أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
اللمعة في حكم صلاة الجمعة

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

261 , 271

ص44 الصدر، محمد.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

 (168ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1734/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1734) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

3-94-699-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



اللمعة 

في حكم صلاة الجمعة

تقريراً لما أفاده الأستاذ العلامة

الحجة المجاهد آية الله السيد إسماعيل الصدر قدس سره 

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 





بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة



مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله)

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حرصاً منّا على هذه الثروة العظيمة، وحفاظاً على هذا الإرث الضخم والتركة الرائعة والخزانة العلميّة والأخلاقيّة والفقهيّة والأصوليّة، بل وجميع العلوم التي متّعنا بها السيّد الوالد في حياته، وأرفد بها المكتبة الإسلاميّة والإنسانيّة والعقليّة، لما فيها من النور الإلهي والخير الرباني والعلم التكاملي
-الظاهري والباطني- لنستمدّ منه روح البطولة والجهاد من جهةٍ، وروح التكامل والرقي من جهةٍ أخرى، متحلين بسموِّ العلم ونور الإيمان، وعلوّ الأخلاق ليضيء لنا الدرب ويعبّد لنا المسالك إلى ربّ غفور رحيم.

بيد أنّ كلّ هذه العلوم الرحمانيّة التي خطّها السيّد الوالد بيديه الكريمتين قد نهل الكثير منها عن طريق تتلمذه عند جهابذة العلم وكباره، وعظماء الإسلام ومشايخه الذين كانوا شموع علم تضيء لتنير درب الحقّ
-بالأقلام والمؤلفات والدماء والعلوم والجهاد والفداء والأخلاق والسّمو والتكامل، فقد ارتفعوا إلى قمم الجبال الشامخة ليعلو بهم المجتمع الإسلامي- لينبثق عنهم ابنهم البار وتلميذهم العالم المجتهد الفقيه الذي شعّت به العلوم وأضاءت به الدروب؛ ليكون جوهرة الأدب والفقه والأصول وعلوم الفلك 

ــــــــــ[7]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

والفضاء والرياضيات، وغيرها من العلوم التي بين أيدينا.

فهنيئاً لمَن يجمع بين علمي الأستاذ والتلميذ لينشره بين الأحبّة والأصحاب، بل للجميع لكي يحيى من حيَّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة.

فمن هنا وجدنا من الواجب علينا نشر هذه العلوم الحبيبة من خلال طباعة المخطوطات التي كان السيّد الوالد يخطّها بيده لدروس أساتذته “أرواحنا له ولهم الفداء” فجزى الله العاملين على طباعته وإخراجه ونشره خير الجزاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

 

مقتدى الصدر

الأوّل من ذي الحجة الحرام/1431



ــــــــــ[8]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة









مقدمة                                                                                                    هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين النبيّ الكريم محمّد بن عبد الله وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.

وبعد؛

لا يخفى على الناقد البصير ما لعلم الفقه من أهمّيّة بالغة في رقيّ المجتمع وتقدّم العلوم الإسلاميّة، بل هو على رأسها بعد العلم الباحث حول توحيد الله تعالى، وقد بلغ هذا العلم من التقدّم والسعة إلى حدٍّ كبير جدّاً، حيث صُنّف فيه آلاف الكتب والرسائل. كما لا يخفى أيضاً تقدّم المدرسة الإماميّة على سائر المدارس الإسلاميّة من جهة الدقّة وسلامة الخطّ المتّبع، وعدم السماح بالتلاعب بمنهجه وطرق البحث فيه من قبل غير المختصّين، الأمر الذي ساهم إلى حدٍّ كبير في سلامة هذا المنهج المتّبع عندهم، وعدم انجراره إلى الأهواء والآراء الشخصيّة التي لا تمتّ إلى شريعة رسول الله بصلةٍ.

ــــــــــ[9]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

والسرّ فيه: ما بذله علماؤنا من جهدٍ كبيرٍ واهتمامٍ واسعٍ في هذا المجال، خصوصاً في القرنين الأخيرين.

ومن جملة هؤلاء الأكابر الذين اتّصفوا بالفكر الثاقب والفقاهة وأفادوا الحوزات العلميّة بعلومهم الصافية ودقّة مطالبهم العالية: آية الله العظمى الجهبذ والحجّة المجاهد المرحوم السيّد إسماعيل الصدر؛ إذ كان من جملة أساطين المذهب والمبرّزين منهم، وقد عُقدت عليه الآمال في زمانه. ولا غرو في ذلك بعد أن نشأ وترعرع في اُسرةٍ كريمةٍ مجاهدةٍ زُقّت العلم زقّاً.

وبين يديك عزيزي القارئ هذا الكتاب الذي يمثّل تقريراً لدروسه الفقهيّة التي ألقاها في النجف الأشرف على جملةٍ من العلماء والفضلاء، وقد تصدّى لكتابتها وتحريرها تلميذه البارّ آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد الصدر.

ويظهر من النسخة الخطية أنها تمت مراجعتها وتدقيقها من قبل السيد إسماعيل الصدر، وذلك لوجود مجموعة من التعليقات التي كتبها بخطه الشريف.

وتعود كتابة هذه التقريرات إلى 7/11/1386هـ. ق الموافق
لـ 19/3/1967م.

ــــــــــ[10]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة



منهجنا في التحقيق 

اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:

أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد المقرّر.

ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتهذيب.

ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال. 

رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.

خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.

هذا ونسأل الله تعالى أن يشملنا بلطفه وكرمه، وأن يوفّقنا للسير على منهج نبيّه الخاتم وأهل بيته الأطهار (سلام الله عليهم أجمعين).

والحمد لله أوّلاً وآخراً.

 

الإشراف العام

على هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر

النجف الأشرف

 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

 

نبذة مختصرة عن حياة سماحة آية الله العظمى          المجاهد السيّد إسماعيل الصدر

نسبه ومولده

وُلد سماحة الحجّة آية الله المجاهد السيّد إسماعيل الصدر في مدينة الكاظميّة المقدّسة في العاشر من شهر رمضان من سنة (1340/ الموافق لـ 8/5/1922 م) في بيت العلم والتقوى.

ينتهي نسب السيّد إسماعيل الصدر إلى الإمام الكاظم، في سلسلةٍ قلّ نظيرها من حيث الصحّة ووضوح الشجرة. 

فهو إسماعيل بن حيدر بن إسماعيل بن صدر الدين (الذي سمّيت اُسرة آل الصدر باسمه) بن صالح بن محمّد بن إبراهيم شرف الدين (جدّ اُسرة آل شرف الدين)، بن زين العابدين بن نور الدين بن علي نور الدين بن الحسين بن محمّد بن الحسين بن علي بن محمّد بن تاج الدين (أبو سبحة) بن محمّد شمس الدين بن عبد الله بن جلال الدين بن أحمد بن حمزة الأصغر بن سعد الله بن حمزة الأكبر بن أبي السعادات محمّد بن أبي محمّد عبد الله (نقيب الطالبيّين في بغداد) بن أبي الحرث محمّد بن أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي طاهر بن أبي الحسن 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

محمّد المحدّث بن أبي الطيّب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى (أبو سبحة) بن إبراهيم المرتضى بن الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.

نشأته العلمية وأساتذته

درس المقدّمات والسطوح العالية على أيدي جملةٍ من علماء مدينة الكاظميّة المقدّسة من أمثال والده الحجّة آية الله السيّد حيدر الصدر وعمّه الحجّة السيّد محمّد جواد الصدر والميرزا علي الزنجاني.

هاجر إلى مدينة العلم والعلماء ومحطّ رحال جهابذة الطائفة مدينة أمير المؤمنين النجف الأشرف في عام 1365 هـ، وكان عمره الشريف آنذاك 25 سنة، بمعيّة عائلته الكريمة وأخيه الأصغر آية الله العظمى نابغة العصر والزمان السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر.

حضر دروس أكابر علماء الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، فأفاد من أبحاث جهابذة الفقه والاُصول التالية أسماؤهم:

  1. خاله آية الله العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين.
  2. خاله آية الله الشيخ مرتضى آل ياسين.
  3. آية الله الشيخ محمّد كاظم الشيرازي.
  4. آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم.
  5. آية الله العظمى السيّد عبد الهادي الشيرازي.
  6. آية الله العظمى المحقّق أبو القاسم الخوئي.

ــــــــــ[14]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

إجازاته بالاجتهاد

وقد أجازه بالاجتهاد كلٌّ من آية الله العظمى السيّد عبد الهادي الشيرازي وخاله آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين.

تدريسه

بدأ تدريس بحوث الخارج عند إقامته في النجف الأشرف، وحضر عنده جماعةٌ من الطلبة نصف دورةٍ كاملةٍ من دروس الخارج في الأُصول، بالإضافة إلى دروس الخارج في الفقه. وقد قرّر السيّد الشهيد محمّد الصدر من بحوثه الفقهيّة مبحث الجمعة (اللمعة في حكم صلاة الجمعة)، وعليه تعليقات الأستاذ (السيّد إسماعيل) بخطّه الشريف، إلى أنْ انقطع تدريسه بسبب رجوعه إلى مدينة الكاظميّة حوالي سنة1380هـ. ق، حيث أصبح هناك محوراً للعلم والدين ومركزاً لزعامتها الدينيّة.

وبمناسبة رجوعه إلى مدينة الكاظميّة المقدّسة أبرق له تلميذه آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد الصدر هذا البيت من الشعر:

الدِّينُ هُنّيَ فِيْكَ والإسْلامُ

 

فَلْتَـفْتَخِـرْ بِجِـهَادِكَ الأيَّامُ

وقد بدأ في مدينة الكاظميّة المقدّسة التدريس أيضاً، فأخذ يلقي بحوثاً في تفسير القرآن، وكان يحضر هذه البحوث ما يزيد على مائة طالبٍ من طلبة العلوم الدينيّة والجامعيّين والمثقّفين، إضافةً إلى تدريسه لعددٍ من علماء المنطقة في الكاظميّة وبغداد علم الأُصول والفقه. 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وبذلك فقد ازدهرتْ الحياة العلميّة والتوجّه الديني والتبليغ الإسلامي على يده المباركة ازدهاراً كبيراً.

من كراماته وسجاياه

أفاد سماحة آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر ما يلي: كان -أي: السيّد إسماعيل الصدر- آيةُ في الذكاء والفطنة وحضور الذهن وسرعة الانتقال، ومن الأفذاذ في خُلُقِهِ وتواضعه وطيب نفسه وطهارة روحه ونقاء ضميره وامتلاء قلبه بالخير والحبّ لجميع الناس. رافقتُهُ أكثر من ثلاثين سنة، كما يرافق الابن أباه والتلميذ أُستاذه والصديق صديقه والأخ أخاه في النسب وأخاه في الآمال والآلام وفي العلم والسلوك، فلم أزدد إلاّ إيماناً بنفسه الكبيرة وقلبه العظيم الذي وسع الناس جميعاً بحبّه، ولكنّه لم يستطع أن يسع الهموم الكبيرة التي كان الفقيد يعيشها من أجل دينه وعقيدته ورسالته، فسكت هنا القلب الكبير في وقتٍ مبكّرٍ. وكنتُ أراه في قمّة شبابه منكبّاً على التحصيل والعلم، لا يعرف طعم النوم في الليل إلاّ سويعات، ولا شيئاً من الراحة في النهار، مكدوداً باستمرارٍ، متنامياً باتّصالٍ، يزداد علماً يوماً بعد يومٍ، وهو إلى جانب ذلك مكدودٌ في العبادة والالتزامات الدينيّة التي تنّميه روحيّاً ونفسيّاً، والتي وصل بسببها في السنوات الأخيرة من إقامته في النجف الأشرف إلى درجة عالية من الصفاء والروحانيّة …

وكنتُ أمشي معه، فبادرني مخبراً بأنّ حادثة معيّنة سوف تقع عندما نصل إلى النقطة الفلانيّة من الطريق، وقد وقعتْ بالفعل كما أخبر دون أيّ ترقّب 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

مُسبَق. وأنا أُقدّر أنّ المرحوم كانت له في تلك الفترة من هذه الانفتاحات الروحيّة الشيء الكثير(1).

وذُكر بأنّه عندما تُوفّيت والدته الطاهرة سنة 1406هـ.ق نُقل جثمانها الطاهر إلى مدينة النجف الأشرف لأجل أنْ تُدفن في مقبرة السيّد عبد الحسين شرف الدين – والتي تقع في الصحن العلوي الشريف- إلى جانب ولدها السيّد إسماعيل الصدر، وعندما أرادوا أن يضعوها في القبر إلى جانب ولدها السيّد إسماعيل الصدر، سقط في الأثناء الجدار الفاصل بين قبرها وقبر السيّد إسماعيل، وجدوا أنّ جسد السيّد على حاله لم يتغيّر ولم يتبدّل، رضوان الله عليه، وحشره الله مع أجداده الطاهرين(2).

آثاره ومصنفاته الثمينة

  1. شرح فقهي استدلالي موسّع على كتاب بُلْغة الراغبين، في عدّة مجلّدات، وهو من أهمّ مؤلّفات المترجم له.
  2. تعليقة على كتاب كفاية الأُصول لآخوند الخراساني، ضمَّنها آراءَه ومناقشاته بصورة موسَّعة.
  3. رسالة عمليّة، وهي تعليقة على كتاب العروة الوثقى، مع إشارات إجماليّة إلى الدليل والمدرك في بعض الأحيان.

ــــــــــ[17]ــــــــــ

(1) اُنظر: بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين 1: 272.

(2) اُنظر: شهيد الأُمّة وشاهدها 1: 44.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

  1. تعليقة على كتاب التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة، قام فيها بإبراز رأي الفقه الإمامي في المسائل التي تعرّض لها الكتاب، طبع منها الجزء الأوّل.
  2. محاضرات في تفسير القرآن، طُبع منها الجزء الأوّل.
  3. شرح رسالة الحقوق للإمام عليّ بن الحسين.
  4. تقريرات المحقّق الخوئي في الأُصول.
  5. تقريرات المحقّق الخوئي في الطهارة.
  6. تقريرات المحقّق الخوئي في المكاسب.
  7. رسالة في قاعدة الفراغ والتجاوز.
  8. شرح كتاب النكاح من العروة الوثقى.
  9. تعليقة على الجزء الثاني من شرح اللمعة.
  10. رسالة في حكم التزاحم بين الحجّ والنذر.
  11. رسالة في تشخيص المدّعي والمنكِر.
  12. رسالة في بيع الصبي وأحكامه.
  13. رسالة في أسباب اختلاف المجتهدين.
  14. مستدرك الأعيان، يحتوي على ملاحظات على كتاب أعيان الشيعة.
  15. رسالة عمليّة، وهي تعليقة على رسالة بُلْغة الراغبين.
  16. تقرير بحث الفقه لآية الله الفقيه الشيخ محمّد رضا آل ياسين.

ــــــــــ[18]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

  1. فوائد في الفقه والأُصول.
  2. فصل الخطاب في حكم أهل الكتاب.
  3. رسالة في معنى العدالة، وأُخرى في حدّ الترخّص للمسافر.
  4. رسالة في قبلة المتحيّر.
  5. رسالة في صلاة الجمعة.
  6. رسالة في اللباس المشكوك.
  7. رسالة في فروع العلم الإجمالي.

وفاته

لقد سكت ذلك القلب الكبير، الذي كان في أعلى درجات الإيمان والاطمئنان، كما كان مليئاً بالحبّ والسلام للإنسانيّة وبذكر الله وأوليائه، في السادس من ذي الحجّة عام 1388هـ.

نُقل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف، ودُفن في مقبرة العلاّمة الكبير السيّد عبد الحسين شرف الدين في الصحن العلوي المقدّس.

لقد اهتزّتْ بغداد لنبأ وفاته، وكان لوفاته وقعٌ كبير في نفوس محبّيه، وفي الساحة الدينيّة والثقافيّة، ورثاه جملة من الشعراء والعلماء، ومنهم تلميذه البارّ آية الله الشهيد السيّد محمّد الصدر بقصيدة تحت عنوان: وقفة مع الرائد. وإليك نصّها:

يا رائدَ الدّينِ الحنيفِ ومعقلَ
ومجاهداً في اللهِ قلَّ نظيرُهُ
للهِ أيّ حرارةٍ خَلَّفتها
تلكَ القلوبُ الصافياتُ غَذّوتَها
أعطيتَها الفكرَ الكبيرَ هدايةً
ووهبْتَها عُمُرَاً ليأخُذَ حَقْلُها
فإذا استَوَتْ حَلَقَاتُها وتَرَعْرَعَتْ
فارقتَها فَغَدَا الجهادُ مصوحاً
فعقولُها من فَرْطِ نورِكَ في الضّيا
خَسرتْ أباً يعلو بثاقبِ وَعْيِها
ومجاهداً يَهَبُ اندفاعَ جِهَادِهِ
خَسأ الترابُ وكلُّ قلبٍ عامرٍ
وليخسأ الدهرُ الخؤونُ قَضِيّتَهُ
فَلأَنْتَ نجمُ المَجْدِ خُلِّد في العُلا
عِنْدَ الذّي طَلْتَ الزّمانَ بنورِهِ
ومشيتَ في دَرْبِ الإلهِ بِهِمَّةٍ
فالقُدْسُ في مَغْنَى لقائِكَ حافلٌ
خلَّفتَ في الدين الحنيفِ مآتِمَاً
لا غَرْوَ أنْ يأسى حشىً وشريعةً
مُذْ رِحْتَ للفردوس فَرْداً أرّخُوا:

   

الوعي الكبيرِ وقائدَ الإقدامِ
بـصراحةٍ ورَجَاحةٍ وتَسَامِي
في قلبِ كلِّ فتى وأيّ أوامِ
نهلَ التُقى وغزارةَ الإسلامِ
ورفعتَها عنْ رِبقَةِ الآثامِ
عمراً يطولُ على مدى الأَيّامِ
وَمَشَتْ بنورِكَ ضِدّ أيّ صِدَامِ
من دِقّةٍ ومهارةٍ ونِظامِ
وقلوبُها من وَجْدِها بظلامِ
من وَهْدَةٍ نحو المَحَلّ السَّامي
وثِمَارَهُ في صالحِ الأَقوامِ
بِكَ والهُدَى في يَقْظةٍ ومَنَامِ
في نكبةٍ وَتَأَوُّهٍ وضِرَامِ
لا ينطـفي بـصرامةِ الأَوهامِ
ولأجْلِهِ استهونتَ كلَّ صِدامِ
فوصلتَهُ بِعَدالةٍ وَسَلامِ
والقلبُ يُرمى في الأسى بِسِهَامِ
وعلى الجنانِ محافلُ الأَحلامِ
وتفوزُ فِيْكَ ملائِكُ العلاَّمِ
بُشْرى الجِنَانِ بِثلمَةِ الإسلامِ(1)

ــــــــــ[20]ــــــــــ

(1) اُنظر: مجموعة أشعار الحياة، السيّد الشهيد محمّد الصدر: 145.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ورثاه أيضاً تلميذه الشيخ سامي الخفاجي بقصيدةٍ تحت عنوان: فاجعة الصدر، ونصّها:

كيفَ أرثيكَ ومَن ذا يستطيعُ؟
قَدْ فَقْدنَا أيّ طودٍ شامخٍ
سيِّدي كنتَ الأبَ البَرَّ لنا
نَحنُ أَيْتـامُـكَ نَـبْـكي حَـسرةً
يا أبانا حـسرةٌ لا تنقـضي
يا أبانا زَفَرَاتٌ مِن دَمٍ
وحنانٌ من فؤادٍ خافقٍ
وفؤادٌ مُفْعَمٌ بالعطفِ وا
طَوْدُ عِلْمٍ وجهادٍ صادقٍ
أيُّها ذا الموت ما انصفتنا
يَنْدُبُ الدينُ نَصيْراً مُخْلِصَاً
تُلْكُمُ شخصيَّةٌ قَد صَاغَهَا

 

وعَصَاني الشعرُ فالخطبُ مريعُ
هو حِصْنٌ لهدى الدينِ مَنيعُ
كلُّنا في فَقْدِكَ اليومَ فَجِيْعُ
ولَظَى نارٍ بها تُكوَى الضلوعُ
وقلوبٌ وَالِهَاتٌ ودُمُوعُ
أخريفاً قد غَدَا ذاك الربيعُ؟
بالتُّقى ليسَ لَهُ حَقَّاً رُجُوعُ
حسرتاه اغتالَهُ الموتُ الفَظِيْعُ!
ضَمَّهُ وا أسفا التُرْبُ الوَضِيْعُ!
فقد ارتاع بك اليوم الجميعُ
هَو للهِ لَدَى الروعِ مُطِـيْعُ
بالتُقَى إسلامُنَا الدينُ الرَّفِيْعُ(1)

ــــــــــ[21]ــــــــــ

(1) اُنظر: مقدّمة كتاب محاضرات في تفسير القرآن: 13.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة




صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر

ــــــــــ[23]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

 

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر

ــــــــــ[24]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة





المقدمة

 

بنى الإسلام جملة من تشريعاته وتعاليمه على أساس الوحدة الاجتماعيّة، وبثّ روح الاُخوّة والتآلف والإخلاص بين أفراد المجتمع.

وليس هذا الأمر بخفيّ على مَنْ نظر في كثيرٍ من تعاليم الإسلام الأساسيّة، فهذا الحجّ -وهو أحد أركان الدين- يبدو فيه هذا الجانب بوضوحٍ تامٍّ، فهذه الجماهير المسلمة الواعية المتوجّهة إلى طاعة الله المجيبة لأمره لها هدفٌ روحيٌ واحدٌ هو الحصول على رضاء الله ورحمته، وهدفٌ مادّي خارجي واحدٌ، هو بيت الله الحرام والكعبة المشرّفة، ولها طقوسٌ وأعمالٌ واحدةٌ، لا تكاد تختلف في صورتها العامّة من فردٍ لآخر.

ولا ننسى ما في هذا التجمّع لأجل هذه الأهداف في نفس الفرد من شعورٍ بالإخلاص والاُلفة لهذه الجماهير التي يستهدف معها غرضاً واحداً، ومن شعورٍ بالهيبة والخضوع للربّ الذي انقادوا له والتعاليم التي امتثلوها.

وهذا الصوم، مطهَّر الروح والبدن من الأدران، تبدو فيه أيضاً هذه الخصّيصة بأجلى المظاهر؛ حيث يشعر الصائم وهو على فراش نومه -في أثناء النهار، أو أثناء تلاوته للقرآن الكريم، أو حين إمساكه أو فطوره- أنّ في العالم الإسلامي آلافاً يشاركونه في العاطفة ويماثلونه في الهدف، يعطشون عند 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

عطشه، ويفطرون بإفطاره، ويتلون القرآن عند تلاوته.

وهذه الصلاة عمود الدين، هي العمود لدين كلّ مسلم، والكلّ سواء في أنّها إن قُبِلَتْ قُبِلَ ما سواها، وإن رُدَّتْ رُدّ ما سواها، والفرد المسلم يشعر وهو يؤدّي تلك الفريضة العليا لربّ العالمين أنّه يؤدّي نفس الأعمال ويمرّ بعين المشاعر التي يؤدّيها ويمرّ بها إخوانه المسلمون في سائر بلاد الإسلام، وأنّه يتوجّه إلى نفس البيت الحرام الذي يتوجّهون إليه، أو يحمل بين جنبيه نفس النيّات والعواطف التي يحملونها.

ولا ننسى الأذان للصلاة، الذي هو أمر مستحبّ بطبيعته في الإسلام، كيف يوحي بكلّ مقطعٍ من مقاطعه إلى مجموع سامعيه مغازٍ ساميةً واحدةً، ويهبهم خشوعاً إلهيّاً متجانساً، ليس ذلك في المسجد الواحد أو البلد الواحد فحسب، بل إنّ الفرد المسلم لَيشعر أنّه يسمع نفس الأذان الذي يسمع ترتيله المسلمون في مختلف بقاع الإسلام.

وفي الصلاة خصّيصةٌ اُخرى تؤكّد هذا المعنى الإسلامي الجليل، أَلا وهي انعقادها على شكل صلاة الجماعة؛ إذ بالإضافة إلى وحدة الإحساس والأعمال والشعور بأنّ مثل هذا العمل الكبير يقوم به سائر المسلمين، فإنّ الصفّ الذي تشكّله هذه الصلاة رمزٌ حيٌّ عميقٌ للصفّ الكبير في الجهاد الإسلامي العقائدي، الذي شبَّهه القرآنُ الكريم بالبُنْيان المرصوص(1). وهو أيضاً صورةٌ 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

() في قوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (الصفّ: 4).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

حيَّةٌ للإيمان بالإمام أو القائد أو الموجَّه الإسلامي، الذي يثقون به ثقةً تامّةً، بحيث يجعلون عمود دينهم منوطاً بصحّة عمله. وهذه الثقة بهذا الميزان الكبير سوف لن تقتصر -بالطبع- على حركات الصلاة الرتيبة، بل سوف تنعكس على سائر الملابسات الاجتماعيّة والأعمال العامّة والخاصّة للأفراد.

فمن كلّ تلك التعاليم ومن غيرها نرى بوضوح كيف أنّ الإسلام بحكمة مشرّعه العظيم مزج في هذه الأعمال بين التأكيد على الاُخوّة والتعاطف بين تابعيه وعلى وحدة الشعور والهدف بينهم، وبين التوجّه إلى الله والخوض بإخلاص إلى ميدان امتثال تعاليمه وإطاعة تشريعاته لأجل نَيْل رضاه ورحمته. فلا الاُخوّة قائمةٌ على أساس المصلحة الضيَّقة، ولا التعاطف على أساس المادّة، ولا الهدف المشترك هو هدف الأطماع والمغريات، وإنّما الاُخوّة في الله، والتعاطف والتساند على أساس مرضاة الله، والهدف المشترك هو الهدف الإلهي الإسلامي الكبير، وهو إخراج البشر أجمعين من الظلمات إلى النور وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.

ومن أحسن أنحاء صلاة الجماعة -حيث تتجلّى هذه الحكمة الإسلاميّة الكبرى بأجلى صورها- صلاةُ الجمعة، ذلك التشريع العظيم، الذي يحتوي على كلّ ما تحتوي عليه صلاة الجماعة من خصائص ومميّزات، إلّا أنّها تسمو عنها إلى مراقٍ عُلْيا، وتمتاز بعديد من المميّزات الاجتماعيّة والروحيّة الهامّة.

فإمام الجماعة ليس شخصاً عاديّاً -وكلامنا الآن على فرض اجتماع شرائط الوجوب وقيام دولةٍ إسلاميّة- وإنّما هو رئيس الدولة نفسه، ذلك الشخص 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الكبير الذي تكفّل -بحسب تكليفه الشرعي- تطبيق العدل الإسلامي والأخذ بزمام الدولة الإسلاميّة إلى شاطئ النور والحياة، وهو الشخص الكبير الذي أولاه الشعب كلّ ثقته وطاعته، وكان بالنسبة إلى كلّ فردٍ من أفراده أولى به من نفسه وماله. هذا الإمام العادل هو الذي يتولّى الصلاة بنفسه، في العاصمة أو حيث يكون من بلاده، وإذا كان البلد بعيداً تولاّها المُعيَّن من قِبَله ممَّن يتوسّم به الإمام الصلاحية التامّة للقيام بهذا العمل الجليل.

وهي تُعقَد في كلّ اُسبوعٍ ليشعر كلّ فردٍ مكلَّفٍ -أثناء حضورها وخلال الاُسبوع ومن ثمّ طيلة الزمان- بالمسؤوليّة تجاه هذا الواجب الكبير، وتجاه دولته الإسلاميّة وإمامها العادل، ولكي يمزج شعوره في كلّ اُسبوعٍ بشعور إخوانه، ويعيش معهم الحسّ الاجتماعي والروحي الكبير المتفجَّر من هذا الواجب الكبير.

وهي مسبوقةٌ بخطبتين، هما الميزة الأساسيّة لصلاة الجمعة، يلقيهما ذلك الإمام العادل -رئيس الدولة- ليستعرض في خطبته في كلّ اُسبوعٍ ما جَدَّ من حوادث الزمان ومشاكل المجتمع، وهو أكثر الناس اطّلاعاً على هذه الاُمور وأبعدهم نظراً فيها، ثمّ يبدي رأيه فيها على ضوء ما يعرفه من وجهة نظر الإسلام وتعاليمه.

ولا ننسى أنّ له الحرّيّة التامّة في الحديث بالنحو الذي يراه مطابقاً لمصلحة الإسلام، وموجِباً لإعلاء كلمة الله ونصرة الحق، وتثقيف الشعب الإسلامي بالثقافة الإسلاميّة الخيّرة النيّرة، بإسماعه في كلّ اُسبوعٍ أحاديث جليلة عن 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

مختلف المواضيع الاجتماعيّة أو الروحيّة أو الأخلاقيّة أو العلميّة أو غير ذلك، ممّا يؤدّي إلى كمالهم وخيرهم في الدنيا والآخرة.

ولعلّ أفضل النصوص صراحة في هذا المعنى الجليل هو ما رُوي عن الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا أنّه قال – في روايةٍ طويلةٍ-:

“فإن قال (يعني: القائل): فَلِمَ جعلت الخطبة؟ قيل: لأنّ الجمعة مشهدٌ عامٌّ، فأراد أنّ يكون للأمير(1) سببٌ إلى موعظتهم، وترغيبهم في الطاعة، وترهيبهم من المعصية، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليهم من (الآفاق من) الأهوال(2) التي لهم فيها المضرّة والمنفعة” الحديث(3).

فالهدف من الخطبة هدفان:

أحدهما: هدفٌ روحي هو التقريب إلى الله، ونُصْح هذا الحشد الواعي المتلهّف لكلام الإمام بإخلاص الطاعة لربّهم، وامتثال واجباته وترك ما نهى عنه من سوءٍ وفسادٍ.

ــــــــــ[29]ــــــــــ

() كذا في الوسائل، وفي العيون والعلل: (للإمام) بدل (للأمير).

(2) كذا في الوسائل، وفي العيون (من الأوقات ومن الأحوال) وفي العلل: (من الآفات من الأحوال).

(3) اُنظر مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: ص438، (المقرر). اُنظر: عيون أخبار الرضا 1: 118، الباب 34، علل الشرائع 1: 265، الباب 182، وسائل الشيعة 7: 344، الباب 25 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث 9533.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وثانيهما: هدفٌ اجتماعي سياسي، وهو التعرّض إلى ما فيه مصلحة المجتمع من الآراء، وعرض المشاكل وحلّها على ضوء الإسلام، وتثبيت العدل، وإقامة الحقّ وعرضه على الجماهير الواعية بالمنطق الإسلامي الصحيح، وتوقيفهم
-أي: إيقافهم- على ما يدور حولهم من حوادث وشؤونٍ قد تؤثّر على حياتهم العامّة أو الخاصّة -من قريبٍ أو بعيدٍ- تأثيراً حسناً أو سيّئاً، يذكرها لهم بالمقدار الذي يراه، وهو العارف بالمصالح العليا للدولة، مطابقاً للمصلحة، وكافياً لضمان علوّ كلمة الحقّ.

وهذا الهدف تنطق به جملة من شرائط هذه الصلاة، على حين لا تنافيه الشرائط الاُخرى.

فالحضور واجبٌ في كلّ اُسبوعٍ؛ للاستزادة باستمرار من هذا الينبوع الثَّر، وإيصال آخر الحوادث، وحلّ آخر المشاكل على التوالي، بالإضافة إلى الاتّصال الروحي العظيم باستمرارٍ بالله تعالى وبالإمام وبالاُخوّة في المجتمع الإسلامي الكبير.

وهي لا تنعقد إلّا جماعةً، بإمامة رئيس الدولة أو مَن ينصبه لذلك؛ لكي يضمن الإسلام حضورَ الجمهور الإسلامي من ناحيةٍ، ويضمن تثقيفه بأرقى نوعٍ من المعلومات الصادرة من أوثق المصادر مباشرةً.

والحضور واجبٌ على كلّ فردٍ صالحٍ للعمل الإسلامي الاجتماعي، وهو كلّ رجلٍ مسلمٍ حرٍّ صحيحٍ حاضرٍ، وهو الذي يهمّ الدولة آراؤه ونشاطه، ويهمّ 

الإسلام تثقيفه بالثقافة العليا، على حين أنّه لا يهمل الأفراد الآخرين؛ فإنّ هذا

 ــــــــــ[30]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الحشد الكبير سوف ينقل أقوال الإمام إلى أعمق أعماق المجتمع، وإلى أبعد الناس عن الحضور إلى الصلاة لمرضٍ أو سفرٍ أو غير ذلك.

