الجزء الثالث
261
ص44 الصدر، محمد.
تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج3 (432ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1737/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1737) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
3-13-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
تقريرات في
علم أصول الفقه
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الثالث
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الكلام في: مقدمة الواجب
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا خارجٌ عن البحث الأصوليّ؛ وليس للأصوليّ أن يبحث في صحّة إسنادٍ مجازيّ أو عدم صحّته، فلا يُمكن أن يكون هذا الوجه محلّاً للنزاع في المقام.
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فيكون المتحقّق من الآمر وجوبين: الأوّل: وجوبٌ نفسيٌّ، والآخر: غيريّ ترشّح من الوجوب الأوّل.
هذا المعنى لا يُمكن أن يكون مورداً للبحث وللنفي والإثبات؛ إذ من الضروريّ أنَّه كثيراً ما يأمر الإنسان بشيءٍ وهو غافلٌ عن توقّفه على شيءٍ آخر، ومع الغفلة عن المقدّميّة كيف يُقال: إنَّ الآمر أحدث وجوبين: أحدهما: متعلّقٌ بذي المقدّمة، والآخر: متعلّقٌ بالمقدّمة؟!
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ محلّ البحث في المقام هو الوجوب الذي هو أمرٌ اختياريٌّ صادرٌ من المولى والآمر، ولا بدّ من الالتفات إلى الفعل الاختياري لدى صدوره، ويستحيل أن يصدر فعلٌ اختياريٌّ دون التفات.
فإذا فرضنا أنَّ الآمر غافلٌ عن المقدّمة وعن توقّف ذيها عليها، فكيف يُمكن أن يُقال: إنَّه أوجب وجوبين: أحدهما: متعلّقٌ بذي المقدّمة، والآخر: متعلّق بها؟!
وهو المعقول في المقام، فيقع البحث في ثبوت وجوبٍ غيريٍّ ترشّحيٍّ ارتكازيٍّ، بمعنى: أنَّ مَن أوجب شيئاً، أوجب ما يتوقّف عليه بالارتكاز وإن لم يلتفت إليه تفصيلاً؛ فهو كما يأمر بذي المقدّمة، كذلك -بارتكازه- يأمر بمقدّمته وإن لم يكن هناك التفاتٌ تفصيليٌّ إلى المقدّمة والتوقّف، وهذا أمرٌ معقول.
فيقع البحث في أنَّ وجوب شيءٍ: هل يستلزم ارتكازاً وجوب مقدّمته
ــــــــــ[12]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فيتعلّق بها وجوبٌ غيريٌّ ارتكازيٌّ ولو كان الآمر غيرَ ملتفتٍ إليه، وأنَّ لازم ذلك توجّه الطلب إلى شيءٍ أن يتوجّه إلى مقدّمته وإن لم يلتفت إليه الآمر؟
إذن المبحوث عنه في المقام أنَّه: هل في المقام وجوبٌ آخر غير الوجوب النفسيّ؟ أم ليس هاهنا إلَّا وجوبٌ واحدٌ متعلّقٌ بذي المقدّمة، والمقدّمة إنَّما تجب لأجل حكم العقل بوجوب الامتثال؛ حيث لا يتحقّق الامتثال إلَّا به؟
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
قد يُقال(1): إنَّ هذه المسألة خارجةٌ عن مسائل العلوم بأجمعها، وداخلةٌ في المبادئ الأحكاميّة، وقد تقدّم(2) أنَّنا لا نعقل للمبادئ الأحكاميّة معنى محصّل؛ فإنَّ المبدأ إمّا تصوّريٌّ أو تصديقيٌّ، والمبادئ التصوّرية يُراد بها تصوّر الموضوع والمحمول والنسبة بينهما في القضايا.
فإذا بحثنا عن دلالة الأمر على الوجوب، فإنَّه لا بُدَّ من أن نتصوّر الوجوب ونتصوّر الأمر والنسبة بينهما، وقد يكون الموضوع في حاجةٍ إلى شرح، فلا يُعلم ما هو موضوع البحث فيُشرح، فيكون من مبادئ البحث التصوّريّة.
ــــــــــ[14]ــــــــــ
(1) انظر: البهائي، زبدة الأصول: 155، المنهج الأول في المقدّمات، المطلب الثالث في المبادئ الأحكامية، فصل: في ما يتوقّف الواجب عليه، وانظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 197-198، القول في مقدّمة الواجب، هداية: هل المسألة فرعيّة أم أصوليّة، وهل هي عقليّة أم من مباحث الألفاظ؟ وكذلك الأصفهاني، نهاية الدراية 2: 7، فصل: مقدّمة الواجب، في أنَّ المسألة عقليّة أم لفظيّة؟
(2) راجع الجزء الأوّل من هذا الكتاب: 80-84، الناحية الأُولى: في ما تمتاز به مسائل علم الأُصول عن مسائل علم الفقه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وأمّا المبادئ التصديقيّة فهي القضايا التي تُستعمل في البرهان والاستدلال على مسألةٍ لإثبات شيءٍ لشيءٍ أو نفيه عنه؛ فإنَّ القضايا في العلوم ليست بديهيّةً، وإنَّما هي نظريّةٌ تحتاج إلى الاستدلال، لا بُدَّ من دليلٍ يدلّ عليها يسمّى بالبرهان، فكلّ قضيّةٍ وقعت في طريق البرهنة والاستدلال تُعدّ من المبادئ التصديقيّة.
وقد ذكرنا: أنَّ المسائل الأصوليّة بالنسبة إلى المسائل الفقهيّة من المبادئ التصديقيّة، أي: تقع جزءاً من البرهان على الحكم الشرعيّ. ولا نتصوّر شيئاً آخر غير هذين المبدأين -أعني: التصوّريّ والتصديقيّ- نسمّيه بالمبادئ الأحكاميّة في مقابلهما. فهذه مسألة أصوليّة، إلَّا أنَّها مبدأٌ تصديقيٌّ للمسائل الفقهيّة.
وقد يُتوهّم: أنَّ هذه المسألة من المسائل الكلاميّة، إلَّا أنَّ هذا التوهّم واضح الفساد؛ إذ ليس كلّ مسألةٍ عقليّةٍ من المسائل الكلاميّة؛ فإنَّ المسألة الكلاميّة هي التي يقع البحث فيها عن المبدأ والمعاد، فيمكن أن تكون المسألة عقليّةً ولا تكون كلاميّةً، وبحث مقدّمة الواجب من هذا القبيل.
وقد يُقال(1): إنَّها من المسائل الفقهيّة، كما يُفهم من كلمات بعضهم؛ حيث إنَّهم عنونوا البحث بوجوب المقدّمة وأنَّ ما لا يتمّ الواجب إلَّا به: هل هو واجبٌ أم لا؟
ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) انظر: حسن بن زين الدين، معالم الدين وملاذ المجتهدين: 60-62.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فيكون البحث هنا فقهيّاً؛ ذلك أنَّ علم الفقه هو العلم المتكفّل بالبحث عن الأحكام الشرعيّة الثابتة لموضوعاتها، وقد وقع البحث هنا عن حكم شرعيّ، وهو وجوب المقدّمة.
وأفاد شيخنا الأُستاذ(1): أنَّ المبحوث عنه في المقام وإن كان هو الوجوب، ولكن مع ذلك لا يكون البحث فقهيّاً؛ فإنَّ المباحث الفقهيّة قد تكفّلت ببيان الأحكام الثابتة لموضوعاتٍ خاصّةٍ -كالصلاة والزكاة وشرب الخمر- إيجاباً وإباحةً وتحريماً وصحّة وفساداً، فالمسائل الفقهيّة هي المسائل المتكفّلة بالبحث عن الأحكام الشرعيّة الثابتة لموضوعاتٍ خاصّةٍ.
ومن الواضح: أنَّ مقدّمة الواجب بهذا العنوان ليست من الموضوعات الخاصّة؛ فإنَّ المقدّمة تختلف والواجب يختلف أيضاً، فقد يكون الواجب هو الصلاة ومقدّمته الوضوء، وقد يكون الواجب هو الصوم ومقدّمته السحور، وقد يكون الواجب هو الحجّ ومقدّمته المشي أو ركوب الدابّة، فمقدّمة الواجب ليست عنواناً لفعلٍ خاصٍّ وموضوعٍ مخصوصٍ حتّى يُتكلّم عن وجوبه وعدمه، بل هي عنوانٌ يدخل تحته مواضيع كثيرة. فعلى تقدير أنَّ المبحوث عنه هو الوجوب، فلا تكون المسألة من المسائل الفقهيّة، بل تدخل في المسائل الأصوليّة.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 212-213، المقصد الأوّل، الفصل الثامن.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ولكن ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ ليس في الفقه التزامٌ بالبحث عن ثبوت الأحكام الشرعيّة لموضوعات خاصّة؛ فإنَّ الفقه هو العلم الباحث عن الأحكام الشرعيّة الثابتة لأفعال المكلّفين، ولا يُعتبر فيه أن يكون باحثاً عن موضوعٍ خاصٍّ، بل البحث فيه عن كلّ ما يقع وظيفةً للمكلّف، فيُبحث فيه عن وجوب إطاعة أمر الوالد، وهو يختلف؛ إذ قد يأمر الوالد بالزيارة أو الكتابة أو المطالعة، وليس لها موضوعٌ خاصٌّ يُبحث عن حكمه، وإنَّما يُبحث عن وجوب إطاعة الوالد أو الزوج أو العبد لمولاه، وهذا البحث بحثٌ فقهيٌّ، وليس الموضوع فيه أمراً معيّناً مشخّصاً، بل هو عنوانٌ كلّيٌّ ينطبق على كثيرٍ من الموارد، كما هو الحال في مقدّمة الواجب.
كما أنَّ من المباحث الفقهيّة مسائل العهد والنذر واليمين؛ إذ يُبحث فيها عن وجوب الوفاء بها، مع أنَّ النذر قد يتعلّق بالصلاة أو بالصيام أو بأمرٍ آخر راجحٍ، ومع ذلك يقع البحث عنه في الفقه، بل أفرد له الفقهاء كتاباً خاصّاً به.
وكذا الكلام في وجوب الوفاء بالشرط في ضمن العقد؛ إذ ذكروا أنَّه واجبٌ؛ بمقتضى الأمر به، مع أنَّ الشرط يختلف باختلاف متعلّقه، على اختلاف العقود والأشخاص.
وذلك كلّه من المباحث الفقهيّة، مع أنَّ الموضوع فيها ليس أمراً مشخّصاً وخاصّاً، فلا يُعتبر في البحث الفقهيّ البحث عن أمرٍ خاصٍّ.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والصحيح في المقام: أنَّ البحث ليس عن الوجوب، بل هو عن الملازمة بين الحكمين، أي: بين طلب شيءٍ وطلب مقدّمته، بلا فرق بين أن يكون الطلب وجوبيّاً أو استحبابيّاً، فحتىّ لو لم يكن الطلب وجوبيّاً، يقع الكلام في الملازمة بين استحباب الشيء واستحباب مقدّمته، وهل يترشّح عليها منه وجوبٌ غيريٌّ ارتكازي استحبابيّ؟
لا يختصّ الكلام بالوجوب وإن كان كلام صاحب (المعالم)(1) وغيره(2) ربّما يُشعر بذلك.
بل الكلام في أنَّ طلب الشيء هل يستلزم طلب مقدّمته؟ ولنعبّر عنه بالأمر الجامع بين الوجوب والاستحباب ونقول: إنَّ الأمر بالشيء هل يستلزم الأمر بمقدّمته؟ وهل هناك ملازمةٌ بين الأمرين، سواءٌ كان الأمر وجوبيّاً أو لا؟ فالبحث هنا عن الملازمة، وعلى ذلك فلا يكون البحث بحثاً فقهيّاً وإنَّما هو بحثٌ أصوليٌّ.
نعم، قد يترتّب عليه ثمرةٌ فقهيّةٌ، وهي: أنَّنا إذا أثبتنا الملازمة بين طلب شيءٍ وطلب مقدّمته، وثبت طلب المقدّمة بدليلٍ شرعيّ آخر، تكون هذه
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) انظر: حسن بن زين الدين، معالم الدين: 60-62، المطلب الثاني، البحث الأوّل.
(2) انظر: محمّد تقي الأصفهانيّ، هداية المسترشدين 2: 84، المطلب الثاني، البحث الأوّل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
صغرى لتلك الكبرى، ونستنتج من ضمّهما: استحباب المقدّمة إذا كان الطلب استحبابيّاً، ووجوبها إذا كان الطلب وجوبيّاً.
وعليه، فالبحث في المقام عقليٌّ غير مستقلٍّ، أي: ليس من المستقلّات العقليّة كباب التحسين والتقبيح العقليّين، بل هو بحثٌ عقليٌّ غير مستقلٍّ، أي: أنَّه لا بُدَّ لاستنتاج الحكم الشرعي منه من ضمّ مقدّمةٍ شرعيّةٍ إليه لكي يتمّ الاستنتاج، وإلَّا فمجرّد كبرى الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته ليس لها أيّ أثرٍ في إثبات الحكم الشرعي، بل إذا حكم الشارع بوجوب شيءٍ، فإنَّه ينطبق عليه حكم العقل بالملازمة، ويستنتج منه تعلّق الطلب بالمقدّمة.
فقد تبيّن: أنَّ هذه المسألة مسألةٌ أُصوليّةٌ عقليّةٌ غير مستقلّةٍ.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
تنقسم مقدّمة الواجب إلى مقدّمةٍ داخليّةٍ بالمعنى الأخصّ، وإلى مقدّمةٍ خارجيّةٍ بالمعنى الأخصّ، وإلى داخليّةٍ وخارجيّةٍ بالمعنى الأعمّ.
والوجه في هذا التقسيم هو: أنَّ المقدّمة تارةً يكون الواجب بالإضافة إليها على نحوٍ يكون كلٌّ من القيد والتقيّد داخلاً في المأمور به، ويُعبّر عنه بالجزء وبالمقدّمة الداخليّة بالمعنى الأخصّ؛ فإنَّ وجود المركّب في الخارج عبارةٌ أُخرى عن وجود أجزائه لا محالة؛ إذ المركّب ليس له وجودٌ متمايزٌ عن وجود أجزائه، وإنَّما هو نفس أجزائه، فكلّ جزءٍ قيدٌ في الواجب ومقيّدٌ بالجزء الآخر لا محالة.
فإذا أُمرنا بالصلاة -مثلاً- كان وجودُها في الخارج هو وجودَ الأجزاء: التكبير والقراءة والركوع والسجود والتشهّد والتسليم… فكلّ جزءٍ منها مأخوذٌ في المأمور به، وهذا معنى القيديّة، وأخذه فيه بشرط شيءٍ، وهو معنى التقيّد، أي: إنَّنا أُمرنا بالتكبير الذي بعده قراءةٌ وركوعٌ وسجودٌ وتشهّدٌ وتسليمٌ، وأُمرنا بالركوع الذي قبله تكبيرٌ وقراءةٌ وبعده سجودٌ وتشهّدٌ وتسليمٌ وهكذا… فالتقيّد مأخوذٌ في أجزاء المركّب لا محالة.
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وقد يكون في بعض الواجبات -كما في الصلاة- تقيّدٌ آخر مأخوذٌ فيها مضافاً إلى الأوّل، فيعتبر أن يكون التكبير قبل الركوع، والركوع قبل السجود وبعد القراءة، وهكذا…
وقد يكون هذا التقيّد غيرَ معتبرٍ، كما في أكثر الواجبات المركّبة؛ فإنَّ المطلوب الإتيانُ بالمركّب، وأمّا كون الجزء مقدّماً أو مؤخّراً فليس دخيلاً في المأمور به.
وكيف كان، فالجزء الواجب لا ينفكّ من أن يكون القيد والتقيّد فيه مأخوذاً في المأمور به لا محالة:
وقد تكون المقدّمة خارجيّةً بالمعنى الأخصّ، وهي على طرف النقيض من المقدمة، أي: أن يكون كلٌّ من القيد والتقيّد خارجاً عن المأمور به، والتوقّف هنا أمرٌ خارجيٌّ تكوينيٌّ؛ فإنَّ المكلّف لا يستطيع تكويناً أن يأتي بالواجب إلَّا بهذه المقدّمة، وليست هي دخيلةً فيه لا قيداً ولا تقيّداً.
فلو فرضنا أنَّه تمكّن من الإتيان بالواجب من دونها وإن كان ذلك متعذّراً عادةً، فقد تحقّق الامتثال في الخارج؛ لأنَّ المقدّمة لم تؤخذ فيه قيداً ولا تقيّداً، نظير الحجّ؛ فإنَّه بالنسبة إلى البعيد لا محالة يتوقّف على طيّ المسافة، إلَّا أنَّ المسير غير داخلٍ في الواجب لا قيداً ولا تقيّداً. فلو كان متمكّناً من طيّ الأرض أو فرض محالاً أنَّه قادرٌ على الطفرة، لما كان فيه مانعٌ، كما إذا كان في مكانٍ قريبٍ. فطيّ
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المسافة مقدّمةٌ خارجيّةٌ بالمعنى الأخصّ، أي: إنَّ الواجب غير مقيّدٍ به، ولا التقيّد مأخوذٌ فيه، بل هو أمرٌ خارجيٌّ لا يُتمكّن من الإتيان بالواجب إلَّا به.
وقد يفرض أنَّ الشيء غير داخلٍ في الواجب قيداً، إلَّا أنَّه داخلٌ تقيّداً، بمعنى: أنَّ القيدَ خارجٌ والتقيّدَ داخلٌ، كما في الطهارة والاستقبال وسائر شرائط الصلاة وشرائط الواجبات الأُخرى، وكذلك ما اعتُبر عدمه فيه، المعبَّر عنه بالمانع، كعدم القاطع.
فهذه الأُمور كلّها أُخذت في المأمور به، لكن لا على نحو أن تكون هذه الأُمور بنفسها دخيلةٌ في الصلاة؛ فإنَّ الصلاة ليست مركّبةً من تكبيرةٍ وقراءةٍ وركوعٍ وسجودٍ وطهارةٍ واستقبالٍ وعدم التكلّم وعدم الضحك، وإنَّما الصلاة اسمٌ للتكبيرة والقراءة والركوع والسجود والتشهد والتسليم، ولكنّ هذه الأُمور أُخذت في الواجب تقيّداً، بمعنى: أنَّ المأمور به مقيّدٌ بها؛ فإنَّنا لم نُؤمر بالتكبيرة على الإطلاق، بل أُمرنا بالتكبيرة المقيّدة بالطهارة والاستقبال وعدم القواطع والموانع. وعليه فهذه الأُمور غير دخيلةٍ في الصلاة في نفسها، وإنَّما هي دخيلةٌ تقيّداً، أي: إنَّ الواجب مقيّدٌ بوجود بعض الأشياء وبعدم بعض الأشياء، فهو مقيّدٌ بها، أي: إنَّ المأمور به حصّةٌ خاصّةٌ من هذا العنوان، فالواجب هو الصلاة متوجّهاً إلى القبلة، لا مطلق الصلاة، فالصلاة المأمور بها هي بشرط شيءٍ.
وهذه المقدّمات -أعني: طهارة اللباس واستقبال القبلة ونحوها- تُعدّ
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
مقدّمةً داخليّةً باعتبارٍ، ومقدّمةً خارجيّةً باعتبارٍ آخر، فيصحّ إطلاق كلا الأمرين عليها، فيُقال: إنَّ الطهارة مقدّمةٌ داخليّةٌ، بمعنى: أنَّ التقيّد مأخوذٌ في المأمور به، وليست الطهارة كالمسير إلى الحجّ غير الداخل قيداً وتقيّداً، وإنَّما هي داخلةٌ في المأمور به تقيّداً.
ويمكن أن يعبَّر عنها بالمقدّمة بالمقدّمة الخارجيّة في قبال الأجزاء؛ باعتبار أنَّها بنفسها لم يتعلّق بها الأمر المتعلّق بالصلاة، ولم تُعتبر جزءاً منها.
إذن، فالمقدّمة الداخليّة بالمعنى الأخصّ يقابلها المقدّمة الخارجيّة بالمعنى الأعمّ، كما أنَّ مقدّمة الطهارة والاستقبال يُقال لها تارةً مقدّمةٌ خارجيّةٌ بالمعنى الأخصّ، وأُخرى داخليّةٌ بالمعنى الأعمّ، فالمقدّمات على ثلاثة أنحاءٍ، ويقع الكلام في كلّ نحوٍ منها.
أي: الأجزاء التي بها قوام المأمور به، وقد أُخذت في الواجب قيداً وتقيّداً، ويقع الكلام فيه في جهاتٍ:
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فقد يُقال: إنَّه لا يصحّ إطلاق المقدّمة على الجزء؛ إذ لا بُدَّ من أن تكون المقدّمة مغايرةً لذيها، بمعنى: أن يكون وجودٌ متوقّفاً على وجودٍ آخر، فيُتكلّم عن أنَّ وجوب الأوّل -ذي المقدّمة- هل يلازم وجوب الآخر -وهو المقدّمة- أم لا؟ فإذا فرضنا أنَّه ليس هنا إلَّا وجودٌ واحدٌ، وهذا الوجود الواحد المضاف إلى المركّب هو بعينه الوجود المضاف إلى الأجزاء؛ فإنَّ الصلاة -مثلاً- ليست إلَّا التكبير والقراءة والركوع والسجود والتشهّد والتسليم، أو يُقال: إنَّها ركوعٌ قبله تكبيرٌ وقراءةٌ وبعده سجودٌ وتشهّدٌ وتسليمٌ، أو يُقال: إنَّها سجودٌ قبلَه تكبيرةٌ وقراءةٌ وركوعٌ وبعدَه تشهّدٌ وتسليمٌ، فأيّ جزءٍ يمكن أن يعبَّر عنه بالصلاة بضميمة الأجزاء الأخرى يصحّ فيه ذلك، فالمركّب هو بعينه وجود الأجزاء، وليس في الخارج وجودان ليتوقّف أحدُهما على الآخر، فيعبَّر عن أحدهما بالمقدّمة وعن الآخر بذي المقدّمة.
وهذا البيان وإن كان صحيحاً في الجملة، إذا أُريد بالمقدّمة توقّف وجودٍ على وجودٍ آخر، فإنَّه هذا لا يتصوّر في الجزء؛ إذ ليس في مورد الجزء والكلّ وجودان، فيكون أحدهما مقدّمةً، والآخر ذا المقدّمة.
تصحيح إطلاق المقدّمة على الجزء
إلَّا أنَّ للمقدّمة معنىً آخر وهو التقدّم الطبعيّ، ومعناه: أنَّ أحد الشيئين
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يمكن أن يوجد من دون وجود الآخر، لكنّ الآخر لا يمكن أن يوجد إلَّا بوجود الأوّل، وهذا سنخٌ من التقدّم يعبّر عنه بالتقدّم الطبعيّ. ومن أمثلته: الجزء والكلّ؛ فإنَّنا إذا لاحظناهما نرى أنَّ الجزء يمكن أن يوجد من دون الكلّ، إلَّا أنَّ الكلّ لا يمكن أن يوجد من دون الجزء، فهذا التقدّم المعبّر عنه بالتقدّم الطبعيّ موجودٌ في كلّ جزءٍ وكلٍّ، وكلّ مركّبٍ وما يتركّب منه؛ لأنَّ المركّب لا يمكن أن يُفرض موجوداً في الخارج إلَّا وجميع أجزائه موجودةٌ في الخارج، فإذا كان أحد الأجزاء مفقوداً، كان المركّب مفقوداً لا محالة. أمّا الأجزاء فليست كذلك، فيمكن أن يكون الجزء موجوداً من دون الكلّ، وبهذا المقدار يصحّ إطلاق المقدّمة على الجزء. فالجهة الأُولى من البحث ممّا لا إشكال فيها.
هل من مقتضٍ لوجوب الجزء وجوباً مقدّميّاً ترشّحيّاً على القول بالملازمة؟ وهل لهذه الملازمة مقتضٍ هنا أم لا؟
الصحيح: أنَّه لا مقتضي لذلك، كما ذكره صاحب (الكفاية)(1).
والوجه في ذلك: أنَّ الملازمة المدّعاة القائلة بأنَّ العقل يحكم بالملازمة بين وجوب ذي المقدّمة ووجوبها، لو تمّت هذه الدعوى وتمّت الملازمة، فهذه الملازمة إنَّما تكون بين وجودين يتوقّف أحدُهما على الآخر، فيُقال: إنَّ العقل يحكم بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته. وهذا أمرٌ وجدانيٌّ،
ــــــــــ[25]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 90، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، فصل: في مقدّمة الواجب.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ملحوظٌ في الشوق والحبّ؛ فإنَّنا إذا اشتقنا إلى شيءٍ اشتقنا إلى مقدّمته، ولا ينفكّ الشوق إلى شيءٍ عن الشوق إلى مقدّمته، فيُدّعى إثبات ذلك للوجوب أيضاً. وأمّا إذا فرضنا أنَّ الوجود واحدٌ، فأيّ مقتضٍ لوجوبٍ آخر غير الوجوب الأوّل المتعلّق بذلك الشيء؟! فالملازمة إنَّما تثبت فيما لو توقّف وجودٌ على وجودٍ، وأمّا إذا كان هناك وجودٌ واحدٌ، فأيّ مقتضٍ لوجوبٍ آخر غير الوجوب الأوّل المتعلّق به، بعدما فرضنا أنَّ الوجودَ الخارجيَّ واحدٌ، والوجود المضاف إلى الأجزاء هو بعينه الوجود المضاف إلى المركّب؟ وعليه فوجود وجوبٍ آخر بلا مقتضٍ.
ومنه ظهر: أنَّ البحث في مقدّمة الواجب لا يشمل هذا القسم؛ لعدم المقتضي فيه.
نقول: إنَّنا لو تنزّلنا وفرضنا ثبوت المقتضي أيضاً؛ باعتبار صحّة إطلاق لفظ المقدّمة عليه، وكون المقتضي للوجوب الغيريّ موجوداً، فهل هناك مانعٌ من الوجوب الغيري لكيلا يشمل النزاع هذا القسم أم لا؟
ذكر صاحب (الكفاية)(1): أنَّ المانع موجودٌ، وهو اجتماع المثلين في المقام،
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأُصول: 90، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، فصل: في مقدّمة الواجب.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فلا يمكن أن تتّصف هذه المقدّمة بالوجوب الغيري؛ لأنَّ المفروض أنَّ الوجوب النفسيّ للواجب منبسطٌ على نفس الأجزاء، فلو تعلّق به وجوبٌ غيريٌّ، كان لازمه أن يكون الجزء قد تعلّق به وجوبان: نفسيٌّ وغيريٌّ، وهذان الواجبان لا يجتمعان في شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّ المثلين لا يجتمعان.
وما ذُكر لا يبتني على استحالة اجتماع الأمر والنهي في موردٍ واحدٍ، بل هو مستحيل ولو على القول بالجواز؛ فإنَّ من يدّعي جواز اجتماع الأمر والنهي إنَّما يدّعيه فيما إذا كانت كلٌّ من الجهتين جهةً تقييديّةً، فيكون الوجود الواحد متّصفاً بالوجوب من جهةٍ وبالحرمة من جهةٍ أُخرى، كالغصب والصلاة، فجهة الغصب في الخارج غير جهة الصلاة، فيمكن أن يتّصف الشيء بالوجوب والحرمة معاً.
وأمّا إذا كان الوجوب تعيينيّاً متعلّقاً بالمركّب؛ فلا يمكن أن تتّصف ذاتٌ واحدةٌ بوجوبين، كلٌّ منهما معلولٌ لعلّةٍ. والمقام من هذا القبيل؛ فإنَّ المقدّميّة ليست من العناوين التقييديّة، بل هي من العناوين التعليليّة؛ إذ المتعلّق به الوجوب ليس هو عنوان المقدّمة؛ لأنَّ المقدّمة بالحمل الأوّلي لا تتّصف بالوجوب ولا بأيّ حكمٍ آخر، بل المتّصف بالوجوب الغيري على تقدير تسليم الملازمة إنَّما هو ما كان بالحمل الشايع مقدّمةٌ، كالوضوء والغسل والمشي. فإذا كانت المقدّميّة جهةً تعليليّةً لا تقييديّةً، فمعنى ذلك: أنَّ ذات الجزء متّصفةٌ بالوجوب النفسي، وهذه الذات بعينها وبعنوانها متّصفةٌ بالوجوب الغيريّ؛ لأنَّها مقدّمةٌ؛ فإنَّ المقدّميّة علّةٌ لترشّح الوجوب النفسيّ إلى ما هو مقدّمة له.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وعليه تكون الذات الواحدة متّصفةً بوجوبين بعلّتين، وهو غير معقولٍ؛ فإنَّ المحال يستحيل أن يكون له علّةٌ، وعليه فلا يجري هذا البحث عن الملازمة في الأجزاء الداخليّة بالمعنى الأخصّ.
ولكنّ الصحيح: أنَّه لا مانع من ذلك وإن كان المقتضي غير موجودٍ، فإنَّما لا يجري البحث في المقدّمة الداخليّة لعدم المقتضي، لا لوجود المانع. وإلَّا -لو كان المقتضي موجوداً- فالمانع مفقودٌ؛ إذ لا مانع من اجتماع الوجوبين النفسي والغيري في موردٍ واحدٍ، ولا يلزم اجتماع المثلين، بل هو نظير اجتماع وجوبين نفسيّين، ولا محذور فيه، ونتيجته: تأكّد الوجوب، بمعنى: أن يكون في الشيء الواحد جهةٌ مقتضية للوجوب النفسي، وجهةٌ أُخرى مقتضيةٌ للوجوب الغيري، فإذا كانت الجهتان مجتمعتين في موردٍ، فيكون متّصفاً بوجوبٍ واحدٍ مؤكّدٍ؛ لتحقّق كلتا العلّتين للوجوبين، ما يلزم منه وجوبٌ واحدٌ مؤكّدٌ.
وهذا المعنى ملحوظٌ في عدّةٍ من الواجبات، منها: الصلوات المرتّبة، كالظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ فإنَّ الظهر واجبةٌ من جهتين: من جهة كونها واجباً نفسيّاً، وهو حاصلٌ ولو فرضنا أنَّ المكلّف كان غير مكلّفٍ بصلاة العصر، كما لو أخبره المعصوم بأنَّه لا يعيش أكثر من زمان صلاة الظهر فقط، فهو غير مكلّفٍ بصلاة العصر يقيناً؛ لأنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، بل الواجب عليه هو الظهر فقط، فهي واجبٌ نفسيٌّ من دون ارتباطٍ لوجوبها بصلاة العصر. وكذلك صلاة المغرب وجوبها نفسيٌّ ولو لم يكن مكلّفاً بالعشاء
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لموتٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ أو جنونٍ أو غير ذلك من مسقطات التكليف. فهذه الصلاة متّصفةٌ بالوجوب النفسي للمصلحة الذاتيّة، من دون أن يكون له ارتباطٌ بواجبٍ آخر.
كما أنَّ صلاة الظهر واجبةٌ بما هي مقدّمةٌ لواجبٍ آخر؛ فإنَّ صلاة العصر لا تصحّ من دون الظهر مع العلم والالتفات، فالظهر من المقدّمات الوجوديّة للعصر، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة. فصلاة الظهر واجبةٌ وجوباً مقدّميّاً؛ باعتبار توقّف صلاة العصر عليها، فلو قلنا بالملازمة، لا بُدَّ من الالتزام بوجوبٍ مترشّحٍ لصلاة الظهر، ومع ذلك لا يجتمع المثلان، بل غايته أنَّه يكون وجوباً مؤكّداً.
ويمكن التنظير له بغُسل الجنابة على ضوء فتوى جماعةٍ من الفقهاء(1)؛ فإنَّ غسل الجنابة واجبٌ نفسيٌّ، فهو متّصفٌ بالوجوب النفسي، ومع ذلك فهو مقدّمةٌ لواجبٍ آخر من صومٍ أو صلاةٍ، فهو متّصفٌ بالوجوب الغيريّ أيضاً، ونتيجته: تأكّد الوجوب، فيكون في وجوبٍ واحدٍ جهتان:
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) انظر: العلّامة الحلّي، مختلف الشيعة 1: 321، كتاب الطهارة، باب الغسل، الفصل الثاني، والمقداد السيوري، نضد القواعد الفقهيّة: 37، قاعدة السبب والمسبّب قد يتّحدان وقد يتعدّدان، والمحقّق البحراني، الحدائق الناضرة 3: 60-61، كتاب الطهارة، الباب الثالث، المطلب الأوّل، الفصل الأوّل، المقصد الثاني، الأمر التاسع.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا ممّا لا محذور فيه، إذا قلنا بوجود المقتضي؛ لاتّصاف الجزء بالوجوب الغيري، وقلنا بالملازمة، فنقول بوجوب الجزء حينئذٍ وجوباً غيريّاً، غير أنَّه مندكٌّ في الوجوب النفسي.
القول بامتناع الاندكاك لاختلاف المرتبة
وقد يُدّعى -كما هو ظاهر كلام شيخنا الأُستاذ(1)-: أنَّ الاندكاك في المقام غير معقولٍ؛ لاختلاف الوجوبين في المرتبة؛ فإنَّ أحدهما علّةٌ والآخر معلولٌ، ومع تعدّدهما في الرتبة لا يُعقل الاندكاك.
وقد ذكر(2) -في اعتبار القربيّة في الطهارات الثلاث- أنَّ المكلّف لو نذر أن يأتي بواجبٍ، فبما أنَّ وجوب الوفاء بالنذر في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن وجوب ذلك الواجب؛ إذ لا بُدَّ من أن يفرض الشيء واجباً في نفسه ليتعلّق به النذر، ثُمَّ ينشأ وجوب الوفاء به، فالوجوب متعلّقٌ بالأجزاء الواجبة في المرتبة السابقة، فلا يمكن القول بالاندكاك، بل الأمران فعليّان بلا اندكاكٍ؛ للاختلاف في الرتبة.
مناقشة القول بامتناع الاندكاك
إلَّا أنَّ هذا الكلام لا دليل يساعد عليه؛ لما بيّناه من أنَّ الاختلاف في الرتبة لا يصحّح الاجتماع عند الوحدة من جهة الزمان؛ فإنَّ الشيء الواحد لا يمكن أن يتّصف بسوادٍ وبياضٍ أو ببياضين وإن كان أحدهما سابقاً في الرتبة على
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 178، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المقام الثاني، المبحث الرابع، الأمر الثاني.
(2) انظر: المصدر المتقدّم 1: 178.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الآخر، كما لو فرضنا أنَّ بياضاً أوجب بياضاً آخر، فلا يمكن للجسم أن يتّصف بهما، مع أنَّ أحدهما أسبق من الآخر رتبة، أو فرضنا أنَّ البياض جزءُ علّةٍ للسواد أو علّته التامّة؛ إذ لا يمكن أن يتّصف بهما الجسم أيضاً؛ فإنَّ الاختلاف في الرتبة لا يرفع محذور اجتماع المثلين أو اجتماع الضدّين؛ فإنَّ هذا المحذور مترتّبٌ على الاجتماع في زمانٍ واحدٍ ولو كان سابقاً في الرتبة.
وفي محلّ الكلام: الوجوب الغيري وإن كان متأخّراً رتبةً ومعلولاً ومترشّحاً من الوجوب النفسيّ، إلَّا أنَّه -بالنتيجة- وجوبٌ وطلبٌ من المولى، وقد فرضنا أنَّ للمولى في عين هذا الزمان طلباً آخر متعلّقاً بهذا الشيء بعينه، فيكون وجودٌ واحدٌ مطلوباً بطلبين، وهذا غير ممكن، لا بُدَّ من الاندكاك.
والذي يسهّل الخطب أنَّه لا مقتضي للالتزام بالوجوب الغيريّ؛ فإنَّه بعد ما كان الوجود واحداً، فلا شيء في حكم العقل يمكن أن يتّصف بوجوبٍ آخر غير الوجوب النفسي.
لا إشكال في دخول المقدّمة الخارجيّة بالمعنى الأخصّ في محلّ الكلام؛ فإنَّه بناءً على ثبوت الملازمة يثبت لها وجوبٌ غيريٌّ ترشّحيٌّ، وبناءً على عدم ثبوت الملازمة لا يثبت لها مثل هذا الوجوب، وإنَّما يحكم العقل بلزوم الإتيان به مقدّمةً للامتثال؛ لتوقّف الإطاعة عليه.
وهو ما كان التقيّد فيه داخلاً والقيد خارجاً.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وصريح كلام شيخنا الأُستاذ(1) -في الطهارات الثلاث-: أنَّ الأمر بشيءٍ كما ينبسط على الأجزاء، كذلك ينبسط على الشرائط، فكلّ شرطٍ له حصّةٌ من الأمر النفسي؛ ولذا صحّح لزوم قصد القربة في الطهارات الثلاث من جهة أنَّ الأمر بالصلاة كما هو متعلّقٌ بالقراءة والركوع والسجود، ولا بدَّ من قصد القربة فيها، كذلك في الطهارات الثلاث؛ لأنَّ الأمر النفسيَّ منبسطٌ على الشرائط أيضاً.
ثُمَّ نقض على نفسه: بأنَّه إذا تمّ ذلك، فلماذا لا تلتزمون به في سائر الشرائط، كاستقبال القبلة وطهارة البدن واللباس، ولا سيّما إذا أرجعنا الموانع إلى الشرائط؛ باعتبار أنَّ عدمها مأخوذٌ في الصلاة؟
وأجاب: بأنَّه لا مانع من التفكيك بين الشرائط، فقد يكون الأمر الواحد بالنسبة إلى بعض ما تعلّق به تعبّديّاً، وبالنسبة إلى بعضٍ آخر توصّليّاً، بل لا مانع من الالتزام بذلك في الأجزاء، فيكون جزءٌ تعبّديّاً وجزءٌ آخر توصّليّاً؛ إذ لا محذور فيه(2).
وحينئذٍ لا بُدَّ من اتّباع الدليل، ففي الطهارات الثلاث دلّ الدليل(3) على
ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، فوائد الأُصول 1: 228، المقصد الأوّل، انقسام الواجب إلى نفسيٍّ وغيريّ، التنبيه الثاني.
(2) انظر: المصدر المتقدّم 1: 229-230.
(3) انظر: العلّامة الحلّي، تذكرة الفقهاء 1: 139، الطهارة، الباب الثالث: في الوضوء، الفصل الرابع: في أفعال الوضوء، المسألة 38.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أنَّها قربيّة ولم يدلّ على غيرها، والقربيّة ليست من ناحية الوجوب الغيريّ؛ فإنَّ الوجوب الغيريّ توصّليٌّ محضٌ، بل من جهة الوجوب النفسي؛ إذ الشرائط متعلّقةٌ للوجوب النفسي، فلا فرق من هذه الجهة بين الأجزاء والشرائط.
والصحيح: أنَّ الأمر ليس كذلك؛ إذ المفروض أنَّ القيد خارجٌ عن الأمر، وإنَّما التقيّد داخلٌ فيه، ولكنّ حصول التقيّد يتوقّف على الإتيان بالقيد، فالقيد مقدّمةٌ للواجب؛ إذ يستحيل انفكاك التقيّد عن القيد؛ فإنَّ التقيّد بالاستقبال لا يتحقّق إلَّا بالاستقبال خارجاً، فالاستقبال ليس بنفسه متعلّقاً للأمر بالصلاة، بل هو أمرٌ خارجيّ. فبناءً على وجوب المقدّمة نلتزم بوجوبه الغيري، وبناءً على عدمها لا نقول بوجوبه، وإن كان لا بُدَّ من الإتيان به ليتحقّق الواجب.
فقد ظهر: أنَّ ما ذهب إليه من أنَّ القيد متعلّقٌ للأمر النفسي ممّا لا دليل يساعد عليه، وإلَّا لم يفترق الجزء عن الشرط؛ فإنَّ الجزء ما ينبسط عليه الوجوب النفسيّ، ويكون القيد والتقيّد داخلاً في المأمور به أيضاً، فإذا كان الشرط كذلك
-أي: متعلّقاً للأمر النفسي- فهذا يعني أنَّ الصلاة مركّبةٌ من الركوع والسجود والاستقبال وعدم القهقهة… مع أنَّ الأمر ليس كذلك بالضرورة.
فالبحث كما يعمّ المقدّمة الخارجيّة بالمعنى الأخصّ، كذلك يعمّ المقدّمة الخارجيّة أو الداخليّة بالمعنى الأعمّ، والشروط أيضاً داخلةٌ في محلّ الكلام.
وعليه، فما هو داخلٌ في محلّ الكلام: القسمان الأخيران، أي: الخارجيّة بالمعنى الأخصّ، والخارجيّة أو الداخليّة بالمعنى الأعمّ، وهو ما يكون القيد فيه
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
خارجاً والتقيّد داخلاً. وهذا التقسيم هو التقسيم الصحيح، وإليه ترجع سائر التقسيمات؛ فإنَّ ما يكون داخلاً في بحث المقدّمة لا يخرج عن ذلك.
وتنقسم المقدّمة إلى مقدّمةٍ وجوديّةٍ ومقدّمةٍ علميّةٍ، وإلى مقدّمة الوجوب ومقدّمة الصحّة.
والوجه في هذا التقسيم: أنَّ المقدّمة قد تكون مقدّمةً للوجوب وقد تكون مقدّمةً للصحّة، وقد تكون مقدّمةً للوجود وقد تكون مقدّمةً للعلم.
وهذا التقسيم -وإن كان صحيحاً- فلا أثر له في محلّ البحث؛ فإنَّ مقدّمة الوجوب يستحيل أن تتّصف بالوجوب من قِبَل الوجوب الثابت لذي المقدّمة. نعم، يمكن أن تتّصف المقدّمة بالوجوب لأمرٍ آخر، لا أن تتّصف به من قِبَل ذيها، كما في محلّ الكلام؛ فإنَّ البحث إنَّما هو في ثبوت الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، فإذا كان ذو المقدّمة متّصفاً بالوجوب وفرضنا أنَّ العقل يحكم بالملازمة بين وجوبه وبين وجوب مقدّمته، فإنَّه لا يمكن أن يُفرض ذلك في مقدّمات الوجوب.
والوجه في ذلك: أنَّ مقدّمة الوجوب لا بُدَّ من أخذها مفروضة الوجود ليثبت وجوب ذيها، ولولاها لما وجب، من دون فرقٍ بين أن تكون هذه المقدّمة سابقةً أو مقارنةً أو لاحقةً؛ فإنَّنا ولو قلنا بإمكان الشرط المتأخّر، فإنَّه يستحيل
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أن تكون مثل هذه المقدّمة واجبةً من قِبَل وجوب ذيها؛ فإنَّ مقدّمة الوجوب هي ما يتوقّف عليها الوجوب، لا بُدَّ من وجوده في ظرفه ليتّصف الواجب بالوجوب.
فالمفروض أنَّه إذا لم يوجد في ظرفه مقارناً أو سابقاً أو متأخّراً، فلا يكون ذو المقدّمة واجباً، فقبل فرض وجوده لا وجوب، وبعد فرض وجوده لا يُعقل وجوبه؛ لأنَّه من طلب الحاصل، ولا معنى له.
نعم، لا مانع من أن تكون مقدّمة الوجوب واجبةً بسببٍ آخر، لا من نفس الواجب، بنذر أو شرطٍ ضمن عقدٍ أو بأمر الوالد. فالسفر -مثلاً- مقدّمةٌ وجوبيّةٌ لوجوب القصر، والحَضَر مقدّمةٌ وجوبيّةٌ لوجوب التمام أو الصيام، فيمكن أن يكون قصد الإقامة واجباً للمسافر بنذرٍ أو شرطٍ ضمن عقدٍ، وهي شرطٌ لوجوب التمام والصيام.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا لا ندّعي أنَّ شرط الوجوب لا يُمكن أن يكون واجباً، بل يمكن ذلك، وإنَّما ندّعي أنَّه لا يُمكن أن يكون واجباً من قِبَل الوجوب الذي يتوقّف عليه؛ لأنَّ هذا الوجوب تتوقّف فعليّته على فرض وجوده خارجاً، ولو فُرض موجوداً فلا يُعقل طلبه في أيّ ظرفٍ كان وجوده.
وأمّا اتّصافها بالوجوب، لا لأجل الترشّح من ذيها، بل بسببٍ آخر من نذرٍ أو يمينٍ أو شرط، فلا محذور فيه، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، فلا يُمكن أن تكون الاستطاعة واجبةً من قِبَل وجوب الحجّ الذي يتوقّف عليها. فلو وُهِب له
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
مالٌ يكفي للحجّ، لم يجب عليه قبوله وتحصيل الاستطاعة؛ فإنَّ تحصيل الاستطاعة ليس واجباً، ولكن قد تكون المقدّمة الوجوبيّة واجبةً بسببٍ آخر.
وعليه، فهذه المقدّمة -المقدّمة الوجوبيّة- خارجةٌ عن محلّ الكلام قطعاً.
والمقدّمة العلميّة خارجةٌ عن محلّ الكلام أيضاً؛ لأنَّها لا تعني إلَّا الإتيان بالعمل بمقدارٍ وبكيفيّة يتحقّق معهما العلم بوجود الواجب بواسطة هذه المقدّمة، ولولاها فلا علم بوجوده، وإنَّما يبقى مجرّد احتمالٍ، كالصلاة إلى الجهات الأربع، أو الوضوء بمائين مشتبهين بين مطلقٍ ومضافٍ، أو الصلاة بالثوبين المشتبهين اللذين أحدهما متنجّسٌ والآخر طاهرٌ. وهذا خارجٌ عن محلّ الكلام أيضاً؛ لأنَّ البحث في المقام في الملازمة بين المقدّمة وذيها، وهو خارجٌ عن محلّ الكلام بالكلّيّة.
والنكتة فيه: أنَّه ليس هنا مقدّمةٌ للواجب؛ فإنَّ ما يُؤتى به من الأطراف المحتملة إن كان مصادفاً للواقع فهو الواجب وليس بمقدّمةٍ. وأمّا الطرف الآخر فهو فردٌ مباينٌ، لا نفس الواجب، ولا مقدّمةٌ له. فإن كان الوضوء بالماء المطلق فهو واجبٌ نفسيٌّ، لا ترشّحيٌّ غيريٌّ، وإن كان الوضوء بالماء المضاف فهو ليس بواجبٍ ولا مقدّمة للواجب. فالبحث عن مقدّمة الواجب أجنبيٌّ عن المقدّمات العلميّة بالكلّيّة.
والبحث عن وجوب المقدّمة العلميّة بحثٌ عن تنجيز العلم الإجمالي، وأنَّ أدلّة الأُصول هل تشمل أطرافه تماماً أو بعضاً أم لا؟ فإن قلنا بجريان الأصل
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المؤمّن المخالف للمعلوم بالإجمال في جميع الأطراف أو بعضها، فلا تجب المقدّمة العلميّة، كما لا يجب الجمع بين الأطراف. وإن قلنا بعدم جريان الأصل في شيءٍ من الأطراف من جهة المعارضة أو لسببٍ آخر -على ما سنتكلّم فيه هناك إن شاء الله في بحث العلم الإجمالي- فبمقتضى دفع الضرر المحتمل لا بُدَّ من الإتيان بتمام الأطراف.
فوجوب المقدّمة العلميّة مبتنٍ على حكم العقل بلزوم الامتثال؛ لأنَّنا إذا فرضنا أنَّ البراءة لم تجرِ ولم يحصل المؤمّن، لا بُدَّ من إحراز الامتثال، وإلَّا حكم العقل بصحّة العقاب، وهذا معنى احتمال الضرر. فوجوب المقدّمة العلميّة مبنيٌّ على أساس عدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجماليّ في تمام الأطراف ولا في بعضها، سواءٌ قلنا بالملازمة بين المقدّمة وذيها أم لا، فأحد البحثين أجنبيٌّ عن الآخر.
وأمّا مقدّمة الوجود ومقدّمة الصحّة فللبحث فيهما مجالٌ؛ فإنَّ المقدّمة تنقسم إلى هذين القسمين؛ فإنَّ الشيء قد يكون له دخلٌ في الوجود من دون أن يكون له دخلٌ في الصحّة. فلو أمكن -محالاً- أن يؤتى بالشيء دون مقدّمته الوجوديّة لصحّ، كما في المقدّمات الخارجيّة بالمعنى الأخصّ، كطيّ المسافة بالنسبة إلى الحجّ؛ فإنَّ المكلّف لا يتمكّن من الإتيان بالحجّ إلَّا به، وإلَّا فصحّة الحجّ غير متوقّفةٍ عليه، فالمقدّمة مقدّمةٌ وجوديّةٌ لا دخل لها في الصحّة.
وقد تكون مقدّمةً للصحّة، أي: مقدّمةً داخليّةً بالمعنى الأعمّ أو خارجيّةً
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بالمعنى الأعمّ، بمعنى: أنَّ القيد خارجٌ والتقيّد داخلٌ، فلا يصحّ الواجب إلَّا بالإتيان به؛ فإنَّه مع تركه يبطل لعدم تحقّق التقيّد آنذاك.
وعليه، فهذا التقسيم في المقدّمة إلى مقدّمة وجودٍ ومقدّمة صحّةٍ هو بعينه تقسيم المقدّمة إلى خارجيّةٍ بالمعنى الأخصّ وخارجيّةٍ بالمعنى الأعمّ، أي: ما كان كلٌّ من القيد والتقييد خارجاً عن الواجب، وما كان القيد خارجاً والتقييد داخلاً(1).
وقُسّمت المقدّمة إلى مقدّمةٍ عقليّةٍ ومقدّمةٍ شرعيّةٍ ومقدّمةٍ عاديّة، إلَّا أنَّ هذا التقسيم لا محصّل له، بل يرجع إلى ما ذكرناه سابقاً، ولا يكون تقسيماً في قباله.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
() وصلّى الله على خير خلقه محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.
وبعد فقد انتهى بذلك -بعون الله عزّ وجلّ وحسن توفيقه- هذا الدفتر (الثالث) ممّا كتبناه من دروس أُستاذنا الأعظم فقيه الأُمّة ونائب الأئمّة السيّد الخوئي أدام الله ظلّه شرفاً للمسلمين ونصرةً لدينه الحنيف. وكانت كتابته في أثناء إلقاء الدرس، ما كان سبباً لأن يكون ما كتبناه أقرب إلى الواقع وأبعد عن الزيادة والنقصان جهد الإمكان، والله تعالى هو الموفّق للصواب، وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ.
احتوى هذا الدفتر على خمس وستّين محاضرةً من محاضرات سيّدنا الأُستاذ الأعظم السيّد الخوئي (أدام الله ظلّه) وقد ختم به مجموع مائة واثنتين وسبعين محاضرةً منها، انتهت في غضون مبحث مقدّمة الواجب. ومن الله أستمدّ العون، وعليه التوكّل، وله الحمد في الشدّة والرخاء، إنَّه أرحم الراحمين (المقرر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فمن الواضح: أنَّ المقدّمة العقليّة ليست إلَّا المقدّمة الخارجيّة بالمعنى الأخصّ، فهي بمعنى: ما يتوقّف عليه الواجب تكويناً ولا يمكن وجوده إلَّا بها.
وأمّا المقدّمة الشرعيّة فلا معنى لها بمفهومها، فإنَّ المقدّميّة بمعنى التوقّف ليست أمراً تناله يد التشريع، وإنَّما للشارع أن يجعل قيداً في الواجب، فيكون
-حينئذٍ- مقدّمةً خارجيّةً بالمعنى الأعمّ، أو داخليّةً كذلك، بأن يكون القيد خارجاً والتقيّد داخلاً، وإلَّا فبعد أخذ الشارع شيئاً في الواجب قيداً فلا محالة يكون وجود المأمور به مستحيلاً من دونه عقلاً، ولا معنى للاستحالة والتوقّف الشرعيّ، فإنَّه ممّا لا تناله يد التشريع، وهذا ظاهر.
وأمّا المقدّمة العاديّة فإن أُريد بها أنَّ العادة جرت على الإتيان بشيءٍ قبل الواجب وإن لم يتوقّف عليه عقلاً، فهذا لا يُحتمل أن يكون واجباً، بل لا يُحتمل أن تكون هناك ملازمةٌ بين وجوب الشيء وبين ما جرت العادة على الإتيان به وإن لم يتوقّف عليه، فهو في الحقيقة ليس بمقدّمةٍ ولا يتوقّف عليه الواجب، وإنَّما هو أمرٌ يقوم به المكلّف باختياره، فليس هو إلَّا مقدّمةً اختياريّةً كما في الإطعام، حيث جرت العادة على أن لا يؤتى بالأواني مجرّدةً، بل يوضع تحتها سماطٌ، فلو أمر بالإطعام كما في كفّارة اليمين إطعامَ عشرة مساكين، لم يجب عليه
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الإتيان بهذا الشيء قطعاً، لأنَّه ليس من مقدّمات الإطعام، وإنَّما هو ممّا جرت العادة الخارجيّة عليه، فلا يحتمل أن يكون واجباً للملازمة العقليّة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، على تقدير تسليمها.
وإن أريد بالمقدّمة العاديّة أنَّ التوقّف حاصلٌ بحسب العقل إلَّا أنَّ منشأه هو العادة؛ ذلك أنَّ الواجب وإن كان يمكن عقلاً أن يوجد من دونها إلَّا أنَّه من المحالات العاديّة، كما في الطيران، فلو أُمر شخصٌ أن يكون على سطح دارٍ أو في غرفةٍ عاليةٍ، لا بُدَّ من أن يكون هناك سلّمٌ أو درجٌ أو حبلٌ للصعود؛ إذ يستحيل عقلاً على مَن ليس له جناحٌ أن يطير إلى الفوق، وإلَّا فالطيران في نفسه وإن كان أمراً ممكناً، بل هو واقعٌ، كما في الطيور إلَّا أنَّه بالنسبة إلى الإنسان مستحيل؛ فإنَّ العادة جرت على أنَّ الإنسان ليس له جناحٌ، فيكون هذا من المستحيل العاديّ، وهو يرجع إلى المقدّمة العقليّة -في النتيجة- بالنسبة إلى كلّ من لا يتمكّن من الطيران خارجاً. فهي مقدّمة عقليّة لا على نحو الإطلاق، بل بالنسبة إلى مَن يستحيل عليه الطيران خارجاً.
إذن، هذا التقسيم يرجع إلى التقسيم الأوّل من أقسام المقدّمة؛ إذ المقدّمة التي يقع الكلام عنها في هذا المبحث، وفي الملازمة بينها وبين ذيها هي:
وليس هنا تقسيمٌ آخر.
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ثُمَّ إنَّ المقدّمة قد تُقسّم إلى مقدّمةٍ مقارنةٍ للواجب أو سابقةٍ له أو متأخّرةٍ عنه، ولذا عبّروا عنها بالشرط، وقالوا: إنَّ الشرط قد يكون مقارناً وقد يكون سابقاً وقد يكون لاحقاً.
وهذا قد يُفرض في المأمور به، كما هو محلّ الكلام في مقدّمة الواجب، وقد يُفرض في غير الواجب كمقدّمة الوجوب أو حكمٍ آخر من الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة. ويقع الكلام عن هذه الأمور استطراداً، وإلَّا فكلامنا عن وجوب المقدّمة.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الشرط المتأخّر
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ذكر بعضهم(1): أنَّه يستحيل تأخّرالمقدّمة عن ذيها؛ لأنَّها من أجزاء علّة الشيء لا محالة، فهي إمّا مقتضٍ أو سببٌ أو شرطٌ دخيلٌ في وجود الشيء، ويتوقّف وجود الشيء على وجودها، وهذا معنى المقدّمية، فكيف يتأخّر المعلول عن علّته؛ إذ المفروض أنَّ المعلول قد ترشّح من العلّة، فكيف يوجد قبلَها؟
ولذا أشكل عليهم الأمر في المقدّمات المتأخّرة كالغُسل للمستحاضة، بناءً على اشتراط صحّة الصوم في النهار بوجوب الغُسل في الليل، فلو لم تغتسل في الليل بطل صومها السابق. فكيف يكون الأمر المتأخّر دخيلاً في صحّة الأمر المتقدّم؟! هذا لا يمكن؛ إذ لا يعقل أن يكون الشيء معلولاً لما هو غير موجود.
وهذا الإشكال جارٍ بعينه في شرائط التكليف والوضع، ولذا أشكلوا في
ــــــــــ[45]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 92، فصل في مقدّمة الواجب، الأمر الثاني [في تقسيمات المقدمة]، ومنها: تقسيمها إلى المتقدّم والمقارن والمتأخّر، البجنوردي، منتهى الأصول 1: 423، التنبيه الأوّل: في تبعيّة وجوب المقدّمة عن ذي المقدّمة، والنائيني، أجود التقريرات 1: 220، الأوّل: أنَّه لا إشكال في خروج المقدّمات العقليّة عن محلّ الكلام.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إجازة البيع المتقدّم في الفضوليّ، والتزموا بالنقل، وأنَّ الملكيّة تتحقّق من زمان الإجازة، لا أنَّها تكشف عن الملكية السابقة؛ ذلك أنَّ الإجازة لها دخلٌ في صحّة العقد، كما في ظاهر قوله تعالى: تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ(1). فكيف يمكن أن يُحكم بصحّة العقد سابقاً، والمفروض: أنَّ الإجازة وُجدت بعد ذلك؟ وكيف يؤثّر الأمر المتأخّر في الأمر المتقدّم؟
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) النساء: 29.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ذكر صاحب الكفاية(1): أنَّ هذا الإشكال لا يختصّ بالشرط المتأخّر، بل يجري في الشرط المتقدّم أيضاً، وذلك من جهة أنَّ العلّة والمعلول وإن كان بينهما تقدّمٌ وتأخّرٌ، إلَّا أنَّه تقدّمٌ وتأخّرٌ في الرتبة، بمعنى: وُجدت فوُجد، فالعلّة متقدّمةٌ على المعلول ووجوده مترشّحٌ من علّته، وهذا التأخّر الرتبي في العلّيّة والمعلوليّة لا بُدَّ من أن يكون معه مقارنةٌ زمانيّةٌ، فيُمكن أن يُقال: إنَّ العلّة والمعلول ليس بينهما تقدّمٌ وتأخّرٌ زماناً، أو أنَّ بينهما تقدّماً وتأخّراً رتبةً. لا بُدَّ من تقارنهما زماناً؛ لاستحالة انفكاك العلّة عن المعلول خارجاً.
فإذا كان الأمر كذلك -أي: أنَّ العلّة والمعلول لا بُدَّ من تقارنهما في الزمان وإن كانت العلّة متقدّمةً في الرتبة-، فكما لا يمكن تأخّر الشرط لأنَّه من أجزاء العلّة، كذلك لا يمكن تقدّمه؛ لأنَّه من أجزاء العلّة، وقد فرضنا أنَّه لا بُدَّ من مقارنة العلّة للمعلول زماناً، فالإشكال الجاري في الشرط المتأخّر جارٍ في الشرط المتقدّم أيضاً. فالشرط لا بُدَّ من أن يكون مقارناً، ولذا أرجع جميع الشروط إلى الشروط المقارنة.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 93، فصل في مقدّمة الواجب، الأمر الثاني: [في تقسيمات المقدّمة]، ومنها: تقسيمها إلى المتقدّم والمقارن والمتأخّر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا الكلام ينبغي أن يُعدّ من الغرائب؛ وذلك لأنَّ الذي لا يمكن أن يتخلّف عنه المعلول وأن يتّفقا زماناً، إنَّما هو الجزء الأخير من العلّة التامّة، لا كلّ ما يكون له دخلٌ في وجود الشيء كالمعدّ والشرط، فإنَّ تقدّم المعدِّ على المعلول في الأمور التكوينيّة من أوضح الواضحات، كوجود آدم، المعدّ لوجود نبيّنا الأعظم، مع أنَّ بينهما زماناً طويلاً.
وكلّ موجودٍ تنتهي سلسلة علله إلى عددٍ لا يَعلم انتهاءَه إلَّا الله تعالى، فإنَّ الثمرة كانت الشجرة معدّاً لها، وكانت البذرة معدّاً للشجرة وهكذا… فكلّ ذلك كان مقدّمةً لوجود الثمر. وكذلك في الحيوانات وغيرها، فالأمور التكوينيّة، لا بُدَّ في سلسلة عللها من أمورٍ سابقةٍ منصرمةٍ؛ وهذا ممّا لا بأس به؛ فإنَّ الموجود الأوّل يكون معدّاً للثاني والثاني للثالث، وهكذا…
والمثال الخارجيّ لذلك هو الحجّ؛ فإنَّه يحتاج إلى سفرٍ وطيّ مسافةٍ، وطيّ المسافة أمرٌ تدريجيٌّ وليس أمراً دفعيّاً، فإنَّه يوجد فينعدم، ثُمَّ يطوي مسافةً أُخرى، وهكذا… فالكون في عرفات -مثلاً- يتوقّف على المشي، وهو أمرٌ تدريجيّ. وهذا الأمر في التكوينيّات من الواضحات، فضلاً عن التشريعيّات.
ومن هنا يمكن أن يُقال: إنَّ الشرائط المتقدّمة في الواجبات من قبيل المعدّات، والمعدّ يمكن أن يتقدّم على المعلول زماناً، فإنَّما المحال تخلّف المعلول عن علّته التامّة، لا تأخّره عن كلّ جزء من العلّة ولو لم يكن هو الجزء الأخير منها.
فلو قلنا بأنَّ الصلاة -مثلاً- مشروطةٌ بنفس الغسل والوضوء والتيمّم كما
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
هو المحتمل بل هو الأظهر، وأنَّ الطهارة اسمٌ لنفس هذه الأشياء لا مسبّبةً منها، فلا مانع أن يكون الوضوء شرطاً متقدّماً في الصلاة، فيكون من الأُمور المعدّة لا علّة تامّة.
فما أفاده من توسعة الإشكال للشرط المتقدّم لا وجه له.
وأعجب من ذلك ما قيل(1) من أنَّه لا مانع من تأخّر الشرط؛ فإنَّ المانع إنَّما يكون فيما إذا كان الشيء في نفسه شرطاً ثُمَّ يتأخّر، أمّا إذا كان الشرط بوصفه متأخّراً شرطاً في الواجب، فالشرط لم يتأخّر وإنَّما المتأخّر شرطٌ.
وهذا الكلام عجيبٌ؛ إذ لو فرضنا أنَّ الشرط من أجزاء العلّة، فمعناه: أنَّ المعدوم بوصفه معدوماً علّةٌ للموجود.
وفيه: أنَّه محذورٌ في حد نفسه، وخصوصاً أنّنا فرضنا أنَّ المعلول مترشّحٌ من علّةٍ، وهل يعقل أن يكون الأثر موجوداً ولا يكون المؤثّر موجوداً، وهل معنى أنَّ الشرط بوصفه متأخّراً شرطٌ إلَّا كون المعدوم بوصفه معدوماً شرطٌ؟
كلّ هذه التساؤلات وغيرها تستدعي منّا الكلام والبحث في جواز الشرط المتأخّر وعدمه. ولذا يقع الكلام تارةً: في شرائط المأمور به، وتارةً: في شرائط الحكم، الأعمّ من الأمر والنهي، بالإضافة إلى الأحكام الوضعيّة.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
(1) انظر: الآملي، بدائع الأفكار في الأصول: 323-324، الفصل الثالث: فى مقدّمة الواجب ونقدّم قبل الخوض في مباحثها أموراً: الأمر الرابع: تنقسم المقدّمة باعتبار مطلق التوقّف إلى خارجيّة وداخليّة، تذييل في الشرط المتأخر، الآخوند الخراساني، فوائد الاُصول: 57، (6. فائدة: في تقدّم الشّرط على المشروط، أحدها).
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أمّا الكلام في تأخّر شرائط المأمور به؛ فقد ذكر شيخنا الأستاذ(1): أنَّه لا إشكال فيه أصلاً، فإنَّ الأمر النفسيَّ كما ينبسط على الأجزاء، كذلك ينبسط على الشرائط. وكما لا مانع من تأخّر جزءٍ عن جزءٍ كما في الواجبات المركّبة، فيكون الامتثال بالشروع بأوّل جزءٍ منه ويتحقّق الامتثال بتحقّق الجزء الأخير، كذلك يتقوّم الواجب بالشرائط، ونتيجته: أنَّ الامتثال يحصل بالإتيان بذلك الشرط الذي انبسط عليه الأمر كما انبسط على الأجزاء، ويكون امتثاله عند تحقّقه، فلا إشكال في المقام أصلاً.
ولكنّا ذكرنا قريباً(2): أنَّ الشرائط لا ينبسط عليها الأمر أصلاً؛ فإنَّ القيد خارجٌ عن المأمور به، وإنَّما الداخلُ فيه التقييد، وبهذا يفترق عن الجزء الداخل في المأمور به قيداً وتقيّداً. فإذا انبسط الأمر على الشرائط وكان القيد داخلاً في المأمور به، فما هو الفرق بين الأجزاء والشرائط حينئذٍ؟
والصحيح في المقام أن يُقال: إنَّ هذا الإشكال نشأ من الخلط بين معنيين للشرط.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
(1) النائيني، أجود التقريرات 1: 222، الأمر الثالث: أنَّ التحقيق هو خروج شرائط المأمور به عن حريم النزاع أيضاً.
(2) في بحث المقدّمة الداخليّة والخارجيّة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
علّته، ويكون مصحّحاً لفاعليّة المقتضي أو لقابليّة المقتضى -أي: المعلول- كاليبوسة والمماسّة بالنسبة إلى الإحراق بالنار؛ فإنَّ النار وإن كانت مقتضيةً للإحراق، فإنَّ فعليّة الإحراق لا تكون إلَّا بالمماسّة واليبوسة، فهذه الأُمور لها دخلٌ في فعليّة التأثير وإن كان المؤثّر هو النار؛ فإنَّ اليبوسة والمماسّة لا تحرق وإنَّما الإحراق صادرٌ من النار، وهي المقتضية له، إلَّا أنَّ هذه الشرائط ما لم تتحقّق في الخارج لا يكون الإحراق فعليّاً، فعلى هذه الشرائط تتوقّف فعليّة الإحراق.
والشرط بهذا المعنى يستحيل أن يتأخّر عن المشروط؛ إذ ما لم يتحقّق في الخارج لا يكون الأثر فعليّاً، ففرض فعليّة الأثر من دون الشرط يرجع إلى الخلف لا محالة.
فنقول -مثلاً-: الصلاة مشروطةٌ بالاستقبال أو الطهارة. فإذا أرجعنا الموانع إلى الشرائط باعتبار تقيّد الواجب بعدمها، فيقال: إنَّ هذه الأمور شروطٌ للصلاة، لا بمعنى: أنَّ وجود الصلاة في الخارج وتأثير إرادة المكلّف بالإتيان بالصلاة لا يكون فعليّاً إلَّا بوجود هذه الأمور، فإنَّه أجنبيٌّ عن التأثير في الاختيار في الفعل الاختياريّ، فإنَّ كلّ فعلٍ أراد المختار أن يوجده فعلاً وكان مقدوراً له، فإنَّه يوجد لا محالة، ولا تكون الطهارة والاستقبال شرطاً بهذا المعنى.
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وإنَّما المراد بالشرط -في المقام-: أنَّ الصلاة على إطلاقها لم يتعلّق الأمر بها بل يعتبر في الصلاة قيداً، بأن يكون المكلّف في حال الطهارة والاستقبال وحال عدم هذه الأمور المسمّاة بالموانع والقواطع. إذن فمعنى الشرط هو القيد، أي: أخذ المأمور به مقيّداً بهذا الشيء وبعدم هذا الشيء، فحقيقة الاشتراط ترجع إلى التقييد؛ إذ الأمر لم يتعلّق بالطبيعة على الإطلاق، بل تعلّق بها مقيّدةً بقيدٍ، فالشرطيّة هنا في مقابل الإطلاق والإرسال لا الشرطيّة بالمعنى الأوّل.
فإذا كان كذلك، فأيّ محذورٍ في تأخّر القيد؟! إذ كما يمكن أن يكون المأمور به مقيّداً بأمرٍ مقارنٍ، كذلك يمكن أن يكون مقيّداً بأمرٍ سابقٍ، فيعتبر في الواجب أن يكون قبله شيءٌ، وإلَّا فلا يُحكم بصحّته، كما في صلاة العصر بالنسبة إلى صلاة الظهر، والمغرب بالنسبة إلى صلاة العشاء؛ إذ يعتبر في العشاء أن تقع بعد المغرب ومسبوقةً بها، أي إنَّه ليس طبيعيُّ العشاء مأموراً به على الإطلاق سواءٌ تقدّمت على المغرب أم تأخّرت، بل هي مقيّدةٌ بالتأخّر عنها، وكذلك العصر بالنسبة إلى الظهر، وكذلك حجّ التمتّع بالنسبة إلى العمرة، بمعنى: أنَّ الحجّ ليس على إطلاقه مأموراً به، بل المأمور به حصّةٌ خاصّةٌ منه وهو الحجّ المتأخر عن العمرة.
وكما يمكن أن يكون التقييد بأمرٍ مقارنٍ وسابقٍ، كذلك يمكن أن يكون بأمرٍ متأخّرٍ، فلو فرضنا أنَّ المكلّف لم يأتِ بذلك الأمر المتأخّر، فحينئذٍ لم توجد
الحصّة المأمور بها؛ لأنَّ الحصّة المأمور بها هي الطبيعيّ الملحوق بذلك الشيء لا
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الطبيعيّ على إطلاقه وإرساله، بل حصّةٌ خاصّةٌ منه وهي الحصّة الملحوقة بهذا الشيء.
فمنشأ الإشكال: الخلط بين معنيين للشرط؛ فقد أُخذ الشرط في الكبرى بمعنىً وفي الصغرى بمعنىً آخر، فيُقال: إنَّ غسل الليلة اللاحقة للمستحاضة شرطٌ في صحّة صومها المتقدّم (أي: قيدٌ فيه)، والشرط لا يمكن أن يتأخّر عن المشروط (أي: ما له دخلٌ في العلّة)، فالاشتراك اللفظيّ أوجب هذا الإشكال، وهو سبب المغالطة.
وإلَّا فلا محذور في أن يكون القيد متأخّراً، كما لا محذور في تقدّمه ومقارنته.
إلَّا أنَّ الإشكال في وقوع ذلك؛ إذ ليس في الفقه موردٌ للشرط المتأخر، أي: أنَّ المأمور به حصّة خاصّة مقيّدةٌ بأمرٍ متأخّرٍ؛ ففي غسل المستحاضة للصوم لم يثبت ذلك، ولو ثبت لم يكن منه مانع.
نعم، بالنسبة إلى أجزاء الواجب الواحد الشرط المتأخّر متحقّقٌ، فالتكبيرة -مثلاً- مشروطةٌ بأن تكون ملحوقةً بالركوع والسجود إلى آخر الصلاة، والركوع مشروطٌ بأن يلحقه السجود وهكذا… وإلَّا -لو لم يلحقه السجود- فلا يكون مأموراً به، ففي الأجزاء التدريجيّة لا مناص من الالتزام فيها بالشرط المتأخّر.
هذا في الواجب الواحد.
وهو ثابت فيما يشبه الواجبين أيضاً، فإنَّ العمرة مشروطة صحّتها بأن يأتي
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بالحجّ، فلو ترك الحجّ عمداً لا بُدَّ من إعادته من رأس في السنة القادمة، ولا يقع امتثالاً للأمر؛ إذ يعتبر في صحّة العمرة أن تكون ملحوقةً بالحجّ.
وكيفما كان فلا إشكال في الشرط المتأخّر، وهو واضحٌ في الأجزاء التدريجيّة والعمرة.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وأمّا بالنسبة إلى شرائط الأحكام الوضعيّة والتكليفيّة؛ فقد ذكر صاحب الكفاية(1): أنَّه لا إشكال فيها، ذلك أنَّ الحكم والأمر فعلٌ اختياريٌّ للآمر، وأنَّه لا يكون شيءٌ من الموجودات الخارجيّة دخيلٌ فيه شرطاً، وإنَّما هو صادرٌ عن اختيار من الآمر، غاية الأمر: أنَّ الاختيار والإرادة لا بُدَّ من أن يكون مسبوقاً بمقدّماته من التصوّر والتصديق بالمصلحة.
ففي الحقيقة: إذا فتّشنا ودقّقنا النظر، فإنّنا نجد أنَّ الحكم صادرٌ باختيار الآمر، والشرائط كلّها موجودةٌ سواء في ذلك الشرط المقارن والسابق واللاحق، فإنَّ الشرط هو اللحاظ المقارن للأمر، واللحاظ قد يكون متعلّقاً بالمتقدّم أو المقارن أو المتأخّر، فيُقال: إنَّ الشيء المتقدّم شرطٌ، وفي ذلك مسامحةٌ ظاهرةٌ، وإنَّما الشرط هو علم الآمر به ولحاظه له وتقييده به؛ كما إذا كان يعلم الآمر أنَّ زيداً أحسنَ إليه قبل سنة، فيأمر خادَمه بإكرامه. فالإحسان السابق ليس شرطاً في الإكرام، بل الشرط هو علم الآمر بذلك، وكذلك بالنسبة إلى الشرط المتأخّر، كما إذا كان الآمر يعلم أنَّه سوف يحتاج إلى زيد، فيأمر خادمه
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 93، تحقيق الشرط المتأخّر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بإكرامه، فالحاجة ليست شرطاً في الأمر، بل الشرط هو علم الآمر بالحاجة.
فعند التحقيق ترجع الشرائط كلّها إلى الشرط المقارن، والشرط في الحقيقة هو اللحاظ، وإن كان يُقال: إنَّ الشرط هو الملحوظ إلَّا أنَّ في هذا مسامحةً واضحةً.
وبعبارةٍ أخرى: أنَّ الحكم فعلٌ اختياريٌّ من الفاعل، ولا يكون شيء دخيلاً في الفعل الاختياريّ، لا على نحو الاقتضاء ولا على نحو الشرط، بل المؤثّر هو إرادة الفاعل واختياره، مسبوقة بالمقدّمات الاختياريّة من التصوّر والتصديق بالمصلحة، وما يسمّى شرطاً من الأمور المتأخّرة والمتقدّمة أو المقارنة ليس شرطاً في الحقيقة، أي: ليس دخيلاً في علّة هذا الشيء الاختياريّ، وإنَّما يكون المؤثّر هو لحاظ الشيء بلا فرق بين المتقدّم والمقارن والمتأخّر، كما في غير الحكم من الأفعال الاختياريّة، فيصدر العمل باعتبار ما تقدّمه أو ما يتأخّر عنه أو ما يقارنه، وتكون هذه الجهات كلّها ملحوظة للفاعل حين عمله، واللحاظ مقارن للفعل الخارجي، والتقدّم والتأخّر والتقارن إنَّما هو في الملحوظ.
وعليه، فلا إشكال في تأخّر الشرط؛ فإنَّه ليس شرطاً حقيقةً، وإنَّما يسمّى كذلك بالمسامحة، ويطلَق عليه بضربٍ من التأويل، وإلَّا فالشرط الدخيل في الفعل الاختياريّ إنَّما هو تصوّر الشرط ولحاظه، وهذا مقارنٌ دائماً.
هكذا دفع الإشكال.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ويرد على كلام صاحب الكفاية -على ما ذكره شيخنا الأستاذ(1)-: أنَّ ما ذكره فيه خلطٌ بين القضايا الخارجيّة والقضايا الحقيقيّة، وهي الأحكام المجعولة على نحو فرض الوجود، مع أنَّ بينهما فرقاً ظاهراً؛ فإنَّ الإنسان قد يأمر بشيءٍ على نحو القضيّة الشخصيّة، كأن يأمر خادمَه بالإتيان بماءٍ، ويتصوّر أنَّ في ذلك رفع العطش وغيره من الأُمور المقارنة والسابقة.
فحينئذٍ، يكون ما أفاده هو الصحيح، أي: إنَّ المؤثّر في إيجاد هذا الفعل من الفاعل -وهو الحكم- إنَّما هو لحاظه فقط بأطرافه.
فلو التفت شخصٌ إلى أنَّ زيداً أكرمه قبل سنةٍ أو عشر سنين، فيأمر خادمه بإكرامه، فبالتدقيق: نرى أنَّ الإكرام السابق لا دخل له في الأمر بالإكرام أبداً، بل الدخيل فيه هو علمه بتحقّق الإكرام خارجاً، فإنَّ المؤثّر في الحقيقة هو الوجود العلميّ لا الوجود الخارجيّ؛ إذ لو كان الإكرام السابق مغفولاً عنه لما أكرمه، ولو كان علمه به جهلاً مركّباً لا واقع له لأكرمه. وقد يتخلّف الوجود الخارجيّ عن العلم، فالمؤثّر إنَّما هو الوجود العلميّ دون الوجود الخارجيّ.
كذلك في الشرط المتأخّر، كما لو علم الآمر أنَّ زيداً سوف يقضي حاجته، فيأمر خادمه بإكرامه علماً منه بتحقّق الحاجة فيما بعد، فالحاجة المتأخّرة غير
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 223-224 وما بعدها، الأمر الرابع: لا ينبغي الريب في أنَّ العلّة الغائية والملاكات المترتّبة على متعلّقات الأحكام التي هي علل تشريعها لا تكون بوجودها الخارجي مؤثّرةً في تشريع الحكم وجعله.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
دخيلةٍ في الأمر بالإكرام، بل المؤثّر فيه هو الوجود العلميّ، وقد يتخيّل الآمر أنَّه سوف يقضي حاجته فيحكم بإكرامه ولا يحدث ذلك، أو يحدث إلَّا أنَّه لا يعلم بحدوثه فلا يأمر بالإكرام. فالحاجة بوجودها الخارجيّ غير دخيلةٍ في الأمر بالإكرام، وإنَّما الإكرام معلولٌ لوجودها العلميّ، وبين الوجود العلميّ والوجود الخارجيّ عمومٌ وخصوصٌ من وجه.
إذن، لا يكون الشرط الدخيل في الأمر هو الشرط الخارجيّ، لا المقارن ولا المتقدّم ولا المتأخّر، فالشرط حقيقةً هو اللحاظ والوجود العلميّ، وهو بهذا الاتّصاف مقارنٌ دائماً.
فهذا صحيح في القضايا الخارجيّة، دون القضايا الحقيقيّة.
والوجه في ذلك: أنَّ القضايا الحقيقيّة مجعولةٌ على نحو فرض الوجود، فقد لا يكون الآمر ملتفتاً إلى وجود الموضوع خارجاً، كما هو الغالب في الأحكام المجعولة لغير الله وأوليائه، نظير القوانين الموجودة في البلدان، فيجعل الآمر حكماً على تقدير وجود موضوعه، أمّا نحو وجوده وبأيّ مقدار من العدد يمكن أن يوجد فهذا ممّا لا يدري به، فمثلاً: يَجعل في القانون: أنَّ مَن يدخل هذه البلد فعليه أن يدفع مقداراً من المال، أمّا أيّ مقدارٍ من البشر يدخل البلد وفي أيّ يوم يكون الدخول أكثر، فهذا لا يدري به، وإنَّما هو يجعل حكماً على موضوعٍ فُرض وجوده.
إذن في القضايا الحقيقيّة هناك مرحلتان: مرحلة الجعل ومرحلة الفعليّة في الحكم، التي يعبَّر عنها بمرتبة المجعول.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أمّا بالنسبة إلى مرتبة الجعل؛ فالحال فيها هو الحال في القضايا الشخصيّة، أي: إنَّ الآمر حينما يريد أن يأمر بشيءٍ على نحو القضيّة الحقيقيّة لا بُدَّ له من أن يتصوّر الأطراف ممّا يتقدّم عنه أو يتأخّر أو يقارن، فيرى: أهناك مصلحة في جعل الحكم مع هذه الخصوصيّات فيُجعل، أم فيه مفسدة أو ليس فيه مصلحة فلا يجعل؟
وكذا بالنسبة إلى مرحلة الجعل ولحاظ الخصوصيّات المتقدّمة والمتأخّرة والمقارنة، فالحال فيها حال القضيّة الشخصيّة، فإنَّ جعل الحكم على نحو القضيّة الحقيقيّة في مرحلة الجعل والإنشاء من جملة الأفعال الاختياريّة التي لا يكون للشيء الخارجيّ دخلٌ فيها، بل الدخيل هو الوجود العلميّ على ما تقدّم.
وأمّا مرحلة المجعول فأمرها مختلف؛ فإنَّ فعليّة الحكم تابعةٌ لوجود الموضوع لا لعلم الآمر وعدم علمه، ففي القضايا العرفيّة -مثلاً- يأمر المولى خادمه أن يضيّف كلّ وارد، وقد يرد أحدٌ وهو نائمٌ ولا يعلم به، فيكون الحكم فعليّاً لفعليّة موضوعه، والآمر لا يعلم به أبداً.
وفي القضايا الحقيقيّة وإن كان الإنشاء متحقّقاً والجعل متحقّقاً، إلَّا أنَّ الداعويّة التي نعبِّر عنها بالجعل الفعليّ أو بفعليّة الجعل إنَّما تكون عند وجود الموضوع، وإلَّا فجعل الحكم في نفسه لا يكون داعياً، فإنَّ جعل الحكم كبرى كليّةٌ، وما لم تتحقّق الصغرى في الخارج لا يكون الحكم فعليّاً؛ فقوله تعالى وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1) لا يكون داعياً إلى الحجّ إلَّا أن يكون الفرد مستطيعاً في الخارج.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فالتصوّر واللحاظ لا يكون في نفسه سبباً لفعليّة الحكم ولجعل الفرد مستطيعاً في الخارج، وإنَّما هو مجعولٌ على مَن استطاع -في الحجّ مثلاً- فإذا تحقّقت الاستطاعة في الخارج كان الحكم فعليّاً، وإن لم تتحقّق فلا يكون الحكم فعليّاً، فما هو دخيل في فعليّة الحكم هو وجود الموضوع خارجاً لا تصوّر المولى له.
ومن هذا القبيل: ما يُجعل من الأحكام على فرض وجود الموضوع عند الأشخاص العاديّين، كما في الوصيّة، بأن يوصي أن يعطي لزيدٍ كذا على تقدير موته، أو يستناب له للحجّ أو للصلاة، ففي مرحلة جعل الحكم، وهو الإيصاء هنا، لا بُدَّ للموصي-من الآن- من أن يتصوّر الأطراف المتقدّمة والمتأخّرة والمقارنة ليرى: هل هناك مصلحة في الإيصاء فيوصي، أو ليس فيه مصلحةٌ فلا يوصي؟ فالمؤثّر في وجود الإيصاء هو الشرط بوجوده اللحاظيّ، أي: وجوده العلميّ.
وأمّا فعليّة الوصيّة فإنَّما تكون عند الموت، وقبله لا يجب على الموصي شيءٌ، فإنَّما تتحقّق الفعليّة عند وجود الموت خارجاً لا عند لحاظ الموت.
ففي هذه القضايا التي يكون الحكم فيها مجعولاً على تقدير وجود الموضوع يُعبّر عنها بالواجبات المشروطة، غاية الأمر: أنَّ الشرط قد يكون مذكوراً صريحاً، نحو: إن متّ فافعل كذا، وقد يكون مأخوذاً موضوعاً نحو: المستطيع يحجّ، وهذا يرجع إلى الشرطية القائلة: إذا وُجد أحدٌ وكان مستطيعاً يحجّ.
ومن هنا ذكرنا: أنَّ القضيّة الحمليّة ترجع إلى القضيّة الشرطيّة، والقضيّة الشرطيّة إلى الحمليّة، أي: في القضايا الحقيقيّة، لا بُدَّ من وجود الموضوع،
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وأخذه مفروضَ الوجود، وهو عين الاشتراط.
وعلى ذلك، فلا معنى للقول بأنَّ التأثير للوجود العلمي لا للوجود الخارجي لأنَّه ليس له تأثير، فإنَّ هذا إنَّما يتمّ في القضايا الشخصيّة والحقيقيّة في مرحلة الجعل، وأمّا مرحلة المجعول وفعليّة المجعول والداعويّة الفعليّة فالدخيل فيها إنَّما هو وجود الموضوع خارجاً، وهو الذي يترتّب عليه الحكم الشرعي وغير الشرعي. وإذن، فكيف يمكن تأخّر الشرط بعد فرض كون الموضوع مفروض الوجود؟
ولذا أنكر شيخنا الأستاذ(1) إمكان تأخّر الشرط بدعوى: أنَّه يرجع إلى الخلف والمناقضة، فإنَّ أخذ الشرط في الموضوع معناه: أنَّه لا بُدَّ من أخذه مفروضَ الوجود ليكون الحكم فعليّاً، ولا بدَّ من أن يكون متحقّقاً في الخارج ليكون الحكم فعليّاً، ومعنى كونه متأخّراً: أن يكون الحكم فعليّاً، وما فرضناه قيداً في الموضوع لم يتحقّق في الخارج، والجمع بينهما جمعٌ بين المتناقضين وخلفٌ ظاهرٌ؛ إذ إنَّ مقتضى فرض كون الشرط متأخّراً كونه ليس دخيلاً فيه، ومقتضى فرض كونه دخيلاً فيه أنَّه ليس بمتأخّر.
وبعبارة أخرى: إنَّ القول بعدم الجواز آتٍ من أنَّ فرض دخله في الحكم وفرض تأخّره عنه متهافتان، والالتزام بهما مناقضة؛ فإنَّ فرض تأخّره هو فرض أنَّ الحكم فعليٌّ قبل وجوده، وفرض كونه دخيلاً قيداً في الموضوع أنَّه لا بُدَّ من أن يكون موجوداً ليكون الحكم فعليّاً.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 227-230، تنبيه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وما ذكره شيخنا الأستاذ(1) من التمييز بين القضايا الحقيقيّة والخارجيّة -وكذلك في القضايا الحقيقيّة بالنسبة إلى مرحلة الإنشاء ومرحلة الفعليّة وأنَّ الدخيل في مرحلة الفعليّة هو الوجود الخارجيّ لا الوجود العلميّ- صحيح، ولا يمكن المناقشة فيه، إلَّا أنَّ ما فرّع عليه من استحالة الشرط المتأخّر لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ يمكن تأخّر الشرط ومع ذلك يكون دخيلاً في الموضوع.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 224، تنبيه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الظاهر: أنَّه لا مناص عن الالتزام بالشرط المتأخّر.
والوجه في ذلك: أنَّ القول بالاستحالة وأنَّه لا يمكن تحقّق الشرط المتأخّر مبتنٍ على أحد أمرين:
◙ الأمر الأوّل: أن يكون مبنيّاً على ما قيل من أنَّ الشرط من أجزاء العلّة، وجزء العلّة لا يتأخّر عن المعلول، فإنَّ المعلول إنَّما يوجد بتبع علّته، فكيف يوجد المعلول والعلّةُ غير موجودةٍ؟ ولازم تأخّر الشرط أنَّ العلّة غير تامّة.
فإذا كان مبنى الإشكال هو هذا، فجوابه: أنَّ الموضوع وقيوده ليس دخيلاً في الحكم دخلَ العلّة في المعلول، فإنَّ الحكم ليس مترشّحاً من الموضوع الخارجيّ ولا يكون سبباً ولا شرطاً له؛ لأنَّ الحكم فعل الآمر ومجعول بجعله واختياره، ولذا لا يمكن أن يُقال -حتّى في الشروط المقارنة-: إنَّ وجوب الصلاة إنَّما نشأ من دلوك الشمس وكيف يمكن أن يكون دلوك الشمس جزءاً من علّة وجوب الصلاة؟ أو أنَّ دخول شهر رمضان جزءٌ من علّة وجوب الصوم؛ فإنَّ الوجوب فعل المولى؛ إذ له أن يجعل وله ألّا يجعل. فحينئذٍ، لا معنى للقول بأنَّ الوجوب الشرعي -الذي هو فعل المولى- مترشّحٌ من دلوك الشمس أو دخول شهر رمضان، أو أنَّ وجوب الحجّ مترشّحٌ من الاستطاعة.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وببيان آخر: إنَّ الشرط المتأخّر في المقام ليس بمعنى الشرط الذي هو من أجزاء العلّة، فإنَّه لا تأثير ولا تأثّر في عالم الأحكام، ولا يكون الحكم مترشّحاً -لا في مرتبة الجعل ولا في مرتبة المجعول- من شيءٍ آخر، وإنَّما هو جعلٌ اختياريٌّ، صادرٌ عن إرادة المولى واختياره، فليس هنا شرطيّةٌ بمعنى العلّيّة والمعلوليّة، وإنَّما الشرط هنا كالشرط في المأمور به، يراد به ما أُخذ قيداً في موضوع الحكم، كما أنَّ الشرط في المأمور به كان بمعنى القيد في متعلّق التكليف، فلا تأثير ولا تأثّر حتّى يُقال باستحالة تأخّر الشرط.
والأمر كذلك في الأحكام الوضعيّة؛ إذ كيف يمكن أن يُقال: إنَّ المتنجّس أوجب نجاسة المحلّ، أي: إنَّ حكم الشارع بها معلولٌ للملاقاة. فهذا كلّه لا يعقل، لأنَّ الحكم بالنجاسة أمرٌ اختياريٌّ يصدر من الآمر. وعليه فلا يمكن أن يكون حكم الآمر ناشئاً من الأمر الخارجيّ، ويكون الأمر الخارجيّ سبباً في وجوده.
نعم، اصطلح الفقهاء على التعبير عن كلّ ما أُخذ قيداً في موضوع الأحكام التكليفيّة بالشرط -وبحسب الاستقراء لم نجد مَن يخالف ذلك- ولذا نجدهم يعبّرون بالقول: إنَّ وجوب الصوم مشروطٌ بدخول شهر رمضان، وإنَّ وجوب الزكاة مشروطٌ بالنصاب، وإنَّ وجوب التمام مشروطٌ بالحَضَر، فيعبَّر عن قيود الموضوع بالشرط. وتقسَّم الشروط إلى شروطٍ خاصّةٍ وشروطٍ عامّةٍ، فيُقال: القدرة شرطٌ، والبلوغ شرطٌ في التكليف، وهكذا…
أمّا في الأحكام الوضعيّة فإنَّنا نجدهم يعبّرون بالسبب، فيُقال: الموت
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
سببٌ لانتقال المال إلى الوارث، والطلاق سببٌ للافتراق، والنكاح سببٌ للزوجيّة، والملاقاة سببٌ للتنجّس، وهكذا.
وقد تقدّم في مبحث الصحيح والأعمّ البحثُ عن وضع ألفاظ المعاملات بالمعنى الأعمّ للأسباب أو للمسبّبات.
أمّا أنَّهم لماذا اختاروا هذا الاصطلاح؛ فهذا غير واضح لدينا. ولم نجد وجهاً صحيحاً للتعبير عن قيود الموضوع في الأحكام التكليفيّة بالشرط، وفي الأحكام الوضعيّة بالسبب.
وكيفما كان، فليس هنا اشتراطٌ وسببيّةٌ ومسبّبيّةٌ وتأثيرٌ وتأثّرٌ، فإنَّ الحكم إنَّما يكون فعليّاً ومجعولاً بجعل المولى واختياره، من دون أن يكون لشيءٍ آخر دخلٌ فيه أبداً، غايته: أنَّ الحكم إنَّما جُعل على موضوعٍ خاصٍّ، فوجوب الحجّ جُعل على موضوع، وهو المستطيع، فالمستطيع هو الذي يجب عليه الحجّ دون غيره، فالموضوع هو حصّةٌ خاصّةٌ من البشر جُعل عليها هذا التكليف. وكذلك في الزكاة؛ فقد جُعل وجوبها على مَن له النصاب في موارد خاصّة، ولم يُجعل على جميع المال وجميع البشر. وكذلك في الصلاة؛ إذ لم يُجعل وجوبها على نحو الإطلاق، بل على حصّةٍ خاصّةٍ وهو ما كان بعد دخول الوقت، أمّا قبل دخوله فليست واجبةً. فهنا أُخذ في الموضوع قيدٌ خاصٌّ وهو أن يكون الدلوك والفجر مثلاً متحقّقاً؛ لقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ(1)، وهكذا في وجوب
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) الإسراء: 78.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الصوم في شهر رمضان؛ لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(1) فموضوع الوجوب هو الحصّة الخاصّة ويعبَّر عنه بالشرط.
والكلام عينه يأتي الأحكام الوضعيّة، فإنَّ الملكيّة لم تُعتبر لجميع البشر بعد الميّت، بل اعتبر في المالك بعده أن يكون قريباً منه ومسلماً وألَّا يكون قاتلاً، إلى آخر القيود المعتبرة في الموضوع… وكذلك في باب التنجيس اعتُبرت قيودٌ خاصّةٌ، منها: أن يكون الشيء الطاهر ملاقياً للمتنجّس وأن يتأثّر بالملاقي وهو المعبَّر عنه بالرطوبة السارية، كلّ ذلك قيودٌ أخذها المولى في الحكم الوضعي من دون أن يكون لشيءٍ منها دخلٌ في جعل الحكم تكليفاً أو وضعاً، فإنَّ الحكم إنَّما هو بجعل الحاكم ليس غير.
نعم، فعليّة الحكم تتوقّف على فعليّة الموضوع، ونسبة الموضوع إلى الحكم كنسبة العلّة إلى المعلول، أي: لا يتخلّف عنه، لا أنّ الموضوع مؤثّرٌ فيه؛ إذ المفروض أنَّ الحكم مجعولٌ على موضوعٍ خاصّ، فإذا لم توجد الخصوصيّة فيستحيل أن يكون الحكم فعليّاً، كما لو فرضنا أنَّ الحجّ أصبح واجباً من دون أن يكون الفرد مستطيعاً، هذا خلفٌ واضحٌ، وكذلك العكس إذا فرضنا أنَّ الموضوع موجودٌ -وهو الاستطاعة- وسائر الشرائط العامّة والخاصّة، فهنا يستحيل إلَّا أن يكون الحكم فعليّاً، إذ لا حالة منتظرة لفعليّة الحكم بعد فرض أنَّ الموضوع بجميع قيوده قد وُجد في الخارج، فالحكم لا يتخلّف عن الموضوع التامّ وكذلك العكس، فمن هذه الجهة نعبّر عنه بالعلّة والمعلول، أي: يشبه
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) البقرة: 185.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
العلّة والمعلول، وإلَّا فإنَّه ليس هناك تأثيرٌ للموضوع في حكمه حتّى يُقال: إنَّه إذا تأخّر الشرط يلزم تأخّر المعلول عن علّته ووجود المعلول من دون علّة. فليس هاهنا باب العلّيّة والمعلوليّة بل باب الحكم والموضوع، وأحدهما أجنبيٌّ عن الآخر.
