تقريرات في علم أصول الفقه
الجزء الثاني
271.261
ص44 الصدر، محمد.
تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج2 (488ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1736/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1736) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
6-12-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
تقريرات في
علم أصول الفقه
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الثاني
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مقدمة
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
[الأمر الرابع عشر:] الكلام في المشتق
وقع الكلام في المشتقّ في أنه حقيقةٌ في خصوص مَن تلبّس بالمبدأ، أو أعمّ منه وممّن انقضى عنه التلبّس [وينبغي بسط الكلام في المقام في طيّ جهاتٍ]:
بيان ذلك: أنَّ المشتقّ عندما يُحمل على الذات، فلا إشكال في إطلاقه على الذات حال التلبّس، فيصحّ أن يُقال: (زيدٌ عالمٌ) فعلاً إذا كان متلبّساً بالعلم كذلك، كما يصحّ أن يجري الوصف عليه بالفعل بلحاظ تلبّسه السابق، كما إطلاقه عليه باعتبار تلبّسه فيما بعد نحو: “مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُه”(1) . ولا إشكال أنَّ القتيل لا يقتل، وإنَّما أُطلق القتيل على مَن يتلبّس به فيما بعد(2). إلى آخر كلمات الفصحاء في ذلك. فصحّة الإطلاق على التلبّس بالفعل مسلّمةٌ. والمراد من التلبّس حال التلبّس لا حال النطق، على ما سيأتي.
ــــــــــ[13]ــــــــــ
() ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب 2: 117، رسالته في الغنائم ووجوب الخمس.
(2) ونحو: وإِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف: 36] وإنما أطلق على العنب باعتبار أنه يكون بعد ذلك خمراً. (منه).
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فلا شكّ في صحّة إطلاق المشتقّ وما يحذو حذوه على المتلبّس بالفعل وعلى المتلبّس فيما مضى وعلى التلبّس فيما بعد، هذا كله صحيح. وقد ورد له استعمالاتٌ في اللغة العادية وفي لغة الفصحاء. كما لا إشكال أنَّ هذا الإطلاق حقيقيٌّ، إذا كان الإطلاق بلحاظ حال التلبّس نحو: زيدٌ عالمٌ بالفعل أو سيكون عالماً أو كان عالماً أو أميراً أو أي وصف آخر، كلّ ذلك صحيحٌ، وإطلاق فيه حقيقيٌّ؛ فإنَّ الإطلاق بلحاظ حال التلبّس وهو حقيقيٌّ ولا إشكالٍ.
كما أنَّه لا إشكال في أنَّ الإطلاق بلحاظ حال مَن يتلبّس به بعد ذلك -كما في القتيل والخمر- هذا الإطلاق صحيحٌ ومجازٌ يقيناً؛ إذ المفروض أنَّه حال الإطلاق غير متلبّسٍ بالمبدأ، ولم يكن متلبّساً فيما مضى، وإنَّما يتلبّس به فيما بعد. فإذا أُطلق (المَلِك) على مَن يكون مَلِكاً فيما بعد نحو: (هذا مَلِكُنا) إذا كان الإطلاق بلحاظ حال المتكلّم، فهو وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّه مجازٌ بلا كلامٍ.
وإنَّما الإشكال في الشقّ الثالث، أي: أن يُطلق عليه المشتقّ باعتبار أنَّه كان متلبّساً فيما مضى، فيُقال: (هذا مَلِكُنا) مع أنَّه معزولٌ فعلاً، وإن كان ملكاً سابقاً، أو (هذا عالمٌ) مع أنَّه نسي ما كان يعلمه. فوقع الكلام في أنَّ هذا الإطلاق بعد الفراغ عن صحّته ووروده في لسان البلغاء هل هو إطلاق حقيقيٌّ أو مجازيٌّ؟
وبعد الفراغ عن صحّة الإطلاق في جميع الصور، وأنَّ الإطلاق في الصورة الأُولى حقيقةٌ وفي الثانية مجازٌ، وقع الإشكال في الصورة الثالثة، أي: فيما إذا كان الإطلاق فعليّاً والتلبّس فيما مضى، فهل هو استعمال حقيقيٌّ أو مجازيٌّ؟ هذا هو محلّ الكلام في المقام.
ــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ثُمَّ إنَّ المراد بالمشتقّ ليس هو المشتقّ الاصطلاحي، بل النسبة بين ما هو محلّ الكلام وبين المشتقّ العموم من وجه، يعني: أنَّ بعض المشتقّات خارجةٌ عن محلّ الكلام، وبعض الجوامد داخلةٌ في محلّ الكلام.
وبيان ذلك: أنَّ اللفظ الواحد قد يكون بحسب وضعه موضوعاً بوضعٍ واحدٍ لمفهومٍ واحدٍ، لم تُلحظ فيه الهيئة مجرّدةً عن المادّة ولا المادّة مجرّدةً عن الهيئة، بل وُضع مجموع الهيئة والمادّة لمعنى واحدٍ، كالإنسان والشجر والحجر، وهذا ما يُسمّى بالجامد، أي: لا يمكن صرفه، فلا يعرض المادّة هيئات متعدّدة ليختلف معناها باختلاف الهيئات.
ويقابل ذلك المشتقّ، فتكون الهيئة فيه موضوعةً بوضعٍ والمادّة بوضعٍ آخر، كأنَّه اشتُقّ من الشيء الآخر قسم، وله قسمٌ آخر، فله شقوقٌ عديدةٌ، ولهذا يُقال له مشتقٌّ، كأسماء الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة وأسماء الزمان والمكان وأسماء الآلة والمصادر المزيدة، بل المصادر المجرّدة كلّها مشتقاتٌ، باعتبار أنَّ المادّة الواحدة المشتركة قد اُشتُقّت منها شقّةٌ، فعرضتها الهيئة الخاصّة، فدلّت على معنى. كما أنَّ الشقّ الآخر يفيد معنى آخر كالضارب والمضروب؛ فإنَّ كلاً منهما يفيد معنى مع اشتراكهما في معنى واحدٍ هو معنى المادّة، فالوضع هنا متعدّدٌ، فلذا يُستفاد من كلّ معنى غير ما يُستفاد من الآخر.
فالجامد وُضع لمعنى مجموع هيئته ومادّته، فالإنسان والحجر يفيد معنى خاصّاً، لا أنَّ الهيئة والمادّة لكلٍّ منهما معنى، بل الجميع يفيد معنى واحداً. وهذا بخلاف كلمة الضارب والمضروب؛ فإنَّ كلاً منهما يدلّ بمادّته على معنىً مشتركٍ
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بينه وبين غيره، وبحسب هيئته يدلّ على معنى مغايرٍ للآخر. فضارب يدلّ على تلبّس الذات بالضرب تلبّساً صدوريّاً، ومضروب يدلّ على تلبّس الذات بالضرب تلبّساً وقوعيّاً.
ثُمَّ إنَّ المشتق قد يكون قابلاً للحمل على الذات، وتتّصف الذات به، ويُحمل عليها حملاً شايعاً صناعيّاً، فتكون الذات فرداً من أفراده، نظير قولنا: (زيدٌ ضاربٌ)، فزيدٌ ذات خارجيّةٌ. ومرادنا بـ(بالذات) ليس خصوص الجواهر، بل يشمل الأعراض أيضاً، فيُقال: (إنَّ هذا الضرب شديدٌ)، فـ(الضرب) ذاتٌ تتّصف بالشدّة، و(شديد) قد حُمل عليه. والموضوع هنا نسمّيه بالذات، والمحمول نسمّيه بالوصف، سواء كانت الذات من الجواهر، كما هو الغالب نحو: (زيدٌ عالمٌ) و(الإنسان مدرِكٌ) و(الحجر ثقيلٌ)، أو عرضاً من الأعراض الخارجيّة نحو: (العلم شريفٌ) و(الضرب شديدٌ) و(الحركة سريعةٌ).
وقد لا يكون المشتقّ قابلاً لحمل شيءٍ حملاً شايعاً صناعيّاً من جوهرٍ أو عَرَضٍ، وذلك كالأفعال، فهي غير قابلةٍ للحمل على الذات، وإنَّما ينسب إليها. وأمّا الحمل بنحو الاتّحاد وجوداً فهو غير قابلٍ في الأفعال الإخباريّة، فضلاً عن الإنشائيّة الطلبيّة: كفعل الأمر ونحوه.
وكذلك المصادر المزيد فيها: كالإكرام والتكريم وغيرها من المصادر، فهي وإن كانت مشتقّةً من المصدر المجرّد، إلَّا أنَّها غير قابلةٍ للحمل على الذات حملاً شايعاً؛ فإنَّه غير قابلٍ لأن يُقال: (زيدٌ إكرامٌ)؛ لأنَّه غير قابلٍ للحمل إلَّا على أفراده؛ فإنَّه وإن كان مشتقّاً، إلَّا أنَّه غير قابلٍ للحمل على أيّ شيءٍ من الأشياء.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بل المصادر المجرّدة أيضاً كذلك؛ فهي وإن كانت مشتقةً؛ فإنَّ لها هيئاتٍ خاصّةً ومادّةً مشتركةً، إلَّا أنَّ المصدر ليس مبدأً للاشتقاق، على ما هو التحقيق، كما أنَّه غير قابلٍ للحمل على شيءٍ، فلا يُقال: (زيد عِلْمٌ).
فالمشتقّ إذن قسمان: قسمٌ قابلٌ للحمل على الذات والاتّحاد معها وجوداً، فتكون الذات موضوعاً، وهذا وصفٌ تُحمل عليه وتتّصف به، وقسمٌ لا يكون قابلاً للحمل على شيءٍ يتّحد معه وجوداً فيكون ذلك موضوعاً ويكون المحمول وصفاً من أوصافه.
كما أنَّ الجوامد على قسمين: قسمٌ يكون قابلاً للحمل على شيءٍ، بأن يكون وصفاً له ومتّحداً معه وجوداً، بل يمكن أن تبقى الذات ويزول الوصف، نحو: (زوجٌ) و(عبد) ونحوهما من الأوصاف الموضوعة لعناوين غير ذاتيّةٍ، بل هي مجرّد وصفٍ من أوصاف الموضوع، كما لو قيل: (زيدٌ زوجٌ) و(هند زوجٌ)، فالزوجيّة قائمةٌ بهما، وهي تُحمل عليهما، إلَّا أنَّها وصفٌ عرضيٌّ منتزعةٌ منهما وقابلةٌ للزوال مع بقائهما. وكذا عنوان العبد لو أُشير إلى شخصٍ خارجيٍّ وقيل: (هذا عبدٌ لزيدٍ)، فعنوان العبوديّة يمكن أن يزول، وتبقى الذات حرّةً.
والحاصل: أنَّ قسماً من الجوامد أوصافٌ للموضوعات والذوات الخارجيّة، وقابلةٌ للزوال مع بقاء الموضوع خارجاً، وهذه هي الجهة التي تشترك بها الجواهر مع المشتقّات، كالمتحرّك والسريع؛ فإنَّه يمكن أيضاً فيها أن تبقى الذات ويذهب الوصف.
وقسمٌ من الجوامد غير قابلةٍ لذلك، كالعناوين المنتزعة من الذات:
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كالحيوان والشجر والإنسان، وهذه الأوصاف لا يمكن أن تزول مع بقاء الذات؛ فإنَّه لا يُعقل أن يكون الإنسان باقياً والإنسانيّة زائلةً؛ فإنَّ شيئيّة الشيء بصورته النوعيّة لا محالة، ولذا لو مات الإنسان، صار جماداً، ولا يبقى إنساناً. ولو فرضنا أنَّ حيواناً استحال إلى ملحٍ، فهو ملحٌ، وليس بحيوانٍ. نعم، المادّة المشتركة بالدقّة العقليّة باقيةٌ، وإنَّما التبدّل والتحوّل كان بحسب الصور النوعيّة، إلَّا أنَّ هذا بالدقّة العقليّة لا بحسب المفاهيم العرفيّة؛ فإنَّه لا يُرى في العرف أنَّ المتّصف بالإنسانيّة هي المادّة المشتركة التي كانت قبل النطفة والتي تبقى موجودةً إلى الأبد. نعم، ليس الانتقال من النطفة إلى العلقة إلى المضغة عدماً ووجوداً، بمعنى: أنَّ النطفة تنعدم، فتوجد العلقة، وإنَّما هو تبدّلٌ في الصورة النوعيّة، كما هو المستفاد من الآية(1)، ثُمَّ يعود الإنسان إلى حالته الأُولى، ويعود جماداً. فالمادّة المشتركة وإن كانت باقيةً، إلَّا أنَّها ليست هي الموصوفة بالإنسانيّة عند العرف، بل المفهوم من كلمة الإنسان أمرٌ يزول بزوال الإنسانيّة، فيصبح موجوداً آخر غير
ــــــــــ[18]ــــــــــ
() أي: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ الحجّ:5، وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ غافر: 67.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الأوّل، ومن هنا حكموا بطهارة الكلب إذا استحال مِلْحاً.
إذن الجوامد قسمان: قسمٌ حاله حال المشتقّ في أنَّه تتّصف به الذات، ويُحمل عليها، وتبقى الذات، ويزول الوصف، وقسمٌ آخر موضوعٌ لعنوانٍ ذاتيٍّ إذا زال زال الموضوع معه عرفاً، وإن كانت المادّة موجودةً بحسب الدقّة العقليّة.
والداخل في محلّ الكلام إنَّما هو القسم الأوّل من المشتقّ، وهو ما كان جارياً على الذات محمولاً عليها، بحيث يمكن بقاء الذات مع زوال الوصف، وهكذا الكلام في الجوامد القابلة للحمل على الذات، بحيث تبقى الذات ويزول الوصف، كما في (العبد) و(الزوج)؛ فإنَّها مندرجةٌ داخلٌ أيضاً في محلّ الكلام. وأمّا الجوامد المنتزعة من مقام الذات فهي خارجةٌ عنه؛ لأنَّها لا يمكن فيها بقاء الذات مع زوالها.
فالنسبة بين ما هو محلّ الكلام وبين المشتقّ الاصطلاحي عمومٌ من وجهٍ، بمعنى: أنَّ بعض الجوامد وبعض المشتقّات داخلةٌ في محلّ الكلام، والبعض الآخر من الجوامد والمشتقات خارجٌ عن محلّ الكلام.
ويؤيّد ذلك ويؤكّده ما ذكره فخر المحقّقين(1) والشهيد الثاني(2) فيما إذا كان
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) أُنظر: (ابن العلّامة الحلي) فخر المحققين أبي طالب محمد بن الحسن الحلي، إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد 3: 52، كتاب النكاح، الباب الثالث، المقصد الأوّل، القسم الثاني، الفصل الأوّل، المطلب الثالث.
(2) أُنظر: مسالك الأفهام 7: 268، كتاب النكاح، الفصل الرابع، السبب الثاني، المسألة الرابعة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لأحدٍ زوجتان كبيرتان وزوجةٌ صغيرةٌ، فأرضعت كلتا الكبيرتين الصغيرةَ وكان الدخول ثابتاً لإحدى الزوجتين الكبيرتين.
فقالا: إنَّه لا إشكال في تحريم الصغيرة والزوجة المرضعة الأُولى؛ باعتبار أنَّ المرضعةَ أمُّ الزوجة والصغيرةَ بنتُ الزوجة المدخول بها؛ إذ المفروض حصول الدخول في الأُولى أو في الثانية على نحو منْع الخلوّ، فالصغيرة بنت زوجةٍ مدخولٍ بها، وهو كافٍ في الحرمة.
وأمّا حرمة المرضعة الثانية ففيه خلافٌ. قال فخر المحقّقين: اختار والدي المصنّف وابن إدريس تحريمها(1).
وهذا الوجه مبنيٌ على أنَّ المشتقّ هل هو حقيقةٌ في الأعمّ من المتلبّس والمنقضي؛ باعتبار أنَّ الصغيرة كانت محرّمةً على زوجها، والزوجيّة قد انقضت، فالمرضعة أمُّ زوجةٍ سابقةٍ، لا زوجةٌ فعليةٌ، فلا يمكن الحكم بالتحريم الثاني إلَّا باعتبار أنَّ المشتق موضوعٌ للأعمّ، فكما تكون أمُّ الزوجة الفعليّة حراماً، كذلك السابقة، فيحكم بحرمة المرضعة الثانية.
وأمّا مَن يرى أنَّ المشتق حقيقةٌ في خصوص المتلبّس بالمبدأ، فلا يرى حرمة الثانية؛ باعتبار أنَّ الصغيرة فاقدةٌ للزوجيّة، وليست زوجةً فعليّةً، ولا دليل على تحريم نكاح مثلها.
ــــــــــ[20]ــــــــــ
(1) أُنظر: (ابن العلّامة الحلي) فخر المحققين أبي طالب محمد بن الحسن الحلي، إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد 3: 52، كتاب النكاح، الباب الثالث، المقصد الأوّل، القسم الثاني، الفصل الأوّل، المطلب الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والغرض من الاستشهاد: أنَّ فخر المحقّقين والشهيد الثاني (قدّس سرّهما) جعلا تحريم المرضعة الثانية مبنيّاً على كون المشتق حقيقةً في الأعمّ، فيُعلم من ذلك أنَّ النزاع لا يختصّ بالمشتقّ الاصطلاحي؛ فإنَّ الزوج ليس مشتقّاً اصطلاحيّاً، ولكنّ النزاع جارٍ فيه وفي أمثاله.
وأما أصل المطلب: فلا إشكال أنَّ الصغيرة تُحرم حرمةً أبديّةً؛ وذلك لِمَا استفدناه من الروايات الخاصّة الواردة في المقام(1) من: أنَّه لا فرق في تحريم الزوجة بين أن تكون بنتاً للزوجة الفعليّة أو للزوجة السابقة. فلو أنَّ زيداً طلّق زوجةً، فتزوّجت وأولدت بنتاً، فهذه البنت تُحرم على الزوج الأوّل؛ لأنَّها بنتُ زوجته السابقة، وهذا التحريم لا يبتني على كون المشتقّ موضوعاً للأعمّ أو لخصوص المتلبّس، وإنّما التحريم بمقتضى الروايات التي تدلّ بعضها على الحكم بالصراحة والبعض الآخر بالإطلاق.
فمنها صحيحة ابن أبي نصر قال: سألتُ أبا الحسن عن الرجل يتزوّج المرأة متعةً، أَيَحلُّ له أن يتزوّج ابنتها؟ قال: “لا”(2). وتدلّ الصحيحة على مقامنا
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في الباب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة من وسائل الشيعة 20: 457، وغيره.
(2) الكليني، الكافي 5: 422، كتاب النكاح، باب الرجل يتزّوج المرأة فيطلّقها أو تموت…، الحديث 2، والصدوق، من لا يحضره الفقيه 3: 464، باب المتعة، الحديث 4604، الطوسي، تهذيب الأحكام 7: 277، كتاب النكاح، الباب 25، الحديث 11، والحر العاملي، وسائل الشيعة 20: 257، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 18، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بالإطلاق، أي سواءً كانت زوجةً بالفعل أو فيما مضى. إلَّا أنَّ بعض الروايات صريحٌ في الحكم، كما في صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألتُ أحدهما عن رجلٍ كانت له جاريةٌ، فأُعتقت، فتزوّجت فَوَلَدت، أَيَصْلُح لمولاها الأوّل أن يتزوّج ابنتها؟ قال: “لا، هي حرامٌ، وهي ابنته، والحرّة والمملوكة في هذا سواءٌ” (1).
فهذه الصحيحة دلّت صريحاً على أنَّه بعد زوال الزوجيّة لو ولدت بنتاً، تُحرم على الأوّل؛ لأنَّها بنتها، فلا يتوقّف تحريم الزوجة الصغيرة على أن تكون زوجيّة أُمّها فعليّةً.
إلَّا أنَّ مورد الصحيحة هو البنت من جهة النسب؛ فإنَّ البنت المذكورة في الرواية بنتٌ بالولادة والنسب. وأمّا الرضاع -كما فرضنا أنَّ الزوجة أرضعت بنتاً بعد زوال الزوجيّة- فلم يرد فيها نصٌّ، إلَّا أنَّه يُلحق بالبنت النسبيّة؛ لقوله: “يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب”(2). فإذا كانت البنت النسبيّة
ــــــــــ[22]ــــــــــ
(1) الكليني، الكافي 5: 433، كتاب النكاح، باب الجمع بين الأُختين، الحديث 10، والطوسي، تهذيب الأحكام 7: 277، كتاب النكاح، الباب 25، الحديث 12، والحر العاملي، وسائل الشيعة 20: 458، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 18، الحديث 2.
(2) الكليني، الكافي 5: 437، باب الرضاع، الحديث 2، والصدوق، من لا يحضره الفقيه 3: 475، باب الرضاع، الحديث 4665، والطوسي، تهذيب الأحكام 7: 292، كتاب النكاح، الباب 25، الحديث 60، والحر العاملي، وسائل الشيعة 20: 371، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 1، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
للزوجة السابقة محرّمةً بمقتضى صحيحة محمّد بن مسلم، فحكم البنت الرضاعيّة كذلك. وهذا لا إشكال فيه، أي: لم يستشكل فخر المحقّقين وصاحب (المسالك) فيه، كما أنَّه لا يتوقّف على النزاع في المشتقّ.
وأمّا المرضعة الثانية فالأمر كما ذكرا (قدس سرّهما)؛ إذ النزاع فيها يبتني على النزاع في المشتقّ. فإن قلنا: إنَّه حقيقةٌ في خصوص المتلبّس، وكانت الصغيرة محرّمةً بالرضاع الأوّل أبديّاً، بطل زواجها حينئذٍ على الأوّل، كما سنبيّن إن شاء الله تعالى. فإذا زالت الزوجيّة إمّا بالحرمة الأبديّة إذا كانت الزوجة المرضعة مدخولاً بها، أو بدون حرمةٍ أبديّةٍ، فالزوجةُ الثانية لم تُرضع زوجةً بالفعل، وإنّما حدث الرضاع بعد زوال الزوجيّة.
فلو فرضنا أنَّ هذا الكلام لم يرد في حقّ الزوجة الأُولى؛ لأنَّها أرضعت زوجةً فعليّةً، وهي مدخولٌ بها، فتُحرم الرضيعة حرمةً أبديّةً، إلَّا أنَّه لا بُدَّ أن يرد في حقّ الزوجة الثانية؛ لأنَّها أُمٌّ لمَن كانت زوجةً، وقد فرضنا أنَّ الزوجيّة في زمانٍ غير متحقّقةٍ، وأنَّ الصغيرة قد حُرّمت منذ الرضاع الأوّل، أو على الأول بطل زواجها، إذن فهذه المرضعة أُمٌّ لمَن كانت زوجةً، لا لزوجةٍ فعليّةٍ، ولا دليل على تحريم المرأة الثانية. وأمّا القول ببطلان زواجها، فلماذا يبطل إذا كانت البنت غير زوجةٍ؛ إذ هي أُمٌّ لغير الزوجة؟! فإنَّ الزوجيّة كانت في زمانٍ، والرضاع في زمانٍ آخر بعده منفصلٍ عنه.
وأمّا بلحاظ النسب فلا يُعقل أن تكون الزوجيّة متقدّمةً على الولادة. وأمّا بلحاظ الرضاع فهو أمرٌ ممكنٌ، كما لو أنَّه تزوّج صغيرةً فطلّقها، أو تمتّع بها
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فانتهت مدّتها أو وهبها الباقي، فارتضعت من امرأةٍ، فكان زمان الأُمومة متأخّراً عن زمان الزوجيّة، وليس هناك دليلٌ على أنَّ أُمّ مَن كانت زوجةً حرامٌ؛ لأنَّها ليس لها مصداقٌ في النسب حتّى يلحقها حكمها.
فالنزاع في تحريم المرضعة الثانية يبتني على مسألة المشتقّ، كما أفادا (قدس سرّهما).
أمّا المرضعة الأُولى فإنَّ الظاهر من كلامهما أنَّ حرمتها ممّا لا إشكال فيه، إلَّا أنَّ للإشكال فيها مجالاً واسعاً، سواء كان مدخولاً بها أولا!
والوجه في ذلك: أنَّ زمان الزوجيّة والأُمومة هنا ليس متّحداً أيضاً ليُقال: إنَّ المرضعة أُمٌّ للزوجة الفعليّة، بل زمان الأُمومة متأخّرٌ عن زمان الزوجيّة.
والسرّ فيه: أنَّ الأُمومة والبنتيّة أمران متضايفان، ففي الزمان الذي تتّصف به المرضعة أنَّها أُمٌّ تتّصف به الصغيرة أنَّها بنتٌ، ولا يُعقل أن تكون المرضعة أُمّاً ولا تكون الصغيرة بنتاً أو بالعكس، فزمان الأمومة والبنتيّة واحدٌ. وهذا الزمان -أي: زمان الأُمومة والبنتيّة- هو زمان انفساخ العقد وزوال الزوجيّة، بل زمان التحريم الأبدي بالنسبة إلى الصغيرة؛ حيث إنَّها بنت زوجةٍ مدخولٍ بها، فزمان الأُمومة والبنتيّة زمان زوال الزوجيّة. ولذا فأيّ زمانٍ كانت المرضعة أُمّاً والصغيرةُ زوجةً، فإنَّه قبل تحقّق الرضاع -أي: إلى آخر جزءٍ من الرضاع- لم تكن أمومةٌ ولا بنتيّةٌ، بل كانت الزوجيّة لكلتيها ثابتةً. وبمجرّد تحقّق الرضاع المحرّم -أي: في آخر جزءٍ من الرضاع- زالت الزوجيّة عن الصغيرة، فهي ليست زوجةً، وإنَّما هي بنتٌ لمَن كانت زوجةً قبل ذلك، فهي محرّمةٌ. وقد قلنا: إنَّه لا فرق
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فيها بين أن تكون بنتاً لزوجةٍ فعليّةٍ أو سابقةٍ، وقد حَرُمت حرمةً أبديّةً، إذا كان مدخولاً بأُمّها، فزمان البنتيّة غير زمان الزوجيّة، فأيّ زمان كانت الصغيرة زوجةً، تكون الكبيرة أُمّاً للزوجة الصغرى.
وعليه فالنزاع في هذه المسألة مبنيٌّ على بحث المشتقّ؛ فإنَّ المرضعة ليست أُمَّ زوجةٍ صغيرةٍ ولا الرضيعة بنت زوجةٍ مدخولٍ بها، ولذا نقول بتحريمها.
هذا، إلَّا أن يُقال: إنَّ الإطلاقات العرفيّة حاكمة بذلك، لأنَّ الزمانين متّصلان، ولايفصل بينهما حتّى الآن العقلي الدقّي، فزمان الأُمومة متّصلٌ بزمان الزوجيّة، ولا يُعقل أن يُفترض آنٌ أقلّ من ذلك، فالعرف يتسامح ويعبّر عن الزوجة السابقة أنَّها زوجةٌ فعليّةٌ. ولكنّنا قد ذكرنا مراراً: أنَّه لا عبرة بالمسامحات العرفيّة؛ فإنَّ الأحكام الشرعيّة موضوعةٌ على موضوعاتها بنحو القضيّة الحقيقيّة، فكلّ ما صدق عليها أنَّها زوجةٌ فعليّةٌ، كانت محرّمةً، وإلَّا فلا.
وأمَّا العرف فقد يطلق ويعبّر عن المرضعة بأنَّها أُمّ الزوجة الفعليّة، إلَّا أنَّه مبنيٌّ على المسامحة، فلا يترتّب عليه أثرٌ شرعيٌّ؛ فإنَّه بالدقّة ليس هناك زمانٌ تتّصف فيه الصغيرة بأنَّها زوجةٌ وأنَّها بنتٌ، بل زمان الزوجيّة انقضى، وتلاها زمان البنتيّة بلا فاصلٍ.
وعليه فهذا مبنيٌّ أيضاً على بحث المشتقّ، غاية الأمر أنَّ ابتناءه عليه في المسألة الأُولى جليٌّ وفي هذه المسألة خفيّ.
وقد استدلّ برواية علي بن مهزيار عن أبي جعفر، قال: قيل له: إنَّ رجلاً تزوّج بجاريةٍ صغيرةٍ، فأرضعتها امرأتُه، ثُمَّ أرضعتها امرأةٌ له أُخرى،
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فقال ابن شبرحة: تُحرم عليه الجارية وامرأتاه. فقال أبو جعفر: “أخطأ ابن شبرمة: تُحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أوّلاً. فأمّا الأخيرة فلم تُحرم عليه، كأنَّها أرضعت ابنته”(1).
واستُدلّ بهذه الرواية على حرمة الأُولى، وحينئذٍ فلا إشكال في حرمتها، ولكنَّ الرواية ضعيفةٌ بصالح بن أبي حمّاد؛ لأنَّه لم يوثّق، فلا يمكن الاعتماد عليها.
إذن، الزوجتان المرضعتان من هذه الجهة سيّان؛ فإنَّه كما لا يمكن الحكم على الثانية بالتحريم إلَّا بالتوسعة في المفهوم الاشتقاقي، كذلك في الأُولى.
هذا إذا فرضنا أنَّ المرضعة الأُولى مدخولٌ بها. وأمَّا إذا لم يكن الأُمّ مدخولاً بها فلا تحرم كلتاهما، لا الأُم؛ لأنَّها أُمّ مَن كانت زوجةً، ولا الصغيرة؛ لأنَّها بنتٌ للزوجة غير المدخول بها، فلا موجب لتحريم المرضعة ولا المرتضعة.
وحينئذٍ، فهل تبقى كلتا المرأتين على زوجيّة الرجل؟
والجواب بالنفي؛ بداهة أنَّه لا يمكن الجمع بين الأُمّ والبنت، فتكون كلٌّ منهما زوجةً بالفعل، فلا بُدَّ من الحكم ببطلان كلا العقدين؛ لعدم إمكان الترجيح بلا مرجّحٍ، فلا محالة لا يبقيان على الزوجيّة؛ لأنَّ بقاء إحداهما دون الأُخرى غير ممكنٍ، والترجيح بلا مرجّح محالٌ.
ونظيره في الحدوث ما إذا تزوّج بامرأةٍ، وعقد وكيله على بنتها أو بالعكس،
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) الكليني، الكافي 5: 446، كتاب النكاح، باب نوادر في الرضاع، الحديث 13، العاملي، وسائل الشيعة 20: 403، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 14، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فكانا بحسب الزمان متحدين في الخارج من ناحية العقد، فمن جهة الترجيح بلا مرجحٍ نحكم ببطلانهما.
هذا في الحدوث وكلامنا في البقاء؛ فإنَّ الجمع بينهما في الزواج غير ممكنٍ؛ حيث إنَّ التحريم الأبدي مفقودٌ في الأُمّ؛ لأنَّه مبنيٌّ على بحث المشتقّ، ولا في البنت؛ لأنَّها بنتُ زوجةٍ غير مدخولٍ بها. إذن لا بُدَّ من الحكم ببطلان عقديهما؛ لأنَّ الترجيح بلا مرجّح ممتنعٌ.
نعم، في الأُختين وردت الرواية(1) بالتخيير، ولكنّ الحكم على خلاف القاعدة، فلو تزوّج بامرأةٍ، وعقد وكيله على أُختها، فالقاعدة تقتضي البطلان، والرواية على التخيير، إلَّا أنَّ هذا حكمٌ مختصٌّ بمورده. وأمّا في الأُمّ والبنت فمقتضى القاعدة هو البطلان في الحدوث والبقاء.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 20: 478، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 25.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ثُمَّ إنَّ النزاع في بحث المشتقّ إنَّما هو في وضْع الهيئات، أي: هل الهيئة موضوعةٌ لإفادة تلبّس الذات بالمبدأ، سواءٌ كان التلبّس فعلياً أو منقضياً، أو إنَّها موضوعةٌ لإفادة التلبّس بالفعل، فيكون الإطلاق بلحاظ حال الانقضاء مجازاً؟
ولا نظر لهذا البحث إلى خصوصيّات المبدأ، وأنَّه أيّ شيءٍ هو؛ فقد يكون عرضيّاً من المقولات التسع العرضيّة: كالكمّ والكيف وغيرهما من المقولات التي يقابلها شيءٌ في الخارج. ومن هنا يُقال عنها: إنَّها مقولاتٌ، أي: تُقال على شيءٍ في الخارج نحو: الأسود والأبيض والقائم والقاعد وغيرها؛ فإنَّها تُحمل على الذات بلحاظ تلبّس الذات بمبدأ من المبادئ الخارجيّة. والمراد بالخارج هنا الأعمّ من النفس؛ فإنَّ العلم مثلاً يُحمل على النفس بما هي خارجيّةٌ، فالمراد بالخارج هو نفس الأمر والواقع.
وقد يكون المبدأ من لواحق المقولات: كالشدّة والضعف والسرعة والبطء، كقولنا: (الحركة سريعةٌ) أو (الحركة بطيئةٌ)، أو (الضرب شديدٌ) أو (الضرب خفيفٌ) وغير ذلك من المشتقّات التي يكون المبدأ فيها لاحقاً لمقولةٍ من المقولات؛ فإنَّ السرعة والبطء والشدّة والضعف قائمةٌ بإحدى المقولات التسع.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فلا فرق بين أن يكون المبدأ من المقولات أو من لواحقها أو أن يكون أمراً اعتباريّاً ليس له ما بإزاءٍ في الخارج، لا بنفسه ولا بمنشأ انتزاعه، وإنَّما هو قائمٌ بالمعتبر، ولا واقع له إلَّا بالاعتبار، كالزوجيّة والملكيّة. فلولا أنَّ الشارع اعتبر الوارث مالكاً للتركة أو المشتري مالكاً للمثمن والبائع مالكاً للثمن، ما كان لها واقع وجودٍ مع قطع النظر عن اعتبار العقلاء أو اعتبار الشارع. فالمبدأ هنا اعتباريٌّ، لا من المقولات، ولا من لواحق المقولات.
وقد يكون المبدأ أمراً انتزاعيّاً، والأمر الانتزاعي ليس موجوداً في الخارج، وإنَّما منشأ انتزاعه موجودٌ، بحيث متى نظر إليه يُنتزع منه هذا الانتزاع، كوقوع الشيء في مكانٍ خاصٍّ، وهذا أمرٌ خارجيٌّ واقعيٌّ من مقولة الأين، وهذا الأمر الخارجي الذي هو منشأ الانتزاع إذا لاحظناه بالنسبة إلى ما هو فوقه، يُنتزع منه وصف التحتيّة، وإذا لاحظناه بالنسبة إلى ما تحته، ينتزع منه وصف الفوقيّة، فالواحد يتّصف بأنَّه فوقٌ وتحتٌ، فالوصفان المتضادّان يجتمعان في شيءٍ واحدٍ، ولكن لا تضادّ بينهما؛ وذلك لاختلاف الإضافة؛ لأنَّه فوقٌ بالنسبة إلى شيءٍ، وتحتٌ بالنسبة إلى شيءٍ آخر. وأمَّا إذا لم تلاحظ النسبة إلى شيءٍ آخر، فلا يُقال: هذا فوقٌ، أو هذا أكبر. فلو قيل: هذا الجسم أكبر أو أصغر، فإنَّه لا جواب له، بل يُقال: ممّ أكبر أو أصغر؟ فالكبر والصغر ليسا موجودين في الخارج، بل الجسم هو المتّصف بكمّيّةٍ خاصّةٍ: بأن يكون طوله مترين، وعرضه كذا، وعمقه كذا. أمّا كبره وصغره فلا واقع لهما إلَّا بالانتزاع من العقل بالإضافة إلى شيءٍ آخر، فيُقال: إنَّه أكبر أو أصغر بالنسبة إلى جسمٍ آخر. وهذه المبادئ تُسمّى بالمبادئ
ــــــــــ[29]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الانتزاعيّة. ولا فرق في محل الكلام بين أن يكون المبدأ خارجيّاً بنفسه أو بتوابعه ولواحقه، أو يكون أمراً اعتباريّاً أو انتزاعيّاً.
وقد يكون المبدأ ذاتيّاً، ونعني بالذاتي في المقام: الجنس والفصل، كقولنا: الناطق، الحيوان.
وقيل: إنَّ هذا القسم خارجٌ عن محلّ الكلام؛ لأنَّه لا بُدَّ في المشتقّ الذي هو محلّ الكلام أن يفرض إمكان بقاء الذات مع زوال الوصف، وإذا فرضنا أنَّ المبدأ ذاتيٌّ كالفصل والجنس، فلا يُعقل هنا بقاء الذات مع زوال الفصل أو زوال الجنس؛ إذ لو انقلب الحيوان جماداً، كما إذا صار ملحاً، فلا تبقى الذات، وكذلك إذا زال النطق عن الإنسان لا تبقى الذات.
بل ذكر شيخنا الأُستاذ(1): أنَّ المبدأ وإن لم يكن ذاتيّاً في باب الكلّيّات، أي: الجنس والفصل، ولكنَّه كان ذاتيّاً في كتاب البرهان، أي: ما يُنتزع من مقام الذات وإن لم يكن مقوّماً للذات، كما لو فرضنا أنَّه ليس مقوّماً للذات بمعنى: أنَّه ليس بجنسٍ ولا فصلٍ، ولكنَّ العقل ينتزعه من نفس مقام الذات من دون لحاظ أمرٍ خارجيٌّ. وهذا يُسمّى بالذاتي في كتاب البرهان، وذلك يُسمّى بالذاتي في باب الكلّيّات. والمنتزع من مقام الذات يكون باعتبار باب الكلّيّات عرضيّاً؛ باعتبار أنَّه ليس مقوّماً للذات؛ لأنَّه ليس بجنسٍ ولا فصلٍ، ولكنّه ذاتيٌّ؛ باعتبار أنَّه منتزعٌ من مقام الذات، أي: يكفي في انتزاع الوصف نفس الذات من دون شيءٍ آخر خارجٍ عنها، كما في الإمكان والامتناع؛ فإنَّ مثلها صفاتٌ تُنتزع من
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 52، المقدّمة، الفصل الثاني، الأمر الثامن.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مقام الذات. فإذا نظرنا إلى مقام الذات مع قطع النظر عن كلّ شيءٍ غيرها في الخارج، فإمّا أن نجده غير قابلٍ للوجود، فهو ممتنعٌ، أو غير قابل للعدم، فهو واجبٌ، وإن كان قابلاً لهما فهو ممكنٌ. فهذه الأوصاف تُنتزع من مقام الذات من دون لحاظ أمرٍ آخر غير نفس الذات بالإضافة إلى الوجود الخارجي. وهذه الصفات تُسمّى بالخارج المحمول، في قبال المحمول بالضميمة، أي: لا تحتاج إلى ضمّ شيءٍ إلى الذات في حمْل العنوان عليها، في قبال ما يحتاج إلى ضمّ شيءٍ إلى الذات ليعمّ الحمل كالأبيض؛ فإنَّ حمل البياض على الجسم إنَّما هو بلحاظ اتّصاف الجسم بالبياض، فاتّصافه به هو الذي أوجب الحمل، فهو من المحمول بالضميمة، بخلاف حمْل الممكن والممتنع على الذات؛ فإنّه ليس باعتبار شيءٍ آخر خارجٍ عن ذات الممكن.
والوجه في ذلك: أنَّ الإنسان إذا لم يكن في ذاته ممكناً، فهو إمَّا واجبٌ أو ممتنعٌ؛ إذ يستحيل الخلوّ، وهذا خلفٌ.
إذن، الإمكان وصفٌ منتزعٌ من مقام الذات من دون ضميمة شيءٍ آخر إلى مرتبة الذات، فيوصف الإنسان بأنَّه ممكنٌ، ويوصف اجتماع النقيضين أنَّه ممتنعٌ، كما يوصف الباري تعالى أنَّه واجبٌ.
وهذه المشتقّات المنتزعة من مقام الذات خارجةٌ عن محلّ البحث؛ إذ لا يُعقل أن تكون الذات باقيةً والوصف زائلاً؛ فإنَّه خلاف ميزان المشتقّ الذي هو إمكان بقاء الذات مع زوال الوصف. فإذا كانت الذات غير قابلةٍ للبقاء فهو غير قابلٍ للنزاع.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إذن، هذه المشتقّات وإن كانت من المشتقّات الاصطلاحيّة: كالممكن والناطق والحيوان والممتنع، إلَّا أنَّ هذا كلّه خارجٌ عن محلّ البحث؛ لعدم إمكان بقاء الذات مع زوال الوصف فيها.
ومنه أيضاً العلّة والمعلول؛ فإنَّ العليّة والمعلوليّة منتزعان من مقام ذات العلّة والمعلول؛ إذ الشيء بذاته يكون علّةً، كما يكون معلولاً، ولا يحتاج الشيء في الاتّصاف بها إلى شيءٍ خارجٍ عن ذاته. فالعليّة والمعلوليّة منتزعةٌ من مقام الذات، وكلّ الصفات المنتزعة من مقام الذات خارجةٌ عن محلّ الكلام.
والصحيح: أنَّ ذلك كلَّه داخلٌ في مقام البحث.
والوجه في ذلك: ما تقدّم الكلام فيه في الدورة السابقة من: أنَّ وضع الهيئة في هذه المواد مغايرٌ لوضع المادّة، فالهيئة موضوعةٌ بوضعٍ، والمادّة موضوعةٌ بوضعٍ آخر. ومن الواضح أنَّ هيئة الممكن أو الممتنع أو الناطق أو الحيوان أو غيرها من الهيئات توضع في ضمن هذه الموادّ بالخصوص، فليس الواضع في موادّها وهيئاتها واحداً، كالحجر والإنسان، مع أنَّه قد تقرّر أنَّه لا يُعقل في الإنسان الوضع للأعمّ؛ لأنَّ زوال الإنسانيّة مساوقٌ لزوال الذات، فلا يبقى شيءٌ حتّى يُحكم عليه أنَّه موضوعٌ للأعمّ أو لخصوص المتلبّس؛ فإنَّ شيئيّة الشيءِ بصورته، فإذا انعدمت الصورة، انعدم الشيء نفسُه. فالهيئة هنا والمادة موضوعان بوضعٍ واحدٍ، وقد سمّيناه وضعاً شخصيّاً.
وهذا بخلاف الناطق والممكن أو الحيوان أو العلّة والمعلول؛ فإنَّ وضع المادّة والهيئة ليس واحداً، بل وُضع كلٌّ منهما على حدةٍ؛ فإنَّ هيئة الممكن اسم
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فاعلٍ موضوعٌ للمتلبّس بالمبدأ على نحوٍ خاصٍّ، وكذلك الناطق اسم فاعلٍ بسيطٍ موضوعٍ للمتلبّس بالمبدأ على نحو خاصٍّ وهكذا.
فوضع الهيئات هنا يغاير وضع الموادّ؛ فإنَّ كلاً منهما موضوعةٌ بوضعٍ مستقلٍّ.
ومعه فأيّ مانعٍ من وضْع هيئة الممكن للأعمّ من المتلبّس والمنقضي؟! غاية الأمر أنَّه في خصوص هذا الفرد -أي: إذا كان المبدأ هو الإمكان- لا يُعقل فيه بقاء الذات مع زوال الوصف، مع أنَّ الهيئة ليست مخصوصةً بهذه المادّة ليُقال: إنَّه لا يُعقل الوضع للأعمّ، بل هي موضوعةٌ لمعنى كلّيٍّ قد يتحقّق في هذه المادّة، وقد يتحقّق في مادّةٍ أُخرى؛ فإنَّ الممكن مثلاً يفيد نفس المعنى الذي يفيده مسلمٌ أو مكرمٌ مثلاً.
نعم، في خصوص الممكن لا يُتصوّر زوال الوصف مع بقاء الذات، إلَّا أنَّه لا يجوز تخصيص الهيئة بهذه المادّة؛ فإنَّ الهيئة قد تتحقّق في ضمن هذه المادّة، وقد تتحقّق في ضمن مادّةٍ أُخرى: كالمكرم والمحسن، فيمكن أن تكون الذات باقيةً، والوصف كالإكرام والإحسان زائلاً.
وبعبارةٍ أُخرى: لو كان لفظ (الممكن) موضوعاً بوضعٍ واحدٍ، لكان للكلام فيه مجالٌ، من حيث إنَّه لا يجوز بقاء الذات مع زوال الوصف، فلا يمكن فيه جريان النزاع. لكن من المعلوم أنَّ حيثيّة الممكن لم توضع في خصوص هذه المادّة فقط، بل وُضعت على نحوٍ كليٍّ، وقد مرّ أنَّه وضعٌ نوعي، فلا اختصاص لها بهذه المادّة؛ لأنَّ الهيئة لها فردان: فردٌ يتحقّق بهذه المادّة، وفردٌ يتحقّق بمادّةٍ أُخرى.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ومن هنا يظهر: أنَّ مثل الناطق داخلٌ أيضاً؛ فإنَّ الكلمة لم توضع بوضعٍ واحدٍ حتّى يُقال: كيف يمكن بقاء الذات مع زوال الوصف، كالفصل أو الجنس، كما في لفظ الحيوان؟ فإنَّ هيئة (ناطق) و(قائم) موضوعةٌ بوضعٍ واحدٍ، وهيئة (حيوان) موضوعةٌ بوضعٍ واحدٍ، فيمكن أن تكون الهيئة موضوعةً للأعمّ، وإن كان نحوها ممتنعاً في خصوص هذا المورد.
إذن، لا وجه لإخراج هذه المشتقّات عن محلّ البحث. وعليه فلا موقع للدعوى القائلة بأنَّ هذه المشتقّات: كالممكن والناطق والممتنع والحيوان والعلّة والمعلول وغيرها من المشتقّات المنتزعة من مقام الذات خارجةٌ عن محلّ البحث؛ فإنَّها لم توضع بالأوضاع الشخصيّة ليُقال: إنَّه لا يُعقل الوضع فيها للأعمّ، بل الوضع فيها نوعيٌّ، والهيئات فيها موضوعةٌ بإزاءٍ ومعنىً جامعٍ، فيمكن أن يكون هذا الجامع موضوعاً بإزاءٍ الأعمّ، وإن كان ممتنعاً في خصوص هذه الموادّ.
إذن، لا يختلف حال المبدأ بين أن يكون من الأعراض أو لواحق الأعراض أو من الأُمور الانتزاعيّة أو الاعتباريّة أو الأُمور الذاتيّة، بل كلّ مشتقٍّ اصطلاحيٍّ -أي كانت هيئته موضوعةً بوضعٍ ومادّته بوضعٍ آخر- إذا كان قابلاً للجري على الذات في قبال الأفعال والمصادر، فهو داخلٌ في محلّ الكلام بجميع أقسامه، والخارج هو خصوص الجوامد التي يكون فيها الوضع شخصيّاً؛ فإنَّه هناك لا معنى للنزاع، بل الوضع فيها للمتلبّس قطعاً.
فقد تحصّل ممّا ذكرنا: أنَّ جميع المشتقّات القابلة للحمل على الذات داخلةٌ في محلِّ الكلام، سواءٌ كان المبدأ ذاتيّاً أو عرضيّاً؛ إذ حتّى لو كان ذاتيّاً في باب
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الكلّيّات -أعني: الجنس والفصل- فإنَّه داخلٌ أيضاً في محلّ الكلام؛ وذلك لِمَا تقدّم من أنَّ وضع الهيئات نوعيٌّ لا شخصيٌّ؛ إذ الهيئة التي في ضمن (ناطق) و(قائم) موضوعةٌ بوضعٍ واحدٍ، بلا اختلافٍ بين مادّةٍ ومادّةٍ أُخرى. وعلى ذلك فالهيئة موضوعةٌ للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، وإن كانت خصوص هذه المادّة غير قابلةٍ للزوال عن الذات.
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وممّا ذكرنا يظهر الحال في اسم الزمان، والإشكال المعروف فيه بخروجه عن محلِّ الكلام؛ إذ لا يُعقل فيه بقاء الذات مع زوال الوصف، إلَّا بناءً على التوسعة: بأن يلاحظ اليوم أو الشهر أو السنة ويقول: (هذه السنة مقتل زيدٍ)، وإن كان ذلك بحسب الدقّة متعذّراً؛ لأنَّ الزمان الذي هو ظرف القتل قد انعدم بانعدام القتل؛ لأنَّه متصرّم الذات، وليس للذات بقاءٌ مع ذهاب القتل وانعدامه، والساعة الثانية بعد ساعة القتل ليست من ساعات القتل قطعاً.
نعم، باعتبار اليوم يصحّ أن يُقال: (هذا اليوم مقتل زيدٍ)؛ باعتبار جزءٍ منه لا جميع أجزائه، وهو بهذا الاعتبار لا انقضاء له ولا انعدام، أي: إنَّه غير قابلٍ للانعدام؛ لأنَّ ما وقع لا ينقلب.
وعليه فالإشكال في اسم الزمان هو: أنَّه لا يُعقل فيه بقاء الذات وزوال الوصف؛ لأنَّه إذا زال الوصف زال الزمان الذي وقع فيه الحدث، فلا يجري فيه النزاع في أنَّه موضوعٌ للأعمّ أو لخصوص المتلبّس.
وممّا ذكرناه يظهر الجواب؛ فإنَّ الإشكال مبنيٌّ على أن تكون هيئة اسم الزمان والمكان من الهيئات المشتركة بالمعنى المعروف، أي: أن يكون للهيئة وضعان وضع للزمان تارةً وللمكان أُخرى، فيُقال: إنَّ هيئة (مَفعَل) موضوعةٌ
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بوضعٍ للدلالة على نسبة المبدأ إلى الزمان، ووُضعت بوضعٍ آخر للدلالة على نسبة المادّة إلى المكان، فيُقال: (هذا المكان مقتل زيدٍ)، ويُقال: (هذا اليوم مقتل زيدٍ).
فإن ثبت هذا الأمر -أعني: أنَّ هيئة (مفعل) موضوعةٌ بوضعين مستقلّين لمعنيين- كان للإشكال مجالٌ واسعٌ، فإنَّه يُقال: إنَّه لا يُعقل وضع هيئة (مفعل) للأعمّ من المتلبّس، مع أنَّه لا يُعقل فيها بقاء الذات مع زوال الوصف.
وأمَّا إذا أنكرنا المشترك كلّيّةً -كما تقدّم- وقلنا: إنَّ المشترك بالمعنى المذكور غير معقولٍ؛ لأنَّ الوضع هو التعهّد بأن يتعهّد المتكلّم أنَّه متى ما تكلّم بهذا الكلام، لم يرد منه المعنى الفلاني، ولا يمكن اجتماع تعهّدين على لفظٍ واحدٍ؛ لأنَّهما متنافيان، فلا يمكن الاشتراك بهذا المعنى المزبور.
ولو تنزّلنا والتزمنا بالاشتراك في الأسماء، فإنَّا لا نلتزم به في اسم الزمان والمكان؛ لأنَّه لم يدلّ عليه دليلٌ، إلَّا كون هذه الهيئة تُستعمل في لغة العرب في مقامين: للدلالة على الزمان وعلى المكان. وهذه الهيئة إذا اُستعملت، فتارةً تُحمل على الزمان وأُخرى على المكان، والحملان صحيحان، إلَّا أنَّه لا دليل في هذا على الاشتراك؛ لأنَّ من الواضح أنَّ صحّة الاستعمال في الحمل على الزمان والمكان لا يدلّ على تفرّد الوضع. وإنَّما المستفاد من هيئة (مفعل) هو الدلالة على أنَّ الذات ظرفٌ ووعاءٌ للمبدأ، فيوم القتل معناه وعاء القتل، والظرف والوعاء أعمّ من الزمان والمكان، فهو موضوعٌ للجامع، لا لخصوص كلٍّ منها.
وعليه فحتّى لو اعترفنا بوجود الاشتراك، إلَّا أنَّه في المقام لا موجب ولا
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مقتضي له، كما لا دليل عليه. أمَّا أنَّه لا مقتضي له فلوضوح أنَّه لا موجب لوضعها بوضعين مستقلّين بعد إمكان استفادتهما بوضعٍ واحدٍ. وأمَّا أنَّه لا دليل عليه فلأنَّه مجرّد استعمالٍ، وصحّة الاستعمال لا تكشف عن تعدّد الوضع، بل قد تكون ناشئةً من وضعٍ واحدٍ.
فإذا كانت هيئة (مفعل) موضوعةً بوضعٍ واحدٍ للدلالة على ظرف القتل، فالموضوع له فيها هو الجامع، وإنَّما تُستفاد الخصوصيّة من القرائن، فإذا حُملت على المكان دلّت على المكان، وإذا حُملت على الزمان دلّت عليه. ومعه يصحّ أن يُقال: إنَّ الساعة الفلانيّة كانت مقتل زيدٍ، أي: وعاء قتله، كما يصحّ أن يُقال: إنَّ هذا المكان كان مقتل زيدٍ، أي: إنَّ قتْله كان في هذا المكان. فإذا كانت هذه الهيئة موضوعةً للمعنى الجامع بين الزمان والمكان، اندفع الإشكال من رأسٍ؛ لأنَّ طبيعيّ الظرف وجامعه قابلٌ للبقاء مع زوال المبدأ، وإن كانت هذه القابليّة في خصوص الزمان غير معقولةٍ، إلَّا أنَّ الهيئة لم توضع لخصوصه حتّى يُقال: إنَّه لا يُعقل الوضع للأعمّ؛ لعدم إمكان بقاء الذات مع زوال الوصف. فحاله حال (الناطق) و(الممكن) وغيرهما من المشتقّات التي لا يمكن فيها بقاء الذات مع زوال الوصف، إلَّا أنَّ الهيئة فيها موضوعةٌ على نحو الوضع النوعي من دون اختصاص بمادّة خاصّةٍ. كما يجري هذا الكلام في المقام؛ فإنَّ هيئة (مفعل) كذلك لم توضع لخصوص الزمان ليستحيل الوضع للأعمّ، بل وُضعت لطبيعيّ الظرف للدلالة على النسبة القائمة بين المبدأ وطبيعي الظرف، والظرف قد يكون باقياً مع زوال الوصف، وإن كان في خصوص الزمان متعذّراً.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إذن، اسم الزمان غير خارجٍ عن البحث، بل الكلام فيه سالبٌ بانتفاء الموضوع؛ لأنَّه لم توضع له هيئةٌ معيّنةٌ حتّى يُقال: إنَّه خارجٌ عن محلّ الكلام أو داخلٌ. وأمَّا الجامع فهو موضوعٌ له، ويمكن أن تبقى ذاته مع زوال وصفه.
وأمَّا ما ذكره صاحب (الكفاية) في جواب الإشكال(1) من: أنَّه لا يلزم من وضع اللفظ للجامع أن يكون جميع أفراده ممكنةً، بل يمكن وضع اللفظ بإزاء جامعٍ بعضُ أفراده ممكنٌ والآخر ممتنعٌ، وإلَّا لم يقع النزاع في الموضوع له لفظ الجلالة (الله). مع أنَّه وقع النزاع في أنَّه علمٌ شخصيٌّ أو اسم جنسٍ، فلو لم يكن الوضع لجامع بعض أفراده ممتنعاً، لم يبق مجالٌ للنزاع؛ بداهة أنَّ المعبود بالحقّ واحدٌ، وباقي الأفراد مستحيلٌ، فكيف يقع النزاع في أنَّ لفظ الجلالة هل هو موضوعٌ بإزاء جامعٍ كلُّ أفراده مستحيلةٌ إلَّا واحداً، أو أنَّه علم شخصي؟!
إذن، فليكن اسم الزمان من هذا القبيل؛ فإنَّ استحالة الفرد الآخر كاسم الزمان لا ينافي بقاء الذات مع زوال الوصف، ولا يلازم أن تكون الهيئة موضوعةً لخصوص المتلبّس، بل يمكن أن تكون موضوعةً للجامع وإن كان أحد الأفراد مستحيلاً.
بل إنَّه ترقى فأفاد: أنَّ لفظ الجلالة من هذا القبيل؛ فإنَّه وإن كان اسم الزمان محلاً للبحث، إلَّا أنَّه لم يتوهّم أحدٌ أنَّ اسم الجلالة علمٌ شخصيٌّ، وإنَّما هو موضوعٌ للجامع، غاية الأمر أنَّه منحصرٌ فيه تعالى، وفي غيره مستحيلٌ،
ــــــــــ[39]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 40، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وكلمة (الواجب) موضوعةٌ بإزاء جامعٍ بعضُ أفراده ممكنٌ (أي بالمعنى الأعمّ) والآخر مستحيلٌ(1).
إلَّا أنَّ هذا الجواب لا يرجع إلى محصّلٍ.
أمَّا جوابه الأوّل: -أي: أنَّ امتناع فردٍ لا يوجب وضْع اللفظ بإزاء الفرد الممكن، بل يمكن وضع اللفظ بإزاء الجامع- فهو وجيهٌ في الجملة؛ فإنَّه لا يجب أن يكون الموضوع له ممكناً، بل يمكن وضع اللفظ للجامع بين الممكن والمستحيل، كما في لفظ الاجتماع والدور وغيره؛ فإنَّ الاجتماع هو تقارن شيءٍ وشيءٍ وتقاربهما، والاجتماع مفهومٌ عامٌّ، بعض أفراده ممكنٌ، والأفراد الأُخرى مستحيلةٌ. فإذا أُضيف إلى شخصين، كان ممكناً، وإذا أُضيف إلى النقيضين، كان مستحيلاً. وكذلك الدور؛ فإنَّه عبارةٌ عن شيءٍ يرجع إلى ما كان عليه على نحو الدائرة. ثُمَّ إنَّ الدور قد يكون وعاؤه الشيء الخارجي، كالشخص الذي يدور حول نفسه، وقد يكون دوراً بلحاظ العلّيّة والمعلوليّة: بأن يكون ما فرضناه علّةً يرجع ويكون معلولاً أو بالعكس، والدور في العلّيّة مستحيلٌ، ولكنّ الدور الخارجيّ ممكنٌ، والموضوع له اللفظ مفهومٌ عامٌّ، بعض أفراده معقولةٌ ممكنةٌ، والأُخرى مستحيلةٌ. ومن هذا القبيل الطيران؛ فإنَّه بالنسبة إلى ما لا قابليّة له على الطيران مستحيلٌ، وبالنسبة إلى ما له قابليّة عليه ممكنٌ.
هذا، إلَّا أنَّه في محلّ الكلام لا يمكن الالتزام به؛ فإنّ الوضع لا بُدَّ وأن يكون لفائدةٍ، وفائدته الإفادة والاستفادة، وإلَّا أصبح الوضع لغواً. فكلّ ما
ــــــــــ[40]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يكون محلّ حاجة الإنسان لا بُدَّ من استعمال اللفظ فيه، وقد يحتاج إلى بيان أنَّ اجتماع النقيضين مستحيلٌ، فلا بُدَّ من تفهيمه إمَّا من استعمال لفظٍ موضوعٍ بإزاء خصوص اجتماع النقيضين، وإمَّا أن نستعمل الجامع في موردٍ خاصٍّ مع قرينةٍ، كما هو الواقع. وكذلك شريك الباري؛ فإنَّنا قد نحتاج إلى تفهيم أنَّ الباري واحدٌ ليس له شريكٌ. وبيان ذلك: إمَّا بلفظٍ موضوعٍ بإزاء الشريك قائلين: (هذا مستحيلٌ)، أو عن طريق كلمة الشريك الموضوعة بإزاء معنى جامعٍ؛ فإنَّه قد يُفرض الشريك في المال، وقد يُفرض الشريك في الإلوهيّة، والأول ممكنٌ، والآخر مستحيلٌ.
ففي هذه الموارد التي نحتاج فيها إلى استعمال اللفظ وتفهيم المعنى يتمّ التفهيم إمَّا بلفظٍ موضوعٍ لشخصه، أو موضوعٍ للجامع وتعيين الفرد الممتنع بقرينةٍ. ولا يُقال للواضع: لماذا وضعتَ اللفظ بإزاء معنى جامعٍ، أحدُ أفراده ممكنٌ، والآخر ممتنعٌ؟ وذلك للحاجة إليه.
وأمَّا في خصوص اسم الزمان فإنْ وُضع اسم الزمان للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، فأيّ فائدة فيه؟ مع أنَّ الفائدة في خصوص المتلبّس، فيكون الوضع في غيره لغواً.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا لا ننكر وضع اللفظ للجامع، وإنَّما الكلام في اسم الزمان؛ فإنَّ الغرض من الوضع لا بُدَّ أن يكون متحقّقاً؛ لئلّا يكون الوضع لغواً. وفي اسم الزمان وضع اللفظ بإزاء الجامع الأعمّ لغوٌ، بعد التسليم بأنَّ هيئة (مفعل) موضوعةٌ بوضعٍ واحدٍ، ولم توضع للزمان بخصوصه.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمَّا كلامه حول الواجب فإنَّه من الغرائب؛ فإنَّ لفظ الواجب موضوعٌ للثابت؛ إذ الوجوب بمعنى: الثبوت، وهو قد يكون تشريعيّاً، وقد يكون تكوينيّاً. وبيان ذلك: أنَّ الصلاة واجبةٌ تشريعاً، والله تعالى واجبٌ تكويناً، ونحن نستفيد من لفظ الوجوب المسند إلى الصلاة نفس المعنى المسند إلى شيءٍ آخر تكوينيٍّ أو تشريعيٍّ، أعني: الثبوت.
ثُمَّ الثبوت في التكوين قد يكون ثبوتاً ذاتيّاً، وقد يكون ثبوتاً من غيره، وهذا هو مرادهم بالواجب بذاته والواجب بالغير؛ فإنَّ الممكنات كلّها واجبةٌ، إلَّا أنَّها واجبةٌ بالغير، فهي ثابتةٌ، ولكنْ بمشيئة الله وفعله، إلَّا أنَّ الله تعالى واجبٌ بنفسه من دون علّةٍ.
وعليه فلفظ الواجب في ذاته مختصٌّ به سبحانه وتعالى، إلَّا أنَّه ليس له وضعٌ واحدٌ، بل أوضاعٌ مختلفةٌ؛ فإنَّ هذا المفهوم نشأ من ضمّ كلمةٍ إلى كلمةٍ أُخرى، إلَّا أنَّ هذا المفهوم ليس له وضعٌ واحدٌ ليُقال: إنَّه موضوعٌ لفردٍ واحدٍ بعضُهُ مستحيلٌ والآخر ممكنٌ، وإنَّما وُضع بإزاء مفهومٍ يصدق عليه فقط بنحو تعدّد الدالّ والمدلول.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ثُمَّ تعرّض صاحب (الكفاية)(1) –بمناسبة البحث عن المشتقّ- إلى مداليل الأفعال؛ من حيث إنَّ المراد بالمشتقّ في المقام ليس هو مطلق المشتقّ، وإنَّما ما يكون جارياً على الذات، فما لا يكون جارياً على الذات كان خارجاً عن محلّ الكلام، كالمصادر المزيد فيها، بل المصادر المجرّدة، وكذلك الأفعال. وبهذه المناسبة تعرّض للأفعال والفرق بينها وبين الأسماء.
◙ المعروف: أنَّ الفعل يدلّ على وقوع الحدث في أحد الأزمنة الثلاثة، فالزمان بالنسبة إلى فعل الأمر وما يلحق به كالنهي هو الزمان الحاضر، وبالنسبة إلى الفعل الماضي دالٌّ على تحقّق المبدأ في الزمان الماضي، وبالنسبة إلى الفعل المضارع دالٌّ على الجامع بين الحال والاستقبال، أي: أحد الزمانين.
◙ غير أنَّ المقطوع به: أنَّ الزمان ليس له دخلٌ في الموضوع له الفعل على نحو الدلالة التضمنيّة؛ ضرورة أنَّ الزمان ليس بمدلولٍ لا للهيئة ولا للمادّة؛ فإنَّ المادّة موضوعةٌ للحدث المجرّد عن كلّ شيءٍ، ولم يُؤخذ فيه شيءٌ، كالضرب
ــــــــــ[43]ــــــــــ
( ) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 40، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الأمر الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والقتل والقيام وغيرها من المبادئ. وأمَّا الهيئة فوُضعت للدلالة على نسبة المادّة إلى شيء نسبةً مّا، على اختلاف النسب والروابط، نظير اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة واسم المكان والزمان. وعليه فليس الزمان مدلولاً للهيئة ولا للمادّة، كما هو ظاهرٌ، كما لا يُحتمل إرادة أنَّ الزمان جزءٌ من المعنى، ودلالة اللفظ عليه دلالةٌ تضمّنيّةٌ.
وإنَّما الكلام في تقييد المعنى بالزمان على نحوٍ يكون التقيّد داخلاً والقيد خارجاً. وهذا بحسب الإمكان معقولٌ؛ فإنَّه يمكن وضْع اللفظ بهيئته، بحيث تكون موضوعةً للدلالة على وقوع المادّة في الزمان الماضي في الفعل الماضي، أو دالَّة على وقوع المادّة في الحال وما بعده في المضارع. وهذا البيان جائزٌ لا مانع منه؛ فإنَّ النسب تختلف بحسب الخصوصيّات، فيمكن أن يكون المأخوذ في الفعل دلالته على المبدأ في زمانٍ مّا.
إلَّا أنَّ الكلام في وقوعه، مع أنَّ من المعلوم أنَّه غير واقعٍ؛ فإنَّه لا يدلّ على الزمان، لا دلالةً تضمّنيّةً ولا دلالةً التزاميّةً، أي: لم تُؤخذ فيه خصوصيّة الاقتران بالزمان الماضي أو الحال أو الاستقبال.
أمَّا بالنسبة إلى الأمر والنهي فظاهرٌ؛ لأنَّ الأمر لا دلالة له إلَّا على إبراز ما اعتبره الآمر من جهة المادّة في ذمّة المخاطب، أو فقل: إنَّه موضوعٌ للطلب. وعلى كلّ حالٍ فهو صيغةٌ إنشائيّةٌ بالمعنى المعروف القائل بأنَّ الإنشاء إيجادٌ للمعنى باللفظ، أو بالمعنى الذي ذكرناه واخترناه. وكيفما كان، فلا فرق بين الإخبار والإنشاء من هذا الجهة، وكما أنَّ الإخبار حاليٌّ، فكذلك الإنشاء. فهل
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يمكن أن يُقال بدلالة (زيد قائمٌ) على الزمان الحاضر، مع أنَّ هذه الدلالة من الأُمور المقارنة، لا أنَّها مأخوذةٌ في المدلول، أي: إنَّ الفعل حال حدوثه حادثٌ في الزمان الحاضر، كما إذا قام زيدٌ؛ فإنَّ الزمان يكون حاضراً. وكذلك إنشاؤه -أو فقل: إبراز الطلب- يكون في الزمان الحاضر، سواء كان الإنشاء بمعنى: إيجاد المعنى باللفظ أو إيجاد الطلب أو غيره، فالحال فيه هو الزمان الحاضر، ولا يختلف في ذلك عن الجمل الاسميّة. فإذا قيل: هل زيدٌ قائمٌ؟ هل يمكن أن يُقال: إنَّه يدلّ على الزمان الحاضر؛ لأنَّ الاستفهام وقع في هذا الزمان؟ مع أنَّ ذلك أمرٌ مشتركٌ بين الجمل الفعليّة والاسميّة، بل وبين كلّ فعلٍ يقوم به الإنسان؛ فإنَّ كلّ فعلٍ لا بُدَّ أن يقع في الزمان الحاضر، أي: في الزمان الذي يقع فيه، فهل يمكن أن يُقال: إنَّ له دلالةً على الزمان الذي وقع فيه؟!
نعم، قد يقال: بأنَّ هيئة الأمر تدلّ على طلب الفعل في هذا الزمان، وأنَّ الفعل كالمأمور به مقيّدٌ بالزمان. فإذا قال المولى لعبده: (اسقني ماءً) دلّ على أنَّ المطلوب هو السقي في الزمان الحاضر. إلَّا أنَّنا ذكرنا وسنذكر في مبحث (الفور والتراخي) أنَّ الأمر لا بمادّته ولا بهيئته دالٌّ على الفور، وإنَّما يدلّ على طلب الطبيعة الجامعة بين الفور والتراخي، وإنَّما يستفاد أحدهما من دليلٍ آخر.
وعليه فدعوى: أنَّ فعل الأمر يدلّ على الزمان وأنه الزمان الحاضر باطل جزماً.
وكذلك الحال بالنسبة إلى الفعل الماضي والمضارع؛ وذلك لأنَّا نرى أنَّ استعماله بلا عنايةٍ ولا تجوّز في نسبة الفعل إلى شيءٍ لا يقع فعله في الزمان، كالله
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
عزّ وجلّ والمجرّدات أو نفس الزمان، فإنَّنا لا نرى فرقاً بين قولنا: (علم الله) أو: (علم زيدٌ)، وقولنا: (قال الله) أو (قال زيدٌ)، إلى غير ذلك من الأفعال التي تُنسب إلى الله تعالى وإلى غيره؛ فإنَّنا بحسب المفهوم لا نريد في قولنا: (علم الله) معنى غير الذي نريده بقولنا: (قال زيدٌ) أو (قام زيدٌ). فلو كانت الدلالة على الزمان في الفعل مستندةً إلى الوضع، فلا بُدَّ من التجريد في مثل هذه الموارد، ولكان الاستعمال مجازياً، مع أنَّنا بالضرورة لا نرى فيه مجازاً. وكذا الكلام في الأفعال المستندة إلى نفس الزمان، فإذا قلنا: (مضى اليوم) و(مضى الشهر) و(مضت السنة)، فالمضي نسب إلى الزمان وإلى غيره، ولا يُعقل أن يكون مضيّ الزمان واقعاً في الزمان؛ لأنَّ الزمان لا زمان له، وبالوجدان نرى أنَّ هذه الأفعال مستعملةٌ من دون مسامحةٍ ولا مجازٍ.
نعم، بحسب الإمكان لا مانع أن يضع الواضع الفعل للدلالة على وقوع الفعل في الزمان الحاضر، ولكن بحسب الوقوع لم يقع؛ فإنَّ استعمال الأفعال يصحّ فيما إذا كان الفاعل زمانيّاً أو غير زمانيٍّ كالمجرّدات والله تعالى، كما أنَّ نفس الزمان على حدٍّ واحدٍ ومعنى واحدٍ من دون عنايةٍ. ففي قولنا: (خَلَقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ) لا نريد من (خَلَقَ) معنى غير الذي نريد في سائر الأفعال، مع أنَّ (خلْق الله تعالى) لم يكن في الزمان، بل كان الزمان بعد خلْق السماوات والأرض على القول بأنَّ الزمان ينشأ من حركة الأفلاك.
إذن، فلا يُحتمل أن تكون الأفعال دالّةً على الزمان على نحو يكون التقيّد داخلاً والقيد خارجاً، بل حال الأفعال والأسماء واحدٌ، فكما أنَّ الجملة
ــــــــــ[46]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الاسميّة لا تدلّ على الزمان، فكذلك الجملة الفعليّة.
نعم، إذا أُسند الفعل إلى الزماني بالقول: (قام زيدٌ)، فإنَّه لا محالة يُستفاد منه الزمان؛ لأنَّ القيام لا يكون إلَّا في زمانٍ، إلَّا أنَّ هذه الدلالة ليست وضعيّةً، بل هي دلالةٌ عقليّةٌ؛ باعتبار أنَّ (زيد) زماني، فالفعل الصادر منه يقع في الزمان لا محالة.
فالدلالة الالتزاميّة موجودةٌ، إلَّا أن منشأها هو حكم العقل لا الوضع، ولم يُؤخذ في المعنى أمرٌ يدلّ على الزمان، وإنَّما هذا من لوازم كون الفاعل زمانيّاً؛ فإنَّه لا بُدَّ من وقوع فعله في الزمان. كما يدلّ على المكان أيضاً؛ لأنَّ القيام لا يكون إلَّا في مكانٍ أيضاً. فهل يُقال: إنَّ الفعل يدلّ على المكان؛ لأنَّه لا يقع الفعل إلَّا في المكان، بل ذلك من لوازم المعنى عقلاً لا وضعاً.
وهذا المعنى متحقّقٌ في الجمل الاسميّة أيضاً نحو قولنا: (زيدٌ قائمٌ)؛ فإنَّه لا بُدَّ أن يقع القيام في زمانٍ، غاية الأمر أنَّه أحد الأزمنة: الماضي أو الحاضر أو المستقبل، فدائرة الجملة الاسميّة أوسع من دائرة الجملة الفعليّة؛ فإنَّ الزمان الذي يستلزمه الجملة الفعليّة عقلاً هو إمَّا خصوص الماضي أو الحال أو الاستقبال. وأمّا في الجملة الاسميّة فالدائرة أوسع؛ فإنَّها تدلّ على أحد الأزمنة الثلاثة، إلَّا أنَّ دلالتها ليست بوضعيّةٍ، ولذا لو اُستعملت في غير الزماني، لم يكن فيها دلالةٌ على أحد الأزمنة، كما إذا قيل: (الله مريدٌ أو عالمٌ). نعم، إذا أُسندت إلى الزماني، دلّت على أحد الأزمنة، كما دلّت أيضاً على المكان؛ لأنَّ الفعل لا يقع إلَّا في مكانٍ مّا.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ومعه يبطل القول بأنَّ الأسماء موضوعةٌ للمعنى دون أن يُؤخذ أحد الأزمنة فيها، بخلاف الفعل؛ فإنَّه وُضع للمعنى مع أخْذ أحد الأزمنة فيه؛ وذلك أنَّ الاقتران بالزمان غير مأخوذٍ لا في مدلول الاسم ولا في مدلول الفعل، وإنَّما هو لازمٌ قهريٌ في بعض الموارد كالمكان.
يبقى الكلام فيما هو الفارق بين الأفعال؛ فإنَّه إذا كان الفعل الماضي غير دالٍّ على اقتران المادّة بالزمان الماضي، والمضارع غير دالٍّ على اقتران المادّة بالزمان الحاضر وما بعده، وكان الزمان خارجاً عن المدلول من جهة الوضع، فما هو الفارق بينهما؟ وهل يمكن استعمال أحدهما في موضع الآخر؟ مع أنَّه غلطٌ واضحٌ. فلا بُدَّ من بيان الفرق.
الظاهر: أنَّ الفرق بين الفعل الماضي والمضارع هو دلالة الهيئة على وقوع الحدث سابقاً على زمان التكلّم في الفعل الماضي، أي: أُخذ فيه عنوان السبق ونعني بالسبق: أنَّه كان موجوداً ولم يكن التكلّم متحقّقاًً. وهذا المعنى مأخوذٌ لا محالة في الفعل؛ فإنَّ: (قام زيدٌ) يدلّ على أنَّ المتكلّم حكى عن قيام زيدٍ قياماً سابقاً على زمان التكلّم والإخبار، فالسبق مأخوذٌ في الزمان الماضي على نحو التقيّد، والمخبر به كالحدث مقيّدٌ بالسبق.
وأمَّا المضارع فالمأخوذ فيه هو المقارنة واللحوق، أعني: أحد الأمرين، فيصحّ استعماله في الحال والاستقبال، فيصحّ أن يُقال: (يصلّي زيدٌ)، ويُراد به الوقوع فعلاً أو فيما بعد. ولهذا يُقال: إنَّ الفعل المضارع موضوعٌ للأعمّ والجامع بين الحال والاستقبال. والمراد به السبق واللحوق لزمان التكلّم، بمعنى: أنَّ
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إسناد الحدث إلى فاعله مقيّدٌ باقترانه بزمان التكلّم أو بلحوقه له، وخصوصيّة كلٍّ منهما تُستفاد من القرينة الخارجيّة.
ثُمَّ إنَّ السبق غير الزمان؛ فإنَّ السبق واللحوق كما يتحقّقا في الزمانيّات، فكذلك يتحقّقا في غير الزمانيّات. فإذا قلنا: (قال الله) أو (علم الله) أو (خلق الله) إلى غير ذلك من الأفعال المستندة إلى الله سبحانه، فيدلّ على أنَّ الخلْق كان سابقاً على الكلام وإن لم يكن الخلق في زمانٍ؛ لأنَّ أفعال الله لا تقع في الزمان، وكذلك إرادته وعلمه وكلّ ما يُنسب إليه. وكذلك إذا قلنا: (مضى الزمان)، فإنَّ المضي سابقٌ على التكلّم وإن لم يكن المضيّ في زمانٍ. فالمأخوذ في الفعل الماضي هو كون الحدث سابقاً على التكلّم، وفي المضارع المقارنة واللحوق.
ولعلّهم يريدون بأخذ الزمان الماضي في الفعل الماضي والزمان الحاضر والمستقبل في الفعل المضارع هذا المعنى. وإلَّا فلا يحتمل استفادة مثله من الفعل الماضي إذا أُسند إلى الله تعالى أو غيره ممَّا لا يقع في الزمان، ولا يُحتمل أن يكون المعنى مغايراً لِمَا يُستفاد منها إذا أُسند إلى الزمانيّات؛ إذ المعنى واحدٌ في قولنا: (علم زيدٌ) و(علم الله) (يريد زيدٌ) و(يريد الله).
والغرض: بيان أنَّ المفهوم واحدٌ، والزمان خارجٌ عن المفهوم بنحو الدلالة التضمّنيّة، أو الالتزاميّة. نعم، السبق مأخوذٌ في الماضي، كأخذ الاقتران واللحوق في المضارع، ما يلزم الوقوع في الزمان إذا أُسند إلى الزماني.
بل ما ذكرناه هاهنا ملحوظٌ في الجملة الاسميّة أيضاً، كما إذا قيل: (زيدٌ قائمٌ)؛ لأنَّ القيام لا بُدَّ أن يتحقّق في أحد الأزمنة.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إذن: فالفرق بين الاسم والفعل هو أنَّ الاسم لم يُؤخذ فيه شيءٌ من السبق واللحوق والمقارنة، فإنَّ مفهوم القائم معنى ينطبق على كلّ مَن يتّصف بهذه الصفة، من دون أخْذ السبق واللحوق والمقارنة فيه. فيُقال: (كان قائماً) أو (سيكون قائماً) أو (هو قائمٌ بالفعل)، من غير أن يُؤخذ في تحقّقه السبق واللحوق والمقارنة.
وأمَّا الفعل الماضي والمضارع فليس الشأن فيهما كذلك: أمَّا الأمر فليس فيه دلالةٌ على الزمان بوجهٍ. أمَّا الماضي والمضارع فيدلّان على السبق والاقتران واللحوق، وهذا غير دلالة الفعل على الزمان.
ثُمَّ السبق الذي أُخذ في الماضي إنَّما يُلاحَظ إلى زمان التكلّم إذا أُخذ مطلقاً، كما إذا قيل: (قام زيدٌ)، فحينئذٍ يُضاف إلى زمان التكلّم، ويُلحظ بالإضافة إلى الحال. وأمَّا إذا قُيِّد بقيدٍ، فيلزم لحاظ نسبة السبق إلى ذلك القيد، كما إذا قلنا: (يجيء زيد بعد سنةٍ) و(قد قُتل قبله بيومٍ). وفي المضارع يمكن أن يُقال: (جائني زيدٌ قبل يومين) و(هو يشرب كذا أو يكتب كذا)، فيمكن أن يُلحظ السبق بالإضافة إلى أيّ شيءٍ آخر، لا بالإضافة إلى التكلّم.
فقولنا: (يجيء زيدٌ وقد قُتل قبله بيومٍ) إخبارٌ عن تحقّق القتل، لا قبل زمان التكلّم، بل قبل المجيء، فالفعل سابقٌ بالإضافة إلى المجيء، لا إلى التكلّم الحالي؛ فإنَّه الآن لم يتحقّق القتل ولا المجيء. وكذا الكلام في المضارع، كما إذا قيل: (جائني قبل شهرٍ وهو يأكل كذا أو يكتب كذا أو يمشي على قدميه)، فهنا لا يُراد من كلمة (يمشي) وقوع المشي مقارناً أو لاحقاً
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لزمان التكلّم، بل مقارناً أو لاحقاً للمجيء.
وعليه فالفعل الماضي والمضارع يدلّان على السبق واللحوق، لكن لا مطلقاً بالإضافة إلى التكلّم، بل فيما إذا كان الكلام مطلقاً. وأمَّا إذا كان مقيّداً أو ملحوظاً بالنسبة إلى شيءٍ آخر، لوحظ السبق والمقارنة بالنسبة إليه. وهذا الاستعمال صحيحٌ لا غلطٌ، مع أنَّ الأكل والمشي قد مضى؛ لأنَّه أُريد به مقارنته للمجيء أو لحوقه له.
هذا تمام الكلام في مداليل الأفعال.
فلنرجع إلى بحثنا حول المشتقّ.
وقد تقرّر آنفاً: أنَّ الكلام في المشتقّ إنَّما هو في الهيئة، وأنَّها هل هي موضوعةٌ للدلالة على تلبّس الذات بالمبدأ بنحو تلبّس الفاعل أو المفعول أو المكان أو الزمان، على اختلاف النسب؟ أو للأعمّ من المتلبّس والمنقضي؟ هذا محلّ الكلام في المقام.
وقد تحقّق أيضاً: أنَّ الكلام هنا في مداليل الهيئات، من غير نظرٍ إلى خصوصيّات المبادئ؛ فإنَّ المبدأ قد يكون عرضيّاً، وقد يكون ذاتيّاً، وقد يكون أمراً انتزاعياً أو أمراً اعتباريّاً.
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ويترتّب على هذا: أنَّ الانقضاء والتلبّس يختلفان باختلاف المبادئ؛ إذ قد يكون المبدأ أمراً فعليّاً، يصدر فينعدم، أي: اُعتبر فيه فعليّته ووجوده الخارجي، كالأكل والشرب والنوم، فالتلبّس بهذا المبدأ يكون في فعليّة المبدأ، فإذا رفع يده عن الأكل وغسل يده، فإنَّه لا يَصْدق عليه أنَّه آكلٌ، فيقع النزاع أنَّ الموضوع له اسم الفاعل مثلاً هو خصوص المتلبّس أو الأعمّ منه ومن المنقضي؟
وقد يكون المبدأ قوّةً وملكةً أو حرفةً وصناعةً، ولا يكون مأخوذاً على نحو الفعليّة، كالمستنبط والمجتهد؛ فإنَّ الاجتهاد لم يوضع للاستنباط الخارجي وللمعرفة الخارجيّة وللاستخراج الفعلي، وإنَّما الاجتهاد هو ملكة الاستنباط، إذا التزمنا بأنَّه ملكةٌ. وكذا الكلام في العدالة إذا قلنا بإنَّها ملكة، وهكذا الشجاعة الموضوعة للملكة، فمثل هذه الألفاظ موضوعةٌ بإزاء الملكات والقوى والاستعدادات، فلفظ (المجتهد) يقع الكلام فيه أنَّه موضوعٌ للمتلبّس أو للأعمّ منه ومن المنقضي؟ لكنَّ التلبّس هنا ليس بفعليّة الاستخراج، بل بفعليّة الملكة، فالتلبّس إنَّما هو بفعليّة الملكة، ويبقى مادامت الملكة موجودةً، سواء كان المجتهد نائماً أو في الحمّام أو في مجلس البحث.
وإنَّما يتحقّق الزوال بزوال الملكة عنه، كما إذا ابتلي بمرضٍ، وعاد كما كان
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لا يعرف شيئاً، فيقع الكلام أنَّ كلمة (المجتهد) بالنسبة إلى هذا الشخص حقيقةٌ؛ لأنَّ المشتقّ وضع للأعمّ، أو أنَّه موضوعٌ للمتلبّس، وهذا غير متلبّسٍ فعلاً، فيكون استعماله فيه مجازاً؟
وكذا الكلام في (الشجاعة)؛ إذ لا إشكال أنَّها ملكةٌ من الملكات، ولا يُشترط في حصولها أن يكون الإنسان دائماً قائماً في الحرب أو داخلاً في المواقف الحسّاسة، وإنَّما هي ملكةٌ نفسيّةٌ يُقال للمتلبّس بها: (شجاعٌ)، سواء كان في داره أو في خارجه، وسواء كان في سلْمٍ أو في حربٍ، في مكان مخوفٍ أو مكانٍ آخر؛ لأنَّ الملكة حاصلةٌ عنده، وهو متلبّسٌ بها.
نعم، لو فرضنا أنَّها زالت لعارضٍ من العوارض، فأصبح يخاف من كلّ شيءٍ، فإطلاق لفظ (الشجاع) عليه حينئذٍ مبنيٌّ على النزاع في وضْع المشتقّ لخصوص المتلبّس أو للأعمّ.
ومن هذا القبيل الحِرَف والصناعات؛ فإنَّ المبدأ المأخوذ في البنّاء ليس هو البناء الخارجي، وإلَّا فإنَّه بنّاءٌ، سواء كان مشغولاً أو بعد الفراغ من عمله. وكذلك النجّار والحدّاد والتاجر؛ فإنَّه يُستفاد من هذه الألفاظ الدالّة على الحِرَف والصناعات اتّصاف الذات بالمبدأ على نحو اتّخاذه حرفةً، وزوالها لا يتحقّق بتعطيل السوق في يوم الجمعة؛ فإنَّ العطّار لا يخرج عن كونه عطّاراً، والبزّاز عن كونه بزّازاً، والطبيب عن كونه طبيباً، وإنَّما يزول بزوال الصناعة، كما إذا رفع البزّازُ اليدَ عن حرفته، فصار بقّالاً أو تاجراً. فحينئذٍ يقع الكلام أنَّ إطلاق البزّاز عليه حقيقةٌ أو مجازٌ؟ ولكنّه ما دام متّصفاً بهذه الحرفة وإن لم يشتغل بها يوماً ما، لكنه اتّخذها حرفةً له.
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والحاصل: أنَّ انقضاء كلِّ شيءٍ بحسبه، فإذا كان المبدأ من العوارض الخارجيّة التي أُخذ فيها الفعليّة، كان الانقضاء بزوال الفعليّة. وأمَّا إذا كان ملكةً أو صناعةً، فالانقضاء يتحقّق بزوال الملكة أو الحرفة والصناعة، وإلَّا فالتلبّس باقٍ على حاله.
ثُمَّ إنَّ ما تقدّم -من اختلاف المشتقّات باختلاف الموادّ وانقضاء كلّ شيءٍ بحسبه- قد يكون من جهة المادّة، وقد يكون من جهة الهيئة. أمَّا المادّة فكما ذكرنا. وأمَّا من جهة الهيئة -أي: اختلافها باختلاف التلبّس- فيقع النزاع في أنَّ المشتقّ هل هو موضوعٌ للأعمّ من المنقضي أو لخصوص المتلبّس؟ فإنّه في الهيئة أيضاً لا يختلف الحال باختلاف التلبّس، بل انقضاء كلٍّ بحسبه، فقد يكون تلبّساً بالقوّة، وقد يكون تلبّساً بالفعل، وزوال كلٍّ بحسبه. فإذا كان الموضوع له الهيئة هو التلبّس بالقوّة، والموضوع له في هيئةٍ أُخرى هو التلبّس بالفعل، كان زوال التلبّس بالمعنى بزوال الفعل، والتلبّس بالقوة بزوال القوّة، وإن كانت المادّة موضوعةً في كلا الموردين للفعليّة دون القوّة، كما في المفتاح والمكناس، أي: أسماء الآلة؛ فإنَّ الكنس لا يُراد به القوّة، وإنَّما يُراد به الفرد الخارجي من الكنس. فالمادّة موضوعةٌ للفعليّة، إلَّا أنَّ الهيئة لم توضع لإفادة التلبّس بالمادّة فعلاً. ولذا فاسم الفاعل واسم المفعول يفيدان التلبّس فعلاً، أي: الموضوع له هو التلبّس بالفعل؛ إذ مادّة الضرب مثلاً موضوعةٌ للفعل الخارجي التكويني، وكذا اسم المفعول.
وأمَّا في مثل أسماء الآلة فلم توضع الهيئة فيها لإفادة التلبّس بالمادّة بالفعل،
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بل لإفادة التلبّس بالمادّة شأناً؛ فإنَّ المفتاح ما من شأنه الفتح، لا الفاتح بالفعل؛ فإنَّه يفرّق فيه بين أن يكون فيه فتحٌ أو لا يكون. ولذا يُعبّر عنه بآلة الفتح؛ إذ الهيئة تفيد أنَّ الذات آلةٌ لما من شأنه الفتح، والتعبير بالآلة خير تعبيرٍ، أي: يوصَل بها إلى الفتح، فالتلبّس أُخذ شأناً من حيث القابليّة لا فعلاً. والمكنسة لم توضع هيئتها لإفادة الكنس بالفعل خارجاً، بل الذات قابلٌ للكنس، لا أنَّه متّصفٌ بالمادّة بالفعل.
إذن، زوال التلبّس هنا إنّما يكون بزوال القابليّة لا بزوال الفعليّة، فلو فرضنا مفتاحاً لم يُفتح به شيءٌ أبداً، فهو مفتاحٌ حقيقةً، وليس استعمال الكلمة فيه مجازاً، بل هو مفتاحٌ، وهي مكنسةٌ حقيقةً؛ فإنَّ الموضوع له الهيئة ليس هو التلبّس بالفعل حتّى يُقال: إنَّ هذا الاستعمال فيما لم يتلبّس بالمبدأ بعد، وإنَّما هو موضوعٌ للشأنيّة والقوّة على نحو الآلة، وهو متلبّس الآن بها.
وإنَّما يكون منقضياً إذا سقط عن الآليّة، كما إذا كُسرت أسنان المفتاح، فيقع الكلام في أنَّ استعمال المشتقّ هل هو حقيقةٌ فيه أو مجازٌ؟ لأنَّ الآليّة انقضت وزالت، أو أنَّ حديده بعد لم تصل إلى حدِّ المفتاح وكانت في أوان ذلك، فإذا استُعمل المفتاح فيها، كان ممّا لم يتلبّس بعد، فيكون مجازاً.
فلا بدَّ في كلّ مشتقٍّ من رعاية الهيئة والمادّة فيه، فإذا كانت المادّة موضوعةً للاستعداد والقوّة، أو أنَّ اُستفيد الاستعداد والقوّة من الهيئة دون المادّة، ففي كلا الأمرين يكون الانقضاء بزوال الاستعداد، وإلَّا فالمتلبّس موجودٌ؛ إذ المادّة إذا كانت موضوعةً للقوّة والملكة، وكان الشخص متّصفاً بهما، كان استعمالها به
ــــــــــ[55]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
حقيقةً. وكذا كلمة المفتاح من جهة الهيئة؛ فإنَّ التلبّس أُخِذ فيه الشأنيّة والقوّة، أي: شأنيّة أنْ يُفتح به شيءٌ، ومادامت الشأنيّة باقيةً، كان التلبّس باقياً، وبزوال الشأنيّة يزول التلبّس.
إذن، فأسماء الآلة داخلةٌ في محلّ الكلام؛ فإنَّ النزاع يقع في أنَّها موضوعةٌ لخصوص المتلبّس بالشأنيّة بالفعل، أو أنَّها موضوعةٌ للأعمّ من المنقضي، كما إذا كُسرت أسنان المفتاح، فيكون الاستعمال فيه حقيقيّاً؟
وبما ذكرنا يظهر فساد ما ذكره شيخنا الأُستاذ(1) من: أنَّ أسماء الآلة خارجةٌ عن محلّ النزاع؛ لأنَّ المستفاد منها القابليّة والشأنيّة دون الفعليّة، فهي حقيقةٌ بعد زوال الفتح وقبل التلبّس بالفتح، إذن فأسماء الآلة خارجةٌ عن محلّ النزاع.
وجه الفساد: أنَّ أسماء الآلة غير خارجةٍ عن النزاع، إلَّا أنَّ الانقضاء فيها يغاير الانقضاء في غيرها من المشتقّات ممّا يكون المستفاد منها التلبّس الفعلي؛ فإنَّ الميزان في الانقضاء في غير اسم الآلة من المشتقّات: كالعالِم والأكل زوالُ الفعليّة، واسم الآلة زواله بزوال القابليّة وسقوط الآلة عن قابليّة الفتح، فالنزاع جارٍ أيضاً فيها. غاية الأمر أنَّ الانقضاء يختلف باختلاف الموادّ والهيئات، واختلاف موارد الانقضاء لا يكون مخصّصاً للنزاع ببعض أفراد المشتقّ، بل الحقّ أنَّ النزاع جارٍ في جميع المشتقّات.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 83-84، المقدّمة، الفصل الثاني، الأمر الثامن، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وذكر أيضاً(1): أنَّ أسماء المفعول خارجةٌ عن محلّ النزاع، وادّعى أنَّ اسم المفعول موضوعٌ لإفادة وقوع المادّة على ذاتٍ، ككلمة (مضروب) و(مقتول)، فهو غير قابلٍ للانقضاء؛ فإنَّ الشيء لا ينقلب عمّا وقع عليه. فلو اتّصف الشخص بأنَّه مقتولٌ، لم يمكن أن يتغيّر الواقع، بل يصدق عليه المقتول؛ لأنَّ هذا المعنى لا ينقلب، فلا يتصوّر فيه الانقضاء ليقع الكلام أنَّه موضوعٌ لخصوص المتلبّس أو للأعمّ من المتلبّس والمنقضي.
ولكن هذا واضح الفساد: أمّا من جهة النقض فلأنَّ الوقوع والصدور لا ينفكّ أحدهما عن الآخر لا محالة، أي: إنَّ اتّصاف الشخص بأنَّه مقتولٌ يلازم اتّصاف الفاعل بأنَّه قاتلٌ، فلو صدر منه الفعل خارجاً، فكيف يُقال: إنَّه لم يصدر، ويفرض له الانقضاء؟! مع أنَّ ما وقع لا ينقلب عمّا وقع عليه.
مع أنَّ القاتل والمقتول والضارب والمضروب من المتضايفين، فإذا صدق أحدهما صَدَق الآخر، وهما متكافئان في القوّة والفعليّة، فكلَّما كانت الضاربيّة كانت المضروبيّة حاصلةً، وكلّما كانت الضاربيّة حاصلةً شأناً كانت المضروبيّة كذلك شأناً، كما هو الحال في سائر المتضايفات، فكيف يمكن أن يفرض عنوان المقتول غير قابلٍ للزوال وعنوان القاتل قابلاً للزوال؟! مع أنَّ هذا الضرب الواحد كالفعل الواحد والنسبة الواحدة إذا أُضيف إلى مَن وقع عليه الفعل صحّ عنوان المضروب، وإذا أُضيف إلى مَن وقع منه الفعل صحّ عنوان الضارب، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ اسم الفاعل داخلٌ في محلّ النزاع؛ إذ لنا أن
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم: 83.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نسأل: هل هو موضوعٌ لخصوص المتلبّس أو للأعمّ منه ومن المنقضي، فنفرض له انقضاءً، بخلاف عنوان المضروب؛ إذ لا يفرض له انقضاءٌ؟!
وأمَّا الحلّ فقد ذكرنا آنفاً: أنَّ الأسماء لا دلالة لها على الزمان؛ فإنَّ عنوان المضروب لم يُؤخذ فيه وقوعه خارجاً، بل هو موضوعٌ لأمرٍ كلّيٍّ يمكن أن يكون متحقّقاً قبلاً أو فعلاً، كما يمكن أن يتحقّق بعداً، فيُقال: (زيدٌ مضروبٌ أمس أو الآن أو غداً)، وقابلٌ لأن لا يوجد في الخارج أصلاً، فيُقال: (المضروب غير موجودٍ). فاسم المفعول لم يُوجد بعد حتّى يُقال: إنَّ الموجود لا ينقلب عمّا وقع عليه، والزمان السابق لم يُؤخذ في المعنى، وإنَّما صدرت هذه الكلمة للدلالة على المفهوم الذي هو كذلك، أي: للمتّصف اتّصافاً وقوعيّاً لا صدوريّاً، سواء وقع في الخارج أو لا، فيُقال: (زيدٌ مقتولٌ) و(زيدٌ غير مقتولٍ)، وكلاهما صحيحٌ.
وعليه فإذا لم يُؤخذ في المعنى الوجود الخارجي والتحقّق خارجاً، فكيف يُقال: إنَّ الشيء لا ينقلب عمّا هو عليه؟! بل هو موضوعٌ للطبيعي القابل للوجود والعدم والقابل للتلبّس فعلاً وفي الماضي والآتي. فيقع الكلام أنَّ هذا المفهوم هل مطابقه في الخارج خصوص المتلبّس في الخارج، أو الأعمّ ممَّا إذا كان متلبّساً أو منقضياً، فتكون الذات باقيةً والمبدأ زائلاً؟
وهكذا الكلام في المعلوم والعالم؛ فإنَّه يتكلّم: هل هما موضوعان بإزاء معنى يدور مدار العلم خارجاً؟ أو إنَّ الموضوع له فيها هو معنى يصدق حتّى مع زوال العلم، فيصدق على الشخص أنَّه عالِمٌ وعلى العِلْم أنَّه معلومٌ؟
والإنصاف: أنَّه ليس شيءٌ من المشتقات: كاسم الفاعل واسم المفعول
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
واسم المكان والزمان والصفة المشبّهة واسم الآلة خارجاً عن محلِّ الكلام.
نعم، يختلف الحال باختلاف الموادّ والهيئات، والعبرة في كلّ موردٍ بلحاظ الانقضاء بالنسبة إلى ذلك المورد، فإذا كان المبدأ فعليّاً، كان الانقضاء بانقضاء الفعليّة، وإن كان المبدأ قوّةً كان انقضاءه بزوال القوّة، وإن كانت المادّة تفيد الفعليّة، والهيئة تفيد قابليّة الاتّصاف دون الفعليّة، كان الزوال بزوال القابليّة دون الفعليّة.
هذا تمام الكلام في اختلاف المشتقّات باختلاف المبادئ والهيئات.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ومن هنا يظهر: أنَّ الحال الذي أُخذ في موضوع النزاع في المشتق بلحاظ وضعه لخصوص المتلبّس في الحال أو للأعمّ من المتلبّس والمنقضي لا يُراد به حال التكلّم قطعاً؛ إذ لا دلالة للأسماء على شيءٍ من الزمان أصلاً، فضلاً عن خصوص زمان التكلّم، بل القطع بصحّة استعمالها وعدم إرادة زمان التكلّم وكون الاستعمال حقيقيّاً يستلزم القطع بأنَّ زمان التكلّم غير مأخوذٍ في الموضوع له، لا جزءاً ولا قيداً. ومعه يصحّ أن يُقال: (زيدٌ كان قائماً) و(زيدٌ قائمٌ الآن) و(زيدٌ سيكون قائماً غداً)، نظير قولنا مشيراً إلى موضوعٍ في الخارج: (إنَّه كان إنساناً) أو (سيكون تراباً). فهذا الاستعمال كلّه صحيحٌ.
◙ والوجه في ذلك: أنَّه قد يُؤخذ الزمان في مفهوم المشتقّات، والمراد بالحال حينئذٍ ليس هو حال التكلّم قطعاً؛ فإنَّ أخذه غير معقولٍ في الموضوع له بلا شكٍّ، وإنما المراد بالحال حال التلبّس، ونريد بحال التلبّس حال وجود المبدأ الذي تتّصف به الذات؛ إذ لا إشكال أنَّ المبدأ يزول، والذات تبقى، وللتلبّس أزمنةٌ ثلاثةٌ هي حال وجوده، وحال قبل وجوده، وحال بعد وجوده. فإذا لاحظنا الذات مع المبدأ، نرى حالاتٍ ثلاثةً: حالةً كان المبدأ موجوداً مع الذات والذات متّصفةً به، وحالةً قبل هذا التلبّس، وحالةً بعده. فزيدٌ لم يكن في زمانٍ
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
متّصفاً بالعلم، ووُجد زمانٌ كان موصوفاً به، ووُجد زمانٌ ثالثٌ زال هذا الوصف عنه، ولكنَّ (زيد) ظلّ باقياً. وكذا الأمر في غير الزمانيات.
إذن، هناك حالات ثلاث بالنسبة إلى المفهوم الاشتقاقي، ولا ريب أنَّ المفهوم الاشتقاقي كالعالِم لا سعة له حتّى إلى الحالة الأُولى، وهي حالة عدم وجود الصفة؛ إذ لا ينطبق المفهوم الاشتقاقي عليه حقيقةً، وهذا لا إشكال فيه. كما أنَّه لا بُدَّ من صدْق هذا المفهوم على (زيد) حال تلبّسه بالمبدأ وحال وجود الصفة؛ فإنَّه يصدق عليه حال وجود العلم أنَّه عالمٌ، وهذا أيضاً لا إشكال فيه.
وإنَّما الإشكال في أنَّ مفهوم العالم هل هو خاصٌّ بهذه الحالة أو عامٌّ لتلك الحالة، أي: عامٌّ لما بعد حال التلبّس؟ فالمراد بالحال حال التلبّس، أي: أن يكون مطابق مفهوم العالم هو خصوص الذات حال وجود العلم فيه واتّصافه به، بلا فرقٍ بين أن يكون في زمانٍ سابقٍ أو لاحقٍ أو الآن، ومثاله: ما إذا قيل: (كان زيدٌ عالماً)؛ لأنَّه كان متلبّساً به، أو قيل: (سيكون زيدٌ عالماً)؛ لأنَّه سيكون كذلك لا محالة، مع أنَّه إخبارٌ قد يصدق وقد يكذب، وهذا خارجٌ عن محلّ الكلام في المقام.
بل الكلام في أنَّه هل ينطبق المفهوم الاشتقاقي على فاقد الصفة بعد وجودها أو لا؟ فالمراد بالحال حال التلبّس. وأمَّا زمان النطق فلا يُحتمل أن يكون دخيلاً في المعنى الموضوع له.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يبقى الكلام في ثمرة البحث وفي ما هو الأصل في المقام، بعد أن كان الضابط في حمل المشتقّ هو اتّصافه في زمان الحكاية والتكلّم، وكونه موضوعاً له أو غير موضوعٍ له لا أثر له؛ إذ العبرة بالظهور العرفي. ولا إشكال أنَّ قولنا: (زيدٌ عالمٌ) ظاهرٌ في تلبّس زيدٍ بالوصف حال الحكاية والإخبار، وهو حال التكلّم.
نعم، لو كانت هناك قرينةٌ على إرادة غير زمان التكلّم، فلا بأس في العمل على مقتضاها، كما إذا قيل: (كان زيدٌ عالماً) أو (سيكون عالماً). أمَّا الإطلاق بالفعل فالظاهر منه الاتّصاف بالفعل، فإذا كان هذا هو الظاهر، فأيّ فائدة تترتّب على معرفة المعنى الموضوع له؟! لأنَّ معرفة المعنى الموضوع له تنشأ من أصالة الظهور، ونحن لا نقول بالتعبّد بأصالة الحقيقة.
إلَّا أنَّ هذا الكلام لا يرجع إلى محصّلٍ؛ فإنَّ هذا الظهور وإن لم يكن قابلاً للإنكار؛ إذ الظاهر من الحمل بدون القرينة هو الاتّصاف بالفعل، إلَّا أنَّ محلَّ الكلام ليس هو خصوص المشتقّات التي تُحمل على الذوات نحو: (زيدٌ أميرٌ)، بل إنَّ ما يترتّب على هذا البحث هو أنَّ العنوان الاشتقاقي إذا تعلّق به حكمٌ شرعيٌّ، كما إذا أمرنا المولى بإكرام العالم أو نهى عن البول تحت الشجرة المثمرة،
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كما في بعض الروايات(1)، فيقع الكلام أنَّ مفهوم العالم ومفهوم المثمرة هل هو خاصٌّ بالتلبّس بالمبدأ بالفعل، أي: الشجرة التي تحتوي على الثمرة، أو أنَّه يصدق عليها بعد الزوال أيضاً؟ كما يقع الكلام في أنَّ الحكم يختصّ بزيدٍ فيما إذا كان متّصفاً بالعلم، أو يصحّ سلبه عنه لو زال تلبّسه وأصبح جاهلاً؟
فالنزاع يقع في سعة مفهوم العالم وضيقه، وأنَّ الحكم هل يشمل الفاقد أو يختصّ بالتلبّس؟
ثُمَّ إنَّه إن تمكّنّا من إقامة الدليل على أحد القولين، كما سنتكلّم عنه، فذلك، وإن لم نتمكّن من هذا، وصلت النوبة إلى الأُصول العمليّة.
أمَّا بالنسبة إلى مرحلة الوضع وتعيين المعنى الموضوع له، فالظاهرٌ أنَّه لا أصل في المقام يعوّل عليه في تعيين وضع اللفظ في لغة العرب أو غيرها لهذا المعنى دون المعنى الآخر. نعم، نحن نعلم أنَّ الواضع قد لاحظ في ذهنه أحد أمرين: إمَّا خصوصيّة التلبّس ووجود الصفة في الموضوع، أو الأعمّ منه ومن المنقضي؛ إذ الإهمال في الواقع غير معقولٍ، فلا يُلاحظ الواضع عند الوضع الخصوصيّة أو الإطلاق، فيكون الموضوع له لا خصوصيّة التلبّس ولا الإطلاق.
بل في مقام الثبوت لا بُدَّ أن يلاحظ الواضع إحدى هاتين الخصوصيّتين لا محالة، وأصالةٌ عدم خصوصيّة التلبّس والضيق في المعنى الموضوع له معارَضٌ بأصالة عدم الإطلاق والسعة في الموضوع له؛ فإنَّه لا بُدَّ من لحاظ المعنى أثناء
ــــــــــ[63]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 1: 324، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 15.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الوضع، كما سبق أن قلنا، وهذا المعنى ملحوظٌ بأحد اللحاظين لا محالة: إمَّا الخصوصيّة أو الإطلاق، وأصالة عدم أحدهما معارضةٌ بأصالة عدم الآخر. وهذا الكلام يجري في كلِّ موردٍ شككنا فيه في وضع اللفظ بإزاء معنىً خاصٍّ أو بإزاء الأعمّ منه.
على أنَّ الاستصحاب في أمثال المقام غير جارٍ في نفسه مع قطع النظر عن المعارضة؛ إذ لا أثر شرعيّ يترتّب على عدم لحاظ الخصوصيّة، واللازم هنا لازمٌ عقليٌّ؛ لأنَّ لازم عدم لحاظ الخصوصيّة هو أنَّه موضوعٌ للمطلق، وهو لازمٌ عقليٌّ لا يمكن جريان الاستصحاب بلحاظه؛ لأنَّه من الأصل المثبت.
وعليه ففي مرحلة الوضع ليس هناك أصلٌ يُعوّل عليه في المقام، فينتهي الأمر إلى الأصل العملي بالنسبة إلى الحكم المترتّب على هذا الموضوع.
وذكر صاحب الكفاية(1): أنَّ جريان الأصل يختلف باختلاف الموارد، فقد يكون جعْل الحكم وثبوته وفعليّته بعد الانقضاء، كما إذا جعل إكرام العالم، وتردّد أمر العالم بين أن يكون موضوعاً لخصوص المتلبّس أو للأعمّ، وفرضنا أنَّ رجلاً بلغ أو أفاق بعد أن كان صغيراً أو كان مجنوناً، فعاد إليه عقله. فإذا لاحظنا زيداً الذي كان عالماً، وقد زالت عنه صفة العلم، كان مثله من الشكّ في التكليف؛ إذ نشكّ في وجوب إكرام هذا الشخص الذي كان متّصفاً بالعلم
ــــــــــ[64]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 45، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الأمر السادس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وزالت عنه الصفة، ونشكّ في صدْق مفهوم العالم عليه؛ لأنَّ مفهوم العالم مردّدٌ بين الأقلّ والأكثر، فنشكّ في الوجوب؛ لعدم إحراز ضيق المفهوم. وهذا من موارد الشكّ في التكليف، فتجري فيه أصالة البراءة.
أمّا لو فرضنا أنَّ الحكم كان ثابتاً سابقاً، كما إذا كان الشخص بالغاً وكان من يجب إكرامه متّصفاً بالعلم، ثُمَّ زالت الصفة، فنشكّ في وجوب إكرامه بعد أن كان واجب الإكرام، فيكون الشكّ شكّاً في بقاء الحكم السابق لا في حدوث الحكم، وهو موردٌ للاستصحاب؛ فإنَّه يصحّ أن يُقال: إنَّ زيداً كان يجب إكرامه ونشكّ الآن في الوجوب.
إذن، الأصل العملي يختلف باختلاف الموارد، ففي موردٍ تجري البراءة، كما إذا شكّ في التكليف، وفي موردٍ يجري الاستصحاب، كما إذا كان شكّاً في البقاء، ومنشأ كلا هذين الشكّين هو الشكّ في سعة المفهوم وضيقه.
إلَّا أنَّ ذلك لا يتمّ، بل الظاهر الرجوع إلى البراءة في جميع هذه الموارد، سواء كان التكليف فعليّاً سابقاً أو لم يكن. أمّا في الصورة الثانية فظاهرٌ؛ لأنَّه من الشكّ في التكليف، وهو مجرىً للبراءة.
وأمّا الأوّل: -وهو ما إذا كان زوال الصفة مسبوقاً بفعليّة التكليف- فالصحيح عدم جريان الاستصحاب.
أمَّا على ما ذكرناه -من اختصاص الاستصحاب بالشبهة الموضوعيّة وعدم جريانه في الشبهة الحكميّة في إثبات حكمٍ وجودي أو تحريمي- فواضحٌ؛ فإنَّ المقام من الشبهة الحكميّة؛ فإنَّنا نشكّ في سعة المجعول وضيقه، فنشكّ في
ــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أنَّ موضوع وجوب الإكرام مختصٌّ بالمتلبّس بالعلم أو يشمل الأعمّ؟ فالشكّ في سعة المجعول وضيقه بالنسبة إلى المقدار الزائد، والشبهة الحكميّة ممّا لا يجري فيها الاستصحاب.
وأمَّا بناءً على الجريان -كما هو المشهور بين المتأخّرين وبين المتقدّمين القائلين بالاستصحاب- فيختصّ جريان الاستصحاب بغير موارد الشبهات المفهوميّة، أي: فيما إذا كان الشكّ في الحكم ناشئاً من الشكّ في المفهوم سعةً وضيقاً، فإنَّه لا يجري فيها الاستصحاب حتّى على القول بجريانه في الشبهات الحكميّة.
وذلك: أنَّ الأصل الجاري في الشبهات الحكميّة لا يخلو: إمَّا أن يكون جارياً في الموضوع أو في الحكم. أمَّا الأصل الجاري في الحكم فلا يجري؛ لأنَّه لا بُدَّ في جريان الاستصحاب في أيّ موردٍ كان مِن صدْق نقض اليقين بالشكّ في رفْع اليد عن الحال السابقة، ولازمه اتّحاد القضيّتين المتيقّنة والمشكوكة، ويكون الاختلاف فقط من جهة اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء، فلا بُدَّ أن يكون المتيقّن هو المشكوك فيه، لا مغايراً له محمولاً أو موضوعاً، ويكونا متّحدَين من جميع الجهات غير البقاء، فلا بُدَّ من تعلّق اليقين والشكّ في شيءٍ واحدٍ؛ ليصدق على رفع اليد عن اليقين السابق بأنَّه نقضٌ لليقين بالشكّ.
فلو كان أحدهما غير الآخر يقيناً، أو احتملنا أنَّ أحدهما غير الآخر، فإنَّ الاستصحاب لا يجري. أمَّا على الأول -وهو فيما إذا أحرزنا المغايرة- فظاهرٌ؛ لأنَّه ليس مِن نقض اليقين بالشكّ يقيناً، بل هو قياسٌ وإسراءٌ للحكم من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر؛ لأنَّ عدم ترتيب الأثر على المشكوك ليس نقضاً لليقين السابق، بل
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إسراءٌ للحكم من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر، وهو قياسٌ لا استصحابٌ.