كما أنّ الحضور إليها لازمٌ من فرسخين(1)، ولا تصحّ صلاتان للجمعة ما لم يفصل بينهما ثلاثة أميال(2)؛ وذلك باعتبار ضمان أهل المنطقة الواحدة في المركز؛ لأجل الاستمداد الروحي والاجتماعي، وهم في الغالب يكونون متّفقين في شعورٍ معيّنٍ ومصالح خاصّة، وتسودهم مشاكل معيّنة تحتاج إلى حلولٍ موحّدةٍ، فكان من الصحيح أنْ يستمعوا إلى توجيهٍ واحدٍ وتثقيفٍ مشتركٍ.

وصلاة الجمعة أيضاً لا تجب على أهل الأطراف إذا كانت قد سبقتها صلاة العيد في نفس اليوم، عند اتّفاق العيد والجمعة في يومٍ واحدٍ؛ لأنّ هذا الرجل
-الذي كرّس جزءاً من وقته لامتثال هذا الواجب والسعي إلى صلاة العيد من بعيد، واستمع إلى توجيهات الإمام متمثلّةً في خطبتَي صلاة العيد- يكفيه ذلك؛ إذ لا يكون للإمام عادةً مقاصد جديدة يمكن أنْ يملأ بها بعد ساعات خطبتَي صلاة الجمعة لذا كان من المناسب والمنطقي أنْ يأذن لهم بالانصراف، ويفهّمهم بأنّه ليس من الضروري حضورهم لصلاة الجمعة بعد حضور صلاة العيد، إلّا أنّ هذا الحكم خاصّ بأهل الأطراف ممَّن قصد الصلاة من بعيد. أمّا 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

() الفرسخ يساوي ثلاثة أميال، والمجموع ستّة أميال، فتكون المسافة 11 كيلو متر وربع تقريباً.

(2) أي: فرسخٌ واحدٌ، ومقداره 5472 متراً، كما أفاده السيّد الشهيد المقرّر محمّد الصدر في ما وراء الفقه 1: 399، كتاب الصلاة، فصل المسافة الشرعيّة.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

أهل نفس البلد فيجب عليهم الحضور في كلتا الصلاتين، وإلّا لزم إلغاء صلاة الجمعة أساساً، وهو أمرٌ غير صحيحٍ.

فهذه جملةٌ من المصالح العليا التي تُنال بأداء هذه الصلاة في الدولة الإسلاميّة اقتداءً برئيسها: سواء كان معصوماً أو غير معصوم.

أمّا عند عدم وجوده فالحال يختلف اختلافاً كبيراً؛ فلنْ يكون إمام الجماعة هو الرئيس الذي بيده المقاليد العليا للمجتمع، ومن ثمّ يمكن أنْ لا يكون له اطّلاعٌ على مشاكل المجتمع ومصالحه بشكلٍ تامٍّ ودقيقٍ، وحتّى لو كان عارفاً بها أو ببعضها، فإنّه لنْ يستطيع أنْ يذكر منها في خطبته إلّا القليل؛ لعدم وجود السلطة التنفيذيّة في يده، ولو قالها أو بعضها، فإنّه لا تجب طاعته بصفته حاكماً أو رئيساً إسلاميّاً؛ لعدم كونه كذلك، وإنّما تجب طاعته في الأحكام الشرعيّة التي يفتي بها، إنْ كان من أهل الفتوى.

ومن ثمّ كان من المنطقي جدّاً أنْ يكون وجوبها عند عدم وجود السلطان العادل تخييريّاً، على ما هو المشهور(1) والمختار لسيّدنا الاُستاذ (دام ظلّه)، فالمسلمون بالخيار بين أنْ لا يقيموها أصلاً؛ باعتبار عدم إمكان اجتناء تلك 

الثمرات والمصالح الكبرى التي تُجنى من هذه الصلاة إذا أُقيمتْ في دولةٍ ــــــــــ[32]ــــــــــ

(1) حسبما أفاده الشهيد الثاني في المقاصد العليّة في شرح الرسالة الألفيّة: 365، صلاة العيد، والمحقّق السبزواري في ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد 2: 307، كتاب الصلاة، المقصد الثاني في صلاة الجمعة، والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 378- 379، كتاب الصلاة، المقصد الثالث، الفصل الأوّل، وغيرهم.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

إسلاميّةٍ، كما أنّ لهم أنْ يقيموها بالمتبقّي من المصالح التي انعدمتْ بانعدام الإمام. فلأنْ كان عَرض المشاكل ووضع الحلول على المستوى العميق في خطبة الجمعة متعذَّراً، فإنّ استذكارها شحذاً للعواطف وتأجيجاً للإخلاص الإسلامي لأجل التعاون في الوصول إلى حلٍّ ممكن وصحيح، ويكون ذكرى، والذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ(1). كما أنّ المواعظ الأخلاقيّة والدينيّة التي ترجع إلى إصلاح الفرد وإرشاده وغير ذلك ممكنٌ أيضاً، ممّا يكون له أبلغ الأثر في كماله وفوزه في الدنيا والآخرة.

فهذه فكرةٌ عن المصالح الكبرى والخير العميم الذي يُجتنى من هذا التشريع الاجتماعي الكبير، تشريع صلاة الجمعة بالعنوان الأوّلي.

فلأجل هذا ولأجل جمال الموضوع وعمقه، وما فيه من الدقّة التي يستطيع الفقيه أنْ يبدي فيها عُمْق نظره وقوّة عارضته وانقياد الأدلّة لآرائه واستدلالاته، ولاشتياقي الكبير على التلمذة على هذا السيّد الحجّة الفقيه؛ لِما أعرفه فيه من عُمْق التفكير وبُعْد النظر وطول الباع في فَهْم الكتاب والسنّة وصياغة الاستدلال، ولِمَا عاضدني الله من حسن توفيق ومساعدة، عقدنا
-بطلبٍ منّي- حلقة الدراسة في هذا الموضوع، في ليالي شهر رمضان المبارك لسنة 1386 هجريّة، الشهر الذي تتوجّه فيه القلوب إلى الله بالطاعة، وتتعطّل فيه الدراسة في الحوزة العلميّة في النجف.

وكان أنْ توفّقتُ -بحمد الله وجميل آلائه- إلى كتابته وضبطه بالشكل 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

(1) الذاريات: 55.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

المرضي لله ولرسوله ولسيّدنا الاُستاذ السيّد إسماعيل الصدر(1)، وفي هذا غاية الفخر والاعتزاز، وأرجو مخلصاً أن يحوز رضا القارئ الكريم. وسمَّيتُ هذه الرسالة بـ(اللمعة في حكم صلاة الجمعة)؛ باعتبار أنّ السيّد الاُستاذ (دام ظلّه) اقتصر في الكلام على حكمها من حيث الحرمة أو الوجوب التعييني أو التخييري، واستنتج في نهاية المطاف هذا الحكم الأخير، ولم يبقَ في ليالي شهر رمضان وقت للتعرّض لشرائط الوجوب أو شرائط المكلّف أو أحكامها الأُخرى. لذا فقد قصر الكلام في هذه الاُمور على أقلّ من صفحة، على ما يبدو بوضوحٍ لِمَن راجع آخر هذه الرسالة.

ومن الملحوظ خلال الحديث أنّني استخدمتُ الهوامش مغتنماً الحرّيّة العلميّة المكفولة في الحياة العلميّة الدينيّة في النجف الأشرف، والمفتوحة على مصراعيها فيها، فاستعملتُ في بعض الأحيان طريقة التعليق على بعض المسائل، مستمَّداً ذلك تارةً ممّا استفدتُه من سيَّدنا الاُستاذ، واُخرى ممّا خطر على ذهني القاصر ممّا أرى فيه؛ تنويراً للقارئ، وإيضاحاً للغامض.

ولا يخفى: أنّ هذا التعليق إنّما ينطبق على هذه التقريرات التي كتبتُها عن سيَّدنا الاُستاذ، مع غضّ النظر عمّا يستجدّ لديه من الآراء والأنظار بعد ذلك، وإلّا فإنّه (دام ظلّه) إذا نظر إلى هذه التعليقات يحصل له فيها -بقوّته الاجتهاديّة وعمق نظره- الفكرة المناسبة والجواب الدقيق.

ــــــــــ[34]ــــــــــ

(1) “منعني (حفظه الله) عن أيّ مدحٍ له”. هذه العبارة وردت في النسخة الخطية بصورة هامش بخط السيد إسماعيل الصدر.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وختاماً أتوجّه بالشكر الجزيل لهذا السيّد المجاهد العظيم الذي أولاني من حسن عَطفْه ورعايته من سائر نواحي هذا الكتاب، تدريساً ومراجعةً وطباعةً، وفي ذلك ما يقصر عن شكره القلم، وتكلّ عن أداء حقّه الهمم، وفّقه الله وإيّانا وسائر المسلمين لِمَا يُحبّ ويَرضى، وعاملنا بلطفه الخفيّ ورحمته العظمى؛ إنّه وليّ الإحسان.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

محمّد الصدر

ــــــــــ[35]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة









الكلمة التي تفضّل بها سيَّدنا الاُستاذ لإبداء رأيه ولطفه في هذه الرسالة، التي هي تقرير أبحاثه وآرائه(1).

ــــــــــ[36]ــــــــــ

() من المؤسف له جدّاً أنّنا لم نعثر على تلك المقدّمة التي قرّظ بها السيّد إسماعيل الصدر هذا الكتاب، سائلين المولى تعالى شأنه أن يوفّقنا للعثور على هذا التقريظ، ومن ثمّ نشره في طبعةٍ لاحقةٍ؛ إنّه سميع الدعاء.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة





بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تمهيد البحث

 

اختلفتْ كلمات علمائنا الأعلام -قدّس الله أسرار الماضين منهم وأدام الله ظلال الباقين- في حكم صلاة الجمعة حال الغيبة على أقوالٍ، ولم أجد منهم مَن تعرّض لحكمها حال الحضور.

والذي يلفت النظر هو: أنّهم بدأوا الكلام عن حال الغيبة، مع أنّ الشرط المأخوذ في لسان الأصحاب هو السلطان العادل، والظاهر أنّ الذي دعاهم إلى ذلك أحد أمرين: 

إمّا اعتقاد أنّ السلطان العادل هو الإمام المعصوم، ممّا ينتج الترادف بينهما، وإمّا لاعتقادهم أنّه لا يمكن أنْ يكون لهذا المفهوم مصداقٌ غير المعصوم. ولا يخفى ما بين هذين الوجهين من الفرق؛ إذ ملاك الأوّل هو الاتّحاد مفهوماً، وملاك الثاني هو الاتّحاد مصداقاً مع الاختلاف في المفهوم.

وعلى كلّ حالٍ فسوف نتعرّض إلى المراد من السلطان العادل، وسوف يظهر عدم انحصاره بالمعصوم مفهوماً ومصداقاً، وأنّ المراد منه: كلّ مَن 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

يَرْأَس الدولة الإسلاميّة بحقّ(1). وشبه لهذا المعنى ما في رسالة المحقّق النائيني (وسيلة النجاة) من تفسير وجوب السعي إلى صلاة الجمعة في ظرف وجوبه بالجمعة التي يقيمها المجتهد إذا كان مبسوط اليد، وكان يرى وجوب إقامتها والسعي إليها(2)، والظاهر أنّ عنوان المجتهد المبسوط اليد ينطبق على عنوان السلطان العادل.

نعم، يرد السؤال: أنّه لماذا يجب السعي إليها إذا أقامها مَن يرى وجوب ذلك؛ لأنّ السعي إنْ كان واجباً فهو واجبٌ مطلقاً، وإنْ لم يكن واجباً فكذلك؟

ويُجاب: بأنّه إذا كان يرى وجوب السعي فإنّه يأمر به لا محالة.

ولم أجد من الأصحاب مَن تعرّض لحكم صلاة الجمعة في حال الحضور وحال وجود السلطان العادل، وهل إنّ وجوبها حينئذٍ تعييني أو تخييري؟ وهل يجب السعي إليها مطلقاً، أو مع أمْره؟ وإنّما بدأوا الكلام حال الغيبة.

ولعلّ ذلك كان لوجهين: إمّا لوضوح الحكم في وقت الحضور، وإمّا لاعتقادهم أنّه لا ثمرة لهذا البحث؛ فإنّ أيّام السلطان العادل -وهو الإمام المعصوم- غير متحقّقةٍ فعلاً، وعند ظهوره يكون هو أعلم بحكمه.

ولكنّ الأمر ليس كذلك: أمّا أوّلاً فلأنّ الأمر إنّ كان واضحاً عندهم، فهو عندنا محلّ شكٍ. وأمّا ثانياً فيرد عليه وجود الثمرة لهذا البحث: سواء كان الحكم حال الغيبة هو التعيين، أو الشكّ بين التعيين والتخيير.

ــــــــــ[38]ــــــــــ

() أي: بشكلٍ معترفٍ بشرعيّته في نظر الإسلام، (المقرّر).

(2) اُنظر: وسيلة النجاة: 165.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وتظهر الثمرة في مواضع

الثمرة الأولى

إذا لم يقم دليلٌ بالخصوص على حكم صلاة الجمعة حال وجود السلطان العادل التعييني أو التخييري، أو تخصيص مشروعيّتها بحال وجوده، فحينئذٍ لابدّ من أنْ يكون المرجع هو الاستصحاب، فإذا ثبت عندنا حكمها استصحبناه؛ بناءً على تماميّة أركانه.

الثمرة الثانية

تظهر فيما إذا قامتْ عندنا أمارةٌ على عدم الوجوب التعييني، ولم يكن لها لسانٌ، كما إذا استكشفنا من عدم إتيان الأئمّة وأصحابهم الفقهاء الأتقياء قدّس الله أسرارهم بصلاة الجمعة، استكشفنا من ذلك عدم وجوبها التعييني أيّام عدم وجود السلطان العادل، فنعود إلى الأدلّة: فإنْ كانت دالّةً على الوجوب التعييني فلا بدّ من الالتزام باختصاصه حال وجود السلطان العادل؛ لأنّ ذلك دليلٌ على التخصيص. وأمّا إذا كانت الأدلّة مجملةً وقابلةً للحمل على الوجوب التخييري، فنستكشف من عدم الإتيان بها أنّ المراد منها الوجوب التخييري، فلا نرجع إلى أصالة عدم المشروعيّة؛ لدوران الأمر بين وجود مخصّصٍ لم يصل إلينا، وبين كونها على نحو الوجوب التخييري من أوّل الأمر.

والأمر الأوّل مشكلٌ؛ لأنّه لو كان هناك دليلٌ مخصّصٌ لوصل إلينا، واحتمال عدم وجود مخصّصٍ لم يصل إلينا بعيدٌ جدّاً، مع أنّ الأئمّة تركوا 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الجمعة، إذن فلابدّ من الالتزام بالأمر الثاني، وهو أنّ وجوب الجمعة كان تخييريّاً من أوّل الأمر، وهو أولى من حَمْلها على التعيين مع وجود التخصيص.

الثمرة الثالثة

ما ذكرناه من عدم اختصاص السلطان العادل بالمعصوم، بل هو كلّ مَن ترأّسَ الدولة بحقٍّ. إذن يمكن وجود السلطان العادل، ويمكن أنْ يجيء وقت تقوم فيه الدولة الإسلاميّة على يد مثل هذا الشخص، وحينئذٍ تجب صلاة الجمعة عيناً على القول به.

وعلى أيّ حالٍ فالكلام يقع في مبحثين:

 أوّلهما: في وجوب صلاة الجمعة أيّام السلطان العادل.

 ثانيهما: في وجوبها في غير أيّامه.

ــــــــــ[40]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة





المبحث الأول: في وجوبها أيام السلطان العادل

 

الأدلّة كما تعلمون أربعة: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل. أمّا العقل فلا مدخليّة له في المقام، وأمّا الإجماع فلا يمكن استفادته في المقام؛ لِمَا أشرنا إليه من عدم تحرير المسألة في كلمات الأصحاب، وحتّى لو ثبت فلا يمكن أنْ يكون حجّة؛ لمعلوميّة مستنده؛ فإنّ الاعتماد حينئذٍ يكون على الأدلّة لا عليه.

فلننظر إلى ما اُستدلّ به وننظر إلى ما يستفاد منه: هل هو الوجوب التعييني أو التخييري؟ كما ننظر في الأدلّة التي اُستدلّ بها على وجوب السعي؛ لنرى أنّه هل هو واجبٌ مطلقاً أو إذا طلب الإمام أو أنّه مستحبٌّ؟

الاستدلال بالآيات

الآيات التي اُستدلّ بها على وجوب الجمعة ثلاث:

أوّلها: الآيات المذكورة في سورة الجمعة، وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّـهِ وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّـهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّـهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(1).

ثانيها: قوله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّـهِ قَانِتِينَ(2).

ثالثها: قوله عزّ من قائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ(3).

أمّا الآية الاُولى فتقريب الاستدلال بها:

أنّها تدلّ على وجوب السعي عند ذكر الله، ولو لم تكن الجمعة واجبةً لَمَا وجب السعي إليها، فالجمعة واجبةٌ بالملازمة.

ويرد على هذا التقريب:

أوّلاً: ما ستعرف من أنّ الآية لا تدلّ على وجوب السعي، ليستدلّ به على وجوب الجمعة.

وثانياً: أنّه أيّ ملازمةٍ بين وجوب السعي والوجوب التعييني لإقامة الجمعة؟ إذ يمكن أنْ يكون الوجوب تخييريّاً والسعي واجباً عند إقامتها. بل يمكن أنْ يقال: إنّ الآية تدلّ أو تشعر بعدم الوجوب؛ لأنّ الأمر الضروري لابدّ أنْ يعتبر مفروض الوجود، فلا يُقال مثلاً: إذا أردتَ أنْ تصلّي فتوجّه إلى 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

(1) الجمعة: 9 – 11.

(2) البقرة: 238.

(3) المنافقون: 9.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

القبلة، بل يُقال: إنّ الاستقبال شرطٌ في الصلاة.

وبعبارة اُخرى: إنّ ظاهر الآية هو أنّ صلاة الجمعة غير مقطوعة الوجود، ولابدّ للأمر الواجب أنْ يكون مقطوع الوجود، فيستشعر من ذلك عدم لزوم الإتيان بها، ولم أجد أحداً تعرّض لهذا الوجه.

إذن، فلا تدلّ الآية المباركة على وجوب إقامة الجمعة.

أمّا الاستدلال بها على وجوب السعي إليها فتقريبه: أنّ الآية المباركة تأمر بالسعي إليها، والأمر ظاهرٌ في الوجوب، فالسعي واجبٌ.

وقد أُشْكِلَ على هذا الاستدلال، أوّلاً: بأنّ الخطاب مخصوص بالمشافهين، فلا يعمّ الغائبين، فضلاً عن المعدومين، فلا تدلّ الآية المباركة على وجوب السعي إلّا على مَن خاطبه النبي بهذه الآية المباركة.

والجواب: ما قرّرناه في الاُصول من: أنّ الأوامر الشرعيّة على نحو القضايا الحقيقيّة، ولا فرق فيها ما بين الحاضر والغائب والموجود والمعدوم، ولا يتوقّف شموله لغير المخاطبين على الإجماع، لِيُقَال بعدم حصوله في المقام. ومع تسليمه فلا ريب في قيام الإجماع على عدم اختصاصها بالمشافهين، وأنّها تعمّ غيرهم، وإنّما وقع الخلاف في اختصاصها بالموجودين أيّام السلطان العادل أو شمولها لسواهم.

واُشكل على الاستدلال بها ثانيةً: بأنّ الأمر لا يدلّ على الوجوب.

وجوابه: ما ذكرناه في الاُصول أيضاً من: أنّه لا ريب في استفادة الوجوب من الأمر، وإنّما النزاع بين المتأخّرين في منشأ هذه الاستفادة، وهل هو الوضع، 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

أو الانصراف، أو مقدّمات الحكمة، أو العقل الذي يحكم بلزوم الامتثال إذا أمر المولى ولم يرخَّص؟

واُشكل ثالثاً: بأنّ الآية مجملةٌ لا تعيّن الصلاة التي يجب السعي إليها.

وجوابه: أنّ من البديهي والمُسَلّم عند المسلمين عامّة أنّ المراد منها خصوص صلاة الجمعة(1).

نعم، إنّ الآية بنفسها لا تدلّ على ذلك، فَمَعَ تسليم دلالة الآية على وجوب السعي لا يكون الحكم المذكور مستفاداً من القرآن وحده.

واُشكل عليها رابعاً: بأنّ هناك روايات تدلّ على أنّ المقصود من ذِكْر الله تعالى هو النبيّ(2). إذن فالآية لا تدلّ على وجوب السعي.

وهذه الرواية لم نطّلع عليها في كتاب حديثٍ أو فقهٍ أو تفسيرٍ لنعرف مقدار اعتبارها. ومن البعيد جدّاً أنْ تكون الرواية معتبرةً، ولا تكون مذكورةً 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

() أطبق المفسّرون على أنَّ المراد من الصلاة في قوله تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ هو خصوص صلاة الجمعة. قال الشهيد الثاني: أجمع المفسّرون على أنَّ المراد صلاة الجمعة. وقال ابن العربي: يعني بذلك الجمعة دون غيرها. وقال بعض العلماء: كون الصلاة هي الجمعة ها هنا معلومٌ بالإجماع. اُنظر: روض الجنان: 284، وأحكام القرآن لابن العربي 4: 247. 

(2) لم نجد هذا التفسير في أيّ مصدرٍ من المصادر. نعم، في تفسير البرهان تفسيرها بأمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام). اُنظر: البرهان 2: 117. ويرد عليه جملة الأجوبة التي تقدّمت في المتن، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

في (الوسائل) و(تفسير البرهان) الذي يفسّر القرآن بالروايات الواردة من طرقنا، ولعلّها روايةٌ عامّيّة، فلا يمكن أنْ نفسّر بها الآية.

وقد قلنا في بحث التفسير: إنّ اللازم هو الأخذ بظواهر القرآن الكريم، ولا يرفع اليد عنها إلّا بآيةٍ ظاهرةٍ أو روايةٍ معتبرةٍ(1)، ولم يثبت في المقام شيءٌ من ذلك. ولو سلّمنا اعتبارها فمن المقطوع به أنّ المقصود هو السعي إلى رسول الله لا مطلقاً، بل في حال إقامة صلاة الجمعة، فتكون دليلاً على وجوب السعي إليها.

إلّا أنْ يقول قائلٌ: إنّه بعد فرض الاعتماد على هذه الرواية، تكون الآية أخصّ من محلّ الكلام؛ لأنّها مختصّةٌ بالجمعة التي يقيمها النبيّ، وهذا لم يقل به أحدٌ من المسلمين؛ فإنّ المسلمين على قسمين: بين قائلٍ بوجوب السعي إلى صلاة الجمعة عند إقامتها من قِبل أيّ شخصٍ جامعٍ للشرائط، وبين قائلٍ بعدم وجوبها إلّا حال وجود السلطان العادل أو مَن يعيّنه لذلك. وأمّا التفصيل بين حال وجود رسول الله وبين غيره فلم يوجد به قائلٌ، ولا وجه له.

والجواب على ذلك ظاهرٌ من نفس الإشكال؛ وذلك لأنّنا نقول:

أوّلاً: إنّ الآية تدلّ على وجوب السعي إلى الجمعة التي يقيمها النبيّ، وبضميمة الإجماع القطعي بعدم الخصوصيّة للنبيّ نستفيد منها وجوب السعي مطلقاً.

وثانياً: إنّ آية المباهلة -وهي قوله تعالى: وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ(2)– تعطي 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) اُنظر: محاضرات في تفسير القرآن الكريم: 48.

(2) آل عمران: 61.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

لأمير المؤمنين مقام رسول الله، فكلّ ما كان له كان له إلّا ما خرج بدليلٍ، فيجب السعي إلى الجمعة التي يقيمها أمير المؤمنين، وللإجماع القطعي بعدم الفرق بينه وبين غيره من الأئمّة أو ممّن ينطبق عليهم عنوان السلطان العادل تدلّ الآية على الشمول، وهو المطلوب.

فهذه الإشكالات غير واردةٍ.

ومع ذلك فإنّ الآية لا تدلّ على وجوب السعي إلى صلاة الجمعة؛ لأربعة إشكالات أو تقريبات اُخرى:

التقريب الأوّل: إنّ ظاهر الآية كون السعي سعياً إلى الخطبة؛ فإنّ النداء عادةً يكون قبل الخطبتين، والآية تأمر بالسعي بعد النداء، ولا يكون بعد النداء إلّا الخطبتان، وبإجماع المسلمين لا يجب السعي إلى حضور الخطبة، ولا تتوقّف صحّة صلاة الجمعة عليه. إذن فالأمر للاستحباب قطعاً.

وبعبارة اُخرى: إنّ ظاهر الآية هو أنّ ذكر الله يُراد به الخطبة، دون الصلاة التي يكون فيها الركوع والسجود، كما أنّ ظاهره أنّ الحضور يكون مباشرةً بعد النداء، ولا يكون بعد النداء إلّا الخطبتان دون الصلاة، ولا يصحّ أنْ يُراد بذكر الله الصلاة؛ لأنّه يكون من التعليق على أمرٍ مفارقٍ، وهو أمرٌ لا معنى له. إذن فالآية ظاهرةٌ بالأمر بالسعي إلى الخطبتين دون الصلاة، وهو غير واجبٍ إجماعاً.

التقريب الثاني: السعي له عدّة معانٍ هي: السير، والعمل، والقَصْد، والعَدْوُ. يقول ابن سيده في كتابه (المخصّص) نقلاً عن كتاب (العين) للخليل 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

بن أحمد: السعي: وهو عدوٌ دون الشدّ، وعلى ما يقول بعض العلماء: هو الركض والسير السريع(1)

ويقول صاحب (مجمع البحرين): والأصل فيه السير السريع(2)

إذن، فمعنى السعي العَدْو الخفيف ونحوه، ولا إشكال أنّه لا يجب الركض إلى صلاة الجمعة.

فإنْ قيل: إنّ الركض والإسراع هو لإدراكها قبل فواتها.

قلنا: هذا صحيحٌ لو كانت الآية قد قالت: يجب السعي إذا أُقيمتْ الصلاة، ولكنّها قالت: (إذا نُودي للصلاة … فاسعوا)، وليس بعد النداء إلّا الخطبتان. وصريح الأخبار الصحيحة أنّ إدراك الإمام في الركعة الثانية يجزئ، إذن فلا حاجة إلى الإسراع.

وهناك أخبارٌ تدلّ على ذلك، وإليك بعضها:

فمنها: ما عن جابر بن يزيد أنّ أبا جعفر قرأ الآية وقال: “… اعْمَلُوْا وَعَجَّلُوْا …”(3).

ــــــــــ[47]ــــــــــ

() راجع العين2: 202، والمخصّص1: 307.

(2) مجمع البحرين للطريحي2: 375. 

(3) انظر: تفسير البرهان ج2 ص1116 وتفسير الصافي ج2 ص700، (المقرر). الكافي3: 415، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلته، الحديث10، تهذيب الأحكام3: 236، الباب24، الحديث2، ووسائل الشيعة 7: 353، الباب31 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث9554.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ومنها: ما في (تفسير عليّ بن إبراهيم) الذي يلتزم التفسير بنصوص الأخبار قال: السعي هو: الإسراع في المشي(1).

وربّما يساعد عليه الفهم العرفي؛ فإنّنا نفرّق بين (سعى) و(ذهب)؛ فإنّ (سعى) فيه نحو اهتمامٍ وسرعةٍ.

إذن، فالمراد من السعي المَشْي بسرعةٍ، ويكون معنى الآية: عَجَّلوا وأسرعوا إلى صلاة الجمعة، بعد التنزّل عن التقريب الأوّل. وبإجماع المسلمين أنّ الإسراع ليس بواجبٍ، فالأمر ليس للوجوب.

ثالث التقريبات: إنّنا لو سلّمنا الأمرين السابقَين وأنّ الأمر بالسعي ظاهرٌ في نفسه بالوجوب، وأنّ ذِكْر الله بمعنى الصلاة، إلّا أنّ قوله تعالى بعد ذلك: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، وقوله تعالى في نهاية الآيات: قُلْ مَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّـهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، يكون قرينةً على الاستحباب، فكأنّه قال: هو أحسن لكم، ولم يقل: إنّه متعيّنٌ عليكم، وإنّكم إذا لم تذهبوا إلى الصلاة تُعَاقَبون، ولا سيَّما الفقرة الثانية منها؛ فإنّه لوكان الحضور إلى الجمعة واجباً لَمَا قاسه باللهو والتجارة، ذاكراً أنّ اللَّذّة التي تُنال باللهو والمال الذي يُنال بالتجارة خيرٌ منه الثواب الذي عند الله عزّ وجلّ.

رابع التقريبات: إنّ في هذه الآيات أوامر متعدّدة:

منها: فانتشروا في الأرض.

ــــــــــ[48]ــــــــــ

() انظر: تفسير الصافي ج2 ص700، (المقرر). تفسير القمّي2: 367، تفسير سورة الجمعة.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ومنها: وابتغوا من فضل الله.

ومنها: واذكروا الله كثيراً.

وجميع هذه الأوامر ليستْ للوجوب بلا إشكالٍ، فبوحدة السياق نعرف أنّ الأوامر الاُخرى -وهي: فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع- أيضاً للاستحباب.

وبعبارة اُخرى: إنّه بناءً على أنّ صيغة فعل الأمر ظاهرةٌ في الوجوب: إذا قلنا: إنّها ظاهرةٌ بسبب الوضع، فلا مجال لهذا الإشكال، ولكن إذا قلنا: إنّها من باب الانصراف أو من باب مقدّمات الحكمة أو من باب حكم العقل، وكانت هناك أوامر متعدّدة: بعضها معلومة الاستحباب وبعضها مشكوكة، فكلّ هذه الوجوه لا تأتي. فلا العقل يحكم بالإلزام مع وجود شيءٍ يحتمل أن يكون مرخّصاً(1)، ولا مقدّمات الحكمة تتمّ؛ لاحتمال وجود القرينة المتّصلة، ولا الانصراف يكون تامّاً، فلا محيص إذن من أنّ هذه الأوامر لا يُراد بها الوجوب(2).

إذن، فهذه الآية لم تُذْكَر لبيان الوجوب، بل لتأنيب الناس الذين انفضّوا 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() يعني: قرينة على الترخيص؛ باعتبار أنّ القدر المتيقّن من حكم العقل هو غير ذلك، ويكفي في حكم العقل الشكّ في الإلزام، (المقرّر).

(2) ولا يبقى في المقام إشكالٌ، إلّا أنّ الأوامر الاستحبابيّة واردةٌ في غير الآية التي وردتْ فيها هذه الأوامر، فلا تكون وحدة السياق محفوظةً.

وجوابه: أنّه يكفي في وحدة السّياق انحفاظها في المقطع القرآني الواحد، وهو مجموعة الآيات التي تتحدّث عن مطلبٍ واحدٍ، والأمر في المقام كذلك، كما هو واضحٌ، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

إلى تجارة دحيّة الكلبي وطبله(1)، بعد تشريعها وإقامتها عدّة سنين؛ فإنّها شُرّعت قبل الهجرة، وسورة الجمعة نزلت بعدها.

ولو سلّمنا أنّ الآية تدلّ على وجوب السعي على نحو الوجوب التعييني، ولكن لا يمكن الاستدلال بها في محلّ الكلام؛ فإنّ ما هو محلّ الكلام هو ما قلناه من: أنّ السعي الذي لا ريب في وجوبه على نحو الإجمال: هل هو واجبٌ لأجل صلاة الجمعة بما هي، أو لأجل أمر مَن يقيمها ممَّن تجب طاعته، كما كانت هي عادة النبيّ ومَن أقامها بعده من الأمر بالاجتماع إليها، وهو المراد من النداء على الظاهر؟

إذن فغاية ما تدلّ عليه الآية هو وجوب الحضور إلى الجمعة التي اُمر بالسعي إليها، أمّا غير ذلك من وجوه إقامتها فالآية أجنبيّةٌ عن بيانه.

