الجزء الأول
261
ص44 الصدر، محمد.
تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج1 (456ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1735/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1735) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
9-11-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
تقريرات في
علم أصول الفقه
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الأول
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
هناك كنزٌ كبير بين أيدينا جعله الله أمانة في عنقي ولله الحمد أوّلاً وآخراً، ألا وهو علم السيّد الوالد ومؤلّفاته العظيمة التي لم تطبع إلى الآن. وقد وفِّقنا وبحمد الله ونعمته إلى طباعة ونشر بعضها، والبعض الآخر ينتظر الخروج إلى النور تباعاً مع التوفيق الإلهي والسداد ودعاء المؤمنين وجهود المخلصين.
إلَّا أنَّ هذا الكنز العظيم يمكنني أن أجعله على قسمين:
الأوّل: مؤلّفاته المشهورة كالرسالة العمليّة، والكتب التاريخيّة كالموسوعة والشذرات، والكتب الفقهيّة كـما وراء الفقه وفقه الأخلاق، والكتب الاستدلاليّة كـولاية الفقيه والوافية، وما إلى غيرها من كتبٍ بين يديك عزيزي القارئ، وكتب أُخرى نسأل الله العليّ القدير بأن يوفّقنا لأن نجعلها بين يدي القارئ والمجتمع لينهل منها.
تلك كتب قد خطّها بيده الشريفة تمثّل علمه وفهمه الواسع بطبيعة الحال.
ــــــــــ[7]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الثاني: التقريرات: وهي التي خطّها بيده الكريمة تقريراً لأبحاث أساتذته الجهابذة العظماء، وعلى رأسهم السيّد الشهيد الأوّل والمحقّق الخوئي وغيرهما (قدّس الله أسرارهم أجمعين).
وتلك التقريرات المهمّة التي استطاع السيّد الوالد أن يخطّها أثناء دروسهم إنَّما هي باب عظيم يظهر في علومهم بصورةٍ وضّاءة جميلة وواضحة، تُنبئ عن علمه وعلمهم على حدٍّ سواء.
وهي تقريرات لكِلا البحثين الفقهي والأُصولي لأساتذته (قدس الله أسرارهم).
فالحمد لله الذي جعل منه أنموذجاً مخلصاً لأساتذته، ومطوّراً لعلومهم، وكاشفاً بتقريراته عن بحوثهم، ومخرجاً لها بثوبٍ جديد.
والحمد لله الذي وفّقني إلى كتابة مقدّمة لها بصورةٍ عامّة، تشمل جميع التقريرات.
وجزى الله القائمين على العمل خير الجزاء، من تحقيقٍ وتنضيدٍ وطباعةٍ ونشرٍ وغيرها، ولا سيّما الإخوة في هيئة تراث السيد الشهيد محمد الصدر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
مقتدى الصدر
ــــــــــ[8]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، وفضّل مدادهم على دماء الشهداء، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمّدٍ سيّد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله البررة الأتقياء، واللعن الدائم على أعدائهم إلى يوم اللّقاء.
وبعد، فلمّا كان العلم بالفقه وأُصوله -بعد العلم الباحث عن التوحيد وصفات الله العليا وأسمائه الحسنى- من أعظم العلوم قدراً وأرقاها سرّاً؛ إذ الغاية منه حفظ الشريعة والإرشاد إلى المصالح الدينيّة والدنيويّة، لزم على أهل الشأن صرف الهمّة إليه وإنفاق هذه المهلة اليسيرة عليه؛ ليتعالى عن حضيض الأرض إلى أوج السماء، ويرتقي من أسر الجهل إلى سرّ الطّاعة، فيحصل على السعادة الأبديّة، ويتخلّص من الشقاوة السرمديّة.
وممّن نال هذه المرتبة الرفيعة، وحاز على شرف التوفيق بين علمي الفقه وأُصوله والجمع بين الرواية والدراية: آية الله العظمى السيّد الشهيد المحقّق محمّد باقر الصدر وآية الله العظمى السيّد المحقّق أبو القاسم الخوئي (قدّس الله سرّهما)؛ حيث أفنيا عمريهما في تحصيل هذه العلوم وتحقيقها، ولا يستغني الباحث حول أُمهات المسائل الفقهيّة والقواعد الأُصوليّة في العقود الأخيرة
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
عن الرجوع إلى أبحاثهما الأنيقة وتحقيقاتهما الدقيقة؛ بعد أن اتّسم منهجهما في البحث بطرح المسألة الفقهيّة أو الأُصوليّة أوّلاً، وتحرير محلّ النزاع فيها ثانياً، وتفصيل الأقوال والوجوه المتصوّرة فيها ثالثاً، والاستشهاد لها أو الاستدلال عليها رابعاً، والانتصار للرأي المختار بعد التأمّل والتدبّر فيه خامساً.
ومن هنا كان مجلس بحثهما مجمعاً لروّاد العلم والفضيلة وعشّاق الفهم والشريعة، فدأبوا في تقرير أبحاثهما الجليلة الدقيقة، وأجهدوا أنفسهم في تهذيبها وتحقيقها، فجاءت لتشهد على أُسلوبهما العلمي الرفيع، ومكانتهما العلميّة الكبيرة، حيث الدقّة والفكر الصائب في عرض المطالب الفقهيّة والأُصوليّة الهامّة. فلم يتركا مسألة إلَّا وأعطياها ما تستحقّ من البحث والتدبّر، مع حسٍّ متوقّدٍ وأُفقٍ واسع.
ومّمن فاز بالسبق الأعلى ونال الكأس الأوفى حضوراً وتقريراً وتدقيقاً وتهذيباً وتحقيقاً آية الله العظمى المحقّق السيّد الشهيد محمّد الصدر الموسويّ، فكان أن استفاد من الجهود التي بُذلت قبله وقرأها ووعاها وقرّرها وضبطها وحلّلها، ثُمَّ استخدم مواهبه الفكريّة ورؤيته الثاقبة في النقد والتجديد والبناء في المحتوى والمنهج، ولذا جمعت تقريراته الأنيقة بين يدي القارئ الكريم -إلى عباراتها الواضحة المتلائمة مع اللّغة العلميّة الدارجة في الحوزات العلميّة- تطبيقاتٍ وتلويحاتٍ وأفكاراً وآراءً تساعد على فهم المسائل الفقهيّة والأُصوليّة بشكلٍ أفضل. فلله تعالى درّه وعليه سبحانه أجره.
ولأهميّة هذه التقريرات وقيمتها المعرفيّة تشرفت هيئة تراث السيد الشهيد
ــــــــــ[10]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وبإشراف مباشر من السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله) بطباعة ونشر الآثار الجليلة للشهيد السعيد السيد محمد الصدر بعد مراجعتها وتنقيحها وإخراجها بالنحو الماثل بين يدي القارئ الكريم.
راجين من الله تعالى شأنه أن يتقبلّها بقبولٍ حسنٍ، وسائلين منه تعاظمت آلاؤه أن يهدينا إلى سبل الوصول إليه، ويسيّرنا في أقرب الطرق للوفود عليه.
بين يديك عزيزي القارئ تقرير لأبحاث علم أُصول الفقه لآية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي، وهي أبحاث الدورة السادسة(1)، وكان قد ألقاها في حوزة النجف الأشرف على ساكنها آلاف التحيّة والثناء، وكانت محلّ اهتمام روّاد العلم والفضيلة، فنهلوا منها حتّى بلغوا درجاتٍ عاليةٍ في الفهم والعلم. وهذه الأبحاث التي قرّرها أحد أجلّاء طلّابه تمثّل آخر ما توصّل إليه الأُستاذ من آراء علميّة في هذا الباب. وقد وفّق سيّدنا الشهيد المقرّر للحضور في هذه الدورة وتقريرها بتمامها وكمالها(2) بعبارة سلسةٍ
ــــــــــ[11]ــــــــــ
() حسب ما ذكره السيّد الخوئي نفسه في كتابه: (معجم رجال الحديث 23: 22، ترجمة رقم: 14727، أبو القاسم الخوئي) .
(2) وقد بلغت: 834 درساً إلى نهاية مبحث الاجتهاد والتقليد؛ حيث ذكر السيد المقرر: “انتهت هذه الدورة لسيّدنا الأُستاذ آية الله الخوئي في علم الأُصول، بتاريخ: ليلة يوم السبت: 15/ 10/ 1391هـ = 4/ 12/ 1971م، بنهاية مباحث الاجتهاد والتقليد”. (الدفتر الثالث عشر من تقريرات أبحاث السيّد الخوئي الأُصوليّة، الصفحة الأخيرة) .
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وواضحة، وهو أمر يكشف عن نباهةٍ وضبط كبيرين.
تاريخ الشروع بهذه الأبحاث: 9/8/1382هـ = 6/1/1963م.
تاريخ الانتهاء من هذه الأبحاث: 15/10/1391هـ =4/12/ 1971م.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
ــــــــــ[12]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لكلِّ ما فيه خير وصلاح، إنَّه سميع مجيب، ونستغفره من كلِّ زللٍ وخطأ، سائلين العلماء والباحثين الكرام أن يتجاوزوا عن كلِّ عيب ونقصٍ لُوحظ في إخراج هذا الكتاب؛ فإنَّ الكمال لله وحده.
والحمد لله أوّلاً وآخراً.
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
صورة من غلاف النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
في موضوع علم الأصول
وتعريفه والحاجة إليه
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المقدمة: في بيان أُمورٍ
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
قبل الشروع في المباحث الأصولية لا بد من بيان وجه الحاجة إلى هذا العلم وأقسام مباحثه:
أما وجه الحاجة إليه فنحن نعلم إجمالاً بوجود أحكامٍ إلزاميّةٍ في الشريعة المقدّسة، وأنَّنا مكلّفون بأفعالٍ كثيرةٍ، لا نعلم كثيراً منها على نحو القطع، وإن كانت جملةٌ منها معلومة كذلك، أي: على وجه القطع واليقين، فلا بدَّ من الخروج عن عهدة التكليف والخلاص من العقوبة على مخالفتها. وذلك بأحد وجوه:
◙ [الوجه الأوّل]: أما بتحصيل العلم بالأحكام بمقدّماتٍ قطعيّة، فنعرف قطعاً أنَّ الفعل واجبٌ أو حرامٌ، فيجب علينا فعله أو تركه، أو ليس كذلك، فيكون لنا الخيار في فعله وتركه. وهذه هي المباحث العقليّة التي يُتكلّم بها في هذا العلم، من ذلك أنَّ وجوب الشيء يستلزم حرمة ضدّه، فإذا علمنا أنَّ الفعل واجب يقيناً، فنعلم بالملازمة العقليّة أنَّ ضدَّ هذا الفعل محكومٌ بالحرمة، وحرمته يقينية من جهة العلم بحرمة ضدّه، عن طريق العلم بوجوبه.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ومن ذلك أنَّ الشيء الواجب يستدعي عقلاً وجوب مقدّمته؛ فنعلم أنَّ مقدّمات هذا الفعل الواجب محكومةٌ بالوجوب، وهكذا بالنسبة إلى سائر المباحث الإلتزامية وهي توصلنا جزماً إلى الحكم الشرعي عن طريق حكم العقل بالملازمة.
◙ [الوجه الثاني]: وقسم لا يوصلنا إلى الحكم اليقيني، إلَّا أنَّه يوصلنا إلى الحكم الشرعي عن طريق حكم الشارع تعبّداً، أي أنَّنا عالمون بحكم الشارع بالحكم الشرعي، وإن كان العلم الوجداني غير موجود. وهذه المباحث تنقسم إلى قسمين:
وهذه المباحث -مباحث الألفاظ- تنقسم هي الأُخرى إلى قسمين:
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
حجّيّة العامّ في الباقي بعد التخصيص، والبحث في أنَّ المطلق بعد تقييده هل يُحمل على المقيّد أم لا؟ فالبحث هنا لفظيٌّ، ولكنّه ليس بالنسبة إلى كلّ لفظٍ لفظٍ، بل حول نسبة جملةٍ إلى جملةٍ أُخرى، وإضافة دليلٍ إلى دليلٍ آخر، أي: البحث حول المحصَّل من مجموع الدليلين.
ومن ذلك أيضاً البحث عن حجّيّة الإجماع المنقول والشهرة الفتوائيّة وظواهر الكتاب ونحو ذلك، فيُبحث فيها عن ثبوت الحكم تعبداً بعد عدم إمكان وصوله على نحو القطع واليقين.
والنتيجة الحاصلة من هذه المباحث هي العلم بالحكم الشرعيّ، لكن لا وجداناً، وإنَّما بتعبّد من الشارع.
ويدخل في هذا القسم أيضاً البحث عن حجّيّة الظنّ على تقدير تماميّة مقدّمات الانسداد، فبعد كشف الظنّ عن حرمة شيء أو وجوبه، نتكلّم عن الشارع، هل جعل الحجية للظنّ؟ فنعلم بالحكم الشرعي عن طريق العلم
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
العقلي، أي أنَّ الكاشف هو العقل، وأنَّ الحاكم هو الشرع، فالعقل يكشف أن الشارع حكم بحجية الظن.
◙ الوجه الثالث: أن يتكلم فيه عن الوظيفة الفعلية من دون أن يكون هناك إثباتٌ للحكم الشرعي الواقعي أبداً، لا بالعلم الوجداني ولا بالعلم التعبّدي، وحيث لا يمكن الوصول إلى الحكم عن هذين الطريقين فلابدَّ أن نعرف وجه العمل عقلاً، كالدوران بين المحذورين، ونحن لا بدَّ لنا من أحدهما، مع أنَّنا نحتمل حرمة أحدهما ووجوب الآخر. ففي المقام لا بدَّ من البحث حول الوظيفة العمليّة فعلاً. والبحث المكتفّل بذلك هي مباحث الأُصول العمليّة بعد فرض أنَّ الوصول إلى العلم الواقعي أو التعبّديّ غير ممكنٍ.
والوظيفة العمليّة تنقسم إلى قسمين:
ومن جميع ما تقدّم يتّضح أنَّ مباحث علم الأُصول ثلاثةٌ:
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
العقليّة.
وسيقع البحث فيها إن شاء الله تعالى على وفق هذا التقسيم.
وأمّا مباحث التعادل والتراجيح فهي مندرجةٌ في القسم الثاني من هذه الأقسام؛ لأنَّ البحث فيها بحثٌ عن حجّيّة أحد الخبرين، وهو بحثٌ في حجّيّة خبر الواحد في حال المعارضة لا في حال الانفراد، وهو ليس بحثاً آخر في مقابل تلك الأقسام.
فيقع الكلام في كلّ واحدٍ من هذه الأقسام تباعاً؛ لوضوح أنَّ مباحث كلَّ قسمٍ من هذه الأقسام تتميّز عن مباحث القسم الآخر، دون أن تندرج مباحث قسمٍ في مباحث قسمٍ آخر.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر الثاني: في موضوع العلم
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وفيه جهات:
قيل: لا بدَّ لكلِّ علمٍ من موضوع(1)، ولابدَّ من العلم بموضوع ذلك العلم؛ ليكون الطالبُ على بصيرةٍ من أمره، حتّى لا يحكم على المجهول المطلق.
أمّا العلم بالموضوع فلا يعتبر جزماً؛ فإنَّ كون الطالب على بصيرةٍ من أمره لا يتوقّف على معرفة الموضوع بوجهٍ، بل إذا علم الغاية من العلم، صحَّ له الشروع في العلم وإن لم يكن عالماً بموضوعه.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) أُنظر: العلامة الحلي، منتهى المطلب 1: 6 المقدمة الثالثة. قال: “اعلم أنَّ كلّ علم على الإطلاق لا بدَّ وأن يكون باحثاً عن أمور لاحقة لغيرها، وتسمّى تلك الأُمور مسائل ذلك العلم، وذلك الغير موضوعه”.
وكذلك أُنظر: حسن بن زين الدين العاملي، ابن الشهيد الثاني، معالم الدين: 28. والآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 7، المقدّمة، الأمر الأوّل، قال: “إن موضوع كل علم، وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية – أي بلا واسطة في العروض- هو نفس موضوعات مسائله عيناً”.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأمّا وجود الموضوع في نفسه فقد اُستدلّ عليه: بأنَّ الغرض من العلم واحدٌ، وهو لا يترتّب على الكثير، بمقتضى قاعدة: “أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من واحدٍ”، فلابدَّ من فرض وحدةٍ جامعةٍ بين مسائله، وذلك لا يكون إلَّا بوحدة الموضوع، فلابدَّ من وجود موضوعٍ لكلِّ علم يبحث فيه عن عوارضه(1).
وهذا مخدوشٌ من وجوهٍ:
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) أُنظر: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 13، موضوع الأصول.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولو سلَّمنا ذلك فالغرض غير مترتّبٍ على الموضوعات، بل على المسائل، ونتيجته أن نبحث عن الجامع بين النسب، يعني بين ثبوت الموضوع للمحمول في كلّ مسألة. فعلى تقدير ترتّب الغرض على كلّ مسألةٍ لا على مجموع المسائل، فهو غير مترتّبٍ على الموضوع نفسه، وإنَّما على المسألة بما هي مسألةٌ، أي: على ثبوت المحمول للموضوع، فالجامع لا بدَّ أن يكون جامعاً بين النسب لا الموضوعات. هذا بناءً على أنَّ الغرض واحدٌ شخصي.
وأمّا إذا كان الغرض نوعيّاً -بمعنى: أنَّ الغرض المترتّب على كلّ مسألةٍ مغايرٌ شخصاً للغرض المترتّب على المسألة الأخرى- فهذا فردٌ من الغرض، وذاك فردٌ آخر، كما هو الصحيح؛ إذ من المعلوم جزماً أنَّ الغرض المترتّب على كل مسألةٍ غير الغرض المترتّب على المسألة الأُخرى. ومعه فباب الفاعل يترتّب عليه حفظ اللسان عن الخطأ بالنسبة إلى الفاعل، وباب المفعول يترتّب عليه حفظ اللسان عن الخطأ في المفعول، وكلٌّ منهما أجنبيٌّ عن الآخر شخصاً، ولو مع فرض الجامع بينهما.
وكذا الحال في هذا العلم -علم أصول الفقه-؛ فإنَّ الغرض المترتّب على مسألة اجتماع الأمر والنهي غير الغرض المترتّب على مسألة حجّيّة خبر الواحد؛ إذ الأُولى يُستنبط منها أحكامٌ غير ما يُستنبط من الأُخرى من أحكامٍ، وعليه: فالغرض ليس واحداً شخصيّاً بل نوعيّاً.
والواحد النوعيّ لا يكشف عن وجود جامعٍ بين أسبابه والمؤثّرات فيه، وذلك بالوجدان؛ فإنَّنا نرى أنَّ الحرارة مترتّبةٌ على النار والحركة والشمس
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والقوّة الكهربائيّة، فهل يمكن أن يُقال: إنَّ بين أسباب الحرارة هذه جامعاً؛ بدعوى أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من واحدٍ؟ وهل يُعقل تصوير جامعٍ بين الجوهر والعرض: كالنار والحركة؟ كلا.
إذن لا يمكن الالتزام بلزوم جامعٍ واحدٍ؛ من جهة أن الغرض واحدٌ نوعيٌّ، والوحدةُ النوعيّة لا تكشفُ عن وجود جامعٍ ماهويٍّ بين الأسباب والعلل، والمقام من هذا القبيل.
ولو فرضنا: أنَّ الغرض جامعٌ عنوانيٌّ، فالأمر أوضح؛ بداهة أنَّ الغرض المترتّب على المسألة مع الغرض المترتّب على المسألة الأخرى ليسا داخلين تحت عنوانٍ حقيقيٍّ مقوليٍّ كالحرارة، بل هما فردان كلٌّ منهما (من حيث معنونه) داخلٌ تحت شيءٍ، وإنَّما يعبَّر عنهما بعنوانٍ واحدٍ. فصونُ اللسان عن الخطأ غير داخلٍ في المقولات الحقيقيّة من الجوهر والعرض، بل هو عنوانٌ جامعٌ بين أُمورٍ شتّى يعبَّر عنها بتعبيرٍ واحدٍ.
إذن فكيف يُلتزم بجامعٍ ماهويٍّ حقيقيٍّ يكون هو المؤثّر حقيقةً؛ بملاك أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من الواحد؟!
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المسائل موجودةٌ واقعاً، ومحمولاتها ثابتةٌ لموضوعاتها، مع أنَّه ليس كذلك؛ فإنَّ المترتّب عليه الغرض هو العلم بثبوت تلك المحمولات لموضوعاتها، لا نفس الثبوت أو نفس الموضوع.
إذن فلا بدَّ من تصوير الجامع بين هذه الأفراد نفسها، لا بين الموضوعات نفسها، ليُقال بأنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من واحدٍ، فلابدَّ من موضوعٍ جامعٍ؛ ضرورة أنَّ المؤثّر ليس هو المسألة بنفسها حتّى نحتاج إلى تصوير جامعٍ واحدٍ بين المسائل، بل المؤثر هو العلم والمعرفة بالمسألة، فلابدَّ من وجود جامعٍ بين العلم بكلّ مسألةٍ مسألةٍ.
مع أنَّ الموضوعات في الفقه مختلفةٌ؛ إذ قد يكون الموضوعُ فيه أمراً حقيقيّاً من الجواهر، كأن يُقال: (الماءُ طاهرٌ) و(البولُ نجسٌ)، وغير ذلك من الموضوعات الخارجية والجواهر التي هي محكومةٌ بحكمٍ مّا.
وقد يكون الموضوعُ أمراً اعتباريّاً، غايته أنَّه يكون قائماً بالمكلّف وصادراً عنه، إلَّا أنَّه أمرٌ اعتباريّ، كأن يُقال: (إنَّ التزويجَ بالمحرَّمة محرّمٌ)،
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أو (إنَّ التزويجَ بذات البعل حرامٌ)، أو (إنَّ التزويج بالمعتدّة حرامٌ وباطلٌ)، وغير ذلك ممّا تكون الحرمةُ فيه ثابتةً لأمر اعتباريٍّ كالتزويج؛ فإنَّ التزويج أمرٌ اعتباريّ وليس واقعيّاً، فهو لا جوهرٌ ولا عرضٌ، فكيفُ يتصوّرُ جامعٌ حقيقيٌّ بين ما يكون جوهراً، وعرضاً، وأمراً اعتباريّاً؟! بل هذا غير معقولٍ.
والنتيجة: أنَّ الالتزام بوجود موضوعٍ جامعٍ بين موضوعات المسائل، مع أنَّه لم يقم دليلٌ على لزومه، بل قام الدليل على عدمه؛ إذ يستحيل تصوّر الجامع في علم الفقه، وإلَّا لزم دخول الجوهر والعرض والأمر الاعتباري تحت جامعٍ واحدٍ، وهذا غير ممكن.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وإذ تقرّر: أنَّه لا ملزم للالتزام بوجود موضوعٍ جامعٍ بين المسائل في أيّ علمٍ من العلوم، فلا وجه للالتزام بكون البحث في العلم إنَّما يكون عن العوارض الذاتيّة بالنسبة إلى موضوع ذلك العلم.
والسرّ فيه: أنَّ العبرة -على ما ذكرناه في اندراج المسألة في العلم- أنَّها داخلةٌ في الغرض الذي من أجله دُوِّن ذلك العلم، فإن كانت داخلةً في الغرض، كانت المسألة من مسائل ذلك العلم، وإلَّا كانت خارجةً عن مسائله. فلو فرضنا أنَّ الغاية من علم النحو هي صيانة اللسان عن الخطأ، فهذه الغاية إذا ترتّبت على مسألةٍ كلزوم رفع الفاعل، كانت المسألة من مسائل علم النحو، وإذا لم تكن تلك الغاية مترتّبةً على مسألةٍ معيّنةٍ، كانت المسألة خارجةً عن مسائل علم النحو لا محالة.
فالالتزام بأن يكون البحث عن العوارض الذاتيّة لموضوع العلم لا ملزم له؛ إذ لا يعتبر وجود الموضوع لكلّ علمٍ، فكيف بعوارضه الذاتيّة؟!
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وبالتأمّل في تقسيمنا لمسائل علم الأُصول يتّضح أنَّه لا موضوع لهذا العلم؛ لأنَّ مباحث الألفاظ يُبحث فيها عن مداليل الألفاظ: إمّا بأنفسها أو بالنسبة إلى إضافة جملةٍ إلى جملةٍ أُخرى، وفي مباحث الحجّة يُبحث عن جعل الحجّيّة والأماريّة أو الوظيفة العمليّة للمكلّف عند عدم إمكان الوصول إلى الحكم الواقعي وجداناً أو تعبّداً. وعليه فليس هناك جامعٌ واحدٌ معقولٌ يجمع بين موضوعات مسائل هذا العلم أصلاً، بل إنَّ كلّ مسألةٍ لها موضوعٌ مغايرٌ لموضوعات المسائل الأُخرى.
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأمّا ما التزم به المشهور(1) من: أنَّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة فهذا لا يتمّ بوجهٍ، فإنّا إذا استقصينا مسائل هذا العلم نرى أنَّه ليس في شيءٍ منها ما يُبحث فيها عن عوارض الدليل بما هو دليلٌ؛ فإنَّ الأُصول العمليّة يُبحث فيها عن الوظيفة العمليّة للمكلّف، وأين هذا من البحث عن عوارض الدليل؟! ومباحث الألفاظ إنَّما يُبحث فيها عن مداليل الألفاظ وما يُفهم منها عرفاً: إمّا في أنفسها وإمّا بإضافة بعضها إلى بعضٍ، من دون تخصيص البحث بالكتاب والسنة.
وبيان ذلك: أنَّنا إذا قلنا: إنَّ الأمر يدلّ على الوجوب، لا نريد به خصوص الأمر الوارد في الكتاب والسنّة؛ فإنَّ هذه الدلالة من لوازم الأمر بما هو أمرٌ، لا من لوازم الورود في الكتاب والسنّة.
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) أُنظر: الميرزا القمي، قوانين الأُصول: 9، المقدّمة، والحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 11، المقدّمة، والآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 8، المقدّمة، الأمر الأوّل، والنائيني، فوائد الأُصول 1: 26، وغيرها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
نعم، وإن كان المقصود هو استنتاج الحكم الشرعيّ الفرعيّ من الكتاب والسنّة، ولكنّ المبحوث عنه في مباحث الألفاظ هو دلالة الأمر على الوجوب على الإطلاق.
وكذا الكلام في مباحث الاستلزامات العقليّة؛ فإنَّ المبحوث فيه إنَّما هو ثبوت الملازمة بين شيئين، وأين هذا من البحث عن عوارض الدليل بما هو دليلٌ؟! فلا وجه للالتزام بأنَّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة بما هي أدلّةٌ.
وكذلك لا وجه للإلتزام بأنَّ موضوع علم الأُصول هو ذات الأدلّة؛ فإنَّه أيضاً لا ينطبق على موضوعات مسائله، فالأُصول العمليّة يُبحث فيها عن الوظيفة العمليّة، وأين هذا من البحث عن ذات الدليل؟! والاستلزامات العقليّة يُتكلّم فيها عن ثبوت الملازمة بين شيئين، وهو أجنبي عن البحث عن عوارض نفس الدليل.
نعم، يبقى الكلام في مباحث الألفاظ، وعند التدقيق يتضّح أنَّ مباحث الألفاظ أيضاً كذلك؛ فإنَّ الموضوع فيها لا يختصّ بظواهر الكتاب والسنّة ليقال: إنَّه بحثٌ عن عوارض الكتاب والسنّة، وإنَّما يُبحث فيها عن دلالة الأمر والنهي على الوجوب والتحريم دون اختصاصٍ بالكتاب والسنّة، وإن كانت الغاية هي استنباط الحكم الشرعيّ من الكتاب والسنّة، إلَّا أنَّ المبحوث عنه لا يتقيّد بذلك.
إذن، كلّ مسألةٍ في علم الأُصول يُتكلّم فيها عن أحوال الدليل وعوارضه
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بعد الفراغ عن دليليّته أو عن ذات الدليل.
قد يُقال: إنَّ البحث في الحجج والأمارات بحثٌ عن أحوال الدليل وعن عوارض ذات الدليل؛ لأنَّها بحثٌ عن ثبوت السنّة بخبر الواحد أو بالشهرة الفتوائيّة أو بالإجماع المنقول، كما ذكره شيخنا الأنصاري(1).
وبعبارةٍ أُخرى: يمكن تطبيق الموضوع على موضوعاتها بدعوى: إنَّ موضوع هذه المباحث هو السنّة، ويتكلّم عن ثبوت السنة بخبر الواحد أو عدم ثبوتها به، بعد الفراغ عن ثبوتها بالتواتر أو الخبر المحفوف بالقرائن، كما أفاده الشيخ الأعظم.
ولكن هذا لا يرجع إلى محصّلٍ؛ لأنَّ المراد بالثبوت في كلامه لا يمكن أن يُراد به الثبوت التكوينيّ الخارجيّ ولا الثبوت الذهنيّ. إذ من الواضح أنَّ خبر الواحد لا يكون علّةً وسبباً لوجود السنّة، وهو قول الإمام أو فعله أو تقريره؛ ليقال: إنَّ السنّة هل تثبت وتتحقّق به؟ وإنَّما خبر الواحد حاكٍ عن السنّة، فالثبوت التكوينيّ الخارجيّ لا يكون مورداً للنفي والإثبات.
وكذلك لا يمكن أن يُراد من كلامه الوجود الذهنبي أيضاً؛ فإنَّ خبر الواحد بما هو خبرٌ واحدٌ، لا يُحتمل أن يكون سبباً للعلم بالسنّة قطعاً؛ لأنَّه خبرٌ محتمل الصدق والكذب، فكيف يكون سبباً للعلم القطعي بالسنّة؟!
فالمراد بالثبوت هنا هو الثبوت التعبّدي، وذلك بجعل الطريقية لإثبات السنة يقيناً، فإذا كان كذلك، فكلامه حول إثبات السنّة بخبر الواحد إنَّما
ــــــــــ[39]ــــــــــ
(1) راجع: الشيخ الأنصاري، فرائد الأُصول 1: 108و238-239.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يعني به أنَّه هل تثبت السنّة تعبّداً بخبر الواحد أم لا تثبت؟
وهذا وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّ جهة البحث إنَّما هو إعطاء الطريقيّة لخبر الواحد، وإلَّا فإنَّ السنّة لا قصور فيها من جهة ثبوتها بأيّ طريقٍ شرعيّ، فمحلّ الكلام هو جعل الحجّيّة لخبر الواحد وعدمه، والنزاع يرجع إلى أنَّ خبر الواحد هل يكون طريقاً وحجّة لثبوت السنّة أم لا؟ فجهة البحث إنَّما هي حول إعطاء الطريقية لخبر الواحد لإثبات السنّة، ولا ترجع إلى جهة ثبوت السنّة؛ بداهة.
وبعبارةٍ أُخرى: أنَّ الثبوت التعبّديّ له طريقان: شيءٌ يثبت، وشيءٌ يثبت به، فتارة يكون البحث في أنَّ الشيء الثابت هل يكون قابلاً للثبوت بالتعبّد أو لا يثبت إلَّا بالوجدان، ومن الظاهر أن هذا لم يقع فيه كلام.
وأخرى يقع الكلام في أن الشيء بعدما يكون قابلاً للثبوت بالتعبد، فهل الشيء المعيَّن يمكن أن يكون مثبتاً له أم لا. وهذا ما وقع محلاً للكلام في حجية خبر الواحد.
فالكلام في جهة الإثبات لا الثبوت؛ إذ لا يشكّ عاقلٌ في ثبوت السنّة عن أيّ طريقٍ شرعيّ. والبحث عن حجّيّة الخبر الواحد بحثٌ عن عوارض الخبر، لا عن عوارض السنّة، فيُبحث في خبر الواحد هل هو حجّةٌ فتثبت به السنة، أم ليس بحجّةٍ فلا تثبت به؟
فعلى تقدير أن يكون الموضوع هو الأدلّة الأربعة، لا تبقى مسألةٌ في علم الأُصول يكون البحث فيها عن الدليل بما هو دليلٌ أو عن ذات الدليل.
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إذن، فلا ملزم للقول بأنَّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة، بل الصحيح أنَّه لا موضوع لهذا العلم، بل هو مركّبٌ من عدّة مسائل دخيلةٍ في الاستنباط. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لا شكّ: أنَّ كلّ مسألةٍ تمتاز عن المسألة الأُخرى: إما باعتبار اختلافهما في الموضوع، أو باعتبار اختلافهما في المحمول، أو باعتبار اختلافهما في كليهما. فجملة (الفاعل مرفوعٌ) تمتاز بنفسها عن جملة (المفعول منصوب)، والتمايز بينهما تمايزٌ ذاتيّ، فهما إنَّما يتمايزان في مقوّمي القضيّة (أي: الموضوع والمحمول). كما أنَّه إذا اجتمعت المسائل وعُدّت شيئاً واحداً، تمايزت هذه المجموعة بذاتها عن مجموعة المسائل الأُخرى المختلفة عنها ولو في بعض الأجزاء. ولو فرضنا أنَّ المجموع المركّب يختلف عن ذلك المجموع المركّب، فهو يختلف عنه بنفسه، وهذا الاختلاف ذاتيٌّ، ولا معنى حينئذٍ للبحث عن شيءٍ يكون به الاختلاف؛ لأنَّه اختلافٌ ذاتيّ، وهذا ما لم يقع فيه كلامٌ.
وإنَّما الإشكال في جهة امتياز المجموع المركّب من الآخر، فيقع الكلام في مقام الإثبات ومعرفة الجاهل بالامتياز بين علمٍ عن علمٍ آخر، والمائز أحد أُمورٍ: فقد يكون تمييز علم عن علم آخر بموضوع ذلك العلم إذا كان له موضوعٌ جامعٌ، فإذا سُئل العالم عمّا يميّز علم النحو عن علم الصرف وكان السائل جاهلاً، فيجيب العالم: أنَّ علم النحو يُبحث فيه عن الكلمة والكلام من حيث الإعراب والبناء، وعلم الصرف يُتكلّم فيه عن الإعلال من حيث
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الهيئة والمادّة. فيفهم الجاهل أنَّه إذا أراد أن يعرف أبواب الفعل الثلاثي والرباعي، كان عليه أن يرجع إلى علم الصرف، وإذا أراد أن يعرف أواخر الكلمات، كان عليه أن يرجع إلى علم النحو، فيميّز أحدهما عن الآخر بموضوعه.
وقد يكون التمييز بالمحمول الجامع إذا كان للعلم محمولٌ جامعٌ، فإذا سُئل العالم عن علم الفقه، فيقال: علم الفقه: علم يُبحث فيه عن الأحكام الشرعيّة الفرعيّة، وعلم الطبّ: يُبحث فيه عن الصحّة والمرض.
ويمكن أن يكون التمييز بالغرض المترتّب على هذا العلم، فإذا سُئل عن علم الأُصول ما هو؟ فيجاب بأنَّه: علمٌ يترتّب عليه القدرة على الاستنباط، من دون ذكر الموضوع والمحمول؛ لما تقدّم من أنَّه لا موضوع له.
وعليه فالتمييز بالنسبة إلى الجاهل قد يكون بالموضوع الجامع، وقد يكون بالمحمول الجامع، وقد يكون بالغرض، وقد يكون بأمرٍ آخرَ غير ما ذُكر، كما إذا عُدّت له الأبواب إجمالاً -كما ذكرنا أبواب الأصول إجمالاً-، فيقول: علم الأُصول: علم يُبحث فيه عن المداليل والظهورات وعن الحجّيّة والأمارات وعن الأُصول العمليّة في حال الشكّ، فيعلم الجاهل علم الأُصول إجمالاً وإن لم يعلمه تفصيلاً.
إذن التمييز بين علم وعلم آخر قد يكون بموضوعه وقد يكون بمحموله وقد يكون بشيء آخر، ولعلّ المشهور الذين ذكروا أنَّ تمايز العلوم يكون بتمايز موضوعاته لعلهم ينظرون إلى التمايز في جميع ما ذُكر، وإنَّما خصّص الموضوع
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لأنَّه أشرف؛ باعتباره الجزء المهمّ في كلّ قضيّةٍ وجملةٍ والمحمول من عوارضه، وإلَّا فإنَّ التمييز لا يختصّ بالموضوع، بل يمكن أن يكون بغيره.
وهاهنا مقامٌ آخر للتمايز بين العلوم، وذلك بحسب مقام التدوين؛ فإنَّ المدوِّن إذا دوَّن علماً وجمع بين جملةٍ من المسائل وسمّاها باسمٍ واحدٍ، فيُسأل هذا المدوِّن عن سبب جمعه لهذه المسائل في هذا العلم دون المسائل الأُخرى، ولماذا لم تكن هذه المسائل من علم آخر. وهذا هو التمييز في مرحلة التدوين. ثُمَّ لماذا يجعل المدوّن المسألة في علمٍ دون غيره؟ فهل كان التمايز على أساس الموضوع أم الغرض؟
والظاهر: أنَّ المقام يقتضي التفصيل؛ إذ إنَّ جمع المسائل وتدوينها في علمٍ واحد هو فعلٌ اختياريٌّ للمدوِّن لا محالة، ولابدَّ أن يكون للمدوِّن داعٍ عقلائيٌّ في التدوين. فقد يتعلّق غرض المدوِّن بمعرفة أحوال شيء ما، ويكون الغرضُ من التدوين هو حصول المعرفة بأحوال ذلك الشيء دون ترتّب أيّ شيءٍ آخر عليه، كما هو الحال في علم الفلسفة الأُولى؛ فإنَّ الغرض منه هو نفس المعرفة التي هي كمال الإنسان، والإحاطة بالموجودات على ما هي عليه؛ فهنا لا غرض له غير العلم والمعرفة والبحث عن أحوال هذا الموجود، ولا نحتاج إلى غرض خارجي ليكون التمييز به. بل لا محالة يكون التمييز بالموضوع، فلو أراد أحدٌ أن يطّلع على أحوال الإنسان من جميع شؤونه، فجعل موضوع بحثه هو الإنسان، فيُتكلّم في الإنسان من ناحية جسمه ونفسه وعقله وكيفيّاته وأخلاقه وما يعرضه من الحالات. فإذا كان موضوع البحث هو الإنسان من جميع أحواله، فليس هناك غرضٌ إلَّا معرفة الإنسان من جميع أحواله، فهو يمتاز عن علمٍ آخر بموضوعه، وبه يمتاز عن علم النبات والفلك. فالعلم المتكفّل ببيان
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أحوال الفلك يمتاز عن العلم المتكفّل ببيان أحوال الإنسان باختلافهما بالموضوع، ولا يمكن أن يكون التمايز بالغرض؛ إذ لا غرض إلَّا نفس المعرفة والإحاطة بأحوال هذا الشيء.
وقد يكون غرض المدوِّن معرفة المحمول واستقصاء الموارد التي يعرض فيها المحمول على الموضوعات الخارجيّة، فيدوّن علماً حول ذلك، والغرض منه معرفة خصوصيات المحمول من ناحية معروضه، فيتكلّم عن الحركة وعمّا تعرض عليه، وأنَّ الحركة قد تكون في الأين، كما هو المعهود خارجاً، وقد تكون في الكيف، كما إذا كان الجسم ذا لونٍ معيّنٍ فتغيّر لونه إلى لون آخر، وقد تكون الحركة في الكمّ، فنرى أنَّ الشيء الواحد كان صغيراً، فكبر حجمه. وقد تكون الحركة في الجوهر، فيقال: إنَّ هذه حركةٌ جوهريّةٌ، فيخرج الشيء بمقتضاها من جوهرٍ ليدخل تحت جوهرٍ آخر، كما هو الحال في النبات الذي يترقّى فيكون حيواناً، بل يترقّى فيكون إنساناً. هذا أيضاً يكون علماً لاستقصاء جميع ما تعرضه الحركة من الموجودات، وأيّ شيءٍ منها يتحرّك وأيّ شيء لا يتحرّك، وجهة الامتياز فيه هو المحمول لا محالة.
وقد لا يكون غرض المدوّن لا هذا ولا ذاك، بل له غرضٌ خارجيٌّ يترتّب على عدّة مسائل كما هو الحال في العلوم المتعارفة؛ فإنَّ المدوِّن إنَّما يريد أن يجمع هذه المسائل لأجل أن يكون العارف بها متمكّناً من صون لسانه عن الخطأ، أو
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
متمكّناً من استنباط الأحكام الشرعيّة. وقد وضع العلم في سبيل ذلك، فحينئذٍ لا بدَّ أن يكون التمييز بالغرض، ولا يمكن أن يكون بالموضوع أو المحمول، وإلَّا لكان كلّ باب بل كلّ مسألة -كما أفاد صاحب (الكفاية)(1)– علماً على حدةٍ. فمدوِّن النحو لو سألناه عن سبب جعله هذه المسائل علماً مستقلاً، فإنَّه لا بدَّ أن يجيب: بأنَّ الغرض من علم النحو هو صون اللسان عن الخطأ، ولأجل الوصول إلى هذا الغرض جمعت هذه المسائل في علم النحو، وإلَّا لو أجاب بأنَّ موضوع العلم هو الكلمة والكلام، ولذا جعلته علماً واحداً، لقيل له: إنَّ الفاعل والمفعول موضوعان، فلماذا لم تجعلهما علمين مستقلّين، وجعلتهما بابين من هذا العلم؟
فإذا كان الباعث على التدوين غرضاً خارجيّاً مترتّباً على العلم، فما له دخلٌ من المسائل يكون داخلاً فيه، وما لا دخل له في ذلك الغرض من المسائل يكون خارجاً عنه، فالتمييز هنا يكون بالغرض لا محالة.
ومن هنا يظهر: أنَّ إطلاق كلام صاحب (الكفاية)(2) من أنَّ تمايز العلوم بالأغراض لا بالموضوعات ولا بالمحمولات، كما أنَّ إطلاق كلام المشهور(3)
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 8، المقدّمة، الأمر الأوّل. قال الآخوند الخراساني: “…إنَّ تمايز العلوم إنَّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين، لا الموضوعات ولا المحمولات، وإلَّا كان كل باب، بل كل مسألة من كل علم، علماً على حدة، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمَل”.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.
(3) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 11، المقدّمة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
من أنَّ تمايز العلوم بالموضوعات، كلا الإطلاقين ليسا في محلّه، بل قد يكون التمايز بالموضوع، وقد يكون بالمحمول، وقد يكون بالغرض. وهذا الأخير هو الغالب حيث إنَّ العلوم المتعارفة لها أغراضٌ خارجيّةٌ، فتمايزها إنَّما يكون بالغرض، ولا سيّما إذا لم يكن للعلم موضوعٌ خاصٌّ كعلم الأُصول؛ فإنَّه ليس له موضوعٌ خاصٌّ يُعبَّر عنه بلفظٍ معيَّنٍ، ولا محمولٌ معيَّنٌ ليقال: إنَّه متميّزٌ عن غيره بالموضوع أو المحمول، بل ينحصر تميّزه في الغرض في مثل ذلك لا محالة.
تحصّل ممّا ذكرناه: أنَّ غرض المدوِّن من تدوين العلم وتسميته باسمٍ خاصٍّ إذا كان الداعي له هو الغرض المترتّب على المسائل التي جمعها ودوَّنها، فيكون تمايز هذا العلم عن غيره بالغرض، بمعنى أنَّ كلّ مسألةٍ لها دخلٌ في تحقيق هذا الغرض لا بدَّ وأن تدوَّن فيه وتكون من مسائل ذلك العلم، وكلّ مسألةٍ ليس لها دخلٌ في ذلك الغرض تكون خارجةً عن مسائل ذلك العلم وداخلةً في مسائل علمٍ آخر.
وأمّا إذا فرضنا: أنَّ غرض المدوِّن ليس أمراً خارجيّاً مترتّباً على المسائل المدوّنة فيه، وإنَّما الغرض هو معرفة حال الموضوع أو معرفة حال المحمول، فيكون التمايز بالموضوع والمحمول.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
غرضنا من هذا البحث هو معرفة ما يمتاز به علم الأُصول، وأنَّ المسائل فيه بأيّ شيء تتمايز عن العلوم الأُخرى.
لا شكّ -كما ذكرنا- أنَّ البحث في علم الأُصول لا يكون عن الموضوع؛ إذ لا موضوع جامع بين مسائله ليكون البحث فيه عن أحوال ذلك الموضوع. كما أنَّه ليس هناك محمولٌ جامعٌ ليكون البحث في علم الأُصول حول ما يعرضه ذلك المحمول؛ لأنَّ مسائل علم الأُصول مختلفةٌ في الموضوع والمحمول، فالتمايز إنَّما يكون بالغرض المترتّب على علم الأُصول، وهو التمكّن من استنباط الحكم الشرعيّ. فإذا ترتّب هذا الغرض على مسألة، كانت تلك المسألة داخلة في علم الأُصول، وإذا لم يترتّب الغرض عليها، كانت خارجةً عن مسائله، إذن فلابدَّ لنا من التكلّم في امتياز علم الأُصول عن غيره.
إنَّ سائر العلوم التي هي بعيدةٌ عن استنباط الحكم الشرعي كعلم الفلك وعلم الطبّ فالتمايز بينها وبين علم الأُصول ظاهرٌ؛ إذ ليس هناك جهة اشتراكٍ بينها. ولكن يقع الإشكال في جهة التمايز بين علم الأُصول وبين سائر العلوم التي يتوقّف عليها الاستنباط، لأنَّ الاستنباط يتوقّف على جملةٍ من العلوم، فهو
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يتوقّف على علوم الأدب جميعاً من النحو والصرف واللغة؛ إذ الاستنباط يكون في الغالب من الكتاب والسنّة. وأمّا الاستنباط من الملازمات العقليّة فهو قليلٌ، فلابدَّ في استنباط الحكم من الكتاب والسنّة من معرفة النحو والصرف واللغة؛ ليتمكّن من استنباط الحكم الشرعيِّ منهما. والأكثر أيضاً في هذا الغالب هو الاستنباط من الروايات لا من الكتاب؛ فإنَّ الاستنباط من القرآن بالنسبة إلى الروايات قليلٌ؛ إذ أكثر الأحكام الشرعية مستنبطةٌ من الروايات، فنحتاج زائداً على ما كنّا نحتاج إليه في استنباط الحكم من الكتاب إلى أمرٍ آخر، وهو معرفة حال الرجال؛ لمعرفة هل الرواية قابلةٌ للاعتماد عليها أم غير قابلةٍ لذلك؟ فنحتاج إلى البحث في الرواة وأحوال الرجال الواقعين في سلسلة الرواية.
وكذلك نحتاج علم المنطق المتكفّل ببيان صحّة الاستدلال أو فساده؛ بداهة أنَّ كلّ مسألة في الاستدلال متكوّنةٌ من صغرى وكبرى، ولابدَّ من معرفة صحّة هذا القياس وكونه منتجاً أم لا من الرجوع إلى المنطق. فهذه العلوم كلّها دخيلة بالجملة في الاستنباط، فبماذا يمتاز علم الأُصول عن سائر العلوم، مع أنَّ الغرض مشتركٌ فيه معها؟ ولابدَّ من التكلّم في الناحيتين التاليتين:
الناحية الأُولى: في ما تمتاز به مسائل علم الأُصول عن مسائل علم الفقه.
الناحية الثانية: في ما يمتاز به علم الأُصول عن غيره من العلوم الدخيلة في الاستنباط.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أمّا بالنسبة إلى الناحية الأُولى -وهي ما تمتاز به المسائل الأُصوليّة عن المسائل الفقهيّة- فجهة الامتياز هي أنَّ المسائل الفقهيّة عبارةٌ عن الأحكام الشرعيّة المستنبطة، بمعنى: أنَّها نتيجة علم الأُصول. فعلم الفقه يُبحث فيه عن نفس الأحكام، لا عن القواعد التي تقع في طريق الاستنباط، فيُبحث في علم الفقه عن الصلاة والصيام والزكاة والخمس وغير ذلك من الأحكام التكليفيّة والوضعيّة. وأمّا القواعد الفقهيّة فهي وإن كانت قواعد كلّيةً نحو (ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده)، إلَّا أنَّها أحكامٌ مستنبطةٌ، وليس بعد استنباطها استنباطٌ ثانٍ، بل من باب تطبيق هذه القواعد على المسائل الخارجيّة، أي: إنَّ الفقيه قد يذكر الحكم بعنوانه، وقد يذكره بعنوانٍ ينطبق على موارد كثيرةٍ، فيقول: كلُّ ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده، وما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده. بمعنى أنَّنا نفرض أنَّ العقد الفساد كان صحيحاً، فنرى أنَّه هل يستوجب الضمان أم لا؟ فإذا كان العقد بيعاً مثلاً، وكان البيع صحيحاً فإنه يستوجب الضمان؛ لأنَّه ليس معاملةً مجّانيّةً، وإنَّما هو مبادلة مالٍ بمالٍ، وإذا كان البيع فاسداً، كان الضمان جارياً فيه أيضاً؛ لأنَّ ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده.
وإذا فرضنا أنَّ العقد كان هبةً فاسدةً، وفرضنا أنَّ الهبة الصحيحة ليس فيها ضمانٌ؛ لأنَّ الهبة متقوّمةٌ بالمجّانيّة، إذن فلا ضمان في الهبة الفاسدة؛ لأنَّ ما
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده. فيستفيد الفقيه أنَّ البيع يستوجب الضمان دون الهبة، كُلّ ذلك يبيّنه الفقيه بلفظٍ جامع فيقول: كلّ ما يُضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده.
فهذه قاعدةٌ فقهيّةٌ كليّةٌ، إلَّا أنَّه ليس بعدها استنباط حكمٍ، بل القاعدة نفسها من الأحكام المستنبطة، غاية الأمر أنَّها تنطبق على موارد انطباقها من سائر الأفراد.
وكذلك من القواعد الفقهيّة قاعدتا (لا ضرر) و(لا حرج)، بمعنى: أنَّه إذا وصل الحكم إلى حدّ الضرر أو الحرج، فالتكليف مرتفعٌ عن المكلّف، فإذا كان الصوم أو الوضوء أو الغسل ضرريّاً أو حرجيّاً، فإنَّ التكليف به مرتفع، وكذلك الوفاء بالنذر إذا كان ضرريّاً يرتفع وجوب الوفاء به. فكلّ هذه الأحكام يجمعها الفقيه في عبارةٍ جامعةٍ فيقول: إنَّ كلَّ واجب كان امتثالُه ضرريّاً أو حرجيّاً، فالوجوب مرتفعٌ، وهذه قاعدةٌ فقهيةٌ مستنبطة من دليلها، وليس بعدها استنباطٌ، وإنَّما تنطبق على مواردها انطباق العنوان على المعنون.
فالمسائل الفقهيّة هي المسائل التي تبحث في الأحكام الشرعيّة الفرعيّة: تكليفيّة ووضعيّة، غاية الأمرِ قد ترد المسألة لبيان حكمٍ مخصوصٍ، وقد ترد لبيان حكمٍ جامعٍ تدخل تحته أُمورٌ متعدّدةٌ. فإذا بيَّن الفقيه قاعدة وجوب إطاعة المولى أو الوالد أو الزوج، كان حكم إطاعة زيدٍ لأبيه داخلاً تحت هذه القاعدة. وإذا بيَّن الفقيه أنَّ الوفاء بالنذر واجبٌ، انطبق هذا الحكم على موارده، وليس هناك بعد بيان هذا الحكم حكمٌ آخر يستنبط، وإنَّما يكون هذا
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الحكم منطبقاً على موارده. هذا هو الملاك في كون المسألة فقهيّةً.
وأمّا المسألة الأُصوليّة فلا يبيَّن فيها الحكم الشرعيُّ ابتداءً، وإنَّما يُبحث فيها عن أمرٍ يقع في طريق استنباط الحكم الشرعيّ، فيبحث في وجوب المقدّمة عند وجوب ذيها، أو حرمة الضدّ عند وجوب ضدّه، أو دلالة الأمر على الوجوب، أو حجّيّة خبر الواحد، وهذه كلُّها ليست من الحكم الشرعيِّ في شيء، وإنَّما هي مبدأٌ تصديقيٌّ لثبوت حكمٍ شرعيّ. فإذا ثبتت دلالة الأمر على الوجوب ورأينا في الكتاب والسنّة أمراً، قلنا: إنَّه ظاهرٌ في الوجوب.
فلا يقع الكلام في المسائل الأُصوليّة عن الحكم الشرعيِّ ابتداءً، وإنَّما يقع الكلام عن مبدأٍ تصديقيِّ لحكمٍ شرعي ثُمَّ بعد ثبوت ذلك يستنتج الحكم الشرعيّ، فتكون القاعدة الأُصوليّة واقعةً في طريق استنباط الحكم الشرعيّ.
وبعبارة أخرى: أنَّ من لوازم المسألة الأُصوليّة أن تكون نتيجتها حكمٌ كلّيٌّ لا محالة: إما بمعرفة الحكم وجداناً، أو بمعرفته تعبّداً، أو بنتيجة المعرفة، أي: التنجيز والتعذير، ونتيجتها هي معرفة وجوب أو حرمة أيّ شيءٍ آخر، أو عدم تنجيز الحرمة أو الوجوب. وأمّا المسألة الفقهيّة فنتيجتها بعد معرفة الحكم الشرعيّ لا تنتهي إلى حكمٍ كلّيٍّ، بل تنطبق على أُمورٍ خارجيّةٍ انطباقَ الكلّيِّ على مصاديقه الشخصيّة، فإذا عرفنا أنَّ الصلاة تجب عند الزوال، فنقول: (في هذا اليوم قد زالت الشمس، فتجب الصلاة).
إذن تمتاز المسائل الأُصوليّة عن المسائل الفقهيّة في أنَّ المبحوث عنه في المسائل الأُصوليّة هو المبادئ التصديقيّة التي تقع في طريق استنباط الحكم
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الشرعيّ الأعمّ من العلم الوجداني والعلم التعبّديّ والوظيفة العمليّة عند عدمهما. ولو عبّرنا بلفظٍ آخر غير الاستنباط، لكان الأمر أوضح، فنقول: إنَّ المسألة الأُصوليّة هي التي يقع البحث فيها عن أمرٍ تقع نتيجته في طريق تحصيل الحجّة على الحكم الشرعيّ، فنبدّل لفظ الاستنباط بلفظ تحصيل الحجّة؛ لأنَّ الحجّة قد تكون علماً وجدانيّاً، وقد تكون علماً تعبّدياً، وقد لا تكون كذلك. وأمّا المسائل الفقهيّة فلا يُستنتج منها شيءٌ، وإنَّما تنطبق على مواردها، وتكون النتيجة حكماً شخصيّاً لا كلّيّاً.
نعم، قد يُقال(1): إنَّه بناءً على ذلك لا بدَّ من خروج مباحث الأُصول العمليّة من علم الأُصول؛ لأنَّها بين ما يقع البحث فيه عن الحكم الشرعيّ ابتداءً، وبين ما لا تقع في طريق استنباط حكم شرعيّ أصلاً.
وبيان ذلك أنَّ الأُصول العمليّة: إما عقليّةٌ وإما شرعيّةٌ: أمّا الأُصول العقليّة فلا تنتهي إلى حكمٍ شرعيّ؛ فإنَّ العقل يحكم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ولا يستنبط منها حكمٌ شرعيّ. فكيف تكون داخلةً في علم الأُصول، مع أنَّنا قلنا: إنَّ المسائل الأُصوليّة لا بدَّ أن تكون مبدأً تصديقيّاً لحكمٍ شرعيّ، وليس لدينا حكمٌ شرعيٌّ في المقام؟!
وأمّا الأُصول الشرعيّة: كالإباحة والبراءة نحو: “كلٌّ ما كان فيه حلالٌ
ــــــــــ[53]ــــــــــ
(1) أُنظر: ضياء الدين العراقي، بدائع الأفكار: 23، الجهة السابعة في تعريف علم الأُصول، والمحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 17، تعريف علم الأُصول.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وحرامٌ فهو لك حلالٌ حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه”(1)، فإنَّها وإن كانت متكفّلةً لبيان حكم شرعيّ، إلَّا أنَّ الحكم الشرعيَّ هو الذي يُبحث عنه في هذه المسائل، وليس وراءه حكمٌ شرعيٌّ آخر، فيُبحث في أصل البراءة عن حلّيّة الأمر المشكوك فيه وعدمها، فإذا أثبتنا حلّيّته، عرفنا حلّيّة كلّ أمرٍ مشكوك الحلّيّة. فالمبحوث عنه هو الحلّيّة ابتداءً. وكذلك مسألة الانسداد على تقدير الحكومة؛ فإنَّها لا تنتهي إلى حكمٍ شرعيّ أبداً، بل العقل يحكم بالتبعيض بالاحتياط وطرح الاحتياط الكلّيّ، وأين هذا من المسائل الأُصوليّة؟!
وملخّص الكلام: أنَّ الأُصول العمليّة: إمّا بنفسها حكمٌ شرعيٌّ، وليس وراءها حكمٌ شرعيٌّ تقع هي في طريق استنباطه، وإمّا حكمٌ عقليّ ولا تنتهي إلى حكمٍ شرعيٍّ أبداً، فكيف تدخل هذه المسائل في المسائل الأُصوليّة وتتمايز عن المسائل الفقهيّة؟!
لجأ صاحب (الكفاية) إلى أن يضيف إلى تعريف علم الأُصول جملةً أُخرى، فقال: أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل (2). فكأنَّه سلّم أنَّها قواعد لا يُستنبط منها أحكامٌ شرعيّةٌ، بل الأحكام الشرعيّة داخلةٌ في القسم الأوّل من التعريف؛ وذلك أنَّه عرّف علم الأُصول بأنَّه: “صناعةٌ يُعرف بها القواعد التي
ــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) الكليني، الكافي: 6: 339، كتاب الأطعمة، باب الجبن، الحديث 2، والحر العاملي، وسائل الشيعة 25: 118، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61، الحديث 1.
(2) الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 9، المقدّمة، الأمر الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل“(1). فأدخل هذه المسائل في علم الأُصول؛ باعتبار أنَّها وإن لم تقع في طريق الاستنباط، إلَّا أنَّها ممّا ينتهي الفقيه إليها في مقام العمل، فإنَّه لا يبحث فيها ابتداءً لا عن الحكم الواقعي ولا التعبدي، ولكن البحث في الأصول العملية إنَّما هو من أجل حاجة الفقيه إذا أعوزته الحجّة في استنباط الحكم الشرعيّ الوجداني والتعبّديّ، فيرجع إليها حينئذٍ.
وبهذه الجملة أدخل صاحب (الكفاية) هذه المباحث في الأُصول، وامتازت عن المسائل الفقهيّة، فإنَّ المسائل الفقهيّة ليست ممّا يُنتهى إليها بعد العجز، وإنَّما يُبحث فيها عن الحكم الشرعيّ ابتداءً.
ولكنّ هذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ لازمه أن يتعدّد علم الأُصول؛ فإنَّ امتياز علمٍ عن علمٍ آخر إن كان بالغرض -كما هو المفروض في كلام صاحب (الكفاية)(2)، ومنها مسائل علم الأُصول التي سبق أن قلنا أنَّها تمتاز بالغرض- فلابدَّ أن يكون هذا العلم علمين؛ لأنَّ الغرض متعدّدٌ لا محالة؛ فإنَّ غرض جملةٍ من المسائل إنَّما هو من جهة وقوعها في طريق الاستنباط ومعرفة الأحكام الشرعيّة ولو تعبّداً. والغرض من القسم الآخر من المسائل ليس من جهة الاستنباط بل من جهة الحاجة إليها؛ وهي حاجة الفقيه فيما إذا لم يصل إلى الواقع ولو تعبّداً. فالغرض الذي يترتّب على هذا القسم من المسائل غير
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم: 8.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الغرض الذي يترتّب على القسم الأوّل منها، فهنا غرضان، فيلزم أن يكون علم الأُصول علمين، وهو خلاف المفروض.
والصحيح في الجواب أن يُقال: إنَّ هذه المسائل داخلةٌ في مسائل علم الأُصول، لا من جهة أنَّ هناك غرضاً آخر ليلزم تعدّد علم الأُصول بتعدّد الغرض، بل من جهة أنَّ الاستنباط -الذي هو غاية علم الأُصول- أعمّ من أن يكون الفقيه جازماً بالواقع وجداناً أو عالماً به تعبّداً، ومن أن تكون وظيفته وحاله من جهة الواقع معيّناً ومبيّناً: إمَّا تنجيزاً أو تعذيراً. فكلّ هذه المسائل تنتهي إلى الأحكام الشرعيّة وتقع في طريق استنباطها، إما بالوصول إلى الأحكام الشرعيّة وجداناً أو تعبّداً، وإمّا من جهة الأمن من ناحية الحكم الواقعي في مقام العمل. أي: إنَّنا ببركة هذه المسائل الأُصوليّة إمّا أن نجزم بتنجيز الواقع فيحكم العقل بوجوب الامتثال الاحتماليّ، أو لا نجزم بذلك فيحكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك.
فالاستنباط كلمةٌ جامعةٌ تعمُّ العالمَ بالواقع وجداناً، والعالمَ بالواقع تعبُّداً، والعالمَ بوظيفته بلحاظ الواقع من جهة التعذير أو التنجيز.
وليست المسائل الفقهيّة كذلك؛ فإنَّها يُبحث فيها عن نفس الحكم الشرعيّ، لا عن أمرٍ آخر يكون ناظراً إلى الحكم الشرعيّ، فيبحث في المسائل الفقهيّة عن وجوب الصلاة وحرمة الغناء، وعن سائر الأحكام التكليفيّة والوضعيّة، وفي المسائل الأُصوليّة يُبحث عن شيء ينظر إلى الحكم الشرعيّ ويقع في طريق استنباطه.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فهناك أقسامٌ من القواعد التي توصِل إلى الحكم الشرعيّ:
إذن يظهر: أنَّ مسائل الأُصول العمليّة داخلةٌ في المسائل الأُصوليّة، من دون الحاجة إلى إضافة أيِّ جملةٍ إلى التعريف، كما فعل صاحب (الكفاية).
نعم، هناك قاعدةٌ من القواعد الفقهيّة داخلةٌ في علم الأُصول؛ لاتّحاد الملاك، وهي قاعدة الطهارة؛ حيث إنَّها تنظر إلى حكمٍ ثابتٍ في الواقع، وتثبت أنَّ ذلك الحكم الواقعيّ منجّزٌ أو غير منجّزٍ في مقام العمل.
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وهذه القاعد تجري تارةً في الشبهات الموضوعيّة؛ فتكون داخلة في المسائل الفقهية، لأنَّها قاعدةٌ تنطبق على مواردها، وأُخرى تجري في الشبهات الحكميّة؛ فإنَّنا إذا شككنا في نجاسة أو طهارة عرق الجنب من حرامٍ، أو شككنا في نجاسة أو طهارة الحديد، ولم يدلّ دليلٌ على نجاسته أو طهارته، نحكم بطهارته، بمقتضى هذه القاعدة.
فقاعدة الطهارة قاعدةٌ تقع في طريق استنباط الحكم الشرعيّ، إذ نثبت بها أنَّ عرق الجنب من حرامٍ طاهرٌ، وأنَّ الحديد طاهرٌ. فنحن هنا نحكم بحكمٍ كلّيٍّ، وهو عبارةٌ عن حكمٍ شرعيٍّ مستنبطٍ من قاعدة الطهارة، كما في الحكم بجواز شرب التتن المستنبط من قاعدة الحلّ أو البراءة. وعليه فلا فرق بين قاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الحكميّة وبين قاعدة الحلّ والبراءة؛ فهذه القاعدة داخلةٌ في المسائل الأُصوليّة، إلَّا أنَّ العادة لم تجرِ في بحثها في هذا الموضع وإن كانت داخلةً فيه ملاكاً. وذلك لأمرين:
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
تختصّ ببابٍ واحدٍ هو باب الطهارة، وما يُشكُّ في طهارته ونجاسته، ولم يدلَّ دليلٌ على طهارته ونجاسته، وهي أُمورٌ محصورةٌ، فناسب بحثها في باب الطهارة في الفقه.
وأمّا أصالة الحلّ أو الاستصحاب أو الاحتياط، فهذه الأُصول العملية لا تختصّ ببابٍ بعينه، بل هي تجري في جميع أبواب الفقه؛ فإنَّ أيّ حكمٍ شككنا في ثبوته ولم يثبت عندنا إلزامٌ من جهة الشارع، جرت البراءة أو قاعدة الحلّ فيه. وكذلك الكلام في الاستصحاب؛ بناءً على جريانه في الشبهات الحكميّة، فكلّ حكمٍ متيقن يُشكّ في بقائه وعدمه، فإنَّه يُحكم ببقائه، بلا فرقٍ بين أبواب الفقه.
وعليه فالأُصول العمليّة أُدرجت في علم الأُصول لأنَّها غير مختصّةٍ بباب. وأمّا قاعدة الطهارة فإنَّها وإن كانت مشتركةً معها في الملاك، إلَّا أنَّها مختصّةٌ في بابٍ واحدٍ، فناسب بحثها في الفقه دون علم الأُصول.
إنَّ علم الرجال وعلوم الأدب أيضاً دخيلة في استنباط الحكم الشرعيّ؛ باعتبار أنَّ أكثر المباحث الفقهيّة نحتاج فيها -كما سبق أن ذكرنا- إلى تشخيص الرواة؛ لأنَّ الدليل على الحكم هو خبر الواحد غالباً، فلابدَّ من معرفة أنَّ رواة الخبر عدولاً أم غير عدول. ومن الواضح أنَّ تشخيص ذلك يرجع فيه إلى علم الرجال.
وكذلك نحتاج العلوم الأدبيّة، كاللغة وغيرها، باعتبار أنَّ أكثر الأحكام إنَّما استُفيدت من الكتاب والسنّة، فنحتاج فيهما إلى معرفة اللغة العربيّة ومعرفة
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الهيئات وأحكام أواخر الكلمات. فنحن إذن بحاجة إلى علم الرجال وعلوم
اللغة والأدب في الاستنباط، ولكن مع ذلك لا يكون شيءٌ منها داخلاً في المسائل الأُصوليّة.
ومن هنا دعت الحاجة إلى بيان الفارق بينها وبين المسائل الأُصوليّة، مع اشتراك الجميع في دخالتها في الاستنباط، وأنَّ المجتهد لا بدَّ له منها، وإلَّا لم يتمكّن من تحصيل حجّةٍ على أيّ حكمٍ شرعيٍّ.
والمائز هو: أنَّ هذه العلوم وإن كانت دخيلةً في تحصيل الحجّة على الحكم الشرعيّ، إلَّا أنَّ تحصيل الحجّة لا يترتّب على هذه العلوم فقط؛ وإن عرفها الشخص بتمام خصوصيّاتها، فإنَّه مع ذلك لا يستطيع استنباط الحكم الشرعيّ، ولا يمكنه الاستغناء عن معرفة علم الأُصول. فلو علم أنَّ الفاعل مرفوعٌ، أو أنَّ المفعول منصوبٌ، أو أنَّ الراوي الفلاني ثقةٌ، فمع ذلك لا يتوصّل إلى معرفة الحكم الشرعيّ، إذا لم يثبت أنَّ خبر الواحد الثقة حجّةٌ.
فتبيّن: أنَّ هذه العلوم وإن كانت ممّا يترتّب عليها تحصيل الحجّة، إلَّا أنَّها لا تكفي وحدها في استنباط الحكم الشرعيّ.
وأمّا المسائل الأُصوليّة فهي المقدّمة الأخيرة التي يتوقّف عليها الاستنباط، ولا يتوسّط بينها وبين القدرة على الاستنباط شيءٌ آخر؛ فإنَّه إذا بحث عن هذه المسائل وحقّقها، سوف يتمكّن من استنباط الحكم الشرعيّ المناسب لهذه المسألة أو تلك. فلو فرضنا أنَّه علم أنَّ خبر الثقة حجّةٌ، وهذه كبرى أثبتها في علم الأُصول، وهذه الكبرى إذا انضمّت إليها صغراها، وهي علمه أنَّ الرواة لهذه الرواية ثقاتٌ، فلا
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يكون شيءٌ آخر واسطةً بين نتيجة هذه المسألة وبين الاستنباط.
فالمسائل الأُصوليّة تمتاز عن بقيّة العلوم في أنَّ كلّ مسألةٍ منها بعد البحث فيها وتحقيقها تكون وحدها وبنفسها وبدون ضميمةٍ أُخرى كافيةً في الاستنباط في الجملة. إلَّا أنَّ المسائل الأُصوليّة تختلف فيما بينها: فمنها ما تكون الكبرى فيها محرزةً من الخارج، وهي من المشهورات التي لم يقع حولها كلامٌ، وإنَّما يقع الكلام في صغراها، فلو أثبتنا صغرى تلك الكبرى المشهورة لترتّب عليها الاستنباط، ويثبت الحكم، وذلك كالبحث عن الظهورات من قبيل: البحث عن ظهور الأمر في الوجوب، والنهي في الحرمة، وحجّيّة العامّ الذي طرأ عليه المخصص في الباقي. فإنَّ حجّيّة الظهور ممّا لم يقع كلامٌ حولها من أحدٍ، ولم يستشكل فيها أحدٌ، بعد العلم بأنَّ العبرة في التفاهم العرفي إنَّما هو بالظهورات، وهي ثابتةٌ بالارتكاز العقلائي، ولم يقع البحث إلَّا في بعض خصوصيّاتها.
فالكبرى مسلّمة إلَّا أنَّ البحث يقع في أنَّ الأمر هل هو ظاهرٌ في الوجوب أو لا، فالبحث هنا صغروي بالنسبة إلى الكبرى المسلّمة، وإن كان كبروياً في نفسه؛ لأنَّ البحث فيه لم يقع عن أمرٍ معيَّنٍ وشخصيّ، بل عن الأمر بما هو أمرٌ في أيّ مكانٍ وأيّ زمانٍ ورد، وعليه فالبحث عن صغرى لكبرى مسلّمةٍ لا خلاف فيها. فإذا ثبت ظهور الأمر في الوجوب بعد الفراغ عن الحجّيّة المسلّمة، ترتّب عليه الاستنباط مع قطع النظر عن أيّ مسألةٍ أُخرى. فلو فرضنا أنَّا رأينا ظهوراً في روايةٌ متواترةٌ أو محفوفةٌ بالقرائن، أو سمعناها مشافهةً من الإمام المعصوم، وكانت مشتملةً على الأمر بشيءٍ معيَّنٍ، فإنَّه بعد أن ثبت أنَّ الأمر
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ظاهرٌ في الوجوب، يثبت أنَّ هذا الشيء واجبٌ، بعد ضمّ هذه الصغرى إلى كبراها. فهذه المسألة تقع في طريق الاستنباط من دون أن تتوقّف على أيّ مسألةٍ أُخرى، وهي وافيةٌ بالاستنباط بالنسبة إلى الأحكام المناسبة لها، ولا يتوقّف الاستنباط فيها على أيّ مسألةٍ أُخرى، أو البحث عن أيّ شيءٍ آخر. بل بمجرّد معرفة أنَّ الأمر ظاهرٌ في الوجوب، هذا يكفي في الاستنباط. غاية الأمر أنَّه في الجملة لا دائماً.
وكذلك إذا ثبت أنَّ خبر الواحد الثقة حجّة، ورأينا أنَّ الرواية يرويها رجالٌ ثقاتٌ، فإنَّنا نثبت حجّيّة هذه الرواية في علم الأُصول بعد ضمّ الكبرى إلى صغراها. فلو فرضنا أنَّ دلالة الرواية كانت قطعيّة، ولكنَّ السند ظنّي، فإذا أثبتنا حجّيّة السند؛ لأنَّ الرواة فيه ثقاتٌ، فسوف تثبت حجّيّة هذا الخبر بواسطة ما توصّلنا إليه في علم الأُصول من حجّيّة خبر الواحد.
نعم، قد يكون حكمٌ شرعيّ متوقّفٌ على مسألتين، كما إذا كانت الرواية ظنّيّة الدلالة والسند معاً، فإنَّ استنباط الحكم من هذه الرواية يتوقّف على مقدّمتين: إحداهما أنَّ الأمر ظاهرٌ في الوجوب، وثانيهما أنَّ خبر الواحد حجّةٌ، إلَّا أنَّ هذا أمر اتّفاقيّ لا دائميّ.
وعليه فمن مميّزات المسألة الأُصوليّة وخواصّها أنَّ كلّ مسألةٍ أُصوليّةٍ إذا انضمّت اليها صغراها، ترتّب عليها القدرة على استنباط الحكم المناسب لها، وهي وافيةٌ به وحدها فقط ومن دون أيّ ضميمةٍ أُخرى.
وكذلك الحال في المباحث العقليّة، أي: مباحث الاستلزامات؛ فإنَّه إذا
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أثبتنا وجوب الشيء وأثبتنا الملازمة بين وجوبه ووجوب مقدّمته، فإنَّ نفس هذه المسألة وافيةٌ في الاستنباط. فإذا أحرزنا وجوب شيء، أي: أحرزنا الصغرى، عرفنا أنَّ مقدّمته واجبةٌ قطعاً، ولا نحتاج إلى مسألةٍ أُخرى. فالمسائل الأُصوليّة بأقسامها التي ذكرناها -وهي مباحث الاستلزامات والظهورات والحجج والأُصول العمليّة- وافيةٌ بتحصيل الحكم الشرعيّ من دون الحاجة إلى مسألةٍ أُخرى غيرها.
وأمّا بقيّة العلوم فإنَّها لا تكون كذلك بالضرورة؛ فإنَّ مجرّد معرفة أنَّ فلاناً ضعيفٌ أو ثقةٌ، أو أنَّ الفاعل مرفوعٌ، أو أنَّ الماء موضوعٌ لشيءٍ ما في اللغة، لا يكفي في استنباط الحكم الشرعيّ، فمسائل العلوم الأُخرى ليست على نحوٍ يترتّب عليها الاستنباط دون أن يتوسّط بين نتيجتها والقدرة على استنباط الحكم شيءٌ آخر. وأمّا المسألة الأُصوليّة فلا تتوقّف على شيءٍ آخر، بل كلّ مسألةٍ يترتّب عليها الاستنباط بعد ضمّ الكبرى إلى صغراها، وهذا هو المائز بين علم الأُصول وبقيّة العلوم الدخيلة في الاستنباط.
وفي البحث عن كلّ مسألةٍ من مسائل علم الأُصول سوف نبيّن هذه الثمرة، ونرى أن كلّ واحدةٍ تكفي في الاستنباط، إلَّا مباحث المشتقّ والصحيح والأعمّ ونحوها؛ فإنَّه سيظهر أنَّها ليست من المسائل الأُصوليّة، بل هي مسائل لغويّةٌ أو شبيهةٌ بها، وإنَّما نتكلّم عنها في المقام لمناسبةٍ، وإلَّا فهي خارجةٌ عن المباحث الأُصوليّة.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
تحصَّل ممّا ذكرناه من بيانِ الغرضِ من علم الأُصول وبيانِ تمايزه عن علم الفقه وعن سائر العلوم التي يُحتاج إليها في الاستنباط: أنَّ تعريف علم الأُصول بما ذكره غير واحدٍ من أنَّه “القواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة”(1) هو التعريف الصحيح، من دون حاجةٍ إلى ما أضافه صاحب (الكفاية) قائلاً: “أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل“(2). غاية الأمر: أنَّ المراد من الاستنباط هو المعنى الجامع على ما بيّنّاه سابقاً، ولو بدّلنا لفظ (الاستنباط) بـ(تحصيل الحجّة على الحكم الشرعيّ) كان أولى. فحينئذٍ تشترك جميع المسائل الأُصوليّة في أنَّها تقع في طريق تحصيل الحجّة، غاية الأمر أنَّ الحجّة قد تكون موجبةً للعلم الوجداني بالواقع، وقد تكون موجبةً للعلم التعبّديّ بالواقع، وقد تكون حجّةً على الواقع تنجيزاً أو تعذيراً.
ــــــــــ[64]ــــــــــ
(1) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 9، المقدّمة، والمحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 19، تعريف علم الأصول.
(2) الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 9، المقدّمة، الأمر الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر الثالث: الوضع
ــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
جرى ديدن الباحثين على أن يتكلّموا في جملةٍ من المبادئ قبل الدخول في المسائل الأُصوليّة، ونحن نقتفي أثرهم في ذلك. ومن هذه المبادئ التي تكلّموا فيها الوضع، والكلام فيه يقع في جهاتٍ:
والبحث في هذه الجهة إنَّما هو باعتبار ما نُسب إلى بعضهم(1) -وإن لم تثبت هذه
ــــــــــ[67]ــــــــــ
(1) نسبه العلّامة الحلي إلى عباد بن سليمان، قال العلّامة الحلي في تهذيب الوصول إلى علم الأصول: 61: “ذهب عباد بن سليمان إلى أنَّ اللفظ يدلّ على المعنى بذاته لإستحالة ترجيح بعض الألفاظ بمعناه من غير مرجح”.
ونسبها قبله فخر الدين الرازي في كتابه المحصول في علم أصول الفقه 1: 181.
قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة عباد بن سليمان الصيمري: “من كبار المعتزلة وبينه وبين عبد الله بن سعيد بن كلاب مناظرة وكان في أيام المأمون. وهو الذي زعم أن بين اللفظ والمعنى طبيعة مناسبة فردوا عليه ذلك وكان أخذ عن هشام بن عَمْرو وكان أبو علي الجبائي يصفه بالحذق قاله النديم في الفهرست”. وقال ابن حزم في (الملل والنحل) كان يقول: “إن الله لم يخلق الكفر، وَلا الإيمان”. أُنظر: لسان الميزان 4: 389 الترجمة 4076.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
النسبة- من أنَّ دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّةٌ، فلا حاجة إلى البحث حولها.
إذا فرضنا أنَّ القائل أراد أنَّ المناسبة الذاتية توجب الانتقال من اللفظ إلى المعنى بالنسبة إلى كلّ لافظٍ وكلّ سامعٍ، فهذه الدعوى واضحة البطلان؛ ضرورة أنّنا لا ننتقل من سماع الألفاظ الأجنبيّة إلى معانيها، بل إنَّ كلّ أهل لغةٍ إنَّما ينتقلون من ألفاظ لغتهم الخاصّة بهم إلى المعاني الموضوعة لها، ولا ينتقلون إلى معاني الألفاظ في لغة أخرى، وهذا ظاهرٌ بالوجدان وعليه فإن كان المراد بالمناسبة الذاتيّة هذا المعنى، فهو بديهيّ البطلان.
وإذا كان المراد من المناسبة الذاتيّة: أنَّ بين كلّ لفظٍ ومعنىً مناسبةً واقعيّةً تدعو إلى وضع اللفظ إزاء المعنى، بمعنى أنَّ الانتقال من اللفظ إلى المعنى وإن كان لا يتحقق بغير وضع، إلَّا أنَّ الوضع مستند إلى تلك المناسبة، فالمناسبة مقتضية للانتقال، وإن كان الانتقال لا يتم إلَّا بالوضع، بل بالعلم بالوضع لا نفس الوضع؛ إذ من الواضح أنَّ وضع اللفظ بإزاء معنى لا يوجب الانتقال لغير العالم بالوضع، فكأنَّ المناسبة الذاتيّة مقتضيةٌ للانتقال، والوضع إنَّما يكون متمّماً للمقتضي، ثُمَّ بعد ذلك لا بدَّ من العلم بالوضع، فيكون العلم بالوضع هو الجزء الأخير من العلّة التامة، لينتقل الإنسان من اللفظ إلى المعنى. فالمناسبة الذاتيّة تقتضي الانتقال وإن كانت الحاجة مقتضيةً للوضع وللعلم به؛ إذ لا يمكن الانتقال بدونهما.
وهذا المعنى وإن كان معقولاً في نفسه؛ إذ يمكن أن تكون هناك مناسبةٌ بين اللفظ والمعنى تكون مقتضيةً للانتقال، وإن كان الانتقال يتوقّف على الوضع
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والعلم به، إلَّا أنَّه لا دليل على ثبوت مثل هذه المناسبة، ولا فائدة في وجودها أيضاً؛ إذ لو كان الوضع متحقّقاً، وكان الفرد عالماً به، فإنَّه سوف ينتقل من اللفظ إلى المعنى سواء كانت المناسبة الذاتيّة موجودةً أم لا.
وإذا لم يكن الوضع أو العلم بالوضع متحقّقاً، فلا انتقال، حتّى مع فرض وجود المناسبة المذكورة، فما هي الفائدة المترتّبة على وجود المناسبة الذاتيّة؟ ولكن مع ذلك لم يقم البرهان على عدم وجودها، بل لعلّها موجودةٌ، إلَّا أنّه لا طريق لإثباتها.
وربما يتوهّم(1) أنَّه لولا المناسبة الذاتيّة، للزم تخصيص كلّ لفظ بمعنى، وتخصيص لفظٍ آخر بمعنى آخر، وهكذا، ما يلزم منه الترجيح بلا مرجّحٍ، وهو أمرٌ غير معقولٍ، فلابدَّ من الالتزام بالمناسبة الذاتيّة؛ لئلّا يلزم المستحيل، وإذا كان كذلك فلابدَّ من وجود المناسبة الذاتيّة وإن توقّف الانتقال على الوضع وعلى العلم به.
إلَّا أنَّ هذا لا يرجع إلى محصّلٍ؛ وذلك لأمرين:
◙ الأوّل: أنَّ المستحيل إنَّما هو الترجّح بلا مرجّح؛ أي وجود شيء حادث
ــــــــــ[69]ــــــــــ
(1) أُنظر: العلّامة الحلي نهاية الوصول إلى علم الأصول 1: 151 قال: “احتج بأنَّه لولا المناسبة الطبيعية بين اللفظ ومعناه لكان اختصاصه بذلك المعنى ترجيحاً من غير مرجح”، والحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 23، المقدّمة، القول في الوضع، فصل هل دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّةٌ أو وضعيّةٌ؟
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بلا علة، فإنَّ الممكن لا يوجد بنفسه وبدون علّةٍ؛ لأنَّ الوجود والعدم سواءٌ بالنسبة إليه، وكل حادث مسبوقٌ بالعدم، فلا يمكن أن ينتقل إلى الوجود بدون علّةٍ. وهذا هو المراد بقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ(1)؛ وهذا أمر بديهي، فإنَّ الممكن المعدوم لا يمكن أن يوجِد نفسه، ولا يمكن أن يوجَد بلا علّةٍ ولا فاعلٍ، فلابدَّ من الالتزام بوجود صانعٍ موجِدٍ لهذا العالم الإمكانيّ. بل هذا ممّا يحكم به العقل؛ فإنَّه لا بدَّ لكلّ ممكنٍ من علّةٍ.
وأمّا الفعل الاختياري فليس من المستحيل أن يوجد بلا مرجّحٍ، بل إن كان فهو أمرٌ قبيحٌ لو سُلّم قبحه، وعليه فالترجيح بلا مرجّحٍ في الأفعال الاختياريّة للإنسان ليس بمستحيلٍ، بل هو أمرٌ قبيحٌ لو سلّم قبحه. فلو فرضنا أنَّ الإنسان رجّح شيئاً على مماثله تماماً أو رجّح المرجوح على الراجح، فغاية ما يُقال عنه إنَّه عمل عملاً سفهياً، كما إذا كان عطشاناً وكان بين يديه ماءان، ماءٌ باردٌ وماءٌ دافئٌ، فاختار أن يشرب الماء الدافئ؛ فإنَّ فعله يعدّ فعلاً سفهيّاً عند العقلاء وليس هذا من المستحيل في شيءٍ، فالمستحيل إنَّما هو وجود الممكن بلا صانعٍ. وأمّا إذا فرضنا أنَّ الفاعل رجّح أحد المتماثلين بإرادته، فليس فعله بمستحيلٍ، بل هو قبيحٌ على تقدير تسليم القبح.
ومحلّ كلامنا من هذا القبيل؛ فإنّنا إذا فرضنا عدم وجود المناسبة الذاتيّة بين الألفاظ ومعانيها، كان تخصيص اللفظ بمعنىً معيّنٍ ترجيحاً بلا مرجّحٍ، وكان فعلاً صادراً من المكلّف من غير ترجيحٍ، غاية الأمر أنَّه قد يكون قبيحاً لا مستحيلاً.
ــــــــــ[70]ــــــــــ
(1) الطور: 35.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
◙ الثاني: أن لا يكون قبيحاً، وذلك:
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ارتكب قبيحاً وأوجد شيئاً من دون ترجيح؛ فإنَّ المرجّح موجودٌ في نفس الطبيعة ولكن الأفراد متساويةً بعضها إلى بعضٍ. نعم، لا بدَّ له أن يختار فرداً منها، كما إذا كان عطشاناً وكان أمامه ماءان ليس في أحدهما ميزةٌ على الآخر، أفيموت عطشاً ولا يشرب أحدهما؛ بدعوى أنَّ ذلك ترجيحٌ بلا مرجّح، والحال أنَّ الترجيح بلا مرجح إنَّما يكون قبيحاً فيما إذا لم يكن ترجيحٌ في الفعل أصلاً. وأمّا إذا كان في الفعل بطبيعته ترجيحٌ والأفراد متساويةً، فإنَّ هذا ليس قبيحاً، ولم يتّفق في الخارج قطعاً، بل إذا تعلّقت المصلحة في الطبيعة؛ فلابدَّ من إيجاد فردٍ منها أيّاً كان.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
من هو الواضع، هل هو الله تعالى أم البشر؟ ذكر شيخنا النائيني: أنَّ الواضع هو الله سبحانه، كما أفاد: أنَّ الوضع أمرٌ متوسّطٌ بين التكوين والتشريع، وهذا بإلهامٍ من الله سبحانه، فهو الذي ألهم البشر أن يتكلّموا بلفظٍ خاصٍّ عند إرادة معنىً خاصٍّ(1). واستدلّ عليه: بأنَّ الوضع أمرٌ مهمٌّ جدّاً، وأنَّ الواضع قام بأمرٍ مهمٍّ خدم البشريّة لا محالة، وهذا ليس من الأُمور التي يدعو الغرض إلى إخفائها، كخلافة أمير المؤمنين، فهي وإن كانت واضحةً، إلَّا أنَّه كانت للمنافقين دواعٍ لإخفائها وإنكارها. ولكن الوضع ليس كذلك، فلو كان الواضع شخصاً معيّناً أو جماعةً معيّنةً، لنقل في التاريخ؛ ولكان ذلك من الواضحات، في حين أنَّ مثل ذلك لم ينقل في أي تاريخ، مع أنَّه لو كان لبان، ولانتهى إلينا خبره. وعدم ذكر هذا الأمر في التاريخ يكشف قطعيّاً عن أنَّ الوضع لا ينتسب إلى شخصٍ خاصٍّ أو جماعةٍ معيّنةٍ، فلابدَّ أن يكون الوضع من الله عزّ وجلّ.
والوضع ليس من الأُمور التكوينيّة المحضة، نظير شرب الماء؛ فإنَّ العطشان يجد الحاجة التكوينيّة إلى الماء، وهذا ما يسمّى بالعلم الوجدانيّ،
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 30، المقدّمة، المبحث الأوّل في الوضع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وليس الوضع من هذا القبيل: بأن ينتقل الإنسان من اللفظ إلى المعنى بوجدانه، كما أنَّه ليس من التشريع المحض ليحتاج إلى إرسال رسولٍ وتنزيل كتابٍ؛ لتبليغ وضع الألفاظ، بل ليس على الرسول الأكرمإلَّا أن يبيّن الشرائع المحضة فقط، بل أنَّ الوضع أمرٌ متوسّطٌ بين التكوين والتشريع؛ وذلك أنَّ الله ألهم الإنسان بأن يظهر مقاصده بلفظٍ خاصٍّ على اختلاف اللغات، فالله تعالى قد ألهم كلَّ جماعةٍ معيّنةٍ أن تظهر مقاصدها بألفاظٍ معيّنةٍ وألهم الجماعة الأُخرى بأن تظهر مقاصدها بألفاظٍ أُخرى وهكذا. وهذا كلّه بإلهامٍ من الله وهدايته. ولعلّ هذا هو المراد من قوله عزّ وجلّ: عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(1) أي: إنَّ الله ألهم الإنسان علماً إلهاميّاً بأن يظهر مقاصده بألفاظٍ خاصّةٍ. إذن يكون الواضع هو الله عزّ وجلّ، ويكون الوضع أمرٌ متوسّطٌ بين التكوين والتشريع(2).
وما ذكره شيخنا الأستاذ ممّا لا يمكن المساعدة عليه: أمَّا من جهة نقل التاريخ، وأنَّ التاريخ لم يعيّن فيه الواضع شخصاً أو جماعةً معيّنةً في أيّ لغةٍ كان فالوجه فيه ظاهرٌ؛ لأنَّ الوضع إنَّما هو لأجل الإفادة والاستفادة، وهي تدور مدار الحاجة، فقد تؤدّى الحاجةُ بألفاظٍ قليلةٍ لمعانٍ قليلةٍ، وقد نحتاج إلى ألفاظٍ أكثر لمعانٍ أكثر.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) الرحمن: 4.
(2) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 30، المقدّمة، المبحث الأوّل في الوضع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وفي أوّل الأمر كانت الحاجة بين البشر قليلةً، فكان الوضع قليلاً، يعني كان يمكن للبشر أن يؤدّوا مراداتهم بألفاظٍ قليلةٍ، وبعد ذلك ازدادت الحاجة شيئاً فشيئاً، فازداد الوضع أكثر فأكثر، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى زماننا هذا، حيث تكثر الحاجة، فيتعدّد الوضع. وهذا هو المشاهد في الأطفال؛ فإنَّ الأطفال حاجتهم قليلةٌ، ولهذا يتكلّمون بألفاظٍ قليلة لبيان مرادهم، ثُمَّ يكبرون وتزداد الحاجة عندهم، فيتكلّمون بألفاظٍ كثيرةٍ.
ولا ندّعي هنا أنَّ واضعاً معيّناً أو جماعةً معيّنةً وضعت جميع الألفاظ لجميع المعاني؛ فإنَّ هذا -كما ذكره- غير محتملٍ، ولا يمكن الالتزام بواضعٍ معيّنٍ أو جماعةٍ معيَّنةٍ.
ولكنّ واقع الأمر أنَّ الوضع كان تدريجيّاً، والوضع التدريجي لا يستلزم النقل في التاريخ؛ لأنَّ الواضع غير معيَّنٍ، وفي زماننا هذا نرى أموراً مستحدثةً لم تكن في الزمان السابق، وقد استجدَّت في هذا العصر، فوُضعت لها ألفاظٌ خاصّةٌ، وهذه الألفاظ الخاصّة لم تكن مستعملةً في السابق؛ لعدم الحاجة إلى الاستعمال. فالوضع تابعٌ للحاجة إلى الاستعمال، وبذلك يختلف كثرةً وقلّةً. وعليه فلا ملازمة بين أن لا يكون الواضع معيّناً، وبين أن يكون الواضع هو الله تعالى، فالواضع ليس فرداً بعينه ولا جماعةً معيّنةً، ومع ذلك فالواضع ليس هو الله تبارك وتعالى، بل الواضع هو البشر على نحوٍ تدريجيّ.
وأمّا قوله بأنَّ الوضع أمرٌ متوسّطٌ بين التكوين والتشريع، فليس له معنىً محصّلٌ، بل لا نتعقّلُ الواسطة بين التكوين والتشريع، فإنَّ ما له واقعٌ يراد به أن
ــــــــــ[75]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
تكون القضيّة فيه صادقةً، خلافاً لما لا واقع له، أي: ما كانت القضيّة فيه كاذبةً.
