهناك شكّ في المقتضي كالدار التي بنيت على ساحل البحر فإذا شككنا في استعدادها شككنا في أنَّ هذا الشيء له استعداد البقاء أو ليس له استعداد البقاء، فالذي يشك في استعداده يسمّى الشكّ في المقتضي وإذا يشك في طرو الرافع فهو يسمّى الشكّ في الرافع.
الشكّ في المقتضي هو: الشكّ في استعداد الشيء للبقاء والشك في المانع هو: الشكّ في ما يزيله.
قال الشيخ الأنصاري: إنَّ (لا تنقض اليقين بالشك) إنما تكون دليلاً للاستصحاب إذا كان الشكّ في الرافع ولا تشمل الشكّ في المقتضي، فالشيخ يقول إنّ أدلّة الاستصحاب أي (لا تنقض اليقين بالشك) خاصّة لا يشمل الشكّ في المقتضي فقط الشكّ في الرافع، وهذه المناقشة تلقّاها من المحقق الخونساري في شرحه للدروس، والمحقق الحلّي وإن ذهب هذا المذهب ولكنّه من دون أن يستند إلى هذه الروايات وأوّل من تنبّه للاستدلال – بهذه الروايات على هذا القول المحقق الخونساري.
ــــــــــ[412]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هناك يقين سابق وشك لاحق ولكن الشكّ هل هو من جهة استعداد الشيء للبقاء أو نحن نعلم باستعداده ولكن احتملنا طرو رافع يرفعه.
صاحب الكفاية اختلف مع الشيخ الأنصاري قال إنّ الاستصحاب حجّة مطلقاً سواء كان الشكّ في المقتضي و -سواء كان الشكّ في- الرافع، الدليل يشمل الطرفين.
نكتفي اليوم بالوجه الذي يقوله الشيخ الأنصاري:
يقول الشيخ الأنصاري: أولاً معنى النقض لغة هو: النقض لا يكون إلّا في رفع الهيئة الاتصالية نقول مثلاً نقضت الحبل أي الشيء المُبْرَم نقضت البناء وهو شيء محكم نقضت العهد أي هو شيء له استمرار وثبوت حينئذٍ يوصف بأنَّه نقض أما الشيء الذي ليس له ثبوت فلا يسمّى نقض. فالنقض لغةً حل المُبرَم ورفع الاتصال أو دفع الهيئة الاتصالية.
المقدّمة الثانية: من أنَّه هذا النقض وحرمة النقض أنَّه (لا تنقض اليقين بالشك) ليس على حقيقتها؛ لأنَّ اليقين منقوض بالفعل لأنَّ معنى الشكّ أنّك قد نقضت اليقين، فما معنى النهي عن نقض اليقين هذا أمر ليس تحت اختيار المكلفّ رفعه ولا وضعه، وليس للنهي عنه معنى إذن يراد منه معنى مجازي.
هناك قاعدة أصولية عربية أنه إذا تعذّر المعنى الحقيقي يراد أحد المعاني المجازية وإذا تعددت المعاني المجازية يقرّب ويرجح أقرب المعاني المجازية إلى المعنى الحقيقي. فالقرينة الصارفة هي امتناع المعنى الحقيقي والقرينة المعيّنة للمجازي هو أقربية المعنى المجازي.
ــــــــــ[413]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فيقول فلمّا كان المعنى الحقيقي متعذّراً أو مستحيلاً فلا بُدّ أن يراد المجازي، معناه اجرِ على أحكام اليقين أي اعتبر يقينك ثابتاً كأنَّ اليقين لا يزال موجوداً.
أي يقين؟ ما هي أحكام اليقين؟ و قد زال اليقين؛ لأنَّ كلّ موضوع إذا زال زال حكمه معه ثُمّ أردف بأنَّ المقصود من ذلك هو أحكام المتيقن() أي أنا شككت بالطهارة فأنت متطّهر أي لا تنقض أحكام المتيقن.
الغرض أنَّ الشيخ الأنصاري يقول إنَّه لما تعذّر المعنى الحقيقي فلا بُدّ أن يراد المعنى المجازي وهو الأخذ بأحكام المتيقن أي لا تنقض المتيقن.
فإذا نسبنا النقض إلى المتيقن فلا بُدّ أن يكون للمنقوض نحو من الابرام فهل يراد لا تنقض المتيقن سواء كان مبرماً أو لا، أو خصوص المبرم؟
فهنا النقض يصح بالنسبة إلى ما له استعداد البقاء؛ لأنَّه هو مبرم فيكون له معنى النقض (المفهوم من هذه العبارة): فيكون للنقض معنى فيه، أما ما ليس له استعداد البقاء فليس له إبرام حتّى يُنقض فيكون كلمة النقض (قرينة) على المراد من المتيقن فإسناد الفعل إلى شيء وإن كان في حدّ ذاته -أي ذلك الشيء- مطلق يكون قرينة على الإرادة من المتعلّق؛ لأنَّه قد يكون الفعل قرينة المفعول نحو لا تضرب أحداً أي لا تضرب من يتألم بالضرب.
فلا تنقض المتيقن إذا كان له استعداد البقاء فكلمة (لا تنقض) تكون (قرينة) على المراد من المتيقن وهو فيما إذا كان له إبرام و معنى الإبرام في المتيقن
ــــــــــ[414]ــــــــــ
() في المسوّد أي أحكام. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هو: ما إذا كان له استعداد البقاء فلا تنقض اليقين بالشك، إنما تأتي في الشكّ في الرافع ولا يكون في الروايات دلالة لشمولها للشك في المقتضي.
هذا خلاصة كلام الشيخ الأنصاري.
ــــــــــ[415]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
كنّا نتحدّث عن رأي الشيخ الأنصاري في “لا تنقض اليقين بالشك” يقول هذا لا يشمل الشكّ في المقتضي بمقدمتين:
فيتخيّل أن يكون المراد المعنى الحقيقي فتكون هذه قرينة عقلية صارفة عن إرادة المعنى الحقيقي.
المقصود من اليقين هو المتيقن؛ لأنَّ نفس اليقين لو كان له أحكام فهي تُنقض لأنَّ أحكام اليقين بما هو يقين تنتقض بانتقاض اليقين.
ــــــــــ[416]ــــــــــ
() الأصول، تقرير الشيخ محمّد رضا المظفر، كان مدرس الأصول غائباً، 1/5/1962. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إذن فالمقصود نقض المتيقن أي اعتبر اليقين باقياً فكأنَّ الشكّ لا شكّ والمتيقن السابق باقٍ وما له من أحكام تجري(1).