فالإشكال إنَّما نشأ من التعبير بالشرائط والأسباب، وإلَّا فكلّ ذلك قيودٌ في الموضوع، من دون أدنى دخلٍ لها في الحكم، بل هي تابعةٌ لكيفيّة الجعل، فإذا كان الجعل موضوعاً على حصّةٍ معيّنةٍ، فإنَّه يكون فعليّاً بفعليّتها لا محالة.
◙ الأمر الثاني (الذي أوجب اختيار الاستحالة): ما تقدّم ذكره، وإليه استند شيخنا الأستاذ، وحاصل ما ذكره(1): أنَّ الموضوع بالنسبة إلى الحكم وإن لم يكن من باب العلّة والمعلول إذ لا تأثير ولا تأثّر، ولكنّه مثله في استحالة الانفكاك، ذلك أنَّه لا بُدَّ من أخذ قيود الموضوع مفروضة الوجود لفعليّة الوجوب، لا بُدَّ من فرض وجود الاستطاعة لفعليّة وجوب الحجّ، فإذا وُجد الوجوب من دون الاستطاعة فهذا كتخلّف المعلول عن علّته، فكما أنَّ تخلّف المعلول عن علّته التكوينيّة مستحيلٌ، كذلك تخلّف الموضوع عن الحكم.
وبعبارةٍ واضحةٍ: لا بُدَّ في مرحلة الجعل من أن يُفرض جميع ما هو دخيلٌ
ــــــــــ[67]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 143، المبحث الثالث: في تقسيم الواجب إلى المطلق والمشروط وتحقيق المقام إنَّما يتمّ ببيان أُمور: الأمر الثالث لا ريب في أنَّ وجود الموضوع وصفاته [لا بدَّ وأن تكون مفروضةَ الوجود في القضايا الطلبيّة]، وانظر: 1: 225-229، وكذلك 1: 289، تبصرة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
في الموضوع موجوداً، فيجعل الحكم على ذلك الموجود، ففرض وجود الموضوع لا بُدَّ منه في فعليّة الحكم، فإذا فرضنا أنَّ الحكم فعليٌّ مع أنَّ القيد لم يفرض وجوده، كان هذا تخلّفاً للحكم عن موضوعه، وهو على حدّ تخلّف المعلول عن علّته. هذه خلاصة ما ذكره.
جوابه:
ولكنّ الظاهر أنَّ الأمر ليس كذلك، والوجه في ذلك هو: أنَّ أخذ القيود مفروضةَ الوجود وإن كان لا بُدَّ منه في القضايا الحقيقيّة، إلَّا أنَّ فرض الوجود تابعٌ لكيفيّة الجعل؛ فقد يكون في مقام الجعل مفروضَ الوجود سابقاً، وقد يكون مفروضَ الوجود مقارناً، وقد يكون مفروضَ الوجود لاحقاً، فكلّ ذلك ممكنٌ في عالم الجعل، والمجعول تابعٌ لكيفيّة الجعل.
فيقال: إنَّه يشترط في إمام الجماعة وفي الشاهد طهارة المولد، وهو أمرٌ متحقّقٌ سابقاً، وهو من القيود المأخوذة في الحكم، ولا مانع من تقدّمه، فهذا قيدٌ أخُذ مفروض الوجود قبل ذلك، فإنَّ الطفل لا يُؤتمّ به ولا تُسمع منه شهادةٌ بعد ولادته وإنَّما يجوز ذلك بعد بلوغه أو بعد تمييزه، فجواز الائتمام أو قبول الشهادة -الذي هو حكمٌ شرعيٌّ- أخذ فيه أمرٌ سابقٌ.
وقد يكون القيد المأخوذ في الموضوع مقارناً للحكم كالعدالة المعتبرة في الشهادة وإمامة الجماعة، وإنَّما تعتبر العدالة المقارنة، أمّا العدالة السابقة أو اللاحقة فليس لها دخلٌ في قبول الشهادة والائتمام.
ومن هذا القبيل: اعتبار العلم في مرجع الفتوى؛ إذ لا بُدَّ من أن يكون
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
متّصفاً بهذا الوصف حين الرجوع إليه في الفتوى، فلو كان عالماً أو كان أعلم أهل زمانه ثُمَّ زالت عنه الملكة، أو عُلم -بإخبار المعصوم مثلاً- أنَّه يتّصف به فيما بعد، فلا أثر لذلك في جواز الرجوع إليه في الفتوى، فهو وصفٌ أُخذ في الموضوع مقارناً للحكم. ومثل هذا كثير في القيود التي أُخذت في مقام الجعل.
وكما يمكن هذان القسمان، كذلك يمكن أن يُجعل حكمٌ على حصّةٍ خاصّةٍ، وعلى قيودٍ مفروض وجودُها متأخّراً، أي: إنَّ الحصّة الخاصّة إنَّما تتحصّص بهذا الأمر المتأخّر المفروض وجوده في ظرفه، لا فعلاً. فلو فُرض أنَّ القيد وُجد فيما بعد فنستكشف أنَّ الموضوع كان تامّاً، لأنَّ الموضوع هو الحصّة الخاصّة المقيّدة بذلك.
ولعلّه إلى هذا ذهب(1) مَن جعل قيد (المتأخّر) شرطاً في الحكم، ويعني به: أنَّ الموضوع مقيّدٌ بقيد الالتحاق.
ونحن لا نرى أيّ مانعٍ من جعل الحكم على هذا النحو، أي: في مقام فرض الوجود عند جعل الحكم، بجعل أمرٍ مقيّدٍ بأمرٍ متأخّرٍ، فيكون الموضوع هو المتعقّب بالقيد المتأخّر.
وبعبارة أخرى: إنَّه -كما ذكرنا في القسم الأوّل في شرائط المأمور به- كما يمكن أن يكون متعلّق التكليف حصّةً خاصّةً، كذلك يمكن أن يكون موضوع
ــــــــــ[69]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، فوائد الأصول: 57، الفائدة (6) في تقدّم الشرط على المشروط. قال: ما عن شيخنا الأستاذ على ما في التقريرات وملخّصه على ما هو ببالي أنَّ الشرط في هذه الموارد ليس بمتأخّر، بل المتأخّر بوصف تأخّره جعل شرطاً.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الحكم التكليفيّ أو الوضعيّ حصّةً خاصّةً، ولا فرق في التحصّص بين تقدّم القيد وتأخّره، فكما أنَّ هذا أمرٌ ممكنٌ، كذلك ذاك، غايته: أنَّه هناك كان شرطاً في المأمور به، وهو هنا شرطٌ في الحكم.
وببيان أكثر تفصيلاً نقول: إنّا ذكرنا أنَّ شرط المأمور به ليس معناه إلَّا أخذه قيداً في المأمور به، على أن يكون القيد خارجاً، والتقيّد داخلاً، فيعبّر عنه بالشرط ويعنُون به: أنَّ الطبيعيّ على إطلاقه ليس مأموراً به وإنَّما هو مأمورٌ به في ضمن حصّةٍ خاصّةٍ، وهو ما يكون القيد خارجاً والتقيّد داخلاً، فإنَّ قولنا: إنَّ الاستقبال والطهارة شرطٌ في الصلاة، معناه: أنَّ طبيعيَّ الصلاة ليس مأموراً به كيفما تحقّق، بل المأمور به هو الحصّة الخاصّة، وهو الطبيعيّ المقيّد بالاستقبال والطهارة، وهكذا بالنسبة إلى سائر التقييدات.
فالنتيجة هي أنَّ المأمور به ليس هو الطبيعيّ الساري المطلق، الملغاة قيودُه، بل هو حصّةٌ خاصّةٌ منه. وقد اصطلحنا التعبير عن القيد بالشرط؛ فإنَّه في اللغة بمعنى الارتباط والربط، فهو شرطٌ لغويٌّ، لا الشرط بمعناه عند الفلاسفة، أي: المربوط بهذا الشيء دون الطبيعيّ الساري.
وعليه، فكما يمكن تقييد المأمور به بأمرٍ سابقٍ أو مقارنٍ، كذلك يمكن تقييده بأمرٍ متأخّرٍ، بأن يكون المأمور به هو الحصّة الملحوقة بهذا الشيء، فإذا فرضنا أنَّها كانت ملحوقةً وتحقّق القيد في ظرفه، فيكشف عن كونه مصداقاً للمأمور به. وإذا لم تكن ملحوقةً نستكشف عدم كونه مصداقاً له؛ إذ المأمور به
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ليس هو الموجود الخارجيّ وإنَّما هو الطبيعيّ، والامتثال يكون باعتبار انطباق الطبيعيّ على الخارج. فلو فُرض أنَّ الطبيعي كان مقيّداً ضمن حصّةٍ خاصّةٍ، وهو أن يلحقه هذا الشيء، فإنّا لا نرى فيه أيَّ محذور.
فلو فُرض أنَّ المأمور به للمستحاضة ليس هو طبيعيّ الصوم، بل المأمور به هو الصوم الذي يلحقه الاغتسال بالليل، فحينئذٍ لو اغتسلت في الليلة الآتية كشف هذا عن أنَّ الصوم المتقدّم مصداقٌ للمأمور به، فيُحكَم بصحّة الصوم، وإلَّا يُحكم بفساده. هذا في المأمور به.
وعين ما تقدّم من تفصيلٍ يمكن تصوّره في موضوع الحكم التكليفيّ والوضعيّ أيضاً، فنقول: إنَّ الموضوع قد يكون قيداً للحكم، فيُقال: الخمر حرام، أي: طبيعيّ الخمر الذي لم يؤخذ فيه كونه أبيض أو أحمر، مستخرجاً من العنب أم من الشعير، قليلاً أم كثيراً، وقد يكون الطبيعيّ مقيّداً بقيدٍ خاصّ، فيقال -حينئذٍ- بأنَّه شرطٌ للحكم التكليفيّ أو سبب للوضع. فكما أنَّ المأمور به كان حصّةً خاصّةً في الشرائط، كذلك موضوع الحكم.
فإذا كان الأمر كذلك، فالتحصّص كما يمكن أن يكون بالإضافة إلى أمرٍ متقدّمٍ أو مقارنٍ، كذلك يمكن أن يكون بالنسبة إلى الأمر المتأخّر. فإذا فرضنا أنَّ الأمر المتأخّر وجد في ظرفه، كشف عن أنَّه كان موضوعاً للحكم، وإذا لم يوجد كشف عن أنَّه لم يكن كذلك. هذا أمرٌ ممكنٌ بحسب التصوّر، ولا مانع من أخذه مفروض الوجود، بل لا بُدَّ من أن يُؤخذ الموضوع مفروض الوجود، وهذا صحيحٌ في نفسه، أي: إذا لم يوجد لا يكون الحكم فعليّاً، ولكن لا يلزم من ذلك
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أن يؤخذ مفروض الوجود حين الحكم، بل يمكن أن يؤخذ مفروض الوجود بعد ذلك، فيكون كاشفاً عن وجود التحصّص الذي كان الطبيعيّ قيداً فيه.
وببيان آخر: إنَّ الموضوع وقيوده لا بُدَّ من أن تؤخذ مفروضة الوجود في مرحلة الجعل، فيتوقّف الحكم على فعليّته، والحكم والموضوع وإن لم يكن بينهما علّيّةٌ ومعلوليّةٌ، إلَّا أنَّه شبيهٌ بها، فكما لا يمكن تأخّر العلّة عن المعلول، كذلك الموضوع وقيده لا يمكن أن يتأخّر عن الحكم؛ إذ لا بُدَّ في فعليّة الحكم من فعليّة الموضوع.
وقلنا: إنَّ هذا بحسب الكبرى صحيح، فإنَّه لا بُدَّ من أن يؤخذ الموضوع مفروض الوجود في مرحلة الجعل وتكون فعليّة الحكم بفعليّة موضوعه، إلَّا أنَّه لا يلزم أن يؤخذ مفروض الوجود حين الحكم، بل يمكن أن يؤخذ مفروض الوجود بعد ذلك. وهذا تابعٌ لجعل الحاكم، فإذا أخذه مقيّداً بشرط متأخّر، ففعليّة الحكم تتوقّف على وجوده في ظرفه، فإذا وُجد في ظرفه فيكشف ذلك عن أنَّ الموضوع السابق كان تامّاً.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وأمّا بحسب الوقوع فهو واضح التحقّق بالنسبة إلى الأحكام العرفيّة؛ فإنّا نرى أنَّ من جملة هذه الموارد الإباحة المشروطة بالأمر المتأخّر، كإقامة المجلس للتعزية، وصاحب المجلس يبذل الشاي والسجائر للحاضرين قبل أن يقرأ القارئ، وهو من الإباحة وليس تمليكاً، ولو كان تمليكاً فإنَّه لا إشكال في أنَّها
-بحسب جعل صاحب المنزل- مشروطةٌ بأن يجلس هذا الشخص إلى أن يقرأ القارئ، ولا يرضى صاحب المنزل أن يشرب الشاي ويخرج، فإنَّه إنَّما يملك الشاي بهذا العنوان الكلّي، وهو مَن يجلس حتّى وقت التعزية.
فهذا من الشرط المتأخّر؛ لأنَّ الإباحة حصّةٌ خاصّةٌ، وهي ما يكون ملحوقاً بذلك الأمر، أي: أن يستمرّ جلوسه إلى أن يقرأ القارئ، وهذا أمرٌ واضحٌ جدّاً، فلو شرب وخرج فإنَّه يُقال: من أباح لك هذا التصرّف، والموجود في الخارج هو الإباحة، وقد يكون تمليكاً.
ومن هذا القبيل: الحمّامات المتعارفة في البلاد، فإنَّه بعد التفتيش نرى أنَّ الحمّامي لا تجري أيّ معاملة معه، ولا يدخل الشخص الحمّام بإيجارٍ أو غيره؛ إذ ليس هنا حدّ بحسب الزمان بالنسبة إلى مَن يدخل الحمّام، فقد يبقى خمس دقائق
ــــــــــ[73]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أو يبقى ساعةً، وقد يستعمل من الماء مقداراً، ويستعمل غيره ضعف هذا المقدار. كلّ ذلك سائغٌ، فليس هذا من الإجارة؛ إذ لا بُدَّ فيها من تحديد الزمان والاستعمال.
فعند التفتيش نرى أنَّ هذا ليس إلَّا من الإباحة المشروطة، أي: إنَّ صاحب الحمّام أباح الدخول لكلّ مَن يدخل الحمام بحيث لا يخرج عن المتعارف، بشرط أن يعطي مقدار كذا من المال حين خروجه، فالإباحة ثابتةٌ لمن يعطي المال عند خروجه، فلو فرضنا أنَّ الداخل اغتسل ولم يعط المال يُحكم ببطلان غسله؛ إذ لم تكن الإباحة ثابتةً في حقّه؛ لأنَّها ثابتةٌ للحصّة الخاصّة، وهو الطبيعيّ المقيّد بالأمر المتأخّر.
وكذلك المياه الموقوفة على جهةٍ خاصّةٍ، كالحوض الموقوف على من يصلّي في المسجد، فإذا فُرض أنَّه توضأ ولم يصلِّ فيه، حُكم بفساد وضوئه؛ فإنَّه ليس مصداقاً للموقوف عليه، فكان ما تحقّق منه في الخارج مصداقاً للحرام؛ ذلك أنَّ الإباحة والتحريم كليهما فعليّان حال العمل، فالحرمة فعليّةٌ على تقدير عدم الصلاة، والإباحة فعليّةٌ على تقدير الصلاة؛ فإنَّ هذا الشخص يقال له -لا شخصاً وإنَّما في ضمن القضيّة الحقيقيّة- إن صلّيت بعد الوضوء يصحّ منك التصرّف في الماء ويصحّ وضوؤك، وإذا لم تصلّ كان التصرّف حراماً عليك، ويكون وضوؤك باطلاً، فالحرمة والإباحة كلتاهما فعليّتان، ولو فرضنا أنَّه بانٍ وقاصدٌ أن يصلّي في المسجد فإنَّ ذلك لا ينفع؛ فإنَّ عنوان الوقف لم يؤخذ فيه القصد، بل أخذ فيه: المصلّي خارجاً.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وذكر هذه المسألة صاحب العروة(1)، وحكم بصحّة الوضوء فيها، وأنَّه لو توضّأ من هذا الحوض الموقوف على من يصلّي في المسجد ثُمَّ بدا له فلم يصلِّ، حُكم بصحّة وضوئه، وكذلك لو توضّأ بقصد الصلاة في المسجد ولم يتمكّن من الصلاة لمانع، وذكر أنَّ الصحّة في الصورة الثانية أوضح.
وما ذكره لا ينافي ما ذكرناه من إمكان الشرط المتأخّر، فإنَّ هذا لا إشكال فيه، وهو معترفٌ بصحّة هذا الوقف المأخوذ فيه الشرط المتأخّر، وأنَّه موقوفٌ على مَن يصلّي في المسجد، فإذا لم يصلِّ فنستكشف أنَّه لم يكن ينطبق عليه عنوان الموقوف عليه، والحكم بالصحّة لا لأجل أنَّه لم يلتزم بالشرط المتأخّر أو لأجل عدم صحّة هذا الوقف، بل لأجل ما هو معروف ومشهور بينهم، من أنَّ الحرمة الواقعيّة ما لم تكن منجّزةً لم تكن مانعةً من صحّة الوضوء والغسل؛ ولذا ذكروا أنَّه لو توضّأ بماءٍ مغصوبٍ واقعاً، وهو لا يعلم بغصبيّته صحّ وضوؤه، وجعلوا هذا من مصاديق اجتماع الأمر والنهي، وقالوا: إنَّه في موارد اجتماع الأمر والنهي، إذا لم يكن النهي فعليّاً ومنجّزاً فلا مانع من امتثال الأمر، بعد سقوط داعويّة الحرمة بعدم الوصول.
وقد ذكرنا في باب اجتماع الأمر والنهي(2): أنَّ موارد اتّحاد الواجب والحرام خارجاً ليست من موارد اجتماع الأمر والنهي، بل من موارد النهي عن العبادة، ولا يفرَّق فيها بين الجاهل والعالم؛ فإنَّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب، فلو
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) انظر: اليزدي، العروة الوثقى 1: 226، المسألة: 11.
(2) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب: 287-288.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
توضّأ بماءٍ مباحٍ في مكانٍ مغصوبٍ وهو لا يعلم، ثُمَّ انكشف له ذلك، حُكم بصحّة وضوئه؛ لأنَّ المكان أمرٌ خارجٌ عن الوضوء وأجنبيٌّ عنه. أمّا إذا كان الماء مغصوباً فكلّ تصرّفٍ فيه يكون مصداقاً للغصب، فالوضوء بنفسه يكون مصداقاً للغصب، فهو حرامٌ واقعي، فإذا كان حراماً واقعيّاً فلا يمكن أن ينطبق عليه الواجب، لا بُدَّ من تخصيص دليل الوجوب بإخراج هذا الفرض منه. إذن، فلا فرق بين الجاهل والعالم في ذلك.
نعم، لو كانت الحرمة الواقعيّة قد سقطت، كما في موارد النسيان والإكراه والاضطرار، فلا مانع من الحكم بالصحّة، فلو نسي كون هذا الماء مغصوباً وتوضّأ به ثُمَّ تذكّر بعد ذلك حُكِم بصحّة وضوئه؛ إذ لم يكن هذا التصرّف حراماً في الواقع.
ومقامنا من هذا القبيل؛ حيث إنَّه(1) يرى أنَّ الحرمة الواقعيّة ليست مانعاً من الصحّة -لا أنَّه لا يلتزم بالحرمة- فلو توضّأ ولم يصلِّ، أو اغتسل ولم يُعطِ المال، كان تصرّفه حراماً لا محالة؛ إذ ليس هذا مورداً لإباحة الحمّامي أو الموقوف، إلَّا أنَّه حيث لم يكن عالماً بالحرمة، فلا يكون التحريم منجّزاً في حقّه، ومعه لا مانع من الصحّة.
إلَّا أنَّ هذه الكبرى مخدوشةٌ بما ذكرناه في باب اجتماع الأمر والنهي من أنَّ هذه الموارد داخلةٌ في باب النهي عن العبادة دون باب اجتماع الأمر والنهي؛
ــــــــــ[76]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى (للسيد اليزدي) 1: 302، المسألة: 16، وكذلك 1: 303، المسألة: 18.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ولذا قلنا بالفساد في الوضوء أو الغُسل بالماء المغصوب جهلاً، وقد ذكرنا ذلك في التعليقة(1).
نعم، لو فرضنا أنَّه توضّأ بهذا الماء (ماء الحوض) الموقوف للمصلّي في هذا المسجد، ولم يتمكّن بعد ذلك من الصلاة، لكنّه كان قاطعاً بالتمكّن عند الوضوء، أو كان غافلاً عنه، إلَّا أنَّه انكشف بعد ذلك أنَّه لم يكن متمكّناً، فلا مانع من الحكم بالصحّة؛ لسقوط الحرمة الواقعيّة حينئذٍ؛ فإنَّ المكلّف كان قاطعاً بخلاف الواقع وكان جازماً بالتمكّن من الصلاة أو كان غافلاً عن ذلك، فعدم الصلاة غير مستندٍ إلى اختياره، فالتحريم -في الواقع- لم يكن منجّزاً في حقّه؛ للقطع بأنَّه متمكّنٌ بأن يأتي بالصلاة بعد ذلك.
فهذه المسألة بكلا شقّيها -أي: مَن لم يصلّ اختياراً أو لعجزٍ- مبنيّةٌ على الكبرى التي ذكرناها، وهي: أنَّه إذا كان الحكم الواقعيّ ثابتاً ولم يتنجّز في حقّه لجهل المكلّف بأنَّه لن يصلّي، إلَّا أنَّه لم يصلِّ اختياراً، فحيث كان الحكم ثابتاً في الواقع في حقّه، فما أتى به يكون مصداقاً للحرام الواقعي، وهو لا يمكن أن يقع مصداقاً للواجب، فيقع فاسداً.
ومن جملة موارد الشرط المتأخّر الواجبات التدريجيّة، فإنَّه لا يُعقل أن يُلتَزم بواجبٍ تدريجيٍّ كالصلاة ويُلتَزم مع ذلك باستحالة الشرط المتأخّر؛ فإنَّ مجموع الأجزاء هو المأمور بها، فإنَّها بمجموعها مقوّمةٌ لمصلحةٍ واحدةٍ وغرضٍ واحدٍ،
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) انظر: الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، الطهارة 4: 362، اعتبار الإباحة في الماء.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فلا مناص من الالتزام بالشرط المتأخّر فيها؛ فإنَّ فعليّة الوجوب من أوّل الأمر مشروطةٌ ببقاء القدرة إلى آخر الأجزاء لا محالة.
والوجه في ذلك:
أمّا بالنسبة إلى المأمور به؛ فقد تقدّم أنَّ التكبير والقراءة والركوع والسجود لم يُؤمر بها على إطلاقها، بل أُمر بالتكبير المتعقّب للقراءة المستعقب للركوع المستعقب للسجود المستعقب للتشهّد وهكذا إلى آخر أجزاء الصلاة… فلو فرضنا أنَّه لم يأتِ بالجزء الأخير منها كان الأوّل فاسداً؛ لأنَّه فاقدٌ للتقييد؛ فالجزء الأوّل مقيّدٌ بأن يأتي بعده ببقية الأجزاء، فلو ترك جزءاً واحدٍاً كان الأوّل باطلاً، وهذا ظاهر.
وأمّا بالنسبة إلى شرط الحكم؛ فلا ينبغي الشكّ في أنَّ الجزء المتّصل بواجبٍ تدريجيٍّ إنَّما يؤتى به بقصد هذا الواجب نفسه، لا بقصد وجوب الجزء، فإنَّ التكبيرة غير مأمورٍ بها في نفسها وإنَّما مأمورٌ بها مقيّدةً بالإتيان بعدها بسائر الأجزاء، لا بُدَّ من أن يقصد عند الإتيان بالتكبيرة هذا العنوان، وهو الإتيان بالمركّب.
فلو مات أو أُغمي عليه في أثناء الصلاة، أو طرأ عليه ما يمنع الوجوب، كالحيض والنفاس في المرأة، نستكشف أنَّ الوجوب لم يكن من الأوّل؛ فإنَّ الأجزاء لم تكن موضوعاً للوجوب؛ لأنَّها إنَّما تكون موضوعاً له مقيّدةً بالإتيان بالأجزاء الأُخرى، فإذا حدث ما يمنع ذلك نستكشف -حينئذٍ- أنَّها لم تكن واجبةً في حقّه أو في حقّها.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وكذلك الحال في الصوم، فلو قصد الإمساك ونوى، ومات في أثناء الوقت أو طرأ عليه الجنون أو طرأ عليها الحيض أو النفاس، كلّ ذلك يكشف عن أنَّ الوجوب لم يكن من الأوّل.
إذن، الوجوب من الأوّل للتكبيرة، والإمساك مشروطٌ ببقاء القدرة والعقل والطهارة من الحيض والنفاس في المرأة إلى آخر الوقت، وليس هذا إلَّا الشرط المتأخّر، فإنَّ الإمساك لم يوجَب إيجاباً مطلقاً وإنَّما أوجب بشرط بقاء شرائط التكليف إلى آخر الوقت، فالبقاء دخيلٌ في فعليّة الوجوب. إذن، لا بُدَّ من الالتزام بالشرط المتأخّر، ولا نتعقّل غير ذلك في الواجبات التدريجيّة.
وعليه، فلا مانع من تأخّر الشرط بالنسبة إلى الحكم، كما كان ذلك ممكناً في المأمور به.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بقي الكلام في وقوع ذلك، أفنلتزم بالشرط المتأخّر في جميع الموارد متى شئنا، أم لا بُدَّ من متابعة الدليل، ففي موردٍ دلّ الدليل على اشتراط أمرٍ متأخّرٍ نلتزم به، وإذا لم يدلّ لم نلتزم به؟
وفي مقام الجواب نقول: إنَّ نفس الإمكان لا يلازم الوقوع لا بُدَّ من الدليل عليه، وإلَّا فالأوصاف التي تؤخذ في أدلّة التقييد ظاهرةٌ في أن يكون الوصف موجوداً حين فعليّة الحكم لا بعدها، فإذا أُخذت العدالة شرطاً في إمامة الجماعة، لا يشكّ العرفُ أنَّ العدالة المشترطة هي العدالة حين الائتمام لا بعده، فالظاهر من القيود التي تؤخذ في الموضوعات أن يكون الوصف فيها فعليّاً عند فعليّة الحكم.
فالتأخّر في الشرط وإن كان جائزاً، فإنَّه خلاف ظهور الأدلّة، لا بُدَّ فيه من دليل، فإن دلّ عليه دليلٌ كما في غسل المستحاضة -كما قيل- فهو، وإلَّا فلا نلتزم.
ومن هذه الموارد التي قام الدليل على أنَّ الشرط متأخّرٌ فيها: موارد المعاملات الفضوليّة، حيث نلتزم بمقتضى الدليل بجواز تأخّر الشرط في هذا المورد.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والوجه في ذلك: أنَّ التجارة أو البيع أمرٌ يكون إسناده إلى الشخص:
أمّا الأُمور الاعتباريّة التي لا واقع لها وراء الاعتبار فهي قابلةٌ للتوكيل ويصحّ إسنادها إلى الموكّل حقيقةً، فهو حقيقةً طلّق امرأته أو تزوّج بامرأةٍ وإن كان الطلاق أو العقد صدر من غيره وكالةً.
وكما يمكن إسناد الأمر الاعتباري إلى المباشر وغيره، كذلك يمكن إسناده حقيقةً إلى من أجاز العقد الواقع، فإذا صدر عقدٌ فضوليٌّ بالنسبة إلى مال زيدٍ، فعند الإجازة يصحّ إسناده إليه حقيقةً، ويكون العقد حينئذٍ تجارةً عن تراضٍ.
فذات التجارة وإن كانت متحقّقةً في الخارج، إلَّا أنَّها لم تكن تجارةً عن تراضٍ، وإضافتها إلى المجيز إنَّما تتحقّق حال الإجازة، فإذا أجاز البيعَ السابقَ،
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فبما أنَّ الرضا والإجازة قابلٌ لأن يتعلّق بأمرٍ سابقٍ أو لاحقٍ، فإنَّه كما يجوز أن يأذن في البيع المتأخّر فيستند البيع إلى المجيز والآذن، كذلك يمكن أن يرضى بالبيع السابق، ويكون من حين الإجازة والرضا مستنداً إليه، فيقال: زيدٌ باع داره، أي: أجاز بيعها.
وحينئذٍ، فتشمله العمومات الدالّة على التجارة عن تراضٍ أو صحّة البيع أو صحّة الهبة أو غير ذلك من العقود على القاعدة، بلا حاجةٍ إلى دليلٍ خاصٍّ في كل موردٍ، بعد أن كان مشمولاً لهذا العموم. وقد فرضنا أنَّ التجارة عن تراضٍ مرخَّصٌ بها من قبل الشارع.
والسرّ فيه: أنَّ الأمرَ الاعتباريَّ لا يقاس بالفعل التكوينيّ؛ فإنَّ الفعل التكوينيَّ لا يُنسب حقيقةً إلى مَن إذن به أو رضي به. فلو فعل زيد فعلاً ورضي به شخصٌ آخر، فرضاه عن الفعل لا يجوز إسناده إليه حقيقةً. نعم، يجوز ذلك مجازاً وعقاباً “الراضي بالفعل كفاعله” إلَّا أنَّ الاستناد الحقيقي غير ممكن؛ فلو قتل أحدٌ عمراً ورضي زيدٌ بذلك، لا يصحّ أن يُقال: إنَّ زيداً قاتل عمرٍو حقيقةً.
وهذا بخلاف الأمر الاعتباري؛ فإنَّه لا يتوقّف إسناده إلى الشخص على أن يصدر منه بالمباشرة، بل كما يصحّ ذلك يصحّ الإسناد إليه عند صدوره بإذنه وإجازته، كذلك يصحّ إسناده إليه عند إجازته المتأخّرة، فالإجازة المتأخّرة توجب إسناد البيع السابق إليه حقيقةً.
والأمر كذلك في الهبة السابقة، فلو وهب أحدٌ مال زيدٍ لشخصٍ، وأجازها زيدٌ، فحقيقةً تُنسب الهبة إلى زيد، فيُقال: زيدٌ وهب مالاً لعمرٍو؛ لأنَّ الهبة أمرٌ
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
اعتباريٌّ، وهي ملكيّة عمرٍو مجّاناً للمال، وبالإجازة تُنسب الهبة إلى زيدٍ اعتباراً. إذن، فتكون الإجازة شرطاً في العقد السابق على القاعدة.
ومن هنا، ظهر أنَّ الصحيح في عقد الفضوليّ أن نلتزم بالكشف، لكن لا بمعنى: أنَّ العقد كان صحيحاً قبل الإجازة، وأنَّ الإجازة معرّفةٌ محضةٌ عن صحّة العقد؛ إذ لا يمكن الالتزام بهذا؛ فإنَّ موضوع صحّة العقد هو التجارة عن تراضٍ، وقد فرضنا أنَّه قبل الإجازة لم يكن عنوان (تجارةً عن تراضٍ) متحقّقاً، وإنَّما المتحقّق هو ذات التجارة، لا التجارة عن تراضٍ، فكيف يمكن أن يكون البيع صحيحاً من الأوّل وتكون الإجازة معرّفةً محضةً؟
بل بمعنى: أنَّ الشارع بالإجازة الفعليّة وبانتساب البيع إلى المالك من الآن يحكم بصحّة البيع السابق، فطرف الحكم هو السابق، لا أنَّ الحكم سابق، فالحكم بصحّة العقد السابق من الآن، فكما أنَّ المجيز يُمضي من الآن البيع السابق، كذلك الشارع يحكم من الآن بصحّة البيع السابق، فظرف الحكم إنَّما هو زمان الإجازة، وأمّا المحكوم به فهو أمرٌ سابقٌ، ولا محذور في ذلك.
وهذا المعنى من الكشف ليس فيه أيُّ محذورٍ، لا عقليٌّ كمحذور الانقلاب، انقلاب الفاسد صحيحاً، ولا لفظيٌّ ككونه خلاف الظهور العرفيّ؛ فإنَّ الحكم بالصحّة إنَّما هو بعد الإجازة، وأمّا متعلّق الحكم فهو العقد السابق.
وهذا ليس من الكشف الذي ذكره الشيخ(1)، وتمام الكلام في بحث المكاسب.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، كتاب المكاسب 3: 408، معاني الكشف.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
هذا ملخّص الكلام في الشرط المتأخّر، والنتيجة: أنَّه أمرٌ ممكن، إلَّا أنَّ وقوعه يحتاج إلى دليل، وفي أيّ موردٍ دلّ الدليل على وقوعه نلتزم به، وإلَّا فلا.
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
تقسيمات الواجب
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الواجب المطلق والمشروط كما ذكر صاحب الكفاية(1) ليس فيهما اصطلاحٌ خاصٌّ، وإنَّما يستعملان بمعناهما اللغويَّين، فالإطلاق بمعنى الإرسال، والاشتراط بمعنى التقييد وعدم الإرسال، وكذلك الكلام بالنسبة إلى الوجوب فإنَّه إمّا مطلقٌ أو مشروطٌ.
وكان الأولى أن يعبّر -في العنوان- بالوجوب المطلق والوجوب المشروط، ولكنهم عبّروا بالواجب عن الوجوب، بمعنى: الواجب بما هو واجبٌ مطلقٌ، أي: ما كان وجوبه مطلقاً، والواجب بما هو واجبٌ مشروطٌ، أي: ما كان وجوبه مشروطاً.
فالتقسيم إنَّما هو بالنسبة إلى الوجوب، فهو الذي يكون مرسلاً ومطلقاً أو يكون مقيّداً ومشروطاً بشيء.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 95، الأمر الثالث: في تقسيمات الواجب، منها: تقسيمه إلى المطلق والمشروط.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أمّا بالنسبة إلى متعلّق الوجوب -أي ذات الواجب، لكن لا بوصفه واجباً- فلا كلام في جوازه، فكما يكون مطلقاً كذلك يكون مقيّداً، مثلاً: الصلاة الواجبة مقيّدة بأن تقع إلى القبلة، ولكنّ النافلة يجوز أن تقع حال المشي إلى غير القبلة. والصوم الواجب غير مشروطٍ بإذن الزوج أو السيّد، ولكنّ صوم النافلة مقيّدٌ بذلك عند بعضهم.
فذات الواجب قد تكون مطلقةً فيتعلّق بها الأمر كذلك، وقد تكون مقيّدةً، أي: إنَّ الحصّة الخاصّة من الطبيعي هي الواجبة لا الطبيعي على إطلاقه. وهذا لا خلاف فيه.
وأمّا بالنسبة إلى الوجوب، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ الوجوب المطلق -أي: المرسل من جميع الجهات- غير موجودٍ في الخارج، فلا أقلّ من أخذ الشرائط العامّة كالبلوغ والعقل والقدرة. إذن، فالإطلاق والاشتراط لا محالة أمرٌ إضافيٌّ لا أمرٌ حقيقيٌّ، أي: إنَّ الوجوب مطلقٌ بالنسبة إلى شيءٍ ومقيّدٌ بالنسبة إلى شيءٍ آخر، فقد يكون هناك وجوبٌ مشروطٌ بشيءٍ وآخر غير مشروطٍ به، مثلاً: وجوب الصلاة مقيّد بالزوال أو الغروب لكنّ وجوب الزكاة غير مشروطٍ بذلك، ووجوب الزكاة مشروطٌ وثابتٌ بحقّ مَن يكون عنده مالٌ بقدر النصاب، والصلاة غير مشروطةٍ بذلك، ووجوب الحجّ مشروطٌ بالاستطاعة، والزكاة والصلاة ليستا كذلك. إذن، فالوجوب المطلق بتمام معنى الكلمة غير ممكن.
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بل قد يختلف الحال بالنسبة إلى ما يكون مقيّداً وما لا يكون كذلك، فإذا كان الوجوب مشروطاً ومقيّداً بشيء فيقال إنَّه مشروطٌ به، وإن لم يكن مشروطاً به، بل كان فعليّاً على تقديرَي وجوده وعدمه، فيقال: إنَّه مطلقٌ من ناحيته.
فالقائل بالوجوب المشروط يقسّم الوجوب هكذا.
نعم، هنا كلامٌ نُسب إلى الشيخ -كما في تقريراته(1)– وهو: أنَّ القيد يستحيل أن يؤخذ في الوجوب، بل لا بُدَّ أن يرجع إلى ذات الواجب. غاية الأمر: أنَّ القيد المأخوذ في ذات الواجب على نحوين:
إذن، يقع الكلام في إمكان اشتراط الوجوب وعدم إمكانه: أيمكن تقييد نفس الوجوب، أم لا بُدَّ من أن يكون القيد مأخوذاً في المتعلّق، غاية الأمر أنَّه مأخوذ على نحوين؟
ومقتضى القواعد العربيّة -على ما صرّح به غير واحدٍ(2)-: هو أن يكون
ــــــــــ[89]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 223 وما بعدها، هداية [في تقسيم الواجب إلى المطلق والمشروط]، وانظر النسبة في: أجود التقريرات 1: 232-233، الثاني: لا ريب في أنَّ مقدّمة الواجب الفعلي إذا كانت محرّمة وانحصر التوصّل إلى الواجب بها، فهي لا تبقى على حرمتها.
(2) انظر: التفتازاني، المطوّل شرح تلخيص مفتاح العلوم: 315-316.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
القيد قيداً لمفاد الهيئة؛ فإنَّ الجملة الشرطيّة متكوّنةٌ من جملتين بلا فرق بين: الجملة الخبريّة والإنشائيّة، فمفاد قوله تعالى: وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1) أنَّ الجملة الأولى متوقّفةٌ على الثانية، فالآية وإن لم تكن جملةً شرطيةً صريحةً إلَّا أنَّها بمعناها، ومعناها: مَن استطاع يجب عليه الحجّ، فالمستفاد من الآية: أنَّ الوجوب متوقّفٌ على الاستطاعة.
بنى شيخنا الأنصاري في كتاب المكاسب(2) على إمكان التعليق؛ إذ ذكر: أنَّ التعليق في العقود والإيقاعات باطلٌ من جهة الإجماع(3)، لا أنَّه غير ممكنٍ في نفسه، فلو باع داره معلّقاً على شيءٍ يشكّ في حصوله؛ نحو: (إن جاء زيدٌ) أو (إن كان اليوم الجمعة)، فهو باطلٌ من جهة الإجماع المدّعى في باب المعاملات بالمعنى الأعمّ -أي: الأعمّ من العقود والإيقاعات- واستثنى من
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
(2) انظر: الأنصاري، كتاب المكاسب 3: 162-172.
(3) انظر: المبسوط 2: 399، والخلاف 3: 354، كتاب الوكالة، المسألة 23، السرائر 2: 99، التذكرة 2: 114 و433، والقواعد 1: 252 و266، و2: 4، اللمعة الدمشقية وشرحها (الروضة البهية) 3: 168، الدروس 2: 263، والمسالك 5: 239 و: 357، جامع المقاصد 8: 180، و9: 14 15، و12: 77، وغيرهم كالمحقّق الحليّ في الشرائع 2: 193 و216، والمحقّق السبزواري في الكفاية: 128 و140، والمحدّث الكاشاني في مفاتيح الشرائع 3: 189 و207.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ذلك باب الوصيّة، وقال: إنَّه لا مانع منها معلّقة، وكذلك جعل الحرّية مُعلّقاً على الموت، وأنَّ التعليق فيهما لا بأس به. فالتعليق -في غير الوصيّة والحريّة- ممنوع للإجماع، لا أنَّه غير معقول.
إلَّا أنَّه في التقريرات المعروفة والمسمّاة بمطارح الأنظار(1)، ذهب إلى عدم إمكان أن يكون الوجوب معلّقاً على شرط، ولذا أرجع القيود إلى الواجب وجعل القيد قيداً لمتعلّق الوجوب، فيكون معنى قوله تعالى: وَللهِ عَلَى النَّاسِ… الآية -بناءً على هذا-: أنَّ الحجّ مقيّدٌ بالاستطاعة، فالوجوب فعليٌّ إلَّا أنَّ الواجب -وهو الحجّ- مقيّدٌ بالاستطاعة، فالقيد يرجع إلى الحجّ، لا إلى الوجوب.
وكيفما كان، فقد قيل باستحالة رجوع القيد إلى الوجوب ولزوم رجوعه إلى المادّة، أي: متعلّق الوجوب، سواءٌ كان هذا من الشيخ أو لم يكن، وقد وقع ذلك محلّاً للبحث والنفي والإثبات: أهو أمرٌ ممكنٌ فيؤخذ بظاهر الجملة الشرطيّة وأنَّه قيدٌ لمفاد الهيئة، أم أنَّ ذلك مستحيلٌ، لا بُدَّ من رفع اليد عن الظهور؛ إذ لا يُتَّبعُ إلَّا إذا أمكن الأخذ به، وإلَّا لا بُدَّ من التأويل ورفع اليد عنه؟
فالكلام يقع في مقامين:
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 223، هداية [في تقسيم الواجب إلى المطلق والمشروط].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وبعبارة أُخرى: إنَّ الأمر دائرٌ بين أن يرجع القيد إلى مفاد الهيئة فيكون الوجوب مشروطاً، وبين أن يرجع إلى المادّة، فيكون مطلقاً. وإذا رجع إلى أحدهما فلا محالة لا يرجع إلى الآخر.
فتارةً: يقال برجوع القيد إلى المادّة لأجل استحالة الآخر، وأُخرى يقال برجوعه إلى المادّة ومتعلّق الحكم باعتبار لزوم ذلك.
يقع الكلام في استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة وعدم استحالته، وبعد الفراغ عن إمكانه يقع الكلام في المقام الثاني عن: أنَّ هذا إذا كان ممكناً فهل هناك ملزمٌ من جهة رجوع القيد إلى المادّة والمتعلّق، حتّى ننكر من جهته الواجب المشروط، وإن كان رجوعه إلى الهيئة ممكناً في نفسه؟
فإذا لم يثبت استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة ولا لزوم رجوعه إلى المادّة، نلتزم بما هو ظاهر القضيّة من رجوعه إلى مفاد الهيئة، وأنَّ الوجوب
-مثلاً- هو مشروط، لا أنَّ القيد قيدٌ للواجب.
وما يمكن أن يكون منشأ للقول بالاستحالة أحد وجوه:
◙ الوجه الأوّل: أنَّ مفاد الهيئة من المعاني الحرفيّة، والمعاني الحرفيّة معانٍ جزئيّةٌ، والمعاني الجزئيّة غير قابلةٍ للإطلاق والتقييد، فلا يمكن أن يكون المعنى
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المستفاد من الهيئة -وهو الوجوب في المقام- مطلقاً تارةً ومقيّداً أُخرى حتى يرجع القيد إليه فيكون مقيّداً، بل إنَّ الإطلاق والتقييد إنَّما يؤخذان في متعلّق الحكم كالحج؛ فإنَّ الحجّ لا يجب على الإطلاق وإنَّما يجب الحجّ الخاصّ، وهو الحجّ مِن المستطيع، فتكون الخصوصيّة مأخوذةً في الحجّ، لا في الوجوب؛ فإنَّ الوجوب أمرٌ جزئيٌّ شخصيٌّ غير قابلٍ لأَنْ يكون مطلقاً أو مقيّداً حتّى يرجع إليه القيد(1).
وقد تقدّم الكلام في المعنى الحرفيّ مفصّلاً(2)، وذكرنا: أنَّ ما هو المعروف من كون المعنى الحرفيّ جزئيّاً لا أساس له، بل المعاني الحرفيّة في قبال المعاني الاسميّة، وهي في الأكثر -أي حروف الجرّ وأمثالها- موجبةٌ لتقييد وتضييق المعاني الاسميّة، فمثل: (سر من البصرة إلى الكوفة) أو (أقرأ من أوّل الكتاب) توجب تقييداً في المعنى الاسميّ؛ فإنَّ السير كلّيٌّ قابلٌ للتقييد من جهة الزمان والمكان والملابسات، والحروف وُضعت لذلك.
وأمّا مفاد الهيئات في الجمل الإنشائيّة؛ فهو في مقابل هذه الحروف، وقد قلنا: إنَّ الإنشاء إنَّما هو إبرازُ أمرٍ نفسانيٍّ يوجد في النفس، ويبرز بمبرزٍ في الخارج، وهذا القسم من الهيئات -أي في الجمل الإنشائيّة- وضعت الهيئة فيه
ــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) نسب صاحب الكفاية هذا الوجه للشيخ الأنصاري في الكفاية: 95-96، رجوع القيود إلى الهيئة، كلام الشيخ في رجوع الشرط إلى المادة، وانظر مطارح الأنظار: 48-49، و: 52-53، هداية [في أنَّ الأصل الإطلاق أو المشروطية].
(2) راجع الجزء الأوّل من هذا الكتاب: 142-152.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لإبراز أمرٍ واعتبارٍ نفساني، ولا معنى هنا لأَنْ يُقال: إنَّ الإنشاء مطلقٌ أو مقيّدٌ، فإنَّ الإنشاء يوجد في الخارج، وغير قابلٍ للإطلاق ولا للتقييد. ومَن يدّعي رجوع القيد إلى مفاد الهيئة لا يقول: إنَّ الإنشاء مقيّدٌ أو مطلقٌ.
بعبارة أخرى: الإنشاء كالإخبار، فكما أنَّ الإخبار يوجد في الجملة الخبريّة ولا معنى لإطلاقه وتقييده، كذلك الإبراز الذي نعبّر عنه بالإنشاء، فهو أيضاً غير قابلٍ للإطلاق والتقييد، والقائل بالواجب المشروط لا يدّعي أنَّ الإنشاء مقيّدٌ؛ فإنَّه غير معقولٍ، لأنَّ الإنشاء دائرٌ أمره بين الوجود والعدم، ولا معنى لأَنْ يكون موجوداً مطلقاً أو مقيّداً. وما يبحث عنه في باب العقود والإيقاعات من أنَّ التعليق يوجب البطلان أو لا يوجبه، لا يراد منه: التعليق بالنسبة إلى نفس الإنشاء؛ فإنَّه غير معقول.
وكذلك بالنسبة إلى المبرَز، وهو الاعتبار النفسيّ، والذي هو قصد الحكاية في الإخبار، فهو أيضاً غير قابلٍ للإطلاق والتقييد، بل هو إمّا موجودٌ أو غير موجودٍ. فعند قولنا: زيدٌ قائم، نستكشف -بمقتضى تعهّد الواضع- أنَّ المتكلّم قصد الحكاية عن قيام زيدٍ، وقصد الحكاية أمرٌ نفسانيٌّ غير قابلٍ لأَنْ يكون مطلقاً أو مقيّداً، بل هو إمّا موجودٌ، أي: أن يكون المتكلّم قاصداً حقيقةً للحكاية كما يدلّ عليه اللفظ بحسب الوضع، أو غير موجودٍ، أي: إنَّ المتكلّم -على خلاف تعهّده- لم يقصد الحكاية، وإنَّما قصد الاستهزاء والسخرية أو غير ذلك من الدواعي.
فالإنشاء بعينه هو الإخبار من هذه الناحية؛ إذ المتكلّم بالجملة الإنشائيّة
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إمّا أن يعتبر في نفسه شيئاً وقد أبرزه بالجملة، أو يكون غير معتبرٍ في نفسه شيئاً، والاعتبار المقيّد أو المطلق لا معنى له، ولا يريد القائل بالواجب المشروط تقييد الاعتبار أو إطلاقه، فإنَّ الاعتبار أمرٌ يدور بين الوجود والعدم، فهو إمّا موجودٌ أو غير موجودٍ، فتكون كلمة (بعت) أو (افعل) بحسب الوضع مبرزٌ لاعتبارٍ نفسيٍّ، وهو إمّا متحقّقٌ، فالكلمة قد استعملت في معناها، أي: كشفت عن أمرٍ ثابت في النفس، أو أنَّ المكشوف ليس موجوداً وإن كان الكشف موجوداً، وإنّما استعمله المستعمل بداعٍ آخر من سخريةٍ أو غيرها.
وعلى أيّة حالٍ، فالإطلاق والتقييد لا يعقل في الاعتبار، وإنَّما الكلام بالنسبة إلى المعتبر، أي: ما تعلّق به الاعتبار، حيث يكون التقييد راجعاً إليه كما يرجع إلى متعلّق قصد الحكاية في الجملة الخبريّة. فلو أخبر زيدٌ عن شيءٍ على تقدير، نحو: إذا كانت الشمس طالعةً فالنهار موجودٌ، فالإخبار موجودٌ وجداناً وهو غير قابلٍ للاتّصاف بالإطلاق والتقييد، وكذلك الحال في قصد الحكاية، ولكنّه قد يحكي عن وجود شيءٍ مطلقاً وقد يحكي عن وجود شيءٍ على تقدير، فيحكي عن وجود النهار لا على الإطلاق، بل على تقدير طلوع الشمس.
والإنشاء أيضاً كذلك، فقد يعتبر الإنسان شيئاً على وجه الإطلاق، كأن يعتبر الملكيّة من دون تقييدٍ، نحو: (وهبتك هذا المال) وتقييد الإنشاء غير معقول، وكذلك الاعتبار النفسيّ المبرز؛ فإنَّ التقييد فيه غير معقولٍ أيضاً.
وإنَّما الكلام في تقييد ما تعلّق به الاعتبار وهو الملكيّة؛ فقد يكون الاعتبار
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
متعلّقاً بالملكيّة المطلقة من غير قيدٍ، وقد يكون الاعتبار متعلّقاً بالملكيّة على تقديرٍ، كأن يقول: (ملّكتك إن كان اليوم الجمعة) أو (إذا كان زيدٌ جائياً) فهذا أمرٌ معقولٌ، إلَّا أنَّه محكومٌ بالبطلان، أي: إنَّ الشارع لم يُمضِه إلَّا في الوصيّة، ويكون الإنشاء والإبراز من الآن متحقّقاً، أمّا المعتبر -وهو الملكيّة- فتحقُّقُه بعدَ الموت. فكما يمكن أن يعتبر الإنسان الملكيّة المطلقة، كذلك يمكنه أن يعتبر الملكيّة على تقدير الموت أو مجيء زيد.
هذا أمرٌ ممكنٌ، ولا ربط له بكون المعاني الحرفيّة جزئيّةً أو كلّيّةً؛ إذ ليس المعنى هو الملكيّة، بل معنى اللفظ هو إبراز الكلام عن أمرٍ نفسانيٍّ، وهو الاعتبار، أمّا كون متعلّقه كلّيّاً أو جزئيّاً فهو أجنبيٌّ عن كلامنا.
وبعبارة واضحة: الإنشاء والإخبار سِيّان، فكما يمكن التعليق في مفاد الجملة الخبريّة، ولا يرجع التعليق إلى الإخبار ولا إلى قصد الحكاية، بل يرجع إلى ما تعلّق به قصد الحكاية، وهو وجود النهار على تقدير طلوع الشمس، أو نحو: (إذا كان زيد آكلاً للسمّ فقد مات) أو فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(1) ولَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا(2)، فقد قصد الحكاية عن الفساد لا على الإطلاق، بل على تقدير التعدّد، كذلك في الإنشاء.
فكما أنَّ التعليق في الجملة الخبرية لا يرجع إلى الإبراز ولا إلى المبرَز وهو قصد الحكاية، وإنَّما يتعلّق بمتعلّقه، فالأمر كذلك في الإنشاء؛ إذ لا يرجع
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) البقرة: 185.
(2) الأنبياء: 22.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
التعليق فيه إلى الإبراز، ولا إلى المبرَز وهو الاعتبار النفسي، بل يرجع إلى متعلّق الاعتبار، وهو قد يكون الوجوب أو يكون هو الملكيّة إلى غير ذلك من موارد الإنشاء.
وهذا أمرٌ أجنبيٌّ بالكلّيّة عن كون مفاد الحروف جزئيّةً أو كلّيّةً.
◙ الوجه الثاني: أنَّ مفاد الهيئة معنىً حرفيٌّ، وهو غير ملحوظٍ بالاستقلال، فلا يكون قابلاً للإطلاق والتقييد؛ فإنَّهما إنَّما يعرضان المعنى الملحوظ استقلالاً؛ فإنَّه عند اللحاظ إمّا أن يلحظ المعنى مطلقاً سارياً إلى جميع الأفراد أو مقيّداً بقيدٍ خاصٍّ، وهذا لا يتصوّر في المداليل الحرفيّة التي لم يتعلّق بها اللحاظ، لا بُدَّ من رجوع التقييد إلى الملحوظ بالاستقلال، وهو متعلّق الوجوب(1).
وقد ظهر جواب هذا الوجه ممّا تقدّم بيانه في مبحث المعنى الحرفيّ(2)، حيث ذكرنا أنَّ ما هو المعروف من أنَّ المعنى الحرفي غير ملتَفتٍ إليه في الكلام، وإنَّما الملحوظ بالاستقلال هو المعنى الاسمي، لا أساس له، بل قد يكون النظر متوجّهاً إلى تفهيم الخصوصيّة التي تستفاد من المعنى الحرفي، فلو قال: (قام زيدٌ) ولم يعرف في أيّ مكان أو أيّ زمان حصل قيامه، فيمكن السؤال عن
ــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 130-131، الأمر الثاني في رجوع القيد في القضيّة الشرطيّة بحسب القواعد العربيّة إلى الهيئة أو المادّة أو الجملة المركّبة منهما، النائيني، فوائد الأصول 1: 181، ظهور بطلان ما في التقريرات من إرجاع الشرط إلى المادة.
(2) راجع الجزء الأوّل من هذا الكتاب: 130-133، و: 146.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الخصوصيّة حينئذٍ، ويجاب بقول القائل: (قام زيدٌ في الدار)، فيكون قصد المتكلّم هو تفهيم هذه الخصوصيّة -أي: المعنى الحرفي- وكان هذا هو المقصود من السؤال أيضاً. فالكلام لا أساس له.
وعلى تقدير تسليم ذلك، فإنَّه إنَّما يتمّ في مفاد هذا القسم من الحروف فحسب، أمّا مفاد الجملة الخبريّة أو الجملة الإنشائيّة فإنَّه مقصودٌ وملحوظٌ بالاستقلال لا محالة؛ إذ من المعلوم أنَّ المقصود بالاستقلال هو الحكاية عن ثبوت شيءٍ لشيءٍ أو نفيه عنه في الجملة الخبريّة، أو إبراز الاعتبار النفسي في الجمل الإنشائيّة، فالقولُ: (زيدٌ قائمٌ) لا يكشف إلَّا عن حكاية المتكلّم عن قيام زيدٍ، فالمقصود بالأصالة إنِّما هو الحكاية ليس غير، وكذلك في قوله: (بعتُ داري) ليس مقصوده إلَّا إبراز اعتبار الملكيّة والمبادلة بين المالين، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ مفاد الهيئة معنىً حرفيٌّ وملحوظٌ تبعاً وغير قابلٍ للإطلاق والتقييد؛ فإنَّ القابل لهما إنَّما هو ما يكون ملحوظاً استقلالاً؟!
بل إنَّ مفاد الجملة ملحوظٌ استقلالاً وملتَفتٌ إليه، وهو الذي يدعو المتكلّم إلى التكلّم بها، أي إنَّ قصد الحكاية وإبراز الاعتبار النفسي هو الذي دعاه إلى التكلّم، فالمقصود بالاستقلال هو مفاد الهيئة، فكيف لا يكون قابلاً للإطلاق والتقييد؟!
نعم، قد علمنا من الجواب عن الوجه السابق أنَّ الإطلاق والتقييد مع كونهما مقصودين بالاستقلال، لا يرجعان إلى الإبراز نفسه ولا إلى المبرز -وهو الاعتبار- فإنَّهما غير قابلين لهما، وإنَّما الإطلاق والتقييد يعرضان لمتعلّق
ــــــــــ[98]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الاعتبار، بمعنى: أنَّه تارةً يعتبر الملكيّة المطلقة، وأُخرى: يعتبر الملكية على تقدير. وكذلك في الوجوب؛ فإنَّ الآمر:
ومتعلّق الاعتبار أمرٌ قابلٌ للإطلاق والتقييد، وقصد المكلّف لإبراز اعتبار هذا المعنى المطلق أو المقيّد هو المقصود بالاستقلال في الكلام، فلا إشكال من هذه الجهة أيضاً.
وهذا كما هو جارٍ في الإنشاء جارٍ في الإخبار أيضاً؛ فإنَّ الإطلاق والتقييد لا يرجعان إلى الإبراز ولا إلى المبرز -وهو قصد الحكاية- بل يرجعان إلى متعلّق الحكاية وهو ثبوت شيءٍ لشيء على الإطلاق أو على تقدير، أي: إنَّه يحكي عن ثبوت شيءٍ لشيءٍ على تقديرٍ خاصٍّ أو على وجه الإطلاق، فلا إشكال من هذه الجهة.
◙ الوجه الثالث -في استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة وهو العمدة في المقام- وحاصله: إنَّ الإيجاد والوجود غير قابلين للانفكاك في أيّ وعاءٍ، سواءٌ في ذلك الإيجاد الخارجي أو الاعتبار النفسي أو الإيجاد الذهني؛ فإنَّ الإيجاد والوجود على أيّة حالٍ لا يمكن أن يكونا منفكّين في الخارج.
والوجه فيه: أنَّ الإيجاد والوجود ليسا إلَّا أمراً واحداً يختلف من جهة النسبة، فإذا أضيف إلى الفاعل يكون إيجاداً له، وإن أضيف إلى المفعول يكون
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وجوداً له. فليس في الخارج أمران (إيجاد ووجود)، وإلَّا لزم التسلسل؛ لأنَّ الإيجاد موجودٌ أيضاً لا محالة فيحتاج إلى إيجادٍ آخر، وهكذا…
فهذا الوجود الواحد بالإضافة إلى السبب إيجادٌ، وبالإضافة إلى المسبَّب (القابل) وجودٌ. فإذا كانا بحسب الحقيقة أمراً واحداً والاختلاف إنَّما هو بالاعتبار والنسبة، فلا يُعقل أن يكون الإيجاد موجوداً والوجود غير متحقّق؛ إذ المفروض أنَّهما شيءٌ واحدٌ، ولا يعقل أن يكون الشيء موجوداً ومعدوماً.
إذن، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ الإنشاء موجودٌ من الآن إلَّا أنَّ المنشأ يتحقّق بعد ذلك، فكما لا يمكن وجود أمرٍ خارجيٍّ بلا إيجاد، ولا وجود أمرٍ ذهنيٍّ بلا إيجاد، كذلك الإيجاد في مرحلة الإنشاء والاعتبار فإنَّه نحوٌ من الوجود، فإنَّ الوجود لا يمكن أن يكون بلا إيجادٍ في مرحلة الإنشاء، فالكلام في الاستحالة فيه هو الكلام.
فكيف يمكن أن يُقال: إنَّه أنشئ من الآن والوجوب يوجد بعد ذلك، أي بعد تحقّق الشرط -كما يدّعيه القائل بالواجب المشروط-؟ فإنَّ لازم ذلك هو انفكاك الإيجاب عن الوجوب، وهو عين انفكاك الإيجاد عن الوجود، وهو مستحيلٌ. هذا ملخّص الإشكال.
أجاب صاحب الكفاية(1) عن هذا الوجه بما مفاده: أنَّ الإنشاء لو كان متعلّقاً بالوجوب المطلق لكان الأمر كذلك، لكنّه متعلّق بالوجوب على تقديرٍ،
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 97، إشكال المصنّف على الشيخ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كمجيء زيدٍ، ولازم تعليقه على تقديرٍ: أن لا يكون موجوداً قبل ذلك، وإلَّا لزم تخلّف الإنشاء عن المنشأ؛ إذ المفروض أنَّه أُنشئ على ذلك التقدير، فإن كان المنشأ موجوداً قبله فقد تخلّف الإنشاء عن المنشأ، فكيف يمكن تحقّق الوجوب من غير هذا القيد مع أنَّه ليس هو المنشأ، فلازم تقييده به هو أن يكون المنشأ فعليّاً عند تحقّق شرطه.
إلَّا أنَّ هذا الجواب لا يرجع إلى معنىً معقولٍ؛ فإنَّ المدّعي يدّعي استحالة تعلّق الإيجاد بأمرٍ متأخّر. نعم، لو أمكن إيجاد أمرٍ متأخّرٍ وتعلّق الإنشاء به، كان لازمه كما ذكر، إلَّا أنَّ الكلام في إمكان ذلك، فكيف يمكن أن يتعلّق الإنشاء بالوجوب المتأخّر، مع أنَّ الإنشاء بمعنى الإيجاد -أي: إيجاد الوجوب من الآن-؟ وكيف يمكن أن يكون الإيجاد فعليّاً والوجود متأخّراً؟
وهذا نظير ما مرّ في الشرط المتأخّر، حيث قالوا(1): إنَّ الشرط بوصفه متأخّراً شرطٌ، فلا يمكن أن يتقدّم، وقلنا في الجواب عن ذلك: إنَّه لو أمكن هذا لكان صحيحاً، إلَّا أنَّ الكلام في إمكان ذلك؛ إذ معناه أنَّ المعدوم بوصفه معدوماً علّة، وكيف يوجد المعلول بدون علّة؟!
والأمر في المقام كذلك؛ فإنَّه لو أمكننا تصوّر إيجاد أمرٍ متأخّرٍ لزم تأخّره،
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) انظر: الآملي، بدائع الافكار في الأصول: 323-324، الفصل الثالث: فى مقدّمة الواجب، ونقدّم قبل الخوض في مباحثها أموراً: الأمر الرابع: تنقسم المقدّمة باعتبار مطلق التوقّف إلى خارجيّة وداخليّة، تذييل في الشرط المتأخّر، الآخوند الخراساني، فوائد الاُصول: 57، (6. فائدة: في تقدّم الشّرط على المشروط).
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وإلَّا لزم تخلّف الإنشاء عن المنشأ، إلَّا أنَّ الكلام في أنَّ هذا أمرٌ ممكنٌ أم لا؟
وملخّص الكلام: أنَّ الإيجاد ليس أمراً آخر وراء الوجود، سواءٌ في ذلك الوجود التكوينيّ أو الذهنيّ أو الاعتباريّ، فكلّ إيجادٍ متّحدٌ مع الوجود المسانخ له، فالإيجاد والوجود ليسا أمرين متغايرين.
وإذا كان الأمر كذلك، وفرضنا أنَّ الإنشاء في الواجبات المشروطة موجودٌ من الآن، فلازمه: أن يكون الوجوب موجوداً من الآن، وإلَّا لزم أن يكون إيجاد الوجوب -وهو المعبَّر عنه بالإيجاب- موجوداً والوجوب غير موجود، وهذا غير قابلٍ للتصوّر.
هذا الإشكال -كما أشرنا- هو العمدة في المسألة.
والجواب عنه لا يتمّ إلَّا بما ذكرنا، من: أنَّ الإنشاء ليس فيه إيجادٌ بأيّ معنىً فُرض، فما قيل(1) من أنَّ الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ أو إيجاد الوجوب باللفظ، غير كائن، بل هو ليس إلَّا إبراز اعتبارٍ من الاعتبار النفسي. وأنَّ الإبراز والبروز موجودان من الآن، فهو أظهره فظهر، أي: ما في نفس المتكلّم وهو
ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 66-67، دفع وهم، وفوائد الأصول: 17، فائدة 1: في صيغ الأمر والنّهي وغيرهما، النائيني، أجود التقريرات 1: 50، 132، وفوائد الأصول 1: 46، الأمر الرابع، المحقّق الأصفهاني، نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 273-274، [التحقيق أنَّ وجودها وجود معانيها في نفس الأمر]، و 3: 25.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
قصد الحكاية في الجملة الخبريّة أو الاعتبار النفساني في الجملة الإنشائيّة، فلم ينفكّ الإظهار عن الظهور، والإبراز عن البروز، وأمّا الاعتبار النفسي فهو أيضاً موجودٌ بالفعل عند قوله: (بعت) أو (افعل) مثلاً.
إنّما الكلام في متعلّق الاعتبار: أيّ شيء هو؟
قد يكون متعلّق الاعتبار هو الملكيّة الفعليّة، كما لو قال: وهبتك هذا المال، فهنا كلٌّ من الإبراز والمبرز -وهو الاعتبار- ومتعلّقه -وهو الملكيّة- فعليٌّ.
وقد يكون المبرز أمراً متأخّراً، فهو من الآن يعتبر أمراً متأخّراً، فمثلاً: يعتبر الملكيّة على تقدير الموت كما في الوصيّة، أو التحرير على تقدير الموت المسمّى بالتدبير، أي: يعتبر كونه حرّاً لا من الآن، بل من حين وفاته، وهذا أمرٌ معقول، فإنَّ تعلّق الاعتبار بأمرٍ متأخّرٍ ممّا لا شكّ فيه، وهذا لا يختصّ بالاعتبار؛ بل الوجودات النفسية كلّها كذلك؛ فإنَّنا يمكن أن نتصوّر أمراً متأخّراً وأمراً متقدّماً وأمراً مقارناً. نعم، هذا الأمر يتّصف بأنَّه متصوّرٌ من الآن، فطلوع الشمس في الغد الذي نتصوّره متّصفٌ بأنَّه متصوّرٌ الآن، ولكنّ ظرفه فيما بعد.
وكذلك الأمر في الاعتبار؛ إذ يصحّ أن يُقال: إنَّ الملكيّة بعد الموت معتبرةٌ فعلاً، إلَّا أنَّ ظرفها بعد الموت، لا الآن.
فهذا الإشكال إنَّما يأتي على تقدير كون الإنشاء هو إيجاد المعنى باللفظ، فحينئذٍ يُسْتَشكل كيف يمكن أن يكون الوجوب موجوداً باللفظ وليس بموجود، مع أنَّ الإيجاد والوجود متّحدان والفرق بينهما بالاعتبار؟!
أمّا إذا قلنا: إنَّ إيجاد المعنى باللفظ لا أساس له، وإنَّما الإنشاء هو التكلّم
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لإبراز اعتبارٍ نفسيٍّ، فهذا الاعتبار يتحقّق ولا ينفكّ، أي: إنَّه بالفعل قد أبرز ما في نفسه من الاعتبار، إلَّا أنَّ الكلام في أنَّ الاعتبار متعلّقٌ بأمرٍ فعليّ، أي: غير مقيّدٍ بقيدٍ وهو معنى الإطلاق، أم أنَّه مقيّدٌ بشيءٍ، كأن يعتبر الملكيّة بعد يومٍ أو بعد موته أو عند قدوم الحجّاج، وهذا أمرٌ ممكنٌ واقعٌ، غايته: أنَّه قام الإجماع في العقود والإيقاعات على أنَّ تقييدها في أمرٍ مشكوك الحصول باطلٌ، باستثناء الوصيّة والتدبير.
إذن، فلا استحالة في رجوع القيد إلى مفاد الهيئة، لكن لا بمعنى: أنَّ الإنشاء مقيّدٌ، ولا بمعنى: أنَّ الاعتبار النفسي مقيّدٌ؛ فإنَّه أمرٌ غير معقولٍ، بل بمعنى: أن يرجع التقييد إلى متعلّق الاعتبار، وهذا أمرٌ ممكنٌ واقعٌ، ومطابقٌ لقواعد العربيّة.
وببيان آخر: إنَّ الصحيح في الجواب -عن الوجه الثالث- أن يُقال: إنَّ الإنشاء ليس هو إيجاد المعنى باللفظ، كما هو المعروف عندهم(1)، حيث قالوا: إنَّ الإنشاء يختلف عن الإخبار؛ فإنَّ الإنشاء هو إيجاد المعنى باللفظ. وقد قلنا سابقاً -في مبحث الخبر والإنشاء-: إنَّنا لا نعقل له معنى(2)؛ إذ لا يوجد بعد وجود اللفظ شيءٌ أبداً، سواء في ذلك الجملة الخبريّة والجملة الإنشائيّة، بل
ــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه، وهو مبنى المشهور.
(2) راجع الجزء الأوّل من هذا الكتاب: 170-173.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المتحقّق في الخارج في الجمل الخبريّة هو الحكاية وإبراز أنَّ المتكلّم قصَد الحكاية عن ثبوت شيءٍ لشيءٍ أو نفي شيءٍ عن شيءٍ؛ باعتبار اختلاف القضيّة بالإثبات والسلب، فهذا هو المتحقّق في الخارج، أي: الحكاية عن قيام زيدٍ، أمّا نفس قيامه فهو أمرٌ محتملٌ؛ فإنَّه يحتمل أن يكون قد قام في الخارج ويحتمل أنَّه لم يقم، ولذا قلنا: إنَّ الجملة الخبرية لا تدلّ على ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها.
وأمّا الجمل الإنشائيّة فهي -عند التحقيق- ليست إلَّا إبرازاً لأمرٍ نفسانيٍّ غير قصد الحكاية. فمثل: ملّكت أو وهبت أو طلّقت أو أنكحت، أو غيرها من الإنشاءات، تكون الجملة الإنشائيّة فيها مبرزةً لأمرٍ نفسانيٍّ، فالإبراز متحقّقٌ خارجاً والبروز أيضاً متحقّق، فالإيجاد لم ينفكّ عن الوجود، أي: إنَّه قد أبرز المتكلّم ما في نفسه من الاعتبار -في الاعتباريّات- وبرز هذا في الخارج، فالإيجاد لم ينفكّ عن الوجود، فمدلول الجمل الإنشائيّة هو إبراز الاعتبار النفسي، وهذا الاعتبار قد اتّصف بأنَّه مبرزٌ؛ إذ المتكلّم قد أبرزه.
ولكنّ الاعتبار ليس على نحو الإطلاق، بل له متعلّقٌ لا محالة -على اختلاف القضايا الإنشائيّة- فمثل: (ملّكت) أو (وهبت) المبرز بهذه الهيئة إنَّما هو اعتبار الملكيّة. فالاعتبار موجودٌ ومبرزٌ بالفعل، ولكنّ متعلّقه -وهو الملكيّة- قد يكون على نحو الإطلاق، فيسمّى حينئذٍ هبةً -مثلاً-، وقد يكون معلّقاً على الموت فيكون حينئذٍ وصيّةً. فالإنشاء بمعنى إبراز الاعتبار متحقّقٌ الآن، والاعتبار كذلك، إلَّا أنَّ متعلّق الاعتبار ليس هو الملكيّة الفعليّة؛ فإنَّ الموصى له لا يملك المال من الآن، بل يملكه بعد الموت، فمتعلّق الاعتبار مقيّدٌ
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بالموت، وكذلك الحال في باب التدبير؛ فإنَّ اعتبار الحرّية إنَّما هو من الآن، ولكنّ متعلّق الحرّية يكون بعد الموت؛ فإنَّ العبد يتّصف بالحرّية حينئذٍ، ولا يتّصف بالحرّية قبل الموت.
وهكذا في باب الواجبات المشروطة؛ فإنَّ الاعتبار تعلّق بثبوت المادّة، وهو الحجّ مثلاً، على ذمّة المكلّف بعد الاستطاعة، لا فعلاً؛ فليس هذا تخلّفاً للإيجاد عن الوجود ولا للإنشاء عن المنشأ، بل كلّ ذلك موجودٌ، والذي هو معلّقٌ على شيء إنَّما هو متعلّق الاعتبار، دون الاعتبار نفسه؛ فإنَّه غير قابل للتعليق.
وكلُّ ما ذكرناه وإن كان ظاهراً واضحاً، أي: إنَّ تعلّق الاعتبار بأمرٍ متأخّرٍ أمرٌ ممكنٌ، كتعلّق العلم -وهو التصديق والتصوّر- بأمرٍ متأخّرٍ، فكلّنا نعلم بأنَّ الشمس تطلع غداً وتغرب غداً، فالعلم موجود الآن ومتعلّق العلم -وهو المعلوم بالعرض- أمرٌ متأخّرٌ، فإذا كان هذا ممكناً في الصفات الحقيقيّة فهو ممكن في الاعتباريّات بطريقٍ أولى، فما ذكرناه موافق للوجدان والذوق السليم.
مناقشة ما ذكره الشيخ الأعظم في التقريرات
إنَّ ما ذكره الشيخ في التقريرات(1) -بالإضافة إلى كونه مخالفاً لما ذكره في المكاسب(2)– لا يمكن تصويره في الوصيّة والتدبير.
بيان ذلك: أنَّنا لو فرضنا أنَّ الوصيّة كانت متعلّقةً بالمنافع، كما لو أوصى أن تكون داره مسكناً لزيد مدّة سنة أو سنتين، فما أفاده بحسب التصوّر أمرٌ
ــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 223.
(2) انظر: الأنصاري، كتاب المكاسب 3: 162-172.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ممكنٌ، أي: إنَّه قابلٌ لأن يملّك من الآن، إلَّا أنَّ متعلّق الملكيّة -وهو المنفعة- متأخّر، فيُقال: إنَّ المنفعة المتأخّرة بعد الموت مملوكةٌ من الآن، كما في الإجارة، حيث يمكن أن يؤجّر داره بعد سنةٍ أو سنتين وتكون الملكيّة والتمليك من الآن، ويكون متعلّق التمليك -وهو المنفعة- متأخّراً، وهذا ممكنٌ وصحيحٌ أيضاً.
وللشيخ أن يدّعي أنَّ الأمر في باب الوصيّة كذلك، فكما التزم بذلك في الوجوب، وأنَّ الوجوب من الآن، إلَّا أنَّ الواجب متأخّرٌ، فمن الآن يجب الحجّ على تقدير الاستطاعة، فالتقدير إنَّما يكون للحجّ لا للوجوب؛ إذ الوجوب فعليٌّ ومتعلّقه حصّةٌ خاصّةٌ، وهو الحجّ الصادر من المستطيع. كذلك الأمر إذا تعلّقت الوصيّة بالمنفعة، كان هذا أمراً ممكناً، فيُقال: إنَّه ملّكه منفعة دار بعد موته، وظرف الملكيّة فعليٌّ الآن، فهو مالك من الآن، إلَّا أنَّ متعلّق الملك متأخّرٌ، كما في الإجارة.
أمّا إذا فرضنا أنَّ متعلّق الوصيّة كان من الجواهر والأعيان الخارجيّة كنفس الدار أو الفرس أو الدينار أو الدرهم، كما إذا أوصى لزيدٍ بداره أو بدراهم، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ الملكيّة من الآن ومتعلّقها مقيّدٌ بما بعد الموت؛ فإنَّ الجواهر والأعيان الخارجيّة غير قابلةٍ للتقييد بالزمان، ولا يصحّ أن يُقال: إنَّ الدار المقيّدة بما بعد الموت مملوكةٌ، فإنَّ المعنى الحدَثي هو القابل للتقدير بالزمان، فيقال: قيام اليوم أو قيام غدٍ أو صيام رمضان أو صيام العيد، ويمكن أن يكون أحدهما واجباً والآخر حراماً، فالقيود ترجع إلى المعاني الحدثيّة من الزمان والمكان؟!
ــــــــــ[107]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فما معنى أن تتقيّد الدار -وهي جوهرٌ وعينٌ خارجيّةٌ- بالزمان؟ إذ يقال
-مثلاً-: إنَّ الدار المقيّدة بما بعد الموت مملوكةٌ فعلاً، فكأنَّها مملوكة للموصي إلى الموت وبعد الموت مملوكةٌ للموصى له، وهذا لا يعقل، بل التقييد -لا محالة- يكون للملكيّة، فيُقال: الدار مملوكةٌ إلى زمان الموت للموصي والملكيّة بعد الموت للموصى له، فالقيد يرجع إلى الملكيّة، لا إلى الدار.
فحقيقة الوصيّة هي: أنَّ الموصي أبرز اعتباراً خاصّاً، ومتعلّقه هو الملكيّة بعد الموت، وهي ليست من قبيل الإجارة، حيث تكون الملكيّة من الآن ومتعلّقها -وهو المنفعة- بعد سنةٍ أو سنتين؛ فإنَّ المنفعة قابلةٌ للتحديد، فيمكن أن يكون ما ملّكه المملّك حصّةً خاصّةً من المنفعة، وأمّا العين فغير قابلةٍ لمثل هذا التقييد، فلا مناص -حينئذٍ- من رجوع القيد إلى الملكيّة، ويكون اعتبار الملكيّة من الآن، ولكنّ متعلّقها ليس هو الملكيّة المطلقة، بل الملكيّة بعد الموت.
وكذلك الحال في التدبير؛ فإنَّ ذات العبد لا تتقيّد بما بعد الموت؛ فقولنا: (هذا الرجل مقيّدٌ بما بعد الموت) لا معنى له، بل الحرّية هي القابلة للتقييد، فالتدبير ليس هو الحرّية على الإطلاق، بل الحرّيّة بعد الموت، فالتقييد يرجع إلى متعلّق الاعتبار، لا إلى شيءٍ آخر.
ومن هنا يظهر أنَّ ما ذكره من استحالة رجوع القيد إلى الهيئة، أي: الوجوب، وأنَّه لا بُدَّ من رجوعه إلى متعلّقه، أي: المادّة، غير معقولٍ في الوصيّة والتدبير، بل لا بُدَّ من رجوعه إلى نفس الهيئة، أي: متعلّق مفاد الهيئة، وهو الملكيّة.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ذكر(1) أنَّه وإن أمكن رجوع القيد إلى الوجوب في نفسه، ولكن عند التمعّن نرى أنَّه راجعٌ إلى المتعلّق، لا إلى الوجوب، أي: أنَّ كلّ ما يكون في ظاهر القضية الشرطيّة من رجوع القيد إلى مفاد الهيئة فهو في الحقيقة راجع إلى متعلّقه وهو الفعل، ولازمه إنكار الواجب المشروط، وكون الوجوب فعليّاً ولكن الواجب متأخّرٌ.
وحاصل ما ذكره: أنَّ الوجدان يقضي بأنَّ القيد يرجع دائماً إلى متعلّق الوجوب، لا إلى الوجوب نفسه؛ لأنَّنا إذا اشتقنا في أنفسنا إلى فعلٍ من الأفعال، فإمّا أن يتعلّق طلبنا به أو لا، لا يخلو الأمر من أحد الأمرين الدائرين بين النفي والإثبات.
إمّا أن يكون الفعل على جميع تقاديره مطلوباً.
أو على تقديرٍ دون تقديرٍ.
فإن فرضنا أنَّه يطلب الفعل على كلّ تقديرٍ، فلا كلام لنا فيه؛ إذ ليس هنا قيدٌ يبحث عن أنَّه يرجع إلى التكليف أو إلى المكلّف به.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 264.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وإذا فرضنا أنَّ الطلب متعلّقٌ بالفعل على تقديرٍ:
فإمّا أن يكون التقدير والقيد أمراً اختياريّاً.
وإمّا أن يكون أمراً غير اختياريّ.
فإن كان القيد أمراً غير اختياريّ، فلا يكون متعلّقاً للطلب لا محالة؛ لاستحالة تعلّق الطلب بما هو خارجٌ عن الاختيار.
وأمّا إذا كان القيد اختياريّاً، فلا يخلو:
إمّا أن يكون القيد أيضاً مطلوباً إلى جانب طلب المقيّد، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، فهو يطلب الصلاة المقيّدة بالطهارة ويطلب الطهارة أيضاً، فيجب إيجاد الطهارة كما يجب إيجاد الصلاة، وكذلك في استقبال القبلة وغيرها من شرائط المكلّف به.
أو أنَّ طلب المولى وإن كان متعلّقاً بالمقيّد، وكان القيد داخلاً تحت الاختيار، إلَّا أنَّه مطلوب على تقدير وجود القيد من قِبَل نفسه، ولا يلزم المكلّف إيجاده، كالسفر بالنسبة إلى القصر، فنحن نرى أنَّ المولى يطلب ويشتاق إلى القصر في السفر، والسفر أمرٌ اختياريٌّ، ولكن على نحوٍ لا يلزمه بإيجاده، بل المطلوب هو القصر على تقدير وجود السفر بطبعه، لا على نحو الإلزام، وكذلك الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ فالمولى يطلب الحجّ على تقدير وجودها، وهي -وإن كانت اختياريّةً- إلَّا أنَّها قد تكون أحياناً غير اختياريّة، كما لو ورث مالاً، فالمولى تعلّق طلبه بالحجّ لا على الإطلاق، بل على تقديرٍ خاصٍّ، وهو الاستطاعة، ولكن على نحو لا تكون الاستطاعة تحت التكليف والإلزام، بل
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
على تقدير تحقّقها من قِبَل نفسها.
وفي جميع هذه التقادير التي مردّها إلى النفي والإثبات، فإنَّ الشيء:
وعلى التقدير الأوّل فإمّا:
أ) أن يكون مقيّداً.
ب) أو لا.
وعلى تقدير كونه مقيّداً فإمّا:
وعلى التقدير الأوّل فإمّا:
أ) أن يكون القيد مطلوباً إلى جانب طلب المقيّد.
ب) أو لا.
فبعد التحقيق والرجوع إلى النفس نرى أنَّ القيد يرجع دائماً إلى متعلّق الطلب، ولا يكون الطلب بنفسه متوقّفاً ومعلّقاً على شيء، بل الطلب من الآن والتقييد إنَّما هو في متعلّقه، أي: الآمر يطلب أمراً خاصّاً، فالخصوصيّة ترجع إلى متعلّق الطلب.
والفرق بين المقام الذي نحن فيه وبين الوجوه السابقة -الراجعة إلى
ــــــــــ[111]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
دعوى استحالة رجوع القيد إلى الحكم نفسه، أنَّه يرجع إلى المتعلّق-: أنَّ تلك الوجوه لم يكن لها اختصاصٌ بالأحكام التكليفيّة، بل إنَّها تجري في الأحكام الوضعيّة أيضاً؛ كالزوجيّة والحرّيّة والرقّيّة والملكيّة. فتلك الوجوه بتمامها تثبت أنَّ ما تعلّق به الإنشاء وصار مورداً له، يستحيل أن يكون القيد فيه راجعاً إلى مفاد الهيئة؛ إمّا لأنَّ مفاد الهيئة جزئيٌّ، أو لأنَّه ملحوظٌ آليٌّ، أو أنَّ الإنشاء لا يتخلّف عن المنشَأ ولا يكون بينهما فرق بحسب الزمان، وعليه فلا اختصاص لتلك الوجوه بالحكم التكليفي.
أمّا ما نحن فيه -المقام الثاني- وهو: دعوى لزوم رجوع القيد إلى متعلّق التكليف وهو المادّة، فهو مختصٌّ بالحكم التكليفي؛ فإنَّنا إذا رجعنا إلى أنفسنا نرى عند ملاحظة فعلٍ وتصوّره لا يخلو الحال فيه من أحد هذه الوجوه، وفي جميعها لا نرى الطلب معلّقاً على شيءٍ، فالتقييد يرجع إلى الفعل لا محالة، لا إلى الطلب نفسه.
الظاهر: أنَّه بعد تفتيش ما في النفس والرجوع إلى الوجدان قد حصل خلطٌ بين الشوق وبين الفعل الاختياري، حيث أجرى حكم الشوق على الفعل الاختياري؛ فإنَّ كلامنا هنا -بلا فرق بين رجوع القيد إلى الحكم وبين رجوعه إلى متعلّق الحكم- إنَّما هو فيما يكون اختياره وإيجاده بيد المولى ووضعه ورفعه بيده، أي: الحكم الاختياري المعبَّر عنه بالحكم التكليفي من الإيجاب والحرمة وغيرهما، وقد التبس هذا الأمر بينه وبين الشوق النفسانيّ.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بيان ذلك: أنَّ الشوق النفساني والرغبة إلى شيءٍ أمره دائرٌ بين الوجود والعدم، كما ذكرنا ذلك في الاعتبار، حيث قلنا: إنَّ الاعتبار لا يمكن فيه التقييد، بل هو إمّا موجودٌ بالفعل أو غير موجودٍ، ولا معنى لأن يكون معلّقاً على شيءٍ، فالاعتبار في قول المتكلّم في الجملة الإنشائيّة -بل في الجملة الخبرية بالنسبة إلى قصد الحكاية في كلٍّ من الأحكام الوضعيّة والتكليفيّة- إمّا أن يكون موجوداً ويكون وراء الكاشف له منكشف في النفس أو لا، فتعليق الاعتبار أمرٌ غير متعقَّل ولا متصوّر.
والشوق حاله حال الاعتبار، فهو صفةٌ نفسانيّةٌ، فإمّا أن يكون عند التفات الإنسان إلى فعلٍ موجودٍ في نفسه، فهو مشتاقٌ إليه بهذا التفصيل، أي: إمّا مقيّداً أو غير مقيّد، فإن كان مقيّداً فإمّا بأمرٍ اختياريٍّ أو غير اختياريّ، فالشوق أمر يوجد في النفس ويختلف الحال في متعلّقه؛ فقد يكون على نحو الإطلاق، أو يكون معلّقاً على أمرٍ اختياريٍّ أو غير اختياريّ، فالتعليق إنَّما يكون في متعلّق الشوق، لا في الشوق نفسه، وهذا واضح.
ولكنّ الشوق خارجٌ عن محلّ كلامنا؛ لأنَّ محلّ الكلام هو في رجوع القيد إلى الحكم أو متعلّقه ممّا يكون وضعه ورفعه بيد الشارع، والشوق ليس أمراً قابلاً للوضع والرفع والجعل، أي: ليس من الأحكام، بل هو أمرٌ يوجد في النفس.
نعم، هو من بين مبادئ الحكم، أي: إنَّ المولى إذا نظر إلى فعل المكلّف واشتاق إليه، كان ذلك داعياً إلى جعل الحكم، فيكون الشوق من مبادئ الحكم.
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فعند التفتيش في النفس والوجدان نرى أنَّه لا تقييد في الشوق، وهذا صحيحٌ. غير أنَّ كلامنا ليس في الشوق حتى يُقال: ليس مقيّداً وأنَّ القيد يرجع إلى متعلّقه، وإنَّما كلامنا في الحكم الراجع وضعه ورفعه إلى المولى، ليُقال: إنَّ القيد يرجع إليه أو إلى متعلّقه، هذا في الشوق.
وأمّا بالنسبة إلى الإرادة الواقعة في مقابل الشوق؛ فهي كما ذكرنا في مبحث الطلب والإرادة(1)، قد تُطلق ويراد بها:
الشوق، ويقيَّد بالمؤكّد في كلامهم(2)، فالكلام فيه كالكلام في الشوق، غاية الأمر: أنَّه مرتبةٌ قويّةٌ منه، وتعلّق الإرادة بفعل الغير بمعنى تعلّق الشوق به.
ولكنّا ذكرنا أنَّ استعمالها هكذا على خلاف الروايات.
والإرادة لها معنىً آخر قد سبق أن ذكرناه؛ إذ قد يستعمل في الأخبار بمعنى: ما به الاختيار، وقد عبّرنا عنه بإعمال القدرة في متعلّق القدرة.
فإذا اشتاق الإنسان إلى شيءٍ ورغب فيه، فبعد ذلك يُعمل قدرته في حصوله، فإن كان من أفعاله الاختياريّة فهو يوجده بنفسه، وإذا كان خارجاً عن اختياره -كما في فعل الغير- فإيجاده له أمره به فيأمر به توصّلاً إلى إيجاده، وقلنا هناك: إنَّ إعمال القدرة يسمّى بالطلب، وأنَّ إعمالها في شيءٍ هو من أفعال النفس لا من الصفات.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
(1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب: 149-151.
(2) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 88.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وعلى هذا وردت رواياتٌ تقول بأنَّ الإرادة حادثةٌ لا قديمةٌ، وأنَّها من إعمال الله عزّ وجلّ(1)، وفي بعض الروايات تكذيبٌ صريحٌ لأزليّة الإرادة(2)، وأنَّها ليست أزليّة كالعلم والقدرة، بل هي صفةٌ محدثةٌ، ولذا يوصف تعالى بالإرادة وعدمها، فيُقال: أراد الله كذا ولم يرد كذا، ولا يُقال: علم الله كذا ولم يعلم كذا!
وكيفما كان، فالإرادة بهذا المعنى -أي: إعمال القدرة- يستحيل أن تتعلّق بفعل الغير أبداً؛ لأنَّ فعل الغير خارجٌ عن قدرته، وإعمال القدرة لا يمكن في الأمور الخارجة عن القدرة. غاية الأمر: يمكنه أن يُعمل قدرته في أمره؛ لأنَّه من مبادئ وجود فعل الغير.
ولذا قلنا: إنَّ تقسيم الإرادة إلى الإرادة التشريعيّة والإرادة التكوينيّة تقسيم خاطئ؛ لأنَّ الإرادة التشريعيّة لا معنى لها. نعم، إرادة التشريع لها معنىً، وهو: أن يجعل التشريع، وهذه إرادةٌ تكوينيّةٌ تتعلّق بالتشريع كما تتعلّق بأيّ فعلٍ آخر من أفعال الشخص.
إذن، عند رجوعنا إلى وجداننا نجد أمرين:
أحدهما: الشوق. وقد قلنا إنَّه خارجٌ عن محلّ الكلام.
والثاني: إعمال القدرة. وهو لا يعقل أن يتعلّق بفعل الغير أبداً، حتّى يُقال:
ــــــــــ[115]ــــــــــ
(1) انظر: الكليني، الكافي 1: 110، كتاب التوحيد، باب الإرادة وأنَّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل.
(2) انظر المصدر السابق.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إنَّ القيد فيه راجعٌ إليه أو إلى متعلّقه.
نعم، إرادة الله سبحانه وتعالى يمكن أن تتعلّق بفعل الغير؛ لعموم قدرته، بَيد أنَّها لا يمكن أن تتخلّف، فيكون الفعل غير اختياريٍّ للمكلّف حينئذٍ، وكلامنا في الفعل الاختياري الذي يكون متعلّق الوجوب ممّا يمكن أن يصدر من المكلّف عند التكليف اختياراً، أمّا لو تعلّقت إرادة الله تعالى بصدور فعلٍ من أحدٍ فإنَّها لا تتخلّف عن المراد، فيقع لا محالة؛ فلو تعلّقت بسقوط شخصٍ من شاهقٍ فإنَّه لا محالة يسقط، إلَّا أنَّ هذا ليس صادراً بالاختيار حتى يكون داخلاً في محلّ الكلام.
بقي الكلام في الأمر الاختياري -الذي يعبّر عنه بالطلب- الذي يوجده المولى، أي: اعتبار شيءٍ على ذمّة المكلّف، فهل هناك مُلزمٌ بأن يكون المعتبر فعليّاً ويكون القيد راجعاً إلى متعلّق المتعلّق، أي: إنَّ الأمر قد تعلّق بفعلٍ في ذمّة المكلّف، بحيث يكون الثبوت فعليّاً والقيد راجعاً إلى متعلّق المتعلّق؟ أم أنَّ الاعتبار متعلّقٌ بالثبوت، أي: إنَّ الثبوت نفسه متعلّقٌ؟
أفهناك ملزمٌ -كما يدّعيه الشيخ(1)– بأن يكون القيد راجعاً إلى الفعل ويكون الثبوت فعليّاً، أم لا ملزم بذلك؟
في مقام الجواب عن هذا الأمر -المعبّر عنه بالطلب، أي: الطلب من المولى لفعل الغير- نقول: إنَّه في مورد الطلب يوجد أمران:
ــــــــــ[116]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 264، القول في وجوب مقدّمة الواجب، هداية الكلام في موارد حكم فيها بوجوب الإتيان بالمقدّمة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الأمر الأوّل: الاعتبار النفسي؛ حيث إنَّ الآمر يعتبر ثبوت شيءٍ في ذمّة المكلّف، وهو أمرٌ نفسيٌّ قائمٌ بالمعتبر نفسه.
الأمر الثاني: إبراز هذا الاعتبار في الخارج، بمثل قوله: (افعل) كذا، أو (يجب عليك كذا)، أو (عليك كذا)، وغير ذلك من العبارات التي يُفهم منها لزوم الفعل وأنَّه ثابتٌ في ذمّة المكلّف باعتبار إبرازه لاعتباره النفسي في الخارج، وهذا الإبراز يسمّى بالطلب باعتبار أنَّ الطلب -كما ذكرنا أيضاً في مبحث الطلب والإرادة(1)– في اللغة يعني: التصدّي لما تعلّق به شوق الإنسان نحو المطلوب والمحبوب، فيقال: (طالب العلم)، لمن يشتغل بتحصيل وتهيئة مقدّماته، أو يُقال: (طالب الضالّة)، لمن هو بصدد تحصيلها، فالطلب هو بمعنى التصدّي لما تعلّق به شوق الإنسان.
وبما أنَّ الإنسان إذا اشتاق لفعل الغير لا يمكنه تحصيله؛ لأنَّه خارجٌ عن قدرته، فالتصدّي لهذا المشتاق إنَّما يكون بأمره فيأمر فيُفعل، فالأمر مقدّمةٌ لحصول الفعل في الخارج، حيث يجعل له الداعي إلى هذا الفعل، وقبل وجود الأمر لم يكن للمأمور داعٍ إلى إيجاد هذا الفعل في الخارج، وبأمر الآمر وُجد الداعي، فيفعله إذا كان في مقام الامتثال. فيصحّ أن يُقال: إنَّ الأمر الصادر من الآمر طلبٌ باعتبار أنَّه يتصدّى للمشتاق إليه.
إن أراد الشيخ من الطلب -الذي هو المقسم في كلامه- هذا المعنى -أي: إنَّه إذا اشتاق إلى شيء فإمّا أن يأمر به أو لا (أي: إمّا أن يعتبره في النفس ويبرزه
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه قبل قليل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
في الخارج أو لا…) إلى آخر التقسيم- فما ذكره لا يتمّ على إطلاقه، وإنَّما يتمّ في الشوق الخارج عن الاختيار، وأمّا الطلب الذي هو فعلٌ اختياريٌّ، وهو اعتبار شيءٍ في النفس وإبرازه في الخارج، فهو فعلٌ اختياريٌّ للمولى له أن يوجده وله أن لا يوجده. ولا يتمّ فيه هذا التقسيم.