والواقع على نحو الحصر العقليّ لا يخلو أمره من أحد معانٍ ثلاثةٍ:
وهذه الملازمة أمرٌ واقعيٌّ، وليست من الأُمور الموجودة المخلوقة من قبل الله تعالى، بل هي أمرٌ واقعيٌّ أزليّ، والموجود هو الذي ينقسم إلى الحادث والقديم، والملازمات ليست من الموجودات، ولا يتعلّق بها الجعل، بل هي أُمورٌ واقعيّةٌ بهذا المعنى من الواقعيّة: أنَّنا لو أخبرنا عنها كانت القضيّة صادقةً وإن كان الطرفان غير متحقّقين في الخارج، ولكن الملازمة متحقّقةٌ، ولها واقعيّةٌ، لا بمعنى: أنَّها أمرٌ موجودٌ في مقابل المعدوم ليدخل في مقولة الجوهر أو مقولة العرض، أو يكون فوق الجوهر والعرض، بل هي أمرٌ واقعيٌّ، ولها ثبوتٌ في عالمها.
ــــــــــ[76]ــــــــــ
(1) الأنبياء: 22.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وكذا الكلام في سائر القضايا نحو: لو اجتمع الأمر والنهي وكان الشيء واجباً وحراماً في نفس الوقت، لزم اجتماع الضدّين، ونحو أنَّ الأمر بالضدّين تكليفٌ بما لا يُطاق.
فما كان ما له واقع من هذا القبيل، كان خارجاً عن دائرة الموجودات.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المالك كلّياً، كملك الفقراء للزكاة، أو المملوك كلّيّاً كمالٍ في الذمّة، فهذه الأُمور أُمورٌ اعتباريّةٌ، يعني: أنَّ حقيقتها الاعتبار ممن بيده الاعتبار من العرف أو الشارع. وإذا قطعنا النظر عن الاعتبار، لم يصحَّ أن يُقال: إنَّ زيداً مالكٌ للدار أو للثوب، إلَّا إذا كانت الملكيّة بمعنى الإحاطة والتسلّط، فيكون لها وجودٌ خارجيّ.
وعلى هذا فما له واقعٌ يدور أمره بين أن يكون من الملازمات الأزليّة أو من الموجودات الخارجيّة التي تنقسم إلى واجبٍ وممكنٍ، والممكن ينقسم إلى جوهرٍ وعرضٍ، أو يكون من الأُمور الاعتباريّة.
وعليه فالحصر العقليُّ لما له واقعٌ يدور أمره بين هذه الأقسام الثلاثة، فكيف يمكن أنَّ نفرض أنَّ الوضع أمرٌ متوسّطٌ بين التكوين والتشريع؟ فالواسطة بين التشريع والتكوين غير معقولة؛ لأنَّ تحقق الشيء إمّا أن لا يتوقّف على الاعتبار، فهو أمرٌ تكوينيّ، وإمّا أن يتوقّف على الاعتبار، فهو أمرٌ اعتباريٌّ، ولا يمكن أن يكون تحقّق الشيء متوقّفاً على الاعتبار وغير متوقّفٍ في نفس الوقت؛ فإنَّه أمرٌ غير معقول. ففرض الواسطة بين التكوين والتشريع أمرٌ لا يعقل، ولا يمكننا أن نتصوّره، بالإضافة إلى ما سوف نذكره من أنَّ الوضع ليس من الملازمات الأزليّة، وإنَّما هو أمرٌ حادثٌ، وإلَّا كان الانتقال من اللفظ إلى المعنى أمراً أزليّاً حاملاً لدى كلّ أحدٍ، وليس هو من الجواهر ولا الأعراض، على ما سيأتي.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأجود ما ذُكر في المقام هو ما قرّره شيخنا المحقّق(1) من: أنَّ الوضع أمرٌ خارجيّ كوضع الشيء على الشيء، فالوضع من المعاني الحقيقيّة، وله وجودٌ خارجيّ، إلَّا أنَّ الوضع يختلف، فقد يكون الوضع بداعي الانتقال إلى شيء ما، كوضع علمٍ على الباب؛ للانتقال من رؤية هذا العلم إلى أنَّ في الدار مجلساً منعقداً، فأراد صاحب الدار أن يُفهم الناس أنَّ لديه مجلساً، فوضع العلم، لأجل إيجاد الانتقال إلى هذا المعنى؛ إذ الإفهام بهذا الأمر قد يكون باللفظ، وقد يكون بوضع علمٍ على الباب. أو أنَّنا نرى في هذا الزمان أنَّه قد توضع خشبةٌ أو حديدةٌ في الطريق؛ لتقدير المسافة بين البلدين، فوضعُ هذه العلامة هو للانتقال إلى أنَّ هذا المكان الذي وُضعت فيه هو رأس الفرسخ مثلاً، وهذا أمرٌ عادي متعارفٌ، وهو وضعٌ حقيقيٌّ؛ لأنَّ وُضع العلم على باب الدار كان بنحو الحقيقة.
وقد يكون الوضع اعتباريّاً: بأن يعتبر الواضع أنَّ اللفظ المعيَّن موضوعٌ على المعنى المعيَّن، فالواضع اعتبر اللفظ والمعنى كأنَّهما موجودان في الخارج،
ــــــــــ[79]ــــــــــ
(1) لاحظ: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 23، تعريف الوضع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ووضع أحدهما على الآخر، والغرض من الوضع الاعتباري هو الانتقال من اللفظ إلى المعنى، فلا يكون الوضع من الجواهر ولا الأعراض، بل هو أمرٌ اعتباريّ، وواقعه هو الوضع الخارجيّ، وهذا الوضع اعتبارٌ لذلك الوضع الخارجيّ. والغاية منه هي الغاية من الوضع الخارجي، وهي الانتقال من اللفظ إلى المعنى.
وما ذكره شيخنا المحقّق وإن كان أحسن ما قيل في المقام، إلَّا أنَّه لا يمكن المساعدة عليه؛ فإنَّ ما ذكره من كون الوضع أمراً اعتباريّاً وإن كان صحيحاً بهذا المعنى، ولكنه غير صحيح بمعنى آخر، حيث سنبيّن أنَّ الوضع ليس من الاعتبارات.
أمّا الوجه في اعتباريّة الوضع: حيث إنَّ طرف الوضع هو طبيعيّ اللفظ وطبيعيّ المعنى، ومن الواضح لا يُعقل أن يكون طبيعيّ اللفظ وطبيعيّ المعنى شيئاً قائماً بهما قيام العرض بموضوعه. فإنَّ العرض يحتاج إلى موضوعٍ موجود في الخارج، والكلّيّ بما هو كلّيٌّ غيرُ متحقّقٍ في الخارج، والعلقة الوضعيّة إنَّما تتحقّق بتطبيق طبيعيّ اللفظ على طبيعيّ المعنى مع إلغاء جميع الخصوصيّات عن اللفظ والمعنى. وعليه فالوضع ليس من الأعراض؛ لأنَّ العرض يحتاج إلى موضوعٍ في الخارج، مع أنَّ موضوع العرض هو الطبيعيُّ، فلا يكون الوضع من الأعراض، وهذا المعنى من اعتباريّة الوضع أمرٌ صحيح.
إلاَّ أنَّه لا يمكن أن يقال: أنَّ الوضع اعتبارٌ للوضع الخارجيّ؛ لأنَّه أمرٌ
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
دقيق لا يلتفِتُ إليه أكثر الواضعين، كما ذكرنا في ممارسة الأطفال، فهل يُعقل أن يكون الطفل بعد فطامه بقليلٍ ملتفتاً إلى الوضع الخارجي، فيعتبره في وضع اللفظ على المعنى؟! بل إنَّ الوضع موجودٌ في الحيوانات أيضاً؛ فإنَّنا نرى أنَّ كثيراً من الحيوانات يبدي مقاصده باختلاف أصواته، وليس هذا إلَّا بالجعل المتسالم عليه بين المتكلّم والسامع من الحيوان، فنعلم من صوته أنَّه صوت عطفٍ أو محبّةٍ أو غضبٍ، ولا سيّما في الهرّة؛ فإنَّ ذلك يبدو فيها واضحاً أكثر من غيرها، فهل يمكن أن يُقال: إنَّ الهرّة تعتبر وضع اللفظ على المعنى كالوضع الخارجي؟ إنَّ هذا بعيدٌ.
بل إنَّ هذا الإطلاق بكون اللفظ موضوعاً لمعنى، منافٍ لما أفاده؛ فإنَّه بناء على ما ذكره لا بدَّ أن يكون اللفظ موضوعاً على المعنى، لا موضوعاً للمعنى، مع إنَّه بحسب الإطلاق يقال: إنَّ اللفظ موضوعٌ للمعنى، ولا يُقال: إنَّه موضوعٌ على المعنى. فلو كان وضع الألفاظ اعتباراً للوضع الحقيقي، لكان الصحيح أن يُقال: وضع اللفظ على المعنى. إذن فهذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه.
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والصحيح: أنَّ الوضع من مقولة الأعراض، وهو موجودٌ خارجي، ولا منافاة بين أن يكون الوضع من الأعراض، وبين أن يكون الطبيعيُّ طرفاً له؛ وذلك لأنَّ الوضع ليس من أعراض اللفظ والمعنى ليُقال: إنَّ العرض لا يقوم إلَّا بموجودٍ خارجي، ولا وجود للكلّيّ في الخارج. بل الوضع من أعراض الواضع، ومعروضه هو الشخص الواضع، وليس اللفظ والمعنى إلَّا متعلّقين للوضع وطرفين له. وكم فرقٌ بين الطرف والموضوع. فالعلم والإرادة مثلاً من الصفات النفسيّة، وهما قائمان بالنفس، فيقال: إنَّه مريدٌ وإنَّه عالمٌ. فالعلم والإرادة من أعراضه، ومعروضهما هو الإنسان، إلَّا أنَّ العلم يتعلّق بأمرٍ فيُقال: إنَّه يعلم بكذا، وقد تتعلّق الإرادة بأمرٍ فيقال: إنَّه يريد كذا، فالفعل الفلاني هو متعلّق العلم والإرادة، لا أنَّه معروض العلم والإرادة.
ومن هنا فإنَّ العلم قد يتعلّق بالكلّيّ أيضاً، ولا يمكن أن يُقال: كيف تعلّق العلم بالكلّيّ مع أنّه عرضٌ، والعرض محتاجٌ إلى موضوعٍ خارجيّ، والكلّيُّ لا وجود له في الخارج؟ لأنَّ العلم ليس عارضاً على الكلّيّ، بل على الشخص، والفعل متعلّقٌ له. إذن فالوضع من أعراض الواضع ومن أفعاله، واللفظ والمعنى متعلّقان للوضع وطرفان له. هذا هو الرأي الصحيح.
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إنَّ الوضع من المقولات، وأنَّه من الأعراض، وقيامه باللفظ والمعنى ليس من قيام العرض بمعروضه، بل اللفظ والمعنى متعلّقان للوضع، فالوضع فعل الواضع، وهو قائمٌ به، لا باللفظ والمعنى، نظير سائر الصفات التعلّقيّة: كالعلم والإرادة؛ إذ يمكن أن نتصوّر معنىً كلّيّاً، والتصوّر قائم بالمتصوِّر، وهو من أعراضه، وإن كان المتصوَّر أمراً كلّيّاً.
لا يقال: إنَّ التصوّر ليس من الأعراض؛ لأنَّه قائم بالكليّ، والكليّ لا يكون معروضاً لعرض.
قلت: إنَّ التصوّر ليس قائماً بالمتصوَّر، بل هو قائمٌ بالمتصوِّر، وأمّا الشيء المتصوَّر فهو متعلّقٌ له، وكم فرقٌ بين المتعلّق والموضوع!
والوضع من هذا القبيل؛ فإنَّ الوضع هو فعل الواضع وإن كان متعلّقه أمراً كلّيّاً هو كلي اللفظ والمعنى، إلَّا أنَّ معروضه هو الشخص وإن كان متعلّقه أمراً كليّاً.
وبيان ذلك: أنَّ الوضع في اللغة بمعنى: الإقرار والجعل، ومن ذلك وضع القانون، فيقال: إنَّ الحكومة وضعت القانون، أو الطائفة الخاصّة وضعت القانون، فالوضع في المقام بمعنى: الإقرار والإثبات، فقد يجعل الإنسان قانوناً، وقد يجعل لفظاً لمعنى، فيُقال: إنَّه قد جعل هذا اللفظ لهذا المعنى، ومعنى جعله التزام الشخص أنَّه متى ما أراد إفهام معنىً معيّنٍ أن يتكلّم بلفظٍ خاصٍّ، فيجعل مبرزه هذا اللفظ بخصوصه دون سائر الألفاظ.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فلو سُئل الوالد عن الاسم الذي جعله لولده، لقال: (جعلت له الاسم الفلانيّ)، ومعناه أنَّه التزم أنَّه متى ما أراد تفهيم الولد وأن يلتفت السامع إليه، كان عليه أن يأتي بهذا اللفظ، فيقول (حسن) مثلاً، فحقيقة الوضع هو الالتزام والتعهّد بذكر لفظٍ خاصٍّ عند إرادة تفهيمِ معنىً خاصٍّ.
والظاهر: أنَّ الالتزام والتعهّد من الصفات النفسانيّة القائمة بالنفس ومن أعراضها، فيكون الوضع من الأعراض وإن كان متعلّقه من اللفظ والمعنى كلّيّاً. والمعنى قد يكون كلّيّاً، وقد يكون جزئيّاً، وأمّا اللفظ فلا يكون إلَّا كلّيّاً ومجرّداً عن كلّ خصوصيّةٍ؛ لأنَّه يتعدّد بتعدّد الأفراد وبتعدّد الأزمان، وكلّ هذه الأفراد المتعدّدة للّفظ موضوعةٌ لمعنىً واحدٍ، فموضوع الألفاظ كلّي لا محالة.
وهكذا يختلف المعنى الموضوع له: فقد يكون شخصيّاً كالأعلام الشخصيّة، وقد يكون كلّياً كأسماء الأجناس، وهذا ليس من تعلّق العرض بالكلّيّ؛ لأنَّ الالتزام والتعهّد من الصفات التعلّقيّة، نظير العلم والشوق والغضب وغيرها؛ فإنَّ الصفات النفسيّة تختلف، فقد تكون تعلّقيّةً، وقد لا تكون كذلك، والعلم والإرادة والالتزام من الصفات النفسيّة التعلّقيّة، فيلتزم الإنسان بأن يأتي بلفظٍ خاصٍّ عند إرادة معنىً خاصٍّ.
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ويؤكّد هذا المعنى ما ذكرناه من ملاحظة حال الأطفال والمجانين، بل الحيوانات؛ فإنَّ كلَّ كلامهم ناشئٌ من الوضع. أفيكون هذا بنحو الاعتبار؟! مع أنَّ الأمر الاعتباريَّ أمرٌ لا يلتفت إليه الصبيُّ ولا الحيوان، بل قد التزموا بحسب طبائعهم أن يأتوا بلفظٍ خاصٍّ عند إرادة معنىً خاصٍّ.
ثُمَّ إنَّ الالتزام قد يكون التزاماً ابتدائيّاً، فيبرز بلفظٍ خاصٍّ كتسمية الأولاد، وقد يكون الالتزام أمراً قهريّاً غير ملتفتٍ إليه تفصيلاً، بل يحصل بالارتكاز، وهو إنَّما يكون بكثرة الاستعمال وإن كان الاستعمال إلى زمان مجازياً؛ فإنَّ كثرة الاستعمال توجب أُنساً في استعمال اللفظ إزاء المعنى، فينتهي الأمر إلى أنَّ التفهيم بهذا اللفظ لا يحتاج إلى قرينةٍ أصلاً، وهذا الالتزام ليس ابتدائيّاً، بل هو ناشئٌ من كثرة الاستعمال، وهو المراد بالوضع التعيّنيّ.
فعلى هذا: تكون حقيقة الوضع أمراً نفسانيّاً، إمّا أن توجد ابتداءً، وإمّا أن يكون ناشئاً من كثرة الاستعمال، وهو من مقولة الأعراض، وليس أمراً اعتباريّاً.
قد يُقال: إنَّ التعهّد مترتّبٌ على العلم بالوضع، فهو متأخّرٌ عنه رتبةً، والعلم بالوضع يتوقّف على الوضع، فالعلم بالوضع متأخّرٌ عن الوضع تأخُّرَ العلم عن معلومه.
إذن، فالتعهّد والالتزام متأخّرٌ برتبتين عن الوضع، فكيف يمكن أن يُقال بأنَّ الوضع هو التعهّد والالتزام، مع أنَّه يلزم منه تأخير المتقدّم وتقديم المتأخّر؟
ولكنّ هذا القول لا يرجع إلى محصّلٍ؛ لأنَّ الذي يتوقّف على العلم بالوضع هو الجري على هذا التعهّد، أي: لا بدَّ أن يكون هناك تعهّدٌ، وأن يكون السامع والمتكلّم عالمين به وملتزمَين به، وبعد ذلك يكون الجري على طبق التعهّد في مرحلة الاستعمال، كما هو الحال في الإشارات، فيشير بيده لآخر بانصرافه أو مجيئه، وليس هذا إلَّا من جهة التعهّد بينهما أنَّه متى أشار إليه بكيفيّةٍ
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
خاصّةٍ فإنَّه يدلّ على أنَّ المشير يريد إتيانه أو انصرافه. فهاهنا أمران: تعهّد منهما قبل الإشارة، وجري على طبق ذلك التعهّد حين الإشارة والتفهيم، أفهنا وضع غير التعهّد وغير الجري على طبقه؟! ليس هنا أمرٌ ثالثٌ غير التعهّد بين الطرفين. بل قد يتّفق هذا بين الآباء والأبناء أو الموالي والعبيد، ويجعلون بينهما إشاراتٍ معيّنةً، نظير أنَّه متى رفع عمامته فهو يريد كذا، فيجعلون أمراً، ويجرون على طبق ذلك الجعل. وعليه فالذي هو متوقّفٌ على التعهّد والعلم به إنَّما هو الجري الخارجيّ أو عبرّ بالتعهّد الشخصيّ حين الاستعمال. وأمّا التعهّد على نحو القضيّة الحقيقيّة المعبَّر عنه بالتعهّد الكلّيّ -كما إذا صرّح بذلك فقال: أنا ملتزمٌ بأنّي إذا ما أردت تفهيم هذا المعنى، أتكلّم بهذا اللفظ، فإذا تكلّم نفهم منه أنَّه أراد هذا المعنى- فهو لا يتوقّف على العلم بالتعهّد، كما لا يتوقّف الجري على طبق هذا التعهّد على شيءٍ آخر نسمّيه بالوضع.
وبهذا يثبت على نحو الجزم واليقين: أنَّه ليس هناك أمرٌ آخر اعتباريٌّ أو غير اعتباريٍّ نسمّيه بالوضع، وراء التعهّد والعلم به والجري على طبقه. وعليه فلا معنى لأنَّ يقال: إنَّ العلم متأخّرٌ عن الوضع بمرتبتين، فكيف يكون التعهّد عين الوضع.
فظهر ممّا ذكرناه: أنَّ كلَّ شخصٍ هو واضعٌ بنفسه، أي: إنَّ الوضع لا يختصُّ بشخصٍ خاصٍّ؛ فإنَّ الالتزام إنَّما هو من جميع أهل اللغة الواحدة، فالعرب كلّهم قد التزموا وتعهّدوا على أنَّهم متى أرادوا تفهيم مايعٍ خاصٍّ نطقوا بلفظ الماء، فيكون هذا اللفظ دالاً على ذلك المايع الخاصّ. وهذا الالتزام
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
موجودٌ بين الجميع، ولا يختصّ بشخصٍ واحدٍ، ليُقال: إنَّ هذا هو الواضع، بل كلّ شخص هو واضعٌ.
بقي هنا أمرٌ حاصله: أنَّ الواضع الأوّل هو الذي جعل اللفظ بإزاء المعنى، وقبله لم يكن، والتزم باستعمال هذا اللفظ عند إرادة هذا المعنى، ولذلك ينسب إليه الوضع بحسب الاسبقية، وإلَّا فبحسب الدقّة لا فرق بين الواضع الأوّل والثاني والثالث، كما أنَّ الأب ملتزمٌ بأنَّه عند إرادة تفهيم ولده يقول كذا، كذلك الأُسرة جميعها وأهل البلد ملتزمون بذلك أيضاً، ومع ذلك ينسب الفعل إلى الأب، باعتبار أنَّه أوّل من التزم بذلك.
وهذا يُستعمل في غير وضع الألفاظ أيضاً، فيقال: إنَّ جاعل السيارة هو فلانٌ، مع أنَّ كلّ واحدٍ من أصحاب السيّارات يجعل في كلّ يوم مئاتٍ أو آلافاً من السيّارات، فكلّ شخصٍ هو جاعلٌ للسيّارة، وإنَّما ينسب جعلها إلى ذلك الشخص باعتبار كونه الأوّل. والوضع هكذا أيضاً؛ إذ التعهّد من الجميع، ومع ذلك لو سُئل: من هو جاعل اسم هذا الولد لقيل: والده؛ لأنَّه أوّل ملتزمٍ ومتعهّد أنَّه متى أراد تفهيم هذا نطق بلفظٍ خاصّ. وجعل القانون من هذا القبيل؛ فإنَّ التعهّد حاصلٌ من جميع أفراد الحكومة، وكلّهم ملتزمون به، ومع ذلك يقال: إنَّ جاعل القانون هو فلانٌ، أي: إنَّه أوّل من أوجده والتزم به.
فعليه يصحّ أن يقال: إنَّ الواضع هو زيدٌ، مع أنَّه بالدقّة لا يختصّ الواضع بشخصٍ معيّنٍ.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
سبق أن قلنا: إنَّ الوضع هو التعهّد، وهو فعلٌ اختياريٌّ، وعلى ذلك فالواضع يحتاج إلى تصوّر اللفظ والمعنى: إمّا بأنفسهما، أو بمشيرٍ إليهما.
وبناءً على ذلك فالوضع ينقسم بحسب المعنى إلى أربعة أقسامٍ، وينقسم بحسب اللفظ إلى قسمين.
أمّا انقسام الوضع بحسب المعنى فالواضع قد يتصوّر معنىً كلّيّاً، ويضع اللفظ بإزائه، والكلّيّ هو الطبيعة المهملة المعرّاة عن جميع الخصوصيّات القابلة الانطباق على الطبيعة بشرط شيءٍ، وبشرط لا، ولا بشرط، فيُتصوّر الطبيعة في نفسها بما هي هي، ويُوضع لفظ بإزاء الكليّ.
وقد يُتصوَّره بعنوانٍ مشيرٍ إليه، بحيث يميّز الطبيعة عن غيرها. وعلى كلا التقديرين يكون الموضوع له هو الطبيعة المهملة القابلة للانطباق على الطبيعة بشرط شيءٍ وبشرط لا ولا بشرط، وهذا هو المسمّى بالوضع العامّ والموضوع له العامّ، ومثاله أسماء الأجناس.
وقد يكون المتصوَّرُ مفهوماً جزئيّاً غير قابلٍ للانطباق على كثيرين، ولا
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
نعني بالجزئي الموجودَ الخارجيَّ؛ لأنَّ الموجودَ الخارجيَّ لا يمكن أن يوضع له اللفظُ؛ لأنَّ فائدة الوضع هو الانتقال من اللفظ إلى المعنى، والموجودُ الخارجيُّ غير قابلٍ للانتقال الذهني، فلا يمكن أن يكون موضوعاً له، وإنَّما الموضوع له يكون مفهوماً جزئيّاً غير قابل للإنطباق إلا على هذا الفرد، فالموضوعُ له مفهومٌ دائماً، غاية الأمر أنَّه قد يكون كلّياً كالقسم الأوّل، وقد يكون جزئيّاً كالقسم الثاني. وهنا أيضاً قد يُتصوّر المفهومُ الجزئيُّ بحقيقته ويوضع بإزائه، وقد يتصوّر بعنوانٍ مشيرٍ إليه، وإن لم يكن العنوان دخيلاً في الموضوع له، كما إذا وضَع اسماً لأوّل ولدٍ يولد له، فالموضوع له جزئيٌ وإن لم يتصوّر بنفسه، وإنَّما تُصوّر بعنوانٍ مشيرٍ إليه. وهذا هو الحال في القضايا الشخصيّة التي يكون الحكمُ بالوضع ثابتاً فيها للشخص، لا الكلّيِّ ولا الطبيعة المهملة، وهذا هو الوضع الخاصُّ والموضوع له الخاصّ.
وقد يمكن أن يوضع اللفظُ بإزاء الجزئيِّ، ولكنّ المتصوَّرَ معنى كلّيّ، فالواضع ُيتصوَّرُ معنىً كلّيّاً، ويضع اللفظ بإزاء مصداقه وواقعه، ولا نريد بذلك أن يكون المتصوّر مفهوماً مبايناً لمفهوم جزئي، فإنَّ المباين لا يمكن أن يكون معرّفاً لأمر مباين له. كأن يتصوّر مفهوم الإنسان ويضعه لزيد وعمر؛ فإنَّ هذا لا يمكن؛ لأنَّ المتصوّر هو مفهوم الإنسان، فكيف يمكن أن يوضع للأفراد من دون تصوّرها؟!
بل إنَّ الواضع يتصوّر عنواناً كلّيّاً منتزعاً من الأفراد، فيجعل الوضع بإزاء الأفراد من جهة العنوان الانتزاعي، كما هو الحال في القضيّة الحقيقيّة؛ فإنَّنا إذا
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
قلنا (إنَّ كلّ نارٍ حارّةٌ) لا نريد بذلك أنَّ المفهوم أو الطبيعيَّ المهمل من النار هو الحارّ؛ لأنَّ الضرورة قاضية بأنَّ الحرارة إنَّما هي للنار الموجودة خارجاً، لا لطبيعيّ النار ومفهومها. وقولنا: (كلّ) إنَّما هو إشارةٌ إلى الأفراد الخارجيّة، فقولنا: (كلُّ نارٍ حارّةٌ) يعني: أنَّ كلّ ما ينطبق عليه مفهوم النار فهو حارٌّ، ومن الواضح أنَّ مفهوم ما ينطبق عليه مفهوم النار هو مفهوم ولكنه كلّيٌّ منتزعٌ عن الأفراد الخارجيّة، وليس مفهوماً مقابلاً لها؛ فإنَّنا إذا أشرنا إلى الفرد الخارجي، فإنَّه يصحّ أن نقول عنه: إنَّه نارٌ أو هذا فردٌ من النار أو مصداقٌ منها.
فمفهوم ما ينطبق عليه النار أو الإنسان هو مفهومٌ انتزاعيٌّ يُشار به إلى الأفراد الخارجيّة ويوضع لها، وإن لم تكن الأفراد متصوّرةً بخصوصيّاتها، وقد ذكرنا أنَّه يكفي في الوضع تعدُّد الموضوع له ولو تصوّراً إجماليّاً.
إذن، يمكن أن يتصوّر قسم ثالثٌ للوضع يكون الموضوع له عنواناً كلّيّاً كمفهوم ما ينطبق عليه الإنسان، ولكنَّ الموضوع له مصداق ما ينطبق عليه الإنسان لا مفهومه.
فتحصَّل أنَّه يمكن أن يكون للوضع ثلاثة أقسامٍ:
وإنَّما الكلام في إمكان القسم الرابع وعدم إمكانه، وهو أن يكون المعنى المتصوَّر جزئيّاً، ويكون وضع اللفظ بإزاء الكلّيِّ، وقد اتّضح ممّا سبق: أنَّ هذا
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
القسم غير ممكنٍ؛ والوجه في ذلك: هو أنَّ المفهوم الجزئي لا يُري الكلّيَّ؛ لأنَّه مباينٌ له، وقد قلنا أنَّ الموضوع له لا بدَّ أن يُتصوّر بنفسه أو بعنوانه، والجزئيُّ ليس عنواناً كلّيّاً.
وأمّا توهُّم إمكانه: بأن يتصوّر الجزئيّ ويوضع لكلّيّ هذا الفرد، فإنَّ هذا ممكنٌ، إلَّا أنَّ هذا من الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ؛ فإنَّ قولنا: (كلّيّ هذا الفرد) هو أيضاً كلّيٌّ منطبقٌ على الفرد، أي: إنَّ الكلّيّ متصوّرٌ وموضوعٌ بإزائه، غاية الأمر أنَّه غير متصوَّرٍ بنفسه، بل بعنوانٍ مشيرٍ إليه، فقولنا: (كلّيُّ هذا الفرد) هو أمرٌ كلّيٌّ معرّفٌ للكلّيّ الخارجيّ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّه إذا كان الموضوع له الكلّيّ غير متصوَّرٍ لا بنفسه ولا بعنوانه، فكيف يمكن الوضع لمفهوم لا تميز له في مقام الوضع.
فاتّضح من جميع ما تقدّم: أنَّ الممكن من أقسام الوضع هو الأقسام الثلاثة الأُولى. هذا بالنسبة إلى المعنى.
أمّا بالنسبة إلى أقسام الوضع بلحاظ اللفظ فبما أنَّ اللفظ لا يمكن أن يوضع بشخصه؛ لأنَّ فائدة الوضع هو التفهيم والتفهّم، فشخص اللفظ غير قابلٍ للبقاء، والكلمة لا يمكن أن تبقى بشخصها، فلا مناص من أن يكون الموضوع له هو طبيعيّ اللفظ، فهو يضع كلّيَّ لفظ زيدٍ لشخص زيدٍ، فالموضوع كلّيّ دائماً. ولكنّه يختلف؛ إذ قد يكون الموضوع قابلاً لأن يتصوَّر بنفسه، كأن يتصوّر كلّيّ ما ينطبق عليه اللفظ ويضعه، كما في أسماء الأجناس، وكما لو
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يتصوّر اللفظ ويضعه لمشابهه أو مماثله، فأيّ فردٍ من متشابهاته هو موضوعٌ بإزاء الشخص أو الكلّيّ، وهذا هو المسمّى بالوضع الشخصيّ؛ باعتبار أنَّ المتصوّر هو اللفظ بنفسه. ومن هذا القبيل وضع المشتقّات؛ فإنَّ الوضع فيها شخصيٌّ؛ لأنَّها قابلةٌ للتصوّر بشخصها، كأن يتصوّر الواضع لفظ (الأكل) فيضع هذه المادّة لمعنى خاصّ، وهي تختلف بحسب الهيئات نحو (يأكل) و(آكل)، وفي جميع ذلك تكون المادّة بنفسها موجودةً، والمادّة قابلة للتصوّر فأيضاً يكون الوضع شخصياً.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الوضع يختصّ بالهيئات: كهيئات المشتقّات أو الجمل التامّة أو الناقصة، كهيئة إسناد الفعل إلى فاعله والمبتدأ إلى خبره وهيئة الإضافة وغير ذلك، فإنَّه يستفاد من كلِّ هيئة من هذه الهيئات معنىً خاصٌّ. وهذه الهيئات بما أنَّها مندمجة في المادّة، فهي غير قابلةٍ للتصوّر بنفسها، إلَّا في ضمن مادّةٍ من الموادّ، وإنَّما لا بدَّ أن يتصوّر فرداً منها، ثُمَّ يُقال في مقام الوضع: إنَّ كلَّ ما يماثل هذه الهيئة أو ما كان على زنة فاعلٍ موضوعٌ لكذا، فيقطع النظر عن المادّة، ويأتي بالهيئة في ضمن مادّةٍ؛ لأنَّها لا توجد وحدها، وهذا هو الوضع النوعيّ.
فتحصّل: أنَّ الأمر يختلف بالنسبة إلى وضع الألفاظ، فالوضع الشخصيُّ هو أن يكون الموضوع متصوّراً بنفسه وقابلاً للتمييز، والوضع النوعي هو أن لا يكون الموضوع قابلاً للتصوّر والتمييز بنفسه. بل لا بدَّ من الإشارة إليه بعنوان كلّي، وهذا هو الوضع النوعي.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
تحصّل ممّا ذكرناه: أنَّه لا إشكال في إمكان القسمين الأوّلين من الوضع ووقوعهما، أعني: الوضع العامّ والموضوع له العامّ، والوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ، كما لا إشكال في عدم وقوع القسم الرابع، وهو الوضع الخاصّ والموضوع له العامّ؛ لعدم إمكانه. وإنَّما الكلام في وقوع القسم الثالث بعد الفراغ عن إمكانه، وهو أن يكون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً.
فقد ذكر جماعةٌ(1) أنَّ وضع الحروف وما شابهها من أسماء الإشارة والموصول من هذا القبيل، وأنكره جماعة(2)؛ مدَّعين أنَّ الوضع والموضوع له في الحروف وأشباهها عامَّين. ولابدَّ في تحقيق ذلك من البحث في حقيقة المعاني الحرفيّة والنظر إلى الموضوع له فيها: هل هو عامٌّ أو خاصٌّ؟ وفي المقام عدّة اتّجاهاتٍ:
ــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) أُنظر: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 36.
(2) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 11، المقدّمة، الأمر الثاني، والنائيني، فوائد الأُصول 1: 58، المقدّمة، المبحث الأوّل، المقام الثاني في عموم الموضوع له وخصوصه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذكر صاحب (الكفاية)(1)، ونُسب ذلك إلى الشيخ الرضي(2) أنَّه لا فرق بين المعاني الحرفيّة والاسميّة من حيث ذات المعنى، وأنَّ الموضوع له في الحروف عين الموضوع له في الأسماء، ولا فرق بينهما إلَّا لأمرٍ خارجٍ عن الموضوع له، وهو اللحاظ؛ وذلك أنَّ مدعي المغايرة بينهما يدعي أخذ اللحاظ الآلي في الحروف، وقد ذكر صاحب (الكفاية) أنَّ هذا غير معقولٍ؛ فإنَّ اللحاظ -سواءٌ كان استقلاليّاً أم آليّاً- في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن المعنى؛ فإنَّ اللحاظ هو التصوّر، ولا بدَّ أن يكون المتصوَّر هو ذات المعنى في مرتبةٍ سابقةٍ على اللحاظ. فإن أراد القائل باللحاظ المأخوذ في المعنى الموضوع له هو اللحاظ المتأخّر، ففيه تقديمٌ للمتأخّر رتبةً، وهو خلفٌ. وإن أراد به لحاظاً آخر غير اللحاظ الأوّل،
ــــــــــ[94]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 11، المقدّمة، الأمر الثاني.
(2) أُنظر: شرح الكافية 1: 37. قال الرضي: “إنَّ معنى (من) الابتداء، فمعنى (من) ومعنى لفظ الابتداء سواء، إلَّا أنَّ الفرق بينهما أنَّ الفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر، بل مدلوله معناه الذي في نفسه مطابقة، ومعني (من) مضمون لفظ آخر ينضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي، فلهذا جاز الإخبار عن لفظ الابتداء، نحو: الابتداء خير من الانتهاء، ولم يجز الإخبار عن (من) لأنَّ الابتداء الذي هو مدلولها في لفظ آخر، فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه؟ بل في لفظ غيره، وإنَّما يخبر عن الشيء باعتبار المعنى الذي في نفسه مطابقة، فالحرف وحده لا معنى له أصلاً؛ إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنَّ في ذلك الشيء فائدة، فإذا انفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالٍّ على معنى أصلاً”.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
حيث أُخذ لحاظ في المعنى، وأُخذ لحاظ آخر في مرحلة الاستعمال؛ لأنَّ استعمال اللفظ في معنى لا بدَّ له من لحاظٍ، وهذا خلاف الوجدان؛ لأنَّنا لا نلاحظ المعنى في الاستعمال إلَّا بلحاظٍ واحدٍ. بل يمكن أن يُقال: إنَّه مستحيلٌ؛ لأنَّ اللحاظ لا يمكن أن يعرضه لحاظٍ آخر؛ لأنَّ الوجود الذهني غير قابلٍ لوجودٍ ذهنيٍّ آخر، كما أنَّ الوجودُ الخارجيَّ غير قابلٍ لوجودٍ خارجيٍّ آخر، فالوجود لا يعرض على الموجود سواء الذهني أو الخارجي، وعليه فلا يمكن أن يُقال: إنَّ اللحاظ قيدٌ للمعنى.
فظهر: أنَّه لا فرق بين المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ في خروج اللحاظ عن حريم المعنى، على أنَّ اللحاظَ الآليَّ لو كان مأخوذاً في الحروف، لزم أخذ اللحاظ الاستقلاليِّ في الأسماء، فكيف تصحُّ التفرقة بينهما، مع أنَّ الموضوع له في كليهما عامٌّ؟! مع أنَّ اللحاظ إذا قيّد المعنى به، لم يمكن انطباق المعنى على الموجود الخارجيّ؛ فإنَّ الموجود الذهنيَّ بوصفه ذهنياً لا ينطبق على الموجود الخارجيّ؛ لاختلاف الوعائين. فإذا فرضنا أخذ اللحاظ في المعنى، فلا محالة يكون المعنى مقيّداً بالوجود الذهني الذي يعبِّر عنه صاحب (الكفاية)(1) بالكلّيِّ العقليّ، وهو غير قابلٍ للانطباق على الخارج، ففي مقام الاستعمال لا بدَّ من تجريد المعنى عن اللحاظ ليكون قابلاً للانطباق على الخارج، والحال أنَّنا لا نحتاج إلى تجريدٍ.
وعلى هذا يترتّب: أنَّ المعاني الاسميّة والمعاني الحرفيّة متّحدتان بالذات،
ــــــــــ[95]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 11، المقدّمة، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والفرق بينهما وإن كان باللحاظ الآلي واللحاظ الاستقلالي، إلَّا أنَّهما خارجان عن حريم المعنى الموضوع له، والفرق إنَّما هو في الاستعمال.
وقد أورد صاحب (الكفاية)(1) على نفسه: أنَّه بناء على ذلك، يصحّ حينئذٍ استعمال كلٍّ منهما في موضع الآخر؛ لاتّحاد المعنى، فلماذا يكون هذا الاستعمال من الأغلاط؟! وهذا ما يكشف عن الاختلاف بينهما.
وأجاب عن هذا الإشكال بما محصّله على ما يظهر من كلامه في بحث المشتق: أنَّ هذا الاختلاف إنَّما هو من جهة الاختلاف في العلقة الوضعيّة؛ فإنَّه وإن كان ذات المعنى واحداً في الاسم والحرف، إلَّا أنَّ العلقة الوضعيّة في أحدهما غيرها في الآخر(2).
وتوضيح ذلك: أنَّ المعاني والألفاظ على كثرتها قد يكون الاختلاف بينها من ناحية اللفظ، وقد يكون الاختلاف بينها من ناحية المعنى، أي: أن الواضع يلاحظ لفظ خاص ويضعه لمعنى، ويلاحظ لفظاً آخر ويضعه لمعنى، فاللفظ الأوّل غير اللفظ الثاني وإن لم يكن الاختلاف ذاتياً، بل كان الاختلاف من جهة الحركات أو التقديم والتأخير.
وقد يكون الاختلاف من ناحية المعنى، أي: أن الواضع يلاحظ خصوصيّةً في المعنى، فيضع له لفظاً، ويلاحظ فيه خصوصيّة أُخرى، فيضع له لفظاً آخر، كالإنسان والبشر؛ إذ قيل: إنَّ الإنسان من الإنس في قبال الجنّ،
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم: 12.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم: 41، المشتق، الفرق بين المعنى الاسمي والحرفي.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والبشر في قبال الملائكة، فإذا لوحظ معنى في قبال الجنّ قيل: (إنسان)، وإذا لوحظ في قبال الملائكة قيل: (بشر).
وقد تلاحظ هيئةٌ من الهيئات على نحوين؛ فإنَّ الشخص إذا كان قائماً فجلس يُقال: (قعد)، وإذا كان مضطجعاً فجلس يُقال: (جلس)، مع أنَّ الجلوس والقعود شيء واحد، والاختلاف في خصوصية المعنى.
وقد يكون الاختلاف من ناحية العلقة الوضعيّة، أي: الالتزام والتعهّد الذي سبق أن ذكرنا أنَّه حقيقة الوضع، فيكون التزام الواضع في معنى غير التزامه في المعنى الآخر. ومثاله: ما إذا التزم أنَّه إذا حرّك يده حركةً عنيفةً فإنَّه يريد شيئاً، وإذا حرّك يده حركةً غير عنيفةٍ، فإنَّه يريد شيئاً آخر، فالحركة وإن كانت واحدة، إلَّا أنَّها تختلف باختلاف الالتزام.
وحينئذٍ يمكن أن يكون الفرق بين الحروف والأسماء في العلقة الوضعية، أي: أن الواضع يتعهّد أنَّه متى أراد أن يعبِّر عن الابتداء بالمعنى الحرفي، يعبِّر عنه بـ(من)، وإذا أراد هذا المعنى نفسه لكن ملحوظاً باللحاظ الاستقلاليّ، يعبّر عنه بكلمة (ابتداء). فالاختلاف بينهما في العلقة الوضعيّة، كما صرَّح به في بحث المشتق(1) من أنَّ استعمال أحدهما في موضع الآخر وإن كان استعمالاً في الموضوع له، إلَّا أنَّه خلاف العلقة الوضعيّة، فيكون الفرق بينهما من ناحية اللحاظ المتأخّر عن المعنى، وهذا اللحاظ على قسمين: آليّ واستقلاليّ، وقد جُعل لكلٍّ من الحالتين لفظٌ خاصٌّ.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
( ) أُنظر المصدر السابق.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ومنه يظهر: أنَّه لا يريد بكلامه في البحث عن المعنى الحرفي أنَّ الاختلاف بينهما من جهة اشتراط الواضع كي يُقال: ما هو أثر هذا الاشتراط؟ وهل تجب طاعته؟ وإذا فرض وجوب طاعته فغاية ما يستلزمه كونه معصية لا غلطاً؛ يظهر أن مراده ليس هو الاشتراط الخارجي، بل مراده أنَّ العلقة الوضعيّة في أحدهما غير العلقة الوضعيّة في الآخر، فيكون استعمال أحدهما في موضع الآخر خلافَ العلقة الوضعيّة، فيكون من الأغلاط.
قد تلخّص ممّا ذكره صاحب (الكفاية) حول المعنى الحرفيّ: أنَّ نظره يرجع إلى ثلاث جهاتٍ:
◙ الجهة الأُولى: أن اللحاظَ الآليَّ في الحروف واللحاظَ الاستقلاليَّ في الأسماء خارجٌ عن حريم المعنى؛ لأنَّ هذا اللحاظ يطرأ على المعنى متأخّراً، وإنَّما هو أمرٌ لا بدَّ منه في مرحلة الاستعمال.
◙ الجهة الثانية: أنَّ المعنى الاسميَّ والمعنى الحرفيَّ متّحدان بالذات، ولا فرق بينهما في ذات المعنى.
◙ الجهة الثالثة: أنَّ الاختلاف بينهما من ناحية الاستعمال، وأنَّ العلقة الوضعيّة مختلفة فيهما، فقد تكون العلقة بين لفظٍ ومعنى في حالةٍ، وبين نفس المعنى ولفظٍ آخر في حالةٍ أُخرى. فعدم صحّة استعمال أحدهما في موضع الآخر ليس لأنَّه خلاف ما وُضع له، بل لأنَّه مخالفٌ للعلقة الوضعيّة، فيكون غلطاً.
أمّا الجهة الأُولى: فهي مما لا بدَّ منها، وهي صحيحةٌ؛ فإنَّ اللحاظ منتزعٌ
ــــــــــ[98]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
من المعنى المستعمل فيه، فلا يمكن أن يكون مأخوذاً في المعنى، وإلَّا لزم تأخّر المتقدّم وتقدّم المتأخّر وغيرها من المحاذير المتقدّمة.
وأمّا الجهة الثانية: -وهو ما ذكره من الاتّحاد بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي بالذات، وإنَّما الاختلاف بالعلقة الوضعيّة-: فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه، بل إنَّنا سنبيّن أنَّ المعنى الحرفي بذاته يباين المعنى الاسمي، وهما قسمان من المعنى والمفهوم، لا أنَّ أحدهما عين الآخر، والاختلاف بينهما في اللحاظ، وبطلان هذه الجهة تظهر من بطلان الجهة الثالثة على ما سنبيّنه الآن.
وأمّا الجهة الثالثة: وذلك من جهة أنَّنا لو فرضنا أنَّ الاختلاف بينهما إنَّما كان بالعلقة الوضعيّة، وهي -كما سبق- مختلفةٌ بلحاظ الآليّة والاستقلاليّة، لصحّ استعمال أحدهما في مكان الآخر جزماً، مع أنَّه من الأغلاط.
ودعوى عدم الصحّة لعدم العلقة الوضعيّة صحيح، إلَّا أنَّ عدم العلقة الوضعيّة لا يقتضي أن يكون الاستعمال غلطاً؛ لأنَّ المجازات كثيرةٌ في الخارج، وصحّة الاستعمال المجازي ليس لأجل اتّحاد العلقة الوضعيّة، بل لأجل الحسن الطبعي، على ما ادّعاه صاحب الوضع، أو الوضع النوعيّ، على ما ادّعاه آخرون.
فإذا كانت هناك مشابهةٌ بين شيءٍ وبين الموضوع له في الجهة المهمّة، فإنَّه يصحّ استعمال أحدهما مكان الآخر، كما في صحّة استعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع، أو الجبل في عظيم الجثّة. فإذا كان يصحّ استعمال مثل ذلك، فلماذا لا يصحّ الاستعمال إذا كان المعنى هو المعنى بعينه، بمعنى: وجود الاتّحاد الذاتيّ بينهما، فإنَّه أولى بالصحّة من الاستعمال عن طريق المشابهة في بعض الجهات.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فالاستعمال الصحيح لا ينحصر في الحقيقي ليقال: إنَّ هذا الاستعمال غلطٌ؛ بدعوى أنَّه مخالفٌ للعلقة الوضعيّة. نعم، الاستعمال في المقام بغير العلقة الوضعيّة، ما يقتضي أن لا يكون الاستعمال حقيقياً، فإذا استُعمل أحدهما في محلّ الآخر، فلازم هذا البيان أن لا يكون الاستعمال حقيقيّاً. وأمّا أنَّه استعمالٌ غلطٌ فلا؛ لأنَّه إذا كانت المشابهة وغيرها موجبةً لصحّة الاستعمال مجازاً، فهذا أولى بالصحّة؛ لأنَّ المعنى المستعمل فيه هو بعينه المعنى الموضوع له، مع أنَّه من أفحش الأغلاط. فمن هذا نستكشف: أنَّ المعنى الحرفيَّ والمعنى الاسميَّ متغايران ذاتاً. وليس بينهما جهة اشتراك.
على أنَّ هذا الكلام -وهو أنَّ المعنى الحرفيَّ ملحوظٌ باللحاظ الآليّ، والمعنى الاسميَّ ملحوظٌ باللحاظ الاستقلاليّ- وإن كان مشهوراً(1)، إلَّا أنَّه لا أصل له عند التحقيق. إذ قد يكون المعنى الاسميُّ آلةً لغيره ولمجرّد الطريقيّة والمعرّفيّة بالنسبة إلى غيره، ولا يكون النظر متوجّهاً إليه، بل إلى شيءٍ آخر، وقد أخذ هذا المعنى الاسمي طريقاً له، كما أنَّ المعنى الحرفيَّ قد يكون ملحوظاً بالاستقلال ومقصوداً بالتفهيم والتفهّم، بل الغالب كذلك في المعاني الحرفية؛ لأنَّه كثيراً ما يكون ثبوت المحمول للموضوع معلوماً للسامع والمتكلّم، لكنَّ أحدهما لا يدري أنَّ زيداً جاء في يوم كذا، فيسأل الآخر، فيجيب: (أنَّه جاء يوم كذا)، أو أن يعلم أنَّه يدرس شيئاً لكن لا يدري أيّ علمٍ، فهذه خصوصيّات وغيرها من
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 13، المقدّمة، وضياء الدين العراقي، نهاية الأفكار 1: 40، الجهة الأُولى في المعاني الحرفية.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الخصوصيات التي يتعلّق غرض المتكلّم بتفهيمها، لا يكون دالاً عليها إلَّا الحروف التي تدلّ على المعاني الحرفيّة، فيُقال: (ضرب زيدٌ عمراً بالعصا). فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ المعاني الحرفيّة غير ملحوظةٍ استقلالاً، بل آلةً، بل إنَّ الغرض الأصليَّ في التفهيم والتفهّم في كثيرٍ من الاستعمالات إنَّما هو معرفة هذه الخصوصيّات وأشباهها، مع كون أصل ثبوت المحمول للموضوع معلوماً.
وكذلك قد يكون الاسم ملحوظاً استقلالاً فيؤتي به. والمقصود منه تفهيم نفسه، وقد يؤتي به لتفهيم أمرٍ آخر يكون كاشفاً عنه، كما في مثل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الخَيْطِ الأَسْوَدِ(1). إذ من المعلوم أنَّ التبيّن لا أثر له في عدم جواز الأكل؛ فإنَّ الغاية هي طلوع الفجر، فلو فرضنا أنَّ شخصاً كان في الغرفة، أو أنَّ الأُفق كان غائماً لا يتبيّن معه الفجر، ولكنّه علم به، فلا يجوز له الأكل والشرب. وعليه فالحرمة منوطةٌ بالطلوع لا بالتبيّن، وإنَّما تؤخذ المعرفة بالموضوع موضوعاً في الكلام؛ لأنَّ العلم طريقٌ إلى المعلوم، فكأنَّه قال: (حتّى يطلع الفجر). ونحوه قولنا: (لا أبرح حتّى يؤذّن لصلاة الظهر) مع أنَّه لا دخل للآذان، وإنَّما أُخذ طريقاً إلى الزمان، أي: حتّى تزول الشمس.
والكثير من هذه الموارد -كعنوان التبيّن والعلم والعرفان واليقين وغيرها- أُخذت فيها هذه العناوين طريقاً إلى الواقع؛ حيث إنَّ العلم بذاته كاشفٌ بذاته عن الواقع، والمقصود هو الواقع. فإذا كان الحكم مغيّاً بالعلم،
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) البقرة: 187.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فموضوع الحكم هو المكشوف لا الكاشف، ولو كان ملاك الشيء في كونه حرفاً أن يكون آلةً لغيره، فلابدَّ أن تكون هذه الألفاظ من الحروف!
وملخّص ما ذكرناه: أنَّ اللحاظ الآليّ واللحاظ الاستقلاليّ لا يختصّان بالحروف أو الأسماء، بل إنَّ بينهما عموماً من وجهٍ، فقد يكون الاسم ملحوظاً باللحاظ الاستقلاليّ، وقد يكون ملحوظاً باللحاظ الآليّ، وكذلك الحرف. إذن فلا فرق بين المعنى الاسميّ والمعنى الحرفيّ من ناحية اللحاظ، واختصاص العلقة الوضعية في أحدهما (الحروف) فيما إذا لوحظ المعنى آلةً، وفي الآخر (الأسماء) فيما إذا لوحظ المعنى استقلالاً.
يذهب هذا الاتجاه إلى أنَّ الحروف لم توضع لمعانٍ أصلاً، وليس لها معنىً، وإنَّما تدلّ في الكلام على خصوصيّةٍ من الخصوصيّات كحركات الأعراب؛ فإنَّه إذا أتى بالكلمة مرفوعةً، يُستفاد منها خصوصيّةٌ، وإذا أتى بالكلمة منصوبةً، يُستفاد منها خصوصيّةٌ أُخرى، فكذلك في الحروف. فكما أنَّ الحركات الإعرابيّة لم توضع لمعنى من المعاني، وإنَّما تفيد خصوصيّةً في المعنى، فكذلك الحال في الحروف(1).
ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) أُنظر: شرح الكافية 1: 37. قال الرضي: “فالحرف وحده لا معنى له أصلاً؛ إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنَّ في ذلك الشيء فائدة، فإذا انفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالٍّ على معنى أصلاً”، والنائيني، فوائد الأُصول 1: 34، المقدّمة، المبحث الأوّل في الوضع، وضياء الدين العراقي، نهاية الأفكار 1: 38، الجهة الأُولى في المعاني الحرفية، ومحمد رضا الأصفهاني، وقاية الأذهان: 70، كيفيّة الوضع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وهذا القول على حدّ التفريط، كما أنَّ القول الأوّل على حدّ الإفراط، بل إنَّ هذا القول لا يرجع إلى محصّلٍ؛ فإنَّ هذه الإفادة -أي: إفادة الحروف لخصوصيّةٍ في المعنى- لا بدَّ لها من سببٍ ومنشأٍ، لأنَّنا ذكرنا أنَّ دلالة الألفاظ على معانيها ليست ذاتيّةً، بل هي بالجعل والمواضعة. فإذا لم توضع الحروف لمعنى، فكيف يُستفاد من حرف معيّن معنىً معيّنٌ، ومن حرف آخر معنىً آخرٌ ولماذا يُستفاد من كلمة (من) غير ما يُستفاد من (إلى) مثلاً؟ وليست هذه الاستفادة إلَّا بالبناء والتعهّد على أنَّه إذا أتى بحرفٍ معيّنٍ يقصد المعنى الكذائي، وإذا أتى بحرفٍ آخر يقصد معنىً آخر، وعليه فلا يمكن أن يُقال: إنَّه لا معنى للحروف. وكذلك الأمر بالنسبة إلى حركات الإعراب؛ إذ لو لم يكن لها وضعٌ نوعيٌّ ولا تعهّدٌ من المتكلّمين بالإتيان بالكلمة مرفوعةً لخصوصيّةٍ ومنصوبةً لخصوصيّةٍ أُخرى، فكيف يُستفاد معناها؟ ومن أين يُستفاد من قولنا: (ضرب زيدٌ عمراً) أنَّ زيداً ضاربٌ وعمراً مضروبٌ، لولا الجعل؟ فهذه الاستفادة ترجع إلى الجعل، وعليه فلابدَّ أن يكون للحروف معنىً، والكلام إنَّما هو في تعيين هذا المعنى. فهذا القول ساقط.
إذن لا بدَّ من الالتزام بأنَّ المعاني الحرفيّة مغايرةٌ للمعاني الاسميّة تغايراً ذاتيّاً، وبهذا يبطل القول الأوّل، وأنَّ لها معانٍ، وبه يبطل القول الثاني، ولكن يقع الكلام في الامتياز، وأنَّ هذين المعنيين -المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ-
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المتباينين في الحقيقة بم يمتاز أحدهما عن الآخر؟ وما هي حقيقة المعنى الحرفي الذي يميّزه عن المعنى الاسمي؟
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذُكرت في مقام بيان امتياز المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي عدّةُ وجوهٍ:
ما ذكره شيخنا المحقّق(1) وحاصله: أنَّ المعنى الحرفيَّ معنىً تعلُّقيٌّ في ذاته، وأنَّ المعاني الاسميّة معانٍ مستقلّةٌ بذاتها، فالاستقلال وعدمه ذاتيٌّ في المعنيين.
وأفاد في بيانه: أنَّ الموجودات الخارجيّة منها ما يكون موجوداً في نفسه، أي: له ماهيّةٌ ووجودٌ كالجواهر والأعراض، فالإنسان يُحمل عليه أنَّه موجودٌ، مع قطع النظر عن أيّ شيءٍ آخر، كما يُحمل على البياض أنَّه موجودٌ، والقيام أنَّه موجودٌ، وإن كان بين الجوهر والعرض فرقٌ من جهةٍ أُخرى هي: أنَّ الجوهر قائمٌ بذاته، والعرض غير قائمٍ بذاته. وهذه الأنحاء من المعاني (أي: الجواهر والأعراض أو الأُمور الانتزاعيّة أو الأُمور الاعتباريّة أو الأُمور التي ليست موجودةً في الخارج، ولكن لو كان لها وجودٌ، لكانت موجودةً في نفسها، كشريك الباري واجتماع النقيضين والدور والتسلسل) تتحلّل بالتحليل العقلي
ــــــــــ[105]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 36.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إلى ماهيّةٍ ووجودٍ؛ بحيث لو كانت موجودةً، لكانت موجودةً في أنفسها.
وقد يكون الشيء موجوداً لا في نفسه، كما في وجود النسب: كنسبة القيام إلى زيدٍ؛ فإنَّ وجودها يقينيٌّ، وثبوت القيام لزيدٍ غير ثبوت القيام في نفسه، ويسمّى هذا الوجود بالوجود الرابط، وهو وجود النسب على اختلافها.
والدليل على غيرية ثبوت القيام لزيدٍ مع نفس القيام أنَّنا قد نستيقن بوجود زيدٍ خارجاً وبوجود القيام خارجاً، ولكن لا ندري أنَّ صفة القيام قائمةٌ بزيدٍ أم بشخصٍ آخر، فكلّ من وجود زيدٍ والقيام متيقّنٌ، والنسبة مشكوكٌ فيها، ومن البديهيّ أنَّ المتيقّن لا يُعقل أن يكون هو نفس المشكوك فيه؛ إذ لا يمكن اجتماع اليقين والشكّ في زمانٍ واحدٍ متعلّقين بشيءٍ واحدٍ، مع أنَّنا وجداناً قد نتيقّن بوجود زيدٍ وبوجود القيام، ونشكُّ في ثبوت القيام لزيدٍ، فنستكشف من ذلك أنَّ ثبوت القيام لزيدٍ غير وجود القيام بنفسه.
فإذا كانت الموجودات الخارجيّة منقسمةً إلى أُمورٍ مستقلّةٍ في وجودها على تقدير وجودها، وإلى ما كان موجوداً لا في نفسه، بل كان ربطاً بين أمرين، وليس موجوداً في نفسه، وإلَّا لاحتجنا إلى رابطٍ آخر ويتسلسل، فإذا كان كذلك فحكمة الوضع كما تقتضي أن توضع الألفاظ بإزاء المعاني الموجودة في أنفسها، كذلك تقتضي وضع الألفاظ لإفادة المعاني غير المستقلّة.
إذن، الاستقلال وعدمه من المعاني الاسميّة والحرفيّة لم ينشآ من ناحية اللحاظ؛ لأنَّ المعنى الواحد قد يُلحظ آلةً، وقد يُلحظ مستقلاً، بل نفس المعنى يكون مستقلاً في نفسه، أو غير مستقلاً في نفسه. ولأجل ذلك يشبّهون كلَّ
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
معنىً لا يكون مستقلاً في نفسه بالمعنى الحرفيِّ، فيقال: إنَّ الممكنات بالنسبة إلى الواجب تعالى كالمعنى الحرفي، أي: إنَّها متعلّقةٌ به وموجودةٌ بقيموميّته، ويشبّهون وجود الواحد بالمعنى الاسميِّ المستقلِّ في ذاته.
إذن، فالمفهوم الاسمي مستقلٌّ في ذاته، والمفهوم الحرفي غير مستقلٍّ في ذاته، والموضوع له في الحروف هو النسب والروابط، والموضوع له في الأسماء بجميع أقسامها من الجواهر والأعراض والأُمور الاعتباريّة والانتزاعيّة والمستحيلة التي لو فُرض وجودها لكانت موجودةً في نفسها هو هذه الأُمور. هذا ملخّص ما أفاده في المقام(1).
وهذا الأمر وإن كان صحيحاً بالجملة، أي: يمكن أن يُتصوّر شيءٌ يكون الارتباط ذاتيّاً في وجوده، كوجود الممكنات؛ فإنَّ الممكن بنفسه مرتبطٌ بالواجب، والربط منتزعٌ من نفس وجوده، وإلَّا لو كان مرتبطاً برابطٍ خارجيٍّ، لرجع الكلام إلى هذا الرابط: هل هو مرتبطٌ بالواجب بنفسه أم بغيره؟ فلابدَّ أن يكون الوجود الإمكانيُّ مرتبطاً بنفسه بالواجب، وأن يكون الواجب مستقلاً بذاته، فهذا عين الاستقلال، وذاك عين التعلّق والارتباط.
وهذا صحيحٌ، إلَّا أنَّ المعاني الحرفية لا يُعقل أن تكون من هذا القبيل، بمعنى: أنَّ المعاني الاسميّة موجوداتٌ في أنفسها، وأنَّ النسب والروابط موجودةٌ لا في أنفسها.
وذلك أوّلاً: أنَّ النسبة بحسب التحقيق غير موجودةٍ؛ فإنَّ الوجود الرابط
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وإن كان هو المشهور بين الفلاسفة الذين قسّموا الوجود إلى مستقلٍّ في نفسه وغير مستقلٍّ، وسمّوا الأخير بالوجود الرابط، وقالوا: إنَّ ثبوت شيءٍ لشيءٍ قسمٌ آخر من الموجودات، في قبال القسم الموجود في ذاته، والتزموا أنَّه لخسّته لا ماهيّة له، وإنَّما الماهيّة منحصرةٌ في الجواهر والأعراض، فهو موجودٌ حقيقةً، ولكن ليست له ماهيّةٌ؛ لأنَّ حقيقة وجوده هو التعلّق بالطرفين، إلَّا أنَّه لم يدلّ دليلٌ على ذلك أصلاً، بل إنَّ الوجود الإمكانيَّ منحصرٌ في الجواهر والأعراض، وليس هناك قسمٌ ثالث يسمى بالوجود الرابط. والوجه فيه: أنَّ تعلّق اليقين والشك بشيءٍ واحدٍ وإن لم يكن معقولاً، إلَّا أنَّ وجود شيءٍ واحدٍ يُعقل أن يكون بالإضافة إلى شيءٍ متيقّناً، وبالإضافة إلى شيءٍ آخر مشكوكاً. بمعنى أنَّ الشيء الذي له ماهيّةٌ كما يمكن إضافته إلى ماهيّةٍ معلومةٍ، كذلك يمكن إضافته إلى ماهيّةٍ أُخرى مشكوكةٍ، ومع ذلك فالوجود واحدٌ، إلَّا أنَّ متعلّق الشكّ واليقين متغايرَين. كما إذا رأينا من بعيدٍ شيئاً، وعلمنا أنَّه حيوانٌ؛ فنعلم أنَّه موجود، وأنَّه حيوان؛ لأنَّه يتحرّك، والحركة بالإرادة من لوازم الحيوان، ولكن نشكّ أنَّه إنسانٌ أو غير إنسان.
لا محالة أنَّ متعلّق اليقين غير متعلّق الشكّ؛ لأنَّ ما نتيقّنه هو وجود الحيوان، وما نشكّ فيه هو وجود الإنسان، مع أنَّ وجود الحيوان والإنسان ليسا بمتغايرين، بل الإنسان موجودٌ بنفس الوجود المضاف إلى الحيوان؛ فإنَّ النوع يوجد بنفس وجود الجنس. وكذلك الحال بالنسبة إلى النوع والشخص، كما إذا رأينا شخصاً، وعلمنا أنَّه إنسان، ولكنّنا شككنا في أنَّه زيدٌ أم لا، فالمشكوك هنا
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
غير المتيقّن، فالمتيقّن هو الإنسان والمشكوك كون ذلك الإنسان زيداً، مع أنَّ الكلّيَّ الطبيعيَّ لا يكون له وجودٌ غير وجود أفراده. فمن هنا نستكشف أنَّ مغايرة متعلّق اليقين لمتعلّق الشك لا تستلزم أن يكون الوجود الخارجي متعدّداً، بل يمكن أن يكون الوجود الواحد مشكوكاً من جهةٍ ومتيقّناً من جهةٍ أُخرى.
ومقامنا من هذا القبيل؛ فإنَّنا إذا علمنا بوجود كلٍّ من زيدٍ والقيام في الخارج، وشككنا في ثبوت القيام لزيدٍ، فإنَّ هذا لا يدلّ على أنَّ ثبوت القيام لزيدٍ غير وجود القيام في نفسه؛ بدعوى أنَّ متعلّق اليقين غير متعلّق الشكّ؛ بل إنَّ القيام مشكوكٌ بالإضافة. فإنَّ وجود القيام من حيث إنَّه طبيعيّ القيام معلومٌ، ومن حيث إنَّه ثابتٌ لزيدٍ مشكوكٌ فيه، بمعنى: أنَّنا لا ندري أنَّ طبيعيَّ القيام هل هو قائمٌ بزيدٍ أم بشخصٍ آخر؟ فاليقين إنَّما تعلّق بطبيعيّ القيام، والشكّ إنَّما تعلّق بإضافة الوجود بعينه إلى الفرد، فلا مانع أن يكون متعلّق الشكّ شيئاً ومتعلّق اليقين شيئاً آخر، مع كون الوجود واحداً؛ لأنَّ الوجود له إضافاتٌ متعدّدةٌ، فتكون بعضها متيقّنةً، وبعضها مشكوكةً، فلا وجود إذن خالٍ من الماهيّة إلَّا وجود الواجب؛ لأنَّه غير محدودٍ. وأمّا الممكنات فلا تخلو من ماهيّةٍ ومن حدٍّ، وهي منحصرةٌ في الجوهر والعرض.
ولو فرضنا أنَّ النسبة موجودةٌ في الخارج، فما يُتصوّر هنا أمران:
الأول: مفهوم النسبة والربط.
الثاني: واقع النسبة.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إنَّ مفهوم النسبة ومفهوم الربط هما -كما قال شيخنا المحقّق- مفهومان اسميّان كسائر المفاهيم، ونسبة هذا المفهوم إلى الواقع نسبة العنوان إلى المعنون، لا الطبيعيِّ إلى أفراده، كنسبة العدم إلى حقيقة العدم؛ فإنَّ العدم باطلٌ بالذات، إلَّا أنَّ مفهوم العدم موجودٌ في النفس، كما أنَّ مفهوم المستحيل أمرٌ يمكن تصوُّره بالحمل الأولي، مع أنَّ المستحيل بالحمل الشائع أمرٌ لا يتحقّق، ولكنّنا نشير إليه بالحمل الأوّليّ إشارةً، فنحكم عليه بشيءٍ، كأن نقول: إنَّه ممتنع التحقّق.
ومفهوم النسبة من هذا القبيل، فهو موجودٌ في النفس، ويمكن تصوُّره، وأمّا واقع النسبة فهو أمرٌ مرتبطٌ بالطرفين، فإذا انحصر الأمر بين المفهوم وبين الواقع، فلا يمكن أن يُقال: إنَّ المفهوم هو الموضوع له في الحروف؛ لأنَّ المستفاد من كلمة (مِن) ليس هو مفهوم النسبة، ولا يصحّ إطلاق (مِن) على النسبة الابتدائيّة.
فلا يبقى إذن إلَّا واقع النسبة، أي: ثبوت شيءٍ لشيءٍ، الذي هو بذاته قائمٌ بالطرفين، ومثله لا يُعقل أن يكون موضوعاً له في الحروف؛ فإنَّنا ذكرنا -في بحث الوضع- أنَّ الموضوع له لا بدَّ أن يكون من المعاني القابلة للوجود في عالم النفس، وثبوت شيءٍ لشيءٍ كيف يكون حاضراً في النفس لكي يوضع اللفظ له؟! فكما لا يمكن الوضع بإزاء الوجود الجوهري أو العرضي، فكذلك هذا الوجود؛ فإنَّه لا يمكن أن يوضع له اللفظ لو صدّقنا به وأقررنا بوجوده؛ لأنَّه غير قابلٍ للحضور في النفس، وكلّ ما كان كذلك لا يمكن أن يوضع له، وعليه فالوضع بلا فائدةٍ.
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولو فرضنا أنَّ واقع النسبة يمكن وضع اللفظ له، إلَّا أنَّنا نقطع بأنَّ الحروف لم توضع للنسب الخارجيّة؛ وذلك لصحّة استعمالها بلا عنايةٍ في موضعٍ لا تكون فيه نسبةٌ أصلاً، كما في قولنا: (إنَّ الله مستغنٍ في ذاته عن كلّ شيءٍ)، فإنَّنا قد استعملنا في هذا القول (في) و(عن). أفيمكن أن يُقال: إنَّ النسبة موجودةٌ في الوجود الواجبي، مع أنَّه لا يمكن أن يوجد في ذلك المقام أيّ نسبةٍ أُخرى، حتّى نسبة الوجود إلى الماهيّة التي هي مدلول (هل) البسيطة و(كان) التامّة، لأنَّ الله تعالى منزّهٌ عن الماهيّة.
فهذه النسبة الأوّليّة التي هي مفاد (هل) البسيطة – في مقابل النسبة الثانويّة في النسب الأُخرى- لا تتصوّر في الواجب؛ فإنَّ وجوده عين ذاته، وليس له وجودٌ وماهيّةٌ ليقال: إنَّ بينهما نسبةً يعبَّر عنها بـ (هل) البسيطة، فضلاً عن النسبة الخارجيّة.
وكذلك الحال في قولنا: (اجتماع النقيضين في نفسه مستحيلٌ)؛ فإنَّ (في) الموضوعة للظرفيّة كيف يتصوّر كونها دالّةً على الظرفيّة هنا ويتصوّر وجود رابطٍ بين اجتماع النقيضين ونفسه؟! إذن نستكشف من صحّة الاستعمال في الموارد التي لا يتصوَّر فيها أيُّ وجودٍ رابطٍ: أنَّ الموضوع له ليس هو النسب والروابط، فلا يمكن الالتزام بهذا القول.
ومع أنَّ شيخنا الأُستاذ(1) التزم بأنَّ المعنى الاسميّ والمعنى الحرفيّ متباينان، وأنَّهما سنخان من المعنى، وليس امتيازهما باللحاظ الآلي والاستقلالي مع وحدة المعنى، إلَّا أنَّه ذهب إلى أنَّهما مختلفان مفهوماً؛ وأنَّ الموضوع له في
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 34.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الحروف كما في الأسماء إنَّما هو مفهوماً من المفاهيم، إلَّا أنَّ سنخ المفهوم الحرفيّ يباين المفهوم الاسميّ، كما اختار أنَّ المعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الاسمي في عالم المفهوميّة كنسبة العرض إلى الجوهر في الخارج؛ فإنَّ الأعراض لا تحتاج إلى موضوعٍ في عالم مفهوميّتها، ولذا نستطيع أن نتصوّر عرضاً بدون جسمٍ، فلا فرق بين الأعراض والجواهر في الاستقلال في عالم المفهوميّة، وكذلك الأُمور الاعتبارية والأُمور المستحيلة، فالأعراض مستقلّةٌ في عالم المفهوميّة وغير محتاجةٍ إلى الجواهر، وإنَّما تحتاج إليها في مرتبة التحقّق في الخارج.
فالمعنى الحرفيّ في عالم المفهوميّة كالعرض في عالم تحقّقه؛ فإنَّه لا يمكن أن نتصوّر مفهوماً حرفيّاً بما هو كذلك من دون أن نتصوّر معنىً اسميّاً، فالحروف لا يُستفاد منها معنىً قابلٌ للتعقّل، كما كان الحال في الأعراض، فإنَّ مفهوم (في) أو (إلى) لا يُستفاد منها شيءٌ ما لم تنضمَّ إلى اسمٍ، كأن يُقال: (زيدٌ في الدار). فالمعنى الحرفيُّ محتاجٌ في مفهوميّته إلى المعنى الاسمي، ولا يتقوّم في مفهوميّته إلَّا به. ومن هنا كانت المعاني الاسمية إخطاريّةً، أي: يخطر في الذهن منها معانٍ، وكانت المعاني الحرفيّة إيجاديّةً، ولا ثالث لهما. فإذا لم يكن المعنى إخطاريّاً، فهو معنىً إيجاديّ، بمعنى: أنَّ الحرف هو الذي يوجد هذا الربط في الكلام. فكلمة (في) في قولنا: (زيدٌ في الدار) أوجدت الربط بين هذين المفهومين (زيد) و(الدار) فيعلم أنَّ الدار ظرفٌ، وزيداً مظروفٌ، والسامع ينتقل من هذا الكلام إلى معنىً معقولٍ، وهذا لا يتمّ إلَّا بواسطة الحرف، ولولا الحرف لكان الكلام غير مرتبط الأجزاء.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ومن هنا كانت معاني الحروف إيجاديّةً، ومعاني الأسماء إخطاريّةً، فهما
-الحروف والأسماء- يشتركان في أنَّ كلاً منهما يدلّ على معنى، لا أنَّه لا معنى للحروف، ويشتركان في أنَّ كلاً منهما موضوعٌ بإزاء مفهومٍ قابلٍ للتصوّر، لا بإزاء معنىً خارجيٍّ.
والأمر وإن كان كذلك، إلَّا أنَّ كلاً منهما يختلف عن الآخر بذاته، فالمعنى الاسميُّ استقلاليٌّ قابلٌ للحضور في الذهن بنفسه، ويسمّى إخطاريّاً، والمعنى الحرفيُّ ليس إخطاريّاً، ولا يمكن أن يحضر في الذهن بنفسه، وإنَّما يُتصوّر في ضمن مفهومٍ آخر، وهذا هو ملاك الإيجادية.
ثُمَّ ذكر(1): أنَّ المعاني الحرفيّة وصيغ العقود والإيقاعات وإن كانتا تشتركان في مدلول الإيجاديّة، فالحروف إيجاديّة المعنى، كما ذكرنا، والعقود إيجاديّةٌ أيضاً؛ فإنَّ عقد البيع يوجد الملكيّة، وعقد النكاح يوجد الزوجيّة، وهكذا في الإيقاعات، فهما – أي: الحروف والعقود- وإن كانا يشتركان في أنَّ مدلوليهما إيجاديّ، إلَّا أنَّ الإيجاديّة في الحروف تختلف عن الإيجاديّة في العقود والإيقاعات من وجهين:
◙ الأوّل: أنَّ الموجود في العقود والإيقاعات أمرٌ مستقلٌّ كالملكيّة والزوجيّة وغيرهما، وهذه معانٍ استقلاليّةٌ إخطاريّةٌ، بخلاف الحروف؛ فإنَّ الموجود فيها ليس معنىً إخطاريّاً، بل أمراً متعلّقاً بغيره لا استقلال له.
◙ الثاني: أنَّ الإيجاد في الحروف إنَّما هو في صقع الكلام؛ حيث إنَّ الكلام
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم 1: 45-47.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لا يرتبط بعضه ببعض إلَّا من جهة الحرف، فالإيجاد في المعنى الحرفي إنَّما هو في عالم الاستعمال والتفهيم والتفهّم. وأمَّا الإيجاديّة في العقود والإيقاعات فهي إيجاديّةٌ في عالم الاعتبار لا الكلام. ففي عقد البيع توجد ملكيّةٌ، وفي عقد الزواج توجد زوجيّةٌ ولكن في عالم الاعتبار، فزيدٌ لم يكن مالكاً قبل العقد ثُمَّ ملك، ولم يكن زوجاً ثُمَّ صار زوجاً. فالوجود في عالم الصيغ والعقود والإيقاعات وجودٌ في عالم الاعتبار، وفي الحروف وجودٌ في عالم الاستعمال، والفرق بينهما ظاهرٌ.
إذن يختلف المعنى الحرفيّ عن المعنى الاسميّ بذاته، فالمعنى الاسميّ مستقلٌّ في نفسه، والمعنى الحرفيّ إيجاديّ غير مستقلٍّ.
وقد استشهد على إيجادية المعنى الحرفي بما نسب إلى مولانا أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) في تعريف الحرف بأنَّه ما أوجد معنى في غيره(1).
ــــــــــ[114]ــــــــــ
() رواه الشيخ المفيد، الفصول المختارة: 91 مرسلاً، قال: “وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلاً عن محمد بن سلام الجمحي أنَّ أبا الأسود الدؤلي دخل على أمير المؤمنين فرمى إليه رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم الكلام ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره. فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين هذا كلام حسن فما تأمرني أن أصنع به فإنَّني لا أدري ما أردت بإيقافي عليه؟ فقال أمير المؤمنين: إنّي سمعت في بلدكم هذا لحناً كثيراً فاحشاً، فأحببت أن أرسم كتاباً، من نظر إليه ميّز بين كلام العرب وكلام هؤلاء فابن على ذلك. فقال أبو الأسود: وفّقنا الله بك يا أمير المؤمنين للصواب”.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ما أفاده في الجملة مّما لا ينبغي الإشكال فيه، كالقول بأنَّ المعنى الاسميَّ والحرفيَّ متباينان بالذات وأنَّ أحدهما مستقلٌّ في مقام المفهوميّة دون الآخر، على ما سنبيّنه.
أمّا ما ذكره من أنَّ المعنى الحرفيّ إيجاديّ؛ وليس بإخطاريّ؛ فممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ لا ملازمة بين أن لا يكون المعنى إخطاريّاً، أي: مستقلاً في المفهومية، وبين أن يكون إيجاديّاً، أي: تابعاً لمفهومٍ آخر؛ لأنَّ بينهما واسطةً وشقّاً ثالثاً، وهو أن يكون المفهوم متعلّقاً بغيره، كالعرض بالنسبة إلى الجوهر، ولا يستقلّ بنفسه، فهو غير إخطاري، بمعنى: أنَّه لا يتعقّل بنفسه، لا أنَّه غير إخطاري حتى بتبع الغير، حيث إنَّ المفهوم غير مستقلٍّ، فهو غير قابلٍ للحضور في النفس مستقلاً، ولكنَّه قابلٌ للحضور في النفس بتبع غيره، فيكون إخطاريّاً بالتبع.
وأمّا ما أفاده من أنَّ الحرف هو الموجد للربط في الكلام فيكون إيجاديّاً، فهذا صحيحٌ؛ لأنَّ الربط في الكلام إنَّما يوجد من جهة الحرف، ولولا الحرف لم ترتبط أجزاء الكلام بعضها ببعضٍ، إلَّا أنَّ الكلام في أنَّ هذا الربط من أين أتى؟ هل هذا أمرٌ تكوينيٌ؟ أو من جهة الوضع؛ لأنَّه يفيد معنى يرتبط به الكلام؟ وكلامنا في المقام في تشخيص هذا المعنى.
وبعبارة أخرى: الربط بنفسه لا بواقعه ولا بمفهومه هو الموضوع له في الحروف، بل أنَّ الحرف يوجد في الكلام باعتبار دلالة الكلام على معنى لازمه،
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وذلك أنَّ يرتبط أجزاء الكلام بعضها ببعض، لا أنَّ الموضوع له هو الربط.
فالحرف يدلّ على معنىً تستلزم دلالته الربط في المعنى، ولولا هذه الدلالة لم يكن ربطٌ بين أجزاء المعنى وليس الموضوع له في الحروف معنىً إيجاديّاً لا طائل فيه. فلو قلنا: (زيد الظرفيّة الدار) فإنَّ هذا الكلام لا يرتبط بعضه بالبعض الآخر، ولابدَّ له من رابطٍ، وهو الحرف الذي يربط الكلام لكونه موضوعاً لمعنىً خاصٍّ، وباعتبار دلالته على ذلك المعنى الخاصّ يرتبط الكلام. والكلام فعلاً في تعيين هذا المعنى.
وسنبيّن أنَّه معنىً غير مستقلٍّ وأنَّه إخطاريّ تبعاً، فهو بنفسه غير مستقلٍّ، وكذلك في حضوره في النفس أيضاً غير مستقلٍّ لا محالة، ونسبة هذا المفهوم إلى ذلك المفهوم كنسبة العرض إلى محلّه.
إذن، فلا أصل لما أفاده من: أنَّ المعنى الحرفيَّ إيجاديٌّ؛ إذ لا ملازمة بين نفي الإخطارية بذلك المعنى وبين إثبات الإيجاديّة، فهنا طرفٌ ثالثٌ، وهو أن يكون المعنى إخطاريّاً غير مستقلٍّ.
وأمّا ما استشهد به من الرواية الواردة عن مولانا علي فهي لا أصل لها، وإنَّما هو كلام نسبه أبو الأسود الدؤلي إلى أمير المؤمنين، كما نسب إليه جملةً أُخرى هي قوله: “الحرف ما أنبأ عن معنىً ليس باسم ولا فعلٍ”، بعد تعريفه الاسم والفعل قبل ذلك.
إذن، فما ذكره ممّا لا يمكن المساعدة عليه.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ما ذكره بعض الأعاظم المعاصرين(1) من: أنَّنا إذا فتّشنا الموجودات الخارجيّة، وجدناها منقسمة إلى: جوهر وعرض وربطٍ بين الجوهر والعرض، وأنَّ العرض ينقسم إلى قسمين: قسم يتقوّم بطرفٍ واحدٍ ولا يكون من الأعراض النسبيّة: كالكمّ والكيف والعلم؛ وهذه الأعراض لا تحتاج إلى أكثر من موضوعٍ تقوم به، وقسمٍ آخر محتاجٍ إلى طرفين، وهما الموضوع وشيءٌ آخر يُضاف إليه، ويسمّى هذا بالعرض النسبي. وهذه الأعراض وإن كانت قائمةً ومتقوّمةً بالموضوع كالأعراض المتأصّلة، إلَّا أنَّها تمتاز عنها بأنَّها نسبيّةٌ وأنَّه لا بدَّ لها من أمرٍ آخر يُضاف إلى الموضوع، نحو مقولة الأين والإضافة ومتى.
بعد هذا التقسيم نرى وجداناً: أنَّ الدالّ على الربط ليس هو الحرف، بل هو الهيئة، ولا فرق في الهيئات بين هيئات المفردات وهيئات الجمل التركيبيّة. فـ(قائم) تدلّ على ربطٍ بين القيام وموضوعه وثبوته له، وكذلك (زيدٌ قائمٌ) تدلّ على ثبوت القيام لزيدٍ. غاية الأمر أنَّ الربط في القسم الأوّل ناقصٌ، وفي القسم الثاني تامٌّ يصحّ السكوت عليه، مع اشتراكهما في دلالة الهيئة على الربط. وعليه فالحروف ليست موضوعةً للربط، بل الموضوع للربط هو الهيئات.
كما أنَّنا لا نحتمل أن تكون الحروف موضوعة للجواهر، وكذلك الأعراض -المتأصلة التي تقوم بطرف واحد- لا نحتمل وضع الحروف لها،
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) أُنظر: ضياء الدين العراقي، بدائع الأفكار: 50-51، الأمر الثالث: أنَّ الموجودات في العين على أنحاء.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إذن يتعيّن أن تكون الحروف موضوعة للأعراض النسبية.
فـ (في) تدلّ على الأين، و(من) تدلّ على الأين أيضاً، بمعنى: أنَّ السير وقع من مكانٍ ما، فالحروف كلّها دالّةٌ على الأعراض النسبيّة بلا فرقٍ بين الحروف الداخلة على المفردات، كما فيما مضى من الأمثلة، أو الداخلة على المركّبات كما في حروف النداء وحروف التشبيه. فقولك: (يا زيدٌ) حيث تدلّ (يا) على النداء الذي هو عرضٌ نسبيٌّ قائمٌ بين المنادي والمنادى، و(الكاف) تدلّ على التشبيه، وهو عرضٌ نسبيٌّ قائمٌ بين المشبَّه والمشبَّه به.
إذن فالحروف موضوعةٌ للأعراض النسبية، وبذلك تمتاز عن الأسماء؛ فإنَّها موضوعةٌ للجواهر وللأعراض المتأصّلة، كما تمتاز عن الهيئات الموضوعةٌ للنسب والروابط. هذا ملخّص كلامه.
ولكن هذا مما لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّنا سنبيّن -إن شاء الله تعالى- أنَّ الحصر الذي ذكره للموجودات غير حاصرٍ؛ إذ يمكن أن يكون المعنى الحرفيّ معنى وضع له الحرف وهو غير هذه الأُمور بأجمعها. ويُبطل هذا القول:
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
اسْتَوَى(1) فكيف يُمكن أن يُقال: إنَّ (على) في هذه الآية تدلّ على العرض النسبيَّ الذي أحد طرفيه الله تعالى والثاني العرش؟! ومن الواضح أنَّه لا يمكن ذلك؛ لأنَّه لا يمكن أن يكون – عزّ شأنه- معروضاً لعرضٍ أصلاً.
وكذلك تستعمل الحروف في الممتنعات والاعتباريّات المحضة التي لا وجود لها في الخارج، كقولنا: (اجتماع النقيضين ممتنعٌ في نفسه) فهل تدلّ كلمة (في) في المقام على عرضٍ نسبيٍّ أحد طرفيه اجتماع النقيضين، والثاني نفس النقيضين؟!
فمن صحّة استعمال الحروف في هذه الموارد بلا عنايةٍ -لأنَّنا لا نرى فرقاً بين قولنا: (اجتماع النقيضين ممتنعٌ في نفسه) وبين قولنا: (الممكن في نفسه فقيرٌ ومحتاجٌ)- نستكشف: أنَّ الموضوع له في الحروف ليس هو الأعراض النسبيّة؛ لأنَّ تصوَّرها غير ممكنٍ في مثل هذه الأمثلة.
وأمّا دعوى أنَّ الهيئات وُضعت للنسبة والربط، أي: الوجود لا في نفسه، فقد مرّ الكلام فيه مفصّلاً أنَّنا لا نتصوّر وجود قسمٍ ثالثٍ غير الجوهر
ــــــــــ[119]ــــــــــ
(1) طه: 5.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والعرض، وعلى تقديره فلا يُعقل وضع اللفظ له؛ فإنَّ الأمر يدور بين وضع اللفظ لمفهوم الربط أو واقع الربط. أمّا مفهوم الربط فهو معنىً اسميّ، وأمّا واقع الربط فهو غير قابلٍ للتصوّر، ولا يمكن أن نتصوّر واقع الربط لنضع اللفظ بإزاءه، بل لا بدَّ أن يكون الموضوع له معنىً قابلاً للحضور في النفس، مع أنَّ الربط الخارجي -وهو واقع النسبة- لا يمكن الوضع بإزائها.
فالصحيح أن يُقال: إنَّ المعنى الحرفي مغايرٌ للمعنى الاسمي، وهما غير مشتركين في شيءٍ إلَّا في سنخ المفهوم، بمعنى: أنَّ كليهما يوجد في عالم المفهوميّة، إلَّا أنَّ المعنى الاسمي مستقلٌّ في مقام المفهوميّة، والمعنى الحرفيّ غيرُ مستقلٍّ وغيرُ قابلٍ للتصوُّر إلَّا في ضمن معنىً مستقلٍّ، أي: في معنىً اسميّ.
وبيان ذلك: أنَّ المفاهيم التي وُضعت لها الأسماء هي مفاهيم لا بشرطٍ، أي: الطبيعة المهملة التي ألغينا عنها جميع الخصوصيّات من الإطلاق أو التقييد بشرط شيءٍ أو التقييد بشرط لا، كالصلاة وغيرها من المعاني الحدثيّة؛ فإنَّها
ــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
موضوعةٌ بإزاء معنىً لم يقيّد بزمانٍ ولا مكانٍ ولا فاعلٍ ولا غيره من الملابسات.
وحينئذٍ فقد يتعلّق غرض المتكلّم في مقام التفهيم بتفهيم هذا المعنى الحدثي على نحو لا بشرطيته المهملة، فيقول: (الصلاة والصوم واجبان في الشريعة)، والمتكلّم لا يريد من ذلك إلَّا تفهيم نفس الطبيعي الجامع الموضوع له. وأمّا الخصوصيّات جميعاً فهي خارجةٌ عن الموضوع له، بل حتّى خصوصيّة الإطلاق وسريان الطبيعة إلى جميع الأفراد خارجةٌ أيضاً؛ لأنَّ ذلك يُفهَم بالإطلاق لا بالوضع. ومن ثَمَّ لو فرضنا أنَّ المتكلّم لم يكن في مقام البيان، لم يفهم الإطلاق من كلامه. وهذا دليلٌ على أنَّ الإطلاق غير مأخوذ في الموضوع له، بل الموضوع له هو الجامع بين الإطلاق والتقييد واللا بشرط القسمي.
وقد يتعلّق غرض المتكلّم بتفهيم حصّةٍ خاصّةٍ من الطبيعة، فيقول (الصلاة في المسجد مستحبّةٌ)، و(الصلاة في الحمّام مكروهةٌ)، و(الصلاة في الدار مباحةٌ)، فهنا لا يريد المتكلّم إثبات حكمٍ لطبيعيّ الصلاة الجامع بين هذه الأفراد، وإلَّا لزم التناقض؛ لأنَّه لا يمكن أن يكون الطبيعيّ الجامع واجباً ومكروهاً ومباحاً في نفس الوقت. وكذلك يقول: (السجود لله تعالى واجبٌ) و(السجود لغيره حرامٌ)، فالمتكلّم هنا لا يريد إثبات حكمٍ لطبيعيِّ السجود، بل إثبات حكمٍ لحصّةٍ خاصّةٍ من الطبيعي، فهو يريد تفهيم أنَّ هذه الحصّة واجبةٌ، وهذه الحصّة محرّمةٌ.
ولكن بأيّ شيء يفهم ذلك؟ إنَّ حصص أيَّ طبيعيٍّ من الطبائع المفروضة
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
-وكلامنا في المعاني الحدثيّة- غير متناهيةٍ، فيمكن أن نفرض الصلاة بالنسبة إلى كل زمانٍ وزمانٍ خاصٍّ، ومكانٍ ومكانٍ خاصٍّ، وفاعلٍ وفاعلٍ خاصٍّ، وبالنسبة إلى مقارنتها لنزول المطر وعدمه، وبالنسبة إلى اللباس والحركات، فيمكن تقسيم الصلاة بلحاظ جميع هذه الأحوال إلى تقسيماتٍ غير متناهيةٍ، إذن لا يمكن وضع اللفظ بإزاء هذه المعاني غير المتناهية مع أنَّه قد يتعلّق غرض المتكلّم بحصّةٍ دون حصّةٍ أُخرى. فما هي الوسيلة لتفهيم إحدى هذه الحصص؟
المدعى: أنَّ الحروف التي تدخل على المعاني الأفراديّة كحرف الباء و(في) و(إلى) وُضعت للدلالة على تحصيص المعاني الاسميّة، فإذا أراد المتكلّم حصّةً خاصّةً، لا بدَّ أن يأتي بحرفٍ. فإذا قال: (الصلاة في المسجد مستحبةٌ)، علمنا أنَّ المراد ليس هو إثبات الاستحباب لطبيعيّ الصلاة، بل لحصّةٍ خاصّةٍ من المسمّى، فقد قُيّدت الصلاة في مقام المفهوميّة بكونها في المسجد.
فلو فرضنا أنَّ لفظاً موضوعاً لخصوص هذه الحصّة، لكان على المتكلّم أن يذكره عند إرادة تفهيم تلك الحصّة، وحيث إنَّه لم يوضع لفظٌ لهذه الحصص، فلابدَّ من وضع الحروف للدلالة على هذه الحصص. فلو قلنا: (إنَّ الصلاة إلى القبلة واجبةٌ)، علم السامع أنَّ الوجوب لم يثبت لطبيعيّ الصلاة على إطلاقه، بل لخصوص هذه الحصّة التي يكون معها الاستقبال. ولو قلنا: (إنَّ الصلاة عند زوال الشمس واجبةٌ)، يعرف من ذلك أنَّ الوجوب ثابتٌ لهذه الحصّة، وهكذا.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فالحروف -كما يبدو بعد التأمّل- توجب تخصيص المعاني الأسمية، وتضييق تلك المفاهيم، وإخراجها عن اللابشرطية الذاتية إلى التقييد، وأن مراد المتكلّم تفهيم هذه الحصة الخاصّة.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا قد ذكرنا أنَّ الوضع هو تعهّد المتكلّم أنَّه متى أراد تفهيم معنىً ما، أبرزه بلفظٍ خاصٍّ، وحينئذٍ فتارةً يكون هذا المعنى ممّا يمكن تفهيمه بلفظٍ واحدٍ موضوعٍ له، كما هو الحال في الأسماء، وتارةً أُخرى لا يكون كذلك؛ لأنَّه يريد أن يُفهم معنىً لم يوضع له في اللغة، كهذه الحصّة من الصلاة، وهي التي تقع إلى القبلة مثلاً، وكذلك في غير الأحكام الشرعية، كأن يريد أن يأمره بشرب الدواء في الظرف الكذائي أو الإناء الفلاني؛ فإنَّ هذا لم يوضع له لفظٌ خاصٌّ؛ إذ لم يوضع لفظ ليدلّ على شرب الدواء من الإناء الخاصّ، وقد فرضنا أنَّ المتكلّم قاصدٌ لتفهيم هذه الحصّة. ومن هنا احتجنا إلى وضع الحروف: بأن نتعهّد أنَّنا متى أردنا التضييق من حيث المكان بنحوٍ خاصٍّ، أتينا بـ(في)، ومتى أردنا بنحوٍ آخر، أتينا بـ (على) على اختلاف الخصوصيّات.