ــــــــــ[417]ــــــــــ
() انظر البقية في دفتر الملاحظات العامّة الحادي عشر. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
لكن لا تنقض المتيقن هذا المتيقن له حالتان: حالة من أنَّه يكون مشكوكاً في بقاءه في اقتضاء البقاء ومرّة قابليته للاستمرار متيقنة ولكن يشك في رافعه(2)
يقول: لا شكّ أن النقض يستدعي أن يكون متعلقه مبرماً تقول نقضت الحبل والبناء ولا تقول نقضت القطن وهو منفوش. فإذا فهمنا ذلك فما لا اقتضاء له للبقاء لا إبرام له، فهذا يكون قرينة على المنقوض وهو (خصوص) الشكّ في الرافع فالفعل يكون قرينة على تخصيص المتعلّق، وتسمّى قرينة معيّنة.
والحكم العقلي بامتناع الحكم بالنهي عن النقض-لأنَّ اليقين منقوض فعلاً فلا يكون للنهي عن نقضه معنى إذا أُريد المعنى الحقيقي- قرينة صارفة والقرينة تقتضي أنَّه يجب أن يكون المنقوض مبرماً وما لا إبرام له فلا يشمله.
الشيخ الآخوند لم يرتضِ هذا الكلام وهو لا يناقش في معنى النقض و هو أيضاً يسلّم بأنَّ النهي مجازي ولكن يقول: إنَّ النهي مسلّط على اليقين، وحينئذ
ــــــــــ[418]ــــــــــ
() دفتر الملاحظات العامّة: الحادي عشر. (المقرِّر).
(2) الأحسن: يشك في طرو ما يرفعه. (المقرِّر).
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
فاليقين في نفسه مبرم وإن لم يكن المتيقن مبرماً لكن اليقين مبرم فيصح إسناده إليه لما لليقين من ابرام.
فالغرض أن الشيخ الآخوند يقول إنّ النقض موجّه تحت اللفظ إلى اليقين وهو في نفسه مبرم ويصح بذلك صح إسناد النقض إليه؛ ولذلك يقول إنّ الاستصحاب حجّة في الشكّ في المقتضي والرافع.
والشيخ المحقق النائيني قال: صحيح أنَّ النقض لليقين لكن باعتبار المتيقن. قلنا إنَّ اليقين مستحيل؛ لأنَّه منتقض فلا بُدّ أن يكون باعتبار المتيقن فيرجع المدار إلى المتيقن.
نشرح الاحتمالات في مسألة (لا تنقض اليقين بالشك):
قطعاً المعنى الحقيقي ليس بمراد وهذه المسألة مسلّمة ليس المراد النقض الحقيقي، والنهي الحقيقي ليس بمراد، لكن إذا كان ذلك ليس على سبيل الحقيقة فبأي توجيه يمكن إسناد النقض إلى اليقين، في اللفظ لم يقل المتيقن. كلّ الروايات تعبيرها يقين وشك فكيف صح التعبير هذا، بأيّ وجه من وجوه التأويل؟
نقول التوجيهات اللفظية الممكنة عندنا أربعة وكلام الشيخ الأنصاري ليس واضحاً في إرادة أحد هذه الوجوه، وكذلك كلام الآخوند والنائيني، وعدم وضوح المراد هو الذي أوجب هذا الاختلاف.
هذه الوجوه -هي-:
الوجه الأوّل: المجاز في الكلمة.
ــــــــــ[419]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الوجه الثاني: حذف المضاف.
الوجه الثالث: المجاز في الإسناد.
الوجه الرابع: على سبيل الكناية.
فنحن -فيما يلي- نبيّن هذه الوجوه ونرى أيهما يمكن تصحيح هذه العبارة عليها.
المجاز في الكلمة معناه أنَّ الكلمة استعملت في غير ما وضعت له كتبديل كلمة بكلمة لنكتةٍ، فهنا (لا تنقض اليقين بالشك) أي لا تنقض المتيقن بالشك عبّرت عن المتيقن باليقين للتشبيه.
أو حذف مضاف أي لا تنقض متعلق اليقين بالشك.
أو مجاز في الإسناد أنَّك قد استعملت الكلمتين بمعناهما الحقيقي ولكن إسناد النقض إلى اليقين مجاز؛ باعتبار الاتحاد بين المحمول والموضوع.
الوجه الرابع: أنَّه على سبيل الكناية ما هي الكناية؟ الكناية أنه تستعمل لفظاً في لازم الشيء وتريد ملزومه وتستعمل لفظاً في ملزوم الشيء وتريد لازمه، مثل رجل كثير الرماد ولازم ذلك أنَّه رجل كريم فكثرة الرماد كناية عن الكرم.
فهنا لا تنقض اليقين بالشك المراد لازم معناه ولازمه هو العمل بالمتيقن. فمعنى لا تنقض اليقين، لا تترك مقتضى اليقين؛ لأنّ مقتضى وجود اليقين العمل على طبقه فلما ينهاني الشارع عن نقض اليقين يعني أبني على أنَّ اليقين موجود وأعمل بمقتضى اليقين، فيكون كناية عن ترتيب آثار المتيقن.
ــــــــــ[420]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هذه هي الوجوه الأربعة المحتملة في الرواية.
أي هذه الوجوه يمكن أن تكون مراد الشيخ الأنصاري أو الآخوند أو النائيني.
ظاهر كلام الشيخ الأنصاري (الوجه الأوّل) وبعد التأمّل يظهر أنَّه لا يريد ذلك والنائيني وهو خير من يفهم كلام الشيخ يقول بعيد جداً أنَّ الشيخ الأعظم يريد المجاز في الكلمة؛ لأنَّ المجاز في الكلمة (وهو بمعنى الاستعارة) إنما يصح إذا كان هناك شَبَه بين المشبه والمشبه به فأُقيم المشبه مقام المشبه به فما هي العلاقة بين اليقين والمتيقن حتى يستعمل أحدهما مكان الآخر.
وهذا إن لم يكن من الأغلاط فهو بعيد جداً؛ لأنَّه ليس هناك علاقة تصحح المجاز في الكلمة وهو أبعد ما يكون عن كلام الشيخ الأنصاري وإن كان ظاهر عبارته ذلك.
وحذف المضاف أبعد من (الأوّل)؛ لأنَّه لا بدَّ من وجود لفظ يكون قرينة على حذف المضاف فالاحتمالين الأوليّن جداً بعيدات.
يبقى عندنا الاحتمالان الأخيران فأيهما الأرجح والأصح. نفرض كليهما صحيحين كأنَّه الذي يظهر من الشيخ صاحب الكفاية أنَّه متردد في كلامه.