ثمّ لو سلّمنا أنّ الآية تدلّ على وجوب السعي، وسلّمنا ما قلناه من الملازمة بين وجوب السعي ووجوب الجمعة التي يسعى إليها، ولكن لا ملازمة بين وجوب السعي وبين وجوب الجمعة التعييني؛ فإنّه يمكن أنْ يكون السعي واجباً تعيينيّاً ووجوب الجمعة تخييريّاً.

ــــــــــ[50]ــــــــــ

() وقصّة ذلك: أنّ دحيّة بن خليفة الكلبي كان يسافر إلى الشام ويأتي بمال التجارة إلى المدينة، ثمّ يضرب بالطبل لإعلام الناس بقدومه، فَقَدِمَ ذات جمعة ورسول الله قائمٌ على المنبر يخطب. فلمّا ارتفع صوت الطبل، خرج الناس وانفضّوا إليه: بعضهم لاشتراء المتاع، وبعضهم لاستماع اللهو (الطبل)، وتركوا النبي قائماً، فنزلتْ الآيات الكريمة. اٌنظر: البدر الزاهر: 14، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

إذن، فهذه الآية -التي هي عمدة آيات الكتاب الكريم في الاستدلال على محلّ الكلام- لا تدلّ على وجوب السعي ولا على وجوب الإقامة، إنْ لم يستدل بها على استحباب السعي ومشروعيّة الجمعة.

الآية الثانية: قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّـهِ قَانِتِينَ(1):

والاستدلال بها مبنيّ على أنّ المراد بالصلاة الوسطى هو الجمعة، وأنّ المراد بالمحافظة عليها إقامتها والسعي إليها. ويمكن أنْ يُستَدَلّ على ذلك بحديثين:

أحدهما: ما يرويه الطبرسي في (مجمع البيان) عن بعض أئمّة الزيديّة: أنّها الجمعة يوم الجمعة، والظهر سائر الأيّام(2).

ولا يخفى: أنّها روايةٌ مرسلةٌ، ولا يمكن الاعتماد على المراسيل والفتوى على طبقها، بل إنّها من أضعف المراسيل؛ فإنّ للمراسيل تقسيمات ثلاثة:

فإنّها تُقَسَّم من حيث كونها مرسلةً بالمعنى تارةً، وباللفظ اُخرى؛ فإنّ الراوي تارةً يقول مثلاً: إنّ النبي يقول: صلاة الجمعة واجبةٌ، واُخرى يقول الراوي: رُوي عن رسول الله في وجوب الجمعة. والمرسل باللفظ أقوى من المرسل بالمعنى؛ لأنّ الأخير معتمدٌ على فهم المعنى؛ إذ لعلّ اللفظ على 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

() سورة البقرة، الآية: 238.

(2) اُنظر: مجمع البيان2: 127، تفسير سورة البقرة. قال: ورواه عن علي. 

أقول: وهو لا ينافي الإرسال؛ لمجهوليّة السند بالكلّيّة، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

نحوٍ بحيث لو سمعناه لَمَا استفدنا منه الوجوب.

واُخرى يقسّم المرسل إلى قسمين آخرين؛ فإنّ الراوي تارةً يقول: قال رسول الله: كذا. وهو الذي ذهب سيّدنا الاُستاذ إلى اعتباره. وهو غير صحيح؛ فإنّ غاية الأمر هو وجود القرائن عند ذلك الراوي أوجبتْ القطع لديه بأنّ النبيّ قال ذلك. ولعلّ هذه القرائن إذا اطلَّعتُ عليها لا تكون في نظري قطعيّةً، واُخرى يقول الراوي: رُوي عن رسول الله كذا. والثاني أحطّ من الأوّل.

وهناك تقسيمٌ ثالثٌ للمرسل؛ فإنّ الراوي المرسل للرواية تارةً يكون ممَّن يُعْتَمَدُ عليه: كالشيخ الطوسي، واُخرى ممَّن لا يُعْتَمَدُ عليه: كبعض أئمّة الزيديّة.

وهذه المرسلة فيها جميع جهات الضعف الثلاثة؛ فهي:

أوّلاً: نُقِلتْ بالمعنى.

وثانياً: ذُكِرَتْ بلفظ، (رُوي عن عليّ).

وثالثة: أنّ الراوي المرسل مجهولٌ، بل معلوم الضعف، فكيف يمكن الاستشهاد بها؟!

ثانيهما: الحديث الثاني الذي يمكن أنْ يُستشهد به لهذه الآية حديثٌ صحيحٌ، وهو صحيحة زرارة عن أبي جعفر في حديث أنّه: “قال في قوله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى: وهي صلاة الظهر. قال: ونزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول الله في سفرٍ، فقنت فيها، وتركها على حالها في 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

السفر والحضر، وأضاف للمقيم ركعتين. وإنّما وُضعتْ الركعتان اللَّتان أضافهما النبيّ يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الإمام، فمَن صلّى يوم الجمعة في غير جماعةٍ فليصلّها أربع ركعات، كصلاة الظهر في سائر الأيّام(1).

وهذه الرواية صريحةٌ في صلاة ظهر يوم الجمعة، ولكن المناقشة أيضاً واضحةٌ، وهي: أنّ المراد من الصلاة الوسطى هي الصلاة التي تُقام في زوال يوم الجمعة، والتي قد تكون ظهراً، وقد تكون جمعةً.

والذي يدلّ على ذلك أنّه ورد تفسير الصلاة الوسطى بالظهر. ففي صحيحة أبي بصير المرويّة عن (معاني الأخبار) قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: “صلاةُ الوسطى صلاةُ الظهر، وهي أوّلُ صلاةٍ أَنْزَلَ اللهُ على نَبِيَّهِ(2).

والغريب ما ناقشه بعضُهم في دلالة الآية على وجوب صلاة الجمعة: بأنّ الحفاظ عليها ليس هو بمعنى الإتيان بها، وإنّما هو حفظ وجوبها وصيانته عن الضياع والنسيان، ولا يخفى ما فيه.

ــــــــــ[53]ــــــــــ

() اُنظر: الكافي3: 271، كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، الحديث1، من لا يحضره الفقيه1: 196، أبواب الصلاة وحدودها، باب فرض الصلاة، الحديث600، تهذيب الأحكام2: 241، كتاب الصلاة، الباب12: باب فضل الصلاة، الحديث23، ووسائل الشيعة7: 312، الباب6 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

(2) معاني الأخبار: 331، باب معنى الصلاة الوسطى، الحديث1، ووسائل الشيعة4: 22، الباب5 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث2. 

أقول: وفي ذلك أخبارٌ كثيرةٌ راجعها في الوسائل ومصباح الفقيه: ج2 ق1 ص15، كتاب الصلاة، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الآية الثالثة: وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ(1).

وقد توهّم المستدل بها أنّ المراد من ذِكرْ الله في سورة الجمعة هو صلاة الجمعة، فتوهّم أنّه هنا أيضاً مستعملٌ بنفس المعنى.

وهذا غريبٌ جدّاً:

أوّلاً: لِمَا ذكرناه هناك من: أنّ المراد من ذِكْر الله ليس هو صلاة الجمعة(2).

وثانياً: لو كان ذلك هناك مراداً، فلا إشكال أنّ إرادته خلاف الظاهر، وإنّما اُريد باعتبار قيام قرينةٍ عليه.

إذن، فلا يمكن أنْ يُستفاد منه في هذه الآية أيضاً نفس المعنى، وهو صلاة الجمعة؛ إذ لا ملازمة بين الاستعمالين.

هذا تمام الكلام في الاستدلال بالآيات.

الاستدلال بالسنة

وأمّا الأخبار التي دلّت على مشروعيّة صلاة الجمعة والسعي إليها فلابدّ من النظر في دلالتها؛ لنرى أنّها هل تدلّ على وجوب هذه الصلاة تعييناً أو تخييراً؟ وأنّ السعي إليها هل هو على نحو الوجوب أو الاستحباب أو الوجوب في ظرف الأمر به، أو لا ظهور فيها بشيءٍ من ذلك؟

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) المنافقون: 9.

(2) تقدم ذلك في الإشكال الرابع على الاستدلال بالآية الاُولى، عند الكلام عن الاستدلال بالآيات، فراجع.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وقد قسّمنا الأخبار إلى طوائف:

الطائفة الأولى

وهي أخبارٌ صريحةٌ في بيان مشروعيّة إقامة الجمعة، وهي عدّة أخبار:

أوّلها: ما رواه المشايخ الثلاثة(1) بطرقٍ معتبرةٍ، بعضها صحيح وبعضها كالصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر قال: “إنّما فَرَضَ الله عزّ وجلّ على الناسِ مِن الجمعةِ إلى الجمعةِ خَمْسَاً وثلاثينَ صلاة: منها صلاةٌ واحدةٌ فَرَضَهَا اللهُ عزّ وجلّ في جماعةٍ، وَهِيَ الجمعةُ، وَوَضَعَهَا عَنْ تسعة: عن الصغيرِ، والكبيرِ، والمجنونِ، والمسافرِ، والعبدِ، والمرأةِ، والمريضِ، والأعمى، ومَنْ كانَ عَلَى رَأْسِ فَرْسَخَيْنِ(2).

ولا يخفى: أنّ النظرة الاُولى على هذه الرواية يُستفاد منها الوجوب التعييني؛ لقوله: “فرض الله على الناس …” الخبر.

وإذا ناقشنا في دلالة معنى الفرض على الوجوب، فهو هنا يُراد منه ذلك؛ لأنّه هنا عبّر بعبارةٍ واحدةٍ عن وجوب سائر الصلوات اليوميّة، ومن 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

() المشايخ الثلاثة إذا قيلت في الفقه يُراد بهم: الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيّد المرتضى. وإذا قيلت في الحديث يُراد بهم: الشيخ الكليني والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي، (المقرّر).

(2) كذا في من لا يحضره الفقيه1: 409، باب وجوب الجمعة وفضلها، الحديث 1219، وعنه وسائل الشيعة 7: 295، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث 9382، ونحوه في الكافي وتهذيب الأحكام مع اختلافٍ يسيرٍ جدّاً.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

البعيد أنْ يُراد من بعضها معنىً ويراد من البعض الآخر معنىً آخر.

ولكن عندنا سؤال واحد وهو: أين صلاة الظهر إذن؟

وبعبارة اُخرى: إنّه لا ريب ولا إشكال أنّه في زوال يوم الجمعة قد تجب صلاة الجمعة، وقد تجب صلاة الظهر؛ فإنّه لا إشكال في مشروعيّة الظهر للمسافر ومشروعيّة الجمعة للحاضر.

إذن فأين الظهر؟ ولماذا لم يذكر هذه الصلاة؟ على حين أنّ لسان الرواية غير قابلٍ للتقييد، بأنْ يُقال: إنّ الله عزّ وجلّ فرض خمساً وثلاثين صلاةً وصلاةً.

وسؤال آخر: وهو أنّ هناك طائفةً اُخرى قد تكون متواترةً، ولا إشكال في كونها مستفيضةً، ومفادها أنّ عدد الركعات في اليوم الواحد إحدى وخمسون(1)، فأين صلاة الجمعة؟ فإنّه مع صلاة الجمعة يكون العدد تسعاً وأربعين. وإذا فرضنا صلاة الجمعة صلاة اُخرى بالإضافة إلى صلاة الظهر، فلابدّ أنْ تكون الركعات ثلاثاً وخمسين، على حين أنّ هذه الروايات آبية عن التقييد، بأنْ يُقال: إنّ عدد الركعات في سائر الأيّام إحدى وخمسون وفي يوم الجمعة تسع وأربعون.

والجواب عن هذا: أنّ الجمعة هي عين الظهر، والظهر عين الجمعة. وبعبارة اُخرى: إنّ الجمعة قد تُطلَق ويُراد بها معنىً يعمّ الظهر، وقد تطلق 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

() راجعها في الوسائل4: 45، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، الأحاديث 1- 29، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الظهر ويُراد بها معنى يعمّ الجمعة، وقد يفترقان، فيُراد من الظهر خصوص الرباعيّة، ويُراد من الجمعة الثنائيّة مع الخطبتين، والذي يعيّن أنّ المراد بالجمعة في هذه الرواية -التي هي محلّ الكلام- الأعمّ من الظهر هو عدم ذكر الظهر فيها.

وبعبارة اُخرى: إنّه لا إشكال أنّ الجمعة إذا أُطلقتْ فالمقصود منها الجمعة بالمعنى الأخصّ، وهي الركعتان مع الخطبتين، ولكن في المقام خصوصيّة بها نرفع اليد عن هذا الظاهر، وهي عدم ذكر الرباعيّة التي تُصلَّى في زوال الجمعة، بعد العلم أنّه لا إشكال من تشريعها بالنسبة إلى مَن لم يؤمَر بالجمعة من المسافر واُخوته المذكورين في الآية، فلماذا لم تذكره الرواية؟

وممّا يؤيّد أنّ أحدهما يُطلق على الآخر الأخبارُ المستفيضة أو المتواترة القائلة بأنّ عدد الركعات إحدى وخمسون، وهي لا تتمّ إلّا بذلك؛ فإنّها غير قابلةٍ للتقييد، كما أنّ روايتنا غير قابلةٍ للتقييد أيضاً.

فإنْ قلتَ: إنّ هذه الأخبار لا تشمل الجمعة، وإلّا كانت تسعاً وأربعين.

قلنا: إنّ ظاهر الأخبار تنزيل الخطبتين منزلة الركعتين.

كما يدلّ على ذلك صحيحة زرارة السابقة الواردة في بيان الصلاة الوسطى؛ لأنّه يقول فيها: “فمَن صلّى الجمعة في غير جماعةٍ، فليصلَّها أربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الأيّام“. فيُستفاد منها أمران:

أحدهما: أنّهما صلاةٌ واحدةٌ، وليستا صلاتين.

ثانيهما: أنّ الخطبتين بدل الركعتين.

ــــــــــ[57]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ويشهد له أيضاً صحيحة الفضل بن عبد الملك، قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: “إذا كان قومٌ في قريةٍ صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإذا كان لهم مَن يخطب بهم جمّعوا إذا كانوا خمسة نفر. وإنّما جُعلتْ ركعتين لمكان الخطبتين(1).

إذن، فهذا اللفظ يُستعمل في الظهر وفي الجمعة. 

وممّا يشهد له أيضاً صحيحة محمّد بن مسلمٍ عن أحدهما، قال: سألتُه عن اُناسٍ في قرية: هل يصلّون الجمعة جماعةً؟ قال: “نعم، ويصلّون أربعاً إذا لم يكن مَن يخطب(2).

إذن، فالرواية لا تدلّ على وجوب الجمعة بمعناها الأخصّ، ولو سُلَّم فهي تُخصَّص بصحيحة زرارة الآتية التي تُخصّص وجوب الجمعة بسبعة من المؤمنين 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

() الاستبصار فيما اختلف من الأخبار1: 420، أبواب الجمعة وأحكامها، الباب253، الحديث2، وفي وسائل الشيعة7: 304، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث6 ورد (فإن) بدل (فإذا). 

(2) تهذيب الأحكام3: 238، الباب24، الحديث15، ووسائل الشيعة7: 306، الباب 3 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث1. 

أقول: وتدلّ على ذلك روايات اُخرى لم يشر إليها السيّد الاُستاذ؛ ولعلّه لعدم كونها صحيحةً: كموثّقة سماعة، قال: سألتُ أبا عبد الله عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: “أمّا مع الإمام فركعتان، وأمّا لِمَنْ صلّى وحده فهي أربع ركعات، وإنْ صلّوا جماعة” ونحوها موثّقة اُخرى لسماعة، اُنظر الكافي3: 421، الحديث4، وتهذيب الأحكام3: 19، الحديث70، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

إذا اجتمعوا. ولكنّها هل تدلّ على وجوب السعي أو لا؟

ظاهرها وجوب الاجتماع: إمّا مطلقاً أو مع طلب السلطان العادل، ومقتضى إطلاقها هو الأوّل.

ولكن هل يمكن التمسّك بهذا الإطلاق؟ لا يبعد القول بأنّ المراد من الجمعة في الأخبار هي الجمعة المتعارفة خارجاً في تلك الأيّام، وهي التي كان يقيمها السلطان العادل، ويطلب السعي إليها، فلم يكن هناك جمعةٌ خاليةٌ عن الشرطين ليشملها الإطلاق.

إذن، فالإطلاق منصرفٌ إلى تلك الحصّة.

ثانيها: ومثل ذلك صحيحة محمّد بن مسلم وأبي بصير التي يرويها الكليني والشيخ بسندٍ صحيحٍ، عن أبي عبد الله، قال: “إنّ الله عزّ وجلّ فرض في كلّ سبعة أيّامٍ خمساً وثلاثين صلاة: منها صلاةٌ واجبةٌ على كلّ مسلمٍ أنْ يشهدها، إلّا خمسة: المريض، والمملوك، والمسافر، والمرأة، والصبيّ(1).

فإنّ الكلام فيها عين ما قلناه من: أنّ المراد منها ليس هو الجمعة بالمعنى الأخصّ، بل الصلاة التي تجب عند ظهر الجمعة.

ولا ريب أنّ الصلاة المفروضة في ذلك الوقت قد وجبتْ بالوجوب العيني، وقد شرّع فيها الاجتماع بلا إشكالٍ؛ لِمَا قلناه من: أنّ الظهر والجمعة 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

(1) كذا في الكافي3: 418، باب وجوب الجمعة وعلى كم تجب، الحديث1، ووسائل الشيعة7: 299، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث14، وفي التهذيب3: 19، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث69 ورد (واجب) بدل (واجبة).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

صلاةٌ واحدةٌ. ولو سلّمت دلالتها على وجوب إقامة الجمعة، فنخصّصها بصحيحة زرارة الآتية.

ولعلّه لهاتين الروايتين أشار الشيخ المفيد في (المقنعة) حيث قال:

اعلم: أنّ الرواية جاءت عن الصادقَين: “أنّ الله جلّ جلاله فرض على عباده من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة، لم يفرض فيها الاجتماع إلّا في صلاة الجمعة خاصّة…الخ”(1)

ولو قيل: إنّ هذه المرسلة روايةٌ مستقلّةٌ وليستْ إشارةً إلى ما سبق، فإرسالها يمنع عن الأخذ بها والتعويل عليها، على أنّ الكلام فيها عين الكلام في سابقاتها.

ثالثها: والرواية الصحيحة الثالثة من هذه الطائفة المصرَّحة بوجوب الجمعة رواية زرارة عن أبي جعفر، قال: “صلاةُ الجمعةِ فريضةٌ، والاجتماع إليها فريضةٌ مع الإمام. فإنْ ترك رجلٌ من غير علّةٍ ثلاث جُمَع، فقد ترك ثلاث فرائض، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علّةٍ إلّا منافق(2).

ــــــــــ[60]ــــــــــ

() المقنعة: 162، كتاب الصلاة، الباب13، ونحو في وسائل الشيعة7: 300، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9400.

(2) وسائل الشيعة 7: 298، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث12، والأمالي للصدوق: 485، المجلس73.

أقول: المراد بالعلّة في الرواية هو كون المكلّف ممَّن لا تجب عليه الجمعة؛ لكونه أحد المستثنيات شرعاً من وجوبها، على تقدير ثبوته، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

فقد اشتملتْ على حكمين:

أحدهما: الحكم بوجوب الجمعة.

ثانيهما: بأنّ الاجتماع إليها فريضةٌ مع الإمام، وعدم جواز التخلّف.

أمّا كونها فريضةً فلا إشكال فيه؛ فإنّ الواجب التخييري أيضاً فريضةٌ، وأمّا وجوب السعي إليها فلا إشكال فيه أيضاً مع أمر السلطان العادل، والرواية غير مصرِّحةٍ بالوجوب من دون أمره. غاية ما عندنا هو الإطلاق: فإذا كان المراد من الإمام في الرواية هو السلطان العادل، ففيها إطلاقٌ واحدٌ وهو قولنا: سواء أمر بالحضور أو لم يأمر. وإذا كان المراد به مطلق إمام الجمعة، ففيها إطلاقان:

أحدهما: قولنا: سواء أقامها السلطان العادل أو أقامها غيره.

ثانيهما: هو نفس الإطلاق السابق.

فالرواية غاية ما فيها هو الإطلاق، ولا ننسى مناقشتنا في مثله من كونه منصرفاً إلى الجمعة المتعارفة التي كان يقيمها السلطان العادل ويأمر بالسعي إليها.

ولو سلّم إطلاقها الثاني وعدم اختصاصها بالسلطان العادل، فاللازم تخصيصها بصحيحة زرارة الآتية التي تشترط وجوب الجمعة بحضور سبعةٍ من المؤمنين اجتمعوا لإقامة الجمعة.

وهذه الرواية رواها البرقي وفي سندها أبو محمّد، ولم نعرفه(1)، ورواها 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

(1) المحاسن1: 85، كتاب عقاب الأعمال، عقاب من ترك الجمعة، الحديث23.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الشيخ الصدوق وفي سندها ابن ناتانه، وهو مجهولٌ(1)، ولكنّه رواها في (ثواب  الأعمال) بسندٍ معتبرٍ(2).

ويلحق بهذه الطائفة ما نقله المحقّق الحلّي في (المعتبر) عن النبي قال: “إنّ الله تعالى كتبَ عليكم الجمعةَ فريضةً واجبةً إلى يومِ القيامة(3).

ولا يخفى: أنّ إرسالها يمنع عن الاعتماد عليها، مع كون الفريضة أعمّ من الوجوب التعييني والتخييري.

فهذه هي الطائفة الاُولى من الأخبار.

الطائفة الثانية

وهي الأخبار التي تدلّ على وجوب الجمعة، ولم يُصرَّح فيها بوجوب الإقامة أو السعي.

فمنها: ما في (الوسائل) نقلاً عن الشهيد الثاني في رسالةٍ له في الجمعة، قال: وقال النبيّ في خطبةٍ طويلةٍ نقلها المخالف والمؤالف: “إنّ الله تبارك وتعالى فرض عليكم الجمعة، فمَن تركها في حياتي أو بعد موتي استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله شَمْله، ولا بارك له في أمره. أَلا ولا صلاة له. أَلا 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

(1) أمالي الصدوق: 485، المجلس73، الحديث13.

(2) ثواب الأعمال: 232، عقاب من ترك الجماعة والجمعة.

(3) المعتبر2: 277، كتاب الصلاة، المقصد الثاني، ورواها عنه في وسائل الشيعة7: 301، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9403.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ولا زكاة له. أَلا ولا حجّ له. أَلا ولا صوم له. أَلا ولا برَّ له حتّى يتوب(1).

ولا إشكال في أنّها تحكم بوجوب الجمعة. ولكن هل معناه وجوب إقامتها أو وجوب السعي إليها؟ ظاهرها الثاني؛ لقوله: “فمَنْ تركها في حياتي”؛ فإنّه من المعلوم أنّ الجمعة لا يمكن إقامتها لواحدٍ، ولو كانت إقامتها واجبة لكان الأنسب أنْ يجعل الضمائر جمعاً، بأن يقول مثلاً: فإن تركتموها … الخ.

مضافاً إلى أنّ إقامتها أيّام السلطان العادل لا تشرّع لغيره، فعلمنا من ذلك أنّ المراد أنّه في حياته يجب السعي إليها، والحضور لها، لا إقامتها بدون إذنه؛ فإنّه كان يقيمها بنفسه في المدينة، ويعيَّن مَن يقيمها في الأماكن الاُخرى، فلم يكن هناك مجالٌ لجواز إقامتها من قبل أشخاص آخرين.

إذن، فالخطبة لا تدلّ على وجوب إقامتها، ومع التسليم فهي لا تفيد سنخ الوجوب في حياته: هل هو على نحو التعيين أو التخيير؟

ولكنّها هل تدلّ على جوب السعي أو لا؟ ظاهرها ذلك.

ولكن في هذه الخطبة قرينةٌ على الخلاف، وهي قوله: “فمن تركها استخفافاً بها أو جحوداً لها” فلم يجعل هذه الاُمور(2) مترتّبةً على مطلق الترك، بل على الاستخفاف والجحود، وهو أمرٌ ثابتٌ لسائر الواجبات والمستحبّات؛ 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() وسائل الشيعة7: 302، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث28، نقلاً عن رسائل الشهيد الثاني، صلاة الجمعة1: 190، إلاّ أنّه ورد في صدرها: “إنّ الله تعالى قد فرض …” الحديث.

(2) وهي قوله: “فلا جمع الله شمله” وما بعده (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

فإنّ مَن ترك زيارة الإمام الحسين استخفافاً بها فهو كافرٌ، ولو كان السعي واجباً لترتّبتْ الآثار على نفس الترْك، لا على الجحود والاستخفاف.

إلّا أن يُقال: إنّه من المحتمل أنْ تكون الحرمة مطلقةً، وإنّما تترتّب هذه الآثار إذا كان مستخفّاً بها أو جاحداً لها.

فإنْ قلتَ: إنّ ظاهر ترتّب هذه الآثار هو الوجوب التعييني.

قلنا: إنّ هذه الآثار مترتّبةٌ على جحودها، وهو يتحقّق مع الوجوب التخييري أيضاً. ولو سلّم تماميّة دلالتها فإنّ إرسالها يمنع من الاعتماد عليها.

وهناك خطبةٌ لأمير المؤمنين مثل الخطبة الاُولى سنداً ودلالةً، وهي الخطبة التي نقلها الصدوق في (الفقيه) ونقلها صاحب (الوسائل) قال: “الحمد لله … إلى أنْ قال: والجمعةُ واجبةٌ على كلّ مؤمن إلّا على الصبي، والمريض، والمجنون، والشيخ الكبير، والأعمى، والمسافر، والمرأة، والعبد المملوك، ومَن كان على رأس فرسخين(1).

وربّما تكون هذه الرواية أظهر من السابقة في كونها في مقام بيان حكم السعي؛ لِمَا ذكرناه من: أنّه لا يتوهّم وجوب إقامتها على مَن استثناهم؛ فإنّه إنّما يُتوهّم وجوب حضورهم لا وجوب إقامتهم لها، لا سيّما في أيّامه؛ فإنّه كان يعقد صلاة الجمعة في الكوفة ويقيمها ولاته في غيرها، فلم يكن أمرها موكولاً إلى المسلمين، ليبيّن مَن يجب عليه إقامتها أو لا يجب. وهو لم يكن 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه1: 431، باب وجوب الجمعة وفضلها …، الحديث1263، ووسائل الشيعة7: 297، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث6.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

في مقام بيان حكم نفسه وحكم ولاته(1)، بل كان في مقام بيان حكم سائر المسلمين.

إذن، فهذه الخطبة لا تدلّ على وجوب الحضور، ولا ريب أنّه كان حين يقيم الجمعة يأمر الناس بالسعي إليها، ومن المعلوم أنّه لا ريب في مثل ذلك في وجوب الحضور.

إذن، فالجمعة التي عناها أمير المؤمنين واجبة الحضور، وهي الجمعة التي يقيمها السلطان العادل، ويأمر بالحضور إليها، وليس للرواية إطلاقٌ يشمل غير هذا المورد، وهو ما لو أقامها غير السلطان العادل، أو أقامها هو ولم يأمر بالحضور إليها. ولو سلّم وجود الإطلاق، فقد مرّ لزوم تقييدها بصحيحة زرارة الآتية. ولنا عودة إلى هذا الإطلاق إنْ شاء الله تعالى.

إذن، فهاتان الخطبتان لا يمكن الاعتماد عليهما في الاستدلال على وجوب الحضور.

ولقائلٍ أن يقول: كيف لا يمكن الاعتماد عليهما مع أنّهما منجبرتان بعمل الأصحاب، والرواية المنجبرة تكون بحكم الصحيحة، بل أقوى منها؛ فإنّ عمل الأصحاب جابرٌ للرواية على ما هو المشهور بين الأصحاب؟

ولنا في هذا الكلام نظرٌ، بل منعٌ.

ــــــــــ[65]ــــــــــ

() ومن أوضح القرائن على ذلك استثناء المرأة والصبيّ والآخرين من الحكم الذي ذكره؛ إذ لو كان في مقام بيان حكم نفسه وولاته لَمَا صحّ ذلك، كما هو واضح، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وتوضيح ذلك: أنّ المبنى في حجّيّة خبر الواحد لا يخلو من أحد أمرين: إمّا الاعتماد على الوثاقة بالرواية من أيّ سببٍ كان، وإمّا الاعتماد على الوثاقة بالراوي ولو لم يوجب الوثاقة بالمروي. وبين هذين الوجهين عمومٌ من وجه؛ فإنّه قد لا تحصل الوثاقة برواية الثقة مع إعراض الأصحاب عنها، وقد تحصل الوثاقة برواية الضعيف مع عملهم بها. والمستفاد من أدلّة خبر الواحد هو الوثوق بالراوي دون الوثوق بالرواية؛ فإنّ المستفاد منها هي أنّه ينبغي الاعتماد على ما يرويه الثقات. والتفصيل في علم الاُصول(1).

نعم، إذا حصل من اعتماد الأصحاب العلم بصدور الرواية أو شبه العلم -يعني العلمي- فلا إشكال في الاعتماد عليها، ولا يكفي الوثوق بالخبر من أيَّ طريقٍ كان. 

ولو سلّمنا الانجبار بعمل الأصحاب فهو -على تقدير القول به- إنّما يحصّل الاعتماد على الرواية إذا علمنا اعتماد الأصحاب على هاتين الخطبتين، بحيث لو لم يكن سواهما لأفتوا على طبقهما، وإلّا فمجرّد التسجيل في الكتب لا يكفي؛ فإنّ طريقة الأصحاب أنْ يسجّلوا في كتبهم الحديثيّة والفقهيّة كثيراً ممّا لا يعتمدون عليه. فمن أين لنا هذا العلم في المقام؟! إذن ففي الانجبار – كبرى وصغرى- إشكالٌ.

ــــــــــ[66]ــــــــــ

(1) راجع فرائد الاُصول1: 108، المقصد الثاني، المقام الثاني، كفاية الاُصول: 293، المقصد السادس: الأمارات، وفوائد الاُصول3: 156، المقام الثاني، المبحث الثالث، الفصل الرابع، وغيرها.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الطائفة الثالثة

وهي التي تشتمل على ذكر مَن تجب عليه الجمعة ومَن تسقط عنه، كصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله، قال: “يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسةً فما زادوا، فإن كانوا أقلّ من خمسةٍ فلا جمعة لهم. والجمعة واجبةٌ على كلّ أحدٍ، لا يُعذر الناس فيها إلّا خمسةٌ: المرأة، والمملوك، والمسافر، والمريض، والصبي(1).

قد يُستدلّ على الوجوب تارةً بصدرها واُخرى بذيلها.

أمّا الاستدلال بصدرها فلقوله: “يجمع القوم يوم الجمعة”، وظاهرها وجوب هذه الصلاة وتعيّنها.

وأمّا الاستدلال بذيلها فلقوله: “والجمعة واجبةٌ على كلّ أحد، لا يُعذر الناس فيها”، وظاهره تعيّنها وعدم إمكان تركها.

أمّا الصدر فلا يدلّ على اشتراط الخمسة، وإنّما يدلّ على وجوبها إذا كانوا خمسةً. وأمّا ما هو وجوبها وبأيّ نحوٍ: هل هو على نحو التعيين أو التخيير؟ فهو غير مبيّنٍ في الرواية؛ فإنّها ناظرةٌ إلى مَن تنعقد بهم صلاة الجمعة، وليست ناظرةً إلى نحو وجوبها. وستعرف قريباً أنّ المراد منها ليس الوجوب التعييني قطعاً.

وأمّا ذيلها فهو ظاهرٌ في وجوب السعي إليها، لا في وجوب 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 239، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث18، ونحوه ما في الاستبصار1: 419، أبواب الجمعة وأحكامها، الباب352، الحديث4، مع فارقٍ يسيرٍ، ووسائل الشيعة7: 304، أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9418.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

إقامتها، كما مرّ تقريبه آنفاً، إلّا أنّه لم يصرّح فيه بنحو الوجوب، وهل هو لأجل مجرّد إقامة الجمعة، أو لأجل إطاعة أمر السلطان العادل؟ ولمّا كان المتعارف في صدر الإسلام أنْ يقيمها السلطان العادل ويأمر بالاجتماع إليها، فشمول إطلاقها لغير هذا المورد محلّ تأمّلٍ وإشكالٍ. ولو سلّمنا الإطلاق، فلنا إليه عودة إن شاء الله تعالى.