فالحروف إنَّما وضعت للدلالة على تضييق المعاني الاسميّة، وهي أجنبيّةٌ عن الموجودات الخارجيّة، بل تصحّ حتّى مع عدم تلك التقسيمات كلّها، فهي موضوعةٌ للمعاني سواء وجدت في الخارج أو لا، مستحيلةً كانت أو ممكنةً أو واجبةً، فيدلّ الحرف على المفهوم المضيّق أو الطبيعة بشرط شيءٍ. فالصلاة في المسجد يُفهم منها حصّةٌ خاصّةٌ، وهي الصلاة التي تقع في المسجد، وأنَّها واجبةٌ أو محرَّمة مثلاً.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إذن يمكننا أن نقول: إنَّ الحرف يدلّ على معنىً غير مستقلٍّ في نفسه وقائمٍ بغيره؛ فإنَّ تلك الخصوصيّة لا يمكن تصوُّرها إلَّا بتصوّر تلك الحصّة، فلو لم نأتِ بلفظ الصلاة بل أتينا بالحرف (في) فقط، لم نستفد منها شيئاً. وأمَّا إذا قلنا: (الصلاة في الدار) يُستفاد منها أنَّ الغرض هو تفهيم حصّةٍ خاصّةٍ من الصلاة، وهي التي تكون حاصلةً في الدار.
فالصحيح -كما نُسب إلى مولانا أمير المؤمنين أيضاً- هو أنَّ الحرف ما دلّ على معنىً في غيره.
إنَّ الألفاظ وأسماء الأجناس موضوعةٌ للمعاني المهملة التي لم يُؤخذ فيها الإطلاق ولا التقييد، ويجتمع مع جميع ذلك، فقد يكون غرض المتكلّم في مقام التفهيم متعلّقاً بتفهيم هذا المعنى من دون إطلاقٍ أو تقييدٍ، كما هو الحال في القضايا المهملة، كما إذا أراد الطبيب أن يأمر المريض بشرب الدواء، فقال له: (اشرب الدواء)؛ فلا يفهم المريض من هذا الكلام أنَّ الطبيب أراد شرب أيّ دواءٍ كان، أي: ليس الطبيب في مقام الإطلاق، وإنَّما في مقام الإهمال.
وقد يكون غرض المتكلّم متعلّقاً ببيان الإطلاق، وأنَّ الطبيعة أينما سرت يكون الحكم ثابتاً لها، ويستفاد الإطلاق من سكوت المتكلّم في مقام البيان وتماميّة مقدّمات الحكمة، وقد ذكرنا: أنَّ الإطلاق خارجٌ عن المعنى الموضوع له، وإنَّما هو مستفادٌ من قرينةٍ خارجيّةٍ هي مقدّمات الحكمة.
وقد يكون غرض المتكلّم متعلّقاً بحصّةٍ خاصّةٍ من الطبيعة، أي: بالطبيعة
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المقيّدة بشرط شيءٍ أو بشرط لا، والتقييد أيضاً خارجٌ عن المعنى الموضوع له، ولابدَّ أن يكون الدالّ على التقييد أمراً آخر غير نفس اللفظ الدالّ على الطبيعة المهملة.
والتقييد يكون بأمورٍ:
◙ الأول: قد يكون التقييد بهيئة الإضافة نحو: (أكرم ابن زيدٍ أو غلام عمرٍو) أو (استأجر دابّة زيدٍ)، فالإضافة توجب تقييد المضاف بالمضاف إليه، وهذا لا يستلزم مجازاً في الكلمة؛ لأنَّ اسم الجنس -أي: الغلام في المقام- قد اُستعمل في الموضوع له، وهو الطبيعة المهملة؛ ولكن استفيد التقييد من هيئة الإضافة.
◙ الثاني: وقد يكون التقييد مستفاداً من التوصيف، نحو: (جئني بماءٍ باردٍ)، فيستكشف السامع أنَّ غرض المتكلّم ليس هو الطبيعيَّ المهمل، ولا هو مطلق الماء، ولا الإطلاق، بل الغرض قد تعلّق بتفهيم حصّةٍ خاصّةٍ من الماء، وهو المتّصف بكونه بارداً، فيُستفاد أنَّ المراد من الماء هو هذه الحصّة الخاصّة، أي: إنَّ التقييد داخلٌ، والقيد خارجٌ. فهذه الهيئة تدلّ على تحصيص الطبيعة من دون لزوم المجاز.
◙ الثالث: لكن التقييد بالوصف والإضافة لا يفي بجميع ما يريد المتكلّم بيانه من الخصوصيّات والتقييدات، فاحتجنا إلى وضعٍ آخر لإفادتها، وقد يكون المفيد لذلك لفظٌ خاصٌّ موضوعٌ لحصّةٍ خاصّةٍ، وهذا يأتي في موارد خاصّة كاللطم الذي هو الضرب باليد على الخدّ، فقد يُقال: (ضرب زيدٌ بيده خدَّ عمرو)، فنعلم أنَّ الضرب كان بواسطة اليد، وأنَّ محلّه الخدّ. وقد يستفاد
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
نفس هذا المعنى من لفظ واحدٍ موضوعٍ لهذه الحصّة الخاصّة، كلفظ (لطَم) نحو: (لطم زيدٌ عمراً)، فنعرف منها أنَّ الضرب كان باليد، وأنَّه كان على خدّ عمرو؛ لأنَّ اللطم موضوعٌ للضرب المقيّد بهذا القيد.
من الواضح أنَّ جميع الخصوصيّات والتقييدات المتصوّرة في أيّ طبيعةٍ لا يمكن أن يوضع لكلّ حصّةٍ منها لفظٌ خاصٌّ بها، لأنَّ الحصص غير متناهية في مقام المفهوم، فلا يمكن مثلاً أن يوضع لكلّ حصّةٍ من الضرب لفظٌ خاصٌّ كأن يوضع للضرب بالعصا لفظٌ، وبالحجارة لفظٌ آخر، وبالحديد لفظٌ ثالث؛ فإنَّ هذا ممّا لا ينتهي، مع أنَّه قد يتعلّق غرض المتكلّم بتفهيم هذه الحصّة التي لم يوضع لها لفظٌ خاصٌّ. وعليه فقد وضعت الحروف لإفادة هذه التضييقات والتقييدات، فإذا قلنا: (ضرب زيدٌ خدّ عمرو بيده)، نكون قد استفدنا معنى اللطم، فكأنَّنا قد قلنا: (لطم زيدٌ عمرواً)، فإنَّ كلا التعبيرين ممّا يستفاد منه معنىً واحدٌ هو هذا المعنى. لكن الكلام في أنَّ المعنى المستفاد (ضرب الخدَّ باليد)، وهو حصّة خاصّة من الضرب، من أين استفدناها؟
والجواب: أنَّنا استفدناها من حرف الباء؛ لأنَّه دلّ على أنَّ آلة الضرب هي اليد، فنستكشف أنَّ تضييق المفهوم إنَّما كان بالحرف، وعليه فالحرف يدلّ على تضييق المعنى الاسمي، لا بمعنى إحداث الضيق فيه، بل بمعنى: أنَّا نستكشف من ورود الحرف في الكلام أنَّ غرض المتكلّم هو تفيهم هذه الحصّة، أي: المقيّد؛ فإنَّه كما يمكن تفهيم هذا المعنى بالإضافة والتوصيف، كذلك يمكن تفهيم هذا التضييق بالحروف أيضاً، وهذا هو الغالب؛ إذ لا يمكن تفهيم أيَّ
ــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
خصوصيّةٍ من الخصوصيّات والملابسات من الزمان والمكان والمقارنات بمجرّد الإضافة والتوصيف غالباً. فإذا أراد المتكلّم تفهيم أنَّ زيداً سار، وكان سيره مقارناً لسير عمر، فإنَّه يقول: (سار زيدٌ مع عمرٍ)، فالمقارنة مستفادةٌ من لفظ (مع) ما يفهم منه أنَّ السير الذي قصد المتكلّم تفهيمه ليس هو السير على إطلاقه، بل مقيّداً بحصّةٍ خاصّةٍ، ولذا كان الصدق والكذب منوطين بوجود هذه الحصّة وعدمها. فلو فرضنا أنَّه سار ولم يكن مع عمر، كان كاذباً؛ لأنَّه أخبر عن حصّةٍ خاصّةٍ، وقصد تفهيمها، وهو السير المقارن.
وهذا المعنى هو الذي يوافقه الذوق والوجدان، ولا نحتاج في إثباته إلى أكثر من الرجوع إلى وجداننا وما نفهمه من الحروف عند استعمالاتها.
وقد تقدّم: أنَّه كثيراً ما يتعلّق الغرض بهذه الخصوصية أو تلك، فتكون ملحوظةً استقلالاً، فقد يكون السامع عالماً بأنَّ زيداً قد سافر، ولكنّه يستفهم عن خصوصيّةٍ معيّنةٍ في السفر، فيقول له المتكلّم: إنَّه سافر مع عمرو أو بالسيّارة أو بالطائرة.
نعم، المعنى الحرفي بناءً على هذا المبنى غير قابلٍ للتصوّر استقلالاً، أي: ليس له مفهومٌ مستقلٌّ قابلٌ للتصوّر بنفسه؛ إذ المفروض أنَّه عبارةٌ عن تقييد معنىً آخر هو المعنى الاسمي، والتقييد إنَّما يُتصوّر في ضمن المقيّد. وأمّا نفس التقييد فهو غير قابلٍ للتصوّر، وما هو قابلٌ للتصوّر ليس هو إلَّا مفهوم التقييد، وهو معنى اسميٌّ أجنبيٌّ عن الحروف، فلو لم نتصوّر القيام في الدار، لم يمكننا تصوّر هذه الخصوصيّة المدلول عليها بـ(في)، وإنَّما نتصوّرها في ضمن هذا
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المفهوم. فيصحّ أن يُقال: إنَّ الحرف ما دلّ على معنىً في غيره، أي: إنَّ نفس المعنى هو في الغير؛ لأنَّ التقييد والتخصيص كالإطلاق إنَّما يعرضان على ذات المسمّى، وهذا مشتركٌ، سواء كان الموضوع موجوداً في الخارج أم لا، وسواء كان واجباً أو ممتنعاً أو ممكناً. فمثلاً: مفهوم الوجود مفهومٌ واسعٌ قد وُضع للطبيعة المهملة، فنقول: (الوجودُ لله تعالى ضروريٌّ)، فنحمل عليه لفظ (الضروري) ونحمل (الواجب) على الوجود، لكن لا على إطلاقه، بل على حصّةٍ خاصّةٍ من الوجود، وهو الوجود الواجب، فقد تحصّص الوجود بالإضافة إلى الله سبحانه، وحكَمنا عليه أنَّه ضروريٌّ.
وإذا أضفنا هذا المفهوم بعينه إلى شريك الباري وحملنا الامتناع عليه فنقول: (الوجود لشريك الباري ممتنعٌ) أو حمل الإمكان عليه، فنقول: (الوجود للإنسان ممكنٌ)، أفنرى فرقاً في استعمال اللام في هذه الجمل التي يكون المفهوم في أحدها واجباً وفي الثاني مستحيلاً وفي الثالث ممكناً؟ نرى بالضرورة أنَّها على سنخٍ واحدٍ هو تخصيص الوجود وتقييده، والمحمول يثبت لهذا الموضوع المقيَّد.
ثُمَّ إنَّ التقييدات مختلفةٌ في الكلام؛ فقد يكون التقييد ناظراً إلى عقد الوضع، كما في الأمثلة السابقة، وقد يكون ناظراً إلى عقد الحمل، كأن نقيّد المحمول بقيدٍ، ونحمل هذا المقيَّد على شيء آخر، كما إذا قلنا: (الله غنيٌّ في ذاته)؛ فإنَّ الغنى كما يمكن أن يكون ذاتيّاً، كذلك يمكن أن يكون عرضيّاً ناشئاً من الغير، فنقيّد (الغني) بالذاتي فنقول: (الله غنيٌّ في ذاته).
وأمّا الممكنات فإنَّنا إذا حملنا عليها القدرة أو الوجود أو الغنى، فباعتبار
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الغير؛ لأنَّها إنَّما تكون قادرةً وموجودةً وغنيّةً بالله تعالى. ونحوه لفظ (الواجب) مثلاً الذي هو لفظٌ موضوعٌ للطبيعة المهملة التي لم يؤخذ فيها الإطلاق أو التقييد، فإنَّنا قد نقيّده بالنفسيّة، وقد نقيّده بالغيريّة، فنقول: (الصلاة واجبةٌ في نفسها)، و(الوضوء واجبٌ في غيره). فاللفظ (واجب) لفظٌ واحدٌ، والموضوع له فيها واحدٌ، إلَّا أنَّ المحمول على الصلاة غير المحمول على الوضوء؛ فإنَّ المحمول على الصلاة هو الوجوب في نفسه، أي: أنَّ هذا الوجوب لم ينشأ من واجب آخر، والوجوب المحمول على الوضوء هو الوجوب في غيره، أي: إنَّ وجوب الوضوء ليس نفسيّاً، وإنَّما هو ناشئٌ من أمرٍ آخر.
وما ذكرناه هاهنا نرى أنَّه مطابقٌ للذوق وللفهم العرفي، إذن الحروف الواردة على المفردات بأجمعها إنَّما وُضعت لإفادة تضييق ما في المفهوم، ولإفادة أنَّ غرض المتكلّم إنَّما تعلَّق بتفهيم هذه الحصّة دون الطبيعيّ والطبيعة المطلقة.
فإذا قلنا: (زيدٌ في الدار)، فإنَّ الظرفيّة المستفادة من (في) وهذا التحصُّص لا يرجع إلى طبيعة زيدٍ بما هو زيد؛ لأنَّ الماهيّة الجوهريّة بنفسها لا تكون متأيّنةً بـ(أين)، فلابدَّ أن يرجع قولنا: (زيدٌ في الدار) إلى أمر حدثيٍّ نحو: أنَّه موجودٌ في الدار أو كائنٌ في الدار وغيرهما من المعاني الحدثيّة نحو: أُصلّي في الدار، وإلَّا فإنَّ الماهيّة الجوهريّة -بما هي جوهريّةٌ- لا تكون متأيّنةً بـ(أين) وإنَّما يكون الأين مكاناً لأمرٍ حدثيّ. فمعنى (زيدٌ في الدار) هو أنَّه موجودٌ فيها، غاية الأمر أنَّ هذه الكلمة مقدّرةٌ، والعرفُ يفهم ذلك التقدير، وكلمة (في) توجب تقييدَ الكلمة المقدَّرة؛ لأنَّ كلمة (كائن) موضوعةٌ للطبيعة المهملة، فيكون الكون في الدار حصّةً من الطبيعة، بمعنى: أنَّ زيداً متّصفٌ بهذه الحصّة بالخصوص.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وحرف التشبيه من هذا القبيل، فمعنى (زيدٌ كالأسد) هو أنَّ في زيدٍ شيئاً يشبه الأسد؛ لأنَّ (كالأسد) بنفسها لا تكون تشبيهاً لزيدٍ، فكأنَّ المتكلّم قدَّر كلمةً في الكلام، ففرض شيئاً يشبه الأسد في صفات زيدٍ، وفرض أنَّ تلك الصفة في زيدٍ هي زيدٌ نفسه ثُمَّ قال: (زيدٌ كالأسد). فحرف التشبيه يوجب التضييق في ذلك المفهوم، فكأنَّه قال: (زيدٌ شبيهٌ بالأسد).
فكما أنَّ كلمة (اللطم) موضوعةٌ للمعنى المضيَّق من الضرب، فكذلك كلمة (شبيه) موضوعةٌ لهذا المعنى المضيَّق، أي: وجود طبيعتين متغايرتين، إلَّا أنَّ إحداهما تشبه الأُخرى في صفةٍ بارزة. وحرف (الكاف) يُفيد هذا المعنى بعينه، فقولنا: (وجه فلانٍ كالقمر)، أو (إنَّ جسمه كالجبل)، يفرض المتكلّم شيئاً فيه يشبه شيئاً آخر، ويحمل هذا المفهوم المقيَّد على زيدٍ. والميزان والعبرة في صدق الكلام وكذبه هو هذه الخصوصيّة. فإذا فرضنا أنَّ زيداً كان جباناً جدّاً، كان الكلام كذباً، كما أنَّه لو قال: (وجه زيدٍ كالقمر) وكان وجهه قبيحاً جدّاً، كان كلامه كذباً أيضاً. فالعبرة بالصدق والكذب إنَّما هو بهذه الخصوصيّة التي أُفيدت من التقييد بالحرف، وأنَّ المتكلّم في مقام بيان هذه الخصوصيّة. هذا تمام الكلام في الحروف الواردة على المفردات.
وأمّا الحروف التي ترد على الجمل فهي على أقسامٍ:
◙ الأوّل: الحروف التي لا يُراد بها مفهومٌ أبداً، وإنَّما وضعت -بحسب التعهّد الوضعي- لمجرّد الدلالة على أنَّ المتكلّم في مقام تنبيه المخاطب لشيءٍ،
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
كما في حروف التنبيه كالهاء؛ فإنَّها لا تدلّ على معنىً، وإنَّما هي صوتٌ يخرج من المتكلّم يدلّ على أنَّه يريد تنبيه السامع إلى أنَّه يريد الكلام معه. وهذه الحروف لا تدلّ على أكثر من هذا المعنى، بمعنى أن المتكلّمين تعهّدوا أنَّهم متى ما أرادوا تنبيه المخاطب وبيان أنَّهم في مقام المخاطبة، يقولون (ها) مثلاً.
كما أنَّ جملةً من الحروف قد وُضعت بحسب التعهّد الوضعي للدلالة على أمرٍ آخر، كأن يقول في مقام التضجّر (وا، آه).
◙ الثاني: الحروف التي لا تفيد معنىً آخر غير ما يُستفاد من نفس الجملة، أي أنَّ الحروف ناظرةٌ إلى الجملة، فتدلُّ على أنَّ المتكلّم قصد تأكيد هذا المعنى أو تحقيقه، فتدلّ على خصوصيّةٍ زائدةٍ، فيقول: (إنَّ زيداً قائمٌ). فـ(إنَّ) في المقام لا تدلّ على أزيد من التأكيد، وأنَّ المتكلّم مصرٌّ على وقوع هذا الأمر. أو يقول: (قد جاء زيدٌ)، فيدلّ على أنَّ المتكلّم في مقام بيان أنَّ هذا الأمر محقَّق الوقوع.
فهذه الحروف التي تدخل على الجمل تخالف القسم الأوّل من الحروف التي تدخل على المعنى الأفرادي الاسميّ؛ لأنَّها تدلّ على أنَّ المتكلّم يريد خصوصيّةً في الجملة، لا أنَّه يريد تفهيم الجملة بما هي جملةٌ.
◙ الثالث: الحروف التي تدخل على الجمل الخبريّة، فتقلب معناها إلى الإنشائيّة، والجمل الإنشائيّة غير قابلةٍ للصدق والكذب؛ فإنَّهما لا يتصوَّران فيها، ومدلول هذه الحروف أيضاً تابعٌ لمفهومٍ آخر هو الجملة، والموضوع له في هذه الحروف هو عين الموضوع له في بقيّة الجمل الإنشائيّة التي تدلّ على الإنشائيّة في الكلام، وسيأتي إن شاء الله تعالى: أنَّ مفاد الجملة مطلقاً لا يكون
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أمراً خارجياً، أي: إنَّ الجملة وإن كانت خبرية فهي ليست ناظرةً إلى الخارج، فليس مدلول جملة (زيدٌ قائمٌ) هو ثبوت القيام لزيدٍ في الخارج على ما سنبيّن، بل إنَّ الهيئات في الجمل مطلقاً موضوعةٌ للدلالة على أمرٍ نفسانيٍّ بمقتضى تعهّد الواضع. وأساس هذا كلِّه -على ما بيناه في بحث الوضع- هو أنَّ حقيقة الوضع هي التعهّد والالتزام والبناء على شيءٍ؛ حيث إنَّ الإنسان بطبعه محتاجٌ إلى المعاشرة، فلا محالةَ يحتاج إلى تفهيم مقاصده، وقد وُضعت الألفاظ لتفهيم تلك المقاصد، والمتكلّم في مقام التفهيم قد يكون في مقام حكاية ثبوتِ شيءٍ لشيءٍ آخر أو نفي شيءٍ عن شيء آخر، فيثبت أنَّ زيداً عالمٌ، أو أنَّه ليس بعالمٍ، وغير ذلك من القضايا الإيجابيّة والسلبيّة كلها، فإنَّ الهيئات فيها تدلّ على أنَّ المتكلّم قصد الحكاية عن ثبوت شيءٍ لشيءٍ آخر أو قصد الحكاية عن عدم ثبوت شيءٍ لشيءٍ آخر، فتحقّق أنَّ المدلول في الجمل الخبريّة هو قصد الحكاية.
وأمّا الجمل الإنشائيّة فليس المدلول فيها هو قصد الحكاية، وإنَّما هو أمرٌ آخر، فمثلاً هيئة (افعل) أو الجملة الخبريّة المستعملة في مقام الطلب تدلّ على أنَّ المتكلّم قاصدٌ لطلب هذا الشيء، وأنَّه في مقام تفهيم أنَّه طالبٌ للشيء، فكأنَّ المتكلّم أوجد طلبه في الخارج وأبرزه، ولكن بما أنَّه لا يمكن إبراز الطلب إلَّا بالكلام، فوضع بإزائه هيئةً لتدلّ على هذا المعنى، وهو ليس له واقعٌ ليكون صادقاً أو يكون كاذباً، بل هو يتحقّق دائماً.
إنَّ هذا القسم من الحروف التي تدخل على الجمل يكون الوضع فيها بعينه هو الوضع في هيئات الجمل، كما في (هل) فهي حرف استفهامي، يدلّ على أنَّ
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المتكلّم قصد طلب تفهيم أنَّ هذه النسبة متحقّقة أو غير متحقّقة في الخارج، فلولا كلمة (هل) كانت الجملة خبريّةً دالّةً على قصد المتكلّم الحكاية عن ثبوت النسبة، ولكن إذا دخلت (هل) على الجملة الخبريّة تقلب معناها إلى معنىً آخر، فتدلّ على أنَّ المتكلّم في مقام طلب الفهم، وأنَّه يريد استعلام الحال، وهكذا بقية حروف الاستفهام.
كما أنَّ حروف التمنّي والترجّي مثل (ليت ولعلّ) أيضاً تدلّ على أمرٍ نفسيّ، وهو أنَّ المتكلّم قاصدٌ لتفهيم المخاطب أنَّه يتمنّى أو يترجّى هذا الشيء، فهذان أمران ليس لهما واقعٌ غير ما يُستفاد من الكلام. فإذا قال: (ليت زيداً قائمٌ)، فقد أبرز أنَّه متمنٍّ لهذا المعنى، وهذا ليس له واقعٌ إلَّا نفس وجوده. كما أنَّه في الجمل الخبريّة تدلّ على تفهيم قيام زيدٍ، وقد تحقّق هذا الإبراز، وليس له واقع إلَّا نفس الكلام، فكذلك في الجملة الإنشائيّة. فالحروف هنا تدلّ على معنىً إنشائيّ، كما أنَّ الهيئة تدلّ على ذلك.
فالنتيجة التي تحصّلت من مجموع ما ذكرنا هي: أنَّ الحروف تدلّ على معنىً غير مستقلٍّ في ذاته، وإنَّما مفاهيمها أُمورٌ متعلّقةٌ بالغير، وأنَّ هذا الغير قد يكون معنىً أفرادياً كما هو الغالب في الحروف، وقد يكون معنىً تركيبيّاً كمفاد الجملة.
إذن يصحّ أن نقول: إنَّ المعنى الاسميّ والمعنى الحرفيّ متقابلان بالذات، ولا يشتركان في معنىً واحدٍ، وإنَّما المفهوم ينقسم إلى مفهومٍ مستقلٍّ قابلٍ للتصوّر والإخطار في النفس مستقلاً، كالجواهر والأعراض والأُمور الانتزاعيّة
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والاعتباريّة من الزوجيّة والملكيّة والفوقيّة والتحتيّة، فهذه كلّها أُمورٌ قابلةٌ للحضور في النفس بالاستقلال، وأما المعنى الحرفيّ فهو غير قابلٍ للتصوّر بنفسه، وإنَّما يكون تابعاً لمعنى أفراديٍّ أو تركيبيّ.
قد ظهر ممّا ذكرناه: أنَّ الوضع في الحروف لا يُعقل أن يكون خاصّاً؛ وذلك لأنَّ الخصوصيّات التي تدلّ عليها الحروف غير متناهيةٍ، ولا يمكن وضع لفظ بإزاء هذه الخصوصيّات غير المتناهية. وأمّا الوضع لجامع هذه المعاني فإنَّه أيضاً لا يمكن، وإلَّا لانقلب المعنى الحرفيُّ إلى معنىً اسمي؛ فإنَّ الجامع للخصوصيّات غير المتناهية ليس إلَّا مفهوم الخصوصيّة ومفهوم التضييق ومفهوم إظهار التمنّي وأمثالها من المفاهيم الاسميّة. ونحن نقطع جزماً بأنَّ الحروف لم توضع لهذه المعاني؛ فإنَّ ليت والتمنّي ليسا مترادفين، كما أنَّ (مِن) والخصوصيّة الابتدائيّة ليسا مترادفين أيضاً.
إذن، لا يمكن أن يكون الوضع والموضوع له خاصّين، فلا يمكن أن يقال: إنَّ الواضع قد تصوّر هذه الخصوصية بنفسها ووضع اللفظ بإزائها.
كما أنَّ احتمال أن يكون الوضع والموضوع له في الحروف عامّين -كما اختاره صاحب (الكفاية)(1)– غير وارد أيضاً؛ لبطلان أن يكون الموضوع له عامّاً؛ لأنَّه يكون حينئذٍ معنىً استقلاليّاً، وهذا لا يمكن أن يكون هو مفاد الحرف.
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 11، المقدّمة، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إذن، ينحصر الوضع في الحروف في القسم الثالث، وهو كون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً، بمعنى: أنَّ الواضع يتعهّد بأنَّه متى ما أراد تضييق مفهومٍ اسميٍّ تضييقاً ظرفياً، أتى بالحرف (في)، فهي تدلّ على التضييق الظرفي، أي: على واقع هذا المفهوم. ففي قولنا: (الصلاة في المسجد مستحبّةٌ) يدلّ على تضييق الصلاة بالمسجد، فهذا فردٌ من مفهوم التضييق قد استُفيد من اللفظ (في) في قولنا: (الصلاة في المسجد مستحبّةٌ). وكذلك في قولنا: (القيام في الصلاة واجبٌ)، فردٌ آخر من التضييق، فهو يدلّ على تضييق مفهوم القيام بما كان في الصلاة، وهذه الحصّة من القيام استُفيدت من الحرف (في). وهكذا بقيّة الموارد التي يُستعمل فيها اللفظ (في) سواء في الأُمور الممتنعة أو الواجبة أو الممكنة؛ فإنَّ تضييق المفهوم في جميع ذلك أمرٌ ممكنٌ. فإذا قلنا: (الدور) فهو لفظٌ مطلقٌ من الدوران، وأمَّا إذا قلنا: (الدور في العلّيّة مستحيلٌ) فقد ضيّقنا مفهوم الدور وجعلنا ظرف استحالته العلّية، أي: أن يكون شيء علة لشيء ومعلولاً لذلك الشيء بعينه، فهذه الحصّة من الدور هي المستحيلة دون باقي الحصص، كأن يكون الدوران في المكان؛ فإنَّه ليس بمحالٍ.
فتحصّل: أنَّ المعنى الحرفي لا بدَّ عند وضع اللفظ بإزائه من تصوّر معنىً اسميٍّ جامعٍ، ويُشار بذلك المعنى الاسميِّ الجامع إلى المصاديق، فيكون الوضع بلحاظ المصاديق لا محالة، بمعنى: أنَّ الواضع يتعهّد أنَّه متى أراد تضييق المفهوم بلحاظ الظرفيّة، أتى باللفظ (في) مثلاً.
كما أنَّنا نقطع أنَّ (ليت) لم توضع بإزاء مفهوم التمنّي ليكون الوضع
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والموضوع له فيها عامّين، كما أنَّه لا يمكن الإحاطة بجميع أفراد التمنّي الخارجية؛ لأنَّ قصد تفهيم التمنّي أمرٌ غير متناهٍ. إذن نحتاج في الوضع إلى أن نتصوّر معنىً جامعاً، ويتعهّد الواضع بأنَّه متى ما أراد تفهيم تمنّي شيءٍ معيّنٍ فإنَّه يتكلّم بكلمة (ليت)، فـ (ليت) تدلّ على أنَّ المتكلّم في مقام تفهيم أنَّه يتمنّى مدلول الجملة.
إذن، فلا مناص من الالتزام بأنَّ الوضع في باب الحروف من الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ.
فتحصّل ممّا تقدّم: أنَّ الأقسام الثلاثة للوضع ممكنةٌ وواقعةٌ، وإنَّما المستحيل هو القسم الرابع، وهو أن يكون الوضع خاصّاً والموضوع له عامّاً.
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقع الخلاف بين الأُصوليّين في تحديد الفرق بين الجملة الخبريّة والجملة الإنشائيّة المتّحدتين في المادّة والهيئة، فذهب صاحب (الكفاية) إلى أنَّ الاختلاف بينهما من ناحية الاستعمال مع وحدة المدلول فيهما. فبعد أن ذكر أنَّ المعنى الاسميَّ والمعنى الحرفيَّ متّحدان بالذات وأنَّه لا فرق بينهما إلَّا باللحاظ، عطف الكلام على الجمل الخبريّة والإنشائيّة، فقرّر: أنَّه لا يبعد الالتزام أن يكون مدلول الجملة الخبرية والجملة الإنشائية واحداً أيضاً، وأنَّ الاختلاف بينهما من ناحية الاستعمال، فإذا استُعملت الجملة وكان القصد فيها هو الحكاية كانت خبريّةً، وإذا قُصد بها معنىً آخر غير الحكاية كانت إنشائيّةً(1).
وهذا الاتّحاد بين الجملة الخبريّة والجملة الإنشائيّة إنَّما هو في القضايا التي تكون الجملتان فيها مشتركتين في المادّة والهيئة، كقولنا: (بعت)؛ فإنَّ هذه الجملة تارةً تُستعمل في مقام الإنشاء، وتارة أُخرى تُستعمل في مقام الإخبار عن بيعه السابق، وكذلك بالنسبة إلى (وهبت) و(ملّكت) وغيرهما من الجمل التي تُستعمل في مقام الإخبار والإنشاء. ونحوها الجملة الخبريّة التي تستعمل
ــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 12، المقدّمة، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
في مقام الإنشاء والطلب أحياناً، كقول القائل: (من تكلّم في صلاته يُعيد أو أعاد) المستعملة في الإنشاء، ومدلولها طلب الإعادة.
والحاصل: أنَّ كلّ جملةٍ تُستعمل في الإخبار تارةً وفي الإنشاء تارةً أُخرى، فإنَّ لها مدلولاً واحداً، وذلك لأنَّ المادّة -وهي البيع- محفوظةٌ في الحالتين، ولم تُستعمل إلَّا في معناها، وهو مبادلة مالٍ بمالٍ. ولو كان المعنى متعدّداً، لما أمكن أن تُستعمل الجمل الإنشائيّة في الإخبار أو الإخبارية في الإنشاء، مع أنَّها قد استُعملت، كما في المقام؛ ممّا يدلّ على أنَّ المستعمل فيه واحدٌ، مع غضّ النظر عن الإخبار والإنشاء.
وأمّا الهيئة فهي لا تدلّ إلَّا على نسبة المادّة إلى المتكلّم، فبقوله: (بعت) ينسب البيع إلى نفسه، وهذا مدلول الهيئة التي هي تدل على الربط والنسبة، وهو مشترك بين الجملة الخبرية والجملة الإنشائية، وإنَّما يفترقان في أمرٍ آخرَ خارجٍ عن المدلول، وهو القصد في مقام الاستعمال. فإن كان القصد من الاستعمال هو الحكاية عن ثبوت النسبة في الخارج، كانت الجملة خبريّةً، وإن كان القصد من الاستعمال هو إيجاد البيع في الخارج، كانت إنشائيّةً. فالفرق بين الجملتين إذن إنَّما هو في أمرٍ آخر خارجٍ عن المدلول، وهو الداعي والغرض الباعث على الاستعمال. فكما ذهب إلى أنَّ المعنى الحرفيَّ والمعنى الاسميَّ متّحدان بالذات ومختلفان في الاستعمال واللحاظ الآلي والاستقلالي، فكذلك الحال في الجمل الخبريّة والإنشائيّة؛ فإنَّهما متّحدتان في المعنى مادّةً وهيئةً، والاختلاف بينهما إنَّما هو في الاستعمال؛ حيث إنَّ الاستعمال أمرٌ اختياريٌّ لا بدَّ
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
له من داعٍ، وقد يكون الداعي قصد الحكاية في الجملة فتكون خبريّةً، وقد يكون أمراً آخر فتكون الجملة إنشائيّةً. هذا ملخّص ما أفاده(1).
ويُلاحظ أنَّ ما أفاده صاحب (الكفاية) من التفريق بين الجملة الخبريّة والجملة الإنشائيّة مبنيٌّ على أنَّ الجمل الخبريّة موضوعةٌ للحكاية عن الخارج، أي: للدلالة على ثبوت النسبة في الخارج، كما أنَّ الجمل الإنشائيّة موضوعةٌ لإيجاد المعنى في الخارج، فحينئذٍ يمكن القول بأنَّ المستعمل فيه معنىً واحدٌ قد استُعمل اللفظ فيه، وهو ثبوت النسبة في الخارج. إلَّا أنَّ هذه الجملة التي تدلّ على وقوع النسبة في الخارج قد يُقصد بها الحكايةُ عن الوقوع، فتكون خبريّةً، وقد يُقصد بها إيجادُ النسبة، فتكون إنشائيّةً، مع كون المستعمل فيه واحداً فيهما.
ولكنَّ هذا الكلام لا أساس له، وإيضاح ذلك متوقّفٌ على الكلام في مفاد الجمل الخبريّة والجمل الإنشائيّة.
أمّا الجمل الخبريّة فالمعروف -كما ذكر صاحب (الكفاية)(2)– أنَّها موضوعةٌ للدلالة على ثبوت النسبة في الخارج، والدلالة على ثبوت النسبة في الخارج
-أي: النسبة الموجودة في الكلام-: إما أن تكون إيجابيّةً، فتدلّ على ثبوت المحمول للموضوع، وإمّا أن تكون سلبيّةً فتدلّ على عدم ثبوت المحمول
ــــــــــ[139]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
(2) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 66، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، الجهة الرابعة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
للموضوع وسلب الربط بينهما، فقولنا: (زيدٌ ليس بقائم) تدلّ الجملة على عدم ثبوت القيام لزيدٍ، بخلاف الإيجابية فإنَّها تدلّ على ثبوته له.
وهذا وإن كان هو المعروف بين الأُصوليين، إلَّا أنَّ الظاهر أنَّه لا وجه له؛ فإنَّ الكلام والجمل الخبريّة -كما هو المشاهد بالوجدان وكما هو المصرح به- محتملةٌ للصدق والكذب، مع قطع النظر عن حال المخبر، وأنَّه معلوم الصدق، كما هو الحال في الأنبياء وسائر المعصومين، أو كونه مقطوع الكذب، كما هو الحال في بعض المخبرين، أو كونه مشكوكاً فيه لا يُعلم بحاله. فنفس الكلام في نفسه لا يدلّ على ثبوت النسبة في الخارج بالضرورة؛ فإنَّه بعد إخبار المخبر عن قيام زيدٍ لا يحصل لنا العلم بثبوت القيام لزيدٍ خارجاً، فما معنى الدلالة؟! وعليه فالقول بأنَّ الجملة الخبريّة تدلّ على ثبوت النسبة في الخارج باطلٌ. كيف دلّت مع أنَّ حال المخاطب قبل الكلام وبعده واحدٌ لم يظهر له شيءٌ كان خافياً عليه، وهذا أمرٌ وجدانيٌّ مع قطع النظر عن المخبر.
فقولنا: (زيدٌ قائمٌ) إذا صدر من متكلّم لم تقم قرينة خارجية على صدقه أو كذبه، لا يدل ثبوت القيام لزيد وعدمه، وهذا أمرٌ وجدانيٌ، فإنَّ الخبر محتمل للصدق والكذب، وليس في الكلام ما يدلّ على ثبوت النسبة في الخارج، وحال المخاطب بالنسبة إلى الخارج قبل الكلام وبعده واحدٌ.
نعم، يمكن أن يكون المخاطب غافلاً عن قيام زيدٍ، ولم يتصوّر قيام زيدٍ قبل إخباره به، ولم يكن ملتفتاً إلى مفهوم القيام ومفهوم زيدٍ، إلَّا أنَّه بعد سماعه لجملة: (زيدٌ قائمٌ) سوف يتصوّر هذين المفهومين. إلَّا أنَّ التصوّر ليس مدلولاً
ــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
للجملة؛ إذ لا فرق في حدوث التصوّر المذكور لدى المخاطب بين قول المتكلّم: (زيدٌ قائمٌ)، وقوله: (زيدٌ ليس بقائمٍ)؛ فإنَّه على كلا التقديرين سوف يتصوّر قيام زيد، ولا يوجد شكٌ في ذلك ما لم يثبت عنده القيام بقرينة خارجية من صدق المخبر أو غير ذلك.
فدعوى: أنَّ الجملة الخبريّة تدلّ على ثبوت النسبة في الخارج على خلاف الوجدان؛ لأنَّه ليس في الكلام ما يدلّ على ثبوت النسبة: سلبيّةً كانت أو إيجابيّةٍ. إذن لا يمكن أن نلتزم بأنَّ الألفاظ والجمل موضوعةٌ للنسبة في الخارج سلبيّة أو إيجابيّةً.
فلا بدَّ أن يكون الموضوع له أمراً آخر؛ لئلّا تنفكّ دلالة الكلام عن المدلول.
ثُمَّ إنَّنا سبق أن ذكرنا في بحث الوضع: أنّا لا نعقل معنىً للوضع غير تعهّد المتكلّمين من أهل اللغة الواحدة بأنَّ الشخص متى ما قصد تفهيم معنىً، فإنَّه يتكلّم بلفظٍ مخصوصٍ، لأنَّ الإنسان -كما سبق أن ذكرنا- مدني بالطبع، ولابَّد له من تفهيم مقاصده بشيء ما لا محالة.
فإنَّ كل فرد يحتاج في معاشه إلى أشخاص آخرين مع قطع النظر عن الأُمور الدينية والأخروية، وليس حال الإنسان حال الحيوانات التي يمكنها العيش وحدها، وإنَّما كل فرد يحتاج في تفهيم مقاصده إلى أمر يكون دالاً عليه، وقد يكون ذلك الأمر هو الإشارة، ولكن الإشارة لا تفي بالمقاصد، بل لا تفي
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بالمحسوسات فكيف تفي بالمعقولات، على أنها لا يمكن أن تستعمل في جميع الأزمنة، إذن لا بدَّ من الألفاظ لتفهيم المقاصد، وهذه نعمة أنعم الله بها على الإنسان إذ علّمه البيان، فهو متمكن من تفهيم مقاصده بالألفاظ وهذه من خصائص الإنسان.
لا بَّد من الالتزام والتعهّد بمعنى أنَّ أشخاصاً يتعهّدون بأنَّهم إذا أرادوا تفهيم مقاصد خاصّة تكلّموا بلفظ خاص، فإذا سمع المخاطب اللفظ، فإنَّه يفهم منه أنَّ المتكلّم قصد تفهيم ذلك المعنى. فإذا قال: (ماء)، يُفهم منه أنَّه قصد تفهيم ذلك المائع، وإذا قال: (حجر)، يُفهم منه أنَّه قصد تفهيم ذلك الجسم الصلب.
والهيئات من هذا القبيل؛ فإنَّ المتكلّم متى ما أراد الحكاية عن ثبوت نسبةٍ في الخارج سلبيّةً أو إيجابيّةً -وهذا من مقاصد الإنسان- فكيف يُفهم المخاطب أنَّه في مقام الحكاية عن ثبوت النسبة أو سلبها؟
قد يكون ذلك بالإشارة، كأن يُسئل عن ثبوت القيام لزيدٍ أو عدم ثبوته، فيحرّك رأسه للدلالة على ذلك، فيُعلم أنَّه في مقام تفهيم ثبوت النسبة الإيجابيّة أو السلبيّة، وتارةً أُخرى يكون ذلك باليد أو بالكتابة وغير ذلك، إلاَّ أنَّ الإشارة لا تفي بالمقصود دائماً، فوضع بإزاء ذلك هيئات الجمل الخبريّة. وهذه الهيئات تدلّ على أنَّ المتكلّم قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الخارج، فمدلولها هو قصد الحكاية؛ لأنَّ القصد أمرٌ اختياريٌّ للواضع، والتعهّد -كما سبق أن قلنا في بحث الوضع- لا بدَّ أن يكون طرفه أمراً اختياريّاً؛ إذ لا معنى للتعهّد بأمرٍ
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
غير اختياريّ، وما هو باختيار المتكلّم وإرادته إنَّما هو حكايته وإخباره عن ثبوت النسبة في الخارج إيجابيّةً كانت أم سلبيّة. أمّا نفس النسبة الخارجيّة فهي خارجةٌ عن اختيار المتكلّم.
إذن، مدلول الجملة الخبرية ليس ثبوت النسبة في الخارج، ولا دلالة للكلام على ثبوت النسبة في الخارج بوجهٍ، وإنَّما يدلّ على أنَّ المخبر قد حكى عن ثبوت النسبة. فالمدلول هو الحكاية وإرادة الإخبار عن ثبوت شيء في الخارج، بحيث لو كان المتكلّم متمكناً من الإخبار بغير لفظٍ ولا إشارةٍ، لفعل بلا حاجةٍ إلى اللفظ؛ فإنَّ قصده هو تفهيم ثبوت النسبة، وإنَّما اُحتيج إلى اللفظ؛ لأنَّ التفهيم لا يمكن بغير ذلك. ولو فرض محالاً إمكان التفهيم بدون أيّ مبرزٍ، لاستعمل ولاستغنى عن الألفاظ، إلَّا أنَّه لا يمكنه ذلك إلَّا بمبرزٍ. وقد يكون المبرز هو الإشارة، وقد يكون هو الكتابة، وقد يكون هو اللفظ، كما هو الغالب في الجمل التركيبيّة، فتدلّ هيئة الجملة على أنَّ المتكلّم قصد تفهيم المخاطب والحكاية عن ثبوت النسبة في الخارج سواء الإيجابيّة أو السلبيّة.
وليس هنا انفكاكٌ بين الدلالة والمدلول منها؛ أي أنَّ معنى الكلام يتحقّق وتدلّ الجملة عليه، حتّى لو فرضنا أنَّ المتكلّم لم يقصد الحكاية، بل قصد الاستهزاء، ولم ينصب قرينةً على عدم إرادة الحكاية؛ فإنَّه يفهم منه أنَّه قصد الحكاية؛ بمقتضى تعهّده والتزامه؛ لأنَّه التزم أنَّه متى ما تكلّم بهذا الكلام ولم ينصب قرينةً على الخلاف، فإنَّه قاصدٌ للحكاية والإخبار. ومن أجل هذا
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الالتزام الذي هو معنى الوضع يؤاخذ العاقل على كلامه، ولا يقبل منه الاعتذار بأنَّه لم يقصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الخارج، وأنَّه قصد الاستهزاء والسخرية دون الحكاية. فإذا قال: (لزيدٍ عليّ كذا مقدار من المال)، فبمقتضى الالتزام أنَّه بصدد الحكاية عن ثبوت النسبة في الخارج، فيؤخذ بالدَّين ولا يُسمع قوله بعد ذلك: بأنّي لم أكن قاصداً الحكاية، وإنَّما تكلّمت بكلامي لداعٍ آخر كالسخرية. كلّ ذلك من جهة الالتزام الذي هو معنى الوضع.
وبناء على ما ذكرنا من أنَّ الوضع هو التعهّد والالتزام يتّضح: أنَّ قصد المتكلّم تفهيم معنىً خاصٍّ بلفظٍ خاصٍّ هو الموضوع له، وهو الذي بنى عليه في التعهّد، فلا معنى للقول بأنَّ اللفظ يدلّ على ثبوت النسبة في الخارج؛ فإنَّ ثبوتها في الخارج أمرٌ خارجٌ عن الاختيار.
وبعبارةٍ واضحةٍ: إنَّه إذا قيل: (زيدٌ قائمٌ) فالذي يستكشف من هذا الكلام وما يدلّ عليه هو أنَّ المتكلّم قد أخبر عن ثبوت القيام لزيدٍ، وهذا المدلول لم يكن قبل ذلك ثُمَّ كان؛ فإنَّنا قبل إخبار المتكلّم لم نكن نستكشف إخبار المتكلّم عن قيام زيدٍ، إلَّا أنَّنا بعد الإخبار سوف نعلم بأنَّ المتكلّم قد أخبر عن قيام زيدٍ؛ إذ الإخبار أمرٌ قصديٌّ لا محالة.
إذن، يدلّ الكلام على أنَّ المتكلّم قد أخبر عن ثبوت النسبة، فالمدلول هو الحكاية، وهذا بمقتضى التعهّد، وعليه لا يمكن أن يكون مدلول الجملة الخبرية ثبوت النسبة في الخارج، بل يكون مدلوله بحسب الوضع والالتزام إنَّما هو حكايته، أي: إنَّ المتكلّم أراد تفهيم المخاطب بأنَّه يحكي عن ثبوت النسبة في
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الخارج، والحكاية والإخبار هو الذي التزم وتعهّد به، ولذا يلزم بإقراره، فيقال: (إنَّك قد أخبرت عن دَينٍ لزيدٍ عندك، دون أن تنصب قرينةً على إرادة غير الحكاية، فلابدَّ أن تلتزم بإخبارك).
وعليه، فإنَّ للكلام دلالةً لا تنفكّ عن الكلام، ولا يكون في هذه الدلالة صدقٌ ولا كذبٌ؛ لأنَّها موجودةٌ في موارد القضايا الصادقة والقضايا الكاذبة. وفي جميع هذه القضايا يكون المعنى المستعمل فيه واحداً، ومدلول الكلام فيها على سنخٍ واحدٍ، فلا يوجد في المقام صدقٌ ولا كذبٌ، بل دلالةٌ ومدلولٌ على طبق الالتزام والوضع.
وأمّا الصدق والكذب فيثبتان للمدلول؛ بلحاظ أنَّ الحكاية إن طابقت الواقع كانت القضيّة صادقةً، وإن لم تطابقه كانت كاذبةً. فالصدق والكذب من أوصاف الحكاية والإخبار لا من أوصاف الدالّ والكلام.
ثُمَّ إنَّه لا يفرّق في ذلك بين الكلام وغيره، فلو حرّك رأسه وأخبر عن ثبوت القيام لزيدٍ ولم يكن زيدٌ قائماً، كان كاذباً، ولو فرضنا محالاً تحقّق الحكاية بلا مبرزٍ أصلاً؛ فإنَّها تكون أيضاً صادقةً وكاذبةً. فالصدق والكذب من أوصاف المدلول والحكاية، ولا يتّصف الكلام بالصدق والكذب إلَّا باعتبار مدلوله. وأمّا نفس الكلام في دلالته على المعنى فإنَّه ليس فيه صدقٌ ولا كذبٌ؛ لأنَّ هذه الدلالة موجودةٌ دائماً؛ لأنَّ المتكلّم دائماً في مقام التفهيم، ويدلّ كلامه على أنَّه قصد الحكاية عن الخارج، وهذا ثابتٌ للصادق والكاذب؛ وإنَّما الصدق والكذب يكون باعتبار المدلول، حيث إنَّ الحكاية قد تكون صادقةً، وقد تكون
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
كاذبةً، وباعتبارها يكون المعنى صادقاً وكاذباً، فيقال: (هذا المعنى صادقٌ)، و(ذاك كاذبٌ).
ثُمَّ إنَّ المراد بالخارج ليس ما كان في مقابل الذهن، بل كلُّ أمرٍ له واقعٌ مع قطع النظر عن فرض فارضٍ واعتبار معتبرٍ، فإنَّ واقع كلِّ شيء بحسبه. فإذا أخبرنا عن قيام زيدٍ، فخارجه هو عالم التكوين في قبال الذهن، فيكون صدق القضيّة وكذبها من جهة مطابقة عالم التكوين وعدمه. وإذا أخبرنا عن أمرٍ نفسانيٍّ نحو: (زيدٌ عالمٌ)، فإن كان عالماً حقيقةً فالقضيّة صادقةٌ، وإن لم يكن عالماً فالقضيّة كاذبةٌ.
وإذا كان المخبَر به أمراً قائماً في النفس لا أمراً خارجياً في قبال الذهن، أي إنَّ المراد بالخارج هو نفس الأمر، فقد يكون المخبر به ليس له تحقّقٌ لا في الخارج ولا في الذهن، مع أنَّ له واقعيّةً، وهو ثابتٌ بلا فرض فارضٍ ولا اعتبار معتبرٍ، كما لو فرضنا أنَّنا أخبرنا عن استحالة اجتماع النقيضين، أو عن إمكان شيءٍ لم يتحقّق في الخارج، نظير قولنا: (العنقاء ممكن)، فهذه قضيّةٌ دلّت على الحكاية عن أمرٍ ثابتٍ في نفسه مع قطع النظر عن فرض فارضٍ. فإذا كانت قضيّة استحالة اجتماع النقيضين ثابتةً، كانت القضيّة صادقةً، وإن لم تكن ثابتةً، كانت القضيّة كاذبة.
فالمراد بالخارج ليس ما كان في مقابل الذهن، بل المراد هو نفس الأمر الذي قد يكون أمراً خارجيّاً أو ذهنيّاً، وقد يكون أمراً ثابتاً لا موجوداً في الذهن ولا في الخارج. وقد قلنا في أكثر من موضعٍ: إذا كان القائل بالواسطة بين
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الوجود والعدم -كما نسب إلى بعضهم حيث قال بأنَّ الثبوت أعمّ من الوجود(1)– لو كان يقصد هذا المعنى الذي ذكرناه، لكان ذلك القول صحيحاً؛ فإنَّ الملازمات ثابتةٌ في نفسها وموجودةٌ في نفسها بلا فرض فارضٍ واعتبار معتبرٍ، نحو قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا(2)؛ فهذه الملازمة ثابتةٌ في نفسها وإن كان المقدَّم والتالي غير متحقّقَين، ولذا قالوا: إنَّ صدق القضيّة الشرطيّة لا يتوقّف على وجود الطرفين، وإنَّما على صدق الملازمة.
فيُستنتج من ذلك كلّه: أنَّ دلالة اللفظ على معناه لا يُراد بها الدلالة على الثبوت في الخارج، وإنَّما يراد بها الدلالة على أمرٍ نفسانيٍّ هو قصد المتكلّم للحكاية عن الواقع. فالمدلول هو نفس القصد، أي: إنَّ الإنسان المدنيَّ بالطبع يريد أن يبرز قصده النفسيَّ ويريد أن يخبر عن ثبوت نسبةٍ أو نفيها، فلا طريق له إلَّا وضع اللفظ، واللفظ يفيد هذا المعنى، وهذا لا يتّصف بالصدق والكذب، بل يتّصف بهما باعتبار المدلول، ويتّصف الدالُّ بهما تبعاً.
ومن ذلك ظهر: أنَّ المتكلّم لو استعمل الكلام ولم يقصد به المعنى الذي التزم به حين الوضع، فقال: (أكرم زيداً) وأراد من ذلك إكرام ابنه، أو استعمل اللفظ مجازاً، ولم ينصب قرينةً على ذلك، فإنَّه لا يكون كاذباً، وإنَّما يكون مخالفاً لتعهّده؛ لأنَّه بذلك يكون مخالفاً لما التزم به من أنَّه متى أراد تفهيم ذلك الشيء
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) وهو المنسوب إلى المعتزلة، اُنظر: الشيخ المفيد، أوائل المقالات: 207، تعليقة على القول (92). والايجي، المواقف 1: 267.
(2) الأنبياء: 22.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أن يتكلّم بهذا اللفظ، وقد تخلّف عن الالتزام وأتى بلفظٍ آخر. هذا هو حال الجمل الخبريّة.
أمّا الجمل الإنشائيّة فهي تشترك مع الجمل الخبرية في أنَّها ناظرةٌ إلى أمرٍ نفسانيٍّ، ومبرزةٌ له بمقتضى التعهّد والبناء، إلَّا أنَّ ذلك الأمرَ النفسانيَّ ليس هو قصد الحكاية، بل هو أمرٌ آخر: كالاستفهام أو الطلب أو التمنّي. فقد يتمنى الإنسان شيئاً، ويريد أن يُفهِم المخاطب أنَّه يتمنّى ذلك، وقد وُضعت لذلك ألفاظٌ مثل: ليت ولعلَّ، فبهما يبرز المتكلّم أنَّه متمنٍّ لما يُدخل عليه هذا اللفظ، فإذا قال: (ليت زيداً قائمٌ) يريد بذلك أنَّه يتمنّى قيام زيدٍ، فالمبرز للتمنّي إنَّما هو هذا اللفظ.
فالجملة الإنشائيّة والخبرية تشتركان في أنَّ كلاً منهما يدل على أمر نفسانيّ، إلَّا أنَّ مدلولهما مختلف؛ فإنَّ مدلول الجملة الخبريّة هو قصد الحكاية، وهو أمرٌ نفسانيّ، ومدلول الجملة الإنشائيّة هو التمنّي أو غيره.
ومن ثَمَّ فالجملة الإنشائيّة لا تتّصف بالصدق والكذب، كما تقدّم أنَّ الجملة الخبرية أيضاً لا تتصف بهما من جهة الدلالة، وعلى تقدير أنَّ المتكلّم تخلّف عن بنائه وتعهّده، واستعمل اللفظ في غير المعنى الذي تعهّد أن يستعمله فيه، لا يكون كذباً، وإنَّما كان مخالفاً لالتزامه وتعهّده. وحيث إنَّ مدلول الجملة الإنشائيّة غير ناظرٍ إلى الخارج، وليس كالحكاية إخباراً عن ثبوت نسبةٍ في الخارج، بل هو أمرٌ قائمٌ في النفس، واللفظُ دالُّ عليه، ولذا لا يتصوّر فيه
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الصدق والكذب، فلا يُقال إنَّ القضيّة الإنشائيّة كاذبةٌ أو صادقةٌ، بل يقال: إنَّها دالّةٌ على أنَّ المتكلّم يقصد تفهيم أنَّه متمنٍّ لهذا الأمر. فالجمل الإنشائية كلُّها تعبِّرُ عن أمرٍ نفسانيٍّ، ولابدَّ لهذا الأمر النفسانيِّ من إبرازه بدالٍّ يدلُّ عليه، والدالُّ هو الذي يكشف عن ذلك الأمر النفسانيّ على اختلاف الموارد، ومرادنا بالإبراز هو الدلالة.
وأمّا لو قال: (أنا متمنٍّ أو مستفهمٌ)، فأخبر عن ذلك الأمر النفسانيّ، فإنَّ الجملة لا تكون إنشائيّةً، بل تكون جملةً إخباريّةً قابلةً للصدق والكذب. والوجه في ذلك: أنَّ مدلول الجملة الخبريّة هو قصد الحكاية، غايته أنَّه يحكي عن أمرٍ نفسانيّ. وقد سبق أن قلنا: أنَّه لا فرق في الحكاية بين أن يكون متعلّقها أمراً خارجيّاً أو نفسانيّاً أو أمراً ثابتاً في نفسه، فليس هذا إنشاءً، وليس مبرزاً للصفة النفسانيّة، بل مبرز لقصد الحكاية عن تلك الصفة. فكما أنَّ قوله: (قام زيدٌ) مبرزٌ للحكاية عن قيام زيدٍ، فكذلك لو قال مخبرٌ: (أنا أتمنّى ذلك)، فمدلول هذا الكلام وما هو مبرَزٌ باللفظ ليس هو التمنّي النفسانيّ؛ لأنَّ الخبر محتملٌ للصدق والكذب، بل المبرز باللفظ هو الحكاية عن التمنّي، وعليه فقد يكون التمنّي موجوداً، فتكون القضيّة صادقةً، وقد لا يكون موجوداً، فتكون القضيّة كاذبةً.
فمردانا بالإبراز في باب الجمل الإنشائيّة ليس هو الإخبار عن الأمر النفسانيّ، وإنَّما نريد بالإبراز الدلالة على الأمر النفسانيّ من جهة الوضع والتعهّد، وهذا لا يكون إلَّا بما هو موضوعٌ له، فهو يبرز نفس ذلك الشيء، لا أنَّه يخبر عنه.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأمّا ما اشتهر بين علماء الأدب وغيرهم(1) من: أنَّ الإنشاء موجدٌ للمعنى، وأنَّ المعنى يوجَد بنفس التكلُّم به، فهو ممّا لا أصل له؛ وذلك من جهة أنَّ الإيجاد إن أُريد به الإبراز الذي يوجد بهذا اللفظ عند التكلّم به، ولم يكن موجوداً قبله، فهو صحيحٌ، إلَّا أنَّه موجودٌ في الجملة الخبريّة أيضاً. فقولنا: (زيدٌ قائمٌ) قد أبرز حكايته بهذا اللفظ، ولذا نقول: أخبرنا بكذا أو حدّثنا أو قال لنا كذا؛ فإنَّ الإبراز لازم التعهّد والاستعمال. فإذا فرضنا أنَّه تعهّد بأنَّه متى ما قصد الحكاية عن شيء أو متى ما تمنّى شيئاً، سوف يتكلّم بلفظٍ خاصٍّ، ثُمَّ استعمل اللفظ، فقد أبرز ما في نفسه لا محالة، فالإبراز -أي: إرادة إظهار ما في النفس- مشترك بين الجملة الإنشائيّة والجملة الخبريّة.
وإن أُريد بالإيجاد معنىً آخرُ -كما هو الصحيح في كلماتهم- غير الاستعمال والكشف عمّا في النفس، فهو مما لا واقع له.
وبيان ذلك: أن كلَّ ما يفرض وجوده في عالم الإمكان على قسمين:
◙ الأوّل: ما يكون وجوده اعتباريّاً، ويكون موجوداً بالاعتبار والبناء، وليس له واقعٌ إلَّا اعتبار الجماعة المتبانين عليه، بحيث لو رفعنا اليد عن الاعتبار لم يكن له وجودٌ أصلاً.
ومثال ذلك الأحكام الشرعيّة والوضعيّة ونحوها ممّا لا يكون لها في أيّ دينٍ أو شريعةٍ أو قانونٍ واقعٌ إلَّا الفرض والبناء والاعتبار. فالبيعُ الربويُّ مثلاً
ــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) أُنظر: التفتازاني، مختصر المعاني: 28-29، والآخوند الخراساني، فوائد الأُصول: 17 فائدة في صيغ الأمر والنهي.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يترتّب عليه الملكيّة عند العقلاء؛ إذ يملك البائع الثمن ويملك المشتري المثمن، ولا ملكيّةَ لولا اعتبارهم. أمّا الشارع فإنَّه لا يعتبر الملكيّة بالعقد الربوي، فلا البائع يملك الثمن، ولا المشتري يملك المثمن، بل كلٌّ من العوضين باقٍ على ملكيّة مالكه السابق. وكذا الحال في القانون الوضعيّ: فإنَّه لا يعتبر الملكيّة فيما لو باع زيدٌ داره في غير الدائرة المختصّة به اليوم؛ إذ لا يعتبر مالكاً للثمن، مع أنَّه يُعتبر مالكاً شرعاً وفي نظر العقلاء؛ وذلك أنَّ القانون لا يعتبر الملكيّة خارج الدائرة، بل يعتبرها باطلة، فالملكيّة أمرٌ اعتباريٌّ ليس له حقيقةٌ إلَّا الاعتبار.
نعم، الاعتبار ليس أمراً لغواً يعتبره المعتبر كيفما يشاء، بل هو أمرٌ مسبّبٌ عن مصلحةٍ تقتضي اعتباره، وهذه المصلحة أمرٌ واقعيّ، أي: إنَّ المعتبر يرى – بحسب ما يتصوّره- اقتضاء للاعتبار فيعتبر، وقد لا يرى ذلك المقتضي فلا يعتبر، ولذا لو لم يوجد الإنسان لم يكن هناك مالكٌ ولا مملوكٌ ولا ملكيّةٌ. وهكذا بقية الأحكام الوضعيّة، فليس لها وجودٌ إلَّا باعتبار معتبرٍ وبناء من يُتّبع بناؤه.
وهذا النحو من الوجود لا يدخل في الجواهر ولا الأعراض؛ لأنَّه ليس موجوداً حقيقيّاً.
◙ والثاني: ما يكون وجوده حقيقيّاً لا يتوقّف على فرض فارضٍ واعتبار معتبرٍ، فلو لم يكن إنسان أصلاً لكان موجوداً ولا يتوقّف وجوده على اعتبار أو تنزّل أو بناء.
وهذا النحو من الوجود ينقسم إلى الجوهر والعرض؛ لأنَّ هذا الوجود قد يكون قائماً بنفسه يسمّى جوهراً، وقد يكون قائماً بغيره، أي: بموضوعه، يسمّى
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
عرضاً، ووجود كلٍّ منهما لا يدور مدار البناء والاعتبار، ولا مدار وجود إنسانٍ في الخارج. فالحجر موجودٌ واقعاً، وبياض الثلج موجودٌ واقعاً، وسواد الفحم موجودٌ واقعاً.
ثُمَّ إنَّ العرض الذي يوجد في الخارج قد يكون من الأُمور المتأصّلة: كالكمّ والكيف، فالقطن موجودٌ في نفسه لا باعتبار معتبرٍ، وهو بإزاء جسم آخر يوصف بأنَّه خفيفٌ، كالقطن بالنسبة إلى الحديد، أو يوصف بأنَّه قصيرٌ، كالشبر بالنسبة إلى الذراع، فهذا أمرٌ واقعيٌّ لا يدور وجوده مدار الفرض والبناء والاعتبار.
وقد يكون من الأُمور غير المتأصّلة، بل يكون في وجوده تابعاً لموجودٍ آخر، فلذا يختلف بحسب الإضافة، ولا يتّصف الشيء به على الإطلاق، بل يدور مدار النسبة والإضافة إلى شيءٍ آخر. والأُمور الإضافيّة كلُّها من هذا القبيل: كالفوقيّة والتحتيّة والأُبوّة والبنوّة؛ فإنَّه لا يمكن أن يُقال على الإطلاق: إنَّ هذا الجسم فوق أو تحت إلَّا إذا قيس إلى جسمٍ آخر فوقه أو تحته، فالسقف فوق الساحة، والساحة تحت السقف. وكذلك بالنسبة إلى الكبر والصغر؛ فإنَّه لا يُقال: إنَّ هذا أكبر على الإطلاق، نعم، إذا قيس إلى شيءٍ معيّنٍ، فإنَّه يكون أكبر منه أو أصغر أو مساوياً له.
ومثل هذه الأُمور تسمّى بالأُمور الانتزاعيّة، إي إنَّها أمور واقعيّة. فإذا قلنا: إنَّ هذا الجسم فوق هذا أو ذاك، فهو هكذا فعلاً، مع قطع النظر عن الاعتبار؛ فإنَّ السماء فوقنا لا محالة، مع قطع النظر عن اعتبار معتبرٍ وفرض
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فارضٍ، إلَّا أنَّ الفوقيّة والتحتيّة من الأُمور الإضافيّة. فالسقف بالنسبة إلى الأرض فوقٌ، والأرض بالنسبة إلى السقف تحتٌ، فالسقف بالنسبة إلى الأرض فوقٌ حقيقةً، لا أنَّنا بنينا على أنَّه فوقٌ، بل هو أمرٌ حقيقيٌّ وواقعيٌّ، إلَّا أنَّه منتزعٌ من شيءٍ آخر، وانتزاعه هو كونه في هذا المكان، فالسقف واقعٌ في مكانٍ والأرض واقعةٌ في مكانٍ. ولازم هذا الكون أنَّه إذا لاحظنا السقف بالنسبة إلى الأرض، فيقال: إنَّ السقف فوقٌ والأرض تحته. وهذا أمرٌ واقعيّ، لا أنَّه أمرٌ فرضيٌّ ليمكننا أن نبني على عكس ذلك بعد يومين. وهذا الأمر الواقعيّ متقوّمٌ بالانتزاع، لأنَّه يتقوّم بأن يُضاف هذا الشيء إلى شيءٍ آخر. ومن ثَمَّ إذا قيل: هل الشيء الكذائي أكبر، فإنَّه لا جواب له، بل يُقال: من أيّ شيء؟ فإنَّه ما لم يضف الشيء إلى آخر لا يصدق عليه لفظ الأكبر أو الأصغر أو المساوي.
ومن هذا القبيل الأُبوّة والبنوّة، فإذا تولّد إنسانٌ من إنسان آخر، فإنَّه يُقال للوالد: أبٌ، وللمولود: ابنٌ. وهذا أمرٌ واقعيٌّ لا يدور مدار نظرٍ واعتبارٍ؛ فإنَّه حقيقة تولّد زيدٌ من عمرٍو، فعمرو يكون أباً إذا قيس إلى زيدٍ وأخاً إذا قيس إلى خالدٍ، فالأُبوّة ليست أمراً اعتباريّاً، بحيث لو لم نعتبره أباً لا يكون كذلك، بل هو أبٌ حقيقةً من دون أن يتوقّف على اعتبار، لكنّه مع ذلك أمرٌ انتزاعي، بمعنى أنَّ هنا شيء حقيقي، وهو أنَّ زيد تولّد من عمرو، وهذا التولّد هو الذي أوجب أن يكون هذا ابناً وذاك أباً والآخر أخاً والرابع عمّاً والخامس خالاً. وكلّ هذه العناوين الانتزاعيّة لها واقعٌ وحقيقةٌ، لا أنَّها تدور مدار الفرض والاعتبار، إلَّا أنَّه لا بدَّ من إضافة شيءٍ إلى شيءٍ ليتّصف الشيء من جهة هذه
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الإضافة بتلك الصفة، فعمرو بإضافته إلى زيد يتّصف بالأُبوّة، وبالإضافة إلى شخصٍ آخر بالأُخوّة وهكذا.
فيتّضح من ذلك كلّه: أنَّ الأعراض على قسمين:
هذه هي أقسام الموجودات، ومن الواضح أنَّه لا يوجد بالإنشاء شيءٌ من هذه الموجودات. فلا يوجد بـ(ليت) أو (لعلّ) أو (افعل) جوهرٌ في الخارج؛ فإنَّ وجود الجوهر يتبع علّله وأسبابه، وليس من أسبابه قولنا: (ليت زيداً كذا) أو (اضرب) أو (هل قام زيدٌ؟). وكذلك لا يوجد بالإنشاء شيءٌ من الأعراض المتأصّلة والأعراض غير المتأصّلة؛ فإنَّه لم يوجد بعد الجملة الإنشائيّة لا فوقيّة ولا تحتيّة ولا أُبوّة ولا بنوّة.
نعم، الملكيّة وجدت ولم تكن قبل الإنشاء، واتّصف كلٌّ من البائع والمشتري بأنَّه مالكٌ لما انتقل إليه، إلَّا أنَّ الملكيّة من الأُمور الاعتباريّة، والاعتبار أمرٌ قائمٌ في النفس لا يحتاج إلى لفظٍ، ولا يحتاج إلى التكلّم؛ لأنَّ الاعتبار يوجد بنفس توجّه النفس، ومن أفعال النفس، ولا يحتاج إلى لفظٍ أو إشارةٍ، وإنَّما اللفظ والإشارة مبرز لذلك الأمر النفساني، لا أنَّ الأمر النفساني يوجد بهما.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فإذا فتّشنا الموجودات، نجد أنَّه لم يوجد بالإنشاء من هذه الموجودات شيءٌ أصلاً، لا من الجواهر ولا من الأعراض؛ فإنَّ لهما أسبابهما الخارجيّة، ولا من الأُمور الاعتباريّة؛ لأنَّها لا تحتاج إلى مسبّبٍ أصلاً؛ لكونها من الأُمور النفسيّة التي لا تتوقّف على التكلّم.
بقي شيء آخر: وهو أنَّ الاعتبار ما لم يكن مبرزاً بلفظٍ أو فعلٍ أو إشارةٍ، لا يكون موجباً لاعتبار العقلاء أو اعتبار الشارع. كما لو تكلّما بالإشراق مثلاً، والتفت كلٌّ منهما إلى أنَّ الآخر معتبرٌ لملكيّة صاحبه، فإنَّ الشارع والعقلاء لا يرون ترتّب أثرٍ على مثل هذا الاعتبار، وعليه فقد يُقال -كما قيل(1)– إنَّ الإنشاء موجد لاعتبار الشارع أو اعتبار العقلاء.
ولكن هذا الكلام لا وجه له؛ لأنَّ اعتبار الشارع والعقلاء في بعض الموارد موضوعه الإنشاء، وكلامنا في مفهوم الإنشاء وما ينبغي للبائع قوله ليقع ذلك موضوعاً لاعتبار الشارع.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ مجرّد قوله: (بعت) و(اشتريت) بلا قصد المعنى لا يوجد اعتبار الشارع ولا اعتبار العقلاء، وإنَّما يكون كذلك إذا كان المتكلّم مستعملاً للمعنى وقاصداً له، وكلامنا في تعيين هذا المعنى الذي إذا قصده المتكلّم كان موضوعاً للاعتبار الشرعيّ، فالاعتبار حكمٌ، وفعل البائع
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) الآخوند الخراساني، فوائد الأُصول: 17 فائدة في صيغ الأمر والنهي.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والمشتري موضوع، وكلامنا في تعيين هذا الموضوع.
وعليه فمدلول الجملة الإنشائيّة أمرٌ نفسيٌّ كمدلول الجملة الخبريّة، مع فرقٍ بينهما حاصله: أنَّ مدلول الجملة الخبريّة هو الحكاية، فيتّصف بالصدق والكذب، بخلاف مدلول الجملة الإنشائيّة؛ إذ هو أمرٌ نفسانيٌ غير الحكاية، فلا يتّصف بالصدق والكذب.
ومن هنا ظهر الفرق بين الأمر الانتزاعيّ والأمر الاعتباريّ، وهو أنَّ الأمر الانتزاعيَّ أمرٌ حقيقيٌّ واقعيٌّ لا يدور وجوده مدار الاعتبار، والأمر الاعتباريُّ أمرٌ لا واقع له إلَّا اعتبار من بيده الاعتبار، إلَّا أنَّ الاعتبار ليس جزافاً، بل لمصلحةٍ تدعو إلى ذلك.
وكذلك تحصّل أنَّه لا اشتراك بين الجملة الخبريّة والجملة الإنشائيّة في الموضوع له؛ فإنَّ الموضوع له في أحدهما غيرُ الموضوع له في الأُخرى، فإذا كانت الجملة الواحدة، مثل (بعت) قابلةً للاستعمال في موارد الأخبار والإنشاء، فهذا من قبيل الاشتراك اللفظي ومن تعدّد الوضع؛ والإلتزام بأنَّ جملة (بعت) وُضعت بوضعٍ للدلالة على الحكاية، وبوضعٍ آخر للدلالة على الإنشاء، ولابدَّ لكلٍّ من الاستعمالين من قرينةٍ.
وكذلك الجملة الخبريّة المستعملة في مقام الطلب، نحو (مَن شكّ في صلاته ولم يذهب وهمه إلى شيءٍ، أعاد صلاته) أو (من أحدث يتوضّأ) وغير ذلك من استعمال الجملة الخبريّة في مقام الطلب؛ فلابدَّ من الالتزام بتعدّد الوضع، وأنَّ الجملة الفعليّة وضعت تارة لمعنى الإنشاء ووضعت أخرى لمعنى
ــــــــــ[156]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الإخبار، لا أنَّ المعنى واحدٌ، والاختلاف بينهما في الاستعمال، كما ذكر صاحب (الكفاية)(1).
وممّا يؤكّد ما ذكرناه -مضافاً إلى ما تقدّم من أنَّه لا يُعقل أن يوجد شيءٌ في الخارج يسمّى بالوجود الإنشائي-: أنَّ المستعمل في الجملة الخبريّة غير المستعمل في الجملة الإنشائيّة؛ إذ إنَّنا نرى بالوجدان أنَّ استعمال الجملة الخبريّة في مقام الطلب لا يصحّ إلَّا إذا كانت الجملة فعليّةً، نحو (من تكلّم في صلاته أعاد) أو (يعيد)، ولا يُقال: (معيد صلاته) فإن الجملة الاسميّة لا تُستعمل في مقام الطلب والإنشاء، بل يعدّ ذلك من الأغلاط، أو أن يقول: (زيدٌ قائمٌ) ويريد طلب القيام، فإنَّ هذا لم يعهد لا في اللغة العربية ولا في غيرها.
فما أفاده صاحب (الكفاية) في بحث الطلب(2) من أنَّ الإنسان ربما يشتاق إلى الشيء على نحوٍ لا يرضى بعدمه، فيخبر بتحقّقه في الخارج، لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ لو صحّ هذا، لصحّ استعمال الجملة الاسميّة في مرحلة الطلب، مع أنَّه غير جائزٍ قطعاً.
نعم، قد تُستعمل الجمل الاسميّة في مرحلة الإنشاء، إلَّا أنَّ ذلك في غير إنشاء الطلب، كما في صيغ الطلاق والتحرير، نحو: (هندٌ طالقٌ) و(أنت حرٌّ)، ولكن هذا غير الإنشاء الطلبي.
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 71، المبحث الثالث: الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب.
(2) أُنظر: المصدر السابق.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا لا ننكر أنَّ الجملة الاسميّة قد تُستعمل في مرحلة الإنشاء، وإنَّما ننكر صحّة استعمالها في مرحلة الطلب.
إذن، لا بدَّ من الالتزام بالاشتراك اللفظي وتعدّد الوضع، وأنَّ الجملة الفعليّة وُضعت تارةً لإبراز الحكاية عن الخارج، وأنَّ المتكلّم قاصدٌ للحكاية عن ثبوت النسبة في الخارج: سلبيّةً أو إيجابيّةً، وُوضعت تارةً أُخرى لإبراز الطلب والإنشاء، فلابدَّ من الالتزام بتعدّد الوضع؛ لتعدّد المستعمل فيه.
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذكر صاحب (الكفاية)(1) أنَّه يمكن الالتزام بأنَّ أسماء الإشارة وما يشابهها من الضمائر والموصولات موضوعةٌ لمفهومٍ كلّيّ، والتشخّص إنَّما جاء من الإشارة والخطاب، وأنَّ مفهوم (هذا) كمفهوم (المفرد المذكّر) مفهومٌ واحدٌ ليس بينهما تغايرٌ، كما أنَّ المعنى الاسميَّ والمعنى الحرفيَّ متّحدان بالذات، وأنَّ الموضوع له فيهما كالمستعمل فيه واحدٌ، والاختلاف بينهما إنَّما هو في الاستعمال. فإذا أراد استعمال المعنى ملحوظاً باللحاظ الآليِّ، استعمل الحرف، وإذا أراد استعمال نفس ذلك المعنى ولكن ملحوظاً باللحاظ الاستقلاليِّ، استعمل الاسم.
وأسماء الإشارة أيضاً كذلك؛ فإنَّه لا يبعد أن يُقال: إنَّ الموضوع له والمستعمل فيه في (هذا) وفي (المعنى المذكر) واحدٌ، أي إنَّ الوضع فيهما عامّ والموضوع له عامّ، والتشخّص إنَّما هو في مرحلة الاستعمال وفي مرحلة الإشارة؛ باعتبار أنَّ الإشارة لا تكون إلَّا إلى الشخص، والخطاب لا يكون إلَّا مع الشخص. فالموضوع له ليس أمراً جزئيّاً، بل هو أمرٌ كلّيّ.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 12-13، المقدّمة، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
على تقدير التسليم بهذا المعنى في الحروف، فإنَّه لا يمكن التسليم بذلك في أسماء الإشارة وما يشابهها. والوجه في ذلك: أنَّ لحاظ المعنى حين الاستعمال ممّا لا بدَّ منه؛ فإنَّه لا يُتصوّر استعمال لفظٍ في معنىً من المعاني إلا ويلاحظ ذلك المعنى حين الاستعمال. وطبيعي اللحاظ أيضاً مما لا بدَّ منه، ولكن اللحاظ في الخارج قد يكون آليّاً، وقد يكون استقلاليّاً، والمتكلّم مخيَّرٌ في استعمالاته، فقد يختار الاستعمال مع اللحاظ الآليِّ، وقد يختار الاستعمال مع اللحاظ الاستقلاليّ، إذن يمكن أن يضع الواضع لفظاً مخصوصٌاً لمعنىً مخصوصٍ وتكون العلقةُ الوضعيّةُ بينهما مشترطةً باللحاظ الآليِّ أو اللحاظ الاستقلاليّ. وهذا لا ننكره، إلَّا أنَّ وضع الحروف ليس من هذا القبيل، فإنَّ اللحاظ في أسماء الإشارة ليس ضروريّاً في مرحلة استعمالها، بل هو أمرٌ خارجيّ، فإذا فرضنا أنَّ الواضع لم يأخذ الإشارة الخارجيّة قيداً في الموضوع له، فمن أين جاءت الإشارة إذن؟
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ اللفظ الموضوع له اسم الإشارة من قبيل (هذا) غير مقتضٍ لاستعماله في معناه، إذ كثير من الألفاظ نستعملها في معناها من دون الإشارة إلى ذلك المعنى، ولذا كانت أسماء الإشارة وما في معناها ألفاظاً مخصوصة، وليس كلُّ لفظٍ هو من أسماء الإشارة.
نعم، الإشارةُ بالمعنى الأعمِّ موجودةٌ في سائر الاستعمالات، فتقول: (أشرنا) أي: (بيّنّا)، وكلّ لفظٍ يشير إلى معنىً، فالإشارة مشتركةٌ بين جميع الألفاظ، وهذا هو الذي لحظه الشاعر عندما قال: (وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشيرُ).
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فكلّ عبارةٍ مشيرةٌ إلى المعنى، وألفاظ الجمال والكمال تشير إلى الله عزّ وجلّ، وهذا النوع من الإشارة خارجٌ عن محلِّ الكلام، ومحلُّ الكلام في أسماء الإشارة هو الإشارةٌ الخاصّةٌ غير ما يكون ملازماً لاستعمال اللفظ في معناه. فهذه الإشارة أمرٌ خاصٌّ يُستعمل في موارد مخصوصةٍ. فإذا لم يكن طبع الاستعمال يقتضي الإشارةَ، فبماذا اعتبرت الإشارة في أسماء الإشارة؟ لا بدَّ أن يستند ذلك إلى الوضع، بمعنى: أنَّ الواضع قد أخذ خصوصيّة الإشارة والتخاطب قيداً في الموضوع له، وإلَّا فمن أين جاءت الإشارة في مرحلة الاستعمال كي يُقال بأنَّ هذه الخصوصيّة إنَّما نشأت من التخاطب والإشارة؛ لأنَّهما لا يكونان إلَّا للشخص؟
وعليه فلابدَّ أن يُقال: إنَّ (هذا) ليس مرادفاً للمفرد المذكّر بالضرورة؛ لأنَّه لا يصحّ استعمال أحدهما في مورد الآخر. فمفهوم المفرد المذكّر مفهومٌ في نفسه كسائر المفاهيم لم تُؤخذ فيه الإشارة، و(هذا) لم يوضع لمفهوم المفرد المذكّر، بل لمصاديق المفهوم من الأشخاصّ الخارجيّة: كزيدٍ وعمرو، أو المفاهيم الكلّيّة غير المتّصفة بالتأنيث، فنشير إلى مفهومٍ كلّيٍّ كمفهوم الإنسان، فنقول: (هذا مفهوم الإنسان) أو (هو مفهوم الإنسان)، أو نشير إلى أيّ شيءٍ آخر من المعقولات أو المحسوسات. فـ(هذا) وضعت للدلالة على إرادة المتكلّم، وأنَّه قصد إرادة تفهيم فردٍ من أفراد المفرد المذكّر في مقابل المفرد المؤنّث، وإن كان من المفاهيم الشخصيّة أو الكلّيّة أو من المحسوسات أو المعقولات. فكلمة (هذا) موضوعةٌ لذلك، لكن لا على الإطلاق، بل فيما إذا اقترن بإشارةٍ خارجيةٍ،
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
كأن يشير بيده أو برأسه أو بعينه. ومن ثَمَّ نرى أنَّ بعض الكلمات يستعملها الإنسان من دون أن يشير إليها بجزءٍ من بدنه فيقول: (جئني بماءٍ أو غيره). وأمّا إذا قال: (هذا الماء) أو (هو الماء) فلابدَّ أن يشير بيده لتعيين ذلك الفرد؛ لأنَّ تعيّنه لا يكون إلَّا بإشارةٍ خارجيةٍ. فلو قال: (جئني بهذا الماء) ولم يشر إلى شيءٍ، يتحيّر السامع، ولا يكون الكلام مفهماً للمقصود، ولا تترتّب عليه غاية الوضع؛ لأنَّ غاية الوضع هي التفهيم والتفهّم. فلو قال: (هو ضربني) لا يستفاد مَن هو الذي ضربه من هذا الكلام.
فهذه الكلمات بعد التأمّل والرجوع إلى الوجدان نرى أنَّها لا تدلّ إلَّا على فردٍ من المفرد المذكّر أو المؤنّث، لكن بشرط الإشارة الخارجيّة باليد أو بالرأس أو غيره، فيقول ذلك المطلب ويُشير إليه.
وعليه فلا بدَّ من الالتزام بأنَّ الوضع في أسماء الإشارة من الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ؛ وذلك لأنَّ الإشارة الخارجيّة غير متناهيةٍ عرفاً، والمفروض أنَّ الوضع ليس بإزاء ذلك المفهوم، بل بإزاء مصاديقه التي تقع عليها الإشارة خارجاً، فالوضع عام، والموضوع له خاصّاً.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقع الكلام في أن الاستعمالات المجازيّة هل متوقّفةٌ على إذن الواضع، أم إنَّها غير متوقّفةٍ على ذلك، وإنَّما يكون الموجب لصحّة الاستعمال المجازي هو الحسن الطبعيّ؟
وقد وقع الخلاف في ذلك بين المحقّقين، فذهب المشهور(1) إلى أنَّ المجاز يحتاج إلى علاقةٍ، وحصروا هذه العلاقة في أُمورٍ، وذكروا أنَّ الوضع فيها نوعيٌّ، وأنَّ الواضع قد أذن باستعمال الألفاظ لغير ما وُضع له؛ لمشابهةٍ ما.
وقد أنكر صاحب (الكفاية)(2) ذلك، وذهب إلى أنَّ الاستعمال المجازيَّ تابعٌ للحسن الطبعيّ، ففي أي موردٍ يستحسن الطبع الاستعمال ويكون حسناً في نظر العرف، كان الاستعمال جائزاً. وفي موردٍ لا يكون كذلك، لا يكون جائزاً. ولا فرق بين إذن الواضع وعدمه في القسمين، فلو لم يأذن الواضع باستعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع، لم يكن ذلك موجباً لعدم صحّة الاستعمال، فالمدار هو ما يستحسنه العرف وما لا يستحسنه، كاستعمال القمر
ــــــــــ[163]ــــــــــ
(1) أُنظر: أبو الحسن الشعراني، المدخل إلى عذب المنهل في أُصول الفقه: 147، وضياء الدين العراقي، بدائع الأفكار: 87، الأمر الخامس فيما يصحّ به الاستعمال المجازي.
(2) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 13، المقدّمة، الأمر الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
في حسن الوجه، وغيرها من الاستعمالات العرفيّة.
والظاهر: أنَّ هذا النزاع باطلٌ من أصله، أي إنَّه لا مجال للنزاع في أنَّ الاستعمال تابع للحسن الطبعي أمَّ إنَّه تابع لإذن الواضع؛ وذلك لأمرين:
◙ الأوّل: أنَّ النزاع في أنَّ صحّة الاستعمال المجازيّ تابعٌ للحسن الطبعي أو تابعٌ لإذن الواضع يتوقّف على ثبوت الاستعمال المجازي في اللغة العربيّة أو غيرها من اللغات، وأنَّ اللفظ قد يُستعمل في معناه الموضوع له، أي: المعنى الحقيقي، وأُخرى يُستعمل في غير المعنى الموضوع له، مع أنَّ ذلك لم يثبت؛ إذ من المحتمل -كما جزم به السكّاكي(1)– أنَّ اللفظ يُستعمل دائماً في المعنى الموضوع له، غاية الأمر أنَّ التطبيق قد يكون ادّعائيّاً للمبالغة، وهذا يوجب حسن الاستعمال؛ لأنَّ المبالغة تُستحسن في الكلام. وقد ذكرنا في البحث الفقهي: أنَّ المبالغة ليست من الكذب؛ لوجود القرينة الخارجيّة على أنَّ المتكلّم حين استعمل اللفظ في موردٍ، إنَّما كان من جهة المبالغة، لا حقيقةً، واستعمالُ المبالغة بلا شكٍّ أبلغُ في تفهيم المقصود من استعمال اللفظ في معناه الحقيقيّ. ولذا نرى أنَّ قولنا: (زيدٌ أسدٌ) أبلغ وأكثر فائدةً للمقصود من قولنا: (زيدٌ رجلٌ شجاعٌ)، وكذلك الحال بالنسبة إلى قولنا: (زيدٌ حسنُ الوجه) وقولنا: (زيدٌ وجهُه كالقمر)؛ فإنَّه لا ينبغي الشكُّ في أنَّ الثاني أبلغ في إفادة المقصود من الأوّل؛ لأنَّ المبالغة توجب فهم المعنى على نحو التأكيد.
فإذا احتملنا هذا الأمر، كما جزم به السكّاكي -وهو غير بعيدٍ- وقلنا: إنَّ
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) أُنظر: السكاكي، مفتاح العلوم: 359.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الاستعمالات كلها لا تكون إلَّا بالمعنى الحقيقي، والمجاز إنَّما يكون في الإسناد أو التطبيق، ففي قولنا: (زيدٌ أسدٌ) لم يستعمل الأسد في مفهوم الشجاع، بل استعمل في معناه الحقيقي، ولكن أدّعي تطبيقيه على هذا الفرد، وعليه فلا يبقى موضوعٌ لهذا البحث؛ ليقال أنَّ استعمال اللفظ في المعنى المجازي هل يدور في صحته على إذن الواضع أم يكفي فيه صحّة الاستعمال؟ فالاستعمال المجازي لا موضوع له، إذ لا يوجد استعمال مجازي، بل اللفظ دائماً يستعمل في المعنى الحقيقي، وإنَّما يكون التطبيق من جهة الادعاء، وذلك من جهة المبالغة.
وقد ذكر صاحب (الكفاية)(1) نظير ذلك في قوله: “لا صلاةَ لجار المسجد إلا في المسجد”(2)؛ وذلك أنَّ المنفيَّ هنا إنَّما هو المعنى الحقيقيّ، ولكنّه مبنيٌّ على المبالغة لا الحقيقة، أي: المبالغة في التطبيق، وادّعاء أنَّها ليست صلاةً حقيقةً، وهذا النحو من التطبيق أكثر مبالغةً ممّا إذا قدّرنا كلمة الكمال فقلنا: (لا صلاةَ كاملةً لجار المسجد إلَّا في المسجد). فلا يبقى موضوع لهذا النزاع؛ لأنَّ الاستعمالات حقيقية دائماً.
◙ الثاني: لو تنزّلنا وقلنا: إنَّ الاستعمال المجازيَّ موجودٌ في اللغة، وأنَّ لفظ الأسد -في المثال المتقّدم- استُعمل في الرجل الشجاع؛ فإنَّ النزاع في (دوران
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 29، المقدّمة، الأمر العاشر.
(2) الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 92، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث 93، الحر العاملي، وسائل الشيعة 5: 194، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساجد، الباب 2، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
صحّة الاستعمال مدار إذن الواضع وعدمه) يتوقّف على كون الواضع شخصاً معيّناً أو جماعةً معيّنين، وأما إذا فرضنا أنَّ الواضع ليس شخصٌ معيّنٌ أو جماعةٌ معيّنةٌ -كما سبق بيانه- وهو كذلك، بل البشر حسب رقيّهم شيئاً فشيئاً وحسب ازدياد حاجاتهم تدريجيّاً احتاجوا إلى وضع الألفاظ لإبراز مقاصدهم.فإنَّ الرجل البدويّ لا يحتاج إلى كثيرٍ ممّا يحتاج إليه الحضريّ، ومن هنا يستعمل الحضريّ من الألفاظ أكثر من البدويّ؛ لأنَّ حاجاته أكثر، وهكذا ازدادت الحاجات شيئاً فشيئاً، فوجد الوضع، وتزايد شيئاً فشيئاً. إذن فليس الواضع شخصاً معيّناً أو جماعةً، ليتكلّم في أنَّ الاستعمال المجازي هل يتوقّف على إذن الواضع أو لا، ولا سيّما بناءً على ما ذكرناه من أنَّ كلَّ مستعملٍ هو واضعٌ؛ لأنَّ حقيقة الوضع هي التعهّد، كما سبق أن تقدّم، وعليه فلا يبقى مجالٌ لهذا النزاع حتّى لو التزمنا بوجود الاستعمال المجازيّ في اللغة؛ وذلك لأنَّ الواضع، بل كل فرد تعهّد أنَّه متى ما أراد تفهيم معنىً معيّنٍ، فإنَّه يتكلّم بلفظٍ خاصٍّ من دون أن ينصب قرينةً على ذلك، بل نفس اللفظ كافٍ في إفادة المعنى.
وكما التزم بذلك التزم بتفهيم معنى آخر مع القرينة، ولا نرى محذوراً في ذلك، فلو فرضنا أنَّ زيداً بخصوصه قال لجماعةٍ: إنَّني إذا تكلّمت بهذا اللفظ بلا قرينةٍ على الخلاف، فإنَّي أُريد به المعنى الكذائي، وإذا نصبتُ قرينةً على الخلاف؛ فإنَّي أُريد به المعنى الكذائي، فإنَّ هذا ليس فيه محذورٌ أبداً.
إذن فلا يبقى مجال للبحث في أنَّ الاستعمالات المجازيّة هل تتوقّف على إذن الواضع أو على الحسن الطبعي؟ فإنَّه لا هذا ولا ذاك! بل إنَّ الاستعمالات ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المجازيّة -على تقدير تسليمها- إنَّما تتبع التعهّدات الخارجيّة الصادرة من المتكلّم من أنَّه متى ما نصب قرينةً على عدم إرادة المعنى الحقيقي بهذا اللفظ، فإنَّه يريد المعنى الكذائي. وهذا لا محذور فيه أصلاً.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر الخامس: استعمال اللفظ في نوعه، أو شخصه، أو صنفه، أو جنسه
ــــــــــ[169]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذكر صاحب (الكفاية)(1) -بعد أن اختار أن المعنى المجازيَّ غير تابعٍ لإذن الواضع، وإنَّما يدور مدار الحسن الطبعي- أنَّ من هذا القبيل استعمال اللفظ في نوعه أو جنسه أو صنفه أو شخصه على إشكالٍ في استعماله في شخصه. واعتبر ذلك كلّه من الاستعمال الذي يستحسنه الطبع، ولا يتوقّف على إجازة الواضع، وإلَّا لكانت المهملات أيضاً موضوعةً، مع أنَّ المهمل في مقابل المستعمل، وقد نرى أنَّ هذا الاستعمال جائزٌ في المهملات، فيقال: (ديز) مهمل أيضاً، فصحّة الاستعمال إذن تابعةٌ للحسن الطبعيّ، لا لإذن الواضع.