فنحن مهمتنا هي البحث فيما يتعلّق بهذه المسألة هل في الرواية عموم للشك في المقتضي أو ليس لها؟
كلام الشيخ الأنصاري لا يتم ولا يتنقّح إلّا إذا أُريد الوجه الأوّل أو الثاني. أمّا المجاز في الإسناد أو الكناية، فالإسناد اللفظي إنما هو إلى اليقين، غاية
ــــــــــ[421]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأمر أنه ليس المراد الجدلي ولكنَّه مراد استعمالي هناك -أي في الوجهين الأولين- المراد الاستعمالي المتيقن أمّا في الوجهين الأخيرين فالمراد الاستعمالي ما تحت اللفظ هو اليقين.
فالذي نقول: إنَّ كلام الشيخ الأنصاري إنما صح في الأولين وكل منهما ليس صحيحاً، والشيخ النائيني هو الذي اعترف أنَّ الشيخ الأنصاري لم يرد الوجه الأوّل والوجه الثاني فحينئذ فكيف نستطيع أن نقول إنّ ظهور اللفظ يتعلّق بالمبرم (وإبرام المتيقن ببقاء استعداده)؛ لأنَّ الإسناد في الوجهين الأخيرين إلى اليقين وهو مبرم لا يحتاج إلى استعداد البقاء له، صحيح أنَّ المتيقن هو المراد اللبّي ولكنّه ليس مدلولاً للكلمة.
ــــــــــ[422]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
1 | 1 | 1 | 1 | الفلسفة الإلهية | الشيخ محمّد رضا المظفر | الفرق بين الفلسفة وعلم الكلام ونشأة علم الكلام | 10/10/1961 | أوّل يوم الدراسة |
2 | 4 | 1 | 4 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | وجوه القول بعدم دخول أصل البراءة في مباحث علم الأصول والجواب عنها | 11/10/1961 | في كتاب حقائق الأصول |
3 | 6 | 1 | 6 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | أثر علم الكلام السيء على حياة المسلمين الفكرية والاجتماعية | 12/10/1961 | |
4 | 10 | 1 | 10 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | موقف الباحث من علم الكلام وما يجب أن يكون عليه | 14/10/1961 |
ــــــــــ[423]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
5 | 11 | 1 | 11 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | في أقسام الشكّ ومعنى البراءة العقلية والشرعية | 15/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
6 | 13 | 1 | 13 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | في الاستدلال على البراءة بآية وما كنّا معذبين… | 16/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
7 | 14 | 1 | 14 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | أقوال العلماء في الملازمة بين استحقاق العقاب وفعليته | 18/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
8 | 18 | 1 | 18 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في الجواب حول الشبهة التي أثيرت حول قوله تعالى )ربنا لا تزغ قلوبنا( | 18/10/1961 | في كتاب حقائق التأويل |
9 | 19 | 1 | 19 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الايرواني | في إمكان إجازة الوارث للوصية حال حياة الموصي فيما زاد عن الثلث | 19/10/1961 | في كتاب اللمعة |
ــــــــــ[424]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
10 | 20 | 1 | 20 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | الكلام حول حديث الرفع ومعنى الرفع في الحديث | 22/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
11 | 22 | 1 | 22 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | الاستمرار في الكلام حول حديث الرفع ومعنى الرفع | 23/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
12 | 25 | 1 | 25 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | الرأي المختار في قوله تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) | 23/10/1961 | في كتاب حقائق التأويلً |
13 | 26 | 1 | 26 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | إن المقصود من الموصول في (ما لا يعلمون) الشبهة الموضوعية | 24/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
14 | 29 | 1 | 29 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | الرأي المختار في معنى الرفع والاستدلال عليه | 25/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
ــــــــــ[425]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
15 | 32 | 1 | 32 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الايرواني | حول قول المصنف: (الوصية حق المعتَق) وهو العبد والإشكال عليه | 25/10/1961 | في كتاب اللمعة |
16 | 33 | 2 | 1 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في الكلام حول إيتاء الملك لمن يشاء ونزعه ممن يشاء والكلام حول الأمر بين الأمرين | 25/10/1961 | في حقائق التأويل |
17 | 35 | 2 | 3 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | تقرير رأي صاحب الكفاية في حديث الرفع | 28/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
18 | 37 | 2 | 5 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | الاستمرار في الكلام حول حديث الرفع | 29/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
19 | 38 | 2 | 6 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | شرح عبارة الكفاية حول حديث الرفع | 30/10/1961 | كان مدرس الأصول غائباً |
20 | 40 | 2 | 8 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | الوجوه في معنى آية ايتاء الله الملك ونزعه ممّن يشاء | 30/10/1961 | في كتاب حقائق التأويل |
ــــــــــ[426]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
21 | 41 | 2 | 9 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | الكلام حول حديث الحجب وموثقة مسعدة بن صدقة | 31/10/1961 | في كتاب حقائق الأصول |
22 | 42 | 2 | 13 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الايرواني | إذا أوصى بصندوق هل يدخل ما فيه ضمن الوصية؟ | 31/10/1961 | في كتاب اللمعة |
23 | 45 | 2 | 13 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في دلالة موثقة مسعدة بن صدقة على البراءة | 1/11/1961 | من كتاب حقائق الأصول |
24 | 47 | 2 | 15 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الايرواني | في قول المصنف (للأصل والآية والرواية) | 1/11/1961 | في كتاب اللمعة |
25 | 48 | 2 | 16 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في حديث السعة ثُمّ الكلام حول موقفه من أدلّة الاحتياط | 2/11/1961 | من كتاب حقائق التأويل |