بيان ذلك: أنَّ الطلب الذي تعلّق به شوق الإنسان، لا يخلو من قسمين:
القسم الأوّل: أن يكون تامّ الملاك، والمقتضي للأمر موجود، فإذا كان قد أمر به فهو أمرٌ مع المقتضي، ففي مثل ذلك لو لم يكن هناك مانعٌ من الأمر لا بُدَّ من أن يأمر بالفعل، لا لأجل كون اللابديّة ضروريّةً، بل بمقتضى أنَّ الحكيم لا بُدَّ من أن يكون فعله على طبق المصلحة، فلو كانت المصلحة موجودةً والملاك تامٌّ ولا مانع يمنع من ذلك فيقتضي بحكمته أنَّه لا بُدَّ من أن يكون الأمر فعليّاً، إلَّا أن يكون هنا مانعٌ، كما لو فرضنا أنَّ تحصيل المصلحة متوقّفٌ على أمرٍ خارجٍ عن الاختيار، فلا يكون الأمر فعليّاً حينئذٍ لا محالة؛ فإنَّ القدرة من الشرائط العقليّة، فلو لم يكن قادراً لا يكون الأمر فعليّاً، لا لعدم المقتضي، بل لوجود المانع.
وهذا ينطبق على الأمور العرفيّة كثيراً، فلو كان المقتضي لشرب الدواء
-كما في المرض- تامّاً، إلَّا أنَّه لا قدرة له على شرب الدواء باعتبار أنَّه غير موجود بالفعل، بل لا بُدَّ من تحصيله من مكانٍ بعيدٍ أو في الصباح ونفرض أنَّ الآن منتصف الليل، ففي مثل ذلك إذا لم يأمر المولى بتحصيله فليس ذلك من جهة عدم المقتضي، بل من جهة وجود المانع؛ حيث إنَّه لا يمكن أن يكون الأمر فعليّاً فيما كان خارجاً عن الاختيار.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وكما لو فرضنا أنَّ تأثير هذا الدواء يحتاج إلى أن تكون المعدة خاليةً، وهي بالفعل غير خاليةٍ، لا بُدَّ من الصبر إلى أن تخلو ثُمّ بعد ذلك يشرب الدواء.
فقد تكون المصلحة والملاك فعليّاً، ولكن لا يأمر بذلك الواجب، لا لعدم المقتضي، بل لوجود المانع، فحينئذٍ لا يأمر المولى بالفعل بل يأمر به في ظرفه مشروطاً، أي: على تقدير القدرة ووجود الدواء.
ولا يبعد أن يكون الأمر بالحجّ من هذا القبيل، بل الصوم كذلك، يعني: أنَّه بدخول شهر رمضان وبمقتضى قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(1)، لا يبعد أن يُقال: إنَّ دخول الشهر ورؤية الهلال كافيةٌ في اتّصاف الفعل بالملاك، ولكنّ الله تعالى لا يأمر بالفعل إلَّا بعد طلوع الفجر؛ لعدم القدرة على الامتثال بالفعل، بحيث لو أمكنه جرّ الزمان أو خلق الدواء -في المثال الأوّل- لوجب عليه ذلك.
وكذلك الأمر في الحجّ بالنسبة إلى النائي، فالملاك تامّ، ولكنّ المولى لا يأمر بذلك؛ باعتبار أنَّ الزمان دخيلٌ في الواجب؛ فإنَّ الوقوف في عرفة واجبٌ ولا يمكننا إيجاده، فيكون التكليف مشروطاً -لا محالة- بوجوده.
وكيفما كان، ففي الموارد التي يكون الملاك فيها تامّاً ولا قصور فيه، ولكنّ المولى لا يأمر لأنَّ الفعل غير مقدورٍ، وتتوقّف القدرة عليه على مضيّ زمانٍ أو شيءٍ آخر خارجٍ عن القدرة، ففي مثله يشترط في فعليّة التكليف والأمر، القدرة على التكليف، فيقول: إن قدرت فافعل؛ لأنَّ الأمر بغير
ــــــــــ[119]ــــــــــ
(1) البقرة: 185.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المقدور مستحيلٌ على الحكيم.
ففي مثل هذه الموارد إذا كانت المقدّمات كلّها مقدورةً، كما في مقدّمات الصلاة بعد دخول الوقت، فتكون المصلحة حينئذٍ تامّةً ولكنّ تحصيلها يتوقّف على تطهير الثوب أو الوضوء أو الغسل، إلى غير ذلك من المقدّمات، لا بُدَّ من تحصيلها كلها حينئذٍ؛ لأنَّ الملاك تامٌّ بالفعل وليس شيءٌ دخيلاً فيه إلَّا وهو مقدورٌ، فيكون التكليف فعليّاً لا محالة.
القسم الثاني: أنَّ يكون الملاك غير تامٍّ وإنَّما يتمّ بعد وصول شيءٍ اختياريٍّ أو غير اختياريٍّ، على تقدير تحقّقه تتحقّق المصلحة ويتّصف الفعل بأنَّه ذو ملاك. في مثل ذلك ليس للمولى أن يأمر به بالفعل؛ لأنَّه أمرٌ بلا مقتضٍ، وكيف يأمر المولى مع أنَّه لا مقتضيَ للأمر؛ فإنَّ المقتضي للأمر إنَّما هو وجود الملاك وهو غير موجودٍ بالفعل، وذلك كشرب الدواء للصحيح، فليس للمولى الحكيم أن يأمره فعلاً بشرب الدواء معلّقاً ذلك على حال مرضه؛ لأنَّ الملاك يوجد حال المرض، وفي غيره لا حاجة إلى الدواء؛ فإنَّ المولى وإن أمكنه هذا الأمر؛ لأنَّه فعلٌ اختياريٌّ له، فيأمر بنحو الوجوب التعليقيّ بشرب الدواء على تقدير المرض، إلَّا أنَّه أمرٌ بلا مقتضٍ، بل لا بُدَّ من أن يأمر به عند تحقّق المرض.
ومن هذا القبيل في الأمور الشرعيّة: الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، فإنَّ معنى قوله: وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1) أنَّ الاستطاعة دخيلةٌ في الملاك.
ــــــــــ[120]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ومن هنا، فإنَّه لم يأمر الإنسان بالحجّ قبل الاستطاعة، وإنَّما الأمر يكون بعد الاستطاعة، ولذا لا يجب تحصيل الاستطاعة وإن كان أمراً مقدوراً؛ إذ ليس الملاك تامّاً بالفعل، وإنَّما يتحقّق بعد تحقّقها خارجاً، فالذي يلزم بحكم العقل هو تحصيل فعل ذي ملاكٍ ملزم، لا جعل الفعل ذا ملاكٍ ملزم؛ فإنَّ هذا ليس من الواجبات، يعني: على تقدير المرض يجب عليه شرب الدواء، لا أن يجعل نفسه مريضاً ليشرب.
ومن هذا القبيل: السفر بالنسبة إلى التقصير، فإنَّما يتحقّق الملاك في القصر وتتمّ المصلحة على تقدير تحقّق السفر، وقبله لا ملاك له. فأيّ ملزمٍ بأن يأمر بالتقصير إلَّا مشروطاً، فيقول -مثلاً-: (إن سافرت فقصّر)، فيكون الأمر به متفرّعاً عليه، فالأمر بالقصر قبل السفر غير ممكنٍ؛ لأنَّه بلا ملاكٍ والأمر من دون الملاك لغوٌ لا يصدر من الحكيم.
إذن في كلام الشيخ خلطٌ واضحٌ بين الشوق وبين الطلب المصطلح عليه -بمعنى: الاعتبار النفسيّ المبرز في الخارج- فإنَّ ما أفاده إنَّما يتمّ في الشوق، وأمّا في الطلب فلا؛ ذلك أنَّ الطلب أمرٌ اختياريٌّ للمولى: له أن يوجده وله أن لا يوجده، إلَّا أنَّ المولى الحكيم لا يوجده من غير سببٍ ولا موجبٍ، فإذا فُرض أنَّ الفعل غير واجدٍ للملاك إلَّا بعد حصول شيءٍ اختياريٍّ أو غير اختياريٍّ، فالطلب -أي: إبراز الاعتبار النفسيّ- إنَّما يكون في ذلك الظرف، ولا مقتضي له قبله.
وبما ذكر سابقاً، ظهر أنَّنا لا نريد من قولنا -إنَّ الطلب إنَّما يكون بعد تحقّق
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
شيءٍ اختياريٍّ أو غير اختياريٍّ-: أنَّ الإنشاء يكون بعد ذلك أو الاعتبار يكون بعد ذلك، بل كلاهما أمرٌ سابقٌ.
بل نريد أنَّه من الآن يعتبر شيئاً على ذمّة المكلّف على تقدير سفره أو مرضه، وأمّا الثبوت بالفعل فهو بلا مقتضٍ، أي: لو صرّح المولى بأنَّ الثبوت من الآن ولكنّ الثابت متأخّرٌ، فإنَّه يُقال له: إنَّ عملك هذا ليس على طبق الحكمة؛ إذ لا مقتضي لثبوت الأمر بالفعل، فإنَّه بلا ملاكٍ فعلاً، ومثله لا يمكن أن يصدر من الحكيم.
فإذا انقسمت الأفعال إلى قسمين من حيث عدم الاتّصاف بالمصلحة والملاك، لا بُدَّ من الالتزام بالواجب المشروط، أي: إنَّ الواجب الذي لا يكون القيد دخيلاً في اتّصافه بالمصلحة والملاك لا يكون قيداً في الوجوب لا محالة، وإنَّ الواجب الذي يكون القيد دخيلاً في اتّصافه بالمصلحة والملاك، فإنَّه لا محالة يكون قيداً للوجوب بالمعنى المتقدّم، أي: يكون متعلّق الاعتبار معلّقاً على ثبوت شيءٍ متأخّرٍ.
ومن هنا يظهر: أنَّ ما أفاده صاحب الكفاية(1) في المقام في جواب الشيخ -من أنَّ ما ذكره إنَّما يتمّ إذا لم يكن هناك مانعٌ من الأمر، فقد يكون هناك مانعٌ فيكون الوجوب مشروطاً بأمرٍ متأخّرٍ- إنَّما يتمّ إذا كان المقتضي تامّاً، ولا يتمّ على الإطلاق.
بل الجواب الصحيح هو ما ذكرناه: من أنَّه في أكثر الواجبات المشروطة
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المقتضي غير تامٍّ، لا أنَّ الاشتراط نشأ من المانع، بل من عدم المقتضي.
كما ظهر ممّا سبق: أنَّه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يلتزم بأنَّ الأحكام تابعةٌ للمصالح والمفاسد في أنفسها أو في المتعلّقات؛ إذ المصلحة تختلف ولو كان تابعاً للمصلحة في المتعلّق، فقد يكون اتّصاف المتعلّق بالمصلحة من الآن، وقد يكون اتّصافه بها فيما بعد ومتوقّفاً على تحقّق شيء.
وإذا قلنا بأنَّ الأحكام تابعةٌ للمصالح والمفاسد في أنفسها، فالأمر واضحٌ؛ إذ قد يكون اعتبار شيءٍ على ذمّة المكلّف ليس فيه مصلحةٌ الآن، بل فيما بعد، ولذا يجعل الحكم على نحو الواجب المشروط.
خلاصة ما تقدّم
إنَّ القيد قد يكون له دخلٌ في حصول الملاك والمصلحة لا في اتّصاف الفعل بالملاك، كالطهارة والاستقبال بالنسبة إلى الصلاة، فإنَّهما وإن كانا دخيلين في حصول الملاك خارجاً، فإنَّه إذا لم يتطهّر أو يستقبل لا يحصل الملاك، إلَّا أن الصلاة المقيّدة متّصفةٌ بالملاك، غاية الأمر: أنَّه لم يوجد في الخارج. فالقيد قيدٌ للوجوب لا للاتّصاف.
وقد يكون القيد قيداً للاتّصاف، كدخول الوقت بالنسبة إلى الصلاة، والسفر بالنسبة إلى القصر، والاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، فكلّ هذا دخيلٌ في اتّصاف الفعل بالملاك، وقبله لا مصلحة بالفعل، نظير المرض؛ فإنَّه حال المرض يحتاج إلى شرب الدواء، وقبل المرض لا ملاك للشرب.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ففي أمثال هذه الموارد جَعْلُ الحكم -ولو مقيّداً- من اللغو الظاهر؛ إذ لا مقتضي له.
وعليه، فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الجملة الشرطيّة في رجوع القيد إلى مفاد الهيئة؛ فإنَّ مفاد أدوات الشرط هو تعليق جملةٍ على جملةٍ، أي: تعليق الجملة الثانية على الأولى، فلو كان مفاد الجملة الثانية هو الوجوب، نحو: (إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة)، فالمعلّق على الزوال إنَّما هو نفس الوجوب، لا أنَّ الوجوب سابقٌ والصلاة المقيّدة بالوقت واجبةٌ بالوجوب السابق، بل ظاهر القضيّة الشرطيّة: أنَّ الوجوب متوقّفٌ على الزوال، ولا ملزم لرفع اليد عنه.
نعم، قد يكون في بعض الموارد كذلك، كما إذا علم المولى أنَّ الملاك يتمّ في ظرفه، مثلاً: إذا علم أنَّه سوف يمرض غداً وسوف يمكنه شرب الدواء، ولكن لن يستطيع الأمر به حينئذٍ، ففي مثله لا مانع من الأمر فعلاً لكيلا يفوتَ الملاك في ظرفه، أمّا في غيره فيكون الجعل لغواً؛ لأنَّه لا مقتضي له.
إذن، فالصحيح ما أفاده المشهور(1) وفهمه صاحب الكفاية(2) من
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) انظر: البهائي، زبدة الأصول: 157، فصل [في ما يتوقّف الواجب عليه]، الميرزا القمي، قوانين الأصول: 100، قانون: اختلف الأصوليّون في أنَّ الأمر بالشيء هل يقتضي إيجاب مقدّماته مطلقاً أم لا؟ الأصفهاني النجفي، هداية المسترشدين: 193، فتحقيق الكلام في المسألة يتوقّف على رسم مقدّمات: أحدها [في بيان تعريف الواجب]، الحائري الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 79، تذنيب.
(2) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 97-101.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إمكان وجود الواجب المشروط، وإمكان رجوع الشرط إلى الهيئة.
ثُمَّ إنَّ ما أفاده الشيخ من الوجوه الثلاثة المذكورة -في المقام الأوّل- والراجعة إلى استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة، والمقام الثاني الراجع إلى وجوب رجوعه إلى المادّة، يختلف بحسب النتيجة.
فلو تمّ الوجهان الأوّلان وانحصر الدليل بهما، وهما دعوى أنَّ مفاد الهيئة معنىً حرفيٌّ وهو لا يكون إلَّا جزئيّاً أو ملحوظاً آليّاً، وما يكون كذلك لا يكون قابلاً للإطلاق والتقييد، لا بُدَّ حينئذٍ من رجوعه إلى مفاد المادّة الذي هو معنىً اسميّ.
فلو كان السند منحصراً بهما لزم الشيخ حينئذٍ أن يفصّل بين ما إذا كان الحكم الشرعي مستفاداً من الهيئة وبين ما إذا كان مستفاداً من المادّة، فمثلاً قد يُقال: (إذا زالت الشمس فصلِّ)، فالوجوب مستفادٌ من هيئة صلِّ، وهذا على المعروف معنىً حرفيٌّ وجزئيٌّ أو ملحوظٌ آليٌّ، فيُقال: إنَّ المعلّق على الزوال ليس هو المعنى المستفاد من الهيئة، لا بُدَّ من رجوع القيد إلى المادّة، وهو الصلاة، فيُقال: إنَّ الصلاة المقيّدة بالزوال واجبةٌ من الآن.
أمّا إذا استفيد الحكم من الاسم لا من الحرف، كما في هذه الصحيحة: (إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة)(1) فالوجوب مستفادٌ من (وَجَبَ)
ــــــــــ[125]ــــــــــ
() ليس هناك رواية بهذا اللفظ وإن ذكرها بعض أساتذة الخوئي وكذلك بعض مقرّري دروسه. نعم يوجد قريب منها بسندٍ صحيحٍ ما جاء في تهذيب الأحكام (للشيخ الطوسي) 2: 140، كتاب الصلاة، الباب 9، باب تفصيل ما تقدّم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون وما يجوز فيها وما لا يجوز، الحديث 4، وهي: وعنه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر، قال: “إِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ وَجَبَ الطَّهُورُ وَالصَّلَاةُ وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُور“.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهو معنىً اسميٌّ كلّيٌّ وملحوظٌ استقلاليٌّ، فلا مانع من تعليقه على الزوال.
لا بُدَّ من التزام الشيخ بالواجب المشروط في هذه الموارد؛ لأنَّ الوجوب لم يُستَفد من الهيئة، بل استُفيد من الاسم الملحوظ مفادُه مستقلاً، وليس بجزئيٍّ.
وكذلك الحال في باب الوصيّة، فإنَّه تارةً يقول: (إذا متُّ فهذا المال لزيد)، فتستفاد الملكيّة من اللام، فتكون معنى حرفيّاً، فيجري فيه ما ذُكر، وأُخرى يقول: (إذا متُّ فهذا المال ملك زيد)، فالملكيّة هنا لا مانع من أن تكون معلّقةً على الموت، ولا يجري فيه الوجهان المتقدّمان.
إذن، لا بُدَّ من التفصيل في المقام؛ فإنَّ الوجهين المتقدّمين لا يقتضيان إنكار الواجب المشروط على الإطلاق كما هو المدّعى، بل إنَّما يكون ذلك فيما إذا كان الوجوب مستفاداً من معنىً حرفي، أي: من الهيئة، وأمّا إذا كان مستفاداً من معنىً اسميٍّ فلا مانع من الالتزام به.
أمّا الوجه الثالث -الذي ادّعي في المقام لإثبات أنَّ المقيّد لا يمكن أن يكون راجعاً إلى مفاد الهيئة، بل لا بُدَّ من أن يكون راجعاً إلى المادّة؛ لأنَّ الإنشاء لا يتخلّف عن المنشأ، ولا يمكن أن يكون الإيجاب فعليّاً والوجوب متأخّراً؛ لأنَّ الإيجاب والوجوب هو بعينه الإيجاد والوجود- فإنَّه إذا تمّ فلا يفرق فيه
ــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بين أن يكون الوجوب مستفاداً من معنىً حرفيٍّ أو من معنىً اسميٍّ.
وعلى كلّ حال، فقد أنشئ الوجوب بهذه الكلمة: (فَقَدْ وَجَبَ إلخ…)؛ لأنَّ هذا إنشاءٌ للوجوب لا إخبارٌ عن ثبوت الوجوب سابقاً، فلا يفرّق فيه بين أن يكون الوجوب مستفاداً من معنىً حرفيٍّ أو اسميٍّ، والكلام فيه هو الكلام؛ إذ كيف يمكن أن يكون إيجاد الوجوب المعبّر عنه بالإنشاء، مع أنَّ الوجوب ليس بفعليّ، وإنّما يكون فعليّاً عند الزوال أو الاستطاعة؟
والأمر كذلك في المقام الثاني الذي ادّعى الشيخ فيه لزومَ رجوع القيد إلى المادّة من جهة التفتيش في النفس، وأنَّ الوجدان شاهدٌ على رجوع القيد إلى المادّة. فهذا لا يفرق فيه في مقام الإثبات بين أن يكون الوجوب مستفاداً من الهيئة أو من كلمةٍ مستقلّةٍ.
ولكن قد ظهر ممّا ذكرنا: أنَّه لا يتمّ شيءٌ ممّا ذُكر، فلا مناص من الالتزام بالواجب المشروط.
ثُمَّ إنَّ الشيخ(1) بحث بعد ذلك، فيما إذا تردّد الأمر ولم يظهر أنَّ القيد راجعٌ إلى المادّة أو الهيئة. فإذا لم ندرِ أنَّه قيد للمادّة ليجب تحصيله أم للهيئة فلا يجب تحصيله، أي: أمطلقٌ الواجب لتجب مقدّماته، أم مشروط، فعلى تقدير
ــــــــــ[127]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 251، القول في مقدّمة الواجب، هداية: إذا شكّ في كون الواجب مشروطاً أو مطلقاً، فهل الأصل الإطلاق أو الاشتراط.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
تحقّق هذا الأمر الاختياري يجب شيءٌ آخر؟ فإذا شككنا في هذا، فماذا يقتضيه الأصل اللفظي والأصل العملي؟
وكلامه لا بُدَّ من أن يكون مبنيّاً على إمكان رجوع القيد إلى الوجوب وإلى الواجب، فلو فرضنا أن الأوّل مستحيلٌ، فكيف يشكّ -حينئذٍ- ليتمسّك بما يقتضيه الدليل اللفظي أو العملي، إذن لا بُدَّ من أن يُفرض هذا الكلام مع إمكان رجوع القيد إلى الهيئة والمادّة.
وأيضاً، فإنَّ هذا الكلام إنَّما يُفرض إذا كان القيد اختياريّاً، كالسفر بالنسبة إلى وجوب القصر، فإنَّه إذا كان غير اختياري، كالزوال بالنسبة إلى وجوب الصلاة، فلا يجري فيه ما ذكره.
والوجه في ذلك واضحٌ؛ فإنَّ التكليف لا يتعلّق بالأمر الخارج عن الاختيار؛ لأنَّه خارجٌ عن اختياره، فهذا الذي هو مورد الشكّ -من أنَّه قيدٌ للواجب ليجب تحصيله أم للوجوب فلا يجب تحصيله- إنَّما يجري في الفعل الاختياري، كما إذا شككنا في أنَّ السفر قيدٌ للوجوب فلا يجب تحصيله، أم قيدٌ للواجب فيجب تحصيله تحصيلاً للقصر.
فمورد الكلام والنفي والإثبات في أنَّ القيد راجعٌ إلى الهيئة أو إلى المادّة عند الشكّ، يجري فيما إذا لم يكن للقضيّة ظهورٌ -كالقضيّة الشرطيّة- في رجوعه إلى أحدهما، أي: الهيئة أو المادّة، وتردّد الأمر بينهما. ونتيجة التردّد هي الشكّ في لزوم تحصيل القيد، وهو يختصّ بالأمر الاختياري.
إذا اتّضح ما تقدّم، فماذا يقتضي الأصل اللفظي والأصل العملي إذا دار أمر
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
قيد اختياري بين أن يكون راجعاً إلى المادة وبين أن يكون راجعاً إلى مفاد الهيئة والوجوب فيكون من الوجوب المشروط؟
ذكر الشيخ(1) أنَّه في موارد الدوران لا بُدَّ من الالتزام برجوع القيد إلى المادّة دون الهيئة، فيجب تحصيله ولا يكون الوجوب مشروطاً، واستدلّ على ذلك بأمرين:
إنَّ الإطلاق في طرف الهيئة شموليٌّ؛ ذلك أنَّ مقتضى الهيئة غير المقيّدة: ثبوت الوجوب على كلا التقديرين -تقدير ثبوت القيد وتقدير عدم ثبوته- فعلى كلا التقديرين كان الوجوب موجوداً، وهو معنى الإطلاق الشمولي.
وأمّا في طرف المادّة فالإطلاق فيه ليس شموليّاً، بل هو بدليٌّ؛ فإنَّ المطلوب هو صرف وجود الطبيعة، وهو يصدق على أوّل الوجودات قهراً، فليس كلّ فردٍ واجباً بوجوبٍ، بل هناك وجوبٌ واحدٌ للطبيعة يحصل امتثاله بأيّ فردٍ جاء به المكلّف، وإذا دار الأمر بين رفع اليد عن الإطلاق الشمولي فيختصّ الوجوب ببعض الحالات دون بعض، وبين رفع اليد عن الإطلاق البدلي فيكون متعلّق الأمر حينئذٍ حصّةً خاصّةً، كان الثاني أولى.
وهذا هو المعروف من أنَّ الأمر إذا دار بين التخصيص والتقييد، كان التقييد أولى.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 251.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كما ذكر الشيخ -في مبحث التعادل والتراجيح في كتاب الرسائل(1)-: أنَّه لو تعارض الإطلاق والعموم، كان لا بُدَّ من رفع اليد عن الإطلاق، وتقديم التقييد على التخصيص، وذكر في وجهه هناك: أنَّ العامّ بحسب دلالته دالٌّ على ثبوت الحكم على جميع الأفراد، والمقتضي لذلك موجودٌ، وإنَّما يرفع اليد عنه في بعض الموارد من جهة المانع الذي يكون موجباً للتخصيص، فنسبة المخصّص إلى العامّ نسبة المانع إلى المقتضي.
فبحسب مقام الإثبات والدلالة: العامّ في نفسه حجّة؛ لأنَّه كاشفٌ وضعاً لثبوت الحكم لجميع ما انطبقت عليه الطبيعة، فـ (أكرم العالم) يدلّ على أنَّ الحكم ثابتٌ لجميع أفراد العالم، وأنَّ كلّ ما صدق عليه أنَّه عالمٌ يجب إكرامه، فالحكم له ثبوتٌ في جميع أفراد العامّ. هذا بحسب مقام الإثبات موجودٌ ولا قصور فيه من ناحية الدلالة والحجّيّة.
والدليل المخصّص إنَّما يتقدّم على العامّ؛ لأنَّه أقوى الحجّتين، فيكون قرينةً على أنَّ المراد الجدّي لم يكن هو العموم، ويكون من قبيل المانع، فلا يؤثّر المقتضي أثره؛ لاقترانه بالمانع.
وأمّا في المطلق والمقيّد فليس الأمر كذلك، فإنَّ الإطلاق ليس بجزءٍ من الموضوع له، ولذا التزمنا بأنَّ التقييد لا يكون مجازاً، فاللفظ موضوعٌ بإزاء الطبيعة الجامعة بين المطلق والمقيّد المسمّاة بالطبيعة المهملة، أي: التي لم يؤخذ
ــــــــــ[130]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، فرائد الأصول 2: 792، المقام الرابع: بيان المرجّحات، أمّا المرجّح الداخلي فهو على أقسام: ترجيح الرواية باعتبار قوّة الدلالة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فيها الإطلاق ولا التقييد.
وعليه، فالدليل على الإطلاق ليس هو نفس اللفظ، فاللفظ قاصرٌ عن الدلالة عليه، وإنَّما يستفاد الإطلاق من مقدّمات الحكمة، وإحدى هذه المقدّمات هي عدم بيان القيد، فعدم بيان القيد مقتضٍ في مقام الإثبات والدلالة، ولولا هذه المقدّمة لا يتمّ المقتضي للدلالة؛ فإنَّ الدالّ ليس هو نفس اللفظ ليُقال: إنَّ المقتضي للدلالة موجودٌ، وإنَّما هو جريان مقدّمات الحكمة، وإحدى المقدّمات هو عدم البيان في مقام البيان، فعدم البيان جزءٌ مقوّمٌ للمقتضي، إذن يصلح العامّ أن يكون بياناً ولا يتمّ مقتضي الإطلاق.
هذا بخلاف العكس؛ فإنَّه بعد أن تمّ المقتضي في ناحية العموم، لا نرفع اليد عنه إلَّا بحجّةٍ أقوى، ولا يمكن أن يكون المطلق حجّةً ليرفع اليد عن العموم؛ فإنَّ دلالته متوقّفةٌ على عدم حجّيّة العموم، فكيف يكون مانعاً عن حجّيّته؟
وهذا الذي أفاده واضحٌ ظاهرٌ؛ ولأجله في أيّ موردٍ وقع التعارض بين عامٍّ لفظيٍّ ومطلقٍ بحسب مقدّمات الحكمة يتقدّم العامّ؛ فإنَّ دلالة العامّ لفظيّةٌ، وهو كاشف -بمقتضى الوضع- عن ثبوت الحكم لجميع الأفراد، أمّا المطلق فليست دلالته وضعيّةً، بل تستفاد من مقدّمات الحكمة، ومن المقدّمات عدم البيان، والعامّ يصلح بياناً دون العكس.
هذا الكلام صحيح، إلَّا أنَّه خاصٌّ بما إذا كان العموم وضعيّاً، وأمّا إذا كان العموم بالإطلاق كما في المقام (أي: الحكم شمولي في طرف وبدلي في الطرف الآخر) فهل يكون مجرّد هذا من مرجّحات تقدّم العامّ حتّى لو لم تكن دلالته
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وضعيّةً وكانت متوقّفةً على جريان مقدّمات الحكمة؟
أدلّة الشيخ الأعظم لتقديم الإطلاق الشموليّ على البدليّ ونقدها
كلام الشيخ(1) -أي المقرّر- في المقام صريحٌ في التقديم، حيث أرجع القيد في مورد الشكّ إلى المادّة مستدلاً لذلك بدعوى:
إنَّ الإطلاق في طرف الهيئة شموليٌّ؛ لأنَّه على تقدير عدم التقييد يكون الوجوب ثابتاً على كلّ تقديرٍ، وهو معنى الشموليّة، وأمّا في طرف المادّة فليس الإطلاق شموليّاً؛ لأنَّ المطلوب هو صرف الوجود الذي يصدق على أوّل الموجودات، وإذا دار الأمر بين رفع اليد عن الإطلاق الشمولي وبين رفعها عن الإطلاق البدلي، كان رفع اليد عن الإطلاق البدلي أولى.
نقد الآخوند لرأي الشيخ
وقد ناقشه صاحب الكفاية(2) بأنَّ الدلالة في طرفي الهيئة والمادّة متوقّفةٌ على جريان مقدّمات الحكمة، فبأيّ وجهٍ يتقدّم العموم على الإطلاق؟
وبعبارة أخرى: إنَّ كلاً منهما إطلاقٌ، غاية الأمر: أنَّ نتيجة أحدهما هي الشموليّة ونتيجة الآخر هي البدليّة، فإذا لم يكن في البين ما يوجب أقوائيّة أحدهما على الآخر فلا موجب للتقديم، بل يسقط الإطلاقان معاً.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 252.
(2) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 106، تتمّة [تردّد القيد بين رجوعه إلى المادّة أو الهيئة].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
مختار الميرزا النائيني
ولكنّ شيخنا الأستاذ وافق الشيخ الأنصاري، وأفاد: أنَّ الإطلاق الشمولي يتقدّم على البدلي وإن كان كلٌّ منهما متوقّفاً على جريان مقدّمات الحكمة.
وحقيقة الأمر في المسألة تتّضح من خلال بيان جهتين:
◙ الجهة الأولى: في كبرى المسألة: في أنَّ الإطلاق الشمولي هل يتقدّم على الإطلاق البدلي، أم أنَّ ذلك مختصٌّ بالعامّ والمطلق، أي: فيما إذا كان العموم لفظيّاً والإطلاق ثابتاً بمقدّمات الحكمة، أمّا إذا كان كلٌّ منهما ثابتاً بمقدّمات الحكمة، فإنَّه وإن كانت نتيجة أحدهما هي الشموليّة، وكانت نتيجة الآخر هي البدليّة، فلا يثبت الترجيح للشمولي على البدلي؟
◙ الجهة الثانية: في أنَّ المقام أهو من صغريات هذه الكبرى أم لا؟
الجهة الأُولى: وجوه تقديم الإطلاق الشموليّ على البدليّ ومناقشتها
أمّا الكلام في الكبرى فقد ذكر شيخنا الأستاذ(1) وجوهاً لتقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي:
◙ الوجه الأوّل: أنَّ تقدّم البدلي على الشمولي يتضمّن رفع اليد عن الحكم في بعض الموارد لا محالة؛ فإنَّ المفروض أنَّه إطلاق شمولي، ويدلّ على ثبوت الحكم لكلّ فردٍ فردٍ، فإذا رفعنا اليد عنه، فهذا معناه: أنّا خصّصنا الحكم ببعض الأفراد ورفعنا الحكم عن بعض، وهذا هو معنى التقييد.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 160-162، خاتمة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أمّا إذا عكسنا الأمر بأن قدّمنا الإطلاق الشمولي على البدلي، فإنَّه لا يلزم رفع اليد عن الحكم في موردٍ أصلاً؛ لأنَّ الحكم واحدٌ وثابتٌ للطبيعة؛ إذ المفروض أنَّه لا انحلال ولا عموم، بل حكمٌ واحدٌ ثابتٌ لطبيعةٍ واحدةٍ، غاية الأمر: أنَّ دائرته كانت وسيعةً فضيّقناها.
كما إذا قال: (أكرم عالماً)، وورد: (لا تكرم الفاسق)، فالحكم هنا تعلّق بالطبيعة، ونتيجة تعلّقه بالطبيعة هو العموم، وأنَّ كلّ مَن صدق عليه أنَّه فاسقٌ لا يجوز إكرامه، فيكون هذا الحكم انحلاليّاً على زيدٍ الفاسق وعمرٍو الفاسق… الخ. وأمّا: (أكرم عالماً) فليس فيه انحلالٌ، بمعنى: ليس كلّ مَن صدق عليه أنَّه عالمٌ يجب إكرامه؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق الإثبات، بل يجب إكرام عالمٍ واحدٍ، وإيجاد الطبيعة في الخارج إنَّما يكون بأوّل الوجودات.
وبين هذين الإطلاقين (الشمولي والبدلي) تعارض في العالم الفاسق، فمقتضى الإطلاق الشمولي في: (لا تكرم الفاسق) أنَّ هذا يحرم إكرامه، ومقتضى الإطلاق البدلي في: (أكرم عالماً) جواز تطبيق الطبيعة على هذا الفرد، فيجوز إكرامه، ويحصل به الامتثال، لا بُدَّ -إذن- من رفع اليد عن أحدهما.
لكنّنا إذا قدّمنا الإطلاق البدلي على الشمولي، فالنتيجة: رفع اليد عن الحرمة في بعض الأفراد، فيلزم أنَّ العالم الفاسق لا يحرم إكرامه وأنَّ الحرمة خاصّة بغيره من الفسّاق، وهذا هو معنى التخصيص.
أمّا إذا عكسنا وقدّمنا إطلاق النهي على إطلاق الأمر، فإنَّه يبقى الوجوب الواحد ولا نرفع اليد عنه، غاية الأمر: أنَّ دائرته كانت طبيعةً ساريةً إلى الفاسق
ــــــــــ[134]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وغيره، وبعد التقييد ضُيِّقت، فيجب إكرام العالم غير الفاسق.
وإذا دار الأمر بين رفع اليد عن الحكم أصلاً وبين تضييق دائرته، كان الثاني أولى لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا الوجه لا مُساعِدَ عليه:
والوجه في ذلك: أنَّه في موارد الإطلاق البدلي وإن كان الحكم الوجوبي واحداً وثابتاً للطبيعة، وأنَّ دائرته قد تضيق بالنسبة إلى الأفراد وقد تتّسع، إلَّا أنَّه من المعلوم أنَّ الطبيعة في الخارج لا توجد إلَّا في ضمن خصوصيّةٍ، لأنَّ الكلّي الطبيعي لا يوجد في الخارج إلَّا متشخّصاً بخصوصيّةٍ من الخصوصيات.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذن، فمعنى الإطلاق: هو عدم أخذ قيدٍ في المأمور به، وجواز تطبيق الطبيعة على أيّ فردٍ في الخارج، ومن هنا قد ينهى عن تطبيق الطبيعة على بعض الأفراد نهياً تنزيهيّاً، وهو معنى المكروه، وهذا ما يمكن تصوّره في العبادات فضلاً عن غيرها؛ فإنَّه يمكن أن يأمر بالتطبيق استحباباً أو ينهى تنزيهّاً، فيأمر بالصلاة في المسجد، وينهى عن الصلاة بالحمّام.
ولكنّ الإطلاق بمقتضى دلالته الالتزاميّة يدلّ على أنَّ الأفراد متساويةٌ، ويجوز للمكلّف تطبيق الطبيعة على أيّ فردٍ، وإذا ضيّقنا الدائرة فمعنى ذلك: رفع اليد عن هذه الدلالة الالتزاميّة بالنسبة إلى بعض الأفراد، أي: إنَّ هذا الحكم -الذي هو لازم الإطلاق البدلي- شموليٌّ، فكأنَّ المولى قد قال: (أكرم عالماً ولك تطبيقه على أيّ فردٍ من الأفراد).
فإذا قدّمنا العموم الشموليّ: (لا تكرم الفاسق)، وقيّدنا: (أكرم عالماً) بعدم الفسق، فقد رفعنا اليد عن الحكم في بعض الأفراد وأثبتناه لبعضٍ آخر بالنسبة إلى الدلالة الالتزاميّة لا محالة.
فما أفاده من أنَّ تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي لا يقتضي رفع اليد عن الحكم ليس على إطلاقه. نعم، هو هكذا في المدلول المطابقي، أمّا في المدلول الالتزامي لا بُدَّ من رفع اليد عن بعض الأفراد.
إذن، فهذا الوجه غير تامٍّ.
◙ الوجه الثاني: أنَّ الإطلاق الشمولي لا يتوقّف إلَّا على المقدّمات المعهودة، وهي: أن يكون المولى في مقام البيان، وأن يجعل حكمه على الطبيعة
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الجامعة بين المطلق والمقيّد، وأن لا تكون قرينة على التعيين، فنستكشف من الإطلاق في مقام الإثبات الإطلاقَ في مقام الثبوت، بلا حاجةٍ إلى أمرٍ آخر، وإن كان لبعض الأفراد بالنسبة إلى بعض آخر ميزةٌ زائدةٌ، كما في حرمة الكذب؛ فإنَّ الكذب إذا كان حراماً -وهو كذلك- فالإطلاق هنا شمولي، مع أنَّ الأفراد تختلف من حيث المفسدة؛ فقد يكون بعضها أقوى بمراتب من بعضٍ، كالكذب على الله تعالى أو على النبيّ أو على المعصومين، فهذا أشدّ من حيث الملاك وأقوى في الحرمة من غيره كما لو قال: (قام زيدٌ)، ولم يكن قد قام في الواقع؛ فإنَّه لا يترتّب على هذا الكذب أيّ أثرٍ. بخلاف ما إذا ترتّب عليه مفسدةٌ دينيّةٌ كالكذب على الله ورسوله، أو دنيويّة كوقوع القتل بين أناسٍ كثيرين، فيكون هذا الكذب -لا محالة- أقوى مفسدةً من الكذب الآخر الذي لا مفسدة فيه إلَّا كونه كذباً. ومع ذلك لا مانع من التمسّك بالإطلاق وثبوت الحرمة لجميع الأفراد.
وكذلك الحال بالنسبة إلى حرمة القتل، فإنَّ إطلاق: (لا تقتل النفس المحترمة) شمولي، يشمل تمام الأفراد، فقد كان المولى في مقام البيان، وجعل حكمه على المقسم الجامع بين الإطلاق والتقييد، ولم ينصب قرينةً على اختصاص الحكم بحصّةٍ خاصّةٍ، فنستكشف: أنَّ حكمه ثابتٌ على وجه الإطلاق، مع أنَّ بعض الأفراد من القتل أقوى مفسدةً من بعض وأشدّ كرهاً، كقتل عالمٍ هاشميٍّ؛ فإنَّه لا محالة يختلف عن قتل شخصٍ عامّيٍّ جاهل مؤمن، إلَّا أنَّه لا بأس بالتمسّك بالإطلاق مع اختلاف الأفراد شدّةً وضعفاً.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا بخلاف المطلق البدلي؛ فإنَّه يتوقّف التمسّك به على إحراز مقدّمةٍ أُخرى، وهي: أن تكون الأفراد متساويةً في الملاك عند المولى، فإذا كان بعض الأفراد أقوى من بعض ملاكاً فيكون الحكم مختصّاً به لا محالة؛ فالبدليّة في الحكم تتوقّف على أن تكون الأفراد متساويةً بالوفاء بغرض المولى، وإلَّا -لو كان بعض الأفراد أقوى وآكد من بعض- لا بُدَّ من تخصيص الحكم به، ولا يمكن أن يكون الحكم عامّاً لغير الأقوى؛ لأنَّ في ذلك تفويتاً للغرض لا محالة.
فلو أمر بإكرام عالمٍ وكان عمومه بدليّاً، وعلمنا أنَّ مصلحة الإكرام في بعض الأفراد أقوى من مصلحته في بعض آخر، لا بُدَّ من تخصيص الحكم به؛ فإنَّ في التعميم تفويتاً للغرض، وهو لا يصدر من الحكيم.
إذن، التمسّك بالعموم البدلي يتوقّف على مقدّمةٍ زائدةٍ على المقدّمات الجارية في الإطلاق الشمولي، وهي: إحراز تساوي الأفراد في الوفاء بغرض المولى وملاكه؛ إذ لولاه لا يمكن عموم الحكم وشموله إلى تمام الأفراد، وإنَّما يختصّ بالفرد الأقوى والأشد.
أما في الحكم التحريمي الانحلالي فلا يفرِّق في الأغراض بين أن يكون بعض الأفراد بالنسبة إلى بعض متساوياً في الوفاء بالغرض وبين أن يكون أقوى ملاكاً؛ فإنَّ الحكم ثابتٌ للجميع ولو اختلف الملاك.
وعليه، فلا محالة يكون المقدّم هو العموم الشمولي، فإنَّ العموم الشمولي الذي لا يحتاج إلى هذه المقدّمة يكون مانعاً من جريان المقدّمات في طرف العموم البدلي؛ فإنَّه بالعموم الشمولي يحرز بأنَّ الأفراد ليست متساوية، بل
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بعضها مقدّمٌ على بعض ملاكاً.
فمثلاً: لو نهى عن إكرام الفاسق، وكان عمومه شموليّاً، فمقتضاه: ثبوت الحكم لكلّ فاسق وإن كان بعض الأفراد أقوى ملاكاً في الحرمة بالنسبة إلى بعض، كقاتل النفس المحترمة بالنسبة إلى سارق الدرهم أو الكاذب، ومع ذلك لا مانع من التمسّك بالإطلاق وثبوت الحكم لجميع الأفراد.
وأمّا قوله: (أكرم عالماً) الذي إطلاقه بدليٌّ، فهو يحتاج إلى إحراز أنَّ أفراد العلماء كلّها متساويةٌ في الوفاء بالغرض المولوي. وهذا لم يكن يحتاج إليه في الإطلاق الشمولي في: (لا تكرم الفاسق). إذن، الإطلاق في: (لا تكرم الفاسق) يكون مبيّناً لعدم التساوي بين أفراد العالم، أي: يثبت به أنَّ العالم الفاسق أقلّ وفاءً بالغرض من إكرام العالم غير الفاسق. فلا يثبت التساوي في العموم البدلي في: (أكرم عالماً)، وإذا لم يثبت فلا يمكن التمسّك بالإطلاق، فيكون الإطلاق الشمولي مقدّماً على الإطلاق البدلي.
ويلاحظ عليه: أنَّ المقدّمات لا تختلف قلّةً وكثرةً بالنسبة إلى الإطلاق الشموليّ والبدليّ؛ فإنَّ قيام كلّ فردٍ بالملاك الذي دعا إلى جعل الحكم وإن كان لا بُدَّ منه، إلَّا أنَّنا لا نحتاج في إحرازه إلى مقدّمةٍ خارجيّةٍ، بل نحرزه بنفس الإطلاق.
فلو قال: (أكرم عالماً)، ولم يقل: (لا تكرم الفاسق)، وشككنا في أنَّ العالم الذي يجب إكرامه: أيختصّ بالعادل أم يعمّ الفاسق أيضاً؟ أَوَكنّا نتوقّف عن التمسّك بالإطلاق؛ لاحتمال الاختلاف في ملاك الوجوب بين الأفراد؟! بل
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إنَّنا نحرز التساوي بنفس الإطلاق، وأنَّ جميع الأفراد وإن كانوا مختلفين من ناحية العدالة والفسق إلَّا أنَّهم من ناحية الوجوب على حدٍّ سواء. إذن، فإحراز التساوي من الخارج غير معتبر في مقدّمات الحكمة، بل إنَّ هذه المقدّمات
-وهي كون المولى في مقام البيان، وكونه جعل الحكم على المقسم، ولم ينصب قرينةً على تخصيص الحكم ببعض الأفراد- بنفسها تكشف عن أنَّ الملاك الذي دعا إلى الجعل متساوٍ في جميع الأفراد، وأنَّ جميع الأفراد متساويةٌ في الوفاء به، ولا نحتاج إلى إحراز التساوي من الخارج، وإلَّا لم يمكن التمسّك بالإطلاق الشمولي، فضلاً عن غيره.
بعبارة أخرى: إنَّ ما ذكره صحيح من حيث دعوى: أنَّ العموم الشمولي لا يتوقّف على تساوي الأفراد، بل الحكم ثابتٌ للجميع، مع أنَّه قد يكون بعض الأفراد آكد من بعض وأقوى مفسدةً؛ فإنَّه لا إشكال في أنَّ قتل المعصوم أشدّ مفسدةً بمراتب من قتل العامّي، وأنَّ الزنا بذات البعل أشدّ حرمةً من الزنا بغيرها، فالأفراد تختلف ملاكاً، إلَّا أنَّ الإطلاق الشمولي يعمّها جميعاً، ولكنّ العموم البدلي لا بُدَّ من أن تكون الأفراد فيه متساويةً، وإلَّا كان جعل الحكم على الإطلاق منافياً للغرض.
هذا صحيحٌ لا نمنعه، إلَّا أنَّ الممنوع هو أنَّنا لا نحتاج إلى إحراز التساوي من الخارج، بل بنفس الإطلاق نثبت ذلك، فكما أنَّ نتيجة الإطلاق الشمولي هي ثبوت الحكم لجميع الأفراد كذلك نتيجة الإطلاق البدلي هي أنَّ الأفراد متساويةٌ في الوفاء بالغرض.
ــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فليست المقدّمات في البدلي أكثر منها في الشموليّ، بل المقدّمات هي المقدّمات عينها، إلَّا أنَّ النتيجة تختلف، فإنَّ النتيجة في الشمولي: ثبوتُ الحكم لكلّ فردٍ، وفي البدلي: ثبوتُ الحكم للجامع بين الأفراد، ويتخيّر المكلّف بين الأفراد فيأتي بأيّ فردٍ، ولا جهة للتقديم.
فلا يتمّ هذا الوجه.
◙ الوجه الثالث: أنَّ الإطلاق البدلي وإن كان في نفسه مقتضياً لجواز تطبيق المطلق المأمور به على أيّ فردٍ، إلَّا أنَّ حجّية الإطلاق الفعليّة تتوقّف على عدم المانع، فإذا كان هناك مانعٌ، فلا يجوز في حكم العقل تطبيق الطبيعة على الفرد الممنوع منه، والإطلاق الشمولي في نفسه صالحٌ للمانعيّة؛ إذ لو فرضنا أنَّ الإطلاق الشمولي دلّ على أنَّ الفرد منهيٌّ عنه، كما في: (لا تكرم الفاسق)، كان مانعاً في حكم العقل من جواز التطبيق.
إذن، يتوقّف التمسّك بالإطلاق البدلي على عدم المانع، وعلى عدم الإطلاق الشمولي الصالح للمانعيّة، فلو توقّفت عدم صلاحيّته للمانعيّة على وجود الإطلاق البدلي وشموله للفرد للزم الدور، ونتيجة هذا: أن يتعيّن تقديم الإطلاق الشمولي، ورفع اليد عن البدلي.
إلَّا أنَّ المناقشة في هذا الوجه ظاهرةٌ؛ ذلك أنَّ كلّ دليلٍ في حجّيته يتوقّف على عدم المعارض، والمراد من المانع هنا هو المانع الخارجي، أي: عدم المقيّد للإطلاق البدلي، والإطلاق البدلي في نفسه لا تتوقّف حجّيته على شيءٍ كما تقدّم، وإنَّما تتوقّف على مقدّمات الحكمة، فإذا جرت دلّ ذلك على أنَّ المراد من
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الإطلاق الإثباتي هو الإطلاق في مقام الثبوت، وهذه الدلالة ثابتةٌ للإطلاق في نفسه، إلَّا أنَّ حجّيّتها تتوقّف على أن لا يكون له معارضٌ أو مقيّدٌ في الخارج، وهذا لا يختصّ بالإطلاق البدليّ، بل يجري في كلّ دليلٍ ولو كانت الدلالة مستفادةً من الوضع، كما في العموم.
فبحسب الكبرى: ما ذكره(1) صحيح، أي: إنَّ حجّية الإطلاق البدلي تتوقّف على عدم المانع من التطبيق على بعض الأفراد، وإلَّا كان مقيّداً، وكذلك الإطلاق الشمولي إنَّما يكون حجّةً ما لم يكن هناك مانعٌ من شمول الحكم لجميع الأفراد، وكلٌّ منهما صالحٌ للمانعيّة بالنسبة إلى الآخر.
ولا يمكن نفي صلاحية أحدهما للمانعيّة بالآخر، وإلَّا لزم الدور، ونتيجة ذلك: التساقط؛ فإنَّنا لا يمكن أن ننفي صلاحيّة الإطلاق الشمولي للمنع بالإطلاق البدلي، ولا أن ننفي صلاحيّة الإطلاق البدلي للمنع بالإطلاق الشمولي.
وبعبارة أخرى: كلّ مطلقٍ في نفسه إنَّما يكون حجّةً إذا لم يثبت له من الخارج مقيّدٌ، أمّا إذا كان كلٌّ منهما صالحاً لتقييد الآخر في نفسه، فإنَّهما يسقطان معاً؛ لعدم الترجيح في البين.
وهذا الكلام جارٍ في كلّ متعارضين، ولو كانت الدلالة وضعيّةً كتعارض العامّين؛ فإنَّ حجّية كلّ عامٍّ تتوقّف على ألّا يكون له مخصّصٌ من الخارج، وكما يجوز أن يكون هذا العامّ مخصّصاً للعامّ الآخر، كذلك يصلح الآخر لتخصيص الأوّل. إذن، نعلم بوجود التخصيص في أحدهما لا محالة، ولا ترجيح لأحدهما
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 162، خاتمة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
على الآخر في البين، فيسقطان معاً.
إذن، فلا فرق بين المطلقين والعامّين وكلّ متعارضين بحسب الدلالة؛ فإنَّ الحجّية الفعليّة متوقّفةٌ على عدم المعارض، وكما يمكن أن يكون الشمولي مانعاً من حجية البدلي، كذلك يمكن أن يكون البدلي مانعاً عن حجّية الشمولي، فلا يمكن الأخذ بهما معاً، ونتيجة ذلك: التساقط، ولا يمكن تقديم أحدهما على الآخر، وإلَّا يلزم الدور.
الحاصل: عدم تقديم الشمولي على البدلي دائماً
فتحصّل إلى هنا: أنَّ الصحيح هو ما ذكره صاحب الكفاية(1) من عدم وجود موجبٍ لتقديم الإطلاق الشمولي على البدلي، بل إذا كان كلٌّ منهما متوقّفاً على مقدّمات الحكمة فالدلالة فيهما على حدٍّ سواء، وإن كانت النتيجة في أحدهما هي الشموليّة وفي الآخر البدليّة، ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر، فيسقطان معاً.
نعم، لو كانت الدلالة في العامّ وضعيّةً وفي الآخر بمقدّمات الحكمة، كان الأوّل مقدّماً لا محالة على ما تقدّم؛ فإنَّ الدلالة الوضعيّة تنجيزيّة، والإطلاق معلّقٌ على عدم البيان، والدلالة الوضعيّة صالحةٌ للبيانيّة، فيتقدّم العامّ لا محالة.
وأمّا لو فرض أنَّ كلتا الدلالتين كانت مستندةً إلى مقدّمات الحكمة فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر، فيتساقطان.
ــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 106، تتمّة [تردّد القيد بين رجوعه إلى المادّة أو الهيئة].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الجهة الثانية: هل المقام من صغريات هذه الكبرى؟
أمّا الكلام في الجهة الثانية، فإنَّه لو تنزّلنا عن ذلك، وبنينا على أنَّ في المقام معارضةً، فيتقدّم الإطلاق الشمولي على البدلي، كما في المثال، إذا ورد: (أكرم عالماً) وكان إطلاقه بدليّاً، و(لا تكرم فاسقاً) وكان إطلاقه شموليّاً، وفرضنا أنَّنا قدّمنا الإطلاق الشمولي ورفعنا اليد عن البدلي، أي: قيّدنا العالم بغير الفاسق أخذاً بالإطلاق الشمولي، إلَّا أنَّ هذا إنَّما يتمّ إذا كانت المعارضة بينهما بالذات، أي: كان أحد الدليلين منافياً للآخر في مدلوله، بحيث لا يمكن الجمع بينهما في الواقع، فنعلم إجمالاً بكذب أحدهما، ولا يمكن أن يكون كلٌّ منهما باقياً على إطلاقه، ولا بدَّ من كذب أحدهما بحسب الواقع، لا بُدَّ من إسقاط أحدهما لا محالة، والفرض هنا تقديم الإطلاق الشمولي.
إلَّا أنَّ هذا لا يجري فيما إذا كانت المعارضة بالعرض، بحيث لم يكن بين الدليلين أيّ تعارضٍ أو منافاةٍ في مدلولهما، ولكن العلم الإجماليّ الخارجيّ هو الذي أوجب التنافي بينهما، نظير ما ذكرناه في باب التعادل والتراجيح من أنَّ التعارض قد يكون ذاتيّاً، أي: إنَّ التنافي موجودٌ بحسب مقام الإثبات، وأنَّ كشف كلٍّ من الإطلاقين عن مدلوله -أي: كلا الكشفين- لا يمكن مطابقتهما للواقع. وقد تقع المعارضة لأمرٍ خارجي، كما لو دلّ دليلٌ على وجوب الظهر، ودلّ دليلٌ على وجوب الجمعة يوم الجمعة، فلا منافاة بين الدليلين في أنفسهما، وكذلك ما دلّ على وجوب القصر ووجوب التمام؛ فإنَّه يمكن أن يكون كلٌّ منهما صادقاً؛ فإنَّ وجوب كلٍّ منهما لا ينفي وجوب الآخر، فإنَّ اتّصاف كلٍّ من الظهر والجمعة بالوجوب لا يلزم منه اجتماع نقيضين ولا ضدّين ولا أيّ محذورٍ آخر.
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا بخلاف: (أكرم عالماً) و(لا تكرم فاسقاً)؛ فإنَّه لا يمكن أن يكون العالم الفاسق يحرم إكرامه ويجب، أو يحرم ويجوز؛ فإنَّ اجتماع الحرمة والوجوب أو الإباحة غير معقولٍ.
فإذا كان التنافي بين المطلقين تنافياً بالذات، كما لو كان الفرض أنَّنا نبني على أنَّ الشمولي يكون قرينةً على أنَّ المراد بالآخر غير هذه الموارد، فمثل ذلك غير ممكن وغير معقول.
وإذا كان التنافي بالعرض، فليس هنا أيّة منافاةٍ بين وجوب الظهر ووجوب الجمعة. وكذلك الحال بين القصر والتمام، ولكن حيث علمنا من الخارج أنَّه لا يجب صلاتان في يومٍ واحدٍ، فإنَّ الواجب على كلّ مكلّفٍ في اليوم الواحد خمس صلواتٍ لا ستّ، فالعلم الخارجي أوجب التنافي بينهما، فما دلّ على وجوب الظهر دالٌّ بمقتضى هذا العلم الخارجي على أنَّ الجمعة ليست واجبةً، وكذلك ما دلّ على وجوب الجمعة دالٌّ بالالتزام على أنَّ الظهر ليست واجبةً، فالتعارض نشأ من العلم الخارجي، ولولاه لالتزمنا بوجوبهما معاً.
ونظير هذا في الأُصول العمليّة، في موارد العلم الإجمالي، كما لو علمنا إجمالاً بوقوع قطرةٍ نَجِسة في أحد الإناءين أو الأواني، فطهارة أحد الإناءين لا تنافي طهارة الآخر بوجه، إلَّا أنَّنا حيث علمنا خارجاً بوقوع قطرةٍ من البول مثلاً في أحد الأواني، وحصلت المعارضة بين الأصول، فلا يمكن الحكم بطهارتهما معاً. فالمعارضة إنَّما نشأت من العلم الإجمالي. ولا معارضة بين الأصلين في أنفسهما.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وعلى ذلك، لا يمكن القول بتقدّم الإطلاق الشمولي إذا تردّد الأمر في رجوع القيد إلى مفاد الهيئة أو مفاد المادّة؛ ذلك أنَّه لا معارضة ذاتية بين إطلاق الهيئة وإطلاق المادّة؛ فإنَّه لا مانع من أن تكون الهيئة مطلقةً والمادّة مطلقةً أيضاً؛ فإنَّ إطلاق إحداهما لا يستلزم تقييد الأخرى، بل يمكن الجمع بينهما بلا تنافٍ، وإنَّما حصل التنافي بينهما من العلم الخارجي بالتقييد في أحدهما، حيث نعلم بوجود قيدٍ مردّدٍ بين رجوعه إلى مفاد الهيئة وبين رجوعه إلى مفاد المادّة، فالتنافي حصل من العلم الخارجي.
وعليه، فنوقع الكلام في حالتين:
الحالة الأولى: فيما إذا كان القيد متّصلاً
إذا كان القيد الذي يحتمل رجوعه إلى مفاد الهيئة أو المادّة متّصلاً بالكلام، فحينئذٍ لا ينعقد الظهور من الأوّل، لا في الإطلاق الشمولي ولا البدلي، حتى تقع المعارضة بينهما ويتقدّم أحدهما على الآخر، فهي سالبة بانتفاء الموضوع؛ إذ ليس هنا إطلاقٌ؛ إذ من المقدّمات عدم البيان في مقام البيان، ونحتمل أنَّ هذا بيانٌ. إذن، فلم ينعقد ظهورٌ في الإطلاق الشمولي ولا البدلي حتى يتكلّم عن تقدّمه، ويكون المقام من باب احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة.
الحالة الثانية: فيما إذا كان القيد منفصلاً
أمّا إذا كان القيد منفصلاً، فقد انعقد الظهور الإطلاقي في الشمولي والبدلي، ولكنّ العلم الإجمالي مانعٌ من التمسّك بكلا الإطلاقين معاً، فهنا لا وجه لتقديم أحدهما؛ فإنَّ نسبة العلم الإجمالي إلى كلٍّ منهما على حدٍّ سواء،
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وكون الشمولي أقوى في الدلالة من البدلي لا يوجب الترجيح إلَّا إذا كانت المعارضة بين ذاتيهما، أمّا المعارضة بالعلم الخارجي بأن يكون أحد هذين الإطلاقين غير مرادٍ واقعاً، فنسبة العلم الإجمالي إلى الشمولي والبدلي على حدٍّ سواء، فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر؛ لتساوي نسبة المانع بالنسبة إليهما؛ فإنَّ المانع هو العلم الإجمالي، وكما يحتمل أن يكون القيد المنفصل راجعاً إلى الإطلاق البدلي، كذلك يحتمل رجوعه إلى الشمولي، ولا مرجّح للتقديم.
بل لو فُرض أنَّ هذا العلم الإجمالي كان في العموم الوضعي والإطلاق الحِكمي، لم يكن موجبٌ لتقديم العموم الوضعي على الإطلاق الحِكمي، كما لو ورد: (أكرم عالماً) وورد: (لا تشرب كلّ حامضٍ) أو (أيّ حامضٍ)، فلا تنافي بينهما بوجهٍ من الوجوه، ويمكن أن يبقيا على إطلاقهما، لكن إذا علمنا من الخارج أنَّ أحد هذين الأمرين غير مطابقٍ للواقع، علمنا إمّا بأنَّ العالم مقيّدٌ بغير الفاسق، أو الحامض مقيّدٌ بقسمٍ خاصّ. فما هو الموجب لتقديم العامّ بالوضع على الآخر؟ إذ لا تنافي بين الأمرين، فيبقى العامّ على عمومه والإطلاق على إطلاقه، وإنَّما نشأ التنافي بينهما من العلم الإجمالي، ونسبة العلم الإجمالي إليهما على حدٍّ سواءٍ، ولا موجب للتقديم باعتبار أقوائيّة الدلالة.
فعلى تقدير تسليم الكبرى، وهي تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي؛ فإنَّه يختصّ بما إذا كانت المعارضة بينهما ذاتيّةً والتنافي ثابتاً بين نفس الدليلين، وأمّا إذا لم يكن بينهما أيّ تعارضٍ وكان التنافي حاصلاً من ناحية العلم الإجماليّ، فلا موجب للتقديم.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والمقام من هذا القبيل؛ إذ لا تنافي بين الإطلاق في طرف الهيئة والإطلاق في طرف المادّة بوجهٍ، إلَّا أنَّ العلم الإجمالي كان موجباً للتنافي، فلا موجب للتقديم، فيسقطان معاً.
وأمّا الأمر الثاني فحاصله: أنَّه كلّما دار الأمر بين رفع اليد عن ظهورين وبين رفعها عن ظهور واحدٍ معيّنٍ من الكلام، تعيّن الثاني؛ لأنَّه القدر المتيقّن من كونه لم يرد منه الظاهر، وأمّا الآخر فحيث إنَّه مشكوكٌ فيه يؤخذ به؛ إذ لا موجب لرفع اليد عن الظاهر إلَّا بقرينة، فإذا دار الأمر بين رفع اليد عن ظاهرٍ أو عن ظاهرين، فترفع اليد عن القدر المتيقّن، وأمّا ما هو مشكوكٌ فيلزم الأخذ به، ولا موجب لرفع اليد عنه بلا سبب. وهذا واضحٌ من حيث الكبرى.
وأمّا من حيث الصغرى، فقد ذكر أنَّ تقيّد الهيئة يستلزم تقيّد المادّة لا محالة دون العكس؛ فإنَّ الوجوب إذا كان مشروطاً بشيءٍ فإنَّ المادّة -أي: ذات الواجب- لا بُدَّ من أن يكون مقيّدةً به لا محالة؛ إذ لا يمكن أن يكون شيءٌ شرطاً للوجوب ولا تكون المادّة مقيّدةً به. فتقيّد المادّة معلومٌ إمّا بالأصالة وإمّا بتبع تقيّد الهيئة، وأمّا إطلاق الهيئة فغير معلوم التقييد فيؤخذ به؛ لعدم قيام دليل على تقييده.
بيان ذلك: أنَّ الوجوب إذا كان مقيّداً بشيءٍ، كالجنابة بالنسبة إلى وجوب
ــــــــــ[148]ــــــــــ
(1) لاستدلال الأنصاري على رجوع القيد للمادة عند التردّد.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الاغتسال، أو الوقت بالنسبة إلى وجوب الصلاة، فإذا علمنا من الخارج أنَّ وجوب الغسل مشروطٌ بالجنابة، ووجوب الصلاة بدخول الوقت، فإنَّه لا محالة يكون المطلوب هو الغسل الواقع من الجنب، لا بُدَّ من التقييد في طرف الاغتسال أيضاً؛ إذ لا يمكن أن يكون وجوبه مشروطاً بالجنابة، ويكون الغسل أعمّ من الصادر من الجنب وغيره، بل لا بُدَّ من تقيّده بالجنب أيضاً، فتقييد الوجوب يستلزم تقييد الواجب لا محالة.
وكذلك في وجوب الصلاة المقيّد بالزوال؛ فإنَّ الصلاة مقيّدةٌ أيضاً بأن تقع بعده؛ إذ لا يمكن أن تكون الصلاة السابقة على الزوال واجبةً بوجوبٍ متأخّرٍ؛ لأنَّ الواجب لا يتقدّم على الوجوب، بل لا بُدَّ من أن يكون متأخّراً عنه.
إذن، فتقييد الهيئة، أي: الوجوب، يستلزم تقييد المادّة، أي: ذات الواجب، لا بُدَّ من تقييد ذات الواجب بكلّ قيدٍ راجعٍ إلى الوجوب.
وعلى ذلك، إذا دار الأمر بين رجوع القيد إلى الهيئة وبين رجوعه إلى المادّة، فتقيّد المادّة معلومٌ يقيناً؛ فإنَّ المادّة مقيّدةٌ على كلّ تقديرٍ، إمّا بتبع تقيّد الهيئة بهذا القيد أو كونها مقيّدةً به بالاستقلال، وأمّا تقييد الهيئة فلا يعلم به، فإنَّ تقييد الواجب لا يستلزم تقييد الوجوب بالضرورة؛ فإنَّ كثيراً من الواجبات مقيّدةٌ بأُمورٍ كثيرةٍ، ويكون الوجوب بالإضافة إلى هذه الأمور مطلقاً، كالاستقبال بالنسبة إلى الصلاة، فإنَّه قيدٌ للواجب، أمّا الوجوب فغير مقيّدٍ بذلك؛ فإنَّ الصلاة واجبةٌ سواءٌ استقبل أم لم يستقبل، فتقييد المادّة لا يستلزم تقييد الهيئة، دون العكس.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فنعلم تفصيلاً بتقيّد المادّة إمّا استقلالاً وإمّا بالتبع، وأمّا تقيّد الهيئة فغير معلومٍ، فيبقى على إطلاقه.
هذا في الأصل اللفظي.
مقتضى الأصول العمليّة
ونظير هذا الكلام في موارد قاعدة الفراغ والأُصول العمليّة أيضاً، كما إذا عُلم إجمالاً أنَّ المكلّف أخلّ بوضوئه أو بصلاته، كأن يكون قد ترك جزءاً من الصلاة أو ترك جزءاً من الوضوء، فهنا نعلم تفصيلاً ببطلان الصلاة، إمّا من جهة ترك الركوع وإمّا من جهة بطلان الوضوء، فهذه الصلاة بشخصها فاقدةٌ للشرط وهو الطهارة، أو فاقدةٌ للجزء وهو الركوع، فالصلاة معلومة البطلان تفصيلاً دون الوضوء؛ إذ يُحتمل أنَّه صحيحٌ، فنجري قاعدة الفراغ في الوضوء؛ لأنَّه شكٌّ بعد الفراغ، دون الصلاة؛ لأنَّها معلومة البطلان.
فثمّة صورة علم إجمالي، بيد أنَّه منحلٌّ إلى علمٍ تفصيليٍّ ببطلان الصلاة وشكٍّ بدويٍّ ببطلان الوضوء، ولا مانع من جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى المشكوك فيه، وهو الوضوء، دون معلوم البطلان. وكذلك يتصوّر ذلك في سائر الأُصول العمليّة.
والمقام من هذا القبيل؛ فإنَّه وإن كنّا نعلم إجمالاً بوجود قيدٍ راجعٍ إمّا إلى الهيئة أو إلى المادّة، إلَّا أنَّه ينحلّ إلى العلم التفصيليّ بتقيّد المادّة إمّا تبعاً وإمّا استقلالاً، ويكون تقيّد الهيئة مشكوكاً، فنتمسّك بالإطلاق. هذا
ــــــــــ[150]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ملخّص ما أفاده الشيخ(1).
رأي صاحب الكفاية والشيخ الأستاذ
وقد وافق صاحبُ الكفاية(2) الشيخَ الأعظم فيما إذا كان التقييد بدليلٍ منفصلٍ، بمعنى: أنَّه لو ثبت من الخارج أنَّ المولى أمر بشيءٍ ولم يقيّده بظاهر كلامه، لا من جهة المادّة ولا من جهة الهيئة، فانعقد ظهور الإطلاق الشمولي في الهيئة والبدلي في المادّة، ثُمَّ ثبت التقييد بقرينةٍ منفصلةٍ إمّا بالنسبة إلى الإطلاق الشمولي أو البدلي. فتقييد المادّة معلومٌ إمّا بالاستقلال أو بالتبع، ولكنّ إطلاق الهيئة غير معلومٍ؛ فقد انعقد لها ظهورٌ، ولم تقم قرينةٌ على خلافه، فيُتّبع الظهور.
وأمّا إذا كان القيد متّصلاً فيكون الكلام محفوفاً بما يصلح أن يكون قرينةً، فلا ينعقد له ظهورٌ في الإطلاق من أوّل الأمر.
ولكنّ شيخنا الأستاذ(3) وافق الشيخ في كلا الفرضين، أي: سواء كان القيد متّصلاً أو منفصلاً، بدعوى: أنَّ هذا ليس من موارد احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة؛ فإنَّ ذلك إنَّما يكون إذا لم يكن في البين قدرٌ متيقّنٌ، أمّا إذا كان ذلك -وهو رجوع القيد إلى المادّة- فلا مانع من التمسّك بالإطلاق في الطرف
ــــــــــ[151]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 254، القول في وجوب المقدّمة، هداية: إذا شكّ في كون الواجب مشروطاً أو مطلقاً.
(2) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 107.
(3) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 161-163.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الآخر، وهو الإطلاق الشمولي.
المختار في المسألة: سقوط الإطلاقين معاً مطلقاً
ولكن الظاهر أنَّه لا يمكن التمسّك بإطلاق الهيئة إذا كانت القرينة منفصلةً، فضلاً عمّا إذا كانت متّصلةً. فلا وجه لذلك، بل يسقط الإطلاقان معاً، ولو كانت القرينة منفصلةً.
بيان ذلك: أنَّ الكبرى التي ذكرها الشيخ وهي أنَّه إذا دار الأمر بين أن يرفع اليد عن ظهور واحدٍ وبين أن ترفع عنه وعن غيره، فالأمر فيها كما ذكر، أي: يقتصر على القدر المتيقّن ويأخذ بالظهور الآخر، ونظيره كما ذكرنا في قاعدة الفراغ، فإنَّه بالمقدار الثابت نرفع اليد، وفي غيره نأخذ به؛ فإنَّ العلم الإجمالي ينحلّ إلى علمٍ تفصيليٍّ وشكٍّ بدويٍّ.
أمّا محلّ كلامنا فليس داخلاً في هذه الكبرى، أي: ليس هنا قدرٌ متيقّنٌ حتى يؤخذ به ويتمسّك بالآخر، سواء في ذلك القرينة المنفصلة والمتّصلة، بل هو من مورد دوران الأمر بين المتباينين.
والوجه في ذلك يظهر ممّا ذكرناه: من أنَّ القيد إذا كان راجعاً إلى الهيئة لا بُدَّ من أخذه مفروض الوجود، وما كان كذلك لا يقع تحت حيّز الطلب من هذا الأمر لا محالة، كما ذكرنا ذلك في أوّل بحث مقدّمة الواجب؛ إذ قلنا: إنَّ مقدّمة الوجوب خارجةٌ عن محلّ الكلام؛ لأنَّها أُخذت مفروضة الوجود، فقبل وجودها لا وجوب، وبعد وجودها لا معنى لطلبها؛ لأنَّه طلب الموجود وهو من تحصيل الحاصل، وهو محال، كما في نحو: (إذا سافرت فقصّر)؛ فإنَّ المكلّف
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لا يجب عليه إيجاد السفر للتقصير؛ فإنَّ السفر أُخذ مفروض الوجود بالنسبة إلى التقصير، فقبل وجود السفر لا وجوب له، وبعد وجوده يكون طلب السفر محالاً.
فما يرجع من القيد إلى مفاد الهيئة لا بُدَّ من أن يؤخذ مفروض الوجود، ويستحيل أن يتعلّق به التكليف من قِبل الوجوب المشروط به. نعم، يمكن أن يكون السفر واجباً بنذرٍ أو يمينٍ أو أمرِ سيّدٍ أو مقدّمةً لجهاد.
أمّا قيد المادّة فالتقيّد به يقع في حيّز الطلب لا محالة، ولا بدَّ من إيجاده إذا كان أمراً اختياريّاً، كما هو المفروض في محلّ الكلام، فإذا أُمرنا بالصلاة عن طهارةٍ، فكما يجب إيجاد الصلاة خارجاً، كذلك يجب إيجاد الطهارة خارجاً.
إذن، فالقيد على أحد الفرضين لا يمكن أن يكون تحت الطلب، وعلى التقدير الآخر لا بُدَّ من أن يكون تحت الطلب، بمعنى: أنَّ التقيّد واقعٌ في حيّز الطلب وإن لم نقل بالمقدّميّة، وإنَّما لا بُدَّ من إيجاده في الخارج من باب الإيجاب العقليّ.
إذن، فكيفيّة التقييد في الواجب مغايرةٌ لكيفيّة التقيّد في الوجوب، فإذا كانا مختلفين فليس أحدهما قدراً متيقّناً بالنسبة إلى الآخر، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ أحد التقييدين معلومٌ تفصيلاً، إمّا بالتبع أو بالاستقلال، ونشكّ بالتقييد الآخر، ولم تقم عليه قرينةٌ فنتمسّك بالإطلاق؟!
فإنَّنا إذا علمنا أنَّ التقييد ثابتٌ في الجملة، ولم نعلم أنَّه قيدٌ للوجوب لكيلا يجب تحصيله، أو قيدٌ للواجب فيجب تحصيله، فلا قدر متيقّناً في المقام، بل
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كلاهما طرفٌ للشكّ، وحيث نعلم أنَّ أحدهما قد قُيّد في مقام الثبوت، ونعلم بأنَّ أحد الظهورين كاذبٌ، فيسقط كلا الإطلاقين لا محالة.
وأمّا ما ذكرناه من لزوم تقيّد المادّة بتقيّد الوجوب ومثّلنا له بغسل الجنابة -حيث إنَّ الجنابة شرطٌ للغسل- لا بُدَّ من أن يقع الغسل بعد الجنابة، فهذا النوع من التقييد متيقّنٌ ومعلومٌ تحقيقاً، إلَّا أنَّ المشكوك فيه والمبحوث عنه في المقام هو أن يرجع القيد إلى المادّة، أي: يقع تحت حيّز الطلب، والجنابة ليست واقعةً تحت الطلب، فإنَّ الإجناب ليس قيداً للواجب وإنَّما هو قيدٌ للطلب، فتقييد الهيئة وإن كان يستلزم تقييد المادّة بوجهٍ كما ذكرنا، إلَّا أنَّه خارجٌ عن البحث، وإنَّما المبحوث عنه هو تقييده، بمعنى: أنَّه تعلّق الطلب به حتى يجب على المكلّف تحصيله، وهذا طرفٌ للعلم الإجماليّ، وليس هو بقدرٍ متيقّنٍ.
إذن، فمقتضى العلم الإجماليّ هو: سقوط الإطلاقين، ولا بدَّ من الرجوع إلى الأصل العملي، وليس أحدهما قدراً متيقّناً بالنسبة إلى الآخر، حتى يكون الآخر مشكوكاً فيه ليؤخذ به؛ إذ لم تقم قرينةٌ على التقييد.
فهذا الكلام ساقطٌ.
وممّا ذكرنا يظهر فساد ما يتفرّع عليه من كلام صاحب الكفاية وشيخنا الأُستاذ.
ثانياً: فيما تقتضيه الأصول العمليّة لرجوع القيد عند التردّد
قلنا فيما سبق: إنَّه لا أصل لفظيّاً في المقام يتعيّن به أحد الأمرين، وما أفاده الشيخ من الوجهين في رجوع القيد إلى المادّة غير تامٍّ.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذن، ينتهي الأمر إلى الأصل العمليّ، ونتيجة جريان الأصل العمليّ هي: رجوع القيد إلى الهيئة دون المادّة؛ ذلك أنَّه يشكّ في أنَّ الوجوب بالإضافة إلى هذا القيد مطلق أو مشروط، ومعناه: أنّا نشكّ في أنَّ الوجوب فعليٌّ قبل حصول القيد خارجاً، وذلك كما إذا علمنا بالإجمال بوجوب القيام، ولم نعلم أنَّه قيدٌ للواجب في الصلاة أو أنَّه قيدٌ للوجوب، أي: إنَّ وجوب الصلاة مشروطٌ بالقيام، وقبله لا وجوب، فيرجع حينئذٍ إلى الشكّ في أنَّه عند عدم تحقّق القيد في الخارج نشكّ في فعليّة الوجوب وعدمه؛ إذ لو كان الواجب مشروطاً فليس هنا طلبٌ فعليٌّ؛ لأنَّ الشرط غير حاصلٍ، وإن كان قيداً للمادّة فالوجوب فعليّ، فالشكّ شكٌّ في الوجوب الفعليّ، ومقتضى البراءة العقليّة والنقليّة: عدم الوجوب.
فالنتيجة هي الالتزام باشتراط الوجوب؛ إذ بعد تحقّق القيام والطهارة، فعلى كلا التقديرين الوجوب موجودٌ، وأمّا قبل ذلك فيشكّ في فعليّة الوجوب، والبراءة تدفعه.
فتكون النتيجة: أنَّه قيدٌ للوجوب.
دخول المقدّمة الوجوديّة في محلّ البحث
بعد ما ذكرنا أنَّ الواجب ينقسم إلى مطلقٍ ومشروطٍ، وقلنا: إنَّ القيد الذي أُخذ قيداً في الوجوب خارجٌ عن بحث مقدّمة الواجب؛ إذ لا يعقل أن يكون القيد واجباً من قِبَل الوجوب المشروط به؛ إذ قبل وجوده لا وجوب حتى يترشّح وجوبه إليه، وبعده يكون طلبه من تحصيل الحاصل، فالقيد الذي هو
ــــــــــ[155]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
قيدٌ للوجوب لايمكن أن يكون داخلاً في محلّ البحث.
إنَّما الكلام في المقدّمات الأُخرى، أي: المقدّمات الوجوديّة بالنسبة إلى الواجب المشروط، أفواجبةٌ هذه المقدّمات قبل حصول الشرط أم لا؟
مقتضى كلام بعضهم -ومنهم صاحب المعالم(1)-: أنَّ النزاع يختصّ بالواجب المطلق، ولعلّه يريد بالواجب المطلق: الواجب الفعليّ، لا الواجب المطلق في مقابل الواجب المشروط؛ لعدم المقتضي لتخصيص البحث بالواجب المطلق، بل الواجب المطلق والمشروط من هذه الجهة سِيّان، فكما أنَّ مقتضى الواجب المطلق أن تكون مقدّماته واجبةً، كذلك الواجب المشروط مقتضاه: أن تكون مقدّماته واجبةً بناءً على وجوب المقدّمة.
غاية الأمر: أنَّها تكون واجبةً بسنخ وجوب الواجب المشروط، أي: إنَّ وجوب المقدّمات أيضاً يكون مشروطاً بذلك الشيء الذي اعتُبر شرطاً للوجوب نفسه.
فمثلاً: وجوب الحجّ مشروطٌ بالاستطاعة، وهذه المقدّمة خارجةٌ عن حيّز الوجوب؛ لأنَّها مقدّمةٌ وجوبيّةٌ، لا مقدّمةٌ وجوديّةٌ. أمّا المقدّمات الأُخرى فحالها حال نفس الحجّ، فكما أنَّ الحجّ وجوبه مشروطٌ بالاستطاعة، كذلك سائر المقدّمات كالسفر ونحوه، بمعنى: أنَّه لو تحقّقت الاستطاعة خارجاً فكما أنَّ الحجّ يكون واجباً، كذلك سائر المقدّمات التي لها دخلٌ في تحقّق الحج
ــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) انظر: ابن الشهيد الثاني، معالم الدين: 61-62، المقصد الثاني، المطلب الثاني في الأوامر والنواهي، المبحث الأوّل في الأوامر.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
خارجاً، تكون كلّها واجبة بناءً على وجوب المقدّمة.
فوجوب المقدّمة لا يختصّ بالواجب المطلق، بل يعمّ الواجب المشروط، فإنَّهما من هذه الجهة سِيّان. غاية الأمر: أنَّ الواجب المشروط بنفسه لا يجب إلَّا بعد حصول الشرط، فكذلك مقدّماته، فكما أنَّ هذا الشيء شرطٌ في حصول الوجوب، كذلك هو شرطٌ لمقدّماته. إذن، فلا فرق بين الواجب المطلق والمشروط.
ولأجل ذلك، نقول: لعلّ صاحب المعالم وغيره، حيث حصر النزاع بالواجب المطلق يريد به الواجب الفعليّ، أي الواجب بالفعل لا على تقدير، والمشروط بعد حصول شرطه فعليٌّ، لكن لا بمعنى أنَّه ينقلب مطلقاً، بل لأنَّ شرطه حاصلٌ فهو فعليٌّ، فكأنَّ صاحب المعالم يريد بذلك أنَّه ما لم يتّصف الواجب النفسيّ بالوجوب؛ فإنَّ مقدّماته لا تتّصف بالوجوب أيضاً، وهذا واضحٌ. نعم، الأمر كذلك إذا لم يكن الشيء بنفسه واجباً فكيف تكون مقدّماته واجبةً بنفس ذلك الوجوب؟! لا أنَّه بعد تحقّق الشرط وحصول الوجوب لا تكون المقدّمات واجبةً.
والذي يدلّ على هذا -وهو أن يكون مراد صاحب المعالم وغيره هو الواجب الفعليّ-: أنّا لا نجد في الشريعة المقدّسة واجباً مطلقاً أبداً؛ فإنَّه ليس في الخارج واجبٌ مطلقٌ على جميع التقادير، غايته: أن يكون مشروطاً بالشرائط العامّة من العقل والقدرة والبلوغ، فإذا قلنا: إنَّ هذا النزاع يختصّ بالواجب المطلق فإنَّه ينسدّ بابه: أين المطلق لنبحث عن مقدّماته؟
فكلُّ ما نفرضه من الواجبات فهو مشروطٌ، وقد ذكرنا: أنَّ الإطلاق
ــــــــــ[157]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والاشتراط معنيان إضافيّان، فقد يكون شيءٌ بالنسبة إلى شيءٍ واجباً مشروطاً وبالنسبة إلى شيءٍ آخر مطلقاً، كالصلاة؛ فإنَّها بالنسبة إلى الزوال مشروطةٌ، وبالنسبة إلى الغنى غير مشروطةٍ؛ إذ لا يعتبر في الصلاة أن يكون المصلّي غنيّاً. ولكنّ وجوب الحجّ -مثلاً- مقيّدٌ بأن يكون المكلّف مستطيعاً ومتمكّناً من إعاشة نفسه وعائلته، ولا يجب على غيره، أمّا بالنسبة إلى زوال الشمس فهو غير مشروطٍ، وهكذا في بقيّة الواجبات، كالزكاة؛ فإنَّها مشروطةٌ ببلوغ النصاب والحول وغير مشروطةٍ بالزوال.
فهذا التقسيم الذي قسّمناه للواجب إلى المطلق والمشروط إنَّما كان من جهة الإضافة إلى القيود، وإلَّا فالواجب المطلق بتمام معنى الكلمة ليس موجوداً في الشريعة المقدّسة ولا في غيرها، أقلّها أن يكون الواجب مشروطاً بالعقل؛ فلا تكليف على المجنون، والقدرة؛ فلا تكليف على العاجز، والبلوغ -في شريعتنا- فلا تكليف على مَن لم يبلغ، فضلاً عن بقيّة الشرائط.
فكيف يمكن أن يختصّ البحث بالواجب المطلق مع أنَّه لا وجود له، إذن فالنزاع عامٌّ لكلّ واجبٍ، غايته: أنَّه عند اتّصاف الواجب بالوجوب، فكما يكون نفس الوجوب مشروطاً، كذلك مقدّماته.
ومن هنا، يظهر أنَّه على تقدير ثبوت الملازمة بين الواجب وبين مقدّمته، فكما أنَّ الملازمة ثابتةٌ بين الوجوبين نفسيهما، كذلك هي ثابتةٌ بين إطلاقي الوجوبين وتقييدهما، فإذا كان وجوب الواجب مطلقاً كان وجوب المقدّمة مطلقاً أيضاً، وإذا كان مقيّداً بشيءٍ كان وجوب المقدّمة مقيّداً به أيضاً.
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والوجه في ذلك ظاهر؛ فإنَّ الملازمة لو ثبتت وقلنا باستحالة الانفكاك بين وجوب الواجب ووجوب مقدّمته، لا بُدَّ من أن يفرض أنَّه في كلّ موردٍ يُفرض فيه وجوب ذي المقدّمة موجوداً لا بُدَّ من أن يكون وجوب المقدّمة موجوداً أيضاً؛ إذ لا يمكن أن تكون المقدّمة مشروطةً بشيءٍ دون نفس الواجب؛ لأنَّ معناه: الانفكاك، بأن يكون وجوب الواجب متحقّقاً دون وجوب المقدّمة؛ لأنَّها مقيّدةٌ بشيءٍ غير متحقّقٍ على الفرض، وهذا معناه: عدم الملازمة، كما أنَّه إذا فرضنا أنَّ وجوب الواجب مشروطٌ بشيءٍ فلا يمكن فرض وجوب مقدّمته مطلقاً؛ إذ معناه: أنَّ وجوب المقدّمة ثابتٌ دون وجوب نفس الواجب، فلا تكون الملازمة ثابتةً.
فإن قلنا بالملازمة بين الوجوب الفعليّ -والمشروط بعد تحقّق شرطه فعليٌّ- وبين مقدّمته، فلازم ذلك: أنَّ وجوب المقدّمة تابعٌ في الإطلاق والاشتراط لوجوب ذيها، فمعنى الملازمة: أنَّ الوجوبين لا ينفكّان؛ فإنَّ معنى تحقّق هذا تحقّق ذاك، ومتى لا يتحقّق هذا لا يتحقّق ذاك، فإذا كان وجوب المقدّمة من لوازم وجوب ذيها فإنَّه يتبعه في الإطلاق والاشتراط لا محالة.
فلا وجه لتخصيص النزاع بالواجب المطلق، بل قلنا: إنَّه لا وجود له أصلاً، وكلّ ما نفرضه من الواجبات فهو مشروطٌ بشرطٍ لا محالة.
بقي الكلام في إطلاق الواجب على الواجب المشروط، وأنَّ استعمال الهيئة في موارد الوجوب المشروط، أحقيقيٌّ هو أم مجازيّ؟
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بمعنى: أنَّه تارةً: يقع الكلام في لفظ الوجوب الذي هو من المفاهيم الاسميّة، وتارة أُخرى: في مدلول الهيئة الذي يشبه المدلول الحرفيّ.
فأمّا بالنسبة إلى لفظ الواجب، فإن كان إطلاقه على الواجب المشروط بلحاظ حال حصول الشرط، فإذا قيل: الحجّ واجبٌ، فهل يراد به وجوبه عند حصول الاستطاعة، أم أنَّ إطلاقه عليه يكون بعد حصول الاستطاعة خارجاً. وكذلك بالنسبة إلى الصلاة، فلو قلنا مثلاً: إنَّ صلاة الظهر واجبةٌ، فباعتبار أنَّ الزوال تحقّق في الخارج، أم يراد به الوجوب بعد الزوال فيكون الإطلاق بلحاظ حال حصول الشرط؟
فلا إشكال في أنَّه حقيقةٌ على ذلك؛ باعتبار أنَّ الفعل ثابتٌ في ذمّة المكلّف بلحاظ حصول الشرط في الخارج، وقد قلنا: إنَّه لا يوجد في الواجبات مطلقٌ أصلاً؛ فلا أقلَّ من وجوب الشرائط العامّة، فلو قيل بأنَّ أداء الدين واجبٌ أو الحجَّ واجبٌ أو تعلّم الأحكام واجبٌ، فيراد به الوجوب حال حصول الشرط، ويكون الإطلاق حينئذٍ حقيقيّاً.
وأمّا إذا أطلق الواجب على الواجب المشروط لا بلحاظ حصول الشرط، بل أُطلق فعلاً بلحاظ أنَّه سوف يكون واجباً فيما بعد، وسوف يكون متلبّساً بالمبدأ، فيقال: الحجّ واجبٌ على زيدٍ، ويراد به الوجوب فعلاً؛ باعتبار أنَّه يجب عليه بعد زمانٍ وبعد حصول الاستطاعة، وذلك فيما إذا علمنا أنَّه سوف يستطيع فيما بعد، فيكون هذا مجازاً بلا إشكال؛ لما سبق في بحث المشتقّ، من أنَّ إطلاق المشتقّ على من لم يكن متلبّساً وسيتلبّس به فيما بعد إطلاقٌ مجازيٌّ، فإنَّه
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وإن كان هناك كلامٌ كما تقدّم بالنسبة إلى ما انقضى، أمّا ما لم يكن اتّصافه فعليّاً بل فيما بعد، فلا إشكال في أنَّه مجازٌ، ومن هذا القبيل إطلاق الواجب على الواجب المشروط قبل حصول شرطه باعتبار حصوله فيما بعد.
أمّا استعمال الهيئة في موارد الواجب المشروط، فهو حقيقة بلا إشكال؛ ذلك أنَّ الإطلاق والاشتراط خارجٌ عن المدلول الوضعيّ، أو أنَّ الألفاظ ومنها الهيئات -على ما بيّناه في بحث المطلق والمقيّد- موضوعةٌ للجامع بين المطلق والمشروط، فقد يستعمل اللفظ ويراد به الإطلاق، وقد يستعمل ويراد به المقيّد، ولكن الإطلاق والتقييد غير داخلين في الموضوع له، ولا في المستعمل فيه، بل تكون الدلالة بأمرٍ خارجيٍّ، وهو المقيّدات، وتكون غالباً لفظاً متّصلاً أو منفصلاً، نحو: جئني بماءٍ باردٍ، [أو صلّ في المسجد]، فيقيّد طبيعيّ الماء بالبرودة.
ولكنّ الإطلاق وإن كان يمكن التصريح به، نحو: مطلقاً، أو على كلّ حال، إلَّا أنَّه كثيراً ما يستفاد من مقدّمات الحكمة ومن السكوت في مقام البيان.
وعلى كلٍّ، فإنَّ الإطلاق والتقييد غير داخلين في الموضوع له، بل اللفظ موضوعٌ بإزاء المعنى الجامع بينهما، وكلٌّ من الإطلاق والتقييد يستفاد من قرينةٍ متّصلةٍ أو منفصلةٍ يُعلم بها مراد المتكلّم على وجه التحديد.
ومن هنا، فإنَّ استعمال اللفظ وإرادة المقيّد يكون بتعدّد الدالّ والمدلول، كما أنَّ الأمر في المطلق كذلك.
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وعلى هذا، فقد تستعمل الهيئة ولا تقيَّد بشيءٍ، فيكون المراد الجدّيّ من المستعمل فيه هو اعتبار المادّة على ذمّة المكلّف غير مقيّدةٍ بقيدٍ خاصٍّ، بل على كلّ تقديرٍ، وقد يكون المراد الجدّيّ للهيئة هو اعتبار المادّة على ذمّة المكلّف لا على الإطلاق، بل على تقديرٍ خاصٍّ.
وعلى كلا التقديرين -إذا كان المراد الجدّيّ هو الإطلاق أو على تقديرٍ خاصٍّ- فإنَّ اللفظ استُعمل في معنىً واحدٍ، فإنَّ معنى الهيئة هو الكشف عن اعتبار المادّة على ذمّة المكلّف، وهو أمرٌ مشتركٌ بينهما، أمّا أنَّه هل هو على نحو الإطلاق أم التقييد؟ فهو أمرٌ خارجٌ عن المستعمل فيه والموضوع له، بل لا بُدَّ له من دالٍّ آخر، والدالُّ قد يكون هو لفظاً خاصّاً، وقد يكون هو مقدّمات الحكمة.
فالإطلاق والتقييد في الوجوب -كغيره- خارجٌ عن دائرة المستعمل فيه والموضوع له، فيكون حقيقةً مطلقاً.
إلى هنا تلخّص أنَّ الكلام في بحث مقدّمة الواجب إنَّما يقع في المقدّمات الوجوديّة، أعمّ من أن يكون الوجوب:
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذ لو كان مختصّاً بحالٍ دون حال لزم الانفكاك بين الوجوبين، كما أنَّه لو كان الواجب النفسيّ مشروطاً كانت المقدّمة كذلك أيضاً؛ إذ لو كان وجوبها مطلقاً لزم أن تكون المقدّمة واجبةً في حالٍ والمفروض أنَّ ذيها غير واجب، وهو منافٍ للملازمة واستحالة الانفكاك.
فيقع البحث في مقدّمة الواجب المطلق ومقدّمة الواجب المشروط؛ غاية الأمر: يثبت الوجوب للمقدّمة من سنخ وجوب ذيها.
وقد ذكرنا فيما تقدّم أنَّ مقدّمات الوجوب خارجةٌ عن محلّ البحث؛ إذ يستحيل أن تكون متّصفةً بالوجوب الغيريّ الناشئ من نفس هذا الوجوب.
كما أنَّ المقدّمات العلميّة التي هي مقدّمةٌ لإحراز الامتثال كالصلاة إلى الجهات الأربع غير داخلةٍ في محلّ البحث، وعلى تقدير وجوبها، فإنَّها تجب بملاكٍ آخر غير ملاك المقدّمية، وهو ملاكُ تنجّز العلم الإجماليّ، وهذا التنجّز إن صادف الواقع فهو الواجب، وإلَّا فليس هو بمقدّمة.
يقع الكلام في وجوب التعلّم هل هو نفسيٌّ، أو إرشاديٌّ، طريقيٌّ أو مقدّميٌّ؟
هذه هي أقسام الوجوب.
فإنَّه إمّا أن يكون وجوب الشيء نفسيّاً كالصلاة والصوم والحجّ والزكاة، وهو ما يكون واجباً لنفسه مع قطع النظر عمّا عداه.
وإمّا أن يكون وجوباً إرشاديّاً، أي: لا يترتّب عليه أثر، وإنَّما هو إرشادٌ إلى
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
حكم العقل، ووجوده وعدمه سِيّان، لا أثر له إلَّا الإرشاد وتنبيه المكلّف إلى الحكم الثابت، مع قطع النظر عن هذا الإيجاب، كالأمر بإطاعة الله والرسول؛ فإنَّه لو لم يكن هذا الأمر كانت الأوامر واصلةً ومنجّزةً بحكم العقل، ويستحقّ العاصي العقاب، سواءٌ كان هناك أمرٌ أم لا.
ونظيرُ ذلك النهيُ عن اتّباع غير العلم في الآيات المباركة على ما بيّناه في بحث الظنّ(1)، وقلنا: إنَّه إرشادٌ إلى ما حكم به العقل، فإنَّ العقل مستقلٌّ بلزوم تحصيل العبد الأمنَ من العقوبة، ودرء الضرر المحتمل.