الطائفة الرابعة

وهي الأخبار الحاكمة بسقوط الجمعة عن النساء خاصّة. 

منها: ما يرويه الصدوق -بطريق فيه مجاهيل- في وصيّة النبيّ لعليّ، قال: “ليس على النساء جمعةٌ ولا جماعةٌ … إلى أن قال: ولا تسمع الخطبة(1)

ظاهرها أنّ الحكم الذي ثبت للجمعة بالنسبة إلى الرجل لم يثبت بالنسبة إلى المرأة. أمّا ما هو هذا الوجوب فالرواية غير ناظرةٍ إليه أبداً.

ويشهد لذلك ذكر الجماعة في الرواية، ولا إشكال في استحبابها، بل هي غير ناظرةٍ إلى وجوب السعي إليها، وإنّما تمام المراد هو أنّ السعي الثابت مشروعيّته للرجل -إمّا على نحو الوجوب أو على نحو الاستحباب- غيرُ ثابتٍ للمرأة.

ــــــــــ[68]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه4: 362، باب النوادر، الحديث5761، والخصال2: 511، أبواب التسعة عشر، الحديث2، ووسائل الشيعة7: 296، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9385.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

هذا، مع أنّ الرواية ضعيفة السند، ولم يثبت عندنا اعتماد الأصحاب عليها، ولا انجبار الخبر الضعيف بعمل الأصحاب كما مرَّ.

الطائفة الخامسة

وممّا ذُكر يظهر الجواب عن الاستدلال بالطائفة الخامسة، وهي التي تحكم بسقوط الجمعة في السفر، وهو ما يرويه البرقي عن أبي عبد الله، قال: “ليس في السفر جمعةٌ ولا أضحى ولا فطرٌ(1).

وليس فيها أيّ نظرٍ إلى سنخ الوجوب، مع أنّ البرقي يرويها بطريقين في أحدهما محمّد بن سنان، وفي الآخر محمّد بن خالد البرقي، ولم يثبت عندنا وثاقتهما.

الطائفة السادسة

هي الدالّة على تحديد المسافة لوجوب الجمعة، كالرواية التي يرويها الشيخ بسندٍ معتبرٍ عن زرارة، قال: “قال أبو جعفر: الجمعةُ واجبةٌ على مَنْ إن صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة(2).

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) المحاسن2: 372، باب الضرورات، الحديث136، من لا يحضره الفقيه1: 443، باب الصلاة في السفر، الحديث1286، ووسائل الشيعة7: 302، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9410، ونحوه ما في التهذيب والاستبصار مع اختلافٍ يسيرٍ في الألفاظ.

(2) تهذيب الأحكام3: 238، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث13، ونحوه مع فارقٍ يسيرٍ ما في الاستبصار1: 421، الباب254، الحديث3، ووسائل الشيعة7: 307، الباب4 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ولا يخفى: أنّها غير ناظرةٍ إلى وجوب الإقامة، بل إلى وجوب السعي؛ لوضوح أنّ الشخص البعيد لا يأتي لإقامتها، وإنّما يأتي لحضورها، ولم يذكر فيها سبب الوجوب: هل هو إطاعةٌ لطلب السلطان العادل، أو لمجرّد وجود الجمعة؟ وكذلك الكلام في جميع الأخبار الواردة في بيان شرائط الجمعة.

الطائفة السابعة

وهي التي دلّت على حرمة التخلّف عن الجمعة أو لزوم حضورها.

فمنها: صحيحة زرارة السابقة عن أبي جعفر، قال: “صلاةُ الجمعةُ فريضةٌ، والاجتماع إليها فريضةٌ مع الإمام. فإنْ ترك رجلٌ من غير علّةٍ ثلاث جُمَعٍ، فقد ترك ثلاث فرائض، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علّةٍ إلّا منافق(1).

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم وأبي بصير قالا: “سمعنا أبا جعفر محمّد بن علي يقول: من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات بغير علّة، طبع اللهُ على قلبه(2).

ويلحق بذلك بعض المراسيل الدالّة على ذلك.

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() المحاسن1: 85، عقاب من ترك الجمعة، الحديث23، أمالي الصدوق: 485، المجلس الثالث والسبعون، الحديث13، ووسائل الشيعة7: 297، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث12.

(2) ثواب الأعمال: 232، عقاب من ترك الجماعة والجمعة، وسائل الشيعة7: 298، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث11، ونحوه ما في المحاسن1: 85، عقاب من ترك الجمعة، مع اختلافٍ يسيرٍ في اللفظ. واُنظر المراسيل الملحقة بهذه الطائفة في الباب نفسه: 301، كالروايتين 20و25، والروايتين بعدها، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

والاستدلال بذلك على وجوب السعي يكون بتقريب: أنّه لو وجب السعي لَمَا حرم الترك؛ للملازمة.

ولكنّ المناقشة واضحةٌ؛ فإنّ هذه الأخبار غير ناظرةٍ إلى إقامة صلاة الجمعة، بل إلى وجوب السعي بعد إقامتها، ولا ملازمة بين وجوب السعي ووجوب الإقامة.

والمفهوم عرفاً من هذه الطائفة هو ترتّب هذه الآثار على الجمعة التي يجب السعي إليها، ولا ريب أنّ الجمعة الجامعة للشرائط مع طلب السلطان العادل يجب حضورها.

ومنها: خبر وهب عن جعفر بن محمد: “أنّ عليّاً كان يقول: لأن أدع شهود حضور الأضحى عشر مرّاتٍ أحبّ إليّ من أن أدع شهود حضور الجمعة مرّةً واحدةً من غير علّةٍ(1).

فإنّ دلالته على وجوب الجمعة واضحةٌ بالأولويّة من صلاة العيد، إذا عرفنا أنّ صلاة العيد واجبةٌ، إلّا أنّ الرواية ضعيفةٌ.

ثمّ إنّه اُستدلّ أيضاً على اشتراط الجمعة بالسلطان العادل بما يرويه الصدوق في كتابيه (عيون الأخبار) و(علل الشرائع) بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا، قال: “فإن قال قائل: فَلِمَ صارت صلاة الجمعة إذا كانت مع الإمام ركعتين، وإذا كانت بغير إمامٍ ركعتين وركعتين؟

ــــــــــ[71]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 247، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث58، ووسائل الشيعة7: 300، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9399.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

قيل: لعللٍ شتّى: منها: أنّ الناس يتخطّون إلى الجمعة من بعدٍ، فأحبّ الله عزّ وجلّ أن يخفّف عنهم لموضع التعب الذي صاروا إليه.

ومنها: أنّ الإمام يحبسهم للخطبة، وهم منتظرون للصلاة، ومن انتظر الصلاة فهو في الصلاة في حكم التمام.

ومنها: أنّ الصلاة مع الإمام أتمّ وأكمل؛ لعلمه وفقهه وفضله وعدله.

ومنها: أنّ الجمعة عيدٌ، وصلاة العيد ركعتين، ولم تُقْصَر لمكان الخطبتين.

فإنْ قال: فَلِمَ جعلت الخطبة؟

قيل: لأنّ الجمعة مشهدٌ عامٌ، فأراد أنْ يكون للإمام سببٌ إلى موعظتهم، وترغيبهم في الطاعة، وترهيبهم من المعصية، وفعلهم وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفات ومن الأحوال التي لهم فيها المضرّة والمنفعة. ولا يكون الصائر في الصلاة منفصلاً، وليس بفاعل غيره ممَّن يَؤُمّ الناس في غير يوم الجمعة.

فإن قال: فَلِمَ جُعلت خطبتان؟

قيل: لأن تكون واحدةٌ للثناء على الله والتمجيد والتقديس لله عزّ وجلّ، والاُخرى للحوائج والإعذار والإنذار والدعاء ولما يريد أن يُعلِمَهم من أمره ونهيه ما فيه الصلاح والفساد(1)“.

 ــــــــــ[72]ــــــــــ

() كذا في علل الشرائع1: 264- 265، باب علل الشرائع واُصول الإسلام، الحديث9، ونحوه ما في عيون أخبار الرضا1: 111، الباب34، الحديث1، مع اختلافٍ يسيرٍ في اللفظ، فلاحظ.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وفي (الوسائل) قال: قوله: “وليس بفاعل غيره” غير موجود في (عيون الأخبار)(1).

ووجه الاستدلال بها هو ظهورها، بل صراحتها، كما قيل بأنّ المراد من الإمام هنا من له الأمر والنهي، لا مطلق مَن يؤمّ الناس في سائر الأيّام.

ولا يخفى: أنّه موقوفٌ على صحّة نسخة (العلل) من قوله: (للأمير)، ولم يثبت، ولعلّ المراد من الإمام إمام الجماعة في قبال الصلاة الانفراديّة.

نعم، هو ينافي قوله في ذيل الرواية: “وليس بفاعل غيره مَن يؤمّ الناس في غير يوم الجمعة”؛ إذ إنّها صريحةٌ في  أنّه إمامٌ خاصّ، إلّا  أنّ هذه الفقرة -كما في (الوسائل)- غير موجودة في (العيون)، والأصل عدم الزيادة.

ولو سلّم وجود الفقرة، فهي تدلّ على أنّ إمام الجمعة يقوم بما لا يقوم به إمام غيره من وعْظٍ وترغيبٍ وترهيبٍ وتوجيه الناس للعمل الصالح، ولا تدلّ على أنّه إمامٌ معصومٌ أو سلطانٌ عادلٌ.

ولو سُلّم أنّ المراد هو السلطان العادل، فإنّ هذا بحسب تشريعها الأوّلي، وإنّما لا يجوز لغيره إقامتها مع إقامته لها، وأمّا إذا كان غائباً فلا بأس من إقامتها لغيره.

ــــــــــ[73]ــــــــــ

() اُنظر تمام الرواية في مصباح الفقيه ج2 ق2، كتاب الصلاة: 438، واُنظر بعضها في الوسائل7: 312، الباب6 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث3، والباب25، الحديث6، وفيه التعليق المنقول في مصباح الفقيه، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

هذا مع أنّ الرواية ضعيفة السند، وإنّ مدح بعض الأعاظم(1) (الفضل بن شاذان) لا يجعل السند صحيحاً؛ فإنّ الفضل وإن كان من الثقات الأثبات وهو أهل المدح، إلّا أنّ في طريق الصدوق إليه عبد الواحد بن عبدوس النيشابوري العطاري، وهو مهملٌ في كتب الرجال، لم يُذكر بمدحٍ ولا قدحٍ، وفي السند أيضاً علي بن محمّد بن قتيبة، ولم يثبت توثيقه.

وتلخّص من مجموع ما ذكرناه: أنّه لا ريب في وجوب صلاة الجمعة حال وجود السلطان العادل، ولكن لا دليل عندنا على نحو وجوبها: هل هو على نحو التعيين أو التخيير؟ كما أنّه لا ريب في وجوب السعي إليها على نحو الإجمال، ولكن هل هو مطلقٌ أو مقيّدٌ بأمر السلطان العادل، أو إنّه مستحبٌّ، فإذا أمر به السلطان العادل وجب؟

هذا هو تمام الكلام في الاستدلال بالكتاب والسنّة.

مقتضى القاعدة عند الشك

بعد أن قرأنا هذه الطوائف من الأخبار، رأينا أنّه لا إشكال في دلالتها على أمرين:

أحدهما: وجوب الجمعة على نحو الإجمال، وإن لم يصرّح فيها بالوجوب التعييني أو التخييري.

ثانيهما: وجوب السعي على نحو الإجمال، وإن لم يعلم سبب الوجوب: 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

(1) اُنظر: رجال النجاشي: 307، والبدر الزاهر: 42.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

هل هو لأجل مجرّد إقامة الجمعة أو لطلب الإمام؟ فإذا شككنا في هذين الأمرين، فما هو مقتضى القاعدة؟

يقع الكلام في مقامين: المقام الأوّل: في الشكّ في وجوب إقامة الجمعة، والمقام الثاني: في الشكّ في وجوب السعي.

المقام الأوّل

وهو الشكّ في وجوب الجمعة، وأنّه هل هو على نحو التعيين أو التخيير؟ فتارةً: يقع الكلام في أنّ السلطان العادل نفسه يشكّ في أنّه هل يجب عليه إقامة الجمعة أو لا؟ واُخرى: يقع الكلام في غير السلطان العادل إذا شكّ في وجوب السلطان العادل.

أمّا الكلام فيما لو شكّ السلطان العادل فقد يقع السؤال عن إمكان ذلك بالنسبة إليه؛ بدعوى انحصار السلطان العادل بالنبيّ أو الإمام. إلّا أنّنا أشرنا فيما سبق إلى بطلان ذلك، بل هو كلّ رئيس دولةٍ إسلاميّةٍ يرأسها بحقٍّ. إذن فيمكن أن يشكّ في حكم نفسه. 

وربّما يُقال: إنّ السلطان العادل يتمسّك بإطلاق الأدلّة؛ باعتبار أنّها تشمل وجوب الجمعة: سواء أتى بالظهر أو لم يأتِ، فوجوبها باقٍ حتّى بعد الإتيان بالظهر، وهو معنى الوجوب التعييني.

ولكن يمكن المناقشة بأمرين: 

أولاً: أنّه لا إطلاق في الأدلّة، بل هي واردةٌ في مقام بيان مشروعيّة الجمعة في الشريعة الإسلاميّة، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها، لا بحسب الأزمنة ولا غيرها.

ــــــــــ[75]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وثانياً: أنّ الإطلاق لا يُثبت الوجوب التعييني.

وتوضيح ذلك: أنّ الواجب التخييري لا يخرج عن الوجوب التخييري بعد الإتيان بأحد الفردين، بل حتّى بعد الإتيان بكلا الفردين. فمثلاً: إذا أتى المكلّف بأحد خصال الكفّارة المخيّرة أوبجميع خصالها، فمع ذلك لا يخرج وجوب الكفّارة عن كونه تخييريّاً.

إذن، فهذا الوجوب لا ينقلب عمّا هو عليه بعد الإتيان بأحد فرديه، وهو صلاة الظهر. إذن فاتّصاف الجمعة بالوجوب بعد الإتيان بالظهر لا يدلّ على وجوبها التعييني.

ولعلّه يُقاس المقام بما يذكره الأصحاب -قدّس الله أسرار الماضين منهم وحفظ الباقين- كصاحب (الكفاية)(1) وغيره من: أنّ مقتضى إطلاق الأمر يقتضي كون الوجوب تعيينيّاً، فإذا قال: صلّ الجمعة، فلازم الإطلاق هو طلب الجمعة حتّى بعد الإتيان بالظهر، ولازمه الوجوب التعييني. فكما أنّ الأمر يقتضي كون متعلّقه تعيينيّاً، كذلك في المقام ظاهر الإطلاق هو أن يقال بوجوب الجمعة حتّى بعد الإتيان بالظهر.

ولكن الفرق بين المقامين واضحٌ؛ فإنّه في المقيس عليه كان هناك طلبٌ، والواجب التخييري لا يتعلّق به الطلب بعد الإتيان بأحد الفردين، فإذا ثبت أنّه واجبٌ حتّى بعد الإتيان بما يتوهّم كونه عدلاً له، فلابدّ أن يكون واجباً تعيينيّاً.

أمّا في المقام فهناك إخبارٌ عن الوجوب، وليس هناك أمرٌ بإقامة الجمعة؛ 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) كفاية الاُصول: 76، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث السادس.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

فقد ورد في الأدلّة: (الجمعة واجبةٌ) ولم يرد: (صلّ الجمعة)(1)، وقلنا: إنّ الواجب التخييري يبقى على وجوبه حتّى بعد الإتيان بأحد الفردين أو كليهما.

إذن، فبقاء اتّصاف الجمعة بالوجوب -حتّى بعد الإتيان بالظهر- لا يثبت كون وجوبها تعيينيّاً. إذن فقياس أحدهما على الآخر باطلٌ.

وأمّا بالنسبة إلى غير السلطان العادل فلا يمكن تمسّكه بإطلاق الأدلّة، حتّى مع غضّ النظر عمّا ذكرناه آنفاً. يعني: أنّ الإشكالين السابقين يردان مع إشكالٍ ثالثٍ، وهو احتمال أن يكون وجوب الجمعة من وظائف الحاكم الشرعي، وليس من وظائف الشخص العادي ولا مخاطباً به أصلاً. فيحتمل 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

() هذا هو الأعمّ الأغلب في لسان الروايات، إلّا أنّه وردت في بعض الأخبار صيغة الأمر أو ما يفيد فائدتها، بحسب ما هو المقرّر في علم الاُصول، كقوله في رواية عبد الملك: “صلّوا جماعةً” يعني: صلاة الجمعة. راجع وسائل الشيعة7: 310، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث2. 

     وكقوله في صحيحة منصور بن حازم: “يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسةً” حسبما رواه في وسائل الشيعة7: 304، الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث2. 

     وكقوله في رواية عمر بن يزيد: “إذا كانوا سبعةً يوم الجمعة فليصلّوا جماعةً” حسبما رواه في وسائل الشيعة7: 313، الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث5. إلى غير ذلك من الأخبار. اُنظر: وسائل الشيعة7: 305، الباب 2، الحديث10. إلاّ أنّه ليس فيها الصحيح إلّا رواية منصور، وهي تناسب الوجوب التخييري، كما اُفيد في المتن بعد ذلك، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

المكلّف أنّ الخطاب من أوّل الأمر غير موجّهٍ إليه، بل موجّه إلى الحاكم الشرعي، فما معنى التمسّك بالإطلاق حينئذٍ؟ فإنّ التمسّك بالإطلاق إنّما يكون مع توجّه التكليف إلى المكلّف مع الشكّ في سعته وضيقه، ولا معنى للتمسّك بإطلاق تكليفٍ متوجّهٍ إلى الآخرين.

هذا هو الكلام بالنسبة إلى التمسّك بالإطلاق، وقد عرفنا أنّه غير موجودٍ.

وأمّا بالنسبة إلى الاُصول العمليّة فإنّه يمكن التمسّك بالاستصحاب تارةً وبالبراءة اُخرى.

أمّا بالنسبة إلى الاستصحاب فإنّ الأصحاب يتمسّكون به بهذا التقريب:

إنّ الجمعة كانت واجبةً أيّام النبيّ وجوباً تعيينيّاً، فبالاستصحاب نُثبت هذا الوجوب في أيّامنا. 

ولكن نحن نعكس ذلك ونقول: قد علمنا بالقطع واليقين عدم وجوب الجمعة التعييني في غير أيّام السلطان العادل؛ بالنظر إلى الأخبار المصرِّحة بأنّ الأئمّة وأصحابهم لم يكونوا يواظبون على الإتيان بصلاة الجمعة.

إذن، فمن المقطوع به أنّها لم تكن حينئذٍ واجبةً تعييناً، فبالاستصحاب القهقرائي نثبت عدم وجوبها أيّام السلطان العادل، يعني: أيّام النبيّ(1).

ــــــــــ[78]ــــــــــ

() لا يقال: إنّ إثبات التكليف في أيّام النبيّ ليس له أثرٌ بالنسبة إلينا، وإنّما يمكن إجراء الأصل مع تحقّق الأثر. فإنّه يقال: إنّنا إذا أثبتنا الحكم في أيّامه، نستطيع أنْ نعممِّه إلى أيّ دولة يحكمها سلطانٌ عادلٌ في أيِّ زمانٍ كانت، وعليه فيمكن إجراء الأصل بهذا اللحاظ، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ولا فرق في صحّة الاستصحاب بين أن يكون قهقرائيّاً أو غيره، وإلّا لم يمكن فَهْم شيء من المعاني اللغويّة الموجودة في الآيات والروايات.

وتوضيح ذلك: أنّ المعتمد في فهم الكتاب والسنّة هو الفهم العرفي، والمطلوب ليس هو العرف في سائر الأيّام، وإنّما هو العرف في عصر نزول الآية أو صدور الرواية، ومع ذلك لا يتوقّف فقيهٌ عن العمل بالأدلّة بموجب قريحته العرفيّة؛ وذلك لاستصحاب ثبوت المعنى استصحاباً قهقرائيّاً إلى أيّام النبيّ. إذن، فلو لم يكن الاستصحاب القهقرائي حجّةً، لَمَا أمكن الفهم العرفي في أيّامنا هذه.

وهناك استصحابٌ آخر استقبالي؛ فإنّه لا شكّ ولا ريب أنّه في المستقبل ستكون دولةٌ إسلاميّةٌ، لا أقلّ من ظهور الحجّة المهدي عجّل الله فرجه، فنقول: إنّه الآن لا تجب الجمعة وجوباً عينيّاً يقيناً(1)، فنستصحب ذلك إلى أيّام المهدي. وهذا أيضاً لا مانع منه أبداً(2)، مع توفّر ركني الاستصحاب، 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

() منشأ هذا اليقين هو الحجّة الشرعيّة التي قامت على الوجوب التخييري في أيّام الغيبة، على ما سوف يأتي، فنستصحبه إلى أيّام المهدي، فتأمّل، (المقرّر).

(2) سألته دام وجوده: إنّنا إذا أردنا أن نثبت بهذا الاستصحاب حكم الجمعة في أيّام المهدي، لا يكون هذا صحيحاً؛ فإنّه في أيّامنا هذه ليست محلّ ابتلائنا، وحين ظهور المهدي يكون هو أعلم بتكليفه. 

فأجاب سلّمه الله تعالى: بأنّ الدولة الإسلاميّة غير مختصّةٍ بدولة الإمام المهدي عجّل الله فرجه وأسبغ عليه أفضل الصلوات والتحيّات، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وهما: اليقين السابق، والشكّ اللاحق.

وهناك استصحابٌ ثالثٌ، وهو فرض إجراء الاستصحاب ليس الآن، بل أيّام وجود السلطان العادل؛ إذ يقول المكلّف الموجود في تلك الأيّام بأنّ صلاة الجمعة لم تكن واجبةً عيناً قبل هذه الأيّام، فنستصحب ذلك إلى هذه الأيّام، يعني: إلى زمان السلطان العادل.

لكنّ هذه الاستصحابات إنّما تنفع إذا كان الوجوب التخييري مركّباً لا بسيطاً، مركّباً من الوجوب وجواز الترك إلى بدل. أمّا إذا قلنا: إنّه وجوبٌ مقيّدٌ بجواز الترك فلا يصحّ الاستصحاب.

وبعبارة اُخرى: إنّه إنّما يجري إذا كان الوجوب بنحو كان التامّة؛ فإنّنا حينئذٍ نثبت الوجوب بالدليل وجواز الترك بالاستصحاب، وأمّا إذا كان بنحو كان الناقصة فلا تنفع هذه الاستصحابات أصلاً.

أمّا ما هو ظاهر الدليل من هذين الاحتمالين فلا إشكال أنّ التقييد يحتاج إلى دليلٍ، وكلّ موضوع مركّبٍ من أمرين فإنّ مقتضى الأصل فيه عدم كون أحدهما مقيّداً للآخر، بل أن يكون الجزءان عرضيَّين، يعني: أنّ الأصل في الموضوعات أن تكون مركّبةً ما لم تقم قرينةٌ على التقييد.

بقي عندنا كلامٌ حول تبدّل الموضوع: فإنّه ربّما يُقال بأنّ هذه الاستصحابات لا مجال لها؛ فإنّنا نريد أن نستصحب عدم الوجوب من أيّامنا إلى أيّام السلطان العادل، فلا يبقى الموضوع محفوظاً.

إلّا أنّ هذا غير صحيحٍ؛ فإنّ العرف لا يحتمل بمقتضى عرفيّته مدخليّةً 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

لعدم وجود السلطان العادل في عدم الوجوب التعييني لصلاة الجمعة، وإن كان يحتمل مدخليّة وجوده في وجوبها، ولا ملازمة بين الأمرين، وما هو المفيد لنا هو الأوّل؛ لأنّنا نريد أن نستصحب عدم الوجوب.

هذا تمام الكلام في الاستصحاب.

ولو ناقشنا في الاستصحاب تصل النوبة إلى الاُصول العمليّة غير المحرزة، ولا إشكال أنّ المرجع هو أصالة البراءة؛ فإنّ الأمر يدور بين التعيين والتخيير، ولمّا كان التعيين كلفةً زائدةً، فإنّ الأصل ينفيها، ويكون الحكم هو البراءة.

هذا تمام الكلام في مقتضى القواعد في الشكّ في وجوب إقامة صلاة الجمعة.

المقام الثاني

وهو البحث عن مقتضى القواعد عند الشكّ في وجوب السعي.

قلنا: إنّ المستفاد من الأدلّة هو وجوب السعي في الجملة، من غير أن يعلم أنّ وجوبه لأجل إقامة صلاة الجمعة، أو لأجل أمر السلطان العادل
-الواجب الإطاعة في الإسلام- وطلبه الحضور والاجتماع، وهو المُسمَّى بالنداء.

وبعبارة اُخرى: هل إنّ إقامة الجمعة بنفسها تكون سبباً لوجوب السعي، أو إنّ طلب السلطان العادل سببٌ له، وبدونه لا يجب السعي إليها؟

لا إشكال أنّ مقتضى إطلاقات بعض الأدلّة السابقة هو الوجوب مطلقاً: سواء طلب السلطان العادل أم لا، بل سواء أقامها هو أم أقامها سواه، على تأمّلٍ أشرنا إليه فيما سبق.

ــــــــــ[81]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وقلنا: إنّ الإطلاق ينصرف إلى الجمعة التي كانت تُقام في صدر الإسلام من قبل السلطان العادل ويأمر بالحضور إليها، فيشكل شموله والتمسّك به في غير هذه الصورة.

ولكن على فرض وجوده، فإنّه يمكن رفع اليد عنه؛ لبعض القرائن:

القرينة الاُولى: هي الأخبار المصرَّحة بالأجر والثواب على مَن يحضر الجمعة، وإذا كان حضورها لازماً كصلاة الظهر في سائر الأيّام، فكان ينبغي أن يقال: إنّه يعاقب المكلّف على عدم الحضور. فهذا اللسان لسان الاستحباب.

وبعبارة اُخرى: إنّ عندنا طائفتين من الأخبار:

إحداهما: طائفة مصرَّحة بالثواب على الحضور.

ثانيتهما: طائفة مصرَّحة بالعقاب على ترك صلاة الجمعة. 

فنقول: إن كانت الجمعة واجبةً فما معنى هذا الثواب؟  وإن كانت مستحبّةً، فما معنى هذا العقاب؟ وقد جمعنا(1) بين هاتين الطائفتين بالالتزام باستحباب السعي ذاتاً، ووجوبه بالعنوان الثانوي، أي: بأمر السلطان العادل.

ومن هذه الأخبار التي أشرنا إليها ما رواه الشيخ الصدوق عن عبد الله بن بكير، قال: قال الصادق: “مَا مِنْ قَدَمٍ سَعَتْ إِلَى الجُمُعَةِ إلّا حَرَّمَ اللهُ 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

() أقول: لا يخفى: أنّنا إنّما نضطرّ إلى الجَمْع مع التنافي، ولا تنافي في المقام، بعد إمكان إعطاء الثواب على الواجب تفضّلاً، وتكون الطائفة الثانية المصرَّحة بالعقاب قرينةً على رفع اليد عن ظهور الاُولى بالاستحباب لو سُلَّم. هذا مع غضّ النظر عن البحث في ظهور كلّ رواية باستقلالها على ما ستعرف في المتن، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

جَسَدَهَا عَلَى النَّارِ”(1).

وظاهرها حصول النتيجة بحصول السعي مرّةً واحدةً. ولو كانتْ الجمعة واجبةً، لكان اللازم الحضور في جميع المرّات، ويكون تركها مرّةً واحدةً موجباً للعقاب.

ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً، قال: “جاء نفرٌ من اليهود إلى رسول الله، فسألوه عن سبع خصالٍ، فقال: أَمّا يومُ الجُمُعَةِ فَيَوْمٌ يَجْمَعُ اللهُ فِيْهِ الأَوَّلِيْنَ والآخِريْنَ، فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ مَشَى فِيْهِ إِلَى الجُمُعَةِ إِلّا خّفَّفَ اللهُ عَلَيْهِ أَهْوَالَ يَوْمِ القِيَامَةِ، ثُمّ يُؤمرُ بِهِ إِلَى الجَنَّةِ”(2).

وظاهره حصول النتيجة بالمشي إليها مرّةً واحدةً، وهو قرينةٌ على الاستحباب.

ومنها: ما رواه هو أيضاً عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه، قال: قال رسولُ الله: مَنْ أَتَى الجُمُعَةِ إِيْمَانَاً واحْتِسَابَاً اسْتَأنَفَ العَمْل”(3).

ــــــــــ[83]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة7: 297، الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث7، نقلاً عن أمالي الصدوق: 366، المجلس الثامن والخمسون، الحديث14، إلاّ أنّه ورد فيه (جسده)، فراجع.

(2) كذا في الوسائل7: 298، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9390، إلاّ أنّ الشيخ الصدوق في الخصال2: 55، باب السبعة، الحديث36 روى الخبر مع اختلافٍ كثيرٍ في ألفاظه.

(3) من لا يحضره الفقيه1: 427، باب وجوب الجمعة وفضلها …، الحديث1260، ووسائل الشيعة7: 298، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث10.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ومن الواضح أنّ هذه الروايات تكاد تكون صريحةٌ في الاستحباب؛ لأنّها ظاهرةٌ في أنّ السعي إلى صلاة الجمعة مرّةً واحدةً كافٍ في تحريم الجسد على النار. ولو كانت واجبةً لكان الترك مرّةً واحدةً موجباً لاستحقاق العقاب، إلّا أنّها جميعاً ضعيفة السند.

ويؤيّد ما ذكرناه ما عن أبي عبد الله عن أبيه عن جدّه، قال: جاء أعرابي إلى النبيّ يُقالُ لَهُ: قُلَيْبُ، فَقَالَ له: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إنّي تَهَيَّأْتُ إلَى الحَجِّ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً، فَمَا قُدِّرَ لِي، فَقَالَ له: يَا قُلَيْبُ، عَلَيكَ بِالجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهَا حَجُّ المَسَاكِيْنَ”(1)

وهنا قطعاً لم يجعل النبي الجمعة بدلاً عن الحج الواجب، بل مقصوده الحجّ المستحبّ لا محالة.

إذن المقصود: فقد جعلتُ الجمعة بدلاً من الحجّ المستحبّ، وهذه آية الاستحباب، إلّا أن يقال: إنّه أعرابي، ولا تجب عليه الجمعة(2).

القرينة الثانية: (على استحباب السعي وأنّه إنّما يجب عند طلب السلطان العادل) هي سقوط السعي إليها إذا اجتمع عيدٌ وجمعةٌ؛ فإنّ من البعيد كلّ 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام3: 236، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث7، ووسائل الشيعة7: 300، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث17، مع فارقٍ يسيرٍ في اللفظ.

(2) باعتبار أنّ شرائطها غير تامّة بالنسبة إليه؛ لأنّه بعيدٌ عن محلّ إقامتها أكثر من فرسخين، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

البعد سقوط الواجب بالإتيان بواجبٍ آخر(1).

والذي يؤكّد هذا المعنى ما في خبر سلمة عن أبي عبد الله، قال:

اجْتَمَعَ عِيْدَانِ عَلَى عَهْدِ أَمِيْرِ المُؤْمنين، فَخَطَبَ النَّاسَ ثم قَالَ: هَذَا يَوْمٌ اجْتَمَعَ فِيْهِ عِيْدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْمَعَ مَعَنَا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُ رُخْصَةً، يعني: مَن كان متنحِّياً(2)

ومثله خبر إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه: “أنّ علي بن أبي طالب كان يقول: إِذَا اجتمعَ عيدانِ للنّاسِ في يومٍ واحدٍ، فإنّه ينبغي للإمامِ أنْ يقولَ للنَّاسِ في خطبته الاُولى: إنّه قد اجتمع لكم عيدانِ، فأنا اُصلّيهِما جميعاً، فمَن كان مكانه قاصياً فأحبَّ أنْ ينصرفَ عَنْ الآخر، فقدْ أَذِنْتُ لَهُ(3).