26 | 51 | 2 | 19 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الايرواني | الكلام حول ما إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابن وبنت | 2/11/1961 | شرح مزجي لعبارة اللمعة |
ــــــــــ[427]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
27 | 54 | 2 | 22 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | الالهيات بالمعنى الأخص وأن الله صرف الوجود وماهيته إنّيته | 5/11/1961 | |
28 | 59 | 2 | 27 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في حديث (كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) والاستدلال به على البراءة | 5/11/1961 | في حقائق الأصول |
29 | 61 | 2 | 29 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | الوجوه المحتملة في الحديث السابق ومناقشة دلالته | 8/11/1961 | في حقائق الأصول |
30 | 66 | 3 | 2 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في الاستدلال على البراءة بالإجماع ووجوه هذا الإجماع | 9/11/1961 | في كتاب فوائد الأصول |
31 | 71 | 3 | 7 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في حكم العقل بالبراءة وأن قاعدة وجوب دفع الضرر واردة على قاعدة قبح العقاب | 11/11/1961 | فوائد الأصول |
ــــــــــ[428]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
32 | 76 | 3 | 12 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في أنه تعالى موجود وأن ماهيته إنّيته وأنه يتصف بجميع صفات الكمال | 13/11/1961 | فوائد الأصول |
33 | 80 | 16 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | وجوب دفع الضرر الدنيوي والأخروي والمعنوي ومناقشة ذلك | 14/11/1961 | فوائد الأصول | |
34 | 84 | 3 | 20 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | إعادة لما سبق وتوضيح ثُمّ مناقشة النائيني للشيخ الأنصاري | 15/11/1961 | فوائد الأصول |
35 | 89 | 3 | 25 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في أنه تعالى موجود وهو صرف الوجود والاستدلال على وحدانيته تعالى | 19/11/1961 | فوائد الأصول |
36 | 92 | 3 | 28 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في الاستدلال على البراءة بالاستصحاب واستدلال الإخباريين بالكتاب على الاحتياط | 19/11/1961 | فوائد الأصول |
ــــــــــ[429]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
37 | 95 | 3 | 31 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | إثبات التوحيد ومناقشة استدلال القدماء عليه | 20/11/1961 | |
38 | 99 | 4 | 3 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في استدلال الإخباريين بالروايات التي تقول بأنّ ترك الشبهة خير من اقتحامها ومناقشة رواياتها | 21/11/1961 | فوائد الأصول |
39 | 101 | 4 | 5 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في مناقشة الروايات الآمرة بالاحتياط ودلالتها على المطلوب | 22/11/1961 | فوائد الأصول |
40 | 105 | 4 | 9 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في دلالة موثقة عبد الله على الاحتياط | 23/11/1961 | فوائد الأصول |
41 | 109 | 4 | 13 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في الاستدلال بالعلم الإجمالي على الاحتياط ومناقشته | 25/11/1961 | فوائد الأصول |
ــــــــــ[430]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
42 | 114 | 4 | 18 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | الاستدلال على صفات الكمال | 25/11/1961 | |
43 | 118 | 4 | 22 | علم النفس | الدكتور أحمد حسن الرحيم | (تقسيم العقل على رأي فرويد) | 25/11/1961 | |
44 | 119 | 4 | 23 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في عينية الصفات الثبوتية لذاته تعالى | 26/11/1961 | |
45 | 124 | 4 | 28 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | مناقشة استدلال الإخباريين على الاحتياط بالعلم الإجمالي | 26/11/1961 | فوائد الأصول |
46 | 130 | 5 | 2 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | شرح خطبة أمير المؤمنين في التوحيد | 27/11/1961 |
ــــــــــ[431]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
47 | 134 | 5 | 6 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في القول بالتخيير وصور التخيير | 28/11/1961 | فوائد الأصول |
48 | 138 | 5 | 10 | الفلسفة | السيّد محمّد تقي الحكيم | جريان الإباحة في طرفي التخيير، والمقصود من المخالفة الالتزامية | 2/12/1961 | فوائد الأصول |
49 | 142 | 5 | 14 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | شرح خطبة أمير المؤمنين× في التوحيد وفي أن التجزئة عين التثنية | 2/12/1961 | |
50 | 147 | 5 | 19 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في خطوات المعرفة الإلهية | 4/12/1961 | |
51 | 152 | 5 | 24 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في جريان البراءة في طرفي الدوران بين المحذورين | 6/12/1961 | فوائد الأصول |
ــــــــــ[432]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
52 | 154 | 5 | 20 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في جريان البراءة العقلية والشرعية والاستصحاب في طرف الدوران | 9/12/1961 | فوائد الأصول |
53 | 165 | 6 | 5 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | إذا كان أحد الاحتمالين أقوى من الآخر فهل يسامح عليه؟ | 13/12/1961 | فوائد الأصول |
54 | 169 | 6 | 9 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في صور دوران الأمر بين المحذورين والمخالفة القطعية فيها | 14/12/1961 | فوائد الأصول |
55 | 173 | 6 | 13 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في أقسام الشكّ في المكلَّف به | 16/12/1961 | فوائد الأصول ج4 |
56 | 176 | 6 | 16 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الايرواني | هل الإجازة في البيع كاشفة عن صحّة البيع أم ناقلة للبيع من حينها | 16/12/1961 | اللمعة الدمشقية |
ــــــــــ[433]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
57 | 178 | 6 | 18 | الأًصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | مقدمات البحث في العلم الإجمالي | 19/12/1961 | فوائد الأصول |
58 | 182 | 6 | 22 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | البحث في علمه تعالى وأقوال الفلاسفة في ذلك | 25/12/1961 | |
59 | 187 | 6 | 27 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الايرواني | لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولا في أولاد المرضعة | 25/12/1961 | شرح اللمعة الدمشقية |