وإمّا أن يكون وجوباً مقدّميّاً، أي: وجوباً مترشّحاً من وجوب شيءٍ آخر يدور مداره، بناءً على ثبوت الملازمة، كالوضوء والغسل والتطهير؛ فإنَّ كلّ ذلك يدور وجوبه مدار وجوب الصلاة، فلولا وجوب الصلاة لما كانت هي واجبةً؛ لأنَّ وجوب المقدّمة يدور مدار وجوب ذيها.
وهنا قسمٌ آخر من الوجوب وهو الوجوب الطريقيّ؛ فهو غير واجبٍ بنفسه، كما في القسم الأوّل، ولا هو إرشاديٌّ محضٌ لا يترتّب عليه أثرٌ، كما في القسم الثاني، ولا هو ناشئٌ من وجوبٍ آخر مترشّحٍ منه ومن تبعاته، كما في القسم الثالث، بل هو وجوبٌ يتنجّزُ به الواقع، فإن كان هناك واقع فإنَّه يتنجّز به وإلَّا فلا، وذلك كالأمر بالاحتياط؛ فإنَّ الأدلّة عليه لو تمّت في موارد الشبهة التحريميّة سنداً ودلالةً، فهي تمنع من الرجوع إلى البراءة، بل التكليف الواقعي -على تقدير وجوده- منجّز.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) سوف يأتي إن شاء الله تعالى في الأجزاء اللاحقة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وكذلك الحال في الأوامر الواردة -ولو إمضاءً- في اتّباع الأمارات. فلو أخبر الثقة عن ثبوت حكمٍ فإنَّ الواقع يتنجّز بذلك، أو مثلاً في الشبهات الموضوعيّة، لو قامت البيّنة على نجاسة شيءٍ أو أخبر ذو اليد عن نجاسته فالحال فيه كذلك. فوجوب العمل على طبق إخبار البيّنة أو ذي اليد وجوبٌ طريقيٌّ، أي: إنَّ المولى بأمره باتّباع هذا الطريق حكم بتنجّز الواقع على تقدير الإصابة، فلو كان الشيء نجساً في الواقع فإنَّه يتنجّز على المكلّف.
ولولا الأمر الطريقيّ لم يكن هنا تنجّزٌ للواقع؛ إذ لو لم يكن الاحتياط لرجعنا إلى البراءة، ولو لم يكن هناك حجّيةٌ لقول البيّنة أو ذي اليد لرجعنا إلى أصالة الطهارة.
ومعنى كون الأمر طريقيّاً: أنَّ العقاب ليس على مخالفته نفسه، وليس هناك مصلحة في نفس المتعلّق دعت المولى إلى الأمر به، كما كان في القسم الأوّل؛ فإنَّ اتّباع الأمارة أو الاحتياط ليس في نفسه أمراً ذا مصلحةٍ وملاكٍ ليكون واجباً نفسيّاً، بل هو ينظر إلى الواقع، فلو كان هناك حكمٌ واقعاً صحّ العقاب على المخالفة، وإلَّا لم تصحّ إلَّا على التجرّي، وهو أمرٌ آخر.
كما أنَّه ليس -هذا الوجوب- من الوجوب المقدّمي؛ إذ ليس اتّباع الأمارة أو الاحتياط مقدّمةً وجوديّةً للواجب، وهذا واضحٌ.
وليس وجوباً إرشاديّاً بالضرورة؛ إذ لو لم يكن حكم الشارع بحجّية البيّنة أو بالاحتياط، لعملنا بالبراءة أو الطهارة، فليس وجود هذا الحكم كعدمه، كما في الأمر الإرشاديّ، بل هو إيجابٌ طريقيٌّ، أي: ينظر المولى فيه إلى الواقع
ــــــــــ[165]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ويجعله منجّزاً بأمره هذا، ولأجل ذلك نسمّيه بالوجوب الطريقيّ.
في المقام: وجوب التعلّم من أيّ نحوٍ من أنحاء الوجوب؟
أمّا أن يكون وجوبه نفسيّاً -وقد قال الأردبيلي(1) بذلك، وذهب بعض تلاميذه(2) إليه أيضاً- فهو وإن كان أمراً ممكناً، بأن يكون التعلّم من الواجبات الإلهيّة ويجب على كلّ مكلّفٍ أن يتعلّم الأحكام المتعلّقة بنفسه، بل قد يجب أن يتعلّم الأحكام المتعلّقة بغيره، فإنَّ ظاهر الآيات والروايات أنَّ تعلّم الأحكام الشرعيّة ليس بنفسه أمراً واجباً، ولا يستفاد من ظواهر الأدلّة أنَّ وجوبه نفسيٌّ، وإنَّما يستفاد أنَّ وجوبه مقدّمةٌ للعمل أو مقدّمةٌ للتعليم، كما في قوله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(3). فالتعلّم مقدّمةٌ للإنذار الواجب ولتعليم الأحكام.
وأمّا أن يكون الوجوب مقدّميّاً فهو غير محتمَل؛ إذ إنَّ التعلّم كثيراً ما لا يكون مقدّمةً لواجبٍ في الخارج؛ ضرورة أنَّ تعلّم الحكم ليس له دخلٌ في القدرة على الإتيان بواجبٍ أو ترك حرامٍ. فليس تعلّم وجوب ردّ الأمانة من مقدّمات الردّ خارجاً، وليس تعلّم ترك الحرام كشرب الخمر والزنا من مقدّمات تركه، بل هو مقدورٌ، سواءٌ كان عالماً بحكمه أم لم يكن عالماً به؛ فإنَّ
ــــــــــ[166]ــــــــــ
(1) انظر: الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان 1: 342، و 2: 110.
(2) انظر: العاملي، مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام 3: 342، و219.
(3) التوبة: 122.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
مقدّمة الشيء هي ما يتوقّف عليه وجوده في الخارج، ومعرفة الحكم ليس من مقدّمات الإتيان بالواجب أو ترك الحرام.
نعم، في بعض الموارد يمكن ذلك، مثل: موارد الأعمال المركّبة، كالصلاة والحجّ، فإنَّ مَن لم يتعلّم نفس الصلاة -لا حكم الصلاة من وجوب أو استحباب- لا يستطيع الإتيان بها في الوقت، وكذا الأمر في الحجّ، فمن لم يتعلّم لا يتمكّن من الإتيان بالواجب. إلَّا أنَّ هذا أمرٌ قد يكون أو لا يكون، فلا يمكن أن يكون التعلّم على الإطلاق من باب أنَّه مقدّمةٌ للواجب.
وأمّا الوجوب الإرشاديّ فلا يمكن الالتزام به؛ فإنَّ الوجوب الإرشاديّ ما لا يترتّب عليه أثرٌ، بل يكون لمجرّد التنبيه والإرشاد إلى حكم العقل وإلفات نظر المكلّفين إليه. فهذا غير متأتٍّ في وجوب التعلّم؛ إذ لو لم تكن هذه الأدلّة دالّة على وجوب التعلّم، أي: لا بُدَّ لكلّ مكلّفٍ من أن يتعلّم حكم ما يبتلي به من المسائل، أو ما يمكن أن يبلّغه من الأحكام، لرجعنا إلى البراءة ورفع ما لا يعلمه المكلّف. كما ذهبنا في الشبهات الموضوعيّة إلى أنَّ الفحص فيها غير واجبٍ؛ لإطلاق دليل: (رُفع ما لايعلمون).
وأمّا البراءة العقليّة فلا تجري في وجوب التعلّم؛ لأنَّ العقل لا يستقلّ بقبح عقاب مَن لم يفحص مع علمه إجمالاً بوجوب التكليف، إلَّا أنَّ الأدلّة الشرعيّة غير قاصرةِ الشمول، فيمكن التمسّك بقوله: “رُفع عن أمّتي ما لا يعلمون” كما تمسّكنا به في الشبهة الموضوعيّة وقلنا بعدم وجوب الفحص فيها، كذلك نقول في الشبهة الحكميّة بعدم وجوب الفحص فيها.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إلَّا أنَّ الأدلّة الدالّة على وجوب التعلّم ووجوب الفحص منعتنا من عدم الفحص، فوجوب التعلّم طريقيٌّ، حيث علمنا بتنجّز التكليف في زمان عدم الفحص وعدم وصول التكليف، فإذا كان يمكنه الفحص ولم يفحص، فالحجّة تامّةٌ على المكلّف، فليس له الرجوع إلى أصالة البراءة؛ لأنَّه جاهلٌ بالحكم.
إذن، وجوب التعلّم وجوب طريقيّ.
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ذكر صاحب الفصول(1) في تقسيم الواجب، أنَّه ينقسم إلى مطلق ومشروط، والمشروط بالمعنى الذي ذكرناه، وينقسم المطلق إلى معلّق ومنجّز؛ فإنَّه إن كان الوجوب والواجب فعليّاً فإنَّه يسمّيه بالمنجّز، وإن كان الوجوب فعليّاً والواجب مقيّداً بقيد الزمان المتأخّر، فإنَّه يسمّيه بالواجب المعلّق، فالواجب عنده ثلاثة أقسام:
والأخيران -كلاهما- داخلان في المطلق.
وبما أنَّ الشيخ قد أنكر الواجب المشروط(2)، والواجب المعلّق هو ما كان الوجوب فيه فعليّاً، غير أنَّ الواجب مشروطٌ بأمرٍ متأخّرٍ، وهو الزمان، فإنكار الشيخ الواجبَ المعلّق إنَّما يرجع إلى إنكاره الواجبَ المشروط.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
(1) انظر: الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 79، تمهيد: مقال لتوضيح حال.
(2) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 259، هداية [الكلام في موارد حكم فيها بوجوب الإتيان بالمقدّمة قبل اتّصاف ذيها بالوجوب].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فإنَّه وإن أنكر على صاحب الفصول أنقسام الواجب إلى مطلق ومشروط، فلا يُتعقّل قسمٌ ثالثٌ يسمّى بالمعلّق، إلَّا أنَّ القسم الثالث الذي ذكره صاحب الفصول وافقه عليه الشيخ وسمّاه بالواجب المشروط، أي: رجوع القيد إلى المادّة دون الهيئة. فما يسمّيه صاحب الفصول بالواجب المعلّق هو بعينه ما يسمّيه بالواجب المشروط.
وكيفما كان، فهل تقسيم صاحب الفصول صحيح، وأنَّ الواجب له أقسام ثلاثة؟ أم إنَّه ينقسم إلى: الواجب المشروط والمطلق، ولا ينقسم المطلق إلى قسمين: معلّق ومنجّز؟
ثُمَّ إنَّ القسم الذي سمّيناه بالمعلّق، مع قطع النظر عن التسمية والتقسيم، هل هو في نفسه أمرٌ ممكنٌ، بمعنى: أنَّه هل يمكن أن يكون الوجوب فعليّاً والواجب مقيّداً بأمرٍ متأخّرٍ أو لا يمكن؟
وكيفما كان، فهنا جهتان:
أمّا الكلام في الجهة الأولى -وهي صحّة التقسيم- فالصحيح أنَّه غير صحيح، وليس هنا أقسامٌ ثلاثةٌ للواجب.
بيان ذلك: أنَّ الواجب المقيّد بزمانٍ متأخّرٍ ينحلّ إلى أُمور ثلاثة: نفس الفعل وتقيّده بالزمان، والزمان الذي هو القيد، والتقيّد داخلٌ والقيد خارجٌ.
أمّا الفعل فلا إشكال في أنَّه مقدورٌ في ظرفه، فيمكن تعلّق التكليف به، كما سيأتي، من أنَّه يمكن أن يتعلّق الوجوب بالأمر المتأخّر.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وأمّا تقيّده بالزمان فأمرٌ اختياريٌّ؛ فإنَّ المكلّف قادرٌ على إيجاد الفعل في هذا الزمان كما هو قادر على عدم إيجاده. ومن هنا ذكرنا في باب الشروط أنَّ المعتبر هو أن يكون التقيّد داخلاً تحت الاختيار، أمّا القيد فإنَّه قد يكون غير اختياريٍّ -غالباً- كما في صلاة الظهر؛ فإنَّها مقيّدةٌ بأن تقع بين الزوال والغروب، وهذا الزمان أمرٌ غير اختياريٍّ، ولكنّ إيقاع المكلّف للصلاة بين هذين الحدّين أمرٌ اختياريٌّ، فلا مانع من تعلّق الوجوب بقيدٍ غير اختياريٍّ حيث يكون المطلوب ليس هو إيجاد القيد، بل إيجاد التقيّد وهو أمرٌ اختياريّ.
نعم، قد يكون نفس القيد أمراً اختياريّاً، كما في طهارة البدن واللباس أو الطهارة الحدثيّة، ففي هذه الموارد نفس القيود اختياريّة، وإلَّا فإنَّه لا يعتبر في القيد المأمور به أن يكون اختياريّاً.
وكيفما كان، فالواجب إذا كان متأخّراً ومقيّداً بزمانٍ متأخّرٍ، فإنَّه ينحلّ إلى ثلاثة أُمور: ذات الفعل الذي هو أمرٌ اختياريٌّ، وإيقاعه في هذا الزمان الذي هو معنى التقيّد وهو أمرٌ اختياريٌّ أيضاً، والزمان وهو أمرٌ غير اختياريٍّ وغير قابلٍ لأن يتعلّق به تكليفٌ أصلاً، فإذا كان غير قابلٍ لتعلّق التكليف به والمفروض أنَّه دخيلٌ في الوجوب، بحيث إذا لم يوجد هذا الزمان -فرضاً- لم يكن تكليفٌ أصلاً، لأنَّ المفروض تقييد وقوع الامتثال فيه، فحينئذٍ لا يكون التكليف ثابتاً من الأوّل.
أو لو فرض أنَّه كان موجوداً زماناً ما ولكنّ القدرة على إيجاده فيه غير موجودةٍ، فلا تكليف لا محالة، فالتكليف الفعليّ المقيّد بالزمان المتأخّر مشروطٌ
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بمجيء الزمان وبالقدرة على الفعل فيه، فيكون الواجب المعلّق قسماً من المشروط ليس غير، غايته: أنَّه مشروط بشرطٍ متأخّرٍ، أي: إنَّ الوجوب الفعلي مشروط بشرطٍ متأخّرٍ وهو الزمان، فإذا لم يجئ الزمان فيستكشف أنَّه لم يكن الوجوب من الأوّل، أو تحقّق الزمان ولكن المكلّف لم تكن شرائط التكليف متوفّرةً فيه، كما لو جنّ في الوقت، فإنَّه يُستكشف من ذلك أنَّه من الأوّل لم يكن موجوداً.
إذن، فما سمّيناه بالواجب المعلّق هو واجبٌ مشروطٌ بزمانٍ متأخّرٍ، غايته: أنَّه قد يكون الواجب فعليّاً وقد يكون متأخّراً، فهو قسمٌ من أقسام الواجب المشروط، لا أنَّ الواجب المطلق يقسّم إلى معلّقٍ ومنجّزٍ.
فأمر الواجب دائرٌ بين الإطلاق والاشتراط، وليس هنا قسمٌ ثالثٌ.
ثُمَّ إنَّ ما دعا صاحب الفصول إلى الالتزام بقسمٍ ثالثٍ من الوجوب، هو ما رآه من أنَّه إذا لم يلتزم بذلك لوقع بمحذورٍ، وهو: لزوم الإتيان بالمقدّمات قبل تنجّز الواجب، كما في الحجّ والاغتسال في شهر رمضان، فإنَّا لو لم نلتزم بالواجب المعلّق وأنَّ الوجوب فعليٌّ، فلماذا يجب الغسل؟ وكيف نلتزم بوجوب المقدّمة مع أنَّ ذيها لم يتّصف بالوجوب بعدُ، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ وجوب المقدّمة ووجوب ذيها متلازمان عقلاً على تقدير وجوب المقدّمة، وأنَّه لا يمكن أن يفرض وجوبها من دون وجوب ذيها ولا العكس؛ فإنَّ وجوبها مترشّحٌ من وجوب ذيها، فكيف يمكن أن يكون موجوداً من دونه.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وكذلك الحال في باب الحجّ، إذا لم نقل بأنَّ الوجوب حاصلٌ من حين الاستطاعة، فمن حين الاستطاعة يجب عليه أن يحجّ يوم كذا، فلماذا يجب عليه تهيئة المقدّمات والسفر قبل ذلك بأيّام أو بأشهر، كما في السابق.
لا بُدَّ من الالتزام بأنَّ وجوب ذي المقدّمة فعليٌّ ليمكن وجوبها، ولهذا التزم صاحب الفصول بالواجب المعلّق.
ولكن بما ذكرناه ظهر أنَّه لا حاجة إلى الالتزام بالقسم الثالث من الوجوب، بل هو قسمٌ من الواجب المشروط. نعم، لا بُدَّ من الالتزام بالوجوب الفعليّ لتجب المقدّمة من الآن؛ لاستحالة الانفكاك بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، ولكن لا يستلزم هذا الالتزام بالقسم الثالث، بل نتيجة الواجب المشروط هي نتيجة الواجب المعلّق؛ فإنَّ العبرة بفعليّة الوجوب، لا بالالتزام بقسمٍ ثالثٍ.
على أنَّه لا ملزم لنا بالالتزام بأنَّ هذا وجوبٌ مقدّميٌّ، فلنلتزم أنَّه وجوبٌ مولويٌّ تحفّظاً على الملاك في وقته، ونسمّي هذا وجوباً للغير لا وجوباً بالغير، أي: إنَّ هذا الوجوب لم يترشّح من قِبل الوجوب الآخر فليس هو مقدّمياً، بل هو نفسيّ، لكن لا لأجل مصلحةٍ في نفس المتعلّق، بل لأجل مصلحةٍ في واجب آخر، وتحفّظاً على الملاك أوجبه المولى. ولا محذور فيه.
بل لا نحتاج إلى الوجوب الشرعي، بعد أن ثبت من الخارج -بضرورة الشرع- أنَّ الملاك تامٌّ في نفسه، وأنَّ المكلّف يعاقَب على تسويف الحجّ وعدم السفر إليه، أو تسويف الغسل حتّى الفجر في الصوم. فالعقل يُلزم بالإتيان
ــــــــــ[173]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بهذه المقدّمات تحفّظاً على الملاك في ظرفه، ولو لم يكن هناك وجوبٌ شرعيٌّ، لا من جهة الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، بل من جهة حكم العقل بقبح تفويت الملاك الملزم بعد أن ثبت أنَّ الفعل في ظرفه واجدٌ للملاك التامّ، فالعقل يلزم بالإتيان بالمقدّمات دفعاً للعقاب.
إذن، فلا حاجة إلى الالتزام بالواجب المعلّق في نفسه. نعم، لا بُدَّ من الالتزام بفعليّة الوجوب على ما هو الصحيح، ولو تنزّلنا نلتزم بالوجوب الشرعيّ النفسيّ، ولو تنزّلنا عنه نلتزم بالوجوب العقليّ.
وعلى كلٍّ، فلا حاجة إلى الالتزام بالوجوب الفعليّ لتجب المقدّمات بالوجوب الفعليّ.
أمّا الجهة الثانية فيقع الكلام فيها عن إمكان هذا القسم من الوجوب، وقد قلنا: إنَّه لا حاجة إلى الالتزام به. نعم، مقتضى مقام الإثبات هو الالتزام بالوجوب الفعليّ؛ فإنَّ مقتضى قوله تعالى: وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1)، وكذلك الروايات الواردة في المقام، هو: أنَّ الوجوب يوجد مع الاستطاعة خارجاً، أي: إنَّ الوجوب فعليٌّ وإن كان الحجّ أمراً متأخّراً، بناءً على ما نذكره من إمكان الوجوب المتأخّر وأنَّه من الوجوب المشروط، فأوّل أزمنة وجوب الاستطاعة أوّل أزمنة الوجوب. ولذا التزمنا بعدم جواز تفويت الاستطاعة بعد حدوثها لفعليّة وجوب الحجّ.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وكذلك مقتضى قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(1)
-سواءٌ كان معنى شهود الشهر هو الرؤية أو الحضور-: أنَّه بدخول الشهر يجب صومه، فالوجوب فعليٌّ، غايته: أنَّ متعلّقه متأخّرٌ وهو الصوم المقيّد بالنهار.
فالظهور على طبق ما ذكره صاحب الفصول، لكن من ناحية الملزم العقليّ ذكرنا أنَّه لا ملزم لنا بذلك.
فيقع الكلام في إمكان أن يكون الوجوب فعليّاً والواجب مقيّداً بزمانٍ متأخّرٍ وعدم إمكان ذلك كما في الصوم، فهل يجب من أوّل الليل صوم الغد، وهل يمكن ذلك فنلتزم على طبق الظهور؟ أم أنَّه غير ممكن، لا بُدَّ من رفع اليد عن الظهور حينئذٍ، وأنَّ الوجوب يكون من الفجر؟
وبعبارة أخرى: هل يمكن أن يُفرض الوجوب بالفعل ويكون الواجب مقيّداً بزمانٍ متأخّرٍ أم لا يمكن؟
قد يُقال بالاستحالة وعدم إمكان ذلك، واستدلّ على ذلك بوجهين:
◙ الوجه الأوّل: أنَّ الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة مشتركتان في جميع ما يكون من أحكام الإرادة بما هي إرادةٌ، من دون خصوصيّةٍ لإحداهما على الأُخرى، ولا يفرّق في ذلك بين التشريعيّة والتكوينيّة، إلَّا أنَّ الإرادة التشريعيّة متعلّقةٌ بفعل الغير، والتكوينيّة متعلّقة بفعل الإنسان نفسه، وإلَّا
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) آل عمران: 185.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فليس بينهما فارقٌ من أيّة جهةٍ كانت.
وحيث إنَّ الإرادة التكوينيّة يستحيل أن تتعلّق بأمرٍ متأخّرٍ، فإنَّها تستتبع تحرّك العضلات نحو الفعل، على ما فسّروا به الإرادة من أنَّها الشوق المؤكّد المستتبع لحركة العضلات، فهي علّةٌ لحركة العضلات، والعلّة يستحيل انفكاكها عن المعلول خارجاً؛ فإنَّ العلّة وإن كانت متقدّمةً رتبةً على المعلول فإنَّهما بحسب الزمان متقارنان لا محالة.
فإذا لم يمكن تعلّق الإرادة التكوينيّة بأمرٍ متأخّرٍ، لم يمكن ذلك في الإرادة التشريعيّة أيضاً؛ فإنَّ الإرادة التشريعيّة هي تحريك عضلات العبد نحو المراد، ولا يمكن أن يكون التحريك منفصلاً عن التحرّك، فإذا كان التحرّك غير ممكنٍ فالتحريك أيضاً غير ممكنٍ. إذن، تعلّق الإرادة التشريعيّة بأمرٍ متأخّرٍ -بأن يكون الوجوب فعليّاً والواجب مقيّداً بزمان متأخّر- غير معقول(1).
وقد أجاب صاحب الكفاية عن ذلك(2): بأنَّ تعلّق الإرادة التكوينيّة بأمرٍ
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) نسب صاحب الكفاية هذا الوجه إلى النهاوندي صاحب تشريح الأصول؛ انظر: كفاية الأصول: 102، [الإشكال على الواجب المعلّق ودفعه]، وانظر: النهاوندي النجفي، تشريح الأصول: 191-192، الفرق بين الاشتراط العقلى والشرعي من حيث وجوب المقدّمة المقدورة قبل تحقّق شرط الوجوب فى الأوّل دون الثاني.
(2) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 102، [الإشكال على الواجب المعلّق ودفعه].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
متأخّرٍ، لا محذور فيه، فلا تسري الاستحالة إلى الإرادة التشريعيّة؛ إذ يمكن أن تكون الإرادة التكوينيّة فعليّةً، ولكنّ المراد متأخّرٌ.
وأمّا قولهم في الإرادة: إنَّها الشوق المؤكّد المستتبع لحركة العضلات، فلا يريدون من حركة العضلات حركتها نحو ما تعلّقت به الإرادة، بل أعمّ منه ومن مقدّماته، وهذا واضحٌ ضروريٌّ؛ فإنَّ إرادة الشخص لشرب الماء توجب تحرّك عضلاته نحو مقدّماته، كطيّ المسافة وصبّ الماء في الإناء، وكذلك في الصلاة؛ فإنَّ معنى قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ(1) أي: إذا أردتم الصلاة؛ فمعنى: (قام إلى الشيء): أراد أن يوجده، فإذا أراد إيجاد الصلاة فيجب عليه أن يغتسل أو يتوضّأ على ما نطقت به الآية، فلا محالة تكون الصلاة متأخّرةً، مع أنَّ إرادة الصلاة متحقّقةٌ قبل الوضوء والاغتسال، فلا مانع من تعلّق الإرادة بأمرٍ متأخّرٍ، وتكون الإرادة محرّكةً للعضلات، لا بنحو ما تعلّقت به الإرادة، بل هي محرّكةٌ للعضلات نحو مقدّمات ذلك الشيء، فلا يلزم أن يكون المراد مقارناً مع الإرادة زماناً. إذن، فلا مانع من تعلّقها بأمرٍ متأخّرٍ.
بل ذكر(2) أنَّ هذه الكلمة المأخوذة في تعريف الإرادة، من أنَّها الشوق المؤكّد المستتبع لحركة العضلات، لا يريدون بها الحركة الفعليّة نحو نفس المراد أو مقدّماته؛ فإنَّ هذا أيضاً غير لازمٍ؛ فإنّا كثيراً ما نرى أنَّنا نشتاق إلى أمرٍ متأخّرٍ
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) المائدة: 6.
(2) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 102-103، [الإشكال على الواجب المعلّق ودفعه].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
شوقاً مؤكّداً، فالشوق المؤكّد موجودٌ في النفس وليس له مقدّمةٌ اختياريّةٌ لنتحرّك نحوها، بل ننتظر مجيء الوقت لنفعله في حينه.
فمعنى ذلك: أنَّ مرتبة الشوق مرتبةٌ لو كان المشتاق إليه فعليّاً ومقدوراً عليه وقابلاً لأن يتحرّك نحوه، لتحرّكت العضلات نحوه. فلو فرضنا أنَّ زمان الفعل لم يأتِ -كما لو كان شخصٌ في غاية الجوع إلَّا أنَّ الخبز لم يُخبز بعد أو لم يشترَ من السوق- فالشوق المستتبع لحركة العضلات موجود إلَّا أنَّ نفس الحركة غير موجودة؛ لأنَّ الشيء غير مقدورٍ بالفعل، فلا يلزم التحرّك الفعليّ في فعليّة الإرادة.
فإذا لم يعتبر في الإرادة التكوينيّة ذلك لم يعتبر أيضاً في الإرادة التشريعيّة، فلا مانع من تعلّق الإرادة التشريعيّة بأمرٍ متأخّرٍ كالإرادة التكوينيّة.
بل ذكر(1) أنَّه في موارد الإرادة التشريعيّة، لا بُدَّ من التأخّر دائماً؛ فإنَّه لا يمكن أن يُفرض إرادةٌ تشريعيّةٌ وأمرٌ فعليٌّ ويُفرض مقارناً لحركة العبد، بل لا بُدَّ من التأخّر؛ وذلك لأجل أنَّ الأمر لا بُدَّ من أن يصدر من المولى ويكون داعياً للمكلّف نحو الفعل ثُمَّ يوجده المكلّف، ولو كان الفصل بين الإيجاب والإيجاد آناً واحداً أو دقيقةً واحدةً.
إذن، لا بُدَّ من تأخّر زمان الفعل عن زمان الأمر -أي: تخلّل زمانٍ بين الفعل والأمر- وإن كان الزمان الفاصل بينهما قليلاً جدّاً، فإذا أمكن انفكاك الإرادة التشريعيّة عن المراد بزمان، فلا فرق بين قصر الزمان وطوله. فإنَّ كون
ــــــــــ[178]ــــــــــ
(1) انظر المصدر السابق: 103.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الأمر فعليّاً في زمان وجود الفعل وفي زمان الامتثال غير متحقّقٍ في الخارج، بل زمان الفعل متأخّرٌ عن زمان الأمر لا محالة.
هذه خلاصة ما أفاده صاحب الكفاية.
والصحيح في المقام أن يُقال: إنَّ الإرادة التشريعيّة هي بإزاء الإرادة التكوينيّة، ونلتزم بأنَّهما في جامع الإرادة مشتركتان، فكلّ حكمٍ مترتّبٍ على الإرادة التكوينيّة مترتّبٌ على الإرادة التشريعيّة أيضاً، لكن ماذا يراد بالإرادة التشريعيّة؟
فهل يُراد بها الشوق إلى فعل الغير؛ فإنَّ الإنسان كما يشتاق إلى فعل نفسه كذلك يشتاق إلى فعل غيره. إذا أريد ذلك فمن الضروريّ أنَّ تعلّق الشوق بأمرٍ متأخّرٍ أمرٌ واضح الوقوع؛ فإنَّ الإنسان كما يشتاق إلى الأُمور الحاليّة يشتاق إلى الأُمور المتأخّرة، بل قد يكون شوقه إلى الأُمور المتأخّرة أشدّ بدرجاتٍ منه إلى الأُمور الحاليّة؛ فإنَّ كلّ بشر يشتاق إلى دخول الجنّة مع أنَّه أمرٌ متأخّرٌ، بل إنَّ تعلّق الشوق بالأُمور المستحيلة أمرٌ ممكنٌ، فيشتاق الإنسان إلى أمرٍ لا يمكن أن يوجد في الخارج، كالطيران في السماء أو يشتاق إلى معراجٍ كمعراج رسول الله مع أنَّه مستحيلٌ في حقّه.
فلا يعتبر في الشوق ألّا يكون منفكّاً عن المشتاق، بل يمكن أن ينفكّ عنه خارجاً، فقد يتحقّق المشتاق أو لا يتحقّق، وقد يكون حاليّاً أو متأخّراً، وقد يكون ممكناً أو مستحيلاً.
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فملازمة الشوق لوجود المشتاق ومقارنتهما زماناً غيرُ معتبرتين في فعل الإنسان، فضلاً عن فعل الغير.
وإن أريد بالإرادة ما ذكرناه في مبحث الطلب والإرادة(1) من إعمال القدرة، أي: إنَّ النفس تُعمل قدرتها فيما تعلّق به شوقها؛ فإنَّ الإنسان يشتاق إلى شيءٍ فإذا كان مقدوراً يعمل قدرته فيه، وهو ما سمّيناه بالاختيار، أي: طلب الخير، فهو يعمل ما يراه خيراً وصالحاً لنفسه، وهو الذي استظهرناه من الروايات
-إلَّا أنَّنا قلنا بأنَّ الشوق من الصفات النفسيّة- فإذا كان المراد هو هذا، فمعلومٌ أنَّه لا يمكن تعلّقه بأمرٍ متأخّرٍ؛ فإنَّ الأمر المتأخّر غير مقدورٍ، فكيف يمكن للإنسان أن يعمل قدرته فيما ليس بمقدور له. فشرب الماء غداً غير مقدورٍ بالفعل، فلا يمكن إعمال القدرة فيه فعلاً، وهذا واضحٌ ضروريٌّ؛ فإنَّ الاختيار والإرادة بمعنى إعمال القدرة، وهو إنَّما يتعلّق بما هو مقدورٌ في الخارج.
فتعلّق الإرادة التكوينيّة بهذا المعنى بالأمر المتأخّر أمرٌ مستحيلٌ، إلَّا أنَّ تعلّق الإرادة التشريعيّة به أمرٌ غير معقولٍ، أي: لا موضوع لها حتى يُقال: إنَّها تتعلّق أو لا تتعلّق، فهي سالبةٌ بانتفاء الموضوع؛ فإنَّ فعل الغير خارجٌ عن قدرة الآمر، وليس له إعمال قدرته فيه، ولذا قلنا بأنَّ الإرادة التشريعيّة لا أساس لها أصلاً؛ فإنَّ الإرادة هي إعمال القدرة وهو إنَّما يكون بالنسبة إلى أفعال الإنسان. فكيف يمكن للمولى أن يُعمل قدرته في فعل الغير الذي هو خارجٌ عن قدرته واختياره، فلا موضوع للإرادة التشريعيّة حتى يُتكلّم عن أنَّها تتعلّق بأمرٍ متأخّرٍ أو لا.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
() يراجع الجزء الثاني من هذا الكتاب: 149-151.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
نعم، الإرادة تتعلّق بالتشريع والحكم، وهذا فعل نفس الإنسان، والإرادة هنا تكوينيّة، بمعنى: أنَّه إذا اشتاق الإنسان إلى فعل الغير ويرى أنَّه غير مقدورٍ له فيتصدّى نحو وجود ذلك الشيء، وهو لا يكون إلَّا بجعل الداعي في نفس الغير، وذلك بإيجابه عليه، فيوجب الأمر عليه، وهي إرادةٌ تكوينيّة. نعم، هي إرادةٌ متعلّقةٌ بالتشريع لا أنَّها إرادةٌ تشريعيّةٌ، فهي إرادةٌ تكوينيّةٌ تتعلّق بفعل الغير كما تتعلّق بغيره.
وإذا فرضنا أنَّ هذا القائل أراد بالإرادة معنىً ثالثاً، ولم يرد بها الشوق ولا الاختيار، بل أراد بلفظ الإرادة الطلب وجعله موازياً للإرادة التكوينيّة، وأنَّ كلّ حكمٍ مترتّبٍ عليها مترتّبٌ على الطلب أيضاً، وحيث لا يمكن تعلّق الإرادة التكوينيّة بأمر متأخّر فكذلك الطلب.
إذا أراد هذا المعنى فهو واضح البطلان؛ لأنَّ إسراء أحكام الإرادة إلى الطلب بلا موجب؛ فإنَّ الإرادة هي اختيار النفس وإعمال قدرتها فيما تعلّق به شوقه، وقد قلنا: إنَّ إعمال القدرة بأمرٍ متأخّرٍ غير معقولٍ؛ لأنَّ الأمر المتأخّر غير مقدورٍ، أمّا الطلب فقد تقدّم(1) أنَّه اعتبارٌ نفسانيٌّ قد أُبرز بمبرزٍ في الخارج، ولا نرى أيَّ مانعٍ من تعلّقه بأمرٍ متأخّر.
فليس هنا بين الطلب والإرادة التكوينيّة جامعٌ حتّى يُقال: إنَّ تعلّق الإرادة التكوينيّة بأمرٍ متأخّرٍ مستحيلٌ، فيكون الطلب كذلك؛ فإنَّ الطلب سنخه سنخ الاعتبار المبرز بمبرزٍ خارجيٍّ، ولا نرى أيّ مانعٍ من تعلّقه بأمرٍ
ــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه قبل قليل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
متأخّرٍ، بأن يعتبر المولى فعلاً شيئاً ثابتاً في ذمّة المكلّف، غاية الأمر: أنَّه مقيّدٌ بزمانٍ متأخّرٍ.
وتسميةُ الطلب بالإرادة التشريعيّة فرضاً واصطلاحاً -ولا مشاحّة في الاصطلاح- لا توجب تسرية حكم الإرادة التكوينيّة إليه بعدما كان المائز بينهما واضحاً، بل ليس بينهما جامعٌ أصلاً؛ فإنَّ الإرادة التكوينيّة سنخها سنخ إعمال القدرة، والطلب سنخه سنخ الاعتبار المبرز.
فهذا الدليل غير تامّ.
وعليه، فمن هذه الجهة لا مانع من أن يكون هناك وجوبٌ فعليٌّ مشروطٌ بأمرٍ متأخّرٍ ومتعلّقٌ بأمرٍ متأخّرٍ، فيكون الوجوب فعليّاً والواجب متأخّراً.
◙ الوجه الثاني: ما اختاره شيخنا الأستاذ(1) فذكر في وجه الاستحالة: أنَّ الواجب المقيّد بزمانٍ متأخّرٍ، وإن كان ذاته -أي: نفس الفعل- مقدورةً، وكان التقييد بالزمان مقدوراً أيضاً، كما سبق من أنَّ عدم مقدوريّة القيد لا تنافي مقدورية التقيّد، كما ذكرنا ذلك في الصلاة، فإنَّها -بما هي- أمرٌ اختياريٌّ، وكذلك إيقاعها في الوقت وإن كان الوقت في نفسه خارجاً عن الاختيار، ولكنّ الزمان بما أنَّه خارجٌ عن الاختيار، يستحيل تعلّق التكليف به، وحيث إنَّ المفروض أنَّه قيدٌ في الواجب لا بُدَّ من أن يكون الواجب بالإضافة إليه مشروطاً، أي: أن يكون القيد مفروض الوجود على ما هو معنى الشرط كما تقدّم، وقلنا: إنَّ الشرط لا بُدَّ أن يؤخذ مفروض الوجود، ليتعلّق التكليف بغيره، فمعنى التقييد بالوقت: أنَّه
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 141-142، 148.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
متى ما تحقّق الوقت في الخارج، فبعد ذلك يؤمر بالصلاة من ذلك الوقت، فالمأمور به هو الصلاة في الوقت، ولكنّ الوقت نفسه مأخوذٌ مفروضَ الوجود، ويكون التكليف متعلّقاً بغيره، وهو الأمر المقدور.
وبما أنَّ الوقت أُخذ مفروض الوجود يستحيل أن يكون التكليف فعليّاً قبله؛ لأنَّه -حينئذٍ- يكون موجوداً مع أنَّ ما فُرض مفروضَ الوجود في فعليّته غير موجود، وهذا خلف.
وبعبارة أخرى: إنَّ الشرائط بأجمعها ترجع إلى موضوع الحكم؛ إذ إنَّ شرط الحكم موضوعه، وموضوع الحكم شرطه، فهما شيءٌ واحدٌ يختلف باختلاف الاعتبار. فكلّ ما أُخذ مفروض الوجود فهو شرط، وهو موضوعٌ، فقد يُقال: المستطيع يجب عليه الحجّ، وقد يُقال: إنَّ المكلّف إذا استطاع يجب عليه الحجّ، وهما بحسب المعنى واحدٌ، وإن كان أُخذ في الأوّل عنوان المستطيع وهو صورة موضوعٍ للقضيّة، إلَّا أنَّه بحسب اللبّ لا فرق بينهما؛ فإنَّه في قولنا: (المستطيع يجب عليه الحجّ) قد أُخذ في هذه الجملة عنوان المستطيع مفروض الوجود على ما هو شأن القضيّة الحمليّة؛ إذ يكون معناها أنَّه إذا وُجد في الخارج شخصٌ وصدق عليه أنَّه مستطيعٌ، فيجب عليه الحجّ، فيشمل أيَّ مكلّفٍ ثبتت له الاستطاعة، وهذا معنى كونه شرطاً.
وبالجملة: فكلّ ما أُخذ مفروض الوجود عند إنشاء الجملة، إذا كان فعليّاً والموضوع ليس بفعليّ، فمعناه: تحقّق الحكم من دون موضوعه.
وبهذا يفترق الحال بين الواجب المعلّق وبين أمرٍ متأخّرٍ غير مقيّدٍ بزمان،
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كالصلاة بعد دخول الوقت؛ فإنَّ المكلّف قد لا يعجز عن إيقاعها خارجاً؛ فإنَّ إيقاعها متوقّفٌ على الطهارة الحدثيّة والخبثيّة، فيحتاج إلى مضيّ زمانٍ ليغسل ثوبه وبدنه ويتوضّأ أو يغتسل، ثُمَّ بعد ذلك يصلّي، فزمان التكليف ينفكّ عن زمان الامتثال لا محالة؛ فإنَّ الوجوب يكون فعليّاً في أوّل الزوال، إلَّا أنَّ أوّل الزوال ليس هو بزمان الامتثال غالباً، فإنَّ الامتثال يتوقّف على تهيئة المقدّمات، والمقدّمات تحتاج إلى زمان.
في مثل ذلك لا إشكال؛ فإنَّ الفعل غير مقيّدٍ بزمانٍ متأخّرٍ، أي: لا يعتبر في الصلاة إيقاعها بعد عشر دقائق من الوقت، إلَّا أنَّه من جهة توقّفه على مقدّماتٍ اختياريّةٍ، فإنَّه لا محالة يتأخّر، فالفعل مقدورٌ بالقدرة على مقدّماته، فلا مانع من التكليف به، ولو فرضنا أنَّ المأمور به يتأخّر خارجاً عن الأمر، إلَّا أنَّه لا ضير في هذا التأخّر؛ إذ كان الواجب مقدوراً بالقدرة على مقدّماته.
وهذا بخلاف ما إذا كان الواجب مقيّداً بزمانٍ غير مقدورٍ، فإنَّ الواجب فعلاً غير مقدورٍ؛ لأنَّ من مقدّمات وجوبه هو الزمان، والزمان غير مقدورٍ، فالواجب غير مقدورٍ، فكيف يتعلّق الأمر فعلاً بأمرٍ مقيّدٍ بأمرٍ متأخّرٍ غير مقدورٍ، فإنَّ ما أُخذ مفروضَ الوجود غير موجودٍ، فكيف يمكن أن يكون الوجوب فعليّاً؟
وبهذا دفع ما في الكفاية: من وجوب تأخّر الفعل عن الأمر؛ فإنَّنا لا ندّعي أنَّ زمان البعث لا بُدَّ أن يكون مقارناً لزمان الامتثال، بل يمكن أن يتأخّر عنه.
ــــــــــ[184]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بل الذي ندّعيه هو أنَّه لا يمكن أن يكون الواجب مقيّداً بأمرٍ غير مقدورٍ وهو متأخّر؛ فإنَّ الأمر المتأخّر بما أنَّه شرطٌ في الوجوب ولا بدَّ من أخذه مفروض الوجود، فحصول التكليف فعلاً من دون شرطه غير ممكنٍ، ويستلزم تخلّف الحكم عن موضوعه، وهو في حكم تخلّف المعلول عن علّته.
والجواب عن هذا يظهر بما تقدّم، في بحث الشرط المتأخّر، من أنَّ الشرط وإن كان لا بُدَّ من أخذه مفروض الوجود، إلَّا أنَّه لا يعتبر أخذه مفروض الوجود حين الحكم، بل يمكن أن يؤخذ مفروض الوجود في الظرف المتأخّر. فلو فرضنا أنَّه وُجد في ظرفٍ كشف ذلك عن فعليّة الحكم أوّلاً، وإذا لم يوجد الشرط في ظرفه، كشف ذلك عن أنَّ الحكم من الأوّل لم يكن فعليّاً، فهذا من صغريات بحث الشرط المتأخّر.
فإذا قلنا باستحالته كما هو مختاره، فلا يمكن الالتزام بالواجب التعليقيّ؛ لأنَّه ملازمٌ للشرط المتأخّر، أمّا إذا قلنا بإمكانه كما هو الصحيح -على ما مضى فيه الكلام مفصّلاً- فليس هناك محذورٌ، ويمكن أن يكون الحكم فعليّاً وشرطه متأخّراً، ولكنّه مأخوذٌ مفروض الوجود في ظرفه، بحيث لو لم يوجد كشف ذلك عن أنَّه من الأوّل غير مكلّف.
وذلك كما في غير الزمان من الشرائط؛ فإنَّ المكلّف لو استطاع وذهب إلى الحجّ ومات في الطريق، وكان ذلك في أوّل سنة الاستطاعة، فإنَّه ينكشف أنَّ الحجّ لم يجب عليه من الأوّل، ولذا لا يجب على ورثته إخراج مقدار الحجّ من التركة؛ فإنَّ من شرائط التكليف الحياة والقدرة على إيجاد العمل في ظرفه،
ــــــــــ[185]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وذلك غير متحقّقٍ في المقام.
وكيفما كان، فهذا مبنيٌّ على البحث المتقدّم، فبناءً على جواز الشرط المتأخّر نلتزم بالواجب المعلّق، ولكنّه كما ذكرنا ليس من أقسام الواجب المطلق، بل قسمٌ من الواجب المشروط، فإنَّه مشروطٌ بالشرط المتأخّر.
تقدّم الكلام في إمكان هذا القسم، وهو أن يكون الوجوب فعليّاً والواجب مقيّدٌ بأمرٍ متأخّرٍ، وقلنا بأنَّه أمرٌ ممكنٌ، فهل هو واقع؟
ذكرنا أنَّ الشرط المتأخّر يحتاج إلى دليل، وإلَّا فظهور القضيّة في أنَّ الحكم متأخّرٌ عن شرطه خارجاً، أي: إذا قيل: (المستطيع يجب عليه الحجّ) أو (إذا استطاع المكلّف يجب عليه الحجّ)، فظاهره: أنَّ الوجوب يكون بعد الاستطاعة، لا أنَّ الوجوب سابقٌ والاستطاعة شرطٌ متأخّرٌ فيه.
ولكن في خصوص الحجّ والصوم ظاهر الآية وكذلك الروايات أنَّ الوجوب من الأوّل؛ فإنَّ ظاهر قوله تعالى: وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً أنَّ الوجوب إنَّما يتحقّق بالاستطاعة الخارجيّة، وهذا قد يكون قبل موسم الحجّ بشهرٍ أو بأشهرٍ، فمتى ما تحقّقت الاستطاعة تحقّق الوجوب، وقد فسّرت الاستطاعة في الروايات بالزاد والراحلة والأمن من الطريق، فظاهر الآية أنَّ التكليف من الآن وإن كان الواجب أمراً استقباليّاً، وهو الوقوف في يوم عرفة وليلة العيد وإيجاد العمرة في أشهر الحجّ، فالعمل مقيّدٌ بالزمان المتأخّر إلَّا أنَّ الوجوب من الآن.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وكذلك قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ سواءٌ فسّرنا الشهود بالرؤية أم فيما يقابل السفر، أي: مَن كان حاضراً، ظاهره: أنَّه بدخول رمضان يجب صوم الغد، بل صوم تمام الشهر، فالوجوب فعليٌّ والواجب متأخّرٌ.
ففي كلّ موردٍ كانت القضيّة ظاهرةً بالوجوب الفعليّ نلتزم به، وفي غيره لا نلتزم بالوجوب فعلاً، بل يكون الوجوب بعد تحقّق الشرط خارجاً، كالصلاة، فإنَّنا إنَّما نلتزم بوجوب صلاة الظهر بعد دلوك الشمس، وبوجوب صلاة المغرب والعشاء بعد الغروب، وبوجوب صلاة الصبح بعد الفجر.
وخلاصة القول في المسألة: أنَّه لا مانع من فعليّة الوجوب، وكون الواجب أمراً متأخّراً مقيّداً بزمانٍ متأخّرٍ، ولا يلزم منه أيّ محذورٍ، إلَّا أنَّه ذكرنا أنَّ هذا بحسب مقام الثبوت، أمّا بحسب مقام الإثبات لا بُدَّ من دليل عليه؛ فإنَّ فعليّة الوجوب مع تأخّر الواجب لا تنفكّ عن الشرط المتأخّر، وهو خلاف الظاهر، لا بُدَّ من قرينةٍ ودليلٍ يدلّ عليه.
فإن ثبت بالدليل ذلك -كما استظهرنا من الآية المباركة في الحجّ والصوم، نلتزم به- فيكون الوجوب فعليّاً، فبمجرّد رؤية الهلال يجب صوم الشهر كلّه، وبمجرّد الاستطاعة يتحقّق الوجوب للحجّ، وإن كان الواجب أمراً متأخّراً.
إذن، ففعليّة الوجوب مع تأخّر الواجب أمرٌ على خلاف القاعدة يحتاج إلى دليلٍ، فما ثبت أخذنا به وإلَّا فلا.
ــــــــــ[187]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ويقع الكلام في نتيجة هذا الالتزام: إذا التزمنا بتقدّم الوجوب وتأخّر الواجب، فماذا يترتّب على ذلك؟
يترتّب على ذلك: أنَّ أيَّة مقدّمةٍ من المقدّمات التي لها دخلٌ في فعليّة الواجب وممّا يتوقّف الواجب عليها وأنَّها من مقدّماته، يلزم الإتيان بها قبل ظرف الواجب؛ لئلّا يفوت الواجب في ظرفه، ولا يفرق في هذا بين القول بوجوب المقدّمة شرعاً وبين القول بعدمه. فهما سِيّان من هذه الجهة.
فإذا قلنا بوجوب المقدّمة شرعاً فالأمر واضح؛ فإنَّ ذيها واجبٌ وليس هناك انفكاكٌ لوجوبها عن وجوب ذيها؛ فإنَّ وجوبه فعليٌّ، والتأخّر إنَّما هو في الواجب.
وأمّا إذا قلنا بعدم وجوب المقدّمة شرعاً، بل قلنا بأنَّ العقل يلزم بذلك، فالمقدّمة -وإن لم تجب شرعاً- فإنَّ العقل يلزم بتهيئة المقدّمات لتحصيل الواجب في الخارج في ظرفه. وعليه، يجب على المكلّف تهيئة مقدّمات الحجّ، ولا بدَّ له من المسير قبل الأوان ليتمكّن من الحجّ في ظرفه، وكذلك بالنسبة إلى الصائم؛ فإنَّه يجب عليه إيجاد المقدّمات، ومن جملتها الغسل قبل الفجر، ليتمكّن من الصوم بعده.
فعلى القول بالواجب المعلّق -الذي قلنا: أنَّه قسمٌ من الواجب المشروط لا الواجب المطلق- يجب الإتيان بالمقدّمات قبل زمان الواجب، إذا كانت المقدّمات بحيث لو لم يأتِ بها لا يتمكّن من الواجب في ظرفه.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا ظاهرٌ؛ فإنَّ الوجوب إذا كان فعليّاً فالعقل يُلزم بالامتثال، فإذا كان الامتثال يتوقّف على إيجاد المقدّمة قبل وقته لا بُدَّ من الإتيان بها، ولا فرق في ذلك بين الواجب الحاليّ والواجب الاستقباليّ في حكم العقل بوجوب الامتثال، فكما أنَّ العقل يلزم بإطاعة الواجب الحاليّ، كذلك يلزم بإطاعة الواجب الاستقباليّ، فإنَّ حكم العقل بالإطاعة من لوازم فعليّة الوجوب، سواءٌ كان الواجب متأخّراً أم غير متأخّر.
إذن، لا يبقى إشكالٌ في وجوب الإتيان بالمقدّمات قبل زمان الواجب على القول بالواجب المعلّق.
بقي أمرٌ، وهو: أنَّ المقدّمات التي ذكرنا أنَّها واجبةٌ قبل أوان الحجّ، إنَّما هو إذا لم يكن هناك دليلٌ خارجيٌّ على أنَّ شرط الواجب هو القدرة في ظرف الواجب.
ببيان آخر: حيث إنَّ الواجب المعلّق -كما ذكرنا- هو عين الواجب المشروط بالشرط المتأخّر لا غيره، ففعليّة الوجوب مشروطةٌ بالقدرة لا محالة؛ فإنَّ القدرة من الشرائط العامّة.
وقد يفقد الدليل الخارجيّ؛ فليس في البين سوى ظهور الدليل بفعليّة الوجوب، فحينئذٍ يلزم العقل بالإتيان بالمقدّمات. أمّا إذا قامت القرينة والدليل على أنَّ شرط الوجوب هو القدرة في زمان نفس الواجب، لا القدرة على الإطلاق، إذن فالوجوب وإن كان فعليّاً فإنَّه مشروطٌ بأن يكون المكلّف قادراً
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
على إتيانه في ظرف العمل، وهذا شرطٌ في الواجب، فلا يجب على المكلّف إيجاد شرط الوجوب، وهو القدرة.
فلو لم يأتِ ببعض المقدّمات قبل ظرف الواجب لا يكون عاصياً؛ إذ يستكشف أنَّه لم يكن وجوبٌ من الأوّل؛ لأنَّ الوجوب من الأوّل مشروطٌ بالقدرة عليه في ظرفه، فإذا لم يكن مقدوراً في ظرفه فلا وجوب من الأوّل. ولا يجب على المكلّف إيجاد شرط الوجوب؛ فإنَّ الواجب بحكم العقل هو إيجاد المقدّمات بعد فعليّة الوجوب، أمّا تحصيل الفعليّة للوجوب فغير واجبٍ عقلاً.
فلو التزمنا -كما التزم بعضهم(1)– بأنَّ وجوب الصلاة -كالصوم- من الأوّل، فقد أوجب المولى في اليوم خمس صلوات، والوقت قيدٌ للواجب لا للوجوب، فكانت الصلاة كالصيام من هذه الجهة، فلو التزمنا بذلك فرضاً، فمع ذلك نلتزم بأنَّ إراقة الماء قبل الوقت جائزٌ اختياراً، وإن علم أنَّه لا يتمكّن من الماء بعد دخول الوقت وأنَّه لا بُدَّ من التيمّم؛ فإنَّ وجوب الطهارة المائيّة على ما يستفاد من الآية إنَّما هو بعد القيام إلى الصلاة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً(2)، فموضوع الوجوب هو عدم الوجدان عند القيام إلى الصلاة، فلو
ــــــــــ[190]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 149، تتميم.
(2) المائدة: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فرضنا أنَّ المكلّف جعل نفسه قبل الوقت غير واجدٍ للماء، فكان في الوقت فاقداً له، فلا بأس به؛ إذ المستفاد من الآية أنَّ الأمر بالوضوء إنَّما هو لمن كان واجداً للماء بعد القيام إلى الصلاة، والوجدان المطلق غير معتبرٍ في الوجوب، بل المعتبر فيه هو الوجدان في الوقت.
وكذلك إذا علم أنَّه إذا أحدث فإنَّه لن يتمكّن من الوضوء؛ فإنَّ المستفاد من الآية ومن الروايات أيضاً كذلك، فإذا تمكّن بعد دخول الوقت من الوضوء أو الغسل فيجب عليه الوضوء أو الغسل، وإذا لم يتمكّن فيتيمّم، وليس عليه حفظ قدرته بحفظ الماء أو حفظ طهارته.
ومع كوننا لا نلتزم بالتعليق في باب الصلاة؛ لعدم الدليل عليه، فإنَّنا لو التزمنا بذلك لم نلتزم بوجوب حفظ القدرة من جهة الطهارة المائيّة؛ فإنَّ المستفاد من الآية والروايات هو: أنَّ القدرة الخاصّة هي المعتبرة في الوجوب، فلا يجب على المكلّف إيجاد شرط الوجوب.
أمّا إذا لم نقل بالواجب التعليقي إمّا لأجل عدم إمكانه -كما اختاره شيخنا الأستاذ(1) وجماعةٌ غيره(2)– فقالوا: إنَّه يستحيل أن ينفكّ زمان الواجب عن زمان الوجوب، أو قلنا: إنَّه ممكنٌ ولكن لم يقم دليلٌ على ثبوته، كما في الصلاة؛
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 141-142، 148.
(2) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 259، هداية [الكلام في موارد حكم فيها بوجوب الإتيان بالمقدّمة قبل اتّصاف ذيها بالوجوب].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فإنَّه وإن كان يمكن أن يكون وجوب صلاة الظهر من أوّل طلوع الشمس، إلَّا أنَّه لا دليل عليه، بل الدليل قائمٌ على خلافه، وهو قوله في صحيحة زرارة: “إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة”(1) فإنَّ المستفاد منها ومن غيرها أنَّه تجب الصلاة بعد الوقت ويجب الطهور، فقبله لا وجوب. فلا نلتزم بالواجب التعليقي لعدم قيام الدليل عليه، لا لعدم إمكانه.
ولو فرضنا في مورد علمنا علماً قطعيّاً أنَّه لا وجوب قبل ذلك، كما في الصبي؛ حيث نعلم أنَّه ليس مكلّفاً بأيّ تكليفٍ كان لقوله: “رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم“(2) فهو ليس مكلّفاً بالصلاة ما لم يبلغ، فهل يجب عليه هنا حفظ القدرة بالنسبة إلى ما يجب عليه بعد بلوغه؛ كما إذا كان يعلم أنَّه ما لم يتعلّم الصلاة قبل ذلك لا يتمكّن من الصلاة بعد ذلك، أفيجب عليه التعلّم لتحصيل القدرة على امتثال الواجب في ظرفه أم لا؟
ــــــــــ[192]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي 2: 140، كتاب الصلاة، الباب 9، باب تفصيل ما تقدّم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون وما يجوز فيها وما لا يجوز، الحديث 4، وهي: “وعنه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر، قال: إِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ وَجَبَ الطَّهُورُ وَالصَّلَاةُ وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُور“.
(2) انظر: ابن إدريس، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي (والمستطرفات) 2: 693، في أقسام الطلاق، وأمّا الحديث الوارد في عوالي اللئالي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة 3: 528، باب الشهادات، الحديث 3 فهو: “رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِيِ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِه“.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا البحث هو المعروف بالمقدّمات المفوّتة، فهل يحكم العقل بحرمة تفويتها، وأنَّه لا يجوز للمكلّف أن يعجّز نفسه عن امتثال الواجب في ظرفه، وإن لم يكن الآن وجوبٌ؛ بأن يعمل عملاً يفوّت به الواجب في ظرفه، ولذا تسمّى بـ (المقدّمات المفوّتة)، أي: يفوّت الواجب في ظرفه، فهل يحكم العقل بحرمة تفويتها أو وجوب تحصيلها، مع فرض أنَّ الوجوب ليس بفعليٍّ؛ لاستحالة الواجب التعليقي أو لعدم فعليّة الوجوب؛ لعدم الدليل عليه، أو للدليل على خلافه، أو للعلم بأنَّه لولا الإتيان بهذه المقدّمة يفوّت الواجب في ظرفه، أفيلزم ذلك عقلاً أم لا؟
وللجواب عن ذلك يقع الكلام في مقامين:
إنَّ المتصوّر بحسب مقام الثبوت أُمور:
◙ الأمر الأوّل: أن نفرض أنَّ الوجوب ليس بفعليٍّ، وإنَّما يتحقّق فيما بعد، وأنَّه مشروطٌ بالقدرة لا محالة، فإذا فرضنا أنَّ المكلّف لم يأتِ بمقدّمةٍ لها دخلٌ في فعليّة الواجب، فيكون عاجزاً عن الإتيان به في ظرفه.
وبعبارة أُخرى: من ناحية حكم العقل بوجوب إطاعة التكليف ليس هنا حكمٌ عقليٌّ؛ لأنَّ المقدّمة إذا لم يأتِ بها في الخارج لم يكن قادراً على الإتيان به في ظرفه، والقدرة شرطٌ في التكليف، فلا تكليف حتّى يُلزم العقل بامتثاله.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والقدرة المتصوّرة هنا على أقسام:
وأظهر موردٍ لذلك هو حفظ النفس المحترمة؛ فإنَّه لا شكّ في أنَّ المؤمن محترمٌ عند الله تعالى، وأنَّ حفظ نفسه فيه مصلحة إلزاميّة، ولكنَّ الله لا يأمر العاجز بذلك؛ فإنَّنا إذا رأينا أحداً يموت غرقاً أو حرقاً أو عطشاً أو جوعاً فلا يمكن التكليف بالنسبة إلى العاجز الذي لا يقدر على إطفاء الحريق أو إرواء العطشان، فالتكليف وإن لم يكن موجوداً لقبح التكليف للعاجز، فإنَّنا لا نشكّ في أنَّ هنا مصلحةً إلزاميّة تفوت، غاية الأمر: أنَّ موت المؤمن مستندٌ إلى العجز، أمّا الملاك فهو موجودٌ، ويفوت لا محالة.
فإذا علمنا أنَّ الملاك من هذا القبيل كحفظ بيضة الإسلام فإنَّه أهمّ بكثيرٍ من حفظ المؤمن، فلو فرضنا أنَّنا لم نهيّئ المقدّمة فلن نتمكّن من حفظ بيضة الإسلام بعدُ، ويفوت هذا الملاك الملزم لا محالة، فبحكم العقل لا بُدَّ من الإتيان بالمقدّمة؛ ذلك لعلمنا بتحقّق الملاك الملزم في ظرفه، لا أنَّ العقل يحكم بلزوم الامتثال؛ لأنَّه لا تكليف قبل المقدّمة، فإنَّنا لم نؤمر من الآن بحفظها أو بإنقاذه بعد شهرٍ أو سنةٍ، فالأمر الفعليّ مفقودٌ؛ لأنَّنا لا نلتزم بالوجوب التعليقيّ، وفي ظرفه لا أمر؛ لعدم القدرة إذا لم نأتِ بالمقدّمة.
ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بعبارة أخرى: كما يحكم العقل بقبح مخالفة المولى، فإنَّه كذلك يحكم بقبح تعجيز المولى عن أمره وطلبه؛ فإنَّ المكلّف بتفويت القدرة وتعجيز نفسه، يعجّز المولى عن أمره فلا يتمكّن من الأمر؛ لأنَّ المكلّف غير قادرٍ على الامتثال، وفي حكم العقل: لا فرق بين مخالفة الحكم الفعليّ أو تفويت الملاك الذي يرجع في الحقيقة إلى تعجيز المولى عن الأمر بشيءٍ، وهو مستندٌ إلى تعجيز العبد نفسَه فهو من عجّز المولى عن الأمر، كما لو شدّ يده فلا يتمكّن من الإشارة، أو سدّ فمه فلا يتمكّن من الكلام.
فبعد أن علم العبد أنَّ هناك مصلحةً إلزاميّةً لا بُدَّ من حصولها، إلَّا أنَّ المولى لا يمكنه الأمر بها بسبب عجزه، فالعقل يستقلّ بلزوم الإتيان بالمقدّمة لئلّا يكون عاجزاً فتفوت المصلحة الملزمة.
بل لو فرضنا أنَّ المولى له غرضٌ في موردٍ ولم يكن ملتفتاً، كما لو غرق ولده وكان نائماً، أفيشكّ العقل في وجوب إنقاذه من قبل المولى، وعند معاقبة المولى للعبد هل يحكم العقلاء بقبحه محتجّين بعدم الأمر؟!
فنستكشف من ذلك: أنَّه لا فرق في حكم العقل في لزوم قيام العبد بوظيفته بين أن يكون أمرٌ فعليٌّ فيلزمه إطاعته، أو أن يكون الملاك موجوداً وهو متمكّن من تحصيله، فيفوّته على نفسه فيفوت غرض المولى.
وببيان آخر: إنَّ القدرة إذا لم تكن معتبرةً في الملاك -وإنَّما كانت معتبرةً في التكليف، وهذا ما نسمّيه بالقدرة العقليّة، من باب قبح تكليف العاجز- فيلزم العقل بالإتيان بالمقدّمات التي لها دخلٌ في إيجاد الواجب في ظرفه؛ لاستقلال
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
العقل بلزوم التحفّظ على الملاك، كاستقلاله بلزوم إطاعة التكليف الفعليّ، فإنَّ الملاك هو روح التكليف. فكما يلزم العقل بالامتثال من باب وجوب الإطاعة، كذلك يلزم العقل بقبح تفويت الملاك، وتعجيز المولى على التكليف، بأن يجعل المكلّف نفسه عاجزاً عن الامتثال فلا يتمكّن المولى من التكليف، وإلَّا لو كان قادراً لكلّفه المولى، فتعجيز المولى قبيحٌ بحكم العقل، ويستحقّ [المكلّف] العقاب على مخالفته وتفويت الملاك الملزم.
ففي هذا القسم لا فرق بين الالتزام بالواجب المعلّق وعدمه؛ فإنَّه على كلا التقديرين يحكم العقل بلزوم تحصيل الغرض، كما يحكم بلزوم الامتثال على تقدير وجود الوجوب الفعليّ.
وبناءً عليه، لا فرق بين القسمين، فإنَّه يجري فيه نفس ما ذكرناه، وإن كان بحسب الغرض بينهما فرقٌ؛ فإنَّ القدرة في القسم الأوّل غير دخيلةٍ في الملاك فإنَّه ولو لم يكن قادراً فإنَّ الملاك قائمٌ، فلو كان عاجزاً فإنَّ الغرض يفوت، أمّا هنا فالقدرة دخيلةٌ في الغرض ومن ليست له قدرةٌ لا يكون الغرض في حقّه قائماً.
لكن هذا الفرق ليس بفارقٍ فيما نحن بصدده من حكم العقل بلزوم التحفّظ على غرض المولى ومن قبح تفويت الغرض على نفسه؛ فإنَّ القدرة إذا
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كانت شرطاً شرعاً ودخيلةً في الملاك -والمفروض أنَّ الشرط هو القدرة المطلقة- فالشرط حاصلٌ من الآن؛ لأنَّ المكلّف قادرٌ من الآن على الإتيان بالواجب في ظرفه، فإذا كانت القدرة موجودةً من الآن فالملاك موجودٌ، فلو لم يأتِ بالمقدّمة اختياراً فقد فوّت الملاك على نفسه، فيجري فيه ما يجري في القسم الأوّل، فإنَّ العبرة في مقدوريّة الملاك في ظرفه، والفعل متّصفٌ بذلك.
ففي هذين القسمين يحكم العقل بقبح التفويت، وإذا فوّت المكلّف الملاك على نفسه وعجّز المولى عن الخطاب في ظرفه عُدّ عاصياً، ولا فرق بين حكم العقل بقبح المعصية وبين تفويت الملاك الذي هو روح التكليف.
ببيان آخر: الأمر كذلك إذا كانت القدرة دخيلة في الملاك شرعاً وشرطاً شرعيّاً للتكليف، ولكن الشرط هو القدرة بمعناها الواسع ومن أوّل الأمر، والمفروض أنَّه من أوّل الأمر كان قادراً على أن يأتي بمقدّماتٍ يتمكّن معها من الإتيان بالواجب في ظرفه، فالقدرة موجودةٌ بالفعل، فالشرط حاصلٌ، والفعل متّصفٌ بأنَّه ذو ملاكٍ ملزمٍ.
ففي هذا القسم أيضاً يحكم العقل بقبح التفويت؛ فإنَّ القدرة وإن كانت شرطاً شرعيّاً ودخيلة في الملاك إلَّا أنَّ المفروض أنَّها موجودةٌ وأنَّ المكلّف متمكّن من الإتيان بالواجب في ظرفه، فإذا كان الملاك موجوداً فيحكم العقل باستحقاق العقاب على تفويت الامتثال.
فهذا القسم أيضاً يرجع إلى عدم الإتيان بالمقدّمة وتفويت الملاك وإلى تعجيز المولى عن الإيجاب، وهو قبيح بحكم العقل.
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وأمّا إذا قلنا بأنَّ الواجب التعليقيَّ غير ممكنٍ، لا بُدَّ من رفع اليد عن الظهور كما فعل شيخنا الأستاذ(1)، فيلزم أن يكون الوجوب في ظرف العمل، وإنَّما يجب الوقوف في عرفات في يوم عرفة.
إذا التزمنا بذلك -أي: بأنَّ الواجب التعليقيّ غير معقولٍ- فالوجوب وإن لم يوجد بعد الاستطاعة، فإنَّنا بذلك نستكشف أنَّ اتّصاف الحجّ بالملاك قد تحقّق في الخارج، أي: أنَّ الحجّ بعد الاستطاعة كان ذا ملاكٍ ملزمٍ بحيث لو أمكن للمولى أن يأمر به لأَمَرَ ولكنّه لا يتمكّن من الأمر؛ لاستحالة انفكاك الوجوب وتقدّمه على الواجب. فإذا كان الفعل متّصفاً بالملاك بعد الاستطاعة جرى فيه ما تقدّم، فلا يجوز له تفويت الملاك وعدم الإتيان بالمقدّمات؛ فإنَّه وإن
ــــــــــ[198]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 136، وما بعدها يذكر الوجه في فساد القول بالواجب المعلّق، و1: 148-149، و1: 151-153، حيث يفصّل بين الوجوه المتقدّمة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لم يكن في هذا مخالفةٌ للتكليف الفعليّ لأنَّه عاجزٌ على الفرض، ولكنّ فيه تفويتاً للملاك الملزم، وهو قبيحٌ بحكم العقل.
وأمّا قبل الاستطاعة فلا مانع من ذلك؛ إذ لم يتّصف الفعل بأنَّه ذو ملاكٍ ملزمٍ، وليس هنا ما يمكن أن يثبت اتّصافه بذلك قبل الاستطاعة، ومن هنا أفتى الفقهاء بعدم وجوب قبول الهبة من المال بمقدارٍ يستطيع به الحجّ، وإن لم يكن فيه أيّة منّةٍ أو أيّ محذورٍ، كما لو علم أنَّه إذا اكتسب فإنَّه سوف يستطيع الحجّ، فلا يجب عليه الاكتساب؛ فإنَّ الواجب هو الحجّ على المستطيع، وأمّا تحصيل الاستطاعة فهو غير واجبٍ؛ لأنَّ الفعل قبلها غير متّصفٍ بالملاك الملزم؛ فإنَّها شرطٌ للوجوب، ولا يجب الإتيان بشرط الوجوب.
ونظير ذلك في الأحكام الشرعيّة: السفر بالنسبة إلى وجوب القصر، أو قصد الإقامة بالنسبة إلى صوم شهر رمضان؛ فإنَّه لا يجب عليه قصد الإقامة لأجل الصوم، فإنَّ اتّصاف الصوم بكونه ذا ملاكٍ مشروطٌ بأن يكون حاضراً، وإيجاد الحضر غير واجب، فهو بتركه قصد الإقامة لم يفوّت على نفسه واجباً ولا ملاكاً، فإنَّ اتّصاف الفعل بكونه ذا ملاك متفرّعٌ على الحضور، ولا يجب إيجاد الحضور.
ومثاله في الأُمور العرفيّة: شرب الدواء؛ إذ فيه مصلحةٌ إلزاميّةٌ، لكن لا يجب أن يجعل نفسه مريضاً ليشرب الدواء؛ فإنَّ المصلحة الإلزاميّة بشربه إنَّما تكون حال المرض، بل الواجب عليه أحد أمرين: إمّا مخالفة التكليف الفعليّ وإمّا تفويت الملاك الملزم بعد فرض الفعل واجداً للملاك. أمّا جعل الفعل
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
واجداً للملاك فهذا ممّا لا يحكم العقل بلزومه.
ومن هنا يظهر الحال في القسم الرابع.
ومن هذا القبيل -جزماً-: الطهارة المائيّة للصلاة؛ فإنَّ المستفاد من الآية الكريمة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً(1) أنَّ هذا حكمٌ لمن يقوم إلى الصلاة من النوم ولو كان من أوّل الوقت، هذا بالنسبة إلى واجد الماء، أمّا فاقده فالمستفاد من الآية أنَّ وظيفته التيمّم، وأنَّ من قام إلى الصلاة بعد دخول الوقت، إذا كان واجداً للماء فوظيفته الوضوء أو الغسل على اختلاف الحدث، وإذا لم يكن واجداً للماء فوظيفته التيمّم. فالمستفاد من الآية: أنَّ القدرة المعتبرة في وجوب الوضوء أو الغسل إنَّما هي القدرة بعد دخول الوقت، أمّا قبله فالقدرة أجنبيّةٌ عن الملاك.
وكذلك الحال بالنسبة إلى المستفاد من عدّة رواياتٍ، كصحيحة زرارة التي تقول: (إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة)(2)، أو (فقد دخل وقت
ــــــــــ[200]ــــــــــ
(1) المائدة: 6.
(2) تقدّم الكلام عنها سابقاً.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الصلاتين) كما في رواية أُخرى(1). فالمستفاد من هذه الرواية وغيرها: أنَّ وجوب الطهور كوجوب الصلاة إنَّما يكون بعد دخول الوقت.
فلو كان المكلّف متمكّناً من الماء قبل الوقت، وكان يعلم أنَّه لا يجد غيره بعد الوقت، جاز له تفويت هذا الماء بإراقته أو غسل بدنه وإن لم يكن للطهارة الشرعيّة، بل للنظافة؛ إذ لا يجب تحصيل الشرط. بل إذا كان المكلّف متمكّناً من الماء بعد الوقت يجب عليه الوضوء، وإلَّا فالتيمّم. أمّا تحصيل الشرط وجعل نفسه متمكّناً من الطهارة المائيّة، فلم يدلّ على وجوبه شيءٌ، فيجوز له تفويته، وليس هذا تفويتاً للتكليف؛ إذ التكليف يأتي بعد الوقت، ولا تفويتاً للملاك الملزم؛ لأنَّ الفعل لا يتّصف بأنَّه ذو ملاك قبل الوقت، وإنَّما يكون ذلك بعده.
فإذا لم يكن تفويتٌ لملاك أو تفويتٌ لتكليف، جاز تفويت القدرة ولم يجب حفظها.
وكذلك الحال إذا كان متطهّراً بطهارةٍ مائيّةٍ قبل الوقت؛ فإنَّ له أن يحدث عمداً مع علمه أنَّه لا يتمكّن من الطهارة المائيّة بعد الوقت.
ولكنّ شيخنا الأستاذ فصّل بين الأمرين(2): بين إبقاء الماء -فإنَّه حكمَ بعدم
ــــــــــ[201]ــــــــــ
(1) الكليني، الكافي 3: 276، كتاب الصلاة، باب وقت الظهر والعصر، الحديث 5.
(2) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 148-150، (تتميم) لا إشكال في أنَّ وجوب المقدّمة الوجوديّة يتبع في الإطلاق والاشتراط وجوب ذيها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
جواز إراقته- وبين إبقاء الوضوء فقال: إنَّه غير لازم، وذكر أنَّ الفارق في ذلك هو الروايات، وذكرنا في التقريرات(1) أنَّ هذا غير صحيحٍ ومجرّد تخيّلٍ ووهمٍ ولا توجد أيّة روايةٍ تدلّ عليه.
نعم، ورد النصّ في أمرٍ آخر وهو حالة إجناب الإنسان نفسه عمداً بعد دخول الوقت، فلو دخل الوقت وكان متمكّناً من الطهارة المائيّة فقام بإجناب نفسه وهو يعلم عدم تمكّنه من الغسل -لقلة الماء أو برد الهواء أو لمرض فيه- فهل يجوز ذلك بعد دخول الوقت وفعليّة التكليف؟
الجواب: حيث دلّ النصّ الصريح على جواز ذلك بالنسبة إلى مَن يأتي أهله، ويعلم بعدم التمكّن من الغسل، نستكشف من ذلك أنَّ الأمر أوسع ممّا نتخيّل وأنَّ الطهارة الترابيّة تجزي مع الاختيار؛ فإنَّها في هذا الفرض تقوم مقام الطهارة المائيّة، حيث يجعل المكلّف نفسه معذوراً فيتيمّم ويصلّي.
ولكنّنا نقتصر على مورد النصّ.
أمّا غيره من الموارد، كما لو علم أنَّه إذا نام فإنَّه يجنب فلا يتمكّن من الغسل، هنا لا نلتزم بجواز النوم، بل لا بُدَّ من أن يصلّي وينام؛ لأنَّ فيه تفويتاً للملاك الملزم؛ لأنَّه واجدٌ للماء ووظيفته الوضوء، والتكليف الفعليّ يقتضي وجوب الامتثال، فلا يجوز له تفويت التكليف والملاك بجعل نفسه معذوراً ويتيمّم.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 148-150، تعليق في الهامش، (تتميم) لا إشكال في أنَّ وجوب المقدّمة الوجوديّة يتبع في الإطلاق والاشتراط وجوب ذيها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذن، فيختلف الحال في المقدّمات باختلاف هذه الأقسام: ففي الأوّلين لا يجوز التفويت أصلاً، وفي الثالث لا يجوز التفويت بعد حصول الشرط، وفي الرابع يجوز التفويت، بل ليس هنا تفويتٌ في الحقيقة؛ إذ ليس هناك ملاكٌ ملزمٌ ليفوّت.
هذا إذا علم الحال.
◙ الأمر الثاني: فيما إذا شككنا فلم ندرِ أنَّ القدرة شرطٌ عقليٌّ أم شرطٌ شرعيٌّ. وعلى تقدير كونها شرطاً شرعيّاً، فهل هي من القسم الأوّل أو الثاني أو الثالث، فماذا يقتضيه الأصل في المقام؟
وبعبارة أخرى: إذا شككنا فلم ندرِ أنَّ القدرة دخيلةٌ في الملاك أم غير دخيلةٍ، أفيحكم العقل بوجوب حفظ القدرة وقبح تعجيز النفس، أم يحكم بالبراءة في ذلك وبعدم وجوب حفظ القدرة مقدّمةً للإتيان بالواجب؟
إذا شككنا في ذلك فالظاهر عدم وجوب حفظها، فيجوز للمكلّف تعجيز نفسه لئلّا يتوجّه إليه الحكم ويكون الفعل واجباً في حقّه؛ ذلك لأنَّه لا طريق لنا إلى استكشاف الملاكات الواقعيّة إذا لم يكن هناك دليلٌ من الخارج عليها، بل غاية ما يمكن أن نستكشف الملاك منه هو الحكم الشرعيّ، فإذا ثبت الحكم فنستكشف أنَّ الملاك موجودٌ، أمّا إذا لم يكن ثابتاً ولو لأجل قبح تكليف العاجز عقلاً، فليس لنا كشف الملاك في هذا المتعلّق.
كما أنَّه لا دليل يساعد على التمسّك بإطلاق المتعلّق -كما صدر عن جماعةٍ،
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
منهم شيخنا الأستاذ(1)– فإنَّه ليس هنا إطلاقٌ في المتعلّق إذا كان الحكم مقيّداً بحكم العقل بفرض القدرة، غاية الأمر: أنَّ التقييد لبّيٌّ ومن جهة حكم العقل، فإذا شككنا في أنَّ الفعل الذي لم يتعلّق به الأمر للعجز عنه هل واجدٌ للملاك، فليس لدينا ما يكشفه؛ لأنَّ الملاك مخصوصٌ بالقادر.
وبعبارة أُخرى: الملاك والأمر متوازيان؛ فإذا كان الأمر ثابتاً في موردٍ، فنستكشف أنَّ الملاك ثابتٌ فيه، وإذا لم يكن الأمر ثابتاً لم يمكن أن نستكشف الملاك إلَّا بدليلٍ خارجيٍّ.
وعلى ذلك، ففي مورد الشكّ قبل تحقّق الوجوب، للمكلّف أن يعجّز نفسه لئلّا يتوجّه الخطاب إليه؛ إذ قلنا: إنَّ تحصيل شرط الوجوب غير لازمٍ بحكم العقل، وإنَّما اللازم أحد أمرين: تفويت التكليف الفعليّ، أو تعجيز المولى عن الأمر؛ لحكم العقل بقبحهما.
فإذا شككنا بوجود الملاك مع القطع بعدم الفعليّة لعدم القدرة، فيجوز التفويت، ومن هنا أفتى جماعةٌ -منهم السيّد في غير العروة- أنَّ مَن يستيقظ قبل الفجر ويعلم أنَّه إذا نام لا يستيقظ للصلاة، فيجوز له أن ينام، فهذا الحكم مبنيٌّ على هذا المبنى؛ حيث إنَّ الأمر بالصلاة متوجّهٌ إلى القادر، أمّا غير القادر وهو النائم فلا تكليف في حقّه، فإنَّه: “رُفع القلم عن النائم حتى يستيقظ”، فليس هنا مخالفةٌ للتكليف الفعليّ، ولا طريق لنا إلى كشف الملاك.
وقد يُقال في باب الصلاة: إنَّ هذا المورد بخصوصه قد استكشفنا الملاك
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 265.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فيه بأدلّة القضاء؟! ودليل (من فات)؛ فإنَّ النائم إذا لم يكن الملاك قائماً في حقّه فلماذا يجب القضاء، فمن ذلك نستكشف أنَّ الملاك الملزم كان موجوداً، ومن أجل ذلك يصدق الفوت فيجب القضاء، أمّا إذا لم يكن فوتٌ للملاك فكيف يجب القضاء، فإنَّه لم يكن هناك تكليفٌ حتى يكون الواجب فائتاً فيجب قضاؤه، والملاك إذا لم يكن موجوداً فلأيّ شيءٍ يجب القضاء، فمن دليل وجوب القضاء عند الفوت نستكشف وجود الملاك، إذن فلا يجوز التفويت.
ويمكن الجواب عن ذلك: أنَّ الموجود في الصلاة ملاكان:
أمّا الملاك الأوّل -وهو خصوصيّة الوقت- فلا إشكال في لزومه ووجوبه، وعدم جواز تفويته، وهذا الملاك ملزمٌ لا محالة. ولكنّ هذا الملاك غير قابلٍ للقضاء؛ فإنَّه إذا فاتت الصلاة في الوقت فلا يمكن تدارك المصلحة القائمة بالإتيان في الوقت. ونحتمل أنَّ هذه الخصوصيّة والملاك القائم بها مختصٌّ بالمتمكّن؛ فإنَّما يختصّ الأمر بالمتمكّن دون العاجز.
وأمّا ملاك أصل الصلاة -الملاك الثاني- فهو قابلٌ للتدارك، ولم يفت حتى يكون تفويته قبيحاً؛ فإنَّ الفرض هو أنَّ هذا الملاك قابلٌ لأن يؤتى في الوقت وخارجه، فهو قابلٌ للتدارك في خارج الوقت على ما يقتضيه دليل القضاء.
فالملاك الأوّل فات وهو غير قابلٍ للتدارك، وأدلّة القضاء لا تكشف عن وجوده بعد الوقت؛ لعدم إمكانه، وأمّا الثاني فهو لم يفت، وعليه لا يمكننا أن
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
نستكشف ملاكاً فعليّاً يفوت على المكلّف، بعدما كان الأمر مختصّاً بالمتمكّن وغير قابلٍ لأن يعمّ المتمكّن وغيره، فلعلّ ما أفاده هو الموافق للقاعدة وإن كان الاحتياط أولى، يعني: بما أنَّ الصلاة من مباني الإسلام ومبادئه الرئيسيّة، فتركها عمداً ولو قبل الوقت خلاف الاحتياط أصلاً.
هذا تمام الكلام في المقدّمات المفوّتة.
يقع الكلام في وجوب التعلّم: فهل هو كمقدّمات الواجب، فيجب التعلّم قبل مجيء الوقت، فيتعلّم قبل الزوال وقبل أن يحجّ وكذلك الصوم، أم أنَّ ذلك غير لازم، وحاله حال سائر المقدّمات المفوّتة على التفصيل المتقدّم.
ترك التعلّم بالنسبة إلى الواجب المتأخّر المشروط بشرط لم يحصل بعد، يُتصوّر على أقسام:
◙ الصورة الأولى: أنَّه لا يترتّب على ترك التعلّم شيءٌ أصلاً، كما هو الغالب في الحجّ، فإنَّ العامّيّ وغيره يمكن أن يحجّ وهو لا يعلم من أحكامه شيئاً، بل يتعلّم تدريجاً ويأتي بالواجب في ظرفه بلا نقص شيءٍ، إمّا اجتهاداً أو تقليداً. ففي مثل ذلك: معلومٌ أنَّ تركه لا يدخل في المقدّمات المفوّتة؛ إذ لا يترتّب عليه شيءٌ ولا يحكم العقل ولا الشرع بلزوم التعلّم قبل ذلك، فلا يجب تعلّم أحكام الحجّ قبل الحجّ.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصلاة في مثل البلاد التي فيها العلماء ومَن يعرف الأحكام الشرعيّة؛ فإنَّه يمكن أن يتعلّم بعد دخول الوقت، فيأتي
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بالصلاة من دون نقصٍ، فلا يجب عليه التعلّم قبل الوقت.
ففي هذه الصورة لا يجب التعلّم قطعاً.
◙ الصورة الثانية: أن يترتّب على ترك التعلّم أنَّه لا يمكنه إحراز الواجب، ولكنّه يأتي به يقيناً، كما لو كان يريد أن يسافر ولا يدري أنَّ وظيفته في السفر هي القصر أو التمام، وكان سفره قبل الزوال ويعلم أنَّه بعد السفر لا يتمكّن من معرفة الحكم، فيترتّب على ترك التعلّم أنَّه لا يتمكّن من الامتثال الجزمي ومن تعيين الواجب عن غيره.
أمّا الإتيان بالواجب فيتمكّن منه، بأن يجمع بين القصر والتمام، فلا يترتّب على تركه إلَّا عدم التعيين وعدم الامتثال التفصيلي، أمّا الامتثال الإجماليّ فهو متمكّنٌ منه مع ترك التعلّم، وبناءً على ما ذكرناه من: أنَّه لا دليل على وجوب التعيين، بل الامتثال الإجماليّ في عرض الامتثال التفصيليّ، لذا لا يجب عليه التعلّم وإنَّما هو مخيّرٌ بين أن يتعلّم ويأتي بالواجب معيّناً أو أن يترك التعلّم ويحتاط وبه يحرز الامتثال، غاية الأمر: أنَّه امتثالٌ إجماليٌّ لا تفصيليٌّ.
ففي هذه الصورة: لا يجب التعلّم يقيناً أيضاً.
◙ الصورة الثالثة: أن يترتّب على الترك عدم إحرازه للواجب، ويكون امتثال الواجب احتماليّاً لا محالة، إلَّا أنَّه لا دخل للتعلّم بالقدرة على الواجب، بل هو قادرٌ سواءٌ تعلّم أم لم يتعلّم، وذلك يكون في موارد لا يمكنه الاحتياط فيها ولو لأجل ضيق الوقت، أو غيره من الأسباب، بل لا بُدَّ من الاقتصار على أحد الأمرين، فيحتمل أنَّ ما يأتي به هو الواجب ويحتمل أن يكون ما تركه هو الواجب.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ومثال ذلك: القصر والتمام إذا لم يتمكّن من الجمع بينهما، فلو ترك التعلّم لا يمكنه الامتثال حتّى إجمالاً، بل يكون الامتثال احتماليّاً، ففي هذه الصورة لا يوجب الترك عجزه عن الامتثال؛ فإنَّه لو كان عالماً بالحكم تفصيلاً لأتى به، إلَّا أنَّه لا يحرز أنَّ الواجب هو هذا أو ذاك، فلا محالة أن سيختار أحدهما، ويحتمل أنَّ ما أتى به هو الواجب كما يحتمل أنَّ ما تركه هو الواجب، ففي مثل ذلك لا محالة يحكم العقل بلزوم التعلّم.
والوجه في ذلك هو: أنَّ التكليف فعليٌّ ومنجّزٌ في ظرفه، لا بُدَّ من الخروج عن التكليف الفعليّ في ظرفه، ومع التمكّن من الامتثال الجزميّ في ظرفه لا يتنزّل العقل إلى الامتثال الاحتماليّ، والمفروض: أنَّه إذا ترك التعلّم لا يتمكّن من إحراز الامتثال جزماً فيجب التعلّم.
بعبارة أخرى: دفع الضرر المحتمل في ظرفه واجبٌ عقلاً، وحيث إنَّ التكليف منجّزٌ في ظرفه لا بُدَّ من الخروج عن عهدة التكليف الواصل في ظرفه؛ فإنَّه لا بُدَّ من الخروج يقيناً عن عهدة الملاك المعلوم والتكليف المعلوم في ظرفه، والمكلّف قادرٌ على الإتيان بالواجب وإحراز الملاك، فترك التعلّم يحتمل فيه تفويت للملاك الملزم والواجب في ظرفه. وبهذا يحتمل الضرر، وبحكم العقل يجب دفع الضرر المحتمل، فيجب التعلّم ليتمكّن من إحراز الواجب في ظرفه.
◙ الصورة الرابعة: أن يكون ترك التعلّم موجباً لترك الواجب في ظرفه، وذلك كما في الصلاة مثلاً، فلو فرضنا أنَّ الوقت قليلٌ لا يسع التعلّم كما في ما بين الطلوعين، فإنَّه لا يسع تعلّم القراءة وذكر الركوع والسجود وسائر
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الشرائط والأجزاء، فلو ترك التعلّم قبل الوقت، فإنَّ الصلاة تفوت في ظرفها، ويكون غير قادرٍ على الإتيان بها.
أو أنَّه لو ترك التعلّم فإنَّه ينسى بعد ذلك ولا يتمكّن من الإتيان بالواجب للنسيان والغفلة، كما يتّفق، والجامع هو أنَّ ترك التعلّم يوجب العجز عن الإتيان بالتكليف، فإنَّه وإن كان الوجوب في وقته ساقطاً لأنَّ التكليف مشروطٌ بالقدرة وهو عاجزٌ، إلَّا أنَّ الملاك إذا كان تامّاً في ظرفه كان ترك التعلّم مفوّتاً للملاك الملزم، كما ذكرنا في غير التعلّم من المقدّمات(1) من أنَّه: يوجب تعجيز المولى عن التكليف بسبب عجز المكلّف عن الامتثال، وعليه فيجب التعلّم ليكون قادراً على العمل في ظرفه.
نعم، الكلام في أنَّنا بأيّ دليلٍ وقرينةٍ يمكننا إحراز أنَّ الفعل ذو ملاكٍ ملزمٍ في ظرفه فيكون كسائر المقدّمات، ومن هنا وقع الإشكال في وجوب التعلّم قبل الوقت؛ بدعوى أنَّ الوجوب إذا لم يكن متحقّقاً فلا موجب لوجوب التعلّم، وبعد تحقّق الوجوب يكون المكلّف عاجزاً عن الامتثال، فلماذا يجب التعلّم.
وهذا هو الذي ألجأ الاردبيلي(2) وغيره إلى الالتزام بالوجوب النفسيّ للتعلّم، وأنَّ العقاب يكون على ترك التعلّم نفسه لا على ترك الصلاة وغيرها ممّا لا يتمكّن المكلّف من الإتيان به في ظرفه.
ــــــــــ[209]ــــــــــ
(1) المقام الأوّل: في غير التعلّم: ص191 وما بعدها من هذا الجزء.
(2) انظر: الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان 1: 342، و2: 110.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ولكن ذكرنا غير مرّةٍ في مبحث البراءة(1) وغيره من المباحث المناسبة، أنَّ هذا منافٍ للأدلّة، فإنَّ الأدلّة ظاهرةٌ في أنَّ التعلّم والسؤال -نحو قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(2)– مقدّمة للعمل لا أنَّ التعلّم بنفسه واجبٌ. إذن فهذا لا يكون جواباً على الإشكال وهو: أنَّ العقاب لماذا يكون، فإنَّه قبل حصول الشرط وقبل الوقت لا وجوب على الفرض؛ فإنَّا لم نلتزم بالواجب التعليقيّ إلَّا إذا قامت قرينةٌ خاصّةٌ، وبعد وجود زمان الوجوب وتحقّق الشرط لا يكون المكلّف قادراً على الامتثال، فعلام يعاقب العاجز؟!
وقد أجبنا عن ذلك: بأنَّ الملاك تامٌّ في ظرفه من ناحية التعلّم، أي إنَّ العجز من ناحية التعلّم لا يوجب سقوط التكليف، أي إنَّ القدرة من ناحية التعلّم غير معتبرةٍ في الملاك؛ فإنَّه: (يؤتى بالمكلّف يوم القيامة فيقال له: هلّا عملت؟ فيقول ما علمت، فيُقال هلّا تعلّمت)(3)، وهكذا آية السؤال وغيرها
ــــــــــ[210]ــــــــــ
() انظر: تقريرات البهسودي للخوئي، مصباح الأصول 1: 571، أدلّة اعتبار الفحص في جريان البراءة الشرعيّة في الأحكام، وكذلك محمّد تقي الجواهري، غاية المأمول 2: 454، الكلام في شروط جريان البراءة: لزوم الفحص.
(2) الأنبياء: 7.
(3) انظر: المفيد، الأمالي: 228، المجلس السادس والعشرون، الحديث 1، والحديث كالآتي: قَالَ: “أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:فَللَّهِ الحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدِي أَ كُنْتَ عَالِماً؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قَالَ لَهُ: أَ فَلَا عَمِلْتَ بِمَا عَلِمْتَ؟ وَإِنْ قَالَ كُنْتُ جَاهِلاً قَالَ لَهُ: أَ فَلَا تَعَلَّمْتَ حَتَّى تَعْمَلَ فَيَخْصِمُهُ وَذَلِكَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ“.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
من الأدلّة الدالّة على وجوب طلب العلم، وأنَّ المكلّف لا بُدَّ وأن يفحص ويتعلّم؛ إذ نستكشف منها بأنَّ القدرة من ناحية التعلّم غير دخيلةٍ في الملاك، فيكون ترك التعلّم اختياراً تركاً للملاك الملزم، فإنَّه وإن لم يكن التكليف فعليّاً، إلَّا أنَّ العقاب يكون من هذه الجهة.
إذن يجب التعلّم في الموارد التي يكون فيها العجز عن الامتثال بسبب ترك التعلّم، لأنَّه يوجب تعجيز المولى عن الأمر، فالعقاب يكون على الفعل الاختياريّ وهو: ترك التعلّم؛ باعتبار أنَّه يؤدّي إلى ترك الواجب في ظرفه.
هذا كلّه بالنسبة إلى ما هو الغالب في كون وجوب التعلّم على المكلّفين البالغين.
أمّا بالنسبة إلى الصبي، فهل الحكم كما اختاره شيخنا الأستاذ. فلو فرضنا أنَّه يعلم لو لم يتعلّم الصلاة قبل بلوغه فإنَّه لا يتمكّن من الإتيان بها في أوّل بلوغه، فتفوت الصلاة لا محالة، فهل يجب عليه التعلّم قبل البلوغ تحفّظاً على الملاك في ظرفه أو لا يجب؟
اختار شيخنا الأستاذ(1) وجوب التعلّم للصبيّ بعين البيان المتقدّم، وهو:
ــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 155-156: “… هذا في غير التعلّم وأمّا هو فيحرم تركه في تمام الشقوق مطلقاً ولو كان ذلك قبل البلوغ إذا ترتّب عليه فوت الواجب في ظرفه لكونه مخالفة للتكليف الفعلي”.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أنَّ الملاك إذا كان تامّاً في ظرفه كما استكشفنا ذلك من الأدلّة فتفويته قبيحٌ عقلاً، فيعاقب على مخالفته، ولا يفرق في ذلك بين الصبيّ وغيره. وأدلّة رفع القلم عن الصبيّ لا تنفع في المقام؛ فإنَّها غير شاملةٍ لمثل ذلك، فإنَّ هذا حكمٌ عقليٌّ لا يرفعه حديث الرفع، وإنَّما هذا الحديث ناظرٌ إلى المجعولات الشرعيّة لا إلى ما يكون العقل حاكماً به مستقلاً.