وأمَّا إذا لم يُحرز ذلك، وشُكّ أنَّ هذا هو الموضوع السابق بعينه أو فردٌ آخر، فالشبهة هنا مصداقيّةٌ؛ فإنَّنا ما لم نحرز أنَّه مِن نقْض اليقين بالشكّ، لا يمكن أن نجري الاستصحاب؛ لأنَّ التمسّك بالدليل القائل: “لا تنقضْ اليقينَ أبداً بالشكّ”(1) يتوقّف على إحراز موضوعه، وإلَّا كانت الشبهة مصداقيّةً، فلا يمكن التمسّك به على أساس أنَّه من نقض اليقين بالشكّ.
فلو علمنا بعدالة زيدٍ، واحتملنا بأنَّ هذا زيدٌ أو غير زيدٍ، فيُقال: إنَّنا نستصحب العدالة ونرتّب آثارها عليه مع احتمال أنَّه شخصٌ آخر؛ فإنَّنا لم نحرز نقض اليقين بالشكّ؛ لأنَّا لا نعلم أنَّه هو المتيقّن أو غيره. وهذا واضحٌ.
إذن، لا بُدَّ من جريان الاستصحاب في الشبهة الموضوعيّة والحكميّة -بناءً على جريانه فيهما- من ثبوت نقض اليقين بالشكّ، فما لم يثبت لا يمكن جريان الاستصحاب، كما لو كان الماء قبل كونه كرّاً نجساً، فبعد الكُرّيّة نشكّ في بقاء النجاسة فنستصحب؛ لأنَّ هذا هو الماء بعينه، ونحتمل زوال النجاسة عنه فنستصحب.
وكذا الكلام في سائر الموارد، فإذا حاضت المرأة، ووُجد الحيض في الخارج، وعلمنا بعدم جواز وطئها في هذا الحال، وشككنا أنَّ هذا الحكم متّسعٌ
ــــــــــ[67]ــــــــــ
(1) الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 8، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 11، والحر العاملي، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إلى زمان الاغتسال أو إلى زمان ارتفاع الحدث، فهي خاصّةٌ بزمان وجود الحيض، فنتمسّك بالاستصحاب؛ بناءً على جريانه في الشبهة الحكميّة، فنقول: إنَّ هذه المرأة الحائض كان يحرم وطؤها، فنستصحب حتّى يرتفع حدث الحيض بالاغتسال.
هذا، إلَّا أنَّ ذلك في المقام غير ممكنٍ؛ إذ المفروض أنَّ العنوان الاشتقاقي هو تمام الموضوع؛ فإنَّ وجوب الإكرام لم يوضع على ذات زيدٍ، ولا دخل له في الحكم؛ فإنَّه لا يجب إكرامه بما أنَّه هاشميٌّ أو عربيٌّ، وإنَّما ثبت الحكم بعنوان كونه عالماً. فموضوع الحكم عرفاً هو العالم، فإذا لم يُحرز أنَّ هذا العنوان باقٍ، واحتملنا ارتفاعه بعد أن صار جاهلاً، فلا يمكن الاستصحاب. فلا يُقال: إنَّه كان يجب إكرامه، فنستصحب، مع أنَّه لم يثبت له الحكم بعنوان كونه رجلاً أو بعنوانٍ آخر غيره، بل بعنوان كونه عالماً، والمفروض أنَّ هذا العنوان مشكوك البقاء؛ إذ نحتمل أنَّ الحكم موضوعٌ لخصوص المتلبّس بالعلم، وهذا غير متلبّسٍ، وقد زال الحكم، فكيف يمكن الاستصحاب مع احتمال أنَّ القضيّة المتيقّنة غير القضيّة المشكوكة؟! لأنَّنا نحتمل أنَّ موضوع المتيقّنة هو المتلبّس، فكيف يمكن جريان الاستصحاب؟ فهذا لم يكن واجباً إكرامه، بل كان المراد هو المتلبّس بالعلم احتمالاً، وهذا العنوان قد زال يقيناً.
ففي مثل الشبهات المفهوميّة وعدم إحراز الموضوع وبقائه على حاله وعدمه لا يمكن جريان الاستصحاب؛ لأنَّ الموضوع غير محرزٍ، وحينئذٍ لا يحرز وحدة القضيّتين، فالشكّ شكٌّ في المصداق، فلا يمكن جريان الاستصحاب؛ إذ ما لم
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يُحرز نقض اليقين بالشكّ لا يجري الاستصحاب بلا كلامٍ(1).
ونظيره ما ذكرناه في المغرب الذي هو غاية صلاة الظهرين ومبدأ صلاة العشائين، فإذا شككنا في أنَّ المراد به استتار القرص في الأُفق الذي هو الغروب العرفي، أو أنَّه ذهاب الحمرة من قمّة الرأس، ولم نتمكّن من إثبات أحدها بالدليل، فهنا لا يمكن استصحاب الحكم بوجوب الظهرين إلى ما بعد الاستتار؛ لأنَّ الشبهة موضوعيّةٌ مصداقيّةٌ، وإذا لم نحرز أنَّ رفع اليد عن ترتيب الأثر على اليقين السابق من نقض اليقين بالشكّ؛ إذ الموضوع هو الغروب، ولم نحرز هذا الموضوع، فاستصحاب الحكم المترتّب على بقاء النهار غير جارٍ؛ لأنَّا نحتمل أنَّ النهار غير باقٍ؛ لأنَّ تماميّة النهار بالغروب، ونحتمل أنَّ الغروب يتحقّق باستتار القرص.
فإذا كانت الشبهة مفهوميّةً ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر، لم يجرِ الاستصحاب؛ لأنَّه لا يحرز حينئذٍ أنَّه من نقض اليقين بالشكّ. إذن الاستصحاب الحكمي في المقام ساقطٌ.
وأمّا الاستصحاب الموضوعي المتمثّل باستصحاب عنوان العالم فنقول:
ــــــــــ[69]ــــــــــ
() تمَّ بحمد الله وحسن توفيقه الدفتر الثاني من تقريرات سيّدنا الأُستاذ السيّد الخوئي (أدام الله ظلّه)، وقد وفّقني الله عزّ وجلّ لحضور جميع المحاضرات، إلَّا محاضرةً واحدةً نقلتها من جهاز التسجيل. فجاءت هذه المحاضرات جميلة السبك، حسنة المنظر، صحيحةً ومطابقةً للواقع إلى أكبر حدٍّ ممكن بلغه بذل الوسع تحريراً وتهذيباً. فالحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطاهرين (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إنَّه كان عالماً، والآن نشكّ في صدق العالم عليه فنستصحب صدق عنوان العالم عليه، ونرتّب عليه أثره، وهو وجوب الإكرام. كما يجري هذا الاستصحاب في الشبهات الموضوعيّة، كما إذا تيقّنا أنَّ هذا المايع خمرٌ، واحتملنا أنَّه تبدّل إلى الخلّ، فنستصحب خمريّته.
وفي المقام قد يُقال باستصحاب عنوان العالم؛ لأنَّه كان عالماً، ونشكّ في زوال العلميّة، إلَّا أنَّ هذا الاستصحاب غير جارٍ هاهنا.
والوجه في ذلك: أنَّه ليس عندنا شكٌّ في موجودٍ خارجي بالنسبة إلى الوجود والعدم، أي: ليس لدينا شكّ في التكوينيّات الخارجيّة حتّى نحكم ببقائه؛ فإنَّ مقتضى قوله: “فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ”(1) وأمثاله لزوم ترتيب أثر المتيقّن السابق، فكلّما كنّا على يقين بنينا على بقائه. وليس في موارد الشبهة المفهوميّة شيءٌ نتيقّن بوجوده ونشكّ في عدمه، أو نتيقّن بعدمه ونشكّ في وجوده؛ وذلك لأنَّنا على يقينٍ من أنَّ زيداً كان متلبّساً بالعلم وموصوفاً به، والآن على يقينٍ من زوال هذه الصفة عنه ونحرز أنَّه ليس بمتلبّس بها، فلولا وضع الألفاظ، لما كان هناك أيّ شكٍّ، فلو فرضنا أنَّ الألفاظ لم تكن موضوعة، فلا شكّ لنا في بقاء شيءٍ أو ارتفاع شيءٍ آخر، وإنَّما
ــــــــــ[70]ــــــــــ
(1) الصدوق، علل الشرائع 2: 361، الباب 80 علة غسل المني إذا أصاب الثوب الحديث1، والطوسي، تهذيب الأحكام 1: 422، كتاب الطهارة، أبواب الزيادات، الباب 22، الحديث 8، والحر العاملي، وسائل الشيعة 3: 466، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 37، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
شككنا في صدق العالم وعدمه، وهو ليس شكّاً في أمرٍ تكويني خارجي، وإنَّما هو شكٌّ من جهة الوضع، أي: هل وضع العالم بنحوٍ يسع هذا المنتفي عنه العلم، فالصدق باقٍ، أو وضع بنحو لا يسعه، فالصدق غير باقٍ. وعليه فالشكّ في السعة والضيق، وهو شكٌّ في صدق المفهوم الاشتقاقي على غير المتلبّس، ومع قطع النظر عن المفهوم الاشتقاقي ليس لدينا شيءٌ تكويني نشكّ في حدوثه أو بقائه.
ومنه يتّضح: أنَّه لا معنى لاستصحاب الصدق؛ إذ معناه أنَّ الوضع كان للأعمّ الجامع بين المتلبّس والمنقضي؛ لأنَّه عبارةٌ عن وضع اللفظ للأعمّ.
وعليه فالاستصحاب في الشبهة الموضوعيّة غير جارٍ في المقام؛ إذ لا أصل يعول عليه في المقام في مرحلة الوضع، ومع قطع النظر عن الوضع ليس لنا يقينٌ سابقٌ وشكٌّ لاحقٌ؛ فإنَّ كلا القضيّتين متيقنتان؛ فإنَّنا نعلم أنَّه كان متّصفاً به، كما نعلم أنَّه الآن غير متّصفٍ به.
وأمّا استصحاب بقاء الموضوع بوصف الموضوعيّة فنقول: إنَّه كان موضوعاً للوجوب، ومقتضى الاستصحاب بقاء الوجوب، إلَّا أنَّ هذا عين الشكّ في الحكم، والاستصحاب الجاري فيه عين هذا الاستصحاب؛ إذ ليس لدينا شكٌّ في كون زيدٍ موضوعاً للوجوب، بل الموضوع هو زيدٌ بوصفه عالماً، والمفروض أنّا نشكّ في بقاء ذلك الموضوع، فاستصحاب الموضوع بوصف الموضوعيّة عبارةٌ أُخرى عن استصحاب وجوب الإكرام، فإنَّ الموضوعيّة وثبوت الحكم متضايفان.
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إذن، التمسّك بالاستصحاب في أمثال المقام ساقط، حتّى بناءً على جريانه في الشبهات الحكميّة، وعلى ذلك فالمرجع هو البراءة في جميع هذه الموارد.
وليُعلم: أنَّ الأقوال في المسألة كثيرةٌ؛ باعتبار اختلاف حالات المشتقّ في وقوعه مسنداً ومسنداً إليه، وباعتبار اختلاف المبادئ؛ إذ قد يكون فعليّاً، وقد يكون حرفةً أو ملكةً. إلَّا أنَّ هذه التفصيلات لا ترجع إلى محصّلٍ، كما ذكر صاحب (الكفاية) (1). فالأصل في هذه المسألة قولان: قولٌ بالوضع للمتلبّس على الإطلاق، وقولٌ للوضع الأعمّ من المتلبّس والمنقضي.
وقد ذكرنا: أنَّ اختلاف الحالات والمبادئ لا يوجب الاختلاف في المشتقّ؛ فإنَّ النزاع إنَّما هو في الهيئة وأنَّها موضوعةٌ لخصوص المتلبّس أو للأعمّ من المتلبّس والمنقضي.
ولذا يقع الكلام في وضع الهيئة على الإطلاق من دون اختصاصٍ ببعض الهيئات أو المواد أو الحالات.
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 45، المقدّمة، الأمر الثالث عشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كما يقع الكلام في مقام الثبوت تارةً، وفي مقام الإثبات أُخرى، كما هو الحال في الصحيح والأعمّ.
أمّا بالنسبة إلى مرحلة الثبوت فقد أفاد شيخنا الأُستاذ(1): أنَّه لا يمكن الوضع للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، فإذا استحال ذلك في مرحلة الثبوت، فلا تصل النوبة إلى مرحلة الإثبات ليبحث عن أنَّ المشتقّ موضوعٌ للمتلبّس أو للأعمّ.
وذكر في وجه ذلك(2): أنَّ المشتقّ لا يخلو أمره: إمّا أن يكون بسيطاً، وإمّا أن يكون مركّباً. أمّا القول ببساطته فقد اختاره؛ ببيان أنَّ المفهوم الاشتقاقي بسيطٌ لم يُؤخذ فيه الذات. وأمّا التركيب فالمراد به أنَّ المشتقّ مركّبٌ من الذات والمبدأ، فيدلّ (قائم) على الذات المتلبّسة بالقيام. وعليه فلا يخلو الحال من أن يكون المشتقّ بسيطاً أو مركّباً.
فإن كان المفهوم بسيطاً فلا يمكن الوضع للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، كما
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 120، المقدّمة، المبحث الثالث: في المشتق، الأمر التاسع.
(2) أُنظر المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
هو ظاهرٌ. والسرّ فيه: أنَّ المشتقّ بناءً على البساطة مدلوله والمبدأ فيه أمرٌ واحدٌ، وإنَّما يختلف باختلاف اللحاظ والإسناد. فقد يُلاحظ المبدأ على نحوٍ يأبى عن الحمل، فيعبّر عنه بالمبدأ والمصدر كالقيام؛ فإنَّه ملحوظٌ على نحو لا يمكن حمله على الذات إلَّا بالعناية والمجاز، فالمبدأ مأخوذٌ بشرط لا، أي: غيرُ قابلٍ للحمل. وقد يُؤخذ المبدأ كالقيام على نحوٍ يكون قابلاً للحمل؛ باعتبار كونه وصفاً للشيء، فيُلاحظ على نحوٍ قابلٍ للحمل على الذات، فيعبّر عنه بلفظ (قائم). فالقائم والقيام موضوعان بإزاء معنىً واحدٍ يُلاحظ طورين وعلى نحوين: على نحوٍ قابلٍ للحمل، فيعبّر عنه بقائمٍ، وعلى نحوٍ غير قابلٍ للحمل، فيعبّر عنه بالقيام، وهذا هو معنى البساطة.
وعليه فإذا قلنا: إنَّه بسيطٌ، فلا فرق بينه وبين المصدر الذي نعبّر عنه هنا بالمبدأ وإن كان بين المبدأ والمصدر فرقٌ.
وبعبارة أُخرى: إذا قلنا: إنَّ المفهوم الاشتقاقي كالمفهوم المصدري بمعنىً واحدٍ، ولا فرق إلَّا بالاعتبار بنحو لا بشرط أو بشرط لا، فاستحالة الوضع للأعمّ أمرٌ واضحٌ؛ فإنَّ المعنى إذا كان واحداً، وهو الحدث القائم بالذات، أي: القيام، فإذا انقضى، فليس هناك شيءٌ في مقابل المفهوم نعبّر عنه بالقيام حتّى يُؤخذ لا بشرط، فنعبّر عنه بالقائم؛ إذ لو زال لم يبقَ شيءٌ.
والنكتة فيه: أنَّ الأعراض أُمورٌ بسيطةٌ غير مركّبةٍ من مادّةٍ وصورة حتّى تزول الصورة وتبقى المادّة، بل إذا زالت الأعراض، زالت بتمامها؛ فإنَّها بحسب الخارج بسائط لا تنحل إلى مادّةٍ وصورةٍ، بخلاف الجواهر؛ وذلك أنَّ العرض
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لو زال وارتفع ارتفع بتمامه، فليس بإزائه أمرٌ في الخارج يعبّر عنه بالمصدر تارةً وبالمشتقّ أخرى. فلو كان زيدٌ عالماً وقد زال علمه، فلا شيء بإزاء العلم حتّى يُؤخذ لا بشرط، ويعبّر عنه بالعالم. إذن لا يمكن الوضع للأعمّ من المتلبّس والمنقضي؛ لأنَّه في حال الانقضاء لا يبقى شيءٌ في مقابل المفهوم حتّى يُؤخذ بنحو لا بشرط، ونعبّر عنه بالمشتّق.
فقد انقدح: أنَّه على القول بالبساطة لا يمكن فرض جامعٍ بين المتلبّس والمنقضي، وهذا ظاهرٌ؛ بناءً على أنَّ المفهوم الاشتقاقي متّحدٌ مع المبدأ، والفرق بينهما بالاعتبار؛ فإنَّه بناءً عليه لا يبقى مجالٌ للنزاع أصلاً، إذ لا يعقل فرض جامعٍ بين المتلبّس والمنقضي، وهذا واضحٌ.
بل ذكر(1): أنَّه على هذا المبنى يكون المشتّق أسوأ حالاً من الجوامد إلى الجواهر؛ فإنَّ الجواهر بما أنَّها مركّبةٌ من المادّة والصورة، جاز أن تكون المادّة فيها باقيةً والصورة زائلةً، إلَّا أنَّ هذا في المشتقّات غير ممكنٍ؛ إذ العرض بسيطٌ، فلا يبقى بزواله شيءٌ. وأمّا الجواهر فإذا زالت الصورة فيها بقيت مادّتها.
ولكن مع أنَّ المشتقّ أسوأ حالاً من الجواهر؛ إذ يصحّ استعماله في موارد الانقضاء وعدم التلبّس مجازاً، ولكن ذلك في الجوامد غير جائزٍ.
◙ والوجه في ذلك: أنَّ المفهوم الاشتقاقي الذي هو المعنى المصدري
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 76، المقدّمة، الفصل الثاني، الأمر الثامن، المقدّمة السابعة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الملحوظ بنحو اللابشرط وإن كان زائلاً بتمامه، إلَّا أنَّ الموصوف باقٍ في الخارج بعد زوال الوصف، فالمتلبّس موجودٌ من الآن، فيصحّ أن يُطلق عليه (القتيل) باعتبار أنَّه سيقتل بعد ذلك. كما يصحّ في موارد الانتفاء استعماله فيه فيُقال: (زيدٌ أميرٌ) باعتبار أنَّه كان أميراً، وأنَّ الموصوف موجودٌ في الخارج. وأمّا في الجواهر فالموصوف غير ثابتٍ؛ لأنَّ الباقي هو المادّة، وهي لا تتّصف بهذا الوصف أبداً؛ لأنَّ شيئيّة الشيء بصورته لا بمادّته، والمادّة لم تكن متّصفةً بالإنسانيّة قط، بل الإنسانيّة منتزعةٌ من الصورة الإنسانيّة من الفصل، لا من المادّة المشتركة بين النطفة والمضغة والإنسان والتراب الذي يؤول إليه بعد ذلك، فالمادّة المحضّة التي تبقى بتبدّل الصور غير متّصفةٍ بصفة الإنسانيّة. ولهذا لا يصحّ استعمال هذا العنوان والجوامد في موارد الانقضاء، فلا يُقال للتراب: إنسان؛ بعلاقة أنَّه كان إنساناً أو سيكون إنساناً، بل الحمل مختصٌّ بالمشتقّات والجوامد المنتزعة من خارج مقام الذات كالزوج والعبد والحر على ما تقدّم.
وعليه فينحصر الاستعمال في موارد الانقضاء أو قبل التلبّس بعلاقة الأوّل والمشارفة في هذه الموارد. وأمّا الجواهر المركّبة من المادّة والصورة فالاستعمال لا يصحّ فيها ولو مجازاً.
وما أفاده هنا صحيحٌ لا غبار عليه.
وأمّا بناءً على التركيب في المشتقّ، فلو فرضنا أنَّ الذات داخلةٌ في المفهوم الاشتقاقي، وأنَّ مفهوم القائم هو الذات المتلبّسة بالقيام نحو تلبّسٍ وأنَّ مفهوم
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المقتول هو المتلبّس بالقتل نحو تلبّسٍ باعتبار وقوعه عليه.
فإذا بنينا على وجود الذات المبهمة في المفهوم الاشتقاقي، فقد ذكر(1) أنَّ الأمر أيضاً كذلك؛ وذلك من جهة أنَّ الزمان خارجٌ عن المفهوم الاشتقاقي؛ لما تقدّم من أنَّه غير داخلٍ في مفاهيم الأفعال، فضلاً عن الأسماء التي منها المشتقّات.
نعم، لو قلنا بأنَّه داخلٌ، فيمكن تصوّر الجامع بين الزمان الماضي والحاضر، فيقال: إنَّ المشتقّ مقيّدٌ بأحد هذين الزمانين، ويكون معنى القاتل الذات المتلبّسة إمّا فعلاً أو في الزمان الماضي. كما تقدّم أنَّ هذا المعنى جائزٌ في الفعل المضارع: بأن يُقال: إنَّه أُخذ في مفهومه أحد الزمانين، إلَّا أنَّنا قلنا: إنَّه غير واقعٍ. وعليه ففي المفهوم الاشتقاقي يُقال بأخذ الزمان قيداً فيه: إمّا الزمان الحاضر أو الماضي، فمعنى المشتقّ هو ما كان متلبّساً بهذا المبدأ فعلاً أو كان متلبّساً سابقاً، لا إشكال في ذلك.
أمّا إذا بنينا على أنَّ الزمان خارجٌ عن المفهوم الاشتقاقي وليس له دلالةٌ عليه بوجهٍ، وأنَّ صدق القائم على الزمان الماضي والحاضر والمستقبل على حدٍّ واحدٍ، فيُقال: كان زيدٌ قائماً، وهو قائمٌ فعلاً، أو سيكون قائماً، ولا كلام في صحّته. فإذا قلنا: إنَّه موضوعٌ للمتلبّس. فالأمر ظاهرٌ؛ إذ يكون معنى (قائم) الذات المقترنة بالقيام أو المقترنة بالعلم. أي: الذات التي معها هذا المبدأ، وهو
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 78، المقدّمة، الفصل الثاني، الأمر الثامن، المقدّمة السابعة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
معنى التلبّس. غاية الأمر أنَّ المعيّة تختلف: فقد تكون صدوريّةً، وقد تكون وقوعيّةً. فمعنى قولنا: (كان قائماً) أي: كانت الذات معها وصف القيام واقتران التلبّس به، ومعنى قولنا: (هو قائمٌ فعلاً) أي: إنَّه معه هذا المبدأ بالفعل ومتلبّسٌ به، وكذلك قولنا: (سيكون قائماً). ففي جميع هذه الموارد استُعمل اللفظ في المتلبّس، أي: في الذات المقترن بها هذا الوصف.
وأمّا إذا قلنا بأنَّه موضوعٌ للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، فمعنى الانقضاء هو عدم هذا الوصف فيه، ومعنى التلبس وجود هذا الوصف فيه، فيكون لفظ القائم موضوعاً للذات الأعمّ من المتلبّس والمنقضي. وكيف يمكن فرض الجامع بين الواجد والفاقد؟! لأنَّه حال التلبّس واجدٌ للوصف، وعند الانتفاء غير واجدٍ، والزمان غير مأخوذٍ فيه؟! فكيف يمكن فرض جامعٍ بين الوجود والعدم، وبين التلبّس وعدمه، والاتّصاف وعدمه.
مع أنَّ الجامع إنَّما يمكن تصويره في الجمع بين شتات الأفراد والخصوصيّات الموجودة فيها، فيوضع لفظٌ لجامعها، كالعالم الموضوع للأعمّ من العربي والعجمي والطويل والقصير والأبيض والأسود، فيمكن إلغاء الخصوصيّات والوضع للجامع، إلَّا أنَّ الخصوصيّات في المقام هي الوجود والعدم، فإذا ألغيناهما، لم يبقَ شيءٌ. ومعه فلا يمكن فرض الجامع بين الوجود والعدم؛ لأنَّه عند إلغائهما لا يبقى إلَّا نفس الذات، والمفروض أنَّ المشتقّ غير موضوعٍ لنفس الذات، بل للذات المتلبّسة بالمبدأ.
إذن، لا يمكن وضع المشتقّ للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، فينحصر أن
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يكون الموضوع له في خصوص المتلبّس؛ إذ لا نحتمل أنَّه موضوعٌ لخصوص المنقضي، فينحصر الأمر في الأوّل.
وبعبارةٍ أُخرى: بعد فرض عدم الجامع إمّا أن يكون المشتقّ موضوعاً لهذه الحصّة أو لتلك الحصّة، وحيث لا يحتمل أن يكون موضوعاً للحصّة المنقضية، ينحصر الأمر في الشقّ الأوّل، أي: أن يكون موضوعاً لخصوص المتلبّس.
وبما ذكره لا تصل النوبة بعد ذلك إلى مقام الإثبات والبحث عن أنَّه موضوعٌ لخصوص المتلبّس أو للأعمّ من المتلبّس والمنقضي؛ لأنَّ الثاني غير معقولٍ، فينحصر الأمر في الأوّل.
أمّا ما ذكره من أنَّه على القول بالبساطة لا بُدَّ أن يكون الوضع للمتلبّس فلا يمكن الالتزام به إلَّا على القول بأنَّ المراد بها أنَّ المشتقّ هو المبدأ، وأنَّهما متّحدان مفهوماً، ولا يفترق أحدهما عن الآخر إلَّا بأخذ أحدهما بنحو لا بشرط والآخر بنحو بشرط لا؛ إذ بناءً على هذا الأمر يتمّ بيانه وهذا هو مختاره.
إلَّا أنَّ ما ذُكر غير صحيحٍ قطعاً؛ فإنَّه حتّى على القول ببساطة المفاهيم الاشتقاقيّة لا بُدَّ من فرض أمرٍ آخر؛ فإنَّه لا يمكن افتراض أنَّ المفهوم الاشتقاقي والمبدأ متّحدان من حيث المفهوم، وأنَّه لا فرق بينها إلَّا بلحاظ لا بشرط وبشرط لا، على ما سنبيّن ذلك إن شاء الله تعالى.
ولو كان الأمر كذلك وكان المشتقّ هو المبدأ، كان الاستعمال في موارد الانقضاء غلطاً، ومجرّد بقاء الموصوف خارجاً لا يصحّح الاستعمال؛ لأنّا ذكرنا أنَّ
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المشتقّ أسوأ حالاً من الجوامد على هذا التقدير؛ لأنَّ الجواهر مركّبةٌ من المادّة والصورة، فتفنى الصورة وتبقى المادّة. وأمّا الأعراض فإذا انقضت لا يبقى منها شيءٌ سوى الذات، وقد فرضنا أنَّها غير دخيلةٍ في مفهوم المشتقّ، بل هي نفس المبدأ. فإن لم يكن بإزائه شيءٌ في الخارج، كيف يصحّ أن يُستعمل فيه مجازاً؟!
فالبساطة بهذا المعنى وإن كان الاستعمال بلحاظها لخصوص المتلبّس حقيقيةً، إلَّا أنَّ ذلك لا معنى له، وسنتعرّض لذلك في البحث عن بساطة المشتقّ إن شاء الله تعالى.
وأمّا على التركيب -كما هو الصحيح عندنا- فالذات المبهمة دخيلةٌ في المفهوم الاشتقاقي، فإنّا لا نعرف من الأبيض إلَّا شيئاً له البياض، أي: الشيء المبهم الذي ينطبق على الجماد والإنسان والحيوان، أي: جامع الشيء. وبعبارةٍ أُخرى: ليس الأبيض إلَّا شيئاً له البياض، ومفهوم الذات كالشيء دخيلٌ في المفهوم الاشتقاقي.
وبناءً عليه فيمكن تصوير الجامع بين المتلبّس والمنقضي وإن لم يكن الزمان دخيلاً في المفهوم الاشتقاقي، ولا يكون من تصوير الجامع بين الوجود والعدم؛ فإنَّ الذات المأخوذة في المفهوم الاشتقاقي متلبّسةٌ بالمبدأ بنحو البقاء أو الانقضاء، أي: الذات نتصوّرها وقد خرج المبدأ من العدم إلى الوجود، فنتصوّر أنَّ صرف الاتّصاف قد تحقّق في الذات المبهمة. فإذا قيل: (قائم) نتصوّر شيئاً مبهماً اتّصف بهذا المبدأ: إمّا أنَّ اتّصافه باقٍ فعلاً على حاله، أو أنَّه زائلٌ، فإذا أخذنا صرف وجود الاتّصاف بالمفهوم الأعمّ من الزائل والباقي، فكيف يُقال: إنَّنا لا نتصوّر الجامع؟
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نعم، لا جامع بين الاتّصاف وعدم الاتّصاف. وأمّا بين المتّصف وغير المتّصف فيمكن تصوّر الجامع، فنفرض جامعاً ونفرض أخذ قيد الاتّصاف في المفهوم، إلَّا أنَّ هذا الاتّصاف قد يكون موجوداً، وقد لا يكون موجوداً، فنجعل اللفظ بإزاء الجامع مع بقاء المبدأ وانقضائه، وهذا ممكنٌ.
أي يمكن أن نتصوّر مفهوم ذاتٍ متّصفٍ أعمّ من أن يكون الاتّصاف باقياً وموجوداً أو زائلاً ومعدوماً، فالمعنى المعتبر في المفهوم الاشتقاقي هو صرف وجود الاتّصاف، سواء كان متّصفاً بالفعل أو منقضياً عنه. وعليه فلا إشكال في تصوّر الجامع في المقام.
ولو تنزّلنا وفرضنا أنَّه لا جامع بين المتّصف والزائل، فيمكننا تصوّر الجامع الانتزاعي؛ لأنّنا ذكرنا أنَّنا في الوضع لا نحتاج إلى تصوير جامعٍ حقيقي ماهوي مندرجٍ تحت إحدى المقولات، كما مرّ أيضاً في مبحث الصحيح والأعمّ: أنَّ الموضوع له قد يكون أحد الأُمور أو جملةً من هذه الأُمور، ومثّلنا له بعدّة أمثلةٍ عرفيّةٍ. ففي الحلوى نحن لا نتصوّر إلَّا دقيقاً ممزوجاً بسكرٍ، بل شيئاً مّا أعمّ منه وغيره؛ فقد يكون دقيق الحنطة، وقد يكون دقيق الأرز، وقد يكون غير الدقيق كالجزر، كما في حلوى الجزر، وكذلك في الممزوج به؛ إذ قد يفرض سكّراً أو عسلاً أو تمراً، فقد أُخذ في المفهوم أحد هذه الأُمور. وأمّا الخصوصيّة فلم تُؤخذ، وهذا أمرٌ ممكن. وقد قلنا: إنَّ الصلاة أيضاً متقوّمة بالركوع، ولكن الركوع قد يكون عن قيامٍ أو من جلوسٍ أو بإيماء الرأس أو بإيماء العين، أي: أحد هذه الأمور. ولا مانع من الوضع بإزاء الجامع
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الانتزاعي، أعني: أحد الأمرين أو الأُمور؛ لأنَّه بمكانٍ من الإمكان.
وعليه فلو لم يمكننا تصوّر جامعٍ حقيقي بين المتلبّس والمنقضي، لأمكن تصوّر المتلبّس والمنقضي ووضع اللفظ بإزاء أحدهما، فنقول: (قائمٌ موضوعٌ بإزاء أحدهما)، أي: إنَّ الواضع قد تعهد أنَّه متى ما أراد تفهيم أحد هذين الأمرين تكلّم بلفظ (قائم)، فهيئة (قائم) تفيد اتّصاف الذات بالمبدأ: إمّا فعليّاً أو منقضياً أوانه.
فقد ظهر: أنَّه في مقام الثبوت لا يمكن القول بالاستحالة وعدم إمكان تصوّر الجامع بين المتلبّس والمنقضي، فلا تصل النوبة إلى مقام الإثبات، بل لا بُدَّ من البحث في مقام الإثبات لنرى أنَّ المشتّق هل هو موضوعٌ بإزاء الجامع أو بإزاء خصوص المتلبّس.
وقد استُدلّ للوضع بإزاء خصوص المتلبّس بعدّة وجوهٍ:
منها: التبادر ببيان: أنَّه لا ينبغي الشكّ في أنَّه متى ما أُطلق المشتقّ، تبادر منه المتلبّس بالمبدأ، فلا يفهم من (القائم) إلَّا ما كان على هذه الهيئة، وعليه فالمستفاد من هذا اللفظ إنَّما هو المتلبّس به.
ولا يفرّق في هذا بين أهل لغةٍ وأهل لغةٍ أُخرى؛ فإنَّ وضع الهيئات لمّا كان نوعيّاً لم يختصّ بلغةٍ، فلا يلزم معرفة أنَّ هيئة اسم الفاعل موضوعةٌ لأيّ شيءٍ في لغة العرب، بل يمكن أن ينطبق على العجمي دون الرجوع إلى أهل لغةٍ؛ للعلم بأنَّ مدلول اسم الفاعل في جميع اللغات واحدٌ، فمدلول (قائم) كمدلول
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
(ايستاده) في الفارسيّة، فيمكننا معرفة مدلول الهيئة في لغةٍ بمعرفة مدلولها في لغةٍ أُخرى فارسيّة أو غيرها؛ لأنَّ اللغات مشتركةٌ في مقام مدلول الهيئات.
ولا ريب أنَّ المتبادر من هذه الهيئات هو خصوص المتلبّس على اختلاف أنحاء التلبّس في اسم الفاعل واسم المفعول وأسماء الآلة وهكذا سائر المشتقّات. وبما أنَّ النزاع في الهيئة من دون اختصاصها بمادّةٍ معيّنةٍ، لما تقدّم من وقوع ذلك في بعض الألفاظ، نفهم أنَّ التلبّس في جميع الهيئات وإن كان في بعضها على غير هذا الشكل، إلَّا أنَّنا نقطع أنَّ هيئة اسم الفاعل لم توضع بوضعين أو أوضاعٍ متعدّدةٍ باختلاف المبادئ، بل الوضع واحدٌ نوعي في المبادئ. وكذا الكلام في الهيئات، فإذا راجعنا وجداننا وتتبّعنا أهل اللغات، لأدركنا بوضوح أنَّ الهيئة موضوعةٌ للمتلبّس. فكلمة الصغير والكبير والجائع والشبعان والمريض والصحيح لا نحتمل أن يكون شيءٌ من هذه الألفاظ موضوعاً بإزاء الجامع، فيُقال للشيخ الكبير: إنَّه صغيرٌ أو شابٌّ؛ باعتبار أنَّه كان شابّاً أو صغيراً، أو للجائع شبعان، أو للعطشان ريّانٌ؛ باعتبار الحالة السابقة، بل لا نحتمل ذلك أصلاً، بل مثله من الأغلاط الواضحة.
فإذا لاحظنا هذه الألفاظ، رأينا أنَّه ليس المستفاد من النائم مثلاً إلَّا خصوص المتلبّس بالنوم، لا أنَّه إذا نام آناً مّا فهو نائمٌ إلى يوم القيامة؛ لأنَّ المبدأ انقضى عنه، والمشتقّ موضوعٌ للأعمّ كما لا نحتمل أن يصدق الصغير على من يكون شاباً باعتبار ما كان، أو يصدق اليتيم بعد أن كان رجلاً كبيراً، أو يصدق الشاب على الهرم الذي لا يتمكّن من المشي؛ باعتبار أنَّه كان شابّاً، بل يكون مثله غلطاً واضحاً.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وعليه فأمثال هذه الهيئات لا يصحّ استعمالها في المنقضي إلَّا باعتبار زمان التلبّس، فيُقال للشيخ: إنَّه كان شابّاً قويّاً، أو للمريض: إنَّه كان صحيحاً، أو للأعمى: إنَّه كان بصيراً؛ إذ كيف يصدق على الأعمى أنَّه بصير مع أنَّه لا يرى؟ فإذا راجعنا أمثال هذه الهيئات وضممنا إليه ما سبق أن ذكرنا من أنَّ وضع الهيئات نوعي وأنَّ الهيئة لا تختصّ بمادّةٍ دون أُخرى، نستكشف بوضوح أنَّها موضوعةٌ لخصوص المتلبّس.
وكلّ من يراجع لغته أو أهل تلك اللغة يحصل له التبادر لخصوص المتلبّس، وقد ذكرنا أنَّ التبادر بمعنى: الرجوع إلى المرتكز النفسي أو إلى أهل اللغة علامة الحقيقة، وهذا من أظهر مصاديقه.
ومن الظاهر أنَّ ما ذكرناه لا يتوقّف على الحمل نحو (زيدٌ قائمٌ)، حتّى يقال: إنَّ هذا الاستظهار ناشئٌ من الحمل، بل يرد في كلّ جملةٍ تركيبيّةٍ؛ فإنَّنا لا نفهم من اللفظ إلَّا خصوص المتلبّس فعلاً، فإذا زال التلبّس وانقضى القيام لا يكون زيد مصداقاً للقائم، وحيث إنَّ التبادر ناشئٌ من نفس اللفظ من دون قرينةٍ، نستكشف أنَّه هو المعنى الموضوع له.
وهذا التبادر هو الذي أوجب التضادّ بين العناوين الاشتقاقيّة؛ فإنَّ التضادّ كما هو قائمٌ بين المبادئ وملحوظٌ وجداناً، كما في مثل العلم والجهل والسواد والبياض، ومرادنا من التضادّ مطلق التنافي الأعمّ من الملكة والعدم، كالعلم والجهل، فهذه المبادئ بينها تنافرٌ وتنافٍ، وقد سرى هذا التنافر والتنافي من المبادئ إلى العناوين الاشتقاقيّة. فكما أنَّ السواد والبياض متنافيان؛ فإنَّه لا
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يكون شيءٌ واحدٌ سواداً وبياضاً أو علماً وجهلاً أو نوماً ويقظةً، فكذلك العنوانان لا يصدقان على شيءٍ واحدٍ نحو: قائمٍ وقاعدٍ ومستيقظٍ ونائمٍ وشابٍّ وهرمٍ؛ لسريان التضادّ من المبادئ إلى العناوين. ومنشأ هذا التضادّ هو أنَّ الهيئة موضوعةٌ للمتلبّس فعلاً من جهة التبادر، وإلَّا لو كان الوضع للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، وثبت ذلك، لم يسرِ التضادّ من المبادئ إلى العناوين؛ فإنَّه وإن كان السواد والبياض عنوانين متضادّين، إلَّا أنَّ الأسود والأبيض ليسا عنوانين متضادّين؛ لأنَّ الوضع للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، فيمكن أن يصدق أحد العنوانين باعتبار التلبّس فعلاً والآخر باعتبار الانقضاء، فلو كان الوضع للأعمّ، لم يكن التضادّ ثابتاً.
فالتضادّ من فروع الوضع للمتلبّس، أي: لا ملازمة عقلاً بين التضادّ بين المبدأين والتضادّ بين العنوانين؛ فإنَّه يُعقل أن يكون العلم والجهل متقابلين، بخلاف العالم والجاهل؛ فإنَّهما يمكن أن يصدقا في موردٍ واحدٍ؛ باعتبار أنَّ المستفاد من الهيئة هو الأعمّ من المتلبّس والمنقضي. ومن هنا يقال: إنَّه عالمٌ باعتبار التلبّس، وجاهلٌ باعتبار الانقضاء، أو إنَّه شابٌّ وشيخٌ كذلك، وليس بينهما تنافٍ؛ لعدم المنافاة بين أن يكون الشخص شيخاً باعتبار الحاضر وشابّاً باعتبار ما مضى؛ فإنَّنا لو قلنا بالوضع للأعمّ فهو شابٌ أيضاً فعلاً، فلا تنافي بين العنوانين؛ فإنَّ أحدهما باعتبار الانقضاء والآخر باعتبار التلبّس.
وعليه فالصحيح: أنَّ دعوى التضادّ تتوقّف على دعوى التبادر لخصوص المتلبّس، وإلَّا فلو قطعنا النظر عن التبادر، لم يصدق التضادّ بين العناوين وإن
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
صدق بين المبادئ؛ فإنَّه لا ملازمة بين ثبوت التضادّ بين المبادئ وبين ثبوته بين العناوين.
وكذا دعوى صحّة السلب، من حيث إنَّه يصحّ سلب المشتقّ عن المنقضي عنه المبدأ، فهذه الدعوى لا تصدق إلَّا بضميمة التبادر؛ فإنّا ذكرنا في بحث صحّة السلب أنَّ صحّة السلب لا تدل إلَّا على أنَّ الموضوع ليس من أفراد المعنى الذي أُريد من المفهوم، أي: المعنى الذي سلب عنه هذا الشيء. فقولنا عن الشيخ: (إنّه ليس بشابٍ) إنَّما هو باعتبار أنَّه زال عنه الشباب، ولا يدلّ هذا السلب إلَّا على أنَّ زيداً ليس من أفراد الشاب بالمعنى الذي قصد من هذا اللفظ. وأمّا استعمال هذا اللفظ في ذلك المعنى مجازاً أو حقيقةً فلا يدلّ عليه. فإن أُريد من كلمة (شابّ) في قولنا: (زيدٌ ليس بشابٍّ)، خصوص المتلبّس، صحّ السلب. ولكن من ادّعى أنَّه موضوعٌ لخصوص المتلبّس، لوحظ عليه أنَّه أوّل الكلام. وإن أُريد بكلمة الشابّ الأعمّ من المتلبّس والمنقضي، لم يكن سلبه عنه صحيحاً.
وهذا الإشكال سارٍ في جميع الموارد التي يستدلّ عليها بصحّة السلب؛ فإنَّه غاية ما يثبت به أنَّ المعنى الذي أُريد بالكلمة يصحّ سلبه عن هذا الشيء. وأمّا أنَّه موضوعٌ بإزاء ذلك المعنى. أو ليس بموضوعٍ فهو أوّل الكلام.
فصحّة السلب عن المنقضي وإن كان أمراً واضحاً؛ فإنَّه ليس بشابٍّ بل هو شيخٌ، إلَّا أنَّ ذلك لا يدلّ على أنَّ اللفظ موضوعٌ بإزاء المتلبّس، بل لعلّه موضوع للأعمّ، فلا بُدَّ من أن اللجوء إلى التبادر، فيُقال بأنَّه يتبادر منه خصوص المتلبّس
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بما له من المعنى العرفي، وباعتبار المتبادر منه يصحّ سلبه عنه.
وحاصل الكلام: أنَّنا لو قطعنا النظر عن التبادر، لم يمكن إثبات الوضع بإزاء المتلبّس، لا بصحّة السلب ولا بدعوى التضادّ بين العناوين؛ فإنَّ التضادّ بين المبادئ وإن كان ثابتاً وجداناً، إلَّا أنَّ التضادّ بين العناوين إنَّما يكون باعتبار الوضع لخصوص المتلبّس، وإلَّا فلا تضادّ؛ لوضوح توقّفه على هذه الدعوى، أعني: ثبوت التبادر. وأمّا صحّة السلب فغاية ما تثبته أنَّ الكلمة قد استُعملت في المتلبّس، إلَّا أنَّها لا تثبت أنَّ اللفظ موضوعٌ له.
وعليه فلا بدَّ من التبادر، ولا حاجة إلى صحّة السلب؛ فإنَّه إذا استُعملت الكلمة في الجامع بين المتلبّس والمنقضي لم يصحّ السلب بالضرورة؛ إذ المفروض أنَّه كان متلبّساً.
فالدليل هو التبادر، وهذا صحيح، فلهذا نرى العرف فضلاً عن العلماء أنَّه إذا أمر بإعطاء مالٍ للفقراء، فإنَّه لا يحتمل أحد أنَّه يصحّ أن يعطيها للغني؛ باعتبار أنَّه كان فقيراً في زمانٍ، وكذا لو قال (أعطِ للشباب) فسلّمها للشيوخ؛ باعتبار أنَّهم كانوا شباباً، مع أنَّ الملحوظ في ترتّب الأحكام على الموضوعات اتّباع الصدق العرفي، أي: مراعاة خصوص المتلبّس. ولذا لم يقل أحدٌ من الفقهاء بجواز النظر إلى الأجنبيّة؛ باعتبار أنَّها كانت زوجةً، فيجوز النظر إليها إلى الأبد؛ لأنَّه كما ترى!
إذن، لا ينبغي الشكّ في أنَّ التبادر قائمٌ على وضع الهيئة لخصوص المتلبّس، واستعماله في غيره إمّا بلحاظ حال التلبّس أو على نحو المجاز.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
واستُدلّ على القول بوضع المشتقّ للأعمّ من المتلبّس والمنقضي بوجوهٍ:
◙ الأوّل: أنَّ استعمال المشتّقات في موارد الانقضاء كثيرٌ جدّاً، والقول بأنَّه موضوعٌ لخصوص المتلبّس يلزم منه أن تكون هذه الاستعمالات الكثيرة مجازيّةً، ما ينافي حكمة الوضع؛ فإنَّ فائدة الوضع وغايته هو استفادة المعنى من نفس اللفظ من دون حاجةٍ إلى قرينةٍ، كما لا يناسب أن تكون الاستعمالات الكثيرة كلّها محتاجةً إلى القرينة، وتكون المجازات أكثر من المعنى الحقيقي، فنستكشف من ذلك أنَّ الموضوع له في المشتقّ هو الأعمّ من المتلبّس والمنقضي.
والجواب عن ذلك:
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
في الدليل: (يجب إكرام العالم)، فلا شكّ أنَّ زيداً مثلاً حين تلبّس بالعلم يحقّق موضوع الحكم خارجاً والحكم المترتّب عليه -وهو وجوب الإكرام- صار فعليّاً؛ لأنَّه متلبّسٌ بالمبدأ. فعلى تقدير أن يكون الموضوع له هو خصوص المتلبّس وزال العلم وارتفع التلبّس، يرتفع الوجوب؛ لارتفاع موضوعه. وعلى تقدير أنَّ الموضوع له هو الأعمّ من المتلبّس والمنقضي يبقى وجوب الإكرام بعد زوال العلم؛ لأنَّ موضوع الحكم باقٍ.
فالأمر في الحقيقة يدور بين أمرين: إمّا أن يكون المستعمل فيه هو خصوص المتلبّس أو الأعمّ منه ومن المنقضي. وأمّا الاستعمال في موارد الانقضاء وفي المنقضي فلا يُعقل أن يُلحظ في القضية الحقيقيّة، وذلك لأنَّ الموضوع أُخذ مفروض الوجود للحكم، فكيف يكون الحكم ثابتاً للمنقضي، ويكون اللفظ مستعملاً فيما انقضى عنه المبدأ؟!
وهكذا الكلام في كلّ موضوعٍ وعنوانٍ أُخذ في القضيّة الحقيقيّة؛ إذ لا بُدَّ من تلبّسه في زمانٍ، وحال التلبّس يكون الحكم فعليّاً؛ لفعليّة الموضوع. وإنَّما الكلام في بقاء الحكم بعد الانقضاء؛ إذ الاستعمال في موارد القضايا الحقيقيّة لم يرد ولا يكاد يورد.
وأمّا في موارد القضايا الخارجيّة فالاستعمال في هذه الموارد وإن جاز أن يكون بلحاظ زمان الانقضاء، فيُقال: (هذا قاتل عمرٍو)، مع أنَّه قد انقضى عنه القتل، فيسند إليه العنوان؛ باعتبار تحقّقه سابقاً، وهذا الاستعمال غير قابلٍ للإنكار؛ بداهة صحّة استعمال المشتقّ في موارد الانقضاء، إلَّا أنَّه ليس من
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الكثرة بمكانٍ بحيث يكون الاستعمال في المتلبّس أقلّ منه، بل الاستعمال في المنقضي نادرٌ؛ فإنَّ كثيراً من الاستعمالات إنَّما تكون بلحاظ حال التلبّس دون حال الانقضاء. فقولنا: (هذا قاتل عمرٍو) بمعنى: أنَّه كان قاتلاً، فنطلق اللفظ عليه باعتبار حال التلبّس، ولا نقصد أنَّ زيداً قاتلُ عمرٍو فعلاً. ولذا لو قيّد بالفعليّة، لكان في أغلب الموارد غلطاً أو مستهجناً، فظرف النسبة وإن كان حال النطق، إلَّا أنَّ الإطلاق إنَّما يكون بلحاظ حال التلبّس، ولذا لا يُلحظ مثل هذا الاستعمال في القضايا الحقيقيّة، فضلاً عن ادّعاء كثرة الاستعمال فيها. بل تختصّ الدعوى بالقضايا الخارجيّة، ولم تثبت الكثرة فيها أيضاً، ولا سيّما بلحاظ أنَّ كثيراً من هذه الاستعمالات بلحاظ حال التلبّس، ولا شكّ أنَّه استعمالٌ حقيقيٌ لا مجازيٌ.
ومعه فلا يبقى إلَّا الموارد النادرة التي يكون فيها الاستعمال بلحاظ حال الانقضاء دون حال التلبّس، وهي موارد قليلةٌ جدّاً، لا كثيرةٌ، كما يُدّعى. ففي مثل قوله تعالى: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً(1) أطلق لفظ الخمر على ما ليس بخمرٍ؛ باعتبار أنَّه يكون كذلك. ونحوه قولنا: (إن مات ميّتٌ)؛ إذ الميّت لا يموت، بل الحي هو الذي يموت، إلَّا أنَّ هذا التعبير مشهودٌ في الروايات وفي غير الروايات، والمراد من كان على شرف الموت وإن كان حيّاً، ومثل هذه الاستعمالات واردةٌ في غير موارد التلبّس الفعلي.
هذا من ناحية إنكار الصغرى.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) يوسف: 36.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ الواضع ومن تبعه من أهل اللغة والعرف التزموا أن يفهّموا مقاصدهم بهذا اللفظ من دون قرينةٍ. وأمّا أنَّهم لا يفهّمون مقاصدهم بغير اللفظ ولو مع القرينة فما المانع منه؟ فإنَّه يمكن أن يفهّم الإنسان مراده بأيّ لفظٍ كان.
وهذا لا يفرّق فيه بين الكثرة والقلّة في الاستعمال؛ فإنَّ الاستعمال المجازي وإن كان كثيراً، إلَّا أنَّه لا ينافي حكمة الوضع إذا كانت هناك قرينةٌ تدلّ على المقصود. وإنَّما الذي ينافيه هو عدم دلالة اللفظ على المعنى إلَّا بالقرينة، والمفروض أنَّ لفظ المشتقّ يدلّ على المتلبّس بغير قرينةٍ، وفي موارد الانقضاء لا بُدَّ له من القرينة. مع أنَّ المجاز لا يحتاج إلَّا إلى المناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فإذا وجدت المناسبة، صحّ الاستعمال قلّ أو كثّر، وبدونها لا يصحّ الاستعمال قلّ أو كثّر. وعليه فليس من شرائط الاستعمال المجازي عدم كثرته، ومن هنا نرى إفادة الفصحاء والبلغاء منه في كلامهم، ولا يعاب عليهم،
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بل قد يكون من محاسن الكلام من جهة المبالغة.
إذن، فهذا الاستدلال ساقطٌ من جهة الكبرى والصغرى.
◙ الثاني: كما استُدلّ أيضاً على الوضع للأعمّ بالآيتين المباركتين اللتين أُمر بهما بقطع يد السارق وجلد الزاني، أعني: قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا(1) وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ(2)، وكذا الروايات الواردة في هذا الباب، أي: باب الحدود نحو قوله: “ساحر المسلمين يُقتل”(3)، والمفسد في الأرض ينفى(4)، وهكذا فيما ثبت فيه الديّة نحو: (القاتل يقتل)، وهذه التعبيرات كثيرةٌ. وحينئذٍ يُقال في الدعوى: إنَّ هاتين الآيتين تدلّان على أنَّ المشتقّ موضوعٌ للأعمّ من المنقضي.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
() المائدة: 38.
(2) النور: 2.
(3) الكليني، الكافي 7: 260، كتاب الحدود، باب حدّ الساحر، الحديث 1، والصدوق، من لا يحضره الفقيه 3: 567، باب معرفة الكبائر…، الحديث 4938، والطوسي، تهذيب الأحكام 10: 147، كتاب الحدود، الباب 10، الحديث 14، والحر العاملي، وسائل الشيعة 28: 365، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات، الباب 1، الحديث 1.
(4) قال تعالى في سورة المائدة: الآية 33 إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وورود هذه الاستعمالات في القرآن وغيره يكشف عن أنَّ المشتقّ موضوعٌ للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، وإلَّا لم يصدق عنوان السارق على من تقطع يده، ولا الزاني على من يُجلد.
وقد أجاب صاحب (الكفاية) (1) عن ذلك: بأنّ هذا الاستعمال إنَّما هو بلحاظ حال التلبّس لا بلحاظ حال الانقضاء، فالسارق يعني: السارق في حينه لا فعلاً؛ فإنَّه حال قطع اليد ليس بسارقٍ، وإنّما يُطلق عليه هذا اللفظ باعتبار حال التلبّس، وكذا في الزاني وغيره.
ولكن ظهر الجواب ممّا ذكرنا قبل قليل من: أنَّ الاستعمال في موارد الانقضاء في القضايا الحقيقيّة لم يرد ولا يكاد يرد.
والحكم بقطع يد السارق من قبيل القضايا الحقيقيّة، أي: إن فُرض سارقٌ في الخارج، فحين يتحقّق العنوان ويصدق عليه السارق يثبت الحكم بقطع يده. فإذا كان الحكم في موارد القضايا الحقيقيّة موضوعاً على تقدير تحقّق الموضوع وفرض الوجود، ففي زمان التلبّس بالسرقة يكون الحكم فعليّاً لا محالة. وعليه
ــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 50، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الوجه الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فليس هذا استعمالاً في حال الانقضاء، بل الاستعمال قبل ذلك، لكن على نحو فرض الوجود، أي: إن وجد سارق في الخارج فيجب قطع يده، أو إذا وجد الساحر يقتل، أو إذا وجد القاتل يقتصّ منه، فحيث تحقّق السارق كان الحكم فعليّاً. فأين حال الانقضاء حتّى يُقال: إنَّ الاستعمال بلحاظ حال التلبّس؟
نعم، هناك فرقٌ بين القول بالوضع لخصوص التلبّس والوضع للأعمّ؛ فإنَّه على القول بالوضع للأعمّ لا يحتاج تعميم الحكم الذي ثبت حين السرقة إلى قرينةٍ خارجيّةٍ؛ فإنَّ عنوان السارق باقٍ إلى الأبد، فيجب قطع يده، فما لم يمتثل هذا الحكم فهو باقٍ ببقاء موضوعه؛ فإنَّ موضوعه هو السارق، وهو باقٍ إلى الأبد.
وأمّا على القول الآخر فعند ارتفاع العنوان يرتفع الحكم لا محالة، إلَّا إذا قامت قرينةٌ خارجيّةٌ على أنَّ حدوث هذا العنوان كافٍ في بقاء الحكم وإن زال العنوان، أي: إنَّ هذا العنوان علة لثبوت الحكم وبقاءه. فإن ثبت ذلك بالدليل الخارجي فذلك، وإلَّا فشأن القضايا الحقيقيّة هو أن يرتفع الحكم بارتفاع موضوعه، كما في أكثر العناوين؛ فإنَّ الخمر حرامٌ، إلَّا أنَّه إذا تبدّل الخمر، ارتفعت الحرمة، والعادل تجوز شهادته، أمّا لو سقطت عدالته، فلا تجوز شهادته. فطبع القضايا الحقيقيّة أنَّ الحكم يدور مدار موضوعه حدوثاً وبقاءً؛ لأنَّه مجعولٌ على تقدير وجود الموضوع، ولكن إذا قامت قرينةٌ خارجيّةٌ على أنَّ الأمر ليس كذلك، بل يبقى الحكم بعد زوال العنوان وتبدّله، فنلتزم ببقاء الحكم. وليس ذلك من موارد استعمال المشتقّ في الأعمّ، وإنَّما استُعمل في خصوص المتلبّس. والحاصل: أنَّ من صدر منه الزنا وتلبّس بالمبدأ، فاجلدوه
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولو بعد ذلك، والقرينة على ذلك موجودةٌ؛ لوضوح أنَّ الزاني لا يمكن عادةً أن تقوم الشهادة عليه حال الزنا، فيثبت لدى الحاكم، فيحكم به، فيُجري عليه الجلد. وكذلك بالنسبة إلى السارق، فإنَّه لا يمكن عادةً ثبوت السرقة لدى الحاكم والحكم بها، وقطع يده حال السرقة، وإنّما العادة جاريةٌ على أنَّ الشهادة تقوم بعد الوقوع بزمانٍ، فيجلد الزاني وتقطع يد السارق، لا أنَّ الأمر بالجلد والقطع مختصٌّ بحال التلبّس.
وعليه فهاهنا قرينةٌ على أنَّ التلبّس بالسرقة علّةٌ في الحكم بوجوب قطع اليد بعد انقضاء السرقة، وكذا في بقيّة الموارد. وأين هذا من استعمال المشتقّ في موارد الانقضاء. بل الحق أنَّه استُعمل في المتلبّس، ولكن الحكم الثابت له حكم باقٍ بعد زوال المبدأ، واستعمال اللفظ في الأعمّ شيءٌ وبقاء الحكم بعد زوال العنوان شيءٌ آخر.
فقد تبيّن: أنَّ الاستعمال في موارد القضايا الحقيقيّة لا يمكن بلحاظ موارد الانقضاء، وإنَّما يُستعمل المشتقّ بلحاظ حال التلبّس، غاية الأمر قامت القرينة من دليل الخارجي على أنَّ الحكم الثابت للمتلبّس لا يدور مدار التلبّس، بل يبقى بعد زوال التلبّس، والاستشهاد بالآيتين المتقدّمتين من هذا القبيل.
◙ الثالث: واستُدلّ على وضع المشتقّ للأعمّ من المتلبّس والمنقضي بما استشهد به مولانا أمير المؤمنين على عدم لياقة الخلفاء الثلاثة لهذا المنصب؛ لمكان قوله تعالى: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1)؛ فإنّ إبراهيم عندما سأل ربّه
ــــــــــ[95]ــــــــــ
(1) البقرة: 121.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أن يكون من ذريّته خليفةٌ أيضاً، أجاب تعالى أنَّه لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. كما استدلّ الإمام أنَّ الثلاثة كانوا عابدي وثن، وهو من أظهر أفراد الظلم، بل هو أعظم أفراده، فإذا كانوا متّصفين بالظلم، فلا يمكن أن ينالهم عهد الله تعالى(1).
قد استدلّ القائل بالأعمّ بذلك على مذهبه: بأنَّ استشهاد الإمام لا يتمّ إلَّا بأن يكون المشتقّ حقيقةً في الأعمّ؛ فإنَّه حينئذٍ يصدق عليه الظالم حتّى بعد إسلامه، فهم بعد إسلامهم ظاهراً أيضاً يصدق عليهم (الظالم) وإن زال الشرك بحسب الظاهر. فيصحّ الاستدلال بالقول: (إنّ فلاناً ظالمٌ) و(الظالم لا يناله عهد الله)، (إذن فلانٌ لا يناله عهد الله تعالى). والصغرى وجدانيّةٌ، والكبرى مأخوذةٌ من الآية الشريفة.
وأمّا إذا كان المشتقّ موضوعاً لخصوص المتلبّس، فكيف يصدق عليهم أنَّهم ظالمون، مع أنَّهم بحسب الظاهر كانوا مذعنين بالمعاد والرسالة، وقد زال عنهم الشرك بحسب الظاهر، ومعه يشكل على استشهاد الإمام أنَّهم لم يكونوا ظالمين حين التصدّي لمنصب الخلافة؟!
ولذا استدلّ القائل بالأعمّ باستشهاد الإمام بالآية على عدم لياقة الثلاثة للخلافة، ما يلزم وضع المشتقّ للأعمّ، وإلَّا فلو كان موضوعاً لخصوص المتلبّس لم يكن الاستدلال تامّاً.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) أُنظر: الكليني، الكافي 1: 175، كتاب الحجّة، باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والجواب عن ذلك: أنَّ العناوين الاشتقاقيّة التي تُؤخذ في موضوعات الأحكام على أقسامٍ:
ولكن هذا القسم لا يلحظ إلَّا في القضايا الخارجيّة، وهو خارجٌ عن محلّ الكلام فإنَّ العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام في القضايا الحقيقيّة تكون دخيلةً في ثبوت الحكم لا محالة، لا أنَّها لمجرّد الإشارة.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
حال شركه دون حال الزوال ونعرف أنَّ المبدأ علّةٌ لثبوت الحكم، ويدور الحكم مداره، ولا يحتمل أحدٌ حتّى القائل بالأعمّ أنَّه بمقتضى قوله تعالى: وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً(1) يجوز قتل المشرك حتّى بعد إسلامه؛ ضرورة أنَّ جواز القتل مختصٌّ بحال الشرك: صدق عليه المشرك بعد الإسلام أو لم يصدق، وسواء كان الموضوع له في المشتقّ هو خصوص المتلبّس أو الأعمّ؛ فإنّا لا نحتمل أنَّ الحكم بجواز القتل يصدق على المشرك؛ لأنَّ المشتقّ موضوعٌ للأعمّ.
فالقرينة الخارجيّة -وهي مناسبة الحكم والموضوع- دلّت على أنَّ الحكم ثابتٌ للموضوع بلا فرقٍ بين الوضع للمتلبّس أو الأعمّ. وكذا الكلام في حرمة القتل وحرمة مال المسلم كحرمة دمه؛ إذ لا نحتمل أنَّه ثابتٌ له بعد زوال الإيمان، كما لو ارتدّ؛ فإنَّ الحكم الأوّل من حرمة قتله وإيذائه وسائر الأحكام التي تثبت للمؤمن لا تجري بمناسبة الحكم والموضوع.
وهكذا الأحكام الثابتة للعدالة؛ فإنّا لا نحتمل أنَّ شارب الخمر لا تسمع شهادته، أو لا يجوز الصلاة خلفه، حتّى بعد أن يكون تقيّاً ورعاً. والعكس أيضاً صحيحٌ؛ فإنَّ هذه الأحكام ثابتةٌ للعادل، فلو فرضنا (والعياذ بالله) أنَّه طرأ الفسق عليه، أفهل تقول: إنَّه يجوز الائتمام به؛ باعتبار أنَّه يصدق عليه العادل؛ لأنَّ المشتقّ موضوعٌ للأعمّ؟!
والحاصل: أنَّ هذه الأحكام باعتبار أنَّ الحكم ثابتٌ للمتلبّس بالمبدأ، وأنَّها علّةٌ للحكم يدور مدارها وجوداً وعدماً. ولا اعتبار بكون الوضع عاماً أو
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) التوبة: 36.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
خاصّاً؛ فإنَّ الحكم لا يتغيّر بالوضع، فإن جعل الواضع العالم للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، لا نحتمل أنَّه يثبت أحكام العالم عليه حتّى بعد زوال العلم عنه؛ لأنَّ العلم كان علّة للحكم. وهكذا الحكم في أغلب الأحكام إلَّا النادر منها، فإنَّها ثابتةٌ على تقدير التلبّس.
وفي النظر إلى الزوجة مثلاً لا يحتمل أحدٌ أنَّ الحكم بجواز النظر ثابتٌ حتّى بعد الطلاق؛ لأنَّ المشتقّ موضوعٌ للأعمّ!
وعليه فهذه الأحكام المترتّبة على العناوين الاشتقاقيّة نعلم بمناسبة الحكم والموضوع أنَّها دائرةٌ مدار وجود المتلبّس، فلا يثبت الحكم بعد الانقضاء وإن قلنا بأنَّ المشتقّ موضوعٌ للأعمّ. فهنا لا فرق بين أن نلتزم أنَّ المشتقّ حقيقةً في خصوص المتلبّس أو في الأعمّ من المتلبّس والمنقضي؛ فإنّه على كلّ تقدير نعلم بارتفاع الحكم بزوال المبدأ وإن صدق عليه المشتقّ.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وكذلك الحال في سائر موارد الحدود والقصاص نحو: (الساحر يُقتل)، (الزاني بالمحارم يُقتل)، (اللائط يُقتل)، (المفسد بالأرض ينفى) (1). والوجه فيه: قيام القرينة القطعية في أمثال هذه الموارد على أنَّ الحكم يدور مدار بقاء المبدأ؛ فإنَّ وجود المبدأ كافٍ في العلّيّة لبقاء الحكم؛ لأنَّ هذه الأحكام أحكامٌ جزائيّةٌ؛ باعتبار أنَّ جزاء ذلك العمل هو حدّ فاعله أو تعزيره أو القصاص منه.
ومن جملة هذه الموارد تحريم أُمّ الزوجة؛ فإنَّه هنا لا نحتمل أنَّ أُمّ الزوجة إذا زال عنها هذا العنوان بطلاق الزوجة أو موتها، يجوز بعد ذلك نكاحها، مع أنَّها لا يصدق عليها أُمّ زوجةٍ بالفعل، بل هي أُمّ من كانت زوجةً سابقاً، والآن ليس له زوجةٌ حتّى تكون هذه أُمّاً لها.
إلَّا أنَّ القرينة القطعيّة المدلول عليها بالآية الكريمة(2) والروايات المتقدّمة أفادت أنَّ هذا التحريم تحريمٌ عيني، أي: إنَّ هذه المرأة التي اتّصفت بأنَّها أُمّ زوجّةٍ حدوثاً يجري عليها الحكم ببقاء الحرمة إلى الأبد؛ فإنَّ تحريم أُمّ الزوجة
ــــــــــ[100]ــــــــــ
() راجع الأحاديث الواردة في أبواب كتاب الحدود والتعزيرات من وسائل الشيعة: 28: 9.
(2) أي: قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّـهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً النساء: 23.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ذُكر بعد تحريم عدّةٍ من النساء، وبعده ذكر تحريم الجمع بين الأُختين، ما يكون قرينةً قطعيّةً على أنَّ الحرمة فيما تقدّم ليس حرمة الجمع بين الأُمّ والبنت كالأُختين، وإلَّا لكان حقيقاً أن يذكره في ذيله: بأن يقول مثلاً: (وإن تجمعوا بين الأُختين وبين الأُمّ والبنت). فعلمنا من ذلك أنَّ تحريمه للأُمّ ليس من باب حرمة الجمع مادامت زوجةً، بل تحرم الأُمّ حتّى بعد زوال الزوجيّة وانقضاء زمانها أيضاً؛ فإنَّ تحريمها تحريمٌ عيني، أي: ثابتٌ للذات حتّى بعد زوال المبدأ.
وعليه ففي كلّ موردٍ قامت القرينة فيه على بقاء الحكم بعد زوال العنوان، وأنَّ العنوان علّةٌ للحكم حدوثاً وبقاءً، لا أثر للقول بوضع المشتقّ لخصوص المتلبس أو للأعمّ أيضاً، فإنَّه على أيّ حالٍ نعلم ببقاء الحكم، وأنَّ القاتل يُقتل، سواء صدق عليه القاتل بالفعل أو لا؛ إذ الحكم لا يدور مدار الوضع، بل في هذا المورد لا أثر للقول بالوضع للأعمّ أو لخصوص المتلبّس.
فإذا لم تقم قرينةٌ على أحد الأمرين، حينئذٍ يترتّب الأثر على هذا النزاع، فإذا فرضنا أنَّ الحكم ترتّب على عنوانٍ اشتقاقي، وقلنا بأنَّ المشتقّ موضوعٌ لخصوص المتلبّس، فبعد زوال الموضوع يكون زوال الحكم ضروريّاً؛ لاستحالة انفكاك أحدهما عن الآخر. وفي مثله لا بُدَّ لنا من القول بارتفاع الحكم؛ لأنَّ الموضوع قد
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ارتفع. وأمّا إذا قلنا: إنَّ المشتقّ موضوعٌ للأعمّ، فالموضوع باقٍ على الفرض؛ لأنَّ الموضوع هو الأعمّ من المتلبّس والمنقضي، فيصدق عليه أنَّه متّصفٌ بهذا العنوان حقيقةً. وبمقتضى الإطلاق وعدم تقييد الحكم بخصوص المتلبّس، نستكشف أنَّ الحكم في مقام الثبوت موضوعٌ للأعمّ، وأنّ العلّة ثابتةٌ حدوثاً وبقاءً.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّه إذا لم تقم قرينةٌ خارجيّةٌ ودار الأمر بين أن يكون المبدأ علّةً حدوثاً فقط أو حدوثاً وبقاءً، فلا بُدَّ أن نرجع إلى ما يُستفاد من الكلام. فإن بنينا على أنَّ المشتقّ أعمّ، ولم يكن في الكلام ما يقيّده بالمتلبّس، نستكشف بأصالة الإطلاق أنَّ الموضوع في مقام الثبوت مطلقٌ أيضاً غير مقيّدٍ بالمتلبّس. ونتيجة ذلك أنَّ العنوان يكون علّةً حدوثاً وبقاءً للحكم. فالثمرة بين القولين لا تظهر إلَّا عندما لا تكون هناك قرينةٌ.
وعلى ما ذكرنا يظهر الاستدلال بالآية المباركة المارّة الذكر على عدم لياقة هؤلاء الثلاثة للمنصب الإلهي، فإنَّه لم يتوقف على القول بالأعمّ، بل على أمرٍ آخر، وهو قيام القرينة الخارجيّة على أنَّ الظلم من القسم الثالث، أي: إنَّ حدوثه في زمانٍ كافٍ في بقاء الحكم إلى الأبد، ولو فرضنا عدم صدق عنوان (الظالم) عليه بعد الزوال ظاهراً؛ فإنَّ الظلم آنا ما كافٍ في بقاء الحكم حينئذ؛ٍ ولا نحتاج إلى الالتزام بالقول بالأعمّ ليتمّ استدلال الإمام؛ فإنَّ الاستدلال لا يتوقّف على الوضع للأعمّ، بل على أمرٍ معقولٍ مرتكزٍ في أذهان العقلاء.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لا يكون مطعوناً به وساقطاً في أعين الناس. فإذا فرض أنَّ أحداً كان يرتكب الجرائم الكبيرة: كالزنا والقتل وشرب الخمر، ثُمَّ ادّعى أنَّه نبي أو خليفة الله في أرضه، لم تسمع دعواه، بل حتّى لو ادّعى معجزاً إلهيّاً؛ فإنَّه لا ينظر إلى معجزته؛ إذ لا يُحتمل عند العقلاء والمتشرّعين أنَّه حائزٌ على هذا المنصب الإلهي.
وليس في الخارج ظلمٌ أعظم من الشرك؛ فإنَّه أعظم من القتل والزنا وشرب الخمر وسائر الكبائر، ولذا قال سبحانه: إِنَّ اللَّـهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(1) فهو أعظم المعاصي، فكيف يكون من اتّصف بالشرك والظلم في زمانٍ حائزاً على هذه المرتبة الإلهيّة؟! فالاستدلال قائمٌ على أنَّ هؤلاء الثلاثة اتّصفوا بالشرك غير سنةٍ، بل كانوا سنين عديدةً من عبدة الأوثان، وعابد الوثن غير لائقٍ بهذا المنصب الكبير. لذا أجاب الله تعالى قائلاً: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2)، أي: لا بُدَّ أن يكون الحائز على هذا المنصب طاهراً نقيّاً من الظلم والشرك، وهؤلاء الثلاثة ليسوا كذلك.
ويؤيّد ذلك: أنّا نرى في الشريعة أنَّ بعض الأُمور التي توجد في الإنسان تمنعه من إمامة الجماعة، كما لو كان ولد زنا، أو أُجري عليه الحدّ بعد أن ارتكب جريمةً واحدةً؛ لسقوطه من أعين الناس، فلا يمكن أن يتصدّى لإمامة الجماعة، مع أنَّ الجماعة تكفي فيها العدالة، وهي تتحقّق بترك المعاصي الأعمّ من فعل الواجبات ممّا هو واجبٌ على سائر المسلمين. فالإمامة على بساطتها
ــــــــــ[103]ــــــــــ
(1) النساء: 48.
(2) البقرة: 124.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وكون القابل لها لا يزيد على صفة سائر المسلمين لا تصحّ في ولد الزنا ولا المحدود. فإذا لم يرض الله في هذا المنصب بهذه الأُمور البسيطة، فهل يحتمل أن يرضى بأن يتولّى الخلافة المشرك وقد ارتكب أعظم الظلم والآثام؟!
وبهذا البيان يتمّ الاستدلال بالآية، بلا فرقٍ بين أن يكون اللفظ موضوعاً للأعمّ أو لخصوص المتلبّس.
كما وقع الكلام في ترتّب الثمرة على هذه المسألة وعدمه، وعلى تقديره فهل هي ثمرةٌ أُصوليّةٌ؟
وقد ظهر ممّا ذكرنا: أنَّ هذه المسألة يترتّب عليها ثمرتان، أي: تترتّب الثمرة عليها في موردين:
فظهر: أنَّ الثمرة هي أنَّ المشتقّ إن كان حقيقةً في الأعمّ، فنتمسّك بالإطلاق لتعميم الحكم إلى ما بعد زوال المبدأ؛ لأنَّ الحكم يصدق بصدق موضوعه، وعلى
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
القول الآخر لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لعدم بقاء الموضوع.
فأُمّ الزوجة بهذا العنوان -بناءً على الوضع للمتلبّس- لم يتحقّق مصداقها في زمانٍ؛ فإنَّه في زمان الزوجيّة لم تكن أُمّاً، وفي زمان الأُمومة كانت الزوجيّة زائلةً، فهذه المرأة لا تحرم على الزوج. وبناءً على الأعمّ يصدق عليها أنَّها أُمّ الزوجة فعلاً، فيشملها قوله تعالى: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ(1).
وعليه ففي هذين الموردين تظهر الثمرة، كما لو كان الموضوع عنواناً اشتقاقيّاً، وبعد ذلك يزول العنوان، ولم تقم القرينة من دليلٍ خارجي على أنَّ العنوان الاشتقاقي علّةٌ حدوثاً أو حدوثاً وبقاءً. فعلى الأعمّ يبقى الحكم بعد زوال المبدأ لبقاء موضوعه، وعلى القول الآخر يرتفع الحكم بزوال المبدأ؛ وكذلك إذا كان الحكم مركّباً من عنوانٍ اشتقاقي وشيءٍ آخر، وثبت الجزء الآخر بعد زوال المبدأ كما في أُمّ الزوجة، فإنَّها ليست زوجةً بالفعل، بل هي أُمّ من كانت
ــــــــــ[105]ــــــــــ
(1) النساء: 23.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
زوجةً، فهي كانت زوجةً ولم تكن أُمّاً، وعندما كانت أُمّاً لم تكن زوجةً؛ لأنَّ الزوجيّة زالت بطلاقٍ أو رضاع. أمّا الطلاق فكما إذا تزوّج بامرأةٍ وطلّقها ثُمَّ أرضعت زوجته الصغيرة، فكانت أُمّاً لها، فحينئذٍ ليست الصغيرة بزوجةٍ، فتحريم الكبيرة المرضعة يثبت على القول بالأعمّ، وإلَّا لم نحكم بحرمتها؛ لأنَّها لم تكن أُمّ زوجةٍ في زمانٍ، بل أُمّ زوجةٍ سابقةٍ، ولا دليل على تحريمها. وعليه فهذه الثمرة ثابتةٌ، ولا يسعنا إنكارها، كما ذكرنا في الدورة السابقة.
إلَّا أنَّ الكلام يقع في أنَّ هذه المسألة هل هي مسألةٌ أصوليّةٌ أو خارجةٌ عن مباحث هذا العلم؟
وقد تقدّم في أوّل البحث: أنَّ المسألة الأُصوليّة كلّ مسألةٍ يترتّب عليها الحكم الشرعي بنفسها من دون حاجةٍ إلى مقدّمةٍ خارجيّةٍ، كما في دلالة الأمر على الوجوب؛ فإنَّه إذا ثبت ذلك وثبت لدينا الأمر، فالصغرى وجدانيّةٌ، ومفاد الكبرى أنَّ الأمر ظاهرٌ في الوجوب، ما ينتج الوجوب، فنفتي به، وهكذا بقيّة المسائل، كما سبق تفصيله.
وأمّا هذه المسألة -أي: مسألة المشتقّ- فهي من القسم الثاني؛ فإنَّ نفس كون المشتقّ موضوعاً للأعمّ أو للمتلبّس نظير البحث في مفاد الجوامد وأنَّ لفظ الصعيد هل هو موضوعٌ لمطلق وجه الأرض أو للتراب الخالص، أو الغناء هل هو الصوت الذي فيه ترجيعٌ أو ما كان مطرباً؟
فهذه المباحث مباحث لغويّةٌ واشتقاقيّةٌ لا يترتّب عليها بنفسها أثرٌ شرعي،
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بل يترتّب عليها الأثر بواسطة بحثٍ آخر، وهو حجّيّة الإطلاق ما لم تقم قرينةٌ على التقييد، فإذا ضممنا هذا البحث إلى ظهور المشتقّ في الإطلاق، ولم تقم قرينةٌ على التقييد، فينتج حينئذٍ الحكم المطلق.
ومثال ذلك مسألة الرضاع؛ فإنَّه إذا ثبت أنَّ المشتقّ حقيقةً في الأعمّ، نتمسّك بإطلاق وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ(1) فهي مطلقةٌ لم تقيد بأُمّهات النساء حال الزوجيّة، بل أعمّ منها ومن حال الانقضاء. فإن كان الكلام مطلقاً في مقام الإثبات، نعرف أنَّه مطلقٌ في مقام الثبوت، فنحكم بأنَّها محرّمةٌ، فهذا التمسّك بالإطلاق لا يتمّ إلَّا بضميمة أنَّ الإطلاق حجّةٌ في مقام الإثبات، ويستنتج منه الإطلاق في مقام الثبوت. أمّا المشتقّ بنفسه فلا يترتّب عليه أثرٌ، وإنّما هو بحثٌ لغوي عن الموضوع له، ولا يترتّب عليه أثرٌ شرعي إلَّا بضميمة بحثٍ آخر أُصولي.
وبهذا ينتهي بحثنا في أصل مسألة المشتقّ.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) النساء: 23.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ويقع الكلام الآن في تنبيهات بحث المشتق:
وموضوع البحث إنَّما هو في البساطة والتركيب تحليلاً، أي: إنَّ المفهوم الاشتقاقي هل ينحلّ إلى شيءٍ له المبدأ، أو إنَّه بسيطٌ ليس له جهة تركّبٍ، كما في نفس المبادئ؟ كما أنَّ القيام لا ينحلّ إلى أمرين بالتحليل، بل إلى أمرٍ واحدٍ هو هذا العرض، كالبياض والسواد. فالكلام في أنَّ مفهوم الأبيض والأسود بحسب التحليل لا ينحل إلى أمرين، كالشيء الذي له البياض كنفس المبدأ، أو أنَّه ينحلّ إلى جزئين، أي: إلى معروضٍ وإلى قيام العرض به.
وأمّا المتفاهم العرفي من المشتقّ فهو معنىً بسيطٌ، وهذا ممّا لم يقع فيه إشكالٌ؛ ضرورة أنَّ المشتقات: كاسم الفاعل واسم المفعول وغيرهما ليست من قبيل الجمل الناقصة نحو: (غلام زيدٍ)؛ فإنَّهم قسّموا الجمل إلى ما يصحّ السكوت عليها وهي التامّة، وإلى ما لا يصحّ السكوت عليها، وهي الناقصة نحو: (غلام زيدٍ) و(القيام في الدار) وغير ذلك ممّا كان مركّباً من أمرين لا يصحّ السكوت عليهما.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا المشتقّات فهي ليست كذلك قطعاً، وإنّما هي من الأسماء المفردة، ولا يُستفاد منها عرفاً مفهومان متغايران: الذات وثبوت القيام بها، وإنّما يُستفاد أمرٌ وحداني له مطابقٌ في الخارج.
وعليه فلا إشكال في أنَّ المشتقّ أمرٌ بسيطٌ بحسب الإدراك واللحاظ، كمفهوم الإنسان؛ فهو ليس جملةً ناقصةً، كما في (حيوان ناطق) الذي هو جملةٌ ناقصةٌ؛ إذ ما يُستفاد من (إنسان) غير ما يستفاد من (الحيوان الناطق) بالقطع واليقين. فإن كان الكلام عن الإنسان، لا يحصل الانتقال منه إلى مفهوم الحيوان ومفهوم الناطق، بل يحضر في النفس أمرٌ واحد، وإن كان هذا الأمر بالتحليل، منحلاً إلى حيوانٍ وناطقٍ، ونعرف أنَّ هذه الحقيقة هي عين تلك الحقيقة، وإنَّما الفرق باللحاظ.
ونحوه لفظ (عشرة)؛ فإنَّه ينتقل منها إلى معنىً واحدٍ، لا أنَّه ينتقل إلى أربعتين واثنين أو خمستين أو غيرهما، وإن كان بحسب التحليل كذلك، بل إذا قيل: (عشرة) ينتقل الذهن إلى المجموع بما هو مجموعٌ دون الأجزاء.
ولا ينبغي الشكّ في أنَّ لفظ (القائم) ليس بأزيد من مفهوم العشرة أو الإنسان، فإذا أُطلق لا نتصوّر إلَّا مفهوماً واحداً، ولا نتصوّر مفهوم شيءٍ له المبدأ، فإنَّ المشتقّ ليس من الجمل الناقصة بالضرورة.
ثُمَّ إنَّ بساطة المشتقّ بهذا المعنى لا يحتاج إلى إقامة برهانٍ؛ فإنَّه ليس برهانيّاً، بل لا بُدَّ في إثباته من الرجوع إلى العرف، فالاستدلال على بساطة المشتقّ بحسب مقام اللحاظ والإدراك بالبرهان العقلي القائل: إنَّه لو كان كذا لكان كذا، لا محلّ له؛ فإنَّ تعيين المفاهيم العرفيّة بالرجوع إلى العرف خاصّةً.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فقد ثبت أنَّ البساطة الإدراكيّة لم يقع فيها كلامٌ من أحدٍ فيما نعلم، وهذا أمرٌ ظاهرٌ حتّى من القائل بالتركيب كشارح (المطالع)(1)؛ فإنَّه صرّح أنَّ المعنى وإن كان بسيطاً بحسب اللحاظ والإدراك، إلَّا أنَّه ينحلّ إلى أمرين.
والسيّد الشريف القائل بالبساطة إنَّما أنكر على صاحب (شرح المطالع) التركيب بالتحليل دون التركيب باللحاظ فإنَّه لا يقول بالتركيب باللحاظ(2).
وعليه فليست البساطة في مقام اللحاظ محلّ البحث في المقام. وأمّا ما ذكره صاحب (الكفاية)(3) واختاره من البساطة وفسّرها بالبساطة في مقام اللحاظ والإدراك، فليس على ما ينبغي، بل الحقّ أنَّ صاحب (الكفاية) من القائلين بالتركيب؛ فإنَّه يعترف أنَّ المفهوم الاشتقاقي ناظرٌ إلى شيءٍ له العرض، ويدّعي أنَّه بسيطٌ. وما ادّعاه هنا لا ينكره حتّى شارح (المطالع)؛ إذ الكلام في التركيب والبساطة بحسب التحليل، وأنَّ المفهوم الاشتقاقي هل ينحلّ إلى شيءٍ له القيام، كما ينحلّ الإنسان إلى حيوانٍ ناطقٍ أو لا ينحلّ؟
ادّعى صاحب (شرح المطالع) (4): أنَّ المشتقّ ينحلّ إلى أمرين، وبهذا أجاب
ــــــــــ[110]ــــــــــ
(1) أُنظر: قطب الدين الرازي، شرح المطالع في المنطق 1: 41، الفصل الأول في الحاجة إلى علم المنطق، تعريف التصور والتصديق.
(2) أُنظر: قطب الدين الرازي، شرح المطالع في المنطق: 11 (المخطوط).
(3) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 51، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الأمر الأوّل.
(4) أُنظر: قطب الدين الرازي، شرح المطالع في المنطق (المحشّى): 41، الفصل الأول في الحاجة إلى علم المنطق، تعريف التصور والتصديق.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
عن الإشكال على تعريف الفكر بأنَّه ترتيب الأُمور المعلومة لتحصيل المجهول: بأنَّ التعريف والحدّ قد يكون حدّاً ناقصاً، وقد يكون رسماً ناقصاً، كما في التعريف بالفصل أو الخاصّة، بأن يُجاب عن الإنسان ما هو؟ فيُقال: (ضاحكٌ) أو (ناطقٌ)، وهذا تعريفٌ، مع أنَّه ليس فيه ترتيب أُمورٍ معلومةٍ، بل هو أمرٌ واحدٌ، فنقض بهذا على ما ذُكر في التعريف.
وأجاب صاحب (شرح المطالع) عنه: بأنَّ كلمة (الضاحك) و(الناطق) وإن كانت أمراً واحداً صورةً، إلَّا أنَّه ينحلّ إلى أمرين: شيء له النطق، وشيء له الضحك، فهنا ترتيب أُمورٍ، غاية الأمر أنَّه بالتحليل لا بحسب الصورة.
وأورد عليه السيّد الشريف(1): أنَّه لا يُعقل أن يكون مفهوم الناطق منحلاً إلى أمرين.
فالنزاع إنما هو في البساطة والتركيب بحسب التحليل.
والأقوال والمحتملات ثلاثةٌ في المقام:
◙ الاحتمال الأوّل: أن يكون المفهوم الاشتقاقي بسيطاً، كما صرّح به السيّد الشريف(2) وغيره(3)، مدّعياً أنَّ المشتقّ والمبدأ متّحدان بحسب المعنى، ولا فرق بينهما إلَّا بأخذ شرط لا في أحدهما وأخذ لا بشرط في الآخر، كما ذُكر ذلك في
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) أُنظر: قطب الدين الرازي، شرح المطالع في المنطق: 11 (المخطوط).
(2) أُنظر: المصدر المتقدم.
(3) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 51، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الأمر الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الفرق بين الجنس والفصل والمادّة والصورة. فالذات والحقيقة واحدٌ دائماً، ولا يختلفان إلَّا في لحاظ لا بشرط وبشرط لا، فالمادة مأخوذةٌ بنحو بشرط لا، فلا يمكن حملها على الذات، والصورة مأخوذةٌ لا بشرطٍ فيمكن حملها.
وبناءً على التركّب يُحتمل أن يكون المفهوم الاشتقاقي متركّباً من مصداق الذات والمبدأ، كما قد يكون متركّباً من مفهوم الذات والمبدأ، فنفسّر معنى (زيدٌ قائمٌ)، بإنسانٍ له القيام، فيكون الدخيل مصداق الإنسان، أو نفسّره بشيءٍ له القيام، فيكون الدخيل مفهوم الذات المساوق للشيء في المفهوم.
وأمّا أخذ مصداق الذات في المفهوم الاشتقاقي: بأن يكون معنى قولنا: (زيدٌ قائمٌ) إنسان له القيام فهذا ممنوعٌ، ولا نحتاج إلى إقامة البرهان على عدم تركّبه من مصداق الذات والمبدأ، لا لأجل أنَّ أخذ مصداق الذات في المشتقّ يلازم أخذ النوع في الفصل، كما قيل(1)؛ فإنَّه لا يلزم ذلك، ولا لأجل ما ذكره السيّد الشريف(2) من أنَّ لازمه انقلاب القضيّة الممكنة إلى الضروريّة.
والوجه فيه: أنَّ قولنا: (الإنسان ضاحكٌ) قضيّة ممكنةٌ، فإذا أخذنا الإنسان في مفهوم الضاحك، وكان مرجعها إلى قولنا: (الإنسان إنسانٌ ضاحكٌ) أصبحت ضروريّةً؛ لأنَّه من حمل الإنسان على نفسه، مع أنَّه ليس هاهنا انقلابٌ.
بل ليس مصداق الذات مأخوذاً في المفهوم الاشتقاقي؛ لأنَّه بناءً على
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) راجع: النائيني، فوائد الأُصول 1: 110، المقدّمة، المبحث الثالث، الأمر الثامن، الأمر الثالث.
(2) أُنظر: قطب الدين الرازي، شرح المطالع في المنطق: 11 (المخطوط).
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الأخذ، يلزم أن تكون المفاهيم الاشتقاقيّة من المتكثرة المعنى فإنَّ مصداق الذات يختلف. ولذا نقول: (الحرُّ شديدٌ) و(العذاب شديدٌ) و(الحركة شديدةٌ) و(الضرب شديدٌ)، فالذات المأخوذة تختلف باختلاف موارد الاستعمال. ففي قولنا: (الحرُّ شديدٌ) الذات المأخوذة هي الحرّ، وفي قولنا: (العذابُ شديدٌ) هي العذاب، وفي قولنا: (الضرب شديدٌ) هي الضرب. فمفهوم الشديد يختلف باختلاف موارد الاستعمال، فيكون من قبيل المتكثّر المعنى، ومن الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، وهو باطلٌ بالضرورة؛ إذ لا ينبغي الشكّ في أنَّ المستفاد من هذا اللفظ في سائر الموارد والمعنى المستعمل فيه واحدٌ، وليس المراد به في أحد هذه الاستعمالات شيئاً وفي المورد الآخر شيئاً آخر؛ لأنَّه باطلٌ بالوجدان؛ فإنَّ كلمة (شديد) أو كلمة (قائم) أو (نائم) إذا حملت على الإنسان، قيل: (الإنسان نائمٌ)، وإذا حملت على الحيوان قيل: (الحيّة نائمةٌ)، ولا إشكال أنَّ مفهوم النائم ومعناه واحدٌ، لا أنَّ النوم في قولنا: (الإنسان نائمٌ)، بنحوٍ آخر مغايرٍ لقولنا: (الحيّة نائمةٌ)، بل ليس كذلك قطعاً، بل لا يمكن الالتزام به، ولا ينبغي الشكّ في خروج مصداق الذات والمفهوم وأنَّه مركّبٌ منها ومن المبدأ.
◙ وأما الاحتمالان الثاني والثالث: فالأمر إذن يدور بين الاحتمالين الآخرين، أعني: تركّب المفهوم الاشتقاقي من الذات والمبدأ، أو أنَّه نفس المبدأ، ولا فرق بينهما إلَّا بالاعتبار من حيث أخذ أحدهما لا بشرط والآخر بشرط لا كما تقدم.
والصحيح هو القول بالتركيب، وأنَّه مركّبٌ من مفهوم الشيء وأن يكون له
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المبدأ؛ فإنَّنا لا نستفيد من قولنا: (قائم) إلَّا من له أو ما له القيام، أي: الشيء المبهم القابل للصدق على كلّ ما يفرض أن يكون شيئاً، وسيأتي الكلام فيه.
نعم، استدلّ السيّد الشريف(1) بما ذكره من البساطة: بأنَّ المأخوذ في المفهوم الاشتقاقي إن كان هو مفهوم الشيء، فلازمه دخول العرض العامّ في الفصل وانقلاب ما ليس بذاتي إلى الذاتي، وهذا غير معقولٍ؛ فإنَّ العرض العامّ خارجٌ عن مقام الذات، والفصل منتزعٌ عن مقام الذات، فدخول العرض العامّ في الذات يستلزم انقلاب غير المقوّم إلى المقوّم.
والوجه فيه: أنَّ (ناطق) مقوّمٌ وذاتي للإنسان، فإذا كان مفهوم الشيء مأخوذاً وكان عرضاً عامّاً لزم أن يكون ما فرضناه عرضاً عامّاً مقوّماً للإنسان وذاتيّاً له، وهو محالٌ.
وإذا كان المأخوذ في المفهوم الاشتقاقي حقيقة الذات وواقعها، فلازمه انقلاب القضيّة الممكنة إلى الضروريّة؛ فإنَّ قولنا: (الإنسان ضاحكٌ) ينحلّ حينئذٍ إلى قولنا: (الإنسان إنسانٌ) و(الإنسان له الضحك)، فإحدى هاتين القضيّتين ضروريّةٌ، فانقلبت القضيّة الممكنة إلى ضروريّةٍ.
وقد علّق عليه بعضهم(2): بأنّ المأخوذ إذا كان هو حقيقة الذات، يلزم
ــــــــــ[114]ــــــــــ
(1) أُنظر: قطب الدين الرازي، شرح المطالع في المنطق: 11 (المخطوط).
(2) راجع: الحائري الأصفهاني، الفصول الغروية: 61، تنبيهات، الأول في مفهوم المشتق.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وقوع النوع في الفصل أو العرض العامّ؛ فإنَّ واقع الذات في قولنا: (الإنسان ناطقٌ) هو الإنسان. فإذا كان الإنسان دخيلاً ومقوّماً للإنسان، فمعناه أنَّ النوع داخلٌ في العرض أو الفصل، وهو غير معقولٍ؛ فإنّ الفصل جزءٌ للنوع، فكيف يكون النوع جزءاً له؟!
وفيه: أمّا الشرطيّة الأُولى القائلة بأنَّه لو كان المأخوذ هو مفهوم الذات، لزم دخول العرض العامّ في الفصل، فقد أورد عليه غير واحدٍ(1) بأنَّه لا يلزم ذلك؛ لأنَّه مبني على أن يكون الناطق فصلاً حقيقيّاً للإنسان؛ فإنَّه لو كان كذلك لصحّ ما ذكر؛ فإنَّ دخول الشيء (وهو عرضٌ عامٌّ) في الناطق (وهو فصلٌ) لازمه دخول العرض العامّ في الفصل.
إلَّا أنَّ الأمر ليس كذلك؛ فإنّ الناطق ليس بفصلٍ حقيقي للإنسان، بل لا طريق لنا إلى معرفة الفصول الحقيقيّة؛ فإنَّ الله سبحانه هو العالم بذوات الأشياء؛ فإنَّ الأشياء إنَّما يعلمها صانعها، ولا علم لنا بالفصول الحقيقيّة، إلَّا أنَّهم قد اصطلحوا على أن نأخذ خاصّةً من خواصّ الشيء فتجعل مكان الفصل، فالناطق فصلٌ مشهوري، لا فصلٌ حقيقي، وإلَّا فهو عرضٌ خاصٌّ لهذا الشيء؛ فإنَّ الإنسان يمتاز بأنّ الله ألهمه النطق وعلّمه البيان، لذا جعلوه فصله ومميّزه. وإلَّا فإنَّ من الواضح أنَّه من الكيف المسموع، والكيف المسموع
ــــــــــ[115]ــــــــــ
(1) راجع: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 52، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الأمر الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
من العوارض، ولا يمكن أن يكون فصلاً مقوّماً للإنسان. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المراد به النطق الفعلي أو القدرة على النطق ليشمل الأخرس؛ فإنَّ القدرة أيضاً من الكيفيّات النفسانيّة، ولا تكون مقوّماً لها.
وأمّا إذا أُريد به إدراك الكليّات كما فسّره بعض(1): بأن يكون ذلك اصطلاحاً لهم فيه، ففيه أيضاً أنَّ الإدراك بمعنى العلم، وهو من عوارض العالم ولواحقه، لا من ذاتيّاته. وعليه فلا فرق بين أن نفسّر الناطق بالمتكلّم، كما هو الظاهر وما يقتضيه الوضع اللغوي، أو يكون لهم اصطلاحٌ يُراد به إدراك الكليّات؛ فإنَّه أيضاً من عوارض الإنسان؛ فإنّ الإدراك بمعنى العلم، وهو ليس فصلاً له. فعليه إذا قلنا: إنَّ مفهوم الشيء دخيلٌ في الناطق، لم يكن من باب دخول العرض العامّ في الفصّل؛ لأنَّ الناطق خاصّةٌ، ودخول العرض العامّ في الخاصّة لا محذور فيه.
وممّا يدلنا على أنَّ الناطق فصلٌ مشهوري لا حقيقي وأنَّه خاصّةٌ جعلت مكان الفصل: أنَّهم عرّفوا الفرس بالحيوان الصاهل، وجعلوا الفصل كلمة (الصاهل)، وكذلك جعلوا فصل الحمار كلمة (الناهق)، والواقع أنَّ هذه الأُمور كلّها من العوارض، وليس شيءٌ منها من الفصل الحقيقي، فلا يلزم من أخذها في المفهوم أيّ محذورٍ أصلاً.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
(1) أُنظر: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 150، التحقيق في صحّة المنقضي.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولشيخنا الأُستاذ(1) في المقام إشارتان:
وهذا غريبٌ منه؛ فإنّ صاحب النفس الناطقة هو الإنسان، أي: هذا المفهوم، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّه فصلٌ؟! فهذا الكلام ساقطٌ من رأسٍ.
وما ذكره مبنيٌّ على أن يكون الشيء جنساً، وقد استدلّ على ذلك: بأنَّ العرض العامّ لا بُدَّ وأن يكون عرضاً خاصّاً للجنس القريب والبعيد، أي: له
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 111، المقدّمة المبحث الثالث، الأمر الثامن، الأمر الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولغيره، أي: للجامع بينهما: كالماشي، فهذا عرضٌ عامٌّ للإنسان، ولكن إذا لاحظناه بالنسبة إلى الحيوان يكون عرضاً خاصّاً. وكالنموّ الذي هو بالنسبة إلى الإنسان عرضٌ عامّ وبالنسبة إلى الجسم النامي عرضٌ خاصٌّ، والكمّ للإنسان عرضٌ عامٌّ ولكنّه للجواهر أو للجسم عرضٌ خاصٌّ. فكلّ ما فرضناه من العرض العامّ فهو بالنسبة إلى الجنس القريب أو البعيد لا بُدَّ وأن يكون خاصّةً له، ومفهوم الشيء لا يُعقل أن يكون كذلك؛ لأنَّ أيّ أمرٍ تفرضه لا يُعقل أن يكون الشيء من خواصّه، أي: أنَّه لا يكون شيئاً في ذاته، ثُمَّ تعرضه الشيئيّة، فلا يمكن فرض شيءٍ لا يكون شيئاً في نفسه وتعرضه الشيئيّة؛ لأنَّ مثله غير معقولٍ، فنستكشف من ذلك أنَّ الشيء ليس بعرضٍ عامٍّ، بل هو جنس الأجناس والصدق على جميع الأشياء.
وعليه، فدخول الشيء في المفهوم الاشتقاقي يلزم منه دخول الجنس في العرض العامّ أو الخاصّ أو الفصل؛ فإنَّنا أيّاً اخترنا لا يمكن دخول الشيء فيه؛ لأنَّه يلزم دخول الشيء في الفصل أو الخاصّة، وكلاهما مستحيلٌ.
إلَّا أنَّ ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه:
والوجه في ذلك: أنَّ مفهوم الشيء قابلٌ للانطباق على الممكن والواجب بل على الممتنع، فيُقال: إنَّ شريك الباري شيءٌ يستحيل وجوده. فمفهوم الشيء بإطلاقه يعمّ الواجب والممتنع والممكن على اختلاف أقسامه من المقولات وغير المقولات، أي: الأُمور الاعتباريّة والانتزاعيّة؛ فإنَّ كلّ ذلك شيءٌ. فالملكيّة أمرٌ اعتباري، والإمكان أمرٌ انتزاعي، والشيء كما يصدق على
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الموجودات الحقيقيّة، أي: المقولات العشر من الجواهر والأعراض، كذلك يصدق على الأمر الاعتباري والأمر الانتزاعي.
ولا يُعقل تصوير جامعٍ حقيقي، أي: جنسٍ مشتركٍ بين الأعراض فقط، أي: المقولات العرضيّة التسع؛ فإنَّها أجناسٌ عاليةٌ، ولا يمكن فرض جنسٍ جامعٍ بين الأعراض نفسها، فضلاً عن الأعراض والجواهر، فضلاً عن الموجودات الاعتباريّة والانتزاعيّة، فضلاً عن الواجب والممكن والممتنع، فكيف يفرض الجامع بين الواجب والممكن والممتنع؟! وهل يمكن أن يُقال: إنَّه (تعالى وتقدّس) مركّبٌ من الجنس والفصل؟! هذا غير معقولٍ، مع أنَّ مفهوم الشيء يصدق عليه، فهو شيءٌ، غاية الأمر هو شيءٌ لا كالأشياء، بل شيءٌ واجبٌ في ذاته.
إذن، فلا يمكن أن نلتزم أنَّ الشيء منتزعٌ عن مقام الذات، بل يُنتزع من مقام الوجود، أعمّ من الموجود الخارجي والذهني، فكلّ ما يكون موجوداً في الخارج فهو شيءٌ ولو ذهناً وإن كان مستحيلاً، فهو أمرٌ منتزعٌ من كون الشيء موجوداً في عالمٍ من العوالم: في الخارج أو في الذهن أو في الاعتبار. إذن فمفهوم الشيء ليس جنساً عالياً ، ولا يلزم من دخوله في المفهوم الاشتقاقي دخول الجنس في الفصل أو الخاصّة.
وأمّا ما ذكره من أنَّ العرض العامّ لا بُدَّ وأن يكون عرضاً خاصّاً للجنس القريب أو البعيد، ولا نجد بل لا يُعقل أن يكون شيءٌ تكون له الشيئيّة عرضاً خاصّاً، فلا يكون الشيء عرضاً عامّاً، فالمشي عرضٌ عامٌّ للإنسان، ولكن لو
ــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لوحظ بالنسبة إلى الحيوان مثلاً يكون عرضاً خاصّاً له، فكلّ عرضٍ عامٍّ لنوعٍ خاصٌّ لجنسه: إمّا القريب أو البعيد، ومفهوم الشيء ليس كذلك؛ فإنَّه لا يوجد شيءٌ تكون الشيئيّة (أي: مفهوم الشيء) عرضاً خاصّاً له، فلا بُدَّ أن يكون جنساً.
ففيه خلطٌ بين العرض والعارض؛ إذ العرض كما ذكره في محلّه؛ لأنَّ العرض في قبال الجوهر؛ فإنَّهم في باب الكلّيّات يقسّمون الكلّيّات إلى أقسام: منها ما هو بنفسه نفس النوع، ومنها ما هو ذاتي له وفيه جهةٌ مشتركةٌ بينه وبين غيره كالجنس، أو جهةٌ مميّزةٌ له كالفصل، أو خارجٌ عن مقام الذات، أي: لا ذات ولا ذاتي، فهو عرضٌ من المقولات التسع. وهو إن اختصّ بالشيء فهو عرضٌ خاصٌّ، وإن كان له ولغيره فهو عرضٌ عامٌّ. فيُقال: (الإنسان نوعٌ) و(الحيوان جنسٌ)، و(الناطق فصلٌ) و(الضاحك عرضٌ خاصٌّ للإنسان) و(الماشي عرضٌ عامٌّ للإنسان وخاصّةٌ للحيوان).
وعليه فما ذكره إنَّما يتمّ في العرض؛ فإنَّ أيّ شيءٍ تفرضه عرضاً عامّاً لنوعٍ لا بُدَّ أن يكون عرضاً خاصّاً للجنس لا محالة؛ إذ العرض لا يوجد بلا موضوعٍ. فإن كان موضوعه نوعاً فهو عرضٌ عامٌّ، وإن كان موضوعه جنساً فهو عرضٌ خاصٌّ.
أمّا العارض اللاحق للشيء الخارج عن مقام ذاته -وقد ذكرنا في البحث عن موضوع العلم أنَّ العارض غير العرض- فهو عبارةٌ عن كلّ ما يُحمل على الشيء خارجاً عن مقام ذاته، فهو عارضٌ، كقولهم: إنَّ الوجود عارض الماهيّة، ولا يريدون به أنَّه عرضٌ لها؛ إذ كيف تكون الماهيّة التي هي بنفسها ليست إلَّا هي (لا
ــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
موجودة ولا معدومة وإنَّما توجد بالوجود)، معروضاً للوجود؟! وكيف يكون الوجود عرضاً، مع أنَّه خارجٌ عن المقسم؛ إذ المنقسم إلى الجوهر والعرض هو الماهيّة لا الوجود، فهو عارض الماهيّة؟! إذ فهو عارضٌ لا عرضٌ.
وقد يكون العارض ذاتيّاً في كتاب البرهان، كالإمكان بالنسبة إلى الإنسان؛ فإنَّه عارضٌ له، أي: لاحقٌ له، وليس ذاتياً أي: ليس بجنسٍ ولا فصلٍ، ومع ذلك فهو منتزعٌ عن مقام الذات.
فالعارض غير العرض؛ فإنَّه قد يكون الشيء منتزعاً عن مقام الذات، ويكون عارضاً، ولكنّه لا يكون عرضاً، وليست الشيئيّة من الأعراض ليُقال: إنَّه يلزم دخول العرض العامّ في الفصل أو الخاصّة؛ فإنَّ هذا إنَّما يتمّ في العرض لا العارض، والشيئية عارضٌ عامٌّ لا عرضٌ عامٌّ؛ فإنَّ الشيئيّة تلحق جميع الأشياء؛ فإنَّ كلّ ما يتصوّر أنَّه موجودٌ في أيّ وعاءٍ من الأوعية ولو كان ممتنعاً بلحاظ وجوده في الذهن، فإنَّه تلحقه الشيئيّة.
وعلى ذلك لا يرد عليه ما أورده من أنَّ أخذ مفهوم الشيء في مفهوم الناطق يلزم منه أخذ الجنس في الفصل أو الخاصّة، بل الناطق ليس بفصل حقيقي، كما تقدّم، وإنَّما هو خاصّةٌ من خواصّ الإنسان، وأخذ مفهوم الشيء لا يلزم منه إلَّا أخذ العارض العامّ في الخاصّة؛ فإنَّ الناطق ليس بفصلٍ ولا الشيء بجنسٍ حتّى يلزم منه محذورٌ.
ولو تنزّلنا وفرضنا محالاً أنَّه جنسٌ عالٍ للأشياء كلّها أو أنَّه جنسٌ بالنسبة إلى المقولات العشر، فهو جنس الأجناس الصادق على الجوهر والعرض، فإنَّه على
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
هذا لا يلزم دخول الجنس لا في الفصل ولا في الخاصّة؛ بداهة أنَّ مفهوم الناطق بمفهومه ليس فصلاً ولا خاصّةً للإنسان، وما هو خاصّةٌ للإنسان هو النطق القائم به؛ فإنَّه هو العرض دون الناطق، وكذلك فإنَّ العرض هو الضحك والإحساس والتحرّك بالإرادة، دون الضاحك والحسّاس والمتحرّك بالإرادة.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ المناطقة قسّموا الكلّيّات إلى هذه الأقسام: النوع والجنس والفصل والخاصّة والعامّة، أي: العرض الخاصّ والعرض العامّ، وما هو مصداقٌ للعرض إنَّما هو النطق والضحك والتحرّك بالإرادة والمشي، وكل عرض يلاحظ بالنسبة إلى موضوعه: فإن كان خاصّاً به كان عرضاً خاصّاً كالضحك للإنسان، وإن لم يكن يختصّ به كان عرضاً عامّاً كالمشي للإنسان؛ فإنَّه كما يقوم الإنسان به يقوم غير الإنسان به أيضاً.
وعليه فهذا التقسيم ناظرٌ إلى الكلّيّات، وأمّا مفهوم الناطق والضاحك فليس بنفسه من الكلّيّات، وليس مورداً للتقسيم وإن أُطلق عليه أنَّه عرضٌ عامٌّ أو عرضٌ خاصٌّ، ولكن باعتبار مبدأه، لا باعتبار نفسه. ولذا فلو قيل: (إنّ الناطق فصلٌ) لا يُراد به أنَّ هذه الكلمة بتمام مفهومها فصلٌ، بل يُراد به أنَّ النطق فصلٌ.
فلم يرد دليلٌ أو برهانٌ أو غيره أو ظهورٌ لفظي مفاده: أنَّ الناطق بمفهومه فصلٌ أو خاصّةٌ، وإنَّما هذا التقسيم من المناطقة ناظرٌ إلى الأمر الواقعي، فإنَّه أمرٌ واقعي لا يدور مدار أخذ الشيء في الناطق وعدمه؛ فإنَّه ناظرٌ إلى الواقعيّات، لا إلى وضع الالفاظ، ولذا سواء أُخذ مفهوم الشيء أو لم يُؤخذ لم يضرّ بالتقسيم
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المنطقي. إذن لو فرض أنَّ مفهوم الناطق مشتملٌ على مفهوم الشيء، فليس مفهومه بما هو مفهومٌ فصلاً ولا خاصّةً حتّى يلزم منه أخذ الجنس في الفصل أو الخاصّة، بل إنَّ أخذ مفهوم الشيء في الناطق والضاحك إنَّما هو لتصحيح الحمل، وإلَّا ففصل الإنسان إنَّما هو نطقه، لا الناطق بمفهومه، كما أنَّ العرض الخاصّ للإنسان هو ضحكه وكتابته، والعرض العامّ له مشيه أو تحرّكه بالإرادة.
إذن، فما ذكر أمرٌ أجنبي، وسواء أُخذ مفهوم الشيء في مفهوم الناطق أو لم يؤخذ لا يلزم منه محذورٌ عقلي.
وعليه فما ذكره السيّد الشريف من الاستحالة غير تامٍّ وإن كان الناطق فصلاً حقيقيّاً، فضلاً عن كونه غير فصلٍ.
وأمّا ما ذكره من أنَّ المأخوذ في المفهوم الاشتقاقي إن كان مصداق الذات وواقعها: بأن نفسّر (زيدٌ قائمٌ) بإنسانٍ له القيام، ما يلزم منه انقلاب القضيّة الممكنة إلى الضروريّة، فهو واضح الفساد، ومن الغريب صدور مثله من السيّد الشريف.
والوجه في ذلك: أنَّهم ذكروا حين قسموا القضايا إلى أقسامٍ: ضروريّة وممكنة ومشروطة عامّة…: أنَّ العبرة في الأُمور المأخوذة في الكلام، فقد يختلف حال القضيّة باختلاف القيود، فيصحّ أن يُقال: (إنّ زيداً شاعرٌ)، ولكن لا يصحّ أن يُقال: (إنَّه شاعرٌ ماهرٌ)؛ فإنَّ النسبة إلى فاقد القيد صادقةٌ، والنسبة مع القيد كاذبةٌ.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وإن شئت فعبّر: إن قلت (زيدٌ شاعرٌ) فهي قضيّة مطلقةٌ عامّةٌ، أي: إنَّ المبدأ موجودٌ بالفعل، وإن قلت: (إنَّه شاعرٌ ماهرٌ) فهي ممكنةٌ؛ لأنَّ زيداً ليس بشاعرٍ ماهرٍ. نعم، قد يكون كذلك. فهذه مادّةٌ واحدةٌ كانت في الأُولى الفعليّة وفي الأُخرى الإمكان، مع أنَّ المحمول شيءٌ واحدٌ، ولكنّه إذا قيّد بقيدٍ يكون المقيّد ممكناً، ويكون بدونه فعليّاً.
وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر الموارد، فلو أشرنا إلى إنسانٍ وقلنا: (هذا إنسانٌ)، فهي قضيّةٌ ضروريّةٌ؛ لأنَّ ثبوت الكلّي لفرده ضروري. ولو قلنا: (إنَّه إنسانٌ يبصر) -وكان أعمى- فهي مستحيلةٌ؛ لأنَّ البصر مستحيلٌ في حقّ الأعمى، فالإتيان بالمقيّد بهذا القيد ممتنعٌ.
ولذا تختلف موارد القضايا من حيث الفعليّة والامتناع والإمكان باختلاف القيود، والوجه في ذلك واضحٌ؛ إذ قد يكون حمل الطبيعي ضروريّاً، وحمل المقيّد ضروريّ العدم. أو ممكناً، وهذا ظاهرٌ، ولا نعلم كيف خفي مثله على السيّد الشريف.