60 | 187 | 6 | 27 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في أنه تعالى كيف يعلم بالأشياء | 31/12/1961 | |
61 | 193 | 7 | 1 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في حرمة المخالفة القطعية وجريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي | 31/12/1961 | فوائد الأصول |
ــــــــــ[434]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
62 | 197 | 7 | 5 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | الأقوال في علم الله تعالى والرأي المختار | 1/1/1962 | |
63 | 202 | 7 | 10 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي | 1/1/1962 | فوائد الأصول |
64 | 206 | 7 | 14 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | توجيه ابن سينا للقول بالمُثل الافلاطونية في مناقشته | 7/1/1962 | |
65 | 210 | 7 | 18 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في جريان الأصول غير الاحرازية في أطراف العلم الإجمالي | 7/1/1962 | فوائد الأصول |
66 | 214 | 7 | 22 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | أقوال أخرى في علم الله تعالى وإعادة البرهنة على القول المختار | 8/1/1962 |
ــــــــــ[435]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
67 | 217 | 7 | 25 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | هل تشمل أدلّة الأصول طرفي العلم الإجمالي | 8/1/1962 | فوائد الأصول |
68 | 221 | 7 | 29 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | الاستدلال على القول بالُمثل الافلاطونية | 14/1/1962 | |
69 | 222 | 7 | 30 | الأًصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | مناقشات الميرزا النائيني للشيخ الأنصاري | 14/1/1962 | فوائد الأصول |
ــــــــــ[436]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
70 | 226 | 8 | 2 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الايرواني | في شرح عبارة المصنف رحمه الله تعالى | 17/2/1962 | اللمعة الدمشقية |
71 | 226 | 8 | 2 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في عدم جريان الأصول على الأمارات على القول بالسببية | 19/2/1962 | فوائد الأصول |
72 | 230 | 8 | 6 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | في إدخال الأصول في باب التزاحم كالأمارات على القول بالسببية | 20/2/1962 | فوائد الأصول |
73 | 234 | 8 | 10 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الايرواني | في موارد الاستصحاب | 24/2/1962 | شرح اللمعة |
74 | 235 | 8 | 11 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | المناط في وجوب اتصافه تعالى بجميع صفات الكمال | 28/2/1962 |
ــــــــــ[437]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
75 | 236 | 8 | 12 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | إعادة الإشكال السابق وطريقة دفعه | 3/3/1962 | فوائد الأًصول |
76 | 240 | 8 | 16 | الأصول | السيّد محمّد تقي الحكيم | إعادة للإشكال والجواب عليه | 4/3/1962 | فوائد الاصول |
77 | 243 | 8 | 19 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | مناقشة الماديين، وأنه قادر، وما معنى القدرة | 6/3/1962 | |
78 | 247 | 8 | 23 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | الكلام حول قدرة الله تعالى | 12/3/1962 | |
79 | 251 | 8 | 27 | الأدب العربي | الشيخ محمّد رضا المظفر | هل يمكن أن يكون الفقيه أديباً؟ | 17/3/1962 | |
80 | 252 | 8 | 28 | الفقه المقارن | الشيخ محمّد رضا المظفر | القاعدة الأصولية في التقصير في السفر | 12/2/1965 | مسائل فقهية |
ــــــــــ[438]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات | ||||
81 | 252 | 8 | 28 | الفلسفة | الدكتور عبد الرزاق محي الدين | في أنه تعالى قادر وأنه حي ومعنى الحياة والاستدلال عليها | 19/3/1962 | |||||
82 | 257 | 9 | 1 | الفقه المقارن | الشيخ محمّد رضا المظفر | إعادة لما سبق | 20/3/1962 | مسائل فقهية | ||||
83 | 258 | 9 | 2 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في أنه تعالى حي وأنه سميع وبصير ومعنى السمع والبصر | 20/3/1962 | |||||
84 | 263 | 9 | 7 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في القول بأن معنى السميع والبصير والبرهنة عليه | 25/3/1962 | |||||
85 | 268 | 9 | 12 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | مقتضى القاعدة في التخيير بين القصر والتمام أو تعين القصر | 26/3/1962 | |||||
86 | 272 | 9 | 16 | الفقه المقارن | السيّد محمّد تقي الحكيم | مقتضى القاعدة في التخيير بين القصر والتمام أو تعيين القصر | 27/3/1992 | مسائل فقهية | ||||
ــــــــــ[439]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
87 | 273 | 9 | 17 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | تتمة القول في السمع والبصر، وفي أنه تعالى متكلّم | 27/3/1962 | |
88 | 279 | 9 | 23 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في انطباق ما نفهمه في الكلام عليه تعالى أو عدمه والكلام حول الكلام النفسي | 2/4/1962 | |
89 | 283 | 9 | 27 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | مسألة اتحاد الطلب والإرادة | 7/4/1962 | |
90 | 289 | 10 | ا | الفقه المقارن | السيّد محمّد تقي الحكيم | البحث حول حكم الإفطار في السفر | 7/4/1962 | مسائل فقهية |
91 | 291 | 10 | 3 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | في أنه تعالى يريد الطاعات ويكره المعاصي | 8/4/1962 | دلائل فقهية |
92 | 292 | 10 | 4 | الفقه المقارن | السيّد محمّد تقي الحكيم | نكاح المتعة ومراحل البحث فيه | 9/4/1962 | مسائل فقهية |
ــــــــــ[440]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
93 | 294 | 10 | 6 | الفقه المقارن | السيّد محمّد تقي الحكيم | المرحلة الرابعة من الاستدلال على جواز نكاح المتعة | 10/4/1962 | مسائل فقهية |
94 | 295 | 10 | 7 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | توجيه قول الاشاعرة بالتفريق بين الإرادة التشريعية والتكوينية | 10/4/1962 | |
95 | 299 | 10 | 11 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | إعادة ذكر التوجيه ثُمّ ذكر عدم صلاحيته للتوجيه | 11/4/1962 | |