والوجه في ذلك -على ما أفاده(2)-: أنَّ الحسن الطبعيّ الذي كان في مورد الاستعمالات المجازيّة إنَّما نشأ من مناسبةٍ بين المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازيّ، فشدّة المناسبة أوجبت أن يصحّ استعمال لفظٍ موضوعٍ لأحد المعنيين في الآخر، فكأنَّ الآخر هو ذلك المعنى بعينه؛ لشدّة العلاقة بينهما، فيحسّن
ــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 14، المقدّمة، الأمر الرابع.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم: 13.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الطبع استعمال اللفظ الموضوع لأحد المعنيين في المعنى الآخر.
ومن الواضح أنَّ مناسبة اللفظ المستعمل مع طبيعيّه أو مثله أو شخصه إنَّما هي مناسبةٌ ذاتيّةٌ، واستعمال اللفظ الموضوع للفرد في طبيعيّه أو المماثل مع مماثله أو الفرد في الصنف لا يحتاج إلى شيءٍ آخر؛ بعد أن كانت المناسبة بينهما ذاتيّةً، والمناسبة الذاتيّة أقوى من المناسبة العرضيّة الناشئة من جهة المشابهة وغيرها.
وممّا يدلّ على عدم احتياج مثل هذه الاستعمالات إلى الوضع هو صحّة استعمال المهملات في النوع والمثل والشخص، ولا يمكن الالتزام بأنَّ يكون المهمل موضوعاً أيضاً، وإلَّا لم يوجد لفظٌ مهملٌ أصلاً(1).
ــــــــــ[172]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم: 14.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أنَّ ما ذكره صاحب (الكفاية) مبنيٌّ على أن يكون الواضع شخصاً واحداً أو جماعةً معيّنةً، وإلَّا لو فرضنا أنَّ كلَّ مستعملٍ هو واضعٌ، كما سبق أن ذكرنا، فلا مانع من الالتزام بالوضع في المقام، فنقول: إنَّ المهملات موضوعةٌ للدلالة على نوعها أو مثلها أو صنفها. أي: إنَّ كلَّ متكلّمٍ تعهّد بأنَّه كلّما أراد تفهيمَ طبيعيِّ هذا اللفظِ الشخصيِّ، فإنَّه يستعمل اللفظ في الطبيعيّ من جهة التعهّد الذي هو حقيقة الوضع. فكما أنَّ المستعملين قد تعهّدوا باستعمال اللفظ في معنىً مغايرٍ، كذلك تعهّدوا في استعمال اللفظ في طبيعيّه أو في مثله أو شخصه، وكلّ هذه الفروض ممكنةٌ. فيصحّ إذن أن يُقال: إنَّ الاستعمال في هذه الموارد حقيقيٌّ لا أنَّها ليست بحقيقية ولا مجازية؛ لعدم العلاقة بين هذه المعاني وما هو الموضوع له اللفظ، بل هي استعمالاتٌ حقيقيّةٌ فيما وضع له اللفظ؛ لأنَّ حقيقة الوضع ليس إلا التعهّد وهو ملحوظٌ في المقام.
ودعوى: أنَّه بناء على هذا لا يبقى لفظٌ مهملٌ -بل يكون كلُّ لفظٍ موضوعاً لمعنى- غيرُ مسموعةٍ؛ فإنَّ المهمل المقابل للمستعمل هو ما لا يكون له معنى غير نفسه وغير طبيعيّه، فإذا أراد المتكلّم أن يُفهم معنى آخر باللفظ المهمل مثل (ديز)، فإنَّه لا يمكنه ذلك؛ لأنَّه ليس له معنى. وأمّا وضع اللفظ
ــــــــــ[173]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
للطبيعيّ أو نوعه أو مثله أو شخصه فلا يكون مهملاً.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ اللفظ مهملٌ من ناحية استعمال اللفظ في غيره نفسه، وأمّا استعماله في نفس اللفظ فلا يُقال عنه: إنَّه مهملٌ.
إذن، فالاستعمال يدور أمره بين الحقيقة والمجاز، وليس هاهنا قسمٌ آخر يصحّحه الحسنُ الطبعيُّ ولا يكون حقيقةً ولا مجازاً.
فالصحيح أن يُقال: إنَّه لا استعمال في هذه الموارد أصلاً ليقال: إنَّه لا حقيقيٌّ ولا مجازٌ، أو إنَّه حقيقيٌّ، كما سبق قبل قليلٍ؛ فإنَّ استعمال اللفظ في نوعه وشخصه وصنفه خارجٌ عن باب الاستعمال وإن كان يعبّر عنه بالاستعمال.
وبيان ذلك: أنَّنا قد ذكرنا سابقاً أنَّ الإنسان باعتباره مدنيَّ بالطبع احتاج إلى إبراز مقاصده بمبرزٍ؛ فإنَّ المقاصد التي تتعلّق بها الإرادات الشخصيّة لا يمكن أن تبرز بمبرزٍ غير اللفظ أو الإشارة، والإشارة غير كافيةٍ وغير وافيةٍ بالمقصود، لأنَّها غير صالحةٍ في موارد إرادة تفهيم الأُمور المعقولة التي لا يمكن أن تتبيّن بإشارةٍ خارجيّةٍ، أو الأُمور المستحيلة أو الأُمور الانتزاعيّة التي تنتزع من نفس الماهيّة، كالإمكان المنتزع من الإنسان.
ومن هنا ذكرنا: أنَّه لا بدَّ من اللفظ في تفهيم المقاصد، وهذا هو الذي يميّز الإنسان عن سائر الحيوانات، وأنَّ الله تعالى منّ عليه أنَّه علّمه البيان، وهو تمكّنه من تفهيم مقاصده بالألفاظ. وهذه الحكمة إنَّما تجري فيما إذا لم يمكن للإنسان أن يحضر نفس المعنى في ذهن المخاطب، فلابدَّ من إحضاره بواسطةٍ، والواسطة هي اللفظ. فإذا أراد أن يفهم مفهوم الماء، وكان لا يمكنه أن يحضر الماء خارجاً،
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لا سيّما إذا كان الماء في مكانٍ بعيدٍ عن بلده كالبحر؛ فإنَّه لا يمكنه تفهيم البحر إلَّا باستعمال لفظٍ موضوعٍ لهذا المعنى، فيقول: (ماء البحر طاهرٌ لا ينجس بالملاقاة). ولأجل ذلك احتجنا إلى وضع الألفاظ لتفهيم المعاني التي لا يمكن إحضارها بنفسها.
وأمّا لو فرضنا أنَّ المقصود يمكن أن يُفهم بلا واسطةٍ، فلا نحتاج إلى وضعٍ أصلاً، بل نحضره في ذهن السامع ابتداء بلا واسطةٍ، كما هو الحال في الألفاظ، فإذا أردنا أن نفهم السامع أن القصد والإرادة تعلّقت بتفهيم هذه الكلمة وهي كلمة زيد مثلاً، فإنَّ هذه الكلمة قابلة للتفهيم والإحضار في ذهن المخاطب والسامع بنفسها من دون الحاجة إلى واسطة في التفهيم.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ المعاني الأُخرى التي وُضعت لها الألفاظ غير قابلةٍ للحضور في ذهن المخاطب ابتداءً، وإنَّما الحاضر ابتداءً هو اللفظ، فإذا تكلّمنا بلفظ (زيد)، فأوّلُ ما ينتقل إليه السامعُ هو نفس هذا اللفظ، وبما أنَّه عالمٌ بالوضع وبتعهّد المتكلّم، فإنَّه ينتقل بعد هذا الانتقال -بعداً رتبيّاً لا زمانيّاً- إلى معنى زيد، لأنَّه عالمٌ بتعهّد المتكلّم أنَّه متى ما تكلّم بهذا اللفظ في مقام التفهيم، فإنَّه يريد تفهيم معنىً خاصٍّ.
فهنا حضوران في النفس: أحدهما حضورٌ سابقٌ في الرتبة، وهو حضور اللفظ بشخصه في ذهن السامع، وحضورٌ لاحقٌ في الرتبة، وهو أن ينتقل السامع من تصوّر اللفظ إلى المعنى، فيحصل المعنى في ذهنه، فيفهم المقصود. هذا في الألفاظ الموضوعة للمعاني.
ــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأمّا اللفظ بنفسه، يعني إذا أراد المتكلّم أن يُفهم نفس اللفظ، كما لو قال: (زيدٌ ثلاثيّ)، فإنَّ هذا لا يتوقّف على معنىً آخر يحضر في ذهن المخاطب أوّلاً، ثُمَّ ينتقل المخاطب منه إلى اللفظ؛ لأنَّ اللفظ يحضره بنفسه عن طريق السماع ابتداءً، فلا يحتاج إلى وضعٍ وإلى استعمال لفظٍ في معنىً أصلاً، بل يكون الحاضر لدى المخاطب، وما قصد المتكلّم تفهيمه هو ما يلقيه المتكلّم إلى المخاطب بنفسه.
فالظاهر هنا: أنَّه لا استعمال في هذه الموارد أبداً، وإنَّما يكون الموضوع المراد تفهيمه موجود بنفسه في الخارج ويلقى إلى المخاطب، والمخاطب يفهمه وينتقل إليه، ويحكم عليه بحكمٍ، فيقول: (إنَّ كلمة زيد ثلاثيٌّ في مقابل الرباعي كجعفر). فالمتكلّم أتى بفردٍ من أفراد الطبيعة، ولكنّ الحكم لا يثبت للفرد، وإنَّما بإلغاء الخصوصية في الخارج. وبذلك يمكن أن نُفهم المخاطب بأنَّ هذه الطبيعة محكومةٌ بهذا الحكم؛ فإن الكلّيَّ الطبيعيَّ بنفسه موجودٌ في الخارج وإن كان الموجود فرداً؛ أي إنَّ هذا الوجود الواحد كما يُضاف إلى الفرد، كذلك يُضاف إلى الطبيعيّ. فإذا قلنا: (زيد)، فقد أوجدنا موجوداً في الخارج، وحقيقة الإنسان موجودةٌ في الخارج بهذا الوجود، فلهذا يصحّ أن يُقال: (الإنسان موجودٌ)؛ إذ الحمل لا يصحّ إلَّا مع الاتّحاد في الوجود.
إلَّا أنَّ الحكم قد يترتّب على الموجود خارجاً بما هو شخصٌ، لا بما هو كلّيّ، ويكون هذا الوجود المضاف إلى الشخص هو الموضوع للحكم، فنشير إلى زيدٍ فنقول: (زيدٌ ابن عمرو)، فتدلّنا القرينة على أنَّ الموضوع للحكم هو الوجود
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المضاف إلى الشخص، أي: إنَّ الماهية الشخصيّ الذي وُجدت بهذا الوجود هو ابن عمرو.
وقد نشير إلى الفرد الخارجي، وتدلّنا القرينة على أنَّ المشار إليه هو الوجود بما أنَّه مضافٌ إلى الطبيعيّ لا إلى الشخص، فنحكم عليه بحكمٍ فنقول: (هذا عصفورٌ)، و(هذه عقربٌ)، في مقام تعليم من لم يرَ العصفور والعقرب. وهكذا في كلّ الموارد التي يكون المشار إليه فيها هو الطبيعيّ، كما إذا قيل لمن لم يرَ الأسد: (هذا أسدٌ)، ولا يُراد من ذلك إفهام أنَّ هذا الفرد هو أسدٌ، بل إفهام أنَّ كلّ ما يكون بهذا الشكل والأوصاف هو أسدٌ.
فإذا قلنا: (زيدٌ ثلاثيّ)، وأردنا إثبات الحكم للطبيعي، فبقولنا: (زيدٌ) فقد وجد فرد لهذا الطبيعي، ووجدت طبيعة هذا الكلي بوجود الفرد، فإنَّ الوجود وإن كان واحداً إلاَّ أنَّ الموجود اثنان، بمعنى أنَّ الوجود أُضيف للماهية الشخصية، وأُضيف أيضاً إلى الماهية الكلية. فيقال: (زيدٌ ثلاثيٌ) ويراد بذلك أنَّ هذا الوجود بما أنَّه مضاف إلى الطبيعي فهو ثلاثي، فقد أليقنا نفس الموضوع في الخارج، وأحضرناه في ذهن المخاطب بلا واسطةٍ، وليس هذا من استعمال اللفظ في النوع؛ لأنَّ استعمال اللفظ في النوع لا يتحقق بعد فرض أنَّ المقصود بنفسه وجد في الخارج وألقي في ذهن المخاطب، وإنَّما نحتاج إلى الاستعمال فيما إذا لم يمكن إحضار المقصود خارجاً وإلقاءه في ذهن المخاطب، فحينئذ نحتاج إلى لفظ لتفهيمه.
وأمّا في مقامنا فيصبح الوضع لغواً، كما لو صرّح الواضع بقوله: (وضعت
ــــــــــ[177]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لفظ زيد لطبيعيّها)، فالوضع هنا لغوٌ؛ إذ لا حاجة إلى الوضع؛ بعد أن كان المعنى بنفسه قابلاً للحضور. ومن الواضح أنَّه لا استعمال هنا حتّى يتكلّم في أنَّه حقيقةٌ أو مجازٌ، أو لا حقيقةٌ ولا مجازٌ، أو أنَّ صحّة الاستعمال متوقّفةٌ على إذن الواضع أو على الحسن الطبعي. فالقضيّة سالبةٌ بانتفاء الموضوع؛ إذ لا استعمال في المقام ليكون حقيقةً أو مجازاً، أو لا حقيقةً ولا مجازاً.
ثُمَّ إنَّه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الاستعمال عبارةً عن جعل اللفظ فانياً في المعنى -كما ذهب إليه صاحب (الكفاية)(1)– وبين أن يكون عبارةً عن جعل اللفظ أمارةً على المعنى، كما ذهبنا إليه؛ فإنَّه على كلا التقديرين لا بدَّ في الاستعمال من وجود أمرين: أحدهما يكون فانياً في الآخر أو أمارةً عليه. وأمّا إذا كان المقصود تفهيمه حاضراً بنفسه في الذهن من دون أن يكون هناك شيءٌ فانٍ فيه أو أمارةٌ عليه، فلا يمكن الاستعمال حينئذٍ.
ــــــــــ[178]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 36، المقدّمة، الأمر الثاني عشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وتوضيح ذلك: أنَّ الأقسام التي ذكرها صاحب (الكفاية)(1) لمثل هذا الاستعمال أربعةٌ:
الأوّل: استعمال اللفظ في شخصه.
الثاني: استعمال اللفظ في نوعه.
الثالث: استعمال اللفظ في صنفه.
الرابع: استعمال اللفظ في مثله.
أمّا استعمال اللفظ وإرادة شخصه: بأن يتكلّم المتكلّم بلفظٍ خاصٍّ يوجده بوجودٍ شخصيّ، ويكون المقصود تفهيمه هو هذا الشخص بعينه، فلا يتصوّر هنا الاستعمال، وإلَّا لكان الدالّ والمدلول شيئاً واحداً، وهو مستحيلٌ. بل الموجود في الخارج هو الذي يحضر في ذهن المخاطب، مع إلغاء الخصوصيّة، فيحكم عليه بحكمٍ معيّنٍ. فليس هناك دلالةٌ؛ لأنَّها ممتنعةٌ؛ إذ يستحيل أن يكون الشيء الواحد دالاً ومدلولاً في نفس الوقت. فلا استعمال هنا.
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم: 14، المقدّمة، الأمر الرابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأجاب صاحب (الكفاية)(1): بأنَّه لا مانع من اتّصاف الشيء الواحد بكونه دالاً ومدلولاً باعتبارين: فباعتبار أنَّه لفظٌ صادرٌ من المتكلّم فهو دالٌّ، وباعتبار أنَّه هو المقصود تفهيمه فهو مدلولٌ. أي: مع لحاظ الاختلاف بالحيثيّة والاعتبار يمكن صدق كلا العنوانين على الشيء الواحد، فيكون من جهة دالاً، ومن جهة أخرى مدلولاً.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم: 14-15، المقدمة، الأمر الرابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ما أفاده لا بأس به في الدلالة التكوينيّة؛ فإنَّ جميع الأفعال كذلك؛ إذ الفاعل المختار إذا صدر منه فعلٌ مّا، فالفعل بما أنَّه صادرٌ منه دالٌّ، وبما أنَّ الفعل اختياري يكشف صدوره عن أنَّه صدر عن قصدٍ وإرادةٍ تعلّقت به فهو مدلولٌ. فالفعل من حيث الصدور دالٌّ، ومن حيث كشفه عن تعلّق الإرادة به مدلولٌ.
وأمّا الدلالة اللفظيّة التي هي محلّ كلامنا -أي: استعمال اللفظ في نفسه وجعله فانياً بنفسه ودالاً على نفسه- فهذا أجنبي عن الدلالة التكوينية.
وبعبارة أخرى: كلامنا في الدلالة اللفظية التي هي سنخ استعمال الألفاظ في بقية المعاني، وأمّا الدلالة التكوينية فهي مشتركة بين اللفظ وغيره، فكل ما صدر من المكلف من لفظ أو غيره يكون دالاً على تعلّق الإرادة به؛ لأنَّه فعلٌ اختياريٌّ، وهو لا يصدر إلَّا عن مقدّماتٍ اختياريّةٍ إحداها الإرادة. فتكون هذه الدلالة أجنبية عن محل الكلام.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقد أجاب شيخنا المحقّق(1) عن هذا الإشكال: بأنَّه لا مانع من اجتماع العنوانين المتضايفين في شيءٍ واحدٍ.
وبيان ذلك: أنَّهم ذكروا أنَّ التقابل على أقسامٍ منها: تقابل الضدّين وتقابل المثلين وتقابل العدم والملكة وتقابل المتضايفين، وذكروا أنَّ المتضايفين متقابلان، لا يجتمعان، كالفوقية والتحتية، والأبوة والبنوة، ولكن ليس مرادهم من هذا الكلام أنَّ المتضايفين متقابلان على الإطلاق، بل إنَّ من أقسام التقابلِ التقابلَ بين المتضايفين، أي: أنَّ التقابل يختصّ بالضدّين والمثلين والعدم والملكة وبالمتضايفين، لا أنَّ كلّ متضايفين لا يجتمعان في شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّنا نجد أنَّ من المتضايفين لا تقابل بينهما، ويجتمعان في مورد واحد، كالمحبّة والمحبوبيّة؛ فإنَّ كلَّ شاعرٍ مدركٍ عاقلٍ يحبُّ نفسه؛ فإنَّ الإنسان محبٌّ لنفسه لا محالة، وهو نفسه المحبوب، وكذلك العالميّة والمعلوميّة، فالله سبحانه هو العالم، وهو المعلوم في نفس الوقت، فلا تنافي في أن يجتمع المتضايفان في شيءٍ واحدٍ. وإنَّما لا يمكن
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) أُنظر: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 36-37، المقدمة: في صحة إطلاق اللفظ وإرادة شخصه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
اجتماع المتضايفين فيما إذا كان هناك أمرٌ آخر يقتضي الاستحالة، كالعلّيّة والمعلوليّة، فهما متضايفان لا يجتمعان، فلا يمكن أن يكون الشيء الواحد سابقاً ولاحقاً، كما في الأُبوّة والبنوّة؛ إذ لا يُعقل أن يكون المتولّد والمتولّد منه واحداً. فيحتاج استحالة الاجتماع في المتضايفين إلى أمرٍ خارجيّ، وإلَّا فنفس عنوان التضايف لا ينافي الاجتماع.
فيبقى الكلام في أنَّ الدلالة اللفظيّة هل هي من القسم الأوّل من المتضايفين كالعالميّة والمعلوميّة، فيمكن أن يجتمعا في شيءٍ واحدٍ، أم هي من القسم الثاني كالعلّيّة والمعلوليّة فيُقال بأنَّهما لا يجتمعان؟ ذكر أنَّ الأقرب هو الأوّل؛ إذ ورد في الدعاء: “يا من دلّ على ذاته بذاته”(1) فالدالّ هو الله تعالى وهو المدلول أيضاً، فاجتمع الدالّ والمدلول في شيءٍ واحدٍ، وهذا أمرٌ ممكنٌ. فلا مانع من الالتزام باستعمال اللفظ في نفسه، فيكون هو نفسه دالاً ومدلولاً.
ــــــــــ[183]ــــــــــ
(1) العلامة المجلسي، بحار الأنوار 84: 339، كتاب الصلاة، أبواب النوافل اليوميّة، وفضلها وأحكامها وتعقيباتها، الباب 13، الحديث 19.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وما ذكره لا إشكال فيه من حيث الكبرى؛ فإنَّ التضايف لا يقتضي التقابل. بل التقابل يتحقّق في التضايف، لا أنَّ كل متضايفين هما من المتقابلين، وهذا صحيح، ولذا يرى أنَّ العالمية والمعلومية والمحبة والمحبوبية من المتضايفين.
وأمّا ما ذكره من أنَّ الدلالة من هذا القبيل، ففيه تفصيل:
فإن كانت الدلالة تكوينيّةً، فالأمر كما ذكره؛ فإنَّ الله (عزَّ وعلا) هو الدالّ على نفسه، وهو المظهر للأشياء الدالّة عليه. وقد ورد في دعاء عرفة: “أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتّى يكون هو المظهر لك؟!”(1)؛ إذ ليس هناك شيءٌ أظهر منه تعالى، وكلُّ ظهورٍ ينتهي إلى ظهوره، وأشّعةٌ نوره. إذن يصحّ أن يُقال: إنَّه تعالى دلّ على ذاته بذاته بإظهار المصنوعات وخلق المخلوقات، بل لا يُعقل غير ذلك؛ فإنَّ غيره سبحانه إمّا أن يكون أمراً موجوداً أو معدوماً. أمّا المعدوم فغير قابلٌ لأنْ يكون مظهراً لله تعالى؛ لأنَّه بطلانٌ محضٌ، وكيف يكون ما هو باطلٌ بذاته وظلمةٌ في نفسه مظهراً لأمر آخر؟! وأمّا
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) السيد ابن طاووس، إقبال الأعمال 1: 349، فصل فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار 95: 226، كتاب أعمال السنين والشهور، أبواب ما يتعلّق بشهر ذي الحجّة، الباب 2.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الموجود فإنَّه ينتهي إليه تعالى؛ لأنَّه فعلٌ من أفعاله، ولا يُعقل أن يكون ظهور الفعل أقوى من ظهور الفاعل. وحينئذٍ فلابدَّ أن ينتهي الظهور إليه، كما ورد في الحديث القدسيّ: “كنت كنزاً مخفيّاً، فأحببتُ أنْ أُعرف، فخلقت الخلق لكي أُعرف”(1)، وسواء صحّ الحديث أو لم يصح، فإنَّ المطلب صحيح، أي إنَّ الظهور وإن انتهى إلى الظهور الأوّليّ الذاتيّ -أي: ظهور الله سبحانه، فيكون الشيء دالاً ومدلولاً- إلَّا أنَّ هذه الدلالة ذاتيّةٌ.
كما يمكن أن يكون المراد من قوله: “يا من دلّ على ذاته بذاته” الإشارة إلى الدلالة التشريعيّة، أي: الهداية من الله (عزّ وعلا) بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإعطاء العقل والإدراك. ومنه ما ورد في الدعاء: “بك عرفتك، وأنت دللتني عليك …”(2) فلولا أنَّه تعالى يعطي العقل للإنسان وينزّل الكتب ويرسل الرسل، فلعلّ البشر بأجمعهم بقوا غافلين عن الصانع (عزّ وعلا).
وعليه فلا مانع من أن يكون الدالّ والمدلول أمراً واحداً، بحسب الدلالة
ــــــــــ[185]ــــــــــ
(1) أُنظر: الحافظ رجب البرسي، مشارق أنوار اليقين: 41، فصل الوجود المطلق والمقيّد، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار 84: 199، كتاب الصلاة، أبواب النوافل اليوميّة …، الباب 12، ذيل الحديث 6.
اشتهر هذا الحديث على الألسُن تحت عنوان أنَّه حديث قدسيّ، ولا يعرف له في كتب المسلمين سند، لا صحيح ولا ضعيف.
(2) الشيخ الطوسي، مصباح المتهجّد 2: 582، دعاء السحر في شهر رمضان، والسيد ابن طاووس، إقبال الأعمال 1: 157، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 4، فصل فيما نذكره من أدعية تتكرّر كلّ ليلة منه وقت السحر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
التشريعيّة أو الدلالة التكوينيّة.
وأمّا بالنسبة إلى الدلالة الاستعماليّة اللفظيّة التي هي محلّ البحث فلا يمكن أن يجتمع هذان العنوانان في شيءٍ واحدٍ، فيكون اللفظ الواحد دالاً ومدلولاً؛ وذلك لما ذكرناه من أنَّ الدلالة إمّا بإفناء اللفظ في المعنى، أو بجعله علامةً للمعنى، وعلى كلا التقديرين فلابدَّ هنا من وجودين في النفس: وجودٍ لفظ يكون علةً لوجود المعنى، ويحضر المعنى في ذهن المخاطب من جهة حضور الدال وهو اللفظ، فكيف يمكن أن يكون شيئاً واحداً علة لحضور نفسه، فيكون بما هو دالٌّ علّةً، وبما هو مدلولٌ معلولاً؛ فإنَّه لا يُعقل اجتماع العلّيّة والمعلوليّة في شيءٍ واحد.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
قد يقال: إنَّه لولا الاستعمال، لكانت جملة (زيدٌ لفظٌ) مركّبةً من جزئين فقط هما: المحمول والنسبة، مع أنَّه لا بدَّ في كلّ جملةٍ من ثلاثة أجزاءٍ هي: الموضوع والمحمول والنسبة، وعليه فلا موضوع للقضيّة اللفظيّة؛ لأنَّ المفروض أنَّه لم يُستعمل شيءٌ في المعنى، وإنَّما أُتي بالموضوع بنفسه، فالقضية اللفظية فاقدةٌ للموضوع.
والجواب عن هذه الشبهة ظاهرٌ؛ إذ إنَّ القضيّة اللفظيّة وإن لزم أن يكون فيها ثلاثة أجزاء، إلَّا أنَّه لا دليل على أنَّ الموضوع دائماً لا بدَّ أن يُحكى بحاكٍ ويُبرز بمبرزٍ؛ فإنَّ من المعاني ما لا يمكن إحضاره بنفسه في الذهن، فلابدَّ في مقام التفهيم له من لفظٍ يدلّ عليه، ومنها ما يمكن إحضاره بنفسه، فلا نحتاج فيه إلى أيّ وجودٍ مبرزٍ وحاكٍ له.
وبعبارةٍ أوضح: نسلّم أنَّ القضيّة اللفظيّة في المقام لا حاكي لموضوعها، إلَّا أنَّه لم يدلّ دليلٌ على أنَّ الموضوع في القضيّة اللفظيّة لا بدَّ أن يكون لفظاً مبرزاً للمعنى. بل إنَّ القضيّة اللفظيّة كالقضيّة المعقولة لا بدَّ فيها من الأجزاء الثلاثة: الموضوع والمحمول والنسبة. والموضوع هنا موجود، أي إنَّ ما تعلّق القصد بتفهيمه قد أتينا به في الخارج بنفسه من دون مبرزٍ.
ــــــــــ[187]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فإن أراد المستشكل: أنَّ القضيّة اللفظيّة المذكورة ليس لها موضوعٌ حاكٍ عن المقصود، فهذا صحيحٌ، إلَّا أنَّه لا ملزم للالتزام بوجود المبرز والحاكي. وإن أراد: أنَّه لا موضوع للقضيّة أصلاً، فهو خلاف الوجدان؛ لأنَّنا أتينا بالموضوع بنفسه، وألقينا به إلى المخاطب بنفسه، فالموضوع متعقّلٌ كتعقّل المحمول والنسبة. غايةُ الأمر أنَّ الموضوع هو بنفسه المقصود تفهيمُه، لا أمرٌ آخر مبرزٌ له. ولا ملزم لنا بالقول بوجود مبرزٍ وحاكٍ في القضيّة اللفظية أصلاً. ونظير ذلك ما إذا أرينا المخاطب صورة زيدٍ وقلنا: (زيد)، فنكون قد أحضرنا صورة زيدٍ بنفسه في ذهن المخاطب، فكيفُ يقال: إنَّه لا موضوع لهذه القضيّة مع أنَّنا قد أحضرنا الموضوع في الخارج؟!
وعليه فالقضيّة اللفظيّة لها موضوعٌ، وهي مركّبةٌ من أجزاء ثلاثةٍ، غاية الأمر أنَّ الموضوع فيها هو نفس ما تعلّق القصد بتفهيمه لا حاكيَ له، ولا حاجة إلى الالتزام بوجود الحاكي والمبرز، فالإشكال ساقطٌ من أصله.
إذن، إذا أُطلق اللفظ وأُريد به شخصه، فإنّا نلتزم بعدم الاستعمال، بل إنَّ الموضوع بنفسه أُحضر لدى المخاطب في الخارج، وحُكم عليه بحكمٍ. فالقضيّة اللفظية مركّبةٌ من نفس الموضوع ومن الحاكي عن المحمول ومن الحاكي عن النسبة.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وبعد أن تبيّن: أنَّ إطلاق اللفظ وإرادة شخصه ليس من باب الاستعمال، يظهر الحال فيما لو أُطلق اللفظ وأُريد به نوعه؛ فإنَّه أيضاً كذلك؛ لأنَّ الكلّي الطبيعي يوجد بوجود فرده. فإذا وجد الفرد في الخارج، فكما أنَّ هذا الوجود مضافٌ إلى الفرد، فكذلك هو مضافٌ إلى الكلّي الطبيعي، وقد يُحكم عليه باللحاظ الأوّلي، أي: بلحاظ إضافته إلى الفرد، وقد يُحكم عليه باللحاظ الثانوي، أي: بإضافته إلى الطبيعي. فإذا تكلّم المتكلّم بلفظ زيدٍ، فهذا فردٌ وشخصٌ لا محالة، ولكن الكلّيَّ موجودٌ بوجود هذا الفرد. ففي ذهن السامع سوف يحضر الشخص ويحضر الكلّي أيضاً؛ لأنَّ الكليّ يوجد بوجود فرده؛ فإنَّ الموجود الذهني يمكن أن يتّصف بالكلّية؛ لأنَّه قابلٌ للانطباق على كثيرين، كما في غير الألفاظ نحو تصوّر مفهوم الإنسان، فهو وإن كان وجوداً شخصيّاً؛ باعتبار أنَّ الوجود ملازمٌ للتشخّص، إلَّا أنَّ ذات الموجود كلّيٌّ قابلٌ للانطباق على كثيرين. وكذلك بالنسبة إلى اللفظ إذا تصوّرناه؛ فإنَّه وإن كان المتصوّر شخصيّاً، إلَّا أنَّه قابلٌ للانطباق على كثيرين، نحو قولنا: (زيدٌ ثلاثيّ)؛ أي إنَّ كلّ كلمةٍ مركّبةٍ من هذه الحروف الثلاثة بهذا التركيب المعيّن، هي قابلة للإنطباق على الطبيعي، ومحكومة بهذا الحكم.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فإذا قلنا: (زيدٌ لفظٌ)، وأردنا به إثبات الحكم لطبيعيِّ كلمةِ (زيد)، فالكلّيُّ قد حضر في ذهن السامع بنفسه من دون حاجةٍ إلى حاكٍ؛ بل الوجدان قاضٍ بأنَّنا إذا قلنا: (زيدٌ لفظٌ) فإنَّ هذا اللفظ الكلّيَّ لا يوجد بوجودين في ذهن المخاطب؛ إذ لا استعمال هنا ليقال: إنَّه موجودٌ بوجودين يكون أحدهما كاشفاً عن الآخر؛ لأنَّ هذا إنَّما يمكن في اللفظ والمعنى. وأمّا إذا كان اللفظ هو الموضوع وهو الحاضر في الذهن بنفسه، فليس هناك وجوداتٌ متعدّدةٌ، بل لفظ (زيدٌ) يوجد في الذهن بنفسه، ويُحكم عليه بأنَّه ثلاثي.
فقد اتّضح: أنَّ الأحكام الثابتة للألفاظ في هذا القسم لا يمكن فيها الاستعمال، بل هي إيجادٌ للفظ بنفسه والحكم عليه بحكمٍ. وغاية الفرق بين القسم الأوّل والثاني: أنَّ القسم الأوّل إنَّما يثبت الحكم فيه بلحاظ إضافته إلى الفرد، وفي القسم الثاني إنَّما يثبت الحكم فيه بلحاظ إضافته إلى الطبيعيّ.
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وهو ما إذا أُطلق اللفظ وأُريد به صنفه نحو: (زيدٌ في ضرب زيدٌ فاعلٌ)، وأُريد به أنَّ هذه الجملة إذا صدرت من أيّ متكلّمٍ يكون لفظ (زيد) فاعلاً فيها، وتارة يراد به (زيد) في شخص هذه الجملة التي نطق بها المتكلّم.
وفي هذين القسمين قد يتوهَّم: أنَّه من قبيل الاستعمال لا محالة، لا أنَّ اللفظ أُحضر في ذهن المخاطب بنفسه؛ وذلك لأنَّه لفظ (زيد) في المقام قد أُطلق وأُريد به شيءٌ آخر؛ حيث أُريد بزيد الأوّل (زيد) الواقع بعد كلمة ضرب، فيكون هناك حاكٍ ومحكيّ، ومستعملٌ ومستعملٌ فيه.
ولكنّ الصحيح أنَّ هذا أيضاً ليس من باب الاستعمال.
وبيان ذلك: أنَّه قد تقدّم منّا في باب الحروف أنَّ جملةً من الحروف- وهي الحروف الداخلة على المفردات- إنَّما تفيد تضييق المعاني التي هي خالية من الإطلاق والتقييد، وذلك لأنَّ الألفاظ موضوعة لذات للمعاني المجرّدة عن الإطلاق والتقييد، والإطلاق والتقييد إنَّما يُستفادان من دالٍّ آخر. أمّا الدالّ على الإطلاق فغالباً ما يكون هو مقدّمات الحكمة، وأمّا الدالّ على التقييد فغالباً ما يكون هو شيئاً آخر من توصيفٍ أو إضافةٍ أو حرفٍ. فكلمة الصلاة ـ مثلاً ـ الموضوعة للطبيعة المطلقة، فقد يتعلّق غرض المتكلّم بقصد تفهيم هذا المعنى على
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إطلاقه، فيذكره مجرّداً عن القرينة، فيدلّ اللفظ على أنَّ المراد هو الطبيعة، ويدلّ التجرّد عن القرينة على الإطلاق، فيثبت أنَّ المراد من اللفظ هو الطبيعة المطلقة.
وقد يكون غرض المتكلّم متعلّقاً بقصد تفهيم حصّةٍ خاصّةٍ من الطبيعة، لا الطبيعة المطلقة، وبما إنَّ الحصّة الخاصّة لم يوضع لها لفظٌ خاصٌّ مفيدٌ لتلك الحصّة؛ لأنَّ حصص الصلاة قد تكون غير متناهيةٍ، فكيف يمكنه أن يبيّن هذه الحصة، ويُفهم أنَّها هي المقصودة بالتفهيم؟ ليس هناك شيءٌ غالباً يفيد التقييد إلَّا الحروف، فيقول مثلاً: (الصلاة في المسجد خيرٌ من الصلاة في البيت) أو يقول: (الصلاة في الحمام مكروهةٌ) أو غير ذلك من التقييدات الأُخرى، والدالّ على هذه التقييدات، وأنَّ المقصود هو الحصّة الخاصّة من الطبيعة إنَّما هو الحرف.
هذا ما ذكرناه في الحروف سابقاً، والآن نقول: إنَّ الحروف لم توضع لتقييد المعاني وما قصد تفهيمه باللفظ فقط، وإنَّما وُضعت لتضييق ما تعلّق القصد بتفهيمه من المعاني سواء كان المبرز للمعنى هو اللفظ أو غير اللفظ.
تقدّم أنَّ الدالّ على المعنى -في الأمثلة المتقدّمة- هو اللفظ؛ لأنَّ معنى الصلاة لا يمكن إحضاره بنفسه في ذهن المخاطب. وأمّا إذا كان المعنى وما تعلّق القصد بتفهيمه ممّا يمكن إحضاره بنفسه في ذهن المخاطب، فالحرف يضيّق ذلك المعنى؛ أي إنَّ الحرف لم يُوضع لتضييق المعنى المستعمل فيه، بل وضع لتضييق ما تعلّق القصد بتفهيمه سواء كان من باب الاستعمال أو من باب إحضار المعنى بنفسه من دون واسطةٍ ولا حاكٍ. فإذا تكلّمنا بكلمة (زيد) وقلنا: (زيدٌ ثلاثي)، ولم نقيّده بشيء، فيستفاد من هذا بمقدّمات الحكمة أنَّ
ــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الحكم ثابتٌ لهذا الطبيعيِّ على إطلاقه، فزيدٌ ثلاثيٌّ دائماً سواء وقع مبتدأً أو فاعلاً أو مضافاً إليه. فمن التجرّد عن القرينة يُستفاد الإطلاق، وأنَّ هذه الكلمة قد قصد إثبات الحكم لها على إطلاقها، فالمقصود هو تفهيم هذه الكلمة، وقد أفهمها المتكلّم للمخاطب بإلقائها بنفسها من دون حاكٍ، ودلّ التجرّدُ عن القرينة على أنَّ المقصود هو الإطلاق.
وقد يتعلّق غرض المتكلّم بتفهيم حصّةٍ خاصّةٍ من الطبيعة، والمفروض أنَّ هذا ليس من باب الاستعمال، فلابدَّ من تقييد نفس المعنى الذي أحضره المتكلّم لدى المخاطب. فإذا تكلّم بكلمة (زيد)، فإنَّ مجرّد التلفظ بهذه الكلمة فقد أوجد الطبيعيّ وأحضره في ذهن المخاطب بلا واسطةٍ، ولكن المتكلّم حيث إنَّه لا يقصده على إطلاقه، فلابدَّ له من أن يقيّد هذا الطبيعيّ، فيفيد أنَّ الطبيعيَّ المقيّد بهذا القيد هو المحكوم عليه بكذا. فكلمة (زيد) الواقعة بعد كلمة (ضرب) يُحكم عليها بأنَّها فاعلٌ، فالمعنى قد حضر بنفسه، وقد دلّ على التقيد بقيد خاص، وهو الوقوع بعد (ضرب)، والدالّ عليه قولنا: (في ضرب) أي: الطبيعيّ الواقع بعد هذه الكلمة. فالطبيعيّ استُفيد من نفس اللفظ، والتقييد استُفيد من (في)، كما هو الحال في مفهوم الصلاة؛ حيث قيَّدنا الطبيعة بوقوعها في المسجد، وحكمنا عليها بالاستحباب. فهنا أيضاً كلمة (زيد) حضرت بنفسها في ذهن المخاطب بلا حاكٍ، وقيّدت بما إذا وقعت بعد كلمة (ضرب)، فإذا تقدّمت عليها لا تكون فاعلاً بل مبتدأ، وإذا وقعت بعد (ضربتُ) تكون مفعولاً وهكذا.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فالتقييد هنا كالتقييد في قولنا (الصلاة في المسجد مستحبة) إلَّا أنَّ المقيّد هناك لا يمكن إحضاره في ذهن المخاطب إلَّا بلفظ، والمقيّد هنا يعني في قولنا: (زيدٌ في ضرب زيدٌ فاعل) يمكن إحضاره في ذهن المخاطب بلا واسطةٍ. فلا فرق بين التقييدين في الموردين أبداً.
ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ومن خلال ما تقدّم -في استعمال اللفظ وإرادة صنفه- يظهر الحال في هذا القسم، وهو ما إذا أُريد شخص هذه الجملة في قولنا: (زيدٌ في ضرب زيدٌ فاعل)، لا كما عبّر عنه صاحب (الكفاية)(1) بالقول: (زيدٌ لفظٌ) فإنَّ هذه العبارة غلطٌ، والصحيح: (زيدٌ في ضرب زيدٌ فاعلٌ) إذا أُريد به شخص هذه الجملة.
فقد تحصّل: أنَّه لا استعمال في هذه الموارد أصلاً، فليس هنا إفناءٌ للفظ في المعنى، ولا جعل اللفظ علامةً على المعنى على اختلاف المباني في معنى الاستعمال، وإنَّما هو من باب إلقاء ما تعلّق به قصد التفهيم بنفسه للمخاطب، وحكم عليه بحكم، إمّا من باب الإطلاق أو من باب التقييد.
ــــــــــ[195]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 14، المقدّمة، الأمر الرابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ثُمَّ إنَّ صاحب (الكفاية)(1) ذكر: أنَّ في الاستعمالات ما لا يتصوّر فيه إلَّا أن يكون من باب الاستعمال نحو: (ضرب فعلٌ ماضٍ) ففي هذه الجملة لا يمكن أن يُقال إنَّ (ضرب) هو بنفسه وجد في الخارج وحُكم عليه بحكمٍ؛ فإنَّ (ضرب) هنا مبتدأٌ، وكيف يكون الفعل الماضي مبتدأ؟! فهنا لا بدَّ من الالتزام بالاستعمال بمعنى: أنَّ هذه الكلمة (ضرب) استُعملت في الطبيعة الصادقة على الأفراد الخارجيّة، فهو من باب الاستعمال؛ فإنَّ الحكم في هذه القضيّة لا يمكن أن يشمل هذا الشخص؛ لأنَّه مبتدأٌ.
وهذه الدعوى منه لا أساس لها؛ فإنَّ الفعل الماضي هو ما وُضع للدلالة على وقوع الحدث في الزمان الماضي، ولا إشكال في أنَّ هذه الكلمة (ضرب) وُضعت لذلك. غاية الأمر أنَّها لم تُستعمل في معناها، ومجرّد عدم استعمالها في معناها لا يخرجها عن كونها فعلاً ماضياً؛ فإنَّ هذه الكلمة موضوعةٌ لنفس ذلك المعنى، ولكن بالقرينة نعرف أنَّها لم تُستعمل في معناها. ففرق بين أن لا يكون اللفظ مستعملاً في معناه، وبين أن لا يصدق عليه أنَّه فعلٌ ماضٍ؛ إذ لا وجه للقول بأنَّه لا يصدق عليه أنَّه فعلٌ ماضٍ، مع أنّه لفظٌ موضوعٌ
ــــــــــ[196]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم: 16.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
للدلالة على صدور حدثٍ في الزمان الماضي، وهذا لا يفرّق فيه بينه وبين قولنا: (زيدُ في ضرب زيدٌ فاعلٌ) ، فكلاهما موضوع لذلك. غاية الأمر أنَّ اللفظ في قولنا: (زيدٌ في ضرب زيدٌ فاعلٌ) قد استُعمل في معناه الموضوع له، وهناك لم يستعمل في معناه الموضوع له، فالفرق من جهة الاستعمال وعدمه، وإلَّا فالحكم ثابتٌ لهما معاً. وأمثلة ذلك كثيرةٌ، نحو: (في حرفُ جرٍّ)، فإنَّ (في) هنا حرف جرٍّ أيضاً، غاية الأمر أنَّها لم تُستعمل في معناها، بل قد أُريد منها اللفظ نفسه والحكم عليه بحكمٍ، ولا يخرج عن كونه حرفاً بمجرّد عدم استعماله في معناه.
فالصحيح إذن: ليس من الاستعمالات المتعارفة ما يكون خارجاً عن الحقيقة والمجاز، وجميع هذه الموارد ليست من باب الاستعمال في شيءٍ، وإنَّما هو من باب إيجاد المعنى بنفسه في الخارج والحكم عليه بحكمٍ مع التقييد أو بلا تقييدٍ.
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر السادس: أقسام الدلالة
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الدلالة الأُولى: لا ريب أنَّ اللفظ إذا أُطلق دلّ على معناه، أي: يحضر المعنى في ذهن السامع بشرط أن يكون عالماً بالوضع، وهذه الدلالة تسمّى بالدلالة التصوّريّة، بمعنى أنَّ تصوّر اللفظ للعالم بالوضع يوجب تصوّر المعنى، فيكون أحدهما علّةً للآخر.
الدلالة الثانية: كما لا ريب في دلالة اللفظ على أنَّ المتكلّم -إذا كان في مقام التفهيم والاستعمال- أراد تفهيم هذا المعنى الذي حضر في ذهن المخاطب.
وبمقتضى الوضع وغيره يستكشف من التكلّم أن المتكلّم في مقام البيان، وأنَّه يريد من كلامه معنى خاص، وتسمّى هذه الدلالة بالدلالة التفهيميّة، وقد تسمّى بالدلالة التصديقيّة.
وهذه دلالةٌ أخرى غير الدلالة الأُولى؛ فإنَّ الأُولى ثابتةٌ دائماً ولو لم يكن المتكلّم قاصداً للمعنى، بل كان في مقام تعداد الألفاظ مثلاً، أو كان اللفظ قد صدر من لافظٍ من غير شعورٍ أو من اصطكاك حجرٍ بحجر، فأينما تحقّق اللفظ وانتقل إليه السامع، فإنَّ تصوّره يستلزم تصوّر المعنى للعالم بالوضع.
وهذا بخلاف القسم الثاني من الدلالة؛ فإنَّها تتوقّف على أن يكون المتكلّم في مقام البيان، وأن لا ينصب قرينة على الخلاف. فلو فرض أنَّ المتكلّم لم يكن في
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
مقام البيان، فلا يكشف كلامه عن أنَّه أراد تفهيم المعنى، وكذلك إذا نصب قرينةً على الخلاف؛ فإنَّه لا يمكن أن ينسب إليه أنَّه أراد تفهيم المعنى الموضوع له. وعليه فهذه الدلالة متوقّفةٌ على أن لا ينصب المتكلّم قرينةً متّصلةً لفظيّةً أو غير لفظيةٍ على أنَّه لم يرد المعنى الموضوع له. فكشف الكلام عن إرادة المتكلّم تفهيم معنىً خاصٍّ يتوقّف على كونه في مقام البيان، وعدم نصب قرينةٍ على الخلاف.
الدلالة الثالثة: وهي دلالة تصديقيّةٌ أيضاً، وهي دلالة اللفظ على أنَّ المتكلّم قصد تفهيم معنىً خاصٍّ، وكان قصد التفهيم قد نشأ عن إرادةٍ جدّيّةٍ في مقابل الهزل وغيره من الدواعي الأُخر، فالمتكلّم قصد المعنى قصداً جدّيّاً وأنَّ الإرادة التفهيميّة مطابقةٌ للإرادة الجدّيّة؛ إذ قد يريد المتكلّم تفهيم معنىً ولكن لم تتعلّق به الإرادة الجدّيّة، وإنَّما أراد تفهيمه لأجل التقيّة وغيرها.
وهذه الدلالة كما أنَّها متوقّفةٌ على كون المتكلّم في مقام البيان، وأن لا ينصب قرينة متصلة لفظية وغيرها على الخلاف، كما هو الحال في الدلالة التصديقيّة الأُولى، فكذلك هي متوقّفةٌ على أن لا ينصب المتكلّم قرينة منفصلة على إرادة الخلاف. فلو نصب قرينةً منفصلةً، فإنَّ القرينة تدلّ على أنَّ المراد الجدّي من الكلام الأوّل لم يكن هو ما قُصد تفهيمه، بل إنَّ المتكلّم قصد تفهيم معنى لا للجد، بل لداع آخر، وقد نصب قرينةً خارجيّةً على ذلك.
وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في بحث العموم والخصوص: أنَّ المخصّص المنفصل لا يكشف إلا عن تعلّق الإرادة الجدّيّة بغير الخاص، ولا يستكشف بذلك أنَّ المتكلّم لم يرد تفهيم العموم، فاللفظ قد استُعمل في معناه، وهو
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
العموم، لكن لا بداعِ الجدّ، بل بداعٍ آخر، ولم تكن الإرادة الجدّيّة على طبق تفهيمه، ولذا نصب قرينةً منفصلةً على ذلك، ومن خلال القرينة فهمنا أن المراد الجدّي غير ما تعلّقت به الإرادة بتفهيمه.
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولا ينبغي الشكّ في أنَّ هذه الدلالة -الدلالة من القسم الثالث- لم تنشأ من الوضع، وإنَّما نشأت من بناء العقلاء على أنَّ كل فعلٍ صادرٍ من متكلّمٍ يُحمل على أنَّه بداع الجدّ، ما لم تقم قرينةٌ على خلافه، بلا فرقٍ في ذلك بين الألفاظ وغيرها. فلو أشار بيده إلى زيدٍ بداعي تفهيمه أنَّه يريد حضوره، فإنَّ هذه الإشارة تُحمل على أنَّها بداعِ الجدّ، فإن لم يحضر واعتذر أنَّه احتمل الاستهزاء أو السخرية لم يقبل منه؛ وذلك لبناء العقلاء على أنَّ كلّ فعلٍ صادرٍ من كلّ شخصٍ يُحمل على الجدّ، ولا يُسمع دعوى أنَّه كان بداعٍ آخر. فهذه الدلالة خارجةٌ عن حدود الوضع، وثابتةٌ ببناء العقلاء.
وإنَّما الخلاف في أنَّ الدلالة الوضعيّة هل هي الدلالة التصوّريّة، كما هو المعروف والمشهور، واختاره صاحب (الكفاية)(1)، بل ادّعى أنَّ هذا واضحٌ وظاهرٌ، وأنَّ بطلان غيره ظاهرٌ كذلك، أو أنَّ الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصديقيّة؟
الظاهر: أن الصحيح هو أنَّ القسم الثاني من الدلالة -الدلالة التصديقية- هي الدلالة الوضعيّة، وأمّا القسم الأول من الدلالة -الدلالة التصوّريّة- فهي
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 16-17، المقدّمة، الأمر الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
خارجةٌ عن دائرة الوضع، بل هي دلالة أُنسيّة فحسب.
وقد ذهب إلى ما ذكرناه من المحقّقين العلَمان الشيخ الرئيس(1) والمحقّق الطوسي(2)؛ حيث ذهبا إلى أنَّ الدلالة الوضعيّة هي دلالة اللفظ على أنَّ المتكلّم أراد تفهيم معنىً خاصٍّ، وهذا هو الصحيح.
والوجه في ذلك: أنَّ الوضع: إمّا أن يكون عبارةً عن جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى، أو هو ارتباطٌ خاصٌّ بينهما، كما عن صاحب (الكفاية)(3)، أي فرضنا أنَّ اللفظ موضوع لذات المعنى، وإنَّما الموضوع له لفظ زيد هو ذلك الشخص الجزئي الذي لا يمكن إنطباقه في الخارج على كثيرين.
وإمّا أن يكون هو تعهّد وبناء من أهل اللغة، أنَّه متى ما أراد تفهيم معنى خاص أن يأتي بلفظ مخصوص.
أمّا إذا كان الوضع ارتباطاً خاصّاً أو بمعنى جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى، فالوجه في أنَّ الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصديقيّة هو: أنَّ الغاية من الوضع -كما تقدّم- إنَّما هي حاجة البشر إلى التفهيم والتفهّم؛ حيث إنَّ الفرد من البشر مدنيٌّ بالطبع، ولا يستطيع أن يقيم أمره بغير ذلك، فيحتاج في أمر معاشه ومعاده إلى معاشرة الناس، وكذلك يحتاج إلى تفهيم الآخرين ما
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) أُنظر: ابن سينا، الاشارات والتنبيهات: 3، النهج الأول، الفصل السابع.
(2) أُنظر: المحقق الطوسي، شرح الإشارات والتنبيهات 1: 31، النهج الأوّل، الفصل السابع: إشارة إلى اللفظ المفرد والمركب.
(3) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 9، المقدّمة، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يقصده من المعاني، فلابدَّ من الوضع وجعل الألفاظ بإزاء المعاني التي يحتاج إلى تفهيمها. وهذه هي غاية الوضع.
إذن، لا يمكن أن تكون دائرة الوضع أوسع من دائرة الغرض الداعي له، فلو جعل اللفظ دالاً على المعنى على الإطلاق ولو كان صادراً من غير شعورٍ، كان هذا الجعل لغواً محضاً، إذ لا فائدة في توسعة دائرة الوضع ليشمل ما إذا صدر من غير شعورٍ أو من غير البشر، كاصطكاك حجرٍ بحجرٍ. وكون هذا اللفظ دالاً على ذلك المعنى وموضوعاً له لا يُتصوّر له أثرٌ يخرجه عن اللغويّة، بل هو لغوٌ لا يصدر من الحكيم أبداً.
إذن، لا بدَّ أن تكون دائرة الوضع مقصورةً على دائرة الغرض منه، وهو قصد التفهيم والتفهّم، فلابدَّ من الالتزام بأنَّ الألفاظ موضوعةٌ للمعاني حينما يتعلّق قصد المتكلّم بتفهيمها، فتكون الدلالة الوضعيّة مختصّةً بحالٍ معيّنةٍ، كما ذكرنا ذلك في توجيه رأي صاحب (الكفاية) في تخصيصه الوضع في الأسماء فيما إذا كان المعنى ملحوظاً استقلالاً، وتخصيصه الوضع في الحروف فيما إذا كان المعنى ملحوظاً آلةً، فقصدُ التفهيم وإن لم يكن محفوظاً في الموضوع له على هذا المبنى، إلَّا أنَّ العلقة الوضعيّة لا بدَّ أن تختصّ بهذه الحالة؛ إذ لا وجه لعمومها وشمولها لغيرها، وإلَّا لكان الوضع لغواً. وحيث إنَّ الغاية من الوضع هو التفهيم والتفهّم، فيختصّ الوضع فيما إذا كانت الغاية موجودةً كي لا يكون الوضع لغواً.
وأمّا على ما ذكرناه من: أنَّ الوضع عبارةٌ عن التعهّد فالأمر أوضح؛ فإنَّ
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
التعهّد والبناء إنَّما يكون على أمرٍ اختياري، والأمر الذي يكون خارجاً عن دائرة الاختيار يستحيل أن يتعلّق التعهّد والبناء به، وبما أنَّ قصد التفهيم هو الأمر الاختياري، فالوضع يكون لهذا فقط، أي: تعهّد المتكلّم أنَّه متى ما تكلّم باللفظ، يكون قصده تفهيم معنىً خاصٍّ. فقصد التفهيم هو الذي وضع بإزائه هذا اللفظ؛ إذ وضع اللفظ ليدلّ على أنَّ المتكلّم قصد تفهيم معنىً خاصٍّ، غاية الأمر أنَّه قصد تفيهم معنى خاص، ويكون التعبير عنه باللفظ، وعليه فالمعنى غير الموضوع له. وإنَّما استكشفنا قصد المتكلّم من اللفظ، وكان سبب هذا الاستكشاف هو تعهُّده، فالمستكشَّف هو قصد التفهيم، لكن القصد متَعلّقٌ بمعنىً خاصٍّ هو يعبّر عنه بالمقصود والمعنى.
إذن، فلا يُعقل -فضلاً عن اللغويّة- أن يتعهّد الإنسان ويلتزم أنَّه متى ما صدر منه اللفظ ولو من غير شعورٍ، كاللفظ الصادر من الغافل والنائم أو من اصطكاك حجرٍ بحجرٍ، فهو قاصدٌ لتفهيم معناه؛ إذ لا معنى للالتزام في مثل هذه الحالة بدلالة هذا اللفظ على ذلك المعنى؛ فهذه الدلالة خارجةٌ عن دائرة الوضع لا محالة. بل دائرة الوضع مخصوصةٌ بما إذا قصد تفهيم معنىً خاصٍّ، فالدلالة الوضعيّة خاصّةٌ بالدلالة التفهيميّة.
أمّا الدلالة الأُولى -الدلالة التصوّرية- فهي دلالة أُنسيّة، أي: بعد أن يستعمل المستعملون اللفظ في المعنى لمدّةٍ، فلا محالة يحصل أُنس بين اللفظ والمعنى، فلو صدر اللفظ ولو من اصطكاك حجرٍ بحجرٍ، انتقل ذهن السامع إلى معناه.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والذي يدلّ على هذا: أنَّنا لو فرضنا أنَّ أحداً صرّح بوضع اللفظ بإزاء المعنى عندما يتعلّق به قصد تفهيمه، فإذا صدر اللفظ بعد مضيّ مدّةٍ معيّنةٍ من استعمال اللفظ من دون قصد التفهيم، فسوف ينتقل ذهن السامع لا محالة إلى المعنى. فالانتقال إلى المعنى ولو لم يكن اللفظ صادراً عن شعورٍ وقصدٍ لا يدلّ على أنَّ الموضوع له ذات المعنى، كما ذكره صاحب (الكفاية)(1).
فالوضع إذن مختصٌّ بالدلالة التفهيميّة، فيدلّ على أنَّ المتكلّم قصد تفهيم معنىً خاصٍّ، فقصد التفهيم هو المدلول والمستكشَّف، وسبب الدلالة ومنشؤها هو تعهّد المتكلّم وبناؤه.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 17، المقدّمة، الأمر الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
تحصّل ممّا ذكرناه: أنَّ الدلالة الوضعيّة مختصّةٌ بالدلالة الثانية التي سمّيناها بالدلالة التفهيميّة وأمّا الدلالة التصوّريّة فهي دلالةٌ أُنسيّةٌ ناشئةٌ من كثرة استعمال اللفظ في المعنى، وليست دلالةً وضعيّةً.
ويترتّب على ذلك: أنَّ كلاً من الموضوع له والمدلول والمعنى مفاهيم مختلفة، لا كما هو المعروف من أنَّها شيءٌ واحدٌ. بل ظهر بالدقّة أنَّ اللفظ قد وُضع للدلالة على المعنى، أي: وضع للدلالة على قصد المتكلّم تفهيم أمرٍ خاصٍّ ومفهومٍ مغايرٍ لبقيّة المفاهيم؛ لأنَّنا ذكرنا أنَّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع ولابدَّ له من تفهيم مقاصده، وليس هناك أقرب شيءٍ من الألفاظ، فالألفاظ تدلّ على أنَّ المتكلّم قصد تفهيم معنىً خاصٍّ من بين المعاني، فغاية الوضع وما وضع اللفظ لأجله إنَّما هو نفس الدلالة، أي إنَّ الدلالة هي التي وُضعت لها الألفاظ.
أمّا المدلول فهو أمرٌ آخر، فاللفظ وضع للدلالة على أنَّ المتكلّم قصد تفهيم معنىً خاصٍّ، فقصد التفهيم هو المدلول، إي إنَّ اللفظ بحسب تعهّد المتكلّم وبناءه يدل على أنَّ المتكلّم قصد تفهيم هذا المعنى، فنستكشف باللفظ أنَّ المتكلّم قاصد لتفهيم هذا المعنى دون سائر المعاني. فإذا قال المتكلّم: (جئني بماءٍ)، نعلم أنَّه قاصدٌ لتفهيم المخاطب الإتيان بالماء، فقصد التفهيم هو المدلول،
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أي: ما يدلّ عليه الكلام.
فالمتكلّم قصد تفهيم شيء خاص. كالمجيء بالماء كما في المثال المتقدّم، وهذا هو المعنى، أي المقصود.
فاللفظ وضع للدلالة على قصد المتكلّم، وقصد المتكلّم هو المدلول، وأما المعنى والمقصود فهو تفهيم زيد أنَّه يريد الإتيان بالماء، فالإتيان هو المقصود بالتفهيم وهو المعنى.
إذن: الموضوع له شيءٌ، والمدلول شيءٌ آخر، والمعنى شيءٌ ثالث.
ولا نريد بقولنا: أنَّ الدلالة الوضعيّة منحصرةٌ في الدلالة التفهيميّة أنَّ قصد المعنى مأخوذٌ في المعنى؛ لوضوح أنَّ قصد المعنى متأخّرٌ عن نفس المعنى، ويستحيل أن يُؤخذ ما هو متأخّرٌ فيما هو متقدّمٌ. بل المقصود من ذلك: أنَّ مدلول الكلام هو قصد التفهيم فقط، وليس للكلام دلالة أزيد من ذلك – كما تقدّم فيه الكلام سابقاً- فإنَّ جملة (قام زيد) إذا صدرت من متكلّم شاعر وفي مقام البيان، لا نستكشف منها أنَّ زيداً قد قام في الخارج؛ إذ لعلّه لم يقم؛ فإنَّنا لا زلنا نشكّ في قيامه. بل نستكشف من هذه الجملة أنَّ المتكلّم قصد الحكاية عن القيام، فقصد الحكاية هو مدلول الكلام، وهو مدلول الجملة، ولكن المعنى الذي تعلّق قصد التفهيم به إنَّما هو قيام زيدٍ؛ فإنَّ المتكلّم أراد أن يُفهم المخاطَب أنَّه في مقام تفهيم صدور القيام من زيدٍ، فقيام زيدٍ هو المقصود من الكلام. فاتّضح أنَّ الموضوع له والمدلول وما قصد تفهيمه أشياء متغايرةٌ.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فما أنكره صاحب (الكفاية)(1) من: أنَّ كون الدلالة التصديقيّة هي الدلالة الوضعية للزوم أخذ قصد المعنى في المعنى، لوضوح أنَّ قصد المعنى مقوّم للاستعمال، ومتأخر عن المعنى، لا يرد على ما ذكرناه، لأنَّ قصد المعنى وإن كان متأخراً عن المعنى، إلَّا أنه هو المدلول، والمعنى غير المدلول.
وظهر مما ذكرنا أيضاً: أنَّنا لا نحتاج إلى التجريد في مثل قولنا: (زيدٌ إنسانٌ)، إذ لا نريد بذلك أنَّ الإرادة قيد للمعنى؛ فإنَّ المعنى هو ذات الشيء، أي: إنَّ ما قصد تفهيمه إنَّما هو ذات القيام وذات زيدٍ والحكاية عن ثبوت القيام لزيد، فلا يلزم أن تكون الإرادة قيداً للمعنى، بل ندعي: أنَّ مدلول الكلام هو قصد التفيهم، وأما المعنى فمطلق.
فأخذ الإرادة في الموضوع له -في المعنى الذي ذكرناه- أي حصر الدلالة الوضعيّة في الدلالة التصديقيّة لا يقتضي التجريد في القضايا المتداولة، كما لا يقتضي أن يكون الوضع في الألفاظ عامّاً والموضوع له خاصّاً؛ فإنَّ الإرادة لم تُؤخذ في المعنى لا مفهوماً ولا مصداقاً، بل إنَّما وضعت الألفاظ للدلالة على قصد التفهيم، وما قصد تفهيمه فهو مطلقٌ، فلا يلزم أن يكون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً.
فعلى ما ذكرناه من: أنَّ حقيقة الوضع هو التعهّد والبناء، فلا مناص من الالتزام بما ذكرناه، من أنَّ الألفاظ وُضعت لقصد تفهيم معنىً من المعاني، فالمدلول هو قصد التفهيم، وأمّا المعنى الذي تعلّق به قصد التفهيم فهو غير
ــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 16-17، المقدّمة، الأمر الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
مقيَّدٍ بالإرادة. ولا يُعقل الالتزام بغير هذا.
وأمّا بناءً على المسلك المعروف من: أنَّ الألفاظ وُضعت لذوات المعاني، وأنَّ المعنى هو بعينه الموضوع له، وكلمة (زيد) مثلاً وُضعت لتدلّ على ذلك الجزئي الخارجي الذي لا ينطبق مفهومه على كثيرين، وأنَّ الوضع سنخٌ من الاعتبار قائمٌ بين اللفظ والمعنى، على ما ذكره صاحب (الكفاية)(1)، فبناء على هذا، وإن كان المعنى والمدلول شيئاً، ولكن لا بدَّ من تقييد العلقة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى فيما إذا قصد المتكلّم تفهيم المعنى الموضوع له؛ لأنَّ قصد المعنى في غير القاصد للتفهيم لا معنى له، فيكون الوضع له لغواً لا فائدة فيه.
فإذا كان الداعي إلى الوضع هو التفهيم والتفهّم، اختصّت العلقة الوضعيّة بما إذا كان المتكلّم قاصداً للتفهيم. فالنتيجة أنَّ العقلة الوضعيّة تكون في هذه المسألة فقط، وعليه فتنحصر الدلالة الوضعيّة بالدلالة التصديقية، من غير أن تكون الإرادة قيداً للمعنى لا جزءاً ولا شرطاً، كما أنَّه لا يرد ما ذكره من الإشكالات من أخذ المتأخّر في المتقدّم، أو التجريد، أو كون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً. فأنَّنا لا ندّعي أنَّ الإرادة مأخوذةٌ في الموضوع له، بل ندّعي أنَّ العلقة الوضعيّة مخصوصةٌ بهذه الحالة، ولا تعمّ غيرها؛ لمحذور اللغويّة، فالدلالة التصديقيّة هي الدلالة الوضعيّة، ولا يرد شيءٌ ممّا ذكر.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 9، المقدّمة، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لمّا كان الوضع لغاية وهو التفهيم والتفهّم، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ المفردات لها وضعٌ، فكلّ مفردٍ يُستكشَف منه أنَّ المتكلّم قصد به تفهيم مفهومٍ من المفاهيم، كما أنَّ الهيئات لها وضعٌ خاصٌّ. ومرادنا بالهيئاتِ الهيئاتُ المستفادة من المفردات أو من الجمل الناقصة. فمثل كلمة (قائم) تدلّ على أنَّ ما قصد تفهيمه هو ذاتٌ يقوم بها هذا المبدأ وهو القيام، وهذا وضعٌ ثانٍ غير وضع المادّة. فإذا تكلّم المتكلّم بكلمة (قائم) فإنَّنا نستفيد منها أمرين: أحدهما طبيعة القيام، والآخر الشخص الذي يقوم به هذا المبدأ، والأول معلولٌ لوضع المادّة، والثاني معلولٌ لوضع الهيئة.
وكذا الكلام في الجمل الناقصة كالإضافة، فإذا قال: (غلام زيدٍ) نستفيد أُموراً ثلاثة: أحدها مفهوم غلامٍ، والآخر مفهوم زيدٍ، وكلّ منهما يدلّ على معنىً، والإضافة تدلّ على معنىً ثالثٍ، وهو أنَّ الغلام يتحصّص بهذه الحصّة، وهي كونه مملوكاً لزيدٍ ومضافاً إليه.
وكذلك ما نحتاج إليه من التقييدات والتحصيصات في الجمل بواسطة الحروف؛ فإنَّ الحروف تدلّ على تحصيص المعنى الاسمي بحصّةٍ خاصّةٍ على اختلاف مداليل الحروف. فقد نحتاج في إفادة معنى من المعاني إلى أوضاعٍ ثلاثةٍ
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أو أربعةٍ أو خمسةٍ أو أكثر على اختلاف الموارد.
وهناك أُمورٌ مستفادةٌ من المعنى تدلّنا على أنَّ قصد المتكلّم هو تفهيم معنىً خاصٍّ أيضاً، كالتقديم والتأخير، فجملة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(1) تدلّ على الحصر بالتقديم، وجملة (إنَّ زيداً قائمٌ) تدلّ على التأكيد، والجملة التركيبيّة -على ما تقدّم- دائرةٌ بين الإخبار والإنشاء. فمنها ما يدلّ على قصد الحكاية عن ثبوت أمرٍ في الخارج إيجابيٍّ أو سلبيّ، ومنها ما يكشف عن أمرٍ نفسانيٍّ من التمنّي والترجّي والاستفهام ونحو ذلك من موارد الإنشاء.
وبعد الفراغ عن أنَّ هذه الأوضاع بأقسامها، أي: المفردات بموادّها وهيئاتها والجمل الناقصة والحروف والإضافة والتأكيد والتقديم والتأخير ووضع الجمل التركيبيّة إنَّما تكشف عن قصد المتكلّم الحكاية عن ثبوت النسبة أو أيّ أمرٍ آخرٍ نفسانيّ، لا حاجة إلى وضع المركّبات، وافتراض أنَّ المركّب بما هو مركّبٌ موضوعٌ لأمرٍ آخر غير ما وُضعت له المفردات؛ فإنَّ ذلك بالدقّة لا يصحّ؛ لأنَّ المتكلّم يستطيع إبراز مراده بهذه الأوضاع، ومعه فلا حاجة إلى وضع المركّب بما هو مركّبٌ، فيكون وضعه لغواً.
ولو أغمضنا النظر عن اللغويّة، فإنَّنا نقطع بعدم وضع المركّبات بما هي مركبات؛ وإلَّا كنا انتقلنا إلى المعنى مرتين: مرة على نحو الإجمال، ومرة على نحو التفصيل. فإذا قال المتكلّم: (دار)، فإنَّنا ننتقل إلى المعنى إجمالاً. وأمّا إذا قال: (غرفة وسرداب وساحة)، فإنَّنا ننتقل إليه على وجه التفصيل. فإذا سمع
ــــــــــ[214]ــــــــــ
(1) الفاتحة: 5.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المخاطب كلا اللفظين في وقتٍ واحدٍ، فإنَّه سوف ينتقل إلى هذا المعنى مرّتين: مرة بالإجمال، وأُخرى بالتفصيل. وحينئذٍ فلو كانت الجملة موضوعةً لمجموع هذه المعاني بوضعٍ آخر، فلابدَّ أن ننتقل إلى المعنى مرّتين: مرّة ننتقل إليه بالتفصيل، باعتبار الأوضاع المتعدّدة فيه؛ حيث إنَّ كلَّ وضعٍ فيه يدلّ على شيءٍ، وننتقل إليه مرّةً أُخرى بالإجمال؛ باعتبار الوضع للمجموع المركّب؛ لأنَّ هذه المعاني بمجموعها تُستفاد من الجملة بما هي جملةٌ.
ومن الضروري نجد أنَّنا لا ننتقل من سماع الجملة إلى المعنى مرّتين، فيكشف ذلك عن أنَّ الجمل لا وضع لها، فيكون الوضع للمركّب بما هو مركّبٌ لغواً، مضافاً إلى أنَّ الوجدان على خلافه.
نعم، إذا فرضنا أنَّ القائل بوضع المركّبات إنَّما أراد وضع الهيئة التركيبيّة، فهو صحيحٌ، وغير قابلٍ للنزاع؛ فإنَّنا نقطع أنَّ الهيئة التركيبيّة تدلّ على ما لا تدلّ عليه المفردات يقيناً.
وممّا ذكرنا ظهر: أنَّ ما هو المعروف من وجود المجاز في المركّب غلطٌ؛ فإنَّنا لا نتصوّر للمجاز في المركّب وجهاً صحيحاً؛ فإنَّ المركّب لا وضع له؛ وليس للمركّب معنىً حقيقيٌّ ليستعمل فيما يناسبه مجازاً. نعم، يمكن تشبيه مركّبٍ بمركّبٍ آخر بتشبيه كلّ جزءٍ من أجزائه بمركّبٍ آخر، نحو قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ(1)، فيشبَّه الدين بالضوء والنور. فكما أنَّ الشخصَ
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) البقرة: 17.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الخارجيَّ إذا كان لديه نور ثُمَّ قُطع عنه يبقى في الظلمات، كذلك إذا كان له دينٌ ثُمَّ أعرض عنه (والعياذ بالله) يكون حاله حال هذا الشخص، فهذا تشبيه مركّبٌ بمركّبٍ، أي: تشبيه كلّ جزءٍ منه بجزءٍ من المركّب الآخر.
وكذلك الكناية بمركّبٍ عن مركّب آخر، نحو قولهم: (أراك تقدّم رجلاً وتؤخّر أُخرى)؛ من حيث إنَّ المتحيّر في الخارج يمشي ثُمَّ يرجع، ثُمَّ يمشي ثُمَّ يرجع، فكذلك المتردّد في أمره. وأمّا المجاز في المركّب فهو أمرٌ لا نتصوّر له معنىً صحيحاً.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر الثامن: علامات الحقيقة والمجاز
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
قد يدور المعنى بين كونه حقيقيّاً أو مجازيّاً، وحينئذٍ يحتاج في تعيين كون المعنى حقيقيّاً إلى علاماتٍ يتعيّن على أساسها المعنى الحقيقي، فيحمل اللفظ عليه ما لم تقم قرينةٌ على الخلاف.
وذُكر لذلك عدّة علاماتٍ:
أنَّ انسباق المعنى من اللفظ بنفسه قرينةٌ على أنَّ اللفظ موضوعٌ لذلك المعنى؛ لأنَّ دلالة اللفظ على المعنى حادثةٌ ومحتاجةٌ إلى علّةٍ، حيث إنَّها ليست ذاتيّةً -كما تقدّم- وإنَّما هي بالجعل والمواضعة. فإذا لم تكن الدلالة ذاتيّةً، فلابدَّ أن تستند إمّا إلى الوضع والجعل، أو إلى قرينةٍ خاصّةٍ تدلّ على ذلك. وحيث إنَّ المفروض أنَّه لا قرينة في المقام، وأنَّ المعنى يُفهم من اللفظ بنفسه من دون قرينةٍ حاليّةٍ أو مقاليّةٍ، فينكشف أنَّ اللفظ موضوعٌ لهذا المعنى كشف العلّة عن المعلول، إذ إنَّ الدلالة لا بدَّ أن تكون مسببة عن شيء، وحيث إنَّ ذلك الشيء ليس بذاتي ولا قرينة خارجية، فلابدَّ أن تكون الدلالة مستندة إلى الوضع، فيستكشف بالتبادر وضع اللفظ بإزاء معنى خاص.
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وربما يورد على هذا التقريب(1): أنَّ الدلالة ليست مستندةً إلى الوضع، بل مستندة إلى العلم بالوضع، مع أنَّ المراد استكشافه بالتبادر هو الوضع الخارجي، والوضع الخارجي لا يكون علّةً ولا سبباً لانسباق المعنى إلى الذهن، وإلَّا لكان كلّ أحدٍ عالماً بجميع اللغات؛ لتحقّق الوضع فيها. فالذي يكون سبباً لفهم المعنى من اللفظ إنَّما هو العلم بالوضع، لا نفس الوضع خارجاً، فإذا كان العلم بالوضع هو السبب للانسباق والانفهام، فكيف يكون التبادر علّةً للعلم بالوضع ويستكشف الوضع به. فإنَّ الاستكشاف إنَّما هو بمعنى العلم بالوضع، وهذا مستلزمٌ للدور الصريح؛ حيث إنَّ التبادر يتوقّف على العلم بالوضع، وقد فرضنا أنَّه لا علم بالوضع من دون التبادر. وهذا دورٌ ظاهر.
وقد أجاب صاحب (الكفاية)(2) عن ذلك بوجهين:
◙ الأوّل: أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ العلم المسبَّب عن التبادر غير العلم الذي يكون سبباً له؛ باعتبار اختلاف العالم، ففردٌ من العلم علّةٌ، والفرد الآخر معلولٌ، وذلك كما هو الواقع كثيراً بالنسبة إلى من لا يعرف لغةً خاصّةً كاللغة العربيّة بالنسبة لغير العرب. فإذا علم الأعجمي أنَّ معنىً خاصّاً يتبادر من لفظٍ خاصٍّ لدى العرب، يعرف أنَّ هذا اللفظ موضوعٌ لذلك المعنى في اللغة العربيّة؛ وذلك بنفس التقريب السابق؛ لأنَّ المفروض أنَّ هذه الدلالة ليست
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 33، المقدّمة، فصل علامات الحقيقة والمجاز، والآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 18، المقدّمة، الأمر السابع.
(2) أُنظر: كفاية الأُصول: 18، المقدّمة، الأمر السابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذاتيّةً ولا بالقرينة، فلابدَّ أن تكون بالوضع. فالعلم بالوضع بالنسبة إلى الأعجمي معلولٌ للتبادر عند أهل اللغة، والتبادر عند أهل اللغة ليس معلولاً لعلم الأعجمي، بل هو معلول لعلم أهل اللغة بما أنَّهم أهل لغةٍ، فالعالم مختلفٌ، لأنَّ علم شخص متوقف على التبادر عند شخص آخر، والتبادر عند شخص آخر يتوقّف على علم ذلك الشخص لا على علم الشخص الأول، فاين الدور؟ فالعالم مختلف، والتبادر معلولٌ لأحد العلمين، وعلّةٌ للعلم الثاني، فلا دور.
◙ الثاني: أنَّه يمكن أن نفرض الشخص واحداً ولا يلزم منه الدور؛ فإنَّ أحد العلمين غير الثاني من ناحية المتعلّق لا العالم.
وبيان ذلك: أنَّ العلم بالشيء قد يكون علماً على نحو الاندماج والإجمال، وقد يكون علماً بالشيء على نحو التفصيل. فإذا تكلّمنا بكلمة (دار)، فإنَّنا ننتقل إلى الساحة والغرفة وغيرهما من الأجزاء الأُخرى التي تتركّب منها الدار، فعند التكلّم بهذا اللفظ يحضر في ذهننا مفهوم الدار، وهذا علمٌ بالمعنى على نحو التفصيل، وعلمٌ بأجزاء ذلك المعنى على نحو الاندماج والإجمال. أي: إنَّ مفهوم الغرفة والحائط والساحة غير متصوّرٍ تفصيلاً، بل هو متصوّرٌ إجمالاً ضمن تصوّر مفهوم الدار. وإذا تكلّمنا بلفظ (الصلاة)، ننتقل إلى معنىً معيّنٍ، ولكن مفهوم الركوع والسجود والتكبير والقبلة والطهارة وغيرها من أجزاء الصلاة وشرائطها غير متصوّرٍ تفصيلاً عند استعمال اللفظ؛ وإنَّما كلّ ذلك متصوّرٌ عندنا بالإجمال. وأمّا إذا تكلّمنا بألفاظ الركوع أو السجود أو الطهارة أو التكبير، فسوف تحضر
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
معانيها في أذهاننا أيضاً، لكن بحضورٍ تفصيليٍّ لا إجماليّ.
كما أنَّ المعنى الواحد أيضاً يمكن أنَّ يكون متصوّراً تفصيلاً تارةً وإجمالاً تارةً أُخرى، وهذا أمرٌ ممكنٌ ومعقولٌ في الخارج. ولذا فكلُّ أهل لغةٍ بالنسبة إلى ألفاظ لغتهم ينتقلون إلى المعنى من أوّل السماع، ولكن المعنى لا يكون متصوّراً بخصوصيّاته على التفصيل وإن كان حاضراً على نحو الإجمال والاندماج. فإذا أراد الفرد من أهل اللغة أن يعرف وضع اللفظ ومقدار المعنى الذي يشمله ذلك اللفظ سعةً وضيقاً، فيمكن أنَّ يرجع إلى نفسه لينظر إلى مقدار ما يتبادر عنده من اللفظ، فيبنى على أنَّ المعنى الموضوع له اللفظ بمقدار المتبادر. فلفظ الماء يُستعمل في الماء المطلق والمضاف وماء الزاج والكبريت، فإذا أراد تعيين هذا المفهوم بحسب السعة والضيق، يرجع إلى نفسه، فإذا رأى أنَّ المتبادر هو حدٌ خاصٌّ، يعلم أنَّه هو الموضوع له؛ لأنَّه من أهل اللغة.
إذن، يمكن لأهل اللغة أن يعرف كلُّ فردٍ منهم الموضوع له بنفسه، لا بتبادر غيره، ولا يكون ذلك دوراً؛ لأنَّ العلم الذي يتوقّف عليه التبادر هو العلم الإجمالي، وأمّا العلم الذي يتوقّف على التبادر فهو العلم التفصيلي، وهذان العلمان مختلفان من حيث المتعلّق.
وما ذكره هو الصحيح؛ فإنَّ كلَّ فردٍ من أهل اللغة يمكن أن يعيّنَ الموضوع له بالرجوع إلى نفسه، فيرى بارتكازه أنَّه يفهم هذا المعنى، فهذا المعنى المرتكز في نفسه إذا التفت إليه، يظهر له أنَّه المعنى الحقيقي.
ثُمَّ إنَّ التبادر إنَّما يثبت به المعنى الحقيقي إذا كان اللفظ بنفسه يدلّ على
ــــــــــ[222]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المعنى في زمان التبادر. وأمّا قبل ذلك فنحتاج إلى التبادر في ذلك الزمان، ولا يكفي في إثبات المعنى الحقيقي في ذلك الزمان حصول التبادر عندنا. فلو أنَّ لفظاً تبادر منه معنى خاص في زماننا، ثُمَّ شككنا في أنَّه قبل سنةٍ هل كان المتبادر نفس المعنى أو معنىً آخر؟ لا يمكن إثبات أنَّ اللفظ في ذلك الوقت كان موضوعاً لنفس المعنى المتبادر عندنا، وإنَّما يثبت ذلك بالتبادر عندهم.
وحينئذٍ يشكل الأمر بالنسبة إلى كثيرٍ من الموارد، فيما لو أردنا معرفة المعنى الحقيقي في الأزمنة السابقة، ولا يتعيّن ذلك بالتبادر عندنا.
إلّاَ أنَّه يمكن إثبات ذلك بضميمة أمر آخر، وهو السيرة العقلائية القائمة على أنَّ الشيء إذا ثبت أنَّه معنىً حقيقيٌّ، فيثبت أنَّه كان كذلك من الأوّل. وهذا هو المسمّى بالاستصحاب القهقري، وهو عكس الاستصحاب المتعارف؛ حيث إنَّ اليقين فيه في هذا الزمان، والشكّ في الزمان السابق، وقد قام بناء العقلاء على أن يعامل الشيء الذي كان في الأزمنة السابقة بالنسبة إلى الدلالات معاملة الحاضر، وقد قامت السيرة العقلائيّة على عدم تغيّر اللغة، وأنَّ المتفاهم منها الآن هو المتفاهم منها في الأزمنة السابقة.
وعلى ذلك جرت السيرة في الإقرارات والوصايا وغيرهما، فلو استُعمل لفظٌ في معنىً في وصيّةٍ صدرت قبل مائة سنةٍ كلفظ (الدكّان) مثلاً، ونحن نحتمل أنَّ الدكّان كان معناه في ذلك الحين غير ما نفهمه اليوم، فلا يُعتنى بمثل هذا الاحتمال؛ فإنَّ ما يُفهم منه في زماننا يكون حجّةً في الزمان السابق. بل على ذلك يدور الاستنباط، ولولاه لانسدّ باب الاستنباط؛ إذ من المحتمل أن تكون
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الألفاظ الواردة في السنّة والروايات مستعملةً في معانٍ غير ما نستعمله الآن. ولا يمكن دفع هذا الاحتمال إلَّا من جهة السيرة العقلائيّة الثابتة؛ وأنَّ بناء العقلاء على ذلك في كتب التاريخ وفي الكتب العلميّة حيث ينظرون إلى ما يستفيدونه من معاني الألفاظ، ثُمَّ ينسبون هذا المعنى إلى القائل الأوّل. هذا فيما إذا ثبت التبادر وعلمنا أنَّ الدلالة مستندةٌ إلى نفس اللفظ.
وأمّا إذا شككنا في دلالة نفس اللفظ على المعنى، واحتملنا وجود قرينة عامّة أو خاصّة توجب التبادر، كأن يكون مجازاً مشهوراً، فهل يمكن أن يقال أنَّ الأصل عدم القرينة، أو يتوقّف ولا يمكن إثبات المعنى الحقيقي مع احتمال القرينة؟
الظاهر أنَّه لا يمكن ذلك، لأنَّ هذا الأصل لا أصل له؛ إذ لو أريد بهذا الأصل الاستصحاب بتقريب: أنَّ القرينة أمر حادث، ودلالة اللفظ على المعنى معلومة، ووجود القرينة مشكوك فيه، فنستصحب عدم القرينة، وهذا من الأُصول المثبتة الواضحة؛ إذ لا يترتّب على استصحاب عدم القرينة أثرٌ شرعيّ، بل غاية ما يترتّب عليه هو استناد الدلالة إلى نفس اللفظ، وهي ليست أثراً شرعيّاً، فلا يكون الاستصحاب جارياً.
وإن أُريد به -أصالة عدم القرينة- بناء العقلاء، فلم يثبت بناء من العقلاء على ذلك، لأنَّ أصالة عدم القرينة التي ثبتت ببناء العقلاء إنَّما هو فيما إذا كان الشكّ في المراد بعد العلم بالمعنى الحقيقي، وأنَّ المتكلّم نصب قرينة صارفة أم لا. فنشك في مراده، فنحمله على المعنى الحقيقي لأصالة عدم القرينة.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأمّا إذا علمنا بأنَّ مردا المتكلّم شيءٌ خاصٌّ، وشككنا في أنَّ إرادة هذا المعنى مستندةٌ إلى الوضع أو القرينة، ولم يثبت بناء للعقلاء في مثله؛ إذن لا أثر لهذا التبادر الذي يشكّ في أنَّه مستندٌ إلى نفس اللفظ أو إلى القرينة، بل لا بدَّ في إثبات الحقيقة من إثبات أنَّ الدلالة مستندةٌ إلى نفس اللفظ، وإلَّا فيتوقّف.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إنَّ من علامات الحقيقة والمجاز صحّة السلب وعدم صحّته، وقد عبِّر عنه في كلمات بعضهم بصحّة الحمل وعدمه، فقالوا: إنَّ صحّة الحمل علامة الحقيقة، وعدم صحّة الحمل علامة المجاز، وأنَّ عدم صحّة السلب علامة الحقيقة، وصحّته علامة المجاز(1).
ولكن الظاهر أنَّ شيئاً منهما لا يكون علامةً على الحقيقة ولا على المجاز.
وبيان ذلك: أنَّ الحمل يحتاج إلى الاتّحاد من جهةٍ، والتغاير من جهةٍ أُخرى. والوجه فيه: أنَّه لو لم يكن بين الموضوع والمحمول جهة اتّحادٍ، فلا يصحّ الحمل؛ لأنَّنا إذا فرضنا أنَّهما متغايران من جميع الجهات، فليس بينهما جهة وحدة تصحح الحمل، فلا محالة يكون الحمل محتاجاً إلى جهة وحدة بين الموضوع والمحمول. كما أنَّ الحمل يحتاج إلى جهة تغاير بين الموضوع والمحمول، ليصح أن يكون أحدهما موضوعاً والآخر محمولاً، وإلَّا لم يتمايز الموضوع والمحمول، بل يُقال: إنَّ الشيء هو هو نفسه، فلابدَّ إذن من جهةٍ وحدةٍ بين المحمول والموضوع وجهةِ تغايرٍ ليصح الحمل.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 38، المقدّمة، فصل علامات الحقيقة والمجاز، والآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 19، المقدّمة، الأمر السابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أمّا بالنسبة إلى الحمل الأوّليّ الذاتيّ فجهة الاتّحاد فيه هو وحدة المفهومين بذاتهما، وأمّا التغاير بينهما فيكون بجهةٍ خارجةٍ عن مقام الذات، وهو على نحوين: فقد يكون باللحاظ، وقد يكون بغير اللحاظ. فإذا قلنا: (الإنسان حيوانٌ ناطقٌ)، فمفهوم الحيوان الناطق هو بعينه مفهوم الإنسان، فالذات ذاتٌ واحدةٌ؛ لأنَّ ذات الإنسان عند التحليل هو الحيوان الناطق، وهو من حمل النوع على جنسه وفصله المقوّم له، فالاتّحاد بينهما ذاتيٌّ، والتغاير إنَّما نشأ من خارج مقام الذات، وهو اللحاظ؛ إذ إنَّ المعنى الواحد والماهيّة الواحدة قد تُلاحظ بنحو الإجمال والاندماج -كما تقدّم في بحث التبادر- وقد تُلاحظ على نحو التفصيل. فمعنى (الحيوان والناطق) ملحوظ في مفهوم (الإنسان)، لكن على نحو الاندماج؛ فإنَّ لفظ (الإنسان) موضوعٌ لمجموع الجنس والفصل على نحو الوحدة، ومن دون فصل بينهما، فاللحاظ لحاظ واحدٌ متعلّقٌ بهذا المشتمل على الجنس والفصل على نحو الإجمال والاندماج.
وأمّا في قولنا: (الحيوان والناطق) فذلك المعنى بعينه ملحوظ بنحو التفصيل لا الاندماج، وإلَّا فذات المعنى واحدةٌ، ولا اختلاف في الذات، وإنَّما الاختلاف من حيث اللحاظ التفصيلي والاندماجي.
وقد يكون التغاير من غير جهة اللحاظ نحو قولنا: (الإنسان بشرٌ)؛ إذ الإنسان والبشر حقيقةٌ واحدةٌ، ولكن الاختلاف بينهما من ناحية الوضع؛ حيث إنَّ لفظ (البشر) وضع بإزاء حقيقةٍ قد وضع لها لفظ (الإنسان) أيضاً. فالتغاير إنَّما هو بالوضع، أي: إنَّ المتكلّم يُلاحظ المعنى بما هو موضوعٌ له هذا
ــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
اللفظ تارةً، ويُلاحظ نفس المعنى بما هو موضوعٌ له اللفظ الآخر تارةً أُخرى. فالاختلاف بينهما من ناحية الوضع، وإلَّا فالذات واحدةٌ. وكذلك إذا قلنا: (الماء آب است) فيكون الاختلاف بينهما باختلاف اللغة مع وحدة المعنى ذاتاً، والمقصود أنَّ الوحدة تكون ذاتية، والإتحاد ذاتي، والاختلاف والتغاير في أمر خارج عن مقام الذات بحسب اختلاف اللغة أو الوضع أو اللحاظ.
وقد يكون الحمل على العكس من ذلك، فيكون المفهومان متغايرين، وتكون حقيقة أحدهما غير حقيقة الآخر، ولكن يجمعها شيءٌ واحدٌ خارجٌ عن مقام الذات، وهو الوجود، فيشتركان بوجودٍ واحدٍ، وهذا الوجود الواحد هو جهة الوحدة بينهما. ومثاله ما إذا قيل: (زيدٌ إنسانٌ)، ولا يُراد بذلك أنَّ مفهوم كلمة (زيد) هو المفهوم من كلمة (إنسان)؛ ضرورة أنَّ هذا مفهومٌ جزئيّ، وذاك مفهومٌ كلّيّ، فكيف يكون أحدهما عين الآخر؟ بل إنَّ بينهما تغايراً بحسب المفهوميّة وبحسب الكلّية والجزئيّة، فما يُفهم من (زيد) غير ما يفهم من (الإنسان) بالضرورة. وإذا قلنا: (زيدٌ كاتبٌ) لا نعني: أنَّ ما يُفهم من أحدهما هو عين ما يُفهم من الآخر، بل إنَّ كلمة (زيد) وكلمة (كاتب) كلٌّ منهما موضوعٌ لمفهومٍ مغايرٍ لمفهوم الآخر. إلَّا أنَّه يجمع بين المفهومين وجودٌ واحدٌ خارجيٌّ هو الذي يُضاف إلى (زيد) وإلى (الكاتب)، وهو الجامع بين الأمرين، فيصح أن يقال: زيدٌ كاتبٌ أي: كاتبٌ في الخارج. وكذلك إذا قلنا: (الكاتب شاعرٌ) أو (الكاتب متحرّك الأصابع)؛ حيث إنَّ المفهومين في مثل هذه القضايا مختلفان، ولكن يجمعهما وجودٌ واحدٌ، فالاختلاف بينهما ذاتيّ، والاتّحاد
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بالوجود الخارجي، الذي هو أمر خارج عن مقام الذات.
ويُطلق على القسم الأوّل من الحملِ الحملُ الأوّليّ الذاتيّ، أي: حمل الشيء على نفسه، ويُطلق على القسم الثاني من الحملِ الحملُ الشايع الصناعيّ. أمّا كونه شايعاً فلكونه هو المتعارف، فيُقال: (هذا خبزٌ) و(هذا ماءٌ). وأمّا كونه صناعيّاً فلكونه هو الذي يُستعمل في الأقيسة والاستدلال؛ فإنَّ الحمل بين الصغرى والكبرى يكون شايعاً.