ولكنّا ذكرنا أنَّ فعل الصبيّ، إذا كان عند الشارع بمنزلة الخطأ، بمقتضى قوله: “عمد الصبيّ خطأ”(1) أي: تحمله العاقلة -وإن كان وارداً في باب الديات- فالفعل الاختياريّ للصبيّ في نظر الشارع في حكم الفعل غير الاختياريّ.
وبعبارة أخرى: إنَّ ترك التعلّم بالنسبة إلى الصبيّ إمّا يترتّب عليه ترك الواجب في ظرفه، فهذا غير اختياريٍّ على الفرض، وعليه فلا تكليف هنا، وإما يترتّب على ترك التعلّم فعلاً -بما أنَّه فعلٌ اختياريٌّ له- تركُ ملاك الواجب، وهذا الترك مستندٌ إلى اختياره، فهو عجزٌ ناشئٌ عن الاختيار، وهو لا يكون عذراً في نظر المولى.
إن كان هذا هو المدّعى فهو قابلٌ للرفع الشرعيّ؛ فإنَّ ترك التعلّم مرخّصٌ
ــــــــــ[212]ــــــــــ
() انظر: الطوسي، تهذيب الأحكام 10: 233، كتاب الديات، باب 18، ضمان النفوس وغيرها، الحديث 53، الحر العاملي، وسائل الشيعة 29: 400، كتاب الديات، باب 11، حكم عمد المعتوه والمجنون والصبي والسكران، الحديث 2. “عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: عمد الصبي وخطؤه واحد“.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
به من قبل الشارع للصبيّ؛ لأنَّ القلم غير جارٍ في حقّه، فيكون تركه للتعلّم كعدمه، فلا يمكن أن يعاقبه المولى في هذا الفعل الاختياريّ؛ إذ رفع عنه القلم، وفرض وجود فعله كعدمه.
بعبارةٍ أوضح وأدقّ: إنَّه لا محذور في ترك التعلّم الذي يوجب عجز الإنسان عن الإتيان بالواجب في ظرفه من ناحية التكليف، باعتبار أنَّه لم يكن قادراً في ظرف العمل، والتكليف مشروطٌ بالقدرة، فعند عدم الشرط لا تكليف، وقبل حصول الشرط ودخول الوقت لا تكليف؛ لعدم القدرة عليه أيضاً لأنَّه مشروطٌ بشرطٍ لم يتحقّق. فالوجوب إذن ليس بفعليّ لا قبلاً ولا بعداً، فالعقاب لم يكن من جهة مخالفة التكليف الفعليّ، بل من جهة فوت الملاك في ظرفه.
لكن من أين استكشفنا أنَّ الملاك من ناحية القدرة على التعلّم تامٌّ؟ إنَّما استكشفنا ذلك بالأدلّة الدالّة على وجوب السؤال ولزوم التعلّم، فإذا كانت هذه الأدلّة من الآيات والروايات خاصّةً بالبالغين، وغير البالغ لم يؤمر بالسؤال ولا بالتعلّم، فبأيّ شيءٍ نثبت أنَّ ترك تعلّم الصبيّ قبل بلوغه موجبٌ لفوت الملاك الملزم؟ فإنّا نحتمل أنَّ الملاك الملزم خاصٌّ بمن كان قادراً في الوقت على العمل، دون غيره، وهذا غير قادرٍ. نعم، في البالغين علمنا أنَّه لا يعتبر في الملاك القدرة من ناحية التعلّم، واستكشفنا هذا ممّا يدلّ على وجوب السؤال من الأدلّة، ومن الظاهر أنَّها غير شاملةٍ للصبيّ.
إذن، لا يجب تعلّم الأحكام بالنسبة إلى الصبيّ قبل بلوغه، ولو أوجب فوت الواجب في ظرفه، بحيث لا يتمكّن من الامتثال أو من إحراز الامتثال.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ثُمَّ إنَّ ما ذكرناه من وجوب التعلّم وأنَّه واجبٌ طريقيٌّ بالمعنى المتقدّم،
-أي: موجب لتفويت الواجب في ظرفه باعتبار الملاك- إنَّما هو بالنسبة إلى الأحكام المتوجّهة إلى نفس المكلّف.
أمّا بالنسبة إلى أحكام الآخرين كتعلّم أحكام النساء بالنسبة إلى الرجال، أو تعلّم أحكام الحجّ بالنسبة إلى مَن لا يستطيع قطعاً؛ فهذه الأحكام لا تجب بأدلّة وجوب التعلّم؛ لأنَّ الحكم لم يتوجّه إلى هذا الشخص ليجب تعلّمه ويكون مقدّمةً للامتثال، بل هو واجبٌ نفسيٌّ من باب أنَّ التعلّم إذا لم يتحقّق في الخارج فإنَّ أحكام الدين تندرس حتماً، وهذا معنى وجوب الاجتهاد، إلَّا أنَّه وجوبٌ كفائيٌّ، فإذا قام به مَن به الكفاية سقط عن الآخرين.
وهذا خارجٌ عن محلّ البحث في المقام؛ فإنَّ كلامنا فيما يكون ترك التعلّم موجباً لترك الامتثال أو عدم إحرازه، أمّا ما يكون أجنبيّاً عن المكلّف فوجوب التعلّم هنا ليس بهذا الملاك بل بملاكٍ آخر، وهو أنَّه لا بُدَّ من حفظ أحكام الدين لتصل إلى سائر المكلّفين جيلاً بعد جيل، وهو لا يكون إلَّا بالتعلّم.
ما تقدّم كان بالنسبة إلى الأحكام التي يعلم المكلّف الابتلاء بها إمّا تفصيلاً وإمّا إجمالاً. وأمّا لو فرضنا أنَّه يحتمل أن يبتلي بمسألة، فإذا احتمل أنَّ ترك التعلّم يوجب فوات الواجب في ظرفه، أفيجب عليه التعلّم أم لا يجب؟
قد يُقال بعدم الوجوب؛ نظراً إلى جريان استصحاب عدم الابتلاء؛ فإنَّ
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المكلّف -بالفعل- غير مبتلى بهذه المسألة، كما لو فرضنا أنَّه فقيرٌ وغير مستطيعٍ، ولكنّه يحتمل أن يكون مستطيعاً بعد ذلك، فإذا لم يتعلّم حكم الحجّ يحتمل أن يكون ترك التعلّم بالنسبة له موجباً لفوت بعض واجبات الحجّ، فيستصحب عدم استطاعته إلى الآخر. إذن فهو لا يجب عليه الحجّ في الواقع، وبناءً على ذلك لا يجب عليه تعلّم أحكامه؛ لأنَّ التعلّم إنَّما يجب على المستطيع دون غيره، إلَّا في جماعةٍ خاصّةٍ لا بُدَّ لها من التعلّم؛ لئلّا تندرس الشريعة، وهذا خارجٌ عن محلّ بحثنا -كما مرّ قريباً-.
فهل يمكن فيه إجراء استصحاب عدم الابتلاء، وبذلك يحرز أنَّه لا يجب عليه الحجّ في الواقع؟
قد يناقش هذا الاستصحاب من جهة أنَّه إنَّما يجري في اليقين السابق مع الشكّ الفعليّ، وفي المقام: اليقين فعليٌّ والشكّ -أي: متعلّق الشكّ- متأخّرٌ، وبهذا لا يكون المقام مشمولاً لأدلّة الاستصحاب؛ لأنَّ المستفاد من قوله: “لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْت”(1) وغيره من أدلّة
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 422، كتاب الطهارة، أبواب الزيادات في كتاب الطهارة، الباب 22: باب تطهير البدن والثياب من النجاسات، الحديث 8، الطوسي، الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، أبواب تطهير الثياب والبدن من النجاسات، الباب 109: باب الرجل يصلّي في ثوب فيه نجاسة قبل أن يعلم… الحديث 13، الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 3: 466، تتمّة كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 37: “أنَّ كلّ شيء طاهر حتّى يعلم ورود النجاسة عليه وأنَّ من شكّ في أنَّ ما أصابه بول أو ماء مثلاً أو شكّ في تقدّم ورود النجاسة على الاستعمال وتأخّرها عنه بنى على الطهارة فيهما”، الحديث 1.
( ) انظر: تقريرات البهسودي للخوئي، مصباح الأصول 2: 8-9، الكلام في الاستصحاب.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الاستصحاب: أن يكون هناك يقينٌ سابقٌ وشكٌّ لاحقٌ، وفي محلّ الكلام: اليقين فعليٌّ ومتعلّق الشكّ متأخّرٌ، فلا يكون مشمولاً لأدلّة الاستصحاب، فلا يجري الاستصحاب.
إذن، يبقى حكم العقل بوجوب التعلّم دفعاً للضرر المحتمل؛ إذ من المحتمل أن يبتلى بالمسألة فيكون ترك التعلّم موجباً لترك الملاك في ظرفه، وهو موجبٌ لاستحقاق العقاب عليه، كما أنَّ الترك الفعليّ موجبٌ لذلك.
وهذا جوابه ظاهرٌ، بما ذكرناه في أوّل مبحث الاستصحاب(1) من أنَّه لا عبرة بتقدّم اليقين على الشك، فإنَّهما موجودان معاً، ومتعلّق الشكّ أمرٌ متأخّرٌ عن متعلّق اليقين، وإلَّا فنفس صفة الشكّ وصفة اليقين بما هما صفتان لا يعتبر فيهما التقدّم والتأخّر.
بل قد يكون الشكّ سابقاً في وجوده على اليقين، كأن يشكّ في طهارة شيءٍ أو ملكيّة زيدٍ لشيء أو زوجيّته لامرأةٍ وعدم ذلك، وعند التروّي يحصل له اليقين بالطهارة أو الملكيّة السابقة، فيكون الشكّ بحسب الحدوث أسبق وجوداً من اليقين.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات البهسودي للخوئي، مصباح الأصول 2: 8-9، الكلام في الاستصحاب.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والسرّ في ذلك: أنَّ العبرة في باب الاستصحاب ليست بصفة اليقين والشكّ بما هما صفتان، ولا يعتبر سبق إحداهما على الأخرى، بل هما متقارنان زماناً، ولكن الشكّ تعلّق بأمرٍ بعد فرض وجود المتيقّن خارجاً، وهذا لا يفرّق فيه بين السابق واللاحق.
فإذا كنّا على يقينٍ في شيءٍ وشككنا في أنَّه هل يبقى أو يرتفع، فبمقتضى عدم جواز نقض اليقين بالشكّ نبني على بقاء اليقين، أي: المتيقّن، ونتعبّد بحكم الشارع ببقائه إلى أن نعلم بالارتفاع، ولا يفرّق في ذلك بين أن يكون اليقين سابقاً على هذه الصفة أو فعليّاً، ولا يفرق في الشكّ بين أن يكون متعلّقاً بأمرٍ فعليٍّ أو بأمرٍ يكون بعد ذلك؛ فإنَّ مقتضى الدليل عدم الفرق بين هذه الموارد، فلا مانع من جريان الاستصحاب من هذه الجهة.
وقد يستشكل في الاستصحاب من جهةٍ أُخرى كما ذهب إليه شيخنا الأستاذ(1)؛ فإنَّه منعَ من جريان الاستصحاب من جهة أنَّ جريانه يتوقّف على أن يكون الحكم والأثر مترتّباً على الوجود الواقعيّ، فببركة الاستصحاب نحرز وجود هذا الموضوع ونحكم بترتّب الأثر عليه، أو نحرز عدمه فنحكم بعدم الأثر، باختلاف الاستصحاب النافي والمثبت، وعلى كلا التقديرين: يتوقّف جريان الاستصحاب على أن يكون الأثر مترتّباً على الوجود الواقعيّ، بأن يكون الشيء في الواقع محكوماً بحكم، فعند الشكّ نتعبّد بوجوده أو بعدمه.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 158، وكذلك 3: 148.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أمّا إذا كان الأثر مترتّباً على نفس الاحتمال، وكان الاحتمال بنفسه موضوعاً، فهنا لا أثر للاستصحاب؛ فإنَّ الاحتمال موجودٌ وجداناً، فكيف يمكن أن نتعبّد بالاستصحاب في رفع أثر هذا الموضوع التكوينيّ الوجدانيّ؟
وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنَّ حكم العقل بوجوب التعلّم من باب وجوب دفع الضرر المحتمل؛ من حيث إنَّه يحتمل أن يبتلي بالمسألة، ولا يعرف حكمها فيقع في المحرّم، أو يترك الواجب فيخالف التكليف ويفوّت الملاك الملزم فيقع في العقاب، وهذا الاحتمال -احتمال الابتلاء بالمسألة- موجودٌ وجداناً، فكيف يمكن رفع هذا الأثر بالتمسّك باستصحاب عدم الابتلاء في الخارج؟ فهذا الاستصحاب لا يجري؛ لأنَّ الاحتمال موجودٌ وجداناً، والاستصحاب إنَّما يثبت أو يرفع أثر المشكوك فيه، أمّا الموجود وجداناً فكيف يرفع أثره بالاستصحاب؟!
إلَّا أنَّ ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ الاستصحاب إذا نفى الابتلاء الواقعيّ، وأنَّه بحكم الشارع غير موجودٍ خارجاً، فالمكلّف محرزٌ لعدم الابتلاء إلَّا أنَّ إحرازه تعبّديٌّ بحكم الشارع.
نعم، الاحتمال موجودٌ وجداناً إلَّا أنَّه لا تنافي بين وجوده وجداناً وانتفائه شرعاً، كما في غير الاستصحاب من الأُصول والأمارات، كما لو قامت البيّنة على طهارة شيء أو ملكيته، فالاحتمال الوجدانيّ على أنَّ البيّنة مخطئةٌ موجودٌ؛ فإنَّنا نحتمل أن يكون هذا الشيء نجساً أو ليس ملك زيدٍ، فالاحتمال الوجدانيّ
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
موجودٌ في موارد الأمارات والأصول المحرزة وغير المحرزة، إلَّا أنَّ الشارع ألغى هذا الاحتمال في موارد الأمارة والأصول المحرزة، كالاستصحاب وقاعدة الفراغ، وفرض المكلّف كأنَّه قاطعٌ وغير محتملٍ للخلاف، فإذا كان هناك أثرٌ، فإنَّه أيضاً يرتفع.
وقد ذكرنا في مبحث الاستصحاب(1): أنَّ الأثر المترتّب على القطع إذا كان على نحو الطريقيّة، فإنَّه يترتّب على الاستصحاب أيضاً، ولا ينحصر بما إذا كان القطع طريقاً محضاً، بل كلّ أثرٍ مترتّبٍ على اليقين فإنَّ الاستصحاب يشمله بحكم الشارع.
وكذلك قاعدة الفراغ؛ فإنَّ مَن شكّ بعد الانتهاء عن العمل فالشارع قد ألغى احتمال عدم التمام، واعتبره متيقّناً بتماميّة العمل تعبّداً.
ففي هذه الموارد كما يترتّب أثر الواقع أو ينتفي ببركة الاستصحاب، كذلك أثر الاحتمال؛ فإنَّ المكلّف في نظر الشارع ليس شاكّاً وإن كان شاكّاً وجداناً، أي: إنَّه ألغى هذا الاحتمال.
فإذا لم يستشكل في دليل الاستصحاب من ناحية تأخّر زمان الشكّ وفعليّة اليقين كما في الإشكال الأوّل، إذن فهو يجري الاستصحاب، وبه يثبت أنَّه لا يبتلي بهذه المسألة، إذن فلماذا يجب عليه التعلّم؟!
ــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات البهسودي للخوئي، مصباح الأصول 1: 40، [الكلام في قيام الأُصول مقام القطع]، وكذلك انظر 2: 118-119، التنبيه الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
نعم، الذي يرد على هذا الاستصحاب: أنّا إذا فرضنا وجود علم إجماليّ
-كما هو الغالب- فإنَّ كل مكلّفٍ يعلم أنَّه يبتلي بمسألةٍ لا يعلم حكم بعضها لا محالة؛ فمعلوم أنَّ الاستصحاب لا يجري في أطراف العلم الإجماليّ من جهة المعارضة، كما لو كان يحتمل أنَّه يبتلي بالحجّ أو بمعاملةٍ لا يعرف حكمها، أو بسهوٍ في الصلاة لا يعرف حكمه، فهذا الشكّ واقعٌ طرفاً في العلم الإجماليّ ولا يجري فيه الاستصحاب.
ولو فرضنا أنَّه ليس عنده علمٌ إجماليٌّ، بأن كان رجلاً متديّناً وعالماً بأحكامه في موارد الابتلاء من صلاته وصومه وغير ذلك، ولكنّه لا يعرف أحكام الحجّ ولا يدري أنَّه يبتلي به، فليس عنده علمٌ إجماليٌّ وكانت الشبهة بدويّةً محضةً، فإنَّ الاستصحاب لا يجري أيضاً؛ فإنَّ أدلّة وجوب التعلّم شاملة لهذه الصورة؛ فإنَّا علمنا منها أنَّ ترك الواجب إذا كان منتهياً إلى ترك التعلّم يكون موجباً للعقاب، “حيث يؤتى بالعبد فيُقال: (لِمَ لم تعمل) فيقول: ما علمت، فيقال له: (هلّا تعلّمت)”(1).
فكما أنَّ أدلّة وجوب التعلّم حاكمةٌ على أدلّة البراءة، حيث إنَّها دلّت على أنَّ البراءة لا تجري في الشبهات الحكميّة، كذلك الأمر في الاستصحاب.
ففي الشبهة الحكمية: إذا كان المكلّف لا يدري حكم الحجّ أي شيءٍ هو، فهنا لا بُدَّ له من التعلّم فعلاً؛ إذ لو لم يتعلّم واتّفق أنَّه ابتلي به فيما بعد جرى فيه
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
هذا الكلام: حيث يؤتى به فيُقال له: (هلّا عملت)، فيقول: (ما علمت)، فيُقال له: (هلّا تعلّمت).
فكما أنَّ أدلّة وجوب التعلّم مانعةٌ عن جريان البراءة في الشبهة الحكميّة، كذلك الحال في الاستصحاب؛ فإنَّه لا يمكنه استصحاب عدم الابتلاء، بل لا بُدَّ له من تعلّم المسألة لئلّا يبتلي بها فيفوت عليه الملاك فيهلك من حيث لا يعلم.
بقي شيء، وهو: أنَّ تارك التعلّم لو فُرض أنَّه لم يبتلِ، أفيحكم بفسقه فلا يترتّب عليه أحكام العدالة من سماع شهادته وإمامته، أم لا يحكم بفسقه؟
حكم شيخنا الأنصاري -على ما حكاه شيخنا الأستاذ(1)– في رسالته العمليّة(2) بفسق تارك التعلّم فيما يبتلي به المكلّف من مسائل الشكّ والسهو، أمّا المسائل النادرة فلا إشكال في أنَّه لا يجب تعلّمها؛ للاطمئنان بعدم الابتلاء بها، أمّا إذا كانت ممّا يبتلى بها عادة، فقد حكم الشيخ الأنصاري بوجوب تعلّم حكمها وبفسق تاركه.
واستشكل شيخنا الأستاذ(3) في ذلك؛ لأنَّ ما هو سبب الحكم بالفسق
ــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 158، نسب إلى الشيخ الأنصاري القول بالفسق لتارك التعلّم.
(2) صراط النجاة للشيخ الأنصاري: 175، مسألة: 682.
(3) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 159.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لتارك التعلّم يبتني على أحد أُمورٍ كلّها ممنوعةٌ، وهي:
لكن شيخنا الأستاذ(2) لم يتمّ لديه الحكم بالفسق على فرض القول بعدم استحقاق المتجرّي العقاب.
واستشكل أيضاً في هذا الوجه بأنَّ الوجوب النفسيَّ للتعلّم لم يثبت، بل وجوبه طريقيٌّ، ومخالفة الواجب الطريقيّ لا توجب الفسق.
إذن، فيبقى حكم الشيخ في رسالته العمليّة بالفسق على تارك التعلّم خالياً من الدليل. ومن هذه الجهة احتمل شيخنا الأستاذ أن يكون هذا سهواً من جامع
ــــــــــ[222]ــــــــــ
(1) انظر: الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان 1: 342، و 2: 110.
(2) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 159.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فتاوى الشيخ لا من الشيخ نفسه؛ حيث لم يثبت بأنَّ الشيخ بنفسه تصدّى لكتابة هذه الرسالة العمليّة، ولعلّ أحداً تصدّى لجمع فتاويه فيها، وكان السهو منه.
هذا ملخّص ما أفاده.
أقول: إنَّ وجوب التعلّم إذا كان وجوباً طريقياً -وهو كذلك- فليس مجرّد إرشادٍ إلى حكم العقل، بل وجوبٌ طريقيٌّ موجبٌ لتنجيز الواقع، وإلَّا كان للشارع ألَّا يحكم بوجوب التعلّم والاحتياط، بل يحكم بالبراءة كما حكم في الشبهات الموضوعيّة من دون فرقٍ في ذلك، ولكنّه حكم بوجوب الاحتياط قبل الفحص وبوجوب التعلّم، وبعد اليأس عن الدليل يرجع إلى البراءة، وكذلك الأمر في الاستصحاب كما ذكرنا، فلا فرق في صدق المعصية في لغة العرب بين مخالفة الحكم الواقعيّ والظاهريّ؛ فإنَّ الفسق هو الخروج عن الجادّة في مقابل العدالة وهي الاستقامة على جادّة الشرع. ولا يفرّق في ذلك بين أن يكون الحكم واقعيّاً أو ظاهريّاً؛ فإنَّ كل من خالف حكماً شرعيّاً مولويّاً -لا حكماً إرشاديّاً- فهو خارجٌ عن جادّة الشرع، ولا فرق في ذلك بين أن يعلم بنجاسة مائعٍ فيشربه، والشارع منع عن شربه فيكون خارجاً عن طاعته، أو أن تقوم بيّنةٌ على نجاسته فلا يعتني بالبيّنة ويشرب الماء، مع فرض أنَّ الماء كان في الواقع طاهراً، إلَّا أنَّه حكمٌ ظاهريٌّ منجّزٌ للواقع على تقدير ثبوته، ولا فرق في المخالفة بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ؛ فإنَّه يكون خارجاً عن جادّة الشرع.
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ما يعني: أنَّ المؤمن كما يجب عليه أن يمتثل الأحكام الواقعيّة، كذلك يجب عليه امتثال الأحكام الظاهريّة، ولا فرق في حكم العقل بوجوب الإطاعة بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ، فكما أنَّ مخالفة الحكم الواقعيّ عصيان، كذلك مخالفة الحكم الظاهريّ.
أمّا أنَّه هل يستحقّ العقاب على تقدير مخالفة الحكم الظاهريّ أو لا؟ فهذا أمرٌ آخر؛ فإنَّ استحقاق العقاب شيءٌ، والخروج عن الجادّة شيءٌ آخر؛ فإنَّه في الجادّة العرفيّة قد يخرج الإنسان عن الجادّة ومع ذلك لا يضلّ طريقه، بل يصل إلى مقصده. إذن فالخروج عن الجادّة قد ينفك عن الضلال عن الحكم الواقعي(1). فالفسق هو الخروج عن الطريقة والتعدّي في مقام العبوديّة وهو متحقّقٌ في الخارج. ولا فرق في ذلك بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ.
فما ذكره الشيخ في رسالته العمليّة وهو الحكم بالفسق في هذه الموارد متينٌ وصحيحٌ. والظاهر أنَّه من نفس الشيخ، ولا سهو في المقام لينسب إلى جامع الرسالة.
هذا إذا كان وجوب التعلّم وجوباً شرعيّاً طريقيّاً.
أمّا إذا كان وجوبه إرشاديّاً، لا طريقيّاً؛ فليس هنا حكمٌ من الشارع ليكون مخالفاً له، بل الحكم هنا للعقل خاصّةً من باب وجوب امتثال الأحكام
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() وذلك كما في مقامنا إذا خرج عن جادّة الحكم الظاهريّ وكان هو بدوره غير مطابقٍ للواقع. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الواقعيّة، ولعدم وجود المؤمّن، وحكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل، كحكمه بوجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجماليّ، أفنحكم هنا بفسقه إذا ارتكب أحد أطراف العلم الإجماليّ بالنجاسة، وذلك فيما إذا لم يصادف هذا الطرف الحرام الواقعيّ، بأن انكشف أنَّه كان طاهراً أو كان ماءً ولم يكن خمراً؟ أفنحكم بفسقه مع أنَّه لم يخالف حكماً شرعيّاً واقعيّاً؛ إذ انكشف أنَّه طاهر، ولا ظاهريّاً؛ إذ الحكم إرشاديّ؟
الظاهر: أنَّه لا يحكم بالفسق في هذه الموارد، باعتبار أنَّ الفسق هو الخروج عن الجادّة، وهذا لم يخرج عن الجادّة، وإنَّما تخيّل أنَّه خارجٌ، فهو مجرّد اعتقادٍ وتخيّلٍ وليس له واقعٌ، فلا يُحكم بفسقه.
نعم، لا يكون عادلاً، ولا تترتّب عليه أحكام العدالة، فيكون واسطةٌ بين الفسق والعدالة، كما ذكرنا في باب الاجتهاد والتقليد(1)؛ فقد قلنا: إنَّه لا يلزم أنَّ مَن لا يكون عادلاً أن يكون فاسقاً، ولا مَن لا يكون فاسقاً أن يكون عادلاً، بل لا بُدَّ من رعاية الأحكام؛ إذ إنَّ الحكم المترتّب على الفسق لا يترتّب على هذا المورد، ولا يترتّب عليه أيضاً الحكم المترتّب على العدالة؛ فهذا ليس بفاسقٍ؛ لأنَّه لم يخرج عن الجادّة، ولكنّه ليس بعادلٍ، بل تخيّل أنَّه عادلٌ.
فإنَّنا إذا اعتبرنا في العدالة الملكة أو معنىً آخر -كما اعتبرناه- وقلنا: إنَّه ليس هناك ملكةٌ في باب العدالة، وإنَّما العادل من يكون له رادعٌ نفسيٌّ يمنعه عن ارتكاب المحرّمات وترك الواجبات.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى (الاجتهاد والتقليد): 238، التنبيه الأول.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ومثل هذا الذي يقدم على ارتكاب الكبيرة فيتخيّل أنَّه خمرٌ فيشربه ليس له رادعٌ؛ لأنَّه لا يمتنع عن الخمر الواقعيّ لأنَّه حين شربه كان يتخيّله خمراً وإن لم يصادف الواقع. غاية الأمر: أنَّ عدم العدالة لا يلازم وجود المعصية؛ فإنَّه ليس هنا حكمٌ شرعيٌّ ليكون عاصياً له، ولكن بالنسبة إلى الرادع النفسيّ لا يكون فيه رادعٌ، وعليه لا يكون عادلاً ومستقيماً في الجادّة، وإن كان ليس منحرفاً أيضاً.
إذن، فينبغي أن يُقال: إنَّه بناء على أنَّ وجوب التعلّم وجوبٌ طريقيٌّ -كما هو الصحيح- فتاركه فاسقٌ؛ باعتبار معصيته للحكم الظاهريّ، ولا فرق في عنوان المعصية بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ.
وفي الموارد التي لا يكون فيها حكمٌ واقعيٌّ ولا ظاهريٌّ، كما في صورة ارتكاب أحد أطراف العلم الإجماليّ، فهذا لا يتّصف بالفسق؛ إذ ليس هنا مخالفةٌ لحكمٍ شرعيٍّ ولو قلنا باستحقاق العقاب على التجرّي؛ لأنَّه وإن كان مستحقّاً للعقاب إلَّا أنَّه لم يخالف حكماً شرعيّاً. ففي هذه الصورة: ليس هو بفاسقٍ، ولا خارجٍ عن الجادّة وإن خرج عن حكم العقل وإلزامه بترك ذلك من جهة احتمال العقاب. ولا هو عادل، فلا تترتّب عليه أحكام العادل، من سماع شهادته وجواز الائتمام به، ولا تترتّب عليه أحكام الفاسق أيضاً، لو كان له حكمٌ خاصٌّ.
هذا هو الصحيح.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يقع الكلام في تقسيم الواجب إلى نفسيّ وغيريّ.
المعروف: أنَّ الواجب النفسيّ ما وَجَب لا للتوصّل إلى واجبٍ آخر، وإنَّما كان وجوبه لنفسه، بخلاف الواجب الغيريّ؛ فإنَّه ما وجَبَ للتوصّل به إلى واجبٍ آخر. وهذا التعريف هو المشهور بينهم(1).
وقد أُورد عليه في كلام جملةٍ من الأعلام(2): أنَّه بناءً عليه لا يوجد واجبٌ
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 330، هداية [الواجب الغيريّ والنفسي]، الأصفهاني، محمّد حسين، بحوث في الأصول 1: 60، الفصل الرابع: في قسمة الواجب إلى النفسيّ والغيريّ، العراقي، ضياء الدين، بدائع الأفكار في الأصول (تقريرات الآملي ميرزا هاشم): 372، الأمر السادس: في بيانه الواجب النفسيّ والغيريّ، والنائيني، أجود التقريرات 1: 166، المبحث الرابع: في تقسيم الواجب إلى النفسيّ والغيريّ.
(2) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 330، الأصفهاني، محمّد حسين، بحوث في الأصول 1: 60، الفصل الرابع: في قسمة الواجب إلى النفسيّ والغيريّ، النائيني، أجود التقريرات 1: 166.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
نفسيٌّ إلَّا المعرفة -أي: معرفة الباري عزّ وجل- فإنَّها واجبٌ لا لغايةٍ أُخرى، بل هي غاية الغايات بالنسبة إلى كمال العبد. أمّا غير المعرفة من سائر الواجبات؛ فإنَّها إنَّما أوجبت للغايات المترتّبة عليها بناءً على مذهب العدليّة من أنَّ الواجبات إنَّما هي لمصالح تترتّب عليها.
فإنَّما يجب الفعل للتوصّل به إلى الغاية الملزمة؛ إذ لو لم تكن الغاية ملزمةً لم يجب الفعل البتّة. فوجوب الفعل في العبادات وغيرها إنَّما هو للتوصّل به إلى غايةٍ لازمة التحصيل. وعليه، فجميع الواجبات تكون غيريّةً، فلا يبقى للواجب النفسيّ موردٌ إلَّا المعرفة؛ فإنَّها غير واجبةٍ بأمرٍ آخر، بل واجبةٌ بنفسها.
هكذا قيل، وذُكر هذا في كلام غير واحدٍ.
ذكر صاحب الكفاية(1) -بعد تسليمه بأنَّ الواجبات إنَّما تجب لأجل الغايات، وأنَّ الغايات مقدورة التحصيل بالقدرة على مقدّماتها وهي الفعل-: أنَّ وجوب الواجب إن كان لأجل حسنه فهو واجبٌ نفسيٌّ، وإن فُرِضَ كونه مقدّمةً لواجب آخر، إلَّا أنَّ الداعي إلى إيجابه ليس هو وقوعه مقدّمةً في التوصّل إلى الغير، بل لحسنه الذي في ذات الفعل.
ولو فرضنا أنَّه وجَبَ للتوصّل إلى واجبٍ آخر لداعٍ غير حسنه في نفسه؛ فمع فرض كونه حسناً في ذاته، إلَّا أنَّ الداعي إلى إيجابه ليس هو حسنه، بل كونه مقدّمةً لواجبٍ آخر، فهو واجبٌ غيريٌّ، كالطهارات الثلاث، بناءً على ما
ــــــــــ[228]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 107-108.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ذكره -وهو الصحيح- من أنَّ هذه العبادات حسنةٌ في ذاتها، إلَّا أنَّ وجوبها لم ينشأ من حسنها الذاتيّ، بل نشأ من كونها مقدّمةً لواجبٍ آخر.
إذن، بقيّة الواجبات -أي: غير واجب المعرفة- واجبات نفسيّة إذا كان وجوبها من أجل حسنها الذاتي ولو فرضنا أنَّها مقدّمةٌ لغاياتٍ ملزمةٍ.
ولكن يرد على ما ذكره:
◙ أوّلاً: أنَّ الحسن الذاتيّ وإن كان في بعض العبادات متحقّقاً كالسجود لله سبحانه، فإنَّه حسنٌ في ذاته؛ لأنَّه خضوعٌ وخشوعٌ للخالق جلّ وعلا، وهو ممّا استقلّ العقل بحسنه.
بيد أنَّنا لا نعقل في غيرها من الواجبات -العبادات وغيرها- حسناً ذاتيّاً، كالصوم؛ فأيّ حسن ذاتيّ في ترك الأكل والشرب إذا قطعنا النظر عن أمر المولى وعن المصلحة المترتّبة على الفعل والملاك الذي أوجبه لأجله؟!
هذه الواجبات العباديّة وغيرها إنَّما وجبت للملاك الذي دعا المولى إلى إيجابه، أي: الغايات المترتّبة عليها، ولولاها لما كان فيها أيّ حسنٍ.
نعم، هي حسنة بلحاظ تعلّق أمر المولى بها، إلَّا أنَّ ذلك في المرتبة المتأخّرة على الأمر، فليس في المرتبة التي تسبق الأمر ما يكون حسناً ذاتياً، فالالتزام بالحسن الذاتيّ بلا ملزمٍ ولا دليلٍ.
◙ ثانياً: لو سلّمنا أنَّ كلّ واجبٍ نفسيٍّ فهو حسنٌ ذاتاً، من غير الغاية المترتّبة عليه، إلَّا أنَّ لازم ذلك -لو التزمنا به-: هو أن لا يكون في الخارج ما يكون واجباً نفسيّاً محضاً؛ إذ إنَّ الحسن الذاتي كما يدعو إلى إيجاب هذا الفعل، كذلك المصلحة
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الملزمة أيضاً تدعو إلى إيجابه، والداعيان هاهنا في عرضٍ واحدٍ، أي: إنَّ المولى يدعو إلى الفعل من أجل حسنه الذاتيّ ومن أجل المصلحة الملزمة فيه معاً، ويستحيل أن يكون الداعي إلى الإيجاب هو الحسن الذاتيّ فقط؛ فإنَّه ترجيحٌ بلا مرجحٍ، بل لا بُدَّ من أن يكون الداعي إلى الفعل هو الأمرين معاً: الحسن الذاتي وكون الفعل مقدّمة لغايةٍ ملزمةٍ. وعليه، لا يكون الشيء متمحّضاً في الوجوب النفسي، بل يكون مجمعاً للوجوب النفسيّ والغيريّ، وهو خلف.
فما ذكره لا يتمّ، وإثبات النفسيّة في العبادات وغيرها دونه خرط القتاد.
ولأجل ذلك ذكر شيخنا الأستاذ(1) وجهاً لاختصاص الوجوب بالأفعال دون أن تكون الغاية واجبة.
بتقريب: أنَّ ترتّب الغايات على الأفعال ليس من ترتّب المسبّبات على أسبابها، ولا من ترتّب الأفعال التوليديّة على ما يتولّد منه، كترتّب القتل على الذبح أو الضرب، حتى يُقال: إنَّه قابلٌ لأن يتعلّق به الأمر؛ فكما يمكن أن يأمر المولى بذبح زيدٍ، كذلك يمكن أن يأمر بقتله؛ فإنَّ القتل عنوان توليديّ للذبح، فكما أنَّ الذبح أمرٌ اختياريٌّ للمكلّف، كذلك القتل. وكذلك الحال في الأسباب والمسبّبات؛ فكما يمكن أن يأمر المولى بإلقاء النار في الحطب، كذلك يمكن أن
ــــــــــ[230]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 167-168، المبحث الرابع في تقسيم الواجب إلى النفسيّ والغيريّ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يأمر بالإحراق؛ فإنَّ الإحراق مسبّبٌ عن الإلقاء، والمسبّب مقدورٌ بالقدرة على سببه، فيجوز تعلّق الأمر بالمسبّب كما يجوز تعلّقه بالسبب.
وكذلك ليست الغايات المترتّبة على الأفعال ممّا يتوسّط بينهما فعلٌ اختياريٌّ، أي: كون الوسائط كلّها اختياريّةً وإن لم يكن مسبّباً ولا عنواناً توليديّاً، بل يكون كلّ ما له دخلٌ في وجود الغاية اختياريّاً، كالطبخ؛ فإنَّه فعلٌ اختياريٌّ وله مقدّماتٌ وكلّها اختياريّةٌ، فكما يجوز أن يأمر المولى بالمقدّمات شيئاً فشيئاً، فيقول: (اشترِ اللحم من السوق، ضعه في القدر، اسكب عليه الماء، اشعل النار تحته) وهكذا، كذلك يمكن أن يأمر أوّلاً بالطبخ؛ فإنَّه مقدورٌ باعتبار القدرة على مقدّماته، والقدرة على المقدّمات قدرةٌ على المسبّب، فالغاية بالنسبة إلى الأفعال كما لم تكن من قبيل المسبّبات والأسباب، كذلك ليس من قبيل ما يترتّب على المقدّمات الاختياريّة.
بل هاهنا ما يكون واسطةً بين الفعل الاختياريّ وبين الغاية المترتّبة عليها، وذلك كشرب الدواء للمريض؛ فإنَّ المولى يمكن أن يأمر بشرب الدواء، والغاية من ذلك: صحّة البدن والشفاء من المرض، إلَّا أنَّ الصحّة ليست مترتّبةً على شرب الدواء ترتّبَ المسبّب على السبب، ولا ترتّب الأفعال التوليديّة على ما يتولّد منه، ولا من ترتّب الفعل على المقدّمات الاختياريّة كلّها؛ إذ إنَّ الإنسان بعد شرب الدواء لا بُدَّ له من أُمورٍ كثيرةٍ كلّها خارجةٌ عن قدرته، أمور تترتّب عليها صحّة البدن، كإيصال الدواء إلى الدم وسيره في العروق، فالمقدّمة الوحيدة المقدورة للمكلّف هي شرب الدواء فقط.
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ومن هذا القبيل الزرع؛ فإنَّه ابتداءً مقدورٌ للمكلّف؛ فله أن يزرع مقداراً من الحنطة أو يغرس شجراً في الأرض، إلَّا أنَّ ظهور الثمرة ليس مقدوراً له، بل لا بُدَّ من مقدّماتٍ كثيرةٍ كإشراق الشمس ووصول الماء إلى عروقه، وكلّها مقدّماتٌ خارجةٌ عن الاختيار.
ففي هذه الموارد وإن كانت الغاية التي دعت المولى إلى الأمر بالغرس أو شرب الدواء شيئاً آخر، إلَّا أنَّ ترتّبها على الفعل الاختياريّ ليس من ترتّب المسبّب على السبب، أو الفعل التوليديّ على ما يتولّد منه، أو من ترتّب الشيء على المقدّمات الاختياريّة المحضة، بل هنا أشياء خارجةٌ عن القدرة ولها دخلٌ في ظهور الثمرة لا محالة.
ففي هذه الموارد لا يمكن للمولى أن يأمر بتلك الغاية، ولو أمر كذلك لعُدّ غير حكيمٍ، كما لو قال: أزهر الشجرة أو أخرج الحنطة من الأرض، وإنّما يأمر الحكيم بالمقدّمة، وإن كان الأمر نشأ من غايةٍ في نظر المولى وليس جزافاً، إلَّا أنَّ تلك الغاية خارجةٌ عن اختيار المكلّف.
إذن يصحّ أن يُقال إنَّ الواجب النفسيّ: ما وجب لا للتوصّل إلى واجبٍ آخر؛ فإنَّ الغاية وإن كانت لزوميّةً إلَّا أنَّها ليست واجبةً؛ لأنَّها غير قابلةٍ لتعلّق التكليف بها. بخلاف الواجب الغيريّ فإنَّه: ما وجب لواجبٍ آخر.
وعلى هذا بنى على صحّة التقسيم وصحّة التعريف.
والذي أفاده من عدم جواز تعلّق التكليف بالغايات لأنَّها غير
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
اختياريّةٍ صحيحٌ بالنسبة إلى الغاية القصوى؛ فإنَّها خارجةٌ عن الاختيار كما ذكره، كما في الزرع فإنَّ خروجه من الأرض غير اختياريٍّ للمكلّف وإن كان هو الداعي إلى لأمر.
ففي الغاية القصوى الصحيح هو ما ذكره؛ فإنَّه غير ممكنٍ أن يتعلّق بها الأمر، إلَّا أنَّ الغاية المترتّبة على فعل المكلّف الداعية إلى الأمر ليست هي الغاية القصوى، بل الغاية هي التي تترتّب على المكلّف ترتّب المسبّب على سببه، وهذا هو الذي يطلبه المولى من العبد. فلو أمر بشرب الدواء فليس المطلوب هو الغاية القصوى التي هي صحّة البدن، بل المطلوب هو إعداد البدن للصحّة، وهذا هو الذي يكون داعياً إلى الأمر، والأمر كذلك في الغرس؛ فإنَّنا لو فرضنا أنَّ الأرض لم نزرع فيها شيئاً فهي غير قابلةٍ للإنبات لعدم المادّة، أمّا إذا زرعنا فهي قابلةٌ له فتنبت.
فالأمر ليس معلولاً لتلك الغاية القصوى الخارجة عن اختيار المكلّف، بل الذي يدعو إلى أمر المولى إنَّما هو الاستعداد لحصول هذه النتيجة، والاستعداد لذلك يترتّب على الفعل الاختياريّ ترتّب المعلول على علّته، فننقل الكلام إلى هذه الغاية فنسأل: هل هذه الغاية المترتّبة على الفعل الاختياريّ ترتّب المعلول على علّته لازمة التحصيل أو لا؟ لا بُدَّ أن تكون لازمة التحصيل وإلَّا لم يأمر المولى بما يحصّلها، فيكون الفعل مقدّمةً لهذه الغاية. فيصبح الواجب النفسيّ غيريّاً؛ فإنَّه وجب لواجبٍ آخر وهو الغاية المترتّبة عليه.
والحاصل: أنَّ كلامه صحيحٌ إذا كان نظر المستشكل إلى الغاية
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
القصوى؛ فإنَّها غير قابلةٍ لتعلّق التكليف بها، حتى يكون الواجب غيريّاً باعتبارها.
وأمّا إذا كان نظر المستشكل إلى غاية استعداد المكلّف للوصول إلى تلك الغايات، فالإشكال صحيحٌ، أي: إنَّ العمل إنَّما صار واجباً لحصول هذه الغاية. وعلى هذا، يمكن توجيه الإشكال من حيث إنَّ الواجب النفسيّ لن يوجد؛ فإنَّ أيّ واجبٍ إنَّما يجب لمصلحةٍ مترتّبةٍ عليه، ونفترض أنَّها وصول النفس إلى كمالاتٍ راقيةٍ، وهو لازم التحصيل، والعمل يكون مقدّمةً له، فيكون واجباً غيريّاً.
وأحسن ما يمكن أن يُقال في المقام لدفع الإشكال: إنَّ هذه الغايات وإن كانت قابلةً لتعلّق التكليف بها لكونها مقدورةً ولازمة التحصيل، إلَّا أنَّه ليس كلّ مقدورٍ يتعلّق التكليف به؛ فإنَّه لا بُدَّ للشيء الذي تعلّق التكليف به أن يكون ممّا يفهمه عامّة الناس. وبما أنَّ الأمر متوجّهٌ إلى الجميع لا بُدَّ من أن يكون موضوعه أيضاً عامّاً. والغاية -وهي الوصول إلى الكمالات والتخلّق بأخلاق الله تعالى- ممّا لا يفهمه العرف، لذا يقبح أن يكلّف المولى العبد فيقول: إِنْهَ نفسك عن المنكر، أي: (صلِّ)؛ لأنَّ ذلك لا يفهمه العرف، بل يراه من الأُمور الاتّفاقيّة التي قد توجد أو لا توجد.
فتحصيل الغايات بحسب ما يمكن أن يجعل متعلّقاً للتكليف، على قسمين:
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
مقدّمةً لفعلٍ آخر واجبٍ؛ فإنَّ الغاية وإن كانت لازمة التحصيل فإنَّها خارجةٌ عن المتفاهم العرفيّ.
بعبارةٍ أخرى: إنَّ هذا التقسيم باعتبار ما يكون قابلاً للتكليف ويمكن أن يتعلّق به التكليف بحسب الفهم العرفي -وهذا يكون على قسمين- لا باعتبار كلّ مقدورٍ للمكلّف وما يمكن صدوره منه وإن كان خارجاً عن المتفاهم العرفيّ.
ومن هنا ذكرنا في باب الصحيح والأعمّ(1) بأنّا وإن فرضنا تصوير جامعٍ للصحيح، مثل النهي عن المنكر للصلاة، فإنَّه لا يمكن تعلّق التكليف به؛ لأنَّه خارجٌ عن فهم العرف، فالذي يفهمه العرف من الصلاة إنَّما هو التكبير والركوع والسجود والقراءة ولا يفهم الغايات.
إذن، فيصحّ ما ذكروه من أنَّ الواجب النفسيّ هو الواجب لا لواجبٍ آخر، أي: لا لفعلٍ آخر واجبٍ، ولا لغايةٍ أُخرى لازمة التحصيل. أمّا الواجب الغيريّ فهو الذي يجب لواجبٍ آخر كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة وغير ذلك من الواجبات الغيريّة.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
(1) يراجع الجزء الثاني من هذا الكتاب: 270 وما بعدها (نحو تصوير الجامع).
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
قد التزم بعضهم(1) بوجود قسمٍ ثالثٍ لا يكون من الواجب النفسيّ ولا من الواجب الغيريّ، وسمّي بالواجب للغير، أي: ما وجَب لأجل واجبٍ آخر.
والوجه في الالتزام به: أنَّه قد يكون شيءٌ واجباً للتحفّظ على واجبٍ آخر في ظرفه، وهو ما سمّيناه بالمقدّمات المفوّتة، فنلتزم بوجوبه شرعاً، كالاغتسال بالليل لصوم يوم شهر رمضان؛ فهذا الوجوب لم ينشأ من مصلحةٍ في نفس الاغتسال ليكون واجباً نفسيّاً، لذا لا يعاقَب على تركه لو كان معذوراً من الصوم لمرضٍ أو لموتٍ بأن انكشف أنَّه لا يجب عليه الصوم. وليس هذا الوجوب غيريّاً على ما التزموا به من أنَّ الوجوب الغيريَّ هو الوجوب المترشّح من وجوبٍ آخر، أي: يكون هنا وجوبٌ نفسيٌّ يكون علّةً للوجوب الغيريّ، فيكون الغيريّ مترشّحاً منه. فهذا أيضاً منتفٍ في المقام؛ إذ المفروض أنَّه لا وجوب للصوم قبل الفجر، وإنَّما وجوبه مشروطٌ بطلوعه. والمفروض أنَّ الاغتسال واجبٌ وليس وجوبه نفسيّاً ولا غيريّاً، فهو قسمٌ ثالثٌ من الوجوب وهو الوجوب للغير، أي: إنَّما أوجبه لأجل التحفّظ على الواجب في ظرفه.
وهكذا الحال في جميع المقدّمات المفوّتة، فلو التزمنا بوجوب إبقاء الماء قبل
ــــــــــ[236]ــــــــــ
() انظر: الدربندي، خزائن الأحكام 2: 113، خزينة: فى بيان ثمرة النزاع فى المسألة، الحسيني الشهرستاني، غاية المسؤول في علم الأصول: 239، أصل إيجاب الشيء هل يستلزم وجوب مقدّماته. وينقل هذا التعريف محمد حسين الأصفهاني، بحوث في الأصول 1: 61، ولكن بعنوان الواجب الغيريّ لا الواجب للغير.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الوقت أو إبقاء الوضوء كذلك، كان الأمر كذلك؛ فإنَّ هذا الوجوب ليس نفسيّاً ولا غيريّاً؛ فإنَّ الصلاة بعدُ لم تجب وإنَّما تجب بعد دخول الوقت، فهو وجوبٌ لأجل الغير، لا أنَّه واجبٌ غيريٌّ.
لكنّ الالتزام بالقسم الثالث يتوقّف على أمرين:
◙ أحدهما: أن لا نلتزم بالوجوب المعلّق، وإلَّا فإنَّنا لو قلنا به وأنَّ الوجوب ثابتٌ من الآن والتأخّر إنَّما هو في الواجب دون الوجوب، فيكون وجوب الاغتسال غيريّاً؛ فإنَّ وجوب الصوم على ما استفدناه من الآية المباركة فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(1) يكون برؤية الهلال أو الحضور على الاختلاف في معنى الشهود. ومقتضى الآية هو ثبوت الوجوب من أوّل الأمر، فيكون وجوب الاغتسال غيريّاً؛ فإنَّ العبرة بفعليّة الوجوب لا بفعليّة الواجب، فيترشّح منه -لا محالة- الوجوب على مقدّمته وهو الاغتسال، فيكون وجوبه غيريّاً، ولا يكون قسماً ثالثاً غير الواجب النفسيّ والغيريّ.
◙ ثانيهما: أنَّنا لو أنكرنا الواجب التعليقيّ ولم نلتزم بفعليّة الوجوب، لاستحالته أو لعدم الدليل عليه، وقلنا بوجوب الصلاة بعد طلوع الفجر، فيتوقّف الالتزام به على أن يكون الوجوب الغيريّ مترشّحاً من النفسيّ.
وهذا أمرٌ غير معقولٍ؛ فإنَّ الوجوب فعلٌ اختياريٌّ يصدر من المولى، وهو ما عبّرنا عنه فيما سبق بالاعتبارالنفسيّ المبرَز، ولا معنى لأن يكون فعلٌ مترشّحاً من فعلٍ آخر. والاعتبار النفسيّ أمرٌ قائمٌ في النفس وتحت اختيار المعتبر، فله أن
ــــــــــ[237]ــــــــــ
(1) البقرة: 185.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يعتبر وألّا يعتبر، ولا معنى لأن يوجد الاعتبار مترشّحاً ومعلولاً من اعتبارٍ آخر، بل هو اعتبارٌ كالاعتبار الأوّل، أمره بيد المعتبر. فلا معنى لصدور وجوبٍ عن وجوبٍ.
بل الذي يتعقّل هو ترشّح شوقٍ من شوقٍ، وهو أمرٌ ممكنٌ، بل واقعٌ؛ فإنَّ الإنسان إذا اشتاق إلى شيءٍ فإنَّه لا محالة يشتاق إلى مقدّمته، إلَّا أنَّ الشوق صفةٌ نفسانيّةٌ وليس من الأفعال الاختياريّة وليس من الحكم في شيء. ووجوب المقدّمة على تقدير الالتزام به هو حكمٌ مولويٌّ يصدر من المولى، ولا يمكن أن ينشأ وجوبٌ من وجوبٍ آخر، بل الواجب الغيريّ إنَّما يكون واجباً -على القول بوجوبه- لترشّح الشوق إليه من الشوق إلى ذيه؛ فإنَّ المولى ما دام قد أوجب شيئاً، فإنَّه يوجب مقدّماته أيضاً.
وعلى ذلك، لا فرق بين أن يكون وجوب ذي المقدّمة فعليّاً، أو يوجد فيما بعد، أي: بعد التفات المولى إلى إيجاب الصوم أنَّه لا يتحقّق إلَّا بالاغتسال، لا بُدَّ له من إيجاب الاغتسال وإن لم يكن وجوب الصوم فعليّاً.
إذن فوجوب الاغتسال غيريٌّ، أي: وجوبٌ نشأ للتوصّل إلى واجبٍ آخر -وإن لم يكن متّصفاً بالوجوب الآن- لا لمصلحةٍ في نفسه.
والحاصل: أنَّه لا يفرق في نظر العقل في الوجوب الغيريّ بين أن يكون الوجوب فعليّاً أو متأخّراً؛ فإنَّه إذا التفت المولى إلى وجوب شيءٍ، وكان لا يمكن تحقّقه من دون المقدّمة، فبناءً على وجوب المقدّمة لا بُدَّ من الأمر بها.
إذن، فينحصر الوجوب بقسمين: الواجب النفسيّ والواجب الغيريّ،
ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وليس هاهنا قسمٌ ثالثٌ، وهو المسمّى بالواجب للغير. هذا بالنسبة إلى أصل التقسيم.
بقي الكلام بالنسبة إلى الشكّ: فإذا علمنا أنَّه واجبٌ نفسيٌّ أو غيريٌّ فلا إشكال. أمّا إذا تردّد أمر الواجب بين الوجوب النفسيّ والغيريّ، فالكلام يقع في مقامين: تارةً فيما يقتضيه الأصل اللفظي، وأُخرى فيما يقتضيه الأصل العمليّ.
أمّا الكلام في الأصل اللفظي؛ فلا إشكال في جواز التمسّك بالإطلاق لإثبات الوجوب النفسيّ، وذلك في موردين:
◙ المورد الأوّل: إذا كان الوجوب مستفاداً من الاسم، أي: المعنى الاسميّ لا المعنى الحرفيّ، كما هو الحال في الأغسال وغيرها، حيث ورد أنَّه فريضة؛ فإذا شككنا أنَّ غسل الجنابة واجبٌ نفسيٌّ أو غيريٌّ ولم يقم دليلٌ على أنَّه غيريٌّ -كما قد قام الدليل على ذلك- فيمكن حينئذٍ التمسّك بالإطلاق؛ فإنَّ مقتضى الإطلاق أنَّه يجب، سواءٌ وَجَبَ الصوم أو الصلاة أم لا. فإذا كان المتكلّم في مقام البيان وحكم بوجوب شيءٍ وسكت عن تقييده بوجوب ذلك الشيء، فمقتضاه أنَّه فريضةٌ وواجبٌ نفسيٌّ على كلّ تقدير.
وهذا لا يفرق فيه بين ما ذكره الشيخ الأنصاري من إنكار الواجب
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المشروط، وما ذكرناه من ثبوته.
وكذلك يمكن التمسّك بالإطلاق فيما يحتمل أنَّه شرطٌ له. فإذا شككنا أنَّ غسل الجنابة واجبٌ نفسيٌّ أو مقدّمةٌ للصلاة، نتمسّك بإطلاق (صلِّ) ونثبت أنَّ متعلّق الوجوب غير مقيّدٍ بالغسل، أو بالنسبة إلى قضاء الصيام، فنقول: إنَّه واجبٌ وغير مقيّدٍ بالاغتسال للجنابة قبل الفجر. فحينما نحتمل أن يكون الواجب مشروطاً بشيءٍ آخر وأنَّ متعلّق الأمر مقيّدٌ به، فمقتضى الإطلاق أنَّه غير مقيّدٍ به.
والفرق بين الإطلاقين: أنَّ الإطلاق الأوّل إطلاقٌ في الوجوب؛ فإنَّه يرجع إلى أنَّه يجب غسل الجنابة، سواءٌ وجب الصوم أم لا، وسواءٌ وجبت الصلاة أم لا، فإطلاقه يقتضي أنَّه واجبٌ نفسيٌّ سواءٌ وجب شيءٌ آخر أم لا. أمّا الإطلاق الثاني فهو إطلاقٌ في الواجب، لا في الوجوب، أي: كون الصلاة -مثلاً- غير مقيّدةٍ بغسل الجنابة ومتعلّق الأمر غير مقيّدٍ به.
فإذا ثبت بالإطلاق أنَّ الصلاة غير مقيّدةٍ بغسل الجنابة، يثبت بالملازمة أنَّه واجبٌ نفسيٌّ، فإنَّه بعد إثبات أنَّ الصلاة غير مشروطةٍ به وقد فرضنا أنَّه إمّا واجبٌ نفسيٌّ أو غيريٌّ، فإذا نفينا الغيريّ بالإطلاق وأنَّ الصلاة غير مشروطةٍ به، فلا محالة يثبت الآخر.
وهذان التقريبان لا يفرّق فيهما بين ما سلكناه وبين ما سلكه المشهور، أي: ما ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ في الواجب المشروط.
◙ المورد الثاني: وهاهنا وجهٌ آخر للتمسّك بالإطلاق، وذلك فيما إذا كان
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الوجوب مستفاداً من الهيئة، أي: من المعنى الحرفيّ لا الاسميّ، كما لو ورد: اغتسل للجنابة، فنتمسّك بإطلاقه وأنَّه غير مقيّدٍ بشيءٍ، أي: اغتسل سواءٌ وجبت الصلاة أم لم تجب، فمقتضى ذلك: أنَّ وجوب الغسل نفسيٌّ وغير مقيّدٍ بشيءٍ آخر؛ لأنَّ الوجوب الغيري يحتاج إلى البيان، ومقتضى عدم التقييد عدمه.
إلَّا أنَّ التمسّك بمفاد الهيئة يبتني على إمكان تقييد إطلاق الهيئة، كما في الواجب المشروط؛ إذ ذكرنا أنَّ القيد يرجع إلى الهيئة، وأمّا على ما سلكه الشيخ الأنصاريّ من استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة؛ فإنَّ التمسّك بالإطلاق بهذا الوجه غير ممكنٍ، وينحصر التمسّك بالإطلاق بالوجهين الأوّلين.
هذا إذا كان في الكلام إطلاقٌ وكان المتكلّم في مقام البيان، فيتمسّك بالإطلاق من إحدى هذه الجهات ويثبت أنَّ الوجوب نفسيّ. وأمّا إذا لم يكن إطلاقٌ في البين فينتهي الأمر حينئذٍ إلى الأصل العمليّ. فهل يرجع إلى البراءة أو إلى الاشتغال؟ هذا ما نبحثه في المقام الثاني.
ولهذه المسألة صور:
◙ ما إذا تردّد الأمر بين الوجوب النفسيّ والغيريّ، ولكنّه على تقدير كون الوجوب غيريّاً لا يكون الواجب الذي يحتمل أن يكون هذا الوجوب مقدّمةً له واجباً بالفعل؛ لأنَّ شرطه غير حاصلٍ. فلا علم بوجوبه بالفعل؛ إذ على تقدير
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كونه واجباً نفسيّاً يلزم الإتيان به، وعلى تقدير كونه واجباً غيريّاً لا يلزم الإتيان به؛ لأنَّ الواجب المشروط به ليس فعليّاً.
ففي مثل ذلك: المرجع إلى البراءة العقليّة أو النقليّة؛ إذ الشكّ راجعٌ إلى الشكّ في التكليف؛ إذ لا علم لنا بوجود تكليفٍ.
◙ ما إذا تردّد الأمر بين الوجوب النفسيّ والغيريّ، ولكن على تقدير كون الوجوب غيريّاً فالآخر واجبٌ فعليٌّ، غير أنَّنا لا نعلم بوجوبه، كما لو علم أنَّه نذر أمراً راجحاً في نفسه، ولا يدري أهو الوضوء ليكون واجباً نفسيّاً بوجوب الوفاء بالنذر، أم هو الصلاة، كصلاة الليل، فتكون الصلاة واجباً نفسيّاً، ويكون الوضوء واجباً مقدّمةً لها، فبمقتضى النذر نعلم بوجوب الوضوء، إلَّا أنَّنا لا نعلم أنَّه واجبٌ نفسيٌّ فيجب الإتيان به لنفسه، أم أنَّ الواجب النفسيّ هو الصلاة فيجب الإتيان بالوضوء مقدّمة للصلاة لأنَّها مقيّدةٌ بالطهارة.
ففي مثل ذلك: لا ينبغي الشكّ في لزوم الإتيان بالوضوء، إلَّا أنَّ الكلام في أنَّه هل يجب الإتيان بالصلاة أيضاً، باعتبار أنَّها طرفٌ للعلم الإجماليّ؛ لأنّا نعلم بواجبٍ نفسيٍّ: إمّا الوضوء أو الصلاة، وبمقتضى العلم الإجماليّ يتنجّز التكليف في كلا الطرفين، أو أنَّ الصلاة لا علم لنا بوجوبها، وإنَّما نعلم بوجوب الوضوء على كلّ تقديرٍ، أي: سواء كانت الصلاة واجبةً أم لا، فيقتصر على ما يعلم وجوبه وهو الوضوء، وأمّا الصلاة فلا نعلم بوجوبها، ومقتضى أصالة البراءة أنَّه لا يجب الإتيان بها.
ــــــــــ[242]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
هذا هو محلّ الكلام بين الأعلام: أنَّ هذا العلم الإجماليّ الذي تعلّق بوجوب الشيء أو بمقدّمته، هل يكون منحلّاً إلى العلم بالوضوء على كلّ تقديرٍ، ويكون الشكّ في الصلاة بدويّاً تجري فيه البراءة، أم أنَّه لا ينحلّ، بل لا بُدَّ من الأخذ بقاعدة الاشتغال، وعليه فيجب الإتيان حينئذٍ بالصلاة؟
قد يُقال -كما قد قيل(1)-: إنَّ هذا العلم الإجماليّ لا ينحلّ، ولا يقاس المقام ببحث دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، حيث نعلم هناك بوجوب الأقلّ ونحتمل وجوب الأكثر، فبالنسبة إلى الأقلّ ثمّة علم تفصيليٌّ، وبالنسبة إلى الآخر ثمّة شكٌّ بدويٌّ تجري فيه أصالة البراءة.
ووجه عدم صحّة القياس: أنَّه في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ليس هناك إلَّا وجوبٌ واحدٌ، والشكّ في حدّ الواجب في أنَّه الأقلّ أو الأكثر، وأمّا الوجوب فهو وجوب نفسيّ؛ لما مضى في أوّل مبحث مقدّمة الواجب من أنَّ الأجزاء لا تتّصف بالوجوب الغيريّ، بل تكون لها حصّةٌ من الوجوب النفسيّ، فتكون الأجزاء واجبةً نفساً باعتبارها جزءاً من الكلّ؛ غاية الأمر: أنَّ وجوبها في حال الانضمام، لا في حال الاستقلال والانفراد.
ففي موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين: بما أنَّ الوجوب نفسيٌّ وقد تعلّق بالأجزاء، فيصحُّ أن يُقال: إنَّ المقدار المعلوم قد تعلّق به الوجوب النفسيّ، ونجري البراءة عن الزائد المشكوك.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 171، وقد نسب هذا القول إلى صاحب الكفاية، ولكن السيّد الخوئي يعلّق في هامش الكتاب بعدم ثبوت هذه النسبة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وأمّا في المقام؛ فالوجوب النفسيّ المتعلّق بذي المقدّمة وهو الصلاة في المثال، على تقدير كونه متعلّقاً بها في الواقع فهو لم يتعلّق بالوضوء؛ لأنَّ المقدّمة لا تجب بالوجوب النفسيّ لذيها، وإنَّما تجب بالوجوب الغيريّ على تقدير القول بوجوبها. فالوجوب النفسيّ: إمّا متعلّق بالصلاة وإمّا متعلّق بالوضوء، وليس هاهنا قدرٌ متيقّنٌ لنقول أنَّه واجبٌ نفساً يقيناً والشكّ في المقدار الزائد فتجري فيه البراءة؛ لأنَّ المقدّمة ليست واجبةً بالوجوب النفسيّ الثابت لذي المقدّمة.
نعم، إنَّ لنا علماً بوجوب الوضوء إمّا نفساً أو غيراً، والجامع بينهما: معلومٌ إجمالاً، إلَّا أنَّ هذا لا يوجب انحلال العلم الإجماليّ؛ فإنَّ القدر المتيقّن ليس من سنخ المعلوم بالإجمال؛ إذ المعلوم بالإجمال إنَّما هو الوجوب النفسيّ ولا ندري بتعلّقه بالصلاة أو الوضوء، أمّا المعلوم تفصيلاً -أي القدر المتيقّن- فليس هو الوجوب النفسيّ، بل هو الجامع بينه وبين الغيريّ، فإذا كان المتيقّن مغايراً سنخاً للمعلوم بالإجمال فلا موجب لانحلاله، فكما نحتمل أنَّ الواجب النفسيّ هو الوضوء كذلك نحتمل أنَّه الصلاة، وحيث إنَّه لا انحلال فمقتضى الاشتغال هو وجوب الإتيان بالصلاة أيضاً.
وهذا بخلاف موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين؛ فإنَّ القدر المتيقّن فيه مسانخٌ للمعلوم بالإجمال وهو الوجوب النفسي، وبهذا يفترق عن المقام. هكذا قيل.
لكنّ الصحيح: أنَّ هذه المسألة ومسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين في الرجوع إلى البراءة من وادٍ واحدٍ وبملاكٍ واحدٍ.
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بيان ذلك: أنَّنا في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر وإن كنّا نعلم بتعلّق الوجوب النفسيّ بالأقلّ ونشكّ في الزائد، إلَّا أنَّ هذا الوجوب النفسيّ المتعلّق بالأقلّ أمره دائرٌ بين أن يكون ثابتاً للأقلّ بنحو (بشرط شيءٍ)، بحيث لا بُدَّ من الإتيان بالزائد معه، أو ثابتاً للأقلّ بنحو (لا بشرط)، بمعنى: أنَّه يجب الإتيان بالأقلّ سواءٌ أتى بالزائد أم لم يأتِ، وهذا هو عين تعلّق العلم الإجماليّ بالأقلّ والأكثر. وعليه، لا يكون في مثل هذا العلم الإجماليّ قدرٌ متيقّنٌ.
نعم، لو كنّا نعلم بوجوب الأقلّ (لا بشرط) لكان قدراً متيقّناً ويكون الشكّ في الزائد بدويّاً، إلَّا أنَّه كيف يمكننا دعوى أنَّنا نعلم بوجوب الأقلّ (لا بشرط)، بل اللابشرطيّة طرفٌ للعلم الإجماليّ، والمتيقّن إنَّما هو الجامع بين اللابشرط وبشرط شيء. وهذا لا يوجب الانحلال؛ إذ بعد الإتيان بالأقل -مع عدم الإتيان بالأكثر-: لا ندري أنَّ هذا هو مصداق الواجب أم لا؛ لأنَّ المعلوم هو الطبيعيّ الجامع بين بشرط شيءٍ واللابشرط، فليس هنا قدرٌ متيقّنٌ أبداً، فلا يمكن انحلال العلم الإجماليّ من هذه الناحية.
وإنَّما يوجب الانحلال أمرٌ آخر، وهو أنَّ تنجّز العلم الإجماليّ ليس لأجل أنَّ التنجّز من لوازم العلم الإجماليّ عقلاً -أي: إنَّه علّة تامّةٌ في التنجيز- بل التنجّز مستندٌ إلى احتمال العقاب وعدم المؤمّن، وإلَّا فإنَّ العلم الإجماليّ -بما هو علمٌ إجماليٌّ- لا يستلزم التنجّز أبداً إلَّا بالإضافة إلى المخالفة القطعيّة، أمّا بالنسبة إلى المخالفة الاحتماليّة فالتنجيز ليس من لوازمه العقليّة، بل من لوازم احتمال العقاب وعدم المؤمّن في مقام العمل. وهذا من أجل تعارض الأصول
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
في أطراف العلم الإجماليّ. وبما أنّا نحتمل وجوب كلّ واحدٍ منهما، ولا يمكن الرجوع إلى البراءة؛ لأنَّه معارضٌ للأصل الجاري في الطرف الآخر، فاحتمال الوجوب احتمالٌ للعقاب، فيجب الاحتياط بمقتضى حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل.
وفي موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الأصول غير متعارضة؛ فإنَّا نعلم بوجوب الأقل الجامع بين بشرط شيء واللابشرط، أي: الجامع بين كونه مطلقاً بالنسبة إلى الزائد أو مقيّداً به، فكما نحتمل الإطلاق كذلك نحتمل التقييد.
أمّا الإطلاق فلا تجري فيه البراءة؛ لأنَّ الإطلاق يوجب السعة ولا يوجب ضيقاً حتّى تكون البراءة العقليّة أو النقليّة مؤمّنةً عنه؛ فإنَّ مقتضى الإطلاق هو السعة والشمول، أي: إنَّ الشارع أذِنَ للمكلّف أن يأتي بالزائد أو لا يأتي. وفي مثله: لا معنى لجريان البراءة.
وأمّا الطرف الآخر للعلم الإجماليّ -أعني: التقييد- ففيه ضيقٌ، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة من هذه الجهة، فنتمسّك بالبراءة لدفع جهة الضيق. ومن أجل هذا -أعني: عدم تعارض الأصول في الأطراف- نتمسّك بالبراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، لا من أجل أنَّنا نعلم بالأقلّ ونشكّ بالزائد؛ فإنَّه لا يمكن انحلال العلم الإجماليّ من هذه الجهة؛ فإنَّ أمر الأقلّ دائرٌ بين اللابشرط وبشرط شيء. إذن، فمنشأ الانحلال عدم تعارض الأُصول في الأطراف.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا الملاك بعينه جارٍ في المقام في مفروض كلامنا؛ فإنَّا نعلم وجداناً وتفصيلاً -في مثال النذر المتقدّم- أنَّ ترك الوضوء يوجب العقاب؛ إمّا لأنَّه واجبٌ لنفسه أو لأنَّه يوجب ترك الواجب النفسيّ، فلسنا في سعة من ذلك، وعليه، فمن ناحية الوضوء لا يمكن الرجوع إلى البراءة؛ إذ ليس لهذا الأصل أثرٌ عمليٌّ بعد العلم التفصيليّ والوجدانيّ بأنَّ ترك الوضوء موجبٌ للعقاب لا محالة لأنَّه مخالفةٌ للنذر.
أمّا بالنسبة إلى الصلاة فلا بأس بجريان البراءة، فإنَّا لا ندري أتعلّق بها النذر حتّى يكون تركها موجباً للعقاب أم لم يتعلّق بها، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة من هذه الجهة.
بعبارة أخرى: إنَّ المقام وإن كان يختلف عن مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، من جهة أنَّ الواجب النفسيّ إذا كان مركّباً ينحلّ وجوبه النفسيّ إلى أجزائه بخلاف المقدّمة، فإنَّه لا يسري إليها الوجوب النفسيّ الثابت لذيها، ولكن ملاك الرجوع إلى البراءة ليس هو الانحلال، بل ما ذكرناه من عدم تعارض الأصل في الأطراف، وهذا متحقّق في المقام وفي مسألة الأقلّ والأكثر على حدٍّ سواءٍ، فهناك لا تجري؛ لأنَّه لا معنى لجريانها في الإطلاق، وهنا لا تجري -في الوضوء- للعلم بأنَّ في تركه العقاب، ومع العلم بالعقاب لا معنى للرجوع إلى أصالة البراءة.
إذن، فالبراءة تجري فيما نحتمل وجوبه النفسيّ وهو الصلاة في المثال.
فالإنصاف: أنَّ المقام ومسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
من وادٍ واحدٍ، أي: أنَّ منشأ انحلال العلم الإجمالي فيهما واحد، وهو عدم تعارض الأصول في الأطراف.
◙ ما إذا دار أمر واجب بين أن يكون نفسيّاً وبين أن يكون غيريّاً ومقدّمةً لواجبٍ آخر، وهذا الواجب الآخر منجّزٌ وواصلٌ، لا أنَّه مشكوك وليس بمنجّزٍ، كما إذا علمنا بوجوب الوضوء والصلاة، بأن نعلم أنَّ كليهما واجبٌ في الشريعة، ونعلم أنَّ الوجوبين من ناحية الإطلاق والاشتراط على حدٍّ سواءٍ، أي: إذا كان أحدهما مشروطاً كان الآخر مشروطاً، وإذا كان أحدهما مطلقاً كان الآخر مطلقاً أيضاً، ونفرض الاشتراط في المقام؛ فبعد دخول الوقت وحصول الشرط نعلم بوجوب كلٍّ من الوضوء والصلاة، ولكن لا ندري أنَّ الوضوء واجبٌ مقدّمةً للصلاة، أي: إنَّه واجب غيريّ ومقدّمةٌ لواجبٍ فعليٍّ منجّزٍ أم أنَّه واجبٌ نفسيٌّ وليست الصلاة مقيّدةً به.
أمّا من ناحية لزوم الإتيان بهما معاً؛ فلا إشكال فيه، وليس لنا شكٌّ في ذلك، فكما يجب الإتيان بالصلاة يجب الإتيان بالوضوء، سواءٌ كان وجوبه نفسيّاً أم غيريّاً؛ لأنَّه إن كان واجباً نفسيّاً فهو منجّزٌ في نفسه، وإن كان غيريّاً فهو مقدّمةٌ لواجبٍ فعليٍّ منجّزٍ.
فمن هذه الجهة لدينا علمٌ تفصيليٌّ، ولا محلّ لأصالة البراءة، إلَّا أنّا نشكّ في أنَّه على تقدير كون الوضوء واجباً نفسيّاً لا يلزم الإتيان به قبل الصلاة، بل يجوز الإتيان به بعدها؛ لأنَّه ليس مقدّمةً لها. وعلى تقدير كونه واجباً غيريّاً لا بُدَّ
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
من الإتيان به قبلها، وإلَّا لم يؤت بالصلاة أيضاً لعدم الإتيان بشرطها، إذن يكون الشكّ في لزوم الإتيان بالوضوء قبل الصلاة وعدم لزومه.
ولذلك اختار شيخنا الأستاذ(1) الرجوع إلى البراءة من هذه الجهة، وتكون النتيجة نتيجة الوجوب النفسيّ، فإنَّه وإن كان من ناحية الأصل العمليّ لا يمكن الحكم بالوجوب النفسيّ لأنَّ لازمه لا يثبت، إلَّا أنَّ النتيجة هي أنَّ المكلّف مخيّرٌ بالإتيان بالوضوء قبل الصلاة أو بعدها، هذا نتيجة النفسيّة. فلأجل عدم ثبوت التقييد يرجع إلى البراءة فتنتج النفسيّة، هذا حاصل ما ذكره.
إلَّا أنّا ذكرنا في الدورة السابقة(2) بأنَّه لا يمكن المساعدة عليه؛ ذلك أنَّ الوجوب الشرطيّ طرفٌ للعلم الإجماليّ، فكيف يرجع في نفي التقيّد به إلى البراءة؟
فإنَّا نعلم إجمالاً أنَّ الوضوء إمّا واجبٌ نفسيٌّ فيعاقَب عليه المكلّف لو تركه، وحينئذٍ فلو ترك الوضوء والصلاة سيعاقب بعقابين؛ لأنَّ كلاً منهما واجبٌ نفسيٌّ، ولا شكّ في أنَّ احتمال الوجوب النفسيّ هو مجرى لأصالة البراءة، أي: لو كنّا نشكّ في وجوبه النفسيّ فمقتضى البراءة أن يكون الوجوب النفسيّ واحداً، فلا يكون الوضوء واجباً نفسيّاً؛ لأنَّه مشكوكٌ فيه، ومقتضى
ــــــــــ[249]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 171.
(2) انظر: غاية المأمول 1: 380، وتعليقة السيّد الخوئي على هذه الصورة في أجود التقريرات 1: 170-171.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الأصل عدم وجوبه، فهذا أحد طرفي العلم الإجماليّ.
والطرف الآخر للعلم الإجمالي، هو أن تكون الصلاة مقيّدةً بالوضوء، وهذا في نفسه موردٌ للبراءة؛ فإنَّه من الشكّ في التقييد، ويثبت بذلك الإطلاق الظاهريّ، فللمكلّف أن يأتي بالمشروط وله ألّا يأتي به.
فإذا كان الأمر كذلك، وكان احتمال الوجوب النفسيّ مورداً للبراءة، كان الغيريّ كذلك من ناحية احتمال تقيّد الواجب به، الذي هو منشأ الوجوب الغيريّ، وحيث إنّا نعلم إجمالاً بأحد هذين الأمرين: إمّا الوجوب النفسيّ وإمّا تقيّد الصلاة به -ومعناه: الوجوب الغيريّ- فكيف نرجع إلى البراءة في أحد الطرفين؟ فإنَّه ترجيحٌ بلا مرجّحٍ، والمعارضة موجودةٌ.
فالمعلوم بالإجمال هو أحد هذين الأمرين، وكلٌّ منهما في نفسه مجرى للبراءة، إلَّا أنَّ إجراءها في الطرفين معاً مستلزمٌ للمخالفة القطعيّة، أي: إذا لم يأتِ بالوضوء قبل الصلاة ولا بعدها فقد تركناه، سواءٌ كان واجباً نفسيّاً أم غيريّاً.
فإذا كان جريان البراءة في الطرفين مستلزماً للمخالفة القطعيّة، وجريانها في أحدهما ترجيحاً بلا مرجّح، فلا يكون الأصل جارياً، ومقتضى أصالة الاشتغال أن يُعتنى بكلا الاحتمالين (أي: الوجوب النفسيّ والوجوب الغيري)، ولا يكون ذلك إلَّا بتقديم الوضوء على الصلاة، فإن كان نفسيّاً فقد أتينا به، وإن كان غيريّاً فقد امتثلناه. وهذا بخلاف تأخيره عن الصلاة، فإنَّه على تقدير كونه واجباً نفسيّاً فقد امتثلناه، ولكن على تقدير الغيريّة فلم نمتثله. ولا يكفي الامتثال الاحتماليّ بعد كون التكليف فعليّاً.
ــــــــــ[250]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذن، فالنتيجة نتيجة الوجوب الغيريّ، على عكس ما أفاده.
◙ ما إذا علمنا بوجوب الوضوء والصلاة وكان وجوبهما فعليّاً، إلَّا أنَّهما ليسا بمتماثلين من ناحية الإطلاق والاشتراط. فنعلم أنَّ الصلاة مشروطةٌ بالوقت، وعلى تقدير وجوب الوضوء غيريّاً فهو مقيّد بوقوعه بعد الوقت لا محالة، وعلى تقدير كونه نفسيّاً فغير مقيّدٍ بالوقت، بل يمكن الإتيان به قبل الوقت.
ويمكن تصوّر هذه الصورة على وجهين:
فالكلام في هذا الوجه كالكلام في الصورة السابقة؛ فإنَّنا ذكرنا: أنَّ العلم الإجماليّ منجّز؛ إذ جريان البراءة في الوجوب النفسيّ معارضٌ بجريانها في الغيريّ. نعم، هناك فرق بين هذا الوجه والصورة السابقة؛ فهناك كان العلم الإجماليّ متعلّقاً بأمرين متقارنين زماناً، وهنا متعلّقٌ بأمرين متدرّجين.
ولا فرق في تنجيز العلم الإجماليّ بين أن يكون متعلّقاً بأمرٍ تدريجيٍّ وبين أن يكون غير تدريجيّ، فإذا علم إجمالاً بوجوب الصوم لتعلّق النذر به، ولكن لا
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يدري أفي هذا اليوم الصوم أم في يوم آخر، فهذا العلم الإجماليّ كالعلم الإجماليّ المتعلّق بأمور أو أمرين فعليّين؛ فإنَّه منجّزٌ؛ إذ العبرة في تنجّز العلم الإجمالي هي تعارض الأُصول وتساقطها، حتّى لا يكون هنا مؤمّنٌ عن الارتكاب، فالاحتمال هو المنجّز من دون مؤمّن، فيوجد هاهنا حالتان:
الحالة الأولى
فإذا علمنا بوجوب الوضوء، فإن كان وجوبه نفسيّاً فهو مقيّدٌ بما قبل الوقت، وإن كان غيريّاً فهو مقيّدٌ بما بعد الوقت؛ لأنَّ الواجب الغيريّ تابعٌ للواجب النفسيّ. ففي مثله: يتعارض الأصلان في الطرفين ويتساقطان، وبعده لا بُدَّ من الاحتياط، أي: رعاية كلٍّ من الوجوبين: النفسيّ والغيريّ، أي: لا بُدَّ من الإتيان به قبل الوقت؛ لاحتمال وجوبه النفسيّ.
ثُمَّ إنَّه في هذه الصورة قد نفرض أنَّ الواجب الغيريّ هو الوضوء المأتيّ به بعد الوقت بهذا القيد، فلا يجتزئ به قبله، أي: كما أنَّ الوجوب مقيّدٌ بما بعد الوقت كذلك الواجب -وهو الصلاة- مقيّدٌ بالوضوء بما بعد الوقت، ففي مثل ذلك: لا بُدَّ من تكرار الوضوء فيؤتى به قبل الوقت؛ لاحتمال وجوبه النفسيّ، ويؤتى به بعده؛ لاحتمال وجوبه الغيريّ، وكلا الوجوبين طرفٌ للعلم الإجماليّ، وكلاهما أيضاً مجرى للبراءة في أنفسهما، إلَّا أنَّه بعد التعارض يتساقطان، لا بُدَّ من رعاية كلا الوجوبين.
الحالة الثانية
وأمّا إذا علمنا أنَّ الوضوء الذي هو قيدٌ للصلاة، على تقدير وجوبه
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الغيريّ فإنَّ الوجوب بعد الوقت، إلَّا أنَّ الوضوء لا يفرّق فيه بين أن يؤتى به قبل الوقت أو بعده؛ فإنَّ المعتبر في الصلاة أن تكون عن طهارةٍ، ولكنّ خصوصيّة إيقاع الوضوء بعد الوقت لم تعتبر شرعاً، فالوجوب الغيريّ للوضوء وإن فُرض أنَّه لم يتحقّق إلَّا بعد الوقت، فإنَّ الوضوء قبله مجزئٌ عنه أيضاً.
فما هو طرفٌ للعلم الإجماليّ إنَّما هو طبيعيّ الطهارة الجامع لما قبل الوقت وبعده، فعلى تقدير الوجوب النفسيّ: يجب الوضوء قبل الوقت، وعلى تقدير وجوبه الغيريّ: لا يلزم الإتيان به بعد الوقت، بل يجوز قبله. نعم، على تقدير عدم الإتيان به قبل الوقت: يجب بعد الوقت.
فلو كان طرف العلم الإجماليّ هو تقيّد الصلاة بطبيعيّ الوضوء الجامع لما بعد الوقت وقبله، فلا حاجة إلى تكرار الوضوء، بل يكتفى بوضوءٍ واحدٍ قبل الوقت، فإن كان نفسيّاً فقد امتثله، وإن كان غيريّاً فقد امتثله أيضاً؛ فإنَّه وإن لم يكن مصداقاً للواجب إلَّا أنَّ قيد الصلاة حاصلٌ.
وأمّا إذا شككنا بهذا ودار الأمر بين أن يكون وجوب الوضوء نفسيّاً وقد قُيّد بما قبل الوقت، أو غيريّاً وشككنا أنَّه على تقدير وجوبه الغيريّ لا نعلم أنَّ قيد الصلاة هل هو الوضوء بعد الوقت أو الجامع بينهما؛ فهل يجب في مثله تكرار الوضوء أو لا؟
الظاهر في مثله الاكتفاء بوضوءٍ واحدٍ قبل الوقت.
والوجه في ذلك: أنَّ طرف العلم الإجماليّ إنَّما هو جامع التقييد؛ فإنَّنا نعلم
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بوجوب الوضوء نفساً وبطبيعيّ التقييد، أمّا التقييد بما بعد الوقت فغير محرزٍ بل محتملٌ، فهو كلفةٌ زائدةٌ ندفعها بالبراءة.
بعبارة أُخرى: إنَّ الوجوب النفسيّ والغيريّ موردٌ للبراءة في نفسه، إلَّا أنَّهما سقطا بالمعارضة، وأمّا تقيّد الصلاة بالوضوء الواقع بعد الوقت فليس طرفاً للعلم الإجماليّ، بل هو شكٌّ بدويٌّ، ولا مانع من الرجوع إلى البراءة من هذه الجهة. فينتج وجوب وضوءٍ واحدٍ قبل الوقت. فإن كان نفسيّاً فقد امتثله، وإن كان غيريّاً فقد امتثله أيضاً؛ لأنَّ طرف العلم الإجماليّ هو الجامع لا ما بعد الوقت خاصّة المدفوع بأصالة البراءة.
أمّا أصل الوجوب النفسيّ فلا تجري فيه البراءة؛ لأنَّها طرفٌ للمعارضة مع أصالة البراءة عن تقيّد الصلاة بالوضوء، وكلٌّ منهما في نفسه مجرىً للبراءة وبالمعارضة يسقطان، لا بُدَّ من رعاية الوجوبين النفسيّ والغيريّ، وعليه الإتيان بالوضوء قبل الصلاة.
أمّا خصوصيّة إيقاعه قبل الوقت على تقدير كونه واجباً نفسيّاً؛ فهو احتمالٌ محضٌ، ندفعه بالبراءة، نظير ما ذكرناه في الوجه الأوّل.
إذن، فينتج تخيير المكلّف بالإتيان بالوضوء قبل الوقت أو بعده، أمّا من
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ناحية الوجوب النفسيّ فإنَّه يكتفى به، وأمّا من ناحية تقيّد الصلاة بالوضوء بعد الوقت فالكلام هو الكلام؛ حيث لم يعلم تقيّد الصلاة بالوضوء بعد الوقت، فيكون شكّاً بدويّاً يُدفع بالبراءة، فيكتفى بالوضوء الواقع قبل الوقت بالنسبة إلى الوجوبين، وكذلك إذا أتى به بعد الوقت أيضاً؛ لأنَّه قد امتثل الأمرين (النفسيّ والغيريّ).
هذا محصّل كلامنا في دوران الأمر بين الوجوب النفسيّ والغيريّ بصوره من جهة الأصل العمليّ.
يقع الكلام فيما يترتّب على كلٍّ من الوجوب النفسيّ والوجوب الغيريّ تارةً: من جهة استحقاق العقاب، وأُخرى: من جهة استحقاق الثواب.
أمّا من جهة استحقاق العقاب؛ فلا ينبغي الشكّ في ترتّب العقاب على مخالفة الواجب النفسيّ؛ فإنَّه تعدٍّ وظلمٌ على المولى وخروجٌ عن زيّ الرقّيّة، فيستحقّ الشخص بذلك عقاب المولى، وإن عاقبه فإنَّ عقابه يقع في محلّه. وهذا ممّا لا شكّ فيه بحكم العقل، وبمقتضى دلالة الآيات والروايات.
أمّا الواجب الغيريّ -بما هو غيريٌّ- فأيضاً لا ينبغي الشكّ في أنَّه لا يستحقّ عليه العقاب، فإنَّ مَن ترك واجباً نفسيّاً ومقدّمته لا يعاقب بعقابين، بل بعقابٍ واحدٍ. نعم، بما أنَّ ترك المقدّمة يستلزم ترك ذيها خارجاً، فبتركها يقوم بترك ذيها خارجاً، فيستحقّ العقاب من جهة ترك الواجب النفسيّ، لا من جهة ترك الواجب
ــــــــــ[255]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الغيريّ. فترك الواجب الغيريّ بما هو تركٌ للواجب الغيريّ لا عقاب عليه.
وهذا ظاهرٌ في عدم الفرق بين مَن ترك الصلاة بلا وضوءٍ ومن تركها بعد الوضوء في استحقاق العقاب، وليس ترك المقدّمة -بما هو ترك المقدّمة- موجباً للعقاب بحكم العقل، بلا فرق بين أن نحكم بوجوب المقدّمة شرعاً وبين حكمنا بعدم وجوبها أصلاً، وقلنا: إنَّ الوجوب مختصٌّ بالوجوب النفسيّ دون الغيريّ.
وأمّا استحقاق الثواب؛ فيقع الكلام تارةً: بالنسبة إلى الواجب النفسيّ، وأخرى: بالنسبة إلى الواجب الغيريّ.
أمّا الواجبات النفسيّة؛ فالمعروف أنَّ فاعلها يستحقّ عليها الثواب من المولى، وذكر بعضهم(1) -ونسب ذلك إلى الشيخ المفيد ومن تبعه-: أنَّه لا استحقاق للثواب في الواجبات النفسيّة، وإنَّما هو مجرّد تفضّلٍ من المولى، وإلَّا فإنَّ العبد لا يستحقّ من المولى شيئاً إذا قام بما تقتضيه وظيفته وعبوديّته تجاه المولى(2).
ــــــــــ[256]ــــــــــ
(1) أغلب الكتب الأصولية تنسبه إلى الشيخ المفيد؛ انظر على سبيل المثال: ضياء الدين العراقي، بدائع الأفكار في الأصول: 374، الأمر السادس: في بيان الواجب النفسيّ والغيريّ، والنائيني، أجود التقريرات 1: 172، الأوّل: أنَّ الثواب كما يترتّب على امتثال الواجب النفسيّ فهل يترتّب على امتثال الواجب الغيريّ أيضاً أو لا.
(2) انظر: الشيخ المفيد، أوائل المقالات: 111، باب 115، القول في نعيم أهل الجنة هل هو تفضل أم ثواب؟
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ولا يبعد أن يكون هذا نزاعاً لفظيّاً؛ لأنَّ الاستحقاق على معنيين:
◙ الأوّل: أن يراد من الاستحقاق أنَّ المولى الحكيم العادل إذا لم يعطِ الثواب للمطيع كان ظالماً للعبد، لا بُدَّ أن يعطيه شيئاً من الثواب على إطاعته، فإن أريد بالاستحقاق هذا المعنى، فمن المعلوم: أنَّ العقل لا يحكم بذلك؛ لأنَّ العبد لم يكن أجيراً للمولى، بل هو عبدٌ له لا بُدَّ أن يقوم بما تقتضيه وظيفته وأن يطيع أوامر مولاه ونواهيه، ولا يستحقّ بعد ذلك شيئاً.
فإذا أريد بالاستحقاق هذا المعنى، فما ذكره الشيخ المفيد صحيحٌ، ولا يكون المولى ظالماً إذا لم يعطِ الثواب؛ لعدم وجود حقٍّ للعبد على المولى.
فلو فرضنا أنَّ الله تعالى أرجع الموجودات إلى ما كانت عليه قبل وجودها من العدم الصرف، ولم يخلق جنّةً ليثيب المطيع، فهو لم يرتكب ظلماً، لأنَّه أوجد العبد، فأمره وأطاعه، وليس له عليه شيءٌ.
◙ الثاني: أن يراد من الاستحقاق أنَّ العبد المطيع -في مقابل العاصي- إذا أعطي الثواب كان ذلك في محلّه ويكون ذلك شكراً على الإطاعة، بخلاف ما إذا فعل جريمةً وأُعطي عليها الثواب؛ فإنَّه قبيحٌ، وهو غير مستحقٍّ للثواب بهذا المعنى، أي: لا يقع الثواب في محلّه، بخلاف ما إذا فعل الحسنة؛ فإنَّه إذا أُعطي الأجر عليها فقد وقع في محلّه.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذا أريد بالاستحقاق هذا المعنى فهو صحيحٌ؛ فإنَّ العبد ليس له حقّ المطالبة بشيءٍ، لكن إذا أعطاه المولى الثواب كان الثواب في محلّه.
فلا يبعد أن يكون النزاع لفظيّاً، فالذي يقول باستحقاق الثواب نظره إلى الوجه الثاني، والذي ينفي الاستحقاق نظره إلى الوجه الأوّل، هذا في الواجب النفسيّ.
وأمّا الواجب الغيريّ؛ فلا إشكال في أنَّه لا استحقاق فيه للثواب بالمعنى الأوّل، ولو قلنا بالاستحقاق في الواجب النفسيّ؛ إذ المفروض أنَّه ليس مطالباً به في نفسه وإنَّما يؤتى به للتوصّل إلى غيره وهو المطلوب. فهو -بما هو غيريٌّ- لا يوجب الثواب ولو قيل بالاستحقاق على النفسيّ.
وأمّا استحقاق الثواب بمعنى: التفضّل؛ فهو مشتركٌ بين الواجب النفسيّ والغيريّ.
والوجه في ذلك: أنَّ العقل مستقلٌّ بأنَّ الإطاعة والانقياد أمرٌ حسنٌ، فكما أنَّ الآتي بالواجب النفسيّ منقادٌ ومطيعٌ للمولى، كذلك الآتي بالواجب الغيريّ، فإنَّه إنَّما يأتي بالعمل مضافاً إلى المولى، وللتوصّل إلى محبوب المولى، فالتفضّل كما يقتضي أن يُساق إلى الآتي بالواجب النفسيّ، كذلك يقتضي أن يُساق إلى الآتي بالواجب الغيريّ، فهما من وادٍ واحدٍ بالنسبة إلى التفضّل؛ حيث إنَّ كلاً منهما قد جرى حسب وظيفته الشرعيّة والتزم بالعبوديّة.
فاستحقاق الثواب بهذا المعنى ملاكه في الواجب النفسيّ والغيريّ واحد؛ لأنَّ العبد قد قام بوظيفته وانقاد لمولاه في مقام الإطاعة والائتمار بأوامره.
إذن، يفرق الحال في استحقاق الثواب واستحقاق العقاب على الواجب الغيريّ؛ فإنَّ ترك الواجب الغيريّ لا يوجب استحقاق العقاب بنفسه، إلَّا أنَّ
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الإتيان به يوجب الثواب على المولى. بل الأمر كذلك حتى لو أنكرنا الواجب الغيريّ وقلنا بأنَّ المقدّمة لا تتّصف بالوجوب الغيريّ، بل العقل يلزم بالإتيان بها لأجل الإتيان بالواجب النفسيّ، فأيضاً استحقاق الثواب موجودٌ، يعني: مَن أتى بها توصّلاً إلى مطلوب المولى النفسيّ، فهو في طريق الإطاعة ومنقادٌ للمولى.
ولا يعتبر في الثواب أن يكون الفعل مأموراً به، بل المعتبر فيه هو أن يضاف إلى المولى بوجهٍ ويؤتى به من أجله، سواءٌ كان مأموراً به أم لا. فإذا أنكرنا الوجوب الغيريّ والمفروض أنَّ الوجوب النفسيّ غير متعلّقٍ به فمع ذلك نقول باستحقاق الثواب، فإنَّ الذي دعاه إلى الإتيان بالعمل -المقدّمة- هو وقوعه في طريق امتثال المولى، فيؤتى به مضافاً إليه، فهو مستحقٌّ بذلك الثواب بعين استحقاقه في الواجب النفسيّ. فالثواب لا يدور مدار القول بالواجب الغيريّ.
لا يخفى أنَّ استحقاق الثواب بالنسبة إلى الواجب الغيريّ، ولو لم نقل بالوجوب الغيريّ، إنَّما يكون فيما إذا أتى به بقصد التوصّل، أمّا إذا أتى به لا بقصد التوصّل فلا إشكال من عدم الاستحقاق.