96 | 303 | 10 | 15 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | إعادة ذكر فساد التوجيه السابق وتوجيه الاشاعرة أنفسهم لرأيهم | 15/4/1962 | |
97 | 303 | 10 | 15 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | مسألة التوفيق بين حرية الإرادة والقضاء والقدر | 17/4/1962 | |
98 | 308 | 10 | 20 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | ذكر الكلام النفسي والاستدلال على بطلانه | 22/4/1962 | |
99 | 313 | 10 | 25 | الفلسفة | الشيخ محمّد رضا المظفر | الرأي المختار في كيفية صدور المعاصي من العبد | 25/4/1962 |
ــــــــــ[441]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
100 | 315 | 10 | 27 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | مذهب الشيخ الأنصاري في الاستصحاب | 30/4/1962 | كان مدرس الأصول غائباً |
101 | 319 | 10 | 31 | الأصول | الشيخ محمّد رضا المظفر | الوجوه المحتملة في (لا تنقض اليقين بالشك) ومناقشتها | 1/5/1962 | كان مدرس الأصول غائباً |
ــــــــــ[442]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
عدد الحصص | الترقيم العام | رقم الدفتر | الترقيم الخاص | عنوان الموضوع | المدرس | محتويات الموضوع | التأريخ الميلادي | الملاحظات |
102 | 4 | 1 | 4 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الإيرواني | الكلام حول القضية الحقيقية | 11/10/1961 | اللمعة (كتاب الوصية |
103 | 14 | 1 | 14 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الإيرواني | أثر القول بالكشف أو النقل في الوصية فيمن ينعتق عليه | 16/10/1961 | نقل بالمعنى |
105 | 29 | 1 | 29 | الفقه | الشيخ محمّد تقي الإيرواني | لو أوصى بعبد لا يملك سواه وعليه دين بقدر نصفه | 24/10/1961 | اللمعة ص41 |
انتهى الفهرس بعون الله تعالى وحسن توفيقه
ــــــــــ[443]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
(كتاب الوصية): الكلام حول القضية الحقيقية 19
أثر القول بالكشف أو النقل في الوصية فيمن ينعتق عليه 34
في إمكان إجازة الوارث للوصية حال حياة الموصي فيما زاد عن الثلث 42
لو أوصى بعبد لا يملك سواه وعليه دين بقدر نصفه 57
حول قول المصنف: “الوصية حق المعتَق” وهو العبد والإشكال عليه 62
إذا أوصى بصندوق هل يدخل ما فيه ضمن الوصية 80
في قول المصنف: (للأصل والآية والرواية) 86
الكلام حول ما إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابن وبنت 91
مسألة تعدد الموصى إليه 138
هل الإجازة في البيع كاشفة عن صحّة البيع أم ناقلة للبيع من حينها 248
في شرح عبارة المصنف رحمه الله تعالى 305
في موارد الاستصحاب 315
لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولا في أولاد المرضعة 259
ــــــــــ[445]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
القاعدة الأصولية في التقصير في السفر 338
بالمميّزات السابقة 345
مقتضى القاعدة في التخيير بين القصر والتمام أو تعيين القصر 363
البحث عن حكم الإفطار في السفر 380
نكاح المتعة ومراحل البحث فيه 385
المرحلة الرابعة من الاستدلال على جواز نكاح المتعة 387
وجوه القول بعدم دخول أصل البراءة في مباحث علم الأصول والجواب عنه 20
في أقسام الشكّ ومعنى البراءة العقلية والشرعية 29
في الاستدلال على البراءة بآية وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ… 33
أقوال العلماء في الملازمة بين استحقاق العقاب وفعليته 35
الكلام حول حديث الرفع ومعنى الرفع في الحديث 44
الاستمرار في الكلام حول حديث الرفع ومعنى الرفع 47
إن المقصود من الموصول في (ما لا يعلمون) الشبهة الموضوعية 53
الرأي المختار في معنى الرفع والاستدلال عليه 58
تقرير رأي صاحب الكفاية في حديث الرفع 66
ــــــــــ[446]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الاستمرار في الكلام حول حديث الرفع، قوله: (ثم لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة) ص227 70
شرح عبارة الكفاية حول حديث الرفع 71
الكلام حول حديث الحجب وموثقة مسعدة بن صدقة 76
“الكلام في حديث الحجب” الكفاية 76
في دلالة موثقة مسعدة بن صدقة على البراءة 82
في حديث السعة ثُمّ الكلام حول موقفه من أدلّة الاحتياط 87
في حديث: “كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي” والاستدلال به على البراءة 100
توضيح حول التمسك بالعام بالشبهة المصداقية 102
الوجوه المحتملة في الحديث السابق ومناقشة دلالته 104
تتمة بحث الأصول 108
في الاستدلال على البراءة بالإجماع ووجوه هذا الإجماع 110
[الدليل العقلي على البراءة] 113
في حكم العقل بالبراءة وأن قاعدة وجوب دفع الضرر واردة على قاعدة قبح العقاب 116
كلامٌ حول شرح (الورود) و (الحكومة) 120
وجوب دفع الضرر الدنيوي والأخروي والمعنوي ومناقشة ذلك 128
إعادة لما سبق وتوضيح ثُمّ مناقشة النائيني للشيخ الأنصاري 133
في الاستدلال على البراءة بالاستصحاب واستدلال الإخباريين بالكتاب على
ــــــــــ[447]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الاحتياط 142
في استدلال الإخباريين بالروايات التي تقول بأنّ ترك الشبهة خير من اقتحامها ومناقشة رواياتها 151
في مناقشة الروايات الآمرة بالاحتياط ودلالتها على المطلوب 154
في دلالة موثقة عبد الله على الاحتياط 159
في الاستدلال بالعلم الإجمالي على الاحتياط ومناقشته 164
مناقشة استدلال الإخباريين على الاحتياط بالعلم الإجمالي 183
[تتمة] 188
في القول بالتخيير وصور التخيير 195
جريان الإباحة في طرفي التخيير، والمقصود من المخالفة الالتزامية 200
في جريان البراءة في طرفي الدوران بين المحذورين 217
في جريان البراءة العقلية والشرعية والاستصحاب في طرف الدوران 224
[تتمة] 227
والاستصحاب هل يمكن جريانه 227
إذا كان أحد الاحتمالين أقوى من الآخر فهل يسامح عليه 232
في صور دوران الأمر بين المحذورين والمخالفة القطعية فيها 237
في أقسام الشكّ في المكلَّف به 243
مقدمات البحث في العلم الإجمالي 250
في حرمة المخالفة القطعية وجريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي 266
ــــــــــ[448]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي 275
في جريان الأصول غير الإحرازية في أطراف العلم الإجمالي 285
هل تشمل أدلّة الأصول طرفي العلم الإجمالي 294
مناقشات الميرزا النائيني للشيخ الأنصاري 300
تكملة 303
في عدم جريان الأصول على الأمارات على القول بالسببية 306
في إدخال الأصول في باب التزاحم كالأمارات على القول بالسببية 311
إعادة الإشكال السابق وطريقة دفعه 319
إعادة للإشكال والجواب عليه 324