إذن، فالحمل على قسمين: ذاتي أوّلي وشايع صناعيّ، وملاك الحمل الذاتيّ الأوّليّ هو الوحدة في الذات، والتغاير في أمرٍ خارجٍ عن الذات: إمّا باختلاف اللغة أو الوضع، أو باختلاف اللحاظ الإجمالي والتفصيلي. وأمّا الملاك في الحمل الشايع الصناعي فهو الاختلاف بين المفهومين بالذات، والاتّحاد في أمرٍ خارجٍ عن مقام الذات، وهو الوجود. وفي شيء من الحملين لا يكون صحّة الحمل علامة على الحقيقة، ولا عدمه علامة على المجاز. وبيان ذلك:
أنَّ الحمل الأوّليّ غاية ما يمكن أن يُستفاد منه: أنَّ ما استعمل فيه اللفظ في المحمول -وهو المراد منه- متحد مع ما أُريد من الموضوع، فإنَّ مثل هاتان الكلمتان: (الإنسان، بشر) غاية ما يستفاد من الكلمة الأُولى وما قصد تفهيمه بها متّحدٌ ذاتاً مع المفهوم الآخر الذي قصد تفهيمه بالكلمة الثانية، هذا ما يدلّ عليه صحّة الحمل، وأنَّ مدلولهما واحدٌ بالذات. وأمّا استعمال الكلمة وإرادة المفهوم منها، هل هو حقيقي أم مجازي، فهذا أجنبيّ عن صحّة الحمل وعدم وصحّته.
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وبعبارةٍ أُخرى واضحةٍ: الحمل الأوّليّ حملٌ بين المفهومين، والملاك فيه اتّحاد المفهومين ذاتاً، واختلافهما اعتباراً، وهذا راجعٌ إلى عالم المفهوم والمراد. وأمّا اتّحاد المفهومين في الواقع وصحّة حمل أحدهما على الآخر بالحمل الأوّليّ فهو أجنبيّ عن باب الحقيقة والمجاز؛ لأنَّ باب الحقيقة والمجاز هو باب الألفاظ، وكون اللفظ موضوعاً لهذا المعنى، فيكون استعماله فيه حقيقةً، أو قد استُعمل فيه بقرينةٍ، فيكون مجازاً.
وأمّا صحّة الحمل وعدمه ترجع إلى مرحلة المعنى، فكيف نثبت أحدهما للثاني؟! فإذا قلنا: (الإنسانُ بشرٌ) وأُريد بالإنسان ما أُريد بالبشر، فصحّة الحمل تدلّنا على اتّحادهما ذاتاً واختلافهما بأمر آخر. وأمّا أنَّ استعمال كلمة إنسان أو بشر في ذلك المفهوم هو استعمالٌ حقيقي أو مجازي فهو أجنبيّ عن صحّة الحمل وعدم صحّة الحمل؛ لأنَّ المطلوب في المقام هو معرفة كون استعمال اللفظ حقيقيّاً أو مجازيّاً، وهذا راجعٌ إلى معرفة حال اللفظ، بينما صحّة الحمل راجعةٌ إلى المعنى، ومن صحّة الحمل نستكشف إتحاد المفهومين ذاتاً، ومن عدم صحّة الحمل نستكشف عدم الاتحاد.
وإذا فرضنا صحّة الحمل، واستكشفنا أن المفهومين متّحدان، فمن أين نثبت أنَّ الاستعمال فيه استعمال حقيقي أو مجازي، فغاية ما يثبته الحمل الأوّليّ هو اتّحاد المفهومين عند صحّته، وعدم اتّحادهما عند عدم صحّته، وكلاهما أجنبيٌّ عن معرفة حال اللفظ وكونه حقيقةً أو مجازاً.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
نعم، إذا بنينا على ما بنى عليه السيّد المرتضى(1) -على ما نُسب إليه(2)– من: أنَّ الاستعمال بنفسه يثبت أنَّ اللفظ حقيقي، لأنَّ الأصل أن يكون الاستعمال حقيقيّاً إلى أن يثبت خلافه. وحينئذٍ يمكن أن يُقال: إنَّ صحّة الحمل علامةٌ على كون الاستعمال من الاستعمال الحقيقي؛ لأنَّ الأصل هو الاستعمال الحقيقي. إلَّا أنَّ هذا راجعٌ إلى أنَّ صحّة الاستعمال أمارةٌ على الحقيقية، لا أنَّ صحّة الحمل هي الأمارة على ذلك. وعليه فليس الحمل الأوّليّ من الأمارات على الحقيقة والمجاز.
وقد يتوهّم -كما في (الكفاية)(3) وغيرها(4)-: أنَّ المراد من أنَّ صحّة الحمل علامةً على الحقيقة وعدمه علامةً على المجاز إنَّما يصحّ فيما إذا كان اللفظ مستعملاً في معناه المرتكزٍ في أذهان العامّة، فإذا صحّ حمله يستكشف كونه حقيقة، وإلَّا فمجازٌ لأنَّ الارتكاز العرفي من علامات الحقيقة، فيصحّ أن يُقال: إنَّ صحّة الحمل من علامات الحقيقة، وعدم صحّته من علامات المجاز.
ولكن هذا أمرٌ لا يرجع إلى محصّلٍ؛ لأنَّ الارتكاز العرفي وإن كان علامةَ الحقيقة -كما سبق أن ذكرنا في التبادر- إلَّا أنَّه من جهة التبادر، لا من جهة صحّة الحمل وعدمه. فضمّ الحمل إلى الارتكاز العرفي كضمّ الحجر إلى جنب
ــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) لاحظ: الذريعة إلى أُصول الشريعة 1: 13 و19، البحث في الحقيقة والمجاز.
(2) المحقّق القمي، قوانين الأصول: 29، قانون إذا تميّز المعنى الحقيقي من المجازي…
(3) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 19، المقدّمة، الأمر السابع.
(4) أُنظر: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 46-47.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الإنسان. فالذي تستكشف منه الحقيقة هو التبادر لدى العرف أو الرجوع إلى الارتكاز لدى أهل اللغة. أمّا صحّة الحمل أو عدم صحّته فهو أمرٌ أجنبيّ عن اللفظ. فإذا استُعمل اللفظ في الجملة واستفدنا أنَّه ذو معنىً خاصٍّ بحسب المرتكز العرفيّ ولدى أهل اللغة، عرفنا أنَّه هو الموضوع له، ولا دخل لصحّة الحمل أو عدم صحّته في ذلك؛ لأنَّهما يرجعان إلى عالم المعاني والمفاهيم، وكلامنا في الألفاظ، وأحدهما أجنبيّ عن الآخر.
وأمّا الحمل الشايع الصناعي فينقسم إلى ثلاثة أقسامٍ:
◙ الأوّل: أن يكون الوجود لكلٍّ من الموضوع والمحمول بالذات من قبيل حمل الكلي على فرده، والطبيعي على مصداقه، فحمل الجنس على النوع نحو: (الإنسان حيوانٌ)، أو حمل الفصل على النوع نحو: (الإنسان ناطقٌ)، أو حمل الجنس على الفصل نحو: (الناطق حيوانٌ). وجامع هذا الحمل في تلك الموارد هو ما يكون من قبيل حمل الذات أو الذاتي. فإمّا أن تكون الذات محمولاً نحو: (زيدٌ إنسانٌ)، أو الذاتي محمولاً، أي: الجنس والفصل، نحو: (الإنسان حيوانٌ)، أو (الإنسان ناطقٌ).
وفي جميع ذلك يعتبر الاتّحاد في الوجود هو الملاك في صحّة الحمل، فهذا الوجود الذي هو وجودٌ زيدٍ، ووجود الإنسان؛ وبه يصح الحمل، إنَّما هو وجودٌ بالذات لزيد، ووجودٌ بالذات لطبيعة الإنسان، لأنَّ الطبيعي يوجد بوجود فرده، لا بوجودٍ آخر مغايرٍ.
وهكذا الحال بالنسبة إلى الجنس والفصل، والنوع والفصل، والجنس
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والنوع، ففي قولنا: (الإنسان حيوانٌ)، فإنَّ كلاً من الإنسان والحيوان يوجدان بوجودٍ واحدٍ، وهذا الوجود الواحد يُضاف إلى ماهيّاتٍ عديدةٍ، إلَّا أنَّها طوليّةٌ لا عرضيّةٌ، أي إنَّ الوجود الواحد يُضاف إلى الجنس إضافةً حقيقيّةً بدون تجوّزٍ نحو: (هذا وجود الحيوان)، ويضاف إلى الإنسان وهي أيضاً إضافة حقيقية بدون عناية.
وفي مثل ذلك تكون إضافة الوجود إلى الموضوع وإلى المحمول إضافةً ذاتيّةً، أي: إنَّ الوجود ثابتٌ لهما بالذات.
◙ الثاني: أن يكون إضافة الوجود إلى أحدهما بالذات وإلى الآخر بالعرض نحو: (زيدٌ ضاحكٌ)؛ فإنَّ إضافة الوجود إلى زيدٍ إضافةٌ ذاتيّةٌ؛ فإنَّه وجودٌ بالذات لزيدٍ. أمّا بالنسبة إلى مفهوم الضاحك أو العالم أو الكاتب وغيرها من العناوين العرضيّة فليست وجوداً بالذات لهذا العنوان.
والوجه فيه: أنَّ عنوان الكاتب ليس له ما بإزاء في الخارج؛ فإنَّ الموجود منحصرٌ في الجوهر والعرض، فزيدٌ جوهرٌ، أي: غير قائمٍ بغيره، وله علم، وهو -على ما قيل- من مقولة الكيف النفسانيّ، فالعنوان المنتزع من ضمّ العرض إلى الجوهر الذي ينتزع منه عنوان العالم ليس له وجودٌ آخر غير وجود زيدٍ ووجود علمه. وإذا قلنا: (الجسم أبيض) فالموجود في الخارج هو الجسم، وهو جوهرٌ، والبياض أيضاً موجود في الخارج، وهو من مقولة الكيف المبصر، ولكن العنوان المنتزع من قيام العرض بجسم ليس له وجودٌ زائدٌ على الجسم والبياض، ولذلك نسمّيه موجوداً بالعرض. فالموجود بالذات إنَّما هو الجوهر
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والعرض القائم به، وأمّا العنوان المنتزع من قيام العرض بالجوهر فليس له وجودٌ ثالثٌ غير وجود العرض والجوهر.
وعلى ذلك فالوجود الخارجي المضاف إلى الجسم بالذات يُضاف أيضاً إلى عنوان الأبيض، إلَّا أنَّه بالنسبة إليه وجودٌ عرضيّ وإضافةٌ عرضيّةٌ؛ لأنَّ عنوان الأبيض موجودٌ بوجود الجسم، والموجود بالذات هو وجود الجسم والبياض، ومن قيام البياض بالجسم وعروضه عليه يُنتزع العنوان، أي: عنوان الأبيض.
◙ الثالث: أن يكون الوجود في كلٍّ من المحمول والموضوع عرضيّاً، وذلك إذا كان كلٌّ منهما من قبيل العناوين العرضيّة نحو: (الكاتب متحرّك الأصابع)، أو (الكاتب شاعرٌ). فإذا فرضنا أنَّ المحمول عنوانٌ عرضيٌّ والموضوعُ عنوانٌ عرضيّ، كان الوجود المضاف إلى المحمول والموضوع كلاهما عرضيّاً؛ لأنَّ المشتقّ – كما ذكرنا آنفاً- لا يكون له وجودٌ بالذات في الخارج، بل هو منتزعٌ من قيام عرضٍ بموضوعه. فالموجود في الخارج هو زيدٌ والكتابة وحركة الأصابع، وهذه موجوداتٌ بالذات. وأمّا عنوان المتحرّك الذي يُنتزع من قيام الحركة بزيدٍ فهو ليس من الوجود بالذات بل بالعرض.
ولكن هذا الوجود بالعرض لا بدَّ أن ينتهي إلى ما بالذات، ففي قولنا: (كلّ متعجّبٍ ضاحكٌ) يكون عنوان (الضحك) وعنوان (التعجّب) موجودين بالذات، والموجود بالعرض إنَّما هو عنوان الضاحك والمتعجّب.
إذن، جميع القضايا المحمولة بالحمل الشايع الصناعي ترجع إلى أحد هذه الأقسام لا محالة؛ فإنَّه إمّا أن يكون الوجود لكلٍّ من المحمول والموضوع
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بالذات، أو أن يكون الوجود لكلٍّ منهما بالعرض، أو أن يكون لأحدهما بالذات وللآخر بالعرض، وما بالعرض لا بدَّ أن ينتهي إلى ما بالذات، فننقل الكلام إلى ما بالذات. فقولنا: (زيدٌ عالمٌ) يرجع إلى أنَّ تلك الصفة القائمة بزيدٍ وهي العلم، بمعنى أنَّ زيداً واجدٌ لصفةٍ، وأنَّ تلك الصفة هي العلم، فيكون من قبيل حمل الكلّي على الفرد. وكذلك إذا كان كلٌّ من المحمول والموضوع موجودَين بالعرض نحو: (الكاتب متحرّك الأصابع)؛ فإنَّ معناه: أنَّ تلك الصفة الموجودة في زيدٍ هي الكتابة، وأنَّ الصفة الملازمة له هي حركة الأصابع.
فكلّ قضيّةٍ كان الحمل فيها بنحو الحمل الشايع الصناعيّ يرجع الحمل فيها إلى حمل الكلّيّ على الفرد: إمّا أوّلاً وبالذات، وإمّا بالمآل نحو: (زيدٌ ضاحكٌ)، ومعه فالحمل الشايع من حمل الكلّيّ على الفرد.
وبحسب ما ذكرناه في الحمل الأوّليّ من أنَّ غاية الحمل الذي يُستفاد منه هو أنَّ المعنى المستعمل فيه اللفظ يصحّ حمله على الموضوع، وأنَّ الموضوع فردٌ من أفراده فقولنا: (زيدٌ إنسانٌ)، يُستفاد منه: أنَّ زيداً من أفراد الإنسان حقيقةً. وأمّا كون استعمال الإنسان في هذا المفهوم حقيقيّاً أو مجازيّاً فهو أمرٌ أجنبيٌّ عن الحمل؛ لما ذكرناه من أنَّ الحمل ناظرٌ إلى المعنى لا إلى اللفظ، فلا يدلّ على أنَّ اللفظ المستعمل فيه حقيقةٌ أو مجازٌ؛ فإنَّ هذا خارجٌ عن دائرة الحمل. وغاية ما يترتّب على الحمل هو استفادة أنَّ زيداً من أفراد الإنسان حقيقةً، وليس فرداً ادّعائيّاً؛ لأنَّ الحمل صحيحٌ، وإلَّا لما صحّ الحمل. وأمّا أنَّ استعمال كلمة (إنسان) في هذا المفهوم – أي: مفهوم الحيوان الناطق- بالوضع أو بالمجاز فهذا
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أجنبيّ عن ذلك. بل لا بدَّ في إثبات ذلك من التشبث بأن الأصل في الاستعمال هو الحقيقة، وهذا لم يثبت، أو يتشبث بالتبادر، وأن اللفظ استعمل بما له من معنى مرتكز في الأذهان، وهذا يرجع إلى التبادر، والتبادر من علامات الحقيقة، وهو أجنبي عن صحّة الحمل وعدم صحته.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذكروا من علامات الحقيقة والمجاز(1): الاطّراد وعدمه، وقالوا أنَّ الاطّراد علامةٌ على الحقيقة، كما أنَّ عدمه علامةٌ على المجاز.
وقد أشكل الأمر في بيان المراد من هاتين الكلمتين، فذكر بعضهم(2) أنَّ المراد بالاطّراد هو أن يكون الاستعمال شايعاً وكثيراً بحيث لا ينحصر في مرّةٍ أو مرّتين، وعدم الاطّراد على خلافه.
ولكن من الظاهر أنَّ حكم الأمثال في جواز الاستعمال وعدم جوازه واحدٌ. فإذا صحّ الاستعمال مرّةً، يصحُّ في جميع الاستعمالات؛ ولا فرق بين الاستعمال المتكرّر وغيره. فلو كان الاستعمال صحيحاً ولو مجازاً في موردٍ لصحُّ في غيره من الموارد، فالاستعمال المجازيُّ مطّردٌ كالاستعمال الحقيقي، فكما أنَّ استعمال لفظ (الأسد) في الحيوان المفترس حقيقيٌّ ومطّردٌ، كذلك استعماله في الرجل الشجاع مجازيٌّ ومطّردٌ أيضاً.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
(1) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 38، المقدّمة، فصل علامات الحقيقة والمجاز، والآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 20، الأمر السابع، الاطّراد.
(2) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 38، المقدّمة، فصل علامات الحقيقة والمجاز، والآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 20، الأمر السابع، الاطّراد.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولأجل ذلك ذكر شيخنا المحقّق(1): أنَّ المراد بالاطّراد ليس هو كثرة الاستعمال، بل المراد به أنَّ اللفظ المستعمل في معنىً إذا أُطلق على فردٍ -بعد الفراغ عن أنَّه لم يُستعمل فيه بمعناه الحقيقيّ، وإنَّما هو على سبيل الإطلاق، كإطلاق لفظ (الإنسان) على (زيد) في قولنا: (زيدٌ إنسان)- فإن كان إطلاقه على جميع الأفراد التي هي أمثال هذا الفرد صحيحاً، وكان هذا الإطلاق مطّرداً في مقام الانطباق، كشف ذلك عن أنَّ استعمال اللفظ في المعنى المنطبق على هذا الفرد حقيقيٌّ، فيقال: (زيدٌ إنسانٌ) و(عمرو إنسانٌ)، وهكذا الحال بالنسبة إلى بقيّة الطبايع ومصاديقها. فالإطلاق والانطباق على الأفراد مطّردٌ لا ينحصر في موردٍ.
وأمّا إذا كان الاستعمال في فردٍ غير مطّردٍ، فنستكشف من ذلك أنَّه استعمال مجازي، فلو أنَّ كلمة (الأسد) استُعملت في معناه، وأُطلقت على (زيدٍ) لشجاعته، فإنَّنا نجد أنَّ هذا الإطلاق غير مطّردٍ؛ إذ لا يُطلق لفظ الأسد على كلّ من كان شجاعاً في نوعه حتّى في مثل النملة فنستكشف من ذلك أنَّ (الشجاع) ليس معنىً حقيقياً للأسد، وإلَّا لصحّ إطلاقه على كلّ شجاعٍ من أفراد هذا الطبيعيّ.
وعليه فالمراد من الاطّراد وعدمه ليس هو كثرة الاستعمال وقلّته، بل المراد بهما الانطباق وصحّة استعمال اللفظ في المعنى المنطبق على الفرد. فإذا كان ذلك الاستعمال مطّرداً، كشف ذلك عن أنَّ استعمال اللفظ في المعنى حقيقي، وإذا لم
ــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) أُنظر: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 51.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يكن كذلك، كشف عن أنَّ الاستعمال مجازي.
ولكنّ ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ انطباق الطبيعيِّ على فرده خارجٌ عن دائرة الاستعمال، وهو أمرٌ قهريٌّ وعقليّ. فإذا فرضنا أنَّ اللفظ قد استُعمل في معنىً، وكان استعماله بالنسبة إلى ذلك المعنى صحيحاً، فإنَّه لا يمكن أن لا يكون مطّرداً؛ فإنَّ الحمل -كما ذكرنا في مبحث صحّة الحمل وعدم صحّته- راجعٌ إلى المعنى لا إلى اللفظ، وأنَّ الاتّحاد بين الوجودين مصحح للحمل الشايع الذي هو محلّ كلامنا -أي: حمل الكلّيِّ على فرده والطبيعيِّ على مصداقه- أجنبيٌّ عن صحّة الاستعمال وعدم صحّته، بل الحمل ناظرٌ إلى الاتّحاد بين المعنى وفرده. فإذا فرضنا صحّة الحمل، فإنَّ المعنى سوف ينطبق لا محالة على سائر أفراده؛ إذ لا يمكن أن ينطبق على بعضها دون بعضٍ؛ لأنَّ الانطباق قهريّ.
نعم، قد تُؤخذ في المعنى المجازي خصوصيّةٌ بها ينطبق على جملةٍ من الأفراد دون جملةٍ أُخرى، كما إذا فرضنا أنَّ الأسد لا يصحّ استعماله في الشجاع على إطلاقه، وإنَّما يصح استعماله في الشجاع إذا كان كبيراً بحسب الجسم، فيُقال: (الرجل شجاع)؛ فإنَّه يمكن استعمال الأسد في هذا المورد؛ لأنَّه يشابه الأسد في شجاعته وجسمه. ولكن بالنسبة إلى النملة الصغيرة فلا يصحّ استعماله في معنىً منطبقٍ عليها، فعدم الانطباق من جهةِ ضيقٍ في المعنى، لا أنَّه شاملٌ له ومع ذلك لا يصحّ استعماله فيه.
وبعبارةٍ أوضح: إنَّ اللفظ إذا صحّ استعماله في معنىً مجازيٍّ مرّةً، فإنَّه
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يصحُّ استعماله فيه أبداً، وأمّا أمر الانطباق وعدمه فهو خارجٌ عن دائرة صحّة الاستعمال. فإن كان المصداق فرداً من الكلّيِّ المستعمل فيه صحّ الحمل، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ الحمل يصحّ في موردٍ دون موردٍ، وإنَّ الانطباق ليس بمطّردٍ، مع أنَّ المعنى المستعمل فيه واحدٌ، والمفروض أنَّ كلاً من الفردين مصداق وفرد من هذا المفهوم.
إذن، لا بدَّ من التصرّف في المعنى المستعمل فيه، كأن يُقال: إنَّه ضيّقٌ لا ينطبق على بعض الأفراد، وينطبق على البعض الآخر. وهذا أيضاً لا ينتهي إلى محصّل.
والصحيح في معنى الاطّراد وعدمه هو: أنَّ الاطّراد عبارةٌ عن صحّة استعمال اللفظ في معنىً واحدٍ؛ باعتبار الجمل المختلفة باختلاف الموضوع أو المحمول أو سائر الخصوصيّات. فإذا رأينا لفظاً اُستعمل في جملةٍ في معنىً، فإنَّنا نحتمل أنَّ في الجملة قرينةً تدلّ على أنَّ المراد من اللفظ هذا المعنى سواء كانت القرنية في الموضوع أو في المحمول أو الملابسات الأخرى، فإذا رأينا في جملةٍ ثانيةٍ قد أُطلق اللفظ وأُريد به نفس المعنى مع عدم اشتمال هذه الجملة على الخصوصيّات التي كانت في الجملة الأُولى، فإنَّنا هنا مع هذا نحتمل أنَّ الدلالة كانت مستندةً إلى قرينةٍ أُخرى. فإذا تكرّر استعمال اللفظ بمقدارٍ لا نحتمل أن تكون الدلالة مستندةً إلى قرينةٍ، فنستكشف بذلك أنَّ الدلالة مستندةٌ إلى الوضع؛ لأنَّنا سبق وأن قلنا بأنَّ الدلالة ليست بذاتيّةً، فأمرها حينئذٍ يدور بين أن تكون بالوضع أو بالقرينة، فإذا انتفى الشقّ الثاني، تعيَّن الشقُّ الأوّلُ لا محالة.
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وهذا المعنى من الاطّراد هو أساس فهم المعنى الحقيقي من غيره بالنسبة إلى الأطفال والصبيان، وبالنسبة إلى الخارج عن أهل لغةٍ. فإذا فرضنا أن الصبيَّ أدرك شيئاً فشيئاً أنَّ اللفظ المعيَّن يُستعمل في معنىً معيّنٍ، كما إذا رأى الصبيُّ أنَّ أخاه الأكبر يُسمّى باسمٍ خاصٍّ كالحسن مثلاً، ورأى أنَّه يُستعمل فيه مع اختلاف المحمولات والملابسات، فيُقال: (أكل الحسن)، و(نام الحسن)، و(ذهب الحسن)، و(جاء الحسن)، فسوف يحصل القطع للصبيِّ من هذا التكرار بأنَّه هو الموضوع له من دون وجود قرينةٍ على المعنى المجازي.
وكذا الحال بالنسبة إلى الخارج عن اللغة، كالأعجميِّ إذا جاء إلى بلاد العرب وعاش بين أهل اللغة؛ فإنَّه بمرور الأيّام والشهور والسنين يرى أنَّهم يستعملون لفظاً خاصّاً في معنى مخصوصٍ، فيقولون: (التمر) في مقام التعبير عن (ثمر النخل)، فقد يحتمل وجود القرينة في المرّة الأُولى، وهكذا إلى أن يصل الاستعمال إلى حدٍّ يجزم فيه أنَّ الدلالة ليست مستندةً إلى القرينة، بل هي مستندةٌ إلى نفس اللفظ.
فالاطّراد -كما ذكرنا في الدورة السابقة- هو السبب الوحيد لمعرفة المعنى الحقيقي، ولا يدلّ غيره عليه.
والوجه في ذلك: أنَّ تصريح الواضع بأنَّ اللفظ موضوعٌ لهذا المعنى إنَّما هو حاصلٌ في بعض موارد الأوضاع الشخصيّة أو النوعيّة، كالوضع للمعاني المستحدثة والمخترعة، فيخترع معنىً ويقول: (وضعت له لفظ كذا) أو يقول: (سمّيت ولدي بهذا اللفظ)، ولكن بالنسبة إلى أغلب الألفاظ المتداولة في أيّ
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لغةٍ لا يمكننا أن نسمع التصريح من الواضع قطعاً، وقد قلنا: إنَّ عدم صحّة السلب كصحّة الحمل ليس علامةً للحقيقة. وأمّا التبادر فهو وإن كان علامة للحقيقة، ولكنّه معلولٌ للعلم بالوضع، فإذا لم يكن لدى الشخص علمٌ بالوضع ولو إجمالاً وارتكازاً يستحيل أن يتبادر إليه من اللفظ شيءٌ.
إذن، فالذي يمكن أن يكون سبباً للعلم بالوضع ولمعرفة الحقيقة من المجاز إنَّما هو الاطّراد، والاستعمال المتكرّر في لسان أهل اللغة بمقدارٍ لا يحتمل أن يكون الاستعمال والدلالة ناشئةً من القرينة، وإنَّما تكون مستندةً إلى الوضع لا محالة.
وهذا بخلاف المجاز؛ فإنّا نرى أنَّه غير مطّردٍ؛ فإنَّه يُقال مثلاً للصبي وغير الصبي في مقام المدح: (أنت سبعٌ)، وأمّا في مقام الهتك فلا يُستعمل هذا اللفظ، وعليه فلا يكون مطّرداً، فيعلم أنَّ استعماله كان مع القرينة، ولا يوجد لفظٌ مستعملٌ في معنى مجازي ويكون الاستعمال فيه مطّرداً بالنسبة إلى جميع المحمولات وجميع ما يذكر في الجملة من الملابسات الأُخرى، بل يكون الاستعمال بمناسبةٍ معينّةٍ في جملةٍ معيّنةٍ، ولا تأتي المناسبة في جملةٍ أُخرى.
وأمّا اللفظ الموضوع لمعنىً فيصحّ استعماله في سائر صور الجمل والملابسات الأُخرى، فمن كثرة الاستعمال في الجمل نعرف أنَّ هذا اللفظ موضوعٌ للمعنى الفلاني؛ لأنَّ الدلالة إذا لم تكن مستندةً إلى القرينة فهي مستندةٌ إلى الوضع.
إذن الصحيح: أنَّ الاطّراد علامةُ الحقيقة، كما أنَّ عدم الاطّراد علامةُ المجاز.
ــــــــــ[242]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر التاسع: حالات دوران اللفظ
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
للفظ حالاتٍ، فقد يدور الأمر بين واحدٍ منها وبين الأخذ بالمعنى الحقيقي الذي يكون ظاهراً من اللفظ لولا القرينة. فلا إشكال في حمل اللفظ على المعنى الحقيقي؛ لأصالة الظهور، ولا يُعتنى بالاحتمال المخالف لذلك.
وهذه الحالات هي المجاز والتخصيص والتقييد والاشتراك والإضمار، فإذا دار الأمر بين حمل اللفظ على المعنى الحقيقي الذي يكون ظاهراً لولا القرينة وبين حمل اللفظ على إرادة معنى آخر غير المعنى الأوّل لاحتمال أنَّ اللفظ قد وُضع لمعنى غير المعنى الأول، فالأصل هنا بقاء الوضع الأوّل وبقاء التعهّد السابق وعدم تغيّره، فيُحمل اللفظ على المعنى الأوّل؛ من جهة بناء العقلاء على حمل اللفظ على ظاهره الذي يدلّ عليه لولا القرينة.
كما أنَّه إذا احتملنا إرادة معنىً مجازيٍّ في قبال المعنى الحقيقي؛ فإنَّه لا يُعتنى بهذا الاحتمال ما لم يثبت وجود القرينة على إرادة المعنى المجازي، وكذا إذا احتملنا أنَّ في الكلام إضماراً، وأنَّ فيه شيئاً مقدّراً، فندفع هذا الاحتمال بأصالة عدم التقدير، ويُؤخذ بظاهر اللفظ ما لم ترد قرينةٌ على التقدير. وهكذا في
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
احتمال التقييد؛ فإنَّ المتكلّم إذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينةً على إرادة المقيّد، فإنَّه يُؤخذ بالعموم.
إذن كلّ هذه العناوين خلاف الأصل، فلا يُعتنى باحتمال أحدها بدون وجود قرينةٍ عليه، وهذا ممّا لا كلام فيه، وإنَّما الكلام فيما إذا علمنا أنَّ المعنى الأول الذي يكون اللفظ ظاهراً فيه لولا القرينة لم يكن مراداً قطعاً، ودار الأمر بين أحد المعاني المتقدّمة التي كل منها خلاف الظهور وهي: المجاز أو التخصيص أو التقييد أو الاشتراك أو الإضمار.
ذكروا هنا وجوهاً لتقديم بعض هذه الاحتمالات على بعض، منها ما ذكره صاحب (القوانين)(1) من تقديم الاشتراك على المجاز والإضمار وتقديم التخصيص على التعميم؛ لأنَّه ما من عامٍّ إلَّا وقد خُصّ، إلى غير ذلك من وجوه التقديم. ولكنّ شيئاً من هذا ذلك لا يتمّ؛ فإنَّ العبرة في مقام الاحتجاج هو الظهور العرفي؛ فإنَّ احتجاج السيّد على عبده، والعبد على سيّده، والخصم على خصمه، إنَّما يبتني على الظهور العرفي، فإذا كان الكلام ظاهراً في معنىً – وإن لم يكن معنى حقيقيّاً- من جهة القرائن الداخليّة والخارجيّة والمناسبات التي تقتضي حمل اللفظ على المعنى، التي تسمّى بمناسبات الحكم والموضوع، ونحوها، بحيث لو أُلقي اللفظ إلى العرف لفهم منه شيئاً خاصّاً، فيُؤخذ به، وإلَّا بقي الكلام مجملاً، ومعه لا يقدَّم أحد تلك الاحتمالات على غيره؛ إذ لا دليل عليه.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
(1) أُنظر: الميرزا القمي، قوانين الأُصول: 32، قانون الأصل في التفهيم والتفهّم هو الوضع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إذن، لا وجه لإطالة الكلام حول تقديم بعض تلك العناوين على بعض، بل المدار هو الظهور العرفي، فإن كان متحقّقاً فهو المتّبع، وإلَّا كان الكلام مجملاً، فيرجع إلى الأُصول العمليّة، وإلَّا فيرجع إلى الأُصول العقليّة.
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر العاشر: الحقيقة الشرعيّة
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقع الكلام في ثبوت الحقيقة الشرعيّة وعدم ثبوتها. ولكن قبل ذلك لا بدَّ من الكلام في ثمرة هذا البحث، والظاهر أنَّه بحثٌ علميٌ محض، ليس له أي ثمرة أصلاً.
وقد ذكروا لهذا البحث ثمرتين:
◙ الثمرة الأُولى: أنَّنا إذا قلنا بثبوت الحقيقة الشرعيّة، وشككنا في المراد من الألفاظ الواردة في الروايات من ألفاظ العبادات والمعاملات، من حيث إنَّ المراد بها هو المعنى الشرعيّ أو المعنى اللغوي، فنحمله على المعنى الشرعيّ، وإذا قلنا بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة، فنحمله على المعنى اللغوي.
◙ الثمرة الثانية: أنَّه بناء على ثبوت الحقيقة الشرعيّة، نحمل اللفظ على المعنى الشرعيّ، وعلى تقدير عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة، فلا أقلّ من صيرورة المعنى الشرعيّ مجازاً مشهوراً، والمعروف فيه هو التوقّف.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إنَّ ما ذُكر من ثمرةٍ لهذا البحث لا يصلح أن يكون ثمرةً؛ فإنَّ أصل المطلب والكبرى التي ذكروها وإن كانت صحيحةً، ولكن بحسب الصغرى لا مصداق لها؛ حيث إنَّ كلام النبي والجمل التي صدرت منهالمشتملة على هذه الألفاظ الشرعيّة: كالصلاة والصيام والزكاة والحجّ ونحوها ممّا وقع الكلام في أنَّها موضوعةٌ للمعاني المستحدثة الشرعيّة أو أنَّها غير موضوعةٍ لذلك، وإنَّما استعملت في المعاني المستحدثة مجازاً، إذ كانت تلك الجمل واردة منهمن غير توسّط الأئمّة، لكان لهذه الثمرة وجهٌ؛ إذ لو فرضنا أنَّنا شككنا في جملةٍ منها، فلم ندرِ إذا أمرنا بالصلاة في مكانٍ أو زمان معيّنٍ، وتردّد الأمر بين أن يكون المراد بالصلاة المعنى الشرعيّ المتعارف المركّب من التكبير والركوع والسجود وسائر الأجزاء والشرائط، أو أنَّ المراد به هو المعنى اللغوي، أي: مطلق الدعاء، فلو فرضنا أنَّنا شككنا في ذلك، كان للثمرة مجالٌ، فبناء على ثبوت الحقيقة الشرعيّة نحمل اللفظ على المعنى الشرعيّ، وبناءً على عدم ثبوتها، نحمله على المعنى اللغوي، أو نتوقّف على الخلاف المتقدّم، إلَّا أنَّه لم يثبت مثل هذا ولا في موردٍ واحدٍ:
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
القرائن يمكن أن نستكشف أنَّ المراد هو المعنى اللغوي أو الشرعيّ، فليس هنا موردٌ للشكّ يتوقّف فيه الحكم على ثبوت الحقيقة الشرعيّة أو عدم ثبوتها.
ومن الواضح أنَّ كثرة الاستعمال في أقلّ من ذلك الوقت بكثير -في سنتين أو ثلاث سنوات- توجب تعيُّن اللفظ لمعنىً خاصٍّ، وهو ما يسمّى بالوضع التعيّني، فكيف إذا تكرّر استعماله في ظرف 80 سنة أو 100 سنة أو إلى زمان الحجّة 200سنة؟!
إذن، فليس لنا موردٌ نشكّ فيه في المراد الاستعمالي لنحمله على المعنى الشرعيّ على تقدير ثبوت الحقيقة الشرعيّة، أو على المعنى اللغوي على تقدير عدم ثبوتها، أو نتوقّف. إذن فالبحث علميٌّ محضٌ.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ثُمَّ إنَّ البحث عن ثبوت الحقيقة الشرعيّة وعدم ثبوتها تارةً يكون النزاع فيه في الوضع التعييني، وأُخرى في الوضع التعيّني، والوضع التعييني تارةً يكون بتصريح الواضع بوضع لفظٍ خاصٍّ لمعنىً معيّنٍ نحو: (سمّيت ولدي كذا)، وقد يكون بغير هذا الوجه.
أمّا الوضع التعييني على وجه التصريح فهو ممّا يقطع بعدمه شرعاً؛ فإنَّنا لا نحتمل أنَّ النبيّقد صرّح بوضع هذه الألفاظ لمعنىً خاصٍّ، كأن يقول: (إنَّي سمّيت هذه الأفعال بالصلاة)؛ فإنَّ هذا غير محتملٍ؛ وذلك لأنَّه لو صدر منههذا الفعل، لنُقل إلينا بالتواتر؛ إذ لا داعيَ هنا يقتضي إخفاء هذا الأمر، كما كان مشهوداً في الأُمور التي تخالف شؤونهم كالخلافة؛ فإنَّ الأُمور الاعتياديّة ليس هناك غرضٌ لإخفائها. فلو ثبت الوضع منه، لنقل إلينا وظهر ظهوراً قطعيّاً، مع إنَّه لم يُذكر حتّى في خبرٍ واحدٍ ضعيفٍ أنَّهقد تصدّى للوضع وسمّى العمل الفلاني باسمٍ خاصٍّ، فيُقطع إذن بعدم صدور مثل هذا الوضع منه.
وأمّا القسم الآخر من الوضع التعييني، فهو على ما أفاده صاحب (الكفاية)(1) من أنَّ الوضع التعييني كما يكون بالتصريح بالوضع كذلك يكون بالاستعمال، فيستعمل الواضع اللفظ وينصب قرينةً على أنَّ استعماله هنا كان
ــــــــــ[254]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 21، المقدّمة، الأمر التاسع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لأجل الوضع، كأن يولد لشخصٍ ولد، ويقول لمن معه: (جئني بولدي محمّدٍ)، فيُفهم أنَّه سمّاه محمّداً، فقد ذهب صاحب (الكفاية) إلى أنَّ هذا القسم من الوضعي التعيينيّ -وهو الذي يتحقّق بنفس الاستعمال- ممكنٌ.
ودعوى: أنَّ الألفاظ موضوعةٌ للمعاني المستحدثة غيرُ مجازفةٍ؛ فإنَّه لا يبعد أن تكون الألفاظ موضوعةً بإزاء هذه المعاني، ولكن لا بالتصريح بالوضع، بل بالاستعمال مع نصب قرينةٍ على إرادة الوضع من هذا الاستعمال.
وما ذكره صاحب (الكفاية) في المقام يتضمّن أمرين:
◙ الأوّل: في إمكان هذا النحو من الوضع في نفسه.
◙ الثاني: في ثبوت هذا النحو من الوضع في خصوص المقام.
أمّا بالنسبة إلى الأمر الأوّل فالظاهر أنَّه صحيحٌ كما ذكر، إلَّا أنَّ شيخنا الأُستاذ(1) أنكر هذا القسم من الوضع؛ بدعوى أنَّ الوضع علقةٌ بين اللفظ والمعنى، فكما ينبغي أن يكون المعنى ملحوظاً للواضع مستقلاً، فكذلك ينبغي أن يكون اللفظ ملحوظاً للواضع مستقلاً؛ إذ الواضع يتصوّر معنىً خاصّاً ولفظاً خاصّاً بمزاياهما وخصوصيّاتهما ويجعل علاقةً بينهما. وأمّا في مورد الاستعمال فإنَّ اللفظ يكون ملحوظاً باللحاظ الآليِّ، ويكون النظر متوجّهاً إلى المعنى، فالألفاظ غير ملحوظةٍ في الاستعمال استقلالاً، بل آلةً، كالمعنى الحرفيِّ.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 29-30، المقدّمة، المبحث الأوّل في الوضع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فإن كان الوضع بنفس الاستعمال، كان اللحاظ متعلّقاً باللفظ استقلالاً وآلة، والجمع بين اللحاظين غير ممكنٍ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ اللفظ بما أنَّه مستعملٌ، فهو مغفولٌ عنه، وملحوظٌ لحاظاً آليّاً، وبما أنَّ الوضع يتحقّق بذلك، فيكون اللفظ ملحوظاً مستقلاً في نفس الوقت، فكيف يمكن أن يلحظ اللفظ بلحاظين آليٍّ واستقلاليٍّ في نفس الوقت، فهذا مستحيل، وإنَّما لا بدَّ أن يكون الاستعمال متأخراً عن الوضع دائماً.
ولكن هذا لا يتمّ، لأمرين:
وكذلك الحال فيما لو بنينا على أنَّ الوضع ليس بمعنى التعهّد، بل هو أمرٌ وراء التعهّد؛ فإنَّ الاستعمال كذلك يكون وراء الوضع أيضاً ويكون كاشفاً عنه، ولا يلزم أن يكون اللفظ ملحوظاً بلحاظين في آنٍ واحدٍ، استقلالاً تارةً وآلةً أُخرى، بل اللفظ ملحوظٌ قبل الاستعمال استقلالاً وحين الاستعمال آلةً.
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إذن ليس حقيقة الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى، بل هو جعل اللفظ علامةً على المعنى، فيمكن يأتي المتكلّم بالعلامة، وهو قاصدٌ لخصوصيّات العلامة نفسها. وعليه يمكن أن يتصوّر المستعمل اللفظ مستقلاً، ويستعمله في المعنى، ويقصد به أنَّ اللفظ موضوعٌ لذلك المعنى. فقد ظهر: أنَّ هذا القسم من الوضع أمرٌ ممكنٌ في نفسه(1).
ــــــــــ[257]ــــــــــ
() هنا انتهى تقرير الدفتر الأوّل المشتمل على ستٍّ وثلاثين محاضرةً من تقريرات أُستاذنا الأعظم فقيه العصر السيّد الخوئي (دام ظلُّه) في بحثه الأُصوليِّ الليليِّ، ابتداءً من أوّل الدورة الحاليّة التي بدأت في 9/ شعبان/ 1382هـ. وقد وفّقني الله بمنّه ولطفه لحضورها جميعاً وكتابتها أثناء إلقائها، ممّا سبّب مزيداً من الضبط والدقّة. والحمد لله أوّلاً وآخراً (المقرر) .
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الكلام حول وقوع الوضع التعييني بالاستعمال وعدم وقوعه
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بعد أن تبيَّن فيما تقدّم: أنَّ الوضع التعييني باستعمال اللفظ في المعنى -بأن تكون دلالة اللفظ على المعنى بنفسه مع نصب قرينةٍ على الوضع- أمرٌ ممكنٌ في نفسه، ولا يلزم من ذلك اجتماع اللحاظين الآلي والاستقلالي على شيءٍ واحدٍ، يقع الكلام الآن في وقوع هذا القسم من الوضع وعدم وقوعه. وعلى تقدير وقوعه فهل يمكن القول بأنَّ الألفاظ المستعملة في كلام الشارع موضوعةٌ بهذا الشكل أو لا يمكن؟ وعليه فالكلام يقع في جهتين:
أمّا وقوعه في الجملة فلا ينبغي الشكّ فيه، بل يمكن أن يكون وضع جميع الأعلام الشخصيّة من هذا القبيل. نعم، وقع الكلام في كون هذا الاستعمال حقيقيّاً أم مجازيّاً، أو أنَّه ليس حقيقيّاً ولا مجازيّاً؟
ذكر صاحب (الكفاية)(1): أنَّ هذا النوع من الاستعمال ليس حقيقيّاً ولا مجازيّاً، ولا مانع من وجود استعمالٍ لا يكون حقيقيّاً ولا مجازيّاً، كاستعمال
ــــــــــ[261]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 21، المقدّمة، الأمر التاسع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
اللفظ في شخصه ونوعه وجنسه ومثله، على ما تقدّم.
أمَّا أنَّه ليس استعمالاً حقيقيّاً فلأنَّ الوضع فيه متأخّرٌ عن الاستعمال، ولم يكن حال الاستعمال وضع، فليس هذا من استعمال اللفظ فيما وُضع له، فلا يكون حقيقةً. وأمّا أنَّه ليس استعمالاً مجازيّاً فلأنَّ الاستعمال المجازي استعمال اللفظ في غير ما وُضع له لمناسبةٍ بينه وبين المعنى الحقيقي، والاستعمال المذكور ليس كذلك، وإنَّما هو على نحو التخصيص على أن يكون اللفظ بنفسه موضوعاً للمعنى المستعمل فيه، فلا يكون مجازاً.
أمّا بالنسبة إلى التشبيه الذي ذكره -أي تشبيه المقام باستعمال اللفظ في نوعه ومثله وشخصه وصنفه- فقد تقدّم أنَّ هذا ليس من الاستعمال في شيءٍ، بل هو إيجادٌ للموضوع في الخارج والحكم عليه بحكمٍ، فهو خارجٌ عن دائرة الاستعمال.
وأمّا بالنسبة إلى المقام فقد ذكرنا: إنَّ الوضع أمرٌ نفساني من قبيل: تعهّدٍ أو بناءٍ أو اعتبارٍ، على اختلاف ما مرّ في معنى الوضع من: أنَّه التعهّد باستعمال لفظٍ عند إرادة تفهيم المعنى، أو اعتبار اللفظ موضوعاً على المعنى، أو اعتبار الملازمة بين اللفظ والمعنى.
وعلى كلّ حالٍ فالوضع أمرٌ نفساني متقدّمٌ على الاستعمال لا محالة، والاستعمال ناشئٌ عنه، فلا يكون الوضع متأخّراً والاستعمال متقدّماً. ومن هنا يكون الاستعمال حقيقيّاً؛ لأنَّه استعمالٌ في الموضوع له، غاية الأمر أنَّ الاستعمال بنفسه كاشفٌ عن الوضع، ولا يضرّ في حقيقة الاستعمال أن يُستعمل اللفظ
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لأجل الوضع؛ وإن كان العلم بالوضع ناشئاً من نفس الاستعمال.
إذن، فلا موجب للالتزام بأنَّ هذا الاستعمال لا مجازي ولا حقيقي، بل هو استعمالٌ حقيقي فيما وضع له؛ لأنَّ الوضع فيه سابقٌ على الاستعمال.
ثُمَّ إنَّه لو تنزّلنا وقلنا بأنَّ حال الوضع حال العقود والإيقاعات – لا يُكتفى فيه بالأمر النفساني، بل لا بدَّ للأمر النفساني من مُبرِز خارجاً- فإنَّ مجرّد التعهّد أو الاعتبار النفساني لا يكون محقّقاً للوضع، بل يحتاج في تحقّقه إلى مبرز خارجي يكون متمّماً للوضع. وهذا نظير ما ذكرناه في مطلق العقود والإيقاعات من: أنَّ حقيقة البيع ليست اعتبار البائع ملكيّة المشتري لهذا الشيء؛ بل إنَّ هذا الاعتبار ما لم يبرز بمبرز في الخارج، لا يكون مصداقاً للبيع، ومجرّد اعتبار البائع والمشتري انتقال ما لديه من المال إلى صاحبه وصيرورته ملكاً للغير لا يُسمّى بيعاً، فلا يُقال بمجرّد ذلك بأنَّ زيداً بائعٌ وعمراً مشترٍ، بل البيع والشراء يتقوّمان بالاعتبار النفسي مع وجود مبرزٍ له خارجاً. وهكذا الحال في سائر العقود والإيقاعات.
وفي المقام إذا قلنا: إنَّ الوضع من هذا القبيل، وإنَّه إذا لم يتحقّق مبرزٌ في الخارج، لا يصحّ أن يُقال: إنَّ زيداً تعهّد على أنَّه إذا ما أراد تفهيم معنى خاصٍّ، يتكلّم بلفظٍ معيّنٍ، بل لا بدَّ من مبرزٍ للتعهّد؛ ليصدق التعهّد والاعتبار، فالإبراز دخيلٌ في مفهوم الوضع. فبناء على هذا يكون الاستعمال حقيقيّاً؛ فإنَّ الوضع متقدّمٌ على الاستعمال تقدّماً رتبيّاً نظير: تقدّم جزء العلّة على المعلول، وهو لا ينافي المقارنة الزمانية؛ فإنَّ الوضع والاستعمال حصلا بكلام واحد، إلَّا أنَّ تقدّم الوضع على ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الاستعمال تقدّم رتبي، فالمدار في الاستعمال الحقيقي هو استعمال اللفظ فيما وُضع له وإن كان تحقّق الوضع بنفس الاستعمال؛ إذ لم يقم دليلٌ على وجوب تقدّم الوضع زماناً على الاستعمال. بل لو تقارنا في الخارج، كان مثله من قبيل الاستعمال الحقيقي؛ لتقدّم الوضع على الاستعمال تقدّماً رتبيّاً، مع تقارنهما في الزمان، فيكون الاستعمال حقيقيّاً؛ وعلى هذا لا يخلو الاستعمال من أن يكون حقيقيّاً أو مجازيّاً، ولا يخرج عنهما، والاستعمال المذكور حقيقي.
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يقع الكلام في إمكان الالتزام بأنَّ الألفاظ المستعملة في لسان الشارع من الصلاة والصيام والزكاة والحجّ موضوعةٌ بهذا النحو من الوضع التعييني للمعاني الخاصّة التي يفهمها المتشرّعة، وعدم إمكان الالتزام بذلك.
الظاهر: أنَّ هذه الدعوى قريبةٌ؛ إذ لم تُذكر في كلام النبيأو كلامهم قرينةٌ على أنَّ هذا النحو من الاستعمال من الاستعمال المجازي؛ لمناسبةٍ بينه وبين المعنى اللغوي، بل الظاهر أنَّ استعمالها كان على نحو استعمال اللفظ في المعنى حقيقة مع نصب قرينةٍ عليه، فيكون قوله: “صلّوا كما رأيتموني أُصلّي”(1) استعمالاً للفظ في المعنى المتعارف عندنا، فيكون من قبيل الوضع التعييني بنفس الاستعمال مع نصب قرينةٍ على ذلك.
إذن، فلا مانع من ثبوت الحقيقة الشرعيّة بالوضع التعييني بهذا النحو، لا بأن يتعرّض المعصوم للتسمية صريحاً.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
(1) ابن أبي جمهور الاحسائي، عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 85، باب الصلاة، الحديث 76، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار 82: 279، كتاب الصلاة، الباب 34، ذيل الحديث 13.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقد استشكل صاحب (الكفاية)(1) على الالتزام بثبوت الحقيقة الشرعية بهذا النحو، بعدما بيّن أن دعوى الوضع بهذا النحو قريبة، ودعوى القطع بها غير مجازفةٍ، فقد ذكر: أنَّ ذلك إنَّما يصحّ فيما إذا لم تكن هذه المعاني موجودةً من الأوّل، بل كانت معاني مستحدثةً، لكنَّ الظاهر من عدّة من الآيات أنَّها معانٍ كانت ثابتة في الأزمنة السابقة، فلا يكون استعمال هذه الألفاظ في معانيها بنحو الحقيقة الشرعيّة، بل يكون استعمال تبعاً للاستعمالات السابقة.
ويدلّ على ذلك جملةٌ من الآيات نحو: قوله تعالى: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً(2) وقوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ(3) وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ(4) وغيرها من الآيات المتكفّلة لبيان أحوال الأنبياء السابقين، وأنَّ هذه المعاني كانت موجودة سابقاً.
نعم، قد يكون بين تلك المعاني وما نفهمه نحن منها اختلافٌ يسيرٌ، وهذا لا بأس به؛ فإنَّه ملحوظٌ في هذه الشريعة أيضاً، كالاختلاف بين صلاة الحاضر والمسافر، وصلاة الصحيح والمريض، والاختلافات الجزئيّة لا تضرّ بوحدة المعنى. وإذ كانت هذه المعاني ثابتةً سابقاً، لم يمكن إثبات الحقيقة الشرعيّة
ــــــــــ[266]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 21، المقدّمة، الأمر التاسع.
(2) مريم: 31.
(3) الحجّ: 27.
(4) البقرة: 183.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والقول بأنَّ هذه الألفاظ وُضعت لهذه المعاني.
ولكن ينبغي أن يعدّ هذا الكلام من غرائب الكلام؛ فإنَّ الالتزام بالحقيقة الشرعيّة إنَّما يرجع إلى حال اللفظ لا إلى حال المعنى، فلو افترضنا أنَّ هذه المعاني كانت ثابتةً في الشرائع السابقة من غير اختلافٍ أصلاً، فإنَّ النزاع في ثبوت الحقيقة الشرعيّة وعدمه إنَّما هو بالنظر إلى هذه الألفاظ، وأنَّ لفظ الصلاة هل هو موضوعٌ لهذا المعنى، حتّى يُحمل عليه عند الإطلاق وعدم القرينة، أو أنَّه يُستعمل فيه مجازاً؟ فهذا اختلافٌ في أحوال اللفظ دون المعنى، وثبوت المعنى قبل ذلك وعدمه أجنبي عن النزاع في ثبوت الحقيقة الشرعيّة. فلو كانت هذه المعاني ثابتةً في الأزمنة السابقة، أفهل كان يُعبّر عنها في اللغة العبرانيّة والسريانيّة بلفظ الصلاة؟ لا بدَّ أنَّه كان يعبّر عنها بلفظٍ آخر. وعليه فثبوت المعنى في الشرائع السابقة لا ينافي ثبوت الحقيقة الشرعيّة.
وكذلك لو فرضنا أنَّ الصوم كان ثباتاً في السابق كما هو ثابت عندنا تماماً، أفهل كان يعبّر عنه في العبرانية والسريانية بهذا اللفظ؟ ليس هذا بثابت قطعاً. وأمّا التعبير عنه في الإنجيل، وهو (انجيل برنابا)(1) بنفس التعبير فمن المعلوم أنَّه مترجمٌ عن الإنجيل السابق؛ فإنَّ الإنجيل السابق لم يُكتب باللغة العربيّة قطعاً، وهذا الإنجيل بالعربيّة. وعليه فكون هذه العبارات ثابتةً في الشرائع السابقة لا ينافي كون الألفاظ حقيقةً شرعيّةً في معانيها؛ بداهة أنَّ النزاع إنَّما هو في الألفاظ لا المعاني.
ــــــــــ[267]ــــــــــ
(1) راجع انجيل برنابا: 94، الفصل الأوّل، و95، الفصل الثاني، وغيرها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ودعوى: أنَّ هذه المعاني وإن لم تكن ثابتةً في الشرائع السابقة، إلَّا أنَّ العرب كانوا يعبّرون عن هذه المعاني بالألفاظ قبل بعثة الرسول الأكرم؛ ولأجل ذلك لم يكونوا يتوقّفون في الفهم عند سماع القرآن، ومعه فلا تثبت الحقيقة الشرعيّة؛ لأنَّها حقيقةٌ لغويّةٌ ثابتةٌ عند العرب قبل الشرع.
لا يمكن المساعدة عليها؛ فإنَّ العرب وإن كانوا يعبّرون بلفظ الصوم والصلاة، إلَّا أنَّهم لم يكونوا يريدون بها هذه المعاني المتعارفة عندنا، وإنَّما كانوا يطلقون الصوم على مطلق الإمساك عن الشيء، فمعنى (صام عن الكلام): (سكت عنه)، ولا يقصدون به الصوم في وقتٍ خاصٍّ عن أُمورٍ مخصوصةٍ؛ فإنَّ ذلك لم يكن معهوداً عند العرب.
نعم، كانوا يفهمون من رسول اللههذه المعاني عند نزول الآيات، لكن من جهة البيان السابق؛ حيث إنَّهكان يتكلّم بغير القرآن أيضاً، ولم يكن كلامه منحصراً في القرآن، فيفهمون مرادهمن الخارج.
إذن، ثبوت الحقيقة الشرعيّة شيءٌ، ووجود الألفاظ عند العرب شيءٌ آخر. فما أفاده لا يستشكل به على ثبوت الحقيقة الشرعية، لأنَّ الحقيقة الشرعية ثابتة بالبيان المتقدّم.
ولو تنزّلنا وفرضنا أنَّ هذه المعاني كانت موجودةً سابقاً، وكانت هذه الألفاظ بخصوصها مستعملةً في تلك المعاني، فإنَّ الحقيقة الشرعيّة وإن لم تثبت؛ لأنَّها تكون حينئذٍ حقيقةً لغويّةً، إلَّا أنَّ نتيجتها تثبت، والعبرة بالنتيجة؛ لأنَّ نتيجتها هي حمل الألفاظ على المعاني المعهودة عند عدم وجود القرينة، فإنَّ
ــــــــــ[268]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
هذه الألفاظ وإن كانت حقيقةً في معانيها قبل الشرع، إلَّا أنَّ الثمرة المطلوبة تترتّب لا محالة؛ لأنَّ اللفظ المستعمل حينئذٍ ينصرف إلى المعنى اللغوي، وهذه هي نتيجة الحقيقة الشرعيّة.
وبعبارةٍ أُخرى: ليس الغرض من هذا البحث إثبات لغةٍ من اللغات، وأن هذا اللفظ موضوعٌ لهذا المعنى أو لا، بل الغرض منه هو حمل الألفاظ على المعاني المعهودة على تقدير ثبوت الحقيقة الشرعيّة، وهذا الغرض مترتّب، سواء كانت المعاني مستحدثةً أو لا. هذا كله في الوضع التعييني.
ــــــــــ[269]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لا ينبغي الشكّ في ثبوت الوضع التعيّني حتّى على تقدير عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة؛ لأنَّ كثرة الاستعمال في زمانهم -ولا سيّما في زمان الإمامين الصادقين- بلغ إلى حدٍّ لا يشكّ أحدٌ من السامعين في أنَّ المراد هو المعنى الشرعي، وهو ما نسمّيه بالحقيقة المتشرّعيّة. فإذا ورد لفظٌ من هذه الألفاظ في روايةٍ من دون قرينةٍ، فلابدَّ أن نحمله على هذا المعنى؛ لثبوت الحقيقة المتشرّعيّة وإن لم تثبت الحقيقة الشرعيّة عند الشارع.
بل لا يبعد أن يُقال: إنَّ الحقيقة المتشرعيّة قد ثبتت في زمان الرسول الأكرم، وإن فرضنا أنَّهلم يكن استعماله لهذه الألفاظ من الكثرة بحيث يصل إلى حدّ الوضع التعيّني، ولكنّ استعماِل هذه الألفاظ لم يكن مختصّاً به، بل كان يستعملها هو وأصحابه، ولا سيّما في مثل لفظ الصلاة الذي كان يتكرّر في اليوم عدّة مرّاتٍ، فيكون حقيقةً فيها في ضمن أيّامٍ أو شهورٍ، ومعه فهذا النحو من الوضع التعيّني يثبت في زمانهأيضاً.
ولكن قد ذكرنا أنَّ الاستعمالات في زمان النبيخارجةٌ عن محلّ الابتلاء؛ لأنَّه لم تصل إلينا روايةٌ عنه عن غير طريق الأئمّة حتّى يُتكلّم عن ثبوت الوضع في زمنه. إذ واقع الأمر أنَّها ثابتة في زمانهولكن بحسب
ــــــــــ[270]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الصغرى لم يوجد لها موردٌ للبحث، وإنَّما محلّ الابتلاء هو ثبوتها عند الأئمّة المعصومين، ولا ينبغي الشكّ في ثبوت الحقيقة الشرعية في زمانهم.
إذن، أي لفظ ورد في رواية من الروايات نحمله على هذه المعاني، إلَّا أن تقوم قرينة على خلاف ذلك.
ــــــــــ[271]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر الحادي عشر: الصحيح والأعمّ
ــــــــــ[273]ــــــــــ
وقع الخلاف والنزاع بين الأُصوليّين في أنَّ الألفاظ المستعملة في كلام الشارع والأئمّة هل هي موضوعةٌ للمعاني الصحيحة، أو موضوعةٌ للأعمّ من الصحيح والفاسد؟
ولتحقيق الكلام في المقام يلزم التنبيه على أُمورٍ:
يجري هذا النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة جزماً؛ فإنَّه يقع الكلام حينئذٍ بأنَّ هذه الألفاظ هل وُضعت للدلالة على الصحيح أو على الأعمّ من الصحيح والفاسد؟ وأمّا على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة فهل يجرى هذا النزاع أم لا؟
الظاهر إمكان ذلك؛ وذلك لأنَّه حتّى لو لم تثبت الحقيقة الشرعيّة، فإنَّه لا إشكال في ثبوت الحقيقة المتشرّعيّة، وأنَّ هذه الألفاظ قد استُعملت في لسان المتشرّعة في المعاني المستحدثة إلى أن أصبحت حقيقةً فيها؛ ولم يقع كلام ونزاع في ثبوت الحقيقة المتشرّعيّة وإنَّما وقع الكلام في الحقيقة الشرعيّة.
وممّا لا شكّ فيه أنَّ الاستعمال في لسان المتشرّعة تابعٌ للاستعمال في لسان الشارع
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أو مَن في حكمه كالأئمّة، فهذه الاستعمالات تبعٌ لتلك الاستعمالات.
وعليه يمكن أن يجري النزاع في أنَّ هذه الاستعمالات في لسان المتشرّعة التي أوجبت أن تكون هذه الألفاظ حقيقةً في معانيها بنحو الوضع التعيّني
-والتي هي بتبع تلك الاستعمالات- هل هي من قبيل استعمال هذه الألفاظ في خصوص الصحيح، فيُستكشف من ذلك أنَّ استعمال الشارع لها كان في الصحيح أيضاً، غاية الأمر أنَّه بنحو المجاز؟
أمّا إذا بنينا على أنَّ استعمال المتشرعة كان في الأعمّ من الصحيح والفاسد، فيستكشف من ذلك أنَّ استعمالها في لسان الشارع كان في الأعمّ.
وخلاصة القول: أنَّه إذا ثبتت الحقيقة المتشرّعيّة، وأنَّ الموضوع له بالوضع التعيّني هو الأعمّ أو الصحيح، يُستكشف منه أنَّ ديدن الشارع كان جارياً على استعمال الألفاظ في الأعمّ أو في الصحيح.
فيقع الكلام حينئذ أنَّ متى ما وجدنا قرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي من هذه الألفاظ، فهل يتعيّن حمل اللفظ على خصوص المعنى الصحيح أو الأعمّ من الصحيح والفاسد؟ وطريق إثبات ذلك هو البحث عن أنَّ الوضع التعيّني في لسان المتشرّعة هل كان للصحيح أو للأعمّ.
ومن هذا البيان يتّضح: أنَّنا لو التزمنا بأنَّ الشارع لم يستعمل هذه الألفاظ في المعاني المستحدثة لا حقيقةً ولا مجازاً، بل استعملها في معانيها اللغويّة، غاية الأمر أنَّه قد نصب قرينةً على إرادة خصوصيات المعاني، فيكون ذلك من باب
ــــــــــ[276]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
تعدّد الدالّ والمدلول، كما نُسب إلى الباقلاني(1)، فإنَّه حتى على هذا المبنى من أنَّ الألفاظ لم تستعمل في المعاني المستحدثة، وإنَّما استُعملت في المعاني اللغوية، فإنَّه وإن كان المراد الجدي هو المعاني الشرعية باعتبار تعدّد الدال والمدلول، فأيضاً يجري هذا النزاع في أنَّ المعاني المستحدثة هل ثبت الوضع التعيني فيها في خصوص الصحيح، فنستكشف أنَّ ديدن الشارع كان جارياً على إرادة خصوص الصحيح، بحيث لو لم تقم قرينةٌ على إرادة الأعمّ، لكان من اللازم حملها على خصوص الصحيح.
وأمّا إذا كان الوضع التعيّني ثابتاً في الأعمّ، فنستكشف أنَّ ديدن الشارع كان جارياً على إرادة الأعمّ إذا لم تقم قرينةٌ على إرادة الصحيح.
إذن يكون هذا من قبيل الأصل الأوّلي والمرجع في الرجوع إلى إرادة الصحيح أو الأعمّ، وهذا لا يتوقّف على ثبوت الحقيقة الشرعيّة، بل يجري هذا النزاع حتى على قول الباقلاني من أنَّ المستعمل فيه هو المعنى اللغوي دائماً، ويكون المعنى المستحدث مراداً جدياً لتعدّد الدال والمدلول. كما ذكرنا في بحث إرادة المقيد عند استعمال المطلق.
ــــــــــ[277]ــــــــــ
(1) نسبه العضدي إلى الباقلاني، راجع: شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي: 48.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إنَّ الصحّة -كما ذكرنا في دلالة النهي على الفساد وعدمه- منتزعةٌ من الموجود الخارجي؛ فإنَّ كلّ معنىً في نفسه مع قطع النظر عن الوجود الخارجي لا يوصف بصحّةٍ ولا فسادٍ، ولا فرق في ذلك بين المعاملات والعبادات.
ولذا لا معنى لأن يُقال في ضوء قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا(1): إنَّ البيع صحيحٌ والربا فاسدٌ، وكذا الكلام في الصلاة والصيام والحجّ وغيرها من المركّبات من عباداتٍ ومعاملاتٍ، بل لا بدَّ من فرض الوجود خارجاً. فإذا وجدت الصلاة في الخارج وهي فاقدةٌ للركوع مثلاً، فيقال: إنَّها فاسدةٌ؛ باعتبار أنَّها غير مستكملةٍ للأجزاء والشرائط، بمعنى: أنَّ المأمور به لم ينطبق على الموجود الخارجي، ومن عدم الانطباق ننتزع عنوان الفساد. وإذا وجدت الصلاة خارجاً وكانت مستكملةً للأجزاء والشرائط، فإنَّه يقال: إنَّها صلاةٌ صحيحةٌ؛ لأنَّها منطبقة على المأمور به، ومن الانطباق تنتزع الصحّة.
فقولنا: (إنَّ الصلاة فاسدةٌ أو صحيحةٌ)، لا نريد به إلَّا أنَّ الصلاة إذا تحقّقت في الخارج، نحكم عليها بالفساد أو الصحّة؛ فإنَّه ما لم يُفرض وجودٌ خارجي لها لا معنى لاتّصافها بالصحّة والفساد.
ــــــــــ[278]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وهكذا الكلام في البيع وغيره من العقود؛ فإنَّ المتّصف بالصحّة والفساد هو الموجود بالفعل أو المفروض وجوده، كما هو الحال في سائر المسائل الفقهيّة نظير ما لو قيل: (مَن تكلّم في الصلاة عامداً، بطلت صلاته)، فهي قضيّةٌ حقيقيّةٌ فرضيّةٌ، أي نفرض وجود الصلاة، ونفرض أنَّ المصلّي قد تكلّم في صلاته عامداً، أو ترك الركوع عامداً أو غير عامد، فنحكم على هذا العمل المفروض وجوده أنَّه فاسدٌ، أو نحكم بالصحّة إن كانت الصلاة المفروضة الوجود تامّة الأجزاء والشرائط. وعليه فالصحّة منتزعةٌ من الموجود بالفعل أو بالفرض والتقدير، وأمّا الماهيّة بنفسها فلا تتّصف بالصحّة ولا بالفساد.
ومن هنا يُعلم: أنَّ مفهوم الصحّة غير مأخوذٍ في شيءٍ من مفاهيم العبادات والمعاملات، ولا معنى لأن يُقال: إنَّ الصلاة موضوعةٌ للصحيح، على نحو تكون الصحّة دخيلةً في الموضوع له؛ لأنَّ الصحّة غير معتبرةٍ في المفهوم، وإنَّما تنتزع من الموجود الخارجي. فمعنى أنَّها موضوعةٌ للصحيح أو للأعمّ: أنَّ الأفراد الخارجيّة -بعد أن فرضنا أنَّها مختلفةٌ في الاتصاف بالصحّة والفساد- قد يُحكم على بعضها بأنَّه صحيحٌ، فيما يُحكم على بعضها الآخر أنَّه فاسدٌ.
إذن، نتكلّم ونتنازع في أنَّ الموضوع له لفظ الصلاة هل هو على نحو يعمّ جميع هذه الأفراد، أي: الأعمّ من الصحيح والفاسد؟ أو أنَّ المعنى على نحو لا يصدق إلَّا على الفرد الصحيح دون غيره؟ وإلَّا فلا نحتمل أنَّ يكون مفهوم الصحّة دخيلاً في المعنى ومأخوذاً في الموضوع له؛ لأنَّ الصحّة منتزعةٌ من الوجود الخارجي. مع أنَّ مفهوم الصلاة يتّصف بالوجود والعدم، فلا يمكن
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أن تكون الصحّة دخيلةً فيه ليتنازع في الوقوع وعدم الوقوع.
إذن، النزاع إنَّما هو في سعة المفهوم وضيقه بالنسبة إلى تمام الأجزاء والشرائط وعدمه.
فإذا كانت أجزاء الصلاة عشرةً مثلاً، فيقع الكلام في أنَّ الدخيل في المفهوم كلها أو جملة منها؟ فإذا كان الأول، فإنَّ مفهوم الصلاة لا ينطبق إلَّا على الموجود في الخارج الجامع لتمام الأجزاء والشرائط. وإذا كان الدخيل في المفهوم معظم الأجزاء أو الأركان، فالمفهوم ينطبق على كلٍّ من الصحيح والفاسد في الخارج، كما يكون كلٌّ منهما فرداً من الطبيعي.
ومن هنا يتّضح: أنَّ تفسير الصحّة بأنَّه المسقط للإعادة والقضاء كما عن الفقهاء أو بأنَّه ما يوافق الشريعة كما عن المتكلّمين من التفسير باللازم(1)، وإلَّا فإنَّ معنى الصحّة إنَّما هو تماميّة الأجزاء والشرائط، كما هو الحال في سائر العبادات والمعاملات، والمركّبات التكوينيّة؛ إذ يُقال: هذا صحيحٌ؛ لأنَّه مشتملٌ على تمام الأجزاء والشرائط، وذاك فاسد؛ لأنَّه غير مشتملٍ عليها.
فمعنى الصحّة هو تمامية الأجزاء والشرائط، ومع ذلك فإنَّ هذا المفهوم بما هو مفهوم لم يؤخذ في المعنى، وإنَّما المأخوذ أمرٌ يترتّب على تقدير وجود الشيء خارجاً؛ فيكون صحيحاً، وينحصر مصداقه في الصحيح في الخارج، لا أنَّ الصحيح هو الموضوع له، وإن كان قد يُتسامح في التعبير فيُقال: إنَّ الألفاظ
ــــــــــ[280]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 60، المقدّمة، المبحث الثاني: في الصحيح والأعمّ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
موضوعةٌ للصحيح أو للأعمّ، فيتوهّم أنَّ الصحّة مأخوذةٌ في المعنى، مع أنَّ الواقع ليس كذلك؛ فإنَّ الصحّة منتزعةٌ من الوجود الخارجي، والنزاع إنَّما هو في سعة المفهوم وضيقه.
وعليه فالنزاع في الصحيح والأعمّ هو نزاع في أنَّ الموضوع له في ألفاظ العبادات والمعاملات جميع الأجزاء، فلو وُجد المعنى في الخارج، وكان فاقداً لجزءٍ من الأجزاء، فعلى القول بالصحيح لا ينطبق المعنى عليه، وبناء على الأعم ينطبق عليه. ولكن هل الشرائط داخلة في النزاع كالأجزاء، أي إنَّ النزاع هل هو في الصحّة والأعمّ من جميع الجهات، أو في خصوص الأجزاء، ولا يشمل الشرائط؟
قد يُقال: إنَّ الشرائط خارجةٌ من النزاع، وأنَّ النزاع ليس في مجموع الأجزاء والشرائط، لأنَّ الشرائط متأخّرةٌ عن الأجزاء رتبةً؛ فإنَّ مرتبة الأجزاء مرتبة المقتضي. وأمّا الشرائط فهي متأخّرةٌ عن مرتبة المقتضي؛ لأنَّ الشرط دخيلٌ في فعليّة التأثير، وإلَّا فالتأثير إنَّما هو للمقتضي؛ بداهة أنَّ الإحراق لا يستند إلى المحاذاة أو اليبوسة، بل الأثر للنار، وإن لم يكن هذا الأثر فعليّاً إلَّا بالمحاذاة واليبوسة. فإذا كان الشرط متأخّراً رتبةً عن المقتضي، فلا يمكن أن يكون مأخوذاً في مسمّاه.
وعليه فالنزاع في الصحيح والأعمّ لا يشمل الشرائط، وإنَّما النزاع في اعتبار جميع الأجزاء في المفهوم وعدمه.
ــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولكن هذا الكلام فاسد جزماً؛ وذلك:
أوّلاً: أنَّ الشرائط وإن كانت متأخرةً رتبةً عن المقتضي، إلَّا أنَّ التأخّر رتبةً في ترتّب الأثر خارجاً لا ينافي وضع اللفظ لهما معاً. فالتقدّم والتأخّر لا ينافي أن يكون اللفظ موضوعاً لهما معاً، فإنَّ مقام التسمية شيءٌ، ومقام التأثير شيءٌ آخر، ففي مقام التأثير تكون مرحلة الاقتضاء متقدّمةً رتبة على مرحلة الشرائط، وأما في مقام التسمية فالأمر سهلٌ؛ إذ يمكن أن يكون للعلّة والمعلول اسمٌ واحدٌ؛ ضرورة أنَّ التقدّم والتأخّر في التأثير لا يضرّ في التسمية في مرتبةٍ واحدةٍ.
وثانياً: ذكرنا غير مرّة أنَّ شرائط المأمور به مغايرة للشرط الحقيقي، فليس شرائط المأمور به هي من باب التأثير وأنَّها دخيلة في فعلية الأثر، وإنَّما هي عبارة عن التقييد المأخوذ في المأمور به. حيث إنَّ الفقهاء قد اصطلحوا: إنَّ كلّ قيدٍ وجودي دخيلٍ في الأحكام الوضعيّة أو متعلّقات الأحكام يعبّر عنه بالشرط، كما أنَّ القيد العدمي يعبّر عنه بالمانع، فيقال: إنَّ القهقهة مانعةٌ في الصلاة، أو إنَّ التكلّم مانعٌ، وغيرها من الأُمور التي اعتُبر عدمها في المأمور به أو في موضوعٍ لحكمٍ من الأحكام الوضعيّة، وإلَّا فلا تأثير ولا تأثّر في المقام. ومن المعلوم أنَّ المقيّد بشيءٍ لا مانع من تسميته بشيءٍ آخر؛ فإنَّ العالِم مقيّدٌ بالعلم، فهل يمكن أن يُقال: إنَّه لا يصحّ تسميته بالعالم؟ وعليه فهذا إشكال واهٍ جزماً.
فالنزاع إذن يعمّ الأجزاء والشرائط، أي: نتكلّم في أنَّ ألفاظ العبادات والمعاملات هل وُضعت على نحوٍ تنطبق على الأفراد الفاسدة والصحيحة، بلا
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فرقٍ في الفساد بين أن يكون من ناحية فقدان جزءٍ أو شرطٍ، أو أنَّ الموضوع له ضيّقٌ لا ينطبق إلَّا على ما كان في الخارج واجداً لتمام الأجزاء والشرائط، ولا يكون فاقداً لأيّ جزءٍ أو شرطٍ، وهذا هو معنى الوضع للصحيح.
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
هل يجري النزاع في غير الأجزاء والشرائط ممّا اعتُبر في الصحّة، كما إذا اعتُبر في الصحّة قصد التقرّب، وقلنا: إنَّه دخيلٌ في الصحّة، ولكنّه ليس مأخوذاً في المأمور به، أو اعتُبر في الصحّة أن لا يكون مزاحماً لواجبٍ أهمّ، فلا يكون الواجب صحيحاً في ظرف المزاحمة، أو كانت العبادة منهيّاً عنها، والنهي يوجب الفساد، فهل تكون هذه الجهات الخارجة عن الأجزاء والشرائط مأخوذةً في الموضوع له؟ أي هل إنَّ الموضوع له مفهوم لا يصدق إلَّا على الصحيح من جميع الجهات حتّى من ناحية هذه الأُمور أم أنَّه أوسع من ذلك؟
الظاهر أنَّ هذه الجهات خارجةٌ عن الموضوع له؛ لأنَّ متعلّق الأمر هو بعينه متعلّق النهي، فقد يُؤمر بالصلاة بالنسبة إلى غير الحائض وينهى عنها بالنسبة إلى الحائض، وقد يُؤمر بالصوم في شهر رمضان، ويُنهى عنه في العيدين، فالشيء الواحد قد تعلّق به النهي تارةً والأمر أُخرى، وهذا الشيء الواحد قد يقع طرفاً للتزاحم تارةً، وقد لا يقع تارةً أُخرى، وقد نقصد به القربة تارةً وقد لا نقصد به القربة أُخرى. فهذه الأُمور خارجةٌ إذن عن دائرة الموضوع له والمعنى قطعاً.
ــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأمَّا ما ذكره شيخنا الأستاذ: من استحالة أخذها في الموضوع له(1)؛ لأنَّها متأخّرةٌ رتبةً عن المعنى؛ إذ لا بدَّ من طبيعةٍ ليقصد بها التقرّب أو يُؤمر بها أو يُنهى عنها، وعليه يمكن أن يكون الموضوع له هو الصحيح من جهة قصد الأمر أو عدم المزاحمة أو عدم النهي، إنَّ ما ذكره لا يمكن المساعدة عليه؛ لإمكان ذلك، إذ لا إشكال في أنَّ وضع الألفاظ لا يدور مدار تقدّم شيءٍ على شيءٍ أو تأخّره عنه، فيمكن أن يسمّى المتقدّم والمتأخّر معاً تسميةً واحدةً.
نعم، لا بدَّ أن يفرض طبيعةٌ يُؤمر بها ويُنهى عنها إلَّا أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ لفظ الصلاة موضوعٌ للطبيعة مع عدم النهي عنها أو مع عدم المزاحمة، والتسمية أمر اختياري بيد الواضع، فيضع اللفظ لأيّ شيءٍ أراد، وليس هنا ما يقتضي استحالة وضع اللفظ لمجموع أمرين: أحدهما متقدّمٌ والآخر متأخّرٌ.
نعم، واقع الأمر ليس كذلك؛ لأنَّ من الواضح -كما ذكرنا في مبحث الصيام- أنَّ الصيام في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ(2) وقوله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(3) هذا المعنى بعينه هو الذي نُهي عنه بالنسبة إلى الحائض والنفساء والمسافر، فالمعنى واحد، إذ لم يُستعمل في مورد الأمر في
ــــــــــ[285]ــــــــــ
(1) أُنظر: فوائد الأُصول 1: 61، المقدّمة، المبحث الثاني: في الصحيح والأعمّ.
(2) البقرة: 183.
(3) البقرة: 185.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
معنىً وفي مورد النهي في معنىً آخر. إذن فالوضع بالنسبة إلى الصحيح من جميع الجهات لا استحالة فيه.
وهنا وقع الكلام على تقديرين -على تقدير وضع الألفاظ للصحيح أو للأعم من الصحيح والفاسد- وعلى كلا التقديرين لا بدَّ من تصوير جامع، والوجه في ذلك: أنَّ هذه الألفاظ -أي: ألفاظ العبادات والمعاملات- إمّا أنَّها من قبيل أسماء الأجناس: كالقيام والقعود وغيرها من الجواهر والأعراض، فتكون الألفاظ موضوعةً للطبيعة المهملة لا بشرط، أو يكون الوضع فيها من الوضع العامّ والموضوع له خاص، فلا يخلو الأمر من أحد هذين الوجهين:
أمّا على الوجه الأوّل فواضح؛ فإنَّ الصلاة موضوعةٌ للطبيعة المهملة، كما هو الصحيح، فلابدَّ من الوضع بإزاء هذه الطبيعة، ويكون صدق الصلاة على الفرد صدقَ الطبيعي على فرده.
وأمّا على الثاني؛ فلأنَّ أفراد الصلاة وغيرها من العبادات كثيرةٌ، بل غير متناهيةٍ تصوّراً، ولا يمكن وضع اللفظ بإزاء هذه الأفراد كلّ فردٍ فردٍ؛ بل لا بدَّ من تصوّر معنىً جامعٍ، ليوضع اللفظ بإزائه، فيكون الوضع بإزاء الجامع، والموضوع له هو كلّ فردٍ فردٍ، فيكون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً. وعليه فعلى كلا التقديرين لا يمكن الوضع إلَّا بتصوّر الجامع.
أمّا احتمال الاشتراك اللفظي، وأن يكون لفظ الصلاة موضوعاً لكلّ حصّةٍ بوضعٍ خاصٍّ فهو مقطوع العدم. وأمّا دعوى أنَّ اللفظ موضوعٌ لمرتبةٍ واحدةٍ، ويستعمل في المراتب الأُخرى مجازٌ فإنَّه أيضاً غير محتمل، وإن كان شيخنا
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأُستاذ قد رجّح الأخير(1). حيث قال: إنَّ اللفظ موضوعٌ للمرتبة العليا من الصلاة الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط، ويكون اللفظ مستعملاً في بقيّة المراتب من جهة الادّعاء والتنزيل أو المشابهة في الأثر، كما في الأفراد الصحيحة النازلة؛ فإنَّها تشبه الأفراد العالية في ترتّب الأثر عليها.
وادّعى: أنَّ للصلاة مرتبةً عاليةً مشتملةً على جميع الأجزاء والشرائط، وأنَّ لها مرتبةً نازلةً هي صلاة الغرقى، وبينهما وسائط ومراتب كثيرةٌ، ويمكن أن يلتزم بأنَّ الموضوع له هو المرتبة الأخيرة على القول بالصحيح، أو الأعمّ من الصحيح والفاسد على القول بالأعمّ، ويكون استعمال اللفظ في بقيّة المراتب من باب التنزيل أو الاشتراك في الأثر، إذن فلا حاجة إلى تصوّر الجامع؛ لأنَّ موضوع التسمية واحدٌ.
بل ادّعى: أنَّ الوجدان شاهدٌ على أنَّ الأمر كذلك في جميع المركّبات، ولذا قد نرى شخصاً يخترع معجوناً مركّباً من عشرة أجزاءٍ، ويضع اللفظ لهذا المركّب من عشرة أجزاءٍ، ثُمَّ يصحّ استعمال اللفظ في الفاقد لجزءٍ أو جزئين من المعجون: إمَّا للمشابهة في التركيب أو الاشتراك في التأثير، فليكن الحال في المقام كذلك.
نعم، ذكر أنَّه لا بدَّ من تصوير جامعٍ بين صلاتي القصر والتمام؛ لأنَّ كلاً منهما مرتبةٌ عاليةٌ من الصلاة؛ فإنَّ التمام بالنسبة إلى الحاضر رتبةٌ عاليةٌ،
ــــــــــ[287]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 62-63، المقدّمة، المبحث الثاني: في بحث الصحيح والأعم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والقصر بالنسبة إلى المسافر رتبةٌ عاليةٌ أيضاً، ولكن بينهما اختلافٌ من جهة العدد، فلابدَّ من تصوير الجامع بينهما، وهو أمرٌ سهلٌ.
ورتبّ على ذكره: أنَّه لا يترتّب ثمرةٌ على بحث الصحيح والأعمّ؛ فإنَّ الثمرة هي على القول بالأعمَّ هو إمكان التمسّك بالإطلاق، فإذا ورد أمرٌ بالصلاة، فما علمنا من الأجزاء والشرائط فهو، وما شكّ فيه نتمسّك لنفيه بإطلاق اللفظ، وأمّا على القول بالصحيح لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّه يشكّ في صدق الفاقد للمشكوك فيه؛ لاحتمال دخله في المسمّى.
كما ذكر: أنَّه(1) إذا كان الموضوع له هو المرتبة العليا، فإنَّه لا يمكن التمسّك بالإطلاق حتى على القول بالأعمّ؛ لأنَّ استعمال اللفظ بالنسبة إلى المراتب النازلة أُطلق عليها اللفظ بالادّعاء والتنزيل، ولا علم لنا بالنسبة إلى المشكوك فيه من حيث إنَّه يُطلق عليه اللفظ بالادّعاء والتنزيل أو لا؟
إذن، فليس لهذا البحث أثرٌ.
ولكن ما ذكره لا يمكن المساعدة عليه بوجه؛ فإنَّا نرى بالوجدان أنَّ إطلاق لفظ الصلاة عند المتشرّعة الذي لا يشك أنَّه استعمال حقيقيّ وإن لم تثبت الحقيقة الشرعيّة -فإنَّا قلنا: إنَّ الحقيقة المتشرّعيّة لا شكّ في ثبوتها؛ لكثرة الاستعمال في زمان النبيوإلى زمان الصادقين، ولا نشكّ في إطلاق
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 63-64، المقدّمة، المبحث الثاني: في الصحيح والأعمّ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الصلاة على صلاة الجالس أو المتيمّم المعذور عن الوضوء والغسل. وهكذا
بالنسبة إلى سائر موارد الأعذار- لا نرى فيها أيَّ عنايةٍ أو تنزيلٍ، فكما يصدق لفظ الصلاة على صلاة القائم، كذلك يصدق على صلاة الجالس.
ودعوى أنَّ الإطلاق من باب الادّعاء والتنزيل أو المشاركة في الأثر ينافي الوجدان، بل اللفظ يصدق على جميع أقسام الصلاة على حدٍّ سواءٍ. بل يجري فيها التقسيم فيُقال: إنَّ الصلاة تكون عن قيامٍ، وتكون عن قعودٍ، وتكون عن اضطجاعٍ، وكلّ ذلك صلاةٌ، وكذلك الحال في تسمية باقي المراتب؛ إذ الصلاة الفاقدة لجزءٍ أو شرطٍ مع بقائها على الصحّة صلاةٌ. وعليه فدعوى أنَّ اللفظ وضع للمرتبة العالية ويصدق على باقي المراتب بالادّعاء والتنزيل مخالفةٌ للوجدان.
ولو فرض التسليم بهذا في مثل المعاجين وغيرها من المركّبات الاختراعيّة، فلا يمكن التسليم به في محلّ الكلام؛ فإنَّ المعاجين مركّبةٌ من أجزاءٍ معيّنةٍ محصورةٍ، ولا يختلف الحال فيها بالنسبة إلى الأزمان والأفراد. وأمّا الصلاة فهي مختلفة الأفراد لا محالة؛ لأنَّ كلّ طائفةٍ مكلّفةٌ بنحوٍ من الصلاة غير النحو الذي تكلّف به الطائفة الأُخرى، بل حتّى المرتبة العالية منها هي بنفسها مختلفةٌ، فصلاة الصبح ركعتان، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، وبعض الصلوات جهريّةٌ، وبعضها إخفاتيّةٌ، وبعضها يكون الشخص فيها مخيّراً بين الجهر والإخفات، وصلاة العيد على ترتيبٍ، وصلاة الآيات على ترتيبٍ آخر. ولا يمكن أن يُقال: إنَّ إطلاق الصلاة على صلاة الآيات والعيد
ــــــــــ[289]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بالعناية والتنزيل، بل كلّها صلاةٌ، وكلّها من المرتبة العليا من الصلاة، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ اللفظ موضوعٌ لمرتبةٍ واحدةٍ، ويكون استعماله في بقيّة المراتب بالادّعاء والتنزيل، مع أنَّ الوجدان على خلافه.
ثُمَّ إنَّه حتّى على تقدير التسليم بالوضع للمرتبة العليا، فالمرتبة العليا مختلفةٌ أيضاً، فلابدَّ من تصوير الجامع، فما ذكره من عدم الحاجة إلى الجامع غير قابل للتسليم.
وأمَّا ما أفاده من عدم حصول الثمرة في المقام بناءً على ما ذكره فقد ظهر أنَّه غير تامّ؛ فإنَّ المرتبة العالية لها أنواعٌ وأصنافٌ، كما ذكرنا، فإذا فرضنا أنَّه ورد لفظٌ مطلقٌ، وكان المولى في مقام البيان، وكان يمكن التمسّك بالإطلاق، فنتمسّك به بالنسبة إلى المراتب العليا. غاية الأمر أنَّه لا يجوز التمسّك بالإطلاق في المراتب النازلة.
إذن، فلا بدَّ من تصوير الجامع على كلا القولين، وإنَّما يقع الكلام في تصوير الجامع إن شاء الله تعالى.
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فقد تحصّل ممّا ذكرناه: أنَّه لا بدَّ -على كلا القولين- من تصوير جامعٍ يكون هو الموضوع أو يكون الوضع للأفراد بعنوانه.
وعليه فلا بدّ من النظر في أنَّه هل يمكن تصوير الجامع للأفراد الصحيحة أو للأفراد الأعمّ من الصحيحة والفاسدة؟ أم إنَّ إمكان تصوير الجامع يختصّ بأحدهما دون الآخر؟ فإن أمكن تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة وأمكن كذلك بين الأفراد الأعمّ، فحينئذٍ يقع الكلام في مقام الإثبات في أنَّ الألفاظ موضوعةٌ لأي الجامعين؟ وأمّا إذا اختصّ الإمكان بأحدهما دون الآخر، فلا معنى حينئذٍ للنزاع في مقام الإثبات؛ لاستحالة الجامع في الطرف الآخر. وعليه فالكلام يقع في مقامين:
يقع الكلام الآن في تصوير الجامع للأفراد الصحيحة من حيث إمكان ذلك وعدمه.
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذهب صاحب (الكفاية)(1) إلى أنَّ وجود الجامع بين الأفراد الصحيحة أمرٌ لا بدَّ منه وضروري؛ من جهة أنَّا نعلم بترتّب الأثر الواحد على الأفراد الصحيحة؛ لوضوح أنَّ كلّ صلاةٍ إذا كانت صحيحةً ناهيةٌ عن الفحشاء والمنكر، كما أُشير إليه في قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ(2)، كما استُفيد من الروايات أنَّ الصلاة عماد الدين(3)، وأنَّها معراج المؤمن، ومن هنا علمنا أنَّ هناك جامعاً بين الأفراد الصحيحة، وأنَّ الأثر مترتّبٌ على الجامع؛ من جهة أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا عن الواحد، وأنَّه لا بدَّ من السنخيّة بين المعلول وعلّته، فالمعلول الواحد لا بدَّ أن يصدر من علّةٍ واحدةٍ. فمن جهة السنخيّة والربط المعتبرة بين العلّة والمعلول لا بدَّ أن يكون المعلول واحداً كما أن العلة واحدة، وحيث إنَّ النهي عن الفحشاء أمرٌ واحدٌ مترتّبٌ على أفراد الصلاة الصحيحة، فلابدَّ أن يكون ترتّب الغرض على كلّ فردٍ وكلّ نوعٍ ليس من أجل الخصوصيّة الملازمة له، وإلَّا لزم تعدّد المؤثّر. وإنَّما لا بدَّ أن يرجع إلى تأثير الجامع؛ ليكون المؤثّر واحداً، كما أنَّ الأثر واحدٌ.
ــــــــــ[292]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 24، المقدّمة، الأمر العاشر.
(2) العنكبوت: 45.
(3) راجع: الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام 2: 237، كتاب الصلاة، الباب 12، الحديث 5، والحر العاملي، وسائل الشيعة 4: 27، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض …، الباب 6، الحديث 12، وغيرها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولكن للمناقشة فيما أفاده مجال واسع من من عدّة جهاتٍ:
◙ الأُولى: أنَّه تقدّم في البحث عن موضوع العلم: أنَّ القاعدة المعروفة “الواحد لا يصدر إلَّا من الواحد” إنَّما تتمّ في الواحد الشخصي؛ حيث إنَّ الواحد الشخصي لا يمكن أن يؤثّر فيه مؤثّران اثنان بما هما اثنان، أمّا بالنسبة إلى الواحد النوعي فقد ذكرنا أنَّه لا مانع من صدوره من الكثير؛ فإنَّ الحرارة تترتّب على النار والشمس والكهرباء والحركة الشديدة والغضب الشديد والاحتكاك، ولا يمكن تصوير الجامع بين هذه الأُمور؛ فإنَّ الجامع بين الجوهر والعرض غير موجود.
ويمكن أن يُقال في سبيل الحلّ: إنَّ صنفاً من الحرارة معلولٌ للشمس، وهي غير الحرارة المعلولة للنار، بل الحرارة المترتّبة على النار نحوٌ آخر، وهكذا سائر الأُمور.
إذن فلا ملزم لأن يكون الواحد النوعي منتهياً في مقام التأثير إلى الواحد النوعي في العلّيّة، بل يُعقل أن تكون العلّة للواحد النوعي متعدّدةً من دون حاجة إلى جامعٍ ماهويٍّ رابطٍ بين الأفراد بالذات.
هنا أيضاً يمكن أن يُقال في المقام؛ فإنَّ النهي عن الفحشاء والمنكر ليس أثراً شخصيّاً يؤثّر فيه الجامع، بل كلّ فردٍ من الصلاة يؤثّر في فردٍ من أفراد النهي عن الفحشاء، فما المانع من أن يكون الواحد في النوع مترتّباً على أُمورٍ متعدّدةٍ من دون جامعٍ ماهويٍّ بينهما؟ إذن فالقاعدة باطلة أساساً.
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
◙ الثانية: أنَّ هذه القاعدة -على تقدير تماميّتها- إنَّما تصحّ في العلل الحقيقيّة، أي: أن يُفرض هناك علّةٌ ومعلولٌ، ويكون المعلول واحداً بالنوع، فيكشف هذا فرضاً عن وجود الجامع الذاتي بين الأفراد أو الأنواع أو الأصناف، فلابدَّ أن تكون صادرةً عن علّةٍ واحدةٍ ذاتاً.
ولو قلنا بأنَّ للحرارة -التي هي من مقولة الكيف الملموس- أفراداً، فلو ترتّبت على الشمس والنار، فإنَّنا نستكشف فرضاً بحسب تلك القاعدة وجود جامعٍ بين الشمس والنار.
وأمّا في محلّ كلامنا فليس هنا أمرٍ يكون واحداً في النوع؛ فإنَّ النهي عن الفحشاء والمنكر ليس داخلاً تحت مقولةٍ من المقولات؛ فإنَّ الكذب منكرٌ، وهو من مقولة الكيف المسموع، والقتل منكرٌ، والزنا منكرٌ، وأكل مال الغير حرامٌ، فالفحشاء عنوانٌ انتزاعي لكلِّ فعلٍ قبيحٍ عقلاً أو شرعاً، ومعنى النهي عن الفحشاء والمنكر إيجاب الصلاة له؛ فإنَّ مَن صلّى صلاةً صحيحةً وتوجّه فيها إلى الله تعالى، فإنَّه يترتّب عليه الانتهاء عن ارتكاب المحرّم الإلهي. فالنهي عن الفحشاء والمنكر -الذي هو عنوانٌ منتزعٌ من ترك المحرّمات- لا يدخل تحت مقولةٍ من المقولات، بل هو أمرٌ انتزاعي من مقولاتٍ وأفرادٍ متباينةٍ يجمعها عنوانٌ انتزاعي هو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر. غاية الأمر أنَّا ننتزع من أفراد الصلاة عنواناً انتزاعيّاً هو الناهي عن الفحشاء والمنكر؛ فإنَّه إذا ترتّب النهي عن الفحشاء على الصلاة صحّ أن يُقال: إنَّ الصلاة ناهيةٌ عن الفحشاء والمنكر. فالمنكشف هو العنوان الانتزاعي، والعنوان الانتزاعي لا
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يكشف عن الجامع الذاتي بين أفراد الصلاة.
ومن الواضح أنَّ لفظ الصلاة لم يوضع للدلالة على الجامع وهو عنوان الناهي عن الفحشاء.
وبعبارة أخرى: أنَّ عنوان الجامع -أي: الناهي عن الفحشاء- لم يوضع له لفظ الصلاة. وأمّا معنون هذا العنوان -أي: عنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر- فليس لها جامعٌ ذاتيٌّ؛ لعدم وجود الكاشف عنه.
◙ الثالثة: أنَّه لو أغمضنا عن ذلك أيضاً في خصوص المقام، فإنَّه لا بدَّ من القول بعدم وجود الجامع الذاتي بين أفراد الصلاة؛ فإنَّنا بعد أنَّ استكشفنا الجامع الانتزاعي العنواني، لا بدَّ من الالتزام بأنَّه أمرٌ انتزاعيٌّ؛ إذ ليس الناهي عن الفحشاء والمنكر حقيقةً واحدةً ساريةً في تمام أفراد الصلاة؛ وذلك لعدم إمكان تصوّر الجامع بين (بشرط شيء) و(بشرط لا)؛ لأنَّ معنى الجامع هو إلغاء الخصوصيّات. فإذا قال: (الخمر حرامٌ)، فمعناه: أنَّ طبيعيّ الحرمة متوجّهٌ إلى المائع المسكر، مع غضّ النظر عن كونه أبيض أو أحمر، أو قديماً أو جديداً، أو قليل الكمّيّة أو كثيرها. فالخصوصيّات ملغاةٌ، وإنَّما التحريم ثابتٌ لِمَا يسمّى بهذا الاسم، وهو المائع المسكر، مع إلغاء أيّ خصوصيّةٍ أُخرى. ولو فرض محالاً وجود الكلّي الطبيعي في الخارج من دون خصوصيّةٍ أخرى، لكان أيضاً محرّماً؛ لأنَّ الحرمة ثابتةٌ للطبيعي لا لخصوصيّاته.
وكذلك الحال في الآثار التكوينيّة؛ فإنَّ معنى كون النار محرقةً أنَّ الإحراق من آثار طبيعة النار، سواء كانت النار قليلةً أم كثيرةً، أو في المكان الفلاني أو
ــــــــــ[295]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الفلاني، فالإحراق من آثار النار دون أيّ خصوصيّةٍ للفرد. ولكنّ ما ذكر لا يُحتمل في المقام؛ فإنَّه لا يمكن أن يُقال: إنَّ النهي عن الفحشاء أو المنكر مترتّبٌ على الجامع الصحيح، والخصوصيّات ملغاةٌ؛ لأنَّنا نقطع بأنَّ الخصوصيّات غير ملغاةٍ؛ فإنَّ صحّة صلاة المسافر مقيّدةٌ بأن يقع التسليم فيها في الركعة الثانية، وهي بهذا القيد يترتّب عليها النهي عن الفحشاء والمنكر، وصحّة صلاة الحاضر مقيّدةٌ بأن لا يقع التسليم فيها في الثانية، وإلَّا لكانت باطلةً، ولا يترتّب عليها الأثر. فصلاة الحاضر مقيّدةٌ بقيد عدميٍّ، أي: بشرط لا، بمعنى: أن لا يقع التسليم في الركعة الثانية، وصلاة المسافر مقيدةٌ بقيدٍ وجودي، أي: بشرط شيءٍ، بمعنى: أن يقع التسليم في الركعة الثانية، ولا يمكن تصوير الجامع بين المقيّد بوجود شيءٍ وبين المقيّد بعدمه؛ لأنَّ الجامع لا بدَّ فيه من إلغاء الخصوصيّات، وأن يكون ترتّب الأثر على الجامع، وهو غير معقول.
فصلاة الصبح مقيدة بالجهر وصلاة الظهرين بعدمه، وهذه الاختلافات تدلّنا على أنَّ الأثر غير مترتّبٍ على الجامع المعرَّى عن الخصوصيّات المختلفة، بل هذه الخصوصيّات دخيلةٌ في ترتّب الأثر، وهو النهي عن الفحشاء والمنكر، فكيف يُتصوّر جامعٌ ليُقال: إنَّ اللفظ موضوعٌ بإزاء ذلك الجامع، وأنَّ الأثر مترتّبٌ على ذلك الجامع!
◙ الرابعة: أنَّ هذا الجامع الذي فُرض بين الأفراد الصحيحة: إمّا أن يكون مركّباً أو بسيطاً، ولا ثالثَ؛ فإنَّ أيّ شيءٍ فُرض إمّا أن يكون أمراً مركّباً من أجزاءٍ، أو أمراً بسيطاً وحدانيّاً دون أن يكون له أجزاء.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أمّا الجامع التركيبي فهو غير ممكنٍ، كما اعترف به صاحب (الكفاية)(1)؛ فإنَّه لا يمكن فرض جامعٍ تركيبيٍ من أجزاءٍ صادقٍ على الأفراد الصحيحة دون الفاسدة؛ لأنَّه غير معقولٍ.
والوجه في ذلك ما ذكرنا آنفاً من: أنَّ الصحّة والفساد أمران إضافيّان؛ فإنَّ صحّة الصلاة وعدم صحّتها تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والأشخاص، فقد تكون الصلاة صحيحةً في زمانٍ دون زمانٍ آخر، فصلاة الظهرين إنَّما تصحّ بعد الزوال، ولا تصحّ قبله.
إذن، يختلف الحال من حيث الزمان، فقد يصحّ المركّب في زمانٍ، ولا يصحّ في زمانٍ آخر.
وكذلك الحال في الاختلاف من ناحية الأماكن والأشخاص؛ فإنَّ الصلاة الرباعيّة من المسافر فاسدةٌ، ومن الحاضر صحيحةٌ، وكذلك سائر حالات المكلّف من المرض والصحّة ووجدان الماء وفقدانه، فتكون الصلاة صحيحةً بالتيمّم لمَن لا يتمكّن من استعمال الماء، وفاسدةً من المتمكّن منه، والصلاة جالساً صحيحةً لمَن لا يتمكّن من القيام، وفاسدةً ممّن يتمكّن منه.
وعليه فلا يمكن أن يفرض في الصلاة جامعٌ مركّبٌ من أجزاءٍ متعدّدةٍ قابلٌ للانطباق على جميع المكلّفين وفي سائر الأمكنة والأزمنة، فالصلاة الرباعيّة إذا وقعت من المسافر في الأماكن الأربعة كانت صحيحةً، وإذا وقعت منه في غير تلك الأماكن كانت فاسدةً، فلا يوجد مركّبٌ يمكن أن ينطبق على الأفراد
ــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 24، المقدّمة، الأمر العاشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الصحيحة دون الفاسدة، بل كلّ مركّبٍ يمكن فيه الفساد والصحّة.
إذن، لا يمكن أن يكون هناك جامعٌ مركّبٌ بين أفراد الصلاة الصحيحة والفاسدة؛ لأنَّ أفراد الصلاة تختلف باختلاف الأماكن والأشخاص والأزمان.
وعليه فلابدَّ -على تقدير تسليم وجود جامعٍ- من تصوير جامعٍ بسيطٍ، وهو محالٌ أيضاً. والوجه فيه واضحٌ، فإنَّ فرداً واحداً أو نوعاً واحداً من الصلاة مشتملٌ على أجزاءٍ متعدّدةٍ مختلفةٍ من حيث الحقيقة والماهيّة؛ فإنَّ الصلاة مركّبةٌ من تكبيرةٍ وقراءةٍ وركوعٍ وسجودٍ وتشهّدٍ وتسليمٍ ونيّةٍ على القول بكونها جزءاً من الصلاة، وهذه الأجزاء مختلفةٌ بحسب الحقيقة؛ إذ النيّة من مقولة الكيف النفساني، والقراءة من مقولة الكيف المسموع، والركوع والسجود من مقولة الوضع، وهذه المقولات -مقولة الكيف والوضع وغيرها- من الأجناس العالية التي لا تدخل تحت جامعٍ واحدٍ، فلا يمكن أن يُفرض هنا جامعٌ ماهويٌّ وحقيقةٌ واحدةٌ تنطبق على هذه المقولات المتباينة بالنسبة إلى نوعٍ واحدٍ، فضلاً عن الأنواع المتعدّدة.
فلو فرضنا أنَّ المكلّفين يجب أن يصلّوا صلاةً من نوعٍ واحدٍ من دون اختلافٍ في الحضر والسفر والمرض والصحّة وغير ذلك؛ فإنَّه مع ذلك لا يمكن فرض جامع بسيط مع تركّب الصلاة من أجزاءٍ متباينةٍ، ومعه كيف يمكن أن ينطبق البسيط على المركّب؟
فالمقولات متباينةٌ بالذات، ولا يمكن فرض جامعٍ بينها، إلَّا الجامع الانتزاعي، وهو عنوان ما يصدر من المكلّف، دون الجامع الذاتي.
ــــــــــ[298]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إذن، لا يمكن تصوير جامع ذاتي بين الأفراد الصحيحة بحيث لا يكون قابلاً للانطباق على الأفراد الفاسدة؛ لأنَّ الجامع التركيبي غير قابلٍ لأن يكون مقتصراً على الأفراد الصحيحة، بل إنَّ كلّ مركّبٍ فُرض قد يكون صحيحاً، وقد يكون فاسداً؛ لأنَّ الصحّة والفساد يختلفان من حيث الأمكنة والأزمنة والأشخاص. وأمّا الجامع البسيط فهو غير معقولٍ لكي ينطبق على الأفراد الصحيحة.
◙ الخامسة: ذكر تصويراً للجامع من ناحية الأثر، بتقريب: أنَّ وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثّر، لأنَّ الواحد لا يصدر إلَّا عن واحد(1).
ويرد عليه: أنَّ الأثر مترتّبٌ على الأجزاء والشرائط بالإضافة إلى ما لا يكون دخيلاً في المسمّى قطعاً؛ وذلك لِمَا تقدّم من أنَّ هناك أُموراً غير الأجزاء والشرائط تكون دخيلةً في الصحّة، إلَّا أنَّها لا تكون دخيلةً في المسمّى، كعدم النهي عن الصلاة؛ فإنَّ الصلاة الصحيحة ما كانت بعنوان أن لا يكون منهياً عنها، والأثر إنَّما يترتّب على الصلاة بهذا القيد، وإلَّا فإنَّ الصلاة المنهيّ عنها أو الصوم يومَي العيدين وغير ذلك من العبادات المنهي عنها، لا يمكن أن يترتّب عليها الأثر وهو النهي عن الفحشاء والمنكر، فالنهي عن الفحشاء والمنكر إنَّما يترتّب على الأجزاء والشرائط بضميمة عدم تعلّق النهي بها، أو بضميمة أن لا تكون مزاحمةً لواجبٍ أهمّ؛ إمَّا بناءً على أنَّ المزاحمة توجب الفساد؛ لأنَّ الأمر بالشيء يوجب النهي عن ضدّه، أو لأنَّ المهمّ غير مأمورٍ به.
وإذا فرضنا أنَّ الصلاة وُجدت في الخارج مع تمام الأجزاء والشرائط،
ــــــــــ[299]ــــــــــ
(1) الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 24، المقدمة، الأمر العاشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولكنّها ابتليت بواجبٍ مزاحمٍ أقوى، كإنقاذ الغريق، فإنَّه لا يترتّب عليها الأثر، مع أنَّها جامعةٌ للأجزاء والشرائط؛ وذلك من جهة دخل شيءٍ آخر في الصحّة، وهو عدم المزاحمة بواجبٍ أقوى منه.
وكذلك يُعتبر في الصحّة قصد التقرّب، فلا يترتّب الأثر على مجرّد تمام الأجزاء والشرائط من دون التقرّب، وقصْد التقرّب -على ما اختاره صاحب (الكفاية)(1)– غير مأخوذٍ في المأمور به لا في الأمر الأوّل ولا في الأمر الثاني.
فإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ ما يترتّب عليه الأثر -النهي عن الفحشاء والمنكر، وهو العمل التامّ من ناحية الأجزاء والشرائط مع تقييده بهذه القيود- لا نحتمل أن يكون لفظ الصلاة موضوعاً له؛ لأنَّا ذكرنا أنَّ هذه الأُمور خارجةٌ عن المسمّى قطعاً؛ فإنَّ المسمّى أمرٌ قد يتعلّق به الأمر، وقد يتعلّق به النهي، وعدم النهي ليس مأخوذاً في المسمّى، فما يترتّب عليه الأثر بالفعل لا نحتمل أن يكون هو الموضوع له.
بقي أن نفترض أن يكون للصلاة اقتضاء النهي عن الفحشاء والمنكر، فكأنَّ عنوان الناهي عن الفحشاء معرّف لتلك الذات التي تقتضي النهي عن الفحشاء، وإن لم يترتّب عليها هذا الأثر فعلاً لفقدان أمر من الأُمور.
فإذا كان كذلك، فكما يمكن أن يكون جامعاً بين الأفراد الصحيحة، يمكن أن يكون جامعاً بين الأفراد الصحيحة والفاسدة؛ فإنَّ أيّ فردٍ فُرض وكان فاسداً ففيه اقتضاءٌ للنهي عن الفحشاء، غاية الأمر أنَّه لا يترتّب عليه
ــــــــــ[300]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول:73، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأثر بلحاظ صدوره من هذا الشخص أو في هذا المكان أو في هذا الزمان، وإلَّا لو صدر في مكانٍ آخر أو زمانٍ آخر أو من شخصٍ آخر لكان صحيحاً. فلو صلّى مع طلوع الفجر ثلاث ركعاتٍ، كانت باطلةً، ولكنّها مقتضيةٌ للنهي عن الفحشاء، غاية الأمر لا يترتّب عليها الأثر؛ لفقدان الشرط؛ لأنَّ الشرط هو أن تقع هذه الصلاة بعد المغرب لا بعد الفجر.
وعليه: أنَّ أيّ فردٍ من أفراد الصلاة الفاسدة -إلَّا ما شذّ وندر- يمكن أن يُفرض صحيحاً في زمانٍ آخر أو مكانٍ آخر أو من شخصٍ آخر؛ إذ المقتضي للنهي عن الفحشاء والمنكر كما هو جامعٌ بين الأفراد الصحيحة، كذلك هو جامعٌ بين الأفراد الصحيحة والفاسدة أيضاً.
وملّخص كلامنا: أنَّ قاعدة (الواحد لا يصدر إلَّا من الواحد) إن أُريد بها التأثير الفعلي، فلا نحتمل أن يكون هو الموضوع له؛ إذ يُعتبر في التأثير الفعلي أمرٌ آخر خارجٌ عن الموضوع له قطعاً. وإن أُريد بها التأثير الاقتضائي، فهو كما موجودٌ في الأفراد الصحيحة، ملحوظٌ في الأفراد الباطلة أيضاً.
◙ السادسة: أنَّه -بعد الإغماض عن جميع ما ذُكر- لا يمكن أن يُقال: إنَّ ذلك الجامع الواحد الذي استكشفناه بالبرهان هو الموضوع له لفظ الصلاة؛ وذلك لِمَا سبق من أنَّ فائدة الوضع هو التفهيم والتفهّم وتمكّنِ المتكلّم من تفهيم مقاصده بالألفاظ؛ لأنَّه لا يمكن التفهيم غالباً إلَّا بها، فذلك الجامع الذي استكشفناه بالبرهان العقلي لا يمكن أن يكون هو المراد بلفظ الصلاة عندما يُطلق عرفاً، فما هي فائد الوضع إذا أُطلقت كلمة الصلاة، واستُعملت
ــــــــــ[301]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
في ذلك الجامع الذي استكشفناه بالبرهان العقلي؟ لا فائدة من الوضع لهذا الجامع، فإنَّ فائدة الوضع -كما مرّ غير مرّةٍ- هو أن ينتقل إليه في مرحلة الاستعمال عند أهل اللغة والمحاورة، ومجرّد الكشف بالبرهان العقلي عن وجود الجامع لا يكفي في مقام الوضع.
نعم، الجامع العنواني أمرٌ معقولٌ، وهو عنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر، وهذا الجامع وإن كان ممكناً، إلَّا أنَّا نقطع بعدم وضع لفظ الصلاة بإزائه ليكون لفظ الصلاة ولفظ الناهي عن الفحشاء والمنكر مترادفين؛ فإنَّ حمل النهي عن الفحشاء والمنكر على الصلاة في قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ(1) أو قولنا: (الصلاة ناهيةٌ عن الفحشاء والمنكر) من الحمل الشايع الصناعي، لا الحمل الذاتي الأوّلي، وهو ظاهرٌ.
ودعوى: أنَّ اللفظ موضوعٌ بإزاء المعنون بهذا العنوان لا بإزاء نفس العنوان ليلزم الترادف بين الناهي عن الفحشاء والمنكر وبين لفظ الصلاة – أي إنَّنا حين الوضع نتصوّر عنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر ونضع اللفظ بإزاء واقع المعنون لا بإزاء العنوان- ممّا لا يمكن المساعدة عليها؛ لأنَّه إذا أُريد بالمعنون الأفراد الخارجيّة المتعدّدة؛ باعتبار أنَّ هذا العنوان يصدق على كلّ فردٍ فردٍ، وعلى كلّ صنفٍ صنفٍ في الخارج، وكان اللفظ موضوعاً بإزاء المعنون بهذا المعنى، أي: الأفراد والأصناف، فلازمه أن يكون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً، وهو في قوّة الاشتراك، فكأنَّ لفظ الصلاة موضوعٌ تارةً لفرض الظهر
ــــــــــ[302]ــــــــــ
(1) العنكبوت: 45.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأُخرى لفرض العصر وثالثةً للمغرب ورابعةً للعشاء وخامسةً لصلاة الليل وسادسةً لصلاة الآيات … وهكذا، غايته أنَّ الوضع واحدٌ، والموضوع له متعدّدٌ. وهذا ممّا نقطع بخلافه؛ فإنَّا لا نحتمل أن يكون المستعمل فيه في قولنا: (هل صليت صلاة المغرب؟)، وقولنا: (هل صليت صلاة الفجر؟)، أنَّ لفظ الصلاة مستعمل في معنيين، بل لفظ الصلاة موضوعٌ لمعنىً واحدٍ ينطبق على فريضة المغرب والفجر وغيرها على حدٍّ سواءٍ.
وقد تقدّم أنَّ احتمال أن يكون لفظ الصلاة موضوعاً للأفراد والأصناف
-فيكون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً- غير محتملٍ؛ فإنَّ المتصوّر من لفظ الصلاة أمرٌ وحداني يكون صدقه على الأفراد صدق الطبيعي على فرده، لا من قبيل الاشتراك.
وإن أُريد أنَّ عنوان النهي عن الفحشاء والمنكر عنوان وضع اللفظ بإزاء معنونه، أي بإزاء الجامع بين الأفراد الذي ينطبق على الأفراد انطباق الكلّي على أفراده، فهذا المعنون لا نتصوّره؛ لأنَّنا ننقل الكلام إليه؛ لأنَّ هذا الجامع إمَّا أن يكون جامعاً تركيّبياً أو بسيطاً، وكلٌّ من الجامع التركيبي والبسيط غير معقولٍ، كما أسلفنا.
فتحصّل ممّا ذكرنا إلى الآن: أنَّ ما أفاده صاحب (الكفاية) -من أنَّنا نستكشف من وحدة الأثر وحدة المؤثّر، وأنَّ اللفظ موضوعٌ لهذا الواحد المؤثّر، وهو الجامع بين الأفراد الصحيحة(1)– مما لا نتصوّره؛ إذ لا نتصوّر أن يكون هناك جامعٌ ينطبق على الأفراد الصحيحة ولا يعمّ الفاسدة.
ــــــــــ[303]ــــــــــ
(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 24، المقدّمة الأمر العاشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ما عن بعض الأعاظم(1) من: أنَّ الجامع لا يختصّ بالجامع المقولي أو الجامع العنواني ليُقال: إنَّ الجامع العنواني مقطوع العدم، أي أنَّ اللفظ لم يوضع له، والجامع المقولي غير معقول؛ لما ذكرناه من أنَّ الجامع لا يعقل أن يكون مركباً ولا بسيطاً، بل يمكن أن يكون هنا قسم ثالث، وهو ما عبّر عنه بالجامع الواقعي، وهو أن يُتصوّر الجامع من ناحية الوجود، فيُقال: إنَّ الصلاة بحسب أجزائها وشرائطها مركّبةٌ من مقولاتٍ متعدّدةٍ، وهذه المقولات لا تندرج تحت جامعٍ، إلَّا أنَّنا لا نشكّ في أنَّ الصلاة موجودةٌ بوجودٍ واحدٍ، وهذا الوجود الواحد جامعٌ بين هذه الأجزاء وسارٍ إلى جميعها. فإذا قيل: (وجدت الصلاة)، يُراد به وجودها من أوّل جزءٍ إلى آخر جزءٍ منها؛ إذ الصلاة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، فهذا الوجود يسري إلى الأجزاء، ويكون جامعاً بينها، فتكون كلّ الأجزاء داخلةً تحت هذا الوجود البسيط الساري. وعليه فيمكن أن يتصوّر الجامع من ناحية الوجود وإن لم يمكن تصوّره من ناحية الماهيّة؛ إذ لا يمكن فرض ماهيّةٍ واحدةٍ تصدق على التكبير والركوع؛ لأنَّهما من مقولتين مختلفتين، إلَّا أنَّ الوجود الواحد يمكن أن يكون جامعاً لكلا الجزئين وسارياً فيهما، فيتصوّر الجامع من ناحية الوجود الواحد، وهذا الجامع جامعٌ واقعيٌّ وإن لم يكن جامعاً مقوليّاً ولا عنوانيّاً.
ــــــــــ[304]ــــــــــ
(1) أُنظر: مقالات الأُصول 1: 141وما بعدها، المقالة العاشرة: الصحيح والأعمّ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وهذا الوجه في تصوير الجامع لا يرجع إلى محصّلٍ، والوجه في ذلك هو: أنَّ كلّ ماهيّةٍ كما أنَّها مغايرةٌ للماهيّة الأُخرى ذاتاً، كذلك هي مغايرةٌ للماهيّة الأُخرى وجوداً؛ إذ لا يمكن أن يكون الوجود الواحد مضافاً إلى ماهيتين متغايرتين.
نعم، الماهيّتان الطوليّتان يمكن صدق وجودٍ واحدٍ عليهما؛ فإنَّ الجنس البعيد والجنس القريب والفصل كلّها توجد بوجودٍ واحدٍ؛ لأنَّ الوحدة بينها حقيقيّةٌ، والتغاير بالاعتبار، كما سبق الكلام في مبحث تقسيم الحمل إلى أوّلي وشائعٍ. فليس الجسم وجوداً مغايراً لوجود الحيوان، وليس هذا الوجود مغايراً لوجود الإنسان، وليس وجود الناطق وجوداً مغايراً لوجود الإنسان. هذا في الماهيّات الطوليّة.
وأمّا في الماهيّات العرضية كالجوهرين والعرضيين، وكمقولة الكيف بالنسبة إلى مقولة الأين، أو مقولة الكيف بالنسبة إلى مقولة الوضع، فإذا كان بين الماهيات تغاير، فكيف توجد بوجود واحد؟ وإلَّا لصحّ حمل الماهية على أخرى، فيُقال: (البياض قيامٌ) و(الجسم بياضٌ)؛ فإنَّ الاتّحاد في الوجود يقتضي صحّة الحمل، كما تقدّم؛ لتقوّم الحمل الشائع بالاتّحاد في الوجود.
فالماهيّات المختلفة كما أنَّها متغايرةٌ في مقام الذات، كذلك هي متغايرةٌ وجوداً، فالوجود المضاف إلى الإنسان يستحيل أن يُضاف إلى البقر، وكذلك الحال في الأعراض. فدعوى: أنَّ الوجود الواحد يسري إلى هذه الماهيّات –
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فيكون وجود التكبير هو وجود القيام، وهو وجود التسليم- ممّا يبطلها الوجدان؛ فإنَّ وجود التكبير يغاير وجود الركوع والسجود.
نعم، هنا وجودٌ واحدٌ اعتباريٌّ ناشئٌ من وحدة الاعتبار في الماهيّة، بمعنى: أنَّ المخترع في مقام التصوّر والاختراع فرض مجموع هذه الأجزاء شيئاً واحداً، وبفرضه واعتباره يُضاف إليها وجودٌ واحدٌ، فوحدة الوجود اعتباراً ناشئٌ من وحدة الماهيّة اعتباراً، وإلَّا فالماهيّات المتعدّدة يستحيل أن توجد بوجودٍ واحدٍ؛ فإنَّ وجود التكبير مغايرٌ بالوجدان لوجود الركوع أو السجود. نعم، حيث إنَّ الأجزاء اعتُبرت شيئاً واحداً في اختراعٍ معيّنٍ، صحّ حمل الوجود على الصلاة، فيُقال: وجدت الصلاة، فالوجود الواحد الاعتباري نشأ من اعتبار الماهيّة واحدةً، إذن كيف يمكن تصوير الجامع من ناحية الوجود؟! بل لا بدَّ من تصوير الجامع من ناحية الماهيّة ليوضع اللفظ له.
وإن سلّمنا وقلنا: إنَّه يمكن إضافة الوجود الواحد إلى الماهيّات المتباينة، إلَّا أنّا قد ذكرنا سابقاً أنَّ الموضوع له لا بدَّ أن يكون أمراً قابلاً للوجود والعدم، ولا يمكن وضع اللفظ للموجود في الخارج.
ولو تنزّلنا وقلنا: إنَّ الوحدة من ناحية الوجود -التي تقدّم أنَّها وحدةٌ اعتباريّةٌ- وحدةٌ حقيقيّةٌ، إلَّا أنَّ الموضوع له لا بدَّ وأن يكون أمراً قابلاً لأن يُضاف له الوجود تارةً والعدم أُخرى. مع أنَّ الوحدة في المسمّى لم تنشأ من ناحية الوجود، وإنَّما هو في مرتبةٍ سابقةٍ على الوجود، والكلام في الوحدة في هذه المرتبة، فلماذا كانت الصلاة واحدةً؟ وما هو الموضوع له الذي قد يكون
ــــــــــ[306]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
موجوداً وقد يكون معدوماً؟ إذن تصوير جامعٍ بين الأفراد الصحيحة فقط يُضاف إلى الصلاة تارةً وإلى الوجود أُخرى أمرٌ لا نتعقله.
ما قرّره شيخنا المحقّق -وهو أحسن ما قيل في المقام- من استكشاف الجامع من الأثر، لا بعنوان أنَّ وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثّر؛ فإنَّه ليس هناك جامعٌ ماهويٌّ حقيقيٌّ يمكن استكشافه من هذه القاعدة، بل يمكننا تصوير جامعٍ من ناحية الأثر وإن لم يكن في البين جامعٌ حقيقيٌّ.
وقد أفاد في بيان ذلك(1): أنَّ الماهيّة تخالف الوجود؛ من حيث إنَّ الماهيّة كلّما كثرت قيودها، قلّت سعتها؛ فإنَّ مفهوم الحيوان أوسع من مفهوم الحيوان الناطق، فإذا أضفنا قيد الناطق إلى الحيوان، كانت السعة أقلّ من سعة الحيوان المجرّد عن القيد لا محالة، وإذا أضفنا قيداً آخر فقلنا: (الإنسان العالم)، فلا محالة تتضيّق دائرةُ الصدق، وإذا أضفنا قيداً ثالثاً، فلا محالة تكون الدائرة أضيق.
أمّا من ناحية الوجود فالأمر بالعكس؛ فإنَّه كلّما زاد الوجود وكان الوجود أوسع، كانت الدائرة أيضاً أوسع، فالإطلاق في الوجود يقابل الإطلاق في الماهيّة من هذه الجهة.
فلو أخذنا الجماد مثلاً، فنرى أنَّه قائمٌ بالذات في مقابل العرض، فهو من
ــــــــــ[307]ــــــــــ
(1) أُنظر: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 61.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ناحية الوجود له هذه الحصّة الخاصّة، ولكنّ الجماد بالوجدان أضيق من النامي؛ فإنَّ الجماد لم يكن إلَّا واجداً لمرتبةٍ من الوجود، وهذا واجدٌ لمرتبةٍ أقوى وأوسع. فإذا أضفنا قيداً آخر وقلنا: (الجسم النامي المدرك)، كان الوجود أوسع، إلى أن ينتهي إلى حدٍّ لا يشذّ عنه كمالٍ ولا وجودٍ، وهو وجود الواجب تعالى الذي لا يُتصوّر فيه عدمٌ، ومرادنا من العدم: النقص؛ فإنَّ أيّ كمالٍ يمكن أن يُفرض للوجود فهو موجودٌ هنا، فكان هو أوسع الوجودات دائرةً، ولكنّ الوجود ليس محلّ كلامنا، وإنَّما ذكرناه لأجل المقارنة والتنظير.
وكذلك الماهية، فإنَّ الماهيّة كلّما أضفنا إليها قيداً، كانت دائرة الصدق أضيق بالنسبة إلى ما لم يقيّد، وكانت من سائر الجهات الأُخرى مبهمةً.
وقد يكون الإبهام من جهة الطوارئ والعوارض، كأن نضع لفظ الإنسان بإزاء الحيوان الناطق، ولا نضيّقه بقيدٍ، فيصدق عليه، سواء كان طويلاً أم قصيراً، شابّاً أو شيخاً.
وقد يكون الإبهام من جهة الأجزاء، فتكون الدائرة أوسع ممّا إذا كانت الأجزاء ملحوظةً في الماهيّة، ويكون حينئذٍ الإبهام من حيث الذات، وإنَّما تعرف الماهيّة بآثارها، كما هو ملحوظٌ في الخارج؛ فإنَّ كلمة الماء موضوعةٌ للمائع المعروف المبهم من حيث عوارضه كلونه وطعمه، وأمّا كلمة الخمر فمعناها مبهمٌ من حيث الذات؛ لأنَّها قد تُتّخذ من العنب، وقد تُتّخذ من التمر، وقد تُتّخذ من الشعير، ولم يُؤخذ في إطلاق الخمر شيءٌ، إلَّا أنَّه مائع يترتّب عليه الإسكار؛ فإذا سأل شخصٌ عن الخمر، لا يمكن الجواب بالجنس والفصل؛
ــــــــــ[308]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لأنَّه مبهمٌ من جهة الذات، وإنَّما يُجاب من ناحية الآثار، فيُقال: إنَّه المائع المسكر، فيوضع لفظ الخمر لواقع المائع المسكر. ولا يلزم أن تكون الماهيّة في مقام الوضع متعيّنةً من ناحية الأجزاء، بل يمكن أن يُشار إلى الموضوع له بعنوانٍ، ويوضع اللفظ على المعنون بهذا العنوان، كما هو الحال في الخمر الموضوع لواقع المائع المسكر. فليكن لفظ الصلاة كذلك، بل هو المتفاهم عرفاً، ولذا ذكر(1) أنَّه إذا أُطلق لفظ الصلاة، لا ينتقل العرف إلى الأجزاء والشرائط والوقت وغيره.
وعليه، يمكن تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة بوضع اللفظ لمعنون الناهي عن الفحشاء والمنكر، وهذا جائزٌ، فيُمكن أن يُقال: إنَّ لفظ الصلاة موضوعٌ لماهيّةٍ مبهمةٍ من جهة الذات، إلَّا من جهة أنَّه سنخ عملٍ ينهى عن الفحشاء والمنكر، قد تكون ذات ركعتين، وقد تكون ذات ثلاث أو أربع ركعاتٍ، وقد تكون عن قيامٍ، وقد تكون عن جلوسٍ، وقد تكون إلى القبلة، وقد تكون على غير القبلة، وهكذا على اختلاف الأنواع والأصناف المتصوَّرة في الماهيّة.
إذن، الصلاة نحو ماهيّةٍ لا تعيّن لها في ذاتها، لا بمعنى أنَّها مردّدةٌ، بل بمعنى: أنَّه لم يُؤخذ فيها شيءٌ خاصٌّ، فلم يُؤخذ فيها قيد القيام؛ لأنَّها قد تنطبق على الجالس، ولم يُؤخذ فيها قيد الجلوس؛ لأنَّها قد تنطبق على القائم، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأجزاء والشرائط.
ــــــــــ[309]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ثُمَّ ذكر: أنَّ الجامع الصحيحي على ذلك وإن كان يمكن تصوّره، إلَّا أنَّ هذا الجامع بعينه يمكن أن يكون جامعاً للأعمّ؛ من جهة أنَّ هذا العمل الذي يكون معرّفه النهي عن الفحشاء والمنكر لو أُخذ النهي فيه بمعنى النهيّ الفعليّ المترتّب في الخارج، لكان جامعاً بين الأفراد الصحيحة، ولو أُخذ النهي عن الفحشاء والمنكر بمعنى النهي عن العمل ترتيباً بالاقتضاء، أي إنَّه سنخ عملٍ يقتضي النهي عن الفحشاء والمنكر، فيكون جامعاً بين الأفراد الصحيحة والفاسدة؛ وذلك لما ذكرنا من أنَّ كلّ صلاةٍ صحيحةٍ يمكن أن تقع بعينها فاسدةً إذا صدرت في زمانٍ آخر أو مكانٍ آخر أو من شخصٍ آخر أو في حالةٍ أُخرى، فما هو ناهٍ عن الفحشاء والمنكر بالاقتضاء هو الذي قد يكون صحيحاً، وقد يكون فاسداً. وعليه فهذا النحو من الجامع كما يمكن تصويره في الأفراد الصحيحة، يمكن تصويره في الأعمّ كذلك. هذا ملخّص ما أفاده(1).
ولكن ظهر ممّا ذكرناه أنَّ هذا لا يتمّ؛ والوجه فيه: أنَّ الموضوع له لفظ الصلاة إن كان هو مفهوم العمل الذي يترتّب عليه النهي عن الفحشاء والمنكر، بمعنى أنَّه في مرحلة الوضع والتعهّد والالتزام لا بدَّ أن يكون الانتقال إلى معنى من المعاني، فإن كان الانتقال إلى هذا المعنى عمل يترتّب عليه النهي عن الفحشاء والمنكر، -وإن كان هذا العمل بحسب الذات مبهماً من جهة سائر الأجزاء والشرائط- فهذا أمرٌ معقولٌ، إلَّا أنَّا نقطع أنَّ لفظ الصلاة ليس مرادفاً
ــــــــــ[310]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
للفظ الناهي عن الفحشاء والمنكر، والعرف لا ينتقل إلى هذا المفهوم من لفظ الصلاة، بل إنَّ كثيراً من الناس الذين يستعملون لفظ الصلاة لا ينتقلون إليه، وهذا أمرٌ معقولٌ، فيمكن أن يكون لفظ موضوعاً لنفس العمل المترتّب عليه النهي عن الفحشاء والمنكر، ويكون بحسب الذات مبهماً يصدق على ما يصدق عليه هذا المفهوم وإن اختلفت حقيقته في الخارج، إلَّا أنَّا لا نحتمل مرادفة الصلاة لهذا المفهوم وهو العمل الذي يترتّب عليه النهي عن الفحشاء والمنكر.
ولا يُقاس المقام على الخمر؛ لأنَّها موضوعةٌ للمائع المسكر، وإذا أُطلقت لا يُفهم منها إلَّا ذلك. وأمّا الماهيّة فهي مبهمةٌ؛ إذ قد تكون الخمر متّخذةً من الشعير أو غيره. وعليه فهذا الذي هو عنوان لم يوضع له لفظ الصلاة.
وأمّا واقع العمل الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر – أي: معنون هذا العنوان- فإنَّه لا يمكن تصوير جامعٍ ذاتيٍّ بين أفراده ليوضع له اللفظ بمعرّفيّة هذا العنوان.
وبعبارةٍ أُخرى: لا يخلو الأمر من أن يكون الموضوع له هو نفس هذا العنوان وإن كان مبهماً من جهة الذات، كما هو الحال في جميع الألفاظ الموضوعة للمفاهيم؛ فإنَّ العالم موضوعٌ للمدرِك، وهو مبهمٌ من جهة الذات، فقد ينطبق على الإنسان، وقد ينطبق على المَلَك، وقد ينطبق على الله سبحانه، فلم يُؤخذ فيه حقيقةٌ خاصّةٌ وذاتٌ معيّنةٌ، وكذلك لفظ القائم الموضوع لنفس هذا العنوان؛ فإنَّه قد ينطبق على الإنسان، وقد ينطبق على الحيوان، وقد ينطبق على الشجر، فيُقال: إنَّه قائمٌ، وهكذا جميع العناوين الموضوعة للعناوين
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الانتزاعية؛ فإنَّ هذه المفاهيم تنطبق من جهة المعنون على شيءٍ وعلى شيء آخر. والخمر من هذا القبيل، فهو موضوعٌ للمائع المسكر، وهو مبهمٌ ذاتاً ينطبق على المائع المتّخذ من التمر والمائع المتّخذ من العنب وهكذا.
إلَّا أنَّ الصلاة ليست من العناوين؛ لأنَّها تنطبق على نفس الركوع والسجود. فإذ لم يمكن الوضع للعنوان؛ للقطع بعدم الترادف بين لفظ الصلاة وبين الناهي عن الفحشاء والمنكر، ولم يمكن الوضع للمعنون؛ لأنَّها ماهيّاتٌ متعدّدةٌ فلا جامع بينها.
فالمتحصّل: أنَّ الجامع الصحيحي إمّا غير معقولٍ، أو معقولٌ، ولكن نقطع بأنَّ اللفظ لم يوضع بإزاءه، كمفهوم الناهي عن الفحشاء والمنكر. هذا تمام الكلام في الجامع الصحيحي.
وتكملةً للبحث لا بدَّ من الكلام في نحو ترتّب النهي عن الفحشاء والمنكر على الصلاة بعد أن عرفنا أنَّها ماهيّاتٌ متعدّدةٌ، وكيف يمكن أن نفهم ذلك؟
قد ذكرنا في الدورة السابقة: أنَّه يمكن تصوير ذلك بأحد وجهين:
أحدهما: أنَّ الصلاة بما أنَّها مشروطةٌ بشرائط: كإباحة المكان واللباس وطهارتهما، ولأجل ذلك كانت الصلاة ناهيةً عن الفحشاء والمنكر، يعني: أنَّ مَن التزم أن يصلّي صلاةً صحيحةً مسقِطةً لِمَا في الذمّة من التكليف، لا بدَّ له أن يجتنب عدّة محرّماتٍ نظير: أن لا يتصرّف بمال الغير، وأن لا يستعمل الشيء النجس وهكذا. فليس النهي عن الفحشاء والمنكر من جهة أنَّه أثرٌ خارجيٌّ
ــــــــــ[312]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يترتّب على الصلاة، بل معناه أنَّ مَن التزم بالصلاة، لا بدَّ له من الانتهاء عن عدّة أُمورٍ محرّمةٍ من الفحشاء والمنكر.
ثانيهما: أنَّ النهي عن الفحشاء والمنكر قد يكون من جهة أنَّ الصلاة بما أنَّها متركّبةٌ من أذكارٍ وأفعالٍ، فبأذكارها وأفعالها يتوجّه الإنسان إلى الله تعالى، فيترتّب عليه كمال النفس، ولازم ذلك أن لا يرتكب المعاصي وأن ينتهي عن الفحشاء.
فإنَّ الشخص الذي يشرع بالصلاة، يتوجّه إلى الله تعالى، فإذا قال: (الله أكبر)، علم أنَّ كلَّ كبيرٍِ صغيرٌ في جنب الله تعالى، وأن لا شيء أكبر من الله عزّ وجلّ، فتتوجّه نفسه إلى الله تعالى. ثُمَّ يلتفت إلى قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1)، فيعلم أنَّ التربية والمالكيّة لله تعالى، وأنَّ كلّ نعمةٍ منه سبحانه، وأنَّ كلّ شيءٍ من نعمه وخَلْقه وإحسانه عزّ وجل. ثُمَّ يلتفت أنَّه مالكٌ ليوم الدين، وأنَّه قاهرٌ على عباده، ولا قاهر في ذلك اليوم غيره، فلابدَّ أن يتجنّب ما نهاه الله عنه، وأن يأتي بما أمره الله تعالى به؛ لئلّا يعاقب في يوم الجزاء. ثُمَّ يقرأ الآيات الأُخر: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(2)، فيجد أنَّ الناس على ثلاثة أقسامٍ: إمّا أن يكون هادياً مهديّاً، قد هداه الله تعالى إلى صراطه المستقيم فيصل إلى المقصود، وإمّا أن لا يصل إلى المقصود، وهو على قسمين: إمّا أن يكون
ــــــــــ[312]ــــــــــ
(1) الفاتحة: 2.
(2) الفاتحة: 5-7.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
معانداً، فيكون مغضوباً عليه، أو غير معاندٍ، فيكون من الضالّين. فيختار الشخص القسم الأوّل، وهو أن يكون مهديّاً؛ لئلّا يكون ضالّاً أو مغضوباً عليه.
ثُمَّ يركع ويسجد فتظهر بذلك عظمة الله تعالى، وأنَّه لا بدَّ أن يخضع له بخضوعٍ لا يخضع به لغيره، ولذلك كان السجود والركوع منحصراً فيه تعالى.
فإذا صلّى الإنسان ملتفتاً إلى مزايا الواجب الذي يقوم به، فإنَّه لا محالة يترتّب عليه النهي عن الفحشاء والمنكر، يعني: أنَّ هذه الصلاة التي تتكرّر كلّ يومٍ عدّة مرّاتٍ لو التفت المصلّي إلى مزايا هذه الفرائض، فإنَّه لا محالة تترقّى نفسه، ولابدَّ أن يجتنب عن المعاصي، وأن يتوجّه إلى الله تعالى وإلى رحمته ولطفه، وأنَّه مالك يوم الجزاء، فالعبادة منحصرةٌ به تعالى، فلابدَّ إذن أن لا يخالف أمره. وهذا الوجه أقرب من الوجه الأوّل.
فكيفما كان، فإنَّ النهي عن الفحشاء والمنكر سواء على الوجه الأول أو من الوجه الثاني، يكون من آثار الصلاة، لا أنَّه الموضوع له لفظ الصلاة، فلا نعقل معنى يمكن أن يكون هو الموضوع له، وينحصر صدقه بالأفراد الصحيحة دون الفاسدة.
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
تحصّل ممّا تقدّم: أنَّه لا يمكننا تصوير جامعٍ يختصّ صدقه بالأفراد الصحيحة، ولا يصدق على الأفراد الفاسدة، إذن يتعيّن القول بوضع الألفاظ للأعمّ من الأفراد الصحيحة والفاسدة. لكن يقع الكلام في تصوير الجامع الذي لا بدَّ من وضع الألفاظ بإزائه بحيث يصحّ صدقه على الأفراد الصحيحة والفاسدة.
وقد ذكروا لذلك وجهين:
أفاد المحقق القمّي(1): أنَّ الموضوع له لفظ الصلاة إنَّما هو الأركان، فالأركان داخلةٌ في المسمّى. وأمّا باقي الأجزاء والشرائط فهي غير داخلةٍ في المسمّى، وإنَّما هي داخلةٌ في المأمور به.
وذكر: أنَّ اللفظ موضوعٌ للتكبير والركوع والسجود والطهارة الجامعة بين الطهارة المائيّة والترابيّة؛ وهذه الأجزاء تمثّل حقيقة الصلاة، وأمّا باقي الأجزاء والشرائط فهي داخلةٌ في المأمور به لا في المسمّى(2).
ــــــــــ[315]ــــــــــ
(1) أُنظر: قوانين الأُصول: 44 و338.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقد أورد عليه بوجوه:
ذكر صاحب (الكفاية)(1) من أنّا نقطع بأنَّ لفظ الصلاة غير موضوعٍ لخصوص الأركان؛ لعدم صدق اللفظ على الأركان المجرّدة عن باقي الأجزاء والشرائط، فلو كبّر وركع وسجد وسلّم، فإنَّه لا يصدق أنَّه صلّى.
وهذا ثابتٌ بالوجدان؛ إذ بالوجدان نرى أنَّ اللفظ لا يصدق على الأركان من دون سائر الأجزاء والشرائط، كما أنَّ لفظ الصلاة يصدق على المأتيّ به، مع اشتماله على بعض الأركان والشرائط والأجزاء الأُخرى، فنستكشف من ذلك أنَّ لفظ الصلاة غير موضوعٍ للأركان فقط.
ولكن ما ذكره صاحب (الكفاية) لا يمكن المساعدة عليه؛ فإنَّ الأركان إذا تجرّدت عن سائر الأجزاء والشرائط يصدق عليها أنَّها صلاةٌ، بل قد يصدق عليها أنَّها صلاةٌ صحيحةٌ، فضلاً عن القول بالأعمّ؛ فلو كبّر ونسي القراءة حتّى ركع، ثُمَّ نسي ذكر الركوع حتّى انتصب، ثُمَّ سجد ونسي ذكر السجود أيضاً، وحصل له ذلك في الركعة الثانية أيضاً حتّى سلّم، وبعد الإتيان بالمنافي تذكّر، فلا يُقال: إنَّ هذه الصلاة فاسدةٌ؛ لأنَّها محكومةٌ بالصحّة، وليس عليه إعادتها. فإذا كانت هذه الصلاة صحيحةً، فكيف يُعقل أن يكون الوجدان شاهداً على
ــــــــــ[316]ــــــــــ
(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 25، المقدّمة، الأمر العاشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
عدم صدق الصلاة على الأركان المجرّدة، مع أنَّ هذه الصلاة فردٌ ومصداقٌ للصلاة حتّى على القول بالوضع للصحيح، فضلاً عن القول بالأعمّ. فهذا الوجه غير ممكن.
وأمّا ما ذكره من صدق الصلاة على الفاقد لبعض الأركان فهو مجرّد دعوى لم تثبت؛ بناءً على ما سيأتي من أنَّ المستفاد من الروايات(1) أنَّ الأركان هي الدخيلة في المسمّى، فلا صلاة بدونها. نعم، لا بأس بإطلاق لفظ الصلاة عليها من باب الغلبة والمشابهة، ولكن هذا شيءٌ آخر. فهذا الوجه لا يرجع إلى محصّل.
أورد شيخنا الأُستاذ(2) على ما ذكره المحقّق القمي ايرادين:
ــــــــــ[317]ــــــــــ
(1) راجع بعض الروايات الواردة في أبواب أفعال الصلاة من كتاب الصلاة من وسائل الشيعة 5: 47.
(2) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 74، المقدّمة، المبحث الثاني: في الصحيح والأعمّ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
للجامع، بل لخصوص الأركان. وهذا خلاف الوجدان وخلاف المفروض؛ لأنَّ المفروض أنَّ الذي وضع له اللفظ هو الجامع الذي يصدق على الأفراد الصحيحة والفاسدة، فلابدَّ أن يتصوّر الجامع بنحوٍ يصدق على المشتمل على مجموع الأجزاء والشرائط، كما يصدق على الأفراد الفاسدة.
وإن أُريد بدعوى وضع لفظ الصلاة للأركان أنَّه حين وجود سائر الأجزاء والشرائط يصدق على المجموع المركّب وعند فقد الأجزاء يصدق على الباقي، فمعنى ذلك أنَّ الأجزاء غير الأركان تكون عند وجودها داخلةً في مفهوم الصلاة وعند عدمها خارجةً عن مفهومها، مع أنَّه يستحيل أن يكون جزءٌ على تقدير وجوده دخيلاً في الماهيّة وعلى تقدير عدمه غير دخيلٍ فيها.
بل يلزم على قول صاحب الكفاية تردّد الماهيّة؛ فإنَّه لو أتى بالصلاة جامعةً لسائر الأجزاء والشرائط، فإنَّه يدور أمر كلّ جزءٍ غير ركنيٍّ فيها بين أن يكون داخلاً في مفهومها وخارجاً عنه، وحينئذٍ نتساءل: ما هو الجزء الذي إذا لم يقع كان الباقي صلاةً؟
والحاصل: أنَّنا إذا بنينا على أنَّ الصلاة موضوعةٌ للأركان دون غيرها من الأجزاء والشرائط، بحيث يكون غيرها من الأجزاء والشرائط غير داخل في المفهوم، وإنَّما هو داخلٌ في المأمور به، فإنَّه يلزم أن لا يصدق على الصلاة التامّة الأجزاء والشرائط، بل يكون صدقها عليها من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكلّ، وهو خلاف الوجدان، وخلاف المفروض؛ فإنَّ المفروض هو الوضع للجامع.
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وإن أُريد به الوضع للأركان لا بشرط، فتكون الأجزاء عند وجودها داخلةً في المفهوم وعند عدمها خارجةً عنه، فإنَّه يلزم أن تكون بعض الأجزاء داخلةً في الماهيّة على تقدير وجودها وخارجةً عنها على تقدير عدمها، بل يلزم ما ذكره صاحب (الكفاية) من كون الشيء مردّداً بين الدخول والخروج في الماهيّة، وهو غير معقولٍ؛ لأنَّ كلّ ماهيّةٍ متعيّنةٌ في مقام ذاتها، والترديد في جزء الماهيّة غير معقول، وهذا هو الإشكال المهمّ في المقام.
ولكن ما أفاده وكذلك ما أفاده صاحب (الكفاية) -من أنَّه إذا كان اللفظ موضوعاً للأركان بالخصوص، يلزم عدم صدقه على التامّ، وإنَّما يكون من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكلّ، وعلى تقدير وضعه للأركان لا بشرط يلزم دخول الجزء عند وجوده وخروجه عنه عند عدمه، بل يكون
ــــــــــ[319]ــــــــــ
( ) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 75، المبحث الثاني، تصوير الجامع على القول بالأعمّ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
مردداً بين أن يكون داخلاً في الماهيّة وخارجاً عنها وهو أمر غير معقول- ولا يرجع إلى محصّل؛ فإنَّ ما ذكراه إنَّما يكون في الماهيّات الحقيقيّة المركّبة من الجنس والفصل؛ فإنَّ الأمر فيها كذلك؛ إذ إنَّ كلَّ ماهيّة بحسب ذاتها مركّبةٌ ممّا به الاشتراك وما به الامتياز، وأجزاؤها متعيّنةٌ محصورةٌ، ولا يُعقل أن يكون شيءٌ داخلاً في الماهيّة تارةً وغير داخلٍ في الماهيّة أخرى.
ولذا أنكر الفلاسفة إمكان التشكيك في الماهيّة، وقالوا: بأنَّ التشكيك إنَّما يتصوّر في الوجود(1)؛ لأنَّه مفهومٌ مشكّكٌ وله مراتب متعدّدةٌ؛ فإنَّ ما به الاشتراك في الوجود عين ما به الامتياز، وهو نفس الوجود، أي: الواجديّة.
ففي الماهيّات الحقيقيّة المركّبة من جنسٍ وفصلٍ لا يمكن أن يفرض شيءٌ داخلاً في الماهيّة تارةً وخارجاً عنها تارةً أُخرى؛ لأنَّ هذا الشيء إذا كان هو ما به الاشتراك، فهو دائماً كذلك، وإن كان هو ما به الامتياز، فهو أيضاً دائماً كذلك، ولا يُعقل أن يكون الشيء ما به الامتياز تارةً، ولا يكون كذلك تارةً أُخرى.
والترديد أيضاً كذلك -أعني: الترديد الواقعي في الماهيّات- أيضاً غير ممكن؛ فإنَّه بحسب الواقع لا بدَّ أن يكون جزء الماهيّة متعيّناً، ولا يمكن أن يكون مردّداً بين دخوله تارةً وخروجه أُخرى.
ولكنّ هذا إنَّما يرد في الماهيّات الحقيقيّة. وأمّا الماهيّات الاعتباريّة التركيبيّة
ــــــــــ[320]ــــــــــ
(1) أُنظر: السبزواري، ملا هادي، شرح المنظومة 2: 181، المقصد الأول في الأُمور العامة، الفريدة الأُولى في الوجود والعدم، 11 غرر في أنَّ تكثر الوجود بالماهيات وأنَّه مقول بالتشكيك.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فليس بينها وحدةٌ حقيقيّةٌ، وإنَّما وحدتها بيد المعتبر، وإلَّا فقد ذكرنا فيما سبق أنَّ الصلاة لها أجزاءٌ، وكلّ جزءٍ له ماهيّةٌ ووجودٌ، وليس هناك أمرٌ واحدٌ حقيقيٌّ ليكون داخلاً في باب الماهيّات، ويكون مشتملاً على جنسٍ وفصلٍ، وإنَّما الاتّحاد في الصلاة اعتباريٌّ قائمٌ باعتبار المعتبر واختراع المخترع؛ حيث إنَّ المخترع اعتبر هذه الأُمور شيئاً واحداً. وإلَّا فكيف يكون التكبير متّحداً مع الركوع، مع أنَّ كلاً منهما من مقولةٍ مختلفةٍ عن الآخر؟ وكيف يجمعها وجودٌ واحدٌ حقيقيٌّ؟!
فالماهيّات الاعتباريّة إذا لم يكن لها وحدةٌ حقيقيّةٌ، فليس لها جنسٌ وفصلٌ واقعاً، والوحدة إنَّما هي باعتبار المعتبر، ومعه فلا مانع من أن يكون شيءٌ واحدٌ داخلاً في المعنى تارةً وخارجاً عن المعنى تارةً أُخرى، بمعنى أنَّنا نفرض الوضع للأركان على نحو اللا بشرط، فإذا كان شيءٌ داخلاً معها، كان داخلاً في المفهوم، وإذا لم يكن جزءٌ داخلاً فيها، كان خارجاً عن المفهوم. وعدم التعيّن في الواقع وإن لم يكن أمراً متصوّراً، إلَّا أنَّ ذلك لا يلزم في المقام.
بيان ذلك: أنَّنا يمكن أن نفرض شيئين أو أشياءً، ونعتبر بينها وحدةً بنحو اللابشرط، بمعنى: أنَّه إذا كان جزءٌ داخلاً معها، فإنَّه يدخل في المعنى، وإذا لم يكن داخلاً معها، فينطبق المعنى على ما في الخارج.
وأمثلة ذلك كثيرةٌ نحو: ما أشرنا إليه في الدورة السابقة من التنظير له بكلمة الدار؛ فإنَّنا لا نفهم من لفظ الدار إلَّا ما يكون مشتملاً على ساحةٍ وغرفةٍ وحيطانٍ، فإذا كان في الدار حيطانٌ وساحةٌ وغرفةٌ، صدق أنَّها دارٌ ذات غرفةٍ
ــــــــــ[321]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
واحدةٍ، وإذا كانت مشتملةً على مرافق أكثر، فإنَّ الدار يصدق على المجموع، فمفهوم الدار من ناحية الزيادة أُخذ لا بشرط. فإن كان فيها سردابٌ أو حوضٌ، فإنَّه يُقال: إنَّها دارٌ، وتكون هذه الأجزاء داخلةً مفهوماً. فالدار إذن مفهومها وأركانها هي الغرفة والساحة والحيطان، فإذا نقص شيءٌ من ذلك، لا يصدق عليه أنَّه دار، فإذا لم يكن فيها غرفةٌ أو لم يكن فيها ساحةٌ، لم تكن داراً، ولكن ما يكون موجوداً مضافاً إلى ذلك من السرداب والحوض والمطبخ وغيرها من المرافق تكون كلّها داخلةً في مفهوم الدار.
والوجه في ذلك هو: أنَّ وحدة المعنى وحدةٌ اعتباريّةٌ لا وحدةٌ واقعيةٌ ليُقال: إنَّ الجنس والفصل متميّزٌ في نفسه، فكيف يكون شيءٌ جزءاً من الماهيّة تارةً وغير جزءٍ تارةً أُخرى؟ فإنَّ هذه ليست ماهيّةً حقيقيّةً، بل حقيقةٌ اعتباريةٌ سُميّت بلفظٍ خاصٍّ، والأمر في التسمية واسعٌ. ومن هنا يوضع اللفظ بهذا النحو، بمعنى: أنَّ شيئاً إذا كان داخلاً ضمن الامتثال، كان داخلاً مفهوماً، وإن لم يكن، كان خارجاً عن المفهوم.
وعليه فلا يلزم الترديد؛ فإنَّنا إذا فرضنا أنَّ الدار كان مشتملاً على عشرين غرفةً، فليس هناك ترديدٌ في الأجزاء، بل كلّ الأجزاء داخلةٌ في المفهوم عند وجودها، وخارجةٌ عنها عند عدمها. ومفهوم الدار يصدق على المجموع صدق الكلّيّ على الفرد، لا صدق الكلّ على الجزء؛ أي من باب صدق الطبيعي على الفرد، فإنَّ الطبيعي ماهيّة اعتباريّةٌ، والاعتبار خفيف المؤونة، فيمكن أن يكون على نحو يكون الجزء عند دخوله داخلاً في المفهوم، وعند خروجه خارجاً عن ذلك.
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بعد فرض إمكان وضع لفظ الصلاة بإزاء الأركان، والفراغ من ذلك، وأنَّه لا يرد عليه أي إشكال مما ذكر، يبقى الكلام في مقام الإثبات، وهو أنَّنا بأي دليل يمكن أن نثبت أنَّ لفظ الصلاة موضوع بإزاء الأركان، وأما الأجزاء فكلها خارجة؟
وبعبارة أخرى: بعد أن انتهينا من تصوير الجامع بحسب مقام الثبوت -الذي هو عبارةٌ عن وضع اللفظ بإزاء أجزاءٍ معيّنةٍ على نحو اللابشرط بالنسبة إلى الأجزاء الأُخرى- يقع الكلام الآن بحسب مقام الإثبات. فهل الأمر كذلك بحيث يكون لفظ الصلاة موضوعاً بإزاء الأركان، ويكون غيرها خارجاً عن الموضوع له وداخلاً في المأمور به، دون الموضوع له؟
لا طريق لنا إلى معرفة ذلك غير الرجوع إلى الروايات؛ فإنَّ معرفة الموضوع له في المركّبات الاعتباريّة لا بدَّ فيه من الرجوع إلى مَن بيده الاعتبار، فنرى أيّ شيء قد وضع اللفظ له، فالأجزاء التي اعتبرها في المركّب لا بدَّ من أخذها فيه، ولا طريق لنا إلَّا الرجوع إلى الروايات؛ لنرى ما هو الدخيل في الصلاة التي اعتبرت أمراً واحداً وما هو الخارج عنها.
وإذا رجعنا إلى الروايات، لاحظنا أنَّ التكبيرة داخلةٌ في مفهوم الصلاة، وهي مفتتح الصلاة؛ فإنَّ الصلاة مبدؤها التكبير، وختامها التسليم، كما ورد(1)، فعلمنا من
ــــــــــ[323]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في أبواب تكبيرة الإحرام والافتتاح من كتاب الصلاة من وسائل الشيعة 6: 11.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذلك أنَّ الآتي بغيرها من الأجزاء دونها لا يكون داخلاً في الصلاة؛ فإنَّ الشروع بهذا المركّب الاعتباريّ إنَّما يكون بالتكبيرة، وقد ورد في الروايات(1): أنَّ التكبيرة لو لم يأت بها المكلّف نسياناً، بطلت الصلاة، فليست التكبيرة من قبيل الأجزاء التي تُبطل الصلاة بتركها عمداً دون السهو، بل حالها حال الأركان في أنَّها معتبرةٌ في الصلاة على الإطلاق، من غير فرقٍ بين العمد وغيره.
نعم، لم يُذكر التكبير في حديث: “لا تُعاد”(2)، وربَّما يُتوهّم من ذلك أنَّها ليست من الأركان. ولكنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنَّه ممّا لا شكّ بطلان الصلاة بتركها عمداً أو سهواً، وهو معنى الركنيّة، وإنَّما لم يُذكر في حديث (لا تُعاد)؛ لأنَّه إذا لم يكبّر لم يدخل في الصلاة، فلم تحقّق الصلاة حتّى يُقال: إنَّها تُعاد؛ فإنَّ الإعادة وجودٌ ثانٍ للصلاة، ولا يصدق على هذا الوجود أنَّه وجودٌ ثانٍ إلَّا مع تحقّق الفرد الأوّل ليتحقّق الفرد الثاني بعده.
ولعلّ هذا هو السرّ في عدم ذكر التكبير في قواطع الصلاة، مع أنَّه ورد(3) أنَّ مَن نسي القيام أثناء التكبير، وكبّر جالساً أعاد، وكذا إذا كان يجب عليه الصلاة جالساً وكبّر قائماً. وعليه فالتكبير بهذا القيد مأمورٌ به: بالنسبة إلى الجالس
ــــــــــ[324]ــــــــــ
(1) راجع الباب الثاني من أبواب تكبيرة الإحرام والافتتاح من وسائل الشيعة 6: 12.
(2) أُنظر: الطوسي، تهذيب الأحكام 2: 152، كتاب الصلاة، الباب 9، الحديث 55، والحر العاملي، وسائل الشيعة 1: 372، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 3، الحديث 8.
(3) راجع الباب الثالث عشر من أبواب القيام من كتاب الصلاة من وسائل الشيعة 5: 503-504، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
جالساً، وبالنسبة إلى القائم قائماً، فهو دخيلٌ في حقيقة الصلاة، ولولا التكبيرة لم تتحقّق الصلاة في الخارج.
كما استفدنا من الروايات: أنَّ الركوع والسجود والطهور كلّها دخيلةٌ في حقيقة الصلاة؛ فإنَّه قسّم الصلاة إلى ثلاثة أقسامٍ، فقال: “الصلاة ثلاثةُ أثلاثٍ: ثلثٌ طهورٌ، وثلثٌ ركوعٌ، وثلثٌ سجودٌ”(1)، فالصلاة مؤلّفةٌ من هذه الأثلاث بعد الشروع فيها بالتكبيرة، فهذه الأُمور دخيلةٌ في الصلاة.
إذن تحصّل: أنَّ الصلاة مؤلّفةٌ من هذه الأربعة: أما التكبيرة؛ لأنَّه لا يتحقّق الشروع في الصلاة بدونها، والطهارة والركوع والسجود، كما دلّت عليها الروايات المتقدّمة، بالإضافة إلى ما دلّ على وجوب الإعادة عند نسيان هذه الأُمور من غير اختصاصٍ بالعمد.
وأمّا الوقت والقبلة فإنَّهما كالأُمور الأربعة تعاد الصلاة بهما، وإن كان ذلك سهواً، ولكنّهما غير دخيلينٍ في مفهوم الصلاة يقيناً. أمّا الوقت فظاهرٌ؛ فإنَّه معتبرٌ في الفريضة، لا في مطلق الصلاة؛ فإنَّ النافلة غير مؤقّتةٍ، وإنَّما الوقت دخيلٌ في المأمور به، فلو أتى بصلاة الفريضة قبل الوقت، وجبت الإعادة؛ لأنَّ الوقت ركنٌ في المأمور به، لا ركنٌ في المسمّى. إذن فمن المقطوع به أنَّ الوقت غير دخيلٍ في المسمّى.
وكذلك القبلة؛ فإنَّنا علمنا من الخارج أنَّ القبلة إنَّما تكون شرطاً بالنسبة
ــــــــــ[325]ــــــــــ
(1) الكليني، الكافي 3: 273، كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، الحديث 8، والحر العاملي، وسائل الشيعة 1: 366، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 1، الحديث 8.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إلى المختار، وأمَّا غيره كالمضطرّ فيجوز أن يصلّي إلى غيرها حتّى ولو كان مستدبراً للقبلة، فضلاً عن وقوع صلاته إلى اليمين أو الشمال، وهذه صلاةٌ صحيحةٌ، فضلاً عن اندراجها تحت الطبيعيّ الجامع بين الأفراد الصحيحة والفاسدة. فالقبلة إذن غير دخيلةٍ في ماهيّة الصلاة، بل تصحّ الصلاة إلى غير القبلة أحياناً، وهي صلاةٌ صحيحةٌ، فضلاً عن اندراجها تحت الجامع الأعمّ.
بل النافلة يجوز أن يُؤتى بها إلى غير القبلة اختياراً، مع أنَّها صلاةٌ، فالقبلة إذن معتبرةٌ في الفريضة دون النافلة.
نعم، وقع الكلام في أنَّه هل يجوز الإتيان بالنافلة إلى غير القبلة متعمّداً في غير حال المشي، أو أنَّ ذلك يختصّ بحال المشي فقط؟ وهذا مقامٌ آخر، وحال المشي هو المتيقّن، فيجوز أن يصلّي الماشي إلى غير القبلة، وتكون صلاته إلى غير القبلة صحيحةً. وأمّا ذكر القبلة في حديث القاطعات(1) فإنَّما هو في الفريضة في حال الاختيار. وأمّا في حال الاضطرار وفي النافلة فاستقبال القبلة غير معتبرٍ في الصحّة، فضلاً عن كونها معتبرة في المسمّى.
بقي الكلام في التسليم: فهل هو معتبرٌ في ماهيّة الصلاة ومقوّمٌ لها، كالأُمور الأربعة، أو إنَّه خارجٌ عنها، غاية الأمر أنَّه دخيلٌ في المأمور به؟
وهذا البحث مبنيٌّ على أنَّ التسليم هل هو كسائر الأجزاء، فإذا لم يأت به المكلّف سهواً، كانت الصلاةُ صحيحةً، كنسيان القراءة وذكر الركوع وذكر
ــــــــــ[326]ــــــــــ
(1) راجع الأحاديث الواردة في الباب التاسع من أبواب القبلة من كتاب الصلاة من وسائل الشيعة 4: 312.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
السجود؛ فإنَّ اعتبارها في حال الصلاة جزءاً أو شرطاً إنَّما هو في حال العمد دون غيره، فلو نسي التسليم حتّى أحدث، أو أتى بفعلٍ ماحٍ لصورة الصلاة، أو بعد تحقّق فصلٍ طويلٍ رافعٍ للموالاة، فهل يحكم بالصحّة؛ لأنَّ التسليم لم يُذكر في حديث القاطعات، أو يُحكم بالبطلان؟
ذهب السيد في (العروة)(1) إلى الصحّة؛ لأنَّ الصلاة بدونه لا مانع من شمول حديث القاطعات لها؛ لأنَّها ليست من الخمسة المذكورة فيه، فالصلاة بدونه محكومةٌ بالصحّة. ولكن استشكل جمعٌ كثيرٌ(2) في ذلك منهم شيخنا الأُستاذ في حاشيته على العروة الوثقى(3)، فقد ذكر أنَّ هذا ممّا لا يمكن الالتزام به، وذكر أنَّه كيف يمكن الالتزام به، مع أنَّه إذا أحدث كان الحدث واقعاً في أثناء الصلاة؟! ولذا حكموا بالبطلان؛ لأنَّ الحدث أو الفعل المنافي للصلاة واقعٌ في الأثناء؛ لأنَّ ختام الصلاة هو التسليم، فإذا لم يسلّم لم يخرج من الصلاة، فإذا أحدث، كان حدثه واقعاً في أثناء الصلاة، فتبطل الصلاة.
والصحيح ما ذكره صاحب (العروة الوثقى)؛ وذلك أنَّ حديث: “لا تُعاد” لا مانع من شموله للتسليم أيضاً؛ فالتسليم لم يذكر في جملة الخمسة، فمقتضى كون أنَّ الصلاة لا تعاد إلَّا من خمسةٍ أنَّ نسيان التسليم لا يضرّ بالصلاة.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
(1) أُنظر: السيد اليزدي، العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 596، كتاب الصلاة، فصل واجبات الصلاة، فصل في التسليم، المسألة 1.
(2) أُنظر: المصدر المتقدم.
(3) أُنظر: المصدر المتقدم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وأمّا مسألة وقوع الحدث في أثناء الصلاة، بدعوى أنَّه لم يخرج من الصلاة، فإذا لم يأت بالتسليم، فيكون الحدث واقعاً في أثناء الصلاة، فالبطلان يكون مستنداً إلى الحدث لا إلى نسيان التسليم.
وبعبارة أخرى: أنَّه قد يقال بالبطلان؛ لنسيان التسليم حتى أحدث، وهذا يمكن دفعه: أنَّ حديث (لا تعاد) شامل للتسليم.
وقد يقال: بالبطلان؛ لأنَّ نسيان التسليم وإن لم يكن مما يوجب البطلان، ولكنه موجب لأمر آخر، وهو أنَّ الحدث وقع قبل ختام الصلاة، وفي أثناء الصلاة، فالبطلان يستند إلى وقع الحدث وغيره من مبطلات الصلاة عمداً وسهواً، ومن أجل ذلك يحكم بالبطلان.
ولكن هذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه؛ والوجه فيه ظاهر؛ لأنَّ وقوع الحدث في الأثناء متوقّفٌ على أنَّ التسليم باقٍ على جزئيّته حال النسيان أيضاً، فحينئذ يقال: إنَّ المكلّف لم يخرج من الصلاة بعدُ، وأنَّ التسليم باقٍ على جزئيته، إذن الحدث واقع في أثناء الصلاة.
وأمّا لو سقط التسليم عن الجزئيّة في حال النسيان، كما هو الحال في غير الأركان من الأجزاء والشرائط؛ فإنَّها إذا نُسيت لا تبقى على جزئيّتها وشرطيّتها، وعلى ذلك فالتسليمة غير باقية على جزئيتها، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ الحدث واقعٌ في أثناء الصلاة.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ وقوع الحدث في أثناء الصلاة متوقّفٌ على بقاء التسليم على الجزئيّة، وبقاء التسليم على الجزئيّة متوقّفٌ على بطلان الصلاة من جهة
ــــــــــ[328]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقوع الحدث، وإلَّا فحديث (لا تعاد) شاملٌ لترك التسليمة سهواً، وأنَّ الصلاة لا تعاد من التسليمة.
فإذا أردنا أن نثبت جزئيّة التسليم في حال النسيان من جهة وقوع الحدث في أثناء الصلاة، لزم الدور الواضح؛ فإنَّ وقوع الحدث في أثناء الصلاة يتوقّف على بقاء التسليم على الجزئيّة وعدم شمول الحديث له، فإذا توقّف بقاء التسليم على الجزئيّة على وقوع الحدث في أثناء الصلاة، كان دوراً ظاهراً.
إذن، يحكم بالصحّة؛ لأنَّ التسليمة غير باقية على الجزئية حال النسيان، فإذا لم يكن باقية على الجزئيّة، فالحدث لم يقع في الأثناء، بل في خارج الصلاة، فيحكم بصحّة الصلاة وأنَّ التسليمة داخلٌ في المستثنى منه، وأنَّه لا تُعاد الصلاة؛ لتركها عن غير عمدٍ.
وقد يُقال ببطلان الصلاة من جهةٍ أُخرى، وذلك من جهة أنَّ شمول حديث (لا تعاد) لترك جزءٍ أو شرطٍ نسياناً أو سهواً يتوقّف على إحراز صحّة الصلاة من سائر الجهات، فترك القراءة سهواً إنَّما يكون مشمولاً لحديث (لا تعاد) فيما إذا كانت الصلاة صحيحةً من حيث باقي الأجزاء والشرائط، وإلَّا فالصلاة الباطلة من غير هذه الجهة لا معنى لأن يشملها حديث (لا تعاد) حتّى يحكم بأنَّ القراءة المنسيّة ليست جزءاً من الصلاة، فحديث (لا تعاد) إنَّما يتكفّل الصحّة من حيث المنسيّ، وأمّا الصحّة من سائر الجهات فلابدَّ أن يتمّ إحرازها من الخارج، وهذا ظاهرٌ.
وعليه فلا يمكن التمسّك بحديث (لا تعاد) في المقام؛ لأنَّ شموله للتسليم
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لا بدَّ أن يكون بعد إحراز الصحّة من ناحية سائر الأجزاء والشرائط، والحال أنَّه لا يمكن إحراز الصحّة مع وقوع الحدث في الأثناء؛ لأنَّنا لا ندري هل إنَّ هذا الحدث مبطلٌ للصلاة أو غير مبطلٍ؟ ولا يمكن إحراز صحّة الصلاة بالحديث؛ لأنَّ ذلك يتوقّف على إحراز الصحّة من سائر الجهات، فالحديث إنَّما يثبت الصحّة من جهة الجزء المنسي دون غيره، ولا يمكن إثبات الصحّة من نفس الحديث، فيحكم بالبطلان.
ولكنّ هذا الكلام لا يرجع إلى محصّلٍ؛ والوجه فيه: أنَّ اشتراط كون شمول بالحديث مختصّاً بما إذا كانت الصحّة محرزةً من سائر الجهات لا دليل عليه إلَّا لزوم اللغويّة؛ فإنَّ الصلاة الباطلة لا معنى لأن يُقال فيها: إنها لا تُعاد من أجل نسيان القراءة أو ذكر الركوع أو ذكر السجود، كل ذلك لأجل أنَّ الحكم بعدم وجوب الإعادة لحديث (لا تعاد) مع عدم إحراز الصحّة من سائر الجهات -من ناحية الركوع أو السجود أو الطهارة والقبلة- يصبح لغواً واضحاً؛ لأنَّ الحديث متكفّلٌ لبيان الحكم الفعلي لا الشأني؛ بمعنى أنَّ الصلاة لا تبطل بترك القراءة سهواً وإن كانت باطلةً من جهةٍ ثانيةٍ.
إذن، فلا بدَّ من إحراز صحّة الصلاة من سائر الجهات حتّى لا يكون شمول الحديث للجزء المنسيّ لغواً.
وفي المقام لا تلزم اللغوية؛ لأنَّنا إذا علمنا أنَّ جزئية التسليمة قد سقطت حال النسيان، فبنفس ذلك نحكم أنَّ الحدث ليس واقعاً أثناء الصلاة، فنحكم بالصحّة تمسّكاً بالحديث، من دون لزوم اللغوية.
ــــــــــ[330]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ونحن وإن كنّا نحتمل البطلان واقعاً بصدور هذا الحدث، ولكنّ احتمال البطلان هذا إنَّما يرد من جهة وقوع الحدث في أثناء الصلاة، وأنَّ التسليم باقٍ على جزئيّته، فإذا دفعنا احتمال الجزئيّة حال النسيان، فإنَّنا حينئذٍ لا نحتمل الفساد؛ لأنَّ هذا الاحتمال يرتفع بشمول الحديث للجزء المنسيّ، ويكون الحدث واقعاً خارج الصلاة، فلا يكون مبطِلاً لها. وهذا لا بأس به.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا إذا أمكننا أن نحكم بالصحّة تمسّكاً بالحديث، فلا مانع من التمسّك به؛ فإنَّ الذي لا يمكن هو إثبات الصحّة من جهة الأجزاء الأجنبيّة، كما لو نسي القراءة وشكّ بين الركعة والركعتين، ولكن في المقام يمكن إحراز الصحة، فإنَّ احتمال البطلان مستندٌ إلى وقوع الحدث في الأثناء، فإذا حكمنا بأنَّ جزئية التسليمة قد سقطت بنسيانها، فلماذا يتحقق البطلان مع أنَّ الحدث يكون واقعاً خارج الصلاة.
وقد يُقال بالبطلان بوجهٍ آخر هو: أنَّ الخروج من الصلاة لا بدَّ له من سببٍ؛ فإنَّ المصلي بعد أن كبّر ودخل في الصلاة، لا بدَّ له من المخرج، ومن الواضح أنَّ المخرج في الحالة المفروضة ليس هو التسليم؛ لأنَّه قد نسيه بحسب الفرض، فلابدَّ أن يكون المخرج أمراً آخراً غيره، كما هو المفروض في المقام، كالحدث أو استدبار القبلة. فإذا كان المخرج هو الحدث، فلابدَّ أن يكون الخروج من الصلاة معلولاً لوقوع الحدث خارجاً، ومن الظاهر أنَّ العلّة سابقةٌ على المعلول رتبةً، فالخروج من الصلاة متأخّرٌ رتبةً عن الحدث؛ لأنَّه معلولٌ لوقوع الحدث، ووقوع الحدث في مرتبةٍ سابقةٍ على الخروج، إذن فبطلان الصلاة في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن الحدث، والحدث واقعٌ في أثناء الصلاة، فيحكم بالبطلان.
ــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
هذا الكلام وإن ذكره بعض الأعاظم، ولكنَّه لا يصحّ أن يكون مدركاً لحكمٍ شرعيٍّ؛ لِمَا ذكرناه غير مرّةٍ من أنَّ الأحكام الشرعيّة ليست مترتّبةً على التدقيقات الفلسفيّة من التقدّم والتأخّر الرتبي؛ فإنَّ بطلان الصلاة وإن كان متأخّراً رتبةً عن الحدث، إلَّا أنَّ الأحكام الشرعيّة غير مترتّبةٍ على المراتب، بل على الزمان الخارجي، وليست بين العلّة والمعلول فصلٌ زمانيٌّ، بمعنى: أنه أحدث في زمانٍ، وبعد آنٍ بطلت صلاته، حتّى يُقال: إنَّ المصلّي كان في الآن الأوّل في الصلاة، والحدثُ وقع في أثناء الصلاة. بل آن وقوع الحدث هو آنُ الخروج من الصلاة، وليس بين وقوع الحدث والخروج من الصلاة فصلٌ زمانيٌّ ولو بالدقّة الفلسفيّة، بل التقدّم والتأخّر تقدّمٌ وتأخّرٌ طبعيٌّ، وهو ليس ملاكاً شرعيّاً؛ فإنَّ العبرة هو في وقوع الحدث خارجاً، لا في تقدّمه رتبةً، فإنَّ التقدّم الرتبي لم يؤخذ في موضوع دليل، بل الوارد أنَّه إذا أحدث، بطلت صلاته، يعني زماناً لا رتبة، وليس هناك أيُّ أثرٍ يترتّب على الرتبة.
وعلى تقدير تسليم هذا الكلام أيضاً لا يمكن الحكم بالبطلان في مثل الحدث والقهقهة ونحو ذلك مما يعدّ من القواطع، بمعنى: أنَّ كون الحكم مبتنياً على التقدّم والتأخير الرتبيين إنَّما يرد في الموانع، أي: ما يُعتبر عدمه في الصلاة، فيمكن أن يُقال حينئذٍ: إنَّ عدم الحدث معتبرٌ في الصلاة، والمانع كان موجوداً في المرتبة السابقة على بطلان الصلاة والخروج في المرتبة اللاحقة.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ الإبطال لا من جهة المانعيّة، بل لأنَّ الحدث قاطعٌ للأجزاء السابقة عن الأجزاء اللاحقة، بحيث لا يرتبط المتقدّم بالمتأخّر، وعلى هذا
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فالحدث بنفسه لم يُعتبر عدمه في الصلاة حتّى يُقال: إنَّه وقع في المرتبة السابقة.
فإذا فرضنا أنَّ اللاحق سقطت جزئيته من حديث “لا تعاد” فليكن كذلك، إذ ليس بجزء، فإنَّ مثل الحدث إذا اعتبرناه قاطعاً، غاية ما يترتّب عليه هو أنَّ الأجزاء اللاحقة لا تلتحق بالأجزاء السابقة، فإذا لم يكن الجزء اللاحق من الأركان، وكان داخلاً في المستثنى منه في حديث “لا تعاد” لا يترتّب عليه محذورٌ؛ لأنَّ جزئيّته سقطت بنسيانه. نعم، إذا كان الجزء المتأخّر عن الحدث من الأركان، أوجب تركه البطلان.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّه حتّى لو سلّمنا أنَّ الحكم الشرعيّ يقوم على التقدّم والتأخّر بالرتبة، فإنَّ ذلك إنَّما يفيد إذا اعتبر الشيء مانعاً، أي: اُعتبر عدمه في الصلاة. وأمّا إذا لم يُعتبر عدمه في الصلاة، وإنَّما اعتُبر من جهة أنَّ وجوده قاطعٌ، ولا يمكن معه لحوق الأجزاء السابقة بالأجزاء اللاحقة، فهذا لا يضرّ في المقام؛ فإنَّه بعد وقوع الحدث لا يمكن ضمّ التسليم إلى الأجزاء الأُخر السابقة عليها، وهذا لا يضرّ بعد أن لم يكن التسليم ركناً، وقد سقط بحديث “لا تعاد”.
إذن، الصحيح ما ذكره صاحب (العروة)، ويترتّب عليه أنَّ التسليم غير داخلٍ في مفهوم الصلاة، ولا يكون مقوّماً لها، بل الداخل في مفهوم الصلاة هو الركوع والسجود والتكبيرة والطهارة.
ومما يعتبر في مفهوم الصلاة، ويكون مقوماً لها هو الترتيبُ والموالاة. ويرجع اعتبار الترتيب في الصلاة إلى أنَّ المعتبر في مفهوم الصلاة حصّةٌ خاصّةٌ
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
من التكبير والركوع والسجود، لا هذه الأجزاء على إطلاقها، فليس مطلق التكبير جزءاً من الصلاة، وإنَّما الجزء هو التكبير الذي يقع به ابتداء الصلاة، فلو ركع ثُمَّ كبّر، فلا تكون بصلاةٍ؛ لأنَّ المعتبر في المعنى حصّةٌ خاصّةٌ من الركوع، وهو المتأخّر عن التكبيرة والمتقدّم على السجود، فإذا لم يتحقّق الركوع بهذا الترتيب، لم تتحقّق الصلاة؛ فإنَّ الركوع السابق على التكبير ليس مقوّماً للصلاة، بل المقوّم لها هو الركوع اللاحق للتكبير.
وكذا إذا قدّم السجدتين على الركوع. فإنَّ الصلاة تكون فاقدةً للسجدتين؛ فإنَّ المقوّم للصلاة من السجدتين هو السجود الواقع بعد الركوع لا قبله. إذن فالحصّة الخاصّة من التكبير من الركوع والسجود هو المقوّم للصلاة، لا هذه الأجزاء كيفما اتّفق.
وأمّا الموالاة فإنَّما اعتبرناها من الأركان للارتكاز الموجود لدى المتشرّعة وإن لم يدلّ عليها دليلٌ لفظيٌّ، فلو كبّر وسكت مدّةً، ثُمَّ ركع وسكت مدّةً، ثُمَّ سجد، فإنَّه لا يُقال: إنَّه صلّى، فالمعتبر في الصلاة هو الوحدة العرفيّة المرتكزة في ذهن المتشرّعة.
هذا ما يُستفاد من الروايات(1)، ولا بأس أن يكون جامعاً بين بعض أفراد الصلاة. وأمّا البعض الآخر من أفراد الصلاة كصلاة الميّت فهي ليست بصلاة؛
ــــــــــ[334]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في أبواب قواطع الصلاة من كتاب الصلاة من وسائل الشيعة 7: 233.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لأنَّها ليست ذات ركوعٍ وسجودٍ، كما أفادت الأدلّة(1) عدم شرطيّة الطهارة فيها حتّى من الجنابة؛ معلّلةً بأنَّها ليست بصلاةٍ ذات ركوعٍ وسجودٍ، فهي خارجةٌ عن ماهيّة الصلاة، وإنَّما أُطلق عليها الصلاة باعتبارٍ آخر.
وهكذا صلاة الغرقى؛ فإنَّها أيضاً ليست من حقيقة الصلاة، وإنَّما هي بدلٌ عن الصلاة، وإطلاق الصلاة عليها مع اقتصارها على التكبيرة إنَّما هو بالعناية.
وأمَّا الصلوات اليوميّة أداءً وقضاءً والنوافل وصلاة العيد والآيات والاستسقاء وغيرها من الصلوات الواجبة والمندوبة فكلّ ذلك لا بدَّ فيه من التكبير والركوع والسجود والطهارة، فحقيقة الصلاة هي هذه الأُمور مع رعاية الترتيب والموالاة.
وقد يُقال(2) في تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة والفاسدة: إنَّ لفظ الصلاة موضوعٌ لمعظم الأجزاء، فقد يكون معظم الأجزاء صحيحاً إذا انضمّ إليه باقي الأجزاء والشرائط، وإذا لم ينضمّ إليه، كانت الصلاة فاسدةً. فهذا الجامع يصدق على الطائفتين في نفس الوقت.
ــــــــــ[335]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في الباب السابع من أبواب صلاة الجنازة من وسائل الشيعة 3: 88.
(2) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 63، المقدّمة، المبحث الثاني: في الصحيح والأعمّ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقد أورد صاحب (الكفاية)(1) على هذا الوجه ما أورده على الوجه الأوّل من: أنَّ لازم هذا الوجه هو أنَّ صدق الصلاة على ما كان تامّ الأجزاء والشرائط، يكون من باب صدق اللفظ الموضوع للجزء على الكلّ، وهو مجازٌ، وخلاف المفروض من تصوير الجامع؛ فإنَّ معظم الأجزاء لا يكون جامعاً قابلاً للصدق على هذه الأجزاء وعلى غيرها، بل إنَّ معظم الأجزاء جزءٌ من المأمور به، فإطلاقه من باب إطلاق الجزء على الكلّ.
وقد ظهر جوابه مما تقدّم، فقد سبق أن قلنا: أنَّ الماهيّات الاعتباريّة يمكن أن يُؤخذ فيها عدّةٌ من الأجزاء بنحو اللابشرط، فتكون عند وجودها داخلةً في الحقيقة وعند عدمها خارجةً، كما هو ملحوظٌ في كثيرٍ من المركّبات الاعتباريّة. وما لا يمكن إنَّما هو دخول الجزء وخروجه في الماهيّات الحقيقيّة دون الاعتباريّة.
كما أورد صاحب (الكفاية)(2) أيضاً على هذا الوجه بخصوصه: أنَّ لازمه أنَّ أجزاء الصلاة متبادلةٌ؛ فإنَّ المراد من معظم الأجزاء ليس هو هذا المفهوم يقيناً، ولا يحتمل أن يكون لفظ الصلاة موضوع بإزاء مفهوم معظم الأجزاء،
ــــــــــ[335]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 25-26، المقدّمة، الأمر العاشر.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بل المراد أنَّ الموضوع له لفظ الصلاة هو واقع معظم الأجزاء، بحيث يكون هذا المفهوم إشارةً إليه.
فإذا فرضنا أنَّ أجزاء الصلاة عشرةٌ، كان معظمها ستةً، وقد تكون هذه الستّة هي التكبيرة والقراءة والركوع وذكره والسجود والتسليم، فيخرج ذكر السجود، أو نفرض أنَّ ذكر السجود داخلٌ وذكر الركوع خارجٌ، وقد نفرض أنَّ من معظم الأجزاء القيام المتّصل بالركوع دون التسليم، وقد نفرض التسليم دون القيام وهكذا.
إذن، الأجزاء تتبادل، أي: قد يكون الشيء جزءاً وقد لا يكون، وغيره أيضاً كذلك قد يكون جزءاً وقد لا يكون، مع أنَّ كلّ ماهيّةٍ متقوّمةٌ في مرتبة ذاتها، وأجزاؤها معلومةٌ محصورةٌ، فكيف يُعقل أن يكون شيءٌ داخلاً في فردٍ منها وخارجاً عن فردٍ آخر؟! فالتبادل في ماهيّةٍ واحدةٍ: بأن يكون شيءٌ داخلاً تارةً وخارجاً أُخرى أمرٌ غير معقولٍ في تصوير الماهية؛ فإنَّ الأجزاء التي تمتاز بها الماهيّة عن غيرها أُمورٌ معيّنةٌ، ولا يمكن التبادل فيها.
بل يلزم أن يكون الجزء وما هو المقوّم للماهيّة مردّداً في نفس الأمر وغير معلومٍ حتّى في اللوح المحفوظ، كما لو أتى بالصلاة تامّة الأجزاء والشرائط، فنتساءل: أنَّ أيّ جزءٍ مقوّمٌ لها وأيّ جزء غير مقوّمٍ؟ وهذا أمرٌ غير معلومٍ في الواقع؛ لأنَّ أيّ جزءٍ لو رفعناه، كان الباقي صادقاً، ويكون هذا الجزء مردّداً بين التكبيرة والتشهّد وبين الركوع والسجود وبين القيام والتسليم وبين غيرها من الأجزاء والشرائط، والتردّد غير معقولٍ؛ فإنَّ الموجود في الخارج أمرٌ معيّنٌ.
ــــــــــ[337]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وعليه فهذا الوجه في تصوير الجامع للأعمّ لا يرجع إلى محصّلٍ.
ولكن الصحيح أنَّ ذلك ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ التبادل غير ممكن في الماهيّات الحقيقيّة؛ فإنَّها مركّبةٌ من جنسٍ وفصلٍ، ومركّبةٌ ممّا به الاشتراك وما به الامتياز، والتبادل بين أجزائها غير معقولٍ، والدخول والخروج وعدم التعيّن في نفس الأمر محالٌ.
وأمّا المركّبات الاعتباريّة فيمكن أن تكون أجزاؤها متبادلةً، فإنَّ الواضع يضع اللفظ للمركّب من عشرين جزءاً، فإن اجتمع خمسةٌ منها، فهو موضوعٌ له اللفظ؛ إذ الوضع كما سبق خفيف المؤونة.
وبيان ذلك: أنَّ الوضع -كما تقدّم- يرجع إلى التعهّد، فيتعهّد الواضع أنَّه كلّما أطلق اللفظ، أراد به خمسةً من العشرين. وليست المركّبات الاعتباريّة من الماهيّات التي لا يمكن حصول التبادل بين أجزائها، بل يمكن أن يكون الجزء داخلاً فيها تارةً وخارجاً عنها تارةً أُخرى.
وهذا المعنى ملحوظٌ في غير المقام أيضاً، كما هو الحال في الكلمة؛ فإنَّها موضوعةٌ في لغة العرب لكلّ ما يتركّب من حرفين فصاعداً، ولكن أيّ حرفين؟ إذا قلنا: (أب)، فهي كلمةٌ، وإذا قلنا: (قم)، فهي كلمةٌ، وإذا قلنا: (دارٌ)، فهي كلمةٌ، فقد يكون المقوِّم للكلمة الألف والباء، وقد يكون المقوِّم لها الدالّ والألف والراء. وليس مفهوم الكلمة إلَّا ما يتركّب من حرفين من بين ثمانية وعشرين حرفاً، فتتبادل الأجزاء في الخارج، فالتبادل في الأجزاء في الماهيّات الاعتباريّة لا محذور فيه.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والوجه فيه ما ذكرناه سابقاً من: أنَّ الموضوع له قد أُخذ على نحو لا بشرط، لا على نحو بشرط لا، فكلّ واحدٍ من الحروف الخمسة في كلمة (سفرجل) مثلاً جزءٌ من الكلمة، لا أنَّ الكلمة مركّبةٌ من حرفين، والحروف الأخرى زائدةٌ. بل إذا تركّب من حرفين، فهو كلمةٌ واحدةٌ، وكذلك إذا تركّب من ثلاثة أحرفٍ كدار، أو من أربعة كجعفر، أو من خمسة كسفرجل، فإنَّ المأخوذ في الموضوع له هو الحرفان لا بشرط، ومن دون أن يكون في الماهيّة ترديدٌ. فيمكن أن يكون لفظ الصلاة موضوعاً لمعظم الأجزاء لا بشرط، بمعنى أنَّ أي جزء من بقية الأجزء على تقدير وجوده مع المعظم يكون جزءاً من دون لزوم الترديد. نعم، التبادل جائزٌ ومتحقّقٌ، ولا مانع منه في الماهيّات الاعتباريّة.
وإلى هذا الوجه يرجع ما ذكره البعض(1) من: أنَّ المعنى راجعٌ إلى الصدق العرفي؛ فمتى ما أطلق العرف لفظ الصلاة على المركّب الخارجي، كان إطلاقه عليه حقيقيّاً بلا عنايةٍ، وإذا لم يصدق عليه عرفاً، استكشفنا أنَّ الموضوع له غير موجود.
وهذه طريقةٌ أُخرى لاستكشاف معاني الألفاظ؛ فإنَّه لا طريق لنا إلى معرفة جملة من المفاهيم إلَّا عن هذا الطريق، كما إذا شككنا في مفهوم الغناء؛ من جهة أنَّ الترجيع هل هو داخلٌ في حقيقته أو لا؟ فإنَّه لا بدَّ من الرجوع في ذلك إلى العرف، فإذا صدق عرفاً على معظم الأجزاء، استكشفنا أنَّه موضوعٌ
ــــــــــ[339]ــــــــــ
(1) أُنظر: الاشتياني، بحر الفوائد 2: 168، أصالة البراءة، في دوران الواجب بين الأقلّ والأكثر، في أنَّ لازم قول الصحيحي الإجمال الذاتي … .
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
له، وإذا لم يصدق عليه عرفاً، نعرف أن إطلاقه عليه بالعناية.
إذن، هذا الوجه لا بأس به، كما يمكن الالتزام به، لولا أنَّنا استكشفنا من الروايات أنَّ المأخوذ في مفهوم الصلاة ما ذكرناه من التكبير والركوع والسجود والطهارة. ومع الإغماض عن ذلك يكون هذا الوجه هو المتعيّن.
ــــــــــ[340]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فقد تحصّل ممّا مرّ: أنَّ تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة بحيث لا يصدق على الأفراد الفاسدة غيرُ معقولٍ؛ ولا يمكن تصوير الجامع المركّب ولا الجامع البسيط؛ فإنَّ الفرد الواحد من الصلاة مشتملٌ على مقولاتٍ متباينةٍ، ولا تجمعها ماهيّةٌ واحدةٌ، فكيف بالأفراد المختلفة كمّاً وكيفاً؟!
وأمّا الجامع العنواني فهو وإن كان قابلاً للتصوّر، إلَّا أنَّه غير مفيدٍ؛ فإنَّ اللفظ غير موضوعٍ للعنوان قطعاً، بل للمعنون، وليس هناك معنونٌ يوضع اللفظ بإزائه.
وأمّا تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة والفاسدة فهو ممكنٌ، ويكون جامعاً تركيبياً.
وعليه فلا ينتهي الأمر إلى مرحلة الإثبات للبحث في أنَّ اللفظ موضوعٌ للأفراد الصحيحة أو الأعمّ منها ومن الفاسدة؛ لأنَّ الآخر غير ممكن، وإنَّما الممكن هو الأعمّ، فيكون هو المتعيّن؛ فإنَّ البحث عن الوقوع إنَّما يكون بعد الفراغ عن الإمكان، فإذا كان أحد الطرفين هو الممكن دون الآخر، كان هو المتعيّن.
على أنَّ التبادر يدل على الوضع للجامع بين الأفراد الصحيحة والفاسدة؛
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فإنَّا لا ننتقل من الصلاة إلَّا إلى معنى يصدق بلا عناية على الأفراد الفسادة، كما يصدق على الأفراد الصحيحة، والتبادر كاشفٌ عن وضع اللفظ بإزاء المعنى المتبادر.
ونحن لا نرى عنايةً في استعمال اللفظ بإزاء الصلاة الفاسدة حينما يُقال: (إنَّه صلّى صلاةً فاسدةً)، فمِن استعماله وصدقه عرفاً نستكشف أنَّه موضوعٌ بإزاء الأعمّ؛ إذ لا نرى فرقاً في الاستعمال بين إطلاق لفظ الصلاة وإرادة الأفراد الصحيحة أو إرادة الأفراد الفاسدة.
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ويقع الكلام الآن في بيان ثمرة هذا البحث.
قد يُقال: إنَّه على القول بوضع الألفاظ للصحيح، يكون مقتضى الأصل عند الشكّ في جزئيّة جزءٍ أو شرطيّة شرطٍ، أي عند دوران الأمر فيه بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، هو الاشتغال.
وعلى القول بوضع الألفاظ للأعمّ من الصحيح والفاسد، يكون مقتضى الأصل هو البراءة. فعلى أحد التقديرين لا بدَّ من القول بالاشتغال، وعلى التقدير الآخر يتمسّك بالقدر المتيقّن، وتجري أصالة البراءة في الفرد المشكوك.
كما أنَّه قد يُقال: بناء على القول بالوضع للصحيح لا بدَّ من القول بالاشتغال، وعلى القول بالوضع للأعمّ يبتنى البحث على شيءٍ آخر، فكأنه لا يتعين القول بالبرائة حينئذٍ.
ويقع الكلام على القول بالوضع للأعم وعلى القول بالوضع للصحيح.
أما على القول بالوضع للأعم فالصحيح كما اختاره شيخنا الأُستاذ(1)، أنَّه لا
ــــــــــ[343]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 77. المقدّمة، المبحث الثاني: في الصحيح والأعمّ، الثمرة الأُولى.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يتعيّن القول بالاشتغال أو القول بالبرائة، بل يبتني البحث فيهما على أمر آخر وهو انحلال العلم الإجمالي عند دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين.
بيان ذلك: أنَّه على القول بوضع الألفاظ للأعمّ، يكون صدق اللفظ على الفاقد لِمَا يُشكّ في جزئيّته أو شرطيّته معلوماً، فلو شككنا في جزئيّة السورة أو التسبيحتين الأخيرتين من التسبيحات الثلاث، يكون لفظ الصلاة في المقام صادق، ومفهوم الصلاة منطبقٌ على ما في الخارج، ولكن لا نعلم أنَّ الموجود في الخارج منطبق على المأمور به أو لا. فالشكّ في الانطباق وعدمه بعد الفراغ عن صدق الأعمّ عليه، فالمأتي به في الخارج صلاةٌ لا محالة، ولكن هل هذه الصلاة صحيحةٌ، بمعنى: أنَّها منطبقةٌ على المأمور به، أو فاسدة، بمعنى: أنَّها غير منطبقةٍ على المأمور به؛ لأنَّها فاقدةٌ لما هو جزءٌ أو شرطٌ واقعاً؟
فحينئذٍ يقع الكلام في أنَّ مثل هذا الشكّ هل يكون مورداً لقاعدة الاشتغال، أو يكون مورداً لأصل البراءة؟ بمعنى: هل هو من الشكّ في التكليف، أو من الشكّ في المكلّف به؟ فإن كان من الشكّ في التكليف، فهو موردٌ لجريان البراءة الشرعيّة أو العقليّة أو كليهما. وأمّا إذا كان من الشكّ في المكلَّف به بعد العلم بالتكليف، فلابدَّ حينئذٍ من الخروج من عهدة التكليف، فيكون مورداً لقاعدة الاشتغال.
على إنَّنا قد ذكرنا في بحث دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين: أنَّ الانحلال الحقيقي في المقام غير ممكن؛ وذلك لأنَّ القدر المتيقّن الذي تعلّق به التكليف إنَّما هو القدر الجامع بين المطلق والمقيّد، أي: الطبيعة المهملة الجامعة
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بين المطلق والمقيّد واللابشرط من ناحية الإطلاق والتقييد. إلَّا أنَّ هذا لا يمكن أن يكون مرجعاً لانحلال العلم الإجمالي؛ لأنَّه مشتركٌ بين الإطلاق والتقييد، وكلٌّ من الإطلاق والتقييد مشكوك غير محرزٍ.
وبعبارةٍ أُخرى أوضح: إنَّ الذي نحرزه في صورة الشكّ بجزئيّة السورة هو أنَّ التكبير والقراءة والركوع والسجود وذكرهما والتشهّد والتسليم قد تعلّق الأمر بها، ولكن لا ندري أنَّ تعلّق الأمر بهذه الأجزاء هل هو على نحو الإطلاق، أي سواء كانت هناك سورةٌ أو لم تكن، أو أنَّ تعلّق الأمر بها كان على نحو التقييد بأن تكون معها سورةٌ؟ فطرف الشكّ وطرف العلم الإجمالي هو الإطلاق والتقييد، ونحن نعلم بتوجّه التكليف إلى أحدهما على نحو الإجمال؛ إذ لا يعقل توجّه التكليف على نحو الإهمال من ناحية السورة؛ فإنَّ الإهمال غير ممكن في الواقع.
وعليه فدعوى: أنَّا نعلم بوجوب هذه الأجزاء -وهي القدر المتيقّن من الأمر- ونشكّ في الزائد دعوى فاسدةٌ؛ لأنَّ ما نعلمه إنَّما هو تعلّق الأمر بالأجزاء على نحو الطبيعة المهملة، وهذا العلم ليس منشأً للانحلال؛ فإنَّ طرف العلم الإجمالي هو الإطلاق والتقييد، وكلٌّ منهما مشكوكٌ غير محرزٍ؛ فإنَّنا كما لا نعلم أنَّ الأجزاء مقيّدةٌ بالسورة، كذلك لا نعلم أنَّها مطلقةٌ من ناحيتها، فكلٌّ من الإطلاق والتقييد مشكوكٌ. والطبيعة المهملة الجامعة التي نعلم بوجوبها لا يمكن أن تكون منشأً للانحلال؛ لأنَّها جامعةٌ بين الإطلاق والتقييد، ونحن نعلم أنَّ أحدهما قد أُخذ في التشريع: إمّا الإطلاق وإمّا التقييد؛
ــــــــــ[345]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لأنَّ الإجمال غير معقولٍ.
ولكن ذكرنا: أنَّ تنجيز العلم الإجمالي ليس من لوازم العلم القهريّة التي لا تنفكّ، بل إنَّ التنجّز ناشئٌ من معارضة الأُصول، حيث لا مؤمّن من مخالفة التكليف الواقعي. ولولا التعارض بين أطراف العلم الإجمالي، لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً. ولذا قلنا: إنَّ العلم الإجمالي ليس علّةً تامّةً للتنجيز، بل التنجيز يدور مدار المعارضة، فإذا كان هناك تعارضٌ بين الأطراف، كان العلم منجّزاً؛ لأنَّا نحتمل في كلٍّ منها وجود التكليف الواقعي، واحتمالُ التكليف احتمالٌ للعقاب، فتجري قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل العقليّة.
إذن، يدور أمر التنجّز وعدمه مدار التعارض وعدمه، فإذا لم يكن تعارضٌ بين الأطراف، فلا بأس من جريان الأُصول.
وأطراف العلم الإجمالي في صورة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين غيرُ متعارضةٍ؛ لأنَّ احتمال الإطلاق احتمالٌ للسعة، واحتمالَ التقييد احتمالٌ للضيق. وحديث الرفع(1) لا يشمل رفع الإطلاق؛ لأنَّ رفع الإطلاق ليس فيه منّةٌ على العباد، بل وضعه فيه منّةٌ؛ فإنَّ كلاً من الطرفين لا يكون معارضاً للطرف الآخر؛ لأنَّ الشكّ في أحدهما شكٌّ في السعة، والشكّ في الآخر شكٌّ في الضيق، فلا مانع من جريان حديث الرفع أو غيره في جانب التقييد: فيُقال: إنَّ التقييد بالسورة فيه ضيقٌ، فينفى بأصالة البراءة الشرعيّة أو
ــــــــــ[346]ــــــــــ
(1) الصدوق، الخصال 2: 417، باب التسعة، الحديث 9، والحر العاملي، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
العقليّة أو بقاعدة قبح العقاب على الجزء المشكوك من دون بيان على وجوبه.
ومن هنا ظهر: أنَّ الانحلال في صورة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ليس انحلالاً حقيقيّاً؛ فإنَّ المعلوم بالإجمال لم ينحلّ إلى علمٍ تفصيليٍّ بالأقلّ وشكٍّ بدويٍّ؛ لأنَّ المعلوم بالتفصيل ليس إلَّا الطبيعة المهملة، وهذا لا يكون منشأً للانحلال؛ إذ أنَّ طرفي العلم الإجمالي هما الإطلاق والتقييد، وكلاً منهما مشكوكٌ، ولم يثبت عندنا تفصيلاً أنَّ المأمور به مطلقٌ من ناحية الجزء المشكوك، بل العلم الإجمالي ما زال على حاله، ولكنّه لا يؤثّر؛ إذ لا معارضة بين أطرافه.
فإذا التزمنا بذلك، كما هو الصحيح، فعلى القول بالأعمّ نتمسّك بالبراءة؛ فإنَّ جريان الأصل في التقييد لا يعارضه جريان الأصل في الإطلاق.
وأمّا إذا قلنا بأنَّ العلم الإجمالي علّةٌ تامّةٌ لتنجّزه، أو قلنا بالتعارض بين أطرافه، أو قلنا بما اختاره صاحب (الكفاية)(1) في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين من أنَّ الانحلال فيه غير معقولٍ، فلابدّ حينئذٍ من القول بالاشتغال.
إذن: أنَّ القول بالبراءة ليس من لوازم القول بالوضع للأعمّ، بل إنَّ ذلك يبتني على بحثٍ آخر، وهو أنَّ هذا العلم الإجمالي هل هو منحلٌّ أو لا يُتصوّر فيه الانحلال؟ وعليه فيمكن أن نلتزم بوضع الألفاظ للأعمّ ونحكم
ــــــــــ[347]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 363-364، المقصد السابع، فصل: أصالة الاحتياط، المقام الثاني: في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بالاشتغال؛ لأنَّ العلم الإجمالي يوجب تنجّز الواقع، والشك في سقوط التكليف المعلوم بالإجمال مورد لجريان قاعدة الاشتغال. هذا كلّه على القول بالوضع للأعمّ.
وأمّا على القول بالوضع للصحيح فهل يستلزم القول بالاشتغال أم لا؟
المعروف ذلك، وهو مذهب شيخنا الأُستاذ(1)؛ باعتبار أنَّا نعلم بوجوب الصلاة، ولكنّا نشكّ أنَّ ما أتينا به في الخارج هل هو مصداقٌ للصلاة أو لا؟ إذ لو كانت السورة جزءاً من الصلاة، فما أتى به في الخارج ليس مصداقاً للصلاة، وإذا لم تكن جزءاً كان مصداقاً لها.
إذن، الشكّ شكّ في المحصّل وفيما تعلّق به الأمر يقيناً، وهذا موردٌ لقاعدة الاشتغال.
وعليه، فالقول بوضع الألفاظ للصحيح يلزمه القول بالاشتغال في صورة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر؛ وذلك للشكّ في صدق الصلاة على المأتيّ به.
وقد ذكر شيخنا الأُستاذ(2): أنَّ وضع الألفاظ للجامع بين الأفراد الصحيحة لا يخلو من أخذ عنوان بسيط ينطبق على الأفراد الخارجية، فنعلم بالمأمور به، ونشكّ في إنطباقه على ما في الخارج، وهو شكّ في المحصل، والشكّ في المحصل مورد للاشتغال دون البراءة.
ــــــــــ[348]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 79، المقدّمة، المبحث الثاني: في الصحيح والأعمّ، الثمرة الثانية.
(2) المصدر السابق 1: 66-67 و70.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وعليه فما شُكّ في جزئيّته لا بدَّ من الإتيان به؛ لأنَّ الشكّ يرجع إلى الشكّ في صدق الصلاة وإلى الشكّ في حصول الامتثال بعد العلم بالتكليف.
إلَّا أنَّ الصحيح: أنَّه لا فرق بين القولين؛ فإنَّه على هذا القول أيضاً لا بدَّ من الالتزام بالبراءة، بعد الفراغ من القول بالانحلال الحكمي في أطراف العلم الإجمالي.
وبيان ذلك: أنَّ الصحّة التي هي محلّ الكلام المأخوذة في الموضوع له ليست هي الصحّة الفعليّة المنتزعة من انطباق المأمور به على المأتيّ به؛ فإنَّ الصحّة بهذا المعنى لا يمكن أخذها في المأمور به؛ لأنَّها متأخّرةٌ عن الوضع. بل الصحّة المأخوذة في المسمّى إنَّما هي بمعنى التماميّة من حيث الأجزاء والشرائط، كما سبق أن ذكرنا.
وبناءً على ذلك فإنَّ كلُّ ما أُخذ في المأمور به فهو دخيل في المسمّى، وبانتفائه ينتفي المسمّى، فكما أنَّه ليس بمأمور به فكذلك ليس دخيلاً في المسمّى.
فالصحّة المأخوذة في الصلاة هي بمعنى التماميّة من حيث الأجزاء والشرائط، وكلّها دخيلةٌ في المسمّى، فإذا فرضنا فقد جزءٍ أو شرطٍ، فالمأتيّ به ليست بصلاةٍ.
ومن المعلوم: أنَّ الألفاظ وسائلٌ لإفادة المقاصد، والأمر لم يتعلّق بلفظ الصلاة بهذا العنوان، بل بواقع المسمّى، والتسمية ليس لها دخلٌ في مرحلة التشريع والأمر من قِبل المولى، وإنَّما الأمر تعلّق بنفس المعاني، والألفاظ إنَّما
ــــــــــ[349]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
جُعلت لبيان هذه المعاني، وإلَّا فإنَّ اللفظ لا خصوصيّة له.
فإذا كان الأمر كذلك، فإما أن يكون الجامع بين الأفراد الصحيحة الذي لا ينطبق على الأفراد الفاسدة جامعاً حقيقيّاً تركيبيّاً، بعد التنازل عمّا سبق أن ذكرناه من أنَّ الجامع الحقيقي التركيبي غير ممكن، فلا محالة يكون المأمور به هو نفس هذه الأجزاء والشرائط دون أمرٍ آخر.
ولا فرق في ذلك بين القول بأنَّ الأوامر متعلّقةٌ بالطبائع أو بالأفراد؛ فإنَّ الفرد الخارجي بعد فرض تحققه في الخارج يستحيل أن يتعلّق به الأمر. والمراد بتعلّق الأوامر بالأفراد في قبال تعلّقها بالطبيعة: أنَّ الخصوصيّات الشخصيّة دخيلةٌ في المأمور به، وهذا خلاف القول بتعلّق الأمر بالطبيعة؛ فإنَّ الخصوصيّات وإن كانت ملازمةً للوجود، إلَّا أنَّها من الخصوصيّات التكوينيّة القهريّة، فلا دخل لها في المأمور به.
فلو فُرض محالاً وجود الطبيعي في الخارج بدون خصوصيّةٍ من الخصوصيّات، حصل الامتثال بذلك. فالفرق بين القول بتعلّق الأمر بالطبيعة وبين القول بتعلّقه بالفرد إنَّما هو من ناحية تعلّق الأمر بالخصوصيّات الشخصيّة وعدمه، وإلَّا فإنَّ الفرد الخارجي لا يتعلّق به الأمر.
وعليه فالاجزاء والشرائط بنفسها دخيلة في المأمور به، سواء قلنا بتوجه الأمر إلى الطبيعة أو إلى الفرد.
فإذا شككنا في أنَّ السورة دخيلةٌ في المأمور به أو غير دخيلةٍ، أو أنَّ الستر من السرّة إلى الركبة شرطٌ في الصلاة أو يكفي ستر العورة فقط، فلا محالة نشكّ في
ــــــــــ[350]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
سعة دائرة المأمور به وضيقها، وليس للتسمية دخلٌ في المقام؛ فإنَّ الفاقد للجزء أو الشرط المشكوك وإن كنّا نشكّ في إطلاق لفظ الصلاة عليه، إلَّا أنَّ اللفظ كاشفٌ عن المعاني، وطريقٌ إلى المقاصد، وليس له دخلٌ في المأمور به.
ففي المقام نعلم بتعلّق الأمر بعدّةٍ من الأجزاء والشرائط، ونشكّ في شيءٍ أنَّه جزءٌ أم شرطٌ أو لا، فإذا قلنا بالانحلال -لأنَّ طرف العلم الإجمالي هو الإطلاق والطرف الآخر هو التقييد- فلا معارضة في جريان البراءة في أحد الطرفين دون الآخر، فيمكن أن نرفع احتمال التقييد بحديث الرفع أو غيره.
إذن: فلا فرق بين القول بوضع الألفاظ للصحيح ووضعها للأعمّ، غاية الأمر أنَّه على القول بالصحيح نشكّ في صدق لفظ الصلاة على الموجود الخارجي، وعلى القول بالأعمّ ليس هناك شكٌّ في الصدق، إلَّا أنَّ الشكّ في الصدق وعدمه لا أثر له في جريان البراءة أو الاشتغال؛ لأنَّهما يدوران مدار تعلّق الأمر به، لا ما يصدق عليه اللفظ؛ لأنَّ اللفظ لا خصوصيّة له.
ومن هنا نرجع إلى البراءة في صورة إجمال الدليل وعدم العلم بأنَّ الأمر أو النهي تعلّق بمعنى واسعٍ أو ضيّقٍ كالغناء.
وعليه، فإذا رجع الشكّ إلى التكليف، فنحن في سعةٍ من ناحية الجزء أو الشرط المشكوك؛ لشمول حديث الرفع أو غيره له. هذا إذا كان الجامع بين الأفراد الصحيحة جامعاً حقيقيّاً تركيبيّاً.
وإمّا أن يكون جامعاً حقيقياً بسيطاً، فقد يُقال بأنَّه لا بدَّ من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال؛ لأنَّ هذا الجامع البسيط نشكّ في تحقّق وجوده في الخارج، فإذا
ــــــــــ[351]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
كان المشكوك هو وجوده، فلابدَّ من الرجوع إلى الاشتغال؛ لأنَّه لا بدَّ من إحراز وجوده في مرحلة الامتثال؛ لأجل حكم العقل بأنَّ التكليف المتيقّن لا بدَّ من إحراز امتثاله.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا إذا شككنا في أنَّ المأتيّ به في الخارج هل يصدق عليه عنوان الصلاة أو لا؟ فيرجع هذا الشكّ إلى أنَّ هذا الأمر البسيط الذي تعلّق به الأمر هل وُجد أو لا؟ ومعه لا بدَّ من الاشتغال.
هكذا قيل، ولكن الجواب الصحيح هو: أنَّنا لو تنزّلنا عمّا ذكرناه سابقاً -من أنَّ الأمر البسيط يستحيل أن يكون جامعاً بين الماهيّات والمقولات المتعدّدة؛ فإنَّ البسيط والمركّب لا يتّحدان، والكلّ والفرد موجودان بوجودٍ واحدٍ، ولكن البسيط والمركّب لا يمكن أن يوجدا بوجودٍ واحدٍ- وفرضنا أنَّ البسيط يمكن أن يكون جامعاً بين الأجزاء والشرائط، فسوف تكون نسبة هذا الجامع إلى الأفراد نسبة الكلّي إلى أفراده، فما وُجد في الخارج هو نفس الكلّي، فالأمر بالبسيط هو أمرٌ بهذا المركّب بعينه؛ لأنَّ المفروض أنَّ هذا المركّب هو بنفسه ممّا ينطبق عليه الطبيعي البسيط.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ ما يمكن أن نأتي به هو التكبيرة والركوع والسجود والتشهّد وسائر الأجزاء والشرائط، فإذا كان الأمر البسيط الجامع هو المأمور به، ففي الحقيقة تعلّق الأمر بنفس الأجزاء؛ لأنَّ الطبيعي يوجد بوجود فرده. وحينئذٍ يعود الكلام السابق، من أنَّا نعلم بتعلّق الأمر بشرائط وأجزاءٍ معلومةٍ، ونشكّ في جزءٍ أو شرطٍ آخر، فنجري أصالة البراءة في الزائد.
ــــــــــ[352]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والبراءة والاشتغال لا يدوران مدار التسمية ليُقال: إنَّ ذلك الأمر البسيط نشكّ في وجوده في الخارج؛ فإنَّ ذلك البسيط هو بعينه المركّب، أي بعد الإغماض عن استحالة اتّحاد البسيط والمركّب، يكون البسيط هو بعينه المركّب؛ لأنَّ المفروض أنَّ النسبة بينهما نسبة الطبيعي إلى فرده، فالأمر المتيقّن المتعلّق بالبسيط هو بعينه المتعلّق بالأجزاء والشرائط، فبالإمكان الاقتصار على المقدار المعلوم الذي تعلّق الأمر به؛ ولكن نشكّ في أنَّ هذه الأجزاء هل هي مأمورٌ بها على نحو الإطلاق أو التقييد؟ فيعود الكلام السابق.
فليس مطلق الشكّ في الوجود مورداً للاشتغال، بل إذا رجع الشكّ في الوجود إلى الشكّ في التكليف الزائد، كان مرجعه البراءة.
وبعبارةٍ أخرى: إنَّه بناءً على الجامع البسيط والإغماض عن استحالة اتّحاد البسيط والمركّب، أو بناء على الجامع التركيبي، لا نشكّ أنَّنا أمرنا في الروايات بعدة من الأجزاء والشرائط، وإنَّما تعلّق الأمر بنفس هذه الأجزاء والشرائط، فيكون المقدار الذي تعلّق به الأمر هو ما أتينا به خارجاً، ولكن لا نعلم هل هو على وجه الإطلاق ليحصل الامتثال به، أو على وجه التقييد فلا يحصل الامتثال. فإذا رجعنا إلى أصالة البراءة علمنا بحصول الامتثال، لأنَّ المأمور به مطلقٌ.
نعم، لو كانت نسبة البسيط إلى الأجزاء والشرائط نسبة المسبّب إلى السبب، وكان وجوده مغايراً لوجودها، وكان شكّنا في السبب من حيث إنَّ المأخوذ فيه جزءٌ خاصٌّ أم شرطٌ خاصٌّ أو لا، فلا مناص حينئذٍ من الرجوع إلى
ــــــــــ[353]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الاشتغال؛ فإنَّ الصلاة أمرٌ خارجيٌّ منحازٌ عن المأمور به.
فإذا شككنا في أنَّ الصلاة تحصل بدون الشرط أو الجزء أو لا تحصل إلَّا معه، لا يمكن الرجوع إلى البراءة؛ لأنَّ المأمور به شيءٌ بسيطٌ مشكوكٌ في وجوده، والشكّ ليس في وجود المأمور به وتحقّقه، بل مردّه إلى الشكّ في السبب، وهو مغاير للمسبّب.
وكذا الكلام في الطهارة، فإذا شككنا في أنَّه هل يجب في التطهّر غسلةٌ أو غسلتان؟ ففي مثل ذلك لا يمكن الرجوع إلى البراءة؛ بدعوى أنَّ الغسلة الواحدة متيقّنةٌ، والثانية مشكوكةٌ؛ فإنَّ المأمور به المتيقّن هو التطهير، وهو أمرٌ مشكوكُ الحصول في المرّة الواحدة. ومعه فلا يمكن أن يُقال: إنَّ الغسلة الواحدة واجبةٌ، والثانية مشكوكةٌ؛ فنتمسّك لدفعه بأصالة البراءة، فإنَّ الواحدة ليست بواجبةٍ، وإنَّما الواجب هو المعنى البسيط، وهو التطهير، ويجب إحرازه بالإتيان بالمرّتين.
ولكنّ الحكم في المقام ليس كذلك؛ إذ الأمر البسيط المفروض أمرٌ بسيطٌ ينطبقٌ على الأجزاء والشرائط، فإذا كان ذلك الأمر البسيط أمراً معلولاً لها ومترتّباً عليها، فلا يمكن أن يكون جامعاً بينها، كما لا يكون المأمور به هو الصلاة، بل أمرٌ مقيّدٌ بوجود الصلاة، وهو خلاف الفرض.
فإذا كان الأمر البسيط أمراً مسبّباً عن المركّب، فلابدّ من القول بالاشتغال؛ لأنَّ الذمة قد اشتغلت يقيناً، فلابدّ من إحراز إفراغها. وأمّا على القول بالجامع الصحيحي المركّب أو البسيط فإنَّ الشكّ يرجع فيها إلى الشكّ في الإطلاق
ــــــــــ[354]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والتقييد، فيمكن إجراء أصالة البراءة في المقيّد.
وأما إذا بنينا على أنَّ الجامع ليس جامعاً حقيقياً، وإنَّما هو جامعٌ انتزاعي، فالأمر أوضح، لأنَّ الأمر الانتزاعي يستحيل أن يتعلّق به الأمر، إذ لا وجود خارجي له حتى يتعلّق به الأمر، فالأمر بالأمر الانتزاعي إنَّما هو أمر بمنشأ انتزاعه، لأنَّ الأمر الانتزاعي لا وجود له إلَّا بوجود منشأ انتزاعه.
إذن، المأمور به هو منشأ الانتزاع، وهو مقيد بعدة قيود، وكلما شككنا في دخالة قيد وعدمه، كان الشك في الزائد على القدر المتيقّن بناء على المبنى الصحيح من الانحلال الحكمي مجرى للبراءة.
وعليه، فلا تكون هذه الثمرة ثمرة في الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال، إذ لا يفرق في ذلك بين وضع الألفاظ للصحيح أو وضعها للأعم، بل إنَّ الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال مبني على أمر آخر، وهو الانحلال وعدمه.
وقد ذكرت ثمرةٌ أُخرى في المقام، وهي جواز التمسّك بالإطلاق بناءً على الوضع للأعمّ، وعدمه بناءً على الوضع للصحيح.
وتوضيح ذلك: أنَّه لو فرضنا أنَّه صدر من المولى أمرٌ بعبادةٍ، أو كانت معاملةٌ مورداً للإمضاء من قبل الشارع المقدّس، فإذا كان المتكلّم في مقام البيان ولم ينصب قرينةً على إرادة خصوصيّةٍ معيّنةٍ، وقلنا بالوضع للأعمّ، فإنَّه سوف يُتمسّك بالإطلاق؛ وذلك لأنَّ مقدّمات الحكمة كلّها تامّةٌ. كما لو ورد أمرٌ بالصلاة، وكان المتكلّم في مقام البيان، ولم ينصب قرينةً على شيءٍ زائدٍ أكثر ممّا
ــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
علم جزئيّته وشرطيّته، فحينئذٍ يمكننا التمسّك بالإطلاق، فيُقال: إنَّ الصلاة إذا أتى بها من دون سورةٍ صلاةٌ؛ لأنَّ المفروض أنَّ الطبيعة تصدق على الواجد والفاقد؛ لأنَّ الموضوع له هو الأعمّ، وهذا مصداقٌ للصلاة، والمتكلّم في مقام البيان، ولم ينصب قرينةً على خصوصيّة وجود السورة، فيتمسّك بالإطلاق في مقام الإثبات، ويستكشف منه الإطلاق في مقام الثبوت، فنقول: إنَّ الأمر متعلّقٌ بالصلاة من دون دخلٍ لخصوصيّة وجود السورة فيه. ونظيره ما لو أمر المولى عبده بالسفر، ولم يعيّن له مركوباً خاصّاً، فيتمسّك بالإطلاق في جواز السفر على أيّ مركوبٍ، ما لم يدلّ دليلٌ على خصوصيّةٍ في مركوبٍ خاصٍّ.
فلو فرضنا أنَّ الصلاة قد تعلّق بها الأمر، وكان المتكلّم في مقام البيان، ولم ينصب قرينةً على اعتبار السورة في الصلاة، فإنَّنا نتمسّك بالإطلاق ونقول: إنَّها غير معتبرةٍ؛ لعدم وجود قرينةٍ دالّةٍ على اعتبارها، لا متّصلة ولا منفصلةٍ، والمأمور به يصدق على الواجد والفاقد، ومقدّمات الحكمة تامّةٌ.
وأمّا بناءً على وضع الألفاظ للصحيح فلا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ وذلك للشكّ في صدق اللفظ على الفاقد، إذ من مقدّمات الحكمة أن يرد الحكم على المقسم ليكون الشكّ في خصوصيّةٍ زائدةٍ على نفس الطبيعة؛ إذ لا نحرز أنَّ هذه صلاةٌ أو لا، فكيف نتمسّك بالإطلاق؟! كما إذا شككنا في أنَّ ماء الزاج أو الكبريت ماءٌ أو ليس بماءٍ، فإنَّه لا يمكن التمسّك بقوله تعالى: مَاءً طَهُوراً(1)
ــــــــــ[356]ــــــــــ
(1) الفرقان: 48.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أو غير ذلك من الروايات(1) التي تدلّ على أنَّ الماء طهورٌ؛ وذلك لأنَّ المفروض أنَّه يشكّ في صدق مفهوم الماء على ماء الزاج والكبريت، ومعه كيف يمكن التمسّك بالإطلاق؟!
مع أنَّ التمسّك بالإطلاق -عند عدم ذكر المتكلّم قرينةً على خصوصيّةٍ زائدةٍ في الطبيعي الذي تعلّق به الحكم- متوقّفٌ على إحراز تعلّق الحكم بالطبيعي الذي يمكن أن ينطبق على الواجد والفاقد، فإذا لم نحرز أنَّ اللفظ موضوعٌ للجامع، ولم نحرز أنَّ هذا مصداقٌ للجامع، فلا يمكن أن نتمسّك بالإطلاق.
إذن، لا يمكن التمسّك بالإطلاق على القول بالوضع للصحيح.
ثُمَّ الظاهر: أنَّ المراد بالإطلاق في محلّ الكلام هو الإطلاقُ اللفظي، بمعنى: أن يكون الحكم متعلّقاً بلفظٍ بما له من المعنى، فيشكّ في اعتبار خصوصيّةٍ زائدةٍ على ما وُضع له اللفظ، فيُقال: إنَّ الكلام مطلقٌ، أي يتمسّك بالإطلاق اللفظي. وعليه فالمراد بالإطلاق في المقام هو الإطلاقُ في الكلام، بمعنى: أنَّ المولى لم يقيّد كلامه بقيدٍ خاصٍّ.
وأمّا الإطلاق الحالي فهو ممّا لا يدور مدار هذا النزاع، فلو فرضنا أنَّ المولى كان في مقام البيان، وذكر أجزاء الصلاة، وسكت عن السورة، فإنَّه لا شكّ في أنَّنا نتمسّك بإطلاق كلام المولى لنفي جزئيّة السورة؛ لأجل سكوته وكونه في
ــــــــــ[357]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في الباب الأوّل من أبواب الماء المطلق من وسائل الشيعة 1: 133.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
مقام البيان، من دون دخلٍ لوضع الألفاظ للصحيح أو للأعمّ؛ وذلك لأنَّ الإطلاق ليس إطلاقاً لفظيّاً، بل هو إطلاقٌ مقاميٌّ. ونفس هذا السكوت دليلٌ على أنَّ السورة ليست جزءاً من الصلاة؛ لأنَّها لو كانت جزءاً لبيّنها.
وكلامنا ليس في الإطلاق المقامي؛ لأنَّه يتمسّك بالإطلاق في المقام على كلا القولين، فلو فرضنا أنَّ المتكلّم ذكر جميع مقاصده في هذا اليوم، وسكت عن شيءٍ، فسوف نتمسّك بالإطلاق، ونعلم أنَّ ذلك الشيء ليس من مقاصده، وليس هذا من الإطلاق المبحوث عنه في شيءٍ، فإنَّ محلّ الكلام هو ما لو ورد حكمٌ على الطبيعي، وشُكّ في دخل خصوصيّةٍ من الخصوصيّات. وأمّا إذا كان المولى في مقام بيان نفس الأجزاء والشرائط، كما في صحيحة حمّاد(1)، فلا بأس بالتمسّك بالإطلاق.
ــــــــــ[358]ــــــــــ
() الكليني، الكافي 3: 311، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة …، الحديث 8، والحر العاملي، وسائل الشيعة 5: 459، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 1.
والرواية هي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى قال: قال لي أبو عبد الله يوماً: يا حماد تحسن أن تصلي؟ قال: فقلت يا سيدي أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة فقال: لا عليك يا حماد، قم فصل قال: فقمت بين يديه متوجها إلى القبلة فاستفتحت الصلاة فركعت وسجدت، فقال: يا حماد لا تحسن أن تصلي ما أقبح بالرجل منكم يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة، قال: حماد فأصابني في نفسي الذل.=
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ــــــــــ[359]ــــــــــ
=فقلت: جعلت فداك فعلمني الصلاة فقام أبو عبد الله مستقبل القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعا على فخذيه، قد ضمّ أصابعه وقرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث أصابع منفرجات واستقبل بأصابع رجليه جميعا القبلة لم يحرفهما عن القبلة وقال بخشوع: الله أكبر ثُمَّ قرأ الحمد بترتيل وقل هو الله أحد ثُمَّ صبر هنية بقدر ما يتنفس وهو قائم ثُمَّ رفع يديه حيال وجهه وقال: الله أكبر. وهو قائم ثُمَّ ركع وملأ كفيه من ركبتيه منفرجات وردّ ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صبّ عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره ومد عنقه وغمض عينيه ثُمَّ سبح ثلاثاً بترتيل فقال: سبحان ربي العظيم وبحمده. ثُمَّ استوى قائماً فلما استمكن من القيام قال: سمع الله لمن حمده. ثُمَّ كبر وهو قائم ورفع يديه حيال وجهه ثُمَّ سجد وبسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه فقال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاث مرات ولم يضع شيئاً من جسده على شيء منه وسجد على ثمانية أعظم الكفين والركبتين وأنامل إبهامي الرجلين والجبهة والأنف وقال: سبعة منها فرض يسجد عليها وهي التي ذكرها الله في كتابه فقال: ” وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً وهي الجبهة والكفان والركبتان والإبهامان ووضع الانف على الأرض سنة، ثُمَّ رفع رأسه من السجود فلما استوى جالسا قال: الله أكبر. ثُمَّ قعد على فخذه الأيسر وقد وضع ظاهر قدمه الأيمن على بطن قدمه الأيسر وقال: استغفر الله ربي وأتوب إليه. ثُمَّ كبر وهو جالس وسجد السجدة الثانية وقال: كما قال في الأُولى ولم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود وكان مجنحاً ولم يضع ذراعيه على الأرض فصلى ركعتين على هذا ويداه مضمومتا الأصابع وهو جالس في التشهّد فلما فرغ من التشهّد سلم. فقال: يا حماد هكذا صل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولا يفترق القولان من هذه الناحية، وإنَّما يفترقان في صورة ما إذا ورد أمرٌ متعلّقٌ بطبيعة الصلاة أو الصيام أو غيرهما من العبادات والمعاملات؛ فإنَّه بناءً على الوضع للأعمّ نتمسّك بالإطلاق لنفي ما نشكّ في دخالته؛ وذلك لأنَّ اللفظ يصدق على الواجد والفاقد.
وأمّا على القول بالوضع للصحيح فإنَّه لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّا نحتمل أنَّ الجزء المشكوك دخيلٌ في المسمّى، فالشك شكٌّ في صدق أصل الطبيعة، لا في أمرٍ زائدٍ بعد إحراز صدق الطبيعة.
نعم، لو كان المشكوك فيه ركناً في الصلاة بحيث تنتفي الصلاة بانتفائه، فهنا لا يمكن للقائل بالوضع للأعمّ كالقائل بالوضع للصحيح من التمسّك بالإطلاق؛ لاحتمال أن يكون المشكوك دخيلاً في التسمية ومعتبراً في المفهوم.
وملّخص الكلام: إنَّ التمسّك بالإطلاق يدور مدار الصدق فيُقال: إنَّ الأمر متوجّهٌ إلى الطبيعة، وهذا متوفّرٌ على القول بالوضع للأعمّ؛ فإنَّ الصدق معلومٌ؛ لأنَّ المأتيَّ به من أفراد الطبيعي، فندفع الجزء المشكوك بالإطلاق.
وأمَّا على الصحيح فلا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لعدم إحراز الصدق؛ لأنَّه يشكّ في أنَّ المأتيّ بها صلاةٌ أو لا؟ ومع الشكّ في الصدق لا يمكن التمسّك بالإطلاق لنفي جزئيّة الجزء المشكوك.
وهذه ثمرةٌ لا بأس بها في المسألة، وهي جواز التمسّك بالإطلاق على القول بالوضع للأعمّ، وعدم جواز التمسّك به على القول بالوضع للصحيح.
ــــــــــ[360]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولكن قد يُقال: إنَّ هذه الثمرة لا تصحّ لوجهين:
◙ الوجه الأوّل: أنَّ هذه الثمرة فرضيّةٌ محضةٌ لا أثر لها في الخارج؛ إذ لم نجد في العبادات ما يكون المولى فيه في مقام البيان، ومن الظاهر أنَّ كون المولى في مقام البيان معتبرٌ في التمسّك بالإطلاق؛ فإنَّه إحدى مقدّمات الحكمة.
وعليه فلا أثر لهذا النزاع؛ فإنَّه على كلا القولين -القول بالصحيح والقول بالأعم- لا يمكن أن يُتمسّك بالإطلاق، غاية الأمر أنَّ الوجه فيهما مختلفٌ. فعلى الوضع للأعمّ لا يُتمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ مقدّمةً واحدةً من مقدّمات الحكمة غيرُ متوفّرةٍ، وهي كون المتكلّم في مقام البيان؛ لأنَّ الأوامر كلّها واردةٌ في مقام الإهمال والإجمال وفي مقام التشريع، لا في مقام بيان الأجزاء والشرائط نحو قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاَةَ(1)، وإِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً(2) وغيرها من الآيات الآمرة بالصلاة والزكاة، ومعه فلا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لانتفاء إحدى مقدّمات الحكمة، وهي كون المتكلّم في مقام البيان.
وأمّا الصحيحي فلا يمكنه التمسّك بالإطلاق؛ لانتفاء هذه المقدّمة ومقدّمةٍ أُخرى وهي أنَّ الحكم لم يرد على المقسم؛ فإنَّ من مقدّمات الحكمة ورود الحكم على المقسم وكون الشكّ في خصوصيّةٍ زائدةٍ على الطبيعة. إذن يمكن التمسّك بالإطلاق على كلا القولين، فلا ثمرة لهذا النزاع.
ــــــــــ[361]ــــــــــ
(1) الأنعام: 72.
(2) النساء: 103.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ويمكن الجواب عن الوجه الأول بأمرين:
ــــــــــ[362]ــــــــــ
(1) البقرة: 183.
(2) البقرة: 187.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
عن النساء والارتماس في الماء وغيرها.
وكلّ ما لم يثبت وشككنا في اعتباره في الصوم أو عدم اعتباره، فلا مانع من التمسّك بإطلاق الآية لنفيه، بعد الفراغ عن صدق مفهوم الصوم عليه؛ لأنَّه موضوعٌ للجامع بين تامّ الأجزاء والشرائط وغيره، أي على تقدير أن يكون الجزء المشكوك معتبراً واقعاً، يكون صوماً فاسداً، لا أنَّه ليس بصومٍ؛ إذ المفهوم صادقٌ؛ فيدفع احتمال دخالة شيءٍ فيه جزءاً أو شرطاً.
إذن، فلا بأس بالتمسّك بالإطلاق في المقام، كما نتمسّك في المعاملات بإطلاق قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1).
فدعوى: أنَّ الأوامر الواردة في العبادات كلّها في مقام التشريع وأنَّ المتكلّم ليس في مقام البيان غير مسموعةٍ. وعلى تقدير تسليمها في الآيات فإنَّا لا نسلّمها في الروايات؛ فإنَّ كثيراً من أجزاء العبادات وشرائطها تعلّق الأمر بها في الروايات، وأجزاء العبادة عبادةٌ، ولذا ورد في سجدتي السهو أنَّه يتشهّد(2)، فإذا شككنا في اعتبار جزءٍ في التشهّد نقول: إنَّ الواجب هو طبيعيّ التشهّد، وننفي ذلك الاحتمال بالإطلاق.
إذن، لا بأس بهذه الثمرة.
ــــــــــ[363]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
(2) راجع الروايات الواردة في باب كيفيّة سجدتي السهو من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من وسائل الشيعة 8: 234-235.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
◙ الوجه الثاني: إنَّ ما ذُكر ليس بثمرةٍ؛ وذلك للعلم بالتقييد من الخارج؛ فإنَّ الخلاف إنَّما هو في المسمّى لا في المأمور به؛ إذ الخلاف في أنَّ ألفاظ العبادات موضوعةٌ للصحيح أو للأعمّ.
وأمّا الأمر فلا ريب في أنَّه متعلّقٌ بالصحيح؛ لأنَّنا لا نحتمل أن تكون الصلاة الفاسدة أو الصوم الفاسد مأموراً به، ولا الجامع بين الصحيح والفاسد: بأن يكون المكلّف مخيّراً في مقام الامتثال بين الصحيح والفاسد. إذن نعلم من الخارج أنَّ المأمور به مقيّدٌ بالصحّة، فكيف يمكن التمسّك بالإطلاق بعد العلم بالتقييد؟!
غاية الأمر: أنَّه على القول بوضع الألفاظ للصحيح تكون الصحّة مأخوذةً في المسمّى، وعلى الأعمّ تكون مأخوذةً في المأمور به. وعلى كلا التقديرين نعلم أنَّ الأمر تعلّق بالصحيح، ومع العلم بالتقييد كيف نتمسّك بالإطلاق؟ فإنَّا إذا احتملنا جزئيّة شيءٍ أو شرطيّته، احتملنا دخْله في المأمور به.
وقد أتعب شيخنا الأنصاري(1) نفسه المقدّسة في الجواب عن هذه الشبهة، وقد تعجّب شيخنا الأُستاذ(2) من ذلك، مع أنَّ هذا الإشكال واهٍ جدّاً، ولا يحتاج إلى بسطٍ في المقام.
ــــــــــ[364]ــــــــــ
(1) أُنظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 66-71.
(2) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 47.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والصحيح في جوابه ما أفاده من: أنَّ عنوان الصحّة لا يُحتمل دخله في المأمور به؛ فإنَّ الصحّة الفعليّة غير دخيلةٍ في المأمور به ولا في المسمّى، بل هي منتزعةٌ من انطباق المأمور به على المأتيّ به في الخارج، والصحّة بهذا المعنى متأخّرةٌ عن المأتيّ به في الخارج؛ إذ لا بدَّ من فرض أمرٍ وامتثالٍ ليُقال: إنَّ هذا الامتثال صحيحٌ أو غير صحيحٍ.
وما لم يُفرض وجودٌ خارجيٌّ لا معنى للصحّة والفساد؛ فإنَّ الذي يتّصف بالصحّة والفساد هو الوجود الخارجيّ ولو فرضاً. فإذا قلنا: (الصلاة بدون ركوعٍ فاسدةٌ)، فإنَّنا نفرض صلاةً فاقدةً للركوع، أي: إذا صلّى بدون ركوعٍ، كانت صلاته فاسدةً. وكذا لو قلنا: (إنَّه لو باع أحدٌ عن إكراهٍ، كان البيع فاسداً)؛ فإنَّ الفساد لا يُتصوّر ما لم يُفرض بيعٌ خارجيٌّ، فلا معنى للحكم بالصحّة والفساد إلَّا للموجود الخارجيّ، وهذه الصحّة متأخّرةٌ عن الأمر وعن الامتثال في الخارج، ولا معنى لأن تُؤخذ في المسمّى.
فمحلّ الكلام هو: هل إنَّ جميع ما تعلّق به الأمر داخلٌ في المسمّى، أم إنَّ الداخل في المسمّى بعض هذه الأجزاء، والباقي داخلٌ في المأمور به لا في التسمية؟ هذا هو النزاع في المسألة، وهو ما عبّرنا عنه بتماميّة الأجزاء والشرائط وعدمها، فالنزاع هو في دخل جميع الأجزاء والشرائط في المسمّى وعدمه.
فإن قلنا: إنَّ جميعها دخيلٌ في المسمّى، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّا نحتمل أنَّ الجزء المشكوك دخيلّ في التسمية، وأنَّ الفاقد ليس بصلاةٍ، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق.
ــــــــــ[365]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وإن قلنا: إنَّ الدخيل في المسمّى هو بعض هذه الأجزاء، كما سبق أن اخترناه، وهي عبارةٌ عن الأركان من التكبيرة والركوع والسجود والطهارة، وأنَّ هذه الأجزاء هي المقوّمة للمسمّى، والباقي دخيلٌ في المأمور به لا في التسمية، فعلى ذلك لا مانع من التمسُّك بالإطلاق، فنثبت به أنَّ السورة ليست جزءاً من المأمور به، ويكون تمام الأجزاء والشرائط غير السورة.
وعليه فالصحّة تتبع الإطلاق، وبعد التمسّك بالإطلاق نحكم أنَّ الصحيح هو الجامع بين الواجد والفاقد؛ إذ يمكن أن نعيّن المأمور به بالإطلاق؛ إذ الفرض أن يثبت المأمور به من جهة الألفاظ في كلام المولى. فلو فرضنا أنَّ لفظ الصلاة كان موضوعاً بإزاء الأركان وأُمرنا بالصلاة، كان مفاد الأمر إيجاد هذه الأجزاء. وأيُّ شيءٍ ثبت من القيود تُلحق بهذه الأجزاء، وما نشكّ بجزئيّته ندفعه بالإطلاق، فيثبت أنَّ الصلاة الصحيحة هي الجامعة بين الفاقد والواجد؛ فإنَّ الصحيح هو التامّ من حيث الأجزاء والشرائط، فنثبت بالإطلاق أنَّ الأجزاء والشرائط هي هذه دون غيرها.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّه على الصحيح لا نعلم ما هي الأجزاء والشرائط؛ لأنَّ كلّ ما نحتمل دخْله في المأمور به جزءاً أو شرطاً نحتمل دخْله في المسمّى، فليس عندنا -بحسب مقام الإثبات- ما يثبت أنَّ هذا ليس بجزءٍ، أو ليس بشرطٍ.
وأمّا على الأعمّ فالأمر إنَّما تعلّق بالأركان، وأمّا غير الأركان فما ثبت دخْله جزءاً أو شرطاً يُؤخذ به، وما لم يثبت يتمسّك في دفعه بالإطلاق، وبعد التمسُّك بالإطلاق يثبت أنَّ المأمور به هو هذه الأجزاء والشرائط.
ــــــــــ[366]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وعليه، فالصحّة بأيّ معنىً فرضت غير مأخوذةٍ في المأمور به. وقول المستشكل: أنَّ الشارع لا يأمر بالفاسد ولا الأعمّ منه ومن الصحيح مغالطةٌ واضحةٌ؛ فإنَّ الصحّة إنَّما تتصوّر بعد الأمر، والصحّة هي تماميّة الأجزاء والشرائط، والكلام في تعيين الجزء والشرط، وإلَّا فإنَّ ما ثبت جزئيّته أو شرطيّته لا يأمر الشارع بالفاقد له.
إذن يمكن التمسّك بالإطلاق، وبه يثبت أنَّ المأمور به هو القدر المتيقّن من الأجزاء والشرائط. فالإنصاف أنَّ هذه الثمرة ثمرةٌ صحيحةٌ، ولكنّ الكلام في أنَّ هذه الثمرة هل توجب كون هذه المسألة مسألةً أُصوليّةً، أو أنَّها ليست مسألةً أُصوليّةً؟
وقع الكلام في أنَّ هذه الثمرة هل توجب أن تكون هذه المسألة مسألةً أُصوليّةً، أو من المبادئ؟
الظاهر: أنَّها من المبادئ، لا من المسائل الأُصوليّة.
والوجه في ذلك: ما تقدّم من أنَّ المسألة الأُصوليّة لا بدَّ أن تكون ثمرتها حكماً كلّيّاً قابلاً لأن يترتّب الحكم على نفس المسألة، مع قطع النظر عن المسائل الأخرى، وتكون المسألة بنفسها كافيةً في مقام الاستنباط.
وهذه المسألة ليست كذلك؛ إذ لا يترتّب على البحث حول وضع الألفاظ للصحيح أو للأعمّ استنتاجُ حكمٍ كلّيٍّ من نفس هذه المسألة، بل يترتّب على هذه المسألة جواز التمسّك بالإطلاق، كما ذكرنا، بناءً على الوضع للأعمّ، فهي
ــــــــــ[367]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
من مبادئ جواز التمسّك بالإطلاق بعد الفراغ عن المسألة الأصولية من: أنَّه إذا ورد مطلقٌ، وكان المتكلّم في مقام البيان، يجوز التمسّك بالإطلاق، فهذه مسألةٌ أُصوليّةٌ، ومسألتنا تحقّق صغرى لهذه المسألة، فهي من المبادئ لا محالة.
فهذه المسألة لها ثمرةٌ، ولكنَّها ليست ثمرةً أُصوليّةً، أي: لا يُستنتج منها حكمٌ كلّيٌّ يقع في طريق الاستنباط بنفسه، بل يتحقّق منها صغرى لمسألةٍ أُخرى، وهي جواز التمسّك بالإطلاق عند تماميّة المقدّمات.
كما أنَّه علم بذلك: أنَّه لو سلّمنا الثمرة الأُولى -بناء على القول بوضع الألفاظ للأعمّ- يمكن التمسّك بالبراءة، وأما بناء القول بالوضع للصحيح فلابدّ من القول بالاشتغال، والأمر كذلك أيضاً، فإنَّ مسائل البراءة والاشتغال من المسائل الأُصوليّة، فإذا رجع الشكُّ إلى التكليف، فالصحيح هو الرجوع إلى أصل البراءة، وإذا رجع الشكُّ إلى المكلَّف به في مرحلة الامتثال، فلابدَّ من الرجوع إلى الاشتغال، فهذه مسألةٌ أُصوليّةٌ.
والثمرة الأُولى على تقدير تسليمها تُحقِّق صغرى لتلك المسألة؛ فإنَّه بناءً على الوضع للصحيح يكون الشكّ شكّاً في المحصّل، ومورده الاشتغال؛ لأنَّه شكٌّ في مرحلة الامتثال. وبناءً على الوضع للأعمّ يكون الشكّ في التكليف، فيرجع إلى البراءة.
وعليه، فمسألة البراءة والاشتغال من المسائل الأصولية، ولكنّ البحث عن هذه الثمرة ليس مسألةً أُصوليّةً، بل محقِّقٌ لصغرى تلك المسألة.
إذن: فالبحث ليس أُصوليّاً على تقدير تسليم الثمرة الأُولى وعلى تقدير عدم تسليمها.
ــــــــــ[368]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقد ذُكر لهذه المسألة ثمرتان:
إحداهما: إذا نذر أن يعطي درهماً لمَن يصلّي، فعلى الأعمّ يجوز أن يعطيه لمَن صلّى صلاةً فاسدةً، وعلى الوضع للصحيح لا يجزي ذلك في مرحلة الامتثال؛ لأنَّ الفاسدة ليست بصلاةٍ.
واعتبار هذه الثمرة ثمرةً لازم الفساد؛ فإنَّ النذر لا يكون ثمرةً للمسألة الأُصوليّة؛ فإنَّ وجوب الوفاء بالنذر حكمٌ شرعيٌ مستنبطٌ من مبانيه، وهو أجنبيٌّ عن بحث وضع الألفاظ للصحيح أو الأعمّ، وإنَّما الكلام في الانطباق. فعلى تقدير القول بالوضع للأعمّ ينطبق على هذا المورد، وعلى تقدير الوضع للصحيح لا ينطبق على الفاسد. وانطباق ما تعلّق به النذر على موردٍ وعدمه أجنبيٌّ عن المسائل الأُصوليّة، وإنَّما هو بحثٌ لغويٌّ، كما لو وقع البحث في مفهوم لفظٍ الماء، وشككنا أنَّه يعمّ ماء الزاج والكبريت، أو يصدق على المضاف، بمعنى: أنَّه موضوعٌ للجامع بين المطلق والمضاف، أو موضوعٌ لخصوص المطلق، فهنا يمكن أن يتعلّق النذر، كأن ينذر أن يعطي درهماً لمَن يشرب الماء. وعليه فالتطبيق لا يكون من المسائل الأُصوليّة، وإنَّما المسألة الأُصوليّة هي التي يترتّب عليها حكمٌ كلّيٌّ، ومن الواضح أنَّ وجوب الوفاء بالنذر لم يُستنتج من هذه المسألة.
على أنَّ وجوب الوفاء بالنذر تابعٌ لقصد الناذر، فإذا كان القصد هو أن يعطي الدرهم لكلّ مَن يأتي بالصلاة حتّى ولو كانت فاقدةً لبعض الأجزاء، فيجزي ذلك حتّى على القول بالوضع لخصوص الصحيح. ولو كان قصد
ــــــــــ[369]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المتكلّم أن يعطيه لمَن يصلّي صلاةً كاملةً، فلا يجزي أن يعطيه لمَن يصلّي صلاةً فاقدةً لبعض الأجزاء.
ولو قلنا بالوضع للأعمّ؛ إذ الوضع لا أثر له، وإنَّما الأثر للقصد؛ فإنَّ النذر بحسب قصد الناذر لا بحسب وضع الواضع. فهذه الثمرة ليست بثمرة.
الأُخرى: وقد ذكرنا في بعض الدورات السابقة ثمرةً أُخرى، وهي فيما إذا تعلّق حكمٌ شرعيٌّ بإحدى العبادات، كما إذا ورد: أنَّه لا يجوز الصلاة للرجل إذا كان بإزائه امرأةٍ تصلّي، حتّى يكون بينهما فصلٌ بمقدار عشرة أذرعٍ. فهل هذا الحكم مختصٌّ بالصلاة الصحيحة، أو يعمّ الفاسدة؟ فلو فرضنا أنَّ امرأةً كانت تصلّي، ولكنّ صلاتها فاسدةٌ، كما إذا كانت لا تركع ركوعاً صحيحاً، أو لا تجلس بين السجدتين، كما نرى من بعض الأعراب، فهل هذه الصلاة أيضاً محكومةٌ بهذا الحكم، فلا يجوز للرجل أن يصلّي إلى جانب هذه المرأة؟ أو أنَّ الحكم مختصٌّ بالصحيح، أي: الصحيح من غير هذه الجهة؟ فإنَّه بناءً على الوضع للأعمّ يمكن التمسّك بإطلاق هذا الدليل، وعلى الوضع للصحيح لا يكون هذا الحكم ثابتاً إذا كانت صلاة المرأة فاسدةً.
وهذه ثمرةٌ صحيحةٌ، والحكم كذلك؛ فإنَّه بناءً على الأعمّ لا يجوز الصلاة إلى جانب المرأة وإن كانت صلاتها فاقدةً لبعض الأجزاء والشرائط. وأمّا إذا بنينا على أنَّ لفظ الصلاة موضوعٌ لخصوص الصحيح، فلا يعمّ الحكم إلَّا صورة ما إذا كانت صلاة المرأة صحيحةً. ولا بأس بهذه الثمرة؛ لأنَّها ثمرةٌ جيدةٌ.
إلّاَ أنَّها ليست ثمرةً للمسألة الأُصوليّة، كما تقدّم من أنَّ ثمرة المسألة
ــــــــــ[370]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأُصوليّة لا بدَّ أن تكون حكماً كلّيّاً مستنتجاً من المسألة الأُصوليّة فقط، والمقام ليس كذلك؛ فإنَّ هذه المسألة استفدناها من عدّة مسائل أُصوليّةٍ منها حجّيّة خبر الواحد، والكلام في تطبيق ذلك، وأنَّ هذا الحكم هل يعمّ الفاسدة أو يخصّ الصحيحة؟ فهذه المسألة من مبادئ التمسّك بإطلاق تلك الروايات، فعلى القول بالوضع للأعمّ يمكن التمسّك بإطلاقها، وعلى الوضع للصحيح لا يمكن، وقد ذكرنا آنفاً أنَّ تشخيص الصغرى لا يوجب كون المسألة أُصوليّةً. فالصحيح أنَّها من المبادئ، وإنَّما ذُكرت في المقام لارتباطها بالمسائل الأُصوليّة، ووجه الارتباط أنَّه يمكن التمسّك بالإطلاق بناءً على الأعمّ، كما يمكن التمسّك بالإطلاق في أيّ حكمٍ عباديٍّ.
هذا تمام الكلام في العبادات.
ويقع الكلام في المعاملات، أي: العقود والإيقاعات، فهل هي كالعبادات، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق إذا بنينا على أنَّها موضوعةٌ للصحيح، أو يمكن التمسّك بالإطلاق حتّى على هذا القول؟
ــــــــــ[371]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يقع الكلام في المعاملات بالمعنى الأعمّ، أي: العقود والإيقاعات. والمعروف بينهم: أنَّه لا ثمرة في النزاع في المعاملات، وأنَّه يجوز التمسّك بالإطلاق على كلا القولين، ومن هنا تمسّك بالإطلاق حتّى القائل بالصحيح: كالشهيد (1) وغيره(2)، فلا فرق بين القول بوضع الألفاظ للصحيح ووضعها للأعمّ في المعاملات؛ وذلك أنَّ كلاً من القائل بالصحيحي والأعمّي في المقام يمكنه التمسّك بالإطلاق. ولأجل ذلك وقع الكلام في وجه التمايز، وأنَّه بماذا تمتاز المعاملات عن العبادات، وأنَّ القائل بالصحيح لا يمكنه التمسّك بالإطلاق في العبادات دون المعاملات؟
ويختصّ البحث في المقام بما إذا شُكّ في اعتبار شيءٍ ودخْله في صحّة المعاملة شرعاً. وأمّا إذا شككنا في دخْل شيءٍ عند العقلاء -كمعاملة الصبي فيما إذا شككنا أنَّه هل يجب الوفاء بمضمونها أو لا؟- فهنا لا يمكن التمسّك بالإطلاق بناءً على وضع الألفاظ للصحيح.
ــــــــــ[372]ــــــــــ
(1) أُنظر: الشهيد الأوّل، القواعد والفوائد 1: 158، القاعدة 42، الفائدة 2.
(2) أُنظر: المحقق الحلي، شرائع الإسلام 3: 718، مسائل العقود.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والكلام في المعاملات بعينه هو الكلام في العبادات؛ وذلك من جهة الشكّ في صدق اللفظ، بناءً على الوضع للصحيح عرفاً، فهل يصدق عليه البيع أو لا؟
وقد ذكرنا: أنَّ من مقدّمات التمسّك بالإطلاق العلمَ بانطباق المفهوم على ما شُكّ فيه خارجاً، فلابدّ أن يكون صدق الطبيعة مفروغاً عنه ليتمسّك بالإطلاق، وإلَّا إذا كان الشكّ في الصدق فلا معنى للتمسّك بالإطلاق، فإذا شككنا في كون شيء بيعاً عرفاً من جهة الشكّ في دخالة شيءٍ في صحّته عرفاً، فالقائل بالصحيح لا يمكنه التمسّك بالإطلاق؛ لعدم إحراز أنَّ ما وقع يصدق عليه البيع أو الإجارة أو غيرها من ألفاظ المعاملات بالمعنى الأعمّ.
ومن هنا يظهر: أنَّه لو كان الشكُّ في اعتبار شيءٍ في المعاملة ركناً، بحيث لا يحرز صدق اللفظ على الفاقد حتى بناءً على الأعمّ أيضاً، لا يمكن التمسّك بالإطلاق. فإذا احتملنا اعتبار الماليّة في العوضين في مفهوم البيع، كما هو ظاهر كلام الأُستاذ(1)؛ حيث عرّف البيع بمبادلة مالٍ بمالٍ، واحتملنا أنَّ المعاملة بين غير المالين أو بين المال وغير المال ليست بيعاً، فلا يمكن التمسّك بإطلاق دليل حلّيّة البيع لإثبات صحّة مثل ذلك؛ فإنَّ المفروض أنَّ ما وقع لم يُحرز أنَّه بيعٌ، والتمسّك بالإطلاق فرع إحراز الصدق والانطباق.
ــــــــــ[373]ــــــــــ
(1) أُنظر: تقرير بحث النائيني للآملي، المكاسب والبيع 1: 34، المقام الأوّل، القسم الثالث، الجهة الثانية.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ومن هنا يظهر: أنَّ محلّ الكلام هو جواز التمسّك بالإطلاق فيما إذا شُكّ في صحّة معاملةٍ أو إيقاعٍ شرعاً بعد إحراز الصحّة عند العرف، أي: كون العقد صحيحاً عند العرف لا بدَّ أن يكون مفروغاً عنه، ونشكّ في صحّته وبطلانه شرعاً، كما في جملةٍ من الموارد، كالعلم بالوزن أو الكيل في المعاملة؛ فإنَّا نقطع أنَّه غير معتبرٍ عند العرف، وأنَّ بناءهم على الجواز وإن لم يُعلم الكيل أو الوزن. فإذا احتملنا اعتبار ذلك شرعاً فهو محلّ الكلام، وحينئذ هل يمكن التمسّك بالإطلاق عند احتمال دخْل شيءٍ جزءاً أو شرطاً في صحّة هذه المعاملة؟
المعروف هو جواز التمسّك بالإطلاق حتّى على القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح، فضلاً عن القول بالأعمّ.
أمّا إذا كان الشكّ في الصدق العرفي ولو لأجل الالتزام بوضع الألفاظ للصحيح عند العرف، ولم نعلم أنَّه بيعٌ عرفاً أو لا، فلا يدخل في محلّ الكلام، أي: لا يمكن التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في اعتبار شرطٍ في البيع ركناً، أو الشكّ في صحّة البيع عرفاً وإن لم يكن ركناً، ولكن بنينا على أنَّ الألفاظ موضوعةٌ للصحيح، ففي مثل ذلك لا يمكن التمسّك بالإطلاق، إذ لم يحرز أنَّ الفاقد لمَا يشكّ في دخله بيع، وما لم نحرز ذلك وكان الشكّ في الصدق، لا يمكن التمسّك بالإطلاق.
فمحل الكلام: إنَّما هو فيما إذا شُكّ في اعتبار شيءٍ في صحّة البيع وغيره من المعاملات، بعد الفراغ عن عدم اعتباره عرفاً، فهل يمكن التمسّك بإطلاق
ــــــــــ[374]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
مثل: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) أو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(2) وغيرهما من الإطلاقات؟
ذهب المشهور إلى جواز التمسّك بالإطلاق حتّى على القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح، وهذا هو الصحيح.
وذكروا في وجهه: أنَّ الشارع من أهل العرف، فتُحمل كلماته على ما تُحمل عليه كلمات غيره، بمعنى: أنَّ الشارع لم يخترع طريقةً خاصّةً في تفهيم مقاصده، وإنَّما تكلّم بلسان قومه. فعندما يكون اللفظ ظاهراً -عند استعمال غير الشارع- في معنى، يكون بعينه ظاهراً في نفس المعنى عند استعمال الشارع له.
ومن الظاهر أنَّ غير الشارع إذا استعمل لفظ البيع، انصرف إلى ما هو المتعارف عندهم. فعلى القول بالوضع للصحيح عند العرف يُراد به ما هو بيعٌ صحيحٌ عند العرف، والشارع أيضاً كذلك؛ فقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ لا يُفهم منه إلَّا ما يُفهم عند استعمال غيره. وهذا بخلاف العبادات فهي ماهيّاتٌ مخترعةٌ، ليس للعرف سبيل إلى معرفة أجزائها وشرائطها إلَّا من قِبل مخترعها، فإذا كانت ألفاظ العبادات موضوعةً للصحيح، وشككنا في اعتبار شيءٍ في الصحّة جزءاً أو شرطاً، فنشكّ في صدق اللفظ على الفاقد، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق.
وأمّا المعاملات فليس الشكّ فيها من جهة العلم بصدق المعنى؛ لأنَّ المأخوذ إنَّما هو الصحيح عند العرف.
ــــــــــ[375]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
(2) المائدة: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وبعبارةٍ واضحة: إنَّ (البيع) في قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ لا يُحتمل أن يُراد به البيع الصحيح شرعاً، كما لا يكاد يُراد بالصلح في قوله: “الصلح جائز بين المسلمين”(1) أنَّ الصلح الجائز والنافذ جائزٌ؛ لأنَّ هذا الكلام لغوٌ؛ فإنَّ هذه التعابير الواردة في الكتاب والسنّة إنَّما وردت لإمضاء ما يكون صحيحاً وممضىً عند العرف، فلا يكون الموضوع في هذه الألفاظ هو الصحيح الشرعي؛ فإنَّ البيع الصحيح الشرعي لا بدَّ أن يكون جائزاً حلالاً، فهو غير قابلٍ لأنْ تعرضه الحلّيّة، وكذلك الصلح الشرعي لا يُعقل أن يكون جائزاً. وعليه فـأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وأَوْفُوا بِالْعُقُودِ أو “الصلح جائزٌ” يُراد به البيع أو العقد أو الصلح النافذ عند العرف والصحيح عندهم. فالصحّة الشرعيّة غير داخلةٍ في المسمّى قطعاً، وما يمكن دخْله في المسمّى على القول بوضع الألفاظ للصحيح هو الصحّة عند العرف، بمعنى: أنَّ لفظ البيع غير موضوعٍ للجامع الأعمّ من الصحيح والفاسد عند العرف، بل موضوعٌ عند العرف لخصوص الصحيح؛ لأنَّ ذلك هو موضوع تلك الجمل الواردة في الكتاب والسنّة.
فإذا كان المراد بقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ: أحلّ الله البيع الذي هو صحيحٌ عند العرف نافذٌ عندهم. فيكون النفوذ الشرعي ثابتاً بقوله: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ، وإلّا فهو غير مأخوذٍ في مفهوم البيع؛ إذ لا يُعقل أن تكون الحلّيّة
ــــــــــ[376]ــــــــــ
(1) الصدوق، من لا يحضره الفقيه3: 32، أبواب القضاء والأحكام، باب الصلح، الحديث3267، والحر العاملي، وسائل الشيعة 18: 443، كتاب الصلح، الباب 3، الحديث 2.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
عارضةً على البيع النافذ. إذا كان موضوع الحلّيّة هو البيع النافذ عند العرف، كان مقتضى الإطلاق أنَّه حلالٌ مطلقاً، فإذا ورد من الخارج دليلٌ على دخول شيءٍ قيداً في البيع، كان مقيّداً، وإلَّا فيتمسّك بالإطلاق.
وعليه فالفارق بين العبادات والمعاملات: أنَّ المأخوذ في مفهوم العبادات هو الصحّة الشرعيّة، أي: تماميّة الأجزاء والشرائط شرعاً؛ لأنَّ الشارع هو المخترع لها، فإذا شككنا في اعتبار السورة مثلاً، فإنَّه لا يصدق على الفاقد أنَّه صلاةٌ، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق. وأمّا في المعاملات فقد قلنا: إنَّ الصحّة الشرعيّة غير مأخوذةٍ فيها؛ إذ لا يُعقل أن تكون الحلّيّة ثابتةً للمعاملة النافذة الشرعيّة؛ لأنَّه لغوٌ، وكذلك لا يمكن أن يحكم بنفوذ الصلح النافذ شرعاً، بل لا بدَّ أن يكون الموضوع في هذه القضايا -الواردة في الكتاب والسنّة- المفاهيمَ العرفيّة. غاية الأمر إذا قلنا: إنَّها موضوعةٌ للأعمّ، فيُراد بها مطلق البيع، حتى إذا شكّ في صحّة المعاملة عند العرف، فيتمسّك بالإطلاق.
وإذا قلنا: إنَّ ألفاظ المعاملات موضوعة للصحيح، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق إذا شككنا في اعتبار شيءٍ في الصحّة عند العرف.
وأمّا إذا شككنا في صحّة معاملةٍ من جهة اعتبار شيءٍ عند الشارع جزءاً أو شرطاً، فلا مانع من التمسّك بالإطلاق؛ فإنَّ الموضوع هو الصحيح العرفي دون الصحيح الشرعي، فالتمسّك بالإطلاق بلا مانعٍ.
وهذا هو السرّ في التمسّك بالإطلاق في المعاملات، سواء على القول بالصحيح أو الأعمّ.
ــــــــــ[377]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولكن قد يُقال: إنَّ هذه الأدلّة إذا كانت ناظرةً إلى إمضاء الأسباب والصيغ، فالأمر تامٌّ؛ فإنَّ الدليل بإطلاقه يدلّ على صحّة جميع البيوع بلا فرقٍ من حيث اللفظ وغيره. وأمّا إذا كانت الأدلّة ناظرةً إلى إمضاء المسبّبات، فلا يمكن استكشاف أنَّ المعاملة المعاطاتيّة صحيحةٌ شرعاً؛ إذ قد يكون المسبّب ممضىً شرعاً، ولكنّ السبب غير ممضى؛ فإنَّ الشارع قد يزيد شرطاً أو قيداً على ما يعتبره العقلاء.
فإذا كان الدليل ناظراً إلى المسبّب، فإنَّه لا يمكن التمسّك بإطلاقه؛ لأنَّه في غير مقام البيان من جهة السبب؛ فإنَّ إمضاء المسبّب لا يلازم إمضاء السبب؛ إذ قد يمضي البيع، ولا يُمضي جميع أسبابه. وإذا كانت الأدلّة ناظرةً إلى الأسباب، صحّ التمسّك بالإطلاق، بخلاف ما إذا كانت ناظرةً إلى المسبّبات؛ فإنَّه لا دليل على أنَّ إمضاء المسبّب إمضاءٌ لسببه؛ فإنَّهما أمران متغايران، ولا ملازمة بين إمضاء أحدهما وإمضاء الآخر.
وإذا نظرنا إلى الأدلّة، نرى أنَّها في مقام النظر إلى المسبّبات دون الأسباب، فإذا شككنا في أنَّ شيئاً داخلٌ في البيع، فإنَّه لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ فإنَّ قوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) ظاهرٌ في إمضاء المسبَّب دون السبب؛ إذ الوفاء بمعنى الإتمام والإنهاء، ومن المعلوم أنَّ السبب أمرٌ آنيٌّ ليس له إنهاءٌ، وإنَّما الذي يمكن إنهاؤه وإكماله في مقابل نقضه وعدم الوفاء والالتزام به هو المسبّب.
وعليه فبمقتضى لفظ (الوفاء) الذي تعلّق به الأمر نعرف أنَّ المراد بالآية
ــــــــــ[378]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
هو المسبَّب دون السبب؛ فإنَّ السبب أمرٌ آنيّ الحصول غير قابل لأن يتمّ وأن يتعلّق الأمر بإتمامه، كما هو الحال في الوفاء بالنذر والقسم ونحوهما.
وكذلك قوله: “الصلح جائز (1)” و”النكاح سنّتي”(2): فالظاهر منَّه أنَّ نفس الصلح ونفس التزويج محكوم بهذه الأُمور، لا سبب ذلك والتكلّم بهذه الكلمات.
وكذلك قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(3): أي أحلّ الله نفس المبادلة والأخْذ والإعطاء، لا لفظ (بعت واشتريت). فإذا كانت هذه الأدلّة ناظرةً إلى إمضاء المسبّبات، فلا دليل على إمضاء السبب، وأنَّ المعاطاة يمكن أن ينشأ بها البيع وغيره من المعاملات.
نعم، لو فرضنا أنَّ السبب كان أمراً واحداً، أو كان متعدّداً ولكن لم يكن بعض الأسباب بالنسبة إلى البعض الآخر قدراً متيقّناً، بل كان كلّ سببٍ في عرض
ــــــــــ[379]ــــــــــ
(1) الكليني، الكافي 5: 259، كتاب المعيشة، باب الصلح، الحديث5، وكذلك 7: 413، كتاب القضاء والأحكام، باب أدب الحكم، الحديث 1، والحر العاملي، وسائل الشيعة 18: 443، كتاب الصلح، الباب 3، الحديث 2.
(2) رواه محمد بن محمد الشعيري من علماء القرن السادس مرسلاً في جامع الأخبار: 101، الفصل الثامن والخمسون.
نعم روى الكليني بلفظ آخر: “فمن أحب فطرتي فليستن بستني ومن سنتي النكاح”. الكافي 5: 494، كتاب النكاح، باب كراهية الرهبانية وترك الباه، الحديث1.
(3) البقرة: 275.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
السبب الآخر من دون أن يكون أحدها قدراً متيقّناً في السببيّة، فهنا لا بدَّ أن يكون إمضاء المسبّب إمضاءً للسبب. فإذا كان للمعاملة سببٌ واحدٌ، وأمضى الشارع المسبَّب، فلابدَّ أن يكون قد أمضى السبب أيضاً، وإلَّا لكان الإمضاء لغواً؛ لأنَّه إذا لم يكن السبب الواحد ممضىً شرعاً، فما فائدة إمضاء المسبّب؟
وكذلك إذا كانت الأسباب متعدّدةً ولكن لم يكن أحدها متيقّناً، فمن جهة أنَّ الترجيح بلا مرجّحٍ باطلٌ لا بدَّ أن يكون الإمضاء ناظراً إلى جميع الأسباب؛ لعدم إمكان إمضاء سببٍ غير معيّنٍ في الخارج، فمن عدم إمكان اللغويّة نستكشف أنَّ الأسباب كلّها ممضاةٌ.
وأمّا إذا كانت الأسباب متعدّدةً، وكان بعضها قدراً متيقّناً، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق وإحراز أنَّ جميعها ممضاةٌ. ومقامنا من هذا القبيل؛ فإنَّه لا ينبغي الشكّ في أنَّ المعاملة المقرونة باللفظ هي القدر المتيقّن من الإمضاء؛ إذ لا نحتمل صحّة المعاطاة وفساد العقد، كما لا نحتمل دخْل عدم العقديّة في الإمضاء، بل إمّا أن تكون جميع المعاملات صحيحةً عقديّةً ومعاطاةً، وإمّا أن يكون الصحيح خصوص العقد اللفظي دون المعاطاة.
إذن، المعاملة اللفظية قدرٌ متيقنٌ في مقام الصحّة، وإذا كان عندنا قدرٌ متيقنٌ، لم يمكن التمسّك بالإطلاق.
وكذلك إذا احتملنا اعتبار اللغة العربيّة، واحتملنا أنَّ البيع الممضى شرعاً هو البيع المنشأ باللغة العربيّة، كان ذلك هو القدر المتيقّن؛ إذ لا نحتمل أنَّ الصحّة مشروطةٌ بأن تقع المعاملة بالفارسيّة؛ لأنَّ العقد صحيحٌ باللغة العربيّة
ــــــــــ[380]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
قطعاً، فهو القدر المتيقّن، ونشكّ في صحّته عند وقوعه بغير العربيّة، وحيث يكون القدر المتيقّن موجوداً، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ فإنَّ الإطلاق غير ناظرٍ إلى إمضاء الأسباب، بل هو ناظر إلى إمضاء المسبَّبات، وحيث إنَّه لا يلزم اللغويّة من إمضاء المسبَّبات دون إمضاء الأسباب؛ لوجود القدر المتيقّن منها، فيُقتصر عليه.
ومن هنا اختصّ عقد النكاح بالعربيّة؛ لاحتمال أن يكون للّغة خصوصيّةٌ في تحقّق التزويج، ولا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لوجود القدر المتيقّن في المقام.
وقد أجاب شيخنا الأُستاذ(1) عن هذه الشبهة: بأنَّها مبنيّةٌ على أن تكون نسبة الصيغ إلى الأُمور المترتّبة عليها كالملكيّة والزوجيّة من قبيل الأسباب ومسبّباتها؛ لأنَّ إمضاء المسبّب لا يلازم إمضاء سببه إذا كان السبب متعدّداً والقدر متيقّناً. ولكن الأمر ليس كذلك؛ وإن كان الفقهاء يعبّرون بالأسباب فيقال: إنَّ البيع سببٌ للملكيّة، والطلاق سببٌ للفرقة، والنكاح سببٌ للزوجيّة، إلَّا أنَّ هذا إطلاقٌ محضٌ، بل الصحيح أنَّ نسبة الصيغ بالإضافة إلى الأُمور المترتّبة عليها نسبة الآلة إلى ذي الآلة، بل الوجود الخارجي واحدٌ؛ فإنَّ المنشأ إنَّما يوجد بوجود الإنشاء والصيغة، وليس له وجودٌ آخر غير هذا الوجود. فإذا كانت هذه النسبة هي نسبة الآلة إلى ذي الآلة، وأمضى المولى التزويج أو البيع، وسكت في مقام البيان عن الآلة، فإنَّ مقتضى الإطلاق أن تكون جميع الصيغ ممضاةً؛ إذ ليس هناك تعدّد وجودٍ بين الآلة وذي الآلة حتّى
ــــــــــ[381]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 81.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يُقال: إنَّ إمضاء ذي الآلة لا يلازم إمضاء الآلة.
إلَّا أنَّ ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ وحدة الوجود لو صحّت -وهي غير صحيحة عندنا كما سنشير- إنَّما تتمّ بلحاظ الوجود الإنشائي، لا بلحاظ الاعتبار النفسي المعبّر عنه بالمسبّب عند العرف. وقد سبق أن ذكرنا أكثر من مرّةٍ: أنَّ البيع متقوّمٌ بالاعتبار النفسي الذي يبرز بهذا الإنشاء، فإذا أمضى الشارع المقدّس المسبّب أو أجاز ذا الآلة -أعني: المبادلة بين المالين- فأيّ ملازمةٍ بين إجازته وإجازة العقد المعاطاتي؟ فإنَّ الممضى هو نفس المبادلة. وأمّا إيجاده بالمعاطاة أو غيرها ممّا يُشكّ في تعلّق الإمضاء به شرعاً فإنَّه يحتاج إلى دليلٍ.
وعليه فمجرّد التسمية بأنَّ أحدهما سببٌ والآخر مسبّبٌ أو أنَّ أحدهما آلةٌ والآخر ذو الآلة لا أثر له. بل على ما ذكر المستشكِل من: أنَّ الإمضاء إذا تعلّق بذي الآلة أو المسبّب، وكانت الأسباب متعدّدةً، فكيف نستكشف إمضاء جميع الأسباب مع وجود القدر المتيقّن؟! فالتسمية بالسبب والآلة ودعوى أنَّ المسبّب متّحدٌ بالوجود مع سببه لا أثر له.
والمستشكِل إنَّما ينظر إلى أنَّ الإمضاءات الشرعيّة كلها ناظرةٌ إلى الاعتبارات النفسيّة التي يُعبّر عنها بالعقود، كأن البائع عقد التزامه بالتزام المشتري كعقد خيطٍ بخيطٍ، فإذا أمضى الشارع التزويج واعتبر أنَّ المرأة زوجٌ للرجل، فمن أين نستكشف أنَّ المعاطاة تكون سبباً أو آلةً ممضاةً لهذا الأمر ليتحقّق به هذا الاعتبار؟
فالإنصاف: أنَّه لا محصّل لدعوى شيخنا الأُستاذ.
ــــــــــ[382]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والصحيح في الجواب أن يُقال: أنَّ البيع وغيره من العقود لم يوضع لمجرّد اللفظ الخارجي؛ فإنَّ كلمة: (بعت واشتريت وآجرت وقبلت) ليس بيعاً ولا إجارة ولا نكاحاً، ومجرّد اللفظ لا يصدق عليه البيع في لغة العرب ولا غيرها من اللغات؛ إذ اللغات كلّها متساويةٌ في ذلك، كما أنَّ الاعتبار النفسي القائم في نفس البائع والمشتري أو الزوجين في البيع والشراء والنكاح وغيرها من العقود والإيقاعات أيضاً لا يصدق عليه أحدُ هذه العناوين؛ فإنَّه لا يُقال: (باع زيدٌ دارَه) بمجرّد اعتباره في نفسه، وهذا واضحٌ؛ فإنَّ مفهوم البيع لا يصدق على الاعتبار النفسي مجرّداً، ولا على مجرّد التكلّم باللفظ، بل لا بدَّ من ضميمة أحدهما إلى الآخر، فمعنى: (باع زيدٌ دارَه): أي اعتبر المبادلة في نفسه وأبرزه في الخارج.
وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ: أحلّ الله الاعتبار النفسي الذي أُبرز بمبرزٍ خارجيٍّ؛ إذ المبرز أيضاً دخيلٌ في مفهوم البيع.
إذن كلٌّ من المبرِز والمبرَز أو ما يُسمّى المسبَّب والسبب أو الآلة وذي الآلة متعلّقٌ للإمضاء؛ فإنَّ البيع اسمٌ للمجموع، لا لأحدهما دون الآخر حتّى يُقال: إنَّ إمضاء المسبَّب لا يلازم إمضاء السبب، أو إمضاء ذي الآلة لا يلازم إمضاء الآلة، بل البيع والصلح والإجارة وغيرها لا يصدق إلَّا على مجموع الأمرين: الاعتبار النفسي والإبراز الخارجي.
وإذ كان هذا المجموع هو المسمّى بالبيع، فيتعلّق الإمضاء بالمسبّب والسبب، وقد فرضنا أنَّه حتّى على القول بالصحيح يمكن التمسّك بالإطلاق؛
ــــــــــ[383]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لأنَّ المراد ما كان صحيحاً عند العرف لا عند الشارع، فإذن لا أساس للإشكال القائل بأنَّ إمضاء المسبَّب لا يلازم إمضاء السبب. هذا على مسلكنا.
ولو تنزّلنا عمّا ذكرناه وقلنا: إنَّ البيع يُطلق تارةً على السبب وأُخرى على المسبَّب، وإنَّ أدلّة الإمضاء دالّةٌ على إمضاء المسبَّبات، فمع ذلك يمكن التمسّك بالإطلاق.
والوجه في ذلك: أنَّ المراد بالمسبّب -في مقابل السبب وما ينشأ به العقد والإيقاع- لا يخلو من أحد أُمورٍ:
إمّا أن يُراد به الاعتبار النفسي القائم بالمعتبر، أي: البائع والمشتري أو الزوج والزوجة أو المطلِّق أو المعتق.
وإمّا أن يكون المراد به الوجود الإنشائي، على ما ذهب إليه المشهور من أنَّ الإنشاء: إيجاد المعنى باللفظ. ففي قولنا: (بعت) يوجد معنى يُسمّى الوجود الإنشائي.
وإمّا أن يُراد به الإمضاءُ العقلائي، بمعنى: أنَّ البائع بعدما باع وقَبِل المشتري، يكون هذا البيع سبباً للإمضاء عند العقلاء، فالسبب هو البيع، والمسبَّب هو الإمضاء.
وإمّا أن يُراد به الإمضاء الشرعي، أي: أن يكون البيع سبباً لحكم الشارع بصحّته.
وعليه فالمراد من المسبَّب الذي لا يكون إمضاؤه ملازماً لإمضاء سببه لا يخلو من أحد هذه الأُمور.
ــــــــــ[384]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أمّا الأخير -وهو الإمضاء الشرعي- غير قابل لأن يراد؛ لأنَّ الإمضاء الشرعي غير قابلٍ لأن يتعلّق بالممضى شرعاً، فإذا حكم الشارع بصحّة البيع الممضى عند العقلاء، فبمضيّه هذا الإمضاء هو الممضى، فلا يُعقل أن يكون الإمضاء الشرعي متعلّقاً بالإمضاء الشرعي، بل لا بدَّ أن يكون الإمضاء الشرعي متعلّقاً بأمرٍ آخر هو أحد هذه الأُمور الثلاثة.
إذن فلا يمكن أن يُراد بالمسبّب الإمضاء الشرعي، وإن كان يظهر من صاحب (الكفاية) في بحث النواهي الميل إليه(1). لكنّ هذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ الحكم بصحّة معاملةٍ شرعاً غير قابلٍ لأن يتعلّق به الإمضاء، بل لا بدَّ أن يتعلّق الإمضاء بأمرٍ آخر، فلابدَّ من التكلّم عن هذا الأمر الآخر. فما هو؟ أي: ما هو الممضى في آية أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ على مسلك المشهور؟ هل هو الاعتبار القائم في نفس المعتبر؟ أو إنَّ الإمضاء تعلّق بالوجود الإنشائي الذي يوجَد عند التكلّم بقولنا: بعتُ واشتريتُ؟ أو إنَّ الإمضاء تعلّق بإمضاء العقلاء، أي: إنَّ إمضاء العقلاء لبيعٍ يكون ممضىً عند الشارع أيضاً؟ والأمر لا يخلو من أحد هذه الاحتمالات. وعلى كلّ تقديرٍ يكون إمضاء المسبَّب إمضاءً لسببه لا محالة.
والوجه في ذلك: أنَّ المسبَّب ليس أمراً شخصيّاً واحداً له أسبابٌ متعدّدةٌ حتّى يُقال: إنَّ إمضاء المسبّب غير ملازمٍ لإمضاء السبب؛ فإنَّه قد يكون المسبّب
ــــــــــ[385]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 188، المقصد الثاني، فصل: في أنَّ النهي عن الشيء هل يقتضي فساده أو لا؟ المقام الثاني: في المعاملات.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ممضىً، لكن خصوص هذا السبب غير ممضى، فإنَّ البيع أو النكاح مما أمضاه الشارع، ولكنّه لم يمضِ المعاطاة مثلاً. فلا ملازمة بين إمضاء المسبّب وإمضاء سببه، إذا كانت الأسباب متعدّدةً والقدر متيقّناً.
وهذه الشبهة إنَّما تتمّ فيما إذا كان المسبَّب أمراً واحداً شخصيّاً، بخلاف ما إذا كان المسبب متعدّداً بتعدّد السبب، وإن كان بين الأسباب جامعٌ وبين المسبّبات جامعٌ، كما هو الحال في المقام. فإذا فرضنا أنَّ زيداً باع داره من عمرٍو، فهذا البيع له اعتبارٌ قد أُبرز بقوله: (بعتُ) أو بمبرِزٍ آخر، كما له وجودٌ إنشائي وُجد بقوله: (بعتُ)، وله إمضاءٌ من العقلاء تجاه هذا البيع الشخصي. فهاهنا عدّة أُمورٍ: اعتبارٌ ووجودٌ إنشائيٌّ وإمضاءٌ من العقلاء لهذا البيع الشخصي. فإذا باع زيدٌ شيئاً لخالد، فهنا اعتبارٌ آخر غير الاعتبار الأوّل، وله إنشاءٌ آخر ووجودٌ إنشائي وإمضاءٌ من العقلاء مغايرٌ للأوّل، وإن كان يجمع الكلَّ عنوانٌ واحدٌ هو الاعتبار النفسي أو الوجود الإنشائي أو إمضاء العقلاء.
وكذلك أفراد البيع الأُخرى فيما إذا صدرت من شخصٍ واحدٍ أو أفرادٍ متعدّدين، والأمر في صدورها من متعدّدين أوضح، فهنا اعتباراتٌ وإنشاءاتٌ وإمضاءاتٌ متعدّدةٌ، وليس هنا مسبّبٌ واحدٌ له أسبابٌ عديدةٌ، بل كلّ مسبّبٍ له سببٌ، وكلّ سببٍ له مسبّبٌ.
فإذا فرضنا أنَّ الإمضاء تعلّق بالاعتبار النفسي في قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ، فالله عزّ وجل خاطب الناس، وحكم أنَّ أيّ اعتبارٍ صدر من أيّ شخصٍ في الخارج فقد أمضيته، فلا محالة يكون هذا الإمضاء للمسبّب إمضاءً
ــــــــــ[386]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لسببه، وإلَّا لكان الإمضاء من اللغو الواضح، فإنَّه كيف يمكن أن يُقال: إنَّ اعتبار زيدٍ ملكية داره لعمرٍو ممضى شرعاً، ولكن مبرزه في الخارج من اللفظ أو الفعل غير ممضى؟! إذ لا يمكن أن يحكم بصحّة الاعتبار دون صحّة مبرزه.