وعليه، فإذا أتى به بقصد التوصل الذي هو مناط حكم العقل باستحقاق الثواب، فهل استحقاق الثواب على الواجب الغيريّ في عرض استحقاق الثواب على الواجب النفسيّ؟ وهل يثاب المكلّف بثوابين: ثوابٍ بالإضافة إلى المقدّمة وثوابٍ بالإضافة إلى ذيها؟ أم أنَّه يثاب بثوابٍ واحدٍ، غاية الأمر:
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يكون الثواب أكثر وآكد، فمن أتى بالمقدّمة مضافاً إلى المولى يكون أكثر ثواباً ممّن أتى بها بداعٍ آخر وأتى بذيها بعد ذلك؟ فالسؤال: أيتعدّد الثواب أم لا؟
ذهب صاحب الكفاية(1) وشيخنا الأستاذ(2) إلى أنَّ الثواب إنَّما هو على الإتيان بذي المقدّمة، وإذا أتى بالمقدّمة لأجل الواجب النفسيّ كان الثواب أكثر؛ لأنَّ العمل أحمز، وأفضل الأعمال أحمزها.
وهذا يختلف بحسب الخارج؛ فقد يؤتى بالمقدّمات لأجل الواجب النفسيّ، وقد يؤتى بها لداعٍ آخر، وقد يكون الواجب النفسيّ من دون مقدّمةٍ أصلاً. فلا إشكال في أنَّ طالب الماء من بعيدٍ لأجل صلاته مستحقٌّ للثواب في نظر العقل أكثر ممّا إذا كان ذهابه لداعٍ آخر، وأكثر ممّن كان الماء مُهَيَّأً لديه.
وذكروا(3): أنَّ الثواب إنَّما يكون إذا كان الإتيان بالمقدّمة بقصد التوصّل،
ــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 110، تذنيبان: الأوّل: لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسيّ.
(2) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 172-173، بقي هناك أمران: الأوّل أنَّ الثواب كما يترتّب على امتثال الواجب النفسيّ فهل يترتّب على امتثال الواجب الغيريّ أيضاً أو لا؟
(3) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 110، تذنيبان: الأوّل: لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسي، أجود التقريرات 1: 174، الأوّل: أنَّ الثواب كما يترتّب على امتثال الواجب النفسيّ فهل يترتب على امتثال الواجب الغيريّ أيضاً أو لا؟ وانظر: العراقي، بدائع الأفكار في الأصول: 375، الامر السادس: فى بيانه الواجب النفسىّ والغيريّ، الآملي، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار 1: 284، الفصل الثالث في الواجب النفسيّ والغيريّ، ونقل هذا القول أيضاً لدى: الفاني الأصفهاني، آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول 1: 539، الأوّل: لا ريب فى استحقاق الثواب عقلاً على فعل الواجب النفسيّ والعقاب على تركه، كما لا ريب فى عدم استحقاق شيء منهما على شيءٍ من فعل الواجب الغيريّ وتركه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فيكون الثواب أكثر، ولا يثاب عليها في عرض الثواب على الواجب النفسيّ.
ولكن ظهر ممّا ذكرناه من اشتراك الملاك في الإتيان بالواجب النفسيّ والغيريّ -وهو: الإتيان بالعمل مضافاً به إلى المولى- وهذا مشتركٌ فيه بينهما ولو لم نقل بوجوب المقدّمة؛ فكما أنَّ الواجب النفسيّ إذا أتى به المكلّف بعنوان الإضافة إلى المولى فإنَّه يوجب استحقاق الثواب في نظر العقل، كذلك الواجب الغيريّ؛ فإنَّه حين يخرج المكلّف من داره طالباً للماء ليأتي به لصلاته اليوميّة أو سائر ما يشترط فيه الطهارة من العبادات، فهو منقادٌ للمولى، وحركته هذه قربيّةٌ، فالملاك لاستحقاق الثواب كما هو ثابتٌ للواجب النفسيّ كذلك ثابتٌ للواجب الغيريّ بالملاك عينه.
وعليه، فلا مقتضى لدعوى عدم الثواب على الواجب الغيريّ، وأنَّه يوجب أكثريّة ثواب ذي المقدّمة، بل الثواب على المقدّمة في عرض الثواب على ذيها، ويستحقّ فاعلها الأجر بالمعنى الذي ذكرناه.
ويؤيّد ذلك: أنَّه إذا أتى بالمقدّمة، ولم يأتِ بذيها، لموتٍ أو مرضٍ، فهل
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يشكّ أحدٌ في أنَّه يستحقّ الثواب لأنَّه لم يأتِ بالواجب النفسيّ؟ بل يستحقّه لأنَّه أتى به مضافاً إلى المولى، وترتّب ذيها عليها ليس له دخلٌ في استحقاق الثواب على المقدّمة. وهذا مشاهد في الخارج كما في قوله تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ(1)؛ فإنَّه عملٌ قربيٌّ يوجب استحقاق الثواب ولو لم يصل إلى ذي المقدّمة في الخارج.
إذن، فلا فرق في الاستحقاق بين الإتيان بذيها وعدم الإتيان به.
وممّا تقدّم يندفع الإشكال في الطهارات الثلاث، من الجهة الأُولى، حيث وقع الإشكال فيها من جهتين:
◙ الجهة الأولى: أنَّه لا ينبغي الشكّ بأنَّ المكلّف يثاب بالإتيان بالطهارات الثلاث -أي: من الغسل والوضوء والتيمّم- مع أنَّ الواجب الغيريّ لا يثاب عليه. فبماذا تفترق الطهارات الثلاث عن بقيّة المقدّمات باستحقاق الآتي بها للثواب؟
وقد اندفعت هذه الجهة؛ لأنَّ غير الطهارات الثلاث من المقدّمات إذا أتى بها المكلّف بقصد التوصّل إلى الواجب النفسيّ فإنَّه يثاب عليها أيضاً؛ فإنَّ استحقاق الثواب غير مختصٍّ بالواجب النفسيّ، بل يعمّ الغيريّ كذلك، فكما أنَّ الطهارات الثلاث يثاب عليها، فكذلك الأمر في كلّ مقدّمةٍ أتى بها المكلّف في
ــــــــــ[262]ــــــــــ
(1) النساء: 100.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الخارج بقصد التوصّل بها إلى الواجب النفسيّ.
نعم، تفترق الطهارات الثلاث عن غيرها من المقدّمات، بقصد القربة فيها دون غيرها من المقدّمات.
نعم، إنَّما يأتي الإشكال في الجهة الثانية.
◙ الجهة الثانية: كيف صارت الطهارات الثلاث قربيّةً، مع أنَّ الأمر الغيريّ إنَّما هو لمجرّد الإتيان بالمأمور به النفسيّ في الخارج؟ فمن أيّ شيء نشأت القربيّة؟ مع أنَّ الطهارات الثلاث إنَّما أُمِرَ بها لأجل الصلاة وغيرها ممّا اعتُبر فيه الطهارة، والأمر الغيريّ توصّليٌّ محضٌ لا يقتضي القربيّة. إذن لماذا تكون قربيّةً بحيث إذا لم يأتِ بها كذلك لم يأتِ بالمقدّمة (لم يتحقّق الامتثال)؟
هذا إشكالٌ لا بُدَّ من الجواب عنه، دون الإشكال الأوّل في استحقاق الثواب؛ فإنَّه لا يرد -كما عرفت-.
أجاب صاحب الكفاية(1) عن هذه الجهة بما ملخّصه: أنَّ الأمر الغيريّ لا يوجب عباديّة متعلّقه وهو توصّليٌّ لا محالة؛ فإنَّه لم يقصد منه إلَّا الإتيان بمتعلّقه في الخارج، وإنَّما عباديّة الطهارات الثلاث نشأت من الأوامر النفسيّة المتعلّقة بها، بمعنى: أنَّها عبادةٌ مقدّمةٌ لعبادةٍ، لا أنَّ ذات الغسل والمسح مقدّمةٌ للصلاة، بل المقدّمة عبادةٌ لا بُدَّ من الإتيان بها كذلك، وحينئذٍ تكون مقدّمةً للصلاة.
بعبارة أخرى: العباديّة مأخوذةٌ في عنوان المقدّمة، لا أنَّها نشأت من الأمر
ــــــــــ[263]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 111، إشكال ودفع: أمّا الأوّل [وهو الإشكال].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الغيريّ المتعلّق بالمقدّمة، فإنَّها أُخذت في ذات المقدّمة في المرتبة السابقة على أمرها الغيريّ، فإذا لم يأتِ بها عباديّةً لم يأتِ بالمقدّمة أصلاً؛ فإنَّ ذات العمل ليس بمقدّمةٍ للصلاة، بل الوضوء والغسل العباديّ هو المقدّمة لها.
فقد نشأت العباديّة من الأوامر النفسيّة المتعلّقة بها، فارتفع الإشكال؛ لأنَّ عباديّة الطهارات لم تنشأ من الأمر الغيريّ وإنَّما نشأت من الأمر النفسيّ.
ولكن أُشكل على ذلك بوجوه:
◙ الوجه الأوّل: ما ذكره شيخنا الأستاذ(1) من أنَّ هذا لو تمّ في الغسل؛ حيث إنَّه لا خلاف في أنَّه بذاته مستحبٌّ نفسيٌّ وهو في نفسه عبادةٌ، بل في الوضوء أيضاً؛ فهو مستحبٌّ في نفسه. لكنّه لا يتمّ في التيمّم؛ إذ لم يدلّ دليلٌ على عباديّته في نفسه، فالإشكال يبقى في جهة التيمّم، فننقل الكلام إليه، ونقول: كيف لزم الإتيان به عباديّاً مع أنَّ الأمر الغيريّ توصّليٌّ محضٌ؟
ولا وجه لهذا الإشكال؛ فإنَّ جميع الطهارات في عرضٍ واحدٍ؛ إذ التطهّر كما هو المستفاد من قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ(2) محبوبٌ في نفسه للمولى، غاية الأمر: أنَّ الطهارة قد تتحقّق بالغسل كما في الجنابة وغيرها، وقد تتحقّق بالوضوء كما في غير الجنابة، كما ذكرنا ذلك مراراً من أنَّ هذا هو المستفاد من قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ -إلى قوله- وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا
ــــــــــ[264]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 174-175، الأمر الثاني: ربما يشكل الأمر في الطهارات الثلاث من وجهين.
(2) البقرة: 222.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فَاطَّهَّرُوا(1)، وقد تتحقّق الطهارة بالتيمّم عند فقد الماء كما في الرواية (التراب أحد الطهورين)(2) و”التَّيَمُّمَ أَحَدُ الطَّهُورَيْن”(3)، فإذا كان التيمّم أو التراب طهوراً وموجباً لطهارة الإنسان، فيدخل تحت قوله تعالى: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. فما دلّ على استحباب الوضوء والغسل بنفسه دالٌّ على استحباب التيمّم.
فليس في كلام صاحب الكفاية من هذه الجهة إشكال.
◙ الوجه الثاني: أنَّ الأمر الغيريّ متعلّقٌ بالطهارات الثلاث لا محالة، بناءً على وجوب مقدّمة الواجب، فلو فُرض أنَّها مستحبّةٌ في نفسها، يلزم من ذلك اجتماع الحكمين: الوجوب والاستحباب، وهما متضادّان، واجتماع المتضادّين في موردٍ واحدٍ مستحيلٌ، فلا يمكن الالتزام بالاستحباب النفسيّ(4).
ــــــــــ[265]ــــــــــ
(1) المائدة: 6.
(2) ورد لفظ (الصعيد) بأنَّه أحد الطهورين كما في تهذيب الأحكام 1: 197، كتاب الطهارة، الباب 8: باب التيمّم وأحكامه، الحديث 45: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنْ رَجُلٍ أَجْنَبَ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الماءَ فَقَالَ: لَا يُعِيدُ إِنَّ رَبَّ الْمَاءِ هُوَ رَبُّ الصَّعِيدِ فَقَدْ فَعَلَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ”.
(3) الكليني، الكافي 3: 64، كتاب الطهارة، باب الوقت الذي يوجب التيمّم ومَن تيمّم ثُمَّ وجد الماء، الحديث 4، من لا يحضره الفقيه 1: 105، باب التيمّم… الحديث 214، وسائل الشيعة 3: 381، تتمّة كتاب الطهارة، أبواب التيمّم، باب 21: “أنَّ مَن دخل في صلاة بتيمّم ثُمَّ وجد الماء وجب عليه الانصراف والطهارة والاستئناف ما لم يركع… “، الحديث 1.
(4) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 174، الأمر الثاني: ربّما يشكل الأمر في الطهارات الثلاث من وجهين.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ولكن يندفع هذا الوجه بأنَّ المستحبّ إذا عرض له الوجوب، فلا يزول الاستحباب بذاته، وإنَّما يزول بمرتبته وهي الرخصة في الترك، فترتفع هذه الرخصة لعارضٍ، كالنذر، أو الشرط في ضمن العقد، أو كونه مقدّمةً لواجبٍ، أو غير ذلك ممّا يوجب وجوب الشيء، فإذا كان الوجوب متعلّقاً بأمرٍ مستحبٍّ في نفسه، فإنَّه وإن كان لا يمكن اجتماع الحكمين في موردٍ واحدٍ، إلَّا أنَّ الاستحالة لا توجب زوال الاستحباب في نفسه، بل توجب زوال الرخصة في الترك، وإلَّا فالمحبوبيّة الذاتيّة باقيةٌ على حالها، وملاك العباديّة والقربيّة، إنَّما هو هذا الأمر الذي اندكّ بالأمر الوجوبيّ.
فلا منافاة بين أن يكون الشيء مستحبّاً في نفسه وواجباً بالفعل لعروض شيءٍ يوجب وجوبه، كما في موارد النذر؛ فإنَّه لو نذر أن يصلّي صلاة الليل أو أن يقرأ القرآن، فإنَّ الفعل وإن كان يتّصف بالوجوب بعد النذر، فإنَّه لا ينافي استحباب الفعل في ذاته ونفسه، والاستحباب وإن كان يزول بعروض الوجوب، فإنَّ الزائل هو مرتبة الاستحباب لا المحبوبيّة الذاتيّة.
والمقام من هذا القبيل؛ فإنَّ الطهارات الثلاث إذا كانت مقدّمةً لواجبٍ، وإن اتّصفت بالوجوب الغيريّ إلَّا أنَّه لا يوجب زوال الاستحباب الذي هو ملاكٌ للقربيّة.
فيندفع الإشكال عمّا ذكره.
◙ الوجه الثالث -وهو المهمّ في المقام، والذي تعرّض له في الكفاية- حاصله: أنَّ مقربيّة الطهارات الثلاث لا يمكن أن تكون الأمر النفسيّ؛ لأنَّ أغلب الناس يأتون بها وهم غافلون عن الاستحباب الذاتيّ، بل يأتون بها
ــــــــــ[266]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لأجل الصلاة ويقصدون بها الأمر الغيريّ، فما قُصد -وهو الأمر الغيريّ- ليس بقربيٍّ، وما كان قربيّاً -وهو الأمر النفسيّ- لم يُقصد.
فكيف يمكن الحكم بصحّة هذه الطهارات وصحّة الصلاة المتوقّفة عليها، مع أنَّ الأمر النفسيّ غير مقصود؟!
وأجاب عن ذلك في الكفاية(1) بما حاصله: أنَّ الأمر الغيريّ وإن كان هو المقصود، فحيث إنَّه لا يدعو إلَّا إلى ما هو المقدّمة واقعاً، وقد فرضنا أنَّ المقدّمة ليست هي ذوات الأفعال، بل هي الأفعال بما أنَّها عبادةٌ، فقصد الأمر الغيريّ قصدٌ لعنوان المقدّمة المشيرة إلى واقع المقدّمة الذي هو عبادةٌ. فقصد الأمر الغيريّ يكون مستلزماً لقصد الأمر النفسيّ لا محالة؛ فإنَّ الأمر الغيريّ لا يدعو إلَّا إلى ما هو المقدّمة، فإذا توضّأ للصلاة فقد قصد الأمر الغيريّ، والأمر الغيريّ قد تعلّق بالعبادة، فالعبادة مقصودةٌ، غايته: لم يُقصد تفصيلاً وإنَّما قُصد إجمالاً، وهذا المقدار يكفي في عباديّة العمل.
لكنّ الإنصاف: أنَّ هذا الجواب لا يتمّ، فلو بنينا على أنَّ موجب العباديّة هو الأمر النفسيّ فقط، فلا دافع لهذا الإشكال؛ فإنَّ ما هو موجبٌ لعباديّة الطهارات غير مقصودٍ للمكلّف، والأمر الغيريّ المقصود ليس بعباديٍّ.
وما ذكره من كون الأمر النفسيّ مقصوداً إجمالاً وإن لم يكن مقصوداً تفصيلاً إنَّما يتمّ بالنسبة إلى من يعلم بالأمر النفسيّ. أمّا من كان غافلاً عن ذلك
ــــــــــ[267]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 111، وقد تُفصّي عن الإشكال بوجهين آخرين: أحدهما.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كأكثر العوامّ، أو معتقداً لعدمه كبعض الخواصّ، كما لو بنى على أنَّ الوضوء غير مستحبٍّ في نفسه، أو على ما بنى عليه شيخنا الأستاذ(1) من أنَّ التيمّم غير مستحبّ في نفسه، فلو قصد الأمر الغيريّ في التيمّم فكيف يُقال: إنَّه قاصدٌ للأمر النفسيّ ارتكازاً مع أنَّه بانٍ على عدمه. وجماعةٌ من الفقهاء بنوا على عدم استحباب الوضوء النفسيّ(2) وإن كان بعضهم ذهب إلى وجوبه النفسيّ، كما سبق أن قلنا في بحث الفقه.
فالقصد الارتكازيّ للوجوب النفسيّ إنَّما ينفع إذا كان المكلّف معتقداً به، فيصحّ حينئذٍ أن يُقال: إنَّه إذا أتى بالوضوء مقدّمةً للصلاة، فقد قصد العباديّة؛ لأنَّ المقدّمة هو الوضوء العباديّ.
وممّا يوضّح ما ذكرناه: أنَّ من أتى بصلاة الظهر أو المغرب بانياً على أنَّها ليست بواجبةٍ، وإنَّما أتى بها مقدّمةً للواجب النفسيّ -وهو صلاة العصر أو العشاء- وقصد بها الوجوب الغيريّ، فلا يصحّ أن يُقال: إنَّه إذا قصد الأمر الغيريّ قصد الأمر النفسيّ بالارتكاز.
فالإشكال قائم، أي: إذا اختصّت العباديّة بقصد الواجب النفسيّ، فإنَّه يشكل الحكم في أكثر الوضوءات والتيمّمات التي إنَّما يؤتى بها لأجل التوصّل إلى الصلاة دون الأمر النفسيّ.
ــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) النائيني، أجود التقريرات 1: 175.
(2) انظر: النراقي، مستند الشيعة 2: 36، الفصل الثاني: في أقسام الوضوء، البحث الثاني: في الوضوء المستحبّ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
من أجل ذلك التزم شيخنا الأستاذ بأنَّ منشأ العباديّة ليس هو الأمر النفسيّ المتعلّق بذات هذه المقدّمات(1)؛ لما ذكره من أنَّ التيمّم ليس محبوباً في نفسه، ولا الأمر الغيريّ لأنَّه توصّليٌّ، والأمر التوصّليّ لا يكون عباديّاً، بل التزم بعباديّتها من جهة الأمر النفسيّ المتعلّق بالواجب المشروط بها، أو المستحبّ المشروط بها كصلاة النافلة.
وحاصل ما ذكره: أنَّ الأمر النفسيّ المتعلّق بمركّبٍ كما ينحلّ بالنسبة إلى الأجزاء، كذلك ينحلّ بالنسبة إلى الشرائط. فالأمر النفسيّ له حصّةٌ متعلّقةٌ بالشرط كما أنَّ له حصّةً متعلّقةً بالجزء، فهو منبسط على الأجزاء والشرائط على حدٍّ سواء.
فإذا كان الأمر كذلك، فأمّا من ناحية الأجزاء لا شكّ في أنَّ كل جزءٍ عباديٍّ مأمور به بالأمر النفسيّ الضمنيّ المنبسط عليه، لا بُدَّ من الإتيان به بقصد القربة، وإلَّا لم يسقط الواجب. وأمّا من ناحية الشرائط فيمكن أن يختلف فيها الحال فيكون الأمر في بعضها قربيّاً لا يسقط إلَّا بالتقرّب، كما في الطهارات الثلاث، وأمّا بقيّة الشرائط فليست عباديّةً؛ فإنَّ الأمر الضمنيّ المتعلّق بها توصّليٌّ، ولا مانع من كون أمرٍ واحدٍ متعلّقٍ بأمرین، أو بأُمورٍ، يكون بالنسبة إلى بعضٍ توصّليّاً وبالنسبة إلى آخر تعبّديّاً.
ــــــــــ[269]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 175، الأمر الثاني: ربما يشكل الأمر في الطهارات الثلاث من وجهين.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بل يتصوّر هذا في الأجزاء أيضاً، بأن يكون بعضها تعبّديّاً وآخر توصّليّاً، غاية الأمر: أنَّه لم يقع في الخارج. وقد ذكرنا أنَّه واقعٌ، غاية الأمر: بالعناوين الثانويّة، كما لو نذر أنَّه يصلّي صلاة الليل ويتصدّق بدرهمٍ على أن يكون المجموع متعلّقاً للنذر الواحد، فالأمر بالوفاء للنذر متعلّقٌ بجزئين: فهو بالنسبة إلى جزءٍ عباديٌّ، وبالنسبة إلى الجزء الآخر توصّليٌّ، فهو ممكنٌ بل واقعٌ، فكما يمكن أن يكون الواجب بالنسبة إلى أجزائه مختلفاً بالنسبة إلى العباديّة وغير العباديّة، كذلك بالنسبة إلى الشروط، وهو واقعٌ قطعاً؛ فإنَّ الشرائط غير الطهارات الثلاث كلّها توصّليّةٌ، ولا يعتبر فيها قصد القربة قطعاً.
هذا ملخّص ما أفاده.
وقد تقدّم الجواب عن ذلك، وقلنا: لا يمكن الالتزام بما أفاده؛ فإنَّ الأمر النفسيّ ينحلّ إلى أوامر ضمنيّةٍ متعلّقةٍ بالأجزاء، وأمّا الشرائط فهي خارجةٌ عن دائرة المأمور به، وإنَّما الداخل في دائرته هو التقييد دون نفس القيد؛ إذ القيد
-وهو الوضوء مثلاً- خارجٌ عن الواجب، وإنَّما المعتبر في الواجب هو التقيّد بأحد هذه الأُمور -أي: الطهارات الثلاث- وهو -أي: التقيّد- جزءٌ من الواجب، أمّا نفس هذه الأُمور فلم يتعلّق بها الأمر الضمنيّ النفسيّ، وإلَّا لم يبقَ فرقٌ بين الشرط والجزء. ومن هنا التزمنا بوجوب الشرائط على تقدير وجوب المقدّمة وجوباً غيريّاً. أمّا إذا كانت متعلّقةً للوجوب النفسيّ، فكيف يمكن اتّصافها بالوجوب الغيريّ ويكون حالها حال الأجزاء؟ وقلنا أيضاً: إنَّ الأجزاء خارجةٌ عن محلّ البحث.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إنَّ الصحيح في الجواب أن يقال: إنَّ الصلاة وغير الصلاة ممّا هو مشروطٌ بالطهارة متوقّفٌ على الإتيان بالطهارات بوصف كونها عباديّةً، فهي بهذا الوصف تكون مقدّمةً. وإذا كان الشيء لا يكون عباديّاً إلَّا بقصد الأمر النفسيّ، فلا دافع للإشكال؛ فإنَّ كثيراً من الناس لا يأتون بالوضوء بقصد أمره النفسيّ، بل يأتون به لأجل التوصّل إلى الصلاة، أي: بقصد الأمر الغيريّ.
ولكنّ وقوع الشيء عبادةً لا يتوقّف على قصد الأمر النفسيّ، بل يقع عبادةً أيضاً إذا قصد به التوصّل إلى المأمور به النفسيّ؛ فهو من وجوه العبادة؛ فإنَّ العبادة -كما تقدّم- تكون بإضافة الفعل إلى المولى والإتيان به بوجهٍ قربيٍّ، ولا فرق في نظر العقل بين أن يأتي بالشيء لأمره النفسيّ، أو أن يأتي به للتوصّل إلى محبوب المولى من واجبٍ أو مستحبٍّ.
فما يوجب عباديّة الطهارات الثلاث أحد أمرين على نحو منع الخلو:
ــــــــــ[271]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ(1) فتدلّ الآية بضميمة تفسير الصدر والذيل على أنَّ الخطاب متوجّهٌ إلى المحدثين لا إلى المتطهّرين، فلو قام إلى الصلاة وهو متطهّرٌ باعتبار أنَّه توضّأ قاصداً به القربة ومضافاً إلى الله تعالى، فقد وقع صحيحاً، والصلاة مشروطةٌ بوضوءٍ صحيحٍ، وهذا وضوءٌ صحيحٌ.
ولا فرق في هذا بين القول بالوجوب الغيريّ وعدمه، فإنَّه ولو قلنا بعدم الوجوب الغيريّ فإنَّه يكون قربيّاً؛ لأنَّ قصد التوصّل إلى الواجب يوجب قربيّة العمل، ولو لم يكن له وجوبٌ غيريّ.
فكما يتحقّق الوضوء العباديّ بقصد الأمر النفسيّ، كذلك يتحقّق بقصد التوصّل به إلى الصلاة. فيرتفع الإشكال من رأس.
فالفرق بين هذه المقدّمات وبقيّة المقدّمات: أنَّ هذه المقدّمات مقدّمةٌ بما أنَّها عبادةٌ، بمعنى: أنَّ الواجب مثل الصلاة يتوقّف على الوضوء والغسل والتيمّم العباديّ المتقرّب به إلى المولى، وهذا لم ينشأ من الأمر الغيريّ، بل المقدّمة عباديّةٌ بما
ــــــــــ[272]ــــــــــ
(1) المائدة: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أنَّها مأمورٌ بها في نفسها، وإن كان تحقّق العباديّة في الخارج لا يتوقّف على قصد الأمر النفسيّ، بل يمكن أن يقصد المقدّمية أيضاً، فارتفع الإشكال من أصله.
وأمّا سائر المقدّمات؛ فلم يدلّ دليل على أنَّها عبادةٌ، بخلاف هذه المقدّمات التي دلّ الدليل على لزوم الإتيان بها قربيّةً.
ثُمَّ إنَّ الآتي بالطهارات الثلاث إمّا أن يأتي بها قبل الوقت، وإمّا أن يأتي بها بعده.
فإن أتى بها قبل الوقت وكان قد قصد الأمر النفسيّ فلا إشكال؛ لأنَّه فعلٌ مستحبٌّ نفسيٌّ. وإن قصد التوصّل بها إلى الواجب فلا إشكال أيضاً في صحّته، فمن توضّأ قبل الوقت وكان قصده أن يكون متهيئاً للاتيان بالواجب في أوّل وقته، فالقربيّة تتحقّق بأحد أمرين: إمّا قصد الأمر النفسيّ الاستحبابيّ له؛ لأنَّه لا وجوب له الآن بناء على وجوب المقدّمة، وإمّا بقصد الأمر الغيري، والتهيّؤ للواجب قبل وقته. فإذا دخل الوقت فهو لا يحتاج إلى إعادة الغسل أو الوضوء؛ لما ذكرناه من أنَّ ملاك الإعادة بالإضافة إلى المحدث دون المتطهّر، والمفروض أنَّه متطهّر.
وكذلك لا ينبغي الإشكال في صحّة الوضوء إذا أتى به لأجل التوصّل إلى الواجب وللإتيان بالواجب في أوّل الوقت، ولم يقصد الأمر النفسيّ أو يعتقد بعدمه، فإنَّه أيضاً يقع قربيّاً؛ إذ لا يعتبر في الصلاة أن يقع الوضوء بعد الوقت، وإن كان وجوبه بعد الوقت.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
نعم، في التيمّم لم يدلّ دليلٌ على استحبابه النفسيّ في أوّل الوقت، لا بُدَّ من تأخيره إلى آخر الوقت، كما هو المستفاد من قوله: “إِذَا لَمْ تَجِدْ مَاءً وَأَرَدْتَ التَّيَمُّمَ فَأَخِّرِ التَّيَمُّمَ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنْ فَاتَكَ الْمَاءُ لَمْ تَفُتْكَ الْأَرْضُ”(1) فالتيمّم يحتاج إلى دليلٍ، ولم يثبت ذلك في أوّل الوقت، فضلاً عمّا قبله.
هذا إذا أتى بها قبل الوقت.
أمّا إذا أتى بها الوقت؛ فإذا اغتسل أو توضّأ أو تيمّم لأجل الصلاة، فلا إشكال في صحّته، وهذا هو الذي يصدر من أكثر الناس العوامّ وغيرهم وهو لا يعتقد بالأمر النفسيّ أو يعتقد بعدمه. ويكون الفعل صحيحاً والمقدّمة تحصل في الخارج؛ لأنَّ المقدّمة هي الفعل مضافاً إلى المولى، وقد أضافها المكلّف إلى المولى؛ لأنَّه أتى بها بقصد التوصّل إلى الواجب.
وأمّا إذا أتى بالمقدّمات بعد الوقت قاصداً الأمر النفسيّ لأجل التوصّل بها إلى الواجب، فهل يحكم بصحّة وضوئه أو لا؟
ذكر صاحب العروة(2) أنَّه يحكم بصحّته؛ لأنَّه لا منافاة بين الاستحباب
ــــــــــ[274]ــــــــــ
(1) الكليني، الكافي (ط – الإسلامية) 3: 63، كتاب الطهارة، باب الوقت الذي يوجب التيمّم ومَن تيمّم ثُمَّ وجد الماء… الحديث 1، الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 3: 384، تتمّة كتاب الطهارة، أبواب التيمّم، الباب 22: باب وجوب تأخير التيمّم والصلاة إلى آخر الوقت مع رجاء زوال العذر خاصّة، الحديث 1.
(2) انظر: اليزدي، العروة الوثقى 1: 245، فصل: في شرائط الوضوء، مسألة 33: إذا كان عليه صلاة واجبة أداء أو قضاء.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والوجوب، بناءً على ما اختاره من جواز اجتماع الأمر والنهي، فهو مستحبٌّ نفسيٌّ وواجبٌ غيريٌّ، فالعنوانان مختلفان، فجهة الاستحباب غير جهة الوجوب، فهو متّصفٌ فعلاً بالاستحباب ومتّصفٌ فعلاً بالوجوب، ولا تنافي بينهما، فلا مانع من أن يقصد المكلّف الأمر الاستحبابيّ الذي هو موجودٌ بالفعل.
ولكنّ البحث في جواز اجتماع الأمر والنهي إنَّما هو فيما إذا كانت الجهتان تقييديّتين، بأن تكون جهة الوجوب مغايرةً مع جهة الحكم الآخر: كالاستحباب أو الإباحة أو الحرمة، أو أيّ حكم آخر غير الوجوب. ونعني بالجهة التقييديّة: أن يكون متعلّق أحد الحكمين مغايراً لمتعلّق الحكم الآخر، وإن وجد مجمع العنوانين في الخارج بوجودٍ واحدٍ، كالغصب في الصلاة؛ فإنَّ متعلّق الأمر بالصلاة غير متعلّق النهي عن الغصب ولكنّه وجد في الخارج بوجودٍ واحدٍ. هذا هو محلّ الكلام في جواز اجتماع الحكمين وعدمه، وأنَّه إذا اجتمعا بسوء اختيار المكلّف في موردٍ فهل يحكم بصحّة عمله؛ لجواز الاجتماع، أو يحكم بعدم الصحّة؛ لاستحالة الاجتماع؟
أمّا إذا كانت الجهة تعليليّةً لا تقييديّة، أي: إنَّ ما تعلّق به الوجوب هو بعينه ما تعلّق به الحكم الآخر، وإن كانت علّة الوجوب غير علّة الحكم الآخر، فهنا لا إشكال من عدم جواز اجتماع الحكمين؛ لأنَّه يستلزم اجتماع الضدّين، وهو محالٌ ولو كان كلّ ضدٍّ معلولاً لعلّةٍ غير علّة الضدّ الآخر.
ومقامنا من هذا القبيل؛ فإنَّ الوضوء بما هو وضوءٌ مستحبٌّ على الفرض،
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وبما هو مقدّمةٌ واجبٌ، إلَّا أنَّ علّة الوجوب غير علّة الاستحباب، فإنَّ علّة الاستحباب هي الملاك القائم بالوضوء، وعلّة الوجوب هي كونه مقدّمةً للواجب، وعنوان المقدّمة لا يجب وإنَّما الواجبُ واقع المقدّمة.
بعبارة أخرى: يجب الشيء لتوقّف الواجب عليه، فالتوقّف علّةٌ لوجوب ما يتوقّف عليه الشيء؛ لاستحالة أن يكون التوقّف هو مركز الوجوب، وقد فرضنا أنَّ المقدّمة للصلاة هي ذات الوضوء، فهو يجب بعلّة أنَّه مقدّمةٌ للصلاة، وهي متوقّفة عليه.
إذن فكيف يمكن الالتزام بجواز اجتماع الأمرين الاستحبابيّ والوجوبيّ في موردٍ واحدٍ؟! فالجواب غير تامّ.
والصحيح: هو ما ذكرناه قبلاً من أنَّ الاستحباب يندكّ في الوجوب، فقد كان الوضوء مأموراً به من قبل المولى وكان مرخّصاً في تركه، فلو ارتفع الترخيص لعارضٍ -كتوقّف الواجب عليه- بقيت ذات المقرّبيّة والمحبوبيّة لا تزول بزوال الترخيص، فيمكن التقرّب به من جهة كونه مطلوباً في نفسه، غاية الأمر: أنَّه كان مقروناً بالترخيص وقد زال. هذا بناءً على وجوب مقدّمة الواجب.
وأمّا بناء على عدم وجوب المقدّمة -وهو الصحيح- فإنَّه بعد أن يتوقّف عليه الواجب فهو مستحبٌّ أيضاً، فإنَّه ليس هنا وجوبٌ، بل إلزامٌ عقليٌّ لتوقّف الواجب عليه. أمّا من قبل الشارع فهو مستحبٌّ ليس غير.
فإذا أتى به بقصد التوصّل به إلى الواجب، لا بعنوان الاستحباب النفسي، فأيضاً ذكرنا أنَّه لا ينبغي الشكّ في صحّته؛ فإنَّ التقرّب كما يمكن أن يكون
ــــــــــ[276]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بقصد الأمر كذلك يمكن أن يكون بقصد التوصّل به إلى مطلوب المولى؛ فإنَّه من وجوه التقرّب، ولا يتوقّف التقرّب على قصد الأمر النفسي، بل لا بُدَّ في التقرّب من الإتيان بالفعل مضافاً إلى المولى نحو إضافة وقصد التوصّل به إلى محبوب المولى؛ فإنَّه من وجوه العبادة.
إنَّما الكلام فيما إذا أتى بالوضوء للتوصّل به إلى الواجب، ولكن في الخارج لم يترّتب عليه الواجب، بل بدا له فيه، فهل يُحكم بصحّة وضوئه أو لا؟
قد يُقال -كما قيل(1)-: بأنَّ هذا مبنيٌّ على اعتبار الإيصال في اتّصاف المقدّمة بالوجوب.
فإن قلنا: بأنَّ الواجب هو مطلق المقدّمة، لا الموصل منها خاصّة، فيقع الوضوء صحيحاً؛ لأنَّه أُتي به وقُصدَ به التوصّل إلى الواجب، فقد وقع الوضوء على صفة الوجوب، وإن لم يترتّب عليه الواجب؛ فإنَّه لم يؤخذ قيد الإيصال في الوجوب.
وأمّا إذا بنينا على أنَّ الواجب من المقدّمة هو الحصّة الموصلة خاصّة، فإذا لم توجد الصلاة في الخارج، فيكشف عن أنَّ هذا الوضوء ليس بواجبٍ، فالمفروض: أنَّ الأمر النفسيّ لم يُقصد، والأمر الغيريّ لم يكن متحقّقاً؛ لأنَّه تعلّق بالحصّة الموصلة خاصّة، والإيصال لم يتحقّق في الخارج، فما وقع في الخارج لم
ــــــــــ[277]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 353، هداية [عدم توقّف وجوب الواجب الغيريّ على إرادة الغير].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يكن مصداقاً للواجب. فكيف يمكن الحكم بصحّة الوضوء؟ فإنَّ ملاكه أحد أمرين: إمّا قصد الأمر النفسيّ، وإمّا قصد الأمر الغيريّ، وكلاهما لم يتحقّق.
ولكنّ الصحيح: أنَّ الحكم بصحّة الوضوء لا يتوقّف على القول بوجوب المقدّمة على الإطلاق وعدم أخذ الإيصال في متعلّق الوجوب.
بل لو قلنا إنَّ المقدّمة ليست واجبةً أصلاً -سواء في ذلك الموصلة وغيرها- فأيضاً يحكم بصحّة الوضوء؛ لأنَّا ذكرنا أنَّ ملاك التقرّب ليس هو قصد الأمر الغيريّ، بل هو قصد التوصّل بالفعل -كالوضوء في المقام- إلى واجبٍ آخر، فهذا القصد هو الذي يوجب التقرّب بالعمل الخارجي، سواءٌ كان واجباً غيريّاً أم لا.
فلو فرضنا أنّا لا نلتزم بوجوب المقدّمة شرعاً -كما هو كذلك- فمع ذلك إذا أتى بالمقدّمة وقصد أن يتوصّل إلى الواجب، فعمله قربيّ ويثاب عليه؛ لأنَّه انقيادٌ إلى المولى ومضافٌ إليه، فملاك التقرّب ليس هو الأمر الغيريّ حتّى يقال بأنّا إذا بنينا على أنَّ الواجب هو المقدّمة الموصلة خاصّة، فهذا الوضوء لم يقع مصداقاً للواجب، بل ملاك التقرّب موجودٌ؛ فإنَّ ذات المقدّمة وُجدت في الخارج، وإضافتها إلى المولى أيضاً تحقّقت، فسواءٌ ترتّب عليه الواجب أم لم يترتّب، على كلا التقديرين، وقع العمل عباديّاً فيحكم بالصحّة، فالحكم بالصحّة -إذن- غير مبنيٍّ على القول بوجوب المقدّمة على الإطلاق.
ــــــــــ[278]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بقي الكلام في شيءٍ واحدٍ، وهو أنَّ صاحب الكفاية خصّص فصلاً لتقسيم الواجب إلى معلّقٍ ومنجّزٍ ومطلقٍ ومشروطٍ، وكأنَّه نسي من تقسيم الواجب شيئاً، فاستدركه في الفصل الأخير وهو تقسيمه إلى الأصليّ والتبعيّ، فذكره بعد البحث عن وجوب المقدّمة.
وهذا التقسيم وإن لم يكن له أيّة فائدة؛ فإنَّ كون الواجب تبعيّاً أو أصليّاً لا أثر له، إلَّا أنَّه مع ذلك تعرّض له.
قد تفرض التبعيّة في مرحلة الثبوت، فيراد بالأصليّ: ما يلتفت الآمر إلى وجوبه، ويراد بالتبعيّ: ما لا يلتفت الآمر إلى وجوبه، فيكون واجباً قهراً وإن لم يلتفت الآمر.
وهذا لا يعقل في الواجب النفسيّ، بحيث يكون واجباً نفسيّاً ويكون الآمر غافلاً عن وجوبه؛ فإنَّ الأمر فعلٌ اختياريٌّ للآمر، وإذا كان غافلاً لا يكون اختياريّاً، فالواجب النفسيّ لا بُدَّ فيه من القصد والالتفات ولا يتحقّق من دونه.
نعم، ينقسم الواجب الغيريّ إلى أصليّ وتبعيّ، بناءً على ثبوت الملازمة: أنَّ هذا الوجوب قهريّ، على ما يدّعيه القائلون بالملازمة، فقد يوجب المولى شيئاً
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ويلتفت إلى أنَّ له مقدّمةً يتوقّف عليها في الخارج فيوجب المقدّمة، أو لا يلتفت إلى أنَّ له مقدّمةً، وحينئذٍ فالمقدّمة وإن كانت واجبةً لا محالة بناءً على الملازمة إلَّا أنَّ الآمر غير ملتفتٍ إليها؛ لغفلته عن المقدّميّة فيثبت الواجب التبعيّ.
هذا بالنسبة إلى مقام الثبوت.
وأمّا بالنسبة إلى مقام الإثبات فكلٌّ من الواجب النفسيّ والغيريّ ينقسم إلى هذا التقسيم؛ إذ المراد بالأصليّ في مقام الإثبات هو: أن يكون المتكلّم في مقام بيان ذلك الوجوب، ونريد بالتبعيّ: أن يكون المتكلّم في مقام بيان شيءٍ آخر، ولكنّ كلامه يدلّ على الوجوب دلالةً التزاميّةً تبعيّةً، وهذا ممكنٌ في كلا الواجبين، فكما يمكن أن يكون الوجوب الغيريّ مدلولاً مطابقيّاً ويمكن أن يكون مدلولاً التزاميّاً، كذلك الأمر في وجوب الواجب النفسيّ، فيمكن أن يكون مستفاداً من المطابقة، ويمكن أن يكون مستفاداً من دليلٍ آخر وإن لم يكن هو بنفسه مقصوداً بالإفادة.
وعلى كلّ حالٍ، فلا أثر لهذا التقسيم والبحث؛ فإنَّما يترتّب الأثر على نفس الوجوب، أمّا كونه مستفاداً بالأصالة أو بالتبعيّة فلا أثر له.
إذن، فهذا التقسيم لا أثر له، فلا يهمّنا.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يقع الكلام في أنَّ وجوب المقدّمة -على القول به- هل هو مختصٌّ بما إذا قصد التوصّل بها إلى الواجب، أو أنَّ الوجوب مطلقٌ؟ أي: إنَّ الكلام يقع في إطلاق الوجوب أو تقييده.
اختلفت كلمات الأعلام في وجوب المقدّمة مع التسالم على وجوبها، على أقوال:
فمنهم: من ذهب إلى أنَّ وجوبها مطلقٌ كما أنَّ الواجب -أي: الواجب النفسيّ- مطلقٌ، فمتى ما وجب شيءٌ كانت مقدّمته واجبةً أيضاً بلا تقييد في الوجوب ولا في الواجب. وهذا ما اختاره صاحب الكفاية(1) وغيره، وهو المعروف بينهم.
ومنهم: من ذكر أنَّ الوجوب وإن كان مطلقاً، فإنَّ الواجب مقيّدٌ بقيد التوصّل به إلى الواجب، وهو مختار الشيخ الأنصاري(2).
ومنهم: من قيّد الواجب بالتوصّل في الخارج إلى الواجب، وأن يترتّب
ــــــــــ[281]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 114، دخل قصد التوصّل في تحقّق الامتثال.
(2) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 354، هداية [عدم توقّف وجوب الواجب الغيريّ على إرادة الغير].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الواجب عليها في الخارج، وهو مختار صاحب الفصول(1).
ومنهم: من اختار أنَّ وجوب المقدّمة مشروطٌ بقصد التوصّل إلى الواجب، بمعنى: أنَّ الآتي بالمقدّمة إذا قصد الإتيان بالواجب فتتّصف المقدّمة بالوجوب، وإلَّا فليست واجبة، وهو مختار صاحب المعالم(2).
والفرق بين مختار صاحب المعالم وبين ما ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ: أنَّ قصد التوصّل عند صاحب المعالم شرطٌ للوجوب، وعند الشيخ الأنصاري شرطٌ للواجب، فهي تجب سواءٌ أراد بها التوصّل إلى الواجب أم لا، إلَّا أنَّ المقدّمة التي لم يقصد بها التوصّل إلى الواجب ليست مصداقاً للواجب، أي: إنَّ متعلّق الوجوب حصّةٌ خاصّةٌ من المقدّمة، وهي التي قصد بها التوصّل إلى الواجب، فالتقييد مشتركٌ فيه بين الشيخ وصاحب المعالم، إلَّا أنَّ التقييد عند صاحب المعالم قيدٌ للوجوب وعند الشيخ قيدٌ للواجب.
ــــــــــ[282]ــــــــــ
(1) الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 86، تنبيهات: الأوّل [أنَّ مقدمة الواجب لا تتّصف بالوجوب والمطلوبيّة من حيث كونها مقدّمة].
(2) انظر: ابن الشهيد الثاني، معالم الدين: 71، (فحجّة القول بوجوب المقدّمة على تقدير تسليمها إنَّما ينهض دليلاً على الوجوب في حال كون المكلّف مريداً للفعل المتوقّف عليه).
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أمّا ما أفاده صاحب المعالم فهو واضح الدفع؛ ذلك أنّا لو فرضنا أنَّه أتى بالمقدّمة ولم يقصد بها التوصّل إلى الواجب، كما يتّفق كثيراً لمن يتوضّأ لينام، فإذا فرضنا أنَّه غير قاصدٍ للتوصّل به إلى الواجب، فحينئذٍ إمّا أن يكون وجوب الواجب النفسيّ أيضاً مقيّداً بهذا القصد أو ليس بمقيّدٍ، فإذا كان مقيّداً فهو يعني: أن يكون وجوب الشيء منوطاً باختيار المكلّف، فمتى ما أراد الإتيان بالواجب كان واجباً ومتى لم يرد لم يكن، وهذا غير معقولٍ وينافي كون الشيء واجباً، فإنَّ الواجب النفسيّ واجبٌ على الإطلاق سواءٌ أراد الإتيان به أم لم يرد، فلا يمكن أن يُقال أنَّ وجوب الواجب النفسيّ مشروطٌ بإرادة الإتيان به.
وإذا لم يُرد كان وجوب الواجب النفسيّ على حاله، مع أنَّ مقدّمته في هذا الحال غير متّصفةٍ بالوجوب على مسلك صاحب المعالم، وهذا منافٍ للملازمة العقليّة القائلة: متى ما وجب شيءٌ وجبت مقدّمته.
بعبارة أخرى: تارةً ننكر أصل الملازمة في نظر العقل، فهذا أمرٌ ممكنٌ في نفسه ونلتزم به، إلَّا أنَّه خلاف المفروض في المقام؛ فإنَّ المفروض هو وجوب المقدّمة عقلاً، وأنَّه يستحيل انفكاك وجوبها عن وجوب ذيها، وبناءً عليه يستحيل أن يُفرض موردٌ يكون فيه الواجب النفسيّ متّصفاً بالوجوب من دون أن تجب
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
مقدّمته في هذا الحال؛ فهذا خلف الملازمة، وتسليمٌ بأنَّ الملازمة غير تامّة.
وإذا لم يرد المكلّف الإتيان بالواجب النفسي لم يسقط عنه الوجوب؛ لأنَّه لا يعقل أن يكون الوجوب منوطاً بإرادة المكلّف، مع أنَّ المقدّمة غير واجبةٍ بحسب الفرض. فتحصّل: أنَّ الانفكاك بين الوجوبين مع فرض الملازمة بينهما هنا خلفٌ، فما ذكره صاحب المعالم لا يمكن المساعدة عليه بناءً على ثبوت الملازمة، وهذا ظاهرٌ.
ــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ذكر الشيخ الأنصاريّ(1) أنَّ الوجوب فعليٌّ سواءٌ أراد التوصّل بها إلى الواجب أو لا، إلَّا أنَّ الواجب حصّةٌ خاصّةٌ من المقدّمة، وهي التي يُقصد بها التوصّل إلى الواجب. وهذا لا يلزم منه الانفكاك بين الوجوبين؛ فإنَّ المقدّمة واجبةٌ على كلّ حالٍ، والقيد راجعٌ إلى الواجب.
إلَّا أنَّ الكلام في الوقوع. فبناءً على وجوب المقدّمة: هل الواجب الغيريّ حصّةٌ خاصّةٌ من المقدّمة، أي: ما قصد بها التوصّل إلى الواجب؟ أم أنَّ الواجب هو طبيعيّ المقدّمة سواءٌ قصد التوصّل بها أو لم يقصد؟ هذا أمرٌ ممكنٌ بحسب عالم الثبوت. فيقع الكلام في مقام الإثبات.
ذكر صاحب الكفاية(2) أنَّه لا موجب لهذا التقييد، وهو لغوٌ محضٌ بلا موجبٍ ولا سببٍ؛ ذلك أنَّ ملاك حكم العقل بوجوب المقدّمة شرعاً من جهة الملازمة بينها وبين ذيها إنَّما هو توقّف الواجب على مقدّمته واستحالة تحقّقه في الخارج من دونها، وهذا مشتركٌ بين ما إذا قصد التوصّل بها إلى الواجب وبين
ــــــــــ[285]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه.
(2) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 114، دخل قصد التوصّل في تحقّق الامتثال.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ما إذا لم يقصد ذلك، فيكون أخذ القيد لغواً محضاً وبلا موجبٍ وسببٍ، لا بُدَّ من الالتزام بإطلاق متعلّق الوجوب في المقدّمة كإطلاقه في الواجب النفسيّ.
وربّما يُقال بأنَّ مقتضى أخذ قيد قصد التوصّل موجودٌ؛ لأنَّ الواجب إنَّما هو المقدّمة بعنوان كونه مقدّمةً، لا بُدَّ من قصد هذا العنوان؛ فإنَّ المتّصف بالوجوب هو هذا العنوان، فإذا لم يقصد التوصّل بها لا يقع المأتيّ به مصداقاً للواجب. وإن فرضنا أنَّ المقدّمة تحصل ويسقط الأمر إلَّا أنَّه ليس مصداقاً للواجب، كما هو الحال في غير المقام من الواجبات التوصّلية كتطهير اللباس والبدن، فلو أُتي بها لا بعنوان التعبّد به فإنَّ الوجوب يسقط ويحصل الغرض لا محالة إلَّا أنَّ الفعل لم يؤتَ به بما هو واجبٌ.
فالسقوط بهذه المقدّمة التي لم يقصد التوصّل بها إلى الواجب، وإن كان صحيحاً، فإنَّ الغرض إنَّما هو طهارة البدن واللباس وقد حصل في الخارج فلا أمرَ غيريّاً، إلَّا أنَّ المأتي به ليس مصداقاً للواجب؛ فإنَّ الواجب هو المقدّمة بما هي مقدّمةٌ، وهذا لم يؤتَ به في الخارج.
وقصد الشيء بما هو مقدّمةٌ عبارةٌ أُخرى عن قصد التوصّل به إلى الواجب، بأن يأتي بالمقدّمة لأجل الواجب، وإلَّا لم يأتِ بالمقدّمة، بل بذات الشيء.
فهذا القول مبنيٌّ على أنَّ ما لا يُقصد به التوصّل إلى الواجب من المقدّمات لا يكون مصداقاً للواجب، بلا فرقٍ بين المقدّمات التعبّديّة والتوصّليّة؛ فإنَّ كلّ مقدّمةٍ إذا لم يؤتَ بها بقصد التوصّل إلى الواجب فليست مقدّمةً له.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وأورد عليه(1): بأنَّ الوجوب لم يتعلّق بعنوان المقدّمة حتّى يلزم قصده، فإذا لم يؤتَ به بعنوان المقدّميّة لا يكون واجباً، بل العقل يحكم بالملازمة بين وجوب الشيء وبين وجوب واقع المقدّمة؛ فإنَّ واقع ما يتوقّف عليه الشيء واجب، أمّا مفهوم المقدّمة فلا يتوقّف عليه الواجب، بل ما يتوقّف عليه الواجب هو غسل الثوب والبدن، والمفروض: أنَّه قد قصد هذا العنوان، فكيف لا يكون قصداً للواجب؟!
نعم، المقدّميّة علّةٌ لوجوب الفعل وجهةٌ تعليليّة له، وفرقٌ بين الجهة التعليليّة وبين الجهة التقييديّة؛ فإنَّ ما يجب قصده هو العناوين التقييديّة، أمّا ما يكون علّةً لوجوب الشيء فلا يجب قصده، بلا فرقٍ في ذلك بين الواجبات التوصّليّة وبين الواجبات التعبّديّة.
لا بُدَّ من قصد عنوان الزكاة وعنوان الصلاة، إلَّا أنَّ الأمر الذي أوجب وجوب الصلاة ودعا المولى إلى تشريعها، جهةٌ تعليليّةٌ لا يجب قصدها، بل هو أمرٌ مغفولٌ عنه عند أكثر الناس.
وإذا كانت الجهة التعليليّة غير واجبةِ القصد، فكذلك عنوان المقدّمة لأنَّها جهةٌ تعليليّةٌ؛ فإنَّ متعلّق الطلب الغيريّ إنَّما هو واقع المقدّمة لا عنوانها، أي: ما هو مقدّمةٌ بالحمل الشايع، دون ما هو مقدّمةٌ بالحمل الأوّليّ.
ــــــــــ[287]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 115، مقدّمة الواجب، الأمر الرابع: تبعية المقدّمة لذيها في الإطلاق والاشتراك، والنائيني، فوائد الأصول 1: 288، القول في مقدّمة الواجب، ينبغي التنبيه على أمور، الأمر الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فلا يعتبر قصد التوصّل في اتّصاف المقدّمة بالوجوب؛ فإنَّ المقدّميّة جهةٌ تعليليّةٌ ولا حاجة إلى قصدها، والذي وجب بالوجوب الغيريّ إنَّما هو ذات المقدّمة.
اختار شيخنا المحقّق(1) ما اختاره الشيخ الأنصاريّ(2)، فاعتبر قيد قصد التوصّل إلى الواجب، فالواجب من المقدّمة هو حصّةٌ خاصّةٌ منها، وهي ما قُصد بها التوصّل إلى الواجب، وقرّب ذلك بمقدّمتين:
◙ المقدّمة الأولى: أنَّ الجهات التعليليّة مغايرةٌ للجهات التقييديّة في الواجبات الشرعيّة؛ فإنَّ متعلّق الوجوب أمرٌ، وسببه أمرٌ آخر؛ فإنَّ الوجوب المتعلّق بالصلاة متعلّقٌ بالتكبير والركوع والسجود، فهذه جهاتٌ تقييديّةٌ أُخذت في متعلّق الوجوب، ولكنّ سبب الوجوب غير متعلّق الوجوب.
أمّا في الأحكام العقليّة فالجهات التعليليّة عين الجهات التقييديّة؛ فكلّ ما يفرض جهةً تعليليّةً فهو جهةٌ تقييديّةٌ، وليس بينهما تمايزٌ، ولا فرق في ذلك بين الأحكام العقليّة النظريّة وبين الأحكام العقليّة العمليّة.
أمّا بالنسبة إلى الأحكام العقليّة النظريّة -كحكم العقل باستحالة اجتماع النقيضين أو الضدّين أو الدور أو التسلسل- فإذا حكم العقل باستحالة شيءٍ،
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) انظر: الأصفهاني، نهاية الدراية في شرح الكفاية (الطبعة الجديدة) 2: 133، في اعتبار قصد التوصّل في وجوب المقدّمة.
(2) تقدّم تخريجه مراراً.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كأن حكم باستحالة اجتماع الأمر والنهي في موردٍ واحدٍ؛ لأنَّه يستحيل اجتماع الضدّين؛ فإنَّ الأحكام الخمسة متضادّةٌ فيما بينها، فالذي حكم العقل باستحالته هو اجتماع الأمر والنهي في موردٍ واحدٍ ومتعلّقٍ واحدٍ وجهةٍ واحدةٍ، حيث لا يمكن أن يتعلّق الأمر بشيءٍ من جهة، وبعين تلك الجهة يتعلّق النهي؛ لأنَّ مرجعه إلى اجتماع الضدّين، فالعقل يحكم باستحالة هذا الشيء لأنَّه يستلزم اجتماع الضدّين.
فمتعلّق الحكم ابتداءً هو اجتماع الأمر والنهي، وسبب الاستحالة هو اجتماع الضدّين، ولكن في الحقيقة الجهة التعليليّة عين الجهة التقييديّة، فإنَّ حكم العقل في الحقيقة هو استحالة اجتماع الضدّين أينما تحقّق، وهذا ينطبق على اجتماع الأمر والنهي، فيقال: إنَّه محالٌ؛ لأنَّ اجتماع الضدّين محالٌ، فهو تطبيقٌ للكبرى على الصغرى، فليست الجهة التعليليّة مغايرةً للجهة التقييديّة بل إحدى الجهتين (وهي التقييديّة) صغرى للأُخرى حيث يُقال: اجتماع الضدّين محالٌ، واجتماع الحكمين اجتماعٌ للضدّين فهو محالٌ، فينتج بالشكل الأوّل: أنَّ هذا الأمر محالٌ.
فليس هنا جهةٌ تقييديّةٌ مغايرةٌ لجهةٍ تعليليّةٍ، بل الجهة التعليليّة هي بعينها الجهة التقييديّة، غاية الأمر: الفرق بينهما هو الفرق بين الصغرى والكبرى، وبين مقام التطبيق والقضيّة الحقيقيّة؛ فاستحالة اجتماع الضدّين هي القضيّة الحقيقيّة، واجتماع الأمر والنهي هو التطبيق، فليس هنا جهتان تقييديّةٌ وتعليليّةٌ، وهذا ظاهرٌ.
ــــــــــ[289]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والأمر كذلك بالنسبة إلى حكم العقل في أحكامه العمليّة، أي: حكمه بالحسن والقبح، وما ينبغي أن يُفعل وما ينبغي أن يُترك.
فالعقل يحكم بحسن ضرب اليتيم تأديباً؛ فإنَّه وإن كان اليتيم من طبعه أن يرقّ له الإنسان ويعامله معاملةً حسنةً في نفسها، لكن قد تقتضي المصلحة ضربه؛ لأنَّ عدم الضرب يترتّب عليه مفاسد في دينه أو أمور دنياه، فيحكم العقل بحسن هذا العمل، فيُقال: ضرب اليتيم تأديباً حسنٌ؛ لأنَّه إحسانٌ في حقّه وعدلٌ في مقام العمل. ففي الحقيقة يرجع حسن الضرب إلى حكم العقل بحسن الإحسان، لكن يحكم به لانطباق الكبرى عليه، لا أنَّ متعلّق الصغرى شيءٌ ومتعلّق الكبرى شيءٌ آخر؛ فإنَّ القضيّة التعليليّة -أي: لأنَّه عدلٌ وإحسانٌ- مفادُ (لأنَّه)، وما يقع بعد (لأنَّه) هو بعينه جهةٌ تقييديّةٌ، أي: الشيء الذي يحكم العقل بحسنه، فحكم العقل إنَّما تعلّق بتلك الجهة التعليليّة، وإنَّما يحكم بحسن الضرب لانطباق ذلك العنوان عليه خارجاً، فالمحكوم بالحسن إنَّما هو عنوان الإحسان والعدل، فينطبق على مورد الضرب فيكون حسناً، فالضرب حسنٌ بما أنَّه عدلٌ وإحسانٌ، فالجهة التعليليّة عين الجهة التقييديّة.
هذه هي المقدّمة الأولى التي ذكرها شيخنا المحقّق.
وهي ممّا لا ينبغي الشكّ فيه، والأمر كما ذكر، فليست الجهات التعليليّة مغايرةً للجهات التقييديّة في نظر العقل، بل هي من باب تطبيق الكبرى على الصغرى ليس غير، من دون فرقٍ بين الأحكام العقليّة النظريّة والأحكام العقليّة العمليّة.
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
◙ المقدّمة الثانية: أنَّ متعلّق التكليف -سواءٌ كان الواجب غيريّاً أم نفسيّاً- لا بُدَّ من أن يكون هو الحصّة الاختياريّة. أمّا ما يكون خارجاً عن قصد المكلّف واختياره فلا يتّصف بالوجوب، وإن كان قد يسقط به الغرض، كما لو كان الوجوب توصّليّاً، من باب سقوطه بسقوط غرضه، لا من باب الإتيان بالمأمور به.
وهذا مبنيٌّ على ما هو المعروف من أنَّ القدرة شرطٌ في التكليف. إذن فما يكون مقصوداً للفاعل عند الإتيان به يكون مصداقاً للواجب، وما يتحقّق من دون قصدٍ واختيارٍ لا يكون مصداقاً للواجب وإن سقط به الغرض.
واستنتج من هاتين المقدّمتين: أنَّ الواجب هو المقدّمة بما هي مقدّمةٌ لا ذات المقدّمة، والمقدّمية حيثيّةٌ تعليليّةٌ؛ ذلك أنَّ المقدّميّة إنَّما هي بحكم العقل، فإذا حكم العقل أنَّه مقدّمةٌ، يرجع إلى أنَّه حكم بعنوان المقدّمة، فإنَّه إنَّما يحكم بوجوب الفعل الخارجيّ من باب تطبيق الصغرى على الكبرى، فالواجب إنَّما هو عنوان المقدّمة، والفعل الخارجيّ إنَّما هو من باب تطبيق الكبرى على الصغرى.
فمقتضى المقدّمة الأولى: الواجب هو عنوان المقدّمة لا ذات المقدّمة، أي: اعتبار قصد التوصّل إلى الواجب في اتّصاف المقدّمة بالوجوب؛ باعتبار أنَّ العقل يحكم بوجوب المقدّمة بما هي مقدّمة، فعنوان المقدّميّة هو الذي تعلّق به حكم العقل، لأنّا قلنا: بأنَّ الجهة التعليليّة عين الجهة التقييديّة، فذات المقدّمة تتّصف بالوجوب بعنوان أنَّها مقدّمةٌ، فالعنوان دخيلٌ في متعلّق الوجوب.
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وبمقتضى المقدّمة الثانية: إذا لم يأت بالمقدّمة بعنوان المقدّمة، فعنوان الواجب لم يتحقّق في الخارج عن قصدٍ واختيارٍ حينئذٍ، لأنَّ التكليف لم يتعلّق بذات الفعل، بل تعلّق بعنوان المقدّمة. فإذا أتى به من دون عنوان المقدّمة، فقد صدر في الخارج بغير إرادةٍ، فلا يكون متعلّقاً للوجوب؛ لأنَّه صدر بغير إرادة المكلّف واختياره، وإن ترتّب عليه الواجب بعد ذلك، إلَّا أنَّ عنوان المقدّميّة لم يكن مقصوداً ولم يصدر عن المكلّف باختياره، فلا يكون متعلّقاً للتكليف؛ لأنَّ متعلّق التكليف هو الحصّة الاختياريّة لا محالة، وهذه وجدت بغير اختيارٍ.
بعبارة أُخرى: يثبت بمقتضى المقدّمة الثانية أنَّه لا بُدَّ من قصد العنوان، فلو أوجده المكلّف بغير قصدٍ، فلا يكون متّصفاً بالوجوب؛ إذ لم يصدر بالاختيار، وإن تعلّق القصد بذات الفعل.
إذن، لا بُدَّ من اتّصاف المقدّمة بالوجوب من قصد عنوان المقدّمة.
ويستنتج من ذلك: أنَّه إذا قصد المقدّمة بما هي مقدّمةٌ سقط الوجوب وكان مصداقاً للواجب، وإذا لم يأتِ بها بهذا العنوان وبقصد التوصّل لا يكون مصداقاً للواجب؛ لأنَّ الواجب هو عنوان المقدّمة وهو لم يقصد، فلا يكون مصداقاً للواجب.
ولكنّ كلّاً من المقدّمتين موردٌ للمناقشة.
◙ أمّا المقدّمة الأولى؛ ففيها خلطٌ بين الأحكام العقليّة وبين الأحكام الشرعية المستكشفة عن طريق العقل. ففي الأحكام العقليّة نسلّم بأنَّ الجهة
ــــــــــ[292]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
التعليليّة عين الجهة التقييديّة؛ فإنَّه إذا حكم العقل باستحالة شيءٍ لاستحالة اجتماع النقيضين، فمرجع ذلك إلى حكمه باستحالة اجتماع النقيضين وباعتبار كون المورد مصداقاً له، وإلَّا فإنَّ حكمه ثابتٌ للكلّيّ بنحو القضيّة الحقيقيّة.
وكذلك الحال في حكم العقل العمليّ بحسن شيء لأنَّه عدلٌ؛ فإنَّه يرجع إلى حكمه بحسن العدل وباعتبار انطباق عنوان العدل عليه.
ولكنّ المقام ليس كذلك؛ فإنَّ النزاع في وجوب المقدّمة نزاعٌ في وجوبها شرعاً، غاية الأمر: أنَّ الكاشف عنه هو حكم العقل بالملازمة بين الوجوبين، فليس هذا حكماً عقليّاً نظريّاً ولا عمليّاً، وإنَّما هو حكمٌ شرعيٌّ أدركه العقل؛ لاستحالة الانفكاك بينهما، والحكم الشرعيّ لم يتعلّق بعنوان المقدّمة، بل تعلّق بذات ما يتوقّف عليه الواجب في الخارج، والتوقّف علّةٌ للوجوب، وقد سلّم أنَّ الجهة التعليليّة في الأحكام الشرعيّة مغايرةٌ للجهة التقييديّة؛ فإنَّ علّة الحكم مغايرةٌ لمتعلّقه.
◙ وأمّا المقدّمة الثانية؛ فهي موردٌ للمناقشة ولو سلّمنا المقدّمة الأولى.
بيان ذلك: أنَّ القدرة وإن كانت معتبرةً في متعلّق الأمر لا محالة؛ لاستحالة التكليف بما لا يطاق، إلَّا أنَّ طبيعيّاً واحداً إذا كان له فردان أحدهما مقدورٌ والآخر غير مقدورٍ، يعني: أحدهما يصدر بإرادةٍ واختيارٍ والآخر يصدر من دون إرادٍة واختيارٍ، إلَّا أنَّه مصداقٌ لهذا الفعل، فهنا لا ملزم لتخصيص الوجوب بالحصّة المقدورة، بل الحصتان سيّان من هذه الجهة؛ فإنَّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدورٌ لا محالة.
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فلا مانع من تعلّق البعث بالجامع من دون خصوصيّة الحصّة؛ فإنَّ الجامع مقدورٌ، ويستكشف بذلك: أنَّ الملاك قائمٌ بالجامع بين ما يصدر بالإرادة وما يصدر بغيرها.
فلو وجد الجامع بغير إرادةٍ واختيارٍ -أي: بالحصّة غير الاختياريّة- فإنَّه وإن لم يستحقّ المكلّف عليه ثواباً؛ إذ لم يقصد في الإتيان به إضافته إلى المولى، بل لم يقصده أصلاً، بل وجد قهراً، فإنَّه مع ذلك يكون مصداقاً للواجب؛ فإنَّ الطبيعيّ ينطبق عليه.
وما لا يمكن هو فيما إذا كان الطبيعيّ بجميع أفراده غير مقدورٍ، فيمتنع التكليف به؛ لأنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، أمّا إذا كان التكليف متعلّقاً بطبيعيٍّ جامعٍ بين ما يصدر بإرادةٍ واختيارٍ وبين غيره، فتخصيص التكليف بخصوص الحصّة المقدورة يحتاج إلى دليل، وليس المانع إلَّا حكم العقل بقبح تكليف العاجز، وهو لا يتحقّق إذا كان الجامع مقدوراً.
فلو فرضنا أنَّ وجوب المقدّمة كان وجوباً عقليّاً وكان ثابتاً لعنوان المقدّمة، أو أنَّه وجوبٌ شرعيٌّ وكان متعلّقاً بعنوان المقدّمة، فإذا وجدت المقدّمة في الخارج يوجد العنوان لا محالة؛ فإنَّه وإن لم يقصد العنوان بل قصد ذات المقدّمة من غير قصدٍ للعنوان ومن دون قصد التوصّل به إلى الواجب، إلَّا أنَّ المقدّميّة تحقّقت في الخارج قهراً. فإذا فرضنا أنَّ الواجب كان هو الجامع بين المقدور وغير المقدور وهو جامعٌ للملاك فلا موجب لتخصيص الوجوب بالحصّة المقدورة، بل إذا أتى بغير المقدور فأيضاً يمتثل التكليف ويسقط الواجب في الخارج من جهة الإتيان بمتعلّق التكليف، وإن كان المكلّف لا يستحقّ عليه ثواباً.
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذن، فلا وجه لتخصيص الوجوب الغيريّ بالمقدّمة التي قصد بها التوصّل إلى الواجب كما ذكر الشيخ.
ثُمَّ إنَّ هنا احتمالين آخرين في كلام الشيخ.
أن يكون مراد الشيخ من اعتبار قصد التوصّل، اعتباره في حصول الامتثال والإتيان بالمقدّمة مصداقاً للإطاعة والامتثال لا للوجوب، كما ذكره شيخنا الأستاذ(1) ناسباً إيّاه إلى مقرّر البحث.
فمقصوده: أنَّه لا يتحقّق بها الامتثال وقصد الطاعة، لا أنَّ المقدّمة إذا وجدت دون قصد التوصّل فلا تكون مصداقاً للواجب. إذا أراد ذلك فهو صحيحٌ ومتينٌ؛ فإنَّ الفعل إذا لم يؤتَ به قصداً للتوصّل إلى الواجب أو المستحبّ، أي: إلى مطلوب المولى -والمفروض أنَّه لا محبوبيّة له في نفسه- أو لم يقصد به التوصّل، كما في الطهارات الثلاث، ولم يقع الفعل مضافاً إلى المولى، فكيف يستحقّ عليه المكلّف الثواب؟ وكيف يكون جرياً على مقتضى الطاعة والعبوديّة والامتثال؟
وعليه، يصبح النزاع لفظيّاً، أي: إنَّ المنكر يدّعي أنَّ قصد التوصّل غير
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) النائيني، أجود التقريرات 1: 234، الثاني: لا ريب في أنَّ مقدّمة الواجب الفعلي إذا كانت محرّمة و انحصر التوصّل إلى الواجب بها فهي لا تبقى على حرمتها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
دخيلٍ في الوجوب، والمثبت يدّعي دخله في تحقّق الإطاعة والثواب.
أن يكون مراد الشيخ من اعتبار قصد التوصّل في اتّصاف المقدّمة بالوجوب اعتباره في مقام المزاحمة لأمرٍ آخر تحريميّ، كما لو فرضنا أنَّ المقدّمة كانت محرّمةً في نفسها، ولكنّها وقعت مقدّمةً لواجبٍ أهمّ. كما لو توقّف إنقاذ حريقٍ على التصرّف بماء الغير لإطفائه، أو التصرّف بأرض الغير من دون إذنه، فهذه المقدّمة في نفسها محرّمةٌ، لكنّ الحرمة ارتفعت؛ لتوقّف إنجاء المؤمن من الهلاك عليها، وتتّصف بالوجوب لا محالة، فيقع الفعل واجباً وتسقط حرمته النفسيّة، مع قطع النظر عن مقدّميّته.
بعبارةٍ أخرى: لو أتى بالمقدّمة المحرّمة في نفسها، فتصرّف فيما لا يرضى صاحبه بالتصرّف فيه، وكان قصده أن يتوصّل به إلى الواجب، فلا إشكال أنَّ حرمته تسقط ولا يعاقب عليه، وأمّا إذا لم يكن قاصداً لذلك بأن دخل الأرض المغصوبة لا بقصد إنجاء المؤمن كان حراماً؛ لأنَّه لم يقع على صفة الوجوب.
فلعلّ مراد الشيخ باعتبار قصد التوصّل في الاتّصاف بالوجوب، اعتباره في فرض المزاحمة بين واجبٍ أهمّ وبين ما إذا كانت المقدّمة محرّمةً.
ولكنَّ الصحيح في المقام: أن يُقال: قد نلاحظ المزاحمة بين حرمة المقدّمة ووجوب الواجب الذي يتوقّف عليها، وليس هذا من باب التعارض في شيء؛
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لتغاير الموضوع؛ فإنَّ متعلّق الوجوب غير متعلّق الحرام، وليس بينهما تنافٍ في مقام الجعل، أي: ليس هناك أيّ تنافٍ -في مقام الجعل- بين أن يكون الإنجاء واجباً وبين أن يكون التصرّف في مال الغير من دون إذنه حراماً.
إلَّا أنَّه قد يفرض أنَّ المكلّف لا يتمكّن من امتثال كلا الحكمين، أي: لا يمكنه أن يوجد الواجب وأن يترك الحرام؛ حيث توقّف الواجب على المحرّم في نفسه، فلا تنافي بين دليل الواجب ودليل المحرّم في مقام الجعل ولا تعارض؛ فليسا من قبيل اجتماع الضدّين ولا من قبيل اجتماع النقيضين.
ولكنّ الفرض: أنَّ المكلّف لا يقدر على امتثالهما؛ فالقصور في مرحلة الامتثال دون مرحلة الجعل، وهذا هو ملاك التزاحم.
فإذا كان الباب هو باب التزاحم، لا بُدَّ من رعاية الأهمّ والمهمّ، وحيث إنَّ إنجاء النفس المحترمة أهمّ من التصرّف في مال الغير بغير إذنه، لا بُدَّ من تقديم الوجوب، فإذا قدّم الوجوب لا بُدَّ من الالتزام بسقوط الحرمة.
لكن إلى أيِّ حدٍّ نلتزم بسقوط الحرمة؟ فهل نلتزم بسقوطها على الإطلاق، فلا يؤثم إذا دخل الأرض المغصوبة متنزّهاً ولم يترتّب عليه الإنجاء بحسب الخارج؟ أم نرفع اليد عن الحرمة بمقدار التزاحم، بالمقدار الذي لا يمكن الجمع بين الوجوب والتحريم؟
الصحيح هو الثاني؛ لأنَّ سقوط التحريم إنَّما هو بحكم العقل؛ فالتكليف بما لا يطاق غير ممكن. فنرفع اليد عن الحرمة بحكم العقل عمّا يقع مقدّمة حقيقةً إلى الواجب، أي: ما يقع في سلسلة علل الواجب، فإن دخل الدار
ــــــــــ[297]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وترتّب عليه الإنجاء لا بُدَّ من الالتزام بإباحة هذا المقدار، أي: لا بُدَّ من الالتزام بسقوط الحرمة عن المقدّمة الموصلة التي يترتّب عليها الواجب.
أمّا غير ذلك من المقدّمات التي لا يترتّب عليها الإنجاء في الخارج، فسواءٌ قصد بها التوصّل أم لم يقصد، فإنَّه لا موجب لرفع اليد عن حرمتها؛ فإنَّ المقدّمة في نفسها حرامٌ، والذي لا يمكن الالتزام به هو بقاء الحرمة في المقدّمة الموصلة، أمّا سائر المقدّمات التي لا يترتّب عليها الواجب، فلاّ تنافيَ بين حرمتها وبين وجوب الواجب، وليس ذلك من التكليف بما لا يطاق.
بعبارة أخرى: إنَّ رفع اليد عن حرمة المقدّمة إنَّما هو من جهة اعتبار القدرة في التكليف؛ لأنَّ التكليف بما لا يطاق غير معقولٍ، لا بُدَّ من رفع اليد عن الحرمة بما لا يلزم منه ذلك، ولا بدَّ من الاقتصار على ذلك، فنرفع اليد عن خصوص المقدّمة التي يترتّب عليها الواجب. أمّا ما ينفكّ عنها الواجب فلا موجب لرفع اليد عن حرمتها.
إذن، فلا وجه لقصد التوصّل في المقدّمة، بأن يُقال: إنَّ ما قصد به التوصّل يقع مباحاً؛ فإنَّ قَصْدَ التوصّل أجنبيٌّ عن التكليف بما لا يطاق وعدمه.
بقي شيءٌ، وهو: أنَّه إذا قصد إنجاء المؤمن، ولكنّه لم يترتّب عليه الواجب لمانعٍ خارجيٍّ، كما إذا غرق المؤمن قبل أن يصل إليه، فهو لا يعاقب؛ لأنَّه جاهلٌ بالحرمة، لا لأنَّ هذه المقدّمة مباحةٌ؛ إذ المفروض أنَّه محرّمٌ؛ إذ لم يترتّب عليه الواجب؛ لأنَّه لا موجب لرفع اليد عن حرمة المقدّمة غير الموصلة، إلَّا أنَّ المكلّف لم يكن عالماً بحرمته، بل كان يتخيّل أن يترتّب عليه الإنجاء، فقد
ــــــــــ[298]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ارتكب المقدّمة المحرّمة برجاء امتثال الواجب، فلا موجب لسقوط الحرمة الواقعيّة، بل تبقى على حالها، غاية الأمر: يُعذر المكلّف.
فالمزاحمة باقيةٌ ولو أنكرنا وجوب المقدّمة، والمكلّف لا يتمكّن من الإتيان بالواجب وترك الحرام، بل لا بُدَّ من رفع اليد عن الحرمة بمقدارٍ يتمكّن من الامتثال، فباب التزاحم أجنبيٌّ عن القول بوجوب المقدّمة.
أمّا إذا قلنا بوجوب المقدّمة شرعاً فهو يدخل في باب التعارض لا في باب التزاحم؛ فإنَّ الفعل الواحد لا يمكن أن يتعلّق به الوجوب والحرمة في آنٍ واحدٍ، لا لأنَّه تكليف بما لا يطاق، بل لأنَّ التكليف بنفسه محالٌ، سواءٌ كان الوجوب نفسيّاً والحرمة غيريّة أم بالعكس، أم كانا نفسيّين أم غيريّين. فالبعث والزجر لا يجتمعان في موردٍ واحدٍ، والفعل الواحد لا يمكن أن يتعلّق به الإيجاب والتحريم معاً.
وقد ذكرنا: أنَّ عنوان المقدّميّة من الجهات التعليليّة لا الجهات التقييديّة، فهو لا يبتني على استحالة اجتماع الأمر والنهي وإمكانه، بل لا يمكن اجتماع الوجوب والحرمة في المقدّمة ولو قلنا بإمكانه؛ لاستحالة مثل هذا التكليف في نفسه. فإنَّنا إذا قلنا إنَّ المقدّمة واجبةٌ وقد فرضنا أنَّها محرّمةٌ فكيف يجتمعان؟
فعلى القول بوجوب المقدّمة -بالإضافة إلى التزاحم- يقع تعارضٌ بين جعل الوجوب والحرمة؛ لأنَّه من اجتماع الضدّين وهو بنفسه محالٌ، إذن لا بُدَّ من رفع اليد عن أحدهما.
ويختلف الحال باعتبار التعارض في المقام، فإذا اعتبر قصد التوصّل في
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
اتّصاف المقدّمة بالوجوب، فيصحّ أن يُقال: إنَّه في مقام التعارض؛ حيث إنَّ الواجب أهمّ فتسقط الحرمة عن المقدّمة التي قصد بها التوصّل إلى الواجب، فلا تتّصف هذه المقدّمة بالحرمة بحسب الواقع، فضلاً عن رتبة الظاهر، سواءٌ هل ترتّب الواجب عليها في الخارج أو لا؛ فإنَّه لا بُدَّ من رفع اليد عن التحريم بمقدار الواجب، وقد فرضنا أنَّ الواجب هو المقدّمة المقصود بها التوصّل إلى الواجب، فيرفع اليد عن الحرمة بمقدارها.
وإذا قلنا بمقالة صاحب الفصول(1) وهي: أنَّ الواجب من المقدّمة هو المقدّمة الموصلة دون غيرها، فنرفع اليد عن الحرمة في المقدّمة الموصلة خاصّة، بعين البيان المتقدّم، أي: بما أنَّ الوجوب والحرمة لا يجتمعان في موردٍ واحدٍ، فإذا كانت المقدّمة الموصلة متّصفةً بالوجوب فعلاً لا بُدَّ من أن لا تكون حراماً؛ لاستحالة اجتماع الحرمة والوجوب في موردٍ واحدٍ، فنرفع اليد عن الحرمة في المقدّمة الموصلة خاصّة.
وعليه، تكون النتيجة نتيجة التزاحم.
وأما إذا قلنا بمقالة صاحب الكفاية(2)، من أنَّ جميع المقدّمات تتّصف بالوجوب، سواء في ذلك الموصلة منها وغير الموصلة، وسواءٌ قصد بها التوصّل أو لم يقصد. فلو دخل الأرض المغصوبة من دون قصد الإنقاذ ولم يترتب عليه
ــــــــــ[300]ــــــــــ
(1) انظر: الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 86، تنبيهات: الأوّل: [أنَّ مقدّمة الواجب لا تتّصف بالوجوب والمطلوبيّة من حيث كونها مقدّمة إلَّا إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة].
(2) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 114، دخل قصد التوصّل في تحقّق الامتثال.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الواجب بحسب الخارج، فقد أتى بفعل مباح لأنه واجب والواجب لا يكون حراماً.
فتارةً: يقع الكلام في التزاحم بين الوجوب والحرمة، وأخرى: يقع في تعارضهما وتنافيهما في أنفسهما.
أما من جهة المزاحمة فسواء قلنا بوجوب المقدّمة أم لم نقل، فالمزاحمة موجودة، والمكلّف لا يتمكّن من كلا التكليفين، ولا موجب لرفع اليد عن الحرمة إلَّا بالمقدار الذي يرفع العجز عن المكلّف، وهو المقدّمة الموصلة دون غيرها.
وأما لو قلنا بوجوب المقدّمة فيدخل المقام في باب التعارض، دون باب التزاحم، فلو قلنا بمقالة الشيخ(1) -لو صحّت النسبة إليه- من اعتبار قصد التوصّل في اتّصاف المقدّمة بالوجوب، لا بُدَّ من رفع اليد عن حرمتها، سواءٌ هل ترتّب الواجب عليها في الخارج أو لم يترتّب.
وأمّا على قول صاحب الفصول(2)، من اعتبار الإيصال الخارجي في اتّصاف المقدّمة بالوجوب، فإنّنا نرفع اليد عن الحرمة بهذا المقدار، أي: أنَّ قول صاحب الفصول والقول بعدم وجوب المقدمة شرعاً في النتيجة سيّان، من جهة رفع اليد عن حرمة المقدمة الموصلة.
وأمّا على قول صاحب الكفاية(3)؛ لا بُدَّ من الالتزام برفع الحرمة عن
ــــــــــ[301]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار: 72، و: 75- 76.
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الأرض المغصوبة، بلا فرق في ذلك بين قصد التوصّل بها إلى الواجب وعدمه، ولا بين ترتّبه عليها في الخارج وعدمه؛ إذ الوجوب والحرمة لا يجتمعان في مورد واحد، فإذا قلنا بوجوب المقدمة شرعاً لا بُدَّ من القول بارتفاع الحرمة؛ لاستحالة الجمع بينهما.
بعبارة أخرى: إنّ سقوط المقدّمة يختلف باختلاف الأقوال:
فالنتيجة على القول بالمزاحمة -ولو على القول بعدم وجوب مقدّمة الواجب- ونتيجة المعارضة شيءٌ واحد، وهو: أنّ الحرمة تسقط عن خصوص الموصلة من المقدّمات، وغيرها يبقى على حرمته.
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وترتفع عنها الحرمة، وأمّا المقدّمة التي لم يقصد بها التوصّل فهي حرام، سواء هل ترتّب عليها الواجب أو لم يترتّب.
فعلى كلام الشيخ تختلف نتيجة التعارض عن نتيجة التزاحم.
وعلى ذلك، يجوز الدخول في الأرض المغصوبة بقصد التنزّه وإن لم يترتّب عليه الإنقاذ بحسب الخارج.
وهذه ثمرة مهمّةٌ تترتّب على القول بوجوب مقدّمة الواجب -على هذا التفصيل، أي: التفصيل بين أن يكون الواجب خصوص المقدّمة الموصلة، أو ما قصد بها التوصّل إلى الواجب- وبين إنكار وجوبها رأساً.
وقد ذُكر هنا ثمرتان -غير الثمرة المتقدّمة- لما ذهب إليه الشيخ من اعتبار قصد التوصّل في اتّصاف المقدّمة بالوجوب.
◙ الثمرة الأولى: أنَّه إذا كان المكلّف عالماً بالتكليف، ولكن دار أمره بين أطرافٍ متعدّدةٍ، ولم يكن المكلّف به معلوماً يقيناً، كما لو علم بالقبلة بين أطرافٍ
ــــــــــ[303]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أو ثوبٍ طاهرٍ بين أثوابٍ؛ ففي هذه الموارد من العلم الإجماليّ ذكر -في مقام بيان الثمرة-: أنَّه لو أراد أن يأتي بواحدٍ أو أكثر من الأطراف، لا تمام الأطراف، فلا يعلم بالامتثال اليقيني، كما لو بنى على أن يصلّي إلى جهةٍ أو جهتين دون باقي الجهات، أو يصلّي بثوبٍ أو ثوبين دون باقي الثياب.
ففي مثله: لو صلّى إلى جهةٍ واحدةٍ أو في ثوبٍ واحدٍ ولم يقصد التوصّل به إلى الواجب، أي: لم يرد الإتيان بتمام الأفراد ليتحقّق الواجب يقيناً، ثُمَّ انكشف أنَّ ما أتى به كان موافقاً للواقع وأنَّ الثوب طاهرٌ والجهة قبلة، فإنَّه يحكم ببطلان صلاته، ولا بدَّ له من الإعادة(1).
ذلك أنَّ الواجب من المقدّمة هو خصوص ما يقصد بها التوصّل إلى الواجب، وعلى فرض أنَّه لم يقصد التوصّل بها إليه، فلم يقع عمله على صفة الوجوب، فيحكم ببطلانه، لا بُدَّ من الإعادة بأن يصلّي إلى نفس الجهة أو في نفس الثوب مرّةً ثانيةً.
ولكنّ شيخنا الأستاذ استبعد جدّاً أن تكون هذه الثمرة من الشيخ وإن كانت موجودةً في تقريراته، وكان يُظهر الاطمئنان أنَّه من المقرِّر لا من الشيخ(2).
ــــــــــ[304]ــــــــــ
(1) الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 354، هداية [عدم توقّف وجوب الواجب الغيري على إرادة الغير].
(2) النائيني، أجود التقريرات 1: 234، الثاني: لا ريب في أنَّ مقدّمة الواجب الفعلي إذا كانت محرّمة وانحصر التوصّل إلى الواجب بها فهي لا تبقى على حرمتها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والظاهر أنَّ الأمر كما ذكره؛ إذ يستبعد أن يذكر الشيخ هذه ثمرةً لاعتبار قصد التوصّل في اتّصاف المقدّمة بالوجوب.
والوجه في ذلك: أنَّ كلامنا إنَّما هو في توقّف شيءٍ على شيءٍ آخر، كما ذكرنا في أوّل البحث. أمّا المقدّمات العلميّة فهي خارجةٌ عن محلّ الكلام، والمثال المذكور من المقدّمات العلميّة، لا من مقدّمة الواجب، بمعنى: أنَّه لو لم يكرّر الصلاة لا يحرز أنَّه أتى بالواجب، فأخْذُ قصد التوصّل في اتّصاف مقدّمة الواجب بالوجوب، أجنبيٌّ عن أخذه في المقدّمة العلميّة؛ فإنَّ مقدّمة الواجب من باب، والمقدّمة العلميّة من بابٍ آخر.
بعبارة واضحة: إنَّه في المقدّمات العلميّة أمر كلّ طرفٍ دائرٌ بين الوجوب وعدمه، فإنَّه إمّا أن تكون هذه الجهة هي القبلة فهو نفس الواجب لا مقدّمةٌ له، وإن كانت غير القبلة فهي أجنبيّةٌ عن الواجب بالكلّيّة، لا نفس الواجب ولا مقدّمةٌ له، وإنَّما الإتيان بالأطراف مقدّمةً للعلم بالإتيان بالواجب، فأين هذا من وجوب مقدّمة الواجب وتوقّفها عليه شرعاً؟! إذن فلا يترتّب على اعتبار قصد التوصّل في مقدّمة الواجب البطلان في تلك المسألة.
نعم، هناك مسألةٌ أُخرى ذكرها الشيخ في الرسائل(1)، وهي: أنَّ الإطاعة متوقّفةٌ على أن يأتي المكلّف بالواجب على وجهٍ عباديٍّ، وبهذا يفترق الواجب العبادي عن غيره. ولا إشكال في أنَّ العباديّة تتحقّق بالإتيان بالعمل رجاءً ولاحتمال المحبوبيّة، ولكنّ الكلام في أنَّ عباديّة الشيء عند الإتيان به رجاءً هل
ــــــــــ[305]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، فرائد الأصول 2: 508، خاتمة فيما يعتبر في العمل بالأصل.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
هي في عرض الإطاعة التفصيليّة، بحيث تصحّ ولو كان يمكنه الإطاعة اليقينيّة التفصيليّة أو الإجماليّة، أو أنَّها في طول ذلك؟ أي: إنَّ من كان متمكّناً من الامتثال اليقينيّ وإن كان على نحوٍ إجماليٍّ، فلا يقع الامتثال الاحتماليّ عبادةً منه على تقدير مصادفته للواقع.
فإنَّه على القول بأنَّ الامتثال الاحتماليّ في نظر العقل في عرض الامتثال اليقينيّ التفصيليّ أو الإجماليّ: عمله صحيح؛ لأنَّه إذا أتى به من جهة احتمال المحبوبيّة لاحتمال أن تكون هذه الجهة قبلةً، تصحّ الصلاة؛ لأنَّه أتى بذات الصلاة في الخارج على الفرض، وتحقّق قصد القربة؛ فإنَّ احتمال المحبوبيّة من الدواعي القربيّة على الفرض. فالفعل صحيحٌ ولا تجب الإعادة.
وعلى القول بأنَّ الامتثال الاحتماليّ من وجوه القربيّة، إلَّا أنَّه في طول الامتثال اليقينيّ التفصيليّ أو الإجماليّ، ومع التمكّن من الامتثال اليقينيّ لا يكتفي العقل بالامتثال الاحتماليّ، فلا يكون الامتثال الاحتماليّ من وجوه القربيّة، وقد فرضنا أنَّ المكلّف بنى على عدم الإتيان بتمام الأطراف، أو أنَّه غير بانٍ على الإتيان بها، فلا يقع العمل قربيّاً؛ لأنَّه امتثالٌ احتماليٌّ وهو في طول الامتثال اليقينيّ، فيحكم بفساده؛ لعدم وقوعه على وجهٍ عباديٍّ.
وهذا بحثٌ آخر، وله محلٌّ آخر أجنبيٌّ عن محلّ بحثنا.
فظهر أنَّه على كلا القولين، من اعتبار قصد التوصّل في اتّصاف المقدّمة بالوجوب وعدمه، لا مانع من الحكم بصحّة هذا العمل، أي: الإتيان بطرفٍ واحدٍ من أطراف العلم الإجماليّ، ولا حاجة إلى الإعادة، إلَّا على القول بأنَّ
ــــــــــ[306]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الامتثال الاحتماليّ في طول الامتثال اليقينيّ، لا بُدَّ من الإعادة أيضاً على كلا القولين.
◙ الثمرة الثانية: ذكر صاحب التقريرات(1) أنَّه إذا توضّأ لغايةٍ خاصّةٍ، كقراءة القرآن أو صلاة النافلة أو غيرها ممّا يعتبر أو يستحبّ فيه الطهارة، فهل يصحّ أن يصلّي بهذا الوضوء الفريضة أو لا بُدَّ له من وضوء آخر؟
بنى صاحب التقريرات على قصد التوصّل، فإذا لم نعتبره في اتّصاف المقدّمة بالوجوب، فالمقدّمة التي أتى بها لغايةٍ خاصّةٍ -كقراءة القرآن- مقدّمةٌ للواجب ومتّصفةٌ بالوجوب، فلا حاجة إلى الإعادة؛ لأنَّ المقدّمة هي الوضوء العباديّ وقد وُجدت.
وأمّا على اعتبار قصد التوصّل فإنَّه قد استشكل في ذلك لأنَّه لم يأتِ بالوضوء بعنوان المقدّمية ولم يقصد به التوصّل إلى الواجب، فلم يسقط الوجوب الغيريّ، لا بُدَّ من إعادة الوضوء.
ذكر ذلك وأشكل عليه(2): بأنَّ الوضوء ماهيّةٌ واحدةٌ وليس فيها اختلافٌ، فالوضوء للصلاة والوضوء لقراءة القرآن كلّه من طبيعةٍ واحدةٍ وماهيّةٍ واحدةٍ، وقد فرضنا أنَّها تحقّقت في الخارج؛ لأنَّ المكلّف قد توضّأ وضوءاً قربيّاً، غاية الأمر: لم يتّصف بالوجوب ولم يؤتَ به على أنَّه واجبٌ.
ــــــــــ[307]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 357، هداية [عدم توقّف وجوب الواجب الغيري على إرادة الغير].
(2) المصدر السابق 1: 358.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا غير معتبرٍ؛ فإنَّ المقدّمة هي الوضوء القربيّ، وقد تحقّقت، ولو لم يكن هذا مصداقاً للواجب الغيريّ، والوجوب الغيريّ توصّليٌّ لا حاجة إلى قصده في سقوطه. فالمقدّمة متى ما تحقّقت فلا حاجة إلى الإعادة.
وهذا الإشكال متينٌ جدّاً.
ولكنّه ذكر(1) أنَّ هذا يتمّ في الغسل فحسب؛ فإنَّ الأغسال وإن كانت صورتها صورةً واحدةً، إلَّا أنَّنا علمنا من الروايات أنَّها حقائق وماهيّاتٌ مختلفةٌ؛ لقوله: “وَإِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْكَ حُقُوقٌ أَجْزَأَهَا عَنْكَ غُسْلٌ وَاحِدٌ”(2).
فهذه الثمرة إنَّما تتمّ في الأغسال التي هي ماهيّاتٌ متعدّدةٌ، فلو فرضنا أنَّه اغتسل من الجنابة لصلاةٍ نافلةٍ فقط، ثُمَّ بدا له أن يصلّي فريضةً، فإنَّه لا يحكم بصحّة غسله؛ فإنَّ ما هو مقدّمةٌ للصلاة لم يؤتَ بها في الخارج، وإنَّما أتى بماهيّةٍ أُخرى، فبناءً على اعتبار قصد التوصّل لا يُحكم بصحّته، ولا بدَّ من الإعادة.
وأشكل على ذلك شيخنا الأستاذ(3) بأنَّ الأغسال وإن كانت ماهيّاتٍ متباينةً -وهذا صحيح- إلَّا أنَّ اختلافها بالماهيّات ناشئ من اختلاف
ــــــــــ[308]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 359، هداية [عدم توقّف وجوب الواجب الغيري على إرادة الغير].