مذهب الشيخ الأنصاري في الاستصحاب 411
الوجوه المحتملة في (لا تنقض اليقين بالشك) ومناقشتها 416
تتمة 418
الفرق بين الفلسفة وعلم الكلام ونشأة علم الكلام 15
تأثير علم الكلام السيء على حياة المسلمين الفكرية والاجتماعية 23
موقف الباحث من علم الكلام وما يجب أن يكون عليه 27
في الجواب حول الشبهة التي أثيرت حول قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا 39
الرأي المختار في قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ 51
ــــــــــ[449]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في الكلام حول إيتاء الملك لمن يشاء ونزعه عمن يشاء والكلام حول الأمر بين الأمرين 63
الوجوه في معنى آية ايتاء الله الملك ونزعه ممّن يشاء 74
الإلهيات بالمعنى الأخص وأن الله صرف الوجود وماهيته إنّيته 95
في أنه تعالى موجود وأن ماهيته إنيته وأنه يتصف بجميع صفات الكمال 123
في أنه تعالى موجود وهو صرف الوجود والاستدلال على وحدانيته تعالى 139
إثبات التوحيد ومناقشة استدلال القدماء عليه 146
تتمة 148
الاستدلال على صفات الكمال 170
في عينية الصفات الثبوتية لذاته تعالى 177
شرح خطبة أمير المؤمنين في التوحيد 190
شرح خطبة أمير المؤمنين في التوحيد وفي أن التجزئة عين التثنية 205
في خطوات المعرفة الإلهية 211
البحث في علمه تعالى وأقوال الفلاسفة في ذلك 254
في أنه تعالى كيف يعلم بالأشياء 261
الأقوال في علم الله تعالى والرأي المختار 271
توجيه ابن سينا للقول بالمُثل الافلاطونية في مناقشته 280
أقوال أخرى في علم الله تعالى وإعادة البرهنة على القول المختار 290
الاستدلال على القول بالمُثل الافلاطونية 298
ــــــــــ[450]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
المناط في وجوب اتصافه تعالى بجميع صفات الكمال 317
مناقشة الماديين وأنه قادر وما معنى القدرة 328
الكلام حول قدرة الله تعالى 332
في أنه قادر وأنه حي ومعنى الحياة والاستدلال عليها 340
في أنه تعالى حي وأنه سميع وبصير ومعنى السمع والبصر 347
في القول بأن معنى (السميع) و(البصير) والبرهنة عليه 353
[تتمة القول بأنه تعالى سميع بصير] 358
تتمة القول في السمع والبصر وفي أنه تعالى متكلم 364
في انطباق ما نفهمه من الكلام عليه تعالى أو عدمه والكلام حول الكلام النفسي 370
مسألة اتحاد الطلب والإرادة 375
في أنَّه تعالى يريد الطاعات ويكره المعاصي 383
توجيه قول الأشاعرة بالتفريق بين الإرادة التشريعية والتكوينية 389
ما معنى الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية 390
إعادة ذكر التوجيه ثم ذكر عدم صلاحيته للتوجيه 393
إعادة ذكر فساد التوجيه السابق وتوجيه الأشاعرة أنفسهم لرأيهم 397
مسألة التوفيق بين حرية الإرادة والقضاء 399
ذكر الكلام النفسي والاستدلال على بطلانه 403
الرأي المختار في كيفية صدور المعاصي من العبد 408
ــــــــــ[451]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
هل يمكن أن يكون الفقيه أديباً 336
علم النفس 175
تقسيم العقل على رأي فرويد 175
ــــــــــ[452]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الفلسفة 15
الفرق بين الفلسفة وعلم الكلام ونشأة علم الكلام 15
الفقه 19
(كتاب الوصية): الكلام حول القضية الحقيقية 19
الأصول 20
وجوه القول بعدم دخول أصل البراءة في مباحث علم الأصول والجواب عنه 20
فلسفة 23
تأثير علم الكلام السيّئ على حياة المسلمين الفكرية والاجتماعية 23
فلسفة 27
موقف الباحث من علم الكلام وما يجب أن يكون عليه 27
الأصول 29
في أقسام الشكّ ومعنى البراءة العقلية والشرعية 29
الأصول 33
في الاستدلال على البراءة بآية وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ… 33
فقه 34
ــــــــــ[453]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
أثر القول بالكشف أو النقل في الوصية فيمن ينعتق عليه 34
الأصول 35
أقوال العلماء في الملازمة بين استحقاق العقاب وفعليته 35
فلسفة 39
في الجواب حول الشبهة التي أثيرت حول قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا 39
فقه 42
في إمكان إجازة الوارث للوصية حال حياة الموصي فيما زاد عن الثلث 42
أصول 44
الكلام حول حديث الرفع ومعنى الرفع في الحديث 44
الاصول 47
الاستمرار في الكلام حول حديث الرفع ومعنى الرفع 47
فلسفة 51
الرأي المختار في قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ 51
الأصول 53
إن المقصود من الموصول في )ما لا يعلمون) الشبهة الموضوعية 53
الفقه 57
لو أوصى بعبد لا يملك سواه وعليه دين بقدر نصفه 57
الأصول 58
ــــــــــ[454]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الرأي المختار في معنى الرفع والاستدلال عليه 58
فقه 62
حول قول المصنف: “الوصية حق المعتَق” وهو العبد والإشكال عليه 62
الفلسفة 63
في الكلام حول إيتاء الملك لمن يشاء ونزعه عمن يشاء والكلام حول الأمر بين الأمرين 63
الأصول 66
تقرير رأي صاحب الكفاية في حديث الرفع 66
الأصول 70
الاستمرار في الكلام حول حديث الرفع، قوله: (ثم لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة) ص227 70
الأصول 71
شرح عبارة الكفاية حول حديث الرفع 71
فلسفة 74
الوجوه في معنى آية ايتاء الله الملك ونزعه ممّن يشاء 74
الأصول 76
الكلام حول حديث الحجب وموثقة مسعدة بن صدقة 76
“الكلام في حديث الحجب” الكفاية 231 76
الفقه 80
ــــــــــ[455]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إذا أوصى بصندوق هل يدخل ما فيه ضمن الوصية 80
الأصول 82
في دلالة موثقة مسعدة بن صدقة على البراءة 82
الفقه 86
في قول المصنف: (للأصل والآية والرواية) 86
الأصول 87
في حديث السعة ثُمّ الكلام حول موقفه من أدلّة الاحتياط 87
الفقه 91
الكلام حول ما إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابن وبنت 91
الفلسفة 95
الإلهيات بالمعنى الأخص وأن الله صرف الوجود وماهيته إنّيته 95
الأصول 100
في حديث: “كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي” والاستدلال به على البراءة 100
توضيح حول التمسك بالعام بالشبهة المصداقية 102
الأصول 104
الوجوه المحتملة في الحديث السابق ومناقشة دلالته 104
تتمة بحث الأصول 108
الأصول 110
في الاستدلال على البراءة بالإجماع ووجوه هذا الإجماع 110
ــــــــــ[456]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
[الدليل العقلي على البراءة] 113
الأصول 116
في حكم العقل بالبراءة وأن قاعدة وجوب دفع الضرر واردة على قاعدة قبح العقاب 116
كلامٌ حول شرح (الورود) و (الحكومة) 120
الفلسفة 123
في أنه تعالى موجود وأن ماهيته إنيته وأنه يتصف بجميع صفات الكمال 123
الأصول 128
وجوب دفع الضرر الدنيوي والأخروي والمعنوي ومناقشة ذلك 128
الأصول 133
إعادة لما سبق وتوضيح ثُمّ مناقشة النائيني للشيخ الأنصاري 133
الفقه 138
مسألة تعدد الموصى إليه 138
فلسفة 139
في أنه تعالى موجود وهو صرف الوجود والاستدلال على وحدانيته تعالى 139
الأصول 142
في الاستدلال على البراءة بالاستصحاب واستدلال الإخباريين بالكتاب على الاحتياط 142
فلسفة 146
ــــــــــ[457]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
إثبات التوحيد ومناقشة استدلال القدماء عليه 146
فلسفة 148
تتمة 148
الأصول 151
في استدلال الإخباريين بالروايات التي تقول بأنّ ترك الشبهة خير من اقتحامها ومناقشة رواياتها 151
الأصول 154
في مناقشة الروايات الآمرة بالاحتياط ودلالتها على المطلوب 154
الأصول 159
في دلالة موثقة عبد الله على الاحتياط 159
الأصول 164
في الاستدلال بالعلم الإجمالي على الاحتياط ومناقشته 164
الفلسفة 170
الاستدلال على صفات الكمال 170
علم النفس 175
تقسيم العقل على رأي فرويد 175
الفلسفة 177
في عينية الصفات الثبوتية لذاته تعالى 177
الأصول 183
ــــــــــ[458]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
مناقشة استدلال الإخباريين على الاحتياط بالعلم الإجمالي 183
[أصول: تتمة] 188
الفلسفة 190
شرح خطبة أمير المؤمنين في التوحيد 190
الأصول 195
في القول بالتخيير وصور التخيير 195
الأصول 200
جريان الإباحة في طرفي التخيير، والمقصود من المخالفة الالتزامية 200
إعادة وتلخيص 203
فلسفة 205
شرح خطبة أمير المؤمنين في التوحيد وفي أن التجزئة عين التثنية 205
فلسفة 211
في خطوات المعرفة الإلهية 211
الأصول 217
في جريان البراءة في طرفي الدوران بين المحذورين 217
الأصول 224
في جريان البراءة العقلية والشرعية والاستصحاب في طرف الدوران 224
[أصول: تتمة] 227
والاستصحاب هل يمكن جريانه 227
ــــــــــ[459]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأصول 232
إذا كان أحد الاحتمالين أقوى من الآخر فهل يسامح عليه 232
الأصول 237
في صور دوران الأمر بين المحذورين والمخالفة القطعية فيها 237
(الأمر الرابع ص165) 239
(الأمر الخامس ص166) 242
الأصول 243
في أقسام الشكّ في المكلَّف به 243
الفقه 248
هل الإجازة في البيع كاشفة عن صحّة البيع أم ناقلة للبيع من حينها 248
الأصول 250
مقدمات البحث في العلم الإجمالي 250
فلسفة 254
البحث في علمه تعالى وأقوال الفلاسفة في ذلك 254
الفقه 259
لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولا في أولاد المرضعة 259
الفلسفة 261
في أنه تعالى كيف يعلم بالأشياء 261
الأصول 266
ــــــــــ[460]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في حرمة المخالفة القطعية وجريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي 266
الفلسفة 271
الأقوال في علم الله تعالى والرأي المختار 271
الأصول 275
في جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي 275
ملخص 279
الفلسفة 280
توجيه ابن سينا للقول بالمُثل الافلاطونية في مناقشته 280
الأصول 285
في جريان الأصول غير الإحرازية في أطراف العلم الإجمالي 285
الفلسفة 290
أقوال أخرى في علم الله تعالى وإعادة البرهنة على القول المختار 290
الأصول 294
هل تشمل أدلّة الأصول طرفي العلم الإجمالي 294
الفلسفة 298
الاستدلال على القول بالمُثل الافلاطونية 298
الأصول 300
مناقشات الميرزا النائيني للشيخ الأنصاري 300
الأصول 303
ــــــــــ[461]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
تكملة 303
الفقه 305
في شرح عبارة المصنف رحمه الله تعالى 305
الأصول 306
في عدم جريان الأصول على الأمارات على القول بالسببية 306
الأصول 311
في إدخال الأصول في باب التزاحم كالأمارات على القول بالسببية 311
الفقه 315
في موارد الاستصحاب 315
الفلسفة 317
المناط في وجوب اتصافه تعالى بجميع صفات الكمال 317
الأصول 319
إعادة الإشكال السابق وطريقة دفعه 319
الأصول 324
إعادة للإشكال والجواب عليه 324
الفلسفة 328
مناقشة الماديين وأنه قادر وما معنى القدرة 328
الفلسفة 332
الكلام حول قدرة الله تعالى 332
ــــــــــ[462]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الأدب العربي 336
هل يمكن أن يكون الفقيه أديباً 336
الفقه المقارن 338
القاعدة الأصولية في التقصير في السفر 338
الفلسفة 340
في أنه قادر وأنه حي ومعنى الحياة والاستدلال عليها 340
الفقه المقارن 345
بالمميّزات السابقة 345
الفلسفة الإلهية 347
في أنه تعالى حي وأنه سميع وبصير ومعنى السمع والبصر 347
الفلسفة الإلهية 353
في القول بأن معنى (السميع) و(البصير) والبرهنة عليه 353
الفلسفة 358
[تتمة القول بأنه تعالى سميع بصير] 358
الفقه المقارن 363
مقتضى القاعدة في التخيير بين القصر والتمام أو تعيين القصر 363
الفلسفة 364
تتمة القول في السمع والبصر وفي أنه تعالى متكلم 364
الفلسفة 370
ــــــــــ[463]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
في انطباق ما نفهمه من الكلام عليه تعالى أو عدمه والكلام حول الكلام النفسي 370
الفلسفة 375
مسألة اتحاد الطلب والإرادة 375
الفقه المقارن 380
البحث عن حكم الإفطار في السفر 380
الفلسفة 383
في أنَّه تعالى يريد الطاعات ويكره المعاصي 383
الفقه المقارن 385
نكاح المتعة ومراحل البحث فيه 385
الفقه المقارن 387
المرحلة الرابعة من الاستدلال على جواز نكاح المتعة 387
الفلسفة 389
توجيه قول الأشاعرة بالتفريق بين الإرادة التشريعية والتكوينية 389
ما معنى الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية 390
الفلسفة 393
إعادة ذكر التوجيه ثم ذكر عدم صلاحيته للتوجيه 393
الفلسفة 397
إعادة ذكر فساد التوجيه السابق وتوجيه الأشاعرة أنفسهم لرأيهم 397
ــــــــــ[464]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الفلسفة 399
مسألة التوفيق بين حرية الإرادة والقضاء 399
الفلسفة 403
ذكر الكلام النفسي والاستدلال على بطلانه 403
الفلسفة 408
الرأي المختار في كيفية صدور المعاصي من العبد 408
الأصول 411
مذهب الشيخ الأنصاري في الاستصحاب 411
الأصول 416
الوجوه المحتملة في (لا تنقض اليقين بالشك) ومناقشتها 416
الأصول 418
تتمة 418
فهرس دفاتر الملاحظات العامة 423
فترة امتحانات نصف السنة وعطلتها 437
استدراك 443
فهرس حسب الموضوع 445
الفقه 445
الفقه المقارن 446
الأصول 446
ــــــــــ[465]ــــــــــ
محاضرات كلية الفقه، دفتر الملاحظات العامة
الفلسفة 449
الأدب العربي 452
علم النفس 452
فهرس الكتاب 453