ما معنى إذنه في ترك الواجب؟ إلّا أن يكون السعي إلى الجمعة لأجل 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

() إلاّ أن يُقال: إنّه يُستفاد من الروايتين الآتيتين في المتن بأنّ وجوب الجمعة مقيّدٌ بأصل تشريعه، بأن لا يكون يوم إقامتها في أحد العيدين، وإلّا فيكون وجوبها تخييراً أو استحباباً، وهذا متعيّنٌ على تقدير صحّة الخبرين. وهو غير تامٍّ، إلّا أن يُستفاد منهما أمرٌ آخر، فانتظر وتأمّل، (المقرّر).

(2) الكافي3: 461، باب صلاة العيدين والخطبة فيهما، الحديث8، تهذيب الأحكام3: 137، باب صلاة العيدين، الحديث38، ووسائل الشيعة7: 447، الباب15 من أبواب صلاة العيد، الحديث2.

(3) تهذيب الأحكام3: 137، باب صلاة العيدين، الحديث36، ووسائل الشيعة7: 448، الباب 15 من أبواب صلاة العيد، الحديث3.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

طلبه، وفي مثل ذلك يكون الإمام قد رفع اليد عنه؛ إذ لو كان واجباً في نفسه، لَمَا كان معنى لإذنه في تركه.

ويُشعر بذلك صحيحة زرارة، قال: حثّنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة حتّى ظننتُ أنّه يريد أن نأتيه، فقلتُ: نغدو عليك؟ فقال: لا، إنّما عنيتُ عندكم”(1).

وقد استدلّ بهذه الصحيحة من يقول بالوجوب التعييني، واستدلّ بها من ينكره أيضاً. ولا يهمّنا ذلك، وإنّما الذي يهمّنا أنّ زرارة كان في ذهنه أنّ وجوب السعي إليه موقوفٌ على إرادة الإمام، فلذا قال: ظننتُ أنّه يريد أنْ نأتيه. ومن هنا قد يُستظهر أنّ الإمام كان يُقيم الجمعة بشكلٍ مختصرٍ في داره، ولم يكن يطلب من زرارة الحضور، فلذا قال: فقلتُ له: نغدو عليك؟ فقال: “لا، إنّما عنيتُ عندكم”. ولم أجد من التفت إلى هذه النكتة.

ولو ناقشنا في هاتين القرينتين، فلابدّ من التمسّك بالإطلاق وإثبات وجوب السعي، ومع المناقشة في الإطلاق يكون المرجع هو البراءة، إذا لم يأمر المقيم لها بالحضور، أو لم يكن ممّن تجب طاعته.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّه لا دليل على تعيينيّة الوجوب، والأصل 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 239، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث17، الاستبصار1: 420، الباب253، الحديث3، ووسائل الشيعة7: 309، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

يقتضي عدمه، كما أنّه لا دليل على وجوب السعي من دون أمر الإمام، والأصل يقتضي عدمه.

هذا تمام كلامنا في المبحث الأوّل، وهو وجوب الجمعة أيّام السلطان العادل.

ــــــــــ[87]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة







المبحث الثاني: في وجوبها في غير أيام السلطان العادل

 

أيّ: كأيّامنا هذه، فقد أصبحت هذه المسألة مثار اختلاف العلماء، ولعلّ اختلافهم في اشتراط صلاة الجمعة بوجود السلطان العادل.

فقال قوم بالاشتراط، وأنكره آخرون، والذين قالوا بالاشتراط اختلفت أقوالهم، فصرّح بعضهم بالحرمة الذاتيّة في غير أيّام السلطان العادل؛ بدعوى أنّها من وظائفه، فإقامتها حال عدمه اعتداءٌ على أعماله. ونسب هذا القول إلى السيّد المرتضى(1) وابن إدريس(2) وسلاّر(3)، وربّما يُشعر به كلام المفيد في (المقنعة)(4)، كما استشعره منها بعضُ الأعاظم(5).

وذهب آخرون إلى أنّها غير مشروعةٍ في غير عصره، ولكنّها إذا اُقيمت لا ــــــــــ[89]ــــــــــ

(1) اُنظر: رسائل الشريف المرتضى1: 272، جوابات المسائل الميافارقيات، المسألة الثانية.

(2) اُنظر: السرائر1: 303، كتاب الصلاة، باب صلاة الجمعة وأحكامها.

(3) اُنظر: المراسم: 77، كتاب الصلاة، ذكر صلاة الجمعة.

(4) اُنظر: المقنعة: 163، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها.

(5) راجع: البدر الزاهر: 32، الفصل الأوّل.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

تكون محرّمةً ذاتاً، لكنّها تكون محرّمةً تشريعاً، وقد قيل: إنّه قوّاه في (كشف اللثام)(1)

والثمرة بين القولين -القول بالحرمة الذاتيّة والقول بالحرمة التشريعيّة- أنّه يمكن إقامتها احتياطاً.

أمّا كلمات المفيد في (المقنعة) فهي ظاهرةٌ في عدم الاختصاص بالسلطان العادل، كما لا يخفى على من راجعها(2).

وبعض القائلين بالاشتراط اكتفوا بالشكّ في المشروعيّة حال عدم السلطان العادل، واحتمال أنّ المشروعيّة مختصّةٌ بأيّامه، فلذا أجازوا إتيانها رجاءً، كما اختاره شيخنا الخال آية الله الشيخ محمّد رضا آل ياسين.

وبعض القائلين بالاشتراط عمَّموا الشرط للمجتهد أيضاً، ولازمه القول بوجوبها التعييني عليه(3)، وقد تمسّكوا لذلك بعموم ولاية المجتهد، فلا يكون فرقٌ بين إقامتها من قبل النبيّ أو الإمام أو المجتهد، وستعرف رأينا في عموم النيابة.

وبعض القائلين بالاشتراط أجازوا للمجتهد إقامتها، لا على نحو التعيين؛ 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() اُنظر: كشف اللثام4: 222، كتاب الصلاة، المقصد الثالث، الفصل الأوّل.

(2) راجع المقنعة: 163، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها.

(3) هذا على تقدير القول بالوجوب التعييني أيّام السلطان العادل، وأمّا إذا أنكرنا ذلك
-كما عليه سيّدنا الاُستاذ في المتن- فلا يمكن أن يزيد حكم المجتهد على حكم الإمام، وإن قلنا بعموم النيابة، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

بدعوى إذن الأئمّة (أذنوا لنا بإقامتها)، والمتيقّن ممَّن أذن له هو المجتهد، كما تفيد عبارة الشيخ في باب الأمر بالمعروف من كتاب (النهاية)(1).

وبعضهم أجاز لجميع المؤمنين إقامتها؛ فإنّه قد اُذن لهم بذلك، ولم يؤمروا به ليتعيَّن عليهم، كما تفيده عبارة الشيخ أيضاً في باب صلاة الجمعة من (النهاية)(2).

وبعضهم جعل وجود السلطان العادل شرطاً للتعيين، ومع عدمه يتخيَّر المكلّف.

وبعضهم أنكر الاشتراط، وأوجب على الجميع إقامتها.

فهذه سبعة أقوال يمكن أن تحمل عليها كلمات العلماء من السلف الصالح والخلف الصالح(3).

ثمّ يقع كلامنا في نقاطٍ:

أوّلاً: أنّ المراد من اشتراط صلاة الجمعة بالسلطان العادل هل هو على نحو شرط الوجوب، أو على نحو شرط الواجب؟ 

ونتيجة ذلك: أنّه على الأوّل لا تجب في غير أيّامه، وعلى الثاني تجب، إلّا أنّها لا تصحّ.

ــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) اُنظر: النهاية للشيخ الطوسي: 302، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن له إقامة الحدود.

(2) اُنظر: النهاية للشيخ الطوسي: 107، باب الجمعة وأحكامها.

(3) راجع الأقوال في المسألة في البدر الزاهر: 33- 36، الفصل الأوّل، نقل كلمات الأصحاب.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ظاهر كلمات الأكثر هو الثاني، يعني: أنّ وجود السلطان العادل من شرائط الصحّة، لا من شرائط الوجوب، بل هو صريح كلام الشيخ في (المبسوط)؛ حيث قال -على ما نُقل عنه-: فأمّا الشرائط الراجعة إلى صحّة الانعقاد فأربعة: السلطان العادل أو من يأمره السلطان، والعدد(1). وظاهر عبارة السيّد ابن زهرة في (الغنية) هو الأوّل(2). وستعرف الحقّ منهما.

ثانياً: وقبل الكلام في ذلك لابدّ من التعرّض لمَا أشرنا إليه سابقاً من التكلّم عن معنى السلطان العادل(3).

ذكرنا فيما سبق: أنّ ظاهر كلامهم أنّ هذا العنوان مختصّ بالمعصوم، والظاهر أنّ ما بينه وبين المعصوم عموماً من وجه؛ فيجتمعان في مثل أمير المؤمنين أيّام خلافته الظاهريّة وسلطنته الزمنيّة، ويفترق المعصوم عن السلطان العادل بسائر الأئمّة عدا أمير المؤمنين والإمام الحسن أيّام خلافته؛ فإنّهم لم يكونوا يتّصفون بهذا العنوان، ويفترق السلطان العادل عن المعصوم بما إذا كان الشخص سلطاناً غير معصومٍ يرأس الدولة الإسلاميّة أيّام الغيبة.

ــــــــــ[92]ــــــــــ

() المبسوط1: 143، كتاب صلاة الجمعة.

(2) الغنية: 90، كتاب الصلاة، الفصل العاشر.

(3) لا يخفى: أنّ البحث في ذلك يكون مستأنفاً بعد، إن لم يكن هذا العنوان مأخوذاً في لسان الأدلّة على الإطلاق، وإن كان مأخوذاً في لسان الأصحاب بكثرة، إلاّ أن يُستفاد من عناوين (الإمام والأمير) المأخوذ في الروايات لو صحّت سنداً، فانتظر، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وتوضيحه: أنّنا لم نجد في الكتاب والسنّة من يرأس الدولة الإسلاميّة أيّام الغيبة، ولَمّا كان من المعلوم أنّه لابدّ للأُمّة من دولةٍ، ولابدّ للدولة من رئيسٍ، فيكون معنى ذلك هو إيكال ذلك إلى الأُمّة، ويكون داخلاً في قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ(1)؛ فإنّ هذه الآية تمسَّك بها إخواننا أهل السنّة في الخلافة.

ولكنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنّ الخلافة لمّا كانت من أمر الله ورسوله، لم تكن من اُمورهم لتكون شورى بينهم؛ فإنّ الله تعالى إنّما حكم بالشورى فيما دون ما أمر الله ورسوله به(2).

ولكن في حال الغيبة لم يرد نصّ في تعيين من يقوم بهذا الأمر، وحيث إنّه لابدّ منه، إذن فهو من الاُمور التي للمسلمين وقد اُوكلتْ إليهم، لم يجعله الله بيد اُناس معيّنين أو فئة أو طبقة معيّنة، بل لجميعهم الحقّ في اختيار كيفيّة الحكومة وتعيين الرئيس، وهذا مع المحافظة التامّة على الشرائط الإسلاميّة في الرئيس: كالعدالة والإيمان والإخلاص.

نعم، بناءً على ما يدّعيه بعضُ الأعلام من وجود النيابة العامّة للفقيه، وأنّه 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

() سورة الشورى، الآية: 38.

(2) قال الله عزّ وجلّ: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَـهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً (الأحزاب: 36).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ينوب عن الإمام في جميع الاُمور، تنحصر الزعامة في المجتهد(1)، فإذا توحّد المجتهد تنحصر الزعامة فيه. 

وإذا تعدّد فالأمر أيضاً يرجع إلى الأُمّة، فتنتخب من تشاء منهم، غاية الأمر أنّه يُضاف شرطٌ آخر إلى الشخص المنتخَب بالفتح، وهو الاجتهاد. وأمّا بناءً على ما يذكره البعض من: أنّ القدر المتيقّن من ذلك هو الأعلم(2) فيلزم تقديمه.

وهنا يخرج الأمر عن الأُمّة، ويعود إلى أهل الخبرة، إلاّ على بعض الفروض: كالتساوي في الأعلميّة، أو اختلاف أهل الخبرة في التعيين.

ولكنّ كلاًّ من المبنيين ضعيفٌ، وإنّما الثابت عندنا أنّ للمجتهد فقط حقّ الفتوى والقضاء بين المسلمين.

وقبل الدخول في أدلّة الطرفين لابدّ من التكلّم فيما رسمناه:

ثالثاً: وهو النظر في الأدلّة السابقة، وأنّه هل فيها إطلاقٌ يمكن التمسّك به في نفي اشتراط السلطان العادل، أو لا؟

قلنا: إنّ عمدة الأدلّة في المقام هي الطائفة الاُولى، فهل يمكن بإطلاقها 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

() مباشرةً أو تسبيباً، بشرط أن يكون له الإشراف التامّ على مركز وأعمال من اُوكل إليه الأمر، (المقرّر).

(2) كما أفاده في مفاتيح الاُصول: 631، مفتاح القول في بيان وجوب تقليد الأعلم من المجتهدين، ومطارح الأنظار: 300، تحقيق الكلام في مسألتي تقليد الميت وتقليد الأعلم، الأمر السادس، وغيرهما.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

نفي شرطيّة السلطان العادل بكلا المعنيين، يعني: شرطيّته في الوجوب وشرطيّته في الواجب؟

والتحقيق أن يُقال: إنّه لا يمكن التمسّك بإطلاق هذه الأخبار؛ لأمرين:

أوّلهما: أنّها وردت في مقام بيان أصل المشروعيّة، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها؛ لما ذكره الأصحاب من: أنّ شرط التمسّك بالإطلاق هو أن يكون المتكلّم في مقام البيان، فلو كان المولى في مقام بيان الوجوب سعةً وضيقاً ولم يُقيّد بزمانٍ خاصٍّ كزمان السلطان العادل، لأمكن التمسّك بكلامه في نفي القيد عن الوجوب. 

أو أن يُقال: إنّ المولى لمّا كان في مقام البيان من حيث شرائط صحّة الجمعة، ولم يذكر شرط وجود السلطان العادل، إذن فهو ليس شرطاً، ولكنّ الأئمّة في الأحاديث السابقة ليسوا في مقام البيان من كلا الجهتين، وإنّما هي واردةٌ في مقام بيان أصل التشريع.

وما قيل(1) من إمكان التمسّك بالإطلاق في الناحية الاُولى دون الثانية؛ باعتبار أنّ هذه الأخبار وإنْ كانت في مقام بيان أصل التشريع وعدم تقييده، وإنْ لم يكن لها دلالةٌ من حيث شرائط الصحّة، فهو كما ترى؛ لأنّ الرواية إذا كانت في مقام بيان أصل التشريع، فلا يخلو أمرها من أحد نحوين:

إمّا أن تكون في مقام بيان التشريع من دون أن تكون في مقام بيان أيّ شيءٍ آخر، وإمّا أنْ تكون في مقام بيان التشريع مع بيان نحو الوجوب، وإنّما يمكن 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

(1) اُنظر: البدر الزاهر: 22، الفصل الأوّل.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

التمسّك بالإطلاق إذا كانت الأخبار على النحو الثاني دون الأوّل، ومن أين لنا إثبات الثاني في المقام؟

والحاصل: أنّنا لا ندّعي أنّ الرواية إذا كانت في مقام التشريع مطلقاً يستحيل التمسّك بإطلاقها، ولكن في المقام حيث إنّ المتكلّم ليس في مقام البيان من حيث سعة التشريع وضيقه، لا يمكن التمسّك بالإطلاق. نعم، لو ثبت ذلك لأمكن.

ولمدّعٍ أن يقول: كيف لا تكون هذه الأخبار في مقام البيان، وفي بعضها ذُكر من يجب عليه الحضور؟

والجواب: أنّ كونها في مقام البيان من حيث من يجب عليه السعي لا يقتضي أن تكون في مقام بيان شرائط وجوب الجمعة أو شرائط صحّتها.

الأمر الثاني: المانع من التمسّك بالإطلاق عدم علم المكلّف بتوجّه وجوب إقامتها إليه؛ لاحتمال إناطتها بالسلطان العادل، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها؛ فإنّنا إنّما نتمسّك بإطلاقات خطابات وُجّهت إلينا نشكّ في سعتها وضيقها. وأمّا إذا لم تكن موجّهةً إلينا -ولو احتمالاً- فلا يمكن التمسّك بإطلاقها(1)، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

ولو تنزّلنا عن هاتين القرينتين، فإنّما يمكن التمسّك بإطلاق الروايات من 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

() لا يخفى: أنّه مع عدم القطع بذلك -على ما هو المفروض في المقام- يكون إطلاق الكلام مقتضياً شموله لسائر الأفراد، ويكون هذا الإطلاق منقَّحاً لموضوع الإطلاقات الاُخرى، لو أمكن تصوّر الإطلاقين في رتبتين في كلامٍ واحدٍ، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الناحية الاُولى، يعني: من حيث شرائط الوجوب، فيثبت عدم كون وجود السلطان العادل شرطاً في وجوبها، لا التمسّك بإطلاقها من حيث شرائط الصحّة؛ لأنّه لا يثبت عدم مدخليّة السلطان العادل في الصحّة. إذن فالوجوب موجودٌ، والصحّة غير متحقَّقةٍ بدونه.

والثمرة العمليّة لذلك هو وجوب تحصيل السلطان العادل؛ فإنّنا إذا قلنا: إنّ وجوده شرطٌ للوجوب، ففي حال عدمه لا تجب الجمعة، وأمّا إذا قلنا: إنّه شرطٌ في الصحّة فيكون إيجاده من مقدّمات وجود صلاة الجمعة، كالتوضُّؤ ومعرفة القبلة.

ولقائلٍ أن يقول: إنّ وجوب إيجاد السلطان العادل مبنيّ على وجوب مقدّمة الواجب شرعاً، والأظهر عدم وجوبها كما ذكرناه في علم الاُصول. مضافاً إلى أنّ السلطان العادل عبارةٌ عن الإمام المهدي، وأمر ظهوره بيد الله عزّ وجلّ، فما معنى إيجاده؟!

ونجيب أوّلاً عن الأوّل: أنّ الذي وقع فيه الخلاف هو وجوب المقدّمة الشرعي لا وجوبها العقلي؛ فإنّه لا يشكّ عاقل في وجوبها العقلي، وهو كافٍ في المقام.

ونجيب ثانياً عن الثاني: أنّه يمكن إيجاد السلطان العادل؛ إذ بناءً على ما اخترناه من عدم اختصاصه بالمعصوم يكون إيجاده بتأسيس الدولة الإسلاميّة. وأمّا بناءً على اختصاصه بالمعصوم فإنّ الواجب هو تهيئة الأسباب لظهوره.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ولا يقال: إنّ أمر ظهوره إلى الله عزّ وجلّ.

فإنّه يقال: إنّ الله تعالى لم يُغيِّب وليِّه بخلاً به أو حرصاً عليه، وإنّما غيّبه محافظةً عليه من الكيد، ولعلمه أنّه لن يقدر بالفعل القدرة الكافية على أداء رسالته المرتقبة ونشر العدل ورفع الظلم، ولن يجد أعواناً يساعدوه على ذلك.

إذن، فتهيئة الأنصار له تعجيلٌ بظهوره؛ فإنّ الحكمة الإلهيّة اقتضت أن ينتصر بالطرق العاديّة لا بالمعجزات، وإلاّ لما احتاج الأمر إلى الغيبة، ولأوجد مثل هذه المعجزة هو أو أحد آبائه.

ويشهد لذلك بعض الأخبار الدالّة على أنّه لو وجد أنصاراً بقدر أنصار جدّه رسول الله في بدرٍ لظهر(1). ولا غرابة أن لا يوجد في العالم الإسلامي اليوم مثل هذا العدد من أنصاره وأعوانه ممّن يبذلون نفوسهم دونه.

ولا يُقال: كيف يظهر في زمان امتلأ ظلماً وجوراً، وكيف يتهيّأ له الأصحاب في هذا العصر، ولم يتهيّأ له في العصور الصالحة؟

فإنّه يُقال: إنّه لم يختف لقلّة المسلمين أو المؤمنين، وكيف يتوّهم قلّتهم والمسلمون في العالم اليوم ستّمائة مليونٍ، والشيعة فقط مائة مليونٍ، وإنّما غيبته عن الأنظار لقلّة من يعرف حقّه ويضحّي في سبيله. ومن القريب جدّاً أنّه في ظرف البلاء والجور تلتفت القلّة الباقية من المسلمين إلى واجبها ودينها ومسؤوليّتها تجاه إعلاء كلمة الحقّ، كما رأينا ذلك بالوجدان في عصورنا الحاضرة، فيكون له من مجموع المسلمين العدد المطلوب ممّن يضحِّي في سبيله.

ــــــــــ[98]ــــــــــ

(1) اُنظر: رسائل في الغيبة 3: 11، ومشكاة الأنوار: 63، الباب الثاني، الفصل الثاني.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الشروع في الاستدلال

ثمّ إنّه قد يُستدلّ على وجوبها في غير أيّام السلطان العادل بحسنة محمّد بن مسلم أو صحيحته عن أبي جعفر الباقر: “إنَّ اللهَ أَكْرمَ بالجمعةِ المؤمنينَ، فسنَّها رسولُ الله بشارةً لهم، والمنافقين توبيخاً للمنافقينَ. ولا ينبغي تَرْكها، فمَنْ تَرَكَها متعمِّداً، فلا صلاةَ لَهُ”(1).

والكلام تارةً يقع في صدر الرواية، واُخرى في ذيلها:

أمّا صدرها فلا دلالة له على الوجوب، فضلاً عن التعيين. نعم، لمّا كان تشريع الجمعة وإغناؤها عن الظهر لابدّ أنْ يكون على نحو الوجوب، فلابدّ من وجوبٍ مّا، أمّا أنّه على نحو التعيين أو التخيير فلا يمكن أن يُستفاد منها. كما أنّه لا إطلاق له؛ لكونه وارداً في مقام أصل التشريع؛ إذ يقول: “إنّ اللهَ أكرمَ بالجمعةِ المؤمنينَ”.

وأمّا ذيلها فهو ظاهرٌ في وجوب السعي إليها؛ لقوله: “فمَن تركها متعمِّداً، فلا صلاةَ لَهُ”. وحالها حال الأخبار السابقة من حيث الإطلاق والمناقشة فيه، من حيث الانصراف إلى الجمعة التي كانت تُقام خارجاً من قبل السلطان العادل ويطلب حضورها والسعي إليها.

ــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) الكافي3: 425، باب القراءة يوم الجمعة وليلتها في الصلوات، الحديث4، تهذيب الأحكام3: 6، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث16، الاستبصار1: 414، باب القراءة في الجمعة، الحديث3، ووسائل الشيعة6: 154، الباب70، من أبواب النيّة، الحديث3.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وهذه الرواية قد يُستدلُّ بها تارةً للقول بعدم الاشتراط، وقد يُستدلُّ بها للقول بإثبات إذن المعصوم بإقامتها، فهذه الرواية مناسبةٌ مع كلا القولين.

وقد يُستدلّ على ذلك بما دلّ على أنّه يجب في صلاة الجمعة عددٌ معيّن: خمسة تارةً، وسبعة اُخرى، ومردّدة بين هذين العددين ثالثةً، كصحيحة زرارة عن أحدهما، قال: “لا تكون الخطبةُ والجمعةُ وصلاةُ ركعتينِ على أقلّ من خمسةِ رهطٍ: الإمامة وأربعة”(1).

وربّ قائل يقول: إنّه لا إطلاق في هذه الرواية يمكن التمسّك به لتنفي اشتراط السلطان العادل؛ لقوله: “الإمام أحدُهم” والإمام إذا اُطلق يُراد منه الإمام المعصوم.

لكنّا نقول: إنّ هذه الدعوى غير وجيهةٍ؛ لأنّه إن فرض أنّ المراد من الإمام هو السلطان العادل، فكيف لا يجتمع معه إلّا خمسة أنفار؟! بل المراد بيان أنّ الذي يؤمّهم يجب أن يكون من الخمسة.

ثمّ لا يخفى: أنّ الأصحاب جعلوا الإمام مرادفاً للسلطان العادل؛ إذ حملوا الإمام على المعصوم، وحيث إنّ المعصوم هو السلطان العادل، إذن يحملون الإمام على السلطان العادل.

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) الكافي3: 419، باب وجوب الجمعة وعلى كم تجب، الحديث4، تهذيب الأحكام3: 240، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث22، الاستبصار1: 419، الباب252، الحديث6، ووسائل الشيعة7: 303، الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث2.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وقلنا: إنّ بين العنوانين عموماً وخصوصاً من وجه، وعلى فرض إرادة المعصوم من السلطان العادل، فالمراد منه المعصوم حال تولّيه رئاسة الدولة، فكيف لا يحضر لديه إلّا خمسة نفر؟! هذا فرضٌ عجيبٌ(1).

هذا ولكن ليس في هذه الصحيحة دلالةٌ على الوجوب أصلاً؛ لأنّها في مقام بيان شرط صحّة الصلاة من حيث العدد. أمّا أنّه إذا اجتمع خمسة فماذا سيكون سنخ الوجوب فمّما لا تعرّض فيها له.

وهكذا الكلام في قوله في خبر أبي بصير: “لا تكونُ جماعةٌ بأقلّ من خمسةٍ”(2)، وفي قوله في خبر أبي يعفور، عن أبي عبد الله، قال: “لا تكونُ جمعةٌ ما لم يكن القوم خمسةً”(3)

أمّا صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله قال: “يجمع القوم يومَ الجمعةِ إذا كانوا خمسة فما زادوا، فإن كانوا أقلَّ من خمسةٍ، فلا جمعةَ لهم…” 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

() غير خفيّ عمّن راجع كلام الفقهاء بأنّ للفروض الفقهيّة عرضاً عريضاً، وغرابة الفرض لا تخرجه عن كونه مسألةً فقهيةً. نعم، يمكن أن تعقد هذه الغرابة ظهوراً في الرواية بإرادة خلافها، فتكون قرينةً على أنّ المراد من الإمام ما عدا السلطان العادل، (المقرّر).

(2) الخصال1: 288، باب الخمسة، الحديث46، ووسائل الشيعة7: 304، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث5.

(3) تهذيب الأحكام3: 239، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث19، الاستبصار1: 419، الباب252، الحديث5، ووسائل الشيعة7: 305، الباب2، من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث 8.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الخبر(1) فإنّ الظهور العرفي فيها يقتضي أنّ الخمسة من المسلمين منهم مَن يقيم الجمعة بهم، وظهورها أيضاً في الوجوب للفعل المضارع المستعمل في الأمر في قوله: “يجمع القوم”.

إلّا أنّه لا دلالة فيه على نوع الوجوب، وهل هو تعييني أو تخييري. ويشهد للثاني قوله في ذيل الرواية: “فلا جمعة لهم”؛ إذ لو كان وجوباً تعييناً، لكان اللازم القول بأنّه لا جمعةَ عليهم.

وهكذا الكلام في صحيحة البقباق عن الإمام الصادق: “إذا كانَ قومٌ في قريةٍ صلّوا الجمعةَ أربعَ ركعاتٍ، فإذا كان لهم مَن يخطب بهم جَمَعُوا إذا كانوا خمسة نفر”(2). فإنّ قوله: “جمعوا” يمكن أنْ يُراد به الوجوب التعيني، ويمكن أن يُراد به معنى الوجوب التخييري.

ودعوى أنّ هذه الرواية من أدلّة الاشتراط؛ لأنّ المراد بقوله: “من يخطب” هو المعيّن للخطابة سيأتي جوابها إن شاء الله تعالى.

والذي يشهد لعدم كون الأمر في هذه الروايات الوجوب التعييني ما 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 239، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث18، الاستبصار1: 419، الباب252، الحديث4، مع فارقٍ يسيرٍ في الألفاظ، ووسائل الشيعة7: 304، الباب2، من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث 7.

(2) وكذا في الوسائل7: 307، الباب3 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث2، إلاّ أنّه ورد في التهذيب3: 238، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث16، والاستبصار1: 420، الباب253، الحديث2، مع اختلافٍ في اللفظ.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ستسمع من الأخبار الدالّة على عدم وجوبها على القوم ما لم يبلغوا سبعةً، أو على الترديد ما بين الخمسة والسبعة، والتي يُفهم منها عرفاً عدم التعيين على القوم إذا بلغوا خمسةً.

مضافاً إلى أنّ قوله في معتبرة محمّد بن مسلم عن محمّد بن علي عن أبيه عن جدّه عن النبيّ في الجمعة، قال: “إذا اجتمعَ خمسةٌ أحدُهم الإمامُ، فَلَهُمْ أنْ يجمعوا”(1) صريحٌ في عدم الوجوب التعييني. ولمّا ثبت عدم الوجوب التعييني على الخمسة، ثبت عدم وجوبه فيما إذا بلغوا سبعة؛ لذكر السبعة مع الخمسة في بعض الروايات، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله قال: “في صلاة العيدين إذا كان القومُ خمسةً أو سبعةً، فإنّهم يجمعون الصلاة كما يصنعون يوم الجمعة”(2)، وخبر أبي العباس عن أبي عبد الله، قال: “أدنى مَا يُجزئ في الجمعةِ سبعةٌ أو خمسةٌ أدناه”(3).

ــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة7: 306، الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث11، نقلاً عن رجال الكشّي: 165، ونحوه ما في الاختصاص: 51، مسائل عبد الله بن سلاّم.

(2) من لا يحضره الفقيه1: 522، باب صلاة العيدين، الحديث1486، ووسائل الشيعة7: 203، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث3.

(3) الكافي3: 419، باب وجوب الجمعة وعلى كم تجب، الحديث5، تهذيب الأحكام3: 21، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث76، الاستبصار1: 419، الباب252، الحديث3، ووسائل الشيعة7: 303، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ويرفع بها اليد(1) عن ظهور الأخبار الظاهرة في وجوب صلاة الجمعة إذا بلغ  القوم سبعةً، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر، قال: “تجبُ الجمعةُ على سبعة نفرٍ من المسلمين، ولا تجبُ على أقلّ منهم: الإمامُ، وقاضيه، والمدّعي حقّاً، والمدَّعى عليه، والشاهدان، والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام”(2).

ودعوى: أنّه لا إطلاق في هذه الرواية؛ لظهور الإمام في السلطان العادل، ولا أقلّ من احتماله، فلا ينعقد للرواية إطلاقٌ يعتمد عليه.

مدفوعةٌ: بأنّ المراد من الإمام هنا هو السلطان العادل قطعاً؛ بقرينة مَن بعده، إلّا أنّه لا يُفهم من الرواية مدخليّة الإمام في إقامة الجمعة؛ للقطع بعدم مدخليّة مَن بعده، وإنّما ذكر مَن بعده للتنبيه على أنّهم يحسبون من العدد.

ونظير هذه الرواية حسنة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله، قال: “إذا كانوا سبعةً يومَ الجمعةِ، فلْيصلُّوا في جماعةٍ، ولْيَلْبَسْ البُرْدَ والعمامةَ، ويتوكّأ على 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() لا يخفى: أنّ صحيحة زرارة الآتية على تقدير ثبوت مدلولها في الوجوب التخييري في الخمسة والتعييني في السبعة، فإنّه يناسب تمام هذه الطوائف، ويصلح أن يكون شاهد جمع بينها، كما لا يخفى على المتأمّل، (المقرّر).

(2) تهذيب الأحكام3: 20، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث75، الاستبصار1: 418، الباب252، الحديث2، وسائل الشيعة7: 305، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9، ونحوه ما في الفقيه1: 413، باب وجوب الجمعة وفضلها …، الحديث1224، إلاّ أنّه ورد فيه (المؤمنين) بدل (المسلمين).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

قوسٍ أو عصا، وليقعد قعدةً بين الخطبتينِ، ويجهر بالقراءةِ، ويَقنت في الركعة الاُولى منهما قبلَ الركوع”(1).

مضافاً إلى إمكان المناقشة في دلالة الروايتين على الوجوب التعييني في أنفسهما، ولا سيّما الثانية؛ لاشتمالها على كثيرٍ من المستحبّات، ممّا يجعلها ظاهرةً في الاستحباب، بل قد تكون قرينةً على أنّ الأمر في غيرها للاستحباب أيضاً، والمفهوم عرفاً من(كانوا) هم المسلمون الذين يريدون صلاة الجمعة، فدعوى إجمالها غريبةٌ جدّاً.