فإذا كان الاعتبار متعدّداً في الخارج، وقد شمل إطلاق الآية جميع أفراد الاعتبار، فهو بمنزلة قولنا: (إنَّ كلّ اعتبارٍ صدر من أي معتبرٍ فهو نافذٌ شرعاً)، فلا محالة يكون هذا ملازماً لإمضاء سببه، وأنَّ الأثر – وهو الملكية- مترتّب في الخارج على سببه. فكيف أن يُقال: إنَّ إمضاء المسبَّب لا يلازم إمضاء السبب؟ بل يلازمه؛ لأنَّ السبب واحدٌ، والمسبّب واحدٌ وإن كان بينهما جامعٌ، إلَّا أنَّ الوجودات متعدّدةٌ، فيلازم إمضاء المسبَّب إمضاء السبب؛ للزوم اللغويّة. هذا فيما إذا أُريد بالمسبَّب الاعتبار النفسي.
وأما إذا أُريد بالمسبَّب الوجود الإنشائي، فالأمر أوضح؛ لأنَّ الوجود الإنشائي متقوّم باللفظ، ولا واقع له غير اللفظ الذي وُجد به هذا المعنى. فإذا فرضنا أنَّ معنى أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ هو إمضاء الوجودات الإنشائية للملكيّة التي توجد بوجودٍ خارجي، وقد فرضنا أنَّ كلّ منشأٍ له وجودٌ خارجيٌّ يغاير الآخر، فالمنشآت متعدّدةٌ والإنشاءات متعدّدةٌ، وقد فرضنا أن دليل الإمضاء شمل الجميع، فلا محالة حينئذٍ يكون الإنشاء ممضىً؛ إذ لا فرق بين الوجود الإنشائي والإنشاء بحسب الخارج؛ لأنَّه ليس له وجودٌ آخر، فكيف يمكن أن يتعلّق الإمضاء بالإنشاء (السبب) دون الوجود الإنشائي (المسبَّب)؟!
وأما إذا أُريد بالمسبَّب إمضاء العقلاء، فالأمر أوضح؛ إذ لو فرضنا أنَّ
ــــــــــ[387]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
معنى أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ هو إمضاءُ الشارع لإمضاء العقلاء لكلّ بيعٍ، إلَّا ما ثبت خروجه من دليلٍ آخر، فإنْ كان الإمضاء العقلائي مورداً للإمضاء الشرعي، فلابدّ أن يكون السبب ممضىً أيضاً، وإلَّا كان الإمضاء لغواً.
وعليه فأصل الشبهة نشأت من توهّم أنَّ المسبّب أمرٌ واحدٌ له أسبابٌ متعدّدةٌ، وبعضها قدرٌ متيقّنٌ دون غيرها، ولذا قيل: إنَّ إمضاء المسبّب لا يلازم إمضاء السبب.
وأمّا إذا قيل: إنَّ السبب متعدّدٌ بتعدّد مسبّبه، وإنَّ أفراد البيع والاعتبار النفسي والوجود الإنشائي وإمضاء العقلاء متعدّدةٌ، فيكون إمضاء المسبّب إمضاءً لسببه.
فالصحيح: أنَّه لا أثر لهذا النزاع، أي: النزاع في الصحيح والأعمّ في باب المعاملات؛ فإنَّ كلاً من القائلين بهما يتمسّك بالإطلاق؛ فإنَّ الموضوع لدليل الإمضاء هو البيع العرفي، لا البيع الممضى شرعاً؛ لأنَّه غير قابلٍ لتعلّق الإمضاء به، بل هو تحصيلٌ للحاصل.
فإذا كان موضوع الإمضاء هو البيع العرفي، فالبيع المحكوم عليه بالصحّة عند العرف يحكم عليه بالصحّة شرعاً، ما لم يثبت خلاف ذلك بقرينةٍ خاصّةٍ.
نعم، لو شككنا في صحّة البيع عند العرف، كبيع غير البالغ، فهنا تتحقق الثمرة؛ فإنَّه بناءً على أنَّ لفظ البيع موضوعٌ لِمَا هو صحيحٌ عند العرف، لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّا نشكّ في الصدق، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ
ــــــــــ[388]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أوّل مقدّمات الإطلاق تعلّقُ الحكم بالجامع، ولا نحرز تحقّق ذلك في المقام.
وأمّا إذا بنيننا على أنَّ لفظ البيع موضوعٌ للجامع بين الصحيح والفاسد عرفاً، فيمكن التمسّك بالإطلاق: بأن يُقال: إنَّ كلّ ما هو بيعٌ عرفاً فهو ممضىً عند الشارع، وبنفس هذا الإطلاق نثبت الإمضاء الشرعي؛ لأنَّ الموضوع جامعٌ بين الواجد والفاقدِ لِمَا يُشكّ دخلْه في صحّة البيع، فنتمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ البيع موضوعٌ للأعمّ ممّا صدر من البالغ ومن الصغير، وقد أحلّ الله هذا الجامع من دون تقييدٍ بقيد خاصٍّ بالبالغ، وعليه فبيع الصغير ممضىً أيضاً. فالثمرة تظهر فيما إذا شككنا في دخْل شيءٍ في صحّة البيع عرفاً وعدمه.
وأمّا إذا علمنا أنَّ البيع صحيحٌ عند العقلاء، واحتملنا أن يكون شيء دخيلاً في صحّته شرعاً، فنتمسّك بالإطلاق، بلا فرق بين القول بوضع الألفاظ للصحيح أو وضعها للأعمّ.
فقد تحقّق ممّا ذكرنا: أنَّ ألفاظ العقود والإيقاعات -بحسب ما يُفهم منها عرفاً- موضوعةٌ للاعتبار النفسي المقيّد بإبرازه بمبرزٍ خارجيٍّ من لفظٍ أو غيره، فالبيع عبارةٌ عن اعتبار المبادلة بين المالين مع إظهاره بلفظٍ أو فعلٍ. وهكذا في سائر العقود والإيقاعات.
فعلى ذلك إذا ورد دليل، نحو قوله تعالى: أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ فمن أجل إمضاء هذه المعاملة، فإنَّه يتمسّك بإطلاق الآية، فكلّ ما يُحتمل أن يكون شرطاً في صحّة البيع يدفع بالإطلاق، بلا فرق بين القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح أو وضعها للأعمّ؛ لأنَّ المراد بالصحيح إنَّما هو الصحيح العقلائي
ــــــــــ[389]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
دون الصحيح الشرعي؛ فإنَّ الصحيح الشرعي غير قابلٍ لأنْ يتعلّق به الإمضاء؛ لأنَّ الإمضاء الشرعي إنَّما يتعلّق بما هو ممضى عند العقلاء والعرف. إذن فلا أثر لهذا النزاع في هذا المعاملات.
نعم، يترتّب الأثر على هذا النزاع، إذا احتملنا دخْل شيءٍ في صحّة هذه المعاملة عرفاً. فبناءً على الصحيح لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لاحتمال أن يكون الشرط المحتمل دخيلاً في صحّة المعاملة. وأمّا على القول بالأعمّ فإنَّه يمكن التمسّك بالإطلاق؛ فإنَّه بيعٌ على كلّ تقديرٍ، فيندفع دخْل الشرط بالصحّة. هذا على مسلكنا.
وأمّا على ما ذكره جماعة(1) من: أنَّ هناك أسباباً ومسبّباتٍ، وأنَّ لفظ البيع قد يُراد به السبب، وقد يُراد به المسبَّب، فقد يشكل أنَّ لفظ البيع إذا استُظهر منه -كما في الآية- المسبَّبُ، لا يكون دليلاً على إمضاء السبب، فلا يمكن التمسّك بإطلاق دليل الإمضاء.
قلنا: حتى على هذا المبنى يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ ما نتصوّره من معانٍ لألفاظ العقود أُمورٌ:
الأول: اللفظ الذي ينشأ به العقد أو الإيقاع، وهو الذي يسمى بالصيغة.
الثاني: الوجود الإنشائي الذي التزم به المشهور بدعوى: أنَّ المعنى يوجد باللفظ، فوجود اللفظ وجودٌ لنفسه حقيقةً، ووجودٌ للإنشاء بالاعتبار والمواضعة.
الثالث: الاعتبار النفسي القائم بالبائع أو بالبائع والمشتري.
ــــــــــ[390]ــــــــــ
(1) أُنظر: المحقق العراقي، بدائع الأفكار: 138-139، الأمر الأوّل والثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الرابع: الإمضاء العقلائي الذي تعلّق بهذا الفعل.
الخامس: الإمضاء الشرعي.
ولا يمكن أن يكون المراد بالمسبَّب الذي يتعلّق به الإمضاء هو الإمضاء الشرعي، لأنَّ الإمضاء غير قابلٍ لأن يُمضى؛ فلا يكون أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ إمضاءً للإمضاء الشرعي وحكماً بالصحّة على الحكم بالصحّة؛ فإنَّ الصحّة تثبت بالإمضاء، والإمضاء، غير قابلٍ لأن يتعلّق به الإمضاء ثانياً. فلابدَّ إذن أن يُراد بالمسبّب أحد هذه الأُمور: الوجود الإنشائي أو الاعتبار النفسي أو الإمضاء العقلائي. فيُقال: إنَّ مفاد أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ: أحلّ الله الوجودات الإنشائيّة وأمضاها، وهو ملازمٌ لإمضاء الصيغة؛ لأنَّ الوجود الإنشائي يوجد بنفس وجود سببه الذي هو الصيغة؛ وذلك لما ذكرنا آنفاً من تعدّد الأسباب بتعدّد مسبَّباتها.
وكذلك إذا تعلّق الإمضاء بالاعتبار النفسي، فيكون معنى أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ: أنَّه أحلّ الاعتبارات النفسيّة للمبادلات التي تقع في الخارج. وهذا أيضاً يدلّ بإطلاقه على إمضاء الأسباب؛ لِمَا ذكرناه من التعدّد في الأسباب والمسبَّبات.
وكذلك إذا تعلّق الإمضاء بالإمضاء العقلائي، فيكون معنى أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ: أنَّه أحلّ إمضاء العقلاء لِمَا يصدر من المكلّفين من المبادلات. فعلى جميع التقادير لا مانع من التمسّك بالإطلاق، فندفع احتمال دخْل شيءٍ في الصحّة بالإطلاق؛ لعدم ثبوت التقييد لا متصلاً ولا منفصلاً.
ــــــــــ[391]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولكن ظهر ممّا ذكرناه: أنَّه لا يمكن أن يُراد بالمسبّب الإمضاء العقلائي أيضاً؛ لأنَّه غير محتملٍ في نفسه؛ لأنَّ البيع اسمٌ لفعل البائع أو للمعاملة القائمة بالبائع والمشتري؛ ولذلك يُنسب إليه، فيُقال: (باع يبيع بائعٌ). وليس البيع اسماً لإمضاء العقلاء؛ فإنَّ إمضاء العقلاء قائمٌ بالعقلاء، ولا يصدق على العقلاء أنَّه بائعٌ؛ فإنَّهم لم يبيعوا (دار زيد)، وإنَّما المالك باعها. وعليه فقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ لا يمكن أن يُراد بالمسبّب فيه إمضاء العقلاء؛ فإنَّه وإن كان قابلاً للإمضاء الشرعي، إلَّا أنَّه لا يمكن أن يُراد ذلك من لفظ البيع؛ فإنَّ البيع موضوعٌ لفعل البائع أو للمعاملة القائمة بالبائع والمشتري، لا لإمضاء العقلاء، فهو فعْل آحاد الناس، لا فعْل العقلاء.
إذن، لا بدَّ أن يُراد بالمسبَّب أحد أمرين لا ثالث لهما، إما الاعتبار النفسي القائم بالبائع أو بالمتبايعين، وإما الوجود الإنشائي القائم به أو بهما. ولا مانع من التمسّك بالإطلاق على كلا التقديرين.
وممّا ذكرنا يظهر فساد ما ذكره صاحب (الكفاية)(1) من: أنَّ النزاع يبتني على أن تكون ألفاظ المعاملات موضوعةً للأسباب؛ لأنَّها لو كانت موضوعةً للمسبّبات، فهي غير قابلةٍ للاتّصاف بالصحّة والفساد، وإنَّما المسبّب قابلٌ للاتّصاف بالوجود والعدم، فالنزاع مبنيٌ على أن يكون البيع موضوعاً للصيغة؛
ــــــــــ[392]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 32-33، المقدّمة، الأمر العاشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لأنَّها قابلةٌ للاتّصاف بالصحّة والفساد، لا أنَّ البيع موضوعٌ للمسبّب؛ فإنَّ المسبّب إنَّما يتّصف بالوجود والعدم فيُقال: إنَّ الأثر موجودٌ أو معدومٌ، وأمّا أنَّه صحيحٌ أو فاسدٌ فلا.
ووجه الفساد -بناءً على ما ذكرناه- أنَّ ما لا يتّصف بالصحّة والفساد إنَّما هو الإمضاء الشرعي والملكيّة الشرعيّة؛ فلا يمكن أن يُقال: إنَّ ملكيّة الدار صحيحةٌ أو فاسدةٌ، وإنَّما تتصف بكونها موجودةٌ أو معدومةٌ، وكذلك زوجيّة زوجةٍ لرجلٍ معيّنٍ لا يُقال عنها: إنَّها صحيحةٌ أو فاسدةٌ، بل هي موجودةٌ أو معدومةٌ، فما لا يتّصف بالصحّة والفساد إنَّما هو الملكيّة الشرعيّة والإمضاء الشرعي، ولا يُحتمل أن يكون البيع موضوعاً -لغةً- للإمضاء الشرعي والملكيّة الشرعيّة؛ لأنَّه غير قابلٍ لأن يتعلّق به الإمضاء. أضف إلى ذلك: أنَّ الإمضاء فعْلَ الشارع، لا فعل البائع، ولا فعل البائع والمشتري كما هو الحال في البيع، فما لا يتّصف بالصحّة والفساد ليس هو البيع.
وكذلك لا يمكن أن يُراد بالمسبّب الملكيّة العقلائيّة العرفيّة، أي: الإمضاء العرفي؛ لأنَّا ذكرنا: أنَّه ليس فعلاً للبائع ولا للبائع والمشتري، فكيف يكون البيع الذي هو فعلٌ لهما أو لأحدهما إمضاء العقلاء؟!
ولكن على تقدير تسليم أن يكون لفظ البيع موضوعاً لإمضاء العقلاء، فإمضاء العقلاء قابلٌ للصحّة والفساد الشرعيّين. نعم، هو غير قابلٍ للاتّصاف بالصحّة والفساد عند العقلاء.
وكيفما كان، فإنَّه لا يُحتمل أن يُراد بالمسبَّب الإمضاء الشرعي أو العقلائي، بل المراد به أحد الأمرين السابقين من الاعتبار النفسي والوجود الإنشائي،
ــــــــــ[393]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وكلٌّ منها قابلٌ للصحّة والفساد. فيمكن أن يُقال: إنَّ الاعتبار القائم بالبائع أو بهما صحيحٌ شرعاً، إذا أمضاه الشارع، وفاسدٌ شرعاً إذا لم يمضه، وكذلك الوجود الإنشائي على تقدير الالتزام به.
فما أفاده كغيره -من: أنَّ ألفاظ المعاملات إذا كانت أسامي للمسبَّبات، فلا معنى للصحّة والفساد فيها- لا يمكن الالتزام به؛ فإنَّ ما لا يتّصف بالصحّة والفساد هو الإمضاء الشرعي أو العقلائي بالنسبة إلى العقلاء أنفسهم لا الشارع، إلَّا أنَّه لا يُحتمل أن تكون الألفاظ أسامٍ لأحد هذين الإمضاءين، بل هي أسامٍ لنفس الصيغة أو الوجود الإنشائي أو الاعتبار النفسي. وعلى جميع التقادير يكون البيع قابلاً للصحّة والفساد، كما يمكن التمسّك بالإطلاق، وإن كان الصحيح ما ذكرناه من: أنَّه لا سببيّة ولا مسببيّة، وأنَّ البيع موضوعٌ للاعتبار النفساني المبرز، فلا مانع من التمسّك بالإطلاق حينئذٍ.
يبقى الكلام فيما أفاده صاحب (الكفاية)(1) في ذيل بحث الصحيح والأعمّ.
وملخّصه: أنَّ أيّ عبادةٍ إذا لاحظناها بالإضافة إلى أمرٍ آخر، فإمّا أن يكون هذا الأمر أجنبيّاً عن هذه العبادة، كالصلاة بالنسبة إلى قيام زيدٍ أو نزول المطر، فلا كلام لنا في ذلك. وإمّا أن يكون الأمر مرتبطاً بالعبادة، وربطها بها يكون بأحد وجوه: إمّا مجرّد المقارنة الخارجيّة، وإمّا أنَّ يكون ظرفاً لهذا العمل، كما في جملةٍ من الأدعية الواردة في شهر رمضان؛ من أنَّه يُستحبّ للصائم أن يقرأها،
ــــــــــ[394]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 34، المقدّمة، الأمر العاشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فدخْل هذه الأدعية في الصوم مجرّد الظرفيّة، دون أن يكون لها دخلٌ في الصوم، أو أن يكون الصوم مقيّداً بها.
وقد يكون وجه ارتباطه بالعبادة من جهة: أنَّه يوجد مزيّةٌ في الفرد، ويكون ثواب هذا الفرد أزيد من ثواب فردٍ آخر، وإن كانت بالنسبة إلى الطبيعة المشتركة والحقيقة الجامعة على حدٍّ سواءٍ، إلَّا أنَّ له خصوصيّةً يزيد به ثواب هذا الفرد على ثواب الطبيعة، كما أنَّ بعض الخصوصيّات موجبةٌ لنقصان الفرد عن ثواب الطبيعة.
ونظير ذلك الصلاة في المسجد، بمعنى: أنَّ تطبيق الطبيعة المأمور بها ضمن هذا الفرد فيه مزيّةٌ وجِهَةُ رجحانٍ، ولذا أُمرنا بإيجاد الطبيعة في ضمن هذا الفرد أمراً استحبابيّاً يجوز تركه. وكذا الكلام في صلاة الجماعة؛ فإنَّها تشترك مع غيرها في طبيعة الصلاة، ولكن لها مزيّةً يزيد من ثوابها.
ولا ينبغي الشكّ في أنَّ القسم الأوّل من الربط وهذا القسم -القسم الثالث- خارجٌ عن المسمّى، أي: أنَّه لم يُؤخذ في مفهوم الصيام اقترانه بالدعاء في نهار شهر رمضان، ولم تتقيّد الصلاة بحسب مفهومها بأن تقع جماعةً أو في المسجد؛ لأنَّ هذه الخصوصيّات إمّا أجنبيّةٌ عن الطبيعة رأساً، أو دخيلةٌ في فرد الطبيعة، لا فيها نفسها.
ويبقى الكلام في قسمين آخرين، وهو أنْ يكون الارتباط مع الطبيعة ارتباطاً جزئيّاً، بمعنى: أنَّها مؤلّفةٌ منه ومن غيره، أو ارتباطاً شرطيّاً، بمعنى: أنَّ الواجب مقيّدٌ به بنحوٍ يكون القيد خارجاً والتقييد داخلاً، وقد يكون القيد غير
ــــــــــ[395]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
اختياري إلَّا أنَّ التقييد اختياري، كالقبلة أو الوقت الخاصّ؛ فإنَّ الوقت أمرٌ غير اختياري، إلَّا أنَّ إيقاع الصلاة في الوقت أمرٌ اختياريٌّ.
لا ينبغي الشكّ في أن نزاع الصحيح والأعمّ جارٍ بالنسبة إلى الأجزاء؛ من حيث إنَّ ألفاظ العبادات هل هي موضوعةٌ لواجد الأجزاء، أو الأعمّ منها ومن الفاقد، بحيث تصدق الطبيعة على الفاقد؟
ولكن ذكر بعضهم(1): أنَّ الشرائط خارجةٌ عن محلّ النزاع، أي: أنَّ القائل بالصحيح يدّعي وضْع الألفاظ للتامّ من حيث الأجزاء، وأمّا من حيث الشرائط فلا بأس بالنقصان فيها.
وقد تقدّم: أنَّه لا وجه لهذا القول، بل النزاع جارٍ في الشرائط، كما هو جارٍ في الأجزاء. فلو قلنا: إنَّ الألفاظ موضوعةٌ للصحيح؛ لأنَّ الأثر الواحد لا يصدر إلَّا عن واحدٍ، كما سبق تقريره عن (الكفاية)(2)، فاللفظ موضوعٌ بإزاء التامّ من حيث الأجزاء والشرائط.
وعليه فلا فرق بين الأجزاء والشرائط؛ فإنَّ الأجزاء كما هي دخيلةٌ في النزاع، كذلك الشرائط، والنزاع واقعٌ فيهما.
وبهذا البيان ينتهي الكلام في الصحيح والأعمّ.
ــــــــــ[396]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 61، المقدّمة، المبحث الثاني: في الصحيح والأعمّ.
(2) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 24، المقدّمة الأمر العاشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر الثاني عشر: الكلام في الاشتراك
ــــــــــ[397]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقع الكلام في امتناع الاشتراك ووجوبه، فذهب جماعةٌ إلى استحالته، فيما اختار آخرون وجوبه، وقالت جماعةٌ ثالثةٌ بإمكانه(1). ثُمَّ على تقدير الإمكان هل هو واقع، أو ليس بواقعٍ؟
استدلّ القائلون بالوجوب: بأنَّ الألفاظ الدالّة على المعاني محصورةٌ ومتناهيةٌ؛ فإنَّها مركّبةٌ من الحروف الهجائيّة، والحروف متناهيةٌ، والمركّب من المتناهي متناهٍ، ولكنّ المعاني غير متناهيةٍ، إذن يجب الاشتراك، إذ الألفاظ ليست بقدر المعاني؛ لأنَّها متناهيةٌ، إذن فلا مناص من الاشتراك.
وقد أجاب صاحب (الكفاية)(2) عن هذا الاستدلال بوجوهٍ:
◙ أولاً: بعد التسليم بأنَّ الألفاظ متناهيةٌ، قد ناقش من جهة المعاني، فذكر أنَّها وإن كانت غير متناهيةٍ، إلَّا أنَّه لا يمكن وضع الألفاظ بإزاء جميع المعاني؛ لأنَّه يستدعي الوضع غير المتناهي، وهو غير معقولٍ.
ــــــــــ[399]ــــــــــ
(1) راجع الأقوال في المسألة في مفاتيح الأُصول، الطباطبائي: 23، باب مفاتيح اللغات، القول في الاشتراك، والحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 31، المقدّمة، فصل: هل الاشتراك ممكنٌ؟
(2) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 35، المقدّمة، الأمر الحادي عشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إذن، لا بدَّ أن يكون الوضع بمقدارٍ متناهٍ، فلا حاجة إلى الاشتراك.
◙ ثانياً: على تقدير تسليم أنَّ الوضع غير المتناهي معقولٌ، كأن يقال: إنَّ الواضع هو الله عزّ وجلّ، ويجوز منه تعالى إيجاد الوضع غير المتناهي، إلَّا أنَّ الاستعمال من البشر، والاستعمال متناهٍ، فيكون الوضع غير المتناهي لغواً. إذن لا بدَّ أن يكون الوضع بقدر الاستعمال، وأنَّ الألفاظ وافية به، فلا حاجة إلى الاشتراك.
◙ ثالثاً: بأنَّ المعاني أيضاً متناهيةٌ؛ فإنَّ غير المتناهي ليس إلَّا الجزئيّات، ولا حاجة للوضع بإزائها؛ إذ يمكن وضع اللفظ بإزاء كلّيٍّ جامعٍ، فإذا أُريد الجزئيّ، أمكن تفهيمه بدوالٍّ أُخر، فلا حاجة إلى وضع الألفاظ لكلّ جزئيٍّ جزئيٍّ، كما هو المشاهد في الحيوانات؛ فإنَّ كلّ فرسٍ وكلّ عقربٍ وكلّ نملةٍ لم يوضع بإزائها اللفظ، بل يوضع اللفظ للجامع، وتُستفاد الخصوصيّات من دوالٍّ أُخر، فالمعاني الكلّية متناهيةٌ، ولا حاجة إلى الوضع بإزاء غير المتناهي.
رابعاً: على تقدير التسليم بأنَّ المعاني الكلّيّة أيضاً غير متناهيةٍ، فلا يلزمنا استعمال اللفظ في المعنى على وجه الحقيقة، بل يمكن أن يكون مجازاً، فنستعمل اللفظ في بعضها على وجه الحقيقة، وفي البعض الآخر مجازاً. إذن فلا حاجة إلى الاشتراك على كلّ تقديرٍ(1).
ــــــــــ[400]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم: 35.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
أمّا ما أفاده أوّلاً وثانياً فصحيحٌ، بمعنى: أنَّه لو سلّم أنَّ الألفاظ متناهيةٌ، والمعاني غير متناهيةٍ، فإنَّه لا يمكن الوضع؛ لأنَّه يستلزم الوضع غير المتناهي، وهو غير معقولٍ. وعلى تقدير تسليم إمكان الوضع غير المتناهي، فالاستعمال متناهٍ، ويكون الوضع الزائد عن الاستعمال لغواً.
وأمّا جوابه الثالث: بأنَّ الكلّيّات متناهيةٌ فباطل؛ لأنَّ الكلّيّات أيضاً غير متناهيةٍ؛ لأنَّ كلّ معنى تصوّرناه وأضفنا له قيداً من العوارض والمقارنات والتركيب كان كلّيّاً. بل إنَّ عدم التناهي في الأعداد فقط يكفينا في إثبات عدم تناهي المعاني الكلّيّة.
ومن الظاهر أنَّ مراتب الأعداد كلّيّاتٌ وليست موجوداتٌ خارجيّةٌ؛ فإنَّها تصدق على الرجال وعلى الأحجار وغيرها. وعليه فدعوى: أنَّ المعاني الكلّيّة متناهيةٌ وأنَّ غير المتناهي هو المعاني الجزئيّة غيرُ صحيح.
وأمّا جوابه الرابع: أنَّه لا حاجة إلى الوضع غير المتناهي، بل يمكن أن يُقال: إنَّ الألفاظ موضوعةٌ بإزاء بعض المعاني دون الكلّ، إلَّا أنَّه لا حاجة إلى إفادة المعاني بالألفاظ المفردة، بل يمكن تفهيم المعاني وإفادتها بالألفاظ المركّبة على نحو التقييد، وهو استعمالٌ حقيقيٌ وإن لم يكن له وضعٌ خاصٌّ.
ــــــــــ[401]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ومثال ذلك: أن نتصوّر إنساناً ذا رأسين، وهذا معنى كلّي، وتفهيمه إمّا بلفظٍ خاصٍّ يوضَع بإزائه، أو بلفظٍ مركّبٍ، كما لو قلنا: إنسانٌ ذو رأسين، فـ(إنسان) و(ذو رأسين) كلٌّ منها موضوعٌ بوضعٍ مستقلٍّ. فإذا جمعناها وقلنا: (إنسانٌ ذو رأسين) فقد فهمنا وأفدنا معنى كلّيّاً. وهذا الاستعمال ليس من المجاز وإن لم يوضع له اللفظ، بل هو استعمالٌ حقيقيٌ من جهة ضمّ معنىً إلى معنىً آخر، والنتيجة هي إفادة معنىً كلّي لم يوضع له لفظٌ خاصٌّ.
وكذا إذا قلنا: (بحرٌ من زئبقٍ)، و(جبلٌ من ذهبٍ)؛ فإنَّ (جبلٌ من ذهبٍ) معنىً كلّي يفهمه المخاطب لا بوضع اللفظ بإزائه، بل بكلمتين أو ثلاث كلمات، وهذا ليس من الاستعمال المجازي.
وبالجملة ما أفاده من: أنَّ إفادة معنى قد يكون بوضع اللفظ له، فيكون حقيقةً، وقد يكون باستعمال ألفاظٍ موضوعةٍ لمعانٍ مستقلّةٍ، وعند اجتماعها تفيد معنى خاصّاً لم يوضع له اللفظ، وكثيراً ما نحتاج إلى ذلك، بل قد نحتاج إلى تفهيم الأُمور المستحيلة، مع أنَّه لم يوضع لفظٌ بإزاء هذا المستحيل أو ذاك، كاجتماع الضدّين واجتماع النقيضين وشريك الباري؛ فإنَّه قد نحتاج إلى تفهيمها في مقام الاستدلال والاحتجاج. وأيُّ لفظ وُضع بإزاء اجتماع النقيضين؟ لم يوُضع بإزائها شيءٌ، ومع ذلك يمكننا إفادة ذلك بضمّ كلمةٍ إلى كلمةٍ أُخرى؛ فإنَّ لفظ (الاجتماع) ولفظ (النقيضين) موضوعٌ لمعانٍ أُخر، فإذا أضفنا اللفظ إلى لفظٍ وقلنا: اجتماع النقيضين، فقد حصل المقصود.
وملخّص الكلام: أنَّ المعاني وإن كانت غير متناهيةٍ، وأمكن استعمال ــــــــــ[402]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
اللفظ بإزائها، إلَّا أنَّه لا حاجة إلى الوضع؛ لإمكان إفادة المعنى على نحو المجاز، أو على نحو تقييد معنىً بمعنىً آخر وبضمّ كلمةٍ إلى كلمةٍ أُخرى.
ــــــــــ[403]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والأعداد من هذا القبيل، أي: من باب التقييد؛ فإنَّها وإن كانت غير متناهيّةٍ، ولم يوضع بإزاء كلّ رتبةٍ منها لفظٌ، ولكنّنا نستطيع إفادة أيّ مرتبةٍ منها بضمّ كلمةٍ إلى كلمةٍ أُخرى، فتقول: (ألف وخمسمائة وواحد)، أو (ألفان وسبعمائة وثلاثة وعشرون)، فنقيّده بضمّ كلمةٍ إلى كلمةٍ وإن لم يكن قد وضع بإزاءه لفظٌ معيّنٌ.
وأمَّا ما سلّم به من أنَّ الألفاظ متناهيةٌ باطلٌ؛ فإنَّ الألفاظ كالمعاني غير متناهيةٍ.
وما يُقال من: أنَّ المركّب من المتناهي متناهٍ تامٌّ في التركيب الخارجي، لا في التركيب الفرضي الاعتباري. كما هو الحال في الأعداد؛ فإنَّها مركّبةٌ من الأعداد العشرة، ويمكن تحصيل أيّ مرتبةٍ منها بإضافة عددٍ واحدٍ إلى المرتبة السابقة، فأيّ مرتبةٍ من الأعداد فرضناها إذا أضفنا لها عدداً واحداً توجد مرتبةٌ أُخرى.
والكلمات أيضاً كذلك؛ فإنَّها وإن كانت مركّبةً من الحروف الهجائيّة، إلَّا أنَّ التركيبات الفرضيّة للحروف غير متناهيةٍ؛ فإنَّ أيّ مركّبٍ منها يمكن فيه التقديم والتأخير من حيث الحركات والسكنات، وإضافة حرفٍ آخر إلى ما لا
ــــــــــ[404]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
نهاية له. فما أقرّ به صاحب (الكفاية) -كما هو ظاهر عبارته-(1) من أنَّ الألفاظ غير متناهيةٍ باطل، إذن الاشتراك غير واجب.
ــــــــــ[405]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم: 35.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وذكر جماعةٌ(1): أنَّ الاشتراك مستحيلٌ، ولا يصدر من الحكيم؛ لأنَّ فائدة الوضع هي إفادة المعاني والمقاصد، وهو نعمةٌ أنعم الله بها على الإنسان، وخصّه بها أن علّمه البيان، وجعلهم يتمكّنون من إبراز مقاصدهم بالإبراز والبيان، ففائدة الوضع هي التفهيم؛ لأنَّ الإنسان مدنيّ الطبع، ولابدّ له في أُمور معاشه ومعاده من إبراز مقاصده بشيءٍ، والإبراز لا يكون دائماً بالإشارة أو الكتابة، فلابدَّ من الألفاظ. فإذا كان اللفظ مشتركاً بين معانٍ متعدّدةٍ، انتفت الفائدة من الوضع؛ لأنَّ المتكلّم إذا استعمل اللفظ، تردّد المخاطب، ولا يعلم أنَّ أيّ معنى يُراد من معانيه. وعليه فالاشتراك مخلٌّ بفائدة الوضع، ولا يصدر من الفاعل الحكيم.
وقد أجاب صاحب (الكفاية)(2) عن ذلك بوجهين:
الأوّل: أنَّه لا يلزم أن يكون استفادة المعنى من اللفظ، بل يمكن أن يكون من القرينة. فإذا استعمل اللفظ المشترك، نعلم أنَّه أراد منه أحد المعاني الثلاثة،
ــــــــــ[406]ــــــــــ
(1) أُنظر: الطباطبائي، مفاتيح الأُصول: 23، باب مفاتيح اللغات، القول في الاشتراك، وغيره.
(2) أُنظر: الآخوند الخراساني كفاية الأُصول: 35، المقدّمة، الأمر الحادي عشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وهو ممّا يمكن تفهيمه بواسطة القرينة، فلا يلزم أن يكون الدالّ هو الوضع.
الثاني: أنَّ غرض العقلاء قد يتعلّق بالإجمال، أي: أن لا يفهم المخاطب إرادة المتكلّم حتّى يبيّنه بعد ذلك، والمشترك يفيد هذه الفائدة.
وما أفاده في المقام لا بأس به لو كان الوضع عبارةً عمّا ذكره من أنَّه سنخ ربطٍ بين اللفظ والمعنى، أو أنَّه عبارةٌ عن إيجاد الملازمة بين اللفظ والمعنى، أو أنَّه عبارةٌ عن جعْل اللفظ وجوداً للمعنى اعتباراً، أو أنَّه عبارةٌ عن جعل اللفظ على المعنى، كجعل العلم للدلالة على شيءٍ.
إلَّا أنَّه لا يتمّ إذا كان الوضع مأخوذاً من الوضع اللغوي؛ لأنَّ (وضع) بمعنى: (جعل)، وقد تقدّم إنَّ الوضع بمعنى: التعهّد، فيضع المتكلّم وأهل العرف لفظاً لمعنى، بمعنى: أنَّه يتعهّد أنَّه متى ما تكلّم باللفظ مجرّداً عن القرينة، فإنَّه يريد منه هذا المعنى. وقلنا: إنَّنا لا نعقل معنى للوضع غير هذا المعنى. فكلّ شخصٍ من أهل اللغة ولو تبعاً لأبويه أو أهل لغته يتعهّد أنَّه متى ما تكلّم باللفظ المعيّن، يريد إبراز أنَّه قصد تفهيم معنىً خاصٍّ، كما هو الحال في وضع الاسم للابن. ولذلك قلنا: إنَّ الشخص من أهل اللغة إذا تكلّم بلفظٍ، ثُمَّ ادّعى أنَّه أراد معنى مجازيّاً، لا يسمع منه؛ لأنَّه خلاف تعهّده.
فإذا كان معنى الوضع هو هذا، فالاشتراك غير معقولٍ؛ لأنَّه كيف يمكن أن يتعهّد الشخص أنَّه متى ما تكلّم بهذا اللفظ، يريد معنى خاصّاً، مع أنَّه قد تعهّد قبل ذلك على خلافه؟! فمع بقائه على تعهّده وعدم رفعه اليد عن تعهّده السابق، كيف يُعقل أن يتعهّد على خلاف التعهّد الأوّل؟
ــــــــــ[407]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فالاشتراك بهذا المعنى المذكور -أعني: أنْ يكون اللفظ موضوعاً لمعنى ثُمَّ يوضع لمعنى آخر- يرجع إلى التناقض؛ لأنَّ معنى الوضع هو التعهّد، ومع التعهّد كيف يمكن أن يتعهّد مرّة أُخرى أنَّه متى ما تكلّم بهذا اللفظ، يريد به معنىً آخر. وعليه فالاشتراك بهذا المعنى غير معقولٍ إلَّا أن يرجع عن وضعه الأوّل، فيلتزم أنَّه إذا تكلّم باللفظ لا يخلو مراده من أحد المعنيين أو المعاني، فيكون الوضع واحداً والموضوع له متعدّداً؛ فإنَّ الموضوع له ليس هو مفهوم أحد المعنيين، بل المراد به أحد المعنيين على نحو البدل، بمعنى: أنَّ السامع لا يدري أنَّه أراد هذا المعنى أو هذا المعنى، فيصبح اللفظ مجملاً، لا أنَّه استعمله في الجامع القابل للانطباق على كلٍّ منهما بنحو يمكن تطبيقه في مرحلة الامتثال.
ونتيجة هذا المسلك نتيجة الاشتراك بعينه، فيتردّد السامع ولا يدري أيّ المعنيين هو المراد، فيحتاج تعيين أحدها إلى القرينة، ولولا القرينة كانت اللفظ مجملاً، إلَّا أنَّه لا تعدّد في الوضع.
وعليه فالفرق بين مسلكنا ومسلك المشهور إنَّما هو في تعدّد الوضع ووحدته. وأمّا في النتيجة فلا فرق بين المسلكين. فعلى ما ذكره المشهور يكون اللفظ موضوعاً لكلّ معنىً وضعاً مستقلاً، وعلى مسلكنا يكون الوضع واحداً والموضوع له هو واقع أحد المعنيين على نحو البدل، لا الجامع ليمكن تطبيقه في مرحلة الامتثال.
وبهذا ينتهي البحث في وقوع الاشتراك وعدمه، وقد تبيّن أنَّ الاشتراك
-بناءً على ما سلكه المشهور- غير ممكنٍ، ولكنّ نتيجته متحقّقةٌ.
ــــــــــ[408]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بقي الكلام في جواز استعمال اللفظ المشترك في كلام الحكيم وفي القرآن: فهل هو ممكنٌ أو غير ممكنٍ؟
ذهب بعضٌ(1) إلى الاستحالة؛ بدعوى أنَّ الحكيم إذا تكلّم باللفظ المشترك، فإمّا أن ينصب قرينةً على مراده، أو لا ينصب. أمّا إذا نصب القرينة فتطويلٌ بلا طائلٍ، فلماذا لا يأتي بلفظٍ موضوعٍ للمعنى ويكون الاستعمال أحسن؟! وأمّا إذا لم ينصب قرينةً، فإنَّ اللفظ يصبح مجملاً، وهو لا يناسب كلام الحكيم؛ لأنَّه في مقام البيان وإبراز مقاصده، فلا يصحّ منه اللفظ المجمل. إذن لا يمكن استعمال الحكيم للفظ المشترك، سواءً أتى بالقرينة أو لم يأتِ.
وقد أجاب صاحب (الكفاية)(2) وغيره(3) عن ذلك: أنَّ كلاً من التقديرين ممكن، إذ يُعقل أن تكون القرينة حاليّةً لا لفظيّةً، لتكون تطويلاً بلا طائلٍ، ولا يفرق بين أن يأتي بلفظٍ خاصٍّ موضوعٍ للمعنى، أو لفظٍ مشتركٍ مع القرينة حال كونها غير لفظيّةٍ. إذن فلا تطويل في المقام.
وأمّا إذا كانت القرينة لفظيّةً، فقد يمكن ترتّب فائدةٍ أُخرى على القرينة،
ــــــــــ[409]ــــــــــ
(1) أُنظر: الطباطبائي، مفاتيح الأُصول: 23، باب مفاتيح اللغات، القول في الاشتراك وغيره.
(2) أُنظر: كفاية الأُصول: 35، المقدّمة، الأمر الحادي عشر.
(3) السيد أبو الحسن الأصفهاني، وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول 1: 122.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
بأن يكون قد أتى بها لغرضٍ آخر، ومع ذلك كانت قرينةً معيّنةً للمقصود من اللفظ المشترك، فالتطويل ليس بلا طائلٍ، بل مع الفائدة.
ويمكن أن نختار الشقّ الثاني، ونقول: إنَّ المتكلّم الحكيم يأتي باللفظ المشترك لغرض الإجمال؛ لأنَّ الإجمال أيضاً قد يكون غرضاً للحكيم؛ فإنَّه قد لا يريد تفهيم مراده لكلّ مَن يسمع كلامه، بل يأتي أوّلاً بمجملٍ، ويكون البيان بعد ذلك. وهذه أيضاً فائدةٌ تتحقّق في الخارج؛ ولذا قال الله عزّ وجلّ: إنَّ في الكتاب العزيز محكماً ومتشابهاً، كما أشار إليه عزّ من قائل: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ(1).
ولا إشكال: أنَّ المتشابه أظهر أفراد المجمل، بل هو هو بعينه، وقد أتى الله تعالى أيضاً في القرآن بعدّة تعابير مجملةٍ غير مشتركةٍ، كالحروف المقطّعة في أوائل السور؛ إذ هي من المجملات، وليس للعرف طريقٌ إلى معرفتها، فليس الإتيان بالمشترك مخالفةٌ للحكمة أو لغرض الحكيم. فظهر أنَّه لا مانع من استعمال الحكيم للفظ المشترك.
بقي الكلام في منشأ الاشتراك، أي: من أين يحدث الاشتراك في اللغة الواحدة؟
ــــــــــ[410]ــــــــــ
(1) آل عمران: 7.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذكر شيخنا الأستاذ وحكاه عن بعض المؤرّخين وهو جرجي زيدان(1): أنَّ منشأه هو الجمع بين اللغات؛ فإنَّ العرب وغيرهم من أهل اللسان الواحد تختلف لغاتهم بحسب اختلاف بلادهم وطوائفهم لا محالة، فيُعبَّر عن معنى بلفظٍ في لغةٍ، ويُعبَّر عن معنى آخر بهذا اللفظ نفسه في لغةٍ أُخرى، فكأنَّ اللفظ من حيث اللغتين يُستعمل في معنيين، فهو عند طائفةٍ يُستعمل في معنى، وعند الأُخرى يُستعمل في معنىً آخر. ثُمَّ جُمعت اللغات، وصار المجموع لغةً واحدةً، فحدث الاشتراك، فرأينا أنَّ لفظاً واحداً له معنيان، وإلَّا ففي الواقع ليس للفظ الواحد معنيان، بل كان موضوعاً بإزاء معنىً في لغةٍ، وبإزاء آخر في لغةٍ أُخرى.
بل ذُكر أيضاً: أنَّ الترادف كذلك نشأ من جمع اللغات، فقد كان أهل لغةٍ يعبِّرون عن معنىً بلفظٍ، وكان آخرون يعبِّرون عن نفس المعنى بلفظٍ آخر، وبعد الجمع حدث الترادف.
وما ذكره واستحسنه وإن كان أمراً ممكناً، إلَّا أنَّ الجزم به بلا موجبٍ؛ لأنَّ ذلك اجتهادٌ من المؤرّخ وحدس منه، لا يستند إلى الحسّ، فيمكن أن يكون المنشأ هو ذلك، وقد يمكن أن يكون المنشأ أنَّ الواضع الواحد وضع اللفظ بإزاء معنيين، أو اللفظين بإزاء معنى واحد، على النحو المعقول الذي ذكرناه. ويدلّ على ذلك وضْع الأعلام الشخصيّة؛ فإنَّا نرى الشخص يضع لفظاً واحداً
ــــــــــ[411]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 51، الأمر السادس: لا إشكال في إمكان الاشتراك، وتاريخ آداب اللغة العربيّة (ضمن مؤلّفات جرجي زيدان الكاملة) 1: 45، مميّزات اللغة العربيّة، الرابع: المترادفات والأضداد.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لجميع أولاده؛ تبرّكاً أو لغير ذلك من المقاصد، كما في تسمية الحسين أولاده جميعهم بعلي، وإنَّما يتميّزون بالأكبر والأوسط والأصغر. فإذا أمكن صدور هذا في الأعلام، أمكن في أسماء الأجناس؛ فإنَّه قد يتعلّق غرض الواضع الواحد بأن يضع لمعنيين لفظاً واحداً، فيكون مشتركاً، أو يضع لفظين لمعنى واحد، فيكون مترادفاً.
نعم، ما ذكر آنفاً أمرٌ ممكنٌ، يعني: أنَّ الجمع بين اللغات هو سبب حدوث الترادف والاشتراك، وهو إن لم يكن صادقاً بنحو الموجبة الكلّيّة، إلَّا أنَّه صادقٌ بنحو الموجبة الجزئيّة.
هذا تمام كلامنا في أصل الاشتراك.
ــــــــــ[412]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر الثالث عشر: استعمال اللفظ في معنىً متعدّدٍ
ــــــــــ[413]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقع الكلام في جواز استعمال اللفظ الواحد في معنيين حقيقيّين أو مجازيّين أو أحدهما حقيقي والآخر مجازي.
وعلى تقدير وجود المشترك هل يمكن أن يُستعمل اللفظ ويُراد به كلا معنييه؟ أو إنَّ هذا مستحيل؟ وعلى تقدير الإمكان فهل هو على طبق ظهور اللفظ أو خلاف ظهوره، ويحتاج في إثباته إلى القرينة، وإلَّا فالظاهر من المتكلّم أنَّه يريد من اللفظ معنى واحداً.
ومحلّ الكلام في المقام -على ما ذكره صاحب (الكفاية)(1) وغيره(2)-: ما إذا استُعمل اللفظ في المعنيين استعمالاً واحداً يكون في حكم الاستعمالين، فكأنَّه استعمل اللفظ في المعنى واستعمله في معنىً آخر، أي: جعل اللفظ الواحد بمنزلة لفظين. وإلَّا فلو أراد مفهوم أحد المعنيين أو أراد مجموع المعنيين، لكان جائزاً، وكان من الاستعمال المجازي؛ فإنَّ هذا اللفظ المشترك لم يوضع لمفهوم أحد المعنيين ولا لمجموع المعنيين، وإنَّما وُضع لواقع أحد المعنيين.
ــــــــــ[415]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 36، المقدّمة، الأمر الثاني عشر.
(2) أُنظر: الحائري الاصفهاني، الفصول الغرويّة: 53، المقدّمة، فصل استعمال المشترك والأقوال فيه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
فمحلّ الكلام هو استعمال اللفظ على نحوٍ استقلالي، فكأنَّه تكلّم به مرّتين، فأراد في الأُولى أحد المعنيين، وأراد في الأُخرى المعنى الثاني. وهذا هو المراد من استعماله في معنييه مستقلاً، أي: يجعل كلاً منهما مدلولاً للفظ باستقلاله وحياله.
ــــــــــ[416]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المعروف بينهم -أي: بين المتأخرين-: أنَّ استعمال اللفظ الواحد في معنيين بالاستقلال غير معقولٍ، سواء كان المعنيان حقيقيّين أو مجازيّين، أو كان أحدهما حقيقةً والآخر مجازاً. وعلى هذا لا تصل النوبة إلى الحديث عن أنَّ هذا الاستعمال حقيقةٌ أو مجازٌ أو خلاف الظاهر أو يمكن أن يكون ظاهراً.
وقد ذُكر في وجه الاستحالة أمران:
◙ أحدهما: ما ذكره شيخنا الأُستاذ(1) من: أنَّ استعمال اللفظ في معنيين يلزم منه اجتماع لحاظين مستقلّين في وقتٍ واحدٍ؛ فإنَّ كلَّ معنىً استُعمل فيه اللفظ لا بدَّ فيه من لحاظٍ حين الاستعمال، والمفروض أنَّ المعنى الآخر استُعمل في عرض استعمال هذا المعنى، فلابدَّ أن يلحظ المتكلّم المعنيين بلحاظين مستقلّين؛ إذ المفروض أنَّه استعمل استعمالين أو ما هو في حكم الاستعمالين، لا أنَّه استعمل اللفظ في المجموع ليكون المجموع ملحوظاً بلحاظ واحد، وإنَّما لوحظ المعنى واستُعمل فيه اللفظ، ولوحظ المعنى الآخر واستُعمل فيه اللفظ، فالمتكلّم لا بدَّ أن يكون ملاحظاً للمعنيين بلحاظين مستقلّين،
ــــــــــ[417]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 51، الأمر السابع: الحقّ امتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ….
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
واجتماع اللحاظين المستقلّين في النفس مستحيلٌ.
ولكن ما أفاده واضح الفساد؛ فإنَّ النفس لمّا كانت مجرّدةٌ أو كالمجرّدة فلا يقع تزاحم تجاه اجتماع معنيين فيها في آنٍ واحدٍ، فيكون الإنسان ملتفتاً إلى هذا وإلى ذلك. وليس ذلك من قبيل الأُمور الخارجيّة ليُقال: إنَّ الفضاء الواحد يستحيل أن يُملأ بجسمين؛ فإنَّ النفس ليس كذلك؛ لأنَّها قابلةٌ لأن تجتمع فيها صورتان، وتكون كلّ واحدةٍ منهما ملحوظةً وحاضرةً لديها، ولا تزاحم في ذلك.
ويدلّنا على ذلك الوجدان والبرهان؛ فإنَّنا نرى بالوجدان أنَّنا نتمكّن من إيجاد فعلين في آنٍ واحدٍ، أحدهما صادرٌ من اليد، والآخر من اللسان مثلاً، فنتكلّم ونحرّك اليد ونمشي ونقوم بغيرها من الأفعال الاختياريّة، فصدور فعلين من الإنسان في آنٍ واحدٍ أمرٌ ممكنٌ لا استحالة فيه.
ومن الظاهر أنَّ كلّ فعلٍ مسبوقٌ بالإرادة، والإرادة مسبوقةٌ بمقدّماتها، ومنها تصوّر الفعل والتصديق بفائدته. ولو كان اجتماع اللحاظين في النفس ممتنعاً، فكيف يصدر الفعلان من الإنسان في آنٍ واحدٍ، مع أنَّ كلّ فعلٍ يحتاج إلى إرادةٍ، وكلّ إرادةٍ تحتاج إلى تصوّر الفعل والتصديق بفائدته؟! فهناك إرادتان متعلّقتان بالفعل وناشئتان عن مقدّماتها.
ونرى بالوجدان أنَّنا نحكم في القضيّة بالقول: (زيدٌ قائمٌ) أو (الإنسان حيوانٌ ناطقٌ) إلى غير ذلك من القضايا بالحمل الأوّلي أو الشايع، ولا ريب أنَّ الحكم والتصديق بثبوت شيءٍ لشيءٍ لا بدَّ فيه من الالتفات إلى المحمول
ــــــــــ[418]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
والموضوع مستقلاً. وإلَّا فلو كان في حال تصوّر الموضوع غافلاً عن المحمول أو حال تصوّر المحمول غافلاً عن الموضوع، فكيف يمكن القول بأنَّ الموضوع محكومٌ بكذا؟! فلابدَّ عند الحكم بالإثبات وعند النفي من الالتفات إلى الطرفين ليمكن الحكم عليه، وليس هذا إلَّا من اجتماع لحاظين مستقلّين في النفس؛ فإنَّ التصديق في النفس لا يمكن إلَّا بلحاظ الموضوع والمحمول والنسبة ثُمَّ الحكم عليه. فلو كان غافلاً عن الموضوع أو عن المحمول، فكيف يمكن الحكم؟!
كما يمكن لنا أن نحكم بشيءٍ بين أمرين فنقول: (السواد والبياض متضادّان)، و(الوجود والعدم نقيضان)، و(البياض والبياض متماثلان)، وغيرها من الأحكام التي نحكم بها على شيئين في الخارج. وأمّا إذا لم يمكن تصوّر الشيئين، فكيف نحكم عليهما بالتضادّ أو التماثل أو التناقض؟! فإذا قلنا: (الوجود والعدم نقيضان) أو (السواد والبياض ضدّان)، فلابدَّ لنا من تصوّر هذين الأمرين معاً في زمانٍ واحدٍ؛ لنحكم على كلّ واحدٍ بأنَّه ضدَّ الآخر.
وعلى الجملة: فإنَّ ممّا لا ريب فيه أنَّ النفس قادرةٌ على أن توجِد صوراً عديدةً، وتكون ملتفتةً إليها في آنٍ واحد؛ إذ لا تزاحم في عالم النفس، وإنَّما التزاحم من شؤون الوجود الخارجي.
وعليه، فلا مانع من أن يكون المتكلّم حال تكلّمه ملتفتاً إلى المعنيين، سواءً كانا حقيقيّين أو مجازيّين أو مختلفين، فيستعمل اللفظ في كلٍّ منهما باستعمالٍ، فكأنَّه استعمل لفظين كلاً منهما في معنى.
ــــــــــ[419]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
◙ ثانيهما: ما ذكره صاحب (الكفاية)(1) وغيره(2)، وهو أنَّ المحذور في المقام ليس هو اجتماع لحاظين على ملحوظين في النفس، بل المحذور إنَّما هو اجتماع لحاظين على ملحوظٍ واحدٍ، فكما أنَّ الماهيّة الشخصيّة الواحدة غير قابلةٍ لأن توجد في الخارج بوجودين؛ فإنَّ كلّ وجود يُضاف إلى ماهيّةٍ لا محالة، كذلك في النفس لا يمكن أن يوجد شيءٌ واحدٌ بوجودين، يعني أن يكون الإنسان عالماً بشيءٍ بعلْمين تصوّراً أو تصديقاً. فكون شيءٍ معلوماً للإنسان وحاضراً لديه بعلْمين وحضورين غير ممكنٍ؛ لأنَّ الشيء غير قابلٍ للاتّصاف بوجودين.
وحيث إنَّ الاستعمال لا بدَّ فيه من تصوّر المعنى استقلالاً، وبتبعه يُلحظ اللفظ، فاللفظ يُلحظ تبعاً وفانياً في المعنى، مع أنَّ نظر المستعمل ابتداءً كأنَّه يوجد المعنى في الخارج، ولكن يوجده باللفظ تبعاً للمعنى، فاللفظ ملحوظٌ بتبع لحاظ المعنى. وعليه فإنْ استعمل لفظاً واحداً في معنيين مستقلّين، كان في حكم الاستعمالين، فكأنَّه استعمل اللفظ في هذا وفي ذاك. واستعمال اللفظ في كلٍّ من المعنيين يقتضي أن يُلحظ اللفظ فانياً في هذا المعنى، واستعماله في المعنى الآخر يقتضي أن يكون فناؤه في ذلك المعنى، فكيف يكون اللفظ الواحد ملحوظاً بلحاظين ليكون فانياً في معنيين في آنٍ واحدٍ؟! فإنَّ لازم ذلك أن يكون اللفظ ملحوظاً في النفس بلحاظين، كلٌ منهما تابعٌ للحاظ المعنى مستقلاً، مع أنَّ اجتماع لحاظين على ملحوظٍ واحدٍ كاللفظ غير ممكن.
ــــــــــ[420]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 36، المقدّمة، الأمر الثاني عشر.
(2) أُنظر: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 103، استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ولذا ذهب(1) إلى أنَّ استعمال اللفظ في معنيين مستحيلٌ؛ لأنَّه يقتضي تصوّر اللفظ فانياً في المعنى بتصوّرين، واجتماع تصوّرين على واحدٍ غير ممكنٍ، واستثنى من ذلك ما إذا كان الشخص أحول العينين!!
وما أفاده بحسب الكبرى متينٌ جداً؛ فإنَّ الشيء الواحد غير قابلٍ لأن يتّصف بوجودين؛ فإنَّ تعدّد الوجود يقتضي تعدّد الماهيّة، والشيء الواحد غير قابلٍ لأن يتعلّق به وجودان، ولا يفرّق في ذلك بين الوجود النفسي والوجود الخارجي.
وأمّا تطبيق هذه الكبرى على المسألة فهو مبنيٌّ على أن يكون حقيقة الاستعمال هو كون اللفظ فانياً في المعنى، وأن يكون اللحاظ الاستقلالي متعلّقاً بالمعنى، وبتبعه متعلّقاً باللفظ، وهذا مبنيٌّ أيضاً على أنَّ الوضع هو جعل اللفظ وجوداً تنزيليّاً للمعنى، فكأنَّه نفس المعنى، وإلقاؤه في الخارج إلقاءٌ للمعنى.
وأمّا على ما ذكرناه من أنَّ الوضع هو التعهّد، بأنَّه متى ما قصد تفهيم معنى خاصٍّ، أتى بلفظٍ مخصوصٍ؛ فليس حقيقة الاستعمال إلَّا جعل اللفظ علامةً على المعنى ومعرّفاً له، كما في بقيّة الأمارات، فيتعهّد الإنسان أنَّه متى ما رفع يده، يريد شرب الماء، أو متى ما فتح بابه، يريد دخول الناس عليه، إلى غير ذلك من العلامات. وهذه خصّيصةٌ خصّ الله بها الإنسان، فعلّمه البيان، فهو متمكّنٌ من تفهيم مقاصده بالألفاظ. وأمّا غير الإنسان من أفراد الحيوان فمحرومٌ من هذه النعمة.
ــــــــــ[421]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 36، المقدّمة، الأمر الثاني عشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وبناء على ذلك فليس لهذا الكلام -جعل اللفظ فانياً في المعنى وتابعاً له- إساس، بل كما أنَّ المعنى يُلتفت إليه مستقلاً وتفصيلاً، كذلك اللفظ يُلتفت إليه ويُجعل أمارةً على المعنى. بل سبق أن ذكرنا أنَّ الغرض الاستقلالي قد يتعلّق في نفس اللفظ؛ فإنَّه زائداً على قصْد المعنى قد يكون ذكْر اللفظ لغايةٍ أُخرى تدعوه إلى ذكْره، كما إذا أراد إبراز إحسانه اللّغة العربية، وكان عطشاناً، فقال: (جئني بماءٍ أو أنا عطشانٌ). فبهذا الكلام يبرز مقصوده بأنَّه عطشانٌ، ويبرز أنَّه يفهم اللغة العربيّة.
إذن، يمكن أن يتعلّق اللحاظ الاستقلالي باللفظ، وأن يكون هو مورد غرض المتكلّم ومقصوداً له. إذن لا أساس للقول بإفناء اللفظ في المعنى وجعله فانياً فيه؛ إذ إنَّ الملحوظ الاستقلالي هو المعنى، واللفظ ملحوظٌ تبعاً، نظير المعنى الحرفي.
وما ذكرناه آنفاً كما يتمّ على مسلكنا في الوضع، كذلك يتمّ على سائر المسالك. فلو قلنا: إنَّ الوضع هو جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى، أو جعل اللفظ على المعنى، كجعل العلم على الفرسخ، فلا يقتضي أن يكون الاستعمال إفناءً اللفظ في المعنى، بل يمكن أن يكون اللفظ مقصوداً استقلالاً.
إذن لا يبقى إشكالٌ في إمكان استعمال اللفظ في معنيين مستقلّين، فكما أنَّه يمكن أن يستعمل اللفظ في شيءٍ واحدٍ وفي مجموع الشيئين أو الأشياء، كذلك يمكن أن يستعمله في معنيين مستقلّين، كما لو كرّر اللفظ، واستعمله في كلّ مرّةٍ في معنى.
ــــــــــ[422]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ثُمَّ بعد ما ذكرنا من: أنَّه لا مانع من استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، وأنَّه لا يلزم من ذلك اجتماع لحاظين على ملحوظٍ واحدٍ، كما لا محذور في اجتماع لحاظين على ملحوظين، يقع الكلام في أنَّ هذا الاستعمال على تقدير جوازه هل هو خلاف ظاهر اللفظ أو موافقٌ له، فيكون اللفظ مجملاً عند احتماله؟
الظاهر: أنَّه خلاف الظاهر: أمّا على مسلكنا فظاهر؛ فإنَّه بعد ما ذكرنا من أنَّ مرجع الاشتراك إلى تعهّد المتكلّم بأنَّه متى تكلّم بهذا اللفظ، فإنَّه يريد أحد المعنيين أو المعاني، فيكون إرادة كلا المعنيين على خلاف تعهّده، فيكون مجازاً، فيحتاج إلى قرينةٍ، ويكون خلاف الظاهر.
بل الأمر كذلك حتّى على سائر المسالك؛ فإنَّه لا ينبغي الشكّ في المتفاهم العرفي هو أنَّ اللفظ الواحد لا يُراد به إلَّا معنىً واحدٌ، ولا يمكن عرفاً إرادة معنيين حتّى لو التزمنا بأنَّه استعمالٌ حقيقيٌّ؛ إذ مع ذلك يكون هذا الاستعمال خلاف الظاهر العرفي.
ويؤيّد ذلك وضع الأعلام الشخصيّة؛ فإنَّه لا ينبغي الشكّ في وقوع
ــــــــــ[423]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الاشتراك فيها، لكن مع ذلك لا يمكن الإتيان بلفظٍ يُراد به شخصان مسمّيان بهذا اللفظ؛ لأنَّ مثله خلاف المتفاهم العرفي حتّى على المسالك الأُخر في الوضع؛ فإنَّ الظهور العرفي لا يساعد عليه.
ولعلّ هذا هو مراد المحقّق القمّي(1) من: أنَّ اللفظ وُضع للمعنى حال الوحدة، فلعلّه يريد به ما ذكرناه، لا أنَّه قيدٌ للوضع أو للموضوع له، بل يريد أنَّ الظهور العرفي عند استعمال كلمةٍ واحدةٍ مقتضاه أن يُراد بها معنى واحدٌ؛ لأنَّ هذا هو الغاية من الوضع؛ لأنَّ الغاية هي إرادة تفهيم هذا المعنى فقط، وكذلك الغاية من الوضع الآخر، فإرادة المعنيين منه خلاف المتفاهم عرفاً وخلاف الطريقة المألوفة عند المتكلّمين.
ولو تنزّلنا عمّا ذكرناه ولم نقل: إنَّ إرادة المجموع خلاف ظاهر اللفظ، فلا ريب أنَّه ليس بظاهرٍ، بل يكون أحد المحتملات، أي: كما يمكن أنَّه قصد أحد المعنيين، كذلك يُعقل أن يكون قد قصد كلا المعنيين، فلا ظهور للفظ في أنَّه قصد أحد المعنيين أو كلاهما، فيكون اللفظ مجملاً؛ لأنَّنا لا نعلم ما المراد: هل هو هذا المعنى أو ذاك المعنى أو المجموع منهما؟ والإجمال عند عدم القرينة ممّا لا بدَّ منه؛ لعدم معرفة ما قصده المتكلّم.
وممّا ذكرناه يظهر: أنَّنا لو علمنا أنَّ المتكلّم استعمل اللفظ في المعنيين، ولكن شككنا في أنَّه استعمل اللفظ في مجموع المعنيين ليكون مجازاً؛ لأنَّ
ــــــــــ[424]ــــــــــ
(1) أُنظر: قوانين الأُصول: 63، المقدّمة، قانون: اختلفوا في جواز إرادة أكثر من معنى من معاني المشترك في إطلاقٍ واحد.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
المجموع ليس موضوعاً له، أو استعمله في كلا المعنيين على نحو استعماله في اللفظ الواحد، أي: في حكم الاستعمالين في لفظٍ واحد، فلا يمكن أن نعيّن أنَّ المراد كلٌّ منهما مستقلاً، أي: هما استعمالان في كلمةٍ واحدةٍ. بل يمتنع ذلك؛ بدعوى أنَّ استعمال اللفظ في المعنيين أيضاً حقيقةٌ؛ لأنَّ الوحدة ليست قيداً للموضوع له. وإذ دار الأمر بين الحقيقة والمجاز كانت الحقيقة مقدّمةً؛ فإنَّه يرجع إلى أصالة الحقيقة ما لم تقم هناك قرينةٌ. وفي المقام كذلك، فإنَّه على تقدير أن يكون الاستعمال في المجموع فيكون مجازاً، وعلى تقدير أنَّ الاستعمال في كلٍّ منهما يكون حقيقةً، يُحمل على الحقيقة.
ومما ذكرنا يظهر: أن هذا غير صحيح؛ لأنَّا لو أغمضنا عمّا سلكناه وقلنا بأنَّ الوضع هو التعهّد، وهو أن يلتزم الواضع أنَّه متى ما أتى بالكلمة، يريد أحد المعنيين، فإرادة كلا المعنيين مجازٌ ولو باستعمالين. فلو تنزّلنا وقلنا بأنَّه استعمالٌ حقيقيٌّ، إلَّا أنَّ أصالة الحقيقة لا أساس لها، وإنَّما ما له أساسٌ هو حمل الكلام على الظاهر؛ فإنَّ الظهور العرفي هو الحجّة. وأمّا التمسّك بأصالة الحقيقة تعبّداً -بأن يحمل اللفظ على المعنى الحقيقي تعبّداً- فهذا ممّا لا أساس له. ومن هنا قلنا: إنَّه إذا كان في الكلام ما يحتمل أن يكون قرينةً على خلاف المعنى الحقيقي، فلا يمكن حمله على الحقيقي؛ لاحتمال أن يكون ما أتى به قرينةً على المجاز، فلم ينعقد للكلام ظهورٌ.
فإذا لم تكن أصالة الحقيقة أصلاً برأسه، وإنَّما كان المتّبع هو الظهور العرفي، فقد قلنا إن الظهور العرفي في إرادة كِلا المعنيين المستقلّين خلاف مقتضى
ــــــــــ[425]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الوضع، ولا أقلّ من أنَّه خلاف الظاهر، فكيف يمكن تعيين الحقيقة من المجاز؟ بل لا بدَّ من التوقّف والرجوع إلى الأُصول العمليّة.
ولو فُرض أنَّه كان للبائع عبدان باسمٍ واحدٍ، وعلمنا أنَّه استعمل اللفظ في المعنيين، فقال: (بعتك غانم بدرهمين) وقصد كلا عبدَيه، ووقع النزاع بين البائع والمشتري، فادّعى المشتري أنَّه أراد مجموع العبدين، ومعناه أنَّ المجموع يكون بدرهمين، وادّعى البائع أنَّه قصد كلاً منهما مستقلاً، فيكون ثمن كلّ واحدٍ منهما درهمين، فيكون المجموع أربعة دراهم، فحينئذٍ لا ظهور في الكلام ليُؤخذ به؛ فإنَّه لا يمكن أن يُؤخذ بكلام البائع؛ بدعوى أنَّ الأمر دائرٌ بين الحقيقة والمجاز، ودعوى المشتري مجازٌ، ودعوى البائع حقيقةٌ، فلابدَّ من تعيين دعواه.
بل إنَّ إرادة كلٍّ من العبدين وإرادة مجموعهما خلاف الظاهر؛ حيث إنَّنا علمنا أنَّ المتكلّم استعمل اللفظ في كلا المعنيين، فلابدَّ من التوقّف والرجوع إلى الأصل، وهو يقتضي عدم اشتغال ذمّة المشتري بأكثر من درهمين، فما لم يُثبت البائعُ مدّعاه، لا تكون ذمّة المشتري مشغولةً بأكثر من ذلك.
وما ذكرناه من جواز استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى لا يفرَّق فيه بين أن يكونا حقيقيّين أو مجازيّين، أو يكون أحدهما حقيقيّاً والآخر مجازيّاً، فيستعمل لفظ الأسد في الحيوان المفترس والرجل الشجاع في استعمال واحدٍ، أي: في استعمالين بلفظٍ واحدٍ؛ لأنَّ الاستعمال بمعنى الإعمال بأن يجعل اللفظ مبرِزاً لهذا ومبرِزاً لذاك. كلّ ذلك لا إشكال فيه.
فلو استعمل اللفظ في معنيين مجازيّين أو في معنى حقيقيٍّ وآخر مجازيٍّ،
ــــــــــ[426]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
كان الاستعمال مجازاً لا محالة. وأمّا لو استعمله في المعنيين الحقيقيّين، فهل هو استعمالٌ حقيقيٌّ أو مجازيٌّ؟ فيه كلام، ولكن لا أثر لهذا النزاع؛ لأنَّه خلاف الظاهر على كلّ تقديرٍ.
ــــــــــ[427]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
قد يُقال: إنَّ استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي محالٌ؛ وذلك لأنَّ استعماله في المجاز يحتاج إلى قرينةٍ صارفةٍ عن المعنى الحقيقي، وإلَّا حُمِل على المعنى الحقيقي؛ لأنَّ الظهور العرفي هو الحمْل على الحقيقة ما لم يثبت المجاز، فإرادة المجاز تحتاج إلى قرينةٍ صارفةٍ، ومع وجود القرينة الصارفة كيف يمكن إرادة المعنى الحقيقي؟! بل هذان لا يجتمعان، أعني: نصب القرينة على أنَّه لم يرد المعنى الحقيقي، وأنَّه أراده؛ لأنَّ مفاده أنَّه نصب القرينة على خلاف ما أراده.
إلَّا أنَّ هذا ليس بصحيح؛ فأنَّ المجاز يحتاج إلى قرينةٍ صارفةٍ عن خصوص المعنى الحقيقي، لا عن إرادة مجموع المعنيين أو كلاهما بالاستقلال.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ اللفظ في نفسه ظاهرٌ في أنَّ المتكلّم أراد المعنى الحقيقي فقط، وهذا الظهور هو مقتضى الوضع والتعهّد، ولابدَّ من نصْب قرينةٍ على خلافه. وأمّا إذا لم يرد المعنى الحقيقي، فتعيين أنَّه أراد كلاً من المعنى الحقيقي والمجازي أو أراد خصوص المعنى المجازي لا تفي به القرينة الصارفة، بل يحتاج إلى أمرٍ آخر زائدٍ.
فلا مانع من نصب القرينة الصارفة: لفظيّةً كانت أو حاليّةً، وبها نحرز أنَّه لا يريد المعنى الحقيقي فقط. ولكنّه هل يريد الحقيقي والمجازي، أو يريد ــــــــــ[428]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
خصوص المجازي؟ فهذا لا يمكن تعيينه بالقرينة الصارفة؛ فإنَّه لا ينافيها إرادة المعنى الحقيقي والمجازي، وإنَّما ينافيها إرادة المعنى الحقيقي فحسب.
ــــــــــ[429]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ذكر صاحب (المعالم)(1): أنَّ استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنيين جائزٌ في التثنية والجمع، فلا مانع من استعمال كلمةٍ واحدةٍ وإرادة معنيين، إذا كانت من قبيل التثنية والجمع.
وقال: الظاهر أنَّ التثنية بمنزلة تكرار اللفظ، فلو قال: (عينان)، كان بمنزلة قوله: (عين وعين)، ولا مانع من أن يريد بأحدهما معنىً وبالآخر معنىً آخر. واستشهد على ذلك بوقوع التثنية في الأعلام الشخصيّة؛ إذ يمكن أن يقول: (جاءني الزيدان) ويريد (زيد بن عمر، وزيد بن بكر)، فلا مانع من استعمال اللفظ وإرادة معنيين، إذا كانت الكلمة تثنيةً وجمعاً(2).
والظاهر: أنَّ هذا الكلام لا يرجع إلى معنىً معقولٍ؛ لِمَا ذكرناه من: أنَّ التثنية والجمع موضوعان بوضعين، فقد تقدّم أنَّ وضع المواد شخصيٌّ ووضع الهيئات نوعيٌّ، وأنَّ التثنية والجمع والمشتقّات وما إليها موضوعةٌ بوضعين، ولكلٍّ من الوضعين استعمالٌ لا محالة. فإذا قلنا: (رجلان)، فقد استعملنا الهيئة
ــــــــــ[430]ــــــــــ
(1) أُنظر: حسن بن زين الدين العاملي، ابن الشهيد الثاني، معالم الدين: 40، المقصد الثاني، المطلب الأوّل.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم: 40.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
في معنىً والمادّة في معنى آخر، فهذا يلحق بالاستعمالين؛ لأنَّ الوضع متعدّدٌ.
وعلى ذلك فإذا تكلّمنا بهذه الكلمة، أي: باللفظ المشترك بصيغة التثنية أو الجمع، فالهيئة مستعملةٌ في معناها؛ لأنَّ هيئة التثنية وضعت لإفادة التعدّد، وقد استعملت في التعدّد. وإنَّما الكلام في المادّة؛ فهي بما أنَّها موضوعةٌ بوضعٍ على حدةٍ، فهي قد اُستعملت في معنى لا محالة. فما هو المعنى الذي استُعملت فيه المادّة؟ لا يخلو أمرها من أن تكون مستعملةً في مجموع المعنيين، كالذهب والفضة، وعليه لا بدَّ أن يكون المراد أربعة أفرادٍ: فردان من الذهب وفردان من الفضّة؛ فإنَّ هيئة التثنية تعدّد ما يراد من مدخولها. فإذا كان المراد من مدخولها اثنين، فتعدّده إلى أربعةٍ، فيكون معنى (العينين) أربعة أفرادٍ من العين: فردان من الذهب وفردان من الفضّة.
وبعبارةٍ أُخرى: لا يخلو الحال فيما تُستعمل فيه الهيئة أن تُستعمل فيه المادّة، فأيّ شيءٍ أُريد من المادّة فالهيئة تفيد تعدّده. نقول: (رجلان، طائفتان، ألفان). فإذا كان المدخول (ألف)، ورد التكرار والتعدّد على (الألف)، فكلّ ما يُراد من المدخول فالهيئة تفيد تعدّده. فإذا كان المراد من (عين) كلاً من الذهب والفضّة، وردت الهيئة عليها، فمعناه أنَّهما متعدّدان: فردان من الذهب وفردان من الفضّة.
وهذا ليس من استعمال التثنية في أكثر من معنىً، بل المفرد هو الذي استُعمل في أكثر من معنىً، ووردت التثنية على هذه المادّة المستعملة في معنيين. إلَّا أنَّ ذلك ليس مراد صاحب (المعالم)، وإلَّا فلا فرق بين أن نقول: (عين)
ــــــــــ[431]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ونريد الذهب والفضّة، وبين أن نقول: (عينان) ونريد فردين من كلٍّ منهما؛ فإنَّ كليهما من استعمال المفرد في أكثر من معنى، وفي التثنية هو هو بعينه، ففي الحقيقة استُعمل المفرد في أكثر من معنى، ووردت التثنية عليه.
وأُخرى، يُراد من المادّة خصوص الذهب أو خصوص الفضّة، وحينئذٍ لا يمكن أن يُراد أكثر من معنىً واحدٍ؛ وذلك من جهة أنَّ الهيئة لم توضع إلَّا لإفادة التعدّد ممّا أُريد من المدخول، فإذا كان المراد من المدخول خصوص الذهب، فيرد التعدّد على ذلك، فيكون معنى (العينين) ذهبين أو فضّتين؛ إذ المفروض أنَّ مفرد العين لم يرد منه إلَّا خصوص الذهب أو خصوص الفضّة، فما الدالّ على المعنى الآخر؟ فإنَّ المادّة لم تُستعمل إلَّا في معنى واحدٍ، والهيئة لا تدلّ إلَّا على إرادة التعدّد من المدخول. فمن أين جاء المعنى الآخر؟! وعليه فهذا الوجه غير ممكن أصلاً.
نعم، يمكن شيءٌ آخر، وهو أن يُستعمل اللفظ فيما يُسمّى بالعين مجازاً، فمعنى (عينان) فردان ممّا يُسمّى بالعين، فيمكن أن يُراد به الذهب والفضّة؛ لأنَّ كلاً منهما يُسمّى بالعين، واُستعمل اللفظ في الجامع.
وهذا ممكنٌ، إلَّا أنَّه مجازٌ قطعاً؛ لأنَّ اللفظ لم يوضع إلَّا لخصوص الذهب والفضّة، لا لمفهوم المسمّى بالعين، فاللفظ استُعمل في معنى جامعٍ انتزاعيٍّ مجازاً، والتعدّد ورد على هذا الجامع الانتزاعي. ولكن لا معنى لأن يُقال: إنَّه من باب المشترك في أكثر من معنيين، بل المادّة اُستعملت في ما هو واحدٌ مجازاً، ودلّت الهيئة على تعدّده.
ــــــــــ[432]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ومن هنا يظهر: أنَّ هيئة التثنية والجمع الواردة على الأعلام الشخصيّة من هذا القبيل، أي: لا بدَّ من التأويل: بأن ترد التثنية على المسمّى؛ لأنَّا إذا قلنا: (زيدان)، فلا يمكن أن يُستعمل في شخصين بهذا الاسم؛ لأنَّ الشخص الواحد غير قابلٍ للتعدّد، فلا يمكن استعمال (زيدان) في (زيد بن عمرو)، و(زيد بن بكر)؛ لأنَّ الشخص الجزئي غير قابلٍ للتعدّد، فلا مناص من القول بأنَّ كلمة (زيد) مثلاً اُستعملت وأُريد بها اثنان ممّن سُمّي بهذه الكلمة ولو مجازاً، ثُمَّ يرد عليه التعدّد، فيقال: (زيدان) أي: فردان من المسمّى بزيدٍ.
والوجه فيه واضح: فإنَّ المفرد الشخصي كالجزئي الحقيقي غير قابلٍ للتعدّد، فلا يمكن أن يرد عليه التثنية والجمع، فلا مناص من التأويل وإرادة المسمّى بهذه الكلمة، وهو ليس من استعمال المشترك في أكثر من معنىً حتّى يقال: إنَّه حقيقةٌ أو مجازٌ.
فاتضح: أنَّ استعمال التثنية في أكثر من معنى ليس له وجهٌ معقولٌ، وإنَّما يكون هذا الاستعمال في المادّة فقط، وهو من استعمال المفرد في أكثر من معنى، فيرد عليه نفس الوجوه السابقة. فإن قلنا: إنَّه جائزٌ فهو، وإن قلنا بأنَّه ممتنعٌ لم يمكن الاستعمال.
ــــــــــ[433]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ثُمَّ إنَّه ربما قيل: إنَّه استُدلّ على جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى بالروايات الواردة بأنَّ للقرآن سبعة بطوناً(1) أو سبعين، أو أنَّ له ظهراً وبطناً(2)، فله معنيان ظاهرٌ وباطنٌ، فيتوهّم أنَّ هذا من قبيل استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى.
وأجاب صاحب (الكفاية) عن كونه أجنبيٌ بجوابين(3):
أمّا الأوّل: أنّه لا يمكن أن يكون المراد من بطن القرآن أنَّه حينما أنزله الله تعالى، أنزله بلفظ يُراد به معنيان، فهو ليس من قبيل استعمال اللفظين في المعنيين، بل من قبيل الإرادة المقارنة للاستعمال، فقد اُستعمل اللفظ في معنى واحدٍ لا في معنيين.
وما أفاده في المقام واضح البطلان؛ فإنَّ ذلك لا يكون عظمة للقرآن؛ فإنَّ أيّ كلامٍ نتكلّم به يمكن أن نريد حال استعماله معنى آخر غير مدلولٍ للفظ، بل
ــــــــــ[434]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في بحار الأنوار 89: 40، كتاب القرآن، أبواب فضله وأحكامه وإعجازه، الباب 8.
(2) راجع المصدر المتقدّم.
(3) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 38، المقدّمة، الأمر الثاني عشر، وهمٌ ودفعٌ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
يمكن أن نتكلّم بالمهملات ونريد بها حال الاستعمال معنى مستقلاً، دون أن يكون اللفظ مستعملاً فيه. مع أنَّ هذا كيف يعدّ من بطون القرآن، فيضاف البطن إلى القرآن؟! بل هو من مجرّد المقارنة في الوجود، وهي لا تقتضي أن يُضاف البطن إلى القرآن فيقال: بطن القرآن.
وأجاب ثانياً(1): أنَّ البطن ليس معناه أنَّ اللفظ اُستعمل فيه كما اُستعمل في الظاهر، بل اللفظ اُستعمل في معناه الظاهر، ولكنّ للفظ دلالاتٌ التزاميّةٌ؛ باعتبار أنَّ لذلك المعنى لوازم وملزوماتٍ لا تدركها عقول الناس، ولا تصل إليها عقول العامّة، وفهْم هذه البطون مختصّ بالنبي وأوصيائه، فالبطن لازم الظاهر وملزومٌ له، لا أنَّه اُستعمل فيه.
وما أفاده صحيح، فالمستفاد من الروايات الواردة في المقام كذلك. فقد ورد: أنَّ القرآن ظاهره قصّةٌ وباطنه عِظَةٌ(2)، فيرى الإنسان في سورة أنَّ القرآن يحكي أخبار بني إسرائيل، فظاهره قصّةٌ وتأريخٌ، ولكنّه أجلّ من أن يكون كلامه تاريخاً محضاً، وإنَّما غرضه هداية البشر، كما هو المنصوص في كثيرٍ من الروايات(3)، ليتّعظ الناس بهذه الأخبار ويروا أنَّ بني إسرائيل بطغيانهم وصلوا إلى أيّ مقامٍ. فالقرآن ظاهره قصّةٌ وباطنه عِظَةٌ.
ــــــــــ[435]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 38، المقدّمة، الأمر الثاني عشر، وهمٌ ودفعٌ.
(2) راجع الأحاديث الواردة في البابين الأوّل والثامن من أبواب فضل القرآن وأحكامه وإعجازه من بحار الأنوار 89: 1 و78.
(3) راجع المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وقد ورد في غير واحدٍ من الروايات: “لو أنَّ آيةً نزلت في قومٍ ثمَ مات أولئك، ماتت الآية، إذن ما بقي من القرآن شيءٌ. إنَّ القرآن يجري من أوّله إلى آخره ما قامت السماوات والأرض”(1)، فالقوم هم مورد النزول، وإلَّا فهو عامٌّ لجميع البشر. وهذه البواطن قد تتميّز في بعض الموارد، كما في أخبار بني إسرائيل أو قصّة يوسف الواردة لعظة البشر، وأن يرفع الفرد يده عن شهواته، ويصل إلى المقام الرفيع كيوسف، وإلَّا وصل إلى عكسه، كالمرأة التي كان عندها والتي تسمى بزليخا.
وعليه فالقصص كلّها عظاتٌ. وقد تكون المعاني الباطنة للقرآن غامضةً لا يستكشفها أحدٌ، وإنَّما يَلتفت إليها مَن خوطِب بها ووصيّه، ومن هنا ورد أنَّ القرآن ظاهره أنيقٌ وباطنه عميقٌ، وأنَّ علمه خاصٌّ بمَن خوطب به(2).
فتلخّص: أنَّ الباطن وإن كان معنى غير الظاهر، إلَّا أنَّه ليس من استعمال اللفظ في معنيين، بل اللفظ اُستعمل في معنى واحدٍ، ولكن لهذه المعاني لوازم، من جملتها: أنَّه تعالى في مقام عظة البشر ليقتدوا فيمَن تقدّمهم من الأولياء والفسقة.
ــــــــــ[436]ــــــــــ
(1) تفسير فرات الكوفي: 138، تفسير سورة الأنعام، الآية: 158، وبحار الأنوار 24: 328، كتاب الإمامة، الباب 67، الحديث 46.
(2) راجع الروايات الواردة في الباب الأوّل من أبواب فضل القرآن وأحكامه وإعجازه من بحار الأنوار 89: 20.
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ــــــــــ[437]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الناشر: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1414 – 1993م.
ــــــــــ[438]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي، قم، سنة الطبع: 1406 هـ.
ــــــــــ[439]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
وتقديم وتعليق: أبو القاسم گرجي، المطبعة: جامعة طهران، سنة الطبع: 1346 ش.
ــــــــــ[440]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ــــــــــ[441]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الطبعة: الأولى، سنة الطبع: شعبان المعظم 1419.
ــــــــــ[442]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الناشر: دار الكتب الإسلاميّة – طهران، المطبعة: حيدري، الطبعة: الثالثة، سنة الطبع: 1367 ش.
ــــــــــ[443]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ــــــــــ[444]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
القاسم علي أكبر، الطبعة: الخامسة، 1413هـ- 1992م.
ــــــــــ[445]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الناشر: دار الجيل، المطبعة: دار الجيل، لبنان – بيروت، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1417 – 1997م.
ــــــــــ[446]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
لإحياء التراث بقم المشرفة، المطبعة: مهر – قم، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1414هـ.
ــــــــــ[447]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
ــــــــــ[448]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله) 7
مقدمة هيئة تراث السيد الشهيد محمد الصدر 9
منهجنا في التحقيق 13
[المقدمة: في بيان أُمورٍ] 21
[الأمر الأول: وجه الحاجة إلى علم الأُصول] 21
الأمر الثاني: في موضوع العلم 29
الجهة الأولى: عدم لزوم العلم بموضوع العلم 29
الجهة الثانية: لا يعتبر وجود موضوع واحد للعلم 30
الجهة الثالثة: عدم لزوم البحث عن العوارض الذاتية 35
الجهة الرابعة: موضوع علم الأصول 36
الجهة الخامسة: دعوى تحديد موضوع علم الأصول بالأدلة الأربعة 37
الجهة السادسة: تمايز العلوم 42
الجهة السابعة: تمايز مسائل علم الأصول عن العلوم الأخرى 48
◙ الناحية الأُولى: في ما تمتاز به مسائل علم الأُصول عن مسائل علم الفقه 50
ــــــــــ[449]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
النقض بالأُصول العملية 53
جواب صاحب الكفاية والإشكال عليه 54
المختار من الجواب 56
دخول بعض القواعد الفقهيّة في علم الأصول 57
◙ الناحية الثانية: في ما يمتاز به علم الأصول عن غيره من العلوم الدخيلة في الاستنباط 59
الجهة الثامنة: تعريف علم الأصول 64
الأمر الثالث: الوضع 67
الجهة الأولى: في الحاجة إلى الوضع وعدمه 67
إشكالٌ ودفعٌ 69
الجهة الثانية: في تعيين الواضع 73
نقد كلام المحقّق النائيني 74
الجهة الثالثة: في حقيقة الوضع 79
مناقشة ما ذكره المحقّق الأصفهاني 80
الجهة الرابعة: التحقيق في حقيقة الوضع 82
بيان آخر 83
الجهة الخامسة: أقسام الوضع 88
أقسام الوضع بحسب المعنى 88
أقسام الوضع بحسب اللفظ 91
ــــــــــ[450]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الجهة السادسة: وضع الحروف وما شابهها 93
الاتّجاه الأوّل: أنَّ الموضوع له في الحروف عين الموضوع له في الأسماء 94
تحقيق الحال فيما ذكره صاحب الكفاية 98
الاتّجاه الثاني: عدم وضع الحروف لمعنىً أصلاً 102
تحقيق الحال في هذا القول 103
الجهة السابعة: وجه الاختلاف بين المعنى الحرفي والمعنى الاسمي 105
الوجه الأول: كلام الميرزا النائيني في المقام 105
تحقيق الحال فيما ذكره المحقّق النائيني 115
الوجه الثاني: دعوى بعض الأعاظم في المقام 117
تحقيق الحال في الوجه الثاني 118
الصحيح في التمايز بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي 120
زيادة بيان 124
أقسام الحروف الداخلة على الجمل 130
بحثٌ وتحقيقٌ – [الوضع في الحروف] 134
الجهة الثامنة: الفرق بين الجملة الخبريّة والجملة الإنشائيّة 137
تحقيق الحال فيما أفاده صاحب الكفاية 139
تذكيرٌ وتبصيرٌ 141
حول مدلول الجملة الخبريّة 143
حول مدلول الجملة الإنشائيّة 148
ــــــــــ[451]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
إشكالٌ ودفعٌ 155
الجهة التاسعة: الوضع في أسماء الإشارة ونحوها 159
تحقيق الحال فيما ذكره صاحب الكفاية 160
الأمر الرابع: الاستعمال المجازي 163
الأمر الخامس: استعمال اللفظ في نوعه، أو شخصه، أو صنفه، أو جنسه 171
تحقيق الحال فيما ذكره صاحب الكفاية 173
تفصيل الكلام في المقام 179
جواب صاحب الكفاية عن الإشكال ونقده 180
ردّ السيد الخوئي على جواب صاحب الكفاية 181
جواب المحقّق الأصفهاني في المقام 182
نقد كلام المحقّق الأصفهاني 184
شبهةٌ وجوابٌ 187
استعمال اللفظ وإرادة نوعه 189
استعمال اللفظ وإرادة صنفه 191
استعمال اللفظ وإرادة مثله 195
نقل كلام صاحب الكفاية وتزييفه 196
الأمر السادس: أقسام الدلالة 201
منشأ الدلالات 204
تبعية الدلالة للإرادة 209
ــــــــــ[452]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر السابع: الوضع في المركّبات 213
الأمر الثامن: علامات الحقيقة والمجاز 219
الأُولى: التبادر 219
الثانية: صحّة السلب وعدمها 226
الثالثة: الاطّراد 237
التحقيق في معنى الاطّراد 240
الأمر التاسع: حالات دوران اللفظ 245
دوران اللفظ بين المعنى الحقيقي وغيره 245
الأمر العاشر: الحقيقة الشرعيّة 251
تحقيق الحال في المقام 252
بسط الكلام في ثبوت الحقيقة الشرعيّة وعدم ثبوتها 254
تحرير كلام صاحب الكفاية ونقده 255
الكلام حول وقوع الوضع التعييني بالاستعمال وعدم وقوعه 261
الجهة الأُولى: في وقوع الوضع التعييني بالاستعمال 261
نقل مقالة صاحب الكفاية في المقام والنظر فيها 261
الجهة الثانية: في ثبوت الحقيقة الشرعيّة بالوضع التعييني بالاستعمال 265
تحرير اعتراض صاحب الكفاية والتأمّل فيه 266
ثبوت الحقيقة المتشرّعية وعدم ثبوتها 270
الأمر الحادي عشر: الصحيح والأعمّ 275
ــــــــــ[453]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
التنبيه الأول: في بيان محلّ النزاع 275
التنبيه الثاني: في بيان معنى الصحّة والفساد 278
توهّم خروج الشرائط عن النزاع 281
فساد التوهّم المذكور 282
التنبيه الثالث: في شمول النزاع في الصحيح والأعمّ لغير الأجزاء والشرائط 284
عدم صحّة الوضع للمرتبة العالية 288
نحو تصوير الجامع 291
المقام الأوّل: تصوير الجامع على القول بالصحيح 291
الوجه الأوّل في تصوير الجامع 292
نقد محاولة صاحب الكفاية 293
الوجه الثاني في تصوير الجامع 304
تحقيق الحال في هذا الوجه 305
الوجه الثالث في تصوير الجامع 307
تحقيق الحال في هذا الوجه 310
حول ترتّب النهي عن الفحشاء والمنكر على الصلاة 312
المقام الثاني: تصوير الجامع على تقدير القول بالأعمّ 315
◘ الوجه الأوّل 315
مناقشة الوجه الأوّل 316
الأُول: كلام صاحب الكفاية ومناقشته 316
ــــــــــ[454]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الثاني: مناقشة الشيخ الأُستاذ في المقام 317
تحقيق الحال فيما ذكره المحقّق النائيني 319
لفظ الصلاة موضوع للأركان في مقام الإثبات 323
الترتيب والموالاة داخلان في مفهوم الصلاة 333
◘ الوجه الثاني 335
الأول: اعتراض صاحب الكفاية والنظر فيه 336
الثاني: اعتراض آخر لصاحب الكفاية وجوابه 336
خلاصة البحث في تصوير الجامع 341
التنبيه الرابع: ثمرة البحث في الصحيح والأعمّ 343
الثمرة الأُولى 343
الثمرة الثانية 355
فساد هذه الثمرة 361
نقض الوجه الأول 362
نقض الوجه الثاني 364
الكلام حول اندراج البحث في علم الأصول 367
التنبيه الخامس: وضع الألفاظ في المعاملات 372
بسط المقال وتحقيق الحال 383
بحثٌ وتحقيقٌ 388
تحرير كلام صاحب الكفاية والتأمّل 392
ــــــــــ[455]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج1
الأمر الثاني عشر: الكلام في الاشتراك 399
مناقشة أدلّة صاحب الكفاية حول الاشتراك 401
وضع الأعداد 404
الكلام في امتناع الاشتراك 406
حول جواز استعمال المشترك في الكلام 409
جواب صاحب الكفاية 409
حول منشأ الإشتراك 410
الأمر الثالث عشر: استعمال اللفظ في معنىً متعدّدٍ 415
حول استحالة الاستعمال المذكور 417
حول مخالفة الاستعمال المذكور لظاهر اللفظ وعدمه 423
حول استعال اللفظ في الحقيقة والمجاز 428
تحقيق الكلام حول مقالة صاحب المعالم 430
إشكال وجواب 434
فهرس المصادر 437
فهرس المحتويات 449