وعليه فالقضيّة في قولنا: (زيدٌ إنسانٌ ضاحكٌ) بهذا القيد قضيّةٌ ممكنةٌ؛ فإنَّه وإن كان حمل الإنسان على الإنسان ضروريّاً، إلَّا أنَّ المحمول ليس طبيعي الإنسان، بل هو الإنسان المقيّد، والمادّة تابعةٌ للقيد. فإذا كان القيد ممكناً كانت ممكنةً؛ لأنَّ المقيّد بالممكن ممكنٌ لا محالة. كما قد يكون المقيّد ممتنعاً، كما لو قلنا: (الإنسان إنسانٌ واجب الوجود أو طائر)، فمادّة القضيّة تابعةٌ للقيد المأخوذ فيها، فإذا كان القيد ممكناً كان المقيّد ممكناً لا محالة.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فأين انقلاب القضيّة الممكنة إلى الضرورية في المقام؟! بل هي باقية على إمكانها؛ لأنَّ ثبوت الإنسان المقيّد للإنسان ليس ضروريّاً له.
نعم، لو بنينا على أنَّ هذه القضيّة تنحلّ إلى قضيّتين مستقلّتين إحداهما أجنبيّةٌ عن الأُخرى؛ لأنَّ إحداهما (الإنسان إنسانٌ) والأُخرى (الإنسان له الضحك)، كان هذا صحيحاً، ولكن أين هذا من ذاك؟ وكيف يُقال: إنَّ القضيّة تنحلّ إلى قضيّتين مستقلّتين، بل لا محالة يكون المحمول أمراً واحداً هو المقيّد بهذا القيد. ومطلق ثبوت شيءٍ لشيءٍ ضروريّاً لا يستتبع أن يكون المقيّد ضروريّاً؛ فإنَّه لا بُدَّ أن يكون النظر إلى القيد وما يستتبعه من ضرورةٍ وإمكانٍ في مادّة القضيّة.
فقد اتّضح فساد البرهان الذي ذكره السيّد الشريف بكلا شقّيه، مع أنَّ الشقّ الثاني بنفسه باطلٌ من دون حاجةٍ إلى استدلالٍ؛ إذ المستفاد من المشتقّ في كلّ موردٍ ليس مغايراً للمستفاد منه في الموارد الأُخرى، فليس هو من المتكثّر المعنى، بل المعنى واحدٌ، فلا نحتمل دخول الشيء في مفهوم المشتقّ. إلَّا أنَّ هذا أمرٌ آخر.
وممّا ذكرنا يظهر بطلان الاستدلال على أخذ مفهوم الشيء في المفهوم الاشتقاقي، على عكس ما قرّره السيّد الشريف؛ فإنَّه قال بأنَّه يلزم منه انقلاب القضية الممكنة إلى ضروريّةٍ. فيما استدلّ صاحب (الفصول) (1): أنَّ ثبوت
ــــــــــ[125]ــــــــــ
(1) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 61، المقدّمة، فصل: المشتقّ، التنبيه الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مفهوم الشيء لكلّ شيءٍ من الأشياء ضروري؛ فإنَّه عرضٌ عامٌّ لجميع الأشياء ولكلّ ما يكون شيئاً في الخارج، فالإنسان شيءٌ بالضرورة، والماء شيءٌ بالضرورة. فإذا قلنا: (الإنسان كاتبٌ) وقد فرضنا أنَّ مفهوم الشيء قد أُخذ في الكاتب، فترجع هذه القضية إلى قولنا: (شيء له الكتابة)، وثبوت مفهوم الشيء للإنسان ضروري، فيلزم منه انقلاب القضيّة الممكنة إلى ضروريّةٍ.
وقد ظهر ممّا حقّقناه في المقام فساد هذا الاستدلال؛ فإنَّ ثبوت مفهوم الشيء بإطلاقه وبلا شرط على الإنسان وإن كان ضروريّاً، ولكنّه إذا قيّد هذا المفهوم بقيد كالكتابة مثلاً، فلا محالة يكون المحمول حصّةً خاصّةً من المعنى ومن الطبيعي، وثبوت الحصّة الخاصّة للموضوع ليس بضروري. ولا منافاة بين ضروريّة ثبوت العامّ وعدم ضروريّة ثبوت الخاصّ، بل قد يكون عدم الخاصّ ضروريّاً؛ فإنَّه يصدق قولنا: (البقر حيوانٌ بالضرورة)، ولكن لا يصدق قولنا: (البقر حيوانٌ ناطقٌ بالضرورة)، بل يصدق امتناع ذلك؛ إذ البقر ليس حيواناً ناطقاً بالضرورة.
وأمّا ما ذكره صاحب (الفصول) فهو أنَّ التقييد لا ينافي الانقلاب؛ فإنَّ القيد إذا كان ثابتاً في الواقع، صدق الإيجاب بالضرورة، وإن كان غير ثابتٍ في الواقع، صدق السلب بالضرورة، إذن فالممكنة تنقلب إلى الضروريّة لا محالة: إمّا ضروريّة الإيجاب أو ضروريّة السلب.
فكأن صاحب (الفصول) التفت إلى أنَّ ثبوت الإنسان للإنسان وإن كان
ــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ضروريّاً، إلَّا أنَّه لا يلزم منه كون ثبوت الإنسان المقيّد بالكتابة للإنسان ضروريّاً أيضاً، فأراد تصحيح الانقلاب بوجهٍ آخر. وهذا القيد في الخارج يدور أمره بين الوجود والعدم؛ فإنَّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، فإن كان ثابتاً كان الإيجاب ضرورياً، وإن لم يكن ثابتاً كان السلب ضروريّاً، فعلى كلا التقديرين يلزم انقلاب القضيّة الممكنة إلى الضروريّة.
إلَّا أنَّ هذا المبنى من غرائب الكلام؛ فإنَّ الوجود والعدم واقعاً لا يرجعان إلى اتّصاف القضيّة بالضروريّة ولو على القول بالبساطة؛ فإنَّ الاتّصاف إن كان ملحوظاً في الخارج كانت القضيّة ضروريّة الوجود، وإلَّا كانت ضروريّة العدم. وإنَّما المدار في اتّصاف القضية بالضرورة والإمكان هو ملاحظة ذات المحمول والموضوع، لا بقيد كونه متّصفاً في الخارج أو غير متّصف، وإلَّا كانت من الضروريّة بشرط المحمول، والضروريّة بشرط المحمول ثابتةٌ في جميع القضايا، أي: ليست هناك قضيّة غير ضروريّة إذا أُخذت بشرط المحمول؛ ضرورة أنَّ الإنسان بشرط الكتابة كاتبٌ بالضرورة.
وتقسيم القضايا إلى ممكنةٍ وضروريّةٍ ودائمةٍ ومطلقةٍ عامّةٍ إنَّما هو بالنظر إلى ذات الموضوع وذات المحمول، لا باعتبار الاتّصاف خارجاً؛ فإنَّه إذا فُرض أخذ وجود المحمول للموضوع وعدم وجوده، فإنَّ جميع القضايا تكون ضروريّةً، من دون فرقٍ بين أن يكون المفهوم الاشتقاقي مركّباً أو بسيطاً، بل حتّى لو كان المحمول جامداً غير مشتقّ فإنَّ القضية تكون بشرط المحمول ضروريّة لا محالة؛ لأنَّه إمّا متّصفٌ به أو غير متّصفٍ، وكلاهما ضروري. فقد
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ظهر: أنَّ ما ذكره في (الفصول) من الانقلاب غير صحيحٍ.
ومنه أيضاً اتّضح الحال فيما استدلّ به صاحب (الكفاية) آنفاً على استحالة أخذ واقع الذات في المفهوم الاشتقاقي: بأنَّ لازمه أخذ النوع في الفصل أو في العرض الخاصّ؛ فإنَّه فاسدٌ، كما تقدّم؛ فإنَّه ذكر أنَّ المفهوم الاشتقاقي غير مركّبٍ من واقع الذات وثبوت المبدأ له، وإلَّا لزم أن يكون معنى قولنا: (الإنسان ناطقٌ) أنَّ الإنسان إنسانٌ له النطق، فيكون مفهوم الإنسان مأخوذاً في مفهوم الناطق، ما يلزم منه أخذ النوع في الفصل إذا كان الناطق فصلاً حقيقيّاً. وهذا خلفٌ؛ فإنَّ الفصل مقوّمٌ للنوع وجزءٌ منه، فكيف يكون النوع جزءاً منه؟! بل هذا غير معقولٍ. وإذا لم يكن الناطق فصلاً حقيقيّاً بل عرضاً خاصّاً، كما ذكره، فيلزم دخول النوع في العرض، وهو غير معقولٍ أيضاً فإنَّ العرض ينتزع من خارج مقام الذات، فكيف يكون النوع الذي هو ذات الشيء ومعروض العرض مأخوذاً فيه؟! هذا خلفٌ. فعلى كلا التقديرين -أي: سواء كان الناطق فصلاً حقيقيّاً أو عرضاً خاصّاً- لا يمكن أخذ مفهوم الإنسان الذي هو نوعٌ فيه.
وقد ظهر جوابه ممّا تقدّم؛ فإنَّ الناطق بمفهومه ليس بفصلٍ ولا عرضٍ، وإنَّما الفصل والعرض هو مبدأه، أي: النطق، فالنطق هو الفصل أو العرض الخاصّ للإنسان، لا المفهوم الاشتقاقي بما هو مفهومٌ اشتقاقي. وحيث إنَّ النطق لا يحمل على الإنسان: سواء كان فصلاً أو عرضاً، فيجعل في ضمن مفهوم اشتقاقي، فيحمل على الإنسان، فيُقال: (الإنسان ناطقٌ أو قائمٌ)، وإلَّا
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فمن الضروري أنَّ من أعراض الإنسان القيام والضحك والكتابة، لا مفهوم القائم والكاتب والضاحك والناطق. وعليه لا يلزم من أخذ واقع الذات في المفهوم الاشتقاقي أخذ النوع في العرض والفصل؛ فإنَّه وإن قلنا: إنَّ أخذ واقع الذات في المفهوم الاشتقاقي غير صحيحٍ، إلَّا أنَّ هذا البرهان غير تامٍّ.
وقد ذكر صاحب (الكفاية)(1) وجهاً آخر على البساطة حاصله: أنّا لا نريد التكرار في الموصوف في قولنا: (زيدٌ قائمٌ)، فمن عدم تكرار الموصوف نجزم بأنَّ المفهوم غير مركّبٍ من واقع الذات ولا من مفهوم الذات.
وما ذكره بالنسبة إلى واقع الذات صحيحٌ؛ إذ لا نرى من قولنا: (زيدٌ قائمٌ) أنَّ زيداً يتكرّر، فيكون معناه: (زيد زيدٌ قائم)، أو (زيد زيد له القيام)، فبحسب المفهوم العرفي لم يتكرّر الموصوف، فنستكشف من ذلك أنَّ واقع الذات لم يُؤخذ في المفاهيم الاشتقاقيّة.
وأمّا بالنسبة إلى أخذ مفهوم الشيء فليس فيه تكرارٌ للموصوف؛ لأنَّه وصفٌ لا موصوفٌ. فمعنى قولنا: (زيدٌ كاتبٌ) أي: زيد شيء له الكتابة، فهو متّصفٌ بالشيئيّة الخاصّة، أي: بحصّةٍ خاصّةٍ من الشيء. كما إذا صرّحنا بذلك فقلنا: (زيدٌ شيءٌ له الكتابة)، فيكون هذا تكراراً للموصوف، فالموصوف هو (الإنسان) و(شيء) من العوارض العامّة له، فلوحظ الإنسان متلبّساً بحصّةٍ
ــــــــــ[129]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 54، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الأمر الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
خاصّةٍ من الشيئيّة، وهي الكتابة، فأين التكرار في الموصوف؟!
نعم، لو كان معنى قولنا: (الإنسان كاتبٌ) أي: الإنسان إنسانٌ له الكتابة أو متّصفٌ بالكتابة، كان تكراراً لا محالة، إلَّا أنَّ المدّعى ليس تركّب المفهوم الاشتقاقي من واقع الذات وثبوت المبدأ له، وإنَّما المدّعى هو تركّبه من مفهوم الشيء على الإبهام، من دون أخذ أيّ خصوصيّةٍ فيه عدا خصوصيّة المبدأ. فمعنى قولنا: (الإنسان كاتبٌ) أنَّ الإنسان شيءٌ له الكتابة.
واستدلّ شيخنا الأُستاذ(1) على البساطة بوجهٍ آخر غريبٍ أيضاً.
وحاصله: أنَّ المشتقّ إذا كان مركّباً من الذات والمبدأ فلابدَّ:
◙ أوّلاً: أن يكون المشتقّ مشتملاً على النسبة أيضاً؛ إذ لا معنى لتركّبه من ذاتٍ ومبدأٍ دون نسبةٍ، وإذ كانت النسبة مأخوذةً في المشتقّ، لزم اشتمال الكلام الواحد على نسبتين: نسبةٍ في نفس القائم بين الذات والمبدأ، ونسبةٍ أُخرى بين هذا المجموع وزيد الذي هو موضوع القضيّة.
◙ ثانياً: لو فرضنا أنَّ المشتقّ مشتملٌ على النسبة، لكان مشتملاً على المعنى الحرفي، ولكان شبيهاً بالحروف ومتضمّناً للمعنى الحرفي، ما يلزم أن تكون الكلمة مبنيّةً، مع أنَّ المشتقّات من المعربات بلا إشكالٍ. وحيث إنَّ المشتقّ معربٌ، نستكشف أنَّه ليس فيه شباهةٌ بالحروف، مع أنَّه على تقدير أخذ النسبة
ــــــــــ[130]ــــــــــ
(1) راجع: النائيني، فوائد الأُصول 1: 106-107، المقدّمة، المبحث الثالث، الأمر الثامن، الأمر الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فيه، وهي معنى حرفي، تكون المعاني الاشتقاقيّة مبنيّةً.
وما ذكره بكلا شقيه غريبٌ.
أمّا الأوّل: -وهو أنَّه يلزم من أخذ النسبة في المفهوم الاشتقاقي اشتمال الكلام على نسبتين- ففيه:
وأمّا الثاني: -من أنَّ لازم أخذ النسبة في المفهوم الاشتقاقي أن تكون المشتقات مبنيّةً- فهو أغرب من الأوّل؛ فإنَّه قد تقدّم الكلام في أنَّ المشتقات موضوعةٌ بوضعين: وضعٍ للمادّة ووضعٍ للهيئة، والهيئة وضعها حرفي دائماً. وما ذكره من أنَّ لازم أخذ النسبة في الكلمة هو البناء، إنَّما يتمّ فيما إذا كانت الكلمة
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
موضوعةً بوضعٍ واحدٍ لمعنىً واحدٍ، وكانت بهذا الوضع نظير الحروف كالموصولات. وأمّا إذا كانت المادّة كالكتابة غير مشتملةٍ على معنىً حرفي أبداً، وكانت الهيئة موضوعةً بوضع الحروف، فتوجب تضييقاً في الطبيعة، على ما تقدّم في معاني الحروف، فإنَّ هذا أجنبي عن كون المشتقّ مبنيّاً أو غير مبني؛ فإنَّ المشتقّ لم يوضع بوضعٍ واحدٍ حتّى يُقال: إنَّ وضعه نظير الوضع في الحروف، بل وضع بوضعين أحدهما ليس فيه معنىً حرفي أبداً، وهو المادّة، والهيئة متمحّضة للحرفيّة. فكأنَّه قد جمع المعنى الحرفي مع المعنى الاسمي، وهذا لا محذور فيه أبداً، ولا يلزم منه أن تكون المشتقّات مشتملةً على النسبة أصلاً.
وحاصل ما أفاده: أنَّ أخذ مفهوم الذات في المدلول الاشتقاقي وإن سلّمنا أنَّه أمرٌ ممكن لا محذور فيه، إلَّا أنَّه لغوٌ، فإنَّ اعتبار تركّب المفهوم الاشتقاقي من الذات والمبدأ إنَّما قيل به لتصحيح الحمل؛ بدعوى أنَّ المبدأ غير قابلٍ للحمل، فلا بُدَّ من أخذ مفهوم الشيء ليكون قابلاً للحمل. فيكون قولهم: (الإنسان كاتبٌ) بمعنى: (الإنسان شيءٌ له الكتابة)؛ لأنَّ الكتابة وغيرها من المبادئ غير قابلةٍ للحمل، فلا بُدَّ من أخذ الشيء فيها تصحيحاً للحمل.
وهذا غير صحيحٍ؛ فإنَّ المبدأ قابلٌ لأن يحمل على الذات من دون أخذ الذات فيه، فيكون الأخذ لغواً صرفاً.
وذكر في وجه ذلك: أنَّ العرض ما كان وجوده في نفسه عين وجوده لغيره؛
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وذلك لأنَّ العرض كغيره من الماهيّات موجودٌ بوجودٍ واحدٍ، لا بوجوداتٍ متعدّدةٍ؛ فإنَّه لا يُعقل وجود الشيء بأكثر من وجودٍ واحدٍ. وهذا الوجود الواحد تارةً يُضاف إلى العرض فيُقال: العرض موجودٌ، وأُخرى يضاف إليه بما هو شأنٌ لغيره. فوجود العرض تارةً يُلاحظ في نفسه، وهو العرض المحمولي، وأُخرى يُلاحظ بما هو موجودٌ في غيره، وهو العرض النعتي.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ قيام العرض في غيره من اللوازم الذاتيّة للعرض، لا أنَّه شيءٌ عارضٌ له، فيحمل الوجود عليه، فيُقال: (البياض موجودٌ)، وهذا هو الوجود المحمولي للعرض، أي: يُحمل عليه. وتارةً يكون وجود العرض نعتياً، أي: وجوده في موضوعه ومن شؤونه؛ لأنَّ القيام بالموضوع ذاتي له.
وعليه يمكن أن نلاحظ العرض باعتبار وجوده المحمولي وبهذا الاعتبار يكون مبدأً، ويمكن أن نلاحظه بالاعتبار الثاني، وأنَّ وجوده في نفسه عين وجوده لغيره، فيكون شأناً من شؤونه وطوراً من أطواره، وشؤون الشيء وأطواره تلائم معه، فيكون العرض بهذا الاعتبار قابلاً للحمل، فيُقال: (الإنسان كاتبٌ).
وعليه فلا نحتاج إلى أخذ مفهوم الشيء في المدلول الاشتقاقي تصحيحاً للحمل، فيصبح أخذه فيه من اللغو الواضح، وهو لا يناسب الواضع الحكيم.
هذا حاصل ما أفاده في المقام وسنشير إليه عند ذكر المداليل الاشتقاقيّة، مع أنَّه ذكر جماعةٌ من المحقّقين(1) أنَّ الفرق بين المبدأ والمشتقّ هو أخذ المبدأ بشرط
ــــــــــ[133]ــــــــــ
(1) أُنظر: نهاية الدراية 1: 157، الفرق بين المشتقّ ومبدئه، منتهى الأُصول 1: 94، المقدّمة، الأمر الثاني عشر، الأمر السابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لا، أي: بما هو هو وبحياله في قبال الجوهر، وأخذ المشتقّ على واقعه وطبيعة وجوده، وهو كون وجوده عين وجوده لموضوعه، فيكون قابلاً للحمل.
هذا وإن كان موافقاً لكلام كثيرٍ من المحقّقين، إلَّا أنَّه لا يرجع إلى معنىً معقولٍ. والوجه في ذلك: أنَّ هاتين الحيثيّتين (بشرط لا ولا بشرط) وإن كانتا واقعيّتين؛ فإنَّ للعرض وجوداً محموليّاً، أي: يُحمل عليه الوجود، فيُقال: (البياض موجودٌ)، ولذا سُمّي بالوجود المحمولي اصطلاحاً، فهو حيثيّةٌ واقعيّةٌ، أي: بحسب الواقع ومع قطع النظر عن اعتبار معتبرٍ، فالوجود محمولٌ على البياض؛ فإنَّ العرض خارجي لا يتوقّف على اعتبار المعتبر، كما أنَّ الحيثية الثانية خارجيّةٌ وواقعيّةٌ ونفس أمريّةٍ مع قطع النظر عن اعتبار المعتبر، بمعنى: أنَّ العرض عرضٌ لموضوعه، والبياض ثابتٌ للجسم حقيقةً، والجسم المحمول متّصفٌ بالبياض، وله البياض حقيقةً؛ فهذه الحيثيّة واقعيّةٌ مطابقةٌ لنفس الأمر.
إلَّا أنَّ ذلك ليس فارقاً بين المشتقّ والمبدأ في المعنى؛ بملاك أنَّ المشتقّ يُحمل على الموضوع، فيُقال: (زيدٌ قائمٌ أو كاتبٌ)؛ باعتبار أنَّ وجود العرض في تلك الحيثيّة هو وجوده في نفسه لغيره، إلَّا أنَّ تلك الحيثيّة لا تصحح الاتّحاد، مع أنَّ الحمل لا بُدَّ له من الاتّحاد بوجهٍ والمغايرة بوجهٍ آخر، كما أنَّ الصحيح أنَّ الحمل الأوّلي الاتّحاد فيه ذاتي، والتغاير بالاعتبار؛ حيث يتغايران بالإجمال والتفصيل. فالإنسان هو عين الحيوان الناطق، إلَّا أنَّه في الإنسان لوحظ المعنى اندماجيّاً، وفي الحيوان الناطق تفصيليّاً. وأمّا في الحمل الشائع فالمفهومان متغايران ذاتاً،
ــــــــــ[134]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ضرورة أنَّ مفهوم الإنسان يغاير مفهوم البياض والكاتب والضاحك، فلا بُدَّ أن يكون الاتّحاد فيها من خارج مقام الذات، وليس هو إلَّا الوجود. فإذا قلنا: (الإنسان قائمٌ)، فالوجود المضاف إلى الإنسان هو بعينه المضاف إلى القائم، والجمع بينهما هو الوجود، وهو مصحّح الحمل، فقال: (الإنسان قائمٌ) أي: ما صدق عليه الإنسان في الخارج يصدق عليه أنَّه قائمٌ. وعليه فالحمل لا بُدَّ له من الاتّحاد إمّا بالذات والتغاير بالاعتبار، أو يكون التغاير بالمفهوم والاتّحاد في الخارج من الذات.
ولا شكّ أنَّ العرض موجودٌ بوجودٍ مغاير لوجود موضوع الجوهر، بمعنى: أنَّ هذا الوجود قائمٌ بذاته وموجودٌ بنفسه، ووجود العرض موجود بغيره، فهما وجودان متغايران، والإشارة إلى كلّ من الوجودين غير الإشارة إلى الآخر، كما أنَّ مطابق أحدهما غير مطابق الآخر، فليس بينهما جهة اتّحادٍ بوجهٍ من الوجوه. والمفهومان منهما متغايران أيضاً؛ فإنَّ مفهوم البياض والإنسان ليس أحدهما عين الآخر، إذن كيف يمكن حمل البياض على الجسم بأخذه لا بشرط وجعله مفهوماً اشتقاقيّاً، إذا لم يُؤخذ فيه مفهوم الشيء؟ بمعنى: أنَّنا إذا قلنا: (الإنسان قائمٌ) فالإنسان ليس بعينه هو القيام، ولا اتّحاد بينهما في الوجود، فكيف يصحّ الحمل؟
ومن هنا نستكشف أنَّ أخذ مفهوم الشيء في المفهوم الاشتقاقي أمرٌ لا بُدَّ منه، وإلَّا لم يصحّ الحمل، فكيف يُقال: إنَّه لا يُعقل أخذ مفهوم الشيء فيه؟ ولو فرضنا أنَّه ممكنٌ، فهو لغوٌ محضٌ!
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نعم، ما ذكره في الفرق بين المصدر واسم المصدر تامٌّ؛ فإنَّ اسم المصدر لم يُؤخذ فيه جهة الانتساب وجهة الوجود النعتي، بل أُخذ كشيء مستقلٍّ في نفسه وإن كان بحسب الواقع قائماً بالغير، إلَّا أنَّه لم يُؤخذ قيام الغير في مفهومه، بخلاف المصدر؛ فإنَّه أُخذ قيامه في الغير فيه. وهذا ملحوظٌ في اللغة الفارسيّة كثيراً، إلَّا أنَّه في اللغة العربيّة قليلٌ، أي: إنَّه في العربية غالباً ما يكون المصدر واسم المصدر بلفظٍ واحدٍ، وإنّما يستفاد أحدهما من القرينة الخارجيّة. وأمّا في اللغة الفارسيّة فكثيرٌ، فيعبّر عن الجهة الأُولى -وهي أخذ الضرب بما هو شيءٌ في نفسه من دون ملاحظة النسبة- بكلمة (كتك) وعلى الجهة الثانية -بمعنى: أخذه بلحاظ النسبة إلى غيره- بلفظ (زدن) فالفرق بين هاتين الكلمتين أنَّ أحد اللفظين قد وضع للعرض بما هو، لا بما هو عرضٌ، بل للعرض بنفسه وذاته مع قطع النظر عن الانتساب إلى الغير، في قبال الآخر، فإنَّه وضع بإزاء هذا المعنى بعينه بلحاظ كونه موضوعاً ونعتاً للغير، فالأوّل اسم المصدر والثاني المصدر.
وكيفما كان فالحيثيّتان واقعيّتان، كما ذكر شيخنا الأُستاذ(1)؛ إذ الأُولى: أنَّ العرض موجودٌ في نفسه، والثانية: أنَّ هذا الموجود في نفسه موجودٌ في الغير ونعتٌ له. إلَّا أنَّ ذلك ما يميّز بين المصدر واسم المصدر، لا بين المشتقّ ومبدأه؛ فإنَّ وجود العرض غير وجود موضوعه، فكيف يُعقل أن يكون محمولاً عليه؟ فنقول: (زيدٌ قائمٌ)، أي: زيدٌ قيامٌ مأخوذٌ فيه بما هو نعتٌ، مع أنَّه لا يتّحد مع
ــــــــــ[136]ــــــــــ
(1) راجع: النائيني، أجود التقريرات 1: 73، المقدّمة، الفصل الثاني، الأمر الثامن، المقدّمة السابعة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
زيدٍ في الخارج، فيكون الحمل غلطاً، فصحّة الحمل متوقّفةٌ على أخذ مفهوم الشيء في المشتقّ.
ولو أغمضنا النظر وقلنا: إنَّ ما ذكره وجيهٌ، وأنّ ملاحظة العرض بما هو موجودٌ في غيره كافيةٌ للحمل، فالعرض قابلٌ لأن يُلاحظ بلحاظين، فإنَّ ذلك إنَّما يكون في الأعراض. وأمّا المبادئ غير الأعراض من الأُمور الاعتباريّة: كالملكيّة والزوجيّة أو الصور الانتزاعيّة: كالإمكان والوجوب والامتناع أو الأُمور العدميّة: كنفس العدم وكالامتناع، ففي مثل هذه الأُمور كيف يصحّ الحمل؟ وكيف يمكن أن يُقال: إنَّ اجتماع النقيضين ممتنعٌ إذا لم يُؤخذ في (الممتنع) مفهوم الشيء؟! مع أنَّه يرجع إلى قوله: (اجتماع النقيضين شيءٌ له الامتناع)، فكيف يمكن أن يحمل الامتناع على اجتماع النقيضين، وهو ليس بعرضٍ حتّى يُقال: إنَّ وجوده في نفسه عين وجوده لغيره؟ وكذلك الحال بالنسبة إلى الملكيّة والإمكان. فإذا قلنا: (الإنسان ممكنٌ) فكيف يمكن أن يحمل الممكن عليه، مع أنَّ الإمكان ليس بعرضٍ، ليكون وجوده في نفسه عين وجوده لغيره؟! بل هو أمرٌ انتزاعي، فكيف يُقال: إنَّه قائمٌ بالغير؟!
فلو تمّ ما أفاده هناك، لتمّ في الأعراض الخارجيّة التي لوجودها عنوان وحيثيّتان: حيثيّة وجوده لنفسه ووجوده لغيره، دون ما لا يكون كذلك من الأُمور الاعتباريّة والانتزاعيّة.
إذن، لا بُدَّ أن يلتزم بأنّ المفاهيم الاشتقاقيّة في الأعراض بسيطةٌ، وفي غيرها مركّبةٌ من مفهوم الشيء وثبوت المبدأ له. وهذا بديهي البطلان؛ إذ لا
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نحتمل أنَّ مفهوم القائم بسيطٌ، ومفهوم المالك والممتنع مركّبٌ، مع أنَّ مفهوم المشتقّ مفهومٌ واحدٌ، فما ذكره فاسدٌ قطعاً.
إذن، لا بُدَّ من التفصيل في المفاهيم الاشتقاقيّة والالتزام بأنَّ ما كان منها من قبيل الأعراض لا يُؤخذ فيها مفهوم الشيء؛ لأنَّ الحمل جائزٌ من دونه، وما كان من غير الأعراض لا بُدَّ من أخذ مفهوم الشيء فيها، وإلَّا لم يصحّ الحمل. وهذا أمرٌ يقطع بخلافه؛ فإنَّنا لا نجد فرقاً بين قولنا: (ممكن) و(مكرم) وغيرهما من الهيئات؛ فإنَّ الهيئة الواحدة قد تكون المادّة فيها من الأعراض، وقد تكون من غيرها، ولا يختلف المعنى فيها قطعاً؛ إذ (المالك) و(القائم) مثلاً بمعنىً واحدٍ بحسب المفهوم، ولا يمكن أن يُقال: إنَّ (المالك) أُخذ فيه مفهوم الشيء؛ لأنَّه أمرٌ اعتباري لا يتّحد مع الموضوع، بخلاف (القائم).
ولو سلّمنا هنا أيضاً وقلنا: إنَّ المبادئ على الإطلاق أعراضٌ وغير أعراضٍ بالنسبة إلى موضوعاتها، يمكن أن يُؤخذ على نحوٍ يمكن الحمل؛ لأنَّ العرض من شؤون موضوعه ومن أطواره، وشؤون الشيء ملائمة له، فإنَّما يصحّ ذلك في العرض والمعروض، كالقيام للقائم والبياض للأبيض وغيره من المشتقّات من أيّ مقولةٍ كانت، إلَّا أنَّ سائر المشتقّات ليست من قبيل العرض والمعروض؛ فإنَّ منها اسم المكان والزمان كمقتل، فكيف يمكن حمل (المقتل) على المكان والزمان فيُقال: (المكان مقتل زيدٍ) ؟ وواضح أنَّ القتل ليس من عوارض الزمان والمكان ليُقال: إنَّ القتل فيه حيثيّتان: حيثيّة وجوده لنفسه وحيثيّة وجوده لغيره، وباعتبار الثاني يصحّ الحمل؛ فإنَّه لو صحّ هذا لصحّ بين العرض ومعروضه، وبين القتل
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والقاتل، وبين القتل والمقتول. وأمّا بين القتل والمكان، فكيف يُعقل أن يكون القتل من عوارض المكان والزمان؟ وكذا الكلام في اسم الآلة؛ إذ كيف يكون الفتح وغيره ممّا يكون الشيء آلةً له -إذا لوحظ بما هو عرضٌ- متّحداً مع الآلة، فيصحّ حمله على الآلة؟! مع أنَّ الآلة ليست موضوعاً له؛ فإنَّ العرض قائمٌ بموضوعه، لا بآلته وزمانه. وعليه فإذا لم يُؤخذ مفهوم الشيء في المداليل الاشتقاقيّة، لم يصحّ الحمل في مثل هذه المشتقّات.
إذن، فلا بُدَّ من التفصيل بين ما يكون من قبيل العرض والموضوع، وبين ما يكون من قبيل العرض ومكانه وزمانه وآلته، وهذا واضح الفساد. إذن لا بُدَّ من أخذ الشيء في المداليل الاشتقاقيّة، وهو واضحٌ جدّاً، وإلَّا لزم التفكيك في المداليل الاشتقاقيّة، وهو واضح البطلان؛ فإنَّ المشتقّ إذا كان مفهوم الشيء مأخوذاً فيه فهو مشتركٌ في ذلك، وإن لم يكن كذلك فهو مشتركٌ أيضاً.
والظاهر: أنَّ صحّة الحمل في هذه الموارد -أي حين لا تكون المادّة عرضاً للموضوع- متوقّفٌ على أخذ مفهوم الشيء في المشتقّ ليصحّ الحمل.
ولو تنزّلنا وسلّمنا أنَّ صحّة حمل المشتقّ على موضوعه وغيره من الزمان والمكان والآلة يمكن أن يقع بأخذ العرض بما هو عرضٌ، ويكون ذلك مصحّحاً للحمل، وكيف يتمّ هذا في حمل المشتقّ على مشتقٍّ آخر نحو: (الشاعر كاتبٌ) أو (الكاتب متحرّك الأصابع) أو (العالم كاتبٌ)؟! وكيف يصحّ هذا في المقام، وكيف تتّحد الحركة مع الكتابة؟ وكيف يمكن أن يتّحد العلم مع التقوى في قولنا: (العالم تقي)؟! وأيّ ربطٍ بينهما؟! ولا سيّما إذا كان أحد
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
العرضين من العوارض النفسيّة والآخر من العوارض الخارجيّة نحو: (العالم ابن زيدٍ). وكيف يمكن أن يتّحد أحدهما مع الآخر، مع أنَّ الابن من العوارض الخارجيّة، والعلم نسبةٌ قائمةٌ في النفس لا يمكن الاتّحاد بينهما؟!
فإذا فرض أنَّه لم يُؤخذ مفهوم الشيء، قيل: إنَّ ما ينطبق عليه هذا هو عين ما ينطبق عليه الآخر، وما ينطبق عليه العلم هو عين ما ينطبق عليه كونه ابن زيد. وأمّا إذا أُلغي مفهوم الشيء ولم يبق إلَّا المبدأ المأخوذ لا بشرطٍ بما هو نعتٌ وعرضٌ، فكيف يصحّ حمل أحد المبدأين على الآخر؟! فلا بُدَّ من أخذ مفهوم الشيء في المفاهيم الاشتقاقيّة تصحيحاً للحمل.
إذن، الصحيح في المقام: أنَّ أدلّة البساطة كلّها مخدوشةٌ، بل البرهان قائمٌ على أخذ مفهوم الشيء في المداليل الاشتقاقيّة. وحاصل البرهان: أنَّه لو لم يُؤخذ مفهوم الشيء، لما صحّ الحمل، وهو صحيحٌ لا محالة، فنستكشف أنَّ مفهوم الشيء مأخوذٌ في المفهوم الاشتقاقي.
أضف إلى ذلك: أنَّه يدلّنا عليه الوجدان والارتكاز؛ فإنَّنا ننتقل من مفهوم (القائم) مثلاً إلى شيءٍ له هذا المعنى، أو ننتقل من (النائم) مثلاً إلى شيءٍ آخر غير (القائم)، والارتكاز أقوى دليل على الأخذ. وإنَّما التزم بالبساطة لتخيّل أخذ الفصل في العرض العامّ، وانقلاب القضيّة الممكنة إلى الضروريّة، إلَّا أنَّ هذا خيالٌ، وإلَّا فإنَّ الوجدان كالفهم العرفي أقوى شاهدٍ على الفرق بين هذين المفهومين، أعني: المبدأ والمشتقّ؛ فإنَّ القيام يحكي عن نفس المبدأ، والقائم يحكي عن شيءٍ صدر منه القيام.
ــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إذن، نلتزم بأنَّ كل مفهومٍ من المفاهيم الاشتقاقيّة شيء له مبدأٌ، على الاختلاف في (له)؛ فقد يكون على نحو الصدور، وقد يكون على نحو الوقوع أو الآلة أو الوقوع فيه، وهذا ممّا لا بُدَّ منه.
ثُمَّ إنَّ شيخنا الأُستاذ المحقّق(1) قد التزم بالتركيب على خلاف مسلكه في الفلسفة، لكنّه ادّعى أنَّ المأخوذ في المداليل الاشتقاقيّة ليس مفهوم شيءٍ، بل هو أمرٌ ينطبق على كلّ ما يفرض أن ينطبق عليه، فقد ينطبق على الواجب، وقد ينطبق على الممكن بقسميه الجوهر نحو: (زيدٌ عالمٌ) والعرض نحو: (الحركة سريعةٌ). هذا الأمر المبهم الذي أخذ في المشتقّ قد ينطبق على العرض، وقد ينطبق على الأمر الانتزاعي، وقد ينطبق على الأمر الاعتباري نحو: (الملكيّة ثابتةٌ أو موجودةٌ)، وقد ينطبق على المحالات، فنقول: (اجتماع النقيضين مستحيلٌ)، فالمأخوذ في قولنا: (مستحيل) أمرٌ ممكن الانطباق على المستحيل.
كما أنَّ هذا الأمر المبهم الذي أُخذ في المفهوم الاشتقاقي قد ينطبق على نفس المبدأ، فيُقال: (الوجود موجودٌ)، مع أنَّ المادّة متّحدةً مع المبدأ؛ فقد ينطبق على أمرٍ مغايرٍ في الوجود مع المبدأ، وقد ينطبق على أمرٍ متّحدٍ في الوجود معه، فليس المأخوذ إذن هو مفهوم الشيء أو واقع الشيء، بل المأخوذ هو الأمر المبهم من جميع الجهات.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) أُنظر: نهاية الدراية: 1: 153، التحقيق في صحة المنقضي.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وشيخنا المحقّق وإن التزم بالتركيب في المدلول الاشتقاقي، إلَّا أنَّه أصرّ على أنَّ المأخوذ ليس هو واقع الشيء ولا مفهومه، وإنَّما هو الأمر المبهم من جميع هذه الجهات، وقد تقدّم منه في بحث الصحيح والأعمّ أنَّه قد يُؤخذ في المفهوم أمرٌ مبهمٌ لا يكون ملحوظاً إلَّا من جهةٍ واحدةٍ. وقد مثّل لها بكلمة (الخمر)؛ فإنَّها موضوعةٌ للأمر المبهم من جميع الجهات إلَّا جهة الإسكار، ولذا قد تختلف حقيقته؛ فقد يُؤخذ من الشعير أو من العنب أو من أيّ حقيقةٍ أُخرى، فهو مبهمٌ من جميع الجهات إلَّا جهة كونه مسكراً. وفي المقام نقول أيضاً: إنَّ الأمر المأخوذ في المفاهيم الاشتقاقيّة مبهمٌ من جميع الجهات، وإنَّما يعرّفه نفس المبدأ، نظير أسماء الموصول كالذي؛ فإنَّه أمرٌ مبهمٌ من جميع الجهات، إلَّا أنَّه معرفةٌ بصلته، وعليه فالمدلول الاشتقاقي مركّبٌ لكن لا من مفهوم الشيء.
وما أفاده من جهة الإثبات صحيحٌ؛ لوضوح أنَّ المأخوذ في المشتقّ أمرٌ مبهم إلَّا من جهة المبدأ.
وأمّا أنَّه ليس من مفهوم الشيء فلا؛ فإنَّنا لا نجد في المفاهيم مفهوماً أوسع من مفهوم الشيء، وقابل الانطباق على الأمر المستحيل والأمر الاعتباري والانتزاعي، فلا نجد غير مفهوم الشيء ينطبق عليها، بل حتّى في مفهوم الخمر أُخذ فيه مفهوم الشيء أو المايع الذي هو شيءٌ مسكرٌ. وعليه فعدم أخذ مفهوم الشيء لا نعرف له وجهاً، بل الموصولات أيضاً كذلك؛ فإنَّ معنى (الذي) شيء له كذا. فالصحيح أنَّ المأخوذ هو مفهوم الشيء، وأنَّ المشتقّ مركّبٌ منه ومن نسبة المبدأ له، وهي نسبةٌ على اختلاف حال المشتقات.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ثُمَّ إنَّه ذكر غير واحدٍ: أنَّ الفرق بين المشتقّ ومبدأه هو أنَّ المشتقّ مأخوذٌ لا بشرطٍ والمبدأ مأخوذٌ بشرط لا.
فليقع الكلام هاهنا في مقامين: الأوّل: في بيان المراد من اللابشرطيّة والـ(بشرط) لائيّة وما هو المراد بهما في المقام، والثاني: في صحّة ذلك وفساده، أي: هل التفرقة صحيحة أو خلاف الواقع؟
◙ أمّا تفصيل الكلام في ذلك: فقد ذكر صاحب (الفصول)(1) –على ما يُستفاد من كلامه- أنَّ مرادهم من الـ(بشرط) لائيّة واللابشرطيّة إنَّما هو الإطلاق والتقييد المذكوران في بحث المطلق والمقيّد؛ فإنَّ الطبيعة الواحدة التي وضع لها هذا اللفظ من دون أخذ قيدٍ فيه لا بشرط. وقد سبق أن قلنا: إنَّ الألفاظ موضوعةٌ لمعانيها، مع قطع النظر عن الطوارئ والعوارض حتّى لحاظ اللابشرط؛ إذ قد يُستعمل اللفظ ويراد به المطلق، وقد يُستعمل ويُراد به المقيّد، لا بمعنى: أنَّ الإطلاق أو التقييد جزءٌ من المعنى، بل بمعنى: أنَّ اللفظ يُستعمل في معناه ويُستفاد الإطلاق والتقييد من دالٍّ آخر. فيُقال: (أعتق رقبةً مؤمنةً) فنستكشف أنَّ المراد الجدي إنَّما هو حصّةٌ خاصّةٌ من الرقبة، وهي المتّصفة بالإيمان، وقد يقول: (أعتق رقبةً)، وهو في مقام البيان، فنستكشف أنَّ المراد الجدّي هو طبيعيّ الرقبة.
فالإطلاق والتقييد كلاهما خارجان عن حريم المعنى، وإنَّما يُستفادان من
ــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 62، المقدّمة، فصل: المشتقّ، التنبيه الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
دالٍّ آخر على نحو تعدّد الدالّ والمدلول ولو بقرينة الحكمة، وبالإطلاق أو التقييد من جهة مقام الإثبات نستكشف أنَّ المراد الجدّي هو المطلق أو المقيّد، مع أنَّ المستعمل فيه أمرٌ واحدٌ في كلا المقامين، فلا المطلق مجازٌ ولا المقيّد مجازٌ، بل هما لا يوجبان المجازيّة. وتفصيل ذلك في البحث المختصّ بهما.
ولا يخفى توهّم صاحب (الفصول) أنَّ المراد من بشرط لا ولا بشرط هو المطلق والمقيّد المبحوث عنهما في باب المطلق والمقيّد، أي: لحاظ الطوارئ والعوارض في مرحلة الإثبات والإرادة لنستكشف منه الإرادة الجديّة في مرحلة الثبوت على طبقه، فأورد عليهم أنَّ مفهوم العلم لو أُخذ لا بشرطٍ من أيّ جهةٍ من الجهات كانت، لا يمكن حمله بالقول: (زيدٌ علمٌ) إلَّا على سبيل المبالغة، فلا يصحّ الحمل. ولو أُخذ العلم بنحو لا بشرط، فإنَّ أخذه لا بشرطٍ من أيّ جهةٍ فُرضت لا يوجب اتّصاف الذات به.
وذلك كما في البيع فإنَّ قولنا: (البيع حلالٌ) قد أُخذ البيع فيه مطلقاً من جميع الجهات: من جهة العربيّة والفارسيّة والعقد والمعاطاة والماضويّة وخلافها، ومع ذلك لا يصدق على البائع أنَّه بيع أو على المبيع أنَّه بيع. وعليه فالمبدأ قد يُؤخذ لا بشرطٍ بلحاظ الطوارئ والعوارض، أي: بلحاظ التقسيمات التي يمكن تقسيمه إليها. فهذا المبدأ المقسم المأخوذ لا بشرط بالنسبة إلى خصوصيّات الأقسام لا يجوز حمله على الذات؛ فإنَّه لا يصدق على البائع أنَّه بيع ولو أُخذ البيع لا بشرطٍ، وهذا ظاهرٌ.
وكلامه هذا صحيحُ؛ من جهة أنَّ أخذ المبدأ لا بشرطٍ بالنسبة إلى الطوارئ والعوارض لا يصحّح الحمل.
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إلّا أنَّه لا يحتمل أن يكون مراد من ذكر أنَّ الفرق بين المبدأ والمشتقّ: هو أخذ الأوّل بشرط لا والثاني لا بشرطٍ، أي: لا يحتمل أن يُراد به اللابشرط والـ(بشرط) لا بالنسبة إلى الطوارئ والعوارض ليقال: إنَّه لا يصحّ. نعم، لا يصحّ، إلَّا أنَّه ليس مراداً لهم؛ فإنَّه واضح الفساد؛ إذ لم يقل أحدٌ: إنَّ البيع إذا أُخذ مقيّداً لا يصحّ حمله، وإذا أُخذ مطلقاً يصحّ حمله؛ لوضوح فساده. فلا يُحتمل أن يكون هذا مراداً لهم ليورد عليهم بذلك.
ومن هنا فسّره صاحب (الكفاية)(1): بأنَّ المراد بشرط لا ولا بشرط ليس بشرط لا ولا بشرط بالإضافة إلى الطوارئ، كما هو المراد في مبحث المطلق والمقيّد، بل المراد منها هو الـ(بشرط) لا واللابشرط الذاتيّة بالنسبة إلى نفس الذات.
وبعبارة أُخرى: إنَّ المشتقّ في مفهومه وبذاته لا بشرط، أي: غير قاصرٍ عن الحمل، فهو بالنسبة إلى الحمل لا بشرطٍ، فهو قابلٌ للحمل، فيُقال: (زيدٌ عالمٌ)، بخلاف المبدأ؛ فإنَّه بنفسه آبٍ عن الحمل، فلا يُقال للحركة: (سرعة) وللضرب (شدّة)، بل (الحركة سريعةٌ) و(الضرب شديدٌ)، فالمبدأ بنفسه آبٍ عن الحمل وغير قابل للحمل على الذات.
وما أفاده كالذي أفاده صاحب (الفصول) وجيهٌ؛ فإنَّ المشتقّ في ذاته غير آبٍ عن الحمل لا بشرط في ذاته، بخلاف المبدأ؛ فإنَّه آبٍ عن الحمل، إلَّا أنَّه لا يحتمل أن يكون ذلك مراد من ذكر هذا التفريق بين المبدأ والمشتقّ.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 55، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بداهة أنَّ ما ذُكر ليس بفرقٍ بين المشتقّ والمبدأ فقط، بل بين المبدأ وجميع ما يمكن أن يكون محمولاً على الذوات؛ فإنَّه يُقال: (زيدٌ إنسانٌ) ولا يُقال: (زيدٌ علمٌ). أفيُقال: إنَّ الفرق بين (علم) و(إنسان) هو أخذ الإنسان لا بشرطٍ والعلم بشرطٍ؛ باعتبار أنَّ مفهوم الإنسان قابلٌ للحمل على الذات والعلم غير قابلٍ؟! وهذا أمرٌ واضح لا يناسب للفلاسفة أن يذكروه؛ فإنَّ كلّ صبي في أوائل إدراكه يميّز صحّة أن يُقال: (زيدٌ قائمٌ) وعدم صحّة أن يُقال: (زيدٌ قيامٌ)؛ إذ لا جامع بينهما حتّى نحتاج إلى فارقٍ؛ فإنَّ المائز لا بُدَّ له من جامعٍ، فأين هذا الجامع الذي يحتاج إلى المائز والفرق بين العلم والإنسان؟!
بل الصحيح أنَّهم أرادوا بهذا الكلام ما ذكره شيخنا الأُستاذ(1) من أنَّ العرض والمبدأ فيه جهتان:
ولذا قد نلاحظ هذه الحيثيّة فنقول: (البياض ثابتٌ للجسم)، و(الجسم أبيض)، وهذه الحيثيّة أيضاً واقعيّةٌ من دون اعتبار أيّ معتبرٍ. وهذه الحيثيّة مختصّةٌ بالأعراض دون الجواهر؛ فإنَّ الإنسان موجودٌ في نفسه لنفسه، وليس
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 105، المقدّمة، المبحث الثالث، الأمر الثامن، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وجوده قائماً بغيره. وأمّا العرض فإنَّه وإن كان موجوداً في نفسه، إلَّا أنَّ هذا الوجود في نفسه وجودٌ في غيره، فهو من أطوار الغير ونعتٌ من نعوته.
ولذا يفرّق بين المشتقّ ومبدأه، فيُقال: إنَّ المبدأ إذا لُوحظ بنحو الجهة الأُولى واعتبار وجوده في نفسه، كان عرضاً ومبدأً، فيعبّر عنه بالعلم مثلاً، وإذا لُوحظ بنحو الجهة الثانية واعتبار أنَّ وجود العرض في نفسه عين وجوده في غيره، فهو شأنٌ من شؤونه وطورٌ من أطواره، فيعبّر عنه بالمشتقّ، فيكون محمولاً على الذات.
وذكروا نظير ذلك في الفرق بين الجنس والمادّة والفصل والصورة، فقالوا: إنَّ كلّ نوعٍ من الأنواع إذا فرضناه موجوداً، فهو مركّبٌ من جنسٍ وفصلٍ وفي الأنواع الجوهريّة مركّبٌ من مادّةٍ وصورةٍ؛ فإنَّ الأعراض غير مركّبةٍ من مادّةٍ وصورةٍ؛ لأنَّها بسائط خارجيّةٌ، بل الجواهر مركّبةٌ من المادّة والصورة. ولذا قد تبقى المادّة وتزول الصورة، كما هو الحال في تطوّر الجوهر من نوعٍ إلى نوعٍ آخر؛ فإنَّه كان نطفةً، ثُمَّ كان علقةً، ثُمَّ كان مضغةً، ثُمَّ أصبح عظاماً، ثُمَّ صار إنساناً سويّاً. وكلّ ذلك حركةٌ في المادّة من مرتبةٍ إلى مرتبةٍ أرقى، فالهيئة الأُولى والصورة الأوّليّة قد تزول وتتّصف المادّة بصورةٍ ثانيةٍ وهكذا، وكذلك الأمر في الأشجار والحيوانات وغيرها.
وعليه فكلّ نوعٍ في الخارج مركّبٌ من مادّةٍ وصورةٍ، وبحسب التحليل العقلي مركّبٌ من جنسٍ وفصلٍ، والأعراض كذلك من الجهة الثانية دون الجهة الأُولى؛ فإنَّ الأعراض بسائط خارجيّةٌ، ليس فيها حركةٌ وتحوّلٌ من عرضٍ إلى عرضٍ آخر.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ونحن نعلم: أنَّ النوع ليس له أجزاء أربعةٌ، هي: الجنس والمادّة والفصل والصورة، وإنَّما له جهتان: جهة امتيازٍ وجهة اشتراكٍ؛ فإنَّ هذا النوع يشترك مع الأنواع الأُخرى في شيءٍ، ويمتاز عنها في شيءٍ، وبجهة الامتياز يكون نوعاً في قبال الأنواع الأُخرى. وهذه الجهة المشتركة يعبّر عنها بالجنس أوّلاً وبالمادّة أُخرى، والجهة الفارقة يُعبّر عنها بالفصل مرّةً وبالصورة مرّةً أُخرى. فما هو الفارق بين الجنس والمادّة مع أنَّ كليهما جهةٌ مشتركة، وما الفرق بين الفصل والصورة مع أنَّ كليهما جهة مميّزةٌ؟
والفرق بينهما -مع الاعتراف بوحدتهما ذاتاً-: أنَّ الجنس مأخوذٌ لا بشرطٍ، والمادّة مأخوذة بشرط لا، والفصل مأخوذٌ لا بشرطٍ، والصورة مأخوذةٌ بشرط لا. وذكروا في المراد من اللابشرط والـ(بشرط) لا: أنَّه بعدما علمنا أنَّ النوع موجودٌ بوجودٍ واحدٍ؛ فإنَّ الأنواع كلّها من الجواهر موجودةٌ بوجودٍ واحدٍ، أُطلق على هذا المجموع المركّب هذا الاسم.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ التركيب حقيقي لا اعتباري، بمعنى: أنَّه ليس من قبيل ضمّ موجودٍ إلى موجودٍ آخر، كأوراق الكتاب الواحد أو الدار، كما ذكرنا في باب الصحيح والأعمّ؛ إذ إنَّ الدار مكوّنةٌ من ساحةٍ وغرفةٍ وحائطٍ وسردابٍ، وكلّ منها موجودٌ بوجودٍ مستقلٍّ، والوجودان لا يتّحدان؛ لأنَّ كلاً منهما مغايرٌ للآخر بالضرورة. فلا يمكن أن يُقال: (الغرفة سردابٌ) و(السرداب حائطٌ)، وهذا هو التركيب الاعتباري. وأمّا التركيب الحقيقي فهو ما إذا كان للمركّب وجودٌ واحدٌ، وليس لكلّ جزء وجودٌ مغايرٌ للآخر. هذا في الأنواع.
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وبيان ذلك: أنَّ الجهة المشتركة هي جهة القوّة، والجهة المائزة هي جهة الفعليّة، فالإنسان وغيره حين نفرضه نطفةً فالقابليّة والقوّة موجودةٌ فيه بالفعل، فيصحّ أن يُقال: (المني إنسانٌ بالقوّة) و(النواة شجرةٌ بالقوّة)، وهو صحيحٌ بالوجدان. وهذا الاستعداد غير موجودٍ في الحجر، فلا يُقال: (الحصاة شجرٌ بالقوّة)، أو (إنسان بالقوّة)؛ لأنَّه غير قابلٍ للحياة. والنبات قابلٌ لأن يكون شجراً، وغير قابلٍ لأن يكون بقراً. فالاشتراك بالمادّة عبارةٌ عن القوّة المحضة، والقوّة لا توجد بوصف كونها قوّةً؛ فإنَّ الوجود مساوقٌ للفعليّة، بل لا بُدَّ من فعليّتها في أيّ مادّةٍ. وفعليّة المادّة هي فعليّة النطفة والنواة، فهي نطفةٌ بالفعل، وإنسانٌ بالقوّة. فجهة المادّة هي جهة القوة، وجهة الصورة هي جهة الفعليّة، فكلّ قوّة في ضمن صورةٍ لا محالة، فإنَّ القوّة غير قابلةٍ للوجود؛ إذ الوجود مساوقٌ للفعليّة، كما أنَّ الفعليّة بدون قوّةٍ يستحيل وجودها. ولذا يُعبّر عن الجهة الأُولى بالهيولى والمادّة المشتركة، ويُعبّر عن الجهة الثانية بالصورة النوعيّة التي بها تمتاز الأنواع بعضها عن بعض.
إذن، وجود إحداهما بالقوة والثاني بالفعل، وهما موجودان بوجودٍ واحدٍ؛ فإنَّ جهة القوّة غير متمايزة عن جهة الفعلية في الخارج، إلَّا أنَّنا قلنا: إنَّ القوّة والفعليّة لا توجد في نفسها، بل لا بُدَّ فيها من وجودٍ واحدٍ مجمعٍ لأمرين: قوّةٍ من جهةٍ وفعليّةٍ من جهةٍ أُخرى.
ولذا قالوا: إنَّ ما تمتاز به المادّة عن الجنس والصورة عن الفصل: أنَّ النوع مركّب من مادّةٍ وجنسٍ هي جهة الاشتراك فيه، ومن صورةٍ وفصلٍ هي جهة الامتياز.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وإذا كان الأمر كذلك، لزم ملاحظة القوّة بما هي قوّةٌ والفعليّة بما هي فعليّةٌ، أي: يُلاحظ هذا الوجود الساري من الفعليّة إلى القوّة، كما تُلاحظ كلٌّ من المادّة والصورة وكلٌّ من القوّة والفعليّة، وحينئذٍ لا محالة يكون التغاير بينهما؛ لأنَّ القوّة بما هي قوّةٌ ليست بفعليّةٍ، والفعليّة بما هي فعليّةٌ ليست بقوّةٍ. إذن يصحّ سلب أحدهما عن الآخر، وسلبهما عن المركّب منهما، وسلب المركّب عنهما، فيصحّ أن يُقال: (البدن ليس بنفسٍ) و(النفس ليس ببدنٍ) و(الإنسان ليس ببدنٍ) و(الإنسان ليس بنفس) و(النفس ليس بإنسانٍ) و(البدن ليس بإنسانٍ). كلّ ذلك صحيحٌ، كصحّة القول بلحاظ جميع الأنواع الأُخرى كالشجر، فيصحّ سلب الهيولى عن الصورة، وسلب الصورة عن الهيولى، وسلب كلٍّ منهما عن المركّب، أي: النوع، وسلب النوع عن كلٍّ منهما.
وأمّا إذا لاحظنا السريان ولم نلاحظ كلاً منهما في نفسه، وإنَّما لاحظنا الوجود كما هو في الواقع، فإنَّ الوجود واحدٌ سارٍ من أحدهما إلى الآخر، وهو وجودٌ لكلٍّ منهما، فحينئذٍ يصحّ الحمل؛ لأنَّ الميزان في الحمل هو الاتّحاد بالوجود، فيُقال: (الإنسان حيوانٌ) و(الناطق إنسانٌ)، و(الإنسان ناطقٌ) و(الناطق حيوانٌ)، فيحمل كلٌّ منهما على الآخر.
وبهذا استدل السيّد المير داماد(1) على أنَّ التركيب بينهما اتّحادي، فهو موجودٌ واحدٌ، ولكن إذا لُوحظ مركّباً من قوّةٍ وفعليّةٍ ولاحظناهما بما هما، أي: لاحظنا مرتبة القوّة ومرتبة الفعليّة، فلا محالة يتغاير الجزءان، ويعبّر عنهما بلفظٍ
ــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) أُنظر: المير داماد، القبسات: 143، القبس الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
غير قابلٍ للحمل على الآخر. وأمّا إذا لُوحظ النحو الآخر، فيكون قابلاً للحمل، ويعبّر عن الجهة المشتركة بالحيوان، وعن الجهة المائزة بالناطق. إذن فالـ(بشرط) لائيّة واللا بشرطيّة لا يُراد بهما اللابشرط والـ(بشرط) لا في باب الإطلاق والتقييد، ولا الـ(بشرط) لا ولا بشرط الذاتيّة، كما ذكر صاحب آنفاً (الكفاية)، بل هو أمرٌ واحدٌ بلحاظين واعتبارين، فيكون بلحاظٍ قابلاً للحمل، وبلحاظٍ آخر لا يصحّ الحمل. ومعه يمكن يُقال: إنَّ هذا الجزء إذا لُوحظ في مرتبته، فتلك المرتبة مغايرةٌ لمرتبة الجزء الآخر، فيحصل التغاير. وإذا لُوحظ في وجوده، كما هو عليه في الواقع، فوجوده عين وجود الآخر؛ لأنّا قلنا: إنَّ القوّة والفعليّة لا يمكن أن يوجدا بوجودٍ مستقلٍّ، وحينئذٍ يصحّ الحمل.
وقد يُقال نحو ذلك في باب المشتقّات في الفرق بين المشتقّ ومبدأه، فإذا لُوحظ المبدأ بشرط لا، فيكون عرضاً غير قابلٍ للحمل، وأمّا إذا لُوحظ لا بشرطٍ، فيكون قابلاً للحمل ومشتقّاً. وتفصيل ذلك كما تقدّم عن شيخنا الأُستاذ في بيان التركيب والبساطة.
وقد ذكروا: أنَّ العرض في الواقع مشتملٌ على حيثيّتين من دون اعتبار معتبرٍ وفرض فارضٍ؛ فإنَّ وجوده في نفسه في الواقع عين وجوده لغيره، وليس له وجودان؛ إذ قد يُلحظ في نفسه بقطع النظر عن موضوعه فيُقال: (البياض موجودٌ) وقد يُلاحظ قائماً وثابتاً له؛ من حيث إنَّ وجوده في نفسه عين وجوده في غيره؛ لأنَّ البياض متقوّمٌ بالجسم، ولا يوجد البياض والجسم بوجودين مستقلّين متغايرين.
وإذ كانت الحيثيّتان واقعيّتين بقطع النظر عن اعتبار معتبرٍ وفرض فارضٍ،
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فقد ننظر إلى الجهة الأُولى، أي: وجود العرض في نفسه، فنعبّر عنه بالمبدأ، كالبياض والسواد، وقد نلاحظ الجهة الثانية، أي: عروض البياض للجسم واتّصافه به، فنعبّر عنه بالمشتقّ، فيُقال: (الجسم أبيض) و(النهار مضيءٌ).
فالفرق بين المشتقّ ومبدأه هو الفارق بين الجنس والمادّة، وهو لحاظ أحدهما لا بشرطٍ ولحاظ الآخر بشرط لا.
وما ذكروه كما ذكره شيخنا الأُستاذ وجيهٌ من حيث المراد. نعم، هذا هو المراد من كلماتهم، كما ذكروا أنَّ النوع الواحد لا يمكن أن يوجد إلَّا بوجودٍ واحدٍ، وإلَّا لكان فردين لا فرداً واحداً، فالفرد الواحد لنوعٍ واحدٍ لا بُدَّ وأن يكون موجوداً بوجودٍ واحدٍ. وعليه ففي جهة الافتراق والامتياز يفترقان بما ذكرنا من لحاظ هذين الأمرين على واقعهما، فيصحّ الحمل، أو لحاظ كلٍّ بمرتبته، فلا يصحّ الحمل.
وهذا البيان في الفرق بين الجنس والمادّة والفصل والصورة وإن كان وجيهاً، إلَّا أنَّه غير جارٍ في المشتقّ، وقد تقدّم أنَّ العرض والمعروض موجودان بوجودين، لا بوجودٍ واحدٍ، كالصورة والماهيّة؛ فإنَّ كلاً منهما فعليٌ. غاية الأمر أنَّ أحدهما في مرتبة الوجود أضعف من الآخر؛ فإنَّ أحدهما متقوّمٌ بالآخر، دون الآخر؛ فإنَّه موجودٌ في نفسه، وإذ كان لهما وجودان، فكيف يمكن الحمل مع اقتضاء الحمل الاتّحاد في الوجود؟!
كما أنَّ هذا الفارق تامٌّ في مقام الميز بين المصدر واسم المصدر، لا بين المشتقّ ومبدأه، فالمشتقّ قابل للحمل والمبدأ غير قابلٍ له وإن أُخذ لا بشرطٍ وقائماً
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بالغير؛ فإنَّ الوجودين يستحيل الحمل بينهما؛ لأنَّ كلّ وجودٍ مغايرٌ في حقيقته عن الآخر، والاتّحاد والتركيب إنَّما يكون بما به الفعليّة وبما به القوّة. وأمّا الوجودان الفعليّان فلا يمكن التركيب بينهما إلَّا اعتباراً، كما قلنا في الدار، والتركيب بين العرض والمعروض اعتباري؛ فإنَّهما وجودان متغايران.
مع أنَّه لو سلّمنا بذلك، فإنَّه لا يجري في جميع المبادئ والمشتقّات؛ فإنَّ منها ما يكون عدماً أو عدميّاً أو أمراً اعتبارياً أو انتزاعيّاً، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ الإنسان متّحدٌ مع الإمكان، والملكيّة متّحدةٌ مع زيدٍ الخارجي، مع أنَّ الملكيّة موجودةٌ في عالم الاعتبار، ولا وجود لها في الخارج أصلاً.
فلو تمّ هذا الكلام، فلا يتمّ في جميع المشتقّات، بل في باب الأعراض التسعة التي لها وجودٌ في الخارج، دون الأُمور العدميّة والاعتباريّة والانتزاعيّة، كالإمكان؛ فإنَّه لا يمكن أن يُقال: إنَّها متّحدةٌ مع موضوعاتها في الخارج. والملكيّة مثلاً أمرٌ اعتباري، فكيف يمكن أن تتّحد مع ذات المالك الخارجي، فيُقال: إنَّ الدار ملكٌ لعمرٍو؟ كلّ ذلك محالٌ.
هذا مضافاً إلى ما مرّ من أنَّه إذا تمّ ذلك، فإنَّه إنَّما يتمّ بين العارض ومعروضه، وليس سائر المشتقّات كذلك، نظير أسماء الآلة؛ فإنَّ الفتح ليس عارضاً على الآلة، فكيف يمكن الاتّحاد بينها وبين الآلة أو بينها وبين المكان؟! فهذا الفارق باطلٌ جزماً، بل المبدأ والمشتقّ متغايران مفهوماً، لا أنَّهما مشتركان في شيءٍ ومختلفان في لحاظ اللابشرط والـ(بشرط) لا.
هذا تمام الكلام في الفارق بين المشتقّ ومبدأه.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ثُمَّ إنَّ صاحب (الفصول)(1) ذكر في باب المشتقّ: أنَّه لا بُدَّ من وجود تغايرٍ بين الذات والمبدأ في المشتقّ، كما قرّر أنَّه لا بُدَّ من قيام المبدأ بالذات. فقولنا: (كاتب) يُستفاد منه تغاير الكتابة مع من ثبتت له الكتابة، فلا بُدَّ من التغاير بين الذات والكتابة، ولابدَّ من قيام الكتابة بزيدٍ نحو قيامٍ: سواء كان قياماً صدوريّاً نحو: (كاتب) أو وقوعيّاً نحو: (مكتوب) أو ظرفيّاً نحو: (مكتب).
وبما أنَّه اعتبر في المفهوم الاشتقاقي تغاير المبدأ والذات ولزوم قيامه بها، أشكل عليه الأمر في إثباته للباري تعالى؛ إذ كيف يمكن إطلاق القادر والعالم وحملهما عليه، مع أنَّه ليس هناك تغايرٌ بين الذات والمبدأ ولا قيامه بها؟! فإنَّه يستحيل أن يكون سبحانه معروضاً للصفات، بل صفاته بمعنى ذاته، فكلّه علمٌ، وكلّه قدرةٌ، وكلّه حياةٌ. ولذا التزم بالمجاز، وأنّ إطلاق هذه الألفاظ عليه تعالى مجازٌ على خلاف المعنى اللغوي؛ فإنَّه حيث اعتبر في المعنى اللغوي قيام المبدأ بالذات، وحيث إنَّه لا يُعقل التغاير بين ذات الله تعالى وصفاته ولا قيامه به عزّ وجلّ؛ لأنَّه لا يُعقل قيام الشيء بنفسه، فلا بُدَّ من الالتزام بالمجاز. أو يُقال: إنَّ هذه الألفاظ نقلت من المعاني الحقيقيّة إلى معنىً آخر، فتُطلق على الله تعالى باعتبار هذا المعنى الآخر.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
(1) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 62، المقدّمة، فصل: المشتقّ، التنبيه الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأورد عليه صاحب (الكفاية)(1)، وغيره كشيخنا الأُستاذ(2): بأنَّنا لا نعني بالمغايرة بين المشتقّ ومبدأه إلَّا المغايرة في المفهوم لا الخارج، ولا إشكال أنَّ مفهوم العلم غير ما نفهمه من لفظ الجلالة. وأمّا الاتّحاد الخارجي فلا مانع منه، وما أُخذ في المفهوم الاشتقاقي هو أن تكون الذات المحمول عليها المشتقّ مغايرةً لمفهوم المبدأ، لا مغايرة له بحسب الخارج.
وفي المقام كذلك؛ فإنَّنا إذا قلنا: (الله عالمٌ)، فإنّ ما ندركه من لفظ الجلالة غير ما ندركه من لفظ العلم وإن كانا في الخارج متّحدين، فالمغايرة بينهما ثابتةٌ.
وأمّا قيام العرض بالذات فلا نريد به قيام العرض بشيءٍ، بل نريد به التلبّس، وقد عبّرنا عنه فيما سبق بالواجديّة، يعني: كونه واجداً لصفاته. وهذا المعنى ملحوظٌ في مورد الاتّحاد؛ فإنَّه تعالى واجدٌ للعلم حقيقةً بلا عنايةٍ، ولا يعني الوجدان المغايرة بينهما، بل هو أقوى أنواع الوجدان، أي: أن يكون الشيء ذاته، فهو واجدٌ للعلم، أي: ليس بجاهلٍ، وأنَّ الأشياء منكشفةٌ له حقيقةً. وكذلك قولنا: (الضوء مضيءٌ) و(الوجود موجودٌ)؛ فإنَّ الوجود موجودٌ حقيقةً إذ الوجود أولى بالموجوديّة من الماهيّة؛ فإنَّ الماهيّة إنما تتّصف بالوجود من الوجود، فهذا الموجود له مطابقٌ في الخارج -بناءً على أصالة الوجود- هو الوجود، والماهيّة موجودةٌ بالتبع، فالموجود إذن واجدٌ للوجود، والقيام متحقّقٌ هنا. غاية الأمر أنَّه ليس من سنخ قيام العرض والأمر الانتزاعي والاعتباري،
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 56، المقدّمة، الأمر الثالث عشر، الأمر الرابع.
(2) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 84، المقدّمة، الفصل الثاني، الأمر الثامن، الأمر الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بل هو قيامٌ فوق ذلك. وعدم التفات العرف والعامّة إلى ذلك غير ضائرٍ؛ فإنَّ العرف إنَّما يُرجع إليه في المفاهيم لا في التفهيم؛ فإنَّ هذا مستعملٌ بمعناه العرفي، وهو واجد العلم، وواجد الوجود، وواجد القيام، وإن كانت خصوصيّة القيام غير ملتفتٍ إليها من قبل العرف، والله العالم بحقائق الأُمور.
لا يخفى: أنَّ صاحب (الفصول) قد ذهب إلى أنَّ المفاهيم الاشتقاقيّة لا بُدَّ من أخذ الذات فيها، ولو لم نقل بذلك، لكانت وصفاً للذات، ويُعتبر في المفهوم الاشتقاقي أن تكون الذات متلبّسةً بالمبدأ، وهذا لا يتصوّر في صفات الله تعالى؛ لأنَّ الذات متّحدةٌ مع الصفات وجوداً، فليس هناك تعدّدٌ واثنينيّةٌ، فلا يُعقل أن يكون هناك قيامٌ؛ إذ لا يعقل قيام الشيء بنفسه، وعليه فلا بُدَّ من الالتزام بالنقل أو التجوّز في الصفات الثابتة لله تعالى.
ومحلّ الكلام هنا هو الصفات الذاتيّة التي تُحمل على الذات، وقد التزم فيها بالنقل أو التجوّز، وأمّا الصفات الفعليّة فلا إشكال في مغايرتها للذات وقيامها بالذات قياماً صدوريّاً: كالغضب والرحمة والقبض والبسط وغيرها من الصفات الجماليّة الفعليّة. وأمّا الصفات الجماليّة الذاتيّة التي هي عين الذات فمرجعها إلى العلم والقدرة والحياة، ولا يصحّ سلبها عنه في حالٍ؛ فإنَّه لم يزل كذلك ولا يزال، فإنَّها كانت ثابتةً قبل خلق الخلق، والسمع والبصر يرجعان إلى العلم، فليس بينهما وبين الذات تغايرٌ. ولكنّها لا بمعنى: أنَّ العلم بالمبصر هو البصر، أو العلم بالمسموع هو السمع، وذلك واضح؛ لأنَّ السمع والبصر
ــــــــــ[156]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أخصّ من العلم؛ فإنَّه لا يُقال لكلّ عالمٍ بالمسموع: إنَّه سميعٌ. فلو علمنا أنَّ زيداً يتكلّم مع عمرٍو بكلامٍ، فإنَّه يصحّ أن يُقال: إنّا نعلم ما يقوله، كما لا يصحّ أن يُقال: إنَّنا نسمع ذلك؛ إذ السماع أخصّ من العلم بالمسموع. وكذلك البصر، فإذا علمنا بالوجدان أنَّ قوماً يمشون في شوارع بغداد أو أنَّ جماعةً مشغولون بالدعاء والزيارة في حرم الحسين، فإنَّه لا يصحّ أن يُقال: إنَّنا نبصرهم؛ إذ العلم بالمبصرات غير البصر؛ فإنَّ البصر علمٌ مع الإحاطة بالمبصر، والمسموع علمٌ مع الإحاطة بالمسموع والاستيلاء عليه، وهذا ثابتٌ في علم الله سبحانه وتعالى.
فمحلّ الكلام هو هذه الصفات الذاتيّة. وأمّا مثل الرحمة والغضب المدلول عليه بقوله تعالى: وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ(1) فهو مختصٌّ بالبعض دون البعض، فهو من الصفات الفعليّة، ولا إشكال أنَّ المشتقّ فيها كالمشتقّ في غير الله تعالى؛ فإنَّ الخلق مغايرٌ للذات وجوداً ومفهوماً، وقائمٌ به تعالى قياماً صدوريّاً إبداعيّاً.
وإنَّما الإشكال في العلم والقدرة والحياة؛ حيث يرى صاحب (الفصول) أنَّهما متّحدان، ولا معنى لقيام الشيء بذاته، ولذا التزم بالتجوّز أو النقل، كما تقدّم.
وأجاب صاحب (الكفاية) -كما مرّ-: بأنَّ المغايرة المعتبرة بين المبدأ والذات في المشتقات إنَّما هي المغايرة في المفهوم، لا المغايرة بحسب المصداق
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) العنكبوت: 21.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والخارج، وهذه المغايرة المعتبرة في المقام ثابتةٌ في الله تعالى؛ وذلك لأنَّ المبادئ في قولنا: (الله حيٌّ)، (الله عالمٌ)، (الله قادرٌ)، (الله سميعٌ)، (الله بصيرٌ)، مغايرة مفهوماً مع ما ندركه من لفظ الجلالة، فالتغاير بالمفهوم ملحوظٌ وإن كان في الخارج متّحداً.
وليس المراد بالقيام هو قيام العرض بمعروضه، وإنَّما يختلف القيام باختلاف الموارد؛ إذ قد يكون قياماً صدوريّاً، وقد يكون وقوعيّاً أو انتزاعيّاً أو اعتباريّاً، وقد يكون قياماً ذاتيّاً. وقلنا: إنَّ معنى القيام هو التلبّس والواجديّة، أي: أن يكون واجداً له حقيقةً بنحوٍ من أنحاء الوجدان. ومن ذلك أن يكون المبدأ ذاته، فهو تعالى واجدٌ للعلم وللحياة والقدرة بذاته؛ فإنَّنا لا نريد بالقيام قيام العرض بمعروضه حتّى يُقال: إنَّه لا يمكن قيام الشيء بنفسه، بل نريد من القيام الواجديّة، وهذا المعنى متحقّقٌ في الله سبحانه، فلا إشكال.
وقد تقرّر آنفاً صاحب (الكفاية) -وتبعه شيخنا الأُستاذ-: أنَّ الأمر لو لم يكن كذلك، أي: لو لم يمكن استعمال لفظ العالم في الله تعالى بمعناه العرفي الذي نفهمه، فما هو المعنى المستعمل فيه؟ إما أن يكون المستعمل فيه ذلك المعنى المعهود الذي بمقتضاه يُطلق على زيدٍ وعمرٍو، فنقول (زيدٌ عالمٌ) و(الله عالمٌ) بنفس المعنى، لكن سنخ التلبّس مختلفٌ؛ فإنَّ تلبّس الله تعالى ذاتي، وتلبّس زيد ليس بذاتي. وإما أن يراد به -العالم- ما يضادّ ذلك (نعوذ بالله)، فيلزم سلبه عن الباري عزّ وجلّ، ووصفه بالجهل (تعالى الله عن ذلك). وإن قلنا: إنَّنا لا نفهم منه شيئاً ولا ندري ما معناه، إلَّا أنَّه لم يُستعمل بالمعنى المعهود، فهو تعطيلٌ للعقول عن فهم الأوراد
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والأذكار؛ فإنَّ معناه أنَّ هذه مجرّد لقلقة لسانٍ من دون فهمٍ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به. كذا أُورد على صاحب (الفصول).
وفيه مواضع للنظر:
أمّا ما ذكراه أوّلاً من: أنَّه يكفي المغايرة في المفهوم دون المغايرة بحسب الذات، فهذا غير وجيهٍ؛ لأنَّ هذه المغايرة إنَّما تُعتبر بين الموضوع والمحمول في القضايا الحمليّة، لا بين المبدأ والذات في المشتقّات. نعم، في القضايا الحمليّة لا بُدَّ من اعتبار ذلك؛ لأنَّ الحمل يحتاج إلى جهة مغايرةٍ بين الموضوع والمحمول، كما يحتاج إلى اتّحادٍ من جهةٍ ليصحّ الحمل ويصحّ أن يُقال: إنَّ هذا ذاك. فهذا ثابتٌ بين الموضوع والمحمول: بأن يختلفا بحسب المفهوم وإن اتّحدا في الخارج.
وأمّا بين الذات ومبدأه فلا تعتبر المغايرة في المفهوم أيضاً. نعم، غالب المشتقّات كذلك، إلَّا أنَّه غير معتبرٍ في المعنى، بل من المشتقّات ما يكون المبدأ فيها نفس الذات، فيكونان مفهوماً متّحدين، فضلاً عن الوجود الخارجي، وذلك كقولنا: (الضوء مضيءٌ) و(النور منوّرٌ) و(الوجود موجودٌ). وهذه القضايا غير مبنيّةٍ على المسامحة؛ فإنَّ النور حقيقةً هو الذي ينشأ منه الضياء، مع أنَّه هو نفس الضياء، فالنور منوّرٌ، والضوء مضيءٌ حقيقةً، والنور هو مبدأ المنوّر، والوجود هو مبدأ الموجود، فالمبدأ والذات التي يحمل عليها المشتقّ متّحدان خارجاً ومفهوماً. ومفهوم الوجود أُخذ في المحمول، وواقع الوجود كالذات أُخذ في الموضوع، فيُقال: (الوجود موجودٌ) و(النور منور)، فلا يعتبر التعدّد مفهوماً، فضلاً عن تعدّدهما خارجاً.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وبهذا البيان ظهر الجواب عن كلام صاحب (الفصول)؛ إذ لا يعتبر التغاير لا في المفهوم ولا في الخارج، وفي صفاته تعالى لا نحتاج إلى النقل والتجوز لعدم الحاجة إلى التغاير، وإنَّما التغاير في المفهوم بين الموضوع والمحمول، وهو ملحوظٌ في صفات الله تعالى نحو: (الله عالمٌ).
وأمّا ما ذكراه ثانياً من: أنَّه يمكن في التلبّس أن يكون الشيء واجداً للمبدأ بذاته فهو تامٌّ جدّاً؛ فإنَّ القيام مختلفٌ؛ إذ قد يكون قيام عرضٍ بمعروضه، وقد يكون قيام الأمر الاعتباري أو الانتزاعي، كالإمكان بالنسبة إلى الماهيّة؛ فإنَّ الماهيّة مع أنَّها لا موجودةٌ ولا معدومةٌ، أي: لم يُؤخذ في ذاتها الوجود والعدم، يمكن حمل الإمكان عليها، فيقوم الإمكان بالماهيّة، مع أنَّها ليس لها تحقّقٍ في الخارج. وإنَّما المراد بالقيام الواجديّة، فالماهيّة حقيقةً ممكنةٌ، ولا اقتضاء لها للوجود ولا للعدم، فلا نريد بالتلبّس القيام الخارجي، كقيام العرض بمعروضه، وإنَّما نريد به الواجديّة والاتّصاف حقيقةً. وهو كما يمكن أنَّ يتحقّق بالعرض، يمكن أن يتحقّق بالأمر الاعتباري والانتزاعي، ويمكن أن يتحقّق في واجديّة الشيء لصفةٍ في ذاته، كما في واجديّته تعالى للعلم والقدرة والحياة، فلا موجب للالتزام بالنقل والتجوّز.
وأمّا ما ذكراه ثالثاً على صاحب (الفصول): من كونه تعطيلاً للعقول عن فهم الأوراد والأذكار فلا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ صاحب (الفصول) لم يقل: إنَّ لفظ (العالم) منقولٌ أو مستعملٌ مجازاً في معنىً لا نفهمه، وإنَّما أفاد أنَّ لفظ (العالم) استعمل في العلم مجازاً أو نقلاً، فمعنى: (يا عالم يا علم)، ومعنى
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
(يا قادر): (يا قدرة)؛ لأنَّ العلم والقدرة ذاته، فنقلت هذه المشتقّات من المعنى اللغوي والذات التي ثبت لها المبدأ إلى معنىً آخر، أي: نفس المبدأ؛ إذ ليس بين المبدأ والذات تغايرٌ؛ لأنَّهما متّحدان.
وبعبارةٍ أُخرى: لقد التزم صاحب (الفصول) بأنَّ المعتبر في المعنى اللغوي التغاير بين الذات والمبدأ، وحيث لا تغاير في صفات الله تعالى عن ذاته، فالإطلاق إذن مجازٌ، لا أنَّنا نفهم من هذه الكلمة شيئاً آخر غير ما نفهمه منها عرفاً. ولكن حيث إنَّنا نفهم بحسب المعنى اللغوي من (زيدٌ قائمٌ) أنَّ زيداً غير القيام وأنَّ القيام قائمٌ به، وهذا لا يصدق على الله تعالى، فلا بُدَّ من المجاز. وليس ذلك تعطيلاً للعقول، بل لا يرد هذا الإشكال على صاحب (الفصول).
وإن لم يكن من المقطوع فمن المُطمئَن به: أنَّهما إنَّما أخذا ذلك من الحكيم السبزواري صاحب (المنظومة)(1) وغيره(2)؛ حيث استدلّ على اشتراك الوجود بين الباري وغيره بنفس هذا الكلام. قال: إذا قلنا: (يا موجود): فإمّا أن نفهم من هذا المعنى العامّ الذي نفهمه حين نطلقه على زيدٍ وعمرٍو، وإمّا أن نفهم منه نقيضه، أو لا نفهم شيئاً. فعلى الأوّل يلزم كون الوجود معنىً عامّاً، وهو المطلوب؛ فإنَّه استدلّ بهذا على أنَّ الوجود عامٌّ ومشتركٌ بين الواجب والممكن، في قبال من قال بأنَّهما حقيقتان متغايرتان. وإن استعملناه في معنىً آخر، فإمّا أن
ــــــــــ[161]ــــــــــ
(1) أُنظر: شرح المنظومة 2: 83-84 المقصد الأوّل، الفريدة الأُولى، غرر في اشتراك الوجود.
(2) أُنظر: صدر المتألهين، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 1: 77، الفصل الثامن في مساوقة الوجود للشيئية، ومجموعة مصنفات شيخ الإشراق 1: 209.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يكون نقيضه وهو العدم (نعوذ بالله)، فيكون معنى (يا موجود): (يا معدوم)، فيلزم خلوّ العالم من الصانع. وأمّا أن يكون هاهنا معنى لا نفهمه، وهذا غير معقولٍ.
وما أفاده تامٌّ في محلّه؛ لأنَّ الوجود يقابله العدم، فإمّا أن يُراد بالوجود المعنى العامّ أو العدم، أو لا يُراد شيء. وهذا في قبال من قال بالاشتراك اللفظي.
وأمّا في المقام فلا يجري هذا البيان؛ فإنَّه يمكن تصوير شقٍّ ثالثٍ لا يكون فيه معنى (يا عالم): (يا جاهل)، ولا معنى غير مفهومٍ لدينا وهو ما ذهب إليه آنفاً صاحب (الفصول) من أنَّ لفظ (العالم)، نقل من المعنى الحقيقي، وهو ما إذا كانت الذات مغايرةً للمبدأ وهو قائمٌ بها، فنقل إلى من كان علمه عين ذاته. فمعنى (يا عالم): (يا من علمه عين ذاته)، أي: يا علمٌ يا قدرةٌ يا حياةٌ، وهذا ليس تعطيلاً للعقول، ولا محذور فيه.
والصحيح ما ذكرناه من: أنَّه لا وجه لاعتبار المغايرة بين الذات والمبدأ حتّى نلتزم بالتجوّز أو النقل.
ثُمَّ إنَّنا ذكرنا في أوّل هذا البحث: أنَّ النزاع في المشتقّ إنَّما هو في سعة المفهوم وضيقه، فيقع الكلام في أنَّ المشتقّات وُضعت بإزاء معانٍ لا تنطبق إلَّا على المتلبّس، أو تنطبق على الأعمّ منه ومن المنقضي.
أمّا بالنسبة إلى التطبيق الخارجي -أي: حمل المفهوم على شيءٍ في الخارج- فهو أمرٌ خارجٌ عن دائرة المفهوم؛ فإنَّه يُعقل أن يكون اللفظ مستعملاً في معناه،
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ومع ذلك يُحمل على ما ليس مصداقاً له واقعاً، كما في موارد الخطأ، كما إذا تخيّل شخصٌ أنَّ زيداً عالمٌ، فقال: (زيدٌ عالمٌ)، مع أنَّه ليس بعالمٍ. فهذا الشخص لم يستعمل اللفظ في غير معناه الذي يستعمل فيه في غير هذا المورد، ولكنّه تخيّل أنَّ زيداً مصداقٌ لهذا المفهوم، وأنَّه ينطبق عليه، وهذا خطأٌ في التطبيق، وإلَّا فاللفظ قد استُعمل في معناه.
وكذلك في الموارد التي يكون الشخص كاذباً في قوله، فيخبر بأنَّ زيداً عالمٌ، وهو ليس بعالمٍ، فهذا الإخبار كذبٌ، إلَّا أنَّ اللفظ لم يُستعمل في غير معناه مجازاً. فإذا قال: (زيدٌ عالمٌ) فقد حكى عن ثبوت هذا المفهوم لزيدٍ، غاية الأمر أنَّه غير مطابقٍ للواقع، فهو كاذبٌ، لا مستعملٌ للفظ في غير معناه.
وكذلك إذا ادّعى أنَّ هذا كذلك، كما ذكره السكّاكي(1) في موارد الاستعارة، وأنَّه يُستعمل اللفظ في معناه، وإنَّما المجاز في التطبيق، كما في قولنا: (زيدٌ أسدٌ)، فإنَّ الأسد لم يُستعمل في غير معناه، وإنَّما استُعمل فيه؛ بدعوى انطباق المفهوم على زيدٍ، وأنَّه أسدٌ حقيقةً، فهو مجازٌ في الإسناد وتجوّزٌ في التطبيق.
ونحوه غير واحدٍ من الموارد التي يُستعمل اللفظ فيها في معناه ويُطبّق على المورد بادّعاء أنَّه كذلك، كما لو كان أحد العوامٌ عارفاً بالمسائل، ولعلّه يكون عارفاً بها أكثر من مرجعه، فيكون مستحضراً لها بجزئيّاتها وخصوصيّاتها وإن نسي المجتهد، فادّعاءً يُمكن أن يُقال: إنَّه عالمٌ باعتبار معرفته بالمسائل وإن لم يكن عن علمٍ واجتهادٍ، بل عن تقليدٍ. إلَّا أنَّ هذا الادّعاء يصحّح أن يُحمل عليه أنَّه عالمٌ،
ــــــــــ[163]ــــــــــ
(1) أُنظر: السكاكي، مفتاح العلوم: 359.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وهذا ادّعاءٌ، لا من باب استعمال اللفظ في خلاف ما وضع له اللفظ.
وكذلك إذا استعملنا لفظ (الجاري) أو (السائل) في النهر أو الميزاب، فقلنا: (النهر جارٍ) و(الميزاب سائلٌ)، فهنا لم نستعمل اللفظ في خلاف ما وضع له، بل استعملناه في معناه وأُسند إلى غيره مجازاً.
وهذا هو المجاز في الإسناد والتطبيق، كما هو الشائع في كثيرٍ من موارد الاستعمالات، وعليه فالمجاز قد يكون بالإسناد، فيسند بما هو من المعنى إلى غير ما هو له حقيقةً، وهو حملٌ مجازي يحتاج إلى عنايةٍ وقرينةٍ، ومثاله قولهم: (أنبت الربيع البقل)، مع أنَّ الربيع زمانٌ، والزمان لا ينبت البقل، وإنَّما الذي ينبته هو الله سبحانه، فهنا لم يستعمل لفظ الإنبات أو الربيع في غير معناه، كأن يكون لفظ الربيع قد استُعمل في الله مجازاً، والمراد: (أنبت الله البقل)، وإنَّما هو إسنادٌ مجازي.
ومنه يتّضح: أنَّ المشتقّ في جميع الموارد إن كان مستعملاً في المتلبّس، فاستعماله حقيقي، كما في الجوامد، غاية الأمر هو مجازٌ في الإسناد، والمجاز في الإسناد أجنبي عن المجاز في الكلمة.
وعلى هذا الضوء فما ذكره صاحب (الفصول)(1) من أنَّه ينبغي في استعمال المشتقّ حقيقةً أن يكون ثبوت المبدأ للذات حقيقيّاً، فيكون التلبّس واقعاً لا ادّعاءً، لا يرجع إلى محصّلٍ؛ لأنَّ اللفظ قد يُستعمل في المفهوم بما له من المعنى، وتلبّس الذات به أجنبيٌ عن المعنى.
هذا تمام الكلام في بحث المشتقّ.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) أُنظر: الفصول الغرويّة: 62، المقدّمة، فصل: المشتق، التنبيه الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والكلام في الأوامر تارةً في مادّة الأمر وأُخرى في هيئته، أي: صيغة (افعل) وما يضاهيها ممّا يُستفاد منه الطلب نحو: (ليفعل)، أو الجمل الخبريّة المستعملة في مقام الطلب والإنشاء نحو: (إذا أحدث أثناء الصلاة أعاد). والحاصل: الجمل المستعملة في طلب شيءٍ من الأشياء الدالة على طلب المادّة.
وفيه فصول:
ــــــــــ[165]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الفصل الأول: في مادّة الأمر
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أمّا الكلام في مادّة الأمر فيقع في جهاتٍ:
أمّا بحسب اللغة -أي: كلمة الأمر- فقد ادُّعي أنَّ له معاني كثيرةً، أنهاها بعضهم(1) إلى خمسة عشر معنىً، وذهب بعضهم(2) إلى أنَّ معنى الأمر منحصرٌ في شيئين على نحو الاشتراك اللفظي: أحدهما الطلب، وثانيهما الشيء، فيستعمل الأمر بمعنى: الشيء، فيُقال: (هذا أمرٌ من الله) أي: شيء. وكلمة الأمر مرادفةٌ للشيء، واستعماله في هذه الموارد الكثيرة إنَّما هو من باب التطبيق، لا أنَّها
ــــــــــ[169]ــــــــــ
(1) أُنظر: المحقق الرشتي، بدائع الأفكار: 198-199، ومحمد صالح المازندراني، حاشية معالم الدين: 56، المقصد الثاني، المطلب الثاني، البحث الأوّل، أصل: في معنى صيغة الأمر، ومحمد تقي الاصفهاني، هداية المسترشدين: 138، المقصد الثاني، المطلب الثاني، البحث الأوّل، المقام الثالث.
(2) أُنظر: الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 62، المقالة الأولى. العراقي، بدائع الأفكار: 246، المقصد الأوّل، المطلب الأوّل، بديعة: الكلام في ذكر معاني لفظ الأمر، والنائيني، أجود التقريرات: 1: 86، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
اُستعملت في معنىً آخر، فيقال: (جئت في أمر كذا)، أي: شيء هو كذا. غاية الأمر أنَّه غايةٌ للمجيء، لا أنَّه اُستعمل في معنىً آخر، واستفيد ذلك من كلمة اللام؛ لأنَّها تدلّ على أنَّ ما بعدها غايةٌ لما قبلها، وذلك في قولنا: (جئت لأمر كذا). وكذا إذا فرضنا أنَّ المجيء كان منشأً له، أي: وقع أمرٌ دعاه إلى المجيء نحو: (جئت للحرب)، فهذا اُستفيد من اللام؛ فإنَّه قد يدخل على ما يكون غايةً، وقد يدخل على ما يكون منشأً للشيء؛ فإنّ الحرب أو الخوف دعاه إلى المجيء.
فهذه ليست معاني الأمر، بل معناه معنىً واحد، وهو الشيء الذي له عدّة تطبيقاتٍ على اختلاف الموارد.
وذهب شيخنا الأُستاذ(1) إلى أنَّه لا اشتراك لفظي في المقام، وإنَّما وضعت كلمة الأمر لشيء واحدٍ، وهو الحادثة التي لها أهمّيّةٌ في الجملة؛ فإنَّ هذا اللفظ لا يُستعمل في كلّ شيءٍ حتّى فيما ليس له أهمّيّةٌ، وإنَّما هو مقيّدٌ بهذا القيد، واستعماله في موارد الطلب إنَّما هو لأجل ذلك؛ لأنَّ الطلب شيءٌ له الأهمّيّة، فليس للأمر إلَّا معنىً واحدٌ: قد ينطبق على الطلب، وقد ينطبق على غيره.
هذا ملخّص الأقوال في معنى الأمر.
والظاهر: أنَّه ليس له إلَّا معنيان: أحدهما الطلب، والآخر الشيء، وسائر المعاني التي ذكروها من باب التطبيق، لا أنَّه استعمل لفظ الأمر في معنىً مغايرٍ لهذين المعنيين.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 128، المقصد الأوّل، الأمر الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا الاشتراك المعنوي الذي ذكره شيخنا الأُستاذ(1) فلا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ تقييد الشيء بالأهمّيّة لا يُعقل أن يكون مأخوذاً في مادّة الأمر. والوجه في ذلك واضح؛ فإنَّنا قد نصف الأمر بأنَّه أمرٌ لا أهمّيّة له، أو هو أمرٌ لا يهمّنا أو غير مهمٍّ، إلى غير ذلك من الاستعمالات، فإذا كانت الأهمّيّة مأخوذةً في مفهوم الأمر ومقيّداً بها، لكان هذا من التناقض الظاهر؛ إذ كيف يُقال: (هذا الذي يهمّنا لا يهمّنا)، أو (الذي يهمّنا لا أهميّة له)، فينطبق الأمر إذن في مورد الأهمّيّة وغير ذلك على حدٍّ سواءٍ، فيُقال: (هذا غير مهمٍّ)، أو (هذا مهمٌّ جدّاً)، والاستعمال في جميع هذه الموارد على حدّ سواءٍ. إذن فالاشتراك المعنوي متعذّرٌ.
وممّا يؤكد أنَّه لا اشتراك في البين ويدلّ عليه: أنَّ الأمر بمعنى: الطلب يُشتقّ منه المشتقّات نحو: أمر وآمر ومأمور. وأمّا الأمر بمعنى: الشيء فلا يمكن منه الاشتقاق؛ لأنَّه جامدٌ، وليس مفهوماً اشتقاقيّاً. فكيف يُعقل أن يكون هذا المفهوم جامعاً بين المشتقّ وغيره؟! فإنَّ المفهوم إذا كان مفهوماً اشتقاقيّاً، كان كذلك دائماً، وإذا لم يكن، لم يكن كذلك دائماً، وقد نرى أنَّ الاشتقاق من الأمر بمعنى الطلب بلا عناية نحو: (أمرني ربّي بكذا).
وبهذا نستكشف أنَّ الأمر بمعنى: الطلب يختلف عن الأمر بمعنى: الشيء، ومنه يظهر اختلاف المعنى من اختلاف الجمع؛ فإنَّ الأمر بمعنى: الشيء يجمع على أُمور، والأمر بمعنى: الطلب يُجمع على أوامر، واستعمال
ــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أحدهما في موضعٍ يُستعمل فيه الآخر من الأغلاط في اللغة العربيّة. فإذا قلنا: (بحث الأمور) مكان (بحث الأوامر)، يكون غلطاً، وإذا استعملنا (الأوامر) في مورد (الأُمور) يكون غلطاً أيضاً.
فمن اختلاف الجمع نستكشف تعدّد الوضع، وأنَّه موضوعٌ تارةً بإزاء هذا المعنى، وأُخرى بإزاء ذلك المعنى. وأمّا لو كان المعنى واحداً والاستعمال فيه دائماً، فما معنى اختلاف الجمع؟! فإنَّ الجمع وغيره إنَّما يكون باعتبار اختلاف المعنى.
ومن هذا القبيل كلمة (يد)؛ فإنَّها إذا كانت بمعنى: (الجارحة) جمعت على (أيدٍ)، وإن كانت بمعنى: (نعمة)، جُمعت على (أيادي).
وكيفما كان فلا نشكّ أنَّ لفظ الأمر متعدّدٌ وضعاً، وأنَّه لم يُوضع بإزاء أمرٍ واحدٍ قد ينطبق على الطلب وقد ينطبق على غيره.
نعم، الأمر ليس بمعنى: الشيء على إطلاقه، أي: لا نحتمل أنَّ الأمر والشيء مترادفان؛ فإنَّه بحسب استقرائنا لموارد الاستعمالات لا يُستعمل الأمر إلَّا في موارد الصفات والأفعال، أي: أمرٌ قائمٌ بالغير. وأمّا الجوامد -أعني: الجواهر التي لا تكون قائمةً بالغير- فلا يُطلق عليه لفظ (الأمر)، فلا يُقال للجدار والإنسان: إنَّه أمرٌ، وغير ذلك من الجواهر والأجسام، وإنَّما يُطلق على فعلٍ وصفةٍ قائمةٍ بالغير، فيُقال: (أعجبني أمر فلانٍ) أي: صفته، و(هذا أمرٌ عجيبٌ)، وإنَّما يُطلق هذا الكلام على صفةٍ وفعلٍ عجيبٍ.
وعليه فهو لا يُطلق على طبيعيّ الشيء أينما سرى، بل هو موضوعٌ بإزاء
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
معنىً قائمٍ بالغير قيام الصفة بموضوعها أو الفعل بفاعله. والأمر في قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي(1) بمعنى: من فعل ربّي ورهنٌ بمشيئته وفعله. وعليه فموارد استعمال (الأمر) تنحصر فيما إذا كان الفعل قائماً بالغير.
والأمر من هذه الجهة ليس قابلاً للاشتقاق؛ فإنَّه شيءٌ خاصٌّ، لا معنىً اشتقاقي، أي: ليس من المصادر ليشتقّ منه.
وأمّا الأمر بمعنى: الطلب فلا إشكال في أنَّه مشتقٌّ؛ لأنَّه معنىً اشتقاقي، وهو ليس مرادفاً للطلب، وإنَّما هو الطلب من الغير. وأمّا طلب نفس الإنسان من نفسه فلا يُقال له (أمر)؛ فإنَّه لا يُقال: (أمرت نفسي بكذا)؛ إذ لا يُطلق الأمر إذا كان الطلب متعلّقاً بفعل نفس الإنسان، وإنَّما يُقال: (طلبت الرواية، فلم أجدها)، ولا يُقال: (أمرت)؛ لأنَّ استعمال مثله غلطٌ. فالأمر موضوعٌ بإزاء الطلب مقيّداً بكونه متعلّقاً بالغير وصادراً من شخصٍ آخر. وهاهنا قيد آخر، وهو أن يكون من العالي، وقيدٌ ثالثٌ، وهو أن يكون فيه معنى الاستعلاء أيضاً، على ما سنتكلّم فيه، فهو ليس مرادفاً للطلب أينما سرى.
والظاهر: أنَّه لا اصطلاح للأُصوليّين هنا: بأن يُقال: إنَّ الأمر موضوعٌ عندهم بإزاء نفس هذا اللفظ، كما في الجملة والاسم والفعل الموضوعة بإزاء الألفاظ. أمّا هنا فليس كذلك؛ إذ الأمر ليس اسماً للقول المخصوص(2)، وإنَّما
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) الإسراء: 85.
(2) حكى صاحب الكفاية أن الأمر -بحسب الاصطلاح- قد نُقل عن معناه الأصلي إلى القول المخصوص، راجع في ذلك كفاية الأصول: 62.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
هو اسمٌ للطلب المنطبق على القول تارةً وعلى الفعل أُخرى. ويدلّ على ذلك
-أي: على أنَّ الأمر لا يستعمله الأُصوليّون في هذا اللفظ-: أنَّه لو كان موضوعاً بإزاء نفس القول، لما أمكن الاشتقاق منه؛ لأنَّ اللفظ بما هو لفظٌ ليس له اشتقاقٌ، مع أنَّ هذه الكلمة (الأمر) قابلةٌ للاشتقاق.
إذن، فليس للأُصوليّين اصطلاحٌ خاصٌّ به، وإنَّما يُستعمل بما له من المعنى اللغوي، غاية الأمر أنَّه كثيراً ما يكون الأمر بالقول، وقد يكون بغير القول: كالفعل والكتابة. هذا تمام الكلام في الجهة الأُولى.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ثُمَّ إنَّ الظاهر من هذا اللفظ (الأمر) أنَّه إنَّما يُطلق في موارد صدور الطلب من العالي، وذلك في مقابل الالتماس والاستدعاء، ولا يُسمّى الطلب من غير العالي أمراً ولو فرض أنَّ العالي غير مستعلٍ في طلبه أو أنَّ السافل مستعلٍ فيه؛ فإنَّه لا يُعتبر الاستعلاء في مفهوم الطلب، أو لا يصدق الأمر حقيقة في موارد الاستعلاء، إذا لم يكن الطالب عالياً في نفسه. نعم، قد يُطلق عليه لفظ (الأمر)، ولذا يُقال: (لماذا أمرت بكذا؟) إلَّا أنَّ هذا الإطلاق مبنيٌّ على المسامحة والتنزيل؛ باعتبار أنَّ الطالب فرض نفسه عالياً، فالطلب الصادر منه يكون أمراً ادّعائيّاً للمستعلي. وهذا التعبير (لماذا أمرته بكذا؟) يرجع إلى توبيخه؛ لفرض نفسه عالياً، لا على تقدير الاستعلاء حقيقةً، بل الأمر لا يصدق إلَّا إذا صدر من العالي بلا فرقٍ بين استعلائه وعدمه، فلو خفض جناحه وأصدر الطلب بتواضعٍ فطلبه أمرٌ على الحقيقة.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لا ينبغي الريب في دلالة الأمر على الوجوب؛ باعتبار الدليل الذي يأتي في دلالة الصيغة على الوجوب؛ لأنَّ هذه الصيغة وغيرها ممّا تدلّ على طلب المتكلّم صدور الفعل من المخاطب، ومنه كلمة الأمر الدالّة على معنى نفساني، وهو أنَّ الطالب اعتبر الفعل على ذمّة المكلّف. فإذا ثبت ذلك وكان مقروناً بالترخيص بالترك بقرينةٍ متّصلةٍ أو منفصلةٍ، حكم العقل بعدم وجوب الامتثال؛ لوجود الترخيص. وأمّا إذا لم يثبت ترخيصٌ من المولى؛ فإنَّ العقل يحكم بإلزام العبد بالامتثال؛ فإنَّ ذلك مقتضى العبوديّة للمولى وحقّ المولويّة على العبد؛ فإنَّها تقتضي أن لا يخالف العبد مولاه، وأن يتحرّك بتحريكه وينزجر بزجره. فإذا علمنا أنَّه اعتبر هذا الفعل على ذمّة المكلّف، فيحكم العقل بوجوب الخروج عن عهدة هذا الاعتبار بتفريغ الذمّة عمّا اعتبره المولى على ذمّته.
ولذا قلنا: إنَّ الوجوب بحكم العقل، وإنَّما الذي يثبت عن طريق الشرع هو إلزام المولى وعدم ترخيصه في تركه، والعقل يلزم المكلّف بأن يتحرّك بتحريكه. وسيأتي تفصيل هذا البرهان في البحث عن صيغة الأمر.
وأمّا كون الأمر حقيقةً في الوجوب -أي: أُخذ في مفهومه الوجوب- فلو استُعمل في غيره من الموارد، كما إذا كان مقروناً بالترخيص في الترك بقرينةٍ
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
متّصلةٍ أو منفصلةٍ، كان مجازاً، كما ادّعى في (الكفاية) (1) بالقول بأنَّ الأمر حقيقةً في الوجوب وفي غيره مجازٌ، فممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ لا نرى أيّ مانعٍ من استعماله في الموارد التي تكون مقرونةً بالترخيص بالترك. فإذا قيل: (أمرني المولى بكذا، ومنَّ عليّ بالترخيص بتركه)، لا يكون هناك خلاف الظهور، ولا تناقض في البين.
بل الأمر لا يُستفاد منه إلَّا ما يُستفاد من الصيغة من الدلالة على ثبوت الفعل على ذمّة المكلّف، سواء كان فيه ترخيصٌ أو لا.
كما نرى أنَّه كثيراً ما استُعمل في السنّة وفي القرآن أيضاً في غير موارد الوجوب، ولم يختصّ استعماله في الوجوب، كما في غير واحدٍ من الموارد. فمن ذلك قوله: “حفوا الشوارب واعفوا اللحى”(2)، مع أنَّ حفّ الشوارب ليس بواجبٍ، بل إعفاء اللحى أيضاً غير واجبٍ؛ فإنَّه على تقدير حرمة حلق اللحية يختصّ الإعفاء بالمقدار الواجب ممّا يصدق عليه اللحيّة. وأمّا تطويلها بقدر القبضة فليس بواجبٍ، غايته أنَّه مستحبٌّ، وكذلك الأمر في حفّ الشوارب.
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 63، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، الجهة الثالثة.
(2) الصدوق، معاني الأخبار: 291، باب معنى قول النبي حفوا الشوارب واعفوا اللحى، الحديث 1، والعاملي، وسائل الشيعة 2: 116، باب عدم جواز حلق اللحية واستحباب توفيرها قدر قبضة، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ونحوه ما ورد في القرآن الكريم في كثيرٍ من الموارد نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى(1) وقوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ(2)؛ إذ ليس المراد أنَّه لا يلزم بالفحشاء، بل لا يأمر بذلك لا وجوباً ولا استحباباً. وكذا قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ(3). ولا يختصّ ذلك بالواجبات، كما لو أمر بالزيارة أو قراءة القرآن ولم يمتثل.
فدعوى: أنَّ كلمة الأمر موضوعةٌ للوجوب -بحيث يكون الاستعمال في موارد الترخيص مجازاً- ممّا لا يمكن المساعدة عليه.
نعم، الأمر ظاهرٌ في الوجوب بالتقريب الذي أشرنا إليه، إلَّا أنَّه مطلبٌ آخر؛ فإنَّ الظهور لا ينخرم، ولكنّه ليس ظهوراً وضعيّاً، وإنَّما ينشأ من عدم الترخيص في الترك من جهة القرينة المتّصلة أو المنفصلة.
ــــــــــ[178]ــــــــــ
(1) النحل: 90.
(2) الأعراف: 28.
(3) البقرة: 44.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
◙ الأوّل: في البحث اللغوي، وأنَّ المفهوم من لفظ الطلب هو المفهوم من لفظ الإرادة، فيكون اللفظان مترادفين، وأحد المفهومين عين الآخر، كما ذكر في (الكفاية)(1)، أو هما مفهومان متغايران. ثُمَّ على تقدير التغاير هل ينطبقان على شيءٍ واحدٍ؟ فإنَّ المفهومين المتغايرين قد يكونان منطبقين على موردٍ واحدٍ: إمّا من جهة أنَّ بينهما عموماً مطلقاً أو عموماً من وجهٍ، فيجتمعان في موردٍ واحدٍ، كالعالم والشاعر اللذين ينطبقان في موردٍ واحدٍ، مع أنَّه لا إشكال في تغاير المفهومين. كما أنَّ الحيوان والإنسان أو الجسم والإنسان ينطبقان على موردٍ واحدٍ. فعلى تقدير التغاير هل يمكن أن تنطبق على موردٍ واحدٍ، أو إنَّ ما ينطبق عليه مفهوم الإرادة مغايرٌ لما ينطبق عليه مفهوم الطلب، أي: إنَّهما متغايران مفهوماً ومصداقاً؟ والظاهر هو ذلك، أي: إنَّ ما ينطبق عليه مفهوم الإرادة غير ما ينطبق عليه مفهوم الطلب، وما ينطبق عليه مفهوم الطلب غير ما ينطبق عليه مفهوم الإرادة.
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 64، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، الجهة الرابعة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بمعنى: الشوق المؤكّد؛ فإنَّ الإنسان إذا تصوّر الشيء ورغب فيه، فإنَّه يشتاق إليه ويشتدّ الشوق إلى حدٍّ تتحرّك فيه العضلات إلى الفعل، وهو المسمّى بالإرادة، فالإرادة من الصفات للنفس لا الأفعال، بل هي صفةٌ نفسانيّةٌ كغيرها من الصفات نحو: الكرم والشجاعة.
وأمّا الطلب فهو بمعنى: التصدّي نحو ما يشتاق إليه الإنسان، فيُقال: (طلب الضالّة فلم يجدها)، والمراد منه ليس مجرّد أنَّه يشتاق إلى وجدان ضالّته، بل من يتصدّى لذلك. وطلب العلم ليس المراد منه من يشتاق إلى طلب العلم ويحبّه، بل هو من يتصدّى لتحصيله. غاية الأمر أنَّه قد يتعلّق الطلب بفعل نفسه، كما في المثالين، وقد يتعلّق بفعل الغير، كما في طلب فعلٍ من الخادم أو العبد، أو المولى من عبده، فيُقال: طلب منه. فالشخص مطلوبٌ منه، والفعل مطلوبٌ، فالمدار في الطلب أن يتعلّق بفعل الإنسان أو غيره، والجامع هو التصدّي. فإذا كان المطلوب فعله تصدّى نحوه، وإذا كان المطلوب فعل غيره فليس له تصدٍّ نحوه، إلَّا أنَّ له أن يأمر به فيقول: افعل.
إذن، فالطلب والإرادة متغايران؛ إذ إنَّ أحدهما من الصفات النفسيّة، والآخر من الأفعال الخارجيّة، فكيف يُقال: إنَّهما مترادفان، وإنَّ المفهوم من لفظ الإرادة هو المفهوم من الطلب؟! بل المفهوم من لفظ الإرادة هو الشوق النفساني القائم بالنفس قيام الصفة بموصوفه، والمراد من الطلب هو التصدّي نحو الفعل خارجاً، وهو قائمٌ بالشخص قياماً صدوريّاً، وهو فاعله.
ومن هنا يظهر أنَّهما لا يتّحدان في المصداق أيضاً، أي: إنَّ بينهما تبايناً؛ فإنَّ
ــــــــــ[180]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ما يصدق عليه لفظ الطلب لا ينطبق عليه الإرادة، وما ينطبق عليه الإرادة لا ينطبق عليه الطلب.
◙ الثاني: فيما يكون مدلول الكلام: إنَّ مدلول الطلب وغيره من الجمل الخبريّة والإنشائيّة هل هو أمورٌ نفسيّةٌ أو أُمور خارجةٌ عن النفس؟ تقدّم الكلام أنَّ المعروف بينهم أنَّ الجمل الخبريّة تدلّ على ثبوت النسبة في الخارج أو لا تدلّ على ذلك باعتبار السلب والإيجاب؛ فإنَّ الأمر فيها لا يخلو إمّا أن تدلّ على ثبوت النسبة في الخارج أو لا. وأمّا الجمل الإنشائيّة بأجمعها فموضوعةٌ لإيجاد معنىً من المعاني في الأُفق المناسب له، وسمّوه بالوجود الإنشائي في قبال الوجود الحقيقي، ولذا فرّقوا بين الجمل الخبريّة والإنشائيّة.
وقد سبق أن ذكرنا: أنَّ الجمل الخبريّة والإنشائيّة تشتركان في أنَّ المدلول فيها هو أمرٌ نفسي لا خارجي؛ فإنَّ قولنا: (زيدٌ قائمٌ) لا يدلّ على ثبوت القيام لزيدٍ في الخارج بوجهٍ من الدلالة، بل يستكشف من هذا الكلام أنَّ المتكلّم أخبر وحكى عن القيام، فالمدلول هو الإخبار والحكاية، أي: إنَّ المتكلّم قصد تفهيم المخاطب أنَّ زيداً قائمٌ في الخارج، فهذا القصد هو مدلول الكلام الذي انكشف بمقتضى الوضع وفهمناه. وأمّا أنَّ زيداً قائمٌ أو لا فهو بعدٌ لم نفهمه، فيحتمل ذلك، كما يحتمل أنَّه غير قائمٍ. أي: يُحتمل أن يكون المتكلّم صادقاً أو كاذباً، فكلامه لا يحدث فينا إلَّا الشكّ والاحتمال، وهذا يوجد مع الالتفات وإن لم يكن مخبراً؛ فإنَّنا لو تصوّرنا قيام زيد لكنّا في شكٍّ في صدوره في الخارج وعدمه. فالمدلول هو قصد الحكاية عن الواقع لا نفس الواقع.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كما أنَّ مدلول الجمل الإنشائيّة أمرٌ نفساني على اختلاف الإنشاءات، كما أنَّ مدلول الجملة الإنشائية الطلبيّة التي هي محلّ كلامنا أنَّها تكشف عن أنَّ المتكلّم قصد إبراز ما في نفسه من اعتبار هذه المادّة -أي: مادّة الهيئة في (صلّ)- على ذمّة المكلّف، فالمنكشف هو هذا المقدار خاصّةً.
غاية الأمر: أنَّه في موارد الجمل الإنشائيّة ليس هناك أمرٌ وراء النفس غير كشف هذا اللفظ عن قصد المتكلّم وإبراز المادّة لاعتبارها على ذمّة المكلّف. وأمّا الجمل الخبريّة فهي مبرزةٌ لقصد الحكاية، فهنا شيءٌ آخر وراء النفس؛ فإنَّ الحكاية أمرٌ متعلّقٌ بالخارج حاكٍ عن ثبوت النسبة وعدمها، وبذلك يتّصف بالصدق والكذب، لا باعتبار دلالة الجملة على أمرٍ خارجي؛ فإنَّ الجملة الخبريّة والإنشائيّة بهذا اللحاظ على حدٍّ سواءٍ، بل من جهة أنَّ مدلولها هو الحكاية عن الخارج، والحكاية قد تكون صادقةً، وقد تكون كاذبةً، وبهذا الاعتبار يتّصف الكلام بالصدق والكذب. وهذا هو الفارق بين الجمل الخبريّة والإنشائيّة.
◙ الثالث: إنَّ هذا الأمر النفسي الذي تقدّم أنَّه مدلول الجمل الخبريّة والإنشائيّة هل هو الكلام النفسي الذي التزم به الأشاعرة وجعلوه مغايراً للكلام اللفظي، أو إنَّه أجنبي عن الكلام النفسي؟
وهذه المسألة إنَّما نشأت في زمان العبّاسيّين بعد ما دخلت الفلسفة بين المسلمين، فاختلفوا فيه على قولين، فذهب الأكثر من المسلمين كالأشاعرة(1) إلى
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) أُنظر: القاضي الجرجاني، شرح المواقف 8: 93، الموقف الخامس، المرصد الرابع، المقصد السابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الكلام النفسي، وقالوا: إنَّ كلام الله قديمٌ، وإنَّ القرآن وهذه الألفاظ التي نتكلّم بها وإن كانت حادثةً، إلَّا أنَّ القرآن كلامٌ نفسي قديمٌ قائمٌ بالله سبحانه وتعالى. وخالفهم في ذلك المعتزلة(1) والعدليّة(2)، فقالوا: إنَّ الكلام مركّبٌ من الألفاظ والهيئات، وهو تدريجي الحصول، فيوجد حرفٌ وينعدم، ثُمَّ يوجد حرفٌ آخر وينعدم، وليس وجود الألفاظ دفعيّاً لكي يكون موجوداً بوجودٍ واحدٍ ليسمّى بالكلام النفسي.
وهذه المسألة ليست ذات أهمّيّةٍ في نفسها؛ لأنَّها غير داخلةٍ في أُصول الدين ولا في فروعه، ولا ربط لها بالإسلام، ولم يكن هناك كلامٌ حولها قبل ذلك النزاع بين الأشاعرة وغيرهم. أي: إنَّ الرجلين من المسلمين لم يكونا ليتكلّما في ذلك في زمان النبي ومن تصدّى للخلافة وأمير المؤمنين، وإنَّما حدثت هذه المسألة بعد ذلك، ونشأت منه أُمورٌ كثيرةٌ منها: تشهير المسلمين بعضهم ببعضٍ وقتل من لا يلتزم بالكلام النفسي، وإلَّا فالمسألة ليس لها من الأهمّيّة شيءٌ.
نعم، ذهب الأشاعرة إلى الكلام النفسي وأنَّه قديمٌ، وهذا القول -مع أنَّه لا دليل عليه، كما سوف نتعرّض لأدلّتهم- مخالفٌ للوجدان؛ فإنَّنا إذا فتّشنا في
ــــــــــ[183]ــــــــــ
(1) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة: 357-360، الأصل الثاني، فصل في القرآن وذكر الخلاف فيه، حقيقة الكلام، وغيره.
(2) أُنظر: العلامة الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 403، المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة السادسة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أنفسنا وما يصدر منّا من الكلام، لا نجد إلَّا أُموراً معلومةً ليس أحدها هو الكلام النفسي؛ فإنّا نجد الهيئة التركيبيّة، وهي كلامٌ لفظي لا كلامٌ نفسي، ونجد مداليل الألفاظ بمفرداتها ومداليل الألفاظ التركيبيّة من الجمل الخبريّة والإنشائيّة، والجملة الخبريّة مدلولها قصد الحكاية عن الواقع وإن ذهب المشهور(1) إلى أنَّ الهيئة في الجملة الخبريّة موضوعةٌ لنفس ثبوت النسبة في الخارج أو سلبها. والجملة الإنشائية -على ما ذكرنا- موضوعةٌ لإبراز أمرٍ نفساني من اعتبار جعل شيءٍ على ذمّة المكلّف، كما في الأوامر، أو لإبراز صفةٍ واقعيّةٍ في النفس: كالترجّي والتمنّي والاستفهام، فيما اختار المشهور أنَّها موضوعةٌ لإيجاد معنىً من المعاني، وهو المسمّى بالوجود الإنشائي، وهو قسمٌ من الوجود عندهم، وليس شيءٌ منه كلاماً نفسيّاً.
وفي موارد الجمل الخبريّة نرى أنَّ المتكلّم إمّا أن يكون عالماً بمطابقة حكايته مع الخارج، أو عالماً بخلافه، أو شاكّاً في المطابقة وعدمها. فإذا أخبر بقيام زيدٍ، فلا يخلو أمره من أحد هذه الأُمور: إمّا أن يكون جازماً بثبوته، فهو صادقٌ، وإمّا أن يكون جازماً بعدمه، فهو كاذبٌ باعتقاده، وإمّا أن يكون شاكّاً. وليس شيءٌ من ذلك كلاماً نفسيّاً. ففي موارد الجمل الخبريّة والإنشائيّة نجد أنَّ المتكلّم تعلّقت إرادته بإيجاد هذه الألفاظ؛ لأنَّ الفعل الاختياري لا بُدَّ أن يكون مسبوقاً بالإرادة والاختيار، فهو أراد الكلام وقال: (زيدٌ قائمٌ)، والإرادة
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 66، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، الجهة الرابعة، وعلي الايرواني، نهاية النهاية 1: 11، المقدّمة، في معاني الحروف.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مسبوقةٌ بمقدّماتها من تصوّر الموضوع والمحمول والنسبة. وكلّ هذه الأُمور ليست من الكلام النفسي.
ولذا لا نجد بالوجدان في الجمل الخبريّة والإنشائيّة بعد التفتيش شيئاً نسمّيه بالكلام النفسي، سواءٌ كان مدلول الكلام النفسي نفس مدلول الكلام اللفظي، كما ذكره بعض(1)، أو غير مدلوله، كما ذكره آخرون(2).
وليس لهذا الأمر وراءٌ غير الوجدان؛ فإنَّنا إذا راجعنا وجداننا رأينا أنَّنا لا نرى إلَّا المفردات، وقصد الحكاية، والعلم بالمطابقة وعدمها، أو صفةً نفسيّةً، أو اعتبار شيء على ذمّة المكلّف، كما اخترنا أنَّه هو الموضوع له، أو إرادة إيقاع هذا الفعل في الخارج مسبوقاً بمقدّماته من تصوّر الألفاظ ومعانيها، ولا نجد شيئاً يسمّى بالكلام النفسي. إذن القول بالكلام النفسي خيالٌ ووهمٌ لا أساس له.
وقد عرضت لهم شبهةٌ في ذلك، فالتزموا به، وإلَّا فوجدانهم مثل وجداننا؛ فإنَّهم إذا راجعوه يجدون أنَّه ليس شيءٌ يسمّى بالكلام النفسي، وقد سلّموا أنَّه غير هذه الأُمور. فأيّ شيء إذن هو؟
والحقّ: أنَّه عرضت لهم شبهةٌ، فالتزموا به لأجلها، فقالوا بالكلام القديم، وأنَّه من الصفات، لا من أفعال الله سبحانه وتعالى، وكما أنَّ العلم والقدرة من صفاته، فكذلك الكلام النفسي، وهو قديمٌ، كما التزموا بكفر من لا يقول به.
ــــــــــ[185]ــــــــــ
(1) راجع الأقوال في المسألة في شرح المواقف 8: 91-108، الموقف الخامس، المقصد السابع.
(2) أُنظر: المصدر المتقدم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وإليك عدداً من الشبهات(1) التي دعتهم إلى الالتزام بذلك القول الفاسد:
فمنها: أنَّهم قالوا: إنَّ الحادث لا يُعقل أن يكون صفةً للقديم، بل يستحيل أن يتّصف القديم بالحادث، فإذا كان الكلام أمراً حادثاً كان الله تعالى متّصفاً بالكلام؛ بصريح قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّـهُ مُوسَى تَكْلِيماً(2)، فكيف يمكن وصف الواجب بالحادث؟ مع أنَّ لازمه الالتزام بأنّ الواجب حادثٌ، أو نلتزم بأنَّ الكلام قديمٌ. وحيث إنَّ الأوّل ممّا لا يمكن الالتزام به؛ لأنَّه ينافي الالتزام بوجوب الواجب تعالى، فيتعيّن الثاني.
ولا يخفى: أنَّ ما ذُكر بحسب الكبرى تامٌّ؛ فإنَّه لا يُعقل أن يكون الشيء الحادث صفةً للقديم، وأن يتّصف القديم بالحادث، ولكنّ الكلام في أنَّ التكلّم من صفات الله تعالى أو من أفعاله؟ والحقّ: أنَّه من صفاته عزّ وجلّ، إلَّا أنَّه صفةٌ فعليّةٌ في قبال الصفة الذاتيّة، وما لا يمكن أن يتّصف به الواجب هو أن يكون الوصف قائماً به قيام الصفة بموصوفها، كالعلم والقدرة والحياة، فهو تعالى لم يزل ولا يزال حيّاً عالماً قادراً سميعاً بصيراً. وقد تقدّم أنَّ السمع والبصر يرجعان إلى العلم، وأمّا التكلّم فصفة لله تعالى، ولكنّه ليس صفةً ذاتيّةً، بل هو صفةٌ فعليّةٌ، أي: فعلٌ من أفعاله. ولا شكّ في صدور الحادث من القديم، ولا محذور فيه، بل هو كذلك دائماً؛ فإنَّه تعالى كلّ يوم في شأنٍ؛ إذ لا إشكال في صدور الحادث من القديم، وإنَّما المحذور في أن تتّصف الذات بأمرٍ حادث.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدم.
(2) النساء: 164.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا أنَّ الفعل لم يكن فكان فليس فيه محذورٌ، فهو تعالى خالقٌ رازقٌ، وهل يحتمل أن يكون الخلق والرزق قديم؟! وهو تعالى قابضٌ باسط، وهل يحتمل أن يكون القبض والبسط قديمين؟! هذا كلّه من صفات الأفعال، وما يكون فعلاً له لا مانع من حدوثه وإن كان الفاعل قديماً.
والذي يدلّ على أنَّ التكلّم من الصفات الفعليّة لا الصفات الذاتيّة: أنَّ الصفات الذاتيّة بمادّتها ضروريّة الثبوت للذات، سواء قلنا: إنَّها عين الموصوف، كما هو الحقّ الصحيح؛ إذ إنَّ الصفة ليست زائدةً على ذاته تعالى، بل الصفة والموصوف شيءٌ واحدٌ، أو قلنا: إنَّ الصفة زائدةٌ على الموصوف؛ فإنَّ ثبوت الصفة لموصوفها على كلا التقديرين ضروري، ويستحيل أن ينفكّ عنه تعالى، فلا يمكن أن يتّصف الفعل بأضدادها. فلا يمكن أن يُقال: إنَّه جاهلٌ بكذا أو ميّتٌ في زمان كذا (والعياذ بالله). فهذه الصفات: كالعلم والحياة والقدرة لا يمكن أن يتّصف تعالى بما يضادّها أو يناقضها؛ لأنَّ هذه الصفات ضروريّة ولو التزمنا محالاً بالمغايرة. وأمّا إذا قلنا بأنَّها عين الذات فواضحٌ؛ لأنَّ ثبوت الذات لنفسه ضروري.
وأمّا الصفات الفعليّة فلا مانع من اتّصافه تعالى بها تارةً وبعدمها أخرى، فيصحّ أن يُقال: إنَّه تعالى رزق زيداً ولداً، ولم يرزق عمراً ولداً، أو يُقال: إنَّه خلق كذا وكذا، ولم يخلق كذا وكذا، وإنَّه تعالى خلق الإنسان ذا رأسٍ واحدٍ، ولم يخلق الإنسان ذا رأسين أو ذا رؤوس، ولا مانع، أن يتّصف أنَّه خلق شيئاً ولم يخلق شيئاً آخر، وكذا جميع صفات الأفعال، فيمكن أن يتّصف تعالى بها،
ــــــــــ[187]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ويمكن أن يتّصف بخلافها، باعتبار شخصٍ آخر أو زمانٍ آخر أو مكانٍ آخر. ولذا قال تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ(1) فالهداية بالنسبة إلى جمعٍ والإضلال بالنسبة إلى جمعٍ آخر، وهذا هو الميزان في صفات الأفعال.
والتكلّم من هذا القبيل، فيصحّ أن يُقال: إنَّه وَكَلَّمَ اللَّـهُ مُوسَى تَكْلِيماً(2)، ولكنّه لم يكلّم فرعون، فيتّصف بالوجود مرّةً وبالعدم أُخرى، ولذا كان موسى كليم الله دون سائر الأنبياء، فإنَّ الله سبحانه لم يكلّمهم. وعليه فالكلام يصحّ إثباته في موردٍ ونفيه في موردٍ آخر. وإذ ثبت أنَّه من الصفات الفعليّة دون الصفات الذاتيّة، فلا مانع أن يكون حادثاً وإن كان تعالى قديماً، وليس ذلك من اتّصاف القديم بالحادث، بل من خلق القديم للحادث، ولا محذور فيه.
ومنها: أنَّهم قالوا: إنَّه لا إشكال في أنَّ التكلّم نُسب إلى الله سبحانه، وأنَّه يصحّ توصيفه بالمتكلّم، وظاهر حمل المشتقّ على شيء واتّصافه به أن يكون المبدأ قائماً به قياماً وصفيّاً لا إيجاديّاً، وإلَّا لو كان اتّصاف الباري تعالى بالمبادئ اتّصافاً إيجاديّاً، لاتّصف بالقائم والنائم والمتحرّك والساكن؛ باعتبار أنَّه يوجد الحركة والسكون والقيام والنوم، وكلّ ذلك محالٌ. فظاهر المشتقّ إذا نُسب إلى شيء أنَّ مبدأه قائمٌ به قيام الصفة بالموصوف، لا قيام الفعل بالفاعل، وإلَّا لم تنحصر الصفة له في المتكلّم، بل جاز توصيفه بجميع المبادئ الموجودة في الخارج؛
ــــــــــ[188]ــــــــــ
(1) النحل: 93.
(2) النساء: 164.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
باعتبار كونه موجداً لها، وحيث إنَّ التكلّم من صفاته تعالى، فنستكشف من ذلك أنَّه قائمٌ به قيام الصفة بالموصوف، فهو إذن قديمٌ.
وهذه الشبهة واضحة الاندفاع؛ والوجه في ذلك: أنَّ الكلام إن أُريد به نفس هذا الصوت، أي: الحروف الهجائيّة، فهذا غير قائمٍ حتّى بغير الله تعالى قيام الصفة بالموصوف؛ فإنَّ الكلام إنَّما يوجد من تموّج الهواء، وهو قائمٌ بالهواء لا بالشخص، فالكلام من صفات الهواء وقائمٌ به. فلو لزم في حمل المشتقّ قيامه بالموضوع قيام الصفة بالموصوف، لصحّ حمله على الهواء، فيُقال: (الهواء متكلّمٌ) ولما صحّ حمله على زيدٍ؛ لأنَّ التموّج هو الذي يكون منشأً للكلام وسماع الصوت، فعلى هذا لا يكون الكلام قائماً بالمتكلّم أيضاً، فضلاً عن أن نتكلّم عن اتّصاف الله سبحانه وتعالى به.
وأمّا إذا كان مبدأ المتكلّم هو التكلّم، كما هو الصحيح؛ لأنَّ (المتكلّم) اسم فاعل من باب التفعّل، فمصدره التكلّم، وليس المصدر هو الكلام، ومعنى التكلّم إيجاد الكلام، فيُقال: (زيدٌ تكلّم) أي: أوجد الكلام، فيكون قائماً بزيدٍ قيام صدورٍ لا قيام حلولٍ؛ فإنَّ التكلّم يختلف عن القيام والجلوس؛ من حيث إنَّهما يقومان بالشخص قيام حلولٍ، وهو يقوم به قيام صدورٍ.
فإذا كان كذلك، فالنسبة واحدةٌ، سواء انتسب إلى الباري عزّ وجلّ أو غيره، فلا فرق بين قولنا: (تكلّم زيدٌ) أو (تكلّم الله تعالى)؛ إذ الكلام في كلا الموردين بمعنى: إيجاد الكلام. نعم، هنا فرقٌ آخر هو أنَّ التكلّم من قبل زيدٍ يكون بواسطة جارحةٍ من جوارحه كاللسان، والله تعالى يتكلّم بلا جارحةٍ،
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وإلَّا فمن حيث المدلول لا فرق بينهما. وقد تعرّض العروسي صاحب (التفسير)(1) لهذه الشبهة في تفسيره بالتفصيل.
وأمّا ما ذكر من أنَّ حمل المشتقّ يقتضي أن يكون قيام المبدأ قياماً صدوريّاً، وإلَّا لصحّ إطلاق مثل: القائم والنائم عليه سبحانه، فهو من المضحكات؛ لأنَّ صدق الهيئات ليس له ضابطٌ وقياسٌ في لغة العرب، ولذا نرى هيئةً واحدةً تختلف باختلاف مبدأها، ولهذا لا يُطلق النائم على موجد النوم، بل على الحالّ فيه النوم، ولكن القابض كالباسط يعني: من يقوم به المبدأ قياماً صدوريّاً، والجارح لا يعني: من يقوم به الجرح قياماً حلوليّاً، بل من يصدر منه الجرح.
وليس لهذا ضابطٌ مميِّز؛ إذ قد يكون قيام المبدأ بالذات صدوريّاً، كما في الباسط والقابض والخالق والضارب، وقد يكون حلوليّاً، كما في المتحرّك والساكن والجالس والنائم والقائم، ولا ملازمة بين أن يكون المتكلّم بمعنى: موجد الكلام والنائم بمعنى: من قام به النوم قياماً حلوليّاً؛ فإنَّ هذا ليس مورداً للقياس، بل يلزم النظر إلى كلّ مبدأٍ في مورده.
ــــــــــ[190]ــــــــــ
() لعلّه إشارةٌ إلى ما أورده العلّامة العروسي الحويزي من الروايات الواردة في شأن قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّـهُ مُوسَى تَكْلِيماً في تفسيره نور الثقلين 1: 574-575، تفسير سورة النساء، الآية: 164، ولمزيد الاطّلاع على بحث الكلام النفسي يمكن الرجوع إلى البيان في تفسير القرآن: 409، حدوث القرآن وقدمه، الكلام النفسي.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ذكرنا أن الأشاعرة قد ذهبوا الى أنَّ لله كلاماً نفسيّاً مغايراً للكلام اللفظي، والتزموا بأنَّه تعالى كان متّصفاً بهذه الصفة أزلاً، ومرّ عن بعضهم أنَّ الكلام النفسي مدلولٌ للكلام اللفظي، وذهب آخرون إلى أنَّه غير الكلام اللفظي، بعد اشتراكهما في وجودٍ وسنخٍ آخر من الكلام يسمّى بالكلام النفسي. وقد ذكرنا: أنَّ الوجدان أقوى شاهدٍ على خلافه؛ فإنّا إذا فتشنا في أنفسنا لا نجد فيها غير العلم والإرادة وغيرهما من الصفات النفسانيّة ومبادئ الإرادة، وليس هناك شيءٌ غير هذه الأُمور ليسمّى بالكلام النفسي. فهذه الدعوى مخالفةٌ للوجدان، ولكنّهم أصروا على هذه الدعوى، واستدلّوا عليها بوجوهٍ:
منها: أنَّ الله تعالى متّصفٌ بهذه الصفة، ولا يمكن اتّصاف الواجب بالصفة الحادثة، فلا بُدَّ أن يكون حادثاً، وهو غير معقولٍ؛ لأنَّه منافٍ للوجوب، إذن فلا مناص أن تكون الصفة قديمةً. وحيث إنَّ الكلام اللفظي ليس بقديمٍ قطعاً، بل هو متدرّج الوجود؛ إذ يوجد حرفٌ فينعدم، ثُمَّ يوجد حرفٌ آخر فينعدم وهكذا، فلا بُدَّ أن تكون هناك صفةٌ أُخرى قديمةٌ هي الكلام النفسي، فتكون الصفة قديمةً كالمتّصف.
وقد مرّ: أنَّ هذا الاستدلال ساقطٌ من رأسٍ؛ فإنَّه تعالى يتّصف بصفاتٍ
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ذاتيّةٍ قديمةٍ: كالعلم والقدرة والحياة وكذا الصفات الراجعة إلى العلم: كالسمع والبصر. وأمّا التكلّم فهو ليس صفةً ذاتيّةً، وإنَّما هو من الصفات الفعليّة، ولا مانع من اتّصاف القديم بالصفة الحادثة إذا كانت من أفعاله: كالخلق والرزق والقبض والبسط وغيرها من صفات الكمال؛ فإنَّه لا مانع من اتّصاف الواجب بالصفة الحادثة، إذا كانت صفةً للفعل، بمعنى: أنَّه أوجدها، والإيجاد حادثٌ بالضرورة.
ومنها: أنَّه تعالى متّصفٌ بأنَّه متكلّمٌ وإن كان الاتّصاف بالتكلّم غير ملحوظٍ في القرآن، إلَّا أنَّه مشهودٌ في الروايات(1)، فمن صفاته عزّ وجلّ أنَّه متكلّمٌ، وهذه الصفة ظاهرةٌ كغيرها من الصفات في قيام المبدأ بالموصوف قياماً حلوليّاً. وأمّا القيام الصدوري فهو لا يصحّح إطلاق المشتقّ عليه؛ فإنَّه لا يُطلق النائم على من أوجد النوم، وإنَّما يُطلق على من قام به النوم قياماً حلوليّاً. وكذا غير النوم من الصفات: كالقائم والجالس والعالم. إذن فلا بُدَّ أن يكون المتكلّم من هذا القبيل، أي: التكلّم قائمٌ بالذات قيام حلولٍ لا قيام صدورٍ؛ لأنَّ القيام الصدوري لا يصحّح الاستعمال، فلا بُدَّ من الالتزام بالكلام النفسي ليكون قائماً به تعالى قياماً حلوليّاً.
وهذا التقريب ضعيفٌ جدّاً: أما نقضا فإنَّنا ننقض عليه بالكلام اللفظي؛ فإنَّه لا إشكال في أنَّه تعالى متّصفٌ بالمتكلّم باعتبار الكلام اللفظي، كما في غير
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) راجع بعض الروايات الواردة في الباب الرابع عشر والباب الخامس عشر من أبواب خلق القرآن وأحكامه وإعجازه من بحار الأنوار 89: 117، وغيره.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
واحدٍ من الآيات المباركة نحو قوله تعالى: وَقَالَ اللَّـهُ إِنِّي مَعَكُمْ(1) وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا ِلأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى(2) إلى ما شاء الله من إسناد القول إليه سبحانه، فهو متكلّمٌ بالكلام اللفظي. ثُمَّ إنَّهم اعترفوا بكلا القسمين من الكلام، ولم يحصروه في الكلام النفسي، وقالوا بأنَّ للقرآن وجودين: وجوداً أنزله على النبي الأكرم ووجوداً غير منزل بل قائماً به قيام الصفة بموصوفه. فننقل الكلام إلى هذا الكلام المنزل وإلى خطاباته للأنبياء والملائكة وقوله تعالى: وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(3) وغير ذلك من القول الذي صدر منه وتكلّم به، فهل يصدق (المتكلّم) عليه باعتبار الكلام اللفظي أو لا يصدق؟
لا إشكال: إنَّه يصدق، كما يصدق على غيره من الممكنات، فنقول: (تكلّم زيدٌ بهذه الكلمة)، وكيف يتّصف تعالى أنَّه متكلّمٌ مع أنَّ الكلام اللفظي غير قائمٍ به قياماً حلوليّاً قيام الصفة بموصوفه قطعاً؟ بل هو قائمٌ به قياماً صدوريّاً؛ باعتبار أنَّه موجدٌ له، إذن فصفة (المتكلّم) لم تُستعمل فيمن يقوم به الكلام قياماً حلوليّاً بل قياماً صدوريّاً، فتفسير الكلام بما يقوم به قياماً حلوليّاً ممنوعٌ قطعاً.
وأمّا حلّاً فهو أنَّ المتكلّم من المشتقّات الجعليّة لا الأصليّة، أي: ليس له مصدرٌ ومبدأٌ ليكون هذا مشتقّاً منه، كاللابن والتامر والمتعمّم والمنتعل
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) المائدة: 12.
(2) طه: 116.
(3) البقرة: 117.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والمتحجّر؛ فإنَّ مثلها ليس معنى مصدريّاً ليكون هذا مشتقّاً من ذلك المصدر.
وبيان ذلك: أنَّ التكلّم ليس له فعلٌ ثلاثي مجرّد بهذا المعنى ليزاد عليه ليكون بهذا المعنى. نعم، استُعمل في لغة العلم (الكلم) و(الكلمة). إلَّا أنَّه بمعنى: الجرح، لا التكلّم واللفظ، فالتكلّم بهذا المعنى ليس له ثلاثي مجرّدٌ، بل أُخذ من الجامد، فصار مشتقّاً جعليّاً، كالنعل الذي أُخذ منه المنتعل، أي: لابس النعل، والتمر الذي أُخذ منه التامر، أي: بائع التمر، واللبن الذي أُخذ منه اللابن، أي: بائع اللبن. والكلام عبارةٌ عن نفس هذه الألفاظ التي تصدر من الإنسان نحو: (زيدٌ قائمٌ) فهذا هو الكلام، وهو يُستعمل مصدراً ويكون اسماً لنفس هذه الألفاظ، والتكلّم مأخوذٌ منه، فهو من المشتقّات الجعليّة لا الأصليّة، أي: لم يؤخذ من مبدأ اشتقاقٍ، بل أُخذ من أمرٍ جامدٍ، ومن جهة انتسابه إلى الإنسان أو غيره نحو انتسابٍ أُسند إليه، فأُخذ منه المشتقّ الجعلي.
فإذا كان المبدأ هو الكلام -الذي هو اسمٌ لنفس اللفظ، والكلام ليس قائماً بالإنسان، وإنَّما هو قائمٌ بالهواء؛ فإنَّه قائمٌ بتموّج الهواء، فإذا تموّج الهواء صدر منه صوتٌ يسمّى بالكلام- فنسبة الكلام إلى زيد ليست إلَّا نسبةً إيجاديّةً، والقول بغير هذه النسبة غير معقولٍ، أي: إنَّ الكلام غير قائمٍ بالمتكلّم قياماً حلوليّاً، وبذلك يكون من أوصاف الهواء، لا من أوصاف الشخص نفسه. نعم، يُنسب إليه نسبةً إيجاديّةً، فمعنى التكلم الذي هو مصدرٌ من باب التفعّل
ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
-والذي أُخذ منه المتكلّم- بمعنى: إيجاد الكلام، فالمتكلّم بمعنى الموجد للكلام، فأين الحلول هنا؟ وكيف يُقاس هذا بالقائم والنائم ونحوهما ممّا لها مشتقّات من المبدأ الذي له مصدرٌ؟! افرضوا أنَّنا التزمنا أنَّ الظاهر من المشتقّات هو القيام بالذات قيام حلولٍ وإن قلنا: إنَّه ليس كذلك؛ لأنَّ الهيئة موضوعةٌ بوضعٍ واحد، فيختلف أنحاء قيامها بالذات باختلاف المبادئ، فقد يكون قياماً صدوريّاً، وقد يكون حلوليّاً، إلَّا أنَّ المتكلّم لا يُقاس ببقيّة المشتقّات؛ فإنَّه ليس مشتقّاً من مصدرٍ؛ إذ ليس له مصدرٌ مجرّدٌ حتّى يزاد عليه شيءٌ لإفادة معنىً آخر. وأمّا الثلاثي المجرّد فلم يُستعمل من ذلك أبداً، وإنَّما استُعمل بمعنى: الجرح، وعليه لا يكون معنى المتكلّم من قام به الكلام قياماً حلوليّاً؛ فإنَّ الكلام ليس معنى مصدريّاً، وإنَّما المتكلّم من قام به الكلام قياماً صدوريّاً، وهو الموجد للكلام. إذن لا وجه للالتزام بالكلام النفسي؛ باعتبار أنَّ المشتقّ ظاهرٌ في قيام المبدأ بموصوفه قياماً حلوليّاً؛ لأنَّه ليس من قبيل القائم والنائم قطعاً.
ومنها: أنَّ المتكلّم بالكلام لا بُدَّ له أن يتصوّر معناه ويرتّبه في نفسه ويرتّب الحروف والكلمات حسب ما تعلّق به قصده بأيّ لغةٍ كانت، ولا سيّما إذا كان لكلامه أهمّيّةٌ، فمن يريد إلقاء خطبةٍ أو قصيدةٍ نظّمها قبل إلقائها، إذن للكلام اللفظي وجودٌ في المرتبة السابقة على وجوده الخارجي، وهذا أمرٌ وجداني. إذن الكلام النفسي مطابقٌ للوجدان، وكلّ متكلّمٍ يفهمه إذا راجع وجدانه. ولعلّه لذلك قيل:
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إنَّ الكــلام لفي الفـؤاد وإنَّمـا | جُعل اللسان على الفؤاد دليلا(1) |
فالكلام إنَّما هو دليلٌ على ما في النفس، وإلَّا فالكلام في واقعه في النفس وفي القلب.
وما ذكروه هنا تامٌّ، إلَّا أنَّه ليس من الكلام النفسي، وهو لا ينحصر في الكلام؛ فإنَّ أيّ فعلٍ اختياري لا بُدَّ أن يكون مسبوقاً بوجوده في النفس، وأن يرتّبه الفاعل أوّلاً في نفسه، ثُمَّ يوجده في الخارج. وأبرز أمثلته وأفراده الهندسة؛ فإنَّ من يريد أن ينقش نقشاً للبناء لا بُدَّ أن يتصوّر في نفسه نقشاً للبناء، كأن يراه خارجاً، فيحدّد الغرفة في جهةٍ والمدخل في جهةٍ أُخرى، وبعد ذلك يوجده في الخارج، فهل نلتزم بالنقش النفسي وأنَّه هناك قسمان من النقش: نفسيٌ وخارجي؟ وهكذا كلّ ما يصدر من الإنسان من الأفعال، سواءٌ كان من قبيل الكلام أو غيره، فلو أراد الزواج من امرأةٍ لا بُدَّ أن يتصوّر جميع مبادئه وشؤونه، فهل يُقال بأنَّ الزواج قسمان: نفسي وخارجي؟!
فالفعل الاختياري لا بُدَّ أن تتقدّمه مبادئه، ومنها الوجود التصوّري له، وأين هذا من الكلام النفسي؟! فإنَّ هذا الوجود التصوّري لا يعني إلَّا العلم بما يصدره خارجاً، وقد صرحوا أنَّ الكلام النفسي مغايرٌ للعلم.
فنحن نسلّم أنَّه تعالى عالمٌ بما يصدر منه سبحانه من الرزق والقبض والبسط
ــــــــــ[196]ــــــــــ
(1) البيت للأخطل، كما أُشير إليه في الاقتصاد في الاعتقاد: 75، التمهيد الرابع، القطب الثاني، القسم الأوّل، الصفة السابعة، ومفاتيح الغيب 1: 20، تفسير سورة الفاتحة، الفصل الثاني، المسألة الثامنة عشر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والموت والحياة، ولا خصوصيّة في ذلك للكلام النفسي، فهل نلتزم بالرزق النفسي والقبض النفسي والبسط النفسي والموت النفسي؟! فإنَّ هذا كلّه معلومٌ لله تعالى؛ لأنَّه من أفعاله الاختياريّة، كما أنَّ أفعالنا الاختياريّة معلومةٌ لنا.
ومنها: ما ورد في الآيات والروايات وسائر الاستعمالات نحو قوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ(1). فالقول قسمان: قسمٌ سرّي وقسمٌ يُجهر به في الخارج. كما يُقال: إنَّ في نفسي كلاماً لا أُريد أن أُبديه أو أقوله بعد ذلك، فيُطلق الكلام على ما في النفس، وهذا دليلٌ على وجود الكلام النفسي.
وقد ظهر جوابه ممّا تقدّم، وهو أنَّ الكلام قبل وجوده في الخارج لا بُدَّ من وجوده في النفس، وهذا وجودٌ آخر للكلام، بناءً على القول بالوجود الذهني؛ فإنَّ كلّ ما يتصوّره الإنسان له وجودٌ ذهني، وبهذا الاعتبار يصحّ أن يُقال: إنَّ في نفسي كلاماً؛ فإنَّ الطبيعة والماهيّة واحدةٌ توجد في النفس مرةً وفي الخارج أُخرى. مع أنَّ ذلك لا ينحصر في الكلام؛ فإنَّه يُقال: في نفسي أن أُسافر غداً أو أن أشتري كذا؛ فإنَّ كلّ فعلٍ لا بُدَّ أن يتصوّره الشخص أوّلاً، ثُمَّ يشتاق إليه، ثُمَّ يريده، ولا يختصّ ذلك بالكلام، بل يصحّ أن يُقال: في نفسي أن أُسافر غداً أو أشتري كذا، فلا بُدَّ أن نلتزم بالسفر النفسي والشراء النفسي حينئذٍ.
وأمّا الآية المباركة فيحتمل أن يُراد بها: أنّكم تتصوّرون كلاماً، ثُمَّ تبدونه في الخارج، ويُحتمل أن يُراد به الكلام السرّي والعلني، أي: إنَّ المنافقين كان لهم كلامٌ سرّي لا يجاهرون به، بل يتكلّمون به فيما بينهم، وكلامٌ آخر يجاهرون به
ــــــــــ[197]ــــــــــ
(1) الملك: 13.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فمفاد الآية هو: أنَّ ما تقولونه من الكلمات -سواء السرّية منها والعلنيّة- يعلمها الله تعالى؛ فإنَّه عليمٌ بذات الصدور.
فتحصّل: أنَّ الكلام النفسي خيالي لا أساس له، والصحيح أنَّ الكلام منحصرٌ في الكلام اللفظي.
والأشاعرة وإن وافقونا في الأمر الأوّل -المغايرة- وذهبوا إلى أنَّ الطلب غير الإرادة، كما هو الصحيح، وسبق أن بينّاه؛ فإنَّ الطلب بحسب ما نفهم منه عرفاً هو محاولة إيجاد الشيء، أي: التصدّي له، وأمّا الإرادة فبمعنى الحكم عرفاً وبمعنى الشوق المؤكّد اصطلاحاً، والإرادة من الصفات، والطلب من الأفعال، إلَّا أنَّهم أخطأوا وخالفونا في تفسير الطلب. قال الأشاعرة: إنَّ الطلب هو الكلام النفسي، وإنَّه مدلول الأوامر، مع أنَّ التحقيق أنَّ الطلب ليس من الكلام النفسي، وإنَّما هو التصدّي نحو الشيء، فالمغايرة صحيحةٌ إلَّا أنَّ الطلب ليس كلاماً نفسيّاً، وليس مدلولاً للجمل الإنشائيّة، بل هو عبارةٌ عن التصدّي نحو الشيء. والتصدّي تارةً يكون نحو فعل نفس الإنسان كطالب الضالّة، وأُخرى يتعلّق بفعل الغير، فيتصدّى نحوه، فيقول: (اسقني ماءً)، فالتصدّي هو طلب الماء لا سقاية الماء.
هذا تمام الكلام في الكلام النفسي.
ــــــــــ[198]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فقد تحقّق: أنَّ الطلب مغايرٌ للإرادة، وأنَّهما أمران مختلفان ومتغايران مفهوماً، ولا ينطبقان على شيءٍ واحدٍ، وأنّ الطلب عنوانٌ للتصدّي نحو المقصود خارجاً، وليس هو أمراً نفسيّاً، وأمّا الإرادة فهي صفةٌ نفسانيّةٌ، وهي في اللغة الحكم ومطلق الشوق، وفي اصطلاحهم هي الشوق المؤكّد المستتبع لحركة العضلات، أي: آخر جزءٍ من العلّة التامّة للفعل.
فليقع الكلام بعد ذلك -أي: بعد الفراغ عن مغايرة الطلب للإرادة- في أنَّ الإرادة هل هي علّةٌ تامّةٌ لصدور الأفعال، أوهاهنا واسطةٌ بين الإرادة والفعل يُطلق عليها الاختيار، بمعنى: طلب الخير، فإنَّه من باب الافتعال؟ فإنَّ الإنسان في أفعاله بما أنَّه يحبّ نفسه، فلا محالة يطلب ما هو خيرٌ له، فإذا أدرك أنَّه خيرٌ له يفعل، وإذا لم يدرك أنَّه خيرٌ له لا يفعل، وهذا واسطةٌ بين الإرادة والفعل، فلا تكون الإرادة علّةً تامّةً.
وتوضيح الحال في ذلك: أنَّ الأقوال في صدور الأفعال من العباد أربعةٌ، فذهب بعضهم إلى أنَّ الإنسان الذي يُرى أنَّه فاعلٌ لأفعاله ومصدرٌ له لا مدخليّة له في صدور الفعل أبداً، بل إنَّه إنَّما يُرى فاعلاً، وإلَّا فالفاعل غيره، وهو الله سبحانه؛ فإنَّ جميع ما يصدر من الله تعالى وبمشيئته وإرادته، فالفعل
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ينتسب إليه سبحانه، وإن كان بحسب الصورة والإسناد المجازي بمعنىً من المعاني منتسبٌ إلى الفاعل.
ولهذا ذكر بعضهم أنَّ صدور الأفعال من الناس كحركة نقش الأسد على العَلم؛ فإنَّه يصحّ أن يُقال: إنَّه يتحرّك يميناً وشمالاً، إلَّا أنَّ حركته ليست في نفسه، وإنَّما هي من الريح؛ فإنَّه إلى أيّ جهةٍ هبّت الريح تحرّك إلى تلك الجهة، والجاهل يرى عن بعدٍ أسداً يتحرّك، وإلَّا ففي الحقيقة المحرّك هو الريح.
وهذا هو الجبر الذي أصرّ عليه الأشعريّون(1)، وذهبوا إلى أنَّ الأفعال صادرةٌ من الله تعالى، وأنَّ ما جرى عليه حكم القضاء والقدر لا يمكن أن يتخلّف أبداً، فلا بُدَّ من صدور الفعل بكلّ ما جرى عليه القضاء، وأرادوا بهذا إثبات سلطان الله سبحانه، وأنَّه لا سلطان في ملكه لغيره، فكلّ ما في الخارج فعله وتحت قدرته.
وفي قبال هذا القول -القول الثاني- القول بالتفويض(2)، وهو أنَّ الفعل مستندٌ إلى الفاعل بالاستقلال، ولا دخل لله تعالى أبداً، حتّى لو فرضنا أنَّ الله تعالى لم يكن موجوداً (والعياذ بالله)، فإنَّه قادرٌ على إصدار فعله في الخارج، فالعبد مستقلٌّ في أفعاله من دون دخلٍ لله في ذلك. وهذا هو القول بالتفويض، وأنَّ العبد مفوّضٌ إليه، ومختارٌ في أفعاله تمام الاختيار، ولا دخل لله سبحانه في
ــــــــــ[200]ــــــــــ
(1) لاحظ مقالة الأشاعرة في شرح المواقف 8: 145.
(2) أُنظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأُصول الخمسة: 522، فصل في القضاء والقدر، و528، في أن أفعال العباد لا توصف أنها من الله.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إرادة الفعل وعدمه. وتوهّموا أنَّ العبد لو لم يكن مستقلاً في فعله، لكان العقاب عليه ظلماً من الله تعالى؛ إذ المفروض أنَّ الفعل لم يصدر من الإنسان، وإنَّما هو صادرٌ من الله تعالى، فهو كحركة صورة الأسد على العَلم، فكيف يُعاقب الأسد لو أمكن عقابه على حركته، مع أنَّها غير مستندةٍ إليه، بل إلى الريح؟!
وعليه فكلٌّ من الطائفتين تحفّظوا على شيءٍ، ولكنّهم وقعوا في محذورٍ آخر، فالطائفة الأُولى تحفّظوا على سلطان الله عزّ وجلّ، وأنَّه القادر، ولا سلطان لغيره، ولكنّهم وقعوا في إشكال العقاب، وأنَّه كيف يُعاقب العبد، ما يلزم أن يكون العقاب ظلماً، وهو غير جائزٍ على الله عزّ وجلّ؛ فإنَّ الله ليس بظلّامٍ للعبيد؟!
وأمّا الطائفة الثانية فتحفّظوا على عدل الله تعالى، وأنَّه لا يلزم من العقاب الظلم، ولكنّهم جعلوا الاستقلال للعبد، ولم يتحفّظوا على سلطان الله تعالى.
ولذا التزم غيرهم بالأمر بين الأمرين، فلا يكون العبد مستقلاً في أفعاله، ولا يكون العقاب ظلماً، وهذا أيضاً على وجهين:
◙ الأوّل: ما ذكره الفلاسفة(1)، وهو الذي ذهب إليه صاحب (الكفاية) (2)، وهذا هو القول الثالث من الأقوال الأربعة، فقالوا: إنَّ الفعل مستندٌ إلى إرادة المكلّف أو غير المكلّف من الناس، فالفعل إنَّما يصدر بالإرادة، والإرادة علّةٌ
ــــــــــ[201]ــــــــــ
(1) حكى صدر المتألهين ذلك عن الفارابي في الأسفار 6: 390.
(2) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 67- 68، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، الجهة الرابعة، إشكالٌ ودفعٌ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
تامّةٌ لصدوره خارجاً. فالفعل من هذه الجهة مستندٌ إلى العبد حقيقةً؛ فإنَّه حقيقةً أراد فأوجد، ولكنّ الإرادة منتهيةٌ إلى الإرادة الأزليّة؛ فإنَّ الإرادة الأزليّة تعلّقت بصدور هذا الفعل من العبد، لكن لا على الإطلاق، بل عن إرادةٍ من الفاعل. فالفعل من حيث صدوره من الفاعل منتسبٌ إليه، ومن حيث إنَّه منتهٍ بالآخرة إلى الإرادة الأزليّة مستندٌ إلى الله سبحانه. كذا ذكروا.
◙ والثاني -أي: القول الرابع- أنَّ الإرادة ليست بعلّةٍ تامّةٍ للفعل الخارجي، بل هاهنا واسطةٌ بينها نسمّيها بالاختيار والمشيئة، فنقول: إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل. فالمشيّة والاختيار أمران اختياريّان للفاعل. وأمّا الإرادة فليست باختياريّةٍ، والمشيئة هي التي يُطلق عليها الطلب؛ فإنَّ الشخص بعد أن أحبّ الفعل واشتاق إليه، فربما يتصدّى إليه ويطلبه، وبهذا يكون قد شاء فعله، وربما لا يشاءه، فلا يطلبه ولا يتصدّى إليه. إذن يصحّ أنَّه أراد الفعل واشتاقه، ثُمَّ شاءه وطلبه، أو أنَّه أراده، إلَّا أنَّه لم يشأه ولم يطلبه.
وبهذا نتحفّظ على كلا الأمرين: سلطان الله وصحّة العقاب، أي: نتحفّظ على سلطان الله، فلا شيء في عالم الوجود له سلطانٌ معه، إلَّا أنَّ الفعل لا يصدر من العبد قهراً ليكون منافياً للعدل.
◙ أمّا القول الأوّل: -وهو قول من ذهب إلى الجبر- فعمدة كلامهم يرجع إلى وجهين:
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الخارج، أو تعلّقت بعدم صدوره، ولا ثالث لهما. فإذا كانت متعلّقةً بصدوره، فكيف يمكن أن لا يتحقّق الفعل في الخارج؟ إذن يلزم العجز فيه تعالى، وأن يتخلّف مشيئته عن الفعل، مع أنَّ هذا محالٌ على الله عزّ وجلّ؛ فإنَّه هو القادر المتعال. وكيف يمكن أن تتعلّق إرادته بشيءٍ ولا يوجد، فإذا تعلّقت بفعل، فلا بُدَّ من صدوره في الخارج. وإذا كانت متعلّقةً بعدم صدوره، فإنَّه يستحيل وجوده في الخارج. فعلى كلا التقديرين ليس العبد مختاراً، ولا يتساوى الفعل والترك بالنسبة إلى العبد، بل هو مضطرٌ ومجبورٌ على أحدهما، أي: مجبورٌ على ما تعلّقت به المشيئة الأزليّة؛ فإنَّ تخلّف المشيئة الأزليّة عمّا تعلّقت به مستحيلٌ. إذن لا بُدَّ من الالتزام بالجبر محضاً، وأنَّه لا دخل للعبد بصدور الفعل أبداً.
وهذه الشبهة واهيةٌ جدّاً:
أمّا أوّلاً: فقد ذكرنا أنَّ الإرادة ليست بأزليّةٍ؛ فإنَّها من صفات الأفعال، لا من الصفات الذاتيّة، ليُقال: إنَّ الإرادة الأزليّة كانت متعلّقةً بوجود الفعل أو عدم وجوده، وليس هناك في الأزل إرادةٌ ليُقال: إنَّها متعلّقةٌ بشيءٍ، ولا معنى لأن يُقال: إنَّ الإرادة أزليّةٌ ليسأل عن أنَّها هل تعلّقت بفعل هذا الشيء أو عدم فعله؟
وأمّا ثانياً: فلو التزمنا بالإرادة الأزليّة، فهذا الفعل لم يتعلّق به الإرادة لا وجوداً ولا عدماً؛ فإنَّ إرادة الله تعالى إنَّما تتعلّق بأفعال نفسه، لا بشيءٍ آخر، وهذا هو فعل شخصٍ آخر. فإذا سألنا عن إرادتنا لفعل الغير، فإنَّه لا معنى لأن يُقال: إنَّ زيداً تعلّقت إرادته بفعل عمرٍو أو عدم فعله؛ لأنَّ هذا ليس فعله، بل
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فعل العبد، أي: إنَّ الإرادة الأزليّة على تقدير تسليمها غير متعلّقةٍ لا بالفعل ولا بالترك، وإنَّما تعلّقت بإعطاء القدرة للعبد مع بقيّة المقدّمات، والعبد مختارٌ في أن يفعله أو لا يفعله. فالقدرة بمبادئها هي التي تعلّقت بها الإرادة الأزليّة أو غير الأزليّة، وللعبد أن يفعل وأن لا يفعل.
وبعبارةٍ أُخرى: إذا كان الفعل أو الترك مورداً للإرادة الأزليّة، فلا بُدَّ من أحد الأمرين؛ إذ لا ثالث للاحتمالين. وأمّا إذا لم تكن مورداً للإرادة الأزليّة؛ فإنَّ الفعل ليس من فعل الله تعالى بل العبد؛ فإنَّه هو الذي يأتي بالأفعال؛ إذ الأكل والشرب من فعل العبد لا فعل الله، فلا معنى لأن يُقال: إنَّ الإرادة الأزليّة تعلّقت بفعل العبد أو عدمه. نعم، أعطاه الله القدرة على هذا الفعل، وهو مختارٌ في فعله وتركه.
نعم، قد تتعلّق إرادة الله سبحانه بفعلٍ، فيصدر من العبد بغير اختياره، فيقع من سطحٍ أو يقع أثناء المشي أو ينام من غير اختياره، وقد تتعلّق إرادته بطرف العدم، فلا يصدر الفعل من العبد، فيجعل مانعاً عن الفعل، كما في ذبح إبراهيم؛ فإنَّ الله تعالى أراد أن لا يكون إسماعيل ذبيحاً، فسلب قدرة إبراهيم عن ذبحه، فلا يمكنه الذبح من جهة الآلة، فتكون غير قابلةٍ للذبح، أو من جهة المكان، فحيث يكون صلباً غير قابلٍ للقطع. وهذا أمرٌ ممكن. ولا نريد أن نقول: إنَّ كلّ فعلٍ للعبد لا يمكن أن تتعلّق به الإرادة الأزليّة وجوداً أو عدماً، ولكنّه حينئذٍ لا يكون الفعل فعلاً للعبد، بل هو فعل الله عزّ وجلّ، وأمّا ما يكون فعلاً للعبد من الأفعال الاختياريّة فهي لم تتعلّق بها الإرادة وجوداً ولا
ــــــــــ[204]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
عدماً، أي: إنَّ الله ليست له إرادةٌ في هذا المقام فعلاً أو تركاً، وإنَّما أعطاه القدرة وأوكل الأمر إليه، فله أن يفعل وله أن لا يفعل.
فهذا التشقيق -أعني: أنَّه إذا تعلّقت الإرادة الأزليّة بفعلٍ وجب صدوره، وإذا تعلّقت بعدمه استحال وجوده- باطلٌ؛ فإنَّ الإرادة لم تتعلّق بالفعل ولا بالترك، وإنَّما تعلّقت بالقوّة، ثُمَّ العبد مختارٌ في الفعل والترك. وعليه فهذه الشبهة مدفوعةٌ.
والجواب عن هذه الشبهة أوضح من سابقه؛ فإنَّ العلم لا يكون علّةً لصدور الفعل، بل هو انكشافٌ للواقع على ما هو عليه، وليس للعلم أيّ دخلٍ أو تأثيرٍ في صدور الفعل في الخارج. فلو أمكننا استكشاف شيءٍ متأخّرٍ بكاشفٍ مّا، فهل يُقال: إنَّ العلم له تأثيرٌ في الخارج؟! فإنَّنا كنّا نعلم بشروق الشمس صباح هذه الليلة، وأن كلّ فردٍ يموت، فهل يكون علمنا هذا علّةً، مع أنَّه علمٌ ضروري؟! فالله تعالى عالمٌ أنَّ الفعل يصدر من العبد باختياره: بأن يصلّي زيدٌ
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ويشرب عمرو الخمر باختياره، إلَّا أنَّ المنكشف هو الفعل الاختياري لا ذات الفعل كيفما اتّفق، اختياريّاً أو غير اختياري. فالفعل الاختياري بوصفه اختياريّاً هو الذي انكشف له، ولا يلزم منه الجهل؛ فإنَّ معنى الجهل أن لا يكون عالماً بما يقع، وهو عالمٌ بما يقع، وما يقع هو الفعل الاختياري، ولا محذور فيه، أي: لا يلزم منه نسبة الجهل إلى الله جلّ شأنه.
وعليه فهذه الشبهة واهيةٌ جداً، والقول بالجبر باطلٌ جزماً، فيبقى الوجهان الآخران. وعمدة ما لا بُدَّ من الكلام فيه هو ما ذهب إليه الفلاسفة من أنَّ الإرادة علّةٌ تامّةٌ للأفعال، ولا واسطة بينهما، وأنَّ الإرادة تنتهي إلى الإرادة الأزليّة. فهل هذا القول صحيحٌ، أو هو الأمر بين الأمرين صورةً وإن كان واقعاً مجبوراً على فعله؛ فإنَّه غير مختارٍ في علّة الفعل، وهي الإرادة؟ مع أنَّ المعلول يترتّب على العلّة، فما نسمّيه فعلاً إراديّاً ينتهي إلى ما لا بالاختيار، فكيف يُعاقب عليه، مع أنَّه يصدر عن علّةٍ لا اختياريّةٍ، ويصدر في النهاية عن ما ليس بالاختيار؟!
◙ وأما القول الثاني: ما ذهب إليه الفلاسفة قاطبةً فيما نعلم، وتبعهم جملةٌ منهم صاحب (الكفاية)(1)، فقررّوا أنَّ الفعل بالإرادة، لا أنَّ الإرادة لا دخل لها به، كما ذهب إليه الاشاعرة، ولكن الإرادة مستندةٌ إلى الإرادة الأزليّة، فهي مستندةٌ إلى أمر غير اختياري، ولكن الفعل مستندٌ إلى الإرادة.
فالفعل إرادي، إلَّا أنَّ الإرادة ليست بالإراديّة وإلَّا تسلسل أو دار. وبيان
ــــــــــ[206]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 67- 68، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، الجهة الرابعة، إشكالٌ ودفعٌ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ذلك: أنَّ الإرادة إذا كانت إراديّةً، فهي موجودةٌ بإرادةٍ أخرى، ولاحتاجت إلى إرادةٍ ثالثةٍ وهكذا إلى ما لا نهاية، أو كانت الإرادة معلولةً للإرادة الأُولى، فيلزم الدور، وكلاهما مستحيلٌ، ومن ثُمَّ ذهبوا إلى أنَّ الفعل إرادي، إلَّا أنَّ الإرادة ليست بإراديّةٍ.
واستُدلّ عليه: بأنَّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، فلا بُدَّ أن يصل الفعل إلى حدّ الوجوب، فتتمّ علّته، فلا يبقى نقصٌ في العلّة من جهةٍ من الجهات، وهذا معنى الوجوب بحيث لا يمكن عدمه فيوجد. فالوجود إذن مساوقٌ للوجوب في مرتبة العلّيّة، أي: إنَّ كلّ موجودٍ في الخارج واجب لا محالة، غاية الأمر أنَّ وجوبه وجوبٌ بالغير لا وجوبٌ ذاتي، أي: الوجوب من أجل علّته، وتخلّفه محالٌ. وعليه فلا بُدَّ أن ينتهي إلى ضروريّة الوجوب واستحالة العدم ليجب وجوده فيوجد.
فالفعل بما أنَّه أمرٌ ممكنٌ، فلا بُدَّ أن يكون مسبوقاً بعلّةٍ، وعلّته هي الإرادة، وهي أمرٌ ممكنٌ، فتحتاج إلى علّةٍ، وهكذا إلى أن تنتهي إلى الإرادة الأزليّة، وعليه فالفعل إرادي، ولكن الإرادة ليست بالإرادة.
وذكروا أيضاً: أنَّ الشيء ما لم يصل إلى حدّ الوجوب لا يوجد؛ إذ لو كان له مرجّحٌ لا يمكن وجوده؛ لأنَّ الشيء بعد ترجّحه بذلك المرجّح: إمّا أن يجب وجوده، وإمّا أن يبقى على إمكانه. فإن وجب، فقد تمّت العلّة، واستحال عدمه، وكان ضروريّ الوجود. وإن بقي على إمكانه، فعدمه ممكنٌ أيضا كوجوده، ووجود الممكن لا يكون إلَّا باستناده إلى الوجوب، ولا يمكن أن
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يوجد بدون ذلك؛ فإنَّه ممّا يتساوى طرفاه: وجوده وعدمه، فكيف ترجّح وجوده؟ وهذا ما يسمّونه بالترجّح بلا مرجّحٍ، وهو محالٌ، وهذا غير الترجيح بلا مرجّحٍ؛ إذ الممكن المتساوي طرفي الوجود والعدم لا يمكن أن يترجّح أحدهما من دون ضرورةٍ تقيّده.
ولا يخفى: أنَّ ما ذكروه في غير الأفعال الاختياريّة متينٌ جدّاً؛ فإنَّ أيّ ممكنٍ فرضناه لا يمكن أن يوجد من قبل نفسه، بل يستند إلى شيءٍ آخر في وجوده إلى حدّ الضرورة والإلجاء؛ فإنَّ الحرارة لا يمكن أن توجد في الخارج إلَّا إذا كان ما تقتضيه بمرتبةٍ لا يمكن تخلّفه، وإلَّا إذا لم يصل إلى هذا الحدّ فالحرارة متساوية الوجود والعدم. ولازمه أن يوجد الشيء من قبل نفسه، وهو غير معقولٍ، فمع فرض إمكان الشيء لا يمكن أن يترجّح الوجود، وإلَّا كان من إيجاد الشيء لنفسه.
وعليه فجميع الموجودات غير الاختياريّة كالموجودات الطبيعيّة الصادرة عن الأسباب الطبيعيّة كذلك؛ فإنَّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، وإلَّا فإنَّه لا يوجد من قبل نفسه؛ فإنَّ مثله محالٌ.
وأمّا جريانه في الأفعال الاختيارية فباطلٌ جزماً؛ فإنَّ الفعل يحتاج إلى الفاعل لا إلى العلّة، والإلجاء بمعنى: أنَّه لا بُدَّ أن يوجد هذا الفعل غير لازمٍ، بل لا بُدَّ أن يصدر من الفاعل، فيستند الوجود إليه، فالفعل لم يترجّح بلا مرجّحٍ، أي: لم يوجد بلا مرجّحٍ، بل أوجده غيره، وإلى هذا أشار الله تعالى في كتابه الكريم حين قال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ(1). فالذي لا
ــــــــــ[208]ــــــــــ
(1) الطور: 35.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يمكن هو أن يوجد الشيء بنفسه؛ فإنَّ المعدوم لا يمكن أن يوجد نفسه، فيستند وجود نفسه إلى نفسه، بل هذا مستحيلٌ، فلا بُدَّ للفعل من فاعلٍ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أي: من غير فاعلٍ ينشئهم ويبدعهم، فلا بُدَّ من وجود الصانع.
فالفعل الاختياري يحتاج إلى صانعٍ وفاعلٍ، وأمّا وصوله إلى حدّ الإلجاء والضرورة بنحوٍ لا بُدَّ من صدور الفعل فلم يقم عليه البرهان، بل البرهان اقتضى أنَّ الشيء لا يوجد من قبل نفسه، ولم يقم البرهان على أنَّ الفاعل لا بُدَّ أن يكون مضطرّاً إلى إصدار الفعل.
إذن، نلتزم بأنّ الإرادة ليست علّةً تامّةً للفعل، فلا يكون الفاعل مجبوراً على الفعل، بحيث يكون صدور الفعل عند الإرادة قهريّاً واجباً، ليُقال: إنَّه لا يُعقل تخلّف الإرادة عن المراد.
بل نرى بالوجدان أنَّنا إذا تعلّقت إرادتنا (بمعنى: الشوق المؤكّد) بفعلٍ، فإنَّه لا يصل وجوده إلى حدّ الإلجاء والضرورة، كما لو فرضنا أنَّ شخصاً يموت من العطش ويخاف على نفسه من الموت عطشاً، وغاية الشوق هو حبّ الماء، إلَّا أنَّه مع ذلك يرى نفسه متمكّناً من ترك الشرب لا مضطرّاً إليه. إذن لا تكون الإرادة علّةً تامّةً لصدور الفعل، بل يصدر الفعل باختياره، أي: بإعمال قدرته في الصدور، وهو الذي نسمّيه بالاختيار تارةً وبالطلب أُخرى؛ فإنَّ الإنسان يرى نفسه قادراً على الفعل والترك، وبالوجدان نرى أنَّ إعمال القدرة فيما يتعلّق به الشوق المؤكّد وما يتعلّق به الكراهة على حدٍّ سواءٍ؛ فإنَّنا لا نرى فرقاً في قدرتنا على ذبح حيوانٍ أو ذبح ولدنا، بل إنَّنا متمكّنون من كليهما، مع أنَّ
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أحدهما مشتاقٌ إليه، والآخر مبغوضٌ لا محالة.
وعليه فالأفعال تصدر بالاختيار، أي: بإعمال القدرة في الفعل والترك، وأنَّ للإنسان أن يعمل قدرته في الفعل وأن لا يعملها، فيبقى الفعل على عدمه الأزلي. وعليه فالشبهة نشأت من تخيّل أنَّه لا واسطة بين الإرادة والفعل، فيكون الفعل معلولاً للإرادة، والإرادة ليست بالإرادة بالوجدان؛ فإنَّ الإنسان ليس مختاراً في تعلّق شوقه بشيءٍ؛ فإنَّه يحبّ نفسه ويحبّ ما يلائم نفسه بجهةٍ من الجهات؛ فيحبّ الحلو وينفر من المرّ، وكلّ هذا أمرٌ غير اختياري، وعليه فالإرادة ليست أمراً اختياريّاً.
فالأمر كما ذكروه في الإرادة؛ فإنَّها ليست باختياريّةٍ، بل تقدّم أنَّها من الصفات النفسيّة لا من الأفعال، إلَّا أنَّ الفعل ليس معلولاً للإرادة لينتهي الأمر بالنتيجة إلى أن يكون معلولاً للإرادة الأزليّة؛ فإنَّ علّة العلّة علّةٌ لا محالة، بل الفعل أجنبي عن الإرادة، وهو صادرٌ باختيار العبد.
ودعوى: أنَّ الشيء ما لم يجب لم يوجد لا أساس لها في الفعل الاختياري؛ فإنَّ أساسها ثابتٌ فيما عداه من الممكنات؛ فإنَّ الممكن لا يمكن أن يوجد من قبل نفسه، بل لا بُدَّ له من مصدرٍ إلى الإيجاد، وهو العلّة، إلَّا أنَّ هذا إنَّما يتمّ في غير الفعل الاختياري. وأمّا الفعل الاختياري فنلتزم أنَّه لم يوجد من قبل نفسه، بل من قبل فاعله، وأمر الاختيار بيد الفاعل، فيريد أن يوجد فعله أو لا يوجده. وهذا هو معنى قوله: “خلق الله المشيئة بنفسها، ثمَّ خلق الأشياء
ــــــــــ[210]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بالمشيئة”(1) بمعنى: أنَّ الأشياء توجد من تعلّق المشيئة الإلهيّة بها، أي: إعمال القدرة، فهو قادرٌ على الخلق، فشاء فخلق. وبالجملة: فكلّ شيءٍ يوجد بتعلّق المشيئة به، إلَّا أنَّ المشيئة وإن كانت فعلاً اختياريّاً له سبحانه؛ فإنَّها كسائر أفعاله، إلَّا أنَّه خلق المشيئة؛ بنفس المشيئة، فإنَّ إعمال القدرة لا يحتاج إلى إعمالٍ ثانٍ للقدرة في الأوّل، بل هو إعمال القدرة بنفسه، أي: إنَّ الفعل هو الذي يكون متعلّقاً للمشيئة، بمعنى: إذا شاء فعل، وإذا لم يشأ لم يفعل، أو إذا شاء أن لا يفعل لا يفعل، وكلاهما صحيحٌ. أمّا إعمال القدرة فلا يحتاج إلى إعمالٍ آخر، ومن هنا قيل: الفعل اختياري بالاختيار. وأمّا الاختيار فهو اختياري بنفسه؛ لأنَّ إعمال القدرة لا يحتاج إلى إعمالٍ آخر.
وعكس بعض الفلاسفة(2) الرواية فقال: خلق الله الأشياء بالمشيئة، والمشيئة بنفسها، أي: هي غير مخلوقةٍ، بل هي موجودةٌ بنفسها، وهو غلطٌ؛ لأنَّ المشيئة أمرٌ اختياري، والرواية كما تقدّم: “خلق الله المشيئة بنفسها”.
ومنه يظهر بطلان ما ذكروه من أنَّ الفعل لا بُدَّ له من علّةٍ تامّةٍ، والإرادة أمرٌ حادثٌ وممكنٌ يحتاج إلى علّةٍ أُخرى، فلا مناص من انتهائها إلى الواجب بالذات، وهو الإرادة الأزليّة.
ــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) الكليني، الكافي 1: 110، كتاب التوحيد، باب الإرادة…، الحديث 4، والمجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول 2: 18، كتاب التوحيد، باب الإرادة، الحديث4.
(2) أُنظر: محمد حسين الأصفهاني، بحوث في الأُصول 2: 8، الطلب والإرادة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وممّا يوجب بطلان القولين المتقدّمين -أي: قول الأشاعرة والفلاسفة- الوجدان؛ فإنَّه أقوى شاهدٍ، فإنّا نرى أنَّ الصعود يغاير السقوط، فلو فرضنا أنَّ أحداً سقط من شاهقٍ فلا محالة ينزل، وآخر قد يصعد باختياره. والفرق بينهما واضحٌ؛ فإنَّ حركة يد المرتعش غير حركة يد الكاتب؛ فإنَّ المرتعش لا يقدر على السكون دون الكاتب، والفرق واضحٌ، وإنَّما ألجأهم إلى ذلك القول ما ذكرناه من الشبهة.
وأيضاً ممّا يدلّ على ما ذكرناه الثواب والعقاب، ولا نريد بهما مجرّد الثواب والعقاب الإلهي، بل حتّى الثواب والعقاب من العقلاء، بمعنى: ذمّهم ومدحهم لفاعل الفعل. وإذا فرضنا أنَّ الفعل لم يكن اختياريّاً، بل باعتبار مشيّته سبحانه، كما يدّعي الأشعريّون، أو صادراً عن الإرادة الصادرة عن الإرادة الأزليّة، فكيف يمكن أن يعاقب عليه أو يُثاب؟! وكيف يكون مستتبعاً للثواب والعقاب مع أنَّه صدر من أمرٍ غير اختياري؟!
وقد رأيت آنفاً في موضعٍ لا أذكره: أنَّ شيخاً منهم علم أنَّ زوجته زنت، فأراد أن يعاقبها، فقالت: أين أنت من القضاء والقدر؟! فرفع يده عن العقاب، وأعطاها جائزةً؛ لعلمها بالقضاء والقدر.
وما ذكر لا يختصّ بالعقاب الإلهي، بل يشمل عقاب العقلاء وذمّهم؛ إذ كيف يعاقب العقلاء الفاعل إذا صدر فعل غير اختياري منه، كما إذا وقع من شاهقٍ على أحدٍ فقتله، فإنَّه لا يسجن؟ فما الفارق بين الموردين إذا كانت سائر الأفعال غير اختياريّةٍ؟!
ومن ثَمَّ التجأوا إلى الجواب عن ذلك بوجوهٍ لا يرجع جميعها إلى محصّلٍ.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ذكر أبو الحسن الأشعري(1): أنَّ الثواب والعقاب ليسا على العمل الخارجي، بل على كسب العمل؛ فإنَّه له مدخليّةٌ في صدور العمل.
واستُدلّ على ذلك بآياتٍ من الذكر الحكيم تزيد على الخمسين، أي: الآيات التي ذكر فيها أنَّ العقاب والثواب على الكسب نحو قوله تعالى: بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ(2) الدالّ على أنَّ الكسب يترتّب عليه الثواب والعقاب، وأنَّهما يترتّبان على كسب العبد، ولذا التزم الأشعري بأنَّ الفعل وإن لم يصدر من العبد، إلَّا أنَّه مع ذلك يستحقّ الثواب والعقاب على كسبه.
إلَّا أنَّ هذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ الآيات المباركة تذكر أيضاً ترتّب الجزاء على نفس العمل نحو قوله تعالى: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(3) وقوله تعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(4) ونحوهما ممّا دلّ على أنَّ الثواب والعقاب مترتّبان على العمل، فمن شاء فليعمل، ومن شاء فليترك؛ فإنَّ العمل يصدر بالمشيئة، والثواب والعقاب يستحقان بالعمل، وليس الكسب مغايراً للعمل.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
(1) أُنظر: أبو الحسن الاشعري، اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع: 69، باب الكلام في القدر.
(2) الأعراف: 39.
(3) النمل:90.
(4) السجدة: 17.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا ثانياً: فمع قطع النظر عن ذلك، لنا أن نسأله عن الكسب الذي يترتّب عليه الثواب والعقاب: فإن كان الكسب بمعنى: الاختيار، كما يُقال: كسب شيئاً، أي: اختار هذا وجرّه إلى نفسه، كما يقتضيه معنى الكسب، فهو إبطالٌ لأساس الجبر. بل لازم ذلك أنَّ العمل صدر باختيار العبد وكسبه، وهو المطلوب وما ندّعيه، فما معنى صدور الفعل من الله سبحانه مباشرةً من دون دخلٍ للعبد؟! بل هو صادرٌ باختياره، وهذا هو الصحيح، فيُجزى بالثواب والعقاب على كسبه واختياره.
وإن أراد أنَّ الكسب فعلٌ مغايرٌ للاختيار زائدٌ عليه، فهذا الفعل ننقل الكلام إليه: هل هو فعلٌ صادرٌ من العبد أو صادرٌ من الله تعالى؟ فإن التزم أنَّه صادرٌ من العبد وأنَّه أوجده باختياره، فليلتزم بهذا من الأوّل. ولماذا يلتزم بأنَّ هذا الفعل الذي يعبّر عنه بالكسب صادرٌ من العبد، فيكون العبد مستقلاً في إصداره على القول بالتفويض، أو غير مستقلٍّ على ما ندّعيه، إلَّا أنَّ الأفعال الخارجيّة الأُخرى كلّها صادرةٌ عن الله تعالى. فما الفرق بين الكسب والصدور ليكون أحدهما صادراً عن الله تعالى، والآخر عن العبد؟!
وإن قال: إنَّ الكسب أيضاً فعلٌ صادرٌ من الله سبحانه، وإنَّه موجود من دون دخلٍ لاختيار العبد فيه، فالكلام هو الكلام؛ إذ كيف يُعاقب عليه؟! ولماذا يُعاقب على عمله من دون أن يكون له دخلٌ في صدوره؟! كما إذا تكلّم شخصٌ في النوم، فهل يُقال: إنَّ الله والعقلاء يعاقبون على كلام الشخص في النوم؟! إذا جاز ذلك، جاز الأوّل أيضاً، فلو فرضنا أنَّ الكسب فعلٌ يصدر من دون اختيارٍ أيضاً، فلماذا يُعاقبه العقلاء أو الله تعالى؟! فهذا لا يمكن الالتزام به، بل الجواب ساقطٌ.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأفسد من هذا الجواب ما ذكره الباقلّاني(1) من أنَّ العقاب والثواب ليسا على الفعل الاختياري، بل على الإطاعة والعصيان، كما هو مقتضى الآيات المباركة، فالفعل وإن صدر من الله تعالى، إلَّا أنَّه يصحّ الثواب والعقاب على الإطاعة والعصيان.
إلَّا أنَّ هذا الجواب أسوأ من سابقه؛ لأنَّ الإطاعة والعصيان عنوانان انتزاعيّان من العمل الخارجي، فالطاعة مطابقة العمل للمأمور به وقصد الامتثال فيه، والعصيان هو العمل على خلاف نهيه وأمره، وليس المعصية والإطاعة فعلين يصدران من المكلّف غير ما يعمله في الخارج من الصوم والصلاة أو الكذب والزنا؛ فإنَّهما ليسا بأمرين مغايرين لهذه الأفعال، بل هما عنوانان انتزاعيّان ينتزعان من الإتيان بالمأمور به أو المنهيّ عنه. فإذا كان منشأ الانتزاع غير اختياري ولا دخل للعبد في وجوده، لكان العنوان الانتزاعي غير اختياري أيضاً، فكيف يمكن أن يُعاقب عليه العبد؟!
وإذا التزم الباقلّاني أنَّ الإطاعة والعصيان فعلان يصدران من المكلّف زائداً على الأفعال، فننقل الكلام إليهما منه، فهل صدرا منه باختياره أو بدون اختياره؟ فإذا التزم بصدورهما باختياره، فلماذا لا يلتزم بذلك في بقيّة الأفعال؛ فإنَّه إذا أمكن صدور الطاعة والعصيان منه باختياره، فلا خصوصيّة لهما من دون الأفعال الأخرى. وإذا التزم أنَّهما يصدران بغير اختيار العبد، فكيف
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) أُنظر: الشهرستاني، الملل والنحل 1: 111، الباب الأوّل، الفصل الثالث، الأشعريّة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يمكن أن يستحقّ العقاب عليها مع كونهما فعلين غير اختياريّين؟! فهذا الجواب ساقطٌ، بل أسوأ من الأوّل.
وأجاب الأشاعرة(1) أيضاً: بأنّا لا نلتزم بالقبح؛ إذ لا قبح في عقاب من صدر منه الفعل من غير اختيارٍ، بل نحن نلتزم بالعقاب على الفعل غير الاختياري، ولكن لا نلتزم بقبح الظلم؛ فإنَّ الله لا يتحقّق منه ظلمٌ أبداً، ولا يتصوّر في حقّه الظلم بنحو السالبة بانتفاء الموضوع. والسرّ فيه: أنَّه تعالى له مطلق الاختيار في مخلوقاته، فهو يتصرّف في ملكه كما يشاء، ولا يُسأل عمّا يفعل، فكيف يتصوّر الظلم منه تعالى؟! مع أنَّ الظلم إنَّما يتصوّر في تصرّف الشخص في ملك الغير، فيُقال: إنَّه ظلمه، كما لو أخذ داره أو ضربه أو شتمه. أمّا الله تعالى فهو يتصرّف في مملوكه كيفما يشاء، فلا يكون فعله ظلماً، ولا يتصوّر في حقه الظلم، وكلّ ما يصدر منه فهو حسنٌ، وهو الحاكم المطلق، وليس محكوماً للعقلاء، فكيف يحكمون بقبح أفعاله؟!
فكأن دعواهم ترجع إلى أمرين:
◙ الأمر الأوّل: أنَّ القبيح لا يصدر منه سبحانه، بل كلّ ما فعله فهو عدلٌ، فيتصرّف في خلقه كما يشاء، بل صرّحوا أنَّه لو أدخل نبيّه النار وأدخل الكافر الجنّة، فلا يكون ظلماً ولا قبيحاً؛ فإنَّ المملوك مملوكه والمحلّ محلّه، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، فالظلم لا يتحقّق منه.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) أُنظر: كمال الدين محمد الشافعي، المسامرة شرح المسايرة: 130-131، الأصل الثالث: إنَّ فعل العبد وإن كان كسباً… فهو بمشيئة الله وإرادته.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
◙ الأمر الثاني: أنَّ الله ليس محكوماً للعقلاء بشيءٍ أبداً؛ فإنَّه هو الحاكم المطلق، وليس محكوماً أبداً، والعقلاء لا يمكنهم الحكم على الله تعالى بحسنٍ ولا قبحٍ. وكلتا الدعويين واضحة الفساد.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
عن الحكم عليه جلّ شأنه؛ فإنَّه خالقهم ورازقهم، فكيف يحكمون عليه؟!
بل المراد بالحكم العقلي في المقام حكم العقل النظري، أي: إنَّ العقل الذي استدلّ على وجود الصانع كما يدرك وجوده، يدرك صفاته، وكما يدرك أنَّه لا بُدَّ أن يكون هناك صانعٌ، يدرك أنَّه لا بُدَّ أن يكون عالماً، ولا يمكن أن يكون جاهلاً، ولا يمكن أن يكون عاجزاً، ولا يمكن فيه الموت، بل هو حيٌّ أزلاً وأبداً. وكذلك يدرك أنَّ الصانع لا بُدَّ أن يكون حكيماً، ولا يمكن أن يظلم؛ فإنَّ الظلم يثبت من أحد أمرين: إمّا من الجهل أو العجز، بأن لا يتمكن من إنفاذ ما أراد، فمن عجز ظلم غيره، وإلَّا فالحكمة تنافي ذلك، ولازم العلم والقدرة الاستقامة والعدل أن يضع الله سبحانه كلّ شيءٍ في موضعه، وهو معنى العدل. ومعنى ذلك أنَّ العقل الذي يدرك الصانع يدرك التنافي بين وجوب الوجود من جميع الجهات وبين الحاجة إلى شيء والافتقار إليه، فيدرك أنَّ الظلم مستحيلٌ في حقّه تعالى؛ لأنَّه إن صدر منه ذلك، فإمّا أن يكون جاهلاً أو عاجزاً، وكلاهما منافٍ لوجوب وجوده.
وعليه فليس هذا الحكم حكماً للعقل العملي، أي: إنَّ الله تعالى محكومٌ للعقلاء، بمعنى: أنَّه لو خالف يعاقبوه، بل العقل يحكم باستحالة صدوره؛ لأنَّه ينافي الوجوب الذاتي من جميع الجهات ومن جهة ذاته وصفاته، فكما أنَّه واجبٌ من حيث الوجود، فهو واجبٌ من حيث العلم والقدرة والحياة، فلا يمكن أن يعمل عملاً منافياً لعلمه وقدرته، فليس في هذا أيّ محكوميّةٍ لله تعالى، بل هو تنزيهٌ له عن الجهل والعجز.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا ما ذكروه من إمكان أن يدخل نبيّه النار ويدخل العاصي الجنّة، وأجابوا عنه بأنَّه منافٍ لوعده سبحانه، وإلَّا فهو ممكنٌ في نفسه(1).
فهو واضح الفساد، بل لا يرجع إلى محصّلٍ؛ فإنّه إذا أمكن الظلم عليه، فلماذا لا يمكن أن يكون هذا وعداً كاذباً؟! فإنّا إذا احتملنا صدور الظلم منه، فنحتمل أنَّه أصدر وعداً كاذباً، وأيّ ضمانٍ حينئذٍ في إرسال الرسل وإنزال الكتب مادام المطيع يحتمل عقابه على عمله؟ فلماذا يعمل؟ والعاصي لماذا يمتنع عن المعصية وهو يحتمل ثوابه على عصيانه؟ فإنكار الحسن والقبح يستدعي إنكار الحاجة إلى الكتب والرسل، على أنّا ذكرنا في بحث التفسير: أنَّه لو بنينا على هذا الإنكار لا يمكن إثبات النبوّة أصلاً؛ إذ يمكن أن يكون مدّعي النبوّة كاذباً، ولا سبيل إلى نفي الكذب عنه، إلَّا أنَّه قبيحٌ على الله تعالى أن يظهر المعجزة على يد الكاذب؛ فإنّه إغرارٌ للناس، ولا يمكن أن يصدر منه سبحانه، وعليه فلا يمكن أن يعطي الله سبحانه الكاذب قوّة المعجزة، أي: المعجزة الخارقة لقوّة البشر. وأمّا لو جوّزنا ذلك وجوّزنا صدور القبيح منه وقلنا: إنَّه ليس بقبيح، فكيف يمكن إثبات النبوّة؟ إذ لا طريق إليه إلَّا قبح الظلم، فإن أنكرناه، فلماذا لا يمكن إظهار المعجزة على يد الكاذب؟! وبهذا ينسدّ باب الشريعة، بل تبطل جميع الشرائع على الإطلاق.
فهذا الكلام وإن صدر من الأشعري ورفاقه، إلَّا أنَّه ينبغي أن يضحك عليه، أعني: دعوى أنَّ الظلم ليس بقبيحٍ، وأنّ الله ليس محكوماً للعقلاء، مع أنَّ القائل
ــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) أُنظر: كمال الدين بن الشافعي، المسامرة شرح المسايرة: 23، المقدّمة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بقبح الظلم يحكم على الله تعالى بحكمٍ وإن كانت عبارة المتكلّمين هي أنَّه يجب على الله العدل، إلَّا أنَّهم لا يعنون أنَّه حكم العقلاء، بل قولهم هذا نظير قولهم: (يجب وجوده)، أي: لا يمكن أن يكون ممكناً لا في حياته ولا في علمه ولا في قدرته، والحكمة من شؤون العلم والقدرة؛ فإنّ الظلم لا يصدر إلَّا من جهة العجز والجهل. وأمّا العالم القادر فيستحيل أن يضع الشيء في غير موضعه.
والغرض: أنَّ الفعل الصادر من العبد إذا كان صادراً من الله تعالى استقلالاً وبالمباشرة، وكان العبد محلاً ومعرضاً له من دون أن يكون للإرادة دخلٌ في صدوره أصلاً، أو قلنا بأنّ الفعل صدر بالإرادة المعبّر عنها بالشوق المؤكّد في كلامهم، وكانت الإرادة منتهيةً إلى الإرادة الأزليّة أو غير الأزليّة، بحيث يكون الفعل ضروريّ الصدور، فلا اختيار للمكلّف في تركه، لزم أن يستحقّ الفاعل العقاب عليه؛ فإنّه إنّما يُعاقب الفاعل فيما إذا كان الفعل بيد المكلّف فعلاً وتركاً، لا ضروريّ الوجود بتعلّق الإرادة الإلهيّة به أو بعلّته التامّة الموجبة له، وما كان ضروريّ الوجود كيف يستحقّ العقاب عليه؟!
وقد تقدّم: أنَّهم ذهبوا في الجواب يميناً وشمالاً، فأجاب أبو الحسن الأشعري بأنّ العقاب والثواب على الكسب، وقد مر الجواب عنه، فيما قرّر الباقلّاني أنَّ استحقاق العقاب على المعصية لا على نفس الفعل، وقد أجبنا عنه آنفاً أيضاً.
وذكروا ثالثاً: أنَّه لا يتصوّر الظلم من الله سبحانه؛ فإنَّه إنَّما يتصوّر الظلم في تصرّف الإنسان في ملك غيره، والموجودات كلّها مملوكةٌ له سبحانه يتصرّف
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فيها كيفما يشاء؛ إذ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ(1) فلا يكون هناك ظلمٌ، ولا مانع من عقاب من لا يستحقّ العقاب، بل لا مانع من عقاب من يستحقّ الثواب. وقد قلنا في جوابه: أنَّ الظلم لا يتوقّف على التصرّف في ملك الغير، بل يثبت الظلم أيضاً في ملك الإنسان نفسه؛ فإنَّ الظلم بمعنى: وضع الشيء في غير محلّه، ولا يختصّ بملك الغير.
ودعوى: أنَّ الحسن والقبح ليسا من الأُمور الواقعيّة وأنَّ كلّ ما فعله الله فهو حسنٌ وما لم يفعله فقبيحٌ، هذا الإنكار -للحسن والقبح- إنكار للشرائع جميعاً؛ فإنَّه على ذلك لا يمكننا إثبات الشرائع أصلاً؛ إذ لا مانع حينئذٍ من أن يظهر الله المعجزة على يد الكاذب، فبماذا نثبت النبوّة؟
وأجابوا عن ذلك: أنَّ عادة الله قد جرت على عدم إظهار المعجزة على يد الكاذب، لا من ناحية القبح، بل من ناحية العادة، فثبوت النبوّات من هذه الجهة. ونحن لا ندري أنَّ هؤلاء أين جرّبوا عادة الله على تلك؟ ولماذا لا تكون النبوّة من الأوّل كاذبةً؟! ولو لم يكن هذا الأمر قبيحاً، فكيف يمكن إحراز أنَّ مدّعي النبوّة ومظهر المعجزة صادقٌ؟ إذن فإنكار الحسن والقبيح يلازم القول بإنكار الشرائع بأجمعها. وعليه فهذا القول باطلٌ جزماً.
إذن، فلو كان الفعل معلولاً للإرادة المنتهية إلى إرادة الله تعالى أو كان صادراً عن الله تعالى، فلا وجه لاستحقاق العقاب على العمل.
بل لو تنزّلنا وفرضنا أنَّ فعل الله تعالى لا يتّصف بالقبح، فلماذا يعاقب
ــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) الأنبياء: 23.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
العقلاء هذا الرجل على الفعل القبيح؟ وإذا اعتدى شخصٌ على شخصٍ آخر، فلماذا يتصدّى لجزاءه؟ والعقلاء لماذا يجازون من ارتكب عملاً قبيحاً شخصيّاً أو مخالفاً لمصلحة المملكة، إذا كان فعله غير اختياري، كحركة نبضه أو سقوطه من شاهقٍ؟! فهل يعاقبون على حركة النبض أو السقوط؟ وإنَّما يعاقبون إذا شتمه أو ضربه. فما فائدة جعل القوانين وإصدار الأوامر والنواهي الشرعيّة والتشديد عليها؟ وماذا يترتّب على ذلك إذا كانت الأفعال ضروريّة الوجود.
وممّا يؤكّد ما ذكرناه -بل ذكرنا قبل البحث أنَّ هذا فيما نعتقده لا يمكن الجواب عنه، وقد أوردناه على شيخنا المحقّق، ولم يأت بجوابٍ-: أنَّ الفعل الخارجي إذا كان معلولاً، للإرادة، فإنّا نرى أنَّ للنفس صفاتاً كثيرة غير الشوق تصدر عنها بعض الأفعال في الخارج وتكون علّةً تامّة لها، كالخوف؛ فإنَّه يترتّب عليه ارتعاش البدن وصفرة الوجه، فهذه الصفة النفسانيّة توجد في الإنسان بغير اختيارٍ منه، كأن يرى سبعاً أو يسمع صوتاً موحشاً فيخاف، ويترتّب على هذه الصفة ارتعاشٌ في البدن وصفرةٌ في الوجه، والشوق النفساني أيضاً صفةٌ في النفس، ويترتّب عليه العمل الخارجي على ما يزعمون من أنَّ الشوق علّةٌ تامّةٌ لصدور الفعل، فما هو الفارق بين الفعلين؟ ولماذا يصحّ العقاب على الفعل الصادر عن الشوق دون الفعل الصادر عن الخوف؟ فهل هو لتسمية أحدها بالإرادة والآخر بالخوف؟
وقد قلنا لشيخنا المحقّق: إنَّ العقاب يجب أن يكون على واضع اللغة؛ لأنَّه هو الذي وضع لفظ الإرادة على هذه الصفة النفسانيّة. وإلَّا فإنّا لا نرى فرقاً
ــــــــــ[222]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بين الصفتين وما يترتّب عليهما من أفعالٍ. فلماذا يصحّ العقاب على الفعل المعلول للإرادة، ولا يصحّ على الفعل المعلول للخوف؟ فإنَّه إذا عاقب على اصفرار الوجه أو ارتعاش البدن من الخوف عدّ مجنوناً، بخلاف ما إذا عاقبه على شتمه وتعدّيه. إذن فهناك فرقٌ واقعي ومعنوي بين الأمرين، وإلَّا فمجرّد أنَّ هذه الصفة سمّيت بالإرادة وسمّيت تلك بالخوف لا يُعقل أن يكون فارقاً في صحّة العقاب وعدمه.
ومن هنا ظهر بطلان ما سمعناه من جملةٍ من تلاميذ صاحب (الكفاية) من أنَّ المصحّح للعقاب هو أن يكون الفعل إراديّاً، ولا يلزم أن تكون الإرادة إراديّةً؛ فإنَّه لو صدق كون الفعل إراديّاً، كفى في صحّة العقاب.
والوجه في البطلان: أنَّ ما ذُكر يرجع إلى تسمية هذه الصفة بالإرادة، فالعقاب إنَّما هو على هذه التسمية لا على الفعل الخارجي، وإلَّا فلا فرق على مسلكهم في صدور الفعل من المريد، أي: المسمّى بالمريد ومن الخائف بوجهٍ. إذن لماذا يستحقّ هذا العبد المسكين العقاب مع أنَّ فعله ضروريّ الوجود؟!
نعم، بعض من رأيناه قد استراح من الجواب؛ فإنَّه ذكر: إنَّ العقلاء مجبورون على العقاب أيضاً، بل الله سبحانه (نعوذ بالله) أيضاً مجبورٌ على عمله؛ فإنَّ الفعل لا بُدَّ أن يكون ضروريّ الوجود وأن يكون صادراً عن علّةٍ تامّةٍ. إلَّا أنَّ هذا البيان يلزم منه إنكار مبدأ الشفاعة، بل هو مخالفٌ لصريح القرآن؛ فإنَّ الله يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ(1).
ــــــــــ[223]ــــــــــ
(1) الفتح: 14.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أجاب صاحب (الكفاية)(1) -تبعاً لجماعةٍ من الفلاسفة كصدر الدين الشيرازي(2) -: أنَّ العقاب من لوازم الأفعال، فليس العقاب من معاقب خارجي، ليُقال: إنَّ الله تعالى لماذا يُعاقب العبد على عمله مع أنَّه ضروري الوجود؟! فإنَّ العقاب من لوازم هذا الفعل، لا من معاقب خارجي؛ فإنّا نرى أنَّ العمل يؤثّر في الجسم، كشرب الدواء، فيوجب الهزال أو المرض، كما يمكن أن يكون العمل مؤثّراً في الروح، فيوجب مرضاً روحانيّاً، وهذا المرض الروحاني يشتدّ ويتأكّد في البرزخ إلى أن يكون في يوم القيامة عقاباً، وهذا معنى تجسّم الأعمال في كلماتهم.
ونحن لا ننكر تجسّم الأعمال؛ فإنَّه يمكن أن يتجسّم عملٌ من الأعمال، فيكون عقاباً، كما في جملةٍ من الروايات(3)، إلَّا أنَّه لا ينبغي الشكّ في أنَّ الثواب والعقاب لا ينحصران في ذلك؛ فإنَّ الله تعالى خلق الجنّة وأعدّها للمتّقين، وخلق النار وأعدّها للعاصين، وهو يثيب ويعاقب، وقد يعفو وقد لا يعفو إِنَّ
ــــــــــ[224]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 68، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، الجهة الرابعة.
(2) أُنظر: صدر الدين الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 6: 386، القسم الأوّل، الفنّ الأوّل، الموقف الرابع، الفصل 12.
(3) أُنظر: الشيخ الصدوق، معاني الأخبار: 233، باب معنى القرين الذي يدفن مع الإنسان وهو حي.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
اللَّـهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(1). فلا ينبغي الشكّ أنَّ المستفاد من الكتاب والسنّة أنَّ الله تعالى يعاقب عقاباً اختياريّاً بمشيئته، والكلام في هذا القسم، بعد افتراض أنَّ القسم الأوّل ممكنٌ عقلاً، إلَّا أنَّه لا يجوز أن يكون فعلٌ غير اختياري موجباً لمرضٍ نفساني، فيترقّى ويكون عذاباً، مع أنَّه لم يثبت؛ فإنَّ استحقاق العذاب على الأعمال الاختياريّة دون غيرها. وعليه فالإشكال إنَّما هو في القسم الثاني، أي: كيف يمكن أن يعاقب الله سبحانه على عملٍ ضروري الوجود ولابدّ من صدوره؟!
وقد مرّ: أنَّ هذا يختصّ بعقاب الله سبحانه، بل العقلاء لا يعاقبون على مثل هذا الفعل، أعني: ما كان نحو صفرة الوجه وارتعاش البدن.
فلا مناص إذن من الالتزام بالفرق المعنوي بين ما يصدر من المكلّف بغير اختياره وما يصدر منه باختياره. والفرق هو ما ذكرناه من أنَّ الأمر الاختياري يصدر عن نفس إعمال قدرته، وهو الذي نسمّيه بالمشيّة والاختيار، وأمر الاختيار بيد النفس، فله أن يختار وأن لا يختار، وهذا معنى أنَّ المختار مَن إذا شاء فعل، وإذا لم يشأ لم يفعل، أي: له أن يعمل قدرته في الفعل وأن لا يعملها.
ودعوى: أنَّ الاختيار إذا كان تحت قدرة النفس فهو يحتاج إلى اختيارٍ آخر فيتسلسل إلى ما لا نهاية يُلاحظ عليها: أنَّ إعمال القدرة لا يحتاج إلى إعمالٍ آخر للقدرة، بل هو بنفسه إعمالٌ للقدرة؛ فإنَّ الفعل الخارجي هو الذي يحتاج إلى إعمال القدرة دون الإعمال نفسه؛ فإنَّه لا يحتاج إلى إعمالٍ آخر للقدرة، إلَّا
ــــــــــ[225]ــــــــــ
(1) النساء: 48.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بحسب الافتراض، بمعنى: أنَّه لو كان متمكّناً من إعمال القدرة في إعمال قدرته لفعل، ولكنّه غير محتاجٍ إلى ذلك؛ لأنَّ إعمال القدرة للقدرة نفسه.
والمظنون بل المطمئن به: أنَّ مراد السيّد الداماد بقوله (1): إنَّ الاختيار اختياري بذاته هو ما ذكرناه من أنَّ إعمال القدرة لا يحتاج إلى إعمالٍ آخر، بل هو بنفسه، ولا فرق في ذلك بين البشر وبين الله تعالى. وأمّا قوله: “الله خلق المشيئة بنفسها، ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة” فمفاده: أنَّ الله تعالى خلق الأشياء بعلمه وقدرته، وخلق القدرة بإعمال القدرة؛ فإنَّ إعمال القدرة لا يحتاج إلى إعمالٍ آخر، لا أنَّ المشية موجودةٌ بنفسها، كما ذكر الفلاسفة؛ فإنَّه مخالفٌ لنصّ الرواية.
هذا ملخّص كلامنا في إبطال الجبر أو ما يعود إلى الجبر وإن كان بحسب الصورة مغايراً للجبر، وإنّما هو جبرٌ بحسب المعنى.
فتقرّر: أنَّ الأشعري ذهب إلى أنَّ الفعل يصدر من الله مباشرةً، غاية الأمر أنَّ الفاعل الصوري -وهو العبد- محلٌّ للفعل ومعرضٌ له، ولا دخل لإرادته في صدوره أبداً، وكلّ ما يصدر في الخارج من الله سبحانه. وقد تقدّم الكلام فيه.
وأمّا الفلاسفة فقد ادّعوا: أنَّ الأفعال الاختياريّة تصدر عن الإرادة، وهي الشوق المؤكّد، وعندما يتمّ الشوق المؤكّد تتحرّك العضلات نحو الفعل، وذلك المتحرّك هو المعبّر عنه بالقبض والبسط في كلامهم، فيوجد الفعل في الخارج لا محالة.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) أُنظر: الميرداماد، مصنفات الميرداماد: 207-208، مقدمة في مسألة خلق الأعمال.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وهذا القول وإن كان أمثل من القول الأوّل، إلَّا أنَّه يرجع إليه بالنتيجة؛ فإنَّ العلّة إذا كانت منتهيةً إلى الله سبحانه، أي: رجوع الإرادة القائمة في النفس إليه تعالى، وهي علّةٌ تامّةٌ للفعل، فلازمه أنَّ الفعل صادرٌ من الله سبحانه، واستناده إلى العبد باعتبار أنَّه محلٌّ له، وإلَّا فلا دخل له فيه. ولا معنى لكون الفعل اختيارياً إلَّا باعتبار أنَّ هذه الصفة مسمّاةٌ بالإرادة، وإلَّا فلا فرق حقيقةً بين صفرة الوجه المعلولة للخوف والحركة الخارجيّة المعلولة للإرادة.
ولكن شيخنا المحقّق(1) أصرّ على هذا القول وفاقاً لصاحب (الكفاية)، فذهب إلى أنَّ الفعل الآلي ما كان مسبوقاً بالإرادة، ولا يُعتبر أن تنتهي الإرادة إلى الإرادة أيضاً، بل اختياريّة الفعل وصحّة العقاب بلحاظ صدور الفعل بإرادة المريد، وإن لم تكن الإرادة صادرةً عن إرادةٍ، وقد أصرّ على ذلك في بحثه ومصنّفاته، وذكر أنَّه لا يمكن الالتزام بتوسّط الاختيار بين الفعل والإرادة، بل الفعل يصدر من الإرادة، والإرادة علّةٌ تامّةٌ بدون توسّط الاختيار.
وأورد على من يقول بتوسّط الاختيار بين الفعل والإرادة بوجوهٍ:
◙ الوجه الأوّل: أنَّه ما المراد بالاختيار الذي يُدّعى أنَّه وسطٌ بين الإرادة والفعل، وأنَّ الإرادة ليست علّةً تامّةً، وأنّ للفاعل أن يفعل وأن لا يفعل بمشيئته واختياره، فإن كان بمعنى: فاعليّة النفس وتأثيرها في الفعل، فمن الواضح أنَّه عنوانٌ انتزاعي لا وجود له في الخارج؛ فإنَّ الموجود في الخارج هو
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) أُنظر: الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 198-200، في إتحاد الطلب والارادة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ذات العلّة وذات المعلول، أو قل: ذات الفاعل والمفعول، وليست الفاعليّة أمراً موجوداً في الخارج وصادراً عن الفاعل زائداً على فعله، بل هو عنوانٌ ينتزع من صدور الفعل في الخارج.
والامر كما يقول فإن الفاعليّة وتأثير الفاعل في الفعل ليست أمراً زائداً على الفعل، وإلَّا لو كانت زائدةً عليه لكان لها مطابقٌ في الخارج، ولو كانت الفاعليّة أو تأثيره في هذا الفعل فعلاً من الأفعال لزم أن يكون لها فعلٌ آخر ويتسلسل، فلا يوجد في الخارج إلَّا الفاعل والفعل، وأمّا فاعليّة الفعل فليست موجوداً آخر.
ولكنّا لا نقول: إنَّ الاختيار بمعنى: فاعليّة الفاعل؛ فإنَّه مشترك الثبوت بين الفعل الاختياري والفعل غير الاختياري، فكما أنَّ الفاعليّة والتأثير يصدقان على الإنسان فيُقال: إنَّه فاعلٌ كذا، كذلك تصدق الفاعلية في الفعل غير الاختياري، كصدور الحرارة من النار؛ فإنَّ الفاعليّة والمؤثريّة أيضاً متحقّقتان في المقام. فالاختيار إذن ليس بمعنى الفاعليّة.
◙ الوجه الثاني: أنَّ الاختيار إن أُريد به أنَّه كيفٌ نفساني قائمٌ بالنفس، أي: من صفات النفس، فلا محالة يكون كيفاً؛ لأنَّه عرضٌ قائمٌ بالنفس غير قابلٍ للقسمة والنسبة. فإن كان كيفاً نفسانيّاً، فلا محالة يرد عليه محذور استناد الأفعال إلى الإرادة؛ فإنَّه ما الفرق بين أن يُقال: إنَّ الفعل منتهٍ إلى الإرادة، وهي كيفٌ نفساني منتهٍ إلى الإرادة الأزليّة، وبين أن يُقال: إنَّ الفعل منتهٍ إلى الاختيار، وهو كيفٌ نفساني منتهٍ إلى الإرادة الأزليّة؟ فإنَّ الصفات النفسيّة خارجةٌ عن الاختيار لا محالة، فما فائدة الالتزام بالاختيار في قبال الإرادة، مع أنَّ كليهما أمرٌ
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نفساني منتهٍ إلى علّةٍ خارجةٍ عن الاختيار؟!
ونحن لا نقول: إنَّ الاختيار صفةٌ نفسانيّةٌ، بل ندّعي أنَّه فعلٌ نفساني، ومراد القائل بالاختيار واضحٌ؛ فإنَّ العبارة التي نقلها عن أجود التقريرات(1) وافية الدلالة على ذلك، فليس في هذا إلَّا تشقيق الشقوق وتطويل المسافة.
◙ الوجه الثالث: وهو الذي نريده، أعني: أنَّ الاختيار يكون فعلاً من أفعال النفس؛ فإنَّ المشيئة بمعنى: إعمال القدرة، وإعمال القدرة فعلٌ من أفعال النفس.
وقد يُلاحظ عليه وجوهٌ:
ــــــــــ[229]ــــــــــ
( ) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات: 89-91، ما يتعلّق بصيغة الأمر، المقام الأوّل.
( ) أُنظر: ملا هادي السبزواري، شرح المنظومة 5: 180، المقصد الرابع، الفريدة السادسة، غررٌ في أنَّ النفس كلّ القوى.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كلامه وإن لم يصرّح به، أعني: أنَّ النفس وإن كانت واحدةً، إلَّا أنَّها كلّ القوى، والأفعال الصادرة من القوى كلّها فعلٌ للنفس، وليس للنفس، فعلٌ يُقال: له (الاختيار) يصدر من النفس مباشرةً.
وهذا الاعتراض واضح الاندفاع:
أمّا أوّلاً: فلأنّا لا نسلّم عدم صدور الفعل ابتداءً من النفس، وأنَّ فعلها لا بُدَّ أن يكون بواسطة قوّةٍ من القوى، بل الالتزام به لا وجه له. إذن يمكن أن يصدر منها فعلٌ بلا توسّط قوّةٍ، كما في العزم والنيّة: كقصد الإقامة في بلدٍ؛ فإنَّ هذا ليس من شأن القوّة العاقلة؛ فإنَّ شأنها التفكير والتصوّر، ولا القوّة الواهمة؛ فإنَّ فعلها الفرض، ولا الخيال؛ فإنَّ فعلها التخيّل، ولا القوى الخارجيّة، كما هو واضحٌ. بل هو يصدر من النفس ابتداءً، فأفعال القوى أفعالٌ للنفس؛ فإنَّ النفس إنَّما تعمل بتوسّطها. وأمّا أنَّ فعلها منحصرٌ في توسّطها فلا ملزم له.
وأمّا ثانياً: فلأنَّه لا يضرّنا ذلك؛ فإنَّا نسلّم أنَّ النفس لا يصدر منها الفعل إلَّا بتوسّط قوّةٍ من القوى، ولكن الاختيار الذي نقول به في طول بقيّة الأفعال، لا أنَّه فعلٌ مستقلٌّ. فليس الاختيار في عرض الإبصار والسمع والأكل والشرب والخيال والتفكير، بل في طول هذه الأفعال، أي: إنَّه يبصر اختياراً، ويأكل اختياراً، ويفكّر اختياراً، فليس الاختيار فعلاً في قبال سائر الأفعال، بل هو فعلٌ في طوله. وعليه فالإبصار يصدر عن النفس بقوّة البصر لا اضطراراً، بل بمشيئته واختياره، والسماع يصدر عن النفس بقوّة السمع لا اضطراراً، بل بمشيئته واختياره.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وهذا هو المصرّح به في الرواية المتقدّمة القائلة (خلق الله المشيئة بنفسها، ثُمَّ خلق الأشياء بالمشيئة) لا أنَّ المشيئة موجودٌ مغايرٌ لغيره من الموجودات، بل يوجد بإعمال القدرة، وليس وجود الفعل اضطراريّاً، بل بإعمال القدرة. ولذا يُقال: إنَّ الله شاء فخلق، ونحن نقول: شئنا ففعلنا، فليس الاختيار نحو الأكل والشرب، وإنَّما هو فعلٌ يصدر من النفس ضمن أيّ قوّةٍ من القوى، بلا فرقٍ بين القوى الظاهريّة والباطنيّة. والكلام في أنَّ الفعل الصادر عن قوّة هل هو فعلٌ يصدر عن إلجاءٍ وضرورةٍ أو صادرٌ عن اختيارٍ ومشيئةٍ؟ والتسليم بكون النفس لا فعل لها إلَّا بتوسّط القوى لا ينافي ما ذكرنا.
وهذا عجيبٌ منه ؛ وذلك لأنَّ الإرادة من صفات النفس كالخوف، فإذا كان الفعل ضروريّاً بالإرادة، فمعناه أنَّه خارجٌ عن الإرادة، وهذا هو معنى
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الإلجاء، ولا يبقى إلَّا التسمية، فالفعل إرادي، أي: يسمّى بالإرادي، وإلَّا ففي الواقع لا قدرة للعبد عليه أبداً.
مع أنَّنا نقول: بأنَّ العبد قادرٌ على فعله وتركه، لا أنَّ الإرادة لا بُدَّ من وجودها على الفرض، وأنَّ الإرادة علّةٌ تامّةٌ للفعل، فكيف يكون الشخص قادراً على الفعل؟ وأمّا الاختيار فهو بمعنى: إعمال القدرة، وكون الفعل ضروريّاً بإعمال القدرة لا ينافي القدرة؛ لأنَّ ذلك من قبيل الضروريّة باعتبار المحمول؛ فإنَّ الفعل إذا أوجده الإنسان فلا محالة يكون موجوداً، فكونه ضروريّاً بالاختيار مؤكّدٌ للاختياريّة، لا منافٍ لها. وأين هذا من الإرادة الخارجة عن قدرة المكلّف؟!
فما هو الفارق بين الاختيار وسائر الأفعال من هذه الجهة؟ بل كما أنَّ الأفعال تنتهي إلى الإرادة، وهي تنتهي إلى الإرادة الأزليّة، فيخرج الفعل عن القدرة، فكذلك الاختيار.
وقد تقدّم الجواب عنه بالقول: إنَّه لا أساس له؛ فإنَّ صدور الممكن بلا فاعلٍ مستحيلٌ. وأمّا صدوره بعلّةٍ بإلجّاءٍ وضرورةٍ فلا دليل عليه، بل النفس من جهة قدرتها على الفعل قادرةٌ على أن تفعل أو لا تفعل؛ فإنَّ الدليل قام على أنَّ الفعل يحتاج إلى فاعلٍ، لا أنَّه يحتاج إلى علّةٍ تبعث بالالجاء والضرورة على
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الوجود. وعليه فإعمال القدرة حاصلٌ من خلال النفس مباشرةً، لا أنَّ النفس تلجأ إلى إيجاد هذا الاختيار.
◙ الوجه الرابع: ذكر إنَّ الاختيار إذا كان هو الملاك في استناد الفعل إلى الفاعل، وأنَّه إذا لم يكن اختياريّاً لم يكن الفعل بالاختيار، فلا يمكن صدوره بالإرادة، وليست الإرادة علّةً للفعل، والتزمنا بتوسّط الاختيار بينها وبين الفعل، فلا بُدَّ من الالتزام في ذلك في الواجب تعالى: بأن يُقال: إنَّ إرادته تعالى ليست عين ذاته، بل لا بُدَّ في أفعاله من توسّط الاختيار بين الفعل والإرادة، فيتصوّر الأفعال باختياره وإرادته؛ إذ لا فارق بين الخالق وغيره من هذه الناحية. وإذ كان الأمر كذلك، نسأل: أنَّ اختيار الباري الذي هو فعله هل هو عين ذاته أو غير ذاته؟ فإن قلنا: إنَّه عين ذاته، فهو محالٌ؛ لاستحالة أن يكون الفعل متّحداً مع الفاعل، وإنَّما الفعل يصدر من الفاعل، والفاعل يصدر منه الفعل، فلا يُعقل أن يكون أحدهما عين الآخر، وهذا واضحٌ، وعليه فلا بُدَّ أن يكون اختياره تعالى غير الذات. وحينئذٍ فإمّا أن يكون الاختيار قديماً بقدم الباري أو حادثاً. وعلى كلا التقديرين فحيث إنَّ الاختيار قائمٌ بالمختار وصفةٌ من صفاته، فالاختيار قائمٌ بذاته سبحانه.
فإذا قلنا: إنَّه قديمٌ، فيلزمنا قول الأشعري، وهو أنَّ هناك صفةً قديمةً مغايرةً للذات. وإذا قلنا: إنَّه حادثٌ، فمعناه أنَّ الله تعالى محلٌّ للحوادث، فكيف يمكن أن يتّصف بصفةٍ حادثةٍ؟ بل هذا غير معقولٍ. وعليه فجميع تقادير الاختيار غير ممكنةٍ، ولا يمكن الالتزام بها في الباري تعالى.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وشيخنا المحقّق وإن كان دقيق النظر حادّ البصر جدّاً، إلَّا أنَّنا ما كنّا نظن أن يصدر مثل هذا منه؛ فإنَّه قد فرض أنَّ هذا فعلٌ صادرٌ من الله تعالى، كما يصدر من البشر، كما أفاد في صدر كلامه، ثُمَّ ذكر هذه التشقيقات. نعم، نحن نلتزم أنَّه ليس عين الذات؛ لاستحالة اتّحاد الفاعل والفعل، وأنَّه ليس بقديم؛ فإنَّه يؤدّي إلى القول بتعدّد القدماء، بل هو فعلٌ حادثٌ، وقائمٌ بالذات قيام الفعل بالفاعل، لا قيام الصفة بالموصوف؛ فإنَّ الإيجاد فعل الباري تعالى؛ فإنَّه كلّ يوم هو في شأنٍ(1)، وكلّ يوم بل كلّ آنٍ يصدر منه الإيجاد، كالأفعال التي تصدر في العالم من الإماتة والإحياء والرزق كحدوث الحادث من القديم لا محذور فيها أبداً. وإنَّما المحذور هو أن يكون القديم متّصفاً ومعرضاً لأمرٍ حادثٍ، ولا إشكال أن يكون محدثاً لأمرٍ وموجداً له؛ إذ الاختيار فعلٌ من أفعاله تعالى. فكما أنَّ الإيجاد يصدر منه، فكذلك الاختيار يصدر منه، إلَّا أنَّ الإيجاد يصدر منه بالاختيار، والاختيار يصدر بنفسه، وهذا معنى قوله فيما تقدّم: (إنّ الله خلق الأشياء بالمشيئة، وخلق المشيئة بنفسها) أي: إنَّ إيجاد الأشياء ليس بالاضطرار والإلجاء والعلّيّة، وإنَّما هو بالمشيئة والاختيار. أمّا إيجاد المشيئة فبنفسها؛ فإنَّ إعمال القدرة لا يحتاج إلى إعمالٍ آخر للقدرة، بل هو اختياري بنفسه. فعلى هذا يكون ما ذكرناه هو الصحيح.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
() إشارةٌ إلى قوله تعالى: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (الرحمن: 29).
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ومن غرائب ما صدر منه(1) أيضاً -تبعاً لبعض الفلاسفة(2)– تفسيره قوله: “خلق الله المشيئة بنفسها، ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة”: بأنَّ المراد بالمشيئة الوجود المنبسط، والمراد بالأشياء الوجودات المحدودة.
فلنشر أوّلاً إلى مراد الفلاسفة فنقول: إنَّ الفلاسفة المتأخّرين(3) التزموا بأنَّ الله سبحانه كما هو واحدٌ بالذات والصفات، كذلك هو واحدٌ بالفعل، واستدلّوا عليه ببعض الآيات نحو قوله تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ(4) ووَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ(5). وهذا الكلام مبنيٌ على أصالة الوجود التي ذهبوا إليها، وقالوا بأنَّ الماهيّة أمرٌ اعتباري ينتزع من الحدود، والحدّ أمرٌ عدمي؛ لأنَّه عبارةٌ عن تحديد الوجود، أي: مقدار الوجدان والفقدان. أمّا العدم فهو عدمٌ، فلا يبقى إلَّا الوجود، فإذا قطعنا النظر عن الحدود الوجوديّة، لا نرى إلَّا وجوداً واحداً منبسطاً في العالم من المبدأ إلى المنتهى، وهذا الوجود الواحد يعبّر عنه بالوجود المنبسط وبالفيض المقدّس، ويسمّى عندهم بالمشيئة الفعليّة.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
(1) أُنظر: الأصفهاني، نهاية الدراية 1: 200، المقصد الأوّل، اتّحاد الطلب والإرادة.
(3) لعلّه إشارةٌ إلى ما أفاده الملّا هادي السبزواري في شرح المنظومة 1: 369، خاتمة الكتاب، والفيض الكاشاني، أصول المعارف: 251، بحث وتكميل.
(3) أُنظر: صدر الدين الشيرازي، المبدأ والمعاد: 188، الفنّ، المقالة الثالثة، الفصل الثاني، والحكمة المتعالية 6: 343، الفنّ الأوّل، الموقف الرابع، الفصل 8.
(4) القمر: 50.
(5) النحل: 77.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولذا قال: إنَّ المراد بالمشيئة هنا الوجود المنبسط؛ فإنَّ وجود كلّ شيء بهذا الوجود، ولكن وجود هذا الوجود المنبسط موجودٌ بنفسه، لا بوجودٍ آخر. ففسّر المشيئة بغير ما فسّرناه بمعنى: أنَّه خلق الله الموجودات بالوجود المنبسط، وأمّا الوجود المنبسط فهو موجودٌ بنفسه.
وهذا التفسير وإن ذكره بعض الفلاسفة أيضاً، إلَّا أنَّه: أوّلاً: مخالفٌ لظهور اللفظ؛ فإنَّ إطلاق المشيئة وإرادة الموجود المنبسط ممّا لا يوافق عليه العرف ولا اللغة، وإنَّما هو اصطلاحٌ محضٌ، والروايات لم تكن ناظرةً إلى اصطلاحات الفلاسفة، وإنَّما اتّبعت في بياناتها المفاهيم العرفيّة.
ثانياً: أنَّ مدلول الرواية ينافي ذلك؛ فإنَّ الخلق مذكورٌ في الرواية مرّتين، فهاهنا خلقان فكيف يكونان متعلّقين بشيءٍ واحدٍ؟ وإذا فرضنا أنَّ المراد بالمشيئة الوجود المنبسط، فلا يكون هنا إلَّا خلقٌ واحدٌ ومخلوقٌ واحدٌ، فأين الخلقان؟! ولكنّه أسقط في عبارته (الخلق) الثانية، أي: ذكر الرواية هكذا: “خلق الله الأشياء بالمشيّة، والمشيّة بنفسها”(1). ولكن الرواية صريحةٌ فيما نقول، أي: إنَّ كلّ فعلٍ صدر، فإنَّما صدر باختياره ومشيئته سبحانه وبإعمال قدرته، ولكن إعمال القدرة مخلوقٌ بنفسه من دون حاجةٍ إلى إعمالٍ آخر للقدرة. وهذا الأمر -أي: كون المشيئة مخلوقةً- ظاهر في كثيرٍ من الروايات(2) نحو
ــــــــــ[236]ــــــــــ
(1) أُنظر: الأصفهاني، بحوث في الأُصول 2: 8، الطلب والإرادة.
(2) راجع الروايات الواردة في باب القدرة والإرادة من كتاب التوحيد من بحار الأنوار: 4: 134.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
قولهم: “لم يزل عالماً قادراً ثُمَّ أراد”(1).
بقي هنا شيءٌ حاصله: أنَّه يمكن الاستدلال على ما ذكرناه من توسّط الاختيار بين الإرادة والفعل واستشهدنا عليه بالوجدان، وفاقاً لظاهر بل صريح الروايات والآيات؛ إذ ليس هناك إلجاءٌ ولا ضرورةٌ، وإنَّما هو فعل الله تعالى؛ فإن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل، وكذلك في العباد.
والدليل عليه: أنَّنا لو التزمنا بالعلّيّة والمعلوليّة وأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، ولازمه أن لا ينعدم شيءٌ في العالم أبداً؛ إذ لا بُدَّ في انعدامه من انعدام علّته؛ لاستحالة الانفكاك بينهما، فننقل الكلام إلى العلّة، وهكذا إلى أن ينتهي إلى الأوّل. فمعناه أنَّه لا يمكن عدمٌ في الخارج، أي: إنَّه إذا وجد شيءٌ نستكشف أنَّ علّته التامّة قد تحقّقت، فننقل الكلام إلى علله، إلى أن ننتهي إلى الإرادة الذاتيّة التي التزموا أنَّها عين الذات، فكيف تتّصف الأشياء بالعدم؟!
وأيضاً إذا التزمنا أنَّ كلّ موجودٍ يوجد من باب الاضطرار، فهل يمكن أن نفرض أنَّ لهذا العالم مبدأً أو لا؟ إذا فرضنا أنَّه لا مبدأ له -بمعنى: أنَّ هذا معلولٌ لعلّة، وعلّته معلولة لعلّةٍ وهكذا- فهذا عين التسلسل، فكيف يمكن إثبات الصانع؟ وإذا فرضنا للعالم مبدأً مسبوقاً بالعدم -بمعنى: أنَّ سلسلة الوجودات تنتهي إلى مبدأ مسبوقٍ بالعدم- فنتساءل: لماذا لا يوجد، مع أنَّ
ــــــــــ[237]ــــــــــ
(1) الصدوق، التوحيد: 146، باب صفات الذات وصفات الأفعال، الحديث 15، والمجلسي، بحار الأنوار 4: 144، كتاب التوحيد، أبواب الصفات، الباب 4، الحديث 16.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
العلّة التامّة كانت موجودةٌ؟ وهذا لا جواب له إلَّا أن يُقال: إنَّ صدور الأفعال منه سبحانه ليس على نحو العلّيّة ولا الاضطرار، بل بالمشيئة، فمتى شاء خلق، ومتى لم يشأ لم يخلق، فتنتهي السلسلة، وإلَّا فلا بُدَّ من الالتزام بالتسلسل وقِدم العالم، وكلاهما محالٌ.
◙ القول الثالث: وحيث إنَّ مفسدة القول بالجبر عظيمةٌ، التجأ القائل بالتفويض إلى أن يلتزم بالتفويض، وأنَّ الباري لا دخل له في صدور الفعل أصلاً، وإنَّما تصدر الأفعال من العباد استقلالاً، وهم مفوّضون في ذلك، فإذا شاءوا فعلوا، وإذا لم يشاءوا لم يفعلوا.
وأنت خبيرٌ: بأنَّ هذا القول ليس أدنى مرتبةً في الفساد من الأوّل؛ فإنَّ الجبر كان مستلزماً لنسبة الظلم إليه تعالى، وذكرنا أنَّه في الحقيقة مستلزمٌ لسلب القدرة عنه عزّ وجلّ، وأنَّ كلّ شيءٍ يصدر بالضرورة؛ فإنَّ مجرّد تسميته بالإرادة لا يحقّق الاختيار.
إلَّا أنَّ القائل بالتفويض وقع في محذورٍ آخر لعلّه أشدّ من الأوّل، وهو أن يكون العبد مستقلاً بالإيجاد، وهذا غير ممكنٍ؛ فإنَّ العبد غير مستقلٍّ في وجوده ونفسه، فكيف يمكن أن يكون مستقلاً في إيجاده؟ مع أنَّه ربطٌ محضٌ وليس له استقلالٌ بوجهٍ، فإذا لم يكن مستقلاً بالوجود، فكيف يكون مستقلاً بالإيجاد والتصرّف في سلطان الله بغير إرادته؟
وبعبارةٍ أخرى: إنَّنا إذا تصوّرنا موجوداً مستقلاً بقاءً وغير محتاجٍ إلى الإفاضة، بل يكفي في الإفاضة والتأثير الحدوث، كان القول بالتفويض ممكناً؛
ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إذ إنَّ الله تعالى بعد أن خلق العبد كان العبد مستقلاً ومستغنياً عن الله تعالى، ولا يحتاج إليه سبحانه، فحينئذٍ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، كسلطانٍ إزاء سلطانٍ، غاية الأمر أنَّه سلطانٌ مخلوقٌ لذلك السلطان.
وأمّا إذا قلنا بأنّ الإمكان مساوقٌ للاحتياج، والممكن كما أنَّه محتاجٌ في حدوثه إلى إفاضة الوجود، كذلك هو في بقاءه، لا أنَّه إذا وجد كان واجباً ثانياً وكان مستغنياً عن الإفاضة، فيبطل التفويض، فيتعيّن القول بالأمر بين الأمرين، والله الهادي.
إذن: أنَّ القائلين بالتفويض بعدما رأوا أنَّ الجبر منافٍ للعدل، وأنَّه لا يمكن الالتزام باستحقاق العقاب في الفعل الصادر بغير اختيارٍ، ذهبوا إلى التفويض وتحفّظوا على العدالة، ولكن فاتهم محذورٌ أعظم، وهو أنَّهم التزموا باستقلال العبيد في أفعالهم، وأنَّ الفعل يصدر منهم مستقلاً من دون استنادٍ إلى الله تعالى. ولذا عبّر عنهم في بعض الروايات(1) بأنَّهم مجوس هذه الأُمّة؛ باعتبار أنَّهم اعترفوا بمبدأين: فاعلٍ للخير سمّوه (يزدان) وفاعلٍ للشرّ سمّوه (أهرمن) (2). والقائلون بالتفويض في حكم المجوس، بل أشدّ منهم؛ لأنَّهم
ــــــــــ[239]ــــــــــ
(1) أُنظر: القمي، تفسير القمّي 1: 199، تفسير سورة الأنعام، التوحيد: 382، باب القضاء، والقدر والفتنة…، الحديث 29. والصدوق، الهداية: 20، باب القضاء والقدر، والكليني، الكافي 1: 156، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين.
(2) لاحظ ما أفاده صدر المتألهين في شرح أُصول الكافي 4: 51، باب جوامع التوحيد، الحديث الأوّل، الفصل العشرون.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
التزموا بآلهةٍ كثيرةٍ؛ لأنَّهم ذهبوا إلى أنَّ العبد مستقلٌّ في فعله، وليس لإرادة الله دخلٌ فيه، فيصدر الفعل في عالم الإيجاد عن غير الله تعالى.
وقلنا: إنَّ هذا محالٌ قطعاً؛ لأنَّ العبد غير مستقلٍّ في الوجود، فكيف يمكن أن يكون مستقلاً بالإيجاد؟ مع أنَّه غير مستقلٍّ عن الله تعالى في حياته وفي جميع قواه، بل هو محتاجٌ إلى الإفاضة في جميع الآنات.
والوجه في ذلك: أنَّ الحاجة ليست عارضةً للممكن، بل هي أمرٌ ذاتيٌ له منتزعةٌ من مقام ذاته؛ فإنَّ الحاجة لو كانت عارضةً عليه، فلا بُدَّ أن يكون في حدّ ذاته مستغنياً، وهذا خلفٌ. وعدم الاستغناء في الذات عبارةٌ عن الحاجة والفقر، فذاته هي الحاجة والفقر والاحتياج إلى الوجود. فإذا كان الممكن محتاجاً في ذاته، لا يفرّق الحال في ذلك بين الحدوث والبقاء؛ لأنَّ ما كان محتاجاً في صدوره، فكذلك هو محتاج في بقائه، وإذا انقطعت الإفاضة انعدم بنفسه من دون حاجةٍ إلى إعدامٍ.
ونظير حال الممكن بالنسبة إلى الفيض الإلهي حال النور بالنسبة إلى الشمس وحال الصور النفسانيّة إلى النفس؛ فإنَّ وجود الصور النفسانيّة حدوثاً وبقاءً متوقّفٌ على إفاضة النفس والتفاتها، وكذلك النور مستمدٌّ من الشمس، فبمجرّد الانقطاع ينعدم النور بنفسه من دون حاجةٍ إلى إعدامه. فإذا كان الشيء في ذاته متقوّماً بالغير ومرتبطاً به، فكيف يكون مستقلاً في البقاء؟ فكما أنَّه ليس مستقلاً في الحدوث، كذلك هو ليس مستقلاً في البقاء، بل هو محتاجٌ أزلاً وأبداً.
◙ القول الرابع: وإذا كان كذلك فلا يمكن فرض كونه مستقلاً في الإيجاد؛
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إذ لا استقلال له في الوجود، فيبطل مذهب التفويض، ولابدَّ من الالتزام بالأمر بين الأمرين أو المنزلة بين المنزلتين، كما ورد في الروايات(1).
وليس معنى المنزلة بين المنزلتين: أنَّ الفعل مستندٌ إلى الله تعالى وإلى العبد بالاشتراك؛ فإنَّ هذا أيضاً محالٌ، بل مفاده أنَّ هاتين النسبتين كلتيهما حقيقتان بلا مجازٍ؛ فإنَّ الفعل صادرٌ من العبد ومنتسبٌ إليه حقيقةً، وفي حال انتسابه إلى العبد ينتسب إلى الله سبحانه أيضاً حقيقةً، فيصحّ أن يُقال: إنَّ الفعل صدر بمشيئة العبد وإنَّه صادرٌ بمشيئة الله تعالى لأنَّ كلتا النسبتين حقيقيّةٌ. وبهذا البيان نتحفّظ على كلا الأمرين معاً، أي: نتحفّظ على سلطان الله، وأنَّه ليس في العالم سلطانٌ غيره، ولا يمكن أن يصدر الفعل من دون مشيئته، كما لا نلتزم بما التزم به مجوس هذه الأُمّة من استقلال العبد في الإيجاد، وبهذا يستحقّ العقاب؛ لأنَّ الفعل صدر من العبد بمشيئته واختياره حقيقةً. هذا هو معنى المنزلة بين المنزلتين.
والحاصل: أنَّ كلتا النسبتين حقيقةٌ من دون مجازٍ. فإذا قلنا: إنَّ الفعل صدر بمشيئة الله كان حقيقةً، نظير ما حكاه مولانا سيّد الشهداء عن رسول الله أنَّه قال له في المنام: “يَا حُسَيْنُ، اخْرُجْ؛ فَإِنَّ اللَهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاكَ قَتِيلاً”(2)؛
ــــــــــ[241]ــــــــــ
(1) راجع الأحاديث الواردة في باب نفي الظلم والجور عنه تعالى وإبطال الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين من كتاب العدل والمعاد من بحار الأنوار 5: 2، وغيره.
(2) السيد ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف: 65، المسلك الأوّل، والمجلسي، بحار الأنوار 44: 364، أبواب ما يختصّ بتاريخ الحسين بن علي صلوات الله عليهما، الباب 37.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فإنَّ الفعل لولا مشيئة الله تعالى لم يقع، كما أنَّ الفعل صدر من العبد، من دون منافاةٍ بين النسبتين والاستنادين وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّـهُ(1). فبغير مشيئته لا تتحقّق مشيئةٌ في الخارج؛ فإنَّه لا بُدَّ للمشيئة أن تنتهي إلى المشيئة الإلهيّة؛ فإنَّ العبد لا استقلال له في الإيجاد والفيض، ومع ذلك يصدر الفعل منه باختياره من دون أن يكون مجبوراً على ما يصدره من أفعال ومن دون أن يكون صادراً من الله تعالى مباشرةً، كما ادّعى الأشعري، ومن دون أن ترجع علّته إلى الإرادة الإلهيّة. بل الأمر بين ذلك، بمعنى: أنَّ الأفعال تصدر من العبد بالاختيار، ومع ذلك فهي مستندةٌ إلى الله تعالى، وهذا هو المراد بالأمر بين الأمرين والمنزلة بين المنزلتين.
وقد ذكرنا في الدورتين السابقتين توضيحاً لذلك ومثالاً يظهر منه بيان ما قرّرناه وندّعيه من الأمر بين الأمرين.
قلنا: لنفترض أنَّ إنساناً يده مرتعشةٌ، ولا اختيار له في صدور الارتعاش منه وعدمه، وقد وضع في مكانٍ لا يمكن أن يتحرّك فيه، وقد فرضنا أنَّ إلى جانبه رجلاً آخر، فإذا فرضنا أنّا شددنا سكّيناً بيد المرتعش، وكانت اليد ترتعش وتتحرّك، فإذا شددنا السكين بها فستصيب الرجل الآخر ويقتله، أفهل يمكن أن يستند هذا إلى المرتعشة يده، فيُقال: إنَّه قتله باختياره؟ وهذا بالضرورة متعذّرٌ؛ لأنَّ المفروض أنَّ الفعل ليس باختياره: لا الارتعاش ولا إصابة السكّين للرجل ولا قطعه لأعضائه ولا موت الرجل. وهذا هو الذي التزم به
ــــــــــ[242]ــــــــــ
(1) الإنسان: 30.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الجبري، أي: التزم بصدور الأفعال من العبيد، ولا دخل لاختيار العبد بها أصلاً، بل الفعل ينتهي بعلّله إلى الإرادة الأزليّة.
وأمّا إذا أعطينا سكّيناً لشخصٍ، وكان هذا الشخص متصرّفاً باختياره ومشيئته، ولكنّنا نعلم أنَّه يضرب أحداً بهذا السكّين فيقتله، فنحن أعطيناه السكّين، ولولا ذلك لما قتله، إلَّا أنَّ معطي السكّين لا دخل له في صدور الفعل؛ فإنَّه أعطاه السكين فقط وأقدره على الفعل، وكان أجنبيّاً بعد ذلك عن العمل. فهل يمكن أن يُقال: إنَّ معطي السكّين هو الذي قتله؟! مع أنَّ المعطى له السكّين مفوّضٌ له العمل، وقد صدر منه بالاختيار، فهو فاعلٌ بالاختيار والاستقلال بالنسبة إلى المعطي. ولو فرضنا أنَّ المعطي يرى صدور هذا العمل من المعطى له ويمكنه أن يمنعه، كما لو كان لديه بندقيّةٌ وهدّده بها من بعيدٍ، إلَّا أنَّه مفوّضٌ إليه، لم يستند الفعل إلى المعطي إلَّا على نحو الاعداد، وهذا هو التفويض.
وهاهنا قسمٌ ثالث، وهو صدور الفعل مستنداً إلى كلا الشخصين، كما إذا كانت يده مشلولةً لا يمكن لصاحبها تحريكها إلَّا بإيصال القوّة الكهربائية، ومعه يمكن له تحريكها، وفرضنا أنَّ طبيباً أو غيره أوصل القوّة الكهربائيّة إلى يده، وكان دائماً يفيض هذه القوّة ويوصلها آناً فآناً إلى يده، ورأى الطبيب أنَّ المشلول بعد أن تمكّن من الحركة قد يأخذ السكين ويقتل بها شخصاً آخر، وهو يعطيه القوّة.
فهاهنا كلتا النسبتين صحيحةٌ، أعني: أنَّ القاتل هو المشلول؛ لأنَّه قتل
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
باختياره وإعمال قدرته، فيصحّ عقابه، فيُقال له: (لماذا قتلت زيداً؟) ولا يمكنه أن يجيب بأنَّ الطبيب هو الذي قتله؛ لأنَّه هو الذي أقدرني على هذه القوّة؛ وذلك لأنَّ الإقدار على القتل لا يلازم القتل، وإنَّما قتله باختياره. وبالنظر الآخر نقول: إنَّ القتل صدر بمشيئة الطبيب؛ فإنَّه هو الذي كان يفيض القوّة آناً فآناً؛ إذ لولا هذا الفيض لما تمكّن المريض من العمل، فهو الذي شاء ذلك، وهو مفيض الإقدار حدوثاً وبقاءً، فالفعل صدر بمشيئته وإرادته، فيصحّ انتسابه إليه حقيقةً، لا بمعنى المشاركة: بأن اجتمعا فأوجدا، بل بمعنى: أنَّ النسبة إلى الفاعل حقيقيّةٌ؛ فإنَّه هو الذي أوجد الفعل باختياره حقيقةً.
والوجه فيه: أنَّ الإقدار غير ملازمٍ للقتل خارجاً؛ فإنَّه كما يمكن أن يصرف القدرة في القتل، يمكنه أن يصرفها في عملٍ حسنٍ، فاستناد القتل إلى الفاعل حقيقيّةٌ من دون عنايةٍ ومجازٍ. كما أنَّه في عين الوقت تصحّ هذه النسبة وإلى الطبيب وإلى غيره؛ باعتبار أنَّه يعطي القوّة للمريض آناً فآناً حتّى آن صدور الفعل، فالإقدار على الفعل منتسبٌ إليه. وهذا هو الأمر بين الأمرين.
والمدّعى هو: أنَّ أفعال العبيد كلّها من هذا القبيل؛ باعتبار أنَّها تصدر منهم، فهي منتسبةٌ إليهم، فهم الفاعلون حقيقةً، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(1). فالعبد ليس مجبوراً على عمل، فله أن يشكر، وله أن يكفر، والله تعالى قد هداه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً(2)، وهو مختارٌ في كلا الفعلين.
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وحيث إنَّه غير مستقلٍّ في العمل؛ لأنّا قلنا: إنَّ الممكن لا يستقلّ عن الواجب آناً من الآنات، فإفاضة الوجود دائماً منه سبحانه بالنسبة إلى حياة العبد وقدرته وسمعه وبصره وحركاته وسائر قواه، فهو يفيض آناً فآناً حتّى آن صدور الفعل منه، فهذا الفعل منه سبحانه؛ لأنَّه هو الذي أقدره على العمل وأعطاه جميع الإمكانيّات التي يتوقّف عليها صدور هذا الفعل منه. ولذا صحّ أن يُقال: إنَّ الله شاء هذا العمل، لا باعتبار أنَّ العمل صدر منه سبحانه، أو أجبر العبد عليه، ولا باعتبار انتهاء الفعل إلى المشيئة الإلهيّة، ولكن صدوره منه لأنَّ العبد غير قادرٍ على الإيجاد؛ لأنَّه غير قادرٍ على الوجود.
إذ نتحفّظ على سلطانه، فليس هنا فاعلٌ استقلالاً في قباله سبحانه، ونتحفّظ على عدله؛ لأنَّ الفعل لا يكون بأمرٍ خارج عن الاختيار. وهذا هو ما استفدناه من كلمات أئمّة الهدى (عليهم الصلاة والسلام)، وهذا ممّا اختصّ به مذهب الشيعة، وهو الموافق للواقع؛ لأنَّه يتحفّظ على كلا الجهتين: سلطان الله وعدله.
وبهذا البيان ثبت الأمر بين الأمرين والمنزلة بين المنزلتين.
نعم، هاهنا شيءٌ، وهو أنَّ الاستناد العرفي غير البرهاني. أمّا الاستدلال البرهاني فهو أنَّ جميع الحسنات والسيّئات لا يفرّق بينها في صدور كلّ فعلٍ من هاتين الجهتين: جهة الاستناد إلى العبد؛ باعتبار أنَّ الفعل صدر باختياره، وجهة الاستناد إلى الله تعالى؛ باعتبار أنَّه يفيض الوجود آناً فآناً، فبحسب الدّقة لا فرق في ذلك.
ولكن بحسب الاستناد العرفي لو فرض أنَّ العبد عمل عملاً صالحاً، جاز
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أن يُقال: إنَّ الله تعالى أولى بهذه الحسنة من العبد نفسه؛ لأنَّ مبادئ العقل كلّها من إيجاده سبحانه، وليس للعبد إلَّا أنَّه أعمل اختياره في الفعل، وإلَّا فقواه وحياته من الله سبحانه، وجميع مقدّمات الفعل بيد الله سبحانه، وليس وجهة الانتساب إلى العبد من جهة إعمال الاختيار. ولذا يصحّ أن يُقال: إنَّ الله أولى بالحسنة من العبد، ومن هنا ورد في بعض كلمات بعض الأكابر أنَّه لا يمكن أن يتمّ الشكر على نعم الله أبداً؛ للزوم التسلسل؛ فإنَّ الشكر أيضاً بإقدار الله تعالى وتوفيقه، فيحتاج إلى شكرٍ آخر إلى ما لا ينتهي إلى حدٍّ.
وأمّا لو فرضنا أنَّ العبد شقي وصرف هذه القوى والمبادئ بالمعصية، فهو أولى بمعصيته؛ فإنَّه تعالى لم يجبره على العمل، فيصحّ أن يُقال: إنَّه أولى بالمعصية؛ فإنَّ المعصية لم تصدر منه جبراً، بل باختياره، والله تعالى أعطاه القوّة على الفعل ووفّر له المبادئ، فلماذا صرفها في القبيح، ولم يصرفها في الفعل الحسن؟ ومن هنا ورد عن الله تعالى فيما حكاه مولانا أبو الحسن الرضا عنه: “أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي”(1). وهذا البيان تامٌّ بحسب الواقع الخارجي، أعني: أن يسند الحسنات إلى الله سبحانه؛ فإنَّه أولى بها من العبد، وأن يسند السيّئات إلى العبد ويُقال: هو أولى بها؛ فإنَّه تعالى لم يجبره على السيّئة، بل قد صرف قوّته فيها باختياره.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
(1) الكليني، الكافي 1: 157، كتاب التوحيد، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، الحديث 3، والصدوق، التوحيد: 363، الباب 59، الحديث 10، والمجلسي، بحار الأنوار 5: 16، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، الباب 1، الحديث 20.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ثُمَّ إنَّ ذلك مجرّد إسنادٍ في الكلام، وإلَّا فبالدّقة لا فرق بين الحسنة والسيّئة في أنَّ كلّ فعلٍ يصدر باختيار العبد حقيقةً وبمشيئة الله حقيقةً، وهذا هو الأمر بين الأمرين.
وبذلك نختم الكلام في هذه المسألة، وله الحمد أوّلاً وآخراً.
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الفصل الثاني: في صيغة الأمر ونحوها
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ويقع الكلام في الصيغة في جهاتٍ:
ربما ذكروا معاني متعدّدةً للصيغة وقالوا: إنَّها قد تُستعمل في مقام الطلب أو الاستهزاء أو التهديد أو التعجيز(1). فهل المستعمل في نحو هذه الموارد متعدّدٌ أو واحدٌ؟
المعروف بينهم: أنَّ الصيغة تُستعمل في معانٍ متعدّدةٍ، وأنَّ المستعمل فيه متعدّدٌ. ولكن صاحب (الكفاية) (2) أنكر ذلك، وادّعى أنَّ المستعمل فيه أمرٌ واحدٌ، وهو إنشاء الطلب. غاية الأمر أنَّ الدواعي تختلف، فقد يكون إنشاء الطلب بداعي الطلب الحقيقي، وقد يكون بداعي السخرية، وقد يكون بداعي
ــــــــــ[251]ــــــــــ
(1) أُنظر: محمد تقي الأصفهاني، هداية المسترشدين: 138، المقصد الثاني، المطلب الثاني، البحث الأوّل، المقام الثالث، والطباطبائي، مفاتيح الأُصول: 110، القول في بيان صيغة افعل وما في معناها.
(2) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 69، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الاستهزاء والتعجيز وغيره ممّا ذكروه، فالاختلاف في الدواعي دون المستعمل فيه. وغاية ما يمكن أن يُقال هو: أنَّ الصيغة موضوعةٌ لإنشاء الطلب فيما إذا كان الداعي هو الطلب الحقيقي، ولازم ذلك الالتزام بالمجاز فيما إذا كان الداعي غير الطلب الحقيقي. فصاحب (الكفاية)(1) يقول: إنَّه قد يكون الموضوع له حصّةً خاصّةً من الطلب، وهو الذي يكون الداعي إليه الطلب الحقيقي. وأمّا إذا استُعملت الصيغة في إنشاء الطلب بغير هذا الداعي، فإنَّه وإن كان المستعمل فيه واحداً، إلَّا أنَّ داعي الطلب الحقيقي غير موجودٍ، فيكون فاقداً للقيد، فيكون مجازاً. وأمّا أنَّ المستعمل فيه واحدٌ فغير قابلٍ للإنكار.
وبعد ذلك ترقّى وذكر بأنّ هذا يرد في الصيغ الإنشائيّة: كالاستفهام؛ فإنَّ الاستفهام يُستعمل في إنشاء طلب الفهم، فقد يكون الداعي هو طلب الفهم واقعاً، كما إذا كان المتكلّم جاهلاً وأراد الاستعلام، وقد يكون الداعي أمراً آخر من إنكارٍ وغيره، فالاختلاف في الداعي أو المستعمل فيه.
وذكر أنَّه لا موجب لدعوى أنَّ المستعمل فيه في الاستفهامات الواردة في القرآن وغيره من كلام الله تعالى غير المستعمل فيه الاستفهام إذا وقع في كلام شخصٍ آخر، بل المستعمل فيه أمرٌ واحدٌ، وهو طلب الفهم إنشاءً، وهو غير مستحيلٍ فيه سبحانه. وإنَّما المستحيل لله هو الطلب الحقيقي للفهم الذي لازمه نسبة الجهل إليه تعالى وافتقاره إلى الاستفهام.
ــــــــــ[152]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ثُمَّ بناءً على ما ذكره المشهور من أنَّ الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ، وأنَّ في قولنا: (هل جاء زيدٌ؟) يوجد فردٌ من طلب الفهم، وفي قولنا: (اضرب) يوجد فردٌ من طلب الضرب، وأنَّ الإنشاء موضوعٌ لإيجاد معنىً وجوداً لفظياً، وهو نحوٌ من الوجود، فما ذكره وجيهٌ لا بأس بالالتزام به، أعني: أنَّ المستعمل فيه أمرٌ واحدٌ، والاختلاف في الدواعي.
وأمّا بناءً على ما ذكرناه فقد تقدّم استحالة إيجاد المعنى في اللفظ، كما تقدّم في الفرق بين الجمل الخبريّة والإنشائيّة، وأنَّ الإنشاء إنَّما هو أمرٌ نفساني ليس له واقعٌ إلَّا النفس في مقابل الحكاية، والجمل الخبريّة مدلولها أمرٌ نفساني ناظرٌ إلى الخارج تارةً يكون مطابقاً للواقع وأُخرى يكون مخالفاً له، وبهذا تختلف الجملتان الإنشائيّة والخبريّة، وعليه فإيجاد المعنى باللفظ لا نتعقّل له معنىً محصّلاً.
وعلى هذا فصيغة افعل أو غيرها إذا كان الداعي إلى استعمالها هو الأمر النفسي، أي: اعتبار شيءٍ على ذمّة المخاطب وإبراز هذا الاعتبار بمبرزٍ، فالصيغة بنفسها تكون مصداقاً للطلب. وقد قلنا: إنَّ الطلب بمعنى التصدّي إلى ما تعلّقت به الإرادة، فإذا تعلّقت الإرادة بفعل الغير، فيتصدّى لوجوده، وبما أنَّه غير اختياري له، وإنّما هو باختيار الغير، فيبعثه نحوه ويبرز اعتباره بمثل هذه الصيغة، فيكون طلباً، أي: تصدّياً إلى ما تعلّق به الشوق، فالصيغة مصداقٌ للطلب، لا إنشاءٌ له؛ فإنَّ الطلب غير قابلٍ للإنشاء.
وأمّا إذا استُعملت الصيغة في مقام التهديد والاستهزاء، فما هو موجودٌ في النفس هو أمرٌ آخر غير اعتبار المادّة في ذمّة المخاطب، بل قصد تهديد هذا
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الشخص أو السخرية أو الاستهزاء به، ومن جهة وجود هذا الأمر في النفس يقول: (افعل)، (اضرب)، (صلّ) استهزاءً، فيكون المبرز أمراً آخر غير الأمر الأوّل.
والوجه فيه: أنَّ المبرز في الأمر الأوّل كان هو الاعتبار النفسي، والمبرز هنا هو التهديد أو السخرية أو التعجيز، فتكون هذه الصيغة مصداقاً للتهديد، أي: يهدّده بنفس هذا الكلام، كما تكون مصداقاً للتعجيز، أي: يظهر عجزه بنفس هذا الكلام.
فهذا مصداقٌ للتهديد لا للطلب، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ المستعمل فيه أمرٌ واحدٌ؟! بل المستعمل فيه أمرٌ متعدّدٌ لا محالة؛ فإنَّ المبرز في أحدهما شيءٌ، والمبرز في الآخر شيءٌ آخر، وإن كان المبرز صورةً واحدةً.
إذن، لا مناص من الالتزام بأنّ المعاني متعدّدةٌ، لا بمعنى: أنَّ الصيغة استُعملت في التهديد، كما ذهب إليه المشهور، بل استُعملت الصيغة في إبراز قصد التهديد، وكانت مصداقاً للتهديد، كما في الطلب بعينه حين تكون إبرازاً لقصد جعل المادّة على ذمّة المخاطب ومصداقاً له، فالمعاني إذن متعدّدةٌ. ولكن لا ينبغي الشكّ في أنَّه متى ما لم تقم قرينةٌ تدلّ على أنَّ الداعي أمرٌ آخر: كالتهديد أو التعجيز أو غيره، فمقتضى الظهور العرفي أنَّ الصيغة أتى بها من جهة اعتبار المادّة على ذمّة المخاطب، وبذلك يكون هو المعنى الحقيقي، والاستعمال في غيره مجازاً.
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لا ينبغي الشك في أنَّ الصيغة المستعملة في مقام الطلب والتي تكون مصداقاً للطلب، تنقسم إلى قسمين: فقد يكون الطلب على نحو الحتم والإلزام، بحيث لو خالف المكلّف ولم يمتثل، استحقّ العقاب، إذا كان الأمر صادراً ممّن يجب امتثال أوامره. وقد لا يكون الطلب كذلك، بل يكون الخيار باقياً بعد الأمر، فله أن يمتثل وأن لا يمتثل. ولذا يُعبّر عن الأمر بالوجوب والآخر بالاستحباب، أي: هو مأمورٌ به لا على حدّ الإلزام والحتم، بل يجوز تركه.
فوقع الكلام في أنَّ صيغة الأمر هل هي موضوعةٌ للقسم الأوّل، أي: الوجوب، فيكون استعمالها في الاستحباب مجازاً وبحاجةٍ إلى قرينةٍ، أو أنَّها موضوعةٌ للاستحباب واستعمالها في موارد الحتم والوجوب بحاجةٍ إلى قرينةٍ، أو أنَّها موضوعةٌ على وجه الاشتراك بين الاستحباب والوجوب فإذا استُعمل اللفظ بلا قرينةٍ، فلا بُدَّ من التوقّف، كما إذا اُستعملت الألفاظ المشتركة بلا قرينةٍ، أو أنَّها موضوعةٌ للجامع بين الوجوب والاستحباب، فتكون خصوصيّة الإلزام وعدمها ملغاةً ويكون كلٌّ منها بخصوصه بحاجةٍ إلى قرينةٍ، ومع عدمها يتمسّك بالأصل العملي بالنسبة إلى الشكّ في الوجوب؟ هذه هي الاحتمالات في المسألة.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
اختار صاحب (الكفاية)(1) أنَّه موضوعٌ للوجوب، واستدلّ عليه بالتبادر؛ إذ لو اُطلقت الصيغة ولم تكن مصحوبةً بقرينةٍ على الاستحباب من داخلٍ أو خارجٍ، فإنَّه يتبادر منها الوجوب، فهي حقيقةٌ في الوجوب، والندب بحاجةٍ إلى قرينةٍ.
ويؤيّد التبادر: أنَّ سيرة العقلاء قائمةٌ على صحّة مؤاخذة مخالف أمر المولى مع عدم القرينة على الاستحباب، فليس له أن يعتذر باحتمال الاستحباب. ولو كانت الصيغة موضوعةً للندب أو مشتركةً بين الندب والوجوب أو موضوعةً للقدر الجامع بينهما، لصحّ هذا الاعتذار؛ فإنَّ الوجوب إذا لم تدلّ عليه قرينةٌ واللفظ غير دالٍّ عليه؛ لأنَّه موضوعٌ للاستحباب أو للجامع أو كان مشتركاً مجملاً، فكيف يصحّ عقاب الشخص إذا خالف أمر مولاه، مع أنَّ العقاب بلا بيانٍ قبيحٌ؟ فصحّة عقاب العقلاء وذمّهم للمخالف يؤكّد أنَّها موضوعةٌ للوجوب، فتكون سائر الاحتمالات الأُخرى ساقطةً.
ثُمَّ أشكل على نفسه: بأنَّه كيف يمكن أن يُقال: إنَّ المتبادر من الصيغة هو الوجوب مع أنَّ استعمال الصيغة في الندب شائعٌ، فيكون من قبيل المجاز المشهور، فيكون أرجح؟
وأجاب عن ذلك: بالمنع صغرىً وكبرىً أما منع الصغرى فبإنكار أنَّ استعمال الصيغة في موارد الاستحباب أكثر من استعمالها في موارد الوجوب. وأمّا
ــــــــــ[256]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 70، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، المبحث الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
منع الكبرى فإنَّه على تقدير كون استعمالها في الاستحباب أكثر من الوجوب، لا بأس بذلك إذا كان مع القرينة؛ فإنَّ الاستعمال المجازي مع القرينة وإن كثر لا يمنع عن الحمل على المعنى الحقيقي إذا لم يكن اللفظ مصحوباً بالقرينة.
ونظير ذلك العمومات والمخصّصات؛ فإنَّ العموم كثيراً ما استُعمل في الخصوص حتّى قيل: ما من عامٍ إلَّا وقد خصّ، ومع ذلك يحمل اللفظ على العموم إذا ورد مجرّداً عن المخصّص، فإنَّ كثرة الاستعمال في الخصوص لا تمنع الحمل على العموم عند عدم القرينة(1).
أمّا ما أفاده من التبادر فهو ممّا لا ينبغي الشكّ فيه، كما أنَّ العقلاء يعاقبون ويذمّون من خالف أمر المولى، إلَّا أنَّه لم يثبت أنَّ هذا لأجل الوضع، وأنَّ الصيغة موضوعةٌ للوجوب حتّى إذا استُعملت في الندب كانت مجازاً. بل نقول: إنَّه يمكن استفادة الوجوب بحكم العقل، فلم يثبت أنَّ التبادر من الدلالة الوضعيّة، والتبادر إنّما يكون دليلاً على الحقيقة إذا علمنا أنَّه مستندٌ إلى نفس اللفظ وحاقّه. وفي المقام لم يثبت ذلك؛ لاحتمال بل لتعيّن أنَّ الوجوب مستفادٌ من حكم العقل وبقانون المولويّة والعبوديّة، وهو أجنبيٌ عن اللفظ.
إذن، لم يثبت أنَّ الصيغة موضوعةٌ للوجوب أو غيره؛ فإنَّه وإن كان استعمالها في الوجوب صحيحاً، إلَّا أنَّ الدلالة ليست وضعيّةً ليُقال: إنَّها موضوعةٌ للوجوب.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 70، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، المبحث الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا إنكاره الصغرى: -من حيث إنَّ الأمر في موارد الوجوب أكثر من الأمر في موارد الاستحباب- فإنَّ هذا لم يثبت، بل الظاهر أنَّه ليس كذلك؛ فإنَّه ما من واجب من الصلاة والصوم والحجّ وغيره، إلَّا وهو مقرونٌ بأضعاف أضعافه من المستحبّات، بالإضافة إلى سائر المستحبّات الأجنبيّة عن الواجبات، فالظاهر أنَّ استعمال الصيغة في الاستحباب أكثر.
وأمّا منع الكبرى فالصحيح ما ذكره، أي: إنَّ اللفظ إذا كان له معنىً حقيقي ومعنىً مجازي، وفرضنا أنَّه استُعمل في المعنى المجازي مع القرينة أكثر من استعماله في الحقيقي، فإن استُعمل بلا قرينةٍ في موردٍ حُمل على المعنى الحقيقي، وكثرة الاستعمال في المعنى المجازي مع القرينة لا تمنع من التوقّف على حمله على الحقيقي عند عدم القرينة.
إلَّا أنَّ تنظيره بالعامّ والخاصّ غير صحيحٍ؛ فإنّا قلنا في ذلك المبحث: إنَّ التقييد لا يوجب المجاز، وإنَّما هو تقييدٌ في المتعلّق، كما ذهب إليه، بل هو الصحيح؛ إذ إنَّ العامّ يُستعمل في معناه الحقيقي دائماً. وبيان ذلك: أنَّ (إلَّا) في قولنا: (أكرم كلّ عالم إلَّا الفساق) لا تدلّ على أنَّ (كلّ) استُعملت في غير ما وضع له، غاية الأمر يدلّ على أنَّ مدخوله ليس طبيعة العالم على إطلاقه بل المقيّد بأن لا يكون فاسقاً، فالتنظير في غير محلّه.
فتحصّل: أنَّه لم يدلّ دليلٌ على أنَّ الصيغة موضوعةٌ للوجوب، بحيث لو استُعمل في الاستحباب كان مجازاً، بل نرى أنَّ الاستعمال في جميع الموارد من الواجبات والمستحبّات من سنخٍ واحدٍ، فلا موجب للالتزام بأنَّ الاستعمال في أحدهما حقيقي وفي الآخر مجازي.
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأفاد بعضهم(1): أنَّ دلالة الصيغة على الوجوب من جهة إطلاقها وجريان مقدّمات الحكمة؛ فإنَّ اللفظ يدلّ على تعلّق الإرادة بمتعلّق الأمر لا محالة، وأنّ المادة، أي: ما تعلّقت به الهيئة، مطلوبةٌ للآمر لا محالة. وحيث إنَّ الإرادة على قسمين: إرادةٍ قويّةٍ ينشأ منها الوجوب، وإرادةٍ ضعيفةٍ ينشأ منها الاستحباب، فالإرادة القويّة هي صرف الإرادة ولا يشوبها شيءٌ غيرها. وأمّا الضعيفة فهي مقيّدّةٌ ومتقوّمةٌ بالضعف، فإذا كان المتكلّم في مقام البيان وأبرز إرادته باللفظ ولم ينصب قرينةً على تعيين الإرادة، لزم أن يحمل على الإرادة القويّة؛ فإنَّها لا تزيد على الإرادة بشيءٍ، بل هي صرف الإرادة، فيتعيّن الوجوب.
إلَّا أنَّ هذا البيان مخدوشٌ من وجوه:
◙ الأوّل: أنَّ مدلول الصيغة ليس هو الإرادة؛ فإنَّ الوجوب والاستحباب من الأحكام المجعولة، والإرادة صفةٌ نفسانيّةٌ غير مجعولةٍ، وسبق أن قلنا في بحث الطلب والإرادة: إنَّ الإرادة من الصفات النفسيّة لا الأفعال النفسيّة، فمدلول الأمر ليس هو الإرادة. نعم، الإرادة متحقّقةٌ في بعض الموارد، كما في أوامر المولى العرفية؛ فإنَّ المولى العرفي لا يوجب شيئاً إلَّا إذا كان متعلّق الأمر ما تعلّق به شوقه، وحينئذٍ فقد يكون الشوق مؤكّداً، وقد لا يكون، إلَّا أنَّ هذا ليس من لوازم الأمر والنهي، فإنَّهما فعلان اختياريّان ينشآن من المصلحة في المتعلّق. فإذا كان المتعلّق ذا مصلحةٍ ملزمةٍ، فالمولى يوجبه، وإن لم تبلغ المصلحة
ــــــــــ[259]ــــــــــ
(1) أُنظر: العراقي، بدائع الأفكار: 212، المبحث الثاني، في بيان دلالة صيغة الأمر على الوجوب.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
حدّ الإلزام، يأمر به استحباباً، وإلَّا فالإرادة غير متحقّقةٍ في المولى الحقيقي. كما لا معنى للإرادة التشريعيّة فيه؛ ليس هاهنا إلَّا الإيجاب والاستحباب، وهما فعلان، ومنشأ الأمر الوجوبي والاستحبابي هو المصلحة في متعلّقه العائدة إلى نفس العبد، لا إلى الله سبحانه؛ فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ(1). نعم، في الموالي العرفيّة الإرادة ثابتةٌ؛ لأنَّ متعلّق أمره مشتاقٌ إليه، وحيث إنَّ الفعل فعل غيره كان له أن يأمر به.
فمدلول الأمر ليس هو الإرادة أصلاً حتّى يُقال: إنَّ اللفظ يُحمل على الإرادة القويّة؛ لأنَّها لا تزيد على الإرادة بشيءٍ، ولكن الإرادة الضعيفة إرادةٌ وغير إرادةٍ، أي: إنَّها مشوبةٌ بالضعف، بل ليس مدلول الأمر هو الإرادة أصلاً، بل شيءٌ من سنخ الأفعال، على ما ذكرناه آنفاً من أنَّه اعتبارٌ نفسي يبرز بمبرزٍ في الخارج وإن اختار المشهور أنَّه حكمٌ ينشأ من الطلب، فهو على أيّ حالٍ من قبيل الأفعال، لا من قبيل الصفات النفسانيّة.
◙ الثاني: أنَّ الإرادة القويّة أو الضعيفة بما أنَّها أمرٌ ممكنٌ فهي محدودةٌ بحدٍّ، وصرف الإرادة لا معنى له، بل الإرادة محدودةٌ بحدٍّ لا محالة: إمّا حدّ القوّة وإمّا حدّ الضعف، وصرف الإرادة لا ثبوت له في الخارج؛ فإنَّ الممكن لا بُدَّ أن يكون محدوداً بحدٍّ، وعليه كان كلٌّ من الإرادتين القويّة والضعيفة محدودتين. فإذا كان مدلول الأمر هو الإرادة، فكلٌّ منهما يحتاج إلى القيد، وكما أنَّ الضعيف مقيّدٌ بالضعف، فكذلك القوي مقيّدٌ بالقوّة. فإذا أُطلق اللفظ ولم يكن هنا
ــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
قرينةٌ، فلا بُدَّ من التوقّف؛ لأنّا لا نعلم أنَّ إرادة المولى ضعيفةٌ أو قويّةٌ. وعليه فليست الإرادة القويّة والضعيفة من قبيل المطلق والمقيّد، بل كلاهما مقيّدٌ؛ فإنَّ الإرادة المطلقة غير المقيّدة لا وجود لها في الخارج.
◙ الثالث: أنّا لو تنزّلنا عن ذلك أيضاً، وفرضنا أنَّ مدلول الأمر هو الإرادة، وأنَّ الإرادة القويّة هي صرف الإرادة، وأنَّ الاستحباب ليس هو صرف الإرادة، بل هو الإرادة محدودةً بحدّ الضعف، فمع ذلك لا موجب للحمل؛ إذ لا مقتضى لحمل اللفظ على ما يكون صرف الشيء، بل يحمل على المطلق مع عدم القرينة، أي: الجامع بين الصرف وغيره؛ فإنَّ الصرف قسمٌ من الجامع. ومن هنا إذا أُطلق الموجود والحي والعالم، لا يُحمل اللفظ على الواجب تعالى؛ باعتبار أنَّه صرف الوجود وصرف الحياة وصرف العلم؛ فإنَّه وإن كان الأمر كذلك؛ فإنَّه تعالى ليس فيه نقصٌ ولا شأنيّة نقصٍ، فهو وجودٌ كلّه وعلمٌ كلّه وحياةٌ كلّه وقدرةٌ كلّه، إلَّا أنَّه إذا أُطلق لفظ الحي والعالم لا ينصرف إليه سبحانه؛ فإنَّ اللفظ موضوعٌ للجامع بين الصرف وغير الصرف. فإذا أُطلق اللفظ ولم يكن هناك قرينةٌ معيّنةٌ، لا يحمل اللفظ على أحد القسمين، وهو صرف العلم أو صرف الوجود؛ فإنَّ كلّ ذلك يحتاج إلى قرينةٍ. إذن لا يمكننا إثبات الوجوب من جهة الإطلاق وجريان مقدّمات الحكمة.
فالصحيح أن يُقال: إنَّ الوجوب خارجٌ عن مدلول اللفظ، وإنَّما يُستفاد من حكم العقل وقانون المولويّة والعبوديّة، فهو من المدركات العقليّة لا المداليل اللفظيّة.
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وبيان ذلك: أنَّ اللفظ يدل على بيان أمرٍ نفساني هو الاعتبار. فإذا قال: (صلِّ) كشف بالوضع عن أنَّ الصلاة معتبرةٌ للمولى في ذمّة المخاطب. فإذا أنشأ الاعتبار بدلالة اللفظ ولم يرد ترخيصٌ في تركه، فقانون المولويّة والعبوديّة يقتضي حكم العقل بأنَّ العبد متى ما ثبت شيء في ذمّته من قبل المولى من دون ورود ترخيصٍ من قبله، لا بُدَّ له من الخروج عن عهدة التكليف، فإذا خالف استحق العقاب وحكم العقل بعدم قبح عقابه لو عاقبه المولى، أي: إنَّ العقاب يقع في محلّه، وهذا هو معنى استحقاق العقاب. وعليه فحكم العقل من جهة قانون المولويّة والعبوديّة؛ إذ لا يخرج العبد عن زي العبوديّة والرقّيّة، وهذا الزي يقتضي أن يكون العبد كالميّت بين يدي الغسّال: أينما يحركه يتحرّك إلى تلك الجهة، فلا يكون له إرادةٌ في قبال إرادة المولى.
فالوجوب إذن خارجٌ عن مدلول الأمر بالكلّيّة، وإنَّما هو بحكم العقل بوجوب الإطاعة وقبح المعصية. فإذا أمر بالصلاة، حكم العقل بوجوبها، ولكنّه إسنادٌ بالعرض، وإنَّما يحكم العقل بالذات بإطاعة المولى، والشارع أو غيره يوجد الموضوع بهذا الحكم العقلي. فالعقل لا يحكم بوجوب الصلاة، بل بإطاعة المولى، وبعد صدور الأمر يحكم العقل بوجوب الإتيان به؛ لأنَّه مصداقٌ للطاعة، والطاعة واجبةٌ بحكم العقل، والمعصية قبيحةٌ بحكم العقل؛ فإنَّها ظلمٌ وتعدٍّ على المولى، والظلم قبيحٌ عقلاً، فالحكم بالحرمة من قبل العقل لا الشرع.
وهذا هو الصحيح في المسألة، والوجوب والاستحباب خارجان عن مدلول اللفظ.
وبهذا تمّ الكلام حول مدلول الصيغة.
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا الجمل الخبريّة المستعملة في مقام الطلب فقد ذكر صاحب (الكفاية)(1): أنَّها أيضاً دالّةٌ على الوجوب، خلافاً لبعضهم كصاحب (المستند)(2) الذي أنكر دلالتها على الوجوب، غاية الأمر أنَّها تدلّ على المحبوبيّة.
وذكر صاحب (الكفاية)(3) في وجه الدلالة على الوجوب: أنَّ الجملة الخبريّة إذا استُعملت في مقام الإنشاء والطلب لم تُستعمل إلَّا في معناها الذي استُعملت فيه في مقام الإخبار، أي: إنَّ المستعمل فيه في كلتا الجملتين الخبريّتين (الواردة للطلب والواردة للإخبار) واحدٌ، وهو الحكاية عن وقوع الإعادة في الخارج، ولكن الداعي إلى الحكاية يختلف؛ إذ قد يكون الداعي هو الحكاية بداعي الإخبار، وقد يكون الداعي هو بيان المطلوبيّة لهذا الشيء. فالاختلاف بين الجملتين ليس في المستعمل فيه، وإنَّما هو في الداعي، وبذلك ظهر أنَّ الجملة
ــــــــــ[263]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 71، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الثالث.
(2) أُنظر: النراقي، مستند الشيعة في أحكام الشريعة 2: 217، المقصد الثالث، الباب الأوّل، الفصل الخامس، المسألة الخامسة، وغيره.
(3) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 71، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لا تكون كاذبةً إذا لم تتحقّق الإرادة في الخارج، كما إذا فرضنا أنَّه لا يعيد صلاته، فلا يلزم أن تكون كاذبةً؛ فإنَّها وإن كانت خبريّةً، إلَّا أنَّها ليست بداعي الإخبار والحكاية لتتّصف بالصدق والكذب، بل بداعي إظهار الطلب. وليس الإخبار فيها مدلولاً جديّاً، كما هو الحال في الكنايات نحو: (زيدٌ كثير الرماد)؛ فإنَّه لا يلزم الكذب في المدلول اللفظي إذا لم يكن لزيدٍ رمادٌ، وإنَّما العبرة في المخبر به، وهو السخاء، وإلَّا فوجود الرماد وعدمه أجنبي عن صدق الكلام وكذبه. ولذا قاس المقام على هذا، فذكر أنَّ المستعمل فيه واحدٌ، والاختلاف في الداعي، كما ذكر نظيره فيما إذا استُعملت الصيغة في معانٍ أُخر غير الطلب: كالتهديد ونحوه.
وذكر في وجه الدلالة على الوجوب: أنَّ الكلام يكشف عن اشتياق المولى إلى وقوع المأمور به في الخارج بحدٍّ لا يرضى بتركه أصلاً، بل يفرضه موجوداً، ويحكي عن وجوده، وذلك كما في قوله: “من تكلّم في صلاة أعاد”(1) فكأنَّه فرض إعادة الصلوة أمراً مسلّماً مفروغاً عنه، بحيث لا يمكن أن لا تقع في الخارج، بل يلزم أن تقع لا محالة. إذن دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب أقوى من الصيغة؛ لأنَّ الصيغة لا تحتوي على مثل هذه الخصوصيّة، فدلالتها أقوى من الصيغة وإن كانت دلالتها وضعيّةً عنده.
ــــــــــ[264]ــــــــــ
(1) أُنظر: القاضي النعمان المغربي، دعائم الإسلام 1: 172، كتاب الصلاة، ذكر الكلام والأعمال في الصلاة، والطبرسي، مستدرك الوسائل 5: 427، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 21، الحديث 1، والمجلسي، بحار الأنوار 81: 307، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلّي وما يتبعه، الباب 17، الحديث 33.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ثُمَّ ذكر: أنَّه على تقدير التنزّل عن ذلك، فلا إشكال في أنَّ هذه النكتة تصلح أن تكون معيّنةً للوجوب من بين بقيّة الاحتمالات؛ فإنَّ الجملة الخبريّة وإن كانت تُستعمل في الوجوب وغيره، إلَّا أنَّ هذه النكتة لا أقلّ تكون قرينةً معيّنةً. إذن الجملة الخبريّة المستعملة في الطلب دالّةٌ على الوجوب(1). نعم، أنكر جماعة منهم صاحب المستند دلالتها على الوجوب في كثير من الموارد.
فليقع الكلام في أكثر من مقام:
◙ الأوّل: أنَّ المستعمل فيه في موارد الطلب في الجملة الخبريّة هل هو المستعمل فيه في مقام الحكاية، والاختلاف في الداعي، كما ذكره صاحب (الكفاية)؟ أو أنَّ المستعمل فيه في أحدهما يغاير المستعمل فيه في الآخر؟
وقد ظهر الحال في ذلك ممّا ذكرناه في الفرق بين الجمل الخبريّة والإنشائيّة؛ إذ تقرّر أنَّهما يشتركان في أنَّ كلاً منهما يبرز أمراً نفسانيّاً، إلَّا أنَّ الأمر النفساني في أحدهما هو الحكاية، ولذا تتّصف بالصدق والكذب، وفي الآخر غير الحكاية من الترجّي والتمنّي أو اعتبار شيءٍ على ذمّة المخاطب، فالاختلاف في المبرز، وإلَّا فاللفظ مطلقاً في الجمل الإنشائيّة والإخباريّة موضوعٌ لإبراز أمرٍ قائمٍ في النفس، وهذا هو معنى البيان(2) الذي أنعم الله به على الإنسان واختصّ به دون سائر المخلوقات.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
() أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 71، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الثالث.
(2) إشارةٌ إلى قوله تعالى: الرَّحْمَنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2) خَلَقَ الإِنسَانَ(3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (الرحمن: 1-4).
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وعليه فالمدلول في الجملة الخبريّة المستعملة في الطلب هو الاعتبار، ولا يمكن أن يُقال: إنَّ المستعمل فيه اللفظ في كلتا الحالتين واحدٌ؛ فإنَّ التعبير بـ(أعاد صلاته) إذا كان مستعملاً إخباراً، أبرز المتكلّم قصده بحكاية وقوع الإعادة في الخارج. وأمّا في مقام الإنشاء فإنَّه لا يقصد الحكاية يقيناً، بل يأتي بهذا اللفظ لإبراز قصدٍ نفساني هو الاعتبار، لا قصد الحكاية.
إذن، كيف يمكن أن يُقال: إنَّ المستعمل فيه واحدٌ، والاختلاف إنّما هو في الداعي؟
◙ الثاني: أنَّنا لو بنينا على وحدة المستعمل فيه، على ما ذكره، وفرضنا أنَّ الجملة الخبريّة مستعملةٌ في معنىً واحدٍ، وأنَّ الاختلاف في الداعي، إذن كيف نثبت الدلالة على الوجوب؟ فإنَّه حينئذٍ الصحيح ما أثبته صاحب (المستند) وغيره؛ فإنَّه لا دلالة له على الوجوب.
وبيان ذلك: أنَّنا إذا علمنا أنَّ غرض المتكلّم والداعي له إلى الكلام ليس هو قصد الحكاية، فكيف نثبت أنَّ قصده الوجوب؟ فلعلّ قصده والداعي إليه هو إظهار الحبّ بشكلٍ زائدٍ، ولذا أخبر عن وقوعه، ولا يلزم أن يكون واجباً؛ فإنَّ الدلالة على الوجوب لا بُدَّ لها من دالٍّ، وعرفنا في ضوء هذا المدلول من خارجٍ أنَّه ليس في مقام الإخبار. وأمّا أنَّه في مقام الإلزام فمن أين لنا إثباته؟ غاية الأمر أنَّه يدلّ على الجامع بين الوجوب والاستحباب، فالوجوب يحتاج إلى دليلٍ آخر.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا النكتة التي أشار إليها وذكر أنَّها موجبةٌ لظهور الجملة الخبريّة في الوجوب أو كونها على الأقلّ قرينةً على ذلك فغير صالحةٍ للقرينيّة ولا الظهور.
والوجه في ذلك: أنّا نرى عدم صحّة استعمال الجمل الخبريّة على إطلاقها في مقام الطلب؛ فإنَّ الجمل الاسمّية لا يمكن استعمالها في مقام الطلب على الإطلاق، ليكون نكتة الوجوب فيها هو أنَّ المتكلّم يقصد الإخبار عن وقوعه؛ لشدّة شوقه إليه، بحيث لا يرضى بتركه. أفيمكن أن يُقال: (زيدٌ قائمٌ) ويقصد به إيجاب القيام على زيدٍ وجعله في ذمّته؟! بل يعدُّ هذا من الأغلاط.
فلو صحّ ما ذكره في مقام إظهار الشوق الأكيد، لصحّ استعمال الجملة الاسمّية أيضاً في مقام الطلب، فيُقال: (زيدٌ قائمٌ)، أو (المؤمن مصلٍّ أو مزكّ)، وكلّه متعذّرٌ. ومرادنا بالجملة الاسمّية أن يكون محمولها مشتملاً على المبدأ نحو: (قائم) (صائم) (مزكّ)، لا فيما إذا كان في الجملة ما يدلّ على الوجوب، كما في قوله تعالى: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1)، فإنَّ الوجوب يُستفاد من (على) أي: إنَّ الحجّ عليهم ثابتٌ في ذمّتهم. بل الجملة الفعليّة أيضاً غير صالحةٍ لذلك، أي: لاستعمالها في مقام الطلب، فلا يمكن أن يُقال: (زيدٌ أعاد صلاته)، أو (المتكلّم في صلاته يعيد صلاته). بل هذا أيضاً غلط كالأوّل، وإنَّما الجائز من استعمال الجملة الخبريّة في مقام الطلب هو ما إذا كان في ضمن الجملة الشرطيّة: إمّا صريحاً نحو: (إذا تكلّم في صلاته أعاد)، و(إذا ضحك في صلاته أعاد صلاته)، أو (إذا أفطر في صومه قضاه أو كفّر
ــــــــــ[267]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
عنه)، أو بنحو الشرطيّة الضمنيّة كقوله: “من تكلّم في صلاة أعاد”(1)، فإنَّه في حكم الشرطيّة. وأمّا في غير هذه الموارد -أي: ما لم تكن الجملة مستعملةً على نحو الشرطية إمّا بالمطابقة أو بنحوٍ من الدلالة على حكم الشرطيّة- فلا نرى لاستعماله وجهاً، بل هو غلطٌ في اللغة العربيّة وفي غيرها، كما أنَّ الاستعمال في الجملة الشرطيّة صحيحٌ في اللغة العربية وغيرها.
وأمّا في غير الجملة الشرطيّة فلا يصحّ الاستعمال، فليس ما ذكره من النكتة صحيحاً ووجهاً للاستعمال، وإلَّا لو كان الأمر على ما ذكره وأنَّ صحّة الاستعمال من باب أنَّه لا يرضى بعدمه، ولذا أخبر عن وجوده، فإنَّ هذا لا يختصّ بالجملة الشرطيّة، بل يسري إلى الجمل الاسمّية والفعليّة أيضاً، مع أنَّه لا يجوز، فما ذكره لا يكون موجباً للظهور ولا للقرينيّة.
◙ الثالث: أنَّه إذا لم يتمّ ما تقدّم فهل دلالة الجملة الخبرية على الوجوب صحيحةٌ أو لا؟
والدلالة على ما ذكرناه صحيحةٌ؛ فإنَّه لا شكّ أنَّها تدلّ على الطلب. وهذا المعنى ممّا لم ينكره حتّى صاحب (المستند)(2). وإنّما الكلام في الدلالة على
ــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) أُنظر، القاضي النعمان المغربي، دعائم الإسلام 1: 172، كتاب الصلاة، ذكر الكلام والأعمال في الصلاة، والطبرسي، مستدرك الوسائل 5: 427، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 21، الحديث 1، والمجلسي، بحار الأنوار 81: 307، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلّي وما يتبعه، الباب 17، الحديث 33.
(2) مرّت الإشارة إليه آنفاً.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الوجوب، وقد ذكرنا أنَّ الوجوب والاستحباب خارجان عن مدلول الصيغة، أي: صيغة الجملة الخبريّة، بل القرينة تدلّنا على أنَّ المتكلّم ليس في مقام الإخبار، وإنَّما يبرز بذلك طلبه، أي: اعتباره النفسي وثبوت هذا الفعل على ذمّة المخاطب أو الموضوع، والعقل يحكم بوجوب إطاعة المولى ولزوم الخروج عمّا جعله في ذمّته. فالملاك في دلالة الصيغة والجملة الخبريّة على الوجوب واحدٌ، وليست الدلالة لفظيّةً، بل يحكم العقل بعد ثبوت موضوعه -أي: الأمر من المولى- بوجوب الإطاعة إذا لم يرد ترخيصٌ في الترك من قبل المولى. وهذا كما هو ثابتٌ في الصيغة ثابت في الجملة الخبريّة بوجهٍ واحدٍ.
بقي الكلام فيما إذا كان في متعلّق صيغةٍ واحدةٍ أمران علمنا أنَّ أحدهما من الخارج مستحبٌّ، فهل يكون ذلك قرينةً على أنَّ الآخر مستحبٌّ أو يتوقّف؟
اختلفت كلماتهم في ذلك، ومثاله ما لو قيل: (اغتسل للجمعة والجنابة)، وفرضنا أنّا علمنا من الخارج أنَّه ليس بواجبٍ. فهل يمنع ذلك ظهور الصيغة في وجوب الغسل الثاني، أو يكون باقياً على وجوبه، أو يتوقّف؟
ويمكن ملاحظة ذلك في كثيرٍ من الروايات نحو: روايات التحنيط(1)؛ فقد أُمر فيها بتحنيط الميّت أزيد من الموارد السبع، وقد علمنا باستحباب الباقي. فهل يبقى الباقي على وجوبه أو لا؟
ــــــــــ[269]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في باب تحنيط الميّت وتكفينه من الكافي 3: 143، وغيره.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أمّا على ما ذكر صاحب (الكفاية)(1) وغيره(2) من أنَّ اللفظ حقيقةٌ في الوجوب ومجازٌ في غيره، فلا بُدَّ من التوقّف؛ لأنّا علمنا أنَّ الصيغة لم تُستعمل في الوجوب؛ لأنَّ بعض أفرادها غير واجبٍ، فيكون قرينةً على أنَّ الهيئة لم تُستعمل في الوجوب، وإلَّا كان غسل الجمعة واجباً أيضاً. وحينئذٍ فلا بُدَّ من الالتزام باستعماله في الجامع بين الوجوب والاستحباب، فلا يبقى دليلٌ على وجوب الباقي، ولابدَّ من التوقّف.
وأمّا على ما ذكرنا من أنَّ الوجوب خارجٌ عن مدلول اللفظ، بل هو ثابتٌ بحكم العقل، فالمستعمل فيه أمرٌ واحدٌ، وهو إبراز الاعتبار، وهو مشتركٌ بين الوجوب والاستحباب، وإنَّما نحكم بالوجوب لأمرٍ خارجٍ هو حكم العقل فإذا ثبت دليلٌ على الترخيص في الترك بالنسبة إلى البعض، يبقى البعض الآخر على وجوبه؛ فإنَّ اللفظ لم يُستعمل في الجامع حتّى يتوقّف في الباقي، وإنَّما استُعمل بمعنىً واحدٍ في موارد الوجوب والاستحباب. فلولا الترخيص الذي ثبت من الخارج، لالتزمنا بوجوبها كلّها، ولكن دلّ الترخيص على أحدها، فيبقى الآخر تحت حكم العقل، أي: الخروج عن عهدة ما تعلّق به أمر المولى، من دون أن يثبت الترخيص منه، فلا مانع من التفكيك والالتزام بالوجوب في أحدهما دون الآخر.
هذا تمام الكلام في دلالة الصيغة على الوجوب.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 72، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الرابع.
(2) أُنظر: العراقي، بدائع الأفكار: 196، الجهة الثالثة، في وجه دلالة لفظ الأمر على الوجوب.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والكلام في هذه الجهة يقع في مقامين:
وقبل ذلك لا بُدَّ من تمهيد مقدّماتٍ:
فنقول: إنَّ التوصّلي هو ما إذا كان الواجب على نحوٍ يسقط ولو لم يقصد به القربة، فلا يستحقّ العبد العقاب إلَّا على تقدير الترك بقولٍ مطلقٍ. ويقابل هذا الواجب التعبّدي، وهو الواجب الذي يكون بنحوٍ لا يسقط إلَّا بقصد القربة، وإلَّا كان كالعدم، فلا فرق بين عدم الإتيان به أو الإتيان به من دون قصد
ــــــــــ[271]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
القربة. هذا من جهة العقاب. وأمّا من جهة الثواب فلا فرق بين الواجبين، فاستحقاقها إنَّما يكون إذا أتى به بقصد القربة.
وقد يطلق التوصّلي بمعنى آخر، وهو أن يكون الواجب على نحوٍ يسقط ولو بفعل الغير، أو إذا أتى به بلا قصدٍ واختيارٍ، أو ولو في ضمن فردٍ محرّمٍ بحيث يسقط بمطلق وجوده من دون دخلٍ لشخص الفاعل أو الاختيار أو لإباحة الفعل فيه.
وهذا المعنى للتوصّلي يغاير الأوّل؛ فإنَّ بينهما عموماً من وجهٍ، فقد يسقط الواجب بفعل الغير، ولا دخل للمباشرة فيه، ومع ذلك فهو تعبّدي بالمعنى الأوّل، كالزكاة؛ فإنَّها تسقط بفعل الغير إمّا تبرّعاً أو بأمرٍ من الحاكم الشرعي، كما هو الصحيح، فلا يُعتبر فيها المباشرة، مع أنَّها فعلٌ تعبّدي. وكذلك القضاء عن الميّت بالنسبة إلى الولد الأكبر الذي يجب أن يقضي ما فات عن أبيه من صلاةٍ وصيام، فلو استناب غيره بإيجارٍ أو غيره أو تبرّع الغير بالقضاء عن الميّت، سقط ما في ذمّة الولد، ولا يُعتبر فيه المباشرة مع أنَّه تعبّدي بلا إشكالٍ، فهو توصّلي بالمعنى الثاني وإن كان تعبّدياً بالمعنى الأوّل.
وقد يكون شيءٌ توصّليّاً بالمعنى الأوّل دون الثاني، كما في ردّ السلام؛ فإنَّ ردّ السلام على من قصد التسليم عليه واجبٌ توصّلي بالمعنى الأوّل، أي: لا يُعتبر فيه قصد القربة دون المعنى الثاني؛ فإنَّه يُعتبر فيه المباشرة من المسلَّم عليه، ولا يسقط إذا أجاب غيره. فالنسبة بين التوصّليين نسبة العموم من وجه، فقد يجتمعان، كما في كثيرٍ من الواجبات: كإزالة النجاسة إذا قلنا بوجوبها الشرعي من باب المقدّميّة؛ فإنَّها لا يُعتبر فيها قصد القربة ولا المباشرة، بل إذا حصل بلا
ــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
قصدٍ أيضاً سقط الواجب، بل إذا حصل في فردٍ محرّمٍ سقط أيضاً؛ فإنَّه إذا غسّله بماءٍ مغصوبٍ يحكم بطهارته أيضاً.
والكلام في المقام يقع: تارةً في الواجب التوصّلي بالمعنى الثاني، وأُخرى في التوصّلي بالمعنى الأوّل، ويقع البحث أوّلاً في التوصّلي بالمعنى الثاني، كما إذا شككنا في أنَّ الواجب هل يسقط بفعل الغير أو في ضمن الفرد المحرّم، أو بلا اختيارٍ، أو لا يسقط؟ والكلام يقع في مقامين: تارةً من جهة الأصل اللفظي، وأُخرى من جهة الأصل العملي.
وفيه مسائل:
◙ المسألة الأُولى: لو شكّ في سقوط الواجب بفعل الغير أو اعتبار المباشرة فيه، كما في مسألتنا في بحث الفقه، أي: في أنَّ التحنيط الواجب على المكلّفين هل يسقط بفعل الصبي المميّز أو غير المميّز أو لا يسقط؟
نُسب إلى المشهور(1) أنَّهم قالوا بالسقوط؛ تمسّكاً بالإطلاق؛ فإنَّه إذا لم تُؤخذ فيه قصد القربة؛ علمنا أنَّ المطلوب هو المطلق، وهذا هو ظاهر عبارة (العروة) (2) أيضاً؛ فإنَّ عدم اعتبار قصد القربة فيه فرع السقوط بفعل الصبي غير المميّز.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
(1) أُنظر: محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى 4: 192، فصل: في أحكام الأموات، فصل: في الحنوط، المسألة 2.
(2) أُنظر: اليزدي، العروة الوثقى 1: 414، فصل: في أحكام الأموات، فصل: في الحنوط، المسألة 2.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولكن ذكرنا: أنَّه لا ملازمة بين الأمرين: بين عدم اعتبار قصد القربة وعدم اعتبار المباشرة؛ فإنَّ هذا شيءٌ وذاك شيءٌ آخر.
وبيان ذلك: أنَّ التكليف المتوجّه إلى شخصٍ خاصٍّ أو إلى جماعةٍ بنحو الواجب الكفائي، كما في التحنيط، يقتضي ظهوره في أنَّ العمل ثابتٌ في ذمّة المخاطب، كما سبق أن قلناه من أنَّ هيئة الطلب وُضعت لإبراز الأمر النفسي من اعتبار شيءٍ في ذمّة المخاطب، فهو مطلوبٌ منه، والعمل مطلوبٌ، والشكّ في أنَّ الواجب توصّلي أو لا يعني: هل يسقط بفعل الغير أو لا؟ فبحسب التصوّر يرجع إلى أنحاءٍ ثلاثةٍ:
ــــــــــ[274]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إلَّا أنَّ مقتضى الإطلاق هو عدم الاشتراط؛ فإنَّ الشكّ فيه يرجع إلى الشكّ
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
في تقييد الوجوب بأن لا يصدر من الغير، وعند الشكّ في التقييد نتمسّك بالإطلاق؛ فإنَّ الإطلاق في مقام الإثبات كاشفٌ عن الإطلاق في مقام الثبوت، فيثبت أنَّ الوجوب عند المولى غير مقيّدٍ بأن لا يأتي به شخصٌ آخر.
إذن، في كلّ موردٍ -سواء كان الواجب تعبّديّاً أو توصّليّاً بالمعنى الأوّل، أي: مشروطاً بقصد القربة أو لا- إذا شككنا في أنَّ الوجوب يسقط بفعل غير المكلّف أو لا يسقط إلَّا بمباشرته، فإنَّ مقتضى إطلاق الدليل أن يحكم بعدم السقوط، وأنَّ الواجب ليس توصّليّاً بهذا المعنى وإن كان توصّليّاً بالمعنى الأوّل، ولا ملازمة بينهما.
وعلى ذلك قرّرنا في مسألة التحنيط: أنَّه إذا صدر من الغير، نشكّ في أنَّ التكليف المتوجّه إلى البالغين بالتحنيط هل هو مشروطٌ بعدم فعل الصبي أو لا؟ مقتضى الإطلاق عدم الاشتراط، وأنَّه لا بُدَّ من صدوره من المكلّف، وأنَّ سقوطه يحتاج إلى دليلٍ على الاشتراط، ومقتضى الإطلاق عدمه.
هذا إذا كان هناك أصلٌ لفظي.
وأمّا إذا فرضنا أنَّه ليس هناك إطلاقٌ، كما إذا لم يكن المتكلّم في مقام البيان، فهل يقتضي الأصل العملي الإطلاق وأن يحكم بعدم السقوط، أو يقتضي الاشتراط، أي: يسقط بفعل الغير؟
نقول: أنَّ الأمر إذا دار بين سقوط الواجب بفعل الغير أو عدم سقوطه به، وشككنا في ذلك، فالوجه المعقول فيه هو أن يرجع الشكّ إلى الشكّ في الإطلاق والاشتراط؛ فإنّ الوجوب التخييري غير ممكنٍ أو غير واقعٍ في المقام.
ــــــــــ[276]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فلا بُدَّ أن يكون منشأ الشكّ هو احتمال الاشتراط بعدم إتيان الغير به، ومع الشكّ لا بُدَّ من الرجوع إلى الإطلاق؛ فإنّ الإطلاق في مقام الإثبات وعدم التقييد كاشفٌ عن الإطلاق في مقام الثبوت، فيصدق أنَّ الوجوب غير مشروطٍ بإتيان الغير بالعمل.
وأمّا إذا لم يكن هناك إطلاقٌ، فتصل النوبة إلى الأصل العملي، ويختلف الامر في ذلك باختلاف الموارد؛ إذ قد يكون محتمل الشرطيّة غير ثابتٍ من الأوّل، فلا يكون ما يحتمل كونه شرطاً ثابتاً من الأوّل، فيرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في التكليف بالنسبة إلى من لا يكون واجداً لما يُحتمل شرطيته للواجب. وعلى تقدير إطلاق الوجوب يكون الوجوب فعليّاً، وعلى تقدير الاشتراط لا يكون فعليّاً؛ لعدم تحقّق الشرط، وحينئذٍ تجري فيه أصالة البرائة؛ فإنَّ الشكّ في التكليف موردٌ للبراءة عقلاً وشرعاً.
وأمّا لو كان الشرط ملحوظاً في زمانٍ وكان التكليف فعليّاً في وقتٍ، ثُمَّ زال الشرط، فحينئذٍ نشكّ في بقاء التكليف وعدمه. فعلى تقدير الإطلاق يكون التكليف باقياً، وعلى تقدير الاشتراط يرتفع التكليف بارتفاع شرطه، فالشكّ إذن في بقاء التكليف. ويجري ذلك في موارد الإتيان بالعمل من قبل غير المكلّف به، كما في مورد كلامنا؛ حيث نشكّ في أنَّ وجوب التحنيط هل هو مشروطٌ بعدم الإتيان من الغير وإن لم يكن مكلّفاً كالصبي والمجنون، أو أنَّه مطلقٌ، فلا يسقط بفعله؟
وبيان ذلك: أنَّه عندما مات الميّت لم يكن محنّطاً بالضرورة؛ لأنَّ التحنيط أمرٌ
ــــــــــ[277]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
متأخّرٌ عن الموت؛ إذ يجب أوّلاً أن يغسّل الميّت ويكفّن ثُمَّ يحنّط، وبعد صدور التحنيط من الصبي وكان التكليف فعليّاً بالنسبة إلى البالغين، وكان شرطه على تقدير الاشتراط بعدم قيام الغير متحقّقاً، نشكّ في وجود التكليف وعدمه؛ إذ لو كان مطلقاً لم يسقط بفعل غير المكلّف، وعلى تقدير الاشتراط سقط به. إذن نشكّ في بقاء التكليف وارتفاعه. فإذا قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، جرى استصحاب بقاء التكليف، أي: وجوب التحنيط، كما كان سابقاً. وإذا أنكرناه، كما هو الصحيح، تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال؛ فإنَّ التكليف الفعلي الذي تعلّق بذمّة المكلّف لا بُدَّ من إحراز الخروج عن عهدته. وبمقتضى حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجّز يلزم الخروج عن عهدة التكليف، وأن نأتي به، وأن لا نرتّب أثراً على فعل غير المكلّف.
ففي مثل هذه الموارد إذا دار الأمر بين أن يكون ساقطاً بفعل الغير أو غير ساقطٍ به، فمقتضى الأصل اللفظي على تقدير وجوده أو الأصل العملي على تقدير عدم وجوده هو عدم الاشتراط وأنَّه مطلق من ناحية فعل الغير له.
ولذا قلنا في كثير من الموارد -ومنها مسألة التحنيط-: إنَّ الوجوب لا يسقط بفعل غير المكلّف له.
◙ المسألة الثانية: إذا شككنا في أنَّ الواجب هل يسقط بمطلق وجوده ولو بغير اختيارٍ وقصدٍ، كما في حالات الغفلة، أو لا بُدَّ من الإتيان به مختاراً وقاصداً، فيشكّ في كونه توصّليّاً، أي: يكتفى بمطلق وجوده، أو لا بُدَّ من الإتيان به عن قصدٍ والتفاتٍ؟
ــــــــــ[278]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فحاصل الكلام فيه: أنَّنا إن شككنا في ذلك وقلنا: إنَّ الأمر يتعلّق بالحصّة المقدورة والاختياريّة، كما هو المعروف والمشهور، فلا بُدَّ أن يكون متعلّق الأمر الإرادة والاختيار، وإلَّا لم يكن مقدوراً. فالشكّ بناءً عليه يرجع إلى الشكّ في الإطلاق والاشتراط، كما في المسألة الأُولى؛ لأنَّ الصادر غفلةً لم يتعلّق به التكليف قطعاً؛ لأنَّ متعلّق التكليف هو الحصّة المقدورة. فإذا شككنا في سقوط الواجب بغير الاختياري، كان من باب الشكّ في الاشتراط؛ إذ نشكّ أنَّ الواجب -أي: ذات الواجب، لا بما هو واجبٌ- هل هو مشروطٌ بعدم صدور الفعل غفلةً أو عن غير اختيارٍ وقدرةٍ أو لا؟ فعلى تقدير الاشتراط يسقط بوجوده عن غير اختيارٍ، وإلَّا بقي التكليف منجّزاً، وحينئذٍ فالمرجع هو الأصل اللفظي والتمسّك بإطلاقه. وعلى تقدير عدمه يتمسّك بقاعدة الاشتغال.
وأمّا إذا قلنا: إنَّه لا دليل على لزوم تعلّق التكليف بالحصّة المقدورة، وإنَّما متعلّقه هو الجامع بينها، فبناءً عليه يرجع الشكّ إلى الشكّ في تقييد متعلّق الواجب بقيدٍ آخر، أي: نشكّ في أنَّ المتعلّق والجامع هل هو مقيّدٌ بما إذا صدر عن اختيارٍ وقصدٍ أو لا؟ فإذا كان هناك إطلاقٌ نتمسّك به ونقول: إنَّ متعلّق التكليف غير مقيّدٍ بهذه الحصّة. وعند عدم الإطلاق يكون الشكّ شكّاً في شرطيّة شيءٍ في الواجب، ومقتضاه جريان البراءة، كما هو الحال في الشكّ في شرطيّة شيءٍ أو جزئيّته في غير هذا المقام.
فالمدار في المقام هو لزوم تعلّق التكليف بالحصّة المقدورة أو عدمه. فإذا قلنا به، فغير المقدور لا يكون واجباً يقيناً، وإنَّما نحتمل أنَّه مسقطٌ للتكليف، فيكون شكاً في الاسقاط، وهو مجرى للبراءة. وأمّا إذا قلنا بأنَّ متعلّق التكليف
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
هو الجامع، فإن كان هناك إطلاقٌ تمسّكنا به، وحكمنا بسقوطه ولو بالإتيان به غفلةً. وأمّا إذا لم يكن هناك إطلاقٌ، فنحكم أيضاً بالبراءة.
وتوضيح ذلك: أنَّ جماعةً(1) ادّعوا أنَّ متعلّق التكليف هو الحصّة المقدورة المختارة، والحصّة غير المختارة خارجةٌ عن التكليف. واستدلّوا على ذلك بوجوهٍ:
ويُلاحظ عليه: أنَّ دعوى الانصراف إلى الحصّة الاختياريّة فاسدةٌ؛ وذلك لأنَّ هذا الانصراف إمّا من جهة مادّة الأفعال أو من جهة الهيئات.
أمّا من جهة المواد فمن الضروري أنَّها لم توضع للحصّة الاختياريّة، فالنوم والأكل والقيام والسفر وغيرها لم يُوضع شيءٌ منها للحصّة الاختياريّة. نعم، في جملةٍ من الموارد يكون الاختيار مأخوذاً في نفس المعنى وغير قابلٍ للصدق على غيره، لا من جهة الانصراف، بل من جهة أخذه في المعنى، كالتحذير والهتك والإهانة وغيرها من الأفعال القصديّة، وهي خارجةٌ عن محلّ الكلام؛ إذ لا يمكن صدورها بغير اختيارٍ حتّى يتكلّم عن انصرافها. وأما غيرها ممّا لم يُؤخذ فيه الاختيار فهو موضوعٌ لمعنىً جامعٍ، أي: للهيئة. أمّا أنَّ الهيئة وجدت في
ــــــــــ[280]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 143، دلالة الصّيغة على التّعبديّة والتّوصّليّة، الأمر الأول، والبجنوردي، منتهى الأُصول 1: 317، المبحث السابع، الأمر الثالث، المقام الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الخارج باختيار الفاعل أو لا فهذا غير مأخوذٍ فيها؛ فإنَّه كما يصدق القيام على الصادر عن اختيارٍ، كذلك يصدق على الصادر عن غير اختيارٍ ولو كان في صورة التقييد، كأن يُقال: قام بغير اختياره أو قام غافلاً. فدعوى الانصراف من ناحية الموادّ واضحة الفساد.
وأمّا من ناحية الهيئات فلعلّ فساده أوضح من الأوّل؛ فإنَّها موضوعةٌ للجامع بين أن يكون متعلّقه قابلاً لتعلّق الاختيار به أو لا يمكن تعلّقه به أصلاً، كما في الأوصاف؛ فإنَّها تقابل الأفعال، كما تقدّم في بحث الطلب والإرادة من أنَّها غير قابلةٍ لتعلّق الاختيار بها، كسواد الجسم وغيره، بل كلّ صفةٍ قائمةٍ بالإنسان: كالشجاعة والكرم ونحوهما، مع أنَّه يمكن أن تعرضها الهيئة نحو أراد ومال وأحبّ. وعليه فالصفات وإن كانت غير قابلةٍ للصدور اختياراً، إلَّا أنَّ الهيئة ترد عليها، كما ترد على سائر الموادّ، وهي في ورودها على الأفعال على قسمين؛ فإنَّه كما يصحّ أن يُقال: (قام زيدٌ) وهو فعلٌ اختياري، يصحّ أن يُقال: (مات زيدٌ)، وهو غير اختياري. فالهيئة مشتركةٌ بين الأفعال الاختياريّة وغيرها، فكيف يمكن دعوى الانصراف إلى الحصّة الاختياريّة؟
فهذه الدعوى فاسدةٌ قطعاً، فلا يمكن الالتزام بأنّ الأمر متعلّقٌ بالحصّة الاختياريّة؛ لانصرافه إلى الفعل الاختياري.
نعم، هاهنا وجهان آخران ذكرهما شيخنا الأُستاذ(1) في خصوص الأوامر،
ــــــــــ[281]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 183، المقصد الأوّل، انقسام الواجب إلى مطلقٍ ومشروطٍ، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأنّ الأوامر والنواهي إنّما تتعلّق بالنسبة الاختياريّة دون ما لا يكون اختياريّاً.
وبعبارةٍ أُخرى: الأمر عبارةٌ عن تحريك المخاطب نحو شيءٍ وجعل الداعي له، وحيث إنَّ الإرادة لا تتعلّق إلَّا بفعلٍ صادرٍ عن اختيارٍ، فالتحريك إنَّما يكون نحوه. وأمّا غير الاختياري فلا يمكن البعث نحوه؛ لأنَّ الانبعاث نحوه متعذّرٌ.
ويندفع هذا بما ذكرناه من أنَّ الأمر إبراز ما في نفس الآمر من الاعتبار أو شيءٍ آخر أو غيره، وذكرنا في بحث الخبر والإنشاء أنّا لا نتعقّل شيئاً غيره؛ فإنّا لا نرى للبعث والإرادة التشريعيّة وأمثالها من العناوين بعد البحث والتفتيش واقعاً غير ما ذكرناه من أنَّ الآمر يعتبر شيئاً في ذمّة المكلّف، ثُمَّ يبرزه بمبرزٍ من أمرٍ وغيره. وليس في المقام دليلٌ على اعتبار القدرة في متعلّق التكليف إلَّا حكم العقل باللغويّة، واعتبار ما هو خارجٌ عن قدرته في ذمّته لغوٌ ظاهرٌ. ولذا تُعتبر
ــــــــــ[282]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 102، الأمر الأول، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المقام الثاني، المبحث الثاني، الأمر الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
القدرة في متعلّق الأمر، ونقول باستحالة التكليف الخارج عن الاختيار؛ فإنَّ تعلّقه به لغوٌ محضٌ، ووجود الاعتبار وعدمه سيّان بالنسبة إلى وجوده وعدمه؛ فإنَّه إذا وجد بطبعه فهو موجودٌ وإذا لم يوجد بطبعه فهو غير موجودٍ، ولا دخل لإرادة المكلّف فيه، ولا أثر للتكليف وعدمه في المقام.
إلَّا أنَّ هذا لا يقتضي إلَّا أن يكون طلب غير المقدر لغواً مستحيلاً على المولى الحكيم. وأمّا الجامع بين المقدور وغيره – أي: الطبيعي الذي تكون حصّةٌ منه مقدورةً وأُخرى غير مقدورةٍ؛ إذ مثل هذا الطبيعي لا مانع من اعتباره في ذمّة المكلّف، ولا لغويّة فيه؛ فإنَّ الإطلاق كما ذكرنا غير مرّة هو إلغاء القيود، والحصّة الاختياريّة وغيرها سيّان؛ فإنَّ الغرض قائمٌ بالطبيعي الجامع. كما لا قبح فيه عقلاً، ولا يكون تكليفاً بما لا يطاق وبما هو خارجٌ عن القدرة؛ لأنَّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدورٌ لا محالة. وحينئذٍ فلا مانع من اعتباره في ذمّته، إذا لم يكن للحصّة الاختيارية دخلٌ في نظر المولى، بل يكون تقييد الأمر بخصوص المقدور مع عدم دخل هذه الحصّة في غرضه لغواً بلا موجبٍ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ نفس الأمر والطلب لا يقتضي القدرة في متعلّقه، كما ادّعاه شيخنا الأُستاذ؛ لأنَّ دعوى أنَّ البعث لا يكون إلَّا عند إمكان الانبعاث لا أساس لها، بل التحقيق أنَّ العقل يحكم باعتبار القدرة في المتعلّق؛ للغويّة الأمر بما ليس بمقدورٍ، والعقل لا يرى مانعاً من تعلّق الأمر والاعتبار النفسي بالجامع بين المقدور وغيره، إذا لم يكن للمولى غرضٌ في خصوص المقدور.
إذن، يمكن الأمر بالجامع، وعليه فالتقييد يحتاج إلى دليلٍ، فإن كان هناك
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إطلاقٌ لفظي ولم يقيّد الأمر بالمقدور، نستكشف أنَّ المأمور به هو الجامع الأعمّ من المقدور وغيره، وإلَّا فتصل النوبة إلى الأصل العملي الذي يقتضي عدم التقييد في متعلّق الأمر؛ لجريان البراءة، فيبقى الأمر متعلّقاً بالجامع بلا دخلٍ للخصوصيّة فيه.
وبهذا يظهر الفرق بين المقام وبين المسألة الأُولى؛ فإنَّه هناك لم يكن الأمر متعلّقاً بالجامع بين فعل الإنسان وغيره؛ إذ لا معنى لاعتبار الجامع في ذمّة المكلّف؛ فإنَّ ذمّة المكلّف إنَّما تشتغل بما هو صادرٌ منه، وأمّا الصادر من الغير فلا معنى لاعتباره في ذمّة الغير. والشكّ هناك لا بُدَّ أن يرجع إلى الشكّ في الإطلاق والاشتراط، وأمّا هنا فيمكن أن يكون الجامع بين المقدور وغيره معتبراً في الذمّة، وحينئذٍ نتمسّك بالإطلاق في مقام الإثبات، وندفع احتمال تقييد الواجب بالمقدور، وإلَّا فالأصل العملي يقتضي البراءة من التقييد.
إذن، فهذه المسألة والمسألة الأُولى متعاكستان؛ فإنَّ كلاً من الأصل اللفظي والعملي في المسألة الأُولى لا يقتضيان السقوط، وهنا يقتضيان السقوط، فإذا صدر الفعل من المكلّف بغير اختيار اجتزئ به؛ لأنَّ الأصل يقتضي عدم التقييد بالقدرة.
ــــــــــ[284]ــــــــــ
(1) أُنظر: أجود التقريرات 1: 101-102، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المقام الثاني، المبحث الثاني، الأمر الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الفعل الذي لم يتعلّق به القصد والاختيار لا يتّصف بالحسن الفاعلي، أي: الصدور من فاعله حسناً وإن كان حسناً من جهة الفعل، أي: فيه مصلحةٌ، وعليه فيتقيّد الواجب بما إذا كان صادراً بالاختيار؛ لاعتبار الحسن الفاعلي في اتّصاف الفعل بالوجوب.
ويرد على ما ذكره:
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إلى التعبّدي والتوصّلي، وهو خلاف المفروض والمسلّم به.
إذن، لا يُشترط في اتّصاف الفعل بالوجوب اتّصافه بالحسن الفاعلي، والصحيح أنَّ الأمر يتعلّق بالمقدور وغيره، وإذا شككنا في سقوط الواجب عند صدوره بدون اختيار، نحكم بالسقوط.
وعليه فهذه المسألة تغاير المسألة السابقة؛ فإنَّ كلاً من الأصل اللفظي والعملي في المسألة السابقة يقتضيان عدم السقوط، وفي المقام يقتضي كلٌّ منهما السقوط.
◙ المسألة الثالثة: ما إذا شككنا في سقوط الواجب إذا أتى به في ضمن فردٍ محرّمٍ وعدم سقوطه. ومحلّ الكلام فيما إذا كان الواجب متّحداً مع الحرام في الخارج وجوداً، أي: إنَّه وجودٌ واحدٌ مضافٌ إلى الواجب وإلى الحرام. وأمّا لو فرضنا أنَّ وجود الواجب في الخارج مغايرٌ لوجود الحرام، وإنَّما بينهما تلازمٌ، فهذا يدخل في باب اجتماع الأمر والنهي. فبناءً على الجواز، كما هو الصحيح، لا مانع من الاجتماع؛ فإنَّ الواجب مستلزمٌ للحرام، ولا منافاة بين أن يصدر من المكلّف أمران: واجب وحرام. وتفصيل ذلك في بحث اجتماع الأمر والنهي.
وأمّا إذا اتّحدا وكان الوجود الواحد مضافاً إلى كلا العنوانين، فتارةً نعلم من الخارج أنَّ الغرض الداعي إلى الإيجاب يتحقّق في أيّ فردٍ كان محرّماً أو غيره، وحينئذٍ لا يبقى شكٌّ في السقوط، لا من جهة الامتثال، بل من جهة حصول الغرض؛ فإنَّ الغرض إذا حصل سقط معه الوجوب فالإيجاد ثانياً بلا داعٍ ولا غرضٍ، وذلك مستحيلٌ على الحكيم. ومثاله ما وقع في جملةٍ من الواجبات التوصّليّة التي لا يُعتبر فيها قصد القربة، كإزالة النجاسة من المسجد،
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فإذا أزالها بماءٍ مغصوبٍ أو أزال نجاسة ثوبه أو بدنه به، يترتّب على ذلك كلّه سقوط الغرض. وإن شئنا عبّرنا بانتفاء الموضوع؛ فإنَّ الوجوب يدور مدار نجاسة المسجد، فإذا فرضنا أنَّه طهّره؛ لأنَّه لا يعتبر في الماء أن يكون مباحاً، فحينئذٍ لا يبقى بعده موضوعٌ للوجوب؛ فإنَّ موضوعه هو النجاسة.
وأُخرى لا نعلم بذلك، فيدور الأمر بين سقوط الوجوب وعدمه، وهنا لا ملازمة بين أن يكون الواجب توصّليّاً وبين أن يسقط بالفرد المحرّم، بل مقتضى القاعدة عدم السقوط، إلَّا إذا علم سقوط الغرض.
والوجه في ذلك: أنَّ الحرام إذا اتّحد مع الواجب، يستحيل أن يكون مصداقاً للواجب؛ لاستحالة اجتماع الأمر والنهي في الخارج؛ فإنَّ الحرام ليس فرداً من الواجب، وإنَّما الواجب هو الطبيعي الجامع؛ لأنَّ الوجوب يثبت للجامع، لا للفرد المأتيّ به خارجاً؛ فإنَّ هذا الفرد مصداقٌ للواجب، لا هو الواجب في نفسه. ومثاله الإتيان بالصلاة في أوّل الوقت أو وسطه أو آخره؛ فإنَّه لا يصحّ أن يُقال: إنَّ كذا وكذا هو الواجب، بل الواجب هو الكلّي الجامع بين الأفراد العرضيّة والطوليّة، والمأتيّ به مصداقٌ له وفردٌ منه. وأمّا الحرام فهو انحلالي لا محالة، والمطلوب منه هو صرف الوجود المنطبق على كلّ فردٍ، ومع هذا لا يكون مصداقاً للواجب؛ فإنَّ المصداق هو ما يصحّ انطباق العنوان عليه من جهة إطلاقه، والإطلاق لا يصحّ أن يشمل الفرد المحرّم؛ لأنَّ الشارع لم يثبت وجود هذا وعدمه. فإذا فرضنا أنَّ الفرد كان حراماً، فإنَّ الشارع قد منع منه وسدّ الطريق عنه، وهذا هو التقييد بالعدم، والإطلاق لا يمكن أن يجتمع مع التقييد بالعدم، فإذا وقع الفرد محرّماً بالفعل، يستحيل أن يكون مصداقاً
ــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
للواجب بالفعل. وعليه فالسقوط يحتاج إلى دليلٍ آخر، وإلَّا فمقتضى القاعدة عدم السقوط؛ من جهة إطلاق الدليل لو كان، وإلَّا فالمرجع هو الأصل العملي، كما في المسألة الأُولى.
ومنه أيضاً وجوب التحنيط؛ فإنَّه توصّلي، إلَّا أنَّه مع ذلك لا يجوز التحنيط بحنوطٍ مغصوبٍ؛ لأنَّه يكون مصداقاً للحرام، وهو ليس مصداقاً للواجب، وكذلك الكفن المغصوب؛ فإنَّه ليس مصداقاً للواجب. إذن فلا ملازمة بين التوصّليّة بمعنى: عدم اعتبار قصد القربة فيه وبين سقوطه بمطلق وجوده ولو بالفرد المحرّم، إلَّا إذا علمنا بسقوط الغرض، كما في مورد إزالة النجاسة عن المسجد، وإلَّا فالإطلاق يقتضي عدم السقوط، ومن هنا اعتبرنا في الحنوط أن يكون مباحاً، وإلَّا فإنَّه لم يدلّ دليلٌ خاصٌّ على ذلك.
هذا تمام الكلام فيما إذا شكّ في الواجب بين أن يكون توصّليّاً أو لا بالمعاني السابقة.
وليعلم: أنَّ الواجب الشرعي في الشريعة الإسلاميّة وغيرها ينقسم إلى قسمين؛ إذ قد يكون المطلوب مطلق وجوده من دون أخذ قصد القربة فيه، بل من جهة النظام الشخصي أو النوعي أو من جهة المصلحة الشخصيّة أو النوعيّة، كردّ السلام وردّ الأمانة وأداء الدين، وقد يكون المعتبر في الواجب العبوديّة والتخضّع، فيجب الإتيان به بقصد كونه عبادةً وخضوعاً لله تعالى،
ــــــــــ[288]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولا يكفي مطلق وجوده وإن لم يقصد به التقرّب: كالصلاة والصيام والزكاة والحجّ، ومنها الطهارات الثلاث.
فإذا علمنا أنَّ الواجب من القسم الأوّل، أي: إنَّ الله تعالى قد أوجبه لا لأجل التعبّد، بل لمصلحةٍ أُخرى شخصيّةٍ أو نوعيّةٍ، فلا إشكال، كما في كثيرٍ من الواجبات، كحقوق الزوجة على الزوج وبالعكس، وحقّ الأب على ابنه وبالعكس، وحقّ السيد على عبده وبالعكس، وحقّ الجار على جاره وبالعكس، ومنه وجوب أداء الدين وأداء الشهادة عند الحاكم في موارد الترافع، فهي إنَّما تجب لأجل النظام والمصلحة النوعيّة أو الشخصيّة.
وإذا علمنا أنَّ الواجب من القسم الثاني، كما في العبادات، فلا إشكال أيضاً.
وأمّا إذا تردّد الأمر بين أن يكون الواجب من القسم الأوّل، فلا يُعتبر فيه قصد القربة، بل يُكتفى بمطلق وجوده، وبين أن يكون من قبيل القسم الثاني، أي: لا بُدَّ من التقرّب به، فإذا أتى به من دون قصد القربة ومن دون إضافةٍ إلى المولى بوجه، لم يسقط الوجوب، فما الذي يقتضيه الأصل اللفظي. ومع عدمه فماذا يقتضي الأصل العملي؟ هذا ما وقع فيه الكلام بين الأعلام المحقّقين.
ولعلّ المشهور(1) ذهب إلى أنَّ الأصل اللفظي مفقودٌ، فلا يمكن التمسّك
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 75، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الخامس، وأبو الحسن الأصفهاني، وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول 1: 213-214، الفصل الثاني، المبحث الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بالإطلاق لإثبات أنَّ الواجب توصّلي، وحينئذٍ فلا بُدَّ من انتهاء الأمر إلى الأصل العملي. ولكن ذهب بعضهم(1) إلى أنَّه لا مانع منه إذا كان هناك إطلاقٌ وكانت مقدّمات الحكمة تامّةً؛ فلا مانع من التمسّك بالإطلاق اللفظي حينئذٍ.
والقائل بالمنع من التمسّك بأصالة الإطلاق استند إلى أمرين:
أحدهما: أنَّ التقييد غير معقولٍ في المقام؛ فإنَّه لا يمكن تقييد الأمر بقصد الأمر نحو: (صلِّ بقصد الأمر).
وثانيهما: أنَّه إذا كان التقييد مستحيلاً، فالإطلاق أيضاً محالٌ؛ فإنَّ التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، فإذا لم يمكن التقييد، لم يمكن الإطلاق. ففي الحقيقة المنكر للتقييد ينكر وجود الإطلاق؛ لأنَّ التقييد مستحيلٌ، فيكون الإطلاق مستحيلاً أيضاً؛ لأنَّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة؛ فإنَّه إذا لم يكن الشيء قابلاً للتقييد، لم يكن قابلاً للإطلاق. فالجدار حيث إنَّه غير قابلٍ للعمى، فهو غير قابلٍ للبصر أيضاً، مع أنَّه لا يُقال: إنَّ الجدار لا يبصر، وهذا هو الفارق بين هذا التقابل وبين التقابل بين النقيضين؛ فإنَّ تقابل النقيضين غير قابلٍ للارتفاع، والتقابل في المقام قابلٌ للارتفاع.
وعليه يقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: أنَّ تقييد المأمور به بقصد الأمر هل هو مستحيلٌ، كما اُدّعي أو لا؟
ــــــــــ[290]ــــــــــ
(1) أُنظر: الأنصاري، مطارح الأنظار: 60، القول في وجوب مقدّمة الواجب، هداية في تقسيم الواجب إلى التعبّدي والتوصّلي، والعراقي، نهاية الأفكار 1: 198، المبحث الثاني، الجهة الرابعة، الأمر الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المقام الثاني: أنَّه على تقدير استحالة التقييد هل يستحيل الإطلاق كذلك؛ فإنَّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة؟ أو يُقال: إنَّ استحالته لا تستلزم استحالة الإطلاق؟ فإذا سلّمنا بكلا هذين الأمرين -أي: إنَّ التقييد مستحيلٌ وإنّ استحالته مستلزمةٌ لاستحالة الإطلاق- فحينئذٍ تثبت دعوى المشهور من أنَّه لا يمكن التمسّك بالإطلاق لإثبات التوصّليّة. وأمّا إذا أنكرنا المقدّمة الأُولى أو الثانية، فيثبت أنَّ الواجب توصّلي، إلَّا إذا قام دليلٌ من الخارج على التعبّديّة.
ذكر شيخنا الأُستاذ(1) في المقام: أنَّه لا يمكن أخذ قصد التقرّب في متعلّق الأمر؛ لأنَّ كلّ ما يكون خارجاً عن القدرة وكان مأخوذاً في متعلّق التكليف لا بُدَّ أن يؤخذ مفروض الوجود، ويكون نسبته إلى الحكم نسبة الموضوع. والوجه فيه ظاهر؛ فإنَّ ما يكون خارجاً عن القدرة يستحيل أن يتعلّق به التكليف، فإذا أمر المولى أن يصلّي في أوّل الوقت، فالممكن للمكلّف أحد أمرين؛ فإنَّ له أن يحقّق الصلاة، ويمكن له أن يجعلها مقارنةً للزوال، فله أن يصلّي مع الزوال وأن لا يصلّي كذلك، إلَّا أنَّ نفس الزوال خارجٌ عن قدرة المكلّف، بل هو من فعل الله عزّ وجلّ.
ــــــــــ[291]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 106-107، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الثاني، الأمر الثاني، وفوائد الأُصول 1: 184- 186، المقصد الأوّل، انقسام الواجب إلى مطلقٍ ومشروطٍ، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وعليه فالزوال موضوعٌ للتكليف، أي: إنَّ وجوب الصلاة مشروطٌ بوجوده في الخارج، وقد أُخذ في التكليف مفروض الوجود؛ فإنَّ معنى (يجب على المكلّف الصلاة): أنَّه إذا تحقّق الزوال تجب الصلاة، فتحقق الزوال شرطٌ، وجزاؤه وجوب الصلاة. ولذا قلنا: إنَّ كلّ موضوع لا بُدَّ أن يكون تحقّقه شرطاً في تحقّق الحكم في الخارج، فمعنى (يحرم شرب الخمر): إذا وجد خمرٌ في الخارج فهو حرامٌ، فموضوع التكليف لا بُدَّ أن يؤخذ مفروض الوجود. وهذا في القيود الخارجة عن الاختيار واضح؛ فإنَّه لا يصحّ التكليف بالخارج عن الاختيار، بل لا بُدَّ أن يؤخذ التكليف مفروض الوجود.
وكذا بعض الأُمور الاختياريّة إذا علم من الدليل أنَّه أُخذ مفروض الوجود وأنَّه لا يجب على المكلّف إيجاده، كما في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)؛ فإنَّ ظاهره بحسب الفهم العرفي: أنَّ العقد لو وجد في الخارج يجب الوفاء به، لا أنَّه يجب الإتيان بالعقد. فالعقد وإن كان أمراً اختياريّاً، إلَّا أنَّه في قوّة ما هو خارجٌ عن الاختيار؛ باعتبار أخذه مفروض الوجود في وجوب الوفاء. ولذا ينحلّ إلى قضيّة شرطيّةٍ مفادها: إذا تحقّق العقد في الخارج يجب الوفاء به. ونحوه وجوب الإنفاق على الزوجة؛ فإنَّ الزوجيّة وإن كانت أمراً اختياريّاً، إلَّا أنَّ العرف يفهم أنَّه يجب الإنفاق على تقدير وجود الزوجيّة، لا أنَّه يجب إيجاد الزوجيّة.
وملخّص الكلام: أنَّ القيد المأخوذ في متعلّق التكليف إذا كان خارجاً عن
ــــــــــ[292]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الاختيار، فلا بُدَّ من أخذه مفروض الوجود؛ إذ يستحيل التكليف به؛ فإنَّ التكليف بما لا يطاق محالٌ. وأمّا الأمر الداخل تحت الاختيار فقد يكون بحسب المتفاهم العرفي مفروض الوجود، كالسفر لوجوب القصر، والعقد لوجوب الوفاء، والزوجيّة لوجوب النفقة، وقد لا يكون كذلك، بل يُؤخذ بنحوٍ يجب على المكلّف إيجاده ابتداءً، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة؛ فإنَّه يجب عليه إيجاد الصلاة مقيّدةً بها، فهي قيدٌ للمتعلّق، ولم تؤخذ مفروضة الوجود فيه.
وحيث إنَّ الأمر في محلّ الكلام خارج عن الاختيار؛ فإنَّ الأمر ليس باختياري للمكلّف؛ فإنَّه من أفعال المولى واختياريٌ له، وقد أُخذ الأمر في متعلّق التكليف، فإذا فرضنا أنَّ قصد الأمر كان مأخوذاً في متعلّق التكليف بالعبادة، وهو خارجٌ عن الاختيار، فلا بُدَّ أن يُؤخذ مفروض الوجود. إلَّا أنَّ أخذ الأمر مفروض الوجود في متعلّق الأمر غير معقولٍ؛ فإنَّ الأمر حكمٌ مترتّبٌ على متعلّقه، فكيف يكون الحكم والتكليف شيئاً واحداً؟ هذا خلفٌ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ الوجوب يتحقّق بقوله: (صلِّ)، فكيف يُؤخذ الأمر مفروض الوجود عند الأمر؟! هذا خلفٌ ظاهرٌ، على أنَّه مستلزمٌ للدور؛ فإنَّ فعليّة الحكم تتوقّف على فعليّة موضوعه لا محالة؛ لأنَّ ذلك هو معنى فرض الوجود على نحو القضيّة الشرطيّة، فإذا تحقّق الزوال تجب الصلاة، وإذا تحقّق الخمر في الخارج يحرم شربه. ففعليّة هذا الوجوب أو الحرمة تتوقّف على فعليّة شرطه، فما لم يتحقّق الشرط لا يتحقّق الجزاء، وهذا واضحٌ. فإذا فرضنا أنَّ الشرط والجزاء شيءٌ واحدٌ، فكيف يكون وجود الشيء متوقّفاً على وجود
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نفسه؟! بل هو دورٌ واضحٌ بلا واسطة؛ فإنَّ موضوع الأمر هو نفس الأمر، ففعليته تتوقّف على فعليّة نفسه، وهو غير معقولٍ.
ولذا ذهب شيخنا الأُستاذ إلى استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر.
وقد خفيت هذه النكتة على بعض الأعلام(1) (قدّس الله أسرارهم)، فاستشكل على شيخنا الأُستاذ: بأنَّ قصد الأمر ليس هو موضوع التكليف، وإنَّما هو قيدٌ في المتعلّق، فكيف يجب أن يكون مأخوذاً مفروض الوجود في التكليف حال قصد الأمر، كما في الطهارة؟ فإنَّه كما يجب عليّ إيجاد الطهارة، كذلك يجب عليّ إيجاد قصد الأمر، ولا ملزم لأخذ مفروض الوجود ليلزم وحدة الحكم والموضوع أو توقّف الشيء على نفسه.
وقد وقعت الغفلة منه عمّا أفاده؛ فإنَّه لا يلتزم بأنَّ قصد الأمر أُخذ مفروض الوجود؛ فإنَّ قصد الأمر فعلٌ اختياري وقيدٌ في متعلّق التكليف، فيجب إيجاده، وإنَّما كلامه في نفس الأمر وفي متعلّق متعلّق الأمر، وهو نفس الأمر، وهو بما أنَّه خارجٌ عن الاختيار، فلا بُدَّ أن يؤخذ مفروض الوجود، فيلزم الأمران المتقدّمان، أي: الخلف؛ إذ كيف يكون الأمر مفروض الوجود في نفس الأمر؟ والدور؛ فإنَّ فعليّة الحكم تتوقّف على فعليّة موضوعه، ولا يُعقل أن يكون نفس الأمر موضوعاً للأمر. فكلام شيخنا الأُستاذ في نفس الأمر الذي أُخذ قيداً في المتعلّق، لا في متعلّق الأمر.
ــــــــــ[294]ــــــــــ
() أُنظر: العراقي، مقالات الأصول 1: 236-237، المقالة الخامسة عشر، إطلاق الأمر أو الخطاب هل يقتضي التَّوصُّليَّة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولكن مع ذلك للنظر في كلامه مجالٌ، بل منعٌ.
والوجه في ذلك: أنَّ ما أفاده من أنَّ الموضوع لا بُدَّ أن يُؤخذ مفروض الوجود لا دليل عليه بنحوٍ مطّردٍ.
وبيان ذلك: أنَّ الالتزام بأن يكون مأخوذاً بنحو مفروض الوجود ينشأ من أحد أمرين: إمّا من جهة الفهم العرفي، كما أفاده، وهو صحيحٌ وجيهٌ، كما في الإنفاق على الزوجة والقصر في السفر؛ فإنَّ السفر أُخذ مفروض الوجود، فلا يجب على المكلّف إيجاد السفر، وإنَّما يجب القصر على تقدير السفر، فترجع هذه الأحكام إلى قضايا شرطيّةٍ؛ فإنَّه لا فرق بين (يجب القصر على المسافر) وبين (إذا سافرت فقصّر).
وإمّا أن ينشأ من عدم كونه اختياريّاً؛ حيث إنَّ الأمر الخارج عن الاختيار لا يمكن التكليف به، فلا بُدَّ من أخذه مفروض الوجود. وهذا في الجملة -لا بالجملة- تامٌّ في محلّه.
والوجه في ذلك: أنَّ العبرة في القدرة على المكلّف به وعدمها، يعني: أنَّ ما هو من شرائط التكليف -فلا يكون التكليف فعليّاً إلَّا به- إنَّما هو القدرة على الامتثال؛ فإنَّه الداعي إلى أخذ الزوال مفروض الوجود؛ لأنَّ التكليف بما لا يطاق محالٌ، فالتكليف مقارناً للزوال مشروطٌ بالقدرة على ذلك. فمقتضى (صلّ عند الزوال) أنَّه إن قدرت فصلّ. وحيث إنَّ القدرة المقارنة للزوال لا تتحقّق إلَّا بتحقّق الزوال، فتحقّقه لا بُدَّ أن يُؤخذ مفروض الوجود؛ بتبع كون القدرة مفروضة الوجود، وإلَّا فلا خصوصيّة للزوال بما هو زوالٌ.
ــــــــــ[295]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وعليه فإذا كانت القدرة متحقّقةً قبل وجود الموضوع، كما في (لا تشرب الخمر)، وفرضنا أنَّ المكلّف قادرٌ على صنع الخمر وشربه، كان إيجاده اختياريّاً للمكلّف. مع أنَّ الفهم العرفي لا يساعد على الحكم بأنَّه إذا وُجد في الخارج خمرٌ فلا تشربه بل إذا فرضنا أنَّه قادرٌ على صنع الخمر وشربه، فلا مانع من فعليّة التكليف قبل وجوده، أي: إنَّه الآن يُنهى عن شرب الخمر؛ باعتبار أنَّه قادرٌ على شربه ولو بصنعه وشربه. وعليه فلا داعي للالتزام أنَّ الخمر أُخذ مفروض الوجود؛ فإنَّ العرف لا يساعد عليه، ولا يساعد عليه أيضاً البرهان العقلي القائل باستحالة التكليف بغير المقدور. والنكتة فيه: أنَّ المكلّف قادرٌ على ترك الشرب؛ باعتبار قدرته على مقدّماته، والمقدور بالواسطة مقدورٌ لا محالة.
ولذا التزمنا أنَّ نحو هذه التكاليف التحريميّة فعليٌ قبل وجود الخمر؛ فإنَّه إذا لم يُؤخذ الخمر مفروض الوجود حين التكليف، فلا موجب لتأخّر التكليف عنه، وتأخّر فعليّته عن فعليّته.
والمقام من هذا القبيل؛ فإنَّ الأمر وإن كان خارجاً عن قدرة المكلّف، إلَّا أنَّه قادرٌ على الامتثال بمجرّد أمر المولى بالإتيان بقصد الامتثال، أي: هو قادرٌ على ذلك من دون دخل شيءٍ آخر. والعبرة في القدرة هي القدرة في طرف الامتثال؛ فإنَّ المولى بمجرّد أن أمر بالإتيان بداعي الأمر يمكن للمكلّف القيام به، فأيّ مقتضٍ للالتزام بأخذ الأمر مفروض الوجود توقّفه على فعليّة نفسه ليلزم الدور أو الخلف؟!
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ الشيء إنَّما يُؤخذ مفروض الوجود في التكليف إمّا من
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
جهة الفهم العرفي أو من جهة أخذ القدرة في متعلّق التكليف، كالزوال مثلاً؛ فإنَّ اعتبار القدرة في المتعلّق هو الذي يقتضي أخذ الزوال مفروض الوجود. فإذا لم يمكن الفهم العرفي ولا كان الامتناع العقلي مقتضياً لذلك، فلا ملزم لأخذ الأمر مفروض الوجود ليلزم المحذوران المتقدّمان.
أمّا الفهم العرفي فواضحٌ في أنَّه لا يساعد حينما يقال: (صلّ بقصد الأمر)، أن يكون الامر مفروض الوجود من قبيل قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1). وأمّا الدليل العقلي فكذلك؛ فإنَّ المكلّف قادرٌ على الامتثال بقصد الأمر، فلا موجب لأن يلتزم أنَّ الأمر أُخذ مفروض الوجود في متعلّق الأمر؛ فإنَّ لازم هذا الخلف بل الدور.
فالإنصاف: أنَّ ما أفاده غير مفيدٍ البتّة.
بقيت وجوهٌ أُخرى لا بُدَّ من التعرّض لها مع جوابها.
وقبل التعرّض لها نقول: إنَّنا قد قلنا في صدر البحث: إنَّ الواجب ينقسم إلى تعبّدي وتوصّلي، فقد يكون الواجب بنحوٍ بحيث لا يسقط في الخارج إلَّا إذا أتى به بقصد الأمر ومضافاً إلى المولى بنحو إضافةٍ، وإلَّا لم يسقط التكليف، وقد يكون الواجب بنحوٍ يسقط بمطلق وجوده، سواء أتى به بإضافةٍ إلى المولى أو بدونها وإن كان استحقاق الثواب مترتّباً على الإتيان به مضافاً لا محالة.
وما ذكرناه من التقسيم للواجب بالنسبة إلى القسم الأوّل -أي: التعبّدي- قد يُفرض تارةً أنَّه تعبّدي بجميع أجزائه وشرائطه، وأُخرى أنَّه تعبّدي بالنسبة
ــــــــــ[297]ــــــــــ
() المائدة: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إلى الأجزاء دون الشرائط، وقد يفرض ثالثاً أنَّه تعبّدي بالنسبة إلى بعض الأجزاء دون بعضٍ، كأن يكون بعض أجزائه ممّا يجب أن يأتي به المكلّف بقصد الأمر دون أجزائه الأُخرى.
أمّا بالنسبة إلى الشرائط فأكثر الواجبات من هذا القبيل، أي: إنَّ الواجب تعبّدي بالنسبة إلى أجزائه. وأمّا بالنسبة إلى التقيّد فليس بتعبّدي، كالصلاة بالنسبة إلى استقبال القبلة وطهارة البدن وسائر الأجزاء غير الطهور، أي: الطهارات الثلاث؛ فإنَّها بالنسبة إلى نفس الأفعال تعبّديّةٌ، ولكن التقيّد بها توصّلي. فلو صلّى غافلاً عن طهارة ثوبه، ثُمَّ انكشف طهارته، فلا ينبغي الشكّ في صحّة صلاته، مع أنَّ الطهارة لم يأتِ بها بقصد الإضافة إلى المولى. وكذا لو صلّى غافلاً عن الوضوء، ثُمَّ أنكشف أنَّه كان متوضّأً، فإنَّ صلاته صحيحةٌ لا محالة؛ إذ الوضوء وإن كان عبادياً، إلَّا أنَّ المأخوذ في المأمور به هو التقيّد به، وهو ليس بتعبّدي. فلو صلّى غافلاً عن كونه متطهّراً، ثُمَّ انكشف أنَّه كان متطهّراً، حكم بصحّة صلاته. وهكذا الحال في جميع شرائط الصلاة، مع أنَّه يُقال: إنَّ الأمر بالصلاة عبادي، أي: بالنسبة إلى أجزائها، لا بالنسبة إلى التقيّدات والخصوصيّات المأخوذة في الواجب.
وقد يكون كذلك بالنسبة إلى الأجزاء أيضاً، فيفرض عباديّاً في بعض الأجزاء دون بعضٍ، وهذا في الواجبات الأوّليّة الأصليّة وإن كان أمراً ممكناً، إلَّا أنَّنا لم نجد له مصداقاً؛ فإنَّ الواجب العبادي عبادي في جميع أجزائه، والواجب التوصّلي توصّلي في جميع أجزائه كذلك. نعم، الأمر في الواجبات
ــــــــــ[298]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
العرضيّة ممكنٌ وواقعٌ. فلو نذر أن يعطي درهماً ويصلّي صلاة الليل، بحيث يكون المجموع نذراً واحداً، فإنَّ هذا المجموع لو كان متعلّقاً لعهدٍ أو نذرٍ أو يمينٍ أو جعل شرطاً في ضمن عقدٍ لازمٍ، فلا إشكال في وجوب الإتيان بالمجموع؛ لوجوب الوفاء بالنذر، مع أنَّ الجزء الأوّل من الواجب (وهو الصلاة) تعبّدي، والجزء الآخر منه (وهو الصدقة) غير عبادي.
ثُمَّ أنَّ الأمر بالمركّب لا محالة ينحلّ إلى أجزائه؛ فإنَّ المركّب بما هو لا يغاير وجود أجزائه خارجاً، بل هو نفس الأجزاء بالأمر، أي: إنَّ عنوان التركيب عنوانٌ انتزاعي، والموجود هو ذوات الأجزاء. وعليه فالأمر بالمركّب أمرٌ بالأجزاء خارجاً، لكن ليس الأمر بتمامه متعلّقاً بكلّ جزءٍ منه، بل لا محالة ينحلّ الأمر، فيأخذ كلّ حصّةٍ من الأجزاء حصّةً من الأمر، فالتكبير مأمورٌ به بحصّةٍ من الأمر، والقراءة مأمورٌ بها بحصّةٍ من الأمر، وكذلك الركوع والسجود والتشهّد، لكن لا على الإطلاق، بل على وجه التقييد.
وبيان ذلك: أنَّ الأمر بالصلاة ليس أمراً بالتكبير على الإطلاق حتّى ولو لم يتحقّق بعدها قراءةٌ وركوعٌ وسجودٌ؛ فإنَّ مثل هذا التكبير ليس مأموراً به، بل المأمور به هو التكبير المتعقّب بالقراءة والركوع والسجود. وهكذا الكلام في الركوع؛ فإنَّ المأمور به ليس هو طبيعيّ الركوع، سواء تعقّبه سجودٌ أو لا، بل المأمور به هو خصوص المقيّد بتعقّب السجود. فالأمر بالمركّب وإن كان أمراً بالأجزاء، إلَّا أنَّ الأمر بالأجزاء لم يتعلّق بكلّ جزءٍ مطلقاً، بل بحصّةٍ خاصّةٍ والجزء المقيّد بسبق أو لحوق شيءٍ على اختلاف الأجزاء في الترتيب، أو المقيّد
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بمجرّد التقييد بالمقارنة والوجود، كالواجبات التي لا ترتّب بين أجزائها.
فالأمر بالمركّب ينحلّ إلى الأمر بالأجزاء لا محالة، ولكن حيث إنَّ الجزء مقيّدٌ لا مطلقٌ، لا يمكن الإتيان بالجزء بداعي الأمر بالمركّب إذا كان المكلّف بانياً على الإتيان بالأجزاء الأُخرى أيضاً، وإلَّا كان هذا العمل لغواً. فمن أراد أن يصلّي ركعةً واحدةً، لا يمكن أن يصلّيها بداعي الأمر الضمني بالصلاة؛ لأنَّ الركعة الواحدة لم يتعلّق بها أمرٌ، وإنَّما يصحّ ذلك إذا كان بانياً على الإتيان بباقي الأجزاء أيضاً بقصد الأمر الضمني. وأمّا بدون هذا البناء على الإتيان بالأجزاء الأُخرى فلا يصحّ إلَّا على نحو التشريع المحرّم.
فالإتيان بالجزء بقصد الأمر مبنيٌّ على الإتيان بباقي الأجزاء، وهذا في الأجزاء العرضيّة واضحٌ. وأمّا في الأجزاء الطوليّة كقصد الأمر؛ فإنَّه في طول الجزء، فلو أمر المولى بالإتيان بالأجزاء بقصد الأمر الضمني، فمتعلّق هذا الأمر هو الأجزاء وقصد أمر هذه الأجزاء، فلو قصد الإتيان بالأجزاء بقصد أمرها الضمني، لا يحتاج إلى إيجاد الجزء الآخر، وهو قصد الأمر؛ فإنَّه موجود على الفرض؛ وذلك أنَّه ثابتٌ تكويناً في الخارج، ولا يحتاج إلى أن يأتي به بقصدٍ استقلالي.
ولنفرض واجباً متكوّناً من جزئين، كما لو أمر بالتكبيرة والقراءة بقصد الأمر، أي: كبّر واقرأ بقصد الأمر، فمتعلّق هذا الأمر هو ذات الجزء، والجزء الثاني هو قصد الأمر المتعلّق بذلك الجزء. فلو قصد الإتيان بهما بقصد الأمر فالجزء الآخر ملحوظٌ تكويناً في الخارج، ولا يحتاج إلى قصدٍ آخر، كما كان الحال في الأجزاء العرضيّة: كالركوع والسجود؛ فإنَّ قصد الإتيان بالتكبير
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بقصد الأمر لا يكون إلَّا تشريعاً، إلَّا إذا كان قاصداً الإتيان بالقراءة بعدها؛ لأنَّ الأمر لم يتعلّق بالتكبيرة على الإطلاق، بل مقيّداً بتعقّب القراءة. وأمّا إذا كان الجزء الآخر طوليّاً، كما في قصد الأمر، فلا حاجة إلى قصدٍ آخر من المكلّف، فلو قصد الإتيان بالتكبير بقصد الأمر، فقد وجد الجزء الآخر، ولا يحتاج إلى قصدٍ جديدٍ.
إذن يصحّ أن يُقال: إنَّ قصد الأمر إذا أُخذ في متعلّق الأمر، كان هذا الوجوب بالنسبة إلى أحد الجزئين تعبّديّاً، وبالنسبة إلى الجزء الآخر توصّليّاً، أي: إذا تعلّق الأمر بالتكبيرة بقصد القربة، فالمتعلّق له جزءان: أحدهما: التكبيرة، والآخر: قصد الأمر، إلَّا أنَّ هذا الوجوب بالنسبة إلى التكبيرة تعبّدي لا يسقط إلَّا بقصد التقرّب، فلو قام به من دون قصد الأمر، لم يُجتزء به. وأمّا الجزء الآخر -وهو قصد الأمر- فتوصّلي لا يحتاج إلى أن يأتي به بقصد التقرّب.
فلو دخل قصد الأمر في المأمور به شرعاً، فلازمه أنَّ جميع الواجبات توصّليّةٌ بالنسبة إلى الشرائط وتوصّليّةٌ بالنسبة إلى هذا الجزء أيضاً.
وعلى هذا الأساس فجميع الوجوه التي ذكرت للاستحالة مدفوعةٌ.
فمنها: ما ذكره شيخنا الأُستاذ(1) من أنَّ قصد الأمر متأخّرٌ عن الأجزاء والشرائط طبعاً؛ فإنَّ معنى قصد الأمر أن يكون الأمر المتعلّق بالأجزاء
ــــــــــ[301]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 149، المقصد الأوّل، الأمر السادس، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
هو ما يُقصد، فلا بُدَّ من فرض أجزاء وشرائط قد تعلّق الأمر بها، ويأتي المكلّف بها بقصد أمرها، ما يكون قصده متأخّراً عنها، فلو كان بنفسه جزءاً، لزم تقدّم المتأخّر، وهو غير معقولٍ.
وقد ظهر جوابه ممّا قدمناه؛ فإنَّ قصد الأمر لا نريد به الأمر بالمركّب، بل الأمر بالأجزاء. نعم، هنا أجزاءٌ في مرتبةٍ سابقةٍ على الأمر المتعلّق بها، وقصد الأمر هنا جزءٌ، إلَّا أنَّه متأخّرٌ عنها، ولا مانع أن يكون المتقدّم والمتأخّر مأموراً به بأمرٍ واحدٍ، وأن يتعلّق الأمر الواحد بشيئين، أحدهما متأخّرٌ رتبةً عن الآخر، فإنَّ هذا أمرٌ معقولٌ، ولا محذور فيه.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا لا نريد أن نقول: إنَّ قصد الأمر النفسي الاستقلالي مأخوذٌ في متعلّق الأمر ليلزم المحذور، وإنَّما نريد به قصد الأمر الضمني، وهذا الجزء متأخّرٌ عن سائر الأجزاء، فالأمر الضمني متعلّقٌ بالأجزاء، وقصده متأخّرٌ عنها، ومع ذلك هو جزءٌ من المركّب. أي: إنَّ المركّب مركّبٌ من جزئين أو أكثر، بعضها متأخّرٌ عن الآخر، وهذا لا محذور فيه؛ فإنَّه يمكن أن يجمع المولى العلّة والمعلول أو السبب والمسبّب بأمرٍ واحدٍ.
وهذا نظير ما ذكرناه في الصحيح والأعمّ من أنَّه يمكن أن يوضع اللفظ بإزاء أمرين مترتّبين، أحدهما متأخّرٌ عن الآخر رتبةً.
فما ذكره من المحذور إنَّما يرد إذا أردنا أن يكون المأخوذ في متعلّق الأمر هو قصد الأمر النفسي الاستقلالي. وأمّا إذا كان المأخوذ هو الأمر التبعي الضمني فلا محذور فيه.
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وبما ذكرناه يظهر أيضاً الجواب عن بيان صاحب (الكفاية) (1) في مقام بيان استحالة أخذ قصد الأمر في المتعلّق: بأنَّ أخذ قصد الأمر في المتعلّق هل هو الأمر النفسي أو الأمر الضمني؟ فإن كان الأمر النفسي فهو غير معقولٍ؛ فإنَّ المكلّف لا يقدر على الامتثال إلَّا تشريعاً؛ إذ لو فرضنا أنَّ الأمر متعلّقٌ بالصلاة بقصد الأمر، فذات الصلاة لا أمر بها، وإنَّما الأمر متعلّقٌ بالصلاة وشيءٍ آخر، فالصلاة غير مأمورٍ بها، فلا يمكن أن يُؤتى بها إلَّا تشريعاً.
وإن أُريد بقصد الأمر الأمر الضمني، فهو صحيحٌ، إذا أُخذ قصد الأمر جزءاً؛ فإنَّ الأمر ينحلّ إلى أجزاءٍ لا محالة، إلَّا أنَّ إتيان الجزء بداعي قصد الأمر لا بُدَّ أن يكون مقروناً بقصد الأمر في سائر الأجزاء، كما سبق تقريره؛ فإنَّه لا يمكن أن يقصد الأمر الضمني مفارقاً لسائر الأجزاء؛ لأنَّ الأمر إنَّما تعلّق بالجزء متضمّناً الأجزاء الأُخرى، وحينئذٍ فلا بُدَّ أن يأتي بقصد الأمر بقصد الامر، ما يلزم الإتيان بقصدين، وهو غير معقولٍ.
وقد ظهر جوابه ممّا سبق؛ إذ المراد من قصد الأمر قصد الأمر الضمني لا الاستقلالي. وأمّا ما ذكره من أنَّ قصد الأمر الضمني إنَّما يكون إذا قصد أمر الأجزاء الأُخرى أيضاً، فهذا إنَّما يتمّ في الأجزاء العرضيّة: كالركوع والسجود، كما تقدّم. وأمّا الجزء الطولي كقصد الأمر، فلا يحتاج إلى قصدٍ آخر، فإذا أتى بالجزء بقصد الأمر، فقد تحقّق المركّب في الخارج، فلا يلزم أن يكون القصد
ــــــــــ[303]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 73، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
صادراً عن قصدٍ ليكون القصد مقصوداً. نعم، لازمه أن يكون الواجب مركّباً من جزءٍ تعبّدي وجزءٍ توصّلي، ولا محذور فيه.
بقي وجهان آخران لشيخنا الأُستاذ(1)، يظهر جوابهما ممّا تقدّم أيضاً:
بيان الخلف: أنَّ ما فرضناه مأموراً به لا يكون حينئذٍ مأموراً به؛ فإنَّ معنى الإتيان بها بقصد الأمر: أنَّ الأمر متعلّقٌ بالصلاة، ومعنى أخذ قصد الأمر فيها: أنَّ الصلاة لم يتعلّق بالصلاة فقط، بل بالصلاة وشيءٍ آخر.
وقد تقدّم: أنَّنا لو أردنا من أخذ قصد الأمر الأمر النفسي، فما أفاده تامٌّ في محلّه.
وأمّا إذا كان المراد بأخذ قصد الأمر قصد الأمر الضمني، فأين الخلف؟ فإنَّ قصد الأمر مأخوذٌ في المتعلّق، والصلاة مأمورٌ بها بالأمر الضمني، فالأمر الضمني متعلّقٌ بالصلاة، والأمر الاستقلالي متعلّقٌ بالمركّب، فلا خلف أبداً، أي: إنَّ ما فرضناه مأموراً به لا يلزم أن لا يكون مأموراً به؛ فإنّا فرضنا أنَّ الصلاة مأمورٌ بها بالأمر الضمني، لا بالأمر الاستقلالي.
ــــــــــ[304]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 105-108، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المقام الثاني، المبحث الثاني، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لشيءٍ آخر علّةٌ تكوينيّةٌ، فالأمر بالنسبة إلى المأمور به في حكم العلّة التكوينيّة، والعلّة إنَّما تكون علّةً لمعلولها. وأمّا العلّيّة فلا تكون معلولةً للعلّة، وإنَّما هي صفةٌ ذاتيّةٌ منتزعةٌ من العلّة، وهي نسبةٌ بين العلّة والمعلول، وهي نسبة التضايف؛ فالعلّة إذن علّةٌ لهذا المعلول، لا لوصف العلّيّة. وكذلك الأمر يدعو إلى متعلّقه لا محالة؛ فإنَّ معنى الأمر هو طلب وجود المأمور به في الخارج، وداعويّة الأمر منتزعةٌ من نفس الأمر، فلا يكون الأمر داعياً إلى داعويّته، بل إلى فعله من الخارج. أمّا الداعويّة فلا تكون مدعّواً إليها، بل هي صفةٌ منتزعةٌ من نفس الذات.
ويُلاحظ عليه: أنّا لا نريد من أخذ الأمر أنَّ الأمر النفسي يدعو إلى داعويّة نفسه، بل ندّعي أنَّ الواجب له جزءان: أحدهما ذات الصلاة، وقد تعلّق بها أمرٌ ضمني والآخر قصد الأمر، والأمر بهذا الجزء بقصد الأمر يدعو إلى داعويّة الأمر الثاني، أي: الأمر بذات الصلاة، فيدعو إلى جعله داعياً لزوماً، فليس هنا أمرٌ واحدٌ يدعو إلى داعويّة نفسه، بل هاهنا أمران أحدهما يدعو إلى داعويّة الآخر. غاية الأمر أنَّهما أمران ضمنيّان يجمعهما أمرٌ واحدٌ نفسي، فهذا الأمر الواحد متعلّقٌ بجزءٍ هو ذات الصلاة، وبداعويّة أمره الضمني، وليس في ذلك أيّ محذورٍ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ المكلّف يمكنه أن يجعل الأمر داعياً، وأن لا يجعله كذلك، وهذا الوجوب يدعو إلى داعويّة الأمر، إذا انحلّ الأمر بالمركّب إلى الأمر بأجزائه. فهنا أمران ضمنيّان: أحدهما تعلّق بذات الصلاة، والآخر تعلّق بداعويّة هذا الامر، فليس هنا أمرٌ واحدٌ يدعو إلى داعويّة نفسه.
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وبهذا البيان ظهر: أنَّنا لا نرى مانعاً من أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر الأوّل، فإذا كان هذا ممكنا ثبوتاً، فلا بُدَّ من التكلّم في مقام الإثبات.
إنَّه على تقدير تسليم المقدّمة الأُولى وأنَّ التقييد مستحيلٌ، فهل الأمر كما ذكر شيخنا الأُستاذ(1) من أنَّ استحالة التقييد تستدعي استحالة الإطلاق أو لا، بل إذا كان التقييد ممتنعاً كان الإطلاق ضروريّاً لا مستحيلاً؟
والكلام هنا يقع بلحاظ الصغرى والكبرى، أي: تارةً في بيان أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد هل هو من تقابل العدم والملكة أو من تقابل التضادّ؟ وعلى تقدير أنَّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة فهل معناه أنَّ استحالة الملكة يستلزم استحالة العدم أو لا؟
أمّا الكلام في الصغرى -أي: في نحو التقابل بين الإطلاق والتقييد- فالحقّ هو التفصيل؛ فإنَّ الإطلاق والتقييد قد يُطلقان ويُراد بهما الإطلاق والتقييد في مقام الثبوت، وقد يُراد بهما الإطلاق والتقييد في مقام الإثبات، أي: مقام الدلالة لا مقام الواقع والجعل.
أمّا الإطلاق في مقام الثبوت -أي: مقام الجعل والتشريع- فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّ التقابل بينهما من تقابل التضادّ، لا من تقابل العدم والملكة.
ــــــــــ[306]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 520، المقصد الخامس، الأمر الرابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والوجه في ذلك: أنَّ كلّ جاعلٍ لحكمٍ قد يكون متعلّق حكمه أو موضوعه منقسماً إلى قسمين، أي: قابلاً في نفسه للانقسام؛ فإنَّ المكلّف إمّا أن يكون عربيّاً أو أعجميّاً، شابّاً أو شيخاً، أبيض أو أسود، وغير ذلك ممّا لا يتناهى من التقاسيم. والمتعلّق كشرب الماء قد يكون حال القيام، وقد يكون حال القعود، وقد يكون بإناءٍ، وقد يكون بدون إناءٍ: بأن يضع فمه على الماء ويشرب. فمتعلّق التكليف وموضوعه إذا كان كلّيّاً طبيعيّاً قابلاً للانقسام إلى أقسامٍ كثيرةٍ، إمّا أن يكون جاعل الحكم غافلاً عن القسمة أو ملتفتاً إليها. أمّا الغافل فلا كلام لنا فيه. وأمّا الملتفت إلى التقسيم في مقام جعل الحكم فهو إما أن يلاحظ خصوصيّةً من هذه الخصوصيّات في متعلّق حكمه نحو: (لا تشرب الماء البارد)، أو لا يلاحظ أي خصوصيّةٍ من الخصوصيات في متعلّق حكمه، فيرفض جميعها، ويجعل الحكم للطبيعي الساري في أيّ فردٍ. فمعنى (لا تشرب الخمر) أنَّ كلّ ما صدق عليه الخمر فلا تشربه، سواء كان مستحضراً من العنب أو من الزبيب أو صرفاً أو مخلوطاً بماءٍ، أو كان شربه في الليل أو النهار، فوق السطح أو في الدار، بلا فرقٍ بين الخصوصيّات، والمفروض أنَّه عالمٌ بالتقسيم.
فإذا كان ملتفتاً إلى التقسيم في مقام الجعل، فإمّا أن يخصّ جعله بقسمٍ خاصٍّ، وهو معنى التقييد، أو لا يخصّه، بل يجعله عامّاً شاملاً لجميع الأفراد من دون دخل أيّ خصوصيّةٍ في موضوع الحكم أو متعلّقه، وهو معنى الإطلاق. وليس هاهنا قسمٌ ثالثٌ؛ فإنَّه لا بُدَّ للملتفت من أحد هذين: إمّا أن يسأل أنَّ حكمك هل أُخذت فيه الخصوصيّة الكذائية، أو لم تُؤخذ. فلو قال: (لا هذا ولا
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ذاك) فهذا غير معقولٍ؛ فإنَّه إمّا أن تكون الخصوصيّة دخيلةً في غرضه أو لا، ولا ثالث. فإن كانت دخيلةً، فلا بُدَّ من أخذها في متعلّق التكليف أو موضوعه، وإن لم تكن دخيلةً، فلا تُؤخذ، وليس هنا قسمٌ ثالثٌ بحيث يكون كلٌّ منهما ملحوظاً للجاعل. وحينئذٍ فلا بُدَّ أن يكون التقابل بينهما تقابل التضادّ.
ويترتّب على ذلك: أنَّه إذا كان أحدهما مستحيلاً، كان الآخر ضروريّاً لا محالة؛ فإنَّ جعل الحكم مهملاً غير معقولٍ. فإذا كان الحكم مجعولاً والقسم الآخر مستحيلاً، يتعيّن الآخر لا محالة، فاستحالة التقييد تستلزم ضروريّة الإطلاق، فلو فرضنا أنَّ تقيّد الحكم بخصوصيّةٍ ما محالٌ، فإنَّه لا بُدَّ أن يكون الحكم مطلقاً أو مقيّداً بغيرها.
وبالجملة: فالتقابل بين الإطلاق والتقييد في مقام الجعل من تقابل التضادّ، وعلى تقدير ما ذكر من أنَّ استحالة الملكة تستلزم استحالة عدمها ممنوعٌ؛ فإنَّ التقابل بينهما تقابل التضادٌ، لا تقابل العدم والملكة.
أمّا الإطلاق والتقييد في مقام الإثبات فهو أدويٌ كما ذكروا؛ إذ إنَّ المتكلّم إمّا أن يأتي بقيدٍ، فيكون الحكم مقيّداً، وإلَّا فمطلقٌ، فالإطلاق عبارةٌ عن عدم التقييد في مرحلة الإثبات. فإذا لاحظنا مرحلة الإثبات نتصوّر وجوهاً أربعة؛ إذ إنَّه قد يلقي كلامه مطلقاً غير مقيّدٍ، وقد نفترض أنَّه يلقي كلامه مقيّداً بقيدٍ، وقد نفترض أنَّه يلقي كلامه مقيّداً بعدم هذا القيد، أو بما يلازم عدمه. فالإنسان
ــــــــــ[308]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
قد يكون موضوعاً لحكمٍ فيؤخذ مطلقاً غير مقيّدٍ بقيدٍ خاصٍّ، وقد يُقيّد بقيدٍ وجودي نحو: (جئني بإنسانٍ كاتبٍ أو شاعر)، وقد يُقيّد بعدم هذا الأمر الوجودي نحو: (جئني بإنسانٍ على ألَّا يكون شاعراً)، أو ما يكون ضدّاً لهذا الأمر الوجودي، فبالالتزام يكون مقيّداً بعدمه، كالقيام والجلوس؛ فإنَّهما لا يجتمعان على موضوعٍ واحدٍ.
وعلى أيّ حالٍ فالغرض من هذه الأُمور الإشارة إلى أنحاء المتكلّم فيما إذا كان في مقام البيان، ولو فرض أنَّه ليس في مقام البيان فيوجد شقٌّ خامس، هو الإهمال: بأن لا يتعلّق غرض المتكلّم ببيان جميع ما له دخلٌ في حكمه من ناحية المتعلّق أو الموضوع، بل هو في مقام الإخبار، وقد أوكل الأمر إلى أمرٍ متأخّرٍ أو متقدّم، كما هو الغالب في أقوال الأطبّاء في قولهم للمريض: (عليك أن تشرب الدواء). وأمّا أنَّ هذا الدواء مسهلٌ أو مضعفٌ أو غير ذلك فهو ليس بصدد بيانه، وإنَّما غرضه تعلّق ببيان أنَّ الدواء لا بُدَّ منه للمريض.
والإطلاق -كما ذكرناه- عبارةٌ عن عدم التقييد في مقام البيان، فهو أمرٌ عدمي، والتقابل بينه وبين التقييد تقابل العدم والملكة.
فلو فرضنا أنَّه لم يمكن البيان، لم يمكن التمسّك بإطلاق كلام المتكلّم؛ لأنَّه لم يكن في مقام البيان، فلا يكشف عدم التقييد عدم دخله في موضوع حكمه أو متعلّقه، ولذا يكون كلامه في حكم المجمل؛ فإنَّه وإن لم يكن مجملاً، فإنّا نفهم من الجملة معنىً، ولكن باعتبار خصوصيّاته يكون مجملاً؛ حيث لا نعرف أنَّه يريده مطلقاً أو بوجهٍ خاصٍّ.
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وكذلك لو فرضنا أنَّه في مقام البيان، ولكن لا يتمكّن من التقييد؛ لتقيّةٍ أو لغيرها، بحيث لو أراد التقييد لم يكن له ذلك، فهنا لا يمكن التمسّك بالإطلاق، لا لاستحالته، بل لعدم كشفه عن الإطلاق الواقعي في مقام الثبوت.
وبيان ذلك: أنَّه لو كان غرضه متعلّقاً بالمقيّد، لم يتمكّن من البيان، فهنا مقدّمات الحكمة غير تامّةٍ؛ فإنَّه وإن لم يقيّد، إلَّا أنَّ عدم تقييده لا يكشف عن الإطلاق في مقام الثبوت؛ فإنَّ مقام الثبوت مردّدٌ فيه، كما إذا كان المتكلّم في مقام الإهمال وعدم البيان؛ فإنَّ هذين المقامين مشتركان في ذلك.
فهنا إذا لم يتمكّن المتكلّم من التقييد، لا يمكن التمسّك بالإطلاق -لا لأجل الاستحالة، لأنَّ الإطلاق ثابتٌ لا محالة- لأنَّه لا يكشف عن الإطلاق في مقام الثبوت.
ومن الواضح أنَّ التقييد بقصد الأمر لا يستحيل بوجهٍ، أي: إنَّ المتكلّم بهذا الكلام (صلّ بقصد الأمر) ليس فيه استحالةٌ؛ فإنَّه لو كانت هناك استحالةٌ، لكانت في مقام الثبوت؛ حيث لا يمكن فرضاً أن يجعل الحكم مقيّداً بقصد الأمر، فالاستحالة المدّعاة -لو ثبتت- استحالةٌ في مقام الثبوت، أي: جعل متعلّق الحكم مقيّداً بقصد أمره، وقد تقدّم عدم إمكانه؛ لأحد الوجوه المتقدّمة.
وأمّا في مقام الإثبات فلا استحالة للتقييد بوجهٍ، وكلّ من ادّعى الاستحالة فهو ناظرٌ إلى مقام الثبوت لا إلى مقام اللفظ؛ فإنَّ الحكم إذا أمكن جعله مقيّداً بقصد الأمر، فالدلالة عليه ليس فيها محذورٌ.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وفي مقام الإثبات هنا وإن كان الأمر كذلك، أي: ما لم يمكن التقييد لم ينكشف الإطلاق الثبوتي، إلَّا أنَّه لم يدّع أحدٌ الاستحالة في مقام الإثبات.
وأمّا في مقام الثبوت، فما يمكن تصوّره صورٌ ثلاثٌ: أن يقيّد المتعلّق أو الموضوع بقيدٍ خاصٍّ وجودي أو بعدم هذا الشيء، أو ما يلازمه، أو الإطلاق. أمّا الإهمال فهو غير معقولٍ في المقام، كما كان معقولاً في المقام الأوّل. والوجه في ذلك ظاهر؛ فإنَّ الإهمال في الواقعيّات غير معقولٍ؛ إذ الملتفت إلى تقسيم شيءٍ إلى قسمين أو أكثر إذا جعل الحكم على هذا المقسم (الذي هو مقسم القسمين أو الأكثر) لا يخلو الحال: إمّا أن يكون قد جعله مخصوصاً بخصوصيّةٍ من الخصوصيّات، أو بما يعانده، أي: عدمه، أو لا هذا ولا ذاك: بأن لا يكون لوجود الخصوصيّة ولا لعدمها دخلٌ في غرضه.
فإن جعل حكم (جئني بماءٍ)، إن كان للبرودة دخلٌ في حكمه، كما لو أراد أن يشرب الماء البارد، فيقيّده في مقام الجعل واعتباره النفسي، ويجعله مقيّداً بالبرودة، وإن كان يريد الاستحمام، فيقيّده بالحرارة التي هي ضدّ البرودة، وإن كان يريد ماءً للوضوء، فلا فرق عنده أن يكون بارداً أو حارّاً، فيكون موضوع حكمه -وهو الماء- مرفوضاً عن أيّ خصوصيّةٍ من هاتين الخصوصيّتين، وقد تعلّق الحكم بالطبيعي الجامع بين البارد والحارّ. وأمّا الإهمال -يعني: أن لا يدري أنَّ حكمه مطلقٌ أو مقيّدٌ- فهذا محالٌ؛ فإنَّه بحسب الواقع لا بُدَّ أن يكون الحكم مطلقاً أو مقيّداً. ففي مقام التصوّر لا يتصوّر إلَّا الأقسام الثلاثة. وأمّا الرابع -وهو الإهمال بمعنى: أن لا يكون الحاكم عالماً بما أوجبه مع التفاته إلى التقسيم- فهذا مستحيلٌ.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وبهذا يظهر: أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد في هذا المقام من تقابل التضادّ، لا من تقابل العدم والملكة، أي: لا بُدَّ في مقام الجعل من لحاظٍ مّا. فإمّا أن يتعلّق الحكم بخصوصيّةٍ وجوديّةٍ أو عدميّةٍ، أو يتعلّق اللحاظ بعدم دخل الخصوصيّة، فعدم الدخل ملحوظٌ للآمر وجاعل الحكم. إذن فلا بُدَّ للجاعل من ملاحظة أحدهما، وعليه فالإطلاق والتقييد متقابلان بالتضادّ. فلو سلّمنا المقدّمة الثانية القائلة بأنَّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق وكان التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، فهنا لا يسعنا ذلك؛ لأنَّ التقابل بينهما تقابل التضادّ، فإن كان أحدهما مستحيلاً، كان الثاني واجباً وضروريّاً؛ إذ ليس هنا شقٌ رابعٌ ليُقال: لا هذا ولا ذاك، بل الإهمال.
فإذا فرضنا أنَّ التقييد بقصد الأمر مثلاً مستحيلٌ وأنَّ الواجبات غير مقيّدةٍ بعدم قصد الأمر؛ إذ لا معنى لذلك، فيتعيّن أن يكون مطلقاً؛ لأنَّ استحالة أحد الضدّين تستلزم وجوب الضدّ الآخر، وليس التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة ليُقال: إن استحالة الملكة توجب استحالة العدم.
فعلى ما ذكرنا إذا ورد واجبٌ، ولم تقم قرينةٌ على أنَّه تعبّدي، فلا بأس من التمسّك بإطلاقه وإثبات أنَّه توصّلي.
بقي شيء حاصله: أنَّنا لو سلّمنا المقدّمة القائلة بأنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة في مقام الثبوت، فهل الكبرى القائلة بأنَّ استحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر تامّةٌ أو لا؟ فإنَّه لا يفرّق في مقام الثبوت بين أن يكون التقابل بينهما تقابل التضادّ أو العدم والملكة؛ وعلى كلّ حالٍ فليس
ــــــــــ[312]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
استحالة التقييد على تقدير تسليمها تستلزم استحالة الإطلاق؛ بدعوى أنَّ العدم والملكة كذلك.
والغرض: أنَّ عدم جواز التمسّك بالإطلاق فيما إذا شكّ في كون واجبٍ تعبّديّاً أو توصّليّاً يبتني على أمرين: أحدهما: استحالة أخذ قيد قصد القربة في متعلّق الأمر، وثانيهما: أنَّه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق.
وقد تقرّر: أنَّ الإطلاق والتقييد قد يُلاحظان في مقام الإثبات، فيكون التقابل بينهما حينئذٍ تقابل العدم والملكة، فإذا لم يمكن التقييد بوجهٍ من الوجوه لتقيّةٍ أو غيرها، لا يمكن التمسّك بإطلاق كلامه، ولا يستكشف منه أنَّ مراده الجدّي هو المطلق، وهذا ظاهرٌ. وعليه فإذا لم يمكن التقييد لم يمكن استكشاف الإطلاق، إلَّا أنَّه غير محتملٍ أن يكون محل الكلام من هذا القبيل؛ لوضوح أنَّ التقييد في مقام الإثبات لا محذور فيه أصلاً؛ فإنَّه يمكن أن يقول: (صلّ بقصد الأمر) من دون أيّ محذورٍ. ولو كان هناك محذورٌ، فهو في واقع الجعل والاعتبار، فالمحذور لو وجد ثبوتي لا إثباتي.
إذن، لا بُدَّ من التكلّم في مقام الثبوت، ويُلاحظ أنَّ الإهمال غير معقولٍ في مقام الثبوت، بل لا بُدَّ من الإطلاق أو التقييد بالأمر الوجودي أو الأمر العدمي أو ما يلازم العدم. وأمّا الإهمال -أعني: أنَّ الحكم المجعول لا يكون له موضوعٌ أو متعلّقٌ حين جعلهِ- فهذا غير معقولٍ؛ فإنَّ جعل الحكم لا ينفكّ عن جعل ثبوت موضوعٍ معيّنٍ له بحسب الواقع، فهو إمّا مطلقٌ أو مقيّدٌ، والإهمال غير معقول. ووجهه ما سبق بيانه من: أنَّ ارتفاع النقيضين مستحيلٌ؛ فإنَّه إمّا
ــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أن تكون خصوصيّةٌ من الخصوصيّات دخيلةً في غرض المولى، أو لا تكون دخيلةً، فإن كانت دخيلةً، فلا بُدَّ من أخذها في المتعلّق أو الموضوع، وإذا لم تكن دخيلةً فلا بُدَّ من الإطلاق، وليس هاهنا شيءٌ ثالث، أي: أن تكون لا دخيلةً ولا غير دخيلةٍ؛ فإنَّ مثله ممتنعٌ.
وعلى ذلك فلا بُدَّ من الإطلاق أو التقييد في مقام الواقع، وليس هاهنا قسمٌ رابعٌ.
وعليه فلا بُدَّ للآمر من ملاحظة الإطلاق، أي: عدم دخل الخصوصيّة، أو التقييد، أي: ملاحظة دخلها في موضوع حكمه أو متعلّقه، فالتقابل بينهما من تقابل التضادّ، فإذا كان كذلك، فاستحالة أحد الضدّين تستلزم ضروريّة الضدّ الآخر. فإذا فرضنا أنَّ التقييد الوجودي مستحيلٌ والتقييد العدمي غير واقع، يثبت الإطلاق بالضرورة؛ إذ الضدّان أو الأضداد إذا لم يكن لهما رابعٌ وفرضنا أنَّ بعضها مستحيلٌ، تعيّن الآخر.
هذا بناءً على أنَّ التقابل بينهما من تقابل التضادّ.
ولو تنزّلنا وسلّمنا أنَّ التقابل بينها من تقابل العدم والملكة، فهل الأمر كما ذكره شيخنا الأُستاذ آنفاً من أنَّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق، أو أنَّه حتّى بناءً على أنَّ التقابل بينهما من تقابل الملكة والعدم، فإنَّ استحالة الوجود لا تستلزم استحالة العدم، بل توجبه وتجعله ضروريّاً؟
والمستند في الدعوى المزبورة: أنَّ العدم والملكة يُراد به العدم في المورد القابل، فإذا فرضنا أنَّ المورد غير قابلٍ لوجود الملكة، لم يصدق العدم أيضاً،
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كالعمى والبصر؛ فإنَّ العمى إنَّما يكون في المورد القابل للبصر، كما مثّلنا في الإنسان، فإنَّه إنّما يكون أعمى باعتبار قابليّته للبصر. وأمّا المورد غير القابل للبصر كالجمادات؛ فإنَّها غير قابلةٍ للعمى أيضاً، فلو فرضنا أنَّ المورد غير قابلٍ للتقييد بقصد الأمر، فيكون الإطلاق أيضاً غير ممكنٍ؛ لأنَّه إنَّما يمكن الإطلاق في المورد القابل للتقييد، فإذا لم يمكن التقييد، لم يمكن الإطلاق.
إلَّا أنَّ هذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه ولو التزمنا بأنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة.
أمّا أوّلاً: فلما ذكرناه من أنَّ لازمه أن يكون الحكم الواقعي في مقام الثبوت مهملاً، وهو محالٌ؛ فإنَّنا قلنا: إنَّ الأمر دائرٌ بين الإطلاق أو التقييد بالوجود أو بالعدم، ولا شقّ رابع في مقام الثبوت. فإذا كان كلٌّ من الإطلاق والتقييد مستحيلاً، فالحكم يكون مهملاً لا محالة، أي: إنَّ الجاعل ليس له موضوعٌ معيّنٌ لحكمه، وهذا ممتنعٌ.
والوجه في الامتناع: أنَّ الخصوصيّة إمّا أن تكون دخيلةً أو لا، وليس هاهنا قسمٌ ثالثٌ وراء الإطلاق والتقييد، وهو الإهمال. إذن فلازم كلامه أن تكون الأحكام الواقعيّة في مرحلة جعلها مهملةً، وهو غير معقولٍ البتّة.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ الأساس الذي بنا عليه كلامه غير تامٍّ على ما طبّقه، أي: إنَّ تطبيقه غير تامٍّ؛ وذلك لأنَّ القابليّة المعتبرة في موارد الأعدام والملكات ليست هي القابليّة الشخصيّة، بل القابليّة الأعمّ من القابليّة الشخصيّة والصنفيّة والنوعيّة والجنسيّة؛ فإنَّه يخرج فقط ما ليس بقابلٍ أصلاً كالعمى؛ إذ
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لا يصدق على ما ليس له إدراكٌ. وأمّا ما كان مدركاً كالحيوانات التي ليس لها عينٌ كالعقرب فلا بأس بإطلاق العمى عليها ولو لم يكن لها عينٌ، أو كالإنسان الممسوح العين، إذن فتكفي القابلية النوعيّة في صدق الإطلاق. ومن هنا نرى بالوجدان: أنَّ كلّ ممكنٍ لا يمكنه إدراك ذات الله تعالى ولا إدراك صفاته؛ إذ يستحيل عليه العلم بكنه ذات الواجب وصفاته من حيث كونها عين ذاته، فالعلم مستحيلٌ، فهل يكون الجهل مستحيلاً أيضاً؟! والطيران إلى السماء غير ممكنٍ، فهل يكون العجز عنه ممتنعاً كذلك؟ فإذا قلنا: إنَّنا نعجز عن الطيران إلى السماء، أفهذا القول يكون غلطاً؟ وإذا كنّا لا نتمكّن من المشي ألف فرسخٍ في يومٍ واحدٍ، فإظهار العجز عن ذلك غير سديدٍ؛ باعتبار أنَّ صدوره مستحيلٌ؟ كلّ ذلك واضح الفساد؛ فإنَّ الإنسان عاجزٌ عن أكل الحجر كعجزه عن حمل الجبل، فإن قلنا: إنَّه عاجزٌ فهل يكون خطأً؟
والسرّ في ذلك: أنَّ القابليّة ليست بقابليّة شخصيّةٍ، بمعنى: أنَّ الإنسان غير قادرٍ، ويستحيل أن يتمكّن من حمل جبلٍ، إلَّا أنَّه قادرٌ على حمل جسمٍ، فهو قادرٌ عليه، غاية الأمر أنَّه جسمٌ صغيرٌ فيجوز أن يقول: إنّي قادرٌ على حمل عشرة كيلو غرامات وغير قادرٍ على حمل ألفٍ؛ فإنَّ الحمل أمرٌ ممكنٌ في حقّه. وكذلك العلم ممكنٌ في حقّه، غاية الأمر أنَّه لا يمكنه العلم بالواجب تعالى وكنه ذاته وصفاته، ولكن الإنسان يمكن أن يتّصف بالعلم بغيره تعالى وصفاته؛ فإنَّه يعلم بقيام زيدٍ وبالكلّيّات والصغريّات؛ إذ العلم بها ممكنٌ، وليس ممتنعاً. فإذا لم يكن اتّصافه بالعلم مستحيلاً، أمكن أن يتّصف بالجهل أيضاً، فيصحّ أن يقول:
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إنّي أعلم هذا ولا أعلم هذا، وأقدر على ذلك وعاجزٌ عن هذا، مع أنَّ التقابل بين العلم والجهل والقدرة والعجز من تقابل العدم والملكة.
إذن، فإذا استحال أحدهما، كان الآخر ضروريّاً لا ممتنعاً، فاستحالة العلم توجب ضروريّة الجهل لا استحالته، واستحالة القدرة على الطيران توجب ضروريّة العجز، ولا توجب استحالته.
وعليه فكلام شيخنا الأُستاذ مبنيٌّ على اعتبار إمكان الوجود وإمكان الملكة شخصاً، وهو غير معتبرٍ في باب الأعدام والملكات بلا إشكالٍ.
وعلى ذلك فلا ملازمة بين استحالة أحدهما واستحالة الآخر، حتّى على كون التقابل بينهما هو تقابل العدم والملكة، بل هو واقعٌ في سائر الأعدام والملكات. وعلى ما ذكرناه فلا مانع من التمسّك بالإطلاق إذا دار أمر الواجب بين أن يكون تعبّديّاً أو توصّليّاً.
ولكن هناك فرقٌ بين إنكار المقدّمة الأُولى والثانية؛ فإنَّنا إذا منعنا المقدّمة الأُولى وقلنا بأنَّه يمكن أخذ قصد الأمر في المتعلّق، فنتمسّك بالإطلاق في مقام الإثبات، ونقول: إنَّه كما يمكن أن يجعل الحكم على نحوين: مطلقٍ ومقيّدٍ، وبما أنَّه في مقام البيان في مقام الإثبات، ولم يقيّده بقيد قصد الأمر، نستكشف من الإطلاق في مقام الإثبات الإطلاق في مقام الثبوت.
وأمّا إذا سلّمنا المقدّمة الأُولى ومنعنا الثانية، فهنا لا نحتاج إلى التمسّك بالإطلاق؛ فإنَّه حتّى إذا لم يكن في مقام البيان، بل كان في مقام الإهمال، إلَّا أنَّنا نقطع بالإطلاق في مقام الثبوت؛ لأنَّ التقييد مستحيلٌ، وهو ملازمٌ لضرورة
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الإطلاق، وكونه توصّليّاً لم يُؤخذ فيه قصد الأمر، ولا نحتاج إلى الإطلاق في مقام الإثبات.
هذا تمام الكلام في أخذ قصد الأمر في المتعلّق وما يترتّب عليه، فليقع الكلام في سائر الدواعي.
قد يُقال: إنَّه تقدّم الكلام في إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّقه، وبناءً على ذلك لا حاجة إلى البحث عن إمكان أخذ سائر الدواعي في متعلّق الأمر، ولكنَّنا نتكلّم في ذلك تنزّلاً، أي: إذا بنينا على الاستحالة، فهل الحال كذلك في سائر الدواعي، كالإتيان بالواجب بداعي التقرّب أو بداعي المصلحة الموجودة فيه، أو بداعي كون المولى أهلاً للعبادة، أو طمعاً في الثواب، أو خوفاً من العقاب؟ فهل هذه الدواعي حكمها في الاستحالة كأخذ قصد الأمر في المتعلّق بناءً على استحالته، أو أنَّها تفترق عنه، فيمكن أخذها في المتعلّق وإن لم يمكن ذلك في قصد الأمر؟
ذهب شيخنا الأُستاذ(1) إلى عدم الفرق بين الدواعي بلحاظ استحالة أخذها في متعلّق الأمر، بلا فرقٍ بين قصد الأمر وغيره. وذكر في ذلك: أنَّ الداعي إنَّما يكون علّةً لحدوث الإرادة في نفس المريد، أي: الفاعل بالإرادة، فيوجد الداعي في النفس، ثُمَّ يشتاق إلى الفعل، ثُمَّ يريده فيفعله، فيكون الداعي
ــــــــــ[318]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 109-110، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المقام الثاني، المبحث الثاني، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
في المرتبة السابقة على الإرادة. فإذا كان كذلك، يستحيل تعلّق الإرادة بالداعي؛ لأنَّ المراد متأخّرٌ طبعاً عن الإرادة، ولازم تعلّق الإرادة بالداعي أن يكون ما فرضناه متأخّراً متقدّماً، وهو محالٌ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ الإرادة تنشأ من الداعي، وما ينشأ عن الشيء يستحيل أن يتعلّق به، فلا يمكن تعلّق الإرادة التكوينيّة بالداعي.
وإذا لم يمكن تعلّق الإرادة التكوينيّة بالداعي، فكذلك تعلّق الإرادة التشريعيّة، أي: الأمر به؛ لأنَّ ما يستحيل أن يوجده المكلّف بالإرادة التكوينيّة، كيف يمكن أن يوجده المولى بالإرادة التشريعيّة؟ مع أنَّ الإرادة التشريعية إنَّما تتعلّق فيما يكون تحت اختيار العبد وإرادته. وأمّا الشيء الخارج عنها الواقع في مرتبةٍ سابقةٍ عن الإرادة فكيف يمكن الأمر به من المولى؟! وعليه فلا يمكن أن تتعلّق الإرادة التشريعيّة به؛ لأنَّها إنَّما تتعلّق بما يمكن أن تتعلّق به الإرادة التكوينيّة بحسب الخارج، وما لا يمكن أن تتعلّق به الإرادة التكوينيّة لا يمكن أن تتعلّق به الإرادة التشريعيّة أيضاً. وحيث فرض أنَّ الداعي لا يمكن أن تتعلّق به الإرادة التكوينيّة، فكذلك شأن الإرادة التشريعيّة(1).
إذن، لا فرق في الدواعي بين أن يكون هو قصد الأمر أو المحبوبية أو المصلحة في الفعل أو كون المولى أهلاً لذلك؛ فإنَّ أيّ داعٍ فرضناه من الدواعي القربيّة فهي كلّها في مرتبةٍ سابقةٍ على الإرادة التكوينيّة، وما يكون سابقاً عليها لا يمكن أن تتعلّق به الإرادة التشريعيّة، فأخذ بقيّة الدواعي في متعلّق الأمر
ــــــــــ[319]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كأخذ قصد الأمر فيه محالٌ.
ويرد عليه بالنقض بما ذكره آنفاً -بعد أن التزم بعدم إمكان الإطلاق والتقييد- من أنَّه بحسب النتيجة لا بُدَّ من نتيجة الإطلاق والتقييد؛ فإنَّه وإن لم يمكن الإطلاق والتقييد، إلَّا أنَّه بحسب الواقع لا يخلو إمّا أنَّ الحكم مجعولٌ مقيّداً أو مطلقاً، فنحتاج إلى أمرٍ آخر سمّاه بمتمّم الجعل. فإذا كان هناك أمرٌ آخر، تكون نتيجته نتيجة التقييد، وإذا لم يكن هناك أمرٌ ثانٍ، فالنتيجة نتيجة الإطلاق. ففي موارد التقييد التزم بأمرين: أحدهما: التعلّق بذات الصلاة بلا تقييدٍ ولا إطلاقٍ، والآخر: التعلّق بإتيان الواجب بداعي الأمر الأوّل، وسيقع الكلام في ذلك في بحث متمّم الجعل.
فعلى ما ذكره يمكن النقض عليه: بأنَّ الأمر الثاني تعلّق بقصد الأمر، أي: إنَّ الواجب هو الإتيان بقصد الأمر الأوّل، فنقول: كيف تعلّق الأمر بالقصد وقد فرض أنَّه في مرتبةٍ سابقةٍ على الإرادة التكوينيّة، وما يكون سابقاً على هذهِ الإرادة يستحيل تعلّق الإرادة التشريعيّة به؟ فإذا كان هذا مستحيلاً، فلا يفرّق فيه بين الأمر الأوّل والأمر الثاني.
وعليه فالمدعى: أنَّ ما يكون سابقاً على الإرادة ولا يمكن تعلّق الإرادة به، لا يمكن طلبه من المولى، ولا يفرّق في ذلك بين الأمر الأوّل والأمر الثاني؛ لأنَّ القصد سابقٌ على الإرادة، فكيف تعلّق به الأمر؟ فإن أمكن طلبه، فكذلك في الأمر الأوّل، وإن لم يمكن طلبه، فكذلك في الأمر الثاني. هذا بالنقض.
وأمّا الحلّ فإنّ الداعي -وهو قصد الأمر أو غيره من الدواعي- وإن كان
ــــــــــ[320]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
في مرتبةٍ سابقةٍ على الإرادة، إلَّا أنَّ الإرادة المعلولة عن هذا الداعي لا يتعلّق بها الداعي، لا أنَّ الداعي لا يتعلّق بالإرادة أصلاً. فبعد التحقيق نجد له إرادتين: إرادةً متعلّقةً بالداعي؛ فإنَّ الداعي من أفعال النفس، وقد ذكرنا أنَّ القصد يصدر من النفس مباشرةً، من دون توسّط قوّةٍ من القوى، وهذه الإرادة غير متعلّقةٍ بالداعي، وإنَّما هي معلولةٌ له وناشئةٌ عنه، ولكن بما أنَّ الداعي أمرٌ اختياري؛ فإنَّ المكلّف يمكن أن يأتي بالصلاة بداعي الأمر أو بداعي الرياء أو بداعي التعليم، فقصد الإنسان الصادر من النفس بلا واسطةٍ هو أيضاً فعلٌ اختياري متعلّقٌ لإرادةٍ أُخرى غير الإرادة الناشئة من الداعي.
فكأنَّه خلط بين الأمرين: بين الإرادة الناشئة من الداعي، وهي لا يمكن أن تتعلّق بهذا الداعي، لا أنَّه لا يُعقل أن يكون الداعي متعلّقاً للإرادة أصلاً، بل ذلك ممكن وهو الواقع أيضاً؛ إذ إنَّنا يمكن أن نفرض إرادتين: إحداهما: معلولةٌ للداعي، وهي المتعلّقة بذات العمل، وأُخرى: متعلّقةٌ بالداعي، وإحداهما متأخّرةٌ عن الداعي والأُخرى سابقةٌ عليه.
وعليه فلا استحالة في تعلّق الإرادة بالداعي، بل هو واقعٌ إمّا في الأمر الأوّل كما قلنا، أو في الأمر الثاني كما أفاده. وهذا هو الحلّ.
وذكر بعضهم(1) أنَّه وإن كان يمكن أخذ بقيّة الدواعي بلا محذورٍ، إلَّا أنَّنا
ــــــــــ[321]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 74، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الخامس، العراقي، بدائع الأفكار في الأصول: 235، في أخذ دعوة المصلحة ونحوها في متعلّق الأمر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نقطع بعدم أخذها، وحينئذٍ لا يجوز التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّه إنَّما يكون في مورد الشك، فإذا قطعنا بعدم أخذها في المتعلّق، فلا معنى للتمسّك بالإطلاق.
ويمكن أن يقرّب هذا بأحد وجهين:
والجواب عن هذا الوجه واضحٌ؛ فإنَّ غاية ما نستكشفه من صحّة الصلاة المأتيّ بها بداعي الأمر أنَّ قصد المحبوبيّة بخصوصه لم يُؤخذ، وأنَّ قصد كون المولى أهلاً للعبادة بخصوصه لم يُؤخذ، وأمّا الجامع بين هذه الأُمور كالقربة بمعنى: الإتيان به بما هو مقرّبٌ إلى المولى أو مضافٌ إلى المولى (الذي هو الجامع
ــــــــــ[322]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 74، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بين جميع هذه الدواعي)، فنحتمل أنَّه مأخوذٌ في المتعلّق، وإلَّا لم يحكم بصحّة الصلاة. ولعلّه إنَّما حكمنا بصحّة الصلاة المأتيّ بها بقصد أمرها، لتحقّق الجامع في ضمن هذا الفرد فيها، إذن لا يمكننا استكشاف عدم أخذ الجامع من صحّة هذه الصلاة.
نعم، ربما يتوهّم: أنَّ الجامع غير مأخوذٍ؛ لأنَّ أخذ قصد الأمر إذا كان مستحيلاً، فالجامع بين ما يمكن أخذه وما لا يمكن أخذه لا يمكن أخذه؛ فإنَّ أحد أفراده مستحيلٌ، ما نقطع أيضاً بعدم أخذ الجامع، كما هو الشأن في أخذ أيٍّ من الدواعي كلّ بخصوصه. فمن صحّة الصلاة المأتيّ بها بقصد الأمر نحرز أنَّ الجامع غير مأخوذٍ في المتعلّق، كعدم أخذ أيّ خصوصيّة أُخرى من الدواعي.
إلَّا أنَّه قد انقدح جوابه ممّا تقدّم؛ لوضوح أنَّ استحالة أحد الأفراد لا تنافي إمكان أخذ الجامع في المتعلّق، لأنّا قلنا: إنَّ معنى الإطلاق هو عدم دخل الخصوصيّة، لا دخل كلّ خصوصيّةٍ ليُقال إنَّه محالٌ.
وبعبارةٍ أُخرى: الجامع بين الممكن والممتنع ممكنٌ، والممتنع هو خصوص قصد القربة، إلَّا أنَّ جامع القربة والإضافة إلى المولى لا مانع في أخذه؛ فإنَّ استحالة خصوص هذا لا ينافي أخذ الجامع بينه وبين غيره؛ لأنَّ الخصوصيّات ملغاةٌ؛ فإنَّ الاستحالة مبتنيةٌ على أخذ الخصوصيّة. وأمّا إلغاؤها فلا محذور فيه.
وعليه يمكن أخذ الجامع في المتعلّق، ولا يستكشف من صحّة الصلاة عدم أخذه؛ لأنَّ قصد الأمر أحد أفراد الجامع، فلعلّ صحّتها كانت من أجل تحقّق أحد أفراد الجامع.
ــــــــــ[323]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وعلى هذا الضوء لا يتمّ ما أفاده صاحب (الكفاية)(1) –بحسب ظاهر عبارته- لإثبات أنَّ بقيّة الدواعي غير مأخوذةٍ في متعلّق الأمر. نعم، غاية ما يترتّب على صحّة الصلاة المأتيّ بها بقصد الأمر أنَّها غير مأخوذةٍ بخصوصها دون جامعها.
وقد اتّضح الجواب عنه من خلال البحث؛ فإنَّ غاية ما يمكننا الالتزام به من الاستكشاف المزبور هو أنَّ الأمر النفسي لم يتعلّق بالصلاة. وأمّا الأمر الضمني فيُعقل أن يكون متعلّقاً بالصلاة؛ فإنَّ الأمر قد تعلّق بالصلاة وبجامع الداعي، وهذا الأمر ينحلّ إلى كلّ جزءٍ لا محالة؛ إذ للصلاة حصّةٌ من هذا الأمر. فإذا أتى بالصلاة قاصداً أمر المولى، فقد وجدت ذات الصلاة، كما وجد قصد الأمر الضمني خارجاً على الفرض. وقد تقدّم الكلام في ذلك مفصّلاً في
ــــــــــ[324]ــــــــــ
(1) أُنظر المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الجواب عن بيان صاحب (الكفاية).
إذن، فلا يمكننا إلَّا استكشاف أنَّ الصلاة مأمورٌ بها. وأمّا أنَّ أمرها هو الأمر الضمني أو النفسي فلا يمكن استكشافه.
إذن، لا طريق لنا إلى إثبات استحالة أخذ سائر الدواعي في المتعلّق، كما لا طريق لنا أيضاً إلى الجزم بعدم أخذها فيه وإن كان ممكناً، كما ذكره صاحب (الكفاية). وعلى ذلك فما دام أخذها ممكناً، وكان المولى في مقام البيان ولم يبيّن، نستكشف عدم الأخذ في مقام الثبوت.
ولو تنزّلنا وبنينا على عدم إمكان التقييد بقصد الأمر، فالتقييد بالجامع القربي ممكنٌ لا محذور فيه، ومن الظاهر أنَّ العبادة لا يلزم أن يأتي بها بقصد الأمر، بل يكفي أن يأتي بها بأيّ قصدٍ قربي. فما يُحتمل دخله في العبادة هو الجامع، ومثله يمكن أخذه في المتعلّق، والمحاذير على تقدير تسليمها إنَّما تترتّب على أخذ قصد الأمر، لا على أخذ الجامع القربي.
وعليه فإذا شككنا في كون الواجب تعبّديّاً أو توصّليّاً، لم يكن مانعٌ من التمسّك بالإطلاق.
ولو تنزّلنا أيضاً وفرضنا أنَّ أخذ الجامع متعذّرٌ، فيمكن للمولى أن يتوصّل إلى غرضه من تخصيص المأمور به بقصد القربة لا بالتقييد، بل بالملازمة الخارجيّة. فإذا فرضنا أنَّ المولى مع تمكّنه من ذلك لم يبيّنه، نتمسّك بالإطلاق ولو فرض استحالة التقييد بقصد الأمر أو الجامع.
وبيان ذلك: أنَّ الفعل الاختياري الصادر عن المكلّف لا يخلو أمره من
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أحد وجهين بحسب الخارج؛ فإنَّه إنَّما يصدر بداعٍ من الدواعي لا محالة، فإنَّ الفاعل المختار لا يقوم بفعله إلَّا بمحرّكٍ نفساني نسميّه بالداعي، فصدور الفعل معلولٌ للداعي لا محالة. وهذا الداعي لا يخلو أمره من أحد أمرين: إمّا أن يكون داعياً إلهيّاً أو غير إلهيّ، ونسمّيه بالداعي النفساني، وهذان من الضدّين اللذين لا ثالث لهما؛ إذ ليس هنا داعٍ آخر لا يكون إلهيّاً ولا غير إلهي، فلا بُدَّ من أحد الأمرين، ولا يمكن صدور فعلٍ اختياري بداعٍ من الدواعي خالياً من أحد هذين الداعيين. إذن يمكن للمولى -على تقدير تسليم استحالة أخذ قصد الأمر أو الجامع القربي في متعلّق الأمر- أن يتوصّل إلى غرضه بتقييد المأمور به بغير الداعي النفسي، وهذا التقييد لا محذور فيه أصلاً.
فإذا قيّد المأمور به بأن لا يقع بداعٍ من الدواعي النفسانيّة، فيلزم أن يكون بداعٍ إلهي، فيكون المولى قد توصّل إلى غرضه المترتّب على الفعل بداعي قصد الأمر، وذلك بتقييد الأمر بضدّ قصد الأمر أو بضدّ الجامع القربي. فإذا قيّد الصلاة أو الصوم بأن لا يكون بداعٍ نفسي، لا بُدَّ أن يُؤتى به بداعٍ إلهي؛ إذ لا ثالث لهما.
فإذا أمكن للمولى أن يتوصّل إلى غرضه بهذا التقييد، ولم يقيّد في مقام الإثبات، نستكشف الإطلاق في مقام الثبوت، ونحكم بأنّ الواجب توصّلي.
بقى شيءٌ حاصله: أنَّه لو فرضنا -كما ذكره شيخنا الأُستاذ(1)– أنَّه أتى
ــــــــــ[326]ــــــــــ
(1) راجع: النائيني، أجود التقريرات 1: 111، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بالواجب لا بداعٍ إلهي ولا نفساني -أي: ما فرضناه محالاً وغير معقولٍ في الخارج- فلازم كلامنا أن يحصل الامتثال به في الخارج.
والوجه فيه: أنَّ القيد هو عدم الداعي الآخر، والمفروض أنَّه لم يأتِ به بداعٍ آخر، فلا بُدَّ من الحكم بصحّة هذا الفعل، مع أنَّه باطلٌ بالإجماع والضرورة؛ إذ لا ينبغي الشكّ في أنَّ العبادة إذا أُتى بها بلا داعٍ فاسدةٌ بالقطع والضرورة.
إلَّا أنَّ هذا الإشكال لا محصّل له؛ فهو وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّه فرض محالٍ، ونحن نريد أن يتوصّل المولى إلى غرضه في الخارج، فإذا فرضنا أنَّ المحال لا يوجد، فلا يسدّ الطريق على المولى، وإنَّما يسدّ الطريق إمكان القسم الثالث، ومجرّد الفرض العقلي بارتفاع الضدّين لازمه أن يحكم بصحّة العبادة، مع أنَّها باطلةٌ قطعاً، ولا يكون سادّاً لطريق المولى في التوصّل إلى غرضه.
ولو تنزّلنا وقلنا بعدم إمكان التقييد بعدم الضدّ، أفلا يمكن أن يخبر عن غرضه بالجملة الخبريّة نحو: (صلّ) و(اعلم أنَّ امتثال هذا الأمر لا يتمّ إلَّا بقصد التقرّب)؛ فإنَّ الإخبار عن أخذ قصد الأمر ممكنٌ. فإذا كان للمولى أن يتوصّل إلى غرضه بالإخبار، فإذا لم يخبر وكان في مقام البيان، نتمسّك بالإطلاق. ويسمّى هذا الإطلاق بالإطلاق الأحوالي، بمعنى: أنَّ المولى إذا كان في مقام بيان جميع ما يتعلّق به غرضه وسكت عن بيان شيءٍ، يكون كاشفاً عن عدم دخله في غرضه، وحينئذٍ فيثبت أنَّ الواجب توصّلي، وليس قصد القربة دخيلاً فيه.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فالمتحصّل من مجموع ما ذكرنا: أنَّه لا مانع من التمسّك بالإطلاق اللفظي، فيثبت أنَّ الواجب توصّلي لا تعبّدي.
ولشيخنا الأُستاذ مسلكٌ آخر تقرّر من بيانه في الجملة آنفاً، وهو مبنيٌ على استحالة التقييد والإطلاق. وملخّص ما ذكره في المقام(1): أنَّ المولى إذا لم يتمكّن من الإطلاق ولا من التقييد؛ على ما يراه من أنَّ التقييد مستحيلٌ، فيكون الإطلاق مستحيلاً أيضاً، والنتيجة أنَّ كلاهما مستحيلٌ، فإذا كان كذلك، فبحسب الخارج لا يخلو الحال من أن يكون قصد القربة دخيلاً في غرض المولى أو ليس بدخيلٍ، وليس هاهنا ثالثٌ، بمعنى: أنَّه لا دخيل ولا غير دخيل. إذن لا بُدَّ من نتيجة الإطلاق ونتيجة التقييد، ولابدَّ من عملٍ تكون نتيجته نتيجة الإطلاق والتقييد، ويسمّى هذا بنتيجة الإطلاق ونتيجة التقييد.
وذكر(2): أنَّ هذا يستكشف بالأمر الثاني وعدم الأمر الثاني، فإذا أمر المولى بالصيام مثلاً، وفرضنا أنَّ غرضه كان متعلّقاً بخصوص صدوره عن قصد القربة، ولكنّه لا يتمكّن من الأمر به؛ لأنَّ التقييد مستحيلٌ، فلا بُدَّ أن يأمر
ــــــــــ[328]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 117، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المقام الثاني، المبحث الثاني، الأمر الرابع.
(2) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 117، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المقام الثاني، المبحث الثاني، الأمر الرابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بذات الصيام لا مطلقاً؛ فإنَّ الإطلاق مستحيلٌ أيضاً، بل يأمر بذاته من دون إطلاقٍ ولا تقييدٍ، ثُمَّ يأمر بأن يأتي بالعمل بداعي ذلك الأمر.
وعليه فالأمر الثاني يتعلّق بإتيان العمل بقصد الأمر الأوّل، فتحصل نتيجة التقييد؛ لأنَّ الغرض من التقييد هو استكشاف أنَّ غرض المولى متعلّقٌ بهذا الأمر المقيّد. وهذه النتيجة تترتّب على الأمر الثاني أيضاً؛ إذ به نستكشف أنَّ غرض المولى مترتّبٌ على العمل المأتيّ به بقصد الأمر الأوّل. وهذا ممكنٌ لا محذور فيه.
إذن، لو كان المولى في مقام البيان وأمر بالأمر الثاني، نستكشف أنَّ الواجب تعبّدي، ومحصّلٌ لنتيجة التقييد. وإن لم يأمر بالأمر الثاني، نستكشف أن الغرض حاصلٌ بدون قصد الأمر، وهو نتيجة الإطلاق.
والنتيجة: أنَّ كلاً من الإطلاق والتقييد مستحيلٌ، إلَّا أنَّ نتيجتهما ممكنةٌ، والكاشف عنها هو وجود الأمر الثاني وعدمه. فمن وجوده نستكشف التقييد، وهذا نتيجة التقييد، ومن عدمه نستكشف الإطلاق، وهذا نتيجة الإطلاق.
فإذا كان المولى في مقام البيان، ولم يأمر بإتيان الواجب بامتثال الأمر الأوّل بأمرٍ ثاني، يترتّب عليه ما يترتّب على الإطلاق من السقوط على كلّ حالٍ.
وعليه فإنَّ الأصل اللفظي يقتضي أن يكون الواجب توصّليّاً، إلَّا إذا دلّ الدليل على وجود الأمر الثاني.
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إلَّا أنَّ صاحب (الكفاية) (1) لم يرتض هذا الوجه وأجاب عنه: بأنَّ الأمر الأوّل -مع قطع النظر عن الأمر الثاني- إذا أتى به المكلّف من دون قصد الأمر الأوّل هل يسقط أو لا؟
فإن قلنا بعدم السقوط، فهذا كافٍ في لزوم إتيان المكلّف بالواجب على نحوٍ يفي بغرض المولى، وإذا شككنا أنَّ الإتيان بدون القصد هل يفي بالغرض أو لا؟ حكم العقل بلزوم الإتيان به بداعي الأمر. إذن فالأمر الأوّل وافٍ بالغرض، ولا حاجة إلى الأمر الثاني.
وأمّا إذا فرضنا أنَّه يسقط، فلا يبقى موضوعٌ للأمر الثاني؛ لأنَّ الأمر الثاني إنَّما تعلّق بامتثال الأمر الأوّل، فيبقى الثاني بلا موضوعٍ بعد سقوط الأوّل؛ إذ لا معنى لإتيان الواجب بداعي الأمر الأوّل بعد سقوطه.
فعلى كلا التقديرين من سقوط الأمر الأوّل وعدمه، لا يبقى مجالٌ للأمر الثاني، بل يصبح الأمر الثاني لغواً محضاً. إذن لا أثر في التعبّديّة والتوصّليّة بوجود الأمر الثاني وعدمه.
وبالبيان الذي قدمناه يندفع ما أفاده: بأنَّنا نستكشف في ضوء الأمر الثاني أنَّ الأمر الأوّل لم يسقط، لا أنَّ الأمر الأوّل لم يسقط بنفسه، بل لو كان الأمر الأوّل ثابتاً دون الثاني، لالتزمنا بسقوطه بنتيجة الإطلاق، لأنَّ المولى في مقام البيان لم يبيّن أنَّ دائرة الغرض أضيق من دائرة المأمور به.
ــــــــــ[330]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فمن عدم البيان نستكشف الإطلاق، ما يلزم سقوط الأمر، ولكن إذا كان الأمر الثاني ثابتاً، نستكشف أنَّ دائرة الغرض أضيق، فلا يسقط. فما ذكره من أنَّ الأمر الأوّل إمّا أن يسقط أو لا يسقط لا وجه له؛ إذ هاهنا شقٌ ثالثٌ هو: أنَّه يسقط عند عدم الأمر الثاني، ولا يسقط عند وجوده، فلا يلزم اللغويّة أو عدم الموضوع، ففيما فرض فيه السقوط يكون الغرض أيضاً غير مقيّدٍ بالإتيان بقصد الأمر الأوّل.
ولعلّ ما أفاده النائيني له وجهٌ لو لم نناقش فيما ذكره من استحالة التقييد والإطلاق، وقد سبق أن قرّرنا أنَّ التقييد غير مستحيلٍ، وأنَّه على تقدير استحالته، فالإطلاق ضروريّ لا مستحيلٌ. فلو أغمضنا النظر عن جميع ما ذكرناه، وسلّمنا بما ذكره من الاستحالة فيهما، فما ذكره وجيهٌ جدّاً.
فالنتيجة أنَّ الأصل اللفظي يقتضي التوصّليّة، إلَّا إذا قام الدليل على أنَّه تعبّدي لا يسقط إلَّا بالإتيان به بقصد القربة. ففي كلّ موردٍ ثبت ذلك فهو، وإلَّا فنلتزم بأنَّ الواجب توصّلي.
هذا، وقد ذكر بعضهم(1): أنَّ القاعدة تقتضي أن يكون الواجب تعبّديّاً، إلَّا
ــــــــــ[331]ــــــــــ
(1) راجع: العلامة الحلي، مبادئ الوصول إلى علم الأصول: 114-115، البحث التاسع عشر، وكاشف الغطاء، كشف الغطاء 1: 163، البحث الخامس عشر. والأنصاري، مطارح الأنظار: 60، القول في وجوب مقدّمة الواجب، هداية في تقسيم الواجب إلى التعبّدي والتوصّلي.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ما خرج بالدليل وعلمنا أنَّه توصّلي، فكلّ موردٍ شكّ في الواجب أنَّه تعبّدي أو توصّلي، فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّه تعبّدي، إلَّا في مواردٍ خاصّةٍ فيما إذا ثبت أنَّه ليس بتعبّدي.
واستدلّ عليه بوجوهٍ:
◙ الوجه الأوّل: أنَّ الغرض من الأمر -بما أنَّه فعلٌ اختياري للمولى- ليس إلَّا تحريك العبد نحو المأمور به، ومن الواضح أنَّ الحكيم لا يصدر منه فعلٌ بلا داعٍ ولغواً، والداعي الذي نتصوّره في الآمر هو أنَّه يرى مصلحةً أو ما يرجع إلى نفسه من الأغراض، كما قد يتعلّق الغرض بفعل الغير. وحيث إنَّه أمرٌ قائمٌ بإرادة الغير واختياره، لا بإرادة واختيار المولى، فلا بُدَّ للمولى من جعل داعٍ يقع في طريق وجود ذلك الفعل، وإلَّا فالمأمور لا داعي له لإيجاد المأمور به في نفسه، وإنَّما الداعي هو الأمر، فيأمر به المولى، فيكون الأمر داعياً له، فيوجده في الخارج. إذن الغرض من الأمر إنَّما هو دعوته للمأمور نحو المأمور به، ولابدَّ من تحصيل غرض المولى؛ فإنَّ العقل مستقلٌّ بلزوم تحصيل غرضه، كما هو مستقلٌّ بتحصيل المأمور به.
فإذا علمنا أنَّ الغرض من الأمر هو التحريك وأن يكون داعياً للعبد إلى إيجاد الفعل، إذ لا داعي في نفس العبد في نفسه إلى إيجاد الفعل، واستقلّ العقل بأنَّ غرض المولى لا بُدَّ من تحصيله من الخارج.
ولكن يرد على هذا الوجه ما يلي:
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الأمر مترتّبٌ على فعل المولى، لا فعل المأمور به. فلو فرضنا أنَّ المولى لا يتمكّن من الفعل، ولكن كان في الفعل غرضٌ للمولى، كما لو رأينا ابن المولى يغرق في بحرٍ أو نهرٍ، ولكن المولى لا يتمكّن من الأمر؛ لغفلةٍ أو تقيّةٍ أو غير ذلك، فلا ينبغي الشكّ في استقلال العقل بلزوم تحصيل غرض المولى وإن لم يكن مأموراً به؛ فإنَّ الأمر بشيءٍ إنّما هو لأجل تحصيل الغرض القائم بذلك الشيء. وعليه فتحصيل الغرض لازمٌ بحكم العقل، كما هو الشأن في الإتيان بالمأمور به. ولكن إذا كان الغرض مترتّباً على فعل المكلّف، فلا بُدَّ أن يأتي به تحصيلاً لغرض المولى. وأمّا إذا كان الغرض المترتّب مترتّباً على فعل المولى؛ فإنَّه لا يجب على المكلّف تحصيل الغرض المترتّب على فعل المولى، وإنَّما يجب على المولى أن يأتي بفعله بشكلٍ يحصل به أغراضه. إذن لا يجب علينا أن نأتي بالواجب بداعي الأمر؛ باعتبار أنَّ داعويّته هي الغرض من الأمر.
فالأمر بما هو لا يكون داعياً، بل يوجب استحقاق الثواب والعقاب،
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والعبد يوجد الداعي في نفسه من جهتهما، فهما اللذان يكونان داعيان للامتثال في الخارج فعلاً أو تركاً، كما أوضحناه في بحث نيّة الوضوء.
إذن، فهذا هو الداعي لسائر الناس، ولكن لو فرضنا أنَّ أحداً صلّى أو صام؛ لأنَّه يخاف عقاب الله، فهذه العبادة باطلةٌ جزماً؛ فإنَّ الأثر لا يترتّب على نفس الفعل، فلا يترتّب الفرار من العقاب على نفس الكلام ولا على ترك الأكل والشرب، بل الفعل العبادي لا بُدَّ من أن يؤتى به مضافاً إلى المولى. وعليه فالفرار من العقاب يدعو إلى امتثال الأمر بأن يأتي بالصلاة عبادةً وخضوعاً للمولى، غاية الأمر أنَّ خضوعه له خضوع التجّار من جهة طمعه بالجنّة، أو عبادة العبيد من جهة أنَّه يخاف النار، لا أنَّ دفع العقاب يترتّب على ذات العمل.
فلو سلّمنا أن تحصيل غرض المولى لازمٌ على العبد، إلَّا أنَّ الغرض ليس هو الأمر بنفسه دائماً، بل إنَّما يكون داعياً باعتبار أنَّه ينشأ في نفس العبد خوفاً أو طمعاً.
إلَّا أنَّ الكلام هو أنَّ الخوف يدعو إلى الإتيان بذات العمل أو الإتيان به قربيّاً، وتختلف في ذلك أنحاء العبادات وغيرها. ففي مثل التوصّليّات لا حاجة إلى العبادة والخضوع، كما في وفاء الدين؛ فإنَّه قد يفي بدينه خوفاً من العقاب، إلَّا أنَّه لا يأتي به على وجهٍ قربي، ولكن هذا لا يصحّ في العبادات، بل لا بُدَّ من قصدٍ قربي، وهو أمرٌ زائدٌ على أصل الأمر، فلا بُدَّ من دليل عليه.
ــــــــــ[334]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كان غرض المولى من أمره هو الداعويّة الفعليّة، فهي غير متحقّقةٍ إلَّا في موارد الإطاعة. وعليه فالغرض من الأمر هو الداعويّة الشأنيّة، أي: إيجاد ما يمكن أن يكون داعياً من قبل أمر المولى؛ من حيث إنَّه لم يكن شيءٌ داعياً للعبد لامتثال أمر المولى، وبعده حصل ما يمكن أن يقع داعياً في نفسه. فما ترتّب على الأمر هو إمكان الداعويّة، وهي حاصلةٌ لا تحتاج إلى الوجود، وهذا المعنى ثابتٌ في التعبّدي والتوصّلي. مع أنَّ هذا الاستدلال مبنيٌّ على أنَّ الغرض المترتّب على الأمر هو الداعويّة الفعليّة، وهو مستحيلٌ، بل الغرض إمكان الداعويّة، وهو حاصل، سواء أتى بالعمل أو لم يأتِ به.
فقد تبيّن: أنَّ هذا الوجه لا يرجع إلى محصّلٍ.
◙ الوجه الثاني: الاستدلال بما ورد من قوله: “إنَّما الأعمال بالنيّات، ولكل امرئٍ ما نوى”(1) و”لا عمل إلَّا بالنيّة”(2) و”لا عمل إلَّا بنيّةٍ”(3) على اختلاف النسخ.
ــــــــــ[335]ــــــــــ
(1) الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام 4: 186، كتاب الصيام، باب نيّة الصيام، الحديث2، والحرّ العاملي، وسائل الشيعة 1: 49، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 5، الحديث 10.
(2) الكليني، الكافي 8: 234، حديث القباب، الحديث 312.
(3) الكليني، الكافي 1: 70، كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، الحديث 9، والحرّ العاملي، وسائل الشيعة 1: 46، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 5، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وتقريب الاستدلال بها: أنَّ العمل إذا خلّي من قصد القربة، فكأنَّه ليس بعملٍ؛ فإنَّ العمل يُعتبر فيه النية، وإلاّ فكأنَّه لم يعمل شيئاً، فمقتضى ذلك أنَّه لا بُدَّ أن يأتي بالعمل بقصد القربة، وإلَّا فكأنَّه لم يعمل شيئاً، فيكون عمله فاسداً. ففي كلّ موردٍ دلّ الدليل على التوصّليّة أخذنا به، وإلَّا فالمرجع هذه الروايات.
وهذا الاستدلال مبنيٌّ على أنَّ المراد بالروايات هو قصد التقرّب، مع أنَّ الظاهر أنَّه أُريد بالنيّة معناها اللغوي، وهو القصد، وهذا واضحٌ من الروايات وظاهرٌ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ ذات العمل يشترك بين ما يقع على وجه الفساد وما يقع على وجهٍ حسنٍ، والعمل بالنسبة إلى القصد كالروح بالنسبة إلى الجسد، فنحن نرى جسدين في الخارج لا فرق بينهما من حيث الأجزاء؛ فإنَّ كلاً منهما متقوّمٌ بأعضاءٍ متشابهةٍ وعوارض متشابهةٍ، إلَّا أنَّ الاختلاف فيما بينها في الروح، فقد يكون أحدهما مؤمناً صالحاً من أولياء الله تعالى، والآخر شقيّاً كالأنعام، بل أضلّ سبيلاً(1)، مع أنَّ الشكل واحدٌ.
والأعمال كذلك بالنيّات، ولا عمل إلَّا بالنيّة، فقد يكون العملان بحسب الصورة واحداً، إلَّا أنَّهما يختلفان بحسب القصد الذي هو معنى النيّة. ولذا قد يقصد إلى غرضٍ دنيوي، فتكون نتيجته أمراً دنيويّاً، وقد لا يقصد به ذلك، فيقع قربيّاً، وقد يقع في الخارج لأمرٍ نفساني، فيقع موافقاً لغرضه النفساني من
ــــــــــ[336]ــــــــــ
() قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (الفرقان: 44).
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
دون أن يترتّب عليه نتيجةٌ دنيويّةٌ.
وعلى أيّ حالٍ فالعمل إنّما يختلف بالقصد، وإلَّا فذات العمل على نهجٍ واحدٍ، فقد يكون العمل لله ولأمرٍ دنيوي أو لغايةٍ من الغايات الشهويّة: كالرياء أو إيذاء أحدٍ مثلاً.
وقد أُشير إلى هذا المعنى في بعض الآيات والروايات(1)، فقد ورد أنَّ المجاهد إذا كان قصده من الجهاد كسب المال، فله هذا، وإذا كان غرضه الآخرة والله تعالى، فهو يعطيه أجره. كما يُستفاد هذا المعنى من قوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ(2) فالعمل إذن على نحوٍ واحدٍ، ولكنّه قد يكون المقصد هو الدنيا، والله تعالى لا يضيع أجره، بل يعطيه الأجر في الدنيا. وإذا كانت
ــــــــــ[337]ــــــــــ
() راجع: أمالي الطوسي: 618، المجلس 29، الحديث10: “جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن إسحاق الموسوي، عن أبيه إسحاق بن العباس، عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر، عن علي بن جعفر وعلي بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن آبائه أن رسول الله أغزى عليا في سرية وأمر المسلمين أن ينتدبوا معه في سريته فقال رجل من الأنصار لأخ له: اغز بنا في سرية علي لعلنا نصيب خادما أو دابة أو شيئا نتبلغ به، فبلغ النبي قوله: فقال: إنَّما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند الله عزّ وجلّ فقد وقع أجره على الله عز وجل، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له إلَّا ما نوى“.
(2) الشورى: 20.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الغاية هي الآخرة، فالله تعالى يزيد له في أجره. فروح العمل هو القصد، بل إذا كان قصد المرء وغايته أمراً مبغوضاً للشارع، يكون معاقباً على عمله وإن كان العمل واحداً بحسب الصورة.
فالمستفاد من هذه الروايات أنَّ روح العمل هو النيّة، فلا عمل إلَّا بالنيّة، فإذا كان قصده من عمله هو الدنيا، كانت نتيجته الدنيا، وإذا كان قصده هو الآخرة، كانت نتيجته الآخرة. وليس في هذه الروايات ما يشير إلى أنَّ النيّة بمعنى: قصد القربة؛ فإنَّ قوله: “لا عمل إلَّا بالنيّة” أو “إلَّا بنيّة”، ليس إلَّا في مقام بيان أنَّ استحقاق الثواب من الله إنَّما يكون إذا أُضيف العمل إليه كما في الجهاد. وأمّا أنَّ العمل إذا لم يقصد به وجه الله تعالى لم يسقط الواجب فليس فيها إشعارٌ بذلك فضلاً عن الدلالة.
مع أنَّ ذلك يستلزم تخصيص الأكثر، أي لو كانت الروايات ظاهرةً في ذلك، للزم تخصيص الأكثر، وهو مستهجنٌ، فإنَّ الواجبات العباديّة قليلةٌ جدّاً بالنسبة إلى التوصّليّة؛ فإنَّها محصورةٌ في الصلاة والصوم والحجّ والزكاة والخمس. وأمّا الواجبات التوصّليّة فإلى ما شاء الله، ولا يمكن أن تخصّص هذه الروايات بهذه الأُمور العباديّة القليلة؛ فإنَّها بالنسبة إلى الواجبات التوصّليّة قليلةٌ جدّاً، والتخصيص إلى هذا الحدّ مستهجنٌ جدّاً.
إذن: المراد من الروايات ما ذكرنا، ولا يمكن الاستدلال بهذه الروايات في المقام.
◙ الوجه الثالث: الاستدلال بقوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ
ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مُخْلِصِينَ(1)، بدعوى أنَّ (إلَّا) تفيد الحصر، ومقتضى الحصر أن يكون الواجب عباديّاً خالصاً لله تعالى. وقد ظهر الجواب في الجملة ممّا سبق أن ذكرناه؛ فإنَّ الاستدلال بهذه الآية يستلزم تخصيص الأكثر، وهو مستهجنٌ.
مضافاً إلى أنَّ الآية لا دلالة لها على ذلك بوجهٍ.
والوجه في ذلك: أنَّ تفسير الآية بذلك يستلزم عدم المناسبة بينها وبين ما تقدّم عليها، من قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ(2)، بل تكون هذه الآية غير مرتبطةٍ بما قبلها بناءً على هذا التفسير.
وعليه فما يناسب الرواية السابقة هو أنَّ العبادة منحصرةٌ في عبادة الله سبحانه، أي: إنَّ هذا الاختلاف بين الطوائف من عبادة الأوثان أو عبادة رؤساء الأديان أو غير ذلك إنَّما نشأ بعد إتمام الحجّة عن الله تعالى، ومجيء البينة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ فكان كلّهم ملّةً واحدةً بلا اختلافٍ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. وبعد إقامة الحجّة حصل الاختلاف وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ وكان الأمر الإلهي منحصراً في جميع الشرائع في عبادة الله سبحانه، لا أنَّ الواجب منحصراً في الشرع الإسلامي في الواجب العبادي؛ فإنَّ هذا أجنبيٌّ عن مورد الآيات.
إذن، لم يدلّ دليلٌ على أنَّ جميع الواجبات عباديّةٌ إلَّا ما خرج بالدليل، بل
ــــــــــ[339]ــــــــــ
(1) البيّنة: 5.
(2) البيّنة: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مقتضى الأصل اللفظي في المقام أنَّ الفعل غير عبادي، إلَّا إذا دلّ دليلٌ من الخارج على عدم سقوطه إلَّا بقصد القربة.
لو فرضنا أنَّ الدليل على الوجوب ليس بلفظي حتّى يتمسّك بإطلاقه، كما إذا ثبت وجوب الواجب بالإجماع، ولم نعلم أنَّه تعبّدي أو توصّلي، فالإجماع دليلٌ لبّي ليس له إطلاقٌ نتمسّك به. وقد يفرض أنَّ له دليلٌ لفظي إلَّا أنَّه كان في مقام بيان واجبٍ آخر، ولم يكن في مقام بيان هذا الحكم، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ فإنَّ مقدّمات الحكمة غير تامّةٍ فيه. ولو فرضنا أنّا لم نلتزم بجواز التمسّك بالإطلاق في المقام؛ لما تقدّم من أنَّ التقييد مستحيلٌ، فالإطلاق مستحيلٌ أيضاً، فتصل النوبة إلى الأصل العملي. فما يقتضي الأصل العملي في المقام؟
بناءً على ما ذكرنا من إمكان أخذ قصد القربة في الأمر الأوّل فحال قصد القربة حال بقيّة القيود والشرائط؛ فإنَّه يرجع إلى الشكّ بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين. فإذا شكّ أنَّ هذا الشرط أُخذ أو لم يُؤخذ، فمقتضى القاعدة -على ما هو الصحيح عندنا- هو الرجوع إلى أصالة البراءة العقليّة أو الشرعيّة، كما سنتكلّم عنه في محلّه. فإذا شككنا في التعبّديّة والتوصّليّة، لزم الإتيان بذات العمل. وأمّا لزوم الإتيان بداعي الأمر فهو تكليفٌ زائدٌ لا يعلم من قبل المولى، فنتمسّك بإطلاق كلامه. وكذلك الحال على مسلك شيخنا الأُستاذ؛ فإنَّه وإن لم يلتزم بإمكان التقييد، إلَّا أنَّه التزم بإمكان نتيجة التقييد في الأمر الثاني.
ــــــــــ[340]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فبحسب النتيجة الحال فيه هو الحال في الشكّ بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين؛ فإنَّ نتيجة الأمر الثاني بعينه نتيجة الأمر الأوّل في التقييد والإطلاق. فإذا كنّا لا نعلم أنَّه مطلقٌ أو مقيّدٌ، لزم الرجوع إلى البراءة الشرعيّة أو العقليّة.
وأمّا إذا أنكرنا هذا وذاك وقلنا: إنَّ تقييد المتعلّق لا يُعقل أن يقع في الأمر الأوّل ولا في الأمر الثاني، كما اختاره صاحب (الكفاية)(1)، فسوف نشكّ في سقوط الواجب إذا أتى به بغير قصد الأمر.
وبالجملة: فقد ذهب صاحب (الكفاية) إلى أنَّ مقتضى الأصل في المقام هو التمسّك بالاشتغال؛ بدعوى أنَّنا نعلم بوجود الغرض المولوي بالمأمور به، فإذا شكّ أنَّ هذا الغرض يترتّب على كلّ ما قصد به التقرّب وما لم يقصد، أو أنَّه يترتّب على وجوده الخاصّ، وهو وجوده مع قصد التقرّب، وأتينا بالواجب مجرّداً عن قصد الأمر، نشكّ أنَّه محصّلٌ للغرض أو لا. وإذ كان العقل يستقلّ بلزوم تحصيل غرض المولى، فلا بُدَّ من جريان قاعدة الاشتغال، فالأصل يقتضي أن يكون الواجب تعبّديّاً إلَّا ما خرج بالدليل.
ولا يُقاس المقام بالشكّ بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين؛ فإنَّه هناك نشكّ في حصول غرض المولى بالإتيان بالأقلّ، إلَّا أنَّه مع ذلك نحكم بالبراءة؛ وذلك لأنَّ الشرطيّة كالجزئيّة ممّا يمكن أن ينالها يد الجعل وضعاً ورفعاً، وبما أنَّ جعلهما
ــــــــــ[342]ــــــــــ
() أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 74، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مشكوكٌ، فنتمسّك بحديث الرفع لنفيهما، وبه يثبت الإطلاق الظاهري وأنَّ المأمور به غير مقيّدٍ بالجزء المشكوك.
إلَّا أنَّ هذا لا يجري في المقام؛ لأنَّ ما نحتمل دخله في الغرض غير قابلٍ لأن تناله يد التشريع رفعاً أو وضعاً؛ إذ المفروض استحالة تقييد المأمور به بقصد الأمر، فلا يمكن دفعه بحديث الرفع، فيبقى الشكّ في دخله في الغرض، ولابدَّ من الحكم بالاشتغال.
ولكن يرد على ما ذكره -من أنَّ تحصيل الغرض إن كان أمره دائراً بين أن يترتّب على الأقلّ أو على الأكثر كان مجرىً للاشتغال- أنَّه لا فرق حينئذٍ بين المقام وبين الشكّ بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين؛ فإنَّه في تلك المسألة لا بُدَّ من الحكم بالاشتغال؛ إذ البراءة الشرعيّة وإن جرت في حالات الشكّ في الشرطيّة والجزئيّة، إلَّا أنَّ ذلك لا يثبت لازمه، أعني: حصول الغرض. وعليه فجريان البراءة في الجزئيّة والشرطيّة لا يترتّب عليه أثرٌ، إذا كان هنا مقتضٍ آخر للاشتغال، بل يكون من مزاحمة المقتضي واللامقتضي.
وبيان ذلك: أنَّه من جهة الشكّ في الشرطيّة أوالجزئيّة لا يحكم العقل بالاشتغال، ولكن من جهة الشكّ في حصول الغرض لو حكم العقل بلزوم تحصيله، فلا بُدَّ أن نلتزم أيضاً بالاشتغال من هذه الجهة. ولا يقاس الأصل العملي بالأصل اللفظي، فلو كانت هناك روايةٌ معتبرةٌ دالّةٌ على أنَّ شيئاً ليس جزءاً أو شرطاً، فنأخذ بلازمه ونقول: إنَّ الغرض يترتّب على الفاقد وإنَّ الواجب هو الأقلّ. وأمّا البراءة الشرعيّة فغير ناظرةٍ إلى الواقع، ولا يمكن أن
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يثبت بها أنَّ الواجب الواقعي هو الأقلّ، أو أنَّ الغرض يحصل به في الخارج، فإذا كان حصول الغرض المولوي مشكوكاً من هذه الجهة، فلا بُدَّ من الرجوع إلى الاشتغال. ولو فرضنا أنَّه من تلك الجهة لا ملزم للاشتغال، كان ذلك بملاك عدم الاقتضاء، واللامقتضي لا يزاحم المقتضي.
ولذلك ذكرنا في مبحث الأقلّ والأكثر الارتباطيّين: أنَّ بين الأمرين ملازمةً وإن لم تجرِ البراءة الشرعيّة أو البراءة العقليّة أيضاً. أي: إنَّ الحكم بالبراءة متوقّفٌ على أنَّ نلتزم بكلا البرائتين. وأمّا لو فرض أنَّ البراءة العقليّة غير جاريةٍ وأنّ تحصيل الغرض لازمٌ، فالبراءة الشرعيّة لا أثر لها، ولابدَّ من القول بالاشتغال. وعليه فلا فرق بين مسألتنا وهذه المسألة؛ فإنَّنا لو بنينا فيها على الاشتغال، فلا بُدَّ أن نبني هناك عليه أيضاً بلا فرقٍ بين المسألتين.
والصحيح: أنَّه لا مقتضي للقول بالاشتغال في المقام ولا هناك؛ إذ إنَّ البراءة العقلية جاريةٌ في كلا المقامين وإن فرضنا أنَّ المورد غير قابلٍ لأن تناله يد التشريع وضعاً أو رفعاً، فنلتزم بجريان البراءة على أيّ حالٍ.
وبيان ذلك: أنَّ الحكم الواقعي بما أنَّه متعلّقٌ بالمركّب، والواجب ارتباطي على الفرض، فالأجزاء متلازمةٌ ثبوتاً وسقوطاً، ولا يمكن أن يسقط نصف الواجب مثلاً ويثبت نصفه الآخر، بل الأمر متوجّهٌ إلى المركّب أو المجموع، وهذا هو معنى الارتباط في الواجب، أي: إنَّ الأجزاء متلازمةٌ، فإذا سقط جزءٌ سقط المجموع. إلَّا أنَّه بحسب التنجيز لا مانع من التفكيك؛ فإنَّ الواجب ارتباطي في الواقع. وأمّا بحسب الظاهر وبلحاظ استحقاق العقاب على
ــــــــــ[343]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المخالفة فليس بينها ملازمةٌ، بل قد يكون الواجب الواحد منجّزاً بالإضافة إلى بعض الأجزاء وغير منجّزٍ إلى الأجزاء الأُخرى. فلو فرضنا أنَّ جزءاً من الواجب وصل وقامت الحجّة على وجوبه، ولكن الجزء الآخر لم يصل، فنرفع وجوبه ظاهراً، ويكون العقاب عليه عقاباً بلا بيانٍ، أو نتمسّك بحديث الرفع، ونرفع به ما يشكّ في جزئيّته أو شرطيّته. ففي مقام الظاهر نحكم بعدم وجوب ذلك الجزء المشكوك، أي: إنَّ المكلّف لا يحتمل العقاب في ترك المشروط به، وعليه فالتفكيك بحسب التنجيز لا مانع منه بالنسبة إلى شرائط المأمور به وأجزائه الارتباطيّة، فيكون الوجوب بالنسبة إلى جزءٍ منجّزاً وإلى غيره غير منجّزٍ، فلا يستقلّ العقل بصحّة العقاب على تركه؛ لأنَّه وجوبٌ غير واصلٍ.
وكذا الكلام في الغرض المولوي؛ فإنَّ الغرض لا يزيد على الأمر، فإذا لم يصل الغرض لا يتنجّز وإن كان الغرض واحداً؛ فإنَّنا كما نعلم أنَّ الغرض واحدٌ، كذلك نعلم أنَّ الأمر واحدٌ، ولكن الوحدة لا تنافي تنجّز بعض الأجزاء دون بعض؛ إذ الوحدة لا تنافي التفكيك في التنجّز. والكلام في الغرض كذلك؛ فإنَّه كما لا يستحقّ العقاب على مخالفة الواجب الذي لم يصل، كذلك يقبح العقاب على مخالفة الغرض الذي لم يصل.
وحينئذٍ فالمكلّف في فرض الامتثال يحتجّ على المولى: بأنَّ هذه الأجزاء قد وصلت إليّ وعلمت بدخلها في غرضك، وأنَّ ترك شيءٍ منها يوجب فوات الغرض، فأستحقُّ العقاب على الترك. وأمّا إذا تركنا الجزء الذي نشكّ في وجوبه، فلا مانع من تركه، فإذا عاقب عليه المولى، كان عقاباً بلا بيانٍ؛ إذ لم
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يعلم دخل السورة في غرضه، وأنَّ تركها مفوّتٌ له، فإذا لم يعلم، فالعقاب عليه عقابٌ بلا بيانٍ.
وفي المقام كذلك؛ فإنَّ دخل قصد القربة في المأمور به مشكوكٌ لم يصل، فإن ترك أصل الواجب علمنا أنَّه مفوّتٌ للغرض، فيستقلّ العقل باستحقاق العقاب. وأمّا إذا ترك قصد القربة ولم نعلم بدخله في الغرض، وكان للمولى البيان ولو بنحو الجملة الخبريّة؛ فإنَّ البيان غير منحصر في أخذ قصد الأمر في المأمور به، فحيث لم يبيّن فإجراء قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ بلا مانعٍ.
نعم، البراءة الشرعية غير جاريةٍ؛ لأنَّه على مسلكه غير قابلٍ للأمر به لا بلحاظ الأمر الأوّل ولا بلحاظ أمرٍ آخر مستقلٍّ، إلَّا أنَّ البيان الذي أخذ في موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ لا ينحصر في الأمر، بل هو أعمّ من الأمر ومن أيّ شيءٍ مبرزٍ لغرضه، فإذا لم يبيّن دخول قصد القربة في المأمور به، فلا مانع من جريان القاعدة.
إذن، لو تنزّلنا عن جميع ما ذكرناه من التمسّك بالأصل اللفظي والعملي على مسلكنا أو على مسلك شيخنا الأُستاذ، وأخذنا بمسلك صاحب (الكفاية)، فمع ذلك نتمسّك بالبراءة؛ من جهة قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ.
هذا تمام كلامنا فيما إذا شكّ في كون الواجب تعبّديّاً أو توصّليّاً.
ــــــــــ[345]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وهاهنا جهتان من البحث:
◙ الجهة الأُولى: قد نعلم بواجبٍ، ولكن نتردّد بين أنَّ يكون واجباً نفسيّاً أو غيريّاً، أي: قيداً في واجبٍ نفسي. والثمرة المترتّبة: أنَّ الواجب لو كان نفسيّاً، فلا يدور الواجب مداره، فلو فرضنا أنَّ الصلاة لم تكن تشتمل عليه، فلا بأس؛ لأنَّه واجب نفسي، وسقوط الواجب النفسي لا يضرّ بسقوط الواجب النفسي الآخر، بخلاف ما إذا كان غيريّاً وقيداً للواجب النفسي، فسقوطه يؤثّر على صحّة الواجب؛ لأنَّه واجبٌ ارتباطي. هذه جهة.
◙ الجهة الثانية: أنَّ الواجب الذي نحتمل أنَّه قيدٌ في واجبٍ آخر لو أتى به من دونه وكان نفسيّاً، فلا بأس بترك الواجب؛ لأنَّ الواجب النفسي لا يضرّ بالواجب النفسي الآخر، بخلاف ما إذا فرضنا أنَّه قيدٌ في الواجب؛ إذ لا نحكم بصحّته حينئذٍ.
ومن آثار الوجوب الغيري أنَّه إذا تعذّر الآخر وسقط وجوبه، لا يجب
ــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الإتيان بهذا الواجب؛ فإنَّ وجوبه غيري، والوجوب الغيري يسقط بسقوط الوجوب النفسي. ومن آثاره أيضاً أنَّه إذا أتى بالواجب الآخر دون هذا الواجب، لا يسقط وجوبه؛ لأنَّه متقيّدٌ به وشرطٌ فيه، فلا يسقط إلَّا مع الإتيان به؛ فإنَّ الوجوب الغيري لا يقع إلَّا أن يكون شرطاً في الواجب النفسي وقيداً فيه، فيجب الإتيان به لأجل تحصيل القيد.
فلو فرضنا أنَّ الوجوب دار أمره بين أن يكون نفسيّاً أو غيريّاً، وفرضنا أنَّ الصلاة لم تجب، فإنَّ الوضوء يجب حينئذٍ؛ لأنَّه واجبٌ نفسي، فلو أتى بها من دونه صحّت الصلاة. وهذا بخلاف ما إذا كان الواجب غيريّاً؛ فإنَّه إذا سقط وجوب الصلاة، سقط الوجوب الغيري لا محالة، وإذا أتى بالصلاة بدونه، لم تصحّ؛ لأنَّها فاقدةٌ للشرط.
فإذا شككنا في واجب أنَّه نفسي أو غيري، رجع الشكّ إلى صحّة الصلاة من دون وضوءٍ، وفي وجوبه عند عدمها. وهذا في الوضوء لا يتصوّر، بخلاف الجنابة، ولذا ذهب بعضهم(1) إلى وجوبه النفسي، فلو وجب عليه الغسل قبل الوقت وعلم أنَّه يموت قبل دخوله، كما في الجهاد مثلاً، فعلى القول بأنَّه واجبٌ نفسي يجب عليه الغسل وإن لم تجب الصلاة.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
(1) أُنظر: العلامة الحلي، مختلف الشيعة 1: 321، كتاب الطهارة، باب الغسل، الفصل الثاني، والمقداد السيوري، نضد القواعد الفقهية: 37، قاعدة السبب والمسبّب قد يتّحدان وقد يتعدّدان. والبحراني، الحدائق الناضرة 3: 61، كتاب الطهارة، الباب الثالث، المطلب الأوّل، الفصل الأوّل، المقصد الثاني، الأمر التاسع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فإذا شككنا في ذلك، يقع الكلام فيما يقتضيه الأصل العملي تارةً، وفيما يقتضيه الأصل اللفظي أُخرى.
أمّا من حيث الأصل اللفظي فمقتضى الإطلاق في دليل وجوب هذا الشيء -كدليل الوضوء مثلاً- أنَّه واجبٌ نفسي لا غيري؛ فإنَّ الوجوب الغيري يحتاج إلى التقييد بما إذا وجب الآخر؛ إذ لا وجوب له من دون وجوبٍ آخر. فإذا فرضنا أنَّ المولى كان في مقام البيان ولم يطلق كلامه، بل قيّد وجوبه بوجوبٍ آخر، كما هو الحال في الوضوء المقيّد؛ لقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ(1)، فليس أمره بالوضوء على الإطلاق، بل تعلّق به الأمر حال إرادته الصلاة والقيام إليها، فنستكشف من ذلك أنَّ الوجوب غيري. وأمّا لو فرضنا أنَّ الأمر ورد من دون تقييدٍ بوجوب شيءٍ آخر، كان مقتضى الإطلاق أنَّ هذا واجبٌ: وجب الأمر الآخر أو لا. فالإطلاق يقتضي أنَّه واجبٌ نفسي، وأنَّ هذا الوجوب غير مرتبطٍ بالآخر وغير مترشّحٍ عنه.
ولو فرضنا أنَّ المولى لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة، نتمسّك بالإطلاق في دليل وجوب الواجب الذي نحتمل غيريّته بالنسبة إلى ذلك الواجب، كدليل الصلاة، ونثبت بالإطلاق أنَّ الواجب غير مقيّد بهذا الشيء.
والفرض أنَّ الإطلاق الأوّل ثابتٌ بمفاد الهيئة، أي: بالوجوب، وبه يثبت أن الوجوب غير مترشّحٍ من الوجوب النفسي. وأمّا الإطلاق الثاني فهو بلحاظ
ــــــــــ[348]ــــــــــ
() المائدة: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المادّة، ويثبت به أنَّ الوجوب تعلّق بذات الصلاة غير مقيّدٍ بالطهارة، إذن الواجب مطلقٌ وغير مقيّدٍ. ولازم ذلك أنَّ الوجوب ليس بغيري؛ إذ لو كان غيريّاً، لكان هذا الواجب مقيّداً به لا محالة، فمن عدم تقييده به نستكشف أنَّ الوجوب ليس غيريّاً، فيثبت أنَّه نفسي.
وبما أنَّ الإطلاق من الأُصول اللفظيّة، ولوازم الأُصول اللفظية حجّةٌ، والأصل اللفظي كما يثبت مدلوله يثبت كذلك لوازم مدلوله؛ فإنَّه ناظرٌ إلى الواقع، كما سيأتي في مبحث الأصل المثبت من أنَّ هناك فرقاً بين الأصل العملي واللفظي؛ فإنَّ الأصل العملي أصلٌ في ظرف الشكّ، فهو غير ناظرٍ إلى الواقع، فلذا لا يثبت لوازمه، بل التعبّد الشرعي بمقدار المتيقّن والمشكوك مثلاً. وهذا بخلاف الأصل اللفظي، أي: ما يرجع إلى اللفظ ممّا هو ناظرٌ إلى الواقع، كالعموم والإطلاق وخبر الواحد؛ فإنَّنا كما نأخذ بمداليلها، نأخذ باللوازم، وتكون حجّة فيه. فبأحد هذين الإطلاقين نثبت أنَّ الوجوب نفسي لا غيري.
ولو فرضنا أنَّ المولى لم يكن في مقام البيان من جهة الأمر بذلك الواجب المردّد بين الواجب النفسي والغيري، ولم يمكن التمسّك بإطلاق الهيئة، كعدم إمكان الأخذ بإطلاق المادّة، فيرجع الأمر إلى الأصل العملي. فإذا شككنا في واجبٍ أنَّه نفسي أو غيري، وأنّ الواجب الآخر هل هو مقيّدٌ بذلك الواجب أو غير مقيّد؟ فلهذا الشكّ صور نتعرض له في بحث مقدّمة الواجب إن شاء الله، فيقع البحث في الأصل العملي وأنَّه يقتضي الالتزام بالوجوب النفسي أو الغيري أو بالجمع بين الأمرين؟
ــــــــــ[349]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والحاصل: أنَّ الواجب إذا تردّد بين أن يكون نفسيّاً أو غيريّاً، فيمكن التمسّك بالإطلاق من جهة الهيئة أو الإطلاق من جهة المادة في الواجب الآخر الذي يحتمل أن يكون مقدّمةً له وغيريّاً بالنسبة إليه مترشحاً وجوبه من وجوبه، أي: التمسّك بهذا الإطلاق كافٍ في إثبات أنَّ الواجب نفسي. فإذا لم يكن هناك إطلاقٌ ينتهي الأمر إلى الأصل العملي الذي نتكلّم فيه إن شاء الله في بحث مقدّمة الواجب.
وقد يتردّد الأمر بين أن يكون الواجب تخييريّاً وتعيينيّاً؛ بناءً على ما ذهب إليه جماعةٌ(1) من أنَّ الواجب التخييري يرجع إلى الواجب التعييني المشروط، بمعنى: أنَّ وجوب كلٍّ من الأمرين مشروطٌ بعدم الإتيان بالآخر، كما في كفّارة شهر رمضان؛ فإنَّ كلاً من العتق والإطعام والصيام وجوباتٌ تعيينيّةٌ، إلَّا أنَّ كلاً منها مشروطٌ بعدم الإتيان بالآخر.
وهذا المسلك فاسدٌ جدّاً، على ما سنتكلّم فيه في بحث الوجوب التخييري؛ لأنَّ لازمه تعدّد العقاب، أي: استحقاق العقاب على تقدير ترك الجميع، وهو خلاف الضرورة. مضافاً إلى أنَّه لا موجب للالتزام بذلك؛ فإنَّ الغرض في موارد الوجوب التخييري واحدٌ على الفرض، فكيف يكون غرضٌ واحدٌ منشأً لخطاباتٍ متعدّدةٍ؟! فوحدة السبب كاشفةٌ عن وحدة المسبّب، فالوجوب إذن واحدٌ.
ــــــــــ[350]ــــــــــ
(1) راجع: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 140-141، الفصل التاسع: الوجوب التخييري.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لكن على تقدير تسليم هذا المسلك وأنَّ هناك وجوباتٍ متعددةً كلٌّ منها مشروطٌ بعدم الإتيان بالآخر، يرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في أنَّ الواجب مطلقٌ أو مشروطٌ؛ فإنَّنا إذ لا ندري أنَّه تعييني أو تخييري، يرجع هذا الشكّ حقيقةً إلى الشكّ في أنَّ الوجوب مطلقٌ (يعني: تعييني) أو مشروطٌ (يعني: تخييري). ومقتضى الإطلاق في هذا الشك أن يكون الوجوب مطلقاً؛ فإنَّ الإطلاق في مقام الإثبات كاشفٌ عن الإطلاق في مقام الثبوت، وبه يثبت أنَّ الوجوب غير مشروطٍ بشيءٍ آخر، وأنّ وجوبه باقٍ على حاله. فلو سلّمنا هذا المسلك، كان مقتضى الإطلاق أن يكون الوجوب تعيينيّاً، والمشروط هو الواجب التخييري الذي ينفيه الإطلاق.
وأمّا على ما هو الصحيح في الوجوب التخييري -على ما سنتكلّم فيه إن شاء الله- من أنَّه متعلّقٌ بالجامع بين الأمرين، وهو العنوان الانتزاعي، وهو أحد الأمرين أو أحد الأُمور، فمنشأ الانتزاع وإن كان متعدّداً في الخارج، إلَّا أنَّ العنوان واحدٌ، والصفة الحقيقيّة قابلةٌ لأن تتعلّق بهذا لأمر الانتزاعي، كما في موارد العلم الإجمالي.
وبيان ذلك: أنَّ العلم في موارد العلم الإجمالي متعلّقٌ بعنوانٍ انتزاعي هو عنوان أحدهما، فلو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الكأسين، وفرضنا أنَّ كلاً منهما كان في الواقع نجساً، فما هو متعلّق العلم الإجمالي ليس شيئاً معلوماً بعينه؛ لأنَّه ليس هاهنا واقعٌ معلومٌ، ولا هو الطاهر؛ إذ لا طاهر في البين على الفرض، ولكن المكلّف لم يكن يعلم إلَّا بنجاسة أحدهما، فالمعلوم بالإجمال ليس له واقعٌ
ــــــــــ[351]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إلَّا عنوان أحدهما، والعلم صفةٌ حقيقيّةٌ ذات إضافةٍ، فإنَّها صفةٌ قائمةٌ بالنفس، إلَّا أنَّه لا بُدَّ لها من منكشفٍ، وهو في المقام الأمر الانتزاعي.
وفي المقام فالأمر الاعتباري أولى بقبول الصفة الحقيقيّة؛ لأنَّه هناك تعلّق العلم بأمرٍ انتزاعي، وهنا تعلّق الطلب بأمرٍ اعتباري، وهو عنوان أحدها بإلغاء كلٍّ من الطرفين أو الأطراف.
وعلى ذلك فإذا كان الوجوب متعلّقاً بعنوان أحدهما والخصوصيّات خارجةً عن دائرة الطلب، وشككنا في أنَّ الوجوب تعلّق بجامع أحدهما أو بخصوص هذا الشيء الذي يحتمل أن يكون واجباً تعيينيّاً، فمرجع هذا الشكّ في التعييني والتخييري إلى أنَّنا لا نعلم أنَّ متعلّق الوجوب هو الجامع بين هذه الأُمور أو هو خصوص هذا. فالإطعام (في الكفّارة) يدور أمره بين أن يكون تعيينيّاً أو تخييريّاً، ولا يمكن إثبات التعييني إلَّا بأحد وجهين:
◙ الوجه الأوّل: الإطلاق بتقريب: أنَّ التخييري لا بُدَّ له من ذكر العدل لهذا الواجب؛ إذ لا بُدَّ في مقام البيان أن يقول: (أطعم أو أعتق أو صم). فإذا كان المولى في مقام البيان، ولم يذكر عدلاً للواجب، فمقتضى الإطلاق أن يكون الواجب تعيينيّاً، فعدم ذكر العدل في مقام الإثبات كاشفٌ عن الإطلاق في مقام الثبوت، فنقول بأنَّ الواجب لا عدل له، إذن فهو تعييني.
◙ الوجه الثاني: أن يُقال: إنَّ تعلّق الأمر بالإطعام ظاهرٌ في أنَّ الخصوصيّة متعلّقةٌ بالطلب أيضاً، أي: الإطعام بما أنَّه إطعامٌ واجبٌ، والمفروض أنَّه في الواجب التخييري لا يكون الإطعام واجباً بما أنَّه إطعامٌ، وإنَّما يكون مصداقاً
ــــــــــ[352]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
للواجب، لا أنَّه واجبٌ. فمن الأمر به نستكشف أنَّ الخصوصيّة متعلّقةٌ بالأمر، فنستكشف أنَّه تعييني، وإلَّا كان متعلّقاً بالجامع. فالتحفّظ على ظهور الكلام في دخالة الخصوصيّة في متعلّق الطلب دالٌ على الوجوب التعييني، وإلَّا لم يكن لها دخلٌ؛ فإنَّه إذا كان الواجب تخييريّاً، كانت الخصوصيّة ملغاةً لا محالة.
فإذا كان المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينةً على أنَّه واجبٌ تخييري، يُحمل على التعيينيّة، فالأصل اللفظي إذن يقتضي التعيينيّة.
وأمّا لو فرضنا أنَّ المولى لم يكن في مقام البيان، كما لو كان ثبوت وجوب الواجب من غير طريق الدليل اللفظي، أو كان الدليل لفظيّاً ولم يكن في مقام البيان بل في مقام الإهمال، فحينئذٍ لا يمكن التمسّك بالإطلاق اللفظي، فينتهي الأمر إلى الأصل العملي، وهذه هي المسألة المعروفة في دوران الأمر بين التخيير والتعيين. وسيقع البحث فيه في البراءة إن شاء الله تعالى.
وأمّا لو دار الأمر بين أن يكون الواجب عينيّاً أو كفائيّاً فقد ظهر حاله فيما ذكرناه آنفاً في دوران الأمر بين التعييني والتخييري؛ فإنَّ الواجب الكفائي إذا رجع إلى الوجوب العيني لكلّ واحدٍ، إلَّا أنَّه مشروطٌ بعدم قيام الغير بذلك الواجب، فهناك واجباتٌ متعدّدةٌ بعدد الأشخاص، إلَّا أنَّ التكليف ليس مطلقاً، بل هو مشروط وجوداً وبقاءً بعدم قيام الغير به، فإذا أتى به سقط عن الباقي.
فبناءً على هذا المسلك إذا شكّ في كون الوجوب عينيّاً أو كفائيّاً، رجع إلى الشكّ في أنَّه مشروطٌ أو مطلقٌ. فإذا كان المولى في مقام البيان وشكّ في الإطلاق
ــــــــــ[353]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والتقييد، فعدم التقييد في مقام الإثبات كاشفٌ عن عدم التقييد في مقام الثبوت، وأنّ الواجب عيني لا كفائي.
إلَّا أنَّ هذا المبنى ليس بتامٍّ في نفسه؛ وذلك لوحدة الغرض، فمع وحدة الغرض لا يمكن الالتزام بتعدّد الوجوب.
فلا بُدَّ إذن من الالتزام بالقول الثاني، وهو أنَّ الواجب الكفائي تكليفٌ متوجّهٌ إلى طبيعيّ المكلّف مع إلغاء خصوصيّة الأفراد، والحال فيه كالحال في الواجب التخييري. غاية الأمر أنَّ الإلغاء في التخييري بالنسبة إلى خصوصيّات الواجب، وفي الكفائي بالنسبة إلى خصوصيّات المكلّفين، أي: إنَّ المطلوب هو تحقّق الفعل في الخارج، كتغسيل الميّت وتكفينه ودفنه؛ فإنَّ التكليف متوجّهٌ إلى الجامع بين المكلّفين، أي: البالغ العاقل القادر، فإذا لم يمتثل الجميع يعاقب الجميع. وأمّا إذا أتى به واحدٌ، فإنَّه يسقط عن الجميع؛ باعتبار أنَّ الطبيعي وجد في الخارج.
وبناءً على هذا المسلك يرجع الشكّ في العينيّة والكفائيّة إلى الشكّ في أنَّ التكليف متوجّهٌ إلى جامع المكلّف أو إلى خصوص كلّ فردٍ، والظهور الذي ذكرناه في الواجب التخييري يثبت أنَّ خصوصيّة الفرد دخيلةٌ في التكليف، والالتزام بأنَّ التكليف متوجّهٌ للجامع منافٍ لهذا الظهور. فإذا كان المولى في مقام البيان، فظاهر كلامه أنَّ الخصوصيّة الفرديّة دخيلةٌ في التكليف وأنَّ الوجوب عيني.
وأمّا إذا لم يكن المولى في مقام البيان، فيرجع فيه إلى الأصل العملي، وسيأتي في مبحث البراءة أنَّه يقتضي البراءة إذا قام به غيره.
ــــــــــ[354]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولا تظهر الثمرة إذا لم يقم به أحدٌ؛ إذ لا إشكال حينئذ في الوجوب، سواء كان عينيّاً أو كفائيّاً؛ لأنَّه لم يقم به أحدٌ. وإنَّما تظهر الثمرة فيما إذا قام به الغير؛ فإنَّه إذا كان كفائيّاً سقط الوجوب، وإذا كان عينيّاً لم يسقط، فنشكّ في التكليف عند قيام الغير به، وهو مجرى أصالة البراءة، وتمام البحث في محلّه إن شاء الله تعالى.
هذا تمام كلامنا في دوران الوجوب بين أن يكون نفسيّاً أو غيّريّاً، وبين أن يكون تعيينيّاً أو تخييريّاً، وبين أن يكون عينيّاً أو كفائيّاً، وقد ظهر ممّا تقدّم أنَّ الحكم في الجميع بلحاظ الأصل اللفظي واحدٌ، وهو أنَّ الوجوب نفسيّ تعييني عيني.
ــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الظاهر: أنَّ الأقوال في ذلك ثلاثة(1):
◙ الأوّل: عدم الفرق بين وقوع الأمر بعد الحضر أو بعد توهّم الحضر؛ فإنَّه إذا كان الأمر ظاهراً في الوجوب، وكان في الكلام إطلاقٌ، فيحمل على الوجوب.
◙ الثاني: حمل الأمر على الإباحة.
◙ الثالث: القول بالتفصيل: فإن علّق الأمر على زوال علّة النهي، أي: إذا نُهي عن شيء ثُمَّ أمر به نحو قوله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا(2) فهذا يرجع إلى الحكم الأوّل. وأمّا إذا لم يكن معلّقاً على زوال علّة النهي، فعلى القولين من الوجوب أو الإباحة.
ــــــــــ[356]ــــــــــ
(1) راجع الأقوال في المسألة: القمي، قوانين الأُصول: 89، الباب الأوّل، المقصد الأوّل، قانون: إذا وقع الأمر عقيب الخطر…، المقالة الأُولى، القول في الأمر، فصل: اختلف القائلون بأنَّ الأمر للوجوب فيما إذا ورد عقيب الحظر، وغيرها، ومحمد تقي الأصفهاني، هداية المسترشدين: 155، المطلب الثاني، البحث الأوّل، المسألة الثانية. والطباطبائي، مفاتيح الأُصول: 116، القول في الأوامر، مفتاح القول في بيان صيغة (افعل) وما في معناها، التنبيه الثالث.
(1) المائدة: 2.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والظاهر: أنَّ هذه الأقوال كلّها ممّا لا يمكن المساعدة عليها. أمّا القول الأوّل -أي الالتزام بالوجوب- فمبنيٌ على أمرين غير ثابتين وغير صحيحين:
وبناءً على هذين الأمرين يكون المبنى صحيحاً؛ فإنَّه إذا كان الأمر موضوعاً للوجوب وورد بعد الحضر أو توهّمه، نشكّ في أنَّه مستعملٌ في معناه الموضوع له أو في معنى مجازي، ومقتضى أصالة الحقيقة تعبّداً هو أن يحمل الأمر على المعنى الحقيقي، وهو الوجوب.
وأنت خبيرٌ بفساد كلا الأمرين: أمّا الأمر الأوّل فقد تقرّر: أنَّ الأمر ليس موضوعاً للوجوب، وإنَّما يُستفاد الوجوب من حكم العقل بأنَّه لا بُدَّ من الخروج عن عهدة المولى ما لم يرد منه ترخيصٌ، وإلَّا فالوجوب خارجٌ عن الموضوع له. وعلى تقدير تسليمه فالمقدّمة الثانية ممنوعةٌ؛ وذلك لأنَّ أصالة الحقيقة ليست بأصلٍ تعبّدي من العقلاء، بمعنى: أنَّ العقلاء يحملون على المعنى الحقيقي على كلّ حالٍ. وسنتكلّم في ذلك في بحث أصالة الظهور، وسيتّضح هناك أنَّ بناء العرف إنَّما هو على حمل اللفظ على ما هو ظاهرٌ منه بلا
ــــــــــ[357]ــــــــــ
(1) أُنظر: الذريعة 1: 15-16، باب الكلام في الخطاب وأقسامه وأحكامه، البحث في الحقيقة والمجاز.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فرقٍ بين المعنى الحقيقي وغيره، وإذا لم يكن ظاهراً في معنى، فلا يحمل عليه اللفظ ولو كان معنى حقيقيّاً. والثاني كما في موارد احتفاف الكلام بما يمكن أن يكون قرينةً، فلا ينعقد له ظهورٌ في المعنى الحقيقي، بل يكون اللفظ مجملاً، فلا تجري فيه أصالة الحقيقة.
والمقام من هذا القبيل؛ إذ من المحتمل أن يكون وقوع الأمر بعد النهي أو بعد توهّم الحظر قرينةً على عدم إرادة الوجوب، ومع هذا الاحتمال في كلام المولى لا يكون للفظ ظهورٌ في الوجوب، فكيف يمكن الحمل عليه حتّى على تقدير تسليم وضعه للوجوب؟!
وأمّا القولان الآخران فلا يمكن المساعدة عليهما أيضاً؛ فإنَّ الالتزام بهما يتوقّف على إثبات أنَّ وقوع الأمر عقيب الحضر قرينةٌ عامّةٌ على إرادة الإباحة أو على إرادة الحكم الذي كان قبل النهي، إذا كان معلّقاً على زوال النهي، ولم يثبت أيٌّ منهما ليكون للفظ ظهورٌ في هذا المعنى. نعم، قد يثبت ذلك من الخارج في موارد خاصّةٍ، كما في قوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا(1) إلَّا أنَّ إقامة القرينة العامّة لم يثبت وجودها، فيصبح مثل هذا الأمر مجملاً لا يُعلم أنَّه يُراد به الوجوب أو الإباحة، كما لا يُعلم أنَّه يُراد به الرجوع إلى الوجوب الثابت قبل النهي، ومعه فلا بُدَّ من الرجوع إلى الأُصول العمليّة.
ــــــــــ[358]ــــــــــ
(1) المائدة: 2.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لا شكّ: أنَّ التكليف ينشأ من مصلحةٍ ومفسدةٍ في متعلّق التكليف، فإذا لم يقيّد بقيدٍ خاصٍّ، يستكشف منه بالفهم العرفي أنَّ المفسدة قائمةٌ بكلّ فردٍ من الطبيعي بلا فرقٍ بين الفرد الأوّل والثاني، ولأجل ذلك تنحلّ النواهي، أي: ينحلّ النهي الواحد إلى نواهٍ متعدّدةٍ بانحلال موضوعه، ويتعدّد بتعدّد الأفراد. بل الحال كذلك في الموضوع الواحد في مثل سبّ المؤمن؛ فإنَّه كما يستفيد العرف انحلال الحكم بانحلال الأفراد، كذلك يستفيد أنَّه لا فرق بين سبٍّ وسبٍّ آخر، فلو سبّه مرّتين، فقد ارتكب المحرّم مرّتين. فالأحكام التحريميّة بحسب الفهم العرفي تنحلّ إلى تكاليف عديدةٍ باعتبار تعدّد الموضوع وباعتبار تعدّد المتعلّق. وأمّا التكليف الوجوبي فهو لا ينشأ إلَّا من مصلحةٍ ثابتةٍ في الطبيعة، وفي مثل ذلك قد تكون القرينة قائمةً على تعدّد المصلحة بتعدّد الأفراد، كما استفدنا ذاك في باب الصلاة التي تجب كلّ يومٍ، فصلاة الظهر في كلّ يومٍ لا تسقط الوجوب في اليوم الثاني، وكذا في اليوم الثالث، وكذا الحال في صلاتي المغرب والعشاء وغيرها؛ لدلالة الدليل الخارجي والروايات(1) على أنَّ
ــــــــــ[359]ــــــــــ
(1) راجع الأحاديث الواردة في البابين الأوّل والثاني من أبواب أعداد الفرائض والنوافل من كتاب الصلاة من وسائل الشيعة 4: 7.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
هذا الحكم متعدّدٌ بتعدّد الأفراد الخارجيّة، أي: من حيث الموضوع، لا من حيث المتعلّق. فصلاة الظهر إنَّما تجب في كلّ يومٍ مرّةً، لا أنَّها تجب في اليوم أكثر من مرّةٍ، فكلّ يوم تجب فيه خمس صلواتٍ.
وقد تكون القرينة الخارجيّة معيّنةً لوحدة الوجوب، وأنَّه يسقط بالفرد الواحد، فلا يجب ثانياً، كما في الحجّ؛ على ما هو المستفاد من الروايات(1) من أنَّه يجب في العمر مرّةً واحدةً، وإلَّا فإنَّ الآية(2) لا دلالة لها على المرّة والتكرار. فمن حجّ مرّة واحدةً حجّة الإسلام، لا يجب عليه الامتثال إلَّا بسببٍ آخرٍ: كإجارةٍ أو نذرٍ أو يمينٍ أو فساد حجّ.
وإنَّما الكلام إذا لم تقم قرينةٌ خارجيّةٌ معيّنةٌ للمرّة أو التكرار، فهل يتعدّد الحكم بتعدّد الموضوع أو لا؟ فيقع الكلام في مقتضى الأصل اللفظي والعملي، والظاهر اقتضاء كلا الأصلين الاكتفاء بالمرّة الواحدة.
أمّا الأصل اللفظي فمن جهة الإطلاق؛ فإنَّ الهيئة لا تدلّ إلَّا على طلب هذه المادّة، الذي عبّرنا عنه- أي: الطلب- بأنَّه اعتبار شيءٍ على ذمّة المكلّف وإبرازه بمبرزٍ خارجي. وأمّا أنَّ المطلوب وجودٌ واحدٌ أو متعدّدٌ فهو خارجٌ عن مدلولها. وليس استعمال الهيئة في مورد الصلاة الذي يتعدّد فيه الوجوب وفي مورد الحجّ
ــــــــــ[360]ــــــــــ
() راجع الأحاديث الواردة في باب وجوب الحجّ مع الشرائط مرّةً واحدةً في العمر وجوباً عينيّاً من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه من وسائل الشيعة 11: 19.
(2) أي: قوله تعالى: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً (آل عمران: 97).
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الذي لا يتعدّد فيه الوجوب مختلفاً أحدها عن الآخر، بل استُعملا في معنىً واحدٍ، وهو إبراز اعتبار المولى بمبرزٍ هو اللفظ. إذن الهيئة لا تدلّ إلَّا على المعنى الجامع. كما أنَّ المادّة لم تُوضَع إلَّا لنفس هذه الطبيعة، أعني: لنفس الصلاة والحجّ والصيام، فليس في صيغة الأمر هيئةً ومادّةً دلالةٌ على المرّة أو التكرار.
فإذا فرضنا أنَّ الطلب كان صرف الطبيعة، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ صرف الطبيعة لو لم يقيّد بعدم الإتيان به ثانياً ولا الإتيان به ثانياً، فلازمه سقوطه بالوجود الأوّل؛ على ما ذكرناه في مبحث الإجزاء من أنَّ حصول المأمور به كافٍ في الإجزاء عقلاً، فمقتضى الإطلاق كالأصل اللفظي هو الاكتفاء بالمرّة الواحدة.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ حال الفرد الثاني الطولي حال الفرد العرضي، والفرد العرضي غير مقيّدٍ بوجود الفرد الآخر ولا بعدمه، فلو فرض أنَّ المولى أمر بإكرام العالم، ولم يقيّد أنَّه عالمٌ واحدٌ أو عالمان، وكان من هذه الجهة مطلقاً عن أيّ خصوصيّةٍ عدميّةٍ أو وجوديّةٍ، فمقتضى الإطلاق هو أنَّه إذا وجدت الطبيعة في الخارج، فقد وجد المأمور به. فإذا تحقّقت الطبيعة سقط الأمر؛ لأنَّ الأمر إنَّما يدعو إلى متعلّقه، فإذا وجد سقط الأمر قطعاً. كما أنَّ مقتضى الأصل اللفظي جواز الإتيان بفردين عرضيّين معاً أو بأفراد كذلك، ويحصل الامتثال بالجميع؛ فإنَّ الخصوصيّة العدميّة غير مأخوذةٍ أيضاً في موضوع التكليف، أي: إنَّه غير مقيّد بإكرامٍ واحدٍ، والعبرة بوجود الطبيعة في الخارج، سواء وجد بفردٍ واحدٍ أو بوجوداتٍ متعدّدةٍ.
ــــــــــ[361]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولو فرضنا أنَّه لا أصل في المقام؛ لعدم كون المولى في مقام البيان مثلاً، أو لأنَّ الدليل الدالّ على الوجوب ليس لفظيّاً، بل هو إجماعٌ أو غيره ممّا ليس له إطلاقٌ، فتصل النوبة إلى الأصل العملي، وهو أيضاً يقتضي ذلك؛ فإنَّ احتمال عدم الاجتزاء بفردٍ واحدٍ مساوقٌ لاحتمال وجوب فردٍ ثانٍ إلى جانب الفرد الأوّل. فإذا شككنا في ذلك كان مجرى لأصالة البراءة، فيكفي فردٌ واحدٌ، كما أنَّ احتمال الزيادة موجودٌ؛ فإنَّ احتمال كون موضوع التكليف مقيّداً بالوحدة مرفوعٌ بالأصل أيضاً.
إذن فالنتيجة، هي النتيجة، فإذا أتى بفردٍ واحدٍ لا يجب فردٌ آخر؛ لأصالة البراءة، وإذا أتى بفردين معاً، كفى في الامتثال؛ لعدم التقييد بشرط لا؛ لأصالة البراءة عن اعتبار الخصوصيّة الزائدة.
فمقتضى الأصل اللفظي والعملي هنا واحدٌ.
ثُمَّ بعد أن اتّضح: أنَّه يكفي الامتثال بفردٍ واحدٍ ويُجتزئ به في حكم العقل بالإطاعة، هل يمكن أن يعتبر كالعدم ويأتي بفردٍ آخر بدلاً عن الأوّل؛ ليكون به الامتثال، وهو الذي يُعبّر عنه بالامتثال بعد الامتثال؟ أو يُقال: إنَّه سقط التكليف بالامتثال الأوّل، فلا يمكن الامتثال الثاني؛ لعدم الموضوع؛ لأنَّ الأمر قد سقط؟
فصّل صاحب (الكفاية)(1) بين ما إذا كان الغرض الأقصى غير ساقطٍ،
ــــــــــ[362]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 79، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الثامن.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فيجوز الامتثال الثاني بدلاً عن الأوّل، وللمكلّف أن يرفع اليد عمّا أتى به ويأتي بفردٍ آخر، ومثّل له بما إذا أمر بإحضار الماء، وكان الغرض شربه، ولم يشربه، فيجوز أن يأتي بفردٍ آخر؛ لخصوصيّة راجحةٍ، فيه بل يجوز له التبديل مطلقاً حتّى إلى الفرد المماثل.
وأما إذا فرض أنَّ الغرض الأقصى حصل، كما إذا شرب الماء، فبعده لا معنى لتبديل الامتثال؛ لعدم بقاء الأمر.
إلَّا أن ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه والوجه في ذلك: بأنَّ فرض حصول الامتثال مؤدّاه سقوط الأمر، وإلاّ فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ الامتثال حاصلٌ والأمر باقٍ؟! فإذا كان التكليف ساقطاً؛ باعتبار الإتيان بالمأمور به، على ما هو عليه من الخصوصيّات، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّه غير ساقطٍ؟! وقد فرضنا أنَّ الإتيان بالمأمور به يجزي عن الأمر قطعاً بحكم العقل، فإذا سقط كيف يمكن أن يأتي بفردٍ ثانٍ؟ فيأتي بالثاني بداعي امتثال أيّ أمرٍ؟ إذن فالامتثال بعد الامتثال أمرٌ غير معقولٍ مطلقاً.
وأمّا ما أفاده من بقاء الغرض الأقصى فوجيهٌ في محلّه، إلَّا أنَّ هذا الغرض من فعل نفس المولى، لا من فعل العبد؛ فإنَّ رفع العطش هو الغرض من الأمر، لا الإتيان بالماء، والغرض من الإتيان بالماء هو تمكين المولى من الشرب، والغرض من المأمور به هو تمكين المولى من الشرب، وقد حصل الغرض، والشرب وعدمه بعد ذلك باختياره. فإذا تمكّن المولى من الشرب، فقد حصل الغرض وسقط الأمر، فلا يبقى مجالٌ للإتيان به ثانياً بداعي الأمر. نعم، لو أُريق الماء، عاد الأمر لا محالة.
ــــــــــ[363]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا الروايات التي استشهد بها فهي طائفتان:
◙ الأُولى: ما ورد(1) في صلاة الآيات من أنَّ الآية ما دامت باقيةً فللمكلّف أن يصلّي ويكرّر الصلاة حتّى تنتهي الآية. ومن الواضح أنَّ مثله ليس من تبديل الامتثال بالامتثال، بل هو وجودٌ استحبابي للصلاة، فهو أجنبي عن محلّ الكلام.
◙ الثانية: ما ورد(2) في من صلّى فرادى، ثُمَّ حضرت الجماعة، فله أن يعيد صلاته جماعةً إماماً كان أو مأموماً، وهذا يمكن أن يُستفاد من هذه الروايات، إلَّا أنَّه لا يمكن الاستفادة منها أن ذلك من باب تبديل الامتثال بالامتثال، فيرفع اليد عن الامتثال الأوّل، ويجعل الثاني امتثالاً للأمر؛ لأنَّ الامتثال الثاني غير معقولٍ، فكيف يمكن أن تثبت الروايات أمراً غير معقولٍ؟ وإنَّما وردت للاستحباب، كما في صلاة الآيات، أو يُقصد بها القضاء، فيجعلها المكلّف فريضةً. وقد وردت في هذا الصدد روايتان: في الأُولى أنَّه يجعلها الفريضة، وفي الثانية أنَّه يجعلها الفريضة إن شاء، وهذه الروايات لا يُستفاد منها أنَّه يجعل هذا الفرد الثاني واجباً؛ لأنَّ هذا أمرٌ بيد المولى وخارجٌ عن اختيار العبد.
ــــــــــ[364]ــــــــــ
(1) راجع باب استحباب إعادة صلاة الكسوف إن فرغ قبل الانجلاء من أبواب صلاة الكسوف والآيات من وسائل الشيعة 7: 498.
(2) راجع الروايات الواردة في باب استحباب إعادة المنفرد صلاته إذا وجد جماعةً… من أبواب صلاة الجماعة من وسائل الشيعة 8: 401.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نعم، في جملةٍ من هذه الروايات(1) وردت الإعادة استحباباً، وأنَّ الله يختار أحبّهما إليه، وهو أجنبيٌ عن تبديل الامتثال بالامتثال، بل هو من باب الامتنان. ففيما إذا كانت الثانية أولى من الأُولى بالقبول واشتملت أكثر منها على خصوصيّات القرب، فإنَّ الله تعالى يكتبها في ديوانه وفي عمله.
وملخّص الكلام: أنَّ التبديل أمرٌ غير معقولٍ؛ فإنَّ الأمر بعد سقوطه غير قابلٍ للامتثال، والمفروض أنَّه قد سقط. وهذه الرواية محمولةٌ على الاستحباب، أو أنَّها مصداقٌ للإعادة، أي: للقضاء لا للواجب؛ لقوله: “يصلّي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء”(2).
ــــــــــ[364]ــــــــــ
(1) أُنظر: وسائل الشيعة 8: 401 و403، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54، الحديثان الرابع والعاشر.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم 8: 401، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الواجب قد يكون مؤقّتاً، وقد يكون غير مؤقّتٍ، أي: لم يعيّن له وقتٌ خاصٌّ والمؤقّت على قسمين: فقد لا يزيد زمان العمل على زمان الوجوب، بل يكون الزمانان بمقدارٍ واحدٍ، وقد يكون زمان العمل أقلّ من مقدار الوجوب.
أمّا القسم الأوّل -وهو الذي لا يزيد زمان الوجوب فيه على زمان العمل- فيسمّى مضيّقاً، كما في الصوم؛ فإنَّ زمان وجوبه من الفجر إلى الغروب، وهو أيضاً تمام زمان العمل.
وأمّا القسم الثاني -وهو الذي يزيد زمان الوجوب فيه على زمان العمل- فيسمّى بالموسّع، كما في الصلاة؛ فإنَّ وجوبها من الفجر إلى طلوع الشمس، ومن الظاهر أنَّها لا تستوعب هذا المقدار من الزمن، وكذا سائر الصلوات.
وقد لا يكون الواجب مؤقّتاً أصلاً، ففي أيّ وقت أتى به صحّ؛ إذ ليس له وقتٌ خاصٌّ.
أمّا ما كان مضيّقاً من الواجبات فلا يجري فيه نزاع الفور والتراخي؛ فإنَّه لا معنى للفور والتراخي فيه؛ إذ ليس زمان الوجوب فيه أكثر من زمان العمل حتّى يتكلّم عن الفور وعدمه. وإنَّما يتكلّم في القسمين الآخرين في الموسّع وغير المؤقّت، فيقع الكلام مثلاً في الصلاة التي وقتها أوسع منها، وكذلك
ــــــــــ[366]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
قضاء شهر رمضان على ما هو المعروف من أنَّه مؤقّتٌ ينتهي أمده إلى شهر رمضان الآخر، فزمان الوجوب هنا أوسع من زمان العمل.
فإن علمنا من الخارج لزوم الإتيان به فوراً، فلا إشكال فيه كما في تطهير المسجد؛ حيث علمنا أنَّ وجوبه فوري لا يجوز تأخيره، فلا كلام لنا فيه. كما أنَّنا إذا علمنا جواز التأخير، كقضاء شهر رمضان، فإنَّه لا يحتمل وجوب القيام به في الشهر الأوّل أو الثاني أو الثالث في شهر شوال مثلاً أو ذي القعدة، بل هو موسّعٌ في خلال عشرة أشهر، ولكنّه يتضيّق في الشهر الأخير، فهذا أيضاً لا إشكال فيه. وقد نعلم من الخارج لزوم التأخير، وأنَّه لا يجوز الإتيان به فوراً، كما هو الحال في التيمّم للصلاة؛ فإنَّ مقتضى بعض الروايات(1) هو وجوب التأخير إلى آخر الوقت، نحو قوله: “فإن فاته الماء فلن تفوته الأرض”(2)، فيجب التأخير في هذا المورد إذا احتمل أنَّه يتمكّن من الوضوء قبل آخر الوقت. وعليه فموارد العلم خارجةٌ عن محلّ الكلام.
وأمّا إذا شكّ في ذلك، فلم نعلم أنَّه يلزم الإتيان به فوراً، أو يجوز التأخير، فما هو مقتضى الأصل اللفظي على تقديره، وإلَّا فالأصل العملي في كلٍّ من الموسّع وغير المؤقّت؟
ــــــــــ[367]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في باب وجوب تأخير التيمّم والصلاة إلى آخر الوقت… من أبواب التيمّم من وسائل الشيعة 3: 384، وغيره.
(2) الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 404، كتاب الطهارة، أبواب الزيادات…، باب التيمّم، الحديث 3، والحر العاملي، وسائل الشيعة 3: 384، كتاب الطهارة، أبواب التيمّم، الباب 22، الحديث 3.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
تبيّن ممّا ذكرنا في البحث السابق في المرّة والتكرار: أنَّه لا دلالة لصيغة الأمر هيئةً ومادّةً على الفور؛ فإنَّ الهيئة موضوعةٌ لإبراز اعتبار شيءٍ على ذمّة المكلّف الذي نسمّيه بالطلب، والمادّةُ وضعت لنفس الطبيعة. فإذا كان المولى في مقام البيان، ولم ينصب قرينةً على الفور أو على التراخي، يثبت بذلك جواز كلا الأمرين، فله الخيار أن يأتي به في أيّ وقتٍ.
إذن، فمقتضى الأصل اللفظي جواز التراخي، كما أنَّ مقتضى الأصل العملي كذلك؛ فإنَّه لو فرضنا أنَّ المولى لم يكن في مقام البيان، فالبراءة تقتضي ذلك أيضاً؛ إذ لو شككنا في وجوب الفور وجوباً استقلاليّاً أو وجوباً ضمنيّاً في أوّل الوقت، فمقتضى الأصل عدمه، وأنّ المكلّف متى ما أتى بالطبيعة فقد أتى بالواجب.
إذن، فمقتضى كلٍّ من الأصل اللفظي والعملي الجواز وعدم وجوب البدار.
ولكن هذا إذا اطمأنّ من نفسه أنَّه يأتي بالواجب بعد ذلك. وأمّا إذا كان يحتمل عدم الإتيان في الخارج، فيحكم العقل بلزوم المبادرة؛ لقاعدة الاشتغال، أي: إنَّه بعد أن يحرز التكليف لا بُدَّ أن يحرز فراغ ذمّته من الواجب، فإذا لم يطمئنّ من الإتيان به، فلا بُدَّ من الإتيان به فوراً، واستصحاب الحياة والقدرة أصولٌ محرزةٌ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّه بعد أن علم باشتغال ذمّته بالتكليف، لا بُدَّ له من الإتيان به فعلاً، أو إحراز الإتيان به فيما بعد. فإذا شكّ في ذلك، فمقتضى العقل
ــــــــــ[368]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لزوم المبادرة والإتيان به فوراً؛ ليكون فارغ الذمّة عن التكليف المعلوم. ومن هنا لو نام واحتمل أنَّ نومه سيستمرّ إلى آخر الوقت لم يجز له ذلك؛ لاحتمال فوات التكليف المعلوم؛ إذ التكليف الفعلي لا بُدَّ من الخروج عن عهدته.
ثُمَّ إنَّه إذا علمنا بالفور من الخارج، فقد تكون الفوريّة قيداً مأخوذاً في الواجب على نحو وحدة المطلوب، ونتيجة ذلك أنَّه إذا لم يأتِ به في الزمان الأوّل، سقط الوجوب أصلاً، غايته أنَّه يكون عاصياً إذا كان متعمّداً. ولا يبعد أن يكون وجوب ردّ السلام من هذا القبيل؛ فإنَّه إذا حصل بين السلام وردّه زمانٌ طويلٌ لم يعدّ رداً للسلام السابق، بل يكون تحيّةً ابتدائيّةً، فيجب المبادرة عرفاً، ليصدق الردّ؛ بمقتضى قوله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا(1).
وقد تكون الفوريّة قيداً في المأمور به بنحو تعدّد المطلوب، كما في صلاة الزلزلة؛ إذ المعروف أنَّه يجب أن يأتي بها فوراً حين الزلزلة، فلو لم يأتِ بها كانت أداءً إلى آخر العمر.
وقد نعلم من الخارج أنَّ الواجب فوري ففوري، كما في وجوب تطهير المسجد؛ فإنَّه يجب فوراً ففوراً، فإذا لم يطهّره في الآن الأوّل وجب تطهيره في الآن الثاني، وكذلك وجوب أداء الدين عند المطالبة.
فإذا علمنا هذا من الخارج فهو، وإن لم نعلم -بأنه فوري ففوري- بعد علمنا بأنَّه فوري، وشككنا بالفوريّة بعد ذلك، فإذا عصى في الآن الأوّل ولم
ــــــــــ[369]ــــــــــ
(1) النساء: 86.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يأتِ به فوراً، فهل يكون مخيّراً بعد ذلك؟ الكلام هو الكلام؛ إذ ليس للهيئة ولا للمادّة دلالةٌ على الفوريّة، فإن ثبتت الفورية من الخارج، فنلتزم بها بمقداره، وهو الفوريّة في الزمان الأوّل، وإذا شككنا في الفوريّة في الأزمنة الأُخرى، فمقتضى الأصل عدمه.
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنَّ صيغة الأمر لا دلالة لها لا على الفور ولا على التراخي، ومقتضى الإطلاق اللفظي جواز الأمرين، كما أنَّ مقتضى الأصل العملي كذلك.
بقي الكلام في الآيتين اللتين قد يستدلّ بهما على لزوم الفوريّة عند الشكّ، أعني: قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ(1) وقوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ(2).
أمّا الآية الأُولى فالظاهر أنَّها خارجةٌ عن محلّ الكلام بالكلّيّة؛ وذلك لأنَّ الاستباق -كما يفهم من اللغة- بمعنى: المسابقة، أي: سبق بعضهم بعضاً، فيتهيّأ الإنسان؛ ليكون هو السابق. وهذا ثابتٌ بالنسبة إلى الأشخاص لا بالنسبة إلى الزمان، فليس معناه السبق إلى أمثال الواجب في الزمان الأوّل في قبال بقيّة الأزمنة، بل معناه أن يسبق الشخص في الأُمور الحسبيّة غيره في عملها
ــــــــــ[370]ــــــــــ
(1) المائدة: 48.
(2) آل عمران: 133.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كبناء المسجد أو تغسيل الميّت. والحاصل أنَّ الاستباق بالنسبة إلى الأشخاص، لا بالنسبة إلى الفعل الواقع في الزمان.
وأمّا الآية الثانية -وهي قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فالآية لا تحتاج إلى تأويلٍ، بل مفادها: سارعوا إلى العبادات، بل سارعوا إلى نفس المغفرة، وذلك بالتوبة والإنابة، وهو واجبٌ عقلي لا إشكال في وجوب المبادرة إليه؛ فإنَّ التوبة واجبةٌ، والمبادرة إلى التوبة واجبةٌ، وهو واجبٌ فوري لا كلام لنا فيه.
ولو سلّمنا بما قيل، فإنَّ التعبير بعنوان المغفرة والخيرات ظاهرٌ في الإرشاد إلى حكم العقل، فالمراد من (استبقوا) أو (سارعوا) إي: ائتوا ما كلّفتم به في أوّل الوقت، لا بمعنى الأمر المولوي، بل هو إرشادي؛ فإنَّ العقل يستقلّ بوجوب المبادرة إلى التكليف.
ولو تنزّلنا وقلنا: إنَّه أمرٌ مولوي، فإنَّه لا محالة يكون مستحبّاً؛ فإنَّ الخيرات والمغفرة لا تنحصر في الواجبات، بل تشمل المستحبّات، ولا إشكال في عدم وجوب المبادرة في المستحبّات، كما ثبت ذلك أيضاً في كثيرٍ من الواجبات، ما يلزم تخصيص الأكثر، وتخصيص الأكثر قبيحٌ؛ إذن لا بُدَّ أن يحمل الأمر على الاستحباب.
هذا تمام الكلام في الفور والتراخي.
ــــــــــ[371]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الفصل الثالث: الكلام في الإجزاء
ــــــــــ[373]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
قيل(1): الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء.
ووقع الكلام في الإجزاء بين الأعلام، والمراد بقولهم: (على وجهه) هو أن يُؤتى بالمأمور به على ما ينبغي. فإذا بنينا على ما بنى عليه صاحب (الكفاية) (2) من أنّ قصد الأمر لا يمكن أخذه في المأمور به لا في الأمر الأوّل ولا في الأمر الثاني، فحينئذٍ يجب أن يأتي بالمأمور به بشرائطه وأجزائه وبقصد القربة أيضاً، وإن لم يأتِ به بقصد القربة، لم يكن الإتيان به كما ينبغي. وإن قلنا بجواز أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر إما بالأمر الأوّل أو الثاني، كان هذا القصد شرطاً فيه، فإذا لم يأتِ بالقصد، لم يأتِ بالمأمور به بتمامه. فيتكلّم حينئذٍ أنَّه هل يجزي أو لا؟ وعلى كلّ حالٍ لا يحتمل أن يكون المقصود من التعبير بقولهم: (على
ــــــــــ[375]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 81، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، والعراقي، نهاية الأفكار 1: 222، المقصد الأوّل، المبحث الثالث، والبجنوردي، منتهى الأُصول 1: 238، المقصد الأوّل، المبحث الخامس، وغيرها.
(2) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 74، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وجهه)، قصد الوجه، كما ذهب إليه بعضهم(1)؛ لأنّه غير معتبرٍ فيه عند الأكثر(2). وعلى تقديره فهو مختصٌّ بالعبادات دون المعاملات، ولا وجه لتخصيصه بالذكر دون تقييد الآخر بالواجب.
ــــــــــ[376]ــــــــــ
(1) أُنظر: أبو الحسن الاصفهاني، وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول 1: 654، والنائيني، فوائد الأُصول 4: 177.
(2) لاحظ: مرتضى الحسيني الفيروزآبادي، عناية الأُصول 1: 255، في بحث الإجزاء، والعراقي، نهاية الأفكار 1: 222، المبحث الثالث: في الإجزاء، وغيرها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والمراد بالاقتضاء في المقام معنى يشبه العلّيّة والتأثير وإن لم يكن منهما حقيقةً؛ وذلك: أنَّ الإتيان بالمأمور به هو غاية الأمر، وإنَّما يسقط الأمر بحصول غايته، وبقاءه بعد ذلك بلا غايةٍ ولا داعٍ. وقد ذكرنا أنَّ إرادة المولى إذا تعلّقت بفعل الغير، فلا بُدَّ له من التصدّي لحصول الفعل، حيث إنَّ الفعل باختيار العبد لا باختيار الآمر، فلا بُدَّ من إبراز تعلّق إرادته بالفعل واعتباره في ذمّة المكلّف. فالغرض من الأمر بما هو فعلٌ اختياري للمولى هو ذلك بلا فرقٍ بين أن يُقال: إنَّ الأوامر ناشئةٌ من مصالح ومفاسد في المأمور به أو لا. والأشعري(1) المنكر للمصالح والمفاسد يوافقنا في أنَّ الأمر فعلٌ اختياري، ولابدَّ أن يكون صدوره من العاقل ناشئاً عن غرضٍ، وليس هو إلَّا حصول المأمور به في الخارج. فلو فرض أنَّ الغاية حصلت، حصل غرض المولى ومقصوده، فبعد ذلك لا مجال لقيام الأمر، فسقوطه إنَّما هو من جهة انتفاء أمده، لا أنَّ الفعل الخارجي علّةٌ لسقوط الأمر حقيقةً؛ فإنَّه لا علّيّة ولا تأثير، وإنَّما يسقط الأمر لانتهاء أمد الغرض الذي اقتضاه. ولأجل ذلك نعبّر عنه بالعلّيّة مسامحةً،
ــــــــــ[377]ــــــــــ
(1) أُنظر: الشريف الجرجاني، شرح المواقف 8: 214-215، الموقف الخامس، المرصد السادس، المقصد الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فنقول: الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء ويوجب سقوط الأمر. وعليه فالمراد بالاقتضاء معنى يشبه العلّيّة والتأثير أي: نتيجتهما، وإلَّا فإنَّه لا علّيّة في الحقيقة.
ــــــــــ[378]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والمراد بالإجزاء هو المعنى اللغوي له، أي: الكفاية والاكتفاء به خارجاً، وأنَّ هذا الامتثال يكفي عن الإتيان به ثانياً في الوقت، وهو المسمّى بالإعادة، أو خارجه، وهو المسمّى بالقضاء. وقد يكون الإجزاء بالنسبة إلى القضاء فقط دون الإعادة، كما في عدّة موارد:
منها: ما إذا نسي المسافر وصلّى تماماً، وكان عالماً بالمسألة -وإلَّا فلو كان جاهلاً بالمسألة، فإنَّه لا يعيد لا في الوقت ولا في خارجه- فإن تذكّر في الوقت، فإنَّه لا يجزي، بل يعيد وأمّا إذا تذكّر خارج الوقت، فإنَّه لا يعيد، فيُقال: إنَّ هذا العمل يجزي في القضاء دون الإعادة. وكذا فيما إذا نسي النجاسة فصلّى، ثُمَّ تذكّر في الوقت، فيجب عليه الإعادة؛ كفارةً لنسيانه؛ لأنَّه قصّر ولم يغسل. وأمّا إذا تذكّر في الخارج، فإنَّه لا يحتاج إلى الإعادة على قولٍ مشهورٍ. فهنا يُقال: إنَّ الامتثال يجزي عن القضاء دون الإعادة.
إذن، يتكلّم في هذا البحث في أنَّ الإتيان بالمأمور به بما اعتُبر فيه من جزءٍ أو شرطٍ أو أمرٍ آخر كقصد القربة، هل يكون مقتضياً أو موجباً لعدم الإعادة والقضاء أو لا؟ أو يُقال بالتفصيل بالنسبة إلى الإعادة دون القضاء؟ هذا هو محلّ الكلام في هذه المسألة.
ــــــــــ[379]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وبهذا البيان ظهر: أنَّه لا جامع بين مسألتنا هذه والمسألة السابقة الباحثة حول المرّة والتكرار؛ فإنَّ الكلام هناك إنَّما كان في تشخيص المأمور به، وأنَّه إذا لم تقم قرينةٌ داخليّةٌ أو خارجيّةٌ على المرّة أو التكرار، فهل المأمور به هو صرف الوجود الذي يتحقّق بالوجود الأوّل، أو أنَّه لا يكفي الوجود الواحد، وهو معنى التكرار؟ والمسألة هذه بعد الفراغ عن تعيين المأمور به وأنَّه صرف الوجود أو غيره، فيقع الكلام في إجزاء هذا المأمور به عن الإتيان به ثانياً في الوقت أو خارجه. فكم فرقٌ بين المسألتين.
كما أنّه لا جامع بين هذه المسألة وبين مسألة تبعيّة القضاء للأداء؛ فإنَّ تلك مسألةٌ مستقلّةٌ وقع فيها الكلام في أنّ المكلّف إذا لم يأتِ بالواجب في وقته، فهل يجب عليه الإتيان به خارج الوقت من دون دليلٍ على القضاء، أو أنَّ القضاء يحتاج إلى أمرٍ جديد؟ وتظهر الثمرة فيما إذا لم يرد دليلٌ على وجوب القضاء؛ فإنَّ الصلاة والصيام ورد الدليل على وجوب القضاء فيهما كصوم شهر رمضان أو الصوم المنذور، كما ورد في بعض الروايات(1). وأمّا فيما إذا لم يكن نصٌّ، وفات
ــــــــــ[380]ــــــــــ
(1) راجع: الروايات الواردة في الباب الثامن، من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحر العاملي، وسائل الشيعة 10: 44، والباب السابع من أبواب تبعيّة الصوم الواجب منه أيضاً: 10: 378.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الواجب في وقته، فهل يجب القضاء في الخارج؟ فإن قلنا: إنَّ القضاء إنَّما يجب بأمرٍ جديدٍ، ولا يكفي الأمر الأوّل، فنحتاج حينئذٍ إلى دليلٍ. فإذا لم يكن دليل على القضاء كان مجرىً لأصالة البراءة؛ لأنَّ التكليف الأوّل سقط بخروج الوقت، والتكليف الثاني ما لم يثبت بدليلٍ آخر، فالأصل عدمه. وأمّا إذا قلنا بأنَّ الأمر الأول يكفي دليلاً على القضاء؛ فإنَّه منحلٌّ إلى أمرين: أمرٍ بإتيان الواجب في نفسه وأمرٍ ثانٍ بالإتيان به في الوقت، فإذا سقط أحد الأمرين، كان الأمر الآخر باقياً بحاله، فيجب الإتيان به في خارج وقته.
وعليه فهذه المسألة موضوعها عدم الإتيان بالواجب في وقته، وأمّا مسألتنا فموضوعها الإتيان بالواجب على وجهه مع سائر القيود المأخوذة فيه، فالفرق بين المسألتين واضحٌ؛ فإنَّ تلك المسألة موضوعها عدم الإتيان بالواجب في الوقت، أو أنَّ الإتيان به في حكم العدم من جهة الفساد، وموضوع بحثنا هذا هو الامتثال الواجب صحيحاً، فالمسألتان لا جامع بينهما أصلاً.
إذا عرفت ذلك، فالكلام يقع في موضعين:
ثُمَّ الكلام في هذه المسألة تارةً يقع في إجزاء الإتيان بكلّ المأمور به عن أمره، أي: الإتيان بالمأمور به الواقعي عن الأمر الواقعي، والإتيان بالمأمور به الاضطراري عن الأمر الاضطراري، والإتيان بالمأمور به الظاهري عن الأمر الظاهري، ولا ينبغي الإشكال فيه، ولعلّه لم ينقل قولٌ بعدم الإجزاء إلَّا عن
ــــــــــ[381]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بعض العامّة على ما ذكر(1)؛ فإنَّ العقل مستقلٌّ بالإجزاء بالإتيان بالمأمور به على وجهه، وقد أتى به كذلك على الفرض، فإنَّ بقاء الأمر بلا داعٍ ولا ملاكٍ غير معقولٍ، وبقاء الأمر مع الملاك والداعي إليه خلفٌ؛ فإنَّه قد سقط مع حصول المأمور به، كما ذكرناه وبعد ذلك كيف يمكن بقاء الأمر؟ فإنَّ بقائه بدون ملاكٍ غير معقولٍ، وبقاءه بالملاك السابق خلفٌ، وبقاؤه بملاكٍ آخر بأن يأمر به بملاكٍ آخر ممكنٌ، إلَّا أنَّه خارجٌ عن محلّ الكلام، فالظاهر أنَّ هذا المطلب غير قابلٍ للنزاع فيه.
وإنَّما النزاع في إجزاء المأمور به الاضطراري عن الأمر الواقعي، كما إذا صلّى بتيمّمٍ، ثُمَّ ارتفع العذر في الوقت أو خارجه، فكانت صلاته اضطراريّةً، فيقع الكلام في كفاية هذا الفرد السابق، فلا حاجة إلى الإعادة، أو لا يجزي وتجب الإعادة إذا ارتفع العذر في الوقت، أو ارتفع خارج الوقت، فيتكلّم أنَّه هل يجزي عن القضاء، أو أنَّ الصلاة عن طهارة قد فاتته، فيجب القضاء؟
والحاصل: أنَّه يقع الكلام تارةً في إجزاء الامتثال الاضطراري عن الأمر الواقعي إعادةً أو قضاءً، وأُخرى في إجزاء الامتثال الظاهري عن الأمر الواقعي إعادةً وقضاءً، كما إذا أتى بالمأمور به بالأمر الظاهري، ثُمَّ انكشف أنَّه لم يكن
ــــــــــ[382]ــــــــــ
(1) أُنظر: أبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي، المعتمد في أصول الفقه 1: 99، ناسباً ذلك إلى القاضي عبد الجبار.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مأموراً به، أو إذا صلّى إلى جهةٍ قامت البيّنة على تعيينها، ثُمَّ انكشف أنَّ القبلة في غير هذه الجهة.
وقد يكون انكشاف الخلاف بالعلم الوجداني القطعي بأنَّ الأمارة السابقة أو الأصل مخالفٌ للواقع يقيناً، فيتكلّم في الإجزاء فيه. وقد يكون انكشاف الخلاف لا بعلمٍ وجداني، بل بتعبّدٍ من الشارع، أي: بتعبّدٍ شرعي غير قطعي، ما يستكشف أنّه غير مطابقٍ للواقع، كما لو صلّى بمايع أجرى فيه أصالة الطهارة، ثُمَّ قامت البينة على أنّه نجس، فالعلم في المقام مفقودٌ، إلَّا أنَّ الأصل لا يجري؛ للتعبّد الشرعي، فيقع الكلام في الإجزاء وعدمه.
فهاهنا مسائل أربع:
الأُولى: إجزاء المأمور به الاضطراري عن الأمر الواقعي عند ارتفاع العذر في الوقت.
الثانية: إجزاء المأمور به الاضطراري عن الأمر الواقعي عند ارتفاع العذر خارج الوقت.
الثالثة: إجزاء المأمور به الظاهري عن الأمر الواقعي في الوقت وخارجه إذا انكشف الخلاف بالعلم.
الرابعة: إجزاء المأمور به الظاهري عن الأمر الواقعي في الوقت وخارجه إذا انكشف الخلاف بالتعبّد.
ــــــــــ[383]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والكلام هنا فيما إذا كان المأتيّ به مأموراً به واقعاً. وأمّا إذا لم يكن مأموراً به واقعاً، ولكن المكلّف تخيّله واقعاً، أو قام طريقٌ على ذلك كالاستصحاب مثلاً، كما لو دلّ الدليل الاضطراري على لزوم استيعاب العذر لجميع الوقت، ففي مثله لو قطع المكلّف أنَّه لا يمكنه الإتيان به في مجموع الوقت، فأتى به في أوّله أو في أثنائه، ثُمَّ ارتفع الاضطرار وتمكّن من الامتثال الاختياري، فهذه الصورة غير داخلةٍ في البحث؛ إذ بتجدّد القدرة والاختيار ينكشف أنَّ الامتثال الاضطراري لم يكن مأموراً به واقعاً؛ لأنَّ الأمر الاضطراري مقيّدٌ باستيعاب العذر لتمام الوقت، فإذا لم يكن كذلك، ينكشف أنَّ ما أتى به لم يكن مأموراً به واقعاً، وإنَّما هو مأمورٌ به بسبب التوهّم أو من جهة الاستصحاب مثلاً.
وعليه، فهذه الصورة غير داخلةٍ في محلّ الكلام، بل الإجزاء هنا لو قلنا به إنَّما هو من جهة إجزاء الأمر الخيالي أو الظاهري عن الواقعي.
فمحلّ البحث هو فيما إذا كان المأتيّ به مأموراً به واقعاً، أي: فيما إذا لم يكن دليل الأمر الاضطراري مقيّداً باستيعاب الاضطرار لتمام الوقت، بل يكفي العذر في الجملة. فإذا أتى به حينئذٍ ناقصاً، فهل يجزي أو لا؟ هذا هو محلّ الكلام. ومثاله أدلّة التقيّة الدالّة على جواز العمل بالتقيّة عند حصول الاضطرار حال العمل، فهذا المقدار من العذر يكفي في جواز التقية، ولا يلزم
ــــــــــ[384]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فيه الاستيعاب. فمحلّ الكلام هو الصورة الثانية، أي: ما إذا كان دليل العذر دالاً على جواز الإتيان بالعمل عند العذر في حال العمل وعدم وجوب الإتيان بالفرد الاختياري وإن تمكّن منه بعد ذلك.
ثُمَّ إنَّ محلّ البحث ليس في مثل الصلاة التي يُؤتى بها حال الاضطرار، وقد فرضنا أنَّها مأمورٌ به واقعاً لا خيالاً ولا ظاهراً، كما في التقيّة؛ فقد أُمرنا بالتقيّة في الصلاة والإتيان بها على ما يرى العامّة، ونحن مأمورون بذلك إذا لم نتمكّن من العمل الصحيح في هذا الحال.
والوجه فيه: أنَّ مثله غير داخلٍ في محلّ الكلام؛ وذلك لأنَّ المستفاد من الروايات(1) هو إجزاء العمل وعدم لزوم الإتيان به ثانياً، بل يجتزى بهذا العمل المأتيّ به حال التقيّة؛ لأنَّ هذا هو ظاهر الأدلّة. بالإضافة إلى أنَّ مقتضى ما دلّ على أنّه لا يجب في اليوم من الصلوات إلَّا خمسٌ، فالسادسة غير واجبةٍ. فلو فرضنا أنّه يجب الإعادة، وفرضنا أنّ الأوّل كان واجباً أيضاً، فاللازم أنَّ الواجب زائدٌ على الخمس، بل قد يصل إلى العشر. فمثل الصلاة إذا أتى بها تقيّةً أو بغيرها من الأعذار- ولم يكن المأمور به الاضطراري مقيّداً باستيعاب العذر لتمام الوقت- لا يحتاج الإجزاء هنا إلى دليلٍ؛ لأنَّ الفريضة عند عدمه تكون أكثر من الخمس، وهو باطلٌ جزماً.
إذن، يقع الكلام في غير الصلاة من الامتثال الاضطراري بعد فرض كونه
ــــــــــ[385]ــــــــــ
(1) راجع: الحر العاملي، وسائل الشيعة 8: 302، الروايات الواردة في باب استحباب إيقاع الفريضة قبل المخالف أو بعده وحضورها معه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مأموراً به واقعاً لا توهّماً ولا ظاهراً، وليس مشروطاً باستيعاب العذر لتمام الوقت، بل يكفي الاضطرار حال العمل، فيقع الكلام في أنَّه هل يجزي أو لا؟
ذكر صاحب (الكفاية)(1) صوراً في المسألة، وأنّ القاعدة هل تقتضي الإجزاء فيها أو لا؟ وأفاد: أنَّ ذلك يختلف باختلاف الصور، ثُمَّ ذكر أنَّه إذا شكّ في أنَّ الواقع أيّ واحدٍ من الصور، فالمأتيّ به اضطراراً إذ كان مأموراً به واقعاً، فلا بُدَّ من اشتماله على ملاكٍ ملزمٍ حقيقة، ومن هنا يسمّى الأمر الاضطراري بالواقعي الثانوي. إذن قد يكون الملاك الذي يفي به هذا العمل الناقص بعينه هو الملاك الذي يفي به العمل التامّ، فهما سيّان، وإنَّما يختلفان باختلاف المكلّف، كما في الحاضر والمسافر فإنَّهما يشتركان في ملاكٍ واحدٍ، ويختلف الملاك باختلاف المكلّف.
فإذا فرضنا أنَّ العمل المأتيّ به في حال الاختيار وفي حال الاضطرار سيّان بالنسبة إلى الملاك، فحينئذٍ لا يبقى مجالٌ للشكّ في الإجزاء؛ إذ ليس هنا وجهٌ يقتضي عدم الإجزاء بعد أن كان ملاك المأمور به حاصلاً بتمامه، وقد تقدّم أنّ سقوط الأمر بسقوط غرضه قطعي، وأنّ بقاءه بعد ذلك بلا ملاكٍ. إلَّا أنَّه لا بُدَّ من استفادة ذلك من الدليل، أي: لا بُدَّ من استفادة جواز البدار وأنَّ العذر آناً مّا كافٍ في جواز الإتيان بالمأمور به، فإذا ثبت ذلك، لا مناص من الالتزام بالإجزاء؛ لحصول الملاك قطعاً.
ــــــــــ[386]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 84-85، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، الموضع الثاني، المقام الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وكذلك إذا فرضنا أنَّ الامتثال غير وافٍ بتمام الملاك، ولكنّه لا يتمكّن من استيفاء الباقي بعد أن استوفى هذا القسم من الملاك، فحينئذٍ لا بُدَّ من القول بالإجزاء؛ فإنَّ الإعادة بلا أثرٍ؛ إذ لا يمكن تحصيل الملاك الباقي. لكن حينئذٍ يقع الكلام في جواز البدار؛ من حيث إنَّه لماذا يجوز البدار وتفويت الملاك الملزم، مع أنّا متمكّنون من الإتيان بالمأمور به وتدارك الملاك بتمامه عند عدم البدار؟ ذكر: أنَّ البدار لا يجوز إلَّا إذا كانت المصلحة متداركةً بمصلحة البدار.
والظاهر: أنَّ ما ذكره لا يتم؛ لأنَّ مصلحة البدار مصلحةٌ غير إلزاميّةٍ؛ لأنَّ تقدير الصلاة في أول الوقت ليس واجباً. فإذا فرضنا أنَّ الامتثال غير وافٍ بتمام الملاك، فيبقى منه شيءٌ، فلازم ذلك أنَّه كيف يجوز البدار وتفويت الملاك الملزم؟! نعم، لو فرض أنّه أتى به وحصل منه قصد القربة، فإنَّه يجزي، إلَّا أنَّه لا يجوز له ذلك مع الالتفات. إذن فالبدار لا يجوز، بل يجب التأخير، ومعه يخرج عن محلّ الكلام؛ إذ لا معنى حينئذٍ لتجدّد القدرة ورفع الاضطرار؛ لأنَّه لا يبقى وقتٌ للإعادة.
كما التزم(1) بالإجزاء إذا لم يكن العمل وافياً بتمام الملاك، ولكن الباقي لم يكن ملزماً بل كانت المصلحة غير إلزاميّةٍ، فلا بأس بالقول به؛ فإنَّه إذا ثبت أنَّ المأمور به بالأمر الاضطراري وافٍ ببعض الملاك، إلَّا أنَّ الباقي منه غير ملزمٍ، فلا يجب الإعادة؛ بعد أن كانت المصلحة الملزمة متداركةً بالعمل الناقص.
ــــــــــ[387]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كما أفاد(1): أنَّه إن لم يكن العمل وافياً بالملاك، وكانت المصلحة قابلةً للتدارك وملزمةً أيضاً، فيلزم القول بعدم الإجزاء، وذكر في وجهه: أنَّ المصلحة الباقية إذا كانت ملزمةً، وكان متمكّناً من تلافيها، فلا بُدَّ من امتثال الأمر الثاني، وحينئذٍ يتخيّر المكلّف بين أن يأتي بعملين يتدارك بهما المصلحة، أو أنَّ يصبر ويأتي بالعمل الثاني، فيتدارك مصلحة الثاني فحسب.
ولكن الظاهر: أنَّ هذه الصورة غير معقولةٍ في نفسها، أي: إنَّ الصورة معقولةٌ، إلَّا أنَّه لا يُعقل أن يأمر الشارع به أوّلاً وبالإعادة ثانياً؛ فإنَّ مثله متعذّرٌ؛ لأنَّ لازمه التخيير بين الأقلّ والأكثر، وهو غير معقولٍ. والوجه في ذلك: أنَّ المكلّف لا بُدَّ له من الإتيان بالعمل الثاني، سواء أتى بالعمل الأوّل أو لا، وحينئذٍ يكون له أن يأتي بالأوّل وأن لا يأتي به، فكيف يُعقل أن يكون الأوّل واجباً؟! نعم، يُعقل أن تكون هناك مصلحةٌ ناقصةٌ في العمل الأوّل، فيجب تداركه بالعمل الثاني، فإذا لم يأتِ بالأوّل، يُتدارك بالثاني، إلَّا أنَّ الإيجاب من قبل الشارع غير معقولٍ.
إذن، تبقى الصور الثلاث، والحكم فيها هو الإجزاء.
ولكن يبقى بيان أمرٍ هو: أنَّ ما أفاده من تقسيم الأمر الاضطراري إلى هذه الصور، والحكم بالإجزاء في الصور الثلاث الأُولى وبعدمه في الرابعة إنَّما يتمّ إذا علمنا أنَّ وجوب العمل إنَّما نشأ من تلك المصلحة، أي: مصلحة ذلك الواجب الاختياري. وأمّا إذا كان ناشئاً من مصلحةٍ أُخرى، فمن الممكن أن
ــــــــــ[388]ــــــــــ
() أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يفرض أنَّه ليس فيه شيءٌ من تلك المصلحة؛ فإنَّه وإن كان فيه مصلحةٌ ملزمةٌ، إلَّا أنَّها غير تلك المصلحة؛ فإنَّ هناك مصلحةً دعت إلى الأمر الاختياري ومصلحةٌ أُخرى دعت إلى الأمر الاضطراري. وقد مرّ: أنَّ الكلام ليس في الصلاة التي لا تزيد على الخمس؛ فإذا وجب الإتيان بها، فلا بُدَّ من القول بالإجزاء. وأمّا في غيرها فالأمر الاضطراري لا يلازم أن يكون المأمور به واجداً لتلك المصلحة أو لبعضها.
ومن هنا ذكرنا في بحث التقيّة: أنَّ هذا هو الصحيح في موارد الأمر بالتقيّة؛ إذ استفيد من رواياتها أنَّ العمل مأمورٌ به بعنوان الاتّقاء ودفع الشر؛ لمصلحة حفظ النفوس المحترمة، فالأمر هنا واقعي، ولكنّه لم ينشأ من مصلحةٍ في نفس الأمر، بل بعنوانٍ ثانوي عنوان التقيّة، ولا ملازمة بين أن يكون العمل واجداً للمصلحة، وأن يكون مسقطاً لمصلحة الأمر الاختياري.
ومن هنا تقرّر: أنَّ الأمر الاضطراري لا يمكن القول بإجزائه، إلَّا مع العلم بأنَّ المصلحة الموجودة فيه هي المصلحة الموجودة في الأمر الاختياري، وإلَّا فلا ملازمة بين حفظ هذه المصلحة وبين حفظ النفس، أي: بين حفظ مصلحة الأمر الاختياري ومصلحة الأمر الاضطراري.
ومن هنا فالأمر الاضطراري بالوقوف مع العامّة في عرفات لا يمكن له أن يصحّح القول بإجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الاختياري؛ لأنَّه واجبٌ بعنوان التقيّة؛ فإنَّ كونه واجباً لمصلحةٍ في هذا العنوان لا يوجب تدارك مصلحة الوقوف الاختياري في عرفات، ولازم ذلك وجوب تداركها في اليوم
ــــــــــ[389]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الثاني، فإذا لم يتمكّن، دخل في المعسور، وسقط عنه وجوب الحجٌ فتكون وظيفته العمرة المفردة. نعم، يمكن ذلك بوجهٍ آخر ذكرناه في مبحث التقيّة، ولا مجال لذكره في المقام.
فقد تحصّل ممّا ذكرنا: أنَّه في موارد الأمر الاضطراري لو كانت المصلحة ناشئةً من مصلحة الأمر الاختياري، فلا مناص من الالتزام بالإجزاء؛ وذلك لأنَّه يكشف عن وفاء المأتيّ به بتمام المصلحة، كما أنَّه إذا كان شيءٌ منها باقياً، فهو غير واجب الاستيفاء، ولا يُعقل قسمٌ ثالثٌ، وهو أن يكون الباقي من المصلحة ملزماً وواجب الاستيفاء؛ لأنَّ لازمه التخيير بين الأقلّ والأكثر. إذن فالأمر يدور بين قسمين: إمّا أن يكون المأتيّ به وافياً بتمام المصلحة، أو أن يكون الباقي منها قليلاً لا يجب تداركه. إذن نفس الأمر الاضطراري كاشفٌ عن الإجزاء لا محالة.
هذا إذا كانت مصلحة الأمر الاضطراري ناشئةً من الأمر الاختياري. وأمّا إذا كان ناشئاً من مصلحةٍ أُخرى مغايرةٍ لمصلحة الأمر الاختياري، كما استفدناه في موارد التقيّة، فإنَّه لا يمكن القول بالإجزاء؛ فإنَّ هذه مصلحةٌ وتلك مصلحةٌ أُخرى، ولا مانع من الأمر بالأداء الاضطراري؛ لأجل حفظ مصلحته، والأمر بإعادته عند الاختيار؛ لأجل حفظ مصلحةٍ أُخرى. ولذا قلنا: إنَّ الإجزاء على خلاف القاعدة، بل يحتاج إلى دليلٍ، وقد ثبت في الصلاة يقيناً، بل في الحجّ أيضاً في مسألة الوقوف في عرفات مع العامّة عند اختلافهم معنا في الهلال. هذا في الإجزاء بالنسبة إلى الإعادة.
ــــــــــ[390]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا بالنسبة إلى القضاء خارج الوقت فقد ذكر شيخنا الأُستاذ(1): أنَّ وجود الأمر الاضطراري في الوقت بنفسه كاشفٌ عن عدم وجوب القضاء؛ إذ لا يجتمع الأمر بالاضطراري في الوقت وبالاختياري خارجه؛ فإنَّ القيد أو الجزء المعيّن: إمّا أن يكون دخيلاً في مصلحة الواجب على الإطلاق أو لا، بل يكون دخيلاً في مصلحته عند القدرة والاختيار. فإذا فرضنا أنَّه دخيلٌ فيها على الإطلاق، كما لا يبعد أن يكون ذلك ثابتاً في الطهور بالنسبة إلى الصلاة، فمعناه أنَّه لا يمكن أن يأمر بالعمل الاضطراري -للقيد والفاقد للقيد- لأنَّه فاقدٌ للمصلحة، والأمر الفاقد للمصلحة لا وجه له. ومن هنا ذهب المشهور(2) إلى سقوط الصلاة عند تعذّر الطهارتين، بل عليه القضاء.
فإذا كان القيد دخيلاً في المصلحة على الإطلاق، فلازمه أن لا يأمر المولى بالأداء. وأمّا إذا كان القيد دخيلاً في مصلحة الواجب لا على الإطلاق، بل مع التمكّن، فقد حصلت المصلحة في الوقت، والمفروض أنَّه أتى بالعمل الاضطراري الواجد للمصلحة غير المقيّدة بالجزء أو القيد.
ــــــــــ[391]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 195، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، المسألة الأُولى.
(2) أُنظر: المحقّق الحلي، المعتبر في شرح المختصر 2: 405، كتاب الصلاة، المقصد الثالث، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فالأمر إذن يدور بين أن يأمر المولى بالقضاء فقط، إذا كانت المصلحة مطلقةً من ناحية القيد، أو أن يأمر بالأداء فقط، إذا كان القيد دخيلاً في المصلحة. ولا يمكن الجمع بين الأمرين: بين الأمر بالأداء الاضطراري في الوقت والأمر بالقضاء خارج الوقت؛ فإنَّهما كالضدّين لا يجتمعان، فلا تصل النوبة إلى مرحلة الإثبات والقول بالتمسّك بالإطلاق أو الأصل العملي، بل إنَّ ثبوت الأمر الاضطراري في الوقت بنفسه يلازم عدم القضاء.
ويُلاحظ تماميّة ما أفاده إذا كان في المأمور به مصلحةٌ شخصيّةٌ واحدةٌ غير قابلةٍ للتبعيض؛ فإنَّه يدور أمرها بين أن يكون القيد دخيلاً فيها على الإطلاق أو لا. فعلى الأوّل لا معنى للأمر بالأداء الاضطراري؛ لأنَّه مفوّتٌ للمصلحة، وعلى الثاني لا معنى للأمر بالقضاء؛ لأنَّ المصلحة قد تحقّقت بالإتيان بالعمل بالوقت. إلَّا أنّ هذا الأمر يحتاج إلى إثباتٍ، وأنّى لنا إثبات أنَّ المصلحة واحدةٌ، مع أنَّه يمكن تعدّد المصلحة، فيكون الإتيان بالوقت ذا مصلحةٍ، والإتيان في الخارج ذا مصلحةٍ أُخرى؟! أي: يمكن أن يأمر بالأداء؛ لأجل حفظ مصلحته، وكذا بالقضاء؛ لحفظ مصلحته أيضاً. ولو فرضنا أنَّ المصلحة واحدةٌ، أمكن أن يحصل مقدارٌ منها بالفعل الاضطراري في الوقت، ليتدراك الباقي في خارجه.
وهذا بحسب مقام الثبوت ممكنٌ، ولا يُقاس عليه ما ذكرناه في الإعادة في الوقت من استلزام التخيير بين الأقلّ والأكثر؛ فإنَّ مصلحة الوقت مصلحةٌ إلزاميّةٌ، وليس له تركها في الوقت والإتيان بها في الخارج؛ لتدارك تمام المصلحة؛ لأنَّ مصلحة الوقت ملزمةٌ يقيناً، فلا بُدَّ له من الإتيان في الوقت؛
ــــــــــ[392]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لتدارك مصلحته. فإذا فرض أنَّ هذا العمل وافٍ بالمصلحة، فلا حاجة إلى القضاء في خارج الوقت، وإذا بقي شيءٌ منها بحيث يجب تداركه، فلا بُدَّ من التدارك في خارج الوقت.
إذن، فلا منافاة بين الأمر الاضطراري في الوقت والأمر الاختياري خارجه، أي: يمكن أن يُقال: إنَّ هذا القيد الذي لا يتمكّن منه وإن كان دخيلاً في المصلحة على الإطلاق، إلَّا أنَّ الفاقد أيضاً له مصلحةٌ ملزمةٌ، وهي مصلحة الوقت، فيجب الإتيان به في الوقت وتداركه خارجه.
وعليه فينبغي أن يقع البحث في مقام الإثبات: فهل الأمر الاضطراري يقتضي القضاء أم لا؟
إذا كان المولى في مقام البيان -أي: في مقام بيان تمام الوظيفة الفعليّة من جميع الجهات حتّى من ناحية القضاء- ولم يأمر بالقضاء خارج الوقت، فلا إشكال في عدم وجوب القضاء، فيكفي امتثال الأمر الاضطراري في الوقت. وأمّا إذا فرضنا أنَّه لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة، فيتمسّك بالأصل العملي.
وحيث إنَّ القضاء بأمرٍ جديدٍ، كما يشير إليه قوله: “يقضي ما فاته كما فاته”(1) وغيره من الأدلّة الدالّة على وجوب القضاء، فإن قلنا: إنَّ الموضوع فيها هو الفريضة الفعليّة، وإنَّ ثبوت القضاء في بعض الموارد كالنوم والنسيان ثابتٌ
ــــــــــ[393]ــــــــــ
(1) أُنظر: الكليني، الكافي 3: 435، كتاب الصلاة، أبواب السفر، باب من يريد السفر…، الحديث 7، والشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام 3: 162، باب أحكام فوائت الصلاة، الحديث 11، والحر العاملي، وسائل الشيعة 8: 268، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب 6، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بدليلٍ خاصٍّ، وإلَّا فالقضاء تابعٌ لفوت الفريضة الفعليّة، فبناءً عليه لا موضوع للقضاء في المقام؛ إذ قد أتى بالفريضة على الفرض؛ لأنَّه لم يكن متمكّناً من العمل الاختياري، بل من الاضطراري، والعمل الاضطراري لم يفته، فهو لم يكن مكلّفاً بالواجب الواقعي الأوّلي الاختياري. وأمّا الواجب الواقعي الثانوي الاضطراري فقد أتى به فإن قلنا: إنَّ المراد من فوت الفريضة الشأنيّة لا الفعليّة -أي: فوت ملاك الفريضة- فلو فرض أنَّها ليست فريضةً فعلاً، كما في حقّ النائم والناسي، فحينئذٍ يحتمل وجوب القضاء في المقام؛ إذ يحتمل أن لا يكون المأتيّ به وافياً بتمام الملاك وأن يكون مقدارٌ منه فائتاً يجب تداركه بالقضاء. لكن هذا مجرّد احتمالٍ، وحيث إنَّه مشكوكٌ، فتجري فيه أصالة البراءة من القضاء؛ إذ لا نعلم أنَّه فات من المصلحة شيءٌ أو لا.
فنستخلص: أنَّ الأمر الاضطراري بعد ثبوته يوجب الإجزاء في الوقت وخارجه، وحيث إنَّ القضاء بأمرٍ جديدٍ، نشكّ في القضاء؛ لأنّا نشكّ في وجوب تدارك الملاك.
هذا إذا كان الاضطرار ثابتاً للمكلّف من أوّله.
وأمّا إذا كان الاضطرار ناشئاً من الاختيار: بأن جعل المكلّف نفسه مضطرّاً، مع أنَّه كان مختاراً قبل ذلك، كما إذا كان عنده ماءٌ، فأراقه ولم يتمكّن من الوضوء، فإذا كان الاضطرار مستنداً إلى المكلّف، فهل الحكم فيه أيضاً الإجزاء أو لا(1) ؟
ــــــــــ[394]ــــــــــ
(1) سيأتي جواب ذلك في الجهة الثالثة الواقعة تحت عنوان جهات في المسألتين السابقتين.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بقي هاهنا جهاتٌ من البحث لا بُدَّ من التعرّض لها بالنسبة إلى المسألتين السابقتين:
◙ الجهة الأُولى: أنَّ ما ذكرناه إنَّما كان بحسب مقام الثبوت، أي: إنَّه في مقام الثبوت لا يُعقل وجود الأمر الاضطراري مع القول بعدم الإجزاء، ووجوب الإتيان ثانياً؛ لأنَّه مستلزمٌ للتخيير بين الأقلّ والأكثر، فلا حاجة لنا إلى التمسّك بالإطلاق في مقام الإثبات.
إلَّا أنَّه على تقدير التنزّل والقول بإمكان الأمر الاضطراري واحتمال عدم الإجزاء بالنسبة إلى الأمر الاختياري، ماذا تقتضي القاعدة؟ هل نلتزم بالإجزاء أو لا نلتزم أو لا هذا ولا ذاك، بل ينتهي إلى الأصل العملي؟ وبهذا ينتهي الأمر إلى مقام الإثبات.
ثُمَّ إنَّه يختلف الحال بحسب اختلاف الموارد؛ إذ قد يكون لدليل الأمر الاضطراري إطلاقٌ يثبت بمقتضاه أنَّ تمام الوظيفة هو هذا العمل الاضطراري، بمعنى: أنَّ المولى إذا كان في مقام البيان، نستكشف منه عدم وجوب الإعادة بعد الامتثال الاضطراري، ونثبت بذلك إجزاء الأمر الاضطراري ولو فرضنا ارتفاع العذر؛ فإنَّ السكوت في مقام البيان دليلٌ على عدم وجوب الإعادة، بلا فرقٍ بين أن يكون لدليل الجزئيّة والشرطيّة إطلاقٌ، كما إذا ثبت الجزء أو الشرط بدليلٍ لفظي، كما في السجود أو الركوع، أو لم يكن له إطلاقٌ، كما إذا ثبت بإجماعٍ ونحوه. فعلى كلا التقديرين يُؤخذ بإطلاق الأمر
ــــــــــ[395]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الاضطراري وأمّا إذا لم يكن لدليل الجزئيّة إطلاقٌ فواضحٌ؛ فإنَّه يُؤخذ به بلا معارض، وإلَّا رفعنا اليد عن إطلاقها، لنستكشف الإجزاء على كلّ حالٍ.
وإذا لم يكن للأمر الاضطراري إطلاقٌ: بأن لم يكن المولى في مقام البيان بالنسبة إلى ما بعد حالة ارتفاع العذر، وتمكّن المكلّف من الأمر الواقعي، كما إذا كان الدليل إجماعيّاً أو لفظيّاً، فإن كان لدليل الجزئيّة والشرطية إطلاقٌ أُخذ به؛ فإنَّه بلا معارضٍ، ويحكم بمقتضاه بوجوب الإعادة وعدم سقوط الأمر لو لم يكن واجداً لهذا الجزء أو الشرط، غاية الأمر أنَّنا رفعنا اليد عنه فيما إذا استمرّ العذر تمام الوقت. وأمّا إذا ارتفع في الأثناء وتمكّنا من الإتيان بالمأمور به مع القيد فمقتضى إطلاق دليل الجزئيّة والشرطيّة لزوم الإتيان مع القيد. فلو صلّى إلى غير القبلة اضطراراً أو جلوساً، وتمكّن بعد ذلك، تلزم الإعادة؛ فإنَّه قد فرضنا أنَّه لا إطلاق في دليل الأمر الاضطراري لِما بعد التمكّن، فلا بُدَّ من التمسّك بإطلاق دليل الجزئيّة والشرطيّة، فلا بُدَّ من الإعادة، والنتيجة هي عدم الإجزاء.
ولو فرضنا أنَّ الإطلاق في دليل الجزئيّة والشرطيّة أيضاً مفقودٌ، فحينئذٍ ينتهي الأمر إلى الأصل العملي، ومقتضاه هو البراءة لا محالة، كما ذكر صاحب (الكفاية)(1).
والوجه في ذلك: أنَّ القدرة شرطٌ في التكليف، وتكليف العاجز غير معقولٍ، ولذا قبل ارتفاع الاضطرار لم يكن يحتمل أنّه مكلّفٌ بالصلاة قياماً أو إلى القبلة، فلم يكن متمكّناً من الإتيان بها كذلك، فلم يكن هناك تكليفٌ لا
ــــــــــ[396]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 85، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، الموضع الثاني، المقام الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
واقعاً ولا ظاهراً، وبعد ارتفاع الاضطرار نشكّ في حدوث التكليف، بمعنى: أنَّنا نشكّ في أنَّ ما أتينا به وافٍ بتمام المصلحة فلا يجب الإعادة، أو أنَّه بقي منها شيءٌ يمكن تداركه فيجب الإعادة، وحينئذٍ يكون من الشكّ في التكليف، لا في المكلّف به؛ إذ يشكّ في التكليف بعد الإتيان بالامتثال الاضطراري، فنتمسّك بالبراءة.
وقد يتوهّم في المقام: أنَّ الأصل هنا هو الاشتغال؛ وذلك لأنَّه من الشكّ في التعيين والتخيير. والوجه في ذلك ظاهرٌ؛ إذ لو فرضنا أنَّ الإتيان بالواجب الاضطراري غير وافٍ بتمام المصلحة وأنَّ مقداراً منها باقٍ مع احتماله وجداناً، فبالنسبة إلى هذا المقدار من المصلحة يحصل الشكّ: هل هي قائمةٌ في خصوص تمام الأجزاء والشرائط، أي: الامتثال الاختياري، أو بالجامع بينه وبين ما أتينا به؟ فهو إذن من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، ومقتضى القاعدة في مثله جريان الاشتغال.
وتكرّر هذا البيان في كلمات العلماء(1) كثيراً، أعني: أنَّه إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير، فإنَّ القاعدة تقتضي الاشتغال، وقد تكلّمنا في مسألة البراءة، مع أنَّه قد تقرّر منّا أنَّ دوران الأمر بين التعيين والتخيير مرجعه إلى البراءة لا الاشتغال؛ فإنَّ كلّ شكّ بين الأقلّ والأكثر مرجعه إلى الشكّ بين التعيين والتخيير، ومع ذلك نقول فيه بالبراءة.
ــــــــــ[397]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 142، المقصد الأوّل، الأمر السادس، الأمر الأوّل، والعراقي، بدائع الأفكار: 275-276.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نعم، في خصوص موردين نلتزم بالاشتغال:
أحدهما: ما إذا شككنا في حجيّة شيءٍ تعييناً أو تخييراً، كما في مسألة تقليد الأعلم، فالحجّيّة في الجملة ثابتةٌ، لكنّها مردّدةٌ بين أن تكون معيّنةً في الأعلم أو تخييريّةً، فهنا نلتزم بالاشتغال.
والثاني: في موارد التزاحم، كما إذا كان هناك واجبان لا بُدَّ من ترك أحدهما اضطراراً، أو محرّمان لا بُدَّ من ارتكاب أحدهما اضطراراً، واحتملنا أنَّ أحدهما أهمّ من الآخر، فحينئذٍ يكون الأمر دائراً بين التعيين والتخيير، ولا نعلم أنَّ المحرّم هو أحدهما أو الآخر بخصوصه، أو لا نعلم أنَّ الواجب أحدهما أو الآخر بخصوصه؟ فهنا نلتزم بالتعيين، ولذا نقول بأنّ احتمال الأهميّة منجّزٌ في باب التزاحم.
ومحلّ الكلام خارجٌ عن هذين الموردين؛ فإنَّه في الشكّ في التكليف؛ إذ لا نعلم أنَّ المولى أمر بالإعادة أو القضاء بعد الإتيان بالفرد الاضطراري أو لا، وهو موردٌ للبراءة لا محالة.
فعند عدم الإطلاق تكون النتيجة نتيجة الإطلاق لا من جهة الدليل اللفظي، بل من جهة الأصل العملي.
◙ الجهة الثانية: لو ارتفع العذر في محلّ البحث، أعني: بحث إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري عن المأمور به بالأمر الواقعي، فهل يبقى جواز البدار جوازاً واقعيّاً، بمعنى: أن يكون المأتيّ به مأموراً به واقعاً، فيقع الكلام في إجزائه وعدمه؟ وأمّا إذا كان البدار جائزاً جوازاً ظاهريّاً على ما سنبيّن، فلا يدخل في محلّ
ــــــــــ[398]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
البحث، وإنَّما يدخل في البحث حول إجزاء المأمور به بالأمر الظاهري عن المأمور به بالأمر الواقعي. إذن يقع الكلام في جواز البدار وعدمه.
والظاهر: أنَّه لم يثبت جواز البدار إلَّا في موارد التقيّة وفي بعض الموارد الخاصّة، وإلَّا فالبدار في غير هذه الموارد غير جائزٍ.
والوجه في ذلك: أنَّ المأمور به هو الطبيعي الجامع بين الأفراد العرضيّة والطوليّة، فإذا علمنا بارتفاع العذر بعد زمانٍ، ولم يكن مستوعباً لتمام الزمان الذي يمكن الإتيان بالعمل فيه، فليس هاهنا اضطرارٌ بالنسبة إلى المأمور به؛ لأنَّ العذر في بعض الوقت لا في تمامه. وعليه فالدليل الدالّ على أنَّ الفاقد يقوم مقام الواجد وعلى جواز الإتيان بالناقص عند عدم التمكّن من التامّ غير شاملٍ لما إذا لم يكن العذر مستوعباً لتمام الزمان. فإذا لم يتمكّن من الصلاة الاختياريّة الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط في مجموع الوقت، فينتقل أمره إلى المرتبة الأدنى: بأن يصلّي صلاةً اضطراريّةً، وهنا لا يُعقل ارتفاع العذر حتّى يقع الكلام في إجزائه. نعم، يقع الكلام في القضاء، وقد سبق الكلام فيه.
وأمّا إذا فرضنا حصول العذر في وقتٍ دون وقتٍ آخر، فحينئذٍ يكون انتهاء الأمر إلى الإتيان بالعمل الاضطراري بحاجةٍ إلى دليلٍ، والأدلّة الأوّليّة قاصرة الشمول له؛ فإنَّه غير مضطرٍّ إلى الإتيان بالعمل الفاقد لجزءٍ أو شرطٍ؛ إذ المفروض أنَّ المأمور به هو الطبيعي الجامع للأفراد الطوليّة والعرضيّة، وهو متمكّنٌ من أن يأتي به جامعاً للشرائط. فلو لم يتمكّن من الصلاة إلَّا أنَّ عذره
ــــــــــ[399]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
في الواقع -وإن لم يكن يعلم- سوف يرتفع، فبعد ارتفاع العذر ينكشف أنَّه لم يكن مضطرّاً إلى الصلاة إلى غير القبلة؛ إذ كيف يتحقّق الاضطرار وهو متمكّنٌ من الإتيان بالمأمور به التامّ؟
فالبدار إذن يحتاج إلى دليل، وقد ثبت جوازه في جملةٍ من الموارد كالتقيّة، وقد سبق أن تكلّمنا فيها؛ حيث اتّضح من الأدلّة أنَّ الإتيان بالعمل على مذهب المخالفين لا يتوقّف على أن لا يتمكّن من الإتيان به على وجهه في غير هذا الوقت؛ فإنَّه يمكن أن يؤخّر الصلاة قليلاً حتّى يذهب إلى منزله ويصلّي صلاةً تامّةً، إلَّا أنَّه لا يجب تأخير الصلاة، بل يجوز الدخول معهم في الصلاة والإتيان بالعمل الاضطراري وتجزي، ولا تجب الإعادة. بل ورد في بعض الروايات(1) الحثّ عليه، والأمر بحضور جماعاتهم وصلواتهم، فمنه نستكشف جواز البدار، وأنَّه لا يُعتبر في الأمر الاضطراري العجز في مجموع الوقت، بل يكفي العجز حال العمل.
ومنها أيضاً ما لو توضّأ اضطراراً وضوء الجبيرة مثلاً، وبعد ذلك دخل وقت صلاةٍ أُخرى، والمفروض أنَّه كان متطهّراً فصلّى، ثُمَّ ارتفع العذر أيضاً، فنلتزم هنا بالإجزاء، وجواز البدار على القاعدة؛ لأنَّه متطهّرٌ، فهو محكومٌ بالطهارة، فإذا صلّى وهو على حالته تلك أجزأ.
وكذا في بعض موارد التيمّم لو تيمّم وصلّى وبقي على طهارته الترابيّة إلى
ــــــــــ[400]ــــــــــ
(1) راجع: الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 8: 302، الروايات الواردة في باب استحباب إيقاع الفريضة قبل المخالف أو بعده وحضورها معه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إنَّ دخل وقت صلاةٍ أُخرى، وهو فاقدٌ للماء، والمفروض أنَّه مادام فاقداً للماء فهو متطهّرٌ، فلو صلّى ثُمَّ وجد الماء، فارتفع عذره، نحكم بصحّة صلاته؛ لأنَّه وقع في حال الطهارة.
وعليه، ففي هذه الموارد التي علمنا بجواز البدار فيها لا إشكال.
وأمّا إذا لم يثبت ذلك، فالقاعدة تقتضي عدم جواز البدار. والوجه في ذلك: ما تقرّر آنفاً من أنَّ موضوع الحكم هو من لم يتمكّن من الإتيان بالعمل التامّ الواجد لتمام الأجزاء والشرائط في مجموع الوقت، لا في جزءٍ خاصٍّ منه. فإذا ارتفع العذر وانكشف أنَّه كان متمكّناً من الإتيان بالمأمور به تامّاً، ينكشف أنَّه لم يكن معذوراً، وأنَّ ما أتى به في أوّل الوقت لم يكن مأموراً به، فلم يكن مأموراً به أمراً واقعيّاً ليحكم بالإجزاء.
غاية الأمر: أنَّه حكمٌ ظاهريٌ ثابتٌ بالاستصحاب؛ إذ نستصحب بقاء العذر للإتيان بالصلاة، ويكفي هذا في مشروعيّته، إلَّا أنَّه حكمٌ ظاهري، فإن ارتفع العذر بعدئذٍ، يعلم أنَّ الاستصحاب لم يكن مطابقاً للواقع.
إذن، البدار بمقتضى القاعدة غير جائزٍ واقعاً، وليس العمل مأموراً به واقعاً، فلا يدخل في محلّ الكلام.
ولكن السيّد في (العروة)(1)، قد أفتى بجواز البدار في التيمّم واقعاً، فيما حكم في بقيّة الأعذار بعدم جوازه. والظاهر: أنَّه استند في ذلك إلى بعض
ــــــــــ[401]ــــــــــ
(1) أُنظر: السيد اليزدي، العروة الوثقى 1: 500، كتاب الطهارة، فصل: في التيمّم، فصل: في أحكام التيمّم، المسألة 3.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الروايات(1) الدالّة على أنَّه إذا دخل الوقت وليس لديه ماءٌ فينبغي عليه أن يصلّي، ولكن قلنا في مورده: أنَّه لا دلالة لها على أنَّ الأمر واقعي، بل المستفاد من رواياتٍ(2) أُخر لزوم التأخير وعدم جواز البدار؛ إذ تضمّن بعضها(3) ما مضمونه لزوم تأخير الصلاة، فإن فاته الماء، فلا تفوته الأرض.
والمقصود: أنَّ هاهنا موردين لا ينبغي خلط أحدهما بالآخر:
الأوّل: ما إذا كان متيمّماً بتيمّمٍ صحيحٍ، فدخل وقت صلاةٍ أُخرى، ولا زال معذوراً فيصلي، وهذا المورد لا بأس به؛ فإنَّه متطهّرٌ حقيقةً، فيجزي ولا تجب الإعادة.
الثاني: أنّه يريد أن يتمّم للصلاة بعد أن دخل وقتها وهو محدثٌ، وليس عنده ماءٌ، فهل يجوز التيمّم؟ هنا نقول: إنَّ البدار غير جائزٍ على القاعدة ومقتضى الرواية. إذن لا فرق بين التيمّم وغيره في عدم جواز البدار واقعاً. نعم، في غير الموارد المنصوصة يجوز التمسّك بالاستصحاب، فإذا ارتفع العذر، انكشف عدم وجود الأمر الواقعي، ووجبت الإعادة.
◙ الجهة الثالثة: أنّ الاضطرار قد يكون غير اختياري، كما قد تقدّم، وقد
ــــــــــ[402]ــــــــــ
(1) راجع: الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 3: 366، الأحاديث الواردة في باب عدم وجوب إعادة الصلاة الواقعة بالتيمّم.
(2) أُنظر: المصدر السابق 3: 384، الأحاديث الواردة في باب وجوب تأخير التيمّم والصلاة إلى آخر الوقت مع رجاء زوال العذر خاصّةً.
(3) أُنظر: المصدر السابق 3: 384، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يكون اختياريّاً، فالمكلّف باختياره يجعل نفسه مضطرّاً، فهل نلتزم هنا بالإجزاء وأنّ المأمور به الاضطراري مجزٍ عن الواقعي؟
والكلام في أصل ثبوت الأمر الاضطراري، والظاهر: أنَّه لا يثبت؛ فإنَّ المستفاد من الأدلّة التي دلّت على انتقال الأمر إلى الاضطراري أنَّ المراد به هو العاجز عن الإتيان بالمأمور به، لا عن الإتيان بحصّةٍ خاصّةٍ منه.
فلو فرضنا أنَّ المأمور به هو الطبيعي الجامع بين الأفراد العرضيّة والطوليّة، وكان المكلّف متمكّناً منه، ثُمَّ عجّز نفسه، فهو داخلٌ في المتمكّن، فوظيفته الإتيان بالمأمور به التامّ الأجزاء والشرائط، ولكنّه لم يفعل فيعاقب. وعليه فالظاهر من هذه الأدلّة أنَّ العاجز هو العاجز في كلّ الوقت، وزيدٌ كان يمكنه أن يأتي بالواجب، ولم يكن عاجزاً، بل عجّز نفسه، فيكون الفعل الاضطراري في حقّه لغواً، ويسقط الأمر، إلَّا أنّه يسقط بالعصيان.
نعم، في الصلاة التي ورد أنّها لا تسقط بحالٍ لا نلتزم بذلك، فلو كان عنده ماءٌ عند دخول الوقت، وأراقه عمداً، لا تسقط الصلاة، بل يتيمّم، وكذلك الحال بالنسبة إلى بقيّة الشرائط. نعم، في خصوص الصلاة دلّ الدليل على عدم سقوطها بحالٍ، ومن جملتها ما لو فوّت على نفسه الواجب الأوّلي، فلا يسقط ولابدَّ من الإتيان بالمرتبة الأضعف.
فهل يجزي حينئذٍ أو لا يجزي؟
أمّا بالنسبة إلى الإعادة فلا موضوع له؛ إذ لو فرضنا أنَّه بعد عجزه تمكّن ثانياً، فحينئذٍ لا يسقط الأمر الاضطراري؛ فإنَّ غاية ما استفدناه بالإجماع وغيره
ــــــــــ[403]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ. وأمّا أنَّ الاضطرار في بعض الزمان يحدث أمراً اضطراريّاً فلا دليل عليه.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ غاية ما يُستفاد من الأدلّة أنَّه لا بُدَّ من إيجاد الصلاة في الوقت ولو اضطراراً. وأمّا المتمكّن في أوّل الوقت وفي آخره المعجّز نفسه في الأثناء فلا يصدق عليه الاضطرار.
وأمّا القضاء فللبحث فيه مجالٌ، إذ لو أتى بالفعل الاضطراري، فهل يجب القضاء؟ الكلام هو الكلام، والظاهر العدم؛ فإنَّ القضاء وظيفة من فاتته الفريضة، ولم تفته الفريضة على الفرض، بل فاتته المرتبة الكاملة. وأمّا المرتبة التي دونها فلم تفت، فلا يجب عليه القضاء؛ لعدم الفوت. ولو انتهى الأمر إلى الشكّ فرضاً، فمقتضى القاعدة هو جريان أصالة البراءة وعدم وجوب القضاء.
هذا تمام الكلام في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري عن المأمور به بالأمر الواقعي، فيقع الكلام في إجزاء المأمور به بالأمر الظاهري عن الواقعي.
وبالجملة: فالكلام في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري عن الأمر الواقعي إذا انكشف الخلاف.
ومحلّ البحث في المقام ما إذا كان هناك أمرٌ ظاهري من قبل الشارع: بأن كانت هناك أمارةٌ دلّت عليه أو كان مدلولاً لأصلٍ عملي، ثُمَّ انكشف أنَّ الأصل أو الأمارة لم تكن مطابقةً للواقع، وأنَّ الحكم الواقعي كان شيئاً آخر، أي: قامت
ــــــــــ[404]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الحجّة بعد ذلك على الواقع، فلا يمكن التمسّك بالأمارة أو الأصل.
فمحلّ الكلام في أحد هذين الموردين بلحاظ الحكم الظاهري الناظر إلى الواقع، أعني: الأمارات، والحكم الذي ليس فيه نظرٌ إلى الواقع، أعني: الأصول. غاية الأمر: أنَّ الحكم الظاهري قد يكون ثابتاً قطعاً، كما في موارد التمسّك بالعمومات والإطلاقات، كما لو فحص المجتهد ولم يجد مقيّداً أو مخصّصاً، فكان العامّ حجّةً عليه لا محالة، ثُمَّ ظهر له أنَّ هناك مقيّداً أو مخصّصاً، فوجوده لا يكشف عن عدم حجيّة العموم والإطلاق من الأوّل، وإنَّما هو حجّةٌ إلى حين الظَفر بالتخصيص. فالحجّيّة ليس فيها كشف خلاف بعد ذلك، بل الحجيّة كانت ثابتةً قطعاً، غاية الأمر أنَّ موضوعها قد ارتفع، وهو الجهل بالواقع، وبعد ثبوت التخصيص يرتفع الموضوع، فلا يكون العامّ حجّةً بعد ذلك.
وكذا الكلام في الأصل، فلو تمسّك بالبراءة أو بحديث الرفع بعد الفحص بالمقدار اللازم للتمسّك بالأُصول، ثُمَّ وجد دليلاً على ثبوت الحرمة أو الوجوب في الواقع، فالقطع بالحكم الالزامي لا يكشف عن عدم جريان البراءة في ظرف الشكّ؛ فإنَّ موضوعها هو الجاهل بالحكم، والمفروض أنَّه جاهلٌ، ولم يكن قد وصل إليه الواقع لا عن طريق العلم ولا العلمي، فالبراءة جاريةٌ، والحكم بالترخيص نافذٌ، وليس في الحكم الظاهري انكشافٌ للخلاف وإنَّما يرتفع بارتفاع موضوعه.
ومحلّ كلامنا هو: الحكم الظاهري المدلول لأصلٍ أو أمارةٍ، ثُمَّ ينكشف أنَّه خلاف الواقع، وأنَّه كان غير مطابق لنفس الأمر، وأمّا الحكم الظاهري بنفسه
ــــــــــ[405]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فقد كان ثابتاً، ثُمَّ ارتفع بارتفاع موضوعه.
وقد ينكشف أنّ الحكم الظاهري لم يكن ثابتاً من الأوّل، وإنَّما كان اعتقاد وجوده اشتباهاً من المستنبط، وأنَّه كما لم يكن هناك حكمٌ واقعي لم يكن حكمٌ ظاهري، بل كان مجرّد خيالٍ وتوهّمٍ، كما ظهر له بعد ذلك.
ولذلك عدّة موارد:
منها: ما إذا تخيّل أنَّ نصّاً ما جزءٌ من الرواية فتمسّك بها، ثُمَّ ظهر له بعد ذلك أنّها من كلام الصدوق؛ فإنَّه في (من لا يحضره الفقيه) قد يذكر في ذيل الرواية شيئاً للتوضيح، فيكون من موارد الاشتباه؛ إذ كلام الصدوق ليس بحجّةٍ إلَّا على نفسه، ولم يكن هناك حكمٌ ظاهري، غاية الأمر أنَّه كان معذوراً؛ لاعتقاده أنّه كلام الإمام، ثُمَّ ظهر أنّه ليس كلامه.
ومن موارده أيضاً: ما إذا توهّم أنّ الشهادة حسّيّةٌ، فعمل برواية باعتقاد أنَّ الرواة ثقاتٌ؛ من جهة شهادة العلاّمة والمجلسي وابن داود وغيرهم من المتأخّرين: كالشهيد الثاني، فعامل الرواية معاملة الصحيحة أو الموثقّة، وبعد ذلك ظهر أنَّ هذه الشهادات شهاداتٌ حدسيّةٌ؛ لبعد العهد بينه وبين من يحكم بعدالته، والشهادة الحدسية لا حجّة فيها، فالرواية ليست موثّقةً، ولا حجّة فيها، وليس الحكم المستنبط منها إلَّا وهماً وخيالاً، وليس هذا من موارد إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي.
ومن جملة هذه الموارد أيضاً: ما إذا تخيّل أنَّ الرواية مسندةٌ، ثُمَّ ظهر أنَّها مرسلةٌ، كما قد يتّفق، فنرى في رواية أنَّ راويها يروي عن آخر، وظاهرها أنَّها
ــــــــــ[46]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مسندةٌ، وكلاهما عادلٌ، فيعمل بها، ثُمَّ يظهر أنّ الفصل الزماني بينهما كبيرٌ، فتكون الرواية مرسلةً. كما لو رأينا أنَّ الحميري يروي عن أبي حمزة الثمالي، وتخيّل أوّلاً أنّه رآه، ثُمَّ ظهر له بعد ذلك أنَّه لم يره، ولم يكونا متعاصرين، فاطّلع على خلاف ذلك، فبينهما واسطةٌ لا محالة، وقد سقطت، فالرواية مرسلةٌ، وليس فيها حكمٌ أصلاً.
ومنها: الأعلام المشتركة بين الرواة كالصفات وغيرها، وهو ظاهرٌ في الروايات كثيراً، كما إذا رأى (ابن سنان) فتخيّل أنَّه عبد الله بن سنان، وهو ثقةٌ، فعمل بها، ثُمَّ ظهر بعد ذلك أنَّه محمّد بن سنان، وهو مطعونٌ فيه، فالرواية ليست صحيحةً.
والغرض: أنّ موارد تبدّل الحكم الظاهري أجنبيّةٌ عن موارد الخطأ الذي يصدر من المجتهد أحياناً، وهذا لا صلة له بإجزاء الحكم الظاهري؛ إذ ليس هنا إجزاءٌ قطعاً؛ لوضوح أنَّه لا موجب لإجزاء ما تخيّله من جهة التباس الأمر عليه؛ حيث لم يكن هناك حكمٌ ظاهري أصلاً.
بل مورد بحثنا أحد الأمرين المتقدّمين: إمّا أن يكون هناك دليلٌ ناظرٌ إلى الواقع، ولكنّه حجّةٌ ما لم يظفر المجتهد بالمقيّد أو المخصّص له، فإذا ظفر به ارتفعت حجّيّته من الآن، لا أنّه ينكشف عن عدم حجيته من أول الأمر. وكذلك في مورد التعارض لو عثر على روايةٍ موثّقةٍ أو صحيحةٍ، ولكنّه لم يرَ المعارض لها بعد الفحص، ثُمَّ بعد ذلك رأى المعارض، فسقطت الرواية عن الحجّيّة؟ فإنَّ الرواية ما لم يكن لها معارضٌ، فهي حجّةٌ حقيقةً، وبعد وجدان
ــــــــــ[407]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المعارض تسقط عن الحجّيّة.
ثُمَّ إنَّ محلّ كلامنا في الإجزاء وعدمه في الشبهات الحكميّة. وأمّا بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيّة كما إذا كان هناك ماءٌ يشكّ في طهارته، فبنى على أنَّه طاهرٌ، ورتّب عليه آثار الطهارة، ثُمَّ قامت البيّنة على أنّه نجسٌ، فالبناء على النجاسة لا يقتضي بطلان إجراء أصالة الطهارة إلى الآن، بل الأصل حجّةٌ، غاية الأمر أنَّه يرتفع بارتفاع موضوعه، وهو الشكّ.
وعليه فالحكم الظاهري كان ثابتاً، ولكن لا يحكم بالإجزاء. والوجه في ذلك: أنَّ الإجزاء لا ينفكّ عن القول بالتصويب، والتصويب في الموضوعات ممّا لم يلتزم به حتى مخالفونا، فإنَّ بعضهم قال بالتصويب وأنَّ كلّ ما أدّى إليه رأي المجتهد فهو حكم الله تعالى في حقّه.
وأمّا في الموضوعات فلم يتوهّم ذلك أحدٌ، كما إذا كان المال بيد زيدٍ، وكان ملكاً لعمرٍو في الواقع، فلا يحتمل أن تكون اليد موجبةً لانقلاب الملك وصيرورة المال ملكاً لزيدٍ. إذن فلا نلتزم في الشبهات الموضوعيّة بالإجزاء؛ إذ لا يحتمل فيها التصويب، بل يقع الكلام في الشبهات الحكميّة من حيث الإجزاء وعدمه.
والأقوال في ذلك كثيرةٌ(1):
منها: القول بعدم الإجزاء، كما عن جماعةٍ.
ــــــــــ[408]ــــــــــ
(1) لاحظ: النائيني، فوائد الأُصول 1: 251، المقصد الأوّل في مباحث الإجزاء، الجهة الرابعة، والميرزا هاشم الآملي، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار 1: 218، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، المقام الخامس، وغيرهما.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ومنها: القول بالإجزاء على الإطلاق، كما عن بعضهم.
ومنها: التفصيل بين ما إذا انكشف الخلاف بعلمٍ وجداني أو علمٍ تعبّدي، فالتزم بعدم الإجزاء في موارد العلم الوجداني، وبالإجزاء في موارد العلم التعبّدي.
ومنها: التفصيل بين الطريقيّة والموضوعيّة، فعلى الطريقيّة لا نلتزم بالإجزاء، وعلى الموضوعيّة نلتزم به.
ومنها: التفريق على السببيّة بين قسمٍ وقسمٍ آخر، ففي بعض أقسامه نلتزم بالإجزاء، وفي بعضها نلحقه بالطريقيّة، فلا نلتزم به.
ويقع الكلام أوّلاً على الطريقيّة؛ بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ الأمارات فضلاً عن الأُصول ليست من قبيل الطرق الموضوعيّة، بل الطريقيّة المحضة، فليس فيها تبدّلٌ في الواقع، بل الحكم مشتركٌ بين العالم والجاهل. فإذا علمنا بحكمٍ، وانكشف الخلاف، فهل يجزي عن الواقع مطلقاً على هذا المسلك الصحيح، أو إذا انكشف الخلاف بالتعبّد، أو لا يجزي؟
أمّا إذا فرضنا أنَّ الانكشاف كان بعلمٍ وجداني، فعلم أنَّ ما أتى به في الخارج لم يكن مطابقاً للمأمور به واقعاً، فلا ينبغي الشكّ بعدم الإجزاء حينئذٍ، فإنَّ التكليف الواقعي كان ثابتاً، ولم يأتِ به ولا ببدله؛ إذ لا دليل على بدليّة المأتيّ به عن المأمور به الواقعي، فلا بُدَّ من الإتيان به، أي: لا بُدَّ من الإعادة أو
ــــــــــ[409]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
القضاء؛ لأنَّه علم أنَّه لم يأتِ بالفريضة في وقتها، فيتحقّق موضوع القضاء.
وأمّا إذا كان الانكشاف بأمارةٍ، فقد يُقال: إنَّه لا ترجيح بين الأمارتين، وكما أنَّ الإمارة الأُولى يُحتمل أن تكون مطابقةً للواقع ومخالفةً له، فكذلك الأمارة الثانية، ولا ينكشف بالأمارة الثانية أنَّ الواقع كان على طبق هذه الأمارة، بل لعلّه كان على طبق الأمارة الأُولى.
غاية الأمر: أنَّ الأُولى سقطت عن الحجّيّة، للأقوائية على الفرض. كما إذا وجد مقيّداً أو مخصّصاً، فقدّم عليه، غاية الأمر أنَّ حجيّة الدليل الأوّل قد ارتفعت؛ لوجود الأقوى، ولازم الحجّيّة الفعليّة هو أنَّه بعد ذلك لا بُدَّ من ترتيب الأثر على طبق هذه الحجّيّة؛ لأنَّ الأُولى قد سقطت، وانتهى أمد حجّيّتها؛ فإنَّها كانت حجّةً ما لم تقم حجّةٌ أقوى على الخلاف، وقد فرضنا أنَّ الثانية أقوى وليس ذلك من قبيل إحراز المطابقة للواقع؛ فإنَّه لم يحرز أنَّ الحجّة الثانية مطابقةٌ له، بل يحتمل أنَّ الواقع على طبق الحجّة الأُولى، فلا مقتضي للإعادة فضلاً عن القضاء.
نعم، لو فرضنا أنَّ المنكشف هو حجّيّة هذه الأمارة من الأوّل وأنَّ الأمارة الأُولى لم تكن حجّةً، فبناءً عليه يصحّ القول بلزوم الإعادة؛ لأنَّ المفروض أنَّه لا حجّة في البين إلَّا هذا، والمكلّف لم يكن يعلم، ثُمَّ انكشف له أنَّ الحجة هو كذا، فلا بُدَّ من تعيين العمل على طبق الحجّة، ولم يكن قد فعل ذلك أوّلاً على الفرض، فلا بُدَّ من الإعادة والقضاء.
ــــــــــ[410]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إلَّا أنَّ هذا واضح الفساد؛ إذ المفروض أنَّ الأمارة الأُولى حجّةٌ ما لم تقم أمارةٌ أُخرى على خلافها، فهي حجّةٌ فعليّةٌ، والثانية ما لم تكن واصلةً فليست حجّةً فعليّةً، فالحجّيّة كانت منحصرة في الأُولى، ثُمَّ تبدّلت الحجّيّة بالحجّة الأقوى، فمن الآن الحجيّة ثابتةٌ للثانية، وإلى الآن كانت ثابتةً للأُولى، فالعمل كان على طبق الحجّة.
ولأجل ذلك تقرّر: أنَّ العامّ حجّةٌ ما لم يصل مخصّصه إلى المكلّف واقعاً، فإنَّ الحجّيّة أمرٌ لا يضرّ بها وجود المخصّص الواقعي، بل العامّ متّصفٌ فعلاً بالحجّيّة بحكم الشارع. والكلام كذلك بلحاظ الأُصول العمليّة أيضاً، فمجرّد وجود دليلٍ واقعي على حرمة فعلٍ مثلاً ما لم يصل إلى المكلّف لا يكون مانعاً من جريان البراءة الشرعيّة أو العقليّة؛ فإنَّ موضوع البراءة العقليّة هو عدم البيان، لا عدم الوجود واقعاً. فلو كان الدليل موجوداً، إلَّا أنَّه لم يصل بعد الفحص وبذل الوسع، جرت أصالة البراءة حقيقةً، وقبح العقاب بلا بيان موضوعه ثابتٌ وجداناً، كالبراءة الشرعيّة؛ فإنَّ موضوعها هو الجهل وعدم العلم، والمفروض أنّه غير عالمٍ بالواقع. ولو فرضنا أنَّ الدليل على الحرمة ثابتٌ واقعاً، فالحجيّة كانت ثابتةً للحجّة السابقة، والعمل كان على طبق الحجّة، ثُمَّ تبدّلت الحجيّة، فعليه لا موجب للإعادة فضلاً عن القضاء.
والصحيح هو وجوب الإعادة حتّى لو انكشف الخلاف بتعبّدٍ شرعي. والوجه في ذلك: أنَّنا لو وجدنا للعامّ أو المطلق مخصّصاً أو مقيّداً، لكانت الحجّيّة الأقوى رافعةً للحجّة الأُولى من الآن، إلَّا أنَّه بعد ذلك لا يمكن
ــــــــــ[411]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الاحتجاج به؛ فإنَّه يصح الاحتجاج به ما لم يثبت تخصيصٌ، وقد ثبت فسقط عن الحجّيّة، وكذا سائر الأمارات والأُصول.
فإذا كانت الحجّيّة منحصرةً في هذا الدليل، وقد فرضنا أنَّ مدلوله هو ثبوت الحكم من أوّل الأمر، فإنَّ ظرف الحجّيّة وإن كان من الآن؛ فإنَّه الآن أخبرنا العادل بوجوب السورة، فظرف الإخبار إنَّما هو الآن، والآن أيضاً ظرف الحجية، إلَّا أنَّ المخبر به ليس جزئيّة السورة من الآن، بل السورة جزءٌ من الصلاة من أوّل التشريع؛ فإنَّ الأمارة تحكي عن ثبوت شيءٍ في الشريعة غير مقيّدٍ بزمانٍ خاصٍّ من الآن فما بعده.
والحاصل: أنَّ مدلول الأمارة هو ثبوت الحكم من أوّل الأمر، وقد فرضنا أنَّها حجّةٌ، فقد علمنا بحكم الشارع أنّ ما أتينا به لم يكن مطابقاً للواقع، والمفروض أنّه لا يعارضها حجّةٌ أُخرى؛ لأنَّ الأُولى قد سقطت، فقد علمنا بالفعل بالجزئيّة، وعلمنا أنّ ذلك كان ثابتاً من الأوّل ولم نأتِ به؛ لأنَّ ما أتينا به فاقدٌ لهذا الجزء على الفرض.
فبمقتضى العلم التعبّدي -الذي هو معنى الحجّيّة- علمنا أنَّ المأمور به لم نأتِ به في الخارج، فبأيّ شيءٍ سقط الأمر؟ هل بالإتيان به، والمفروض أنَّنا لم نأتِ به، أو بالإتيان ببدله، ولا دليل على البدليّة، وأنَّ ما أتينا به مسقطٌ للواجب الواقعي وإن كان فاقداً للجزء؟
إذن، فلا فرق بين العلم الوجداني والعلم التعبّدي في الحكم بعدم الإجزاء. ولعلّ القائل بالتفصيل اختلط عليه زمان الحجّيّة وزمان المؤدّى؛ فإنَّ
ــــــــــ[412]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
زمان الحجّيّة كما ذكره؛ فإنَّ المقيّد قبل وصوله ليس بحجةٍ، إلَّا أنَّ مدلوله ليس ثبوت الحكم من الآن، بل من الأوّل. فبحكم الشارع قد علمنا أنَّ ما أتينا به لم يكن مطابقاً للواقع، فلا بُدَّ من الإعادة أو القضاء، بلا فرقٍ بين العلم الوجداني والعلم التعبّدي.
هذا كلّه على مبنى الطريقيّة، وأنّ الحجيّة مجعولةٌ من جهة الطريقيّة وإيصال الواقع، ما يفيد تنجيز الواقع على تقدير الموافقة والعذر عن الواقع على تقدير المخالفة.
فتلخّص ممّا ذكرنا: أنَّه بناءً على أنّ جعل الحجّيّة بمعنى: جعل العلم والكاشف تعبّداً، فليس هنا إلَّا جعل الطريق إلى الواقع من دون تصرّفٍ في الواقع، وهذا هو معنى الطريقيّة التي ذهب إليها المشهور، وهو الصحيح، وعليه فلا بُدَّ من القول بعدم الإجزاء بالنسبة إلى الإعادة والقضاء، بلا فرقٍ بين انكشاف الخلاف بالعلم الوجداني أو العلم التعبّدي؛ إذ بعد ثبوت أنَّ الواقع لم يأت به المكلّف في وقته، فلا بُدَّ من إعادته أو قضائه، وقد فرض أنَّ الدليل الأوّل ساقطٌ عن الحجّيّة؛ لظهورٍ أقوى.
وأمّا إذا بنينا على السببيّة وأنَّ قيام الإمارة على شيءٍ يوجب مصلحةً في الأمر، وهذه المصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع، فهل يجزي أو لا يجزي، أو يُقال بالتفصيل؟
ــــــــــ[413]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وأمّا بناءً على السببيّة فإن قلنا بالسببيّة المنسوبة إلى الأشعريّين(1)، فهل هذه النسبة صحيحةٌ أو لا؟ لا يمكننا الجزم بالنسبة، ولكن نسب إليهم أنَّهم ذهبوا إلى السببيّة بهذا المعنى، وأنَّه ليس في الواقع حكمٌ يشترك فيه العالم والجاهل، وجعل الأحكام إنَّما يثبت بعد استقرار نظر المجتهد على الحكم، ومن هنا تختلف الأحكام الواقعيّة باختلاف أنظار المجتهدين. فمن ذهب نظره إلى وجوب شيءٍ، كان واجباً عليه واقعاً، ومن ذهب إلى حرمة ذلك الشيء، كان حراماً عليه واقعاً، وهكذا بالنسبة إلى الأحكام التكليفيّة والوضعيّة.
فإذا قلنا بذلك، فلا معنى لانكشاف الخلاف؛ إذ لا موضوع للبحث؛ إذ المفروض أنَّ الحكم الواقعي في زمان قيام الأمارة -ما لم يقم دليلٌ أقوى على خلافه- هو على طبق ما أدّى إليه نظر المجتهد أوّلاً؛ لأنَّ ذلك كان هو الحكم الواقعي في حقّه، ثُمَّ تبدل الموضوع (كالحاضر إذا سافر أو المسافر إذا حضر)، فهل يحتمل عدم الإجزاء في حقه مع أنه أتى بالواجب؟ لا يمكن القول به بناءً على الالتزام بهذه السببيّة بعد انكشاف الخلاف وأنّ ما أتى به لم يكن مطابقاً للواقع ليتكلّم في الإجزاء وعدمه؛ فإنَّه بعد قيام الدليل على الخلاف يتبدّل الموضوع، ويكون الحكم الواقعي مخالفاً للأوّل، ولا يحتمل عدم
ــــــــــ[414]ــــــــــ
(1) أنظر: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام 4: 183، المسألة الخامسة: المسألة الظنية من الفقهيات إن لم يكن فيها نصٌ، وانظر كذلك: الغزالي، المستصفى في أصول الفقه: 352، الحكم الثاني في الاجتهاد التصويب والتخطئة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الإجزاء؛ لأنَّه قد أتى بالواقع في حينه.
إلَّا أنَّ السببيّة بهذا المعنى مستحيلةٌ، ولا مجال للبحث في مقام الإثبات عن الحجّيّة بهذا المعنى أو بغيره؛ إذ لو فرضنا أنَّه لا واقع، فلا شيء يؤدّي إليه نظر المجتهد، فكيف تقدّم عليه الأمارة. وكيف يمكن تعلّق نظر المجتهد بشيءٍ أو كون الأمارة حاكيةً عن شيءٍ ليُقال: إنَّ الحكم المجعول في حقّه هل هو حكمٌ واقعي أو لا؟ فهذا بحسب الثبوت أمرٌ غير معقولٍ، فلا حاجة إلى البحث في مقام الإثبات.
وأمّا السببيّة بالمعنى المنسوب إلى المعتزلة من افتراض ثبوت الحكم في الواقع، ولكن قيام الأمارة على الخلاف يوجب تبدّل الحكم وتغيّره، فيمكن أن يُقال بأنَّ لله حكماً قد جعل مشتركاً بين العالم والجاهل، فإذا فرضنا أنَّ الأمارة أدّت إليه وكانت مصيبةً، فالواقع قد تنجّز في حقّه، كما هو الحال في القول بالطريقيّة؛ إذ الحكم الواقعي والظاهري متّحدٌ في حقّه في المقام. وإذا فرضنا أنَّ الأمارة قد تخلّفت ولم تصب الواقع، فيمكن بحسب مقام الثبوت أن يكون قيامها على الخلاف مانعاً من فعليّة الحكم، ويكون الحكم الآخر هو المجعول حينئذٍ، ويرتفع الحكم الواقعي بقاءً لا حدوثاً.
إذن، يمكن هنا أن يفرض عنوانٌ ثانوي يزول به الحكم الثابت للعنوان الأوّلي، فالمكلّف بما هو مكلّفٌ بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن يمكن أن يطرأ عليه عنوانٌ ثانوي: كضيق الوقت أو المرض أو عدم الماء في الخارج، فيرتفع الحكم الأوّلي، ويتبدّل بحكمٍ آخر هو وجوب التيمّم. فالحكم الأولي
ــــــــــ[415]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المجعول مقيّدٌ بعدم قيام الأمارة على الخلاف، كما هو مقيّدٌ بعدم الحرج والضرر وضيق الوقت في الوضوء.
وهذا أمر ممكن إذ يمكن أن يكون الحكم الواقعي محدوداً ومغيَّىً بعدم قيام الأمارة على خلافه، فكلّما أدّى إليه نظر المجتهد فهو الحكم الواقعي لا محالة؛ لأنَّه إمّا أن يكون مصيباً، فقد أحرز الواقع ووصل إليه وصولاً شرعيّاً. وإن كان على خلاف الواقع، فالواقع قد ارتفع وتبدّل بحكمٍ آخر، وأصبح الحكم الثاني هو الحكم الواقعي في حقّه، فيصحّ أن يُقال: إنَّه كلّما أدّى إليه نظر المجتهد، فهو حكم الله في حقّه: إمّا بلحاظ الحكم الأول أو الثاني.
وهذا أمرٌ ممكنٌ في مقام الإثبات، ويترتّب عليه الإجزاء أيضاً؛ إذ ليس هناك كشفٌ للخلاف كالأوّل، بل إذا تبدّل نظر المجتهد، فإنَّ الحكم الواقعي أيضاً يتبدّل ويتغيّر، فيكون من تبدّل موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر، وليس فيه كشف خلافٍ أبداً، فيكون مجزياً لا محالة.
والقول بالسببيّة بهذا المعنى ممكنٌ، إلَّا أنَّه بحسب مقام الإثبات غير سديدٍ؛ وذلك لاستفاضة الروايات بل ادُّعي التواتر على أنَّ للمخطئ أجراً واحداً وللمصيب أجرين، فلله حكمٌ واحدٌ يشترك فيه العالم والجاهل.
غاية الأمر: أنَّ الجاهل قد يكون معذوراً، ولم يصل إليه الحكم الواقعي، وهو -الحكم الواقعي- ثابتٌ في حقّه، إلَّا أنَّه قد ارتفع عنه، كما في موارد البراءة وحالات قيام الأمارة على الخلاف، فهو معذورٌ عن الواقع، لا أنه ليس هناك حكمٌ واقعي ثابتٌ في حقّه من الأوّل.
ــــــــــ[416]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مع أنَّه لم يقم عليه دليلٌ في مقام الإثبات، فلو لم تكن هذه الروايات، لكفانا الإطلاقات؛ فإنَّها لم تقيّد بعدم قيام الأمارة على الخلاف، كما قد قيّدت بعدم الضرر والحرج. فبأي دليلٍ نثبت أنَّ قيام الأمارة على الخلاف يحدث مصلحةً فيما أدّت إليه ويجعل حكمٌ على طبقه على خلاف الحكم الأوّل، ويزول الحكم الأوّل؟ فهذا الأمر يحتاج إلى إثباتٍ، والإطلاقات تنفيه، ودليل الحجّيّة قاصرٌ عن إثباته؛ لأنَّ دليل الحجّيّة إن كان هو السيرة، كما هو الغالب، فمن الواضح أنّ السيرة العقلائيّة لم تقم على جعل الحكم، وإنَّما قامت على تنجيز الأحكام عند مطابقتها للواقع وتعذيرها عند عدم إصابة الواقع.
وإن كان الدليل هو الأدلّة الشرعيّة فكذلك؛ فإنَّها ليست إلَّا إمضاءً للسيرة العقلائيّة، مع إضافة قيدٍ أو إلغاء قيدٍ، ولم نجد إلى الآن ما يكون حجّةً شرعيّةً ابتدائيّةً، وإنَّما هي حججٌ عقلائيّةٌ امضائيّةٌ، والشارع قد تصرّف فيها توسعةً وتضييقاً، وإلَّا فإنَّ الحجّة الشرعيّة الابتدائيّة لم تثبت ليُقال: إنَّه هل يتغيّر الحكم الواقعي عند قيامها أو لا؟ فهذا القول لا أساس له. نعم، على تقدير القول به لا بُدَّ من القول بالإجزاء.
بقي الكلام في السببيّة الثالثة التي نسبت إلى بعض العدليّة(1)، وادّعي أنّه لا مانع منها في جواب شبهة جعل الحجّيّة، وأنَّ جعل الظنّ حجّةً غير معقولٍ، كما
ــــــــــ[417]ــــــــــ
(1) راجع النائيني، فوائد الأُصول 4: 758، خاتمة في التعادل والترجيح، المبحث السابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نسب إلى ابن قبة، وأنّ جعله حجّةً تفويتٌ للواقع وإلغاءٌ للأحكام الواقعيّة.
ولذا التجأوا في الجواب على الشبهة إلى القول بالسببيّة بالمعنى المزبور، وأنَّه يمكن أن يكون هناك مصلحةٌ في الأمارة يتدارك بها مصلحة الواقع؛ لئلّا يلزم الإلغاء بلا موجبٍ، فالتزموا بالمصلحة السلوكيّة الثبوتيّة في المورد، على ما ذكره الشيخ الأنصاري(1) في معاني السببيّة وإن كان كلامه غامضاً جدّاً. وحاصلها: أنّا نلتزم بالمصلحة بالمقدار الفائت، فأيّ مقدار فاتنا من المصلحة الواقعيّة نلتزم بوجود المصلحة فيه، وهذا يختلف باختلاف السلوك سعةً وضيقاً. فلو كان رأيه أنَّ الوجوب هو صلاة الجمعة، ثُمَّ تبدّل رأيه إلى وجوب صلاة الظهر، وقد فاته وقت الفضيلة، ولكن أصل الوقت لا زال باقياً، فأيّ مقدارٍ فاته من المصلحة هو الذي يترتّب على سلوكه على طبق الأمارة؛ فإنَّه قد فاتته الفضيلة، ولا يمكن إعادة الوقت ليتداركها، فنلتزم بتداركها؛ لأنَّه مع عدمه يلزم إلغاء هذا المقدار من المصلحة بلا موجبٍ.
وعليه فلا بُدَّ من الإعادة في الوقت؛ لأجل قيام الدليل على وجوب استيفاء تمام المصلحة، والمصلحة الفائتة هي مصلحة الفضيلة لا مصلحة الوقت، لإمكان تداركها فيه، فيلزم عليه الإعادة؛ ليتدارك مصلحة الوقت. فالالتزام بهذه السببيّة لا يترتّب عليه عدم وجوب الإعادة، بل حال انكشاف الخلاف على الطريقيّة حال انكشافه على السببيّة بهذا المعنى.
ــــــــــ[418]ــــــــــ
(1) أُنظر: الأنصاري، فرائد الأُصول 1: 43، المقصد الثاني، المقام الأوّل، ومطارح الأنظار: 21، هداية في الإجزاء.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نعم، إذا استمرّ الجهل إلى خارج الوقت، ثُمَّ انكشف الخلاف وعلم أنَّ الواجب الظهر دون الجمعة، ولم تكن صلاة الجمعة مأموراً بها، فبناءً عليه لم يكن ما أتى به مأموراً به، فأيّ مقدارٍ فاته من المصلحة هنا؟ لقد فاته مصلحة الوقت بتمامه؛ إذ لا يمكن تداركه، فلا بُدَّ من الالتزام بتدارك مصلحة الوقت لا محالة.
وأمّا مصلحة أصل طبيعي الصلاة فإنّه ممكن التدارك بالقضاء، فيجب عليه القضاء، وعليه فانكشاف الخلاف كما يوجب الإعادة، فكذلك يوجب القضاء. نعم، لو فرضنا أنَّ الجهل استمرّ إلى أن مات، فحينئذٍ نلتزم بتدارك تمام المصلحة، أي: مصلحة الفضيلة والوقت وأصل الصلاة؛ لطول زمان السلوك.
فالسببيّة بهذا المعنى تقتضي عدم الإجزاء، كما كان الحال على الطريقيّة، فلا فرق بينهما من هذه الناحية، وكلاهما في النتيجة واحدٌ. كذا ذكر شيخنا الأُستاذ. ولنتكلّم في جهاتٍ ثلاث:
◙ الجهة الأُولى: في لزوم الالتزام بالسببيّة بهذا المعنى. وقد التزم به بعضهم؛ لدفع شبهة ابن قبة أو ابن قُبَّة(1) فيما تخيّله من لزوم المحذور في جعل الأمارات حجّةً؛ باعتبار أنَّه يستلزم إلقاء المكلّفين في المفاسد الواقعيّة أو تفويت المصالح الواقعيّة الالزاميّة عليهم، وكلا الأمرين قبيحٌ.
ولذا التزم فراراً من هذه الشبهة بالمصلحة في السلوك، وأنَّه كلّما فات من
ــــــــــ[419]ــــــــــ
(1) راجع الانصاري، فرائد الأُصول 1: 40، المقصد الأوّل، المقام الأوّل، والنائيني، فوائد الأصول 3: 88-89، المقام الثاني، المبحث الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
هذه المصلحة أو لزم الوقوع في مفسدةٍ واقعيّةٍ، يتدارك بسلوك الأمارة، فلا قبح، وعليه يعقل أن تكون الأمارة حجّةً، ولا يلزم من ذلك محذورٌ.
والصحيح: أنَّه لا ملزم للقول بذلك؛ لما بيّناه في بحث حجّيّة الظنّ من أنَّه لا محذور في جعل ما ليس بعلمٍ حجّةً، ولا يلزم منه تفويت المصالح الواقعيّة، ولا الإلقاء في المفاسد الواقعيّة؛ فإنَّه إنَّما يلزم ذلك إذا كان باب العلم مفتوحاً، وأمكن للمكلّف الوصول إلى الأحكام الواقعيّة، لا بمجرّد القطع، بل بالعلم المصادف للواقع.
وبعبارةٍ أُخرى: لو أمكن للمكلّف أن يعلم بالحكم بعلمٍ وجداني لا خطأ فيه، بلا محذور عسرٍ ولا مشقّةٍ، فحينئذٍ نفرض أنَّه لا يمكن جعل الأمارة حجّةً؛ فإنَّ لازمه تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة.
ولكن أنّى يتحقّق ذلك وهو لم يكن متيسّراً في زمان الحضور فضلاً عن زمان الغيبة؟ وكيف يمكن الوصول إلى الأحكام الواقعيّة بدون خطأ بلا عسرٍ ولا مشقّةٍ؛ فإنَّ الإمام إنسانٌ واحدٌ على كلّ حالٍ، ولا يمكن أن يسأله جميع البشر بما يبتلى به، فيجيب الإمام صريحاً بما لا يكون فيه مخالفةٌ للواقع. فهذا مجرّد فرضٍ لا واقعٍ، وانفتاح باب العلم بهذا المعنى فرضٌ موهومٌ لم يقع ولا يقع.
إذن، لا مناص من جعل الأمارة حجّةً حسب ما يراه الشارع من غلبة المصادفة للواقع، على أنّا لو فرضنا أنَّ شخصاً واحداً أمكنه ذلك كزوجة الإمام أو ابنه أو أخيه، فيمكنه أن يسأله عن جميع المسائل التي يبتلي بها ويصل بذلك إلى الواقع، فلا إشكال أنَّ إلزامه بهذا منافٍ للتسهيل النوعي؛ فإنَّه لا إشكال أنَّ
ــــــــــ[420]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
أكثر الأحكام جعلت للتسهيل على النوع ولرعاية المصالح العامّة، ما اقتضى أن تكون الأمارة حجّةً؛ لغلبة المصالح النوعيّة ولو تخلّف في بعض الموارد. وتمام الكلام في باب حجّيّة الظنّ. إذن فلا ملزم للالتزام بالمصلحة السلوكيّة.
◙ الجهة الثانية: لو فرضنا أنَّه لا ملزم للالتزام بالمصلحة السلوكيّة، بل لا موجب له، فهل هاهنا محذورٌ؟ التزم الشيخ الأنصاري(1) وشيخنا الأُستاذ (قدّس سرّهما) (2) أنَّه لا محذور في أن نلتزم بالمصلحة السلوكيّة.
ولكنّا ذكرنا في بعض الدورات السابقة أنَّ هذا القسم من السببيّة يلحق بالقسمين الأوّلين بالبطلان، أي: إنَّ الالتزام به كالالتزام بالمعنى الثاني للسببيّة؛ فإنَّ لازمه التصويب وعدم اشتراك الحكم الواقعي بين العالم والجاهل، وهو منافٍ لإطلاقات الأدلّة وأدلّة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل. وعليه فلازم السببيّة بالمعنى الثالث -أي: المصلحة السلوكيّة- القول بالتصويب أيضاً.
وبيان ذلك: أنّا لو التزمنا بأنَّ قيام الأمارة على الوجوب يحدث مصلحةً في سلوك الأمارة، وتختلف هذه المصلحة باختلاف زمان السلوك سعةً وضيقاً، فلو انكشف الخلاف في أثناء الوقت، فقد فات المكلف مصلحة التقديم دون مصلحة الفريضة، فيمكن تداركها، ويجب عليه الإعادة. ولو فرضنا أنَّ الخلاف لم ينكشف إلَّا بعد انقضاء الوقت، ثُمَّ علم أنَّ ما أتى به كان غير مطابقٍ
ــــــــــ[421]ــــــــــ
(1) أُنظر: الأنصاري، فرائد الأُصول 1: 43، المقصد الثاني، المقام الأوّل، ومطارح الأنظار: 23، هداية في الإجزاء.
(2) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 3: 96، المقام الثاني، المبحث الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
للواقع، فالفائت هنا هو مصلحة الوقت، فنلتزم أنَّ سلوك الأمارة في مجموع الوقت يحدث مصلحةً في السلوك يتدارك بها المصلحة الواقعيّة، إلَّا أنَّ مصلحة أصل الصلاة لم تفت، فيجب تداركها، ويكون القضاء واجباً. وأمّا إذا لم ينكشف الخلاف إلى آخر العمر، فتكون مصلحة السلوك واسعةً بسعته.
أقول: إنَّ لازم ذلك هو أنّ المصلحة الإلزاميّة قائمةٌ بأحد أمرين تخييراً: إمّا بالإتيان بالواقع، أو بسلوك الأمارة إلى أن ينكشف الخلاف، فإذا انكشف الخلاف بعد مضيّ الوقت، فلا بُدَّ من الالتزام بأنّ مصلحة الوقت قد ثُمَّ تداركها بسلوك الأمارة في مجموع الوقت. إذن هنا مصلحةٌ قائمةٌ بأحد أمرين: إمّا الإتيان بالواقع، أو سلوك الأمارة؛ فإنَّه كما أنَّ هذا يفي بالمصلحة فكذلك ذاك.
ولو فرضنا أنّ الحكم الواقعي كان هو التمام، إلَّا أنَّه قصد القصر جهلاً، وبعد مضي الوقت كان مكلّفاً بالتمام، فهنا نلتزم بأنَّ المصلحة الواقعيّة قد حصلت بسلوك الأمارة. إذن فالمصلحة قائمةٌ بأحد هذين الأمرين: إمّا امتثالها أو سلوك المصلحة إلى آخر الوقت. وحينئذٍ نسأل: أنَّ الوجوب الواقعي الذي كان واجباً تعيينيّاً -أعني: وجوب الصلاة- هل هو ثابتٌ لكلّ مكلّف من العالم والجاهل، أو هو مخصوصٌ بالعالم؟
إن قلتَ: إنَّه مشتركٌ بينهما.
قلتُ: كيف يمكن ذلك؟ فإنَّ المصلحة لم تكن قائمةً بخصوص الإتمام، وإنَّما هي قائمةٌ به وببدله، وهو السلوك على الأمارة إلى آخر الوقت. وعليه فلا
ــــــــــ[422]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ملزم لأن يكون الواجب على جميع المكلّفين من العالم والجاهل هو التمام، مع أنَّ المفروض أنَّ المصلحة قائمةٌ بالتمام أو ببدله؟ فكيف يمكن جعل وجوب الإتمام تعييناً مع أنَّ المصلحة غير قائمةٍ به شخصاً؟! إذن فالوجوب التعييني غير ثابتٍ.
وإذا فرضنا أنَّ الواجب في الوقت مخيّرٌ بين التمام والقصر، لاختلف الجاهل والعالم في الحكم؛ فإنَّ الواجب في حقّ العالم هو الإتمام تعييناً، وفي حقّ الجاهل هو الإتمام تخييراً. وهذا هو التصويب بعينه، أي: إنَّ الجاهل والعالم لا يشتركان في الحكم. وكما أنَّ السببيّة بالمعنى الثاني مستلزمةٌ للتصويب فكذلك السببيّة بهذا المعنى وإن كان في الأوّل أوضح. وعليه. فهذه السببيّة -مع أنَّها لا ملزم بها- باطلةٌ وغير معقولةٍ.
◙ الجهة الثالثة: إلَّا أنّنا لو فرضنا أنّه لا محذور فيه والتزمنا به، فهل لازمه ما ذكر شيخنا الأُستاذ من وجوب الإعادة والقضاء؟
الظاهر: أنَّه ليس كذلك؛ فإنَّه لو انكشف الخلاف في الأثناء، وعلم أنَّ ما أتى به لم يكن مطابقاً للواقع، فالأمر كما ذكر، فلا فرق بين الطريقيّة وهذه السببيّة، فإنَّ كلاً منهما يشتركان في القول بعدم الإجزاء ووجوب الإعادة.
والوجه فيه واضحٌ؛ إذ المفروض انكشاف الخلاف في الوقت، ويمكن تدارك مصلحة الوقت، فتجب الإعادة.
وأمّا إذا خرج الوقت فقد التزم بالقضاء(1)؛ لأنَّ الفائت هو مصلحة
ــــــــــ[423]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول: 1: 255-256، المقصد الأوّل، في مباحث الإجزاء، الجهة الرابعة، الأمر الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الوقت، لا مصلحة أصل الصلاة، فيجب الإتيان بالصلاة؛ لتدارك أصل الصلاة.
إلَّا أنَّ هذا لا يمكن الموافقة عليه؛ فإنّا سنذكر في بحث تبعيّة القضاء للأداء أنَّ الأمر بإتيان فعلٍ في الوقت لو كان ناشئاً من مصلحتين: إحداهما قائمةٌ بطبيعيّ العمل، والثانية قائمةٌ بإتيانه في الوقت، فهنا في الحقيقة واجبٌ في واجبٍ: أحدهما الإتيان بذات العمل مطلقاً، والثاني الإتيان بالعمل في زمانٍ معيّنٍ. كما لو فرضنا أنَّه نذر أن يصلّي في أوّل الوقت أو في المسجد أو في جماعةٍ، فهاهنا وجوبان: أحدهما تعلّق بنفس الصلاة، والآخر بوقوعها في المسجد أو أوّل الوقت، فهنا واجبٌ في واجبٍ.
ولو كان الأمر في المؤقتات من هذا القبيل، لكان الأمر في قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ(1) منحلاً إلى أمرين: أَقِمِ الصَّلاَةَ ووجوب الإتيان به من هذا المبدأ إلى هذا المنتهى. ومعه يكون القضاء واجباً بنفس الأمر الأوّل، ولا نحتاج إلى أمرٍ جديدٍ؛ إذ المفروض أنّ المكلّف إذا فاته أحد الواجبين نسياناً أو لأيّ أمرٍ آخر، فلا موجب لسقوط الواجب الثاني، كما لو نذر الصلاة جماعة أو في المسجد إلَّا أنَّه لم يحضر؛ لعدم إمكانه أو لنسيانه أو عصيانه، فإنَّه لا يحكم بسقوط أمر الصلاة، فإنَّ سقوط أحد الواجبين لا يوجب سقوط الآخر، فيكون القضاء تابعاً للأمر الأوّل، ولا نحتاج إلى الأمر بالقضاء في أيّ موردٍ آخر.
وأمّا لو فرضنا أنَّ المستفاد عرفاً من قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ
ــــــــــ[424]ــــــــــ
(1) الإسراء: 78.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الشَّمْسِ. وكذلك الروايات القائلة: “إذا زالت الشمس، فقد دخل وقت الصلاتين”(1) أنَّ الصلاة واجبةٌ بأمرٍ واحدٍ ووجوبٍ واحدٍ، وحال الوقت حال بقيّة القيود: كطهارة البدن والوضوء، فكما أنَّ بقية القيود أُخذت في متعلّق الأمر الأوّل، فالوقت كذلك. وعليه فإذا انقضى الوقت فقد سقط التكليف بأيّ مسقطٍ كان، فنحتاج إلى أمرٍ جديدٍ للقضاء.
فلو بنينا على ذلك، كما هو الصحيح، فكيف يمكننا الالتزام ببقاء مصلحة أصل الصلاة؟ فإنَّه متى كان للصلاة مصلحةٌ أُخرى غير مصلحة الوقت، حتّى نلتزم ببقائها ويقال: بأنَّه لو انكشف الخلاف مع إمكان التدارك يجب القضاء؟
ونحن قد فرضنا أنَّ المصلحة قد تمَّ تداركها بالسببيّة، فلم تفت الفريضة، فكيف يمكن الالتزام بالقضاء، مع أنَّ موضوعه فوت الفريضة ولم تفت على الفرض؟!
فالمتحصّل من مجموع ما ذكرنا: أنَّنا لو قلنا بالطريقيّة في باب الأمارات والأُصول الناظرة إلى الواقع، فلا بُدَّ من القول بعدم الإجزاء ووجوب الإعادة والقضاء بلا فرقٍ بين الانكشاف الوجداني والتعبّدي. كما أنّا لو التزمنا بالسببيّة المستحيلة أو الباطلة، فلا بُدَّ من القول بالإجزاء في الوقت وخارجه، ولو
ــــــــــ[425]ــــــــــ
(1) أنظر الكليني، الكافي 3: 276، كتاب الصلاة، باب وقت الظهر والعصر، الحديث 5، والصدوق، من لا يحضره الفقيه 1: 215، باب مواقيت الصلاة، الحديث 646، والطوسي، تهذيب الأحكام 2: 26، كتاب الصلاة، الباب 4، الحديث 24، والحر العاملي، وسائل الشيعة 4: 127، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 4، الحديث 8.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
التزمنا بالسببيّة بالمعنى الثالث فينبغي التفصيل بين الإعادة والقضاء، فنقول بالإجزاء بالنسبة إلى القضاء وعدمه بالنسبة إلى الإعادة.
ذكر صاحب (الكفاية)(1): أنَّ الأحكام المجعولة ظاهراً عند الجهل بالواقع على قسمين؛ فإنَّه قد يكون الحكم الظاهري ناظراً إلى الواقع، ومعه فإمّا أن يكون موافقاً للواقع فيكون صادقاً، وإمّا أن يكون مخالفاً للواقع فيكون كاذباً، والمراد بالصدق والكذب هنا الصدق والكذب الخبريّان، وقد لا يكون الحكم الظاهري ناظراً إلى الواقع بل مجعولاً في ظرف الشكّ بلا نظرٍ إلى الواقع، وهو الوظيفة العمليّة التي ليس فيها جهة نظرٍ إلى الواقع.
أمّا القسم الأوّل فكالأمارات؛ فإنَّها ناظرةٌ إلى الواقع، وحاكيّةٌ عن ثبوت شيءٍ في الشبهات الحكميّة والشبهات الموضوعيّة. فلو دلّ الخبر على أنَّ الواجب على من سافر أربعة فراسخ غير قاصدٍ للرجوع في يومه هو التمام، ثُمَّ انكشف أنَّ الحكم هو القصر، فكانت هذه الأمارة كاذبة لا محالة كذباً خبريّاً، فيقع الكلام في الإجزاء وأنَّ الحكم المحكي بها هل يجزي أو لا يجزي؟ وقد تقدّم الكلام فيه مفصّلاً.
ونحوه الكلام في الاستصحاب؛ بناءً على إفادته صفة الحجّيّة لليقين بعد زواله؛ فإنَّ اليقين كان حجّةً حدوثاً، فالشارع حكم ببقاء حجّيّته تعبّداً،
ــــــــــ[426]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 86-87، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، الموضع الثاني، المقام الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
والمكلّف في ظرف الشكّ كأنَّه على يقينٍ، والاستصحاب مُلغٍ لطرف الشكّ تعبّداً. وعليه فاليقين في ظرف الحدوث حجّةٌ في ظرف الشكّ والبقاء، فهو ناظرٌ إلى أنَّ الحكم الواقعي للشارع المتيقّن سابقاً مستمرٌ، ولذا أفاد صفة الكاشفيّة بقاءً لا حدوثاً؛ فإنَّ اليقين بالنسبة إلى الحدوث حجّةٌ بنفسه لا يمكن جعله ولا رفعه؛ لأنَّ كاشفيّته ذاتيّةٌ.
وبناءً عليه فحال الاستصحاب حال الأمارة، فيمكن أن ينكشف الخلاف، فيقع الكلام في الإجزاء وعدمه، والكلام هو الكلام السابق. وقد يكون الحكم الظاهري غير ناظرٍ إلى الواقع، بل هو وظيفةٌ عمليّةٌ للشاكّ من دون نظرٍ إلى الواقع، كما في أصالة الطهارة والإباحة المدلول عليها بقوله: “كلّ شيء نظيفٌ حتّى تعلم أنّه قذر. فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك”(1). فهذا الخطاب غير ناظرٍ إلى أنَّ هذا الشيء في الواقع طاهرٌ أو لا، بل سواء كان طاهراً أم لا فإنَّ الوظيفة العمليّة هي أن يعامل معه معاملة الطاهر، ويرتّب عليه آثار الطهارة الواقعيّة من جواز شربه والتوضّي به وإزالة النجاسة به.
فهذا حكمٌ ظاهري في ظرف الشكّ؛ لأجل بيان وظيفة المكلّف في هذا الظرف، من دون أن يكون ناظراً إلى ثبوت الواقع وعدمه. ونحوها أصالة الإباحة عند الشكّ في الإباحة.
ــــــــــ[427]ــــــــــ
(1) الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 285، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 119، والحر العاملي، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 37، الحديث 4.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وحينئذٍ لا يمكن أن يتصوّر الصدق والكذب هنا، إذا فرضنا أنَّ الشيء كان نجساً في الواقع، وحكمنا بطهارته؛ بمقتضى أصالة الطهارة، أو كان حراماً في الواقع، وحكمنا بحلّيّته؛ بمقتضى الأصل. فلا يمكن أن يُقال: إنَّ هذا الأصل كان كاذباً، أي: كذباً خبريّاً، أو كان صادقاً؛ إذ لم يكن فيه نظرٌ إلى الواقع ليحكم بالكذب عند عدم المطابقة وبالصدق عند المطابقة. نعم، يصحّ أن يُقال: إنَّ الحكم المجعول في مورد هذا الأصل مطابقٌ للواقع أو غير مطابقٍ أي: مثل الحكم الواقعي أو غير مماثل له. وأمّا أنَّه صادقٌ أو لا فالقضية سالبةٌ بانتفاء الموضوع؛ إذ ليس فيه من إخبارٍ عن الواقع ونظرٍ إليه.
وإنَّما يتّصف الحكم المجعول في مورد الأصل بأنّه مماثلٌ للحكم الواقعي ومضادٌّ له، دون الصدق والكذب. وقد اختار أنَّ حال الاستصحاب حال أصالة الطهارة والإباحة، كما صرّح بذلك في تنبيهات الاستصحاب(1)، أي: إنَّ المجعول فيه صفة الحكم المماثل للواقع المماثل بلحاظ المتيقّن السابق: إذا كان وجوباً فالوجوب، وإن كان إباحة فالإباحة. فحاله بناءً على هذا حال أصالة الطهارة والإباحة، فلا يمكن فيه الصدق والكذب، وإنَّما المتصوّر فيه هو المماثلة والمضادّة.
وبعد تقسيم الحكم الظاهري إلى هذين القسمين ذكر أنَّ البحث في الإجزاء وعدمه يجري في القسم الأوّل. وأمّا القسم الثاني فلا مناص من القول
ــــــــــ[428]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 414، المقصد السابع، الاستصحاب، تنبيهات الاستصحاب، التنبيه السابع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بالإجزاء فيه؛ ذلك لأنَّه بعد جعل الطهارة في مورد الأصل، يكون هذا الشيء محكوماً بالطهارة في ظرف الشكّ لا محالة، وعليه يكون هذا الدليل حاكماً على أدلّة اشتراط الطهارة لا محالة؛ فإنَّ كلّ حكمٍ يترتّب على الطهارة الواقعيّة يترتّب هنا أيضاً؛ فإنَّه طاهرٌ بحكم الشارع. فإذا كان الثوب الطاهر يصحّ الصلاة فيه، فهذا أيضاً طاهرٌ فيصحّ الصلاة فيه، ولا يمكن في مثله انكشاف الخلاف؛ لأنَّه ليس ناظراً إلى الواقع لينكشف فيه الخلاف، والمجعول فيه ليس هو الطريقيّة، وإنَّما المجعول هو نفس الحكم الشرعي، والشيء بعد جعله لا يختلف عمّا هو عليه، فالشيء كان طاهراً بالأصل، ولا يمكن أن يتخلّف الشيء عمّا هو عليه في ظرفه. فلدليل أصالة الطهارة حكومةٌ على الأدلّة الواقعيّة، وأنَّ جميع ما يترتّب على الطهارة الواقعيّة يترتّب على هذا، ومقتضاه التوسعة في دليل شرطيّة الطهارة. ونتيجته هي أنَّ الشرط في الصلاة هو طبيعيّ الطهارة الأعمّ من الظاهريّة والواقعيّة.
والوجه فيه: أنّا قد علمنا بنجاسة الشيء من جهة تغيّر الموضوع، وتعاملنا معه معاملة النجاسة، كما يرشد إليه قوله: “فإذا علمت فقد قذُر”. وأمّا الأحكام السابقة فكانت مترتّبةً على الطهارة، وهذا هو معنى التوسعة في الشرط، أي: إنَّ الشرط هو الطهارة، والطهارة لها فردان: الطهارة الواقعيّة والظاهريّة، وأحد الفردين متحقّقٌ على الفرض، وعليه نحكم بالإجزاء على القاعدة، من دون حاجةٍ إلى دليلٍ خاصٍّ.
وكذا الكلام في الاستصحاب، فإذا استصحبنا طهارة الثوب وانكشفت
ــــــــــ[429]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
نجاسته، فهذا الانكشاف لا يوجب تبدّل الحكم بالطهارة في ظرفه وانقلابه عمّا كان عليه، بل يحكم عليه بالنجاسة من بعد ذلك. وأمّا ما قبله فطاهرٌ بحكم الشارع؛ إذ الشرط كان ثابتاً، فلا حاجة إلى الإعادة والقضاء.
هذا ملخّص ما أفاده مع توضيحٍ منّا.
ويمكن المناقشة فيه: أمّا من جهة النقض فلأنَّه لو تمّ هذا لم ينحصر في الصلاة، ولابدَّ من إجرائه في غيرها. فلو استصحب طهارة ماءٍ، فتوضّأ أو اغتسل، ثُمَّ انكشف أنّه كان نجساً، فهل يُقال: إنَّ وضوئه كان صحيحاً أو غسله صحيحاً؛ باعتبار أنَّه اغتسل بماءٍ طاهرٍ، ولا ينقلب عمّا هو عليه، فكان الماء طاهراً في وقته بسبب توسعة الشرط، فقد وقع الوضوء بماءٍ طاهرٍ، فيحكم بصحّة الوضوء والغسل؟ ويلاحظ أنَّه لم يلتزم بذلك لا هو ولا غيره من الفقهاء قطعاً، بل يحكم ببطلان الوضوء والغسل.
وإنَّما الحكم بالصحّة خاصٌّ بالصلاة؛ لأجل أدلّةٍ خاصّةٍ، لا لأجل أدلّة الطهارة.
كذلك إذا غسل شيئاً بهذا الماء حال الشكّ في طهارته، ثُمَّ انكشف أنَّه نجسٌ، فهل يمكن أن يُقال: إنَّ بدنه طاهرٌ؛ لأنَّه غسل بماءٍ طاهرٍ، ولا يُعتبر في تطهير الشيء إلَّا أن يغسل بماءٍ طاهرٍ، وقد حصل ذلك؛ لأنَّه كان حال الغسل طاهراً؟! أفيمكن الالتزام بذلك؟ فيُقال: إنَّ أدلة أصالة الطهارة حاكمةٌ على أدلّة الغسل بماءٍ طاهرٍ، فتوجب توسعة الشرط، وأنَّ هذا الشيء محكومٌ بالطهارة؟!
ــــــــــ[430]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ولو لاقى البدن جسماً مشكوكاً، وحكمنا بطهارته، ثُمَّ انكشف كونه نجساً، فهل يمكن أن يُقال: إنَّه لا يجب غسل الملاقي؛ فإنَّه لاقى جسماً طاهراً حين الملاقاة؟! أفيمكن الالتزام بهذا؟ وإن نسب إلى بعضهم؛ لأنَّ الطهارة موضوعٌ شرعي، فمتى حكم الشارع بطهارة شيءٍ فهو طاهرٌ، ومتى حكم بنجاسته فهو قذر؛ لقوله: “فإذا علمت فقد قذُر”(1).
ولو اشترى بمقتضى استصحاب الملكيّة مالاً من زيدٍ، ثُمَّ انكشف أنَّه كان ملكاً لعمرٍو، أفيمكن أن يحكم بصحّة هذا البيع؛ لأنَّه اشتراه من المالك الذي كان مالكاً بحكم الشارع؟! لأنّا فرضنا أنَّ المجعول في الاستصحاب هو الحكم المماثل، أيمكن الالتزام بذلك؟! إلى غير ذلك من الأمثلة التي يطول ذكرها في المقام، ولعلّ جميع أبواب الفقه من هذا القبيل، مع أنَّه لم يلتزم بذلك، بل لا يمكن الالتزام بذلك.
نعم، في خصوص الطهارة والحلّيّة في باب الصلاة ثبت بالدليل أنَّ النجاسة الواقعيّة ليست مانعاً في الصلاة، فلو صلّى في ثوبٍ طاهرٍ؛ لأصلٍ أو أمارةٍ أو علمٍ وجداني -وإن لم يكن في صورة العلم الوجداني حكمٌ ظاهري- لم يعد صلاته إذا انكشف الخلاف، لا للقاعدة، بل للنصّ، فإنّا استفدنا من الدليل أنَّ المانع هو النجاسة المنجّزة، فلو لم تتنجّز النجاسة ولم تصل إلى المكلّف، لم تكن مانعاً من الصلاة.
ــــــــــ[431]ــــــــــ
(1) أُنظر: الطوسي، تهذيب الأحكام1: 284، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث119.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بل لا يختصّ هذا بالطهارة والحلّيّة، بل يجري في جميع الأجزاء والشرائط غير الأركان، لو ترك شرطاً أو جزءاً جهلاً بالحكم؛ لعذرٍ لا لتقصير، أو جهلاً بالموضوع، ثُمَّ تبيّن له الأمر بعد الصلاة، فنلتزم بالصحّة؛ بدليل (لا تعاد)؛ بناءً على ما هو الصحيح من عدم اختصاصه بصورة النسيان وإن أصرّ شيخنا الأُستاذ(1) على الاختصاص؛ إلَّا أنا بيّنا أنَّه لا موجب له، بل مقتضاه الإخلال بأيّ شرطٍ لا يكون فيه الإخلال عمديّاً، وإنَّما عن جهلٍ وعذرٍ، كما في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة التي يكون الجهل
فيها عن قصورٍ لا عن تقصيرٍ، فلا تعاد الصلاة لا في الوقت ولا في خارجه، ولا حاجة إلى الإعادة فضلاً عن القضاء.
وما ذُكر حكمٌ خاصٌّ بالصلاة، ولا يسري إلى الطهارة والحلّيّة ونحوهما.
وأمّا الحلّ فهو أنَّ الحكم المجعول في موارد أصالة الطهارة وأصالة الحلّيّة وإن كان حكماً حقيقيّاً من الشارع، أي: باعتبار طهارة وحلّيّة هذا الشيء والترخيص في الفعل أو الترك، وليس في مثله انكشاف خلافٍ أبداً؛ فإنَّه حقيقةً مرخّصٌ في ذلك، إلَّا أنَّ الشارع حكم بغصبيّته ونجاسته حقيقةً، ولا تنافي بين الحكمين؛ لأنَّ أحد الحكمين واقعي والآخر ظاهري. وسيأتي في بحث الظنّ إن شاء الله أنَّه لا تنافي بين الحكمين.
وملخّص الكلام فيه: أنَّ التنافي بين الحكمين لا بُدَّ أن يرجع إلى أحد أمرين؛
ــــــــــ[432]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 4: 238-239، التنبيه الأوّل، المقام الثاني، الجهة الثالثة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فإنَّ الاعتبار أمرٌ نفسي، وهو أمرٌ خفيف المؤونة؛ إذ للإنسان أن يعتبر أنَّ هذا طاهرٌ وأنَّه نجسّ، وليس في الاعتبار في النفس تنافٍ أصلاً، بل سائر التصوّرات كذلك، فيمكن أن يتصوّر الوجود والعدم، كما يمكن أن يجعل التحريم والتحليل معاً في عالم الاعتبار؛ إذ ليس بين الاعتبارين أي تنافٍ وتعاندٍ.
ومنشأ التضادّ أحد أمرين: إمّا من جهة ما يكون مبدأً للحكمين، أو من جهة ما ينتهي الحكم إليه، فما ينشأ عند التضادّ بين الوجوب والحرمة مثلاً أو الإباحة والوجوب إمّا أن يكون من جهة المبدأ ومن جهة ما يدعو إلى هذا الاعتبار وسببه؛ لأنَّ الاعتبار لا يكون لغواً، بل المولى الحكيم لا بُدَّ أنَّ يكون له منشأ يدعو من أجله، كما لو افترضنا أنَّ منشأ الحكم هو المصلحة في المتعلّق، كما هو الغالب، فالفعل إذا كان ذا مصلحةٍ ملزمةٍ وقد حكم المولى بوجوبه، فكيف يمكن أن يحكم مع ذلك بإباحته، والإباحة مفادها عدم وجود المصلحة الملزمة؟! وكيف يمكن للشيء الواحد أن يكون واجداً وفاقداً للمصلحة؟! ما يرجع إلى اجتماع النقيضين، فلا يمكن جعل الوجوب والإباحة في زمانٍ واحدٍ، وهذا هو التنافي من جهة المبدأ. ولهذا نقول بامتناع اجتماع الوجوب والحرمة؛ لأنَّه لا يمكن أن ينشأ الفعل عن مصلحةٍ وعن مفسدةٍ في وقتٍ واحدٍ، كامتناع اجتماع الوجوب والإباحة واجتماع الحرمة والإباحة.
كما لا يجتمع الحكمان من جهة المنتهى، أي: ما ينتهى إليه الحكم في مرحلة الامتثال؛ فإنَّ معنى وجوب الشيء حكم العقل بلزوم الإتيان به، ومعنى التحريم حكم العقل بلزوم الارتداع عنه، فماذا يصنع المكلّف حينئذٍ؟ لا
ــــــــــ[433]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
يتمكّن من الامتثال، فمن مرحلة الامتثال ينشأ التنافي بين الحكمين، أي: لا يمكن للحكيم أن يأمر بشيءٍ وينهى عنه؛ لأنَّ هذا الحكم غير قابلٍ للامتثال.
وكذلك لا يمكن أن يحكم بالوجوب والإباحة؛ لأنَّ معنى الإباحة أن لا يحكم العقل بلزوم الإتيان به وأنَّ له تركه، وهذا يناقض حكم العقل بلزوم الإتيان في الوجوب. فالتضادّ بين الأحكام الخمسة إنَّما ينشأ من المبدأ أو المنتهى، وشيءٌ منها غير ملحوظٍ بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، فالحكمان الواقعيّان لا يجتمعان، والحكمان الظاهريّان لا يجتمعان؛ لما ذكرنا آنفاً. وأمّا الحكمان الواقعي والظاهري فلا مانع من اجتماعهما، فيثبت كلاهما في نفس الأمر حقيقةً، وليس بينهما أي منافاةٍ. أمّا من جهة المبدأ فظاهرٌ؛ فإنَّ الحكم الظاهري لا ينشأ من مصلحةٍ أو مفسدةٍ في المتعلّق، بل ينشأ من مصلحةٍ ومفسدةٍ في نفسه، فهو غير تابعٍ لما في المتعلّق من المصلحة والمفسدة، وإنَّما هو إيجابٌ وتحريمٌ ظاهري دون أن يكون موجباً لاختلافٍ في المتعلّق بلحاظ كونه واجداً لهذه المصلحة أو المفسدة، فلا يتغيّر الحال فيه. وعليه فأصالة الطهارة والإباحة لا تغيّر واقع النجس والغصب، ولا تقلب المصلحة إلى مفسدةٍ، ولا بالعكس.
فقد اتّضح: أنَّ الحكم الظاهري غير ناشئٍ من مصلحةٍ في المتعلّق، وإنَّما من مصلحةٍ في نفسه، كالتسهيل على العباد وعدم العسر عليهم من ناحية الاحتياط، فلا ينشأ من مصلحةٍ في المتعلّق ليكون بينه وبين الحكم الواقعي تنافٍ في الواقع.
فالشيء الواجب الواقعي محكومٌ بالإباحة ظاهراً، لا لأجل أنَّه ليس فيه
ــــــــــ[434]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مصلحةٌ، بل لأنَّ المصلحة تقتضي جعل الإباحة وأن لا يكون المكلّف في عسرٍ وحرجٍ من الاحتياط.
وكذا الحال بلحاظ المنتهى؛ فإنَّه يستحيل أن يصل الحكمان إلى المكلّف معاً، فإذا وصل الحكم الواقعي لا موضوع للظاهري، وإذا وصل الظاهري فالواقعي غير واصلٍ، فيستحيل أن يصلا إلى المكلّف معاً ليقع التنافي بينهما من ناحية الامتثال، بل لا يقع الثاني أصلاً؛ فإنَّ الحكم الواقعي إذا وصل فالظاهري غير ثابتٍ؛ لعدم موضوعه، والظاهري إذا وصل فالواقعي غير ثابتٍ.
إذن، لا يقع بينهما أيّ تنافٍ، وعليه لا مانع من جعل اعتبارين في نفس المولى، فيحكم بأنَّه واجبٌ من ناحية مصلحته، ومع ذلك يحكم بأنَّه مباحٌ، وكلا الأمرين واقعي وله حقيقةٌ. وحيث إنَّهما اعتباران فليس بين الاعتبارين أيّ منافاةٍ. وتفصيل القول في باب الظنّ إن شاء الله تعالى.
إذن، فالحكم بطهارة الشيء ظاهراً لا ينافي الحكم بنجاسته واقعاً، فلا يرفع المولى اليد عن حكمه بالنجاسة. فإذا كان كذلك، فكما أنَّ حكم الشارع بالطهارة يوجب صحّة الصلاة، فكذلك الحكم بالنجاسة يوجب عدم صحّتها. وعليه فالحكم الظاهري بالطهارة يوجب الحكم بالصحّة، والحكم الواقعي يوجب القول بالفساد. لكن اقتضاء هذا الحكم بالصحّة محدودٌ ومختصٌّ بظرف الشكّ؛ فإنَّه مادام شاكّاً كان محكوماً بالطهارة وبالصحّة، فإذا انكشف الخلاف، ينكشف أنَّه كان نجساً في الواقع، وأنَّ حكمه الواقعي هو الفساد.
إذن، حكومة أصالة الطهارة والإباحة على دليل الشرطيّة وإن كانت تامّةً
ــــــــــ[435]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
في محلّها، إلَّا أنَّها حكومةٌ ظاهريّةٌ، يعني: أنَّها تجري في ظرف الشكّ، لا أنَّها حكومةٌ واقعيّةٌ وموجبةٌ لتغيّرٍ في الواقع؛ فإنَّ الصلاة في الواقع باطلةٌ من الأوّل لا من الآن. ولكن مادام الشكّ، كانت صلاة المكلّف محكومةً بالصحّة، فإذا انكشف الخلاف وارتفع الشكّ، تنجّز الواقع بلا مانعٍ.
فالحكومة ظاهريّةٌ لا واقعيّةٌ، وليس هنا تعميمٌ للشرطيّة أبداً، بل الشرطيّة على حالها؛ إذ الحكومة ظاهريّةٌ لا واقعيّةٌ.
نعم، في خصوص الصلاة علمنا بالدليل الخاصّ أنَّها محكومةٌ بالصحّة، واستكشفنا أنَّ النجاسة الواقعيّة غير مانعةٍ من صحّتها، وإنَّما المانع هو النجاسة المنجّزة، وهذا أجنبيٌ عمّا تقتضيه أصالة الطهارة.
إذن، لا فرق في موارد هذين الأصلين والاستصحاب أيضاً وسائر موارد الأحكام الظاهريّة، فلو كانت الطهارة ثابتةً بالبيّنة، وغسلنا به ثوبنا المتنجّس وصلّينا به، ثُمَّ انكشف الخلاف، فالمورد مع أنَّه ناظرٌ إلى الواقع والأمارة متّصفةٌ بالصدق والكذب، لا يجب إعادة الصلاة؛ لأنَّ النجاسة الواقعيّة ليست مانعةً، فليس هذا من خصوصيّات أصالة الطهارة والحلّ، وإنَّما هو من خصوصيّات الصلاة.
بقي الكلام فيما إذا شككنا في أنَّ جعل الحجّيّة هل هي بمعنى الطريقيّة أو على وجه السببيّة، ولم يظهر لنا أنَّ حجّيّة الأمارة هل هي على نحوٍ يوجب تغيّراً في الواقع أو لا يوجب ذلك، فنتردّد بينهما؟ فهل مقتضى الأصل هو القول
ــــــــــ[436]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بالإجزاء أو عدمه، أو يفرّق بين الوقت وخارجه؟
ذكر صاحب (الكفاية) (1): أنّ مقتضى القاعدة في خارج الوقت الإجزاء؛ وذلك لأنَّ الشكّ شكٌ في التكليف، فنشكّ في الأمر بالقضاء ووجوبه بعد الإتيان بالوظيفة الفعليّة في الوقت المردّدة بين أن تكون هي الواقعيّة بناءً على السببيّة، أو الوظيفة الظاهريّة بناءً على الطريقيّة، ومقتضى الأصل هو البراءة من وجوب القضاء.
وما أفاده متينٌ جداً؛ وذلك لأنَّ الأمر بالقضاء إنَّما هو بأمرٍ جديدٍ، وليس تابعاً للأمر الأوّل، ونشكّ بالفوت بالوجدان، فلا نعلم أنَّ الواجب الواقعي فات أو لا؛ لاحتمال أنَّ ما أتينا به هو الواقع بناءً على السببيّة، فإذا احتملنا ذلك، فالشكّ شكّ ٌفي وجوب القضاء، وهو موردٌ لجريان البراءة.
وأمّا بالنسبة إلى الإعادة فقد ذكر(2): أنَّ الأصل هو الاشتغال، وأنَّه لا بُدَّ لنا من الخروج من عهدة التكليف المعلوم؛ فإنَّ التكليف كان ثابتاً لا محالة، ونشكّ أنَّ ما أتينا به هل يفي بالغرض الواقعي أو لا؟ إذن نشكّ في السقوط، وعليه يكون مقتضى الأصل هو الاشتغال؛ فإنّا نعلم بوجود مصلحةٍ ملزمةٍ يجب تداركها، ولا نعلم أنَّ ما أتينا به وافٍ بها أو لا.
ثُمَّ ذكر دفع توهّمٍ حاصله: أنَّه ما المانع من التمسّك باستصحاب عدم
ــــــــــ[437]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 87، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، الموضع الثاني، المقام الثاني.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فعليّة التكليف؟ فإنَّ التكليف الواقعي عند قيام الأمارة على الخلاف لم يكن فعليّاً، بلا فرقٍ بين السببيّة والطريقيّة، فنستصحب عدم فعليّته.
وأجاب: أنَّ هذا الاستصحاب لا يترتّب عليه إيفاء المأتيّ به بالغرض الواقعي، ولا يثبت بالاستصحاب مثله. إذن نشكّ أنَّنا أتينا بما يفي بالمصلحة أو لا. ومقتضى القاعدة هو الاشتغال. هذا ملخّص كلامه(1).
والصحيح في المقام أن يُقال: إنَّ الشكّ تارةً في السببيّة بالمعنى الثالث؛ حيث يشكّ بينها وبين الطريقيّة، وبناءً عليه لا يحتمل الإجزاء على كلا التقديرين؛ فإنَّه لا يكون الإتيان بما تعلّق به الأمر الظاهري مجزياً عن الواقع؛ إذ المفروض أنَّ سلوك الأمارة ليس بمقدارٍ يستلزم فوت الواقع؛ فإنَّ الوقت لازال موجوداً. فعلى كلا التقديرين نلتزم بعدم الإجزاء.
وأمّا بناءً على السببيّة بالمعنيين الأوّل والثاني، فالصحيح أن يُقال: إنَّه بناءً على السببيّة بالمعنى الأوّل -بمعنى: أنَّه ليس هناك واقعٌ أصلاً، وإنَّما الأحكام تجعل على طبق الأمارات- فإنّا وإن قلنا: إنَّه غير معقولٍ؛ إلَّا أنَّه لو تنزّلنا وتردّد الأمر بين جعل الحجّيّة بنحو السببيّة بهذا المعنى وبين الطريقيّة، ففي مثله ليس لنا علمٌ بثبوت حكمٍ واقعي أصلاً غير ما أتينا به.
والوجه فيه: أنَّه على السببيّة فالواجب الواقعي هو ما أتينا به لا غير، فحينئذٍ نشكّ بعد انكشاف الخلاف -وإطلاق انكشاف الخلاف عليه مسامحة بمعنى: تبدّل رأي المجتهد مثلاً- فيدور الأمر بين الطريقيّة فلا يكون مجزياً،
ــــــــــ[438]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وبين السببيّة فيكون مجزياً.
وإذا شكّ أنَّ الواجب هو الظهر أو الجمعة، ودار الأمر بين الطريقيّة فتتعيّن الظهر، أو السببيّة فتتعيّن الجمعة، فعلى السببيّة ليس في الواقع حكمٌ غير ما دلّت عليه الأمارة، وهو وجوب الجمعة، وقد امتثله، فمرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في وجوب صلاة الظهر عليه بعد انكشاف الخلاف؛ إذ المفروض أنَّه ليس لنا علمٌ بحكمٍ قبل هذا، فلا نعلم أنَّه قبل هذا هل كان هناك حكمٌ غير ما أتينا به في الواقع؟ والآن نحتمل أنَّه يجب علينا الآن إقامة الظهر، فجريان البراءة لا مانع منه. فنقول: لا يجب صلاة الظهر في هذا اليوم؛ وذلك لاحتمال الإتيان بالواجب من الأوّل؛ لاحتمال أنَّ الوجوب متعلّقٌ بنظر المجتهد، والمفروض أنَّ المكلّف أتى بتكليفه، ولا يجب عليه في اليوم الواحد صلاتان. فإذا احتملنا أنَّ الواقع هو الجمعة، وقد أتى بها، فيكون الشكّ في وجوب الظهر شكّاً في التكليف، ومقتضاه جريان البراءة.
وقد يتوهّم: أنَّ البراءة غير جاريةٍ؛ للعلم الإجمالي بوجوب إحدى الصلاتين، فكيف يمكن جريان البراءة في الظهر مع أنَّه طرفٌ للعلم الإجمالي، والعلم الإجمالي لا يمكن جريان الأُصول في أطرافه؟!
ولكنّا ذكرنا في بحث البراءة: أنَّ تنجّز العلم الإجمالي متوقّفٌ على معارضة الأُصول في أطرافه، فكلّما كانت المعارضة محفوظةً، كان العلم الإجمالي منجّزاً، وكلّما لم تكن المعارضة محفوظةً وجرى الأصل في أحد الأطراف بلا معارضٍ، لم يكن العلم الإجمالي منجّزاً، ولا مانع من جريان الأصل. والمقام من هذا القبيل؛
ــــــــــ[439]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فإنَّ جريان البراءة في الجمعة لا أثر له، والأصل العملي يحتاج إلى أثرٍ، ولا أثر له، فإذا لم يكن جارياً في صلاة الجمعة، كان جارياً في الظهر بلا معارضٍ.
نعم، قد يتوهّم: أنَّه وإن لم يكن الأصل معارضاً بجريانه في الطرف الآخر، إلَّا أنَّ الاستصحاب الكلّي جارٍ بلا معارضٍ؛ وذلك لأنَّ المكلّف يعلم أنَّه وجب عليه أوّل الظهر شيءٌ، ويتردّد أنَّه صلاة الظهر واقعاً ولم يأتِ بها، أو الجمعة وقد أتى بها؛ فإنَّ الواجب على الطريقيّة هو الظهر، وعلى السببيّة هو الجمعة، فيشك أنَّ الوجوب متعلّقٌ بالجمعة فقد سقط، أو بالظهر فلا زال باقياً، فيجري الاستصحاب من القسم الثاني، أي: دوران أمر الكلّي بين أن يكون مقطوع البقاء ومحتمل الارتفاع أو مقطوع الارتفاع. والمقام من قبيل مقطوع الارتفاع؛ فإنَّ الواجب لو كان هو الجمعة فقد ارتفع، وإذا كان هو الظهر فلا زال التكليف باقياً، فيجري الاستصحاب.
إلَّا أنَّه محلّ مناقشةٍ. والوجه في ذلك: أنَّ الكلّي لا يكون له وجودٌ إلَّا في ضمن فردٍ من أفراده لا محالة، وكلّي الوجوب فردٌ منه موجودٌ في الجمعة، وهذا الفرد قد ارتفع قطعاً، وكلّي الوجوب الذي في ضمن الظهر مرفوعٌ بالأصل، فأين يجري الاستصحاب؟!
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا لا نحتمل بقاء الكلّي بكلّيّته، وإنَّما يبقى لو بقي في ضمن الفرد الزائل قطعاً، أو في فردٍ لم يكن ثابتاً من الأوّل بحكم الاستصحاب. فإذا لم نحتمل بقاء الكلّي بعد العلم بالارتفاع في أحد الفردين وجداناً والشكّ الفرد الآخر، فكيف يجري الاستصحاب؟!
ــــــــــ[440]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
على أنَّ الاستصحاب لو جرى، فهو معارضٌ بالبراءة؛ لأنَّ مقتضى البراءة هو أنَّ المكلّف لا يكلّف بشيءٍ: أمّا صلاة الظهر فهي مشكوكٌ فيها، ولا يحتمل العقاب فيها. وأمّا صلاة الجمعة فلأنَّه أتى بها. فاستصحاب الوجوب إذا لم يثبت وجوب صلاة الظهر، أي: اللازم العقلي، فلا يعارض البراءة. ومع فرض التعارض يتساقطان، فنحكم بعدم قيام حجّةٍ على وجوب الظهر، وهو مجرىً للبراءة: إمّا نقلاً وإمّا عقلاً على تقدير عدم التسليم بالنقل.
فالصحيح: أن نرجع إلى البراءة في القضاء، كما رجعنا إليها في الإعادة.
أما بالنسبة إلى السببية بالمعنى الثاني، أعني: ما لو شككنا في أنَّ جعل الطريقيّة على نحو هذه السببيّة أو على وجه الطريقيّة، بمعنى: أنَّنا نحتمل أنَّ التكاليف الواقعيّة المجعولة في مرحلة الإنشاء مشتركةٌ بين العالم والجاهل، إلَّا أنَّه من المحتمل أن يكون قيام الأمارة على الخلاف لأحد الأعذار الموجبة لرفع الحكم الواقعي: كالعسر والحرج والتقيّة وغيرها. وعليه فنحتمل أنَّ الإتيان بالمأمور به الظاهري موجبٌ لسقوط الواقع، ولم يكن للواقع بقاءً غير الحكم الظاهري، فنشكّ حينئذٍ في لزوم الإتيان بالمأمور به الواقعي بعد الإتيان بالمأمور به الظاهري.
وفي مثل ذلك يختلف الحكم عمّا تقدّم؛ فإنَّه لو كان هنا إطلاقٌ لدليل الحكم الواقعي، فيُؤخذ به؛ إذ الشك في تقييد الحكم الواقعي وعدم الإتيان بمتعلّق الحكم الظاهري، وهو شكٌّ في التقييد لا محالة، أعني: أنَّ الواقع المجعول هل هو مقيّدٌ بعدم قيام الأمارة على الخلاف، كما هو مقيّدٌ بعدم العسر والحرج والتقيّة أو لا؟ فالشكّ شكٌّ في التقييد، فإذا كان هناك إطلاقٌ، فنتمسّك
ــــــــــ[441]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
به، ونثبت عدم التقييد، ولازمه أنَّه يجب الإتيان بمتعلّقه بعد الإتيان بمتعلّق الأمر الظاهري.
وبذلك نثبت أنَّ ما أتى به خارجاً لم يتدارك به مصلحة الواقع، بل المصلحة باقية على حالها، فيجب الإتيان به ثانياً.
وأمّا لو فرضنا أنَّه لا إطلاق في المقام، كما لو كان الدليل لبّيّاً، أو كان لفظيّاً ولكن المولى لم يكن في مقام البيان، فيكون الحال فيه هو الحال فيما إذا تردّد الأمر بين السببيّة بالمعنى الأوّل وبين الطريقيّة، فيجري فيه نفس الكلام السابق، ونتمسّك بأصالة البراءة، ولا مجال للتمسّك بالاشتغال، كما ذكر صاحب (الكفاية) (1)، فلا يجب الإتيان بالمأمور به الذي كان مأموراً به واقعاً بعد الإتيان بمتعلّق الحكم الظاهري.
هذا تمام الكلام في دوران الأمر بين السببيّة والطريقيّة.
بقيت جهتان تعرّض لها صاحب (الكفاية)(2):
منها: أنَّه ذكر: أنَّ محلّ الكلام في المقام -بلحاظ جريان الأحكام الظاهريّة- الإجزاء وعدمه إذا كان انكشاف الخلاف بالنسبة إلى الأجزاء والشرائط، أي: متعلّقات التكليف. فإذا أتينا بصلاةٍ فاقدةٍ لجزءٍ أو شرطٍ بمقتضى الحكم الظاهري، ثُمَّ انكشف أنَّ الحكم الواقعي كان هو التقييد، فيقع
ــــــــــ[442]ــــــــــ
(1) أُنظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 87، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، الموضع الثاني، المقام الثاني.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم: 88.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الكلام في الإجزاء وعدمه.
ومن موارد هذا القسم القصر والتمام، كما لو دلّ دليلٌ على القصر وأتى به المكلّف، ثُمَّ انكشف أنَّ الواقع هو التمام لا الصلاة ركعتين، فيدخل في محلّ البحث؛ لأنَّ المخالفة في متعلّقات التكليف.
وأمّا إذا كانت مخالفة الحكم الظاهري للحكم الواقعي بلحاظ نفس التكليف لا بلحاظ متعلّقه، أي: كان الحكم الواقعي شيئاً وما قامت عليه الأمارة شيئاً آخر، كوجوب شيءٍ آخر مثلاً، دون أن يكون هناك جامعٌ بينهما، كما إذا دلّ الدليل على أنّ الواجب في الواقع هو الدعاء عند رؤية الهلال، ثُمَّ تبدل رأيه، وتبيّن أنَّ هذا الدعاء ليس بواجبٍ، ولكن صلاة الجمعة واجبةٌ، فهذا أجنبيٌ عنه. فلا يقال عنه: إنَّه مجزٍ أو لا؛ فإنَّه ليس بينهما جامعٌ ليكون وافياً بمصلحته أو لا. ولا يفرق الحال في هذا بين الطريقيّة والسببيّة حتّى بالمعنى الأوّل؛ فإنَّه أجنبي عنه. فلنفرض أنَّ قيام الأمارة على وجوب شيءٍ اقتضى وجود مصلحةٍ في ذلك الشيء، ولكن كيف يمكن أن يُقال: إنَّ هذه المصلحة يتدارك بها مصلحة الجمعة الفائتة؟ فإنَّه لا صلة لأحدهما بالآخر، فيخرج عن محلّ الكلام. وإنَّما محلّ الكلام فيما إذا كان انكشاف الخلاف في المتعلّق، أي: في الأجزاء والشرائط.
إلَّا أنَّ ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ الدليل المثبت للحكم الظاهري -أي: ما دلّ على الحكم الواقعي ثُمَّ ظهر خلافه للواقع- قد يكون نظره إلى أنَّ الواجب الواقعي هو كذا، ولا يكون له نظرٌ غير ذلك، بل يبيّن أنَّ
ــــــــــ[443]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كذا واجبٌ من دون أن يكون نافياً لوجوبٍ آخر.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ الدليل الظاهري قد يكون له دلالتان: دلالةٌ مطابقيّةٌ ودلالةٌ التزاميّةٌ، فيثبت وجوب شيءٍ وينفي وجوب شيءٍ آخر، وقد تكون دلالته مطابقيّةً بلا دلالةٍ التزاميّةٍ.
فلو فرضنا أنّ للدليل دلالتين، فلا فرق بين أن ينكشف الخلاف في الأجزاء والشرائط، وبين أن ينكشف في غيرها. فإذا دلّ الدليل على أنَّ السورة ليست جزءاً في الصلاة، فهذا الدليل له دلالتان؛ فإنَّ معناه أنَّ الواجب الواقعي إنَّما هو العمل غير المقيّد بالسورة، وأنَّ المقيّد ليس بواجبٍ، فإذا انكشف الخلاف يجري فيه الكلام المتقدّم؛ فإنَّه بعد كونه وافياً بمصلحة الواقع، يستلزم الإجزاء؛ لأنَّ المصلحة قد تمّ تداركها بهذا الامتثال.
وأمّا في بقية الموارد إذا كان للدليل مثل هذه الدلالة، كما إذا علمنا إجمالاً بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو صلاة الجمعة يقيناً، ولكن لم نحرز أيّهما هو الواجب، وقد دلّ الدليل على أنَّ الواجب هو الدعاء عند رؤية الهلال، فبالدلالة الالتزاميّة ينفى الآخر؛ لأنَّ الواجب واحدٌ على الفرض.
فلو بنينا على السببيّة، فحيث إنَّ هذا الطريق دلّ على أنَّ هذا هو الواجب لا غير، وفرضنا أنَّه مخطئٌ، فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّ مصلحة الواقع قد تمَّ تداركها بهذا؛ فإنَّ سلوك الأمارة قد أوجبت تفويت الواقع.
فإذا كانت للدليل دلالتان: مطابقيّةٌ والتزاميّةٌ، فلا فرق في القول بالإجزاء على السببيّة بين أن يكون انكشاف الخلاف بالنسبة إلى الأجزاء والشرائط وبين
ــــــــــ[444]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
غيرهما؛ لأنَّهما من وادٍ واحدٍ. فلو علمنا أنَّ الواجب إمّا صلاة الجمعة أو قراءة سورة البقرة، ودلّ الدليل على أنَّ الواجب هو قراءة البقرة مثلاً، فبالدلالة الالتزاميّة يدلّ على أنَّ الجمعة ليست بواجبةٍ. فإذا كانت هي الواجبة في الواقع، فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّ مصلحة هذا الواجب قد تمّ تداركها بقراءة سورة البقرة.
وأمّا لو فرض أنَّ الدليل لم تكن فيه دلالتان، بل كانت فيه دلالةٌ واحدةٌ على أنَّ كذا واجبٌ، كما دلّ دليلٌ على أنَّ القصر واجبٌ في سفرٍ معيّنٍ، كسفر أربعة فراسخ غير قاصدٍ للرجوع في يومه، من دون أن يكون له دلالةٌ على أنَّ التمام ليس بواجبٍ، بل قد يكون التمام واجباً في حقّه أيضاً، فلو لم تكن له إلَّا هذه الدلالة، فإنَّ غاية ما يقتضيه القول بالسببيّة هو أن يكون القصر واجداً للملاك الملزم والمصلحة الملزمة، فبأيّ موجبٍ يتدارك مصلحة الواقع به. فإذا انكشف الخلاف، وأنَّ التمام هو الواجب، فيجب الإتيان به؛ فإنَّ مقتضى القول بالسببيّة هو أنَّ الشيء المأتيّ به كان واجداً للمصلحة. وأمّا أنَّ المصلحة قد تمّ تداركها به فيحتاج إلى دليلٍ آخر، والسببيّة لا تفي به؛ إذ لا مانع من ثبوت واجبين في الواقع قصراً وتماماً. فلا فرق إذن بين المقامين.
ومنها: أنَّ القول بالإجزاء يتوقّف على أن يكون الإتيان بالمأمور به الظاهري وافياً بملاك الواقع، وهذا لا معنى له إلَّا القول بالتصويب: بأن يكون هناك تبدّلٌ في الواقع. وقد تقرّر: أنَّه إمّا مستحيلٌ أو على خلاف الإجماع ودلالة الروايات على اشتراك الحكم بين العالم والجاهل. إذن يتعيّن القول بالطريقيّة وانحفاظ مصلحة الواقع. وحيث إنَّه لم يأتِ بما يكون وافياً بها، وقد
ــــــــــ[445]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
انكشف الخلاف، فلا بُدَّ من عدم الإجزاء ولزوم الإتيان بالوقت إن كان وفي خارجه إن فات. وهذا واضحٌ بالنسبة إلى انكشاف الخلاف في الحكم الكلّي الإلهي، كما إذا انكشف بطلان الأمارة الأُولى بالوجدان أو بالتعبّد، ولم نقل بالتصويب.
وأمّا بالنسبة إلى الأمارة في الشبهات الموضوعيّة فليس هنا إجماعٌ ولا أدلّة دالّةٌ على اشتراك التكليف بين العالم والجاهل في الموضوع، كما يحتمل أن يكون للعلم بذلك الموضوع دخلٌ في موضوعيّته وفي ثبوت الحكم له، كما ذهب بعضهم(1) إلى ذلك في باب النجاسات، فقيل: إنَّ المعلوم البوليّة محكومٌ بالنجاسة، لا البول الواقعي. وليس في مثله تصويبٌ، ولم يدلّ دليلٌ على نجاسة واقع البول؛ فإنَّنا بالوجدان نحتمل أنَّ النجاسة ثابتةٌ للبول بعد العلم ببوليّته، وعليه فالبول المشكوك طاهرٌ واقعاً.
نعم، العلم بالنسبة إلى متعلّقه طريقٌ لا محالة، ولا يمكن الالتزام بدخله بنفس المتعلّق؛ فإنَّه طريقٌ إليه، والمفروض أنَّه موضوعٌ للحكم، ولا دخل للعلم في بوليّته؛ فإنَّ البول أمرٌ خارجي قد يُعلم وقد يُجهل، إلَّا أنَّ النجاسة التي هي من الأُمور الاعتباريّة ثابتةٌ لما علم أنَّه بولٌ، لا لذات البول في الخارج.
فإذا لاقى البول المشكوك، ثُمَّ علم أنَّه كان بولاً، فلا مانع من الحكم بطهارته؛ فإنَّه لم يلاقِ النجس، وإنَّما لاقى ما كان طاهراً حين الملاقاة.
ــــــــــ[446]ــــــــــ
(1) لاحظ: محمد حسن بن جعفر الآشتياني، بحر الفوائد 1: 53، والنائيني، أجود التقريرات 2: 375، المقصد السابع، المبحث الرابع، تتميم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فإذا كان موضوع الحكم هو هذا، فهذا أمرٌ محتمل، وعليه لا مانع من الإجزاء في هذه الموارد؛ بدعوى أنَّ الحكم ثابتٌ لما علم أنَّه كذلك، لا للواقع بنفسه.
وما ذُكر بحسب مقام الثبوت وإن كان ممكناً؛ إذ ليس كالتصويب المجمع على بطلانه في الأحكام الكلّيّة الإلهيّة، إلَّا أنَّ إطلاقات الأدلّة تدفع هذا الاحتمال؛ فإنَّ مقتضى إطلاق ما دلّ على نجاسة البول وغيره أنَّ النجاسة ثابتةٌ لذات البول؛ فإنَّ كلمة البول موضوعةٌ للبول الواقعي، وليس العلم مأخوذاً في الموضوع له، فينكشف بمقتضى الإطلاق وعدم التقييد بالعلم أنَّ النجاسة ثابتةٌ في الواقع وغير مقيّدةٍ بالعلم.
إذن، فلا فرق بين الشبهات الحكميّة والموضوعيّة في عدم الإجزاء: أمّا في الحكميّة فمن جهة التصويب والاستحالة والإجماع على الخلاف ومخالفة ظواهر الأدلّة. وأمّا في الشبهات الموضوعيّة فمن جهة إطلاقات الأدلّة التي دلّت على ثبوت الأحكام لموضوعاتها؛ فإنَّها تدلّ على أنَّها ثابتةٌ لموضوعاتها، سواء كان الموضوع معلوماً أو مجهولاً، والتقييد بحاجةٍ إلى دليلٍ.
وحينئذٍ فقد يتوهّم: أنَّ الدليل على التقييد ثابتٌ، وهو أنَّ دليل الحجّيّة يقتضي وجوب العمل على طبق الأمارة، وهو بإطلاقه يشمل موارد الخطأ والإصابة. فإذا أمرنا بوجوب العمل على طبق ما أخبرت به البيّنة، فهو بالإطلاق شامل لما إذا كانت البيّنة موافقةً للواقع ومصيبةً، وما إذا كانت مخطئةً، كما إذا كان هذا الشيء في الواقع بولاً، وأخبرت أنَّه ماءٌ، فدليل الحجّيّة
ــــــــــ[447]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
موجبٌ للعمل بها وترتيب الأثر عليها ولو في حال الخطأ، فيكون مشكوك البوليّة مباحاً واقعاً لا ظاهراً، ويكون الحرام هو ما علم أنَّه بولٌ ومع الشكّ فهو مباحٌ واقعاً.
قد يتوهم: أنَّ مقتضى إطلاق دليل الحجّيّة لحالتي الإصابة والخطأ أنَّ الحكم الواقعي ثابتٌ للموضوع بما هو معلومٌ، وأمّا غير المعلوم فمقتضى إطلاق دليل الحجّيّة أنَّه مباحٌ واقعاً. وهذا الإطلاق وإن كان ثابتاً للأحكام الكلّيّة أيضاً، كحجّيّة خبر الواحد؛ فإنَّ إطلاق دليل حجّيّته يدلّ على وجوب العمل على طبقه في حال الإصابة والخطأ، لكن لا يمكننا الالتزام بذلك في الأمارات المثبتة للأحكام الكلّيّة الإلهيّة؛ فإنَّ لازمه التصويب، وهو باطلٌ البتّة.
وأمّا في الشبهات الموضوعيّة فلا مانع شرعاً ولا عقلاً من أن تكون الحرمة ثابتةً لمعلوم البوليّة مثلاً؛ إذ ليس هاهنا إجماعٌ ولا دليلٌ دالٌ على خلافه، إلَّا إطلاق الدليل الدالّ على الحكم، فنرفع اليد عنه بإطلاق دليل الحجيّة الذي يقتضي اختصاص الحكم بحال العلم.
ويندفع هذا التوهّم أوّلاً: بأنَّه ليس لدينا فيما علمنا من الحجج دليلٌ على الحجّيّة ابتداءً من الشارع؛ فإنَّ الحجج كلّها في الشريعة حججٌ عقلائيّةٌ. غاية الأمر: أنَّ الشارع أمضاها، كما أضاف إليها في بعض الموارد قيداً أو حذف قيداً، فالاختلاف بالتوسعة والتضييق بحسب الموضوع، وإلَّا فليس في الشريعة ما يسمّى بحجّةٍ في الشبهات الموضوعيّة والحكميّة لتكون حجّيّته تأسيسيّةً وابتدائيّةً، وإنَّما هي إمضاءٌ لحجّيّة العقلاء.
ــــــــــ[448]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وعليه، فليس من أدلّة الحجّيّة ما يدلّ على وجوب العمل على طبق الأمارة وجوباً شرعياً؛ إذ من المعلوم أنَّ العقلاء ليس لهم جعل الأحكام في موارد الحجج؛ فإنَّهم بعد أن اعتبروا الحجّيّة للخبر الواحد والإقرار واليد، لم يكن لهم حكمٌ على طبق هذه الحجج، وإنَّما اعتبروه حجّةً وكاشفاً عن الواقع، ما يلزم منه التنجيز عند الإصابة والعذر عند الخطأ. فليس هاهنا حكمٌ حتّى يتمسّك بإطلاقه لموارد الخطأ؛ فإنَّ العقلاء لم يجرِ بنائهم على الحكم، وإنَّما جرى على الكاشفيّة والطريقيّة للحجّيّة، وقد أمضاها الشارع.
إذن، حال الحجّيّة التعبّديّة حال الحجّيّة التكوينيّة المتمثّلة بالقطع. وهل يُحتمل أنَّه إن قطع، كان فيه حكمٌ غير الحكم الواقعي؟! بل القطع طريقٌ إلى الواقع وإن كان قد يصيب وقد يخطأ، وفي هذه الموارد وجد فردٌ من القطع، وهو القطع التعبّدي، وهو حجّةٌ عقلائيّةٌ ممضاةٌ شرعاً.
إذن، ليس هاهنا حكمٌ شرعي ليتمسّك بإطلاقه، فيكون العلم مأخوذاً في موضوع الحكم الشرعي حينئذٍ.
ثانياً: أنَّه لو سلّمنا قيام الدليل على حجّيّة شيءٍ ابتداءً، أي: كانت الحجّيّة تأسيسيّةً لا إمضائيّةً، وأنَّ لازم الحجّيّة جعل الحكم بالعمل على طبقه، لا جعل الكاشفيّة، والتزمنا بالحكم الظاهري، إلَّا أنَّه قد تقدّم أنَّه لا تنافي بين الحكم الظاهري والواقعي ليوجب تأويله بغير هذا الحكم، فقد يكون الواقع محكوماً بالحرمة على الإطلاق، أي: في صورتي العلم والجهل، ويكون في قباله حكمٌ آخر مفاده وجوب العمل على طبق الحجّة، بلا فرقٍ بين صورتي الإصابة والخطأ، فعلى
ــــــــــ[449]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الخطأ يكون وجوب العمل ثابتاً أيضاً، فيكون الحكم الواقعي ثابتاً للموضوع، ويكون الحكم الظاهري المدلول لهذه الحجة ثابتاً في ظرف الشكّ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ هذا العمل محكومٌ بالإباحة والحرمة، إلَّا أنَّ الحرمة واقعيّةٌ والإباحة ظاهريّةٌ، ولا تنافي بين الحكمين؛ فإنّا قد ذكرنا أنَّ الأحكام من قبيل الاعتبارات، لا من قبيل الأعراض الخارجيّة حتّى لا يمكن تحقّقها في موردٍ واحدٍ كما في الجسم الذي لا يتّصف بالسواد والبياض في وقتٍ واحدٍ. أمّا الأمر الذي يكون حلالاً وحراماً فليس بينهما أيّ منافاةٍ؛ لأنَّ الاعتبارين لا منافاة بينهما، وإنَّما التنافي بين المبدأ والمنتهى للحكمين. وقد ذكرنا وسنذكر -إن شاء الله-: أنَّه في موارد الأحكام الظاهريّة والواقعيّة لا تنافي بينهما لا في المبدأ ولا في المنتهى، فلا مانع من اجتماعهما في موردٍ واحدٍ وزمانٍ واحدٍ.
ثُمَّ إنَّ ما ذكرناه إلى هنا في الإجزاء وعدمه لا يختلف الحال فيه بلحاظ رأي المجتهد بالنسبة إلى أعمال نفسه ومقلّديه، أو بلحاظ انتهاء أمد الحجّيّة وقيام حجّيّةٍ ثانيةٍ، كما في موارد تبدّل التقليد بعد موت المجتهد الأوّل. وكلّ ذلك يدخل تحت جامعٍ وضابطٍ واحدٍ، بعدما فرضنا أنَّه رجع إلى المجتهد العادل الحي، وكانت فتواه حجّةً في حقّه. فلو عمل بفتواه، وكان المجتهد الآخر يرى بطلانها، فإذا قلنا بعدم الإجزاء، فلازمه إعادة جميع الأعمال السابقة في الوقت وخارجه.
هذا، لكن يختصّ في باب الصلاة بما إذا كان ترك شيءٍ موجباً لبطلان الصلاة عمداً وسهواً، كما لو رأى المأموم أنَّ صلاة الإمام باطلةٌ غير مجزيةٍ في الواقع، بحيث لو انكشف الخلاف كان عليه الإعادة والقضاء، كما إذا كان الإمام يصلّي
ــــــــــ[450]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
مع التيمّم وكان المأموم يرى أنَّ وظيفته الجبيرة أو الوضوء، نظير ما لو تيمّم الجنب لصلاة الفجر وصلّى وأحدث بالحدث الأصغر، ثُمَّ دخل وقت صلاة الظهر، فهل يجب أن يتيمّم ثانياً، كما ذهب إليه بعضهم(1)، وهو الصحيح؟ أو يُقال: إنَّ عليه أنَّ يتوضّأ؛ لأنَّ التيمم قام مقام الغسل، وهذا محدثٌ بالحدث الأصغر، فيجب أن يتوضّأ، فلو كان رأي الإمام أنَّ الواجب هو الوضوء والمأموم يرى التيمم، فهو يرى أنَّ صلاة الإمام فاقدةٌ للطهور واقعاً، وعليه فكيف يمكنه أن يأتّم بإمامٍ حكم على صلاته بالبطلان، مع أنَّه لا يجوز الائتمام بالصلاة الفاسدة واقعاً؛ بحيث لو انكشف الخلاف للإمام، تجب الإعادة.
وأمّا فيما لا تبطل الصلاة بتركه إلَّا مع العلم والعمد، فلو ترك نسياناً أو جهلاً عن قصورٍ فلا حاجة إلى الإعادة، فلو كان يقلّد من يرى أنَّ التسبيحات الأربع تجب مرّةً واحدةً، وأتى بتسبيحةٍ واحدةٍ، وكان الثاني يرى وجوب الثلاث، فلا تجب الإعادة قطعاً؛ لأنَّ الصلاة لا تعاد إلَّا من خمسٍ. وكذا لو كان المجتهد الأوّل يرى عدم وجوب السورة ولم يأتِ بها المكلّف، وكان الثاني يرى وجوبها، أو كان الأوّل يرى التمام في بعض الموارد، وكان الثاني يرى القصر، فإنَّه لا يحتاج إلى الإعادة والقضاء؛ فإنَّ القصر والتمام في مورد الجهل معذّراً.
وعليه ففي خصوص باب الصلاة لو ترك شيئاً يضرّ بالصلاة فلا فرق فيه بين
ــــــــــ[451]ــــــــــ
(1) أُنظر: محمد باقر السبزواري، ذخيرة المعاد 1: 111، كتاب الطهارة، النظر الرابع، والجواهري، جواهر الكلام 5: 260، كتاب الطهارة، الركن الثالث، الطرف الرابع، والسيد اليزدي، العروة الوثقى 2: 231، كتاب الطهارة، فصل في التيمّم، فصل: في أحكام التيمّم، المسألة 24.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
العلم والجهل. وأمّا إذا كان البطلان مختصّاً بالعامد العالم، فحيث إنَّ الترك كان عن جهلٍ قصوريٍ فلا حاجة إلى الإعادة والقضاء؛ بناءً على ما هو الصحيح عندنا من أنَّ حديث: “لا تعاد” كما يشمل الناسي، يشمل الجاهل أيضاً.
ولكن ذكر شيخنا الأُستاذ(1) -في مسألة تبدّل رأي المجتهد أو الرجوع إلى مجتهدٍ آخر في فرض الموت أو إلى الأعلم-: أنَّ المسائل التي يحدث فيها تبدّل الرأي أو الرجوع من شخصٍ إلى آخر على أنحاءٍ:
منها: ما كان متعلّقه العبادات، وهو كثيرٌ جدّاً، فيقلّد من يرى صحّة عبادةٍ، ثُمَّ يرجع إلى من يرى بطلانها، أو يعدل عمّا بنى عليه ويحكم بالبطلان.
ومنها: ما كان في غير باب العبادات، كما في المعاملات بالمعنى الأعمّ، أي: في سائر أبواب الفقه سوى العبادات، فينقسم إلى قسمين؛ إذ قد يكون الموضوع فيه باقياً بعد تبدّل الرأي، وقد لا يكون باقياً.
وكذلك إذا اشترى داراً من زيدٍ بغير الصيغة العربيّة أو بالمعاطاة، وكانت
ــــــــــ[452]ــــــــــ
(1) أُنظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 251-259، المقصد الأوّل، في مباحث الإجزاء، الجهة الرابعة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الدار على حالها، ثُمَّ تبدّل رأيه وبنى على أنَّ المعاطاة غير مفيدةٍ للملكيّة، فبمقتضى النظر الثاني يكون الدار والثمن ملكاً لمالكهما الأوّل.
أمّا بالنسبة إلى النحو الأوّل فقد ادُّعي الإجماع على الإجزاء، وأنَّه لا يحتاج إلى الإعادة أو القضاء، إذا انكشف الخلاف من جهة تبدّل الرأي أو الرجوع إلى شخصٍ آخر، فلا حاجة إلى الإعادة فضلاً عن القضاء بالنسبة إلى ما مضى. وكذا بالنسبة إلى الصوم والحجّ وسائر العبادات التي أتُي بها على الحجة في زمان النظر الأوّل، ثُمَّ تبدّل النظر وكان العمل محكوماً بالبطلان على النظر الثاني.
أمّا بالنسبة إلى القسمين الآخرين من النحو الثاني المختصّ بباب المعاملات، فالوجه في الأوّل منها -وهو ما كان الموضوع فيه باقياً، كما في الذبيحة والدار الباقية مع بقاء الثمن أيضاً- عدم الإجماع، وأنَّ مقتضى القاعدة عدم الإجزاء، ولازمه رجوع المبيع إلى البائع والثمن إلى المشتري؛ وذلك لعدم تحقّق النقل والانتقال بحسب النظر الثاني.
وأمّا بالنسبة إلى القسم الثاني -أي: المعاملات التي لا يبقى الموضوع فيها، وإن كان له أثرٌ بالفعل، كما إذا اشترى بالمعاطاة أو بالمعاملة مع الصغير بإجازة الولي، وكان يرى جوازهما، ثُمَّ تبدّل رأيه- فهنا تردّد في شمول الإجماع
ــــــــــ[453]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
للإجزاء في هذا القسم وعدم شموله(1).
وما أفاده ممّا لا يمكن المساعدة عليه بوجهٍ.
والوجه في ذلك: أنَّ دعوى الإجماع في أمثال هذه المسائل المستحدثة لا ترجع إلى محصّلٍ؛ فإنَّها من المسائل المستحدثة، وليس لها عينٌ ولا أثرٌ في كلمات الأقدمين ليعلم أنَّهم ذهبوا إلى الإجزاء أو عدمه. وعلى تقدير ذهاب الكلّ إلى الإجزاء في النحو الأوّل فهذا ليس إجماعاً تعبّديّاً؛ إذ لعلّهم يرون حجّيّة الأمارات من باب السببيّة المعقولة أو لوجهٍ آخر، فلا يستكشف من هذا الاتّفاق أنَّ الحكم صدر من المعصوم. بل مثل هذا الإجماع موهونٌ جدّاً؛ فإنَّ الإجماع ما لم ينته إلى المعصوم لا يكون حجّةً؛ فإنَّ رأي غير المعصوم ليس حجّةً على غيره، فالمسألة من المسائل التي لا يمكن عادةً أن ينعقد فيها إجماعٌ كاشفٌ عن قول المعصوم، مع أنَّ القاعدة تقتضي عدم الإجزاء في النحو الأوّل، فضلاً عن الثاني. وأمّا التردّد في دعوى الإجماع فلا محصّل له أيضاً؛ فإنَّ الإجماع دليلٌ لبّي، ومتى ما شكّ فيه ولم يعلم وجوده، فإنَّ مقتضى القاعدة أنَّه لا بُدَّ من الجزم بعدم الإجزاء ما لم يقم على ذلك دليلٌ.
فالمتحصّل ممّا ذكرناه: أنَّ الحكم في جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات بالمعنى الأعمّ والمعنى الأخصّ هو عدم الإجزاء إلَّا أن يثبت الإجزاء بدليلٍ خاصٍّ، كما ورد بالنسبة إلى الأجزاء غير الركنيّة من الصلاة. وأمّا في غير ذلك فلا بُدَّ من الحكم بعدم الإجزاء، وأنَّ كل ما كان باطلاً غير مطابقٍ للواقع
ــــــــــ[454]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بمقتضى النظر الثاني فلا بُدَّ من إعادته في الوقت أو القضاء خارج الوقت.
هذا إذا كانت الأمارة قائمةً على بطلان القول الأوّل. نعم، لو فرضنا أنَّ الأمارة لم تقم على البطلان، وإنَّما كان الحكم بالبطلان من جهة قاعدة الاشتغال، فحينئذٍ لا يحكم بالبطلان؛ لأنَّ القضاء بأمرٍ جديدٍ، ولم يحرز الفوت، فلا حاجة إلى القضاء.
نعم، هاهنا موردٌ واحد استُثني من سائر الموارد، وهو باب النكاح؛ لأنَّنا علمنا بالأدلّة(1) أنَّ النكاح الصحيح عند كلّ طائفةٍ لا بُدَّ من ترتيب الآثار عليه، ولو لم يكن بين المسلمين، فضلاً عن المسلمين من غير الفرقة المحقّة وبعض أقسام هذه الفرقة أيضاً.
فلو جوّز أحدٌ النكاح بالمعاطاة أو بمجرّد إبرازه ولو بغير لفظٍ أو بالمصافحة أو بالكتابة في دفترٍ، كما هو المتعارف في القوانين الوضعيّة، وفرضنا أنَّ الآخر كان يرى بطلان هذا النكاح، فليس له أن يتزوّج بهذه المرأة؛ لأنَّ زواجها كان باطلاً في نظره؛ إذ البطلان بحسب نظره لا يوجب ترتيب آثار البطلان بحيث يجوّز لنفسه الزواج من تلك المرأة، بل مقتضى قوله: “لكلّ قومٍ نكاحٌ”(2) أنَّ النكاح ماضٍ نافذٌ حتّى بالنسبة إلى الغير، فلا يجوز الزواج
ــــــــــ[455ــــــــــ
(1) راجع: الفيض الكاشاني، الوافي21: 293، الروايات الواردة في باب أنَّ لكلِّ قومٍ نكاحاً.
(2) الطوسي، تهذيب الأحكام: 7: 472، كتاب النكاح، الباب 41 الحديث 99، والفيض الكاشاني، الوافي 21: 294، كتاب النكاح والطلاق والولادات، أبواب بدء النكاح والحثّ عليه… باب أنَّ لكل قومٍ نكاحاً، الحديث 3.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بامرأةٍ في حبالة زوجٍ يعتبر نكاحها باطلاً في نظره.
وكذا لو كان الزوج يعتقد بصحّة العقد والولد يعتقد ببطلانه، فليس للولد أن يمنعها من الإرث؛ فإنَّه بعد أن فرض أنَّ الزوج يرى صحّة العقد، يترتّب عليه جميع آثار الزوجيّة، ومنها الإرث.
فقد اتّضح استثناء باب النكاح ممّا ذكرناه من أنَّ الحكم الظاهري لا يكون حجّةً بعد زواله، غاية الأمر في هذه الموارد لا يكون حجّةً بالنسبة إلى شخصٍ آخر، أي: إنَّ الحكم الظاهري بلحاظ شخصٍ لا يكون له أثرٌ بالنسبة إلى شخصٍ آخر إلَّا في باب النكاح. فلو كان يرى أحدٌ عدم شرطيّة الحديد في الذبح، لا يجوز لمن يرى الاشتراط أن يأكل منها؛ لأنَّه يرى أنَّها لم تذبح على الموازين الشرعيّة، فهي غير مذكّاةٍ، ولا يجوز أكل غير المذكّى، فلا يكون الحكم الظاهري النافذ في حقّ شخصٍ نافذاً في حقّ شخصٍ آخر. وكذا لو كان يرى حصول الطهارة بالغسل مرّةً واحدةً، إذ من يرى التعدّد ليس له ترتيب آثار الطهارة عليه؛ باعتبار أنَّ صاحبه يرى طهارته. وعليه فكلّ مكلّفٍ محكومٌ بما يراه من وظيفته الشرعيّة، وليس هاهنا ما يقتضي ترتّب الآثار بنظر شخصٍ آخر لا يرى ذلك. والمستثنى من ذلك باب النكاح؛ فإنَّه ليس الأمر فيه كذلك، فإذا تعلّق نظر الشخص بحلّيّة هذا الزواج، فهو نافذٌ في حقّ الجميع، حتّى في حقّ من يرى بطلانه، ولابدَّ من ترتيب الأثر عليه؛ لأنَّه “لكلّ قومٍ نكاحٌ”.
وأمّا بالنسبة إلى الطلاق من شخصٍ ونفوذه على الشخص الآخر فليس حاله حال النكاح؛ فإنَّ الدليل هنا قاعدة الإلزام، أي “مَن كان يدين بدين قومٍ،
ــــــــــ[456]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لزمته أحكامهم”(1)، وهي مختصّةٌ بالمذاهب والأديان، ولا تجري في المجتهدَين أو المقلّدَين أو المجتهد والمقلّد عند اختلاف النظر.
فلو طلق شخصٌ زوجته طلاقاً فاقداً للشرائط عندنا -سواء كان قاصراً أو مقصراً- وقد استقرّ مذهبه على صحّة الطلاق، كما لو لم يكن يرى لزوم وجود الشاهدين ولا الصيغة الخاصة، فمقتضى قولهم: “مَن كان يدين بدين قومٍ، لزمته أحكامهم” أو “ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم”(2) الحكم بصحّة هذا الطلاق وترتيب الأثر عليه، فيجوز للشيعي أن يتزوّج هذه المرأة، مع أنَّ طلاقها باطلٌ عنده.
وأمّا لو فرض أنّ شخصاً منّا طلّق طلاقاً يراه الآخر باطلاً، كما عند الاختلاف في بعض الشرائط مثلاً، فاعتبر بعضهم الصيغة الخاصّة، كما هو المعروف، كما لو كان المعتبر لفظ (طالق)، وكان الآخر يرى صحّة الطلاق بألفاظ الكناية، كأن يقول الزوج لزوجته: (اعتدّي)، كما ذهب إليه شرذمةٌ
ــــــــــ[457]ــــــــــ
(1) الشيخ الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه 3: 407، باب ما أحلّ الله عزّ وجلّ من النكاح وما حرّم منه، الحديث 4421، والحر العاملي، وسائل الشيعة 22: 74، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته وشرائطه، الباب 30، الحديث 10.
(2) الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام 8: 58، كتاب الطلاق، الباب 3، الحديث 109، والاستبصار 3: 292، كتاب الطلاق، أبواب الطلاق، الباب 170، الحديث 5، والحر العاملي، وسائل الشيعة 22: 73، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته وشرائطه، الباب 30، الحديث 5.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
قليلةٌ، فلو فرض أنَّ الزوج يرى صحّة الطلاق بقوله: (اعتدّي) وكان الآخر يرى عدم صحّته، فلا يمكنه أن يتزوّج بها، بعد ما يرى أنَّه غير نافذٍ شرعاً؛ إذ لا دليل على نفوذ الحكم الظاهري الثابت للبعض في حقّ الآخرين.
وهكذا الكلام في الشبهة الموضوعيّة، فلو طلّق بشهادة رجلين عادلين بالاستصحاب، ولكن كان الشخص الآخر قاطعاً بفسقهما، ويرى أنَّ الطلاق غير واجدٍ للشرط، فليس له أن يرتّب آثاره، ويتزوّج المرأة؛ فإنَّ الحكم الظاهري المتمثّل بالاستصحاب الجاري في حقّ الزوج غير نافذٍ في حقّ الآخرين؛ إذ لا دليل على النفوذ ومقتضى إطلاق الدليل عدم ترتّب الأثر عليه؛ لعدم تحقّق الشرط، أعني: شهادة عادلين.
وأمّا بالنسبة إلى بقيّة الموارد فليس هنا دليلٌ على النفوذ، فلو فرضنا أنَّه اشترى مالاً على طبق الشرائط عنده، ولكن كان الآخر يرى بطلانه، كما إذا اشترى من الصبي وكان يرى جواز البيع من الصبي بإذن الولي، وكان الآخر لا يرى صحّته حتّى مع الإجازة، فهو يرى أنَّ المال لم ينتقل إليه، فكيف يجوز له التصرّف فيه؟!
ولو بنى على أنّ الحبوة للولد الأكبر، وكان الآخر يرى أنَّها غير مختصّة به، وإنَّما هي مشتركةٌ بين جميع الورثة، فليس له أن يتصرّف في هذا المال؛ باعتبار أنَّ الحكم الظاهري بالنسبة إلى من بيده المال هو جواز التصرّف.
وكذا الحال في الشبهة الموضوعيّة، فيما لو اشترى من أحدٍ باستصحاب أنَّه ماله، ولكن كان الآخر يعلم أنَّه ليس له وأنَّه قد باعه وبقي المال لديه أمانة،
ــــــــــ[458]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
فالاستصحاب جارٍ في حقّ المشتري، ويجوز له الشراء بمقتضى الحكم الظاهري، ولا يكون نافذاً في حقّ الغير.
والكلام هو الكلام في جميع أبواب الفقه؛ وذلك للإطلاق؛ فإنَّ مجرّد قيام الطريق لدى شخصٍ على خلاف الواقع لا يوجب النفوذ إلَّا في حقّ من قام عنده الطريق، لا بالنسبة إلى غيره.
ولكن قد يُقال: إنَّ الحكم الظاهري في الطهارة والنجاسة نافذٌ في حقّ الآخرين؛ وذلك لقيام السيرة عليه؛ لأنّا نرى أنَّ الناس العامّة خاصّةً يبنون على طهارة كثيرٍ من الأشياء التي نراها نجسةً، ولا يرون من شرائط التطهير ما نراه، مع أنَّ الأئمّة كانوا يعاشرونهم ويخالطونهم، وكذلك المتشرعة مع اختلاف النظر. ولو لم يكن الحكم الظاهري بالنسبة إلى شخص نافذاً في حقّ الغير، للزم العسر والحرج، وللزم الاجتناب عن جميع الناس والمايعات، وهذا ينافي الشريعة السهلة السمحاء، ويوقع الناس في الحرج العظيم.
ولكن هذه الدعوى لا ترجع إلى محصّلٍ؛ وذلك لأنَّ هذه الموارد -أي: موارد الابتلاء بالنجاسات- كثيرةٌ جدّاً، وغير مختصةٍ في موارد جريان الأحكام الظاهريّة، فإنا نعلم يقيناً أنَّ الكثير منهم لا يجتنب النجاسات وليس عندهم حكمٌ ظاهري، بل يتهاونون بالدين ولو كانوا من الشيعة، فمع ذلك لا يجب اجتنابهم، وليس هذا مبنيّاً على نفوذ الحكم الظاهري لشخصٍ في حقّ الآخرين، بل هو مبنيٌ على أحد أُمور ثلاثة:
ــــــــــ[459]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
إلَّا أنَّه ذكر في آخر كلامه: أنَّه لا يتجّرأ على القول بالطهارة، وأنَّه لو كان أحد مشائخه مفتياً بها لأفتى بها كذلك(2).
ــــــــــ[460]ــــــــــ
(1) أُنظر: الهمداني، مصباح الفقيه 8: 21-22، الركن الرابع، القول في أحكام النجاسات.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم 8: 33-34.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
كلّ يوم مرّةً أو مرّتين أو خمس مرّات؛ فالنجاسة والطهارة يتبادلان، فكما نعلم بالنجاسة نعلم بالطهارة، وليس عندنا علمٌ بتأخّر النجاسة، فاستصحاب النجاسة يسقط؛ إمّا لعدم جريانه، كما ذهب إليه صاحب (الكفاية)(1) أو للمعارضة(2)، على ما هو الصحيح.
إذن، لا يلزم أن يكون الحكم الظاهري الجاري في حقّ أحدٍ نافذاً في حقّ الآخرين، بحيث لو رأينا أنَّ زيداً غسل بالماء القليل مرّةً، ونحن نرى الثلاث، لا يجوز لنا مباشرته، بل يكون محكوماً بالنجاسة.
فالصحيح أنَّ هذا لم يثبت في موارد الطهارة والنجاسة أيضاً، كما لم يثبت في غيرها في الموارد.
هذا تمام الكلام في الإجزاء، ويقع الكلام حينئذٍ في مقدّمة الواجب إن شاء الله تعالى.
ــــــــــ[461]ــــــــــ
(1) راجع: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول:421-422.
(2) راجع: العراقي، نهاية الأفكار 4 ق2: 115.
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ــــــــــ[463]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
– مؤسّسة البعثة، الناشر: دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع – قم، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1414هـ.
ــــــــــ[464]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ــــــــــ[465]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وتعليق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، الناشر: دار الكتب الإسلاميّة – طهران، المطبعة: خورشيد، الطبعة: الثالثة، سنة الطبع: 1364 ش.
ــــــــــ[465]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران، المطبعة: خورشيد، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1365 ش.
ــــــــــ[466]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ــــــــــ[467]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ــــــــــ[468]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ــــــــــ[469]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ــــــــــ[470]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الطبع: محرم الحرام – 1395.
ــــــــــــ[471]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
البيت عليهم السلام، مكان الطبع: قم، الطبعة: الأولى، تاريخ الطبع: 1408 هـ.
ــــــــــ[472]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
تقريرات: أبو القاسم كلانتري، الناشر: المجمع الإسلامي، قم، الطبعة: الثانية، تاريخ الطبع: 1425هـ.
ــــــــــ[473]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
ــــــــــ[474]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
المدرسين في الحوزة العلميّة بقم، مكان الطبع: قم، سنة الطبع: 1405هـ – 1364 ش.
ــــــــــ[475]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
لإحياء التراث بقم المشرفة، المطبعة: مهر – قم، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1414هـ.
ــــــــــ[476]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
[مقدمة] 13
[الجهة الأُولى: في المراد من المشتق في المقام] 13
الجهة الثانية: النزاع في وضع الهيئات 28
الجهة الثالثة: وقوع النزاع في اسم الزمان 36
الجهة الرابعة: حول مدلول الفعل في الكلام 43
استنتاجٌ واستدراكٌ 51
الجهة الخامسة: اختلاف المبادئ واختلاف الدلالات 52
الجهة السادسة: في المراد من الحال في المقام 60
الجهة السابعة: في ما هو الأصل في المقام 62
الكلام بحسب مقام الثبوت والإثبات 73
مناقشة القول بالبساطة والتركيب 79
حول الوضع للمتلبّس خاصّةً 88
حول الوضع للأعمّ 88
تنبيهات 108
ــــــــــ[477]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
التنبيه الأوّل: في بساطة المفاهيم الاشتقاقيّة وتركّبها 108
كلام السيّد الشريف في المقام 114
كلام مع الميرزا النائيني 117
تحرير مقالة صاحب الفصول ونقدها 126
التأمّل فيما ذكره صاحب الكفاية 129
تزييف كلام الميرزا النائيني 130
تحرير كلام المحقّق الأصفهاني 141
التنبيه الثاني: حول تغاير المبدأ والذات 154
حول مغايرة الصفات للذات الإلهيّة 156
استعمالات المشتق في غير المتلبس والمنقضي 162
المقصد الأوّل: في الأوامر 165
الفصل الأول: في مادّة الأمر 169
الجهة الأُولى: في مفهوم هذا اللفظ لغةً واصطلاحاً 169
الجهة الثانية: في اعتبار العلو في معنى الأمر 175
الجهة الثالثة: في دلالة الأمر على الوجوب وعدمه 176
الجهة الرابعة: الكلام في الطلب والإرادة ويقع الكلام في أمور 179
أدلة القائلين بمغايرة الكلام النفسي للكلام اللفظي 191
الكلام حول الأفعال الاختيارية 199
ــــــــــ[478]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
بسط الكلام في دعوى الجبر 202
جواب أبي الحسن الاشعري في المقام ونقده 213
جواب الباقلاني في المقام ونقده 215
جواب الأشاعرة في المقام ونقده 220
جواب صاحب الكفاية في المقام ونقده 224
الفصل الثاني: في صيغة الأمر ونحوها 251
الجهة الأُولى: معاني صيغة الأمر 251
الجهة الثانية: في كون الصيغة حقيقةً في الوجوب أو الندب 255
الجهة الثالثة: في ما هو ظاهر الجملة الخبرية في مقام الطلب 263
تذنيبٌ 269
الجهة الرابعة: حول اقتضاء إطلاق صيغة الوجوب للتعبّدي أو التوصلي 271
المقدمة الأُولى: بيان الفرق بين الواجب التعبّدي والواجب التوصّلي 271
المقدّمة الثانية: حول سقوط الغرض بمجرّد حصول الواجب 273
المقدّمة الثالثة: حول تأسيس الأصل في حال الدوران بين التعبّديّة والتوصّليّة 288
حول الأصل اللفظي في المقام 289
تفصيل الكلام في المقام الأوّل 291
وجوه استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّقه 301
ــــــــــ[479]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
تفصيل الكلام في المقام الثاني 306
الإطلاق في عالم الثبوت 306
الإطلاق في عالم الإثبات 308
حول أخذ سائر الدواعي في متعلّق الأمر 318
تحرير كلام الميرزا النائيني 328
جواب صاحب الكفاية في المقام 330
حول دعوى اقتضاء الإطلاق التعبّديّة 331
حول مقتضى الأصل العملي في المقام 340
دعوى صاحب الكفاية أصالة الاشتغال ونقدها 341
الجهة الخامسة: حول دلالة الصيغة على النفسية والتعيينية والعينية 346
الشكّ في النفسيّة والغيريّة 346
تأسيس الأصل اللفظي في المقام 348
الشكّ في التعيين والتخيير 350
دوران الأمر بين الوجوب العيني والكفائي 353
الجهة السادسة: حول ظهور الأمر بعد الحظر أو توهمه 356
الجهة السابعة: دلالة الأمر على المرة أو التكرار 359
في ما هو مقتضى الأصل العملي 362
فقه الروايات الواردة في المقام 364
ــــــــــ[480]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الجهة الثامنة: حول الواجب الموسع والمضيق أو الفور والتراخي 366
حول دلالة بعض الآيات على الفور 370
الفصل الثالث: الكلام في الإجزاء 375
معنى الاقتضاء 377
معنى الإجزاء 379
الميز بين مسألة الإجزاء ومسألة المرّة والتكرار 380
الفارق بين القول بالإجزاء والقول بتبعيّة القضاء للأداء 380
الموضع الأوّل: حول إجزاء الإتيان بالمأمور به عن التعبّد به ثانياً 381
الموضع الثاني: وفيه مسائل 382
تفصيل الكلام في المسائل الاربع 384
المسألة الأُولى: في إجزاء امتثال الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي في الوقت 384
المسألة الثانية: إجزاء الإتيان بالأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي خارج الوقت 391
جهات في المسألتين السابقتين 395
حول جواز البدار وعدمه 399
المسألة الثالثة والرابعة: إجزاء الإتيان بالأمر الظاهري عن الواقعي مع انكشاف الخلاف مطلقاً 404
ــــــــــ[382]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج2
الكلام على القول بالطريقيّة 409
حول الانكشاف بالعلم الوجداني 409
حول الانكشاف بالأمارة 410
الكلام على القول بالسببيّة 413
السببيّة عند الأشاعرة 414
السببيّة عند المعتزلة 415
السببيّة عند العدليّة 417
تحرير كلام صاحب الكفاية 426
التأمّل في كلام المحقّق الخراساني 430
الشك في الحجية هل هو بنحو الطريقية أم السببية 436
فهرس المصادر 463
فهرس المحتويات 477