الاستدلال بصحيحة زرارة

ولكنّ الصحيحة التي تفرّق بين الخمسة والسبعة تمنع من الاستشهاد بالأخبار التي تجمع بينهما على اتّحاد حكمها، وهي بالنصّ الذي اتّفق عليه المشايخ: عن زرارة قال: قلتُ لأبي جعفر: على من تجب الجمعة؟ قال: “تجب على سبعة نفرٍ من المسلمين، ولا جمعة لأقلّ من خمسةٍ من المسلمين أحدهم الإمام”(2). فيُفهم منها عرفاً وجود مراحل ثلاث لحكم صلاة الجمعة:

أوّلها: الوجوب التعييني لسبعة نفرٍ فأكثر.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام3: 245، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث46، وسائل الشيعة7: 313، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث5، ونحوه ما في الاستبصار1: 418، الباب252، الحديث1، إلاّ أنّه أورده الى قوله: “في جماعةٍ”.

(2) من لا يحضره الفقيه1: 411، باب وجوب الجمعة وفضلها …، الحديث1220، ووسائل الشيعة7: 304، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث4.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ثانيها: الوجوب التخييري لعددٍ من الخمسة إلى السبعة.

ثالثها: أنّهم إن كانوا أقلّ من خمسةٍ، فلا جمعة لهم.

وقد ورد في (الفقيه) خاصّة قوله: “فإذا اجتمع سبعةٌ ولم يخافوا، أَمَّهُم بعضهم وخطبهم”(1). وهو صريحٌ في عدم إرادة السلطان العادل، وأتعب بعضُ الأعاظم -على ما نُقل عنه(2)– نفسَه في إثبات أنّ هذه الزيادة باطلةٌ، وكأنّه يرى أنّها من دون هذه الزيادة لا دلالة فيها على الوجوب التعييني، وقد عرفت دلالتها عليه.

فلا يُقال: إنّه لا مجال للتمسّك بهذه الرواية؛ لأنّ قوله: “أحدهم الإمام” ظاهرٌ في إمام الأصل.

لأنّه يُقال: إنّه لا يخفى ظهورها في أنّ المراد هو إمام الجمعة، وإنّما ذُكر لأنّه أحد الخمسة، بل لا معنى لحمله على السلطان العادل؛ لما عرفت من أنّ بينهما نسبة العموم من وجه، وخاصّة مع ملاحظة ذيل الصحيحة الذي رواه (الفقيه)؛ فإنّه لو كان السلطان العادل أحد الخمسة لتعيّن للإمامة. مضافاً إلى أنّه كيف يتصوّر كونه سلطاناً عادلاً، وليس عنده سوى خمسة نفر؟!

ولقائلٍ أنْ يقول: إنّ هذه الرواية ناظرةٌ إلى شرطيّة العدد، ولا نظر لها إلى سائر الشرائط ليتمسّك بإطلاقها.

إلّا أنّ هذه الدعوى كما ترى؛ فإنّ هذه الرواية قويّة الظهور في أنّ اجتماع 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه1: 412، باب وجوب الجمعة وفضلها …، الحديث1220.

(2) اُنظر: البدر الزاهر: 64ـ 66، الفصل الأوّل، الجهة الثانية.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

سبعة سببٌ تامّ لوجوب الجمعة، ولا ريب في ظهورها في الوجوب التعييني للجمعة، وإلّا لَمَا حصل فرقٌ بين السبعة والخمسة؛ لأنّه مع اجتماع الخمسة أيضاً يجب إقامتها، ولا معنى لذلك إلّا كونها أحد فردي الواجب التخييري. إذن لا فرق بين الخمسة والسبعة، إلّا أنّ الوجوب في السبعة تعييني. إذن فالرواية ظاهرةٌ في الوجوب التعييني.

فلابدّ أن نبحث عن أنّ هذه الرواية هل يمكن تقييدها بما إذا كان السلطان العادل أحد السبعة؛ فإنّها مطلقةٌ من حيث ذلك؟

لكنّنا استبعدنا هذا التقييد؛ لبعد أن يكون سلطاناً عادلاً ويكون الحضور مقتصراً على سبعة نفر. ثمّ لابدّ أن ننظر في أنّه هل هناك قرينةٌ تصرف ظهور الرواية من الوجوب التعييني إلى التخييري؟

وقبل ذلك لابدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الرواية تدلّ على الوجوب على تقدير اجتماع السبعة، فهو وجوب معلّقٌ، ولا تدلّ على وجوب الاجتماع مطلقاً، فلا تدلّ على الوجوب التعييني المطلق.

والحاصل أنّ هنا احتمالات ثلاثة:

أحدها: وجوب الاجتماع مطلقاً، ويكون عدد الخمسة والسبعة شرطاً للصحّة لا للوجوب، وهو ما يذهب إليه القائلون بالوجوب التعييني، كالشهيد الثاني(1).

ثانيها: وجوب إقامتها إذا حصل الاجتماع، فيكون العدد شرطاً للوجوب، 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

(1) رسالة في صلاة الجمعة للشهيد الثاني: 51، ضمن مجموعة رسائل الشهيد الثاني.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وهو الذي استفدناه من هذه الصحيحة.

ثالثها: أنّه لا يجب إقامتها حتّى بعد الاجتماع تعييناً، وإنّما تجب تخييراً، ولكن يجب السعي إليها إذا اُقيمت. والقائلون بالتقييد بالسلطان العادل قيّدوها بأنْ يكون الإمام أحدهم، وما يدّعيه القائل بالوجوب هو الأوّل، والذي تدلّ عليه الصحيحة هو الثاني.

بعد أن عرفت ذلك فلابدّ من التعرّض لجهتين:

الجهة الأولى: التقييد بالسلطان العادل

فقد قيل بلزوم تقييد هذه الصحيحة وغيرها إن سُلّم إطلاقها للسلطان العادل باُمورٍ: 

الأمر الأوّل: 

الإجماعات المنقولة من قبل أصحابنا المتقدّمين منهم والمتأخّرين؛ حيث نقل الإجماع المستفيض على أنّ الجمعة مشروطةٌ بوجود السلطان العادل أو المأذون من قِبله. فعن سيّدنا العمّ صاحب (المدارك)(1) أنّ دعاوى الإجماعات بلغت ثلاثين، وعن (مصابيح الظلام) أنّها بلغت أربعين(2)، وعن المحقّق الداماد أنّهم أطبقوا على عدم وجوب الجمعة العيني عند عدم وجود السلطان 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() لم نجده في المدارك، بل يقول في ج4 ص23: فعلم من ذلك أنّ هذه المسألة ليست إجماعيّة، وأنّ دعوى الإجماع فيها غير جيّدة، كما اتّفق لهم في كثيرٍ من المسائل، (المقرّر).

(2) راجع مصابيح الظلام2: 17، مفتاح وجوب صلاة الجمعة عند حضورها. 

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

العادل(1). وقال بعضهم: لم يُنسب القول بوجوبها من دون اشتراط السلطان العادل إلى أحد من المتقدّمين(2). نعم، ادّعى بعضهم وجود الإذن من قِبله في إقامتها(3).

وعن بعض الأعاظم(4): ظهر هذا القول في الإماميّة في عهد الصفويّة، وذهب إليه الشهيد الثاني(5)، وألّف فيه رسالة مستقلّة. فكأنّه قبله لم تكن المسألة محلّ كلام، بل إنّ الشهيد الثاني نفسه في مؤلّفاته المتأخّرة عدل عن هذا القول للإجماع؛ فقد قال في (الروضة): ولولا دعواهم الإجماع على عدم الوجوب العيني، لكان القول به في غاية القوّة(6).

ولا يخفى: أنّه لا يمكن التمسّك بهذه الإجماعات ورفع اليد عن ظهور هذه الصحيحة وما شابهها؛ لوجوهٍ من المناقشة:

ــــــــــ[109]ــــــــــ

(1) اُنظر: عيون الأخبار: 219، المسألة الرابعة.

(2) راجع كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام4: 228، المقصد الثالث، الفصل الأوّل، الشرط الثاني.

(3) كما أفاده في الذكرى4: 104، الركن الثالث، الفصل الأوّل، المطلب الأوّل، الشرط الأوّل.

(4) البدر الزاهر: 32، الفصل الأوّل.

(5) رسالة في صلاة الجمعة للشهيد الثاني: 51، و70، و71.

(6) اُنظر: الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة1: 665، كتاب الصلاة، الفصل السادس.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

المناقشة الاُولى: أنّه ما المراد من الإجماع المنقول؟ هل هو الإجماع بالمعنى اللغوي، وهو إجماع علماء الشيعة جميعاً، أو بالمعنى الاصطلاحي، وهو اجتماع جماعة يُستكشف منه رأي المعصوم؟ وكلا الإجماعين غير حاصلين على كثرة من نقله.

أمّا على المعنى الأوّل فهو ممّا يقطع بعدم وجوده؛ لوجود الخلاف صريحاً بين المتقدّمين والمتأخّرين.

ودعوى أنّ أوّل من نفى الاشتراط هو الشهيد الثاني دعوى غريبة. وهذه عبارة الشيخ المفيد في (المقنعة) تنادي بذلك؛ إذ يقول: والشرائط التي تجب فيمَن يجب معه الاجتماع: أن يكون حرّاً، بالغاً، طاهراً في ولادته، مُجنَّباً من الأمراض: الجذام والبرص خاصّة في جلدته، مسلماً، مؤمناً معتقداً للحقّ بأسره في ديانته، مصلِّياً للفرض في ساعته. فإذا كان كذلك واجتمع معه أربعة نفر، وجب الاجتماع(1).

فأين اشتراط السلطان العادل، والمفيد شيخ المتقدّمين؟!

وإن كان المراد الإجماع بمعناه الاصطلاحي عند المتقدّمين، فهو غير متحقّقٍ في المقام. وإن سلَّمْنا إجماع الكلّ؛ لمعلوميّة استناد الجُلّ إنْ لم يكن الكلّ إلى ما بين أيدينا من الأدلّة، فالاعتماد عليها لا على الإجماع، بل مجرّد الظنّ بذلك يكفي، كما قُرِّر في علم الاُصول.

المناقشة الثانية: أنّ بعض المجمعين -إن لم يكن كلّهم- يكتفي بإذنه، 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

(1) اُنظر: المقنعة للشيخ المفيد: 163، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

والرواية تكون كاشفةً عن إذنه، فلا تكون مخالفةً للإجماع(1). نعم، إن اُريد منها إقامة الجمعة ولو من دون إذنه، كانتْ مخالفةً له.

المناقشة الثالثة: أنّ هذه الصحيحة لا تُنافي إجماعهم؛ فإنّ القدر المتيقّن من الإجماع هو عدم وجوب إقامة الجمعة، بمعنى: الاجتماع في مكانٍ واحدٍ لأجل إقامة الجمعة، والرواية لا تثبت وجوبها بالمعنى المذكور، بل تثبت وجوبها بعد الاجتماع.

ثمّ إنّ الفقيه الهمداني في (مصباحه) ترقّى على ذلك درجةً، وذكر ما خلاصته: أنّ نفس وجود الاختلاف في المسألة كاشفٌ عن عدم وجوب الجمعة؛ إذ قال ما نصّه: بل يكفي في الجزم بعدم الوجوب في مثل المقام وجود خلافٍ يُعتدّ به فيه؛ لقضاء العادة بأنّه لو كانت الجمعة بعينها واجبةً على كلّ مسلمٍ لصارت من الصدر الأوّل من زمان النبيّ -كغيرها من الفرائض اليوميّة- من ضروريّات الدين(2).

ولكن يرد عليه: أنّ هناك فَرْقاً بين الجمعة وبين سائر الفرائض؛ إذ إنّ بقيّة الفرائض ممّا يبتلي بها المسلمون في كلّ وقتٍ ومكانٍ، وأمّا الجمعة فلم تكن محلّ 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

() من المعلوم ابتناء هذا القول على كون المعصوم هو السلطان العادل، ولا يخفى ظهور الرواية -حتّى بناءً عليه- في أنّ الإمام يتكلّم بصفته مبلَّغاً وناقلاً للحكم عن الله عزّ وجلّ، لا بصفته سلطاناً عادلاً، ومن ثمّ يمكن الطعن في كونه في مقام البيان من ناحية الإذن. أمّا مع عدم تسليم المبنى فالأمر أوضح، (المقرّر).

(2) مصباح الفقيه2 ق2: 437، الركن الثالث، الفصل الأوّل: في صلاة الجمعة.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الابتلاء لهم، لا في زمان النبيّ ولا ما بعده، وإن قلنا بوجوبها؛ إذ في زمان النبيّ ومن بعده من أزمنة السلطان العادل كانت إقامتها من قبل غيره غير مشروعةٍ وساقطةٍ عن المسلمين بهذا الاعتبار. وأمّا في أيّام السلطان الجائر (السلطان العادل الادّعائي) فهي ساقطةٌ خوفاً وتقيّةً.

إذن، فهي لم تكن محلّ ابتلائهم على أيّ حالٍ، كما يدلّ على ذلك قوله في ذيل الصحيحة: “فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا، أَمَّهُم بعضهم وخطبهمُ” وإنّ إقامة الجمعة كانت ممّا يُخاف.

بل يظهر من بعض الروايات أنّ بعض الشيعة كانوا يخافون حتّى من صلاة الظهر يوم الجمعة. ففي صحيحة ابن بكير قال: سألتُه عن قومٍ في قرية ليس لهم مَن يجمع بهم: أيُصلُّون الظهر يوم الجمعة في جماعةٍ؟ قال: نعم، إذا لم يخافوا”(1).

ومن هنا يظهر مناقشةٌ اُخرى للإجماعات المنقولة، وهو احتمال أن يكون مراد المجمعين أو بعضهم من اشتراط الجمعة بوجود السلطان العادل أنّه لا يجوز إقامتها حال وجوده بدون إذنه، أو أنّه لا يجوز معارضته في ذلك، فتكون 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام3: 15، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث55، الاستبصار1: 417، الباب250، الحديث7، ووسائل الشيعة7: 327، الباب 12 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1. ولا يخفى ابتناء دلالتها على أنّ المراد من الظهر هي الرباعيّة. أمّا إذا كان المراد منها خصوص الجمعة -كما في أحد إطلاقاته كما سبق- فيكون شأن هذه الرواية شأن سابقاتها، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

هذه الإجماعات أجنبيّةً عن محلّ الكلام؛ فإنّ كلامنا في حكم صلاة الجمعة في غير أيّام السلطان العادل.

ولكنّ الإنصاف ضعف هذه المناقشة؛ لأنّ الجمعة إنمّا تسقط عن الشيعة أيّام وجوبها إذا اُقيمت أيّام السلطان العادل الحقيقي، لا أيّام السلطان العادل الادّعائي.

إذن، فلا بدّ أن يكون كلامهم في اشتراط وجوب الجمعة شاملاً لسائر العصور، لا خاصّاً بعصر السلطان العادل.

وبعبارة اُخرى: إنّه إذا كان المراد به السلطان العادل، فمن البعيد أن ننزله على عصرٍ ليس محلاًّ للابتلاء، كما أنّه من البعيد أن يكون مرادهم السلطان العادل الأعمّ من الحقيقي والادّعائي. إذن يكون مرادهم شاملاً لسائر العصور.

أمّا مناقشتنا للفقيه الهمداني وقولنا: إنّ الجمعة لم يتمكّن الشيعةُ من إقامتها: إذا كان المراد منها الجمعة التي تُقام في المسجد الجامع فنعم، وأمّا الجمعة التي تُقام سرّاً في البيوت ويحضرها العدد القليل منهم فلم تكنْ ساقطةً عنهم، كما في صحيحة زرارة: حثّنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة حتّى ظننتُ أنّه يريد أن نأتيه، فقلتُ: نغدو عليك؟ فقال: “لا، إنّما عنيتُ عندكم”(1).

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() وسائل الشيعة7: 309، الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1. واُنظر أيضاً مصباح الفقيه2 ق2: 441. 

وقد سألت سيّدنا الاُستاذ عن خصوص هذه الصحيحة: أنّه كيف يأمر بإقامة الجمعة في دار زرارة، والمفروض أنّها مقامة في داره أيضاً، فيلزم وجود جمعتين بينهما أقلّ من فرسخين؟ 

فأجاب (سلّمه الله) بأمرين

أحدهما: أنّني احتمل أنّ وجوب التباعد بين الجمعتين مختصٌّ بالجمعة التي يجب السعي إليها دون غيرها. 

وثانياً: أنّ دار زرارة كانت في الكوفة لا في المدينة، فمقصود الإمام -والله العالم- أنْ يقول لزرارة: إنّك الآن مسافرٌ لا تجب عليك الجمعة، وإنّما عنيتُ إقامتها عندكم إذا رجعتَ إلى الكوفة، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

فإنّه لو لم تكن صلاة الجمعة ممكنةً، لَمَا ظنّ زرارة أنّه يريد أنْ يأتوه، ولَمَا قال: “إنّما عنيتُ عندكم“. إلّا أن يكون المراد من إقامتها عندهم الائتمام بإمام الجمعة المعيّن من قِبل الدولة، وعليه تكون الرواية في مقام التقيّة فقط. إلّا أنْ يقال: إنّ التقيّة إنّما ترفع وجوب السعي، لا إنّها ترفع وجوب الإقامة؛ فإنّ إقامة الجمعة بلا سعي لا تُنافي التقيّة.

إذن، فالشيعة كانوا متمكّنين من إقامة الجمعة، فلو كانت واجبةً بالوجوب العيني لظهر وبان، ولَمَا بقي خفيّاً مختلفاً فيه. إذن فوجود الخلاف دليلٌ على عدم الوجوب التعييني. إذن فمن المقطوع به أنّه لا وجوب تعييني أيّام عدم وجود السلطان العادل.

وصحيحتُنا السابقة صحيحةُ زرارة التي نتكلّم فيها كانت ظاهرةً في أمرين: أحدهما: الوجوب التعييني، وثانيهما: عدم التقييد بالسلطان العادل. وإذا كان لا يمكن الاحتفاظ بكلا الظهورين بعد القرينة التي نقّحناها من الفقيه الهمداني، فإمّا أن نرفع اليد عن ظهورها بعدم اشتراط السلطان العادل، مع المحافظة على ظهورها في الوجوب التعييني، وإمّا أن نرفع اليد عن ظهورها 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

في الوجوب التعييني مع المحافظة على الظهور الآخر، فنحكم بالتخيير أيّام عدم السلطان العادل. وترجيح أحد الأمرين موقوفٌ على قوّة أحد الظهورين.

والظاهر: أنّ الظهور الثاني أقوى؛ لما عرفت من بعد تقييدها بالسلطان العادل؛ لأنّها صريحةٌ في أنّ عدد السبعة كافٍ في الوجوب، فلابدّ أن نرفع اليد عن التعيين والالتزام بالوجوب التخييري أيّام عدم السلطان العادل.

ثمّ إنّنا نتساءل عمّا إذا كانت الصحيحة دالّةً على الوجوب التعييني عند اجتماع سبعة، أو على وجوب اجتماعهم؟

والمحتملات في ذلك ثلاثة:

أحدها: أن يكون المراد هو وجود سبعة قد اجتمعوا: سواء كان اجتماعهم لأجل الصلاة أم لغرضٍ آخر.

ثانيها: أن يكون المراد اجتماع سبعة لأجل الصلاة، فتجب عيناً، دون ما إذا اجتمعوا لغرضٍ آخر.

ثالثها: أنّ المراد اجتماع سبعة لصلاة الجمعة بالخصوص، لا لمطلق الصلاة، فلا تجب عيناً إلّا في هذا الفرض.

والقدر المتيقّن من الرواية هو الثالث، وليس فيها إطلاقٌ لمورد الإجماع، والمفهوم من الرواية أنّ الخمسة قد اجتمعوا لإقامة الجمعة(1)، فنفهم بقرينة المقابلة أنّ السبعة أيضاً كذلك.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() يمكن المناقشة في وجود هذا الظهور بعدم إمكان استفادته عرفاً، إلّا أنْ يُقال: إنّه يُستفاد من فرض كون الإمام أحد الخمسة، فراجع وتأمّل، (المقرّر). 

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

إذن، فالجمعة تجب على سبعة قد اجتمعوا لإقامتها، والإجماع لا يدلّ على عدم الوجوب في مثل ذلك؛ لأنّ غاية ما يدلّ عليه هو عدم وجوب الاجتماع للجمعة، لا عدم الوجوب على سبعة فأكثر، وقد اجتمعوا لهذا الغرض، ولا إطلاق في معاقد الإجماع يشمل مثل ذلك.

إذن، فلا محيص عن الالتزام بوجوب الجمعة على سبعة قد اجتمعوا لإقامتها، والإجماع -مع غضّ النظر عن مناقشات المحقّق الهمداني- لا يدلّ على شيءٍ.

إذا عرفت هذا فنقول: لو سلّمنا أنّ الإجماعات تدلّ على خلاف مفاد الصحيحة؛ إذ تدلّ الصحيحة على الوجوب، والإجماع على عدمه، ويدور أمر الصحيحة بين أمرين: إمّا حملها على صورة وجود السلطان العادل، أو حملها على الوجوب التخييري، فقد قلنا: إنّ الثاني أولى؛  لأنّ السلطان العادل إذا أقام الجمعة فلا محالة تكون جمعةً جامعةً، ولا تكون مقتصرةً على سبعة، ولأنّ الرواية قويّة الظهور في أنّ وجود سبعة هو سببٌ للوجوب، وهو مطلقٌ من حيث وجود السلطان العادل وعدمه، ولأنّ قوله في ذيل الرواية: “أمّهم بعضهم“-الظاهر صدوره من الإمام- يُعيّن ذلك.

ولقائلٍ أن يقول: فعلى ذلك ما الفرق بين الخمسة والسبعة، بعد أن فرضنا الوجوب في السبعة تخييريّاً، وكان الأمر في الخمسة أيضاً كذلك، على ما سبق؟

ولكن هذا يُجاب بأحد أمرين:

أمّا أوّلاً: فبإنكار أنّ الخمسة يجب عليهم إقامة الجمعة تخييريّاً، بل نقول: 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

إنّه من باب الندب الذي يسقط به الواجب، وهذا موجودٌ في عدّة موارد في الفقه منها: زكاة الفطرة إذا اُعطيت قبل موعدها.

وأمّا ثانياً: فبالالتزام باختلاف مراتب المطلوبيّة؛ فمن الممكن أن تكون الجمعة مطلوبةً عند عدد السبعة طلباً أكيداً وأفضل من الظهر، بحيث صحّ الفرق بينها وبين الخمسة. ولو فرضنا أنّه في عدد الخمسة تكون الظهر أفضل وفي السبعة تكون الجمعة أفضل، لكفى فرقاً بينهما، ويصدق الوجوب التخييري في كِلا الفرضين، ولكن الإنصاف عدم معارضة الإجماع فنلتزم بالوجوب التعييني في موردها.

ثمّ إنّ هذه الصحيحة تفيدنا من ناحيةٍ اُخرى، وهي كونها مقيِّدةً لمطلقات وجوب الجمعة لو كانت معتبرةً سنداً ودلالةً، فنقيّدها بما إذا اجتمع سبعةٌ، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً.

الأمر الثاني: 

ومن الاُمور التي توجب رفع اليد عن إطلاق هذه الرواية بل غيرها من الروايات التي يُتوهّم دلالتها على عدم اشتراط الجمعة بالسلطان العادل هي السيرة بين الأصحاب من زمان الأئمّة وإلى الآن على عدم الالتزام بهذه الصلاة أو الإتيان بها، بل يظهر أنّ زرارة لم يكن يأتي بها، وأنّ بعضهم لم يأت بها في مجموع حياته. ويؤيّده قول زرارة في صحيحته عن أبي عبد الله: حثّنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة، والحثّ إنّما يكون للإتيان بالشيء المتروك.

ــــــــــ[117]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وقال بعض الأعاظم(1): إنّ الأمر دائرٌ بين تركها من قِبل زرارة عصياناً، وبين علمه بعدم الوجوب عيناً، وحيث إنّ الأمر الأوّل بعيدٌ بل مقطوعٌ بعدمه، فيتعيّن الثاني.

ولكن يمكن أن يُقال: إنّ عدم علمنا بإتيانهم لها لا يدلّ على عدم إقامتهم إيّاها. فالأمر يدور بين شقوقٍ أربعةٍ:

أوّلاً: تركها اختياراً.

ثانياً: إقامتها من قبلهم مع عدم وصول خبرها إلينا.

ثالثاً: عدم تمكّنهم من إقامتها.

رابعاً: تركها عصياناً.

وعدم الشقّ الأخير لا يعيّن الشقّ الأوّل؛ إذ لو لم يتمكّنوا من التظاهر بإقامتها للتقيّة، لم يصل إلينا خبرها، كما في قوله في ذيل صحيحة زرارة: “ولم يخافوا أمَّهم بعضهم”. إذن فتركهم لها: إمّا عن خوف، أو كانوا يقيمونها متستّرين ولم يصل خبرها.

ومن هنا يظهر ضعف الاستدلال بعدم الإقامة على الاشتراط بالسلطان العادل؛ فإنَّ تركهم لها إن ثبت، فهو يمكن أن يكون للتقيّة والخوف، ولو فرض إقامتها فهو لا بدّ أن يكون سرّاً، وعدم وصول الخبر إثباتاً لا يدلّ على العدم ثبوتاً. بل قد يشعر قوله في صحيحة زرارة: (فظننتُ أنّه يريد أن نأتيه). أنّ 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

(1) اُنظر: البدر الزاهر: 42، الفصل الأوّل.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الإمام الصادقكان يقيم الجمعة مع جملةٍ من أصحابه قليلة، فظنّ زرارة أنّه يأمره بالسعي إليها.

وهذه المناقشة إنّما ترد في غير الإمام الحسين، ولا مجال لها بالنسبة إليه؛ فإنّه حين أعلن عدم مبايعته ليزيد قائلاً: “… والله لا اُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لهم إقرار العبيد. ويزيد رجلٌ فاسقٌ، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله”(1)،  لم يكن يتاقي ولا يخاف من سلطةٍ، فلماذا لا يقيم الجمعة؟

إلاّ أن يُقال: إنّ إقامتها كان استفزازاً وإعلان حرب على الأموييّن، والإمام الحسين كان يريد أن يهاجَم لا أن يهاجِم.

هذا، ولكنّ السيرة المذكورة -بناء على تسليمها- قد لا تفي بالاستدلال على عدم الوجوب المستفاد من الصحيحة، وهو الوجوب على السبعة المجتمعين لإقامة الجمعة.

ثمّ إنّ السيرة على الترك -وإن سلّمناها- لا تدلّ على اشتراط الجمعة بالسلطان العادل؛ فإنّ السيرة على الترك قد تكون لعدم مشروعيّتها مع عدم 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

() اُنظر العبارة الثانية للحسين في اللهوف لابن طاووس: 17. أمّا العبارة الاُولى فلم نجدها في المصادر وإن كانت مشهورة على الألسن، إلاّ أنّ هناك ما هو أشدّ منها: كقوله: “لا أرى الموت إلاّ سعادةً، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً”. اُنظر المصدر ص69، وكقوله : “ألا إنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلة…” كما في اللهوف: 59، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

السلطان العادل، أو عدم وجوبها التعييني. فهل نرفع اليد بالسيرة عن ظهور الصحيحة في التعيين أو عن إطلاقها؟ كلاّ ثمّ كلاّ، مع احتمال أنّهم كانوا يتستّرون بإقامتها، وقد ذكرنا أنّ ظهورها في التعيين أظهر من ظهورها في عدم اشتراط السلطان العادل، فالأظهر حملها على التخيير بناءً على المعارضة. أمّا بناءً على ما قلناه فلا معارضة.

الأمر الثالث: الذي تُقيَّد به الصحيحة هو الأخبار الدالّة على لزوم السعي على من كان على رأس فرسخين، وعدم وجوبها على غيره.

منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر، قال: “تجبُ الجمعةُ على مَن كان منها على فرسخين”(1).

ومنها: خبر الفضل بن شاذان عن الرضا، قال: “إنّما وجبت الجمعةُ على مَن يكونُ على فرسخين لا أكثر مِن ذلك …”(2). ويحمل عليه ما في صحيحة زرارة، قال: قال أبو جعفر: “الجمعةُ واجبةٌ على مَن إن صلّى 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

() الكافي3: 419، باب وجوب الجمعة وعلى كم تجب، الحديث2، تهذيب الأحكام3: 23، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث80، الاستبصار1: 421، الباب254، الحديث2، ووسائل الشيعة7: 308، الباب 4 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث2.

(2) كذا في الوسائل7: 308، الباب4 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث4، إلاّ أنّه ورد في العلل والعيون -كما سبق تخريجهما-: “فإن قال: لِمَ وجبت الجمعة على من يكون على فرسخين لا أكثر من ذلك …؟” والغرض واحدٌ.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الغداة في أهله أدرك الجمعة …” الخبر(1).

وتقريب الاستدلال: أنّه لو جاز عقد الجمعة من دون إذن السلطان العادل لم يجب السعي إليها من فرسخين؛ لإمكان صحّة إقامتها في الزائد على ثلاثة أميال، ولوجب على مَن لم يسعَ إقامتها مَن كان بينه وبينها ثلاثة أميال.

والجواب: أنّ الرواية الصحيحة المباركة -رواية زرارة التي هي محلّ الكلام- تُحمَل على عدم وجود جمعة أقرب بلا إشكالٍ، وإلاّ فالسعي إلى الأبعد لا يجب حتماً(2).

أمّا أنّه لماذا لا يجب على المكلّف إقامتها؟ فلاحتمالات: إمّا لشرطيّة السلطان العادل في الوجوب، وإمّا لأنّ إقامتها واجبٌ تخييري وإن وجب السعي إليها، وإمّا لأنّ المكلّف مخيّرٌ بين إقامتها وبين السعي إليها، وإن قلنا بوجوبها التعييني.

إذن، فالأخبار لا تدلّ على وجوب إقامة الجمعة؛ لاحتمال أنّه مع وجود الجمعة يجب السعي إليها، ولا تجب إقامتها.

وقد يُستدلّ تارةً اُخرى بقوله في صحيحة محمّد بن مسلم: “فإن زاد 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام3:238، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث13، الاستبصار1: 421، الباب254، الحديث3، إلاّ أنّه ورد فيه (إذا) بدل (إن)، ووسائل الشيعة7: 307، الباب 4 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

(2) باعتبار تقييد الصحيحة بهذه الطائفة من الروايات، كما هو معلوم، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

على ذلك، فليس عليه شيءٌ”(1).

بتقريب: أنّ ذلك باعتبار اختصاص إقامتها بالسلطان العادل. وقد ظهرت المناقشة في ذلك؛ فإنّ قوله: “ليس عليه شيءٌ” يعني السعي لا الإقامة، وحكم الإقامة مسكوتٌ عنه، فربّما كانت واجبةً تعييناً، وربّما كانت واجبةً تخييراً.

إذن، فهذه الأخبار لا تنفي وجوب إقامة الجمعة والاجتماع لأجلها، والمعنى الذي استفدناه من الصحيحة لا ينافيها؛ وذلك لأنّ الصحيحة تدلّ على الوجوب على تقدير الاجتماع، لا على وجوب الاجتماع. فإذا دلّت هذه الأخبار على عدم الوجوب على تقدير عدم الاجتماع، فإنّها لا تنافيها، بل تكون مؤيَّدةً لها.

ثمّ لو سلّمنا أنّ هذه الرواية معارضةٌ لتلك الروايات؛ لأنّها تدلّ على عدم الوجوب، وهي تدلّ على الوجوب، رفعنا اليد عن إطلاق الصحيحة وحملناها على الوجوب التخييري، كما رفعنا اليد عن ظهورها في شرطيّة السلطان العادل.

الأمر الرابع: لتقييد إطلاق الصحيحة الدالّ على عدم اختصاص وجوب 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) الكافي3: 419، باب وجوب الجمعة وعلى كم تجب، الحديث3، تهذيب الأحكام3: 240، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث23، الاستبصار1: 421، الباب254، الحديث1، ووسائل الشيعة7: 309، الباب4 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث6.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الجمعة بالسلطان العادل هو الأخبار الدالّة على إناطة الجمعة بمن يخطب.