(2) الكليني، الكافي (ط – الإسلامية) 3: 41، كتاب الطهارة، باب: ما يجزئ الغسل منه إذا اجتمع، الحديث 1، المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول 13: 127، باب ما يجزِئ الغسل منه إِذا اجتمع، الحديث 1.
(3) النائيني، أجود التقريرات 1: 234، الثاني: لا ريب في أنَّ مقدّمة الواجب الفعلي إذا كانت محرّمة وانحصر التوصّل إلى الواجب بها فهي لا تبقى على حرمتها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الأسباب، يعني: أنَّ غسل الجنابة مختلفٌ عن غسل الحيض وهما مختلفان عن غسل مسّ الميّت وهكذا. وأمّا من حيث الغايات فالغسل كالوضوء من حيث كونه من ماهيّةٍ واحدةٍ، فليس غسل الجنابة للصلاة مغايراً لغسل الجنابة لقراءة القرآن. وكلامنا في الغايات لا في الأسباب، فلو اغتسل لقراءة القرآن فهو حقيقةٌ واحدةٌ، وقد حكم بصحّته، فلا موجبٍ للإعادة.
فهذه الثمرة ليست من الشيخ كما استظهره شيخنا الأستاذ، كما هو كذلك. وعليه، فهي منحصرة فيما ذكرناه، وهي في باب التزاحم.
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
تقدّم أنَّ صاحب الفصول(1) ذهب إلى أنَّ الواجب من المقدّمة إنَّما هو خصوص الموصلة منه، أمّا المقدّمات غير الموصلة فلا تتّصف بالوجوب، بل تتّصف بحكمها في نفسها، فإذا كانت في نفسها مباحةً فبعد توقّف الواجب عليها تقع على صفة الإباحة، وإذا كانت في نفسها محرّمةً تقع بعد توقّف الواجب عليها على صفة الحرمة، والتوقّف لا يغيّر حكمها، بل هي باقيةٌ على ما كانت عليه قبل ذلك من الحكم.
وادّعى أنَّ ذلك أمرٌ يحكم به العقل بالبداهة، من أنَّ وجوب الشيء لا يقتضي إلَّا وجوب مقدّمته عند الإيصال إليه. أمّا عند عدم الإيصال وعدم تحقّق الواجب في الخارج فالمقدّمة غير محبوبةٍ في نفسها، فهي لا تتّصف بالوجوب.
وأيّد حكم العقل هذا بشهادة الوجدان، من أنَّ المولى لا يتمكّن من الأمر بالشيء والنهي عن مقدّمته على الإطلاق؛ فإنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، وكذلك لا يستطيع الأمر بشيءٍ مع النهي عن مقدّمته الموصلة؛ فإنَّه أيضاً من التكليف بما لا يطاق.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
(1) الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 86، تنبيهات: الأوّل: [أنَّ مقدّمة الواجب لا تتّصف بالوجوب والمطلوبيّة من حيث كونها مقدّمة إلَّا إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أمّا الأمر بالشيء مع النهي عن المقدّمة غير الموصلة فليس فيه أيّ محذور؛ فإنَّه ليس هناك أيّ محذورٍ بأن يأمر المولى بالشيء ويأمر بمقدّمته الموصلة وينهى عن غيره، وأمثلة ذلك كثيرة؛ فإنَّه يمكن أن يأمر بالوضوء ويأمر بأخذ الماء على تقدير الوضوء، أمّا على تقدير عدمه فإنَّه لا يرضى بالتصرّف بماءٍ هو ملكه، أو أن يعطيه مالاً لشراء شيءٍ ويبيح له التصرّف به على تقدير الشراء دون التقدير الآخر.
وهذا لا مانع منه في نظر العقل، أي: أن يأمر المولى بشيءٍ مع النهي عن المقدّمة غير الموصلة. أمّا النهي عن المقدّمة على الإطلاق أو عن خصوص الموصلة فمستحيلٌ، وبهذا نستكشف أنَّ الملازمة غير ثابتةٍ إلَّا بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته الموصلة دون غيرها.
هذا حاصل ما ذكره.
لم يلتزم أكثر أعلام المتأخّرين بما أفاده صاحب الفصول، بل ذكر بعضهم -ومنهم شيخنا الأستاذ(1)-: أنَّ هذا القول (أي: تخصيص الوجوب بالمقدّمة الموصلة، وعدم اتّصاف غيرها بالوجوب) أمرٌ غير معقول؛ لأنَّه يستلزم الدور والتسلسل.
أمّا الدور؛ فقد ذكر في تقريبه: أنَّ الوجوب الغيريّ إذا كان ثابتاً للمقدّمة
ــــــــــ[311]ــــــــــ
(1) النائيني، أجود التقريرات 1: 237-238، الثاني: لا ريب في أنَّ مقدّمة الواجب الفعلي إذا كانت محرّمة وانحصر التوصّل إلى الواجب بها فهي لا تبقى على حرمتها.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الموصلة، فلا مناص من كون الواجب النفسيّ قيداً للواجب الغيريّ، أي مقدّمةً للمقدّمة؛ فإنَّ الإيصال وعدمه إنَّما ينتزعان من ترتّب الواجب على المقدّمة وعدمه. فإذا فرضنا أنَّ الوجوب الغيريّ قد تعلّق بالمقدّمة الموصلة، فمعناه: أنَّ الواجب النفسيّ أُخذ قيداً في الوجوب الغيريّ، ولازمه: أن يترشّح وجوبٌ من المقدّمة إلى ذي المقدّمة؛ لأنَّه أخذ قيداً فيها. وهذا يستلزم الدور؛ فإنَّ وجوب المقدّمة إنَّما كان مترشّحاً ومتوقّفاً على ثبوت الوجوب للواجب النفسيّ، فهو في مرتبةٍ سابقةٍ على الوجوب الغيريّ، فإذا فرضنا أنَّ الواجب النفسيّ أُخذ قيداً للوجوب الغيريّ، فلازمه: أن يترشّح الوجوب من الواجب الغيريّ إلى النفسيّ؛ فإنَّ الواجب النفسيّ أُخذ قيداً في الواجب الغيريّ، فهو مقدّمةٌ للمقدّمة، وهذا معنى الدور؛ حيث فرضنا أنَّ وجوب المقدّمة في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن الوجوب النفسيّ، ولازمه: أن يكون الواجب النفسيّ قيداً لها، وأن يترشّح وجوبٌ من المقدّمة إلى ذيها، فدار الأمر، وتوقّف الشيء على نفسه.
ولكن ما أفاده واضح الدفع فلو سلّمنا بما ذكره من أنَّ الواجب النفسيّ قيدٌ للمقدّمة التي هي واجبةٌ بالوجوب الغيريّ، فلازم هذا: أن يترشّح وجوبٌ غيريٌّ منها إلى ذيها، لكن ليس هذا الوجوب الغيريّ في مرتبةٍ متقدمةٍ على وجوب المقدّمة.
بعبارة أخرى: إنَّه قد وقع الخلط بين الوجوب الغيريّ والوجوب النفسيّ؛ فالذي يتوقّف عليه وجوب المقدّمة هو الوجوب النفسيّ الثابت لذيها، وهذا
ــــــــــ[312]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الوجوب لم يتأخّر عن المقدّمة، وإنَّما المتأخّر عنها هو الوجوب الغيريّ الثابت للواجب النفسيّ، باعتبار قيديّته للمقدّمة.
فلازم هذا: اجتماع وجوبين على الواجب النفسيّ: وجوبٌ نفسيٌّ، ووجوبٌ غيريٌّ ترشّح عليه من المقدّمة لأنَّه قيدٌ لها، وهذا لازمه اجتماع الوجوبين في الواجب النفسيّ لا الدور؛ فإنَّ الوجوب النفسيّ لا يتوقّف على الوجوب الغيريّ بوجهٍ، بل الوجوب النفسيّ في المرتبة المتقدّمة على الغيريّ، وقد ترشّح منه وجوبٌ غيريٌّ تعلّق بالمقدّمة، وحيث إنَّ الواجب النفسيّ قيدٌ للمقدّمة صار الواجب النفسيّ واجباً غيريّاً أيضاً.
فبناءً على ما ذكره صاحب الفصول(1) من أنَّ الواجب النفسيّ قيدٌ للواجب الغيريّ، يلزم اجتماع الوجوبين دون الدور.
لا محذور في اجتماع الوجوبين في شيءٍ واحدٍ كما تقدّم، ولا يكون من اجتماع الضدّين، غاية الأمر: يتأكّد الوجوب فيكون الشيء واجباً بملاكين: ملاكٌ للوجوب النفسيّ وملاكٌ للوجوب الغيريّ. ولا محذور في ذلك كما لا يخفى.
ولكنّ الصحيح هو أنَّ ما ذكره صاحب الفصول لا يرجع في الحقيقة إلى أخذ الواجب النفسيّ قيداً في الواجب الغيريّ، ليلزم منه الدور أو اجتماع الوجوبين؛ فإنَّه لم يقصد من تخصيص الوجوب بالمقدّمة الموصلة تقييد
ــــــــــ[313]ــــــــــ
(1) الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 86، تنبيهات: الأوَّل [أنَّ مقدَّمة الواجب لا تتّصف بالوجوب والمطلوبيّة من حيث كونها مقدّمة إلَّا إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الوجوب الغيريّ بالنفسي، بل صريح كلامه أو ظاهره: أنَّ المقدّمة على قسمين؛ فإنَّها تارةً تكون ممّا يوصل إلى الواجب بالفعل وتقع في سلسلة علله، وأخرى توجد المقدّمة في الخارج دون أن يوجد الواجب؛ فالمقدّمة تارةً تكون ملازمةً في الوجود للواجب، وتارةً تكون مفارقةً له في الوجود، كما في كلّ موجودين إذا لاحظناهما، فقد يقترنان وجوداً وقد يفترقان.
وادّعى أنَّ الملازمة إذا ثبتت بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، فهي إنَّما تثبت للمقدّمة الملازمة لذيها في الوجود، باعتبار أنَّ طلب الشيء لا ينفكّ عن طلب ما يقع في سلسلة علله، فإذا وقع في سلسلة العلل فينكشف أنَّه مطلوبٌ، أمّا إذا فارقه وانفكّ في الوجود عن الآخر نستكشف أنَّه ليس مطلوباً من الأوّل؛ إذ المفروض أنَّ المولى لم يكن له مقصودٌ في المقدّمة بنفسها، وإنَّما طلبها توصّلاً إلى الواجب.
فكلام صاحب الفصول يرجع إلى أنَّ المطلوب من المقدّمة إنَّما هو خصوص المقدّمة الملازمة مع ذيها في الوجود، وأمّا المفارقة فليست واجبةً. فلا يكون ذو المقدّمة -وهو الواجب النفسيّ- قيداً في الواجب الغيريّ، حتى يلزم ترشّح وجوبٍ من المقدّمة إلى ذيها؛ لكي يُقال: إنَّه دورٌ أو أنَّه يستلزم اجتماع المثلين، مع ما ذكرناه من أنَّه على هذا التقدير أيضاً لا يلزم الدور ولا اجتماع المثلين.
إلَّا أنَّ صاحب الفصول لا يريد هذا يقيناً، بل يريد بالتقييد الإشارة إلى حصّةٍ خاصّةٍ من المقدّمة، وهو ما يكون من مبادئ هذا الشيء بالفعل، أي: المتّصف بالوجوب، أمّا ما يكون موجوداً مستقلاً فهو بالوجدان والبداهة لم
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يتعلّق به غرض المولى بوجهٍ، فكيف يتعلّق به طلبه.
وأمّا التسلسل -وهذا مبنيٌّ على أن يكون الواجب النفسيّ قيداً في الواجب الغيريّ- فقد ذُكر في تقريبه: أنَّ الواجب الغيريّ إذا كان هو المقدّمة الموصلة، فهو يتركّب من أمرين:
فإذا كان الواجب الغيريّ متركّباً من جزئين: أحدهما ذات المقدّمة والآخر الإيصال، فننقل الكلام إلى ذات المقدّمة، هل تتّصف بالوجوب الغيريّ في ضمن ذلك أو لا؟
فإن التزم أنَّها متّصفةٌ بالوجوب الغيريّ، فما معنى قيد الإيصال بعد أن اعتبرنا ذات المقدّمة واجبةً من دونه.
وإن اعتبرنا قيد الإيصال في ذات المقدّمة، أي: أن يكون هذا الجزء موصلاً إلى الجزء الآخر أيضاً، فذات المقدّمة لا تتّصف بالوجوب إلَّا إذا أوصلت إلى الجزء الآخر، فننقل الكلام إلى الذات مع هذا القيد، وهكذا إلى أن لا ينتهي ولا يقف عند حدٍّ، وهذا هو معنى التسلسل(1).
فألزم صاحب الفصول بأنَّه لا يمكن أخذ قيد الإيصال في وجوب المقدّمة، بل لا بُدَّ من أن يكون الموصل وغير الموصل واجباً.
وهذا مبنيٌّ على أن يكون قيد الإيصال مأخوذاً في وجوب المقدّمة، ليكون
ــــــــــ[315]ــــــــــ
(1) النائيني، أجود التقريرات 1: 238.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الواجب الغيريّ متركّباً من ذات الواجب الغيريّ وأمرٍ آخر، مع أنَّه قدّس الله نفسه لا يقول بذلك، لا يقول بأنَّ المتّصف بالوجوب هو ذات المقدّمة مع قيد الإيصال، بل يقول: بأنَّ المتّصف بالوجوب هو الشيء الواقع في سلسلة علل الواجب وما يكون مقدّمةً له بالفعل، فالواجب الغيريّ ليس مركّباً من أمرين ليعتبر إيصال كلّ جزء إلى جزئه الآخر أيضاً، بل المقدّمة شيءٌ واحدٌ متّصفٌ بالوجوب وهو فيما إذا كان ملازماً للواجب النفسيّ في الوجود، لا ما إذا كان مفارقاً.
فتقييده بالإيصال إشارةٌ إلى قسمٍ من العلّة وهو: ما ترتّب عليها الواجب بالفعل، ولإخراج القسم الآخر وهو: ما انفكّ عن الواجب وجوداً ولم يترتّب عليه الواجب، وليس هذا من التركيب في الواجب الغيريّ ليلزم منه محذورٌ.
إذن ما ذكره صاحب الفصول أمرٌ معقولٌ لا محذور فيه.
وأورد(1) ثالثاً: أنَّ ملاك الوجوب الغيريّ إن كان هو مطلق التوقّف والمقدّميّة، فلا موجب لاختصاص الوجوب بحصّةٍ خاصّةٍ من المقدّمة، وهي المقدّمة الموصلة، وإن كان الملاك في الوجوب الغيريّ هو ما يستحيل انفكاكه عن الواجب النفسيّ، فلازمه: أن يختصّ الوجوب بالمقدّمة السببيّة؛ فهي التي يستحيل تخلّفها عن مسبّبها، دون باقي المقدّمات كالشرائط والمعدّات، فالأمر دائرٌ بين هذين الاحتمالين:
ــــــــــ[316]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 238-239.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وعلى كلّ حالٍ لا موجب لاختصاص الوجوب بالسبب الموصل دون غيره.
والجواب عن ذلك ظاهر، وهو: أنَّ الحصر غير حاصرٍ، بل هنا شقٌّ ثالثٌ، حيث لا يكون ملاك الوجوب الغيريّ هو مطلق التوقّف، ولا ما يستحيل انفكاكه عنه، بل يكون الملاك هو كون الشيء واقعاً في سلسلة علل الواجب النفسيّ، فإذا كان داخلاً فعلاً في سلسلة علله فهو واجبٌ، وإلَّا فهو غير واجب.
بعبارة أخرى: إنَّ ما ذكره مصادرةٌ واضحةٌ؛ فإنَّ الملاك لا ينحصر بالأمرين اللذين ذكرهما، بل الملاك في وجوب المقدّمة -على ما يراه صاحب الفصول- هو أن يكون الشيء دخيلاً في وجود الواجب فعلاً، لا أنَّه دخيلٌ إمكاناً، أي: دخيلٌ في سلسلة علل الواجب بلا فرقٍ بين أن يكون سبباً أو شرطاً أو معدّاً أو أيّ شيءٍ آخر، فكلّ ما ترتّب عليه الواجب النفسيّ لا بُدَّ من أن يكون مطلوباً للمولى بناءً على الملازمة، أمّا السبب المفارق وجوداً عن الواجب فلا مقتضي لإيجابه، وهذا أمرٌ ممكنٌ ولا يرد عليه هذا الإشكال.
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أورد صاحب الكفاية(1) على صاحب الفصول ماحاصله:
بعد التفتيش نجد أنَّ ملاك الوجوب الغيريّ هو حصول التمكّن من الواجب النفسي؛ لأنَّه لا يكون قادراً عليه قبل المقدّمة، فملاك الوجوب الغيريّ هو التمكّن من الواجب النفسيّ، فكلّ ما يكون دخيلاً في القدرة على الواجب يكون واجباً غيريّاً، أمّا ما لا يكون دخيلاً في القدرة فلا يكون واجباً غيريّاً.
فلا فرق في هذا الملاك بين أن يكون الشيء موصلاً وبين أن يكون غير موصلٍ؛ فاعتبار قيد الإيصال في اتّصاف المقدّمة بالوجوب بلا موجبٍ، فإنَّ الملاك مشترك بين الموصل وغيره، وهو كون المكلّف متمكّناً من الإتيان بالواجب. فكلّ ما يكون كذلك -أي: دخيلاً في حصول القدرة والتمكّن- يكون واجباً غيريّاً، ترتّب عليه الواجب أم لا؛ فإنَّه بعد الإتيان بالمقدّمة يكون قادراً على الإتيان بالواجب سواءٌ أتى به أم لا.
وهذا الذي أفاده أيضاً واضح الفساد، والوجه في ذلك: أنَّ القدرة لا تترتّب على الإتيان بالمقدّمة؛ فإنَّ المقدّمة غير دخيلةٍ في القدرة على الواجب؛ لأنَّ
ــــــــــ[318]ــــــــــ
( ) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 115-116، المقدّمة الموصلة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
القدرة ثابتةٌ قبل الإتيان بالمقدّمة وبعده؛ فإنَّ ما يكون دخيلاً في القدرة على الواجب هو القدرة على الإتيان بمقدّمته سواءٌ أتى بها أم لا؛ فإنَّه إذا دخل الوقت فهو قادرٌ على الصلاة توضّأ أم لم يتوضّأ؛ لأنَّه قادرٌ على المقدّمة، فالقدرة على الواجب النفسيّ مترتّبةٌ على القدرة على الواجب الغيريّ، لا على الإتيان بالمقدّمة خارجاً. والإتيان بالمقدّمة إنَّما هو لترتّب الواجب عليه في الخارج، لا لحصول القدرة خارجاً.
إذن، فلا يمكن أن يُقال: إنَّ الملاك في الواجب الغيريّ هو القدرة على الواجب؛ فإنَّ هذا موجودٌ قبل الإتيان بالمقدّمة فلا يكون هذا ملاكاً، بل الملاك هو الترتّب الخارجيّ، فينحصر الوجوب بالمقدّمة الموصلة دون غيرها.
والذي يدلّنا على هذا -مضافاً إلى حكم الوجدان بأنَّ القدرة على الواجب حاصلةٌ قبل الإتيان بالمقدّمة-: أنَّه لو كان الأمر كما ذكره من أنَّ القدرة تحصل بالمقدّمة وأنَّه قبل الإتيان بها، لم يكن المكلّف قادراً على الإتيان بالواجب النفسيّ. فلا يجب الإتيان بالمقدّمة أصلاً؛ لأنَّ تحصيل القدرة غير لازمٍ بحكم العقل، فوجوب تحصيل القدرة يحتاج إلى دليلٍ آخر؛ فإنَّ القدرة شرطٌ في التكليف، وشرط التكليف غير واجب التحصيل، وإنَّما يكون الوجوب فعليّاً على تقدير حصوله، فإذا لم يكن الوجوب فعليّاً، فلماذا يجب عليه تحصيل القدرة والإتيان بالمقدّمة؟ إذن، يسوغ له ترك الواجب بترك مقدّمته، بلا استحقاقٍ للعقاب.
ولا يمكن الالتزام بهذا؛ والسرّ فيه: ما ذكرناه من أنَّ القدرة ثابتةٌ قبل
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الإتيان بالمقدّمة، والتكليف فعليٌّ، وما هو مترتّبٌ على الإتيان بالمقدّمة إنَّما هو وجود الواجب، لا القدرة عليه.
إنَّ الإنسان إذا أتى بالمقدّمة ولم يأتِ بالواجب النفسيّ: فهل يسقط الأمر الغيريّ هنا أم لا؟
إذا قلنا إنَّه لم يسقط لا بُدَّ من الإتيان به ثانياً، لكنّ الوضوء -مثلاً- مرّتين للصلاة غير لازم قطعاً.
وإذا قلنا بسقوطه، فالسقوط يكون لأحد أمور:
وشيءٌ منها غير متحقّقٍ في المقام، إلَّا الأوّل.
أمّا العصيان فغير متحقّقٍ؛ لأنَّ المكلّف كان في مقام الامتثال وقد أتى بالمقدّمة.
وأمّا ارتفاع الموضوع فغير حاصل؛ فإنَّ المكلّف موجودٌ والوقت باقٍ ويمكنه الإتيان به، وهذا أيضاً ظاهرٌ.
فلم يبقَ إلَّا الأمر الأوّل وهو سقوط الامتثال؛ حيث إنَّ الأمر الغيري قد امتُثل خارجاً فيسقط الأمر به، فيكون السقوط مستنداً إلى الامتثال قبل ترتّب
ــــــــــ[320]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 117، الرد على القول بالمقدّمة الموصلة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الواجب عليه، وبذلك نستكشف: أنَّ الواجب الغيريّ هو طبيعيّ المقدّمة سواءٌ أوصلت إلى ذيها أم لا.
والجواب عن هذا أيضاً ظهر ممّا تقدّم، وهو أنَّ صاحب الفصول ذهب إلى أنَّ الواجب الغيريّ إنَّما يكون من المقدّمات عندما يقع في سلسلة علل الواجب النفسيّ، ويكون دخيلاً في وجوده فعلاً، فسقوط الأمر مراعى بترتّب الواجب عليه. فإذا أتى بجميع المقدّمات وترتّب عليها الواجب انكشف أنَّ ما أتى به كان من المقدّمات الملازمة في الوجود للواجب النفسيّ، وكان مصداقاً للواجب، وإذا لم يأتِ بسائر المقدّمات أو أتى بها ولكنّه لم يأتِ بالواجب النفسيّ، فينكشف أنَّ هذه المقدّمة مفارقةٌ للواجب النفسيّ وجوداً وغير واقعةٍ في سلسلة علله، وهذا يعني أنَّها لم تكن واجبةً ولم يحصل بها الامتثال في الخارج.
فسقوط الواجب الغيريّ وعدمه وحصول الامتثال وعدمه مراعىً بأمرٍ متأخّر، فإذا ترتّب عليه الواجب النفسيّ ينكشف أنَّه كان واجباً وإلَّا فلا، حاله في ذلك حال الواجب الارتباطيّ؛ فإنَّه لو كبّر للصلاة ولم يقرأ بعد، فيعود السؤال: هل سقط الأمر بالتكبير أم لا؟
إن التزمنا بأنَّه لم يسقط، فلازمه وجوب الإعادة ثانياً، وهو مقطوع العدم بل مبطلٌ للصلاة، وإذا التزمنا بسقوطه فالسقوط يكون لأحد أمورٍ:
ــــــــــ[321]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وليس شيءٌ منها موجوداً في المقام إلَّا الأوّل، فلازمه كون السقوط مستنداً إلى الإتيان بالتكبير قبل الإتيان بباقي الأجزاء، ونستكشف من ذلك: أنَّ الواجب هو طبيعيّ التكبيرة، سواءٌ أتى بباقي الأجزاء أم لم يأتِ بها.
والجواب عن ذلك هو الجواب؛ فإنَّ الأمر بالتكبير ساقطٌ على تقدير أن يتعقّب بالركوع والسجود، فإذا تعقّب ينكشف أنَّ الأمر بالتكبير قد سقط في ظرفه، وإذا لم يتعقّب بسائر الأجزاء وكانت التكبيرة مفارقةً في الوجود عنها، ينكشف أنَّ ما أتى به لم يكن متعلّقاً للأمر؛ فإنَّ متعلّق الأمر هو التكبير الخاصّ، وهو المتعقّب لسائر الأجزاء. فسقوط الأمر به وعدمه مراعى بأمرٍ متأخّرٍ. وهذا هو من جملة الأُمور التي قلنا: إنَّه لا بُدَّ من الالتزام فيها بأمرٍ متأخّرٍ.
ومن هذا القبيل: المقدّمة الموصلة؛ فإنَّه إذا أتى بمقدّمةٍ واحدةٍ، فكون هذا مصداقاً للواجب ليسقط به الوجوب الغيريّ، مراعى بأن يتعقّب بالواجب النفسيّ، فينكشف أنَّ ما أتى به كان محبوباً للمولى ومطلوباً له، أمّا إذا كانت المقدّمة مفارقةً في الوجود للواجب النفسيّ، فينكشف أنَّ ما أتى به لم يكن واجباً.
فتحصّل: أنَّه لا إشكال فيما أفاده صاحب الفصول من اعتبار قصد التوصّل في اتّصاف المقدّمة بالوجوب، ولا يلزم عليه شيءٌ من هذه المحاذير.
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
استدلّ صاحب الفصول على اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة بوجوه:
بمعنى: أنَّ العقل لا يحكم بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته إلَّا بهذا المقدار؛ فإنَّ الوجدان أقوى شاهدٍ على أنَّ مَن أراد شيئاً واشتاق إليه، فإنَّه يشتاق إلى المقدّمات التي توصِل إليه، أمّا المقدّمات المنفكّة عن الواجب في الوجوب فلا يشتاق إليها.
فالعقل بناءً على ثبوت الملازمة إنَّما يحكم بوجوب المقدّمة الموصلة فقط، وأمّا غيرها فلا(1).
وقد أورد عليه صاحب الكفاية(2) بأنَّ دعوى اختصاص حكم العقل بذلك ممّا لا يمكن المساعدة عليه، بعد أن كان الملاك في الوجوب الغيريّ في نظر العقل مشتركاً بين المقدّمة الموصلة وغيرها، فإذا كان ملاكه عامّاً للقسمين فكيف يمكن اختصاص الوجوب بأحدهما دون الآخر؟! وذكر قدّس الله نفسه
ــــــــــ[323]ــــــــــ
(1) انظر: الأصفهاني، الفصول الغروية: 86، تنبيهات: الأوّل [إنَّ مقدّمة الواجب لا تتّصف بالوجوب والمطلوبية من حيث كونها مقدّمة إلَّا إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة].
(2) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 117-118.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أنَّ ملاك الوجوب الغيريّ إنَّما هو حصول القدرة على الإتيان بالواجب خارجاً؛ فإنَّه إذا لم يأتِ بالمقدّمة لم يتمكّن من الإتيان به، وهذا هو معنى التمكّن. فمن لم يتوضّأ لم يتمكّن من الصلاة، ومن لم يسافر لم يتمكّن من الحج.
فملاك الوجوب الغيريّ إنَّما هو توقّف القدرة على الواجب على الإتيان بالمقدّمة خارجاً، وهو مشتركٌ بين القسمين؛ فإنَّ الآتي بالمقدّمة متمكّنٌ من الإتيان بالواجب سواءٌ أتى به أم لا. والإتيان بذيها أجنبيٌّ عن الملاك؛ فإنَّه بعد حصول المقدّمة متمكّنٌ من ذيها. أمّا الإتيان به وعدمه فتحت اختياره، وقد كان الملاك هو تحصيل القدرة على الواجب، فكيف يمكن مع اشتراك الملاك أنَّ يدّعى اختصاص الوجوب بقسمٍ خاصٍّ؟
أنّا نرى أنَّه لا مانع من تصريح المولى الآمر بأنَّه يريد المقدّمات الموصلة دون المقدّمات المنفكّة عن الواجب النفسيّ، ولا نرى في ذلك أيّ محذورٍ، فإذا تعلّق غرضه بشراء اللحم من السوق -مثلاً- فله أن يقول: أريد منك المشي إلى السوق الذي ينتهي إلى شراء اللحم ولا أريد غيره، فيصرّح باختصاص إرادته وشوقه بالمقدّمة الموصلة، وهو أمرٌ ممكنٌ، وهذه آية اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة دون غيرها؛ إذ لو كان الوجوب مشتركاً لكان ثابتاً بالملازمة العقليّة، فكيف يمكن أن يصرّح باختصاصه بقسمٍ واحدٍ دون القسم الآخر(1).
ــــــــــ[324]ــــــــــ
(1) انظر: الأصفهاني، الفصول الغروية: 86، تنبيهات: الأوّل [إنَّ مقدّمة الواجب لا تتّصف بالوجوب والمطلوبية من حيث كونها مقدّمة إلَّا إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وقد أجاب صاحب الكفاية(1) عن هذا الوجه بعين جوابه عن الوجه الأوّل؛ فليس للمولى الآمر هذا التصريح، بل يعتبر منه لغواً وجزافاً؛ إذ الملاك مشترك بين القسمين وكلٌّ منهما واجد له، فكيف يمكن التصريح باختصاص الوجوب لقسمٍ دون آخر؟
وهذا الذي أفاده صاحب الكفاية: من أنَّ القدرة على الواجب متوقّفةٌ على الإتيان بالمقدّمة، ليس بصحيحٍ؛ فإنَّ القدرة على الواجب متوقّفةٌ على القدرة على المقدّمة، لا على الإتيان بها، وإلَّا لجاز له ترك المقدّمة؛ لأنَّ تحصيل القدرة غير واجبٍ، ومقتضى ذلك: أنَّه يجوز له ترك الواجب بلا عقابٍ، وهذا باطلٌ بالضرورة، والعقل يدرك بأنَّ مَن كان متمكّناً من المقدّمة فهو متمكّنٌ من ذيها؛ فإنَّ القدرة المعتبرة في التكليف أعمّ من القدرة بلا واسطة أو مع الواسطة، فلو فرضنا دخول الوقت فالمكلّف قادرٌ على أن يأتي بالصلاة عن طهارةٍ؛ لأنَّه قادرٌ على الوضوء أو الغسل أو التيمّم حسب تكليفه، ووجود الوضوء خارجاً لا دخل له في القدرة على الصلاة عن طهارة، وإنَّما له دخلٌ في وجود الصلاة عن طهارة، فمعنى المقدّمة هو ما يتوقّف عليه وجود الشيء، لا القدرة عليه، وبين الأمرين بونٌ بعيدٌ، فالتوقّف إنَّما هو بالإضافة إلى الوجود، لا بالإضافة إلى القدرة؛ فإنَّه -سواء توضّأ أم لم يتوضّأ- قادرٌ على الإتيان بالصلاة عن طهارة،
ــــــــــ[325]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 118-119.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والتكليف متوجّهٌ إلى القادر، وهو أحد مصاديقه؛ غاية الأمر: أنَّ الصلاة لا تتحقّق في الخارج إلَّا به.
إذن، فليست القدرة على الواجب متوقّفةً على إيجاد المقدّمة حتّى يُقال: إنَّ ملاك الوجوب الغيريّ هو القدرة على الواجب، أو هو مشتركٌ بين المقدّمة الموصلة وغيرها.
إذن، لا يكون هذا ملاكاً للوجوب الغيريّ، بل الملاك للوجوب الغيريّ إنَّما هو: ترتّب الواجب على الشيء وتوقّف وجوده عليه. فهذا الجواب ساقطٌ، ولا بأس بما ذكره صاحب الفصول في إثبات المدّعى من أنَّ الوجدان أقوى شاهدٍ على أنَّ العقل لا يحكم إلَّا بوجوب المقدّمة الموصلة.
إنَّ الغاية من الوجوب الغيريّ إنَّما هي حصول الواجب النفسيّ في الخارج؛ فإنَّ المولى لا داعي له إلى إيجاب المقدّمة؛ إذ المفروض أنَّ المصلحة متعلّقةٌ بالواجب النفسيّ فقط، وإنَّما الغاية من المقدّمة هي ترتّب الواجب النفسيّ خارجاً.
وعليه، فكيف يمكن أن يكون الوجوب ثابتاً لمطلق المقدّمة؟ إنَّ مقتضى كون الغاية هي ترتّب الواجب: أن يكون الوجوب بمقدار الواجب، لا أزيد من ذلك(1).
ــــــــــ[326]ــــــــــ
(1) انظر: الأصفهاني، الفصول الغروية: 86، تنبيهات: الأوّل [إنَّ مقدّمة الواجب لا تتّصف بالوجوب والمطلوبية من حيث كونها مقدّمة إلَّا إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أجاب صاحب الكفاية(1) عن هذا بجوابين:
◙ أوّلاً: بأنَّ الغاية هي تحصيل القدرة لا الترتّب الخارجيّ؛ فإنَّ الذي يترتّب على وجوب المقدّمة إنَّما هو التمكّن من الواجب لا وجود الواجب خارجاً، وهذه الغاية مشتركٌ فيها بين المقدّمة الموصلة وغيرها؛ فإنَّ القدرة لا فرق فيها بينهما؛ فإنَّ المكلّف -بعد الإتيان بالمقدّمة- يكون قادراً على الإتيان بذيها سواءٌ أتى به أم لا.
وقد تقدّم الكلام في هذا؛ فإنَّ الغاية ليست هي القدرة؛ فإنَّها حاصلةٌ قبل الإتيان بالمقدّمة أيضاً، وإنَّما الغاية هي حصول أمرٍ لم يكن، وهو وجود الواجب النفسيّ لا القدرة عليه.
◙ ثانياً: بعد التسليم بأنَّ الغاية هي الوصول إلى الواجب، ولكنّ الوجوب لا يفارق العمل لو تجرّد عن الغاية، ولا محذور في تجرّد العمل عن غايته؛ فإنَّ الداعي إلى الإيجاب شيءٌ ومتعلّق الوجوب شيءٌ آخر، ومع فرض أنَّ الداعي كان في قسمٍ خاصٍّ، إلَّا أنَّه دعا إلى إيجاب طبيعيّ المقدّمة لا قسمٍ خاصٍّ منها.
وادّعى أنَّ العقل يدرك أنَّ الشيء إذا وجب لغايةٍ، وتجرّد عن الغاية، فإنَّه أيضاً يقع على صفة الوجوب.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 119.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهذا الذي ذكره لا بُدَّ من أن يُعدّ من الغرائب، فإنّ كلامه إنَّما يصحّ في صورة اشتباه الآمر، بأن يأمر بشراء اللحم بداعي أن يأكله زيد حيث كان يحتمل أن يأتيه زيد، فيُشترى اللحم ولا يأتي زيد، فلا تترتّب عليه الغاية؛ فاشتراء اللحم كان مأموراً به وإن تجرّد عن الغاية؛ فإنَّ الغاية إنَّما كانت غايةً لأمر المولى، وقد فرضنا أنَّها للاشتباه في الاعتقاد.
وأما في صورة عدم الاشتباه فلا يصحّ كلامه؛ لأنَّ المولى ملتفتٌ إلى أنَّ غرضه مترتّبٌ على قسم دون آخر: فهل يصحّ أن يُقال -والحالة هذه- إنَّ الأمر تعلّق بالجامع بين القسمين، مع أنَّ الغاية منحصرةٌ في أحدهما دون الآخر؟!
والذي ذكره صاحب الفصول ليس من باب التخلّف عن الاعتقاد من جهة اشتباه المولى، بل فيما لو فرضنا أنَّ الفعل له قسمان:
وهنا لا يصحّ أن يُقال: إنَّ المولى طلب الجامع بين ما يفي بغرضه وبين ما لا يفي به. بل لا بُدَّ من أن يختصّ الطلب بما يفي بالغرض.
وما ذكره صاحب الفصول هو هذا؛ إذ يقول: المفروض أنَّ المقدّمة ليست مطلوبةً في نفسها؛ إذ ليس هناك غرضٌ متعلّقٌ بها، وإنَّما طُلبت لترتّب الواجب عليها. فهل يمكن أن يُقال: إنَّ الغاية مترتّبةٌ على هذا القسم، مع أنَّ الوجوب الغيريّ ثابتٌ للموصل وغيره، والقسم الآخر لم تترتّب عليه الغاية؟!
ــــــــــ[328]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فالصحيح: ما ذكره صاحب الفصول من أنَّ الوجوب الغيريّ -على تقدير الالتزام بالملازمة- مختصٌّ بالمقدّمة الموصلة.
نُسب إلى السيّد الطباطبائي صاحب العروة أنَّه استدلّ على اختصاص الوجوب بالموصل بوجهٍ آخر.
استدلّ على ذلك: بأنَّنا نرى -وجداناً- عدم إمكان المنع عن المقدّمة بعد الأمر بالواجب، أي: إنَّ المولى بعد أن يأمر بالواجب لا يمكن أن ينهى عن مقدّمته على الإطلاق، هذا غير ممكنٍ؛ لأنَّه من التكليف بما لا يطاق، وهذا واضح.
كما أنَّه لا يمكن أن يأمر بشيءٍ وينهى عن مقدّمته الموصلة له؛ فإنَّ هذا أيضاً من التكليف بما لا يطاق.
وأمّا الأمر بالشيء والنهي عن مقدّمته غير الموصلة؛ فهذا أمرٌ ممكنٌ؛ إذ لا مانع من أن يأمر بإنقاذ الغريق وينهى عن الدخول إلى الماء غير الموصل إلى الإنقاذ، وكذلك بالنسبة إلى التصرّف في أرض الغير، حيث يأمر المولى بالإنقاذ ويأمر بالدخول في الأرض إذا كان موصلاً للإنجاء، وإلَّا فهو ينهى عنه.
فاستحالة القسمين الأوّلين -أي: الأمر بشيءٍ والنهي عن مقدّمته مطلقاً، والنهي عن خصوص المقدّمة الموصلة- مع إمكان القسم الأخير -وهو النهي عن غير الموصلة- يدلّ على اختصاص الوجوب بالموصلة، وأنَّه لا مقتضي للوجوب في غير هذا المقدار الذي يكون موصلاً.
هكذا ذكر على ما نسب إليه.
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لكنّ صاحب الكفاية(1) لم يرتضِ ذلك، وأجاب عنه بجوابين:
إنَّه على تقدير تسليم إمكان النهي عن غير الموصل مع الأمر بالشيء، إلَّا أنَّه لا يدلّ على أنَّ المقتضي للوجوب إنَّما هو في خصوص الموصل دون غيره، وأنَّ المقتضي للوجوب الغيريّ خاصٌّ بالمقدّمة الموصلة.
وبعبارة أخرى: أنّا وإن سلمنا إمكان النهي عن المقدّمة غير الموصلة مع بقاء الأمر على حاله، إلَّا أنَّه لا يكشف عن اختصاص الوجوب بالموصلة، بحيث لو لم يكن نهيٌ لكان الواجب هو الموصلة فقط دون غيرها؛ لأنَّ النهي مانعٌ عن الاتّصاف بالوجوب، وعدم الوجوب في غير الموصلة إنَّما هو لوجود المانع لا لعدم المقتضي، فإذا لم يكن منعٌ لم يختصّ الوجوب بالموصلة.
وبعبارة واضحة: إنَّ كلامنا إنَّما هو في أنَّ الوجوب الغيريّ في نفسه هل هو مختصٌّ بالمقدّمة الموصلة، أم أنَّه يعمّها وغيرها؟ أي: إنَّ الكلام في ثبوت المقتضي من أنَّه على وجه الإطلاق أم التقييد؟
نحن نسلّم ما ذكره من جواز المنع عن غير الموصلة فيختصّ الوجوب بالموصلة، إلَّا أنَّ اختصاص الوجوب بها، إنَّما هو من جهة وجود المانع في غيره.
وعليه، فكيف يمكننا أن نستكشف بهذا أنَّه في موارد عدم النهي يكون
ــــــــــ[330]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 120.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الوجوب مختصّاً بالموصل وأنَّه لا مقتضي إلَّا في خصوص الموصل؟ هذا غير ممكن.
وهذا الذي أفاده متينٌ جدّاً، أي: إنَّه لا يمكننا استكشاف اختصاص الوجوب في نفسه من جواز المنع عن غيره؛ فإنَّه يجوز للمولى أن ينهى عن المقدّمة إذا لم تكن موصلةً، إلَّا أنَّ النهي يكون مانعاً عن الوجوب؛ فإنَّه لا يمكن أن يكون المحرّم مصداقاً للواجب. فعدم اتّصاف غير الموصل بالوجوب يكون من جهة المانع، فكيف يمكن أن نستكشف أنَّ الوجوب مختصٌّ بالموصلة عند عدم المانع؟
فما أفاده صاحب الكفاية من أنَّه لا يمكن استكشاف قصور المقتضي بوجود المانع متينٌ للغاية.
والذي يكشف عن هذا أنَّ بعض أفراد المقدّمة الموصلة يمكن أن ينهى عنه، فلو كان للإنقاذ طريقان فللمولى أن ينهى عن سلوك أحدهما وإن كان موصلاً. هذا ممكنٌ. أمّا غير الممكن فهو النهي عن المقدّمة الموصلة بإطلاقها.
والمنع عن بعض المقدّمات وإن كانت موصلة لا يكشف عن اختصاص الوجوب في نفسه بغير هذا القسم الممنوع، بل إنَّ المنع هو الذي أوجب الاختصاص، وإلَّا لكان هو أيضاً مصداقاً للواجب؛ فإنَّه لم يحتمل أحدٌ أنَّ الوجوب الغيريّ مختصّ ببعض أفراد المقدّمة الموصلة دون بعضٍ، مع أنَّ المنع قابلٌ لأَنْ يتعلّق ببعض أفراد المقدّمة الموصلة.
إذن، هذا الوجه لا يتمّ.
ــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إنَّنا لا نسلّم جواز المنع؛ فإنَّه لا يمكن للمولى أن ينهى عن غير الموصل من المقدّمات ليختصّ الوجوب بالموصل، فلو سلّمنا أنَّ جواز المنع يكشف عن اختصاص الوجوب الغيريّ في نفسه بالمقدّمة الموصلة، فإنَّ المنع غير جائزٍ.
والوجه في ذلك أمران:
بيانه: إنَّ المقدّمة غير الموصلة إذا كانت ممنوعاً عنها، فجواز المقدّمة يتوقّف على الإيصال، أي: إنَّما تتّصف المقدّمة بالجواز إذا كانت موصلة؛ لأنَّ غيرها حرامٌ على الفرض.
فإذا كان الجواز متوقّفاً على الإيصال لزم منه طلب الحاصل، فإنَّ وجوب كلّ شيءٍ يتوقّف على القدرة عليه؛ لأنَّ القدرة من شرائط التكليف، فوجوب المقدّمة متوقّفٌ على القدرة على المقدّمة، والقدرة عليها تتوقّف على الإيصال؛ إذ لو كانت المقدّمة -غير الموصلة- محرّمةً لكانت غير مقدورةٍ، إذن فجواز المقدّمة متوقّفٌ على الإتيان بالواجب، فوجوب الشيء متوقّفٌ على الإتيان به، أي: إذا أتى المكلّف بالواجب فهو واجبٌ وإلَّا فلا. هذا معنى تحصيل الحاصل.
وقد قرّب هذا الوجه بوجهٍ آخر بالمقدّمات عينها، وبيانه: أنَّ وجوب الشيء يتوقّف على القدرة عليه، والقدرة عليه تتوقّف على جواز مقدّمته، فإذا
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كان جواز المقدّمة متوقّفاً على الإتيان بالواجب، بحيث إذا لم يأتِ به لا تكون المقدّمة جائزة، فلا يكون الواجب مقدوراً فلا يجب، فيجوز للمكلّف ألّا يأتي به، ومع ذلك هو واجبٌ، فيلزم حينئذٍ جواز ترك الواجب اختياراً؛ لأنَّه لا يتّصف بالوجوب عند تركه؛ لأنَّ وجوبه مشروطٌ بجواز مقدّمته، وجواز مقدّمته مشروطٌ بالإتيان به، ولازمه طلب الحاصل، وأنَّه إذا لم يأتِ به لا يكون الفعل واجباً، فلا بأس بتركه اختياراً، وكلا الأمرين مستحيل. إذن، فلا يمكن للمولى أن ينهى عن المقدّمة غير الموصلة ليختصّ الوجوب بالموصلة.
وهذا الذي أفاده غير تامٍّ؛ لأنَّه إنَّما يتمّ إذا كان الجواز متوقّفاً على الإيصال، وصاحب الفصول وغيره ممّن يرى اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة، لا يرون أنَّ وجوبها مشروطٌ بالإيصال، وقد تقدّم الكلام في ذلك مفصّلاً، وقلنا: إنَّ الإيصال ليس شرطاً وقيداً لوجوب المقدّمة، وإنَّما هو قيدٌ للواجب سواءٌ أوصل أم لم يوصل فالوجوب موجودٌ، غاية الأمر: أنَّه إذا ترتّب على المقدّمة خارجاً كان مصداقاً للواجب، وإذا لم يترتّب لم يكن مصداقاً للواجب، كما مثّلنا له بالمركّبات؛ إذ قلنا: إنَّ الواجب هو التكبير المتعقّب بسائر الأجزاء، لا أنَّ الوجوب مشروطٌ بالتعقّب، بل الوجوب مطلقٌ غير مقيّدٍ، ولكنّ الواجب أمرٌ خاصّ.
فالجائز هو المقدّمة الموصلة، وجوازها ثابتٌ أوصلَ أم لم يوصل، فالواجب مقدورٌ لأجل جواز مقدّمته والقدرة عليها، وليس فيه طلب الحاصل أبداً، أي:
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ليس وجوبه مشروطاً بالإتيان به، بل مشروطٌ بالقدرة عليه، وهي موجودةٌ، سواءٌ أتى به أم لا؛ لأنَّ المقدّمة الموصلة كانت مقدورةً، ولا يجوز ترك الواجب اختياراً.
ومنشأ الإشكال إنَّما هو جعل الترتّب شرطاً للجواز، وعلى هذا فإنَّه حينئذٍ يتمّ ما أفاده، وأمّا إذا كان الجواز والوجوب مطلقاً وغير مقيّدٍ بالإيصال وإنَّما القيد في متعلّق الوجوب والجواز؛ فلا محذور فيه وليس فيه تحصيلٌ للحاصل، ولا اشتراط وجوب الشيء بوجود نفسه.
ولكنّ شيخنا الأُستاذ ذهب إلى أمرٍ ثالثٍ(1)؛ حيث إنَّه وافق في عدم وجوب مطلق المقدّمة من جهة حكم الوجدان في ذلك؛ فإذا فرضنا أنَّ الإنقاذ توقّف على دخول الأرض المغصوبة، فليس هنا مقتضٍ لتجويز الدخول حتّى لو لم يترتّب عليه الإنقاذ أو لم يقصده، فالوجدان شاهدٌ على أنَّ الحرمة لا تثبت على الإطلاق.
لكنّه خاف في اختصاص الوجوب بالموصلة؛ لما رآه من استلزامه الدور والتسلسل وقد تقدّم الكلام في ذلك، فوقع بين محذورين حيث لا يمكن التقييد بالإيصال للدور والتسلسل، ولا الحكم بوجوب مطلق المقدّمة؛ فإنَّه ممّا لا يترتّب عليه غرض المولى، فلماذا يجوز الدخول في الأرض المغصوبة مع أنَّه ممّا لا يترتّب عليه الإنقاذ؟
ــــــــــ[334]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 240-241، فلا محذور في الالتزام بما أفاده صاحب الفصول.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فجمعاً بين الجهتين التزم بشقٍّ ثالث، وهو: أن تكون المقدّمة واجبةً حال الإيصال ومن جهة الإيصال، بأن لا تكون مطلقةً من حيث الإيصال وعدمه.
بيان ذلك: أنَّه قد ذهب إلى أنَّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق، كما ذكر في بحث التعبّديّ والتوصّليّ(1)؛ حيث أنَّه ذهب إلى أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة، فإمكان أحدهما مستلزمٌ لإمكان الآخر، وكذلك استحالة أحدهما مستلزمةٌ لاستحالة الآخر؛ فإنَّ العدم والملكة يكونان في المورد القابل، فإن كان الاتّصاف بالوجود مستحيلاً فيكون الاتّصاف بالعدم مستحيلاً أيضاً.
وعلى ذلك، بنى على أنَّ تقييد متعلّق الأمر بقصد نفسه محالٌ، كما أنَّ الإطلاق يكون لذلك محالاً، وكذلك في غيره من الموارد كتقييد التكليف بالعالمين به؛ فإنَّه مستحيلٌ فالإطلاق أيضاً مستحيلٌ(2). ومن جملة تلك الموارد موردنا هذا؛ فإنَّه إذا فرضنا أنَّ تقييد متعلّق الوجوب الغيريّ بالإيصال مستحيلٌ لأنَّه يستلزم الدور والتسلسل، فيكون الإطلاق مستحيلاً أيضاً، فلا يمكن أن يلتزم بأنَّ متعلّق الوجوب الغيريّ مطلقٌ: أعمّ من المقدّمة الموصلة وغيرها.
ــــــــــ[335]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 103، (المبحث الثاني: في التعبّديّة والتوصليّة)، الأمر الثاني: قد عرفت أنَّ محلّ الكلام إنَّما هو التوصّليّ في قبال التعبّدي، و1: 520، المقصد الخامس: في المطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن.
(2) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 241-242.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذن، فلا يمكن للمولى في مقام جعل الحكم والوجوب الغيريّ من تقييد متعلّقه أو إطلاقه؛ لأنَّ الإطلاق إنَّما يكون في موردٍ قابلٍ للتقييد، وهذا المورد غير قابلٍ للتقييد، فلا يكون قابلاً للإطلاق أيضاً، فإذا لم يكن مطلقاً ولا مقيّداً لا بُدَّ من أن يكون مهملاً، ولكنّ الإهمال بحسب الواقع غير معقولٍ، فإنَّه بحسب النتيجة إمّا أن يكون الحكم مقيّداً أو مطلقاً، أي: إنَّ الوجوب الغيريّ في الواقع إمّا أنَّه متعلّقٌ بقسمٍٍ خاصٍّ أو بما يعمّه وغيرَه؛ إذ لا يمكن أن يكون التكليف باقياً على إهماله، بمعنى: أنَّ المولى لا يعلم بمتعلّق حكمه وموضوعه من أنَّه قسمٌ خاصٌّ أو أنَّه مطلقٌ.
ففي مثل هذه الموارد التي يستحيل فيها الإطلاق والتقييد التزم بنتيجة الجعل، أي: لا بُدَّ من عملٍ يكون نتيجته نتيجة التقييد أو نتيجة الإطلاق، لا بُدَّ من الالتزام بأحد أمرين الإطلاق أو التقييد، لكنَّ ذلك بغير الدليل الأوّل والجعل الأوّل؛ فإنَّه غير معقولٍ، بل لا بُدَّ أن ينتهي إلى أمرٍ آخر.
ومن هنا التزم في بعض الموارد بنتيجة التقييد، كما في أخذ قصد القربة في متعلّق العبادات، حيث التزم بأخذه في الأمر الثاني دون الأوّل؛ لأنَّ الأمر الأوّل بالصلاة يستحيل أن يكون مقيّداً بقصد نفسه، لا بُدَّ أن يصدر من المولى أمرٌ آخر تكون نتيجته نتيجة التقييد؛ لاستحالة الإهمال في الواقع.
وإذا فرضنا أنَّ الغرض مطلقٌ وغير مختصٍّ بقسمٍ خاصٍّ، لا بُدَّ من نتيجة الإطلاق بدليلٍ آخر، كما في موارد جعل الأحكام؛ فإنَّ تقييد الحكم بالعلم به مستحيلٌ، فالإطلاق أيضاً غير معقولٍ؛ لأنَّ استحالة التقييد تستلزم استحالة
ــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الإطلاق، ولكن لأجل أنَّ غرض المولى لا يختصّ بقسمٍ دون قسمٍ، فبمتمّم الجعل يثبت الحكم لجميع المكلّفين -أعمّ من العالم والجاهل- فالنتيجة: نتيجة الإطلاق.
وعليه، فأيّ حكمٍ مجعولٍ لا بُدَّ من تقييده أو إطلاقه وإن كان بحسب الجعل الأوّل غير قابلٍ للإطلاق والتقييد.
هذا بحسب الكبرى التي ذكرها في أكثر من مورد.
وقد جعل المقام من هذا القبيل؛ حيث إنَّ تقييد متعلّق الوجوب الغيريّ بالإيصال غير ممكن؛ لأنَّه مستلزمٌ للدور أو التسلسل، والإطلاق غير ممكنٍ؛ لأنَّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق، ولا إهمال في الواقع، لا بُدَّ من نتيجة التقييد أو الإطلاق. وعليه، فالوجوب الغيريّ إمّا مختصّ بالموصلة أو يعمّها وغيرها.
وقد التزم بنتيجة التقييد؛ لأنَّ غرض المولى من المقدّمة هو الوصول إلى الواجب وترتّب ذيها عليها، فإن تجرّدت عن ذلك ولم توصل إلى الواجب فلا غرض للمولى بإيجابها، فبما أنَّ الغرض خاصٌّ، فالوجوب يختصّ بحال الإيصال ولا يعمّ غير الموصلة؛ فإنَّه وإن كان متعلّق الوجوب الغيريّ مهملاً وغير مقيّدٍ، فإنَّه بحسب النتيجة مقيّدٌ به.
ونتيجة ذلك: أنَّ يبقى الحكم الأوّل الثابت للمقدّمة -مع قطع النظر عن المقدّميّة وتوقّف الواجب عليها- على حاله عند عدم ترتّب الواجب عليها، فيكون هنا حكمان طوليّان على نحو الترتّب، أي: إنَّ المولى يحكم بوجوب
ــــــــــ[337]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الإنقاذ ووجوب الدخول إلى الأرض المغصوبة، فالأوّل واجبٌ من جهة نفسه، والآخر واجبٌ للمقدّمة، ولكن بما أنَّ وجوب هذا الواجب من أجل واجبٍ آخر، يثبت له حكمٌ آخر على نحو الترتّب، وهو الحرمة على تقدير عدم الإنقاذ؛ بأن يقول المولى نحو هذا: (يجب عليك الدخول إلى الأرض المغصوبة إلَّا أنَّك إذا لم تنقذ الغريق فيحرم عليك الدخول). فيثبت في المقام حكمٌ وجوبيٌّ على ذيها، وحكمٌ وجوبيٌّ عليها، وحكم تحريميٌّ عليها على تقدير عصيان ذيها.
وبهذا ترتفع المحاذير كلّها؛ فإنَّنا لم نقيّد المقدّمة بالإيصال، ولم نلتزم بالإطلاق؛ إذ لا مقتضى له، مع أنَّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق، ومع ذلك لا نحكم بجواز المقدّمة المحرّمة إذا لم يترتّب عليها الواجب؛ وذلك من جهة التحفّظ على غرض المولى؛ فيكون للمقدّمة حكمان على نحو الترتّب، فيحكم بالوجوب على تقدير الإنقاذ والإيصال، وبالحرمة على تقدير مخالفة الواجب النفسيّ.
وهذا الذي ذكره موافقٌ لما ذكره الشيخ محمّد تقي صاحب حاشية المعالم(1)، والفرق بينهما: أنَّ شيخنا الأستاذ جعل الحرمة مترتّبةً على عصيان الواجب النفسيّ، والشيخ محمّد تقي جعل الحرمة مترتّبةً على عصيان الواجب الغيريّ؛ فإنَّ المقدّمة إنَّما تكون واجبةً حال الإيصال وبغرض الإيصال، وعلى تقدير عدم إيصاله -أي: على تقدير عصيان هذا الأمر الغيريّ- يحكم بالحرمة،
ــــــــــ[338]ــــــــــ
(1) انظر: الأصفهاني النجفي، محمّد تقي، هداية المسترشدين في شرح معالم الدين 2: 174، تعارض الأدلّة في المقدّمة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فالفرق بينهما فيما تترتّب عليه الحرمة، وإلَّا فهما يرجعان إلى وجهٍ واحدٍ، وهو أنَّ الوجوب غير مطلق ولا مقيّدٌ، ولكنّ النتيجة هي التقييد، فعلى تقدير عدم الإيصال يحكم بالحرمة.
يرد على ما أفاده النائيني وجوه:
◙ أوّلاً: إنَّ ما ذكره من استحالة تقييد متعلّق الوجوب الغيريّ بالإيصال مبنيٌّ على ما ذكره من كون الواجب النفسيّ قيداً في الواجب الغيريّ؛ ليكون ترتّب الواجب النفسيّ مأخوذاً قيداً في الواجب الغيريّ، فتكون الصلاة مقيّدةً بالوضوء المقيّد بالصلاة. هذا هو الذي يلزم منه المحذور؛ إذ يلزم أن يكون الواجب النفسيّ يترشّح إليه الوجوب الغيريّ من قبل المقدّمة فيكون مقدّمةً للمقدّمة.
وقد ذكرنا: أنَّ القائل باختصاص الوجوب الغيريّ بالمقدّمة الموصلة لا يريد ذلك، بل يريد: أنَّ المقدّمة في الخارج تنقسم إلى قسمين: قسمٍ ملازمٍ للواجب النفسيّ في الخارج، وقسمٍ مفارقٍ له، بأن توجد المقدّمة ولا يوجد ذيها، فالقائل بالاختصاص يريد أنَّ متعلّق الوجوب الغيريّ هو الحصّة الأولى، أي: الحصّة الملازمة في الوجود للواجب النفسيّ، لا أنَّ الواجب النفسيّ قيدٌ في متعلّق الوجوب الغيريّ ليكون مقدّمةً للمقدّمة، فالإيصال إشارةٌ إلى ذات تلك الحصّة، لا أنَّه مأخوذٌ قيداً فيها.
إذن، فليس هذا التقييد مستحيلاً ليرتّب عليه ما أفاده، وإذا لم يكن
ــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
مستحيلاً كان لازماً للوجوه المتقدّمة التي منها حكم العقل بعدم المقتضي لإيجاب غير الموصل من المقدّمات؛ إذ لا غرض للمولى في المقدّمة إلَّا جهة المقدّميّة والتوقّف، فلا مقتضي للوجوب الغيريّ إلَّا في الموصل. فهذا التقييد ليس مستحيلاً، بل لا بُدَّ منه.
◙ ثانياً: ثُمَّ لو سلّمنا أنَّ التقييد مستحيلٌ، فلازمه أن يثبت كلام صاحب الكفاية من أنَّ الواجب الغيريّ هو مطلق المقدّمة أعمّ من الموصلة وغير الموصلة(1).
لأنَّنا ذكرنا أنَّه ليس هنا شقٌّ رابعٌ للتقييد بشيءٍ أو التقييد بعدمه أو الإطلاق؛ فإنَّ كلّ حكمٍ فرضناه كان ثابتاً لمتعلّقٍ أو مكلّفٍ لا يخلو متعلّقه أو موضوعه إمّا أن يكون مقيّداً بقيدٍ، أو مقيّداً بعدم ذلك القيد، أو غير مقيّدٍ لا بهذا ولا بذاك فيكون مطلقاً، ولا واسطة بين الإطلاق والتقييد في مقام الثبوت؛ فإنَّ الإهمال في الواقع غير معقول.
بعبارة أخرى: إنَّ المحذور في المقام ليس إثباتيّاً وفي مقام الدلالة، وإنَّما هو محذورٌ ثبوتيٌّ؛ ففي مقام الإثبات هذا أمرٌ ممكنٌ، بأن لا يبيّن المولى حكمه بدليلٍ واحدٍ ولكن يبيّنه بدليلين أو أكثر، وهذا ممكن بل واقع وموجود غالباً في الموالي العرفيّة أو الشرعيّة؛ فإنَّه قد يجعل الحكم أوّلاً مطلقاً في مقام الإثبات لمحذورٍ في التقييد، ثُمَّ يقيّد بجعل حكمٍ آخر.
أمّا إذا فرضنا -في مقام الثبوت- أنَّ التقييد مستحيلٌ؛ لا بُدَّ من الإطلاق
ــــــــــ[340]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 114.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أو التقييد بخلاف هذا القيد، أي: التقييد بالوجود أو العدم، وليس من شقٍّ رابع في مقام الثبوت، أي: في واقع جعل الحكم؛ فإنَّه إذا جعل المولى حكماً على موضوعٍ أو متعلّقٍ كما إذا حكم بحرمة الخمر، وفرضنا الخمر أقساماً فمنه ما يُتّخذ من العنب أو من التمر، وقد يفرض أنَّه أبيض أو أحمر أو أسود. فبحسب هذه التقسيمات التي يمكن أن يتّصف بها موضوع الحكم أو متعلّقه بالإضافة إليها، فالملتفت إلى هذه التقسيمات في مقام الثبوت لا يخلو أمره: إمّا أن يُخصّص الحكم بالمأخوذ من العنب، أو يقيّده بغير المأخوذ من العنب، أو أن يحرّم الخمر سواءٌ كان متّخذاً من العنب أم من غيره.
فبحسب مقام الثبوت لا يوجد قسمٌ رابعٌ (لا مطلق ولا مقيّد بوجود شيءٍ ولا بعدمه)، هذا بحسب الواقع أمر غير معقول، فحقيقة الإهمال: أن يجعل الجاعل الحكم وهو لا يعلم موضوعه. وهذا غير معقول.
فإذا فرضنا أنَّ التقييد بالإيصال غير معقولٍ؛ للزوم الدور أو التسلسل، فلا مناص من:
وحيث إنَّ الأوّل مستحيل؛ إذ لا يعقل تقييد الوجوب الغيريّ بغير الموصل؛ إذ لا غرض للمولى فيه أبداً، يتعيّن الإطلاق لا محالة. فما ذكره صاحب الكفاية يكون هو المتعيّن، ولا معنى لدعوى الإهمال في مقام الثبوت وأنَّ
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الوجوب الغيريّ ثابتٌ للمقدّمة مهملاً لا مقيّداً بالإيصال ولا بعدمه ولا مطلقاً من جهته، فهذا أمر لا نتعقّله ولا نتصوّره، بل يثبت الوجوب الغيريّ للمقدّمة مطلقاً، ولا تصل النوبة إلى نتيجة التقييد.
◙ ثالثاً: إنَّ ما أفاده من الحكم بحرمة المقدّمة إذا لم تكن موصلةً
-وإن كان صحيحاً من أنَّه يوجب اختصاص الوجوب بالموصلة- فإنَّ المقدّمة حينئذٍ تكون منقسمةً إلى قسمين: قسمٌ ملازم في الوجود للواجب النفسيّ، فهو واجبٌ، وقسمٌ مفارق له في الوجود فهو حرامٌ. وهذا لا إشكال فيه، ويفرض في كثير من الواجبات، كالسجود لله فإنَّه واجبٌ، والسجود للصنم حرامٌ وهكذا.
وأمّا بناءً على ما ذكره من أنَّ الوجوب الغيريّ لم يتقيّد متعلّقه بالإيصال، بل هو ثابتٌ للمقدّمة على نهج الإهمال، إلَّا أنَّها يُحكم بحرمتها إذا لم توصل إلى الواجب على نحو الترتّب.
والترتّب أمرٌ معقولٌ صحيحٌ على ما نبيّنه عن قريبٍ، إلَّا أنَّه في المقام لا يمكن الالتزام به؛ ذلك أنَّه وإن كان صحيحاً ولا يحتاج إلى دليلٍ، بل إمكان الترتّب مساوقٌ لوقوعه، فإنَّ مورد الترتّب إنَّما هو فيما إذا كان التكليف ثابتاً في نفسه ولم يتمكّن المكلّف من الامتثال في الخارج، أي: إنَّ امتناع الجمع كان مستنداً إلى المزاحمة وعجزه عن الامتثال. فهذا الترتّب صحيحٌ وثابتٌ على القاعدة وإمكانه مساوقٌ لوجوده، كما لو كان هناك واجبٌ أهمّ وواجبٌ آخر، ولم يمكن للمكلّف أن يجمع بينهما فحينئذٍ لا محالة يتقدّم الأهمّ ويسقط الآخر
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
من جهة العجز. ولكن السقوط إنَّما يكون إذا أتى بالأهمّ؛ فحينئذٍ لا يعاقَب على ترك الآخر؛ لأنَّه لم يكن قادراً على الإتيان به. أمّا إذا عصى الأهمّ فلا موجب لسقوط الأمر حينئذٍ؛ فإنَّ السقوط إنَّما يكون مستنداً إلى العجز، والمفروض أنَّه قادرٌ، فحينئذٍ نلتزم بالترتّب، وتفصيل الكلام في محلّه.
أمّا في المقام؛ فثبوت حكمين متضادّين لموضوعٍ واحدٍ على نحو الترتّب
-بأن يحكم المولى أنَّ المقدّمة على تقدير عدم الإيصال وعدم الإتيان بالواجب محرّمةٌ، وعلى تقدير الإتيان به غير محرّمةٍ، بل جائزةٌ بل واجبةٌ- غير معقولٍ، أي: لا يمكن أن يتّصف الشيء الواحد بحكمين متضادّين على نحو الترتّب؛ فإنَّ الترتّب إنَّما يكون في الحكمين الثابتين لموضوعين لا يتمكّن المكلّف من امتثالهما، وأمّا الموضوع الواحد يُحكم عليه بالحرمة على تقدير وبالجواز على تقديرٍ آخر؛ فهذا غير ممكن.
والوجه فيه ظاهر؛ فإنَّنا إذا حكمنا بحرمة المقدّمة على تقدير عدم الإتيان بالواجب النفسيّ، فيكون الوجوب في غير هذا الحال لا محالة، أي: المقدّمة محرّمةٌ على تقدير عدم الإيصال وواجبةٌ على تقدير الإيصال، وقد فرضنا أنَّ المقدّمة لم تتقيّد بالإيصال؛ فإنَّه لا إشكال على القول بالتقييد؛ فإنَّه يكون قسمٌ من المقدّمة حراماً وقسمٌ واجباً، ونشير إلى قسم بالموصلة وإلى قسمٍ بغير الموصلة.
وأمّا إذا كان متعلّق الوجوب الغيريّ غير مقيّد بشيءٍ ليكون المحرّم غير هذا المقيّد، بل المقدّمة شيءٌ واحدٌ حكمنا بوجوبه وحرمته على تقدير عدم
ــــــــــ[343]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الإتيان بالواجب النفسيّ، فالوجوب يثبت له على تقدير الإتيان بالواجب النفسي؛ إذ لا يمكن أن يكون الوجوب والحرمة -كلاهما- ثابتين على تقديرٍ واحدٍ. فلازمه أن يختصّ الوجوب على تقدير الإتيان بالواجب النفسيّ، وتكون حراماً عند عدم الإتيان به.
إذن، يكون الوجوب الغيريّ مشروطاً بالإيصال الخارجيّ، ومشروطاً بالإتيان بالواجب النفسيّ، فنسأل: هل وجوب ذي المقدّمة مشروطٌ أيضاً بالإتيان بمتعلّقه أو هو مطلقٌ؟
إذا كان مشروطاً فهو طلب الحاصل، أي: إنَّ المولى أوجبه على تقدير أن يؤتى به، وإلَّا فلا.
وإذا كان مطلقاً -كما هو كذلك- فوجوب الصلاة غير مقيّدٍ بالإتيان بها خارجاً؛ فإنَّ الممتثل والعاصي كلاهما مكلّفان، فإذا كان الواجب النفسيّ مطلقاً وغير مقيّدٍ بالإتيان بمقدّمته، فكيف يكون الواجب الغيريّ مشروطاً بالإتيان به، بعد ما تقدّم من أنَّ الواجب النفسيّ والغيريّ بناءً على ثبوت الملازمة سيّان من حيث الإطلاق والاشتراط؟
بعبارة أخرى: إذا كان الواجب النفسيّ مطلقاً فالغيريّ مطلق، وإذا كان مقيّداً فالغيريّ مقيّد؛ لأنَّه من لوازمه ولا ينفكّ عنه. فكيف يفرض -على ما تقدّم- أنَّ الواجب النفسيّ مطلقٌ والواجب الغيريّ مشروطٌ؟
فالترتّب عند الحكم على موضوعٍ واحدٍ، بأن يكون حكمان: أحدهما مشروط والآخر غير مشروطٍ، غير معقولٍ.
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فالمتحصّل إلى هنا: أنَّه لا مناص من الالتزام باختصاص الوجوب الغيريّ بالمقدّمة الموصلة بالمعنى الذي ذكرناه من التقييد، لا أن يكون الواجب النفسيّ قيداً في الغيريّ، بل هذا اللفظ يكون مشيراً إلى حصّةٍ خاصّةٍ من المقدّمة هي المقارنة بالوجود مع الواجب النفسي، في قبال المفارق. فبناء على الملازمة لا مناص من الالتزام بذلك على ما اختاره صاحب الفصول(1)، ولا مقتضي للالتزام بوجوب مطلق المقدّمة.
ــــــــــ[345]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه مراراً.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يقع الكلام في ثمرة هذا البحث المترتّبة على وجوب المقدّمة بناءً على الإطلاق أو وجوبها على تقديرٍ خاصٍّ.
فهل لذلك ثمرة عمليّة؟ وهل هذه المسألة مسألةٌ أصوليّة؟
ذكرنا في أوّل بحث الأصول أنَّ المسألة الأصوليّة لا بُدَّ من أن تكون قابلةً لأنْ يستنتج منها حكمٌ شرعيٌّ كلّيٌّ مع قطع النظر عن بقية المسائل غير ضمّ صغراها إليها.
وكلّ مسألةٍ كانت كذلك كانت مسألةً أصوليّةً، وما لا يكون كذلك لا يكون مسألةً أصوليّةً، غاية الأمر: يكون من المبادئ.
فكلّ مسألة من مسائل علم الأُصول قابلةٌ لأن يستنتج منها حكمٌ شرعيٌّ كلّيٌّ بقطع النظر عن غيرها من المسائل.
وفي محلّ الكلام: ذكر لمسألة مقدّمة الواجب عدّة ثمرات، نمرّ عليها تباعاً:
ما أشرنا إليه عند البحث عن المقدّمة الموصلة، وملخّص ما ذكرناه هو: أنَّ هذه المسألة مسألة أصوليّة، ويترتّب عليها حكمٌ فرعيٌّ بلا ضمّ شيءٍ آخر إليها غير صغراها.
ــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والوجه في ذلك: أنَّنا إذا قلنا بعدم وجوب المقدّمة، فتبقى المقدّمة على ما هي عليه من الحكم لولا المقدّمية، فإذا كانت من الأوّل مباحةً كانت كذلك، وإذا كانت مستحبّةً بقيت على حالها. وهكذا.
فبناءً عليه، لو كانت المقدّمة في ذاتها محرّمةً كالتصرّف في مال الغير من دون إذنه، وكانت في الوقت عينه مقدّمةً لواجبٍ كإنقاذ غريق أو إنجاء حريقٍ أو حفظ مالٍ محترمٍ علمنا من الخارج بوجوب حفظه، فحينئذٍ تقع المزاحمة لا محالة بين واجبٍ وحرامٍ؛ فإنَّ مقتضى وجوب المقدّمة هو أن يأتي بالفعل، ومقتضى حرمة المقدّمة هو ألّا يأتي به؛ لأنَّ ترك الواجب يستلزم ترك المقدّمة، فلا يتمكّن المكلّف من الجمع بين الامتثالين: الواجب والحرام؛ لأنَّ الإتيان بالواجب لا بُدَّ فيه من الإتيان بالمقدّمة، وتركها يستلزم ترك الواجب، فهو عاجزٌ عن الامتثالين معاً، وهذا هو معنى التزاحم.
فلو فرضنا أنَّ الواجب أهمّ -كما هو المفروض في المقام- لا بُدَّ من إيجاده، وحينئذٍ لا يمكن بقاء الوجوب والحرمة معاً، بل لا بُدَّ من سقوط الحرمة لأهمّيّة الواجب من جهة الاضطرار واللابديّة؛ لأنَّ الواجب لا يمكن تحقّقه في الخارج مع ترك المقدّمة، لا بُدَّ للشارع من أن يرفع اليد عن حرمتها للعجز؛ فإنَّه وإن كان الفعل المحرّم في نفسه مقدوراً للمكلّف، فله أن يأتي به وله أن يتركه، لكن حيث إنَّه لا بُدَّ من أن يأتي بالواجب الأهمّ، فلهذا لا يمكنه الترك. لا بُدَّ من رفع اليد عن الحرمة الثابتة للمقدّمة في نفسها من جهة الضرورة، فلا تكون المقدّمة محرّمةً.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إلَّا أنَّه من الواضح أنَّ الضرورة تُقدّر بقدرها؛ فإنَّ المقدار الذي لا بُدَّ منه في حكم العقل هو الإتيان بالمقدّمة على تقدير الإتيان بذيها في الخارج، أي: المقدّمة الموصلة؛ فإنَّ المولى لا يمكن أن يأمر بشيءٍ وينهى عن مقدّمته الموصلة؛ لأنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، لا بُدَّ من رفع اليد عن حرمة المقدّمة الموصلة للاضطرار، فسقطت حرمة المقدّمة من جهة التزاحم.
أمّا المقدّمة غير الموصلة، بأن يدخل الأرض المغصوبة ولا ينقذ الغريق فلا موجبٍ لرفع اليد عن الحرمة؛ فإنَّ المفروض أنَّها لم تكن موصلةً، فلا يُقال: إنَّ الوجوب والحرمة تزاحما في مصداقٍ واحدٍ، وإنَّما رفعنا اليد عن الحرمة من جهة الاضطرار، وهو لا يقتضي أكثر من ارتفاعها عن المقدّمة الموصلة. أمّا الباقي فلا موجب لرفع اليد عن حرمتها.
إذن، لا بُدَّ من التفصيل بين المقدّمة الموصلة وغيرها والالتزام بحرمة غير الموصلة من المقدّمات.
فبناءً على القول بعدم وجوب المقدّمة غير الموصلة، لو دخل الأرض المغصوبة، وفرضنا أنَّه توقّف عليها الإنجاء، ولكنّه لم يُنجه، فهو قد فعل محرّماً وترك واجباً، فيعاقَب بعقابين؛ لأنَّ هذا الفعل لم ترتفع حرمته من جهة الاضطرار؛ لأنَّ الاضطرار اقتضى رفع اليد عن المقدّمة الموصلة لا عن غيرها.
إذن، نتيجة هذا البحث -أي: البحث عن وجوب المقدّمة- هي أنَّنا إذا قلنا: إنَّ المقدّمة ليست بواجبةٍ شرعاً يستلزم الالتزام بحرمة المقدّمة إذا لم تكن موصلة وكانت هي في نفسها محرّمةً. وقد قلنا في أوّل الأُصول: إنَّ الأثر
ــــــــــ[348]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الشرعيّ الفرعيّ لا يلزم أن يترتّب على كلا طرفي النفي والإثبات، بل يكفي ترتّبه على أحد الطرفين، وهو هنا كذلك؛ فإنَّنا إذا قلنا بأنَّ المقدّمة ليست واجبةً فتقع المقدّمة المحرّمة محرّمة في المقام.
فهذه نتيجة أُصولية تترتّب عليها مسألة فرعيّة من دون حاجة إلى ضمّ شيءٍ آخر إليها سوى الصغرى.
هذا على تقدير القول بعدم وجوب المقدّمة.
وعين هذه النتيجة تترتّب على القول بوجوب المقدّمة الموصلة الذي اختاره صاحب الفصول(1)؛ فإنَّنا إذا قلنا بوجوب المقدّمة الموصلة فغير الموصل يبقى على حكمه الأوّل، وقد فرضنا أنَّه الحرمة، فتبقى المقدّمة محرّمة، فإذا لم يترتّب الإنجاء على الدخول إلى الأرض المغصوبة فإنَّه يكون محرّماً، كما لو لم يكن مقدّمة أصلاً.
فمع القول بعدم الوجوب، أو القول بوجوب خصوص الموصل، تكون المقدّمة محرّمةً على تقدير عدم الإيصال.
أمّا على ما سلكه شيخنا الأنصاري(2) فأيضاً تترتّب النتيجة؛ فإنَّه إذا قصد
ــــــــــ[349]ــــــــــ
(1) انظر: الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 86، تنبيهات: الأوّل [أنَّ مقدمة الواجب لا تتّصف بالوجوب والمطلوبيّة من حيث كونها مقدّمة إلَّا إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة].
(2) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 354، هداية [عدم توقّف وجوب الواجب الغيريّ على إرادة الغير].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بدخوله التوصّل إلى الواجب، فهو ليس بحرامٍ؛ لأنَّه واجبٌ، والواجب لا يجتمع مع الحرام، فتسقط حرمة المقدّمة عند قصد الايصال. أمّا إذا لم يقصد به التوصّل -ولو ترتّب عليه الواجب في الخارج- فإنَّه يقع محرّماً.
فبناءً عليه تترتّب نتيجة فقهيّة، لكن نتيجته غير النتيجة الأُولى، ويفرق فيها بين المقدّمات: ما قصد به التوصّل وما لم يقصد، فالقسم الأوّل تسقط حرمته ولو لم يترتّب عليه الواجب، والقسم الآخر وهو ما لم يقصد به التوصّل يقع حراماً وإن ترتّب عليه الواجب.
وأمّا على ما اختاره صاحب الكفاية(1) من وجوب المقدّمة على الإطلاق، فنتيجة هذا القول هي أن نلتزم بسقوط الحرمة مطلقاً. فلو توقّف الإنجاء على التصرّف في الأرض المغصوبة جاز للمكلّف أن يدخلها تنزّهاً ولا ينقذ الغريق، ولا يعاقب المكلّف من هذه الجهة؛ لأنَّه لا يمكن اجتماع الوجوب والحرمة في وجود واحد؛ إذ فرضنا أنَّ المقدّميّة اقتضت وجوبه مطلقاً، فالمولى يطلبه سواءٌ قصد به الواجب أم لا، وسواءٌ ترتّب عليه الواجب أم لم يترتّب، وما يقع على صفة المطلوبيّة لا يكون حراماً. فلو دخل الأرض للتنزّه لا بقصد الإنجاء ولم يترتّب عليه الإنجاء، فقد أتى بمصداقٍ للواجب، فهذا الفعل ليس بحرام.
وهكذا تصبح هذه المسألة على جميع التقادير ممّا يترتّب عليها حكمٌ شرعيٌّ. غايته: في القسمين الأوّلين نفصّل بين المقدّمة الموصلة وغيرها. فالموصلة لا تكون محرّمةً، وغير الموصلة تكون حراماً، وعلى مسلك الشيخ
ــــــــــ[350]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 114.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
نفصّل بين ما قصد به التوصّل فلا يكون حراماً، وغيره فيكون حراماً، وعلى قول صاحب الكفاية تسقط الحرمة رأساً ويكون الفعل سائغاً.
فهذه مسألةٌ أصوليّةٌ ولها ثمرة فقهيّة.
ذكروا(1) أنَّ الثمرة تظهر فيما إذا كانت العبادة مضادّةً لواجبٍ أهمّ، ففي مثله: إذا قلنا إنَّ المقدّمة ليست بواجبةٍ، فيكون الوجوب ثابتاً للعبادة؛ إذ لا موجب لأن يكون الأمر بالشيء نهياً عن ضدّه، فلا تكون العبادة منهيّاً عنها، فيكون المقتضي للتقرّب موجوداً، فتصحّ العبادة، غاية الأمر: أنَّ المكلّف ترك الواجب الفعليّ، فيعاقَب على تركه، إلَّا أنَّ العبادة صحيحة.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ مقدّمة الواجب واجبةٌ على الإطلاق، فلازمه القول بفساد العبادة؛ فإنَّ تركها حينئذٍ يكون مقدّمةً لواجبٍ فعليّ، فيكون ترك العبادة واجباً، ومعنى الأمر بالترك هو النهي عن الفعل، والنهي عن العبادة يستلزم الفساد، فيحكم بفسادها.
أمّا على تقدير القول بوجوبها حال الإيصال، فأيضاً يحكم بصحّة العبادة؛ فإنَّ الواجب حينئذٍ ليس هو مطلق ترك العبادة، بل الترك الموصل فقط،
ــــــــــ[351]ــــــــــ
(1) راجع الأصفهاني، الفصول الغرويّة: 87، (تظهر ثمرة النزاع في مواضع)، وراجع: 95 (الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا)، وانظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 400، هداية [ثمرات النزاع في وجوب المقدّمة]، السادس: ما يُقال: إنَّ القول بوجوب المقدّمة يؤثّر في فساد العبادة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فالحصّة الخاصّة هي المأمور بها، وليس نقيضه هو الفعل، بل نقيضه هو ترك الترك وعدم تحقّقه في الخارج. وهو يكون مع العبادة كما قد يكون من دونها، ففعل العبادة يكون مقارناً لنقيض الواجب لا عين النقيض، فلا يكون منهيّاً عنها، فلا موجب لفسادها.
فهذه المسألة لها ثمرة في المقام؛ فإنَّه على القول بعدم وجوب المقدّمة على الإطلاق أو القول بوجوب خصوص الموصلة، يحكم بصحّة العبادة؛ لأنَّ هذا العمل قابلٌ لأن يتقرّب به ولا مانع منه، فإنَّ المانع هو النهي عنها، والمفروض أنَّه لا نهي، فيحكم بصحّتها. أمّا على القول بوجوب المقدّمة على الإطلاق فيحكم بفساد العبادة؛ لأنَّ ترك العبادة إذا كان مقدّمةً لواجبٍ، كان فعلها منهيّاً عنه لا محالة، والنهي يقتضي الفساد.
هكذا ذكروا، ولكن للمناقشة فيها مجالٌ واسعٌ.
◙ المناقشة الأولى: على تقدير تسليم ذلك كلّه: لا يلزم أن تكون المسألة أُصوليّةً وإن كان لها ثمرة، فإنَّها لا تدخل في المسائل الأُصوليّة وإنَّما تدخل في المبادئ؛ لأنّا اعتبرنا في المسألة الأصوليّة أن تكون النتيجة مترتّبة عليها من دون ضميمة مسألةٍ أُخرى، والنتيجة في المقام تحتاج إلى مقدّمتين مضافاً إلى القول بوجوب المقدّمة:
ــــــــــ[352]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فعلى تقدير تسليم الأمرين تكون النتيجة مترتّبةً على هذه الأُمور الثلاثة: وجوب المقدّمة، وأنَّ ترك الضدّ مقدّمةٌ للضدّ الآخر ليثبت به أنَّ العبادة المضادّة للأهمّ منهيٌّ عنها، وأنَّ النهي الغيريّ يدلّ على الفساد.
فكيف تكون المسألة أصوليّةً مع أنَّ الاستنتاج يتوقّف على مقدّمتين؟ وعليه، فلا تكون أصوليّةً، ولا تكون الثمرة ثمرةً لمسألةٍ أصوليّةٍ بتبع ذلك.
أمّا أنَّ الثمرة ثابتةٌ أم لا؟ فهذا بحثٌ آخر.
ذكر شيخنا الأنصاري على ما في التقريرات(1) أنَّ هذه الثمرة ليست تامّةً؛ وذلك لأجل أنَّه لا يفرّق على كلا القولين: القول بوجوب المقدّمة مطلقاً أو القول بوجوب المقدّمة الموصلة؛ فإنَّه على كلا التقديرين تقع العبادة منهيّاً عنها، ولا يختصّ ذلك بالقول بوجوب مطلق المقدّمة.
والوجه في ذلك: أنَّنا إذا قلنا بوجوب المقدّمة مطلقاً فيكون ترك العبادة مأموراً به على الإطلاق، ونقيض هذا الترك هو الفعل، فوجود العبادة منهيٌّ عنه؛ لأنَّ الترك المطلق مأمورٌ به.
وإذا قلنا بوجوب المقدّمة الموصلة خاصّة، فنقيض الأخصّ يكون أعمّ،
ــــــــــ[353]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 377، تذنيب [الكلام في تصحيح العبادة التي يتوقّف فعل الضد على تركها].
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فنقيض الترك الموصل هو عدم هذا الترك الخاصّ، وهو عنوانٌ كلّيٌّ قد ينطبق على الترك المجرّد أو على الفعل، وعلى كلا التقديرين: يتحقّق ترك الحصّة الخاصّة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الشيء نقيضاً بنفسه أو فرداً من النقيض؛ لسراية النهي إلى الأفراد لا محالة. فنقيض الترك الموصل قد يتحقّق مجرّداً وقد يتحقّق بالفعل الخارجيّ، فيكون منهيّاً عنه لا محالة، وحيث إنَّ الفعل الخارجيّ فردٌ منه، فيكون حراماً، فلا فرق في البطلان بين القول بوجوب المقدّمة الموصلة أو وجوب مطلق المقدّمة.
لو سلّمنا هذا فلا ينتج إنكار الثمرة، فإنَّنا لو لم نلتزم بوجوب المقدّمة على الإطلاق، فلا موجب للحكم بفساد العبادة؛ فإنَّ الحكم بالفساد إنَّما نشأ من ناحية الوجوب الغيريّ؛ لأنَّ ترك العبادة مقدّمةٌ للواجب الفعليّ، فنقيضه
-وهو العبادة- يكون حراماً. غاية الأمر: أنَّه على القول بوجوب مطلق المقدّمة يكون الفعل بنفسه نقيضاً، وعلى القول بوجوب خصوص الموصلة يكون مصداقاً للنقيض، أمّا إذا أنكرنا وجوب المقدّمة فليس هنا وجوبٌ شرعيٌّ متعلّقٌ بالموصلة أو بمطلق المقدّمة، فلا يكون نقيضه منهيّاً عنه. وعليه، فلا تكون العبادة منهيّاً عنها، فيحكم بصحّتها.
فالثمرة موجودةٌ، غاية الأمر: أنَّه على مسلك صاحب الفصول يحكم بالبطلان، إلَّا أنَّه على القول بعدم وجوب المقدّمة يحكم بالصحّة، وهذا يكفي في الثمرة، إلَّا أنَّها ليست ثمرةً أصوليّةً.
ــــــــــ[354]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
◙ المناقشة الثانية: أنَّه على مسلك صاحب الفصول أيضاً لا بُدَّ من الالتزام بالصحّة، بناءً على ما ذكروه من أنَّ مقتضى الصحّة في العبادة موجودٌ، فإذا لم يكن هناك مانع، حُكم بصحّتها. لو تمّ هذا فلا يفرّق فيه بين القول بوجوب المقدّمة على الإطلاق، أو القول بوجوب الموصلة خاصّة؛ فإنَّه بناءً على القول بوجوبها على الإطلاق يكون الترك واجباً، والفعل بما أنَّه نقيضٌ للواجب يكون حراماً، فالمانع موجودٌ، فلا يُحكم بصحّة العبادة.
وأمّا على مسلك صاحب الفصول من أنَّ الواجب حصّةٌ خاصّةٌ من المقدّمة وأنَّ الواجب هو الترك الموصل، ونقيض هذا الترك هو عدم هذه الحصّة، والفعل الخارجيّ لا يكون مصداقاً للنقيض؛ فإنَّ الوجود لا يكون مصداقاً للعدم أبداً، غاية الأمر: أنَّ العدم يكون مقارناً معه. فالترك الموصل نقيضه عدم هذا الترك، وهو قد يقترن بالصلاة وقد لا يقترن، فالصلاة من المقارنات، لا من أفراد النقيض.
ولا يُقاس هذا بالترك المطلق؛ فإنَّ نقيضه هو الوجود؛ فإنَّ الوجود هو بنفسه طاردٌ للعدم ونقيضٌ له، لا أنَّ نقيض العدم هو عدم العدم، ونقيض عدم العدم هو عدم عدم العدم وهكذا إلى ما لا نهاية. إذن، لا يتحقّق التناقض أصلاً.
بعبارة أُخرى: كلّ ما يفرض نقيضاً لشيءٍ، يكون ذلك الشيء نقيضاً له أيضاً، ولا يمكن ألّا يكون نقيضه، فإنَّ النقيضين لا يرتفعان ولايجتمعان. فإذا فرض أنَّ نقيض الوجود هو العدم، كان العدم هو نقيض الوجود لا عدم العدم، فإنَّه عنوانٌ انتزاعيٌّ، وإنَّما يكون التناقض من طرفين لا من طرفٍ
ــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
واحدٍ، فإذا فُرض أنَّ ترك الصلاة على الإطلاق واجبٌ فنقيضه -وهو وجودها- منهيٌّ عنه لا محالة. وأمّا إذا كان المأمور به هو خصوصيّةً وجوديّةً هي الإيصال، والترك الموصل ارتفاعه بعدم هذه الحصّة من الترك، وهو قد يجتمع مع الصلاة وقد لا يجتمع معها، فتكون الصلاة من المقارنات، فكيف يُقال: إنَّها منهيٌّ عنها، فتقع فاسدةً؟!
فالإنصاف: أنَّه على تقدير الأمرين اللذين ذكرناهما، وهما: أنَّ أحد الضدّين مقدّمةٌ للضد الآخر، وأنَّه إذا كان أحد الضدّين مأموراً به كان الضدّ الآخر منهيّاً عنه، والتزمنا بأنَّ النهي الغيريّ يقتضي الفساد، فالمسألة لها ثمرةٌ وهي الفساد، يعني: على القول بوجوب المقدّمة نلتزم بفساد العبادة. وأمّا على القول بوجوب خصوص الموصلة أو القول بعدم وجوب المقدّمة على الإطلاق فلا مقتضى فيه للنهي عن العبادة، فلا يحكم بفسادها.
إلَّا أنَّنا ذكرنا أنَّها لا تكون ثمرةٌ أصوليّةٌ؛ لأنَّ المسألة الأصوليّة هي التي لا تحتاج في ثمرتها إلى ضميمةٍ خارجيّةٍ، وهذه تحتاج إلى الضميمة.
قيل(1): من جملة ثمرات البحث عن وجوب المقدّمة وعدمها: أنَّه بناء على القول بالوجوب يمكن التقرّب بكلّ مقدّمة، وإن لم تكن في نفسها عباديّةً كما في
ــــــــــ[356]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 399-400، هداية [ثمرات النزاع في وجوب المقدّمة]، الخامس: ما قيل من أنّ القول بوجوب المقدّمة يؤثّر في صحّتها… النائيني، أجود التقريرات 1: 245، التنبيه الثالث.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الطهارات الثلاث، حيث ذكرنا أنَّها عباديّةٌ في نفسها ويمكن التقرّب بها بلا فرقٍ بين القول بوجوب المقدّمة وعدمه.
أمّا في غيرها من المقدّمات التي لا تكون في نفسها عباديّةً، قالوا: إنَّه على القول بالوجوب يمكن التقرّب بها من جهة الإتيان بها بداعي وجوبها فتكون عبادةً. وهذا بخلاف ما إذا لم نقل بالوجوب المقدّميّ؛ فإنَّه لا يمكن التقرّب بها؛ إذ المفروض أنَّها لا محبوبيّة لها في نفسها ولا من جهة المقدّمية، فملاك المحبوبيّة مفقودٌ في المقدّمات؛ لأنَّ كلتا المحبوبيّتين مفروضتا العدم. إذن، لا يمكن التقرّب بالمقدّمة.
ولكن قد ظهر ما في هذه الثمرة ممّا تقدّم في الطهارات الثلاث، وقد ذكرنا هناك وقلنا: إنَّ التقرّب بالشيء لا ينحصر بأن يكون محبوباً، بل إنَّ المكلّف إذا أتى بالمقدّمة بداعي التوصّل إلى الواجب يكون ذلك موجباً للتقرّب بحكم العقل؛ لأنَّ الفعل قابلٌ للإضافة إلى المولى، فإذا أضافه العبد في مقام العمل تحقّقت العبادة.
والعباديّة لا تتوقّف على محبوبيّة الفعل في نفسه، بل هي متوقّفةٌ على أمرين:
أحدهما: قابلية أن تضاف إلى المولى.
وثانيهما: فعليّة الإضافة إلى المولى.
ولا إشكال في أنَّ المقدّمة قابلةٌ للإضافة إلى المولى؛ لأنَّ الإتيان بها كان من أجل أمر المولى بذيها. فإذا أتى بها بهذا القصد كان الفعل مقرّباً. فلا فرق في حصول التقرّب بها إذا أتى بها بقصد المقدّميّة إلى الواجب، بين القول بالوجوب الغيريّ وعدمه، فهذه الثمرة باطلةٌ.
ــــــــــ[357]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ومن جملة ما ذكروه من الثمرة في المقام: مسألة النذر(1)؛ فإذا نذر أن يعطي درهماً لمن أتى بواجب، وفرضنا أنَّه لم يقصد خصوص الواجب النفسيّ ولا الأعمّ من الواجب النفسيّ والغيريّ، بل نذر أن يعطيه لمن أتى بما هو مصداقٌ للواجب واقعاً من دون قصد للواجب النفسيّ والغيريّ، وإلَّا فإنَّ النذر تابعٌ للقصد ولا تكون هذه ثمرةً، فعلى القول بوجوب المقدّمة: إذا أعطى درهماً للآتي بالمقدّمة فقد وفى بنذره؛ لأنَّها واجبةٌ، والمفروض أنَّ قصده هو الإعطاء لمن أتى بمصداق الواجب، وعلى القول بعدم وجوب المقدّمة: لا يتحقّق الوفاء؛ لأنَّ الإعطاء للآتي بالمقدّمة إعطاءٌ لمن لم يأتِ بالواجب على الفرض.
إلَّا أنَّ هذه ليست ثمرةً؛ لأنَّ هذا لا يتمّ على القول بالوجوب لو قلنا بانحصار الوجوب بالمقدّمة الموصلة، كما ذهب إليه صاحب الفصول، فإنَّ من أتى بالمقدّمة إن أتى بالواجب بعدها فقد أتى بالواجب النفسيّ، فلا أثر للنزاع، وإن لم يأتِ بالواجب النفسيّ فالمقدّمة ليست مصداقاً للواجب على الفرض، فالبرء لا يحصل؛ إذ المفروض أنَّ الوجوب مختصٌّ بما ترتّب عليه الواجب في الخارج، وهذا لم يترتّب عليه الواجب.