منها: صحيحة محمّد بن مسلمٍ عن أحدهما، قال: سألتُه عن اُناس في قريةٍ: هل يُصلّون الجمعة جماعة؟ قال: ” نعم، يصلّون أربعاً إذا لم يكن مَن يخطب(1). وظاهر قوله: “مَن يخطب” المُعيَّن للخطابة من قبل السلطان العادل.

وكصحيحة الفضل بن عبد الملك، قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: “إذا كان قومٌ في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمسة نفرٍ. وإنّما جُعلت ركعتين لمكان الخطبتين”(2)

فقد جعل الجمعة موقوفةً على مَن يخطب، وظاهره مَن عُيِّن للخطابة؛ لأنّ أقلّ المجزيّ من الخطابة يكون متمكّناً منه أكثر الناس. ولو سلّمنا أنّ المراد به من يكون متمكّناً من الخطابة الكاملة، لوجب تعلّمها -لو كانت واجبةً عيناً- من باب المقدّمة.

ويندفع: بأنّ وجوب الجمعة التعييني يُتصوَّر على نحوين: إمّا بنحو أنّه يجب تهيئة جميع مقدّماتها بما فيه وجود الخطيب، وإمّا أن تكون مشروطةً بوجود من 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3:238، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث15، الاستبصار1: 419، الباب253، الحديث1، ووسائل الشيعة7: 306، الباب3 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

(2) الاستبصار1: 420، الباب253، الحديث2، ووسائل الشيعة7: 304، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث6.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

يخطب. وعلى الثاني فلا يترشّح وجوب غيري على هذه المقدّمة بالخصوص، فلا يجب تهيئة مَن يخطب، أو يُفرض الكلام فيما لو عصى هذا الأمر.

ثمّ إنّ هذا التقريب ينفي الوجوب التعييني المطلق للجمعة، وأمّا الوجوب التعييني الذي ذكرناه -وهو المشروط باجتماع سبعةٍ- فلا تكون نافيةً له. وعلى هذا فلا داعي لأن نرفع اليد عن ظهور مَن يخطب في الخطابة الكاملة؛ لأنّ حمله على أقلّ المجزيّ فرع الوجوب التعييني، وحمله على الخطابة الكاملة يتّفق مع الوجوب التخييري، ووجود مَن يتمكّن من ذلك ليس أمراً غالباً.

وصحيحة محمّد بن مسلم تحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون قوله: “نعم” بمعنى الموافقة على ما سبق، يعني: يُصلّون الجمعة جماعةً، ثمّ قال تفضّلاً ابتداءً: “يُصلّون أربعاً إذا لم يكن مَن يخطب”.

ثانيهما: أنّه استعمل الجمعة بمعنى الظهر، ويكون معناه: أنّهم يُصلّون الظهر أربعاً إذا لم يكن مَن يخطب. وعلى أيّ حالٍ تكون الرواية تامّةً استدلالاً وجواباً.

ويلحق بهذه الطائفة موثّقة ابن بكير، قال: سألتُ أبا عبد الله عن قومٍ في قرية ليس لهم مَن يجمع بهم: أيُصلّون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟ قال: “نعم، إذا لم يخافوا”(1).

ــــــــــ[124]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 15، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث55، الاستبصار1: 417، الباب250، الحديث7، ووسائل الشيعة7: 327، الباب12 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ووجه الاستدلال واضحٌ، وهو أنّ ظاهر قوله: “مَن يجمع بهم” هو أنْ يكون إماماً خاصّاً، لا مجرّد إمام الجماعة.

والمناقشة أيضاً واضحةٌ؛ فإنّ قوله: “مَن يجمع” يعني: مَن يتمكّن من الخطبتين تمكّناً كاملاً؛ لأنّه على الوجوب التخييري لا داعي للاكتفاء بأقلّ المجزيّ من الخطبة، وإنّما ذلك فرع الوجوب التعييني.

إذن، فالمراد به هو مَن يتمكّن من الخطابة بشكلٍ كاملٍ، ولا دلالة في الرواية على أنّ المقصود منه هو السلطان العادل أو نائبه. إذن فهي تدلّ على وجوب الجمعة مع وجود مَن يخطب، وبصحيحتنا المباركة نقيَّدها ونجعلها مشروطةً بوجود سبعةٍ.

الأمر الخامس: وهي الأخبار النافية لحكم الجمعة في القُرَى، كرواية طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي، قال: “لا جمعة إلّا في مصرٍ تُقام فيه الحدود(1)، ورواية حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه، قال: “ليس على أهل القرى جمعةٌ ولا خروجٌ في العيدين”(2).

وتقريب الاستدلال: أنّه لا خصوصيّة للقُرى قطعاً بإجماع الإماميّة، 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 239، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث21، ووسائل الشيعة7: 307، الباب4 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث4.

(2) تهذيب الأحكام3: 248، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث61، الاستبصار1: 420، الباب253، الحديث6، ووسائل الشيعة7: 307، الباب4 من أبواب صلاة الجمعة آدابها، الحديث3.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

فيحمل ذلك على الغالب من عدم وجود السلطان العادل أو نائبه هناك.

ويرد عليه: أنّ المراد إن كان هو وجوب إقامتها، فلا يجب على المكلّفين إقامتها لا في المدن ولا في القرى، وإنّما يجب ذلك على الإمام أو نائبه بناءً على الاشتراط. وإنْ كان المراد وجوب السعي إليها، فلا يمكن أن يكون وجه عدم الوجوب هو بُعْد القرى عن المدن؛ لأنّه لا تكون قريةٌ إلّا وهي قريبةٌ من مدينةٍ تُقام فيها جمعةٌ. ومع التنزّل فليس ذلك فرداً نادراً لينصرف عنها الإطلاق. إذن فلماذا لا يسعى أهل القرى إلى الجمعة؟ فالأظهر حملها على التقيّة.

هذا كلّه إذا لم يكن الالتزام بوجوب الجمعة تعييناً مشروطاً بالاجتماع أو تخييراً مرفوعاً عن القرى.

وأمّا إذا كان هذا الأخير مخالفاً للإجماع، فإمّا أن نؤوّله أو نحمله على التقيّة، والحمل على الثاني أولى عند دوران الأمر بينهما؛ إذ إنّ أصالة الجهة تكون ساقطةً مع التأويل؛ فإنّ ما هو الحجّة هو الظاهر دون التأويل.

ونُقل عن الشيخ الحَمْل على القُرى البعيدة فرسخين فأكثر مع اختلال الشرائط عندهم(1).

ولا يخفى ما فيه؛ فإنّ ظاهر الرواية اختصاص الحكم بالقرى، وعلى ما قاله يعمّ المدن مع تحقّق الأمرين فيها، على أنّ أكثر القرى -كما قلنا- قريبةٌ من المدن. 

فظهر أنّ هذه الروايات لا تكون دليلاً لا على وجوب الجمعة تعييناً، ولا 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) اُنظر: الاستبصار1: 420، الباب253، ذيل الحديث6، وتهذيب الأحكام3: 248، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، ذيل الحديث61.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

على اشتراطها بالسلطان العادل. أمّا الثاني فقد ظهر وجهه، وأمّا الأوّل فلعدم كون الرواية ناظرةً إلى ذلك.

مع أنّ كلتا الروايتين غير معتبرة السند؛ لوجود طلحة بن زيد في الأُولى، وحفص بن غياث في الثانية، ولم يثبت وثاقتهما.

الأمر السادس: وهي الأخبار الدالّة على مشروعيّة الظهر إذا لم يكن مَن يجمع بهم، كموثّقة ابن بكير السابقة، قال: سألتُ أبا عبد الله عن قومٍ في قريةٍ ليس لهم مَن يجمع بهم: أيُصلّون الظهر يوم الجمعة في جماعةٍ؟ قال: “نعم، إذا لم يخافوا(1).

وظاهرها: أنّ (مَن يجمع) إمامٌ خاصّ، وأنّه لا جمعة بدونه.

وقد ظهر الجواب ممّا ذكرناه، وهو أنّه لا ريب في أنّه لا جمعة بدون الإمام الخاصّ، ولكن هل هو الإمام الخاصّ، وما هي شرائطه؟ فنحمله على مَن كان متمكّناً من الخطبتين.

 ودعوى الحمل على أقلّ المجزيّ من الخطبة مدفوعةٌ؛ فإنّه فرع الوجوب التعييني المطلق. أمّا الوجوب التخييري أو الوجوب التعييني على تقدير الاجتماع فلا يناسبه ذلك، كما هو واضحٌ.

وقد يرد على الإستدلال بها: أنّ المراد من الظهر في الرواية هو الجمعة، 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 15، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث55، الاستبصار1: 417، الباب250، الحديث7، ووسائل الشيعة7: 327، الباب 12 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ويدلّ عليه قوله: “إذا لم يخافوا“؛ فإنّ ما يكون مورداً للخوف هو إقامة الجمعة دون الظهر(1).

هذا، ولكن هذه المناقشة يمكن ردّها؛ إذ ظاهر المقابلة -بين قوله: (مَن يجمع بهم) وقوله: (يصلّون الظهر)- هو إرادة الظهر الاصطلاحي، مع أنّ إرادة الجمعة من الظهر خلاف الظاهر جدّاً؛ فإنّنا قلنا بأنّه قد يُستعمل الظهر ويُراد به الأعمّ من الظهر والجمعة، لا أن يستعمل ويُراد به خصوص الجمعة؛ فإنّه غير ممكنٍ.

ثمّ إنّ القرينة أيضاً باطلةٌ؛ لأنّ صلاة الظهر يوم الجمعة أيضاً تقع مورداً للخوف مع وجود جمعةٍ اُخرى مقامة من قبل الدولة الظالمة.

إذن، فوجود الخوف لا يكون دليلاً على اختصاص المراد بالجمعة، وعليه فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الرواية في الظهر الاصطلاحيّة.

الأمر السابع: ما رواه الصدوق بإسناده عن حنان بن سدير، عن عبد الله بن 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

() لا يخفى: أنّ هذا الوجه في فهم الرواية ممّا يتوقّف عليه كونها مخصَّصةً لإطلاق صحيحة زرارة المباركة بالسلطان العادل -كما هو محلّ الكلام- وإقامة القرينة على كون المراد هو الظهر الاصطلاحيّة يكون هو الردّ في الحقيقة. ولا يبعد أنْ يكون قول السائل: “ليس لهم مَن يجمع بهم” يدلّ على إرادة الجمعة؛ لبعد أن لا يكون أحدٌ في القرية يصلح إماماً لجماعة الظهر الاصطلاحيّة، كما أنّ اهتمامه بالسؤال عن الصلاة في ظهر يوم الجمعة دالٌّ على ذلك أيضاً. فتأمّل وقارن بين القرائن وخذ بالأقوى منها، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

دينارٍ، عن أبي جعفر، قال: “يا عبد الله، ما من عيدٍ للمسلمين أضحى ولا فطرٍ إلّا وهو يُجدّد لآل محمّد فيه حزن”. قال: قلت: ولمَ؟ قال: “لأنّهم يرون حقّهم في يد غيرهم”(1). وهذه الرواية صحيحة السند، رواها الشيخ والكليني(2) أيضاً.

ووجه الاستدلال ظاهرٌ، وهو ما ينقل عن بعض الأعاظم من: أنّ وزان الجمعة عندنا وزان العيدين(3)، يعني: أنّهما متّفقان في الشرائط، وحيث إنّ الرواية تفيد اشتراط العيدين بالإمام العادل؛ لكونها من حقوقهم، إذن فإقامة الجمعة أيضاً كذلك.

ويرد عليه:

أوّلاً: أنّه لم يصرّح فيها ما هو حقّهم الذي اُخذ منهم، وأنّه إقامة الجمعة أو غيرها، فربما يكون هو إثبات الشهر؛ فإنّ إمام المسلمين هو الذي يحكم بالشهر، فحينما يرون إمام الجور هو الذي يحكم بالشهر، يرون حقّهم مغدوراً لا محالة.

وثانياً: مع التسليم فإنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية هو اشتراط الإمام أيّام 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه2: 174، كتاب الصوم، باب النوادر، الحديث2058.

(2) أمّا الكليني فرواها في جامعه الكافي4: 169، باب النوادر، الحديث2 عن حنان بن سدير عن عبد الله بن دينار، مع فارقٍ يسيرٍ في الألفاظ، وأمّا الشيخ فأوردها في التهذيب3: 289، أبواب الزيادات، باب صلاة العيدين، الحديث26، عن حنان بن سدير عن عبد الله بن ذبيان، مع اختلافٍ في اللفظ أيضاً. وقد أفاد في معجم رجال الحديث11: 197/6860: أنّه لا وجود لعبد الله بن ذبيان، فالظاهر أنّه تصحيفٌ.

(3) اُنظر: البدر الزاهر: 39، الفصل الأوّل.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وجوده، وأنّها في أيّامه تكون من وظائفه، وليس لها تعرّضٌ لأيّام الغيبة.

وثالثاً: أنّه لم يثبت لنا القطع باتّحاد الأحكام بين الصلاتين.

ولا يخفى: أنّ هذه الرواية من أدلّة المستدلّين على حرمة صلاة الجمعة(1)؛ باعتبار إفادتها كونها من حقوقهم، والتعدّي عليها حرامٌ لا محالة.

الأمر الثامن: قول السجّاد في دعاء الجمعة وثاني العيدين: “اللّهمّ إنّ هذا المَقَامَ لخلفائِكَ وأصفيائِكَ ومواضعِ اُمنائِك في الدرجةِ الرفيعةِ التي اخْتَصَصْتَهُمْ بها، قَدْ ابتَزّوْهَا، وَأنَتَ المُقَدَّر لِذلكَ”(2).

ولا يخفى: أنّه لا يتعيّن من قوله: “هذا المقام” أن يكون المراد هو إقامة الجمعة؛ فلعلّ المراد من كان بيده ترتيب آثار الجمعة والعيد. ولو سلّم فهو لا يدلّ على ذلك إلّا مع وجود الإمام المعصوم، ومعه لا يصحّ لغيره التصدّي لإقامتها بالضرورة. وليس له تعرّض لحال الغيبة؛ فإنّ الغصب والابتزاز إنّما يصدق مع إمكان تقدّم الإمام، وهو إنّما يمكن في حال الظهور دون الغيبة التي هي محلّ الكلام.

ولا يخفى: أنّ هذه الرواية أيضاً من أدلّة الحرمة أيضاً بنحو التقريب السابق، بالإضافة إلى أنّ الصحيفة السجّاديّة غير معتبرة السند، والتعبير عنها 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() والاستدلال بها على الحرمة إنّما يتوهّم مع غضّ النظر عن المناقشتين الأُولى والثالثة، وإلّا فهما واردتان على مثل هذا الاستدلال، (المقرّر).

(2) الصحيفة السجّاديّة: 351 (طبعة الأبطحي)، من دعائه  يوم الأضحى ويوم الجمعة، مصباح المتهجّد: 371، أعمال الجمعة، وجمال الاُسبوع: 427، الفصل43.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

بأنّها زبور آل محمّد إنّما يصلح للخطابة، لا للاستدلال الشرعي.

الأمر التاسع: الأخبار التي يصرّح فيها بوجود الإمام: كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر، قال: “تَجبُ الجمعةُ على سبعة نفرٍ من المسلمين، ولا تجبُ على أقلّ منهم: الإمام، وقاضيه، والمدّعي حقّاً، والمدَّعى عليه، والشاهدان، والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام(1).

وقد قلنا سابقاً: إنّ المراد بالإمام ليس هو السلطان العادل، وإنّما هو إمام الجماعة، ولكنّه في المقام يُراد به ذلك قطعاً؛ لقرائن خاصّةٍ بالمقام، هي قوله: “وقاضيه والمدّعى …”؛ فإنّ إمام الجماعة لا قاضي له ولا غيره. إلّا أنّ الرواية لو كانت هكذا: (منهم الإمام الذي له قاضٍ …) لكانت تامّة الدلالة، ولكنّه قال: “الإمام وقاضيه …”. ومن المقطوع به أنّ الجمعة غير متوقّفةٍ على القاضي وما بعده، فمن وحدة السياق نستكشف عدم توقّفها على وجود الإمام أيضاً. والفهم العرفي يرى أنّ هؤلاء السبعة إنّما ذكروا لدفع توهّم عدم عدّهم من السبعة، فلا فرق بين الإمام وغيره من هذه الناحية.

ومن الغريب ما عن بعض الأعاظم من وضوح دلالتها على اختصاص الجمعة بالإمام؛ إذ لو لم تكن الجمعة من مناصبه لم يكن لذكر الإمام في الرواية وجهٌ(2).

ــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 20، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث75، الاستبصار1: 418، الباب252، الحديث2، ووسائل الشيعة7: 305، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9.

(2) البدر الزاهر: 42، الفصل الأوّل.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

والجواب نقضاً: أنّه لماذا ذكر القاضي والمدّعي والمدَّعى عليه، مع عدم دخلهم لا في الصحّة ولا في الوجوب قطعاً؟ ثمّ علَّلَ ذكر هؤلاء بأنّ المراد أنّه لا يُشترط في الجمعة حضور أشخاص من الخارج، بل يكفي الأشخاص الذين لا يخلو منهم عادةً مجلس الإمام، وإن لم يجتمع الناس حوله لكونه في سفر.

ولا يخفى ما فيه؛ فإنّ هؤلاء لا يخلو منهم مجلس القاضي، لا مجلس الإمام، والإمام في خلال سائر العصور لم يكن هو القاضي إلّا نادراً، وكون الإمام في سفرٍ سهوٌ من قلمه الشريف؛ لسقوط الجمعة في السفر(1).

ومن الأخبار التي ذُكر فيها لفظ الإمام واستدلّوا بها -بتقريب: أنّ المراد من الإمام فيها هو السلطان العادل، وقد عرفتَ ما فيه- ما رواه الكليني بإسناده عن سماعة عن أبي عبد الله، قال: “سألتُ أبا عبد الله عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: أمّا مع الإمام فركعتان، وأمّا مَن يُصلّي وحده فهي أربع ركعاتٍ بمنزلة الظهر، يعني: إذا كان إمامٌ يخطب. فأمّا إذا لم يكن إمامٌ يخطب فهي أربع ركعات، وإن صلّوا جماعةً”(2). ورواها الشيخ(3).

ــــــــــ[132]ــــــــــ

() إلّا أن يُقال: إنّه أراد السفر العرفي مع نيّة الإقامة لا السفر الشرعي، (المقرّر).

(2) الكافي3: 421، باب تهيئة الإمام للجمعة وخطبته، حديث4، وسائل الشيعة7: 310، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، حديث9435، مع فارقٍ يسيرٍ في اللفظ.

(3) تهذيب الأحكام3: 19، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث70، وفيه (صلّى) بدل (يصلّي) و(فإذا لم يكن) بدل (فأمّأ إذا لم يكن).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ومنها: صحيحة زرارة في الصلاة الوسطى، يقول فيها: “… وإنّما وُضعت الركعتان … لمكان الخطبتين مع الإمام”(1). ووجه الاستدلال: أنّ الإمام ظاهرٌ في السلطان العادل، فهي متقوّمةٌ به. 

والمناقشة أيضاً ظهرت ممّا سبق من: أنّه يُراد بالإمام إمام الجماعة، والحمل على السلطان العادل من دون قرينةٍ غير صحيحٍ، وإنّما ذكر الإمام في المقام لبيان أنّ الجمعة متقوّمةٌ بالجماعة.

ولكن قد يُستدل برواية اُخرى لسماعة عنه عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: “صلاة يوم الجمعة مع الإمام ركعتان، فمَن صلّى وحده، فهي أربع ركعات”(2)، يعني: إذا كان إمامٌ يخطب، فإنْ لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات، وإن صلّوا جماعةً.

والاستدلال بهذه الموثقة بتقريب: أنّ المراد بمن يخطب هو خصوص المنصوب لذلك.

ــــــــــ[133]ــــــــــ

(1) الكافي3: 271، باب فرض الصلاة، الحديث1، من لا يحضره الفقيه1: 195، باب فرض الصلاة، الحديث600، تهذيب الأحكام2: 241، باب فرض الصلاة والمفروض منها، الحديث23، ووسائل الشيعة7: 321، الباب6 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

(2) من لا يحضره الفقيه1: 417، باب وجوب الجمعة وفضلها …، الحديث1232، تهذيب الأحكام3: 245، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث47، مع اختلافٍ في ألفاظ الخبر، ووسائل الشيعة7: 312، الباب6 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث2.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وقد مرّ أنّه ليس كذلك وقلنا: إنّه إذا لم تكن الجمعة مشترطةً بالسلطان العادل، لكان كلّ إمام جماعةٍ يتمكّن من أقلّ المجزيّ من الخطبة، وقلنا: إنّ ذلك مبنيّ على الوجوب التعييني، وأمّا على الوجوب التخييري فالمناسب له الخطبة الكاملة.

مع أنّ الظاهر اتّحاد هذه الروايات الأربع؛ لعدم ذكره هذه الزيادة فيما رواه الشيخ الكليني، فيقع التعارض بين المتنين، وتكون الاُولى مقدَّمةً؛ لكونها مرويّةً من قبل الشيخ والكليني، والثانية من قبل الصدوق وحده.

وقد شككنا في ثبوت الزيادة، والأصل عدمها، وإن ناقشنا في الأصل، فنشكّ في صدور الزيادة عن الإمام، فلا تكون حجّةً.

ويُلحق بهذه الطائفة ما نقله الفقيه الهمداني في (مصباحه) عن (دعائم الإسلام) عن علي أنّه قال: “لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلّا للإمام أو من يقيمه الإمام”(1).

ولا يخفى: أنّ (دعائم الإسلام) لا يُعتمد عليه ولا على أخباره، مع قرب اختصاص الحكم بحال وجود السلطان العادل. مع أنّه لو سلّم حجّيّة (دعائم الإسلام) بقرينة اعتماد الحاجّ النوري في (مستدرك الوسائل) عليه، فلا يمكن الاعتماد عليها في المقام؛ لكونها مرسلةً؛ فإنّ مرسلات (الكافي) لا نعتمد عليها، 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) كذا في مصباح الفقيه3 ق2: 438، الركن الثالث، الفصل الأوّل: في صلاة الجمعة، ونحوه ما في المستدرك6: 13، باب اشتراط وجوب الجمعة بحضور السلطان العادل أو من نصبه …، الحديث2، نقلاً عنه، أي: عن الدعائم، فلاحظ.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

فكيف بمرسلات (دعائم الإسلام)؟!

ويُلحق بهذه الطائفة أيضاً ما ذكره في (المصباح) عن كتاب (الأشعثيّات) مرسلاً: “إنّ الجمعة والحكومة لإمام المسلمين(1). وقد ذكر بعضهم أنّه لا يوجد في (الأشعثيّات) هذا اللفظ، وإنّما الموجود فيه: “لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلّا بإمامٍ”(2).

وقوله: “العشيرة إذا كان عليهم أميرٌ يقيم الحدود عليهم فقد وجبت عليهم الجمعة والتشريق”(3) يعني: صلاة العيدين.

وفيه بالإسناد أيضاً: “أنّ عليّاً سُئل عن الإمام يهرب ولا يَخلف أحداً يُصلّي بالناس: كيف يصلّون الجمعة؟ قال: يصلّون كصلاتهم أربع ركعات”(4).

وأشكل بعض الأعاظم على الطعن في (الأشعثيّات) بالإرسال، وأثبت إسناده(5)؛ باعتبار أنّ الكتاب كلّه بسندٍ واحدٍ، فكلّ ما ينقله عن الأئمّة 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

() كذا في مصباح الفقيه2 ق2: 438، الركن الثالث، الفصل الأوّل: في صلاة الجمعة.

(2) اُنظر: البدر الزاهر: 47 متناً وهامشاً. والحقّ ما أفاده في البدر الزاهر من أنّ المرويّ عن مولانا أمير المؤمنين -في الاشعثيّات أو الجعفريّات: 42، باب من يجب عليه الجمعة- هو قوله: “لا يصحّ الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلاّ بإمام”.

(3) الجعفريّات: 43، باب من يجب عليه الجمعة، ومستدرك الوسائل6: 12، باب اشتراط وجوب الجمعة بحضور السلطان العادل أو من نصبه …، الحديث1، نقلاً عنه.

(4) الجعفريّات: 43، باب من يجب عليه الجمعة، ومستدرك الوسائل6: 12، باب اشتراط وجوب الجمعة بحضور السلطان العادل أو من نصبه …، الحديث3، نقلاً عنه.

(5) راجع البدر الزاهر: ص47، الفصل الأوّل.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

فهو ليس مرسلاً، وإنّما هو متّصلٌ بذلك السند.

وما أفاده وإنْ كان حقّاً، إلّا أنّه مرويّ عن أبي الحسن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر  -الساكن في مصر-  عن أبيه، ولم يثبت وثاقته ولا وثاقة أبيه، فلا يمكن الاعتماد على شيءٍ من روايات (الأشعثيّات) مضافاً إلى إمكان حملها على صورة وجود السلطان العادل، ولا تعمّ حال الغيبة.

وكذلك لا يمكن الاعتماد على بقيّة المراسيل المذكورة في (المصباح).

فمنها: ما يذكره عن رسالة الفاضل بن عصفور مرسلاً عنهم: “إنّ الجمعة لنا، والجماعة لشيعتنا(1).

ومنها: ما روي عنهم: “لنا الخُمْس، ولنا الأنفال، ولنا الجمعة، ولنا صفو المال(2).

ومنها النبويّ: “أربع إلى الولاة: الفيء، والحدود، والجمعة، والصدقات(3).

ومنها النبويّ الآخر: “إنّ الجمعة والحكومة لإمام المسلمين(4)، على المعنيين في الحكومة من القضاء أو رئاسة الدولة الإسلاميّة.

وإنّما لا يمكن الاعتماد عليها لأنّ إرسالها وعدم ثبوت كون عمل الأصحاب 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

(1) اُنظر: مصباح الفقيه: 2 ق2: 438، الركن الثالث، الفصل الأوّل: في صلاة الجمعة، وجواهر الكلام11: 158، الركن الثالث، الفصل الأوّل، النظر الأوّل، الشرط الأوّل.

(2) المصدر نفسه.

(3) المصدر نفسه.

(4) المصدر نفسه.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

جابراً للخبر الضعيف مانعٌ عن ذلك، بالإضافة إلى عدم ثبوت اعتماد الأصحاب عليها اعتماداً يوجب الانجبار، وذلك بحيث أفتوا على طبقها، ومجرّد ذكرهم لها لا يعني عملهم بها فيما لو كانت وحدها، كما سبق أن قلنا.

ويلحق بهذه الطائفة أيضاً حسنة محمّد بن مسلم، قال: سألتُه عن الجمعة، فقال: “بأذانٍ وإقامةٍ يخرج الإمام بعد الأذان، فيصعد المنبر ويخطب…” الحديث(1).

بدعوى أنّ المقصود بالإمام هو السلطان العادل.

وقلنا: إنّ المراد به إمام الجماعة؛ لأنّه هو الظاهر، ولا دليل على إرادة سواه، كما أنّها لا تدلّ على أكثر من مشروعيّة الجمعة، ولا دلالة لها على خصوص الوجوب التعييني أو التخييري.

وهكذا جميع الروايات الدالّة على تعليم الإمام للجمعة: كروايتي عمر بن حنظلة(2) ومحمّد بن مسلم(3)، بل هي دالّةٌ على الوجوب الأعمّ من التعييني 

ــــــــــ[137]ــــــــــ

(1) الكافي3: 424، باب تهيئة الإمام للجمعة وخطبته …، الحديث7، عوالي اللئالي3: 98، باب الصلاة، الحديث118، ووسائل الشيعة7: 313، الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث7.

(2) راجع الكافي3: 427، باب القنوت في صلاة الجمعة والدعاء، تهذيب الأحكام3: 16، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث57، الاستبصار1: 417، الباب251، الحديث2، ووسائل الشيعة6: 271، الباب5 من أبواب القنوت، الحديث5.

(3) راجع وسائل الشيعة7: 342، الباب25، من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

والتخييري. ففي الاُولى منهما: “أنت رسولي إليهم في هذا إذا صلَّيتم”، وهو ظاهرٌ في التخيير(1). ولو كان عدم إقامتها لعدم اجتماع الشرائط، لكان من المناسب بيان ذلك. وهذا الوجوب لا ينافي ما ذكرناه من الوجوب إذا اجتمع سبعةٌ.

وممّا ذكرنا يظهر: أنّه لا يلزم من وجوبها تعلّم الخطبة؛ لأنّ وجوبها منوطٌ بوجود من يخطب.

فتلخّص ممّا ذكرناه: أنّه لا دليل على تقييد وجوبها بوجود السلطان العادل.

الجهة الثانية: [التقييد بالوجوب التخييري]

فلنبحث حينئذٍ في تقييد صحيحة زرارة المباركة الظاهرة في الوجوب التعييني بما يدلّ على الوجوب التخييري(2).

فنقول: إنّ غاية ما تدلّ عليه الأدلّة السابقة هو عدم الوجوب التعييني، بمعنى: عدم وجوب الاجتماع لإقامتها، وهو لا ينافي الوجوب التعييني إذا اجتمع سبعةٌ، كما ذكرناه.

ــــــــــ[138]ــــــــــ

() لعلّ دلالتها بدعوى: أنّ الوجوب لو لم يكن تخييريّاً، لَمَا صحّ الاشتراط بالإقامة في قوله: “إذا صلّيتم”. ويُجاب: بأنّ هذا الشرط راجع لِمَا بعده، فإنّه يقول: “إذا صلّيتم ففي الركعة الاُولى”، وقوله: “أنت رسولي إليهم في هذا” راجع إلى أنّه وكيلٌ في إبلاغ الحكم الشرعي إليهم، والله ورسوله أعلم، (المقرّر).

(2) كان الجهة الأولى حول تقييد الصحيحة بالسلطان العادل، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

والذي يشهد للوجوب التخييري روايات اُخرى: 

منها: صحيحة زرارة، قال: حثّنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة حتّى ظننتُ أنّه يريد أن نأتيه، فقلتُ: نغدو عليك؟ فقال: “لا، إنّما عنيتُ عندكم”(1).

ولا يخفى دلالتها على عدم التعيين تارةً من حيث قوله: (حثّنا)؛ فإنّ الحثّ والترغيب يكون على الأمر المستحبّ، لا على الأمر الواجب، واُخرى من حيث دلالتها على أنّ زرارة لم يكن مواظباً عليها، مع علوّ شأنه واختصاصه بصحبة الأئمّة، ولا يمكن أن يكون عاصياً أو جاهلاً مع كونه هو الذي أثر عنه جملةٌ من الروايات التي يُستدلّ بها على الوجوب، والرواية تكاد تكون صريحةً في اشتراط السلطان العادل.

والغريب ما احتمله بعض الأعاظم من: أنّ المقصود ترغيبهم في حضور الجمعات التي يقيمها المنصوبون من قبل الأئمّة(2)؛ للقطع بأنّ الإمام لم يكن ينصب أئمّةً للجمعات، بل لم يكن يتمكّن من ذلك.

ولو سُلّم ذلك أو سُلّم ما احتمله أخيراً من وجوب الصلاة خلف الأئمّة المنصوبين من قبل سلاطين الجور -بمعنى أنّ الواحد منهم إذا كان أهلاً لذلك، فإنّه يجب الصلاة خلفه بإمضاء الإمام- فإنّه لا يناسب 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 239، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث17، الاستبصار1: 420، الباب253، الحديث3، ووسائل الشيعة7: 309، الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

(2) البدر الزاهر: 58، الفصل الأوّل.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

اشتراط الصلاة بوجود السلطان العادل؛ إذ لم يكن في ذلك الزمان سلطانٌ عادلٌ؛ لأنّ العادل لم يكن سلطاناً، والسلطان لم يكن عادلاً.

وأمّا حملها على الصلاة خلف أئمّة العامّة تقيّةً -وهو الاحتمال الذي كنّا نحتمله في الصحيحة- فهو وإنْ كان قريباً، إلّا أنّه خلاف ظهورها في الحكم الجدِّي دون الظاهري، أي: كونه صادراً للتقيّة.

فتلخّص دلالة الصحيحة على مشروعيّة إقامة الجمعة وعدم اشتراطها بالسلطان العادل(1)، وهذا هو معنى الوجوب التخييري.

سلّمنا أنّ الإمام نصب شخصاً للجمعة، فمن البعيد جدّاً أن يتخلّف زرارة عن الصلاة خلفه، مع أنّ ذلك لا يناسب اشتراط الصلاة بالسلطان العادل؛ إذ عليه لا يشرّع نصبه شخصاً للصلاة؛ لفرض عدم كونه سلطاناً عادلاً، كما يقول به بعض الأعاظم نفسه(2).

كما ظهر بطلان احتمال أنّ هذا نصبٌ لإمامة الجمعة أو إذنٌ له؛ إذ يرد عليه:

ــــــــــ[140]ــــــــــ

() إنّما تدلّ على عدم الاشتراط بالسلطان العادل مع عدم ثبوت مقدّمتين هما: 

  1. كون المعصوم هو السلطان العادل.
  2. كون الإمام يقيم الجمعة أو يُوكل أو يأذن بإقامتها. فإنّه مع ثبوت هاتين المقدّمتين تدلّ على الاشتراط لا محالة. ولكنّهما مقدّمتان باطلتان، كما يظهر ممّا سبق وسيأتي، (المقرّر). 

(2) البدر الزاهر: 58، الفصل الأوّل.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

أوّلاً: كونه خلاف ظاهر الرواية.

وثانياً: أنّه لا يناسب اشتراطها بالسلطان العادل، وهذا – في الحقيقة- من الخلط بين عنوان الإمام وعنوان السلطان العادل في كلام الفقهاء، وإسناد حكم أحدها للآخر بلا مبرّرٍ.

بل المقصود هو مجرّد الحثّ على إقامتها وإتيانها والترغيب فيه، بل قد يكون ذلك قرينةً على إطلاق مشروعيّتها، خلافاً للمركوز في الأذهان العامّة من اشتراطها بالسلطان العادل؛ إذ إنّه يحثّ عليها، وهذا الشرط غير متحقّقٍ.

ويشهد لذلك أنّه كان في ذهن زرارة أنّ الجمعة لا تكون إلّا مع الإمام، فلذا قال: حتّى ظننتُ أنّه يريد أن نأتيه، فقلتُ: نغدو عليك؟ ولذا أجاب الإمام: “لا، إنّما عنيتُ عندكم“. يعني: أنّ ما توهّمته من الشرط غير صحيحٍ.

ومن الأدلّة الدالّة على الوجوب التخييري صحيحة عبد الملك عن أبي جعفر، قال: قال: “مثلك يهلك ولم يُصلّ فريضة فَرَضَها اللهُ“. قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: “صلّوا جماعةً، يعني: صلاة الجمعة(1). ودلالتها على مشروعيّتها واضحةٌ؛ لتأنيبه على عدم الإتيان بها. وهي تدلّ على عدم اشتراط السلطان العادل؛ لأنّه أنّبه على تركها في زمان عدم وجود السلطان العادل.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 239، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها، الحديث20، الاستبصار1: 420، الباب253، الحديث4، ووسائل الشيعة7: 310، الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث2.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وأمّا دلالتها على عدم التعيين فمن وجهين:

أوّلاً: أنّه أنّبه على عدم الإتيان بها، لا على عدم المداومة عليها، ولا يمكن أن يكون المراد هو الصلاة خلف العامّة؛ إذ ظاهر قوله: “صلّوا جماعةً” هو كونهم يصلّونها بينهم، ومن المعلوم أنّهم لم يكونوا قادرين على المداومة عليها، فيكتفي منهم الإمام منهم بإقامتها ولو مرّةً واحدةً؛ لكي لا يهلك أحدهم ولم يصلَّ هذه الفريضة.

واحتمال أن تكون الصلاة خلف المنصوب من قبل الإمام كما عن بعض الأعاظم(1) غريبٌ؛ لما عرفت من عدم إمكان تعيين مثل هذا الشخص ونصبه، بل لم يكن يشرّع ذلك في حقّهم؛ بناءً على اشتراطها بالسلطان العادل، وحَمْلها على الإذن لعبد الملك [أي: الراوي] خصوصاً أو لعموم المجتهدين أو لعموم الشيعة خلافُ الظاهر، مع أنّه لا معنى للإذن إذا كانت مشروطةً بالسلطان العادل.

ثانياً: أنّها تدلّ على عدم الوجوب التعييني؛ لدلالتها على عدم إتيان عبد الملك بها، ولو كانت تعيينيّةً، لأتى بها وداوم عليها.

والغريب ما عن بعض الأعاظم من احتمال ألّا يكون عبد الملك شيعيّاً(2)، وأنّ الإمام أنّبه على تهاونه في  أداء الفروض الدينيّة بحسب مذهبه، مع احتمال 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

(1) البدر الزاهر: 64، الفصل الأوّل.

(2) البدر الزاهر: 63، الفصل الأوّل.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

صدور هذا الكلام منه تقيّةً. مع أنّ الأصل في كلّ كلامٍ أنّه صادرٌ لبيان الحكم الواقعي، ولا يُصار إلى فرض التقيّة إلّا لضرورةٍ، وليس هنا من ضرورةٍ.

وعبد الملك -أخو زرارة- أجلّ من أنْ يُشكّ في تشيّعه، وهو من بيت (أعين) الذي هو من مفاخر الشيعة. روى الكشّي بسندٍ معتبرٍ عن الحسن بن علي بن يقطين، قال: حدّثني المشايخ: أنّ حمران وزرارة وعبد الملك وبكيراً وعبد الرحمن بني أعين كانوا مستقيمين، ومات منهم أربعة في زمان أبي عبد الله، وكانوا من أصحاب أبي جعفر، وبقي زرارة إلى عهد أبي الحسن، فلقي ما لقي(1).

وقد طعن في (جامع الرواة)(2) في صحّة الرواية؛ لوقوع محمّد بن عيسى بن عبيد في سندها، وهو مختلفٌ في وثاقته. 

والمحقَّق عندنا وثاقته؛ لمدح الفضل بن شاذان له وترحّمه عليه(3)، وتوثيق الكشّي له(4) والعلّامة(5)، ولم يُنقل الطعن فيه إلّا عن ابن الوليد حيث قال: ما 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي1: 382/ 270.

(2) جامع الرواة1: 446، باب العين.

(3) اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي1: 817، رجال النجاشي: 334/896.

(4) ذكر في رجال النجاشي: 334 -بعد أن نقل عن الكشّي كلام الفضل بن شاذان- ما نصّه: وبحسبك هذا الثناء من الفضل رحمه الله.

(5) قال العلّامة الحلّي في الخلاصة: 241/23: والأقوى عندي قبول روايته.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يُعتمد عليه(1). وليس ذلك إلّا طعناً في خصوص روايته لا في يونس، ولعلّه لقرينةٍ كانت قائمةً في نظره، وكلّ من طعن فيه بعد ذلك اعتمد على ذلك. وعن ابن بابويه(2)
-بعد نقل كلام ابن الوليد- أنّه قال: رأيتُ أصحابنا ينكرون مثل هذا القول.

إذن، فالطريق صحيحٌ، وعبد الملك كان مستقيماً بمقتضى هذه الرواية.

وفي حديثٍ آخر معتبرٍ: أنّ أبا عبد الله رفع يده ودعا له واجتهد في الدعاء وترحّم عليه(3)

فهل من الممكن أن يدعو الإمام لغير الموالي الذي يدين له بالولاية. ويؤيّده حديثٌ آخر لم يثبت اعتباره، قال: “قال أبو عبد الله بعد موت عبد الملك بن أعين: اللّهمّ إنّ أبا الضريس كنّا عنده خيرتك من خلقك، فصيّره في ثقل محمّدٍ يوم القيامة(4). وإذا كانت هذه الرواية ضعيفةً، ففي الروايات السابقة كفايةٌ.

ثمّ على تقدير تسنّنه، فيبعد أنْ يؤنّبه الإمام على ترك شيءٍ ليس بمشرَّعٍ واقعاً. إذن فالرواية تدلّ على مشروعيّة الجمعة: سواء كان عبد الملك شيعيّاً أم سنّياً، وحمْله على التقيّة خلاف الظاهر، إذا لم تكن هناك قرينةٌ دالّةً على الوجوب التخييري.

ــــــــــ[144]ــــــــــ

(1) اُنظر: رجال النجاشي: 333/896.

(2) المصدر نفسه.

(3) اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي1: 409/300.

(4) المصدر السابق1: 411/301.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

ومن الروايات الدالّة على الوجوب التخييري أيضاً ما رواه هشام عن أبي عبد الله، قال: “إنّي لأحبّ للرجل أن لا يخرج من الدنيا حتّى يتمتّع ولو مرّةً، وأنْ يُصلّي الجمعة في جماعةٍ(1). وهي صريحةٌ في الوجوب التخييري؛ فإنّها لو كانت واجبةً بالوجوب التعييني لما أمر بصلاة الجمعة مرّة، بل حتّى لو لم يكن فيها التصريح بمرّةٍ، فإنّ ذكرها مع المتعة دليلٌ على ذلك(2).

وبعبارة اُخرى: إنّ الأمر يدور بين كونها واجباً تخييريّاً، وبين كونها مستحبّاً يسقط به الواجب، وحيث إنّ الثاني خلاف القواعد، ولم يدلّ عليه ظاهر الرواية، فيتعيّن الأوّل.

اللّهمّ إلّا أن يُقال: إنّ هذه الروايات دالّةٌ على عدم الوجوب التعييني، وإنّما هو في فرض التقيّة، أيّام لم يكن الشيعة يتمكّنون من إقامتها، فكان الأئمّة يقولون لهم: إنّه لا أقلّ من إقامتها في بعض الأسابيع، ولو مرّةً في العمر.

وبعبارة اُخرى: إنّ التقيّة إنّما ترفع التعيين دون التخيير؛ لأنّ إتيانها في كلّ اُسبوعٍ مخالفٌ للتقيّة، وليس إتيانها في بعض الأسابيع كذلك.

ولكنّ هذا خلاف ظاهر الأخبار؛ إذ لو كان الوجوب التخييري مشروعاً باعتبار التقيّة، لكان على الإمام أنْ يُبيَّنه، وظاهر الرواية هو بيان 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

() مصباح المتهجّد: 364، أعمال الجمعة، ووسائل الشيعة21: 14، الباب 2 من أبواب المتعة، الحديث7.

(2) يمكن أن يكون السياق حينئذٍ دالاًّ على مجرّد المشروعيّة، لا على خصوص الاستحباب، فلا يكون قرينةً على استحباب الجمعة، فتأمّل، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الحكم الواقعي الأوّلي، دون الحكم الواقعي الثانوي الناشئ من التقيّة.

فالذي يظهر من مجموع الأدلّة هو وجوب صلاة الجمعة وجوباً تخييريّاً، وإنّما تجب عيناً إذا اجتمع سبعةٌ لأجل إقامة الجمعة، والأولى لهم إقامتها إذا اجتمعوا لغير إقامة الجمعة.

في وجوب السعي أيّام الغيبة

بقي الكلام في أنّه إذا اُقيمت الجمعة في أيّام الغيبة من قبل غير السلطان العادل، فهل يجب السعي إليها أو لا؟ 

أي: سواء قلنا بوجوب السعي إليها مطلقاً أيّام السلطان العادل، أم بوجوبها مع النداء لها، فهل يجب السعي إليها إذا أقامها غير السلطان العادل مطلقاً، أو مع النداء أيضاً، أو لا يجب أصلاً؟

الظاهر عدم إطلاق الأدلّة السابقة: أمّا الآية فقد ناقشنا في إطلاقها وقلنا: إنّها غير دالّة على جوب السعي، إن لم تكن دالّةً على استحبابه. وأمّا الأخبار فقد قلنا: إنّه من القريب انصرافها إلى الجمعة التي كانت تقام عادةً ويطلب السلطان العادل الاجتماع إليها.

إذن، فلا دلالة لها على وجوب الحضور إلى الجمعة التي يقيمها السلطان العادل، فضلاً عن غيره.

ولو أغمضنا النظر عن هذا الانصراف، فهناك انصرافٌ آخر يختصّ بمحلّ الكلام، وهو انصراف الأدلّة إلى الجمعة التي تُقام في ذلك الزمان من قبل 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

السلطان العادل حقيقةً أو ادّعاءً. إذن فلا يمكن التمسّك بإطلاق الأدلّة في المقام.

إلّا أنّ مقتضى الاحتياط هو السعي إليها؛ وذلك لعدم إمكان الاعتماد على الانصراف ورفع اليد عن الأدلّة؛ لأنّ هذا الانصراف مستندٌ إلى الكثرة في الوجود، والمذكور في علم الاُصول أنّ الانصراف المستند إلى كثرة الوجود لا يمكن الاعتماد عليه.

والأخبارُ السابقة التي ذكرناها للاستحباب -كالأخبار التي تَعِدُ بالأجر والثواب على السعي- ضعيفةُ السند. واستشهدنا لذلك أيضاً بالروايات القائلة بسقوط الجمعة إذا اجتمعت مع أحد العيدين، ولا يمكن الجزم بدلالتها إلاّ روايةً واحدةً، هي رواية إسحاق بن عمّار؛ إذ فيها: “أنّ أمير المؤمنين كان يقول:… فمَن كان مكانه قاصياً فأحبّ أن ينصرف عن الآخر، فقد أذنتُ له(1). فلو لم يكن وجوب السعي بأمره، لم يكن سقوطها بإذنه ولكنها ضعيفة السند. واستشهدنا لذلك أيضاً بصحيحة زرارة التي يقول فيها: حثّنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة حتّى ظننتُ أنه يريد أن نأتيه، الخبر.

وقلنا بأنّها مشعرةٌ بأنّ وجوب السعي مقيّدٌ بأمر الإمام، ولكن لا يمكن الاعتماد على هذا الإشعار؛ لإمكان أنْ يُقال: إنّه ظنّ أنّه يريد إقامتها مع كون وجوب السعي مطلقاً.

إذنْ، فالأحوط السعي إليها إذا اُقيمت في حال الغيبة من قبل غير السلطان 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام3: 137، باب صلاة العيدين، الحديث36، ووسائل الشيعة 7: 448، الباب 15 من أبواب صلاة العيد، الحديث3.

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

العادل(1)، وفاقاً لسيّدنا العمّ آية الله السيّد محمّد مهدي الصدر.

هذا كلّه في حال الغيبة.

ــــــــــ[148]ــــــــــ

() مع التقييد باجتماع السبعة، كما قلنا ذلك في الوجوب أيّام السلطان العادل؛ إذ لا يمكن أن يكون أيّام عدمه أوكد بالوجوب من أيّام وجوده، (المقرّر).

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

 

مناقشات وختام

 

ذكرنا أنّه لم يقم عندنا دليلٌ على أنّ وجوب الجمعة في حال وجود السلطان العادل هل هو تعييني أو تخييري؟ ولكن حيث ثبت عندنا عدم الوجوب التعييني في غير أيّام السلطان العادل، ولم يثبت عندنا تقييد الأدلّة، فنستكشف أنّ الجمعة من أصل تشريعها كانت على نحو الوجوب التخييري. على أنّ انقلاب الجمعة من التعيين إلى التخيير ليس بمستحيلٍ(1)؛ إذ من الممكن أن تكون مطلوبيّتها مطلقةً، ولكن تعيينها منوطٌ بوجود السلطان العادل.

فظهر: أنّه لا دليل على اشتراط مشروعيّتها بالسلطان العادل، ليُقال بعدم مشروعيّتها أو حرمتها في غير أيّامه؛ لأنّ ذلك فرع القول بالاشتراط، فنبحث حينئذٍ عن أنّ حرمتها في حال عدمها هل هي حرمة ذاتيّة، أو هي حرمة تشريعيّة؟ أمّا إذا لم يثبت لدينا هذا الشرط، فلا مجال لهذا الكلام أصلاً.

كما أنّه لا مجال لأن نبحث عن أنّه هل صدر الإذن منهم بإقامتها لخصوص المجتهدين أو عموم المؤمنين؟ لأنّ هذا فرع اختصاص أمر الجمعة 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

() لكن يحتاج ثبوته إلى دليلٍ، وهو غير موجودٍ، فتأمّل، (المقرّر). 

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

بهم، ولمّا لم يثبت لا هذا ولا ذاك، فلا مجال لهذا الكلام ولا لمناقشته أصلاً.

كما أنّه لا مجال للبحث عن أنّ عموم ولاية الفقيه هل تشمل إقامة الجمعة أو لا تشمل؛ لأنّ ذلك فرع اختصاصها بالسلطان العادل، وأنّ المراد به الإمام المعصوم، فنبحث عن أنّه في حال الغيبة هل ثبتت ولاية المجتهد على إقامتها أو لا؟

وقد ظهر عدم اختصاصها بالسلطان العادل، فلا مجال لأن نبحث عن عموم الولاية، على أنّ المحقَّق عندنا أنّه لا ولاية للمجتهد أصلاً إلّا في بعض الموارد الخاصة، والتفصيل موكولٌ إلى محلّه.

وقد تمّ الكلام -حتّى الآن- فيما هو المقصود من الرسالة من ذكر حكم صلاة الجمعة. ولكن ظهر من مطاوي كلامنا جملةٌ من أحكامها: منها: العدد. فقد ظهر أنّها تجب في السبعة، وتشرع في الخمسة، ولا تشرع في أقلّ من الخمسة.

كما ظهر مقدار المسافة التي لا يمكن أن تقوم فيها جمعتان، وهي ثلاثة أميال، كما ظهر مقدار المسافة التي يشرع فيها السعي، وهي فرسخان فأقلّ، وأمّا الأكثر فلا يشرع فيها السعي: سواء قلنا بوجوبها التعييني أو التخييري. كما ظهر جملة الأشخاص الذين سقط عنهم السعي، فتأمّل تغنم.

والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين.

ــــــــــ[150]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

رزقنا الله في الدنيا ولايتهم، وفي الآخرة شفاعتهم؛ إنّه على كلّ شيءٍ قديرٌ، وهو وليّ التوفيق.

 

محمّد الصدر

تقريراً لما أفاده سيّدنا الاُستاذ

انتهيتُ منه بحمد الله 

بتاريخ 7/11/1386 الموافق لـ 19/3/1967

ــــــــــ[151]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة








فهرس المصادر

 

القرآن الكريم.

الصحيفة السجادية.

  1. أحكام القرآن، ابن العربي (ت 543 هـ)، دار الفكر، بيروت، تحقيق محمّد عبد القادر عطا.
  2. الاختصاص، الشيخ المفيد محمّد بن محمّد النعمان (ت 413 هـ)، جامعة المدرسين، قم، 1413 هـ.
  3. اختيار معرفة الرجال، الشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم، تحقيق السيّد مهدي الرجائي، طبع سنة 1404 هـ.
  4. الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الشيخ الطوسي (ت 480 هـ)، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، تحقيق السيّد حسن الخرسان، الطبعة الرابعة سنة 1390 هـ.
  5. الأعلام، خير الدين الزركلي (ت 1410 هـ)، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة سنة 1980م.
  6. الأمالي، الشيخ الصدوق (ت 381 هـ)، نشر وتحقيق مؤسّسة البعثة، قم، 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الطبعة الاُولى سنة 1417 هـ. 

  1. البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر، الشيخ المنتظري، تقرير درس السيّد البروجردي، طبع مكتب الشيخ، قم، الطبعة الثالثة سنة 1416 هـ.
  2. البرهان في تفسير القرآن، السيّد هاشم بن السيّد سليمان البحراني (ت 1107 هـ)، مؤسسة البعثة، طبع سنة 1416 هـ.
  3. بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين، الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين، انتشارات الدار الإسلامية، بيروت، 1411 هـ، 1991 م.
  4. تذكرة الفقهاء، العلّامة الحلّي (ت 726 هـ)، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم، الطبعة الاُولى سنة 1414 هـ. 
  5. تفسير القمّي، علي بن إبراهيم القمّي (ت 329 هـ)، مؤسّسة دار الكتاب، قم، تحقيق السيّد طيّب الجزائري، الطبعة الثالثة سنة 1404 هـ. 
  6. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، الحرّ العاملي (ت 1104 هـ)، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم، الطبعة الثانية سنة 1414 هـ.
  7. تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، تحقيق السيّد حسن الخرسان، الطبعة الرابعة سنة 1390 هـ.
  8. ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق (ت 381 هـ)، منشورات الرضي، قم، الطبعة الثانية.
  9. جامع الرواة، محمّد علي الأردبيلي (ت 1101 هـ)، نشر مكتبة السيّد 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

المرعشي، قم، طبع سنة 1403 هـ.

  1. جامع المقاصد في شرح القواعد، المحقّق الثاني علي بن حسين الكركي العاملي (ت940 هـ)، مؤسّسة آل البيت، قم، 1414 هـ.
  2. الجعفريات (الأشعثيات)، محمّد بن محمد بن الأشعث الكوفي، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.
  3. جمال الأسبوع، السيّد ابن طاووس رضي الدين علي بن موسى (ت664 هـ)، منشورات الرضي، قم.
  4. الحاشية على مدارك الأحكام، الوحيد البهبهاني محمد باقر بن محمد أكمل (ت1205 هـ)، مؤسّسة آل البيت، قم.
  5. خاتمة مستدرك الوسائل، الميرزا النوري (ت 1320 هـ)، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الاُولى سنة 1415 هـ.
  6. الخصال، الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن بابويه القمي (ت381 هـ)، انتشارات جامعة المدرسين، قم، 1403 هـ.
  7. خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، العلّامة الحلّي (ت 726 هـ)، مؤسّسة نشر الفقاهة، طبع سنة 1417 هـ.
  8. دعائم الإسلام، القاضي المغربي (ت 363 هـ)، دار المعارف، القاهرة، تحقيق آصف فيضي، طبع سنة 1963م.
  9. ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد، المحقّق محمّد باقر السبزواري (ت 1090 هـ)، مؤسّسة آل البيت، قم.

ــــــــــ[155]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

  1. الذكرى (ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة)، الشهيد الأوّل (ت 786 هـ)، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم، الطبعة الاُولى سنة 1419 هـ.
  2. ذكرى الشيعة في أحكام في أحكام الشريعة، الشهيد الأوّل محمّد بن مكي العاملي (ت786 هـ)، مؤسّسة آل البيت، قم، 1419 هـ.
  3. رجال النجاشي، أبو العبّاس أحمد بن علي النجاشي (ت 450 هـ)، طبع جماعة المدرّسين، قم، الطبعة الخامسة سنة 1416 هـ.
  4. رسائل الشريف المرتضى، الشريف المرتضى (ت 436 هـ)، نشر دار القرآن الكريم، قم، تقديم وإعداد السيّد أحمد الحسيني ومهدي الرجائي، طبع سنة 1405 هـ.
  5. رسائل في الغيبة، الشيخ المفيد (ت 413 هـ)، دار المفيد، بيروت، تحقيق علاء الدين جعفر، الطبعة الثانية سنة 1414 هـ.
  6. رسالة في صلاة الجمعة (ضمن مجموعة رسائل الشهيد الثاني)، الشهيد الثاني (ت 966 هـ)، مكتبة بصيرتي، قم، طبعة حجريّة.
  7. روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، الشهيد الثاني (ت 966 هـ)، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم، طبعة حجريّة.
  8. الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، الشهيد الثاني (ت 966 هـ)، منشورات جامعة النجف، تحقيق وتعليق السيّد محمّد كلانتر، الطبعة الثانية سنة 1410 هـ. 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

  1. السرائر، محمّد بن إدريس الحلي (ت 598 هـ)، جماعة المدرّسين، قم، الطبعة الثانية سنة 1410 هـ.
  2. شهيد الأمة وشاهدها، الشيخ محمد رضا النعماني، المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر، الطبعة الأولى، قم، 1421 هـ.
  3. الصافي في تفسير القرآن الكريم، الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ)، المطبعة الإسلاميّة، طهران، الطبعة الاُولى سنة 1374 هـ.
  4. علل الشرائع، الشيخ الصدوق (ت 381 هـ)، المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف، الطبعة الاُولى سنة 1386 هـ.
  5. عوالي اللئالئ، ابن أبي جمهور الإحسائي، انتشارات سيّد الشهداء، قم، 1405 هـ.
  6. العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ)، مؤسّسة دار الهجرة، قم، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرّائي، الطبعة الثانية سنة 1409 هـ.
  7. عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق (ت 381 هـ)، مؤسّسة الأعلمي، بيروت، تصحيح حسين الأعلمي، الطبعة الاُولى سنة 1404 هـ.
  8. عيون المسائل، محمد باقر الحسيني الداماد (ت1040 هـ)، طهران، 1397 هـ.
  9. الغنية (غنية النزوع إلى علمي الاُصول والفروع)، السيّد ابن زهرة الحلبي

ــــــــــ[157]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

(ت 585 هـ)، مؤسّسة الإمام الصاق، تحقيق الشيخ إبراهيم بهادري، الطبعة الاُولى سنة 1417 هـ. 

  1. فرائد الأصول، الشيخ الأعظم مرتضى بن محمّد أمين الأنصاري (ت1281 هـ)، دفتر انتشارات اسلامي، قم.
  2. فوائد الأصول، الميرزا محمّد حسين النائيني (ت1355 هـ)، دفتر انتشارات اسلامي، قم، 1417 هـ.
  3. الكافي، الشيخ الكليني (ت 329 هـ)، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، تحقيق علي أكبر الغفاري، الطبعة الثالثة، سنة 1388 هـ.
  4. كشف اللثام عن قواعد الأحكام، الفاضل الهندي محمّد حسن الأصفهاني (ت 1137 هـ)، جماعة المدرّسين، قم، الطعبة الاُولى سنة 1416 هـ.
  5. كفاية الاُصول، الآخوند الخراساني (ت 1328 هـ)، مؤسّسة آل البيت  لإحياء التراث، قم، الطبعة الاُولى سنة 1409 هـ.
  6. اللهوف في قتلى الطفوف، السيّد ابن طاووس (ت 664 هـ)، مكتبة أنوار الهدى، قم، الطبعة الاُولى سنة 1417 هـ.
  7. ما وراء الفقه، السيّد الشهيد محمّد الصدر (ت1421 هـ)، دار الأضواء، بيروت، 1420 هـ.
  8. المبسوط، الشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، المكتبة المرتضويّة، طهران، تحقيق محمّد تقي الكشفي، طبع سنة 1387 هـ.
  9. مجمع البحرين، الشيخ فخر الدين الطريحي (ت 1085 هـ)، تحقيق السيّد 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

أحمد الحسيني، الطبعة الثانية سنة 1408 هـ.

  1. مجمع البيان في تفسير القرآن، الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 560 هـ)، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، تحقيق لجنة من العلماء، الطبعة الاُولى سنة 1415 هـ.
  2. المحاسن، أحمد بن محمّد البرقي (ت 274 هـ)، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، تحقيق جلال الدين محدّث.
  3. محاضرات في تفسير القرآن، آية الله السيّد إسماعيل الصدر، تحقيق الشيخ سامي الخفاجي، نشر مؤسّسة دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الثانية 1429 هـ. 
  4. المُخصَّص، ابن سيده علي بن إسماعيل النحوي (ت 458 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق خليل إبراهيم جفال، الطبعة الاُولى سنة 1417 هـ.
  5. مجموعة أشعار الحياة، السيد محمد الصدر، مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر، قم، الطبعة الأولى، 1429 هـ.
  6. مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، السيّد محمّد العاملي (ت 1009 هـ)، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الاُولى سنة 1410 هـ.
  7. المراسم العلويّة، سلاّر الديلمي (ت 448 هـ)، المجمع العالمي لأهل البيت، تحقيق السيّد محسن الحسيني، الطبعة الاُولى سنة 1414 هـ.
  8. مستدرك الوسائل، الميرزا النوري (ت 1320 هـ)، مؤسّسة آل 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

البيت لإحياء التراث، الطبعة الاُولى سنة 1415 هـ.

  1. مشكاة الأنوار، أبو الفضل علي بن حسن الطبرسي (ت600 هـ)، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1385 هـ.
  2. مصابيح الظلام، الوحيد البهبهاني محمد باقر بن محمد أكمل (ت1205 هـ)، مؤسّسة المجدّد الوحيد البهبهاني، قم، 1424 هـ.
  3. مصباح الفقيه، الشيخ رضا الهمداني (ت 1322 هـ)، مكتبة الصدر، طبعة حجريّة.
  4. مصباح المتهجّد، الشيخ الطوسي محمد بن الحسن (ت460 هـ)، مؤسّسة فقه الشيعة، بيروت، 1411 هـ.
  5. مطارح الأنظار، الميرزا أبو القاسم بن محمد الطهراني الكلانتري (ت1292 هـ)، مؤسّسة آل البيت، قم.
  6. معاني الأخبار، الشيخ الصدوق (ت 381 هـ)، طبع جماعة المدرّسين، قم، تصحيح علي أكبر الغفاري، طبعة سنة 1379 هـ.
  7. المعتبر في شرح المختصر، المحقّق الحلّي (ت 676 هـ)، مدرسة أمير المؤمنين ، إشراف آية الله الشيخ مكارم الشيرازي.
  8. معجم رجال الحديث، السيّد أبو القاسم الخوئي، الطبعة الخامسة سنة 1413 هـ.
  9. مفاتيح الاُصول، السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي (ت1242 هـ)، مؤسّسة آل البيت، قم.

ــــــــــ[160]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

  1. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة، السيّد محمّد جواد العاملي (ت 1226 هـ)، طبع جماعة المدرّسين، قم، تحقيق الشيخ محمّد باقر الخالصي، الطبعة الاُولى سنة 1422 هـ.
  2. المقاصد العليّة في شرح الرسالة الألفيّة، الشهيد الثاني زين الدين العاملي (ت966 هـ)، دفتر تبليغات اسلامي، قم، 1420 هـ.
  3. المقنعة، الشيخ المفيد محمّد بن النعمان التلعكبري (413 هـ)، طبع جماعة المدرّسين، قم، الطبعة الثانية سنة 1410 هـ.
  4. من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق (ت 381 هـ)، طبع جماعة المدرّسين، قم، تحقيق علي أكبر غفاري، الطبعة الثانية سنة 1404 هـ.
  5. منّة المنان في الدفاع عن القرآن، آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّد الصدر، دار الأضواء، لبنان، بيروت الطبعة الاُولى، 1423 هـ- 2002 م.
  6. نهاية الأفكار، المحقّق العراقي (ت 1361 هـ)، طبع جماعة المدرّسين، قم.
  7. النهاية، الشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، دار الأندلس، بيروت، ومكتبة قدس، قم.
  8. وسيلة النجاة، الميرزا النائيني محمّد حسين الغروي (ت 1355 هـ)، المطبعة العلويّة، النجف الأشرف، طبع سنة 1342 هـ.

ــــــــــ[161]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

 

فهرس الكتاب

 

مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله) 7

مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر 9

منهجنا في التحقيق 11

نبذة مختصرة عن حياة سماحة آية الله العظمى المجاهد السيّد إسماعيل الصدر 13

نسبه ومولده 13

نشأته العلمية وأساتذته 14

إجازاته بالاجتهاد 15

تدريسه 15

من كراماته وسجاياه 16

آثاره ومصنفاته الثمينة 17

وفاته 19

المقدمة 25

تمهيد البحث 37

ــــــــــ[163]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

وتظهر الثمرة في مواضع 39

الثمرة الأولى 39

الثمرة الثانية 39

الثمرة الثالثة 40

المبحث الأول في وجوبها أيام السلطان العادل 41

الاستدلال بالآيات 41

الاستدلال بالسنة 54

الطائفة الأولى 55

الطائفة الثانية 62

الطائفة الثالثة 67

الطائفة الرابعة 68

الطائفة الخامسة 69

الطائفة السادسة 69

الطائفة السابعة 70

مقتضى القاعدة عند الشك 74

المقام الأوّل 75

المقام الثاني 81

المبحث الثاني في وجوبها في غير أيام السلطان العادل 89

ــــــــــ[164]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة

الشروع في الاستدلال 99

الاستدلال بصحيحة زرارة 105

الجهة الأولى: التقييد بالسلطان العادل 108

الأمر الأوّل 108

الأمر الثاني 117

الجهة الثانية: [التقييد بالوجوب التخييري] 138

في وجوب السعي أيّام الغيبة 146

مناقشات وختام 149

فهرس المصادر 154

فهرس الكتاب 164

ــــــــــ[165]ــــــــــ

اللمعة في حكم صلاة الجمعة