إذن، لا بُدَّ أن تنحصر النتيجة على القول بوجوب مطلق المقدّمة، بأن
ــــــــــ[358]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 391، هداية [ثمرات النزاع في وجوب المقدّمة]، أحدهما: حصول البرء من النذر، والآخوند، كفاية الأصول: 123، والنائيني، أجود التقريرات 1: 245.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
يُقال: إنَّه بناءً على ذلك يتحقّق الوفاء بالإعطاء لمن أتى بالمقدّمة وإن لم يأتِ بذيها خارجاً، أمّا على القول بعدم وجوبها مطلقاً أو القول بوجوب خصوص الموصلة، فلا يحصل الوفاء.
وعلى ذلك فالثمرة وإن كانت تامّةً -أي: على القول بالوجوب المطلق يصحّ الإعطاء لمن أتى بالمقدّمة وإن لم يأتِ بذيها، وعلى القولين الآخرين: عدم وجوب المقدّمة أو اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة، لا يتحقّق الوفاء خارجاً- فإنَّ مسألة النذر ليست ثمرةً للمسألة الأصوليّة؛ فإنَّ ثمرة المسألة الأصوليّة -على ما ذكرنا غير مرّةٍ- لا بُدَّ من أن تكون حكماً كلّيّاً فرعيّاً، ومعلومٌ أنَّ وجوب الوفاء بالنذر قد استفيد من أدلّةٍ ومبادئ أخرى، وإنَّما الكلام بتطبيق هذه الكبرى على الصغرى، أي: على تقدير القول بوجوب المقدّمة مطلقاً يحصل الوفاء، وإلَّا فلا. وحصول الوفاء وعدمه ليس مسألةً كلّيّةً تستنتج من هذه المسألة، فلا تكون ثمرةً.
ذكروا(1) ثمرةً أُخرى لما نحن فيه، وهي أنَّنا: إذا قلنا بأن المقدّمة ليست واجبةً، فيجوز أخذ الأجرة على المقدّمات؛ لأنَّها باقيةٌ على أحكامها الأوّليّة، وهي الجواز بالمعنى الأعمّ، وأمّا إذا قلنا بالوجوب فلا يجوز أخذ الأجرة عليها،
ــــــــــ[359]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 394، هداية [ثمرات النزاع في وجوب المقدّمة]، الثالث: ما ذكره بعضهم من جواز أخذ الأجرة على المقدّمات، والآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 124، والنائيني، أجود التقريرات 1: 245-246.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
على ما هو المعروف من عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات.
هكذا قالوا: إلَّا أنَّ هذه الثمرة غير تامّة.
◙ أولاً: لما ذكرناه من أنَّها لا تكون ثمرةً لمسألةٍ أصوليّةٍ، وإنَّما هو تشخيصٌ للصغرى، فلو فرضنا أنَّنا بنينا على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات، إلَّا أنَّ تشخيص أنَّ هذا واجبٌ أو ليس بواجبٍ لا يوجب كون المسألة أصوليّةً. والمسألة الفقهيّة هي جواز أخذ الأجرة على الواجبات وعدمه، والمباني التي يستنتج منها هذا الحكم الكلّيّ أصوليّة، ولكنّ تطبيق هذه الكبرى المستنتجة على الخارج ليس مسألة أصوليّةً.
◙ وثانياً: لأنَّ هذا الكلام باطلٌ من أصله؛ فإنَّ وجوب الشيء لا ينافي أخذ الأجرة عليه. وإنَّما لا يجوز أخذ الأجرة على الواجبات في موردين:
فلو صحّ هذا، فإنَّما يتمّ في العباديّات، أي: إنَّ كلّ ما يكون عبادةً لا يجوز أخذ الأجرة عليه؛ لأنَّ أخذها ينافي العباديّة، سواء كانت العبادة واجبةً أم مستحبّةً، وسواء قلنا بوجوب المقدّمة أم لم نقل. فهذا أجنبيٌّ عن بحث مقدّمة الواجب.
ــــــــــ[360]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
حقّ المسلم إذا مات وجب على باقي المسلمين أن يجهّزوه مجّاناً، فلا يجوز أخذ الأجرة على شيءٍ من ذلك، وإن كان الواجب توصّلياً في غير الصلاة على الميّت، إلَّا أنَّنا علمنا أنَّه وجب من جهة المجّانيّة، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه.
وإلَّا فالوجوب لا ينافي أخذ الأجرة ارتكازاً، سواءٌ كان نفسيّاً أم غيريّاً، ولهذا أفتى المشهور بجواز أخذ الأجرة على الواجبات الكفائيّة، كالصناعات التي يقوم عليها النظام، ولم يستشكل أحدٌ في أخذ الطبيب الأجرة على عمله كذلك القصّاب أو الخبّاز.
إذن، فلا مانع من أن تكون المقدّمة واجبةً شرعاً، ومع ذلك يجوز أخذ الأجرة عليها، والوجه في ذلك ظاهرٌ؛ فإنَّ الوجوب إنَّما يقتضي الإتيان بمتعلّقه خارجاً، أمّا أنَّه بالمجّان فهذا يحتاج إلى تقييد، وأمّا إذا لم يكن تقييدٌ فمقتضى الإطلاق في متعلّق الوجوب هو الاجتزاء بالإتيان به، سواءٌ كان مجّاناً أم بأجرةٍ.
من جملة ما ذكروه(1) ثمرةً لهذا البحث: أنَّه إذا ترك واجباً له مقدّماتٌ كثيرةٌ وكان تركه من الصغائر لا الكبائر، ففي مثل ذلك لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب، كان المكلّف تاركاً لعدّة واجباتٍ شرعيّةٍ وهي ذو المقدّمة ومقدّماتها، فيحكم بفسقه؛ لأنَّه مصرٌّ على الترك؛ إذ يتحقّق الإصرار بترك واجباتٍ كثيرةً.
ــــــــــ[361]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 392، هداية [ثمرات النزاع في وجوب المقدّمة]، الثاني: ترتّب الفسق على تركها على القول بوجوبها، والآخوند، كفاية الأصول: 124، والنائيني، أجود التقريرات 1: 245.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أمّا على القول بعدم الوجوب فلا يحكم بفسقه؛ لأنَّه لم يترك إلَّا واجباً واحداً وقد فرضناه من الصغائر.
إلَّا أنَّ هذه الثمرة لا تتمّ من وجوه:
◙ الوجه الأوّل: أنَّه ليس هناك فرقٌ بين الصغائر والكبائر في حصول الفسق في المعصية، وقد ذكرنا في محلّه من الفقه أنَّه لا فرق بين الصغيرة والكبيرة من حيث إنَّ ترك كلٍّ منهما يوجب الفسق، فإنَّ تارك الواجب عمداً فاسقٌ، بلا فرقٍ في ذلك بين الصغائر والكبائر وكذلك في المحرّمات.
◙ الوجه الثاني: أنَّ ذلك مبنيٌّ على أنَّ ترك الواجب الغيريّ أيضاً معصيةٌ وموجبٌ للبعد عن المولى، كالواجب النفسيّ. وقد ذكرنا فيما تقدّم من بحث المقدّمة أنَّ ترك الواجب الغيريّ بما هو تركٌ للواجب الغيريّ، لا بما هو تركٌ للواجب النفسيّ لا يكون معصيةً ولا موجباً للبعد عن المولى؛ لقضاء الوجدان بأنَّ مَن ترك واجباً له مقدّماتٌ ومَن ترك واجباً ليس له مقدّمةٌ، لا يفرّق في مرتبة العصيان بين الأمرين إذا كان نفس الواجبين في مرتبةٍ واحدةٍ من الوجوب أو من طبيعةٍ واحدةٍ. فتارك الواجب الذي له مقدّمةٌ أو مقدّماتٌ وتارك الواجب الذي ليس له مقدّمة، ليسا على مرتبتين، بل هما على مرتبةٍ واحدةٍ. فلا أثر للقول بالوجوب الغيريّ من هذه الجهة، أي: ليس تركه معصيةً ليتعدّد العصيان بترك المقدّمة وذيها ليتحقّق الإصرار.
◙ الوجه الثالث: أنَّنا لو فرضنا الأمرين، أي: لو فرّقنا بين الكبيرة والصغيرة وفرضنا أنَّ ترك الواجب الغيريّ معصيةٌ، فإنَّ الإصرار إنَّما هو
ــــــــــ[362]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المداومة على ترك العمل، أي: معصيةٌ بعد معصيةٍ ومخالفةٌ بعد مخالفةٍ، أمّا لو فرضنا أنَّه ارتكب معاصي كثيرةً في آنٍ واحدٍ وزمانٍ واحدٍ فليس هذا إصراراً. فلو ارتكب الصغائر كلّها في زمان واحد، وقلنا بأنَّ ارتكاب الصغيرة لا يوجب الفسق، كما لو نظر إلى نساءٍ متعدّدةٍ أو إلى امرأةٍ واحدة، لا يتحقّق بذلك الإصرار؛ فإنَّ الإصرار هو ارتكاب معصيةٍ بعد معصيةٍ.
ولو سلّمنا هذا فليست الثمرة ثمرة للمسألة الأصوليّة؛ لما تقدّم: من أنَّ المسألة الأصوليّة لا بُدَّ من أن تكون نتيجتها حكماً كلّيّاً شرعيّاً. أمّا تطبيق الحكم المستنتج على موارده فليس من المسألة الأصوليّة.
ومقامنا من هذا القبيل؛ حيث استنتجنا من الخارج أنَّ الإصرار على الصغيرة موجبٌ للفسق، فهذا حكمٌ كلّيٌّ شرعيٌّ استنتجناه من دليله. أمّا تطبيقه على الموارد فهو ليس من ثمرات المسألة الأصوليّة.
ذكروا(1) أنَّه على القول بعدم وجوب المقدّمة: لو فرضنا أنَّ المقدّمة كانت محرّمةً، فعلى تقدير حرمتها وعدم وجوبها يتمحّض وقوعها على صفة الحرمة دون أن تكون محبوبةً بوجهٍ، فلا يمكن التقرّب بها بوجهٍ، وأمّا إذا فرضنا أنَّ هذه المقدّمة واجبةٌ، فهذا يدخل في باب اجتماع الأمر والنهي؛ لأنَّ هذه المقدّمة
ــــــــــ[363]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 397، هداية [ثمرات النزاع في وجوب المقدّمة]، الرابع: ما قد نسبه البعض إلى الوحيد البهباني، والآخوند، كفاية الأصول: 124، والنائيني، أجود التقريرات 1: 246.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
واجبةٌ من جهةٍ ومحرّمةٌ من جهةٍ أُخرى، فمن جهة الوجوب يمكن التقرّب بها ويقع الفعل صحيحاً بناءً على جواز اجتماع الأمر والنهي.
إذن تترتّب ثمرةٌ على هذا البحث باعتبار أنَّه على القول بالوجوب وجواز اجتماع الأمر والنهي يحكم بصحّة العمل وإن كانت المقدّمة محرّمةً به، كما في الواجب النفسيّ الذي ينطبق عليه عنوانٌ محرّمٌ وعنوانٌ واجبٌ، فيحكم بصحّته وجواز التقرّب به، كذلك يُقال في المقدّمات فيحكم بصحّة المقدّمة ووقوع التقرّب وإن كان المكلّف عاصياً من جهةٍ أُخرى.
وهذه الثمرة -لو تمّت- ليست ثمرةً للمسألة الأصوليّة؛ فإنَّها تتوقّف على ضمّ شيءٍ آخر إليها، وهي مسألة جواز اجتماع الأمر والنهي، فإذا قلنا بوجوب المقدّمة وانضمّت إليها مسألة أُخرى هي: جواز اجتماع الأمر والنهي، أمكن الاستنتاج، وإلَّا فلا.
على أنَّها غير مسلّمةٍ، وسنذكر وجه ذلك فيما يلي:
وأورد صاحب الكفاية(1) عليه بثلاثة وجوه، لا يتمّ منها إلَّا الوجه الثالث.
أنَّ المقدّمة إنَّما تجب لا بوصف كونها مقدّمةً، يعني: أنَّ العنوان لا دخل له في الوجوب؛ فإنَّ العنوان من الحيثيّات التعليليّة، بل الوجوب الغيريّ متعلّقٌ
ــــــــــ[364]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 124-125، المناقشة في ثمرة أُخرى للمسألة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بذات المقدّمة، لا بعنوان المقدّمة، كما تقدّم فيما سبق.
إذا فرضنا ذلك، فلا يدخل هذا في باب اجتماع الأمر والنهي، بل يدخل في باب النهي عن العبادة، ومعلومٌ أنَّ النهي عن العبادة يوجب الفساد، فلا فرق بين القول بجواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه؛ فإنَّه على كلا التقديرين: يحكم بفساد العبادة؛ لأنَّ ذات ما تعلّق به الأمر هو منهيٌّ عنه، وهذا لم يقل أحد بجوازه؛ فإنَّ القائل بالجواز إنَّما يقول به فيما إذا تعلّق الوجوب بعنوانٍ والحرمة بعنوانٍ آخر، واجتمع العنوانان في الخارج بسوء اختيار المكلّف، كما في الصلاة في الدار المغصوبة، فإذا قلنا بجواز الاجتماع نحكم بصحّة العمل وإن كان عاصياً من جهة الغصبيّة.
إلَّا أنَّ هذا لا يجري في باب المقدّمة؛ فإنَّ المقدّمة إنَّما وجبت لكونها مقدّمةً، لا لأنَّ الأمر تعلّق بالعنوان، بل لأنَّه قد تعلّق بذات المقدّمة، والمفروض أنَّ ذات المقدّمة محرّمةٌ، فالوجوب تعلّق بذات ما تعلّق به النهي، وهذا غير ممكنٍ، لا بُدَّ من أن يكون الوجوب ساقطاً؛ فلا يمكن التقرّب من جهة الإتيان به.
إلَّا أنَّ هذا الإيراد لا يتمّ؛ فإنَّ ما ذكره -من أنَّ الأمر الغيريّ لم يتعلّق بعنوان المقدّمة، بل بذات المقدّمة- صحيحٌ كما تقدّم، حيث قلنا: إنَّ عنوان المقدّمية من الجهات التعليليّة؛ فإنَّ ذات ما يتوقّف عليه الواجب واجبٌ، لا عنوان ما يتوقّف عليه الواجب، أي: الواجب هو المقدّمة بالحمل الشايع، وأمّا عنوانها فلا يتوقّف عليه شيءٌ وليس واجباً.
ــــــــــ[365]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ولكن مع ذلك، ليس المقام داخلاً في باب النهي عن العبادة، بل داخلٌ في باب اجتماع الأمر والنهي، كما لو توضّأ في دارٍ مغصوبةٍ؛ فإنَّه على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي يمكن القول بصحّة الوضوء؛ باعتبار أنَّ الوضوء من جهة الغصب يحكم بحرمته، ومن جهة كونه وضوءاً يتوقّف عليه الواجب يحكم بوجوبه، فيقع واجباً لا بعنوان أنَّه مقدّمة.
بعبارة أخرى: إنَّ ما يتوقّف عليه الواجب ليس هو شخص هذا الوضوء ليُقال: إنَّه حرامٌ، بل الكلّيّ المنطبق عليه هذا الفرد، وهو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، فالوضوء بما هو وضوء مأمور به، وهذا الفعل
-الغسل بما هو غسلٌ- منهيٌّ عنه، فوقع العمل الخارجي مصداقٌ للأمرين معاً. فيمكن أن يُقال: إن هذا العمل بما أنَّه وضوءٌ واجبٌ وبما أنَّه غصبٌ حرامٌ.
وإيراد صاحب الكفاية مبنيٌّ على تخيُّلِ أنَّ القائل بهذه الثمرة يدّعي وقوع الفعل واجباً، باعتبار كونه مصداقاً لعنوان المقدّمة، إلَّا أنَّ القائل بها يدّعي وجوبه باعتبار كونه مصداقاً للمقدّمة بالحمل الشايع.
فكما أنَّ القائل بجواز اجتماع الأمر والنهي يحكم بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأنَّها من حيث كونها صلاةً مأمورٌ بها، كذلك يُقال في الوضوء في الدار المغصوبة ويحكم بصحّته لكونه مقدّمةً للواجب، وإن كان محرّماً باعتبار كونه منطبقاً عليه عنوان الغصب.
فهذا الإشكال غير واردٍ على هذه الثمرة.
ــــــــــ[366]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إنَّ المقدّمة التي فرضنا حرمتها، إمّا أن تكون مقدّمةً منحصرةً أو تكون غير منحصرةٍ. فإن فرضناها منحصرةً دخل هذا في باب التزاحم؛ إذ لا يمكن الأمر بالشيء فعلاً مع النهي عن مقدّمته المنحصرة؛ لأنَّ المكلّف عندها لا يتمكّن من امتثال التكليفين معاً، لا بُدَّ أن يرفع المولى يده عن الوجوب إذا كان ملاك الحرمة أهمّ، أو عن الحرمة إذا كان ملاك الوجوب أهمّ. وعلى كلّ حالٍ لا ينتهي الأمر إلى بقاء الوجوب والحرمة معاً لتجب المقدّمة بوجوبٍ غيريٍّ، فيدخل في باب اجتماع الأمر والنهي.
وإذا فرضنا أنَّ المقدّمة غير منحصرةٍ، بل للمقدّمة فردان أحدهما حرامٌ والآخر واجبٌ، فذكر(1): أنَّ الوجوب -يعني: النفسيّ- والتحريم وإن كان كلٌّ منهما فعليّاً؛ لأنَّه ليس من التكليف بما لا يطاق، إلَّا أنَّه لا مقتضي لوجوب المقدّمة المحرّمة وجوباً غيريّاً، بل يختصّ الوجوب بالمقدّمة المباحة. فإذا أمر المولى بمقدّمةٍ وكان لها فردان، يتعيّن الوجوب الغيريّ طبعاً بالفرد المباح، والفرد الحرام لا يكون واجباً غيريّاً للواجب النفسيّ، لتبتني صحّته على جواز اجتماع الأمر والنهي. فلا ثمرة في المقام.
إلَّا أنَّ هذا الإيراد أيضاً ساقطٌ؛ لأنَّ المباح والحرام إذا فُرض أنَّ كلّاً منهما واجدٌ لملاك الوجوب الغيريّ، كيف يمكن القول باختصاص الوجوب الغيريّ
ــــــــــ[367]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 125، المناقشة في ثمرة أخرى للمسألة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بالمقدّمة المباحة على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي؟ لا موجب للاختصاص، بل الوجوب النفسيّ والغيريّ من هذه الجهة سيّان؛ فكما أنَّ الواجب النفسيّ إذا كان له فردان أحدهما محرّمٌ والآخر واجبٌ، فلا نلتزم باختصاص الوجوب بالفرد المباح، بل ندّعي أنَّ كلّاً من الفردين مصداقٌ للواجب، ويحصل به الامتثال على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي، كذلك الكلام في الوجوب الغيريّ إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي، فلماذا ينحصر الوجوب بالمقدّمة المباحة ولا يكون المحرّم مصداقاً للواجب، وقد فرضنا أنَّ هذا الفرد أيضاً واجدٌ لملاك الوجوب الغيريّ، وأنَّ اجتماع الأمر والنهي في موردٍ واحدٍ ممكنٌ؟!
وحاصل ما ذكره(1): أنَّه لا أثر للقول بوجوب المقدّمة وعدمه من هذه الجهة، والوجه في ذلك: أنَّ المقدّمة التي فرضنا أنَّها معنونةٌ بعنوانٍ محرّمٍ إمّا أن تكون عباديّةً أو غير عباديّةٍ، فإذا كانت غير عباديّةً ولا تتوقّف صحّتها على قصد القربة، ففي مثله لا أثر للقول بالوجوب وعدمه؛ حيث إنَّ هذا الواجب لا يعتبر فيه قصد القربة، فإنَّ الغرض من المقدّمة هو التوصّل إلى الواجب النفسيّ وهو حاصلٌ، سواءٌ قلنا بوجوب المقدّمة أم لم نقل؛ فإنَّه على أيّ حالٍ هو فعلٌ وقع محرّماً في الخارج ويعاقَب عليه المكلّف إلَّا أنَّه يتوصّل به إلى الواجب،
ــــــــــ[368]ــــــــــ
(1) انظر: المصدر السابق.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
كما هو الحال كذلك في غير المقدّمة من التوصّليّات، إذن فلا يفرق بين القول بالوجوب وعدمه.
وإذا كانت المقدّمة عباديّةً كما في الوضوء والغسل والتيمّم، فلو فرضنا أنَّه توضّأ في مكانٍ مغصوبٍ أو تيمّم كذلك، فإذا قلنا بعدم جواز اجتماع الأمر والنهي فلا إشكال في أنَّ هذا باطلٌ، سواءٌ قلنا بوجوب المقدّمة أم لم نقل؛ إذ على تقدير عدم الوجوب يكون متمحّضاً بالحرمة، والحرمة توجب فساد العبادة فيقع الوضوء فاسداً، وعلى تقدير الوجوب فالوجوب ساقطٌ في المقام؛ لأنَّنا نقول بامتناع اجتماع الأمر والنهي على الفرض، فلا أثر من هذه الجهة.
أمّا على القول بجواز اجتماعهما، فالقائل بالثمرة إنَّما تخيّل أنَّها تظهر في هذه الصورة، فإذا قلنا بالجواز نحكم بصحّة العمل وإلَّا كان العمل فاسداً، إلَّا أنَّه لا أثر للقول بالوجوب أيضاً، والوجه فيه: ما تقدّم من أنَّ الموجب لعباديّة المقدّمة ليس هو الأمر الغيريّ، بل هو الأمر النفسيّ المتعلّق بذات هذه المقدّمات، أي: إنَّ الوضوء والغسل بنفسه مستحبٌّ، فالعبادة مقدّمةٌ للواجب فيكون واجباً بالوجوب الغيريّ على تقدير القول بالوجوب لا أنَّ الوجوب الغيريّ أوجب عباديّة هذه المقدّمات.
وعليه، فلو فرضنا أنَّنا لم نقل بالوجوب الغيريّ، إلَّا أنَّ الأمر النفسيّ المتعلّق به موجودٌ فعلاً، فعلى القول بجواز اجتماع الأمر والنهي إنَّما يحكم بالصحّة من جهة الأمر الاستحبابيّ النفسيّ لا من جهة الأمر الغيريّ، فلو لم يكن الأمر الغيريّ موجوداً فإنَّه مع ذلك يحكم بالصحّة أيضاً. فعلى تقدير
ــــــــــ[369]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
القول بجواز اجتماع الأمر والنهي وفرض أنَّ الوضوء انطبق عليه عنوانٌ محرّمٌ يحكم بصحّته، فلا أثر حينئذٍ للقول بالوجوب وعدمه من هذه الجهة.
وهذا هو الصحيح، بناءً على ما تقدّم من أنَّ عباديّة العبادة تنشأ من هذه الجهة.
فاتّضح ممّا ذكرناه: أنَّ الثمرة منحصرةٌ فيما إذا كانت المقدّمة محرّمةً وتوقّف عليها واجبٌ أهمّ من ملاك الحرام. فعلى القول بوجوب المقدّمة مطلقاً يسقط تحريمها على الإطلاق، فيجوز أن يأتي بها وإن لم يترتّب عليها الواجب، ولكن على القول بعدم الوجوب أو باختصاصه بالموصلة، يكون غير الموصل منها باقياً على حرمته، كما كان هو الحال فيما إذا لم يكن توصّل، أي: لا أثر للتوصّل في نفي الحرمة عن المقدّمة غير الموصلة، وهذه الثمرة ثمرة صحيحة، وهذه المسألة داخلة في المسائل الأصوليّة.
ــــــــــ[370]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذا تمكّنا من إقامة الدليل على وجوب المقدّمة فهو، وكذا إذا تمكّنا من إقامة الدليل على عدمه.
وأمّا إذا انتهى الأمر إلى الشكّ في وجوب المقدّمة، فماذا يقتضي الأصل؟ هل يقتضي وجوبها أم عدمه؟ أم لا أصل في المقام؟
أمّا بالنسبة إلى المسألة الأُصوليّة -أي: ثبوت الملازمة بين الوجوب النفسيّ والوجوب الغيريّ على ما يدّعيه القائل بالوجوب، أو عدم ثبوتها- فهذا لا يجري فيه الأصل؛ لأنَّ الملازمة أمرٌ تكوينيٌّ خارجيٌّ وليس لها حالةٌ سابقةٌ، فإنَّ الملازمة أزليّةٌ لا محالة؛ إذ هي في قولنا: لو كان كذا لكان كذا، ليست من الموجودات الخارجيّة المسبوقة بالعدم؛ فإنَّ فرض: أنَّ الشيء إذا وجد كان كذا، أمرٌ أزليٌّ وليس له حالةٌ سابقةٌ، ومن الأُمور الواقعيّة، لا من الموجودات الخارجيّة. وقد تقدّم في بعض المباحث السابقة أنَّ الأُمور الواقعيّة أعمّ من الموجودات الخارجيّة، فيمكن أن لا يكون الأمر موجوداً في الخارج ويكون واقعيّاً، والمراد بالواقع أنَّه إن أخبرنا عنه كان الخبر صادقاً، وإذا كان الخبر مخالفاً له كان كاذباً، ففي مثل الملازمة بين أمرين نحو: لو كان أربعاً لكان زوجاً أو لو كان زوجاً لانقسم إلى متساويين. هذه أُمورٌ واقعيّةٌ إذا أخبرنا عنها كان الخبر
ــــــــــ[371]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
صادقاً، وكذلك الملازمة في قوله عزّ من قائل: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا(1) فهذه الملازمة أمرٌ واقعيٌّ إذا أخبرنا عنها كان الخبر صادقاً.
فليست الملازمة أمراً حادثاً وأنَّه لم يكن من قبل، حتّى إذا شككنا فيه استصحبنا عدمه. على أنَّ الملازمة ليس لها أثرٌ شرعيٌّ، فلا يجري الاستصحاب ولو كانت أمراً حادثاً.
إذن، فلا يمكن جريان الأصل في المسألة الأصوليّة؛ لأنَّ الملازمة ليست أمراً حادثاً ولا مجعولاً شرعيّاً ولا ذات أثرٍ شرعيّ.
وأمّا وجوب المقدّمة شرعاً؛ فإذا فرضنا أنَّ الأصل في الملازمة لا يجري كما ذكرنا، ومع ذلك شككنا في أنَّ الشيء إذا وجب فهل تجب مقدّمته أم لا؟ فنحن نعلم أنَّ الوضوء لم يكن واجباً قبل وجوب الصلاة، ونشكّ في حدوث وجوبه بعد حدوث وجوبها، فهذا وجوبٌ حادثٌ لا محالة، لم يكن فيما سبق، وعلى تقدير القول بالملازمة إنَّما حدث بحدوث الوجوب للصلاة، فيشكّ أنَّ الصلاة إذا وجبت فهل تجب مقدّمتها أم لا؟
ومن هنا، ذكر صاحب الكفاية(2): أنَّه لا مانع من جريان الأصل في وجوب المقدّمة من حيث المسألة الشرعيّة الفرعيّة، وإن كان الأصل بالنسبة إلى الملازمة غير جارٍ.
ولكنّ الظاهر: أنَّ الأصل هنا أيضاً لا يكون جارياً؛ وذلك لأنَّ الأصل
ــــــــــ[372]ــــــــــ
(1) الأنبياء: 22.
(2) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 125-126، في تأسيس الأصل في المسألة.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الجاري في المسألة الشرعيّة:
وشيءٌ منهما لا يجري في المقام:
أمّا البراءة، فالعقليّة منها واضحٌ أنَّها لا تجري؛ لأنَّها عبارةٌ عن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فإذا شككنا في تكليفٍ والمفروض أنَّه غير واصلٍ، فيستقلّ العقل بأنَّ المولى لا يصحّ له أن يعاقب على تكليفٍ غير واصل. فالبراءة العقليّة إنَّما تؤمّن من العقاب فقط، والمفروض أنَّ الواجب الغيريّ لا عقاب على مخالفته وإنَّما العقاب على مخالفة الواجب النفسيّ؛ فإنَّه لو ترك الواجب النفسيّ ومقدّمته لا يعاقب بعقابين، كما أنَّ العقاب على حدٍّ سواء، سواءٌ كان الواجب المتروك له مقدّمة أم ليس له مقدّمةٌ.
فالأمر واضح في البراءة العقليّة من كونها لا تجري في المقام؛ لأنَّه لا يحتمل هنا عقابٌ حتّى على تقدير الجزم بالوجوب.
وأمّا البراءة الشرعيّة؛ فغير جارية أيضاً؛ لأنَّها من جهة الامتنان كما هو مقتضى قوله: “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاء”(1) فهو حكمٌ مختصٌّ بهذه الأمة
ــــــــــ[373]ــــــــــ
(1) الصدوق، من لا يحضره الفقيه 1: 59، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الحديث 132، وفيه (وضع) بدل (رفع)، التوحيد للصدوق: 353، الباب 56: باب الاستطاعة، الحديث 24، الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 15: 369، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56: باب جملة ممّا عفي عنه، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
من جهة الامتنان. وجعل الوجوب الغيريّ ليس فيه كلفةٌ على المكلّف من قبل الشارع زائداً على الوجوب النفسيّ؛ فإنَّ نفس الوجوب النفسيّ يقتضي الإتيان بمقدّمته، فأيّ امتنان في رفع الوجوب الغيريّ؟ فإنَّه سواءٌ وجبت المقدّمة أو لم تجب حال المكلّف على حدّ سواء، والمفروض أنَّه لا عقاب على تركها حتّى يكون الامتنان من هذه الجهة.
والحاصل: أنَّه لا يفرض هنا امتنانٌ من ناحية المولى من حيث إنَّه لم يوجب الاحتياط، بل يوجب رفع التكليف؛ فإنَّ رفع التكليف وعدمه في المقام سيّان؛ إذ من جهة العقاب مقطوع العدم، ومن جهة غير العقاب لا بُدَّ من الإتيان به؛ لأنَّ المفروض أنَّ وجود الواجب النفسيّ يتوقّف على مقدّمته.
إذن أيّ امتنانٍ في الرفع؟ أي: إنَّ المولى لو أوجب الاحتياط لا بُدَّ للمكلّف من أن يأتي بالمقدّمة، وإذا لم يوجبه فأيضاً لا بُدَّ أن يأتي بها، فليس هنا امتنانٌ في الرفع ليتمسّك بحديث الرفع.
ومن هنا يظهر أنَّ الاستصحاب أيضاً غير جارٍ، أو قل: التعبّد بنفي الوجوب الغيريّ وإبقاء اليقين السابق غير جارٍ، الذي هو معنى الاستصحاب؛ باعتبار أنَّه قبل الوجوب النفسيّ كنّا على يقينٍ من عدم وجوب المقدّمة، وبعد وجود الوجوب النفسيّ نشكّ في وجوبها، فلا يمكننا التعبّد بعدم الوجود إبقاءً لليقين السابق؛ لأنَّه لغوٌ واضحٌ؛ إذ لا أثر له من جهة العقاب للقطع بعدم العقاب على ترك الواجب الغيريّ، ولا من جهة الكلفة الخارجيّة على المكلّف؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يأتي به، فمن هذه الجهة لا أثر له.
نعم، لا بُدَّ لنا من الرجوع إلى الأصل من الجهة الأُخرى، وهي: أنَّنا إذا شككنا
ــــــــــ[374]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
في وجوب المقدّمة، وكانت محرّمةً في نفسها وتوقّف عليها واجبٌ أهمّ، ففي مثل ذلك: إذا كنّا جازمين بأنَّ المقدّمة واجبةٌ على الإطلاق، فمعناه: الجزم برفع الحرمة على الإطلاق، فلا مانع من الإتيان بالمقدّمة وإن لم يؤتَ بذيها في الخارج.
كما أنَّنا إذا أحرزنا أنَّ المقدّمة ليست بواجبةٍ شرعاً، ففي مثله: لا نتوقّف في الحكم بحرمتها، إلَّا بمقدار الضرورة، أي: يأتي بالمقدّمة للتوصّل بها إلى الواجب، وأمّا الزائد على ذلك فلا.
وأمّا إذا شككنا في وجوب المقدّمة، فنحن إذن نشكّ في حرمة هذه المقدّمة فيما إذا لم يتوصّل بها إلى الواجب؛ فإنَّ ما يتوصّل به إليه فلا إشكال في ارتفاع الحرمة فيه، أمّا الحصّة الأُخرى فنشكّ في حرمتها؛ لأنَّها على تقدير وجوب المقدّمة لا تكون محرّمةً، وإنَّما تكون محرّمة على تقدير عدم وجوبها، فحينئذٍ يشكّ في الحرمة وعدمها. فإن كان هنا إطلاقٌ لدليل الحرمة تُمُسِّك به، فيثبت أنَّ المقدّمة محرّمةٌ غير مقدار الضرورة، أي: إنَّ المقدار المشكوك فيه محرّمٌ. ولو فرضنا أنَّ ذلك الدليل لا إطلاق له يشمل حال المقدّميّة، كما لو كان إجماعاً، وهو دليلٌ لبّيٌّ يُقتصر فيه على القدر المتيقّن، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة من جهة الحرمة لا من جهة الوجوب، أي: إنَّ هذا العمل الذي هو مقدّمةٌ لواجبٍ فعليٍّ لو فرضنا أنَّنا لم نقصد به التوصّل، أو لم يترتّب عليه الواجب بحسب الخارج، فحيث إنّا نحتمل أنَّه واجبٌ فنحتمل ألّا يكون محرّماً، فنتمسّك بالبراءة من ناحية التحريم، فيرجع إلى الأصل في هذه الصورة فقط، أمّا في غيرها فلا أثر للأصل أصلاً.
ــــــــــ[375]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
استدلّ القائلون بوجوب المقدّمة بوجوه:
وهو أنَّ المقدّمة إذا لم تكن واجبةً جاز تركها(1)، وهذا واضحٌ؛ فإنَّ غير الواجب يجوز تركه، بمقتضى عدم الإلزامٌ بالفعل. وحينئذٍ فإمّا أن يبقى الواجب على وجوبه أو يسقط وجوبه، فعلى الأوّل يلزم التكليف بما لا يطاق؛ إذ لا يمكن الإتيان بالواجب من دون مقدمته، وإذا جاز ترك المقدّمة كيف يمكن الأمر بذيها؟ فإنَّه يمتنع الإلزام به من دون الإلزام بمقدّمته.
وأمّا إذا التزمنا بسقوط وجوبه، فيرجع ذلك إلى اشتراط الوجوب بالمقدّمة، بمعنى: أنَّه إذا أتى بالمقدّمة كان ذو المقدّمة واجباً وإلَّا لم يكن واجباً، وهذا خلفٌ؛ لأنَّنا فرضنا أنَّ الواجب مطلقٌ وليس وجوبه مشروطاً بوجوب مقدّمته.
ــــــــــ[376]ــــــــــ
(1) انظر: أبو الحسن الأشعري، المعتمد في أصول الفقه 1: 104-105، والذي نسبه للأشعري هو إبراهيم الموسوي القزويني المتوفى (1262 هـ) في كتابه ضوابط الأصول: 99، المقام الخامس.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إذن، لا بُدَّ من أن تكون المقدّمة واجبةً بوجوبٍ نفسيٍّ، وإلَّا لزم التكليف بما لا يطاق، أو الخلف وانقلاب الواجب المطلق إلى المشروط.
ولكنّ فساد هذا الاستدلال من الوضوح بمكان.
أمّا قوله: “إنَّ المقدّمة إذا لم تكن واجبةً جاز تركها”؛ فإن أراد الجواز الشرعي فنعم؛ فإنَّ المقدّمة إذا لم تكن واجبةً فهي جائزةُ الترك شرعاً، أي: إنَّه لا إلزام من قبل الشارع فيها ولا يعاقب عليها، وأمّا إذا أريد بالجواز الأعمّ من الجواز الشرعيّ والعقليّ، بمعنى: أنَّ المقدّمة إذا لم تجب شرعاً جاز تركها شرعاً وعقلاً، فليس الأمر كذلك؛ فإنَّه يمكن ألّا تكون المقدّمة واجبةً شرعاً، أي: لا يعاقب عليها بما هي مقدّمةٌ؛ إذ لا إلزام من قبل المولى بالنسبة إليها، ولكن يلزم الإتيان بها عقلاً مقدّمةً للواجب النفسيّ.
فإن أراد الأشعريّ الجواز الشرعيّ فصحيحٌ، وإن أراد الأعمّ من الجواز الشرعيّ والجواز العقليّ فليس بصحيحٍ.
وقوله: وحينئذٍ فإن بقي الواجب على وجوبه فيلزم التكليف بما لا يطاق، وإن سقط وجوبه انقلب الواجب المطلق إلى واجبٍ مشروطٍ(1).
أمّا الشق الثاني منه وهو: أنَّ ما فرضناه مطلقاً ينقلب مشروطاً فهو واضح الفساد؛ لأنَّ ما فرضناه مطلقاً باقٍ على إطلاقه ولم ينقلب.
وأمّا الشق الأوّل منه -وهو التكليف بما لا يطاق- فليس بصحيحٍ؛ لأنَّه
ــــــــــ[377]ــــــــــ
(1) انظر: المعتمد في أصول الفقه 1: 104-105.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إن أراد بقوله: (وحينئذٍ فإن بقي…) حين الجواز، أي: أن يُقال: إنَّ جواز ترك المقدّمة يلزم منه التكليف بما لا يطاق، فنسأل: أيّ ملازمةٍ بين جواز ترك المقدّمة شرعاً وامتناع ذيها عقلاً؟ ذلك أنَّ الجواز لا يلازم الترك؛ فإنَّها يجوز تركها شرعاً إلَّا أنَّه يجب الإتيان بها عقلاً؛ فإنَّ الجواز الشرعيّ لا يوجب امتناع المقدّمة وإنَّما يبقى تركها بالاختيار. فليس جواز ترك المقدّمة شرعاً موجباً للتكليف بما لا يطاق في الواجب النفسيّ؛ إذ من المعلوم أنَّ الحكم الشرعيّ لا دخل له في القدرة على العمل، أي: إنَّه يمكن أن يأتي بالمقدّمة وأن يتركها، سواءٌ كانت واجبةً شرعاً أم غير واجبةٍ، فعلى كلا التقديرين هي فعلٌ مقدورٌ تحت اختياره، فكيف يمكن أن يكون التكليف بالواجب المطلق مع عدم وجوب مقدّمته تكليفاً بما لا يطاق؟ يعني: حين جاز ترك المقدّمة كان التكليف بذيها تكليفاً بما لا يطاق؛ فإنَّ التكليف بما لا يطاق هو التكليف بغير المقدور. وفي المقام ليس كذلك؛ فإنَّ الحكم الشرعيّ لا يؤثّر في القدرة عليه، وليس إيجاب الفعل موجباً لامتناعه، والتكليف بالمقدّمة تكليفٌ بما هو مقدورٌ وليس للإيجاب دخلٌ في القدرة عليه، فسواءٌ جاز تركها أم لم يجز وكان فعلها واجباً فهو أمرٌ مقدورٌ، وليس تكليفاً بما لا يطاق.
نعم، لو أريد من جواز التركِ الأعمَّ من العقليِّ والشرعيِّ، فحينئذٍ يلزم المحذور إلَّا أنَّ المحذور ليس هو ذلك، فإنَّنا لو فرضنا أنَّ العقل لا يلزم بالمقدّمة كما أنَّ الشارع لا يوجبها، فمعناه: أنَّ العقل لا يحكم بوجوب امتثال الواجب النفسيّ؛ فإنَّ امتثاله لا يكون في الخارج إلَّا بالإتيان بمقدّمته، فالعقل
ــــــــــ[378]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الحاكم بالإطاعة ووجوب الامتثال يلزم بالمقدّمة لا محالة، فلو لم يحكم العقل بوجوب المقدّمة كالشارع وكان للعبد ترك المقدّمة في حكم العقل والشرع، فمعناه: أنَّ العبد مرخّصٌ في ترك الواجب النفسيّ وأنَّه ليس بواجبٍ، هذا خلفٌ.
فقوله في المقدّمة الأولى: “إذا لم تكن المقدّمة واجبةً لجاز تركها” أي: نقول جاز تركها شرعاً، لا عقلاً وشرعاً؛ وإلَّا فلا نزاع بين العلماء في وجوب المقدّمة عقلاً، أي: إلزام العقل بالإتيان بها من باب إلزامه بالإطاعة.
فهذا الاستدلال لا يتمّ.
هذا على تقدير أن يريد بقوله: (وحينئذٍ) حين جواز الترك. وأمّا إذا أراد به حين الترك لا حين الجواز، أي أن نقول: إنَّه حينما ترك المكلّف المقدّمة خارجاً، فإن بقي الواجب المطلق على وجوبه لزم التكليف بما لا يطاق، وإن سقط وجوبه انقلب إطلاقه إلى الاشتراط؛ فهذا صحيحٌ؛ فإنَّه على تقدير ترك المقدّمة يمتنع ذو المقدّمة ولا يمكن الإتيان به؛ لأنَّه متوقّفٌ عليها.
إلَّا أنَّ هذا ليس من التكليف بما لا يطاق وإن كان ممتنعاً؛ لأنَّه امتناعٌ بالاختيار، والذي لا يُعقل هو أن يكون الشيء ممتنعاً في نفسه لا بالاختيار، بمعنى: أنَّ المكلّف لا يريد إيجاده في الخارج، فالواجب مع هذا القيد وإن كان مستحيل الوجود، إلَّا أنَّ استحالته بالغير، نشأت عن إرادة المكلّف واختياره، وهذا لا يضرّ؛ فإنَّه وإن كان الفعل ممتنعاً بترك المقدّمة، فإنَّ المكلّف هو الذي تركها خارجاً سواءٌ كانت واجبةً أم جائزة، وعلى كلا التقديرين كان المكلّف
ــــــــــ[379]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
متمكّناً من الإتيان بها فيأتي بالواجب، فهو إنَّما ترك الواجب باختياره لأجل ترك مقدّمته باختياره، وهذا ليس من التكليف بما لا يطاق؛ لأنَّ امتناعه بالاختيار. والذي لا يعقل هو الأمر بشيءٍ يتعذّر على المكلّف فعله لو أراد أن يفعله: كالطيران في الهواء أو جمع النقيضين لا التكليف بشيءٍ يمكن وجوده في الخارج، إلَّا أنَّه لا يتحقّق؛ لأنَّ المكلّف تركه باختياره. وهذا هو المعروف من أنَّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، وكذلك الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار.
وكيف كان، فهذا الاستدلال لا يرجع إلى محصّلٍ، بل يمكن ألّا تكون المقدّمة واجبةً شرعاً، ومع ذلك يلزم العقل بالإتيان بها مقدّمةً للإطاعة، والتكليف فعليٌّ، والمكلّف به مقدورٌ للمكلّف، سواءٌ التزمنا بوجوب المقدّمة أم لا.
وحاصله(1): أنّا نرى في الأوامر العرفيّة والشرعيّة، أنَّ بعض المقدّمات قد تعلّق بها أمرٌ مِن قِبل المولى، وهذا الأمر ليس نفسيّاً قطعاً، بل هو أمرٌ غيريٌّ. أمّا شرعاً فكالأمر بالوضوء والتيمّم، والأمر بالاغتسال ليلة صوم شهر رمضان مقدّمةً لصوم الغد. أمّا عرفاً فكأن يأمر المولى عبده بأن يذهب إلى السوق لشراء اللحم، فالأمر بالذهاب موجودٌ، وليس هو أمراً نفسيّاً قطعاً، وإنَّما هو أمرٌ غيريٌّ مقدّميٌّ للتوصّل به إلى الواجب النفسيّ.
ــــــــــ[380]ــــــــــ
(1) انظر: الآخوند، كفاية الأصول: 126.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
فإذا ثبت الأمر الغيريّ في موردٍ وتحقّق هذا الأمر، فإمّا أن يكون بملاك المقدّمية، وإمّا أن يكون بملاكٍ آخر غير المقدّمية.
أمّا الملاك الآخر فهو مفروض العدم؛ إذ ليس هنا شيءٌ موجبٌ للإلزام بالفعل غير المقدّميّة، فانحصر الملاك -إذن- بملاك المقدّمية وتوقّف الواجب النفسيّ عليه، وهذا لا يفرّق فيه بين موردٍ وموردٍ؛ فإنَّه إذا ثبت الوجوب في موردٍ ثبت في جميع الموارد؛ لوحدة الملاك.
والجواب عن ذلك: أنَّ هذه الأوامر التي تعلّقت بالشرائط وغيرها من المقدّمات في العرف والشرع ليست أوامر مولويّةً ولا يستفاد منها الأمر الغيريّ، بل المستفاد منها على اختلاف مواردها، أحد أمرين:
◙ أحدهما: أنَّها أوامر إرشاديّةٌ إلى الشرطيّة، كما في قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ…(1)؛ حيث إنَّ المستفاد من الآية أنَّ الصلاة مشروطةٌ بالطهارة على التفصيل المذكور في الآية، أي: الوضوء أو الغسل ثُمَّ التيمّم عند عدم التمكّن، فهذا الأمر إرشادٌ إلى الشرطيّة، دون أن يكون مولويّاً وجوبيّاً.
◙ ثانيهما: أنَّ هذه الأوامر إرشادٌ إلى حكم العقل؛ حيث إنَّ العقل يحكم بلزوم الإتيان بالمقدّمة من أجل تحقّق الواجب وتوقّف إطاعته عليه. فهذه الأوامر إرشادٌ إلى ما حَكَم به العقل من لزوم الإتيان بالمقدّمة قبل الإتيان بذيها.
ــــــــــ[381]ــــــــــ
(1) المائدة: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
والظاهر: أنَّ الغالب في الأوامر العرفيّة إنَّما هو الإرشاد إلى المقدّميّة لعدم الشرطيّة في هذه الموارد. فلا أمرَ مولويّاً غيريّاً في موردٍ واحدٍ ليُقال بوجوب المقدّمة في غير هذا المورد أيضاً من جهة وحدة الملاك.
والذي يدلّنا على أنَّها للإرشاد إلى حكم العقل كما في جملة من الموارد، أو إلى الشرطيّة كما في جملة أُخرى، أُمور:
والأمر بإحضار الشاهدين في الطلاق لا يغاير الأمر في باب العبادات، أي: هما من سنخٍ واحدٍ، ففي الطلاق إرشادٌ إلى شرطيّة حضور الشاهدين في صحّته، وفي الصلاة إرشادٌ إلى أنَّ الصلاة لا تصحّ من دون الوضوء أو الغسل.
ــــــــــ[382]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وهكذا في المعاملات، فحالها حال النهي عن الاستنجاء بالعظم وغيره من الموارد، فالنواهي في المركّبات والمقيّدات لا يستفاد منها إلَّا المانعيّة والإرشاد إلى أنَّ العمل لا يصحّ معها، فإذا كان هذا حال النهي، أي: لا يستفاد منه التحريم، بل الإرشاد إلى المانعيّة، فكذلك حال الأمر لا يستفاد منه الوجوب النفسيّ ولا الغيريّ، بل هو إرشادٌ إلى الشرطيّة في باب الشرائط، أو إرشاد إلى حكم العقل من جهة أنَّ العقل يحكم بلزوم الإتيان بالمقدّمة، باعتبار أنَّ الواجب النفسيّ لا يتحقّق في الخارج من دون مقدّمة.
إذن، لم يثبت عندنا موردٌ يكون فيه الأمر الغيريّ متعلّقاً بشيء ليُقال: إنَّ وجود الأمر في موردٍ يكشف عن وجود الأمر في باقي الموارد لوحدة الملاك.
وهو الذي اعتمد عليه أكثر القائلين بالملازمة، واستدلّوا به على وجوب مقدّمة الواجب(1).
ــــــــــ[383]ــــــــــ
(1) انظر الأنصاري، مطارح الأنظار 1: 405، هداية: في ذكر حجج القائلين بالإثبات، والآخوند، كفاية الأصول: 126، والنائيني، أجود التقريرات 1: 230-231.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وحاصله: أنَّنا نرى بالوجدان أنَّ الإنسان إذا تعلّق شوقه بشيءٍ فلا محالة يشتاق إلى مقدّمته، غاية الأمر: أنَّ الشوق الأوّل شوقٌ إليه بالذات والشوق الثاني شوقٌ إلى المقدّمة بالعرض.
وهذا أمرٌ واضحٌ بالرجوع إلى الوجدان؛ فإنَّ كلّ أحدٍ لو رجع إلى وجدانه، يجد بأنَّه إذا أحبّ شيئاً أو اشتاق إليه وطلبه، فلا محالة يحبّ مقدّماته ويشتاق إليها ويطلبها، ولا فرق في هذه الجهة بين الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة؛ فإنَّه من لوازم الإرادة بما هي إرادةٌ لا بما هي إرادةٌ تكوينيّةٌ. فكما أنَّ الإرادة التكوينيّة للشيء تستلزم إرادة مقدّماته لا محالة، فكانت المقدّمات مرادةً بالتبع وبالغير، كذلك الإرادة التشريعيّة؛ فإنَّ مَن أراد فعلاً مِن غيره فهو يريد مقدّماته أيضاً، فالملازمة بين طلب الشيء وطلب مقدّماته ثابتةٌ بالوجدان من دون فرقٍ بين الإرادة التكوينيّة والتشريعيّة.
ولكن عند التحقيق يظهر أنَّ هذا الوجه كالوجهين الأوّلين لا يرجع إلى محصّل؛ إذ لو كان المدّعى هو ثبوت الملازمة بين الإرادتين: بين إرادة الشيء وإرادة مقدّمته، بمعنى الشوق والمحبّة، فهذا ممّا لا إشكال فيه، وهو أمرٌ ظاهرٌ واضحٌ؛ فإنَّه إذا اشتاق شخصٌ إلى شيءٍ وعلم أنَّه لا يتحقّق في الخارج إلَّا بمقدّمته، فهو مشتاقٌ إلى المقدّمة لا محالة؛ إذ المفروض أنَّه لا يوجد بدونها، فإذا علم بتوقّف المشتاق إليه على وجودٍ خارجيٍّ آخر، فهو مشتاقٌ إلى ذلك الوجود المقيّد بهذا الوجود. فبطبيعة الحال أنَّ ذلك الوجود بمقدّماته مشتاقٌ إليه، فهو
ــــــــــ[384]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
مشتاقٌ إلى المقدّمات، ولكنّه شوقٌ تبعيٌّ عرضيٌّ، فهو لا يشتاق في نفسه أن يذهب إلى السوق ولا سيّما إذا كان فيه مشقّةٌ ما، ولكنّه يشتاق إليه بالعرض لشوقه إلى شراء اللحم. فالشوق إلى شراء اللحم شوقٌ إلى الذهاب إلى السوق، إلَّا أنَّه شوقٌ ترشّحيٌّ من الشوق الأوّل.
وكذلك الحال في فعل الغير، فلو فرضنا: أنَّه اشتاق إلى شراء اللحم، فأمر خادمه بذلك، فهو مشتاقٌ إلى مشيه إلى السوق، إلَّا أنَّ هذا الشوق تبعيٌّ، والشوق الأصليّ هو الشوق إلى شراء اللحم. فالملازمة بين الشوقين ثابتةٌ لا محالة، أو فيما دون الشوق من المحبّة، وهو أمرٌ واضحٌ يجده كلّ مَن التفت إلى وجدانه وفتّش عن حاله.
إلَّا أنَّ كلامنا في الوجوب الشرعيّ لا في الشوق الذي هو من الصفات النفسانيّة وخارجٌ عن الاختيار؛ إذ الكلام في أنَّ إيجاب شيءٍ من قبل المولى هل هو مستلزمٌ لجعلٍ مولويٍّ آخر للإتيان بالمقدّمة أم لا؟ هل هناك ملازمة بين الوجوبين أم يمكن أن يوجب المولى شيئاً ولا يوجب مقدّمته، فهي ليست لازمةً وواجبةً شرعاً، بل هي لازمةٌ عقلاً لتوقّف الامتثال عليها؟ وليس الكلام في الشوق النفسيّ الخارج عن الاختيار والذي هو صفةٌ نفسيّةٌ.
وقد تقدّم الكلام في مبحث الطلب والإرادة: أنَّ الإرادة صفةٌ نفسانيّةٌ توجد في النفس بغير اختيار الإنسان؛ فإنَّ الإنسان يشتاق إلى كلّ ما يلائم قواه الظاهريّة والباطنيّة، كالمكان المريح والأكل اللذيذ، وهذا أمرٌ من لوازم الذات، وهو خارجٌ عن الاختيار، وليس من الأحكام المجعولة ليتكلّم في أنَّه هل يلزم
ــــــــــ[385]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
من الشوق إلى الشيء الشوق إلى مقدّمته أم لا يلزم؟
والحاصل: أنَّ الملازمة بين الشوقين وإن كانت بديهيّةً وثابتةً، إلَّا أنَّها خارجةٌ عن محلّ البحث. وما هو محلّ البحث: ثبوت الملازمة بين الوجوبين، والوجوب من الأفعال الاختياريّة، لا من الصفات النفسانيّة. هذا في الإرادة.
وأمّا في الطلب، فهو يستعمل بمعنيين:
◙ أمّا الأوّل: فقد يطلق ويراد به إعمال القدرة فيما تتعلّق به إرادة الإنسان وشوقه، فيُعمِل قدرته في ذلك، وهو الذي سمّيناه بالاختيار، حيث قلنا إنَّه من باب الافتعال بمعنى طلب الخير، وأنَّ الإنسان يطلب في أفعاله خير نفسه، وحيث إنَّه قادرٌ على الفعل والترك فيُعمل قدرته في الفعل أو الترك.
والطلب بهذا المعنى إنَّما يتحقّق في الإرادة التكوينيّة دون الإرادة التشريعيّة، أي: إذا تعلّقت إرادته بشيءٍ واشتاق إليه شوقاً يدفعه نحو الفعل، فلا محالة أنَّه يتصدّى لتحصيله، وهو معنى الطلب، فيوجده في الخارج. وأمّا الإرادة التشريعيّة فالمفروض أنَّ متعلّقها هو فعل الغير، فإنَّه يشتاق إلى فعلٍ صادرٍ من شخصٍ آخر، وفعل الغير خارجٌ عن قدرة المشتاق والمريد، وإنّما يصدر باختيار المأمور. فكيف يمكن أن يتعلّق به الطلب بمعنى إعمال القدرة فيما يتعلّق به شوقه؟ بل غايته: أنَّه يأمره بالفعل ليوجد الفعل باختياره. فالطلب بهذا المعنى لا يمكن تعلّقه بفعل الغير؛ لأنَّه خارجٌ عن الاختيار.
◙ وأمّا المعنى الثاني للطلب فهو: الإيجاب أو الطلب التشريعيّ، بمعنى: أنَّه يعتبر الفعل في ذمّة الغير ويبرزه بمبرزٍ خارجيٍّ؛ فإنَّ هذا هو التصدّي
ــــــــــ[386]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
لوجود الفعل من الغير في الخارج، وقد قلنا: إنَّ إطلاق الطلب على هذا المعنى باعتبار أنَّه قسمٌ من التصدّي؛ فإنَّ التصدّي يختلف، فتارةً: يكون تصدّياً إلى حصول الشيء إذا كان من أفعال نفس الشخص، وأخرى: إذا كان الفعلُ فعلَ الغير وخارجاً عن قدرته، فليس له إعمال قدرته فيه، ولكنّه يوجد له الداعي في نفس المأمور إلى إيجاده، فيوجّه إليه الأمر، بأن يجعله في ذمّته ويبرزه بمبرزٍ خارجيٍّ، فيوجد الداعي لدى المأمور إمّا طمعاً بالثواب أو خوفاً من العقاب، فيوجد الفعل في الخارج.
فإطلاق الطلب على هذا المعنى أيضاً صحيحٌ؛ فإنَّه نحوٌ من التصدّي نحو المراد والمشتاق إليه؛ إذ غاية ما يمكن للآمر التصدّي له إنَّما هو أن يأمر بالمأمور به ويبرز اعتباره النفسيّ بمبرزٍ في الخارج. وهذا أيضاً طلب.
إنَّ الطلب بهذا المعنى -أعني: التشريعي- الذي هو أمرٌ اختياريٌّ، ويتحقّق في موارد الإرادة التشريعيّة هو محلّ البحث، أي: أنَّ وجوب شيء هل يستلزم وجوب مقدّمته أم لا؟ بمعنى: أنَّه إذا اعتبر المولى شيئاً في ذمّة المكلّف وأبرزه في الخارج، فهل يكون هذا ملازماً لاعتبار المقدّمات في ذمّته أيضاً؟
إذا كان هذا هو محلّ البحث، فالوجدان أقوى شاهدٍ على أنَّه لم تثبت هذه الملازمة المدّعاة، فليس هنا ملازمةٌ بين اعتبار الشيء على ذمّة المكلّف واعتبار مقدّماته على ذمّته، وأيّ حاجةٍ إلى هذا الاعتبار؟ فإنَّه إذا اعتبر الشيء في ذمّته سوف يحكم العقل بأنَّه لا بُدَّ له من إيجاب المقدّمات ليتحقّق امتثال الواجب
ــــــــــ[387]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
النفسيّ في الخارج، الذي هو واجبٌ بحكم العقل، وبعدَه: فأيُّ ملزمٍ لاعتبار المقدّمات؟!
وبعد هذا البيان يكون من الظاهر: أنَّ في هذا الاستدلال خلطٌ بين الإرادة والوجوب، فإنَّه لا إشكال في ثبوت الملازمة في الإرادة والشوق، بلا فرقٍ بين الإرادة التكوينيّة والتشريعيّة، إلَّا أنَّ هذا خارجٌ عن محلّ البحث. ومحلّ البحث هو الوجوب الذي هو فعلٌ للآمر يوجده باختياره، أيّ: يعتبر الفعل ثابتاً في ذمّة المكلّف ويبرز في الخارج بمبرزٍ. ولا ملازمة -هنا- بين إيجاب شيءٍ وإيجاب مقدّماته، بل الحاكم هنا هو العقل، وهو يحكم بوجوب الإتيان بالمقدّمات توصّلاً للإتيان بالواجب النفسيّ.
وكثيراً ما يغفل الآمر عن وجود المقدّمات، فضلاً عن إيجابها، فكيف يمكن دعوى وجود الملازمة بينهما مع الغفلة وعدم الالتفات إليه؟
على أنَّه يمكن أن يُقال -مضافاً إلى أنَّه لا ملازمة بين الوجوبين بالوجدان-: إنَّ إيجاب المقدّمات شرعاً لغوٌ محضٌ لا يترتّب عليه شيءٌ بعد ما ذكرنا أنَّ الوجوب المقدّمي لا يترتّب عقابٌ على مخالفته، فما هي الفائدة من هذا الإيجاب؟ إن كانت الفائدة هي بعثه نحو المقدّمة، فالمفروض أنَّ نتيجة هذا البعث -وهي: أنَّ العقل يحكم بلزوم الإتيان بها- متحقّقةٌ؛ لتوقّف امتثال الواجب عليها. فإن كانت فائدته هي البعث فلا يتحقّق بعثٌ أصلاً؛ فإنَّ وجوده وعدمه سيّان. فإن لم تكن في هذا الإيجاب فائدةٌ، فهو لغوٌ محضٌ.
وبهذا البيان يكون من الظاهر: أنَّه لا ملازمة بين وجوب الشيء وبين
ــــــــــ[388]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وجوب مقدّماته أصلاً، وإنَّما المقدّمات لازمةٌ بحكم العقل؛ لأنَّه بتركها يترك الواجب، فيستحقّ المكلّف العقاب، فمن باب وجوب الإطاعة لا بُدَّ من الإتيان بالمقدّمات.
ولو فرضنا أنَّه صدر أمرٌ من المولى -في الموارد الشرعيّة أو العرفيّة- بالمقدّمات، فهو إرشادٌ لا محالة إمّا إلى الشرطيّة كما في كثيرٍ من الموارد، وإمّا إلى حكم العقل.
فالصحيح: أنَّ مقدّمة الواجب ليست واجبةً شرعاً، بل هي باقيةٌ على حكمها الأوّل مع قطع النظر عن توقّف الواجب عليها، وإن كان في حكم العقل لا بُدَّ من الإتيان بها؛ لأنَّه من دونها لا يتحقّق الامتثال في الخارج.
ــــــــــ[389]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
إنَّ ما ذكرناه في مقدّمة الواجب من ثبوت الملازمة بين الوجوبين وعدم ثبوتها، بجميع خصوصياتها، يجري في مقدّمة المستحبّ؛ لأنَّ الملازمة على تقدير ثبوتها إنَّما هي بين الطلبين: بين طلب المقدّمة وطلب ذيها لا بقيد كونه وجوبيّاً لا يجوز تركه، فإذا ثبتت الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، ثبتت أيضاً بين استحباب شيءٍ واستحباب مقدّمته، بعين البيان المتقدّم في مقدّمة الواجب.
فلو بنينا على الوجوب مطلقاً، نبني كذلك في المستحبّ، وإذا قلنا بوجوب خصوص الموصل من المقدّمات نبني هنا على الملازمة بين استحباب شيءٍ واستحباب مقدّمته الموصلة، وإذا بنينا هناك على عدم الوجوب نبني هنا على عدم الاستحباب.
فجواز ترك أحدهما وعدم جواز ترك الآخر لا دخل له فيما هو المهمّ من ثبوت الملازمة وعدمه؛ إذ لو كانت الملازمة ثابتةً فهي ثابتةٌ بين طلب الشيء وطلب مقدّمته سواءٌ كان الطلب وجوبيّاً أم استحبابيّاً.
ــــــــــ[391]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بناءً على ما تقدّم من القول بوجوب مقدّمة الواجب فهل تكون مقدّمة الحرام أيضاً كذلك؟ أي: هل يلزم أن تكون مقدّمة الحرام حراماً أم لا يلزم وإن قلنا بوجوب مقدّمة الواجب؟
وتنقسم مقدّمة الحرام إلى قسمين:
وهذا القسم ينقسم إلى صورتين:
أ) فإنَّ الآتي بالمقدّمة قد يقصد بالإتيان بها التوصّل بذلك إلى الحرام.
ــــــــــ[393]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ب) أو لا يقصد ذلك، وإن كان يترتّب عليها الحرام بعد ذلك.
فتارةً: يمشي بقصد أن يقتل أحداً أو يزني أو يسرق فيأتي بالمقدّمة قاصداً بها التوصّل إلى الحرام وإن كان لا يترتّب عليها الحرام في الخارج، إمّا لأنَّه يرتدع، وإمّا أنَّه يحول بينه وبين الحرام حائلٌ خارجيٌّ.
وأخرى: لا يكون كذلك، بل أتى بها بغير قصد التوصّل، ولو فرضنا أنَّه بعد ما أتى بالمقدّمة في الخارج ومشى إلى السوق لا بقصد أن يسرق شيئاً، ثُمَّ بعد أن ذهب سرق شيئاً من بقّالٍ -مثلاً- فهو لم يأتِ بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى الحرام وإن ترتّب عليها الحرام في الخارج.
هذه هي أقسام المقدّمة.
أمّا القسم الأوّل -وهو ما إذا كان الحرام مترتّباً على المقدّمة قهراً من دون توسّط الاختيار، وكان ترتّبه ضروريّاً ولم يتوسّط بين المقدّمة وذيها إرادةٌ واختيارٌ- فقد ذكر شيخنا الأستاذ: أنَّ الحرمة في الحقيقة متعلّقةٌ بالمقدّمة(1)؛ فإنَّها هي التي تكون داخلةً تحت اختيار المكلّف، وأمّا ذوها فهو قهريُّ الحصول في الخارج، فهنا وإن كان النهي صورةً متعلّقاً بذيها، إلَّا أنَّه في الحقيقة متعلّقٌ بالمقدّمة؛ وذلك كالنهي عن قتل النفس -وهو أمرٌ قهريٌّ مترتّبٌ على فري الأوداج أو ضرب بالبندقية أو إيصال سلكٍ كهربائيٍّ إلى يده أو غير ذلك- فالنهي عن القتل هنا نهي عن إيجاد سببه في الحقيقة؛ فإنَّ السبب أمرٌ مقدورٌ للمكلّف، وأمّا المسبّب فهو خارجٌ عن تحت قدرته، فلا يقع الكلام هنا عن
ــــــــــ[394]ــــــــــ
(1) انظر: النائيني، أجود التقريرات 1: 249-250.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الحرمة المقدّميّة وعدمها، فإنَّ المقدّمة محرّمةٌ بالحرمة النفسيّة، فالتكليف متعلّقٌ بالمقدّمة حقيقةً وإن تعلّق بذيها صورة.
إلَّا أنَّ هذا الذي أفاده لا يمكن المساعدة عليه، والوجه في ذلك: ما تقدّم في تقسيم الواجب إلى النفسيّ والغيريّ، حيث قلنا: إنَّ ما يعتبر في التكليف هو القدرة على المكلّف به، وأمّا أنَّ القدرة لا بُدَّ أن تكون بلا واسطةٍ فهذا غير متعيّنٍ؛ إذ لا يتعلّق التكليف بالخارج عن القدرة؛ فإنَّه تكليفٌ بما لا يطاق. وأمّا ما يكون مقدوراً ولو بواسطةٍ فهو يكفي في التكليف؛ فإنَّ القتل مقدورٌ للمكلّف بالقدرة على مقدّمته، والنهي متعلّقٌ به حقيقةً؛ فإنَّه فعلٌ اختياريٌّ للمكلّف، غايته: أنَّه اختياريٌّ بالواسطة، وهذا يكفي في وقوع التكليف؛ فإنَّه ليس من التكليف بما لا يطاق، فلا وجه لأنْ يُقال: إنَّ التكليف متعلّقٌ حقيقةً بالسبب، وأمّا المسبّب فهو ضروريُّ الوجود.
نعم، هو ضروريّ الوجود إلَّا أنَّه ضروريّ الوجود بالاختيار، ولا بأس بهذه الضرورة، فحيث إنَّه فرى الأوداج فقد تحقّق منه القتل، فالقتل فعلٌ توليديٌّ عن الفري، وأقصد بالفعل التوليديّ: الفعل المتولّد من فعلٍ آخر، ولا أقصد به معنى آخر، وهذا يكفي في التكليف.
إذن، لا وجه لصرف الحرمة من المسبّب إلى السبب، ودعوى: أنَّ السبب هو الحرام حقيقةً وإن كانت الحرمة متعلّقةً بالمسبّب صورةً، لا يمكن قبولها.
إذن، يقع الكلام في الحرمة الغيريّة -بعد أن كانت الحرمة النفسيّة متعلّقةً بالمسبّب- في أنَّ السبب هل هو حرام بالحرمة الغيريّة أم لا؟
ــــــــــ[395]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الكلام هو الكلام في مقدّمة الواجب بعينه؛ فإنَّ ملاك القول بالوجوب هناك هو توقّف الامتثال في الخارج عليه، فيدّعى أنَّ الوجدان شاهدٌ على أنَّ مَن يحبّ شيئاً يحبّ مقدّماته لا محالة؛ لأنَّ وجوده يتوقّف على وجوده، عين هذا يُدّعى في المقام ويُقال: إنَّ الوجدان شاهدٌ على أنَّ مَن يبغض شيئاً يبغض العلّة التامّة له، وما يتوقّف الامتثال عليه، فترك هذه المقدّمة لا محالة محبوبٌ بالعرض، فالمبغوضيّة للحرام تسري بالعرض إلى المقدّمة؛ لأنَّه لا يمكن امتثال الحرام إلَّا بترك هذه المقدّمة، فالمقدّمة يكون تركها محبوباً بالعرض لا محالة.
فإذا بنينا على ثبوت الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته لا بُدَّ من البناء على الملازمة بين حرمة الشيء وحرمة مقدّمته هذه، أي: المقدّمة التي لا يتوسّط بينه وبينها اختيار، وأمّا الحرمة النفسيّة فلا.
وأمّا القسم الثاني؛ فالصورة الأُولى وهي ما إذا كان الاختيار متوسّطاً بينهما، ولكنه إنَّما أتى به قاصداً أن يتوصّل به إلى الحرام في الخارج، وهذه المقدّمة من ناحية الحرمة المقدّميّة الناشئة من ذيها، لا وجود لها؛ لعدم توقّف امتثال الحرمة على ترك هذه المقدّمة، وبلا توقّفٍ لا موجب للحرمة؛ فإنَّ الإنسان يمكنه أن يمضي إلى السوق ولا يأتي بالحرام. وهذا لا يقاس بمقدّمة الواجب؛ إذ لا يمكن الإتيان بالواجب إلَّا بالاتيان بمقدّمته، فيدّعى الملازمة بينهما، وأمّا الحرام فالمطلوب فيه هو الانزجار عن الحرام وتركه، وهو لا يتوقّف على ترك جميع مقدّماته، فلا موجب للالتزام بالحرمة الخارجيّة؛ لعدم توقّف الامتثال عليها؛ إذ يمكن أن يترك الحرام في الخارج مع الإتيان بكثير من مقدّماته، ومع
ــــــــــ[396]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بطلان التوقّف لا موجب للحرمة المقدّميّة.
نعم، يقع الكلام في أنَّ الإتيان بفعلٍ يقصد به التوصّل إلى الحرام: هل هو حرامٌ في نفسه في الشريعة المقدسة أم لا؟
قد يُقال: إنَّ هذا حرامٌ أيضاً بمقتضى الروايات الدالّة على أنَّ نيّة السوء تكتب، باعتبار أنَّ الروايات متعارضةٌ، فقد دلّت جملةٌ من الروايات، على أنَّ نيّة السوء لا تُكتب، وأمّا النيّة الحسنة فتُكتب، فلا بأس بالنيّة المجرّدة ما لم يعمل الإنسان الشرّ بحسب الخارج. ودلّت جملةٌ منها على عدم الفرق بين الأمرين: فنيّة الكافر شرٌّ من عمله، ونيّة المؤمن خيرٌ من عمله، فقيل كيف هذا؟ فأجاب الإمام(1): أنَّ الكافر نوى أن يستمرّ على كفره إلى يوم القيامة لو كان يعيش إلى ذلك الحين، والمؤمن نوى أن يستمرّ على إيمانه إلى يوم القيامة لو كُتبت له الحياة، والعمل محدودٌ، وأمّا النيّة فزمانها بعيدٌ جداً إلى يوم القيامة، فلهذا تكون نيّة الكافر شرّاً من عمله، ونيّة المؤمن خيراً من عمله، والمستفاد من هذه الروايات أنَّ الإنسان يعاقَب على نيّة السوء.
وقد ذكر شيخنا الأنصاري في وجه الجمع أمرين:
◙ أحدهما: أن نحمل الروايات التي دلّت على أنَّ النيّة لا تُكتب، على النيّة
ــــــــــ[397]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 1: 54، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 6: باب استحباب نية الخير والعزم عليه، الحديث 17: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: “نِيَّةُ المُؤْمِنِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْوِي مِنَ الْخَيْرِ مَا لَا يُدْرِكُهُ وَنِيَّةُ الْكَافِرِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَنْوِي الشَّرَّ وَيَأْمُلُ مِنَ الشَّرِّ مَا لَا يُدْرِكُهُ”.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المجرّدة، وأمّا الروايات التي دلّت على أنَّها تُكتب تُحمل على النيّة المقرونة بالعمل.
◙ ثانيهما: أن تحمل تلك الروايات على ما إذا ارتدع الإنسان بنفسه ولم يأتِ بالحرام، والروايات التي دلّت على أنَّها تُكتب تُحمل على ما إذا لم يتمكّن من عمل الحرام لمانعٍ خارجيٍّ وحائلٍ حال بينه وبين العمل. هكذا ذكر في الرسائل(1).
أمّا الوجه الأوّل؛ فهو جمعٌ تبرّعيٌّ محضٌ، ولا دليل علىه، أي: حمل الطائفة التي دلّت على أنَّها لا تكتب على النيّة المجرّدة والطائفة الأخرى على النيّة مع عمل.
وأمّا الوجه الثاني؛ فيشهد له ما ورد عن رسول الله حيث قال: “إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ”(2). هذه الرواية وردت فيما إذا تقاتلا، وكلّ واحدٍ منهما أراد أن يقتل صاحبه، ولكنّ أحدهما سبق الآخر فقتله. ومورده مورد الاشتغال بالمقدّمات، فهذه الرواية تكون شاهداً على أنَّ الروايات الدالّة على العفو إنَّما هي في موارد النيّة المجرّدة، والروايات الدالّة على
ــــــــــ[398]ــــــــــ
(1) انظر: الأنصاري، فرائد الأصول 1: 13.
(2) الطوسي، تهذيب الأحكام 6: 174، كتاب الجهاد وسيرة الإمام، الباب 79: باب النوادر، الحديث 25، الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 15: 148، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الباب 67: تحريم قتال المسلمين على غير سنّةٍ، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
عدم العفو تدلّ على الاشتغال بالمقدّمة.
بعبارة أخرى: إنَّ هذه الرواية دالّةٌ على استحقاق العقوبة مع عدم الارتداع بنفسه، وحينئذٍ تقيّد روايات العفو، فتخصّص موردها بما إذا ارتدع بنفسه. إذن، تكون تلك الروايات الدالّة على استحقاق العقاب على الإطلاق مخصّصةً بما إذا لم يرتدع بنفسه، بناءً على ما هو الصحيح من انقلاب النسبة في مرحلة التعارض.
وهذا المدّعى منه وإن لم يبيّنه بهذا التفصيل، إلَّا أنَّ هذا الحمل لا محصّل له أيضاً؛ لأنَّ شاهد الحمل رواية نبويّة ضعيفة غير قابلة لأنْ تكون شاهداً للجمع.
إذن، فالروايات متعارضةٌ، بين ما دلّ على عدم العقاب حتّى يحصل الفعل في الخارج، وبين ما دلّ على استحقاق العقاب، وأنَّ الكافر يعاقَب إلى الأبد؛ لأنَّه كان من نيّته المعصيّة الأبديّة غير المحدودة بزمان.
ولكن بعد أن راجعنا الروايات لم نجد روايةً صحيحةً وموثّقةً تدلّ على استحقاق العقاب بالنيّة، وأمّا ما دلّ على العفو فهي عدّة رواياتٍ فيها الصحيح والحسن والموثّق، فتُقدَّم لا محالة، ولا ينتهي الأمر إلى التعارض بينها وبين روايات العقاب. وحينئذٍ، فلا يمكننا إثبات الحرمة الشرعيّة بهذه الروايات، وإنَّما المتبّع هو ما دلّ على العفو، وأنَّ الله تعالى غفورٌ رحيمٌ لا يعاقِب على النيّة المجرّدة، وإنَّما يعاقب على العمل الخارجي فيكتب له سيّئةً واحدةً. هذا بحسب الروايات.
ــــــــــ[399]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وأمّا بحسب الحكم العقليّ -أي: إثبات الحرمة من غير جهة الروايات- فهو يبتني على القول بحرمة التجرّي؛ فإنَّ هذا ممّا لا إشكال في أنَّه تجرٍّ على المولى وطغيانٌ في مرحلة العبوديّة؛ فإنَّ الذي يمضي في معصية مولاه قاصداً بالمقدّمة أن يتوصّل إلى تلك المعصية، لا إشكال في أنَّه باغٍ وطاغٍ على المولى وظالمٌ له في مرحلة العبوديّة. فإن قلنا: إنَّ التجرّي حرام كان هذا مصداقاً من مصاديقه، أي: إنَّ التجرّي لا يختصّ فيما إذا أتى بما يعتقد أنَّه حرامٌ ثُمَّ ينكشف أنَّه ليس بحرامٍ، أو يتركه بما أنَّه واجبٌ ثُمَّ ينكشف أنَّه ليس بواجبٍ، فهذا من مصاديق التجرّي، بل كلّ من كان بصدد الطغيان على المولى وأبرزه بمبرزٍ في الخارج كان متعدّياً.
فكما حكمنا بأنَّ كلّ مَن أتى بمقدّمةٍ لواجب بقصد الإتيان منقادٌ في مقام العبوديّة وجارٍ على طبقها، فهو مستحقٌّ للثواب من هذه الجهة، كذلك مَن أتى بمقدّمة الحرام بقصد التوصّل إليه، فهو قاصدٌ الطغيان على المولى، ولا إشكال في أنَّ هذا ظلمٌ وخروجٌ عن زيّ العبوديّة، فلو بنينا على أنَّ التجرّي حرامٌ شرعاً، كان هذا أيضاً حراماً، إلَّا أنَّه لا دليل على حرمة التجرّي، فلا حرمة من هذه الجهة.
نعم، لا بأس بالالتزام باستحقاق العقاب من جهةٍ أُخرى، كما التزمنا في غير هذا القسم من التجرّي باستحقاق العقاب، كمَن قتل شخصاً باعتقاد أنَّه مولى ثُمَّ انكشف عدمه، فمثل هذا لا إشكال في أنَّه مستحقٌّ للعقاب. فمثل هذا جارٍ في المقدّمة أيضاً.
ــــــــــ[400]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أمّا الصورة الثانية (من القسم الثاني): -وهي ما إذا لم يقصد الآتي بالمقدّمة التوصّل بها إلى المحرّم- فلا إشكال في عدم الحرمة للمقدّمة؛ لعدم ملاك الحرمة على القول بوجوب مقدّمة الواجب؛ إذ المفروض أنَّ الحرام لا يتوقّف على المقدّمة خارجاً، ولو فرضنا أنَّه أتى بالحرام بعد ذلك فقد أتى به بسوء اختياره من دون توقّفٍ على المقدّمة خارجاً. فتحريم المقدّمة بلا موجبٍ ولا مقتضٍ.
والحاصل: أنَّ المقدّمة وإن كان لا يختلف حكمها في القصد وعدم القصد إلى ذيها، فهي لا تتّصف بالحرمة الشرعيّة، ولا ينقلب حكمها عمّا كانت عليه من الجواز -مثلاً- إلَّا أنَّه من جهة حكم العقل باستحقاق العقاب للخارج على زيّ العبودية، هذا لا يبعد الالتزام به.
وأمّا الروايات الدالّة على العفو؛ فالظاهر منها النيّة المجرّدة التي لم يبرزها المكلّف ولم يأتِ بعملٍ في الخارج على طبقها، وأنَّ الله تعالى رؤوفٌ رحيمٌ، لا يعاقب على سوء السريرة والنيّة المحضة. أمّا لو كان طاغياً وباغياً فلا يبعد ألّا تكون شاملةً له، ولو فرضنا أنَّها شاملةٌ، فهذا عفوٌ من قبل الله سبحانه، إلَّا أنَّ استحقاق العقاب ثابتٌ بحكم العقل.
هذا تمام الكلام في مقدّمة الحرام.
ــــــــــ[401]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
وممّا تقدّم يظهر الحال في مقدّمة المكروه، وأنَّه لا وجه للالتزام بكراهتها بنفسها، سواءٌ كانت علّةً تامّةً أم غير تامّةٍ، إذا لم نقل بالملازمة.
نعم، لو التزمنا بالملازمة نلتزم بالكراهة الغيريّة في خصوص العلّة التامّة، وأمّا في غيرها فلا موجب للكراهة أصلاً.
ــــــــــ[403]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم وبه ثقتي
أمّا بعد حمد الله والصلاة والسلام على خير خلقه وسيّد أنبيائه ورسله وعلى آله الطيّبين الطاهرين، فقد انتهيتُ بحسن تأييد الله عزّ وجلّ وتوفيقه من هذا القسم من محاضرات أستاذنا الأكبر آية الله العظمى السيد الخوئي. وذلك بضبطه كتابةً في أثناء إلقاء المحاضرة، ومن ثمَّ استنساخه في هذا الدفتر، فجاء بحمد الله العليّ العظيم وافياً كافياً ومطابقاً للواقع إلى أكبر حدٍّ ممكنٍ، والله المستعان.
انتهى هذا الدفتر بتاريخ آخر محاضرة فيه، وقد كُتب بيد مالكه المحتاج إلى رحمة ربّه الكريم محمّد بن محمّد صادق الصدر.
النجف الأشرف – الجمهورية العراقية
ــــــــــ[405]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ــــــــــ[407]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ــــــــــ[408]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الطبع: قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1418 ه ق.
ــــــــــ[409]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
علي خراساني، سيد جواد شهرستاني، مهدي طه نجف، مجتبى عراقي، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، مكان الطبع: قم- ايران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1407 ه ق.
ــــــــــ[410]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ــــــــــ[411]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ــــــــــ[412]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ــــــــــ[413]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الجعفرية، مكان الطبع: طهران- إيران، الطبعة: الثالثة، سنة الطبع: 1387 ه ق.
ــــــــــ[414]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
له: العلم الحجّة السيّد مرتضى العسكري – إخراج ومقابلة وتصحيح السيد هاشم الرّسولي، الناشر: دار الكتب الإسلامية، المطبعة: مروي، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1404 – 1363 ش.
ــــــــــــ[415]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الثانية، سنة الطبع: 1425هـ.
ــــــــــ[416]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أكبر الغفاري، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، الطبعة: الثانية.
ــــــــــ[417]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
تحقيق وتصحيح وتعليق: الشيخ مهدي أحدي أمير كلائي، الناشر: انتشارات سيّد الشهداء، قم – إيران، المطبعة: أمير – قم، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1374 ش.
ــــــــــ[418]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الكلام في: مقدمة الواجب [بحوث تمهيدية] 11
الأمر الأوّل: الوجوب المبحوث عنه في المقام يحتمل فيه أُمورٌ 11
الأمر الثاني: الظاهر أنَّ البحث في مقدمة الواجب من المباحث الأصولية 14
دفع وهم: ليست المسألة كلاميّة 15
دفع كونها من المسائل الفقهيّة 15
رأي المحقّق النائينيّ 16
مناقشة ما أفاده المحقّق النائينيّ 17
المختار: أصوليّة المسألة 18
استدراك: ترتّب ثمرة فقهية على البحث 18
ليس البحث من المستقلّات العقليّة 19
الأمر الثالث: في تقسيمات المقدّمة 20
التقسيم الأوّل: المقدّمة الداخليّة والخارجيّة 20
إجمال الكلام في المقدّمة الداخليّة والخارجية 20
تفصيل الكلام في المقدّمة الداخليّة والخارجيّة 23
ــــــــــ[419]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
◙ النحو الأوّل: المقدّمة الداخليّة بالمعنى الأخصّ 23
الجهة الأولى: في صحّة إطلاق المقدّمة على الجزء 24
تصحيح إطلاق المقدّمة على الجزء 24
الجهة الثانية: في أنَّه لا مقتضي لوجوب الجزء وجوباً مقدّميّاً 25
الجهة الثالثة: هل هناك مانع من الوجوب الغيري 26
القول بامتناع الاندكاك لاختلاف المرتبة 30
مناقشة القول بامتناع الاندكاك 30
◙ النحو الثاني: المقدّمة الخارجيّة بالمعنى الأخصّ 31
◙ النحو الثالث: المقدّمة الداخليّة والخارجيّة بالمعنى الأعمّ 31
كلام المحقّق النائينيّ 32
مناقشة كلام المحقّق النائيني (المختار) 33
التقسيم الثاني: المقدّمة الوجوديّة والعلميّة ومقدّمة الوجوب والصحّة 34
المقدّمة الوجوبيّة 34
المقدّمة العلميّة 36
مقدّمة الوجود ومقدّمة الصحّة 37
التقسيم الثالث: المقدّمة العقليّة والشرعيّة والعاديّة 38
ــــــــــ[420]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
التقسيم الرابع: المقدّمة السابقة والمقارنة والمتأخّرة 41
تحرير محلّ الكلام 41
الشرط المتأخّر 45
تعميم صاحب الكفاية للإشكال من المتأخر للمتقدّم ونقده 47
جوابه 48
تأخّر الشرط المأمور به 50
مناقشة النائينيّ 50
تحقيق معنى الشرط في المقام 52
الشرط المتأخّر إثباتاً 53
شرائط الأحكام التكليفية والوضعية 55
مناقشة النائينيّ لصاحب الكفاية 57
تعليق على مناقشة الأستاذ 62
لابدِّية الالتزام بالشرط المتأخّر 63
تفصيله 70
وقوع الشرط المتأخر في العرفيات 73
الواجبات التدريجيّة 77
ــــــــــ[421]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
في وقوع الشرط المتأخر في الشرعيات وقيام الدليل عليه 80
استطراد: الصحيح في عقد الفضوليّ 83
نتيجة بحث الشرط المتأخر 84
تقسيمات الواجب 87
أولاً: الواجب المطلق والواجب المشروط 87
الإطلاق والاشتراط نسبيّان إضافيّان 88
القول باستحالة تقييد الوجوب 89
ما أفاده الشيخ الأعظم في المكاسب والتقريرات 90
المقام الأول: القول باستحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة ونقضه 92
أدلّة ومناشئ القول بالاستحالة 92
جواب صاحب الكفاية ومناقشته 100
الجواب عن الوجه الثالث 102
تلخيص 104
صياغة أخرى للجواب عن الوجه الثالث 104
مناقشة ما ذكره الشيخ الأعظم في التقريرات 106
المقام الثاني: في لزوم رجوع القيد إلى المادّة ومناقشته 109
حقيقة الفرق بين المقام الأوّل والثاني 111
الرد على ما نُسب إلى الشيخ الأنصاري 112
ــــــــــ[422]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
خلاصة ما تقدّم 123
اختلاف الوجوه بحسب النتيجة 125
تردّد الأمر في القيد بين رجوعه للمادّة أو الهيئة 127
أوّلاً: فيما تقتضيه الأصول اللفظيّة لرجوع القيد عند التردّد 129
◙ الأمّر الأول 129
أدلّة الشيخ الأعظم لتقديم الإطلاق الشموليّ على البدليّ ونقدها 132
نقد الآخوند لرأي الشيخ 132
مختار الميرزا النائيني 133
الجهة الأُولى: وجوه تقديم الإطلاق الشموليّ على البدليّ ومناقشتها 133
الحاصل: عدم تقديم الشمولي على البدلي دائماً 143
الجهة الثانية: هل المقام من صغريات هذه الكبرى 144
الحالة الأولى: فيما إذا كان القيد متّصلاً 146
الحالة الثانية: فيما إذا كان القيد منفصلاً 146
◙ الأمر الثاني 148
مقتضى الأصول العمليّة 150
رأي صاحب الكفاية والشيخ الأستاذ 151
ــــــــــ[423]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المختار في المسألة: سقوط الإطلاقين معاً مطلقاً 152
ثانياً: فيما تقتضيه الأصول العمليّة لرجوع القيد عند التردّد 154
دخول المقدّمة الوجوديّة في محلّ البحث 155
إطلاق الواجب على الواجب المشروط حقيقة أم مجاز 159
في أنَّ وجوب التعلّم طريقيّ 163
ثانياً: الواجب المعلّق والمنجّز 169
الجهة الأولى: في صحة التقسيم وعدمه 170
لماذا التزم صاحب الفصول بالواجب المعلق 172
الجهة الثانية: في إمكان الواجب المعلّق واستحالته 174
الوجوه التي استدل بها على استحالة الواجب المعلق 175
ما أفاده صاحب الكفاية في المقام ونقده 176
حقيقة الإرادة التشريعيّة والمختار في المقام 179
مناقشة قول الآخوند بوجوب تأخّر الفعل عن الأمر 184
في وقوع الواجب المعلّق وعدم وقوعه 186
خلاصة القول في المسألة 187
ثمرة الالتزام بالواجب المعلّق 188
تذنيبٌ: المقدّمات المفوّتة 189
ثمرة القول باستحالة الواجب المعلّق أو عدم وقوعه 191
ــــــــــ[424]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
المقام الأوّل: في غير التعلّم من المقدّمات (المقدّمات المفوّتة) 193
تفصيل الميرزا النائيني بين الحفاظ على السبب والحفاظ على المسبّب والردّ عليه 201
المقام الثاني: في وجوب التعلّم من المقدّمات 206
في وجوب التعلّم على الصبيّ 211
في وجوب تعلّم أحكام الغير 214
دعوى عدم لزوم التعلّم لمجرّد احتمال الابتلاء 214
إشكال على جريان الاستصحاب 215
الجواب عن الإشكال 216
إشكال آخر على جريان الاستصحاب 217
الجواب عن الإشكال 218
إشكال ثالث على جريان الاستصحاب 220
في فسق تارك التعلّم 221
فيما أفاده الميرزا النائيني في المقام 221
الرأي المختار في المسألة (ثبوت الفسق) 223
الحاصل 226
ثالثاً: الواجب النفسيّ والواجب الغيريّ 227
ــــــــــ[425]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
تعريفهما 227
فيما أفاده صاحب الكفاية في المقام ونقده 228
فيما أفاده الميرزا النائيني في المقام ونقده 230
التعريف المختار للواجب النفسي 232
التحقيق في المقام 234
الواجب للغير (المقدّمات المفوّتة) 236
في تردّد الواجب بين النفسيّ والغيريّ 239
المقام الأوّل: في مقتضى الأصل اللفظي عند الشكّ في كون الواجب نفسيّاً أو غيريّاً 239
المقام الثاني: في مقتضى الأصل العملي عند الشكّ في كو ن الواجب نفسيّاً أو غيريّاً 241
الصورة الأولى 241
الصورة الثانية 242
الصورة الثالثة 248
الصورة الرابعة 251
الوجه الأول 251
الحالة الأولى 252
الحالة الثانية 252
الوجه الثاني 254
ــــــــــ[426]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
الآثار المترتبة على الوجوب النفسيّ والغيريّ من جهة الثواب والعقاب 255
وجه استحقاق العقاب في الواجب النفسيّ والواجب الغيريّ 255
وجه استحقاق الثواب في الواجب النفسيّ والواجب الغيريّ 256
أوّلاً: في الواجب النفسي 256
معنيان للاستحقاق 257
ثانياً: في الواجب الغيريّ 258
الثواب المترتّب على الواجب الغيريّ 259
رأي صاحب الكفاية والنائينيّ في المقام ونقده 260
منشأ عباديّة الطهارات الثلاث والإشكال عليه 262
جواب صاحب الكفاية في المقام وإشكال النائينيّ عليه 263
مختار النائينيّ في المقام ونقده 269
التحقيق في المقام والمختار فيه 271
الفرق بين الطهارات الثلاث وسائر المقدّمات 272
صور الإتيان بالطهارات الثلاث 273
المقدّمة الموصلة 277
رابعاً: الواجب الأصلي والتبعي 279
الكلام في وجوب مقدّمة الواجب 281
ــــــــــ[427]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
نقد ما أفاده صاحب المعالم 283
نقد ما أفاده الشيخ الأعظم 285
فيما أورده صاحب الكفاية على الشيخ الأعظم 285
انتصار المحقّق الأصفهانيّ للشيخ 288
مناقشة ما أفاده المحقّق الأصفهانيّ ونقده 292
احتمالات في كلام الشيخ الأنصاري 295
الاحتمال الأوّل: أنَّ قصد التوصّل معتبرٌ في حصول الامتثال 295
الاحتمال الثاني: أنَّ قصد التوصّل معتبرٌ في مقام مزاحمة مع أمرٍ تحريميٍّ آخر 296
التحقيق: رفع اليد عن حرمة المقدّمة الموصلة خاصّة 296
ثمرتان لاعتبار قصد التوصّل 303
استبعاد المحقّق النائيني نسبة الثمرة إلى الشيخ 304
ما أفاده صاحب الفصول ونقده 310
مناقشة النائينيّ لما أفاده صاحب الفصول ونقده 311
مناقشة ما أفاده النائينيّ 312
بيان حقيقة مراد صاحب الفصول 313
إشكال آخر على اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة 316
الجواب عن الإشكال 317
مناقشة صاحب الكفاية لما أفاده صاحب الفصول ونقده 318
ــــــــــ[428]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
◙ الإشكال الأوّل 318
الجواب عن الإشكال الأوّل 318
◙ الإشكال الثاني 320
الجواب عن الإشكال الثاني 321
أدلّة صاحب الفصول على اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة 323
◙ الوجه الأوّل: دعوى الوجدان 323
إيراد صاحب الكفاية 323
◙ الوجه الثاني 324
جواب صاحب الكفاية 325
الردّ على ما أفاده صاحب الكفاية 325
◙ الوجه الثالث 326
جواب صاحب الكفاية 327
الردّ على صاحب الكفاية 327
الردّ على صاحب الكفاية والانتصار لصاحب الفصول 328
دليل صاحب العروة على اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة 329
مناقشة صاحب الكفاية لما أفاده صاحب العروة 330
◙ الجواب الأول 330
◙ الجواب الثاني 332
الردّ على الجواب الثاني 333
ــــــــــ[429]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
ما أفاده الميرزا النائينيّ في المقام 334
نقد ما أفاده النائينيّ والإيراد عليه بوجوه 339
ثمرات بحث وجوب المقدّمة 346
الثمرة الأولى 346
الثمرة الثانية: صحّة العبادة وفسادها 351
إنكار الشيخ الأنصاري للثمرة 353
الردّ على الشيخ 354
الثمرة الثالثة: إمكان التقرّب بكلّ مقدّمة 356
الثمرة الرابعة: فيما لو نذر 358
الثمرة الخامسة 359
الثمرة السادسة 361
الثمرة السابعة 363
فيما أورده صاحب الكفاية على هذه الثمرة 364
◙ الوجه الأوّل 364
مناقشة الوجه الأوّل 366
◙ الوجه الثاني 367
مناقشة الوجه الثاني 367
◙ الوجه الثالث 368
فيما يقتضيه الأصل العملي في هذه المسألة 371
ــــــــــ[430]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3
أدلّة القائلين بوجوب المقدّمة 376
الوجه الأوّل: ما نُسب إلى أبي الحسن الأشعريّ 376
مناقشة ما أفاده أبو الحسن الأشعريّ 377
الوجه الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية 380
مناقشة ما أفاده صاحب الكفاية 381
الوجه الثالث: ما اعتمده أكثر القائلين بالملازمة 383
مناقشة ما أفاده أكثر القائلين بالملازمة 384
المختار في عدم وجوب المقدّمة 387
الكلام في مقدّمة المستحب 391
الكلام في مقدّمة الحرام 393
الكلام في مقدّمة المكروه 403
فهرس المصادر 407
فهرس المحتويات 419
ــــــــــ[431]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج3